شؤون العالم الإسلامي
طاجكستان
تدخل النفق الأفغاني
د. مالك إبراهيم الأحمد
توطئة:
مع دخول العام الثاني لاستيلاء الشيوعيين على الحكم في طاجكستان، وما
رافق ذلك من مأساة إنسانية بالغة، تدخل القضية الطاجكية النفق الأفغاني، حيث
أصبحت أفغانستان منطلقاً للمجاهدين الطاجيك، ومكان استقبال لآلاف من اللاجئين، وقد وقعت الحكومة الأفغانية الوليدة في حرج بالغ يشبه وضع (باكستان) سابقاً،
مع اختلاف طفيف وهو أن القضية الأفغانية كانت تمثل سابقاً ساحة صراع بين
الأمريكان والسوفييت؛ مما تطلب دعماً أمريكياً غير مباشر للأفغان كي يقفوا أمام
المد الشيوعي، أما في القضية الطاجكية فالتخوف من المد الإسلامي في
الجمهوريات هو هاجس الغرب والشرق على السواء. ونعرض هنا إلمامة
بتطورات الأحداث الأخيرة ومواقف الفرقاء حولها.
الموقف الروسي:
تعتبر روسيا نفسها وريثة الاتحاد السوفيتي، وبالتالي فهي مسؤولة عن الدول
التي خرجت من المظلة السوفيتية، وعلى وجه الخصوص تلك الدول الفقيرة
والمتخلفة (الجمهوريات الإسلامية) ، وسبق للكثير من المسؤولين الروس الحديث
عن الأمن القومي الروسي، وارتباطه بأمن الجمهوريات الإسلامية، فمثلاً صرح
وزير الخارجية الروسي بقوله: «ظهرت بوادر عدم الاستقرار على طول الحدود
الروسية وبالتالي فإن صون السلام أصبح من مقومات أمن روسيا القومي واضطلاع
روسيا بمسؤوليتها الخاصة عن حفظ الاستقرار في أراضي الاتحاد السوفيتي
السابق ... » .
وبهذا المفهوم ينطلق التحرك الروسي بدءاً من الرئيس يلتسن بتصريحه
«ليعلم الجميع أن هذه الحدود- يقصد الطاجكية / الروسية- هي حدود روسية وليست طاجكية» .
ولقد أيده البرلمان رغم اختلافه في كثير من القضايا مع الرئيس يلتسن
والغريب أن الموقف الروسي واضح وصريح، بدءاً من التدخل المكشوف لإسقاط
الحكومة الائتلافية، ودعمه ثانياً للجبهة الشعبية الشيوعية حتى صعودها للحكم على
أشلاء المسلمين.
ويتحدث المسؤولون الروس عن القضية الطاجكية، وكأنها جزء لا يتجزأ من
روسيا، ويقول وزير الخارجية الروسي: «لا حوار مع المعارضة- الطاجكية- إلا
بالصواريخ» وكأنه يتحدث عن معارضة داخل روسيا - وللتدخل الروسي في
القضية الطاجكية مبررات لعل أهمها:
الخوف من الأفغنة:
فالتورط الروسي في أفغانستان سبب الكثير من المشكلات للروس، ولعلها من الأسباب الرئيسية لسقوط الاتحاد السوفيتي. وبالتالي فلا يريد الزعماء الروس أن تتحول طاجكستان إلى أفغانستان ثانية تكون مصدر قلاقل لهم مستقبلاً.
- الخوف من (المد الأصولي) لاشك أن الانبعاث الإسلامي في الجمهوريات
عموماً، وفي طاجكستان خصوصاً، يمثل تهديداً للنصرانية في الشمال وبالتالي فإن
قيام دولة إسلامية في طاجكستان سوف يشعل الفتيل في بقية الجمهوريات
وطاجكستان تمثل أضعف دولة في الجمهوريات، وفيها أقوى حركة إسلامية في
المنطقة، والمد الإسلامي لو استفحل في نظرهم قد يصل إلى روسيا نفسها حيث
يوجد فيها حوالي ٥٠مليون مسلم مما يهدد بتفكك وسقوط الاتحاد الروسي نفسه.
الجانب الاقتصادي والثقافي:
كان الوضع الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي سابقاً مرتباً بطريقة خبيثة جداً
فالجمهوريات الإسلامية عموماً مصدر المواد الخام والجمهوريات النصرانية مناطق
الصناعة والمدنية، ولقد امتص الكثير من خيرات هذه الجمهوريات لصالح روسيا
وجاراتها، وطاجكستان إحدى هذه الأمثلة فالبلد متخلف جداً من النواحي المدنية
والصناعية، إنما هي فقط مصدر للمواد الخام لروسيا ففيها اليورانيوم والفضة
بكميات كبيرة فضلاً عن المعادن الأخرى، والسيطرة الروسية العسكرية على
المنطقة تضمن لها استمرار بقاء هذا الشريان خصوصاً أن روسيا هي مصدر الطاقة
لهذه الجمهورية وغيرها من الجمهوريات، فهي بالتالي تمسك بتلابيبها، وتنظر
روسيا إلى هذه الجمهوريات على أساس أنها متخلفة وغير متحضرة ولا تحسن
الديمقراطية ونظراً لكون روسيا دولة متقدمة وديمقراطية فإنها تشعر - كما تزعم -
بمسؤوليتها الأدبية تجاه هذه الجمهوريات.
الوجود الروسي:
يعيش في الجمهوريات الإسلامية- ومنها طاجكستان: ما يقرب من ٣٠ مليون
روسي يسيطرون على الإدارة والصناعة والتجارة ويعملون في الاستسمارات
الروسية، ونظراً لشعور روسيا بمسؤوليتها تجاه مواطنيها فإنها لا بد أن تقف مع
الاستقرار في المنطقة خصوصاً مع نظرة الخوف والشك في حال وصول
الإسلاميين إلى سدة الحكم في روسيا.
الدور الأمريكي:
كان الحضور الأمريكي في منطقة الجمهوريات مبكراً، ولقد افتتحت الولايات
المتحدة لها مقار دبلوماسية لمتابعة أوضاع الجمهوريات، ومراقبة الوضع الأمني
خصوصاً مع اختلال الموقف الروسي عند سقوط الاتحاد السوفيتي ومع بداية
الأحداث شاركت القوات الأمريكية بصفة سرية للغاية ومحدودة في معاونة الجبهة
الشعبية لإسقاط الائتلاف الإسلامي الديمقراطي، وبعد استقرار الأوضاع دعمت -
صراحة - نظام (دوشانبه) الشيوعي وأيدت - بإطلاق - التدخل الروسي. وقد
ذكرت مصادر إعلامية وجود وثيقة سرية بين روسيا وأمريكا تخول فيها الثانية
للأولى التحرك بحرية في الجمهوريات للتصدي للأصولية الإسلامية هناك. رغم
مأساة اللاجئين الذين يقاربون المليون، والضحايا الذين سقطوا وهم يعدون بعشرات
الألوف - فإن الإنسانية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص غائبة تماماً عن
الساحة ولم يُقَدَّم إلا الفتات من بعض المنظمات الصليبية.
كذلك لعبت أمريكا بالورقة الأفغانية وحركت عملاءها في المنطقة لدعم
الفوضى السياسية في ذلك البلد، وإشغال هذا النظام الإسلامي الوليد بنفسه كي لا
تصبح أفغانستان بالنسبة للطاجيك كباكستان سابقاً بالنسبة لأفغان وذلك خوفاً من
امتداد المارد الإسلامي إلى وسط آسيا.
موقف دول الجوار:
بالنسبة للجمهوريات الثلاث (أوزبكستان - تركمانستان - كازخستان) فالحكم
فيها للشيوعيين، أما (قوقيزيا) فيحكمها العلمانيون لكنهم جميعاً يقفون صفاً واحداً
أمام الحركة الأصولية الإسلامية - كما يسمونها - وقد دعموا جميعاً نظام دوشانبه
خوفاً من امتداد الأمر إلى جمهورياتهم ولعل أوزبكستان أكثر الدول دعماً لنظام
دوشانبة فلقد شاركت منذ الأيام الأولى في الأحداث عسكرياً ومادياً وبشرياً.
وبالنسبة لإيران الرافضية ذات الوجهين فإن موقفها المتخاذل يماثل موقفها من
شيوعي أفغانستان فهي فقط تدعم طائفتها وتجهزهم للمستقبل والموقف المعلن هو
العمل على عدم اتساع رقعة الحرب.
أما تركيا العلمانية فإنها أيضاً دعمت الشيوعيين واستخدمت ورقة الأوزبك
ذوي الأصول التركية ودفعتهم - وهم لا يحتاجون إلى دفع - لمواجهة الإسلاميين،
ومن جانب آخر أيدت الموقف الروسي وتدخله المباشر في شؤون هذه الجمهورية.
دور الأمم المتحدة:
منذ أزمة الخليج دخلت الأمم المتحدة طرفاً مباشراً في الأزمات العالمية لكن
مع غياب شبه كامل لاستقلاليتها في اتخاذ القرارات، بل أصبحت أحياناً كثيرة
طرفاً في الصراعات كما هو حالها في الصومال والبوسنة.
وفي طاجكستان كان موقف الأمم المتحدة متناسباً مع توجهاتها الحالية من
المسلمين وقضاياهم فوسيطهم المكلف بالقضية كان دوره مؤيداً للحكومة الطاجكية
الشيوعية، وبدلاً من أن يكون وسيطاً نزيهاً في الأزمة، رفض مقابلة مندوب
الجبهة الرئيسية للمعارضة (حزب النهضة) وذلك أثناء زيارته لباكستان وزار
مخيمات اللاجئين وطلب منهم العودة حالاً إلى ديارهم رغم معرفته بظروف هروبهم
وأسبابها، من جهة أخرى نجده يمتدح تلك الحكومة العميلة ويثني على مواقفها في
حل الأزمة! ! .
وضع المجاهدين الطاجيك:
بعد سيطرة الشيوعيين على الحكم في (دوشانبه) وإعدام الكثيرين من اتباع
حزب النهضة هربت البقية الباقية منهم إلى الجبال وإلى أفغانستان المجاورة والتي
يمثل الطاجيك فيها نسبة كبيرة من السكان وخصوصاً في الشمال.
وقد بدأ حزب النهضة بعد ذلك بتكوين قوات عسكرية لمواجهة النظام
الدكتاتوري في طاجكستان مستخدمين أفغانستان منطلقاً لتحركاتهم لأسباب كثيرة من
أهمها الدعم الذي حصلوا عليه من إخوانهم الأفغان، وللحدود الطويلة المشتركة
(أكثر من ألف كيلو متر) مع طاجكستان.
كانت البداية عمليات اختبار وجس نبض للوضع الأمني على الحدود والذي
يسيطر عليه الروس بشكل أساسي، ولقد كانت ردة الفعل الروسية عنيفة منذ الأيام
الأولى لمحاولات الاختراق، فلقد قصفت القوات الروسية تجمعات المجاهدين
واللاجئين في الطاجيك أفغانستان، فضلاً عن التهديد الحكومي الروسي بالرد القاسي
مستقبلاً إزاء أي محاولة اختراق للحدود، وفي الجملة لم تبدأ العمليات الجهادية
الفعلية حتى الآن نظراً للظروف الصعبة التي يعيشها المجاهدون وإمكاناتهم المادية
المحدودة. ومن التحديات التي قد تواجه المجاهدين مستقبلاً ولعل بوادرها ظهرت
الآن حيال وضع بدخشتان المنطقة الجبلية - ذات الاستقلال الذاتي - والمتاخمة
للحدود وذات المساحة الشاسعة (٤٥% من مساحة طاجكستان) والتي يقطنها
الإسماعيليون (الغلاة) - وإن كان عددهم محدوداً (١٨٠ ألف نسمة) - إلا أن
موقعهم الاستراتيجي بالنسبة للمجاهدين له حساسية فائقة فلقد شارك بعض منهم في
الوقوف أمام الحكومة وبالتالي هم مصنفون ضمن المعارضة لكن الحكومة تحاول
منذ مدة استمالتهم إلى جانبها وعرضت عليهم مشروعات لتطوير المنطقة، ولقد
ذكرت وسائل الإعلام استيلاءهم. على شاحنات للمجاهدين تحمل أدوية وأغذية إلى
إخوانهم في الداخل مما ينبئ بموقفهم الحقيقي حيث سيكونون شوكة في خاصرة
المجاهدين كما هو حال إخوانهم الرافضة في افغانستان.
مستقبل القضية:
لاشك أن من أسباب النصر كما بينها القرآن الكريم هو نصر المسلمين أنفسهم
لله أولاً [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ] وبذلهم الأسباب المادية ثانية [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] وانتصار المسلمين على أعدائهم ليس بغلبة المادة ولكن بتمسكهم
بالعقيدة الصحيحة واليقين بالله والالتزام بأوامره والانتهاء عن محارمه، أما
الشيوعيون فهم ساقطون لا محالة والزمن بإذن الله كفيل بهم، ولكن تعاضد أهل
الضلالة مع بعضهم يقوي شوكتهم ويطيل أمدهم.
والحكومة الشيوعية تعرف ضعفها وافتقارها للشعبية ولذلك تعتمد كلية على
الدعم الروسي والأوزبكي وقامت بعقد معاهدة أمنية مع روسيا في هذا العام، ورغم
محاولات الوساطة بين الرئيس رحمنوف والمعارضة (النهضة) إلا أن الرئيس
يرفضها ويتهم من يسميهم بالأصوليين بالإجرام والإرهاب وهو الوصف الذي
ينطبق عليه وعلى الجبهة الشعبية تماماً والذين أودوا بحياة عشرات الآلاف فضلاً
عن الجرحى وما يقارب المليون من المهاجرين، أما عن موقف المجاهدين،
فرئيس حزب النهضة من جانبه لا يعترف بالحكومة الحالية والتي نصبها الروس
والأوزبك وبالتالي فلا مجال - من وجهة نظره - للحوار معها.
***
الخاتمة
مع توالي الأحداث تبقى القضية الطاجكية مغيبة إعلامياً ولا تكاد تلمح إلا
إشارات قليلة هنا وهناك ورغم الوجود الإعلامي الغربي القوي في مناطق الأحداث
في العالم إلا أننا نرى إهمالاً إعلامياً متعمداً للقضية في وسائل الإعلام الغربية
والعربية من باب أولى؛ لأنها عالة على الوكالات الأجنبية. وفي الحقيقة تعتبر
القضية الطاجكية لعبة الدول الكبرى، وتجربة فريدة في مواجهة المد الأصولي
المزعوم. وفي مواجهة هذا الكيد تقوم حركة الجهاد بقيادة حزب النهضة الإسلامي
والذي يحمل إيجابية كبيرة- لعلها استفادت من التجربة الأفغانية- ألا وهي الوحدة،
فالتفرقة بين مجموعات الجهاد الأفغانية أدى إلى ضياع ثمرة الجهاد بعد سقوط الحكم
الشيوعي، وهناك مبشرات للجهاد الطاجيكي فقد سقطت قبل أيام مدينة طوس
(٢٠٠ كم عن العاصمة) بأيدي المجاهدين ولعل انشغال الروس بقضاياهم المحلية
ولو مؤقتاً يكون فرصة لاندفاعة قوية لذلك الجهاد الذي يحتاج إلى الدعم من كل
المسلمين خصوصاً في هذه الأيام الحرجة قبل دخول الشتاء حيث تصبح الأمور
صعبة جداً. فالبدار البدار لنجدة إخواننا في العقيدة والدين.
стр. 1577
محاضرات إسلامية
الصحوة الإسلامية وأزمة المثقفين في ديار الإسلام
(٢)
جمال سلطان
قدمنا في القسم الأول من هذه المحاضرة، الحديث عن أهم معالم
الإيجابية في الصحوة الإسلامية الجديدة، وهي أيضاً المعالم التي تكشف لنا أبعاداً من أزمة الثقافة في ديار الإسلام، تلك الثقافة التي تأسست في تاريخنا الحديث على فكر الاغتراب وأدب الاغتراب وقيم الاغتراب، وكانت في قسمها الأعظم - على عداء ظاهر أو مُستخف للإسلام، وتاريخه وشريعته وتراثه ورموزه. وهذه الحقائق التي أبرزناها في (حركة الثقافة) المعاصرة في ديار الإسلام، والتي تشرح لنا أسرار هذه اللوحة الساخرة من الأقوال والمواقف التي تصدر عن ثقافة العلمانية والاغتراب بكل تياراتها ومذاهبها، والتي نذكر منها بعض الشوارد على سبيل التمثيل للأزمة والتأسيس للقياس:
- طوال العقود الماضية، كانت الديمقراطية هي شعار الثقافة العلمانية، على
اختلاف مذاهبها، من أقصى اليسار (الماركسية) حتى أقصى اليمين (الليبرالية)
حتى إن أعتى منظري الديكتاتورية الناصرية وما شابهها، كانوا يرفعون شعار
الديمقراطية، وقد طغى هذا الشعار على الخطاب السياسي والفكري في السنوات
الأخيرة بشكل صارخ حتى وقعت واقعة الجزائر، وأجريت تجربة ديمقراطية حرة
نظمتها الحكومة، ورتبت دوائرها، واحتاطت لنفسها باعتقال قادة الإسلاميين
ومهدت لها بحملة إعلامية لتشويه صورتهم، ثم كانت النتيجة- كما نعلم - الفوز
الساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأعلن الشعب الجزائري المسلم بوضوح مذهل
وبحسم رائع، أنه لا يريد سوى هؤلاء يحكمونه ويقودون البلاد.
وهنا انقلبت تيارات الفكر العربي بزاوية مائة وثمانين درجة، لنرى دعاة
الديمقراطية بالأمس، ومن جعلوها ديناً، وقدساً مقدساً، أكثر الناس خوفاً منها،
وأول الدعاة للكفر بالديمقراطية، وأول المنادين بتأجيل (الخيار الديمقراطي) وما
ذلك إلا لأن (الإسلام) ومنهجه يوشك أن يحكم، وتحالف العلمانيون واليساريون
ودعاة التقدم، وتحرر المرأة، والليبراليون والقوميون والعرقيون تحالفوا مع
اللصوص والمفسدين والطغاة والجنرالات ومع الغرب الصليبي ليقفوا صفاً في وجه
الشعب وفي وجه الإسلام ودعاته ورجالاته، وأصبح الشعب الجزائري، بل
الشعوب العربية كلها: منذ ذلك الحين - متهمة في عقلها، وفي وعيها، وفي
قدرتها على الاختيار لا لشيء إلا لأنها اختارت الإسلام، ولم تختر الشيوعيين أو
اللصوص أو الملاحدة أو دعاة الفتنة العنصرية.
هذه الفضيحة التاريخية ما زالت أصداؤها تتردد، شاهدة على (خيانة) الثقافة
العلمانية والمغتربة للشعوب، ومجاملتها الصريحة للطغاة والمستبدين، بل كشفت
صراحة عن كون ثقافة العلمانية هي الحليف الطبيعي للاستبداد في بلاد المسلمين.
- الخلاف واضح - كما نعلم - بين الجبهة الإسلامية في السودان التي تدعم
الحكومة السودانية، وبين المعارضة السودانية علمانية وصليبية وشيوعية
وعنصرية وقد يكون محور الخلاف الأكبر الذي عبرت عنه المعارضة ذاتها، ربما
مغازلة للقوى الغربية المتوثبة على كل ما هو إسلامي، هو (تبني الحكومة
للمشروع الإسلامي) بغض النظر عن تفصيلات الأمر، ولا بأس من حيث
مقتضيات الخلاف السياسي بمفهومه العلماني في ذلك الخلاف والمعارضات، أما
الأمر الذي يخرج عن حدود الخلاف المشروع في أي ملة وأي مستوى ثقافي أو
حضاري، أن يتنادى مثقفون سودانيون وينادون بالتدخل الاستعماري في السودان
لإزالة الحكومة القائمة وإحلال المعارضة الوطنية (الشريفة) مكانها! ! لقد تحالف
المثقفون السودانيون العلمانيون والشيوعيون مع العنصري المرتزق - إسرائيلياً
وأمريكياً - جون قرنق بدعوى التحالف مع فصائل سودانية، فبأي منطق إذن
يتحالفون مع الصليبية العالمية والغرب الطافح حقداً على الإسلام والمسلمين، وهو
ما ينجلي الآن في البوسنة غيرها، ما معنى المشروعية في التحالف معه لضرب
أبناء وطني وديني بمن اختلف معهم، وبأي مسوغ أطالب بالقفز على كرسي الحكم
من فوق دبابات الاستعمار؟ ! .
- سمعنا- بلا شك - بالمأساة التي وقعت في تركيا مؤخراً، من ثورة غضب
شعبي عارم أدت إلى مقتل ما يقارب الأربعين شخصاً بخلاف الإصابات، وكان
سبب الموقعة أو (الفتنة) أن العلماني المخضرم (عزيز نسين) رأى أن ما يحيق
بالشعوب المسلمة أو المستضعفة ومنها الشعب التركي المسلم، ليس هو ما يحدث
في البلقان - منطقة الخطر الأولى تاريخياً على تركيا، وما يحدث في البوسنة
والصومال وأذربيجان وغيرها من ديار المسلمين، ولا هو الغارة العنصرية واسعة
النطاق التي تجتاح أوربا اليوم، ويروح ضحيتها- في ألمانيا خصوصاً- الأتراك
المسلمون.
المثقف المستنير (عزيز نسين) رأى أن ذلك كله (لعب صبيان) أما
الضرورة التاريخية الملحة، والمخرج من هذا الحصار الخطير، يكمن في ترجمة
رواية (آيات شيطانية) لسلمان رشدي، وعقد ندوات حولها فننعم بسب دين الله،
وتحقير مقدسات المسلمين، وسب الشعب التركي ذاته، وأخيراً إشعال فتنة
أزهقت فيها الأرواح ودمرت فيها البلاد. لقد رأى المثقف العلماني - بغباء أو
تغابي أن الطريق إلى النهضة وتحريك الأمة وصد غارات المستكبرين، ليس إلا
طريقاً واحداً أو بوابة واحدة، هي بوابة الشيطان وآياته.
- الشيء نفسه أو قريب منه قام ويقوم به العلمانيون والشيوعيون في مصر
الآن، حيث أصدر العلماني النصراني (غالي شكري) ملفاً كاملاً في مجلة (القاهرة) أه م مجلة ثقافية مصرية الآن، أرش مجهولون) رئاسة تحريرها إلى نصراني علماني مشبوه، تاريخه حافل بروائح العفن الصحفي والسياسي والفكري، من أول اشتغاله بمجلة (حوار) التي كشف النقاب عن تمويلها مباشرةً من
(المخابرات الأمريكية) ، الصحفي وليد أبو ظهر في (الوطن العربي) [*] هذا
المشبوه، دون غيره من مثقفي مصر، يوكل إليه رئاسة أخطر مجلة حكومية ثقافية والرجل كان عند الظن به، فأصدر ملفاً في المجلة، عن (التنوير) جعله كله للدفاع عن سلمان رشدي، وعن نظير له محلي، يُدعى (نصر أبو زيد) وحاول المشبوه أن يقنع أسياده بأنه - هو والنصراني العلماني - ينور الشباب المسلم ويجذبهم إلى (الاستنارة والعقلانية) بعيداً عن التطرف الإسلامي والأصوليين.
- التحالف الشيوعي العلماني في مصر، يتوسد الآن معظم المنافذ الإعلامية
والثقافية الرسمية، وفي زفة مواجهة التطرف الديني، وضعوا خطة (للتنوير) كان
قوامها إعادة طبع ونشر كتابات (السلف العلمانيين) التي كتبت منذ مائة عام أو
يزيد لقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي وأحمد لطفي السيد ورفاعة الطهطاوي
وعلي عبد الرازق وأيضاً (سلامة موسى) وكان الأمر ليس مثيراً للدهشة أن يوكل
أمر هداية الشباب المسلم إلى نصراني مصري فما بالك إذا كان من نمط سلامة
موسى، الذي يحمل كل احتقار ورفض لكل ما يمت إلى العرب والمسلمين بصلة؟
- في مصر الآن حركة غريبة ومفاجئة، بقدر ما هي مثيرة للفرح والبشر،
وتلك هي توبة نفر من الرموز الفنية الكبيرة والشهيرة - ولا سيما الفنانات -
ورفضهم التمثيل جملة وتفصيلاً، وإعلانهم البراءة من هذا الوسط المتعفن، والتزام
الفنانات منهن بالحجاب والطهر، واشتغال العديد منهم ومنهن بالدعوة إلى الله،
خاصة في أوساط الشرائح الاجتماعية المترفة وفي أوساط النساء، هذه الظاهرة
التي يفرح لها وبها كل مؤمن أثارت حقداً مريراً، وغيظاً طافحاً، في نفوس رموز
الثقافة العلمانية، ليس في مصر فقط، بل في أنحاء كثيرة من البلدان العربية، وقد
قاد التحالف (العلماني/الشيوعي) وأذناب الغرب، قادوا حملة تشويه بشعة ضد
هؤلاء التائبين وبخاصة التائبات، وقد روجوا إشاعات عديدة عنهن، منها
حصولهن على مبالغ مالية طائلة من بعض الأثرياء لكي يعتزلن الفن، ومنها الغمز
بأنهن مريضات وقد ضعفت نفوسهن أمام المرض، ومنها القول بأنهن تبن عن
(انحرافات شخصية) وليس عن التمثيل والوسط الفني، وكان الوسط الفني هو
المجال الطاهر والمطهر والنزيه الشريف الذي زاد طهراً ونقاء بخروج هؤلاء
المنحرفات عنه.
هذا بالرغم من أن رائحة العفن في هذا الوسط هي من الانتشار والذيوع إلى
الحد الذي يستحيل على عاقل إنكاره أو تجاهله، ولكن الثقافة العلمانية وأذناب
الغرب في ديارنا أَبوا إلا أن يقولوا ما قال المجرمون في الزمن القديم:
[أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] .
وعبثاً في هذا الخضم المظلم أن تسألهم عن الحرية الشخصية، وحقوق
الإنسان! .
- هذه الحادثة تذكرنا بما وقع في الأردن منذ أشهر قليلة، عندما هاج
العلمانيون وماجوا، وندبوا التحضر والاستنارة، لأن قراراً صدر بالفصل بين
الجنسين في حمامات السباحة حتى لا يرى الرجال والنساء بعضهم بعضاً عرايا،
واعتبروا ذلك ردة حضارية، وعودة إلى (القرون الوسطى) أي والله هكذا قالوا.
- هناك - أيضاً - قضية المجاهدين العرب في أفغانستان، وهي قصة من
أروع قصص الجهاد والبطولة في تاريخ العرب والمسلمين الحديث كله، فلما فتحت
ساحات الجهاد في أفغانستان، بعد أن سدّها (المغاوير) على حدود فلسطين،
واعتقلوا كل من تسول له نفسه المساس بأمن إسرائيل، لما فتحت ساحة الجهاد في
أفغانستان هرع الشباب المسلم من العرب وغير العرب يقاتلون في سبيل الله
ويدافعون عن أرض الإسلام، حتى منّ الله عليهم بالنصر المبين، والذي لا يقلل
من شأنه أبداً ما كان أو يكون بعد ذلك من خلاف وشقاق بين الأفغان أنفسهم. المهم
في القضية أن هؤلاء المجاهدين، في مجموعهم ساخطون على حكومات بلدانهم،
ومعارضون لسياساتها ونهجها، ومن جهة مقابلة، خافت بعض هذه الحكومات من
عودة هؤلاء المجاهدين، وقيامهم بأعمال عنف، وهم على كفاءة قتالية عالية،
فوقعت هذه الموجة العارمة من التحذير من هؤلاء (الأفغان) ، وركب العلمانيون
الموجة، وتوطنت ثقافة التخريب في جروح المجتمعات، لتعمق الجروح، وتعزز
الأوجاع، وتوسع نطاق الفتنة، إضافة إلى هذا الانحطاط العجيب في (الحديث عن
هؤلاء المجاهدين، بجعلهم عملاء لأمريكا، أو عملاء لباكستان أو مجرد مرتزقة،
وبعد أن كانت مثل هذه الشتائم وقفاً على الشيوعيين العرب العميل المعتمد للاتحاد
السوفيتي سابقاً، أصبح الأمر مشاعاً واجتذب سوق الشتائم السياسية ليبراليين
وقوميين ومحافظين وغيرهم.
إن الحقيقة التي سجلها التاريخ واعترافات الشرق والغرب بروعة هذه الملحمة
التي شهدتها أرض أفغانستان إنما تنطق بمعنى واحد لسياقنا الحالي وهو: أن شسع
نعل أحد هؤلاء المجاهدين العرب لو مسح بوجه علماني من هؤلاء الموتورين
لطهره، وما كنا لنتوقف عند هذه الترهات لثقافة العلمانية، لولا ضرورات السياق
لتسجيل مشاهد على أزمة المثقفين في ديار الإسلام.
- وأخيراً - نذكر- من مُلح مواقف وتصريحات المثقفين العلمانيين - ما
صرح به من سمي (الأمين العام لحزب التجمع الوحدوي التقدمي) المصري، وهو
أكاديمي ورمز شيوعي سابق تداولت الصحف اسمه في أعقاب فضيحة نشر وثائق
المخابرات السوفيتية فيما يتعلق بالرواتب التي كانت تدفعها الـ (كي جي بي)
للتقدميين المعروفين في العالم الثالث.
الرجل زار تونس منذ وقت ليس بالقصير، وقد أعلن عبر أجهزة الإعلام
التونسية أنه يطالب بجعل يوم تولي الرئيس (زين العابدين بن علي) للسلطة في
تونس (يوم عيد) ليس عيداً تونسياً وحسب، بل عيداً للعرب جميعاً.
وسبب ذلك أنه - في نظره - نجح في قمع الأصولية في بلاده! ..
стр. 1578
في دائرة الضوء
الأصالة والحداثة
قراءة في فكر د. زكي نجيب محمود
(١)
د.نعمان السامرائي
د. زكي نجيب محمود علم من أعلام العلمانية المعاصرة عرف بمنهجه القائم
على الفلسفة الوضعية المنطقية، التي تُهمش كل ما يتصل بعالم الغيب وعلى
ضوئها ألّف عدداً من الكتب من أشهرها: (خرافة الميتافيزيقا) وكان محل نقد كثير
من علماء مصر ومفكريها، لكنه بقي متمسكاً بمنهجه هذا وأعاد طبع كتابه دون
تغيير يذكر سوى تعديل العنوان إلى: (موقف من الميتافيزيقا) مع مقدمة تبريرية
جديدة. والحق يقال أنه بعد أن اطلع على التراث العربى تغير موقفه المهاجم إلى
موقف آخر أقل حدة، وأكثر مراوغة! ، وهذا ما وضّحه في كتابه: (تجديد الفكر
العربي المعاصر) الذي اعترف فيه بجهله بالتراث العربي ودعوته إلى الجمع بين
الأصالة والمعاصرة فالأصالة شكل والمعاصرة مضمون.
ويسرنا في هذه المجلة أن نقدم هذه الدراسة التقويمية لفكره بعد أن استغلت
وفاته من قبل الإعلام العلماني في تكريسه رمزا من رموز الفكر العرى المعاصر.
- البيان -
بعض الأفكار والاهتمامات تنقدح في الذهن ثم تختفي، والبعض يرسب في
أعماق النفس، بحيث تبقى (تلح) على صاحبها، وكأنها تذكر بنفسها ووجودها.
وأذكر- حتى هذا اليوم - تلك الساعات التي كنا نناقش فيها- ونحن في
مرحلة الدراسة المتوسطة- الأمم المتقدمة وغير المتقدمة، وحاولنا بسذاجة أن نحدد
(معايير) لذلك. ثم كرت الأعوام وكثرت وتنوعت الاهتمامات، ولكن موضوع
التقدم ومن هو المتقدم؟ لم أستطع دفعه، وقد حملني ذلك على قراءة كل بحث
أمكنني الوصول إليه، مستهدفاً التعرف على الموضوع، حتى تصورت في فترة
أن الجواب يمكن أن أجده في كتب التاريخ أو في (تفسير التاريخ) وحملني ذلك
على أن أكتب في هذا الميدان كتاباً، ثم تابعت ما يكتب عن التغير والتطور وعن
الثوابت وماهيتها.
الدكتور: زكي نجيب محمود ونظريته
قد قرأت أخيراً للدكتور زكي نجيب محمود، فوجدته يحمل هذا الاهتمام حتى
ليقول (١) ( ... إن قضية الجمع بين أصالتنا وضرورة معايشتنا لعصرنا، ربما
كانت أهم ما تعرضت له من اهتمامات بالتفكير وبالكتابة، ثم ما هو أكثر من ذلك، فقد أصبحت. على يقين من أن هذه المسألة هي أم المسائل الثقافية فيه جميعاً ...
إذ هي حقاً القضية التي يصح أن نقول حيالها قولة (هاملت) في أزمته النفسية:
أن أكون أو لا أكون ذلك هو السؤال) .
يعترف بعد ذلك الرجل بصراحة بأنه في أول حياته العلمية، وحتى أواسط
الستينات من القرن الميلادي، لا يرى في الحياة القومية (٢) (إلا صورة واحدة،
هي صورة الحياة كما يحياها من أبدعوا حضارة هذا العصر ... ) .
فقد اتخذ من حضارة الغرب مقياساً يقيس به شعوب الأرض قاطبة، فكل من
اقترب من الغرب وحضارته فهو متقدم، ومن ابتعد فهو متأخر (٣) (هكذا كان
الرأي عندي حتى لقد بلغت فيه حدوداً من التطرف، الذي لم يعرف لنفسه حيطة
وحذراً) . ثم يعقب على ذلك: بأن الأمر كان يبدو له وكأنه مجرد بدهية من
البدهيات، التي لا تحتاج حتى إلى البحث أو التأمل.
ثم يحاول طرح نظرية تزرع نوعاً من الوئام والسلام بين (الأصالة والحداثة)
وقد حمله هذا الاهتمام، لقراءة التراث، بعد أن وضع لنفسه منهجاً، وراح على
أساسه يقرأ التراث، وسيطرت عليه فكرة (التطور) سيطرة أفسدت عليه منهجه،
كما استحضر بعض قراءاته للفكر الاستشراقي الغربي، معتبراً بعض مقولاته
مسلّمات من مثل (٤) (إن الثقافة تراثنا هي ثقافة صدق المقولة فهو يحاول البحث
لها عما يسندها فيقول: (٥) (ثقافتنا الموروثة ثقافة مدارها (الكلمة) وثقافة عصرنا
مدارها (الجهاز) .... فبينما الكلمة الموروثة توحي إليه بشيء، تجئ (الأجهزة)
فتوصي إليه بنقيضه، وبين النقيضين يقع - أي الإنسان عندنا- فريسة سهلة) ثم
يردد مقولة المستشرقين ويضج أمامها (كيف) فيقول: (٦) (كيف غلبت النظرة
العلمية على اليونان والغرب كله بعدهم - وغلبت النزعة الصوفية على الشرق
الأقصى) ؟ .
ولكنه وهو يحاول وضع منهج سلام بين (الأصالة والحداثة) ، يقول بأن
الثقافة العربية كان لها القدرة على الجمع بين النظر العلمي والوجدان الصوفي.
أسئلة لتحديد المراد:
يطرح سؤالين حول الموقف الحضاري للأمة العربية اليوم هما: (٧)
١- ما هي أهم العناصر التي نعنيها حين نتحدث عن الشخصية العربية
(الأصلية) وأعتقد أنها (الأصيلة) ؟ .
٢- ما هي أهم العناصر التي تتألف منها بنية الثقافة العصرية؟ .
ويرى أن تحديد ذلك يساهم في صنع (المركب الواحد) وعن الشق الأول،
يرى أن هناك ذاتا إلهية خالقة، وعالم كائنات مخلوق لذات الله، وبينهما كائن ميزه
خالقه فجعله حاملى (أمانة) ذلك هو الإنسان، وهو (٨) (كائن خلقي بمعنى أنه
مكلف بأن يحقق في سلوكه قيمة أخلاقية محددة معينة، أُمليت عليه ولم تكن من
اختياره، فليس من حقه أن ينسخ بعضها، وأن يضيف إليها ما يناقضها) .
ثم يضيف الدكتور أن هذا (التكليف) الأخلاقي لا يكتمل معناه إلا بالمسؤولية، وهي أخلاقية وشخصية، فلا يحملها أحد عن أحد. (٩)
ثم يذكر أن الثقافات الأخرى لها مفاهيم مختلفة، فالبعض يرى الأخلاق
(واقعية) فما ثبت نفعه، التزمناه، وما ظهر ضرره تركناه، ونظراً لتبدل النفع
والضرر فإن المبادئ الأخلاقية (نسبية) وغير مطلقة، والبعض الآخر يرى أن
للإنسان مطلق الحرية أن يتخذ لنفسه ما يشاء من قرارات، بشرط واحد: هو أن
يكون مسؤولاً عن قراره، ولا أحد يمكنه أن يملي عليه مهما كان. ثم يقرر الدكتور
أن الوقفة العربية مختلفة عن كلا المذهبين.
لو أمسكنا بالقيم الثابتة الموضوعة لنا تعرضنا لخطر الجمود ولو سبحنا
أحراراً مع تيار الزمن وتغيراته، تعرضنا لانحلال الشخصية، وغاية ما أستطيع
قوله في هذا الصدد، هو أن قيمنا الأخلاقية الموروثة، فيها من السعة ما يمكننا من
التصرف قي إطارها بدرجة من الحرية، تكفي للحركة مع سرعة الإيقاع في
عصرنا. ومن مميزات الثقافة العربية كذلك تلك الرغبة الشديدة عند الإنسان في أن
يتسامى على دنيا الحوادث المتغيرة، لياذاً بما هو ثابت ودائم، فكل ما في الأرض
والسماء فان وزائل متغير أبداً يتحول أبداً، ففيم التمسك به، وهو عاجز عن
التماسك بذاته؟ أليس ثمة مرفأ بمأمن من أعاصير الفناء، والصيرورة والتغير
الدائب، من حال إلى حال؟ لنحتمي بمثل هذا المرفأ فنسلم....) ..
هذا الكلام وإن كان ظاهره جيد إلا أنه غير صاف تماماً من لونه المتطور ثم
إن الدكتور ينساه حين يتذكر التربية (العلمانية) والتعليم العلماني، الذي تغذاه منذ
صغره حتى كبره، ينسى كل ذلك حين يباشر الحديث عن (التقدم)
التقدم
يطرح الكاتب سؤالاً (١٠) (كيف ألتزمُ النظرة العلمية الصارمة، لأساير
عصري، وأن أظل مع ذلك تواقاً إلى غيب وراء الشهادة، يتحقق لي فيه الخلود
والدوام، لأظل محتفظاً بهذه السمة الغريبة في نظري؟) .
سؤال جيد، أحسب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد أجاب عنه حين قرر: أن لا
تعارض بين العقل والنقل، فإذا وجد التعارض أخذنا بالقطعي منهما.
بعد هذا تطغى على الدكتور النزعة والتربية العلمانية فيقول (١١) (إني
لأُرجح أن يكون الحل في أن نعيش في عالمين يتكاملان ولا يتعارضان، بشرط ألا
نسمع لأحدهما أن يتدخل في مجال الآخر) .
هذه هي العلمانية (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ولنقرأ كذلك (١٢) (بغير
هذا الفصل الحاد بين العالمين يستحيل علينا التوفيق بين علمية العصر، وصوفية
الأصل الموروث) .
أنا لا ألوم الدكتور فتربيته وتعليمه جاءت علمانية، وقد أفسدت عليه رؤاه،
كما أفسدت منهجه، وإذا كان الغرب - لأسباب خاصة - تبنى العلمانية؛ فلا يعني
ذلك وجوب أن نتبناها، ذلك أن الإسلام غير النصرانية الكنسية، والشروط
الموضوعية غير متوفرة عندنا، وليس هنا مجال بحث العلمانية، وبشروطها
الموضوعية.
التقدم، المبادئ، التغير، الفردية
بعد هذا يحاول الدكتور التعريف بثقافة العصر، فيرى من المفيد دراسة
(التقدم) ، (المبادئ) ، (التغير) ، (الفردية) ، والهدف بيان أبعادها في الفكر المعاصر.
ويهمنا بحثه في (التقدم) الذي يرى فيه أنه أبرز ما يميز العصر الحديث كله، ومنذ ثلاثة قرون وحتى اليوم (١٣) .
وخطورة البحث أنه جاء منحازاً كلياً، وجنح الكاتب إلى الوصف الأدبي،
فلنقرأ (١٤) (إنك لكي تتقدم من حالة إلى حالة، لابد أن تعد الحالة الأولى متخلفة
بالنسبة للحالة الثانية، فالنقلة لا تكون تقدماً إلا إذا كان وراء ذلك فرض هو أنها
نقلة مما هو أسوأ، إلى ما هو أفضل، لا مما هو حسن إلى ما هو حسن آخر،
فضلاً عن أن تكون نقلة من الأفضل إلى الأسوأ، ومعنى ذلك أن (الماضي) دائماً، وفي كل الظروف، أقل صلاحية من الحاضر، ذلك إن زعمنا أن الحضارة (تقدم)
وإلا فقدت هذه الكلمة معناها.
