← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

هموم ثقافية الثقافة والذوبان د. محمد عبد الله الشباني لكل أمة من الأمم، ولكل مجتمع من المجتمعات البشرية ثقافة تحدد الإطار الذي يحكم سلوك أفرادها، ويوضح معالم فكرها الذي بدوره يحدد أنماط السلوك الاجتماعي لأفراد هذه الأمة أو تلك، لتتميز بها عن الأمم الأخرى وهذه الخصائص المميزة يعرف بها نوع ونهج أي أمة. تتوقف قدرة الأمة على مواجهة التيارات الفكرية والثقافية الوافدة من المجتمعات والأمم الأخرى، على نوعية وصلابة ووضوح المنهج الثقافي الذي تقوم عليه لحمة نظامها الاجتماعي. والقرآن الكريم يمثل العمود الفقري لثقافة الأمة الإسلامية، فهو النبع الذي تستقي منه الأمة، وعلى توجيهاته وأوامره ونواهيه يقوم بناؤها الثقافي وإليه تلتجئ؛ لتستمد منه الحماية عند تكالب الأعداء، والنيل من أسسها ومتطلباتها التي يرتكز عليها أعداء هذه الأمة بقصد إنهاكها، والقضاء على مصدر القوة الذي عليه تعتمد، وبه تصمد ضد فك ارتباطها بمقوم وجودها. من النعم الجزيلة التي أنعم الله بها على هذه الأمة أن الله تكفل بحفظ القرآن الكريم، ولم يكل أمره إلى الناس، وإنما أوجب الله على نفسه حفظ هذا الكتاب الكريم، حيث قال سبحانه [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] (الحجر: ٩) ، فالقرآن الكريم الذي هو النبع الذي يمد الأمة بالقوة، ويمنحها الحياة ويشكل إطار ثقافتها، قد حفظه الله من التحريف والتغيير والزيادة، وبالتالي بقي وسيبقى الماء الزلال الذي يطفيء ظمأ الأمة الإسلامية على مدار تاريخها، فلا تلتفت إلى الثقافات الأخرى الوافدة وإنما تستعلي عليها وتستوعبها بدون أن تذوب فيها. يُقصد بالمفهوم الاصطلاحي للثقافة: وجهة نظر كل فرد من حيث السلوك والعلاقات الاجتماعية، واتجاهه الفكري وسلوكياته، وما يتضمنه ذلك من واجبات، وما يرتبط بذلك من محددات للذوق والأخلاق، وما يقدسه وما يظهره من ولاء، فكل ذلك يشكل ثقافة المجتمع، فالثقافة تحدد نسق الحياة من خلال خصائصها المتمثلة في اشتراك جميع أفراد الأمة بالخضوع لها في سلوكياتهم، وبالتالي فإن لها دور في وضع معايير منتظمة وطبعية كقواعد مشتركة للسلوك والنظام الاجتماعي القائم، على القواعد الأخلاقية. وقد يتساءل القارئ ما هو دور الثقافة في تحديد سلوكيات وأنماط أفراد الأمة، والحقيقة أن دورها يتمثل في تزويدهم بالأمور التالية: ١- تهيئة أساس التفكير والشعور. ٢- تزويدهم بالتفسيرات المقنعة عن أصل الإنسان، وطبيعة العالم، ودور الإنسان في الحياة. ٣- تزويدهم بمعاني الأشياء والأحداث، وبالتالي تحديد المفاهيم الأساسية وتحديد ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، ومنطقي وغير منطقي وعادي وشاذ، وأخلاقي وغير أخلاقي، وجميل وقبيح، وخير وشر ... فالثقافة تعطي معنى للحياة، وهدفاً للوجود. ٤- بناء الشعور لدى الأفراد بالانتماء إلى الأمة. إن القرآن الكريم يجيب على هذه الأمور كلها، فهو يحدد الإطار الشامل والكامل لثقافة الأمة؛ ولهذا فإن الاهتمام بالقرآن دراسة وحفظاً وتطبيقاً من أهم الأمور التي يجب على الأمة بمجموع أفرادها أن تهتم به وتعتني به؛ ولا شك أن السنة النبوية الصحيحة من القرآن لقوله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) . فقد أولى رسول الله ﷺ -عناية خاصة بالقرآن الكريم، باعتباره مصدر الثقافة الذي يقوم عليه البناء الاجتماعي للأمة، روى الإمام البخاري ﵀ عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، وفي رواية أخرى (إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه) فتعلم القرآن الكريم يتمثل في معرفة أحكامه، والتأدب بآدابه، وفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ وتعليمه يتمثل في إرشاد الناس قولاً بتعليمه إياهم، وسلوكاً بالالتزام به، فيكون سلوك الفرد المسلم متطابق مع أوامر ونواهي القرآن. والقرآن الكريم يحوي بين دفتيه نظام شامل لتنظيم حياة الأمة سواءً ما يتعلق بتحديد وتوضيح النظرة إلى الوجود، والإجابة الكاملة على عدد من التساؤلات: حول الوجود، والغاية منه، ومآل الإنسان الذي ينتهي إليه، أو ما يتعلق بتنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعلاقة الأمة بالأمم الأخرى بحيث يشكل عقل الفرد المسلم ضمن الإطار الذي يرضي الله، ويجعل الأمة المسلمة حقاً خير أمة أخرجت للناس. لقد أدرك الأعداء من النصارى واليهود أهمية التصاق الناس بالقرآن الكريم والتزامهم به وبتعاليمه، وأن الأمة الإسلامية لا يمكن هزيمتها ما دامت مرتبطة في فكرها، وسلوكها، وتشريعها به. إن الهجمة الصليبية المعاصرة أخذت طابعاً مغايراً عما سبق، وأدركت أن القضاء على الأمة الإسلامية لا يتم من خلال الاستيلاء العسكري على البلاد، وإنما لابد من القضاء على البنية الثقافية للأمة، والمتمثلة في إبعاد القرآن الكريم عن واقع حياة الناس بحيث لا يكون له تأثير على سلوكيات الأفراد، ولا على تنظيم حياة المجتمع المسلم. إن المنهج الذي اتبعه الغرب الصليبي لفك ارتباط المسلمين بالقرآن الكريم يتمثل في الأمور التالية: ١- إضعاف اللغة العربية بالدعوة إلى العامية، ونشر اللغات الأجنبية بين الناطقين باللغة العربية، من خلال المناهج التعليمية التي قللت من الاهتمام بدارسة قواعد اللغة العربية: من حيث التراكيب النحوية، أو من حيث فقه اللغة العربية؛ ولذا شجعت القيادات الثقافية في الدول العربية والتي تربت قبل رحيل الاستعمار العسكري في المدارس الأجنبية الاتجاه الحداثي المتأثر بالتيارات الفكرية العلمانية. ٢- إضعاف النظام التربوي والتعليمي في العالم العربي، ومحاربة أية توجهات تربوية تقوم على البناء الثقافي المرتكز على القرآن؛ وذلك بالتقليل من المواد الدينية، ومحاربة كل توجه جماهيري لدراسة القرآن وتوسيع نطاقه. ٣- إحلال القوانين والتشريعات والتنظيمات المستمدة من الفكر العلماني الوافد محل التشريعات الإسلامية القائمة على الشريعة الإسلامية، من أجل خلخلة البنية الثقافية للأمة، وإحلال البنية الثقافية الغربية. ٤- ربط التنظيم الاقتصادي للمجتمعات الإسلامية بالأنظمة الرأسمالية العلمانية، من خلال التشريعات والنظم الاقتصادية، مثل التمكين للفكر الربوي المحرم؛ ليكون قاعدة بناء الاقتصاد في الدول الإسلامية، وربط هذا الاقتصاد العربي ليكون تبعاً له ضمن دائرة الاستهلاك. ٥- ضرب الوعي الإسلامي من خلال الإبقاء على القيادات الماسونية والعلمانية؛ لتسلم القيادة في الدول الإسلامية، وتوجيهها لمحاربة أي توجه إسلامي، أو دعوة إلى الثقافة الإسلامية من خلال القضاء على القيادات السياسية والفكرية الإسلامية، ومحاربة كل توجه للانعتاق من السيطرة الاقتصادية الغربية. ٦- التمكين للسلوكيات الغربية في البيئات الإسلامية من الانتشار، وذلك بخلخلة القيم، من خلال السيطرة بطريق مباشر، أو غير مباشر على وسائل الإعلام من صحافة وتلفزة وإذاعة، واستخدامها قنوات للهدم الفكري والسلوكي للأمة، بتوجيهها للتشبه في حياتها الاجتماعية بالحياة الاجتماعية الغربية؛ مما يؤدي إلى التفسخ الاجتماعي، وذوبان المجتمع وعجزه عن مواجهة التحديات المعاصرة. إن مجابهة هذه الحرب العلمانية على المسلمين يقتضي من المسلمين أفراداً وجماعات العودة إلى النبع الذي يمنح الأمة القدرة على الصمود تجاه هذه الحرب الضارية والمدمرة، المعلنة تجاه البناء الثقافي للأمة، وذلك وفقاً للأمور التالية: ١- العمل على نشر حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتدريسه للصغار والكبار بحيث لا يخلو مسجد من مساجد المسلمين من حلقة تعليم للقرآن، وأن على الموسرين إمداد القائمين على إدارة هذه الحلقات بالمال، وتشجيع الناس على وقف جزء من أموالهم لهذا المشروع. ٢- يجب أن تشتمل حلقات تحفيظ القرآن على دروس لتفسير معاني القرآن حتى يُتَمَكّنَ من فهم معانيه، وتكوين حلق تدريس وحفظ القرآن لتعليم الناس أحكام وتعاليم ما يقرؤونه ويحفظونه من القرآن الكريم. ٣- العمل على إيجاد حلقات في المساجد؛ لتعليم السنة الصحيحة وفقهها وتعليم اللغة العربية وتدريسها، ورفع مستوى فهم اللغة العربية سواء من ناحية معرفة التراكيب النحوية، أو التراكيب اللغوية. ٤- ضرورة مشاركة أئمة المساجد بتخصيص وقت قصير بعد أحد الصلوات المفروضة يومياً؛ لقراءة وتفسير آيات من القرآن الكريم من أحد التفاسير المعتبرة مباشرة بعد الصلاة؛ حتى يمكن لعامة المسلمين زيادة ثقافتهم ومعرفتهم بمعاني ما يقرؤونه من القرآن، وبالتالي ربط عامة المسلمين بالقرآن حتى يمكن على المدى الطويل إعادة الناس إلى الالتصاق بالنبع الذي يروي وينمي ثقافتهم. إن الحرب على البناء الثقافي للأمة الإسلامية في هذا العصر قد بلغ مداه وإذا لم يقم أفراد الأمة بمسئوليتهم تجاه الدفاع عن كينونتهم الثقافية، والمتمثلة في القرآن الكريم، من خلال دراسته وحفظه وتطبيقه في واقع حياتهم الاجتماعية والسعى إلى المطالبة بالعمل على أن يكون القرآن الكريم والسنة الصحيحة هما المصدر الذي يستمد منه الأفراد سلوكياتهم وتنظيماتهم الاجتماعية والاقتصادية ... فإن خطر ذوبان الأمة وتفككها، سيكون هو النهاية التي ستؤول إليها الأمة الإسلامية.

стр. 1612

نصوص شعرية النشيد الأخير لصاحبي محمد شلال الحناحنة وردةٌ لكْ لنسيمٍ يشاطرني فرحتي بالصديقْ لخيامٍ تبادلني بعضَ حزني الطليقْ للطريقْ.. للذين سَموا لقلاع التقى للدماء التي حرست جنتي وخطايْ للذي بّرني باعثاً بنزيف دمهِْ! صامداً في العراءْ واعداً بانتعاش الزنابق بين حواكيرِه اِلمثخنةْ! ممسكاً بكتاب الهُدَى واهباً للتراب الحزين نَوَى ليلتِهْ قد تنفس صبحُ الغريب على قامتِهْ نَشَر الأرزُ أمنيتهْ شَهِدَ الفجرُ أدعيَتهْ ورمى الله طلقتَه الصائبهْ! *** صاحبي لم يزلْ صاحبي لم يكن طاعناً في السياحة.. أو موفداً دولةً قاصيةْ لم يباركْ خطا السيد المتساقِط بين اليهودْ لم يساومْ على قدسِهِ لضبابِ المحيطْ! لم يكنْ (أمره فُرطا) لم يكن أبداً باسطاً راحتيه يحومُ.. على الشقق المترفهْ.. لم يقايضْ صفيحَ المخيم بالفندق الأجنبيّ لم ينافق رموز المذلة أو ينتهي للهُوُيّ أو لطاولة مستديرةْ! إنما حفظ (العصرَ) و (المائدةْ) ! ! *** يا أُخَيّ امتشقْ لغتيْ.. وامتشقْ وجعي وجهادي! فقواك تهد الغوايةَ.. ما من قصيدٍ يُطرّزُ فكرتك الساميةْ أنت عذتَ برب العالمينَ.. ولذت بسورتنا الحافظة! والبلابلُ آبتْ إلى سدرةِ الروحِ.. أنت (الأصوليّ) .. والأصل لَكْ.. يا أُخَيّ لنا أُفُق الانتفاضةِ ... وقعُ الأناشيد، والفتحُ حينَ يفِجّ النهارْ.. يا أُخَيّ لنا ساعةُ الجمعةْ.. ولنا آيةُ البقرةْ!

стр. 1613

مقال صراعات الأحداث وحتمية المواقف سليمان عبد العزيز الربعي في حيا ة الأمم، كل الأمم، مفترقات صعبة ومصيرية، ترسم على لوحة الأفق روانق الغد المنتظر، إنّ ذلك لا يعني هلامية بعيدة الوقوع، أو قفزة ذهنية تميل إلى الشطط الخيالي المستحيل، كلا، فالطرق المؤثرة هي في الوقت ذاته إفراز طبيعي لمعطيات الحاضر عينه، غير متباينة عن محيطه ولا غريبة عن تفاصيله وملابساته الخاصة لأن تلك سنة الله جل وعز المطردة. إنها سبيل كوني قائم، يربط في غالبه بممارسات حكام الأرض ومدافعاتهم، التي تتشكل كيانات من آثار السنة الآنفة، وهي في صورتها غير محتاجة إلى أمثلة يمكن ترشيحها للتدليل، فمادتها قريبة من العيان يجتهد المرء فقط في عملية الانتقاء. وأما في قليلها الشارد فترتبط بإحداث انقلاب عارم وتغيير يجوز أن يحكيه بعض ما جاء في القصص القرآني كقصة النبيين نوح ولوط صلى الله عليهما وسلم مع قوميهما، وما صحب ذلك من تبدل كوني هائل ليس في مسرح الواقعتين فحسب، بل في الأرض جميعاً، وهذا السنن هو ما عناه بعض العلماء ﵏ عند الحديث عن مسألة طويلة اصطلحوا على تسميتها (بسنة الخلفية) وحتمية المداولة، وهو ما ينطبق تماماً على الإرث السلوكي والنفسي والاجتماعي والمبدئي والمصيري في حياة الشعوب كلها. والأمة الإسلامية تبدو لنا في حاضرها رهينة مرحلة مخاضية لا بأس أن نطلق عليها مرحلة «التغيير والتجذير» أو «مرحلة المكاشفة» ، وهذه المرحلة خطيرة لا شك إذ تتحدد على ضوئها المناهج وتتضح إثرها أرضيات التفاعلات الجديدة في مدى الأحداث الساخنة في العالم. ونحن عندما نذكر طرفي المعادلة، أو المرحلة، في مادتها فلا يمكن أن نهمل طرفيها الحسيين اللذين ينبثق منهما بيان التجسيد للصورة حقا لقد برزت على السطح تيارات كثيرة، وهي تيارات تصطف جميعاً حين المواجهة مع خصومها الألداء «الإسلاميين» علي نسق واحد يبهر المرء التفافه السريع وفي ذلك الظرف بالذات، يدل عليه تواصٍ شديد بالمواجهة وعلى كافة المحاور كل بحسبه «وما تخفي صدورهم أكبر» . وإذا كنا نعيش في القرن الخامس عشر الهجري، فليس بمستغرب ألبتة اختلال موازين القوامة، وبُعد البشرية عن تلمس طريق النجاة، ومضاؤها إلى الهوى في صلف وتعنت غريب [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه] [١] . في غمرة ذلك لا نستطيع أن نطالب بما لا يمكن حدوثه على وجه كوني إلا بمعجزة ربانية. إذن، ماذا يُطلب من المسلمين على وجه التحديد؟ إن الجواب على هذا التساؤل المهم يكمن في استشعار المسلمين، كل المسلمين، فيما يعايشونه من أحداث ومدلهمات، تلك التي علمتنا بأنه ليس ثمة مكان للكسالى ولا وقت للدعة والإخلاد للراحة، بل سباق مستعر في ميادين السؤدد، أو على الأقل إلى إبداء الرأي والبحث عن موقع للاستقلال الفكري والاختياري. إنّ مشكلة جل المسلمين ليست في سذاجة أفكارهم، بل في أنهم لا يفكرون، وتراهم يصادرون ملكاتهم ويتسولون فتات الآراء والتوجهات من تحت موائد اللئام. لقد مضت الأمة تتنكب سبل المبادئ إزاء أحداثها التي تدار منذ قرون بيد شياطين من الإنس، ويظل السؤال الكبير المؤلم: من سينبه المكلومة إلى ضرورة الوعي بدينها ومبادئها، ومتى سيتم ذلك؟ إن من الضروري أن نضع مشكلاتنا تحت مجهر التشريع بمعاييره المعصومة، كي ننجح في إيجاد مرجعية موقرة في نفوس الجيل المستشرف، مؤمنين بأنه ليس من المتعين أن نشاهد نتائج ذلك بأنفسنا، فنحن في الحق متعبدون بالبلاغ فقط، وأما مترتباته فهي بيد البارئ سبحانه يُخضعها لحكم عديدة. لقد سئمت الأجيال المسلمة دجل المتنفذين وسكوت الصالحين بحجة العجز عن التغيير أو الضعف في التأثير، ولست أدري بالضبط متى يفقه أولئك أن مجرد الإصرار على المبدأ ضمانة أكيدة لثقة الجماهير ودعامة حية للاحتذاء وإيمان خالد بعدالة قضايانا، وأهليتها في سباق التصارع من أجل النصر والتمكين. إن الرجال مواقف، وإن الموقف سجل تاريخي يُشرق به الغد أو يظلم. لقد مضت سنة الله تُثبتُ أن رجال الحق قليلون وأن الحق على الدوام مُحارب وأن أهله في الدهر مُصارعون، وتثبت أيضاً، أن هذا الحق لابد سيظهر ولو بعد حين، وهنا يتبين أن الأهمية تتجسد في التجالد عليه، والمنافحة عنه. إن من حق الجيل أن يرى قيم الدين واضحة في الحدث الممارس يطبقها المسلمون أجمعون ويدعو إليها الدعاة والمصلحون، أوليس من حقه أن يقف في الغد القريب موقناً مما يحدث في محيط المسلمين على امتداد خطوط العرض والطول؟ ها نحن نعايش في ساعتنا ما يُحاك في قضية فلسطين من تلاعب سافر بالثوابت وخضوع ذليل لليهود، ومن قبله الزعم الكبير في اختزال مسؤولية القدس في ثلة من سقط الناس وبقية من غثاء العرب، ومعه استمرأنا السكوت كما تعودناه في البوسنة والصومال وكشمير وكثير من بقاع الإسلام الجريح. إننا نتساءل: أوليس من حق كل مسلم أن يخبر عن السبب في تحول مصطلح «إرهابي» إلى كل (رافض للاستسلام) من قبل من قبلوا التوقيع ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف؟ أوليس من حق كل مسلم أن تُقرى الصورة أمامه وتُحسر عن دغل ودخل سياسات الدمى؟ أوليس من حق كل مسلم أن يطلع على النسخة الأصلية من عمليات التشكيك في ثوابت الدين لظرف مفروض ومن المسلمين مرفوض؟ أوليس من حق كل المسلمين أن يعلموا لم كُتب على المخلصين دفع فاتورة الرأي والكلمة الهادفة في زمن التطبيل والطنطنة؟ أوليس من حقنا جميعاً أن ندري لم سيم الشعب في ليبيا والجزائر وتونس و ... عذاباً ومهانة؟ أوليس من حق الجيل القادم أن يعلم على الأقل ثوابت وجوده ومعالم الإرث الثابت كيما يواصل مسيره؟ بلى، إن ذلك حق مشاع لهم جميعاً. لقد آن تحقيق كل ذلك من خلال التعاون الجمعي البعيد عن التفرد، فإن من الخطل أن نظن أن تلك مهمة طائفة تخصصية بعينها أو كوكبة فكرية مُسماة لأن الدين بلاغ الجميع وقضية كل مسلم، وإذا كنا نعتقد أن ذلك البيان يُكلف الدعوة والصحوة ما لا طاقة لها به، فنطرح حلول سياسة النعامة، فإننا لم نزل في سوء ظنٍ بأهل الإسلام وجماهيره. إن الأمم الكافرة تجد في قوة جماهيرها ما يشجعها على المطالبة بحقوقها المشروعة، ورفض كل واقع لا يسرها. لقد شاهد العالم كله كيف وقف الروس بصدورهم العارية أمام أرتال الدبابات حينما هُدد وجودهم بالدعوة إلى الردة الشيوعية الحمراء مرة ثانية وها هم الصينيون، يصمدون أمام ثورة القوة وصولجانها الغاشم، رفضاً للمارسات الديكتاتورية، بل ها هم تجار المخدرات ورجال العصابات يغامرون بأرواحهم لأجل هدف تافه أو لذة عابرة، أفترى أن المسلمين أصحاب الهدف السامي النبيل يجبنون عن التضحية في سبيل تحقيق البيان الإلهي؟ ! إن ذلك ولا شك سوء ظن أثيم، ونحن حين ارتضيناه منهاجاً بُلينا بليل مدلهم يُجيد الحداءَ فيه نُفّاخُ الأبواق، في حين بقي الناصح هدفاً لأسهمهم الرائشة، ينعتونه بشتى الأباطيل ويحاصرونه على جُدر الانفراد في غياب تام عن الوعي التراص، إن البيان للجيل مهمة خطيرة يجب أن تعنينا جميعاً مشاركة في الإصلاح وسداً للثغرات حتى تشمل الداعية في مجلس توعيته، والأستاذ في قاعة درسه، والأب في بيته والأديب في ساحة قلمه والطبيب في مستشفاه والصانع في مصنعه والحرفي في حرفته، والزارع في حقله، والرسام في مرسمه، والراعي في مراعي سهله وعلى سفوح جبله فتلك صناعة الحياة. إن من الخطورة ألا نشعر بمصيرية المرحلة وافتراق الطرق وألا نضع الخطط للأحداث. والدراسات للتأثير وألا نجهد في إصلاح حالة الضعف المزمنة عند كثيرٍ من المسلمين. والسفه الأضر الأطم أن نقع في سلبية أفجع حين لا نتفاعل مع أحداثنا المدركة بحضور مؤثر، مع كونها شامات عظمى تظهر جلية على خارطة الممارسات المباشرة. إن من حق السالكين للطرقات الواعدة قراءة يومنا من خلال مساحات التأمل السليم والمعالجة المخلصة والرأي المسجل والمبدأ الراسخ السديد، فتلك هي القضية. والله المستعان.

стр. 1614

المسلمون والعالم اليمن: بين حلم الوحدة.. وواقع السلطة د. عبد الله عمر سلطان في صمت بالغ، وظروف خفية، وغرف مغلقة ... صُنعت الوحدة وأُبرمت صفقة الدولة الجديدة/ القديمة ... ثم ها هي أعوام تمر منذ ظهورها وإذا النتائج المُرّة تظهر على السطح وتبدو لكل عين مبصرة ... فالحديث ذو الصوت الأجش والاتتهامات المدوية باتت حديث المجالس، ومحور اهتمام الأصدقاء قبل الأعداء، حتى لم يعد هناك حاجة لحاسة البصر في ظل هذا الضجيج المتوالي.. ولم يكن من المستغرب أن تصل الأحداث في اليمن إلى هذا المأزق وتلك الزاوية الحادة ... إنها إفراز طبيعي، ونتاج متوقع «للطبخة السياسية» التي أخرجت مشروع الوحدة بسرعة ودون إنضاج كافٍ، فإذا بهتافي الأمس وراقصي البارحة يندبون حظ اليمن التعس، ومأزق الوحدة المتفجر، ويتناقلون الحديث عن التصفيات الجسدية المتبادلة، والتشطير القادم لا محالة، وكأنه نتيجة مقطوعة عن أسبابها، ومولود غير شرعي لفراش الوحدة البائس ... فلكل من يتساءل عن اليمن ومأساته الحالية: هل من خير في حُمّى الصراع القائم اليوم بين الأصدقاء المتربصين بعضهم ببعض، وبشيء من البسط والتحليل المنطقي نستعرض بعض الأسئلة التي لابد من الإجابة عليها إن عاجلاً أو آجلاً.. التركيبة والثمن: قصة الوحدة لا يمكن أن نبدأها من نهايتها أو من منتصفها ... إنها تستحق أن تُبْدأَ منذ اللحظة الأولى التي رأت فيها الفكرة النور، وحقيقة الأسباب التي أسرعت بإنجازها ... لاشك أن عالمنا الإسلامي والعربي خصوصاً يعيش هذه القطرية المصطنعة بعد قرون من الانحسار العقدي، الذي أدى في النهاية إلى زوال دولة الخلافة العثمانية، وانهيارها؛ ومن ثم بروز مشروع الدولة القطرية العلمانية الذي حقق من خلاله الغرب العديد من الأهداف دفعة واحدة، وفي المثال اليمني ظل حكم الأئمة الزيديين في الشمال نموذجاً فجاً لحالة التخلف والانحسار الذي أدى إلى ما أشرنا إليه من استباحة لديار الإسلام وشريعته ودولته العادلة، كان الإمام الحاكم في صنعاء يمثل أوضع تمثيل معاني الجمود والمذهبية والتخلف الذي لا يمت إلى جوهر الإسلام بصلة، وإن حكم باسم شعار الدين في تلك الفترة، وإن تولى مقاليد الحكم (آل حميد الدين) من منطلق حماية اليمن من الآخرين، أما جنوب اليمن فكان صورة أخرى من صور الدهاء الاستعماري البريطاني حيث تحكم بريطانيا الساحل الاستراتيجي مباشرة، وذلك في منطقة عدن، بينما يتحكم حكام ومشائخ صوريون في بقية المناطق الداخلية التي لا يوجد فيها مصالح اقتصادية أو عسكرية مباشرة، عملاً بمبدأ فرق تسد ... حتى إن هذه المشيخات الهزيلة كانت تتشاحن فيما بينها على أحقية كل منها في إصدار طوابع البريد الفاخرة، التي كانت تمثل الدخل العام الرئيس لبعضها، بينما لم تكن تملك من مقومات الدولة شيئاً، أو من مستلزمات السيادة إبجدياتها. لقد استعمر الإنجليز الجنوب لعقود طويلة حرصوا خلالها على امتصاص خيرات البلاد، وتطوير مناطق التماس بمصالحهم المباشرة، والمتمثلة في ميناء عدن وما حوله، أما الداخل أو ما يشكل أغلبية البلاد فظل يحكم بأسلوب لا يقل تخلفاً عن شمال اليمن، وإن كان تسلط «مشيخات الطوابع» أقل بكثير من تسلط حكم آل حميد الدين، الذين حسبوا أن الاستقلال عن الاستعمار يعني أن يمارسوا استعماراً داخلياً، لا يقل أذاه عن الاستعمار الخارجي في ظل حالة من التردي العقدي، حيث كان الخرافيون وطابور الصوفية ينخر في جنوب اليمن كما كانت المذهبية والقبلية تكبلان شماله؛ ودون الخوض في تفاصيل «الاستقلال» الذي حصل للشطر الجنوبي، فإن من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن الثورة التي قامت في الشمال بُعَيْد الإطاحة بحكم الأئمة، ظلت تتصرف بنمط سياسي لا يبعد كثيراً عن الأئمة وأدواتهم السياسية ... صحيح أن الآلاف من أبناء اليمن قد قتلوا نتيجة قتال وحشي، وتدخل مصري هو أقرب للتورط، إلا أن الثورة سرعان ما ظهرت على أنها صورة أخرى لواقع العالم الثالث المتخلف والشديد الجمود ... فالثورة لم تكن تحمل رسالة حقيقية تنهض بالشعب اليمني، بل إنها كانت تحمل شعاراً ضخماً وفضفاضاً يحاول أن يرضي الذين صنعوها، والذين يشكلون خطراً عليها ... وهذا هو الفرق بين حركات إصلاحية تنبعث من صلب الأمة وذاتها، وتلك التي لا تتعدى كونها موجة عابرة أو صدى مغشوشاً ... قامت الثورة في الشمال وبعد عقدين من قيامها ظلت أدوات وتركيبة وتعقيدات الوضع كما هي ... فبدلاً أن يحكم البلاد إمام زيدي ... جرى استبدال ذلك الإمام بضابط ... زيدي هو الآخر ... ، وظلت القبيلة ووجهاؤها أهم محرك ولاعب في الحياة السياسية اليمنية ... لكن بدلاً من أن يحكم مجلس القبيلة مباشرة استبدل ذلك «بحزب» يحمل اسماً مستعاراً وجمع الشيخ بين المشيخة والمسؤولية الحزبية بدلاً من أن تكون له المشيخة فقط في عهد الإمام ... أما النمو الاقتصادي فظل بطيئاً للغاية وظلت الثورة (حتى قبيل حرب الخليج) معتمدة على دعم «الإخوة العرب» كما كان الوضع في عهد الإمام ... أما نسبة الأمية فقد ساهمت الثورة في تخفيضها بشكل متواضع حيث لازالت اليمن من البلدان التي تعاني من أمية طاغية. المشكلة الحقيقية تكمن في أن الثورة اهتمت بالشكل كثيراً ... ولم تهتم بالمضمون ... وربما كان أنصار الإمام المخلوع يؤكدون أن ما كان سيقوم به البدر لو سنحت له الفرصة لايبتعد كثيراً عن إنجازات الثورات المتعددة التي وجدت نفسها في النهاية تحتفل بعيد الثورة ... لكن ما هو ثمن الثورة ... الحقيقي، وما هي إنجازاتها؟ ! صحيح إن النقلة التي تحققت في الشمال خلال حكم «الأئمة العسكر» كما يحلو لبعضهم أن يسميهم، إتسمت بشيء من الحرية النسبية، والرضوخ لقواعد اللعبة الجديدة، إلا أن «شعار الثورة» كان يفتقد في الحقيقة إلى رسالة إصلاحية تبعث الشعب اليمني من سباته كما حَلُم المصلحون الأوائل الذين تصدوا للإصلاح في عهد الإمام ... فإذا بالوحدة المعروضة من قبل الشمال تشكل مخرجاً لقيادة طموحة تبحث عن رسالة أو «برنامج» يجمع الشعب من حولها، كما يضيق من حجم الخلاف حول الثروة البترولية المقبلة والتي تقع على الشريط الحدودي مع دولة الجنوب التي كانت تعاني حقاً من نتائج ما سمي «حرب القبائل الشيوعية» التي اندلعت في يناير ١٩٨٦. لقد كان الحزب الشيوعي الجنوبي يرى في الوحدة مخرجاً من مأزق تضاؤل شعبيته، وانحسار شعاراته وإنجازاته، مع تفكك المنظومة الشيوعية التي كانت تمده بالدعم، كما أن الموجة الإسلامية العارمة التي بدأت تدق الديار الجنوبية تقتضي تحالفات إقليمية ودولية جديدة ... لقد كان مأزق الشيوعيين الجنوبيين أكبر بكثير من المأزق الذي عاشته حكومة صنعاء، لذا فقد سارعوا لركوب موجة «الوحدة» التي أصروا على أن تصاغ تشريعاتها بأسلوب علماني مستفز لقطاع عريض من أبناء اليمن المسلم، ولكي تقع مسؤولية فشل مشروع الوحدة على عاتق «الرجعيين» من أبناء الحركة الإسلامية. لقد كان مؤلماً أن يتحول مشروع مثل مشروع وحدة شعب واحد بعد طول شتات إلى قنطرة تشكل مخرجاً لمأزق النظامين الشمالي والجنوبي، ويلقى بها طعماً شهياً تلتهمه شعوب طالما تمنت التوحد بعد الشتات، والالتقاء بعد الافتراق والتكتل بعد التشرذم، كما كان واضحاً منذ اليوم الأول أن ظمأ القابضين على مقاليد الأمور في الشطرين، لا يطفئه إلا تقاسم النفوذ والسلطات في الدولة الجديدة، التي فصلت في صورتها الوحدوية لتناسب مقاس الفريقين الحاكمين ولتهمش حركة المعارضة، التي تمثلت في التيار الإسلامي الذي حاول أن يلفت النظر إلى فداحة جريمة التلاعب بالدستور، وتحكيم غير كتاب الله لاسيما في المراحل الأولى للمشروع. لقد بلغ الأمر بالمتفائلين واللاعبين على وتيرة العاطفة، ودغدغة المشاعر إلى تشبيه وحدة ألمانيا بالوحدة اليمنية ... وكم كان الفرق شاسعاً بين التجربتين والولادتين ... فالمؤسسات الدستورية عززت كلمة الشعب الألماني، ونقلت الشعار إلى واقع وقدرت حجم النقلة وتكلفتها وانعكاسها، بل مخاطرها على مشاعر وأحاسيس الشعوب المجاورة ... أما الوحدة اليمنية فكانت شعاراً جميلاً عززته مطامع الحكام، وغذته طموحات الآمرين والناهين، وشكلته في نهاية المطاف مآزق ومنطلقات حرجة، بدلاً من أن يكون مشروعاً تحميه المؤسسات والأفراد والأحرار ... وحتى لا نلوم اليمن وحده؛ لأن في مثاله نماذج شبيهة لحالات قائمة فإن المجتمعات التي تفهم من الثورة أنها شعار جذاب، والوحدة أنها علم واحد والدولة على أنها تقاسم للمناصب والثروات، والديموقراطية أنها ثرثرة سياسية وتجميع للأزلام والمحاسيب في صورة حزب ... هذه الشعوب تملك الشعار لكنها وقت الاختبار تعجز عن حمايته والذود عنه، فهيكلية السلطة وتوزيع القوة في هذه المجتمعات هو رهن القوة المجردة، والتي تتمثل اليوم في اليمن في قوى رئيسية ثلاث: الجيش (بشقيه الشمالي والجنوبي) و (القبيلة) و (مافيا) السوق المستفيدة من الوضع القائم « ... وهي قوى تملك من خلال علاقتها وتحالفاتها أن تقول للوحدة استمري إذا كان هذا في مصلحتها ... أو أن تقول لها انفرطي إذا كان هذا لا يخدم مصالحها الضيقة ... إنها لغة واحدة: لغة القوة لا لغة العاطفة والأحلام هي التي تقرر مصير ومستقبل وحدة كهذه ... أما الشعوب التي لا تملك المؤسسات والرموز والجذور القوية القادرة على فرض إرادتها وإيصال رسالتها، فهي لا تمثل في المحصلة النهائية إلا سوقاً استهلاكياً مشاعاً تمارس الزعامات من خلاله زعامتها، وتطل المليشيات عليها لتلقي هتافات النصر وأهازيج الانتصار ... الانتصار إما بحصول الوحدة أو بانقشاعها حسب ما تقرره المليشيات الحاكمة. فتش عن الأصوليين! ! الساحة اليمنية في أحداثها المتلاحقة اليوم ساحة تملك كل عناصر الإثارة الإعلامية والصحفية، التي يحاول جهاز الإعلام العربي ترسيخ أسبابه وتسطيح جذوره ومكوناته في عنصر واحد لا غير ... هو سبب الشقاء الواقع والانكسار المخيم على الديار ... إنه الإسلام ودعاته ممن يسمون بالأصوليين ... في اليمن اليوم كل ما يذكر القاريء العربي بهذا» المارد «الذي رُسمت ملامحه في الشقق المهاجرة التي تمارس الصحافة ... في اليمن اليوم اغتيالات وعدم استقرار، وفرار رؤوس الأموال، وتضخم مخيف، وتحركات عسكرية وتهديدات متبادلة لا يمكن أن تنطبق مواصفاتها إلا على الأصوليين» أعداء السلام «والاستقرار ... لكن الذي حصل ويحصل أمر آخر، فالأصوليون لسوء حظ الجهاز الإعلامي العربي ليسوا في الصورة، بل إنهم عامل تهدئة للأوضاع (حتى لو كانت فاسدة) وتركيز لوحدة طالما اعترضوا عليها بالأمس لكفر تشريعاتها، ثم هم اليوم يحاولون تعديلها بعد أن تكشف للجميع أن الذين يعملون على التشرذم والشقاق والتشطير ليسوا هم الإسلاميون» الرجعيون «، بل إنهم التقدميون ... نعم الأخوة التقدميون شمالاً وجنوباً ... والأمر يعود ببساطة إلى أن هذه القوى التي مارست الحكم قبل الوحدة لا يمكن أن تستمر في جو الاستقرار، والتعددية الحقيقية، والرأي الحر المدعوم بقوة شعبية ... لقد كانت فترة الوحدة منذ يومها الأول مرحلة استقطاب للقوى وتقاسم للنفوذ والسيطرة ... المؤتمر الشعبي الحاكم في الشمال يمثل مصالح وطموحات الرئيس اليمني، وحوله الرموز القبلية والبطانة التي رأت في الوحدة صفقة رابحة ... أما الحزب الاشتراكي فهو لا يمكن أن يوصف إلا بأنه مليشيا حكمت ... بالحديد والنار شعباً أعزل، ثم لما رأت المليشيا أن سلطتها تتآكل وفطن قادة الحزب إلى أن نفوذهم يتقلص، لجأوا إلى إثارة أكثر المشاعر رجعية وتخلفاً وهمجية حين بدأوا يثيرون النعرات العرقية والمذهبية، في سبيل بقائهم في الواجهة ... إنها معركة لا تحتمل وجود طرف آخر، فالوحدة كانت وربما ستظل وسيلة لتصفية الحسابات، وإحكام القبضة على السلطة بعد حدوث المتغيرات الدولية الضخمة منذ عام ١٩٨٩. أليست السلطة الحاكمة في عالمنا العربي تطرح مأزقها اليوم في اليمن بكل ثقله وانعكاساته وظلاله السوداء ... ألا يستحق هذا المشهد الحاضر الآن أن تُسلط عليه الأقلام المستقلة، والصحافة الحرة، بعض الضوء حينما تناقش الانهيار في مناطق ساخنة عديدة في عالمنا العربي تُربط بظاهرة العودة إلى الجذور ... إلى الإسلام ... ؟ فتش عن الإسلاميين في أمثلة عديدة تجد أنهم ليسوا كما يصور أصحاب القلوب المريضة، والأقلام المنتفشة حين يزعمون أنهم سبب كل مصيبة. وداء كل جسد عليل ... الإسلاميون في كثير من الأمثلة عوامل استمرار لهذه الأوضاع القائمة ... ونتاج طبيعي لعقد اجتماعي/ سياسي يمارس الفشل تلو الآخر ويتاجر حتى بأقدس المشاعر، وأكثر الأحاسيس حرارة ... المثال اليمني جدير بالتحليل والدراسة لأنه نسخة مكررة للنظام العربي المأزوم اليوم، والوحدة اليمنية حلم جميل في طريق توحد الأمة، لكنه يواجه بكابوس السلطة التي لا تعترف بالأحلام ولا تراعي المشاعر بل قد تتاجر بها ... هنا بالضبط يكمن داء الوحدة اليمنية ... وربما يكمن غدها القلق ... هنا أيضا..

стр. 1615

المسلمون والعالم كوسوفو المسلمة.. المنسيّة عبد الله الكوسوفي تمتد منطقة كوسوفو (والأراضي الألبانية المسلمة في يوغسلافيا سابقاً) نحو (٢٠) ألف كم٢ تجاورها (مقدونيا) من الجنوب الشرقي، وصربيا في الشمال الشرقي، وسنجاق والجبل الأسود من الشمال الغربي، وتحيط كوسوفو من الجنوب ألبانيا (الدولة الأم) والمحيط الإدرياتيكي وبحيرة برسبا. وتمثل كوسوفو بالنسبة للمسلمين الألبانيين كل الأراضي الألبانية المستولى عليها من قبل صربيا والجبل الأسود من عام ١٧٨٧م حتى ١٩٤٥م، وتسكن هذه الأراضي الغالبية العظمى من المسلمين الألبان من القديم وإلى يومنا هذا. ومن أجل تسهيل عملية القضاء على هذا الشعب المسلم فقد جزأت السلطات الصربية -وبترحيب من مؤتمر لندن سنة ١٩١٣م - منطقة كوسوفو وضمت تلك الأجزاء إلى ثلاث جمهوريات يوغسلافية: ماقدونيا والجبل الأسود وصربيا. أصل أهل كوسوفو: إن أصل الكوسوفيين (الألبان) من القبائل الإيليرية ذات الجنس الآري وسموا بأكثر من اسم منها: الألبان والأرناؤوط واشكيبتار، واتفق المؤرخون على أنهم أول من نزل شبه جزيرة البلقان في عصر ما قبل التاريخ على شواطيء البحر الأدرياتيكي الشمالية والشرقية قبل آباء اليونان، وكان ذلك منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ثم توسعت وانتشرت القبائل الإيليرية في أنحاء البلقان، وبعد ذلك اجتمعت القبائل وانتخبت رئيساً لها وأنشأوا دولة لهم قبل الميلاد بثلاثة قرون؛ وجمهورية كوسوفو اليوم تقع في الموقع الذي كان يسكن فيه أجدادهم الداردانيون والقبائل الإيليرية الأخرى، وكانت دولتهم تسمى داردنيا، وبمرور الزمان ضعفت دولتهم فاحتلها الرومان، وبقيت تحت احتلالهم إلى أن زالت امبراطوريتهم، وانقسمت إلى شرقية وغربية فأصبحت بلاد الألبان تحت حكم الإمبراطورية الشرقية، حتى فتح العثمانيون بلادهم ونعمت قروناً تحت حكمهم. اعتناق الكوسوفيين الإسلام: اتفق المؤرخون على أن الإسلام دخل إلى البلاد البلقانية قبل الفتح العثماني، وذلك عن طريق التجار والدبلوماسيين والدعاة، إلا أن ذلك كان على نطاق ضيّق ومحدود، أما انتشار الإسلام في تلك البلاد فقد كان بعد مجيء العثمانيين، ودخل فيه الشعب الألباني أفواجاً، وحسن إسلامهم وكان منهم في الدولة العثمانية القواد العظام مثل بالابان باشا (قائد من قواد فتح القسطنطينية) وكبار الكتاب والشعراء (كانوا يؤلفون بلغات خمسة هي: الألبانية والبوسنوية والعربية والتركية والفارسية) مثل محمد عاكف أرسوي ﵏ جميعاً. وقد تمكن الحكم العثماني في جزيرة البلقان بصورة نهائية بعد المعركة الشهيرة المسماة «معركة كوسوفو» ، التي قاد فيها السلطان العثماني مراد الأول الجيش الإسلامي بنفسه، وقبيل فوز الجيش الإسلامي استشهد السلطان مراد وتسلم القيادة السلطان بايازيد، وانتصر على الجيوش المتحالفة (الأوروبية) وقتل الملك لازار (الصربي) وذلك سنة ٧٩٢ هـ (١٣٨٩ م) ، فبعد هذه المعركة الحاسمة خضعت كوسوفو وصربيا تحت الحكم العثماني ما عدا مدينة بلغراد فإنها فتحت في عهد السلطان سليمان القانوني، وذلك في ٢٦ من رمضان المبارك سنة ٩٣٨هـ (١٥٢١م) . وكانت ولاية كوسوفو إحدى أكبر الولايات العثمانية في «رومليا» (أوروبا) وكانت أول عاصمة لها مدينة بريزرن (PRIZREN) ثم بريشتينا (PRISHTINA) وفي الأخير مدينة اشكوب (SHKUP) عاصمة مقدونيا اليوم، ومازال فيها إلى يومنا هذا عدد من الألبان أكبر من عددهم في تيرانا عاصمة ألبانيا. بعد اضطهادٍ بشع في الفترة الشيوعية الأولى (بعد الحرب العالمية الثانية) نجح المسلمون الألبان في كوسوفو بالحصول على الحكم الذاتي، وذلك في أواخر عهد الهالك تيتو؛ وفي مستهل الثمانينات عاد الصرب من جديد إلى تعديل الدستور وابتلاع كوسوفو مرة أخرى، الأمر الذي رفضه المسلمون وقاموا سنة ١٩٨١ م بثورة شعبية على مستوى كوسوفو كلها يطالبون فيها باستقلال (كوسوفو) عن (صربيا) ومنحها حكم الجمهورية داخل يوغسلافيا الفيدرالية الشيء الذي جعل السلطات الصربية تأمر القيادات العسكرية بقمع المظاهرات السلمية حيث نزل الجيش المدجج بالدبابات والأسلحة الحديثة وقتلوا من المسلمين في يوم واحد أكثر من ٣٠٠ شخص. فاستمر المسلمون في المطالبة بحقوقهم إلى بداية انهيار الشيوعية حيث بدأت كل جمهورية تأخذ مسيرتها نحو استقلالها التام عن يوغسلافيا الفيدرالية فتوقع المسلمون الألبان في كوسوفو كإخوانهم في البوسنة والهرسك أن ظهور الديمقراطية والحرية في أوروبا الشرقية وفي الجمهوريات اليوغسلافية نفسها ستمنح لهم حقوقهم أيضاً، فأعلنت البوسنة استقلالها (بعد سلوفينيا وكرواتيا) إلا أن أعداء الإسلام لم يسمحوا بقيام دولة مسلمة وسط تلك المنطقة الأوروبية بل سعوا في قتل أهلها، وتهجيرهم، وتشريدهم فحدث ما حدث من الجرائم الوحشية والمذابح الجماعية التي شهدها العالم بأجمعه ولم يحرك لها ساكناً. وكذلك المسلمون الألبان في كوسوفو أجروا فيما بينهم استفتاء في طور تفكيك الاتحاد اليوغسلافي في سبتمبر «أيلول» ١٩٩١ م أسفر عن انحياز الأغلبية المطلقة للاستقلال، وتطور الأمر إلى انتخاب مجلس نيابي وتشكيل حكومة وتنصيب رئيس لجمهوريتهم المستقلة: هو الدكتور إبراهيم دوغوفا ولكن الحكومة الصربية تجاهلت كل هذه الإجراءات واعتبرتها كأن لم تكن بل بدأت بمرحلة جديدة من الاعتقالات والتعذيب والاضطهاد فاقت سابقاتها حيث سحبوا أدنى الحقوق الإنسانية من هذا الشعب الأعزل. مخطط تدمير الاقتصاد الكوسوفي: إن حكومة بلغراد لم تتورع في استخدام أية وسيلة في سبيل إرغام المسلمين الألبان على الهجرة من كوسوفو. ففي المجال الاقتصادي على سبيل المثال ذكرت جريدة «بويكو» الألبانية أن حكومة صربيا ماضية في إخضاع اقتصاد كوسوفو لسلطة بلغراد المباشرة، وذكرت أن ٢٩٦ شركة عامة في كوسوفو تم دمجها بـ ١٧٣ شركة مماثلة في صربيا، من بينها جميع منشآت الطاقة الكهربائية، وشبكة السكك الحديدية وشركات النقل، والطيران المدني، واستخراج المعادن، وصناعات المطاط والنسيج والجلود، والمواد الكيماوية، والانتاج الزراعي، والغذائي ومجالات السياحة، وهذا يعني أن حكومة صربيا تسرق من كوسوفو بلايين الدولارات، إضافة إلى سيطرة بلغراد التامة على جميع مناجم كوسوفو وتعطيلها، وتفريغها من العمالة المسلمة ومن الخبراء المسلمين، الشيء الذي جعل منجم «تربجا» (أكبر المناجم في يوغسلافيا السابقة والمشهور بالرصاص والذهب والفضة والمواد الكيماوية الأخرى) في مدينة ميتروفيتا يخسر سنويا (٠٠٠ر٢٠٠ر٥٧) دولار، كل هذا بسبب عدم وجود عدد كافٍ من العمال وبسبب عمل غير المتخصصين من الصربيين. ومن ناحية أخرى أخذت الحكومة الصربية منذ شهور بتقطيع الأشجار في الغابات الكوسوفية وشحنها إلى صربيا والجبل الأسود للاستفادة منها هناك ويتجاوز هذا التقطيع (٠٠٠ر٥٠٠) متر مكعب. ومن ذلك الاستيلاء على الأراضي الزراعية التابعة للمسلمين، وبناء مستوطنات صربية عليها، وخاصة في الأماكن التي فيها كثافة المسلمين الألبان كبيرة. من ناحية أخرى تستمر السلطات الصربية في فصل المسلمين من العمل بشكل كبير جداً مع أن نسبتهم في الماضي كانت ضئيلة جداً، ففي سنة ١٩٨١م كانت نسبة العمال من جميع الشعب الألباني ١١% فقط. وفي السنوات الأخيرة تقلصت هذه البقية الباقية من المسلمين حينما طردت (٥٢٠) عائلة مسلمة من منازلهم، وهناك (٠٠٠ر٥٠٠) شخص تحت خطر المجاعة. المجزرة القادمة في كوسوفو: إن كوسوفو منذ سنة ١٩٨١ م وإلى يومنا هذا تعيش حالة الطواريء وقد بلغ عدد الجنود الصربيين أكثر من ٨٥ ألف جندي وظيفتهم قهر وبطش المسلمين وقد أجروا في الأيام الأخيرة تمشيط للمدن والقرى المسلمة لمصادرة الأسلحة التي لم توجد أساساً لدى الأهالي المسلمين بخلاف البيوت الصربية الممتلئة بأنواع من الأسلحة المختلفة، وقد اعترف بذلك رئيس الوفد «البرلماني الأوربي» «جون دي» ، الذي زار كوسوفو في هذا الشهر حيث يقول: «إن الصرب شددوا من إجراءاتهم لطرد الألبان من كوسوفو وذلك بالضرب والقتل والسجن والتهديد والسرقة وسحب الأسلحة.. كل هذه الاجراءات الصربية، ليست إلا مقدمة صريحة للمذبحة الكبيرة التي ينويها هؤلاء المجرمون ضد المسلمين الكوسوفيين، وما جرى لإخواننا في البوسنة تحت مرأى ومسمع من العالم بأجمعه أكبر دليل على ذلك، وقد تكون ضربة المسلمين في كوسوفو أشد وأنكى حيث تتميز كوسوفو بالنسبة العالمية للمسلمين وفيها مدن وقرى خالية من الصرب (بخلاف المدن البوسنية) فيسهل عليهم قصفها وتدميرها دون أي تردد، لاسيما ونحن نرى تخاذل الموقف الدولي تجاه هذه القضية الخطيرة التي قد تتفجر في أي لحظة، ويروح ضحيتها عشرات بل مئات الآلاف. ملخص جرائم النظام الصربي ضد المسلمين في كوسوفو من ١٩٨١م إلى يومنا هذا: - قتلت السلطات الصربية خلال هذه السنوات مئات المسلمين الألبان وذلك في حالة السلم من غير إعلان حرب في كوسوفو. - قتل أكثر من ١٠٠ جندي ألباني خلال خدمتهم العسكرية في الجيش اليوغسلافي (الصربي) وجرح أكثر من ٦٠٠. - وضعت السلطات الصربية سنة ١٩٩٠ م سماً في خزانات مياه المدارس بمدن كوسوفو وتسمم منها أكثر من سبعة آلاف طفل. - فصل من العمل أكثر من ١٥٠ ألف عامل مسلم، وكان عددهم الإجمالي قبل ذلك ٢٠٠ ألف عامل مسلم فقط. - احتلت صربيا جميع مستشفيات كوسوفو وطردت جميع الأطباء والممرضين الألبان، فليس اليوم للمسلم في كوسوفو مستشفى يتجه إليه للعلاج، وليس للمرأة الألبانية مستشفى ولادة تلد فيها. - أغلقت تقريبا جميع المدارس الابتدائية والثانوية الألبانية. - أغلقت المكتبة المركزية الجامعية وجميع مكتبات المدارس الأخرى وأخذت السلطات الصربية كثيراً من الكتب العلمية النادرة ونقلتها بواسطة الشاحنات العسكرية إلى مصانع الورق لتصنيعها ورقاً عادياً! ! - أغلقت أكاديمية العلوم والفنون في بريشتينا، وكذلك يمكن أن يقال عن معهد الألبانولوجي لأن الدولة لا تنفق عليه. - أغلق معهد التاريخ. - أغلق التلفزيون والإذاعة (باللغة الألبانية) وصودرت الجريدة الوحيدة اليومية باللغة الألبانية (ريلينديا) . - فصل جميع الألبان العاملون في الشرطة من وظائفهم. - بدّلت لغة الإدارة الألبانية بالصربية وذلك في جمهورية يبلغ فيها عدد المسلمين ٩٣ % ويبلغ عدد الصرب فيها ٧ % فقط! ! ماذا بعد هذه الحقائق الثابتة التي اعترف بها حتى ممثلوا السياسة الغربية؟ هل سيبقى المسلمون مكتوفي الأيدي دون اتخاذ أية إجراءات تساعد في إيقاف هذه المعاناة، ومنع وقوع مجزرة بشرية جديدة في قطر جديد من العالم الإسلامي؟ أو سيطلق المسلمون كما نرجو هذه المرة المقولة الشهيرة (الوقاية خير من العلاج) قبل انتقادهم بالمشاعر والعواطف، فيما يرون تلك الدماء البريئة والأعراض المنتهكة وما أكثرها عند المسلمين هذه الأيام. لذا نرفع أصواتنا إلى جميع المسلمين في العالم للقيام بواجب الاخوة الإسلامية لمنع حدوث مذابح متوقعة ... والله نسأل أن يعلي كلمته ويعز جنده.. والله غالب على أمره

