الورقة الأخيرة
في تقويم الصحوة
د / صلاح الصاوي
للصحوة الإسلامية المعاصرة إيجابياتها العديدة نذكر منها المحافظة على شمول
الإسلام وتكامل فهمه في حس أجيالنا المعاصرة، فقد أبقت في ذاكرة الأمة قضايا
أساسية في دين الله كان يمكن أن تكون أثراً بعد عين، كقضية تحكيم الشريعة.
ومنها الانتقال بمنهج التعامل مع القرآن الكريم من مجرد التعبد بسماعه وتلاوته
والاستمتاع الفني بدراسته إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من الاتباع لأمره ونهيه
والتقيد بتحليله وتحريمه كما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قولها: كنا نقرأ الآية من القرآن فنحل حلالها ونحرم حرامها ونتأدب بآدابها لا نتجاوز
إلى الآية التي بعدها حتى نفعل بها ذلك فتعلمنا العلم والعمل جميعاً، ولقد كاد
خصوم الإسلام في هذا العصر أن يحيلوا الكتاب الكريم إلى أثر تاريخي مقدس يتلى
على سبيل البركة ولا علاقة له بالحياة ولا بالأحياء فجاءت هذه الصحوة المباركة
لترد الأمة إلى كتابها باعتباره المصدر الأعلى للوحي المعصوم الذي أنزله الله
ليكون الحجة القاطعة والحكم الأعلى بين العباد.
ومنها: تجديد الدين بإحياء كثير من السنن وإماتة كثير من البدع، وإزالة
الغربة عن كثير مما هجر الناس من شعائر الإسلام وشرائعه من كان يظن أن
حجاب المرأة المسلمة سيبعث مرة أخرى في جامعاتنا المعاصرة التي دار معظمها
في فلك التغريب بعد أن حرص خصوم الإسلام على إماتته والتشنيع عليه أكثر من
نصف قرن؟ ؟ ! إنه القدر الأعلى الذي لا يقف في وجهه أحد!
وللصحوة الإسلامية سلبياتها المتعددة كذلك، نذكر منها: تفرق كلمتها وفساد
ذات بين أفرادها في بعض الأحيان.. وهو أمر جد خطير لأن مآله في منطق السنن
الكونية إلى الفشل وذهاب الريح، قال تعالى: [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ] ومنها: عدم ترتيب الأولويات في بعض الأحيان، فقد تهمش أموراً
أساسية وقد تغلوا في أمور جانبية، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، ومنها غياب
فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد أو ضعفه وهو عمدة الفقه وأساس التعامل في
واقع الفتن وغربة الدين..
إن العمل الإسلامي المعاصر يعيش في واقع لا تكاد تتمحض فيه المصالح
والمفاسد، إنما تتلاقى وتتزاحم في مناط واحد وعند حدوث هذا التلازم يقع الاشتباه
ويحدث الالتباس، ولا مناص في مثل هذه الحالة من الاجتهاد لتحقيق خير الخيرين
ودفع شر الشرين، لأن مبنى الشريعة كما قال أهل العلم تحصيل المصالح وتكميلها
وتعطيل المفاسد وتقليلها.. إن هذه الموازنة وهذا النوع من الفقه هو عمدة التعامل
في هذه المرحلة، ومن لم يستوعب أبعاده أعياه الأمر وعطل كثيراً من المصالح
الشرعية، وربما يفضي ببعض الناس إلى التحلل وخلع الربقة بالكلية، إن ذلك في
الحقيقة يمثل معقد التفرقة بين التطرف والاعتدال أو بين القصد والغلو.
стр. 1542
ربيع الآخر - ١٤١٤هـ
أكتوبر - ١٩٩٣م
(السنة: ٨)
стр. 1543
كلمة صغيرة
لا يخلو الجهد الإنساني من قصور؛ وبالتالي من سلبيات والصحوة الإسلامية، ...
بوصفها جهداً إنسانياً يستهدي بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ وبمنهج
سلفنا الصالح، لم يكن من المتصور أن تخلو من بعض السلبيات، إلا أن كثرة ...
الحديث عن نقد الصحوة والإلحاح عليه قد أنسى بعضاً منا «إيجابيات» هذه الصحوة، وعطاءاتها المتميزة وآثارها الكبرى في حياة الأمة، هذه الإيجابية وتلكم الآثار،
التي حاولت «البيان» إبراز بعض جوانبها في هذا العدد.
المحرر
стр. 1544
الافتتاحية
الإيجابية والسلبّية
التحرير
العناية والاهتمام بأخبار المسلمين وأحوالهم، والكلام عن المآسي والآلام في
ديار الإسلام، مما يقتضيه واجب الموالاة والنصرة، حيث نحزن لحزن إخواننا،
ونفرح لفرحهم فالمسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن اشتكى
رأسه اشتكى كلّه « [١] .
وهذا الإحساس والاهتمام يجب أن يدفعنا إلى برامج عملية جادّة لمعالجة هذه
الآلام أو تخفيفها، وهذا الواجب لا يخص فئة دون أخرى، بل يشمل جميع
القادرين من المسلمين ذكوراً وإناثاً، علماء وعامة، تجارا وأطباء مهندسين
وغيرهم، فعليك أخي المسلم المشاركة بما تستطيع لخدمة دينك وأمتك، وقول ما
تستطيع فلا يكفي منك مجرد مشاركة يسيرة بوسيلة قد يستطيعها الكثيرون ممن هم
أقل منك قدرة وإمكانات، بل نريد المشاركة الجادة بكل ما تستطيع من وسائل، بل
وابتكار وسائل وأساليب جديدة، فالثغرات كثيرة، والأعداء كثيرة والمسؤولية
جسيمة، فلا مجال للتهرب من المسؤولية، وإلقائها على الغير، أو التعلل بالعلل
الواهية، التي إن أعفتك أمام الناس، فلن تعفيك من المسؤولية أمام الله ،
وهنا لابد لنا من التحذير من بعض السلبيات الواقعة لدى بعض العاملين في الحقل
الدعوي:
١- التحذير من النقد السلبي، ومن مظاهره: كثرة النقد بمناسبة وبدون
مناسبة، وتضخيم السلبيات والأخطاء، والتقليل من الإيجابيات أو تجاهلها،
والإغراق في المثالية، مما يصيب بعض طلبة العلم باليأس والإحباط، ومن ثم عدم
تقديم أي شيء للدعوة، لأنه لا جدوى من ذلك - حسب ظنهم - ونحن هنا لا نقلل
من أهمية النقد والتقويم، ومراجعة الأخطاء، فالصحوة في أمس الحاجة له، وإنما
نريد أن يكون ذلك باعتدال وتوازن مع طرح بدائل عملية أفضل.
٢- توهم البعض أن الإصلاح، ونصرة الدين لا تكون إلاَّ بهذه الوسيلة أو
تلك، ومن ثمّ التحقير والتصغير من شأن الوسائل الأخرى، مثل أن يظن أن نصرة
الدين لن تكون إلا بوسائل علنية، ولا يجدي غير ذلك، أو يظن أن ذلك لا يكون
إلا بوسائل سرية، ومن ثم يهون من تأثير الوسائل العلنية، وقد يتجاهل جهود
الآخرين وإنجازاتهم، وقد يتجاوز مرحلة التجاهل فيشكَّك في أعمال الآخرين، أو
يطعن في نياتهم رغم اتفاقهم معه في المنهج والهدف، مما يؤدي إلى تشتت الجهود، وتفرق الكلمة والفشل، قال تعالى: [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ]
فهل من وقفة جادة لتنسيق الجهود وتكاملها؟ هذا ما نرجوه، ونسأل الله عز
وجل إخلاص النية والقصد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1545
في إشراقة آية
[وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ]
د.عبد الكريم بكار
أنزل الله - جلَّ وعلا - في المنافقين سورة سُميت باسمهم، تفضح بعض
مواقفهم، وتُخبر عن بعض صفاتهم، وكان من جملة ما نَعَتَهُمْ الله تعالى به قوله:
[وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ
كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] [١] .
فقد وصفهم الله - تعالى - بأن الناظر إليهم يُعجبُ بجمال أجسامهم، ومن
يسمعهم يُؤخذ بفصاحة ألسنتهم، لكنهم كالهياكل الفارغة، أشباح بلا أرواح،
وأجسام بلا أحلام ...
وهذه الصفات تتناسب مع حالة النفاق، إذ إن ظاهر المنافق دائماً خير من
باطنه، فظاهره الإيمان، وباطنه الكفر، وهو ذلق اللسان، لكنه يقول غير ما يعتقد؛ فهو كذاب، وهو جميل الصورة، لكنه عاطل من الصفات النبيلة كالإيمان
والمروءة والرجولة، وكل ما يزين الباطن.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان عبد الله ابن
أُبي (رأسُ النفاق) وسيماً جسيما صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي -
ﷺ مقالته» [٢] .
ولمّا كان للظاهر سلطانه القوي في التأثير، وانتزاع الإعجاب علَّم النبي -
ﷺ أصحابه ضرورة تجاوزه إلى المعاني الباطنية؛ لأنها هي
الفيصل الحقيقي في تقييم الرجال؛ وقد ورد في الحديث الصحيح: أن مرَّ رجلاًَ
على النبي ﷺ فقال: ما تقولون في هذا؟ «قالوا: حري إن
خطب أن ينكح، وإن شفع يُشفع، وإن قال أن يُستمع إليه» قالوا: «حريٌّ إن
خطب ألا يُنكح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُستمع إليه» ثم مر رجل آخر،
فقال: «ما تقولون في هذا» . فقال رسول الله ﷺ : «هذا
خير من ملء الأرض مثل هذا [٣] ففضَّل النبي ﷺ الفقير على الغني
، وذلك لا يلزم منه تفضيل كل فقير على كل غني، إنما أراد أن يعلمهم أن التفاضل
لا يقوم أبداً إلا على المعاني الباطنية، وما يتبعها من أعمال.
وتطرح هذه الآية الكريمة مسألة خطيرة في حياة الإنسانية بعامة وحياة
المسلمين بخاصة، هي قضية العلاقة بين الشكل والمضمون، أو الجوهر
والمظهر [٤] .
ونعني بالجوهر ابتداءً: مجموع الخصائص الخُلُقِيَّة والنفسية. والصور
الذهنية، والخبرات والموازنات العميقة للفرد.
أما المظهر: فإنه مجموع ما يحمله الفرد من الصفات الجسمية، وما يمتلكه
من الأشياء، وما يتحمله من وظائف، مما لا يعد على صلة مباشرة بكينونته الذاتية.
في البداية ليس الجوهر والمظهر شيئين منفصلين انفصالاً تاماً، بل بينهما
علاقة تأثر وتأثير وأخذ وعطاء، وقد ورد ما يدل على هذا فقد كان النبي -صلى
الله عليه وسلم- كان يمسح مناكب أصحابه في الصلاة، ويقول:» استووا، ولا
تختلفوا فتختلف قلوبكم « [٥] . والمرء حين ينشرح صدره يظهر ذلك على مُحيّاه،
ومن ثم قيل:» من كثرت صلاته بالليل ضاء وجهه في النهار «.
وإذا كان بين الظاهر والباطن مثل هذا التجاذب والتلازم فإن من البدهي ألا
يزهِّد الإسلام الناس في الشكل؛ فالصلاة موقف روحي بحت، ومع ذلك حرص
النبي ﷺ على انتظام الصفوف فيها، والأمر قريب من ذلك في
صفوف القتال.
وحث الإسلام على النظافة، كما امتنَّ الله - تعالى - علينا بما نشعر به من
التأنق عند غدوِّ الأنعام ورواحها، كما قال سبحانه: [ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ
تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ] [٦] ، وتلك مسألة شكلية. والأمثلة على هذا أكثر من
أن تُحصى.
إذن ما هي المشكلة؟
تكمن المشكلة في اختلال التوازن بين الجوهر والمظهر، أو بين المضمون
والشكل؛ فالبشر متفقون على أن اللباب هو الأصل، وأنه ينبغي أن يُعطي من
الاهتمام والعناية والبلورة القسط الأكبر لأن كل الإنجازات الحقيقية التي تتم على
السطح نابعة أساساً من إنجازات تمت على مستوى الكينونة والجوهر. وهذا
يتناسب مع حقيقة تسخير الكون الذي حبا الله - تعالى - به الإنسان؛ كيما يظل
حراً طليقاً يحكم ويأمر دون أن يُكَبَّل! بشيء من صنع يديه!
وللمجتمع وما يقره من أعراف سلطانٌ كبير على الناس، ولما كان الحكم
الاجتماعي منصباً على الشكل كان الانحدار نحو الاهتمام بالشكل هو الأمر الطبيعي
المتبادر إليه، أما العناية بالجوهر فيمكن أن تنمو عن طريق التربية الخاصة في
الأسرة أو المدرسة، لكن ذلك سيظل ضعيف التأثير ما لم يكن المجتمع كله خاضعاً
لمبادئ عليا خارجة عن إنتاجه، ولن يكون مصدر تلك المبادئ حينئذ الأرض،
وإنما السماء! لكن حين يكون الدين عبارة عن بعض الرؤى الغيبية، أو الدغدغات
العاطفية - كما هو الشأن عند بعض الملل - فإنه لا يضع شيئاً في مواجهة التيارات
الاجتماعية العاتية؛ لأنه لا يعدو آنذاك أن يكون عنصراً رخواً من عناصر الثقافة!
وإن الذين الذي يوجِّه ويقاوم هو الذي نُمحِّص حياتنا من أجله!
وحينما يضعف الوازع الديني لدى المسلم فإن الميزان يميل مباشرة لصالح
المظهر. وبما أننا نعيش في عصر نتأثر فيه أكثر مما نؤثر فقد أضيف إلى ضعف
الوازع الديني عند أكثر الناس الوقوع تحت تأثير الفلسفة الغربية في جوانب الحياة
المختلفة، تلك الفلسفة التي شكَّلت من الإنتاج غير المحدود والحرية غير المحدودة
والسعادة غير المتناهية ديناً جديداً اسمه التقدم! واقتضى ذلك توجهاً كلياً نحو
الطبيعة لاستثمار كل شيء فيها! ثم استهلاكه بصورة جشعة لم يسبق لها مثيل
ناسين أن موارد الطبيعة محدودة، وأن الطبيعة. سوف ترد على ذلك، بل إنها
بدأت بالرد فعلاً!
وعلى صعيد الرمز فقد كان البطل المسيحي يستوحي شخصية الشهيد، وهو
عيسى ﵇ حيث وهب حياته من أجل غيره - حين صلب كما
يزعمون -، ثم انقلبت الأمور رأساً على عقب، حيث صار العالم الغربي يستوحي
شخصية البطل الوثني، كما يتجسد في أبطال الإغريق والرومان، ذلك البطل الذي
يغزو، وينتصر، ويدمر، ويسرق، وينهب. وشتان ما بين شخصية الشهيد الذي
يهب حياته من أجل غيره، وبين المقاتل الذي غايته السيطرة على الآخرين
وتضخيم الحياة الشخصية! ! ١٢
وكانت النتيجة ولادة مجتمعات تعاني من الوحدة، والقلق، والاكتئاب،
والنزوع التدميري، والخوف من المستقبل، والأنانية الشخصية، والتفكك الأسري ...
تأثرنا - نحن المسلمين - بهذا كله من حيث ندري، ولا ندري، وتوجهت
قوانا الفاعلة نحو الخارج، وأهملنا الجوهر، وكانت حالتنا في بعض النواحي أسوأ
ممن تأثرنا بهم؛ لأن القوم صاروا إلى الشكل بعد أن حققوا ذواتهم بطريقة فعَّالة
وإن كان انحرافها يحمل في النهاية بذرة موتها؛ أما نحن فقد غادرنا الجوهر لغمر
أنفسنا بالشكليات!
والناظر في سيرة النبي ﷺ والحياة العامة لصحابته -
رضوان الله عليهم - يجد أن السيطرة كانت للكينونة الداخلية، وليس لما يمتلكه
الناس من أشياء؛ لأن المحور الأساسي للحياة الاجتماعية كان الإنسان، وليس
الأشياء؛ أما الآن فقد صارت (الملكية) هي المحور، ويتجلى ذلك واضحاً في أمور
عديدة منها:
١ - تناقصت الألفاظ المستعملة في الدلالة على الجوهر، في حين زاد تداول
الألفاظ الدالة على الأشياء، فحديث المجالس لم يعد يتمحور حول البطولات،
والإنجازات، والمواقف الكريمة، والصفات الحميدة، وإنما حول العقارات،
والسيارات، وأسعار السلع، وأثاث البيوت، والأرصدة المالية ...
٢ - الرغبة في مزيد من الإنتاج لتحقيق مزيد من الاستهلاك جعل اعتماد
الناس على الآلة يتزايد يوماً بعد يوم، وصار الإنسان ترساً من تروسها، وصار
دوره مكملاً لدورها؛ ومن طبيعة هذا الشأن أن يزيد اهتمامنا بالمظاهر، ويشغلنا
عن الحقائق.
٣ - كانت قيمة وجود الإنسان مستمدة مما يُحسن ويتقن، وصارت المعادلة
الجديدة: قيمة وجودي مستمدة من مقدار ما أملك، ومقدار ما أستهلكُ! وهذا ولَّد
الخوف الدائم من ذهاب الملكية؛ لأن ذهابها ذهاب لمالكها؛ واقتضى ذلك مزيداً من
الشح والأثرة والتقاطع ...
٤ - علاقتنا بالمعرفة تبدلت؛ فقد كان حب العلم واكتساب المعرفة من أجل
الفقه في الدين وتنمية الشخصية ومعرفة الحياة ... وكانت العملية التعليمية عبارة
عن اندماج بين العلم وطالبه، أما الآن فقد صارت علاقة طالب العلم بما يطلب
علاقة تجارية بحتة، فهو يتعلم لينال الشهادة؛ وحفظه للمعلومات ظاهري ينتهي
عند إفراغها على الورق في الامتحان!
٥ - السمات الأساسية للجوهر هي: الاستقلالية، والحرية، وحضور العقل
النقدي، والاستخدام المثمر للطاقة الإنسانية، والنمو، والتدفق، لكن العلاقات
الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية الجديدة جعلت أنشطة الإنسان عبارة عن
انشغال دائم مفصول تماماً عن قواه الروحية، بل يقف ضدها، ويحد من فاعليتها
في كثير من الأحيان؛ مما أدى إلى الاتكالية والسأم والتذمر، وجعل الحياة تفقد
طعمها الحقيقي بشكل عام.
٦ - كانت عواقب الاتجاه إلى الشكل والتغافل عن المضمون كثرَة اللذائذ
وانعدام السعادة! واللذة إشباع الرغبة على نحو لا يتطلب نشاطاً، مثل لذة الحصول
على مزيد من الربح، أو هي: تجربة لحظة من لحظات الذروة يعقبها في الغالب
نوع من الكآبة، ولا سيما حين تكون غير مشروعة، حيث يبدأ التقريع الداخلي.
أما السعادة فهي: شعور مصاحب للنشاط الإنساني؛ وهي أقرب إلى أن تكون
حالة من الوجود المتصل على ربوة رحبة؛ لأنها وهجٌ لكينونة الإنسان، ونشاطه
الداخلي.
ويمكن القول: إن السعادة في مقياسنا الإسلامي تتعاظم كلما ردم المسلم من
الفجوة القائمة بين معتقداته وسلوكياته، حيث يرضى المسلم عن أدائه، ويستشرف
عاقبة المتقين.
كل هذه التحولات باتجاه الشكليات جعلت كثيراً من أمة الإسلام قوة عددية
ليس إلا؛ لأن الذي يفقد الصلة بمكوناته الأساسية لابد أن يصبح شكلياً. فهل تعيد
الصحوة المباركة الأمر إلى نصابه بإعادة التوازن من جديد بين الشكل والمضمون،
والجوهر والمظهر لنستأنف رسالتنا الحضارية؟ ! هذا ما نرجوه. وعلى الله قصد
السبيل.
стр. 1546
أهل السنة
يعرفون الحق ويرحمون الخلق
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله
وصحبه أجمعين.
... أما بعد:
إن من القضايا الملحة التي ينبغي الاعتناء بها علماً وعملاً موضوع الصفات
السلوكية والأخلاقية عند أهل السنة والجماعة. فإن الناظر إلى واقع كثير من دعاة
أهل السنة يرى ما هم عليه من تفرّق وخصومة وتناحر بل ربما تجاوز ذلك إلى حد
التضليل والتفسيق.
ويبدو أن من الأسباب الرئيسية المؤدية إلى هذا الواقع المحزن الغفلة عن
الالتزام بالصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة، فأنت ترى أن أولئك الدعاة على
توجه واحد، ومنهج واحد في الاستدلال، ومع ذلك كله فلا اجتماع ولا وئام، بل
تشرذم وتناحر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لقد اعتنى السلف الصالح بالجانب السلوكي الأخلاقي علماً وفقهاً، كما حققوه
عملاً وهدياً، بل إن أئمة السلف يوردون الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة
في ثنايا كتب العقيدة، وعلى سبيل المثال فهذا قوام السنة إسماعيل بن محمد
الأصبهاني (ت ٥٣٥هـ) يقول:
«ومن مذهب أهل السنة التورّع في المآكل والمشارب والمناكح، والتحرز
من الفواحش والقبائح، والتحريض على التحاب في الله ، واتقاء الجدال
والمنازعة في أصول الدين، ومجانبة أهل الأهواء والضلالة، وهجرهم ومباينتهم،
والقيام بوفاء العهد والأمانة، والخروج من المظالم والتبعات، وغضّ الطرف عن
الريبة والحرمات، ومنع النفس عن الشهوات، وترك شهادة الزور وقذف
المحصنات، وإمساكُ اللسان عن الغيبة والبهتان، والفضول من الكلام، وكظم
الغيظ، والصفح عن زلل الإخوان، والمسابقة إلى فعل الخيرات، والإمساك عن
الشبهات، وصلة الأرحام، ومواساة الضعفاء، والنصيحة في الله، والشفقة على
خلق الله، والتهجد لقيام الليل لا سيما لحملة القرآن، والبدار إلى أداء الصلوات [١] .
والحديث عن تلك الصفات السلوكية حديث طويل، ولكن حسبي في هذه
المقالة أن أشير إلى إحدى تلك الصفات المهمة، ألا وهي أن أهل السنة يعلمون
الحق، ويرحمون الخلق، فإنهم أصحاب هدى واتباع، وأرباب عمل واقتداء،
ومن ثم كانوا أعلم الناس بالحق، وأحرص الناس على تبليغ الدين والدعوة إليه،
ومنابذة أهل الأهواء والبدع، وفي الوقت نفسه فإنهم يرحمون الخلق، ويريدون لهم
الخير والهدى، ولذا كانوا أوسع الناس رحمةً وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحاً.
يقول ابن تيمية في هذا المقام:
» وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة،
فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة ويعدلون على من
خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تَعالَى: [كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] ويرحمون الخلق،
فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم،
وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق « [٢] .
ويقول ابن رجب في هذا الصدد:
» كان خلفاء الرسل وأتباعهم من أمراء العدل وأتباعهم وقضاتهم لا يدعون
إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده، وإفراده بالعبودية والإلهية،
ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى الله وحده.
وكانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوة إلى الله ويتحملون في
تنفيذ أوامر الله من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك، كما كان
عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول لأبيه في خلافته: «إذا
حُرِص على تنفيذ الحق وإقامة العدل يا أبت لوددت أني غَلَتْ بي وبك القدور في
الله » وقال بعض الصالحين: «وددت أن جسمي قُرِّض بالمقاريض،
وأن هذا الخلق كلهم أطاعوا الله » ومعنى هذا أن صاحب ذلك القول قد
يكون لحظ نصح الخلق والشفقة عليهم من عذاب الله، وأحب أن يقيهم من عذاب
الله بأذى نفسه، وقد يكون لحظ جلال الله وعظمته، وما يستحقه من الإجلال
والإكرام والطاعة والمحبة، فود أن الخلق كلهم قاموا بذلك، وإن حصل له في نفسه
غاية الضرر « [٣] .
إن التزام أهل السنة بالعلم والعدل أورثهم هذه الخصلة الرفيعة، فمسلك أهل
السنة قائم على العلم والعدل، لا الجهل والظلم، حتى كان أهل السنة لكل طائفة من
المبتدعين خير من بعضهم لبعض» بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض
الرافضة لبعضهم، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا
ينصف بعضنا بعضاً لقد تلقى أهل السنة هذه الصفة الحميدة من صاحب الخلق
العظيم نبينا محمد ﷺ ، فلقد كان ﵊ أعلم
الناس بالحق، وأعظم الناس رحمة ورأفة، فمن أجل إظهار الحق بلّغ الرسالة،
وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، ومن أجل نصرة الحق نجده -صلى الله
عليه وسلم- يغضب أشد الغضب، فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب،
وكل ذلك حين رأى بعض أصحابه ﵃ يتخاصمون في القدر، ثم
قال: «مهلاً يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم
الكتب بعضها ببعض: إن القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضا، وإنما نزل يصدق
بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» [٤] .
ومع ذلك كله فقد كان ﷺ هو الرحمة المهداة، قال تعالى:
[لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] .
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ «قالت: ما خير رسول
الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان
إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا
أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها» .
وتأمّل - أخي القارئ - ما لقيه ﷺ من أنواع الأذى في
سبيل دعوته ونصحه للخلق، ولما سألته عائشة ﵂ قائلة: «يا
رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد» فقال: «لقد لقيت من قومك
وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد
كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا
بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك
ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال فناداني ملك الجبال وسلّم علىّ ثم قال: يا
محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك لتأمرني
بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به
شيئاً» ، أخرجه الشيخان.
ولقد سار سلف الأمة على ذلك، فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁
يقول الحق، ويرحم الخلق، فإنه لما رأى سبعين رأسا من الخوارج، وقد جزت
تلك الرؤوس ونصبت على درج دمشق، فقال ﵁ إعلاماً بالحق:
«سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت
ظل السماء» .
ثم بكى قائلاً: «بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام» [٥] .
وهذا الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ يثبت على كلمة الحق
لا يخشى في الله لومة لائم، فيقول بكل يقين: القرآن كلام الله غير مخلوق،
ويصبر الإمام على ما أصابه من أنواع الإيذاء والفتنة من قبل رؤوس المعتزلة -
آنذاك -، ومن تبعهم من خلفاء كالمأمون، والمعتصم، والواثق.
«ولما جاءه أحدهم وهو في السجن فقال: يا أبا عبد الله عليك رجال، ولك
صبيان، وأنت معذور - كأنه يسهل عليه الإجابة -، فقال الإمام أحمد: إن كان
هذا عقلك فقد استرحت [٦] .
ومما قاله الإمام الذهبى ﵀ في شأن محنة الإمام أحمد:
» الصدع بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز
عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يخذل، فمن قام بهما كاملاً، فهو صدّيق، ومن
ضَعُفَ، فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، وليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا
بالله « [٧]
لقد كان الإمام أحمد بن حنبل رجلاً ليناً، لكن لما رأى الناس يجيبون
ويعرضون عن الحق، عندئذ ذهب ذلك اللين، وانتفخت أوداجه، واحمرت
عينا [٨] .
ومع ذلك البطش والجدل والسجن من قبل أولئك الخلفاء إلا أننا نجد هذا الإمام
يقول:
كل من ذكرني ففي حلّ إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق - يعني المعتصم-
في حل ورأيت الله يقول:» وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم «
وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح - ثم قال - وما
ينفعك أن يعذِّبَ الله أخاك المسلم في سبيله؟» [٩] .
وهاك مثالاً ثالثاً لأئمة أهل السنة، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
يقرر عقيدة السلف الصالح، ويجاهد بلسانه وسنانه طوائف الزيغ والانحراف،
فيرد على أهل الكتاب ويقمع أكاذيب الباطنية، ويناظر الصوفية وأهل الكلام ...
وكل ذلك من أجل بيان الحق وتبليغه.
وفي الوقت نفسه فقد كان ﵀ من أعظم الناس شفقة وإحساناً، وإليك
المشاهد الدالة على ذلك:
يقول ابن القيم: «جئت يوماً مبشراً له (أي لابن تيمية) بموت أكبر أعدائه،
وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت
أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا
وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له» [٩] .
ولما مرض ابن تيمية - مرض الوفاة - دخل عليه أحدهم، فاعتذر له،
والتمس منه أن يحلله، فأجاب الشيخ: «إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا
يعلم أني على الحق، وإني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي، كونه فعل ذلك غيره ... » [١٠] .
وقال أحد خصومه (ابن مخلوف) : «ما رأينا مثل ابن تيمية، حرّضنا عليه
فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا» [١١] .
وأخيراً أدعو إخواني إلى ضرورة معرفة الحق ورحمة الخلق، وأن نهتم
بتحقيق العلم والعدل في هذا الشأن، وأن نسعى جادين صادقين إلى تحقيق منهج
أهل السنة عقيدة وسلوكاً، والله المستعان.
стр. 1547
دراسات في الأصول
سد الذرائع
(١)
هيثم الحداد
من خصائص هذه الشريعة وميزاتها صلاحيتها لكل زمان ومكان، وهو ما
يُعبّر عنه أحياناً بالشمولية.
فأدلتها الأساسية وهي نصوص الكتاب والسنة، وما ثبت من الإجماع - الذي
هو بمثابة النصوص أيضاً - محصورة، لكنها مع ذلك صالحة للاستدلال على
الوقائع المتجددة، التي لم تكن جزءاً من الواقع عند تنزل النصوص.
ولقد بذل علماء هذه الأمة جهودا عزّ نظيرها في خدمة هذا الدين، وإن من
أعظم جهودهم في ذلك استقراءهم نصوص الكتاب والسنة، وإعمال النظر فيها،
فألفوا بين النصوص ذات الدلالات المتشابهة، وخرجوا بقواعد كلية، تنتظم تحتها
جملة من الفروع الفقهية، فإذا صحت هذه القواعد على ما وقع، فإنها تصح كذلك
على ما يقع، سواء أتى النص بحكمه أم لا.
ومن هذه القواعد، قاعدة «سد الذرائع» وهي قاعدة عظيمة، لها تطبيقات
عديدة، سيما في عصرنا الحاضر، حيث كثرت نوازله، وتعقدت مسائله، فهي
جديرة بالبحث.
* تعريف «الذرائع» لغة:
الذرائع جمع ذريعة، وهي الوسيلة، والسبب إلى الشيء، أصلها لغة من
ذرع [١] .
ف «سد الذرائع» لغة: سدّ الطرق حتى لا تؤدي إلى نتائجها وآثارها،
بصرف النظر عن كون هذه الآثار محمودة أو مذمومة [٢] .
* تعريف «الذرائع» اصطلاحاً:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الذريعة هي الوسيلة، لكنها
أصبحت في عرف الفقهاء عبارة عمّا أفضى إلى فعل محرّم» [٣] .
وعرفها القرطبي ﵀ بقوله: «عبارة عن أمر غير ممنوع في
نفسه، يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع» [٤] . وهذا من أرجح ...
التعريفات [٥] .
وعلى هذا فالذريعة بالمعنى الاصطلاحي هي أحد أفراد الذريعة بالمعنى
اللغوي، يؤكد ذلك ما قاله القرافي ﵀: «اعلم أن الذريعة كما يجب سدها
يجب فتحها، وتكره، وتندب، وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة
المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام
على قسمين: مقاصد، وهي المتضمنة المصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل،
وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم، وتحليل،
غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسائل إلى أفضل المقاصد أفضل
الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة» [٦] .
فللذريعة - إذن - ثلاثة أركان، هي:
الوسيلة، والمتوسَّل إليه، والواسطة بينهما، أو إفضاء الوسيلة إلى المتَوسَّل إليه.
ومثال ذلك: بيع العنب، فهو وسيلة غير ممنوعة في نفسها، واستخدام هذا
العنب في صناعة الخمر هو المتوسَّل إليه، ودرجة الإفضاء هو قوة ثبوت استخدام
هذا العنب الذي بيع في صناعة الخمر، ولهذه درجات متفاوتة.
وعلى هذه الأركان تُبنى جلّ مباحث الذرائع: تقسيماتها، وأحكامها، بل حتى
تعريفها، ولذلك فإن دراسة كل ركن من هذه الأركان على حدة من الأهمية بمكان.
الركن الأول: الوسيلة:
وهي الأساس - الذي تقوم عليه الذريعة، فبوجودها توجد باقي الأركان.
والتعبير عن هذه «الوسيلة» بأنها «أمر غير ممنوع في نفسه، يدخل
المباح، والمندوب، والواجب، ويُخرج ما كان ممنوعاً في نفسه، كشرب الخمر،
فهو ذريعة للفرية، والزنى، فهو ذريعة لاختلاط الأنساب، لكنهما محرمان في
أنفسهما، حتى ولو لم يؤديا إلى تلك المفاسد..
الركن الثاني: المتوسَّل إليه:
ولابد أن يكون أمراً ممنوعاً، إذ لو كان أمراً جائزاً، لانتقلنا من الحديث عن
الذريعة بالمعنى الاصطلاحي إلى الذريعة بالمعنى اللغوي.
ويُفهم من عبارات العلماء إرادة مطلق المنع أو التحريم، ولم يحددوه بدرجة
معينة؛ إذ المنع تختلف درجاته - كما هو معلوم -، فيتبع ذلك اختلاف قوة منع
الوسيلة المفضية إليه، فما كان المنع منه أقوى كالاعتداء على الضروريات الخمس، كان المنع من الوسائل المفضية إليه أقوي، فالشريعة - مثلاً - جاءت بسد أى
وسيلة تؤدي إلى المساس بالدين، سواء أكان بالابتداع فيه، أو التساهل في أمره،
ولو كان في المحافظة عليه ذهاب الأنفس والأموال، لأنه أهم الضروريات.
الركن الثالث:
إفضاء الوسيلة إلى المتوسل إليه؛ وهو الذي يصل بين طرفي الذريعة:
الوسيلة والمتوسل إليه.
والبحث في هذا الركن يكون في قوة الإفضاء هذه، فهناك وسائل يكون
إفضاؤها إلى المحذور ضعيفاً، كزراعة العنب مطلقاً؛ فإنه وسيلة إذ قد يتخذه
بعض الناس لصناعة الخمر، فهل تُمنع زراعته؟ وإذا بيع لمن يصنع منه الخمر،
فإنه يصبح ذريعةً إفضاؤُها إلى المتوسل إليه قوية.
وضابط هذا الركن من أهم أسباب الخلاف في تعريف العلماء للذريعة؛ لأن
قوة الإفضاء تختلف، ودرجاتها ثلاثة: ضعيفة، وقطعية، وما بينهما.
وعلى هذا فالمقصود بسدِّ الذرائع شرعاً:» حسم مادة الفساد بقطع
وسائله [٧] .
أقسام الذريعة وأحكامها:
بالنظر إلى التعريف السابق للذريعة، وإلى حال كل ركن من أركانها على
حدة نحصل على الأقسام الآتية:
القسم الأول:
وضابطه أن قوة الإفضاء فيه نادرة، سواء أكانت الوسيلة:
أ - واجبة؛ كالذهاب إلى صلاة الجماعة في المساجد لسامع النداء؛ إذ قد
يتعرض بيته وماله إلى السرقة.. وهكذا.
ب - أو مندوبة؛ كالصدقة على عموم المسلمين الذين لا يُدرى ما حالهم.
ج - أو مباحة؛ كالتجاور في البيوت؛ فإنه يفضى نادراً إلى الزنى.
وحكم هذا القسم الجواز في صوره الثلاث؛ لأن النادر لا حكم له.
القسم الثاني:
وهو أنواع، تشترك في أن قوة الإفضاء: إما قطعية، أو غالبة، أو كثيرة
ولكن ليست بغالبة، فيحصل لدينا ثلاثة فروع:
١ - وسيلة مباحة تؤدي إلى محرّم، كالسفر إلى البلاد التي تكثر فيها
المنكرات، وارتياد الأماكن العامة إذا أدى ذلك إلى رؤية المنكرات وعدم إنكارها أو
أدى إلى النظر إلى العورات. وكقيام ذي الهيئة الذي يُتخذ في الناس قدوة بفعل
مباح على وجه يسئ الجاهل فهمه، فيعتقد حل محرم أو تحريم حلال، ومن ذلك
تولي الولايات في الجهات أو المؤسسات التي يلتبس أمرها على العامة، فإن رأوا
فيها الدَّيِّنَ الثّقة، ظنوا صلاحها وشرعيتها.
أما حكم هذه الذريعة فهو السدّ؛ لأنها تؤدي إلى مفسدة أكبر من المصلحة
المترتبة على فعلها..
٢- وسيلة مندوبة تؤدي إلى محرّم، كالسفر إلى الحج النافلة، أو إلى الدعوة
غير الواجبة إذا كان ذلك يؤدي إلى تضييع حق الأولاد، أو يغضب الوالدين.
وحكم هذه الذريعة المنع أيضاً؛ لأن مفسدتها أعظم من مصلحتها.
٣- وسيلة واجبة تؤدي إلى محرم، وهذه موطن رحب للاختلاف، وإعمال
الاجتهاد، فمن العلماء من يرى منعها مطلقا، تغليبا لجانب الخطر على الإباحة.
والأمر يحتاج إلى نوع تفصيل، يعتمد على القاعدة الأساس في الحكم على
الذرائع، وهي: «إذا تعارضت مفسدتان دُفع أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما» .
ومن صور هذا الفرع، إذا كانت الوسيلة واجبة ضرورية متعلقة بفرد واحد،
تؤدي إلى متوسَّل إليه ممنوع متعلق بأمر ضروري أيضاً، لكنه متعلق بمجموعة،
فما الحكم؟
والأمثلة الواقعية على ذلك كثيرة، وكل مسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة حسب
ظروفها، وملابساتها، وما يحيط بها.
* تحرير محل النزاع بين العلماء في سد الذرائع:
تنقسم الذرائع من حيث الحكم عليها إلى ثلاثة أقسام:
أ- قسمٌ أجمع العلماء على سده، بصرف النظر: هل يُعتبر من باب
«الذرائع» أم لا؟ فبيع العنب لمن يتخذه خمراً، وإلقاء السُّمِّ في أطعمة المسلمين،
ونحوهما من الأعمال ممنوعة سواء أسميت «ذرائع» أم لا، وسواءً أكان
الاستدلال على منعها بقاعدة «سد الذرائع» ، أو بقواعد شرعية أخرى، كاستدلال
ابن حزم - وهو ممن لا يرى العمل بسد الذرائع - على حرمة ما ذُكر بقاعدة تحريم
التعاون على الإثم والعدوان.
فالخلاف المتعلق بهذا القسم خلاف لفظي لا ثمرة له، ومنشأ الاختلاف مبسوط
في كتب الأصول.
ب - قسم أجمع العلماء على عدم سدّه، سواء سمي ذرائع أم لا، وذلك مثل
زراعة العنب مطلقاً، فلا تمنع خشية أن يستخدمه بعض الناس لزراعة الخمر.
ج - القسم الثالث هو موطن النزاع، الذي وقع فيه خلاف حقيقي، والخلاف
فيه بالتحديد في صورتين:
الأولى: ما هي درجة الإفضاء التي يحكم عندها بمنع الوسيلة، هل هي
الدرجة القطعية، أم الظنية ظناً غالباً - وإن لم يكن كثيرا -، أم الدرجة الكثيرة؟
بمعنى هل يُلحق الكثيرُ غيرُ الغالب، بالغالب، فيأخذان حكم القطعي؟ الظاهر -
والله أعلم - أنهما يلحقان بالقطعي، فيحكم عندئذ بسد الذرائع، وذلك من أجل
الاحتياط، ولأن كثرة وقوع المفاسد مع قابليتها للتخلف يجعلها قريبة الوقوع، ثم إن
الشرع ورد بتحريم أمور كانت في الأصل مباحة؛ لأنها تؤدي في كثير من الأحيان
إلى مفاسد، حتى وإن لم تكن غالبة [٨] .
الثانية: هل العبرة في العقود بمجرد الظاهر - كما يرى ذلك الشافعية - أو
أن للقصد تأثيراً في الحكم على الذريعة؟ بمعنى: هل يمنع الفعل الذي يؤدي إلى
ممنوع حتى وإن لم يقصد صاحبه ذلك الممنوع؟ كمن يسب آلهة المشركين أمامهم،
غيرة على دينه، مع أن ذلك يؤدي إلى سب الله - تعالى - الذي لا يقصده مسلم.
الراجح أن القصد ليس له تأثير في الحكم على الذريعة، خصوصاً قبل الفعل،
فالكلام في المنع الذي يكون قبل الفعل، لا في التأثيم الذي يبحث فيه بعد الفعل،
وذلك حتى لا يفتح الباب لفعل ذلك مرة أخرى، وحتى لا يتساهل الناس في ذلك،
أو يظنوا حِل ذلك الفعل [٩] .
стр. 1548
خواطر في الدعوة
الهروب إلى الأمام
محمد العبدة
عندما تكون وطأة الواقع ثقيلة قوية، وعندما لا يقوم المسلمون بواجبهم من
الأخذ بالأسباب الشرعية والاهتمام بالعدد والعدة، وعندما يفشلون بسبب أخطائهم
المتكررة، أو مخططاتهم القاصرة، عند ذلك يلجأ بعضهم إلى ما يسمى في علم
النفس بسياسة (التعويض) فتوسوس لهم نفوسهم تخيلات موهومة، وحكايات عجيبة، ... وأشياء مضطربة، تتملكهم وتسيطر عليهم، حتى يظنونها شيئاً وهي ليست
بشيء، وإنما هي أوهام وظنون. فيركضون - مثلاً - وراء (خليفة) وهمي، أو
يقعون في حالة اليأس والإحباط وينتظرون (المهدي) ، أو يذهبون إلى عالم آخر،
عالم الجن والشياطين، فقد حدثني أحد الثقات أنه قد أُلف في بلده وحدها في
السنوات الأخيرة حوالي سبعين كتاباً أو كتيباً عن الجن والشياطين، وغالباً ما تكون
النوايا طيبة في مثل هذه الحالة، ولكن ليس هذا هو الطريق. وقد يهرب أناس من
هذا الواقع الذي يدعوهم للتحدي والتعب والنصب إلى الإغراق في تفاصيل العلوم،
الذي هو من قبيل (تلبيس إبليس) والذي غيره أفضل منه وأولى.
إن حالتهم هذه شبيهة بما وقع للمسلمين بعد القرون المفضلة، عندما هرب
بعضهم إلى التصوف والزوايا والتكايا، ينذرون للأولياء النذور، ويطلبون منهم
الحاجات، فوقعوا في الشرك والكسل والبطالة، كما وقعوا في الأفكار الغامضة
المشوشة.
تكَالب العالمُ في هذه الأيام على المسلمين، ورماهم عن قوس واحدة، وأظهر
ما كان يخفيه من قبل، وبانت عداوته صريحة لا التواء فيها، فماذا يفعل المسلمون؟
هل يجابهون هذا بافتعال أمور ليست صحيحة؟ أم أن الأولى بهم دراسة هذا
الواقع، والتأمل فيه، ومعرفة مكامن القوة ومكامن الضعف، ومجابهة هذا الواقع
بالإمكانات الذاتية والقدرات الموجودة بعد تنميتها وصقلها.
لابد من البحث العميق في نفسية المسلم وعقله وأخلاقه التي تعيق النهوض
والتمكن، والبحث العميق في أسباب التفرق وأسباب التوحد، والإخلاص في ذلك
كله لله. ولابد من تملك ناصية كل العلوم المفيدة التي يأمر بها الإسلام ويحبذها،
لتكون وسيلة من وسائل [وأعدوا....] ولابد من المال الذي يساعد على تحقيق
هذه الأهداف حتى يكون الدين كله لله.
لاشك أن هذه الأمور أصعب على النفس التي تلجأ إلى أحلام اليقظة،
وتستروح رفقة يؤيدون هذا الهروب ويشجعونه سواء أكان عن جهل، أو عن
خفيات الهوى ونزغاته..
стр. 1549
مصطلحات وتعريفات
الكُفْر
بقلم / عثمان جمعة ضميرية
-١-
الكفر في اللغة هو الجحود. وأصله من الكَفْر، وهو السَّتْر والتغطية.
يقال: كفرتُ الشيء: إذا غطيته. ومنه قيل للَّيل: كافر، لأنه يستر الأشياء
بظلمته.
وسمى الزارع كافرا لأنه يستر الحبَّ بالتراب. وليس الكافر اسما لليل أو
الزارع، ولكنه وصف لهما.
والكفر: ضد الإيمان، سمى بذلك لأنه تغطية وستر للحق، فالكافر ساتر
للحق، أو ساتر لِنَعم الله تعالى عليه.
ويقال: كفر بالله، يكفُر كُفراً، وكفوراً، وكُفرْاناً. وأكفر فلانا: دعاه كافراً.
وتستعمل كلمة «الكُفْر» في الدين أكثر من استعمالها في كفران النعمة،
«الكفران» في جحود النعمة، و «الكَفور» فيهما جميعاً. و «الكافر» عنه
الإطلاق - متعارف فيمن - يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة، أو يجحدها
جميعاً [١] .
وأما تعريف الكفر اصطلاحاً، فيقول ابن تيمية في ذلك: - «الكفر: عدم
الإيمان، باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أولم يعتقد شيئاً ولم يتكلم» مجموع الفتاوي ٢٠/٨٦.
ويقول أيضاً: - «إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول ﷺ
فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود
ونحوهم» درء تعارض العقل والنقل ١/٢٤٢.
ويعرف ابن حزم الكفر بهذه العبارة:
وهو [أي الكفر في الدين] : صفة لمن جحد شيئاً مما افترض الله تعالى
الإيمان به بعد قيام الحجة عليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معاً، أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان.
ويقول السبكي: «التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية، أو الوحدانية،
أو الرسالة، أو قولٌ أو فعلٌ حكم الشارع بأنه كفر، وإن لم يكن جحدا» (فتاوي
السبكي ٢ / / ٥٨٦) .
فالكفرْ اعتقادات، وأقوال، وأعمال، حكم الشارع بأنها تناقض الإيمان.