وههنا نضع أصابعنا على ركيزة أولى، لا محيص لنا عن قبولها إذا أردنا أن
نشرب بروح عصرنا، وهي أن نزيل عن الماضي كل ما نتوهمه له من عصمة
وكمال ... ) .
من اليونان إلى هيغل وماركس إلى د. زكي
الذي لا أشك فيه أن الدكتور زكي بحكم دراسته الفلسفة، قد اطلع على فكرة:
أن الحضارة في تقدم مطرد، حيث قال بذلك بعض فلاسفة اليونان، ثم جاء هيغل
فجعل منها نظرية، فسر بها تاريخ الإنسانية، حيث اعتبره (صراع متناقضات) ،
كما قال بأن كل عهد يأتي يكون أرقى من سابقه، والحضارة التالية يجب أن تكون
أرقى من سابقتها، بل إن أوجه الحضارة في رقي دائم لا سبيل إلى مقاومتها، وقد
نقلت الماركسية ذلك عن معلمها (هيغل) حرفياً وسلمت به - وإن لم تكف عن
شتمه -.
ولكنّ مؤرخاً مثل توينبي يقول (١٥) (لقد ارتقى علمنا فبلغ درجة لم يسبق أن
بلغها، ومع ذلك فقد انتكسنا في نفس الوقت في الحروب الطبقية والقومية
والعنصرية، إلى أعماق قد لا يكون سمع بها أحد قبلنا، وهذه المشاعر السيئة،
تجد لها متنفساً في أعماق القسوة الغليظة المصممة علمياً) .
لقد تحمس الدكتور زكي فاندفع يؤيد (نظرياته) بأقوى من المنادين بها.
- يتبع -
стр. 1579
منتدى القراء
تعقيب على مقال
د. محمد آمحزون
عادل بن عمر المقرن
المكرم مدير تحرير مجلة البيان - سدّده الله -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فهذا تعقيب بسيط على مقال الدكتور الفاضل محمد آمحزون في البيان ٦٦
تحت عنوان (الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العهد الأموي) ، ويرتكز على
أمرين هما:
- أولاً: ورد في الصفحة (٤٠) [فأول من تكلم في الإرجاء الحسن بن محمد
بن الحنفية الهاشمي المدني (ت سنة ٩٩ هـ) ... ] ، فيلزم التنبيه هنا- حتى لا يحدث
لبس أو سوء فهم - على أن الإرجاء الذي تكلم فيه الحسن بن محمد بن الحنفية ليس
الإرجاء المتعلق بالإيمان والذي يعيبه أهل السنة، وإنما هو إرجاء أمر المشتركين
في الفتنة بعد خلافة الشيخين ﵄ إلى الله . ويتضح لنا
ذلك من أن ابن حجر- ﵀ قد اطلّع على الكتاب الذي وضعه الحسن بن
محمد في الإرجاء، [فيقول ابن حجر: المراد بالإرجاء الذي تكلم فيه الحسن بن
محمد غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة: المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت
على كتاب محمد بن الحسن المذكور ... إلخ] [١]
فبالتالي الإرجاء المتعلق بالإيمان لم يعرّج عليه.
ثانياً: ورد في الصفحة (٤١) [الإرجاء الخاص بالصحابة....] .، والأحوط
حتى لا يحدث لبس في المعنى- فيظن ظان أن الصحابة رضوان الله عليهم قد وقع
بينهم الإرجاء- أن تكون العبارة " الإرجاء الخاص بأمر الصحابة " [٢] .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1580
ردود قصيرة
يسعدنا تواصل القراء مع مجلة البيان وتعقيباتهم وتنبيهاتهم لما ينشر في هذه
المجلة ويسرنا. الإجابة على بعض ما وردنا مؤخراً بما يلي:
١ - تنبيه: الأستاذ حمد بن إبراهيم الحريقي - الرياض - السعودية، ومما
ذكره من أن الحديث المذكور في حاشية الصفحة ٢٤ من العدد (٦٧) " إنك إن
تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم ". بأنه ليس كما أشير إليه في
صحيح البخاري وبعد مراجعتنا الحديث تبين لنا أن (الحديث أخرجه الإمام أحمد في
المسند ج ٦/ ٤ وعند أبي داود في الأدب / باب النهي عن التجسس / بلفظ (إذا
ابتغى الأمير الريبة في الناس أفسدهم) . ورواه البيهقي في شعب الايمان وورد في
مشكاة المصابيح بتحقيق العلامة الألباني رقم ٣٧٠٩. والبغوي في شرح السنة ١٣/
١٠٦ وكذلك في جامع الأصول ج/٤/٨٣ ونحن بدورنا نشكر الأخ الكريم.
٢- الأستاذ إبراهيم بن عبد الرحمن الخنفور اقتراحك جيد وقد أرسلت لك
رسالة خاصة.
٣- الأخت عفاف الدريهمي/ يسعدنا تقديرك للمجلة والقائمين عليها والمجلة لا
تنشر المختارات. وننتظر منك مشاركات قادمة إن شاء الله.
٤ - الأخوة الكرام/محمد سعيد الزهراني، أحمد السيف، زيد الرماني، أحمد
العجروش، عبد الله النمري، عزيزة النصار، محمد أبو عزام، مشاركتكم وصلت
وهي محل الدراسة.
٥- الأخت ذات النطاقين مشاركتك وصلت ويلزم ذكر الاسم الصريح ولا
مانع من النشر بالاسم الرمزي بعد ذلك. وسنتطرق للرسائل الأخرى في الاعداد
القادمة بأذن الله.
стр. 1581
من أنشطة المنتدى الإسلامي الصيفية
(٢)
ثانيا: المؤتمر الأول للدعاة في غرب إفريقيا (غانا)
انعقد هذا المؤتمر في الفترة من ١٣/٨/١٩٩٣ إلى ٢٢/٨/١٩٩٣ في مدينة
ونيشي بغانا حيث يوجد مشروع (ونيشي التعليمي) التابع للمركز. وبهدف هذا
المؤتمر إلى جمع أكبر عدد من الدعاة في دولة غانا والدول المجاورة لتبادل الآراء
والخبرات الدعوية وعرض أهم العقبات التي تواجه الدعوة في كل دولة وحلها.
شارك في المؤتمر وفود تمثل الدول التالية:
غانا وهي الدولة المضيفة للمؤتمر وشارك منها ٤٠ داعية، توجو وشارك
منها ٢٤ داعية بوركينا فاسو وشارك منها ٢٣ داعية، بنين وشارك منها٢٥ داعية،
ساحل العاج وشارك منها ١٩ داعية.
وعقد المؤتمر تحت شعار [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] وكان
برنامج المؤتمر قسمين:
- المحاضرات في التوعية والتوجيه وألقاها الدعاة الضيوف على المؤتمر.
- كلمات موجزة بعد الصلوات وندوات وبحوث علمية شاركت فيها الوفود
المشاركة.
المحاضرات اليومية للمؤتمر كما يلي:
١- واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم.
٢- منهج الاستدلال والتلقي عند أهل السنة.
٣- العلمانية وأثارها الخطيرة في العالم الإسلامي.
٤ - أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم.
٥- مقاصد التشريع الإسلامي.
٦- التوحيد مفتاح دعوة الرسل.
٧- منزلة الصحابة وحكم القوم فيهم.
٨- العلم الشرعي ضرورته وأهميته.
أهم البحوث والندوات التي تشارك بها وفيها الوفود:
١- الإيمان شروطه وآثاره ونواقضه.
٢- تاريخ الدعوة السلفية في كل دولة.
٣- سجود السهو وأحكامه.
٤ - شروط كلمة التوحيد.
٥ - الأخوة الإسلامية وثمراتها.
٦- مشكلات الدعوة والدعاة والحلول المطروحة.
٧- الفرق المنتمية للإسلام ونشاطها في كل دولة.
٨- أنشطة الدعاة في دولهم والخطط المستقبلية.
٩- تعليم العربية والإسلام في إفريقيا الواقع والحلول.
وفي آخر يومين من المؤتمر أجريت مسابقة في القرآن الكريم لإعداد البحوث
العلمية بين أعضاء الوفود المشاركة وفي اليوم الأخير وزعت جوائز على الفائزين
بأفضل البحوث وكانت الجوائز تذكرة عمرة للشخصية المثالية في المؤتمر وكفالة
داعية لمدة سنة فاز بها خمس دعاة واشتراك بمجلة البيان وفاز بها عشر دعاة مع
توزيع شهادات. التقدير على جميع المشاركين وبعض الهدايا المفيدة كالكتب
والرسائل والأشرطة المسجلة للمحاضرات الإسلامية القيمة.
ثالثاً: الدورة التدريبية للخريجين في مالي:
وقد نظمها المنتدى الإسلامي بالتعاون مع رابطة الدعاة بمالي في الفترة من
٢٧/ ١/ ١٤١٤ إلى ٦/٢/١٤١٤هـ في المعهد الإسلامي وكان عدد المشاركين
خمسين مشاركاً من مختلف أقاليم (مالي) وبعد حفل الافتتاح ابتدأت الدورة التي
تضمنت العديد من المحاضرات ومن أهمها (صفات الداعية) ، و (غزوة أحد دروس
وعبر) و (تقسيم الحديث) و (مقاصد الشريعة) و (وواقع المسلمين وسبيل النهوض
بهم) . وعقدت ندوتان بالمؤتمر وهما:
١- دور الإعلام في العمل الإسلامي.
٢- واقع المسلمين في مالي.
وقد تم تقسيم المشاركين في قاعتين دراسيتين وتخصيص صالة للأنشطة وكان
عدد المحاضرات في اليوم خمس محاضرات لمدة عشرة أيام متتالية.
رابعاً: - الدورة التدريبية للأئمة والدعاة في بنجلاديش
وقام المنتدى الإسلامي بهذه الدورة في الفترة من ١٥/١١/١٤١٣ إلى ٩/٢/
١٤١٤هـ - وكان منهج هذه الدورة مملوءاً بالمواد الهامة في العقيدة والتفسير
والفقه والدعوة والقرآن وتجويده وقام بالتدريس نخبة من الأساتذة والدعاة، وكان
البرنامج اليومي للمتدربين يمتد خلال٢٤ ساعة وقد جهز السكن والتغذية وقدمت
مكافآت رمزية للمتدربين وكان الحوار والمشاركات باللغة العربية.
خامساً: - الدورة الشرعية الأولى في مبماسا بكينيا:
عقدت في معهد الشيخ خليفة بن راشد في الفترة من ١/٣/١٤١٤هـ إلى ١٠/
٣/١٤١٤هـ بإشراف المنتدى الإسلامي بهدف تشخيص الداء في أوساط الدعاة إلى
الله ووصف الدواء المناسب لهم. وشارك في هذه الدورة العديد من الشباب
المتخرجين من الجامعات الإسلامية ممن يعملون في مجال الدعوة في كل من كينيا
وتنزانيا وأوغندا والصومال. وكان برنامج الدورة محتوياً على العديد من
المحاضرات والندوات المختلفة وقد تجاوزت أنشطة الدورة إلى المساجد بماسا وما
حولها حيث كان العلماء والدعاة المشاركون يلقون محاضراتهم وتترجم للسواحلية
من قبل الشباب المشاركين وقد طالب المشاركون بأن تعقد مثل هذه الدورة كل عام
لما وجدوا فيها من الفوائد وتنشيط الهمم والتعاون وتوحيد الكلمة. وقد أعدت جوائز
قيمة للمشاركين وهي تذكرة عمرة ومراجع قيمة.
стр. 1582
الورقة الأخيرة
تعالوا بنا نحدد الهدف
د.محمد بن ظافر الشهري
فيما ينتشر طبق الاستقبال (الدش) في بلاد المسلمين انتشار النار في الهشيم،
تحدث في أوربا - وفي ألمانيا بالتحديد- قصة لأحد المبتعثين العرب، وهذه القصة
جديرة بالوقوف عندها ملياً للتفكر والاعتبار.
لقد اشترى هذا العربي طبق استقبال (دش) بمائتين وخمسين ماركاً تقريباً،
مُعَللاً إقدامه على هذا الفعل بأنه (يحتاج) إلى التقاط محطات تتحدث الإنجليزية
لأن المحطات السِّت في ألمانيا تتحدث جميعاً الألمانية (الفصحى) ، وعندما أراد
صاحبنا من الشركة أن تركب الجهاز على المنزل الذي يسكن فيه (أمرته) الشركة
أن يحضر موافقة خطية من صاحب المنزل، فرضخ لأمرهم ولسان حاله يقول ...
(ودارهم ما دمت في دارهم) ، وظنّ الرجل أن موافقة صاحب المنزل (مضمونة)
وحمد الله الذي سلمنا - نحن المسلمين - من هذه الأمور (الشكلية) فنحن نبيع
ونشتري ونركب هذه الأطباق بمنتهى الحرية.
ونعود إلى صاحب المنزل الذي كان امتعاضه شديداً لدى علمه بهذا الأمر،
لأن (الألماني) يرى أنه (يجب) أن يستأذن قبل شراء الجهاز ولهذا فقد شدد على
وجوب الانتظار ثلاثة أشهر حتى يعرض الأمر على مجلس الحي (ليتشاوروا)
ويخرجوا في هذه (النازلة) بقول فصل، كما حذر من مغبة استخدام الجهاز ولو
في داخل غرف المنزل! .
وبعد ثلاثة أشهر قرر مجلس الحي أنه لا يمكن السماح بمثل هذا الفعل بأي
حال من الأحوال، وأكد المجلس أن هذا ليس تدخلاً في الحريات الشخصية ولا هو
من قبيل التراجع عن المبادئ (الديمقراطية) ولكنه حق من حقوق (ألمانيا) التي
جاءت بهذا العربي ليرجع بالفكر الألماني ولا شيء غير الفكر الألماني. وهناك
تبرير آخر أورده (المجلس) وهو أن السماح لهذا الغريب باستخدام طبق الاستقبال
ربما أدى إلى انتشار هذه العادة السيئة في أوساط الألمانيين في البلد وهذا أمر خطير
للغاية! !
لقد أصابتني الدهشة عندما علمت بأحداث هذه القصة فمن المؤكد أن الألمان لا
يرفضون انتشار الأطباق خوفاً من الإباحية فهم أربابها والسابقون إليها، كما أن
الرفض لم يكن لأسباب دينية أو اقتصادية (مباشرة،، ولكن السبب الحقيقي - بعد
التأمل - هو أن الألمان يحملون في صدورهم عقيدة) (ألمانيا قبل كل شيء) ، وقد
جعلوا من هذه العقيدة هدفاً يعملون من أجله ويتحمسون له بل ويقاتلون في سبيله.
إذا كان هؤلاء القوم حملوا هذا المبدأ الهزيل المتهافت، الذي هو عبادة
للتراب، ولكنهم اتفقوا على العمل من أجله فتحقق لهم من القوة المادية ما لا يخفى
على أحد اليوم، فكيف بمن يصدق في حمل عقيدة [قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي
ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ]
[الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] إن الأمة التي تحمل هذه العقيدة وتخلص في العمل من
أجلها وتجعلها همها الأول والأخير وتغرسها في قلب كل رجل وامرأة بل وفي قلب
كل طفل، لا يمكن إلا أن يمكن لها في الأرض وتتحقق لها القوة الروحية والمادية
وتقوم بالخلافة في الأرض على الوجه الأكمل الذي يرضاه الله تعالى معه
[وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ]
[الحج: ٤٠، ٤١] .
стр. 1583
جمادى الآخر - ١٤١٤هـ
نوفمبر - ١٩٩٣م
(السنة: ٨)
стр. 1584
كلمة صغيرة
قافلة طويلة من ورق المطابع أو من ورمها -إن شئت-! توازيها ساعات
إذاعية وتلفازية بالغةُ حدً الكآبة من الطول.. واكبت ما تمخض عنه جبل السلام
السرابي من فئران.. ليس آخرها أخبار انهيار جدار المقاطعة لإسرائيل على غير
ما صعيد.. تلك التي لم يمكن جوفها -قبل السلام- ليتسع لأكثر من ٤٠٠ مليون
دولار من التعامل التجاري بين العرب وإسرائيل! ! حقاً إنه مبلغ ضئيل بالقياس
إلى ما يطمح إليه عبدة التلمود بعد اتفاقية الاستسلام وتداعياتها.
إن ذلك السيل الإعلامي الذي واكب الاتفاقية ارتبط في معظمه بالحدث
السياسي الآتي بينما الحاجة ماسة إلى طرح شمولي يحدد معالم المرحلة الجديدة من
الصراع ويتضمن رؤية مستقبلية تبرز بعضاً من القاع الذي ينتظر سفينة المنطقة
بعد أن انهكتها العواصف، ثم هاهي فئران السلام تقرض آخر البقايا للدفع بها إلى
الهاوية التي يحمل مدخلها لوحةً سوداء كتب عليها بأيدي المستأجرين (جنة التطبيع
الاقتصادية) ، وإن هي إلا جنة كجنة المسيح الدجال!
وبين الحج هذا الزيف! تأخذ المعالجة الشمولية العميقة بوصلة النجاة! وقد
حاولنا - من خلال جهد المقل - تقديم شيء من ذلك، وحسبنا أن نضرب في
الغنيمة بسهم! ..
стр. 1585
الافتتاحية
التركيع القادم
التحرير
رويداً رويداً يخف ضجيج التصفيق، الذي شهدته جنازة «فلسطين» في
الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، وقليلاً قليلاً يزول مفعول المخدر الناتج عن هول
الصدمة، وسرعة تصاعد الأحداث السابقة لحفلة التوقيع، وشيئاً فشيئاً يحس
المعنيون بقضية المسلمين الأولى في التاريخ المعاصر، أن وقع التهويل الإعلامي
والدعاية الإعلامية الفجة قد أخذ يخف لتطل الحقيقة الغليظة بقسماتها البشعة وقامتها
القصيرة وحدبة ظهرها؛ لتبرهن على أن الآلة الإعلامية الغربية وفروعها العربية، تستطيع أن تروّج للمُنتج السياسي المتمثل في الاتفاق الأعور «لبعض الوقت» ، لكن رداءة هذا المنتج تبقى أوضح بكثير وأبشع بمراحل من كل الرتوش
والمساحيق والأصباغ التي بُذلت لتجميل هذا المسخ الذي يُفرض على الأمة قبوله..
لا بل الإشادة به..
لقد عملت وسائل الإعلام لتحقيق هدف واحد بصورة متكررة ومن زوايا
مختلفة، هذا الهدف هو تصوير الاتفاق على أنه «اختراق تاريخي!» و «حدث
كوني» و «إنجاز خلاّق» في زعمهم وهو كما قالوا ورددوا، ولكن بالنسبة
للطرف المستفيد والأقوى في هذه الصفقة: إسرائيل وحلفاؤها الغربيون الذين
وجدوا في الاتفاق جسراً يؤدي إلى الخروج من المأزق الراهن، وأفقاً جديداً يساهم
في اختراق الجسم العربي الواهن أمام عوامل الضعف الذاتية والخارجية.
لقد رسمت إسرائيل منذ البداية أهدافاً واضحة، وخططاً مرحلية ترمي إلى
ترسيخ المشروع الصهيوني، ودمجه بكيانات عربية ضعيفة متداعية وساهم الفكر
العربي المستورد الذي أثبت عبر تجربته التاريخية الممتدة منذ الثورة العربية
الكبرى واتفاق «الملك عبد الله ماكماهون» وحتى اتفاقية «عرفات رابين» أن
المشروع العربي البعيد عن ثوابت الإسلام قابل للتشكيل والقولبة بحسب الظروف
الدولية التي استطاعت خلال خمسين عاماًِ أن تنخر في الثوابت وتعصف بالمسلمات، حتى تداخلت صيحات الرفض والتخوين بهتافات السلام والإشادة بالغاصب،
وهكذا تأكد أنه في ظل القيادات العلمانية العربية يصبح كل شيء قابلاً للنقاش، وأن
ما ترفضه اليوم ستقبله غداً بعد «تحريك الساحة» و «ترويض السلاحف» التي
سارت رويداً رويداً من الرفض واللاءات الثلاث الشهيرة وقمم الصمود والتصدي
وشعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة..» حتى المشهد الحالي الذي يعد
بالتطبيع والسلام المنكس رأسه والتعاون مع أعداء الله ونبذ العنف والتبرؤ من رفع
الحجر في وجه الغاصب أو تنظيم مسيرة تندد بالاحتلال.. إلا إذا كانت باللغة
العبرية لغة مرحلة السلام المفروض على المفلسين وتجار النضال سابقاً أو سماسرة
التطبيع القادم.
... ولعل في التأمل في قيادة المشروع الصهيوني مثالاً صارخاً جديراً بالتأمل
والتوقف، لقد قامت هذه القيادة «بتنفيذ» المشروع الصهيوني بحرفية شديدة
وأصولية مطرّدة.. وحينما تتأمل أهداف وأساليب بن غوريون أو وايزمن أو مائير.. تجدهم لا يقلون التزاماً بمشروعهم الصهيوني عن بيجن وشامير ورابين وبيريز. والفرق بين الجيل الأول والثاني فرق في الوسائل والأساليب ليس إلا.. صحيح
أن معطيات الحرب الباردة كانت تسمح بالتمدد العسكري، وحصد المكاسب على
الأرض، لكن المعطيات الدولية الراهنة بعد الانتهاء من تصفية الجسد الشيوعي «
وتصميم» العدو الإسلامي الجديد تقتضي أن ينتقل المشروع الصهيوني إلى
صورته الحالمة بالاندماج في كيانات متداعية والسيطرة عليها من خلال منطق القوة
الجديد الذي تتشابك فيه القوة التقنية بالعضلات الاقتصادية، وتختلط فيه الترسانة
العسكرية بأحدث أساليب التأثير الإعلامي الذي يكفل تكريس مفهوم التفوق اليهودي
والمرجعية «الإسرائيلية» لدول المنطقة أو ما تطلق عليه مراكز الأبحاث العبرية
والغربية «إسرائيل الكبرى» .. اليهود ومشروعهم الصهيوني يرى أن الجانب
الغربي قد استنزف تماماً من مقومات القوة والمقاومة والعافية، وأن الوقت قد حان
بعد طول انتظار لأن يأخذ المشروع الصهيوني مداه في التمدد والسيطرة والاختراق
والمرجعية في المنطقة.. والمشروع الصهيوني وقياداته يتكئون في هذا على تراكم
تاريخي هائل وتجربة ماضية ممتدة إلى هذه اللحظة تقول بصوت مدو: إن اليهود
والصهاينة لم يشكلوا في يوم ما كياناً مستقلاً في أي أرض أو في أي قطر منذ أكثر
من ألفي عام ... اليهود الجبناء لا يمكنهم أن يعيشوا مستقلين معتمدين على ذواتهم،
فتش عنهم في مراحل تاريخهم لتجدهم طفيليات تقوم على امتصاص عرق الآخرين
والاتجار بمصائبهم.. هكذا كانوا في أوروبا والغرب.. وهكذا عاشوا في عالمنا
الإسلامي حينما منحهم «حق الذمة» وحماهم من المجازر الجماعية المتتالية.. بل
إنهم في أعظم نجاحاتهم المعاصرة في أمريكا كانوا يمارسون السلوك نفسه..
الشعور بحريتهم وامتيازهم المزعوم كشعب الله المختار والتغلغل في تفاصيل الحياة
الأمريكية الحساسة كالاقتصاد والإعلام والمحاماة.. والسياسة..
إسرائيل ويهودها ينظرون إلى تجربة إخوانهم في أمريكا (الأرض الجديدة)
على أنها أنجح تجارب اليهود في تاريخهم، حيث حدث «الاختراق العظيم» ..
وهم يأملون أن يكرروا التجربة نفسها في الأرض القديمة.. أرض الرسالات
والملاحم والثروات التي يحكمها المشروع العلماني العربي المأزوم..
إن كانوا يزعمون أنهم شعب الله المختار.. فالعرب هم شعب الله المحتار،
وهم كذلك بما كسبت أيديهم وبما اختارته قيادات النضال الغابرالتي تحول فيها
المشروع الفاشل بين يوم وليلة إلى قصر رمال منهار، حيث أن المشروع العلماني
العربي كرس أدواء وعللاً ومظاهر، يبدو الحل السلمي الرخيص أحد أعراضها
فقط.. كما يظهر ضعفه أمام مشروع الصهاينة المنتصر وهم الذين ضربت عليهم
الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله..
أسباب فشل المشروع العلماني ورموزه عديدة تستحق وقفة أخرى لكن من
اللازم أن يذكر أنه مشروع «الأعداء» في مواجهة الإسلام، صِيغَ وقُدّم بلغة
عربية.. أما مشروع الصهاينة فقد انطلق من الذات وحكمة الدين عندهم بالرغم من
تحريفه وغذته توراتهم وتلمودهم اللذان كتبوهما بأيديهم.
مشروع الصهاينة المنتصر الآن حركته نفوس تقاتل لدين وعقيدة.. ومشروع
الثورة العربية الكبرى صاغه الجواسيس كلورانس والواجهات كالشريف وأولاده
وتمسك به تجار القضية العلمانيون.. وأغلب الظن أن الصهاينة سيحصدون مزيداً
من الانتصارات أمام شراذم العلمانية العربية التي وصلت إلى الدرك الأسفل من
العار حتى يأذن الله لهذه الأمة أن تنهض من رقادها.. وترفع مصاحفها في وجه
الزبد.. ترفعها قولاً وفعلاً.. وممارسة في وجه الحاكمين بغير ما أنزل الله ويومئذ
تتساقط الأصنام، وما ذلك على الله بعزيز..
стр. 1586
دروس في الدعوة
الجهر بكلمة الحق والصدع بها
عبد الله بن علي النمري
أعتقد أن من أهم الدروس التي ينبغي أن يعيها الدعاة المسلمون وعياً كاملاً
الجهر بكلمة الحق، والدعوة لهذا الدين بكل جرأة وشجاعة، وعدم التنازل أمام أي
أحد عن شيء منه، لأن هذا الدين الذي ارتضاه الله جل وعلا لعباده؛ وحدة متكاملة، لا تقبل أنصاف الحلول، فالله يريد أن يُطَبّق شرعه كاملاً غير منقوص.
لقد كان بعض المسلمين في المرحلة المكية وهي مرحلة استضعاف يجهر
بكلمة الحق، وهذا رد على الذين يحتجون بأن المرحلة التي يعيشها العالم الإسلامي
اليوم هي مرحلة استضعاف، وهذا يعني عندهم أنه ينبغي أن تكون الدعوة سرية
خالية من الصدع بكلمة الحق ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ونحن نقول لهم: إننا نتفق معكم في أن المرحلة التي يعيشها المسلمون اليوم
هي مرحلة استضعاف، وأنها عظيمة الشبه بتلك المرحلة الأولى من دعوة النبي
﵊، التي تسمى (المرحلة المكية) بسبب حكم الجاهلية المعاصرة
التي أقصت حكم الله عن الأرض في كثير من البلدان، وليس معنى ذلك أن ننكر
على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصدع بكلمة الحق ومن تأمل سيرة
النبي ﷺ عرف أن الحكمة هي الجهر بالدعوة، والصدع بكلمة
الحق.
وها أنا أسطركلمات أعجبتني للأستاذ محمد قطب حفظه الله يقول فيها: «لقد
أصبح كثير من الناس يتصورون أن الحكمة والموعظة الحسنة تعني التربيت على
أخطاء الناس وانحرافاتهم، وعدم مواجهتهم بها خشية أن ينفروا من الدعوة ولا
يستجيبوا لها! فمن أين جاءوا بهذا الفهم لهذا التوجيه الرباني الكريم؟ !
هل هناك من هو أكثر فهماً لهذا التوجيه الكريم من الرسل الذين وجه القول
إليهم؟
فكيف فهم الرسول ﷺ هذا الأمر المنزل إليه من ربه أن
يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وكيف فهم موسى وهارون عليهما
السلام توجيه الله لهما أن يقولا لفرعون قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى؟
فأما رسول الله ﷺ فقد صدع بما أُمِرَ فقالت عنه قريش:
لقد عاب آلهتنا وسفه أحلامنا، وكفر آباءنا وأجدادنا! !
وأما موسى وهارون ﵉ فقد بدآ بأن قالا: السلام على من اتبع
الهدى، ولم يقولا لفرعون: السلام عليك! وفي ذلك إشارة ملحوظة إلى أن فرعون
غير متبع للهدى، ثم ثنيا بأن قالا: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب
وتولى) ، وفي ذلك تهديد واضح لفرعون وقومه بالعذاب الذي ينتظرهم إن هم
كذبوهما، وتولوا عن الحق الذي يعرضانه عليهم.
وكان هذا هو القول اللين الذي أُمِرَا بتوجيهه إلى فرعون. إن التلطف واجب
ولكنه التلطف في إظهار الحق، وليس التلطف في إخفاء الحق.
فهذا الأخير هو الذي قال عنه تعالى لنبيه ﷺ [ودوا لو
تدهن فيدهنون] . [١]
والآن نذكر بعض المواقف والأحداث التي مرت بالنبي -صلى الله عليه
وسلم- والتي تبين لنا كيف أن النبي ﷺ كان قوالاً لكلمة الحق
جاهراً بها لايخاف في الله لومة لائم.
* موقفه ﷺ عندما صعد إلى الصفا فجعل ينادي» يابني
فهر يابني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج
أرسل رسولاً لينظر ما الأمر؟ فجاء أبو لهب، فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً
بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ماجربنا عليك إلا صدقاً!
قال:» إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد «فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم،
ألهذا جمعتنا؟ ! فنزلت [تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب] [٢] .
* ومرة اجتمع أشراف قريش في الحجر فذكروا رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا على أمر هذا الرجل قط، سفه أحلا منا،
وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمرٍ
عظيم فبيناهم في ذلك إذ طلع الرسول ﷺ ، فأقبل يمشي حتى
استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول: فعرف
ذلك في وجه الرسول ﷺ ، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه
بمثلها فعرف ذلك في وجه الرسول ﷺ ، ثم مر بهم الثالثة
فغمزوه بمثلها.
فوقف ثم قال» أتسمعون يامعشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم
بالذبح «فأخذت القوم كلمته حتى مامنهم رجل إلا وكأنما على رأسه طائر واقع حتى
إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول:
انصرف يا أبا القاسم راشداً، فوالله ما كنت جهولاً.. إلخ القصة. [٣]
ومن خلال هاتين القصتين نعرف مدى جهره ﵊ بالحق ولم
يكن هذا فقط خاص بالنبي ﷺ بل حتى أتباعه الصحابة رضي
الله عنهم أجمعين لهم مواقف رائعة عرضوا فيها إسلامهم وبلغوا دعوتهم بكل جرأة
وبكل صراحة، دون أن يحسبوا لأهل الشرك أي حساب، ومن تلك المواقف جهر
ابن مسعود ﵁ بالقرآن [٤] وقصة إعلان أبي ذر لإسلامه أخرجها
الطبراني، وأبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك [٥] وغيرها من القصص
التي يطول ذكرها.
وفي الختام أسأل الله جل وعلا أن يهيء لهذه الأمة علماء ربانيين يقولون كلمة
الحق ويدافعون عنها ولايخافون في الله لومة لائم.
стр. 1587
مصطلحات
النفاق
عثمان جمعة ضميرية
النون والفاء والقاف أصلان صحيحان في لغة العرب، يدل أحدهما على
انقطاع الشيء وذهابه، ويدل الآخر على إخفاء شيء وإغماضه، ومتى حصل
الكلام فيهما تقاربا.
ومن الأصل الثاني يقال: النّفَقُ وهو سَرَبٌ في الأرض له مخلص إلى مكان
آخر، والنافِقَاءُ: موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا آُتي من قبل القاصعاء
ضرب النافقاء برأسه، فانتفق وخرج، ومنه اشتقاق النفاق لأن صاحبه يكتم خلاف
ما يظهر، فكأن الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء.
ويقال: نافق في الدين: ستر كفره، وأظهر إيمانه، وسمي المنافق منافقاً
لأنه يستر كفره ويغيبه، فشبه بالذي يدخل النفق، أو لأنه نافَقَ كاليربوع. [١] وقد
تكرر في القرآن الكريم والحديث الشريف ذكر «النفاق» ، وما تصرف منه اسماً
وفعلاً، وهو «اصطلاح شرعي» لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به وإن
كان أصله معروفاً في اللغة العربية.
وأما تعريف النفاق في الاصطلاح الشرعي: فهو أن يكون كافراً بقلبه ويظهر
للناس أنه مسلم بقوله أو بفعله.
قال ابن رجب ﵀: «النفاق الأكبر وهو: أن يظهر الإنسان الإيمان
بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو
بعضه» . [٢]
فيطلق النفاق على الدخول في الدين، من باب أو بوجه التلفظ بالشهادتين مثلا
والخروج منه من باب أو بوجه آخر.
وعلى ذلك نبه الله تعالى عن المنافقين بقوله: [إن المنافقين هم الفاسقون] أي الخارجون من الدين والشرع. [٣]
وهذا النفاق نوعان: نفاق أكبر وهو نفاق الاعتقاد، ونفاق أصغر وهو النفاق
العملي.
وفيما يلي بيان موجز لهذين النوعين:
النفاق الأكبر: (أو نفاق الاعتقاد)
وهو أن يظهر المرء للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر..، فيعصم بذلك دمه وماله وعرضه ويتخلص من القتل والعذاب العاجل،
ويصبح ظاهراً في عداد المسلمين، ويحسب على أنه منهم، وهو في حقيقة أمره،
منسلخ من الدين كله، مكذب به، لا يؤمن بالله، ولا بكلامه الذي أنزله على رسوله، فليس معه من الإيمان شيء، وهذا النفاق يوجب لصاحبه الخلود في النار، بل
هو في الدرك الأسفل منها، وهو أعظم كفراً من صاحب الكفر الواضح المستبين [٤]
[إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاْ] . [٥]
[إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار] . [٦]
وليس من غرضنا هنا أن نقف عند ظهور حركة النفاق في المدينة في عهد
النبي ﷺ دون مكة والأسباب التي أدت إلى ذلك، ولا بيان
مواقف المنافقين الكيدية ومؤامراتهم، ولكن حسبنا الإشارة إلى أن خطورتهم قد
بلغت غايتها وجاءت الآيات الكريمة، ترسم صورة واضحة لهم من خلال صفاتهم
ومواقفهم، ولا تكاد سورة في القرآن الكريم مما نزل بالمدينة تخلو من الإشارة إليهم
والحديث عنهم وفي زماننا هذا كثير ممن يقتفون أثر المنافقين، في سلوكهم وأقوالهم
واعتقادهم، ومن أبرز هذه النماذج المعاصرة: الباطنيون وأتباع الأحزاب
والمنظمات الجاهلية التي تنادي بتحكيم غير شريعة الله كالشيوعية، والقومية،
والعلمانية والملأ من أعوان الطواغيت الذين هم من كبار المسؤولين والمستشارين.
وإذا كان الأمر بهذه الخطورة، فهل نستطيع اليوم أن نحكم على إنسان بعينه
بهذا النفاق؟
يقول الإمام الخطابي ﵀:
كان رسول الله ﷺ لا يواجه المنافقين بصريح القول،
ولا يسميهم بأسمائهم، وإنما يشير إليهم بالأمارة المعلومة على سبيل التورية، وكان
حذيفة ﵁ يقول: إن النفاق إنما كان على عهد رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، وما كان بعد زمانه فهو كفر.. أو يقول: ولكنه «كفر بعد الإيمان» .
ومعنى هذا: أن المنافقين في زمن رسول الله ﷺ لم
يكونوا أسلموا، إنما كانوا يظهرون الإسلام رياءً ونفاقاً، ويسرون الكفر عقداً
وضميراً، فأما اليوم وقد شاع الأمر وانتشر، فمن نافق منهم فهو مرتد؛ لأن نفاقه
كفر أحدثه بعد قبول الدين، وإنما كان المنافق في زمان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- مقيماً على كفره الأول فلم يتشابها.
وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي ﷺ كان يتألفهم، ويقبل ما
أظهروه من الإسلام، ولو ظهر منهم خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئاً فإنه يؤاخذ
به، ولا يترك لمصلحة التألف، لعدم الاحتياج إلى ذلك. [٧]
النفاق الأصغر: (النفاق العملي)
وهو ترك المحافظة على أمور الدين سراً، ومراعاتها علناً.
قال ابن رجب:
«النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك» . [٨]
وقد نبه النبي ﷺ على هذا النوع في أحاديث كثيرة كقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . [٩]
وقوله: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كان
فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد
غدر، وإذا خاصم فجر» . [١٠]
فهذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ولكنه ليس
على كفرهم اعتقاداً وباطناً.
وقد يجتمع نفاق العمل مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ
صاحبه عن الإسلام بالكلية. [١١]
قال الإمام الذهبي عقب حديث «أربع من كن فيه» :
«وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب، كما أن الإيمان ذو شعب
ويزيد وينقص، فشعب النفاق كلها من الكذب والخيانة والجور والغدر والرياء
وطلب العلم ليقال، وحب الرئاسة والمشيخة، وموادة الفجار والنصارى فمن
ارتكبها كلها وكان في قلبه غلٌ للنبي ﷺ ، أو حرج من قضاياه، أو يصوم غير محتسب أو يجوز أن دين النصارى أو اليهود دين مليح ويميل إليهم، فهذا لا تَرْتَبْ في أنه كامل النفاق، وأنه في الدرك الأسفل من النار، فإن كان فيه
شعبة من نفاق الأعمال فله قسط من المقت حتى يدعها ويتوب منها» . [١٢]
وبعد أن بينّا معنى الكفر والشرك والنفاق، نشير إلى العلاقة بينهما بإيجاز
حيث يطلق الله تعالى على المشركين اسم الكفار ويصفهم بالكفر، كما يطلق على
الكفار من أهل الكتاب وغيرهم اسم الشرك ويصفهم به.
وباستقراء استعمال الكلمات الثلاث في القرآن الكريم: اسماً أو وصفا نجد أن
كل واحد من الألفاظ قد يرد مستقلاً في السياق، وقد يرد مقترناً باللفظين الآخرين،
فإذا اجتمعت هذه الألفاظ في سياق واحد دل كل منها على معنى غير المعنى الذي
يدل عليه الآخر، وإذا انفردت دخل في كل لفظ معنى الآخر.
فلفظ الكفر مفرداً يدخل فيه النفاق والشرك، ولفظ الشرك يدخل فيه الكفار من
أهل الكتاب وغيرهم، ثم قد يقرن لفظ الكفر بالنفاق، ويقرن لفظ المشركين بأهل
الكتاب، أو يقرن بالملل الأخرى، وعندئذ ينصرف لفظ المشرك إلى من ليس له
كتاب من المجوس والوثنيين، ولفظ أهل الكتاب ينصرف إلى اليهود والنصارى
وهكذا يجتمع الكل في وصف الكفر ثم يخصهم التقسيم بأسماء معينة لكل
منهم. [١٣]
стр. 1588
أحكام التشهير ..
محمد عبد العزيز الخضيري
إن مما يكثر فيه الخلط بين طلاب العلم حكم التشهير، وهل هو حرام بإطلاق
أم أن الأمر فيه تفصيل، ولذلك أحببت بيان هذه القضية بإيجاز، فأقول:
التشهير: هو إذاعة السوء عن شخص أو جهة كمجلة أو مدرسة أو دائرة أو
مكتبة أو غير ذلك.
أحكامه: يختلف حكم التشهير باختلاف من شُهر به، وإليك بيان ذلك على
وجه التفصيل:
١- الأصل أن تشهير الناس بعضهم ببعض بذكر العيوب والتنقص من
الأشخاص حرام.
أ - لأنه غيبة، والله يقول: [ولا يغتب بعضكم بعضْا] [١] ورسول الله
ﷺ يبين معنى الغيبة بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره..» [٢] ...
ب - ولأنه أذية، وقد قال الله : [والذين يؤذون المؤمنين
والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناْ وإثمْا مبيناْ] [٣] قال ابن كثير:
«أي ينسبون إليهم ما هم بُرآء منه، لم يعملوه، ولم يفعلوه، يحكون عن المؤمنين
والمؤمنات ذلك على سبيل العيب والتنقص منهم، وقال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-:» أربى الربى عند الله استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ [والذين
يؤذون المؤمنين والمؤمنات ... الآية] «. [٤] وقد قيل في معنى قوله -صلى الله
عليه وسلم-» من سمّع سمّع الله به «:» أي من سمّع بعيوب الناس وأذاعها
أظهر الله عيوبه «.
ج- ولأنه إشاعة للفاحشة، وقد قال الله تقدس اسمه: [إن الذين يحبون أن
تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا
تعلمون] . [٥] وقد شنع الله تعالى على الذين رموا عائشة بالإفك كذباً وزوراً
وتوعدهم بالعذاب الأليم.
وسواء أكان التشهير بحديث المجالس أو نظم هجاء من الشعر قال ابن قدامة:
» ما كان من الشعر يتضمن هجو المسلمين والقدح في أعراضهم فهو محرم على
قائله «.
