← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

في إشراقة آية [وأن تصوموا خير لكم] د. عبد الكريم بكّار كان من منّة الله تعالى على هذه الأمة أن شرع لها من الدين ما يصلح أمر دنياها وآخرتها، وكان من أهم ما شرعه صوم شهر رمضان المبارك. والعبادات في الإسلام تكاليف ابتلاء، ومقياس يكشف عن مدى تمكن الإيمان وألقه في نفس المسلم، وهي في الوقت ذاته وسائل لتمكين ذلك الإيمان، إنها له بمثابة الماء للشجر والنبات. وآيات الصيام لم تعدد لنا أنواع الخيرات التي سنحصل عليها من وراء هذه العبادة؛ ليظل عطاء هذه العبادة مفتوحاً متنوعاً تظهره التجربة التاريخية الاجتماعية، والواقع المعاش، ونستطيع الآن من خلالهما أن نتلمس وجوهاً من ذلك الخير في المفردات التالية: ١- إن الصيام وسيلة فعالة لتربية الإرادة الحرة: حيث لا توجد عبادة من العبادات تكف المسلم عن شهواته وملذاته مدة متصلة من الزمان كهذه العبادة، فهي تدريب لإرادة المسلم على مقاومة الأهواء والملذات ومغريات الحياة. والمتأمل فيما يتفاوت فيه الناس في هذا الوجود يجد أن محور التفاوت هو الإرادة لا القدرة، فالقدرات الفطرية لدى الناس متقاربة لكن تفاوتهم الأساس يكون في مدى صلابة الإرادة التي تُسخّر القدرة وتوجهها والتي تعين على ضبط الوقت، وتكبح جماح الهوى والركون إلى الدعة وسفاسف الأمور، ومن هنا فإن الصيام جاء لينمي تلك الإرادة وليُعَودْها التوجه إلى الخير ومقاومة نزوات النفس؛ ولذا فإن تفريط المسلم في أداء هذه الشعيرة صار لدى العامة من المسلمين مؤشراً إلى نقص في رجولته، وهذا هو تفسير قيام كثير من المسلمين بالصيام مع تفريطهم في الصلاة، مع أن أهميتها في الإسلام أعظم! ويذكر لنا ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) أن هناك صنفاً من الناس لو ضرب بالسياط على أن يفطر رمضان ما أفطره، ولو ضرب على أن يصلي ما صلى! وما ذلك إلا لأن الناس عدوا الإفطار نقصاً في الرجولة، ولم يعدوا الصلاة كذلك، وقوله سبحانه: [وأن تصوموا خير لكم] في أعقاب ذكر الرخصة للمريض والمسافر بالفطر إيماءة للمسلم بأنه من الأفضل له أن يصوم مع المرض المحتمل والسفر غير الشاق، ليكون في تحقيق إرادته نوع من المكابدة والمعاناة في سبيل الله ، وحتى لا يصير بعض الناس إلى إيجاد الرخص والتذرع بها للفرار من الواجبات. ٢- الصيام عبادة سلبية، كيف؟ فهو امتناع عن أنواع المفطرات، ومن ثم فإنه بعيد عن الرياء، وخرق تلك العبادة أمر ميسور في السر لمن أراد ذلك، ومن هنا فإن صيام رمضان فرصة لتنمية الوازع الداخلي لدى المسلم، هذا الوازع الذي تعد تنميته محور التربية الفردية الناجحة، والملموس أن تعاظم هذا الوازع لا يتم إلا من خلال الثقة به والاعتماد عليه في شؤون عديدة، فهو في ذلك أشبه شيء بعضلات الجسم في أن نموها في استخدامها وتحريكها والاعتماد عليها؛ ولذا فإننا نرى ضعف الوازع الداخلي لدى أولئك الذين يأتون الفضائل ويقومون بالواجبات من خلال قسر الأبوين أو المجتمع، فهم يفعلون ما يفعلونه نتيجة ضغط خارجي، فإذا ما ضعف ذلك الضغط أو تلاشى أتوا من الرذائل والقبائح وأنواع التحلل ما يتناسب طرداً مع حجم الضغوط التي تعرضوا لها فيما مضى؛ وهذا يجعلنا نساوق بين الرقابة الاجتماعية وتنمية الوازع الداخلي من خلال التربية البيتية القويمة. ٣- في الصيام فوائد طبية واقتصادية واضحة: فهو يخلص الجسم من بعض ما تراكم فيه من الدهون، ويريح المعدة من العمل الشاق الذي تقوم به على مدار السنة مع فوائد طبية أخرى معروفة.. وفي الصيام توفير إجباري لنحو ٤٠ % من استهلاك الأطعمة والأشربة الذي تعوده الناس في أيام الفطر، وفي هذا نوع من التعظيم للمالية الإسلامية ونوع من المحافظة على الموارد الغذائية للأمة المسلمة. ٤- من خيرات رمضان أنه أضحى ظرفاً لأداء أنواع من القربات لله: فقد تجاوز صيام هذا الشهر مفهوم التلبس بعبادة من العبادات ليصبح نوعاً من الامتثال لمفردات كثيرة في المنهج الرباني، ففيه قيام الليل والإكثار من قراءة القرآن والاعتكاف في المساجد ولزوم الجماعات من قبل كثير من المسلمين وإخراج صدقة الفطر والاستبشار بعفو الله وكرمه بما تظهر الأمة من البهجة والسرور في يوم عيدها، فكأن شهر رمضان مناسبة لازدحام العبادات والقربات في حياة المسلم على نحو لا يتوفر في أي وقت آخر. ٥- يمثل الصيام نوعاً من الاتصال والتواصل الاجتماعي: حيث ترسم الظروف اليومية والمصالح والأوضاع الاجتماعية والطموحات الخاصة مجموعة من الأطياف العازلة لكل إنسان عن غيره مما يؤدي إلى فقد الاتصال أو ضعفه، وفقد الاتصال في مجتمع ما من أكبر المعوقات له عن النمو والتجانس والصمود في وجه الكوارث وألوان العدوان الخارجي، ومن ثم فإن امتناع أبناء المجتمع المسلم عن الطعام في وقت واحد مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية وتناولهم له في وقت آخر محدد، إلى جانب الشعائر الجماعية الأخرى التي تعودها المسلمون في هذا الشهر المبارك من أهم ما يوحد الشعور بالتجانس، ومن أهم ما يزيل الحواجز التي تولدها الظروف المختلفة. الصيام اليوم: إن مهمة المبادئ العليا أن تكيف حياة الناس وتوجهها وفق مضامينها ومعطياتها، لكن تلك المباديء لا تعمل في فراغ، وإنما تشتبك مع أمور عديدة من جملتها: العادات الموروثة والظروف الضاغطة والأهواء والشهوات الجامحة والتأويلات والأفهام الخاطئة للمنهج والمباديء، وهذا كله ينتهي إلى شأن اجتماعي معاش يلخصه ميل الناس بصورة دائمة إلى جعل النهج الرباني جزءاً من ثقافتهم، وقد يكون جزءاً صلباً، وقد يكون جزءاً رخواً على مقدار إقبال الناس على الإسلام وهي التي تجعل من المنهج موجهاً للثقافة ومهيمناً عليها. ومن هنا فإن أخطر علل التدين هي تلك التي تصيب الأمة في مكانة منهجها ومبادئها من ثقافتها العامة، فتكف المبادئ عن توجيه الفعل، أو تنحرف عن غاياتها ومقاصدها، فلا تحقق الحكم المقصودة في تشريعها، ويكون الجهاد الدائم هو محاولة الإبقاء على المنهج الرباني ساطعاً متألقاً متميزاً عما تواطأ عليه الناس من عادات وتقاليد. ومازال بحمد الله في مجتمعنا المسلم من يحرص على الصيام على الوجه الأكمل، وهم في تزايد مستمر لكن الأكثرية الكاثرة من هذه الأمة انحرفت بالصيام عن مقاصده التي ذكرنا أهمها آنفاً، فعلى حين كان السلف يعدون رمضان فرصة سانحة يغتنمونها في صنوف الطاعات، نجد كثيراً من المسلمين يسهرون الليل في ضروب من اللهو المختلفة حتى إذا اقترب وقت السحر تناولوا ما لذ وطاب من الأطعمة، ثم ناموا قبل أداء صلاة الفجر، وإذا كان هذا النائم موظفاً فإن وقت بداية العمل في رمضان يكون متأخراً، فيقوم متثاقلاً إلى عمله ليكمل نومه هناك! وإن كان غير موظف فإن رمضان هو شهر النوم عنده فيستغرق في نومه إلى قبيل المغرب، فيفوت عليه أكثر من فريضة صلاة! ! ومع هذا فإن الشعار المرفوع لدى كثير من الموظفين هو أن رمضان شهر عبادة وليس شهر عمل (العبادة التي قدمنا صورة منها!) . أما تهذيب النفس من خلال الجوع فحدث عن هذا ولا حرج، حيث إن التجار يشرعون في الإعداد لمستلزمات رمضان قبل مجيئه بنحو شهرين، وتقدر بعض الجهات أن ما يستهلكه كثير من المسلمين في رمضان يصل إلى ثلاثة أمثال ما يستهلكونه في غير رمضان! ! وقد صار رمضان عبئاً ثقيلاً على الحكومات التي توفر السلع المدعومة لمواطنيها! وقد كان السلف يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا انصرم دعوا الله ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم أعمالهم في رمضان. أما اليوم فإن كل وسائل الإعلام في العالم الإسلامي تشعر الناس بأن رمضان ضيف ثقيل فكأنه شر لابد منه، ومن ثم فإن كثيراً من البرامج ينصرف إلى الترفيه عن الناس بما يجوز وما لا يجوز، وانقلب الشهر المبارك إلى موسم للهو واللعب! وما يحدث لكثير من المسلمين في هذا الشهر المبارك أمر مفهوم، حيث إن الأمة حين تمر بحالة من الركود الحضاري تكف مبادئها عن الفعل وتسيطر عليها الشكليات والعادات، فجيوشها لا تقاتل، ومبدعوها لا يعرفون والفضائل فيها شعارات، والعبادات عادات.. وتستمر في ذلك حتى تندثر باعتبارها أمة متميزة أو يبعثها الله بعثاً جديداً يحيي ما اندرس من سابق عهدها، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 1647

دراسات قرآنية نحو منهجية عملية في حفظ القرآن الكريم فيصل البعداني انتشرت الصحوة الإسلامية المباركة في عصرنا، وأصبحت نتائجها ظاهرة لكل أحد، ولعل من بعض ثمارها المباركة عودة كثير من شباب الأمة إلى القرآن الكريم قراءة وحفظاً، ونظراً لسلوك كثير من أولئك مسلكاً غير منهجي أثناء مرحلة الحفظ، مما يؤدي إلى سوء الحفظ سواء أكان ذلك من حيث النطق أو الاستيعاب لكامل ما يحفظ، أو استقرار الحفظ وثباته في الذهن، بالإضافة إلى عدم مواصلة الكثير منهم للحفظ والتوقف بعد ابتداء المشوار، أو حتى عدم الابتداء من الأصل مع وجود رغبة صادقة، وحرص أكيد للتشرف بحفظ القرآن الكريم. ولقد بادرت في كتابة هذه السطور علها أن تفيد الراغبين في حفظ كتاب الله الكريم، وقد حاولت الاستفادة من أصحاب الخبرة في هذا المجال رجاء أن يكون الطرح أكثر فائدة وواقعية، وقد قمت بتقسيم الموضوع إلى ثلاثة أقسام كالتالي: أولاً: ما ينبغي فعله لمن أراد حفظ القرآن الكريم قبل أن يحفظ. ثانياً: خطوات عملية مقترحة لحفظ القرآن الكريم. ثالثاً: ما يفعله الحافظ بعد أن يحفظ. وإليك قارئي الكريم التفصيل والبيان: ما ينبغي فعله لمن أراد حفظ القرآن الكريم قبل أن يحفظ: ١- الإخلاص لله تعالى: لا يخفى أن الإخلاص وإرادة وجه الله تعالى شرط لصحة العمل وقبوله إن كان عبادياً محضاً كالصلاة والصيام والطواف.. الخ، كما أنه شرط للثواب ونيل الأجر في الأمور المباحة كالأكل والشرب وحسن المعاشرة للناس ... الخ. وبما أن قراءة القرآن وحفظه من الأمور العبادية المحضة فإنها لا تقبل عند الله تعالى إلا بالإخلاص، وهي داخلة في مثل قوله تعالى [فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً] [١] ، وقوله تعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [٢] . ٢- استشعار عظمة القرآن الكريم ومعرفة منزلته: ومن الأمور التي تحقق ذلك: * تذكر أن القرآن كلام الله تعالى [فَأجرْه حتى يسمع كلام الله] [٣] وعظمته مأخوذة من عظمة الله، ولا أعظم من الله، وبالتالي فلا أعظم ولا أقدس من كلامه سبحانه. * إدراك الأمر الذى نزل من أجله القرآن، وهو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور [ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين] [٤] ، [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان] [٥] . * من عظمة القرآن عظمة الشهر الذي أنزل فيه القرآن (شهر رمضان) ، فهو أفضل الشهور، وعظمة الليلة التي أنزل فيها القرآن (ليلة القدر) ، فهي خير الليالي، وعظمة الرسول الذي أنزل عليه القرآن فهو إمام الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم ولا فخر، وعظمة معلمه ومتعلمه حيث قال رسول الله ﷺ في بيان أفضليتهما (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) [٦] , وفي رواية (إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه) [٧] . * وصف الله تعالى له بالعظمة في مثل قوله تعالى [ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) ] ٨ [، ويكفي هذا في بيان مقدار عظمته وجلاله. ٣- إدراك فضل أهل القرآن وعظم ثوابهم: وقد جاء بيان ذلك في كثير من النصوص ومنها: * ما رواه عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) ] ٩ [. * ما جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول «ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ] ١٠ [. * عن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن في الصفة فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين] ١١ [في غير إثم ولا قطع رحم , فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلِّم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل) ] ١٢ [. * عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ] ١٣ [. * عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها) ] ١٤ [. * عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ] ١٥ [. * عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران) ] ١٦ [. * عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث وريحها مر) ] ١٧ [. * معرفة أن الشارع قد حث على قراءة القرآن والاستماع إليه في نصوص منها: (أ) في القراءة: قوله تعالى] إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور [] ١٨ [، وقوله ﷺ (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ] ١٩ [. (ب) في الاستماع: قوله تعالى] وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [ (١٩) . قال الليث بن سعد: (يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقوله تعالى] وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [، ولعل من الله واجبة) ] ٢٠ [. ٥- إدراك من أراد الحفظ الهدف من قراءة القرآن وحفظه: ويمكن أن يحصل ذلك عن طريق استشعار الأمور التالية: * ما يقع من تحصيل الأجور العظيمة الواردة في النصوص، ومنها ما سبق بيانه. * قراءة لتنفيذ الأوامر وتطبيق التعاليم الواردة فى الآيات. * قراءة التصورات الصحيحة الصائبة حيث أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد لتصوراتنا لقوله تعالى] ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء [] ٢١ [. ٦- التنبه إلى سهولة القرآن لمن اراد حفظه: لقوله تعالى] ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [] ٢٢ [، قال القرطبي - رحمه الله تعالى - عن هذه الآية» أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه فيعان عليه «] ٢٣ [. ٧- ضرورة وجود العزيمة الصادقة: وذلك عند الابتداء في الحفظ والاستمرار على ذلك، إذ بدونها يخور العبد ويتهاون ولا يتجاوز الأمر كونه مجرد أمنية وحلم يقظة، ويمكن أن يوجد الإنسان هذه العزيمة الصادقة بمعرفته لعظمة القرآن ومكانة أهله، والفضل الجزيل لقارئه ومستمعه إذ أن النصوص الواردة في ذلك تحث المسلم وتدفعه بشدة إلى تكوين رغبة جادة في قرارة نفسه على الحفظ والمواصلة. ٨- التقليل من المشاغل والاكتفاء بالحفظ وبذل الجهد في ذلك: قال الله تعالى] والذين جاهدوا فينا لَنهديَنَهُم سُبُلَنَا [] ٢٤ [، ومعروف أنه من سار على الدرب وصل، ومن جد وجد، ومن زرع حصد، ومما يعرفه الناس عن النملة أنها تحاول الرقي إلى مكان مرتفع وقد تفشل في الوصول إلى غايتها وتسقط، ولكنها لا تكل أو تمل وتبذل جهداً مضاعفاً إلى أن يتكلل جهدها بالنجاح، وهذا هو ما ينبغي فعله لمن أراد حفظ القرآن. ٩- تفريغ وقت يومي للحفظ: سواء أكان ذلك بعد الفجر أو بعد العصر أو بعد المغرب ... إلخ، كل حسب ما يناسبه. وكون مكان الحفظ في المسجد أولى لقوله ﷺ في الحديث الذي سبق ( ... أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد) (١٢) ، ومعلوم أن الجو في المسجد مهيأ لهذا الأمر، وغيره ليس مثله. وكونه مع مجموعة أفضل لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) ] ٢٥ [، ولأن الجماعة عنصر مساعد ومشجع والإنسان قد يصاب بكسل وفتور فتدفعه الجماعة إلى المواصلة، ولذا قيل (الصاحب ساحب) . ١٠- اختيار شيخ مجيد للتلقي عليه: ولذا قرر أهل العلم أنه لا يصح التعويل في قراءة القرآن الكريم على المصاحف وحدها بل لابد من التلقي على حافظ متقن متلق عن شيخ، ولذا قال سليمان بن موسى» كان يقال: لا تأخذوا القرآن من الصحفيين «] ٢٦ [، وقال سعيد التنوخي» كان يقال: لا تحملوا العلم عن صحفي ولا تأخذوا القرآن عن مصحفي «] ٢٧ [، ولكون قراءة القرآن مبناها على التلقي والسماع جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: (والله لقد أخذت من في رسول الله بضعاً وسبعين سورة) » ] ٢٨ [، وذكر ابن حجر في الفتح بيان كيفية أخذ عبد الله لبقية القرآن فقال: (زاد عاصم عن بدر عن عبد الله: «وأخذت بقية القرآن عن أصحابه» ) ] ٢٩ [، ولأهمية التلقي في تعلم القرآن نجد أن بعض الصحابة كانوا يوجهون طلابهم إلى ضرورة التلقي عن المتلقي، فعن معد يكرب قال: «أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا: طسم المائتين فقال: ما هي معي ولكن عليكم مَن اخذها من رسول الله ﷺ خباب بن الأرت قال: فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا» ] ٣٠ [، بل إن رسول الله ﷺ كان يعارض جبريل بالقرآن كل عام مرة وعام وفاته مرتين] ٣١ [، وكان يأمر أصحابه بالتلقي فيقول (اقرأوا القرآن من أربعة نفر: من ابن أم عبد ومن أبي بن كعب ومن سالم مولى أبي حذيفة ومن معاذ بن جبل) ] ٣٢ [. ١١- اختيار مصحف معين في الحفظ حتى ترسخ مواضع الآيات في الذهن ولا يكون هناك تشتت.. ١٢- الحرص على الابتداء في الحفظ من آخر المصحف وبخاصة صغير السن أو ضعيف العزيمة، حتى يشعر أنه قد أنجز شيئاً في فترة وجيزة، حيث أن السور أكثر عدداً وأقل صعوبة ولديه خلفية عنها عن طريق مقررات القرآن في المدارس النظامية. ١٣- دعاء الله تعالى بالتوفيق والتمكين من الحفظ واللجوء إليه في ذلك لأن حفظ القرآن الكريم منة من الله وهبة. خطوات عملية مقترحة لحفظ القرآن الكريم: ١- تحديد مقدار معين لحفظه في جلسة واحدة في حدود طاقة القارئ وينبغي له أن لا يزيد كمية المقدار كثيراً في أيام حماسه وبخاصة في بداية الحفظ، حتى لا يكل أو يمل أو يصاب بالإحباط حين لا يستطيع المحافظة على ذلك المقدار، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تركه الحفظ بالكلية، بل عليه أن يربي نفسه على المرونة في تحديد المقدار جاعلاً نصب عينيه أن أهم قضية هي الاستمرار اليومي في الحفظ لا غير. ٢- قراءة المقدار المعين على الشيخ المختار من المصحف قبل مباشرة الحفظ وتلزم هذه الخطوة إذا كان القارئ لا يجيد قراءة الرسم العثماني. ٣- قراءة القارئ المقدار المحدد للحفظ من المصحف بينه وبين نفسه لإصلاح النطق في الكلمات التي لم يجد قراءتها. ٤- أن يحفظ القارئ المقطع آية آية، ويقوم بربط الآية الثانية بالتي تليها وإذا كانت الآية الواحدة تقل عن سطر فآيتين آيتين بحيث لا يتم الزيادة على سطرين أو ثلاثة في المرة الواحدة. ٥- أن يرفع الصوت بتوسط أثناء الحفظ لأن خفض الصوت يكسل القارئ ورفعه جداً يتعبه ويؤذي من حوله، هذا في الأصل أما لو كان خاشعاً، خالي الذهن وخفض صوته فلا بأس لكن لابد من القراءة باللسان، أما إمرار العين بدون تحريك اللسان فلا. ٦- نطق الآيات أثناء الحفظ بترتيل وتمهل، والحرص على عدم إغفال أحكام التجويد أثناء القراءة امتثالاً لقوله تعالى] ورتل القرآن ترتيلاً [] ٣٣ [ واهتداء بالنبي ﷺ في تركه تحريك لسانه استعجالاً به بعد نزول قوله تعالى] لا تحرك به لسانك لتعجل به [] ٣٤ [، ولأن هذا هو هدي رسول الله ﷺ في تعليمه القرآن لأصحابه، قال الله تعالى ] وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث [] ٣٥ [. ولقد سئل أنس بن مالك: كيف كانت قراءة النبي ﷺ فقال: «كانت مدّاً ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم» ] ٣٦ [، وهذا الأمر كان ديدن كبار الصحابة، ولذا قال ابن عباس راداً على أبي حجر حين قال له: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول» ، وفي رواية «أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمةً» ] ٣٧ [، ولا شك أن الترتيل أثناء الحفظ يعين على تدبر الآيات والتفكر في معانيها مما يعني جمع القارئ بين حفظ الآيات والفهم مبدئياً لمعناها، وهو مما يعمق الحفظ ويقويه أيما تقوية. ٧- أن يُسمِّع على نفسه المقدار المعين حفظه بعد إنهائه له. ٨- أن يقوم بقراءة المقدار المحفوظ من المصحف بعد تسميعه على نفسه للتأكد من سلامة الحفظ وعدم تجاوزه لبعض الآيات أو الكلمات أو الخطأ في الشكل. ٩- أن يقوم بتسميع ما حفظ على شيخه المختار ولا بد من ذلك. ١٠- يفضل ربط المقدار المحفوظ من سورة ما قسمت إلى مقاطع بما حفظ من أول السورة يومياً ليتم الربط بين المقاطع المحفوظة، وهذا أمر لا دخل له في برنامج الحافظ للمراجعة. ما يفعله الحافظ بعد أن يحفظ: ١- الخوف من الوقوع في الرياء: والرياء في موضوعنا: طلب الحافظ للجاه والمنزلة في نفوس الخلق بإظهاره لهم إكماله لحفظ القرآن، أو جودة حفظه وحسن أدائه، وهو ضرب من الإشراك، ولذا قال رسول الله- ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله. قال: الرياء يقول الله عز وجل - يوم القيامة إذا جزى العباد بأعمالهم -: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء) ] ٣٨ [، والمرائي بالقرآن معرض نفسه للعقوبة الشديدة الواردة في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) ] ٣٩ [. والواجب على مريد النجاة الحرص على الإخلاص واستمرار سلامة القصد والنية. ٢- الحذر من الغفلة عن العمل بالقرآن والتأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه: لأن القرآن إنما أنزل ليعمل به، ويتخذ نبراساً ومنهاج حياة، قال ابن مسعود ﵁ «أنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملاً، إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفاً، وقد أسقط العمل به» ] ٤٠ [، وقال بعض أهل العلم: «إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم، يقول: ألا لعنة الله على الظالمين، وهو ظالم نفسه، ألا لعنة الله على الكاذبين، وهو منهم» ] ٤٠ [، وقال أنس ﵁: «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه» ] ٤٠ [ ... ٣- الخشية من العجب بالنفس والتعالي على الخلق: فالعجب استعظام النفس لما بذلت من أسباب لتحصيل حفظ القرآن الكريم والله تعالى هو الهادي إلى ذلك والمعين على تسهيله وتحققه، ولولا إحسانه وفضله لما تمكن العبد من حفظ القرآن أو بعضه، والواجب بدلاً من ذلك شكر الله تعالى على نعمته بمعرفتها حق المعرفة وإسناد الفضل إليه سبحانه وحده لا شريك له في تحققها، والتعالي على الخلق هو التكبر عليهم واعتقاد العبد بلوغه مرتبة في الكمال لم يبلغها من حوله فيتجه إلى احتقارهم وتجهيلهم، ومن هذه حاله ينسى ما ورد من النصوص في التحذير من مثل ذلك، ومنها قوله تعالى في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار) ] ٤١ [، وقوله ﷺ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ] ٤٢ [.. ٤- تذكر النصوص الآمرة بتعهد القرآن والمحذرة من نسيانه: وردت نصوص كثيرة تحث على تعاهد القرآن وتحذر من هجره ونسيانه ومنها: * عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقهما ذهبت) ] ٤٣ [. * وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل نسي واستذكر القرآن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم) ] ٤٥ [. * وعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً] ٤٤ [من الإبل في عقلها) ] ٤٦ [. وبسبب هذه النصوص ومثيلاتها تحدث أهل العلم عن الزمن الذي لا يشرع للعبد تجاوزه سواء أكان من حيث القلة أو الكثرة في قراءة القرآن الكريم فأقل زمن يستحب قراءة القرآن فيه على المختار ثلاثة أيام لقوله ﷺ فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو: (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) ] ٤٧ [. ولذا كان معاذ بن جبل يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث] ٤٨ [وكان ابن مسعود يقول: (اقرؤوا القرآن في سبع ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث) ] ٤٩ [. والحكمة - والله أعلم - في عدم مشروعية قراءته في أقل من ثلاث أن لا تؤدي سرعة القراءة إلى قلة الفهم والتدبر أو الملل والتضجر أو الهذرمة وعدم إتقان النطق، وما ثبت عن السلف من قراءته في أقل من ذلك فهو محمول إما على أنه لم يبلغهم في ذلك حديث من مثل الحديث السابق، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السرعة] ٥٠ [، أو أن ذلك كان في فترة حماس وكثرة نشاط أو وقت فاضل كرمضان ونحوه فأرادوا استغلاله لا أن يكون ذلك عادة لهم في سائر العمر. وأما أوسع زمن جاءت النصوص مبينة مشروعية قراءة القرآن فيه فأربعون يوماً كما ورد فى حديث عبد الله بن عمرو أنه سأل النبي- ﷺ : في كم يقرأ القرآن؟ قال: (فى أربعين) ] ٥١ [، ولذا قال إسحاق بن راهويه: (ولا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين ولم يقرأ القرآن لهذا الحديث) ] ٥٢ [، وقال أيضاً: (يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوماً لا يقرأ فيها القرآن) ] ٥٣ [. ٥- نسيان القرآن سببه الذنوب والمعاصي: جاءت الكثير من النصوص التي تجعل ذنوب العبد سبباً لما يصيبه من مصائب وبلايا والتي من أعظمها ولا شك نسيان القرآن الكريم، ومما جاء في ذلك قوله- ﷺ : (لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر) ] ٥٤ [، وقد كان هذا الأمر جلياً في أذهان السلف، ولذا قال الضحاك مزاحم: (ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلا بذنب يحدثه لأن الله تعالى يقول:] وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [] ٥٥ [، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب) ] ٥٦ [، بل إنهم - رحمهم الله تعالى- كانوا يقفون موقفاً صارماً ممن هذه حاله كما جاء من طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كيف أنهم كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولاً شديداً] ٥٧ [، وقد ذكر القرطبي - ﵀ سبب تلك الكراهية وذلك الموقف الشديد فقال: (من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخل بهذه المرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن تَرْك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد) ] ٥٨ [. بل إن بعضهم يعده ذنباً كما روى أبو العالية عن أنس موقوفاً (كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه) ] ٥٩ [. قال ابن كثير ﵀: (وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى] ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [] ٦٠ [، وهذا الذي قاله وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن، وتعريضه للنسيان، وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه) ] ٦١ [. ٦- كيف تكون المراجعة؟ لا شك أن الطريقة الأسلم للمراجعة هي تخصيص وقت كاف غير وقت الحفظ يقرأ فيه المرء ما يفتح الله تعالى عليه فيه، ولكن نظراً لعدم قدرة كثير من الناس على تخصيص وقت معين لذلك فيمكن استخدام الطرق التالية: (أ) - القراءة في السنن الرواتب غير راتبة الفجر تكون خمسة أثمان، في كل ركعتين ثمن. - في ركعتي ما قبل العصر تكون ثمناً واحداً. - في الصلوات المفروضة وقيام الليل تكون ثمنين. وعلى هذا فالحد الأدنى في اليوم الواحد يكون جزءاً كاملاً من القرآن الكريم.] * [ (ب) القراءة في الصلاة النافلة من غير الرواتب، وفي السيارة،. وبين الأذان والإقامة وأثناء الذهاب للدراسة أو العمل والعودة من ذلك ... إلخ من حالات الإنسان المناسبة. (ج) الجلوس بعد الفجر ولو قليلاً للقراءة بحيث يلزم الإنسان نفسه أن يقرأ في ذلك الوقت شيئاً من القرآن الكريم ولو ثمناً واحداً. (د) يمكن لأصحاب الهمم العالية استخدام طريقة (فمي مشوق) وهي طريقة كان يستخدمها بعض مشايخ الإقراء في أرض الكنانة بحيث أن الحافظ يستطيع مراجعة القرآن كاملاً في أسبوع واحد وبيانها كالتالي: - الفاء من (فمي مشوق) للفاتحة والميم للمائدة والياء ليونس والميم لمريم والشين للشعراء والواو للصافات والقاف لسورة ق. - فيكون المقدار في اليوم الأول من أول (الفاتحة) إلى أول (المائدة) . - وفي اليوم الثاني من أول (المائدة) إلى أول (يونس) - وفي اليوم الثالث من أول (يونس) إلى أول (مريم) . - وفي اليوم الرابع من أول (مريم) إلى أول (الشعراء) . - وفي اليوم الخامس من أول (الشعراء) إلى أول (الصافات) . - وفي اليوم السادس من أول (الصافات) إلى أول (ق) . - وفي اليوم السابع من أول، (ق) إلى آخر المصحف الشريف. (هـ) على من حفظ شيئاً من القرآن الكريم دون عشرة أجزاء أن لا يمر عليه خمسة عشر يوماً دون إتمام مراجعته. والله نسأل للجميع التوفيق والسداد.

стр. 1648

مقال حقوق الناس بين الأخذ والعطاء عادل رشاد غنيم حقوقك لدى الآخرين قضية مهمة عُني بها الإسلام، وسن الأحكام لتقريرها وحمايتها، وبطبيعة الحال فإن حقوق الآخرين عليك هي كذلك موضع عناية الإسلام، فحقوقك هي واجبات الآخرين تجاهك، وحقوق الآخرين هي واجباتك تجاههم. ومن منطلق العدل طالبنا الإسلام باحترام حقوق الناس بالقوة نفسها التي طالب فيها الناس باحترام حقوقنا، لكننا نجد أناساً مرضى بالأنانية يطالبون بحقوقهم، وفي الوقت نفسه يرفضون أداء واجباتهم! . ولقد وصف القرآن الكريم هذا النوع من الناس بقوله: [وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين] [١] ، أي أنهم لا يذعنون للحق إلا إذا كان لهم، أما إذا كان الحق عليهم فالإعراض هو شأنهم. وشرٌ من هؤلاء من أخذ حق غيره دون وجه مشروع، يقول رسول الله: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك « [٢] . والمجتمع الذي تعيشه تربطك بأفراده علاقات عدة، تنشيء بينك وبينهم منظومة من الحقوق المتبادلة، وعليك أن تنجح في هذه المعادلة الصعبة فتعطي كل ذي حق حقه.. وهذا ما أكده حديث سلمان ﵁: (إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه» [٣] . فالقرابة علاقة اجتماعية يترتب عليها حقوق أسرية.. [وآتِ ذا القربى حقه..] [٤] ، والجوار ينشأ عنه حقوق، كما في حديث عائشة ﵂: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» [٥] . والإسلام علاقة مكينة تبني الأخوة التي توجب على المسلمين جملة من الحقوق: ففي صحيح مسلم (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) « [٦] . وهناك علاقات تنشأ نتيجة العقود، وقد أحاطها الإسلام برعاية كبرى لأنها من أهم مصادر الالتزام، فالقرض عقد يفرض على المدين حق السداد للدائن. عن أبي سعيد الخدري قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه، فاشتد عليه حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك! ترى من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي ﷺ :» هلا مع صاحب الحق كنتم؟ «ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها:» إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضي لك «فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله، قال: فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال الأعرابي: أوفيت أوفى الله لك، فقال ﷺ : أولئك خيار الناس، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع» [٧] . والتوظيف عقد يوجب على الموظف أداء عمله وفق شروط العقد ويجب على صاحب العمل دفع الأجر وسائر المستحقات للموظف (المسلمون عند شروطهم) [٨] . لقد أمرنا الله تعالى أمراً صريحاً بالوفاء بالعقود والتزاماتها: [يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ... ] [٩] . ومن غير المقبول أن يمتنع صاحب العمل عن إعطاء عماله أجورهم مستخفاً بها تماماً، كما هو غير مقبول من العمال التقصير في المهام المسندة إليهم.. فهل أنت أخي القارئ ممن يعطي الحق من نفسه كما يريده من غيره؟ ! إن الإسلام لا ينتظر حتى يثور النزاع بين الخصوم ليصل إلى ساحة القضاء لتفصل المحاكم في دعاوى الحقوق.. إنه يؤسس محكمة داخل كل نفس إنها محكمة «تقوى الله» تصدر حكمها بالحق ولو على الذات. ولنسمع قول رسولنا ﷺ وهو يخاطب النفس المؤمنة: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) [١٠] . ومعنى ذلك أن يبادر الإنسان برد الحقوق إلى أهلها في حياته قبل أن يقف موقفاً لا يملك فيه شيئاً، لهذا نصحنا رسول الله: (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) [١١] ، وهذا هو الإفلاس الحقيقي الذي يجب أن نحذر الوقوع فيه.. لقد أعطى الرسول ﷺ للإفلاس معنى أعم مما تعارف عليه الناس ودعني أذكرك بهذا الحوار الذي دار بين النبي ﷺ وصحبه: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) « [١٢] . وعلى الرغم من وضوح هذه الحقائق إلا أن بعض الناس يبيع دينه بأبخس ثمن، ويأكل حقوق الناس بالباطل وهو ذاهل عن المصير المظلم الذي ينتظره لذلك أقر الإسلام مبدأ الحماية للحقوق عن طريق القضاء برفع دعوى من قبل الشخص صاحب الحق.. وبالطبع لابد للدعوى من دليل أو بينة، فكما قال النبي: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) [١٣] . وفي عالم القضاء وصخب الخصوم في المحاكم قد ينجح بعض الخبثاء من خلال إبراز بعض الحجج الملفقة، أو اليمين الفاجرة، أو شهادة الزور ويحصل على حكم قضائي لصاحبه، ولا يعني هذا أن ما أخذه أصبح حقاً له بل هو سحت، اقرأ بيان ذلك عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، أقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار) [١٤] . أما اليمين الفاجرة فحسب صاحبها العذاب الأكبر كما قال رسول الله: (لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار) » [١٥] . ونظراً لخطورة الشهادة على سير القضاء اعتبرت شهادة الزور من أكبر الجرائم، (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ شهادة الزور «) [١٦] . وينبغي أن نتنبه لمسألة الشهادة إذا دعينا إليها، فلا نشهد إلا بعلم ونلبي أداء الشهادة حينذاك: [ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه] [١٧] وهكذا نساعد في حماية حقوقنا من العدوان عليها من قبل كل مغتصب غشوم. والله المستعان.