والكفر حكم شرعي، والكافر من كفره الله ورسوله ﷺ
فليس الكفر حقا لأحد من الناس، بل هو حق الله تعالى.
يقول ابن تيمية: - «ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم،
وإن كان ذلك المخالف يكفرن؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب
بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، ولا تزنى بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى. وكذلك التكفير حق الله فلا يُكفر إلا من
كفّره الله ورسوله» الرد علي البكري ص ٢٥٧.
ويقول ابن الوزير: - «إن التكفير سمعي محض لا دخل للعقل فيه، وإن
الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعياً قطعياً، ولا نزاع في ذلك» العواصم والقواصم
٤ / ١٥٨.
والكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
أما الكفر الأكبر؛ فهو ما يضادُّ الإيمان من كل وجه، ويُخرج صاحبه من
الدين والملة، ويُوجب له الخلود في النار. قال الله تعالى: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الكِتَابِ والْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا] [البينة: ٦]
وهذا الكفر يأتي في النصوص الشرعية مقابلاً للإيمان فيكون ضده. وإذا
أطلق لفظ «الكفر» فإنه ينصرف إلى هذا النوع، فهو الكفر الأكبر الذي يحبط
العمل، ولا يغفره الله لصاحبه إذا مات عليه.
ويتنوع الكفر إلى ستة أنواع، من لقى الله تعالى بواحد منها لم يغفر له،
وهي [٢] :
١ - كفر الإنكار، وهو أن ينكر بقلبه ولسانه، ويزعم أنه لا يعرف الله أصلا
ولا يعترف به، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد، قال الله تعالى: [إنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ] [البقرة: ٦] : أي كفروا
بتوحيد الله وأنكروا معرفته.
٢ - كفر الجحود، وهو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقرّ ولا يعترف بلسانه،
فهو كافر جاحد، مثل كفر اليهود وجحودهم لنبوة نبينا محمد -صلى الله عليه
وسلم-، وكتمانهم لصفاته في كتبهم: [إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ
والْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ]
[البقرة: ١٥٩] .
وهذا الجحود قد يكون عاما بأن يجحد جملة ما أنزله الله تعالى أو يجحد إرسال
الرسل، وقد يكون خاصاً مقيداً، بأن يجحد فرضاً من فروض الإسلام، أو يجحد
تحريم محَّرم من محرماته.
٣ - كفر الشك، حيث لا يجزم بصدق رسول الله ولا بكذبه، بل يشك في
أمره، ولا يستمر هذا الشك إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن آيات الله، ودلائل
صدق الرسول.
٤ - كفر الإعراض؛ بأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول -صلى الله عليه
وسلم-، فلا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه. وبينه وبين ما سبق صلة.
٥ - كفر النفاق، بأن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي قلبه على التكذيب،
وهو النفاق الاعتقادي.
٦ - كفر العناد؛ وهو أن يعرف الله بقلبه ويعترف ويقرّ بلسانه، ويأبى أن
يقبل الإيمان أو أن يدين به، فهو كفر إباء واستكبار، مثل كفر إبليس.
- وما أكثر الأبالسة اليوم - فإنه لم يجحد أمر الله تعالى، وإنما تلقاه بالإباء
والاستكبار. وكذلك كفر فرعون وأبي طالب إنما هو من هذا اللون.
وأما الكفر الأصغر فهو مخالفة لحكم من أحكام الشريعة، ومعصية عملية لا
تُخْرج عن أصل الإيمان، وإنما توجب لصاحبها الوعيد بالنار دون الخلود فيها،
وسميت كفرا لأنها من خصال الكفر. [٣]
ويمكن تعريفه بأنه كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر ولم تصل إلى
حد الكفر.
وهذا النوع من الكفر يسميه بعض العلماء: الكفر العملي، الذي يقاب الكفر
الاعتقادي. وهو أيضاً: كفر النعمة، مع العلم أن الكفر العملي ينقسم إلى: ما لا
يخرج عن الملة كالطعن في الأنساب والنياحة على الميت.
وقسم يخرج عن الملة كالسجود لغير الله، وإهانة المصحف.
ومن الأمثلة الظاهرة على الكفر الأكبر في عصرنا الحاضر: الامتناع عن
الحكم بشريعة الله تعالى، وتطبيق القوانين الوضعية بدلاً عنها.
إن الحكم بما أنزل الله تعالى وحده هو إفراد الله بالطاعة، قال تعالى:
[إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ] [يوسف: ٤٠] .
والإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق
بينهما البتة، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله، وتشريعاً غير تشريع الله، كالذي
يعبد الصنم، ويسجد للوثن، لا فرق بينهم البتة.
ويكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبراً في عدة حالات منها:
١ -أن يجحد أو ينكر الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الشريعة.
٢ -أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الله تعالى.
٣ - أن يساوي بين حكم الله تعالى حكم الطاغوت.
٤ - أن يجوز الحكم بما يخالف حكم الله وروسوله، أو يعتقد أن الحكم بما
أنزل الله تعالى غير واجب، وأنه مخير فيه.
٥ - من لم يحكم بما أنزل الله إباءً وامتناعاً، فالكفر ليس تكذيبا فحسب، بل
قد يكون امتناعاً عن اتباع الرسول مع العلم بصدقه، والإيمان قول وعمل،
وتصديق وانقياد، فلا يتحقق الإيمان مع ترك الانقياد والطاعة.
стр. 1550
من فقه الدعوة
دعوة إبراهيم ﵇
(٣)
أساليب إبراهيم ﵇ في نشر دعوته
محمد بن عبد العزيز الخضيري
١- تقرير توحيد الألوهية ببيان دلائل الربوبية:
جميع دعوات الرسل قائمة على تقرير توحيد الألوهية الذي من أجله خلق الله
الثقلين [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ، وهو الذي اختلف الناس فيه،
ووقع لديهم بسببه زيغ عظيم، ولذلك أخبرنا الله عن هدف بعث الرسل بقوله
[ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] .
أما توحيد الربوبية: فأكثر الناس متفقون عليه، وهو الإقرار لله بالخلق
والتدبير والملك [ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] وتوحيد
الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، فالذي يستحق العبادة وحده هو الذي يخلق
ويرزق، ويحي ويميت، وينفع ويدفع، ويملك ويدبر، وقد بيّن الأنبياء لأقوامهم
هذا أتم بيان، ومنهم إبراهيم [إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وتَخْلُقُونَ إفْكاً إنَّ الَذِينَ تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ
تُرْجَعُونَ] فبين أن الله هو الرزاق، فهو إذن المستحق للعبادة دون سواه ممن لا
يملكون لأنفسهم - فضلاً عن غيرهم - رزقاً ولا نفعاً ولا ضراً، وقال: [أَفَرَأَيْتُم
مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ * الَذِي
خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ * وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والَّذِي
يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ... ] وأمثلة ذلك كثيرة.
٢ - التصريح بقصد النصيحة وأنه لا هدف للداعي إلا نفع المدعوين وأنه لايريد على ذلك حظا من الدنيا:
إن إعلان الداعية عن هذا للمدعوين من شأنه أن يلين قلوبهم، ويدعوهم إلى
تأمل ما يُدعون إليه، ولقد درج على ذلك الأنبياء جميعاً، فقال نوح: [ويَا قَوْمِ لا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ..] وقال هود: [يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْراً إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الَذِي فَطَرَنِي] وفي سورة الشعراء ذكر الله: [ومَا أَسْأَلُكُمْ
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ] ذكرها عن نوح وهود وصالح
ولوط وشعيب، وقال محمد ﷺ : [قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ
لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] .
وحكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه: [يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ
مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ ولِياً] فهو لا يريد شيئاً من أبيه، وإنما يخاف عليه من
عذاب الرحمن، فيكون ولياً للشيطان، وتأمل في العبارات التي نطق بها إبراهيم:
(أخاف) و (يمسك) و (عذاب من الرحمن) تُلفها تعبر بصدق عما يكنه إبراهيم لأبيه.
٣ - الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة:
وقد جاءت جلية في دعوته لأبيه وخطابه الرقيق الحاني المتدفق ليناً - وعطفاً
ولطفاً، اتباعاً للحكمة التي تقرب المدعو من الدعوة وتلين قلبه للاستجابة.
٤ - التشنيع على المعبودات الباطلة وعابديها:
لما بين إبراهيم لقومه دعوته، وألان لهم الخطاب، لعنهم يستجيبون، وما
زادهم ذلك إلا التمادي في باطلهم، فما كان من إبراهيم إلا أن أظهر تهافت
معبوداتهم وأحنق النكير عليهم، فقال: [مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ]
فسماها تماثيل ولم ينعتها بوصف (الألوهية) ، ولما ظهر له أنهم لا يعتمدون فيما
فعلوا على حجة وبرهان قال لهم: [لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] وزاد
فقال: [أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ] ولقد برهن لهم على
سفههم ما سوغ في تهكمه بتصرفاتهم حيث سألهم: [هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ * أَوْ
يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ] فإن أقل ما يقال في هؤلاء المعبودين أنهم لا يسمعون
كعابدين فكيف يجلبون لهم نفعاً أو يدفعون عنهم ضراً؟
٥ - التذكير بنعم الله على عباده:
جبلت النفوس على حب من أحسن إليها ولذلك عنىَ الدعاة إلى الله بتذكير
الخلق إحسان الله إليهم ليكون ذلك أدعى إلى قبول الدعوة فهذا هود يقول:
[واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] . وقال صالح: [واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ] وأما إبراهيم فقال: [أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ * الَذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ * وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ] .
٦ - التذكير بأيّام الله:
ما من أمة تَخْلف في الأرض إلا وتنظر في أحوال من سلف من الأمم تتبع
مواطن العبرة فيها، فتستفيد من الإيجابيات، وتحذر من السلبيات، وكان أنبياء الله
يذكرون أممهم بأحوال الغابرين ممن كذبوا أو آمنوا، فيذكرونهم بعاقبتهم،
وينذرونهم أن يحل بهم ما حل بمن كفر من أمم الأرض، لعلهم يتعظون أو
يرتدعون، ولذا قال إبراهيم لقومه: [وإن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ومَا عَلَى
الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ] أي فقد كذبت أممٌ أنبياءهم فحل بهم ما تعلمون من
العذاب، فإن فعلتم عوقبتم بمثل عقابهم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
٧ - المناظرة والتدرج في إفحام الخصم:
قال ابن القيم في مناظرات إبراهيم: «وهو الذي فتح للأمة باب مناظرة
المشركين وأهل الباطل، وكسر حججهم، وقد ذكر الله مناظرته في القرآن مع إمام
المعطلين، ومناظرته مع قومه المشركين، وكسر حجج الطائفتين بأحسن مناظرة،
وأقربها إلى الفهم وحصول العلم [١] » وسنذكر هنا مناظرتين وقعتا لإبراهيم،
وذكرهما القرآن الكريم:
- الأولى: مناظرته لعبدة النجوم قال الله تعالى [وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ
أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إنِّي أَرَاكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * وكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ
السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا
رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ
لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا
رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ
لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفاً ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ * وحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ
أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وقَدْ هَدَانِ] ... الآية إلى قوله [وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ
عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ] [*]
لقد عني إبراهيم بإخوانه من الأنبياء بالتوحيد وإيضاحه، والاستدلال له أيما
عناية، وسلك في سبيل بيان الحق، وتزييف الباطل كل وسيلة تؤدي إلى ذلك،
ومنها هذه المناظرة التي قامت بينه وبين قومه لبيان حقيقة ما هم عليه من الضلال.
فأنكر على أبيه اتخاذ الأصنام آلهة، ولما أشرك قومه معه شدد في إعلان
الفكر عليهم، وبين أن ما هم فيه ما هو إلا ضلال يبُين عن نفسه، وذلك ليثير
عواطفهم، ويدفعهم إلى التفكير الجاد العميق فيما هم فيه، وكان إبراهيم قد بصره
الله بالدلائل الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى، فآراه آياته في ملكوته، ليعلم
حقيقة التوحيد، أو ليزداد علما به، ويقينا إلى يقينه.
وأرشده إلى طريقة الاستدلال بها على المراد من العباد.
ودخل إبراهيم مع قومه الصابئة الذين يعبدون النجوم، ويقيمون لها الهياكل
في الأرض، دخل معهم في مناظرة لبيان بطلان ربوبية هذه الكواكب المعبودة،
ولم يشأ أن يقرر التوحيد مباشرة. بل جعل دعوى قومه موضوع بحثه، وفرضها
فرض المستدل لما لا يعتقده، ثم كر عليها بالنقض والإبطال، وكشف عن وجه
الحق، فحينما أظلم الليل ورأى النجم قال: هذا ربي فرضا وتقديرا، وقال: أهذا
ربي، فلما غاب عن أعينهم علم أنه مسخر ليس أمره إليه، بل إلى مدبر حكيم
يصرفه كيف شاء، ثم انتقل بهم في البحث إلى كوكب هو في أعينهم أضوأ وأكبر
من الأول، وهو القمر، فلما رآه قال مثل مقالته الأولى، فلما ذهب عن أعينهم
تبين أنه ليس بالرب الذي يجب أن تألهه القلوب، ويضرع العباد إليه في السراء
والضراء، ثم انتقل بهم إلى معبود لهم آخر أكبر جرماً من السابقين فلما أفل، قال: يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض
حنيفا وما أنا من المشركين، فاستدل بما يعرض لها من غيرها على أنها مأمورة
مسخرة بتسخير خالقها.
فإذا كانت هذه الكواكب الثلاثة في نظرهم أرفع الكواكب السيارة وأنفعها قد
قضت لوازمُها بانتقاء سمات الربوبية والألوهية عنها، وأحالت أن تستوجب لنفسها
حقاً في العبادة فما سواها من الكواكب أبعد من أن يكون لها حظ ما في الربوبية أو
الألوهية، ولذا أعلن إبراهيم في ختام مناظرته براءته مما يزعمون من الشركاء،
وأسلم وجهه لفاطر السماوات والأرض ومبدعهما، دون شريك أو ظهير، وضمَّن
إعلان النتيجة الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا هو معنى (لا
إله إلا الله) فإن ما فيه من البراءة من الشركاء نظير نفي الألهية الحقة عن الشركاء
في كلمة التوحيد، وبهذا يكون إبراهيم قد سنَّ للدعاة إلى الله أسلوبا متميزا في دعوة
المنحرفين، وذلك بالتنزل معهم بالتسليم بأباطيلهم فرضاً، ثم يرتب عليها لوازمها
الباطلة، وآثارها الفاسدة، ثم يكر عليها بالنقض والإبطال، فإن الدعوة إلى الحق
- كما تكون بتزيينه، وذكر محاسنه - تكون بتشويه الباطل، وذكر مساويه
ومخازيه (بتصرف من مقالة الشيخ عبد الرازق عفيفي في مجلة التوعية الإسلامية
عدد ٦، ٧) .
الثانية: مناظرته للملك في قوله تعالى _[أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي
رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وأُمِيتُ
قَالَ إبْرَاهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَذِي كَفَرَ
واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [البقرة: ٢٥٨] .
لقد جادل الملكُ إبراهيم في ربه، وفي ذكر الرب وإضافته إلى الضمير العائد
على إبراهيم تشريف لإبراهيم وإشعار بأن الله سيتولاه وينصره.
ولماذا يجادله؟ لأن الله آتاه الملك، فحمله كبره وبطره على طلب المخاصمة، ولم يكن بسبب إيثاره الحق وطلبه له.
وكان الملك قد طلب من إبراهيم ﵇ أن يقيم له الدليل على وجود
الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: «ربي الذي يحيي ويميت» أى أن الدليل
على وجوده هو: هذه المعجزة المتكررة الظاهرة المستترة، معجزة الحياة والموت، عندئذ قال الملك «أنا أحيي وأميت» فآتى برجلين استحقا القتل فأمضيه في
أحدهما دون الآخر، فأكون قد أحييت الثاني، وأمت الأول، وهذه مكابرة صريحة، وعناد ظاهر، يعلمه كل ذي عقل، ولذلك ترك إبراهيم الخوض معه في مكابرته، وجاءه بواقعة لا يحير معها جوبا، قال: «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق
فأت بها من المغرب» أي إذا كنت قادراً على الإحياء والإماتة، وهما من صفات
الرب، فيلزم أن يكون بمقدورك التصرف في الكون، وأن تأتي بالشمس من
المغرب، عندئذ بهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.
إن انتقال إبراهيم من دليل إلى آخر دون مناقشة لإجابة الملك الساذجة ليس
عن هزيمة؛ لأن حجته كانت قائمة، إذ إبراهيم وكل عاقل يعلم أن المراد حقيقة
الإحياء والإماتة، أما ما فعله الملك فأمر يقدر عليه كل أحد، حتى إبراهيم كان
يمكن أن يقول له: إني أردت حقيقة الإحياء والإماتة، أما هذا فأنا أفعل مثله،
ولكن إن قدرت على الإماتة والإحياء فأمت هذا الذي أطلقته من غير استخدام آلة
وسبب، وأحي هذا الذي قتلته، فيظهر به بهت اللعين، إلا أن القوم لما كانوا
أصحاب ظواهر، وكانوا لا يتأملون في حقائق المعاني خاف إبراهيم الاشتباه
والالتباس عليهم، فضم إلى الحجة الأولى حجة ظاهرة، لا يكاد يقع فيها أدنى
اشتباه.
وهذا الانتقال من أحسن ما يكون، لأن المحاجج إذا تكلم بكلام يدق على
سامعيه فهمه، ولجأ الخصم إلى الخداع والتلبيس جاز له أن يتحول إلى كلام يدركه
السامعون، وأن يأتي بأوضح مما جاء به، ليثبت ما يريد إثباته، وهذا لأن الحجج
مثل الأنوار، وضم حجة إلى حجة كضم سراج إلى سراج، وهذا لا يكون إلا دليلا
على ضعف أحدهما أو بطلان أثره.
٨ - استثارة الخصم:
والمقصود بذلك: تحريك نفوس المدعوين، وتنبيه عقولهم، ولفت أنظارهم
إلى الأمر الذي يدعوهم إليه الداعية.
لقد فعل إبراهيم ذلك حين ترك كبير الأصنام بلا هدم (فجعلهم حطاماً إلا كبيراً
لهم لعلهم إليه يرجعون) وذلك من أجل أن تدور في أذهانهم الأسئلة التالية
- من فعل هذا بآلهتنا؟
- لِم لمْ يدافع الصنم الكبير عن صغاره؟ وهل كان ذلك عن عجز أو عدم
إدراك لما يقع حوله؟
- لِم لمْ يوقع الصنم. الكبير سوءاً بمن فعل ذلك؟
ثم استشارهم مرة أخرى حينما جاؤا إليه يسألونه عمن أوقع ذلك بآلهتهم فقال:
- بل فعله كبيرهم هذا، فنسكب التكسير إلى جماد لا يتحرك، ليقولوا له
مباشرة: إنه لا يفعل شيئاً، وليقروا بضعف هذه الآلهة.
- ولم يكتف بذلك، بل أمرهم أن يوجهوا إليها الأسئلة إن أخبرهم بمن أوقع
بها ذلك، ولذلك أجابوا بكل سذاجة: «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» وعند ذلك
انطلق مبادرا «أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أف لكم ولما
تعبدون من دون الله أفلا تعقلون» .
ثانياً الأساليب العلمية:
وهي كثيرة نختار منها:
١ - القدوة: لقد كان إبراهيم مثالاً يحتذى في الخير، ولذلك وصفه الله بقوله
[إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً] أي جامعا للخير، كلفه الله بأمور فقام بها خير قيام [وإذِ
ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ] وكان الجزاء: [إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً]
فالسبب الذي أهله للإمامة إتمامه الكلمات التي ابتلاه ربه بها، ومن أجل ذلك أُمر
نبينا ﷺ باتباع ملته (ثم أوحينا إليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا)
وأُمرت هذه الأمة أن تأتسي بإبراهيم ومن معه، لكونهم قدوة (قد كانت لكم أسوة
حسنة في إبراهيم والذين معه) والأمر الذي نهينا عن الإقتداء بإبراهيم فيه استغفاره
لأبيه «إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، وما أملك لك من الله من شيء» وقد
تقدم ذكر بعض من صفات هذا النبي الكريم وأساليبه وأعماله وما كان به قدوة
للمصلحين من بعده (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) .
٢ - البداءة بالأهم: بدأ إبراهيم بالدعوة إلى توحيد العبادة، وهو أهم ما
يدعي إليه، وأول ما يبدأ به (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم
إن كنتم تعلمون) .
٣ - اللين والشدة: وهذا ظهر جليا في دعوته لأبيه، وفي دعوته لقومه، فقد
دعا كلا منهم باللين والاستعطاف، لعل كلامه يتخلل قلوبهم، ولينه يعطف أفئدتهم
لقبول الحق الذي جاء به، ولكن ما زادهم إلا عتوا، فما كان منه إلا أن أغلظ لهم
القول، وشدد اللهجة، ففي اللين قال: [يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا
يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً] وفي الشدة قال: [وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً
إنِّي أَرَاكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] .
٤- البراءة والمعاداة: التي تعني البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم، وهي
أصل من أصول العقيدة ومن مستلزمات (لا اله إلا الله) . قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» ومفاصلة
خصوم الدعوة ارتفاع بالنفس والعقيدة إلى المستوى اللائق بهما، فلا يستوي حزب
الله الذى كتب الله له العزة والكرامة وحزب الشيطان الذي كتب الله له الذلة والهوان، وفيها إشعار لأولئك الخصوم بأنهم على باطل، وأن الأمر ما وصل بالداعية إلى
المقاطعة إلا لحق يعتنقه ويدعو إليه، فيكون ذلك ردعا لهم عما هم فيه. وفيها قطع
لآمال أعداء الدعوة في الحصول على تنازلات من الدعاة، يستدرجونهم بها.
وقد قال إبراهيم لأبيه حين استكنف واستكبر: (واعتزلكم وما تدعون من دون
الله وأدعو ربي ... ) وجعله الله في براءته من المشركين قدوة، فقال: [قَدْ كَانَتْ
لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
وحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ومَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ
تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ] . وقد اشتملت هذه الآية على أمور نوجزها فيما
يلي: -
- أن البراءة قائمة على الإيمان بالله فمن كان مؤمنا بالله أحب في الله.
- أنها نهج الأنبياء، فمن أراد النجاة فليلحق بركابهم، ويستن بهديهم.
- أن البراءة ليست من أشخاصهم فحسب، بل ومن آلهتهم، وأفكارهم،
ومذاهبهم.
- أنها مستمرة علنية، وليست مجرد شعور قلبي إلا عند الضرورة.
- أنها مما اتفقت عليه الشرائع، وليست لهذه الأمة الخاتمة فحسب.
- أن دعامتها التوكل على الله والدعاء كما ذكر في ختام الآية [رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ] .
- أنه لا فرق في البراء بين قريب أو بعيد مادام قد وحد بينهم كفر أو شرك.
٥ - الدعاء والتضرع: وهو السلاح الذي لا يحق للمؤمن أن يسير في ركاب
الحياة بدونه، وقد امتدح الله خليله بدعائه فقال: [إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ]
وقد تقدم معنى (الأواه) ، ولذا تل أن نجد موطنا تذكر فيه دعوة إبراهيم إلا ويذكر
معها جانب من تضرعه ودعائه ومن ذلك: [رَبَّنَا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً ... ] ،
[رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] ، [وتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ] ، [واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ] ، [رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وتَقَبَّلْ دُعَاءِ] ، [رَبَّنَا اغْفِرْ لِي ولِوَالِدَيَّ ... ] ، [رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ... ] . إلى آخر ما هناك من الدعوات المباركات، التي تضرّع بها إبراهيم، وخلدها القرآن، فكان قدوة في اللجوء إلى الدعاء.
٦- تحطيمه للأصنام: لم يكتف إبراهيم في دعوته بالكلمة والحجة التي
أبطل بها حجج الخصوم، بل عضد ذلك بعمل كبير، أقدم عليه بشجاعة وعلو همة، وهو تحطيم الأصنام التي تعلق بها قومه، حتى صرفهم تعلقهم بها عن التفكير في
حقيقتها، والنظر في ماهيتها، فأراد إبراهيم أن يبين عن ذلك بالقول والفعل فكان
بيانه القولي الذي شرحنا طرفا منه فيما تقدم، وكان بيانه الفعلي بما أقدم عليه من
تحطيم الأصنام، وجعلها جذاذاً [إلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ] . والآية هذه
تشير إلى مدي البيان الذي أراد إبراهيم إبلاغه لقومه، فلم تأخذه فورة التكسير
بتحطيمها كلها، بل ترك كبيرها لا لعجز ولا لخوف بل لعلهم إليه يرجعون، فيحقق
إبراهيم غرضه من هذا الأسلوب الدعوي الرائع، وفعلاً لقد كان ما أراده إبراهيم
حين قالوا: [لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ] وحينها انقض عليهم كالشهاب:
[أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً ولايَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ] وتحقق لإبراهيم مراده حين قالوا: [قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ] فالآلهة تحتاج إلى من ينصرها، ويدافع عنها، وتحقق له كذلك حين (رجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) ولكنه التعصب الذي ردهم على أعقابهم [ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ] .
٧ - الهجرة: ذكر الله تعالى هجرة الخليل في ثلاثة مواطن فقال: [ونَجَّيْنَاهُ
ولُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] [وقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي
سَيَهْدِينِ] .
فهو أول من هاجر لله - كما ذكره بعض المحققين - وكانت سنة لمن بعده من
الأنبياء وأتباعهم، وممن عمل بها محمد رسول الله ﷺ وصحبه، فكانت هذه من ثمرات تلك التجربة الإبراهيمية ولونا من الإقتداء به.
إن الهجرة أسلوب يلجأ الدعاة إليه لأن أرضهم ما عادت تقبل الكلمة الطيبة،
فهم يبحثون عن أرض طيبة تحمل دعوتهم، أو لأن القوم المعرضين بدأوا يناوشون
الداعية، ويوصلون الأذى إليه فهو يفر بدينه من الغتن [ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وسَعَةً] .
стр. 1551
من إيجابيات الدعوة الإسلامية
«مقاومة التغريب»
د/ عابد السفياني
التغريب مصطلح يستعمله بعض الكتّاب للدلالة على جهود
الغرب في نشر أفكاره وقوانينه ونظمه في أقطار العالم الإسلامى.
لقد بذل الكفار - على اختلاف مللهم ونحلهم - جهداً كبيراً في نشر التغريب
الذي يمثله النموذج الغربي في مجالات الحياة المعاصرة في التشريع والنظم
الوضعية، وفي مجال الإعلام، والاقتصاد، وفي مجالات أخرى متذرعا تارة
بالديمقراطية، وتارة بالمحافظة على حقوق الإنسان، وتارة بالمشاركة في تنمية
أحوال «العالم الثالث» بشرط الالتزام بتلك النظم نفسها.
وأكبر عائق يقف في وجه «النموذج الغربي» هو تطبيق الشريعة الإسلامية، ولهذا كانت جهود الكفار تبذل في تغيير مفهوم تطبيق الشريعة.
يقول المستشرق «جب» في كتابه «الاتجاهات الحديثة في الإسلام» ص٢٦، «ليس لدى الإنسان أنظمة كبرى في العقيدة، والفكر، والإرادة من شأنها أن
تظل ثابتة أكثر من عشرة قرون» .
والبديل عن الشريعة الإسلامية هو بزعمهم انتشار العلمانية:
يقول أيضاً في ص ٧٤ «إن انتشار العلمانية في البلدان الإسلامية طيلة
المائة سنة الماضية قد جعل مثقفي المسلمين عرضة لنفس التأثيرات التي زعزعت
التفكير الغربي بالنسبة للمسائل الدينية» .
ويرى هذا المستشرق أن تكوين «الرأي العام» على الطريقة الأوروبية عن
طريق نشر التعليم «العلماني» أي الغزو الفكري الأوروبي، وذلك هو السبيل
الوحيد لإدخال التطور والتحرر من سلطان الدين، «وجهة الإسلام» ص ٢١٤-
٢١٧.
وعندما يتحدث عن استبدال، القوانين الوضعية بالشريعة الإسلامية، وأن
ذلك قد أدى إلى تمكن القوانين الوضعية وانتشار النموذج الغربي فإنه يحذر قومه
من الاطمئنان القائم على هذه المكاسب، ويطالبهم بإدخال الاقتناع بها إلى قلب كل
مسلم عن طريق التعليم ص ٢١٣ -٢١٤ وهذا الطريق هو «التغريب» وتغيير
المفاهيم وأما تغير مفهوم تطبيق الشريعة، فبدلاً من أن يكون مفهوم الحكم بالشريعة
شاملاً لجميع المجالات، فلا بأس أن يكون قاصراً على جوانب معينة، وبقية
الجوانب يحكمها «التغريب» ، المهم أن يكون له سلطان مع الشريعة.
ولذلك يقول هذا المستشرق - وهو من المستشرقين الذين يعرفون هذا الدين
كما يعرفون أبناءهم كما قال الله - تعالى - عنهم: [الَذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ
كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ] ٢ - الأنعام يقول في
كتابه السابق الذكر ص ١٢١، «إن قبول القانون الإسلامي كان منوطا بقبول
الشريعة الإسلامية، كما كان ذلك النتيجة الحتمية لكون المرء مسلما» وبالنسبة
للذين يتمسكون بهذا المعتقد تعتبر فكرة تعديل هذه القوانين الأساسية أو إلغائها من
باب الكفر ١٢٣ - ١٢٤.
وأمامكم هذه العقيدة الإسلامية التي هي أكبر عائق في وجه التغريب، لابد -
كما يقول هذا المستشرق - من نقد تاريخي خاص، «فعجز الإسلام من طريق
اللجوء إلى عناصر قد سبقت نتائج التغريب وما على العالم الإسلامي أن يعيش من
جديد مجمل التطور الذي صادف العالم الغربي الحديث» [١] .
وخلاصة ما يخطط له الأعداء للتمكين للتغريب هو أن يصبح النموذج الغربي
سائداً ومنتشراً في العالم الإسلامي، ويكفي أن تبقى معه بعض أحكام الشريعة،
وأما مفهوم التحاكم إلى الشريعة الإسلامية في جميع المجالات - والاعتقاد بأن ذلك
واجب، وأن قبوله شرط لصحة الإسلام فمفهوم يمكن أن يغير ويبدل، ليصبح
مقصورا على بعض المجالات، وحينئذ لا يكون قبول الشريعة - في جميع
المجالات - شرطا لصحة الإسلام، ولا يكون التشريع من دون الله كفرا، فيأمن
حماة التغريب والقوانين الوضعية من وصمة الكفر، وهذا ما يريده الاستشراق.
وللمشرعين من دون الله أن يحكموا ببعض أحكام الشريعة، ويحكموا بالأنظمة
القانونية، ويأذنوا تارة للناس بأن يتحاكموا تارة إلى هذا وتارة إلى هذا، فالشريعة
والحالة هذه ليست حاكمة بإطلاق بل هي محكومة، والدين ليس كله لله، بل بعضه
لله، وبعضه لغير الله، وحينئذ يستقر التغريب في العالم الإسلامي. ولاريب أن
أئمة المستشرقين - وهذا أحدهم - يعرفون هذا الدين، ويحسنون التخطيط للتمكين
للنموذج الغربي في العالم الإسلامي، وقد عملوا لذلك دهرا طويلا.
وإذا أدركنا هذا المكر والدهاء منهم علمنا أن من أعظم إيجابيات الدعوة
الإسلامية مقاومة ذلك التغريب، وقد سخرت الصحوة - ولله الحمد - كثيرا من
طاقتها وفي جميع المجالات لمحاربته وتحذير الناس منه، وتنشأ في هذه المرحلة
بالذات أسئلة كثيرة أمام حملات الإبادة التي يتعرض لها المسلمون، فيقول قائلهم:
ماذا يريد الكفار منا؟ ألم تنتشر مذاهبهم وتحكم قوانينهم، وينتشر سلطانهم،
ويقطعو الطريق على المسلمين كل ما أرادوا أن يتميزوا بشريعتهم، بل ويلاحقوهم
بالفساد عن كل طريق؟ والآن وفي هذه المرحلة بالذات - يقتلون بصورة لم يسبق
لها نظير، ويهجرون، ولا خيار لهم، فإما الخضوع للقوانين الوضعية، وعبادة
النموذج الغربي، والتمكين لشهواته، وإما تدمير الإنسان المسلم وحقوقه باسم حقوق
الإنسان الغربي. والنتيجة أن المسلمين لا حق لهم في الحياة إلا تحت إشراف
حقوق الإنسان الغربي، وانتشار مذاهبه وأفكاره، وهذا يمثل قمة الصراع بين
النموذج الغربي والشريعة الإسلامية، فلا عجب أن تبذل الدعوة الإسلامية من خلال
علمائها ودعاتها وأنصارها في هذا المجال كل غال ونفيس، وأن تستنهض همم
المسلمين في كل مكان لمناصرتها، وأن تنادي بإخراج آثار التغريب من مجال
التربية، والإعلام، والاقتصاد، وجميع المجالات التي حاولوا التغلل فيها.
ولنضرب أمثلة محدودة تدل على حتمية الصراع بين الصحوة الإسلامية
ودعاة التغريب، وأن على جميع المسلمين مناصرة علمائهم ودعاتهم؛ ليتمكنوا من
إقامة الدين الحق، وتقديمه لسائر الملل بصورته الشاملة الصحيحة، لعل ذلك يكون
سبباً في هداية الكثيرين منهم للإسلام.
المثال الاول: - يتسلط «النموذج الغربي» لا على الناس ويعطي باسم
حقوق الإنسان «الحق» للقوانين الوضعية، لتتستر على مظاهر الشرك والكفر،
وتمنع الدعوة الإسلامية من أن تنتشر مبادئها، وتعبد ربها، وأن تظلل الأرض
بتحكيم شريعته، وفضح دعاة التغريب، الذين يعتبرون قتل المجرم وحشية،
وتحريم الزنى تدخل في الحرية الشخصية، والفوائد الربوية ضرورة اقتصادية.
المثال الثاني: - يبذل دعاة التغريب جهودهم لاستمرار الاختلاط والخلاعة،
ومحاربة التستر والفضيلة.
والشريعة الإسلامية تأمر اتباعها بالتستر، كما قال الله :
[قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ ولا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ]
[النور: ٣٠ - ٣١] .
وحرم الله الزنى بقوله [ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
وسَاءَ سَبِيلاً] [الإسراء: ٣٢] .
فهل يقتنع الكفار الغربيون، وغيرهم من دعاة التغريب بأن يسلمو ويتبعوا
الشريعة الإسلامية، وينبذوا الجاهليات التي زينوها للناس؟
وهناك أمثلة أخرى في مجال الاقتصاد وغيره من المجالات لا يتسع المقام
لذكرها.
ولقد كان من جهود الدعاة والعلماء والمصلحين أن يبينوا للناس أحكام الشريعة
ومقاصدها، ووجوب التحاكم إليها، ونبذ ما سواها والكفر به، ودعوة الكفار
للإسلام، ونصحهم وجدالهم بالتي هي أحسن، وقد استفاد الناس من جهود الصحوة
الإسلامية التي تواترات بها الأخبار في كل مكان، والتي أصبح همها إحياء صفات
النموذج القدوة - جيل السلف الصالح - ليكون منهجهم هو الطريق العملي لمقاومة
أثار النموذج الغربي، وقد تربى كثير من المسلمين - ولله الحمد - على هذه
الصفات، وانتشرت طريقة السلف في مجال الاعتقاد، والتربية، والتعليم،
والصبر، والورع، والعطاء، والبذل، والولاء، والبراء، ونشر الدعوة،
والاحتساب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على مناصرة الدعوة، وحذر العلماء من الجاهلية الحديثة ومسائلها وقوانينها، ودعوا إلى وجوب إزالتها
وتغييرها، وأجمع العلماء أيضاً في هذا العصر على وجوب تطبيق الشريعة
الإسلامية في جميع المجالات، وانتشرت - ولله الحمد - جهودهم عن طريق الكتب، والمقالات، والأشرطة، والبحوث العلمية، والإفتاء والرسائل العلمية،
والمجلات الإسلامية، وهذا قليل من كثير أُشير إليه مجرد إشارة لأذكّر بالجهد
المبارك الذي بذلته الدعوة الإسلامية في مقاومة التغريب، متمنين لجهود العاملين
لنصرة الإسلام التوفيق لمزيد من العمل والصبر حتى تزول آثار التغريب من العالم
الإسلامي من كل مجال دخلت فيه، ويحل محلها الأحكام الشرعية والاعتقادات
الصحيحة، ومن المعلوم أن من أحب شيئا تمسك به، وقدمه على غيره، وأن من
أبغض شيئا تركه، فيجب على جميع الدعاة بيان الحق للناس، حتى يؤمنوا بأن الله
هو وحده المستحق للعبادة، وأن شريعته هي الحاكمة على أمورهم بإطلاق، فيحبوا
الله ، ويحبوا شريعته ورسوله ﷺ : [قُلْ إن
كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [آل
عمران: ٣١] ، وبيينوا لهم ويبشروهم بأن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً
من عند الله.
وفي الوقت نفسه يجب عليهم أن يحذروهم من أسباب الشرك والكفر وأثاره
وقوانينه، فيبغضون أثار «التغريب» والقوانين الوضعية وجميع مظاهر البدع
والشرك، القديم منها والجديد، ليعرف ذلك الجميع، وعلى الدعاة إلى الله ...
والمصلحين بذل الجهد والصبر حتى يجتمع الناس على عبادة الله وحده بلا شريك،
ويحكموا شريعته في جميع أمورهم، وحتى يزول سلطان الجاهليات والأديان
الباطلة والفساد الذي صنعته وزينته للناس الأفكار المنحرفة والأهواء المضلة،
ويكون الدين كله لله، ولا يكون منه شيء للأرباب المتفرقين، وللشرائع المتفرقة،
كما قال يوسف ﵇ وهو يبين هدف دعوته للناس: [يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ
أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ أَسْمَاءً
سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا
إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٣٩، ٤٠] .
стр. 1552
نصوص شعرية
عبوس
عبد الوهاب عبد الله
- أ -
لماذا أريد؟ !
لماذا الهدير يُمزِّق ضعفَ الوليدْ؟
ويبغي المزيدْ! !
ويُنِبت جمرَ الوريدْ!
أيبقى اللهيبُ على بابنا ينتظرْ؟
ألم ينتصرْ؟
أيَخنقُ عاصفةَ الجمر صمتٌ أشِرْ؟ !
- ب -
هراءٌ
صباح السلامْ! !
وريشُ الحمائم يا برقعاً
قاتماً في الظلامْ
هراءٌ
صباحُ الكلامُ
أيصحو المسافرُ عند اصطدامِ
السفينة؟
ويحظى من الرحلةِ الحالمةْ
بماءٍ وملحْ! !
ويَطرحُ عن كاهليه شجونَهْ
ويغفو بقاع المحيطِ
ويُكفى المئونةْ!
سلامٌ لعصف الرياحْ
سلام يُهُزُّ جذوعَ المطرْ
سلامٌ لموج الرمالْ
سلام يبث الدماءَ
حريقَ السؤالْ
هراءٌ هراءٌ
هراءٌ صباحُ السلامْ
سيورقُ فينا صباحُ اللهيبْ
ويَنتحرُ الليلُ فوق الكثيبْ
ويعلو الحبيبْ
ليخضب من دِمِه ... قدميهْ.
стр. 1553
نصوص شعرية
مدرستي الكبرى
الشيخ: عائض القرني
أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بالرقمتين وبالفسطاط جيراني
وفي ربى مكة تاريخ ملحمة على ثراها بنينا العالم الفاني
دفنت في طيبة روحي ووالهفي في روضة المصطفى عمري ورضواني
دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان
فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا ميلاد فجري وتوحيدي وإيماني
بدر أنا وسيوف الله راعفة كم حطمت من عنيد مارد جاني
كتبت تاريخ أيامي مرتلة فى القادسية لا تاريخ شروان
وما استعرت تعاليما ملفقة من صرح واشنطن أو رأس شيطان
وما سجدت لغير الله في دعة وما دعوت مع معبودنا ثاني
وما مددت يدي إلا لخالقها وما نصبت لغير الحق ميزاني
فقبلتي الكعبة الغراء يعشقها روحي وأنوارها في عمق أجفاني
وليس لى مطلب غير الذي سجدت لوجهه كائنات الإنس والجان
ليت المنايا تناجيني لأخبرها أن المنايا أنا لا لونها القاني
ليرم بي كل هول في مخالبه ما ضرني وعيون الله ترعاني
ممزق الثوب كاسى العرض ملتهبٌ أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني
وعزم عمار في دنيا فتوته أسقي شبابي من ينبوعه الداني
عصى الكليم كفى كي أهش بها على تلاميذ فرعون وهامان
في حسن يوسف تاريخي وملحمتي من صنع خالد لا من صنع ريجان
داود ينسج درعي والوغى حمم لا يخلع الدرع إلا كف أكفاني
دعني ألقن قوماً ما لهم همم إلا على العزف من دان ومن دان
قوم مخازنهم نهب ومطعمهم سلبُ موكبهم من صف فئران
يا جيل يا كل شهم يا أخا ثقة يا ابن العقيدة من سعد وسلمان
يا طارقاً يا صلاح الدين يا ابن جلا يا عين جالوت يا يرموك فرقاني
يا بائعي الأنفس الشماء في شهب من الرماح على دنيا سجستان
يا من بنوا المجد من أغلى جماجمهم في شقحب النصر أو في أرض أفغان
يا من سقوا دوحة الإسلام من دمهم من كل أروع يوم الروع ظمآن
يا صوت عكرمة المبحوح يقطعه قصتف العوالي من سمر ومران
هيا إلى الله بيعوا كل فانية فصوت رضوان ناداكم وناداني
стр. 1554
المسلمون والعالم
كامب أريحا
التحرير
في الوقت الذي كان «جنين» السلام الذي سمى «بغزة، وأريحا: أولا»
يخرج إلى النور ويرى الحياة، كان أبواه يمهدان لحفلة القدوم بطريقة مختلفة.
الأب الإسرائيلي هو الطرف الأقوى والأغنى والأقدر على رسم خريطة
الأحداث وتضاريسها، بينما كانت المنظمة الأم - كالعادة - تتقن فن الوقوف في
الجانب الخاسر ٠٠٠، المنظمة/ الأم كانت تضع آمال القضية المركزية الأولى
للعالم العربي وتاريخها وعرق الأمة ودمها وفداءها على طاولة المباحثات السرية
حيث أنها تحلم «بطفل، بعد أن شارفت على بلوغ سن اليأس، وهي التي تعد
الجميع بالمولود في كل عام، ومع كل مناسبة، لكن عوارض سن اليأس قاسية
واضحة مؤلمة، وهذا ما دفع الأصدقاء قبل الأعداء إلى التهامس بأن السيدة /
المنظمة عاقر.. عاقر.. عاقر....
حتى أشد التقدميين الماركسيين لم يستطع أن يخفي تشاؤمه وحنقه، فكتب
خطاب استقالته إلى الزعيم، وأرفقه بقصيدتين تقول إحداهما:
» لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا
والنهاية تمشي إلى السور واثقة من خطاها « [١]
نعم الجميع يتحدث عن اليأس، وسنه، ومظاهره وأعراضه، وحتى يحافظ
الزعماء التاريخيون على مناصبهم ومسؤولياتهم، فقد خرجوا بحل عبقري لم يسبقوا
إليه.
هذا الحل يقول: لابد من إنجاب طفل حتى ولو كانت ملامحه إسرائيلية
صارخة، وهكذا ولد العار في صيف لافح، وفي ليالي أغسطس الخانقة، وتسربت
أنباء الوليد/ الفضيحة، الذي اعتبرته الأم دليلاً على عنفوانها، وعنوانا لقدرتها
على البقاء حية، حتى ولو سفكت في سبيل ذلك سبب بقائها، وأُس وجودها:
قضية الشعب الفلسطيني. أما الولد المتعجرف فقد كان يتحدث بلهجته المعتادة شاتماً
إياها مهدداً بوأدها أسلوبه الرديء ... ومع أن المنظمة/ الأم أخذت في كيل الثناء
والمدح، ورسم صورة مشرقة باهرة زهرية عن الغد القادم في ظل حراب صهيون، فإن إسحاق رابين قد أفسد عليهم متعة الاحتفال، وها هو يصرخ، فيقول:
» كثيرون حاولوا أن أعترف بالمنظمة قبل هذا الاتفاق، لكني أقول لهم الآن: إن المرء لا يبيع قبل الحصول على الثمن، وقد حصلنا عليه. إننا وقعنا اتفاقا لن يزال بموجبه أي مستوطنة إسرائيلية، وسنصر على إبقاء «القدس» عاصمة أبدية لإسرائيل، ثم إنه في حالة تدهور الأوضاع ستعود الأمور على ما كانت عليه! !
إننا لن ندفع الثمن الذي دفعته ليكود في اتفاقيات كامب «دايفيد» وأضاف
في كلمة ألقاها في ٤سبتمبر ١٩٩٣ في عهد وايزمال للعلوم وبعيد إعلان الاتفاق
الإسرائيلي - الفلسطيني: «إن على اليهود أن يصيغوا السلام مع الأعداء،
وأحيانا مع أعداء سفلة» [٢] .
وفى ظل الحديث عن علاقة وتعاون ومشورة طفح بها اتفاق خروج الجنين
إلى النور بدا واضحا من هو الطرف العاجز المستسلم، بل الخائر القُوَى الذي
يصف جلاديه وقاهريه ومهينيه بأنهم شجعان وأصدقاء ومتفهمون للأوضاع وبين
الطرف الآخر في هذه العلاقة المثيرة للجدل، والذي يصف شريكه بالسفالة،
والنذالة، والهمجية ...