٢- إن كان المشهّرُ به بريئاً مما يشاع عنه، فهذا هو الإفك والزور والبهتان
والإثم المبين، وأدلة تحريمه قد سبق بعضها.
٣ -إذاكان المُشهّرُ به يتصف بما قيل فيه، لكنه لا يجاهر به ولا يقع به
ضرر على غيره، فالتشهير به محرم؛ لأنه غيبة وأذى وإشاعة للفاحشة، ومن
المقرر شرعاً: أن السّتر على المسلم واجب لمن ليس معروفاً بالفساد، قال رسول
الله ﷺ :» أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود «. [٦]
وقال ﷺ :» من ستر مسلماً ستره الله يوم ...
القيامة «. [٧] قال النووي في شرحه:» وهذا الستر في غير المشتهرين «، والواجب في مثل هذا نصحه لا فضحه.
٤- يحرم تشهير الإنسان بنفسه، قال رسول الله ﷺ :
» كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره الله ، ويصبح يكشف ستر الله عنه «. [٨] ومن أصاب فاحشة فليستر على نفسه، قال رسول الله ﷺ :» من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله «. [٩]
٥- من جاهر بالمعصية جاز التشهير بفسقه، لأنه لا يستنكف أن يذكر
بمعصيته، قال أحمد:» إذا كان الرجل معلناً بفسقه فليست له غيبة «.
٦ -إذا كان التشهير على سبيل نصيحة المسلمين وتحذيرهم: كجرح الرواة
والشهود، والتشهير بمن لا يحسنون الفتيا، أو يكتبون فيما لا يعلمون أو المبتدعة،
أو ممن يتظاهرون بالعلم وهم فسقة أصحاب سوء وفتنة فهو واجب.
قال القرافي [١٠] :» أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر في الناس فسادهم وعيبهم، وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها ... بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق، ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال في المبتدع: إنه يشرب الخمر ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه، ويجوز وضع الكتب في جرح المجروحين من الرواة.. بشرط أن تكون النية خالصة لله تعالى في نصيحة المسلمين في ضبط الشريعة، أما إذا كان لأجل عداوة أو تفكه بالأعراض وجرياً مع الهوى فذلك حرام، وإن حصلت به المصلحة عند الرواة «، وفي مغني المحتاج [١١] : ينكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله ويشهر أمره لئلا يغتر به» .
٧ -يجب على الحاكم إشهار إقامة الحدود، قال تعالى: (وليشهد عذابهما
طائفة من المؤمنين «. [١٢] قال الكاساني [١٣] :» والنص وإن ورد في حد
الزنى لكن النص الوارد فيه يكون وارداً في سائر الحدود دلالة؛ لأن المقصود من
الحدود كلها واحد، وهو زجر العامة، وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على
رأس العامة؛ لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة، والغائبون ينزجرون
بإخبار الحضور، فيحصل الزجر للكل «.
стр. 1589
خواطر في الدعوة
مزالق الطريق
محمد العبدة
ليس المصلح من يُعَلّم الناس الخير، ويلقنهم حب الفضائل، ويتعلمون منه
أنواع العلوم فيحفظونها ويطبقونها، ولكن من يحتاط ويحترس، ويخشى من زغل
العلم ودخائل النفس وخباياها، فينبه إلى المزالق، ويقطع على تلامذته طرائق الفهم
الخاطئ، أو وضع الكلام على غير مواضعه، وذلك لأن للنفوس عاهات تعتريها
من شغف بالغرائب، وحب للظهور والتعالم، فالمربي هو الذي يحرس هذا العلم
من أن تتلاعب به الأهواء فتحمله على ما تريد وتصل به إلى مدى لا تحمد عقباه،
كما يحرسه من أنصاف المتعلمين الذين لم يرسخوا فيه.
وعندما تطلق العبارات العامة أو المجملة دون تخصيص أو تفسير فإن الناس
يحملونها على غير محملها؛ وهذا ما يربك الأفهام، وخاصة إذا تعلقت بأمر من
أصول العقائد كالولاء والبراء، أو الإيمان والكفر أو بالمفاهيم الأساسية للإسلام.
ومن هنا ينشأ التفرق والاختلاف، وتتشعب الآراء والأفكار، وذلك لنقص العملية
التربوية.
إن منهج الاحتراس وسد الكُوى منهج قرآني جاءت به آيات كثيرة، قال
تعالى: [لا يستوي القاعدون من المؤمنين، غير أولي الضرر، والمجاهدون في
سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين
درجة وكلاْ وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراْ عظيماْ] [١]
وقال تعالى: [فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله
رمى] . [٢]
وهو منهج نبوي، فقد كان ﷺ إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثاً
لتعقل عنه ومن صفة كلامه أنه بين فصل يحفظه من جلس إليه، وقد عَلّم المسلمين
التأدب مع الأنبياء حتى لا تقع منهم الهفوة ولو كانت غير مقصودة، قال -صلى الله
عليه وسلم-: «ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن مَتى» وعندما
قال له رجل: يا رسول الله يا خير البرية، قال: «ذاك إبراهيم» .
وهذا منهج سلفي، فقد خشي التابعي الفقيه عبيدة السلماني أن يضع الناس
كتبه على غير مواضعها، فدعا عند موته إلى محوها ورعاً، وقد تكلم الحسن
البصري بكلمة حملت على أنها مغايرة لمنهج أهل السنة، قال ابن عون: «لو
علمنا أن كلمة الحسن تبلغ ما بلغت لكتبنا برجوعه كتاباً وأشهدنا عليه شهوداً، ولكن
قلنا: كلمة خرجت لا تحمل» .
إن في العالم الإسلامي اليوم نهضةً علميةً، وطلبة علم حريصين كل الحرص
على تلقيه وحفظه، وهم حريصون على لقاء العلماء والمربين، فإذا لم يكن العالم
ربانياً عارفاً بدخائل النفوس، يعطي طالب العلم ما يحتاجه ويعيه كان عاقبة ذلك
الغلو والتفرق، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذا أمر لا يسر من كان همه
مصلحة الدعوة وانتشار الإسلام، وإذا كانت هذه الآفات موجودة في واقعنا اليوم،
فكم نتمنى على المربين التنبه لها، وسد هذه الثغرة ليكون البناء سليماً.
стр. 1590
مقال
صور من الإفك الأكاديمي
نورة السعد
لما يزل بعض أساتذة الجامعات من مثقفي هذه الأمة المنكوبة ببعض أبنائها
يزعمون أنهم سدنة في محاريب العلم، لكنهم ما فتئوا يتصرفون بعنجهية.. إنهم
يظنون أنهم وحدهم! القادرون على تحليل مجريات الأحداث وأنهم وحدهم!
المخولون بالحكم عليها، لأنهم وحدهم! أصحاب المنهجية الفذة! ! والأدوات
الإجرائية الخارقة! ! وهم يدفعون من عليائهم تلك بالأجيال المتعاقبة من شبيبة هذه
الأمة نحو المشارب المختلفة والاتجاهات المتعددة لكنهم يمنعونها عن معين الدين!
نعم يمنعونها بالتخويف والحرب النفسية والإرهاب الفكري، ألم يصوروا الأمر كله
على هيئة معركة حاسمة بين العلم والإيمان؟ ! ! وهذه هي (الليبرالية) بل قل
الهروبية! ؟ ثم هل هذه واقعية فعلاً أم تعالٍ عن الواقع؟ !
إنها ولا ريب بلاهة النخبة، إنها في الحقيقة مثالية الماديين الذين يبنون
نظرياتهم (العلمية) المزعومة على تصورات غير علمية عن الإنسان والكون والحياة.
لقد دفعت إلينا أرحام الجامعات الكبرى في العالم الإسلامي!! بعبدة
الطواغيت، فقد أخرجت تلك الجامعات أرتالاً من الأجيال التي لم تنكر الغيب
صراحة، لكنها ما فتئت تعتقد بأن إنكار عالم الغيب بالذات هو سبب تفوق الغرب،
وتقدم علومه وازدهار حضارته!! وما فتئت تدعو وتعمل على أن يلزم الإسلام
عتبات التكايا والزوايا والمشاهد البدعية وحاملي المسابح؛ لأن أوربا تحضّرت يوم
طوت سلطان الدين عن الدنيا!!
إن تلك الأجيال المتأسلمة تعيش فصاماً نكداً بين نشاط علماني في الجامعة،
وتدين منقوص في الجامع! إنهم فئة من الأدعياء وحزمة من المنافقين، تشتاط
غضباً حين تُخدش أدواتها المنطقية والمعرفية وبدهياتها العقلية! ! بيد أنها تخفق
في اجتياز اختبار العقيدة الأول.
يقولون: آمنا، بأفواههم (وكأن الإيمان ليس وراءه مقتضيات وتبعات
وتكاليف!!) . وترفض عقولهم (المنطقية) المعجزات!! ولا يدركون أن ذلك
يعني منطقياً رفض الوحي، وبالتالي رفض الإيمان بالله ورسله
واليوم الآخر.
كم مرة انبرى خصوم الدين أولئك، للخوض في مسائل شرعية؟ كم مرة
اشتكوا من دعوى تزمت علماء الدين زاعمين أنهم يغلقون من الأبواب أكثر مما
يفتحون!! كم مرة دبجوا المقالات المسمومة، مقروءة ومسموعة، بعد أن توسلوا
بالمصطلحات الشرعية وطعموا مقالاتهم بالآيات والأحاديث النبوية؟ بل إن منهم
من يطلق عليه بهتاناً وكذباً الكاتب والمفكر الإسلامي!! وهؤلاء على وجه
الخصوص يتبنون تفكيراً مرحلياً ذرائعياً، فبعد أن قادوا تيار (المد القومي
الاشتراكي) منذ الخمسينات وآزروه وعزروه، انقلبوا الآن على اشتراكيتهم
المهزومة وهموا بركوب صهوة المد الإسلامي المظفر، لا توبة واعتصاماً بحبل الله
فيما يظهر وإنما ليقيموا بنية (إسلامية معتدلة) !! بديلة توازي البنية الإسلامية
(السلفية الأصولية) كما يزعمون. إن مبتغاهم هو ترويض الجماعات الإسلامية،
وعرقلة العمل الإسلامي، واحتواء شباب الصحوة، إن مهمتهم هي تفريغ الإسلام
الحق من أصوله، بانتحال الدين وتحت لبوس المصلحين وباسم الاعتدال
والاستنارة والتفكير العلمي!! فتراهم يثيرون الفتن، ويروجون الأباطيل،
ويجعلون القضايا كلها خلافية، والمسائل اجتهادية ويتواصون بدعوات الضلال
وتسوؤهم دعوات الخير.
هؤلاء ينالون حظوة في أعين مجتمعاتهم، ويتلقون تلميعاً إعلامياً وصدارة
اجتماعية وتزكية سياسية، عوضاً عن محاكمتهم اجتماعياً وعزلهم إعلامياً
و (أكاديمياً) ، وتفنيد حججهم، وتسفيه أحلامهم، أو بالأحرى تجاهلهم تماماً وإبعادهم
عن التسلط على عقول النشء والسيطرة على قلوب الجهال.
إن على الأساتذة الجامعيين ومشرفي الرسائل الجامعية على وجه الخصوص
والدارسين والباحثين أن يتوخوا إخلاص الدين لله فيما يفعلون وأن يتحرروا في
بحوثهم (العلمية) كما يسمونها من أنواع الشركيات من عقائد وقوانين وخرافات ومن
سائر الآلهة المصنوعة (خرافة العلم المادي وقوى الطبيعة وفعالية العقل) .
إننا نحضكم معشر الأساتذة على توجيه جهودكم وهممكم نحو بعث المضامين
العقدية والتشريعية والفقهية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية في
الإسلام ونشرها وتعميقها في الدراسات الجامعية، وفي واقع المجتمعات المسلمة.
إننا نحضكم وننبهكم إلى أن مسؤولية الأساتذة الجامعيين هي: توجيه طلبة
العلم إلى العلم الحقيقي، العلم النافع في مصادره ومظانه، وحثهم على ترشيد
طاقاتهم وبذلها في موضوعات تهم مجتمعاتهم وفي إسهامات قادرة على دعم الانبعاثة
العقدية والحضارية المشهودة للأمة الإسلامية. إن معظم طلبة الدراسات العليا لن
يكونوا بطبيعة الحال علماء جهابذة أو نقاداً أفذاذاً ولكن الكثيرين منهم يستطيعون
بإذن الله أن يصبحوا باحثين مبرزين في مجالاتهم، إن كثيرا منهم يمكن أن
يصبحوا محققين قادرين على ابتعاث مكنون هذه الأمة من الذخائر المخطوطة
والمطبوعة، فلماذا يوجه الطلبة إلى موضوعات مائعة وقضايا قميئة؟ ! لماذا توجه
جهودهم نحو بحوث حداثية، ومناهج كفرية وجزئيات مبتورة، ودراسات مشبوهة؟! لماذا لا يجند أبناء هذه الأمة لدحض الافتراءات والأباطيل الاستشراقية عن
أمتهم؟! لماذا (يُقَولبون) ويستخدمون بوصفهم أدوات طيعة لتزكية المبادئ العلمانية
وتبني المقولات المادية؟! لماذا يرمى بطالب الدراسات وهو أعزل في مهاوي تلك
الترهات والخزعبلات (العلمية) !! دون أن يفهمها أو يستسيغها عقدياً؟! لماذا
تهدر طاقاته ومواهبه وعمره في بحوث بلا طائل، تضاف إلى مكتبة (السطو
العلمي المشروع) المختوم بمصداقية الجامعات الرسمية؟! لماذا يقسر الطلبة على
اختيار الموضوعات السهلة والحداثية!! ، وتكسر في نفوسهم الهمم العالية،
وتصدم العقيدة السليمة، وتوأد الثقة في النفس؟ فالطالب حين يفشل في استيعاب
تلك (المتطلبات والأسس العلمية) !! يسايرها ويتبناها دون فهم أو تمحيص، بل
ويروج لها ويتسلقها باعتبارها سلم النجاح والترقي في المحافل العلمية والصحفية
والإعلامية!!
لا جرم أن الصحوة الإسلامية لم تخرج من جوف هذه الجامعات بل اقتحمت
أسوارها بقوة من الخارج.
اسألوا كثيراً من مشرفي الرسائل الجامعية ومناقشيها عن مستويات الرسائل
المقدمة ومضامينها! ! بل اسألوهم عن ظروف إجازة معظم الرسائل الجامعية! !
وبعد ذلك كله فكروا ما الأثر المستفاد من هذه الأفواج المتتالية من حاملي الأسفار
(العلمية) ؟ ! لاسيما في العلوم الإنسانية والاجتماعية ... أين صداهم الاجتماعي،
ودورهم الملموس في المجتمع؟ ! ماذا قدمت جل تلك الرسائل؟ ! غير ترديد كلام
الآخرين واقتباس أفكارهم وسرقة جهدهم وانتحال مواقفهم دون نقد أو تمحيص! !
حتى عمّ الانحراف العقدي الرجال والنساء معاً! ! واستوى الجنسان في النزوع إلى
العلمانية لا الميل إلى العلمية! ! أي علم هذا الذي حصل؟ ! أي خير هذا الذي عمّ؟!
لا تعدو المسألة إذاً تحصيل الألقاب وحصد المناصب ونيل العلاوات المالية
والدرجات الوظيفية والتباهي بالمكانة المرموقة اجتماعياً! !
ينبغي على هؤلاء الأساتذة أن يراجعوا موقفهم من مناهج البحث الغربية فإن
المناهج ليست أدوات علمية محايدة! ! والإفادة من هذا المنهج أو ذاك من منظور
إسلامي نقدي أمر يختلف جوهرياً عن الارتهان الكامل للمنهجية الغربية في البحث
والنظر والتقويم! !
إن همة المثقفين المسلمين ينبغي أن تنصرف نحو إحياء المنهج الإسلامي في
البحث العلمي، وهو منهج (يرتكز على الإيمان بالله عالم الغيب والشهادة ويقر
الإرادة الإلهية ويعترف بالجوانب الروحية للإنسان ويقوم على الموازنة بين
المؤثرات الروحية والاقتصادية.. وهو بعد ذلك يراعي الفطرة والغرائز ويتسم
بالموضوعية والبعد عن العصبية والاستعلاء العنصري، وهذه السمات تميزه عن
منهج البحث الغربي وتجعله يتفوق عليه) . [١]
إن على جامعات العالم الإسلامي أن تتعهد الغراس البشرية التي استرعيت
عليها، بالنصح والإرشاد والتوجيه، وأن تسعى إلى تطبيق المنهجية التربوية
الإسلامية في كلياتها ومعاهدها ومراكز بحوثها العلمية، تلك المنهجية التي تهدف
إلى تكوين الأفراد الصالحين في أنفسهم، المصلحين لغيرهم، المنتمين لهذه الأمة
الإسلامية، الحاملين همومها الدعوية والجهادية والحضارية، المجندين لرفعتها
ورقيها وسؤددها بين الأمم، إن الجامعات الإسلامية ينبغي أن تخرج أفواجاً من
الدراسين الذين يحملون إرث الأمة العقدي والثقافي والحضاري، لا أن تخرج
خصوماً للإسلام، وأعداءً له.
والله من وراء القصد.
стр. 1591
نصوص شعرية
النور وخيوط العنكبوت
علي محمد سفر
«تَرِبَتْ يداك أفِقْ»
أَتاهُ الصوت: «قُمْ
تَرِبَتْ يداك أَفِقْ
إلامَ النومُ..
تَفتَرِشُ الردى
وتظلّ تَسبَحُ في فضاء الحُلْمِ..
عُمرُك منقضٍ
مازلتَ تَتّبِعُ الهوى؟ !
تِربَت ... »
فأوصدَ أُذنَهُ
كي لا يُتِمّ سَماعها
«قُم ... »
ثم كرّسَ جُهدَهُ
لكنها بَلَغتهُ
أن تَرِبَتْ يداك فَقُمْ
وإلا سوفَ يُرديكَ الرَدَى
أتَظَلّ تَقْبَعُ في ظلامِ الكَهفِ
تَلتحَفُ الغنى؟ !
وتُصِرّ..
ترفُضُ لحظةَ الإبصارِ! ..
تحتضنُ العمى؟ !
تَقْتَاتَ من شَجَرِ الخَطيئةِ..
كلّ معصية تُباري أُختَها..
وتُصبرّ..
أن تبقى رَهينَ القَيدِ..
يُدمِي المِعّصَمَا..
وتشدّ أزر العنكبوتٍ! ..
تحثها..
لتتم حَبْكَ نسيجها..
لتخيط عينيك الخيوطُ.. خيوطُها
كي لا ترى!
أتعيشُ تُخدعُ بالسرابِ..
تظنُ بريقه ماءً..
فتركُضُ لاهثاً..
يشتد لفح القيظِ..
يُشعِلُ لهفَة الظمآن..
يبني للسراب مرابعا!
وتظلّ تركض في لهيب القفر! ..
تنشد شربةً من ماءْ..
وأنت مُرتبك الخُطى..
تربت يداك أفقْ..
أتُخدعُ من بريق الوهم؟ ! ..
تحسب أنهم صدقوا..
فنالوا المجدَ؟ ! ..
ذلك زائفٌ.
خَلَتِ الحضارة من غذاء الروحِ..
فانقلبت شقاءً..
واستبدّ الليل يقذف بالأسى!
فهناك مُنتحِرٌ ومنتَهكٌ..
وطفل لم يجد حباً..
وشيخ خانه الأبناءُ
لم يسعفه كوم قِمامةٍ
لينال منها لقمة منسيةً!
لينال منها عظمةً!
قد أغفلتها أعين الكلب الذي
قد راح ينعم بالسرير مدللا! !
وعلى رصيفِ البؤسِ
تلتحف العجوزُ البردَ
كانت تسلُبُ الأنظارَ
كانت.. إنها كانت ولكن لم تعدْ
تلك التي تتزاحمُ الخطواتُ في.. طرقاتِها
بقيت هناكَ..
فلم تجد بيتا ولا زوجاً ولا طفلاً
تسابقُ في المساء على الرصيفَ.. كلابَهُ!
بدأت تفكر في الخلاص.. فلم تجد حلاً
ولكن فجأة رأت الخلاصْ!
هناك يقبع حلّها..
وجدته في نوم عميقٍ
إنه كلب يعيش مُرَفهاً..
وجدته يأكل كل حينٍ
ثم يستلقي جوارَ الكوخِ..
لا يخشى صقيع البردِ! ..
لا يخشى رصاصا طائشا.
فأتت بسكين.. لقتل الكلبِ
واقتربت تريد الحلّ
ترغب في الخلاص من الأسى.
جلس القضاةُ..
وأُوثِقَتْ بالقيدِ..
تعلو وجهَها البسماتُ
قد نعمت بدفء السجن! ..
تشكر نعمة الجدرانْ! !
قد وجدت هنا في السجن بغيتَها
فلن تضطر بعد الآن للترحالِ
تبحثاً عن رصيفٍ آمن عند المساءْ! .
صمت الجميع وأُوثقت
نَطَقَ القضاة بأن الحكم ليس بسجنها
علموا بأن السجن تكريم لها
قالوا حكمنا أن تظلي مثلما كنتِ..
ففُكّوا القيد وانتقموا لموت الكلبْ! !
عادت إلى ذاك الرصيفِ
فلم تجد فوق الرصيف فراشَها
وجدته مسروقاً! ..
وما وجدت سوى الإنهاكِ
يسحق عظمها.
إن كانت الأيام قد أوحت بأن مروّجي الأوهام قد ظهروا علينا
وارتقوا بالعلمِ..
قد برعوا بتصنيع السلاحِ
وجيشوا كل الجيوشِ
تسابقوا في غزونا!
ورأيت أنا قلة بلهاءُ
مازالت تظن بأنها
يوماً ستقهرهم.. ستهزمهمْ..
ستحيي ذلك الماضي..
سترفع راية رُفعت هناك بأرضهمْ! !
فاعلم بأنا لم نقل هذا لنخدع ناخباً
أو أننا قلناه تخميناً وتخديراً..
لنشعر بالرضى! .
قلناه عن وعدٍ..
وُعِدنا أن نصر الله آتٍ
قاله ربي على العرش استوى
إن كنت تشعر أن هذا مستحيل
أن يتمّ النصرُ للضعفاءِ! ..
فاسأل أهل مكةَ..
حينما رفضوا ضياءَ الفجرِ
واجتهدوا لوأد النورِ..
شنوا الحربْ..
فهل ربحوا برغم عتادهم؟ !
إن كنت لا تدري فسل «بدرا»
وسل ما شئت من رومٍ
وسل في أرض كسرى..
عن رجال محمدٍ
كانوا بلا عُدد كما صرنا
ولكن نصرُهمّ لله قد أهدى إليهمْ نصرَهُ! .
إنا على ثقة
فقم والحَق بركب الحقّ..
لا تركن إلى الآثامِ
لا تُخدع بأوهامٍ
يزيد بريقها الشيطانُ
لا تُسلم زمامك للهوى
أزِل الغشاوةَ
واستمع لكلام ربكَ
واتبع هدي الرسول.
مزّق خيوطَ العنكبوت الآنَ
واستمتع بنور الحقّ
يهدي نفسك الحيرى..
إلى درب الهدى.
стр. 1592
نحو أدب إسلامي
أحزان الوطن في ديوان
(شموخاً أيتها المآذن)
للشاعر محمود مفلح
محمد شلال الحناحنة
هل الشعر نهر صاف من الحزن، قبّرة تؤوب إلى الضلوع، دفق من الحلم
يعج بالحنين.. لغة تتدفق من فضاء غائم؟ ! هذه الأسئلة المرفرفة هبطت علي وأنا
أستمع لصوت الشاعر محمود مفلح، ذلك الصوت الناصع المتدفق بالشعر، المشبع
بأحزان الوطن وهو يحمل أحاسيس مرهفة في ارتحاله الدائم بين المدن العربية
حيث ينبض بشجو طائر أسير، أصدر أكثر من سبعة دواوين شعرية إضافة إلى
ثلاث مجموعات قصصية، وله حضور متميز في المنابر الأدبية الإسلامية، فهو
طاقة شعرية متوقدة، ولعل طول اغترابه وشفافية نفسه فجر في شعره مواجد
اللوعة والحزن، إذ يرصد تضاريس همه الفلسطيني الإسلامي بحنين رهيف
صاف.
في ديوانه: (شموخاً أيتها المآذن) الصادر عن دار الفرقان بعمان بوح رقيق
يستحضر معاناة مشحونة برؤى الواقع المنبثق من إيمان عميق بالله، يقول في
قصيدته (موطني) :
عَطَشٌ قاَتِلٌ يعُربد في الجَفِ ... وغيرُ الإيمانِ لا يُرويني
ألفُ داءٍ سطاَ عليّ ولكن ... قطرة من دوائه تشفينِي
إنه القلعة الحصينة في عص ... تحدت به الغزاة حصوني
فخيول اليرموك منه أطلّت ... وسيوف الكماة في حطين
أيّ وطنٍ هذا الذي يغيض علينا يروي غصوننا الظمأى متلفعاً بالتحدّي؟
إن ثمة نبرة عالية في القصيدة، ثمة رؤية عيانية تحاور صفاء التاريخ
الإسلامي، وتفتح نوافذها لرموزه، فاليرموك وحطين معركتان إسلاميتان مترعتان
بالثراء الحماسي الوجداني في قلب كل مسلم، وهما تفجران حقل الدلالات المكانية
في نفس شاعرنا الملتزم بالنهج القرآني.
إن فلسطين تراكم نوعي إيماني مدهش، لمعارك بطولية منذ فجر الإسلام،
والشاعر يطل علينا من خلال هذه النافذة المشعة.
وتدخر قصيدته (معذرة..) دخيرتها الإيحائية المضيئة لمزيد من الغوص في
أعماق الزمن الرمز. وهي تستقرئ حزناً دافئاً وتعج بالسخرية المرة اللاذعة عبر
ومضات ذكية وظفها الشاعر لتغذية حواره التاريخي المكتظ بكبرياء الحكمة
الإسلامية العظيمة.
والقصيدة في بنائها العضوي تتوحد في مقاطعها مسلطة عدستها على لب
التجربة العامة من خلال تفاصيلها الواقعية الموجعة:
ما جف شعري لك جفت القيم ... ليس في عصرنا نار ولا علم
لا في السياسة تلقى من معاوية ... وليس في حربنا الشعواء معتصم
ومورد المجد قفر لا أنيس به ... ومورد الذل بالعشاق يزدحم
أليست هذه المرارة الحادة، تنخر في الذات الجماعية عند محمود مفلح شاعر
القيم والمجد الأصلي؟ ! إنه يدرك بوعي الشاعر المسلم، أن هذا المجد الموتور
يصرخ، والبلاد قفرٌ يغلفها الاستلاب والضياع! فهل نسكب العبرة للعبرة؟ ! هكذا
تبدو القصيدة تتشظى عبر وخز قاس للمرحلة بكل شموليتها:
يا سيدي إن جرحي لا ضماد له ... ... فكل شيء أراه اليوم ينهدم
تدوسنا قدم الرومان في صلف ... ونحن من تحتها نلهو ونختصم
وتسقط الدار إثر الدار منبئة ... أن الديار بأهليها ستلتهم
صرنا كبعض نمال الأرض من ضعة ... والنمل يلسع أحيانا وينتقم
كم حرة صرخت من تحت غاصبها ... فجاءها المنقذان العي والصمم
هذا هو حاضرنا المفجع المرعب، والشاعر لم يكن شاهداً على هذا الحاضر
المؤلم فقط إنما نراه يترقى في المعاناة، ليغدو المحرض الفاعل في القصيدة.
إن البؤر المتوهجة المنيرة في شعر محمود مفلح تنطلق من مأساة الجماعة
الإسلامية أينما حلت، وليست نمطاً ذاتياً مغرقاً في النرجسية. إن الفضاء الشعري
هنا يتألق ولا ينصهر، ينشد حكمته، ويكثف غيومه على أرض تتهيأ للخصب:
قد كان في أمتي أُسدٌ وعرفهم ... ضاق الغباء بهم والحقد والورمُ
فبعضهم قتلوا جهرا وبعضهم ... في القيد وهو بحبل الله معتصم
وبعضهم في بلاد الله قد ضربوا ... ومن أعز بلاد الله قد حُرموا
هذه الأنات الثرية بالصدق، المترعة بالألم، المتوحدة مع هموم الدعوة
الإسلامية، تمتشق قصائد شاعرنا عبر أصالة في الرؤى، ورهافة في الشعور
ووعي راسخ، ونظرة ثاقبة لتاريخنا الإسلامي الحافل بالأمجاد والبطولات رغم
الدسائس والمؤامرات لإجهاض الفجر القادم بإذن الله.
إن في هذا الشعر الإسلامي رغم ما يصوره من تجهم المرحلة، وسواد الواقع
روح الشباب المسلم الرافض لكل أشكال الاستعباد والتساقط المخيم على جل بلاد
المسلمين.
ولا بد أن نعانق هنا هذا النموذج الحي المجاهد عبر معاناة حادة، حيث يبزغ
من بين هذا الركام يتحدى القيد معتصما بحبل الله: (وبعضهم في القيد وهو بحبل
الله معتصم «، هكذا يمسك هذا الشعر الشامخ بعافيته ولا يتردى في دياجير الجهل
والضلال.
هذه الملامح النقية الصافية في شعر محمود مفلح ما كنا لنجدها عند شاعر
خارج عن الاتجاه الإسلامي، كما نقرأ لبعض المنحرفين المستهترين بالقيم الرفيعة
والمثل السامية مهما طبلت ورقصت لشعرهم الصحافة الرخيصة، فليس هناك وجه
مقارنة: [أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون] .
وتتمدد قصيدة (صرخة) على مساحة واسعة من الأَلَق المبشر بمجاهدة واعية
لكل ما يعطل الفعل الإسلامي المتوثب لفجر جديد، والصور في القصيدة حشد منمق
ينفذ إلى نخاع الأسى، وتأجج النَفَس الشعري يغترف مداده من نفس مؤمنة بصيرة، ووعد رباني يفيض بنعيم أزلي واقع لا محالة:
ولماذا أقضّ مضجع شعب ... هو في حلبة الرقاد سبوقُ
دعه في نومه العميق حرام ... أن يُنادى هذا السباتُ العميق
مالنا واليهود نحن بخير ... عندنا التبر وافر والعقيق
أي حق هذا الذي يفسد الحلم ... علينا، غدا تُردّ الحقوقُ
ويسترسل الشاعر في هذه اللهجة الساخرة اللاذعة، ساخطاً على المثبطين
المرجفين في الساحة العربية الذين تركوا الجهاد في فلسطين، وليس همهم سوى
العيش الرغيد، وتحقيق مصالحهم الدنيوية الزهيدة من راحة وجاه ومال؛ هؤلاء
هم المنافقون القاعدون الأذلاء الذين كشفهم الله قبل أربعة عشر قرناً فقال تعالى:
[وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله أستأذنك أولوا الطول منهم
وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم
فهم لا يفقهون] .
أين هؤلاء الساقطون المتشبثون بفتات الدنيا الذين مردوا على النفاق من
أولئك المؤمنين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم: [لكن الرسول والذين آمنوا معه
جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات، وأولئك هم المفلحون] . هذا التقابل
بين القاعدين المرتابين وبين المجاهدين الأباة الذي يتمثله الشاعر من خلال رؤية
واعية شاملة للقرآن الكريم يقوم على نهجه القويم ويبقى السؤال قائما بكل شموخ
المؤمن المتمسك بدينه فكراً وسلوكاً: هل نحن بحاجة حقاً إلى أولئك الخوالف
المترفين ليكونوا في صفوفنا المجاهدة؟ !
إنهم عناصر الفساد والفتنة في المجتمع المسلم، وهم كذلك عناصر الهدم
والتخريب وطعن المؤمنين من ظهورهم، فما أحوجنا إلى نبذهم وعزلهم وقطع
صلاتنا بهم إن لم يتوبوا، ويعودوا إلى السرب الإسلامي! وما أعظم وأصدق
تصوير الله لما يستعر في نفوسهم الشريرة: [لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاْ
يبغونكم الفتنة] .
إنه قدرنا نحن المؤمنين أن نجاهد ونموت على عقيدة صحيحة لنحيا حياة
خالدة ونرنو إلى جنان لا تعلم نفس ما أخفي فيها من قرة أعين.
فهذا هو الوعد الحق بيننا وبين الله، فدعونا نصغي لشاعرنا يحث الخطا إلى
الموت العظيم:
قدري أن أعانق الموت شدوداً ... وعيناي شب فها الحريق
غير أني على العقيدة باقٍ ... وسلاحي بكل علج يليق
والحق يقال إن شاعرنا محمود مفلح صاحب رسالة سامية، وهو ينطلق في
شعره من هذا المعتقد، وإن كان النقاد المحدثون يتبجحون بالوحدة الفنية
والموضوعية التي تميز بعض شعرائهم المبجلين على حد زعمهم، فلنقرأ هذا النمط
الفريد من الوحدة العميقة فكراً وروحاً عند شاعرنا، حيث يحس القارئ بتآلف
روحي مع قصائده مثل (شموخاً أيتها المآذن، الراية والجنود، أيها الشعب المترجم)
فيعيش معها ليصافح تلك الصور الندية والحركات الحية النابضة بالإيمان.
وفي قصيدة (الله أكبر) تلاحم رائع مع موضوعية وإيقاع متميز للعبارة
الشعرية الحديثة، حيث تأوي إلى حسٍ شاعري رهيف بوقع الكلمة، هذا الحس
الشاعري، والجرس الإيقاعي يميز كثيراً من قصائدنا الإسلامية. أما القصيدة التي
بين أيدينا فهي قراءة واعية متأنية للواقع وهي تستنير بهدي الإسلام وتبصر بنوره:
لاح يا شعبي العظيم الشهاب
وتهاوت الأصنام والأنصاب
فالميادين غضبة والتهاب
صاغها السيف والأسى والعذاب
وتلاقت يفدي الشاب الشباب
إنهم فتية دُعوا فاستجابوا
إنه فجرك الذي قد تحرر
وحداء الطريق الله أكبر
إذن هذه هي الطريق لفلسطين، طريق» الله أكبر «ولا طريق غيرها هكذا
تجوس القصيدة عبر مشاهدها الستة، مفجرة مشاعل الحرية، ملوحة برايات الجهاد
ومعطرة بأناشيد الفجر، عبر ومضاتها وأنفاسها المؤثرة، وعاطفتها الإيمانية
المشحونة بالصدق والصفاء.
وبعد ...
هل فتحت لهذا الطائر الإسلامي المترع بأحلام البسطاء الفقراء بعض نوافذ
الروح؟ ! هل اقتربت من حنينه الفلسطيني لمآذن الأقصى؟ ! هل آخيت هذا
الضياء بضياء شبيه؟ !
أتمنى أن أكون جديراً بهذا الأَلَق.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1593
نصوص شعرية
كيف يشكو إلى القيود الأسير
د. صالح الزهراني
يا ضمير الأحرار.. أين الضميرُ وبلادي مجازرٌ وقبورُ!
كيفَ يخفى «يا مجلس الأمن» جرحي ... ودِمائي في الخافقين تمور!
كيف تنسى «يا مجلس الأمن» وضعي ... ولديكم عن حالتي تقريرُ!
يا ضمير الأحرار.. ما جئت أشكو كيف يشكو إلى القيود الأسير؟
وإذا كانت المبادئ أسمى فالعسير الذي ألاقي يسيرُ
ما خبا في دمي شعاع المعالي في وريدي لا ينضب «التكبير»
واقف فوق سيفكم أتلظى وقفتي رجفةٌ وهمسي سعيرُ
يا ضمير الأحرار.. ما عزّ قومٌ من قراراتكم.. ولا انهل نورُ
مسرحياتك استبانت رؤاها شاحبات، يخونها التفكير
والغلاف الذي رسمت «صليبٌ» ... والمضامين كلها «تنصيرُ»
يا ضمير الأحرار.. دهرك ظُلمٌ ودهورُ الظلام يومٌ قصير
كُلّ يومٍ تمدّ كفّ حنونٍ بالعطايا، وأنت «كلب عقورُ»
في ربوع «الصومال» فرّقت أهلي ... فأفاقوا.. ومجدهم زمهريرُ
ودخلت البلاد من ألف بابٍ وأقيمت «معابد» وجسورُ
وعلى «القدس» راعفٌ من هواكم ... شرقت منه بالمدامع «صورُ»
كلّ فجرٍ «جنازةٌ» ، ورصاصٌ ... وعليها من عدلكم منشورُ
حدّثوني عن «غزةٍ» ، عن هواها ... كيف ماتت فوق الغصون الطيورُ؟
حدّثوني عن «برتقالة صيدا» ... كيف شاخت أغصانها والجذورُ؟
حدّثوني عن «وجه لبنان» لمّا ... جف فيه الندى، وجف العبيرُ
حدّثوني عن طفلةٍ ساءلتكم عن أبيها، أين احتواه المصيرُ؟
الشهادات، والقضاة لديكم وضحايا الأسى «غيابٌ حضورُ»
كلّ دعوى لها لديك بيان ودليل، وشاهدٌ منك زُورُ
يُخنق الصوت في الحناجر ظلماً وتظلّ القلوبُ فيها زفيرُ
يخسف البدر، والنجوم تهادى والليالي بالمذهلات تدورُ
أيها المسلمون هذا خطابي عربيٌ، ما فيه حرفٌ أجيرُ
فاقرأوا سحنتي، وفحوى خطابي وافهموا ما تغضّ عنه السطورُ
أنا قلبٌ متيّمٌ بهواكُم أنا قلبٌ على أساكم غيورُ
أيها الصابرون، طال التمادي في خلافاتنا، وطال المسيرُ
وإذا لم يكن على الصدر سيفٌ فليكُن في الضلوع قلبٌ جسورُ
مجلس الأمن «لعبة أحكمتها ... كف باغ، بالموبقات خبيرُ
لكأني بكم» شياهٌ «بليلٍ ... شتويٌ، والليل ليلٌ مطيرُ
كيف يرضى الفتى، وقد كان رأساً أن تُطا أوجهٌ، وتحنى ظُهورُ
كيف يغدو للخانعين مُطيعاً وهو في ناظر الزمان» أميرُ «
نحن مليارُ لا قرارٌ جريءٌ يصطفينا، ولا بنانٌ يُشيرُ
نحن مليارُ عزّ فيه رشيدٌ عزّ فيه للمجد سرج وكورُ
عزّ فينا.. وكيف والأمر فوضى عزّ فينا وقتَ النداء النصيرُ
غير أنا» يا مجلس الأمن «فجرٌ ... أحمدي، وليس للفجر» سور «
يسقط المسرحُ الكئيب جهاراً والمغني، والمخرج المشهورُ
يسقط المبدأ الذي كان يأتي يتسلى بزيفه» الجمهورُ «
صوتنا قادمٌ.. وصعبٌ عليكم لو علمتم ... ما يحتوي التفسيرُ
стр. 1594
المسلمون والعالم
يا بلاد المليون شهيد
الكلاشنكوف لن يسكت الأذان
د. عبد الله عمر سلطان
«الحالة الجزائرية» تعود إلى عناوين الصحف وصور التقارير الإخبارية
وقد توشحت بهذا اللون الداكن الذي يعكس حجم الأزمة التي وصلت إليها الجزائر
تحت المظلة العسكرية التي ترى أن جذور الواقع الراهن لا تمتد سوى لمسافة
قصيرة وعوامل سطحية تستطيع أن تصفيها وتقضي على أسسها من خلال جيش
مسلح وبندقية رعناء!
إن هذه الحالة/المأزق، تكشف بوضوح أن هناك معسكرين في الجزائر آخذين
في استقطاب البنية الجماهيرية العريضة، ليستأنفا حلقة من حلقات الوجود
الحضاري والتاريخي لهذا البلد المكافح الأشم..، يبدأ تاريخ الفريق الأقوى مادياً
وعسكرياً باحتلال الجزائر عام ١٨٣١ م حيث أقام الاستعمار الفرنسي بُنى ثقافية
وعقائدية واقتصادية مرتبطة بالمشروع الفرانكفوني الاستعماري، أما الفريق الثاني
فهو مغروس في تراب الجزائر منذ عقبة بن نافع وحتى اللحظة القاسية الحاضرة،
مروراً بجهاد الأمير عبد القادر الجزائري وعبد الحميد بن باديس، ووصولاً إلى كل
جزائري يعتبر أن المواجهة الحاصلة على أرض بلده هي مشهد آخر بين «عبيد
فرنسا» و «عباد الله» .
فرنسا الاستعمارية المستبدة لجأت خلال استعمارها للجزائر إلى الطرق
الصوفية التي أصبحت في عهدها الأداة «الدينية» المطلوبة لمحاربة المشروع
الإسلامي العبقري الذي أطلقته «جمعية العلماء الجزائرية» وروادها في وجه
المستعمر، أما المؤسسة المدنية الملتحقة بهذه الشبكة الاستعمارية فقد تنوعت
وتعددت فصائلها، وإن كان هناك ثقل لبعض كوادرها كالكادر العسكري الذي التحق
بالجيش الجزائري في مرحلة متأخرة من حرب التحرير، والذي يشكل العسكريون
الذين يديرون الحياة السياسية في الجزائر اليوم طليعتهم، بالإضافة إلى التكنوقراط
الذين تغلغلوا في جسد الدولة ومفاصلها ... أما أخطر الكوادر فهو الكادر العقائدي
الذي يحاول بصورة مضحكة للغاية أن يُعطي للجيش المنبث في شوارع وأزقة
وأسطح البلد غطاءً أيدلوجياً يبدو مهلهلاً من أجل أن يستمر المشروع التغريبي بأيدٍ
«وطنية» سمراء اللون!