стр. 1649

حوار لقاء مع فضيلة الدكتور: ناصر بن عبد الكريم العقل تمهيد: فضيلة الدكتور/ ناصر بن عبد الكريم العقل عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو باحث له اهتماماته العلمية والدعوية وله مساهماته الفكرية بعضها منشور وبعضها لم يرَ النور بعد. تخرّج من كلية الشريعة بالرياض، وقد قدم بحثه (التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية) وكانت رسالته في الماجستير عن منهج (المدرسة العقلية في العقيدة) والتي لم تطبع حتى الآن مع أهميتها في بابها، أما رسالته في الدكتوراه فهي دراسة وتحقيق لكتاب (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) وهو مطبوع، ومن دراساته المطبوعة عدد من الرسائل في (سلسلة دراسات في منهج أهل السنة) وله دراسة عن (الجاهلية) ودراسة عن الفرق والمذاهب بالاشتراك، وتمتاز دراساته بالعلم والتحقيق.. هذا ما نحسبه، والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً.. وقد التقت معه (البيان «وجرى معه الحوار التالي. - البيان - * يتقاذف الدعاة الآن تيارات مختلفة فما هو الأولى للبدء في التغيير في واقع المسلمين اليوم، فهناك من يرى أن الأولوية في الدعوة للوعي السياسي، وآخرون يرون البدء في إنكار المنكرات التي عمت، وطائفة ترى في تحقيق التراث أهمية قصوى، وغيرهم يرون الجهاد، وطائفة ترى البدء بالتربية الفردية، فما هو الترتيب الطبيعي لسلم الأولويات في الدعوة إلى الله وفق تصوركم؟ - الأولى أن يبدأ العلماء والدعاة إلى الله تعالى في أمر الدعوة والإصلاح بما بدأ الله به وما بدأ به رسله، من تحقيق التوحيد والعبودية لله تعالى والتحذير من الشرك والبدع والمحدثات في الدين التي تنافي التوحيد أو تخل به، ثم يثني كل داعية بالأهم فما دونه بحسب حاجة الأمة ومقتضيات الأحوال وإمكانات الدعاة، وهذه قاعدة شرعية عامة تقوم على النصوص ونهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله وعلى مقتضى الحكمة والبصيرة التي هي ركائز الدعوة وهذا هو النهج الذي يجب أن تقوم عليه كل دعوة من حيث المبدأ وبعد ذلك لا مانع أن تتوزع جهود الأمة بجماعاتها وأفرادها بين متطلبات الأمة مادام هذا الأصل مستصحب ومعقود عليه العمل والغاية والولاء والبراء فتقوم طائفة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخرى بالجهاد، وثالثة بالعمل المؤسسي، ورابعة بالتربية، وخامسة بالسعي للنهضة بالأمة علمياً واقتصادياً ... الخ، على أن يدور الجميع حول المحور الأساسي وهو الاجتماع على التوحيد والسنة والجماعة وهدي السلف الصالح اعتقاداً وعلماً وعملاً والالتفاف حول العلماء أهل الحل والعقد.. أما تنازع بعض الدعاة والجماعات حول الأولويات فأكثره من التحريش والخصومات التي لا مبرر لها؛ لأن كل منهم في مسلكه على ثغر، ومن لديه قصور أو تقصير أو غلو يجب أن يسدد وينصح ويعان على نفسه. * الصحوة الإسلامية أصبحت ملء السمع والبصر، ورغم ذلك يكتنفها كثير من الأخطار والمعوقات، فما هي أبرز معوقات الدعوة الإسلامية حالياً؟ إن أخطر المعوقات للدعوة وأبرزها في نظري ما يلي: * النزاعات والخصومات بين الدعاة والجماعات الإسلامية (التهارش والتآكل) لاسيما وأن أكثر مواطن النزاع والخصومات في الاجتهاديات أو فيما يعذر به المخطئ. * ضعف الفقه في الدين، ولا أقصد فقه الأحكام إنما فقه الأصول والمناهج والقواعد والمصالح والمواقف، لاسيما أن أكثر القائمين على الدعوة في العالم اليوم من طائفة المثقفين والمفكرين الذين لم يتضلعوا من العلم الشرعي أو تربوا على مفاهيم لم تؤصل شرعاً. * المكر الكبّار من خصوم الدعوة المتمثل في الصد عن دين الله تعالى والإعراض عن شرعه، والفساد في الأرض، وإيذاء عباد الله ومقاومة الصحوة المباركة من قبل شراذم العلمانية المهيمنة في أكثر العالم الإسلامي. * التحدي العالمي من قبل المشركين والكافرين والمنافقين، وما يحمله من وسائل وإمكانات وتخطيط. وكل ذلك من باب الأذى، ومما تستلزمه الدعوة إلى الله، ويبتلي الله به المؤمنين، ثم تكون لهم العاقبة [لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون] [١] . * الجاهلية مصطلح قديم أطلق على الفترة ما قبل الإسلام، والدعاة المعاصرون يتنازعون في استخدام هذا المصطلح لوصف واقع المسلمين اليوم الذي يحكم بغير الشريعة، فما شرعية استخدام هذا المصطلح الآن؟ استخدام مصطلح الجاهلية له مفهومات كثيرة فهو بحسب ما أطلق عليه: وهو من العبارات الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فهو يطلق على الجاهلية المشركية القديمة من حيث العموم.. ويطلق على بعض خصالها وأيامها وأسواقها وأحوالها، وعلى من وقع في شيء من ذلك: كالتبرج والنياحة والدعاوى القومية والفخر بالأنساب، وهذه الخصال وأمثالها جاهلية تطلق متى حدثت، ويقال لمن تلبس بها» فيك جاهلية «كما قال النبي ﷺ للصحابي الذي عيّر أخاه:» إنك أمرؤ فيك جاهلية «حديث صحيح، وقال تعالى: [ولا تّبّرَّجًن تّبّرٍَج الجاهلية الأولى] أما إطلاق الجاهلية في زماننا على العالم الإسلامي أو مجتمعاته على وجه العموم فلا يصح، لأن الأمة لا تزال على الإسلام بمسماه العام، ومنها الصالح والطالح، ومنها الطائفة المنصورة التي لا يحصرها مكان ولا زمان، وإنما تطلق الجاهلية على الأحوال والأشخاص حينما نتحقق من المعارضة الصريحة للإسلام فيها، فيقال: نظام جاهلي، ودستور جاهلي، وعيد جاهلي، وشعار جاهلي، ودعوى جاهلية، وخلق جاهلي أو خصلة جاهلية ونحو ذلك. * يضغط الواقع بقوة على الدعاة؛ فيدعو بعضهم إلى العزلة الكاملة عن المجتمعات، بينما يميل آخرون إلى العزلة الشعورية (النفسية) ويرى غيرهم ضرورة الاندماج الكامل في المجتمع جسدياً وشعورياً كي يستطيعوا التغيير، فما هو الوضع الطبيعي للداعية حيال هذه المجتمعات الإسلامية المنحرفة عن شرع الله؟ الوضع الشرعي والطبيعي في مثل ظروفنا الراهنة: أن المسلم ينبغي أن يخالط الناس، فيكثر سواد المؤمنين، ويرشد العصاة والمخالفين ويناصح الولاة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصلح بين المختلفين، ويقيم الحجة على المعاندين والمنحرفين، بفعله أو بقوله أو بسلوكه، ويسد حاجة المسلمين فيما يستطيع، وكل ذلك في حدود الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ لأنه ورد في الحديث الصحيح أن المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط ولا يصبر، وأن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير، وأن اليد العليا خير من اليد السفلى.. أما العزلة فغير واردة والعزلة التي جاءت في النصوص إنما تكون عند الفتن التي يخفى فيها الأمر على المسلم، فيعتزل الفتنة وملابساتها، لكن لا يعتزل الجماعة ولا يقطع نفعه عن الأمة. * للبيئة أثر ملموس على الناس، والدعاة جزء من مجتمعاتهم، وذلك في الطباع والخصال الفردية وطرائق التفكير والسلوك الشخصي.. إلى غير ذلك؛ فهل يمكن تشخيص أثر البيئة على الدعاة في مختلف بلدانهم وأثر ذلك على الدعوة المحلية؟ إذا قل الفقه في الدين، وضعف العلم الشرعي؛ تحكمت في الناس الأهواء والمؤثرات ومنها البيئة بعاداتها وتقاليدها وظروفها، وللبيئة أثران: أثر طبيعي قد يعتبر شرعاً: كالعادات والتقاليد التي لا تتعارض مع الشرع ويقع في مصادمتها مفاسد عظمى، والأثر الآخر كالأحوال الجغرافية والمناخية والاجتماعية والقومية والقبلية التي ليس في اعتبارها مصادمة للنصوص، إنما قد تجلب مصالح للإسلام وللأمة، فهذا الوضع البيئي يكون له اعتباره شرعاً كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- تجاه القبائل وزعمائها من تأليف قلوبهم واعتبار انتماءاتهم القبلية في العقود والألوية ونحو ذلك وكما فعل الصحابة والتابعون وأئمة الدين في تنظيم الأقاليم وفي السياسة الشرعية. * مرت الدعوة الإسلامية بصيغتها الجماعية المنظمة بمراحل طويلة بدءاً من الإخوان المسلمين في مصر والجماعة الإسلامية في القارة الهندية وغيرهما لكن يلمس الجميع بعد أكثر من نصف قرن من بدء ذلك العمل حصيلة محدودة لا تتناسب مع الفترة الزمنية؛ فهل من أسباب طبيعية لذلك؟ أولاً: أمور الدعوة لا تقاس بموازين الماديات ومكاسب المؤسسات والمنظمات والأحزاب، وثانيًا: قد لا يتفق المقوّمون للدعوة على الحصيلة وحجمها؛ فلذلك أرى أن الذين قاموا بالدعوة إلى الله على بصيرة حصّلوا خيراً كثيراً، ونرجو أن يكون لهم في ذلك الأجر العظيم عند الله تعالى وكفى بذلك تحصيلاً.. ونحن نعلم أن هذه الدعوات كل منها بحسب ما وفق إليه من السنة مأجورة على ما أحسنت به، وهي بهذا تتفاوت تفاوتاً عظيما فيما بينها، وفيما بين أتباعها وأفرادها، ومع ذلك فالنتائج المأمولة المتطورة أقل مما يتطلع إليه المسلمون، ومن أهم أسباب تأخر النتائج المأمولة: * البعد عن النهج الأسلم في العقيدة والعلم والعمل والدعوة، وهو نهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة فإنه لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. * ضعف الفقه في الدين، والعلم الشرعي الصافي، واعتماد الدعوة في الغالب على مجرد دعاة، ومفكرين، ومثقفين ليسوا علماء بالمعنى الشرعي وابتعاد كثير منهم عن العلماء ومناهل العلم الشرعي. * التنازع والخصومات وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذه هي الحالقة التي تحلق الدين، وتوقع في الفشل والإحباط كما أخبر الله تعالى وأخبر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكما هي سنة الله في الحياة، قال تعالى [ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم] [٢] . * كثرة البدع والمحدثات والاتجاهات العقلانية والعصرانية وأحياناً العلمانية داخل صفوف الدعوات نفسها، فضلاً عن فئات كثيرة من الأمة ويزيد الأمر سوءاً أن بعض الحركات الإسلامية ترسخ البدعة وتروج لها أو تقوم على أصول بدعية، فأنى لها النجاح؟ ! * تفتقر الأمة الإسلامية حالياً إلي العلماء الربانيين والقادة المصلحين الذين يقودون الأمة إلى الخير والرفعة فما السبيل إلى إيجادهم؟ العلماء لا يصنعون إنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهناك أسباب ترفع من يوفقه الله إلى درجة العلماء منها: * تحصيل العلم الشرعي على أهل العلم وبطرقه الشرعية، والاتباع وسلامة النهج في العقيدة والتلقي والتحصيل والمواصلة والصبر في ذلك. * التربية الإسلامية الخالصة، والعناية بالنشء، وتوفير وسائل طلب العلم الشرعي وأجوائه، وحمايته وتحصينه من المؤثرات الشيطانية المعاصرة التي ظهر منها الفساد في البر والبحر. * يرتفع العالم ويعلو شأنه بعلمه وعمله وإخلاصه ونفعه.. حين يكون قدوة وعَلَم. * تعاني الجماعات الإسلامية على اختلاف مسمياتها أمراضاً تنخر فيها مما يتسبب في تأخر المسيرة وتعثرها، فما أبرز هذه الأمراض وما تشخيصكم لعلاجها؟ الجماعات الإسلامية جزء من كيان الأمة، بل هي أفضلها، على ما تعانيه من أمراض، الجماعات فيها خير كثير، ولكنها ليست على الدرجة المطلوبة شرعاً، وأهم الأمراض في نظري ما سبق ذكره والمتمثل في: * الانحراف العقيدي، أو ضعف العقيدة، والجهل بالسنة أو التقصير في ذلك كله. * قلة العلماء بينهم، والجفوة بين العلماء والشباب. والعلماء لهم حق على الجميع. * ضعف الفقه في الدين والعلوم الشرعية وقواعد الشرع. * الاعتماد على كتب الفكر والثقافة وحدها وإهمال الكتب الشرعية أو قلة الاعتماد عليها. * المبالغة في الاهتمامات السياسية إلى حد الإدمان والهوس. * التنازع والخصومات في الدين والدعوة. * التحزبات والشعارات والولاءات غير الشرعية. * العاطفة وقلة الصبر، ونحو ذلك. * التشاؤم، واليأس وضعف اليقين بنصر الله ووعده. * الناس حيال الصحوة فريقان: أحدهما مشفق من مستقبل غائم نظراً للواقع القاتم حالياً، وآخر مستبشر متفائل؛ فما مستقبل الصحوة بناءً على واقعها الآن في نظركم؟ المستقبل أمره إلى الله سبحانه علاّم الغيوب، لكن القرائن والسنن الكونية والشرعية تدل على أن المستقبل للصحوة، ومن ثم للإسلام إن شاء الله والصحوة في حاضرها تحمل مقومات القوة والغلبة وتباشير النصر بإذن الله، وقرائن ذلك: * الانحدار السريع لقوى الكفر والباطل، فالشيوعية سقطت والرأسمالية تترنح، وإن لم تنهار فستخر. * الصحوة في نمو وتكامل وقوة في جميع بقاع العالم رغم ما يعتريها من خلل لا يسلم منه البشر. * الشعوب الإسلامية أدركت إفلاس جميع الحلول المستوردة العلمانية، وأن العودة لشرع الله ضرورة، ولعله من الخير أن قوى الشر لم تفقه هذه الحقيقة جيداً، وإن كانت شعرت بخطورتها لكنها لاتزال تفسرها بتفسيرات جاهلية. * تحزب الأحزاب في جميع الدول الإسلامية وغير الإسلامية ضد الصحوة وعّدها التحدي الأخطر.. وهذه من علامات النصر للإسلام لو كانوا يعلمون وأظن هذا التحزب والكيد ضد الصحوة أعظم استفزاز سيكون للمارد الخامل النائم: أعني الشعوب الإسلامية. لكن مع ذلك فالصحوة بحاجة إلى مزيد من الترشيد والخبرة والتصحيح فهي بحاجة إلى العلماء والفقه الشرعي، وسلامة الاعتقاد والنهج والاعتصام بالسنة والخروج من حالة التنازع والتهارش والتآكل والعزلة إلى العمل الجاد وتحقيق الجماعة والتناصح والبناء العقدي والعلمي والعمل المؤسسي، والاهتمام بالمجتمعات والشعوب بأسلوب بناء لإعداد الأمة كلها لتحمل المسؤولية، حتى يكون الإسلام همّ الجميع. الصحوة الإسلامية في الوقت الراهن بدأت في تخطي الأطر الحزبية والتحول من جماعات إسلامية محدودة إلى تيار إسلامي عام يطالب بعودة الإسلام إلى مختلف نواحي الحياة، وعودة الأمة الإسلامية لتستلم دورها في قيادة العالم، فما هو تصوركم لهذه الظاهرة؟ أرجو أن يكون الأمر كذلك، وإن كان فإن هذا يعني النقلة من طور الطفولة والمراهقة إلى الرشد، وأن الأمة كما أسلفت بدأت تتحسس مواطن الضعف فيها ومكانتها بين الأمم، وأن ريح الإيمان قد هبت وغرس الله بدأ يثمر، وأرى أن هذه الحقيقة أقوى من كل العوائق والعقبات والخير كشجرة النعناع إذا قطعت منها غصناً أنبتت عشرة بإذن الله. * مصطلح السلفية نسبة إلى السلف كثر استخدامه، فهل هو قصر على فئة انتسبت إليه، أم هو منهج لا يسع أحداً الخروج عنه؟ ما هو ورأيكم.؟ السلفية تعني اتباع سبيل السلف الصالح أئمة الهدى أهل السنة والحديث الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة.. وهي بهذا الوصف الصراط المستقيم وسبيل المؤمنين، ... ودين الحق والهدى الذي لا يسع أحد الخروج عنه، وإلا فارق الحق والسنة والجماعة، كما قال تعالى [ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى] [٣] . التنازع بين المسلمين يؤدي إلى الفشل، فما سبب هذا التنازع بين الداعين إلى الله، خصوصاً عندما يستظل الجميع بمنهج واحد (منهج أهل السنة والجماعة) ، وما علاجه عملياً؟ أعظم أسباب التنازع: الأهواء، والحزبيات، والانتماءات، وتصدر قليلي العلم الشرعي واتخاذهم رؤوساً، وهيمنة الفرق والبدع والمحدثات على كثير من المسلمين والجماعات.. والسبيل إلى الوحدة هو بتحقيق التوحيد واتباع السنة وعقد الجماعة على الولاء الشرعي والأخذ بأسباب الحياة والعزة والنصر كما أمر الله وبذل النصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم. وأسأل الله أن يبارك في هذه الصحوة وأن يهديها سواء السبيل، ويجمع شملها، ويوحد كلمتها على الحق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1650

خواطر في الدعوة كونوا شامة في الناس محمد العبدة روى أبو داود بإسناد حسن من حديث ابن الحنظلية حين سأله أبو الدرداء أن يقول له كل يوم: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» . أراد رسول الله ﷺ أن يغرس في نفس المسلم الذوق السليم في هيئته ورحله، وكل شؤونه؛ لأن المنظر القبيح منفر للنفس، باعث على عدم الارتياح، وكأن رسول الله ﷺ يريد أيضاً أن تكون شخصية المسلم شخصية متكاملة، يعطي لكل حالة حقها، فهو حسن الثياب، حسن المظهر دون إسراف ولا مخيلة عندما تستدعي الأمور ذلك، ويلبس لباس المهنة عندما يكون في مصنعه أو متجره، ويلبس لباس الحرب عندما ترتفع راية الجهاد ويلبس ما يناسب ذوقه وثقافته عندما يمارس الرياضة البدنية؛ ولكن التربية القاصرة وثقافة البعد الواحد التي سيطرت على المسلمين في عصور التخلف قد أبعدت المسلم عن هذه المرونة، فمنظره يثير الشفقة، أو يثير الاستهزاء من أعداء الإسلام. أعرف أحد الدعاة، وقد تمكن من كثير من العلوم النافعة له في دنياه وآخرته، وأتقن عدة مهن يدوية، فكان الناس حتى من خصومه في الفكر والمنهج يسألونه المساعدة، فيبادر غير متوانٍ لخدمتهم، فكان لهذا أثر كبير عليهم، ومثل هذا الأخ الذي أخذ أهبته واستعد لكل حالة هو شامة بين الناس. هل من المبالغة أو المثالية أن تتكامل شخصية المسلم فتجمع هذه الجوانب المتعددة: أخلاق عالية مع القريب والبعيد، مساعدة للناس، وأن يمثل الإسلام في هيئته وكلامه وحركاته وسكناته..؟ ! كلا، ليس صورة خيالية، وإن تعذر ذلك فوجود عدد من الشباب المسلم يكون محط أنظار أهل حيه وقريته وزملاء عمله سيكون له تأثير كبير في تقوية الدعوة الإسلامية. إن المسلم حقاً هو (العملة النادرة) في هذه الأيام، وفي هذا العصر الذي كثر فيه الخبث، وكثر النفاق والمداهنة، وضُيّعَت الأمانة، وعبد الناس بطونهم وشهواتهم، فكيف إذا كان هذا المسلم شامة بين الناس؟ ! وإذا كان العرب قبل الإسلام يقولون عن الذي تعلم القراءة والكتابة وأتقن السباحة والرمي بأنه (كامل) ، فكيف إذا كان صاحب دعوة ورسالة قد استجمع خلال الخير، وأتقن كثيراً من الأعمال، وبذل كل ما في وسعه لقضاء حوائج الناس؟ !

стр. 1651

من فقه الدعوة الاستبداد الدعوي ! أحمد بن عبد الرحمن الصويّان (١) يقال في اللغة: استبد برأيه، يعني: انفرد به. والاستبداد صفة من صفات التسلط وفرض الرأي بالقوة، وهو يقتضي تكميم الأفواه، وقطع الألسن؛ فلا تتحدث إلا في مجال محدود لا تتجاوزه وبطريقة معينة لا تتغير.. بل ينطلق الاستبداد أحياناً ليحجر على أفكار الإنسان وخواطره، بل أنفاسه وزفراته..! واعجباً لك.. إذا كان هذا هو الاستبداد عندك، فكيف تتجرأ على وصف الدعاة بذلك..؟ ! معاذ الله! فليس هذا حكماً عاماً يتساوى فيه جميع الدعاة، ولكن بعضنا قد يأخذ بنصيب وافر أحياناً من هذه الصفة، وهذه الشريحة الدعوية لا ينبغي إغفالها أو تجاهلها، والاستبداد الدعوي إن صح التعبير ممارسة تربوية ذات أبعاد خطيرة، تقتل ملكات الإبداع والإنتاج، وتعطل الطاقات لذا كان لزاماً علينا أن نسلط الضوء عليها بجرأة، لعلاجها والتخلص منها. وذكر الحقيقة كاملة قد يتبعها مرارة وحزن، ولكنها تنتهي بالسعادة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقطع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة، ما نحمد معه ذلك التخشين» . [١] (٢) أرأيت إلى ذلك المربي الذي لا يُحب أن يسمع رأياً غير رأيه، ولا يرضى باقتراح أو نصح من أحد، فإذا تكلّم؛ فَمَن حوله سكوت، وإذا أشار؛ فالناس له تبع، أتباعه ومريدوه حقهم السمع والطاعة، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، في الخير والشر..! ! مفهوم الشورى عنده: إخبار الآخرين بما يرى، فإن وافقوه فبها ونعمت، وإن خالفوه، فالشورى مُعلمة لا ملزمة. إذا نظر إلى وجه مريده طأطأ المريد رأسه حياءً وخجلاً، واحمر وجهه وفرقع أصابعه؛ حتى إذا اشتد عوده، واستوى ساقه، أصبح بارعاً في اجترار الأفكار، وترديد الكلمات، لا يباريه أحد في فن التقليد، ليس له عقل يفكر فقد ضمر وتآكل مع طول العجز، واستفحال المرض، أقرب الأمثال إلى عقله: (من قلّد عالماً لقي الله سالماً) ، ولماذا يفكر ويجهد ذهنه، ويضيع وقته وبين يديه شيخه الجهبذ الذي أبصر الحقائق، وأدرك الأمور، وانكشفت له المعضلات..؟ ! من أنت حتى تستشار أو تبدي رأياً..؟ ! ومن أنت أصلاً حتى تفكر وتتأمل..؟ ! أرأيتم كيف نمارس الاستبداد الدعوي..؟ ! (٣) أرأيت إلى طالب العلم الذي يظن أنّ رأيه هو عين الحق الذي لاحق غيره ولا يحق لأحد أن يخالفه أو يعترض عليه، اجتهاده قاطع لكل اختلاف، ورأيه جامع لكل خير، فهو البحر الذي تجتمع عنده الأنهر، والوادي الذي تصب فيه الشُعَب..! إذا خالفه أحد ضاق صدره، واضطربت نفسه، وتزلزت أقدامه، وإذا أفاق من هول الصدمة، سلّ سيوفه مستعداً للمبارزة والطعان، دون أن ينظر أحق هو أم باطل. كل مخالف له مبطل.. مهما كان دليله..! وكل معارض له مفسد.. مهما كانت حجته..! همه أن يتلقى عنه الأتباع، ومراده أن يستمع له الناس، كل تقليد مذموم إلا تقليده..! أحكامه صارمة قاطعة، لا تقبل المناقشة أو المحاورة، ومن لم يقبل هذه الأفكار فلينطح برأسه الجدار..! جلوا صارماً، وتلوا باطلاً ... وقالوا صدقنا؟ فقلنا: نعم! أرأيتم كيف نمارس الاستبداد العلمي..؟ ! (٤) أرأيتم كيف توأد الأفكار، وتخنق الأصوات، وتحطم ملكات الإبداع والإنتاج، ويربى الخانعون..؟ ! أخزى الله الاستبداد، فكم قتل من الطاقات وكم قطع من طرقٍ للتصحيح والتغيير..! كان السلف الصالح والأئمة الأخيار يختلفون فيقول قائلهم: «جائز ما قلتَ أنت، وجائز ما قلتُ أنا، وكلانا نجم يهتدى به فلا علينا شيء من اختلافنا» [٢] . ويقول الآخر: «ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة؟» [٣] . أما نحن إذا اختلفنا، فلسان حالنا: (ما أريكم إلا ما أرى..!) . إن مصادرة آراء الآخرين، وغلق الأبواب في وجوههم؛ يجعل جذور الخطأ تمتد إلى الأعماق، ثم يصعب تصحيحها أو على الأقل تخفيفها؛ ولهذا فنحن نحتاج إلى ترويض ومتابعة؛ لكي نتعلم كيف نقدّر الرأي الآخر، وننجو من مصادرة عقول الآخرين، والمنهج الشرعي يقتضي أن نقطع في الأمور القطعية التي قطع بها السلف الصالح، وأما المسائل الاجتهادية في فروع العلم سواء في الفقهيات، أو في فروع العمل الدعوي المتجددة فالأمر فيها واسع ولله الحمد والمنّة، والاختلاف فيها أمر وارد لم يسلم منه جيل الصحابة ﵃ وما وسعهم يسعنا، وما قد يكون واضحاً عندك، قد لا يكون كذلك عند غيرك، وما يتبيّن لك صوابه الآن قد يتبيّن لك خطؤه غداً؛ لأمر ينقدح في ذهنك، ولهذا تواتر عن علمائنا وأئمتنا أنهم يقولون في المسألة الفرعية الواحدة قولاً، ثم يقولون بخلافه بعد ذلك. وها هو ذا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يريد أن يحمل الناس على كتاب الإمام مالك بن أنس الموطأ، ويوحدهم على رأي، فيقول له الإمام مالك: «لا تفعل فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من قبل أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار كل بلد لأنفسهم» . قال الحافظ ابن عبد البر القرطبي: «وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم» [٤] . ورحم الله الإمام الشاطبي حيث يقول: «فإن الله حكم بحكمته أن تكون فروع الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النُظّار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف» [٥] . إن الاستبداد خصلة لا يعجز عنها أحد في الغالب، وهو دليل على العجز والضعف. ولكن فتح أبواب المشورة، والتراجع عن الخطأ، واتساع الصدر للرأي المخالف، منزلة لا يرقى إليها إلا عباد الله المخلصون.

стр. 1652

نصوص شعرية عندما تعود الريح د. محمد بن ظافر الشهري عن زمِن الفشلْ يسألُ من سألْ وعن ذَهابِ الريحِْ عن تكالبِ الدولْ وعن دمائنا تراقْ وعِرضنا يباحْ وعن صغيرنا يساقْ وشيخنا يُذَلّ فقلت لا: تسلْ! *** في زمن الفشلْ يُشيّعُ القاتلُ مَن قَتَلْ! يُعَيّرُ العادلُ أن عَدَلْ! ويوصفُ الجائرُ بالبطلْ! يعترفُ البريءْ بأنه جَنَي ويذكُر الفاعلُ ما فعلْ! *** في زمن الفشل يعيشُ كل كافر حراً بلا قيودْ وكلّ من أسلمَ مُعتَقَلْ! وينتخي اليهودْ وأمةٌ تسودْ وأمةٌ تشاءْ وأمة تريدْ وأمة واحدة فقطْ.. في قبضة القيود لم تزلْ! *** في زمن الفشلْ يستبدل الناس بـ «لا» : «أجل» ! فيمعن اللصوصُ في.. «إعادة الأمل» ! في وضح النهار ودونما وجلْ.. لسانُهم كنومنا طويلْ! وسمعهم يُطربُهُ العويلْ وسيفهم يكفرُ بالعَذَلْ! *** في زمن الفشلْ كُفّنَ في جرابه الحُسامْ وكبر الإمامْ بأربع أعقبها السلامْ فطاب للثعالب المقامْ.. ولم تعُد تلجأُ للحِيَلْ! *** في زمن الفشلْ العلمُ لا يهتفُ بالعملْ العلم كي يُرَي العلم للثراءْ العلم للمراءْ العلم للجَدَلْ! *** في زمن الفشلْ يكون في الدعاةْ من لا يكون همّهُ عبادة الإلهْ ولا يكون همّهُ نصيحة العصاةْ ولا يكونُ همّهُ صناعة الحياةْ لكنّ كلّ همّهِ تَصَيّدُ الزَلَلْ! في زمن الفشلْ يستعرُ اللهيب في البطونْ والناس يأكلونَ.. يأكلونْ وليس ثمّ أكْلْ! *** في زمن الفشلْ يُقذَفُ بالنساء للعملْ ويصبحُ «القرارُ» للرجلْ! وعندها تُضَيّعُ العيالْ تسترجل النساءْ يستنوقُ الجملْ *** في زمن الفشلْ ينحرفُ الكبارُ والصغارْ فالشيخُ لا ينعم بالوقارْ والطفلُ قد شَبّ على الصّغارْ والأمّ في المساءْ تلعبُ بالقمارْ وفي النهارْ.. تعبثُ في شواطئ البحارْ و «الزوجُ» مستعارْ.. متيمٌ يسكرهُ الغَزَلْ *** عن زمن الفشلْ يا أيها السائلُ لا تَسَلْ واسأل عن العودة للمُثُلْ عن صحوةِ الهُدى واثقةً تمشي على مَهَلْ تسيرُ خلفَ خاتمِ الرّسُلْ تسيرُ لا تَمَلّ فعندها وعدٌ بأنْ تَصِلْ يا أيها السائلُ لا تسلْ عليكَ بالعملْ عليكَ بالعملْ.