سفر الانهيار أم أُم الاتفاقيات؟ :
قبل الدخول في متاهات الاتفاق، وتفصيلات الاتفاقية، هناك حقائق ثابتة
ناصعة، لا يستطيع الفريق المؤيد أو الفصيل المعارض للاتفاقية أن يحجبها، أو
يلغيها من الاطار التاريخي الواقعي والتحليلي للقضية الفلسطينية، وهذه الحقائق
والمعطيات لن يستطيع أحد أن يشكك فيها، أو في أهميتها. ولعل المرتكز الأول
الذي يصلح مدلفا للموضوع، ومفتاحا له هو أن يعي الجميع - مؤيدين ومعارضين - أن العدو الذي نتحدث عنه لم يهبط علينا فجأة من سطح المريخ، أو تجاويف
المشترى، إنه عدو حدثنا عنه رب الأرباب، وخالق الأرض والسماوات، عدو
شاء المولى أن يواجهه أهل هذا الدين، وهو في بداية مساره، ثم
واجهوه مرة بعد مرة، وأثبتت كل هذه المواجهات حقائق صارخة، لا تجدي معها
تصريحات الساسة، أو نخاسة السلام، أو المتاجرين بالأوطان. حدثنا المولى عنهم
فقال: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليهود والَّذِينَ أَشْرَكُوا] ، وصدق الله، فقد أرانا إحدى آياته البينات الواضحات في هذا العصر حينما أذاق الله أمة
الإسلام الشاردة ألوانا الهول والذل على أيدي الصهاينة اليهود، الذين طردوا
المستضعفين وحرقوا الديار، وجزروا الآمنين، واستولوا على بيت المقدس،
وحرقوا المزارع، وشردوا الأحرار، وظهر حقدهم وعداؤهم لهذا الدين وأهله، كما
أبانت الآيات أن المكر يجمع أهل الكتاب، ولذا جاء النص القرآني المعجز جامعاً
لهذين الفريقين معاً، وهي آية أخرى تحققت في هذا العصر، حيث لم ير تاريخ
البشرية تعاوناً وتنسيقاً بين اليهود والنصارى كما نرى اليوم، وصدق الحق القائل:
[يا أيها اللذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ
أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ] .
أمام هذه الآيات المزلزلة ينبغي أن نعرض القضية برمتها:
- قضية الحلف اليهودي النصراني، الهادف إلى تجريد الأمة من هويتها
ومعتقدها ...
- ومصير المسارعين إلى أعدائهم، يقدمون رقابهم، لتجز في سلوك
هستيري، يرى النار جنة، والهلاك نعيماً، والموت حياة سرمدية ...
- ومصير الصابرين العاملين بصمت، لتحقيق وعد الله بفتح من عنده.
ثم على ضوء ما نستعرض حقائق قائمة، تحمل تفاصيل المشهد التحليلي:
أولاً: إن الكيان الصهيوني على الأرض المحتلة يشكل أبشع عملية استعمارية
في تاريخ العالم المعاصر، حيث وظفت القوى الصهيونية والغربية المشاعر الدينية
والاستعمارية في سبيل إقامة كيان لا يمت إلي المنطقة وثقافتها وهويتها بصلة، في
سبيل إضعافها، وفرض السيطرة الصهيونية الصليبية عليها. ورغم مرور ثلاثة
أرباع القرن على هذه الإشكالية، وبالرغم من نيل كثير من الشعوب المستضعفة
والمستعمرة حقوقها - وآخرها الشعب الأسود في جنوب إفريقيا - فإن مأساة الشعب
الفلسطيني ظلت خلال الحرب الأولى والثانية، والحرب الباردة وما تلاها تأخذ
نفس النمط: دعم المشروع الصهيوني بلا نهاية من قبل الدول الغربية - لا سيما
بريطانيا وأمريكا وروسيا - بطريقة تدل على أن المخطط المرسوم لا يتأثر حتى
بأهم المعطيات الدولية والإقليمية.
ثانياً: إن شعبا قد طرد من أرضه وسلبت ممتلكاته في ظل المخطط
الصهيوني وإن ثقافة يهودية توراتية عنصرية قد أزاحت ثقافة عربية إسلامية،
وأخذت تعمل يد التغيير في كل شيء انطلاقا من صراع حضاري بين اليهودية
المدعومة بفهم ورؤية إنجيلية، وبين الإسلام الذي كان يعيش فترة تراجع رهيبة في
بداية القرن ... هذا الصراع الحضاري انتهى في جولته الأولى بانتصار اليهود بلا
شك، وذلك لضعف المسلمين وشتاتهم، وبعدهم عن دينهم، فكان طعم الهزيمة
والانكسار يملأ الأفق: ضُيعت يافا وحيفا، وانتصبت تل أبيب رمزاً يهودياً موحياً، وكانت الفاجعة أن سقطت القدس بنصفها الغربي، ثم سقطت كاملة بعد أقل من
عشرين عاماً ...
ثالثاً: إن المجتمع الدولي بأدواته الهزيلة المضحكة قد أدان دولة الصهاينة
أكثر من مرة، وبدا واضحا أن هذا المجتمع لا قيمة له ولا وزن إذا كان الأمر
يتعلق بجزاري الشعوب الإسلامية، واتضح للشعب الفلسطيني أنه لا سبيل لاستعادة
حقوقه سوى بانتفاضة شعبية، ترتكز على معاني الجهاد، ومنطلقات الإسلام ليس
إلا.
رابعاً: صادف بروز الانتفاضة في عام ١٩٨٧م إفلاس الحلول العلمانية،
الوطنية والتلفيقية. لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية المثال الأوضح لحالة
الإفلاس العلماني، البعيد عن خط الإسلام، ما شكلت حالة إدانة واضحة للواقع
السياسي في العالم العربي، الذي يشكو من الاغتراب الفكري والسياسي، والتبعية
للقوى الخارجية، وسوء القيادة، وقصر نظرها.
خامساً: لأول مرة منذ بدء الصراع يتبنى الشعب الفلسطيني - لا سيما في
قطاع غزة - حلاً إسلامياً للمشكلة ورؤية عقدية للصراع. ومن السخرية أن دماء
شباب الانتفاضة وجهادها شكل الوقود الحقيقي للحل السلمي المطروح، فالجميع
يعرف أنه لولا الانتفاضة لما فكرت إسرائيل في طرح الحل السلمي، بل ولما نادت
بالانسحاب من غزة دون شروط.
إذن فهذه المعطيات السابقة تدلل بصورة قاطعة على وجود هوة عميقة بين فهم
إطار المشروع الغربي/ الصهيوني المثقل بأنهار الدم وضحايا قنابله العنقودية،
وعجرفته العسكرية، وآلته الصماء، التي امتدت آلتها من تونس حتى المفاعل
النووي في العراق، وبين المقاومين من رجال المنظمة، الذين نجحوا في تحويل
القضية إلى قضية السيادة على نظافة المدن: وحصص الدراسة! وملاحقة
المجاهدين! اللذين يرون في الصراع سلسلة حلقات الصراع الحضارى، الذي
يتحدث الغرب ومنظروه عنه بلا حياء أو موارية، ويركز على أمور معينة بإيحائية
شديدة، تصل إلى حد المباشرة، كما يحدث الآن في الحديث عن القدس، التي
تشكل رمزا للماليزي، كما تشغل بال السنغالي المسلم، والتي جعلها الاتفاق سلعة
كاملة للتفاوض في مرحلة لاحقة، بينما يصرح الجانب الأقوى في وجه اللاهث
عرفات: «القدس عاصمة أبدية لإسرائيل» !
لقد وصف أحد مساعدي عرفات الاتفاقية بأنها أم الاتفاقيات «اقتباسا من
القطب العلماني والصديق الحميم لعرفات: صدام حسين، بينما كان أشد المقربين
من عرفات يشهدون - والحق ما شهد به حاشية عرفات الماركسية - بأن الاتفاق
جزء من سفر يكبر يوما بعد يوم هو (سفر التنازلات) ! :
» من سيُنزل أعلامنا: نحن أم هم
ومن سيتلو علينا معاهدة الصلح ... «
والجواب إنه المناضل الختيار الأراجواز أبو عمار، الذي يخاطبه زميله في
التيه مضيفا:
» لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة، لكن عرشك نعشك فاحمل النعش كي تحفظ
العرش يا ملك الانتظار.
إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار « [٣]
- يا سقى الله الكامب الأول!
ما بين الكامب الأول (كامب ديفيد) والكامب الثاني (كامب أريحا) هناك فاصل
زمني يقارب الخمسة عشر عاما، كما أن هناك مساحة عريضة من التنازلات
والاستسلام، تجعل من (كامب ديفيد) إنجازا بكل المقاييس عند مقارنته بالاتفاق
الأخير ... ، وبالطبع فإن عرفات وجوقته قد غيروا من إيقاع نشيدهم المبحوح،
فبعد الهجاء، والشجب، والاستنكار، والنواح، واللطم، والتخوين غدت الخيانة
إنجازا، والهجاء مدحا، والشجب احتفالا، والنواح» دبكة «!
الكامب الأول الذي رفضوه عادوا ليقبلوا بمعشاره أو أقل، وهناك أسباب لا
يمكن إغفالها، تدعو المنظمة وقيادتها المعزولة للقبول بهذه الاتفاقية، وأهمها ضعف
المنظمة، وابتعاد الشارع الفلسطيني عنها، بل وصل الأمر إلى القمة، حيث
استقال الشيخ السائح، ثم هدد ثلاثة من الوفد المفاوض بالانسحاب، ثم استقال
محمود درويش، وشفيق الحوت: عضوي اللجنة التنفيذية، للمنظمة مما دفع مجلة
الأيكونمست البريطانية للقول:» لو لم يعقد عرفات هذا الاتفاق اليوم فإنه حتما لن
يكون المتحدث باسم الفلسطينيين بعد عام واحد من الآن، حيث أن شعبية المنظمة
آخذة في التبخر «.
وفي الجانب الإسرائيلي فإن الاتفاق يحل لها العديد من المشكلات الخانقة،
كوجود مناطق توتر مكتظة كغزة التي شكلت بؤرة صداع مستمر لإسرائيل، وربما
شكلت المناطق الجديدة» أرضا لإلقاء العناصر المشاغبة، بدلا من طردهم للبنان،
حيث يضر هذا بسمعة إسرائيل، التي تريد مأمورا فلسطينيا كعرفات، يقوم بدور
تأديب أعداء السلام «.
ولا شك أن الوضع المالي المتأزم للمنظمة ساهم في إسراعها إلى عقد صفقة
يخرج بها فريق عرفات بأقل الخسائر، وفي الوقت ذاته يرى بعض الفلسطينيين -
لاسيما النافذين في المنظمة - أن عرفات أوجد هذه المشكلة طمعا في تركيع الشعب
الفلسطيني، وتجويعه للقبول بأي حل يكفل زعامته! انطلاقا من الحكمة التي تؤمن
بها الزعامات العربية منذ العصور الجاهلية» جوع كلبك يتبعك «.
لكن التركيع بهذه الصورة لن يأتي بالنتائج المطلوبة، خصوصاً إذا عرفنا أن
الشعب الفلسطيني مسيَّس، وصلب العود، لا سيما في السنوات الأخيرة.
إن الاتفاقية التي وقعت تترجم مرحلة جديدة يُراد للمنظمة وعرفات أن تشارك
فيها، من أجل خنق الخيار الإسلامي، وهذا ما صرح به المسؤولون الإسرائيليون
الذين وضعوا الاتفاق كمخرج لتضاؤل عرفات وجماعته، حيث العدو المشترك (كما
يصورون) للمنظومة العلمانية والصهيونية يزداد ظهورا وشعبية. لقد رضي
عرفات - الجائع للزعامة - بقبول دولة ال ٤٠٠ كم ٢ المسلوبة السيادة، والبعيدة
عن القدس والتي أججت من حدة الخلافات في البيت الفلسطيني، وامتدت لتشغل
التفاعل الغاضب في قلب كل مسلم يتعبد الله بحب بيت المقدس ومسرى المصطفى
ﷺ .
لقد لخص شيخ فلسطيني هذه المأساة بقوله:» إن مصير المسلمين في
فلسطين سيكون مشابها لمصير مسلمي البوسنة ... «وإحقاقا للحق فإن علي عزت
بوجوفتش يرفض حتى الآن اتفاقية الدويلة الممسوخة، التي تشكل إنجازا بجانب
دويلة أريحا، حيث إن غزة مغرم ولست مغنما.
وهذا ما دفع إدوارد سعيد المفكر النصراني الفلسطيني الأمريكي للقول:» إن
المرء يتساءل: لماذا هذا الضعف أمام المشروع الإسرائيلي الذي يتطلب نوعا من
السجود المطلق أمام الإسرائيليين والأمريكيين إلي هذه الدرجة؟ ونحن شعب
مقاتل ... «
إنها مأساة القيادة المتعبة المريضة المضطربة، المنحرفة البعيدة عن نبض
شعبها، التي خاطبها أحد قيادتها في لبنان قائلا:» إذا كنتم تعبتم من النضال
فتنحوا لغيركم أو أتركو النضال لغيركم «
стр. 1555
المسلمون والعالم
نظرة عابرة على
واقع المسلمين المعاصر في الهند
(١)
أحمد بن عبد العزيز أبو عامر
المسلمون في الهند أكبر الأقليات في العالم، إذ يزيد عددهم على ١٢٠ مليون
نسمة في بحر من السكان الوثنيين من هندوس وسيخ وبوذيين وغيرهم. وكانت
وجهة نظر بعض علماء ومفكري المسلمين في الهند قبل الاستقلال عدم تقسيم البلاد
بين المسلمين وغيرهم، وكان على هذا الرأي العلامة: أبو الكلام آزاد، والعلامة:
أبو الأعلى المودودي، وغيرهما. لكن الرأي الآخر المنادي بالتقسيم وإقامة دولة
مستقلة للمسلمين هي (باكستان) قد تَغلَّب فيما بعد، وبقي من بقى من المسلمين في
الهند أقلية، مما أفقدهم الكثير من عناصر قوتهم. ومعاناتهم اليوم - التي سأشير
إلى بعض منها فيما بعد -إنما هي نتيجة طبيعية لذلك التقسيم، الذي انقسم بموجبه
المسلمون في الهند إلى قسمين كما هو معروف. والحق أن المسلمين في الهند هم
أحسن شعوبها خلقاً وتعاملاً، ويتميزون عن غيرهم من شعوب القارة الهندية بسمات
مميزة منها:
١ - الكرم وبذلهم ما يستطيعونه لإكرام ضيوفهم، مع ما يعانيه أكثرهم من
فاقة وضعف حال، وهذه الخصلة اكسبتهم إعجاب غير المسلمين، ودفعتهم للإسلام
إعجابا بهذا الخلق الرفيع، وقد ذكر (أبو الحسن الندوي) صوراً من تلك المواقف
في كتابه: (المسلمون في الهند) .
٢ - حبهم للإسلام، ولنبيه ﵇، ولديار الإسلام لا سيما (الديار
المقدسة) ، وتمردهم على العنصرية والنزعات القومية والوطنية الضيقة، وتفاعلُهم
مع إخوانهم المسلمين معروف وملموس.
٣ - امتيازهم بأخلاقهم وأدائهم لأعمالهم على أحسن وجه، ومجانبتهم لرذائل
الأخلاق في تعاملهم.
٤ - بسبب كثرة الطرق الصوفية في بلادهم تأثر الكثير منهم بها وبما هى
عليه من غلو في الصالحين والتمسح بالأضرحة والقبور، وبخاصة العامة منهم من
مريدي تلك الطرق المبتدعة.
(ثورة الهند الكبرى ١٢٧٣ - ١٨٥٧م) :
بدأ ضعف الدولة المغولية المسلمة الحاكمة آنذاك للهند منذ أواخر القرن السابع
عشر الميلادي، حينما بدأت الأحوال تتغير بتدخل (شركة الهند الشرقية) الإنجليزية، التي سيطرت على معظم أنحاء الهند في بداية القرن التاسع عشر الميلادي،
وانحسر أمر المملكة المسلمة في العاصمة (دهلي) وبالذات في (الحصن الأحمر) ،
وأمام هذا التدخل المريب تنادى العلماء والدعاة للجهاد ضد أولئك الغزاة، وتفجرت
الثورة وامتد لهيبها، واستولى المجاهدون والأهالي على معظم الأماكن الاستراتيجية؛ حتى كادت السلطة الإنجليزية تسقط أمام عنفوان الجهاد، إلا أن الإنجليز ومن
بقى معهم من الجيش الهندى استطاعوا أن يمسكوا بخناق المجاهدين، وان يلتفوا
عليهم عام ١٢٧٣ هـ بما لديهم من إمكانيات عظيمة تفوق ما لدى المسلمين،
وبذلك تلاشت المملكة المسلمة من خارطة الهند، واستولى الإنجليز على الحكم
وانتهى حكم الشركة الإنجليزية. وقد سام الإنجليز المسلمين سوء العذاب،
وصادروا أموالهم، وانتهكوا حرماتهم؛ لأنهم كانوا في طليعة الثورة ضدهم،
فخططوا للقضاء على المسلمين قضاءاً مبرماً بوسائل منها: إبعادهم عن المناصب
الحكومية، ووضع نظام تعليمي يصادم دينهم وصارت كلمة (وهابي) لفظة يخوف
بها المسلمون، فاستغل الهندوس ذلك الموقف الحرج للمسلمين، فانتقموا منهم شر
انتقام، وتحولت حياة المسلمين الدينية والسياسية تحولاً كاملاً للأسوأ، وبقى العامة
لا قادة لهم حينما انقطع جل العلماء للحلقات والزوايا بينما الأعداء يستولون على
الأراضي بالحديد والنار، وصار المسلمون في حال لا تسر الصديق حيث أصبحو
فئتين متناقضتين هما:
أ - فئة آمنت بالعلوم الغربية، ورأت الأخذ بالحياة الغربية على علاتها سبيلا
للنهضة.
ب - فئة أخرى رأت التمسك بما ورثوه من علوم جامدة وأساليب متوارثة
رأت أنه لا يمكن العدول عنها.
وكاد الدين يضيع بين جاحد وجامد كما سنرى، ويمكن تلخيص التيارات
والحركات التي سادت بين المسلمين بالهند كما يلى:
أولا: حركة السيد أحمد خان:
لما رأى الرجل انهيار الحكومة المغولية المسلمة، وإخفاق الثورة الكبرى،
واطلع على أسباب ذلك الإخفاق، ورأى سطوة المستعمر الذي سيطر على مقاليد
البلاد وهوان شعبه، ولما كان له سابق علاقة بالإنجليز بحكم عمله معهم أعجب
بمدينتهم؛ فصار يدعو لتقليدهم والسير على منوالهم، والحث على التشبه بهم في
عاداتهم وأساليب حياتهم. وقد أثر عنه قوله: «لابد من قبول الحضارة الغربية
بكاملها حتى لا تزدرينا الأمم المثقفة، فأسس كلية (عليكرة) الشهيرة، التي أصبحت
فيما بعد جامعة كبرى، وشرع الرجل في تفسير القرآن محرفا الكلم عن مواضعه
ليوافق ما لدى فلاسفة الغرب؛ فأنكر المعجزات والجن وتعدد الزوجات وغير ذلك
مما هو معروف لدى أصحاب المدرسة العقلية.
- جوانب الضعف في منهاج الرجل: تبين من استقراء منهج الرجل مظاهر
ضعفه المتمثلة فيما يلي:
١ - نقله المنهاج التعليمي الغربي بحذافيره من دون إخضاعه لمبادئ الإسلام، وتجاهله لطبيعة المجتمع المسلم الذي يريد إصلاحه والنهوض به.
٢ - اقتصر في منهاجه التعليمي على اللغة والآداب، ولم يعن بالعلوم
والفنون التطبيقية العناية الواجبة، بل عارض ذلك بشدة بدعوى أهمية الثقافة
الفكرية على غيرها، وهو في ذلك واهم ولا شك.
لقد تنبه السيد أمير علي الزعيم الهندي المسلم لم اعترى خطة السيد أحمد خان
من قصور، ومع إيمانه بالمنهج التربوي الثقافي في الإصلاح إلا أنه أبرز الدور
السياسي بتأسيه عام ١٨٧١ م (الجبهة الوطنية الإسلامية) للدفاع عن حقوق
المسلمين بالهند، وتحديد وضعهم السياسي بما يتفق وعددهم، وأهميتهم، وتاريخهم
وتمثيلهم عادلا. وفي هذه الظروف ظهر الزعيم المسلم أبو الكلام آزاد وكان له من
ثقافته الإسلامية والعصرية ما مكنه من بلورة برنامج إصلاحي متكامل لمواجهة
مشكلات المسلمين الخطيرة، وكانت مجلته (الهلال) لسان حال حزبه. ومما يؤخذ
عليه نزعته القومية التي جعلته يدعو إلى تعاون المسلمين والهندوس ضد بريطانيا.
ثانياً: مدرسة ديوبند الإسلامية:
وكان لمدرسة السيد أحمد خان ردود فعل معاكسة لدى بعض العلماء المسلمين، الذين رأوا فيها خطرا على مستقبل الإسلام وأهله بالهند، وضياعا لشخصيتهم
بتقليدهم لأعدائهم، لاسيما بعد سطوع نجم المدرسة السلفية بشخصي الشيخ: أحمد
السرهندي والشيخ: أحمد بن عرفان - اللذين استشهدا في الجهاد ضد الإنجليز -
فآثر أولئك المشايخ فتح مدارس دينية في القرى والأمصار ليس للحكومة عليها يد،
فكانت نواتها مدرسة ديوبند التي نمت وترعرعت برعاية أهل الرأي من علماء
الكلام ومتعصبة الحنفية، الذين فتحوا باب التأويل للحديث لترجيح مذهبهم،
وتأثروا بمثل الشيخ الكوثري الذي ناصب أهل السنة العداء، وهذا ما ظهر في
كتابات علمائهم: حبيب الرحمن الأعظمي، ويوسف النبوري، وأنور شاة
الكشميري، ولم يرضوا بأي تعديل أو تغيير في مناهجهم لمواجهة عواصف
التغريب والإلحاد، ومن متأخري هذه المدرسة (جماعة التبليغ) ومن أشهر رجالها
الشيخ: محمد زكريا مؤلف (تبليغي نصاب) المحشو بالشركيات والطوام، وكذلك
محمد حسن السنهلي، وحسين أحمد المدني، وغيرهم: ومازال لكثير من علماء
هذه المدرسة مواقف مغرضة وحاقدة ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا
لشيء إلا لكونها فضحت منهجهم القبوري وعقائدهم الشركية: ولمزيد من الاطلاع
على هذا الاتجاه انظر كتاب (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في القارة الهندية
بين مؤيديها ومعارضيها) للأستاذ أبو الكرم بن عبد الجليل السلفي وكذلك كتاب
الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف عن مناوئي الدعوة السلفية بنجد، وهما مطبوعان.
ثالثاً: المدرسة الوسطى الإصلاح:
لما استمر حال تلك المدرستين على ما هما عليه من منطلقات فكرية تخرجت
أجيال من الاتجاهين يكره كل منهما الآخر، مما جعل الشعب المسلم في الهند
يضيق ذرعا بالشقاق والصراع بينهما، فنادى نفر من العلماء الصالحين وذوي
الرأي بالاعتدال، وضرورة الجمع بين الأصالة والمعاصرة فكان نشوء (ندوة
العلماء) عام ١٣١٠ هـ بعد ربع قرن من نشوء عليكرة وديوبند حينما اجتمع أولئك
النفر من العلماء برئاسة الشيخ محمد علي المونكيري الذي تبنى فكرة (ندوة العلماء)
وتولى تأسيسها، ووضع قواعدها في جلسة حضرها ١٤ من كبار العلماء بمدينة
(كانفور) . وأيدوا الفكرة بالإجماع، وتم التأسيس لها لتكون جبهة قوية لمواجهة
أخطار الحضارة الغربية وقمع مفترياتها، وردّ أسطورة (فصل الدين عن الحياة)
وإعادة ثقة المسلمين بدينهم الخالد ومستقبلهم المشرق، وأدرك الشيخ المونكيري
أهمية إصلاح التعليم، وضرورة وضع نظام شامل متزن يجمع بين التربية والتعليم، وبين أصالة العلوم الإسلامية وأهمية العلوم التطبيقية، فوضع خطة لتأسيس (دار
العلوم) وتم عرضها على المجلس التأسيسي في١٧/١/١٣١٣فوافقوا عليها بالإجماع.
ولما اتسع العمل على جهود الشيخ المونكيري قيض الله له رجالا أكفاء ذوي
خبرات وفي مقدمتهم العلامة شيلي النعماني الذي أشرف على نظام التعليم وعلى
تنفيذ برامجه ومراقبة سيره، فاستطاع أن يكسب لها شهرة واسعة. وما لبثت هذه
الجامعة فيما بعد أن خرجت أعلام الإسلام المعاصرين في الهند، ومنهم: سليمان
الندوي، ومسعود الندوي، وأبو الحسن الندوي، وغيرهم كثير بن العلماء العاملين، ومن أشهر مطبوعات هذه المؤسسة: مجلة (البعث الإسلامي) .
رابعاً: المدرسة السلفية ودورها في حفظ العقيدة:
حينما ضعف الاهتمام بالحديث وعلومه في البلاد العربية وكاد يتلاشى قيض
الله له الحفظة من العلماء بالهند، حيث أسست مدارس خاصة بالحديث وعلومه منها: مدرسة شاهي بمراد آباد، والمدرسة الأحمدية في لهريا سراي، والمدرسة
الرحمانية في دربهنكا، وغيرها.
ومن أشهر علماء المدرسة السلفية بالهند الشيخ العلامة: ولي الله الدهلوي
الذي درس السنة على علماء الحرمين أمثال أبو طاهر الكردي، ومحمد حياة
السندي أستاذ الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) وقد سار أبناؤه على نهجه السلفي،
واعتنوا بالحديث النبوي، وهم: ابنه الشاه عبد العزيز الذي حل محل والده،
وكذلك إخوانه: رفيع الدين، وعبد الغني، وعبد القادر وكذلك ابن أخيه الشاه
إسماعيل بن عبد الغني، وكان لهم دور كبير في نشر السنة ومحاربة البدع
والمبتدعة. ومن علماء المدرسة السلفية الآخرين بالهند العلامة: صديق حسن خان، والسيد ندير حسين، وأبو الوفاء ثناء الله الامر تسري، ومحمد بشير السهسواني، وغيرهم: ومن جهود أهل الحديث بالهند تأسيسهم (جمعية أهل الحديث) عام
١٣٨٣ هـ، وإنشاء (الجامعة السلفية) في بنارس ١٣٨٥ هـ، (مجمع البحوث
الإسلامية) وهو تحت إشراف مركز أبي الكلام آزاد للتوعية الإسلامية ويرأس
المركز الشيخ عبد الحميد الرحماني ومن أهم أهدافه العلمية ما يلي:
١ -إحياء نفائس تراث سلفنا الصالح.
٢ - نشر الثقافة الأصلية المستمدة من الكتاب والسنة.
٣ - الدعوة إلى العودة بالأمة للاعتصام بالوحيين ونبذ الشرك والكفر والإلحاد.
٤ - معالجة القضايا الجديدة في ضوء الكتاب والسنة وبفهم السلف الصالح.
٥ - محاربة البدع والأهواء والعادات المستنكرة في أوساط المسلمين
وتبصيرهم بالحق ودليله ومن جهود الجامعة السلفية العلمية إقامتها ندوة علمية
عالمية عام ١٤٠٨ هـ عن شيخ الإسلام ابق تيمية ومآثره التجديدية وأعماله الخالدة، وفي عام ١٤١٢ عقدت مؤتمرا عاما للسيرة النبوية شارك فيها الكثير من علماء
ومفكري الأمة الإسلامية، وألقيت فيها العديد من الدراسات العلمية الهامة.
ومن أبرز شباب التيار السلفي في الهند صلاح الدين مقبول أحمد وعبد
الرحمن الفريوائي، وأبو المكرم السلفي. ولهم أبحاث هامة عن دور الدعوة السلفية
في الهند مذكورة ضمن مراجع هذا المقال، ومن أهم مجلات الدعوة السلفية بالهند
مجلة (صوت الأمة) ويرأس تحريرها الشيخ مقتدى حسين الأزهري، وهو وكيل
جامعة بتارس السلفية بالهند.
الواقع الاجتماعي والتشريعي للمسلمين بالهند:
المجتمع المسلم هناك مجتمع محافظ متمسك بآداب الإسلام، لا سيما في
النواحي الاجتماعية التي هي محل اهتمام أعداء الإسلام لمحاولة هدم مجتمعهم
وتغريبه.
ولقد اهتم المسلمون بالمرأة وتكريمها في الوقت الذي كانت المرأة الهندوسية
فاقدة لإنسانيتها، بل قد تضطر لإحراق نفسها تفاديا لإهانات الهندوس.
ومع اهتمام المسلمين بتعليم الفتيان إلا أنهم لم يهتموا بتعليم المرأة كالفتى،
وكل ما حصل في بدء تعليمها أنها لقنت شيئا من القرآن الكريم لكسب الثواب
ولأداء العبادة، دون أن توجه إلى فهمه وإدراك مراميه. ومن هنا وجد المستعمر
والمبشرون ثغرة استغلوها بجلب فتيات متعلمات لتدريس بنات الأمراء والأعيان،
وتربيتهن على الأسس الغربية، ثم أقنعوا بعض الأهالي بتدريس بناتهم في تلك
المدارس التي تبث السم في الدسم، ولذلك حث (كارسان دتاسي) الإنجليزي في
خطبته الحولية عام ١٨٧١ على التعليم النسوي، وحصر النتائج بقوله» إن النشء
الجديد سيملك السبق في الفكر، وينجو من ضيق الأفق، ويلغي جميع التقاليد البالية «وتحت ضغط القيم الإسلامية السائدة بدأ تعليم البنات غير مختلط، ولم يستطيعوا
الدعوة للاختلاط إلا عام ١٩٧٤ حيث تقّبل الناس ذلك وأصبح مألوفا.
وصدرت خطة التعليم الخمسية عام (١٩٤٧ - ١٩٥١) ، ومن أهدافها:» أن
تبذل الدولة الجهود بواسطة الدعاية التعليمية للقضاء على التعصب في الأوساط
الريفية ضد التعليم المختلط «وحينما استطاع دعاة التغريب استغلال تعاليم الإسلام
للترويج لتوجهاتهم نجحوا في خداع المرأة والدعوة لفرنجتها - كما فعل دعاة
التغريب في الشرق العربي أمثال قاسم أمين وبطانته - مما ساهم في تخلي الكثير
من النساء المسلمات عن قيمهن الإسلامية تحت دعاية تحرير المرأة، والدعوة
لمساواتها بالرجل، فشقين أولئك المخدوعات زمنا، ولما رأينا نتيجة ذلك انحرافا
وتدهورا ظهرت صحوة إسلامية في محيطهن؛ فتمردت الكثيرات على تلك
الأحاييل، وعدن إلى الله وتحجبن طاعة لله ورسوله، فلله الحمد والمنة.
النظم التشريعية وكيف انحرفت:
بدأ الانحراف بالقضاء على التشريع الإسلامي علنا على يد الإنجليز عام
١٧٧٢م حين أسند منصب رئيس القضاة لملك انجلترا. وبدأ التشريع الوضعى يأخذ
طريقه لساحة القضاء. والمتتبع لحركة هذا الانحراف لا يخفى عليه أن الإنجليز قد
هيأوا الأسباب لنقض التشريع الإسلامي عروة عروة، بدءا بتحديد مجال تطبيق
الشريعة.
وبعد قرن غمر الإنجليز البلاد بتشريعاتهم الوضعية منذ بداية العقد السابع من
القرن ١٩ وكانت سياستهم على حد قولهم: (بطيء ولكن أكيد المفعول) ففى خلال
٣٠ سنة من القرن الماضي وضعت كل التشريعات البشرية بعدما استفادوا من
التشريعات الإسلامية خوفاً من الصراع مع المسلمين.
стр. 1556
المسلمون والعالم
ما هكذا تكون إرهابياً ... أيها الأسمر !
د/ عبد الله عمر سلطان
وأخيرا عملت آلت التصنيف عملها، حين أدرجت السودان في قائمة الإرهاب
العتيدة ...
هذه القائمة تصغر عاماً، وتنمو بصورة مذهلة في عام يليه، دون أن يكون
هناك قانون ثابت يحكمها أو ناموس واضح يفسرها ... ولهذا فإن على المشبوهين
المسجلين في قائمة الانتظار أن يتحلوا بشيء من الصبر، وكثير من الدهاء، حتى
ينجوا من «العقوبة» التي تطاردهم ... إن ناظر المدرسة الأمريكي - الذي هو
طالب يتمتع بكثير من العضلات المفتولة - قرر بعد أن انتقل من مقاعد الطلبة إلى
مكتب الإدارة «الدولية» أن يسلط بعض «قوته وجبروته حين يمنح شهادة حسن
السيرة والسلوك لزملائه ... هذه الشهادة تمثل فكرة جميلة، ويُمنح بموجبها العضو
المنضم إلى محيط المجتمع الدولي شهادة حضارية على نبل سلوكه، وبعده عن
اللجوء إلى أساليب الإرهاب والبطش ... صحيح أن الفكرة جميلة وحضارية وراقية
إلا أن همساً يدور بين أوساط الأقران في» المدرسة الدولية «يقول: كيف يمكن
لعضو ندّ لَنا أن يمارس علينا دور الأستاذية، بغض النظر عن نبوغه وقدراته
وثروته ... إنها مسألة مبدأ، فالأقران من الطلبة والأفراد، والجماعات والدول
متفاوتون حتماً ... بعضهم نابغ، وثانٍ ورثَ ثروة لم يتعب في تحصيلها، وثالث
جاد مجد غير موفق، ورابع محظوظ ... لكنهم في النهاية أقران مشتركون في
مساحة معينة وثابتة، ولذا فليس من حق التلميذ القوي أن يفرض جبروته على
الضعيف لمجرد أنه مفتول العضلات، أو أنه يملك أسلحة رعب ودمار، ويذكر
بأنه صبها على رأس الملايين من الأبرياء قبل خمسين عاماً في هيروشيما
وناجازاكي؛ لمجرد إثبات جنون الدمار المتمكن في ذاته، أو تكريس مبدأ الهزيمة
والعار للجانب المستسلم تحت ظلال الدخان النووي المدمر! !
من الطبيعي إذن - والحالة هذه - أن يتساءل المتابع لقائمة الإرهاب السنوية
وأن يلقي بعض الملاحظات بعد أن يتجاوز إشكالية شرعية إصدار قائمة للإرهاب
من قِبل جهة تتهمها جهات كثيرة بأن لها تاريخاً طويلاً في استخدام العنف
وتكريسه ...
لقد خلت القائمة الأمريكية من ذكر دولتين تمارسان الإرهاب وقذف الرعب
في قلوب الأبرياء قبل صدور اللائحة في صورتها النهائية وأثناءه وبعده؛ فإسرائيل
قامت خلال صيف هذا العام بغزو بربري لجنوب لبنان بحجة ضرب حزب
الرافضة المسمى بحزب الله في الوقت الذي شردت فيه أكثر من نصف مليون مدنى
بريء، وطاردت طائراتها الأطفال والنساء والشيوخ حتى مشارف الشمال السني..! ... دع عنك ما تردده منظمات حقوق الإنسان من إدانة دامغة لسلوك إسرائيل العدواني
تجاه سكان الأراضي المحتلة، واستخدام أساليب إرهابية مبتكرة، كتدمير منازل
المشتبه بهم، وتبنى المجتمع الدولى لقرار يجبر إسرائيل على إعادة المبعدين
المدنيين إلى ديارهم شاهدُ آخر على قبح السلوك الإرهابى الإسرائيلي، الذي يصب
جام غضبه على أبناء الأمة منذ أكثر من نصف قرن فإذا لم تكن إسرائيل إرهابية
فمن الإرهابي إذن..؟ ؟ ربما يقول ساذج: الصرب الذين دمروا المساجد الآمنة
وهتكوا عرض ١٠٠. ٠٠٠ امرأة، ومارسوا التطهير العرقي، وأبادوا الحرث
والنسل، وبقروا البطون، ومثلوا بالأحياء والأموات ... ! والجواب بـ كلاّ..»
كبيرة جداً، فالصرب الهمج لا تشملهم قائمة الإرهاب الأمريكية، مثلهم مثل اليهود، والسبب يتضح ببساطة حيث أن المقصود بهذه القائمة إرهاب الشعور النصراني
اليهودي ليس إلا!
* معظم الدول التي جاءت بها القائمة دول إسلامية، ابتليت بجزارين وطغاة، صنعتهم مبادئ الغرب وقيمه، سواء أكانت وطنية، أو قومية، أو اشتراكية،
فالعراق يسدد جرائم البعث، وليبيا عليها أن تقاسي من جراء انفصام شخصية
القذافي، أما إيران فإن حكم الملالي لا يتورع عن استخدام العنف لتحقيق أحلام
الخميني الهالك، أو بروتوكولات حكام (قم) . وقس على ذلك ... إن القائمة إن
شملت كوريا الشمالية فإنما يصب إدخالها في خانة الإسقاط النفسي القائل بأن
الإرهاب هو سلوك يرتبط بالإسلام والشعوب التي تدين به!
إن أمريكا بأقمارها الصناعية، وطائراتها التجسسية، وعملائها المبثوثين فى
الأرض، والبحر، والجو، عجزت عن أن تقدم دليلاً واحداً لهذا السلوك السوداني
الإرهابى، والمعروف عن أجهزة التجسس الغربية أنها تُتبع التهم بالأدلة حتى
ترسخ التهمة بالنسبة للشعوب التي تحكمها، وتثير الفزع في قلب الضحية والمتهم!
فهل عجزت الأجهزة التي تراقب مستودعات تخزين الأسلحة، ومواقع صواريخ
محددة عن الإتيان بدليل مقنع ومبرر مقبول، أم أن الاتهام سياسي في أساسه كما
قال (وليم كوانت) الخبير بشؤون الشرق الأوسط الذي يرى أن إدراج السودان هو
إشارة سياسية ضاغطة للحد من التوجه الإسلامي في هذا البلد؟ !
كان بإمكان (جون جرنج) أن يستمر في ممارسة تمرده، وما يصاحبه من
تقتيل، وتشريد، وإرهاب، جعل الجنوبيين أنفسهم يبتعدون، وينشقون عنه وعن
حركته البربرية، التي لا تراعي حقوقاً إنسانية أو أخلاقية. ف (جرنج) صنيعة
مجلس الكنائس العالمي مدعوم بصورة مكشوفة، بالرغم من أنه يقود حركة تمرد
ضد حكومة معترف بها دولياً، ورغم ذلك فلم يرف جفن خبراء الإرهاب في وزارة
الخارجية الأمريكية؛ لأنه مضموم ضمناً إلى قائمة إسرائيل وصربيا لا ضر من
ممارساتها الإرهابية؛ طالما أن الضحايا من الذين يحملون شهادة التوحيد في
صدورهم....
فالسودان الشمالي المسلم إذن لم يعرف كيف يفهم أن يكون محاكياً لرابين، أو
بيجن، أو شارون، أو ميلوسيفتش، أو كارفاجيش ومن الفصيل «الحضاري»
الذي يعلي من شأن حضارة الرجل المسيحي الأبيض، والذي قد يقبل في زمرته
أتباع الكنيسة السُمر، كجون جرنج، ونيريزي من قبل، اللذين افتتحوا فرعاً كنسياً
جنوبياً يهدد بخنق منابع النيل والانتشار الحضاري للإسلام في القارة السوداء. ولو
رضي السودان الأسمر بزعامة عصابات «جون» فإن اسمه سيُمحى من القائمة
آلياً؛ لأن من يريد أن يمارس الإرهاب كما يريد التلميذ الفُتوَّة، فإن بإمكانه أن
يفعل ذلك، حتى ولو كان أسمراً! ! أما إن كان أسمراً ومسلماً في الوقت نفسه فإن
همساً يجري تداوله في محيط الأسرة الدولية يحذر من الجمع بين سمرة البشرة،
والإسلام، والقبول في المحيط الدولي المتحضر، الذي لا يفهم إلا القوة والجبروت
حين تصبان ضد سودان (أسمر مسلم مستقل) وهى صفات يستحق من يحملها أن
يسارَع إلى رميه بشتى النعوت والتهم! ولكن السودان الأسمر لو انحرف عن
توجهه فإنه حتماً سيكون مقبولاً بكل بشاعته وإرهابه، حتى ولو كان في قبح جون
قرنق وأفراد عصابته إن القانون يريد إرهابياً كهذا! يرحب به ويقول له: «هكذا
تكون إرهابياً ... أيها السودان الأسمر!» .
стр. 1557
المسلمون والعالم
مجاهدو مورو لم يهزمهم الاستعمار
لكن هزمتهم مائدة المفاوضات
التحرير
وردنا البيان رقم (٢١) (٤١٤هـ، ١٩٩٣م) من لجنة الإعلام الخارجي
لجبهة تحرير مورو الإسلامية، وفيما يلي عرض لأهم ما تضمنه ذلك البيان:
أكد لنا التاريخ أن الاستعمار الصليبي - رغم جهوده - لم يهزم مسلمي مورو
في ميدان الحرب، ولكنه هزمهم في مائدة المفاوضات. لقد خاض مسلمو مورو
أطول حرب في التاريخ كما قاله المؤرخ الأمريكي فيك هارلي في كتابه (هسهسة
السيف) ، وفيما يلي مقتطفات وترجمة من الكتاب المذكور: «تعتبر بلاد بانجسا
مورو من أقدم ميادين الحرب في العالم، فقد خاض مسلمو مورو حروباً مريرة
استمرت ٣٧٧ عاما ضد الحملات الأسبانية المتتالية التي شهدتها الأجيال المتلاحقة، ولعل العالم لم يسجل حروبا دامية مريرة أطول من حروب مورو ضد الأسبان.
وقد فشلت محاولات المعتدين للسيطرة على شعب مورو الشجاع وفي عام ١٨٩٩ م
ألقى المعتدون سلاحهم وغادروا المنطقة خائبين ذليلين، وانتصر السيف على
البندقية، وبقي شعب مورو وبقيت عقيدته حيث انتصر الإسلام على الصليب في
أرض بانجسامورو» . هذه ترجمة ما قاله المؤرخ الأمريكي في كتابه المذكور.
ومضى قائلاً: «وفي غرة القرن العشرين جاء الأمريكيون، وحاولوا عبثاً أن
يخضعوا مسلمي مورو لحكمهم، وعندما أدرك الأمريكيون أن مسلمي مورو لا
يعرفون الاستسلام، بل يحبون الموت (الاستشهاد في سبيل الله) ، ولن يتوقفوا عن
الجهاد إلى آخر رجل منهم، عرض عليهم الأمريكيون وقف القتال والمفاوضات
معلنين أنهم لا يريدون السيطرة على البلاد، وإنما يريدون التعاون في المجالات
الاقتصادية والتعليمية والصحية، فوافق المسلمون، وبذلك نال الأمريكيون غرضهم، ولم يهزموا المسلمين في ميدان الحرب، ولكنهم هزموهم في مائدة المفاوضات،
ووقعت بلادهم تحت حكم الولايات المتحدة الأمريكية. وقد فشل الحديد والنار في
قهر شعب مورو المسلم وإخضاعه، وأصبحت بلاد مورو تحت الحكم الأمريكي عام
١٩٣٥ م؛ بسبب دخول شعب مورو في المفاوضات مع الأمريكان، ثم ضمتها
أمريكا إلى الفلبين عام ١٩٤٦ م حين منحت الأولى الثانية استقلالها في ذلك العام،
أي أن أمريكا أعطت شعب مورو للفلبين جزاء لمساعدتها لهم في حرق هذا
الشعب» .
هكذا لم يهزم شعبنا المسلم أمام القوات العسكرية التي فاقت قواتها مئات
المرات إمكانياته المادية، ولكنه انهزم عن طريق الحيلة والمكر وبواسطة
المفاوضات المقرونة بالخداع، وقد ذكرنا ما تقدم تنبيها لكل من يدفعون جبهة
مسواري الوطنية إلى المفاوضات ويشجعونها، وتذكيراً لهم بأن شعب مورو فقد
استقلاله بسبب المفاوضات. صحيح أننا لم نعارض مفاوضات مسواري إعلاميا
ولكن لم نشجعها ولن ندفعها إلى الأمام، فإن قيل: إن عدم المعارضة نوع من
التشجيع قلنا: عدم معارضتنا إعلامياً ليس تشجيعاً، ولكنه سياسة.
مفاوضات الاستسلام وقضية مسلمي مورو:
مفاوضات جبهة مسواري الوطنية العلمانية الحالية مع حكومة راموس
الصليبية هي سلسلة من المفاوضات التي استمرت أكثر من ثمانية عشر عاماً، لقد
تفاوض مسواري مع جميع حكومات الفلبين المتعاقبة ابتداء من حكومة الديكتاتور
ماركوس مروراً بحكومة زوجته إلى حكومة الثعلب المحتال راموس الحالية، التي
ليس لها هدف في مفاوضاتها معه سوى إقناعه بالاستسلام، وعرض منصب
حكومي عليه، ومبلغ من الأموال. والشيء المضحك أن حكومة الفلبين - التي
تعتبر من أفقر الحكومات في العالم - ما زالت قادرة على دفع الملايين من الأموال
للاحتيال والمكر والرشوة وشراء ضعاف الإيمان والنفوس كما فعلت أثناء
الانتخابات الأخيرة فيما يسمى الحكم الذاتي، فقد أنفقت الملايين من أجل إنجاح ذلك
المخطط، كما أنفقت أيضاً الملايين لشراء ضعاف النفوس من الثوار العلمانيين من
أتباع مسواري، وقد استسلم عدد من هؤلاء مقابل بعض المبالغ التي دفعت لهم،
فإلى الله المشتكى.
والله نسأل أن يوفق المجاهدين لقطف ثمار الجهاد، وأن يكفينا شر الراكبين
موجات الجهاد لمصالحهم.
والله المستعان.