الأقلية الانعزالية والأكثرية المحاصرة:
نحن أمام صراع «النخب» مع قطاعها الواسع المحكوم بالحديد والنار..!
(جورج الراسي) الكاتب اللبناني النصراني عبر عنه في مرحلة الثورة بعنوان
قصير هو «علمانية القيادة وإسلام الجماهير» ، القيادة التي اتخذت من تحرير
الوطن قنطرة لسلب الجماهير معتقدها، وتكريس الثنائية المتكررة في عالمنا
الاسلامي، نخب تحكم بالحديد والنار وجماهير متمسكة برغم الحصار بهويتها
وشرعية وجودها، وهو الإسلام!
مراسل النيوزويك علّق على تشكيل حكومة رضا مالك الجديدة بقوله: إن
على الحكومة الجديدة أن تحارب على جبهتين جبهة أعدائها من الإسلاميين وجبهة
أصدقائها من العلمانيين «، وهو يشير هنا إلى أن وقوف المعسكر المعادي للحل
الإسلامي في الجزائر كان متوحداً حول قضية واحدة هي وأد» الإسلام «في
الجزائر بعد أن اختاره الشعب الجزائري مرة بعد مرة خلال أقل من سنتين خياراً
وحيداً، أما الآن فإن هذا الشعار الذي التف حوله جل العلمانيين والانتهازيين
واللصوص والمستبدين والماركسيين وغلاة البربر والفرانكفونيين لا يخدم سوى
مصالح فريق صغير ضيق الأفق» شوفيني «السلوك! هذا الفريق يظهر يوماً بعد
آخر على حقيقته ويفقد باطراد أبرز حلفائه..
لقد أثبتت الأحداث المتتالية أن هذه المجموعة المعروفة باسم» المجتمع
المدني «هي فئة من المتفرنسين والبربر المتحالفين مع طغمة عسكرية فاسدة أخذت
في تصفية أبرز واجهاتها وحلفائها كما فعلت مع» بوضياف «و» قاصدي مرباح «وأنها تسعى لتهميش البقية، كحسين آيت أحمد وأحمد بن بلا فضلاً عن
الاتجاهات الإسلامية التي حاولت أن تبدو ذكية باللعب بورقة الاعتدال ثم ظهر أنها
موغلة في السذاجة، حين وظفَتْ لضرب الفصيل الملاحق والمطارد والذي يحظى
بثقة الغالبية، مع كل حركة تهميش حكومية وكل تحرك عسكري عشوائي.
لم تعد القضية إسلام الغالبية وعلمانية القيادة، فالدائرة تضيق يوماً بعد آخر،
حيث انقلبت الأقلية العلمانية على نفسها، وأخذت كل فئة تلعن أختها وأظهرت
الأحداث الأخيرة أن الأمر قد انحصر في يد أقلية الأقلية، التي كشفت عن هول
داخلها وبشاعة برنامجها.
إذا كان أمر الإسلام لا يعنيهم.. فهل يثأرون لعروبتهم؟
التعاطي الإعلامي والتحليلات السياسية التي تعطي للحدث الجزائري بعض
الاهتمام، تحاول التركيز بصورة متكررة ومن زوايا مختلفة على صورة واحدة من
صور الصراع في الجزائر كما لو أن الصراع المتعدد الجوانب محصور في هذا
الجانب فقط.. وبالطبع فإن الدوافع الخفية لآلة الإعلام العربية المتحيزة دوماً ضد
فريق معروف بسماته وملامحه في الساحة، تعرف أن حصر القضية في تعداد
» شهداء الواجب «، ونقل أخبار» ضحايا العنف «وحده يضر بالفريق الذي اكتسب شرعية منذ البداية من نبض الشارع وأحلام الأغلبية.. هذا النمط
» الأعور «من التحليل قد يحجب حقيقة وبشاعة الواقع الحاصل الآن، لكنه لن يستطيع بالتأكيد أن يلغي بعض الأسئلة المشروعة والملحة التي لا تجد إجابة سوى لدى المنتفضين رعباً من انهيار المشروع العلماني/الفرانكفوني في المغرب العربي عامة وفي الجزائر خاصة.. وإلا.. فمن المستفيد من إلغاء رفع الأذان عبر وسائل الإعلام الجزائرية ... بالطبع لن تكون الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي التي سنته، أو أدرجته في الهيكل البرامجي لوسائل الإعلام الجزائرية التي أصبحت تتباهى اليوم بأنها نموذج لمشروع الرجل/الصنم» كمال أتاتورك «الذي نفذه في تركيا قبل ستة عقود ... ومن المستفيد من جعل يوم العطلة الرسمي هو الأحد بدلاً من الجمعة، فليس من جعل الجمعة عيداً لهذه الأمة سوى ربها ولا دخل لهذا بالجماعات» الإرهابية «في زعمهم.
ومن المستفيد من إلغاء برامج اللغة العربية من المناهج الدراسية وإحلال
مناهج فرنسية الروح واللغة وضيقة الأفق والانتماء.. حتماً ليس لعباس مدني الذي
لم يُرحم بسبب مرضه أو الذبحة الصدرية التي تلاحقه علاقة بالموضوع فالعربية
لغة القرآن ولغة الجزائر رغم أنف العساكر ومن يحركهم..
ومن الذي يقف وراء منع الحجاب هذه الشعيرة التي فرضها رب السماوات
والأرض، لا شك أن الأصوليين لم يخترعوه أو يفرضوه أو يجبروا الناس على
ارتدائه بقوة البندقية، كما فعل الذين رفعوه عن رؤوس آلاف الفتيات في الجزائر..
... ثم لماذا تصر الفئة المنكفئة على ذاتها وهي مرعوبة، على استبعاد
الإسلاميين من الحوار والمشاركة في رسم مستقبل البلاد المجهول رغم أن بعضهم
مستعد كما صرح كثيراً لتقديم التنازلات في سبيل الوصول إلى حل.. صحيح أن
هؤلاء لا يمثلون الأغلبية لكنهم حتماً أثقل وزناً في الميزان السياسي من شراذم
الماركسية، ومليشيات السوربون الفكرية، وأحزاب البربر الغالية في الشذوذ عن
إجماع الأمة!
هذه الأسئلة تلقي بظلها وتطرح نفسها بعنف، ولا تجد سوى تفسير وحيد
وجواب مكرر.. إن الذين يحاربون الإسلام في الجزائر اليوم يتخذون من صراعهم
مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والحركات المسلحة هناك، واجهة لحربهم التاريخية
الطويلة مع الإسلام وطرحه الشمولي الحكيم، الذي يهدد مشروع الفرانكفونيين
المتحالفين مع مافيا السلطة، التي جّرت البلاد إلى هذا المشهد» العدمي «الذي
تُسال فيه دماء البلاد والعباد من أجل ترسيخ» الاستعمار الفرنسي «بصورة جديدة
تناسب اللحظة المعاصرة، ومن أجل مزيد من الاحتكار الضيّق للفرص والمصالح.
إن ساحة الصراع بين مافيا السلطة وجنرالات النظام التي تغطي صورتها
المظلمة بهذا التحالف مع عبيد فرنسا من أبناء الجزائر، أعمق وأشمل من كونه
صراعاً سياسياً أو عسكرياً، إنه يمتد إلى الجذور ... إلى العمق، ففي ظل هذه
الهجمة تهمش حتى الصحافة الرسمية الصادرة باللغة العربية ويضّيق عليها في
الوقت الذي تدعم فيه الصحافة الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية والفكر الفرنسي
حتى ينسى شعب الجزائر لغته.. عسى أن يفقد هويته.. هل ستقولون إن علي
بلحاج هو زعيم» تنظيم الصحافة العربية «في الجزائر لكي تسترد انتماءها
الحقيقي الذي دفعت ثمنه مليون شهيد قبل سنوات؟
إذا كان المحلل والإعلامي العربي لا يثور لدينه أو يتخوف من الإسلاميين حقاً
أو زوراً فهل يغار هؤلاء حتى على عروبتهم يا تُرى؟
إن الإسلام والعروبة في مغرب عالمنا العربي ظلان متلازمان منذ القدم ولم
تأتِ جرثومة القومية العلمانية المنفصلة عن الإسلام بثمار بالغة كما فعلت في مشرق
العالم العربي على يد نصارى بلاد الشام بالذات وهذا يعني بالتالي أن المعركة التي
قادها بالأمس ابن باديس والإبراهيمي قد عادت تطل اليوم بلا رتوش: العروبيون
(الإسلاميون) ... والفرنكفونيين (المافيا الحاكمة) ولم يعد حتى لهؤلاء العلمانيين
العرب من عذر حين يقفون في صف أعداء لغتهم وتراثهم إلا تفسير واحد هو أنهم
مستعدون لإلغاء مشروعهم وإطاراته في سبيل ملاحقة الحل الإسلامي وأهله، ثم في
صبيحة اليوم الثاني يتحدثون عن الحوار القومي الإسلامي ... دون حياء! !
المستقبل:
مراسل محطة التلفاز الفرنسية أجرى مقابلة مع أحد» صقور «العسكريين
الذي علق على التغييرات الاجتماعية مثل نزع الحجاب بقوله:» سوف نزيل كل
هذه المظاهر الأصولية بحزم ... حتى لو لجأنا إلى البندقية «. الشريط ينتقل بعد
ذلك إلى حي باب الواد.. ومسجد السنة الذي يصفه المراسل بأنه أشبه ما يكون
بالثكنة العسكرية المحصنة وهو الذي شهدت جنباته مولد الجبهة الإسلامية للإنقاذ..
امرأة عجوز تشير إلى الحروف الأولى اللاتينية للجبهة الإسلامية للإنقاذ ... قائلة:
» كانوا يأتون للصلاة وينصرفون بهدوء ويعبرون عن ما في صدورهم في العلن ... ثم أنزلوهم الأقبية ليظهر شباب ثائر في الظلام يشعر بالحنق ... أنا أشعر بالحنق حين أحصل على لقمتي ثم تنتزعها مني وأنا أضعها في فمي ... ألا تشعر أنت بالحنق لو فعلوا بك كذلك..؟ «
شاب عاطل عن العمل يقول:» لا أدري ماذا يحمل المستقبل ... على الأقل
كان لدى الجبهة برنامج كسبت به أصوات الناخبين بجدارة ... كان هناك حلم ...
لي ... بغد أفضل ونظام أعدل، أما الآن فأنا أشتهي الموز ولا أستطيع أن أقترب
منه.. الكيلو بحوالي ١٠ دولارات.. لقد حرموا الموز علينا لأن الذي يستطيع
تناوله هم «المافيا» التي قتلت بوضياف.. كان لي حلم ... والآن ... حلمي كيلو
من الموز! ! «.
إن خروج الشعب الذي أصيب في كرامته وهو العزيز وأهين في الصميم
وهو المجاهد، فجر أحداثاً من العنف والعنف المضاد، أراد الذي يفهم لغة القوة أن
يسود ... ، لقد تنبأ العقلاء منذ اليوم الأول لاغتصاب السلطة وتنحية بن جديد أن
الإنقلابات العسكرية وتحكيم لغة القوة لن تحل المعضلة السياسية في الجزائر،
والتي تراكمت مشاهدها منذ ذلك الحين ... والآن وبعد أن أنزلت البلاد إلى الهاوية
بدأ العسكر في التحضير للحوار واستبدال لغة الغطرسة بلغة المفاوضات، ولكن بعد
خراب الجزائر ...
المعلق الفرنسي ينهي شريطه بالقول:» كان بإمكان الجيش أن يتحاور قبل
عامين مع قيادة الجبهة المعتدلة «كحشاني» في سبيل ضمانات كافية تكفل
الاستقرار السياسي للنظام وتحفظ للجيش هيبته وكرامته ... أما الآن وبعد أن بلغ
العنف مداه فإن التفاوض مع الجبهة سيكون أصعب بلاشك خصوصاً أن الشعب
يرى مشروعه يقبض على زمام السلطة «بالجهاد» وليس بالديموقراطية العرجاء
التي وئدت لأن هناك «مخاوف» متوقعة، دون أن يُفَكَر في الخسائر التي نجمت
عن قتل خيار الأغلبية «. يضيف جوزيف سماحة قائلا:» الذين راهنوا على
قطع المسار الانتخابي في الجزائر يفترض فيهم أن يقدموا كشف حساب اليوم، فلا
الاستقرار عم ولا الإزدهار انتشر ولا البلاد خطت في اتجاه الخروج من المأزق،
على العكس تطورت حرب أهلية مصغرة وأثبتت الحكومات المتتالية عجراً فاضحاً
ولم تتدفق المساعدات الأجنبية وهي حين وصلت ابتلعتها خدمات الدين؛ لقد بدأ هذا
الخراب ضروربا من أجل العودة إلى البديهيات القائلة بأن الحل سياسي بالدرجة
الأولى، وبأن المعالجة الأمنية لا تكفي؛ لقد رفع مسؤولون جزائريون في الأشهر
الأخيرة لواء الدعوة إلى التناقش والتحاور لكنهم عمدوا إلى استثناء القوى التي لا
مجال لأي حل سياسي من دونها وكان واضحا أن استدراج أحزاب إلى ندوات
ومشاورات لا يعدو كونه استدراجها إلى فخ لا يستطيع بلورة مخرج «.
إذا كان الكلاشنكوف يستطيع نزع الحجاب الآن فإنه بالتأكيد لن يسكت الأذان
غداً. الأذان يسمع صوته عن بعد.. مخبراً عن مصارع الغابرين وبشارة أهل هذا
الدين الذين استضعفوا ... ولوحقوا وأوذوا ... عسى أن يكون هذا تمحيصاً ... قبل
التمكين.
стр. 1595
المسلمون والعالم
حتى لا ننسى البوسنة والهرسك
مراجعة شاملة للقضية
د. يوسف الصغيّر
أثناء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في جدة، لبحث مأساة المسلمين في البوسنة، كانت قضية السلاح الذي يمنع عن المسلمين على رأس الأولويات ولهذا سارع
اللورد الانجليزي «ديفيد أوين» بالحضور إلى المؤتمر، ولا أدري هل كان
مدعواً أم لا، ولكنه لم يستح فأبدى معارضته لرفع حظر السلاح عن المسلمين لأن
هذا لا يساعد على حل الأزمة كما زعم، وهذه نظرية غريبة لم يتم تطبيقها من قبل
بل ولا يجري تطبيقها الآن إلا في البوسنة، ومع ذلك تنازل المؤتمر وأعطى
المجتمع الدولي مهلة إلى الخامس عشر من يناير الذي يلي المؤتمر لاتخاذ
الاجراءات المناسبة، وذلك حرصاً من المؤتمر على أن تكون تصرفاته منسجمة مع
الشرعية الدولية التي يمثلها أوين الذي لم يكن يتوقع أن يصمد المسلمون إلى ذلك
التاريخ، ولكن إرادة الله غالبة فقد أبلى المسلمون بلاءً حسناً ووقفوا أمام جحافل
الكفر المدججة بالسلاح طويلاً، ومر ١٥ يناير الموعود وتتالت الأشهر بعده والقتال
على أشده، ومازالت الأقطار الإسلامية تنتظر من الشرعية الدولية أن تغير رأيها
وتتكرم برفع حظر السلاح عن المسلمين وهو ما لا أظن أنه سيحدث لأن هذا موقف
مبدئي لكل من بريطانيا وفرنسا وروسيا حتى إن أمريكا التي تتصرف في كل مكان
بدون النظر إلى مواقف الدول الأخرى، وجدت نفسها في هذا الجزء من العالم
بالذات تسلم بوجهة نظر بريطانيا، وتترك القيادة بيد دول المجموعة الأوربية لحل
المشكلة، والتي أرى أنها من التعقيد بحيث أن ما يجري من إذلال وقهر وسلب
للمسلمين سيكون له أوخم العواقب على المنطقة حيث أنه يمكن اعتبار المسلمين
عامل توازن مهم في المنطقة، وبخاصة بعد سقوط الشيوعية وعودة التحالفات
القديمة إلى الظهور وهي التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الأولى، والتي
انطلقت شرارتها من سيراييفوا نتيجة للصراع بين الصرب ومنافسيهم على النفوذ
في المنطقة، وهم النمساويون الذين يمثلهم الكروات.
والصراع في البوسنة هو مظهر من مظاهر الصراع بين الصرب والكروات
وحل قضية البوسنة سيؤدي بالضرورة إلى اندلاع صراعات متتالية سيكون الصرب
طرفاً رئيساً فيها حيث إنهم ينتظرون الانتهاء من البوسنة، حتى يلتفتوا إلى قضايا
أخرى معلقة مثل مناطق كوسوفو وسنجق ومقدونيا وكرايينا، حتى يتم لهم حلمهم
بإقامة صربيا الكبرى.
مسلمي البوسنة بين فكي الكماشة:
من المعلوم أن الأحداث في جمهورية يوغسلافيا السابقة بدأت بانفصال
سلوفينيا وكرواتيا عن يوغسلافيا التي يسيطر عليها الصرب؛ مما أدى إلى قيام
الصرب باحتلال ثلث مساحة جمهورية كرواتيا، وقد تدخلت الأمم المتحدة وأرسلت
قواتها من أجل تثبيت الوضع على الأرض في كرواتيا، أي استمرار احتلال
الصرب لأجزاء من كرواتيا، واستمر الصراع بين الكروات والصرب ولكن على
أرض جمهورية البوسنة والهرسك الوليدة التي يشكل فيها المسلمون أغلبية السكان،
وقام الصرب بتكرار ما فعلوا في كرايينا، ولكن بوحشية فاقت كل التصورات،
لأن المسلمين أخذوا على حين غِرّة ولم يكونوا يملكون من السلاح ما يدافعون به
عن أنفسهم، وبدأ مسلسل من القتل والاغتصاب والتدمير والطرد يتناسب مع
المباديء الحضارية التي يتميز بها الأوربيون والتي ورثوها عن أسلافهم،
واستبسل المسلمون في الدفاع وقام الكروات في البداية بلعب دور الحليف مما مكّن
المسلمين من استرداد أجزاء كبيرة كانوا فقدوها في البداية، ولكن بدأت محاولة لحل
الأزمة بين الصرب والكروات وذلك بتعويض الكروات عما فقدوه في كرواتيا
بأراضي المسلمين في الهرسك، وقد بارك هذه الفكرة الشيطانية كل من زعيمي
البلدين.
وقد بدأت القوات الصربية والكرواتية تقوم بعمليات مشتركة ضد المسلمين
الذين على الرغم من الحصار عركتهم الحرب فأصبحوا أصلب عوداً وأقدر على
المواجهة.
الحرب الدبلوماسية:
لقد كانت الأمم المتحدة عاملاً مهماً في استمرار وتفاقم مأساة المسلمين في
البوسنة، ففي البداية كان بطرس غالي يرفض إرسال قوات الأمم المتحدة إلى
البوسنة وفي نفس الوقت يفرض حظراً على السلاح، لا يتضرر منه إلا المسلمون، ثم أرسلت قوات الأمم المتحدة وتصرفت كأن مهمتها تنحصر في التفرج على
المذابح، مع مرافقة قوافل الإغاثة، والموافقة على دفع الإتاوات إلى الصرب
والكروات، وتصل نسبة ما يأخذه الصرب من نصيب المسلمين أثناء مرور القوافل
على حواجزهم إلى ٧٠% من الشحنات، مع العلم أنهم يأخذون نصيبهم كاملاً من
الإعانات حيث إنها توزع على الجميع، وإذا أراد الصرب أو الكروات منع
الإمدادات عن منطقة فلهم ذلك وعلى الأمم المتحدة إسقاط المؤن من الجو على
المحاصَرين في المدن، ومن لم تقتله الطرود أثناء سقوطها فهو معرض لنيران
المُحاصِرين أثناء محاولة البحث عنها، وإذا نسيتُ فلن أنسى أنه أثناء تلك المجازر
الرهيبة التي ارتكبها الكروات في «فيتيز» نشرت إحدى الصحف صورة جندي
من الأمم المتحدة يطل من فتحة في إحدى الخيام: بينما التعليق يقول العين بصيرة
واليد قصيرة، وقد أصبح وجود قوات الأمم المتحدة وسلامتها ذريعة لمنع قيام أي
عمل جدي ضد الصرب.
إن جمهورية البوسنة والهرسك هي الدولة الوحيدة حتى الآن التي تصبح
عضواً في الأمم المتحدة، ثم تعمل الأمم المتحدة جاهدة على وأدها في مهدها،
وبالاستعراض السريع لمجريات الأحداث من الناحية السياسية: فإننا نجد أنه على
الرغم من تتابع الوسطاء الدوليين من اللورد كارينجتون إلى اللورد أوين إلى
سايروس فانس إنتهاءً بـ شتولتنبرغ، فإن تقويض أركان الجمهورية تدريجياً كان
هو السياسة الثابتة، ففي البداية كانت المعضلة هي جمع الأطراف حيث إنه بعد
انفضاح جرائم التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال التي حاولت أمريكا والأمم
المتحدة التستر عليها، أعلنت أمريكا لائحة بمجرمي الحرب ومنهم «رادوفان
كاراديتش زعيم صرب البوسنة إضافة لرفض حكومة البوسنة الاعتراف بهم
واعتبارهم متمردين، وقد قامت المجموعة الأوربية والأمم المتحدة بالضغط الشديد
على المسلمين والذي يتوافق دائما مع ضغط عسكري صربي حتى رضخت
الحكومة البوسنية ودُفِعَ الرئيس» علي عزت «إلى الرضى بمقابلة كارادينش،
وحيث بدأت المفاوضات وبدأ الوسطاء يعاملون مجرم الحرب كاراديتش على قدم
المساواة مع رئيس الدولة (أي أن مجرم الحرب يمثل فئة ورئيس الدولة ينظر إليه
على أنه يمثل فئة أخرى هي المسلمون وليس الدولة البوسنية) ، وتتابعت المشاريع
التي لا يقصد منها القبول أو الرفض بل القصد منها الحصول على تنازل المسلمين
عن أرض أو مبدأ، ففي البداية عقد مؤتمر لشبونة وطرح مشروع تقسيم الجمهورية
إلى ١٠٩ من الدوائر الإدارية وتقسيمها بناءً على أغلبية السكان وحصل بموجبها
المسلمون على ٤٩. ٤٣ % من أراضي الجمهورية بينما حصل الصرب على
٧٢. ٤٣% وحصل الكروات على الباقي، ويبدو أن الهدف هو فقط إقرار مبدأ التقسيم ولهذا سرعان ما طرحت مبادرة (فانس/ أوين) التي تنص على تقسيم البوسنة إلى عشرة أقاليم ترتبط بسيراييفوا بعلاقات واهنة والأسس الدستورية الجديدة هي:» كانوا يأتون للصلاة وينصرفون بهدوء ويعبرون عن ما في صدورهم في ستكون جمهورية البوسنة والهرسك دولة ذات سيادة وحكومة مركزية محدودة الصلاحيات وذات دستور يعترف بالشعوب الثلاثة المكونة لها، إضافة إلى المجموعات الأخرى، مع انتقال غالب الصلاحيات الأساسية من الحكومة إلى إدارات المناطق «، وتنحصر مهمة الحكومة المركزية في إدارة الأمور الخارجية والحفاظ على النظام النقدي.
ورافق المحادثات حول الاتفاق دعاية كبيرة وتم الضغط على المسلمين بشدة
للتوقيع، وأظهر الصرب التمنع لأنهم يطمعون في أكثر من ذلك، وبعد أخذ ورد
ومناورة تم التوقيع، وكان أهم نتائج الاتفاق قيام الكروات بالعمل على تنفيذ الاتفاق
فيما يخصهم، أي طرد المسلمين من المناطق التي منحت لهم بينما بقيت مناطق
المسلمين في يد الصرب، وزادت حدة المعارك وبدأت أمريكا تلوح بالقيام بالتدخل
عن طريق الضربات الجوية، وبدأت تطالب برفع الحظر عن المسلمين، وجوبهت
التصريحات الأمريكية بمعارضة شديدة من بطرس غالي وبريطانيا وفرنسا وأعلنت
روسيا أنها ستستخدم حق» النقض «ضد أي قرار يسمح بتسليح المسلمين، ثم
خرجت الأمم المتحدة بقرار المناطق الآمنة وهو يعني أولاً قتل مشروع فانس أوين، وثانياً يعني حصر المسلمين في مناطق منزوعة السلاح يحيط بهم الصرب
المدججين بالسلاح مما يجعلهم مهددين على الدوام، إضافة إلى عدم إمكانية استمرار
الوضع بهذا الشكل طويلاً، حيث إنه لم يحدد من الذي سيتحمل مسؤولية الأمن فيها، وإلى متى وما هي المقومات الاقتصادية لهذه المدن المحاصرة.
وأخيراً فقد انتهز الصرب الفرصة، وبدأوا بسحب قواتهم من بعض المناطق، وتركيزها لشن هجمات جديدة تهدف إلى تأمين الممر الشمالي، وبدأ هجوم واسع
النطاق على جبهة برتشكو.
وفي النهاية تم التحول الكبير، ولا أظنه الأخير حيث أنه بعد فشل مشروع
(فانس/أوين) ، واستقالة» فانس «ممثل الأمم المتحدة وهو وزير خارجية أمريكي
سابق تم تعيين السويدي شتولتنبرغ ممثلاً للأمم المتحدة مع بقاء اللورد أوين
الإنجليزي ممثلاً للمجموعة الأوربية، مما يدل على انسحاب أمريكا من القضية
وتسليمها للأوربيين، وهنا طرح مشروع جديد وذلك بتقسيم البلاد إلى ثلاث دول
تعتمد على الأساس الديني وعرضت الخريطة الجديدة باسم الوسيطين الدوليين أوين
وشتولتنبرغ وهي في الأصل خريطة اتفق عليها أولاً رئيسا صربيا» سلوبودان
مليوسفيتش «وكرواتيا» وفرانيو توجمان «، نعم إنهما رئيسا صربيا وكرواتيا
وليسا زعيمي صرب وكروات البوسنة، وقد اعتمدت الخريطة أساساً على ما هو
واقع على الأرض مع تغييرات طفيفة إضافة لتنازل الصرب للكروات وليس
للمسلمين عن جانب من الأراضي مما يوحي بأنه تعويض لهم عن كرايينا.
وبناءً على المعلومات التي نشرت في مجلة المجتمع بقلم رئيس قسم الخرائط
في وكالة الأنباء البوسنية بَرْنَس علي حوجيتش فإن الخطة الجديدة تقسم الجمهورية
إلى ثلاث دويلات مع وضع سيراييفوا وموستار مدينتين مفتوحتين تحت إشراف
الأمم المتحدة، ويوضح الجدول المرفق مساحات الأراضي المعطاة لكل طرف
بالمقارنة مع الوضع على خطوط القتال بناءً على مصادر الجيش البوسني.
المناطق الوضع الحالي الخطة الجديدة
المسلمون ٢٨.١% ٢٩.٩٠%
الصرب ٥٩.٨٠% ٥١.٧٠%
الكروات ١١.٧٩% ١٥.٨٠%
سيراييفوا تحت سيطرة المسلمين وضع خاص
موستار بين المسلمين والكروات يمثلان ٢.٦%
ومن الملاحظات المهمة على هذه الخطة أن الصرب يتنازلون للمسلمين عن
بعض الأراضي، وذلك مقابل تخلي المسلمين عن سيراييفوا عاصمة الجمهورية
التي عجز الصرب عن دخولها، وأيضا تبقى المناطق المحاصرة في شرق البوسنة
معزولة وتتصل ببعضها عن طريق ممر في أراضي يسيطر عليها الصرب، ولا
يوجد منفذ لدولة المسلمين ما عدا ممر يمر بأراضي الصرب إلى كرواتيا، وهذا
معناه أن الدولة ستكون تحت رحمة الصرب والكروات، وقد رفض المسلمون
الخطة بصورتها الحالية وطالبوا بمنفذ على البحر وإعادة الأراضي التي مارس فيها
الصرب سياسة التهجير القصري وهو ما سمى بالتطهير العرقي.
وأنحى أوين باللائمة على المسلمين الذين طالبوا بـ ٣٣ % بدل ٢٩. ٩ %
من الأراضي وأعطاهم مهلة عدة أيام للموافقة، وعرض» علي عزت «المشروع
على وجهاء المسلمين الذين قبلوه بالشروط السابقة، وأيضا وافق عليه البرلمان
بنفس الشروط ومن ثم عادت المعارك من جديد، بل لقد قام الصرب بهجوم كبير
على سيراييفو استخدموا فيه الطيران الحربي بكثافة على الرغم من حظر الطيران
في البوسنة، وكانت القوات الدولية تكتفي بالتفرج على الصرب وهم يقتحمون جبل
(بيلاسنيتشا) وأجزاء من جبل إيجمان المهمين جداً، وقد تمكنت القوات البوسنية
بعد استدعاء القوات المسلمة من وقف تقدم الصرب وبدأت أمريكا بتهديد الصرب
بضرب مواقعهم، وهنا اعترض بطرس غالي وصرح أن أمر الهجوم هو من
صلاحيات الأمين العام فقط، وأيضا فقد انسحبت القوات الصربية من بعض
مواقعها وحلت محلها قوات فرنسية بدعوى الفصل بين القوات، ولكن الهدف
الرئيس هو منع ضرب مواقع الصرب، التي تداخلت مع الصرب (الزرق) وهو
الاسم الذي يطلقه المسلمون على الجنود الفرنسيين في البوسنة.
وقفات:
*يلاحظ أن الصرب والكروات يتمنون موافقة المسلمين على خطتهم
(أوين/شتولنتبرغ) وذلك بسبب ما تعانيه صربيا جراء الحظر الدولي غير المتقن
حيث إن دولاً كثيرة ومنها روسيا وبلغاريا ورومانيا واليونان لا تلتزم به ومع ذلك
فإن تكاليف الحرب قد أرهقتها، وأيضاً بسبب الهزائم المتتالية التي مني بها
الكروات أمام المسلمين بعد غدرهم ومحاولتهم الاستيلاء على مناطق المسلمين في
الهرسك ووسط البوسنة.
* على الرغم من تحالف الصرب والكروات فإن المسلمين صامدون بل
ويقومون بهجمات موفقة بخاصة ضد الكروات.
* يمثل الاتفاق الأخير فرصة لا تعوض للصرب، من أجل إقامة جمهورية
في البوسنة، والتي ستكون مع جمهورية الصرب في كرواتيا اتحاداً مع جمهورية
صربيا؛ لتكوين المرحلة الأولى من صربيا الكبرى.
* ازدياد الضغوط على الرئيس الكرواتي من أجل تحرير بقية الأراضي
الكرواتية وبالتالي فهو بحاجة إلى تعويض سريع عنها.
* يمثل كل من إقليم السنجق الذي يغلب عليه المسلمون البوسنيون وجمهورية
كوسوفو الذي يغلب عليه المسلمون الألبان الهدف الثاني في سبيل إقامة صربيا
الكبرى، ولا تستطيع صربيا تنفيذ المشروع قبل تصفية قضية البوسنة التي طالت
أكثر من المتوقع، حيث إن هناك احتمال دخول ألبانيا الحرب مما يجر اليونان
وبالتالي تركيا، وهذا سيمثل مخاطرة صربية كبيرة، وكما سيمر معنا فإن رئيس
الوزراء اليوناني الجديد صرح باحتمال قيام حرب عامة في البلقان مع دخول دول
كبرى فيها.
* تخبط السياسة الأوربية في البلقان، ففي البداية كان الحديث عن منع قيام
دولة للمسلمين في أوربا ثم أخيراً اقتراح دولة للمسلمين لا تملك مقومات الحياة
اقتصادياً واستراتيجياً.
* استمرار تماسك الصرب مع حلفائهم مع خشية تورطهم في نزاع واسع
حيث إن سعي الصرب إلى جمع صرب المنطقة في دولة واحدة يؤدي إلى سعي
الألبان لنفس الشيء، وأيضاً يوجد منطقة مجرية في صربيا وهي سلسلة من
التداخلات لا تنتهي، فهل يستمر دعم المنظومة الأرثوذكسية للصرب حتى النهاية.
*محاولة أمريكا العودة إلى منطقة البلقان، وذلك بتهديدها للصرب وانتقادها
سياسة الدول الأوربية ومنها بريطانيا وفرنسا.
*الغياب التام للعالم الإسلامي في التأثير على مجريات الأحداث ويقتصر دعم
بعض الدول الإسلامية على ما يسمى بالدعم الإنساني، ولم يتم العمل الجدي على
تسليح المسلمين على الرغم أن الصرب يحصلون على السلاح بسهولة، وليس سراً
حصول الصرب على السلاح من بعض الدول العربية، فمثلاً تم نقل أسلحة من
لبنان إلى صرب البوسنة.
*لقد أدى ثبات المسلمين في ميادين الحرب إلى محاولة شق صفوفهم، وقد
حاول كل من الصرب والكروات تشجيع بعض زعماء المسلمين المشبوهين مثل
» فكرت عبديتش «على إعلان الحكم الذاتي في مناطقهم، مع العلم أن ديفيد أوين قد
حاول خلال المحادثات الأخيرة وبعناد تفريق كلمة المجلس الرئاسي البوسني ...
ومحاولة تشجيعهم على التمرد على (علي عزت) ، وقد تخلى عن المجلس اثنان من
الكروات وانضموا إلى بني قومهم، وقد نجحت محاولة الصرب والكروات مع
عضو المجلس فكرت عبديتش فأعلن منطقته منطقة حكم ذاتي فأغدق عليه الصرب
السلاح وشجعوه على مواجهة جيش البوسنة، وهناك أيضاً بعض البوادر في مدينة
توزلا وهذا ينظر إليه من جانبين الأول: هو أن الصرب والكروات في حاجة إلى
عملاء في صفوف المسلمين نظراً لتنامي قوتهم وثباتهم، والثاني بداية تمايز
الصفوف حيث خرج رئيس الوزراء الكرواتي، بالإضافة إلى دلالة اجتماع علي
عزت مع زعماء المسلمين للتشاور حول الخطة الأخيرة قبل عرضها على البرلمان
المختلط وخروج المسلمين من قوات الدفاع الكرواتية.
*إذا كانت هيبة الأمم المتحدة قد فقدت في الصومال فإن سمعتها قد فقدت في
البوسنة، فمنذ البداية كان بطرس غالي واضح التحيز إلى إخوانه الصرب، وكان
استبدال القائد السابق لقوات الأمم المتحدة نتيجة أيضا لتواطئه مع الصرب، بل
واتهامه الصريح باغتصاب المسلمات، هذا من ناحية القادة أما الجنود فقد كان
تواطؤ القوات الفرنسية والبريطانية مع الصرب واضحاً، أما القوات الكندية فقد
كانت أغلبيتهم من ذوي الأصول الصربية وانغمس الجنود في سرقة مواد الإغاثة
وبيعها في السوق السوداء إضافة إلى حالات من وقائع الاغتصاب، وقد ابتلي
المسلمون بالصرب الأصليين وبالصرب الزرق.
*إذا كان هناك تخاذل من قبل الحكومات فإن كثيراً من الغيورين قد قاموا
ببعض ما يجب على المسلمين، فمنهم من قام منذ البداية بالجهاد مع إخوانه، وقد
كان لهم أبلغ الأثر في رفع الروح المعنوية للمسلمين هناك ومنهم من انخرط في
أعمال الدعوة والإغاثة وهي لا تقل أهمية عن سابقتها.
إنهم قادمون:
إن العالم اليوم يقف على مفترق طرق، ففي السنوات القليلة الماضية حدثت
تحولات كبيرة مع ظهور الصحوة الإسلامية وتناميها وسقوط الشيوعية حيث بدأت
تظهر علامات على بداية حروب صليبية جديدة، ففي البوسنة يطرح الصرب
أنفسهم كحماة لأوربا من الإسلام، أما بطريرك موسكو فإنه يطرح نفسه حكماً بين
الشيوعيين السابقين» يلتسن وروتسكوي ومسيولاتوف «أما ثالثة الأثافي فهي أن
رئيس وزراء اليونان الجديد ذلك الذي يرفع راية الاشتراكية بدأ يتكلم عن تطلع
الشعوب إلى الجذور ويتحدث عن التحالف المسيحي الأرثوذكسي، ولأهمية هذه
التصريحات التي أطلقها أثناء لقاء أجراه معه مراسل» جلوبال فيوبونيت «
ونشرته الشرق الأوسط في عددها (٥٤٤٤٥) فإنني أقتطع منه بعض الأسئلة
والأجوبة بنصّها كما نشرت.
س: لقد حقق الصربيون الفوز الآن على أرض المعركة في البوسنة، وفي
هذه الحالة حذر الرئيس الألباني» ساتي بيريشا «من أن الصرب سيتفرغون الآن
للتحرك جنوباً طمعاً في إقامة صربيا الكبرى، و» تطهير «كوسوفو من سكانها
المسلمين الألبان، هل تعتقد أن ثمة شيء من الصواب في هذه النظرة؟
ج: إن الحقيقة في هذا القول تكمن في الآتي: هناك جماعات سياسية
وعسكرية في صربيا تحمل ذهنية» الاندفاع جنوباً «، لكن سلوبودان ميلوسوفيتش
والذين حوله دعنا نسمي هؤلاء بلجراد يدركون بالكامل أن الاندفاع جنوباً يعني
الحرب، ليس فقط الحرب بين ألبانيا وصربيا، بل حرب في البلقان مقرونة بتدخل
من القوى العظمى؛ لذا فإن بلجراد سوف تخسر وجهتها كلية، إذا ما اندفعت جنوباً، وما أخشاه هو أن الحرب يمكن أن تنشب نتيجة استفزاز من الجانب الإسلامي في
كوسوفو الذي يريد أن يتحرر من الصرب، أو من أية قوة عظمى.
س: هل ستسعون إلى إزالة العقوبات المفروضة على الصرب إذا تسلمت
اليونان رئاسة الجماعة الأوربية؟
ج: أسمعْ: إن صربيا تتصرف اليوم في اللحظة الحالية بطريقة تبرر رفع
العقوبات، إن التوجه الرئيس الآن (أكتوبر ١٩٩٣) في بلجراد هو السلام هناك قلق
من أن يحصل الصرب على حصة أكبر في البوسنة من خلال صفقة معينة، إذا
حصل ذلك فإن من الصعب عملياً رفع العقوبات.
س: إذن جزء من مسعاك الدبلوماسي سيتركز على إقناع الصربيين باعطاء
المزيد من أراضي البوسنة للمسلمين حتى يمكن رفع العقوبات؟
ج: لن أذكر بالضبط ما سنفعله، لكني سأقول: مادامت هذه هي المشكلة
فإننا سنحاول الضغط باتجاه حل سلمي بأسرع ما يمكن.
س: أشرتم إلى أن من بين نتائج تمزّق يوغسلافيا إحياء الصلات القديمة
للتحالف المسيحي الأرثوذكسي أثينا صوفيا بلجراد بوخارست ولربما حتى موسكو،
فهل أن قضايا الحرب والسلام في البلقان لن تتوقف كثيراً بعد اليوم على مؤسسات
مثل حلف الأطلسي والسوق الأوربية، بل ستعتمد على الأسس التاريخية الأعمق
في هذه المنطقة؟
ج: بالطبع أن دور حلف الأطلسي لم يحدد بعد، لذلك فإننا لا نعرف مدى
أثره في المستقبل، هناك أيضاً الجهد الذي تقوم به فرنسا لإقامة تحالف عسكري
أوربي، لكن ذلك مرهون بالمستقبل، والآن بالنسبة لحروب البلقان فإنني أعتقد أنها
أحيت الصلات الأرثوذكسية، وبالطبع فإن انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفياتي
أعاد الدين الأرثوذكسي إلى الحياة اليومية للشعب الروسي صحيح أن هذه مجرد
صلة روحية، إلا أنها تكتسب محتوى حقيقياً مع تبلور التطورات في البلقان، وفي
عالمنا السيّال الدفاق يسعى الناس إلى الهوية والأمن وتتطلع الشعوب إلى الجذور
والصلات للدفاع عن النفس ضد المجهول، وهناك كثرة من الأمور المجهولة في
أوربا اليوم فرئيس وزراء فرنسا» ادوارد بالادور «مثلاً اقترح عقد مؤتمر يعيد
فحص المعاهدات والحدود، ها أنت ترى الأمر حين يطرح رجل دولة كبيرة من
وزن فرنسا مثل هذا الاقتراح أمام السوق الأوربية فإن علينا أن نشعر بالقلق إزاء
التغيرات المرسومة لنا، في مثل هذه الظروف نتطلع إلى روحية التعاضد مع أولئك
الذين يشاطروننا الجذور، لا أقصد بذلك أن روابط المؤسسات في أوربا ما بعد
الحرب أقل شأنا من الصلات الدينية التي تنتعش الآن، إن الأمر يتوقف على
الوجهة التي ستسير فيها أوربا.