стр. 1653

دراسات تاريخية منهج التفسير التاريخي قواعد منهجية في تفسير الحوادث والحكم عليها (١) د. محمد آمحزون يقصد بدراسة التاريخ معرفة الروابط التي تربط الأحداث والوقائع المختلفة؛ لتبيّن دوافعها ومنطلقاتها ونتائجها، واستخلاص السنن والعبر من خلالها، ويعتبر تعريف ابن خلدون في هذا الصدد تعريفاً جيداً، لأنه نصّ على وجوب النظر في الأخبار وتحقيقها، كما أكد على النظر في العلل والأسباب. ومن هذا المنطلق، فالتاريخ ليس مجرد سرد للحوادث فحسب، بل هو تفسير لتلك الحوادث وتقويم لها، ومن ثم أصبح التاريخ أحد الأسلحة التي تستخدم في مجال التوجيه وصياغة الأفكار ونشر المباديء وتأييدها، كما أنه أصبح يأخذ دوره في الصراع العقائدي بين الأمم، ولهذا لابد من دراسته وفق منهج معين. لكن يا ترى ما هو ذلك المنهج المطلوب؟ في الاصطلاح اللغوي يقال: النهج، والمنهج، والمنهاج، وكلها بمعنى واحد، وهي تعني الطريق الواضح، وبمعنى آخر: السبيل الفكري والخطوات العملية التي يتبعها الباحث في مساره بقصد تحصيل العلم. أما في الاصطلاح التاريخي، فالمنهج يعني في الدراسات التاريخية: القواعد والشروط التي يجب مراعاتها عند معالجة أي حدث تاريخي سواء أكان بالكتابة والتأليف أم بالدراسة والتعليم. ومن الملاحظ أن المنهج في الدراسات التاريخية عندما يطلق يراد به أمران: الأمر الأول: التوثيق وإثبات الحقائق، والأمر الثاني: التفسير التاريخي، أي معرفة مصادر تفسير الحوادث والحكم عليها. ويستنتج من ذلك أن المنهج قسمان: منهج التوثيق وإثبات الحقائق ومنهج التفسير التاريخي. أما القسم الأول فيراد به دراسة سند الروايات التاريخية ومتنها بغية التثبت من النصوص وتمحيص الأخبار، وذلك بربط دراسة التاريخ الإسلامي إلى حد ما بما يعرف بـ «علم الجرح والتعديل» ، وهو علم جليل يقوم على دراسة مستفيضة لأحوال الرواة والتحري عن ميولهم وصفاتهم وأخلاقهم وعقائدهم. ومما لا شك فيه أن المصنفات في قواعد الرواية وفي علم الرجال يمكن الاستفادة منها في حقل التاريخ الإسلامي إلى حد ما، إذ تكشف النقاب عن قواعد التحديث وأحوال الرواة لتمييز القوي من الضعيف والصادق من الكاذب، وبذلك يُعرف لكل خبر قيمته، فتستخرج الروايات الصحيحة والحسنة، وتستبعد الأخبار الضعيفة والموضوعة وينبّه عليها، لاسيما وأن من أهداف الدراسات التاريخية إبراز الحقائق التي تعتبر هدفاً منشوداً يتوخاه كل باحث نزيه. لكن سنقتصر في هذه الدراسة على القسم الثاني من المنهج المتعلق بتفسير الحوادث، وذلك بذكر مجموعة من القواعد والضوابط التي يمكن من خلالها الحكم على الحوادث التاريخية، وتفسيرها تفسيراً يتماشى مع النظرة الإسلامية للكون والإنسان والحياة. فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ دين وعقيدة قبل أن يكون تاريخ دول ومعارك ونظم سياسية، لأن العقيدة هي التي أنشأت تلك الكيانات من الدول والمجتمعات بنظمها السياسية والإدارية والتعليمية والاقتصادية وغيرها. ولأجل هذه الصفة، فإنه ينبغي دراسة التاريخ الإسلامي وفق التصور الصحيح والموازين الشرعية، على أن خصوصية التاريخ الإسلامي تتجلى في كونه منهجاً يوضح دور الإنسان ومسؤوليته عن التغير الاجتماعي والتاريخي في إطار المشيئة الإلهية، لأن التاريخ البشري في المنظور الإسلامي هو تحقيق المشيئة الربانية من خلال الفاعلية المتاحة للإنسان في الأرض بقدر الله، وبحسب سنن معينة يجري الله بها قدره في الحياة الدنيا. إن المنهج الإسلامي لتفسير التاريخ لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، كما أنه مبني على دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي، مما جعل حركة التاريخ الإسلامي ذات طابع متميز عن حركة التاريخ العالمي لأثر الوحي الإلهي فيه. القاعدة الأولى: اعتماد المصادر الشرعية وتقديمها على كل مصدر فيما نصت عليه من أخبار وضوابط وأحكام: ويرجع ذلك إلى اعتبارين اثنين: الاعتبار الأول: لأنها أصدق من كل وثيقة تاريخية فيما ورد فيها من الأخبار، وذلك لصدق مصدرها وعلمه وهيمنته، كما أنها وصلتنا بأوثق منهج علمي، حيث وصلنا القرآن الكريم بالتواتر الموجب للعلم القطعي، وصحيح السنة وصلنا بمنهج علمي دقيق حيث اتبع علماء الحديث والرواية أرقى منهج علمي وأوثقه في تدوين السنة. الاعتبار الثاني: لما تدل عليه من القوانين التاريخية والسنن الربانية والنظرة الشمولية لتاريخ البشرية كلها على مدار الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل، مما يعطي الباحث سعة وشمولاً في النظرة التاريخية، وعمقاً في تحليل الأحداث ومقدرة على تشخيص الداء، ووصف الدواء. إن هذا الكون بما فيه الإنسان هو خلق الله؛ فلابد من الرجوع إلى الخالق لفهم هذا الخلق، وإذا رجعنا إلى الوحي المنزل من الخالق لهداية البشرية، نجد السنن واضحة والاتجاهات محددة. ومن المعلوم أن الوحي (الكتاب والسنة) وضع لنا السنن (أي القوانين الطبيعية والاجتماعية المبثوثة في الكون والأنفس والمجتمعات) التي تسير في إطارها الأحداث، ويحكم من خلالها الأمم والدول والأشخاص. ومن خلال السنن الربانية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ نفهم التاريخ ونفسر أحداثه، ونعرف عوامل البناء والأمن والاستقرار والبقاء، وعوامل الهدم والخوف والسقوط والتدمير، وهذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي والطاعة والمعصية، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك. قال تعالى: [قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين] [١] . وقال تعالى: [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم] [٢] . فقانون تغير الحال إلى الأحسن أو الأسوأ هو تابع لجهد الإنسان، وسلوكه وتصرفه. إن القرآن والسنة يعطيان الباحث المفاهيم والمبادئ التي يمكن في ضوئها تفسير أحداث التاريخ والحكم عليها، هذا علاوة على ذكر ما سيؤول إليه حال الأمة الإسلامية وما يصيبها من التفرق، وما يكون فيها من حركات الإصلاح والتجديد، والإشارة إلى عدد من الأحداث والفتن، والموقف من بعضها، وقد اعتنى أهل السنة بجمعها ووضع أبواب لها في مصنفاتهم [٣] . ولئن كانت المادة التاريخية في كتب السنة ليست بالمقدار نفسه الموجود في المصادر التاريخية، إلا أن لها أهميتها لعدة اعتبارات منها: أن معظم مؤلفيها عاشوا في فترة مبكرة، وأغلبهم من رجالات القرن الثاني والثالث الهجري، مما يميز مصادرهم بأنها كانت متقدمة. ثم إن المحدثين يتحرون الدقة في النقل، الأمر الذي يجعل الباحث يطمئن إلى رواياتهم أكثر من روايات الإخباريين. على أن المحدث كان عند جمهور المسلمين أشرف موضوعاً، وأسمى منزلة من الإخباري، ويرجع ذلك إلى ضبط المحدث ودقته وتمحيصه للروايات التاريخيه وتحريه في القول، بينما كان الإخباري مظنة للإغراب والتلفيق والاختلاق. القاعدة الثانية: الفهم الصحيح للإيمان ودوره في تفسير الأحداث: إن دارس التاريخ الإسلامي إن لم يكن مدركاً للدور الذي يمثله الإيمان في حياة المسلمين، فإنه لا يستطيع أن يعطي تقييماً علمياً وواقعياً لأحداث التاريخ الإسلامي. وعلى سبيل المثال: فهجرة المسلمين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كانت هجرة من أجل المبدأ، يوجهها الإيمان الذي كان بالنسبة للمسلمين المهاجرين المحرك الذي ساق الأفراد والجماعات إلى مصائرهم وإلى صنع تاريخهم، فلم تكن هجرة من أجل الوطن أو المال أو المنصب، إذ تركوا من ورائهم وطنهم وأموالهم ودورهم ومتاعهم فراراً بدينهم من الفتن واستمساكاً بعقيدتهم، فقدموا بذلك مثالاً عالياً من التضحية والإخلاص في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا. أما أهل المدينة وهم الأنصار الذين آووهم في بيوتهم وواسوهم بالمال ونصروهم، فقد قدموا بذلك المثل الصادق للأُخُوّة الإسلامية، تلك الأُخُوّة التي لم يجعلها الإسلام لفظاً فارغاً أو تحية تثرثر بها الألسنة، وإنما عملاً مرتبطاً بالدماء والأموال، وبعواطف الإيثار والمواساة التي ملأت المجتمع المدني بأروع الأمثال. قال تعالى في شأن هذه المواقف الإيمانية: [للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاْ من الله ورضواناْ وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون * والذين تبوَّأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون] [٤] . كما أن المجاهد المسلم عندما يقاتل في سبيل الله يعلم أنه ليس وحده الذي يقاتل الكفار، وأنه لا يقاتلهم بكثرة الجنود ولا بتفوق السلاح وحده إن توفر ذلك له وإنما يقاتل بالإيمان الصادق الذي يحمله، وبما يعلمه من تأييد الله للمجاهدين الصادقين، وما يمدهم به من وسائل مادية ومعنوية كقتال الملائكة إلى جانبهم أو تسخير عوامل طبيعية لهم أو تثبيت قلوبهم بإنزال السكينة والطمأنينة عليهم، أو بما يمدهم به من الصبر وقوة التحمل، ورباطة الجأش إلى غير ذلك من الوسائل المنظورة وغير المنظورة.. فقد أنزل الله الملائكة يقاتلون إلى جانب المسلمين في معركة بدر، قال تعالى: [إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين] [٥] . وأرسل الله ريحاً شديداً فرقت الأحزاب المحاصرة للمدينة يوم الخندق، قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليها ريحا وجنوداْ لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراْ] [٦] . وعند البحث مثلاً عن الأسباب التي أدت إلى انتصار المسلمين في معركة اليرموك سوف نجد أن عدد الروم ستة أضعاف عدد المسلمين، وجيش الروم جيش نظامي مدرب وجيد التسليح، بينما الجيش الإسلامي أقل منه عدداً وعدة وتدريباً، ويقاتل بعيداً عن مركز الخلافة، ومع ذلك حصل له النصر المبين. على أن المتأمل والباحث في الأسباب المادية المنظورة بحثاً عقلياً مجرداً لا يستطيع أن يقبل نتيجة المعركة رغم أنها متواترة حساً وواقعاً، وهذا يرجع إلى الجهل بالعوامل الحقيقية المحركة للتاريخ الإنساني في غيبة العلم الصحيح وإلى إغفال سنن الله في الخلق، وهي سنن ثابتة وصارمة، [فلن تجد لسنت الله تبديلاْ، ولن تجد لسنت الله تحويلاْ] [٧] ، ومن السنن التي أوضحها القرآن الكريم قانون التدافع أو سنة الصراع بين الإيمان والكفر عبر تاريخ الإنسانية الطويل وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومن خلال هذا الصراع يختبر الله عباده المؤمنين ويميزهم بالابتلاء [أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب] [٨] . ويبين أن المؤمنين إذا تميزوا بالثبات على العقيدة والإيمان وأداموا ذكر الله وطاعته ووحدوا صفوفهم واعتصموا بالصبر، فإن النصر حليفهم وإن كانوا قلة [كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله] [٩] ، [ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاْ] [١٠] ، [وكان حقاْ علينا نصر المؤمنين] [١١] ، [إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم] [١٢] ... إلى غير ذلك من السنن الساطعة والحقائق الثابتة. لكن الله أمر المؤمنين بالأخذ بالأسباب وحشد الطاقات والإمكانيات المتاحة للوصول إلى القوة اللازمة لإرهاب العدو والتمكين للإسلام [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم] [١٣] . وأوضح أن الجهد الإنساني للمؤمنين هو الذي يحسم الصراع لصالح الإيمان وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، لذلك شرع سبحانه الجهاد [ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراْ، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز] [١٤] . وأخيراً، فإن الله أوضح أن عاقبة الصراع تكون دائماً للمؤمنين مهما طال الطريق وعصف بهم طغيان الباطل [وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناْ، يعبدونني لا يشركون بي شيئاْ] [١٥] . القاعدة الثالثة أثر العقيدة في دوافع السلوك لدى المسلمين: إن منهج كتابة التاريخ الإسلامي وتفسير حوادثه يعتمد في أصوله على التصور الإسلامي، ويجعل العقيدة الإسلامية ومقتضياتها هي الأساس في منطلقاته المنهجية وفي تفسير حوادثه والحكم عليها، لذلك ينبغي في تفسير التاريخ الإسلامي الرجوع إلى المصادر الشرعية لمعرفة دوافع السلوك في المجتمع الذي نشأ وتكون على هدي الشريعة وشكل حياته ومفاهيمه وفقاً لها، وكانت تعليماتها وأوامرها ونواهيهها موجهة لجميع شؤون حياته. إنه لابد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس في صدر الإسلام وعلاقة هذه البواعث بالحوادث والعلاقات الإنسانية والاجتماعية، ونظم الحكم وسياسة المال، وطرق التشريع ووسائل التنفيذ في إطار المبادئ والمفاهيم والقيم الإسلامية. إن دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الذي تهيمن عليه العقيدة كانت في صدر الإسلام تتأثر كثيراً بالتطلع إلى ما عند الله، إلى الجزاء الأُخرَوِي وصفوة المؤمنين عادة لا يشركون دوافع أخرى في سلوكهم، إذ لابد من إخلاص النية لله تعالى في كل أعمال المسلم سواءاً أكانت جهاداً بالنفس أم نشاطاً اجتماعياً أم اقتصادياً أم سياسياً، فعمل المسلم في كل مجالات الحياة يدور حول إرضاء الله تعالى، ويعرف المسلم أنه إذا أشرك في نيته وآثر الدنيا فإنه يحبط عمله، كما ورد في الحديث الشريف «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وابتغي به وجهه» [١٦] . وإذا كان هذا التصور يتحكم في كثير من المسلمين الملتزمين اليوم، فكيف كان أثر ذلك في جيل الصحابة والتابعين وهم خير القرون؟ ! إن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه في صدر الإسلام، وتزكية أرواحهم والتوجه إلى الله وحده بالعبادة والمجاهدة، يجعل من البدهي التسليم بأن الدافع لهم في تصرفاتهم وسلوكهم لم يكن دافعاً دنيوياً بقدر ما كان وازعاً دينياً وأخلاقياً يحث على فعل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولأجل ذلك يجب استعمال الأسلوب النقدي في التعامل مع المصادر التاريخية، وعدم التسليم بكل ما تطرحه من أخبار، وإحالة رواياتها قبل القبول بها على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرفة هل يمكن أن تتجانس في سداها ولحمتها مع نسيج تلك المرحلة أم لا؟ وهكذا توضع الوجهة العامة للمجتمع الإسلامي وطبيعته وخصوصيته في الحسبان، وينظر إلى تعصب الراوي أو الإخباري أو المؤرخ من عدمه، فمن لاحت عليه إمارات التعصب والتحيز بطعن أو لمز في أهل العدالة والثقة من الصحابة، أو مخالفة لأمر معلوم في الشريعة أو عند الناس، أو معاكسة طبيعة المجتمع وأعرافه وقيمه الثابتة، ففي هذه الأحوال لا يؤخذ منه ولا يؤبه بأخباره لأن التحيز والتعصب حجاب ساتر عن رؤية الحقيقة التاريخية. وللحديث بقية..

стр. 1654

المسلمون والعالم ليس دفاعاً عن السودان قراءة هادئة في قضية طرد السفير البريطاني من السودان د. عبد الله عمر سلطان أوكلت القناة الرابعة في التلفاز البريطاني إلى الصحافي الشهير «روبرت فيسك» إعداد حلقات مسلسلة عن العلاقة بين الإسلام والغرب عنوانها «من بيروت.. إلى البوسنة إلى آخر العالم» خَلُص فيها إلى أن نظرة الغرب إلى الإسلام قائمة على ثلاثة عوامل مشتركة: سوء النية.. وسوء الفهم.. والاتهامات الجاهزة (المعلبة) ! ! في ثنايا الشريط التلفازي الذي يتألف من أربع حلقات، تمتد لأربع ساعات يقف «فيسك» أمام أنقاض أحد المساجد في البوسنة وهو يقول: «الحكومات الغربية تريدنا أن نفكر في السلام في الشرق الأوسط، وقد كانت تفضل ألا نشاهد الدمار، وأن لا نكتب عنه.. إنها تفضل لو أننا خرس» . ويتجول فيسك في جولته في قرية بوسنية تقع في الشمال بعد أن زارها قبل عام حيث كان المسجد الجريح المحطم قائماً يذكر فيه اسم الله، ويرفع فيه ذكره، أما الآن فمراسل جريدة «الإندبندنت» يستعرض لنا الخراب الذي حل ببيت الله ويعلق قائلاً: «إلى متى سيتحمل المسلمون هذا النوع من العنف؟ ! إلى متى نردد أننا لا نفهمهم حينما يحاولون إجهاض هذا العنف الموجه ضدهم؟ ! بل إننا (يعني قومه من الغربيين) نحب أن نطلق عليهم وصف الإرهابيين المتطرفين. إنني حينما أرى كل مرة هذا الدمار أتساءل بيني وبين نفسي عما يخبئ لنا العالم الإسلامي.. ربما كان على تقاريري الصحفية أن تنتهي دائماً بالعبارة التالية: احذروا جيداً..! ! ، لقد لمس المراسل البريطاني في برنامجه التلفازي حصاد المرارة وشوك المعاناة التي تحاصر العالم الإسلامي شرقاً وغرباً؛ بسبب» العنف «الغربي الذي يؤله» المادة «ويعبد» القوة «، ويستخدم مصطلحات التسلط وترسانة الأسلحة للتعامل مع عالم إسلامي ممزق ومحاصر وملاحق.. وكانت الصور المعروضة تزيد من خوف الغربي من هذا المخلوق المُرعب والمُرعَب في اللحظة نفسها دون تقديم تفسير عميق لحالة الغضب التي تجتاح آحاد المسلمين اليوم كلما ذُكر الغرب أو حضرت إلى خشبة مسرح الحياة آلياته القمعية بصورها المتعددة.. إن ذلك لا يلمس إلا في لقطات خاطفة حينما يعرض فيسك بالصورة ضحايا العربدة الإسرائيلية في لبنان منذ ١٩٨٢م، ويقدم بصورة مباشرة لا لبس فيها شخوص الحدث: مدني مسالم تلاحقه قنابل النابالم التي زرعتها قوات الغزاة في أجساد الأطفال والنساء والشيوخ، وما غفل عنه فيسك أو مر عليه مروراً عابراً هو تعريفه للعنف: هل هو الصورة الساذجة لإخضاع القوي للضعيف بمنطق السوط وقانون» الدهس «؟ ! صحيح أنه يلامس مشاعر المسحوقين لكنه لا يركز على صور العنف الدبلوماسية والمكر السياسى وقفازات الخنق الحريرية التي تستخدمها الحكومات الغربية التي تريد من وسائل إعلامها أن تصمت! ! تصور لو أن حكومة إسلامية قوية» ومستقلة «قررت أن يقوم رأس الهيئة الدينية فيها بزيارات إلى الهند تلبية لدعوة رسمية من قبل حكومة نيودلهي وذلك للتخفيف من حدة النزاع الدائر بين السلطات الهندية والمسلمين في كشمير وبعد إعداد التفاصيل من قبل سفير هذه الدولة ثبت للحكومة الهندية أن السفير المسلم لهذه الدولة الافتراضية كان يجري اتصالات سرية بالحركة الإسلامية المسلحة في كشمير التي تنقسم إلى عدة فصائل من أجل توحيدها لضرب الحكومة المركزية في نيودلهي، وقد استطاع إقناع تلك الشخصية الإسلامية المرموقة أن يغير خط سيره إلى » جيب جغرافي «يسيطر عليه المجاهدون في كشمير حتى يظهر عدالة القضية الكشميرية التي أصدرت الأمم المتحدة حيالها قرارات واضحة توصي بحق سكان المنطقة في تقرير مصيرهم! ! السؤال: كيف سيكون تصرف حكومة نيودلهي تجاه مثل هذا العمل الاستفزازي بل كيف سيكون موقف الإعلام العربى» المحايد «و» المستقل «! تجاه تصرفات هذه الشخصية الإسلامية التي شوهت صورة التسامح وشرخت بتآمرها» عدالة الإسلام واعتداله «! ! لكم أن تتصوروا ذلك.. كما لكم أن تتخيلوا أن هذه الشخصية هي شخصية الشيخ ... ! ! ألن يحاضر المعتدلون والشرق أوسطيون وزعماء الجنوح إلى السلام عن بشاعة التطرف وسوء خلق» المتاجرين بالدين «وتيار الاستفزاز الأصولي؟ ! ثم ماذا سيكون موقف الحكومات الغربية ووسائل إعلامها التي دائماً ما تحض على ضبط النفس إذا كان الضحية بلداً مسلماً بينما تفرغ» عنفها «وتسلطها» و «إرهابها السياسي» والإعلامي إذا كان المُستفَز دولة من دول العالم.. بل حتى دولة أقدس رموزها حيوان يدب على أربع ... ؟ لقد قام الأسقف البريطاني «جورج كيري» بالدور الافتراضي نفسه الذي رسمنا خطوطه العريضة حينما قرر زيارة السودان.. وبالطبع من حق أسقف كانتربري أن يزور السودان لألف سبب أهمها رعاية أبناء معتقده، وعلى حكومة السودان أن تكون «متحضرة» و «معتدلة» وأن تهيء له كامل وسائل الراحة والاستجمام لأكبر رمز انجليكاني في العالم، ومن حق السفير البريطاني أن يتدخل حتى في نوعية الحليب الذي يقدم لقداسته! ! لكن هل من حق السفير أن يسلك سلوكاً تعتبره الدولة المضيفة تآمراً وبأسلوب مكشوف ليعلن الأسقف قبل يوم واحد من الزيارة أنه سيزور معاقل المتمردين «الصليبين» في الجنوب وأنه لن يزور الخرطوم التي يستعمر حكامها المسلمون رعايا الكنيسته.. في الجنوب؟ ! هل من حق «سفير» أو «خفير» يمثل دولة حضارية أن يقدم أوراق اعتماده لرأس الدولة ثم يسحب قولاً وفعلاً الشرعية التي تعترف بها دول العالم لحكومة السودان ليقدمها إلى فصائل التمرد الصليبي المتناحرة دون حياء أو خجل؟ ! إن هذا التصرف لا تقبله أي دولة تدعي الاستقلال فضلاً عن أن تكون مستقلة فعلاً حتى ولو كانت إحدى دويلات جزر الكاريبي التي يطلق عليها المستعمرون البريطانيون سخرية اسم «جزر الموز» . وللأسف إن بريطانيا تتولى دون مواربة تجميع القوى المناوئة للحكومة السودانية الحالية في داخل السودان وخارجه حتى أصبحت لندن بؤرة تجمع ودعم لكل من يحاول تفتيت السودان تحت شعار إسقاط النظام الأصولي.. والسفير البريطاني له قدم سبق في ذلك لا سيما وأن عواطف صليبية حميمة كانت تحركه وهو المولود في جواتيمالا «أمريكا اللاتينية» والذي تربى ليكون منصراً لا دبلوماسياً خصوصاً وأنه فيما يظهر متشبع بفكرة تحطيم كيان السودان القائم لصالح المشروع الصليبي المنطلق من الجنوب والذي يُسوق عالمياً على أنه نظام عالمي جديد.. أي نظام هذا؟ ! وهو يغذي الانقسام والفوضى والحرب الأهلية في القطر الواحد.. أي عالمي؟ ! إلا إذا كان منطلقاً من المفاهييم العنصرية الاستعمارية للقوى الغربية التي ترى أن العالم نفسها! ! وأي جديد؟ ! وهو يعيد التذكير بدور المندوب السامي البريطاني الذي كان يحكم النمور الكارتونية المتمثلة في رؤوس الأنظمة المستعمرة. وهل تغيير مسمي المندوب السامي إلى السفير البريطاني يحمل معطيات جديدة للعملية الاستعمارية ومعادلة الهيمنة والغطرسة التي كانت ولا زالت سائدة في خيال صانعي القرار في دول الغرب؟ ! ثم لا يتورعون عن إطلاق تلك التصرفات باسم النظام العالمي الجديد. ألم يقل روبرت فيسك في نهاية شريطه عبارة تلخص هذا الإفك بقوله: إذا كنت لازلت مؤمناً بالنظام العالمي الجديد فعليك ألا تشاهد هذا البرنامج. ونحن نقول إذا كنت مؤمناً بالنظام العالمي الجديد فخذ أخبار السودان المطارد عن طريق هيئة الإذاعة البريطانية التي سخرت مقدراتها الإعلامية الهائلة لمحاصرة السودان وتلميع حراب الحملة الصليبية ورموزها الحاقدة، هذه الهيئة استطاعت أن تسخر هذا الحادث بصورة نمطية مُعدية، انتقلت بموجبها العدوى إلى الصحف العربية المهاجرة التي رحلت بجوارها وكأن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها في التاريخ المعاصر، مع أن السفير البريطاني في كلومبيا قد سبق طرده في مايو ١٩٩١م دون أن يتحول ذلك التصرف إلى «ملحمة إعلامية» مشابهة لقصة سفيرهم في السودان! ! هل عرفتم من يعنون بالنظام العالمي الجديد؟ ! لقد كان جديراً بروبرت فيسك أن يزور جنوب السودان وشماله ليسجل لقطات موغلة في البشاعة والتآمر على كل ما يمت للإسلام والعرب بصلة من قبل القوى الغربية، ليفهم لماذا كان المسلمون يقيمون علاقتهم بالآخر الغربي بهذه الصورة وهم لا يرون ولا يلمسون ولا يعرفون الغرب إلا بصورة جسم يهودي مغروس في أحشائهم حيناًً..، أو قصف وحشي يأخذ مداه المتغطرس المجنون ويقذف بالجحيم على العزل من سكان البوسنة، أو حصار اقتصادي ودعم لحركات بربرية في جنوب السودان تلقى كل الدعم من القوى الغربية لا لشيء إلا لأنها تريد أن تشوه وجه السودان أكبر بوابة عربية مسلمة في قلب القارة، الخضراء.. هذا الوجه المسلم العربي يراد أن يستبدل ببيادق مجلس الكنائس العالمي ولتشن حملتها الصليبية دون مقاومة أو وجود فاعل! ! العقدة الصليبية هل يمكن حلها: رفضت الخرطوم خطاب التهديد ولغة الوعيد بسحب قرارها القاضي بطرد السفير (بيتر ستريمز) ، وذكرت إذاعة الخرطوم أن انتظار لندن رداً سودانياً بالتراجع عن هذا القرار «مضيعة للوقت» ، وأن السودان صبر طويلاً على ممارسات السفير والتصرفات غير المقبولة منه.. في الوقت نفسه كان الأسقف الانجليكاني جورج كيري يكشف عن العقدة الصليبية التي تحكم العلاقة الغربية بالعالم الإسلامي حينما اجتمع بقادة الفصائل الصليبية الجنوبية وحضهم على تناسي خلافاتهم وتوحيد جهودهم (ضد من!) ووصف الانشقاق بين الفصيلين الرئيسيين للحركة الصليبية في الجنوب بأنه مأساوي! ! ووصف هذا الرمز الصليبي زعيمي عصابات النهب والقتل في الجنوب بأنهما من المدافعين عن الجنوب أي: أن هناك جهات أخرى لم يحددها تشارك في عملية الدفاع الحضارية التاريخية هذه، لقد تساءل وزير خارجية السودان في اليوم التالي لإطلاق الزعيم الديني تصريحاته الذي يُفترض أن يدع السياسة لأصحابها لأن معتقده يدعوه إلى ترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله قائلاً: هل كانت الحكومة البريطانية لتسمح لزعيم إسلامي بزيارة بلفاست (عاصمة إقليم إيرلندا الشمالية «) للتحدث مع زعماء الجيش الجمهوري الإيرلندي؟ بالطبع الإجابة معروفة خصوصاً مع معطيات المناخ العالمي المتحفز لتشويه صورة الإسلام والمسلمين في أصقاع الأرض. إن زيارة الأسقف الانجليزي يجب أن توضع في إطار أعم وأفق أرحب فبريطانيا التي أقامت الدنيا قبل قرن من الزمان بعد أن قتل ثوار المهدية جنرالهم العتيد جوردن كانت تنظر إلى السودان نظرة عقائدية دينية بالدرجة الأولى حيث أن المصالح الاقتصادية لم تكن هي الأهم، لذا فإن كنيسة انجلترا هي التي رسمت خطوط حملة كتشنر الثأرية لتحويل السودان إلى دولة مسيحية بالكامل.. يقول الصَّديق محمد الأمين في تعليقه على العلاقة والحدث:» لقد أشرفت تلك الكنيسة على «حملة كتشنر ووضعت أسس التعليم عموماً والتعليم العالي خصوصاً في السودان عبر تأسيس كلية جوردن. ولا يزال بعض وثائق الكنيسة الانكليزية الصادرة حديثاً جداً يتحدث عن أن السودان دولة مسيحية استولى عليها المسلمون » راجع كتيب اضطهاد المسيحيين في السودان الصادر باللغة الانكليزية عن جمعية الاخاء المسيحي مع السودان في تشرين الثاني/ نوفمبر ٩٣) . طبعاً لم ينجح مشروع تنصير السودان، وظل إحساس كنيسة انكلترا بأنها راعية المسيحيين في السودان على رغم أن معظم هؤلاء لا يدينون بالانجليكانية. لكن ذلك لا يفسر سر الارتباط الخاص بالسودان لدى الدوائر المعنية به في بريطانيا. ومع ذلك ظل السودان مصدراً للمفاجأت غير السارة لاصحاب تلك النظرية، ولعل أولى المفاجأت تمثلت في رفض البرلمان السوداني. غداة الاستقلال الانضمام إلى رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث) وأخرها حادثة طرد السفير بيتر ستريمز، وبين الحدثين عناوين كثيرة أبرزها الغاء القوانين الانكليزية التي كانت تحكم السودان حتى عام ٨٣ وابدالها بقوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية، وتعريب الدراسة في الجامعات العام ٩١ وغيرها وغيرها ... إن بريطانيا في هذا السياق لا تتحمل استقلالاً سودانياً إذا كان خارج الإطار المرسوم، لاسيما إذا ذكرها بالمقاومة الإسلامية وشعارات مقاومة المهدية، أما اللاهثون وراء تجربتها التغريبية فلها معهم شأن آخر. ربما عبر الكاتب (جراهام توماس) عن إحساس أصحاب النظرية المشار إليها في كتابه: (السودان: موت حلم) . على أن سودان الحلم البريطاني ليس هو السودان الذي ينتهج «ديموقراطية وست منستر» كما يتوقع ويفهم من تصريحات المسؤولين البريطانيين. والدليل على هذا أن بريطانيا لم تُبدِ أي اهتمام خاص بالتجربة التعددية الأخيرة في السودان (فترة الصادق المهدي) ولم تقدم لها أي دعم حتى ولو على المستوى السياسي، مع أن تلك التجربة التزمت قواعد الديموقراطيةالغربية في حدود خبرتها الاجتماعية. وعلى العكس من ذلك كانت كل الإشارات الصادرة من لندن وقتها تجاه الخرطوم سالبة منها: الغاء رئيسة الحكومة آنذاك مارجريت تاتشر زيارة معلنة إلى السودان من دون ذكر أسباب مفهومة للسودانيين وقتها، في حين أن السودان كان الدولة الوحيدة في أفريقيا التي تتبع الديموقراطية الغربية.. والمفارقة أن تاتشر كانت في جولة افريقية زارت فيها بعض دول الجوار السوداني. وكان للأمر دلالته التي أغضبت المسؤولين السودانيين إلى درجة التفكير في سحب السفير السوداني في لندن تعبيراً عن الاحتجاج. لم تكن توجهات السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني آنذاك محل ترحيب أو ارتياح في العواصم الغربية وخصوصاً لندن، لا سيما حديثه عن «نهج الصحوة الإسلامية» أو علاقاته القوية بطهران وطرابلس الغرب في الوقت الذي كانت المواجهة بينهما ولندن على أشدها. فيما كانت حركة التمرد المسلحة في الجنوب تحظى بتعاطف واضح على مستويات التسلح والإعلام والسياسة على رغم أن توجهاتهما المعلنة كانت ماركسية! ! رد الفعل البريطاني على حادثة فندق الاكربول في عام ١٩٨٨ في الخرطوم التي قتل فيها رعايا بريطانيون على ايدي فلسطينيين. فقد تبنت بريطانيا داخل المجموعة الأوربية الدعوة لتشديد الاجراءات في حق القادمين من السودان وحملة جوازاته، بذريعة انه صار موئلاً لكثير من الارهابيين في المنطقة. اذن كل الخلافات البريطانية مع الحكومة الحالية في السودان تعود جذورها إلى العهد التعددي الحزبي السابق، وحدث لها مزيد من التفريع والامتداد. ومما فاقم تلك الخلافات أن المحكمة السودانية التي نظرت قضية المتهمين في حادثة فندق الاكربول، وجدت نفسها أمام واقعة فريدة، إذ رفض أولياء الضحايا (الذين تمت استشارتهم بحسب قواعد الشريعة الإسلامية) القصاص من المتهمين أو العفو عنهم أو قبول الدية، وتلك هي الخيارات الوحيدة المتاحة لعقوبة القتل في الشريعة، وطالبوا بأن يحاكم المتهمون وفقاً للقانون الانكليزي وهو ما لم يكن ممكناً أو مقبولاً. وعندها اتخذت الحكومة البريطانية قراراً بوقف دعم الحكومة السودانية حتى في المجالات الثقافية. إذن لم يكن ينقص سوى زيارة كبير الأساقفة المثيرة إلى اجزاء من السودان يسيطر عليها المتمردون من دون موافقة الحكومة السودانية، ودعوته لاجراءات دولية ضد السودان لتكون الشرارة التي تشعل غضب حكومة الخرطوم اضافة إلى أنها تقول انها رصدت تجاوزات عدة وانشطة غير مقبولة للسفير البريطاني الذي تم طرده. والخلاصة من هذا الرأي الذي يبين بوضوح العقدة الصليبية في التعامل مع الشأن السوداني واحتقار استقلاله وحضارته وقضائه إذا كان مستمداً من جذوره الإسلامية وعروقه العربية. لقد تتالت الأحداث في الأسبوعين التاليين إقليمياً ودولياً لترسّخ من تأكيد النظره الصليبية في تعاملها مع أحداث القرن الأفريقي، فأسياس أفورقي رئيس الكيان الأرتيري الجديد وصاحب العلاقة الوطيدة باليهود، والذي أحسن إليه السودان كثيراً حتى قبل وصوله للحكم أسفر عن وجهه الصليبي البشع حينما هاجم بعد أيام من زيارة الأسقف البريطاني جاره السوداني، واتهمه بأنه معبر للأصوليين الذين هاجموا قوات مليشياته الحكومية، وأجمع المراقبون على أن المذكور يريد أن يحسن من صورته في الغرب كحارس صليبي آخر يقف أمام المد الأصولي! حتى ولو كان جاره الذي أحسن إليه بالأمس، وهو الذي يواجه حرباً أهلية داخل أرتيريا نتيجة لسياساته المتغطرسة وديكتاتوريته المتعجرفة وحربه الشعواء على الوجود الإسلامي شعباً وحضارة في أريتريا.. وكأن العقدة الصليبية تصر على أن تقدم دليلاً آخراً عن أن الحكومة السودانية في محاولتها استقطاب النصارى «والتميع» في تعاملهم معها، كما حصل في زيارة (البابا) ، إنما تزيد من خلال هذه الممارسات حقد هؤلاء لهباً في الصدور وحقداً مترجماً إلى مواقف كما حصل في استقالة نائب رئيس البرلمان السوداني (الدو أجو دينغ) الذي طلب اللجوء السياسي لبريطانيا (هل تتصورون ملاذاً كثيراً أمناً من الأم الصليبية الحنون) واستقال من منصبه لأنه عجز عن التأثير في سياسة الحكومة تجاه الجنوب! ! وكأن وظيفة هؤلاء حتى في المواقع الرسمية النظر للسودان من خلال قضية سكانه النصارى فقط. إن تلك الحوادث تؤكد أهمية التعامل مع أعدائنا من خلال القواعد الشرعية والتأصيل العقدي الذي يستند إلى آيات الذكر الحكيم الذي أبان عن حقد هؤلاء وكرههم لهذا الدين مهما قدم المتنازلون من تنازلات ومهما أقيمت لرموزهم من مهرجانات أو زيارات! ! فرصيد الحقد لا يطفئه منصب أو تنازل، لأنك متهم حتى آخر قطرة من دمك بأنك الآخر / المرعب.. وقد أحسن روبرت فيسك تلخيص هذه النظرية لك أيها المسلم (المفْرط أو المُفرّط) بأنها محكومة بثلاث عناصر: سوء نية.. وسوء فهم.. واتهامات جاهزة! ! ويبقى صوت الحق من قبل ومن بعد.. [ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراْ حسداْ من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق..] . لقد أشار إلى هذه العقدة الأستاذ سيد قطب ﵀ حينما قال في تفسيره لهذه الآية: «إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان، انها هي العقيدة، هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة» . نعم في كل وقت وبكل جهد وبشتى الأساليب.. هذا ديدنهم أما ديدننا فهو أن نصبر ونصابر ونرابط ونكشف حجم العقدة الصليبية التي أقامت الدنيا وأقعدتها، وحاصرت شعباً وجوعته لطرد سفير خرق الأعراف الدبلوماسية.. أما هتك الأعراض من صبرا وشاتيلا إلى البوسنة إلى أحراش جنوب السودان بل إلى روابي الأرض المباركة حول الأقصى بوابل الرصاص اليهودي النصراني فإنها مسألة فيها نظر ... حقاً طرد سفير: جريمة لا تغتفر، وسحق أمة وانتهاك كرامتها مسألة فيها نظر! .