стр. 1558
محاضرات إسلامية
الصحوة الإسلامية وأزمة المثقفين
في ديار الإسلام
(١)
جمال سلطان
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين،
وبعد:
فإن الحركة الإسلامية إذا شئنا التقييم الموضوعي النزيه، هي أهم وأعظم
حركة اجتماعية فكرية سياسية، شهدتها المنطقة الإسلامية، على مدار القرن الفائت
كله، وذلك بالنظر إلى الفكرة التي قامت عليها هذه الحركة، ومحورها الإسلامي،
الذي يمتاز بالأصالة والتجديد والإحياء والنهوض، وهي المعاني التي سرقتها
طوائف أخرى من تيارات الحركات العلمانية السياسية والفكرية والاجتماعية،
وحاولت نسبتها إلى ذاتها ورفعها شعاراً تتجمل به، وتخدع به المسلمين؛ وأيضاً
بالنظر إلى البعد الجماهيري واسع النطاق لهذه الحركة، ورغم أنها حركة بعيدة عن
السلطة أغلب الأوقات، فلم يعرف المسلمون حركة اجتماعية وفكرية وسياسية،
استطاعت أن تكسب هذا الامتداد الجماهيري الهائل، رغم كل الضغوط والترهيبات، والقمع بأنواعه المختلفة. إن قبول الحركة الإسلامية واجتذاب الناس خلف شعار
أو فكرة - في حد ذاته - ليس دليلاً كافيا على صدقيتها، ولكن أن تحشد هذه
الجموع خلف لواء الإسلام من جديد، وتتحدى شياطين الإنس، في الداخل
والخارج، وتستطيع أن تحرك الناس بهذا القدر للمطالبة بعودة الإسلام، دينا ودنيا، عقيدة وشريعة، مصحفاً وسيفاً، فهذا - بكل المقاييس - حدث فذ.
أيضاً؛ فالحركة الإسلامية حدث فذ وفريد، من جانب الهبة الإلهية لأبنائها أن
تمتد هذه الحركة وتياراتها، لتخترق الحدود المصطنعة، لكنها القاسية والصارمة،
بين أقطار الإسلام، لتصبح الحدث الاجتماعي الأكبر في بلاد المسلمين كافة، كلا،
بل الحدث البارز والمثير للانتباه والبحث والتفكير في قارات العالم أجمع، وحينما
وُجد إنسان يشهد أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ .
أيضاً؛ فالحركة الإسلامية حدث فذ، من حيث أنها أول تيار فكري سياسي
اجتماعى في العالم الإسلامي الحديث، يقوم وينتشر، متطهراً من عقدتي: الغرب، والتخلف، وهذا ما أفزع دوائر الغرب ومراصده من هذه الحركة، لأنه - لأول
مرة - يشهد مثل هذه الحركة الجماهيرية التي تعلن -في جرأة وثقة- أنها تقبل
التقنيات والعلوم البحتة، فهي تراث إنساني مشاع؛ وتكفر بالمناهج والنظريات
والقيم والأفكار الغربية، ويقول أتباعها: إن في ديننا وإسلامنا غناءً لنا، وفيه
حاجتنا، وهدانا، ورشدنا، ومنهاجنا للنهوض والتحضر.
ومن جانب آخر؛ كانت الحركة الإسلامية، متجاوزة لعقدة «التخلف» ،
التي أثارت الخلل المنهجي والعقلي والسلوكي في أجيال عدة من بني الإسلام لا
سيما مثقفيه، فمنهم من رأى التخلف قدرنا، ومنهم من جعله ناتج تراثنا،، ومنهم
من جعله بسبب تمسكنا بديننا، ومنهم من جعله بسبب ترددنا في الالتحاق بالغرب،
وها هي الحركة الجديدة، تقلب كل المفاهيم، لتؤكد أن «التخلف» ليس قدرنا،
بل هو ما جنت أيدينا، فإذا ما عدنا لما صلح به أولنا، صلح واقعنا، وارتفعت عنا
وصمة «التخلف» ، كما أن التراث هو جهد الإنسان، فيه ما في الإنسان، من
خير وشر، وصحيح وباطل، ونهضتنا لا تقوم إلا بعودتنا إلى تراث سلفنا الصالح، ورفض ما عداه من الانحرافات والبدع، والموبقات الفكرية والسلوكية والسياسية، حاكِمُنا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ثم من بعد ذلك حاجات
واقعنا الجديد.
ثم ها هي الحركة الجديدة، تصل إلى تحديد منطلق التصحيح والنهوض،
وذلك بالتأكيد على أن سبب تخلفنا، كان هو بعدنا عن الإسلام، وهجرنا لمعالمه،
وخور العزائم في الدفاع عنه، ومن ثم فإن سبيلنا هو إحياء الدين في النفس وفي
الواقع، والدفاع عن السنة، وتعزيز إيمان المسلم بأن الإسلام هو السبيل، والإسلام
هو الحل.
وإذا كانت الحركة الإسلامية بهذا القدر من الخطر والشأن بشهادة خصومها،
بل بشهادة الواقع الذي لا يكذب أبداً، فإنها - بالمقابل - كانت من أكثر الحركات
ظلماً لدى بعض الباحثين والناقدين والمؤرخين، وذلك لأسباب عديدة لا مجال
للتفصيل فيها هنا، ولكننا - في هذا المقام - نعتني على بعض الإسلاميين أنفسهم
الذين استهوتهم موجات النقد، ودعاوي النقد الذاتي، حتى غرقوا في بحاره، وما
عاد أحد يسمع عن «إيجابيات» للحركة الإسلامية، وأنا زعيم بأن تسعين بالمائة
مما يكتب في تقييم الحركة الإسلامية ينحى باتجاه إبراز «سلبيات الحركة» ،
ويبقى نزر يسير، يشير إشارات عجلى إلى «إيجابيات» الحركة، وهذا خلل
خطير، على الأقلام الإسلامية بالذات أن تتنبه له، وتعيره اهتمامها.
والآن من الضروري أن نحدد أبرز إيجابيات الحركة الإسلامية مما يتعلق
بسياقنا الحالي، ليس من قبيل التزكية، أو مجرد التذكير بهذه الإيجابيات، وإنما
لما لهذه المعالم التي سنذكرها من أهمية كبيرة في كشف خلفيات العداء الذي أسفر
عن وجهه أخيراً ببشاعة بين تيارات الثقافة المغتربة بمختلف فصائلها، وبين
الحركة الإسلامية، وبعد ذلك، نرصد بعض مظاهر «الفجور في الخصام الثقافي» لدى بعض المثقفين العرب وغير العرب من أبناء المسلمين، في موقفهم من
الإسلام والحركة الإسلامية، ثم نخلص بعد ذلك برؤية مستقبلية للعلاقة بين الحركة
الإسلامية والمثقفين في ديار الإسلام.
معالم الحركة الإسلامية وإيجابياتها:
أولا: الحركة الإسلامية عندما تقدمت إلى الواقع منذ عدة عقود، لم تتقدم إليه، بصفتها جمعية دينية، بالمفهوم الضيق لمعنى الدين، وإنما تقدمت بصفتها
مشروعاً للنهضة والتجديد ينطلق من الإسلام وحده.
وبالتالي، فظهور العمل الإسلامي بهذه الصورة لم يمكن العلمانية ومثقفيها من
خوض معاركها مع الحركة الإسلامية على أساس «التقسيم الأوروبي التاريخي»
بين الحكم الثيوقراطي والحكم المدني، وبين رجال الدين ورجال النهضة والتجديد،
لأن الإسلاميين كانوا «رجال نهضة وتجديد» ، والحركة الإسلامية كانت حركة
نهضة وتجديد، وهذا ما أضعف كثيراً تشويشات العلمانيين العرب على الحركة
الإسلامية، وجعل حديثهم عن الكهنوت، والثيوقراطية، والحكم الديني، ونحو ذلك، أشبه بالمزاح أو العبث الثقافي، فضلاً عن فقدانه أي تأثير على القطاعات الثقافية
الواسعة وعموم الناس.
ثانياً: أن الحركة الإسلامية هي - بشهادة الواقع والخصوم - صانعة الموجة
الثقافية الحالية في ديار الإسلام كافة، ويستطيع القارئ المتأمل أن يلحظ ذلك الأمر
على الفور، من خلال الاطلاع على مختلف النشاطات الثقافية، فكرية وأدبية وفنية، إذ يجد أن «قضية الإسلام» و «الصحوة الإسلامية» ، هي القاسم المشترك
الأعظم في النتاجات الثقافية المتصلة بهذه الجهود كافة، سواء كان ذلك بالسلب أو
بالإيجاب، إن المعادين للإسلام والصحوة الإسلامية - أو أبناء الصحوة ورجالاتها
ونساءها والمتعاطفون معها أو المتأثرين بها. في كل هذه الأحوال تبرز الحقيقة
ناصعة، لتثبت أن الحركة الثقافية الآن في ديار الإسلام تدور حول قطب واحد هو
«الإسلام» ، وذلك نصر كبير للحركة الإسلامية، رغم أن العديد من الإسلاميين
أنفسهم لا ينتبهون إلى خطره وقيمته.
لقد كانت الثقافة في ديار الإسلام - حتى عهد قريب - تدور حركتها حول
قطب «الغرب» والفكر الغربي والحضارة الغربية، سواء بالتبعية، أو النقد، أو
المواءمة، المهم أن القطب صاحب الحيوية الثقافية الذي يصبغ الحركة الثقافية
بصبغته - سلباً أو إيجاباً - كان هو الغرب والفكر الغربي والآن أصبح «الإسلام» هو القطب، والفكر الإسلامي هو الذي يصبغ الحركة الثقافية بصبغته - سلباً أو
إيجاباً -، المهم أن الجميع الآن يدورون في فلكه، أرأيتم حجم النقلة وروعتها؟
ثالثاً: إن مثقفي الحركة الإسلامية اليوم هم الرواد الحقيقيون للجماهير المسلمة، وهم الأكثر التصاقاً بالناس، وتعبيراً عنهم، وجاذبية لديهم وهم الأكثر نفوذاً في
العقل العربي والإسلامي الجديدين بوجه عام.
والكلام هنا لا نقصد به أبداً، التفاخر، أو التفريط أو المباهاة، فليس المقام
مقام ذلك، وإنما نحن نرصد «ظاهرة» ثقافية، من حقنا بل من واجبنا أن نبني
عليها، ونضعها في اعتبارنا عندما ندرس حياتنا الثقافية الجديدة.
إن الحركة الإسلامية في ديار المسلمين لا تملك السلطة، بل هي - غالباً -
مضطهدة من السلطة، ومع ذلك نجد إقبال الناس على الدعاة - شباباً كانوا أو
شيوخاً - بالغ الإدهاش، وإقبال طلبة الجامعات والمثقفين على الكتب الإسلامية
والمحاضرات طاغياً بوضوح، حتى أنه لم يعد من قبيل المفاجأة أو الجديد أن يزور
القارئ معرضاً من معارض الكتب الرسمية، فيجد دور النشر العلمانية بل الشيوعية
تضع في صدر أجنحتها كتب سيد قطب، وأبي الحسن الندوي، وأبي الأعلى
المودودي، ناهيك عن كتب السلف الصالح، وقد شاهدت ذلك بنفسي في معرض
القاهرة الدولي للكتاب.
بالمقابل؛ تجد المثقف العلماني أو المتغرب، قوميا كان، أو شيوعيا، أو
ليبراليا شبه معزول عن واقعه، محروماً من الإحساس بجمهور الناس، حانقاً على
شعبه. إن أحداث الجزائر وما تلاها،، كشفت بوضوح أن المثقف العلماني، قد
تحول إلى عدو صريح للشعب، وللجماهير، يصرح باحتقاره للناس، وبعدم أحقية
الشعوب - الآن - في اختيار حكامها، واتهام الجماهير بالتخلف والغباء
ونحو ذلك.
كما تحولت لقاءات المثقفين العلمانيين إلى ما يشبه «نوادي أدبية» محدودة
العدد ومحفوظة الوجوه، المتحدث فيها هو المستمع، ولا يخرج صوتهم - أبداً -
إلى الشارع، ولا ينفذ إلى عقول الناس وقلوبهم، ولا يكاد يسمع الناس بأسمائهم إلا
عبر الصحف الحكومية التي «أُجّرت» لهم، نظير سب الإسلام والصحوة
الإسلامية ورموزها وتشويهها، ودعوة الناس إلى الانصراف عنها.
إن الحصار الذي يفرض الآن على الحركة الإسلامية - سياسياً وفكرياً
واجتماعياً - هو بالمقياس الثقافي العام «مدمّر» و «قاتل» ، ومع ذلك؛ تصل
دعوة الحق وصوت الإسلام إلى الناس في كل مكان، وتتأبي الحركة الإسلامية على
الموات بفضل الله ورحمته.
رابعاً: الحركة الإسلامية وصحوتها أدت إلى بلورة الموقف الثقافي، ودفعت
الحركة الثقافية إلى درجات حادة من التمايز والوضوح، وبالمصطلح الإسلامي،
فإن مسألة «الولاء والبراء» قد انتقلت بالفعل إلى الحياة الثقافية، وفرضت على
الرموز الثقافية حسم مواقفها وخياراتها، بعد أن ذابت المناطق المحايدة، وتمايزت
السبل، وأصبح الانتماء الثقافي محصوراً في وجهتين: الأصالة والإسلام من جانب، والتقليد والتأورب من جانب آخر.
وفي الحقيقة فإن الطرح الجديد للحركة الإسلامية، كان نقلة ضخمة فى
الوعي الإسلامي الحديث كله، إذ نادى الإسلاميون بأن الإسلام - والإسلام وحده -
هو السبيل، وهو الحل، وهو حضارتنا، وأن الإسلام كل متكامل، ومنهاج شامل، عقيدة وشريعة، ديناً ودنيا، وأن للإسلام خصوصيته التي لا تشبه شيئا من أفكار
البشر، ومناهجهم، ومذاهبهم.
هذا الطرح قطع الطريق على المزورين، والملفقين، الذين احترفوا تمييع
المواقف الفكرية، بمحاولات المزاوجة بين الإسلام والفكر الغربي، ونظرياته
السياسية والاقتصادية، ونظمه التشريعية، ونسقه القيمي، وهي المحاولات التي
أسهم فيها - بحسن نية - قطاع واسع من المفكرين المسلمين على مدار القرن
الأخير، زعماً أنهم - بذلك - يجملون الإسلام في عين الإنسان الجديد،
ويستجلبون تأشيرة دخول للإسلام إلى نادي الحضارة الأوربية الطاغية!
وعلى الرغم من أن نفراً من المفكرين المسلمين اليوم، مازال أسير هذا
الموقف الساذج والمهزوم، إلا أنهم أصبحوا «ندرة» وشبه معزولين عن المجرى
العام للصحوة الإسلامية الجديدة.
هذا الموقف والطرح الفكري الحاسم والواضح، جعل المثقفين أمام أحد
خيارين، لا ثالث لهما؛ إما الإسلام، وإما الاغتراب، وكان من نتائج ذلك على
الصعيد العملي، تعدد حالات التحول الفكري لرموز ثقافية كبيرة إلى الإسلام، على
ما شاب بعضها من بعض الغبش، وبالمقابل سفور عداء المثقف العلماني للإسلام،
والانحدار الخطير في لغة الحديث عن الإسلام وتاريخه وشريعته ورموزه المقدسة،
ومن ثم؛ نذكر، ونؤكد، أن ازدياد عنف مثقفي العلمانية والإعلام المؤازر لهم،
وطغيان هجومهم على الإسلام ورموزه ودعاته، هو مؤشر طيب، وإيجابي،
وليس سلبياً، هو شعور «الظلاميين» باقتراب الفجر، وتميز الخيط الأبيض من
الخيط الأسود، وكلما ازداد موقف الإسلاميين وضوحاً، وكلما نجحوا في نقل هذا
الوضوح إلى «الناس» وإلى عامة المثقفين، كلما ازداد السعار العلماني، وكلما
تواتر انحداره الأخلاقي والفكري بصورة متسارعة ومتخبطة.
خامساً: لقد شاء الله تعالى أن يعلو مد الحركة الإسلامية، ويشتد عودها، في
الوقت الذي كانت فيه أكبر تجربة أوربية عقائدية جديدة تذوي وتنهار، وتنتهي
بفضيحة سياسية واقتصادية وإنسانية لا حدود لها، وأعني بذلك المشروع الماركسي
وهو نبت فلسفي أوربي كما هو معروف، أي أنه إفراز لحضارة أوربا ومع
سقوط الماركسية وتتابع انهيار نماذجها في أوربا وآسيا وإفريقيا، بدأت حقائق
التاريخ تعود من جديد، لتؤكد ما حاولوا تغطيته وستره طوال قرن أو أكثر من
تاريخنا الحديث، عادت حقائق التاريخ، لتبرز العداء الغربي تجاه الإسلام، والحقد
الغربي على المسلمين، والقلق الغربي من ظهور دولة الإسلام من جديد، وأصبحنا
اليوم نسمع الكلام سافراً عارياً، من الدوائر الغربية، الإعلامية أو السياسية، بأن
«الإسلام» هو العدو الجديد / القديم، للغرب، ومن ثم؛ فإن الحركة الإسلامية أو
«الأصولية» كما صاغوها، هي حائط الصد الذي يحول دون إعلان السيادة
الأوربية على العالم أجمع، وإعلان النصر النهائي للحضارة الأوربية
في الأرض.
إن المواجهة مع الغرب اليوم، قد بدت مواجهة مع الكيان الإسلامي بوصفه
أمة، فليست القضية قضية يمين أو يسار، أو ليبرالية أو اشتراكية، أو ديكتاتورية
أو ديمقراطية، وإنما القضية أصبحت قضية الوجود الإسلامي بكامله، فإما أن
ينمحق في المشروع الغربي، أو يكون عدواً للحضارة والمدنية، وأصولياً وإرهابياً، و ... إلى آخر قائمة الاتهام.
ومن ثم؛ تبدو الحركة الإسلامية اليوم في موقف الدفاع عن «الأمة» وعن
«الوجود» وعن «الهوية» ، كل أولئك بالقدر نفسه في دفاعها عن «الدين» إن التحالف الغربي الصليبي والصهيوني، يتجلى اليوم واضحاً في فلسطين، وفي البوسنة، وفي جمهوريات آسيا الوسطى «السوفيتية سابقاً» ، وفي ... الصومال، وفي غيرها من المواقع الديار، وعندما نجحت جبهة الإنقاذ في الجزائر، وحازت ثقة الشعب، وأصبحت صاحب الشرعية لقيادة الجزائر، فزعت الدوائر الغربية، وكان محور الفزع ليس الوضع الداخلي للجزائر، وإنما «آثار ما يحدث على أوربا ومصالحها في المنطقة» ، ومازلنا نذكر تصريحات سياسية من أعلى الدوائر الغربية، التي تؤكد بأنها لن تسمح بقيام حكم «أصولي» في الجزائر.
هذه الحقيقة، جعلت الحركة الإسلامية بمثابة الممثل الشرعي الوحيد لثقافة
الدفاع عن الأمة، وعن وجودها، وتراثها، وحاضرها، ومستقبلها، واستقلالها،
كما أنها الممثل الشرعي عن دينها وعقيدتها، وبالتالي أصبح معظم المعادين
للصحوة الإسلامية اليوم، لا يستحون من الكشف عن ولائهم الفاضح لأعداء الأمة،
إلى الحد الذى يتحدث فيه الشيوعيون والعلمانيون المصريون - مثلاً - عن عميل
للمخابرات الأمريكية، وكأنه بطل قومي لأنه تجسس على معارض إسلامي، كما
أن الذاكرة مازالت تحفظ آخر برقية أرسلها طاغية أفغانستان المخلوع «نجيب الله» إلى الرئيس الأمريكي، والتي قال فيها «ادخرني لعدوك..!» وعلقت
الصحافة يومها على البرقية بالقول: «إن نجيب الله عرض على الولايات المتحدة
أن تساعده في مقابل أن يقف صخرة في طريق المد الإسلامي» الأصولي «في
آسيا الوسطى، وإلى الحد الذي يشرنا فيه بعض المعارضين السودانيين من فلول
العلمانية والشيوعية بقرب التدخل الغربي في السودان، لتحريره من» الجبهة
الإسلامية «! ! !
стр. 1559
في دائرة الضوء
رؤية جديدة للدين الإسلامي [*]
روبن رايت
في آخر أيام شهر رمضان وفي اللحظات الباردة التي تسبق انبلاج الفجر
وشروق الشمس تأتي إلي الأسماع أصوات المؤذنين من آلاف المساجد بالقاهرة تلك
المدينة القديمة قدم الزمن تقول: الله أكبر الله أكبر «تنطلق من مكبرات الصوت
من خلال شوارع المدينة الضيقة والملتوية، بعدئذ تبدأ الشوارع التي كانت خالية
من الناس في الحركة.
لقد كان هذا صباح يوم عيد الفطر.
انطلقت أصوات الناس بالتهليل، تحمل في طياتها أدعية الحمد والثناء
» الحمد لله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا اله الا الله «إنها واحدة من أكبر المدن في العالم العربي تمثل منطقة حضارية هائلة تضم بين جنباتها كل الأشياء.
إنها أيضاً مدينة عربية، قريبة من قلب الصحوة الإسلامية المتنامية، التي
تدعو مسلمي العالم إلى أن يصبحوا على علاقة أوثق بجذور دينهم أكثر من أي وقت
مضى خلال التاريخ الإسلامي، الذي استمر ١٤٠٠ عام حتى الآن.
يشكل الإسلام - الذي يبلغ عدد أتباعه بليون نسمة في كافة أنحاء العالم
ويعيش ملايين منهم كأقليات في الغرب - يشكل اليوم قوة سياسية وثقافية دولية،
تقف لتعيد تحديد علاقة الغرب بالعالم الثالث، وتتحدى مفاهيمه عن التقدم، وتضع
المعايير للنظام العالمي الجديد.
في الشهور الأخيرة احتلت الأخبار الإسلامية العناوين الرئيسة في الصحف،
بعد المكاسب الانتخابية التي حققوها في الجزائر، والأردن، والكويت، بعد أن
فجر الإسلاميون المتطرفون القنابل في نيويورك والقاهرة [١] .
واذا مانحينا العناوين الرئيسية في الصحف جانباً فإن الحقيقة الأكثر أهمية
تتمثل في أن الدين أصبح بشكل متزايد جزءا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية
للمسلمين، من أفريقيا إلى آسيا، ومن نيوجيرسي إلى مانيلا، حيث تأتي عملية
التجديد للدين بمصدر جديد للهوية الثقافية، والعمل السياسي في عالم يشهد تغييرا
كبيرا.
ففي الجمهوريات السوفيتية السابقة في أوزبكستان وطاجيكستان نجد أن
مدارس قرآنية جديدة قد فتحت أبوابها كي تحل محل المؤسسات التعليمية العلمانية
التي قامت إبان الحكم الشيوعي، وفي الأردن نجد أن الخمور قد منع تقديمها على
طائرات الخطوط الأردنية، وفي جنوب شرق آسيا نجد أن ماليزيا تحاول بتردد
تطبيق الشريعة الإسلامية، في حين تجابه الفيلبين خطر الحروب الانفصالية بتحديد
مناطق للحكم الذاتي، يعيش فيها المسلمون.
ومن تونس إلى الأردن يحصل الأب المسلم النشط على أصوات الأغلبية في
الانتخابات المحلية لاتحادات الطلبة والنقابات والمجالس البلدية، كما أن المساجد في
مصر تضيق بتدفق المصلين إليها، حتى أنهم صاروا يؤدون صلواتهم في أقبية
المباني، وفي الحجرات الخلفية لها، وحتى في الممرات الجانبية التي يسير فيها
الناس.
لكن هذه الصحوة الإسلامية قليلاً ما يفهمها الغرب، الذي تنبع تصوراته عن
الإسلام من ثورة إيران في ١٩٧٩، وجموعها الغاضبة التي كانت تهتف:»
الموت لأمريكا «كما تنبع من أحداث لبنان، التي قام خلالها جيل من المحاربين
المسلمين بعمليات قتل أو إرهاب للغربيين الذين غامروا، واقتربوا من قلب الحرب
الأهلية في لبنان.
وفي الواقع فان الارتباط التاريخي للإسلام بالسيف يجعل البعض من الغربيين
يرتعد حينما يرى كلمات تقول:» لا اله إلا الله محمد رسول الله «مكتوبة فوق
سيف مسلول على العلم السعودي وفي الوقت نفسه فإن هؤلاء لا يبالون بالعبارة
التي تقول» نحن نثق في الله «المنقوشة على ظهر الدولار الأمريكي.
الافتراءات والمفاهيم الخاطئة:
يعتبر الربط بين الإسلام والمحاربين من رجال القبائل العربية الذين نشروا
الإسلام في بدايته واحدا من العديد من المفاهيم الخاطئة، التي لها مفعولها اليوم.
فالعرب في التسعينات يتزايد وضعهم كأقلية بين الـ ٧٥ دولة التي تشكل» دار
الإسلام «، والتي تقع مراكزها الكبرى حالياً في أندونيسيا، وباكستان،
وبنجلاديش، والهند، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق في آسيا الوسطى.
إن خمس سكان العالم ينتشرون عبر منطقة تمتد مسافة ١١٠٠٠ ميل من
غرب أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، وهؤلاء جميعا يشهدون بأن محمدا هو خاتم
أنبياء الديانات السماوية. ولم يقتصر الأمر على الربط بين الإسلام والسيف، ذلك
أن هناك أيضاً خرافات وافتراءات أخرى منها قولهم:
- إن الدين الإسلامي دين» بربري «؛ لأنه يطبق حدودا مثل: قطع الرأس، وبتر الأعضاء، والرجم، كعقوبات لبعض الجرائم. وفي الحقيقة فإن المملكة
العربية السعودية، وإيران عموماً، والسودان من حين لآخر يطبقون هذه العقوبات
إلا أن قطع الرأس في الرياض لا يمكن أن يكون أكثر بربرية من الإعدام بالكرسي
الكهربائي.
إن كل المواطنين اعتبارا من سائقي سيارات الأجرة إلى أساتذة الجامعات
يثنون على هذا الأسلوب العقابي، ويردون على المنتقدين بالإشارة إلى الفارق بين
معدلات الجريمة في الرياض، ومعدلاتها في نيويورك.
- إن الوجه الصارم لآية الله روح الله خميني - الذي حكم بالموت على
المرتدين - يمثل غالبية رجل الدين من المسلمين، لكن يتعين علينا أن نجرب
مشاهدة رجل دين حكيم على شاشة التلفزيون هو الشيخ محمد متولي الشعرواي،
الذي يجلس متربعا مساء كل يوم جمعة، ويقوم بروح طيبة بتفسير القرآن الكريم
للملايين من المشاهدين.
- إن الإسلام الجهادي يسير على طريق التصادم العنيف مع الغرب.
وفي هذا الصدد يمكن القول بأن الإسلام قد يكون على خلاف مع الغرب في
نواحي معينة، لكن أسلحته بالنسبة للمستقبل تأخذ شكل المؤتمرات، والمنتديات
الفكرية، وصناديق الاقتراع، أكثر من أن تأخذ شكل الإرهابيين الملتحين، حتى
في مصر التي عانت من أسوأ أعمال العنف الإسلامية في السنوات الأخيرة.
في الواقع فإنه في الوقت الذي يبدو فيه أن العالم الإسلامي صار الجبهة التالية
للصراع بعد الحرب الباردة، فإن ذلك لا يرجع إلى حد كبير إلى أن المسلمين
يمثلون تهديداً عسكرياً أو إرهابياً، لكن لأنهم يطرحون تحديا أساسيا: يتمثل في قوة
اجتماعية سياسية متنامية، تثير تساؤلات حول بعض مفاهيم الغرب؛ عن الواقعية، وعن طبيعة التقدم، والعلاقة بين الله والبشر، ودور التقنية، والعصرية،
والمبادئ الأخلاقية في حياة الإنسان.
هناك جيل جديد من الإسلاميين الذين درس الكثير منهم في الغرب على
استعداد للاستفادة من المفاهيم الديمقراطية.
إن هؤلاء الإسلاميين يتسلحون بالكتابات القديمة من القرآن، التي جرى
تعديلها لتتواءم مع احتياجات الحاضر في إطار الإصلاح العصري، وهي تمثل
واحدة من أهم القضايا الفكرية في التاريخ الإسلامي.
وفي هذا الصدد يقول أحد المفكرين» إنها ليست مسألة إحياء روحية فقط،
إنها مسألة إحياء أيضاً للقرآن، كما أنها تجديد للفكر ذاته، إنها صحوة لنشاط الطاقة
الإسلامية الكامنة، وهي على الأغلب صحوة تقودها الصفوة العصرية، التي
تعرضت لتأثير الغرب ولتحدي ثقافة الغرب ذاتها «ويضيف:
» أما مسألة أن قدر العالم الإسلامي المحتوم هو الصراع مع الغرب فإن ذلك
يعتمد على مدى استعداد الغرب لقبول مستوى من النزاهة والعدل يسمح بسيادة
الديمقراطية في العالم الثالث، حتى ولو تولدت عنها الحركة الجهادية الإسلامية،
وضمانُ معاملة المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي فلسطين، وليبيا بالمعاملة
نفسها التي يلقاها اليهود في إسرائيل، والنصارى في أي مكان من العالم «.
ويقول آخر:» المفروض أن نتحدث عن الاستقلال الفعلي، لا الاستقلال
الاسمي: عن الاستقلال الاقتصادي، وعن الاستقلال في الأنظمة التعليمية،
والأنظمة السياسية إلا أن هذا قد يتعارض بشكل أو بآخر مع مصالح الغرب.
إن قيام علاقة بناءة بين الغرب والعالم الثالث يعني وضع جداول أكثر عدلا
لسداد ديون الدول المدينة في العالم الثالث، وإقامة علاقات تجارية أكثر عدالة،
وتحقيق قدرة أفضل من جانب الدول النامية على الاستفادة من مواردها الطبيعية «.
ومن جهة أخرى يقول مفكر آخر اقتفى الحركة السياسية من ثورة مصر في
عام ١٩١٩ التي استمر المصريون بعدها في تبني التقاليد الغربية في مجالس
الأعمال والثقافة حتى ثورة جمال عبد الناصر في ١٩٥٢ التي أقامت الاستقلال
الاقتصادي الاجتماعي على مذاهب قومية علمانية ماركسية.
» أعتقد أننا الآن في المرحلة الحديثة من حركة التحرير الوطنية وفي إطار
هذه المرحلة اكتشفنا أننا قد انغمسنا كثيراً في التقاليد الغربية إلى الحد الذي نسينا فيه
حقيقة أننا نختلف عنه أي: عن الغرب، وأننا حينما نتحدث عن شخصيتنا، وعن
هويتنا الوطنية، فإننا نأتي حتماً إلى الإسلام «.
ويضيف إن أول شيء نرفضه في الغرب هو إصرار أصحاب الثقافة الغربية
على أنهم يحتكرون مفهوم التقدم، وأنهم يحددون هوية التقدم والعصرية بربطها
بالحياة الغربية، ونحن نتساءل لماذا؟ !» .
ويضيف: «إن المسلمين إذا ما تولوا زمام الحكم فإنهم قد يضعون لدى
الآخرين نموذجا يجعل المعايير هناك تختلف، كما أنه لن يكون لديك معيار واحد
للقياس يتمثل في معدل النمو الاقتصادي إننا لا نعبد معدل النمو الاقتصادي إننا فكرة
الاستقلال الثقافي، الذي ربما يمثل أكثر التهديدات للغرب، وهو الاستقلال الذي
يبني بديهات التقدم والعصرية على تحكم العقل، والسعي إلى تحقيق الازدهار
الاقتصادي، وهي المفاهيم التي سادت الحضارة الغربية لأكثر من ثلاثة قرون.
إن الإسلام يتيح نموذجاً آخر يتمثل في نظام شامل للإيمان، يمتزج فيه الدين، والحكم، والزواج، والعمل امتزاجا كاملا في نسيج واحد متداخل، تحل فيه
الأفكار الراسخة والمحددة للأخلاق والقيم محل لغة الاستيعاب، وتسود فيه سلطة
التشريع على الأفكار الغربية العصرية عن القانون، الذي يسن وفقا للضرورة
والظروف المتغيرة.
يقول أحد المفكرين الفرنسيين ويدعى (فرانسوا بورجا) : إن هذه الحركات
الإسلامية تسبب لنا الجنون لأنها تؤذينا في الصميم.
لقد اجبرونا على أن ندرك الحقيقة التي تقول: إننا لا نملك احتكار النظام
الرمزي، اننا لسنا الوحيدين الذين يمكن أن يتعاملوا مع الأمور الكونية فهل صار
ميزان القوى يتغير في هذا المجال؟ نعم - وهل هذا التغير في صالحنا؟ والإجابة
طبعا:» لا «ويضيف (فرنسوا بورجا) إلى ذلك قوله» لكن إذا كنا نفقد احتكارنا
لهذه الأمور فهل يتعين علينا أن نواجه ذلك بالتدخل في العمليات التي تتم في
محيطنا ومن حولنا، إننا بذلك نربي عداوات أكثر.
إن الصحوة الإسلامية تعكس جزئياً ظاهرة متنامية على المستوى العالمي،
أصبح فيها الدين قوة للتغيير، تتسم بالطاقة والديناميكية.
وفي المجتمعات التي تناضل في محاولاتها تخليص نفسها من الإفلاس، أو
من الأنظمة التي تنقصها الكفاءة، أو البحث عن بدائل قابلة للبقاء فإن الدين يوفر
المُثُل، والهوية، والشرعية، كما يتيح البنية التحتية أثناء عملية البحث، ويتم ذلك
بدرجات مختلفة في كل أنحاء العالم، وعلى سبيل المثال فإن البوذيين في شرق
آسيا، والكاثوليك في شرق أوربا وأمريكا اللاتينية والفلبين، والسيخ والهندوس في
الهند، وحتى اليهود في إسرائيل، كل هؤلاء تحولوا إلى دياناتهم حتى يتمكنوا من
تحديد أهدافهم، ولتعبئة قواهم.
وفي أغلب مناطق العالم العربي نجد أن الإسلام يطرح طريقة لمعالجة عقود
من الفشل: الاجتماعي، والاقتصادي، والعسكري، والاضطراب الذي حدث
مؤخراً بسبب حرب الخليج.
في حقبة الضياع هذه نجد أن الإسلام يبعث الحياة من جديد في صورة
الماضي، التي وحد أثناءها منطقة تعيش فيها قبائل متصارعة، في إطار لغة واحدة، ودين واحد.
ومنذ الفترة التي هاجر فيها الرسول ﷺ من مكة في عام
٦٢٢ م، وبدأ في إقامة أول دولة إسلامية على أرض الصحراء العربية في المدينة
المنورة فإن الإسلام بدأ عصرا ذهبيا من الصعود السياسي والفني غطى عدة قرون، وتم نقل التعاليم الإسلامية مع الذين قاموا بفتح أسبانيا، ومع الأتراك العثمانيين
الذين فتحوا استانبول، وعادوا عن طريق البلقان إلى أوروبا.
أما في آسيا فإن التجار العرب قاموا بإدخال أجيال كاملة من المتعاملين معهم
في جاوه، وسومطرة، وبورما، وماليزيا، وتايلاند، والهند، والصين، والفلبين، في الإسلام خلال الفترة من القرن السادس حتى القرن الثاني عشر، وبعد ذلك
بمئات السنين انتقل الإسلام على السفن التي كانت تنقل العبيد من إفريقيا إلى أمريكا.
إن تلك هي الحقبة التاريخية التي تحول فيها العديد من المسلمين خاصة في
المنطقة التي تمثل القلب من العالم الإسلامي، لقد خدعت أجيال من العرب بسلسلة
من المذاهب السياسية المتتالية، التي تمثلت أساساتها في الماركسية والقومية اللتين
جعلتهم يعيشون، في أحلام الوحدة والاستقلال الذين لم يتحققا قط.
وكانت نقطة التحول للعديد من هؤلاء هي الهزيمة العربية في عام ١٩٦٧
على أيدي الإسرائيليين، وهم شعب يعرف الكثيرُ من المسلمين عنه أنه شعب يحقق
النصر؛ لأنه لم يفقد صلته بجذوره الدينية.
إن العالم الإسلامي مشغول الآن بفكرة جديدة عن الجهاد، وهى تعني رد
العدوان، وليست الفكرة التقليدية، التي تعني شن الحرب المقدسة، وهي تنطوي
أيضاً على معنى النضال من أجل الإنجاز وبناء الأفضل، وإقامة مجتمعات أخلاقية، وتحقيق كفاية الإنتاج لتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
وفي الحقيقة فإن المسلمين زادت مقاومتهم كثيراً، وسوف يردون العدوان عن
أنفسهم بالطبع إذا ما حاولت أوروبا أن تفرض نموذجها عليهم.
إننا نعلم أن أوروبا لا تؤمن بالديمقراطية إيمانا مطلقا، فهم يكبحون
الديمقراطية حينما تأتي بالإسلام إلى الحكم، ويقضون عليها. لقد فعلوا ذلك في
تركيا، وفي الجزائر، وإذا ما تعرض الإسلام للظلم والاضطهاد فإن المسلمين
سوف يتحولون إلى الجهاد، ويعني هذا الجهاد المقاومة، ولا يعنى الحرب؛ لأنه
إذا وجه شخض إليك فعلا، فإنك توجه إليه بالتالي فعلا آخر «.
стр. 1560
منتدى القراء
خاطرة حول خواطر في الدعوة
أخوكم نبيل الأميري
طالعت ما كتبتم في ركن - خواطر في الدعوة - مجلة البيان عدد٦٥ محرم
١٤١٤ هـ.
فخطرت لي خاطرة سجلتها لكم مبينا قضية ليست غائبة عنكم ولا بالجديدة
عليكم أو عندكم، ولكن أردت بها التبيين والتوضيح والتركيز أكثر:
صحيح أن الفئة العريضة من المجتمع الإسلامي اليوم هم ممّن ذكر فضيلة
الشيخ العبدة تسمية ابن القيم ﵀ لهم ولأمثالهم بـ «أصحاب العقل
المعيشي فلا يهمهم إلا زينة الدنيا وبريقها. ولا ذكر لهم غير المسكن والملبس
والسيارة والأثاث والراتب.
وجيد كذلك أن توجه دعوة للدعاة للاهتمام بهؤلاء ونقلهم مما هم فيه إلى ما هو
أفضل لهم في الدنيا والآخرة ولكن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها، ولا نغض الطرف
عنها، وهي أن الفئة العريضة أيضاً في المقابل من دعاتنا وللأسف يشغلهم شغل
الفئة الأولى، فمن من دعاتنا وعلمائنا - طبعا إلا من رحم الله - ممَّن يتبوؤون
المناصب العليا في المؤسسات الرسمية، والمراكز الإسلامية، والجمعيات الخيرية
والعلمية وغيرها ... ، منَ مِن هؤلاء من لا يهتم بامتلاك المساكن العديدة والسيارات
المختلفة، والسعى إلى الحصول على أرفع الرواتب والوصول إلى أعلى الدرجات
والمناصب ... ؟ !
إن السعي في تحصيل رزق الأطفال واجب، وتأمين مصالح الأهل كذلك.
ولكن أن نبالغ في كل ذلك وننغمس في تحصيل الكماليات بدرجات أرفع وكميات
أكبر فهذا ما يأباه العقل.
إن على دعاتنا وعلمائنا إذا أرادوا حقا أن يُخرجوا هذه الفئة مما هي فيه
وينتقلوا بها إلى بر الأمان، عليهم أن يتورعوا هم - أولاً - عن هذه الشبهات،
وأن يبتعدوا عن حياة البذخ والترف المُبَررة، وأن يعيشوا هموم مجتمعاتهم،
ويشاركوها حياة المعاناة، وعبء الحياة، ثم يكونوا لهؤلاء قدوة في الاعتدال في
العيش والبساطة في الحياة؛ ليتّم لهم من خلال ذلك - بإذن الله الولوج
إلى قلوبهم، وجرّها إلى الخير في الدنيا والآخرة، وليتذكر كثير من دعاتنا أن
رسول الله ﷺ لم يورث لأهله ديناراً ولا درهماً، رغم أنهم
أعز وأرفع عند الله منَّا ومن أهلنا وأولادنا.
وليذكر هؤلاء - كذلك - أنّ رسول هذه الأمة ﵊ كانت
تمر عليه الأيام تلو الأيام فلا تُشعل نار طهي في بيته، كما روت أُمنَا عائشة -
﵂ كما كان ﵊ يسأل أصحابه إكرام ضيوفه
لافتقاده ما يطعمهم به ﵊.
وإنها لوقفة جديرة بالتأمل من كل داعية إلى الله، والله المستعان
стр. 1561
منتدى القراء
إلى الأستاذ عادل التل مع التحية
د. مأمون مبيض
لست ممن يفضل النقاش والحوار عبر صحف المجلات، إلا أنني وبعد قراءة. مقالة الأخ عادل التل «أخطار النزعة المادية في العالم الإسلامي، نقد كتابات
جودت سعيد» في عدد البيان «البيان» (٦٥ - محرم ١٤١٤) رأيت أن أكتب
هذه الرسالة. وما أذكر هنا يقتصر فقط على ما قرأته في هذه المقالة، وهي الثالثة
من مجموعة مقالات متعددة لم ينته نشرها بعد:
إنه لأمر مؤلم أن نفتقد في عالمنا الإسلامي الجو العلمي الهادئ النظيف الذي
يتيح المجال للحوار الفكري دون التعرض للإخلاص والنيات. فنجد أن الأخ عادل
يقول: «هل هذا الطرح خروج من الدين أم لا؟» (ص ٣٦) إن عد الأستاذ
جودت في عداد «الماديين» و «الماركسيين» ظلم كبير لمن يؤمن ويعيش على
الإيمان بالله ورسوله، ومجانبة للحقيقة، وتشويش للقارئ المسلم وخاصة لمن يطلع
بشكل واسع على كثير من الكتابات الإسلامية. ويظهر هذا التشويش من رسالة «
صدمة وحيرة» المنشورة في نفس العدد من البيان (٦٥) .
من قرأ كتابات الأستاذ جودت يلحظ أن ما ورد في مقالة النقد هذه فقرات
أخذت من سياقها، ليعيد الأخ عادل صياغتها بأسلوبه، وبما يوافق رأيه حول «
المدرسة المادية» لقد اتهم الأستاذ جودت بأنه «يلغي مكان الدليل في القرآن»
(ص ٣٤) وما أظن الكاتب قد فهم المقصود من مجال الأفكار المعروضة.
وحتى لا أعقد الأمور، وأطيل فيها سأذكر مثالاً واحداً وهو قضية «الشورى
» لأشير إلى موضوع الاستفادة من «عالم الآفاق والأنفس» والذي يؤكده الأستاذ
جودت، وأظن أن الأخ عادل قد أخطأ في فهمه فأخذه على أنه إلغاء للنص: اختلف
علماء المسلمين ومنذ القديم حول كون الشورى «ملزمة» أم «معلمة» والذي
يقرأ ما كتب يجد أن هذا الأمر لم يحسم عبر السنين. ولكن إذا نظرنا إلى عالم
الشهادة والواقع والتاريخ وتجارب البشر رأينا أنه من الحكمة والأنسب لحفظ مصالح
العباد وأمور الحياة في هذا العصر أن يشترك المتشاورون في صنع القرار، بعيداً
عن الفردية والجزئية في اتخاذ القرار. هل في الاستفادة من عالم الواقع إعراض
عن الآيات والأحاديث؟ لا أظن هذا وهو ما حاول الأخ عادل أن يفهمه للقارئ.
وأخيراً أدعو الله أن يلهمنا الفهم الصحيح لتغيير ما بأنفسنا (إن الله لا يغير ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) .
وأدعو إخوتي من شباب الإسلام إلى العناية الجادة بالقراءة والبحث والحوار.
وأدعو أخى عادل التل إلى قراءة ثانية وثالثة لكتب مفكرينا وعلمائنا، وإن
شاء الله لنا لقاء للحوار المباشر، وتبادل الأفكار، والمعايشة الأخوية.
стр. 1562
الورقة الأخيرة
بناء الإنسان
أحمد عبد الرحمن الصويان
لقد شرَّف الله الإنسان، وكرمه على سائر المخلوقات بنعمة العقل، وجعل
ذلك مناطاً للأمر والتكليف، ولذا فليس غريباً أن يوجد في كتاب الله
عشرات الآيات، التي تدعو إلى التفكر والتعقل، والنظر في ملكوت الله سبحانه
وتعالى، من مثل قوله :
[إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي
الأَلْبَابِ] [آل عمران: ١٩٠] .
ولكن هل يجوز أن يكون عقل الإنسان انعكاساً لأفكار المجتمع من حوله..؟
فيتأثر بنمط التفكير السائد، ولا يفكر إلا فيما يفكر فيه الناس، ولا يعمل إلا ما
يعمله الناس..!
إن البيئة الاجتماعية والفكرية التي يعيش فيها الإنسان تؤثر تأثيراً بالغاً على
تصوارته وأفكاره، وهي التي تصنع في الغالب أطروحاته وهمومه. والأمة
الإسلامية تعاني من فراغ مدهش، جاء نتيجة تخلف عقود متتابعة، وزاد في
ترسيخه وتعميق جذوره الغزو الثقافي الغربي، قبل الاستعمار وبعده. وإننا نعاني
من أدواء عديدة في البيئة التي نعيش فيها، ومن ملامح ذلك على سبيل المثال:
- قصور بيِّن في طريقة التفكير.
- قصور في نوعية المسائل التي يفكر فيها الإنسان، ويشغل نفسه بها.
- قصور في طريقة بحث الأفكار، ومناقشتها مع الآخرين.
- قصور في توظيف الأفكار في ميادين العمل والبناء.