س: تتذكرك الولايات المتحدة كعدو لدود لها، دأب على التهديد بطرد القواعد
العسكرية الأمريكية من اليونان. ما رأيك الآن في الولايات المتحدة بعد انتهاء
الحرب الباردة؟
ج: أولا، دعني أذكرك أن آخر حكومة ترأستها هي أول من أبرمت اتفاقية
مع الولايات المتحدة حول القواعد في اليونان، قبل ذلك كان وجود القواعد غير
رسمي، إن أمريكا اليوم ليست مجرد قوة عظمى، إنها القوة الوحيدة العظمى، هذا
واقع قائم، فالأمريكان يصوغون استراتيجيتهم الكونية والبلدان الصغيرة مثل
اليونان لا رأي لها في ذلك، إن المشاكل التي برزت بين اليونان وأمريكا في
الماضي ناجمة عن مثلث واشنطن أنقرة أثينا، وليست بالمشاكل الثنائية، والمشكلة
كما نعرف هي أن اليونان عضو في التحالف الأمني نفسه الذي توجد فيه تركيا
» حلف الأطلسي «، مع ذلك فإن الحلف لا يحمينا من البلد الوحيد الذي يهددنا
(تركيا) . إن هذا الاحتكاك ينعكس على الولايات المتحدة، وإن الموقف الحذر
الحصين الذي اتخذه الأمريكان في البلقان قد بين أنهم يهتمون حقاً بالاستقرار، هذا
يناسبنا تماماً ونتطلع بوجه خاص إلى لعب دور بناء مع الولايات المتحدة في البلقان
مادام ثبات الحدود واستقرارها هدفنا المشترك» .
هكذا تحولت خطة ١٠ مقاطعات إلى ثلاث دويلات، وما يدرينا لعل الصرب
وهم كما هم أعداء حقيقيون للمسلمين فهم أيضا أعداء حقيقيون للكروات لخلافهم
المذهبي الذي لا يعرف مدى حقيقته إلا من تابع ويتابع ماذا يجري بين النصارى
في إيرلندا من عداء كبير بسبب النزاع المذهبي.
إن الصرب يخططون في النهاية لقيام صربيا الكبرى على حساب غيرهم
وعلى رأسهم المسلمون، لكن هذا بعيد المنال فالكروات لهم من يحميهم وللمسلمين
رب أكبر وأجل، فلا يجوز أن يتطرق لقلب مسلم اليأس مما جرى فإنه مع الابتلاء
والتمحيص يكون النصر والتمكين، وقد أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ [*] : إن المسلمين سيفتحون القسطنطينية وقد فتحوها وسيفتحون روما وسيكون ذلك بإذن الله لا محالة، ولعل الله أن يجعل في جهاد البوسنويين الطريق إلى تحقيق الأمل الموعود، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 1596
المسلمون والعالم
نظرة عابرة على
واقع المسلمين في الهند
(٢)
أحمد بن عبد العزيز أبو عامر
التعدي على قانون الأحوال الشخصية الإسلامي:
للمسلمين في الهند قوانين خاصة بأحوالهم الشخصية، منبثقة من تعاليم دينهم، والتي تشمل مسائل الزواج والنفقة والطلاق والإرث.. إلخ، يرعى تطبيقها
مصلحة خاصة يرأسها حالياً (الشيخ أبوالحسن الندوي) ، ومع أنه كانت ترتفع
أصوات علمانية من المسلمين تدعو لدمج ذلك القانون مع القانون العام للأحوال
الشخصية للدولة، إلا أن الحكومة ترفض ذلك ما لم يطالب به المسلمون أنفسهم.
وفي عام ١٩٧٨ أصدرت المحكمة العليا المركزية حكماً لصالح إحدى
المسلمات بمنحها النفقة من زوجها المطلق لها إلى أن تموت أو تتزوج غيره طبقاً
للمادة (١٢٥) من القانون الهندي الذي لا يفرق بين المطلقة والزوجة في النفقة بل
واقترحت المحكمة تعديل (قانون الأحوال الشخصية الإسلامي) ليكون متساوياً مع
القانون الحكومي. يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: إن بقاء قانون الأحوال
الشخصية الإسلامي هو الضمان الوحيد لتمسك المسلمين بصبغتهم الدينية، وسيؤدي
انتهاكه إلى فقدان المسلمين لشخصيتهم شيئاً فشيئاً ومن ثم ضياعهم كما ضاع غيرهم
في بلدان أخرى.
ومما يؤسف له أنه حينما تحرج المسلمون من التحاكم للقوانين الأجنبية
واستفتوا الأزهر عن مدى صحة التحاكم لتلك القوانين.؟ جاءتهم الفتوى، بإمكانية
التحاكم إليها، والعمل بها وإن خلاف ذلك يضيع على المسلمين مصالحهم.
فأخذوا بتلك الفتوى ولا شك أن في ذلك نظراً؛ لأن التحاكم إلى تلك المحاكم
الأجنبية تحاكم إلى غير ما أنزل الله.
ولبيان مناقشة الموضوع باستفاضة يرجع لكتاب (أثر الفكر الغربي في
انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية) د/ خادم حسين إلهي بخش، حيث
ناقش هذه الدعوى بموضوعية ووضع النقاط على الحروف.
الفرق المنتسبة للإسلام بالهند:
يوجد الكثير من تلك الفرق في الهند ومن أشهرها الشيعة الجعفرية والبهرة
الإسماعيلية والقاديانية والبريلوية والقرآنيون والصوفية ولهم مدارسهم ومنطلقاتهم
الفكرية والعقدية التي تخالف أهل السنة مخالفةً جذرية، ولتلك الفرق مواقف غير
حميدة من أهل السنة ولا يتسع المقام للتطرق لتلك الفرق والتعريف بها وبيان
منطلقاتها الفكرية.
وأحيل راغب الزيادة لمعرفة ذلك لبحث الدكتور (خادم حسين إلهي بخش)
آنف الذكر حيث تناولهم بدراسة موضوعية على ضوء واقعهم الفعلي واستناداً إلى
مصادرهم المعتبرة بعيداً عن الغلو والإجحاف ... وللعلم فإن تلك الفرق طارئة على
واقع المسلمين هناك؛ إذ وفدت عليهم في فترات الضعف التاريخي وبخاصة بعد
العصر المغولي وأثناءه؛ لأن الإسلام كما هو معروف دخل الهند في عهد الخلافة
الراشدة، وفتحت السند في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام ٩٣ هـ
على يد القائد المسلم (محمد بن القاسم الثقفي) وكان المسلمون هناك إلى أواخر القرن
الرابع الهجري عاملين بالكتاب والسنة على منهج أهل الحديث، بعيدين عن الجمود
الفقهي والانحرافات العقدية حكى ذلك (أبو القاسم المقدسي) في كتابه (أحسن
التقاسيم) عند زيارته للسند عام ٣٧٥هـ.
مشكلات المسلمين في الهند:
عرفنا جهود المسلمين الكبيرة في الحفاظ على شخصيتهم الإسلامية وهم
يعانون المشاق من جراء الأخطار المحدقة بهم، ومن أشهر مشكلاتهم مايلي:
١ - مشكلة الدعوة إلى الله:
وهي من أخطر المشكلات التي يجب أن تعطى الأهمية؛ لدورها في توعية
المسلمين هناك، وبخاصة العامة منهم وضرورة تقريب وجهات نظر العلماء العدول
منهم؛ ليكونوا يداً واحدًة على من سواهم، ثم تأتي أهمية الدعوة لغير المسلمين
فيمن حولهم، وبذل الجهود الممكنة في ذلك؛ لأن الإسلام هو الدين الوحيد القادر
على حل مشكلات تلك الشعوب الوثنية المضطهدة والمنبوذة لما في الإسلام من
تعاليم ربانية وقيم أخلاقية هي العلاج الوحيد لواقعهم، مما يعيد لهم كرامتهم المهانة
وإنسانيتهم، المهدرة وإنقاذهم من جبروت الظلم والطغيان.
٢ - مشكلة تعليم المسلمين:
ودستور الدولة الهندية علماني يتيح المجال لكل دين ويسمح بحرية الاعتقاد إلا
أن كثيراً من الولايات الشمالية وضعت مناهجها التعليمية حسب ديانة الهندوس
المضادة لدين الإسلام، التي تصور البلاد بأنها وثنية، وقام مؤخراً حزب (بهارتا
جاناتا) في أربع ولايات يحكمها بعد التنسيق مع الأحزاب العلمانية بتنفيذ سياسة
تعليمية معادية للمسلمين تحت اسم (إصلاحات في المقرارات المدرسية) ومنها:
غرس الحقد في نفوس الناشئة والعداوة للمسلمين واتهامهم بأنهم هدموا معابدهم
وأقاموا عليها مساجدهم.
ادخال نشيد وطني يحتوي على عقيدتهم الوثنية وكان قد حذف في عهد (انديرا
غاندي) لطائفيته.
فرض اللغة (السنسكريتية) لأنها لغة دينهم وفرض تعلمها على الجميع.
الإشادة بزعماء الهندوس المتطرفين واعتبارهم زعماء وطنيين.
وقد قام المسلمون ونفر من العلمانيين بالاحتجاج على تلك التعديلات الجائرة
لما تحمله من عنصرية وتطرف، وقد باشر المسلمون بإنشاء مدارس خاصة بهم
خوفاً من تأثير تلك المدارس ومناهجها الوثنية على ناشئتهم، ولابد من وقفة جادة
حيال تلك الهجمة الوثنية لإيقافها وضرورة احترام الحكومة الهندية للمسلمين
وعقيدتهم، ولن يتأتى ذلك إلا بالضغط على الحكومة الهندية من المسلمين بعامة.
٣ - المشكلة اللغوية:
كانت الأردية هي لغة المسلمين في الهند، وبعد الاستعمار الإنجليزي صارت
هي اللغة الثانية في المصالح الحكومية.. لكن الإنجليز فيما بعد شجعوا اللغة
(الهندية) وأحدثوا تنافساً بين الهندية والأردية، لزرع بذور العداء بين الجانبين،
وبعد الاستقلال عام ١٩٤٧ قرر الدستور الهندي أن اللغة الهندية هي اللغة الرسمية، ثم قامت الولايات الشمالية بإلغاء (الأردية) من المدارس مع انتشارها في تلك
المناطق وقررت اللغة (الهندية) لغة إجبارية وأداة وحيدة للتعليم وحينما طالب
المسلمون بتعليم (الأردية) ؛ لأنها لغتهم المعتبرة، ولغة ثقافتهم، ولكونها ذات
حروف عربية رفض ذلك حتى في عهد الرئيس المسلم الأسبق (د: ذاكر حسين)
ومع أن الدستور الهندي يكفل لرئيس الجمهورية إصدار أمر بالاعتراف بلغة يتكلم
بها عدد وجيه من أهل البلاد، إلا أن ذلك لم ينفذ ويظهر أنها سياسة عليا لمحاربة
المسلمين ولغتهم المعتبرة، ومع عناية المسلمين بالعربية إلا أنها تحتاج لعناية أكثر
واهتمام أكبر ولا سيما في أوساط العامة لأنها لغة دينهم ومنطلق عقيدتهم.
٤- المشكلة الاقتصادية:
يعاني جل المسلمين من الفقر والفاقة؛ مما يؤدي بهم إلى سوء التغذية
والحرمان من التعليم، وفرص العمل التي تكفل لهم الحياة الكريمة وبخاصة وأنه بدأ
تناقص أعداد المسلمين في العمل الحكومي، لا سيما في الوظائف العليا والهامة
والتي تكاد أن تكون حكراً على غيرهم مع ما يمتاز به الكثير منهم من العلم والنبوغ، وحل هذه المشكلة لا يكون طفرة، وإنما يحتاج لدراسات علمية طويلة المدى
وقصيرة المدى، وليس هذا مجالها، وقد تطرق لها الأستاذ (أبو ذر كمال الدين) في
بحثه عن (طبيعة وحجم المشكلات الاقتصادية للمسلمين في الهند) وكيفية حلها،
لكنه ذكر أنه يتعين على المسلمين هناك أن يغيروا من أساليبهم في الفكر والعمل
وساق بعض الاقتراحات في هذا الصدد ومنها:
١- أهمية فتح فصول دراسية مزودة بكل التجهيزات في كل المدن الكبرى
لإعداد شبابها وطلابها للعمل في الخدمات في الناحيتين الإدارية والإشرافية.
٢- إنشاء عدد كاف من المدارس والكليات وضرورة استصدار الموافقة
الحكومية عليها لدعمها.
٣- ضرورة تشكيل هيئة من رجال الاقتصاد ورجال الأعمال والإختصاصيين
المسلمين؛ للإشراف على وضع خطة للنهوض بالصناعات التقليدية، التي يمارسها
المسلمون فيما يتعلق بمسائل التمويل والتسويق وخلافه.
٤- أهمية إقامة حركة تعاونية ومشروعات مشتركة على غرار شركات
(المقاصة) وعلى أساس المشاركة في الربح.
٥- يتعين على المسلمين الذين يعملون في البلدان الإسلامية، ويحصلون على
رواتب كبيرة، أن يؤسسوا صندوقاً خاصاً بهم لتقديم الدعم المالي لإخوانهم المسلمين
المواطنين في مجالات التعليم والصناعة والخدمات الاجتماعية.
٦- ترشيد نظام الزكاة وإنفاقها بطريقة منظمة مما سيساهم في حل كثير من
مشكلات المسلمين الفقراء التي يعانون منها.
٧- ضرورة أن يسود شعور الجماعة في المجال الاقتصادي وعلى الموسرين
أن يضعوا حداً لاستهلاكهم وتبذيرهم لضمان تحسن الأوضاع الاقتصادية لإخوانهم
في الدين والعقيدة.
هذا بعض مايلزم القيام به، مع الوقوف في وجه ممارسات الأحزاب الوثنية
من حروب عقدية وتخطيط لإقامة دولة هندوكية، وهي تقوم في سبيل تحقيق هذا
الهدف بمذابح همجية بقصد إفناء المسلمين، أو فتنتهم في دينهم (فإنا لله وإنا إليه
راجعون) ، ويلزم أن يطالب المسلمون بعامة (حكومة الهند) بإعطاء المسلمين فيها
حقوقهم المفروضة بنص دستورهم، والحفاظ على معالمهم الإسلامية وكف أي أذى
تقوم به الأحزاب الوثنية المتطرفة، وحينما يهدّدُونَ بمصالحهم مع الأمة الإسلامية
سيقومون بما يلزم حيال تنفيذ تلك الحقوق وإن تساهلنا حيال حماية إخواننا
والانتصار لهم ستزيد معاناتهم وربما يكونون لا قدر الله أثراً بعد عين كما خسرنا
الكثير من البلدان الإسلامية والواقع شاهد أن الأمم المتحضرة في هذا العصر
تنتصر لبني جنسها، ولبني عقيدتها، وتعمل كل ما يمكن لحمايتهم ونصرتهم ولم
يأتهم جزء من ألف جزء مما أصيب به المسلمون في الهند.
إن دول هذا العصر لا تحترم إلا القوة ولن يؤبه لأيٍ كان ما دام لم يعضد حقه
بالقوة بكل أبعادها، وحينما ترى حكومة الهند الاهتمام الجاد من الدول الإسلامية
وتهديدها بمصالحها فستكف آذاها وستقوم بحماية المسلمين بها وإعطائهم حقوقهم
التي كفلها الدستور.
ولتتعلم الدول الإسلامية وتنظر كيف انتصرت روسيا ودول الغرب للصرب
المعتدين وكيف وقفت روسيا في وجه القرارات الدولية انتصاراً للصرب لأنهم على
نفس مذهبهم العقائدي، وهم على باطل بينما نحن المسلمين على حق وندافع عن
حق ومع ذلك لا نعمل ما يحتمه علينا ديننا للانتصار لإخواننا في العقيدة وكل النظم
والشرائع تؤيدنا فيا لله للإسلام ويا لله للمسلمين.
والله أسأل أن يأخذ بأيدي اخواننا المسلمين في الهند إلى مافيه قوتهم ونصرهم
وعزتهم وما ذلك على الله بعزيز.
من مراجع المقالة:
(١) المسلمون في الهند لأبي الحسن الندوي.
(٢) أثر الفكر الغربي في انحرافات المجتمع المسلم بالقارة الهندية د/ خادم
حسين بخش.
(٣) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند لمسعود الندوي.
(٤) الصراع بين الفكرة الإسلامية والغربية/ لأبي الحسن الندوي.
(٥) نظرة إجمالية في تاريخ الدعوة الإسلامية بالهند وباكستان: لمسعود
الندوي
(٦) مجلة البعث الإسلامي عدد شوال ١٣٩٥ هـ.
(٧) دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في الحركات الإسلامية المعاصرة
لصلاح الدين مقبول أحمد.
(٨) دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بين مؤيديها ومعارضيها في القارة
الهندية لأبي المكرم السلفي.
(٩) شيخ الإسلام ابن تيمية في علومه ومعارفه ودعوته في القارة الهندية لعبد
الرحمن الفريوائي.
(١٠) الأقليات المسلمة ظروفها آلامها وآمالها، من مطبوعات الندوة العالمية
للشباب الإسلامي.
стр. 1597
المسلمون والعالم
الصليبيون في الفلبين..
هل يحققون أهدافهم أم ينتصر المجاهدون؟
التحرير
تمهيد:
تشكر مجلة البيان لجنة الإعلام الخارجي لجبهة تحرير مورو الإسلامية
ومسؤولها الأستاذ/ محمد أمين على مواصلته إرسال بيانات الجبهة الراصدة
لنشاطاتها وجهادها ضد العدو الصليبي الفلبيني، ومن البيان رقم (٢٥) نقتطف
الآتي:
كان العدو الصليبي الذي تمثله حكومة الفلبين وقواتها المسلحة، في جنوب
شرقي آسيا يحاول أن يقضي على شعب مورو المسلم، عن طريق المطاردة والقتل
والذبح والتعذيب حتى الموت أوالتهجير والتشريد، ولكنه أدرك بعد التجارب التي
استمرت عشرات السنين أن هذا الأسلوب لا ينجح، فقد ازداد المسلمون تمسكا
بدينهم وإيماناً بحقهم المشروع في تقرير المصير وإقامة حكم الإسلام الذي يجاهدون
من أجله.
لذلك لجأ العدو الصليبي المخادع الماكر إلى التفاوض مع العلمانيين وضعاف
النفوس من حثالة الشعب، ويأمل هذا العدو الصليبي أن يشق طريقه من خلال تلك
المفاوضات لاستمرار سيطرته على مسلمي مورو، الذين وقعوا تحت هيمنته بسبب
المؤامرات الاستعمارية، وقد استعبدهم لأكثر من خمسين عاماً، لاقوا خلالها ألوانا
من الاضطهاد والتعذيب والإهانة والإذلال طوال تلك الفترة، وحاول هذا العدو
الحاقد أن يقضي عليهم ولكنهم استماتوا دفاعاً عن أنفسهم ولجأوا إلى الجبال
والأدغال. لذلك لم يتمكن العدو من القضاء عليهم فعلياً، ولهذا يحاول الآن وبكل
جهوده أن يقضي عليهم معنوياً عن طريق التفاوض مع العلمانيين وضعاف النفوس
والجبناء منهم.
وقد أعلنت وسائل الإعلام الفلبينية الصليبية أن حكومة راموس سوف
تتفاوض مع «جبهة مسواري الوطنية» العلمانية وأن مراسم المفاوضات بدأت في
٢٥/١٠/١٩٩٣ م في فندق فاخر بجاكرتا عاصمة أندونيسيا، ويرأس الوفد الفلبيني
سفير صليبي سابق اسمه مانويل قان «ومسوراي» نفسه هو الذي يرأس وفد
جبهته الوطنية.
على طريق الجهاد الطويل:
يواصل مجاهدوا جبهة تحرير مورو الإسلامية عملياتهم الجهادية السريعة التي
تستهدف إضعاف العدو وتدمير مؤسساته وتحطيم معنوياته، بينما العدو يقوم
بعمليات إرهابية ضد المدنيين الآمنين والتي قابلها المجاهدون بالمزيد من العمليات
الجهادية، حيث قام مجاهدو جبهة تحرير مورو الإسلامية بتوجيه هجماتهم الخاطفة
ضد جنود العدو ومؤسساته، للحصول على الأسلحة والذخائر وتحطيم معنويات
الجنود الصليبيين، وتدمير المؤسسات الحيوية التي تخدم مصالح العدو في كل من
محافظة «بوكيدنون» ، ومحافظة «ماجيندواناو» ومحافظة «كوتباتو» ،
ومحافظة «سلطان قدرات» .
ومن جانب آخر قامت مظاهرات للطالبات المسلمات مطالبة بالسماح لهن
بارتداء الحجاب فقد كانت المؤسسات الفلبينية الصليبية للتعليم لا تسمح للطالبات
المسلمات بالحجاب، وكانت هذه المؤسسات تتحداهن قائلة: إما الدراسة بدون
حجاب وإما ترك الدراسة وقامت أكثر من ألف طالبة مسلمة بتنظيم المظاهرات في
مدينة كوتباتو مطالبات بالسماح لهن بالحجاب الذي أمرهن به دينهن الإسلامي،
واضطر المسؤولون الحكوميون أن يستجيبوا لرغبة الطالبات.
ولا شك أن إصرار الطالبات على الحجاب الذي تمنعه السلطات الصليبية كان
من النتائج الإيجابية للدعوة الإسلامية في هذا المجتمع الذي تحول من مجتمع جاهلي
بعد وقوعه تحت سيطرة الكفار إلى مجتمع مسلم محافظ. وبعد التجارب المريرة
التي مر بها مسلمو مورو تحت الحكم الصليبي، فقد عاهدوا الله أن يجاهدوا في
سبيل الله حتى النصر إن شاء الله تعالى إما النصر أو الشهادة.
والله نسأل أن يجمع شمل المجاهدين وأن يوحد صفوفهم وأن يعلي كلمته وأن
يدحر الكافرين، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 1598
رحلات ومشاهدات
المالديف..
الإسلام في أقصى الدّنيا
حسين بن علي الزومي
من جدة.. إلى دبي.. ثم إلى كولومبو.. ثم أخيراً وصلت إلى الجزر البعيدة، التي تناثرت في البحر، وشكلت أرخبيلاً من الجزر الخضراء الداكنة التي تشبه
الجنان العائمة، إنها «جمهورية المالديف الإسلامية» ، وأكاد أجزم أن كثيراً من
المسلمين لم يسمعوا بهذا البلد الإسلامي من قبل، فضلاً عن أن يعرفوا شيئاً عنه،
ولذلك سأكون مضطراً أن أعطي فكرة موجزة عنها قبل أن أدخل في صلب
الموضوع الذي يخصّنا بوصفنا دعاة إلى الله ، حتى تنطبع في ذهن
القارئ صورةُ لهذه البلاد.
الموقع:
تقع المالديف في الجنوب الغربي لشبه القارة الهندية، وبالتحّديد
جنوب غرب (سيريلانكا) ، ويمر بوسطها خط الاستواء، وعاصمتها جزيرة (مالي)
التي لا تتعدى مساحتها (٦ كم٢) فقط، والدولة تشكل أرخبيلاً من الجزر المتناثرة
يقارب عددها <١٢٠٠> جزيرة، وتمتد بطول <٨٠٠ كم>، والمأهول منها
<٢٠٠> جزيرة، والبقية خالية.
السكّان:
عددهم يقارب <٢٠٠ ألف نسمة>، وأكثر العّمال منهم يعملون في
صيد السمك، وتعتمد الدولة في اقتصادها على مصدرين رئيسيين:
الأول: الصّيد، وتعتمد فيه على طريقة بدائية، وقد ذكر لي رئيس الدولة
أنهم لايريدون تطوير عملية الصّيد حتى لا تحلّ الآلة محلّ الأيدي العاملة في هذا
المجال؛ إذ أكثر العمال يعتمدون على الصيد، فالأولى أن تترك على ماهي عليه.
(هذا هو رأيه) .
الثاني: السياحة، وتعتبر من أشهر الدول السياحية في العالم وتستقطب كل
عام ما يقارب [٨٠ ألف] سائح، ويعتبر هذا العدد ضخماً إذا ماقورن بعدد السكّان.
دخول الإسلام الجزيرة:
دخل الإسلام هذه الجزر عن طريق التجّار العرب الذين استوطنوا جزر الهند
الغربية في القرن الثامن والتاسع الميلادي، وكان السكان قبل ذلك وثنيين وكان أول
من دعا إلى الإسلام في هذه الجزر كما يذكر مؤرخوهم رجل يدعى أبوالبركات
يوسف البربري المغربي، ذكر ذلك أيضاً (ابن بطوطة) في رحلته المعروفة (تحفة
النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) ، وكانت تُسمى هذه الجزر في ذلك
الوقت (ذيبة المهل) ، وقد أورد في قصة إسلام أهل هذه البلاد قصة أشبه
بالأسطورة، وقال: إنه رواها له الثّقات، وملخصها أنه كان يأتيهم في كل شهر
مركب من البحر فيه شيطان، ويضعون له في غرفة قرب الساحل فتاةً من أجمل
فتياتهم حتى يأخذها، ويرضى عنهم، ولا يمسّهم بسوء، ثم أتاهم هذا الرجل
الصالح وكان حافظاً لكتاب الله، فأخبرهم بأنه سيردّ عنهم هذا الشيطان، وأنه
سيجلس تلك الليلة بدل الفتاة، وفعلاً جعلوه هناك وذهبوا. ومكث هو يقرأ القرآن،
فأتى الشيطان ولم يستطع أن يقربه وخرج الرجل سليماً. فانبهر الناس، وأسلم ملك
البلاد بعد أن دعاه أبو البركات إلى الإسلام، وأسلم الناس وراءه.. والله أعلم
بصحّتها.
سياسة الدولة:
كانت هذه الجزر مستعمرة بريطانية منذ عام ١٨٨٧م ولم تنل استقلالها إلا في
٢٦/٧/١٩٦٥م، ثم أصبحت جمهورية في عام ١٩٦٨م، ورئيس الدولة الحالي هو
(مأمون عبد القيّوم) ، وقد تخرّج من جامعة الأزهر بعد أن درس بها قرابة ١٩ عاماً
كما أخبرني وقد أخذ الماجستير في الفلسفة، وانتخب للرئاسة في عام ١٩٧٨م،
ومازال رئيساً إلى الآن.
وتعتبر الطبقة الحاكمة هي أكبر طبقة مثقفة في المالديف في نظر الشعب.
وسياسة الدولة خصوصاً في سنواتها الأخيرة بدأت تسير نحو العلمنة التي هي إبعاد
الدين عن الحياة، وذلك بتثبيت دعائم ذلك المنهج، فمنعت الكلام في أيّ أمر يمسّ
الأمور الداخلية المنكرة: سواء أكان عن البنوك، أو عن الخمور، أو عن التبرّج
الذي يتزايد يوماً بعد يوم.
وأذكر أن صديقاً لي مالديفي اسمه (حسن شاكر) نشر يوماً قصيدة له بالعربيّة
ذم فيها بعض المنكرات السائدة، فما كان من الدولة إلا أن سجنته، ثم نفته لإحدى
الجزر قرابة خمسة أشهر! وقد ترون أن هذه العقوبة بسيطة وهيّنة، لكن إذا علمنا
أن هذه الجزر لا تعرف العقوبات؛ لسبب سهل وهو أنها بلاد السّلام، وأهلها هم
أهل السّلام، لعلمنا شدة هذه العقوبة عندهم.
يقول (ابن بطوطة) الذي جلس قاضياً فيها قرابة سنة ونصف: أهل هذه
الجزائر أهل صلاح وديانة وإيمان، وأبدانهم ضعيفة، ولا عهد لهم بقتال ولا
محاربة، ولقد أمرت مرة بقطع يد سارق بها فغشي على جماعة منهم كانوا بالمجلس.
طبيعة الحياة:
شعب المالديف شعب بسيط، لاتكثر بينهم الخصومات، ولا تجد بينهم
سرقات إلا نادراً، ولم تُسجّل في العام الماضي إلا حالة سرقة واحدة! ! وأكثر أهل
هذه الجزر فقراء، إلا أنني لم أجد أحداً يمدّ يده للسؤال! ولا يموت أحد عندهم من
الجوع، إن جاع سدّ رمقه بجوزة هند يقطفها، أو بسمكة بحر يصيدها، أخلاقهم
طيبة، يحترمون الكبير أيمّا احترام، قد غرس في طبعهم الحياء، وامتازوا بحب
المرح..
أما أسماؤهم فلم تزل المعلم الوحيد لحبّهم للغة العربية؛ حيث يسمون أبناءهم
بها اسماً مركباً، وأغلبهم لا يعرف معنى الاسم! .
واللغة السائدة عندهم الريفية، وهي خليط من اللغة السنهالية والأردية
والعربيّة، أما اللغة الرسمية فهي الانجليزية.!
أخطار تواجه الشعب المالديفي:
منذ أن دخل الإسلام هذه الأرض وأهلها متمسكون بإسلامهم، يسود بينهم
المذهب الشافعي، إلا أن هناك أخطاراً كثيرة تواجه هذا الشعب المسكين. أهمها:
أولاً: الجهل: هذا المرض الذي يكاد بسببه يضيع شعب المالديف، حيث إنه
لا يوجد علماء حقيقيون ربانيّون، وكل من رأيتهم هناك أشخاصاً معدودين تخّرجوا
من مصر أو السعودية أو باكستان أو غيرها، لكن هؤلاء غالباً موظفون في الدولة
يسيرون وفق رغبة الدولة.
وقد كان كثير من الخرافات والشركيّات تعشّش في أحضان هذا المجتمع.
فكانت بدع القبور خصوصاً أمام قبر (أبي البركات) منتشرة بينهم إلا أن هذه
المظاهر تلاشت في الآونة الأخيرة ولله الحمد ولم يبق إلا بعض البدع كإقامة الموالد
في كلّ شهر! .
وأغلب سكان العاصمة سرت فيهم النزعة العلمانية ويعتقدون خطأًً أن الدين
هو المسجد فقط، بخلاف الجزر الأخرى التي ما زالت متمسّكة بالدين في أغلب
أنماط الحياة ولكن مع ماهم فيه من الجهل، إلا أنهم يحبّون الإسلام.
ويختلف التعليم في هذه الجزر عن التعليم في العاصمة، إذ يركّز عندهم على
المواد الدينية أكثر من غيرها، وسيكون لنا وقفة مع التعليم في العاصمة.
أما عن العلماء فقد سمعنا أن أكثرهم ماتوا، ولم يبق إلا القليل في بعض
الجزر النائية، وهم من بقايا دارسي الكتاتيب في تلك الجزر.
ثانياً: التعليم: لقد كانت بريطانيا في يومٍ ما مُسْتَعْمِرَةً لهذه الجزر كما ذكرنا
سابقاً وقد خرجت الآن بجيوشها لكنّها لم تخرج بفكرها، فكان من بنود معاهدة
الاستقلال أن يكون التعليم تابعاً لبريطانيا، وفعلاً كان الأمر هو ما اتفق عليه!
فأغلب المناهج تقرّر هناك، ولا توثّق شهادة التخّرج إلا من (بريطانيا) ! وقد
أنشأت (بريطانيا) عدة مدارس هنا، من باب التأكيد على المعاهدة، فماذا نرجو من
مناهج تقرر في دولة صليبية؟ سوى تشويش العقيدة الإسلامية، وتمجيد النصرانية، وكان هذا ما حدث فعلاً.
إن هذه المناهج لن يظهر أثرها سريعاً الآن، لكنه سيظهر على المدى الطويل، في الأجيال القادمة.
أما عن المعلّمين فلا توجد كفاءات كافية لسدّ ثغرة التدريس في البلاد.. ولذلك
لجأت الدولة إلى استقدام المعلّمين.
ففي المدارس الإسلامية يوجدبعض المدرسين العرب الذين أرسلوا للتدريس
هناك، وعددهم لا يتجاوز ثلاثين معلماً، وسأتحدث عن بعض هذه المدارس بعد
قليل، أما المدارس العامة، فقد استقدم لها كثير من المدرسين أغلبهم مسيحيون! !
وقد حدّثني من أثق به أنهم يبثون أفكارهم وعقائدهم داخل قاعات الدّرس؛ مما أثار
البلبلة في أفكار بعض الشباب والشابات، لكن لم يحدث وأن تنصّر واحد من هؤلاء
إذ أن المجتمع المسلم هناك لا يرحم أحداً يترك دينه الإسلامي إلى دين آخر.
وهناك خطّة جديدة بتوحيد التعليم في البلاد، وتحويل مناهج الجزر الأخرى
إلى مناهج علمانيّة، كما هو الحال في العاصمة. «عرفت ذلك من خلال مناقشة
جرت لي مع وزير خارجية البلاد (فتح الله جميل) ، إلا أنه علّل تأخيرها بعدم
وجود الكفاءات اللازمة لتدريس المواد الجديدة» .
ثالثاً: السياحة. قد ذكرنا أن هذه الدولة من أشهر الدول السياحيّة، ولذلك
فإنه ليس من المدهش وأنت تمشي في أسواق العاصمة مثلاً أن تجد السّواح أكثر من
أبناء الشعب.
وبسبب الجهل فقد تأثر بهم كثير من الشباب غير الواعي، فأخذوا يقلّدونهم
في الحركات، وفي التفسّخ الغير أخلاقي، مما زرع في نفوسهم أن التمسك بالإسلام
تخلف ورجعية! ويدخل في هذا النساء، إذ الزي الرسمي لكثير من المدارس إلى
فوق الركبة، وقد تفسخت المرأة أي تفسّخ، فأصبحت تشارك الرجل في أعماله
ووظائفه، وفي المصانع، والمتاجر. وقيادة الدرّاجات.. إلخ
وكان من نتائج ذلك، أن كثر الطلاق بصورة مريعة حتى تجاوزت نسبته
(٩٠%) من حالات الزواج!
إنهم ينظرون إلى الرجل الغربي وكأنه القدوة، ومع أنهم يحبّون إخوانهم
العرب، إلا أن العرب هناك لا يتجاوز عددهم خمسين شخصاً في جميع أنحاء
الدولة!
وهم يتقبلون من العربي كلّ ما يقوله، لأنه آتٍ من الأراضي المقدسة! ..
لكن الوجود العربي هناك لا يكاد يذكر، بل أن الكثير من العرب لا يعرفون هذه
الجزر، ولم يفكروا يوماً في زيارتها على الرغم من أن الناس يأتون إليها من كل
أجناس الأرض.
دور المؤسسات الدينية:
للمؤسسات الدينية هنا دور لا بأس به في توعية الشعب، ومن أهم المؤسسات:
معهد الدراسات الإسلامية: أنشئ هذا المعهد لتعليم اللغة العربية وتحفيظ
القرآن الكريم، والاهتمام بتعليم أحكام الدين الإسلامي، وفق المنهج (الأزهري)
تماماً، حتى إن المناهج تُطبع وتقرّر في (جمهورية مصر العربية) . وكان إنشاؤه
في عام ١٤٠١هـ، ويضم الآن قرابة (٢٠٠) طالب وطالبة، ويضم مرحلتي
الإعدادي والثانوي.
وتسعى الحكومة الآن لإنشاء مبنى جديد للمعهد يستوعب عدداً أكبر من الطلبة
وهو قد قارب التمام.
المدرسة العربية الإسلامية: وهي بمثابة التمهيد لـ (معهد الدراسات) حيث
تدرّس الإبتدائي، وتركز على تعليم اللغة العربية.
المركز الإسلامي: لم يمضِ على بنائه سوى ٤ سنوات تقريباً، يضم مسجداً
ضخماً يطلق عليه (مسجد السلطان محمد تكرفان الأعظم) اسم أحد سلاطينهم القدماء، ويضمّ كذلك أكبر مكتبة عربية عامة بالدولة، ويضم أيضاً قاعة للمحاضرات،
حيث تلقى فيه عدد من المحاضرات، وأغلب من يحاضر به هم مسؤولو الدولة!
وتقام بهذا المركز بعض دورات تعليم القرآن، لكن على مستوى متواضع.
هذا بالإضافة لبعض المدارس الخاصة الأهلية، التي يقوم عليها الشباب الذين
تخرجوا من جامعات (السعودية) .
وأخيراً. في الحقيقة إنه لا يخلو مكان من الصالحين الذين كان لهم الدّور
الكبير في توعية الناس، لكن حالهم مع المنكرات هو السكوت، حيث قرروا العمل
بحديث [فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان] ! ! . ورأيت كثيراً ممن
يرجى فيهم الخير خصوصاً في (معهد الدراسات الإسلامية) ، ولكن لاتزال روح
الإسلام وأخلاقه العالية تسري في كيان هذا المجتمع، ولا ينقصهم إلا الموجهون
والعلماء. وكلمّا وقفت على شواطئ تلك الجنان العائمة، ورمقت طائر النورس
المُحّلق في الأفق البعيد، أدركت أن بشائر الخير قادمة؛ لتتبوأ مكانها في أقصى
جزر المحيط الهندي، لكن الأمر يحتاج إلى مزيد اهتمام من المسلمين جميعاً دعماً
ومساعدة حتى لا يكون الأعداء أرأف بأهل هذه البلاد من إخوانهم المسلمين.
стр. 1599
في دائرة الضوء
قراءة في فكر د/ زكي نجيب محمود
(٢)
د.نعمان السامرائي
تمهيد:
في العدد الماضي عرفنا من هو د/ زكي نجيب محمود وتحدث الكاتب عن نظريته الفكرية ومفهومه للتقدم وتأثره بفلاسفة الفكر الغربي، ونواصل معاً قراءة بقية المقال.
-البيان-
ما هي الحضارة؟
إن الحضارة كما أعلم مجموعة أشياء: عقائد، أفكار، نظم أشياء مادية ...
إلخ.
ولذا فمن الجائز أن يتقدم جانب، ويتوقف آخر، ويتخلف ثالث فالحضارة
ليست هيكلاً عضويا، إما أن يتقدم كله أو يتخلف كله.
عرّف «تايلر» الحضارة بأنها: «ذلك الكيان المعقد الذي يضم المعرفة
والمعتقدات والفنون والآداب والقوانين والعادات، وجميع القدرات والتقاليد الأخرى
التي يكسبها الإنسان بصفته عضواً في المجتمع» . [١]
لقد نسي الدكتور «زكي» ما قرره قبل قليل من أن الإنسان العربي له رغبة
في التسامي على دنيا الحوادث المتغيرة، لياذاً بالثابت ليحتمي به [٢] .
كذلك نسي ما سبق أن قرره من وجود إله خالق، وإنسان مكلف مخلوق يحقق
في سلوكه قيماً أخلاقية محددة، أُمليت عليه، ولم تكن من اختياره وليس من حقه
أن ينسخ بعضها أو يضيف إليها ما يناقضها. [٣]
سؤال كبير:
ماذا يبقى من الأصالة إذا طرحنا الماضي كله، وحكمنا بأن الحاضر أفضل
منه؟
لقد كنا سادة نصنع الحضارة، ونقود العالم نحو الإيمان والتحضر، ثم جاءت
قرون فصرنا في ذيل القافلة، نستهلك حضارة، ولا نقوم بمساهمة فهل نعتبر
الماضي القريب أفضل لأنه قريب؟ ؟
لقد كان سكان العراق في العهد العباسي الأول وشطرٍ من الثاني ينوفون على
الثلاثين مليوناً، قل أن تجد بينهم أمي، ثم صار العدد ثلاثة ملايين في مطلع القرن
العشرين الميلادي، وصارت نسبة الأميين أكثر من ٨٠ % فأيهما أفضل؟
يقول «ديورانت» : إن مكتبة الصاحب (ابن عباد) الشخصية، كانت تحوي
من الكتب أكثر مما تحويه جميع المكتبات العامة في أوروبا في ذلك الوقت، فهل
يؤمن الدكتور بتقدمية الحاضر ورجعية الماضى؟ ؟
طرح للمسألة:
لديّ طرح لمسألة «الأصالة والمعاصرة» ربما أعجب تلاميذ د/ زكي ومن
يهتم بالموضوع. فالإنسان حين خلقه الله تعالى حدد له هدفين كبيرين:
١- أن يعبد الله تعالى ولا يشرك به شيئا، [وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون] . [٤]
٢- أن يساهم في عمارة الأرض [ ... هو أنشأكم من الأرض واستعمركم
فيها] . [٥]
العبادة:
والعبادة تأتي على معنيين: عام وخاص، فالعبادة بمعناها العام: أن يعمل
الإنسان «المشروعات» يبتغي بذلك وجه الله، فمن اشتغل بالطب، أو الصيدلة،
أو الكيمياء، أو علوم الحياة أو غيرها، يبتغي بعمله وجه الله تعالى هو في عبادة،
وقد نقل عن أكثر من واحد من علماء المسلمين: إن الاشتغال بالعلم أفضل من
صلاة النافلة.
أما المعنى الخاص للعبادة فيشمل الصلاة والصيام والحج والزكاة.