стр. 1616

المسلمون والعالم حقيقة المفاوضات بين جبهة تحرير مورو الوطنية والحكومة الفلبينية وموقف جبهة تحرير مورو الإسلامية محمد أمين وردنا من مكتب الإعلام الخارجي لجبهة تحرير مورو الإسلامية البيان رقم (٢٩) الصادر في غرة هذا الشهر والمتضمن موقف الجبهة بين المفاوضات الأخيرة مع الحكومة النصرانية في الفلبين والأعمال الجهادية التي قام بها المجاهدون مؤخراً.. ويسرنا إيراد أهم ما فيه، شاكرين للجنة الإعلام الخارجي تواصلها. - البيان - لعل إخواننا المسلمين المهتمين بالقضايا الإسلامية ومنها قضية مسلمي مورو في جنوب الفلبين يتساءلون عن موقف جبهة تحرير مورو الإسلامية إزاء المفاوضات التي جرت في جاكرتا أندونيسيا من ٢٦/١٠ - ٦/١١/١٩٩٣م بين جبهة تحرير مورو الوطنية وبين الحكومة الفلبينية الصليبية. وقبل بيان موقف جبهة تحرير مورو الإسلامية نوضح فيما يلي بعض الأمور التي حدثت قبل المفاوضات المذكورة: ١- بدأت مفاوضات مسواري مع مندوبي الفلبين في طرابلس ليبيا سراً بواسطة الرئيس الليبي في العام الميلادي الماضي (١٩٩٢م) واستمرت الاتصالات السرية بين الجانبين منذ ذلك الوقت إلى أن تم الاتفاق على استئناف المفاوضات في ١٤-١٦/٤/١٩٩٣م في أندونيسيا وأعلنت في هذه الجولة بعد أن سادها كتمان محكم خلال العام الماضي وأوائل هذا العام، وبعد هذه الجولة المعلنة استمرت الاتصالات بين الجانبين إلى أن تم الاتفاق على عقد جولة ثالثة من المفاوضات في ٢٦/١٠- ٦ /١١/١٩٩٣م في جاكرتا أندونيسيا. ٢- المفاوضات المذكورة التي عقدت في أندونيسيا لم تتوصل إلى أي شيء سوى الاتفاق على وقف النزاع بين جبهة تحرير مورو الوطنية وحكومة راموس، واستمر الحوار بين الجانبين. ٣- أثناء المفاوضات السريّة بين جبهة تحرير مورو الوطنية وحكومة راموس الصليبية اتصلت حكومة الفلبين عدة مرات بجبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة أميرها الشيخ/ سلامات هاشم وعرضت عليها التفاوض معها ولكن جبهة تحرير مورو الإسلامية رفضت، وتكررت الاتصالات ولكن بدون جدوى، وذلك لأن دولة الفلبين لا تريد التعايش أو السلام مع المسلمين وإنما تريد استمرار استعبادهم وسيطرتها على بلادهم لتستمر في سرقة أموالهم ونهب خيراتها. موقف الجبهة من المفاوضات المذكورة: ١- إذا اتفق الجانبان على تنفيذ اتفاقية طرابلس المعروفة كاملةً نصاً وروحاً دون اهمال أي بند من بنودها، فلن تعارض الجبهة هذا الحوار لأنها تعتبر الاتفاقية المذكورة اتفاقية مقبولة.. أما إذا لم تنفذ الاتفاقية كاملة أو أهمل بند من بنودها أو جزء من أي بند من بنودها، فستعارضها الجبهة الإسلامية معارضة شديدة، وترفض أي اتفاق أقل أو أدنى من اتفاقية طرابلس في عام ١٩٧٦م. ٢- على أن تنفيذ اتفاقية طرابلس لا يتم إلا إذا طبق الحكم الإسلامي، فلا معني لاعطاء المسلمين حرية دون أن يحكموا أنفسهم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ ، وعند عدم تطبيق الشريعة الإسلامية فإننا نعارض الاتفاقية معارضة شديدة ونستمر في الجهاد في سبيل الله لأن هدفنا هو إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وهذا لا يتم إلا إذا طبقت الشريعة الإسلامية تطبيقاً كاملاً في جميع شؤون الدولة وحياة المجتمع والفرد؛ علماً بأن جبهة تحرير مورو الإسلامية تعد الآن من خلال مجلس الشورى وهو جهازها الدستوري والاستشاري تعد دستوراً إسلامياً على ضوء الكتاب والسنة وتطبقه في كل شبر من أراضي مورو المحررة. ٣- لا علاقة لجبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة أميرها الشيخ/ سلامات هاشم وجماهير شعب مورو المسلم الذين يلتفوا حولها بالاتفاق المذكور على وقف النزاع بين جبهة تحرير مورو الوطنية (مسواري) وحكومة راموس الصليبية الذي توصلت إليه في مفاوضاتها بأندونيسيا في ٢٦/١٠- ٦/١١/١٩٩٣م؛ وإن مجاهدي جبهة تحرير مورو الإسلامية ثابتون في خنادقهم في الجبهات القتالية وهم شاهرون السلاح أمام العدو المعتدي، وبعض الفصائل الجهادية تستمر في عملياتها العسكرية وهجومها المضاد ضد القوات المسلحة الفلبينية التي قامت وتقوم بعمليات همجية ضد المسلمين المدنيين العزل، وقد تصاعدت المعارك بين مجاهديها وبين جنود راموس الصليبيين أثناء المفاوضات المذكور، وذلك أن جنود العدو الماكر اعتدوا على المسلمين الآمنين العزل ودافع مجاهدونا عن هؤلاء المسلمين الأبرياء فقاموا بهجمات مضادة ضد أولئك المعتدين، وقد تكبدوا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. اعتداء صليبي على مجاهدي جبهة تحرير مورو الإسلامية: بعد يوم واحد فقط من توقيع اتفاقية وقف النزاع بين الجبهة الوطنية وحكومة راموس الصليبية، هاجم جنود راموس الصليبيون أحد مواقع مجاهدي جبهة تحرير مورو الإسلامية في الجبهات القتالية على حدود محافظة ماجينداناو المتاخمة لمحافظة لاناو الجنوبية، وكان ذلك يوم الاثنين ٢ جمادى الأولى ١١هـ ووقع الجانبان على اتفاقهما يوم السبت ٢٢ جمادى الأولى ١١هـ؛ ورد مجاهدونا على هذا الاعتداء بهجوم مضاد، وبعد معركة عنيفة استمرت خمس ساعات أو أكثر تقهقر جنود العدو المهاجمون وطاردهم مجاهدونا واستولوا على أحد مواقع المعتدين بعد أن قتل منهم ثمانية عشر جنديا صليبيا واستولى المجاهدون على أسلحتهم وعدتهم وكان هجوم العدو أثناء اجتماع اللجنة المركزية للجبهة الإسلامية في مكان قريب من الموقع الذي تعرض للهجوم، وكان هذا الاعتداء الغادر متوقعا فقد أعلن الرئيس فيديل راموس يوم السبت ٢٢ جمادى الأولى ١٤١٤هـ أي قبل يومين من هجوم قواته على موقع مجاهدينا أن الاتفاق على وقف النزاع بين حكومته وبين جبهة مسواري الوطنية فقط وأن جبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة سلامات هاشم ليست طرفاً في الاتفاقية ومن ثم لا تشملها الاتفاقية على وقف النزاع، ورحبنا بذلك التصريح. حكومة راموس توزع الأسلحة على النصارى: من الدلائل التي تدل على أن الحكومة ليست جادة في مفاوضاتها السلمية مع الجبهة الوطنية، وأنها مصممة على تنفيذ خطتها لمحاولة القضاء على الإسلام والمسلمين في بلاد مورو المحتلة: أنها وزعت ومازالت توزع أسلحة متطورة على النصارى المستوطنين، وتم توزيع آلاف من الأسلحة خلال الأسبوعين الماضيين على المستوطنات النصرانية المجاورة للقرى الإسلامية وهؤلاء النصارى الذين وقعت في أيديهم الأسلحة يقتلون كل مسلم يجدونه ذكراً أو أنثى طفلاً أو شيخاً بل حتى الرُضّع، لاعتقادهم أن الطفل المسلم الرضيع سيكبر وسيكون عدواً لهم. ونتيجة لهذه الأعمال الهمجية قد تشرد عشرات الآلاف من المسلمين تاركين وراءهم بيوتهم وكل ما يملكون، فضلاً عن مزارعهم وحقولهم التي هي مصدر رزقهم اليومي، وقد نهب الصليبيون المعتدون جميع أموال المسلمين المتروكة حتى الأواني والأدوات المنزلية، ولم يبقَ لهؤلاء المشردين شيء سوى الملابس التي على أجسادهم، وبعد أن نهب وسرق النصارى أملاك المسلمين حرقوا بيوتهم ودمورا قراهم، وقد تعاونوا على القيام بهذه الأعمال الهمجية مع جنود راموس الصليبيين. عمليات جهادية لرد عدوان المعتدين: يقوم مجاهدونا بهجمات مضادة لرد عدوان المعتدين، وقد نفذوا عدة عمليات جهادية ناجحة والحمد لله خلال الأسبوع الماضي، ونذكر بعضها فيما يلي: الهجوم على مركز المليشيا النصرانية في قرية اينلابو بمحافظة يوكيدنون في يوم الثلاثاء ٢٥ جمادى الأولى ١٤١٤ هـ، وأسفر الهجوم عن مقتل عشرين من رجال المليشيا وإصابة أربعة عشر منهم، وانسحب المجاهدون للفارق الكبير جداً بين المجاهدين والمعتدين عدة وعتاداً. وفي اليوم التالي: الأربعاء ٢٦ جمادى الأولى ١٤١٤ هـ «هاجم مجاهدونا مركز جنود العدو في مديرية دامولوج بنفس المحافظة، وبعد قتال شديد مستمر استمر ست ساعات تقريباً انسحب المجاهدون تجاه مجموعة من الميليشيات التابعة للعدو، وقد فتح رجالها النيران بمجرد شعورهم باقتراب المجاهدين، وانسحب المجاهدون إلى اتجاه آخر دون إطلاق النار فصارت المعركة بين جنود العدو الذين يطاردون المجاهدين وبين المليشيات الحكومية المذكورة، وترك المجاهدون رجال العدو يقاتلون بعضهم بعضاً، وقد قتل عدد كبير من الجانبين ولم يدركوا أنهم وقعوا في خدعة مدبرة إلا بعد أن سقط منهم الضحايا الكثيرون حيث جعل الله بأسهم بينهم. وفي مساء نفس اليوم هجم المجاهدون على معسكر العدو في قرية أنجاآن في نفس المحافظة، وكان جنود العدو يدربون المليشيات النصرانية في هذا المعسكر لإعداد رجالها في حرب المسلمين، وقد لقي عدد كبير من الجنود والمتدربين مصرعهم ويقدر عدد المقتلوين بأكثر من ثلاثين والمصابون كثيرون. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي: الخميس ٢٧ جمادى الأولى ١٤١٤هـ وقعت دورية العدو في كمين نصبه مجاهدونا في قرية بنابونان بنفس المحافظة (بوكيدنون) وقتل جميع جنود الدورية وهم ٢٨ جنديا واستولى مجاهدونا على جميع أسلحة المقتولين وأجهزتهم الحربية. وفي نفس اليوم وقعت سيارة عسكرية للعدو في كمين نصبه مجاهدونا في الطريق العام على حدود محافظة لاناوا الجنوبية المتاخمة لمحافظة لاناو الشمالية، وقتل ثلاثة من جنود العدو في السيارة وأصيب ثمانية منهم. أما في مديرية بانيسيلان التي دمر الصليبيون ستة من قراها الإسلامية وحرقوها بعد أن سرقوا ونهبوا جميع أموال المسلمين فيها، فكانت المعارك فيها مستمرة منذ أن ارتكب الصليبيون جرائمهم البشعة وحتى الآن، وقد تمركز جنود راموس مع المليشيات الصليبية في مركز المديرية وحاصرها مجاهدونا ويقومون بغارات مستمرة على هؤلاء المجرمين. وفي بلدية أليوسان المجاورة بدأت المعارك أمس السبت ٢٩ جمادى الأولى ١٤١٤هـ بين مجاهدينا وبين جنود العدو، وتستمر المعركة حتى الآن وجنود العدو يستخدمون خلال هذه المعارك المدرعات والمصفحات والمدافع الثقيلة كما يستخدمون الطائرات العمودية (الهليكوبتر) والطائرات الهجومية ضد المسلمين المدنيين العزل وضد مجاهدينا الذين لا يملكون سوى الأسلحة الخفيفة، ولكن مع الفارق الكبير جداً في الإمكانيات فإن مجاهدينا يقفون بوجه هؤلاء المعتدين الظالمين.. وعموما قد اندلع لهيب المعارك في أنحاء بلاد مورو المسلمة، ففي محافظة باسيلان التي دمر جنود العدو الصليبي عدداً كبيراً من قراها وأحرقواها منذ شهور وفعلوا فيها مثل ما فعلوا اليوم في مديرية بانيسيلان في تلك المحافظة الجزيرة التي تضم جزيرة كاملة تستمر المعارك أيضا؛ وفي معاركهم قبل أمس (الجمعة ٢٨ جمادى الأولى ١٤١٤ هـ) قتل سبعة من جنود العدو وأصيب عدد منهم، وكانت هناك معارك في هذه المنطقة لم تذكر في بياناتها السابقة لعدم وصول التقارير الميدانية إلينا إلا في هذه اللحظة، ولا تتسع المجال لذكر تفاصيلها. ويكفي أن نقول إن مجاهدي جبهة تحرير مورو الإسلامية في جميع أنحاء بلاد مورو قد عاهدوا الله على أن يمضوا قدماً في جهادهم في سبيل الله، إما أن يمكن الله المؤمنين ليقيموا دولة الإسلام في أرض مورو وإما أن يستشهدوا فينعموا بنعيم جنات الخلد إن شاء الله.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1617

المسلمون والعالم العالم الإسلامي في مرآة الصحافة أخي القاريء: في هذه الزاوية سنحاول جاهدين اختيار مقتطفات من بعض التقارير والأنباء واللقطات في بعض الصحف السيارة، مما له مساس بواقع أمتنا الإسلامية مع العلم أن ما يُطرح في هذه الزاوية لا يعني بالضروة الموافقة على ما جاء فيه بل قد يقصد منه بيان الرأي الآخر. ١- الجزائر: الإسلاميون يكسبون جولة في حرب قد تكون طويلة: لا أحد يتجرأ على التلفّظ بالعبارة لأنها تبعث الرعب في قلوب الناس جميعاً في الجزائر، وتشكل بداية انهيارات خطيرة على مستوى معظم بلدان المغرب العربي: إنها «الحرب الأهلية بين العرب والبربر» أو «بين العرب والفرانكفونيين» وقد لاحت معالمها الأولى، بل بدأت ترتسم، وكأن الجزائر الموزعة ثقافياً بين إطلالة على الغرب بربرية في معظمها (ومفعولة في الحقبة الاستعمارية) وبين جذور عربية إسلامية تعود إلى بداية القرن الأول الهجري. هذه الحرب يشير إليها الناس العاديون حالياً بنوع من الهلع ويساهم فيها نمطان من التطرف: إسلامي في الشارع وفرانكفوني غربي في موقع القرار بالسلطة؛ وإذا كان للمتخوفين من «حكم أصولي» في الجزائر مبرراتهم الوجيهة فذلك لا يلغي واقعاً آخر: أن الداعين إلى حرب حتى النهاية ضد العروبيين والإسلاميين هم في معظمهم رموز بربرية في مواقع الثقافة والسياسة والمؤسسة العسكرية معاً، والخاسر في هذه الأحوال هم المعتدلون الذين يتلقون حالياً مزيداً من التهميش سواء في أوساط الإسلاميين أو في الحكم، وكلما تراجع الاعتدال تقدمت الحرب الأهلية. وفي هذه الأجواء نرى تصعيداً سياسياً بربرياً ضد كل ما هو «إسلامي» وخصوصاً عبر «التجمع الجزائري من أجل الثقافة» (بربري) ، وعلى رأسه أبرز المدافعين عن الفرانكفونية سعيد سعدي، الذي لا يقبل كل من يناضل دينياً من أجل السلطة، ويأبى القيام بأي عمل مشترك مع «حماس» موضحاً أنه «لا يعترف بعباس مدني أو علي بلحاج ولا بنحناح أو جاب الله» ، ولا شك أن هذا الكلام ينسجم مع قناعات مبدئية علمانية غير أنه لا يساهم في تسوية سياسة تنقذ البلاد من أتون الحرب الأهلية. وأخيراً يختم الكاتب مقاله بقوله: وحصيلة ذلك كله، كما يراها تقرير أمريكي شبه رسمي «تدهور الأوضاع في الجزائر، حتى بضع سنوات مقبلة، مع تغيير دوري للرؤساء إذا لم يسبق ذلك انقلاب عسكري صريح أو انتفاضة شعبية كاسحة في وقت قريب وربما في خريف هذا العام» .. إنه «خريف غضب» من نوع آخر في الجزائر، وآفاق الغلبة فيه لا تبدو حتى الآن في صالح الحكم. (الأسبوع العربي، العدد ١٧٧٧، ١٧ جمادى الأولى ١٤١٤هـ) ٢ -الجزائر: آخر الدواء.. الانقلاب العسكري: «إن العارفين بخفايا الأمور، وملابسات الوضع وتعقيداته، يؤكدون أن خيار الانقلاب العسكري هو أوفر حظاً من الحوار، ويدعم هؤلاء نظريتهم بعدة حجج منطقية وواقعية: أولا: إن فريق المتشددين بين الجنرالات بقيادة محمد العماري مازال يرفض رفضاً باتاً التحاور مع الاسلاميين المتطرفين، ويعتبر ذلك خطراً على الجزائر ومستقبلها. ثانياً: إن دخول السلطة في عملية الحوار مع» الإنقاذ «اليوم يعني اعترافاً بتراجع الأولى وانتصار الأخيرة، ويبدو من المؤكد أن» الإنقاذيين «سيستغلون هذه المعادلة للمطالبة بتنازلات أقلها العودة إلى صناديق الاقتراع، والانتخابات التشريعية الأخيرة، أي تسليم السلطة للإسلاميين. ثالثا: ولعله العامل الأهم، أن الإيحاء بقبول انتصار الإسلاميين في الجزائر يحمل مخاطر اقليمية مغاربية وعربية خطيرة جداً، ويهدد بانتقال العدوى إلى الدول التي تشهد تطرفاً أصولياً! ! ، ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار في أكثر من بلد عربي، وهو أمر غير مقبول لا مغاربياً ولا عربياً ولا دولياً. وأضاف الكاتب في معرض حديثه عن المرحلة التي تلت تسلم الجنرال محمد العماري رئاسة الأركان: » ويلاحظ أن عمليات الحكم بالإعدام قد ازدادت مع تسلم العماري مهامه وكذلك تميزت عمليات مكافحة الإرهاب تصعيداً كبيرا حيث كثرت عمليات التمشيط والمطاردات الدموية للإسلاميين المسلحين، ولجأت قوات الأمن إلى استخدام الطائرات، وقنابل النابالم في قصفها لمعاقلهم في الأحراش والغابات وأكثر من ذلك تؤكد المعلومات أن الجنرال العماري أمر بإنشاء (سرايا الموت) وهي وحدات «كوماندوز» داخل جهاز مكافحة الإرهاب، تقوم بإعدامات جماعية وتقف وراء العثور على جثث إسلاميين في اليوم التالي لأي هجوم أو كمين يقوم به المتطرفون ضد رجال الأمن وفي المكان نفسه، وعلى الصعيد السياسي تمكن العماري من تأجيج الصراع بين المجلس الأعلى للدولة والحكومة وبالتحديد بين على كافي المؤيد للحوار ورضا مالك الداعي للحسم العسكري. ويختتم الكاتب مقاله بقوله: «فإذا نجح العماري في حسمه العسكري قبل نهاية ولاية المجلس الأعلى يكون قد أنقذ البلاد من الخطر الإسلامي! ، وإذا فشل يجري اللجوء إلى خالد نزار كرجل الحوار القوي، ولكن مفاجأة الساعات الأخيرة قد تلغي هذا الاتفاق » الجنتلمان «بين الجنرالات، وتحسم الوضع لصالح الفريق الانقلابي الذي لا يجد في الحوار سوى تسمية بديلة للهزيمة والتراجع أمام الإسلاميين. (الوطن العربي عدد ٨٧٢-١٩/١١/١٩٩٣م) ٣- حقاً إن سياستهم منافقة: تبذل الولايات المتحدة الأمريكية جهوداً جبارة منذ سنوات طويلة؛ للحد من تسليح كافة دول هذه المنطقة من العالم سواء أكانت عربية أو إسلامية وتمارس وحلفاؤها الأوروبيون ضغوطاًَ لا تعرف الكلل على كل الدول التي تورد السلاح لهذه المنطقة خاصة روسيا والصين وكوريا الشمالية وبعض دول أمريكا اللاتينية، للمشاركة معها في الحد من تسليح دول المنطقة خاصة الأسلحة المتقدمة كالصواريخ بعيدة المدى. كذلك تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية كل ثقلها لإقناع دول كالباكستان للتخلي عن برنامجها النووي، وإلا عاقبتها بإيقاف كافة أصناف المساعدات العسكرية أو الاقتصادية، كما تهدد بمعاقبة كل من يساعد باكستان في برنامجها النووي. ومن وراء ذلك كله منطق أمريكي مقبول هو أن الحد من التسلح، وإيقاف السباق نحو إنتاج أسلحة الدمار الشامل هو أنجع سبيل لإقرار السلام العالمي. لكن هذا المنطق الأمريكي ينقلب بالنسبة لإسرائيل وبكل أسف رأساً على عقب، إذ أن إطلاق كل قدرات إسرائيل نحو التسلح ومضاعفة إمكانياتها لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، والسماح لها بالسوبر كمبيوتر، إنما يتم بدعوى تدعيم السلام؟ ! يقول ميلهولين مدير معهد مشروع ويسكونسن للحد من الأسلحة النووية في واشنطن: (إن بيع إسرائيل هذا النوع من التكنولوجيا المتطورة يجعل من جهود واشنطن لإزالة أسلحة الدمار الشامل من الشرق الأوسط والعالم عملية أصعب، إن ذلك يدعم الجدل بأن سياستنا منافقة، وإننا انتقائيون في دعم عملية منع انتشار الأسلحة، فانتشار الأسلحة جائز عبر أصدقائنا، وطالما نحن راضون عن الذين يقومون بذالك) [الحياة ١٤/١١/٩٣] . ومضى السيد ميلهولين في تصريحاته فاعتبر أن إعطاء إسرائيل السوبر كمبيوتر سيضعف قدرة واشنطن على إقناع دول مثل باكستان بالتخلي عن برنامجها النووي، ويعقد جهود إقناع الدول المنتجة لهذه الأسلحة مثل روسيا والصين ودول أوروبا بعدم بيع ما تنتجه، وقال: (إذا كنا نستطيع أن نبيع لإسرائيل، فلماذا لا تبيع الدول الأخرى إلى أصدقائها؟ !) (محمد صلاح الدين) (المدينة ٩/٦/١٤١٤ هـ)

стр. 1618

متابعات لقطات إخبارية ١- ماذا يعني السلام؟ أ - وساطات أمريكية /إسرائيلية بين الدول العربية! دينيس روس منسق شؤون الشرق الأوسط في وزرارة الخارجية الأمريكية تحدث في مؤتمر للصهاينة الأمريكيين في واشنطن عن وساطات لحل الخلافات بين الدول العربية، وقال: «هناك وساطة بين الدول العربية وإسرائيل لكن لا يجب أن يفاجأ أحد إذا بدأت وساطات بين الدول العربية» ! . وقال روس: «بعد ١٣ سبتمبر (أيلول) يوم التوقيع على الاتفاقية الإسرائيلية/ الفلسطينية، تغيرت كل المنطقة، فالشرق الأوسط كما كنا نعرفه انتهى، وبدأ شرق أوسط جديد» . وأشار روس إلى احتمال إجراء وساطات أمريكية وربما إسرائيلية، أو لمنظمات أمريكية يهودية: أولاً لرفع المقاطعة الاقتصادية العربية عن إسرائيل وثانياً «للتنسيق» بين الدول العربية لإنهاء خلافاتها بما يخدم «الظروف النفسية الجديدة» . المجلة ٢١/١١/١٩٩٣ م، عدد ٧١٩ ب- ما نراه هو ليس سوى مقدمة لموجة تتمثل في قيام الدول العربية ببناء تحالفات بينها وبين إسرائيل تستخدمها تلك الدول في صراعاتها وخلافاتها التقليدية المعاصرة بين بعضها البعض، كما أن الكثير من الدول العربية تدرك أن مفتاحها إلى واشنطن، موجود في إسرائيل وبالتالي عليها أن تحسن علاقاتها مع إسرائيل ما أمكن «. روبرت ستالوف من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الوطن العربي، ١٩/١١/١٩٩٣ م ج- لكن احذر فإن.. ٢٥% سكان إسرائيل مرضى نفسانيون، وذلك وفقاً لأحدث تقرير صدر عن وزارة الصحة الإسرائيلية.. التقرير ذكر أيضاً أن ١٢ % من الأطفال أيضاً مصابون بأمراض نفسية. (عن جريدة يدعوت أحرونوت الإسرائيلية) روز اليوسف، عدد ٣٤١٤، ١/٦/١١٤ هـ ٢- روسيا من جديد: أفادت وكالة» فرانس برس «أن وزير الدفاع البلغاري فالانتين ألكسندروف نقل أمس إلى البرلمان تحذيراً روسياً من خطر بروز أصولية إسلامية في البلقان» . الحياة، السبت ٢٠/١١/١٩٩٣ م ٣- وشهد شاهد: نقلت الحياة من مصدر قريب من وزارة الخارجية الجزائرية أن سيد أحمد غزالي رئيس الوزراء الجزائري السابق وسفير الجزائر في فرنسا سيعود إلى بلاده في غضون عشرة أيام، موضحاً أن استدعاءه كان بطلب من قيادة الجيش التي يبدو أنها انزعجت من تصريحات نسبتها إليه الصحافة الفرنسية وذكر فيها أن٩٠%من الشعب ليسوا مع السلطة الجزائرية. الحياة، السبت ٧/٦/١٤١٤ هـ ٤- قرارات دولية على الورق: حتى عام ١٩٩٢ م أصدر مجلس الأمن الدولي ٦٩ قراراً ضد إسرائيل لم ينفذ منها قرار واحد، وخلال ١٨ شهراً من أزمة البوسنة والهرسك أصدر مجلس الأمن الدولي ٦٣ قراراً دولياً لم ينفذ منها قرار واحد، ومنذ مأساة كشمير في عام ١٩٤٧ م حتى الآن صدر في حق أهل كشمير ١٣ قراراً دولياً ضد الهند لم ينفذ منها قرار واحد ... إنها مجرد قرارات على الورق حتى ولو كانت دولية..! ! الدعوة، ٢٠/٥/١٤١٤ هـ

стр. 1619

مراجعات العقل العربي بين الواقع والأمل.. قراءة في فكر د/ محمد عابد الجابري عبد العزيز بن محمد الوهيبي هل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض.. عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته، ومفاهيمه، وتصوراته، ورُآه..؟ ! ثم لماذا لم تتطور أدوات المعرفة (مفاهيم، مناهج، رُؤى..) في الثقافة العربية (الإسلامية) خلال نهضتها في «القرون الوسطى» إلى ما يجعلها قادرة على إنجاز نهضة فكرية وعلمية مطردة التقدم، على غرار ما حدث في أوربا ابتداءً من القرن الخامس عشر (الميلادي) .! تلك هي الإشكالية التي شغلت ذهن المفكر المغربي د/ محمد عابد الجابري، ودفعته إلى إصدار دراساته المتنوعة حول كثير من قضايا الفكر الإسلامي التي منها: «نحن والتراث» صدر عام ١٩٨٠م و «الخطاب العربي المعاصر» صدر عام ١٩٨٢م و «نقد العقل العربي» الذي بدأ صدور أجزائه عام ١٩٨٦م. ولعل أهم هذه الدراسات وأكثرها ثراءً، الدراسة الأخيرة التي جاءت في ثلاثة أجزاء، كان الأول منها عن «تكوين العقل العربي» والجزء الثاني عن «بنية العقل العربي» والجزء الثالث عن «العقل السياسي» . والجزء الأول والثاني، أكثر أهمية في نظري من الجزء الثالث الذي درس نشأة الدولة في الإسلام، وتطورها ... وحاول المؤلف فيه إبراز ما أسماه المحددات التي بقيت تحكم هذه الدولة في مختلف مراحل مسيرتها الطويلة هذه المحددات حصرها المؤلف من وجهة نظره في ثلاثة جوانب لا تتجاوزها وهي: العقيدة، والقبيلة، والغنيمة ... وأحسب أنه لايزال في هذا الموضوع العقل السياسي زيادة لمستزيد ولم يكن تناول المؤلف لهذا الموضوع كافياً ولا شافياً. لاحظ الجابري، عندما درس «بنية العقل العربي» أن التصنيف الشائع القديم للعلوم الإسلامية بتقسيمها إلى علوم نقلية وأخرى عقلية، أو علوم دين وعلوم لغة، أو علوم العرب وعلوم العجم، لاحظ أن هذه التصنيفات لا تقوم إلا على اعتبار المظاهر الخارجية وحدها، والتي تذكرنا بالتصنيف القديم للحيوانات حسب مظاهرها الخارجية وحدها: إلى حيوانات برية ومائية وبرمائية، لكننا بحاجة إلى تصنيف جديد للعلوم الإسلامية كما ظهر التصنيف الجديد للحيوانات إلى فقريات ولا فقريات؛ الأمر الذي فتح أمام علم البيولوجيا آفاقا جديدة خصبة وعميقةً. لقد كان عمل الجابري في هذا البحث «نقد العقل العربي» محاولة للكشف عن هذا التصنيف الجديد، محاولة لدراسة البنية الداخلية للفكر الإسلامي، وإعادة التصنيف على أساس لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار سوى البنية الداخلية للمعرفة: آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية. من هذا المنطلق جاء التقسيم الجديد عند المؤلف للعلوم الإسلامية وتيارات التفكير الإسلامي إلى ثلاثة علوم أساسية هي: علوم البيان: وتشمل الفقه وأصوله وعلم الكلام وعلوم اللغة. علوم البرهان: وتشمل الفلسفة وخصوصاً فلسفة أرسطو! علوم العرفان: وتشمل التشيع والتصوف والفلسفة الإشراقية. كان الإمام الشافعي هو المؤسس للمنهج في العلوم البيانية، وكتابه «الرسالة» يعتبر «قواعد المنهج» للفكر الإسلامي، كما وضع ديكارت «قواعد المنهج» للفكر الفرنسي والأوروبي الحديث، وقد لخص ﵀ تلك القواعد بقوله: «ليس لأحد أبداً أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم، وجهة العلم: الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو القياس (الرسالة: ٣٩) فجهة العلم بناء على هذا النص محصورة في أحد سبيلين: النص (من كتاب أو سنة أو إجماع) أو القياس (الذي هو إلحاق فرع بأصل لاتحادهما في العلة) فقياس التمثيل إذن هو الآلية المفضلة عند الفقهاء، وهو الأسلوب الذي يحكم منهجهم في التفكير.. وعن الفقهاء انتقل المنهج إلى المتكلمين وعلوم النحو والبلاغة مُشَكّلاً بذلك مدرسة البيانيين. أما علوم العرفان وهي العلوم التي يقدم فيها العقل استقالته فتبدأ مع بداية الترجمة، عندما أمر خالد بن يزيد بن معاوية (ت ٨٥ هـ) بترجمة كتب الكيمياء، والتنجيم، وكتب الطب اليونانية والقبطية، تلك الكتب التي تقدم رؤية هرمسية غنوصية للكون والإنسان، ثم كان لجابر بن حيان دور في نشر هذه النظرة الهرمسية، وشاركه في مثل هذا الدور الطبيب الرازي، أما في المجال العقائدي فقد كان الشيعة أول من تهرمس في الإسلام، ولم تسلم الجهمية هي الأخرى من هذا التلوث وكذا الصوفية، ثم جاء بعد ذلك دور التيارات الباطنية ممثلة في إخوان الصفا وفلسفة ابن سينا، التي تزعمت التيارات الباطنية الإشراقية، ثم غدت بعد ذلك طابعاً عاماً لكثير من التيارات المنحرفة التي كان مدار التفكير فيها والمنهج المفضل للوصول إلى المعرفة قائماً على أساس الكشف والعرفان والإشراق الذوقي الباطني، وبخلاف كثير من الباحثين يرى المؤلف أن هذا الاتجاه لم يكن رد فعل ضد تشدد الفقهاء، ولا ضد جفاف الاتجاه العقلي عند المتكلمين، كلا، لقد ظهر هذا النظام قبل أن تتطور تشريعات الفقهاء، ونظريات المتكلمين إلى ما يستوجب قيام رد فعل من هذا القبيل، لقد كان هذا التيار نتيجة لمحاولة عناصر معادية للفكر الإسلامي وللدولة الإسلامية قادته عناصر من الزنادقة وأتباع الديانات الوثنية؛ من أجل تقويض البناء الفكري والسياسي للدولة الإسلامية. هذا عن البيان والعرفان ... أما عن البرهان فيذكر المؤلف تبعاً لما يراه المستشرق كارل بروكلمان أن المأمون (١٩٨-٢١٨ هـ) إنما أمر بترجمة الفلسفة اليونانية لمواجهة العرفان المانوي الغنوصي الذي اعتمده الشيعة والزنادقة لمواجهة الدولة الإسلامية، لقد كان الكندي (١٨٥-٢٥٢ هـ) هو أول فيلسوف عربي حيث أكد على أن المعرفة إنما تكون حسية أو عقلية أو إلهية أداتها الرسل المبلغة عن الله، وهو بذلك يرفض العرفان الشيعي الصوفي، ثم جاء بعده الفارابي (٢٦٠- ٣٣٩ هـ) الذي حاول» الجمع بين الحكيمين «، أرسطو وأفلاطون محاولا » التوفيق «بين تيارت الفلسفة اليونانية المختلفة، متوصلاً بذلك إلى أن العرفان إنما هو ثمرة للبرهان. لقد بقيت مدرسة بغداد كما يرى المؤلف من المأمون وحتى الخليفة القادر (٣٨١-٢٢ هـ) مركزاً علمياً مخلصاً لاستراتيجية المأمون الثقافية القائمة على الارتكاز على أرسطو، ومنطقه وعلومه في الحرب ضد الإسماعيلية العرفانية الهرمسية، ثم تسلم بعد ذلك ابن رشد الراية عنهم، وهو المفكر الذي احتفظ بصورة فلسفة أرسطو نقية كما جاءت عنه، رافضاً إضافات الفارابي وابن سينا إلى هذه الفلسفة. هكذا تشكلت الدوائر الثلاث البيانية والعرفانية والبرهانية في الفكر الإسلامي، لكنها لم تدم مستقلة بعضها عن بعض طوال الوقت، لقد حصل تدريجيا تداخل بين هذه التيارات ... فلقد حاول ابن سينا تأسيس» العرفان «على» البرهان «، وذلك بالبحث في الفلسفة عن أسانيد للرؤية الهرمسية للكون والإنسان وعلاقتهما بالإله. كما حاول الغزالي تأسيس» البيان «على» العرفان «، وذلك بالتشكيك في كل قيمة للمعرفة الحسية والتجريبية والعقلية، متوصلاً بذلك إلى تفضيل طريقة » الكشف «والإلهام باعتبارها طريق اليقين الوحيد. بينما حاول ابن حزم تأسيس» البيان «على» البرهان «وذلك برفض قياس الفقهاء التمثيلي، ومحاولة اعتماد البرهان المنطقي الأرسطي المبني على مقدمتين ينتج عنهما نتيجة ضرورية يقينية، وتابعه على ذلك الشاطبي بعض المتابعة في محاولته لتأسيس فقه المقاصد. أما ابن رشد، فقد سن محاولات الخلط بين هذه الحقول، ورأى أن الشريعة صنو الحكمة وأختها الرضيعة، وأن لا سبيل للبرهنة من أحدهما على الأخرى ... وهي نتيجة توصل إليها أبو سليمان المنطقي من قبل، لكن كان لابن رشد فضل بلورتها وتوضيحها. المؤسف كما يرى الجابري أن محاولة ابن رشد جاءت متأخرة فلم تلق أُذناً صاغية ممن جاء بعده من المفكرين، بل كان النصر» للعقل المستقيل «في الحركة الصوفية والشيعية، كما كان النصر حليفاً لاختلاط الأنهر عند المتكلمين الذي ظهر بظهور الرازي حيث قام تلميذه (الإيجي) بعد ذلك بوضع الصورة النهائية لعلم الكلام في كتابه» المواقف «حيث يختلط فيه» البيان «بـ» البرهان «بـ » العرفان «وبذلك ظهرت أزمة الأسس في الفكر الإسلامي، وتشفي الحقيقة ثم ساد بعد ذلك الجمود والتقليد، وتحريم الاجتهاد والنظر العقلي. *** هذا عرض سريع لموضوع كتابي» بنية العقل العربي «و» تكوين العقل العربي «نأتي بعده إلى سؤال مهم: تُرَى ما هي المدرسة التي يتبناها الجابري بين هذه المدارس المختلفة، والتي يبشر بها ويدعو إليها؟ ! ثم ما هو المقياس الذي اعتمده في قبول أو رفض هذه التيارات، وما هي الخلفيات الفكرية والاعتقادية التي كانت تحكم نظرته نحو مختلف المدارس الفكرية..؟ ! قبل الشروع في الإجابة على هذه الأسئلة، لابد من الإشارة إلى ظاهرة لا تخفى على القارئ لمختلف الإصدارات التي كتبها الجابري؛ ألا وهي رغبته الدائمة في عدم الكشف عن توجهاته الفكرية بشكل سافر ... اتضح هذا جلياً في حواره مع » حسن حنفي «في كتاب» حوار المشرق والمغرب «حيث سود صفحات في بيان رغبة القراء في كشف القناع عن الخلفيات الأيديولوجية التي تحكم من يقرؤن له، ومع ذلك فلم يحدد توجهاته بوضوح ... ! ! الذي يظهر لي أن حرص الكاتب على عدم إظهار توجهه الفكري يرجع إلى أحد سببين هما: *إما أنه لايزال في مرحلة التأمل والبحث والنظر، فلم يحدد بعد توجهاته الفكرية. *أو أن الباحث يرغب في نشر إنتاجه الفكري بين مختلف الأوساط دون عوائق تصنيفية تلحق به الضرر عند من لا يوافق على توجهه الفكري. على أي حال، فإنه يمكن من خلال التتبع لمختلف دراساته تَبَيّنَ خطوط رئيسة في خياراته الفكرية نشير إلى شيء منها ها هنا: بادئ ذي بدء، لا يخفي الكاتب انحيازه للعقلانية حيث يقول: » ... نحن نصدر عن موقف نقدي ينشد التغيير، من التحرك من موقع أيديولوجي واعٍ، أي لا بد من الصدور عن موقف تاريخاني (؟) ، موقف يطمح ليس فقط في اكتساب معرفة صحيحة بما كان، بل أيضاً إلى المساهمة في صنع ما يتبقى أن يكون، وهو بالنسبة للمجال الذي نتحرك فيه: الدفع بالفكر العربي في اتجاه العقلنة، اتجاه تصفية الحساب مع ركام ولا نقول رواسب اللامعقول في بنيته. (تكوين العقل العربي: ص ٥٢) ... «لأن موضوعنا هو العقل، ولأن قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانية» (التكوين: ص ٧) . تبني العقلانية، والدفاع عنها، والتنويه برموزها كان هدف الجابري الذي لا يخفيه في عامة دراساته التي أصدرها ... لكن العقلانية بأي معنى..؟ ! انه لا يوجد صراحة من يعلن الحرب على العقل والعقلانية [١] لكن الاختلاف يظهر عندما يتحدد المقصود بالعقلانية ... فما هي يا ترى العقلانية التي يدعو إليها الباحث، وينافح عنها..؟ من خلال الرموز الذين دافع عنهم الجابري يمكن تلمس ملامح تلك العقلانية، وسماتها الأساسية. لقد عرض الباحث فكر أرسطو في «بنية العقل العربي» (ص ٣٨٤) دون أن يتحفظ على شيء مما جاء فيه، كما اعتبر الفارابي الذي يسمى «المعلم الثاني» اعتبره هو الذي أعاد تأسيس العقلانية في الإسلام؛ نظراً لكونه أول من درس المنطق الصوري كاملاً، وقد تغافل الباحث عن الجوانب الغنوصية في فكره ولم يعطها وزنها الذي تستحقه، نظراً لأنه كما يقول جعل «العرفان» ينتج عن «البرهان» ، كما تبنى هجوم ابن حزم على القياس باعتباره منهجاً في البحث لا يفضي إلى اليقين، واعتبر المنهجية الظاهرية الحزمية في الأصول أمتن من منهجية البيانيين وأقوم، وكذا أعجب بمنهجية الشاطبي في الموافقات، حيث بنى الأصول على المقاصد التي تعرف باستقراء أدلة الشرع ... لكن الشخصية الإسلامية التي تحتل قيمة لا منازع لها عند الجابري هي شخصية ابن رشد ... إن الخطاب الرشدي يبنى كله على النظر إلى الدين والفلسفة كبناءين مستقلين، يجب أن يبحث عن الصدق فيهما داخل كل منهما وليس خارجه، والصدق المطلوب هو صدق الاستدلال، وليس صدق المقدمات، ذلك أن المقدمات في الدين كما في الفلسفة، أصول موضوعة يجب التسليم بها دون برهان: فإذا كانت الصنائع البرهانية، في مبادئها المصادرات والأصول الموضوعة، فكم بالحري أن يكون ذلك في الشرائع المأخوذة من الوحي والعقل. (تهافت التهافت ٢/ ٨٦٩) ، ولذلك «فإن الحكماء من الفلاسفة لا يجوز عندهم التكلم ولا الجدال في مبادئ الشرائع، وذلك أنه لما كانت لكل صناعة مبادئ، وواجب على الناظر في تلك الصناعة أن يسلم لمبادئها، ولا يتعرض لها بنفي ولا إبطال؛ كانت الصناعة العملية الشرعية أحرى بذلك ... » (التهافت ٢/٧٩١) . علامَ تدل هذه الكلمات؟ ! اعتبار الشريعة نسقاً مغلقاً لا يمكن الاستدلال عليه من خارجه؛ ألا يعني هذا أن الدين تسليم دون استدلال؟ ! وإذا صح هذا فكيف يمكن التمييز بين الدين الصحيح والزائف؟ ! ألا تحمل هذه الكلمات بذوراً علمانية خطيرة؟ ! يعلق الجابري على منهج ابن رشد بقوله: «كانت الرشدية قادرة على طرق آفاق جديدة تماماً، وهذا ما حدث بالفعل، ولكن في أوروبا حيث انتقلت وليس في العالم العربي حيث اختنقت في مهدها، ولم يتردد لصيحتها الأولى صيحة الميلاد أي صدى إلى اليوم..» بنية العقل العربي: ص ٣٢٣) أي صدى تردد في أوروبا، إنه الصدى الذي تبنى العلمانية منهاجاً، وجعل من الدين مواضعات اجتماعية وأخلاقية خاصة، فمن تبنى العلمانية منهاجاً وجعل من الدين مواضعات اجتماعية وأخلاقية خاصة، فمن شاء أن يلتزم بها فله ذلك ومن لم يشأ فلا جناح عليه! ! أما أن يتدخل الدين في صياغة المنهج السياسي أو الاقتصادي، أو العلاقات الخارجية، فكلا، ليس ذلك للدين وإنما هو للعقل البشري المجرد..! ! هل يريد الجابري هذه النتيجة..؟ ! من العدل أن نقول إنه لم يصرح بهذا في هذه الكتب ... لكن القارئ بسوء نية يمكنه أن يفهم ذلك. ** ملاحظات ومراجعات: رغم الجهد الضخم الذي بذله الجابري في إعداد هذا المشروع الفكري مستفيداً في ذلك ممن سبقه من الباحثين، مسلمين كانوا أو مستشرقين أو ماركسيين.. إلخ؛ فإن المرء لا يسعه إلا أن يتبنى موقفاً مغايراً لما تبناه المؤلف في كثير من المواضع في تلك الكتابات، نقف في هذا العرض عند بعض منها: *من الملفت للنظر في هذا المشروع النقدي، أنه في غمرة حماسته للفلسفة الأرسطية، قد غض الطرف عن النقد الجوهري المتين الموجه قديماً وحديثاً لهذه الفلسفة، سواء أكان ذلك في المنطق الذي يحكمها أو في النتائج والرؤية التي تنتج عنها، حتى أن العلم الحديث لم يتمكن من تحقيق فتوحاته العظيمة حتى تحرر من أسرها، والمؤلف خبير بالمنهج العلمي الحديث في البحث والتفكير، حيث وضع فيه كتاباً في جزأين تحت عنوان «فلسفة العلوم» ، ظهر له من خلالهما البون الشاسع بين التفكير العلمي الحديث والمنهج الأرسطي القاصر فلماذا يا تُرَى جعل الباحث المنهج الأرسطي معياراً للحكم على فكر هذا العالم أو ذاك بالتقدم أو التخلف، بالعقلانية أو عدمها؟ ! حقيقةً.. لا يظهر لي سبب واضح وراء هذه الحماسة والاندفاع. *رغم أن الجابري لم يبد عداءً نحو منهج البيانيين (فقهاء وأصوليين ولغويين) فهو في ذات الوقت لم يحدد موقفاً واضحاً من القضايا التي أثاروها ولم يبد انحيازاً مع تلك الطروحات أو ضدها، وهو موقف غريب غير مبرر. ومن المسائل ذات الدلالة في هذا الموضوع أن ابن تيمية رغم مساهمته الثرية والعميقة في كل القضايا التي أثارها المؤلف في كتاباته، لم يلق أي اهتمام يستحق الذكر مقارنةً بغيره من الشخصيات التي برزت في علم الأصول أو علم الكلام أو الفلسفة ... إلخ. ورغم عدم تحيزنا للأشخاص، فإنه يمكن اعتبار هذه الظاهرة ذات دلالة لا تخفى، حيث أن ابن تيمية يشكل ربما الصورة الأخرى لابن رشد ... فرغم اطلاعه الواسع على الفلسفة بمختلف تياراتها، ودخوله في جدل عميق مع مختلف طروحاتها، إلا أنه ظل على إيمان عميق لا يتزعزع بأن العقل لا يعارض النقل ولا يُضادّه، وأن أكمل مناهج التفكير العقلي، إنما هي تلك التي دعى إليها النقل وحث عليها. فهو بخلاف ابن رشد يؤمن بأن مبادئ الشرائع يمكن فحصها والاستدلال لها بالعقل، كما أن مقدمات الفلسفة هي الأخرى تخضع للفحص العقلي والنقلي؛ وذلك هو الموقف العلمي الصحيح، وإلا كيف لمسلم أن يتورط بالقول بأزلية العالم؟ ، وذلك مخالف لمسلمة قطعية من مسلمات الدين وهي الاعتقاد بأن هذا العالم مخلوق بعد أن لم يكن! ! كيف لمفكر يحترم نفسه أن يسلم بالرؤية الفلكية الأرسطية، ويبقى في ذات الوقت محترماً للنص الشرعي مؤمناً بما فيه، بحجة أن هذه مقدمة فلسفية وتلك مقدمة كلامية شرعية؟ ! أليس في ذلك تغييباً مقصوداً للوعي؟ ! وعودة لا تخفى إلى التناقض؟ ! *أشار المؤلف إلى أن منهجية البيانيين المفضلة هي الاستدلال بالشاهد على الغائب، وهي دعوى غير مسلم بها، فلقد كان للأصوليين المتقدمين كلام في الاستحسان، والمصالح، والاستقراء، والاستنباط، وهي طرائق في الفهم والاستدلال مغايرة لقياس الشاهد على الغائب. كما أن للعلماء المسلمين في مجال العلوم الطبيعية، منهجاً تجريبيا متقدماً حتى إن المسلمين يعتبرون بحق وبشهادة الباحثين الغربيين أنفسهم سبّاقين إلى اكتشاف المنهج التجريبي، وعنهم أخذته أوروبا في عصر النهضة، وهي قضية لم يعطها الكاتب حقها من الاهتمام والتقدير الكافيين. هذه مسألة ... والمسألة الأخرى في هذا الصدد حول قيمة المنهج في الوصول إلى الحقيقة ... إن التقدم العلمي الهائل الذي تشهده العلوم التجريبية المعاصرة، ليس في الحقيقة ناتجاً عن تقدم المنهج إطلاقاً ... إنما هو في الواقع ناتج عن الإمكانات الهائلة التي أودعها الله في هذا الكون ... إنها عظمة الله تتبدى في عظمة خلقه، وليس ذلك ناجماً عن عظمة المناهج البشرية إن العلم يكتشف الطبيعة (الخلق) وقوانينها (السنن) ولا يخلقها من عدم ... بل إن لبعض علماء الفيزياء المرموقين المعاصرين وهو بول ديفيس البريطاني كتاباً سماه «ضد الطريقة - Against Method» يذكر فيه أن المنهج لم يكن في يوم من الأيام رائداً للبحث العلمي، بل كان دوماً متخلفاً وتابعاً للبحث العلمي! ! فالدور الضخم الذي يعطيه الجابري للمنهج يحتاج إلى مراجعة وتدقيق. *في حديث المؤلف عن مرحلة التدوين في العصر العباسي، أشار إلى ما كتبه ابن المقفع في رسالته التي سماها «رسالة الصحابة» حيث يرى فيها كما يرى محمد أركون إنها ذات نفس علماني واضح ... ! وحجتهم الوحيدة على ذلك: هو أنه لم يستشهد في هذه الرسالة بالقرآن، ولا بالحديث ولا بأي عنصر آخر من الموروث الإسلامي..! والحقيقة أن القارئ لهذه الرسالة لا يجد ذلك النفس العلماني المزعوم، وإنما غرض ابن المقفع الدعوة لتنظيم الدولة، وتوحيد القضاء، منعاً للاختلاط والاضطراب، وذلك باستخدام سلطة الخليفة دون أي دعوة ظاهرة أو خفية إلى تنحية الشريعة، أو تقديم بديل عنها، وهو مطلب لا يوجد أي غبار عليه ، ولا يعتبر مطعناً في صاحبه! . *يركز الجابري في دراساته المختلفة على البعد العربي لمناهج التفكير والمدارس التي يحلل إنتاجها، وهو بعد ليس له مبرر، ذلك أن هذا التراث شاركت في بنائه وتكوينه عقول مختلفة من شتى الشعوب الإسلامية، ولم ينفرد العرب في تكوينه ولا تدوينه، وإنما هو ثمرة لتضافر جهود آلاف من الباحثين المسلمين في شتى التخصصات، فلعل الكاتب خشي من سوء الفهم عند نقد العقل المسلم، إذ يفهم بعضهم ذلك بأنه نقد «للمنهج الإسلامي» وليس لمناهج «المفكرين المسلمين» والفرق بعيد بين الأمرين. ورغم وجاهة هذا الاحتمال، فإنه لا يكفي مبرراً لإضفاء صفة «قومية» على التراث الإسلامي، ويمكن تلافي مثل هذه المخاطر بالتنبيه عليها في مطلع أو خاتمة مثل هذه الدراسة. *وأخيراً ... رغم النجاح الواضح الذي حالف المؤلف في تعرية تيارات الغنوص، والعرفان الرافضي والباطني والفلسفي والصوفي، وكذلك في الكشف عن مناطق الضعف والخلل عند بعض التيارات الأخرى، إلا أنه في ذات الوقت لم يبلور للقارئ الملامح النهائية للمشروع النهضوي المنشود الذي تتبناه هذه الدراسة وتدعو إليه ... فظاهر أن المؤلف لا يقف موقف الموتور المعادي للموروث الإسلامي، لكنه في ذات الوقت لم يبشر به، ويعتبره المخرج مما نعانيه من أزمة على شتى الصُعُد.. إن الحلول التي قدمها المؤلف في نهاية كتابه عن العقل السياسي وهي: «١- تحويل القبيلة: إلى تنظيم مدني سياسي اجتماعي: لأحزاب أو نقابات ... الخ، وفتح الباب لقيام مجال سياسي حقيقي، تمارس فيه السياسة ويصل بين سلطة الحاكم وامتثال المحكوم. ٢- تحويل الغنيمة: إلى اقتصاد ضريبة في إطار اقتصادي إقليمي جهدي وفي إطار سوق عربية مشتركة تفسح المجال لقيام وحدة اقتصادية عربية تنموية. ٣- تحويل العقيدة: إلى مجال يسمح بحرية التفكير وحق الاختلاف والتحرر من سلطة الجماعة المغلقة والتحرر من سلطة عقل الطائفة والتعامل مع عقل اجتهادي نقدي» (العقل السياسي: ص ٣٧) . هذه الحلول لا تمثل برنامجاً كافياً مبلوراً للخروج من أزمة التخلف والتبعية والتشرذم ... ولذلك فإنني أدعو الباحث وغيره من الجادين في الرغبة بنهوض هذه الأمة، ومحاولة استئناف مسيرتها القيادية لذاتها وللناس أدعوهم إلى مراجعة موقفهم من الحل الإسلامي، واتخاذ موقف أكثر علمية من الموقف الهلامي الذي يتخذه كثير منهم ... لابد لهم لكي يكونوا واقعيين مع أنفسهم أن ينحازوا للخيار الذي لا تقبل الأمة عنه بديلاً ... ألا وهو رفع شعار الحل الإسلامي، والتبشير به والدعوة إليه والسير الحثيث والفعلي لإنجازه ... [فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين] (المائدة: ٥٢) ... [صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون] (البقرة: ١٣٨) ... [ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس] (الحج: ٧٨) . والحمد لله رب العالمين.