وأبناء الصحوة الإسلامية جزء من هذا المجتمع يتأثرون به كغيرهم سلباً
وإيجاباً، ومن مهمات الحركة الإسلامية انتشار هذه الإيجابيات وتنميتها، ومقاومة
السلبيات، وتقليلها قدر الإمكان. ولقد قامت الحركة الإسلامية بجهد مبرور مشكور
في هذا الميدان، ولكنه أقل بكثير ممَّا يجب، وأقل بكثير من الإمكانات التي تملكها، وكما قال الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام
إن بناء الإنسان المفكر القادر على التمييز والنظر من أصعب الصناعات
التربوية، ولكنها في الوقت ذاته من أهم الصناعات. ومهما كثرت الضغوط على
الصحوة الإسلامية، وتزايدت عليها المحن، وتكالب عليها الأعداء، وتشعبت بها
دروب العمل، فيجب أن يكون ذلك من أولويات البناء والتكوين. حتى تضمن
بفضل الله تعالى بقاءها وصلابتها من جهة، ونقاءها وسلامة توجهها من جهة
أخرى. وإن غياب المنهج العلمي، وفقدان الضوابط الشرعية في الفهم، والتلقي،
والعمل، يؤدي جزماً إلى هذا القصور والخلل الذي نعيشه. والنهوض بالأمة من
هذه الكبوة لن يكون إلا وفق الأسس والقواعد الشرعية، المبنية على الكتاب والسنة
ومنهج السلف الصالح. والعاملون للإسلام لا ينقصهم - في الغالب - الصدق
والإخلاص، وإنَّما يحتاجون إلى العلم الدقيق بمحكمات الشرع وأصوله، ليتسنى
لهم تنزيلها على مقتضيات العصر.. ولذا كان التحدي الكبير الذي تواجهه الصحوة
الإسلامية هو بناء الإنسان المفكر.!
стр. 1563
جمادى الأول - ١٤١٤هـ
نوفمبر - ١٩٩٣م
(السنة: ٨)
стр. 1564
كلمة صغيرة
المتداعون على السلام مع العدو الصهيوني كتداعي الذباب على الشراب هل هم
حقاً يعرفون (يهود) حق المعرفة؟ أم أنهم تعبوا من (الكفاح الصوتي) منذ عام
١٩٤٨؟ . الحقيقة أنهم لا يعرفون (العدو) فعلاً لاسيما حتمية وقوع ملحمة كبرى بيننا
وبينهم سيكون النصر فيها للمسلمين. وحتى ننتصر على هذا العدو لا بد أن نعرفه
حق المعرفة وألا نضلل أجيالنا بالأكاذيب مثل (حتمية السلام) و (الدعوة لإزالة الحاجز
النفسي) و (التفريق بين اليهود والصهاينة) فلابد من إعداد العدة، وما علينا أن ندرك
شرف (نداء الشجر والحجر) بل حسبنا أن نكون عاملين في سبيل الوصول إليه [
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله] .
стр. 1565
الافتتاحية
[من كان يظن أن لن ينصره الله]
التحرير
والآن، أسفر صباح الحقيقة، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في
مستقبل قضية فلسطين، واستسلمت كل الرايات، ورضي رئيس منظمة التحرير
أن يبيع كل شيء، التاريخ، والحق، والعدل، ودماء الشهداء، ومستقبل الأجيال، والقدس، مقابل أن ينصبه إسحق رابين رئيساً لبلدية (أريحا) ، وفوقها (غزة)
مجاناً، إذ من المعلوم أن إسرائيل قد عرضتها مجاناً لمن يقبل منذ أشهر، لولا
تدخل بعض الوسطاء بطلب التأجيل حتى لا تقع في يد الأصوليين. إذن لقد نُكست
الرايات جميعها، الوطنية، والشيوعية، والاشتراكية، والقومية، والثورية عدا
بعض الجهات اليسارية المعارضة، وموقفها ظل لموقف إحدى الدول العربية،
والمتوقع تغييرها له بتغير رأي تلك الدولة نفسها، وبقيت راية واحدة تعلن الرفض، وتتمسك بثوابت التاريخ والحق، وتفي وتحمل الأمانة إلى الأجيال القادمة، تلك
هي راية الإسلام، وأولئك هم أبناء الصحوة الإسلامية المجاهدة في فلسطين وفي
أرض الله الواسعة كذلك.
ومما هو جدير بالتذكر الآن، أن هذه الرايات المنكوسة، هي ذاتها التي
حاربت راية الإسلام على مدى نصف قرن، وقهرت كل من حاول رفعها في العديد
من ديار الإسلام، وذلك باسم (قضية فلسطين) ، (ولا صوت يعلو فوق صوت
المعركة) ، ومنذ ذلك التاريخ، وفلسطين تضيع قطعة قطعة، حتى أتى (آخر
الثوار) ليسلم رايته مقابل (عزبة) ! .
إن الغضب الإسلامي مشروع ولا ريب.. الغضب لله ولدينه ولحرماته
ولمسجده الأقصى، ولكن الذي ينبغي الحذر منه، أن يصبح الغضب فورة عاطفة،
وانفلاتة أعصاب ومشاعر، دون أن تقنن هذه العاطفة وتلك المشاعر في خطط
جديدة طويلة الأمد، ندير من خلالها صراعنا الجديد/القديم مع اليهود، ونظام الظلم
العالمي الجديد.
إن ما حدث أخيراً، هو مفتتح جديد للتاريخ، بالقدر نفسه الذي يمثل نهاية
مرحلة وتاريخ، وهذا التاريخ الجديد، يتحمل فيه الإسلاميون -وحدهم - عبء
المواجهة، وتبعات الجهاد الأكبر، وفي الصفحة الأولى من صفحات التاريخ الجديد، نقرأ المعالم التالية:
أولاً: إن قضية فلسطين ليست - كما يدعي الساقطون اليوم - شأناً فلسطينياً
مجرداً، وذلك ليقطعوا فلسطين -حكماً- عن الإسلام وعالمه ومجاهديه، بعد أن
قطعوها عملياً عنه، بل إن (فلسطين) شأن كل مسلم، والإثم يلحق الأمة بأسرها إذا
فرطت فيها.
ثانياً: إن قضية فلسطين ليست قضية جيل من الأجيال، يبيع فيها ويشتري،
وإنما هي ميراث أجيال مضت، وحقوق أجيال قادمة، وإذا عجز جيل عن الوفاء
بحقها، فحسبه أن يعلن عجزه، ويخلي السبيل لغيره من الأجيال الجديدة، فالعجز
ليس - دائماً عيباً، طالما استنفذت الجهود، وأدى المؤتمنون الأمانة، وإن العيب
كله أن يأبى العاجز، إلا أن يفرض عجزه وهزيمته على الأجيال كلها، سابقها
ولاحقها.
ثالثاً: إن شيئاً كبيراً من الجهاد المتعلق بفلسطين، لا بد أن يتوجه إلى العقول
والمشاعر، لكي تظل رسالة الجهاد والتحرير في خواطر الأجيال لأن (الخطر)
ليس في الهزيمة على الأرض، أو ضياع جزء منها في زمان ما فهذا كله من
عوارض المواجهة، وتداول الأيام، وإنما الخطر كله أن تصبح الهزيمة في النفوس
والعقول والأفكار، فهذا هو الضياع وهذا هو (القبر) الحقيقي لقضية فلسطين.
إن التجبر الذي بلغه (يهود) الآن، واستعلاءهم في الأمة، والأوضاع التي
آلت إليها موازنات القوى في العالم اليوم، بما في ذلك المنطقة العربية، يؤذن
بصعوبة المهمة، وجسامة التحدي، وأيضاً - وهذا هو المهم - يؤذن بأن (الوقت)
هو سلاح جوهري في هذه المواجهة، فالواضح حتى الآن، أن الأمر سيطول،
وصاحب النفس الأطول هو المؤهل لكسب السباق، وقصر النفس واستعجال
النصر واستصعاب المسافة، كلها مورِّثات للعجز، ومثبطات للعزائم، وعجز
العاجزين ينتهي -عملياً- إلى ذات النتيجة التي ينتهي إليها فجور الفاجرين.
عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كيف أنتم إذا انفرجتم عن
دينكم، كما تنفرج المرأة عن قُبُلها لا تمنع من يأتيها» ، قالوا: لا ندري! ، قال:
«ولكني والله - أدري - أنتم يومئذ بين عاجز وفاجر» [١] .
نسأل الله البراءة من عجز العاجزين، وفجور الفاجرين.
رابعاً: إن الثقة بنصر الله، وعونه ووعده الحق لمن جاهد في سبيله، هي
زاد الطريق، ومفتاح الأمل، ونور الأجيال الإسلامية التي تبصر بها آفاق زاد
الطريق، ومفتاح الأمل، ونور الأجيال الإسلامية التي تبصر بها آفاق الرحلة،
وتبقى (لحظة النصر) و (بشارة التمكين) حية شاخصة في رؤى المجاهدين
ومشاعرهم، وإن من فقد هذه الثقة بالله ونصره، فقد خسر خسراناً مبيناً، ومن
تشكك فيها لحظة، فقد تأخر عليه النصر على قدرها، [مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن
يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ
كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ] . [٢]
стр. 1566
مصطلحات
الشرك
عثمان جمعة ضميرية
خلق الله تعالى هذا الإنسان على فطرة التوحيد والإسلام متهيناً لقبول الدين،
فلا يعدل عن هذا وينحرف إلا لآفة تنحرف بهذه الفطرة وذلك عندما تتضافر جملة
من العوامل التي تساعد على الانحراف، فيقع الإنسان عندئذ في واحدة من صوره
كالشرك والنفاق. وسنقف - إن شاء الله تعالى - على كل واحدة من هاتين
الصورتين بكلمة تعريفية موجزة، تحدد معناها اللغوي والاصطلاحي، وأصل
نشأتها، وبعض صورها.
-١-
إذا استنطقنا كتب اللغة وجدنا أن (الشين والراء والكاف) أصلان يدل أحدهما
على اقتران وعدم انفراد ... وهو أن يكون الشيء بين اثنين، لا ينفرد به واحد
منهما.
يقال: «شاركتُ فلاناً في الشيء؛ إذا صرتُ شريكه. وأشركتُ فلاناً: إذا
جعلته شريكاً»
والشرك أيضاً: إسناد الأمر المختص بواحدٍ إلى من ليس معه أمره. يقال:
أشرك بالله: جعل له شريكاً في ملكه -تعالى الله عن ذلك - ... ومن عدل بالله
تعالى شيئاً من خلقه فهو كافر مشرك؛ لأن الله وحده لا شريك له، ولاندّ له ولا
نديد [١]
-٢-
وفي الاصطلاح الشرعي: يطلق لفظ الشرك على نوعين:
أحدهما: إثبات شريك لله تعالى، وهو الشرك الأكبر.
والثاني: مراعاة غير الله تعالى في بعض الأمور، وهو الشرك الأصغر.
فالشرك الأكبر وهو أن يتخذ مع الله تعالى، أو من دون الله، إلهاً آخر،
يعبده بنوع من أنواع العبادة.
قال ابن القيم: (والشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه وهو أن يتخذ من
دون الله نداً يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين
برب العالمين) . [٢]
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ:
«الشرك قد عرّفه النبي ﷺ بتعريف جامع، كما في
حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال:» أن تجعل لله نداً وهو خلقك «أخرجه البخاري ومسلم، والند: المثل والشبيه،
فمن صرف شيئاً من العبادات لغير الله فقد أشرك به شركاً يبطل التوحيد
وينافيه» . [٣]
وعرّف الشيخ عبد الرحمن السعدي هذا الشرك بتعريف جامع مانع قال:
«إن حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد
نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله، فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور
به من الشارع، فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك
وكفر، فعليك بهذا الضابط الذي لا يشذ عنه شيء» . [٤]
وهذا أعظم الشرك والظلم، ولا يغفره الله لصاحبه إن مات عليه، لأنه
يناقض أصل التوحيد ويخرج صاحبه عن الملّة، ويحبط عمله، ويخلِّد في النار.
وإذا أطلقت كلمة الشرك فإنها تنصرف إلى هذا النوع منه.
-٣-
وأصل هذا الشرك ومنشؤه هو: تسوية غير الله بالله تعالى، أو هو تشبيه
غير الله بالله تعالى في صفة من الصفات التي يختص بها؛ مما لم يعهد في جنس
الإنسان، فالذي يعبد كائناً ما من دون الله فيدعوه أو يطلب منه الشفاعة أو يخافه،
أو يتخذ حكمه شرعاً له ... إنما يفعل ذلك لأنه يعتقد أنه صاحب سلطة وحكم على
الخلق..
يقول ابن تيمية: «وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما
يستحقه وحده، فإنه لم يعدل أحد بالله شيئاً من المخلوقات في جميع الأمور، فمن
عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك» . [٥] والصورة الواضحة الجلية لهذا الشرك
هي عبادة الأصنام، التي كانت تتخذ سابقاً في عصور الجاهلية القديمة من حجر أو
خشب ... ولكنها تظهر في عصور أخرى بمظاهر شتى قد تكون مذهباً من المذاهب
الفكرية، أو الاقتصادية وقد تكون أهواء وشهوات يخضع لها الناس فيتخذونها آلهة.. وقد تكون الأصنام مجموعة من القيم الاجتماعية والمادية التي تسيطر على الناس، على ما حكاه الله تعالى عن أقوام فقال: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ
عَلَى عِلْمٍ] [الجاثية: ٢٣]
[مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وهُمْ فِيهَا لا
يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وبَاطِلٌ مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ] [هود: ١٥، ١٦] .
-٤-
ويبحث العلماء تحت هذا الشرك أنواعاً من العبودية لغير الله، كشرك الدعاء
سواء كان دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، مما لا يجوز أن يتوجه به إلا
لله تعالى وحده، لأن الدعاء هو العبادة.
وكذلك شرك العبادة والتقرب الذي يظهر جلياً وواضحاً في عبادة الأصنام
وإعطائها بعض خصائص الألوهية، أياً كانت هذه الأصنام وبأي صورة ظهرت.
ولا يقل عن هذا اللون من الشرك ما يسمى أيضاً بشرك طلب الشفاعة من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.. وكتب العقيدة والتوحيد أفاضت في بيان ذلك
كله.
وتبقى ألوان أخرى من الشرك الأكبر قد تكون اتسعت دائرتها في العصور
الأخيرة، أكثر مما كانت في عصور سابقة، وذلكم هو شرك الطاعة والاتباع،
وشرك المحبة والنصرة.
-٥-
فقد اتفق العلماء على أن الحكم لله وحده ، فهو المتفرد بالخلق
فينبغي أن يكون متفردا بالأمر. فلا أحد يستحق أن ينفذ حكمه على الخلق إلا من
كان له الخلق والأمر فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا
مالك إلا الله الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما غيره سبحانه، فلا يجب شيء
بإيجابه، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم [٦] .
وقد تواردت النصوص الشرعية تؤيد هذا المنطلق السليم وتؤكده، فهي تُلْزِم
البشر باتباع ما جاء من عند الله تعالى، وتحرِّم عليهم تحريما قاطعاً اتباع ما يخالفه: [اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ]
[الأنعام: ١٠٦] ، [اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ] [الأعراف: ٣] ...
والآيات في ذلك كثيرة تعزُّ على الحصر.. توجب الحكم بما أنزل الله وتحكم
بالكفر والفسق والظلم على كل من يخالف حكم الله تعالى.
ولذلك كان كل من أطاع مخلوقاً في تحريم الحلال أو تحليل الحرام - وهو
متبع له في هذا التبديل - فهو مشرك شرك الطاعة والانقياد والاتباع [٧] .
وقد حكم الله على اليهود والنصارى بالشرك لاتباعهم الأحبار والرهبان
واتخاذهم أرباباً من دون الله، ثم بيَّن النبي ﷺ ذلك بياناً
واضحاً ببيان ما هية العبادة التي وقعوا فيها. [٨]
وهذا النوع من الشرك يعم اليوم أصقاعاً وبقاعاً كثيرة في بلدان العالم، بعد
تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم في شؤون الحياة كبيرها وصغيرها، وحصرها
في جوانب ضيقة، واستبدلوا بها القوانين الوضعية التي ارتضاها الناس لأنفسهم
بمعزل عن دين الله تعالى وشرعه. ولذلك كان من الواجب العناية بهذا اللون من
الشرك وبيان خطورته، وإن كان ذلك سيؤدي إلى تكاليف باهظة يحتسبها المسلم
عند الله تعالى.
وأما شرك المحبة والنصرة والولاء فيكون عندما يتوجه الإنسان بالمحبة لغير
الله تعالى، إذْ من مقتضيات التوحيد وأصول العبادة أن نفرد الله تعالى بالمحبة التي
لا تصلح إلا له «وهي حب طاعته والانقياد لأمره» وإلا وقع الشرك الذي جاء
التحذير منه، عندما تكون المحبة لأعداء الله، عند موالاة الكافرين ونصرتهم، لأن
في ذلك نقضاً للميثاق ولكلمة التوحيد، وخروجاً على مقتضيات الإيمان: [لا
يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي
شَيْءٍ] [آل عمران: ٢٨] [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ]
[المائدة: ٥١] .
وأما تعريف الشرك الأصغر فهو ما أتى في النصوص الشرعية أنه شرك،
ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر.
ومن أمثلة هذا الشرك: التطير؛ وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ لم
والبقاع وغيرها.
ومن الشرك الأصغر: شرك الألفاظ كالحلف بغير الله، وقول أحدهم: ما شاء
الله وشئت، ولولا الله وفلان ... إلخ..
ومن الشرك الأصغر: يسير الرياء لقوله ﷺ : (إن يسير
الرياء شرك) . وفي ختام هذه المقالة ندعو بما صح عن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- في قوله: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا
أعلم» .
стр. 1567
دراسات أصولية
سد الذرائع
-٢ -
هيثم الحداد
استدل العلماء على هذه القاعدة (سد الذرائع) بالنقل والعقل، والمتأمل في هذه
الأدلة يجدها تفيد القطع بصحة القاعدة في الجملة.
أما النقل: فيستدل به من عدة أوجه: [١]
أولاً: الله إذا حرم شيئاً حرم أسبابه ووسائله، ولا يعقل كما يقول
ابن القيم ﵀ أن يحرم الله شيئاً ويبيح أسبابه ووسائله المفضية إليه وهذا
واضح في أمور كثيرة. بل إن الشريعة تؤكد على تحريم الوسائل والأسباب إذا كان
ما تؤدي إليه من الكبائر، وأمثلة هذا النوع وشواهده كثيرة جداً، فقد حرم الله عز
وجل الكفر، وحرم أسبابه ووسائله حتى يصون المؤمنين، ويبعدهم أشد البعد عن
هذا الظلم العظيم. ومن أهم أسباب الكفر اتباع خطوات الشيطان ووسائله، فحذر
الله من هذه الوسائل، بعدة طرق، وفي مواطن كثيرة جداً، قال الله
تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [٢] ونهى الله عن اتخاذ المشركين
أولياء، لأن هذا من أسباب محبتهم ومحبة دينهم وهو من ذرائع الكفر، قال تعالى
[لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ] [٣] وقال [يَا أَيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ] [٤] وبيّن علة النهي فقال:
[ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ] [٥]
كما نهى عن الإقامة بين أظهرهم، قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول
الله ولمَ؟ قال: لا تراءى نارهما [٦] عن مخالطتهم، لأن مخالطتهم تؤثر على
الإيمان، وتضعف بغضهم وبغض دينهم، قال رسول الله ﷺ :
» لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم « [٧] .
بل إنه نهى عن مشابهتهم للأسباب نفسها أيضاً واستفاضت
النصوص في التحذير من ذلك، قال رسول الله ﷺ :» من
تشبه بقوم فهو منهم « [٨] ، بل قد حرمت الشريعة أموراً لكونها تشبها بالكفار،
ومن ذلك تحريم التشبه بهم في الملبس والمأكل، ومنها الصلاة في أوقات معينة،
وغير ذلك كثير.
وبعد فقد حذرت الشريعة أشد التحذير من المعاصي ومقارفتها لأنها بريد الكفر.
ومثل ما تقدم في تحريم الكفر وذرائعه، والزنا وذرائعه، كان تحريم الربا
وشرب الخمر وذرائعهما، إلى غير ذلك من المحرمات.
وكل هذه الشواهد تفيد القطع بأن الشريعة إذا حرمت شيئاً حرمت ذرائعه.
ثانياً: وهذا الوجه من أقوى وجوه الاستدلال على هذه القاعدة وأوضحها؛ إذ
جاء الشرع بتحريم وسائل لاشك في إباحتها لو تجردت عما أفضت إليه - وقد
تتجرد فترجع إلى أصل الإباحة. وانما حرمها الشارع، لعلة إفضائها إلى محرم
وأدلة هذا الوجه كثيرة أيضاً، لكن دلالاتها تختلف قوة وضعفاً، بل قد نازع فيها
بعض العلماء؛ لأن تلك العلل غير منصوص عليها، فلم يتفقوا مع غيرهم على أن
علة التحريم هي إفضاؤها إلى محرم، فكأنهم جعلوا النهي تعبدياً، أو بنوه على علة
أخرى.
من أجل هذا سأقتصر هنا على تلك الأدلة التي نصت على أن علة تحريم هذه
الوسائل إفضاؤها إلى محرم.
الأدلة من الكتاب:
١ - قال تعالى [ولا تَسُبُّوا الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ
عِلْمٍ] [٩] .
ووجه الاستدلال أن الله حرّم سب الآلهة مع أنه عبادة، وعلل
هذا المنع بكونه ذريعة إلى سبهم له -جل وعلا- فمصلحة تركهم سب الله -سبحانه- راجحة على مصلحة سبنا لآلهتهم. [١٠]
فالوسيلة هنا هي سب آلهة المشركين، وأقل أحوالها الاستحباب، ويغلب
على الظن إفضاؤها إلى سب المشركين لله .
٢- قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ] [١١] ... وجه الاستدلال: أن هذا النص ظاهر في المنع من السؤال المباح، إذا خيف
إفضاؤه إلى محظور، خاصة إذا علم سبب نزول الآية: وهو أن رجلاً قال: يا
رسول الله من أبي؟ قال: فلان، فقالت له أمه: ما سمعت بابن أعق منك أظننت
أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس فقال:
والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت.
وأما السنة فالشواهد كثيرة جداً منها:
١- تركه ﷺ قتل المنافقين، مع أن في قتلهم مصلحة
كبيرة، ثم علل ذلك بقوله» حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه « [١٢]
٢- وكذلك قوله ﷺ لعائشة ﵂:» لولا
قومك حديثو عهد بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس،
وباب يخرجون « [١٣] وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله» باب من ترك
بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه « [١٤] .
ثالثاً: جاءت الشريعة بالحث على ترك الشبهات؛ لأن ارتكابها ذريعة إما إلى
الوقوع في الحرام بغير قصد، وإما إلى اتخاذها مطية لأغراض فاسدة، فمن احتاط
لنفسه، لم يقرب الشبهات، فلا يقع في واحد من هذين المحظورين. وقد حث
رسول الله ﷺ على ترك الشبهات في أكثر من حديث، منها
الحديث المشهور عن النعمان بن بشير ﵁، وموطن الشاهد منه:
» فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام «. [١٥] ، وحديث» دع ما يريبك إلى ما لا يريبك « [١٦] .
ومظاهر العمل بترك الشبهات، الذي هو عمل بسد الذرائع، كثيرة جداً
يطول استقصاؤها ومن صورها:
١- أن الشرع حث المسلم على اجتناب مواطن التهم حتى لا يتعرض لإساءة
الظن بدينه، ومن ذلك قصته ﷺ وصفية ﵂
حين أراد أن يودعها إلى أهلها فرآه اثنان من الصحابة، فأسرعا، فقال لهما رسول
الله ﷺ :» على رسلكما، إنها صفية بنت حيي «فقالا:
سبحان الله، فقال رسول الله ﷺ » إن الشيطان يبلغ من ابن
آدم مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً « [١٧]
٢- حديث امتناعه ﷺ أن يأكل التمرة التي رآها ملقاة
خشية أن تكون من الصدقة» [١٨] .
رابعاً: أن الله توعد بالعقاب من يحتال إلى الممنوع بفعل جائز
فدل ذلك على تحريم الفعل الجائز إذا كان يتوسل به إلى ممنوع، وهذا هو عين سد
الذرائع.
ومن أشهر أمثلة ذلك: أن الله - جل وعلا- ذم أصحاب السبت؛ لأنهم
احتالوا على ما حرمه عليهم من صيد الحيتان يوم السبت، وابتلاهم الله بأن جعل الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً (ظاهرة) ، ولا تكون على هذه الحالة
باقي الأيام، فاحتالوا على ذلك؛ بأن حفروا لها حفراً في البحر تحجزها ليسهل
عليهم صيدها في باقي الأيام. [١٩]
وأما العقل: فيمكن إجمال اعتبار العقل لقاعدة سد الذرائع بكلام ابن القيم -
﵀ حيث يقول: «لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق
تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسائل المحرمات
والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غايتها، وارتباطها بها
ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن بها بحسب إفضائها إلى غاياتها،
فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، لكنه مقصودٌ قصدَ الغايات،
وهي مقصودةٌ قصدَ الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي
إليه فإنه يحرمها، ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه، وتثبتاً له، ومنعاً أن يقرب حماه،
ولو أباح الوسائل المفضية إليه لكان ذلك نقصاً في التحريم، وإغراء للنفوس به،
وحكمته تعالى تأبى ذلك، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده
أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه
فقد أفسد منعه، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده.
وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع
الموصلة إليه، وإلا أفسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة
الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها
ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سدا الذرائع المفضية إلى المحرمات بأن
حرماها ونهيا عنها» [٢٠]
أمثلة وتطبيقات على سد الذرائع:
قبل ذكر هذه الأمثلة لابد من التنبيه على أمر مهم جداً، وهو أن تطبيق هذه
القاعدة والعمل بها -وهو ما يُعرف بتحقيق المناط الذي من معناه تحقيق وجود العلة
في الواقعة حتى يُبنى عليها الحكم - لا يمكن أن يكون صحيحاً إلا بمعرفة واقع
المسألة معرفة جيدة، وهو ما أطلق عليه ابن القيم ﵀ الفقه في الواقع،
فحتى نخرج بتطبيق صحيح لهذه القاعدة، لابد أن نميز درجة إفضاء الأمر الجائز
إلى الممنوع، وتحديد درجة الإفضاء هذه تختلف فيه التقديرات اختلافاً كبيراً، كل
بحسب ما وصل له، أضف إلى ذلك أن تقدير متعلق الوسيلة بأمر حاجي أو
ضروري، وكذا المتوسل إليه، أمر قابل لاختلاف وجهات النظر.
فمن أمثلة تطبيق هذه القاعدة في حياة السلف مما يشابه واقعنا:
١ - الحرص على الوحدة والائتلاف، ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف.
وهذا من أعظم الأصول التي دعت إليها الشريعة وطبقها السلف الصالح -
رضي الله تعالى عنهم-، فظهرت آثار المحافظة على هذا الأصل في مواقف كثيرة، منها مثلاً تركهم بعض المباحات، بل بعض السنن من أجل عدم التفرق
والاختلاف، وهذا من فقههم -رحمهم الله تعالى-، فواجب على من سار على
سبيلهم أن يقتدي بهم في ذلك، ومن أمثلة ما نقل عنهم في هذا الباب، قصة عبد
الله بن مسعود ﵁ في صلاته خلف أمير المؤمنين عثمان بن عفان -
﵁ بمنى إتماماً مع أن السنة القصر، فلما قيل له في ذلك قال:
«الخلاف شر» .
ومن أجل ذلك نرى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يقرر أنه
«يستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك مثل هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا» .
ومن هذا ما يقع الآن بين الدعاة وطلبة العلم من رد هذا على ذاك. إن الرد
على المخالف، مشروع في الجملة، وهو سنة الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن
سار على هذا من أكابر العلماء، إلى يومنا هذا.
لكن هل هذا الأمر على إطلاقه؟ فهل يكون الرد على المخالف مشروعاً حتى
وأن أفضى إلى فساد، أو منكر أكبر؟
إن الرد على المخالف وسيلة، القصد منها إظهار الحق لازهاق الباطل،
وإعلاء كلمة الدين، لكن هذه الوسيلة قد تأتي بضد ما شرعت لأجله، فيحصل
بسبب هذا الرد تفريق الأمة، واقتتالها فيما بينها ومن ثم ضعفها، واستطالة الأعداء
عليها، ومن ثم ذهاب بيضة هذا الدين، فهل يبقى الرد عندئذ على المخالف مطلوباً
مشروعاً؟
هذه مسألة تحتاج إلى بحث ونظر، حسب القواعد والضوابط الشرعية،
وحسب الواقع، ولا يتسع المجال لعرضها في هذا المقال، وأدعو الأخوة الباحثين
والدعاة وطلبة العلم، أن يبحثوا هذه المسألة بحثاً علمياً مؤصلاً.
ولا مانع هنا من أن نعرض بعض ما يجب مراعاته في دراسة هذه المسألة
مما له صلة ببحثنا.
الرد على المخالف في المسائل الاجتهادية كطرائق الدعوة مثلاً
أكثر ما يقال فيه أنه وسيلة مشروعة، لا تصل إلى الوجوب، إذا غلب على الظن أداؤها لحدوث تدابر وتباغض بين المسلمين وإنما تسد؛ لأنها ذريعة إلى أمر ممنوع.
لكن ما حكم الرد على المخالف في غير المسائل الاجتهادية، إذا أدى إلى
حدوث ذلك الفساد؟ ينبغي أن ينظر إلى حجم المخالفة، ثم مدى تأثر الناس بها،
وحجم المصلحة الناتجة من هذا الرد، ثم حجم الفساد الذي أفضت إليه هذه الذريعة، وكذلك درجة إفضاء هذا الرد لهذا الفساد.
الأمر بمجانبة أهل الأهواء والفساد
لقد سبق القول إن الشرع حث المسلم على عدم مخالطة المشركين، لأن ذلك ذريعة لمحبتهم أو محبة دينهم، وكذلك فإن مخالطة أهل الأهواء ذريعة إلى التأثر بهم، أو دخول بعض شبههم إلى قلبه، وأقل ذلك الخوض معهم في باطلهم، ومثل مخالطتهم، قراءة كتبهم والنظر فيها، لذلك فقد جاءت نصوص كثيرة عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف في التحذير من ذلك، وأقوالهم في ذلك كثيرة حتى كانت مجالاً رحباً للتصنيف، وما ذلك إلا عملاً بسد الذرائع، من أشهر ذلك قصة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- مع صبيغ بن عسل، حينما كان يسأل عن متشابه القرآن في أجناد المسلمين، فأمر الناس باعتزاله، حتى رجع عن ما هو فيه، ثم أذن عمر للناس بمخالطته.
وقال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: «لا تجالس صاحب هوى فيقذف
في قلبك، ما تتبعه عليه فتهلك، أو تخالفه فيمرض قلبك» .
وعن أبي قلابة -رحمه الله تعالى- «لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون» قال
أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب. [٢١]
حدثوا الناس بما يعرفون كما قال علي بن أبي طالب ﵁، قال
ابن حجر معلقاً: «وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة ... »
ثم قال: «وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج قصة العرنيين لأنه اتخذها
ذريعة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك
أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه
عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب والله أعلم» . [٢٢]
ليس كل ما يعلم يقال وإن كان حقاً، كما قال كثير بن مرة الحضرمي:
«إن عليك في علمك حقاً كما أن في مالك حقاً، لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل، ... ولا تمنع العلم أهله فتألم، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيقتلوك» [٢٣] . وهذا واضح في حديث معاذ. أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا فيتكلوا) . وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال محدثاً عن عمر بن الخطاب ﵁:
«لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل فقال: إن فلاناً يقول لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلاناً، فقال عمر: لأقومن العشية، فأحذر هؤلاء الرهط، الذين يريدون يغضبوني، قلت: لا تفعل، فإن الموسم، يجمع رعاع الناس، ويغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها فيطيروا بها كل مطير، وأمهل حتى تقدم المدينة، دار الهجرة، ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، ويحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها، فقال: والله لأقومن في أول مقام أقومه بالمدينة» .
وتطبيقات سد الذرائع أكثر من أن تحصى، ولهذا قال ابن القيم ﵀
تعالى- «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي والأمر نوعان،
أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان أحدهما ما
يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد
الذرائع أحد أرباع الدين) .
هذا ما تيسر والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وأله وصحبه
وسلم.
стр. 1568
من فقه الدعوة
فن معالجة الأخطاء
عبد الله آل سيف
ترصد الشركات الغربية الكبرى أموالاً ضخمة لدراسة علم العلاقات الإنسانية، الذي يشمل: فن معالجة الأخطاء، وفن التعامل مع الآخرين، وفن كسب القلوب، وفن الإقناع، وفن قيادة الآخرين، وتنشئ لهذا الغرض معاهد مستقلة، وتدعم
البحوث والدراسات المتعلقة به؛ لأنه يخدم مصالحها وأهدافها في الاتصال
بالجماهير، ولا تكاد تخلو شركة من الشركات من قسم العلاقات العامة الذي يوظف
فيه أناس متخصصون في هذه العلوم، أو ما يحلو [لديل كارينجي] أن يسميهم:
(كاسحي الألغام) ، الذين يتولون أمور زبائن الشركة المشاغبين والمتعبين، ويحلون
مشاكلهم، ويكسبونهم إلى صفهم، ولا شك أن الدعاة أولْى الناس بدراسة هذه العلوم، لأن طبيعة عملهم هي الاتصال بالآخرين، ومعالجة أخطائهم. وسوف أحاول هنا
طرق أبواب ذلك العلم لإبراز بعض القواعد المهمة في ذلك، ومحاولة شرحها،
وتأصيلها بالدليل الشرعي ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
القاعدة الأولى:
اللوم للمخطئ لا يأتي بخير غالباً:
تذكَّرْ أن اللوم لا يأتي بنتائج إيجابية في الغالب، فحاول أن تتجنبه، وكما
يقول أنس بن مالك _رضي الله عنه-: إنه خدم رسول الله ﷺ
عشر سنوات ما لامه على شيء قط، وإذا حدثه في ذلك بعض أهله قال: «دعوه
فلو كان شيء مضى لكانْ» ، وفي رواية للطبراني قال أنس بن مالك: «خدمت
رسول الله ﷺ عشر سنين فما وُريت شيئاً قط وافقه، ولا شيئاً
خالفه» [١] .
واللوم مثل الطيور مهيضة الجناح، التي ما إن تطير حتى تعوْد إلى أوكارها
سريعاً، أو مثل السهم القاتل الذي ما إن ينطلق حتى ترده الريح على صاحبه
فيؤذيه، ذلك أن اللوم يحطم كبرياء النفس البشرية ويكفيك أنه ليس أحد في الدنيا
يعشق اللوم ويهواه.
وكم خسر العالم كثيراً من العباقرة وتحطمت نفسياتهم؛ بسبب اللوم المباشر
الموجه إليهم من المربين [٢] قال معاذ بن جبل: «إذا كان لك أخ في الله فلا
تماره» [٣] .
القاعدة الثانية:
أبعد الحاجز الضبابي عن عين المخطئ:
المخطئ أحياناً لا يشعر أنه مخطئ، وإذا كان بهذه الحالة وتلك الصفة فمن
الصعب أن توجه له لوماً مباشراً وعتاباً قاسياً، وهو يرى أنه مصيب. إذن لابد أن
يشعر أنه مخطئ أولاً حتى يبحث هو عن الصواب؛ لذا لابد أن نزيل الغشاوة عن
عينه ليبصر الخطأ.
جاء شاب يستأذن النبي ﷺ في الزنا بكل جرأة
وصراحة فهمَّ الصحابة أن يوقعوا به؛ فنهاهم وأدناه وقال له: «أترضاه
لأمك؟ !» قال: لا، قال رسول الله ﷺ «فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم» قال: «أترضاه لأختك؟ !» قال: لا، قال: «فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم» [٤] . فكان الزنى أبغض شيء إلى ذلك الشاب فيما بعد.
وكذلك في قصة معاوية بن الحكم حيث قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله -
ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: (يرحمك الله) ، فرماني
القوم بأبصارهم فقلت: (ما شأنكم تنظرون إلي) فجعلوا يضربون بأيديهم على
أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت، فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- فبأبي هو وأمي -ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه- فوالله ما
نهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام
الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. [٥]
القاعدة الثالثة:
استخدم العبارات اللطيفة في إصلاح الخطأ:
إذا كنا ندرك أن من البيان سحراً فلماذا لا نستخدم هذا السحر الحلال في
معالجة الأخطاء! فمثلاً حينما نقول للمخطئ لو فعلت كذا (ما رأيك لو نفعل كذا)
أنا أقترح أن تفعل كذا (عندي وجهة نظر أخرى ما رأيك لو تفعلها؟) وغيرها ...
فلا شك أنها أفضل مما لو قلت له: (يا قليل التهذيب والأدب، وعديم المروءة
والرجولة) .. (ألا تفقه) .. (ألا تسمع) .. (ألا تعقل) .. (أمجنون أنت ...)
(كم مرة قلت لك) .. فلا شك أن الفرق شاسع بين الأسلوبين، وعندما نسأل أنفسنا
أي الأسلوبين نحب أن يقال لنا، فلا شك أننا نختار الأول فلماذا لا نستخدمه نحن
أيضاً مع الآخرين؟ ! ولهذا كان النبي الكريم ﷺ يستخدم مثل
هذا، ففي حديث عائشة مرفوعاً» لو أنكم تطهرتم ليومكم « [٦] . وروى مسلم
أيضاً مرفوعاً:» لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك « [٧] . والسر في تأثير
هذه العبارات الجميلة، أنها تشعر بتقدير واحترام وجهة نظر الآخرين، ومن ثم
يشعرون بإنصافك فيعترفون بالخطأ ويصلحونه [٨] .
القاعدة الرابعة:
ترك الجدال أكثر إقناعاً من الجدال:
تجنب الجدال في معالجة الأخطاء، فهو أكثر وأعمق أثراً من الجدال نفسه
وتذكر أنك عندما تنتصر في الجدال مع خصمك المخطئ فإنك تجبره في الغالب أو
على الأقل يحز ذلك في نفسه، ويجد عليك ويحسدك، أو يحقد عليك فحاول أن
تتجنب الجدال، ولذلك فإن النصوص الشرعية لم تذكر الجدال إلا في موضع النفي
غالباً، والمحمود منه ما كان محاورة هادئة مع طالب للحق بالتي هي أحسن.
ذُكر عن مالك بن أنس أنه قيل له:» يا أبا عبد الله الرجل يكون عالماً بالسنة
أيجادل عنها؟ «قال: لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت وإلا سكت [٩] . وفعلاً فإن
طالب الحق إذا سمع السنة قبلها، وإن كان صاحب عناد لم يقنعه أقدر الناس على
الجدل، لكن إن سلم بها وذكرت له السنة بلا جدال فقد يتأملها ويرجع.
وبالجدال قد تخسر المجال، والداعية ليس في حاجة إلى أن يخسر الناس ولذا
يقول عبد الله بن حسن ﵀:» المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل
العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون المغالبة والمغالبة، أمتن أسباب القطيعة [١٠] . حتى ولو كان المجادل محقاً، فينبغي له ترك الجدال، وفي الحديث الذي رواه أبو
داود مرفوعاً «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان
محقاً» [١١] .
وتذكَّر أن المخطئ قد يربط الخطأ بكرامته، فيدافع عنه كمن يدافع عن
كرامته، وإذا تركنا للمخطئ مخرجاً سَهُلَ عليه الرجوع وجعلنا له خيارات للعودة
فلا نغلق عليه الأبواب [١٢] .
القاعدة الخامسة:
ضع نفسك موضع المخطئ ثم ابحث عن الحل:
عندما نعرف كيف يفكر الآخرون، ومن أي قاعدة ينطلقون، فنحن بذلك قد
عثرنا على نصف الحل.
حاول أن تضع نفسك موضع المخطئ، وفكر من وجهة نظره هو، وفكر في
الخيارات الممكنة التي يمكن أن يتقبلها، فاختر له ما يناسبه [١٣] .
القاعدة السادسة:
ما كان الرفق في شيء إلا زانه:
عن عائشة ﵂ مرفوعاً: «إن الله رفيق يحب الرفق،
ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» [١٤] .
وفي رواية أخرى له: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا نُزِعَ من شيء إلا
شأنه» .
وتذكَّر قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، وكيف عالجها النبي -صلى الله
عليه وسلم- بالرفق كما في الحديث المتفق عليه عن أنس [١٥] .
القاعدة السابعة:
دع الآخرين يتوصلون لفكرتك:
عندما يخطئ إنسان، فقد يكون من المناسب في تصحيح الخطأ أن تجعله
يكتشف الخطأ بنفسه، ثم تجعله يكتشف الحل بنفسه فإن هذا أدعى للقبول.
ومن الشواهد على هذا ما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم من قصة الشيخ عبد
الرحمن البكري، حينما ذهب إلى الهند، وسمع أحد العلماء الهنود يلعن الشيخ
محمد بن عبد الوهاب في نهاية كل درس، فقام الشيخ البكري ونزع غلاف كتاب
التوحيد، ودعا الشيخ لمنزله ثم استأذنه ليأتي بالطعام، وكان الكتاب قريباً من
الشيخ الهندي فأخذ يتصفحه وأعجبه قال: فلما رجعت وجدته يهز رأسه عجباً فقال: لمن هذا الكتاب؟ هذه التراجم عناوين الفصول شبه تراجم البخاري، هذا والله
نفس البخاري، فقلت: ألا نذهب للشيخ الغزوي لنسأله -وكان صاحب مكتبة-
فاخبرهم أنه للشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ فصاح العالم الهندي بصوت عال:
الكافر! ! فسكتنا وسكت قليلاً ثم هدأ غضبه، واسترجع ثم قال: إن كان هذا
الكتاب له فقد ظلمناه ثم صار كل يوم يدعو له ويدعو معه تلاميذه، وتفرق تلاميذه
في البلاد وهم على عادة شيخهم يدعون له في دروسهم [١٦] .
والإنسان عندما يكتشف الخطأ ثم يكتشف الحل والصواب فلا شك أنه يكون
أكثر حماساً لأنه يحس أن الفكرة فكرته [١٧] .
القاعدة الثامنة:
عندما تنتقد اذكر جوانب الصواب:
حتى يتقبل الآخرون نقدك المهذب، وتصحيحك الخطأ، أشعرهم بالإنصاف
بأن تذكر خلال نقدك جوانب الصواب عندهم، ففي البخاري أن النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» ، قالت: حفصة
فكان بعدُ لا ينام إلا قليلاً [١٨]
وقال ﷺ : «ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء
المدينة» [١٩] .
فعندما يعمل إنسان عملاً فيحقق نسبة نجاح ٣٠% فإنني أثني عليه بهذا
الصواب، ثم أطلب منه تصحيح الخطأ، ومجاوزة هذه النسبة [٢٠] .
القاعدة التاسعة:
لا تفتش عن الأخطاء الخفية:
حاول أن تصحح الأخطاء الظاهرة ولا تفتش عن الأخطاء الخفية لتصلحها
لأنك بذلك تفسد القلوب، وقد نهى الشارع الحكيم عن تتبع العورات فقد روى الإمام
أحمد عن ثوبان مرفوعاً «لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم،
فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» [٢١] .
وعن معاوية مرفوعاً «إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن
تفسدهم» [٢٢] .
القاعدة العاشرة:
استفسر عن الخطأ مع إحسان الظن والتثبت:
عندما يبلغك خطأ عن إنسان فتثبت منه، واستفسر عنه مع إحسان الظن به،
فأنت بهذا تشعره بالاحترام والتقدير كما يشعر في الوقت نفسه بالخجل وأن هذا
الخطأ لا يليق بمثله ويمكن -مثلاً- أن تقول له: زعموا أنك فعلت كذا، ولا أظنه
يصدر من مثلك، كما قال عمر -رضى الله عنه-: «يا أبا إسحاق زعموا أنك لا
تمشي تصلي» .
القاعدة الحادية عشرة:
امدح على قليل الصواب يكثر من الممدوح الصواب:
وقد أخذ بهذه النظرية محترفو السيرك، فنجحوا في ترويض بعض الحيوانات
الضخمة أو الشرسة ودربوها على القيام بأعمال تدعو للدهشة والاستغراب
وطريقتهم في ذلك أنهم يطلبون من هذا الحيوان عملاً معيناً، فإذا حقق منه نسبة
نجاح ٥% أعطوه قطعة لحم، وربتوا على جسمه دلالة على رضاهم عنه، ثم
يكررون العملية عدة مرات مع قطع لحم أخرى أيضاً، وتزداد نسبة النجاح شيئاً
فشيئاً حتى يتوصلوا للمقصود فإذا نجحت هذه النظرية مع الحيوانات؛ أفلا تنجح
مع الإنسان وهو من أكثر المخلوقات ذكاء واستجابة وقدرة على تفادي الأخطاء؟ ! .
مثلاً: عندما تربي ابنك ليكون كاتباً مجيداً، فدربه على الكتابة، وأثن على
مقاله الأول، واذكر جوانب الصواب فيه، ودعمها بالثناء فإن قليل الصواب إذا
أُثني عليه يكثر ويستمر [٢٣] .
القاعدة الثانية عشرة:
تذكر أن الكلمة القاسية في العتاب لها كلمة طيبة مرادفة تؤدي المعنى نفسه:
عند الصينيين مثل يقول: (نقطة من العسل تصيد من الذباب ما لا يصيد
برميل من العلقم) ، وهذا واقع والكلمة الطيبة تفعل وتؤثر ما لا تفعله أو تؤثر به
الكلمة القاسية التي هي في حقيقتها برميل أو براميل من العلقم المر القاسي الذي لا
يطيقه أكثر الناس.
القاعدة الثالثة عشرة:
اجعل الخطأ هيناً ويسيراً وابن الثقة في النفس لإصلاحه [٢٤] .
القاعدة الرابعة عشرة:
تذكر أن الناس يتعاملون بعواطفهم أكثر من عقولهم:
وهذه غريزة بشرية فالإنسان عبارة عن جسد، وروح وهو ملئ بالعواطف
الجياشة، وله كرامة وكبرياء، فالإنسان لا يحب أن تهان كرامته، أو يجرح
شعوره، حتى ولو كان أثقل الناس، ولذلك لما بلغ أبا أسيد الساعدي فتوى ابن
عباس في الصرف أغلظ له أبو أسيد فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحداً يعرف
قرابتي من رسول الله ﷺ يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد [٢٥] .