والأصل في العبادة: النص الصحيح، وليس من حق أحد أن يزيد أو ينتقص
منها، حتى لقد نقل أن شخصاً أخبر ابن مسعود أن جماعةً تجتمع في المسجد،
يذكرون الله ذكراً «جماعياً» ، فطلب إليه إذا اجتمعوا أن يخبره، فلما اجتمعوا
خرج إليهم مسرعاً غاضباً، فلما وقف عليهم قال: (والله الذي لا إله غيره، لقد
جئتم ببدعة ظلماً، ثم راح يسأل باستنكار: هل فَضلتم أصحاب محمد
علماً؟) . [٦]
وحين سمع رسول الله ﷺ بأن بعض أصحابه يلزمون
أنفسهم بالصيام وبعضهم بقيام الليل، وبعضهم بهجر النساء، استهجن ذلك، وقال:
إنه يصوم ويفطر، يقوم الليل وينام، ويقرب النساء، ثم عقب على ذلك بقوله:
(فمن رغب عن سنتي فليس مني) . [٧]
ومن القواعد في هذا الصدد (مبنى العبادة على الحظر) أي المنع، فلا أحد
يملك إنشاء عبادة، أو التصرف فيها، وفي هذا الصدد نفهم كلمة الإمام علي: (لو
كان الدين بالعقل لكان مسح باطن القدم أولى من ظاهره) ، والدين هنا العبادة.
ففي ميدان العبادة يكون المسلم متبعاً، يبحث عن صحة «النص» ثم يؤدي
المطلوب، كما ورد في النص، وفي حدود الفهم السليم.
عمارة الأرض:
أما عمارة الأرض فالذي أفهمه هو إقامة الحضارة، وهذا يتطلب معرفة جيدة
بعلوم العصر، حتى قال علماؤنا: إنه متى وجد علم أو صنعة، ولم يوجد في
المسلمين من يعرفها أو يمارسها، فالأمة كلها آثمة.
ومن حق الدولة أن تعين أشخاصا لهذه المهام، وعندها يصبح الأمر بالنسبة
لهم من فروض العين، يقول الدكتور الدريني: [٨] ( ... وتتجه المسئولية الخاصة
شرعاً، إلى المتخصصين من ذوي الكفاءات، وأرباب الخبرة إذا احتاجت الأمة
إلى صناعاتهم وخدماتهم، وكانت مصلحتها العامة لا تتم إلا بذلك.
ولا يعفيهم من المسؤولية، أنهم أحرار فيما يملكون، وفيما يتصرفون لأن
حريتهم وحقوقهم مقيدة بمراعاة مقتضيات الصالح العام، تكافلاً ملزماً فيجبرون
عليها؛ لأنها من الفروض العامة، واجبة الأداء) .
وجل هذه العلوم لا هوية لها، كالطب والهندسة والصناعة وعلوم الأحياء.
وهذه العلوم وأمثالها متطورة متبدلة، نرى في كل يوم فيها جديداً، فهنا
تتجلى «الحداثة» بأجلى مظاهرها، وفي العبادة والعقيدة تتمثل الأصالة بكل
أبعادها.
دائرتان:
فهناك إذن دائرتان: واحدة للحداثة وأخرى للأصالة، والعلاقة بينهما ليست
قائمة على التناقض والصراع، بل لكل ميدانه الخاص، وقد سقطت الكنيسة في
خطأ قاتل، حين جاءت إلى بعض العلوم من دائرة «الحداثة» فقامت بوضعها في
دائرة «الأصالة» ومنعت من مناقشتها أو التشكيك في صدقها، فلما قامت بواكير
النهضة، تبين للعلماء أن ما يعرف بـ «علوم الكتاب المقدس» علوم غير
صحيحة وغير سليمة؛ لأنها كانت موروثات يونانية ولم تكن من علوم الأصالة،
تذكر الكاتبة الألمانية «زغريد هونكه» [٩] : إن القسس كانوا يلعنون كل من قال
بكروية الأرض، ومن تقبل التعليل بأسباب طبيعية لفيضان أو بزوغ كوكب، أو
شفاء قدم مكسور ... الخ.
وقد دفع «غاليليو» حياته ثمنا لقوله بكروية الأرض، ودورانها حول
الشمس وهناك اليوم حركة تطالب بإعادة محاكمته من جديد.
وقد اخترع رئيس بلدية في ألمانيا مصباحاً يعمل بالنفط، فحكمت الكنيسة
بكفره بحجة أن الله خلق الليل مظلماً والنهار منيراً، وهذا الرجل يبدل في خلق الله، فيجعل الليل كالنهار.
وجل من عرض على «محاكم التفتيش» السيئة السمعة، وكان متهماً بالكفر
أو الزندقة فهو ممن أنكر بعض «خرافات» الكنيسة.
وبالمثل حاولت الفلسفة في الجانب «الميتافيزيقي» الحديث عن الله تعالى
وصفاته واليوم الآخر، فلم تفلح في شيء، فما يقوله الأستاذ ينقضه تلاميذه ذلك أن
علوم الغيب وصفات الله تعالى، لا ينبغي أن تؤخذ إلا من الخبر الصحيح.
فإذا قلنا مع الدكتور محمد عمارة: [١٠] «بأن المقدسات، والقيم والسمات
الحضارية، المميزة للأمة، من» الأصالة «، وأن سبل النهضة والقوة وأشكال
العمران وعلومه من» الحداثة «، نكون قد وقفنا على منهج جديد سديد يسمح
للثوابت بالبقاء، وللمستجدات بالتغيير، وبذلك نحفظ كياننا من الذوبان والجمود في
وقت واحد، فلا نقول: بأن كل ما لدينا من» الثوابت «كما قالت الكنيسة ولا بأن
كل شيء متغير متطور كما تقول حضارة اليوم بل هناك ثوابت، تتمثل في العقيدة
والعبادة، والأحوال الشخصية، والحدود.
ومتغيرات تتمثل بالتعازير، والنظام السياسي، والإداري، وما بني على
العرف والعادة والمصلحة، وسائر العلوم التجريبية، دون فلسفتها.
فالقسم الأول يمثل الأصالة والقسم الثاني يمثل الحداثة، والخلط بينهما وبين
مفرداتهما مرفوض.
نحن والعبادة والعمارة:
قد مضت علينا قرون، ونحن نعمل في الميدانين دون خلط ولا خبط فلما جاء
الإستعمار وتلاميذه وحاولوا إسقاط الأصالة، ومسح مفرداتها، جاء رد الفعل من
الكثير معاكساً، فأنكروا» الحداثة «ومفرداتها.. ذاك مغرب وهذا مشرق فمتى
يلتقيان؟ ؟
ومع مرور أكثر من قرن فمازال الخبط والخلط، مازال هناك من» يقدس «
الماضي بكل سلبياته وإيجابياته، وهناك من يريد أن يهيل عليه التراب كله بكامله،
واستبداله بغيره.
ومعلوم أن الأمم لا تترك ماضيها، كما يخلع الفرد ملابسه أو يبيع داره.
والكثير من المفكرين والكتاب، لا يريد أن يفهم هذه القضية، ولا الحدود
الفاصلة، فيبقى طوال عمره، يضرب في حديد بارد، ثم ينتهي به الأمر إلى يأس
قاتل فيرمي الأمة بالعقوق أو الجمود أو التسيب.
ومن يرد العمل في ميدان» التغيير «فعليه أن يقرأ تاريخ العالم أولا ويدقق
في التحولات الكبرى، ليفرق بين الممكن والمستحيل في هذا الميدان.
ولسنا بدعاً في الأمم، وليس ثمة استثناء لأحد من سنن الله، فمن يجمد
ويتشنج، يتخطاه الركب، ومن يقبل كل تغيير وتبديل، لا تبقى له» هوية «ولا
يكون إلا قمراً صغيرا، يدور في فلك غيره، من لا يصدق هذا فليدرس النموذج
» التركي «في التغيير والحداثة، والنموذج الياباني في الأصالة، ثم ليفعل ما يشاء،
ويقرر ما يريد ...
لقد بحت منا الأصوات، وحفيت منا الأقدام، ومع ذلك مازلنا نقبع في مكاننا، ويبدو أن ثمة» مهيجين ومحرشين «كلما هدأت» النار «تطوع من ينفخ فيها،
ويقدم لها الوقود ...
فهل يعجب تلامذة الدكتور زكي هذا الطرح؟ وهل من جديد في الجيوب
والجعب؟ !
стр. 1600
كلمة في خطورة الكلمة
منى عبد الله داوود
إننا لنتساءل.. ما وقع الكلمة في حياة الأمة المعاصرة؟ كيف يتعامل المسلم
المعاصر معها؟ وكيف تعامل سلف هذه الأمة معها؟ وهل وعت الأمة حقيقة الأبعاد
الإيمانية والتربوية للكلمة في حياتها؟ هذه الأسئلة وغيرها فرضها واقعنا المعاصر، ذلك أن المفاهيم قد اختلت وضاعت المعايير، فكان التخبط في نواحٍ شتى، منها
الكلمة، ومن باب الوفاء بحقها كانت هذه المقالة، رجاء أن يجعلها الله من الكلمة
الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا أزعم تمام الوفاء بحقها، وإنما هو
جهد أساهم به في فتح منافذ الكتابة عن الكلمة من أجل أن تعود إلى مكانتها الحقيقية
في وعي الأمة.
مدخل كلمتي آيات من كلام رب العالمين، بُغية صدق المدخل، ورجاء صدق
المخرج، فندعو بداية بـ: [رب أدخلني مٍدخل صدقُ وأخرجني مٍخرج صدقُ
واجعل لي من لدنك سلطاناْ نصيرْا] [١] ؟ ثم لنتأمل قوله تعالى: [ألم تر كيف
ضرب الله مثلاْ كلمةْ طيبةْ كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي
أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة
خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار * يثبت الله الذين
آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويٍضل الله الظالمين ويفعل الله ما
يشاء] . [٢] فمن منا لا يرجو أن يكون كلامه من الكلم الطيب؟ ! فذلك من معين
الثبات في الدنيا والآخرة، سواء أقصدنا بالكلمة الطيبة كلمة التوحيد، أو هي كل
كلمة حق في معيار الإسلام، وهذه دعوة صادقة أوجهها إلى الأمة أن تعي أن
للاختلاف بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة معايير، ينبغي التعرف عليها، وفهمها، والتزامها.. كما أن لها معطيات مثمرة ومن أبرزها: نقاء الأجواء المحيطة بها،
ومواطن غرسها، لأنها كالشجرة في حاجتها إلى التربة النقية، إذ كيف يمكن
للشجرة الطيبة أن تثمر وسط تربة مليئة بالخبث، وأجواء غير نقية ومن ثم فلنسع
في تنقية مجتمعاتنا من الفساد والخبث، رجاء أن تؤتي الكلمة الطيبة أكلها،
ولنحرص على متانة الجذور وقوتها، فهي أصل الشجرة الطيبة التي ترسي دعائمها، فلا تهن ولا تضعف، وكذلك الكلمة لابد من حماية أصولها وتقوية جذورها،
لتقف في وجه الباطل محصنة قوية خاصة أن الكلمة في الإسلام تملك أصولاً
راسخة ذات سمات ربانية، تكفل لها الاستمرارية والعطاء الفاعل بقدر صلتها
وتمسكها بها، فأصولها كتاب الله وسنة رسوله، لا تضل أبداً ما تمسكت بهما.
ونحن ندعو دعوةً خالصة أن يبارك الله كل جهد بُذل ويُبذل في سبيل
مجتمعات إسلامية نقية أصيلة، فهو لبنة في التهيئة للكلمة الطيبة، والتمكين لها في
الواقع المعاصر.
إذن ما الهدف؟ وما المقصود؟ سؤالان لابد منهما حول الموضوع، لأننا أمة
متميزة، تؤمن بـ[ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد] . [٣] فالرقابة الإيمانية
واستشعار أمانة الكلمة، تفرض على المسلم حساً إيمانياً، يرقى به نحو السمو إلى
مرتبة الإحسان في الكلمة، فيكون في موقع «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن
تراه فإنه يراك» [٤] ، فتتهذب نفسه تبعاً لهذا الحس والشعور، ويتربى على أن
يزن الكلمة بميزان الحق والعدل، ويميز بين الطيب والخبيث فالإسلام يحوي
ثوابت لا تتغير، يستقي المسلم منها الضوابط والمعايير لجميع شؤون حياته، ومنها
الكلمة، فكل ما حسنه الشرع فهو حسن، وكل ما قبحه الشرع فهو قبيح.
ونحن ندعو الأمة أن تتحرى موازين الشريعة الإسلامية حتى تكون المعايير
سليمة، والضوابط صحيحة، جاعلةً نصب عينيها إخلاص النية لله تعالى رجاء
البركة والتوفيق منه ، وتحري اتباع سنة المصطفى -صلى الله عليه
وسلم- بُغية الصواب ومن أعظم معطيات تحصيل ذلك، الفقه في الدين، وقوامه
التقوى إذ يقول تعالى: [واتقوا الله ويعلمكم الله] . [٥] ولنحذر مما حذرنا منه -
ﷺ بقوله: «إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي
بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» . [٦] ، وليكن شعارنا «من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» .
لا ريب أن كل مخلص لهذه الأمة يرجو لها العزة والتمكين، و [من كان
يريد العزة فلله العزة جميعاْ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين
يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور] . [٧] ومن أسباب العزة
ووسائلها لمن يطلبها عند الله، القول الطيب والعمل الصالح القول الطيب الذي
يصعد إلى الله في علاه، والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه، ويكرمه بهذا
الارتفاع، ومن ثم يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء «. [٨]
ونحن ندعو من استطاع أن يجود بكلمة ترقى بمسؤولية الكلمة، ألا يتوانى أو
يتردد، إذ أن من أسباب العزة ووسائلها كما رأينا الكلم الطيب، الذي يفتقر إليه
واقعنا المعاصر.
ختاماً أرجو ألا ننسى أن الكلمة في يوم الحساب لا مفر لها من أن توزن
بميزان يزن الذرة من الشيء، لذا ندعو كل مؤمن في هذه الأمة أن» يرتعش
وجدانه أمام كل عمل من أعماله وأمام كل قول من أقواله ارتعاشة ذلك الميزان
الدقيق الذي ترجح به الذرة أو تطيش «. [٩] [فمن يعمل مثقال ذرة خيراْ يره،
ومن يعمل مثقال ذرة شراْ يره] . [١٠]
стр. 1601
منتدى القراء
وحدة الصف.. طريق النصر
خالد المسبحي
شهدت الساحة الإسلامية أنماطا من الناس، وأشكالاً من البشر.. إذ ااختلفت
معهم في الرأي تحولوا إلى وحوش كاسرة، يمتلئون بالحقد وحب الانتقام والأخذ
بالثأر؛ فكم من إنسان دفعه خلافه إلى أن يشهّر بمن خالفه، كم من إنسان دفعه
حقده إلى أن يتعاون حتى مع الأعداء لينتقم ويشفي غليله من غريمه. إنها قضية
أساسية يجب أن تكون محل الاهتمام الأكبر.. ومناط التفكير الأول على الساحة
الإسلامية..، فأكثر المشكلات والأزمات التي تعاني منها الساحة الإسلامية،
ويعاني منها العمل الإسلامي تعود إلى سوء التنظيم، وقلة التخطيط وعشوائية العمل.
وحين لا يخضع العمل لقواعد وأصول مدروسة، ولا يقوم وفق مخططات
ومناهج واضحة، وحين لا يُعرف ما ينبغي عمله اليوم وما يجب تأجيله إلى الغد..، وحين لا يُفرق بين ما هو مهم وبين ما هو أهم، ولا تُرتب الأعمال وفق ...
الأولويات.. عندئذٍ يحدث الخلل وتضطر الدعوة الإسلامية إلى ملء الشواغر
والفراغات بأعمال ضعيفة وبأسماء ليست ذات كفاءة.
إن كل فرد في الحركة الإسلامية يجب أن يشعر أنه مسؤول وأنه عضو ينتج
ويتفاعل أيّاً ما كانت مهنته أو مكانته، ويجب أن يشعر بالانصهار مع إخوانه..
وهذا الشعور لا ينشأ من فراغ، وإنما ينشأ من خلال الممارسة التي تؤكد
وباستمرار حقيقة هذا التوجه، وهذا التلاحم والترابط.
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى عند قول الله تعالى: (إن الله يحب
الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) [١] ، يقول: هذه الصورة
التي يحبها الله للمؤمنين ترسم لهم طبيعة دينهم، وتوضح لهم معالم الطريق،
وتكشف لهم عن طبيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعبير القرآني المبدع (صفاً
كأنهم بنيان مرصوص) ... بنيان تتعاون لبناته وتتضامن وتتماسك وتؤدي كل لبنة
دورها، وتسد ثغرتها، لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها، تقدمت
أو تأخرت ...
ويستطرد الأستاذ سيد فيقول: «إن طبيعة هذا الدين حين يغلب ويهيمن
يهيمن على جماعة، وينشيء مجتمعاً متماسكاً.. متناسقاً، وصورة الفرد المنعزل
يعبد وحده، ويجاهد وحده، ويعيش وحده، صورة بعيدة عن طبيعة هذا الدين،
وعن مقتضياته في حالة الجهاد، وفي حالة الهيمنة بعد ذلك على الحياة» . [٢]
وانطلاقا من هذا المبدأ.. وحرصاً على تجلية هذا الهدف الذي نعمل جميعا
من أجل الوصول إليه.. وبلوغ غايته.. فإن على الدعاة إلى الله دعاة الفكرة
الإسلامية أن يتضامنوا ويتكاتفوا، وأن تجتمع قواهم بدلاً من التشتت والتفرق
فيكون السقوط أمام أي عقبة، والفشل أمام أي مشكلة ... مما يجعلنا فريسة سهلة
لأعدائنا.. أعداء الدين، الذين يتلوّنون تلون الحرباء ويتقلبون تقلب الرياح،
وينتقلون من مكيدة إلى أخرى.. حتى ينفذوا إلينا ويمزقوننا، وأن يضعوا خلالنا
الفتنة..، والأمة الإسلامية اليوم في أمس الحاجة إلى جمع الشمل ووحدة الصف
الذي بعثرته الأيدي الصهيونية والاستعمار الغربي الحاقد.. فقد دخل الاستعمار على
المسلمين من الفروع والجزئيات التي يدور الاختلاف فيها بين ما هو أولى، وما هو
خلاف الأولى فاستطاع الاستعمار بذلك التأثير على المسلمين والتفرقة بين العلماء
والدعاة.
إن وحدة المسلمين فريضة، والوقوف صفاً واحداً من أجل الدعوة على هدى
ونور وبصيرة أمرٌ واجب، أمرنا الله به وحثنا على التمسك به [ولا
تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب
عظيم] . [٣]
وفقنا الله لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1602
منتدى القراء
أفلا يستقيم لنا كما استقام لهم ! ! ؟
حسن قطامش
استوقفتني تلك الكلمة التي قالها يونس الصدفي حكاية عن الشافعي وقتاً طويلاً
متأملاً معانيها، ناظراً في مدلولها ومغزاها ...
وكان يونس ﵀ يمتدح الإمام الشافعي فقال: ما رأيت أعقل من الشافعي! ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا
يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق! ! ؟ [١]
وقد عقب الذهبي ﵀ على هذا بقوله: هذا يدل على كمال عقل هذا
الإمام، وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون. [٢]
وقول الشافعي ﵀ يذكرنا بقول الإمام أحمد عندما قال عن إسحاق بن
راهويه: لم يعبر هذا الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً. [٣]
وإنه لمن العقل وفقه النفس إشاعة آداب الأخوة. بمفهومها العملي لا النظري
فقط، ولكن عندما نحصر هذه الأخلاق فيمن هو حقيق بها كما نظن ممن جمعنا به
تجانسٌ فكري أو إطار تربوي، فعند ذلك لا يكون لهذه الأخلاق واقعٌ ملموسٌ
ومدركٌ ... ، وإن المفهوم الحقيقي للأخوة وآدابها لابد من أن يتسع فيحتضن كل
مسلم سليم الاعتقاد، وإن خالفنا في أشياء ...
ولنا في سلفنا أسوة وقدوة فقد وسعهم الخلاف واستقام لهم أن يكونوا إخواناً
على اختلافهم ...
أفلا يستقيم لنا كما استقام لهم! ! ؟
стр. 1603
ردود قصيرة
*الأخ الكاتب الذي لم يذكر اسمه والذي كتب موضحاً خطأ الاتجاه الانهزامي
لمنظمة التحرير الفلسطينية في توجهها الأخير للاستسلام والرضا بما يسمي (خيار
غزة أريحا أولاً) .. نشكرك على طيب مشاعرك وما ذكرته تطرقت إليه المجلة في
العدد الماضي والذي قبله مع العلم أنه لا ينشر لأحد إذا لم يذكر اسمه في رسالته.
*الأخ/ سيد الهاشمي من مكة المكرمة: نشكرك على تواصلك معنا، أما
مقالك عن (التوجه الجديد للسلام) فإن المعالجة تحتاج إلى عمق أكثر ومعلومات
أوفر، لذا نعتذر عن نشره.
*الأخ/ عبد الرحمن الرشيد: يتساءل عن (البيان الصغير) وضرورة عودته
لما يحمله من توجيهات سديدة للنشء، بالنسبة للبيان الصغير فقد توقف إصداره
لظروف فنية متعلقة بطبيعة المجلة، ونرجو أن يوجد في الساحة الإسلامية ما يسد
هذه الثغرة.
*الأخ/ منصور بن درباش: ما كتبته عن (الحركة التنصيرية في أندونيسيا)
قليل جداً وغير موثق وبخاصة أن هذا الموضوع أُلّفت فيه كتب ورسائل علمية
مشهورة، لذا نعتذر عن النشر.
*الأخ/ محب الدين عبد الله: قصيدتك (عليهم السام) لم تكن واضحة بـ
(الهاتف المصور) ويلزم ذكر رقم الجهاز حتى نتمكن من إشعارك بذلك ونأمل إعادة
إرسالها مرة أخرى إرسلها بالبريد.
*الأخ/ محمد بن علي الفاهمي: نبادلك المشاعر الطيبة، ونسأل الله أن نكون
من المتحابين فيه، أما اقتراحاتك فهي محل الدراسة من أسرة التحرير.
*الأخ/ إدريس علي عبد الله: يثني على المجلة ودورها في التوعية والتوجيه
ويأمل أن تراعي المجلة ما يلي:
أ -التأكيد على العقيدة السلفية والتحذير من كل الانحرافات عن جادة التوحيد.
ب -إجراء الحوارات مع علماء الإسلام في ديار الإسلام من المشهود لهم
بالعلم والفضل والجهاد والصدع بكلمة الحق.
ج -الاهتمام بقضايا الدعوة والدعاة في مختلف أنحاء العالم ونقل نشاطاتهم
والتعريف بهم.
د -تسليط الأضواء على الدعوة في البلاد العربية وما تعانيه في بعضها من
ضغوط واضطهاد.
ونحن بدورنا نشارك الأخ الكريم مشاعره الطيبة واقتراحاته الوجيهة، فنحن
نعمل ومازلنا جاهدين لأن نتطرق لمثل هذه المواضيع الهامة ونوليها جل اهتمامنا.
*الأخ/ أبو خالد قصيدتاك (اليراع الحزين) و (وقفة بين الشياطين) ضعيفتان
فنياً وننتظر منك مشاركات قادمة أكثر نضجا.
*الأخت أم قتيبة: نأمل إرسال العنوان حتى نرسل لك رسالة خاصة حول
مشاركاتك.
стр. 1604
الورقة الأخيرة
معاناة من نوع آخر ..
د. مالك الأحمد
تعاني الصحافة الإسلامية سواء أكانت الصادرة في البلاد الإسلامية أو في
الخارج من عقبات جمة، فالصحف - أو بالتحديد (المجلات) ، لأنه لا تكاد توجد
صحف إسلامية تصدر محلياً - فالمجلات الإسلامية الصادرة تطوقها القضايا
المحلية، وتأخذ حيزاً من صفحاتها المحدودة، وتضطرها أحياناً أن تكون هي
محورها الأساسي، كذلك تحاصرها النظم والقوانين الإعلامية مما يجعلها تخرج
أحياناً عن مصداقيتها، فقد تمدح أفراداً أو دولاً حسب ما تمليه عليها الظروف
السياسية.
أما الصحف الإسلامية الصادرة في الخارج فمعاناتها أشد، وهي وإن كانت
حرة في قول الكلمة والصدع بالحق، فإنها لا تستطيع أن تصل للقراء المعنيين
فتبقى محصورة في بلد الإصدار أو ما حوله من البلدان الغربية، وتجدها تستمر
فترة ثم تنقطع ثم تظهر أخرى وتنقطع.. وهكذا.
وفي الجملة فإن أي مطبوعة إسلامية تريد أن تصل إلى القارئ المسلم
والعربي بشكل خاص تجد نفسها أمام محاذير وخطوط حمراء كثيرة فتحاول
الاستمرار، فتحسب كلماتها بدقة ولكنها قد لا تصل إلى الكثير من البلدان على
الرغم من التحفظ في هذا الجانب أو ذاك.
والغريب أن بعض الخطوط الحمراء إنما توضع أمام المجلات الإسلامية ولا
تطبق على غيرها من الصحف والمجلات القومية والعلمانية، وإذا انتقلنا إلى
الجانب المالي نجد أن أغلب الصحف في العالم العربي إما رسمية أو شبه رسمية،
وبالطبع فهي مدعومة على كل حال.
وتبقى المجلات الإسلامية في الغالب تعتمد على التبرعات والإعانات فهي
خاسرة من ناحية التوزيع نظراً لافتقارها لسعة الانتشار، وكذلك لغياب السوق
الإعلانية عنها والتي تمثل الدخل الأساسي لأي مطبوعة.
وفي الجانب الفني والإداري هناك افتقار في الأوساط الإسلامية للمؤهلين
إعلامياً، فنحن إما أن نجد هواة دخلوا ميدان الإعلام عندما اضطرتهم الظروف
لذلك، وإن أبدع الكثير منهم، لكن تنقصهم الخبرة العملية وتبقى قلة من أصحاب
المهنة، لكنهم ضعيفوا الحس والرؤية الإسلامية.
وختاماً، نوجه دعوة حارة لأصحاب الأقلام والإعلاميين لدعم المسيرة وكذا
دعوة للقراء للمؤازرة وتفهم الظروف التي تحيط بالإعلام الإسلامي، كي لا يظن
بالقائمين عليه خلاف الحقيقة.
والله من وراء القصد،
стр. 1605
رجب - ١٤١٤هـ
ديسمبر - ١٩٩٣م
(السنة: ٨)
стр. 1606
كلمة صغيرة
أقوال وأفعال
كانت - على العموم - كلمة منصفة تلك التي ألقاها (الأمير تشارلز) في مركز
الدراسات الإسلامية بجامعة (اكسفورد) مؤخراً حينما أشاد بدور الإسلام في نهضة
الحضارة الغربية، وكذلك دعوته للاستفادة من الإسلام في عدالته وتسامحه وشموله
وكان الأمير موضوعياً حينما طالب بإعادة النظر في القوالب الثقافية المجحفة التي
توارثها الغربيون عن الإسلام, والتي أرجعها إلى عقد تاريخية وإلى سوء فهم..
ومع تحفظنا على (الإسلام) الذي يفهمه الأمير إلا أننا نتمنى أن تعي مثل هذا
الفهم (الحكومة البريطانية) , وعلى رأسها (ميجر وأوين) المعروفان بمواقفهما
العجيبة والغريبة في (البوسنة والهرسك) والتي وصفتها (تاتشر) بأنها كارثة.
ثم حتى متى لا يكون للإسلام في بريطانيا حقه باعتباره ديناً سماوياً؛ إذ ما
يزال القانون الإنجليزي يقرر أن حق الدفاع ضد (التجديف) لا يشمل الإسلام،
ويتعرض المسلمون أحياناً لحوادث تفرقة عنصرية كما دل عليه تقرير مجلس مدينة
مانشستر عن أحداث مدرسة (إيرننج الثانوية عام ١٩٩١) بل وصل التمييز إلى
المسلمين الإنجليز أنفسهم، فقد حرمت المدارس الإسلامية من الإعانة بينما أعطيت
لغيرها.
إننا نرحب بكل كلمة منصفة ونقدرها لكننا أحوج ما نكون إلى الأفعال
المنصفة لتشمل العدالة الجميع.
стр. 1607
الافتتاحية
العالم العربي بين ناري
القومية والقطرية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه والتابعين لهم
بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فمنذ أشرقت شمس الإسلام على بطاح مكة المكرمة مؤذنة بظهور هذا الدين
الجديد، وصاحب الرسالة ﷺ -يعلنها مدوية في سمع الزمان مبيناً
عالمية رسالة الإسلام حيث يقول: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي «وعَدّ
منها (وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس كافة) » وأكد ذلك القرآن
الكريم بقوله تعالى: [وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً] ، وقوله: [وما
أرسلناك إلا رحمةً للعالمين] ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً وقامت دولة الإسلام
بالمدينة وصدقت نبوءة الرسول ﷺ باتساع دولة الإسلام حينما
جاءه بعض الصحابة يشكون له أذى قريش فبين لهم أن الله سيتم هذا الأمر، (حتى
يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله) ، وفي رواية: (والذئب
على غنمه) رواه البخاري.
فلم يكن للمسلم منذ صدر الإسلام وعصوره المتتالية جنسية سوى عقيدة
التوحيد، لا يعرف جواز سفر، ولا بطاقة تعريف، سوى أنه مسلم يدين بالإسلام
حتى انتهى العالم الإسلامي في عصوره المتأخرة إلى الوقوع في أتون النعرات
القومية، التي كانت بضاعة مستوردة، أدت إلى نشوء النزعات الجاهلية التي جاء
الإسلام لوأدها وهدمها، لكنها عادت يوم ضعف الدين في النفوس، ولم يعد له
الحاكمية على الناس، منذ أن دعا القوميون العرب لنعرتهم القومية خلال
العشرينات، التي كانت ردة فعل للقومية الطورانية التركية، مما أدى إلى سقوط
جل الدول العربية تحت سيطرة الاستعمار الأجنبي.. وحينما قام المجاهدون
يدافعون عن حمى الإسلام ضد التسلط الأجنبي سُرقت ثمرات الجهاد فتحول في
أواخره من جهاد في سبيل الله إلى حركات وطنية استقلالية بمنطلقات علمانية
وقومية جاهلية، أطالت من عمر الاحتلال يوم اصطنع المحتلون نفراً من أولئك
القوم مكنوا لهم، فكانوا في عدائهم للإسلام ودعاته أعظم من الأجنبي يوم كان محتلاً
لديار الإسلام.
ومن العجيب أن يكون أكثر دعاة القومية العربية من النصارى ومن العجم ويا
ليتهم اعتزوا بأخلاق العروبة وآدابها التي هي أقرب ما تكون إلى الإسلام بل إن
الإسلام أقر الصالح منها مثل: الكرم، والوفاء، بالعهد، والحفاظ على الجوار
وحماية العرض، وكان مِنْ عرب الجاهلية مَنْ لا يقر الظلم والبغي؛ لذا قام نفر من
أعيانهم بحلف الفضول، ذلك الحلف الذي قال عنه الرسول ﷺ :
لقد شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به
في الإسلام لأجبت «، لكنهم داسوا تلك الخلال ولم يحترموها فضلاً عن أن
يطبقوها بوحي من إيمانهم بشريعة الإسلام، فجاؤوا بدساتير أجنبية مستوردة، لا
تقيم لشريعة الإسلام أي احترام، بعد أن نَحّاها المستعمر، فلم يبق منها سوى
أطلال تتمثل في بعض قوانين الأحوال الشخصية؛ وحينما انتقدت تلك النزعة
العلمانية قال بعضهم خداعاً أو جهلاً: (الإسلام تراث من تراث القومية العربية
ومحمد ﷺ -بطل من أبطالها) ، لقد كان التوجه القومي في البلاد
العربية مظهر انحطاط وانهزامية لأمتنا، إذ كانت ثماره المرة ما يلي:
١- خسران الحروب التي دخلها العرب في تلك الحقبة.
٢- تنحية شريعة الإسلام عن الحكم.
٣- اضطهاد الحركات الإسلامية ورموزها ما بين قتل وسجن وتشريد.
٤- لم تسلم دولة عربية مجاورة لأخرى من حروب ونزاعات على الحدود.
٥- تشجيع النزعات العنصرية في جل الدول العربية من الفرعونية
والآشورية والبربرية، ونشوء أحزاب علمانية تدعو لتلك التوجهات الشعوبية
المشبوهة.
٦- الانهيار الاقتصادي لاسيما الأخذ بالتوجهات الاشتراكية وما سواها من
الاتجاهات الليبرالية التي لم تذق منها الشعوب العربية سوى الجوع والمسغبة.
٧- هرب كثير من العلماء التقنيين خارج العالم العربي لعدم احتوائهم من
ناحية، أو مخالفتهم لتوجهات أولئك الحكام من ناحية أخرى.
هذه بعض من نتائج ومعطيات الحقبة القومية، التي بليت بها أمتنا ومازالت.
لقد كانت القطرية موجودة في كثير من الدول العربية قبل حرب الخليج
وبعدها بكل ما أنتجته من تغيرات استراتيجية وميدانية أخذت وبشكل واضح
اتجاهات انكفائية تتلبّس لبوس الوطنية وتنظر من خلالها إلى ذاتها وأمنها نظرة
خاصة وتجعل من مصلحة النظام الحاكم المحور المعوّل عليه في بناء سياستها
وتوجهاتها، لا تنظر معها إلا لمصالحها فقط، حتى ولو كانت مع العدو نفسه.
إن تلك النزعة الانكفائية، مظهر تخلف ولا شك لأنها لا تتنافى والطموحات
القومية المزعومة فحسب، بل إنها قبل ذلك تتصادم مع حقائق الإسلام وأخلاقياته،
زيادة على ما تشكله من طعن مباشر في (عقيدة الولاء والبراء) .
إن حب الأوطان فطرة تعيش في حنايا النفوس وتعمر بها شغاف القلوب
فأوطاننا هي الأرض التي بها ولدنا وعلى أرضها درجنا ونعمنا بخيراتها وتعلمنا في
مدراسها وتظللنا بوارف ظلالها.
كان بلال ﵁ يهتف شوقاً لمكة المكرمة بأبيات تسيل رقة منها:
وهل أردن يوماً مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل (٣)
إن تلك العاطفة فطرية في النفوس، لكن يجب أن تكون في إطارها لا أن
تصل إلى حد التقديس لتراب الوطن الضيق بعيداً عن الإحساس بواجب الإخاء
الإسلامي العام، وبعيداً عن الشعور بواجب النصرة لإخواننا المسلمين، وبعيداً عن
تحقيق متطلبات عقيدة الولاء والبراء.
إن أمتنا العربية نكبت مع الأسف منذ نُحّيَتْ (شريعة الله) واستعاضت عنها
بالتوجهات القومية، يوم حكمت الدساتير العلمانية وسارت على نهجها فلم تكن
ثمارها سوى الهزائم والسقوط، ولن يكون حال التوجهات القطرية الحالية بأحسن
حالاً، فحسبها أن تثير الحزازات بين الشعوب العربية حينما يكون كل شعب
مشغولاً بنفسه عن إخوانه في العقيدة والدين، فإلى متى تبقى أمتنا تذوق مرارة
الحرمان والانهزامية مع كل توجه علماني؟ لقد جربت الأمة شتى التوجهات
الجاهلية من اشتراكية وقومية وليبرالية ولم تكن نتائج ذلك سوى حصاد الهشيم
وقبض الريح.
إننا لا ندعو إلى تجريب الإسلام، بل إلى فهمه فهماً صحيحاً من مصادره
الصحيحة والعودة له شريعةً حاكمة، ثم الاعتماد على النفس وأخذ السبل الموصلة
للقوة القائمة على حشد كل الإمكانيات البشرية، وتقوية الاتجاهات العسكرية،
والعناية بالبحث العلمي بإنشاء مراكز البحوث، والاستفادة من القدرات الهائلة من
العلماء المسلمين الموزعين في شتى أنحاء العالم، وضرورة التكامل الاقتصادي،
وزيادة التعاون بين الأقطار الإسلامية، وإعادة النظر في السياسة التعليمية القائمة
ليس لصالح سياسة التطبيع وإنما لتخريج الأجيال القادرة على المواجهة ثقافياً
وعسكرياً، والمطالبة بأن يكون لنا مكانٌ أكبر في المنظومة الدولية ... ولن يتأتى
ذلك بدون الانتماء لعقيدتنا الإسلامية الصحيحة قولاً وفعلاً والصلح مع إخواننا قبل
الصلح مع أعدائنا.
إن العودة إلى الإسلام الحق ستحمينا من أخطارالاتجاهات المنحرفة وسلبياتها
سواء أكان ذلك قومياً أو قطرياً.
стр. 1608
في إشراقة آية..
[إن خير من استأجرت القوي الأمين]
د. عبد الكريم بكّار
قصّ الله جل وعلا علينا خبر موسى مع شعيب ﵉ حين جاء مدين، ووجد ابنتين لشعيب قد منعتا غنمهما من الورود بانتظار ذهاب الرعاء وفراغ
المكان، وما حدث من تطوع موسى بالسقيا لهما، وما كان من أمر شعيب حين بلغه
ما قام به موسى حيث أرسل له يطلبه ليجزيه على ذلك وذكر لنا القرآن الكريم كذلك
نصيحة ابنة شعيب لأبيها باستئجاره، وعللت ذلك بقوة موسى وأمانته، ويذكر
المفسرون أن شعيباً ﵇ أثارت حفيظته الغيرة من كلامها، فقال: وما علمك
بقوته وأمانته؟ فذكرت له أن موسى حمل حجراً من فوق فوهة البئر، لا يحمله في
العادة إلا النفر من الناس وتلك قوته، وأنه حين ذهبت تكلمه أطرق رأسه، ولم
ينظر إليها، كما أنه أمر المرأة أن تمشي وراءه، حتى لا تصيب الريح ثيابها
فتصف ما لا تحل له رؤيته وتلك أمانته.
وقد صدق حدسها فهي ما رأت إلا نبياً من أولي العزم المؤتمنين على الوحي،
الأشداء الأقوياء! وقد قيل: إن أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف
حين قال (عسى أن ينفعنا) [١] ، وأبو بكر حين اختار عمر لإمارة ...
المؤمنين. [٢]
وقد جمعت ابنة شعيب ﵇ في تعليلها المختصر ذاك بين أمرين
عظيمين، ينضوي تحتهما معظم الكمالات الإنسانية، وهما الأمانة والقوة، وهذه
وقفات سريعة معهما:
١- ليست الأمانة هنا إلا رمزاً لما يستلزمه الإيمان بالله تعالى من المحامد
كالإخلاص والأمانة والصدق والصبر والمروءة، وأداء الفرائض والكف عن
المحرمات؛ وقد قال أكثر المفسرين في قوله سبحانه: [إنا عرضنا الأمانة] [٣]
الآية: إن المراد بها التكاليف الشرعية عامة [٤] ، وقد وصفت ابنة شعيب موسى
بالأمانة لغضه طرفه، ومشيه أمامها.
أما القوة فهي رمز لمجموع الإمكانات المادية والمعنوية التي يتمتع بها الإنسان.
٢- الأمانة والقوة ليستا شيئين متوازيين دائماً، فقد يتحدان، وقد يتقاطعان
فالصبر جزء من الأمانة؛ لأنه قيمة من القيم، وهو في ذات الوقت قوة نفسية
إرادية، وإذا كان العلم من جنس القوة، فإنه يولد نوعاً من الأمانة؛ إذ أهله أولى
الناس بخشية الله، [إنما يخشى اللهّ من عباده العلماء] [٥] والإيمان أجل القيم
الإسلامية، فهو من جنس الأمانة، ومع ذلك فإنه يولد لدى الفرد طاقة روحية هائلة
تجعله يصمد أمام الشدائد صمود الجبال، ومن ثم كانت الظاهرة الإسلامية العالمية:
ظاهرة (المسلم لا ينتحر) ! . إن هذا التلاقي بين الأمانة والقوة يمثل بعض
الأرضية المشتركة لتلاقي أهل الأمانة وأهل القوة، كما يجعل التحقق من إحداهما
المعبر للتحقق من الأخرى.
٣- سوف يظل النمط الذي يجمع بين القوة والأمانة نادراً في بني الإنسان
وكلما اقتربا من الكمال في شخص صار وجوده أكثر ندرة، والقوي الذي لا يؤتمن، والموثوق العاجز هم أكثر الناس، والذين فيهم شيء من القوة وشيء من الأمانة
كثيرون، وقد روي عن عمر ﵁: «أشكو إلى الله جَلَد الفاجر وعجز
الثقة، فكل منهما لا يمثل المسلم المطلوب، ودخل عمر أيضاً على لفيف من
الصحابة في مجلس لهم فوجدهم يتمنون ضروباً من الخير، فقال: أما أنا فأتمنى أن
يكون لي ملء هذا البيت من أمثال سعيد بن عامر الجمحي، فأستعين بهم على أمور
المسلمين! .