стр. 1620

في دائرة الضوء قراءة نقدية لمفهوم (تصادم الحضارات) د.أحمد محمد العيسى مقدمة: إن الحديث عن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب، يعتبر من أكثر المواضيع التي احتلت حيزاً واسعاً في أدبيات الفكر الإسلامي الحديث، وذلك بسبب أن تلك العلاقة قد أخذت بعداً جديداً منذ أن استيقظت بلاد المسلمين على صيحات جنود نابليون الذين عادوا إلى الشرق عام ١٧٩٨م، بعد انقضاء فترة ليست طويلة حضارياً على نهاية الحملات الصليبية. وقد أخذت العلاقة بعد تلك الحملة تتعقد كثيراً؛ لأن أهداف الحملة وما جاء بعدها حتى انتهت بالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين قد تغيرت كثيراً عن أهداف الحملات الصليبية التي كانت تهدف إلى «استعادة الأراضي المقدسة» من المسلمين، لكن أهداف حملة نابليون، ثم الاستعمار من بعده نقل الصراع من صراع عسكري إلى صراع فكري ثقافي عسكري اقتصادي..، ولم تكتف تلك الحملات بالسيطرة المطلقة على مقدرات الشعوب الإسلامية، بل اهتمت بزعزعة عقائد المسلمين، وتبديل أخلاقهم وربط مصيرهم بالفكر الغربي، الذي بدأ يقوده في تلك الفترة مجموعة من المستغربين أمثال: رفاعة رافع الطهطاوي، ثم سلامة موسى، وطه حسين، ولطفي السيد، وأدباء المهجر، وغيرهم؛ لهذا فإن هناك تفسيران لتأثير حملة نابليون على «الشرق الإسلامي» . الأول: أن هذه الحملة هي بداية ما سمي التنوير، والعلم، والثقافة واللحاق بركب التقدم والحضارة، وهذا هو التفسير العلماني للعلاقة الحضارية بين العالم الإسلامي والغربي. الثاني: هو أنها بداية حركة التغريب، والاستلاب الحضاري، وضياع هوية الأمة، وهذا هو التفسير الإسلامي لتلك الحملة. ونتيجة لهذين التفسيرين انتقل الصراع الحضاري جزئياً إلى داخل العالم الإسلامي، بين ممثلين عن الغرب يتحدثون من منطلقاته وأهدافه، وبين المؤمنين بالتميز الحضاري والعودة إلى جذور الأمة وأصولها لبناء الأسس العقائدية والأخلاقية والفكرية، ثم الانطلاق للتنافس عالمياً مع حضارات سادت قيمها ... ومنظومتها الحضارية، حتى كادت أن تزيل الحضارات الأخرى من الوجود. وبعد صراعات عديدة في الداخل والخارج، أخذت أشكالاً متعددة سقطت الأيديلوجية الشيوعية، وظن الكثيرون أن آخر القلاع التي تقف في مواجهة الحضارة الغربية بكل قيمها وأنظمتها قد سقطت، وتوقعوا أن القيم الغربية لن تجد عوائق جديدة تحول دون انتشارها ودون تداعي الشعوب والأمم عليها، فبعيد الأحداث «الدرامية» التي كانت تسجل سقوط الشيوعية ظهرت كتابات وطروحات عديدة مثل «طروحات فوكاياما» ، تؤكد على أن الحضارة الغربية سوف تكتسح العالم لتسجل في زعمه «نهاية التاريخ» . ولكن هذا التفاؤل، وهذه الأفكار اتضحت سذاجتها بعد مرور وقت قصير، حين تبين أن هناك عوائق وعوامل أكثر تجذراً وثباتاً من الأفكار الأيديلوجية أو الصراعات الاقتصادية والسياسية، بل لقد اتضح أن نهاية الحرب الباردة قد أبرزت هذه العوامل وساعدتها على التجذر والرسوخ، بعد أن سقط وهم القوتين العظميين، ووهم الجبهة الشرقية والجبهة الغربية، ووهم عدم الانحياز، وهذه العوامل أو العوائق التي نشير إليها، هي خصائص الحضارات، ومقوماتها الداخلية، ومن أهمها: الدين، واللغة، والتاريخ وهذا يجعل من الصعوبة القضاء عليها، بل إنها تقوى عندما تشعر الشعوب أن حضارتها التي تنتسب إليها تتعرض لخطر خارجي كبير. إذن: تهاوت فكرة (فوكاياما نهاية التاريخ) ، وبرزت فكرة (صامويل هنجتون تصادم الحضارات) ، التي تقول: إن الصراع في المستقبل، سيكون بين الحضارات الرئيسة في العالم المعاصر، و «صامويل هنجتون» هو أستاذ علم الحكومة ومدير معهد (أولين) للدراسات الاستراتيجية بجامعة «هارفرد» في الولايات المتحدة، وقد نشرت أفكاره حول (تصادم الحضارات) في العديد من الصحف والمجلات الغربية، وكان مقاله الرئيس قد نشر في مجلة «الشؤون» المتخصصة في الشؤون السياسية والدراسات الاستراتيجية في عددها (صيف ١٩٩٣) ، وهذا المقال الذي سيكون (بإذن الله) مجال قراءتنا هذه، هو نتاج لدراسة خاصة بالمعهد الذي يديره (هنجتون) حول «الظروف الأمنية المتغيرة والمصالح القومية الأمريكية» . أهمية الدراسة: هناك بعض العوامل التي تعطي هذه الدراسة أهمية كبيرة في مجال العلاقات الدولية ومستقبل العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومنها: ١- يعتبر كاتب المقال (أو الدراسة بتعبير أصح) ذو مكانة علمية مرموقة في الدراسات الاستراتيجية؛ إذ أنه يرأس معهداً مهماً وفي جامعة مشهورة عالمياً، فهو إذن ليس صحفياً يهتم برصد الأخبار اليومية والمناسبات الإعلامية، كما أن الدراسة في جوهرها نتاج مشروع عن التغيرات الأمنية ومصالح الولايات المتحدة، ومعظم هذه الدراسات تدعمها الحكومة الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية، وهدفها تقديم مقترحات وتصورات حول القضايا الشائكة للحكومة الأمريكية، يتم تنفيذها كسياسة مستقبلية للولايات المتحدة، ولعل من أهم ما جاء في هذه الدراسة، التوصيات التي ذكرها الباحث في نهاية بحثه لأصحاب القرار في السياسة الغربية والتي سنشير إليها في مكان آخر من هذا المقال. ٢- إن الحديث عن الصراع بين الحضارات ليس جديداً في أدبيات الأمم وخاصة الأمة الإسلامية، فكثيراً ما طرق هذا الموضوع بعض المفكرين الإسلاميين أمثال سيد قطب ﵀ ومحمد قطب، وأبو الأعلى المودودي، ومالك بن نبي، وأبو الحسن الندوي وغيرهم من المفكرين الذين كتبوا عن الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، كما أن كثيراً من المفكرين الغربيين كتبوا حول هذا الموضوع مثل أرنولدتوينبي، وول ديورانت وغيرهم كثيرون، وقد أشار الكاتب نفسه إلى هذه الحقيقة عندما قال: «وعند كلا الجانبين: فإن التفاعل بين الإسلام والغرب يُرى على أنه صدام بين الحضارات» ، إذن الفكرة ليست جديدة، ولكن الذي يعطيها أهمية خاصة هو التوقيت الزمني لطرحها بهذا التفصيل والزخم الإعلامي الذي روج لها. إن الفترة التي أعقبت سقوط الشيوعية شهدت أحداثاً عالمية مهمة مثل (حرب الخليج الحرب في البوسنة والهرسك الحروب التي نشبت داخل جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق التكتلات الاقتصادية الجديدة) ، وهذه الأحداث أكدت أن أسباب الخلافات هي أكثر عمقاً من المصالح السياسية أو الاقتصادية التي كان يُعتقد أنها السبب في نشر تلك الأحداث، كما أكدت للمفكرين الساسيين الغربيين أن إقامة (النظام العالمي الجديد) على القيم والمبادئ الغربية، سوف يقابل برفض كبير من الشعوب الأخرى التي تعتز وتحافظ على مقومات حضارتها الخاصة، وهذا قد سبب صدمة لدى هؤلاء المفكرين، جعلهم يعيدون طرح مسألة (تصادم الحضارات) كحقيقة سوف تبرز كثيراً في المستقبل القريب. ٣- إنه لأول مرة في ما أظن يقوم مفكر سياسي غربي بتوضيح جملة من الحقائق بوضوح تام وبعبارات سهلة، والتي طالما غُيبت في دهاليز العبارات السياسية الفضفاضة والمقالات الأيديلوجية الموجهة لخدمة مصالح الطبقات ذات النفوذ في السياسة الغربية، ومن هذه الحقائق التي وردت في دراسة (هنجتون) ما يلي: أ - إن الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل. ب - إن القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن وعن صندوق النقد الدولي، إنما تعكس مصالح الغرب، وهي تخرج إلى العالم على أساس أنها تعبر عن رغبات «المجتمع الدولي» ، كما أن مصطلح «المجتمع الدولي» هوالوجه الآخر لمصطلح «العالم الحر» ويستخدم لإعطاء الشرعية العالمية للقرارات التي تعكس رغبات ومصالح الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى. ج - مصطلح «الحضارات العالمية» هو فكرة غربية بحتة، هدفها إبراز أن القيم الغربية هي قيم عالمية يجب على كل الشعوب الأخذ بها والحقيقة أن أحد الباحثين قد توصل بعد مراجعة أكثر من ١٠٠ بحث مقارن للقيم في العالم، إلى نتيجة أن «القيم التي تعتبر أكثر أهمية في الغرب هي أقل أهمية في العالم أجمع» . د - الحكومات الديمقراطية الحديثة كان منشؤها في الغرب، وأنها إذا وجدت في غير المجتمعات الغربية فهي قد نتجت عن الاستعمار والفرض بالقوة من جانب الغرب. هـ - الهدف الأساسي من عملية التحكم في التسلح في فترة ما بعد الحرب الباردة: هو منع الدول غير الغربية من تطوير القدرات العسكرية التي قد تهدد مصالح الغرب. بعض الأفكار المهمة في الدراسة: لقد وردت في دراسة (صامويل هنجتون) العديد من الأفكار الهامة التي يمكن ترتيبها في عدة نقاط حتى يتمكن القارئ من معرفة أهم طروحات الكاتب في مجال (تصادم الحضارات) : ١- يعبر الكاتب عن الفكرة الرئيسية من الدراسة في المقدمة: وهي أن المصدر الأساسي للصراع في العالم الجديد لن يكون أيديلوجياً أو اقتصادياً وإنما صراعاً حضارياً، «سوف تحدث الصراعات الرئيسة في السياسة العالمية بين المجموعات والدول من حضارات مختلفة، وإن الخطوط المتصدعة بين الحضارات سوف تكون خطوط المعارك في المستقبل ... » . ٢- الهوية الحضارية سوف تحظى بأهمية متزايدة في المستقبل، وسوف يتشكل العالم عن طريق التفاعل بين سبع أو ثمان حضارات عالمية هي: الغربية، الكنفوشوسية، اليابانية، الإسلامية، الهندية، الأرثوذكسية السلافية، الأمريكية الجنوبية، وربما الإفريقية، وإن أهم صراعات المستقبل سوف تحدث على طول الخطوط التي تفصل بين هذه الحضارات للأسباب التالية: الأول: أن الاختلافات بين الحضارات هي اختلافات جوهرية، وذلك لاختلاف التاريخ، واللغة، والثقافة، والتراث، وأهم من ذلك لاختلاف الدين، وأن الناس من مختلف الحضارات، يملكون نظرات مختلفة للعلاقة بين الإنسان والله وبين الفرد والجماعة، وبين المواطن والدولة، وبين الأطفال والآباء، وبين الزوج والزوجة، ويملكون نظرات مختلفة حول الحقوق والواجبات، والحرية والمسئولية والمساواة والطبقية وهذه الاختلافات هي نتاج قرون من الزمن وهي اختلافات أصيلة إلى حد بعيد أكثر من الاختلافات بين الإيديلوجيات والأنظمة السياسية. الثاني: أصبح العالم الآن مكاناً صغيراً، والتفاعلات بين الناس من مختلف الحضارات تزداد يوماً بعد يوم، وهذه التفاعلات تكثف الوعي الحضاري والمعرفة بالفروق بين الحضارات، والأمور المشتركة داخل كل حضارة، وقد ولدت الهجرة من شمال أفريقيا إلى فرنسا: الشعور بالعداء لدى الفرنسيين، وفي نفس الوقت زادت من قبول الهجرة إلى فرنسا من البولنديين الكاثوليك، وكان رد الفعل لدى الأمريكيين أكثر سلبية للاستثمار الياباني، مقارنة بالاستثمار الكبير من أوربا وكندا. الثالث: لقد أثر التطور الاقتصادي، والتغيير الاجتماعي، في كثير من الدول إلى إضعاف أن تكون الدولة الواحدة هي مصدر الهوية؛ ولهذا تحركت كثير من الديانات العالمية لسد الفراغ، وجاء هذا في شكل حركات تُدعى الآن بـ «الأصولية» ، ويشكل الشباب المتعلم في الجامعات والفنيين من الطبقات الوسطى والمهنيين ورجال الأعمال الأشخاص النشطين في الحركات الأصولية، وكما قال (جورج ويجل) : «إن رفض علمانية العالم هي واحدة من أكبر الحقائق الاجتماعية التي تسيطر على الحياة في السنوات العشرين الأخيرة من القرن العشرين» . الرابع: إن نماء الوعي الحضاري قد ازداد بسبب الدور المزدوج للغرب فمن جهة يعتبر الغرب حالياً في القمة من ناحية القوة العسكرية، ومن جهة أخرى فإن ظاهرة العودة إلى الجذور تحدث بشكل أكبر في المجتمعات غير الغربية، «إن غرباً في القمة من ناحية القوة يواجه عالماً غير غربي يملك الرغبة والإرادة والإمكانات لتشكيل العالم بطرق غير غربية..» ، لقد كانت النخب في المجتمعات غير الغربية تتكون من الأشخاص الذين تعلموا في جامعات الغرب، وتشربوا المواقف والقيم الغربية، وفي نفس الوقت كان العامة يحتفظون بعمق الثقافات المحلية أما الآن فقد انعكست العلاقة حيث أصبحت النخب تتشكل من الأشخاص الذين رفضوا التأثر بالثقافة الغربية، وفي الوقت نفسه بدأت الثقافة الغربية وخاصة الأمريكية تصبح مشهورة على مستوى الجمهور العريض في تلك الشعوب. الخامس: إن خصائص الحضارات واختلافاتها هي أقل تحولاً وتقلباً كما أنها لا تقبل الحلول الوسط والتسويات بسهولة، بعكس خصائص الاقتصاد والسياسة: فمثلاً في الاتحاد السوفيتي السابق يمكن أن يصبح الشيوعي «ديمقراطياً» ، والغني فقيراً، والفقير غنياً، ولكن الروسي لا يمكن أن يصبح أستونياً، والأذاري لا يمكن أن يصبح أرمينياً، ففي الصراعات الأيديلوجية والطبقية يكون السؤال الرئيس هو: (مع أي الجهات تقف؟) ، أما في الصراعات الحضارية فيصبح السؤال هو: (من أنت؟) . «وكما نعلم من البوسنة إلى القوقاز، إلى السودان: فإن الإجابة الخاطئة على ذلك السؤال قد تعني رصاصة في الرأس» . السادس: إن «أقلمة» الاقتصاد تزداد يوماً بعد يوم، فالكتل الاقتصادية الإقليمية سوف تزداد على ما يبدو في المستقبل، وإن «أقلمة» الاقتصاد سوف تنجح فقط عندما تمتد جذووها في حضارة واحدة، إن المجموعة الأوربية تكون سعيدة وهي تعمل ضمن قاعدة ثقافية متجانسة من ناحية اللغة والدين النصراني الغربي، وإن نجاح منطقة التجارة الحرة في أمريكا الشمالية سوف تعتمد على التقارب بين الثقافة الأمريكية الكندية وبين الثقافة المكسيكية، أما اليابان فإنها تواجه صعوبات في إيجاد كيان اقتصادي في شرق آسيا لأن اليابان تتكون من وحدة حضارية فريدة. ٣- الصراعات العسكرية التي استمرت عدة قرون بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية سوف تستمر في المستقبل، وربما تكون أكثر قساوة وإن العلاقات بين الحضارتين سوف تتعقد أكثر بسبب التركيبة السكانية. إن الازدياد الهائل في نمو السكان في الدول العربية وخاصة في الشمال الأفريقي، أدى إلى زيادة الهجرة إلى أوربا الغربية، مما أدى إلى زيادة العنف والعنصرية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا ضد المهاجرين العرب والأتراك، وتواجه حدود الإسلام الأخرى حروباً طاحنة: ففي الجنوب هناك الحروب بين المسلمين والنصارى في جنوب السودان والقرن الإفريقي ونيجيريا، وفي الشمال هناك الصراع بين المسلمين والارثوذكس ويتمثل في الحرب بين الصرب والمسلمين، والعنف المتزايد بين أرمينيا وأذربيجان، والحروب الأخرى التي تهدد مصالح روسيا في القوقاز وآسيا الوسطى، وفي الشرق هناك النزاع بين باكستان والهند وبين المسلمين والبوذيين في بورما، وبين المسلمين والكاثوليك في الفلبين، «إن الإسلام يملك حدوداً دموية..» . ٤- سوف يحصل في المستقبل نوع من التضامن داخل الحضارات وذلك حين تدخل بعض الجماعات أو الدول في حروب مع جماعات من حضارات مختلفة، مما يعني طلب الدعم من الأعضاء الآخرين في الحضارة، ولقد حل التشابه الحضاري محل التوازن التقليدي والتحالف بين الأيديلوجيات السياسية كقاعدة أساسية للتعاون والتحالف، ومن الأمثلة على ذلك: الحروب في البلقان، حيث قدمت المجموعة الأوربية مساعدات عاجلة واعتراف بكرواتيا وسلوفينيا الكاثوليكية، كما أن روسيا تقوم بدعم الأرثوذكس الصرب، ويحاول المسلمون الحصول على الدعم من الدول الإسلامية، ومن الأمثلة أيضاً ما يحدث من حروب كثيرة بين المسلمين والنصارى في أماكن مختلفة من الاتحاد السوفيتي السابق، وبعض الحروب بين النصارى الغربيين وبين النصارى الأرثوذكس في جمهوريات البلطيق، ... إلا أننا لا نجد أن هناك صراعات بين الروس والأوكرانيين لأنهم ينتمون إلى حضارة واحدة. ٥- يعيش الغرب حالياً في القمة من ناحية القوة العسكرية والاقتصادية مقارنة بالحضارات الأخرى، والغرب يسيطر على المؤسسات السياسية والأمنية الدولية، ومع اليابان بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية الدولية ولهذا فإن الكفاح من أجل الحصول على مصادر القوة العسكرية والاقتصادية والمؤسساتية هو واحد من مصادر الصراع بين الغرب وبقية الحضارات كما أن الاختلافات في الثقافة وفي القيم الأساسية تكون المصدر الثاني للصراع، ولذلك فإن محاولة الغرب لاستخدام قوته للعمل الدعائي للأفكار الغربية سوف تقابل برد فعل ضد (إمبريالية حقوق الإنسان) ، وسيزيد هذا العمل من التثبت بالقيم المحلية، ويمكن ملاحظة ذلك في الدعم الذي تتلقاه الحركات (الأصولية الدينية) من الأجيال الشابة في الثقافات غير الغربية. ٦- سوف تظهر في المستقبل بعض الدول التي لديها مقدارٌ من التجانس الثقافي، ولكنها منقسمة حول ما إذا كان مجتمعها ينتسب إلى هذه الحضارة أم تلك، ويمكن تسمية هذه الدول بـ «الدول الممزقة» ، والتي يتمنى زعماؤها الانضمام إلى الدول الغربية، ولكن التاريخ والثقافة والتراث في تلك الدول ليس غربياً، وأوضح الأمثلة على ذلك تركيا التي حاول (أتاتورك) أن يجعلها دولة غربية علمانية حديثة، وقد انضمت إلى دول حلف (الناتو) وتقدمت إلى عضوية المجموعة الأوربية ولكن الشعوب الأوربية رفضت أن تقبلها دولة غربية، وبالتالي رُفض انضمامها للمجموعة الأوربية. ٧- إن العقبات أمام الدول غير الغربية للالتحاق بالغرب تختلف بدرجة كبيرة؛ إذ أنها أقل بالنسبة لدول شرق أوربا وأمريكا اللاتينية، وهي عقبات كبيرة للدول الأرثوذكسية في الاتحاد السوفيتي السابق، وهي عقبات أعظم أمام المجتمعات الإسلامية، والكنفوشوسية، والهندية والبوذية، وتلك المجتمعات تحاول تطوير قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية بعيداً عن النموذج الغربي، ولكن عن طريق التطوير الداخلي، والتعاون مع مجتمعات أخرى غير غربية، وإن أقرب شكل لهذا التعاون هو الاتصال (الإسلامي/ الكنفوشيوسي) ، الذي بدأ يتشكل لتحدي القوة والقيم والمصالح الغربية. وبدون استثناء فإن الدول الغربية وروسيا تخفض الآن من قوتها العسكرية، ولكن الصين وكوريا الشمالية والعديد من دول منطقة الشرق الأوسط قد زادت من قدراتها العسكرية بدرجة كبيرة. إن الصراع بين الغرب وتحالف (الإسلامية/الكنفوشوسية) سوف يركز بدرجة كبيرة على الأسلحة النووية، والكيميائية، والبيلوجية والصواريخ ذات المدى الطويل والأسلحة المتطورة الأخرى، وكذلك القدرات في مجال الاستخبارات والوسائل الالكترونية الأخرى، وفي هذا الشكل الجديد من التنافس لسباق التسلح نجد أن جهة واحدة تطور أسلحتها والأخرى تحاول الحد والتخفيض وليس إحراز التوازن في إمكاناتها العسكرية. ماذا يجب على الغرب أن يفعله؟ في نهاية هذه الدراسة التي أشرنا لأهم الطروحات التي تناولتها، ذكر الباحث بعض السياسات التي ينبغي على الغرب أن يتبناها لمواجهة مستقبل (صراع الحضارات) ، وقد قسّم هذه السياسات إلى مزايا قصيرة المدى وإلى كيفية التكيف مع هذه المتغيرات على المدى الطويل، ومن المزايا التي يمكن للغرب استغلالها على المدى القصير ما يلي: ١- على الغرب أن يسعى إلى تعاون أوثق واتحاد بين الدول داخل الحضارة الغربية وخاصة بين دول أوربا ودول أمريكا الشمالية. ٢- ضرورة السعي لدمج شرق أوربا وأمريكا الجنوبية اللاتينية في المجتمع الغربي، لأن هذه الدول تملك ثقافة قريبة من ثقافة الغرب. ٣- السعي للدعوة والحفاظ على علاقات تعاونية أوثق مع روسيا واليابان. ٤- منع تطور الصراعات المحلية داخل الحضارة الغربية إلى صراعات كبيرة. ٥- الحد من توسع القوة العسكرية للدول الإسلامية والكنفوشوسية. ٦- التوسط في تخفيض القوة العسكرية الغربية والحفاظ على التفوق العسكري في شرق وجنوب غرب آسيا. ٧- استغلال الاختلافات والصراعات بين الدول الإسلامية والكنفوشوسية. ٨- دعم الجماعات في الحضارات الأخرى التي تتعاطف مع القيم والمصالح الغربية. ٩- تقوية المؤسسات الدولية التي تعكس وتمنح الشرعية للمصالح والقيم الغربية للدعوة لمشاركة دول غير غربية في هذه المؤسسات. أما على المدى الطويل فإن الدول التي تنتمي إلى حضارات غير غربية سوف تستمر في المحاولة للحصول على الثروة والتقنية والمهارات والأجهزة والأسلحة حتى تكون دولاً حديثة، وسوف تحاول أيضاً أن توفق بين التحديث والثقافات والقيم المحلية، ولهذا فإن قوتها العسكرية والاقتصادية مقارنة بالغرب سوف تزداد، ولذلك على الغرب أن يُكيّف هذه الحضارات التي سوف تصبح قوتها قريبة من قوة الغرب، ولكن قيمها ومصالحها تختلف بدرجة كبيرة عن الغرب، وهذا يتطلب من الغرب أن يحافظ على قوته العسكرية والاقتصادية الضرورية لحماية مصالحه، ويتطلب أيضاً أن يطور الغرب فهمه العميق للافتراضات الدينية والفلسفية التي تقف عليها تلك الحضارات وينبغي معرفة الطرق التي يرى بها الناس في تلك الحضارات مصالحهم الذاتية. عود على بدء: يتضح من الأسطر السابقة أن الكاتب بدأ دراسته بتشخيص حالة العالم بعد سقوط الشيوعية، وتقهقر الصراعات الأيديلوجية، لتبرز من جديد الفروق الجوهرية بين بني البشر، وهي الفروق التي طمرتها حقبة الحربين العالميتين والحرب الباردة، إنها الفروق الحضارية التي يشكلها الدين والغة والتاريخ والثقافة والتراث، وقد كان هذا التشخيص لشكل العالم الجديد في ظل ظاهرة العودة إلى الجذور متطابقاً إلى حد بعيد مع الأحداث التي تجري على الساحة منذ بداية الثمانينات، وهي الفترة التي شهدت مرحلة الانهيار الكبير للشيوعية وحتى اليوم، وبالنسبة لنا نحن المسلمين فإن هذا الوضوح والتمايز بين الحضارات سوف يساعد ولا شك في تمييز المواقف وسقوط الأقنعة والشعارات التي كان يرددها كثير من المستغربين من أبناء الأمة، فكثيراً ما كان يُرَدَدُ مصطلح «عالمية الحضارة» و «الهموم الإنسانية المشتركة» ، وكثيراً ما طالب أصحاب الأدب والفكر بالانفتاح على الحضارات، وعدم الانغلاق على الذات وبالبحث عن القواسم المشتركة بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب وغير ذلك من الطروحات وشعار «الحضارة العالمية» هو كما ذكر (هنجتون) : مصطلح غربي بحت، يطرح عالمياً ليكون ستاراً لنشر القيم والمبادئ الغربية على أنها مبادئ عالمية وليست خاصة بأمة معينة. وعلى الرغم من أن كاتب هذه الدراسة قد أكد على كثيرٍ من الخصائص التي تميز بين الحضارات، واستطاع أن يوضح العلاقات والقوانين التي يمكن أن تتحكم في العلاقات الدولية في ظل صراع الحضارات، إلا أنه قد وجه دراسته في النهاية نحو ما يمكن أن يسمى بالاتجاه السائد في الغرب للبحث عن خطر عسكري جديد بدلاً عن الشيوعية «، ولهذا نجد أن الباحث قد ركز عند حديثه عن خطورة الاتصال بين الحضارة الإسلامية والكنفوشوسية كحلف متوقع ضد الغرب ركز على الجانب العسكري، بل وعلى جانب التسليح فقط من التعاون الحضاري، وقد أغفل الجوانب الرئيسة التي تكون الحضارات وتدعم التعاون بينها، مثل الدين واللغة والتاريخ المشترك، وكان الاستشهاد على وجود نوع من التحالف بين الإسلام وبين الحضارة الكنفوشوسية بتصدير الأسلحة إلى دول مثل ليبيا وإيران والجزائر والعراق وباكستان، متهافتا جداً حيث إن العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى تعتمد على التسلح من دول الغرب، ولم يعتبر أحداً أن هذا التعاون هو تحالف حضاري بين الإسلام والغرب، ويبدو أن المؤلف في هذا الجزء من الدراسة قد قام بعملية قسرية لأفكاره لتتماشى مع الحملة الكبيرة على المستوى السياسي في الغرب لتصوير الإسلام بالخطر البديل عن الشيوعية، وذلك لأن الجمهور الغربي، كما يقول شومسكي:» لن يختار الدرب الذي يخدم مصالح الشركات الكبرى ولن يزيد المغامرات الخارجية لإخضاع العالم الثالث للمطالب ذاتها إلا إذا سيق إلى ذلك عن طريق الخوف.. «. ويمكن الاستشهاد بتهافت فكرة خطر التعاون العسكري بين الصين وبعض البلاد الإسلامية، على الغرب بما ذكره الكاتب من أن هناك جهة (الجهة الإسلامية/ الكنفوشوسية) تطور أسلحتها وقدراتها العسكرية، وجهة أخرى (الجهة الغربية) تخفض وتحد من إمكاناتها العسكرية، ولا شك أن الفارق عظيم بين الجهتين في الوقت الحاضر من ناحية التفوق العسكري والتقني، كما أن الرقابة على تصدير الأسلحة النووية وغيرها والذي تقوم به الدول الغربية يمنع إحراز البلاد الإسلامية ولو على جزء يسير مما عند صنيعة الغرب في المنطقة» إسرائيل «. ولهذا فإن التوصيات التي ذكرها الكاتب في نهاية مقاله والموجهة إلى الغرب للعمل بها كاستراتيجية على المدى القصير، وعلى المدى الطويل توضح بجلاء تركيز الكاتب على الجانب العسكري، كمخرج وحيد لحماية مصالح الغرب ونشر قيمه وثقافته، ويبدو أن هذا التركيز يأتي متوافقاً مع مصالح أصحاب رؤوس الأموال في بلاد الغرب من الطبقة السياسية والصناعية التي يهمها استمرار الاستثمار في التسلح والصناعات العسكرية وعدم إغلاق مصانع الأسلحة العملاقة في الدول الغربية، وبتعبير شومسكي أيضاً:» كان الانفراج في توترات الحرب الباردة، بالنسبة للصفوة الأمريكية، نعمة تشوبها نقمة، صحيح أن وهن الرادع السوفيتي سهل للولايات المتحدة لجوءها إلى العنف والقسر في العالم الثالث، وأن انهيار المنظومة السوفياتية عبّد الطريق أمام إدخال أوربا الشرقية والوسطى في مناطق يراد لها أن «تكمل اقتصاديات الغرب الصناعية» ، ولكن ثمة مشاكل تنشأ بشأن السيطرة في الداخل على جمهور يتزايد خطره باستمرار، وبشأن الحفاظ على النفوذ في أوساط الحلفاء وهم الآن منافسون حقيقيون في حقل القوة الاقتصادية، كما أنهم سباقون في عملية تكييف العالم الثالث الجديد لخدمة حاجاتهم.. ولهذا كان الافتراض هو أن يكون الاستثمار في مسائل الحاجات الاجتماعية بديلاً ممكناً لمنظومة «البنتاغون» ، وهذا الخيار وإن كان ممكن الحدوث فنياً وفق القياسات المجردة للاقتصاديين، إلا أنه خيار يتعارض مع امتيازات المالكين والمديرين، ولهذا فهو مرفوض كخيار سياسي.. «. وكخاتمة لهذه القراءة ينبغي التأكيد على ما بدأنا به، وهو أن مفهوم الصراع الحضاري ليس جديداً في الساحة الفكرية، وأن الصراع موجود فعلا ولكن التركيز عليه في مثل هذه الدراسات يمنح كثيرين من الذين قد تأثروا بالطروحات التي تنادي بالحضارة العالمية وبامتزاج الحضارات، الفرصة لإعادة النظر والتفكير في مواقعهم الحالية، فإن الحالة في وقت الصراع الحضاري هي أن تقف هنا أو تقف هناك وليس هناك موقف في الوسط ...

стр. 1621

منتدى القراء قاصمة الطلاسم سعود حامد الصاعدي هذه القصيدة التي سميتها (قاصمة الطلاسم) راجياً أن تكون شهاباً يسحق طلاسم الشاعر (إيليا أبو ماضي) في قصيدته (الطلاسم) والتي تحمل تساؤلات كثيرة عجز عن استيعابها، وإن كانت يسيرة يجيب عليها كل مؤمن ذي فطرة سليمة، لم يخالطها زيف ولا باطل، فهو يقول في قصيدته تلك: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيتُ ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيتُ وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ كيف جئت كيف أبصرت طريقي؟ ! لستُ أدري وحيث أن تلك القصيدة مشهورة إلى حد أن وضعت في مناهج النصوص في كثير من الدول العربية مع ما فيها من انحراف وإلحاد. فقلت هذه الأبيات رداً عليها: أنت حي قد براك الله في هذا الوجود أنت حر غير أن الله أعطاك الحدود فتبصر في طريق دربه فيه السعود لو سمعت الحق يوماً فتتبعت كلامه سوف تدري إن بعد الموت هولاً وظلاما للقبور للذي قد حاد كبراً عن هتافات النذير والذي قد قال حقاً لظلام القبر نور أتراكم في نعيم؟ أم تراكم في جحيم؟ ! سوف تدري فطريق الخير معروف بنور شع منه وطريق الشر شوك من رآه فر عنه فلماذا تهت درباً أنك قد جئت منه أترى الإنكار غنم؟ أم ترى الإنكار جرم؟ سوف تدري إن بعث العظم حق ستراه صار حقا وترى ما كان يخفى وترى ما كان دقا سوف تدري عندها أن كل شيء كان صدقا فلماذا أنت تدري؟ ثم كبراً تتمطى لستَ تدري أوما بالعقل فكر أن هذا الليل يسري ثم من بعدُ يعود وكذا فالعمر يجري وهو حق ليس يذكر فلماذا لستَ تدري لستَ تدري، لستَ تدري ولماذا؟ لستُ أدري

стр. 1622

الورقة الأخيرة لهاث المهزومين تركي المالكي حيثما قلّبت نظرك في ركام الإصدارات الإعلامية المختلفة، تجد نَفَس المهزومين ولهاثهم يفترش مساحات لا تنتهي من الورق المصقول.. إنهم جميعاً يحاصرونك بكل ما يملكون من أدوات كتابية كي يقولوا لك في النهاية: استلقِ على ظهرك وجهز عنقك للذبح! أوفاقبل بكل ترحيب أن تكون صلصالاً من عقل وعاطفة يشكلهما من يسيطر عسكرياً على اللحظة الزمنية الحالية كيف شاء، ويوجههما حيث شاءت أهدافه وثقافته! .. وهما خياران وحيدان لدى هؤلاء: إما الاستسلام والقبول المطلق بالانضمام إلى قافلة العبيد في إقطاعيات المستعمر الغربي! أو الموت قتلاً تحت أقدامه العسكرية، أو جوعاً وراء جدران حصاره الاقتصادي. وأي طرح غير هذا الطرح يُسّمرونه مباشرة في جدران التهويمات الميتافيزيقية، وأحلام الليل غير القابلة للتحقق! أو يوسم بأنه جزء من الشعارات التي يرفعها المتطرفون لخداع الجماهير وتسلق سلم السلطة! هذا اللهاث المحموم الذي يدعو الأمة إلى عرض ذاتها مجاناً في مزاد الحضارات حتى تكسب رضى الآخر الغربي، عسى أن يدخلها في قائمة المتحضرين من الأتباع لم يكن في يوم من الأيام أكثر جرأةً (وتمكينا!) مما هو عليه الآن، ولعل الحاجة ماسة إليه كي يمهد الأرض الثقافية والنفسية للتطبيع القادم! . حتى رهبان القومية السابقين دخلوا علناً (بورصة الدولار) بعد أن احترق الروبل! ، وأصبحوا يدعون إلى (دمقرطة المجتمع) قبل (دمقرطة السياسة) ، ويفيضون في الحديث عن نسبية الهوية، وقبولها للتغيرات المختلفة بحسب طبيعة المرحلة التاريخية المعينة ومزاجها العام! فليس هناك ثوابت مطلقة وكل شيء قابل للتغيير، ثم يجعلون من الارتماء في حضن العدو وإدارة الخد الآخر له حتى يستنفذ رغبته في الصفع! إفاقةً عقلانية، تتعامل مع الواقع بلا تزييف، أو علامة صحة زعموا تخلصت الأمة بها من أوهام الأدلجة! إنها لغة المهزومين.. أما الأسياد فهم هناك يتحدثون عن نهاية التاريخ ووقوفه خاشعاً عند أقدامهم الليبرالية! وحين لا يصدق الواقع أحلامهم يعودون إلى رسم مشاهد لصراع الحضارات وإعلان النفير ضد العدو الإسلامي القادم، ولو كان كل عتاده اليوم (شريط كاسيت) ! ! .

стр. 1623

شعبان - ١٤١٤هـ يناير - ١٩٩٤م (السنة: ٨)

стр. 1624

كلمة صغيرة دينكوشوت جديد أصحاب المبادئ يستميتون في الدفاع عن مبادئهم والدعوة لها وإن كانوا على باطل، فكيف إذا كانوا على الحق؟ لا شك أنهم أولى بالصمود والدعوة لمبادئهم والدفاع عنها حتى آخر نفس وبالتي هي أحسن.. ومازال المبطلون - كعادتهم - يشيعون الشر والفاحشة في الذين آمنوا ربما ليكونوا شيئاً مذكوراً، ومن هؤلاء (سلمان رشدي) و (علاء حامد) ، ويأتي أخيراً (د. حامد نصر أبو زيد) ليهاجم الإسلام ساخراً من مسلماته وتاريخه وأعلامه، ويتيح له الإعلام العلماني المجال بحرية ليحارب بسيف (دينكوشوت) وقد افتضح وكشفت أوراقه الأخيرة، إلا أن مما يذكر فيشكر ما قام به الكاتب (محمد جلال كشك) من نقد لمنهجية المذكور حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ﵀ بنوبة قلبية وهو يناظره إعلامياً. حسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 1625

الافتتاحية الصحوة الإسلامية بين وعد الله.. وكيد العبيد التحرير الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.. وبعد: لم تكن بدايات نهضة أمتنا هي (الحملة الفرنسية) على مصر كما يزعم ذلك تلامذة التغريب من كتاب التاريخ المعاصر. إنما كانت تلك حملةً صليبية تهدف إلى ضرب الأمة في الصميم يوم صبت جام غيظها وحقدها على رمز أصالة الأمة ومعقل قيادتها، حينما دخلت خيلهم الأزهر تغتال وتستبيح حرمة المسجد، وتنتهك دماء الأبرياء، وكانت ثورات الشعب المصري الوطنية ذات منطلقات إسلامية، وإن فشلت في المقاومة لأسباب معروفة لا يتسع المجال لذكرها، ولم يلبث أن قام الاستعمار الإنجليزي على أنقاض الاستعمار الفرنسي، ليؤدي رسالته الصليبية في التغريب التي لاتزال مصر إلى الآن تعاني من آثارها العلمانية الخطيرة في التعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة.. ومع أن الدعوة السلفية في الجزيرة العربية التي هي مصدر من مصادر النهضة الإسلامية المعاصرة قد أوقف مدها (محمد علي والي مصر) لأسباب سياسية بحتة، إلا أنها تركت بصماتها وآثارها الإيجابية على كل الحركات الإسلامية فيما بعد في جل ديار الإسلام، عودة إلى الله واعتزازاً بالإسلام منهاج حياة، مما ساهم في بزوغ ما اصطلح عليه بالصحوة الإسلامية. وهذه الصحوة ليست على مستوى الشباب فحسب كما يتوهم الكثيرون وإنما عمت فئات الأمة كلها. * تأثير الصحوة الإسلامية في أعيان من الأمة ومن ذوي الشأن فيها. *نشوء الجماعات والحركات الإسلامية في جل البلدان. *التزام الشباب في المدارس والجامعات واعتزازهم بالهدي النبوي. *هداية نفر من كبار الكُتّاب والمفكرين والصحفيين ممن عُرِفَ بالإلحاد والانحراف. *نشوء الجمعيات والمراكز الدعوية الإسلامية في داخل العالم الإسلامي وخارجه. *إسلام كثير من العلماء والمفكرين الأجانب. *الدعوة إلى أسلمة المعرفة والانعتاق من هيمنة الفكر الوافد. *كسب الإسلاميين ثقة العاملين في النقابات وجمعيات النفع العام وتسنم قيادتها من خلال ترشيح أعضاء النقابات لهم. ومع هذه المعطيات الكبيرة للصحوة التي أظهرت عزة المسلمين، وبينت مدى قوتهم بالانتماء لدينهم وموالاتهم لإخوانهم ومفاصلتهم لأعدائهم، انكشفت للأمة جمعاء حقيقة دعاة التغريب والتبعية، وظهروا أقزاماً وبانوا أذناباً لا تهمهم سوى مصالحهم الذاتية، ولا يعنيهم سوى تنفيذ مخططات أسيادهم، فخسروا مكانتهم وهم الذين طالما خدعوا الأمة بدعاويهم وشعاراتهم. كل ذلك قذف الرعب في قلوب الذين كفروا فكانت حملاتهم ضد الصحوة وضد الشباب الإسلامي، وقامت وسائل الإعلام الأجنبية بحملات غريبة متهمة الإسلاميين بالتعصب والجمود والإرهاب والكراهية ... حتى قالوا: (إن الخطر على الغرب ليس من الشيوعية بل من المسلمين المتعصبين الذين تعاظم نشاطهم بشكل مذهل رغم كل ما أوقع بهم في المنطقة من محن وتنكيل) ، وقام تلامذتهم المستغربون والأذناب في الصحافة العربية بحملات إجرامية ضد الإسلاميين تقوم على الكذب والتزوير وترديد مقولات المستشرقين والمبشرين، وتمثلت تلك الحملة الظالمة في عدة محاور: أولا: الإيحاء للحكام في المنطقة الإسلامية بخطر موهوم وراء كل تحرك إسلامي، ودعوى أن دافع أي تجمع للإصلاح إنما وراءه أهداف بعيدة أول ما تنال نفوذ ذوي النفوذ. ثانيا: إلصاق تهمة الإرهاب والتطرف بدعاة الفكرة الإسلامية بدون استثناء. ثالثا: التعتيم على الحركة الإسلامية وادعاء أنها ردود أفعال متشنجة وشعارات جوفاء ليس إلا، كما يزعم ذلك أمثال (محمد أركون) و (فؤاد زكريا) و (زكي نجيب محمود) وأضرابهم. وقامت وسائل الإعلام المسموع منها والمرئي والمقروء بالضرب على تلك الأوتار من أجل تحقيق الأهداف التالية: ١- ضرب كل توجه إسلامي في البلاد العربية والإسلامية، مما يؤدي إلى ردود أفعال يائسة يكون ضحيتها الكثيرين كما هو مشاهد ومعلوم. ٢- أن تعيش الدول الإسلامية بعامة والعربية بخاصة أجواء مضطربة حينما تنزع الثقة بين الحكام والمحكومين مما يجعل أولئك الحكام في حاجة ماسة للأجنبي. ٣- فقدان الدول الإسلامية للطاقات العلمية والإصلاحية القادرة ذات التوجه الإسلامي لاضطرارها للهجرة ومغادرة ديار الإسلام. ٤- تشجيع التيارات العلمانية ليكون رموزها هم المقربين من المتنفذين وصناع القرار ليكون أول قراراتهم ضرب أي توجه إسلامي مهما كان انتماؤه ومنطلقاته. الغريب أن تلك الأجواء المضطربة التي يشجعها أولئك الأعداء لا نجدها إلا في العالم العربي والإسلامي، بينما نجد بلدان الغرب تعيش ديمقراطية نسبية حتى اضطر كثير من الإسلاميين للهجرة إليها اضطراراً أمام كبت الحاكمين بأمرهم ومضايقتهم لهم، أما إذا اضطهد أو أوذي أي ملحد أو علماني فإننا نجد وسائل إعلامهم تشنع على ما يحصل ضد أولئك، بينما تصاب بالصمم والخرس حينما يضهد ويعدم وينكل بدعاة الإسلام، وربما حصل احتجاج لطيف من جمعيات ما يسمى بحقوق الإنسان التي نسيت أو تناست حقوقاً أهدرت لشعوب بأكملها في البوسنة والهرسك، وكوسوفو، والسنجق، والهند والفلبين، وكشمير، وفلسطين، وغيرها. ورعب الغرب وخوفه من التوجه الإسلامي والصحوة الإسلامية للشعوب ناتج من اعتبارهم الإسلام والمسلمين العدو الحقيقي الذي إن مكن له وفتحت الأبواب أمامه ستسقط إزاءه كل الأصنام وكل الحاكمين بغير ما أنزل الله، وحينها لن يكون للغرب ولا للشرق عملاء في المنطقة يحركونهم كقطع الشطرنج، وهذا مصدر خوفهم. إننا بحمد الله نعلم أنهم أعداؤنا كما يصفهم الله تعالى: [ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم] (البقرة: ١٢٠) ، وقوله تعالى: [ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا] (البقرة: ٢١٧) فهذه حقيقة نعلمها ونعيها. وعزاؤنا أن ما يتعرض له التيار الإسلامي من مصادرة لفكره واستباحة لأعراضه وقتل وسجن وتشريد.. إنما هو ضريبة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله. إننا نذكرالمناوئين للتيار الإسلامي بأن الله متم أمره لأن الله تعالى يقول: [هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون] (الصف: ٩) ، فاحذروا.. ثم احذروا.. وإلا فالموعد الله وحينها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..