стр. 1569
خواطر في الدعوة
مَنْ.. للمشاريع العلمية والدعوية ؟
محمد العبدة
بعُد العهد بالمؤسسات، التي كانت من أقوى الأسباب في استمرار التعليم
الإسلامي والمدارس القائمة عليه، والتي استطاعت أن تمد المجتمع الإسلامي بطلبة
العلم والعلماء، حتى في عهود الانحدار السياسي، نسي الناس الأوقاف الإسلامية
التي كانت مؤسسة كبيرة ساعدت في الحفاظ على البعد الحضاري - الاجتماعي
للإسلام، وكان بإمكانها أن تستمر في أداء هذه المهمة لولا أن الدولة القُطْرية
الحديثة - وغالباً ما كانت عسكرية - ساءها أن يكون للمسلمين مثل هذا العمل
الاجتماعي فراحت تعيث فساداً بأوقاف المسلمين، ووجدتها فرصة لنهب الأراضي
والأموال وتلاشت الأوقاف شيئاً فشيئاً حتى لم يبق لها أثر. كانت المدارس
والجامعات العريقة في العالم الإسلامي تستفيد من هذه الأوقاف فيتوافد الطلبة إليها
من جميع الأقطار، وعندما دعم المسلمون هذه المؤسسات الكبيرة، إنما كانوا
يعوِّضون بالتقصير الواقع من جانب الدول التي كانت غارقة في المنازعات
والتهارش على الدنيا، ومع ذلك فإن هذه الدول لم تتجرأ على نهب الأوقاف كما
تجرأت الدول الحديثة. وكانت هذه الأوقاف تمثل نوعاً من الحماية للمجتمع
الإسلامي، ولذلك مرت على المسلمين قرون كان العالم فيها متقدماً، وقابل ذلك
تدهور سياسي عجيب، واستمر تدريس العلوم الشرعية من غير أن يخضع للأهواء
والأمزجة.
لم يقتصر نفع هذه الأوقاف على التعليم، بل تعداه إلى أمور كثيرة تتصل
بحياة الناس ومعاشهم، ومن يقرأ عن مصارف هذه المؤسسات سيأخذه العجب من
المدى الذي وصل إليه المسلمون في تقديم الخدمات الإنسانية.
إننا اليوم أشد حاجة مما مضى إلى مثل هذه الأعمال ذات النفع الدائم بإذن الله
وذلك حماية للدعوة وتشجيعاً للعلم والبحث العلمي، ويجب أن نتذكر أن دعم التبشير
النصراني والمؤسسات العلمية في أوربا إنما كان وراءه جمعيات كثيرة جداً، وكان
من أثر هذه الجمعيات ظهور جامعاتهم المشهورة. إن هذا الحديث عن وقف المال
لمشاريع دعوية وعلمية، وإن كان موجهاً إلى كل المسلمين الغيورين إلا أنه موجه
بشكل أخص إلى الدعاة الذين يتحملون عبء إيجاد مثل هذه الأعمال، وحتى لا
تبقى الدعوة أسيرة لأشخاص يجودون أو يبخلون.
стр. 1570
الملف الأدبي
نجمة الاعتصام
تركي المالكي
(١)
رقصَ الحبلُ بالراقصينْ..
بعد (دبكتهم) نصف قرنٍ عليهْ
فانهمرْ، يا سلاْم!
«عارض ممطرٌ!»
وانتثرْ يا شررْ
يا سعادتهم بالمطرْ!
(٢)
أصبح (البحرُ) كالخمرِ! عذبْ
بينما (الغيثُ) سامْ!
«دعْ (سفينةَ نوحٍ) وكنْ
(واقعياً) تُجيدُ الكلامْ!
وادَّرِعْ معنا نجمةً لا تُضامْ..!
نجمةً ودَهَاليزُها ستةٌ ...
نجمةً لاعتصامٍ! فموجُ التطرفِ هبْ!»
(٣)
نصفَ قرنٍ! وهم ينهشونْ
مضغوك وكنت تِجارتَهمْ..
ثم ها هم يبيعون حتى العظامْ!
(٤)
«مرحباً يا ابن جَدّيَ (سامْ) !
خذ فديتُكَ لا حجب القدسُ عني رضاكْ
أنا أنت ولكنني (الغمدُ) أنتَ الحُسام!
أنا أنت ولكنني (الذِّيلُ) ..
فاحقنْ سمومَك فيّ..
سوف أدفعُ عنك (لحى) الانتقامْ!
أنا أنت فصُغْ نزفَ قوميَ حبراً، وخُطَّ بهِ ...
هيكلاً للسلاْم!
ثم خذ من يدي بصمةً في الخِتَامْ
إنني (واقعٌّ!) وداعاً زمان القتال/الكلامْ!
ها أنا أتذوقُ صفع النعالْ!
من يديك (المعمَّدتين!) حلالْ!
وحلالٌ حلالٌ حلالْ..
فأنا عاقلٌ وذكيُّ..
وأفهمُ في (الاعتدالْ) !
وأنا أنت يا أسدي..
مُرْ فبين يديك الغزالْ!
وانغمدْ يا حسام!
(٥)
جبلٌ من غبارْ! ..
مسجدٌ للضرارْ! .
مِزَقٌ من فمي ونُثارْ!
عطشٌ يملأ الأرض ملحاً وطينْ..
وعواصف رملٍ و (ريحَ) سلامْ!
يا (رياحُ) فهزّي جذوع غيوثِ اليقينْ
في دمائيَ رعدٌ وبرقٌ وتوقْ!
فاسقها أيها المُزنُ غيثاً..
ترى دربها بين هذا الحُطامْ!
اسقها (قبساً) فرعُهُ صاعدٌ..
والجذورُ توهَّجُ في العمقِ ثابتةً لا تُرامْ!
(٦)
ها تضلَّعْتُ إني أرى - رغم هذا الظلامْ!
في عروقي دمَ الفاتحين..
يَتَدَفَّقُ بالطهرِ، كالورد، كالجمرِ..
يسقي جذوعَ الكلمْ!
هو ما بينها يضطرمْ!
وهْي تمنحهُ نبضهُ..
وتُهمِّش فيه العدمْ!
ثم تزرعُ من لونه الأرجوانيِّ شمسَ النهارِ..
وأفْقَ الحياةِ وشوقَ القممْ!
كلُّ قَطرة دَمْ..
نقَشتْ تَوقَها فوقَها:
(فيارب لا تجعلْ حياتي مهينةً
ولا ميتتي بين النساء النوائح
ولكن شهيداً تدرجُ الطيرُ حولهُ
وتأكل غربان الفلا من جوانحي)
ويا رب لا تجعل من القيد معصماً
أجرُّ به خزيي! وتُطوى مطامحي
ولكن لظىً يغلي ليدفنَ تحته
تواريخ من مدُّوا يداً نحو ذابحي!
стр. 1571
للموت مليون طريقة
عبير عبد الله الطنطاوي
البيت مليء بالصراخ والنحيب.. الكلمات اليائسة هي الحوار الرئيسي بين
الجارات في الداخل، ورائحة الموت التي تناقلتها النسوة في الحي إنها تدور حول
ابن عم أو خال أو صديق أو قريب مات تحت القصف المعادي، أو من الخوف،
أو.. أو.. وأنا مللت هذه الأحاديث، إنها تعاد مختلطة بتنهدات حارة، منتهية
بنحيب مقيت، وعبارات مذعورة خائفة من الموت غداً، إن للموت مليون طريقة
في هذا الجو البائس، المشحون بالقتل والتدمير.
بلدي يا زهرة في القلب عبيرها، ويا بسمة على الشفاه مرسمها، ويا أملاً في
الأحلام مرآته، ريا قُبلة على الوجنة نطبعها. لم أكن أعرف أني أحبك.. نعم
أحبك. وفي الأزمات نعرف معنى الحنين إلى الأحباب، ونكتشف مدى تعلقنا بهم.. نعم: ففي الأزمات تتكشف للإنسان مشاعر خفية وغامضة، وفيها يعرف ما استتر، أو ما حاول ستره. إنني غريبة في وطني قَدِمْتُ إلى ترابه وأنا طفلة، ووجدت
في أحضانه أحلى وأرقّ الأيام والذكريات.
- شجون، أنت هنا!
انتبهت على هذا الصوت الرخيم، التفت إلى الخلف راسمة ابتسامة انتزعتُها
انتزاعاً، وقلت:
- منتهى.. أهلاً.. هل كنت تبحثين عني؟
- بالطبع وهل لي صدر حنون كصدرك؟
ضممتها إلى صدري الحنون - كما قالت - ضمة أحسست فيها بحرارة
صادقة ومودة قديمة. قالت بعد أن أفلتت من بين ذراعي:
- فارس يا شجون فارس ...
- فارس حبيبي الصغير.. ماذا به؟
- الحليب..! !
-الحليب؟ !
قلت مستغربة، وأنا أنظر إلى صدرها الذي كان يعلو ويهبط، ثم أردفت:
- وحليب الأم أين هو؟ !
-ذهب منذ خبر استشهاد (وليد) ابن خالتي.
- والأسواق ألا يوجد فيها حليب؟
- الأسواق لا يوجد فيها طعام! فكيف سيكون فيها حليب لابن عشرين يوماً؟ !
- والعمل؟
- (دبريني) يا شجون..! !
وبدأت الدموع تتساقط من مقلتيها كأنها لآلئ تنحدر من صدفتين سوداوين..
ربَّتُّ على كتفها وقلت:
- الله معنا، ولن يخذلنا إن شاء الله.
قبلتني ودعت لي بالنجاح والستر، وأثنت عليّ، ثم غادرت المكان إلى بيتها
وطفلها، وجلست أنا. «تعتمد عليّ! ! من أين سأحصل على الحليب» ؟
نظرت إلى معصمي، وجدت فيه أساور ذهبية رفيعة، لازمت يدي منذ
صغري، كنت أكبر ويكبّرها لي أهلي، حتى لا تصير كالقيد يحز معصمي. أنا
أحب هذه القطعة الذهبية، لكنني أحب منتهى وفارس أكثر من الأساور.
دخلت إلى البيت، أخذت أسأل الموجودات عن حليب لصغير لم يتجاوز
العشرين يوماً.. جميعُهنَّ أجبْن بالنفي، متأسفات لعدم وجود. لبسْت ملابس
الخروج الشتوية، وقاومت عصف الرياح المختلط بهدير الطائرات وقصفها..
خرجت إلى جارنا البقال، سألته عيوني قبل لساني، ولكنه أبدى أسفه وهو حزين.
خرجت إلى الشوارع حزينة مرتعشة ألتمس طعاماً لذلك الثغر البسام الصغير
والجميع يتأسفون! . عدت إلى البيت أخيراً متجهمة الوجه، قابلتني أمي باللوم.
كيف أخرج في هذا الجو والطائرات تحوم حولنا و.. و! ! وما كادت تكمل تأنيبها
حتى أسكتت صوتها غارة جديدة. إن تشبثنا بالحياة يولد كلما شُنَّتْ غارة جديدة! .
وتكرر خروجي للبحث عن الحليب لفارس يوماً بعد يوم، وفي اليوم السابع
أخبرني جارنا البقال أنه يستطيع تأمين بعض الحليب بعد يومين.. أشرق الأمل من
جديد بعد أن كادت شمسه تذهب وتنيب، وولدت البسمة على شفتي بعد أن قتلها
اليأس.. عدت إلى البيت، وسألت عن منتهى وابنها، فأخبرتني أمي -كالعادة- بما
لا يسر: الطفل جائع، والعائلة فقيرة ولا تعرف من أين تؤمِّن معيشة الصغير..
منتهى تبكي..
يا إلهي اللآلئ تساقط.. وزوج منتهى لم يعد من الجبهة. وهي تسأل عني
باستمرار.. بأي وجه أقابلها وهي التي اعتمدت بعد الله عليّ! !
بعد يومين عدت إلى البقال، فوجدت دكانه مغلقاً، نظرت إلى الساعة في
معصمي إنها لا تزال السابعة صباحاً وهو بالتأكيد لم يعد بعدما ذهب لجلب الحليب.. بقيت في مكاني قرب الحانوت لا أتحرك رغم البرد الشديد الذي كان يحثني على
الحركة لأمنع دمي من التجمد، لكني كنت أغذي دمي بحرارة الأحلام، حيث
أتصور لآلئ منتهى قد جفت، والبسمة تعلو وجهها الشاحب، وطفلها يرضع
الحليب الذي لم آل جهداً في إحضاره! .
في الساعة الواحدة ظهراً عاد البقال، وعلى وجهه ابتسامة الأمل والفرح لأني
-كما قال - كنت حقاً أماً لمنتهى رغم إنني أصغر منها ببضعة أشهر.. وقدم لي
الحليب، وطلب مني ثمناً لم أكن أتوقعه، وحين استفسرت أخذ يشرح ويعيد ويزيد، فلم أجد بُداً من إسكاته، وجدت النقود ضئيلة جداً أمام المبلغ الذي طلبه، فقد
جلب لي حليبا دسماً، وبكميات كبيرة. فلم أتردد ساعتها في نزع الأساور،
وتقديمها لبائع الحليب قائلة:
- هذه تنفع؟
ضحك قليلاً ضحكة هزت جسمه، ثم قال:
- تنفع يا بنتي.. (زين) .. لكن هذه تساوي الآن ضعف المبلغ.
- وماذا نفعل؟ . قل بسرعة.
- سأعطيك الباقي.
- أعطاني النقود حتى يخلص ضميره - كما قال -.. لم ألتفت إليه، المهم
أني حصلت على بغيتي.. عدت إلى البيت، ثم ذهبت إلى بيت منتهى، فلم أجد
فيه أحداً، فاتجهت نحو بيتنا.
الفرح يصنع لي أجنحة بيضاً تحملني إلى الأرض التي فيها فارس ومنتهى
صديقتي ورفيقة دربي. دخلت حديقة المنزل وإذا بي أفاجأ بعينين كصدفتين ودموع
كأنها لآلئ، تنحدر على خدين أسيلين.
- منتهى! !
صرخت بصوت عال، والفرح باد على كل بقعة من جسدي.
- منتهى خذي، هذا حليب لفارس.
نظرتُ إليها ... ما هذا؟ حزن صامت وعينان فقدتا لمعانهما، وصارتا
باردتين كأنهما زجاج.
-منتهى.. الحليب! .
-قالت بكبرياء: لمن؟ !
كاد قلبي يقف، فقد توجست أمراً، غير أني تمالكت نفسي وقلت متعجبة:
- لمن؟ ! طبعاً لـ..
فَصَرَخَتْ: اسكتي يا شجون، اسكتي أرجوك..
صحت: ويلك أين فارس؟
وكان الجواب بكاءً يقطع نياط القلوب.. ندّت من قلبي صرخة موجعة باكية:
- لا.. الأطفال لا يمكن أن يموتوا بهذه السرعة من الجوع.. الجوع.. كم
أكرهها هذه الكلمة ... الجوع..
غرقت لحظة في بحار الحزن والألم، وسادت لحظات صمت، قطعتها
أصوات القنابل والصواريخ وصفارات الإنذار وصراخ الانفجارات.. نظرت إلى
منتهى وجدتها تدخل البيت.. تركتني وحيدة كما تركها فارس وحيدة.. نظرت إلى
أعلى.. إلى السماء وهتفت:
- يا رب ... يا أمان الخائفين!
стр. 1572
نصوص شعرية
المتحدة
علي بن موسى
هذي سراييفو تموتُ ولا نصيْر.
الطلُّ غادر صبحهُ
وانحاز للبارودِ
وانكفأ الشروقْ.
***
قلبي الطريدةُ
والجموع تُتابع الصيادَ
والصيادُ يقتنصُ الجموعُ! .
ها أنت يا " عثمانُ "..
تُلقى في الطريقِ..
مقطعَ الجسد الصغيرْ
ونحن نغطُّ في لغط القشورْ!
أنت تسبحُ في بحار الدمْ
أنت المستجُير ولا نصيْر!
ها أنت يا ليلى
فريسةُ ألفِ وحشٍ
ألفِ خنزيرٍ
ولا من يستجيبُ..
وكلُّنا غرقى ومركبنا هناكَ
لدى التتار!
***
هذي سراييفو
نواح لا يكفُّ!
وألفُ ألفِ قذيفةٍ زُرعتْ هنا ولا مغيثَ
سوى مزاعمهم عن الطير " النعامة "! .
***
النارُ تأتي تحتوينا
ونظنها في البعد نائيةً
لكنها في القلب تحرقُنا!
تُحاصُر أمننا.. تقتات أحلامَ الطفولةْ..
وتغلُّ أشجاَر الإيابْ! .
يا مجلس الأمن المصّممِ بالصليب وللصليب
يا مجلس الشيطانِ تقتلنُا وتمنعنا الرصاصة؟ !
وتُقضُّ مضجعَنا بأوهام الوكالات التي عبرتْ جسورَ عقولِنا..
وتربعَّت في سوحنا
يا مجلس الأعداءِ
تقتلنا وتقتلنا، وتَمنحُ خصمنا ليلاً من البارود يحرقُنا وقوفا! .
***
هذي سراييفو تدُّك سلامَها نار الصليب
ونحن نمضغ عجزنا!
عذراً.. فإنك ما انتفعتِ بأن أبوحْ
وما انتفعتِ بأن أُطِّير نحو وجهك..
ألف قافية تنوحْ! .
***
عذراً سراييفو وباقي، السربِ
إنك منذ جاؤوا صامدةْ
ونحن هناك نأكل خبزنا المعجونَ باللذات!
ونقول: ما فوق التراب ترابْ.
***
يا أمة الإسلامِ
هل مازال حاوي القومِ يُذهِلُنا..؟
فيخرِجُ من جراب الوهم آلافَ الطيورْ!
ونحن نعجب: كيف يأتي بالطيور ولا طيورْ؟ !
وكيف يزرعُ فوق أعيننا التلذذَ والحبورْ؟ !
ونحن نضحكُ مثلما الأطفالُ
والدنيا تدورْ!
***
عذراً سراييفو
سئمنا ليلَنا
لكننا - عذراً - سئمْنا أن نملَّ من السأمْ! .
стр. 1573
ملف السلام العربي / الإسرائيلي
حواشي على متن الاستسلام
د/ خالد الجابر
ويسأل السائل، ويلح في السؤال عن الموقف الصحيح الذي يجب أن يتخذه
المسلمون قاطبة، حول ما يُسمى بمباحثات السلام مع العدو اليهودي. وخاصة
حول الاتفاقية الأخيرة (غزة وأريحا أولاً) .
والجواب واضح بيّن - بحمد الله تعالى- لمن آتاه الله العلم، والبصيرة،
وستراه هنا في جملة من المسلَّمات والحقائق التالية.
المسلَّمة الأولى:
إن من لوازم التوحيد، ومقتضيات الشهادتين: الانقياد المطلق والاستسلام
التام لله رب العالمين، والشريعة التي أنزلها على عبده ورسوله محمد -صلى الله
عليه وسلم-[ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ
الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ]
[الأحزاب: ٣٦] فلا يعارض أمر الله وأمر رسوله بعقل، أو قياس، أو
هوى، أو عواطف، أو غير ذلك، بل يحذر كل الحذر من مخالفة أمره [فَلْيَحْذَرِ
الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] .
ألا وإن من مستلزمات هذا الكلام أنه إذا عرضت للمسلم حادثة، أو مسألة،
أو نازلة، فإنه قبل أن يصدر حكمه فيها، لا بد أن يعرضها على كتاب الله وسنة
رسوله كما فهمهما علماء الأمة، وأئمة الدين، فاذا عرف حكم الله في المسألة سار
بموجبه.
ومن هنا تعلم ضعف الحال الذي آلت إليه الأمة لما أعرضت عن علمائها
وفقهائها في كثير من البلدان، فصاروا لا يُستفتون في الأمور العظيمة الجليلة، بل
لعلهم آخر من يعلم! فإذا تم الأمر طلب منهم أن يصدروا ما يثبت صحة ذلك القرار! فإن أبوا وأفتوا بخلاف ذلك، أهملت فتواهم وبُحث عن غيرهم! .
ومن هنا تعلم أيضاً ضعف كلام من يبيح ما حرم الله بسبب العنت والمشقة
والآلام، ويذكرك ببكاء الصبية وترمل النساء، وتشرد الناس، وهدم بيوتهم ونحو
ذلك مما تحركه العاطفة، وتبعثه المعاناة. وهذه الأمور كلها إن كان لها اعتبار عند
الله، فإن المفتي لن يلغي قيمتها، بل ستكون من معالم الفتوى، وإن لم يجعل
الشارع لها اعتباراً فلا وزن لما أهمله الشارع وألغاه.
وخلاصة هذه المسلَّمة أنه لابد من عرض أي حادثة وأي مسألة على الشرع
قبل البت فيها، فإذا تبين حكم الله وحكم رسوله وجب الانقياد والاتباع.
المسلَّمة الثانية:
لا اعتبار شرعي ولا قيمة ولا وزن لما يعقد وعقد وسيعقد من عهود واتفاقيات
مع اليهود لأمر ظاهر بيّن، روضت الأمة على نسيانه والغفلة عنه، بل واستغشاء
الثياب، وصم الآذان عن سماعه ألا وهو أن هؤلاء المتنفذين على مصالح الأمة،
والمبرمين لمثل هذه الاتفاقيات لا يمثلونها ولا يعبرون بلسانها، ولا يصدرون عن
رأيها، [بل إنا نذهب إلى ما هو أشق قبولاً عند الظباء المروضة- وقد قاله بعض
العلماء- من أنه لا كبير فرق بين أن يسوس المسلمين مرتد علماني مفسد، أو كافر
أصلي، والواقع يشهد بذلك] .
فلا داعي إذن للاكتراث بما يفعلونه ويقررونه، فالأمة إذا استفاقت واستعصت
على المروّضين، وتمنعت على التنويم المغناطيسي، فإنها لن تعدو أن تحرق هذه
الأوراق! .
ثم إن ثوابت الملة، ومقررات الشريعة لا يستطيع أن يسقطها أو يعدل فيها
العلماء والفقهاء، فضلاً عن الجهلة بأساسيات الدين وقواعده أو المعرضين عنها
بالكلية، الجاعلين إياها خلف ظهورهم، ومن هذا أنه لا يحق لهم أن يحددوا معالم
علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم، وقد بين الله ورسوله حدودها ومعالمها،
واكتملت أركانها بتطبيق رسول الله ﷺ لها، هذا هو الأصل،
فإن ضعف المسلمون عن حماية بيضة دينهم أن تكسر، وحوزة مملكتهم أن تقتحم
وكانوا أذل من ذلك، واستباحهم الكفار (فلأهل الحل والعقد) فيهم أن يمنعوا هذا ...
بما تبيحه الشريعة من صلح أو عقد، على أن يكون مضروباً إلى أجل. أما أن
تباع أرض المسلمين فلا! إذ الأرض لله، ولا يجوز بيع ما لا تملك!
[وخلاصة المسلَّمة الثانية أن ما يبرم الآن من عهود باطل شرعاً؛ لان من
أبرمه فاقد الأهلية، فلا يقبل منه ذلك، كما أنه لا يقبل منه أن يحدد العلاقات مع
الآخرين، فقد بينها الله ورسوله] .
المسلَّمة الثالثة:
إن مصيبتنا في فلسطين، على فداحتها وعظمها، وشدة هولها، ليست إلا
عرضاً واحداً من الأعراض الكثيرة: لمرض الأمة الكبير، وليست هي المرض
ذاته! .
فكما أن مصيبتنا في فلسطين عرض، فمصائبنا في أفغانستان، والبوسنة
وكشمير، والحبشة، والفلبين، والهند، وطاجكستان، والأندلس، كلها من
أعراض مرض الأمة الكبير.
وإن كانت هذه أعراضاً ظاهرة، يراها كل أحد، فلمرض الأمة أعراض
أخرى لا يراها إلا طبيب. وهذه الأمة أمامك: قد كثر فيها الخبث الدائر بين الكفر
والشرك والكبائر وعطلت الشريعة وارتفعت رايات العلمنة، وهبت رياح التغريب، وعم الفساد حتى صار الموحِّد سابحاً ضد التيار، ومع هذا فقد ضعف التقي
وتخاذل المؤمن، وتفرق الأخيار، وهذه الأمة أمامك: حمى مستباح وباب مخلوع،
وسور قصير مهدَّم. قد بثت العيون على أطرافها، لا ليحذروها لكن لينبئوها بمقدم
الأوامر العليا، من طرف الأرض الآخر! قد تعلمت فنَّ الترجمة، واستدانت لذلك
قلماً.
فآلت الأمة إلى نبوءة الصادق المصدوق: غثاء كغثاء السيل، وصدق فيها
وصف عدوها لها أنها الرجل المريض. فمن ثمَّ، فالأمة من ضعفها في ذهول ومن
ذلتها وهوانها في شرود، ومن الضغوط التي عليها، والبلايا التي فيها، في حالة
من اللاوعي. فما تصدره من قرار، أو ترسمه من خطة، إنما هي حيلة العاجز
ووسيلة الغريب المضطر. وحين تعود لوعيها، ويزول عنها ذهولها، ستزُمُّ
الشفتين عجباً، مما فعلته في «زمن التيه» .
[وخلاصة هذه المسلَّمة: أنه لا يصح أن تصرفنا الآلام والأعراض إلى
تسكينها وتهدئتها، ونهمل المرض الأصل، ومهما سكَّنا الآلام، والمرض لم يعالج
فلن ننتفع بشيء] .
المسلَّمة الرابعة:
أما وقد استبان لك ما مضى، إن شاء الله، فلك أن تسأل الآن وتلح في
السؤال، لا عن الاتفاقية، وتفاصيلها السياسية، فهذا آخر ما ينبغي أن تفكر فيه.
نعم: إننا نحتاج ولا شك لمعرفة التفاصيل والخفايا، لكنها تكون كحجج أهل المنطق، لا لنثبت بها الدين، إنما لنرد بها على أهل الباطل. ولك أن تسأل الآن، وتلح في السؤال عن علاج مرض الأمة الكبير، وكيف يكون؟ فإنك إن سألت هذا السؤال تكون قد خطوت خطوتك الأولى في الطريق الصحيح، الطريق إلى الأقصى. ألا فاعلم أيها المبارك غير مجهَّل: أن داء أمتنا منها، وأنها مصابة بداء نقص المناعة الذاتي، فصارت تتلف نفسها، وتتأبى على أطبائها، والله قد أنبأنا عن الداء، فقال تعالى [ومَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ] [النساء: ٧٩] قال [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ثم وصف لفا الدواء [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ] [محمد: ٧] ، وقال [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ * وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] [النور: ٥٤، ٥٥] .
إنه الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ ، الطريق الذي لا
يلقاه إلا الذين صبروا، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم.
ومن معالم هذا الطريق:
- صرف الجهود في تربية الجيل، وتزكيته، والسعي لرفع مستواه، بالدعوة
الدؤوبة، والمتابعة الدقيقة.
- ومنها نشر العلم الشرعي، المبني على الكتاب والسنة، وتعليمه الناس
وتقريبه لهم. ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي
المفسدين، ومقارعة الظالمين، وفضح كيد الخائنين.
ومنها الاستفادة من كل الخبرات، والعلوم العصرية، والحرص على تعلمها
واتقانها والتفوق فيها.
- ومنها التعاون بين فئات الدعاة إلى الله تعالى وتنسيق الجهود، وترتيب
القدرات، والاجتماع والتآلف.
- ومع هذا كله فلا بد من الصبر، فالصبر ثم الصبر وهذا هو الطريق الذي
لا يمر عبر البيت الأبيض ولا غيره فضلاً عن أن يبدأ منه، إنما قبلته البيت العتيق.
هذا هو الطريق.. إنه الطريق إلى الأقصى.
стр. 1574
ملف السلام العربي /الإسرائيلي
من نبأ «السلام» في الصحافة العربية
- التحرير -
لا يبالغ أولئك الذين يؤكدون أن انكساراً حاداً في التاريخ السياسي العربي
المعاصر بدأ يُحدث فعله، من خلال ما يجري هذه الأيام. إننا أمام رحلة تيه أخرى، تُكرس فصولها، وتُرسم باسم واقعية مزعومة، تجعل من الاسترخاء فوق فراش
الهزيمة شجاعة لا تُدانيها شجاعات الزمن (الثوري) السابق! وتدفع بمن يبيعون كل
شيء -حتى آخر القطرات من ماء وجوههم- رموزاً للتعقل والاعتدال، تعرف -
وحدها- من أين تؤكل الكتف.
إننا نرى فصول الهزيمة الجديدة بكل حدتها، غير أننا ندرك مع ذلك أن
إفرازاتها القادمة ربما تجاوزت ظلام الهزائم العربية السابقة، وكانت أشد قتامة من
كل ما مضى في زمن المد الثوري البائد. وما اتفاق (غزة وأريحا أولاً) إلا الحجر
الذي كسر الباب، لتدخل من بعده عواصف الهيمنة الإسرائيلية فيتبع بعضها بعضاً. وقد حرصنا هنا أن ننقل للقارئ بعضاً مما كتب عن هذا الاتفاق في الصحافة
العربية، بعد أن قدمنا موقفنا منه - إجمالاً-، ورؤيتنا تجاهه في موضع آخر،
وسنكتفي هنا بذكر النص المنقول كما هو دون تعليق وفي الإشارة ما يغني من
العبارة.
-البيان-
بين قيادتين:
في الحالة الفلسطينية، القيادات المعنية، تعيش حالة تتجاوز ظاهرة اليأس. إنها تفتقد الرؤية التاريخية وتستسهل التعامل مع القضايا المصيرية، وتعتبر الدور (دورها) ، أهم من الحفاظ على القضية والهدف. إنها تقبل التوقيع على صيغة غامضة مجحفة، وتترك كل ما يتعلق بالمستقبل غامضاً عائماً، معلقاً برقبة جملة مُطلقة، لا معنى لها، يسمونها (الحل النهائي) إنهم لا يريدون منا التوقيع على
تسوية سياسية فقط؛ بل يريدون أن نغير عقلنا وفكرنا وتراثنا الثقافي وسيحصل. ... لماذا لا نسمع لحظة لصوت الخصم وهو يشرح الاتفاق في الكنيست؟
أليس هو شريكنا في الاتفاق؟ ليس هو شريكنا في المصالحة التاريخية، كما تقول
مقدمة الاتفاق؟ . استمعوا إليه جيداً: (ما هو الشيء الذي أصررنا عليه؟) يسأل
رابين ويجيب قائلاً:
(أولاً: هذا اتفاق ثنائي بيننا وبين الفلسطينيين، وليس مشروطاً بما قد
ننجزه مع لبنان أو سورية أو الأردن.
ثانياً: أصررنا على أن الاتفاق لا يشمل القدس، لا في إطار التسوية الجزئية، ولا في إطار التسوية الشاملة. القدس لن تكون مشمولة في أي مجال من
صلاحيات المجلس أو الهيئة التي ستدير شؤون الفلسطينيين في المناطق المحتلة.
القدس باقية تحت السيادة الإسرائيلية وكعاصمة لإسرائيل) . وقال إسحق رابين -
خصمنا وشريكنا في الاتفاق -: «لهذا الاتفاق تقسيم: الجزء الأول للتنفيذ هو
قطاع غزة، حيث المستوطنات ستبقى، والجيش الإسرائيلي سيبقى للدفاع عن
المستوطنات. أما أريحا فبشرط أن تكون المقر للهيئة التي ستدير بداية الحكم الذاتي. هذا هو الشرط لأريحا، الأفضل أن يكون المقر هناك في أريحا من أن يكون في
مكان قريب من القدس، يجب إبعاد المقر عن القدس. لقد وعدنا بأننا نذهب إلى
تسوية جزئية مع الفلسطينيين: دون المساس بالاستيطان اليهودي، دون المساس
بالأمن، دون الالتزام بصورة أو بشكل الاتفاق النهائي..
من مقال لبلال حسن - الشرق الأوسط ١٣/٩/٩٣م
إسرائيل الكبرى باتساع النفوذ:
» تعالوا نراجع كل التصريحات لرابين وبيريز، وكل من يتحدث في إسرائيل عن السلام، ليتضح التمسك بأن السلام معناه: إقامة كل العلاقات بين الدول العربية لإسرائيل. هذا الإصرار الذي يضغط في كل تصريح إسرائيلي على إقامة علاقات كاملة هو الدافع الحقيقي، الذي دفع رابين وحكومته وحزبه إلى عرض اتفاق غزة وأريحا. حلم رابين هو أن تستغل إسرائيل كل مجالات الخبرة والتفوق في تسريب نفوذها تحت ستار (تقديم المساعدات للدول العربية، وتقديم الخبرة) بحيث تصل في يوم من الأيام إلى السيطرة الفنية والتجارية والزراعية والصناعية في الدول العربية، وهكذا تقوم. (إسرائيل الكبرى) لا باتساع الأرض، بل باتساع النفوذ، والسيطرة على الاقتصاد والثقافة، وعلى كل حال فإن حلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات عن طريق ضم كل هذه المساحات الشاسعة من الأرض، يقتضي توفر أعداد ضخمة جداً من اليهود ليقيموا في هذه الأرض، أما السيطرة الاقتصادية فلا تحتاج لهذا العدد، بالإضافة إلى أن ضم كل هذه الأرض يقتضي خوض إسرائيل حروباً بالغة الخطورة في زمن يكره العالم فيه قيام الحروب، بينما السيطرة الاقتصادية تتم بنعومة ولا تستشير النفوس كالحروب، فهي تسرب تحت ستار فضفاض كادعاء تبادل الخبرات، والتعاون من أجل الشعوب «.
أحمد أبو الفتح: الشرق الأوسط ٣/٤/١٤١٤هـ
محور إسرائيلي/فلسطيني:
» مرحلة جديدة فعلاً في تاريخ الشرق الأوسط تبدأ مع توقيع الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني في واشنطن ما هو الجديد فيها؟ قيام محور (فلسطيني/إسرائيلي) ، مدعو إلى صياغة تعايش (عربي/إسرائيلي) أولي
يشمل مختلف شؤون الحياة اليومية والاقتصادية العامة والسياسية، وعبارة (محور) في هذا المجال غير دقيقة لأن قوة أحد القطبين -أي القطب الإسرائيلي - تتجاوز
وزن القطب الآخر، وهي في أقصى الضعف. إن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
اختار لفلسطيني الأرض المحتلة ارتباطاً استراتيجياً نهائياً بإسرائيل والعالم الغربي.
وهذا الواقع لن يتبدل في جوهره، مهما كانت صورة النظام الجديد، الذي قد ترسو
عليه التوازنات المقبلة في المنطقة، مهما حصل وانطلاقاً من أرض الواقع ذاته
ومن نصوص هذا الاتفاق - وهي استراتيجية مع أن الاتفاق مؤقت (وهذه إحدى
المفارقات) - سيظل المحور الإسرائيلي / الفلسطيني جسماً مرتبطاً بما يدعى
الشمال، ومنفصلاً استراتيجياً عن المنطقة الجنوبية. الخلاصة: أن الصراع
العربي/ الإسرائيلي مسألة انتهت وفق منطق هذا الاتفاق الإسرائيلي / الفلسطيني،
وهذا ما يؤكده محمود عباس (أبو مازن) أحد مهندسي هذا الاتفاق، وليس الأمر
بحاجة إلى تأكيد، في أي حال. وبديل الصراع العربي/الإسرائيلي مرحلة تعامل
جديد - على ما يبدو بين المحور الإسرائيلي/الفلسطيني الجديد، والأطراف العربية
الأخرى. وهنا اختلال آخر. المحور الجديد موحد ومدعوم من القوى العظمى في
حين أن الأطراف العربية الأخرى، هي أطراف لا تنسيق جدياً بينها، مع العلم أن
بعض هذه الأطراف - أي مصر- اختار الارتباط مبكراً بما يدعى الشمال وهذا هو
بالفعل المعنى الاستراتيجي الأساسي لاتفاق (كامب ديفيد) ، كما أراده
السادات.
ليس هناك أحد يدافع عن نص هذا الاتفاق بجرأة وصراحة، حتى أبرز
مهندسيه وعبارة (أولاً) في تعبير (غزة - أريحا أولاً) تتضمن اعترافاً بأن قيمة
هذا الاتفاق الأول المفترضة ليست فيه، بل بما قد يعقبه. هل تكون هذه الـ (أولاً) نواة كيان فلسطيني؟ أم أنها مرحلة أولى من حكم ذاتي فصل وفق الرغبات
الإسرائيلية وقد لا يتحقق حتى على بعض أجزاء من الضفة الغربية؟ . الوقائع
المادية المختلفة- بما فيها السياسية - ترجح أن ما يعقب (أولاً) سيكون أيضاً وفق
الرغبات الإسرائيلية. فليس لإسرائيل ما تخشاه حالياً إذا لم تقم وزناً لرغبات
الجانب العربي، أى لرغبات العرب عموماً، بمن فيهم أولئك الذين باتوا وفق نص
الاتفاق الأخير في العالم الاستراتيجي الثقافي الشمالي عبر القطب الآخر الذي هو
إسرائيل. أما إذا كان ما يدعى (التحول الإسرائيلي) الذي يتحدثون عنه قائماً فإن
مرحلة هدوء وسلام قد تبدأ. وإذا حصل المرجح -وفق المعادلة الراهنة وأبرز
عناصرها نصوص الاتفاق ذاته - فإن الفوضى هي ما ينتظرنا جميعاً في المنطقة،
لا السلام الذي يتحدث عنه أبو مازن بابتهاج تام في القاهرة. بعض هذه الفوضى
ينجم حكماً عن مصير ثلاثة ملايين فلسطيني، لن يفسح لهم المحور الإسرائيلي /
الفلسطيني الجديد مكاناً، وبعضها الأخر سينجم عن سؤال قد يطرح ولو تجاوزاً:
إذا تبين أن السلام المقبل إسرائيلي وحسب، على حساب حقوق العرب ولو بحدها
الأدنى، فما الذي يحول دون توليده لحروب عديدة بين القوى الرافضة حالياً
ومعظمها إسلامي وأكثر من حكومة في المنطقة؟ ! وفي أي حال لن يكون مستغرباً
طرح بعض الإسلاميين سؤالاً على بعض الحكومات وهو (لماذا تتقبلون إسرائيل
وتضيق صدركم بنا؟) خصوصاً إذا كان هؤلاء الإسلاميون من غير دعاة العنف
وممارسيه «.
الأسبوع العربي ١٣/٩/٩٣م
سياسة الإخفاء:
» لا توجد صفقة سرية بين شريك قوي للغاية، وآخر ضعيف للغاية،
إلا وتنطوي بالضرورة على تنازلات، يحرص الأخير - من فرط الارتباك - على إخفائها. إذ أنه لا تزال هناك تفاصيل كثيرة، مما يتعين التفاوض بشأنه، وهناك بالمثل أشياء عدة غير قابلة للوزن بدقة، بتعين إيضاحها، بل ثمة آمال إما أن تتحقق أو يتم القضاء عليها. وعلى رغم كل شيء فإن الصفقة التي بين يدينا تنبئ عن تعب قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وعزلتها، وعن دهاء إسرائيل، فكثير من الفلسطينيين يسألون أنفسهم: لماذا يتعين علينا بعد سنوات من التنازلات أن نتنازل مرة أخرى لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، في مقابل وعود وتحسينات غامضة في ظروف الاحتلال، لن تحدث حتى إجراء محادثات الوضع النهائي بعد فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، بل ربما لا تحدث حتى ذلك الوقت؟ ! ولم نر حتى إقراراً واضحاً من جانب إسرائيل (التي لم تعترف بعد بأنها سلطة احتلال) بإنهاء الاحتلال، الذي تواكبه سلسلة من القوانين والأنظمة الجزائية
المعقدة، ولم يرد شيء عن الـ ١٣ ألف معتقل سياسي فلسطيني، الباقين في
السجون الإسرائيلية «.
إدوارد سعيد: الحياة ١/٩/٩٣م
رحلة في المجهول:
» لا يريد أحد أن يطرح السؤال الصعب: ما هي آثار الاتفاق على الشرق الأوسط؟ ؛ لأن سؤالاً كهذا يوقظ الجميع من سطوة الحلم، أو يفضح تفاهة الغنيمة. أخطر ما في الاتفاق الفلسطيني / الإسرائيلي أنه يرهن مستقبل المنطقة بأكملها بمستقبل كانتون صغير اسمه (أريحا - غزة) ويعطيه وظيفة الكلية الاصطناعية، التي يعاد فيها غسل كل مدخلات المنطقة ومخرجاتها.
إن الاتفاق الفلسطيني / الإسرائيلي مبني على أساس إنجاح جزء مرحلي، هو في حد ذاته جزء من مرحله انتقالية، هي في حد ذاتها تفتقد الوضوح في النهايات والأهداف! بمعنى أنها (رحلة في المجهول) المهم أن ليس هناك
ضمانات أبداً للانتقال من الحل الجزئي إلى الحل الانتقالي الشامل، أى من كانتون أريحا- غزة إلى كانتون الضفة الغربية، وبعد ذلك الدولة المستقلة كما يطمح الفلسطينيون. ثم كيف سيكون رد فعل الفلسطيني على (قمع) السلطة الفلسطينية له علماً بأن الوظيفة الموضوعية الوحيدة المرشحة لها سلطة الكانتون هي القمع (؟!) بمعنى: حماية إسرائيل من إمكانية الاعتداء الفلسطيني عليها، وعلى مستوطنيها، وإذا فشل رجال الشرطة الفلسطينية في الأمر، فسيعود الاحتلال، الذي انسحبت قواته إلى مسافة كيلو متر (!) خارج أريحا أو خارج قطاع غزة. إن إسرائيل ومعها أمريكا ودول أوروبا تريد تسويق حل كانتون (غزة - أريحا) كحل يبرر الانفتاح الاقتصادي الشرق أوسطى وقبل ذلك يبرر البحث عن مصادر تمويل. وبالفعل بدأت عطية استحلاب المعونات من الدول الصناعية، ومن الدول العربية الغنية، وكان حل كانتون غزة. أريحا هو الحل الشامل، وبذريعة إنجاح التجربة الفلسطينية دون وجود مخطط حقيقي وواضح لما يعنيه مشروع مارشال، سوى أنه فرصة أخرى لإيجاد مصادر تمويل، لبناء اقتصاد إسرائيل لمرحلة جديدة من
وجودها في المنطقة، وبدور جديد.
ثانيًا: اتجاه الإسراع في تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، بلغ
في بعض الأحيان درجة الدعوة إلى إلغاء الجامعة العربية، وليس فقط رفع
المقاطعة العربية عن إسرائيل لقد فتحت اتفاقية كامب ديفيد المنطقة على بحر
العواصف، لكنها لم تكن كافية للعصف بالمنطقة، فهل يكون كامب أريحا مركز
العاصفة الثانية؟ . حقائق الاقتصاد السياسي للحل المطروح لا تتجاوز إعادة ترتيب
ديمغرافية تخدم أهداف التنمية الاقتصادية الإسرائيلية في مرحلة انقلابها لعصر
جديد، عصر قيادة النظام الشرق الأوسطي. إن ما يفسر هذا هو طبيعة الحل
المرحلي المقترح والمطروح في غزة وأريحا أولاً. وليس صدفة أن يتم اختيار
المنطقتين حين تتم دراسة التوزيع الجغرافي للمناطق الصناعية في إسرائيل.
بالنسبة لمنطقة غزة وما تشكله من مخزون عمالي كثيف، وبمستوى معيشي متدن
أنشأت إسرائيل في العامين الماضيين أكبر منطقة صناعية تقع على الشرق من
قطاع غزة وتتصل بالمعابر الثلاثة، التي تصل القطاع بإسرائيل. سيكون هم
المشروع المعروف بمشروع مارشال في ما يخص الجانب الفلسطيني هو إعطاء
قطاع غزة كل الاحتياجات التي يتطلبها الحفاظ على هذا القطاع، كممول للأيدي
العاملة الرخيصة، وداخل نظام أمني يضبطه الفلسطيني قبل الإسرائيلي. وحين
يطالب شمعون بيريز بتمويل لمشروع الحكم الذاتي، لا ينسى أن للمشروع وجهاً
إسرائيلياً، هو إيجاد عمالة للعمل الفلسطينى، حيث أن قطاع غزة لا يكفي سكانه،
وهنا يتلخص المشروع بتحسين شروط الإسكان والمجاري في غزة، وتعمير بنايات
عالية في مخيمات اللاجئين، بدل غرف الصفيح بأرضيتها الرملية، وتغطية قوات
الإسالة، وتجفيف المستنقعات. لقد جربت إسرائيل ذلك خلال ما سمي بفترة
الحصار، وقبلها جربت استعمال البطاقات الممغنطة لضبط دخول عمال غزة إلى
إسرائيل، وخرجت بنتائج مشجعة. فهل يمنع ذلك من تطوير معاهد تعليمية
لتطوير مهارات الأيدي العاملة الفلسطينية، بما يتناسب وحاجة المصانع الإسرائيلية
في المنطقة الصناعية؟ . على الطريق من أريحا، وإلى القدس أقامت إسرائيل
منطقة صناعية جديدة في المكان الذي يعرف باسم (الخان الأحمر) ، أو بالعبرية
الفصحى (معاليه أدوميم) وفي غربه أقيمت مدينة استيطانية كبيرة تحمل الاسم
نفسه، وتشكل الحد الشرقي للقدس الكبرى. هذه المنطقة الصناعية بحاجة إلى
تمويل من مشروع مارشال، الأأأأذي يرعاه شمعون بيريز باتجاهين: تمويل
المنطقة الصناعية وحاجاتها، وتمويل إسكان الأيدي العاملة الفلسطينية في أريحا.
وهنا تصبح عودة اللاجئين ضرورية، بل وتلبي حاجة سياسية، وليس إلى مخيمات هذه المرة بل إلى مساكن عصرية. الأمن مضمون، منطقة مغلقة في الأغوار اسمها (أريحا) يحتشد فيها بفضل السلام، وبفضل اتفاق أريحا وغزة أولاً أكثر من ١٠٠ ألف لاجىء (عائد) ينطلقون صباحاً إلى الغرب لمسافة ١٠ كيلو مترات حيث (معاليه أدوميم) الصناعية، ويعودون في المساء إلى بيوتهم، أما إلى الغرب من ذلك - القدس - فممنوع «.