стр. 1655

المسلمون والعالم هذا هو الحل لقضية مسلمي مورو [*] محمد شفيق إن مسلمي مورو الذين ذاقوا وعاشوا ألواناً من الظلم والاضطهاد وعمليات الإفناء المنظم المدبرة ضدهم في ظل الحكومة الفلبينية الصليبية التي ضمت بلادهم إليها ظلماً وغدراً وطغياناً قد فقدوا الأمل في جميع الأساليب والحلول السلمية والسياسية لحل مشكلتهم منذ عام ١٩٧٥م، أي منذ ثمانية عشر عاماً. ازدياد الأوضاع سوءاً: ازدادت أوضاع مسلمي مورو سوءاً بعد المحاولات لإيجاد حلول سياسية سليمة لمشكلتهم، وبعد اتفاقية طرابلس عام ١٩٧٦ التي نصت على منح المسلمين الحكم الذاتي في ١٣ محافظة وتسع مدن، لكن الحكومة الفلبينية الصليبية لم تلتزم بها، بل انتهزت فرصة الهدوء النسبي بعد وقف إطلاق النار المترتب على الاتفاقية لوضع خطة لمضاعفة قبضتها وسيطرتها على المسلمين ووزعت جنودها على الأماكن الاستراتيجية في المناطق الاسلامية؛ مما جعل تحركات المسلمين أمراً صعباً حيث أقيمت مئات من مراكز التفتيش على طرقهم كما انتهزت الحكومة الصليبية الفرصة لتهجير مزيد من النصارى إلى بلاد المسلمين، وإقامة مستوطنات لهؤلاء فيها. وباختصار كانت نتائج المبادرات والحلول السياسية السليمة ما يلي: ١- بدلاً من استرجاع المسلمين بعض أرضهم المغتصبة فقدوا المزيد منها. ٢- بدلاً من استعادة المسلمين بعض حقوقهم السياسية والاجتماعية المسلوبة فقدوا المزيد من هذه الحقوق. ٣- بدلاً من وقف إقامة المستوطنات الصليبية في بلاد المسلمين ازدادت هذه المستوطنات. ٤- بدلاً من فك القمع والقبضة الحديدية على المسلمين ازداد القمع والقهر عليهم. ٥- بدلاً من إرجاع المسلمين المشردين إلى أرضهم ازداد عدد المشردين. ٦- بدلاً من وقف حرق بيوت المسلمين ومساجدهم ومدارسهم ازداد عدد المحروق منها. ٧- بدلاً من إيجاد حلول لمشكلة الفقر والمشكلات الاجتماعية الأخرى ازداد الفقر وتضاعفت المشكلات الاجتماعية. وما ذكر ليس حصراً لجميع النتائج السلبية للحلول السياسية السلمية لقضية مسلمي مورو، وإنما هو صور منها، وأسوأ نتيجة لها إضعاف الروح المعنوية لدى المسلمين وإضعاف الروح الجهادية في قلوبهم؛ لأن النتيجة الحتمية للحلول السياسية السلمية هي هزيمة الروح وكلال الهمة وإضعاف الإرادة القتالية وهي أسوأ أنواع الهزيمة، فالهزيمة العسكرية لا تكون هزيمة حقيقية ما لم تتبعها هزيمة الروح المعنوية. وأقول لكم بكل صراحة وبكل إيمان وصدق إنه: لولا فضل الله على المسلمين هنا في بلادنا، ثم الجهود المتواضعة التي بذلناها لمحو الهزيمة الروحية التي أدت إليها الحلول السياسية السلمية، وإعادة الروح الجهادية إلى نفوس المسلمين لحلت بهم الهزيمة المعنوية بسبب الحلول السياسية السلمية. الحلول السياسية السلمية طرقت الأبواب: إن المشكلة كل المشكلة أن الحلول السياسية السلمية التي تركت نتائج سلبية كثيرة لدى المسلمين جاءت مرة أخرى وطرقت الأبواب المغلقة، لقد دعونا المسلمين إلى النفير العام والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته والاستماتة لنصرة دين الله، واستجاب المسلمون لدعوتنا وأعدوا العدة وجهزوا أنفسهم ووقفوا صفاً واحدً كالبنيان المرصوص، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من الهجوم على العدو الذي احتل البلاد هجمة رجل واحد، ولكنهم فوجئوا بإعلان المفاوضات السلمية بين مندوبي حكومة الفلبين وجبهة مسواري الوطنية في أندونيسيا حيث استؤنفت هذه المفاوضات مرة أخرى بعد أن فشلت عشرات المرات خلال جولاتها التي استمرت ثمانية عشر عاماً، وتركت آثاراً سيئة في مجتمع مورو الإسلامي. لقد تفاوضت جبهة مسواري مع مندوبي حكومة الفلبين سراً في ليبيا العام الماضي (بواسطة العقيد معمر القذافي) واستمرت الاتصالات بين جبهة مسواري وحكومة الفلبين إلى أن أعلنوا نقل المفاوضات إلى اندونيسيا مؤخراً ثم عقدت المفاوضات الرسمية بين الجانبين في جاكرتا باندونيسيا مؤخراً، ولم تتوصل المحادثات إلى أي شيء لصالح قضية المسلمين المظلومين والمضطهدين. وقد علمنا من مصادر موثوقة أن حكومة العدو راموس الصليبية تحاول أن تقنع جبهة مسواري بالاستسلام المشرف حسب تعبيرهم وهو أن يتخلى (مسواري) عن قضيته مقابل منصب حكومي، كما يسند إلى زملائه أيضاً بعض المناصب الحكومية الزائفة الزائلة مقابل تخليهم عن قضيتهم، هذا ما وصلت إليه المفاوضات الأخيرة في جاكرتا، ومازالوا يبحثون عن الحلول لمشكلة المناصب وكيف تعطيهم الحكومة الفلبينية المناصب في بلاد المسلمين التي وقعت تحت سيطرة الفلبين ومعظم حكامها من الصليبيين والمنافقين. هل القضية قضية مناصب حكومية أم قضية حزب أو جماعة قليلة من الناس؟ لا إنما هي قضية شعب مسلم أصيل بلغ تعداده ١٢ مليون نسمة وضمت بلاده إلى دولة صليبية تحكمه بالحديد والنار وتكيد له بكل أنواع الكيد وتحاول القضاء عليه. الجهاد هو الحل: إن الحل الصحيح لمشكلة مسلمي مورو وجميع مشاكل المسلمين تحت احتلال الكفار هو الجهاد في سبيل الله، وأي محاولة لحل المشكلة مهما كانت جادة وصادقة في ظاهرها ما لم تتضمن دعم الجهاد أو تشجيع المجاهدين هي محاولة فارغة لا تساهم في العمل على تخليص المسلمين من السيطرة الصليبية الاستعمارية. لذلك اتفقت جماهير مسلمي مورو وعلماؤهم ودعاتهم وأساتذتهم ومعلمو القرآن الكريم منهم وقراؤهم وعامتهم على أن يجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصر دينه، فهم يدركون معنى قوله تعالى: [إلا تنفروا يعذبكم عذاباْ أليماْ ويستبدل قوماْ غيركم ولا تضروه شيئا] ، وقوله جل شأنه: [وإن تتولوا يستبدل قوماْ غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم] ، وقد استجابوا لأمر الله حيث قال: [انفروا خفافاْ وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون] . ونحن حين نجاهد أعداء الإسلام الذين استولوا على بلادنا نستنصركم في الدين بأموالكم أو نفوذكم ومساعيكم الحميدة لدى المحسنين من أغنياء الأمة الإسلامية، أو بأفكاركم وتدابيركم وخاصة في المجالات الإعلامية، أو بدعواتكم إلى الله لنا ولجميع المجاهدين الصادقين في بقاع الأرض بالنصر والتمكين لإقامة حكم الله. ونأمل أن تشجعوا ضعاف الإيمان والنفوس منا على الجهاد، وكذلك المهزومين نفسياً، وإن لم تستطيعوا أن تشجعوهم على الجهاد فعلى الأقل لا تشجعوهم على الاستسلام بواسطة المفاوضات السلمية وقبول عروض العدو من المناصب والأموال مقابل التخلي عن القضية. حي على الجهاد: لقد استيقظت جماهير مسلمي مورو الآن، والذين عاهدوا الله على أن يجاهدوا في سبيله لإعلاء كلمته ونصرة دينه، وسيمضون في جهادهم إن شاء الله في نصب وشقاء وحرمان وتضحية واحتمال كل مشقة ومجاعة ولا يطلبون جزاءً في هذه الأرض، وإنهم ينتظرون الآخرة وحدها موعداً للجزاء إن شاء الله وإذا انتصروا فذلك من فضل الله على المؤمنين وعلى الأمة الإسلامية كافة، وإذا استشهدوا فذلك أسمى أمانيهم، لذلك كان شعارهم: إما النصر أو الشهادة.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. ومن البيان رقم (٣٢) لجبهة تحرير مورو الإسلامية نقتطف ما يلي: تقوم حكومة راموس الصليبية بمؤامرة خطيرة جداً ضد مسلمي مورو وتستخدم سياسة مزدوجة بغية الوصول إلى هدفها المنشود وهو القضاء على المسلمين الذين تعتبرهم عدوها الأول قبل الشيوعيين وغيرهم. ذلك أن هذه الحكومة الصليبية التي استخدمت ومازالت تستخدم جميع صنوف الكيد ضد المسلمين تتفاوض مع جبهة (مسواري) الوطنية في محافظة سولو مسقط رأس مسواري زعيم الجبهة الوطنية التي تفاوضها حكومة الفلبين علماً بأن هذه الجبهة ليس لها قاعدة شعبية وليس لها جناح عسكري منظم. وفي الوقت ذاته تشن قواتها المسلحة حملات عسكرية ضد المسلمين الآمنين العزل من السلاح، وضد جبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة أمير المجاهدين الشيخ/ سلامات هاشم، وقد أعلن راموس رسمياً أن هذه الجبهة ليست داخلة في الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه المفاوضات بين الصليبيين ومن فاوضهم.

стр. 1656

المسلمون والعالم المسلمون في بلغاريا بين الاستئصال والبقاء د. عبد الله البراهيم مقدمة: بلغاريا هي إحدى دول شبه جزيرة البلقان التي تشكل جزءاً من القارة الأوروبية يخترق البحر الأبيض المتوسط في ناحيته الشرقية كما تخترقه شبه الجزيرة الإيطالية في وسطه وشبه الجزيرة الأيبرية (أسبانيا والبرتغال) في غربه. وقد دخل الإسلام إلى أوربا من عدة محاور، كان أقدمها من جنوبها الغربي عبر الأندلس في القرن الأول الهجري، ومن جنوبها عبر صقلية وإيطاليا في القرن الثالث، وتغلغل في شمالها الشرقي حول نهر الفولجا وبين جبال الأورال وبحر قزوين فيما كان يعرف بروسيا الأوروبية، ثم عبر المسلمون إلى شبه جزيرة البلقان منطلقين من تركيا إبان الفتح العثماني في القرن الثامن الهجري واتجهوا شمالاً حتى المجر والنمسا. [١] نبذة تاريخية: البلغار إحدى الأمم السلافية التي كانت تعيش في منطقة الأورال بالاتحاد السوفيتي سابقاً وفي حوض نهر الفولجا، وقد عبرت إلى شبه جزيرة البلقان في القرن السابع الميلادي، ثم اتجهت جنوباً قاطعة نهر الدانوب لتستقر فيما يعرف حالياً ببلغاريا، وتأسست المملكة البلغارية الأولى في الفترة (٦٧٥-١٠١٨م) والمملكة الثانية من ١١٨٧ حتى ١٣٩٣م حيث سقطت أمام جيش الفتح العثماني لتبقى قرابة خمسة قرون تحت الحكم الإسلامي. وكان العثمانيون قد عبروا آسيا الصغرى (تركيا حالياً) إلى أوربا عام ١٣٤٥م وجعلوا من (أدرنة) عاصمتهم الأولى في أوربا عام ١٣٦٠ م ثم اتجهوا شمالاً ليفتحوا مدينة تورنوفو (شمال بلغاريا) عام ١٣٩٣م وكانت العاصمة آنذاك، ثم وصلوا عام ١٣٩٦م إلى فايدن (شمال غرب بلغاريا) ثم اتجهوا غرباً لينتصروا على الصرب ١٣٨٩م، ثم توسعوا في أوربا، فاتجهوا شمالاً قاطعين نهر الدانوب؛ ليفتحوا رومانيا وجنوب بولندا ومعظم المجر وأجزاء من النمسا في نهاية القرن السابع عشر الميلادي. وفي ٢ ابريل ١٨٧٧م أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية مدعية أن لها الحق في حماية المسيحيين الأرثوذكس البلغار الذين كانوا يعيشون في ظل الدولة العثمانية (تشترك روسيا مع البلغار في الأصل السلافي وفي الديانة الأرثوذكسية) . ويدّعي الكُتّاب الغربيون [٢] أن البلغار آنذاك قد تعرضوا لمذابح عام ١٨٧٦م حيث قتل العثمانيون كما يزعمون الآلاف من الرجال والنساء والأطفال، وأحرقوا القرى والمدن، وبهذه الحجة عبر الجيش الروسي نهر الدانوب جنوباً، حيث هزم الجيش العثماني بمساعدة آلاف البلغار المتطوعين وامتد الزحف حتى مشارف إسطنبول، وتدخلت بريطانيا خوفاً من استقلال بلغاريا مما قد يؤدي إلى تقوية نفوذ روسيا في المنطقة، وتم توقيع معاهدة برلين عام ١٨٧٨م التي انسحب بموجبها الجيش الروسي، وقسمت بلغاريا إلى خمسة أقسام أعيد بعضها للسلطان العثماني، وأعطي غربها لصربيا، وسلمت البوسنة والهرسك للمجر والنمسا (لإدارتها) ، وبعد إلغاء الخلافة الإسلامية عام ١٩٠٨م أعلنت بلغاريا استقلالها في العام نفسه، ثم خاضت الحربين العالميتين حليفة لألمانيا، وفي عام ١٩٤٦م آلت الأمور إلى الشيوعيين وكان آخر رئيس للجنة المركزية للحزب الشيوعي هو زيفكوف الذي حكم البلاد من ١٩٧٩م حتى أسقط في ١٠ نوفمبر ١٩٨٩م. بلغاريا اليوم: وتتكون بلغاريا حالياً من ٢٨ مقاطعة، ويحدها من الشمال رومانيا ومن الغرب ما يعرف الآن بصربيا، ومن الجنوب الشرقي تركيا، ومن الجنوب اليونان ومن الشرق البحر الأسود، وأهم مدنها: بلوفديف، فارنا، روسي بورجاس، ستارا زاجورا، بليفن، وعاصمتها صوفيا في الغرب. ومن المنتجات الزراعية في بلغاريا الحبوب والفواكه والخضروات، كما تصدر الأغنام والدواجن والأجبان وعطر الورد والزيوت النباتية وبعض المنتجات المعدنية، وتنتج الفحم والغاز الطبيعي. يتبع البلغار الأمم السلافية (كالروس والصرب) ويتحدثون اللغة البلغارية (وتشبه اللغة الروسية والصربية والبولندية) وهي لهجة من اللغة السلافية القديمة، كما يستخدمون الأبجدية الكريليكية، وهي الأبجدية نفسها المستخدمة في روسيا وفي جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً. يبلغ عدد السكان (حسب احصائية ١٩٨٩م) قرابة تسعة ملايين [٣] يشكل البلغار الأرثوذكس ٧٨% منهم والمسلمون ٢٢% (قرابة ٢مليون) ، ويوجد بعض اليهود والأرمن واليونانيين. مناطق المسلمين: ينقسم المسلمون في بلغاريا من حيث الأصل العرقي إلى خمسة أقسام: ١- مسلمون من أصل تركي، ويبلغ عددهم مليون مسلم تقريباً، يتوزعون على مناطق عدة في شرق وشمال شرق بلغاريا (روسي تشومن بورجاس) وفي جبال رودوب جنوب بلغاريا، وقرب الحدود التركية ويتحدثون اللغة التركية والبلغارية معاً. ٢- مسلمون من أصل بلغاري (البوماك) وقد أسلموا في القرن السابع عشر الميلادي [٤] ، ويصل عددهم إلى سبعمائة ألف يعيشون في المناطق الجبلية كجبال رودب وقرب بليفن ولوفك. ٣- مسلمون غجر ويشكلون ثلاثة أرباع الغجر في بلغاريا (والباقي مسيحيون) ويبلغ عددهم قرابة أربعمائة ألف، وإجمالي عدد الغجر (٥٧٦. ٩٢٧) حسب احصائية ١٩٨٩م، ويتحدث بعضهم اللغة التركية، وبعضهم اللغة البلغارية، ويتركزون في صوفيا بلوفديف سليفن فايدن لور بيتريك أرمشار دونا فتسي رازلوج فارنا وبازارجيك. ٤- مسلمون من أصل مقدوني (ومقدونيا موزعة حالياً بين شمال اليونان ويوغسلافيا السابقة) . ٥- مسلمون من أصل تتري، وهم من التتر الذي فروا بدينهم إبان اضطهاد روسيا القيصرية لهم عام ١٨٦٠م، وعددهم قرابة خمسة عشر ألفاً يتوزعون على قرى قليلة في شمال شرق بلغاريا على ساحل البحر الأسود مثل بالكيك وكافارنا. وبالإضافة إلى ذلك توجد جالية عربية يصل عددها إلى خمسة آلاف شخص تقريباً ويتركز معظمهم في العاصمة صوفيا. معاناة المسلمين في بلغاريا: عانى المسلمون في بلغاريا من الإرث التاريخي للصراعات الدامية التي جرت في البلقان، وينسى النصارى تماماً المذابح فيما بينهم بينما لا ينسون أي حادث جرى عليهم من المسلمين، فتقوم قائمتهم وينادي مناديهم، ومن أهم الحوادث التي جرت على النصارى في المنطقة أحداث عام ١٨٧٦م حيث يتهم الكُتّاب الغربيون الحكام المعينين من قبل الدولة العثمانية في بلغاريا بارتكاب مذابح راح ضحيتها (عشرات الآلاف) من سكان السفوح الشمالية لجبال رودوب، وعذب الآلاف واعتدي على النساء وازدحمت المدن الكبيرة بآلاف المهاجرين الذين تعرضوا لمجاعة في ذلك الوقت [٥] ، وسواء أصحت هذه الأخبار أم لم تصح فإن الحقد على المسلمين ومعاناة المسلمين من التعصب الديني في دول البلقان أمر لا يختلف عليه اثنان. وإبان الحكم الشيوعي مارست السلطات أقصى أنواع الحرمان للمسلمين من حق ممارسة شعائر دينهم، فأغلقت المساجد (وكان عددها ١٢٠٠) وهدمت بعضها، ومنعت المسلمين من ممارسة أركان الإسلام كالصوم والزكاة، كما منعت ختان الأطفال [٦] بحجة أنه (تدخل إجرامي ضد صحة الأطفال) [٧] ومنعت دخول المصاحف والكتب الدينية لبلغاريا، وألغت المدارس الدينية ومنعت تدريس اللغة التركية، وهجّرت المسلمين إلى مناطق شبه معزولة ومنعتهم من الاحتفال بأعيادهم. في عام ١٩٤٧-١٩٤٨م جرى تنصير ما يقارب (١٥٠. ٠٠٠) بلغاري مسلم، ... وبدأت حملة لتغيير أسماء المسلمين إلى أسماء سلافية عام ١٩٤٨م ثم حملة أخرى في الستينات، وفي ١٩٧١م بعد المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي بدأت حملة أخرى لتغيير أسماء البوماك، وحملة لتغيير أسماء المسلمين الغجر حيث غيرت أسماء ما يقرب من أربعمائة ألف مسلم غجري.. وفي أواخر ١٩٨٤م وأوائل ١٩٨٥م بدأت الحكومة حملة عنيفة لإرغام المسلمين الأتراك على تغيير أسمائهم، حيث أحيطت القرى ذات الأغلبية التركية بالقوات من الصباح الباكر، وأرغم المسلمون تحت تهديد السلاح بقبول الهويات الجديدة ذات الأسماء السلافية، وتم قتل ما يقرب من ٣٠٠-١٥٠٠مسلم لأنهم رفضوا ذلك وسجن وجرح الآلاف [٨] . وقام المسلمون الأتراك في أواخر مايو ١٩٨٩م بمظاهرات سلمية في شمال شرق وجنوب شرق بلغاريا مطالبين بإعادة أسمائهم الحقيقية، وشارك فيها آلاف من المسلمين، وردت السلطات الشيوعية بعنف إذ استخدمت الكلاب البوليسية والقنابل الدخانية والدبابات والحوامات، وراح ضحية تلك الأحداث عدد كبير من المسلمين وطرد الآلاف على إثرها من بلغاريا حتى الذين لم يتظاهروا خصوصاً من كانوا يحملون الدرجات العلمية كالأطباء والأساتذة والاقتصاديين والمهندسين. قال رجل شرطة يومها لأحد المسلمين: «أنت لغتك مختلفة ودينك مختلف وكنت ترغب دوماً في الذهاب لتركيا فاذهب لها الآن!» . وتم بذلك إرغام أكثر من ثلاثمائة ألف مسلم بلغاري من أصل تركي على ترك أراضيهم وبلادهم في فترة أقل من خمسة أشهر، ليشكل ذلك واحدة من أكبر الهجرات التي عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. أما الغجر المسلمون فيعانون من التمييز والاحتقار، ويسكنون في مجمعات سكنية مزدحمة جداً وفي أحياء خاصة بهم في ضواحي المدن في بيوت أكثرها مبني من الألواح الخشبية، وتعيش غالباً أسرتان أو أكثر في الوقت نفسه، وتفتقر أحياء الغجر إلى الخدمات الأساسية كالماء والصرف الصحي أو دورات المياه.. ففي (فايدن) مثلاً يوجد (٦٠٠٠) غجري اضطروا لحفر الآبار لعدم توصيل المياه لهم، كما لا يوجد الهاتف إلا في خمسة بيوت من أصل (١١٠٠) بيت، وقد صدر قرار عام ١٩٦٢م يقضي بعدم اختلاط أبناء الغجر والبوماك المسلمين مع أبناء الأتراك، وأن لا يعين أساتذة من أصل تركي في مدارسهم، وأكثر من نصف الغجر أعمارهم أقل من ١٦ سنة، ولم يكمل الابتدائية إلا ٣٠% من الغجر، وأكثر من نصف من هم فوق الثلاثين أميون [٩] كما يحرمون من الرتب في الجيش، وتعهد إليهم الأعمال الشاقة والمهنية عند خدمتهم (وكذلك الأتراك) ، وفي مدينة (بازارجك) يسكن حوالي (٢٧. ٠٠٠) مسلم غجري في إحدى ضواحيها، وقد زرت ذلك الحي ولم أجد مسجداً واحداً، والمسلمون هناك يعرفون أنهم مسلمون فقط، وقليل منهم من يعرف أي شيء عن الإسلام، رأيت الأطفال فرحين يمرحون في ساحة مبنى جديد ذكروا لنا أنه جامع، وأخبرني المترجم أنه مبنى لكنيسة ستقوم في هذا الحي الذي لا يوجد فيه مسيحي واحد، وحالياً تتصارع الإرساليات التبشيرية على هذه (المادة الخام) ، فأين المسلمون؟ وبماذا يقابلون ربهم ويجيبونه عن هذا التفريط؟ ! واقع المسلمين في بلغاريا: على الرغم من سقوط الشيوعية عام ١٩٨٩م وانفتاح بلغاريا على العالم إلا أن الدستور الحالي الجديد يمنع تأسيس أحزاب على أساس عرقي أو ديني، ولذا لا يجد المسلمون من يمثلهم في البرلمان عدا (حركة الحقوق والحريات) وهي حركة أعلنت نفسها علمانية وتدافع عن حقوق الأقليات (ومن ضمنهم الأتراك) وفازت في انتخابات البرلمان في يونيو ١٩٩٠ م بـ (٦. ٩%) من الأصوات، وفاز الحزب الاشتراكي البلغاري بـ ٣٢. ٩% (الشيوعيون سابقاً) كما فاز اتحاد القوى الديمقراطية (المعارضة) بالأغلبية. وللمسلمين مفتٍ أكبر (في الثلاثينات من عمره) ولهم مفتون في المناطق عددهم تسعة، والجميع أعضاء في المجلس الروحي (مجلس الشورى للمسلمين) ويوجد معهد إسلامي في صوفيا، وتوجد حالياً ثلاث مدارس بها تعليم ديني: واحدة في روسي شمال شرق بلغاريا، وأخرى في تشومن شمال بلغاريا، وثالثة في كارجيلي في الجنوب الشرقي، وتشرف على هذه المدارس دار الإفتاء في بلغاريا، وهذه المدارس هي مباني أوقاف سابقة استطاع المسلمون استردادها، وهي غالباً للمسلمين من أصل تركي (ولكن لا يمنع المسلمون الآخرون من الالتحاق بها) ، واهتم بها الأتراك للحفاظ على هويتهم القومية! والتعليم الديني لأبنائهم، ولا توجد مدارس ذات طابع ديني في مناطق البوماك أو الغجر، علماً أن البوماك أكثر حفاظاً والتزاماً بالدين من القوميات الأخرى. وتشهد المساجد عودة طيبة ولله الحمد إلى الإسلام حيث تمتلئ بالمصلين في صلاة الجمعة، وبدأ المسلمون في أكثر المناطق المسلمة بفتح حلقات تحفيظ القرآن خصوصاً للأطفال. احتياجات المسلمين في بلغاريا: ما يحتاجه المسلمون حالياً في بلغاريا هو معرفة دينهم، ويساعد على تحقيق ذلك ما يلي: * بناء المساجد والمساعدة على تعيين الأئمة والدعاة المختصين بالعلم الشرعي. * إرسال بعثات من أبناء المسلمين البلغار إلى الدول الإسلامية للدراسة فيها. * تأسيس المدارس الإسلامية لتبصير أبناء المسلمين بأمر دينهم. * طباعة الكتب الإسلامية باللغة البلغارية التي يفهمها المتحدثون باللغة الروسية أيضاً، وعسى أن تترجم بعض الكتيبات والرسائل الصغيرة في العقيدة والعبادات والآداب والأخلاق. ويعاني بعض المسلمين (وخصوصاً الغجر) من الفقر ويحتاجون للكساء والفحم في الشتاء، مما يلزم عناية الجهات الخيرية بمدهم بهذه المعونات لسد احتياجاتهم الماسة، حتى لا تكون هيئات التنصير أقرب لهم من إخوانهم مما يحملهم على ترك الإسلام مادام المسلمون لا يحملون همهم. الجهود الحالية: توجد في بلغاريا حالياً عدة جمعيات خيرية هي: - هيئة الإغاثة الإسلامية. - جمعية الوقف الإسلامي. - هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية. وقد قدمت الهيئة الأولى أعمالاً بسيطة، وقامت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية ببناء بعض المساجد وكفالة عدد من الأيتام، وأقامت دورة للدعاة والأئمة، كما قامت مؤخراً بتقديم مساعدات مادية مقطوعة اقتصرت على الطالبات في مدرسة روسي. وتكفل جمعية الوقف الإسلامي بعض الدعاة والأئمة في بلغاريا، وقدمت مساعدات إلى المدارس الإسلامية السابق ذكرها، كما اشترت مؤخراً مبنى من ٤ طوابق في قرية (سارنيتسا) في مناطق البوماك المسلمين ليكون مدرسة وسكناً للطلاب يتم فيها تدريسهم أمور دينهم، كما يقوم بعض المحسنين ببناء المساجد وتقديم المعونات الإغاثية للمسلمين هناك. وقد تم قبول ١٥ طالباً بلغارياً في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وتسعة طلاب في كلية الشريعة بعمان الأردن. هذا واقع المسلمين في بلغاريا وتلك احتياجاتهم، أدركوهم بالعون والمساعدة قبل أن تقضي عليهم الجهود الكبرى للتنصير. (ألا هل بلغت؟ ... اللهم فاشهد) .