стр. 1626

من قضايا العقيدة منهجية أهل السنة في دراسة العقيدة وتدريسها خميس بن عاشور إن من ضروريات المنهجية العلمية السليمة إدراك الموضوع قبل ... دراسة أي مسألة؛ لأن تحديد موضوع القضية من شأنه أن يمهد السبيل لتصور الطريقة الصحيحة التي تقود نحو الهدف والغاية المنشودة، والعقيدة الإسلامية باعتبارها علماً من العلوم الشرعية لا تنطبق عليه المناهج العقلية انطباقاً كلياً؛ لأننا بذلك نفقدها أهم ميزة تميزها وهي خاصية المصدرية الإلهية، ولكي نحول دون هذا الانزلاق المنهجي، فإنه يجب تطبيق المنهجية الشرعية في دراسة العقيدة الإسلامية كموضوع أولاً ثم كغاية ثانياً، وذلك لكي لا تتحول هذه العقيدة من وضع إلهي إلى وضع بشري، كما حدث فعلاً لدى الكثيرين من المهتمين بالعقيدة الإسلامية. إن أهم خاصية كما سبق للعقيدة الإسلامية أنها إلهية المصدر ومعنى ذلك أنها تعتمد على التوقيف موضوعاً وغاية، لذلك فإنه باكتمال الدين الإسلامي وتمامه تكون العقيدة الإسلامية قد كملت وتمت، وينبثق عن ذلك قاعدة نجد أنفسنا مرغمين على التسليم بها، وهذه القاعدة تقول: لا اجتهاد في العقيدة الإسلامية، باعتبار أننا نعرف العقيدة على أنها: مجموعة من القضايا التي نؤمن بها إيماناً لا يتطرق إليه الشك أو الريب، إن هذه القاعدة منبثقة بدورها من القاعدة العامة التي تقول: إنه لا اجتهاد مع النص، وباعتبار أن العقيدة تعتمد على التوقيف أي على النص الشرعي، فإنه يؤول الأمر إلى الإقرار بهذه القاعدة، وقبل أن نحدد قضايا هذه العقيدة فإننا يجب أن نسلم كذلك بأن قضايا العقيدة الإسلامية محدودة بمحدودية النصوص، وعدم اتساع هذه القضايا عن طريق الاجتهاد؛ لأن ذلك يؤدي إلى التقدم بين يدي النصوص الشرعية مثلما وقع فعلاً عند فئة من المتكلمين وخاصة المعتزلة الذين تجاوزوا النصوص التي هي الإطار الثابت للعقيدة الإسلامية، وبالتالي زادت قضايا العقيدة عندهم من وجه ونقصت أو بعبارة أدق تقلصت من وجه آخر. إن القول بجواز الاجتهاد في العقيدة هو من جهة أخرى خرق لمضمون آية قرآنية تقول: [يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسٍؤكم ... ] [١] وكذلك قول النبي ﷺ : (إنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم «، وليست العبرة هنا بخصوص السبب، ولكن بعموم اللفظ الناهي عن السؤال في المواضع التي سكت عنها الشارع، سواءً أكانت من مسائل الأحكام أو مسائل العقائد. إن البحث في الناحية القيمية لأي علم إنما تكمن في التطلع نحو الغاية والعقيدة الإسلامية علم شرعي له غايته التي تتمثل في العلم بالله سبحانه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً؛ وذلك من أجل غاية نهائية هي العبادة الخالصة المتمثلة في تحقيق توحيد الألوهية. قال تعالى: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] [٢] ولقد كانت الغاية من بعث الرسل هي وضع أسس العقيدة التي ترضي الله ، ولقد كانت دعوة أول رسول هي أن (اعبدوا الله مالكم من إله غيره» وكذلك كانت آخر دعوة لآخر نبي ورسول: [ولقد بعثنا في كل أمة رسولاْ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت] [٣] ولقد ورد عن النبي ﷺ أنه بعث معاذاً إلى اليمن وقال له: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله» ومن أواخر ما ثبت عنه كذلك حين ما حضرته الوفاة: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، وهذا تحذير من الشرك الذي هو نقيض التوحيد، وبالنظر إلى ما ورد من نصوص كثيرة في هذا الموضوع أي قضية التوحيد فإننا نقرر بوضوح أنه أول واجب على المكلف، وأنه أهم قضية من قضايا العقيدة الإسلامية على الإطلاق ولاسيما عندما نجد التحذير شديداً عما يناقضه من الشرك [ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين] [٤] ، وقال تعالى: [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء] [٥] . وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة) (متفق عليه) . ولقد اشتملت آية الكرسي على أنواع التوحيد الثلاثة، قال تعالى: [الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم] [٦] . ففي قوله تعالى (الله لا إله إلا هو) : توحيد الألوهية أي توحيد العبادة وفي قوله (الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم «، وقوله (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) ، وقوله (وهو العلي العظيم) : توحيد الأسماء والصفات، وفي قوله (له ما في السموات وما في الأرض) مع بقية الآية: توحيد الربوبية. ومن خلال استشفاف النصوص القرآنية والحديثية نجد أن قضية التوحيد هي القضية الرئيسة في العقيدة الإسلامية، وهي أول ما يجب على المكلف معرفته، ولكننا عندما نبحث عن أول قضية مهمة عند أهل الكلام نجدهم يقولون إن أول واجب على المكلف النظر والاستدلال، بل إننا نجد بعضهم يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يقول أبو هاشم الجبائي: أول واجب على المكلف الشك في الله، وذلك لأن المتكلمين من هذا الصنف اعتبروا قضية الربوبية هي القضية الرئيسة في العقيدة الإسلامية، فأكثروا من الأدلة العقلية وغيرها من أجل أن يقضوا على إمكانيات العقل في إثبات القضية العكسية كذلك، وهي الإلحاد الذي هو هنا بمعنى إنكار الخالق، لقد اهتم أهل الكلام بقضية وجود الله اهتماماً يكاد يطغى على مباحث علم الكلام، والناظر في كتب الكلام يحسب بادئ ذي بدء أن قضايا العقيدة الإسلامية محصورة في مشكلة الإيمان بالخالق ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً، ولكن عند الرجوع إلى القرآن الكريم كلام الله فإننا سرعان ما نجد أهمية هذه القضية في تذكير الإنسان بنعم الله، وكذلك جعلها دليلاً على توحيد الألوهية، وهي مركوزة في الفطرة حتى إن القرآن ليذكر أن الأنبياء تعجبوا من أقوامهم لما ادعوا إنكار الخالق [قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ... ] [٧] . إن الفرق بين اهتمامات علم الكلام واهتمامات القرآن فرق جوهري لأن ما يعتبره علم الكلام قضية كبرى لم يعتبره القرآن إلا قضية طارئة اتصفت بها بعض الشخصيات الطاغوتية، كشخصية فرعون الذي أراد بذلك ترسيخ سلطته » الثيوقراطية «عن طريق ادعائه الربوبية، وإنكار وجود إله غيره. لقد أثبت القرآن الكريم أن الإيمان بربوبية الله تعالى أمر فطري لا تنكره النفوس مهما تكبرت وتجبرت ظلماً وعلواً [وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماْ وعلواْ] [٨] ، وقال سبحانه في آية الميثاق: [وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين] [٩] . وقال: [فأقم وجهك للدين حنيفاْ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون] [١٠] . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة» وفي رواية: (على هذه الملة فأبواه يهودانه أوينصرانه أويمجسانه كما تولد البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) . وبعد: فإنه يتبين أن مهمة العقيدة الإسلامية وغايتها تربوية، أساسها التزكية عن طريق كشف الحجب، وإزالة العوائق عن الفطرة الإنسانية، وهذه العملية كفيلة بإحياء العقيدة في نفوس البشر عامة، ولقد دأب الأنبياء والرسل على العمل من أجل تحقيق هذه الغاية، وتزكية النفوس من أجل إرجاعها إلى فطرتها النقية التي تقر بالله رباً وخالقاً ومعبوداً، إن أوقاتاً كثيرة أضاعها أهل الكلام ولاتزال اليوم تضيع عبر المناهج الدراسية التي تتناول موضوع العقيدة وذلك لأن خصوم العقيدة الإلهية أحدثوا شبهاتهم واعتبروها أدلة كافية لإنكار الخالق وفي الوقت نفسه دافع أنصار هذه العقيدة عن عقيدتهم باستحداث مجموعة هائلة من الردود وبعد انقضاء الفترة الذهبية للإسلام تغيرت مناهج الاعتقاد فأصبح الإسلام وعقيدته عبارة عن شبهات وردود على تلك الشبهات، وانقلب الوضع من منهج العرض إلى منهج الرد، وهذا هو أكبر انحراف واستدراج تواجهه العقيدة الإسلامية اليوم عبر مناهج تدريسها، إذ لايزال علم الكلام والفلسفة عمدة أقسام العقيدة وأصول الدين في كثير من جامعات العالم الإسلامي العريقة، وأمام سيطرة المنهج الكلامي على دراسة العقيدة فإنه لم يبقَ إلا رصيد وحيد للاعتقاد الذي يرضي الله ورسوله، وهو رصيد الفطرة التي لم تتراكم عليها الشبهات، وبعد أن كان المسلمون ينهلون من مصدر الكتاب ومعين السنة أصبحوا اليوم لا يعرفون من العقيدة إلا ما جاء في «العقائد النسفية» أو «جوهرة التوحيد» وهما مثالان لما تدرسه أكبر الجامعات الإسلامية العريقة كالأزهر والزيتونة، رغم ما فيهما من مخالفات صريحة لنصوص الكتاب والسنة، ومتناقضات تنفر منها العقول، ولذلك فليس غريباً أن نسمع أو نرى عالماً من كبار العلماء أو شيخاً من كبار الشيوخ ينزلق في متاهات اعتقادية خطيرة لأن المقاييس لم تكن مأخوذة من نصوص الوحي الإلهي، بل أخذت من أقوال بشرية غير معصومة عبر تلك المتون والشروح المطولة أو المختصرة، التي يخلو معظمها من ذكر النصوص وخاصة الأحاديث الصحيحة منها. إن مصداقية العقيدة فيما بعد القرون الثلاثة المفضلة قد انتابها نوع من الفتور بسبب تدخلات العقل البشري وتمحلاته، وذلك أنه بعدما كان أساس الاعتقاد يعتمد على رصيد الفطرة، التي لا يمكن أن يمازجها شك أو ريب المستهدية بنور الوحي، أصبح الاعتقاد عبارة عن موازين عقلية جافة لا يمكنها أن تحدث ذلك التفاعل الوجداني الذي هو شرط لأي اعتقاد سليم، وبعبارة أخرى ما يمكن أن يكون أساساً للعقيدة الدافعة نحو السلوك والعمل بمقتضى تلك العقيدة حيث لا تناقض بين العقل والقلب مثلما يريد أهل الكلام عن قصد أو عن غير قصد حيث اعتمدوا على المنطق اليوناني ومغالطاته، ومن هنا نجد أنفسنا قد ألقينا حبل السفينة في محطة أخرى هي قضية الإيمان التي تدافع فيها العقل مع النقل بالرغم من أن هذا التدافع والتناقض ليس ممكناً أصلاً لولا اعتداءات العقل البشري على حدود الوحي الإلهي الذي يدعم ذلك الأصل القوي وهو الفطرة. وهناك حقائق شرعية جعلت الحقائق اللغوية محمولة عليها طبقاً للقاعدة التي تقول يحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، والحقيقة الشرعية خاصة أو مقيدة ومسألة الإيمان لها جانب من هذه المعادلة، فلفظ الإيمان من الألفاظ التي قيدها الاصطلاح الشرعي فحملت عليه، فمثلاً الحج في اللغة معناه القصد، والصلاة في اللغة تعني الدعاء، وكذلك الإيمان معناه في اللغة التصديق، وأما بعد ورود الشرع فقد أصبح المعنى في كل هذه الأمثلة خاصاً فالحج عبارة عن أقوال وأعمال مخصوصة في أماكن وأزمنة مخصوصة والصلاة كذلك صارت مجموعة من الأقوال والأعمال تبدأ بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالتسليم، وأما الإيمان فإن مسألة الاختلاف في تعريفه إنما ترجع إلى إمكانية تسليم المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي الشرعي؛ لأن الذين خالفوا تعريف أهل السنة والجماعة أي السلف إنما تمسكوا بالمعنى اللغوي وهم بذلك أهدروا الحقائق الشرعية النصية التي أدخلت عليه خصوصيات أصبحت ملزمة لا يمكن أن نتجاهلها، وذلك بالنظر إلى مقاييس الكتاب والسنة الصحيحة. إن الاختلاف في تعريف الإيمان أنتج مواقف فرعية وخاصة فيما يتعلق بعنصر العمل الذي يراه أهل السنة جزءاً يدخل في مسمى الإيمان الاصطلاحي وكذلك يرى المعتزلة، غير أن الفرق بين الموقفين أن المعتزلة اعتبروا العمل جزءاً لا يتجزأ منه وفقدانه يعني بالضرورة فقدان الإيمان كله، بينما يرى أهل السنة أن العمل جزء من الإيمان، لكن الإيمان يتبقى، فقد يزول العمل ويتبقى أصل الإيمان؛ لأن الإيمان شعب متعددة لا شعبة واحدة، وفي مقابل ذلك يرى المرجئة بمختلف تياراتهم من أشعرية وماتوريدية أن الإيمان هو التصديق وبالتالي تمسكوا بالمعنى اللغوي، وقالوا إنما الأعمال هي نتيجة لذلك، وليست جزءاً من مسمى الإيمان، ولذلك قالوا إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومع أن هذا مصادمة لنصوص الكتاب والسنة مصادمة مباشرة فإن سبب ذلك لاشك يرجع إلى ما فرضه العقل الأرسطي على هذه القضية الاعتقادية، وما قد يؤدي عندهم من انعدام الإيمان مادام عرضة للزيادة أو للنقصان. إن تجاهل الحقائق الشرعية هو المزلق الذي انزلق فيه أهل الكلام في دراساتهم لمسائل العقيدة، ولذلك نجد تعاريفهم لمختلف القضايا تختلف دائماً عن تعاريف أهل السنة والجماعة الذين يستخرجون تعاريفهم بعد عملية استقراءٍ لنصوص الوحي، وذلك لكي يتجنبوا ما قد يكون متعارضاً مع هذه النصوص ودلالاتها، وكما سبق في تعريف التوحيد عند أهل السنة حيث نجد أنه إفراد الله بالعبادة وإثبات صفاته التي تغاير مخلوقاته، وفي خلقه وتقديره لأفعال العباد، وذلك وفق ما دلت عليه النصوص، بينما يرى أهل الكلام أن التوحيد هو نفي الشبيه عن الله ولا يركزون بتاتاً على توحيد الألوهية الذي هو معنى شهادة لا إله إلا الله؛ وحتى لا تهمل كثير من نصوص الوحي، وحتى لا يضرب بعضها ببعض فإن أهل السنة يجعلون العمل هو المتغير الذي يميز الدالة الإيمانية، فالإيمان يزيد بالعمل الصالح من الطاعات والعبادات المختلفة وينقص بالمعاصي وترك العمل الصالح، وهذا على وفق ما اقتضاه الشارع الحكيم واضع العقيدة الإسلامية من تفاوت المؤمنين في إيمانهم تبعاً لتغير الدالة الإيمانية، وبالتالي كان الجزاء متناسباً مع درجة الإيمان، فكانت الجنة دار النعيم درجات أعلاها الفردوس وهي مقام الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. إننا نعتبر مقياس زيادة الإيمان من ناحية مقياساً موضوعياً وذلك حينما نجعل العمل هو المقدار والكم الذي يزداد بزيادته، ولكن في الواقع مقياس زيادة الإيمان ونقصانه يعتمد على النسبية النفسية؛ لأن تفاعل كمية العمل الصالح والطاعات مع الوجدان والقلب يجعل المؤمن يشعر بذلك شعوراً لا يساوره شك فيسارع إلى العمل الصالح بمختلف أنواعه؛ لكي يرفع درجات إيمانه، وهو الميدان الشريف للتنافس بين المؤمنين تطبيقاً لقوله تعالى: [وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين] [١١] ، فهذه المسألة إذن نسبية؛ مادام لها علاقة وطيدة بالقلب وبالوجدان. إن إيمان أهل الكلام يتصف بالجفاف، وعدم تفاعل العقل مع القلب ولكن بالنظر إلى عدم الانفصال الموضوعي بينهما فإن إغفال هذه الخاصية لا شك أنه يبعدنا عن إدراك الحكم الموضوعي الشرعي الذي أراده صاحب العقيدة وواضعها بما بثه من نصوص الوحي التي خاطب بها الناس كافة. ومن المفيد أيضاً في هذا الصدد أن نعرج لكي نتطرق إلى كلمة في المنهج فهناك أسئلة قد تفرضها هذه المنهجية منها السؤال الذي مفاده: لماذا ندرس العقيدة ونسعى إلى معرفتها؟ والسؤال الآخر وهو: كيف ندرس هذه العقيدة؟ والجواب الذي يناسب المنهجية الشرعية المؤسسة على منهج السلف أهل السنة والجماعة هو ما كان مدعماً بالنص الإلهي، إننا ندرس العقيدة ونعمل على اكتساب معرفتها امتثالاً لقوله تعالى [فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك] [١٢] وهذا الامتثال هو العلة التي من أجلها خلق الله الخلق جميعاً [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] [١٣] ، إننا إذاً نعمل على اكتساب ومعرفة العقيدة لأن ذلك أمر، وامتثال الأمر عبادة، والعبادة الخالصة هي معنى لا إله إلا الله التي أمرنا الله أن نعلمها، من خلال ذلك فلا شك أن منهج معرفة هذه العقيدة الإلهية قد استبان واضحاً لكل ذي لب وفكر سليم وفطرة إيمانية نقية إن المنهج الواجب اتباعه في معرفة العقيدة التي ترضي الله ورسوله هو الذي يستند إلى قول الله ورسوله كذلك، فلا اعتقاد خارج هذين المجالين، وهذا ما اصطلح عليه بمنهج العرض، حيث تعرض العقيدة عرضاً أميناً ومن شأن ذلك أن يحافظ على إلَهية المصدر الاعتقادي الذي يتمثل في الوحي (كتاباً وسنة) . ثم إن الباحث المتخصص في الدراسات العقدية لاشك أنه يكون قد اكتسب عن طريق منهج العرض ما هو واجب عليه أمام ربه، ومن الموضوعية التي يتطلبها المنهج العلمي أن يواصل هذا الدارس المتخصص فينظر في عقائد الأمم من أهل الكتاب وغيرهم، ومن أهل الإسلام على اختلاف مصادرهم ومناهجهم الاعتقادية، ولا يكون ذلك ميسوراً إلا باتباع منهج يعتبر وسيلة وأسلوباً هو منهج النقد والرد والمقارنة، على أن يكون مقياس الحق هو النص الإلهي في الكتاب والسنة؛ من أجل ألا يوثر المنهج على المضمون الأصلي للعقيدة الإلهية. والله الموفق.

стр. 1627

مقال وحدة الأمة: معوقات وإمكانات د. عبد الكريم بكّار ظلت الوحدة المحور الذي يجذب مشاعر سلفنا أهل السنة والجماعة وأنشطتهم على مدار التاريخ، بل إن اسمهم يدل على ذلك، فهم متوحدون على السنة، وقد ضحوا في سبيل ذلك بتضحيات كثيرة، ليس أقلها تحمل عسف الظلمة والطغاة، وكيفوا كثيراً من اجتهاداتهم على نحو يجعل وحدة الأمة واجتماع الكلمة هدفاً أسمى، وحاجةً ملحة، لكن ضعف الشورى وضعف الدولة المركزية في بغداد، وعدم تطوير نظام إداري قوي مرن يحقق التوحيد في جوانب، ويحفظ الخصوصيات في جوانب، وأسباب أخرى أدت جميعها إلى تفتت الخلافة العباسية ووأدها على يد التتار عام ٦٥٦ هـ، وقامت بعد مدة الخلافة العثمانية، فجمعت شمل كثير من الدول والإمارات الإسلامية مرة أخرى. ونتيجة لتآمر كبير من الخارج، وقصور أكبر من الداخل سقطت الخلافة العثمانية، وتشتت شمل العالم الإسلامي، ووقع كثير من بلدانه في براثن الاستعمار الأوربي، الذي لم يخرج حتى شوّه كثيراً من البنى الفكرية والثقافية لتلك الدول المستعمرة؛ حتى لا تختلف كثيراً بعد خروجه عما كانت عليه قبله، بل إن بعضها ازداد حاله سوءاً! . لكن على الرغم من كل ما حصل ظلت أشواق الوحدة تضطرم في النفوس، وظلت الأبصار مشدودة نحو مستقبل لأمة الإسلام، يسوده الوئام والتناصر، ومع كل صدع يصيب كيان هذه الأمة على أي مستوى كانت تتصدع قلوب كثير من المخلصين الغيورين. فما هي العوائق التي مازالت تحول دون أي شكل واسع ذي قيمة من أشكال الوحدة، والتنسيق بين دول وشعوب العالم الإسلامي؟ نحن ننظر ابتداء إلى أن عقيدة التوحيد قادرة على جعل من يؤمن بها أمةً من دون الناس يحكمها منهج واحد، وتنتهي إلى غايات واحدة، كما أن تلك العقيدة بما يتبعها من أحكام ونظم تحدد أشكال التعامل بين هذه الأمة وبين غيرها من الأمم، وهذا كله يجعل تحقيق شكل من أشكال الوحدة بين شعوب العالم الإسلامي أمراً طبيعياً بدهياً، ولا سيما أن غير المسلمين ينظرون إليهم على أن لهم من التجانس والتميز ما يجعلهم جميعاً في خندق واحد. والعالم الغربي يسير اليوم بسرعة مدهشة نحو اعتبار كل المسلمين مهما تكن درجة التزامهم أصوليين متطرفين معادين! . وإذا كان الأمر كذلك فإن بروز أشكال من التعاون والتوحد بين الشعوب والدول الإسلامية قد يكون مرهوناً إلى حد بعيد بنضوج الصحوة الإسلامية المباركة وانتشارها وتمكنها، لكن هناك من العوائق والصعوبات ما يجب تذليله أو التخفيف من غلوائه قبل أن نتمكن من تحقيق ما نريد، ولعلنا نوجز فيما يلي أهم تلك العقبات: ١- إن حالة السكون والركود التي يعيشها كثير من شعوب العالم الإسلامي ستنتج دائماً التفكك والتمزق، فالانطلاق الراشد يؤمّن ترابطاً عجيباً بين سائر بُنَى الأمة ومؤسساتها، حيث تتمكن الأمة من حل كثير من المشكلات كما أنها لا تتوهم العناء حينئذ من مشكلات لا وجود لها. ٢- هناك علاقة حساسة بين الوحدة والحرية قد تصل إلى حد التضاد في بعض الأحيان، مع أن كلاً منهما يؤمّن حاجات أساسية للفرد والأمة، فالوحدة قيود قد تصادر بعض الحريات، وتستلب شيئاً من المكاسب، وهذا على كل المستويات، والناس حين يتحملون أعباء الوحدة وقيودها إنما يفعلون ذلك لما توفره من حاجات ومصالح، ولما تدفعه من مخاطر التشرذم، فإذا أحس متحدان (شعبان أو شخصان) أن أعباء الوحدة أكبر من منافعها صاروا جميعاً إلى التخلص منها، مهما تكن العواطف قوية نحوها! وهذا هو أكبر سبب أدى ويؤدي إلى الانفصال بين الدول والجماعات على مدار التاريخ (وهذا هو السبب الذي يؤدي إلى الطلاق بين الزوجين) ، وهذا يعني أن تفكيراً عميقاً ودراسات مستفيضة ينبغي أن تسبق كل شكل من أشكال التوحد؛ حتى لا يصبح ذلك الهدف الكبير من أهداف الأمة حقلاً للتجارب المخفقة. ٣- تتطلب الوحدة الإسلامية بروز قدرة حسنة على (التكيف) عند أفراد الأمة؛ إذ إن الوحدة تتطلب التنازل عما هو هامشي وصغير ومؤقت في سبيل تحقيق ما هو أساسي وكبير ودائم، وهذا يتطلب وعياً تاماً بمكاسب الوحدة وتكاليفها بل إن الأمر يتطلب في بعض الأحيان موقف تضحية من قبل بعض الشعوب والجماعات كما يضحي الشهيد بحياته، ويتنازل عنها في سبيل نصرة دينه ورفعة أمته، ولن يقدم على هذه التضحية إلا المؤمن الذي تمكن الإيمان من قلبه؛ فالفهم العميق والإيمان المكين شرطان لابد منهما لحصول ذلك، والنقص فيهما أو في أحدهما قد يؤدي إلى تصارع فئتين دعواهما واحدة. ٤- الفوارق الاقتصادية الكبرى بين كثير من شعوب العالم الإسلامي تجعل تحقيق الوحدة أمراً غير يسير، ويذكر في هذا السياق أن التبادل التجاري بين الدول الإسلامية لا يتجاوز ٤% من مجمل تجارتها، أما ال ٩٦% فهو مع دول غير إسلامية، وسبب ذلك أن الغرب ظل على مدار ثلاثة قرون يكيف حاجات الشعوب الإسلامية مع فوائض إنتاجه؛ حتى لا يجد المسلم شيئاً من حاجاته إلا في الغرب، أو في بلدان استوردته من الغرب! . ٥- على الصعيد الثقافي ذي الأثر الخطير في العلاقات بين الشعوب نلاحظ أن أكثر مناطق العالم الإسلامي هي مراكز لاجتياح العواصف والأعاصير الثقافية، فهذا بلد متأثر ببلد مجاور له غير مسلم، وهذا متأثر بمن استعمره، وآخر بمن أرسل إليه البعثات ... وهكذا. والوحدة حين تقوم لابد أن ترتكز على عدد من الركائز التربوية والثقافية إلى جانب الركائز العقدية والاقتصادية، وهذا ما نجده ضامراً إلى حد بعيد في كثير من بلدان العالم الإسلامي. ٦- يفتقد العالم الإسلامي اليوم النواة الصلبة القادرة على تبني الأطر الوحدوية وتعزيزها، والتي تمتلك في الوقت ذاته القدرات والإمكانات التي تجذب دول العالم الإسلامي وشعوبه نحوها، وإذا علمنا أن الظواهر الكبرى لا يمكن أن تنشأ إلا حول نواة تَنْشدّ إليها وتتحدد من حولها أدركنا الصعوبات التي تواجه الأعمال التوحيدية في العالم الإسلامي. ٧- شهد أكثر بلدان العالم الإسلامي نشاط تيارات، وطنية، وقومية، وإقليمية نبتت لتملأ الفراغ الذي خلفه انهيار الخلافة العثمانية، وهذه التيارات أفرزت فلسفات وأدبيات تمجد الكيانات الصغيرة، وتبحث لها عن أمجاد خاصة بعيداً عن الولاء للوطن الأكبر، مما يستدعي جهوداً فكرية وأدبية وثقافية كبرى تعيد بناء العلاقة السوية بين عالمنا الإسلامي الكبير، وبين الأوطان الإقليمية التي نعيش فيها، والأعراق والأجناس التي ننحدر منها. هذه بعض المعوقات التي تقف أمام خطوات توحيد العالم الإسلامي لكن لأن الوحدة في عمومها مطلب شرعي ومصيري فإن السعي نحو التقليل من أسباب الشتات والفرقة، وبلورة بعض الأطر والمؤسسات التوحيدية يظل هدفاً وهاجساً لكل الغيورين على هذه الأمة والمخلصين لهذا الدين. وبما أن الحديث موجه أصلاً إلى هؤلاء، فإن بالإمكان أن نذكر بعض الإمكانات المتاحة للأفراد والهيئات الشعبية والرسمية، مما يعد تمهيداً لجمع شمل الأمة على مستوى ما، وبكيفية من الكيفيات على الوجه التالي: ١- تحتل اللغة العربية مكانة هامة بين وسائل التوحيد، ومن ثم فإن المدخل الصحيح لكل أنواع التقريب بين المسلمين هو تعميم العربية بين الشعوب الإسلامية التي لا تنطق بها باعتبارها لغة أولى؛ إذ إن اللغة ليست وعاء فقط، لكنها وعاء ومضمون وقوالب للتفكير في آن واحد [*] ؛ وينظر المسلمون في بقاع الأرض إلى العربية نظرة إجلال وتقدير لكونها لغة كتابهم ونبيهم ﷺ وتراثهم الروحي والثقافي، وهذا يساعد كثيراً في الإقبال على تعلمها ونشرها، ومن واجب الجماعات والمؤسسات والهيئات المختلفة أن تسعى لإدخال العربية إلى مناهج تلك الشعوب باعتبارها لغة ثانية، كما أن من واجبها العمل على فتح المعاهد والمراكز التي تعلم العربية. ٢- من واجب الجماعات والمؤسسات الإسلامية أن تسعى إلى بلورة بعض الأطر الوحدوية كالاتحادات الإسلامية مثل (اتحاد المدرسين المسلمين، واتحاد التجار المسلمين) .. وهكذا، وهذا الأمر ليس باليسير إذا أدركنا أهميته، وفرغنا له الكفاءات والطاقات المطلوبة. كما أن من المطلوب منا أن نسعى في المنطقة العربية إلى إدخال لغة إسلامية، كالتركية، أو الأردية إلى مناهج تعليمنا، حتى نقيم جسور الأخوة والتفاهم بيننا وبين إخواننا. ٣- للدعاة الذين يجوبون العالم الإسلامي دور خطير في اكتشاف كل ما ينمي أوجه التعاون والتكامل بين بلدان العالم الإسلامي ثم الكتابة عن ذلك ونشره، لتتعزز معرفة المسلمين بالإمكانات التوحيدية المتاحة. ٤- العالم الإسلامي بحاجة إلى عدد من مراكز المعلومات والدراسات المرموقة التي تعنى بتثقيف الناس بهموم العالم الإسلامي، والكشف عن إمكاناته الاقتصادية والتجارية وغيرها؛ بغية حث الناس على توجيه طاقاتهم وتحركاتهم نحوها. ٥- في زماننا هذا قد يكون الاقتصاد في كثير من الأحيان هو ما تبقى من السياسة، بل إن السياسة تتجه لتتمحض لخدمة الاقتصاد، وفي هذا الصدد فإن من الحيوي لنمو الصناعات في العالم الإسلامي إقبال المسلمين على استهلاكها، وسد حاجاتهم بها، ونحن نقف في كثير من الأحيان من هذه المسألة الموقف المنكوس حيث ننتظر تحسن الصناعة حتى نقبل على استهلاكها، مع أن من أهم سبل تنميتها وتحسينها ارتفاع مبيعاتها، ونجد في هذا الشأن أن أبناء الصحوة لم يفعلوا شيئاً ذا قيمة في طريق تشجيع الناس على ش'راء المصنوعات الإسلامية: لا عن طريق الطرح في الإطار النظري ولا عن طريق القدوة الحسنة! . ٦- يتطلب توحيد العالم الإسلامي المرحلية والتدرج على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأقاليم، والكتل الإقليمية يمكن اعتبارها خطوات إيجابية على الطريق إذا قامت على النهج الإسلامي، وكانت مفتوحة، تشجع الانضمام إليها، وتنمي في الوقت ذاته أدبيات (الكل) الإسلامي المنشود. وفي الختام فإنني أعتقد أن الطريق شاق وطويل لكنه الطريق الوحيد الذي لا مفر منه، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة، وحين يتوفر الإخلاص فإن رحمة الله قريب من المحسنين.

стр. 1628

خواطر في الدعوة شبكة العلاقات الأخوية محمد العبدة ليس أغيظ للأعداء من أن يروا المسلمين المؤمنين متآلفين متآخين، وقد كان تماسك المجتمع الإسلامي الأول مما أغاظ المنافقين الحاقدين، وهذا دأب أعداء الإسلام في كل زمان ومكان، ولذلك مَنّ الله على رسوله بأن جمع قلوب المسلمين فقال: [وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاْ ما ألَّفت بين قلوبهم ولكن الله ألَّف بينهم إنه عزيز حكيم] [١] إن نظرة إلى الساحة الإسلامية اليوم لابد أن ترينا ضعف العلاقات الأخوية، وما يترتب عليها من انحسار الآمال وقلة المردود. كان رسول الله ﷺ شديد الحرص على الأخوة بين الصحابة، لا يحب أن يعكر صفوها أو يضعفها كلمة جارحة، أو كلمة تُنقل، وقد علّم المسلمين قاعدة في العلاقات الأخوية مخافة أن تقطع، فقال: «لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم سليم الصدر» . ومن حرصه ﷺ على هذه الأخوة ما قاله لأبي بكر ﵁ في كلمة بدرت منه لبعض الصحابة، فقد حدث أن مرّ أبو سفيان بن حرب بطائفة من المسلمين فيهم صهيب وبلال، فقالوا: (ما أخذت السيوف من عدو الله مأخذها، فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا لسيد قريش؟ وذكر أبو بكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: «لعلك أغضبتهم، لإن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك» ، فقال لهم أبو بكر: يا إخوتي، هل أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر) . ويعلق ابن تيمية على هذا الحديث فيقول: لأن أولئك إنما قالوا ذلك غضباً لله، لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله، والمعاداة لأعداء الله ورسوله [٢] . إن حقوق الأخوة كثيرة، ومنها: أن لا يكون في قلب الأخ سخيمة على أخيه، ولا يفشي له سراً، ولا يُماريه أو ينافسه، وأن لا ينقل له قدح غيره فيه وأن يقضي حوائجه، قال بعض السلف: «إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها، فذكّره ثانية فلعله أن يكون قد نسي، فإن لم يقضها فكبّر عليه واقرأ هذه الآية [والموتى يبعثهم الله] . ولا يكثر من العتاب، فإن كثرة العتاب سبب للقطيعة، كما أن قلته دليل على قلة الاكتراث وكذلك الزيارة، فإن قلتها تعقب الجفوة، وتحل عقدة الإخاء. إن تراكم الأخطاء في هذه العلاقات مما يشحن النفوس، ويوغر الصدور، ولذلك قال بعض علماء النفس المعاصرين: إن العقد النفسية ليست من داخل الفرد وإنما من العلاقات بين الأفراد. فلماذا لا نحافظ على الأخوة في الله التي تذكرنا بالآخرة، والتي تخفف كثيراً من أعباء هذه الحياة الدنيا؟ !

стр. 1629

دراسات تاريخية تاريخنا.. بين كيد أعدائه.. وإعراض أبنائه ! د. محمد بن صامل السّلمي التاريخ هو الوقائع والأحداث والأعمال الصادرة من الإنسان بدوافعه المختلفة ... أما معرفة الأسباب والبواعث والنتائج والربط بين الأحداث المختلفة فهو تفسير التاريخ، ويختلف التفسير للأحداث والأعمال من مؤرخ لآخر حسب المنهج الفكري الذي يسلكه، والعقيدة التي تحركه، والمعرفة الصحيحة لسنن الله في الأنفس والآفاق ولقضائه وقدره. وتاريخنا الإسلامي تعرض لحملات من الكيد والتشويه في تزوير الوقائع والأحداث، وفي تفسيرها وتوجيهها. فمن النوع الأول: الروايات المكذوبة التي لا أصل لها بالكلية، أو الأخبار التي لها أصل ولكن أضيف إليها ما ليس منها، أو أنقص منها حتى تؤدي الغرض المقصود من التشويه والتحريف، أو الوقائع والأخبار التي توضع في غير سياقها الصحيح. فمن الروايات المكذوبة التي لا أصل لها ما ذكره الطبري في تاريخه من رواية هشام بن محمد الكلبي عن أبي مخنف لوط بن يحى الأزدي في خبر المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعده، حيث ذكر أن علي بن أبي طالب في وقت المداولة في سقيفة بني ساعده: كان دائباً في جهاز رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[١] وهذا كذب لمخالفته للخبر الذي أخرجه البخاري في صحيحه من رواية مالك ومعمر من أن علي بن أبي طالب ﵁ قد لزم بيته [٢] ، وكذا ما ذكره من خطبة لأبي بكر في السقيفة يقول فيها مخاطباً الأنصار: «وفيكم جلة أزواجه وأصحابه» [٣] ، وهو كذب إذ أن النبي ﷺ لم يتزوج أنصارية قط فضلاً عن أن يكون جُلّ أزواجه من الأنصار، وكذا ما نسبه لأبي عبيدة ﵁ في قوله للأنصار: «يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدّل وغيّر» [٤] ، فقد تفرد بهذا أبو مخنف وهو رافضي كذّاب. وكذلك نسبته خطبة للحباب بن المنذر يقول فيها: «يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه؛ فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم، فأجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين [٥] . ومن ذلك أيضاً الرواية المشهورة في التحكيم التي أوردها الطبري في تاريخه من رواية أبي مخنف، وفيها قوله عن عمرو بن العاص يخاطب أبا موسى الأشعري:» إنك صاحب رسول الله ﷺ وأنت أسن مني، فتكلم وأتكلم فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدمه في كل شيء، قصد بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع علي « ... إلى أن قال:» أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا ... فقال عمرو: يا أبا موسى تقدم فتكلم، فتقدم أبو موسى فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نرَ أصلح لأمرها، ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع علياً ومعاوية، وتستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت علياً ومعاوية ... ثم تنحى، وأقبل عمرو بن العاص، فقام مقامه وقال: إن هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه، وأثبت صاحبي معاوية؛ فإنه وليّ عثمان بن عفان والطالب بدمه ... الخ « [٦] . فهذه الرواية رغم شهرتها إلا أنها باطلة لضعف رواتها، وعدم اتصال إسنادها ، ولمخالفتها للأخبار الصحيحة، فمثلاً قوله إن أبا موسى أسن من عمرو بن العاص ليس بصحيح، فقد توفي أبو موسى وعمرو في سنة واحدة وكان عمر أبي موسى ثلاثاً وستين سنة، وعمرو بن العاص يناهز التسعين فالأسن والأكبر هو عمرو بن العاص وليس أبا موسى، كما أن قوله بأنهما اتفقا على خلع علي ومعاوية غير مستقيم لعدة أمور منها: أن موضوع النزاع ليس على الخلافة بل على القصاص من قتلة عثمان وأيضاً أن علياً قد بويع بيعة شرعية صحيحة، وإذا تم ذلك للخليفة فإنه لا أحد يملك خلعه إلا أن يأتي بما يوجب ذلك، ولم يرتكب علي ﵁ ما يوجب خلعه من الخلافة. وأيضا فإنه قد وردت رواية صحيحة أخرجها البخاري في التاريخ الكبير وأخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق، تخالف هذه الرواية وهي أن الحكمين لم يتفقا على شيء محدد فيما اجتمعا له [٧] . ومن الأمور أيضاً: أن معاوية لم يكن خليفة حتى يخلع، وإذا كان القصد من إمارة الشام، فإن هذا أمر لا يملك الحكمان فعله، بل هو راجع إلى الخليفة فهو الذي يولي ويعزل الولاة [٨] . ومن الأخبار التي قد يكون لها أصل، ولكن أضيف إليها، وزيد عليها بقصد التشويه والتحريف، ما ذكره الطبري في تاريخه، قال: حُدّثْتُ عن هشام بن محمد الكلبي قال: حدثني عوانة ابن الحكم قال: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: والله إني لأرى عجاجة لا يطفؤها إلا دم! ! يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم! ! أين المستضعفان؟ أين الأذلان علي والعباس؟ ! وقال : أبا حسن أبسط يدك حتى أبايعك فأبى عليّ عليه فجعل يتمثل بشعر المُتَلمّس: ولا يقم على هون يراد به ... لا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسفِ مربوط برمته ... وذا يُشَجّ فلا يبكي له أحد قال: مزجره عليّ وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالم بغيت للإسلام شراً! ! لا حاجة لنا في نصيحتك [٩] . هذا الخبر له أصل، ولكنه ليس بهذه الصورة، فقد أخرج الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي: أن أبا سفيان لقي علياً بعد بيعة أبي بكر فقال: » يا عليّ علامَ هذا الأمر في أقلّ من قريش؟ ! فقال علي: وما شأنك وهذا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً، فطالما يا أبا سفيان بغيت على الإسلام وأهله «، فقد نهره علي بهذه الكلمة، وليس فيها تلك الإضافات والزيادات الطويلة التي زادها الكلبي أو عوانة بن الحكم، وهما من الرواة الضعاف والمتهمين في عدالتهم. ومن الأخبار التي توضع في غير سياقها حتى تؤدي غرضاً مشوشاً، أو تُبْتَر عن أسبابها، قصة ذلك الرجل المصري التي أخرجها البخاري في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه باب فضائل عثمان بن عفان ﵁ قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: هو عبد الله بن عمر قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنه تغيّب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمني: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك. فهذا الرجل كان منحرفاً على عثمان، وقد صورت له الأمور على غير صورتها وذكرت له بعض الأعمال التي فُصِلت عن أسبابها فتصور من ذلك حصول النقص والتقصير من عثمان ﵁، ولذلك انتبه ابن عمر لقصده وبيّن له الأسباب الموجبة لهذه الأفعال، وقرن كل مسألة بعذر عثمان فيها ثم قال له: الآن اذهب بها معك، فقد وضح الأمر وتبين عذر عثمان بن عفان ﵁. ومن النوع الثاني: تفسير الأحداث وتوجيهها حسب الأهواء والمعتقدات، وهو الميدان الكبير الذي عاث فيه الحاقدون على هذا الدين وأهله قديماً وحديثاً وبخاصة المستشرقون ومن تتلمذ عليهم وتأثر بهم، ومن انحرف فهمه ولم يرجع إلى أصول عقيدته ودينه، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً سواءً على الأفراد أو الدول أو المفاهيم والموضوعات الإسلامية. فمثلاً: حركة الرّدة التي وقعت بعد وفاة الرسول ﷺ تفسر من قبل الرافضة بأنها خروج على سلطان أبي بكر، وليست خروجاً من الدين والسبب كما يقولون: أنهم لم يجدو الإمام الحق بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو علي بن أبي طالب ﵁، ولذلك لم يطيعوا وينقادوا لأبي بكر. وتفسر في الدوائر الاستشراقية بأنها عصيان مدني على السلطة الحكومية ولا علاقة لها بالدين، ويتابعهم بعض القوميين العرب على هذا التفسير حتى لا يوصم العرب بهذا العار الذي هو الردة، وكذلك حركة الجهاد والفتوح تفَسّر بتفسيرات غريبة وبعيدة في الواقع عن الجهاد وواقع المجاهدين المسلمين وهدفهم الواضح، وهو إعلاء كلمة الله، وإدخال الناس في دين الله، فنجد من يفسر حركة الجهاد بأنها حركة طبيعية، فطالما خرجت هجرات من الجزيرة العربية لطلب الرزق وسعة العيش في بلاد الهلال الخصيب، لأن طبيعة الصحراء العربية طاردة للسكان، كما تفسّر بأنها استرداد لملك الساميين الذين يرجع العرب إليهم، أو أنها طلبُ للملك والسلطان، أو أنها استنقاذ للقبائل العربية التي كانت قاطنة في تلك المناطق وتخضع للرومان أو الفرس.. إلى غير ذلك من التبريرات والتفسيرات التي لا تمت إلى واقع المجاهدين المسلمين بشيء وإنما هي تصورات نابعة من فكر وتصور الكاتب والباحث، وبحسب ما يرى من أغراض الناس وأهوائهم وشهواتهم المتعددة التي لا تنضبط ولا تنحصر، أما المسلم الملتزم بشريعته فإن حركاته وأعماله وأهدافه محكومة بالشريعة الربانية ومتابعة لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-. وإن تاريخنا الإسلامي بحاجة إلى رجال أمناء حريصين على تاريخ أمتهم ويعرفون خطط أعدائهم وكيدهم المستمر، ويتلقون العلم من مصادره الصحيحة والمأمونة، ويتبعون في البحث والتحقيق منهجاً علمياً رصيناً، ولا يقبلون قولاً بغير دليل، ويفحصون كل ما يقدم لهم؛ حتى لا يقعوا فريسة لكيد أعدائهم. وأسأل الله أن يقيّض لهذا العلم من يخدمه، ويزيل عنه الغبش والتشويش، ويخرجه في صورة بيضاء ناصعة، كما هو الواقع الحقيقي لتاريخ أمتنا، وخاصة الصدر الأول والقرون المفضلة.