الحوادث ١٧/٩/٩٣م
هزيمة ثالثة للعرب:
» إن الاتفاق الإسرائيلي الأخير مع منظمة التحرير الفلسطينية بشأن الاعتراف المتبادل، وإعطاء المنظمة قريتين فلسطينيتين يعتبر في المقاييس السياسية والاستراتيجية هزيمة ثالثة للعرب في تاريخهم المعاصر. لم يقتصر الأمر على ... قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وإنما هذا الاندفاع نحو مباركة الأنظمة العربية ... للاتفاق، وتسابق بعضها للسير على غرار اتفاق الهزيمة. وفيما يلي سنحاول رسم صورة انعكاسات ذلك الاتفاق / الهزيمة على الواقع العربي في المرحلة القادمة:
أولاً: إن هذا الاتفاق سينتج صراعاً فلسطينياً / فلسطينياً بسبب الاختلافات
السياسية والأيديولوجية للقوى الفلسطينية، كما أن ذلك الاتفاق سيفرض على قيادة
منظمة التحرر الفلسطينية قمع الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي التي منحت لها،
وفي الأراضي المحتلة الأخرى، يضاف إلى ذلك ستكون مهمتها ضبط المناوئين
والمعارضين للاتفاق.
ثانياً: إن غزة تقع على الحدود المصرية - الإسرائيلية وإن أريحا تقع على
الحدود الإسرائيلية الأردنية، وإن طبيعة المناطق الحدودية هي مجال صراع
حدودي دائم، ذلك يعني انتقال الصراع من حدود إسرائيل وداخلها وتحوله إلى
صراع حدود مصرى/فلسطيني من جهة، وأردني / فلسطيني من جهة أخرى.
ثالثاً: انتهاء المطالبة بتحرير فلسطين للأبد، وأن المسألة لا تعدو كونها
مسألة أراض عربية محتلة عام ١٩٦٧.
رابعاً: تطبيع العلاقات العربية - الإسرائيلية ويترتب على ذلك رفع المقاطعة
لإسرائيل، وعلاقات اقتصادية ودبلوماسية مع الدول العربية، تكون السيطرة فيها
للطرف القوي والمدعوم من قبل الغرب، وهو الطرف الإسرائيلي بدون أدنى شك.
خامساً: إن مثل هذه الحالة بين العرب وإسرائيل تخدم المصالح الغربية في
المنطقة، وتستطيع إسرائيل في المستقبل الاستغناء عن المساعدات الأمريكية
وغيرها باعتمادها على نفسها وعلى جيرانها العرب.
سادساً: أحد عناصر سيناريو الاتفاق وانعكاساته المستقبلية هو المتغير
التاريخي الذي قد يقلب كل الموازين ويغير الأحوال، ويصعب على أحد أن يتنبأ به، فما يجري اليوم ليس نهاية القضية، وما يسمى بالسلام على حساب العرب ليس
أمراً حتمياً، فقد علمنا التاريخ بمتغيرات تحول مجرى الأحداث التاريخية سلباً أو
إيجاباً «.
القبس ٢٣/٩/٩٣م
الاتفاق معلوم إسرائيلياً مجهول فلسطينياً:
المستوطنات موجودة والجيش سيبقى موجوداً على مشارف المدن، وكذلك مرجعية الأمن بما في ذلك مرجعية الأمن الفلسطيني، هذه نصوص موجودة في الاتفاق أما حل الإدارة المدنية، فهذا لا يعني شيئاً لأن هذه الإدارة أوجدها الليكود عام ١٩٨٢ ليحسن من صورة الاحتلال وفشله. نحن لا نعتبر أن الاحتلال في ضوء بنود الاتفاق قد رحل، لكننا نعتبر أن الاحتلال قد تكرس ولكن بصور أخرى وبأشكال أخرى» . «هذا الاتفاق، من الناحية السياسية دفع بالقضية الفلسطينية إلى المجهول، وهو في اعتقادي مجهول فلسطينياً، ومعلوم إسرائيلياً، ذلك لأنه أبقى السيادة على الأرض بيد إسرائيل، وكذلك مرجعية الأمن الداخلي والخارجي أيضاً، وعلق كل القضايا الخلافية إلى أمد غير معلوم، وبذلك يكون هذا الاتفاق قد أعطى الولاية الجغرافية لإسرائيل، ومنحها القدس ومستقبل الأرض. أما من الناحية الاقتصادية - وللأسف الشديد - يريد الاتفاق تحويل الفلسطيني إلى منصة انطلاق للاقتصاد الإسرائيلي للمنطقة العربية، عبر الفيدرالية الفلسطينية/ الإسرائيلية لمخاطبة الوضع العربي، علماً بأن الفلسطينيين كانوا وما زالوا حريصين عبر نضالهم الطويل للاستقلال على محيطهم العربي، ولكن هذا الاتفاق حوّلهم إلى حربة موجهة إلى المحيط العربي..
باختصار جاء الاتفاق لإعادة تنظيم وترتيب الاحتلال، بشكل مريح
للإسرائيليين، وكذلك توظيف السلطة الفلسطينية في المهمات التي تؤمن للاحتلال
الاستقرار والأمن الاقتصادي» .
عبد الرحيم ملوح (عضو الهيئة التنفيذية لمنظمة التحرير)
الوطن العربي ٢٤/٩/٩٣م، الأسبوع العربي ٢٠/٩/٩٣م
المنظمة في الموقع الجديد:
«اللعبة الحقيقية التي ستكون من نصيب منظمة التحرير هي اللعب على الصعيد المحلي المحدود مع سكان الضفة والقطاع فقط، وهو ما يتناسب مع حجم طموحات وأهداف ورغبات قيادة هذه المنظمة، وينسجم مع طموحات وأهداف ورغبات إسرائيل التي تلعب على نطاق حجم أكبر، هو نفسه حجم الوطن العربي. وتجد هذه اللعبة المحدودة أساسها الآن في الاهتمام بإقامة نقطة مراقبة عسكرية في أريحا وأخرى في غزة، تحتشد فيها شرطة منظمة التحرير للوفاء بتعهد السهر على راحة وأمن إسرائيل، وتجنيب الجندي والمستوطن الإسرائيلي آلام مواجهة الانتفاضة الفلسطينية، إذ سيكون قمع الانتفاضة الفصل الأول من هذه اللعبة المحدودة.
الفصل الثاني: سيكون خوض صراعات السيطرة على مختارية هذه القرية أو تلك، وبلدية هذه المدينة أو تلك. وستكون خلفية المشهد هي الصراع على أموال المساعدات والمشاريع، التي سيقدمها المجتمع الدولي، والحصول على حصص فيها، تتحول إلى البنوك السويسرية فوراً. مثل هذه اللعبة المحدودة ستكون هي لعبة اللاعب الذي ألقى أوراقه كلها على طاولة الكيال، وانسحب ليقامر بالملاليم في أزمة القرى والمدن الفلسطينية. ولن ينسى في كل مناسبة أو شجار (طوشة) في قرية من هذه القرى أن يصرخ في وجوه المنافسين إنه
(الممثل الشرعي الوحيد) للشعب الفلسطيني!
وإذا لم يصدقوا، فسيفتش في جيوبه، ويخرج الشهادة الإسرائيلية، ويضعها أمام أعين المشككين (؟ !) أما الفلسطينيون على الساحل (٨٠٠) ألف سيحمدون الله ألف مرة أنهم بعيدون عن قبضة (الممثل الشرعي الوحيد) الذي ستكون متاعبه كثيرة: حماية المستعمرات الإسرائيلية وحماية نفسه وحماية نفسه من
نفسه» .
الوطن ٢٢/ ٩/ ٩٣م
العدو المشترك:
«من بين العوامل الرئيسية التي دفعت بكل من إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية للتوصل إلى معاهدة السلام بينهما، عامل مثير حقاً للدهشة الشديدة. فلم يكن بوسع الطرفين التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أبداً، لو لم يكونا مدفوعين له لمواجهة عدوهما المشترك، وهو (التطرف الإسلامي) . ويقول المحللون من كلا الجانبين: إن اتفاق السلام الذي تم توقيعه مؤخراً بين إسرائيل والمنظمة - وهو الاتفاق الذي ربما يجعل من العدوين السابقين حليفين - هذا الاتفاق جاء لأن كلاً من إسحق رابين وياسر عرفات بدأ يستشعر الخطر الداهم هذه المرة من المسلمين الراديكاليين، الذين يرفضون أية مهادنة مع اليهود. ويقول (داني روبنشتاين) المعلق الإسرائيلي في (الديلي ستار) الإسرائيلية: (إن خوف إسحق رابين من التطرف الإسلامي هو الذي دفعه لتغيير رأيه في منظمة التحرير، التي كان يصفها باستمرار بالإرهاب والرغبة في القضاء على إسرائيل) .. ويقول (زكريا القاق) المحلل السياسي الفلسطيني: هناك مصلحة مشتركة بين إسرائيل والمنظمة للوقوف في وجه التطرف الأصولي، الذي يرى عرفات وكل الزعماء
العرب أنه يشكل تهديداً لهم» .
(كريستيان ساينس مونيتور) .
نقلاً عن الوطن ٢٧/ ٩/ ٩٣م
المصلحة أمريكية والتكاليف يدفعها العرب:
«تحدث خالد الحسن (عضو لجنة فتح المركزية ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الوطني) في لقاء أجرته معه (الحوادث) عن الحياة الجديدة، التي تسعى السياسة الأمريكية إلى ضمانها لإسرائيل من خلال اتفاق السلام فقال: (السياسة الأمريكية الجديدة التي تحرك ما سماه بوش) النظام الدولي الجديد، في أداء شرطي العالم لا تستطيع لاستمرار في دعم الكيان الإسرائيلي بخسارة. فهذا - على مستوى المال - يكلف الخزينة الأمريكية نحو ١٥ مليار دولار. وأشار إلى تفاصيل هذه الفاتورة تقرير صادر عن أحد مراكز الأبحاث في واشنطن ونيويورك. ومن هنا كان ضرورياً إعطاء هدف جديد أو حياة جديدة لإسرائيل لتحقيق مصلحة أمريكية بمستوى التكاليف ووجدت واشنطن أن هذه المصلحة يمكن أن تتحقق بتكاليف يدفعها العرب، وهذا ظاهر في السعي إلى الإمساك بالمفاصل، وإدماج إسرائيل في الدورة الاقتصادية الإقليمية. وحين سألته الحوادث: (لماذا مقارعة المستحيل؟ الاتفاق قد يكون أفضل الممكن، ولعله خطوة تتبعها خطوات في مسار طويل وليس نهاية المطاف؟) أجاب قائلاً: أتمنى أن يكون الاتفاق خطوة تتلوها خطوات، لكن الملاحق قيدت الفلسطينيين في شكل يوصد أمامهم أبواب إنهاء الاحتلال، وتبعاً لمواد هذه الملاحق، وخصوصاً ما يتعلق منها بالأمن، فالسيطرة في يد إسرائيل.
إن الأمن الخارجي مثلاً في يدها. ما معنى ذلك؟ يقيني أن العرب لن يحاربوا إسرائيل، ولا أوروبا. الفدائي الفلسطيني هو الذي يحارب إسرائيل من الخارج، فضلاً عن الفدائي اللبناني. وهذا يعني أن لإسرائيل الحق في العودة بجيشها لحماية أمنها الخارجي ضد أي عمل وطني ونضالي، حتى ضمن غزة وأريحا. وهذا الحق تكرسه بنود في الملاحق، تقول: إن تل أبيب مسؤولة عن أمن المستوطنات والمستوطنين، ولها حرية استعمال الطرق في غزة وأريحا من أجل تحقيق أهدافها هذا لا يمكن أن يسمى انسحاباً، حتى في القانون الدولي، أو في المفهوم الأمريكي أو البريطاني، من حيث زوال الاحتلال. باقٍ حتى في حال شمول الحكم الذاتي كل الضفة الغربية وقطاع غزة» .
الحوادث ٢٤/٩/٩٣م
أريحا تصبح معتقلاً:
«مشروع (غزة وأريحا أولاً) أنهى هذه الانتفاضة، وأرى أن اختيار أريحا بالذات هو هدف إسرائيلي، لكي تتحول أريحا إلى معتقل واسع، لكل من يتحرك في الضفة الغربية مقاوماً الاحتلال، على الطريقة التي كانت متبعة قبل إقرار هذا المشروع. يعني: غداً بدل أن تعتقل إسرائيل المناضلين من أبناء شعبنا، وتضعهم في سجونها، أو تطردهم إلى جنوب لبنان أو الأردن، الآن أصبح يوجد) شريط فلسطيني (سيتولى هو هذه المهمة باعتباره مرجعاً فلسطينياً، حكومته -إن جاز التعبير - أو قيادته متفقة مع إسرائيل على خط سياسي معين، أحد أهم أبعاده إبقاء الأمن بيد إسرائيل. إن الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات باتوا يشعرون بأنهم غير عائدين إلى فلسطين، وأن الخيارات المتبقية لهم إما التوطين حيث هم، أو التهجير إلى ما هو أكثر بعداً عن فلسطين، أي إلى استراليا وكندا وأمريكا، وغيرها من الدول، التي لاحظنا أنها بدأت تنتهج في المدة الأخيرة منهجاً جديداً في تخفيف شروط القبول بالهجرة إليها.
الصراع تحول من صراع فلسطيني/إسرائيلي إلى خلاف فلسطيني/فلسطيني.
فبدلاً - ويا للأسف - من إيجاد حل مشرف ومقبول لمشكلة شعبنا، نجد أنفسنا أننا
أوجدنا الحل لمشكلة إسرائيل وقضية الاحتلال. اليوم إسرائيل هي أمام الرأي
العالمي بلد متسامح أعطى وأعاد أرضاً وفرصة لحكم ذاتي، يفترض أن يتحول إلى
دولة مستقلة مستقبلاً، بينما هي في الواقع أوجدت السكة أو الطريق الموصل إلى
تفريغ الضفة الغربية، وإلى شطب قضية القدس، وإلى وأد الانتفاضة وإلى تحميل
الفلسطيني نفسه مسؤولية ما قد يترتب عليه مثل هذا الحل. أعود مرة أخرى لأقول
إننا كنا نبحث عن حل لمشكلة مستعصية، فإذا بنا نستخرج ونخترع مشاكل جديدة،
قد لا تكون أقل صعوبة من المشكلة الأساسية وقد تفرز عنفاً وعدم استقرار أكثر مما
شاهدناه في السنوات الأربعين الماضية. إن المنظمة لم تحقق سلاماً، بل استسلمت
لحل مفروض بالضغط، والقوة والتآمر، وما جرى الآن قد يفرض استقراراً بمعنى
قد يحول دون حروب جديدة في المنطقة. ولكن لنا في التاريخ عبراً كثيرة، هذا
الوضع لا يمكن أن يستمر إلا في ظل استمرار الهيمنة الأمريكية / الإسرائيلية،
وفي اللحظة التي تخف فيها هذه الهيمنة أو تضعف، فكل شيء في الشرق الأوسط
سيكون مهيئاً للانفجار الكبير لإزالة آثار هذه النكبة الجديدة.
الآن نحن أمام مجهول جديد سيفوز حتماً قوى جديدة مضادة لهذا المشروع
التصفوي للقضية الفلسطينية ولقضية القدس ومصير شعب فلسطين. وبوادر هذا
الأمر أن هناك تياراً أصوليا ينمو، وأعتقد أن الأجواء الجديدة ستفتح المجال أكثر
وأكثر إلى نهوض مثل هذا التيار» .
الدولية ١٥/٩/٩٣م
تحت راية إجهاض التطرف:
«ترفع الولايات المتحدة في سبيل إقناع الأطراف العربية بتقديم التنازل تلو الآخر راية التهديد بمن تسميهم المتطرفين والإرهابيين في البلدان العربية الذين يتربصون بالعملية السلمية الدوائر، ويخططون للانقضاض عليها إن فشلت، وتحت تلك الراية - راية إجهاض ما يسمى بالتطرف - تدفع الإدارة الأمريكية عجلة المسيرة السلمية وتزودها بالزخم اللازم. تتسع دوائر الاستفهام إزاء اللغز الأمريكي المتعلق بقضية الإرهاب وتعريفه، عندما تلاحق دوائر الأمن الأمريكية أي تصريح لشيخ هنا أو خطيب مسجد هناك تصفه بالإرهاب وتتهمه بالتحريض عليه. وقد عجز القضاء الأمريكي إلى الآن على سبيل المثال عن إثبات أية تهمة حقيقية ضد الشيخ عمر عبد الرحمن - أيا كان الموقف منه -، ولمم تتعد الاتهامات الحقيقية إطار ملاحظة دعوات التحريض في خطبه وتصريحاته، وهي التي لا تقارن مع دعوات جيش) كاهانا حي (لإبادة العرب والمسلمين حيث كانوا، فضلاً عن مقارنتها بممارسات ذلك الجيش ومعسكرات تدريبه الفعلية. ... عموماً، ليس من اليسير ولا من المتوقع فك سر هذا اللغز في تناقض الموقف والممارسة في هذه القضية إذا تمت المناقشة بشكل يفصلها عن مجمل السياسات الأمريكية العليا إزاء مختلف القضايا، بل يجب النظر إلى أن قضية (الإرهاب الدولي) والتصنيف بالإرهاب وغيره ليست سوى جزء مكمل من
تلك السياسات، ولا علاقة له بموضوع الإرهاب كموضوع مجرد لا من قريب ولا
من بعيد. والقرار بتصنيف هذا البلد أو ذاك أو تلك المنظمة أو غيرها هو قرار
سياسي أولاً وآخراً، له خلفيات ومعطيات ويرمي لتحقيق سياسات واضحة من
خلال الضغط أو التخويف أو الاحتواء أو التلويح بورقة التصنيف ضمن دول
الإرهاب الدولي. وما البلاغة اللفظية الظاهرية في صلابة الموقف إزاء الإرهاب
أو الحزم التمثيلي المرئي في توجيه الاتهام سوى نمط من أنماط أداء الكاوبوي
المتغطرس الهادف لإخفاء حقيقة المرامي والغايات» .
خالد الحروب، الحياة ٢٣/٩/٩٣م
التدخل المباشر تحت شعار حقن الدماء:
«لابد من العودة قليلاً إلى رد الفعل الأمريكي على هذا الاتفاق، وهو كما نؤكد جميع الدلائل، رد فعل مؤيد، ومرحب، وبتجاوز ذلك إلى الاعتقاد بأن اتفاق (غزة أريحا) هو بمثابة الجزء المهم من الترتيبات الأمنية الشرق أوسطية التي تدعو إليها وتعمل من أجلها الولايات المتحدة. هذا الاعتقاد الذي يجزم المراقبون الأردنيون بصحته، يدفع إلى الاعتقاد أيضاً بأن واشنطن ستعمل بكل قوتها على محاربة أي توجه يسعى لإفشال (اتفاق غزة أريحا) مثلما أنها ستسعى بكل قوتها إلى توفير الترتيبات العسكرية اللازمة لإنجاز هذا الاتفاق، ولو بالقوة، كما أنها ستسعى إلى توفير التمويل اللازم لمختلف المشروعات، التي تشكل عناصر هذا الاتفاق ليصبح في يدها سلاحان اثنان: سلاح الترغيب الاقتصادي، والترهيب الأمني. كما ستسعى واشنطن للتدخل مباشرة إذا ما نشب أي نزاع بين الفلسطينيين أنفسهم، خاصة وأن التوقعات تشير إلى أن (حماس) لن تسكت، وسيكون التدخل الأمريكي ت حت شعار (حقن الدماء) (؟ !) ولكن بهدف تحجيم القوى الإسلامية الرافضة لاتفاق (غزة - أريحا) .
وستلعب الشرطة الفلسطينية دوراً بارزاً في تحجيم القوى الإسلامية وبخاصة عندما تشترك الشرطة الفلسطينية مع الشرطة الإسرائيلية في حفظ الأمن، انطلاقاً مما يدور من أحاديث حول تسيير دوريات شرطة مشتركة. كما سيلعب شعار
(مكافحة الإرهاب) دوراً بارزاً في قمع القوى الإسلامية والراديكالية اليسارية، التي ما تزال تصر على الرفض» .
الأسبوع العربي ١٣/٩/٩٣م
إسرائيل الاقتصادية الكبرى:
«إن إسرائيل لا تستعد لخوض معركة تصدير واستيراد من وإلى أسواق الدول العربية. فهذا النوع من التجارة ستمارسه إسرائيل لمجرد كونها تريد كسر حاجز الممانعة الشعبية العربية ضد وجودها أو انخراطها في المنطقة، على أن الهدف الاقتصادي الكبير لإسرائيل سيكون إعادة صياغة المنطقة اقتصادياً بطريقة تحتل فيها (تل أبيب) مكانة عاصمة المعلومات التكنولوجية في السوق الشرق أوسطي الذي لن تنتهي حدوده عند تخوم ما كان يعرف حتى الأمر القريب بحدود الاتحاد السوفيتي، بل هو لأول مرة في العهد الإسرائيلي سيجذب إليه - أي السوق - عالماً استهلاكياً وجغرافياً جديداً اسمه آسيا السوفيتية والهيمنة الإسرائيلية على حركة هذا السوق هي التي يقصدها شمعون بيريز حينما يقول بضرورة التخلي عن (إسرائيل الجغرافية الكبرى) لمصلحة قيام (إسرائيل الاقتصادية
الكبرى) . ولعل أخطر ما في هذه الفكرة المرعبة هو حقيقة أن عرفات يراهن على أن الأموال الدولية المرصودة لإنضاج إسرائيل الاقتصادية الكبرى، ستساعد في خلال تفاعل مساراتها على ولادة القزم الفلسطيني الشريك لإسرائيل والمقطوع الصلة بالعرب، لأن من شأن ذلك، حسب بيريز محو سلوك العداء العربي لإسرائيل الذي قد يستمر في المستقبل انطلاقاً من ذاكرة فلسطين» .
الشراع ٩/٩٣م
وبعد كل هذا (الاعتدال) ؟ ! :
«الواقع أن اشتداد الحملة العالمية في هذا الظرف على الإسلام كدين وكعقلية يوحي بالريبة والشك في دوافع القائمين بها.
ففي كل مكان حاكم مسلم، أو حكومة إسلامية، أو منظمة أو هيئة تدعو إلى التكيف مع النظام الدول الجديد (!) والتعاون معه ومع من هم على رأسه بكل روح طيبة، ولو كلف ذلك القسوة على الذات (!) والتسامح مع الآخرين من أهل الطمع بالأرض العربية وثرواتها، والتخلي عن كل وسيلة غير سلمية في حل الخلافات، بل تعريض النفس للخطر نتيجة مفاجأة المجتمعات التقليدية والشعوب العريقة المتجذرة في معتقداتها وأعرافها بضرورة مسالمة العدو والتفاهم معه على علاقة من نوع جديد. ومع ذلك، لا أثر في إعلام الغرب ومنتدياته السياسية والفكرية لأي تفهم حقيقي وتقدير حقيقي للانقلاب السلمي الذي يحدث في العالم العربي، وفي العالم الإسلامي كله! الحكومات الغربية تقبل بمسالمة عدو مزروع بالأصل زرعاً على أرض لا يملكها، حباً منها (؟ !) بالتنسيق مع الأسرة الدولية والأصدقاء الدوليين، ومع ذلك تستمر الحملات عليها وكأنها تخوض الحرب ضد العالم وضد اليهودية وضد المسيحية الغربية. منظمة التحرير الفلسطينية تتخلى، بمبادرة تاريخية، عن السلاح وترضى بجزء بسيط من وطن شعبها دفعة على الحساب وتؤجل كل نقطة خلافية، ومع ذلك يبقى المسلمون في إعلام الغرب وعند ساسته متطرفين!» .
افتتاحية الحوادث ٦/٩/٩٣م
لقطات إخبارية
«كان البيت الأبيض قد أعد ثلاث صور خلف منصة التوقيع، للعلم
الأمريكي يتوسط العلمين الفلسطيني والإسرائيلي. واعترض إسحق رابين وشمعون
بيريز لأن العلم يمثل دولة، وفي نظرهم أن فلسطين ليست دولة، على الأقل بعد،
وأن رفع علمها يمثل اعترافاً ضمنياً. وانضم قسم البروتوكول في البيت الابيض
للجانب الإسرائيلي، مُفتياً بأن رفع العلم الفلسطيني يشكل اعترافاً بوجود دولة
فلسطينية. وحل الإشكال بصرف النظر عن رفع الأعلام الثلاثة. ولم يكن مقرراً
تبادل المصافحة في أي مرحلة من مراحل الاحتفال، إلا أن ياسر عرفات - مدركاً
أن أنظار العالم كله تتابع ما يحدث في (الحديقة الجنوبية) بالبيت الأبيض! - مد
يده إلى رابين الذي أخذته المفاجأة وتردد لحظات ثم أدرك خطورة رفض اليد الممتدة
له، وصافح عرفات، ومن بعده صافح عرفات بيريز بشكل غير متوقع فمد يده
وانتظر ٤ ثوان ليلتقط يد بيريز! . وكان الرئيس كلينتون قد أعد لحفل عشاء
رسمي في البيت الأبيض احتفالاً بالاتفاق، ووجهت الدعوات بالفعل إلى ١٥٠
شخصاً من نخبة السياسيين والدبلوماسيين في العاصمة الأمريكية. ويوم الاثنين
صباحاً، أبلغ رابين كلينتون أنه لن يستطيع حضور حفل العشاء لأنه يريد العودة
إلى إسرائيل في أقرب وقت ممكن بعد احتفال التوقع. وأسقط في يد البيت الأبيض
الذي لم يرغب في عقد حفل عشاء تكريماً لياسر عرفات ومحمود عباس وحدهما،
وألغي الحفل في اللحظة الأخيرة!» .
«نقلت إذاعة العدو الإسرائيلي عن مسؤول فلسطيني في منظمة التحرير
قوله بأن المنظمة ستعرف كيف تتعامل مع حركة حماس إذا سمح لها بإدخال قوات
شرطة كافية إلى الضفة والقطاع. ومن ناحية أخرى قالت صحيفة هارتس
الإسرائيلية: إن الحكومة الإسرائيلية قررت إعادة عدد من مبعدي حركة فتح،
وإطلاق سراح عدد من كبار زعماء فتح في السجون الإسرائيلية للوقوف في وجه
حماس في الفترة القادمة» .
المجتمع ١٠/٩/١٩٩٣م
موساد وشين بيت تحميان عرفات:
«ازدادت المخاوف من احتمالات تعرض ياسر عرفات إلى الاغتيال في أعقاب التهديدات التي تلقاها من جهات عديدة. وذكرت صحيفة الواشنطن بوست أمس في تقرير لها من تونس أن عرفات قد يتلقى حماية أمنية من جهازي الاستخبارات الإسرائيلية الخارجي (الموساد) والداخلي (الشين بيت) . ونسبت الصحيفة إلى مصادر رفيعة المستوى في منظمة التحرير قولها: إن بعض كبار المسؤولين عن أمن عرفات يخططون لعقد اجتماعات في أوروبا الأسبوع المقبل مع ممثلين عن الموساد والشين بيت» .
الوطن ٢٥/٣/١٤١٤هـ
المغرب الدور القديم/الجديد:
«ليس من غريب الصدف أن تكون الرباط أول محطة لرابين بعد توقيعه اتفاقية السلام مع الفلسطينيين. فبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩م، كانت الرباط أيضاً أول محطة عربية للرئيس أنور السادات، قبل ١٥ سنة، إذ جاء السادات هو الأخر ليشكر العاهل المغربي على الجهود التي بذلها من أجل الوصول إلى إبرام أول اتفاقية سلام بين العرب وإسرائيل. ذلك أن العاهل المغربي لعب دوراً كبيراً في ترتيب لقاءات سرية بين موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك ونائب الرئيس المصري حسن التهامي، وهي اللقاءات التي مهدت لزيارة السادات للقدس عام ١٩٧٧ م.
المجلة ٢/١٠/١٩٩٣م
أول تحرك لسهى عرفات:
» أعلنت سهى الطويل قرينة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أنها ستعمل على تطبيق نصوص مجلة الأحوال الشخصية التونسية في منطقتي غزة وأريحا، لأن المجلة التونسية تعطي المرأة حقوقاً كبيرة! ! وطالبت السيدة سهى في تصريح أدلت به للصحفيين، النساءَ الفلسطينيات بمساندتها «.
الحوادث ١٤-٢٤/٩/١٩٩٣م
صحيفة كويتية تنشر إعلاناً لشركة سياحة إسرائيلية:
» نشرت صحيفة (السياسة) الكويتية أمس إعلاناً كبيراً في الصفحة الأولى لصالح إحدى شركات السياحة الإسرائيلية، تدعو فيه السياح الكويتيين لزيارة المسجد الأقصى بالقدس ومقام نبي الله إبراهيم بمدينة الخليل. وذكر الخبراء الاقتصاديون بالكويت: أن الايام القادمة ستشهد نشاطاً مكثفا لشركات السياحة الإسرائيلية، للاستفادة من الانفراج النسبي في العلاقات العربية الإسرائيلية بعد اتفاق غزة - أريحا «.
الجمهورية ٢٧/٣/١٤١٤هـ
» تناقلت مصادر عديدة هنا في باريس أن الولايات المتحدة الأمريكية
والكيان الصهيوني قد وقعا اتفاقاً مريباً يقضي بتزويد حكومة رابين بقمر صناعي
جديد تتكفل واشنطن بإعداده لإطلاقه لنقل كل تفاصيل ومراقبة ما يدور في (غزة
وأريحا) على مدار ٢٤ ساعة، بالإضافة إلى تزويد القوات الإسرائيلية بأجهزة
رادار متطورة وأسلحة تعمل بأشعة الليزر لضبط الأمن في (الكيان الجديد مع
التركيز على القوى الإسلامية وكل المعارضين للحلول الاستسلامية. من جهة
أخرى تقول نفس المصادر: إن مصر تعهدت بإقامة نقاط تفتيش إسرائيلية -
مصرية مشتركة للحيلولة دون عبور أي من الفلسطينيين من الأراضي المصرية من
خلال قطاع غزة. إن الصهاينة توصلوا إلى تحقيق أغراضهم بالحفاظ على أمن
إسرائيل عن طريق التأكد من استعداد الطرفين الفلسطيني [خط عرفات] المصري
إلى التعاون مع القوات الإسرائيلية لخنق المعارضة الإسلامية ومنعها من تسديد
ضربات قوية في قلب الكيان الصهيوني، بعد أن قام هذا الأخير بتأمين حدوده
الشمالية مع لبنان إثر الاجتياح الأخير للجنوب اللبناني) .
المجتمع ١٤/٩/١٩٩٣م
«قال السيد بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس معلقاً على اتفاقية (غزة -أريحا: إنه لم يفاجأ لأن عرفات قال عام ٨٢ وأثناء حصاره في بيروت (إنني قررت
أن أركب القطار، الأمريكي ومن أراد أن يصعد معي فليتفضل) ..! ! أما مسؤول
فلسطيني آخر فقد بشّرنا بأن رئيسه لم يقرر السير في هذا الطريق منذ عام ٨٢ بل
قبل ٢٥ عاماً وأنه أجرى مباحثات سرية مع مسؤولين إسرائيليين والتقى موشى
ديان..»
الإصلاح ٢٢/٩/١٩٩٣م
«تولت القاهرة منذ وقت مبكر تدريب ١٥٠ ضابطاً فلسطينياً على أعمال
حفظ الأمن وفك الشفرات واكتشاف المخططات الإرهابية قبل تنفيذها، فضلاً عن
سبل انتزاع الاعترافات من المتهمين. ويعتقد أن اللجنة الأمنية التي سيتم تشكيلها
بين مصر والإدارة الفلسطينية في غزة، سيكون لها الأولوية على غيرها من
اللجان» .
الأسبوع العربي ١٣/٩/١٩٩٣م
تعليقات قصيرة
الأسير يجر فلسطين معه:
«إن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، هو الآن مجرد أسير لدى إسرائيل، لكن بدلاً من أن يكون أسيراً منفرداً، جرّ معه فلسطين كلها وتاريخها إلى الأسر، وبدلاً من أن يكون أسيراً عاطلاً عن العمل، فهي أسير عامل كشرطي تماماً في خدمة الدولة الصهيونية
الشراع ٩/٩٣م
سوبر ماركت عرفات:» هذا الاتفاق هو ثمرة من ثمار كامب ديفيد.. وإني
أتساءل: هل الهدف هو أن أقيم (سوبر ماركت) لبيع المرطبات والحلوى في
غزة؟ ! .... . هل الهدف هو إقامة بعض المنشآت الاقتصادية، أم الهدف أكبر من ذلك وهو تحرير الأرض والإرادة؟ ! وأقول: إنه لا يحق لأي حكومة من الحكومات العربية أن تنتقد هذا الاتفاق، فكلهم متعاونون مع أمريكا وكلهم يريد إنهاء المشكلة على أي وضع فلا يحق لهم أن ينتقدوا! ! «
د. عبد الوهاب المسيري، المجتمع ١٠/٩/١٩٩٣م
إرهابي ما بعد السلام:
» إن الإرهابي حالياً هو كل من يقف في طريق اتفاقية (غزة - أريحا) . لقد أثبت احتفال توقيع الاتفاقية هزال تهمة الإرهاب التي أعلنت واشنطن أنها تحكم علاقاتها مع العديد من الدول والتنظيمات. آخر ما بحث عنه الأمريكيون (وقبلهم الإسرائيليون) في تعاملهم الأخير مع منظمة التحرير الفلسطينية كان هذا
(الإرهاب) الذي دوّت الاتهامات بشأنه على مدى حوالي ربع قرن من الزمن. إن ماضي المنظمة (الإرهابي) سقط كله خلال لحظات حين قرر ياسر عرفات القبول بالشروط الإسرائيلية - الأمريكية المتعلقة بصيغة (الحكم الذاتي المحدود) ، وفق رغبات تل أبيب وواشنطن، والاستنتاج المنطقي في هذه الحال: إن المطلوب هو سياسة معينة والإرهابي هو الذي لا يستجيب لها «.
الأسبوع العربي ٢٠/٩/١٩٩٣م
» إذا سار هذا الاتفاق في طريق النجاح، وإذا بدأت المساعدات الاقتصادية
تنهال على الشعب الفلسطيني، فإن عرفات سيكون قد نجح في (رشوة) شعبه
لتأييد جهود المنظمة السلمية وزيادة شعبيتها وتكريسها كممثل شرعي وحيد للشعب
الفلسطيني، وفي نفس الوقت ستسلم إسرائيل لعرفات، الإدارة الأمنية لمنطقتي
غزة وأريحا، لأجل التعامل بنجاح مع موجة التطرف الأصولي في المنطقتين،
وبذلك يكون عرفات قد أدى خدمة كبيرة لإسرائيل وأراحها من أعدى أعدائها في
منطقة الحكم الذاتي، وهي حركة التطرف الأصولي التي ترفض التعامل أو
التفاوض مع اليهود لأن الإسلاميين يهدفون إلى تدمير إسرائيل عاجلاً أم آجلاً! «.
(صنداي إكسبريس) نقلاً عن الوطن ٢٧/٩/١٩٩٣م
أيهما أصدق:؟
» أستطيع أن أقول للشعب الفلسطيني: إن لديه صديقاً كبيراً في البيت الأبيض.
ياسر عرفات، المجلة (٧١١)
يقول الرئيس الأمريكي كلينتون: «أؤكد على أن القدس عاصمة موحدة أبدية
لدولة إسرائيل مع رفض كامل لإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع»
ساكن البيت الأبيض (كلينتون) القبس ٢٣/٩/١٩٩٣م
стр. 1575
ملف السلام العربي/ الإسرائيلي
الشرق أوسطية عنوان مرحلة
ولماذا وقع الأردن؟
د/عبد الله عمر سلطان
الأردن يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل ...
مصافحة تاريخية بين الحسن ورابين تنهي نصف قرن من الصراع ...
مولود جديد للسلام برعاية كلنتون ...
هل هي كرة الثلج تبدأ عادة بكتلة صغيرة من ذرات الماء المتجمدة ثم تقذف
بها عوامل خارجية إلى أسفل السفح فتتورم بإطراد وتكبر وهي تلقى مصيرها
المنحدر؟
«لم يكن الاتفاق الأردني / الإسرائيلي في المحصلة النهائية إلا انعكاساً
لوضع الذي يأخذ في التشكل هذه الأيام بعين اتفاق رابين / عرفات، ودليلاً آخر
على أن من يحدد إطار اللعبة وحدود العلاقة في المنطقة هو طرف مستفيد من
سقوط (قطع الدمينو العربية) واحدة بعد أخرى في سبيل ترسيخ النظام الشرق
أوسطي الجديد. بهذه العبارات حدد أحد كبار المحليين الفرنسيين الوضع الحالي في
المنطقة، وأضاف: (كل ما فعله الحضور المسرحي لبيريز وحسن - ولي العهد-
هو أنه أخرج الاتصالات الأردنية/الإسرائيلية من حيز السرية والظلام إلى السطح
والواجهة الإعلامية.. لقد حاول الملك حسين أن يخفي هذه الاتصالات التي كان
آخرها قبل يومين من توقيع الاتفاق حينما رتب مع بيريز لتفاصيل (الحفلة)
ونصوص وثيقة العلاقة القادمة ... لكن الجميع يعرف أن رائحة الصديق الإسرائيلي
كانت تفوح بشره في الأردن بعد كل لقاء حميم.
مهنته كملك ...
قبل أكثر من عقدين تحدث الملك الأردني لصحافي فرنسي عن شخصيته
وطموحاته وماذا ينتظر منه أن يقدم كملك للكيان الهاشمي ومشروعه القومي الذي
فجره جده الشريف حتتين تحت حراب رجال المخابرات البريطانية.
لقد كانت مخاوف الملك حسين منذ صعوده إلى السلطة وهو شاب لم يتجاوز
الثامنة عشرة أن يحافظ على هذا الكيان المسمى بشرق الأردن، وهذه المخاوف
تغذيها دوماً حقيقة مزعجة ظلت تلاحق جده الملك عبد الله تتمثل في أن هذا الكيان
(صُنع) على عين الإنجليز و (أقيم) في غرف وزارة المستعمرات البريطانية)
كبديل للوطن الفلسطيني الذي وُعد به الصهاينة داراً لحلمهم وموطناً لفكرتهم ... و، وكأي (ثائر) صُنع وبَزغ في مشرقنا التعس فقد سارع الملك عبد الله إلى تبني
مشروع المملكة الأردنية الهاشمية كمرحلة مؤقتة حتى يتحقق حلمه السلطوي لأكبر
بأن يكون ملكاً لسوريا وما تبقى من بلاد الشام، هذا الوطن البديل لفلسطين كان
ثمنه أن يقبل الملك عبد الله بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين ويعترف به سراً
وتجري الاتفاقات مع الإنجليز واليهود مقابل تثبيت ملكه في ضفة الأردن الشرقية
مع وعود مستقبلية بتوليته مقاليد سوريا مقابل حفظ أمن الكيان الصهيوني وضمان
سلامته.
وفي خضم الاتفاقيات وتنفيذها سقط الملك عبد الله برصاص الاغتيال على
بوابة الحرم المقدس وهو لم يهنأ بتحقيق حلمه الطموح وإن كان قد تولى ملك الضفة
الغربية ثمناً للمعركة الخاسرة التي أطلق عليها (النكبة) وهي في حقيقتها
(الصفقة) ال تي تاجر في سبيلها الشريف حسين وذريته بمقدرات ومقدسات وثوابت الأمة مقابل وهج السلطات وفي سبيل غرور الملك ...
ألم يكن من السخرية أن يرفض الخليفة العثماني (التركي) عبد الحميد أن يبيع
فلسطين لهرتزل وهو في أمس الحاجة للمال والدعم اليهودي والغربي، وأن يتنازل
الملك عبد الله (العربي) عن مسرى جده الهادي ﷺ بعد أن وثّق
المعاهدات مع وايزمن وبن غوريون ... ؟ !
وإن كان حلم عبد الله كبيراً وجشعه مشهوراً فإن حفيده الذي تولى الملك بعد
أبيه المريض كان ولا يزال يدفع ثمن فكرة الوطن/البديل ويحاول أن يتمسك بشرق
الأردن في ظل تسارع الخطى نحو الحل النهائي الذي يقتبس فكرة خبراء وزارة
المستعمرات القديمة والقائلة بإزاحة أهل فلسطين عنها وأحلامهم شرق النهر بعد أن
عملوا على إقامة كيان وديع مسالم مستغرب يحكمه (هاشمي) لم يطلق رصاصة
واحدة في وجه اليهود مما دفع إسحاق رابين للقول:» إن وجود الملك حسين
ضروري لتحقيق السلام والأمن (أمن اليهود) حيث لم تشهد حدودنا حوادث إرهاب
أو شغب في ظل حكمة العاهل الأردني «.
هل عرفتم إذن ماذا يعني (جلالته) بمهنته كملك؟ ؟
تحديات أضخم من الإمكانات:
بالرغم من النعوت والصفات والمواهب الشخصية التي يتمتع بها الملك
الأردني فإن الصحافي البريطاني الشهير (دايفيد هرست) صديق الحسين لخص
الوضع في الأردن عشية عودة الحسين من رحلته العلاجية بالقول: إنه الملك الذي
شهد أعنف التحديات في ظل التحدي الناصري والقومي وواجه بحسم الثورة.
الفلسطينية التي صفيت في أيلول الأسود عام ١٩٧٠م وفاقت شعبيته أي زعيم آخر
في المنطقة أيام حرب الخليج حين وقف في صف العراق ليصبح في خانة الثوريين
ولذا فقد أصبح يخاف من المستقبل حيث عوارض المرض الخبيث (السرطان) ،
وموجة الإسلام السياسي العاصفة، وأهم من ذلك وضع الأردن بعد السلام وهذا كله
يجعل من موقف الحسين موقفاً صعباً ... وما لم يقله صديقه البريطاني ما قاله
معلقون آخرون (إن الأردن أصبح مرتبطاً بوجود الحسين فبوجوده يبقى وبزواله
ربما يضمحل ... )
إن التحدي الحقيقي قد جاء من الجهة الأخرى من ضفة نهر الأردن حيث
يسعى اليهود الذين تربطهم بالعرش الهاشمي صلات سرية وثيقة أن يكون الأردن
هو البديل عن أرض الرسالات التي من المستحيل - في عرفهم - أن يحكمها
سواهم، وفي ظل الوضع العربي العاجز والانهيار الذي انتاب قيادة المنظمة
(العرفاتية) فلا يستبعد أن يحل (الناطور الفلسطيني) محل (العاهل الهاشمي على المدى المتوسط / البعيد ... ، وهكذا فقد يجد العاهل الأردني القادم أن (المملكة العربية) التي وعد ماكموهن جده بها قد انكمشت، وأن الوطن البديل قد أصبح فكرة قائمة وبعيدة عن حكم ذرية الحسين. التي أدت للمعسكر الغربي أكبر خدمتين في المنطقة خلال قرن: تصفية الخلافة الإسلامية العثمانية وتسليمها (مع غيرهم) فلسطين بقدسها لليهود.. وكل هذا يتم تحت لافتة ضخمة يحملها (شريف) من آل البيت ... !
الاتفاق الباهت!
في ظل السباق القائم بين عرفات والحسين بعد أن اتضح أن أمريكا وإسرائيل
قد قبلتا يد عرفات المدودة بخنوع وذلة؛ وقع ولي عهد الأردن مع بيريز (سفر
السلام) القادم حتى يضمن الأردن دوراً في النظام الشرق الأوسطي الجديد بالرغم
من أن أول من انتقد اتفاق السلام الفلسطيني اليهودي كان (جلالة الحسين) لكنه
سرعان ما ابتلع اعتراضاته وتهديداته وأصبح الاتفاق في نظره (خطوة شجاعة)
و (علامة جريئة) تستحق أن تحظى بكل الدعم، فالمرحلة المقبلة هي مرحلة
كسب الرضى الإسرائيلي، والأردن له سجل مشرف (في ظل قيادة الحسين) في حفظ أمن الدولة العبرية ...
ومع كل هذا يظل التحدي أكبر من مهارة الحسين ودبلوماسيته ومراوغته
السياسية، صحيح أن الحسين، كما قال هرست قد خاض بحر الظلمات العربية
وخرج سالماً حتى الآن، ولكن الصلح مع اليهود وعلاقة شرق الأردن بالدويلة
الفلسطينية الرمزية في غزة وجزء من القطاع تقتضي أن يدلف (الصانعون) للكيان
الأردني للموضوع دون رتوش أو مقدمات لأن المسألة تمس وجود الأردن ذاته الذي
وُضع منذ البداية كوطن بديل لفلسطين، الحسين في هذه المرحلة لا يواجه الأشقاء
العرب ... إنه يواجه السادة الذين سمحوا له بالوجود! وإن كانت الظروف تقتضي
(تأمير) وتمليك القميص الأردني للملك عبد الله وذريته في السابق؛ فإن الأردن
منذ البداية في الفكر الصهيوني / الصليبي هو الوطن الفلسطيني على المدى البعيد،
واذا كان هذا الهدف يتعارض معه بقاء الأسرة الهاشمية واحلالها بقبائل عرفات
ومنظمته فإن هذا الحل سيجد طريقه للواقع وهذه التضحية بحسن أو حسين ليست
غالبة حتماً.... مع ميل العواصم الغربية إلى تفضيل القيادة الأردنية الحالية
المتمرسة في قياد اللعبة بمهارة وحنكة، خصوصاً أن على اللائمة موضوعاً يثير
(مثلث السلام) الأردني/الفلسطيني/الإسرائيلي والمتمثل بتحجيم الحركة الإسلامية
على ضفتي النهر، وهنا فربما خرج الحسين رابحاً ومنفذاً لهذا الهدف الثالث الذي
يحلم الغرب بتحقيقه في مواجهته الحضارية الراهنة مع الإسلام، وتلك مهمة
تستحق أن يندمج فيها الممثلون حتى لا تعرف في النهاية الحسين من عرفات من
رابين ... !
أليست المرحلة تحمل عنوان (الشرق أوسطية) ؟ .