стр. 1657

المسلمون والعالم العالم الإسلامي في مرآة الصحافة -التحرير - أخي القارئ: في هذه الزاوية سنحاول جاهدين اختيار مقتطفات من بعض التقارير والأنباء واللقطات في بعض الصحف السيارة، مما له مساس بواقع أمتنا الإسلامية، مع العلم أن ما يطرح في هذه الزاوية لا يعني بالضرورة الموافقة على ما جاء فيها بل يقصد منه بيان الرأي الآخر. - البيان - أضواء على جرينوفسكي: هذا الزعيم الروسي الذي ظهر فجأة، وأقنع الناخبين الروس الذين يعيشون إحباطات وأوضاع لا يحسدون عليها بطروحاته الدعائية، أثار رعب الغرب والشرق، وهذه نبذة للتعريف به وبيان لتوجهاته. ولد جرينوفسكي من أب يهودي عانى في طفولته من البؤس والتشرد وهاجر أقاربه إلى إسرائيل وكان قد عزم على السفر هناك عام ١٩٨٣ م وكان يعمل ضابطاً احتياطياً برتبة نقيب في الـ «كي جي بي» وبعد ظهور نظام تعدد الأحزاب في الاتحاد السوفيتي سابقاً تم تأسيس حزبه (الليبرالي الديمقراطي) بناء على تعليمات الحزب الشيوعي السابق إلى الـ كي جي بي، حيث قال جورباتشوف آنذاك: «يجب أن نبادر بإنشاء حزب بديل شريطة أن نسيطر عليه» ، فتم إنشاء ذلك الحزب. ومن الملفت للنظر أنه يدعي أن ٩٠% من أعضاء ذلك الحزب من اليهود، وفي الانتخابات الروسية الأخيرة تقدم هذا الحزب على غيره من الأحزاب، لما كان يرفعه من شعارات أحيت في الشعب الروسي أحلامه السابقة بعودة الامبراطورية الروسية، وقد كان جرينوفسكي ينادي خلال حملته الانتخابية بالأمور التالية: * مكافحة الجريمة دون رحمة. * العودة إلى روسيا العظمى التي تشمل أراضي في البلطيق وأوكرانيا وآسيا الوسطى. * الدعوة إلى احتلال كل من تركيا وإيران والوصول إلى المياه الدافئة في الخليج! * المناداة بأن يكون الروس وحدهم يمثلون ٩٩% من الحكومة الجديدة. وفي ذلك إشارة إلى عدم قبول أي من الأجناس الأخرى في الحكومة ما عدا اليهود. * إضافة إلى ذلك فقد كان يدعو إلى قيام وحدة اقتصادية وثقافية بين الدول السلافية وروسيا. تميزت شخصية ذلك الزعيم بملامح واضحة أثرت في تعامله مع الآخرين، فمثلاً: * في خلافه مع أعضاء البرلمان قال إن ١٠% من أعضاء البرلمان مجانين. * وحين رفضت السلطات الألمانية استقباله قال أنه يتوجب على ألمانيا دفع ثمن باهظ وستصبح بلداً فقيراً بعد احتلالها. * وقال أيضاً أن رومانيا دولة مصطنعة وإنما تتألف من غجر إيطاليين. * تناقضاته الكثيرة: فمرة ينفي أنه من أصل يهودي، وأخرى يصرح بأن أباه كان يهودياً ويعلن معاداته للسامية، ولكن في حين آخر ينفي ذلك أو يحصر معاداته في غير اليهود. ومن المضحك أن يستبشر بعض أفراد اليسار العربي بظهور نجم ذلك المخلص المزعوم الذي يستطيع أن يقول للغرب «لا» بكل قوة. البوسنة: * أكد رئيس وزراء البوسنة حارث سيلايجيتش أن اللورد أوين يتهم الحكومة البوسنية بالإبقاء على الخيار العسكري في وقت يتم فيه تدمير مواقع مدنية، وأضاف: يبدو أن أوين وغيره لا يستطيعون قبول البوسنة إلا كضحية من دون موارد. (الحياة ٢٧/٧/١٤١٤ هـ) بدون تعليق: حذر مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق ريتشارد بيرلي من أن يسود شعور بالاضطهاد لدى المسلمين في البوسنة، وقال: «إذا أردنا أن نشن حرباً على الأصولية والإرهاب، فإن مصداقيتنا تحتم علينا أن نُظهر أننا مهتمون بقضية المسلمين الذين أظهروا استعداداً للعيش بسلام مع غير المسلمين» . (الحياة ٥/٨/١٤١٤ هـ) على الحبلين: قدم السفير الأمريكي في اليمن صوراً من الأقمار الصناعية توضح تحركات قوات اليمن الشمالية والجنوبية على الحدود السابقة، وذلك إلى كل من الرئيس ونائبه. (الأسوشيتدبرس ١٦/١/١٩٩٤م) تزكية من أبي عمار: قال ياسر عرفات في مقابلة مع شبكة أنه يعتقد أن رئيس الوزراء إسحق رابين رجل يحترم وعوده. (الحياة ٣/٧/١٤١٤ هـ) أول الغيث: ذكرت عائلات فلسطينية أن أعضاء من حركة فتح اشتركوا مع حرس إسرائيلي في مهاجمة سجناء فلسطينيين لإخماد شغب في سجن كيتزيعوت. (الحياة ١٧/٧/١٤١٤ هـ) موقف مشرف في ظل الانهزام العربي: ... من الصعب جداً التقليل من الخطورة التي انطوت عليها «زيارة» أسقف كانتربري في هذا الأسبوع إلى بعض المناطق التي لاتزال تحت سطوة المتمردين في جنوب السودان، وهي «الزيارة» التي لا يمكن أن تسمى «زيارة» إلا مجازاً فحسب، وإلا فإنها كانت أشبه بعمل من أعمال التسلل، ودخول البيوت من غير أبوابها، والدخول إلى أراضي الآخرين هكذا عنوة، من غير أدنى مراعاة لمشاعر الدولة التي تقع هذه الأراضي تحت سيادتها، قانونياً ودولياً ومن غير احترام حتى للشكليات الإجرائية البحتة. التدخلات الانجليزية في شؤون السودان، في كل الفترة التي أعقبت الاستقلال السياسي الرسمي في سنة ١٩٥٦م، تكاد تكون موضوع رواية كاملة مطولة، كثيرة الفصول، ولا يبدو أنها على وشك الانقضاء، كما لا تبدو الآن حكاية أسقف كانتربري، التي تداخلت فجأة من الأسبوع الماضي وتشابكت مع حكايات تدخلات السفير البريطاني لدى الخرطوم في الشأن السوداني الداخلي، سوى مجرد آخر هذه الفصول المتلاحقة من ١٩٥٦م. الفارق الوحيد الآن بين هذا الفصل الأخير وفصول السنوات السابقة الطويلة، هو أن هذه هي المرة الأولى غير المسبوقة على الإطلاق من سنة ١٩٥٦م، التي يسمع فيها سفير الدولة العظمي، المسيطرة على السودان سابقاً أن للسودان المستقل كبرياءه الوطنية أيضاً، وأن في مقدوره دائماً أن يطلب من أي ضيف أو غريب وافد مغادرة السودان، بسلامة الله وحفظه، إذا كان من العسير عليه مثلاً، لأي سبب نفسي أو عقلي، أن يحترم كبرياء الوطن السوداني ويتقيد على الأقل بالأعراف الدبلوماسية المعهودة والمرعية. غي أن الانهزام العربي العام، الساحق جداً في هذه الساعة، هو وحده فقط الذي يجعل من أمثال هذه المواقف السودانية غير مفهومة وغير مألوفة بل غير معقولة وغير مقبولة في رأي عقلاء العرب في هذه الأيام، الذين أفرطوا في العقل جداً، وقد أوشكت الآن أن تقتلهم التخمة العقلانية المفرطة. (حافظ الشيخ، جريدة الوطن ٢٢/٧/١٤١٤ هـ) منظمة العفو الدولية وتونس: ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها صدر في ١/٨/١٤١٤ هـ «أن هناك هوة بين التصريحات الرسمية وحقيقة الإنتهاكات الخطيرة والمتكررة لهذه الحقوق» ، وقالت المنظمة أن المؤسسات التي أنشئت أخيراً لحقوق الإنسان تنقصها الاستقلالية وتتميز بالعجز وبطابعها السري. وذكر التقرير أن المنظمة تجري حواراً بلا طائل مع السلطات التي تستمر في نفي وجود انتهاكات لحقوق الإنسان وفي تبريرها. (الشرق الأوسط ٢/٨/١٤١٤ هـ) فضيحة: تزوير الأدلة ضد الإسلاميين: تحولت قضية الوثائق التي ادعت أجهزة الأمن الفرنسية، العثور عليها في منزل رئيس منظمة «الأخوة الجزائرية» موسى كرواشي، إلى فضيحة عندما نشرت صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية أن الوثائق التي عثر عليها يحتمل أن يكون مصدرها عناصر الشرطة أنفسهم، وعندما قرر وزير الداخلية الفرنسي شارك باسكوا فتح تحقيق بدأت الأجهزة الأمنية تتبادل التهم، فالاستخبارات اتهمت الشرطة القضائية أن أحد عناصرها وضع الوثائق عن طريق الخطأ ضمن وثائق أخرى وجدت في المنزل، أما الشرطة فردت بالنفي وأن الاستخبارات يحاولون تلبيسهم خطأ ارتكبه أحد العاملين في جهازهم. والسؤال الذي يطرح نفسه هو أنه إذا كانت أجهزة الأمن في دولة تدعي الديمقراطية ورعاية حقوق الإنسان تقوم بتزوير أدلة واختلاق اتهامات، فماذا عساه يجري في دول العالم الثالث؟ ! (وكالات الأنباء ٥/٨/١٤١٤ هـ)

стр. 1658

دراسات اقتصادية الإسلام والقضايا الاقتصادية المعاصرة معالجة الأزمات الغذائية (١) د. محمد بن عبد الله الشباني مقدمة: ترتبط المشكلات والأحداث السياسية بالقضايا الاقتصادية، فالأوضاع الاقتصادية لها تأثير في مسار الأحداث والتغيرات التي تصيب الدول والشعوب والحضارات؛ لهذا فإن الأوضاع الاقتصادية وكيفية معالجتها تؤدي إلى التأثير سلباً أو إيجاباً على صمود الدول والمجتمعات تجاه رياح التغيير، فكلما تمت معالجة الأوضاع الاقتصادية وفق سنن الله ووفق قواعد العدل، فإن رياح التغيير لا تتمكن من التأثير في أوضاع الدول والمجتمعات، ولكن إذا سارت المجتمعات في تنظيماتها حسب الأهواء والرغبات، وخالفت سنن الله الكونية فإن مآلها إلى الزوال. إن الإسلام دين يجمع بين دفتيه خيري الدنيا والآخرة، ويعالج مشكلات الحياة الدنيا بنفس القدر الذي يعالج فيه أمور العقيدة، وما يتصل بها من مسائل ذات ارتباط بوجود الإنسان وغايته على هذا الكوكب. يُتهم الإسلام من قبل أعدائه وجزء كبير من المنتسبين إليه ممن يدعي الثقافة والعلم بأنه لا يمتلك تصوراً كاملاً لتنظيم شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأن المعطيات المعاصرة لا تتلاءم مع التنظيمات الجزئية التي أمر بها الإسلام. لهذا فإنه ينبغي على المجتمعات الإسلامية إذا أرادت الخروج من واقعها أن تتبنى المناهج الغربية في التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، ولهذا تتجه الدول الإسلامية قِبَل البنك الدولي ليضع لها السياسات الاقتصادية، والاجتماعية التي يجب على هذه الدول اتباعها إذا أرادت الخروج من واقعها الاقتصادي السييء. إن هذه المقولة وتبنيها من أصحاب القرارات في العالم الإسلامي والإيمان بها من قِبَل قادة الفكر الاقتصادي والسياسي، إنما ينبع من جهل كامل بالإسلام وتعاليمه وقلة الفقه بالتشريع الإسلامي، ومحاربة كل توجه للأخذ بالإسلام، والتسليم الكامل بالمقولات الغربية الناتج عن الانهزام النفسي والمادي الذي أصاب العالم الإسلامي تجاه القوى الغربية المتسلطة. إن من أهم مجالات الدعوة للعودة للإسلام في هذا العصر هو إبراز التصور الإسلامي لما يمكن أن يقدمه الإسلام من حلول في المجال الاقتصادي ولهذا فإن الغاية التي أرمي إليها من نشر هذه السلسلة من المقالات في مجلة البيان هو المشاركة في إبراز ما يحتويه الإسلام من ثروة علمية في تنظيم الحياة الاقتصادية المعاصرة، وما يشتمل عليه من مبادئ اقتصادية علمية ينبغي للمجتمعات الإسلامية الأخذ بها، وتطبيقها في الواقع المعاش. إن المنهج الذي سوف أتبعه في استعراض القضايا الاقتصادية المعاصرة هو أخذ أي مشكلة اقتصادية أو وضع تنظيمي اقتصادي معاصر وإبراز وجهة النظر الإسلامية من خلال دراسة الأدلة الشرعية من القرآن والسنة بإيضاح المنهج الذي يرشد إليه الإسلام في معالجته لهذا الوضع، ومدى قابلية هذا المنهج للاسترشاد به في حل الأوضاع الاقتصادية المعاصرة، وإبراز مدى التفرد والتميز والواقعية للمنهج الإسلامي في معالجة الأمور الاقتصادية. النقص المؤقت للسلع: من المشكلات الاقتصادية التي تواجه المجتمعات المعاصرة مشكلة النقص المؤقت للسلع التي يحتاج إليها الأفراد: هذا النقص قد يكون ناتجاً عن سوء السلوك الإداري للمديرين الذين يتولون إدارة الاقتصاد في المجتمع، أو قد يكون ناتجاً عن عناصر التدخل في ميكانيكية السوق بالاحتكار وحجب السلع عن السوق، أو قد يكون ناتجاً عن نقص فعلي في السلع. إن معالجة النقص في السلع مرتبط بمعالجة السبب المحدث للنقص والإسلام يعالج الأسباب الجزئية، لكن علاجه لا يمكن أن يؤدي دوره الكامل والفاعل إذا لم يكن الإطار العام للتنظيم الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي للمجتمع يخضع لقواعد وقيم الإسلام الحاكمة للفكر والتوجيه العقائدي والسلوكي، ولهذا ينبغي إدراك هذه الحقيقة، وان العلاج لجزئية من الجزئيات لا تنفصل عن الإطار الكلي للعلاقات التأثيرية لمختلف الأنظمة الاجتماعية. لقد وردت أحاديث نبوية عديدة تعالج معظم الأسباب التي تؤدي إلى وجود وظهور النقص في السلع، وفي هذه الحلقة سوف أقتصر على كيفية معالجة الإسلام للنقص الفعلي، أما الأسباب الأخرى لمعاجة مشكلة الأزمات الغذائية فسوف أستعرضها في مقالة لاحقة إن شاء الله. روى مسلم ومالك والبيهقي، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة، قال عبد الله بن أبي بكر فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول: دف [١] أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ادخروا ثلاثاً ثم تصدقوا بما بقي، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله: إن الناس يتخذون الأسقبة من ضحاياهم ويحملون فيها الودك [٢] ، فقال رسول الله ﷺ : ما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وادخروا وتصدقوا» وفي رواية من طريق آخر لدى ابن ماجة عن عبد الرحمن بن عايش عن أبيه عن عائشة ﵂: إنما نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الأضاحي لجهد الناس، ثم رخص فيها وفي رواية للبخاري عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال النبي ﷺ : «من ضحى منكم فلا يبقينّ بعد ثالثة وفي بيته منه شيء» فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهدٌ فأردت أن تعينوا فيها. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» . بدراسة الأحاديث السابقة نجد أن الرسول ﵊ عالج النقص السلعي في المدينة بأسلوب توجيهي للأمة ليقتدي به قادة الأمة الإسلامية حيث وضع ﵊ منهجاً تطبيقياً ينبغي على الدولة المسلمة اتباعه عند حدوث النقص في السلع التي يحتاج إليها الناس خلال فترة النقص ويتمثل هذا المنهج في التدخل وبالمعالجة الوقتية وفق هذا التوجيه النبوي القائم على مواجهة الظروف، فمعالجة الرسول ﷺ للمجاعة عندما وفدت أعداد من الأعراب إلى المدينة في عيد الأضحى أنه ﷺ نهى عن الاحتفاظ بلحوم الضحايا لأكثر من ثلاثة أيام، وعندما انتهت الأزمة سمح بالادخار. هذا التوجيه النبوي يمكن انتهاجه واعتباره استراتيجية يتم اتباعها عند مواجهة الأزمات التموينية، فعند نقص السلع يمكن تدخل الدولة بتقنين كمية الاستهلاك الفردي، ومنع الادخار. يؤكد هذا الأمر حديث أبي موسى عن الأشعريين حيث ورد في الحديث تحبيذ الرسول ﷺ لمنهجهم في حالتين: الأولى في حالة السفر، وعند نقص الإمدادات، والثانية في المدينة عند نقص الكميات المتوافرة، والتوجيه النبوي تعليم للأمة وإرشاد إلى المنهج الذي ينبغي اتباعه في حالة نقص المواد السلعية الاستهلاكية سواء أكان بسبب نقص الإنتاج أو التأخر في الحصول عليه من خلال الجلب، أي التأخر في الاستيراد لأي سبب، فعندئذ يمكن تحديد كمية الاستهلاك من هذه السلع الناقصة بحيث لا يزيد الشراء عن حاجة ثلاثة أيام، كما أنه يمكن حصر الكميات المتوفرة في الأسواق وبيعها على الناس وفق حاجة الفرد الاستهلاكية لمدة ثلاثة أيام، وعلى الجهاز الحكومي استخدام الأساليب التنفيذية اللازمة باستخدام جميع المعطيات العلمية المتوفرة لتنفيذ هذا التوجيه النبوي. إن هذا الإجراء ليس إجراءاً مستمراً، وليس قاعدة عامة تتبع في كل حين، بل إن هذه المعالجة جاءت لمجابهة واقع النقص فقد أوضح حديث الأشعريين أن هذا الإجراء مرتبط بالأزمات، حيث أشار الحديث إلى اتباع سياسة التوزيع التمويني عند النقص الفعلي للسلع، ولكن لا يكون ذلك أسلوباً دائماً وسياسة تموينية ثابتة، ونمطاً في ممارسة إدارة الاقتصاد التمويني، لكن هذا الأسلوب يتبع فقط عند حدوث الأزمات، وعندما تنفرج فإن القاعدة العامة ترك الناس يتصرفون وفق رغباتهم وقدراتهم المالية، ووفق واقع السوق الذي يوجه عملية التبادل التجاري وفق قانون العرض والطلب. إن أسباب النقص الفعلي للسلع تتمثل في أمرين حسب ما أشار إليه حديث أبي موسى وهما: الأول: عند نقص الإنتاج من السلع لظروف طبيعية خارجة عن إرادة الإنسان فنتج عن ذلك نقص في الكمية المعروضة للبيع عن الحاجة الاستهلاكية. والثاني: قلة الجلب (الاستيراد) وهو تأخر أو امتناع المستوردين عن الاستيراد أو ضعف الدولة عن استيراد كامل ما تحتاجه من السلع من خارج إقليمها أو نتيجة لحصار اقتصادي مفروض عليها من أعدائها. المعالجة الإسلامية للأزمات الغذائية لا تخرج في إطارها العام عن المعالجة المعاصرة، إلا أن الإسلام يتميز بعنصر لا يوجد في أي نظام من الأنظمة الاقتصادية المعاصرة، هذا التميز يتمثل في أن امتثال القرارات الإدارية التي تصدر عن ولاة الأمر تلقى القبول النفسي والتنفيذي الطوعي لارتباطها بالإيمان العقائدي للأفراد، فالمسلم يقبل ما تفرضه الدولة من إجراءات باعتباره تحقيقاً لمصلحة عامة، ولكنه قبل ذلك باعتباره مطلباً شرعياً يرتبط بمفهوم تحقيق العبادة لله. إن نجاح هذا المنهج لا يتوقف على التنفيذ التطبيقي الجزئي لهذا الإجراء فلا يمكن نجاح هذا الإجراء في مجتمع غالبية شعبه مسلم إذا لم تكن أنظمة هذا المجتمع في جميع مناحي الحياة تلتزم بالتشريع الإسلامي، لهذا نجد أن عمليات تقنين الاستهلاك في المجتمعات الإسلامية غير ناجحة بسبب أن التنظيمات الاجتماعية الأخرى مخالفة، وبالتالي لا تجد القرارات التنظيمية التي يقرها الإسلام ويأمر بها القبول من قبل الجماهير الإسلامية في الدول الإسلامية بسبب التناقض في توجهات هذه الدول ومناهجها التنظيمية الأخرى التي تتصادم مع أساسيات الدين وقواعده. إن التنظيم الإسلامي في جزئية من الجزئيات لا يمكن نجاحه إذا فصل عن التنظيم الكلي، لهذا لا يمكن نجاح أي تنظيم اقتصادي كجزئية إذا كانت بقية الأجزاء تتصادم معه، وأكبر دليل على ذلك ما يتم انتهاجه بتقديم حلول فقهية لمشاكل اقتصادية أوجدها نظام اقتصادي لا يرتبط بالإسلام بل يعارضه ويعاديه. ومثال على ذلك نجد عدم قدرة البنوك الإسلامية في تحقيق التغيير في التنظيم البنكي ولجوءها في كثير من الأحيان إلى البحث عن الحيل الشرعية لكي توائم واقعها التنظيمي مع الواقع التنظمي الاقتصادي للنظام الربوي السائد في تلك المجتمعات، التي أجازت قيام مثل هذه البنوك أي البنوك الإسلامية مع إلزامها بالخضوع لفلسفة ومنهج النظام الربوي. هذا الوضع البيئي للبنوك الإسلامية أدى إلى عجزها عن التفرد والتميز بل أصبحت في معظم الأحيان أدلة يعتبرها المعارضون لأسلمة الاقتصاد، فيتخذون واقع هذه البنوك حجة لعجز الإسلام عن إيجاد البديل العملي، مما دفع ببعض من ينتسب إلى العلم الشرعي بإجازة صور عديدة من الربا وتغيير مسمى الفائدة أو الربا إلى الربح أو العمولة..

стр. 1659

في دائرة الضوء مستقبل الدعوة السلفية .. رؤية نقدية جمال سلطان تمهيد: تطرح مجلة البيان هذه الرؤية النقدية للكاتب الكريم والذي له العديد من الدراسات الفكرية والدعوية الجادة من قبيل النقد الذاتي الذي يراد منه التعاون لدراسة واقعنا الدعوي بعلمية وموضوعية، رغبة في تلافي ما قد يوجه إليه من ملاحظات أو سلبيات، وأملاً في الوصول به إلى الأفضل إن شاء الله والمجال مفتوح لأي مناقشة موضوعية تلتزم بآداب الحوار. والله من وراء القصد. - البيان - الدعوة السلفية هي عماد الصحوة الإسلامية المعاصرة، وهي مادتها، وقاعدتها القوية، التي تصل ما انقطع بين الخلف وسلفهم الطيب الصالح، وتدعو الناس إلى منهج الجيل الراشد، وهدي محمد ﷺ وأصحابه، لأن ذلك النهج وذلك الهدي، هما في الحقيقة منهاج الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، كما قال: «تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: وما هى يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي» . [١] وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الدعوة المباركة، تتحمل تبعات جسام في مسيرة الإحياء الإسلامى الجديد، تستدعي من أبنائها وأهلها أن يكونوا على قدر هذه التبعات، علماً وحكمة، وسعة وإدراكاً، وجهداً وجهاداً، وأثبت عند النوازل والفتن، على مختلف أنواعها وصنوفها. بيد أن الأمر الذى لا يسعنا تجاهله، أو تجاوزه، هو أن هذه الدعوة وأهلها من العلماء والدعاة والمفكرين والعاملين، يبقون بشراً من البشر، وتبقى جهودهم في هذا السبيل، جهوداً بشرية، يعتريها ما يعتري الجهد البشري من عوارض مختلفة، منها الزلل، ومنها الخطأ، ومنها الغلو أو الإفراط أو التفريط، ومنها الذهول عن بعض الحقائق المنهجية أو العلمية أو الواقعية، ومنها ضعف بعض النفوس، أو ضعف بعض الهمم، وهذه كلها سلبيات تقع لكل جهد بشري، فطرة الله، ولا عصمة لأحد من الناس بعد النبي الخاتم ﷺ ، وهذه الحقيقة من شأن استحضارها أن ينفي الحساسية الزائدة من أى ممارسة نقدية أو تقويمية ذاتية تتوجه إلى الجهود الدعوية المرتبطة بالمنهج السلفي، وإذا كنا نتوجه بالنظر والتقويم والنقد والتصحيح لمجهودات إسلامية مختلفة، من فصائل وأحزاب وجماعات، على قربها أو بعدها من المنهج الرشيد، فلماذا نستنكف نحن أن نقوم أنفسنا، ونعيد النظر في مسار الدعوة السلفية كل حين، للكشف عن المعوقات، أو الآفات، والسلبيات، التي تعترض مسار هذه الدعوة، أو التي تشينها، أو التي تتسبب في فتنة الآخرين تجاهها، إن انتساب أى شخص أو حركة أو تيار إلى المنهج السلفي لا يعني منحه صك عصمة مفتوحاً، بحيث يكون كل قول له أو فعل أو سلوك أو تقدير حقاً لا مراء فيه، ورشاداً لا زيغ معه، واستقامة لا اعوجاج بها، فهذا كله غلو ينبغي أن تتنزه عنه الدعوة السلفية، ولابد أن نملك الجرأة والثقة التي تجعلنا نعيد تقويم جهودنا الدعوية، بعدل وإنصاف، وتواضع وجد، حتى لا تتراكم الأخطاء، أو تتكاتف السلبيات، أو تتضخم الهفوات، بما يهدد وجود الدعوة ونكون عياذاً بالله فتنة للناس، في تقديرهم وحكمهم على منهج الفرقة الناجية ذاتها، والدعوة السلفية بوجه عام. ثلاث ملحوظات مهمة: وفق هذا الاطار، وتلكم الرؤية، تجيء هذه الملحوظات الثلاث التي أقدمها للقارئ المسلم، باعتبارها محاور أساسية، ألاحظ وجود الاضطراب بسببها عند بعض الجهود الدعوية، وأرى أن ضبطها ووعيها، وترشيد المسار الدعوي فيها، هو مطلب بالغ الأهمية، وشديد الخطورة، ومن شأن الإحاطة به وانجازه أن يختصر الكثير من مسافات الطريق نحو التمكين لدين الله ودعوة الحق في مستقبل البشرية إن شاء الله تعالى. الملحوظة الأولى: وتتعلق بفهم طبيعة الدعوة، ومداها، ورسالتها العامة، إذ هناك نفر من الدعاة يظنون الدعوة إلى التوحيد، مجرد عمل «تثقيفي» أو «تعليمي» تصحح به «تصورات» الناس تجاه مفهوم «الربوبية» و «الألوهية» ومنهج أهل السنة في «الأسماء والصفات» المتعلقة بالباري فحسب، دونما بيان شاف كاف عن «تجليات» هذه العقيدة في واقع الناس وسلوكهم ونظمهم الاجتماعية والقيمية والتشريعية ومشاعرهم وولائهم وجهادهم وغير ذلك، وهذا الاتجاه المحدود، لو تعززت وجهته في الدعوة السلفية، فستنتهى بنا حتماً إلى حصر الدعوة الإسلامية بشمولها في نوع من الجدل الكلامي الذى يكثر فيه تشقيق المعاني وتهويم الخواطر، وتناطح الأمثلة التجريدية، وإتاحة الفرصة تماماً أمام التيارات المنحرفة لصياغة الواقع الاجتماعى، وبنيان الأمة وفق مناهجهم الفاسدة. وهذا الخلل في الحقيقة يقدم بصور مختلفة أخرى، منها الحديث عن أن «تصحيح العقيدة» فقط هو مطلب هذه المرحلة، وليس من واجب الداعية وربما ليس من المشروع له أن يحدث الناس عن الانحرافات الخلقية، أو أزماتهم الاقتصادية أو مشكلاتهم التشريعية، أو تحدياتهم الدولية، أو هموم واقعهم المختلفة، فلا بد أولاً من تصحيح «عقيدة» الناس، ثم في مرحلة لاحقة نصحح باقى الانحرافات، ولا شك أن هذا انحراف كبير عن هدى محمد ﷺ ، ودعوة الإسلام قاطبة عند النبيين والمرسلين. لقد كان النبي ﷺ يدعو قومه إلى التوحيد الخالص في مكة، طوال ثلاث عشرة سنة، ليخرج قومه من ظلمات الجاهلية والوثنية والإشراك بالله، إلى نور التوحيد ومع ذلك الحرص الشديد على دعوة التوحيد، فإن الرسول ﷺ كان يجتهد في تصحيح الانحرافات الاجتماعية كلها في الواقع الذى يعيشه، ويقرن ذلك كله بالتوحيد، حتى لكأنهما بناء واحد لا يمكن فصل بعضه عن بعض في دعوة الحق، وحسبنا في ذلك القرآن المتلو في مكة: ألم يكن مما تلاه ﷺ على قومه في مكة [ «ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين» ] [٢] أرأيت كيف ترتبط الدعوة إلى العدل والقسط و «النزاهة» بالإيمان بالله واليوم الآخر؟ ! . أولم يكن مما تلاه ﷺ على الناس بمكة قول الحق تعالى: [ «أرأيت الذى يكذب بالدين، فذلك الذى يدعّ اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون» ] [٣] أرأيت كيف ارتبطت العقيدة بالسلوك الاجتماعى بالعبادة في رباط واحد وسياق واحد! ألم نقرأ ما نزل من آخر سورة الفرقان، وفقه الدعوة وشمولها فيه: « [والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون» ، «والذين لا يشهدون الزور» ] [٤] . ألم يربط القرآن أذهان المسلمين بالأحداث الدولية الجارية في زمانهم وآثارها على الجماعة المسلمة، رغم بعد المكان، وانعدام الصلة تقريباً من الناحية العملية بين هذه الجماعة وتلك الأحداث [ «غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد * ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» ] [٥] وعلى هذا النهج فقس، وهو أمر يطول ويشغل الصفحات العديدة، وهذا كله فيما نزل بمكة، ولا يوجد موحد آنذاك على الأرض إلا بضع عشرات من المؤمنين بقرية من قرى كوكب الأرض، وهذا أسوقه لمن يقابل بين واقع المسلمين الحالى، وواقع مكة: من بعد الناس عن التوحيد أو جهلهم به، وهذا أمر لا يسلم تماماً، فأوجه الافتراق واضحة، كما أن أوجه المشابهة موجودة أيضاً. ثم هل جاء نبي أو رسول من رسل الله، إلا وكان يدعو إلى إصلاح المجتمع كله، وليس فقط تصحيح العقيدة فقط، ألم يكن منهم من جمع إلى التوحيد الدعوة إلى التنزه عن فاحشة إتيان الذكران، ومنهم من دعا إلى القسط في المعاملات التجارية [ «أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين» ] [٦] ، ومنهم من دعا إلى إزالة التجبر والطغيان [٧] [ «أتبنون بكل ريع آية تعبثون* وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين* فاتقوا الله وأطيعون» ] . أولسنا مأمورين بالاقتداء بهذه الكوكبة الرائعة من دعاة التوحيد. [ «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده] [٨] . إن الدعوة السلفية مطالبة بمحاصرة هذه الجهود الانعزالية المنتسبة إلى المنهج السلفي، وهي في حقيقتها لا تتعدى الصورة الجديدة للمنهج الصوفي الانعزالي القديم، الذى عزل الدين عن الدنيا وهموم المجتمع ومقتضيات الاستخلاف في الأرض، قبل أن تأتي العلمانية لتستثمر هذا» الانحراف «وتؤسس عليه تخريبها الكبير في ديار الإسلام. الملحوظة الثانية: وهى محور أساس وجوهري من محاور الدعوة الإسلامية، يذهل المرء عندما يجد دعاة منتسبين إلى المنهج السلفي، ينازعون فيه، أو يحقرون من قيمته، وذلك هو أصل معرفة الزمان، والوعي العميق بالواقع الاجتماعي الذي تتحرك فيه الدعوة، وتتنزل به الأحكام، وقديماً قال الصالحون:» رحم الله امرءاً عرف زمانه فاستقامت طريقته «. إن البصيرة النافذة بأحوال الزمان، وأحوال الناس فيه، والعلاقات التي تتحكم في سلوك الناس الاجتماعي، وتؤثر في اتجاهات هذا السلوك، والضغوط التي تفعل فعلها في الواقع، وموازين القوى، وأعراف الناس المتغيرة، وهموم المسلمين وما عمت به البلوى وما لم تعم، والأخطار المحدقة بالأمة من خارجها ومن داخلها، ومواقع القوة أو الضعف فيها وفى أعدائها، ونحو ذلك من أحوال، فهذا كله ليس مجرد جهود محمودة، بل هى مطلب شرعى لا تستقيم الدعوة، ولا تنضبط أحكام الشريعة بدون تحصيله، وبدون هذا الفقه للواقع لا يمكن لمسلم تنزيل قاعدة» المصالح والمفاسد «، ولا أصل» لا ضرر ولا ضرار «، ولا أصل» ارتكاب أخف الضررين «ولا باب» سد الذرائع «ولا باب» الضرورات العامة وما تعم به البلوى «وغير ذلك الكثير من مقتضيات الدعوة وأصول الأحكام، ومن دخل في شيء من هذا كله بدون معرفة بالزمان وبصيرة بأحوال المسلمين وفقه لواقعهم، فهو» مغامر «ولا شك، وضارب في عماية، ولا يؤمن جانب دعوته وفتواه أن تودي بالمسلمين إلى موارد الهلكة والفساد. ولقد كان من هدي محمد ﷺ ، مراعاة أحوال الناس، والبصيرة بواقعهم وظروف الزمان، وموازين السلوك الاجتماعى، وكان يوجه دعوته ﷺ وفق ذلك الاعتبار، فيقدم ويؤخر، ويوجه ويرشد. روت لنا كتب السنة الصحيحان والنسائي وأحمد واللفظ لمسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، قالت: فقلت يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم، قال رسول الله: ولولا حدثان قومك بالكفر لفعلت» . لقد وعى رسول الله ﷺ ، واقع الناس، وحساسيات ذلك الواقع ووضع ذلك كله في اعتباره وتقديره، فأخر ما كان يحب فعله مراعاة لذلك الواقع، وقد ثبت أن ابن الزبير ﵁ حقق ما أمله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما بعد، بعد أن تغير الواقع واختلفت موازينه. وروت لنا كتب السنة اللفظ لمسلم في صحيحه من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: كنت ردفِ رسول الله ﷺ على حمار يقال له عفير، قال فقال: يا معاذ تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال قلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال: لا تبشرهم فيتكلوا. وفى هذا الحديث الجليل فائدتان، الأولى هي هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما منع إذاعة البشارة في ذلك الوقت، مراعاة لأحوال الناس، ومبلغ فقههم وانتشار العلم فيهم، ودرجة وعيهم بوضع هذه البشارة من سياق التكليف كله، ومن لا يعرف واقع الناس لن يفهم قيمة ذلك الهدي الجليل، والفائدة الأخرى من اجتهاد «معاذ بن جبل» ﵁، عندما أذاع هذه البشارة قبل موتته، وما ذلك إلا لمعرفته بهدي النبي ﷺ وأن المنع كان متعلقاً «بواقع الناس» فلما «تغير الواقع» وشاع العلم، وتمكن الإسلام في النفوس أذاع البشارة تأثماً من كتمان العلم، ومعاذ ﵁ هو من هو في معرفة الحلال والحرام، وكان رسول الله ﷺ قد اختاره لتبليغ الدعوة ونشرها في «اليمن» وبعث معه أبا موسى الأشعري، وأوصاهما في مهمتهما الجليلة فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا» [٩] واليسر والبشارة أو العسر والتنفير ليسا من الأمور النظرية المجردة، وانما هى مرتبطة «بواقع الأحكام والدعوة في المجتمع وبين الناس» فمن جهل طبيعة الواقع أو تجاهل أحوال الناس لم يدر هل يسر عليهم؟ أم عسر؟ وهل نفرهم عن الدعوة أم حببهم إليها؟ فضلاً عن متى يكون التكليف «يسراً» في الواقع، ومتى يكون «عسراً» . وواقعة حديث معاذ رضى الله عنه نفسها تكررت مع أبى هريرة رضي الله عنه، وروتها كتب السنة، إذ حمله الرسول ﷺ البشارة: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة» فقال عمر ﵁، لرسول الله ص: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، قال رسول الله ﷺ فخلهم « [١٠] ، وفى هذه الواقعة فائدة إضافية، وهى اجتهاد عمر ﵁ في معرفة الزمان وأحوال الناس وواقعهم وبالتالي أثر البشارة في ذلك الواقع، ولا شك أن اجتهاد عمر أتى من خلال معرفته بهدي نبيه ونبينا محمد ﷺ ، وأن ذلك الاجتهاد متوافق مع ما تعلمه منه، لأن مثل عمر لا يقدم بين يدي الله ورسوله، ثم فائدة اجتهاد» أبي هريرة «في إذاعة الحديث في زمان لاحق، بدليل أنه وصلنا الآن ودونته كتب السنة. وروت لنا كتب السنة واللفظ للبخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمعها الله رسوله ﷺ ، وقال: ما هذا؟ فقالوا كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي ﷺ : دعوها فإنها مُنْتِنة، قال جابر: وكانت الأنصارُ حين قدم النبي ﷺ أكثر ثم كان المهاجرون بعدُ، فقال: عبد الله بن أبي: أوقد فعلوا؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي: دعهُ، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتُل أصحابه» . فانظر إلى حكمة النبي الكريم وهديه، فالخطاب لم يتعلق برفض ما ذهب إليه عمر ﵁ من كونه يستحق القتل على فعلته، وإنما الخطاب تعلق بأثر ذلك الفعل في «الواقع» ومدى تأثيره في حركة الدعوة ومسيرة الجماعة المسلمة وفتنة الناس «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» ، و «ابن أبي» ليس من أصحابه ولا شك، ولكن الرسول ﷺ يتحدث عن «واقع موضوعي» ينبغي مراعاته، بغض النظر عن «الحكم المطلق» إذ عامة العرب لا تعرف هذه «التفصيلات» الداخلية في الجماعة المسلمة، وإنما هي تنظر إلى مثل ابن أبي بن سلول على أنه من أصحاب محمد، فهل لنا من السير على مثل هذا الهدي النبوى الكريم؟ ! . والشواهد على ذلك الهدي تطول، ولعل باحثاً نابهاً يجتهد في جمعها واستقصائها في دراسة شاملة، فهذا مما يحتاج إليه الشباب بخاصة في هذه الأيام، وحاصل الكلام هنا أن معرفة الزمان والبصيرة بالواقع، وفقه أحوال الناس، وهموم الأمة الداخلية والخارجية، هى مطلب شرعي ملح، ولا سيما في هذه الأيام، ولا تستقيم دعوة، ولا يهدى بيان، لا يمتلك هذا الأساس القوي الجليل، وإن من يكابرون في ذلك ويعاندون ولا أقول يخالفون يلحقون أبلغ الضرر بالدعوة السلفية، ويفتحون باباً واسعاً لفتنة الناس والشباب في جدية هذه الدعوة وفاعليتها ... وقيمتها. الملحوظة الثالثة: وهى متعلقة بفقه الاختلاف، والذى تحول إلى ثغرة خطرة تهدد بنيان الدعوة، وتؤرق أبناءها، حيث أصبح كل خلاف ينشأ بين اثنين أو وجهتين من أبناء الدعوة هو بمثابة «حرب شرسة» ، لا توسط فيها ولا رحمة، والخائض فيها إما قاتل وإما مقتول، من سهام التجريح والتقريع والاتهام في النوايا والسرائر وترصد الشوارد وتلمس السقطات وغير ذلك على قاعدة «لا نجوت إن نجا» ! مسائل ثلاث: والحديث هنا يتعلق بثلاث مسائل: المسألة الأولى: وتتوجه إلى أدب الاختلاف، حيث يتوجب استحضار روح الأخوة والرحمة واللين وخفض الجناح وإحسان الظن في خلاف أهل الإسلام، ولا سيما أبناء المنهج السلفي الواحد، فهم أهل ذلك وهم الأولى به، وضرورة النأي عن الفظاظة والقسوة والعنف والتجريح والطعن في النوايا، وهذا هو الأصل العام للدعوة الإسلامية: [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هى أحسن] [١١] . والخلافات لا تنتهي في الفروع ومواطن الاجتهاد، فليس يعقل أن يصبح كل خلاف «مشروع حرب» ، وتوطئة إلى القطيعة وربما السباب، إلى الحد الذي أصبحت فيه الخلافات بين أبناء الدعوة السلفية تتسم في كثير من الأحيان بالشراسة والمرارة والقسوة، فما أبعد الطريق بيننا وبين أخلاق سلفنا الصالح. روى الذهبي في «سير أعلام النبلاء» قول يونس الصدفي رحمه الله تعالى قال: «ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة» [١٢] ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى «.. ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة» [١٣] . المسألة الثانية: تتعلق بتوصيف الاختلاف، فعلى الرغم من أننا نملك نصوصاً واضحة في بيان «السعة» في أمر الاجتهاد، من أجلاها قول الرسول الكريم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» [١٤] إلا أن كثيراً من المختلفين يضن بعضهم على بعض أن يكون له ولو أجر واحد، أو أن يتركه في حال سبيله لا عليه ولا له! إذ أن الخطأ الاجتهادي أصبح وضعاً غير معترف به الآن في الحوار، وحلت محله أوصاف أخرى، أشهرها «البدعة والكفر» ، فمن خالف أخاه في مسألة فهو إما مبتدع، وإما كافر، أما أن يقول: مخطئ في اجتهاده، فهذا وصف أصبح عزيز المنال في واقعنا الحالي ولا حول ولا قوة إلا بالله. المسألة الثالثة: وتتعلق بظاهرة الترصد لأخطاء الآخرين، وتلمس عثراتهم، بل، ونصب الشراك لهم، على طريقة: ماذا تقول في كذا؟ أتقصد أن تقول كذا؟ ، على أمل أن يظفر منه بهفوة أو سقطة فيطير بها، ويشنع عليه فيها، والحقيقة أن الأمر في ذلك وصل إلى حد مَرَضِي، يصعب تخيله في بعض المنتسبين إلى المنهج السلفي الراشد، وهناك من يحترف التنقيب في كتابات مخالفيه، ثم ينتقي منها فقرات يحملها على أسوأ محتملاتها ومعانيها، ليخلص منها بأن صاحبها قصد كذا وكذا، فهو إذن مبتدع أو ضال أو كافر، حسب التصنيف الذى يمن به عليه، وأحياناً يبدو للمتابع أن بعض «الناقدين» يسعد كثيراً إذا أثبت البدعة أو الكفر على أحد من المجتهدين أو الدعاة، وكأنه يبتهج بأن يتعزز صف المبتدعين والكفار بزيادة رمز جديد إليهم، هذا إذا صح ظنه وسلم طعنه، فكيف وأغلبها الأعم تحكمات في الأفهام، وتهويل في التأويل، واساءة ظن بأهل الإسلام. لقد كان رسول الله ﷺ يتلمس شبهات البراءة لأهل المعاصي، فيأتيه الرجل يقول له: زنيت فطهرني فيقول إمام الهدى: لعلك فعلت كذا، فيقول لا بل زنيت فطهرنى، فيعاود إمام الرحمة، لعلك فعلت كذا، مرات عديدة عساه يجد له مخرجاً، وتهمته معصية [١٥] ، فما بالنا مع من تهمته الكفر والابتداع في الدين، لا سيما إذا كان من أهل الفضل أوالدعاة أو العلماء أو العاملين للإسلام، إن الأولى بالمسلم الراشد، أن يتلمس للناس المخارج، ولا سيما في التهم الشنيعة، ويقول: لعله قصد كذا، ولعله أراد كذا، وربما لعله سها، لعله فاته الدليل، هذا هو سبيل الراشدين، وهذا هو نهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ليس فقط في ما هو محتمل، بل في ما هو وقوع في بدعة صريحة، وعرف عمن أخطأ فيه السلامة، ولم يعرف عنه الدعوة إلى البدع والخروج على منهاج السنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها مالم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفى المسألة نصوص لم تبلغهم، وإن اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله [ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا] وفى الصحيح قال: قد فعلت [١٦] . ويقول العلامة شمس الدين الذهبى في» سير أعلام النبلاء «في ترجمته عن » قتادة بن دعامة السدوسي «التابعي الجليل أحد أوعية العلم» ... وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه، وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحرية للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطّرحه، وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك [١٧] . الله أكبر، أين من هذا البيان الفذ من يتصيدون الكلمات والهفوات للدعاة، فيطيرون بها كل مطار؟ وأين من هذا البيان الراشد، من لا تقر أعينهم إلا بأن يثبتوا بكل سبيل وكل حيلة ضلال داعية أو ابتداع فقيه أو كفر مجاهد من المجاهدين؟ إن هذه الظاهرة الطارئة والشاذة من بعض أبناء الدعوة السلفية، من شأنها أن تسيء إلى الدعوة برمتها، وأن تؤسس للفتنة، وتضع منهجاً جديداً للتدمير، ولو أخذ كل داعية أو عامل بمثل هذا المنهج الاتهامي، فسوف يأتي يوم لا يوجد فيه على وجه الأرض سلفي واحد غير متهم، لأنك لن تعدم في أحد كائناً من كان إذا ترصدت ما كتب وما قال، أن تظفر عنده بكلمة أو عبارة أو سطر، تحتمل احتمالاً، أو حتى تحمل سقطة أو هفوة، ونسأل الله اللطف بعباده. هذه هى الملاحظات الثلاث التي أردت الوقوف عندها، وعرضها على القارئ المسلم، ولا سيما الدعاة والعاملين في سلك هذه الدعوة، من باب النصيحة لدين الله، ولدعوة الحق، وهى ملاحظات مراقب مجرد مراقب مسلم للظواهر الطارئة في الدعوة السلفية، أو المخاطر المرتبطة بها، وهى مخاطر تتهدد مستقبل هذه الدعوة، ومن ثم مستقبل الصحوة الإسلامية كلها، لأن الدعوة السلفية هى قطبها ودعامتها، وروحها المحركة، أرجو أن أكون قد وفقت في بيان ما قصدت إليه فيها، فإن أدركت الصواب فمن الله تعالى وبرحمته، وإن أدركني الخطأ فمن نفسي وبتقصيري، والحمد لله أولاً وأخيراً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1660