стр. 1630

نصوص شعرية ألمْ يَأنِ أنْ نصحو؟ ! د. محمد بن ظافر الشهري عجبتُ لنا مهما يحيقُ بنا نَسلُو ولو سُلِبَتْ أرضٌ ولو هَلكَ النسلُ ولو هتكَ الأوغادُ سترَ حريمنا ولو هُدِمَ الأقصى ولو طُرِدَ الأهلُ ولو رسموا أمراً بلبس صليبهمْ وقرعِ نواقيسِ الكنيسةِ لم نَألُ! كمثل غثاء السيل «مليارُ» مسلمٍ ... كما بَيّنَ المختارُ ذلك من قبلُ أرى أمةَ الإسلام قد طال نومُها قد افترشتْ ذلاً وألحفها ذلّ ولمّا تُحرّكها مصيبةُ طاجكٍ ولا نكبةُ البشناقِ إذ فَحُشَ القتلُ ولا غصةُ العذراء هَدّمَ خدرها وأسلمَها للعارِ راغمةً نذل تحاول أن تنسى ليرقَأ دمعُها ولو أنها تنسى لذكّرَها الحَمْلُ! مصائبنا تترى فكل مصيبةٍ على نائباتِ الدهرِ من قبلها تَعلو ولم تُنسنا كابولُ قصةَ قدسنا وجاءت سراييفو فأضحى بها الشغلُ! ذِهِلْنَا فلم نفطن لنظرتهم لها وكم زلةٍ للعينِ تتبعها الرّجلُ فعاث بها الأعداءُ كيف بدا لهمْ وقد فعلوا ما لا يصدقه عقلُ ودكّ بيوتَ الله أكفَرُ كافرٍ له الويلُ والزقومُ والنارُ والمُهلُ قد استنصرَ البشناقُ أبناءَ دينهمْ فكان جوابَ «القوم» حاصلُه الخَذْلُ! ولما رأينا الحرب قد طال أمرها وأُكثِرت الشكوى وألحفَت الرّسْلُ «أمَرْنا» جميع الغرب أن يأخذوا على ... يد الفيلق الباغي وإلاّ لهُ الويلُ! تضاحكَ أهلُ الشرق والغرب عندما نطقنا وقد يُزري بقائله القولُ نهددهمْ بالعزم فاستهزؤا بنا فهزلُهُمُ عزمٌ وعَزْمَتُنا هَزْلُ! ! وقالوا لنا كفوا عن الجهل واصبروا فمشكلةُ البشناقِ أنشأها الجهلُ! لقدخَبرَ الكفارُ قلةَ فعلنا وما قيمةُ الأقوالِ يخذلها الفعلُ؟ ! فعدناإلى البشناق نحمل خُبزَنا وماذا عسى يغني عن الميتِ الأكلُ؟ ! عَهدْنا إلى «غالي» بجود نفوسنا ... فَنَوّلَهُ الباغي على أنه جُعْلُ هُم طلبوا جيشاً يرابط عندهمْ ومطلبهم قوسٌ ومطلبهم نبلُ لقد عقد الكرواتُ والصربُ حلفهم لحصرِ بني الإسلامِ كي يُحكمَ القفلُ أرى النهرَ لا يجري إذا جَفّ نبعُهُ ولا يضربُ البتّارُ إن كُسِرَ النّصْلُ ولكنّ أشبالاً ببسنَةَ لم تزل تُباسِلُ أوباشاً ولا ييأسُ الشّبْلُ ألا ذَكَرَ الباغونَ موكبَ فتحنا غداةَ هزمناهم يرافقنا العدلُ سيشهدُ أطفالٌ وشيبٌ ونسوةٌ بفضل بني قومي وهل يُنكَرُ الفضلُ؟ ظهرنا فلم نهدم بناءَ كنيسةٍ فإن سيوفَ الله شيمتُها النّبلُ إذا برز المقدامُ نطعمه الردى ونخجلُ أن يُردَى بأسيافنا الفَسلُ وذلك لمّا كان يَحكُم شرعُنا إذا قال في أمرٍ فقولتُه الفصلُ فلما تحاكمنا إلى شرع غيرنا وصار إلى أعدائنا العقدُ والحَلّ تمكن جند الكفر من رأس أمرنا وكان لنا من أمر أمتنا الذيلُ ومهما يسوءُ الحالُ فالفألُ طيبٌ فإنّ رسول الله يعجبه الفَألُ لقد آنَ أن نصحوا فقد طَالَ فجرُنا على ليلنا البالي ولن يَثبُتَ الليلُ وها نحن قد عدنا إلى ديننا الذي على صفحة الحدباء ليس له مثلُ تَخِذْنا من الوحيين منهجَ دعوةٍ نبلغها ببضاءَ منطقها جَزلُ فإن نالنا الإيذاءُ فالصبر زادنا وكل الذي نلقاه من أجلها سهلُ فإنّ الذي رباه دينُ محمدٍ إذ قيل جُدْ بالنفس طابَ له البذلُ سننشرُ نورَ الدين في كل بقعةٍ ليسفرَ من أقباسه الوعرُ والسهلُ ونحمل رايات الهداية للورى فإن هلكَ الآباءُ يحملها النّجْلُ

стр. 1631

متابعات قراءة نقدية د. عبد الرحمن بن صالح العشماوي أعترف بدءاً أنني أخضع لمزاجية عجيبة في الكتابة النثرية، حيث تمر بي فترات طويلة وأنا أتهيأ للكتابة في موضوع ما من موضوعات الثقافة والأدب دون أن أتمكن من البدء في الكتابة فعلاً، فإذا تجاوزت هذه المرحلة وكتبت تعاملت مع الموضوع أو القضية تعامل الباحث الحريص على توثيق معلوماته فالحمد لله الذي جعل هذه الإيجابية تقابل تلك السلبية، ولله في خلقه شؤون. أذكر هذا لأقدم عذراً عن الأخوة في مجلة البيان إلى الأخوة والأخوات قراء هذه المجلة؛ إذ أنني وعدتهم حينما عرضوا عليّ الكتابة النقدية لما نشر من أعمال أدبية نقدية وإبداعية في أربعة أعداد من المجلة، وعدتهم بالكتابة، ثم مررت بتلك المزاجية المزعجة التي تنشأ أثناءها وحشة بين يدي وقلمي، حتى إذا شارف هذا الملحق الأدبي على الصدور وتوالت اتصالات الأخوة بي لإنجاز ما وعدتهم، يسّر الله لي اقتحام حاجز تلك المزاجية فكتبت هذه الدراسة على عجلة من أمري، وإنما أعتذر هنا عن مجلة البيان ليعلم الأخوة أنني السبب المباشر في حرمانهم من دراسة نقدية أعمق وأشمل كان بالإمكان أن يكتبها غيري من النقاد الإسلاميين المقتدرين. حينما قرأت البيان الأدبي في عدد (٦٧) الصادر في شهر ربيع الأول ١٤١٤ هـ ٩/١٩٩٣م، واجهت أول موضوع فيه بعنوان «نحو شعر إسلامي مبدع » للأستاذ إبراهيم بن منصور التركي، وبعد قراءة متأنية لهذا الموضوع برزت أمامي صعوبة كتابة هذه الدراسة النقدية التي يُفترض فيها أن تتناول ما نشر من أدب في أربعة أعداد من مجلة البيان، ذلك لأن موضوع «نحو شعر إسلامي مبدع» يحتاج إلى وقفات مع عدد من القضايا التي تثار بصورة مستمرة في المنتديات واللقاءات الأدبية وعلى صفحات المجلات، بل وفي بعض الكتب والدراسات النقدية، وهذه الوقفات كفيلة مع الاختصار أن تذهب بالمساحة المخصصة لهذه الدراسة النقدية، أو أن تذهب بجهد الكاتب وفورة نشاطه، فما يبقى بعد ذلك للموضوعات الأخرى مجالٌ أو نصيب من هذه الدراسة، وهذا ما جعلني أفكر في أمر هذه الدراسة النقدية ثم أصل بعد هذا التفكير إلى اقتراح أطرحه أمام الأخوة في مجلة «البيان» لعلهم ينفذونه، وهو: أن يقوم بهذه الدراسة النقدية عدد من الدارسين يختص كل واحد منهم بدراسة الإبداع الأدبي في عدد من أعداد المجلة، وفي هذا إتاحة الفرصة لعدد أكبر من النقاد، كما أن فيه تنويعاً في الدراسات النقدية، وإثراءً للملف الأدبي وتسهيلاً على الناقد، فآمل أن يعمل بذلك مستقبلاً. وأقول للأخوة والأخوات: إنني لن أستطيع أن أدرس هنا النصوص الأدبية شعراً ونثراً ولا الدراسات النقدية التي نشرت في الأعداد الأربعة الماضية من مجلة البيان، وذلك لعدم إمكانية إنجاز هذه الدراسة الشاملة ونشرها في مساحة محدودة ووقت محدود. ولربما اقتصرت دراستي هذه على مناقشة بعض القضايا التي وردت في المقال النقدي الذي أشرت إليه سابقاً «نحو شعر إسلامي مبدع» ، فأقول وبالله التوفيق: إنني أولاً أحتفل احتفالاً نفسياً كبيراً بكل دراسة نقدية إسلامية أراها، لأن الأدب الإسلامي بحاجة ماسة إلى الدراسات النقدية الجادة التي تتصف بالموضوعية القائمة على رؤية فنية شمولية وتصور إسلامي نزيه والإبداع الإسلامي في مجال الأدب نثره وشعره غزير غزارة المشاعر الإسلامية التي تملأ نفوس المسلمين في هذا العصر، ولكن المواكبة النقدية لهذا الإبداع ماتزال قاصرة عن دراسته وغربلته وتقديمه للناس أدباً بديعاً يرتقي بالأذواق ويحرك المشاعر، ويحقق المتعة، ويؤدي الرسالة. وقد سرني ما ورد في هذه الدراسة النقدية التي نحن بصدد الحديث عنها من إشارات فنية لها قيمتها في مجال الدراسات الأدبية، كما سرني ما أشار إليه الكاتب من ضرورة وجود رؤية إسلامية في الأدب تطهر الساحة الثقافية التي «ثملت من ماء الفكر الآسن المتلوث بمعميات العلمانية والقومية والعقلانية والتنوير وما أشبهها» . ولكن هذه الدراسة وقعت فيما تقع فيه كثير من الدراسات النقدية المستعجلة من أحكام عامة، ومن اعتماد على بعض الآراء النقدية الشائعة حول فنية النص الأدبي وجماليته ومدى مشروعية المنفعة في النص الأدبي، وتعارض هذه المنفعة مع «المتعة الفنية» التي يحققها الأدب لقرائه. ويحسن بنا أن نرتب القضايا التي وردت في هذه الدراسة ترتيباً يتيح لنا أن نناقشها مناقشة موضوعية نافعة: ١- قضية الفهم الناقص لإسلامية الأدب، وقد كان الكاتب على حق فيما ذكره من القراءات الخاطئة عند بعض نقاد الأدب الإسلامي، تلك القراءات التي اضطربت بسببها الأحكام النقدية التي أُطلقت على بعض الأعمال الأدبية، فالحق أن مسرحية «أهل الكهف» لا تمت إلى إسلامية التصور بصلة، ولا تتصل بالأدب الإسلامي بسبب من الأسباب وإن كانت تحمل اسم سورة من سور القرآن الكريم، وتُشير إلى قصة وردت موجزة في بعض آياته، وما قيل عن هذه المسرحية يقال عن المسرحية الشعرية «مأساة الحلاج» التي كتبها الشاعر الماركسي صلاح عبد الصبور ولكن هذه القراءات الخاطئة لا تعني اضطراب التصور الإسلامي في الأدب في ذاته، وإنما اضطراب التصور في ذهن بعض النقاد، على أن هذا الاضطراب قد بدأ يتلاشى بعد أن حظيت الرؤية الإسلامية في الأدب بعدد لا بأس به من الدراسات النقدية الجادة، والحوارات الهادفة. ٢- قضية فنية الأدب وجماليته وعلاقة ذلك بالمنفعة، أو بالهدف الخلقي وهنا بدأ يضطرب قلم الأخ إبراهيم، حيث جنح إلى التعميم بصورة أفقدت دراسته في هذه النقطة قيمتها النقدية، وقد بدأ هذا الاضطراب بقوله: «إذ لازال بعض من منظري الأدب الإسلامي ومطبقيه يصر على تكبيل الشعر والحد من قدراته الجمالية، تارة بإلباسه عباءة الهدف الأخلاقي، أو سربلته تارة أخرى في ثياب المكاسب النفعية المجردة» . وهذا الكلام بعيد عن حقيقة العلاقة بين جمالية النص الأدبي ونفعيته فهو متأثر بتلك الأحكام النقدية العامة التي تُطلق من أصحاب نظرة «أدبية الأدب» أو «شعرية الشعر» ، أو قبل ذلك جماعة الفن للفن، وهذا التأثر المقصود أو غير المقصود نقصٌ كبير يحدث خللاً في دراسة الناقد الإسلامي الذي يتصدى لدراسة النصوص الأدبية دراسة نقدية إسلامية وما كنت أظن أن الكاتب سيقف هذه الوقفة المضطربة عند «غائية الأدب» ونفعيته، فالمسألة عندنا واضحة لا تحتاج إلى أن ننقل بعض العبارات البعيدة عن حقيقة التصور الإسلامي في الأدب، فقول الأخ إبراهيم: «أرى أن الفن بكل مفرداته ليس إلا عملاً غائياً ينتهي عند تحقيق الإمتاع المشروع» ، إنما هي الشنشنة التي نعرفها من دعاة الفنية الخالصة في العمل الأدبي، الذين يرون أن غاية الأدب تحقيق المتعة الفنية «لأن الفن الخالص هو الذي يرفعنا إلى السعادة والمعرفة» على حد قول إدجار ألن بو. [١] إن الاضطراب في هذه القضية ينشأ من عدم الإدراك الواعي لمعنى غائية الأدب الإسلامي، تلك الغائية التي لا تدعو إلى الحد من قدرات النص الجمالية والتي لا ترى أن «عباءة الأخلاق» تحول بين الشاعر والإبداع الفني، ولا نريد أن ندخل في متاهات فلسفة الجمال وما يسمى بالإمتاع المشروع؛ لأن ذلك سيفتح أمامنا نوافذ أسئلة كثيرة لا يتسع لها المقام هنا. ولقد دفع هذا الاضطراب في الفهم الكاتب إلى أن يفصل بين الهدف الأخروي والهدف الدنيوي، وذلك أمر عجيب، فإن النص الأدبي الذي يحقق هدفاً أخروياً، إنما يحققه لما يحمله من هدف فيه منفعة عاجلة في الدنيا تكون هي السبيل إلى تحقيق الهدف الأخروي، إن الشاعر الذي يجعل جمالية النص الشعري وسيلة نحو هدف خلقي أو فكري أو إصلاحي شامل، هو الشاعر الذي يحقق غائية الأدب الإسلامي التي ندعو إليها، ولا أدري كيف يخطر بالبال أن أدبية النص لا تتحقق بشكلها الراقي إلا عندما يتجرد النص من النفعية، وقد كرر الكاتب كلمة «المكاسب النفعية» وهي كلمة عامة هنا تحتاج إلى بيان، فإن كان المقصود بها المنافع الشخصية التي يحصر الشاعر أو الأديب نفسه في إطارها، فهذه مسألة لها حديث آخر، فإن الأدب الإسلامي بتصوره الشامل لا يقبل أن تطغى هذه المنافع الشخصية على جمالية النص وإبداعه، بل إن هذه المنافع تقضي على القيمة الأدبية والمعنوية للنص، وإذا كان المقصود بالمكاسب النفعية الأهداف العظمى التي يرمي إليها الأديب من وراء أدبه، فإن هذه الأهداف هي التي تتعانق مع الجانب الفني في النص لإعطائه القيمة الأدبية. وهذه القضية دار فيها الحوار بين النقاد واختلفت فيها الآراء «فما مفهوم الجمال؟ وكيف يدرك؟ وما المقاييس التي ينضبط بها؟ وما نظرياته؟ وما فلسفته..؟» . لا شك أن الاختلاف في تفسير هذه المفاهيم راجع إلى تعارض المذاهب واختلافها وخاصة أن هذا العلم حديث لا يمكن إخضاعه للمناهج العلمية «. [٢] ومن هنا كان من الخطأ في دراسة الأخ إبراهيم أن يفرض رأيه على القضية فيحكم بأن نفعية النص الأدبي وغائيته عائقٌ من عوائق الفنية والجمالية فيه، مع أن الرأي الأصوب أن النص الأدبي يرقى إلى درجة النضج الفني عندما تنسجم جماليته مع نفعيته فلا تجني إحداهما على الأخرى؛ والمتعة الفنية ليست هي الهدف الأساسي في النص الأدبي، وإنما هي وسيلة تجعل للنص الأدبي قيمة خاصة عند المتلقي؛ لتصل من خلاله الرسالة التي يهدف إليها الأديب. فإذا كان» كانت «يرى أن للجمال بنية ذاتية في الفن، وأن جمال الفن يكمن في هذه البنية الفنية دون النظر إلى المضمون والغاية» [٣] ، فإن «ديدرو» يرى أن تصور الفضائل محبوبة والرذائل مذمومة هو واجب كل إنسان كريم؛ فبين الحق والخير والجمال وشائج، فيصير الحق جميلاً والخير جميلاً والصبر جميلاً والنافع جميلاً «. [٤] بل إن» تولستوي «يؤكد أن الفن» يستطيع أن يقدم النفع للبشرية بمقدار ما تقدمه أي وسيلة توصيل أخرى تكون نشطة في نفع البشر «. [٥] إن هذه الآراء التي صدرت من أدباء ونقاد بعيدين عن التصور الإسلامي تؤكد أن القضية عندهم داخلة في دائرة الاختلاف، وما استشهدت بهذه الآراء إلا لأذكر الأخ إبراهيم أن» نفعية الأدب «بمعنى» تحقيقه لغايات سامية «في الرؤية الإسلامية ليست بدعاً من القول، ولم يختص الأدباء الإسلاميون بطرحها، بل إنها قضية الفن بعامة والأدب بخاصة عند كل الأمم، وأحب أن أقول له: إن هذه الغائية ليست هي السبب في ضعف الجانب الفني في النص الأدبي، وإنما هي سبب من أسباب قوة هذا الجانب إذا توافر عليها أديب مبدع. ٣- قضية التقريرية والوضوح والخطابية التي سماها الكاتب» إثماً «وإنما الإثم أن نطرح الموضوعية ونلقي بها جانباً، ومسألة التقريرية والوضوح والخطابية مسألة واضحة لا أدري متى يقف فيها الذين يثيرونها عند حد معقول، فالوضوح والخطابية والتقريرية أمور نسبية لا تُعد في ذاتها عيباً، ولا يصح أن تُسمى إثماً وإنما تعاب عندما تتعارض مع فنية النص الأدبي، أو تأتي بصورة فجّّة خالية من روح الأدب وروعة تصويره وحسبنا هذا القول في هذه القضية فهي واضحة لا تحتاج إلى بيان. ٤- قضية» الوحدة العضوية «في القصيدة الإسلامية: وقد عجبت لما ذهب إليه الكاتب من وجوب التخطيط والإعداد المسبق للقصيدة وكأنه لايعرف معنى الشعر وكيف يكون، إن تشرذم القصيدة وشتاتها مرفوض، بل إن انضمام أبيات القصيدة إلى بعضها وتعانقها في أداء معنى عام سمة بارزة من سمات الشعر الإسلامي الجيد، وقد استشهد الكاتب بكلام للشاعر المبدع» محمود مفلح «قال فيه:» إنه لا يهندس القصيدة ولا يجلس لها ولا يستجديها «، وعد الكاتب هذا القول دليلاً على فقدان التلاحم في الشعر الإسلامي، وهذا أمر عجيب، فالشاعر محمود مفلح من أبرز الشعراء الإسلاميين، وأقدرهم على كتابة القصيدة الرائعة المتلاحمة فنياً ومضموناً، ومع ذلك فهو صادق فيما قاله من عدم هندسته للقصيدة، ولا علاقة بين هذا أبداً وبين تشرذم القصيدة وتشتتها، ولعل الكاتب قد خلط بين ما يصنعه الشاعر وما يجب أن يصنعه القاص أو الكاتب المسرحي، وشتان بين الأمرين. ٥- قضية الشعر الحر: والذي أعرفه أن أكثر الشعراء والنقاد الإسلاميين يتقبلون التجديد الإيقاعي بل ويكتبون قصائد تفعيلية رائعة، ويعجبون بالجيد من هذا الشعر، وليس الشعر» الموزون المقفى «عيباً بل هو ميزة كبرى إذا توافر له شعراء مبدعون، وقد أشار الكاتب إلى ذلك ولكنه وقع في تعميم آخر وما أكثر التعميمات عند الأخ إبراهيم حتى إني لأخشى عليه أن يغرق في بحر من التعميم لا شاطئ له ويبدو أنه يعاني من» جاهزية «الفكرة والرأي والموقف، ومن خلال هذه الجاهزية كان له موقفه التعميمي من الشعر الإسلامي، الذي أخذ يردد من خلاله ما يردده» الآخرون «من عبارات» الجمود الشكلي والجمود الدلالي والتسطيح «وغيرها، وربط ربطاً غريباً بين المعاني المستهلكة في شعر الغزل من وصف الخدود والقدود وصفاً مكرراً وبين المعاني التي تدور في أكثر نماذج الشعر الإسلامي المعاصر، حول اغتصاب أنثى: وتيتم طفل وإبادة الرجال والشيوخ، وعدّ هذه المعاني مستهلكة وشبهها بقصيدة أبي البقاء الرندي الباكية الحزينة. وأقول للأخ إبراهيم: قاتل الله النظرة الجزئية القاصرة إلى الأدب، كم تجني على آراء صاحبها، فشتان بين المعاني المستهلكة في الغزل، والمعاني المكررة في شعر القضايا الإسلامية المعاصرة، إنك تدعو إلى أن يغتال الشاعر لحظة التفاعل عنده، حتى يحقق لك رغبتك في كتابة قصيدة قائمة على» رسم هندسي «وتخطيط قائم على التتابع المنطقي على حسب قولك إنك تصادر رأي غيرك وهذا أمر خطير، ولا أريد لموهبة نقدية مثل موهبتك أن تموت في بوتقة » الجمالية الخالصة «التي تدعو إليها، إني أقرأ شعر المتنبي الذي يدور في مجمله حول قضية واحدة ألا وهي شعور المتنبي بالعظمة الذي يبرز في كل قصيدة يكتبها تقريباً، ومع ذلك فإن المتعة الأدبية تتحقق، وتشعر بالتجدد في هذا التكرار، وكذلك أقرأ ديوان محمود مفلح» حكاية الشال الفلسطيني «وديوانه الآخر» شموخاً أيتها المآذن «ومعظم قصائدهما عن فلسطين، فأجد المتعة الفنية بالرغم من تكرار الحديث عن القضية ثم من الذي قال إن الشعر الإسلامي ينحصر في الشعر المأساوي؟ ! إن دواوين الشعراء الإسلاميين تزخر بالشعر الوجداني، وشعر الغزل العفيف، وما عليك إلا أن تتصفح دواوينهم وتتابع إنتاجهم لترى الحقيقة التي تصفع التعميم وتُحرق أثواب العبارات النقدية الفضفاضة. [٦] ومع كل ذلك فإني أرى فيك شخصية ناقد، آمل أن تستقر على أرض صلبة من الرؤية النقدية الموضوعية، وما أحوج الأدب الإسلامي إلى دراسات نقدية تتناول نصوصه الشعرية والنثرية بالدراسة بدلاً من الدراسات القائمة على ترديد مصطلحات وعبارات نقدية تحتاج إلى تمحيص، والله المستعان. وأقول أخيراً، إن في العدد (٦٧) من مجلة» البيان «قصيدة من شعر التفعيلة للدكتور محمد بن ظافر الشهري بعنوان» برقية إلى بيقوفيتش «تتميز بإيقاعها الجميل، وتقوم على أسلوب الرسالة المباشرة من الشاعر إلى الرئيس (علي عزت) رئيس البوسنة والهرسك، كما أنها تعتمد أسلوب التداعي» تداعي الصورة والفكرة «، وقد أكسبها هذا التداعي تسلسلاً في طرح المعاني التي أراد الشاعر طرحها، مع مزاوجة بين الجدية المتمثلة في تعبير الشاعر عن الصلة الإسلامية القوية بينه وبين الرئيس البوسني، والسخرية المتمثلة في الحديث عن موقف العالم الإسلامي السلبي: » خذ منا شجباً! خذ تنديداً.. وخطاباً معتدل اللهجةْ. سيقولون: أطلب منا ما يطلبه المستمعون «. وإذا كان التداعي قد أكسب القصيدة التسلسل فإنه قد أوقعها في مشكلة اللهجة العادية في الحوار وكأن الشاعر يتحدث إلى الرئيس البوسنوي مشافهة في زيارة شخصية: » أعْلِنْهَا حرباً من أجل اللهْ صدقني.. لن تخسر شيئاً يذكرْ فسياستهم لن تتغيرْ «. ومع ذلك ففي القصيدة إضاءات فنية تستحق الإشادة، فتحية للشاعر الدكتور محمد بن ظافر الشهري. أما مقال الأخت: نورة السعد بعنوان» الإفك الثقافي والأدبي «، فقد كان بمثابة الصرخة التي تطلقها فتاة مسلمة تريد أن ترقى بذوقها الأدبي وأن يتاح لها الاطلاع على نماذج الأدب الإسلامي التي حالت دونها وسائل النشر المختلفة المنشغلة بنشر نماذج الآداب العالمية غثها وسمينها، والتي تأبى أن تفتح نوافذها للأدب الإسلامي.. وهذه الصرخة جديرة بأن تهز بعض القلوب الغافلة، وأن تنبه إلى الخطر الكبير المحدق بأذواق الأجيال المسلمة وثقافتها، والأخت الكاتبة تشير إلى قضية» المصادرة «التي تقوم بها أكثر وسائل النشر في العالم للأدب الإسلامي ونماذجه وأسماء مبدعيه: عشرات الصحف كتبت عن الشاعر الشيوعي التركي » ناظم حكمت «، ولكنها تجاهلت بشكل مفزع الشاعر الإسلامي المبدع» محمد عاكف «، لماذا هذا التجاهل؟ ! سؤال كبير تثيره الأخت نورة في مقالها، فهل من مجيب؟ ! ولقد كانت نظرة الكاتبة إلى» جمالية النص الأدبي، ونفعيته وغائيته « نظرة موضوعية هادئة، ولعل ما كتبته في هذا الجانب يُعد بمثابة التصحيح لبعض ما ورد في المقال السابق الذي ناقشناه في بداية هذه الدراسة. هنا أقف، وأكرر اعتذاري إلى الأخوة في» البيان «، وإلى الأخوة القراء لأنني لم أتمكن من تناول النصوص الأدبية المنشورة في الأعداد الأخرى (٦٨- ٦٩ -٧٠) ، وذلك بسبب ضيق المساحة وطول الموضوع. والله المستعان أولاً وأخيراً.

стр. 1632

نصوص شعرية ينادي الجدار الجدارا عبد الوهاب الزميلي - أ - ينادي الجدارُ الجدارا: [أيُسدِلُنا (السوطُ) فوقَ الدماءِ ستارا! وتُسحَقُ فوقَ الجباهِ.. جباهُ الحيارى؟ ! ويَلطِمُنا حسبة! إن بدا.. على الوجهِ آثارُ سيل الدماءْ.. (بغاثُ بن ظلمة وابن أُبَيّْ) ! ويركبُ فوق الظهورِ (حُيَيّْ) !] - ب - يَدُقّ الجدارُ الجدارا: [ألا غضبةٌ؟ .. نَفِرّ من الظلمةِ المبهمةْ.. ونهوي على قاعة المحكمة.. ونرفعُ راياتنِا حُرّةً.. على الرأسِ فوقَ ذُرى الملحمة] ويبكي الجدارُ الجدارا.. ويبقى الحيارى حيارى.. ولكن جمراً.. بثوبِ الرمالِ توارى! ويرثي الجدار الجدارا! وقبل انقشاع الضّباب.. رأى الكونُ شيئاً تَوَارَى؟ ! !

стр. 1633

نصوص شعرية سُؤرُ هَمّ ! سليمان بن عبد الرحمن العبيد أقول لأصحابي: ثباتاً لي الدّرب ستُفرَج من بعد الشدائد والكَربِ أقول لأصحابي: ثباتاً وإن أمُتْ فإني قتيل لليهودي والصّربي بقيةُ حزنٍ سؤرُ هَمّ تعددتّ مصادرُ إزعاجي من البُعد والقرب وأيّ بلادِ المسلمين نقيةٌ من الذبح والتخريب والمنهج الغربِي؟ ! لماذا بلادُ المسلمين تعودَتْ عذابَ دعاة الله بالحبس والضّرب؟ ! تسير بلادُ المسلمين بخُطّةٍ تنظمها صهيون يا خيبةَ العُربِ! أهينوا بنيكم معشرَ العُرب بينما بنونا بنو صهيون في ساحة الحَرب وآذوا الرجال الصامدين جميعهم ولا تتركوا غيرَ النعامة و (الخِربِ) إلهي غَرِقْنا بالمذلةِ والأسى فقيّضْ لنا شرقاً يَفُكّ من الغربِ! !

стр. 1634

المسلمون والعالم يهود.. وصريعان (ثم ينقضون عهدهم في كل مرة) د/ عبد الله عمر سلطان هدأ الضجيج والصخب وجاء وقت الاستحقاق.. اختفت الابتسامات البلهاء المريضة، وجاء دور اتساع الأحداق أمام الحقيقة المزعجة. تلاشت أغصان الزيتون التي كان يرشق بها «أزلام» المنظمة والحالمون بسلامٍ مع يهود جنود الصهاينة، وظهر الحجر والسكين بدلاً عنها! . بعض الحوادث والقصص تلخص الواقع القائم بكل تفاصيله، كما لا تفعل المقالات المدبجة والقصائد العصماء والخطب المجلجلة.. وإليكم مختصراً لقصة موحية لهذا الواقع المطل برأسه.. إنها قصة أحمد خالد أبو الريش، هذا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من العمر، كان أحد الناشطين في حركة فتح التي وقعت اتفاق المبادئ مع الصهاينة قبل أشهر.. وحين عودته من رحلته التاريخية تاريخية فعلاً من باب حجم الذل والانكسار صرح ياسر عرفات أن عدوه هو عدو السلام، وأن الاتفاق هو أضخم مكسب حققه الفلسطينيون على مدى تاريخهم..!! وصدّق أحمد خالد أبو الريش تصريحات زعيمه، أوليس هذا «الياسر» هو رمز القضية و «راهبها» الثوري؟ ! أوليس هو القائد الذي «يفهم» ما لا يفهمه كل من اعترض على اتفاقه مع يهود أو فكر في مناقشة بنوده؟ ! ولأن خالداً «منضبط» ، وقبل ذلك «رقم» مطيع كبقية العناصر الذين يُضحى بهم في سبيل «النصر» الذي تسعى إليه قيادة تونس، فقد شجع قرار «صقور فتح» (الجناح العسكري للمنظمة في المناطق «الفتحاوية» ) المحتلة الذي أوصى بإلقاء السلاح وإيقاف كل العمليات العسكرية بعد تسعة أيام فقط من توقيع اتفاق عرفات / رابين، وذلك بعد صدور قرارات زعيم السلام وعدو ... الإرهاب، الذي قال لشعبه بأن الإرهاب يضر بصحتهم؛ لذا فعليهم أن يمتنعوا عنه بناءً على نصيحة طبيب صديق اكتشفه «أبو عمار» في شارع بنسلفانيا في واشنطن يسمى «بيل كلنتون» ، لقد وصف تجربته معه بقوله: «لقد اكتشفت صديقا لنا في واشنطن» . صحيح أن العبارة «ملطوشة» من تصريح لرئيسة الوزراء اليهودية السابقة «جولدا مائير» ، لكن هل يغص الذي ابتلع دماء القضية الفلسطينية وثوابتها بعبارة مأخوذة من النبراس اليهودي الصديق؟ ! المهم أن المشكلة الوحيدة التي واجهت أحمد خالد أبو الريش، هي ملاحقة السلطات الإسرائيلية؛ له بسبب ماضيه السابق، وضلوعه في عمليات عكرت أمن المستوطنين الصهاينة في قطاع غزة، ولدى أول فرصة سانحة سارع أحمد خالد أبو الريش لتسليم نفسه إلى سلطات العدو الصهيوني، وسلم سلاحه أيضاً، تعبيراً عن «حقبة السلام» التي يهدد بتعكير صفوها مجموعة «المتطرفين الأصوليين» الذين هم «العدو المشترك» لطرفي الاتفاق: علمانيي المنظمة ويهود إسرائيل!.. وبعد ساعات قليلة من احتجاز أحمد أبو الريش خرج محمولاً على الأعناق في مظاهرة صاخبة طافت شوارع (خان يونس) معبرة عن بدء عصر جديد وصفحة أخرى تقول «العهد السلمي» بدأ.. وهذا أول الغيث! ! . وفي اليوم التالي بدأ أحمد يتصدى لكل من يشكك في «حجم الإنجاز» أو «استسلام القيادة» أو «طبيعة يهود» التي لا ترعى العهود والمواثيق.. ولم يمضِ أسبوع واحد على تسليم أحمد خالد أبو الريش لنفسه وسلاحه إلى قيادة اليهود حتى باغته جنود الوحدات الخاصة لجيش الاحتلال فأردوه قتيلاً يتخبط في دمه! ! صدّق خالد أن ليهود عهوداً.. وآمن أن السلام ممكن.. فدفع ثمن هذا دمَه وروحَه.. التي رهنها بيد قيادات العجز المتهاوية، وعلى بعد آلاف الأميال هناك في حمام الشط كان القادة الكبار يستقبلون الخبر ببرود، فدم خالد وأمثاله قربان بسيط لا يستحق أن يزعج «آباءُ النضال» أنفسهم به؛ لأن السلام أثمن وأعظم من أن يعكر صفوه دم شهيد آخر! ! فالشهادة في سبيل الطين والتراب ترخص أمام حياة الأباطرة التي يتمتعون بها، وروح (درزينة) أخرى من الشهداء قدر الثورة التي أصبحت ثروة يتمتعون ويتقلبون في أجواء الترف بسببها. ثم هناك أمر آخر أكثر خطورة من خبر تافه كهذا: إن القوم مشغولون في الإعداد للحل والترحال بين العواصم الإسكندنافية، وإيجاد مسالك لائقة لمقامهم في أريحا.. فسرير الرئيس الذي أعد بعد يوم واحد من توقيع الصك دليل دامغ على أن «النعش» الوطني هو القنطرة الوحيدة لإقامة «العرش» الذي صنعه يهود بمواصفات دولية فائقة المواصفات دقيقة التفاصيل. مشكلة أحمد خالد أبو الريش وأمثاله أن عليهم أن يدفعوا ثمن العرش دماً وروحاً وجراحاً في أكفان متتالية لا تثير قيادات الدم البارد، التي تُهيئ نفسها لطور الدولة/ الكانتون! ! قد أنبأهم ربهم: الذين يتحدثون عن نقض بني إسرائيل للعهد لا يتحدثون من فراغ، ولا ينطقون إلا بآيات محفوظة.. فيهود من خلال تعاملاتنا معهم منذ اليوم الأول قوم إذا بحثت عن أبرز صفة لهم برز لك «نقض العهد» كأول معلم لتلك الأمة وهذا أول ما يقفز إلى الذهن، الذهن النظيف واليقين المطمئن. لقد تولوا منذ أن بعثت الرسالة فيهم: [وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناْ وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناْ وأقيمو الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاْ منكم وأنتم معرضون] [١] . لقد كانت هذه الطبيعة ملازمة لهم عبر العصور، ورذيلة صارت طبعاً وسلوكاً.. إنهم الذين صدق قول الله فيهم وقوله الصدق: [أوكلما عاهدوا عهداْ نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون] [٢] . ولما كان قول الحق جل وعلا قرآناً يتلى.. ووعداً يتحقق.. جاءت الأحداث بكلكها مرة أخرى ترسخ يقين المسلم في هذا العصر القلق، بأن اصبر وصابر ورابط.. فبصرك ثابت وبصيرتك نافذة بحول الله! هل رأيتم كيف يتحقق وصف يهود أمام الأنظار مرة بعد أخرى؟ . لقد جاء موعد الانسحاب المزعوم من الأرض التي لا تساوي ٣ % من مجموع ما اغتصبه يهود من أرض فلسطين.. فإذا هم يتراجعون عن هذا الإنسحاب الطفيف التافه ويؤكدون غدرهم وخيانتهم، فلا وفاء ولا أمانة كما هو العهد بهم.. إنهم أمة لا تحترم قداسةً ولا تصون ميثاقاً.. كما نطق رابين بعد يوم واحد من موعد الانسحاب فقال: «قلت قبل عشرة أيام وأكرر القول: لا موعد مقدس» .. نعم بهذا اللفظ لا موعد مقدس.. ولا عهد مقدس! ! قال ابن جريج: (لم يكن في الأرض عهد يعاهدون إلا نقضوه.. يعاهدون اليوم.. وينقضون غدا) [٣] .. نعم عاهدوا قبل شهور ثلاثة ثم عادوا ينقضون دون خجل أو حياء. ولم يخفِ يهود نياتهم الخبيثة المبيتة بنقض العهد، كما هو دأبهم، فهذا (موشي شاحال) يصرح لإذاعة جيش إسرائيل: بأن الاتفاق الإسرائيلي/ الفلسطيني سيكون لاغياً إذا فاز المعارضون للاتفاق في انتخابات الحكم الذاتي! ! وصدق الله القائل: [أوكلما عاهدوا عهداْ نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون] [٤] .. هذه الآيات الرائعة تقف أمام حجج المهزومين الذين يروجون لهذا الحل العبقري! ! حين يتحولون إلى «حرس حدود» يقوم بحفظ أمن دولة الصهاينة وهم يراهنون أحياناً على العناصر المعتدلة و «الحضارية» ، كما وصفها عرفات في وجه المتشددين أمثال رابين ومن أبرز هؤلاء (شمعون بيريز) الذي شارك عرفات احتفال الأسبان في غرناطة بخروج المسلمين من الأندلس.. (ما أعظمه من احتفال ومن ذكرى تلقي بظلالها على مصير أهل فلسطين اليوم) ، لكن بيريز من خلال كتابه الجديد «الشرق الأوسط الجديد» يؤكد جذوره اليهودية الناقضة للعهود والمواثيق التي يوقعها مع شراذم العلمانية العربية المفلسة، ففي حديثه عن عودة الفلسطينيين إلى ديارهم يقول: «لن نسمح مطلقاً بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بغض النظر عما يثيره الجانبان من حجج.. ليس هناك فرصة لقبول ذلك الآن.. أو في المستقبل..» . وما أصدق من قال: «اليهود موسومون بنقض العهد وبالغدر، ولقد أخذ الله تعالى الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يفوا ... » . لقد برز المراهنون على صدق اليهود وحسن نياتهم عارين تماماً إلا من الوقاحة ومفلسين إلا من الدجل، وهذه الحقائق النافرة تثبت مرة بعد أخرى كذب اليهود وغشهم وخداعهم، وهذا أمر مستقر في النفوس، تحركه الأيام وتثبته الوقائع، ويصدقه الحديث النبوي الشريف. يا يهود قد أنبأنا الله بكم.. فهل تملك مناخل إعلام التطبيع حجب الحقيقة الساطعة؟ ! والقادم أحلك: هنا اليوم معادلة لها طرفان: طرف يزداد قوة وتجبراً، وطرف آخر يزداد ضعفاً وتراجعاً لتظل محصلة طرفي المعادلة متساوية: كلما ازداد طرف قوة.. كان على طرف المعادلة الآخر أن يتراجع.. وإلا اختفى نهائياً. لقد أبرزت مهلة الثلاثة أشهر التي أعقبت الاتفاق أن الصهاينة يهدفون إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب والتنازلات أمام قيادة معزولة عن شعبها، بل وحتى عن حلفائها التاريخيين..، ولا يستبعد المراقبون أن هذا يتم عمداً حتى تحترق أوراق المنظمة وقيادتها، ليتم استبدالها فيما بعد بقيادة تستلم هذا الحمل الثقيل الذي لا يمكن لأحد أن يصنعه سوى القيادة الحالية. إن نقض الاتفاق بالإنسحاب من غزة وأريحا يؤدي إلى هذا الهدف المباشر، كما أنه يكشف عن مطالب إسرائيل وطلباتها والتي كشفت عنها الصحافة العربية مؤخراً، وهي تتمثل في: ١- الكشف عن كافة مخابيء الأسلحة الفلسطينية في إسرائيل وقطاع غزة والضفة الغربية، والكشف عن أسماء المشرفين عليها وبصورة خاصة في أريحا وخان يونس وأيضاً بيان طرق إدخالها إلى تلك المناطق، وأسماء التنظيمات الفلسطينية التي ساهمت فيها. ٢- الإعلان عن حل جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لحركة فتح وإعلانها حركة سياسية غير مسلحة. ٣- إطلاق سراح عميل الموساد (عدنان ياسين) وتسليمه لدولة أوروبية يتفق عليها مقابل إطلاق سراح عدد من السجناء الفلسطينيين البارزين. ٤- عدم المطالبة بالسيطرة الفلسطينية على المعابر والجسور. ٥- الموافقة بالإبقاء على النشاط العسكري للقوات الإسرائيلية والأمن الإسرائيلي في منطقة الحكم الذاتي. ٦- الموافقة على التنسيق بين قيادة الشرطة الفلسطينية وجهاز الأمن الإسرائيلي في كافة الأمور الأمنية. ٧- الكشف عن أسماء المسؤولين عن ١٤ عملية قامت بها حركة فتح في إسرائيل والضفة الغربية والقطاع، وقتل فيها إسرائيليون، ولم يتم إلقاء القبض على مرتكبيها. كل هذا يتم «قبل» أن يتم أي انسحاب فعلي.. فما هو ثمن أي خطوة في طريق الانسحاب الشامل؟ ! لقد تبخرت شعارات «الواقعية» ودخولنا «مرحلة جديدة» ؛ لأن الجانب الإسرائيلي وحلفاءه من خلال ممارستهم التفاوضية يجذرون في الأمة الصورة الحقيقية للأمة الملعونة، التي لم تعرف سوى الغدر والخيانة.. كما أنها تمزق آخر الأوراق الشفافة التي يتحصن بها عرابو الاتفاق المشؤوم والذي يزداد بشاعة مع مطلع كل يوم، وظهور الحقيقة ساطعة أمام الأمة. هذه الأمة عليها أن تستلهم مسار قدوتها، النبي الخاتم ﷺ حينما خاطبه ربه بقوله: [الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون] [٥] .. وحين تصل إلى اليقين برسالتها ستختفي كل الخفافيش التي تتكاثر في الظلام.. ويختفي وقت الاصباح..، وحينها لن تمر بتجربة ساذجة ومرة، كتجربة أحمد أبو الريش الذي دفع ثمن ولائه لقيادة «الزعيم» دمه وروحه.. بلا مقابل..، وبثمن بخس في الوقت الذي سقط فلسطيني آخر برصاص الغدر الصهيوني بعد أن ثمّن رابين سقوطه بأنه «نصر لإسرائيل» وأعني به (عماد عقل) أحد مجاهدي سرايا عز الدين القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) . وهنا بالتحديد يفترق الطريق.. وتتباين الشعب طريق يستلهم الرشد من كتاب ربه ويعد الشهادة مغنماً وطريق سَلّم بوصلة القيادة ليهود تهوي به نحو هوة سحيقة.. لا محالة. مرة أخرى تبرز المعادلة الجديدة في قصة الصريعين (عماد وأحمد) كلاهما سقط برصاص الغدر الصهيوني.. أحدهما يعلن أن طريقه مسدود وبلا منافذ والآخر يرسم للفجر خيط ضوء وحزمة شعاع تقول إن المعركة ببطلها الأصيل قد أطلت.. فويل ليهود من فجر قد اقترب..

стр. 1635

المسلمون والعالم اليمن: إلى أين تسير ؟ ! عبد الله الحاشدي تمر اليمن في هذه الفترة بأزمة حقيقية لم تعرف مثيلاً لها منذ أن أقيمت الوحدة إلى اليوم بين حزب رئيس مجلس الرئاسة علي صالح (المؤتمر الشعبي العام) وحزب نائب رئيس مجلس الرئاسة علي البيض (الحزب الاشتراكي) ، وهي أزمة بالغة الخطورة، ومن الممكن استعراض خطورتها من خلال النقاط التالية: *أنها بين حزبين قوميين أقاما الوحدة اليمنية على أنقاض دولتين، ومازال كل حزب يسيطر على المناطق التي كان يحكمها قبل الوحدة. *أن الحزب الاشتراكي أعطى لصراعه مع الرئيس (علي صالح) وحزبه بعداً مناطقياً، إذ يوجه إليهم تهمة إرادة إحكام السيطرة لما كان يعرف بنظام اليمن الشمالي على نظام ما كان يُعرف باليمن الجنوبي وخيراته وأفراده وعدم منحه المكانة المرموقة التي كان يحظى بها من الناحية المعنوية أو المادية، بل على العكس من ذلك فإنه نقل إلى المناطق الجنوبية والشرقية مساوئ نظامه من تسيب أمني وإداري وتدهور اقتصادي.. الخ، مع قيامه بإزالة المعالم البارزة لدى ما كان يعرف بنظام اليمن الجنوبي من الوجود. *أن الأزمة تجاوزت نقد كل طرف من طرفي النزاع لمواقف الطرف الآخر، إلى تهجم قيادة كل طرف على قيادة الطرف الآخرمن خلال الخطب والكلمات والمقابلات التلفزيونية والصحفية، وشتى وسائل الإعلام المختلفة التابعة لهما، وهذا ما جعل الخلاف بينهما يتعمق ويتأصل، بالإضافة إلى انعدام ثقة كل طرف بالآخر مما حصل بسببه انحسار إمكانية إقامة حوار موضوعي يزيل بؤر الصراع بين الطرفين وقد يؤدي ذلك إلى تراجع في فرص استمرارية التعايش السلمي بينهما. *دخول الجيش وقوات الأمن في الأزمة تبعاً لانتماءاتهما الحزبية، وخضوع الجيش وأمن ما كان يعرف باليمن الشمالي للرئيس وخضوع جيش وأمن ما كان يعرف باليمن الجنوبي للحزب الاشتراكي. وقد كانت هنالك تحركات لوحدات من الجيش من معسكراتها إلى مواقع أخرى، ... بالإضافة إلى استحداث نقاط جديدة وثبوت إعلان حالة الاستنفار القصوى في بعض معسكرات الجيش إن لم يكن كلها. *أنها أزمة متحركة سائرة بقوة نحو التصعيد مما يعني عدم إعطاء الفرصة لمن يريد حلها وتخفيف حدة توترها بين الطرفين. تطورات الأزمة الأخيرة: بعد عودة (البيض) من رحلته الاستشفائية في الولايات المتحدة الأمريكية ومقابلته لكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية وفي مقدمتهم نائب الرئيس الأمريكي، عاد إلى عدن بدلاً من صنعاء ولزم حالة ما سمي «الاعتكاف» منذ ذلك الوقت. ولقد كان سبب ذلك الاعتكاف! في البداية كما صرح به أكثر من مصدر يمني هو اعتراضه على مشروع تعديل الدستور الذي وقعته أطراف الائتلاف الثلاثي الحاكم بما فيهم الحزب الاشتراكي ممثلاً بأمينه العام المساعد (سالم صالح محمد) ، وكان اعتراض البيض على المشروع يتركز في قضيتين: الأولى: تدور حول منصب نائب الرئيس وهل يكون بالتعيين من قبل الرئيس أم بالانتخاب مع الرئيس، والفرق بينهما أن نائب الرئيس إذا كان معيناً فإنه يحق لمن عينه عزله، كما أنه ليس من صلاحيته في حال فراغ منصب الرئيس أن يتولى الرئاسة بقية الفترة الرئاسية، بل يقوم رئيس مجلس النواب بتولي مهام الرئيس مدة لا تزيد عن شهرين تجري خلالهما انتخابات رئاسية جديدة بخلاف ما لو كان منتخباً، فإن الأمر يتحول على الضد من ذلك. الثانية: تدور حول تطبيق نظام اللامركزية الواسعة في الحكم أو عدم تطبيقها ويلزم من ذلك كون المحافظ وكبار مسؤولي المحافظة منتخبين من أبناء المحافظة في حال تطبيقها، ومعينين من قبل الرئيس والحكومة في حال عدم تطبيقها. ويريد الحزب الاشتراكي من ذلك ضمان استمراريته في حكم المحافظات الجنوبية والشرقية عن طريق انتخابات في كل محافظة لاختيار مسؤوليها، تكون نتائجها معروفة سلفاً، كما كان الحال في الانتخابات النيابية السابقة، بالإضافة إلى سعيه للحصول على نجاح مرشح الحزب الاشتراكي لمنصب المحافظ في بعض المحافظات الشمالية، مما يعني في حال نجاحهم في ذلك الاستمرار في حكم ما كان يسمى باليمن الجنوبي، بالإضافة إلى بعض المحافظات الشمالية. وبالطبع لم يقم الرئيس (علي صالح) بتلبية هذه المطالب، مما جعل نائبه يستمر في اعتكافه، لكن حدث تطور آخر في الأزمة إذ أعلن الحزب الاشتراكي ثمانية عشر مطلباً تمثل جملة مطالبه من الرئيس (علي صالح) لحل الأزمة، ولن ندخل في عرض هذه المطالب ونقاشها، لكنها في غالبها مطالب تقوي نفوذ الحزب في الدولة وتقلص من نفوذ الرئيس (علي صالح) ، بالإضافة إلى مجموعة من المطالب للمزايدة بها على الجماهير.. ولقد أدخل الحزب الأزمة بمطالبه تلك مرحلة جديدة، فبدلاً من أن الاعتراض كان على نقاط في مشروع الدستور، إذا به ينقلب إلى اعتراض على نظام الحكم القائم ووسائل تنفيذه مع أن الحزب أحد مؤسسيه ومنفذيه والمنافحين عنه سابقاً! ولقد سعى الاشتراكيون من خلال ذلك إلى تحقيق مكاسب عدة منها إلقاء مثالب الفترة الانتقالية وما بعدها الداخلية منها والخارجية على الرئيس (علي صالح) وتحميله مسؤوليتها كاملة، نظراً لكونه المتنفذ الوحيد في الحكم الساعي إلى تهميش جميع القوى من حوله. والملاحظ أن (البيض) في هذه المرحلة حاول أن يعمق خلافه مع الرئيس (علي صالح) شخصياً من خلال التهجم والاستهزاء بشخصيته وحديثه ووصفه بالمراوغة وعدم تنفيذ الوعود، بالإضافة إلى وصمه بعدم القدرة على إدارة البلاد وضبطها، ولقد التزم الرئيس (علي صالح) الصمت، واكتفى بالتهديد معلناً أنه سيرد على ذلك بالمثل.. وعموماً فقد كان الرئيس صامتاً في الغالب وكل ما كان يرد به هو عدم مصداقية الحزب الاشتراكي في تطبيق الديمقراطية والرضى بنتائج الانتخابات النيابية، التي قلصت تواجدهم في البرلمان والحكومة، بالإضافة إلى قيامه بإعلان تسعة عشر نقطة تمثل جملة مطالبه ومرئياته للخروج من الأزمة وهي تشتمل على ما اشتملت عليه مطالب الحزب الاشتراكي، ولكن بما يحقق مصالح الرئيس ويقلص من نفوذ الحزب الاشتراكي وطموحاته. ولقد استمرت الأزمة على ما هي عليه رغم توسط كثير من الشخصيات اليمنية وغير اليمنية بين الطرفين لنزع فتيل الأزمة، ولكن دون جدوى، إلى أن أعلن الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي في خطوة مفاجئة للكثيرين اعتقاده بأن النظام الصالح لليمن هو (الفدرالية) لا الوحدة الاندماجية، ولم يقم الحزب الاشتراكي بالاعتراض على هذا الأمر، بل قام بتبرير هذا المطلب مدّعياً بأن وضع اليمن الآن دون مستوى الفدرالية، مما جعل الكثير من المحللين يفسرون تصريح (سالم صالح) بأنه موقف للحزب وليس رأياً شخصياً مجرداً. ونحن نلاحظ من خلال ما سبق استمرارية الحزب الاشتراكي في تصعيد الأزمة فترة بعد فترة، فيا ترى ما حقيقة مطالبه؟ . يمكننا تلخيص حقيقة مطالب الحزب الاشتراكي بحرصه على استمرارية قوته ونفوذه ومواصلة إعطاء المناصب والامتيازات لكبار قياداته، وفي حال تحقق ذلك فإن لدى الحزب الاستعداد لضمان استمرارية الوحدة، وعدم مواصلة افتعال الأزمات، وفي حال إضعاف قوة الحزب وكبت نفوذه وتقليص امتيازات قياداته فإن لديه الاستعداد لمواصلة افتعال الأزمات والمشكلات، والسعي بجدية إلى الانفصال. ولكن ما هي الأسباب التي شجعته على سلوك هذا المسلك؟ الأسباب كثيرة منها الخفي ومنها المعلن، ولكن ما ظهر لنا منها في الأفق هو التالي: *أن وضع الحزب بعد الانتخابات النيابية الماضية أصبح في خطر، فبدلاً من كونه كان يملك ما يقارب ٥٠% من البرلمان والحكومة، صار له أقل من (خُمس) البرلمان فقط، بالإضافة إلى (ثلث) الحكومة تقريباً وبالتالي فإن عليه أن يسعى إلى منافذ أخرى تمكنه من استمرارية نفوذه وسيطرته، وهو ما طرحه عن طريق (اللامركزية) ، وإعطاء صلاحيات واسعة لنائب الرئيس. *مجيء اعتكاف البيض بعد عودته من أمريكا ومقابلته لنائب رئيسها ومروره على فرنسا يشير إلى إمكانية أخذه للضوء الأخضر من هناك، وذلك في محاولة من الغرب لإجراء مزيد من التركيع للرئيس (علي صالح) الذي اتخذ موقفاً غير مرضيٍ عنه في أزمة الخليج، بالإضافة إلى عدم اتخاذه موقفاً حاسماً من القوى المهددة بشكل صارخ لرعايا تلك الدول ومصالحها في اليمن ومنهم الشباب اليمني العائد من أفغانستان الذين اتهم بعضهم من قبل الحزب الاشتراكي بتفجير فندق الساحل الذهبي في عدن أثناء نزول مجموعة من الجنود الأمريكان فيه خلال توجههم إلى الصومال، بالإضافة إلى عدم مقدرته على إحكام السيطرة الأمنية على البلاد واعتماده على النظام القبلي الذي قد يعرض منسوبي ومصالح الشركات الغربية المنقبة عن النفط للخطر. *أخذه للضوء الأخضر من بعض القوى الإقليمية واستعدادها لدعمه وتأييده بقوة. *حصول نوع من التحسن في موقف التيار الشعبي من الحزب وبالأخص فيما كان يعرف باليمن الجنوبي، نظراً لتدهور قيمة العملة وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وانتشار الرّشوة وعدم وجود تحسن في الخدمات، وقد استطاع الحزب الاشتراكي أن يقنع الكثيرين من أبناء تلك المناطق بأن المسؤول عن كل ذلك هو الرئيس (علي صالح) . *هذا بالاضافة إلى اكتشاف وجود النفط بكثرة في المناطق الجنوبية والشرقية وزوال كابوس الرعب الغربي من الأحزاب الاشتراكية بعد سقوط المنظومة الشيوعية، وقدرة قادة الحزب الاشتراكي على الاتصال المباشر بالغرب، وتقديم مزيد من أوجه الطاعة والاستعداد لخدمة مصالحهم بإخلاص في اليمن. حقيقة موقف الرئيس على صالح: في البداية أعلن الرئيس رفضه لموقف نائبه المتمثل في الاعتكاف، ذاكراً بأنه مسلسل سيستمر لتحقيق مزيد من المصالح والمكاسب، بالإضافة إلى رفضه لمطالب الحزب المتمثلة في تعديل مشروع الدستور. وبعد فترة من استمرار الحزب الاشتراكي في تصعيد الأزمة، أعلن قبوله بمطالب الحزب الثمانية عشر، وأحال وضع آليةالتنفيذ إلى لجنة الحوار الوطني المكونة من أغلب القوى الموجودة في الساحة، ومع ذلك الإعلان بالموافقة فإننا نشك في مصداقيتها لأن تنفيذ المطالب يعني سلب صلاحيات مهمة من (علي صالح) ، وخير له أن يبقى حاكماً لما كان يعرف باليمن الشمالي وحده من أن يكون في ظل الوحدة غير حاكم لما كان يعرف باليمن الجنوبي وبعض المحافظات الشمالية ومن الممكن إرجاع تلك الموافقة إلى أحد الأمرين التاليين: الأول: أنها محاولة لتمرير مرحلة يجد فيها أن الحزب يقوى على حسابه يوماً بعد يوم، سواءاً أكان ذلك داخلياً من خلال ازدياد شعبيته لدى أبناء المناطق الجنوبية والشرقية ولدى بعض أبناء المناطق الشمالية.. أم إقليمياً من خلال التقاء البيض ببعض ممثلي الدول الاقليمية في اليمن، بل وفي أثناء رحلته الاستشفائية في أمريكا، والتأييد الواضح بصراحة للحزب في صحف تلك الدول.. أم دولياً من خلال عدم ممارسة نوع من الضغط على الحزب من قبل أمريكا وفرنسا وغيرهما، لثنيه عن موقفه، بل وقيام دول أخرى مثل بريطانيا بانحياز واضح نحوه. الثاني: أنها نوع من تبادل الأدوار مع التجمع اليمني للإصلاح والأحزاب المحسوبة على الرئيس، وقيام التجمع ومن معه بدور الرافض لمطالب الحزب وجعل الرئيس (علي صالح) نفسه كالواقع بين ناري الحزب الاشتراكي والتجمع ومن معه. والقضية وطنية لا بد فيها من حل يرضي جميع القوى الموجودة، مما يعني إمساك الرئيس بخط رجعة له عند موافقته على مطالب الحزب الاشتراكي وهذا ما فعله سابقاً مع مطالب الحزب نفسها التي وافق عليها قبل الانتخابات النيابية الماضية. موقف الإسلاميين من الأزمة: ينظر الإسلاميون إلى الحزب الاشتراكي باعتباره عدواً أساسياً يسعى إلى كسر شوكتهم وخنق دعوتهم، وتكفي تجربة الحزب أثناء استقلاله بالحكم فيما كان يعرف باليمن الجنوبي، وما قام به من حرب وإزهاق لكل ما هو إسلامي بالإضافة إلى علمانيته الصارخة ودعمه القوي لكثير من المنكرات الضخمة والواضحة كمصنع الخمر، ومحاربته لتجربة الإسلاميين في التعليم ممثلة في المعاهد العلمية المنتشرة في أرجاء اليمن الشمالي، مع أن البديل قوى منحرفة في نظر الإسلاميين وبينها وبين الكثير منهم عداء سافر، إذ هي أحزاب الرافضة في الشمال والصوفية الشديدة الغلو في الجنوب، أضف إلى ذلك أن مطالب الحزب تهدد وحدة البلاد وسلامتها. والإسلاميون يدركون خطورة منطلقات (سيادة الرئيس) وسلبياته الكثيرة ولكن يقولون كما يقول المثل: «أعور ولا أعمى» ، بالإضافة إلى أن بينهم وبينه تعايشاً سابقاً قبل الوحدة اليمنية، كما أنه لا يعتبرهم يمثلون خطراً على وجوده كما صرح هو بنفسه، ولا مانع لديه من إعطائهم بعض ما يريدون بما لا يجعلهم يجاوزون الخطوط الحمراء التي لا يُسمح بتجاوزها إقليمياً ودولياً. ولقد سلك الإسلاميون في البداية طريق الإصلاح ومحاولة إخماد مواضع الانفجار، مع ميل خفي نحو الرئيس (علي صالح) ، ولكن الميل ازداد وضوحاً فيما بعد يوماً بعد يوم، ووصل الوضوح أشده بتحميل (ابن الأحمر) و (الآنسي) الحزب الاشتراكي مسؤولية ابتداء الأزمة. ولكن يبدو أن الموقف قد تغير بعد إعلان الرئيس (علي صالح) موافقته على مطالب الحزب الاشتراكي وهو ما ذكره ابن الأحمر حيث صرح في إشارة واضحة إلى الحزب الاشتراكي بأن التجمع اليمني للإصلاح سيسلك مسلك المعارضة لكل من يسعى إلى تقسيم البلاد إلى ١٩ بلداً، وإن وافق عليه المؤتمر والحزب الاشتراكي.. والموقف الأخير للإصلاح يحتمل أن يكون تنسيقاً مع حزب الرئيس نظراً لكونه يخدم كلاً من أهداف الطرفين، وهو الأظه. ويحتمل أن يكون نابعاً من منطلقات التجمع ومصالحه بشقيه (الإسلاميون منهم والقبليون) ، ولا علاقة لحزب الرئيس به.. وأياً كان منشأ هذا الموقف فيجب على الإسلاميين ألا ينسوا التالي: *ألا يركنوا إلى الرئيس (علي صالح) ومؤتمره، إذ هو من خلال التجربة يميل إليهم حين يحتاجهم، ويعرض عنهم حين يكون في غير حاجة إليهم وموقفه من الإسلاميين منذ بداية الوحدة إلى الآن خير شاهد، وليذكروا أن الذي كان يتهجم على الخطباء في المساجد، ويتهمهم بإثارة الفتن واستخدام المنابر في غير ما وضعت له، نجده الآن يستميلهم ويحرص على رضاهم. ورجل هذه حاله يمكن أن يستخدمهم لمجابهة عدوه الحالي ممثلاً بالحزب الاشتراكي، وبعد القضاء عليه يلتفت إليهم، ويقص أجنحتهم، ويكسر شوكتهم، وبخاصة إذا كان هذا مطلباً إقليمياً أو دولياً. *أن شركاءهم في التجمع اليمني للإصلاح من (القبائل) لهم ارتباطات قوية بالرئيس وحزبه، بل إن ابن الأحمر على سبيل المثال عضو في اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام، وله اتصالات لا تخفى بقوى إقليمية معادية للإسلاميين، وبالتالي فالواجب عليهم أن لا يسلموا زمام القيادة لذلك الشريك وألا يتركوه يتخذ المواقف المختلفة باسمهم بل يجب عليهم حساب مواقفهم بدقة وبعد دراسة وتأمل. *أن يستغلوا هذه الأزمة لكسب مزيد من المواقع والمصالح للعمل الدعوي عموماً، مما يقوي مركزهم ويُعلي من مكانتهم أمام الشعب كله. وأخيراً: إلى أين؟ قبل الإجابة على هذا السؤال نؤكد بأن جوهر الأزمة تصارعٌ على السلطة بدون وجود ضوابط أو قيم أياً كانت يحتكم إليها، وبدون وجود مرجعية مقبولة تَفصِل فيها، مع وصول الأزمة إلى التصعيد والعمق الذي يصعب معه التعايش بين الطرفين، نظراً لانعدام الثقة وشعور كل طرف باستعداد الطرف الآخر وتأهبه للانقضاض عليه وبالتالي لا علاقة لمصالح الشعب والحرص على تحقيقها من قريب أو بعيد بكل ذلك الصراع. وكل ما يذكره الجانبان من مطالب في هذا السبيل هي نوع من المزايدة على الشعب ودغدغة عواطفه وكسب مشاعره لا غير! . ومع كل ما ذكر فإننا لا نتوقع أن تُجاوِز الأزمة هذا الحد ولا أن تصل إلى حد الانفجار المسلح وبالتالي الانفصال، نظراً لكون ذلك سيجعل البلاد بؤرة صراع لا يتمكن الغرب معها من استنزاف الخيرات الموجودة من بترول ومعادن كما أن الشركات الغربية لن تتمكن معها من تنفيذ المشاريع الضخمة أو الحصول على الجديد منها، وهذا لا يمكن أن يسمح به الغرب أو تجرؤ على القيام به القوى الداخلية المتصارعة، كما أننا لا نتوقع أن تنتهي الأزمة بسهولة وأن يتفق الطرفان على التعايش السلمي فيما بينهما قريباً، نظراً لانعدام الثقة وتخوف كل طرف من كسر جناحه من قِبَل الآخر.. لكن قد تهدأ الأزمة فترة من الفترات ولكنها بالتأكيد سوف تعود إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً كانتهاء رموز أحد الطرفين بموت أو اغتيال أو نحوه، والله أعلم.