стр. 1576
شؤون العالم الإسلامي
طاجكستان
تدخل النفق الأفغاني
د. مالك إبراهيم الأحمد
توطئة:
مع دخول العام الثاني لاستيلاء الشيوعيين على الحكم في طاجكستان، وما
رافق ذلك من مأساة إنسانية بالغة، تدخل القضية الطاجكية النفق الأفغاني، حيث
أصبحت أفغانستان منطلقاً للمجاهدين الطاجيك، ومكان استقبال لآلاف من اللاجئين، وقد وقعت الحكومة الأفغانية الوليدة في حرج بالغ يشبه وضع (باكستان) سابقاً،
مع اختلاف طفيف وهو أن القضية الأفغانية كانت تمثل سابقاً ساحة صراع بين
الأمريكان والسوفييت؛ مما تطلب دعماً أمريكياً غير مباشر للأفغان كي يقفوا أمام
المد الشيوعي، أما في القضية الطاجكية فالتخوف من المد الإسلامي في
الجمهوريات هو هاجس الغرب والشرق على السواء. ونعرض هنا إلمامة
بتطورات الأحداث الأخيرة ومواقف الفرقاء حولها.
الموقف الروسي:
تعتبر روسيا نفسها وريثة الاتحاد السوفيتي، وبالتالي فهي مسؤولة عن الدول
التي خرجت من المظلة السوفيتية، وعلى وجه الخصوص تلك الدول الفقيرة
والمتخلفة (الجمهوريات الإسلامية) ، وسبق للكثير من المسؤولين الروس الحديث
عن الأمن القومي الروسي، وارتباطه بأمن الجمهوريات الإسلامية، فمثلاً صرح
وزير الخارجية الروسي بقوله: «ظهرت بوادر عدم الاستقرار على طول الحدود
الروسية وبالتالي فإن صون السلام أصبح من مقومات أمن روسيا القومي واضطلاع
روسيا بمسؤوليتها الخاصة عن حفظ الاستقرار في أراضي الاتحاد السوفيتي
السابق ... » .
وبهذا المفهوم ينطلق التحرك الروسي بدءاً من الرئيس يلتسن بتصريحه
«ليعلم الجميع أن هذه الحدود- يقصد الطاجكية / الروسية- هي حدود روسية وليست طاجكية» .
ولقد أيده البرلمان رغم اختلافه في كثير من القضايا مع الرئيس يلتسن
والغريب أن الموقف الروسي واضح وصريح، بدءاً من التدخل المكشوف لإسقاط
الحكومة الائتلافية، ودعمه ثانياً للجبهة الشعبية الشيوعية حتى صعودها للحكم على
أشلاء المسلمين.
ويتحدث المسؤولون الروس عن القضية الطاجكية، وكأنها جزء لا يتجزأ من
روسيا، ويقول وزير الخارجية الروسي: «لا حوار مع المعارضة- الطاجكية- إلا
بالصواريخ» وكأنه يتحدث عن معارضة داخل روسيا - وللتدخل الروسي في
القضية الطاجكية مبررات لعل أهمها:
الخوف من الأفغنة:
فالتورط الروسي في أفغانستان سبب الكثير من المشكلات للروس، ولعلها من الأسباب الرئيسية لسقوط الاتحاد السوفيتي. وبالتالي فلا يريد الزعماء الروس أن تتحول طاجكستان إلى أفغانستان ثانية تكون مصدر قلاقل لهم مستقبلاً.
- الخوف من (المد الأصولي) لاشك أن الانبعاث الإسلامي في الجمهوريات
عموماً، وفي طاجكستان خصوصاً، يمثل تهديداً للنصرانية في الشمال وبالتالي فإن
قيام دولة إسلامية في طاجكستان سوف يشعل الفتيل في بقية الجمهوريات
وطاجكستان تمثل أضعف دولة في الجمهوريات، وفيها أقوى حركة إسلامية في
المنطقة، والمد الإسلامي لو استفحل في نظرهم قد يصل إلى روسيا نفسها حيث
يوجد فيها حوالي ٥٠مليون مسلم مما يهدد بتفكك وسقوط الاتحاد الروسي نفسه.
الجانب الاقتصادي والثقافي:
كان الوضع الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي سابقاً مرتباً بطريقة خبيثة جداً
فالجمهوريات الإسلامية عموماً مصدر المواد الخام والجمهوريات النصرانية مناطق
الصناعة والمدنية، ولقد امتص الكثير من خيرات هذه الجمهوريات لصالح روسيا
وجاراتها، وطاجكستان إحدى هذه الأمثلة فالبلد متخلف جداً من النواحي المدنية
والصناعية، إنما هي فقط مصدر للمواد الخام لروسيا ففيها اليورانيوم والفضة
بكميات كبيرة فضلاً عن المعادن الأخرى، والسيطرة الروسية العسكرية على
المنطقة تضمن لها استمرار بقاء هذا الشريان خصوصاً أن روسيا هي مصدر الطاقة
لهذه الجمهورية وغيرها من الجمهوريات، فهي بالتالي تمسك بتلابيبها، وتنظر
روسيا إلى هذه الجمهوريات على أساس أنها متخلفة وغير متحضرة ولا تحسن
الديمقراطية ونظراً لكون روسيا دولة متقدمة وديمقراطية فإنها تشعر - كما تزعم -
بمسؤوليتها الأدبية تجاه هذه الجمهوريات.
الوجود الروسي:
يعيش في الجمهوريات الإسلامية- ومنها طاجكستان: ما يقرب من ٣٠ مليون
روسي يسيطرون على الإدارة والصناعة والتجارة ويعملون في الاستسمارات
الروسية، ونظراً لشعور روسيا بمسؤوليتها تجاه مواطنيها فإنها لا بد أن تقف مع
الاستقرار في المنطقة خصوصاً مع نظرة الخوف والشك في حال وصول
الإسلاميين إلى سدة الحكم في روسيا.
الدور الأمريكي:
كان الحضور الأمريكي في منطقة الجمهوريات مبكراً، ولقد افتتحت الولايات
المتحدة لها مقار دبلوماسية لمتابعة أوضاع الجمهوريات، ومراقبة الوضع الأمني
خصوصاً مع اختلال الموقف الروسي عند سقوط الاتحاد السوفيتي ومع بداية
الأحداث شاركت القوات الأمريكية بصفة سرية للغاية ومحدودة في معاونة الجبهة
الشعبية لإسقاط الائتلاف الإسلامي الديمقراطي، وبعد استقرار الأوضاع دعمت -
صراحة - نظام (دوشانبه) الشيوعي وأيدت - بإطلاق - التدخل الروسي. وقد
ذكرت مصادر إعلامية وجود وثيقة سرية بين روسيا وأمريكا تخول فيها الثانية
للأولى التحرك بحرية في الجمهوريات للتصدي للأصولية الإسلامية هناك. رغم
مأساة اللاجئين الذين يقاربون المليون، والضحايا الذين سقطوا وهم يعدون بعشرات
الألوف - فإن الإنسانية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص غائبة تماماً عن
الساحة ولم يُقَدَّم إلا الفتات من بعض المنظمات الصليبية.
كذلك لعبت أمريكا بالورقة الأفغانية وحركت عملاءها في المنطقة لدعم
الفوضى السياسية في ذلك البلد، وإشغال هذا النظام الإسلامي الوليد بنفسه كي لا
تصبح أفغانستان بالنسبة للطاجيك كباكستان سابقاً بالنسبة لأفغان وذلك خوفاً من
امتداد المارد الإسلامي إلى وسط آسيا.
موقف دول الجوار:
بالنسبة للجمهوريات الثلاث (أوزبكستان - تركمانستان - كازخستان) فالحكم
فيها للشيوعيين، أما (قوقيزيا) فيحكمها العلمانيون لكنهم جميعاً يقفون صفاً واحداً
أمام الحركة الأصولية الإسلامية - كما يسمونها - وقد دعموا جميعاً نظام دوشانبه
خوفاً من امتداد الأمر إلى جمهورياتهم ولعل أوزبكستان أكثر الدول دعماً لنظام
دوشانبة فلقد شاركت منذ الأيام الأولى في الأحداث عسكرياً ومادياً وبشرياً.
وبالنسبة لإيران الرافضية ذات الوجهين فإن موقفها المتخاذل يماثل موقفها من
شيوعي أفغانستان فهي فقط تدعم طائفتها وتجهزهم للمستقبل والموقف المعلن هو
العمل على عدم اتساع رقعة الحرب.
أما تركيا العلمانية فإنها أيضاً دعمت الشيوعيين واستخدمت ورقة الأوزبك
ذوي الأصول التركية ودفعتهم - وهم لا يحتاجون إلى دفع - لمواجهة الإسلاميين،
ومن جانب آخر أيدت الموقف الروسي وتدخله المباشر في شؤون هذه الجمهورية.
دور الأمم المتحدة:
منذ أزمة الخليج دخلت الأمم المتحدة طرفاً مباشراً في الأزمات العالمية لكن
مع غياب شبه كامل لاستقلاليتها في اتخاذ القرارات، بل أصبحت أحياناً كثيرة
طرفاً في الصراعات كما هو حالها في الصومال والبوسنة.
وفي طاجكستان كان موقف الأمم المتحدة متناسباً مع توجهاتها الحالية من
المسلمين وقضاياهم فوسيطهم المكلف بالقضية كان دوره مؤيداً للحكومة الطاجكية
الشيوعية، وبدلاً من أن يكون وسيطاً نزيهاً في الأزمة، رفض مقابلة مندوب
الجبهة الرئيسية للمعارضة (حزب النهضة) وذلك أثناء زيارته لباكستان وزار
مخيمات اللاجئين وطلب منهم العودة حالاً إلى ديارهم رغم معرفته بظروف هروبهم
وأسبابها، من جهة أخرى نجده يمتدح تلك الحكومة العميلة ويثني على مواقفها في
حل الأزمة! ! .
وضع المجاهدين الطاجيك:
بعد سيطرة الشيوعيين على الحكم في (دوشانبه) وإعدام الكثيرين من اتباع
حزب النهضة هربت البقية الباقية منهم إلى الجبال وإلى أفغانستان المجاورة والتي
يمثل الطاجيك فيها نسبة كبيرة من السكان وخصوصاً في الشمال.
وقد بدأ حزب النهضة بعد ذلك بتكوين قوات عسكرية لمواجهة النظام
الدكتاتوري في طاجكستان مستخدمين أفغانستان منطلقاً لتحركاتهم لأسباب كثيرة من
أهمها الدعم الذي حصلوا عليه من إخوانهم الأفغان، وللحدود الطويلة المشتركة
(أكثر من ألف كيلو متر) مع طاجكستان.
كانت البداية عمليات اختبار وجس نبض للوضع الأمني على الحدود والذي
يسيطر عليه الروس بشكل أساسي، ولقد كانت ردة الفعل الروسية عنيفة منذ الأيام
الأولى لمحاولات الاختراق، فلقد قصفت القوات الروسية تجمعات المجاهدين
واللاجئين في الطاجيك أفغانستان، فضلاً عن التهديد الحكومي الروسي بالرد القاسي
مستقبلاً إزاء أي محاولة اختراق للحدود، وفي الجملة لم تبدأ العمليات الجهادية
الفعلية حتى الآن نظراً للظروف الصعبة التي يعيشها المجاهدون وإمكاناتهم المادية
المحدودة. ومن التحديات التي قد تواجه المجاهدين مستقبلاً ولعل بوادرها ظهرت
الآن حيال وضع بدخشتان المنطقة الجبلية - ذات الاستقلال الذاتي - والمتاخمة
للحدود وذات المساحة الشاسعة (٤٥% من مساحة طاجكستان) والتي يقطنها
الإسماعيليون (الغلاة) - وإن كان عددهم محدوداً (١٨٠ ألف نسمة) - إلا أن
موقعهم الاستراتيجي بالنسبة للمجاهدين له حساسية فائقة فلقد شارك بعض منهم في
الوقوف أمام الحكومة وبالتالي هم مصنفون ضمن المعارضة لكن الحكومة تحاول
منذ مدة استمالتهم إلى جانبها وعرضت عليهم مشروعات لتطوير المنطقة، ولقد
ذكرت وسائل الإعلام استيلاءهم. على شاحنات للمجاهدين تحمل أدوية وأغذية إلى
إخوانهم في الداخل مما ينبئ بموقفهم الحقيقي حيث سيكونون شوكة في خاصرة
المجاهدين كما هو حال إخوانهم الرافضة في افغانستان.
مستقبل القضية:
لاشك أن من أسباب النصر كما بينها القرآن الكريم هو نصر المسلمين أنفسهم
لله أولاً [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ] وبذلهم الأسباب المادية ثانية [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] وانتصار المسلمين على أعدائهم ليس بغلبة المادة ولكن بتمسكهم
بالعقيدة الصحيحة واليقين بالله والالتزام بأوامره والانتهاء عن محارمه، أما
الشيوعيون فهم ساقطون لا محالة والزمن بإذن الله كفيل بهم، ولكن تعاضد أهل
الضلالة مع بعضهم يقوي شوكتهم ويطيل أمدهم.
والحكومة الشيوعية تعرف ضعفها وافتقارها للشعبية ولذلك تعتمد كلية على
الدعم الروسي والأوزبكي وقامت بعقد معاهدة أمنية مع روسيا في هذا العام، ورغم
محاولات الوساطة بين الرئيس رحمنوف والمعارضة (النهضة) إلا أن الرئيس
يرفضها ويتهم من يسميهم بالأصوليين بالإجرام والإرهاب وهو الوصف الذي
ينطبق عليه وعلى الجبهة الشعبية تماماً والذين أودوا بحياة عشرات الآلاف فضلاً
عن الجرحى وما يقارب المليون من المهاجرين، أما عن موقف المجاهدين،
فرئيس حزب النهضة من جانبه لا يعترف بالحكومة الحالية والتي نصبها الروس
والأوزبك وبالتالي فلا مجال - من وجهة نظره - للحوار معها.
***
الخاتمة
مع توالي الأحداث تبقى القضية الطاجكية مغيبة إعلامياً ولا تكاد تلمح إلا
إشارات قليلة هنا وهناك ورغم الوجود الإعلامي الغربي القوي في مناطق الأحداث
في العالم إلا أننا نرى إهمالاً إعلامياً متعمداً للقضية في وسائل الإعلام الغربية
والعربية من باب أولى؛ لأنها عالة على الوكالات الأجنبية. وفي الحقيقة تعتبر
القضية الطاجكية لعبة الدول الكبرى، وتجربة فريدة في مواجهة المد الأصولي
المزعوم. وفي مواجهة هذا الكيد تقوم حركة الجهاد بقيادة حزب النهضة الإسلامي
والذي يحمل إيجابية كبيرة- لعلها استفادت من التجربة الأفغانية- ألا وهي الوحدة،
فالتفرقة بين مجموعات الجهاد الأفغانية أدى إلى ضياع ثمرة الجهاد بعد سقوط الحكم
الشيوعي، وهناك مبشرات للجهاد الطاجيكي فقد سقطت قبل أيام مدينة طوس
(٢٠٠ كم عن العاصمة) بأيدي المجاهدين ولعل انشغال الروس بقضاياهم المحلية
ولو مؤقتاً يكون فرصة لاندفاعة قوية لذلك الجهاد الذي يحتاج إلى الدعم من كل
المسلمين خصوصاً في هذه الأيام الحرجة قبل دخول الشتاء حيث تصبح الأمور
صعبة جداً. فالبدار البدار لنجدة إخواننا في العقيدة والدين.
стр. 1577
محاضرات إسلامية
الصحوة الإسلامية وأزمة المثقفين في ديار الإسلام
(٢)
جمال سلطان
قدمنا في القسم الأول من هذه المحاضرة، الحديث عن أهم معالم
الإيجابية في الصحوة الإسلامية الجديدة، وهي أيضاً المعالم التي تكشف لنا أبعاداً من أزمة الثقافة في ديار الإسلام، تلك الثقافة التي تأسست في تاريخنا الحديث على فكر الاغتراب وأدب الاغتراب وقيم الاغتراب، وكانت في قسمها الأعظم - على عداء ظاهر أو مُستخف للإسلام، وتاريخه وشريعته وتراثه ورموزه. وهذه الحقائق التي أبرزناها في (حركة الثقافة) المعاصرة في ديار الإسلام، والتي تشرح لنا أسرار هذه اللوحة الساخرة من الأقوال والمواقف التي تصدر عن ثقافة العلمانية والاغتراب بكل تياراتها ومذاهبها، والتي نذكر منها بعض الشوارد على سبيل التمثيل للأزمة والتأسيس للقياس:
- طوال العقود الماضية، كانت الديمقراطية هي شعار الثقافة العلمانية، على
اختلاف مذاهبها، من أقصى اليسار (الماركسية) حتى أقصى اليمين (الليبرالية)
حتى إن أعتى منظري الديكتاتورية الناصرية وما شابهها، كانوا يرفعون شعار
الديمقراطية، وقد طغى هذا الشعار على الخطاب السياسي والفكري في السنوات
الأخيرة بشكل صارخ حتى وقعت واقعة الجزائر، وأجريت تجربة ديمقراطية حرة
نظمتها الحكومة، ورتبت دوائرها، واحتاطت لنفسها باعتقال قادة الإسلاميين
ومهدت لها بحملة إعلامية لتشويه صورتهم، ثم كانت النتيجة- كما نعلم - الفوز
الساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأعلن الشعب الجزائري المسلم بوضوح مذهل
وبحسم رائع، أنه لا يريد سوى هؤلاء يحكمونه ويقودون البلاد.
وهنا انقلبت تيارات الفكر العربي بزاوية مائة وثمانين درجة، لنرى دعاة
الديمقراطية بالأمس، ومن جعلوها ديناً، وقدساً مقدساً، أكثر الناس خوفاً منها،
وأول الدعاة للكفر بالديمقراطية، وأول المنادين بتأجيل (الخيار الديمقراطي) وما
ذلك إلا لأن (الإسلام) ومنهجه يوشك أن يحكم، وتحالف العلمانيون واليساريون
ودعاة التقدم، وتحرر المرأة، والليبراليون والقوميون والعرقيون تحالفوا مع
اللصوص والمفسدين والطغاة والجنرالات ومع الغرب الصليبي ليقفوا صفاً في وجه
الشعب وفي وجه الإسلام ودعاته ورجالاته، وأصبح الشعب الجزائري، بل
الشعوب العربية كلها: منذ ذلك الحين - متهمة في عقلها، وفي وعيها، وفي
قدرتها على الاختيار لا لشيء إلا لأنها اختارت الإسلام، ولم تختر الشيوعيين أو
اللصوص أو الملاحدة أو دعاة الفتنة العنصرية.
هذه الفضيحة التاريخية ما زالت أصداؤها تتردد، شاهدة على (خيانة) الثقافة
العلمانية والمغتربة للشعوب، ومجاملتها الصريحة للطغاة والمستبدين، بل كشفت
صراحة عن كون ثقافة العلمانية هي الحليف الطبيعي للاستبداد في بلاد المسلمين.
- الخلاف واضح - كما نعلم - بين الجبهة الإسلامية في السودان التي تدعم
الحكومة السودانية، وبين المعارضة السودانية علمانية وصليبية وشيوعية
وعنصرية وقد يكون محور الخلاف الأكبر الذي عبرت عنه المعارضة ذاتها، ربما
مغازلة للقوى الغربية المتوثبة على كل ما هو إسلامي، هو (تبني الحكومة
للمشروع الإسلامي) بغض النظر عن تفصيلات الأمر، ولا بأس من حيث
مقتضيات الخلاف السياسي بمفهومه العلماني في ذلك الخلاف والمعارضات، أما
الأمر الذي يخرج عن حدود الخلاف المشروع في أي ملة وأي مستوى ثقافي أو
حضاري، أن يتنادى مثقفون سودانيون وينادون بالتدخل الاستعماري في السودان
لإزالة الحكومة القائمة وإحلال المعارضة الوطنية (الشريفة) مكانها! ! لقد تحالف
المثقفون السودانيون العلمانيون والشيوعيون مع العنصري المرتزق - إسرائيلياً
وأمريكياً - جون قرنق بدعوى التحالف مع فصائل سودانية، فبأي منطق إذن
يتحالفون مع الصليبية العالمية والغرب الطافح حقداً على الإسلام والمسلمين، وهو
ما ينجلي الآن في البوسنة غيرها، ما معنى المشروعية في التحالف معه لضرب
أبناء وطني وديني بمن اختلف معهم، وبأي مسوغ أطالب بالقفز على كرسي الحكم
من فوق دبابات الاستعمار؟ ! .
- سمعنا- بلا شك - بالمأساة التي وقعت في تركيا مؤخراً، من ثورة غضب
شعبي عارم أدت إلى مقتل ما يقارب الأربعين شخصاً بخلاف الإصابات، وكان
سبب الموقعة أو (الفتنة) أن العلماني المخضرم (عزيز نسين) رأى أن ما يحيق
بالشعوب المسلمة أو المستضعفة ومنها الشعب التركي المسلم، ليس هو ما يحدث
في البلقان - منطقة الخطر الأولى تاريخياً على تركيا، وما يحدث في البوسنة
والصومال وأذربيجان وغيرها من ديار المسلمين، ولا هو الغارة العنصرية واسعة
النطاق التي تجتاح أوربا اليوم، ويروح ضحيتها- في ألمانيا خصوصاً- الأتراك
المسلمون.
المثقف المستنير (عزيز نسين) رأى أن ذلك كله (لعب صبيان) أما
الضرورة التاريخية الملحة، والمخرج من هذا الحصار الخطير، يكمن في ترجمة
رواية (آيات شيطانية) لسلمان رشدي، وعقد ندوات حولها فننعم بسب دين الله،
وتحقير مقدسات المسلمين، وسب الشعب التركي ذاته، وأخيراً إشعال فتنة
أزهقت فيها الأرواح ودمرت فيها البلاد. لقد رأى المثقف العلماني - بغباء أو
تغابي أن الطريق إلى النهضة وتحريك الأمة وصد غارات المستكبرين، ليس إلا
طريقاً واحداً أو بوابة واحدة، هي بوابة الشيطان وآياته.
- الشيء نفسه أو قريب منه قام ويقوم به العلمانيون والشيوعيون في مصر
الآن، حيث أصدر العلماني النصراني (غالي شكري) ملفاً كاملاً في مجلة (القاهرة) أه م مجلة ثقافية مصرية الآن، أرش مجهولون) رئاسة تحريرها إلى نصراني علماني مشبوه، تاريخه حافل بروائح العفن الصحفي والسياسي والفكري، من أول اشتغاله بمجلة (حوار) التي كشف النقاب عن تمويلها مباشرةً من
(المخابرات الأمريكية) ، الصحفي وليد أبو ظهر في (الوطن العربي) [*] هذا
المشبوه، دون غيره من مثقفي مصر، يوكل إليه رئاسة أخطر مجلة حكومية ثقافية والرجل كان عند الظن به، فأصدر ملفاً في المجلة، عن (التنوير) جعله كله للدفاع عن سلمان رشدي، وعن نظير له محلي، يُدعى (نصر أبو زيد) وحاول المشبوه أن يقنع أسياده بأنه - هو والنصراني العلماني - ينور الشباب المسلم ويجذبهم إلى (الاستنارة والعقلانية) بعيداً عن التطرف الإسلامي والأصوليين.
- التحالف الشيوعي العلماني في مصر، يتوسد الآن معظم المنافذ الإعلامية
والثقافية الرسمية، وفي زفة مواجهة التطرف الديني، وضعوا خطة (للتنوير) كان
قوامها إعادة طبع ونشر كتابات (السلف العلمانيين) التي كتبت منذ مائة عام أو
يزيد لقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي وأحمد لطفي السيد ورفاعة الطهطاوي
وعلي عبد الرازق وأيضاً (سلامة موسى) وكان الأمر ليس مثيراً للدهشة أن يوكل
أمر هداية الشباب المسلم إلى نصراني مصري فما بالك إذا كان من نمط سلامة
موسى، الذي يحمل كل احتقار ورفض لكل ما يمت إلى العرب والمسلمين بصلة؟
- في مصر الآن حركة غريبة ومفاجئة، بقدر ما هي مثيرة للفرح والبشر،
وتلك هي توبة نفر من الرموز الفنية الكبيرة والشهيرة - ولا سيما الفنانات -
ورفضهم التمثيل جملة وتفصيلاً، وإعلانهم البراءة من هذا الوسط المتعفن، والتزام
الفنانات منهن بالحجاب والطهر، واشتغال العديد منهم ومنهن بالدعوة إلى الله،
خاصة في أوساط الشرائح الاجتماعية المترفة وفي أوساط النساء، هذه الظاهرة
التي يفرح لها وبها كل مؤمن أثارت حقداً مريراً، وغيظاً طافحاً، في نفوس رموز
الثقافة العلمانية، ليس في مصر فقط، بل في أنحاء كثيرة من البلدان العربية، وقد
قاد التحالف (العلماني/الشيوعي) وأذناب الغرب، قادوا حملة تشويه بشعة ضد
هؤلاء التائبين وبخاصة التائبات، وقد روجوا إشاعات عديدة عنهن، منها
حصولهن على مبالغ مالية طائلة من بعض الأثرياء لكي يعتزلن الفن، ومنها الغمز
بأنهن مريضات وقد ضعفت نفوسهن أمام المرض، ومنها القول بأنهن تبن عن
(انحرافات شخصية) وليس عن التمثيل والوسط الفني، وكان الوسط الفني هو
المجال الطاهر والمطهر والنزيه الشريف الذي زاد طهراً ونقاء بخروج هؤلاء
المنحرفات عنه.
هذا بالرغم من أن رائحة العفن في هذا الوسط هي من الانتشار والذيوع إلى
الحد الذي يستحيل على عاقل إنكاره أو تجاهله، ولكن الثقافة العلمانية وأذناب
الغرب في ديارنا أَبوا إلا أن يقولوا ما قال المجرمون في الزمن القديم:
[أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] .
وعبثاً في هذا الخضم المظلم أن تسألهم عن الحرية الشخصية، وحقوق
الإنسان! .
- هذه الحادثة تذكرنا بما وقع في الأردن منذ أشهر قليلة، عندما هاج
العلمانيون وماجوا، وندبوا التحضر والاستنارة، لأن قراراً صدر بالفصل بين
الجنسين في حمامات السباحة حتى لا يرى الرجال والنساء بعضهم بعضاً عرايا،
واعتبروا ذلك ردة حضارية، وعودة إلى (القرون الوسطى) أي والله هكذا قالوا.
- هناك - أيضاً - قضية المجاهدين العرب في أفغانستان، وهي قصة من
أروع قصص الجهاد والبطولة في تاريخ العرب والمسلمين الحديث كله، فلما فتحت
ساحات الجهاد في أفغانستان، بعد أن سدّها (المغاوير) على حدود فلسطين،
واعتقلوا كل من تسول له نفسه المساس بأمن إسرائيل، لما فتحت ساحة الجهاد في
أفغانستان هرع الشباب المسلم من العرب وغير العرب يقاتلون في سبيل الله
ويدافعون عن أرض الإسلام، حتى منّ الله عليهم بالنصر المبين، والذي لا يقلل
من شأنه أبداً ما كان أو يكون بعد ذلك من خلاف وشقاق بين الأفغان أنفسهم. المهم
في القضية أن هؤلاء المجاهدين، في مجموعهم ساخطون على حكومات بلدانهم،
ومعارضون لسياساتها ونهجها، ومن جهة مقابلة، خافت بعض هذه الحكومات من
عودة هؤلاء المجاهدين، وقيامهم بأعمال عنف، وهم على كفاءة قتالية عالية،
فوقعت هذه الموجة العارمة من التحذير من هؤلاء (الأفغان) ، وركب العلمانيون
الموجة، وتوطنت ثقافة التخريب في جروح المجتمعات، لتعمق الجروح، وتعزز
الأوجاع، وتوسع نطاق الفتنة، إضافة إلى هذا الانحطاط العجيب في (الحديث عن
هؤلاء المجاهدين، بجعلهم عملاء لأمريكا، أو عملاء لباكستان أو مجرد مرتزقة،
وبعد أن كانت مثل هذه الشتائم وقفاً على الشيوعيين العرب العميل المعتمد للاتحاد
السوفيتي سابقاً، أصبح الأمر مشاعاً واجتذب سوق الشتائم السياسية ليبراليين
وقوميين ومحافظين وغيرهم.
إن الحقيقة التي سجلها التاريخ واعترافات الشرق والغرب بروعة هذه الملحمة
التي شهدتها أرض أفغانستان إنما تنطق بمعنى واحد لسياقنا الحالي وهو: أن شسع
نعل أحد هؤلاء المجاهدين العرب لو مسح بوجه علماني من هؤلاء الموتورين
لطهره، وما كنا لنتوقف عند هذه الترهات لثقافة العلمانية، لولا ضرورات السياق
لتسجيل مشاهد على أزمة المثقفين في ديار الإسلام.
- وأخيراً - نذكر- من مُلح مواقف وتصريحات المثقفين العلمانيين - ما
صرح به من سمي (الأمين العام لحزب التجمع الوحدوي التقدمي) المصري، وهو
أكاديمي ورمز شيوعي سابق تداولت الصحف اسمه في أعقاب فضيحة نشر وثائق
المخابرات السوفيتية فيما يتعلق بالرواتب التي كانت تدفعها الـ (كي جي بي)
للتقدميين المعروفين في العالم الثالث.
الرجل زار تونس منذ وقت ليس بالقصير، وقد أعلن عبر أجهزة الإعلام
التونسية أنه يطالب بجعل يوم تولي الرئيس (زين العابدين بن علي) للسلطة في
تونس (يوم عيد) ليس عيداً تونسياً وحسب، بل عيداً للعرب جميعاً.
وسبب ذلك أنه - في نظره - نجح في قمع الأصولية في بلاده! ..
стр. 1578
في دائرة الضوء
الأصالة والحداثة
قراءة في فكر د. زكي نجيب محمود
(١)
د.نعمان السامرائي
د. زكي نجيب محمود علم من أعلام العلمانية المعاصرة عرف بمنهجه القائم
على الفلسفة الوضعية المنطقية، التي تُهمش كل ما يتصل بعالم الغيب وعلى
ضوئها ألّف عدداً من الكتب من أشهرها: (خرافة الميتافيزيقا) وكان محل نقد كثير
من علماء مصر ومفكريها، لكنه بقي متمسكاً بمنهجه هذا وأعاد طبع كتابه دون
تغيير يذكر سوى تعديل العنوان إلى: (موقف من الميتافيزيقا) مع مقدمة تبريرية
جديدة. والحق يقال أنه بعد أن اطلع على التراث العربى تغير موقفه المهاجم إلى
موقف آخر أقل حدة، وأكثر مراوغة! ، وهذا ما وضّحه في كتابه: (تجديد الفكر
العربي المعاصر) الذي اعترف فيه بجهله بالتراث العربي ودعوته إلى الجمع بين
الأصالة والمعاصرة فالأصالة شكل والمعاصرة مضمون.
ويسرنا في هذه المجلة أن نقدم هذه الدراسة التقويمية لفكره بعد أن استغلت
وفاته من قبل الإعلام العلماني في تكريسه رمزا من رموز الفكر العرى المعاصر.
- البيان -
بعض الأفكار والاهتمامات تنقدح في الذهن ثم تختفي، والبعض يرسب في
أعماق النفس، بحيث تبقى (تلح) على صاحبها، وكأنها تذكر بنفسها ووجودها.
وأذكر- حتى هذا اليوم - تلك الساعات التي كنا نناقش فيها- ونحن في
مرحلة الدراسة المتوسطة- الأمم المتقدمة وغير المتقدمة، وحاولنا بسذاجة أن نحدد
(معايير) لذلك. ثم كرت الأعوام وكثرت وتنوعت الاهتمامات، ولكن موضوع
التقدم ومن هو المتقدم؟ لم أستطع دفعه، وقد حملني ذلك على قراءة كل بحث
أمكنني الوصول إليه، مستهدفاً التعرف على الموضوع، حتى تصورت في فترة
أن الجواب يمكن أن أجده في كتب التاريخ أو في (تفسير التاريخ) وحملني ذلك
على أن أكتب في هذا الميدان كتاباً، ثم تابعت ما يكتب عن التغير والتطور وعن
الثوابت وماهيتها.
الدكتور: زكي نجيب محمود ونظريته
قد قرأت أخيراً للدكتور زكي نجيب محمود، فوجدته يحمل هذا الاهتمام حتى
ليقول (١) ( ... إن قضية الجمع بين أصالتنا وضرورة معايشتنا لعصرنا، ربما
كانت أهم ما تعرضت له من اهتمامات بالتفكير وبالكتابة، ثم ما هو أكثر من ذلك، فقد أصبحت. على يقين من أن هذه المسألة هي أم المسائل الثقافية فيه جميعاً ...
إذ هي حقاً القضية التي يصح أن نقول حيالها قولة (هاملت) في أزمته النفسية:
أن أكون أو لا أكون ذلك هو السؤال) .
يعترف بعد ذلك الرجل بصراحة بأنه في أول حياته العلمية، وحتى أواسط
الستينات من القرن الميلادي، لا يرى في الحياة القومية (٢) (إلا صورة واحدة،
هي صورة الحياة كما يحياها من أبدعوا حضارة هذا العصر ... ) .
فقد اتخذ من حضارة الغرب مقياساً يقيس به شعوب الأرض قاطبة، فكل من
اقترب من الغرب وحضارته فهو متقدم، ومن ابتعد فهو متأخر (٣) (هكذا كان
الرأي عندي حتى لقد بلغت فيه حدوداً من التطرف، الذي لم يعرف لنفسه حيطة
وحذراً) . ثم يعقب على ذلك: بأن الأمر كان يبدو له وكأنه مجرد بدهية من
البدهيات، التي لا تحتاج حتى إلى البحث أو التأمل.
ثم يحاول طرح نظرية تزرع نوعاً من الوئام والسلام بين (الأصالة والحداثة)
وقد حمله هذا الاهتمام، لقراءة التراث، بعد أن وضع لنفسه منهجاً، وراح على
أساسه يقرأ التراث، وسيطرت عليه فكرة (التطور) سيطرة أفسدت عليه منهجه،
كما استحضر بعض قراءاته للفكر الاستشراقي الغربي، معتبراً بعض مقولاته
مسلّمات من مثل (٤) (إن الثقافة تراثنا هي ثقافة صدق المقولة فهو يحاول البحث
لها عما يسندها فيقول: (٥) (ثقافتنا الموروثة ثقافة مدارها (الكلمة) وثقافة عصرنا
مدارها (الجهاز) .... فبينما الكلمة الموروثة توحي إليه بشيء، تجئ (الأجهزة)
فتوصي إليه بنقيضه، وبين النقيضين يقع - أي الإنسان عندنا- فريسة سهلة) ثم
يردد مقولة المستشرقين ويضج أمامها (كيف) فيقول: (٦) (كيف غلبت النظرة
العلمية على اليونان والغرب كله بعدهم - وغلبت النزعة الصوفية على الشرق
الأقصى) ؟ .
ولكنه وهو يحاول وضع منهج سلام بين (الأصالة والحداثة) ، يقول بأن
الثقافة العربية كان لها القدرة على الجمع بين النظر العلمي والوجدان الصوفي.
أسئلة لتحديد المراد:
يطرح سؤالين حول الموقف الحضاري للأمة العربية اليوم هما: (٧)
١- ما هي أهم العناصر التي نعنيها حين نتحدث عن الشخصية العربية
(الأصلية) وأعتقد أنها (الأصيلة) ؟ .
٢- ما هي أهم العناصر التي تتألف منها بنية الثقافة العصرية؟ .
ويرى أن تحديد ذلك يساهم في صنع (المركب الواحد) وعن الشق الأول،
يرى أن هناك ذاتا إلهية خالقة، وعالم كائنات مخلوق لذات الله، وبينهما كائن ميزه
خالقه فجعله حاملى (أمانة) ذلك هو الإنسان، وهو (٨) (كائن خلقي بمعنى أنه
مكلف بأن يحقق في سلوكه قيمة أخلاقية محددة معينة، أُمليت عليه ولم تكن من
اختياره، فليس من حقه أن ينسخ بعضها، وأن يضيف إليها ما يناقضها) .
ثم يضيف الدكتور أن هذا (التكليف) الأخلاقي لا يكتمل معناه إلا بالمسؤولية، وهي أخلاقية وشخصية، فلا يحملها أحد عن أحد. (٩)
ثم يذكر أن الثقافات الأخرى لها مفاهيم مختلفة، فالبعض يرى الأخلاق
(واقعية) فما ثبت نفعه، التزمناه، وما ظهر ضرره تركناه، ونظراً لتبدل النفع
والضرر فإن المبادئ الأخلاقية (نسبية) وغير مطلقة، والبعض الآخر يرى أن
للإنسان مطلق الحرية أن يتخذ لنفسه ما يشاء من قرارات، بشرط واحد: هو أن
يكون مسؤولاً عن قراره، ولا أحد يمكنه أن يملي عليه مهما كان. ثم يقرر الدكتور
أن الوقفة العربية مختلفة عن كلا المذهبين.
لو أمسكنا بالقيم الثابتة الموضوعة لنا تعرضنا لخطر الجمود ولو سبحنا
أحراراً مع تيار الزمن وتغيراته، تعرضنا لانحلال الشخصية، وغاية ما أستطيع
قوله في هذا الصدد، هو أن قيمنا الأخلاقية الموروثة، فيها من السعة ما يمكننا من
التصرف قي إطارها بدرجة من الحرية، تكفي للحركة مع سرعة الإيقاع في
عصرنا. ومن مميزات الثقافة العربية كذلك تلك الرغبة الشديدة عند الإنسان في أن
يتسامى على دنيا الحوادث المتغيرة، لياذاً بما هو ثابت ودائم، فكل ما في الأرض
والسماء فان وزائل متغير أبداً يتحول أبداً، ففيم التمسك به، وهو عاجز عن
التماسك بذاته؟ أليس ثمة مرفأ بمأمن من أعاصير الفناء، والصيرورة والتغير
الدائب، من حال إلى حال؟ لنحتمي بمثل هذا المرفأ فنسلم....) ..
هذا الكلام وإن كان ظاهره جيد إلا أنه غير صاف تماماً من لونه المتطور ثم
إن الدكتور ينساه حين يتذكر التربية (العلمانية) والتعليم العلماني، الذي تغذاه منذ
صغره حتى كبره، ينسى كل ذلك حين يباشر الحديث عن (التقدم)
التقدم
يطرح الكاتب سؤالاً (١٠) (كيف ألتزمُ النظرة العلمية الصارمة، لأساير
عصري، وأن أظل مع ذلك تواقاً إلى غيب وراء الشهادة، يتحقق لي فيه الخلود
والدوام، لأظل محتفظاً بهذه السمة الغريبة في نظري؟) .
سؤال جيد، أحسب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد أجاب عنه حين قرر: أن لا
تعارض بين العقل والنقل، فإذا وجد التعارض أخذنا بالقطعي منهما.
بعد هذا تطغى على الدكتور النزعة والتربية العلمانية فيقول (١١) (إني
لأُرجح أن يكون الحل في أن نعيش في عالمين يتكاملان ولا يتعارضان، بشرط ألا
نسمع لأحدهما أن يتدخل في مجال الآخر) .
هذه هي العلمانية (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ولنقرأ كذلك (١٢) (بغير
هذا الفصل الحاد بين العالمين يستحيل علينا التوفيق بين علمية العصر، وصوفية
الأصل الموروث) .
أنا لا ألوم الدكتور فتربيته وتعليمه جاءت علمانية، وقد أفسدت عليه رؤاه،
كما أفسدت منهجه، وإذا كان الغرب - لأسباب خاصة - تبنى العلمانية؛ فلا يعني
ذلك وجوب أن نتبناها، ذلك أن الإسلام غير النصرانية الكنسية، والشروط
الموضوعية غير متوفرة عندنا، وليس هنا مجال بحث العلمانية، وبشروطها
الموضوعية.
التقدم، المبادئ، التغير، الفردية
بعد هذا يحاول الدكتور التعريف بثقافة العصر، فيرى من المفيد دراسة
(التقدم) ، (المبادئ) ، (التغير) ، (الفردية) ، والهدف بيان أبعادها في الفكر المعاصر.
ويهمنا بحثه في (التقدم) الذي يرى فيه أنه أبرز ما يميز العصر الحديث كله، ومنذ ثلاثة قرون وحتى اليوم (١٣) .
وخطورة البحث أنه جاء منحازاً كلياً، وجنح الكاتب إلى الوصف الأدبي،
فلنقرأ (١٤) (إنك لكي تتقدم من حالة إلى حالة، لابد أن تعد الحالة الأولى متخلفة
بالنسبة للحالة الثانية، فالنقلة لا تكون تقدماً إلا إذا كان وراء ذلك فرض هو أنها
نقلة مما هو أسوأ، إلى ما هو أفضل، لا مما هو حسن إلى ما هو حسن آخر،
فضلاً عن أن تكون نقلة من الأفضل إلى الأسوأ، ومعنى ذلك أن (الماضي) دائماً، وفي كل الظروف، أقل صلاحية من الحاضر، ذلك إن زعمنا أن الحضارة (تقدم)
وإلا فقدت هذه الكلمة معناها.
وههنا نضع أصابعنا على ركيزة أولى، لا محيص لنا عن قبولها إذا أردنا أن
نشرب بروح عصرنا، وهي أن نزيل عن الماضي كل ما نتوهمه له من عصمة
وكمال ... ) .
من اليونان إلى هيغل وماركس إلى د. زكي
الذي لا أشك فيه أن الدكتور زكي بحكم دراسته الفلسفة، قد اطلع على فكرة:
أن الحضارة في تقدم مطرد، حيث قال بذلك بعض فلاسفة اليونان، ثم جاء هيغل
فجعل منها نظرية، فسر بها تاريخ الإنسانية، حيث اعتبره (صراع متناقضات) ،
كما قال بأن كل عهد يأتي يكون أرقى من سابقه، والحضارة التالية يجب أن تكون
أرقى من سابقتها، بل إن أوجه الحضارة في رقي دائم لا سبيل إلى مقاومتها، وقد
نقلت الماركسية ذلك عن معلمها (هيغل) حرفياً وسلمت به - وإن لم تكف عن
شتمه -.
ولكنّ مؤرخاً مثل توينبي يقول (١٥) (لقد ارتقى علمنا فبلغ درجة لم يسبق أن
بلغها، ومع ذلك فقد انتكسنا في نفس الوقت في الحروب الطبقية والقومية
والعنصرية، إلى أعماق قد لا يكون سمع بها أحد قبلنا، وهذه المشاعر السيئة،
تجد لها متنفساً في أعماق القسوة الغليظة المصممة علمياً) .
لقد تحمس الدكتور زكي فاندفع يؤيد (نظرياته) بأقوى من المنادين بها.
- يتبع -
стр. 1579
منتدى القراء
تعقيب على مقال
د. محمد آمحزون
عادل بن عمر المقرن
المكرم مدير تحرير مجلة البيان - سدّده الله -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فهذا تعقيب بسيط على مقال الدكتور الفاضل محمد آمحزون في البيان ٦٦
تحت عنوان (الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العهد الأموي) ، ويرتكز على
أمرين هما:
- أولاً: ورد في الصفحة (٤٠) [فأول من تكلم في الإرجاء الحسن بن محمد
بن الحنفية الهاشمي المدني (ت سنة ٩٩ هـ) ... ] ، فيلزم التنبيه هنا- حتى لا يحدث
لبس أو سوء فهم - على أن الإرجاء الذي تكلم فيه الحسن بن محمد بن الحنفية ليس
الإرجاء المتعلق بالإيمان والذي يعيبه أهل السنة، وإنما هو إرجاء أمر المشتركين
في الفتنة بعد خلافة الشيخين ﵄ إلى الله . ويتضح لنا
ذلك من أن ابن حجر- ﵀ قد اطلّع على الكتاب الذي وضعه الحسن بن
محمد في الإرجاء، [فيقول ابن حجر: المراد بالإرجاء الذي تكلم فيه الحسن بن
محمد غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة: المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت
على كتاب محمد بن الحسن المذكور ... إلخ] [١]
فبالتالي الإرجاء المتعلق بالإيمان لم يعرّج عليه.
ثانياً: ورد في الصفحة (٤١) [الإرجاء الخاص بالصحابة....] .، والأحوط
حتى لا يحدث لبس في المعنى- فيظن ظان أن الصحابة رضوان الله عليهم قد وقع
بينهم الإرجاء- أن تكون العبارة " الإرجاء الخاص بأمر الصحابة " [٢] .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1580
ردود قصيرة
يسعدنا تواصل القراء مع مجلة البيان وتعقيباتهم وتنبيهاتهم لما ينشر في هذه
المجلة ويسرنا. الإجابة على بعض ما وردنا مؤخراً بما يلي:
١ - تنبيه: الأستاذ حمد بن إبراهيم الحريقي - الرياض - السعودية، ومما
ذكره من أن الحديث المذكور في حاشية الصفحة ٢٤ من العدد (٦٧) " إنك إن
تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم ". بأنه ليس كما أشير إليه في
صحيح البخاري وبعد مراجعتنا الحديث تبين لنا أن (الحديث أخرجه الإمام أحمد في
المسند ج ٦/ ٤ وعند أبي داود في الأدب / باب النهي عن التجسس / بلفظ (إذا
ابتغى الأمير الريبة في الناس أفسدهم) . ورواه البيهقي في شعب الايمان وورد في
مشكاة المصابيح بتحقيق العلامة الألباني رقم ٣٧٠٩. والبغوي في شرح السنة ١٣/
١٠٦ وكذلك في جامع الأصول ج/٤/٨٣ ونحن بدورنا نشكر الأخ الكريم.
٢- الأستاذ إبراهيم بن عبد الرحمن الخنفور اقتراحك جيد وقد أرسلت لك
رسالة خاصة.
٣- الأخت عفاف الدريهمي/ يسعدنا تقديرك للمجلة والقائمين عليها والمجلة لا
تنشر المختارات. وننتظر منك مشاركات قادمة إن شاء الله.
٤ - الأخوة الكرام/محمد سعيد الزهراني، أحمد السيف، زيد الرماني، أحمد
العجروش، عبد الله النمري، عزيزة النصار، محمد أبو عزام، مشاركتكم وصلت
وهي محل الدراسة.
٥- الأخت ذات النطاقين مشاركتك وصلت ويلزم ذكر الاسم الصريح ولا
مانع من النشر بالاسم الرمزي بعد ذلك. وسنتطرق للرسائل الأخرى في الاعداد
القادمة بأذن الله.