دراسات قرآنية صور من الاعتداء في الدعاء [*] خالد بن عثمان السبت إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا ريب أن اللجوء إلى الله تعالى فطرة فطر الله العباد عليها، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، كما أن الدعاء عبادة عظيمة تُعد من أجلّ الطاعات وأفضل القربات، بل عده النبي هو العبادة كما روى ذلك أبو داود وغيره من حديث النعمان بن بشير ﵁ مرفوعاً: «الدعاء هو العبادة، قال ربكم ادعوني أستجب لكم» [١] . وقد تظافرت النصوص من الكتاب والسنة في طلبه والثناء على أربابه وهذا أمر معلوم لكل أحد. إلا أن هذه العبادة الشريفة التي تقرب العبد إلى ربه تبارك وتعالى قد يشوبها ما يجعلها موجبة لمقت الله وغضبه. قال الله تعالى [ادعوا ربكم تضرعاً وخُفْيَةً إنه لا يحب المعتدين] [٢] فهذه الآية تضمنت الأمر بالدعاء بالوصفين المذكورين أولاً، كما تضمن ما يدل على النهي وذلك في قوله (إنه لا يحب المعتدين) فهذا يدل على النهي عن الاعتداء في الدعاء. وحقيقة الاعتداء: مجاوزة حدٍ ما. وقيل: تجاوز الحد في كل شيء [٣] . وقد تقاربت أقوال العلماء في بيان معناه هنا - أي المتعلق بالدعاء - وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى (إنه لا يحب المعتدين) . فقال ابن جرير ﵀: «إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حده الذي حده لبعاده في دعائه وفي غير ذلك من الأمور» [٤] . وقال الطرطوشي: «يعني المجاوزين في الدعاء ما أُمروا به» [٥] . وقال القرطبي: «والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب الحظر» [٦] . وقال ابن القيم بعد أن ذكر بعض أنواع الاعتداء في الدعاء: «فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله» [٧] . ولما كان هذا الأمر - أعني الاعتداء في الدعاء - يكثر وقوعه، رأيت أن الحاجة ماسة للحديث عن هذه الآفة ليحذرها المسلم. والاعتداء في الدعاء تارة يكون في الأداء والطريقة، وتارة يكون في الألفاظ والمعاني، ويتفرع عن ذلك أمور كثيرة، وسوف أذكر في هذا المقام عشرين نوعاًً من أنواع الاعتداء التي يدخل تحت كل نوع منها صور كثيرة: النوع الأول: أن يشتمل الدعاء على شيء من الشرك: وهذا من أسوأ الاعتداء وأشنعه كما لا يخفى لأن الدعاء عبادة لا يجوز صرفه لغير الله . النوع الثاني: أن يطلب نفي مادل السمع على ثبوته: كأن يدعو لكافرٍ أن لايُعذب أو يُخلد في النار، أو يسأل ربه أن لا يبتليه أبداً، أو لا يبعثه، أو أن لا يُدخل أحداً من المسلمين النار، أو أن لا تقوم الساعة ... ، ونحو ذلك. النوع الثالث: أن يطلب ثبوت ما دل السمع على نفيه. كأن يدعو على مؤمن أن يخلده الله في النار، أو يدعو لكافر أن يدخله الله الجنة، أو يدعوا لنفسه أو لغيره - غير النبي ﷺ أن يكون أول من تنشق عنه الأرض، أو أول من يدخل الجنة. أو يسأل ربه الخلود إلى يوم القيامة، أو يطلب الاطلاع على الغيب، أو يسأل العصمة من الخطأ والذنوب مطلقاً. النوع الرابع: أن يطلب نفي ما دل العقل على ثبوته. النوع الخامس: أن يطلب إثبات ما دل العقل على نفيه، كأن يسأل ربه أن يجعله في مكانين في وقت واحد، أو كأن يشهد الحج وفي نفس الوقت يكون مرابطاً في الثغور، أو يدعوا على عدوه أن يكون غير موجود ولا معدوم، أو غير حي ولا ميت «أعني الحياة والموت الحقيقية» . وهذا النوع والذي قبله ذكرتهما تكملة للقسمة في مقام التفصيل والتبيين الذي يغتفر فيه ما لا يغتفر في مقام الإجمال، ولا يخفى ما بين العقل والنقل من الموافقة. النوع السادس: أن يسأل ما هو من قبيل المُحال عادة: كأن يطلب ربه أن يرفع عنه لوازم البشرية بأن يستغنى عن الطعام والشراب، أو النفس،. أو يطلب الولد ولم يتزوج أو يتسرى، أو يسأل الثمر من غير زرع، أو يدعو ربه أن يعطيه جبلاً من ذهب، أو يمطر عليه السماء ذهباً وفضة، أو يسأل الطيران دون فعل أسبابه العادية المعروفة، أو النصر على الأعداء (وأن يجعلهم الله غنيمة للمسلمين) ولم يُعد لذلك العدة، وكأن يسأل النجاح دون دراسة. النوع السابع: أن يطلب نفي أمر دل السمع على نفيه، فهذا من قبيل تحصيل الحاصل. كأن يقول: اللهم لا تهلك هذه الأمة بعامة، ولا تسلط عليها عدواً من سوى أنفسها فيستبيح بيضتها فهذان أمران دعا بهما النبي ﷺ وأجيبت دعوته وأخبرنا بذلك، فإن دعوت بذلك كان من قبيل ما ذكرت والله أعلم، ومن ذلك أن يدعو ربه أن لا يدخل الكفار الجنة إن ماتوا على كفرهم. النوع الثامن: طلب ثبوت أمرٍ دل السمع على ثبوته [٨] ، وهذا مثل الذي قبله، لكن يفرق في صور عدة بين الدعاء لمعين وبين الدعاء العام. النوع التاسع: أن يعلق الدعاء على المشيئة [٩] ، قال البخاري ﵀ في صحيحه: «باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له» وذكر تحته حديثين: الأول: حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له [١٠] والثاني: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت -، ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له [١١] . النوع العاشر: الدعاء على من لا يستحقه. (أي: يظلم في دعائه) : أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً:» لا يزال يُستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم « [١٢] . وقد جاء في دعاء النبي ﷺ - كما في حديث ابن عباس ﵄:» رب أعني ولا تُعِن علي - إلى أن قال - وانصرني على من بغي علي.. « [١٣] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» فقوله: وانصرني على من بغى علي «دعاء عادل لا دعاء معتد يقول: انصرني على عدوى مطلقاً. ومن الاعتداء قول الأعرابي:» اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً «فقال له النبي ﷺ :» لقد تحجرت واسعاً «يريد رحمة الله» [١٤] . النوع الحادي عشر: طلب تحصيل المحرم شرعاً: كأن يسأل ربه أن ييسر له خمراً يشربها، أو خنزيراً يأكله، أو امرأة يزني بها، أو مالاً يسرقه، أو وقتاً ومالاً ليسافر إلى بلاد الكفر أو الفسق بلا حاجة معتبرة. النوع الثاني عشر: رفع الصوت فوق الحاجة [١٥] . فإذا كان الإنسان يدعو بمفردة فالأصل في ذلك الإسرار بالمناجاة كما قال تعالى: [ادعوا ربكم تضرعاً وخفية] [٢] . لكن إن كان معه من يُؤمن على دعائه، كالإمام في القنوت، أو الاستسقاء أو نحو ذلك، فإنه يرفع صوته على قدر الحاجة، ويُؤمن من خلفه على دعائه دون صياح ورفع زائد على القدر المُحتاج إليه؛ لأن ذلك قد يتنافى والأدب مع الله عز وجل. وقد فسر بعض السلف قوله تعالى: (إنه لا يحب المعتدين) [٢] بالذين يرفعون أصواتهم رفعاً زائداً على الحاجة [١٧] . قال ابن المُنيّر ﵀: «وحسبك في تعين الإسرار في الدعاء اقترانه بالتضرع في الآية، فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية ولا وقار يصحبه. فائدة: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله فوائد كثيرة تتعلق بخفض الصوت والإسرار بالدعاء [١٨] . النوع الثالث عشر: أن يدعو ربه دعاءً غير متضرع، بل دعاء مُدل كالمستغني بما عنده المدلّ على ربه به. قال ابن القيم ﵀:» وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته، فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد « [١٩] . النوع الرابع عشر: أن يسمي الله بغير أسمائه، ويثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولم يأذن فيه، وهذا ظاهر لا يخفى. النوع الخامس عشر: أن يسأل ما لا يصلح له: مثل أن يسأل منازل الأنبياء، أو أن يكون مَلَكاً لا يحتاج إلى طعام ولا شراب، أو أن يُعطى خزائن الأرض، أو يُكشف له عن الغيب، أو غير ذلك مما هو من خصائص الربوبية أو النبوة. النوع السادس عشر: تكثير الكلام الذي لا حاجة له، والتطويل في تشقيق العبارات، والتكلف في ذكر التفاصيل، كأن يدعو ربه أن يرحمه إذا وضع في اللحد تحت التراب والثرى، وبين الصديد والدود، وأن يرحمه إذا سالت العيون وبليت اللحوم، وأن يرحمه إذا تولى الأصحاب، وقسم ماله وترك دنياه، أو يدعو على عدوه أن يخرس الله لسانه، ويشل يده، ويجمد الدم في عروقه وأن يسلب عقله فيكون مع المجانين.. إلخ. أخرج أبو داود وغيره عن أبى نعامة عن ابن سعد» ابن ابي وقاص «أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال: يابُني: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:» سيكون قوم يعتدون في الدعاء «فإياك أن تكون منهم، إن أُعطيت الجنة أُعطيتها وما فيها، وإن أعذتَ من النار أُعذت منها وما فيها من الشر» [٢٠] . وأخرج أيضاً عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: «اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بُني، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: » إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء « [٢١] . ولا شك أن هذا مخالف لهدي النبي ﷺ في الدعاء، فقد كان ﵊ يتخير من الدعاء أجمعه. أخرج أبو داود من حديث عائشة ﵂ قالت:» كان رسول الله - ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدعُ ما سوى ذلك « [٢٢] . وأخرج أيضاً عن قتادة ﵀ أنه سأل أنساً ﵁: أي دعوة كان يدعو بها رسول الله ﷺ أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها » اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار « [٢٣] . وجاء عند البخاري من حديث أنس:» كان أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» [٢٤] . النوع السابع عشر: أن يتقصد السجع في الدعاء ويتكلفه. قال البخاري ﵀ في صحيحه: «باب ما يكره من السجع في الدعاء» ثم ذكر أثراً عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه. فانظر السجع في الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب» [٢٥] . قال الحافظ: «ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة؛ لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام كقوله -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد:» اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب «وكقوله ﷺ :» صدق وعده، وأعز جنده « الحديث، وكقوله:» أعوذ بك من عين لا تدمع، ونفس لا تشبع، وقلب لا يخشع «وكلها صحيحة، قال الغزالي:» المكروه من السجع هو المتكلف، لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة « [٢٦] . ثم ذكر كلاماً قال بعده:» وقد تتبعت دعوات الأنبياء والمرسلين، والمصطفين من عبادة المخبتين، واستخرجت ما وجدت في القرآن من ذلك فوجدت جميعها: (ربنا ربنا) أو «رب» ، ثم أورد جملة من الأدعية الواردة في القرآن ليدلل على ذكره [٢٧] النوع الثامن عشر: قصد التشهق كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ بحيث لا يكون ذلك بسبب غلبة البكاء وإنما هو أمر يعتمده ويطلبه. النوع التاسع عشر: أن يتخذ دعاءً من غير الوارد في الكتاب والسنة بحيث يصير ذلك شعاراً له يداوم عليه [٢٨] . كمن يخصص دعاء معيناً بقوله عند ختم القرآن أو غير ذلك. النوع العشرون: التغني والتلحين والمطيط، قال المناوي: «قال الكمال ابن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط، والمبالغة في الصياح، والاشتغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الرد، وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به، فكأنه قال أعجبوا من حسن صوتي وتحريري [٢٩] . هذا ما تيسر انتقاؤه من كتب أهل العلم، والله أسأل أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1661

منتدى القراء ما هو دوري ؟ أحمد العجروش إن مآسي الأمة أيها الحبيب ليست قصة خيالية تُروى في المجالس ولا حدث يحدث في كوكب ما، بل هي أحداث صحيحة وخطيرة، وإن لم يفقه المسلمون الموقف، فإننا بلا شك مسؤولون يوم القيامة، ومن هذه المآسي ما يحدث لإخواننا في البوسنة والهرسك، تلك البلاد المسلمة التي اجتاحتها جحافل الظلم الصربي الذي يقول: «سننقذ أوروبا من الإسلام» ! ! ومآسي أفريقيا التي كساها الجوع والجهل، والمرض، مما ساعد على سيطرة النصارى هناك، فدخلوا على الصومال وأرتيريا وهدفهم الوحيد السيطرة على الأرض الغنية بكل الثروات، وإجهاض ما بدا من توجه إسلامي هناك، وحب للإسلام بين أهله، ولا ننسى كذلك جنة الدنيا كشمير التي يحتلها الهندوس الحاقدون على الإسلام وأهله. وبعد هذا، قد تسأل: ما دوري في ما يحدث؟ وماذا يجب أن أعمل؟ الجواب: تستطيع أن تعمل، ولك دور بلا شك، لأنك مسلم والإسلام دين قوة وجد وصبر على المصاعب، والحل والله أعلم كالتالي: ١- يجب العودة والتوبة إلى الله والاعتراف بالذنب، والاتصال الدائم بالله مما يساعد على قوة القلب والصبر في طريق الدعوة، وأن نؤمن بوعد الله ونصره للمؤمنين؛ لأنه هو الناصر المعين، قال الله تعالى: [يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم] [١] . ٢- تخليص القلب من الأحقاد التي زرعها المرجفون في قلوبنا حقداً على بعضنا فأنسونا أخوة الإسلام، ونحن نقف بين يدي الله في صف واحد قال تعالى: [إنما المؤمنون إخوة ... ] [٢] . ٣- إصلاح النفس ودعوتها لطريق الهدى، وذلك بالعلم النافع والعمل الصالح لكي يسود الخير في المجتمع، ويكون للإسلام صولة وجولة في كل الميادين، قال تعالى: [ومن أحسن قولاْ ممن دعا إلى الله وعمل صالحاْ وقال إنني من المسلمين] [٣] . ٤- إصلاح المجتمع والبدء بالبيت والحي والمدرسة، وذلك بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والخلق الفاضل، قال الله تعالى: [واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيَا] [٤] . وأخيراً أسأل الله أن ينصر إخواننا في كل مكان وأن يثبت أقدامهم وأسأله أن يؤلف بين قلوبنا ويجعلنا من الراشدين.