стр. 1636

المسلمون والعالم الأوجادين.. الشعب والجهاد مراسل (البيان) في الأوجادين أوجادين أو (الصومال الغربي) كما يسمى في بعض الأحيان جزء متمم للصومال، ويعرف جغرافياً باسم «الهضبة الصومالية» ؛ لأن الأخدود الأفريقي يفصلها طبيعياً عن هضبة الحبشة بمنخفض تنتشر عبره مجموعة من البحيرات العذبة أشهرها (أبايا) و (أبيتا) و (شامو) ، وتنحدر الهضبة تدريجياً نحو الأراضي الصومالية مما يجعلها وحدة طبيعية مكملة لأرض الصومال الواقعة في جنوبها وشرقها، وهي تحد (أثيوبيا) من الشمال والغرب، ومن الشمال الشرقي (جيبوتي) ومن الجنوب والشرق الصومال وكينيا، وتضم أوجادين ثلاث ولايات (هرر) و (بالي) و (سيدامو) ، وسكانها حوالي (٦. ٢٧١. ٧٠٠) نسمة غالبيتهم مسلمون ولغتهم الصومالية. ودخول الإسلام فيها مرتبط بدخوله إلى الحبشة (أثيوبيا) ؛ حيث انتشر الإسلام هناك نتيجة تحركات التجار المسلمين، وهم من العناصر العربية من اليمن وحضرموت، ولما انتشر الإسلام برز من أهله علماء وفقهاء وأثمرت الدعوة هناك قيام (إمارة إسلامية) في القرن الثالث الهجري، واستمرت حتى نهاية القرن السابع الهجري، أسسها بنو مخزوم من الحجاز، وعرفت بإمارة (شوا) ومنذ سقوطها في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي قامت سبع إمارات إسلامية أشار إليها (المقريزي) في كتابه (الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام) ، وكانت الحرب سجالاً بين ملوك الحبشة وهذه الإمارة، وكان للمسلمين النصر المؤزر على الأحباش لاسيما في عهد الإمام (أحمد بن إبراهيم) ، حتى هزم هذا الإمام المجاهد عندما تحالف نصارى الحبشة مع الصليبيين البرتغاليين ضده عام ٩٥٠هـ ثم تدخل العثمانيون إلى جانب الإمام أحمد، فأحرز انتصارات جديدة على التحالف الصليبي، ولكنه تعجل فأعاد القوة العثمانية؛ لاعتقاده بزوال خطر الصليبيين ولكنهم عادوا إليه، ودارت بينه وبينهم معارك قاسية انتهت بهزيمة الإمام واستشهاده ﵀ وتعرض المسلمون بعدها لموجة شديدة من الانتقام، ولكنهم صمدوا فتحققت لهم بعض الانتصارات في ظل تفكك الأحباش وتنافسهم على الحكم، لكن الأحباش عادوا ووحدوا أنفسهم، مما أدى إلى مضايقة المسلمين مرة أخرى ودخلت (مصر) في عدة حروب مع الحبشة استولت فيها على (هرر) ، وعلى الساحل الصومالي المطل على خليج عدن عام ١٢٩٢ هـ لكن الاحتلال الإنجليزي لمصر عام (١٨٠٠م) ضيع عليها هذه الفرصة؛ مما أدى بشرق أفريقيا للوقوع فريسة للأطماع الاستعمارية الأوربية حيث غزت إيطاليا الحبشة ووقعت معاهدة مع (فيلك) ملك الحبشة سنة ١٣٠٧هـ، الذي استولى على الإمارات الإسلامية واحدة بعد الأخرى، وهلك (فيلك) وتولى مكانه حفيده الإمبراطور (بيج ياسو) الذي أسلم، وأخذ يعامل المسلمين معاملة حسنة مما جر عليه غضب الكنيسة والقوى الاستعمارية، ونجحت المؤامرة في خلعه سنة ١٣٣٦ هـ، وآلت مقاليد الحكم بعده إلى (هيلاسلاسي) فبدأت مرحلة المعاناة للمسلمين مرة أخرى، وأودع (لي ياسو) السجن حتى مات. وقبل الحرب العالمية الثانية غزت إيطاليا الحبشة سنة ١٣٥٣هـ، ونال المسلمون قسطاً من الحرية إبان حكمهم، وبعد اشتعال الحرب العالمية الثانية عاد الإمبراطور الهارب (هيلاسلاسي) يحض الإنجليز على غزو الحبشة، وعجز في هذا فبدأ القتال سنة ١٣٦٠هـ، ودخل (هيلاسلاسي) الحبشة بمساعدة الإنجليز ووقع معهم معاهدة عام ١٣٦١هـ، ومن بنود هذه المعاهدة أن يكون إقليم (أوجادين) تحت النفوذ الإنجليزي، وبقيت خارج نفوذ الحبشة، وتغيرت المعاهدة البريطانية الحبشية بمعاهدة جديدة سنة ١٣٦٤هـ مع تبعية أوجادين للإنجليز وفي سنة ١٣٦٨هـ وصلت (مقديشو) لجنة من الحلفاء لمعرفة رغبة الشعب الصومالي في تقرير مصيره، فانتهى الأمر إلى أن تتولى الدول الأربع الكبرى إدارة شئونه تحت إشراف الأمم المتحدة لمدة (١٠) سنوات ينال بعدها استقلاله ولذا قررت بريطانيا تسليم (الأوجادين) إلى أثيوبيا بمعاهدة سنة ١٣٧٥هـ، وبدون مراعاة لرأي الشعب الصومالي، لذا ثار هذا الشعب على ذلك الوضع، وكانت حجة أثيوبيا تلك المعاهدة الموقعة مع بريطانيا، وكان رد فعلها هجوماً عسكرياً على الصومال عام ١٣٨٤هـ (١٩٦٤م) ، فتدخلت منظمة الوحدة الأفريقية لحل النزاع سلمياً، وكان مصير هذه الجهود الفشل. جبهة تحرير الصومال الغربي: تأسست هذه الحركة عام ١٣٨٣هـ كرد فعل لتعنت أثيوبيا، وبدأت حركة المقاومة ضد الأثيوبيين؛ وأمام الظروف الدولية قلصت الحركة عملياتها مع دخول الريف وبوادي الأوجادين، وأعطت أثيوبيا فرصة للمفاوضات ولكنها فشلت، فعادت المقاومة من جديد؛ وبعد الانقلاب العسكري في أثيوبيا عام ١٣٩٤هـ الذي أطاح بهيلاسلاسي، عمّ التفاؤل أهل الصومال الغربي ولاحت آمال بقرب انفراج أزمتهم، وتوقفت حركة المقاومة لكي تعطي النظام الجديد فرصة للحل السلمي، ولكن الآمال خابت حيث صعّد النظام الجديد عملياته الحربية منذ عام ١٣٩٦هـ، لكنه مُنِيَ بهزائم شديدة فاستعان بحلفائه الحمر من (السوفيات والكوبيين) وقتل آلافاً من المسلمين، ولجأ عدد كبير منهم يزيد على المليون نسمة إلى الدول الفقيرة المجاورة، وانتشرت مخيماتهم على حدودها، وأضافوا إليها عبئاً جديداً [١] . الأوجادين.. المأساة: تمثل منطقة القرن الأفريقي أهمية استراتيجية تنافست عليها الدول الاستعمارية منذ وقت مبكر، وتعد أثيوبيا أقرب حلفاء المنطقة لأمريكا، خاصة في التسعينات الميلادية، ولهذا تمثل أثيوبيا عمقاً استراتيجياً للسياسة الأمريكية في المنطقة. ويحكم أثيوبيا حالياً (ميليس زيناوي) رئيس جبهة التحرير الشعبية الديموقراطية ذات الأغلبية النصرانية التجرانية، ويوجد في أثيوبيا اتجاهات سياسية وقبلية متعددة، منها: ١ -الأورميون في الجنوب والمنطقة الوسطى. ٢ -العفريون في الشرق. ٣ -الصوماليون في الأوجادين. وتسعى معظم هذه الإتجاهات القبلية للتحرر من سلطة الحكومة التجرانية؛ ولهذا حرصت الحكومة الأمريكية على عدم تغير الأوضاع في المنطقة، ودعم جهود المصالحة بين حكومة أديس أبابا وخصومها من المعارضة المسلحة، مع سعيها لتثبيت الحكم النصراني في المنطقة، وساهم (هيرمان كوهين) المبعوث الأمريكي في المنطقة بجهود كبيرة في هذا الميدان، وشارك في لقاءات متعددة مع الحكومة والمعارضة. يقول أحد كبار موظفي مكتب الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية الأمريكي: «إن أثيوبيا ستظل أكثر دول المنطقة بما فيها الصومال جاذبية لنا لأسباب عديدة منها: مقدرتها الاقتصادية، وحجمها السكاني، وطبيعة الروابط الأثيوبية /الأمريكية التاريخية، وتمتع البيروقراطية الأثيوبية بكفاءة عالية في أداء المهمة المطلوبة منها بدقة، وموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، وميراثها النصراني الذي يمكن أن يكون عائقاً أمام مد الحركات الإسلامية، إضافة إلى دور أثيوبيا كمقر دائم لمنظمة الوحدة الأفريقية» . [٢] ولقد سعت الحكومة الأثيوبية بمباركة من أمريكا إلى حصار منطقة الأوجادين لأنها تمثل أكبر تجمع إسلامي في أثيوبيا، فأهملت المنطقة إهمالاً منقطع النظير، ولم تقدم الحكومة شيئاً يذكر لتحسين حال المنطقة خاصة في عهد (منجستو هيلامريام) الذي حكم المنطقة بالحكم الشيوعي عشرين عاماً.. وزاد من مأساة الشعب المسلم في الأوجادين أن جفافاً شديداً ضرب المنطقة فانقطعت الأمطار، وجفت الآبار، وهلكت الزروع والمواشي.. مما أدى إلى انعدام مقومات المعيشة الإنسانية، فأصبح الناس في شدة وبلاء. والعجيب أن مأساة هذا الشعب المسلم لم تلق حقها من العناية لأسباب متعددة منها: ١- تزامنت هذه المأساة مع تفجر الأوضاع في الصومال التي ركزت عليها الأنظار ووسائل الإعلام. ٢- حرص الحكومة الأثيوبية على التعتيم الإخباري لهذا الإقليم. ٣- انتشار الدعوة الإسلامية بشكل متنامٍ في هذه المنطقة، التي كونت بعد ذلك نواة للحركة الجهادية المسلحة. وقد استغلت الهيئات التنصيرية والإرساليات الكنسية هذا الموقف ووسعت أنشطتها في المنطقة، فبلغ عددها حوالي أربعين هيئة رسمية، بينما غابت الهيئات الإسلامية عن الساحة أو كادت، مما زاد من تغلغل المنصرين في هذا الإقليم، وانتشر الجهل والبدع بصورة كبيرة جداً، فبيئة الجهل والجوع هي التي يغتنمها النصارى لإخراج الناس من دين الإسلام. حركة جهاد الاتحاد الإسلامي: لقد قامت حركة الاتحاد الإسلامي مؤخراً بجهادها لتحرير أراضيها المغتصبة من المعتدين؛ لتعود أرضاً إسلامية يحكمها الإسلام وأهله، وقد دخل جهادها عامه الثاني، وهو يدور بين مجاهدي شعب الأوجادين الذين يدافعون من أجل هويتهم الإسلامية وإقامة دولتهم المسلمة وبين حكومة التيجراي الأثيوبية النصرانية، التي تسعى جادة لكسر شوكة المجاهدين وإخماد حركتهم الجهادية، وتعد الحرب الدائرة بين الطرفين حرب عقيدة؛ إذ هي المحور الأساس الذي يمثل سبب الصراع الأول والأخير، فأثيوبيا من جانبها ترى أنها الوارث الشرعي للصليبية، التي ضربت بجذورها في بلاد الأحباش ومازالت الحكومات المتعاقبة على (أثيوبيا) تخلص العطاء للكنيسة، وتعطي ولاءها المطلق للمذهب الأرثوذكسي المتعصب، الذي يعتبر نفسه الأصولي الوحيد الذي يسير على طريق الكنيسة الصحيح في زعمهم وتأتي الأطماع الأثيوبية في الاستمرار في محاربة مسلمي الأوجادين والسيطرة على منطقتهم من خلال التشجيع والدعم المتواصل الذي تجده من القوى الصليبية الخارجية. أما الاتحاد الإسلامي وهو الحزب الذي يقود الجهاد حالياًِ ضد الصليبية وباعتراف من حكومة أثيوبيا بشرعيته، فهو يقود جهاده للقضاء على الصليبية في منطقة الأوجادين، التي استلبها الاستعمار الصليبي من أرض الصومال البلد المسلم وقلد إدارتها لأتباع الكنيسة، لتسعى بدورها لطمس اسمه الإسلامي من تلك المنطقة. ولذا لم يكن في حسبان قوات التجراي (الأثيوبية) ذات الإمكانات المادية الهائلة، والتأييد المطلق من قبل الصليبية العالمية لم يكن في حسبانها بأن قوات الأوجادين ذات ثقل كبير، وعندما عزمت قوات التجراي مهاجمة معسكر طارق بن زياد التابع لقوات الاتحاد الإسلامي كانت تظن أن الكرّة سوف تكون واحدة ومبرمة، تتفرق بعدها قوات الاتحاد الإسلامي، لكن الله خيب ظنهم. يقول الله تعالى: [إنهم يكيدون كيداْ وأكيد كيداْ فمهل الكافرين أمهلهم رويداْ] ، فشاء الله بقدرته وعزته أن يجعل الدائرة على الكافرين ويقتل منهم سبعون قتيلاً، فلم يهدأ لهم بال منذ ذلك الحين وحتى الآن، ولقد أبلى المجاهدون بلاءً حسناً، وأذاقوا الصليبيين بأسهم ولقنوهم درساً لن ينسوه ثم استنفرت قيادة الاتحاد الإسلامي كل قوى المجاهدين في أوجادين، وقررت أن تكون المواجهات عن طريق حرب العصابات مما بث الذعر والرعب في قلوب أعداء الدين الإسلامي في المنطقة بصفة عامة. وكانت حصيلة المواجهات العسكرية بين المجاهدين في الأوجادين والحكومة الأثيوبية خلال (١٦) شهراً: ١٣ مواجهة ما بين معركة عنيفة وعملية خاطفة. وفي تاريخ ١٥/٧/١٤١٣هـ وقعت معركة عنيفة قتل فيها (٩٥) جندياً من جنود الحكومة ودمرت فيها خمس ناقلات للجنود، وغنم المجاهدون معدات عسكرية كثيرة، ومن العجائب أن القوات الفرنسية المرابطة في الحدود الصومالية الأوجادنية باسم قوات هيئة الأمم المتحدة لما رأت هزائم الجيش الأثيوبي تدخلت بمروحياتها الهجومية، وشنت غارات متعددة على المجاهدين، فاستشهد اثنان وأسر ثمانية أطلق سراحهم فيما بعد، وكما قال الله تعالى: [والذين كفروا بعضهم أولياء بعض] . ولما فشلت حكومة أديس أبابا في حسم قضية الأوجادين عن طريق الحرب والقوة، لجأت إلى حيلة ماكرة لتدمير وحدة شعب الأوجادين، حيث طرحت مشروع تكوين حكومة محلية في المنطقة الصومالية على أن تكون غالبية مقاعد الادارة الجديدة لأعضاء الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين، بغرض إشعال الفتنة بين أهل المنطقة، وليرفع أبناء المنطقة السلاح في وجه بعضهم بعضاً وتعم الفرقة والتشتت في صفوف المجاهدين والشعب الأوجاديني، الذي اكتشف مؤخراً أن هذا المخطط الاستعماري هو تطبيق لقاعدة فرق تسد. وفي شهر يوليو ١٩٩٣م الماضي قامت حكومة أديس أبابا بتغيير مسؤولي الحكومة المحلية الذين رفضوا تنفيذ مخططاتها الصليبية، وطالبوا بالانفصال عن أثيوبيا، وأن يصبح الشعب الأوجاديني حراً مستقلاً، وذلك وفقاً لما ينص عليه الميثاق الوطني الأثيوبي من إعطاء حرية الخيار للشعب الأوجاديني في تقرير مصيره سواء أراد الوحدة مع أثيوبيا أو اختار الانفصال والاستقلال. وبعد عزل المسؤولين المعارضين لسياسة أديس أبابا تجاه أوجادين قامت الحكومة بتعيين مسئولين جدد؛ لتسيير أمر المنطقة حتى لا يكون للإدارة المحلية الجديدة حق التدخل في الشؤون المصيرية والشؤون الخارجية والدفاع والمالية وكذلك مسألة الاستقلال والانفصال عن أثيوبيا. وتمر منطقة أوجادين في الوقت الراهن بأوضاع متفجرة حيث استعد المجاهدون في الآونة الأخيرة التي توقفت فيها المعارك وأعدوا العدة لأي مواجهات قادمة مع العدو، وذلك امتثالاً لقوله تعالى: [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة] ؛ ويجيء استعداد جيش المجاهدين على إثر خروج جيوش العدو من ثكناتها العسكرية استعداداً لبدء معارك جديدة مع المجاهدين وقد هجم التجراي على مدينة (سجج) في ١٣ أكتوبر ٩٣ وسرعان ما هزمتهم قوات المجاهدين حيث قتل منهم سبعة وعشرون جندياً ولاذ البقية بالفرار مخلفين وراءهم غنائم كثيرة استولى عليها المجاهدون بعد استيلائهم على قاعدة العدو، وفقد المجاهدون ستة من رجالهم رحمهم الله. واستطاع الاتحاد الإسلامي أن يكسب ثقة الشعب في أوجادين في الفترة التي توقفت فيها الحرب، حيث عقدت المؤتمرات الشعبية التي حضرها زعماء العشائر والقبائل، وتم طرح مبادئ وأهداف الإتحاد الإسلامي في هذه القاءات الشعبية، والتي أكد فيها بأن هدفه الجهاد في سبيل الله من أجل أن تقوم دولة إسلامية في المنطقة وتحكم بكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ . ولقد نال المجاهدون تأييد زعماء القبائل والشعب الذي كره الاستعمار الأثيوبي، ورفع شعار التخلص من العدو البغيض بعد أن اتفقت كلمته على ضرورة الجهاد في سبيل الله وطرد والصليبيين. والله نسأل أن يعز جنده، ويعلي كلمته.. والله غالب على أمره.

стр. 1637

المسلمون والعالم انتصارات جديدة للمجاهدين في (مورو) وهزائم للعدو وتبريرات ساذجة محمد أمين وردنا من لجنة الإعلام الخارجي بجبهة تحرير مورو الإسلامية البيان رقم (٣٠) الذي احتوى على مبشّرات طيبة بانتصارات جديدة للمجاهدين وانكسارات وهزائم للعدو، فالحمد لله على توفيقه، وصدق الله العظيم القائل [أٍذنّ للذين يقاتّلونّ بأنهم ظٍلموا وأن اللهّ على نصرهم لقدير] .. ونقتطف من البيان ما يلي: - (البيان) - اعتداءات واندحارات: لقد توالت نيران الحرب في أنحاء بلاد مورو منذ الشهرين الماضيين حيث قام الجنود الصليبيون بعمليات عسكرية همجية ضد المسلمين الآمنين العزل في بلدة « بانيسيلان» بمحافظة «كوتاباتو» الشمالية، وقامت قوات «راموس» الجويّة بغارات جويّة متكررة على القرى الإسلامية الست في البلدة المذكورة، كما قامت قواته البرية بدكّها بالصواريخ والمدافع الثقيلة، ودمرت القرى، واحترقت وتشّرد أهلها ونَهَبَ الجنود الصليبيون جميع أموال المسلمين وممتلكاتهم. وقام مجاهدو جبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة الشيخ المجاهد/ «سلامات هاشم» بهجوم مضاد لوقف الزحف الصليبي مستعينين بالله العلي القدير، ودارت المعارك الشديدة والمجاهدون يتقدمون منذ يوم الاثنين الثاني من جمادى الآخرة ١٤١٤هـ وتصاعدت المعارك حيث استخدم جنود العدو مدافعهم الثقيلة تتقدمهم الدبابات والمصفحات، وطائراتهم المقاتلة تقوم بقصف مواقع المجاهدين، ومع ذلك فقد استطاع المجاهدون بعون الله تعالى أن يحرروا ثلاثاً من القرى الإسلامية التي أقيمت فيها مستوطنات نصرانية بعد معارك عنيفة استمرت ثلاثة أيام ابتداءً من يوم الثلاثاء ٣ جمادى الآخرة ١٤١٤هـ. وانسحب جنود العدو المكوّنون من عدة كتائب منها كتيبة (٣٥) وكتيبة (٣٦) المشاة ومعهم عدد كبير من المليشيات النصرانية. وقد أعلن قائد العدو الذي قاد المعركة المذكورة أنه وجنوده اضطروا للانسحاب؛ لأن عدد أعدائهم يفوق عددهم بكثير، وأسلحتهم أقوى من أسلحتهم، ويذكر قائد العدو أيضاً أن من بين أعدائهم أربعة من الأجانب وصفوا بأنهم طويلوا القامة، وتميل بشرتهم إلى البياض ولحاهم طويلة، ولكن لم يصرح الجنرال الصليبي بجنسية هؤلاء الأجانب، والواقع أن هذا الادعاء ما هو إلا لتبرير انسحابهم فقط، فالمجاهدون قليلون، وعدد جنود العدو أضعاف عددهم، وليس لديهم إلا أسلحة فردية خفيفة، ولا يوجد أجنبي بينهم. وقد أعلن قائد جنود العدو أنه لن يتخلى عن القرى الثلاث وسيعيدها تحت سيطرته، أما المجاهدون فهم يتقدمون إلى القرى المجاورة لمحاولة تحرير المزيد منها إن شاء الله تعالى والقرى الثلاث التي استولى عليها المجاهدون هي: تايلاند - كاروجمانان- بينامولوان وقد قتل عدد كبير من جنود العدو واستولى المجاهدون على أسلحة كثيرة ومعدات وإمدادات عسكرية بما فيها كمية كبيرة من الأرز، كما استولوا على مزرعة كبيرة، لتربية المواشي، وفيها عدد كبير من الأبقار والجواميس. إن المعارك بين مجاهدي الجبهة الإسلامية وبين جنود العدو راموس ليست محصورة في بلدة بانيسيلان، فقد بدأ القتال بين فصائل المجاهدين وبين كتائب جنود العدو في قرية «بالونتو» بمديرية روهاس منذ يوم الثلاثاء ٣ جمادى الآخرة ١٤١٤ هـ، ومازال مستمراً، وقد حرق جنود العدو الصليبي مسجداً صغيراً في القرية، وأثناء عودتهم إلى مركزهم وقعوا في كمين نصبه المجاهدون وكانت هذه هي بداية القتال، وتكبد العدو خسائر كبيرة في الرجال والعتاد. وقد تجدد القتال أيضا خلال الأسبوع الأول من شهر (جمادى الآخرة ١٤١٤ هـ) في قرية «أنجا» ببلدة «دامولوج» بمحافظة «بوكيدنون» وتستمر المعارك حتى الآن بين المجاهدين وبين جنود راموس الصليبيين، ولقي تسعة منهم مصرعهم وأصيب ثلاثة خلال المعارك المتواصلة. وفي مديرية «بيكيت» حاول جنود العدو اقتحام مواقع المجاهدين، ولكن المجاهدين ردوا عليهم بضربات قوية أجبرتهم على الانسحاب تاركين وراءهم ١٢ قتيلاً، واستولى المجاهدون على ما معهم من أسلحة. خطف وتخريب: لقد تكررت عمليات الخطف والتخريب خلال (الأسبوع الأول من شهر جمادى الآخرة ١٤١٤هـ) في جميع مدن «بانجسامورو» الواقعة تحت سيطرة حكومة راموس الصليبية، فقد حدث الخطف في مدينة جينرال سانتوس، كما حدث في مدينة كوتاباتو وفي سولو أيضاً، كما حدثت انفجارات في جميع المدن في بلاد مورو، ولا شك أن هذه الأحداث تدل دلالة واضحة على استياء الناس من نظام راموس وسياسته ومن ثم يلجؤون إلى أي طريق ممكنة لإضعافها. تعاون صليبي صهيوني: لقد اجتمع مؤخراً الزعيمان الصهيوني والصليبي (رابين وراموس) في نيويورك واتفق الرجلان على تعميق التعاون بين بلديهما في مختلف المجالات، واتفقا بوجه خاص على إقامة مشروع مشترك لصناعة قطع غيار الطائرات، وهذا المشروع يؤهل الفلبين لصناعة الطائرات أو على الأقل تركيبها ومن ثم تطوير القوات الجوية الفلبينية. وكان هناك تعاون قديم بين إسرائيل والفلبين منذ عهد الديكتاتور المخلوع ماركوس، واستمر هذا التعاون عبر عهد أكينو، وتصاعد بعد أن تولى راموس كرسي الرئاسة الفلبينية، وأصبح التعاون بين الدولتين (الصهيونية والصليبية) وثيقاً جداً. نداء لدعم المجاهدين: إن إخوانكم في الله في بلاد «مورو» بجنوب الفلبين وفي مقدمتهم العلماء والدعاة والمجاهدون ينادونكم ويستنصرونكم في الدين عبر هذا البيان. إن إخوانكم في العقيدة في هذه المنطقة النائية يواجهون حملات صليبية شرسة وعمليات إفناء منظم، وقد قتل في الآونة الأخيرة عشرات من المسلمين الآمنين العزل؛ وكان من عادات هؤلاء الجنود الصليبيين الانتقام من المسلمين العزل كلما انهزموا أمام المجاهدين، فقد دمرت وأُحرقت ست من القرى الإسلامية، وتشرّدَ عشرات الآلاف من المسلمين، وليس معهم سوى ملابسهم التي على أجسامهم، فالله الله في إخوانكم بالدعم والعون (من جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن خلف غازياً في سبيل الله في أهله بخير وأنفق فله مثل أجره) ، (والله لا يضيع أجر من أحسن عملا) .

стр. 1638

هموم ثقافية نحن ولغتنا العربية إبراهيم داود سألني أَحَدُ الطلبة يوماً في ضيقٍ واستهجان: لِمَ يُجعَلُ للعربية في جدول الدراسة كُلّ هذه الحصص، وهي ليست اللغة الأولى بين اللغات ولا الثانية، ولا حتى الثالثة؟ ! وذكرتُ وأنا أحاول تفهيمه وتوعيته موقفاً للعقاد ﵀، فقد سأله سائل مرةً: لِمَ تكتب؟ ! فقال: كان الأولى أن تسألني: لِمَ تعيش؟ فإنما الحياة تعبيران: تعبيرٌ تتلقاه عن الآخرين، وتعبير يتلقاه عنك الآخرون.. كذلك الحياة عند العقاد، وعندي أن مَن يُنكر اهتمامنا بالعربية كمن ينكر علينا كوننا مسلمين، سيّان! إن القرآن كما نصّت آيات عديدة عربي اللسان، والقرآن هو مصدر تشريعنا نحن المسلمين ومنهاج حياتنا، وميزان ديننا ودنيانا وآخرتنا فكيف لا تكون العربية التي أُنزل بها من أكبر همومنا، وملء السمع منّا والبصر والفؤاد؟ ! لقد كّرم الله تعالى هذه اللغة العربية؛ إذ أنزل كتابه الكريم بها على رجل من أهلها ﷺ ، وكرّمها إذ حفِِظَها بحفظ ذلك الكتاب العظيم، وهذا التكريم قطعي الدلالة على أنها خير اللغات، وما انحسار ظلها في هذا الزمن وضيق انتشارها إلا دليل على ضعف أهلها في تعلمها وتعليمها، وتلك حقيقة لا سبيل إلى جحدها أو المماراة فيها، وإلا فإن الإسلام الذي حكم العالم قروناً مديدة قد نُحّيَ هو الآخر في هذا العصر الكئيب عن موقع القيادة والسلطان، أفيُحملُ الإسلام وهو دين الله الخاتم وكلمته العليا وزر انتكاسنا وارتكاسنا؟ ! أم من يحمل ذلك الوزر الثقيل غيرنا نحن المسلمين؟ ! إن اللسان العربي شعار الإسلام ولغة القرآن وأهله كما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى وإن اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لكن العربية هي وحدها لغة الدين، وأيّ دين؟ إنه الإسلام الذي أكمله الله وارتضاه «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» . [١] ولقد استفاد العدو من الصراع الممتد بيننا وبينه، فعلم أن المسلمين يرون في القرآن العظيم منهاج حياتهم، وقوام وجودهم وتفوقهم، وأنهم يجعلونه فوق شُبهات العقول وشهوات الأنفس، وأن لا سبيل لهم إلى العلم بالقرآن والعمل به: إلا من طريق اللغة، وبذلك أدرك العدو أن اقتحام حصون المسلمين إنما يتحقق بتخريب لغتهم، وتشويه صورتها في عيونهم وعقولهم، وأن من شأن ذلك أن يضمن له الفوز عليهم بأقل الخسائر وأرخص التكاليف، ولا شك في أن البحث عن أسباب الضعف في التعبير اللغوي من دون إدراك هذه الحقيقة إنما هو بحث عقيم لا يفضي إلا إلى مزيد من التخبط والضلال. إن الأمة التي يضعف تأثيرها في حركة الحياة يدبّ الضعف في أطرافها جميعاً، ويسري الوهن في روحها كلّه، فليس الضعف اللغوي إلا مظهراً من مظاهر التخلف الكثيرة في هذه الأمة المغلوبة، وليس من ريب في أن معرفة الداء الذي أركس الأمة وهو انحرافها عن منهج الله هو الخطوة الأولى على طريق شفائها، وما شفاؤها إلا في فرارها إلى ربها القادر، حتى يُعيد لها الكَرّة الأولى على عدوّها، فتعود كما كانت خير أمة أُخرجت للناس، ويومئذٍ تعزّ لغتها كما عزّت من قبل، ويصلح آخر أمرها كما صلح أوله، وتتوقف معاناة أبنائها من كيد أعدائهم لهم، ومكرهم بهم، إذ يأمرونهم أن يكفروا بالله ربهم، وأن يرضوا بأن يصبح الإسلام ويُمسي غريباً بينهم، يحيا في نفوس أشتاتٍ منهم مستضعفين، تُكال لهم التهم، وتستباح دماؤهم وأموالهم إذا هم خرجوا به عن حدود الشعائر التعبدية في المساجد والبيوت. ولقد كان من أكبر الكيد لنا أن يزعم أعداؤنا أن نجاحاتهم الكبيرة في ميادين العلم مستفيدين من سنن الله الكونية في تسخير ما في الأرض جميعاً لبني آدم أنها إنما كانت نتيجة فصلهم بين الدين والدنيا، وأن يربطوا بمكرٍ تزول منه الجبال بين نهضتهم وكفرهم من جهة وبين تخلّف المسلمين وإسلامهم من جهة أخرى، مع أنهم كانوا في الماضي كفاراً وكانوا أشدّ تخلفا وكان المسلمون مسلمين حقاً، وكانت لهم السيادة والقيادة والتمكين في الأرض، على أن العدو قد نجح في كيده إلى حد كبير، وانظر بعضاً من أبناء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها مفتونين بالغرب، خواضين في مستنقعات تقليده، مطموسي الأبصار والبصائر، يصبحون ويُمسون وهم يرون في الغرب قدوةً وإماماً! حتى إذا قال واحد ممن يُسَمّون علماء التربية الحديثة: إن الطفل لا يصح أن يُلقّن شيئاً لا يدرك معناه، قالوا: لا ينبغي إذاً أن يُحَفّظَ شيئاً من القرآن حتى يبلغ سن الرشد، وهم يعلمون أن ما من دولة من دول العالم إلا ويحفظ أطفالها من الأناشيد ما لا يدركون معناه، ويعلمون أن آباءنا وأجدادنا كانوا يبدؤون في طفولتهم الغضّة بحفظ القرآن، وكانوا خيراً منّا في تفكيرهم وتعبيرهم مِراراً كثيرة.. وإن قال قائل من فلاسفة التربية الحديثة: إن الفنون الأدبية ينبغي أن تكون حيّة واقعية، آثر غير قليل من أصحابنا كتّاب هذه الفنون أن يجعلوها بالعاميّة أو يجعلوا الحوار فيها كذلك وذلك عندهم أضعف الإيمان! ، وكذلك أصبح إعلاميّونا ومعلمونا مغرمين بالعامية حتى إذا حمل أحدهم نفسه على ما تكره، وحمّلها ما لا تطيق تكلّف الفصحى على استحياءٍ تكلّفاً، وجاء بها معجمة غير مُعرَبة! إن أعداء الإسلام هم الذين هوّنوا من شأن هذه اللغة، وأرجعوا إليها كل ضعف في مستوى الثقافة والتحصيل العلمي، ودعوا إلى العامية تارة وإلى اللاتينية أخرى، ومعروف أن أول كتاب دعا إلى استعمال العامية كتبه قاضٍ إنجليزي في مصر عام ١٩٠٢ م اسمه (ولمور) سمّاه (لغة القاهرة) وضع فيه قواعد تلك اللهجة، واقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب جميعاً، كما اقترح كتابتها بالأحرف اللاتينية، ثم كأنما بصق القاضي الإنجليزي المذكور في فم إنجليزي آخر كان مهندساً للريّ في مصر هو (وليم ولكوكس) الذي قام ينعق بهجر العربية سنة ١٩٢٦ م، ويترجم أجزاء من الإنجيل إلى ما سمّاه «اللغة المصرية» ، فيقوم على إثر ذلك الصليبي (سلامة موسى) فلا يستحيي أن ينوه بالكاتب والكتاب، وأن يدعو بدوره في كتاب سمّاه (البلاغة العصرية واللغة العربية) إلى لغة أخرى غير الفصحى، لغة جديدة! تمتزج فيها الفصحى بالعامية؛ ليكون عندنا بزعمه لغة واحدة للكتابة والكلام.. ومع الأيام يُقيّضُ لهذه الفكرة الخبيثة من شياطين الإنس دعاةٌ آخرون مخلصون كفخري البارودي الذي تولّى في دمشق إصدار صحيفة أسبوعية باللهجة العامية وكسعيد عقل في لبنان، وآخرون من خريجي الجامعة الأمريكية ببيروت، التي كانت وماتزال معقلاً من معاقل الغزو الثقافي الذي اقتحم على المسلمين مجتمعاتهم وبيوتهم حتى لم ينج من عقابيله أحد، ومَن مِن أبناء المسلمين إلا من رحم الله وقليل ما هم عُوفي من أخطار الفن والرياضة، وأخبار الأزياء (والموضة) وشرور (الفيديو والتلفزيون) ؟ ! وأما بعد فما السبيل؟ السبيل أن ترجع هذه الأمة إلى ربها، وتسترجع شخصيتها وتستعيد سلطانها وهيبتها، وتُعيد النظر من ثمّ في أوضاع لغتها، مناهج وكتباً ومعلمين ومتعلمين، عندئذ، وعندما يؤدي الإعلام أمانته، وعندما يُعدّ اللحن في اللغة كما عدّه أسلافنا العظام في جملة العيوب والذنوب، وعندما يحرص كل مسلم أن يكون قوياً أميناً.. عندئذ تكون أمتنا قد عرفت الداء والدواء، فمشت على طريق العافية. يروى أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعريّ: «إنّ كاتبك الذي كتب إليّ لحَنَ لحناً فاضربه سوطاً» ، أو لسنا أحوج من الصحابة في عهد عمر إلى مثل تحرّيه ﵁؟ ! ليس في ضرب الكُتّاب ولكن في اختيار المجيدين وأهل البيان والمتخصصين في مجالاتهم ليؤدوا أدوارهم المطلوبة حتى لا تخرج علينا دعاوى إنهزامية من ذلك القبيل.