٤- العمل المقبول في المعايير الإسلامية هو ما توفر فيه الإخلاص والصواب
والإخلاص ضرب من الأمانة، والصواب وهو هنا موافقة الشريعة ضرب من القوة، هذا بصورة عامة، لكن في أحيان كثيرة يكون ما يطلب من أحدهما أكثر مما
يطلب من الآخر؛ فالثواب يتعلق بالإخلاص أكثر من تعلقه بالصواب، فالمجتهد
المؤهل ينال أجراً إذا استفرغ وسعه وإن كان اجتهاده خاطئاً، لكن لا ثواب ألبتة
على عمل لا يراد به وجه الله تعالى، أما النجاح والوصول إلى الأهداف المرسومة
في الدنيا فإنه مرتبط بالصواب أكثر من ارتباطه بالإخلاص، فكم من مؤسسة
يديرها أكفاء ليس عندهم شيء من الأمانة، ثم حققت أهدافها المادية كاملة وكم من
مؤسسة أدارها أخيار غير مؤهلين، فأعلنت إفلاسها!
وقد ذكر ابن خلدون أن للناس مذهبين في استخدام الأكفاء غير الثقات
وتقديمهم على الثقات غير الأكفاء، واختار هو استخدام غير الثقات إذا كانوا
مؤهلين؛ لأن بالإمكان وضع بعض التدابير التي تحد من سرقاتهم أما إذا كان
المستخدم لا يحسن شيئاً فماذا نعمل به؟ ! [٦]
وقد ولى النبي ﷺ -أهل الكفاية الحربية مع أن في الصحابة
من هم أتقى منهم وأورع؛ لأن القوة (البسالة وحسن التخطيط) تطلب في قيادة
الجيش أكثر من الأمانة، مع أنهم كانوا بكل المقاييس من الأمناء الأخيار وطلب
بعض الصحابة ممن عرفوا بالزهادة والورع الولاية على بعض أمور المسلمين
فحجبها عنهم لضعفهم.
٥- نحن في مراجعة أخطائنا نركز على جانب الأمانة، ونهمل جانب القوة
فإذا ما أخفقنا في عمل ما قلنا نحن بحاجة إلى تقوى وإخلاص، وإن اتباع الأهواء
هو السبب في ذلك، ولا ريب أن الإخلاص مفتاح القبول والتوفيق وأن التقوى
تستنزل الفرج، لكن ما هي المعايير التي تمكننا من قياس درجة التقوى ومقدار
الإخلاص الموجود إذا ما أردنا التحقق منه وكيف نستطيع التفريق بين عمل دفع
إليه الهوى وآخر دفع إليه الاجتهاد؟ ! كل ذلك مما يستحيل قياسة، وبالتالي فإنه لا
يمكن تحديده وما لا يمكن تحديده لا يصلح لأن يكون هدفاً.
وبإمكان الناس أن يقولوا: إلى ما شاء الله نحن أتباع هوى دون أن تستطيع
أن ترد على أحد منهم رداً شافياً قاطعاً! على حين أن قياس القوة ممكن، وإدراك
الخلل فيها يكون عادة ظاهراً يمكن وضع الإصبع عليه فحين يأتي خطيب ليتولى
إدارة جيش، أو التخطيط لمعركة، وحين يتولى رسم سياسات العمل رجلٌ لا
يعرف الواقع، فلا يقرأ جريدة ولا يستمع إلى نشرة أخبار، ولا يحسن قراءة أي
شيء يحيط به، فإن الخلل لا يحتاج إذ ذاك إلى شرح حيث تتولى شرحه النتائج! . وحين يتصدى للاجتهاد في أمور خطيرة أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من
المعلومات حولها، وتترتب على اجتهاداتهم فواجع أكبر من أي جريمة ماذا تكون
الحال؟ !
لقد آن الأوان لوضع الأمور في نصابها، بتأهيل الشخص قبل إيجاد العمل
الذي سيعمله، بدلاً أن يوجد المنصب ثم يبحث عمن يسد الفراغ ليس أكثر!
٦- عالمنا الإسلامي النموذج المثالي للقوى الكامنة، فكل ما عندنا (خام)
الإنسان والطبيعة والموارد، ولعل لله في ذلك حكمة بالغة؛ إذ أن تشكيل الإنسان
المسلم لو تم قبل بزوغ الصحوة المباركة لكان أكثر ضرراً من بقائه على حاله.
هذه القوى الكامنة ستظل ثغرات في حياتنا أياً كان موقعها في ظل التكالب
العالمي على الصعيد الثقافي والاقتصادي، وهذه القوى الكامنة تحتاج إلى تفجير
وإلى إخراج في شكل جديد يمنحها وزنها الحقيقي وإخراج القوة مهمة الدولة أولاً؛
فهي المسؤولة عن تفجير الطاقات كافة وتوجيهها، ومهمة صفوة الصفوة من
صانعي المبادرات الخيّرة، الذين يمتد بصرهم دائماً إلى مستوى أعلى من المستوى
الذي تعيش فيه أمتهم فيوجدون باستمرار الأفكار والأطر والأجواء والآليات التي
تُفَعّل القوى الخامدة المجهولة للناس حتى حامليها.
واليهود هم من أساتذة العالم في (إخراج القوة) وتوظيفها واستغلالها وصحيح
أن ديننا يحول بيننا وبين وسائل كثيرة استخدموها حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، لكنني أعتقد أنه مازال في هذا العالم مكان فسيح للمسلم المبصر الأريب..
وقد بدأت الأمة في امتلاك القوة، وبدأ المارد الذي نام قروناً يصحو وهو الآن
يتفقد أعضاءه وحواسه، ويحاول أن يتعلم المشي في (حارة) الكرة الأرضية، لكن
بعضاً منا بدؤوا يخبطون يمنة ويسرة قبل أن يفتحوا عيونهم وقبل أن يعقلوا الأجواء
التي يصحون فيها؛ ليغروا العدو بتوجيه الرصاصة القاتلة قبل أن يقفوا على
أقدامهم! .
إن فهم الحياة المعاصرة شرط أساسي يجب توفيره عند كل أولئك الذين
يريدون توجيهها والتأثير فيها، ولن يكون ذلك ممكناً ما لم نكن نحن من صانعي
قراراتها وخياراتها..
٧- الأمانة قيد على القوة، فهي التي تحدد مجالات استخدامها وكيفياته والقوة
الآن في يد الآخرين على ما نعرف، والقيود الأخلاقية عندهم آخذة في الضعف
يوماً بعد يوم؛ لأنها لا تعتمد على إطار مرجعي أعلى يمنحها الثبات ومن ثم فإن
القوة ليست في طريقها إلى الانطلاق من أي ضابط أو حسيب، لكنها في طريقها
إلى صنع قيودها بنفسها الصناعة التي تمكنها من مزيد من الانطلاق، وهي بذلك
تجعل الآخرين يتوهمون أنها قيود؛ حتى لا يشعر أحد أن هناك فراغاً أخلاقياً يجب
ملؤه! وما النظام العالمي الجديد سوى الأحرف الأولى في أبجديات القيود الجديدة! .
وهذا يوجب علينا المزيد من التفكير والتأمل فيما يجب عمله، ونحن مع
ضعفنا قادرون في هذا المضمار على عمل الكثير الكثير إذا فهمنا لغة العصر،
وأحسنا إدارة الصراع؛ إننا نملك القيود (الأمانة) ، وهم يملكون القوة، فهل نسعى
إلى امتلاك القوة المقيدة حتى يصطلي العالم بالنار دون أن يحترق؟ ؟
стр. 1609
من قضايا المنهج
التجرد في الحوار
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
تمهيد:
الحوار: من المصطلحات التي تتردد كثيراً في هذا الوقت، وترددها أطراف
متعددة، والمرددون لهذا المصطلح قد اختلفت مشاربهم، وتباينت أفكارهم وتنوعت
أهدافهم، فأراد منه بعضهم أعظم الحق، وأراد منه آخرون أعظم الباطل، والأصل
في ذلك هو منهج الرجل وطريقته وسيرته العلمية والعملية.
والمحاورة أو المجادلة بالتي هي أحسن وسيلة مهمة من وسائل تبليغ الحق
والهدف منها الوصول إلى الحقيقة، وهي في إطار الحركة الإسلامية أداة التصحيح
والبناء والتقويم الذاتي، فالحوار أداة وعي مشتركة تتحدد فيها الآراء وتُستعرضُ
فيها المسائل ويستخلص منها ما دل عليه الدليل الشرعي أو النظري وهو وسيلة من
وسائل الشورى والتناصح والتعاون على البر والتقوى، وهذا هو طريق النضج
وسبيل الكمال، ولن يتم تصحيح الأخطاء وتدارك النقص وتقويم المسيرة الشرعية
والدعوية إلا إذا اتسعت صدورنا معشر الدعاة إلى الحق للحوار، وروضنا أنفسنا
على قبول النقد والمراجعة وعندها تكون حواراتنا حوارات تربوية منهجية، تثري
الساحة الإسلامية بالدراسات الشرعية والطروحات العلمية.
وقد أصبحت الصحوة الإسلامية بعثاً عاماً يشمل معظم طبقات الأمة.. فلم تعد
حكراً على أحد، ومن حق الأجيال على الحركة الإسلامية أن تقدر عقولها وتوقر
قدراتها، وتوضح لها حقيقة المسيرة الدعوية سلباً أو إيجاباً فليست القضية أن ندافع
عن مواقف اتجاه من اتجاهات العمل الإسلامي أو علم من أعلامه، ثم نحاول
تسويغ الأخطاء وكتمانها، وإنما القضية أعمق من ذلك وأخطر، وطلائع الصحوة
الإسلامية تتطلع إلى المنهج الرباني بصفائه ونقائه بعيداً عن الكدر والشوائب،
ومنهج الله أبقى وأغلى من كل أحد، وليس عيباً أن ننتقد عالماً أو نخطئ تجربة،
ولكن العيب الكبير أن نخادع أنفسنا والأجيال التي وثقت بنا.
والطريف أن لدينا إقداماً عنترياً على ذكر معايب الناس، وشجاعةً على نقد
الآخرين، لكننا جبناء أمام أنفسنا نضع رؤوسنا في الرمال، وننظر بأعين مغلقة،
ولا نحب مواجهة الحقيقة، فنسخر لقاءاتنا للتمادح، واستعراض الإنجازات
وتفخيمها ولو كانت وهمية، وإذا تجرأ أحدنا على النقد فهو يتكلم باستحياء وخجل،
ولهذا أصبحت قدراتنا على التصحيح والبناء هشة هزيلة بل أصبح المحاور الذي
يريد إظهار الحق يُعدّ عند بعضهم مشاغباً، يشغل نفسه في تفاهات ثانوية، ويريد
أن يجر غيره إليها، وبرعماً مريضاً يجب اجتثاثه من أصوله.! !
ومن ثم أصبحت الأجيال الجديدة من أبناء الصحوة الإسلامية تجتر أخطاء
الآخرين، وتتوارثها بآلية ساذجة، وتتبنى أفكاراً مستعارة مستنسخة، تفكر بعقل
غيرها، وتتحدث بلسان من عداها، وتعيش على منجزات الآخرين ومكتسابتهم،
ولازالت بعض الاتجاهات الإسلامية تعتمد على مناهج حركية وقوالب فكرية، تأسر
نفسها في دوائرها، وقد مضى عليها زمن ليس بالقصير مع أن التجربة الإسلامية
تجاوزتها بمراحل.
فبغياب الحوار والمراجعة ظهر في العمل الإسلامي أكثر من هوة، وأكثر من
شرخ، أضعف من صلابته وتماسكه من جهة، ومن سلامته وصفائه من جهة
أخرى.
فغياب الحوار الجاد ما هو إلا انعكاس آلي لضعف البنية العلمية والفكرية في
العمل الإسلامي، وأرى أن مما يعين الأمة الإسلامية على الخروج من هذا المأزق، وإقامتها من هذه الكبوة، فتح أبواب الحوار والشورى، وتربية أبناء الصحوة
الإسلامية على قول كلمة الحق، صريحة بينة ولو خالفت من خالفت لا يخشون في
ذلك لومة لائم، فالمناصحة هي روح الأمة وعرقها النابض.
قال الله تعالى [والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر] [١] .
وأي عمل بشري جاد فضلا عن العمل الإسلامي يحتاج إلى دراسة وتخطيط،
ثم إلى دقة في الإنجاز والتنفيذ، وفي أثناء هاتين المرحلتين وبعدهما يحتاج هذا
العمل إلى مراجعة وتقويم يساهم فيهما كل قادر على ذلك.
إن الحوار الجاد المطلوب ما هو إلا دعوة إلى تقليب أوراق العمل الإسلامي
المعاصر، وإعادة النظر بكل تجرّد في مناهج التفكير المطروحة والوسائل الدعوية
المستهلكة، إنه كسر لطوق الرتابة والارتجال السائدين في أوساط العمل الإسلامي،
وهو دعوة إلى تحرير الأمة الإسلامية من الفلسفات الكلامية، والبدع الخرافية،
والتمزق المنهجي، والتوجهات الحزبية، والشطط الفكري بشتى ألوانه وصوره،
ثم إعادة بنائها وصياغتها من جديد، وفق الأسس والضوابط العلمية المبينة في
كتاب الله وسنة نبيه ﷺ -على منهج السلف الصالح
﵏.
ونحن جميعاً نتحرك في سفينة واحدة في بحر متلاطم الأمواج، وتزداد
خروق هذه السفينة يوماً بعد آخر، وقد يسهم الحوار في ترقيع هذه الخروق وحماية
هذه المسيرة المباركة من العقبات والمصاعب التي تواجهها، فالحوار تفاعل دائم
بين أطراف العمل الإسلامي وعناصره المختلفة، وتدافع الأفكار والاجتهادات
بالموازين العلمية سيضمن استقامة العمل على الصراط المستقيم.
التجرد في طلب الحق:
إذا كان التأصيل العلمي والمنهجي في الحوار ذا أهمية كبيرة، فإن الجانب
السلوكي والتربوي له أثر كبير جداً في هذا الباب، إذ إن الممارسة الناضجة
والتخلق الكريم بأخلاق القرآن العظيم، هما الترجمان الحقيقي والأثر الحي الصادق
للعلم الصحيح، فليست المشكلة في قضية الحوار علمية فحسب وإن كان لها أثر
كبير وإنما هي تربوية ونفسية كذلك.
والتجرد في طلب الحق يُعين في الوصول إليه، والهوى داء خطير يعمي
بصيرة الإنسان، فلا يرى حقاً إلا ما وافق هواه، والعلم وحده لا يكفي في ساحة
الحوار، بل لابد معه من الإخلاص والتجرد، فقد يضل المرء على علم والعياذ بالله
كما قال تعالى: [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم] . [٢]
وعلى المحاور الصادق أن يقصد بمحاورته وجه الله تعالى وحده لا شريك له، فلا يرجو الغلبة والانتصار، كما لا يرجو ثناء الناس أو حمدهم، فما عندهم ينفد
وما عند الله باق، قال الله تعالى: [فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً
ولا يشرك بعبادة ربه أحداً] . [٣]
قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في ذكر آداب الجدل والمناظرة:
«ويخلص النية في جداله بأن يبتغي به وجه الله تعالى ... وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم» . [٤]
فصاحب الهوى ليست له قواعدمطردة، أو موازين منضبطة، يعتمد عليها
في البحث عن الحق، بل تراه يدور مع هواه حيث دار، وحينما يتصف المحاور
بهذه الصفة فلا يمكن أن يصل المتحاوران إلى النتيجة المرجوة بحال.
ومن مقتضيات التجرد في طلب الحق:
أ -أن يدخل المرء ساحة الحوار باحثاً عن الحق، حتى لو كان عند خصمه،
ولا يتردد أبداً في أن يتراجع عن رأيه إذا تبين له صحة رأي غيره، قال الله تعالى: [وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين] . [٥]
وينبغي أن يكون المحاور كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى:
«كناشد ضالة لا يُفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً، ويشكره إذا عرفه الخطأ أو أظهر له الحق» . [٦]
ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: «ما ناظرت أحداً قط
فأحببت أن يخطئ» [٧] ، وقال أيضا: «ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق
ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بَيّنَ الله الحق على لساني أو
لسانه» . [٨]
وقارن هذه النفس المخبتة الصادقة، التي تعلو على الأهواء ولا تتطلع إلا إلى
الحق، بتلك النفوس المريضة التي تراوغ هنا وهناك حتى لا يظهر ويعلو إلا قولها، سواء أكان ذلك حقاً أو باطلاً.. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: «فانظر
إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه
طول عمره..؟ [٩]
وقد تؤثر على المحاور أحياناً اتجاهات فكرية ونفسية غير مرئية تعوقه عن
الوصول إلى الحقيقة العلمية التي طرحها صاحبه: فبعض الناس غفر الله لنا ولهم
يتقنع بقوالب فكرية معدة مسبقاً، ويدخل ساحة الحوار لا للبحث عن الحق، ولكن
لتقرير الرأي، والمدافعة عنه، والتعصب له، فليس عنده الاستعداد أبداً أن يتنازل
عن رأيه، حتى ولو تبين له خطؤه.
والثقة بالنفس خصلة حميدة، لكنها لا تعني الشعور بالعصمة والكمال وليس
عيباً أن يعترف المرء بالخطأ، ويسلم لمناقشه، بل هذا دليل الكمال والورع
والرجل المؤمن الصادق لا يقف ضعيفاً عاجزاً أمام نفسه، حينما يتبين له الخطأ ولا
تصور له خيالاته المريضة، أنه قد ينقص قدره أو يضعف وزنه إن اعترف بخطئه
بل يسارع جاداً إلى الأخذ بزمام الحق، ويعض عليه بنواجذه، ويعتقد جازماً: أنه
برجوعه إلى الحق أنقى وأكمل، ويحتاج ذلك بلا شك إلى عقيدة إيمانية وقوة نفسية، تتلاشى أمامها حظوظ النفوس والإحساس بالكمال وتقديس الذات.
ودعونا نتأمل في حال من حولنا؛ لنرى كيف يجر التعصب للرأي وتقديس
الاجتهادات إلى تصدع الجسور الهشة التي تربط بين المتحاورين.. وكيف يؤدي
ذلك إلى تآكل الأواصر الأخوية بين الدعاة، حتى لا يبقى منها إلا شعارات باهتة لا
حقيقة لها..؟ !
قال الفاروق عمر بن الخطاب في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري
﵄:» ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك،
فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة
الحق خير من التمادي في الباطل « [١٠] .
ب -أن يذكر ماله وما عليه من الحجج والأدلة والبراهين: فامتياز المنهج
الإسلامي يظهر جلياً بهذا التوازن الشامل والعدل الكامل، فلا يجوز أن يُحجب
شيء من الحقيقة، أو يدفن شيء من الأدلة التي تدعم قول المخالف فهذه صفة
ذميمة تدل على حب الذات وقلة الإنصاف والورع، ونزاهة المحاور وموضوعيته
محور أساس من محاور المنهج العلمي، وهي التي يُعبّر عنها في الاصطلاح
الحديث: بالأمانة العلمية.
وقد ذم الله اليهود لأنهم يتصفون بكتم الحق وتلبيسه بالباطل.
قال الله تعالى: [يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم
تعلمون] . [١١]
وقال الله تعالى: [ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون] [١٢]
وأخذ بعض المبتدعة هذه الصفة الذميمة من اليهود، ولهذا قال الإمام وكيع بن
الجراح رحمه الله تعالى:» أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء لا
يكتبون إلا ما لهم «. [١٣]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً منهج المبتدعة في الاستدلال:
» فلا تجد قط مبتدعاً إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الإيمان من قلبه «. ويبين ﵀ أن هذا ليس خاصاً بالمبتدعة، بل هو أيضا عند طالبي العلو والرئاسة، حيث قال:» وطالب الرئاسة ولو بالباطل ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه، وإن كانت باطلاً، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقاً والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه، وتغضبه كلمة الباطل له وعليه؛ لأن الله تعالى يحب الحق والصدق والعدل، ويبغض الكذب والظلم «. [١٤]
ويرسم شيخ الإسلام في موضع آخر المنهج العلمي الواجب اتباعه في ذلك
فيقول:» وأما أهل العلم والدين فلا يصدقون بالنقل ويكذبون به بمجرد موافقة ما
يعتقدون، بل قد ينقل الرجل أحاديث كثيرة فيها فضائل النبي -صلى الله عليه
وسلم- وأمته وأصحابه، فيردونها لعلمهم بأنها كذب، ويقبلون أحاديث كثيرة
لصحتها، وإن كان ظاهرها بخلاف ما يعتقدونه: إما لاعتقادهم أنها منسوخة أو لها
تفسير لا يخالفونه، ونحو ذلك «. [١٥]
وقال أيضا:» يجب أن يكون الخطاب في المسائل بطريق ذكر دليل كل قول، ... ومعارضة الآخر له، حتى يتبين الحق بطريقه لمن يريد الله هدايته «. [١٦]
وقال أيضا:» فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال
في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف
وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة من ورائه، فيشتغل به عن الأهم،
فأما من حكى خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد
يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من
الأقوال فهو ناقص أيضاً.. «. [١٧]
وقال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قوله ﵎: [الذين
إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون] [١٨] » دلت
الآية الكريمة على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له يجب أن يعطيهم كل ما
لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في عموم هذا: الحجج والمقالات، فإنه كما
أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ما له من الحجج،
فيجب عليه أيضاً أن يبين ما لخصمه من الحجة التي لا يعلمها، وأن ينظر في أدلة
خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من
تعصبه واعتسافه وتواضعه من كبره وعقله من سفهه «. [١٩]
وتبين التطبيقات اللطيفة في هذا المبحث: أن ابن تيمية ﵀ كان من
أعظم الناس نصراً لمنهج السلف الصالح، ومن أعظمهم رداً على المبتدعة بمختلف
مللهم ونحلهم، إلا أنه لتمام اتزانه وسلوكه المنهج العلمي الحق، انتقد بعض
تصرفات جهلة أهل السنة المخالفة لذلك المنهج المشار إليه آنفاً فها هو يقول:
» وفيهم نفرة عن قول المبتدعة، بسبب تكذيبهم بالحق، ونفيهم له فيعرضون عما يثبتونه من الحق أو ينفرون منه، أو يكذبون به، كما قد يصير من بعض جهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت إذا رأى أهل البدعة يغلون فيهم، بل إن بعض المسلمين يعرض عن فضائل موسى وعيسى بسبب إعراض اليهود والنصارى عن فضائل النبي ﷺ ، حتى يُحكى عن قوم من الجهال أنهم ربما شتموا المسيح إذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا في الحرب وعن بعض الجهال أنه قال:
سُبوا علياً كما سبوا عتيقكم ... كفرٌ بكفر وإيمان بإيمان [٢٠]
وهذا انحراف لا يليق بمسلم صادق الإيمان.
ج وينبني على ما تقدم: قبول الحق من كل من قاله كائناً من كان حتى من
المبتدع، بله الكافر لأنه إن رد قوله فقد رد الحق، والإنصاف في المحاورة من
صفات الربانيين الذين لا يرجون إلا الحق، وفي هذا الباب أمثلة عديدة، أذكر منها
مثلاً واحداً فقط:
عن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت: أتى حَبرٌ من الأحبار رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون، فقال رسول
الله ﷺ : «سبحان الله وماذاك!» . قال: تقولون إذا حلفتم
والكعبة. قال: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً، ثم قال: «إنه قد
قال، فمن حلف فليحلف برب الكعبة» . قال: يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم
تجعلون لله نداً. قال: «سبحان الله وما ذاك!» قال: تقولون: ما شاء الله وشئت، قالت: فأمهل رسول الله ﷺ -شيئاً، ثم قال: «إنه قد قال،
فمن قال: ما شاء الله، فليفصل بينهما ثم شئت» . [٢١]
وفي هذا الباب يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والله قد
أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، أمرنا بالعدل والقسط، فلا
يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلاً عن الرافضي قولاً فيه حق أن نتركه،
أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق» . [٢٢]
قال الإمام العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في تفسير
قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن
قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما
تعملون] [٢٣] : ... بل كما تشهدون لوليكم فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم، فاشهدوا له، فلو كان كافراً أو مبتدعاً، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم
للحق «. [٢٤]
стр. 1610
خواطر في الدعوة..
مزالق الطريق
(٢)
محمد العبدة
قلت في خاطرة سابقة: إن شبكة العلاقات الاجتماعية بين المسلمين واهية
ضعيفة، إن لم تكن بعض حبالها قد تقطعت، ومن الظواهر البارزة التي يعرفها
الجميع، مما يمارسه بعض العاملين في مجال الدعوة من سياسة (الإهمال) لإخوانهم، سواء أكان هذا عن عمد أو غير عمد.
وهي سياسة فاشلة من جميع الوجوه، لأن الأصل في عقد الأخوة المصارحة
والمناصحة، والأمر بالمعروف والشفقة والرحمة، وتفقد الأحوال كما كان يفعل
رسول الله ﷺ حين وصف بأنه يتفقد أصحابه، حتى أنه يسأل
عن المرأة العجوز التي كانت تقُم المسجد حين افتقدها.
وهي سياسة فاشلة لأن الأخ (المُهمَل) سيتألم جداً، بل ربما أصيب بعقد نفسية
وإحباط شديد وهذا قد وقع إلا إذا كان قوي النفس، قوي الإيمان كما فعل كعب بن
مالك ﵁ عندما هُجِرَ من الرسول ﷺ والصحابة
بسبب تخلفه عن غزوة تبوك، فقد كان يحضر الجماعة، ويسلم على المسلمين
ولكن لم يكن أحد يرد عليه، وأراد ملك الروم استغلال ذلك، ولكن كعباً كان
مستعلياً بإيمانه فصبر حتى جاء الفرج من السماء.
وهي سياسة فاشلة لأنها تعني أن الدعوة لم تستطع معرفة الرجال ومعرفة
القدرات والطاقات، ووضع كل إنسان موضعه، مهما يملك من قدرات قليلة.
وهي سياسة فاشلة لأنها دليل على التخلف الحضاري والأخلاقي، ففيها روح
الأنانية والفردية، فالذي يفعل هذا لا يبقى معه أحد، وكأنه يقول: أنا ومن حولي
نكفي للدعوة.
إن هذا (الإهمال) ليس وليد هذه الأيام، بل هو من أمراض الدعوة في العصر
الحديث، والحزبية والأنانية تغذيانه، وإن التحدي الذي يواجهه المسلمون يفرض
عليهم أن يكفوا عن هذه السياسة البلهاء، وأن يستفيدوا من كل طاقة، وإن الوسائل
الحديثة تساعد على تصنيف القدرات، وإذا لم يفعلوا فما هو إلا الهوى الذي يخفي
وراءه التخلف والضعف..
стр. 1611
هموم ثقافية
الثقافة والذوبان
د. محمد عبد الله الشباني
لكل أمة من الأمم، ولكل مجتمع من المجتمعات البشرية ثقافة تحدد الإطار
الذي يحكم سلوك أفرادها، ويوضح معالم فكرها الذي بدوره يحدد أنماط السلوك
الاجتماعي لأفراد هذه الأمة أو تلك، لتتميز بها عن الأمم الأخرى وهذه الخصائص
المميزة يعرف بها نوع ونهج أي أمة.
تتوقف قدرة الأمة على مواجهة التيارات الفكرية والثقافية الوافدة من
المجتمعات والأمم الأخرى، على نوعية وصلابة ووضوح المنهج الثقافي الذي تقوم
عليه لحمة نظامها الاجتماعي.
والقرآن الكريم يمثل العمود الفقري لثقافة الأمة الإسلامية، فهو النبع الذي
تستقي منه الأمة، وعلى توجيهاته وأوامره ونواهيه يقوم بناؤها الثقافي وإليه تلتجئ؛ لتستمد منه الحماية عند تكالب الأعداء، والنيل من أسسها ومتطلباتها التي يرتكز
عليها أعداء هذه الأمة بقصد إنهاكها، والقضاء على مصدر القوة الذي عليه تعتمد،
وبه تصمد ضد فك ارتباطها بمقوم وجودها.
من النعم الجزيلة التي أنعم الله بها على هذه الأمة أن الله تكفل
بحفظ القرآن الكريم، ولم يكل أمره إلى الناس، وإنما أوجب الله على نفسه حفظ
هذا الكتاب الكريم، حيث قال سبحانه [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون]
(الحجر: ٩) ، فالقرآن الكريم الذي هو النبع الذي يمد الأمة بالقوة، ويمنحها الحياة
ويشكل إطار ثقافتها، قد حفظه الله من التحريف والتغيير والزيادة، وبالتالي بقي
وسيبقى الماء الزلال الذي يطفيء ظمأ الأمة الإسلامية على مدار تاريخها، فلا
تلتفت إلى الثقافات الأخرى الوافدة وإنما تستعلي عليها وتستوعبها بدون أن تذوب
فيها.
يُقصد بالمفهوم الاصطلاحي للثقافة: وجهة نظر كل فرد من حيث السلوك
والعلاقات الاجتماعية، واتجاهه الفكري وسلوكياته، وما يتضمنه ذلك من واجبات، وما يرتبط بذلك من محددات للذوق والأخلاق، وما يقدسه وما يظهره من ولاء،
فكل ذلك يشكل ثقافة المجتمع، فالثقافة تحدد نسق الحياة من خلال خصائصها
المتمثلة في اشتراك جميع أفراد الأمة بالخضوع لها في سلوكياتهم، وبالتالي فإن لها
دور في وضع معايير منتظمة وطبعية كقواعد مشتركة للسلوك والنظام الاجتماعي
القائم، على القواعد الأخلاقية.
وقد يتساءل القارئ ما هو دور الثقافة في تحديد سلوكيات وأنماط أفراد الأمة،
والحقيقة أن دورها يتمثل في تزويدهم بالأمور التالية:
١- تهيئة أساس التفكير والشعور.
٢- تزويدهم بالتفسيرات المقنعة عن أصل الإنسان، وطبيعة العالم، ودور
الإنسان في الحياة.
٣- تزويدهم بمعاني الأشياء والأحداث، وبالتالي تحديد المفاهيم الأساسية
وتحديد ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، ومنطقي وغير منطقي وعادي وشاذ،
وأخلاقي وغير أخلاقي، وجميل وقبيح، وخير وشر ... فالثقافة تعطي معنى للحياة، وهدفاً للوجود.
٤- بناء الشعور لدى الأفراد بالانتماء إلى الأمة.
إن القرآن الكريم يجيب على هذه الأمور كلها، فهو يحدد الإطار الشامل
والكامل لثقافة الأمة؛ ولهذا فإن الاهتمام بالقرآن دراسة وحفظاً وتطبيقاً من أهم
الأمور التي يجب على الأمة بمجموع أفرادها أن تهتم به وتعتني به؛ ولا شك أن
السنة النبوية الصحيحة من القرآن لقوله ﷺ : (ألا إني أوتيت
القرآن ومثله معه) .
فقد أولى رسول الله ﷺ -عناية خاصة بالقرآن الكريم،
باعتباره مصدر الثقافة الذي يقوم عليه البناء الاجتماعي للأمة، روى الإمام
البخاري ﵀ عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي -صلى الله عليه
وسلم-قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، وفي رواية أخرى (إن أفضلكم
من تعلم القرآن وعلمه) فتعلم القرآن الكريم يتمثل في معرفة أحكامه، والتأدب
بآدابه، وفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ وتعليمه يتمثل في إرشاد الناس قولاً بتعليمه
إياهم، وسلوكاً بالالتزام به، فيكون سلوك الفرد المسلم متطابق مع أوامر ونواهي
القرآن.
والقرآن الكريم يحوي بين دفتيه نظام شامل لتنظيم حياة الأمة سواءً ما يتعلق
بتحديد وتوضيح النظرة إلى الوجود، والإجابة الكاملة على عدد من التساؤلات:
حول الوجود، والغاية منه، ومآل الإنسان الذي ينتهي إليه، أو ما يتعلق بتنظيم
الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعلاقة الأمة بالأمم الأخرى بحيث يشكل
عقل الفرد المسلم ضمن الإطار الذي يرضي الله، ويجعل الأمة المسلمة حقاً خير
أمة أخرجت للناس.
لقد أدرك الأعداء من النصارى واليهود أهمية التصاق الناس بالقرآن الكريم
والتزامهم به وبتعاليمه، وأن الأمة الإسلامية لا يمكن هزيمتها ما دامت مرتبطة في
فكرها، وسلوكها، وتشريعها به.
إن الهجمة الصليبية المعاصرة أخذت طابعاً مغايراً عما سبق، وأدركت أن
القضاء على الأمة الإسلامية لا يتم من خلال الاستيلاء العسكري على البلاد، وإنما
لابد من القضاء على البنية الثقافية للأمة، والمتمثلة في إبعاد القرآن الكريم عن
واقع حياة الناس بحيث لا يكون له تأثير على سلوكيات الأفراد، ولا على تنظيم
حياة المجتمع المسلم.
إن المنهج الذي اتبعه الغرب الصليبي لفك ارتباط المسلمين بالقرآن الكريم
يتمثل في الأمور التالية:
١- إضعاف اللغة العربية بالدعوة إلى العامية، ونشر اللغات الأجنبية بين
الناطقين باللغة العربية، من خلال المناهج التعليمية التي قللت من الاهتمام بدارسة
قواعد اللغة العربية: من حيث التراكيب النحوية، أو من حيث فقه اللغة العربية؛
ولذا شجعت القيادات الثقافية في الدول العربية والتي تربت قبل رحيل الاستعمار
العسكري في المدارس الأجنبية الاتجاه الحداثي المتأثر بالتيارات الفكرية العلمانية.
٢- إضعاف النظام التربوي والتعليمي في العالم العربي، ومحاربة أية
توجهات تربوية تقوم على البناء الثقافي المرتكز على القرآن؛ وذلك بالتقليل من
المواد الدينية، ومحاربة كل توجه جماهيري لدراسة القرآن وتوسيع نطاقه.
٣- إحلال القوانين والتشريعات والتنظيمات المستمدة من الفكر العلماني الوافد
محل التشريعات الإسلامية القائمة على الشريعة الإسلامية، من أجل خلخلة البنية
الثقافية للأمة، وإحلال البنية الثقافية الغربية.
٤- ربط التنظيم الاقتصادي للمجتمعات الإسلامية بالأنظمة الرأسمالية
العلمانية، من خلال التشريعات والنظم الاقتصادية، مثل التمكين للفكر الربوي
المحرم؛ ليكون قاعدة بناء الاقتصاد في الدول الإسلامية، وربط هذا الاقتصاد
العربي ليكون تبعاً له ضمن دائرة الاستهلاك.
٥- ضرب الوعي الإسلامي من خلال الإبقاء على القيادات الماسونية
والعلمانية؛ لتسلم القيادة في الدول الإسلامية، وتوجيهها لمحاربة أي توجه إسلامي، أو دعوة إلى الثقافة الإسلامية من خلال القضاء على القيادات السياسية والفكرية
الإسلامية، ومحاربة كل توجه للانعتاق من السيطرة الاقتصادية الغربية.
٦- التمكين للسلوكيات الغربية في البيئات الإسلامية من الانتشار، وذلك
بخلخلة القيم، من خلال السيطرة بطريق مباشر، أو غير مباشر على وسائل
الإعلام من صحافة وتلفزة وإذاعة، واستخدامها قنوات للهدم الفكري والسلوكي
للأمة، بتوجيهها للتشبه في حياتها الاجتماعية بالحياة الاجتماعية الغربية؛ مما
يؤدي إلى التفسخ الاجتماعي، وذوبان المجتمع وعجزه عن مواجهة التحديات
المعاصرة.
إن مجابهة هذه الحرب العلمانية على المسلمين يقتضي من المسلمين أفراداً
وجماعات العودة إلى النبع الذي يمنح الأمة القدرة على الصمود تجاه هذه الحرب
الضارية والمدمرة، المعلنة تجاه البناء الثقافي للأمة، وذلك وفقاً للأمور التالية:
١- العمل على نشر حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتدريسه للصغار والكبار
بحيث لا يخلو مسجد من مساجد المسلمين من حلقة تعليم للقرآن، وأن على
الموسرين إمداد القائمين على إدارة هذه الحلقات بالمال، وتشجيع الناس على وقف
جزء من أموالهم لهذا المشروع.
٢- يجب أن تشتمل حلقات تحفيظ القرآن على دروس لتفسير معاني القرآن
حتى يُتَمَكّنَ من فهم معانيه، وتكوين حلق تدريس وحفظ القرآن لتعليم الناس أحكام
وتعاليم ما يقرؤونه ويحفظونه من القرآن الكريم.
٣- العمل على إيجاد حلقات في المساجد؛ لتعليم السنة الصحيحة وفقهها
وتعليم اللغة العربية وتدريسها، ورفع مستوى فهم اللغة العربية سواء من ناحية
معرفة التراكيب النحوية، أو التراكيب اللغوية.
٤- ضرورة مشاركة أئمة المساجد بتخصيص وقت قصير بعد أحد الصلوات
المفروضة يومياً؛ لقراءة وتفسير آيات من القرآن الكريم من أحد التفاسير المعتبرة
مباشرة بعد الصلاة؛ حتى يمكن لعامة المسلمين زيادة ثقافتهم ومعرفتهم بمعاني ما
يقرؤونه من القرآن، وبالتالي ربط عامة المسلمين بالقرآن حتى يمكن على المدى
الطويل إعادة الناس إلى الالتصاق بالنبع الذي يروي وينمي ثقافتهم.
إن الحرب على البناء الثقافي للأمة الإسلامية في هذا العصر قد بلغ مداه وإذا
لم يقم أفراد الأمة بمسئوليتهم تجاه الدفاع عن كينونتهم الثقافية، والمتمثلة في القرآن
الكريم، من خلال دراسته وحفظه وتطبيقه في واقع حياتهم الاجتماعية والسعى إلى
المطالبة بالعمل على أن يكون القرآن الكريم والسنة الصحيحة هما المصدر الذي
يستمد منه الأفراد سلوكياتهم وتنظيماتهم الاجتماعية والاقتصادية ... فإن خطر
ذوبان الأمة وتفككها، سيكون هو النهاية التي ستؤول إليها الأمة الإسلامية.
стр. 1612
نصوص شعرية
النشيد الأخير لصاحبي
محمد شلال الحناحنة
وردةٌ لكْ
لنسيمٍ يشاطرني فرحتي بالصديقْ
لخيامٍ تبادلني بعضَ حزني الطليقْ
للطريقْ..
للذين سَموا لقلاع التقى
للدماء التي حرست جنتي وخطايْ
للذي بّرني باعثاً بنزيف دمهِْ!
صامداً في العراءْ
واعداً بانتعاش الزنابق بين حواكيرِه اِلمثخنةْ!
ممسكاً بكتاب الهُدَى
واهباً للتراب الحزين نَوَى ليلتِهْ
قد تنفس صبحُ الغريب على قامتِهْ
نَشَر الأرزُ أمنيتهْ
شَهِدَ الفجرُ أدعيَتهْ
ورمى الله طلقتَه الصائبهْ!
***
صاحبي لم يزلْ صاحبي
لم يكن طاعناً في السياحة..
أو موفداً دولةً قاصيةْ
لم يباركْ خطا السيد المتساقِط
بين اليهودْ
لم يساومْ على قدسِهِ لضبابِ المحيطْ!
لم يكنْ (أمره فُرطا)
لم يكن أبداً باسطاً راحتيه يحومُ..
على الشقق المترفهْ..
لم يقايضْ صفيحَ المخيم بالفندق الأجنبيّ
لم ينافق رموز المذلة أو ينتهي للهُوُيّ
أو لطاولة مستديرةْ!
إنما حفظ (العصرَ) و (المائدةْ) ! !
***
يا أُخَيّ امتشقْ لغتيْ..
وامتشقْ وجعي وجهادي!
فقواك تهد الغوايةَ..
ما من قصيدٍ يُطرّزُ فكرتك الساميةْ
أنت عذتَ برب العالمينَ..
ولذت بسورتنا الحافظة!
والبلابلُ آبتْ إلى سدرةِ الروحِ..
أنت (الأصوليّ) .. والأصل لَكْ..
يا أُخَيّ لنا أُفُق الانتفاضةِ ...
وقعُ الأناشيد، والفتحُ حينَ يفِجّ النهارْ..
يا أُخَيّ لنا ساعةُ الجمعةْ..
ولنا آيةُ البقرةْ!
стр. 1613
مقال
صراعات الأحداث وحتمية المواقف
سليمان عبد العزيز الربعي
في حيا ة الأمم، كل الأمم، مفترقات صعبة ومصيرية، ترسم على لوحة
الأفق روانق الغد المنتظر، إنّ ذلك لا يعني هلامية بعيدة الوقوع، أو قفزة ذهنية
تميل إلى الشطط الخيالي المستحيل، كلا، فالطرق المؤثرة هي في الوقت ذاته
إفراز طبيعي لمعطيات الحاضر عينه، غير متباينة عن محيطه ولا غريبة عن
تفاصيله وملابساته الخاصة لأن تلك سنة الله جل وعز المطردة.