стр. 1662

من ثمار المنتدى أنشطة المنتدى الإسلامي المنتدى الإسلامي مركز من مراكز أهل السنة والجماعة يسير على منهجهم ويدعو إلى أصولهم ويذكر بطريقتهم السليمة من الغلو والانحراف، وهو يستقبل بكل رحابة صدر أي مسلم مهما كان لونه أو جنسيته. ويسرنا هنا تقديم هذا التقرير الشامل لبعض أنشطته التي تمت بعون من الله وتوفيقه ثم بتعاونكم وتشجيعكم لنا ماديا ومعنوياً، سائلين الله أن يجعلنا جميعاً من المتعاونين على البر والتقوى، ونحن في حاجة إلى دعائكم وآرائكم ومؤازرتكم. أولا: الأنشطة الثقافية: وتشمل الآتي: ١ - الدورات الشرعية: تهدف هذه الدورات إلى تصحيح وترشيد العمل الإسلامي، ورفع المستوى العلمي لدى الدعاة، وتأصيله تأصيلاً شرعياً، مبنياً على الكتاب والسنة الصحيحة ومنهج السلف الصالح. وقد قام المنتدى الإسلامي بتنظيم عدد من الدورات الشرعية، بلغ عددها ولله الحمد والمنة خمس عشرة دورة، شارك فيها نخبة من العلماء وطلبة العلم، والأساتذة والمتخصصون، وقدم فيها: دروس في العقيدة ومنهج السلف الصالح، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه وأصوله، والسيرة النبوية والتاريخ، وحاضر العالم الإسلامي، والآداب الإسلامية. وكانت الدورات موزعة كالتالي: في لندن: ست دورات. بنجلاديش: دورتان. استمرت كل دورة لمدة أربعة أشهر. السودان: دورتان. تشاد: دورتان. مالي: دورة واحدة. كينيا: دورة واحدة. أوغندا: دورة واحدة. ٢ - الملتقيات الدعوية: تهدف هذه الملتقيات الدعوية إلى معالجة مشكلات الدعوة والدعاة، وتنمية القدرات الدعوية والعلمية لدى المشاركين. وتم بحمد الله تعالى عقد (١٨) ملتقى دعوياً في عدد من الدول، موزعة كالتالي: في لندن: ١٦ ملتقى دعوياً، كان آخرها: الملتقى السادس عشر في الفترة من ٢٠-٢١رجب ١٤١٤ هـ شارك فيه كل من: الدكتور جعفر شيخ إدريس، والدكتور محمد بن سعيد القحطاني، والشيخ عبد الرحمن دمشقية، والاستاذ محمد الأحمري، والاستاذ عثمان رمضان. في غانا: ملتقى دعوياً واحداً استمر لمدة عشرة أيام ما بين ٢٤/٢ إلى ٥/٣/ ١٤١٤ هـ شارك فيه ١٣١ داعية من دول غرب أفريقيا وكان شعار الملتقى: [واعتصموا بحبل الله جميعاْ ولا تفرقوا] . في كينيا: ملتقى دعوياً واحداً استمر لمدة عشرة أيام ما بين ١/٣ إلى ١٠/٣/ ١٤١٤ هـ شارك فيه (٨٥) من الدعاة من دول شرق أفريقيا. ٣ - الحلقات والدروس الأسبوعية: واظب المنتدى الإسلامي منذ إنشائه على عقد دروس أو محاضرات في كل يوم سبت في مركزه الرئيسى في لندن. بالإضافة إلى أن كل داعية تابع للمنتدى الإسلامي يكلف بعقد حلقات لتحفيظ القرآن الكريم، ودروس أسبوعية ثابتة في العلوم الإسلامية. كما يقوم الدعاة التابعون للمنتدى في مختلف الدول بإلقاء الخطب والمحاضرات، في شتى المعارف الإسلامية، في المساجد، والمدارس، والتجمعات العامة، وإقامة حلقات لتحفيظ القرآن الكريم. ٤ -مطبوعات المنتدى الإسلامي: (١) مجلة البيان: بدأ المنتدى الإسلامي بإصدار هذه المجلة في عام ١٤٠٦ هـ. (٢) نشرة المنار «وهى نشرة تصدر باللغة الانجليزية توزع في جميع أنحاء بريطانيا، كما توزع في أمريكا، وتتناول هذه النشرة بعض البحوث المبسطة في الدين الإسلامي، وهى تهتم بمخاطبة الناطقين باللغة الانجليزية. (٣) إصدارات المنتدى الإسلامي: يقوم المنتدى الإسلامي بطباعة الكتب والرسائل المفيدة، مع الحرص على حسن الاختيار والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة، ومن هذه الإصدارات: - جهاد المسلمين في أفغانستان يمر بأخطر مراحله. - التجديد في الإسلام. - الحزن والاكتئاب في ضوء الكتاب والسنة. - أيعيد التاريخ نفسه؟ - رؤية إسلامية للاستشراق. - الهزيمة النفسية عند المسلمين على ضوء الكتاب والسنة. - خواطر في الدعوة (جزءان) . - منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين. - اعتقاد أهل السنة في الصحابة. - على من تعرض الصور؟ (مأساة المسلمين في البوسنة) . - علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام. - البدواة والحضارة (نصوص مختارة من مقدمة ابن خلدون) . - الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي. (٤) طباعة الكتب المترجمة: قام المنتدى الإسلامي بطباعة عدد من الكتب الإسلامية المترجمة إلى عدد من اللغات، ومنها: (أ) الأصول الثلاثة لمحمد بن عبد الوهاب باللغة الفرنسية. (ب) الأصول الثلاثة بلغة الهوسا. (ج) الخطوط العريضة بلغة الهوسا. (د) رفع الملام عن الأئمة الأعلام باللغة البنغالية. (هـ) توجيهات إسلامية (لجميل زينو) باللغة البنغالية. (و) عقيدة أهل السنة والجماعة (لجميل زينو) باللغة البنغالية. (ز) مبادئ الإسلام باللغة البنغالية. (ح) تحفة الأخيار للشيخ عبد العزيز بن باز باللغة الأندونيسية. (ط) إلى ابنتي للشيخ علي الطنطاوي باللغة الأندونيسية. (ي) القضاء والقدر للشيخ محمد بن عثيمين باللغة الأندونيسية. ثانياً: برنامج تعيين الدعاة: قام المنتدى الإسلامي بحمد الله تعالى بتعيين: خمسمائة داعية في عدد غير قليل من الدول الإفريقية والآسيوية. مثل (كينيا، وأوغندا والصومال، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، وأثيوبيا، والسودان وتشاد ومالي، والنيجر، ونيجيريا، وبنين، وغانا، وتوجو. والسنغال وبنجلاديش، وباكستان، والفلبين وأندونيسيا.. وغيرها) ليكون ذلك إن شاء الله تعالى إسهاماً في نشر منهج أهل السنة والجماعة. ويخضع تعيين الداعية لشروط عدة، من أهمها: ١ -سلامة المنهج معتقداً وسلوكاً. ٢ -الكفاءة العلمية. ٣ -الكفاءة الدعوية. وقد وضعت برامج دعوية يومية لكل داعية يسير في عمله بناء عليها، وتتم متابعةالداعية عن طريق المشرف الدعوي في المنطقة نفسها، وعن طريق إرسال تقارير شهرية إلى اللجنة المختصة بذلك. ومن خلال زيارات دورية يقوم بها مسؤولو المنتدى الإسلامي إلى مناطقهم حيث يتم توجيههم وإرشادهم. ويحرص المنتدى الإسلامي على رفع المستوى الشرعي والدعوي لهؤلاء الدعاة عن طريق الدورات الشرعية، والملتقيات الدعوية، وتوفير المكتبات والكتب، ونحوها. ثالثاً: حلقات تحفيظ القرآن الكريم: يهتم المنتدى الإسلامي اهتماماً خاصاً بكتاب الله حفظاً وتلاوة ودراسة، من خلال إقامته لحلقات وخلوات تحفيظ القرآن الكريم، ويبلغ عدد الحلقات التي يشرف عليها المنتدى (٤١٨) حلقة، يستفيد منها بحمد الله تعالى: (١٢٥٤٠) طالباً وطالبة. وتتوزع هذه الحلقات في عدد كبير من الدول، منها: كينيا، وأوغندا وتشاد، ومالي، والسنغال، والصومال، وأثيوبيا، وغانا، وباكستان وبنجلاديش، والفلبين وغيرها. وقد أعد المنتدى خطة متكاملة للارتقاء بمستوى الحلقات، ووضع منهجاً علمياً رديفاً في التوحيد، والفقه، والتفسير، والآداب الشرعية. يهتم المنتدى الإسلامي بالنشاط التعليمي اهتماماً بالغاً، إذ أن العلم ركيزة رئيسة من ركائز البناء والعطاء. ويشرف المنتدى الإسلامي بفضل الله تعالى على ٢٧ مدرسة، يستفيد منها قرابة ٥٠٠٠ طالب وطالبة. وهي موزعة كالتالي: في لندن: توجد مدرسة واحدة. في كينيا: توجد ١٢ مدرسة ابتدائية. في غانا: أقام المنتدى ثمان مدارس. في أثيوبيا: توجد مدرستان. في أوغندا: يوجد مركز تعليمي واحد يحتوي على الروضة، والمرحلة الابتدائية والمتوسطة، والثانوية. في النيجر: مدرسة متوسطة. في باكستان: يوجد مجمعان تعليميان يضم كل منهما المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية. ويحرص المنتدى الإسلامي على توفير المناهج الدراسية اللازمة حيث وزعت ٢٠٠٠ نسخة من الكتب على بعض المدارس الإسلامية في غانا و٥٠٠٠ كتاب في بنجلاديش. رابعاً: القوافل الدعوية: المناطق الإسلامية مناطق كبيرة مترامية الأطراف وعرة المسالك والدروب وقد انتشر الإسلام بحمد الله تعالى في مختلف الأدغال والقرى النائية ولكن غلب الجهل على المسلمين في المدن الرئيسة فضلاً عن القرى والهجر النائية، مما جعل البدع والشركيات والسحر والكهانة تنتشر في أوساط المسلمين انتشاراً واسعاً. ومثل هؤلاء الجهلة هم البيئة الخصبة غالباً للنشاط الكنسي حيث أقيمت المراكز التنصيرية في القرى النائية، واستقر المنصرون يعملون بين المسلمين. ولصعوبة الانتقال من منطقة إلى أخرى، ولوعورة الطرق وخطورتها في بعض الأحيان، كلف المنتدى الإسلامي دعاته بإعداد القوافل الدعوية التي تنطلق إلى مختلف الأماكن التي ينتشر فيها المسلمون وغيرهم من الوثنين والنصارى، وذلك حرصاً على الوصول إلى الأماكن البعيدة والدعوة، لنشر العقيدة السلفية الصافية، ومحاربة البدع والخرافات. ومن أجل أن يكون تأثير القافلة على المستوى الأمثل، رأى المنتدى أن يرسل طبيباً مع كل قافلة لعلاج المرضى وتوزيع الأدوية، كما تحمل القافلة أحياناً بعض الملابس والمواد الغذائية، وبعض الكتب باللغات المحلية، وذلك من أجل تأليف الناس وتقريبهم إلى الإسلام. وقد تم بفضل الله تعالى تنفيذ (١٨) قافلة دعوية، موزعة كالتالي: في الفلبين: قافلتان. في نيجيريا: أربع قوافل. في بنجلاديش: قافلتان. في كينيا: أربع قوافل. في الصومال: أربع قوافل. في السودان: قافلة واحدة. في أوغندا: قافلة واحدة. وأثمرت هذه القوافل بحمد الله تعالى نتائج إيجابية مشجعة للمزيد من العطاء، حيث أقبل الناس على العلم، وبدأوا يتعرفون على العقيدة الصحيحة، والعبادات السليمة، إضافة إلى الوثنيين الذين يسلمون على أيدي هؤلاء الدعاة. خامساً: بناء المساجد: قام المنتدى الإسلامي بحمد الله تعالى ببناء ١٣٥ مسجداً وجامعاً، في أماكن ودول مختلفة. موزعة كالتالي: باكستان: أربعون مسجداً. بنجلاديش: خمسة وعشرون مسجداً. غانا: ثلاثة عشر مسجداً. كينيا: سبعة عشر مسجداً. الصومال: أحد عشر مسجداً. أوغندا: سبعة مساجد. تشاد: ستة مساجد. أندونيسيا: خمسة مساجد. مالي: ثلاثة مساجد. الفلبين: ثلاثة مساجد. السودان: مسجدان. نيجيريا: مسجد واحد. السنغال: مسجد واحد. أثيوبيا: مسجد واحد. ويحرص المنتدى الإسلامي على تعيين داعية مؤهل في كل مسجد يقوم ببنائه، ليتولى الإمامة، وإقامة الدروس الشرعية، ووعظ الناس، وتدريس كتاب الله . سادساً: المراكز الإغاثية: قام المنتدى الإسلامي بحمد الله تعالى بإنشاء ٢٥ مركزاً إغاثياً، اثنان منها في أثيوبيا، والباقي في كينيا في مواقع اللاجئين الصوماليين. كما قام المنتدى الإسلامي بنشاط إغاثي واسع في وسط الصومال وشماله ونشاط إغاثي في مواقع اللاجئين البورميين في بنجلاديش، استفاد منه حوالي عشرة آلاف لاجئ بورمي. كما أعد المنتدى حملات إغاثية عاجلة للمتضررين من الفيضانات في بنجلاديش، حيث تم بناء سبعين مسكناً، ووزعت المواد الغذائية والملابس. ويحرص المنتدى الإسلامي على أن يكون النشاط الإغاثي طريقاً للنشاط الدعوي، بتعيين الدعاة في أوساط اللاجئين، وبناء المساجد، وافتتاح حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتوزيع المصاحف والكتب. سابعاً: حفر الآبار: نتيجة لموسم الجفاف والقحط الذي ساد القارة الأفريقية، وحاجة المسلمين إلى مصادر للمياه النقية، عمل المنتدى الإسلامي ولازال يعمل على سد حاجة المسلمين في هذه المناطق وغيرها بالمياه الصالحة للشرب. وقد حفر المنتدى الإسلامي حتى الآن ٦٥ بئراً سطحياً، وبئرين إرتوازيين موزعة كالتالى: -------------------------- الدولة عدد الآبار -------------------------- غانا ٢٣ أثيوبياً ٨ الصومال ١٠ بنجلاديش ٨ باكستان ... ١٢ أوغندا ١ مالي ١ كينيا ٢ -------------------------- بالإضافة إلى بئر ارتوازي في كينيا وبئر ارتوازي يعمل بالطاقة الشمسية في تشاد. ثامناً: مشروع مكافحة العمى: أقام مركز السند الإسلامي بالباكستان باشراف المنتدى الإسلامي وتنظيمه وإدارته مخيماً طبياً لمدة خمسة أيام في تشاد في الفترة من ١٤/٦ إلى ١٩/٦/١٤١٤ هـ لمعالجة أمراض العيون كانت حصيلته ولله الحمد والمنة ما يلي: علاج: أكثر من ٥٠٠٠ مريض، مع صرف الأدوية اللازمة. إجراء: ٣٧٨ عملية. توزيع: أكثر من ١٥٠٠ نظارة. وقد رافق هذا المخيم نشاط دعوى مكثف شارك فيه أربعون داعية، حيث تم توزيع ٠٠٠ر١٢ شريط، وكمية كبيرة من المصاحف والكتب باللغتين العربية والانجليزية. ومن حصيلة هذا المخيم المباركة: إسلام ٢٣ نصرانياً، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى في العدد القادم تقرير مفصل عن هذ المخيم. تاسعاً مشروع إفطار الصائمين: يقوم المنتدى الإسلامي سنوياً بفضل الله تعالى بإعداد مشروع لإفطار الصائمين في عدد من دول العالم الإسلامي، كان من آخرها برنامج إفطار صائم في رمضان ١٤١٣ هـ وبلغ إجمالي المبالغ المصروفة على هذا البرنامج حوالي (٠٠٠ر٤٣٨ دولار أمريكي) ، وكان عدد إجمالي الوجبات المقدمة ٨٣٦٩٩٣ وجبة شملت (١٨) دولة. وصاحب هذا البرنامج محاضرات ودروس يومية في العقيدة والصلاة والصيام والسيرة والتفسير والآداب والرقائق. عاشراً رحلة الحج والعمرة: ينظم المنتدى الإسلامي سنوياً رحلة حج وعمرة لخدمة الجالية المسلمة في بريطانيا وقد شارك في رحلة الحج السادسة لعام ١٤١٣ هـ: ١٠٠ مسلم ومسلمة بالإضافة إلى رحلات العمرة، ويقدم في هذه الرحلات عدد من الدروس والمحاضرات واللقاءات العلمية مع العلماء وطلاب العلم. وبعد: فهذا بعض من الأنشطة التي قام بها المنتدى الإسلامي إضافة إلى مشروعات متفرقة مثل كفالة الأيتام ومراكز الخياطة والمناهج الدراسية وغيرها. ومن الجدير بالذكر أنه يجري الآن الإعداد لافتتاح أربعة معاهد لتأهيل الدعاة في كل من أثيوبيا وغانا والسودان وكينيا وذلك من أجل تربية وإعداد الدعاة المؤهلين لحمل راية أهل السنة والجماعة. والله نسأل أن يبارك في هذه الجهود الخيرة، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال وأن يوفقنا لإكمال هذه المسيرة على المنهاج الصحيح الذي ارتضاه الله تعالى لعباده المؤمنين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مكاتب المنتدى الإسلامي في أفريقيا

стр. 1663

الورقة الأخيرة تنوير أم تزوير ؟ ! أحمد العويمر مر على أمتنا الإسلامية فترة حرجة منذ القرنين الماضيين عاشت فيها أسوأ مراحل حياتها حينما كانت في الغالب بعيدة عن أصالة إسلامها بعقيدته الصحيحة وأصوله الفكرية المعتبرة وحُكمَت في جل أقطارها بزعامات لا تعرف الحكم بما أنزل الله وإنما حكمت بما توارثته من أحكام عشائرية أو أنظمة مستوردة فكان نتيجة ذلك أن ركدت العقول وانحسر المد الإسلامي، وتضاءل أثر العلماء العدول في التوجيه، مما انعكس على الأمة جمعاء بجهل مريع وانحطاط مزمن، بينما أوروبا تستيقظ، وتكشّر عن أنيابها؛ لتستعمر جل ديار الإسلام حتى يعلن أحد قادتها أمام قبر القائد المسلم (صلاح الدين) : «ها نحن عدنا يا صلاح الدين» . وحينما دخلت الخيل الأزهر لم يجد بعض العلماء في ذلك الوقت وسيلة للتحرك ضد الغزو القادم سوى التجمع لقراءة الأحزاب والأوراد التي لا تخلو من شركيات! وكانت النتيجة الحتمية فشلاً ذريعاً للأمة، وبداية السقوط في معركة المواجهة الحضارية. وحينما حز ذلك في نفوس بعض النابهين من أبناء الأمة رأوا أن السبيل لمواجهة ذلك الغزو ليس إلا فقه العصر ومعرفة علومه وفنونه وإعداد العدة للمواجهة وعندما اختيرت نخبة من أبناء مصر للدراسة في الغرب للتخصص في مختلف العلوم التقنية آنذاك، كان إمام البعثة (الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي) والذي تأثر بالواقع الفرنسي وما يعيشه من نهضة وتقدم، فنقل الشيخ ما رآه ولمسه وأعجبه هناك من أنظمة وعادات وتقاليد في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) داعياً لاقتفائها، وألف بعض الكتب ومنها (مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية) و (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) .. لقد ذهب الشيخ إماماً وعاد داعية من دعاة التغريب فيما انتهى إليه من فكر، والسر والله أعلم أنه لم ينطلق من أسس عقدية صحيحة أو منهجية علمية، وإلا لما نقل لنا بكل إعجاب صوراً من الدستور الفرنسي والأنظمة الغربية الكافرة داعياً لتطبيقها في بلاد المسلمين. إنه بتلك الروح الانهزامية نكص بالفعل عن مهمته الدعوية، وهذا ما وضحه بجلاء العلامة (د. محمد محمد حسين) ﵀ في (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) و (الإسلام والحضارة الغربية) ، ولذلك لا نعجب حينما نرى أدعياء التنوير المعاصرين اليوم بعد فشلهم في مشروعهم العلماني لتغريب المجتمع العربي المعاصر، ودعايتهم المتواصلة له، نجدهم يلجأون لإعادة طبع كتب رموز التغريب القدامى الذين يسمونهم (رواد التنوير) أمثال: رفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وسلامة موسى، وغيرهم، والتي مع ما وضعوه لها من دعاية وطبعات شعبية ورخص في السعر، لم تجد سوى الكساد لأن أولئك لا يمثلون الإسلام الحقيقي وإنما هم الفئة المنهزمة الممثلة لفترة تبعية وتغريب أمتنا، وشبابنا اليوم يعرفون أولئك حق المعرفة فهم مهما لمعوا وأقيمت لهم المؤتمرات والندوات والدعايات الساذجة، يبقون في نظر الشباب المسلم ليسوا سوى دعاة تزوير لا دعاة تنوير.

стр. 1664

شوال - ١٤١٤هـ مارس - ١٩٩٤م (السنة: ٨)

стр. 1665

كلمة صغيرة ماذا بعد (١٥) عاماً من الثورة احتفلت إيران مؤخراً بمرور خمسة عشر عاماً على ثورتها ضد الشاه والتي تلقاها الكثيرون من الناس - حينها - بالقبول وحسن الظن لما أعلنته من إسلامية المبدأ والهدف! لكن تبين أن ذلك الظن ليس في محله لما يلي: التوجه الطائفي المتطرف المخالف لأصول أهل السنة في مصدر التلقي. العنصرية الفارسية حيث أنه لا يتأتى لغير فارسي حكم إيران حتى ولو كان شيعياً. النهج التآمري في مسألة (تصدير الثورة) والذي يتراوح بين القوة واللين حسب الظروف. الموقف المعادي لأهل السنة من شعبها إلى حد يسمح لليهود والنصارى والمجوس بحقوقهم بينما يحرم منها أولئك , ومحاربتها لعلماء السنة معروفة. لم تكن هذه الثورة إلا طائفية شيعية أما أن تكون إسلامية حقاً فهذا ما لا يتفق مع حقائق الوحيين.

стр. 1666

الافتتاحية الأصولية ومدى موضوعية الطرح الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.. يلاحظ أن ما يسمى الأصولية اليوم في خضم الزخم الإعلامي الكبير الذي أعطي لها على كل المستويات لاسيما من قبل المعادين للإسلام قد استخدمت أبشع استخدام لمحاربة الإسلام ذاته، وإظهار المتمسكين به بأنهم هم المتطرفون والإرهابيون، وهم الخطر القائم ضد العالم كله! ونحن بادئ ذي بدء نؤكد على أن مصطلح الأصولية بالفهم الذي يشيعه الغرب، ويروجه أذنابه بوسائل إعلامهم في كثير من البلاد العربية والمهجر، إنما هو معنى طارئ على مجتمعنا الإسلامي، لأنه يعني في الأساس مفهوماً غربياً يصور الصحوة البروستانتية النصرانية، ويعني أيضاً الالتزام الصارم بالعقيدة الأرثوذكسية المعارضة للاتجاهات التحررية؛ لكن الغربيين الذين يعيشون هاجس الخطر الدائم المناوئ لهم الذي صوروه سابقاً في دراساتهم وأبحاثهم وأدبياتهم متمثلاً في (الشيوعية) ، قد حولوا ذلك الهاجس إلى الإسلام بالتحذير منه ومن الصحوة الإسلامية التي انتشرت في طول بلاد الإسلام وعرضها ورميها بكل نقيصة، والمتابع لطروحاتهم يلمس فيها جعلهم الإسلام ومعتنقيه العدو الجديد للحضارة الغربية ومن أمثلة ذلك: ١- محاضرة المستشرق اليهودي الأمريكي (برنارد لويس) بعنوان (الأصولية الإسلامية) التي كانت محل عناية الإعلام الغربي وتعليقه؛ لأنه صب فيها جام حقده على الإسلام ودعاته. ٢ -أما صاحب (انتهزوا الفرصة) فهو يقول في هلع ورعب مُفْتَعَلَين بعد سقوط الشيوعية: أصبحت الأصولية الإسلامية هي العدو الأول. ٣ -أما الصهيوني العجوز (كسينجر) فهو في أحدث المقابلات معه يقول: إن ما يشغله حتى العشر سنوات القادمة الأصولية والهجرة الجماعية. يتبين للمتابع لهذه الأقوال وأمثالها ما تشكله من عداء مستكن في الصدور مما ظهر على ألسنتهم ووضحته أفعالهم، والحقيقة أن هذا العداء العنيف للإسلام وأهله لا يستغرب لما يلي: * أن القرآن الكريم قد وضح لنا عداء الكفار بقوله تعالى: [ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم] (البقرة: ١٢٠) ، وبقوله تعالى: [ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراْ حسداْ من عند أنفسهم] (البقرة: ١٠٩) . * أن العالم الإسلامي الذي ذاق الأمرين من المستعمر، ونهبت خيراته، لديه من مقومات النهضة والقوة ما لو أتيح له المجال لنبذ التبعية للغرب، وتمرّد على نظمه وقوانينه، وهذا ما يخيفهم. * الموقع المهم للعالم الإسلامي، وتحكمه في كثير من الممرات الاستراتيجية التي لها أثرها في التجارة العالمية. أين الإنصاف؟ ! والعجيب أن الإعلام الغربي بكل اتجاهاته، وبشتى وسائله يقوم بحرب شعواء على الإسلاميين بأساليب منها: * المزيد من حملات التشنيع عليهم، ومهاجمتهم أحياناً بطرق تضاهي (الأساليب البوليسية العربية) في ملاحقتها للإسلاميين. * توريط الإسلاميين في قضايا مزورة للإيقاع بهم كما حصل وكشفت عنه الأخبار مؤخراً. * مضايقة اللاجئين لديهم وسن القوانين التي تحد من حريتهم وحقوقهم المدنية. تطرف وإرهاب أيضاً، ولكن؟ ! ومما يؤكد العداء للإسلام وحده في الغرب والشرق هو التجاهل لتطرف الأصوليات غير الإسلامية مع ما تقوم به من إرهاب ودمار ومآسي وتهديد ليس لدول بعينها وإنما للسلام العالمي، ومع ذلك تُدَس الرؤوس في الرمال، ويتناسى كل ذلك. فهناك الأصولية اليهودية التي يتاح لها الحرية في العمل السياسي وربما لا تقوم حكومة صهيونية إلا بدعم منها كما هو الحال مع (جماعة كاخ) مثلاً التي مازالت تطالب بقتل وطرد الفلسطينيين، ومازالت تلك فلسفتهم كما سطرها زعيمهم الهالك (كاهانا) في كتابه (شوكة في عيونكم) ، ويعني بالشوكة الشعب الفلسطيني. ومع ذلك لا يوجه لهم أي نقد لا لشيء إلا لأنهم غير مسلمين! وهناك الأصوليات النصرانية التي كثرت الدراسات العلمية الموضحة لاتجاهاتها ومنها: (النبوءة والسياسة) لجريس هالسل، و (الأصولية الإنجيلية) للأستاذ محمد السمّاك. ولا يغيب عن البال المذابح الدامية التي أقامها متطرفو النصارى في جويانا وفي أمريكا التي لم تنل (واحداً في المئة) من الحرب الإعلامية ضد المسلمين. وهناك التطرف الهندوسي والتطرف البوذي اللذان لا تسلط الأضواء عليهما ولا يحاربان، لا لشيء إلا لأنهما لا ينتسبان إلى الإسلام، أما تطرف (جيرينوفسكي) وتهديده لأوربا بالحرب (النووية) فهو محل متابعة الإعلام الغربي، ولم يطالب حتى بمحاكمته، أو الضغط على روسيا لكبح جماحه. حتى أنت يا أفورقي! وبما أن تشويه الإسلام والمسلمين ووصمهم بالتطرف هو حديث الساعة فقد صرح الصليبي المتصهين (أسياسي أفورقي) متهماً السودان بأنه يجند الأصوليين لحرب دولته، حتى ينال على ذلك الدعم، ويكثف من التوجه الغربي للتدخل في السودان بزعم حماية نصارى الجنوب! . لقد عضّ هذا الصليبي اليد التي أيدته وساعدته، بل ومنعت المجاهدين الأريتيريين من مواصلة حربهم ضده، كما نقلت الأخبار في ذلك الوقت قوله وبكل غطرسة حين سُئل عن المجاهدين المناوئين له: أين هؤلاء دلوني عليهم، ثم عاد للصراخ اليوم داعياً لإنقاذ نفسه من خطرهم، ولعله ليأخذ مقابل ذلك (المعلوم) . هذه مواقف الغرب من العداء للإسلام ودعاته، لكن ما يجب أن يفهمه الجميع أن الموقف الإسلامي من الغرب ليس بالضرورة موقف العداء لهم ماداموا لا يعادون الإسلام، ولا يعملون لدمار دياره، ولا يضعون المعوقات في طريق نهضته وقوته. يقول الله تعالى: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] (الممتحنة: ٨) ، وموقف الإسلام من أهل الذمة والمستأمنين مبسوط في كتب الفقه، وحسبنا قوله ﷺ : «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ... » الحديث رواه البخاري. إننا ندعو إلى تبني الإنصاف الذي كثيراً ما يدعون إليه في وسائل إعلامهم، أما أذنابهم في الإعلام العربي وحتى الكتاب الذين ينظّرون لوأد الاتجاه الإسلامي من كتاب اليسار واليمين المتطرف وهم أحقر من أن يذكروا فإنهم لن يكفوا عن أساليبهم في حرب الدعوة والدعاة حتى يكف أسيادهم عن ذلك، وحينها سيخجلون من مواصلة الكذب بلا طائل، لأن أساليبهم إياها أصبحت محل استهجان ومقت القراء الذين صاروا يتجنبون مطبوعاتهم التي تقوم على الكذب والتزوير والإثارة، وستبقى تلك الأساليب ضد الإسلام ودعاته وصمة عار على من يكتبها، ومن يدعمها. [إنهم يكيدون كيداْ * وأكيد كيداْ * فمهل الكافرين أمهلهم رويداْ] «الطارق: ١٥-١٧»

стр. 1667

مقال دروس من حياة سلفنا الصالح عبد العزيز آل عبد اللطيف الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء ﵈، وسبيل العلماء الربانيين، ولذا كانت أفضل القربات، وأعظم المقامات. قال تعالى: [ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين] [١] والدعوة إلى الله تعالى لابد أن تكون صحيحة المقصد، سليمة المنهج وهذا هو سبيل دعوة نبينا محمد ﷺ ومن تبعه بإحسان، كما قال عز وجل: [قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين] [٢] ولقد سلك سلفنا ﵏ هذا الطريق، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر وعلموا الناس الخير، وبلّغوا البلاغ المبين عبر وسائل متعددة: كالتدريس والحسبة، والوعظ، والفتيا، والقضاء وغيرها ... لقد قام أولئك السلف بهذه الدعوة ابتغاء وجه الله تعالى، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكوراً وفي الوقت نفسه التزموا بسلامة المنهج من خلال الاتباع وترك الابتداع. والصحوة الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى التعرف على أمثلة عملية ومشاهد واقعية من دعوة السلف الصالح؛ لكي تكون تلك المواقف حافزاً مشجعاً للتأسي بهم، والسير على منوالهم. قال أحد العلماء: «من نظر في سيرة السلف عرف تقصيره، وتخلفه عن درجات الرجال» . وهذه المقالة تحوي جملةً من المشاهد الدعوية من حياة السلف، نعرضها على النحو التالي: كان زاذان يشرب المسكر، ويضرب بالطنبور، ثم رزقه الله التوبة على يد عبد الله بن مسعود ﵁ فصار زاذان من خيار التابعين، وأحد العلماء الكبار، ومن مشاهير العباد والزهاد. [٣] وإليك قصة توبته، كما يرويها زاذان نفسه قائلاً: «كنت غلاماً حسن الصوت، جيد الضرب بالطنبور، فكنت مع صاحب لي وعندنا نبيذ وأنا أغنيهم، فمر ابن مسعود فدخل فضرب الباطية (الإناء) فبددها وكسر الطنبور، ثم قال: لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت، ثم مضى، فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مسعود، فأُلْقِيت في نفسي التوبة، فسعيت أبكي، وأخذت بثوبه، فأقبل عليّ فاعتنقني وبكى وقال: مرحباً بمن أحبه الله، اجلس، ثم دخل، وأخرج لي تمراً» . [٤] ولنا وقفة مع هذه القصة، فمن خلال هذا السياق نلمس صدق ابن مسعود ﵁ وحسن نيته، وصحة قصده في دعوته لزاذان، مما كان سبباً في هداية الرجل وتوبته وكما قال عبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١ هـ) ﵀ معلقاً على تلك القصة: «انظر إلى بركة الصدق والطاعة وحسن النية، كيف هدى الله زاذان بعبد الله بن مسعود لما كان صادقاً حسن السيرة، فلا يصلح بك الفاسد حتى تكون صالحاً في ذات نفسك، خائفاً لربك إذا خلوت، مخلصاً له إذا خالطت غير مراء للخلق في حركاتك وسكناتك، موحداً لله في ذلك كله وحين يزاد في توفيقك وتسديدك، وتحفظ عن الهوى والإغواء من شياطين الجن والإنس والمنكرات كلها والفساق والبدع والضلالات أجمع، فسيزال بك المنكر من غير تكليف، ومن غير أن يصير المعروف منكراً، كما هو في زماننا، ينكر أحدهم منكراً واحداً، فيتفرع منه منكرات جمة، وفساد عظيم..» . [٥] وأمر آخر نستفيده من هذه القصة، وهو أن ابن مسعود ﵁ سلك أُولى الوسائل الشرعية في تغيير المنكر، فلما كان قادراً على تغيير المنكر بيده، أزاله بيده فكسر الطنبور، وأتلف وعاء النبيذ. لقد ضرب ابن مسعود ﵁ مثالاً رائعاً في الشجاعة والإقدام على الصدع بالحق، وتغيير المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، مع كونه وحيداً، وهم جماعة كما هو ظاهر سياق القصة، إضافة إلى قصره ونحافته ﵁. لكن لما كان ابن مسعود معظماً لحرمات الله تعالى وشعائره أورثه ذلك مهابةً وإجلالاً.. وصدق عامر بن عبد القيس ﵀ حيث يقول: «من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كل شيء» . [٦] ومع هذا التغيير باليد، فإننا ندرك مدى شفقة ابن مسعود ﵁ وكمال رفقه، وتمام نصحه لزاذان، فإن زاذان لما أقبل تائباً، أقبل عليه ابن مسعود ﵁ وعانقه وبكى فرحاً بتوبة زاذان، وحياه بأجمل عبارة مرحباً بمن أحبه الله، كما قال سبحانه: [إن الله يحبَ التوابين ويحبَ المتطهرين] [٧] ، ليس هذا فحسب بل أجلسه وأدناه، وأعطاه تمراً. وهكذا كان أهل السنة يعلمون الحق ويدعون إليه، ويرحمون الخلق وينصحون لهم. كما نلحظ من هذه القصة ذكاء ابن مسعود وفطنته [٨] ، فانظر كيف استجاش زاذان إلى التوبة، فإن زاذان كان مغنياً حسن الصوت، فقال له ابن مسعود: «لو كان ما سمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن لكنت أنت أنت» وفي رواية قال: «ما أحسن هذا الصوت! لو كان بقراءة كتاب الله تعالى كان أحسن» . إن التوجيه السديد للمواهب والقدرات، ووضعها في محلها الملائم شرعاً، إضافة إلى مراعاة طبيعة النفس البشرية، والعلم بنوازعها ومشاعرها، عامل مهم لنجاح الدعوة فإن النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء فلابد من مراعاة «البديل» المناسب، وهذا ما فقهه ابن مسعود ﵁ وغاب عن الكثيرين. يقول ابن تيمية: « ... الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه كما يأمر بعبادة الله سبحانه، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره» . [٩] كان حبيب العجمي من ساكني البصرة، وكان من أهل التجارة والأموال، حتى حضر مجلساً للحسن البصري ﵀، وسمع موعظته فوقعت موعظته من قلبه، فصار من أفضل زهاد أهل البصرة وعبادها. وإليك القصة تفصيلاً: «كان الحسن البصري يجلس في مجلسه الذي يذكر فيه كل يوم، وكان حبيب العجمي ﵀ يجلس في مجلسه الذي يأتيه أهل الدنيا والتجارة وهو غافل عما فيه الحسن لا يلتفت إلى شيء من مقالته، إلى أن التفت يوماً فسأل عما يقوله الحسن البصري، فقيل له: يذكر الجنة، ويذكر النار، ويرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا، فوقر ذلك في قلبه، فقال: اذهبوا بنا إليه فأتاه، فقال جلساء الحسن يا أبا سعيد هذا حبيب قد أقبل إليك فعظه، وأقبل عليه فأقبل عليه الحسن فذكّره الجنة وخوّفه النار، ورغّبه في الخير، وزهده في الدنيا فتأثر حبيب بتلك الموعظة، وتصدق بأربعين ألفا، وقنع باليسير، وعَبَدَ الله حتى أتاه اليقين» . [١٠] ... أخي القاريء: لعلك تلحظ صدق الحسن البصري ﵀ في دعوته، وسلامة قصده، حتى أثرت موعظته في قلب حبيب العجمي، فنقلته تلك الموعظة الصادقة من ضجيج الأسواق، وصخب التجارة إلى أن صار عابداً زاهداً، ذا دعاء مستجاب، وكرامات مأثورة كما صار صاحب بذل وإنفاق في سبيل الله تعالى. وما أروع مقالة مالك بن دينار في هذا المقام: «الصدق يبدو في القلب ضعيفاً، فيتفقده صاحبه، ويزيده الله تعالى حتى يجعله الله بركة على نفسه، ويكون كلامه دواءً للخاطئين» . ثم قال مالك: «أما رأيتموهم؟» ثم يرجع إلى نفسه فيقول: «بلى والله لقد رأيناهم: الحسن البصري، وسعيد بن جبير وأشباههم، الرجل منهم يحيى الله بكلامه الفِئام [الجماعات] من الناس» . [١١] ولما سمع زين العابدين علي بن الحسين موعظة للحسن، قال: «سبحان الله هذا كلام صدّيق» . [١٢] ولقد سئل أحد العلماء: «ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟» فقال: « لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلباً للدنيا ورضا الخلق» . [١٣] ومن أسباب الانتفاع بمواعظ الحسن البصري ومجالسه، أنه ﵀ كان قدوة صالحة، ولم يكن ﵀ ممن يقولون ما لا يفعلون، «قيل لعبد الواحد صاحب الحسن البصري:» أي شيء بلغ الحسن فيكم إلى ما بلغ؟ وكان فيكم علماء وفقهاء «. قال:» كان الحسن إذا أمر بشيء كان أعمل الناس به وإذا نهى عن شيء كان أترك الناس له «. [١٤] وأمر آخر يسترعي الانتباه في هذه الحادثة، وهو عناية الحسن بموضوعات الرقائق والزهد والسلوك، حتى كان للحسن البصري مجلس خاص من مجالسه، لا يكاد يتكلم فيه إلا عن معاني الزهد والنسك، فإن سأله إنسان غيرها، تبرم وقال: » إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر «. [١٥] إن غالب مواعظ الحسن ووصاياه كانت في ذم الدنيا، والنهي عن طول الأمل، والأمر بتزكية النفوس، وتصحيح المقاصد والنيات. وما أحوجنا إلى مثل تلك المواعظ والزواجر من أولئك الأئمة الأعلام وهكذا كان الوعاظ في قديم الزمان» علماء فقهاء «كما قاله ابن الجوزي. [١٦] ... وقال الإمام أحمد بن حنبل:» ما أحوج الناس إلى قاص صدوق «. [١٧] ولقد كان الحسن في كثير من الأحيان يزهد في الدنيا ويحذر منها ويرغب في الآخرة، وهذا مسلك نبوي مأثور، فقد قال:» إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج لكم من بركات الأرض، قيل وما بركات الأرض قال زهرة الدنيا.. «. [١٨] ولذا كان الحسن يقول:» والله ما عجبت من شيء كعجبي من رجل لا يحسب حب الدنيا من الكبائر، وأيم الله إن حبها لمن أكبر الكبائر، وهل تشعبت الكبائر إلا من أجلها؟ وهل عُبدت الأصنام، وعُصي الرحمن إلا لحب الدنيا، فالعارف لا يجزع من ذلها، ولا ينافس بقربها، ولا يأسى لبعدها «. [١٩] وصدق الحسن، فغالب الكبائر نابعة من حب الدنيا: فالسرقة، والزنا والحسد، والكذب، والكبر، والرياء وغيرها من أجل حب الدنيا، والتكالب عليها بل إن الله تعالى قد أخبر في كتابه العزيز أن الكفر واستحقاق العذاب بسبب حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فقال تعالى: [من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراْ فعليهم غضب من الله ولهم عذابِ عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة] [٢٠] وهنا ملاحظة أخيرة: أن بعض التائبين يعتزلون الحياة من أجل العبادة وهذا فيه نظر، إذ لا يصح أن كل تائب لابد أن يكون على ذلك المنوال: منقطعاً وزاهداً عن الأخذ بأسباب الحياة المباحة، فتلك رهبانية حُذرنا منها. وصدق الله العظيم القائل: [وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا] [٢١] . فإن من مميزات ديننا الحنيف الوسطية: [وكذلك جعلناكم أمةْ وسطْا] [٢٢] لا رهبانية ولا مادية وإنما يكون المسلم عابداً لله، ساع في الأرض عاملاً أي عمل مناسب يكفي نفسه حاجاتها، ولا يكون عالة على غيره، ولم يعرف الانقطاع للعبادة إلا بعد القرون الفاضلة، يوم جاءت الصوفية وطقوسها المبتدعة، ومعلوم موقف الرسول ﷺ من الثلاثة الذين سألوا عن عبادته في الصلاة والصيام والزواج فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فعزموا على خلافها فقال لهم عليه الصلاة والسلام:» أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني «. [٢٣] ساق أبو نعيم في» الحلية «بسنده إلى إبراهيم بن سليمان الزيات، حيث قال: كنا عند سفيان الثوري، فجاءت امرأة فشكت ابنها وقالت: يا أبا عبد الله أجيؤك به تعظه؟ فقال: نعم جيئي به، فجاءت به، فوعظه سفيان بما شاء الله فانصرف الفتى، فعادت المرأة بعد ما شاء الله، فقالت: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله، وذكرت بعض ما تحب من أمر ابنها، ثم جاءت بعد حين فقالت: يا أبا عبد الله ابني ما ينام الليل ويصوم النهار، ولا يأكل ولا يشرب فقال: ويحك مم ذاك؟ قالت: يطلب الحديث، فقال: احتسبيه عند الله» . [٢٤] سفيان الثوري أحد الأئمة الكبار، وكان أمّاراً بالمعروف لا يخاف في الله لومة لائم، حتى قال أحدهم: «كنت أخرج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً» . [٢٥] كما أنه ﵀ مهتم بأحوال المسلمين، ومن ذلك ما قاله يحيى بن يمان: «تقاوم سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم ليلة حتى الصبح فكانا يتذاكران في أمور المسلمين» . وفي هذه القصة نلحظ حسن تصرف تلك المرأة تجاه مشكلة ابنها، فقد ذهبت إلى سفيان الثوري، وعرضت مشكلتها عليه، وطلبت منه أن يعظ ابنها وتجلت لنا سرعة استجابة سفيان لطلب تلك المرأة، وحسن خلقه وتواضع، فقد بادر إلى إجابة طلبها ووعظ ابنها، فحسن حال هذا الابن، حتى جاءت المرأة شاكرة لسفيان حسن صنيعه، ولم يقف أثر موعظة سفيان عند هذا الحد فحسب بل إن هذا الابن ازداد استقامة وسلوكاً واهتماماً بطلب الحديث، وتحصيل العلم الشرعي، فصار كل وقته في طلب العلم والحديث، مما جعل المرأة تحكي حال ابنها في المرة الثالثة قائلة: ابني ما ينام الليل ويصوم النهار.. يطلب الحديث. وهكذا عملت تلك الموعظة في قلب هذا الفتى حتى صار من أهل الجدّ والاجتهاد في طلب الحديث. كما نلمس في هذه القصة شيئاً من المتابعة المستمرة من المرأة نحو ابنها وإبلاغ سفيان بتلك المتابعات، والانتفاع بعدها برأيه وتوجيهه. هذه ثلاثة مشاهد جلية من دعوة السلف الصالح، وفي ثنايا كتب التراجم الكثير من تلك المشاهد الرائعة، فالله الله في التأسي بهم، فمن كان مستناً فليستن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