стр. 1639

في دائرة الضوء ملحوظات حول قضية «التأويل» د. محمد يحيى ظهرت في الأعوام الأخيرة في كتابات عدد من المثقفين العرب ولاسيما في مصر قضية فكرية، يمكن تسميتها بقضية التأويل أو التفسير للنصوص. وينقسم الطرح المحيط بهذه القضية إلى شقين: أحدهما أدبي، والآخر فلسفي إلا أن الموضوع برمته قد نشأ نتيجة للتأثر بتيار فلسفي نقدي أوروبي عام هو تيار «الهرمنوطيقا» أو علم التفسير الذي يرجع إلى أوائل القرن التاسع عشر في صورته الحديثة، والذي يوجد حضور له في العديد من الفلسفات الأوربية الكبرى كالهيجلية والماركسية والظواهرية والوجودية، فضلاً عن مدارس النقد الأدبي الحديثة، وقبل ذلك كله في علوم نقد وتحليل ما يسمى بالكتاب المقدس في الغرب، والصورة الحديثة التي نشأ فيها علم التفسير في أوروبا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه النقطة الأخيرة في نقد الكتاب المقدس عندهم وتأويله وبالذات بعد أن أظهرت الدراسات العلمية واللغوية في القرن الثامن عشر وقبله الكم الكبير من العيوب والنقائص والتناقضات المتضمنة في الشكل الموجود لدى الكنائس من الأناجيل والتوراة، وقد أدت هذه الدراسات إلى إسقاط مفاهيم صدق الكتاب المقدس وثباته وصحته، كما فتحت الباب واسعاً أمام من يريد الإبقاء على قدر من الإيمان والمصداقية لهذا الكتاب لكي يؤول ويفسر ويتكئ على المجاز في تعامله مع هذا النص، كذلك أدت الدراسات العالمية واللغوية إلى إسقاط المفهوم المتوارث بأن الكتاب المقدس هو كلمة الرب، وأن الطريق الوحيد للتعامل معه هو تفسيره بالأسلوب اللغوي المعتاد بالشرح والتبيين استخراجاً من معاني الألفاظ، وظهر من خلال هذا كله منهج يرى في النص أو في الكتاب المقدس مجرد وضع بشري، شأنه في ذلك شأن سائر التأليفات البشرية من أدب وقانون وسير وتواريخ، حتى وإن زعم له بعضهم: أصلاً أو إلهاماً أو إسقاطاً إلهي المصدر. إزاء هذا التحول الحاسم في النظرة إلى كتابهم المقدس بإسقاط قدسيته في واقع الأمر، وإسقاط طابعه الإلهي المعتاد، جاءت الدراسات الأولى أو المواضعات الأولى في علم «الهرمنويطيقا» لكي تحاول وضع أسس وصفت بالعلمية والموضوعية للتعامل مع «النصوص» كل النصوص تفسيراً وتأويلاً وفهماً وعلماً وعملاً، وكانت هذه المحاولات في مطلع القرن التاسع عشر وقبله بقليل، ثم طيلة ذلك القرن من جانب نفر من المفكرين والكتاب الألمان، وهو الأمر الذي ألقى بظله في العهود اللاحقة، بحيث يكتسب هذا الفرع الدراسي الطابع الألماني، ويؤثر في المدارس الفلسفية والفكرية الألمانية ويتأثر بها، وبقي هذا الطابع محفوظاً حتى فيما بعد عندما انتقل هذا الباب من البحث إلى سائر البلدان الأوروبية وأمريكا، وبغض النظر عن أشخاص المفكرين والفلاسفة المؤسسين لهذا العلم، والإسهام المميز الذي كان لكل منهم في تحديد معالمه فإننا نلحظ خطوطاً عامة رئيسة تميز بها فرع «الهرمنويطيقا» . هناك أولاً القول بضرورة البعد عن وضع القواعد الحاكمة لتفسير النصوص، واللجوء بدلاً من ذلك إلى البحث في «الموقف التأويلي» وتناول هذا الموقف من جوانبه المختلفة كما يقع، دون محاولة وضع القواعد والأحكام التي ينبغي على المفسرين الامتثال لها، ثم هناك نزع طابع القدسية أو حتى الخصوصية المميزة عن أنواع من النصوص، والنظر إلِى أي مكتوب على أنه نص، له في موقف التأويل الوضع نفسه الذي للنصوص الأخرى فيما يجري عليه من عمليات الفهم والشرح والتفسير، وهناك من المعالم المهمة مفهوم «تاريخية النصوص» و «تاريخية التفسير» الذي يرى أن النصوص ومفسريها والمواقف التأويلية ... التي تندرج فيها تخضع كلها لمقتضيات التاريخ وحتمياته وتغيراته وعملياته ويرتبط بذلك سيادة مفهوم «النسبية» في النظرة إلى النصوص ومضامينها. وهناك كذلك من ملامح هذا الباب الدراسي المهمة توسيع دلالات «التأويل» و «التفسير» و «الفهم» التي هي مصطلحات لعمليات ذهنية وبحثية؛ بحيث تشمل ظواهر وعلوماً حياتية كثيرة، ولا تقتصر فقط على التعامل اللفظي الإدراكي مع النص المكتوب، ووفق هذه الرؤية أصبح التأويل عند بعضهم من متأخري المؤسسين للنظرية (لا بأس من ذكر أسماء ديلثي وهيدجر وكلاهما مفكر وفيلسوف ألماني) أصبح يعني العملية الحياتية الجوهرية التي لا غنى لإنسان عنها في شتى مراحل حياته: من إدراك حسي، إلى إدراك فكري ومعنوي، إلى النظر في الكون والمجتمع، إلى التعامل مع الآخرين وإلى تكوين المباحث الفكرية فيما يعرف بالعلوم الإنسانية من تاريخ وفلسفة وأدب وفن وقانون ودين.... الخ وبجانب هذه الملامح الكبرى للعلم، نجد أفكاراً ومفاهيم فرعية تصبغه هي الأخرى وتحدد شكله: كالقول بانفتاح النصوص، وتعدد معانيها بتعدد قارئيها، وتعدد السياقات التي تقع فيها والقول بجوهرية دور القارئ في عملية الفهم والتفسير وإنتاج المعنى. وإذا كانت هذه هي ملامح البحث «الهرمنويطيقي» الرئيسة، إلا أن هذا الباب الدراسي لم يخلُ عند انتشاره في دول كأمريكا وإنجلترا من أصوات تعارض النزعة النسبية الطاغية التي غلبت عليه في طروحاته الألمانية، لكن هذه الأصوات (وأبرزها الباحث الأمريكي هيرشي) لم تتمكن من مقاومة النزعات النسبية والتاريخية لمفهوم التأويل؛ لأن هذه النزعات ارتبطت بجوهر العلم في كتابات مؤسسيه من الفلاسفة الألمان، وهو الأمر الذي كان له أبلغ الأثر عند نقل بعض مباحث هذا الدرس إلى السياق الثقافي العربي كما سنرى، وأيا كان الحال فإن محاور «الهرمنويطيقا» الأساسية في العقود الثلاثة الماضية تمثلت في ثلاثة محاور كبار: فعلى المستوى الديني بدأت من ألمانيا، وانتشرت إلى إنجلترا وأمريكا داخل الأوساط الكنسية البروتستانتية حركةٌ واسعة من إعادة النظر في الأناجيل وفي المفاهيم الدينية النصرانية المستمدة منها، وارتبطت هذه الحركة بأسماء قساوسة كبار، بل وأساقفة رؤساء في هذه الكنائس، برز منهم الألمان: «بولتمان» و «بونهوفر» و «كون» وغيرهم، وأفرزت هذه الحركة مفاهيم وأفكاراً تتردد الآن في وسائل الإعلام الغربية بعد أن أخذت طريقها إلى ساحة الظهور الشعبي، وقد كانت قبل ذلك محصورة في نطاق البحث الأكاديمي، وهي أفكار تقول بإنكار المعجزات الكونية، والخوارق المذكورة في الأناجيل، وعلى رأسها مولد المسيح من عذراء أو ألوهيته! كما تدعو إلى التأويل المجازي للأناجيل وإسقاط الاتباع الحرفي لها، وتذهب إلى تجاوز ما احتوته التوراة أو الأناجيل من أحكام شرعية، وتنادي بتفسيرات مختلفة جذرياً لجوانب عدة من هذه الكتب. أما المحور الثاني الذي ظهر عليه علم «الهرمنويطيقا» فكان عالَم الدرس الأدبي والفكر النقدي، حيث ظهرت مدارس أدبية ذائعة الصيت؛ نتيجة لاستعارة بعض مفاهيم هذا العلم وأسسه وتطبيقها على النصوص والمباحث الأدبية وهكذا ظهرت مدارس جماليات التأثير الأدبي، ونظرية استقبال النصوص الأدبية (في أوروبا) ، ومدرسة نقد وتمحيص استجابة القراء للنصوص (في أمريكا) ، وكلها تعنى بنقل ثقل تركيز النقاد من النص الأدبي كوعاء جامد للمعنى إلى كيفية «إنتاج المعنى» في عمليات القراءة والمؤثرات الشخصية والنفسية والاجتماعية والتراثية التي تفعل فعلها في ذلك، وظهرت مدارس البحث في تعدد مستويات النصوص الأدبية وثراء معانيها، نتيجة لعمليات التفسير المختلفة وتفاعلها مع عمليات اللغة الطبيعية. أما المحور الثالث الذي دار حوله «علم الهرمويطيقا» فكان المحور الفلسفي حيث تحول هذا العلم أو مفاهيمه إلى المفاتيح الرئيسة لبعض الفلسفات والفلاسفة المعاصرين كالظواهرية والهيدجرية، وأقرب من ذلك لدى الفلاسفة الأمريكان الجدد وأبرزهم ريتشارد رورتي وغيره. هذه نبذة بسيطة عن النشأة الحديثة وعن الملامح الكبرى لدرس علم التأويل والتفسير في الغرب، وفي سياقه الحضاري الحاضر، ومشاكله المتميزة وأبرزها إن لم يكن أوحدها المشكلة مع النص الديني المتمثل في الأناجيل الموجودة بين أيديهم، والتي ثبت لهم أنها ليست كلمات الرب ولا المسيح، بل هي سير، كتبها بعض المؤمنين بعيسى بعد عهده بسنوات طويلة، وكان تطرق الشك إلى هذه «الكتب المقدسة» مما يمس مصداقيتها وصحتها شكلاً وتواتراً ومضموناً هو المحك الأول الذي ساهم في النشأة الحديثة «للهرمنوطيقا» وفي الطابع النقدي الذي اصطبغت به، وفي الملامح الرئيسة لها كما استعرضناها فيما سلف، ولهذه النقطة بالذات أهمية محورية عند التعرض لنقل بعض جوانب هذا الدرس إلى المناقشات الثقافية العربية الجارية. إن للتفاعل العربي الثقافي مع الغرب في «العصر الحديث» كما يسمى تاريخ طويل ومعقد ليس هنا مجال تناوله، ويشمل هذا التاريخ في جوهره «استيراد» المدارس والأفكار الفلسفية الرئيسة في الغرب؛ لتمثل في أشكال مبسطة أو محرفة العمود الفقري لطروحات النخب المثقفة العربية المتغربة والمعلمنة على مد ى قرن أو يزيد، وعملية «الاستيراد» والتجهيز للاستهلاك والطرح في الأسواق الفكرية تحتاج هي الأخرى إلى تحليل ووصف ليس هنا مجالهما، لقد جرى استجلاب الأفكار الأساسية للفلسفات الغربية تباعاً على مدى النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين وفق احتياجات واضحة: هي علمنة وتغريب الطبقات المتعلمة والقائدة ثقافياً في البلاد العربية ولذلك كان التركيز في النقل أو الاستيراد (أو الغزو الفكري) على المذاهب الفكرية صاحبة المقولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما تركّز النقل على الجوانب الفعلية والحركية والعملية منها دون الجوانب «التقنية» ، أي الجوانب المنطقية والنظرية المجردة؛ وهكذا شهدنا نقل الليبرالية في نواحيها السياسية والاجتماعية، والماركسية في شقها التطبيقي الشيوعي والاشتراكي والبراجماتية الأمريكية، والوجودية في جوانبها السلوكية والفنية تماماً، كما شهدنا عمليات نقل الأنظمة القانونية والإدارية والسياسية والاقتصادية والأدبية والسلوكية ... الخ؛ وكان من شأن هذا العامل الحاكم لنقل المذاهب الفكرية الغربية بغية استعمالها في المقام الأول كأدوات لبث ودفع العلمنة والتغريب إلى المجتمعات العربية المسلمة، وليس كأدوات تفاعل وتنشيط فكري أن يؤخر نقل واستيراد فلسفات معينة اتسمت بغلبة الطابع التقني على مظاهرها وأبرزها فلسفة التأويل، وكان منها بالمناسبة الفلسفة الوضعية المنطقية التي نقلت على يد زكي نجيب محمود، ولكن مع تطويع لجوانبها التقنية بحيث يصبح لها طابع فكري اجتماعي ديني أدبي، يستخدم هو الآخر في عمليات العلمنة والتغريب. كان الطابع «الفلسفي» التقني الغالب على علم أو درس «الهرمنويطيقا» هو العامل المحدد وراء تأخر نقل جوانب من هذا العلم واستخدامها في سياق عملية العلمنة والتغريب من جانب النخب الثقافية العربية المتصلة بالغرب اتصال حياة وبقاء، أضف إلى ذلك صعوبة هذا العلم وتركز مصادره الأساسية في الثقافة الألمانية قبل اتصال النخبة بها، وإن كان لهذا العلم وضع قوي لاحق داخل الثقافة الفرنسية، مما أدى مثلاً إلى ظهور بعض مؤثراته على نخب شمال أفريقيا، كذلك تأخر النقل والاستيراد في تقديري لأن الفلسفات الأخرى الطاغية في تفكير النخب المثقفة كالليبرالية والشيوعية وبعض أشكال القومية كانت تؤدي دورها في العلمنة والتغريب على أكمل وجه، ولا يجب أن ننسى أن التخلف الذي يميز هذه النخب إزاء الثقافة الغربية التي يعتبرونها القدوة مسؤول هو الآخر عن تأخر نقل «الهرمنوطيقا» ، ذلك العلم الصعب المرتبط بالسياقات الفكرية والتاريخية والحضارية للعالم الغربي، غير أن عوامل متعددة تضافرت؛ لتعوض هذا التأخر في النقل، ولتساعد على الإقبال من جانب بعض عناصر النخبة المثقفة العربية على «الهرمنويطيقا» ومفاهيمها. إن الفلسفات الرئيسة التي جُلبت من الغرب على مدى القرن الماضي وقد فشلت في الأداء العلماني التغريبي، بعد أن تعرضت لعمليات نقد وتفنيد واسعة ليس فقط في البلدان الإسلامية ولكن في مواطنها الأصلية، وفي بيئتها الفكرية ذاتها وقد تحولت بعض هذه الفلسفات ولاسيما الليبرالية والبراجماتية إلى مجرد مذاهب سياسية اجتماعية لا تسندها حجج فلسفية عميقة؛ لكي تضفي عليها مصداقية ومكانة، أما الماركسية فقد أصابها هي الأخرى ذلك التحول فضلاً عن سقوطها المدوي المعروف في المجال العملي والنظري على حد سواء، ولم يتبقَ منها إلا شذرات من مفاهيم فلسفية متفرقة، سرعان ما أعيد اندماجها في المسار العام للفكر الغربي ذي الطابع العلماني، ولم تعد هذه الفلسفات ترضي النزعات التعمقية لدى قطاعات من النخبة المثقفة التي كانت تتطلع إلى الفكر الغربي دوماً باعتباره يمثل قمة العمق والتبحر في النظر إلى الكون والأشياء. في هذا المناخ جاء نقل «الهرمنويطيقا» أو بالأصح بعض مفاهيمها من جانب قطاعات من النخبة قليلة العدد صاحبة التأثر بالفكر الفلسفي الألماني والفرنسي الحديث، وجاء هذا العلم ليقدم نفسه حلاً مثالياً للمشاكل التي ألمحنا إليها في الفقرة السابقة لدى الفلسفات الغربية الأخرى التي تبنتها النخبة، فهو بحث فلسفي يحتفظ بمستوى من العمق، وفي الوقت نفسه من الاتساع والانفتاح على شتى مناحي الثقافة غاب عن الفلسفات الأخرى، وهو قبل كل شيء بحث فلسفي يدور حول محور المحور الديني هو محط تركيز عملية العلمنة والتغريب التي أوكلت إلى النخبة المثقفة، وبجانب ذلك فهو بحث فلسفي يخلو إلى حد كبير من وصمة النقل والتقليد و «الاستيراد» التي شابت المدارس الفلسفية الأخرى، وسهلت كثيراً من عمليات نقدها ودحضها ذلك لأن لفلسفة التأويل دوراً بارزاً وأصيلاً فيما تسميه النخبة بالتراث: فهناك تفسير القرآن بمدارسه، وتأويل ألفاظه معانيه وشرحها، وهناك مقولات تأويلية مشهورة اختلفت حولها مدارس علم الكلام، بل ونشأت أساساً بسببها وهناك تعبيرات معروفة في ذلك التراث تفيض بالمغزى التأويلي كعبارة «القرآن حمال أوجه» ، وباختصار فهذا علم له نظير كبير في الوضعية الإسلامية الفكرية والثقافية، ولا يتطلب الأمر التحايل لإثبات أن له أصلاً في الإسلام على الساحة العربية، وإضفاء «العالمية» عليه. وفي الحقيقة فإن وجود علم إسلامي عربي للتأويل والتفسير بقواعده وممارساته، كان أمراً جذاباً لنقلة «الهرمنويطيقا» يجنبهم من ناحية التعرض لمقولة الغزو الفكري، كما يضفي عليهم من ناحية أخرى طابع الباحثين المجددين في الوضعية الإسلامية، الذين لا يسعون إلى إغراق هذه الوضعية بأفكار غريبة عنها، بل يحاولون إحياء علومها الأصلية مستعينين في ذلك بالتطورات والأفكار «العالمية» حول ذلك العلم، ولكن وراء هذا التشابه الظاهري أو السطحي كان يكمن الفارق الجوهري بل والخطير بين علم للتفسير نشأ في خطى الإيمان ... والاقتناع العقلي بكتاب مقدس (القرآن) ، وبين علم آخر الهرمنويطيقا الحديثة نشأ في خضم التشكك والنقد والإلحاد العقلي بكتب أخرى يقال لها مقدسة؛ هذا الفارق الجوهري في الموقف من «الكتاب المقدس» وعقيدة كل حضارة على حدة، هو الذي يجعل من المغالطة والسفسطة القول بأن «الهرمنويطيقا» هي الامتداد المشروع والطبيعي لعلوم التفسير الإسلامية لاسيما وأن أصحاب هذا العلم الجديد ودعاته هم المبشرون المتحمسون لمقولة أن لكل علم إنساني أو حتى طبيعي أرضية أيديولوجية وعقيدة فكرية «غير علمية» تحدد محتواه بل ومنهاجه أيضاً ومنطقه. وإذا كان نقل علم «الهرمنويطيقا» قد بدأ على استحياء وقلة في مجال دراسات النقد الأدبي؛ لأن أحد محاوره الرئيسة في الغرب يمر كما أسلفنا عبر هذا المجال ويدلي فيه بدلوه، وإذا كان نقل هذا العلم لم يحدث إلى درجة تذكر في مجال المحور الفلسفي في الطرح الغربي بسبب صعوبة هذا الميدان ودقة المدارس الفلسفية التي تبنته ومحدوديتها، فإن النقل على المحور الديني هو الذي ظهر بشدة على مدى السنوات الأخيرة؛ ليفتح فصلاً جديداً في سجل محاولات النخبة العلمانية المثقفة مواجهة الإسلام ومنهجه، ولعل في هذا التركيز على المحور الديني لعلم «الهرمنويطيقا» في مقابل المحورين الأدبي والفلسفي ما يشير بوضوح إلى أن النخبة قد مارست مع هذا العلم ما مارسته من قبل مع شتى النقول الفلسفية والفكرية من أوروبا، أي التركيز على العناصر والجوانب التي يمكن أن تستخدم في تعمق عملية التغريب والعلمنة، ومواجهة الفكر الإسلامي، كل ما في الأمر أن المذاهب الفلسفية وآخرها الماركسية قد فشلت في مواصلة هذه العملية، وحان دور مذهب آخر؛ ليؤدي المهمة نفسها بكفاءة، فكان هذا المرشح الجديد هو «الهرمنويطيقا» لجدته وأهميته وبروزه في التفكير الفلسفي الغربي المعاصر، ولوجود نظير له في التراث الإسلامي يُمَكّن من استغلال التشابه بينهما وأحياناً وحدة القضايا المطروحة كأحد أدوات التضليل والإرباك والتعمية. هكذا إذن دخل درس التأويل والتفسير ساحة الخطاب الفكري للنخبة المثقفة المعلمنة في عالمنا العربي في الآونة الأخيرة؛ ليؤدي مهام ثقافية محددة في المواجهة مع الفكر الإسلامي الصاعد، وليتعامل معه بشكل يتصور أنه أفضل من تعامل المذاهب الفلسفية الأوروبية السابقة، وتمثل مفاهيم هذا العلم الآن الخلفية العمود الفقري الفلسفي للعديد من طروحات النخبة في مواجهة الفكر الإسلامي وأفكار الحركات الإسلامية، فهذه المفاهيم تقف بشكل مباشر أو غير مباشر لتسند طروحات مثل: إعادة تقويم: «التراث» ومراجعته وقراءته و «تطوير» الشريعة الإسلامية، وتفسير القرآن بما «يتلاءم مع عصرنا» وتعددية التفاسير والمعاني القرآنية، و «بشرية النص القرآني» ، وتاريخية القرآن ومحدودية انطباقيته، وتجاوز «حرفية» النص القرآني إلى «اتجاهه» في التشريع بل وفي العقيدة، ونسبية التراث ومفاهيمه (مع ملاحظة أن الإسلام بعقيدته وشريعته ونصوصه يندرج عند النخبة تحت مفهوم التراث) .. الخ. إن الأفكار الكلية والجزئية على كافة المستويات التي تطرحها بعض أصوات النخبة المعلمنة المتغربة الآن في دائرة ما يسمونه التراث بدءاً من حديثهم عن «مفهوم النص القرآني» وانتهاءاً بالحديث حول انتقاء العناصر «الإيجابية والتقدمية» من التراث ونبذ الباقي، واتخاذ موقف نقدي من الكل، إنما تنبع كلها من أرضية مفاهيم علم «الهرمنويطيقا» كما بدأ نقلها في الأعوام الأخيرة من بعض فلاسفة أوروبا. وحتى هذا الحد فإن الوضع من الناحية الثقافية يبدو وكأنه لم يتغير عما كان يحدث من قبل من جانب النخبة العلمانية، فنحن نجد أنفسنا أمام استعارة مذهب فلسفي غربي مع تحويره بحيث يصلح أداة لمواجهة الإسلام من ناحية وتعميق عمليات التغريب والعلمنة من ناحية أخرى، ولكن هناك فوارق جوهرية كما ألمحنا من قبل، فنحن لا نواجه هنا مذهباً فلسفياً أيديولوجياً تقليدياً وإنما نواجه بمنهج في البحث والتفكير يزعم لنفسه أنه تجاوز الأنماط الأيديولوجية والطروحات السياسية والاجتماعية ليصبح منهج العلوم كلها الإنسانية وغير الإنسانية، بل ويزعم لنفسه أنه قد أصبح الأب المهيمن على المناهج البحثية ونحن لسنا أمام مجموعة من النصوص الفكرية والفلسفية كما كانت الحال من قبل، بل أمام مجموعة من الأفكار (النصوص!) تزعم لنفسها أو يُزعمُ لها أنها أصبحت تهيمن على كل النصوص على الإطلاق من حيث إنها هي التي تحدد كيف يجري التعامل مع هذه النصوص، وكيف يتم تفسيرها وتأويلها واستخراج معانيها والحكم عليها، وفوق ذلك فنحن أمام تيار يزعم أن له في التيار المناظر في الوضعية الإسلامية قريناً مكافئاً، وأنه لا يحارب هذا القرين، بل يجدده ويطوره وينميه، ويفك من جموده وسقمه المدعى. وقد يكون من الملائم في ختام هذه الملحوظات، التي رسمنا فيها خلفية ما يتردد الآن من أفكار حول التأويل وتوظيفه في فهم التراث والقرآن وتفسيرهما، أن نشير في خطوط عامة إلى محاور للرد عليها. منها: إن الذين يتحدثون الآن عن «النصوص» وتفسيرها وتأويلها يقلدون الغربيين الذين ينقلون عنهم في الخلط بين كل أنواع النصوص وعدم التفريق بينها لا من حيث الشكل ولا المضمون ولا الهدف ولا معاملة المجتمع ونظرته لكل منها عندهم، فإذا كان التقديس في أوروبا قد سقط عن «الكتب المقدسة» التي ثبت أنها حُرّفت، فإنهم هنا يحذون هذا الحذو ويسقطون القداسة أو بالأصح ينفون الأصل الإلهي عن القرآن، وإذا كان أساتذتهم في أوروبا يعاملون كل مكتوب على أنه نص يستوي في ذلك الديني والقانوني والأدبي، فإنهم هنا يتبعون النهج نفسه، وينتهجون الأسلوب نفسه في التعامل مع عالم النصوص باعتبارها جميعاً متساوية متشابهة، دون تمييز بين نوعيات وأهداف خاصة بهذه النصوص توجب لكل منها معاملة خاصة في التأويل والتفسير والمعاملة، ولنضرب المثل على ذلك: فإذا جاز الحديث عن النص الأدبي بالقول باستقلاليته عن مراد كاتبه، وبتعدد معانيه وتغيرها بتغير القراء والعصور والأغراض التي تقرأ لها، ونسبية المعاني العامة المستخلصة منه ... الخ، فإن ذلك يجوز لطبيعة النص الأدبي الخاصة أو بالأصح لتحديد المجتمع الأدبي لهذه الطبيعة الأدبية والغرض الأدبي، أما في النص الديني (ونحن نسميه هكذا تجاوزاً لكي نتفق فقط مع مصطلحات هذا العلم) ، فإن أمثال هذه التعاملات لا تجوز؛ لأن هذا النص يختلف عن النص الأدبي من حيث أن القدسية التي يضفيها عليه المؤمنون به تفترض معاملة خاصة لثبات المعاني النابع من كونها تشريعات أو منطوقات إلهية وليست بشرية، بينما النص الأدبي هو نص بشري الوضع، ولا يقصد به الوحي ولا التشريع، بل يلقى إلى القراء مقطوعاً عن كاتبه حسب نظرات بعض المدارس النقدية الأوربية الحديثة وليس كلها، كذلك فإن الأنواع الأخرى من النصوص تتطلب معاملة مختلفة عند التأويل والتفسير، ولا يكفي هنا أن نقول كما يفعل بعض دعاة هذا الدرس إن الكل نصوص مصنوعة من اللغة، وإن اللغة لها «آليات تفسيرية» عامة شاملة ذلك لأن اللغة تستخدم في كل حالة أو نوع من النصوص لغرض مختلف يدخل هو أيضا في حساب آليات التفسير اللغوي هذه، كما أن نفس الآليات التأويلية اللغوية تضمن ثبات المعنى وعلوه عن النسبيات التاريخية التي يكثر دعاة الفكرة هذه من الإلحاح عليها؛ لهدف لا يخفى هو هز ثبات المعنى القرآني، وإحالته إلى النسخ والتغير والضياع والتجاوز والسقوط. والواقع أن بعض من يرددون أفكار مستقاة من «الهرمنويطيقا» في النخبة العربية المثقفة، يذهبون في التركيز على النسبية والتاريخية وميوعة المعنى وتغيره مذهباً متطرفاً يجاوزون به بعيداً ما وضعه أساتذة العلم الغربيون من ضوابط علمية، وحدود تقي الشطط المدمر بكل معنى وكل قيمة، وما ذلك إلا لأنهم قد قصدوا شيئاً محدداً من وراء ترويج هذه الأفكار، هو كما قلنا مواجهة الفكرة الإسلامية، ولعلنا مادمنا نتحدث عن التأويل والتفسير نجد في مسلكهم هذا أو في غرضهم هذا ما يفسر ويشرح لنا سبب تبني الغرب وبعض الدوائر النافذة لأولئك النفر، وتصعيدهم في منابر الثقافة الرسمية العلمانية، وتحويلهم زوراً من خلال بعض القضايا المثارة إلى شهداء رأي وأبطال فكر..

стр. 1640

منتدى القراء قيمة المرء ما يحسن عامر إبراهيم هكذا روي عن الخليفة الراشد علي ﵁، وهكذا أثبتت التجارب، ونطق التاريخ.. فكما أن العمل أصل في بقاء الفرد وأصل في قيام الأمة، فكذلك الإحسان أصل في رقي الفرد، ونهوض الأمة.. وبذلك يتلازم العمل والإحسان فيه. ومن هنا يتحدد موقع الإنسان الذي يستحقه، وبالتالي تتحدد قيمته تبعاً لذلك، فالعمل قائم بشكل أو بآخر، وهو وسيلة كل حيّ للبقاء والعيش والاستمتاع بهذه الحياة التي وهبها الله إياه ولكن الذي مايز بين الناس، وباين بين مستوياتهم ومواقعهم الأصلية، هو الإحسان الذي هو سبيل النجاح الذي حققوه. ومن ثم كانت مواقع العظماء في الذروة من شعوبهم وأممهم لا لأنهم عملوا فحسب، ولكن لأنهم أجادوا وأحسنوا.. وهناك في الذرى تحددت أماكنهم، وفي الأفق الغائر تمكنت مواقعهم، وكانوا أحق الناس بذلك. وهنا يحق لي أن أتساءل: هل كان الإحسان والإتقان في العمل هماً يلازمنا أثناء قيامنا بأي عمل، وبخاصة إذا كنا نقدمه ابتغاء مرضاة الله تعالى وباسم الدين، أم أننا مازلنا في مرحلة طلب العمل والحث عليه فحسب؟ ! إننا في حاجة ماسة إلى المطالبة بالإحسان، والمحاسبة الجادة على الخطأ الذي يمس الأمة، والحرص الشديد على تلمس مواطن الإحسان والإجادة وتجنب مواقع الإساءة والخلل، وبذل الجهد في ذلك. فكم من الأموال التي أنفقت! ، وكم من الطاقات التي أهدرت؟ ، وكم من الجهود التي ضاعت ولا حسيب، ولا رقيب؟ ! ، وكل يدعي وصلاً بليلى، وأنه هو المحسن وغيره المسيء. ألم يكن فقدان الإحسان في جميع هذه الأعمال سبباً رئيساً في ذلك قصداً وعمداً حينا، وجهلاً وغباءً حيناً آخر؟ ! ! ولا يلغي هذا جوانب الإحسان المشرقة في كثير من الأعمال وبخاصة التي تقدم في سبيل الإصلاح والدعوة: فهي ولله الحمد ظاهرة، ولا يحق لأحد أن ينكرها، ولكن تبقى المرحلة أقل مما يطمح إليه العمل الإسلامي على المستويين الفردي والجماعي. وللإحسان عوامل ومقومات، تخضع للتجربة والاستقراء والاجتهاد وبالتالي يصعب حصرها واستقصاؤها في منظومة واحدة، فالحياة وتجاربها مدرسة واسعة، لكل طالب للحق مريد للنجاح والتفوق. وسأذكر بعضاً منها، لعلها تساهم بشكل أو بآخر في السعي الجاد إلى طلب الإحسان والإتقان في جميع أعمالنا الصغير منها والكبير. ١ -الإخلاص لله وحده: والإخلاص مَرْكَبٌ يصعب العبور بدونه، ومَطِيّةٌ يصعب التخلي عنها وبذلك كان الإخلاص ركن أساس في صحة العمل وقبوله. ومتى ما انصرف إلى مصلحة عابرة، أو غرض مؤقت فقد العمل قيمته وتلاشى الإحسان فيه. ولو تأملنا الإخلاص وأثره لوجدناه يفعل فعل المعجزات التي يصعب على العقل تصورها، وإخلاص السلف وآثاره، أبرز الشواهد وأصدقها على ذلك. وكذا في عصرنا الحاضر، فلو تأملنا السبب في تحقيق جوانب من النجاح المادي عند شعوب الغرب، لوجدنا أن الإخلاص الشديد لدنياهم كان له أبرز الأثر في وصولهم إلى ما وصلوا إليه. ٢ -التنظيم الدقيق، والتخطيط السليم: وهذا عامل مهم جداً، وسبب فعّال في مسيرة النجاح والإحسان والتفوق، فبقدر ما يكون التنظيم دقيقاً، والتخطيط سليماً، بقدر ما يحقق النجاح والإحسان؛ ولذلك كان من جوانب الاختلاف والتمايز بين مواقع الدول في عصرنا الحديث، ما هو عائد إلى الاختلاف والتمايز في مستوى الدقة في التنظيم، والسلامة والدقة في التخطيط.. وللتنظيم والتخطيط عوامل ومقومات يطول المقام بذكرها، يمكن أن تندرج تحت ما سنذكره من عوامل ومقومات أخرى. ٣- الاستفادة من تجارب الآخرين: وهذه صفة تكاد تكون معدومة عندنا نحن المسلمين، فالتاريخ مليء جداً، وزاخر بِكَمّ هائل من التجارب والأحداث لمختلف الأمم والشعوب، مما يساهم مساهمة فعالة ومؤثرة في مستويات إحساننا في أعمالنا، إذا نحن تعاملنا معها التعامل الصحيح، وكذلك تجارب الشعوب والمجتمعات التي تعيش معنا في هذه الحقبة من الزمن، يمكن الاستفادة منها استفادة بالغة، لو نحن أردنا ذلك. ٤ -الشمولية في النظرة: وهذا يتعلق بجانب التخطيط السليم، لكن لأهميته أُفرد، وخاصة في الأعمال الجماعية، فلابد قبل القيام بأي عمل يمثل الأمة عموماً، أو يمثل العمل الإسلامي خصوصاً، من أن تسبقه رؤية شاملة ودقيقة في الوقت نفسه لطبيعة العمل الذي يُنوَى القيام به، ومواطن القوة والضعف فيه، ومناسبته للوقت الذي يقوم فيه، ومدى حاجة الأمة إليه في المرحلة الراهنة، والثمرات والنتائج المتوقعة له، والإخفاقات التي يمكن أن تحدث له، والعوائق والعقبات التي تعترضه.. وحينئذ نكون اجتهدنا وبذلنا ما في وسعنا من أجل نجاحه «فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد» . ٥- وضع الاحتياطات الكافية: وذلك حتى لا نفاجأ بنتائج، وسلبيات لم نكن نتوقعها أو نحسب حسابها، هذا من جهة ومن جهة أخرى، حتى نعد العدة اللازمة لمواجهة أي طارئ يمكن أن يحدث أو عقبة يمكن أن تعترض، وبالتالي يمكن للعمل أن يحافظ على قيمته، وعلى مستواه في الحد الأدنى على الأقل. ٦- التأني في العمل: التأني وعدم استعجال النتائج، وقطف الثمرة قبل أن يتم نضجها والإخفاق في هذا العامل ساهم كثيراً في النتائج الوخيمة، والسلبيات العديدة التي حدثت وماتزال تحدث في مسيرة العمل الإسلامي، وهو بالمقابل سمة واضحة لسياسة الأعداء وخططهم، وكما قال الإنجليز «بطيء لكن أكيد المفعول» . هذه بعض الملامح الموجزة لعوامل النجاح والإحسان، أحببت الإشارة لأهميتها وإن كان هناك غيرها، وهو لا يقل عنها أهمية، إلا أن التركيز على هذه العوامل، قد يكون كفيلاً للوصول إلى الإحسان الذي نريده، والذي يريده ربنا، ليرتقي بنا ذلك إلى ما يحبه الله منا، كما أخبر بذلك نبيه ﷺ «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين..

стр. 1641

منتدى القراء قارون العصر محمد أحمد عسيري تأتي قصة قارون في القرآن الكريم موضحة إحدى صور الطغيان والعنجهية البشرية، وراسمة سبباً من أسباب تفاقم (الأنا) «أو حب الذات ومراحل تطورها حتى أدت إلى التعاظم على القدرة الإلَهية المانحة والسالبة، في لوحة عنوانها » جنون العظمة «. تلك اللوحة القديمة في واقعها، والمتجددة في تعدد أشكالها وأنماطها نجدها تتكرر اليوم في مشابهة ضمنية لسابقتها، ولإن كان تضخم المال طغى على بصيرة قارون موسى، حتى جعله لا يرى فيه إلا عبقرية متناهية وجدارة مستعلية، فإن هذا العصر يزخر بصورة أشد استعلاءاً وطغياناً، إذ إن هذا القارون الورقي أوتي من القوة الإقتصادية ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فأصبح عند أناس السيد المتعالي، والقوي القاهر، والعظيم المشرأبةُ إليه الأعناق، والكبير المشار إليه بالبنان.. فأصبح لسان حال هؤلاء يقول: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم، فكانوا أشباهاً صغيرة تتقمص شخصيته لتزدلف إليه بهذا التقمص، عسى أن يمنحها شيئاً من استعلائه، ولكن أنّى لهم أن يصلوا إلى صدارة كبيرهم الذي علمهم السحر؟ ! . فيا ترى ما قصة هذا القارون العصري؟ ! أستطيع أن أقول إن فوح طغيانه يتقزز من استنشاقه كل فرد، ورياح زفراته تكاد تقتلعَ من على الأرض.. كان طفلاً ربيباً فنما، حتى أضحى شاباً يافعاً ندي المنظر تتفتق عن سواعده متانة العضلات وصلابة العظام، وكانت تنمو معه عقدة (الأنا) حتى أمست ذروة جبل، فلبس تاج الاستبداد، ومد له بساط الطاعة والاحترام، فصارت الدنيا في نظره سادةً وعبيداً، وآمراً ومطيعاً فتجده رأساً من رؤوس الاستعمار، ورمزاً من رموز العبث والخراب، حتى غدت آثاره بارزة للعيان تحدث بها أوضاع العباد، وتشكو منها البوادي والآكام، فلا أدل على آثاره من فرض الحصار، وزعزعة الاستقرار، وتخطيط الحدود، ورؤى الحلول، وحرق الفلول، واقتحام الدور، واستلاب الحقوق.. كل ذلك يتم على مسرح الدنيا خلف أستار من دعاوى الحقوق زاهية الألوان، وتحت رؤى أنظار يلفتها هذا البهاء عن حقيقة الادعاء. إن هذا القارون يمثل الروح الباعثة لكل هذا الطغيان في جسد تلك المرأة الشوهاء، التي استفهم عنها الشاعر في قوله: من هذه المرأة الشوهاء، أحسبها ... وقد تراءت أمامي، شر مخلوق؟ بدت أمامي بسمت لا نظير لها ... لوجه مستحدث والعقل إغريقي أجابني ساخراً مني: أتجهلها؟ ! ... هذه العظيمة ذات الخيل والنوق؟ !

стр. 1642

الصفحة الأخيرة رسالة جمال سلطان وأخيراً استُقبلَ سلمان رشدي استقبال الفاتحين المغاوير في البيت الأبيض الأمريكي، وأنعم عليه رئيس أكبر دولة في العالم اليوم، بشرف المقابلة التي تنم عن اعتزاز وتقدير وامتنان لجهوده المتميزة في خدمة الإنسانية! وكان هذا الحدث هو ذروة مسلسل التكريم والتبجيل الذي تلقاه شاتم الرسول ومُحَقّر أقداس الإسلام، في مختلف الدول الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا وألمانيا وفرنسا، حيث شرفته وكرمته وقابلته قياداتها السياسية العليا، وقد صرح الرئيس الأمريكي عقب المقابلة بأنه أراد أن يبلغ العالم الإسلامي رسالة، وهي أن أمريكا تحترم حقوق الإنسان وفي مقدمتها حقه في حرية التعبير، وهي فروسية أمريكية لم تظهر إلا ضد الإسلام، ومع حرية من ينتهك شرف المسلمين وكرامتهم. ومما يذكر في هذا المقام أن شعب البوسنة والهرسك ظل يذبح على مدى عامين في أبشع جرائم العصر، وظل الرئيس البوسني يلح على مدى العامين على مقابلة الرئيس الأمريكي، وظل البيت الأبيض يتفلت من الطلب متجاهلاً قصة حقوق الإنسان ومن أعظمها حقه في الحياة، حتى ذهب رئيس وجاء رئيس، وظل التجاهل، حتى فاحت رائحة التآمر والتواطؤ، فأنعم عليه الرئيس الأمريكي باثنتي عشرة دقيقة مقابلة، أخبره فيها بلباقة أمريكية: آسف لا أستطيع أن أفعل لك شيئاً! ومازالت الناس عاجزة عن فهم المعادلة: كيف يكون حق كاتب في السباب والقذف أهم من حق شعب بكامله في الحياة عند أوربا المتحضرة وأمريكا المستنيرة؟ ! أعتقد أن تلك الرسالة قد وصلت، وسيظل العِرْض الإسلامي مستباحاً، عقيدة وإنساناً، مادام وضع هذه الأمة في العالم لم يجاوز بعد: عير الحي والوتد!

стр. 1643

رمضان - ١٤١٤هـ فبراير - ١٩٩٤م (السنة: ٨)

стр. 1644

كلمة صغيرة نتيجة مرفوضة ... وتقاتل إخوة الجهاد في صراع دام مؤلم لكل مسلم مخلص، والعجيب أن كل واحد من المتقاتلين يرفع راية الإسلام بل راية الجهاد، فهل تكون ثمرة ذلك الجهاد المشرف لتحرير أفغانستان والذي رفع رؤوس كل المسلمين.. هل تكون ثمرته هذه الفوضى الجسيمة، وتلك الحرب الداخلية الشرسة؟ ! إن نتيجة ذلك ليس سوى الهدم لتلك المواقف المشرفة لذلك الجهاد والطعن في نزاهة الإسلاميين عموماً، وادعاء الشامتين بأن هذا هو مصير كل توجه إسلامي.. فهل يعلم الإخوة المتقاتلون من المجاهدين جسامة ما أدى وسيؤدي إليه ذلك القتال؟ ! إننا ندعو إخوة الجهاد للتوقف والتأمل في خطر ما يصنعون: هل هو يرضي الله؟ وما حكم سفك دم مسلم بغير حق؟ فكيف بالعشرات بل المئات؟ ! إن تقاتلكم -أيها المجاهدون- إساءة للإسلام وللمسلمين عموماً وانتكاسة لا مبرر لها فحتى متى لا تجيبوا داعي الله [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما] ، إن من الأهمية بمكان دراسة أسباب هذه الانتكاسة وستجدون أن السبب جوانب تساهلتم فيها من الولاء والبراء والإيثار ونكران الذات. والله المستعان.

стр. 1645

الافتتاحية رمضان بين الصورة والحقيقة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: تقوم مجلة البيان انطلاقاً من رسالتها الإسلامية بالتفاعل مع واقع أمتنا الإسلامية دعوة وتوجيهاً وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وواقع أمتنا اليوم يحفل بالكثير من المشكلات والمآسي التي يعاني منها جل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وكنا نتحين الفرص لمعالجة بعض الأحداث والمواقف، إلا أن إطلالة هذا الشهر الكريم بإشراقاته وأنواره حاملاً معه البركات والخيرات، جعلتنا نتوقف مع هذه المناسبة وقفة عرض ومحاسبة لأحوالنا في هذا الشهر وواقعنا فيه بين الصورة والحقيقة، وما مدى التزامنا فيه بالهدي النبوي، وماذا يتوجب علينا أن نقوم به لنكون فيه من المقبولين إن شاء الله. هذا الشهر الذي تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب جهنم وتصفد فيه الشياطين، هو فرصة كبيرة لعودة كثير من المسلمين المسرفين على أنفسهم إلى الله توبة وهداية والتزاماً وحسب من صامه إيماناً واحتساباً أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال بذلك الصادق المصدوق ﷺ . فقد كان هذا الشهر المبارك غرة في جبين تاريخ أمتنا كل عام، وقد كان شهر الفتوح والانتصارات، إذ إن كثيراً من الغزوات والمعارك الإسلامية كانت فيه من مثل (غزوة بدر وفتح مكة وفتح الأندلس وحطين ... ) . ومما يؤسف له أن يتحول كثير منا في هذا الشهر إلى النقيض تماماً عما كان عليه سلفنا الصالح فيكونون في أحوال يرثى لها. فتعالوا نتلمس آثار ذلك الشطط فيما يلي: * من الناس من يستغل هذا الشهر للسفر والسياحة لا لطلب الجو المريح والمناخ الجميل الذي يعينه على الصيام والقيام، وإنما للهروب من الجو الرمضاني ليعاقر المنكرات ويبارز الله بالمعاصي والعياذ بالله وهؤلاء أحياناً قد يضطرون لصيام قسري لعلاج أمراض معينة. * هناك صنف آخر من الناس يأخذون الإجازات في هذا الشهر، فليلُهم سهر ويقظتهم نوم، فأي صيام هذا الذي لا تؤدى فيه الفرائض والسنن؟ ! * من الصائمين من لا يلتزم بأخلاقيات الصيام في تعامله، فتجده وهو الصائم عبوساً قمطريراً، وإن تحدث لا يعف لسانه عن الوقوع في الغيبة والنميمة وخلافها. * إن أحوال كثير من المصلين وقد أشرنا إلى بعض صورها مما يؤسف لها إذ فيها محاذير شرعية قد تصل إلى إحباط العمل، وربما ينطبق على الكثير منها ما جاء في الحديث (رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورُبّ قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر) ، وهذا يقتضي من كل مسلم مخلص مراجعة حساباته في بداية هذا الشهر الكريم وأن ينظر لهذا الموسم بأنه فرصة كبرى ومجال مهم لتلافي الكثير من الأخطاء والزلات، لعل الله أن يتداركه برحمته، وأن يختم له بالحسنى [وما تدري نفس ماذا تكسب غداْ وما تدري نفس بأي أرض تموت] . إن قضاء هذا الشهر كما ينبغي وفقاً لسنة البشير النذير شرف عظيم لا يحظى به ولا يوفق له إلا الربانيون المقتدون بسنة خاتم الأنبياء والمرسلين، ولعل القارئ الكريم أن يقف معنا متأملاً لهذه المعالم المهمة التي نذكر بها، والذكرى تنفع المؤمنين، ومنها: استشعار أن الصيام عبادة لا عادة وأن ثمرته المفترضة هي التقوى إذ أن الحكمة منه كما أشار إليها جل وعلا [ ... لعلكم تتقون] هي التقوى. زيادة الارتباط بكتاب الله حفظاً وقراءة وتدبراً، والاطلاع على ما تيسر من تفاسيره الموثوقة، ومن أجَلّها (تفسير العلامة ابن كثير) ، ومن أهم مختصراته (عمدة التفسير) للشيخ أحمد شاكر. أن يكون الصيام كما كان عليه حال سلفنا الصالح تنافساً في الطاعات وتزوداً من النوافل والقربات، ومن أهمها أداء الفرائض مع جماعة المسلمين والحرص على أداء صلوات التراويح والقيام وبذل الصدقات للمحتاجين، وتجنب كل ما يطعن ويفسد الصيام من الأقوال والأفعال. التفاعل مع واقع إخواننا المسلمين المستضعفين في أرجاء العالم الإسلامي بالبذل والمساعدة والمشاركة ما أمكن في الإغاثة، ودعم المشاريع الخيرية التي يعود ريعها لإخواننا المنكوبين. إن أداء الصوم مع الصائمين من المسلمين والإحساس بالجوع والظمأ يذكرنا بحال إخواننا المنكوبين، وما يعانونه من جوع ومسغبة، مما يدفعنا إلى بذل المزيد من التبرعات والهبات لصالح المشاريع الخيرية، التي يعود ريعها لصالحهم. وماذا بعد رمضان؟ ! إن حال كثير من المسلمين في رمضان تتحسن ويتضاعف العمل الصالح فيه ولكن ما إن تبدأ أيام الشهر بالانصرام، وبعد حضور بعضهم ليلة القدر فيما يحسبون، وحضور ختمة القرآن كما يحرصون يبدأ ذلك المشهد الفريد الذي تمتلئ فيه المساجد بالمصلين بالانفراط، فتتناقص الصفوف وكأن القوم لا يعرفون الله إلا في ذلك الشهر المبارك والله المستعان. ثم من يضمن أن يختم لذلك الناكص بخاتمة حسنة حينما يعود لمعاصيه وأخطائه وزلاته وسقوطه في دركات الخطايا؟ ! من يضمن له حسن الختام وهو لا يدري متى تكون النهاية المحتومة؟ ! إن حياة المسلم الحق رجلاً كان أو امرأة يجب أن تكون موصولة كل الصلة بالله تعالى كل أيام السنة، بل يجب على الجميع أن يستشعروا أن كل ما يقومون به من أعمال شرعية، أو حتى عادية يجب أن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، أداء للواجبات وعملاً للصالحات مع الحرص في أدائها على أحسن وجه جودة وإتقاناً. إن المسلم حقاً يشعر أنه على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله، مع الحرص على أن يؤدي ما اؤتمن عليه بحماس وحيوية وإخلاص، فلعل الله أن يختم له بخير ختام. والموفق حقاً والمقبول إن شاء الله من استمر على نشاطه وحيويته بعد رمضان في أداء ما افترض عليه من عبادات وواجبات والتزامات، واهتدى بهدي البشير النذير ﷺ -في سلوكه وتعامله. والله نسأل أن يوفق الجميع لصيام هذا الشهر وقيامه على الوجه الذي يرضيه، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته بعز عزيز أو بذل ذليل.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 1646

في إشراقة آية [وأن تصوموا خير لكم] د. عبد الكريم بكّار كان من منّة الله تعالى على هذه الأمة أن شرع لها من الدين ما يصلح أمر دنياها وآخرتها، وكان من أهم ما شرعه صوم شهر رمضان المبارك. والعبادات في الإسلام تكاليف ابتلاء، ومقياس يكشف عن مدى تمكن الإيمان وألقه في نفس المسلم، وهي في الوقت ذاته وسائل لتمكين ذلك الإيمان، إنها له بمثابة الماء للشجر والنبات. وآيات الصيام لم تعدد لنا أنواع الخيرات التي سنحصل عليها من وراء هذه العبادة؛ ليظل عطاء هذه العبادة مفتوحاً متنوعاً تظهره التجربة التاريخية الاجتماعية، والواقع المعاش، ونستطيع الآن من خلالهما أن نتلمس وجوهاً من ذلك الخير في المفردات التالية: ١- إن الصيام وسيلة فعالة لتربية الإرادة الحرة: حيث لا توجد عبادة من العبادات تكف المسلم عن شهواته وملذاته مدة متصلة من الزمان كهذه العبادة، فهي تدريب لإرادة المسلم على مقاومة الأهواء والملذات ومغريات الحياة. والمتأمل فيما يتفاوت فيه الناس في هذا الوجود يجد أن محور التفاوت هو الإرادة لا القدرة، فالقدرات الفطرية لدى الناس متقاربة لكن تفاوتهم الأساس يكون في مدى صلابة الإرادة التي تُسخّر القدرة وتوجهها والتي تعين على ضبط الوقت، وتكبح جماح الهوى والركون إلى الدعة وسفاسف الأمور، ومن هنا فإن الصيام جاء لينمي تلك الإرادة وليُعَودْها التوجه إلى الخير ومقاومة نزوات النفس؛ ولذا فإن تفريط المسلم في أداء هذه الشعيرة صار لدى العامة من المسلمين مؤشراً إلى نقص في رجولته، وهذا هو تفسير قيام كثير من المسلمين بالصيام مع تفريطهم في الصلاة، مع أن أهميتها في الإسلام أعظم! ويذكر لنا ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) أن هناك صنفاً من الناس لو ضرب بالسياط على أن يفطر رمضان ما أفطره، ولو ضرب على أن يصلي ما صلى! وما ذلك إلا لأن الناس عدوا الإفطار نقصاً في الرجولة، ولم يعدوا الصلاة كذلك، وقوله سبحانه: [وأن تصوموا خير لكم] في أعقاب ذكر الرخصة للمريض والمسافر بالفطر إيماءة للمسلم بأنه من الأفضل له أن يصوم مع المرض المحتمل والسفر غير الشاق، ليكون في تحقيق إرادته نوع من المكابدة والمعاناة في سبيل الله ، وحتى لا يصير بعض الناس إلى إيجاد الرخص والتذرع بها للفرار من الواجبات. ٢- الصيام عبادة سلبية، كيف؟ فهو امتناع عن أنواع المفطرات، ومن ثم فإنه بعيد عن الرياء، وخرق تلك العبادة أمر ميسور في السر لمن أراد ذلك، ومن هنا فإن صيام رمضان فرصة لتنمية الوازع الداخلي لدى المسلم، هذا الوازع الذي تعد تنميته محور التربية الفردية الناجحة، والملموس أن تعاظم هذا الوازع لا يتم إلا من خلال الثقة به والاعتماد عليه في شؤون عديدة، فهو في ذلك أشبه شيء بعضلات الجسم في أن نموها في استخدامها وتحريكها والاعتماد عليها؛ ولذا فإننا نرى ضعف الوازع الداخلي لدى أولئك الذين يأتون الفضائل ويقومون بالواجبات من خلال قسر الأبوين أو المجتمع، فهم يفعلون ما يفعلونه نتيجة ضغط خارجي، فإذا ما ضعف ذلك الضغط أو تلاشى أتوا من الرذائل والقبائح وأنواع التحلل ما يتناسب طرداً مع حجم الضغوط التي تعرضوا لها فيما مضى؛ وهذا يجعلنا نساوق بين الرقابة الاجتماعية وتنمية الوازع الداخلي من خلال التربية البيتية القويمة. ٣- في الصيام فوائد طبية واقتصادية واضحة: فهو يخلص الجسم من بعض ما تراكم فيه من الدهون، ويريح المعدة من العمل الشاق الذي تقوم به على مدار السنة مع فوائد طبية أخرى معروفة.. وفي الصيام توفير إجباري لنحو ٤٠ % من استهلاك الأطعمة والأشربة الذي تعوده الناس في أيام الفطر، وفي هذا نوع من التعظيم للمالية الإسلامية ونوع من المحافظة على الموارد الغذائية للأمة المسلمة. ٤- من خيرات رمضان أنه أضحى ظرفاً لأداء أنواع من القربات لله: فقد تجاوز صيام هذا الشهر مفهوم التلبس بعبادة من العبادات ليصبح نوعاً من الامتثال لمفردات كثيرة في المنهج الرباني، ففيه قيام الليل والإكثار من قراءة القرآن والاعتكاف في المساجد ولزوم الجماعات من قبل كثير من المسلمين وإخراج صدقة الفطر والاستبشار بعفو الله وكرمه بما تظهر الأمة من البهجة والسرور في يوم عيدها، فكأن شهر رمضان مناسبة لازدحام العبادات والقربات في حياة المسلم على نحو لا يتوفر في أي وقت آخر. ٥- يمثل الصيام نوعاً من الاتصال والتواصل الاجتماعي: حيث ترسم الظروف اليومية والمصالح والأوضاع الاجتماعية والطموحات الخاصة مجموعة من الأطياف العازلة لكل إنسان عن غيره مما يؤدي إلى فقد الاتصال أو ضعفه، وفقد الاتصال في مجتمع ما من أكبر المعوقات له عن النمو والتجانس والصمود في وجه الكوارث وألوان العدوان الخارجي، ومن ثم فإن امتناع أبناء المجتمع المسلم عن الطعام في وقت واحد مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية وتناولهم له في وقت آخر محدد، إلى جانب الشعائر الجماعية الأخرى التي تعودها المسلمون في هذا الشهر المبارك من أهم ما يوحد الشعور بالتجانس، ومن أهم ما يزيل الحواجز التي تولدها الظروف المختلفة. الصيام اليوم: إن مهمة المبادئ العليا أن تكيف حياة الناس وتوجهها وفق مضامينها ومعطياتها، لكن تلك المباديء لا تعمل في فراغ، وإنما تشتبك مع أمور عديدة من جملتها: العادات الموروثة والظروف الضاغطة والأهواء والشهوات الجامحة والتأويلات والأفهام الخاطئة للمنهج والمباديء، وهذا كله ينتهي إلى شأن اجتماعي معاش يلخصه ميل الناس بصورة دائمة إلى جعل النهج الرباني جزءاً من ثقافتهم، وقد يكون جزءاً صلباً، وقد يكون جزءاً رخواً على مقدار إقبال الناس على الإسلام وهي التي تجعل من المنهج موجهاً للثقافة ومهيمناً عليها. ومن هنا فإن أخطر علل التدين هي تلك التي تصيب الأمة في مكانة منهجها ومبادئها من ثقافتها العامة، فتكف المبادئ عن توجيه الفعل، أو تنحرف عن غاياتها ومقاصدها، فلا تحقق الحكم المقصودة في تشريعها، ويكون الجهاد الدائم هو محاولة الإبقاء على المنهج الرباني ساطعاً متألقاً متميزاً عما تواطأ عليه الناس من عادات وتقاليد. ومازال بحمد الله في مجتمعنا المسلم من يحرص على الصيام على الوجه الأكمل، وهم في تزايد مستمر لكن الأكثرية الكاثرة من هذه الأمة انحرفت بالصيام عن مقاصده التي ذكرنا أهمها آنفاً، فعلى حين كان السلف يعدون رمضان فرصة سانحة يغتنمونها في صنوف الطاعات، نجد كثيراً من المسلمين يسهرون الليل في ضروب من اللهو المختلفة حتى إذا اقترب وقت السحر تناولوا ما لذ وطاب من الأطعمة، ثم ناموا قبل أداء صلاة الفجر، وإذا كان هذا النائم موظفاً فإن وقت بداية العمل في رمضان يكون متأخراً، فيقوم متثاقلاً إلى عمله ليكمل نومه هناك! وإن كان غير موظف فإن رمضان هو شهر النوم عنده فيستغرق في نومه إلى قبيل المغرب، فيفوت عليه أكثر من فريضة صلاة! ! ومع هذا فإن الشعار المرفوع لدى كثير من الموظفين هو أن رمضان شهر عبادة وليس شهر عمل (العبادة التي قدمنا صورة منها!) . أما تهذيب النفس من خلال الجوع فحدث عن هذا ولا حرج، حيث إن التجار يشرعون في الإعداد لمستلزمات رمضان قبل مجيئه بنحو شهرين، وتقدر بعض الجهات أن ما يستهلكه كثير من المسلمين في رمضان يصل إلى ثلاثة أمثال ما يستهلكونه في غير رمضان! ! وقد صار رمضان عبئاً ثقيلاً على الحكومات التي توفر السلع المدعومة لمواطنيها! وقد كان السلف يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا انصرم دعوا الله ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم أعمالهم في رمضان. أما اليوم فإن كل وسائل الإعلام في العالم الإسلامي تشعر الناس بأن رمضان ضيف ثقيل فكأنه شر لابد منه، ومن ثم فإن كثيراً من البرامج ينصرف إلى الترفيه عن الناس بما يجوز وما لا يجوز، وانقلب الشهر المبارك إلى موسم للهو واللعب! وما يحدث لكثير من المسلمين في هذا الشهر المبارك أمر مفهوم، حيث إن الأمة حين تمر بحالة من الركود الحضاري تكف مبادئها عن الفعل وتسيطر عليها الشكليات والعادات، فجيوشها لا تقاتل، ومبدعوها لا يعرفون والفضائل فيها شعارات، والعبادات عادات.. وتستمر في ذلك حتى تندثر باعتبارها أمة متميزة أو يبعثها الله بعثاً جديداً يحيي ما اندرس من سابق عهدها، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 1647