إنها سبيل كوني قائم، يربط في غالبه بممارسات حكام الأرض ومدافعاتهم،
التي تتشكل كيانات من آثار السنة الآنفة، وهي في صورتها غير محتاجة إلى أمثلة
يمكن ترشيحها للتدليل، فمادتها قريبة من العيان يجتهد المرء فقط في عملية الانتقاء.
وأما في قليلها الشارد فترتبط بإحداث انقلاب عارم وتغيير يجوز أن يحكيه
بعض ما جاء في القصص القرآني كقصة النبيين نوح ولوط صلى الله عليهما وسلم
مع قوميهما، وما صحب ذلك من تبدل كوني هائل ليس في مسرح الواقعتين فحسب، بل في الأرض جميعاً، وهذا السنن هو ما عناه بعض العلماء ﵏ عند
الحديث عن مسألة طويلة اصطلحوا على تسميتها (بسنة الخلفية) وحتمية
المداولة، وهو ما ينطبق تماماً على الإرث السلوكي والنفسي والاجتماعي والمبدئي
والمصيري في حياة الشعوب كلها.
والأمة الإسلامية تبدو لنا في حاضرها رهينة مرحلة مخاضية لا بأس أن
نطلق عليها مرحلة «التغيير والتجذير» أو «مرحلة المكاشفة» ، وهذه المرحلة
خطيرة لا شك إذ تتحدد على ضوئها المناهج وتتضح إثرها أرضيات التفاعلات
الجديدة في مدى الأحداث الساخنة في العالم.
ونحن عندما نذكر طرفي المعادلة، أو المرحلة، في مادتها فلا يمكن أن نهمل
طرفيها الحسيين اللذين ينبثق منهما بيان التجسيد للصورة حقا لقد برزت على
السطح تيارات كثيرة، وهي تيارات تصطف جميعاً حين المواجهة مع خصومها
الألداء «الإسلاميين» علي نسق واحد يبهر المرء التفافه السريع وفي ذلك الظرف
بالذات، يدل عليه تواصٍ شديد بالمواجهة وعلى كافة المحاور كل بحسبه «وما
تخفي صدورهم أكبر» .
وإذا كنا نعيش في القرن الخامس عشر الهجري، فليس بمستغرب ألبتة
اختلال موازين القوامة، وبُعد البشرية عن تلمس طريق النجاة، ومضاؤها إلى
الهوى في صلف وتعنت غريب [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه] [١] .
في غمرة ذلك لا نستطيع أن نطالب بما لا يمكن حدوثه على وجه كوني إلا
بمعجزة ربانية.
إذن، ماذا يُطلب من المسلمين على وجه التحديد؟ إن الجواب على هذا
التساؤل المهم يكمن في استشعار المسلمين، كل المسلمين، فيما يعايشونه من
أحداث ومدلهمات، تلك التي علمتنا بأنه ليس ثمة مكان للكسالى ولا وقت للدعة
والإخلاد للراحة، بل سباق مستعر في ميادين السؤدد، أو على الأقل إلى إبداء
الرأي والبحث عن موقع للاستقلال الفكري والاختياري. إنّ مشكلة جل المسلمين
ليست في سذاجة أفكارهم، بل في أنهم لا يفكرون، وتراهم يصادرون ملكاتهم
ويتسولون فتات الآراء والتوجهات من تحت موائد اللئام.
لقد مضت الأمة تتنكب سبل المبادئ إزاء أحداثها التي تدار منذ قرون بيد
شياطين من الإنس، ويظل السؤال الكبير المؤلم: من سينبه المكلومة إلى ضرورة
الوعي بدينها ومبادئها، ومتى سيتم ذلك؟ إن من الضروري أن نضع مشكلاتنا
تحت مجهر التشريع بمعاييره المعصومة، كي ننجح في إيجاد مرجعية موقرة في
نفوس الجيل المستشرف، مؤمنين بأنه ليس من المتعين أن نشاهد نتائج ذلك بأنفسنا، فنحن في الحق متعبدون بالبلاغ فقط، وأما مترتباته فهي بيد البارئ سبحانه
يُخضعها لحكم عديدة.
لقد سئمت الأجيال المسلمة دجل المتنفذين وسكوت الصالحين بحجة العجز عن
التغيير أو الضعف في التأثير، ولست أدري بالضبط متى يفقه أولئك أن مجرد
الإصرار على المبدأ ضمانة أكيدة لثقة الجماهير ودعامة حية للاحتذاء وإيمان خالد
بعدالة قضايانا، وأهليتها في سباق التصارع من أجل النصر والتمكين.
إن الرجال مواقف، وإن الموقف سجل تاريخي يُشرق به الغد أو يظلم. لقد
مضت سنة الله تُثبتُ أن رجال الحق قليلون وأن الحق على الدوام مُحارب وأن أهله
في الدهر مُصارعون، وتثبت أيضاً، أن هذا الحق لابد سيظهر ولو بعد حين،
وهنا يتبين أن الأهمية تتجسد في التجالد عليه، والمنافحة عنه. إن من حق الجيل
أن يرى قيم الدين واضحة في الحدث الممارس يطبقها المسلمون أجمعون ويدعو
إليها الدعاة والمصلحون، أوليس من حقه أن يقف في الغد القريب موقناً مما يحدث
في محيط المسلمين على امتداد خطوط العرض والطول؟ ها نحن نعايش في
ساعتنا ما يُحاك في قضية فلسطين من تلاعب سافر بالثوابت وخضوع ذليل لليهود، ومن قبله الزعم الكبير في اختزال مسؤولية القدس في ثلة من سقط الناس وبقية
من غثاء العرب، ومعه استمرأنا السكوت كما تعودناه في البوسنة والصومال
وكشمير وكثير من بقاع الإسلام الجريح.
إننا نتساءل: أوليس من حق كل مسلم أن يخبر عن السبب في تحول
مصطلح «إرهابي» إلى كل (رافض للاستسلام) من قبل من قبلوا التوقيع ورضوا
بأن يكونوا مع الخوالف؟ أوليس من حق كل مسلم أن تُقرى الصورة أمامه وتُحسر
عن دغل ودخل سياسات الدمى؟ أوليس من حق كل مسلم أن يطلع على النسخة
الأصلية من عمليات التشكيك في ثوابت الدين لظرف مفروض ومن المسلمين
مرفوض؟ أوليس من حق كل المسلمين أن يعلموا لم كُتب على المخلصين دفع
فاتورة الرأي والكلمة الهادفة في زمن التطبيل والطنطنة؟ أوليس من حقنا جميعاً أن
ندري لم سيم الشعب في ليبيا والجزائر وتونس و ... عذاباً ومهانة؟ أوليس من
حق الجيل القادم أن يعلم على الأقل ثوابت وجوده ومعالم الإرث الثابت كيما يواصل
مسيره؟ بلى، إن ذلك حق مشاع لهم جميعاً.
لقد آن تحقيق كل ذلك من خلال التعاون الجمعي البعيد عن التفرد، فإن من
الخطل أن نظن أن تلك مهمة طائفة تخصصية بعينها أو كوكبة فكرية مُسماة لأن
الدين بلاغ الجميع وقضية كل مسلم، وإذا كنا نعتقد أن ذلك البيان يُكلف الدعوة
والصحوة ما لا طاقة لها به، فنطرح حلول سياسة النعامة، فإننا لم نزل في سوء
ظنٍ بأهل الإسلام وجماهيره. إن الأمم الكافرة تجد في قوة جماهيرها ما يشجعها
على المطالبة بحقوقها المشروعة، ورفض كل واقع لا يسرها.
لقد شاهد العالم كله كيف وقف الروس بصدورهم العارية أمام أرتال الدبابات
حينما هُدد وجودهم بالدعوة إلى الردة الشيوعية الحمراء مرة ثانية وها هم الصينيون، يصمدون أمام ثورة القوة وصولجانها الغاشم، رفضاً للمارسات الديكتاتورية، بل
ها هم تجار المخدرات ورجال العصابات يغامرون بأرواحهم لأجل هدف تافه أو لذة
عابرة، أفترى أن المسلمين أصحاب الهدف السامي النبيل يجبنون عن التضحية في
سبيل تحقيق البيان الإلهي؟ ! إن ذلك ولا شك سوء ظن أثيم، ونحن حين
ارتضيناه منهاجاً بُلينا بليل مدلهم يُجيد الحداءَ فيه نُفّاخُ الأبواق، في حين بقي
الناصح هدفاً لأسهمهم الرائشة، ينعتونه بشتى الأباطيل ويحاصرونه على جُدر
الانفراد في غياب تام عن الوعي التراص، إن البيان للجيل مهمة خطيرة يجب أن
تعنينا جميعاً مشاركة في الإصلاح وسداً للثغرات حتى تشمل الداعية في مجلس
توعيته، والأستاذ في قاعة درسه، والأب في بيته والأديب في ساحة قلمه والطبيب
في مستشفاه والصانع في مصنعه والحرفي في حرفته، والزارع في حقله، والرسام
في مرسمه، والراعي في مراعي سهله وعلى سفوح جبله فتلك صناعة الحياة.
إن من الخطورة ألا نشعر بمصيرية المرحلة وافتراق الطرق وألا نضع
الخطط للأحداث. والدراسات للتأثير وألا نجهد في إصلاح حالة الضعف المزمنة
عند كثيرٍ من المسلمين.
والسفه الأضر الأطم أن نقع في سلبية أفجع حين لا نتفاعل مع أحداثنا
المدركة بحضور مؤثر، مع كونها شامات عظمى تظهر جلية على خارطة
الممارسات المباشرة. إن من حق السالكين للطرقات الواعدة قراءة يومنا من خلال
مساحات التأمل السليم والمعالجة المخلصة والرأي المسجل والمبدأ الراسخ السديد،
فتلك هي القضية.
والله المستعان.
стр. 1614
المسلمون والعالم
اليمن:
بين حلم الوحدة.. وواقع السلطة
د. عبد الله عمر سلطان
في صمت بالغ، وظروف خفية، وغرف مغلقة ... صُنعت الوحدة وأُبرمت
صفقة الدولة الجديدة/ القديمة ... ثم ها هي أعوام تمر منذ ظهورها وإذا النتائج
المُرّة تظهر على السطح وتبدو لكل عين مبصرة ... فالحديث ذو الصوت الأجش
والاتتهامات المدوية باتت حديث المجالس، ومحور اهتمام الأصدقاء قبل الأعداء،
حتى لم يعد هناك حاجة لحاسة البصر في ظل هذا الضجيج المتوالي..
ولم يكن من المستغرب أن تصل الأحداث في اليمن إلى هذا المأزق وتلك
الزاوية الحادة ... إنها إفراز طبيعي، ونتاج متوقع «للطبخة السياسية» التي
أخرجت مشروع الوحدة بسرعة ودون إنضاج كافٍ، فإذا بهتافي الأمس وراقصي
البارحة يندبون حظ اليمن التعس، ومأزق الوحدة المتفجر، ويتناقلون الحديث عن
التصفيات الجسدية المتبادلة، والتشطير القادم لا محالة، وكأنه نتيجة مقطوعة عن
أسبابها، ومولود غير شرعي لفراش الوحدة البائس ... فلكل من يتساءل عن اليمن
ومأساته الحالية: هل من خير في حُمّى الصراع القائم اليوم بين الأصدقاء
المتربصين بعضهم ببعض، وبشيء من البسط والتحليل المنطقي نستعرض بعض
الأسئلة التي لابد من الإجابة عليها إن عاجلاً أو آجلاً..
التركيبة والثمن:
قصة الوحدة لا يمكن أن نبدأها من نهايتها أو من منتصفها ... إنها تستحق أن
تُبْدأَ منذ اللحظة الأولى التي رأت فيها الفكرة النور، وحقيقة الأسباب التي أسرعت
بإنجازها ...
لاشك أن عالمنا الإسلامي والعربي خصوصاً يعيش هذه القطرية المصطنعة
بعد قرون من الانحسار العقدي، الذي أدى في النهاية إلى زوال دولة الخلافة
العثمانية، وانهيارها؛ ومن ثم بروز مشروع الدولة القطرية العلمانية الذي حقق من
خلاله الغرب العديد من الأهداف دفعة واحدة، وفي المثال اليمني ظل حكم الأئمة
الزيديين في الشمال نموذجاً فجاً لحالة التخلف والانحسار الذي أدى إلى ما أشرنا
إليه من استباحة لديار الإسلام وشريعته ودولته العادلة، كان الإمام الحاكم في
صنعاء يمثل أوضع تمثيل معاني الجمود والمذهبية والتخلف الذي لا يمت إلى
جوهر الإسلام بصلة، وإن حكم باسم شعار الدين في تلك الفترة، وإن تولى مقاليد
الحكم (آل حميد الدين) من منطلق حماية اليمن من الآخرين، أما جنوب اليمن فكان
صورة أخرى من صور الدهاء الاستعماري البريطاني حيث تحكم بريطانيا الساحل
الاستراتيجي مباشرة، وذلك في منطقة عدن، بينما يتحكم حكام ومشائخ صوريون
في بقية المناطق الداخلية التي لا يوجد فيها مصالح اقتصادية أو عسكرية مباشرة،
عملاً بمبدأ فرق تسد ... حتى إن هذه المشيخات الهزيلة كانت تتشاحن فيما بينها
على أحقية كل منها في إصدار طوابع البريد الفاخرة، التي كانت تمثل الدخل العام
الرئيس لبعضها، بينما لم تكن تملك من مقومات الدولة شيئاً، أو من مستلزمات
السيادة إبجدياتها.
لقد استعمر الإنجليز الجنوب لعقود طويلة حرصوا خلالها على امتصاص
خيرات البلاد، وتطوير مناطق التماس بمصالحهم المباشرة، والمتمثلة في ميناء
عدن وما حوله، أما الداخل أو ما يشكل أغلبية البلاد فظل يحكم بأسلوب لا يقل
تخلفاً عن شمال اليمن، وإن كان تسلط «مشيخات الطوابع» أقل بكثير من تسلط
حكم آل حميد الدين، الذين حسبوا أن الاستقلال عن الاستعمار يعني أن يمارسوا
استعماراً داخلياً، لا يقل أذاه عن الاستعمار الخارجي في ظل حالة من التردي
العقدي، حيث كان الخرافيون وطابور الصوفية ينخر في جنوب اليمن كما كانت
المذهبية والقبلية تكبلان شماله؛ ودون الخوض في تفاصيل «الاستقلال» الذي
حصل للشطر الجنوبي، فإن من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن الثورة التي
قامت في الشمال بُعَيْد الإطاحة بحكم الأئمة، ظلت تتصرف بنمط سياسي لا يبعد
كثيراً عن الأئمة وأدواتهم السياسية ... صحيح أن الآلاف من أبناء اليمن قد قتلوا
نتيجة قتال وحشي، وتدخل مصري هو أقرب للتورط، إلا أن الثورة سرعان ما
ظهرت على أنها صورة أخرى لواقع العالم الثالث المتخلف والشديد الجمود ...
فالثورة لم تكن تحمل رسالة حقيقية تنهض بالشعب اليمني، بل إنها كانت تحمل
شعاراً ضخماً وفضفاضاً يحاول أن يرضي الذين صنعوها، والذين يشكلون خطراً
عليها ... وهذا هو الفرق بين حركات إصلاحية تنبعث من صلب الأمة وذاتها،
وتلك التي لا تتعدى كونها موجة عابرة أو صدى مغشوشاً ...
قامت الثورة في الشمال وبعد عقدين من قيامها ظلت أدوات وتركيبة وتعقيدات
الوضع كما هي ... فبدلاً أن يحكم البلاد إمام زيدي ... جرى استبدال ذلك الإمام
بضابط ... زيدي هو الآخر ... ، وظلت القبيلة ووجهاؤها أهم محرك ولاعب في
الحياة السياسية اليمنية ... لكن بدلاً من أن يحكم مجلس القبيلة مباشرة استبدل ذلك
«بحزب» يحمل اسماً مستعاراً وجمع الشيخ بين المشيخة والمسؤولية الحزبية بدلاً
من أن تكون له المشيخة فقط في عهد الإمام ... أما النمو الاقتصادي فظل بطيئاً
للغاية وظلت الثورة (حتى قبيل حرب الخليج) معتمدة على دعم «الإخوة العرب»
كما كان الوضع في عهد الإمام ... أما نسبة الأمية فقد ساهمت الثورة في تخفيضها
بشكل متواضع حيث لازالت اليمن من البلدان التي تعاني من أمية طاغية.
المشكلة الحقيقية تكمن في أن الثورة اهتمت بالشكل كثيراً ... ولم تهتم
بالمضمون ... وربما كان أنصار الإمام المخلوع يؤكدون أن ما كان سيقوم به البدر
لو سنحت له الفرصة لايبتعد كثيراً عن إنجازات الثورات المتعددة التي وجدت
نفسها في النهاية تحتفل بعيد الثورة ... لكن ما هو ثمن الثورة ... الحقيقي، وما
هي إنجازاتها؟ !
صحيح إن النقلة التي تحققت في الشمال خلال حكم «الأئمة العسكر» كما
يحلو لبعضهم أن يسميهم، إتسمت بشيء من الحرية النسبية، والرضوخ لقواعد
اللعبة الجديدة، إلا أن «شعار الثورة» كان يفتقد في الحقيقة إلى رسالة إصلاحية
تبعث الشعب اليمني من سباته كما حَلُم المصلحون الأوائل الذين تصدوا للإصلاح
في عهد الإمام ... فإذا بالوحدة المعروضة من قبل الشمال تشكل مخرجاً لقيادة
طموحة تبحث عن رسالة أو «برنامج» يجمع الشعب من حولها، كما يضيق من
حجم الخلاف حول الثروة البترولية المقبلة والتي تقع على الشريط الحدودي مع
دولة الجنوب التي كانت تعاني حقاً من نتائج ما سمي «حرب القبائل الشيوعية»
التي اندلعت في يناير ١٩٨٦.
لقد كان الحزب الشيوعي الجنوبي يرى في الوحدة مخرجاً من مأزق تضاؤل
شعبيته، وانحسار شعاراته وإنجازاته، مع تفكك المنظومة الشيوعية التي كانت
تمده بالدعم، كما أن الموجة الإسلامية العارمة التي بدأت تدق الديار الجنوبية
تقتضي تحالفات إقليمية ودولية جديدة ... لقد كان مأزق الشيوعيين الجنوبيين أكبر
بكثير من المأزق الذي عاشته حكومة صنعاء، لذا فقد سارعوا لركوب موجة
«الوحدة» التي أصروا على أن تصاغ تشريعاتها بأسلوب علماني مستفز لقطاع عريض من أبناء اليمن المسلم، ولكي تقع مسؤولية فشل مشروع الوحدة على عاتق «الرجعيين» من أبناء الحركة الإسلامية.
لقد كان مؤلماً أن يتحول مشروع مثل مشروع وحدة شعب واحد بعد طول
شتات إلى قنطرة تشكل مخرجاً لمأزق النظامين الشمالي والجنوبي، ويلقى بها طعماً
شهياً تلتهمه شعوب طالما تمنت التوحد بعد الشتات، والالتقاء بعد الافتراق والتكتل
بعد التشرذم، كما كان واضحاً منذ اليوم الأول أن ظمأ القابضين على مقاليد الأمور
في الشطرين، لا يطفئه إلا تقاسم النفوذ والسلطات في الدولة الجديدة، التي فصلت
في صورتها الوحدوية لتناسب مقاس الفريقين الحاكمين ولتهمش حركة المعارضة،
التي تمثلت في التيار الإسلامي الذي حاول أن يلفت النظر إلى فداحة جريمة
التلاعب بالدستور، وتحكيم غير كتاب الله لاسيما في المراحل الأولى للمشروع.
لقد بلغ الأمر بالمتفائلين واللاعبين على وتيرة العاطفة، ودغدغة المشاعر إلى
تشبيه وحدة ألمانيا بالوحدة اليمنية ... وكم كان الفرق شاسعاً بين التجربتين
والولادتين ... فالمؤسسات الدستورية عززت كلمة الشعب الألماني، ونقلت الشعار
إلى واقع وقدرت حجم النقلة وتكلفتها وانعكاسها، بل مخاطرها على مشاعر
وأحاسيس الشعوب المجاورة ... أما الوحدة اليمنية فكانت شعاراً جميلاً عززته
مطامع الحكام، وغذته طموحات الآمرين والناهين، وشكلته في نهاية المطاف
مآزق ومنطلقات حرجة، بدلاً من أن يكون مشروعاً تحميه المؤسسات والأفراد
والأحرار ...
وحتى لا نلوم اليمن وحده؛ لأن في مثاله نماذج شبيهة لحالات قائمة فإن
المجتمعات التي تفهم من الثورة أنها شعار جذاب، والوحدة أنها علم واحد والدولة
على أنها تقاسم للمناصب والثروات، والديموقراطية أنها ثرثرة سياسية وتجميع
للأزلام والمحاسيب في صورة حزب ... هذه الشعوب تملك الشعار لكنها وقت
الاختبار تعجز عن حمايته والذود عنه، فهيكلية السلطة وتوزيع القوة في هذه
المجتمعات هو رهن القوة المجردة، والتي تتمثل اليوم في اليمن في قوى رئيسية
ثلاث: الجيش (بشقيه الشمالي والجنوبي) و (القبيلة) و (مافيا) السوق المستفيدة من
الوضع القائم « ... وهي قوى تملك من خلال علاقتها وتحالفاتها أن تقول للوحدة
استمري إذا كان هذا في مصلحتها ... أو أن تقول لها انفرطي إذا كان هذا لا يخدم
مصالحها الضيقة ... إنها لغة واحدة: لغة القوة لا لغة العاطفة والأحلام هي التي
تقرر مصير ومستقبل وحدة كهذه ... أما الشعوب التي لا تملك المؤسسات والرموز
والجذور القوية القادرة على فرض إرادتها وإيصال رسالتها، فهي لا تمثل في
المحصلة النهائية إلا سوقاً استهلاكياً مشاعاً تمارس الزعامات من خلاله زعامتها،
وتطل المليشيات عليها لتلقي هتافات النصر وأهازيج الانتصار ... الانتصار إما
بحصول الوحدة أو بانقشاعها حسب ما تقرره المليشيات الحاكمة.
فتش عن الأصوليين! !
الساحة اليمنية في أحداثها المتلاحقة اليوم ساحة تملك كل عناصر الإثارة
الإعلامية والصحفية، التي يحاول جهاز الإعلام العربي ترسيخ أسبابه وتسطيح
جذوره ومكوناته في عنصر واحد لا غير ... هو سبب الشقاء الواقع والانكسار
المخيم على الديار ... إنه الإسلام ودعاته ممن يسمون بالأصوليين ... في اليمن
اليوم كل ما يذكر القاريء العربي بهذا» المارد «الذي رُسمت ملامحه في الشقق
المهاجرة التي تمارس الصحافة ... في اليمن اليوم اغتيالات وعدم استقرار، وفرار
رؤوس الأموال، وتضخم مخيف، وتحركات عسكرية وتهديدات متبادلة لا يمكن
أن تنطبق مواصفاتها إلا على الأصوليين» أعداء السلام «والاستقرار ... لكن
الذي حصل ويحصل أمر آخر، فالأصوليون لسوء حظ الجهاز الإعلامي العربي
ليسوا في الصورة، بل إنهم عامل تهدئة للأوضاع (حتى لو كانت فاسدة) وتركيز
لوحدة طالما اعترضوا عليها بالأمس لكفر تشريعاتها، ثم هم اليوم يحاولون تعديلها
بعد أن تكشف للجميع أن الذين يعملون على التشرذم والشقاق والتشطير ليسوا هم
الإسلاميون» الرجعيون «، بل إنهم التقدميون ... نعم الأخوة التقدميون شمالاً
وجنوباً ... والأمر يعود ببساطة إلى أن هذه القوى التي مارست الحكم قبل الوحدة لا
يمكن أن تستمر في جو الاستقرار، والتعددية الحقيقية، والرأي الحر المدعوم بقوة
شعبية ... لقد كانت فترة الوحدة منذ يومها الأول مرحلة استقطاب للقوى وتقاسم
للنفوذ والسيطرة ... المؤتمر الشعبي الحاكم في الشمال يمثل مصالح وطموحات
الرئيس اليمني، وحوله الرموز القبلية والبطانة التي رأت في الوحدة صفقة رابحة ...
أما الحزب الاشتراكي فهو لا يمكن أن يوصف إلا بأنه مليشيا حكمت ... بالحديد والنار شعباً أعزل، ثم لما رأت المليشيا أن سلطتها تتآكل وفطن قادة الحزب إلى أن نفوذهم يتقلص، لجأوا إلى إثارة أكثر المشاعر رجعية وتخلفاً وهمجية حين بدأوا يثيرون النعرات العرقية والمذهبية، في سبيل بقائهم في الواجهة ... إنها معركة لا تحتمل وجود طرف آخر، فالوحدة كانت وربما ستظل وسيلة لتصفية الحسابات، وإحكام القبضة على السلطة بعد حدوث المتغيرات الدولية الضخمة منذ عام ١٩٨٩.
أليست السلطة الحاكمة في عالمنا العربي تطرح مأزقها اليوم في اليمن بكل
ثقله وانعكاساته وظلاله السوداء ... ألا يستحق هذا المشهد الحاضر الآن أن تُسلط
عليه الأقلام المستقلة، والصحافة الحرة، بعض الضوء حينما تناقش الانهيار في
مناطق ساخنة عديدة في عالمنا العربي تُربط بظاهرة العودة إلى الجذور ... إلى
الإسلام ... ؟
فتش عن الإسلاميين في أمثلة عديدة تجد أنهم ليسوا كما يصور أصحاب
القلوب المريضة، والأقلام المنتفشة حين يزعمون أنهم سبب كل مصيبة. وداء كل
جسد عليل ... الإسلاميون في كثير من الأمثلة عوامل استمرار لهذه الأوضاع
القائمة ... ونتاج طبيعي لعقد اجتماعي/ سياسي يمارس الفشل تلو الآخر ويتاجر
حتى بأقدس المشاعر، وأكثر الأحاسيس حرارة ...
المثال اليمني جدير بالتحليل والدراسة لأنه نسخة مكررة للنظام العربي
المأزوم اليوم، والوحدة اليمنية حلم جميل في طريق توحد الأمة، لكنه يواجه
بكابوس السلطة التي لا تعترف بالأحلام ولا تراعي المشاعر بل قد تتاجر بها ...
هنا بالضبط يكمن داء الوحدة اليمنية ... وربما يكمن غدها القلق ... هنا أيضا..
стр. 1615
المسلمون والعالم
كوسوفو المسلمة.. المنسيّة
عبد الله الكوسوفي
تمتد منطقة كوسوفو (والأراضي الألبانية المسلمة في يوغسلافيا سابقاً) نحو
(٢٠) ألف كم٢ تجاورها (مقدونيا) من الجنوب الشرقي، وصربيا في الشمال
الشرقي، وسنجاق والجبل الأسود من الشمال الغربي، وتحيط كوسوفو من الجنوب
ألبانيا (الدولة الأم) والمحيط الإدرياتيكي وبحيرة برسبا.
وتمثل كوسوفو بالنسبة للمسلمين الألبانيين كل الأراضي الألبانية المستولى
عليها من قبل صربيا والجبل الأسود من عام ١٧٨٧م حتى ١٩٤٥م، وتسكن هذه
الأراضي الغالبية العظمى من المسلمين الألبان من القديم وإلى يومنا هذا.
ومن أجل تسهيل عملية القضاء على هذا الشعب المسلم فقد جزأت السلطات
الصربية
-وبترحيب من مؤتمر لندن سنة ١٩١٣م - منطقة كوسوفو وضمت تلك
الأجزاء إلى ثلاث جمهوريات يوغسلافية: ماقدونيا والجبل الأسود وصربيا.
أصل أهل كوسوفو:
إن أصل الكوسوفيين (الألبان) من القبائل الإيليرية ذات الجنس الآري وسموا
بأكثر من اسم منها: الألبان والأرناؤوط واشكيبتار، واتفق المؤرخون على أنهم
أول من نزل شبه جزيرة البلقان في عصر ما قبل التاريخ على شواطيء البحر
الأدرياتيكي الشمالية والشرقية قبل آباء اليونان، وكان ذلك منذ أكثر من ثلاثة آلاف
سنة، ثم توسعت وانتشرت القبائل الإيليرية في أنحاء البلقان، وبعد ذلك اجتمعت
القبائل وانتخبت رئيساً لها وأنشأوا دولة لهم قبل الميلاد بثلاثة قرون؛ وجمهورية
كوسوفو اليوم تقع في الموقع الذي كان يسكن فيه أجدادهم الداردانيون والقبائل
الإيليرية الأخرى، وكانت دولتهم تسمى داردنيا، وبمرور الزمان ضعفت دولتهم
فاحتلها الرومان، وبقيت تحت احتلالهم إلى أن زالت امبراطوريتهم، وانقسمت إلى
شرقية وغربية فأصبحت بلاد الألبان تحت حكم الإمبراطورية الشرقية، حتى فتح
العثمانيون بلادهم ونعمت قروناً تحت حكمهم.
اعتناق الكوسوفيين الإسلام:
اتفق المؤرخون على أن الإسلام دخل إلى البلاد البلقانية قبل الفتح العثماني،
وذلك عن طريق التجار والدبلوماسيين والدعاة، إلا أن ذلك كان على نطاق ضيّق
ومحدود، أما انتشار الإسلام في تلك البلاد فقد كان بعد مجيء العثمانيين، ودخل
فيه الشعب الألباني أفواجاً، وحسن إسلامهم وكان منهم في الدولة العثمانية القواد
العظام مثل بالابان باشا (قائد من قواد فتح القسطنطينية) وكبار الكتاب والشعراء
(كانوا يؤلفون بلغات خمسة هي: الألبانية والبوسنوية والعربية والتركية والفارسية)
مثل محمد عاكف أرسوي ﵏ جميعاً.
وقد تمكن الحكم العثماني في جزيرة البلقان بصورة نهائية بعد المعركة
الشهيرة المسماة «معركة كوسوفو» ، التي قاد فيها السلطان العثماني مراد الأول
الجيش الإسلامي بنفسه، وقبيل فوز الجيش الإسلامي استشهد السلطان مراد وتسلم
القيادة السلطان بايازيد، وانتصر على الجيوش المتحالفة (الأوروبية) وقتل الملك
لازار (الصربي) وذلك سنة ٧٩٢ هـ (١٣٨٩ م) ، فبعد هذه المعركة الحاسمة
خضعت كوسوفو وصربيا تحت الحكم العثماني ما عدا مدينة بلغراد فإنها فتحت في
عهد السلطان سليمان القانوني، وذلك في ٢٦ من رمضان المبارك سنة ٩٣٨هـ
(١٥٢١م) .
وكانت ولاية كوسوفو إحدى أكبر الولايات العثمانية في «رومليا» (أوروبا)
وكانت أول عاصمة لها مدينة بريزرن (PRIZREN) ثم بريشتينا
(PRISHTINA) وفي الأخير مدينة اشكوب (SHKUP) عاصمة مقدونيا اليوم،
ومازال فيها إلى يومنا هذا عدد من الألبان أكبر من عددهم في تيرانا عاصمة ألبانيا.
بعد اضطهادٍ بشع في الفترة الشيوعية الأولى (بعد الحرب العالمية الثانية)
نجح المسلمون الألبان في كوسوفو بالحصول على الحكم الذاتي، وذلك في أواخر
عهد الهالك تيتو؛ وفي مستهل الثمانينات عاد الصرب من جديد إلى تعديل الدستور
وابتلاع كوسوفو مرة أخرى، الأمر الذي رفضه المسلمون وقاموا سنة ١٩٨١ م
بثورة شعبية على مستوى كوسوفو كلها يطالبون فيها باستقلال (كوسوفو) عن
(صربيا) ومنحها حكم الجمهورية داخل يوغسلافيا الفيدرالية الشيء الذي جعل
السلطات الصربية تأمر القيادات العسكرية بقمع المظاهرات السلمية حيث نزل
الجيش المدجج بالدبابات والأسلحة الحديثة وقتلوا من المسلمين في يوم واحد أكثر
من ٣٠٠ شخص.
فاستمر المسلمون في المطالبة بحقوقهم إلى بداية انهيار الشيوعية حيث بدأت
كل جمهورية تأخذ مسيرتها نحو استقلالها التام عن يوغسلافيا الفيدرالية فتوقع
المسلمون الألبان في كوسوفو كإخوانهم في البوسنة والهرسك أن ظهور الديمقراطية
والحرية في أوروبا الشرقية وفي الجمهوريات اليوغسلافية نفسها ستمنح لهم حقوقهم
أيضاً، فأعلنت البوسنة استقلالها (بعد سلوفينيا وكرواتيا) إلا أن أعداء الإسلام لم
يسمحوا بقيام دولة مسلمة وسط تلك المنطقة الأوروبية بل سعوا في قتل أهلها،
وتهجيرهم، وتشريدهم فحدث ما حدث من الجرائم الوحشية والمذابح الجماعية التي
شهدها العالم بأجمعه ولم يحرك لها ساكناً.
وكذلك المسلمون الألبان في كوسوفو أجروا فيما بينهم استفتاء في طور تفكيك
الاتحاد اليوغسلافي في سبتمبر «أيلول» ١٩٩١ م أسفر عن انحياز الأغلبية
المطلقة للاستقلال، وتطور الأمر إلى انتخاب مجلس نيابي وتشكيل حكومة
وتنصيب رئيس لجمهوريتهم المستقلة: هو الدكتور إبراهيم دوغوفا ولكن الحكومة
الصربية تجاهلت كل هذه الإجراءات واعتبرتها كأن لم تكن بل بدأت بمرحلة جديدة
من الاعتقالات والتعذيب والاضطهاد فاقت سابقاتها حيث سحبوا أدنى الحقوق
الإنسانية من هذا الشعب الأعزل.
مخطط تدمير الاقتصاد الكوسوفي:
إن حكومة بلغراد لم تتورع في استخدام أية وسيلة في سبيل إرغام المسلمين
الألبان على الهجرة من كوسوفو.
ففي المجال الاقتصادي على سبيل المثال ذكرت جريدة «بويكو» الألبانية
أن حكومة صربيا ماضية في إخضاع اقتصاد كوسوفو لسلطة بلغراد المباشرة،
وذكرت أن ٢٩٦ شركة عامة في كوسوفو تم دمجها بـ ١٧٣ شركة مماثلة في
صربيا، من بينها جميع منشآت الطاقة الكهربائية، وشبكة السكك الحديدية
وشركات النقل، والطيران المدني، واستخراج المعادن، وصناعات المطاط
والنسيج والجلود، والمواد الكيماوية، والانتاج الزراعي، والغذائي ومجالات
السياحة، وهذا يعني أن حكومة صربيا تسرق من كوسوفو بلايين الدولارات،
إضافة إلى سيطرة بلغراد التامة على جميع مناجم كوسوفو وتعطيلها، وتفريغها من
العمالة المسلمة ومن الخبراء المسلمين، الشيء الذي جعل منجم «تربجا» (أكبر
المناجم في يوغسلافيا السابقة والمشهور بالرصاص والذهب والفضة والمواد
الكيماوية الأخرى) في مدينة ميتروفيتا يخسر سنويا (٠٠٠ر٢٠٠ر٥٧) دولار، كل
هذا بسبب عدم وجود عدد كافٍ من العمال وبسبب عمل غير المتخصصين من
الصربيين.
ومن ناحية أخرى أخذت الحكومة الصربية منذ شهور بتقطيع الأشجار في
الغابات الكوسوفية وشحنها إلى صربيا والجبل الأسود للاستفادة منها هناك ويتجاوز
هذا التقطيع (٠٠٠ر٥٠٠) متر مكعب.
ومن ذلك الاستيلاء على الأراضي الزراعية التابعة للمسلمين، وبناء
مستوطنات صربية عليها، وخاصة في الأماكن التي فيها كثافة المسلمين الألبان
كبيرة.
من ناحية أخرى تستمر السلطات الصربية في فصل المسلمين من العمل
بشكل كبير جداً مع أن نسبتهم في الماضي كانت ضئيلة جداً، ففي سنة ١٩٨١م
كانت نسبة العمال من جميع الشعب الألباني ١١% فقط. وفي السنوات الأخيرة
تقلصت هذه البقية الباقية من المسلمين حينما طردت (٥٢٠) عائلة مسلمة من
منازلهم، وهناك (٠٠٠ر٥٠٠) شخص تحت خطر المجاعة.
المجزرة القادمة في كوسوفو:
إن كوسوفو منذ سنة ١٩٨١ م وإلى يومنا هذا تعيش حالة الطواريء وقد بلغ
عدد الجنود الصربيين أكثر من ٨٥ ألف جندي وظيفتهم قهر وبطش المسلمين وقد
أجروا في الأيام الأخيرة تمشيط للمدن والقرى المسلمة لمصادرة الأسلحة التي لم
توجد أساساً لدى الأهالي المسلمين بخلاف البيوت الصربية الممتلئة بأنواع من
الأسلحة المختلفة، وقد اعترف بذلك رئيس الوفد «البرلماني الأوربي» «جون
دي» ، الذي زار كوسوفو في هذا الشهر حيث يقول: «إن الصرب شددوا من
إجراءاتهم لطرد الألبان من كوسوفو وذلك بالضرب والقتل والسجن والتهديد
والسرقة وسحب الأسلحة..
كل هذه الاجراءات الصربية، ليست إلا مقدمة صريحة للمذبحة الكبيرة التي
ينويها هؤلاء المجرمون ضد المسلمين الكوسوفيين، وما جرى لإخواننا في البوسنة
تحت مرأى ومسمع من العالم بأجمعه أكبر دليل على ذلك، وقد تكون ضربة
المسلمين في كوسوفو أشد وأنكى حيث تتميز كوسوفو بالنسبة العالمية للمسلمين
وفيها مدن وقرى خالية من الصرب (بخلاف المدن البوسنية) فيسهل عليهم قصفها
وتدميرها دون أي تردد، لاسيما ونحن نرى تخاذل الموقف الدولي تجاه هذه القضية
الخطيرة التي قد تتفجر في أي لحظة، ويروح ضحيتها عشرات بل مئات الآلاف.
ملخص جرائم النظام الصربي ضد المسلمين في كوسوفو من ١٩٨١م إلى يومنا هذا:
- قتلت السلطات الصربية خلال هذه السنوات مئات المسلمين الألبان وذلك
في حالة السلم من غير إعلان حرب في كوسوفو.
- قتل أكثر من ١٠٠ جندي ألباني خلال خدمتهم العسكرية في الجيش
اليوغسلافي (الصربي) وجرح أكثر من ٦٠٠.
- وضعت السلطات الصربية سنة ١٩٩٠ م سماً في خزانات مياه المدارس
بمدن كوسوفو وتسمم منها أكثر من سبعة آلاف طفل.
- فصل من العمل أكثر من ١٥٠ ألف عامل مسلم، وكان عددهم الإجمالي
قبل ذلك ٢٠٠ ألف عامل مسلم فقط.
- احتلت صربيا جميع مستشفيات كوسوفو وطردت جميع الأطباء
والممرضين الألبان، فليس اليوم للمسلم في كوسوفو مستشفى يتجه إليه للعلاج،
وليس للمرأة الألبانية مستشفى ولادة تلد فيها.
- أغلقت تقريبا جميع المدارس الابتدائية والثانوية الألبانية.
- أغلقت المكتبة المركزية الجامعية وجميع مكتبات المدارس الأخرى وأخذت
السلطات الصربية كثيراً من الكتب العلمية النادرة ونقلتها بواسطة الشاحنات
العسكرية إلى مصانع الورق لتصنيعها ورقاً عادياً! !
- أغلقت أكاديمية العلوم والفنون في بريشتينا، وكذلك يمكن أن يقال عن
معهد الألبانولوجي لأن الدولة لا تنفق عليه.
- أغلق معهد التاريخ.
- أغلق التلفزيون والإذاعة (باللغة الألبانية) وصودرت الجريدة الوحيدة
اليومية باللغة الألبانية (ريلينديا) .
- فصل جميع الألبان العاملون في الشرطة من وظائفهم.
- بدّلت لغة الإدارة الألبانية بالصربية وذلك في جمهورية يبلغ فيها عدد
المسلمين ٩٣ % ويبلغ عدد الصرب فيها ٧ % فقط! !
ماذا بعد هذه الحقائق الثابتة التي اعترف بها حتى ممثلوا السياسة الغربية؟
هل سيبقى المسلمون مكتوفي الأيدي دون اتخاذ أية إجراءات تساعد في إيقاف هذه
المعاناة، ومنع وقوع مجزرة بشرية جديدة في قطر جديد من العالم الإسلامي؟
أو سيطلق المسلمون كما نرجو هذه المرة المقولة الشهيرة (الوقاية خير من
العلاج) قبل انتقادهم بالمشاعر والعواطف، فيما يرون تلك الدماء البريئة
والأعراض المنتهكة وما أكثرها عند المسلمين هذه الأيام.
لذا نرفع أصواتنا إلى جميع المسلمين في العالم للقيام بواجب الاخوة الإسلامية
لمنع حدوث مذابح متوقعة ...
والله نسأل أن يعلي كلمته ويعز جنده.. والله غالب على أمره