دراسات قرآنية نحو منهجية عملية في حفظ القرآن الكريم فيصل البعداني انتشرت الصحوة الإسلامية المباركة في عصرنا، وأصبحت نتائجها ظاهرة لكل أحد، ولعل من بعض ثمارها المباركة عودة كثير من شباب الأمة إلى القرآن الكريم قراءة وحفظاً، ونظراً لسلوك كثير من أولئك مسلكاً غير منهجي أثناء مرحلة الحفظ، مما يؤدي إلى سوء الحفظ سواء أكان ذلك من حيث النطق أو الاستيعاب لكامل ما يحفظ، أو استقرار الحفظ وثباته في الذهن، بالإضافة إلى عدم مواصلة الكثير منهم للحفظ والتوقف بعد ابتداء المشوار، أو حتى عدم الابتداء من الأصل مع وجود رغبة صادقة، وحرص أكيد للتشرف بحفظ القرآن الكريم. ولقد بادرت في كتابة هذه السطور علها أن تفيد الراغبين في حفظ كتاب الله الكريم، وقد حاولت الاستفادة من أصحاب الخبرة في هذا المجال رجاء أن يكون الطرح أكثر فائدة وواقعية، وقد قمت بتقسيم الموضوع إلى ثلاثة أقسام كالتالي: أولاً: ما ينبغي فعله لمن أراد حفظ القرآن الكريم قبل أن يحفظ. ثانياً: خطوات عملية مقترحة لحفظ القرآن الكريم. ثالثاً: ما يفعله الحافظ بعد أن يحفظ. وإليك قارئي الكريم التفصيل والبيان: ما ينبغي فعله لمن أراد حفظ القرآن الكريم قبل أن يحفظ: ١- الإخلاص لله تعالى: لا يخفى أن الإخلاص وإرادة وجه الله تعالى شرط لصحة العمل وقبوله إن كان عبادياً محضاً كالصلاة والصيام والطواف.. الخ، كما أنه شرط للثواب ونيل الأجر في الأمور المباحة كالأكل والشرب وحسن المعاشرة للناس ... الخ. وبما أن قراءة القرآن وحفظه من الأمور العبادية المحضة فإنها لا تقبل عند الله تعالى إلا بالإخلاص، وهي داخلة في مثل قوله تعالى [فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً] [١] ، وقوله تعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [٢] . ٢- استشعار عظمة القرآن الكريم ومعرفة منزلته: ومن الأمور التي تحقق ذلك: * تذكر أن القرآن كلام الله تعالى [فَأجرْه حتى يسمع كلام الله] [٣] وعظمته مأخوذة من عظمة الله، ولا أعظم من الله، وبالتالي فلا أعظم ولا أقدس من كلامه سبحانه. * إدراك الأمر الذى نزل من أجله القرآن، وهو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور [ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين] [٤] ، [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان] [٥] . * من عظمة القرآن عظمة الشهر الذي أنزل فيه القرآن (شهر رمضان) ، فهو أفضل الشهور، وعظمة الليلة التي أنزل فيها القرآن (ليلة القدر) ، فهي خير الليالي، وعظمة الرسول الذي أنزل عليه القرآن فهو إمام الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم ولا فخر، وعظمة معلمه ومتعلمه حيث قال رسول الله ﷺ في بيان أفضليتهما (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) [٦] , وفي رواية (إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه) [٧] . * وصف الله تعالى له بالعظمة في مثل قوله تعالى [ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) ] ٨ [، ويكفي هذا في بيان مقدار عظمته وجلاله. ٣- إدراك فضل أهل القرآن وعظم ثوابهم: وقد جاء بيان ذلك في كثير من النصوص ومنها: * ما رواه عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) ] ٩ [. * ما جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول «ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ] ١٠ [. * عن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن في الصفة فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين] ١١ [في غير إثم ولا قطع رحم , فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلِّم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل) ] ١٢ [. * عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ] ١٣ [. * عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها) ] ١٤ [. * عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ] ١٥ [. * عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران) ] ١٦ [. * عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث وريحها مر) ] ١٧ [. * معرفة أن الشارع قد حث على قراءة القرآن والاستماع إليه في نصوص منها: (أ) في القراءة: قوله تعالى] إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور [] ١٨ [، وقوله ﷺ (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ] ١٩ [. (ب) في الاستماع: قوله تعالى] وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [ (١٩) . قال الليث بن سعد: (يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقوله تعالى] وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [، ولعل من الله واجبة) ] ٢٠ [. ٥- إدراك من أراد الحفظ الهدف من قراءة القرآن وحفظه: ويمكن أن يحصل ذلك عن طريق استشعار الأمور التالية: * ما يقع من تحصيل الأجور العظيمة الواردة في النصوص، ومنها ما سبق بيانه. * قراءة لتنفيذ الأوامر وتطبيق التعاليم الواردة فى الآيات. * قراءة التصورات الصحيحة الصائبة حيث أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد لتصوراتنا لقوله تعالى] ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء [] ٢١ [. ٦- التنبه إلى سهولة القرآن لمن اراد حفظه: لقوله تعالى] ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [] ٢٢ [، قال القرطبي - رحمه الله تعالى - عن هذه الآية» أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه فيعان عليه «] ٢٣ [. ٧- ضرورة وجود العزيمة الصادقة: وذلك عند الابتداء في الحفظ والاستمرار على ذلك، إذ بدونها يخور العبد ويتهاون ولا يتجاوز الأمر كونه مجرد أمنية وحلم يقظة، ويمكن أن يوجد الإنسان هذه العزيمة الصادقة بمعرفته لعظمة القرآن ومكانة أهله، والفضل الجزيل لقارئه ومستمعه إذ أن النصوص الواردة في ذلك تحث المسلم وتدفعه بشدة إلى تكوين رغبة جادة في قرارة نفسه على الحفظ والمواصلة. ٨- التقليل من المشاغل والاكتفاء بالحفظ وبذل الجهد في ذلك: قال الله تعالى] والذين جاهدوا فينا لَنهديَنَهُم سُبُلَنَا [] ٢٤ [، ومعروف أنه من سار على الدرب وصل، ومن جد وجد، ومن زرع حصد، ومما يعرفه الناس عن النملة أنها تحاول الرقي إلى مكان مرتفع وقد تفشل في الوصول إلى غايتها وتسقط، ولكنها لا تكل أو تمل وتبذل جهداً مضاعفاً إلى أن يتكلل جهدها بالنجاح، وهذا هو ما ينبغي فعله لمن أراد حفظ القرآن. ٩- تفريغ وقت يومي للحفظ: سواء أكان ذلك بعد الفجر أو بعد العصر أو بعد المغرب ... إلخ، كل حسب ما يناسبه. وكون مكان الحفظ في المسجد أولى لقوله ﷺ في الحديث الذي سبق ( ... أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد) (١٢) ، ومعلوم أن الجو في المسجد مهيأ لهذا الأمر، وغيره ليس مثله. وكونه مع مجموعة أفضل لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) ] ٢٥ [، ولأن الجماعة عنصر مساعد ومشجع والإنسان قد يصاب بكسل وفتور فتدفعه الجماعة إلى المواصلة، ولذا قيل (الصاحب ساحب) . ١٠- اختيار شيخ مجيد للتلقي عليه: ولذا قرر أهل العلم أنه لا يصح التعويل في قراءة القرآن الكريم على المصاحف وحدها بل لابد من التلقي على حافظ متقن متلق عن شيخ، ولذا قال سليمان بن موسى» كان يقال: لا تأخذوا القرآن من الصحفيين «] ٢٦ [، وقال سعيد التنوخي» كان يقال: لا تحملوا العلم عن صحفي ولا تأخذوا القرآن عن مصحفي «] ٢٧ [، ولكون قراءة القرآن مبناها على التلقي والسماع جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: (والله لقد أخذت من في رسول الله بضعاً وسبعين سورة) » ] ٢٨ [، وذكر ابن حجر في الفتح بيان كيفية أخذ عبد الله لبقية القرآن فقال: (زاد عاصم عن بدر عن عبد الله: «وأخذت بقية القرآن عن أصحابه» ) ] ٢٩ [، ولأهمية التلقي في تعلم القرآن نجد أن بعض الصحابة كانوا يوجهون طلابهم إلى ضرورة التلقي عن المتلقي، فعن معد يكرب قال: «أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا: طسم المائتين فقال: ما هي معي ولكن عليكم مَن اخذها من رسول الله ﷺ خباب بن الأرت قال: فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا» ] ٣٠ [، بل إن رسول الله ﷺ كان يعارض جبريل بالقرآن كل عام مرة وعام وفاته مرتين] ٣١ [، وكان يأمر أصحابه بالتلقي فيقول (اقرأوا القرآن من أربعة نفر: من ابن أم عبد ومن أبي بن كعب ومن سالم مولى أبي حذيفة ومن معاذ بن جبل) ] ٣٢ [. ١١- اختيار مصحف معين في الحفظ حتى ترسخ مواضع الآيات في الذهن ولا يكون هناك تشتت.. ١٢- الحرص على الابتداء في الحفظ من آخر المصحف وبخاصة صغير السن أو ضعيف العزيمة، حتى يشعر أنه قد أنجز شيئاً في فترة وجيزة، حيث أن السور أكثر عدداً وأقل صعوبة ولديه خلفية عنها عن طريق مقررات القرآن في المدارس النظامية. ١٣- دعاء الله تعالى بالتوفيق والتمكين من الحفظ واللجوء إليه في ذلك لأن حفظ القرآن الكريم منة من الله وهبة. خطوات عملية مقترحة لحفظ القرآن الكريم: ١- تحديد مقدار معين لحفظه في جلسة واحدة في حدود طاقة القارئ وينبغي له أن لا يزيد كمية المقدار كثيراً في أيام حماسه وبخاصة في بداية الحفظ، حتى لا يكل أو يمل أو يصاب بالإحباط حين لا يستطيع المحافظة على ذلك المقدار، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تركه الحفظ بالكلية، بل عليه أن يربي نفسه على المرونة في تحديد المقدار جاعلاً نصب عينيه أن أهم قضية هي الاستمرار اليومي في الحفظ لا غير. ٢- قراءة المقدار المعين على الشيخ المختار من المصحف قبل مباشرة الحفظ وتلزم هذه الخطوة إذا كان القارئ لا يجيد قراءة الرسم العثماني. ٣- قراءة القارئ المقدار المحدد للحفظ من المصحف بينه وبين نفسه لإصلاح النطق في الكلمات التي لم يجد قراءتها. ٤- أن يحفظ القارئ المقطع آية آية، ويقوم بربط الآية الثانية بالتي تليها وإذا كانت الآية الواحدة تقل عن سطر فآيتين آيتين بحيث لا يتم الزيادة على سطرين أو ثلاثة في المرة الواحدة. ٥- أن يرفع الصوت بتوسط أثناء الحفظ لأن خفض الصوت يكسل القارئ ورفعه جداً يتعبه ويؤذي من حوله، هذا في الأصل أما لو كان خاشعاً، خالي الذهن وخفض صوته فلا بأس لكن لابد من القراءة باللسان، أما إمرار العين بدون تحريك اللسان فلا. ٦- نطق الآيات أثناء الحفظ بترتيل وتمهل، والحرص على عدم إغفال أحكام التجويد أثناء القراءة امتثالاً لقوله تعالى] ورتل القرآن ترتيلاً [] ٣٣ [ واهتداء بالنبي ﷺ في تركه تحريك لسانه استعجالاً به بعد نزول قوله تعالى] لا تحرك به لسانك لتعجل به [] ٣٤ [، ولأن هذا هو هدي رسول الله ﷺ في تعليمه القرآن لأصحابه، قال الله تعالى ] وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث [] ٣٥ [. ولقد سئل أنس بن مالك: كيف كانت قراءة النبي ﷺ فقال: «كانت مدّاً ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم» ] ٣٦ [، وهذا الأمر كان ديدن كبار الصحابة، ولذا قال ابن عباس راداً على أبي حجر حين قال له: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول» ، وفي رواية «أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمةً» ] ٣٧ [، ولا شك أن الترتيل أثناء الحفظ يعين على تدبر الآيات والتفكر في معانيها مما يعني جمع القارئ بين حفظ الآيات والفهم مبدئياً لمعناها، وهو مما يعمق الحفظ ويقويه أيما تقوية. ٧- أن يُسمِّع على نفسه المقدار المعين حفظه بعد إنهائه له. ٨- أن يقوم بقراءة المقدار المحفوظ من المصحف بعد تسميعه على نفسه للتأكد من سلامة الحفظ وعدم تجاوزه لبعض الآيات أو الكلمات أو الخطأ في الشكل. ٩- أن يقوم بتسميع ما حفظ على شيخه المختار ولا بد من ذلك. ١٠- يفضل ربط المقدار المحفوظ من سورة ما قسمت إلى مقاطع بما حفظ من أول السورة يومياً ليتم الربط بين المقاطع المحفوظة، وهذا أمر لا دخل له في برنامج الحافظ للمراجعة. ما يفعله الحافظ بعد أن يحفظ: ١- الخوف من الوقوع في الرياء: والرياء في موضوعنا: طلب الحافظ للجاه والمنزلة في نفوس الخلق بإظهاره لهم إكماله لحفظ القرآن، أو جودة حفظه وحسن أدائه، وهو ضرب من الإشراك، ولذا قال رسول الله- ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله. قال: الرياء يقول الله عز وجل - يوم القيامة إذا جزى العباد بأعمالهم -: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء) ] ٣٨ [، والمرائي بالقرآن معرض نفسه للعقوبة الشديدة الواردة في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) ] ٣٩ [. والواجب على مريد النجاة الحرص على الإخلاص واستمرار سلامة القصد والنية. ٢- الحذر من الغفلة عن العمل بالقرآن والتأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه: لأن القرآن إنما أنزل ليعمل به، ويتخذ نبراساً ومنهاج حياة، قال ابن مسعود ﵁ «أنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملاً، إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفاً، وقد أسقط العمل به» ] ٤٠ [، وقال بعض أهل العلم: «إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم، يقول: ألا لعنة الله على الظالمين، وهو ظالم نفسه، ألا لعنة الله على الكاذبين، وهو منهم» ] ٤٠ [، وقال أنس ﵁: «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه» ] ٤٠ [ ... ٣- الخشية من العجب بالنفس والتعالي على الخلق: فالعجب استعظام النفس لما بذلت من أسباب لتحصيل حفظ القرآن الكريم والله تعالى هو الهادي إلى ذلك والمعين على تسهيله وتحققه، ولولا إحسانه وفضله لما تمكن العبد من حفظ القرآن أو بعضه، والواجب بدلاً من ذلك شكر الله تعالى على نعمته بمعرفتها حق المعرفة وإسناد الفضل إليه سبحانه وحده لا شريك له في تحققها، والتعالي على الخلق هو التكبر عليهم واعتقاد العبد بلوغه مرتبة في الكمال لم يبلغها من حوله فيتجه إلى احتقارهم وتجهيلهم، ومن هذه حاله ينسى ما ورد من النصوص في التحذير من مثل ذلك، ومنها قوله تعالى في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار) ] ٤١ [، وقوله ﷺ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ] ٤٢ [.. ٤- تذكر النصوص الآمرة بتعهد القرآن والمحذرة من نسيانه: وردت نصوص كثيرة تحث على تعاهد القرآن وتحذر من هجره ونسيانه ومنها: * عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقهما ذهبت) ] ٤٣ [. * وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل نسي واستذكر القرآن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم) ] ٤٥ [. * وعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً] ٤٤ [من الإبل في عقلها) ] ٤٦ [. وبسبب هذه النصوص ومثيلاتها تحدث أهل العلم عن الزمن الذي لا يشرع للعبد تجاوزه سواء أكان من حيث القلة أو الكثرة في قراءة القرآن الكريم فأقل زمن يستحب قراءة القرآن فيه على المختار ثلاثة أيام لقوله ﷺ فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو: (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) ] ٤٧ [. ولذا كان معاذ بن جبل يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث] ٤٨ [وكان ابن مسعود يقول: (اقرؤوا القرآن في سبع ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث) ] ٤٩ [. والحكمة - والله أعلم - في عدم مشروعية قراءته في أقل من ثلاث أن لا تؤدي سرعة القراءة إلى قلة الفهم والتدبر أو الملل والتضجر أو الهذرمة وعدم إتقان النطق، وما ثبت عن السلف من قراءته في أقل من ذلك فهو محمول إما على أنه لم يبلغهم في ذلك حديث من مثل الحديث السابق، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السرعة] ٥٠ [، أو أن ذلك كان في فترة حماس وكثرة نشاط أو وقت فاضل كرمضان ونحوه فأرادوا استغلاله لا أن يكون ذلك عادة لهم في سائر العمر. وأما أوسع زمن جاءت النصوص مبينة مشروعية قراءة القرآن فيه فأربعون يوماً كما ورد فى حديث عبد الله بن عمرو أنه سأل النبي- ﷺ : في كم يقرأ القرآن؟ قال: (فى أربعين) ] ٥١ [، ولذا قال إسحاق بن راهويه: (ولا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين ولم يقرأ القرآن لهذا الحديث) ] ٥٢ [، وقال أيضاً: (يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوماً لا يقرأ فيها القرآن) ] ٥٣ [. ٥- نسيان القرآن سببه الذنوب والمعاصي: جاءت الكثير من النصوص التي تجعل ذنوب العبد سبباً لما يصيبه من مصائب وبلايا والتي من أعظمها ولا شك نسيان القرآن الكريم، ومما جاء في ذلك قوله- ﷺ : (لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر) ] ٥٤ [، وقد كان هذا الأمر جلياً في أذهان السلف، ولذا قال الضحاك مزاحم: (ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلا بذنب يحدثه لأن الله تعالى يقول:] وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [] ٥٥ [، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب) ] ٥٦ [، بل إنهم - رحمهم الله تعالى- كانوا يقفون موقفاً صارماً ممن هذه حاله كما جاء من طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كيف أنهم كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولاً شديداً] ٥٧ [، وقد ذكر القرطبي - ﵀ سبب تلك الكراهية وذلك الموقف الشديد فقال: (من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخل بهذه المرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن تَرْك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد) ] ٥٨ [. بل إن بعضهم يعده ذنباً كما روى أبو العالية عن أنس موقوفاً (كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه) ] ٥٩ [. قال ابن كثير ﵀: (وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى] ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [] ٦٠ [، وهذا الذي قاله وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن، وتعريضه للنسيان، وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه) ] ٦١ [. ٦- كيف تكون المراجعة؟ لا شك أن الطريقة الأسلم للمراجعة هي تخصيص وقت كاف غير وقت الحفظ يقرأ فيه المرء ما يفتح الله تعالى عليه فيه، ولكن نظراً لعدم قدرة كثير من الناس على تخصيص وقت معين لذلك فيمكن استخدام الطرق التالية: (أ) - القراءة في السنن الرواتب غير راتبة الفجر تكون خمسة أثمان، في كل ركعتين ثمن. - في ركعتي ما قبل العصر تكون ثمناً واحداً. - في الصلوات المفروضة وقيام الليل تكون ثمنين. وعلى هذا فالحد الأدنى في اليوم الواحد يكون جزءاً كاملاً من القرآن الكريم.] * [ (ب) القراءة في الصلاة النافلة من غير الرواتب، وفي السيارة،. وبين الأذان والإقامة وأثناء الذهاب للدراسة أو العمل والعودة من ذلك ... إلخ من حالات الإنسان المناسبة. (ج) الجلوس بعد الفجر ولو قليلاً للقراءة بحيث يلزم الإنسان نفسه أن يقرأ في ذلك الوقت شيئاً من القرآن الكريم ولو ثمناً واحداً. (د) يمكن لأصحاب الهمم العالية استخدام طريقة (فمي مشوق) وهي طريقة كان يستخدمها بعض مشايخ الإقراء في أرض الكنانة بحيث أن الحافظ يستطيع مراجعة القرآن كاملاً في أسبوع واحد وبيانها كالتالي: - الفاء من (فمي مشوق) للفاتحة والميم للمائدة والياء ليونس والميم لمريم والشين للشعراء والواو للصافات والقاف لسورة ق. - فيكون المقدار في اليوم الأول من أول (الفاتحة) إلى أول (المائدة) . - وفي اليوم الثاني من أول (المائدة) إلى أول (يونس) - وفي اليوم الثالث من أول (يونس) إلى أول (مريم) . - وفي اليوم الرابع من أول (مريم) إلى أول (الشعراء) . - وفي اليوم الخامس من أول (الشعراء) إلى أول (الصافات) . - وفي اليوم السادس من أول (الصافات) إلى أول (ق) . - وفي اليوم السابع من أول، (ق) إلى آخر المصحف الشريف. (هـ) على من حفظ شيئاً من القرآن الكريم دون عشرة أجزاء أن لا يمر عليه خمسة عشر يوماً دون إتمام مراجعته. والله نسأل للجميع التوفيق والسداد.

стр. 1648

مقال حقوق الناس بين الأخذ والعطاء عادل رشاد غنيم حقوقك لدى الآخرين قضية مهمة عُني بها الإسلام، وسن الأحكام لتقريرها وحمايتها، وبطبيعة الحال فإن حقوق الآخرين عليك هي كذلك موضع عناية الإسلام، فحقوقك هي واجبات الآخرين تجاهك، وحقوق الآخرين هي واجباتك تجاههم. ومن منطلق العدل طالبنا الإسلام باحترام حقوق الناس بالقوة نفسها التي طالب فيها الناس باحترام حقوقنا، لكننا نجد أناساً مرضى بالأنانية يطالبون بحقوقهم، وفي الوقت نفسه يرفضون أداء واجباتهم! . ولقد وصف القرآن الكريم هذا النوع من الناس بقوله: [وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين] [١] ، أي أنهم لا يذعنون للحق إلا إذا كان لهم، أما إذا كان الحق عليهم فالإعراض هو شأنهم. وشرٌ من هؤلاء من أخذ حق غيره دون وجه مشروع، يقول رسول الله: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك « [٢] . والمجتمع الذي تعيشه تربطك بأفراده علاقات عدة، تنشيء بينك وبينهم منظومة من الحقوق المتبادلة، وعليك أن تنجح في هذه المعادلة الصعبة فتعطي كل ذي حق حقه.. وهذا ما أكده حديث سلمان ﵁: (إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه» [٣] . فالقرابة علاقة اجتماعية يترتب عليها حقوق أسرية.. [وآتِ ذا القربى حقه..] [٤] ، والجوار ينشأ عنه حقوق، كما في حديث عائشة ﵂: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» [٥] . والإسلام علاقة مكينة تبني الأخوة التي توجب على المسلمين جملة من الحقوق: ففي صحيح مسلم (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) « [٦] . وهناك علاقات تنشأ نتيجة العقود، وقد أحاطها الإسلام برعاية كبرى لأنها من أهم مصادر الالتزام، فالقرض عقد يفرض على المدين حق السداد للدائن. عن أبي سعيد الخدري قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه، فاشتد عليه حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك! ترى من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي ﷺ :» هلا مع صاحب الحق كنتم؟ «ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها:» إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضي لك «فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله، قال: فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال الأعرابي: أوفيت أوفى الله لك، فقال ﷺ : أولئك خيار الناس، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع» [٧] . والتوظيف عقد يوجب على الموظف أداء عمله وفق شروط العقد ويجب على صاحب العمل دفع الأجر وسائر المستحقات للموظف (المسلمون عند شروطهم) [٨] . لقد أمرنا الله تعالى أمراً صريحاً بالوفاء بالعقود والتزاماتها: [يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ... ] [٩] . ومن غير المقبول أن يمتنع صاحب العمل عن إعطاء عماله أجورهم مستخفاً بها تماماً، كما هو غير مقبول من العمال التقصير في المهام المسندة إليهم.. فهل أنت أخي القارئ ممن يعطي الحق من نفسه كما يريده من غيره؟ ! إن الإسلام لا ينتظر حتى يثور النزاع بين الخصوم ليصل إلى ساحة القضاء لتفصل المحاكم في دعاوى الحقوق.. إنه يؤسس محكمة داخل كل نفس إنها محكمة «تقوى الله» تصدر حكمها بالحق ولو على الذات. ولنسمع قول رسولنا ﷺ وهو يخاطب النفس المؤمنة: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) [١٠] . ومعنى ذلك أن يبادر الإنسان برد الحقوق إلى أهلها في حياته قبل أن يقف موقفاً لا يملك فيه شيئاً، لهذا نصحنا رسول الله: (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) [١١] ، وهذا هو الإفلاس الحقيقي الذي يجب أن نحذر الوقوع فيه.. لقد أعطى الرسول ﷺ للإفلاس معنى أعم مما تعارف عليه الناس ودعني أذكرك بهذا الحوار الذي دار بين النبي ﷺ وصحبه: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) « [١٢] . وعلى الرغم من وضوح هذه الحقائق إلا أن بعض الناس يبيع دينه بأبخس ثمن، ويأكل حقوق الناس بالباطل وهو ذاهل عن المصير المظلم الذي ينتظره لذلك أقر الإسلام مبدأ الحماية للحقوق عن طريق القضاء برفع دعوى من قبل الشخص صاحب الحق.. وبالطبع لابد للدعوى من دليل أو بينة، فكما قال النبي: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) [١٣] . وفي عالم القضاء وصخب الخصوم في المحاكم قد ينجح بعض الخبثاء من خلال إبراز بعض الحجج الملفقة، أو اليمين الفاجرة، أو شهادة الزور ويحصل على حكم قضائي لصاحبه، ولا يعني هذا أن ما أخذه أصبح حقاً له بل هو سحت، اقرأ بيان ذلك عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، أقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار) [١٤] . أما اليمين الفاجرة فحسب صاحبها العذاب الأكبر كما قال رسول الله: (لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار) » [١٥] . ونظراً لخطورة الشهادة على سير القضاء اعتبرت شهادة الزور من أكبر الجرائم، (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ شهادة الزور «) [١٦] . وينبغي أن نتنبه لمسألة الشهادة إذا دعينا إليها، فلا نشهد إلا بعلم ونلبي أداء الشهادة حينذاك: [ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه] [١٧] وهكذا نساعد في حماية حقوقنا من العدوان عليها من قبل كل مغتصب غشوم. والله المستعان.

стр. 1649

حوار لقاء مع فضيلة الدكتور: ناصر بن عبد الكريم العقل تمهيد: فضيلة الدكتور/ ناصر بن عبد الكريم العقل عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو باحث له اهتماماته العلمية والدعوية وله مساهماته الفكرية بعضها منشور وبعضها لم يرَ النور بعد. تخرّج من كلية الشريعة بالرياض، وقد قدم بحثه (التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية) وكانت رسالته في الماجستير عن منهج (المدرسة العقلية في العقيدة) والتي لم تطبع حتى الآن مع أهميتها في بابها، أما رسالته في الدكتوراه فهي دراسة وتحقيق لكتاب (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) وهو مطبوع، ومن دراساته المطبوعة عدد من الرسائل في (سلسلة دراسات في منهج أهل السنة) وله دراسة عن (الجاهلية) ودراسة عن الفرق والمذاهب بالاشتراك، وتمتاز دراساته بالعلم والتحقيق.. هذا ما نحسبه، والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً.. وقد التقت معه (البيان «وجرى معه الحوار التالي. - البيان - * يتقاذف الدعاة الآن تيارات مختلفة فما هو الأولى للبدء في التغيير في واقع المسلمين اليوم، فهناك من يرى أن الأولوية في الدعوة للوعي السياسي، وآخرون يرون البدء في إنكار المنكرات التي عمت، وطائفة ترى في تحقيق التراث أهمية قصوى، وغيرهم يرون الجهاد، وطائفة ترى البدء بالتربية الفردية، فما هو الترتيب الطبيعي لسلم الأولويات في الدعوة إلى الله وفق تصوركم؟ - الأولى أن يبدأ العلماء والدعاة إلى الله تعالى في أمر الدعوة والإصلاح بما بدأ الله به وما بدأ به رسله، من تحقيق التوحيد والعبودية لله تعالى والتحذير من الشرك والبدع والمحدثات في الدين التي تنافي التوحيد أو تخل به، ثم يثني كل داعية بالأهم فما دونه بحسب حاجة الأمة ومقتضيات الأحوال وإمكانات الدعاة، وهذه قاعدة شرعية عامة تقوم على النصوص ونهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله وعلى مقتضى الحكمة والبصيرة التي هي ركائز الدعوة وهذا هو النهج الذي يجب أن تقوم عليه كل دعوة من حيث المبدأ وبعد ذلك لا مانع أن تتوزع جهود الأمة بجماعاتها وأفرادها بين متطلبات الأمة مادام هذا الأصل مستصحب ومعقود عليه العمل والغاية والولاء والبراء فتقوم طائفة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخرى بالجهاد، وثالثة بالعمل المؤسسي، ورابعة بالتربية، وخامسة بالسعي للنهضة بالأمة علمياً واقتصادياً ... الخ، على أن يدور الجميع حول المحور الأساسي وهو الاجتماع على التوحيد والسنة والجماعة وهدي السلف الصالح اعتقاداً وعلماً وعملاً والالتفاف حول العلماء أهل الحل والعقد.. أما تنازع بعض الدعاة والجماعات حول الأولويات فأكثره من التحريش والخصومات التي لا مبرر لها؛ لأن كل منهم في مسلكه على ثغر، ومن لديه قصور أو تقصير أو غلو يجب أن يسدد وينصح ويعان على نفسه. * الصحوة الإسلامية أصبحت ملء السمع والبصر، ورغم ذلك يكتنفها كثير من الأخطار والمعوقات، فما هي أبرز معوقات الدعوة الإسلامية حالياً؟ إن أخطر المعوقات للدعوة وأبرزها في نظري ما يلي: * النزاعات والخصومات بين الدعاة والجماعات الإسلامية (التهارش والتآكل) لاسيما وأن أكثر مواطن النزاع والخصومات في الاجتهاديات أو فيما يعذر به المخطئ. * ضعف الفقه في الدين، ولا أقصد فقه الأحكام إنما فقه الأصول والمناهج والقواعد والمصالح والمواقف، لاسيما أن أكثر القائمين على الدعوة في العالم اليوم من طائفة المثقفين والمفكرين الذين لم يتضلعوا من العلم الشرعي أو تربوا على مفاهيم لم تؤصل شرعاً. * المكر الكبّار من خصوم الدعوة المتمثل في الصد عن دين الله تعالى والإعراض عن شرعه، والفساد في الأرض، وإيذاء عباد الله ومقاومة الصحوة المباركة من قبل شراذم العلمانية المهيمنة في أكثر العالم الإسلامي. * التحدي العالمي من قبل المشركين والكافرين والمنافقين، وما يحمله من وسائل وإمكانات وتخطيط. وكل ذلك من باب الأذى، ومما تستلزمه الدعوة إلى الله، ويبتلي الله به المؤمنين، ثم تكون لهم العاقبة [لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون] [١] . * الجاهلية مصطلح قديم أطلق على الفترة ما قبل الإسلام، والدعاة المعاصرون يتنازعون في استخدام هذا المصطلح لوصف واقع المسلمين اليوم الذي يحكم بغير الشريعة، فما شرعية استخدام هذا المصطلح الآن؟ استخدام مصطلح الجاهلية له مفهومات كثيرة فهو بحسب ما أطلق عليه: وهو من العبارات الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فهو يطلق على الجاهلية المشركية القديمة من حيث العموم.. ويطلق على بعض خصالها وأيامها وأسواقها وأحوالها، وعلى من وقع في شيء من ذلك: كالتبرج والنياحة والدعاوى القومية والفخر بالأنساب، وهذه الخصال وأمثالها جاهلية تطلق متى حدثت، ويقال لمن تلبس بها» فيك جاهلية «كما قال النبي ﷺ للصحابي الذي عيّر أخاه:» إنك أمرؤ فيك جاهلية «حديث صحيح، وقال تعالى: [ولا تّبّرَّجًن تّبّرٍَج الجاهلية الأولى] أما إطلاق الجاهلية في زماننا على العالم الإسلامي أو مجتمعاته على وجه العموم فلا يصح، لأن الأمة لا تزال على الإسلام بمسماه العام، ومنها الصالح والطالح، ومنها الطائفة المنصورة التي لا يحصرها مكان ولا زمان، وإنما تطلق الجاهلية على الأحوال والأشخاص حينما نتحقق من المعارضة الصريحة للإسلام فيها، فيقال: نظام جاهلي، ودستور جاهلي، وعيد جاهلي، وشعار جاهلي، ودعوى جاهلية، وخلق جاهلي أو خصلة جاهلية ونحو ذلك. * يضغط الواقع بقوة على الدعاة؛ فيدعو بعضهم إلى العزلة الكاملة عن المجتمعات، بينما يميل آخرون إلى العزلة الشعورية (النفسية) ويرى غيرهم ضرورة الاندماج الكامل في المجتمع جسدياً وشعورياً كي يستطيعوا التغيير، فما هو الوضع الطبيعي للداعية حيال هذه المجتمعات الإسلامية المنحرفة عن شرع الله؟ الوضع الشرعي والطبيعي في مثل ظروفنا الراهنة: أن المسلم ينبغي أن يخالط الناس، فيكثر سواد المؤمنين، ويرشد العصاة والمخالفين ويناصح الولاة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصلح بين المختلفين، ويقيم الحجة على المعاندين والمنحرفين، بفعله أو بقوله أو بسلوكه، ويسد حاجة المسلمين فيما يستطيع، وكل ذلك في حدود الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ لأنه ورد في الحديث الصحيح أن المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط ولا يصبر، وأن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير، وأن اليد العليا خير من اليد السفلى.. أما العزلة فغير واردة والعزلة التي جاءت في النصوص إنما تكون عند الفتن التي يخفى فيها الأمر على المسلم، فيعتزل الفتنة وملابساتها، لكن لا يعتزل الجماعة ولا يقطع نفعه عن الأمة. * للبيئة أثر ملموس على الناس، والدعاة جزء من مجتمعاتهم، وذلك في الطباع والخصال الفردية وطرائق التفكير والسلوك الشخصي.. إلى غير ذلك؛ فهل يمكن تشخيص أثر البيئة على الدعاة في مختلف بلدانهم وأثر ذلك على الدعوة المحلية؟ إذا قل الفقه في الدين، وضعف العلم الشرعي؛ تحكمت في الناس الأهواء والمؤثرات ومنها البيئة بعاداتها وتقاليدها وظروفها، وللبيئة أثران: أثر طبيعي قد يعتبر شرعاً: كالعادات والتقاليد التي لا تتعارض مع الشرع ويقع في مصادمتها مفاسد عظمى، والأثر الآخر كالأحوال الجغرافية والمناخية والاجتماعية والقومية والقبلية التي ليس في اعتبارها مصادمة للنصوص، إنما قد تجلب مصالح للإسلام وللأمة، فهذا الوضع البيئي يكون له اعتباره شرعاً كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- تجاه القبائل وزعمائها من تأليف قلوبهم واعتبار انتماءاتهم القبلية في العقود والألوية ونحو ذلك وكما فعل الصحابة والتابعون وأئمة الدين في تنظيم الأقاليم وفي السياسة الشرعية. * مرت الدعوة الإسلامية بصيغتها الجماعية المنظمة بمراحل طويلة بدءاً من الإخوان المسلمين في مصر والجماعة الإسلامية في القارة الهندية وغيرهما لكن يلمس الجميع بعد أكثر من نصف قرن من بدء ذلك العمل حصيلة محدودة لا تتناسب مع الفترة الزمنية؛ فهل من أسباب طبيعية لذلك؟ أولاً: أمور الدعوة لا تقاس بموازين الماديات ومكاسب المؤسسات والمنظمات والأحزاب، وثانيًا: قد لا يتفق المقوّمون للدعوة على الحصيلة وحجمها؛ فلذلك أرى أن الذين قاموا بالدعوة إلى الله على بصيرة حصّلوا خيراً كثيراً، ونرجو أن يكون لهم في ذلك الأجر العظيم عند الله تعالى وكفى بذلك تحصيلاً.. ونحن نعلم أن هذه الدعوات كل منها بحسب ما وفق إليه من السنة مأجورة على ما أحسنت به، وهي بهذا تتفاوت تفاوتاً عظيما فيما بينها، وفيما بين أتباعها وأفرادها، ومع ذلك فالنتائج المأمولة المتطورة أقل مما يتطلع إليه المسلمون، ومن أهم أسباب تأخر النتائج المأمولة: * البعد عن النهج الأسلم في العقيدة والعلم والعمل والدعوة، وهو نهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة فإنه لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. * ضعف الفقه في الدين، والعلم الشرعي الصافي، واعتماد الدعوة في الغالب على مجرد دعاة، ومفكرين، ومثقفين ليسوا علماء بالمعنى الشرعي وابتعاد كثير منهم عن العلماء ومناهل العلم الشرعي. * التنازع والخصومات وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذه هي الحالقة التي تحلق الدين، وتوقع في الفشل والإحباط كما أخبر الله تعالى وأخبر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكما هي سنة الله في الحياة، قال تعالى [ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم] [٢] . * كثرة البدع والمحدثات والاتجاهات العقلانية والعصرانية وأحياناً العلمانية داخل صفوف الدعوات نفسها، فضلاً عن فئات كثيرة من الأمة ويزيد الأمر سوءاً أن بعض الحركات الإسلامية ترسخ البدعة وتروج لها أو تقوم على أصول بدعية، فأنى لها النجاح؟ ! * تفتقر الأمة الإسلامية حالياً إلي العلماء الربانيين والقادة المصلحين الذين يقودون الأمة إلى الخير والرفعة فما السبيل إلى إيجادهم؟ العلماء لا يصنعون إنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهناك أسباب ترفع من يوفقه الله إلى درجة العلماء منها: * تحصيل العلم الشرعي على أهل العلم وبطرقه الشرعية، والاتباع وسلامة النهج في العقيدة والتلقي والتحصيل والمواصلة والصبر في ذلك. * التربية الإسلامية الخالصة، والعناية بالنشء، وتوفير وسائل طلب العلم الشرعي وأجوائه، وحمايته وتحصينه من المؤثرات الشيطانية المعاصرة التي ظهر منها الفساد في البر والبحر. * يرتفع العالم ويعلو شأنه بعلمه وعمله وإخلاصه ونفعه.. حين يكون قدوة وعَلَم. * تعاني الجماعات الإسلامية على اختلاف مسمياتها أمراضاً تنخر فيها مما يتسبب في تأخر المسيرة وتعثرها، فما أبرز هذه الأمراض وما تشخيصكم لعلاجها؟ الجماعات الإسلامية جزء من كيان الأمة، بل هي أفضلها، على ما تعانيه من أمراض، الجماعات فيها خير كثير، ولكنها ليست على الدرجة المطلوبة شرعاً، وأهم الأمراض في نظري ما سبق ذكره والمتمثل في: * الانحراف العقيدي، أو ضعف العقيدة، والجهل بالسنة أو التقصير في ذلك كله. * قلة العلماء بينهم، والجفوة بين العلماء والشباب. والعلماء لهم حق على الجميع. * ضعف الفقه في الدين والعلوم الشرعية وقواعد الشرع. * الاعتماد على كتب الفكر والثقافة وحدها وإهمال الكتب الشرعية أو قلة الاعتماد عليها. * المبالغة في الاهتمامات السياسية إلى حد الإدمان والهوس. * التنازع والخصومات في الدين والدعوة. * التحزبات والشعارات والولاءات غير الشرعية. * العاطفة وقلة الصبر، ونحو ذلك. * التشاؤم، واليأس وضعف اليقين بنصر الله ووعده. * الناس حيال الصحوة فريقان: أحدهما مشفق من مستقبل غائم نظراً للواقع القاتم حالياً، وآخر مستبشر متفائل؛ فما مستقبل الصحوة بناءً على واقعها الآن في نظركم؟ المستقبل أمره إلى الله سبحانه علاّم الغيوب، لكن القرائن والسنن الكونية والشرعية تدل على أن المستقبل للصحوة، ومن ثم للإسلام إن شاء الله والصحوة في حاضرها تحمل مقومات القوة والغلبة وتباشير النصر بإذن الله، وقرائن ذلك: * الانحدار السريع لقوى الكفر والباطل، فالشيوعية سقطت والرأسمالية تترنح، وإن لم تنهار فستخر. * الصحوة في نمو وتكامل وقوة في جميع بقاع العالم رغم ما يعتريها من خلل لا يسلم منه البشر. * الشعوب الإسلامية أدركت إفلاس جميع الحلول المستوردة العلمانية، وأن العودة لشرع الله ضرورة، ولعله من الخير أن قوى الشر لم تفقه هذه الحقيقة جيداً، وإن كانت شعرت بخطورتها لكنها لاتزال تفسرها بتفسيرات جاهلية. * تحزب الأحزاب في جميع الدول الإسلامية وغير الإسلامية ضد الصحوة وعّدها التحدي الأخطر.. وهذه من علامات النصر للإسلام لو كانوا يعلمون وأظن هذا التحزب والكيد ضد الصحوة أعظم استفزاز سيكون للمارد الخامل النائم: أعني الشعوب الإسلامية. لكن مع ذلك فالصحوة بحاجة إلى مزيد من الترشيد والخبرة والتصحيح فهي بحاجة إلى العلماء والفقه الشرعي، وسلامة الاعتقاد والنهج والاعتصام بالسنة والخروج من حالة التنازع والتهارش والتآكل والعزلة إلى العمل الجاد وتحقيق الجماعة والتناصح والبناء العقدي والعلمي والعمل المؤسسي، والاهتمام بالمجتمعات والشعوب بأسلوب بناء لإعداد الأمة كلها لتحمل المسؤولية، حتى يكون الإسلام همّ الجميع. الصحوة الإسلامية في الوقت الراهن بدأت في تخطي الأطر الحزبية والتحول من جماعات إسلامية محدودة إلى تيار إسلامي عام يطالب بعودة الإسلام إلى مختلف نواحي الحياة، وعودة الأمة الإسلامية لتستلم دورها في قيادة العالم، فما هو تصوركم لهذه الظاهرة؟ أرجو أن يكون الأمر كذلك، وإن كان فإن هذا يعني النقلة من طور الطفولة والمراهقة إلى الرشد، وأن الأمة كما أسلفت بدأت تتحسس مواطن الضعف فيها ومكانتها بين الأمم، وأن ريح الإيمان قد هبت وغرس الله بدأ يثمر، وأرى أن هذه الحقيقة أقوى من كل العوائق والعقبات والخير كشجرة النعناع إذا قطعت منها غصناً أنبتت عشرة بإذن الله. * مصطلح السلفية نسبة إلى السلف كثر استخدامه، فهل هو قصر على فئة انتسبت إليه، أم هو منهج لا يسع أحداً الخروج عنه؟ ما هو ورأيكم.؟ السلفية تعني اتباع سبيل السلف الصالح أئمة الهدى أهل السنة والحديث الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة.. وهي بهذا الوصف الصراط المستقيم وسبيل المؤمنين، ... ودين الحق والهدى الذي لا يسع أحد الخروج عنه، وإلا فارق الحق والسنة والجماعة، كما قال تعالى [ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى] [٣] . التنازع بين المسلمين يؤدي إلى الفشل، فما سبب هذا التنازع بين الداعين إلى الله، خصوصاً عندما يستظل الجميع بمنهج واحد (منهج أهل السنة والجماعة) ، وما علاجه عملياً؟ أعظم أسباب التنازع: الأهواء، والحزبيات، والانتماءات، وتصدر قليلي العلم الشرعي واتخاذهم رؤوساً، وهيمنة الفرق والبدع والمحدثات على كثير من المسلمين والجماعات.. والسبيل إلى الوحدة هو بتحقيق التوحيد واتباع السنة وعقد الجماعة على الولاء الشرعي والأخذ بأسباب الحياة والعزة والنصر كما أمر الله وبذل النصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم. وأسأل الله أن يبارك في هذه الصحوة وأن يهديها سواء السبيل، ويجمع شملها، ويوحد كلمتها على الحق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1650

خواطر في الدعوة كونوا شامة في الناس محمد العبدة روى أبو داود بإسناد حسن من حديث ابن الحنظلية حين سأله أبو الدرداء أن يقول له كل يوم: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» . أراد رسول الله ﷺ أن يغرس في نفس المسلم الذوق السليم في هيئته ورحله، وكل شؤونه؛ لأن المنظر القبيح منفر للنفس، باعث على عدم الارتياح، وكأن رسول الله ﷺ يريد أيضاً أن تكون شخصية المسلم شخصية متكاملة، يعطي لكل حالة حقها، فهو حسن الثياب، حسن المظهر دون إسراف ولا مخيلة عندما تستدعي الأمور ذلك، ويلبس لباس المهنة عندما يكون في مصنعه أو متجره، ويلبس لباس الحرب عندما ترتفع راية الجهاد ويلبس ما يناسب ذوقه وثقافته عندما يمارس الرياضة البدنية؛ ولكن التربية القاصرة وثقافة البعد الواحد التي سيطرت على المسلمين في عصور التخلف قد أبعدت المسلم عن هذه المرونة، فمنظره يثير الشفقة، أو يثير الاستهزاء من أعداء الإسلام. أعرف أحد الدعاة، وقد تمكن من كثير من العلوم النافعة له في دنياه وآخرته، وأتقن عدة مهن يدوية، فكان الناس حتى من خصومه في الفكر والمنهج يسألونه المساعدة، فيبادر غير متوانٍ لخدمتهم، فكان لهذا أثر كبير عليهم، ومثل هذا الأخ الذي أخذ أهبته واستعد لكل حالة هو شامة بين الناس. هل من المبالغة أو المثالية أن تتكامل شخصية المسلم فتجمع هذه الجوانب المتعددة: أخلاق عالية مع القريب والبعيد، مساعدة للناس، وأن يمثل الإسلام في هيئته وكلامه وحركاته وسكناته..؟ ! كلا، ليس صورة خيالية، وإن تعذر ذلك فوجود عدد من الشباب المسلم يكون محط أنظار أهل حيه وقريته وزملاء عمله سيكون له تأثير كبير في تقوية الدعوة الإسلامية. إن المسلم حقاً هو (العملة النادرة) في هذه الأيام، وفي هذا العصر الذي كثر فيه الخبث، وكثر النفاق والمداهنة، وضُيّعَت الأمانة، وعبد الناس بطونهم وشهواتهم، فكيف إذا كان هذا المسلم شامة بين الناس؟ ! وإذا كان العرب قبل الإسلام يقولون عن الذي تعلم القراءة والكتابة وأتقن السباحة والرمي بأنه (كامل) ، فكيف إذا كان صاحب دعوة ورسالة قد استجمع خلال الخير، وأتقن كثيراً من الأعمال، وبذل كل ما في وسعه لقضاء حوائج الناس؟ !
следующие страницы →