стр. 1668

من قضايا العقيدة نظرة في مناهج المفكرين المعاصرين في دراسة العقيدة عثمان جمعة ضميرية ألمحت في مقالة سابقة إلى بعض العوامل والمؤثرات التي آلت بكتب العقيدة تحت مسمى «علم الكلام» إلى قليل أو كثير من الانحراف في المنهج والتعقيد في الأسلوب، مما جعلها تبتعد عن المنهج القرآني في مخاطبة النفوس والعقول لإنشاء العقيدة التي تؤثر في سلوك الإنسان وحياته، وكان لابد من مواجهة هذه الآثار، فقام بعض المفكرين المعاصرين [*] باستجلاء الأساس الفكري العقدي للإسلام وصياغته صياغة جديدة يرجى لها أن تكون مؤثرة، لأنها تربط المسلم بالمصدر الأساس لهذه العقيدة وهو «القرآن الكريم» ، والتطبيق العملي له وهو «السنة النبوية» ، فنشأ عندئذ البحث في «التصور الإسلامي ومقوماته» . - ١ - التصور الإسلامي هو: الفكرة العامة التي جاء بها الإسلام عن الوجود كله (الكون، الحياة، الإنسان) ، ومقومات هذا التصور هي: مجموعة الحقائق العقدية الأساسية التي تُنْشيء في عقل المسلم وقلبه ذلك التصور الخاص للوجود وما وراءه من قدرة مبدعة وإرادة مدبرة، وما يقوم بين هذا الوجود وهذه الإرادة من صلات وارتباطات [١] . ولعل أول من استخدم هذا المصطلح التصور الإسلامي هو المفكر الإسلامي المعروف أبو الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية في الباكستان ﵀ فكتب في ذلك كتابه: «الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادؤها» وكتابه: «نظام الحياة في الإسلام» ، وأقامهما على هذه الفكرة. - ٢ - ثم أقام الأستاذ سيد قطب كتابه المعروف: «العدالة الاجتماعية في الإسلام [**] » على هذا الأساس، فكتب فيه فصلاً عن نظرة الإسلام للوجود ليكون قاعدة لبحث النظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ووعد ببحث مفصل عن ذلك، وكان أن أنجز وعده، فصدر أولاً: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» (القسم الأول: الخصائص) ، وبعد سنوات من إعدامه ظلماً ﵀ صدر القسم الثاني من الكتاب عن «مقومات التصور الإسلامي» في عام ١٤٠٦ هـ، ويحدد المؤلف ﵀ منهجه في البحث فيقول: «منهجنا في البحث عن» خصائص التصور الإسلامي ومقوماته «أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة بعد الحياة في ظلال القرآن طويلاً وأن نستحضر بقدر الإمكان الجو الذي تنزلت فيه كلمات الله للبشر والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التي كانت البشرية تتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدي، ثم التيه الذي ضلت فيه بعد انحرافها عن الهدي الإلهي! ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم أن لا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقاً لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة. ثم إننا لا نحاول استعارة» القالب الفلسفي «في عرض حقائق» التصور الإسلامي «إقتناعاً منا بأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طبيعة» الموضوع «وطبيعة » القالب «، وأن الموضوع يتأثر بالقالب، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه، إذا عرض في قالب في طبيعته وفي تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعته، الأمر المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي، والذي يدركه من تذوق حقيقة هذا التصور كما هي معروضة في النص القرآني. وكلمة أخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا البحث أيضا: إننا لا نستحضر أمامنا انحرافاً معيناً من انحرافات الفكر الإسلامي، أو الواقع الإسلامي، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله، بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا فيما نبذله من جهد في تقرير» خصائص التصور الإسلامي ومقوماته «، إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور في ذاتها كما جاء بها القرآن الكريم كاملة شاملة، متوازنة متناسقة، تناسق هذا الكون وتوازنه، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها. ذلك أن استحضار انحراف معين، أو نقص معين، والاستغراق في دفعه، وفي صياغة حقائق التصور الإسلامي للرد عليه منهج شديد الخطر وله معقباته في إنشاء انحراف جديد في التصور الإسلامي لدفع انحراف قديم والانحراف انحراف على كل حال! [٢] . ولعله مما يحتم هذا المنهج أن ندرك ثلاث حقائق هامة: الأولى: أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامي من مخلفات الحضارة الإغريقية واللاهوت المسيحي وكان له أثر في توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية، منقولة نقلاً مشوهاً في لغة سقيمة، مما نشأ عنه اضطراب كثير في نقل هذه الشروح! الثانية: أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامي كانت تنم عن سذاجة كبيرة، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية وعناصرها الوثنية العميقة، وعدم استقامتها على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة. والثالثة: أن المشكلات الواقعية في العالم الإسلامي تلك التي أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان» ﵁ «قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية وبالمفاهيم الإسلامية انحرافاً شديداً، فلما بدأت المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية بحثاً مغرضاً في الغالب، ومن ثم لم تعد تلك المصادر في ظل تلك الخلافات تصلح أساساً للتفكير الإسلامي الخالص الذي ينبغي أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآني الثابت في جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية..» [٣] . وهذا المنهج الذي سلكه المؤلف ﵀ يجعل النص القرآني هو الأصل الذي يتولى تقرير الحقائق التي يتألف منها البحث، ويجعل عبارة المؤلف مجرد عامل مساعد يجعل النص القرآني مفهوماً بقدر الإمكان للقارئ فيعقد بذلك الألفة بين قارئ هذا البحث وبين القرآن ذاته، فيتعود التعامل مع القرآن ذاته مباشرة، ويشعر أن في هذا القرآن غناء كاملاً وشاملاً في كل حقيقة من حقائق الوجود الأساسية [٤] ، ويجب ألا ننسى مكانة السنة الصحيحة في هذا الباب لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أي السنة. ومهما قلت في ذلك الكتاب الممتع، فلست ببالغ ما أريد، ولست موفيه حقه، فحسبي هذه الإشارة إلى أهميته ومنهجه، ليكون ذلك دافعاً للقارئ أن يعود إليه بالدراسة المتأنية العميقة، والبحث الدقيق، ليكون ذلك خطوة على طريق العمل بهذا التصور والتفاعل مع مقتضياته ومستلزماته. - ٣ - وأما الأستاذ محمد المبارك ﵀ فقد قدم كتابين في هذا المجال انطلاقاً من الفكرة السابقة، أولهما: «العقيدة في القرآن» ، وهو بحث مبتكر في العقيدة يعرض لها على أنها نظرة شاملة مترابطة الأجزاء، ويسلك في عرضها أسلوب العصر الحديث من حيث التعبير ومناهج البحث والاستدلال بدلاً من أن يسير في أعقاب المتكلمين ووفقاً لطرائقهم في البحث، التي تأثروا فيها بنظريات ومفاهيم الفلسفة القديمة، لاسيما بعد اتساع آفاق الكشف العلمي للكون أو الطبيعة. [٥] . ثم كتب أيضاً الجزء الأول من «نظام الإسلام» العقيدة والعبادة نهج فيه المنهج نفسه، وهو أوسع من الكتاب الأول، حيث يعرض فيه لحقائق الوجود ويضع العقيدة في موضعها من نظام الإسلام، فهي اللبنة الأساسية في بنائه، وهي التي تمد باقي أجزائه بالحياة وتحدد اتجاهاتها ومعالمها. وطريقة المؤلف في بحثه تعتمد على الأسس التالية: ١- نصوص القرآن والسنة، وذلك بتتبع جميع الآيات والأحاديث التي تتصل بموضوع من الموضوعات، مراعياً في فهم الآيات تفسير الصحابة والصدر الأول دون التأويلات الشاذة. ٢- الاسترشاد بآراء السلف الأول في فهم الإسلام، والاستئناس برأي من جاء بعدهم في مختلف العصور. ٣- الربط بين الأحكام الجزئية، وجمع شتاتها، واستخراج الأفكار العامة والقواعد الكلية التي تنتظمها، دون التزام التصنيفات والتقسيمات التي اعتمدها المؤلفون القدامى. ٤- بذل الجهد في أن يكون تعليل الآراء وحكمة الأحكام من النصوص الأصلية نفسها، والبعد عن التعسف في التأويل والتعليل، والبعد عن الآراء الشاذة. ٥- صياغة الأفكار صياغة تتناسب مع المخاطبين في هذا العصر من حيث طريقتهم في التفكير وأسلوبهم في التعبير، مع الحفاظ على المفاهيم الإسلامية دون انتقاص أو تحريف [٦] . - ٤ - وهناك كُتّاب آخرون أيضاً عرضوا لفكرة جديدة أو منهج جديد في الكتابات العقدية، ومن ذلك ما قام به الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه «فقه التدين فهماً وتنزيلاً» (الجزء الثاني) ، ومقدمته لكتاب «تفصيل النشأتين» للراغب الأصفهاني وضع فيها بين أيدي الباحثين مخططاً عاماً لما يمكن أن يكون بنية عامة لمنظومة إسلامية في «الإنسان» تستمد مادتها من العقيدة الإسلامية [٧] .

стр. 1669

دراسات تاريخية منهج التفسير التاريخي قواعد منهجية في تفسيرالحوادث والحكم عليها (٢) د. محمد آمحزون تمهيد: في الحلقة الأولى تطرق الكاتب لبيان المقصود من دراسة التاريخ، وماذا يعني بالمنهج وبين أنه قسمان: منهج التوثيق، ومنهج التفسير التاريخي، وهو ما اقتصر على بيان دوره في دراسة التاريخ وفقاً للتصور الصحيح المبني على الموازين الشرعية، ثم بدأ ببيان القواعد المنهجية لتفسير الحوادث والحكم عليها، وذكر ثلاثاً منها وهي: القاعدة الأولى: اعتماد المصادر الشرعية وتقديمها على كل مصدر فيما نصت عليه من أخبار وضوابط وأحكام. القاعدة الثانية: الفهم الصحيح للإيمان ودوره في تفسير الأحداث. القاعدة الثالثة: أثر العقيدة في دوافع السلوك لدى المسلمين. ويواصل الكاتب عرض بعض منها فيما يأتي: - البيان - القاعدة الرابعة العوامل المؤثرة في حركة التاريخ: إن المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ منهج شامل لكل الدوافع والقيم التي تصنع التاريخ، وهو غير واقف أمام حدود الواقع المادي المحدود الظاهر للعيان فقط بل إنه يتيح فرصة لرؤية بعيدة، يستطيع المؤرخ معها أن يقدم تقييماً حقيقياً وشاملاً أكثر التحاماً مع الواقع لأحداث التاريخ الإنساني، وذلك لأنه يأخذ في الحسبان مدى أثر العوامل المادية والنفسية المحيطة بالإنسان، مع مراعاتها والاعتراف بها كافةً، دون تضخيم لبعضها أكثر من حجمه، وقبل هذه العوامل ومعها وبعدها قدر الله جل وعلا وأمره النافذ، فإنه لا راد لقضائه وأمره. وهذا سر المفارقة بين المنهج الإسلامي وبقية المناهج الأخرى الوضعية التي تفسر التاريخ تفسيراً عرقياً أو جغرافياً أو اقتصادياً أو نفسياً، ولم تحسب حساباً لكافة العوامل المؤثرة في حركة التاريخ، وإنما اكتفى كل واحد منها بعامل وضخمه، وفسر به تاريخ الإنسان كله. إنه لابد من ملاحظة كل العناصر الفاعلة في الحدث التاريخي من عوامل مادية ومعنوية، فالإنسان ذو أبعاد فسيحة وأغوار عميقة، وكل الظواهر التي تتصل به على درجة عالية من التعقيد في الأفكار والمبادئ والمواقف والعادات وفي الاجتماع والاقتصاد ... كل أولئك يتشكل ويتبلور نتيجة نسيج معقد من العوامل. وإذا كان هذا هو الواقع، فإن تفسير أية ظاهرة إنسانية وتعليلها بعلة مفردة غير صحيح ولا دقيق، ولنضرب مثالاً على ذلك بموقعة بدر الكبرى هل كان هناك سبب أو عامل واحد أدى إلى انتصار المسلمين، أم يا تُرى تضافرت عدة عوامل ليتوج بها المسلمون انتصاراتهم على أعدائهم الذين يفوقونهم عدداً وعدة. مما لا شك فيه أن المتأمل في هذا الحدث الفاصل في تاريخ الإسلام يجد بعد الاستقراء والدراسة أن عدة أسباب ساهمت في انتصار المسلمين وهي: أولا: العقيدة الراسخة: إذ كان للمسلمين هدف معين ومحدد وهو نشر الإسلام حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا. ثانياً: المعنويات العالية: فقد كانت معنويات المسلمين في بدر عالية جداً نظراً لثقتهم الأكيدة بوعد الله ونصره. ثالثاً: الشورى: وهو المبدأ الذي التزم به الرسول ﷺ منذ خروجه إلى بدر. رابعاً: القيادة الموحدة: فقد كان الرسول ﷺ هو القائد العام في معركة بدر وكان المسلمون يعملون يداً واحدة تحت قيادته، وكان انضباطهم مثالاً رائعاً للانضباط الحقيقي. خامساً: التعبئة الجيدة: فقد طبق الرسول ﷺ أثناء اقترابه من بدر تشكيلة لا تختلف عن التعبئة الحديثة في حرب الصحراء، حيث كان للمسلمين مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، كما استفاد النبي ﵊ من دوريات الاستطلاع للحصول على المعلومات. سادساً: معرفة طبوغرافية أرض المعركة: حيث كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أشد حرصاً على دراسة أرض المعركة، والتعرف على ظاهراتها الطبيعية قبل أن يدفع قواته إليها، وبتعرف المسلمين على تضاريس أرض بدر سيطروا على موارد المياه ببدر وعطلوا الآبار في الجهة التي يفترض أن يقدم إليها المشركون. وهكذا فإن انتصار المسلمين لا يرجع إلى سبب أو عامل واحد، بل أثرت عدة عوامل إيمانية ونفسية وتنظيمية واستراتيجية وجغرافية في نتيجة المعركة لصالح المسلمين. ولنعط مثالاً آخر: فلا يمكن أن يقال مثلاً: إن الشعب الأفغاني صمد في وجه المحتلين بسبب إيمانه، أو بسبب صعوبة تضاريس أرضه من جبال وكهوف أو بسبب رصيد الفطرة لديه، أو بسبب العون الخارجي، أو بسبب وجود قواعد خلفية له في بلد مجاور.. إنه لم ينفرد سبب واحد من هذه الأسباب بولادة ظاهرة الصمود، بل إنها جميعاً مع أسباب أخرى أسهمت في إيجاد وضع متميز يستمد تميزه من خصوصية شروطه وأسبابه. إن إدراك مقومات النفس الإنسانية جميعها روحية وفكرة وجسدية لا يتوفر في غير المنهج الإسلامي؛ لأن التصور الصحيح عن هذه القضايا المؤثرة والفاعلة في الحدث التاريخي لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي المعصوم من الخطأ « الكتاب والسنة» . فبواسطة التلقي من الوحي يعرف المسلم هذه العوامل، ويعرف قدر كل عامل وقيمته وتأثيره في النفس، والنسب الصحيحة للعلاقات بين تلك العوامل جميعاً؛ لأن مصادر تلقيه من لدن الله جل وعلا، الحكيم الخبير الذي يعلم خبايا النفس الإنسانية ولا يغيب عن علمه مثقال ذرة في الأرض أو في السماء. القاعدة الخامسة العلم بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم والتثبت فيما يقال عنهم: يقول الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ في هذا الصدد: « واحفظ لكل منزلته وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل» [١] . وقد قعّد ابن تيمية ﵀ بواسع علمه وعميق فهمه قاعدة جليلة في الإفتاء في أي قضية يراد معرفة حكم الله فيها، وذلك في بداية فتواه الشهيرة عن التتار وحكم قتالهم، فقد ذكر أن الحكم على أي طائفة أو قوم يقوم على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم، والثاني معرفة حكم الله في أمثالهم، وهذان الأصلان يقومان على الحكم المنافي للجهل، إذ الكلام في الناس لا يجوز بغير علم وبصيرة « [٢] . وعلى هذا الأساس ينبغي التحري فيما يروى عن الوقائع التي كانت بين أعيان الصدر الأول من الصحابة ﵃ فالمعرفة بحالهم تدل على كمال إيمانهم وصدقهم وحسن سريرتهم وفعلهم للخيرات وتضحيتهم بالنفس والنفيس في سبيل الحق، كل ذلك يرفع منازلهم إلى درجات عالية مما يجعلهم جميعاً من لابس الفتن منهم ومن لم يلابسها أهلاً للاقتداء بهم، وأهلاً للرواية، تقبل أخبارهم في أعلى درجات القبول، وتوزن أعمالهم بميزان الورع والإحسان، مما ينفي عنهم ما نسب إليهم من أوصاف سيئة، هذا علاوة على بيان حكم الله فيهم، إذ تواترت النصوص الشرعية في تزكيتهم وتعديلهم. فلا جدال في أن الصحابة رضوان الله عليهم قدوة لكل مسلم فيما يتعلق بأمور الدين، ولا مجال للطعن في تدينهم وصحة عقيدتهم وسلامة أخلاقهم، لكن ذلك لا يمنع أن يقع منهم الخطأ، إذ ليسوا معصومين، ولذلك فإن ما وقع بينهم من خلافات سياسية هي من قبيل الأمور الاجتهادية التي لا تقدح في مكانتهم السامية، وإذا سجل التاريخ تلك الخلافات فلا ينبغي أن تحمل على محمل الانتقاص منهم. وقد أمر الله جل وعلا المؤمنين بالرجوع إلى ما علموا من إيمان إخوانهم الذي يدفع السيئات، وأن يعتبروا هذا الأصل العظيم ولا يعبؤوا بكلام المتربصين والمغرضين الذي يناقضه ويقدح فيه، فيحسنوا الظن بإخوانهم، بل يدحضوا ما يروج ضدهم من شائعات وافتراءات تمس كرامتهم، وتحط من أقدارهم. يقول الله تعالى زجراً للمؤمنين عن مجاراة الشائعات التي يتقولها أهل السوء في إخوانهم المؤمنين: [لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراْ وقالوا هذا إفك مبين] [٣] وقال تعالى: [ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم] [٤] . وقد دلت الآيتان على قاعدة مهمة وهي:» الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق للخروج من الشبهات والتوهمات، وقد يعبر عنها بأن الموهوم لا يدفع المعلوم وأن المجهول لا يعارض المحقق « [٥] . وبناء على هذا لابد من الرجوع إلى المصادر الأصلية الموثوقة لمعرفة الحقيقة، فلا يؤخذ من الكذابين والفاسقين وأصحاب الأهواء لأن فسقهم وهواهم يدفعهم إلى تصوير الأمر على خلاف حقيقته، وإن المرء المسلم مطالب شرعاً بالتثبت والتبيّن مما يسمع، لقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقِ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماْ بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] [٦] . ولقول الرسول:» كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع « [٧] ، وقوله:» إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث « [٨] ، ولذلك كانت عناية علماء أهل السنة موجهة إلى بيان من يحمل عنه العلم أو الخبر، ومن لا يؤخذ عنه كقول بعضهم في هذا الباب:» باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها « [٩] ، إذ أن تقدير الرجال لا يؤخذ إلا من العالم العارف الثقة البصير بأحوال المسلمين. وهناك مجموعة من المقاييس ينبغي الأخذ بها في هذا الشأن، وهي: * عدم إقحام الحكم على عقائد ومواقف الرجال بغير دليل في ثنايا سرد الأعمال، إذ أن الحكم على أقدار الناس يجب أن يكون قائماً على حسن الظن حتى يثبت خلاف ذلك. * عدم تجاوز النقل الثابت إلى إيراد الظنون والفرضيات، ومن فضل الإسلام أن نهى عن ذلك، ولم يفعل هذا مؤرخ فاضل، ولم يقل أحد أن حسن الأدب هو السكوت عن الكذب، وإنما حسن الأدب هو رده وتنقية سيرة الصدر الأول منه، كما أن حسن الأدب يقتضي السكوت عن الظنون، والكف عن اقتفاء ما لا علم لنا به يقيناً، وكثيراً ما تلح على المرء في هذا شهوة الاستنتاج ودعوى التحليل، وقد أمرنا الشرع أن تكون شهادتنا يقينية لا استنتاجية فيما نشهد من حاضرنا، ففي الآية [إلا من شهد بالحق وهم يعلمون] [١٠] ، فكيف بمن يشهد بالظن والهوى فيمن أدبر من القرون؟ ! * إن الإسلام له منهجه في الحكم على الرجال والأعمال، فهو يأمر بالشهادة بالقسط وعدم مسايرة الهوى في شنآن أو في محبة، ويأمر باتباع العلم لا الظن، وتمحيص الخبر والتثبت فيه أن يصاب قوم بجهالة، وهذا في حق كل الناس، فكيف بخير القرون؟ ! القاعدة السادسة الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف: والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون] [١١] . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:» والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، وليس بجهل وظلم كحال أهل البدع « [١٢] . ويدخل ضمن هذه القاعدة العدل في وصف الآخرين، والمقصود به هو العدل في ذكر المساوئ والمحاسن والموازنة بينها. فمن المعلوم أن أحداً لا يسلم من الخطأ لقول النبي:» كل بني آدم خطاء « [١٣] ، ولذلك ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يغفل المحاسن لوجود بعض المساوئ، كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو شحناء بينه وبين من يصفه، فالله أدبنا بأحسن الأدب وأكمله بقوله: [ولا تبخسوا الناس أشياءهم] [١٤] . وحين نجد من يذم غيره بذكر مساوئه فقط، وبغض النظر عن محاسنه فإن ذلك يرجع في العادة إلى الحسد والبغضاء أو إلى الظنون والخلفيات والآراء المسبقة، أو إلى التنافس المذموم، ولكن المنصفين هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه حقه، ولو كان الموصوف مخالفاً لهم في الدين والاعتقاد أو في المذهب والانتماء. ومن العلماء الذين برزوا في هذا الشأن الحافظ الذهبي ﵀ فمن خلال كتابه النفيس» سير أعلام النبلاء «أنصف من ترجم لهم من الأعلام فلم يبخس أهل البدع أو الفسق ما لهم من صفات جيدة، بل أنصفهم بذكر ما لهم وما عليهم، يقول مثلاً عن الأشتر النخعي:» أحد الأشراف الأبطال المذكورين، وكان شهماً مطاعاً زعراً [١٥] ألّب على عثمان وقاتله، وكان ذا فصاحة وبلاغة « [١٦] . ويقول في ترجمة الحكم بن هشام:» وكان من جبابرة الملوك وفساقهم ومتمرديهم، وكان فارساً شجاعاً، فاتكاً ذا دهاء وعتو وظلم، تملك سبعاً وعشرين سنة « [١٧] . ويقول في ترجمة الجاحظ الأديب المعتزلي:» العلامة المتبحر ذو الفنون وكان أحد الأذكياء، وكان ماجناً قليل الدين، له نوادر « [١٨] . وقال عن عبد الوارث بن سعيد:» وكان عالماً مجوداً، ومن أهل الدين والورع، إلا أنه قدري مبتدع « [١٩] . وقال أثناء حديثه عن ثابت بن قرة:» الصابئ الشقي الحراني، فيلسوف عصره، وكان يتوقد ذكاءً « [٢٠] . ومنهج الذهبي هذا في العدل والإنصاف في وصف الآخرين منهج علمي دقيق، وهو منهج أهل السنة والجماعة في حكمهم على غيرهم، ولذلك ينبغي لكل من رام الإنصاف أن لا يحيد عن هذا المنهج السوي المعتبر، وأن يتقي الله في وصف من يترجم لهم، أو يتحدث عنهم من الحكام والقادة والعلماء والفقهاء والإخباريين والمؤرخين وغيرهم، ويتكلم بعدل وإنصاف. القاعدة السابعة العبرة بكثرة الفضائل: فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، وكذلك من غلبت فضائله هفواته اغتفر له ذلك، وفي هذا الصدد يقول الحافظ الذهبي:» وإنما العبرة بكثرة المحاسن « [٢١] . وهذه القاعدة جليلة تعد بمثابة منهج صحيح في الحكم على الناس؛ لأن كل إنسان لا يسلم من الخطأ، لكن من قل خطؤه وكثر صوابه فهو على خير كثير، والإنصاف يقتضي أن يغتفر للمرء الخطأ القليل في كثير صوابه. ومنهج أهل السنة هو اعتبار الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ والنظر إليه بعين الإنصاف. وهناك قاعدة أخرى يمكن اعتبارها في هذا الباب وهي» العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية « [٢٢] . القاعدة الثامنة إحالة الحوادث على الخطأ في الاجتهاد: أما إن المجتمع الإسلامي يسير على السنن الطبيعية لكل المجتمعات، فهذا حق، ونحن لا نعصم فرداً أو مجتمعاً من أن تسري عليه هذه السنن، إلا أن يكون نبياً أو رسولاً، ومن هنا يجب أن نعلم أن الذين صنعوا التاريخ رجال من البشر يجوز عليهم الخطأ والسهو والنسيان وإن كانوا من كبار الصحابة وأجلائهم، إلا أنه ينبغي إحالة الحوادث إلى الخطأ في الاجتهاد، ونذكر ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أن المجتهد المخطئ له أجر، والمصيب له أجران [٢٣] فهو على كل حال مأجور، فلا ننقصه وقد آجره الله، كما أنه قد تشهد له دلائل وفضائل أخرى، وتشفع له مواقف ثابتة. وعليه فإنه ينبغي للمسلم أن يرد كل خبر يطعن في عدالة الصحابة، وأن ينزه أصحاب رسول الله ﷺ عن الطمع والشح والغدر والخديعة والغفلة واللؤم والفسق والظلم والاستبداد وأكل الأموال بالباطل، وكل الأخلاق التي تطعن في العدالة وتعد من الفسق وخوارم المروءة، وأنهم إن كانوا غير معصومين فهم عدول، وأن ما اجتهدوا فيه سواءً أتعلق بالدماء أم تعلق بالأموال فهم فيه مأجورون، وأنهم إن جازت عليهم المعاصي إلا أنهم يتوبون ويستغفرون فيتوب الله عليهم ويغفر لهم، وأن لهم فضل الصحبة التي خصوا بها، ونالوا بها من الفضل ما لم يدركه أحد بعدهم.

стр. 1670

خواطر في الدعوة أنماط من التفكير! محمد العبدة يتهم الغربيون والمستشرقون منهم بشكل خاص يتهمون المسلمين بأنهم أصحاب (تفكير ذري) ويعنون بهذا أن الطريقة التي يواجه بها المسلم أمور الحياة هي أن يبحث كل قضية أو جزئية لوحدها، وبمعزل عن الجزئيات الأخرى فلا يتسنى له الإحاطة بالموضوع، ووضع الكليات العامة التي تجمع شتاته وتوضح علله ومقاصده، وهو ما يسمى عندهم (فلسفة العلوم) . هذا ما يردده الغربيون والحقيقة أن هذه التهمة تدل على خبث الطوية قبل أن تدل علىالسطحية أو السذاجة، وكأنهم يريدون تحطيم نفسية المسلم وإشعاره بأنه ليس على شيء، وذلك لأن أي دارس لتراث المسلمين سيرى العكس تماماً، وأن تلك الاتهامات هي محض افتراء، وإلا فمن الذي وضع أصول الفقه، وتكلم عن مقاصده؟ ومن الذي ضبط العلوم الإسلامية بأصول وقواعد مثل أصول التفسير، وأصول الحديث، وقواعد اللغة العربية؟ نعم إن هذا الذي قام به المسلمون كان في عصر المد الحضاري، وأما في العصور المتأخرة، وعندما أصيبت الأمة بالجمود والضعف، وضعف العلم والاجتهاد، فإن هذا المرض (التفكير الذري) قد تسرب إلى عقول كثير من المسلمين، وواقعنا اليوم يشهد على ذلك، وهذه أمثلة منه: ١ -رفع المسلمون ومنذ عقود من السنين شعار إصلاح الفرد، وأنه بعد ذلك سيتم إصلاح المجتمع والدولة، وكأن هذا الإصلاح سيتم بشكل آلي، ولكن عند النظرة الفاحصة تجد أن الأمر ليس بهذه السهولة، لأننا لا نستطيع إصلاح الفرد بمعزل عن التأثيرات الجانبية القوية التي تُصاغ بها شخصيته، فلابد أن تكون التربية وخطة الإصلاح والتغيير شاملة للفرد والأسرة والمجتمع، ولابد من إحاطة الفرد بأجواء صحية أو قريبة منها حتى تستقيم لنا عملية التغيير. ٢ -بعض الشباب المسلم إذا سمع عن عالم كبير قد أتقن كثيراً من علوم الشريعة، يظن أن هذا العالم لابد أن يجيب عن كل الأسئلة التي تدور على الساحة الإسلامية، بل يستطيع حل كل مشكلات المسلمين المعقدة وهذا ليس بالتأكيد، فقد يملك إجابات كثيرة وتفوته أشياء، وقد يكون متقناً لجوانب وضعيفاً في أخرى، ولا يعني هذا الانتقاص منه بأي حال من الأحوال، فعدم الإحاطة بمثل هذا الموضوع يجعل الشاب ينظر هذه النظرة الجزئية. ٣ -يحذر أحد الدعاة تلامذته وصحبه من إهمال الدعوة إلى الله، ويرفع شعار (لا تعطوا الدعوة فضول أعمالكم) ، وهو شعار صحيح، ولكن هؤلاء التلاميذ يفهمون هذه النصيحة بأن يتركوا واجباتهم الأخرى، مثل الدراسة أو العمل أو بر الوالدين، مع أن الجمع بين كل هذه الواجبات ليس بالأمر العسير. وقد سرى هذا الداء إلى مجموع الأمة، فلا نجد نظرات بعيدة المدى، ولا تخطيط شامل، بل كل فئة أخذت جزءاً من الإسلام وانشغلت به واستغرقت فيه، وشنعت على الفئات الأخرى ما تقوم به، وإن الإحاطة بمفهوم هذا الدين ومقاصده الكبرى لإصلاح البشرية، مما يسهل إنشاء الدعوة، وقبول الناس لها وإن المسلم ليملك القابلية لأن يستوعب شمولية الإسلام، ولكن أين التربية المتكاملة؟

стр. 1671

دراسات اقتصادية الإسلام والقضايا الاقتصادية المعاصرة معالجة الأزمات الغذائية - ٢ - د.محمد بن عبد الله الشباني في العدد الماضي تطرقت إلى بعض من جوانب كيفية معالجة الأزمات الغذائية على ضوء التصور الإسلامي باستعراض بعض الأحاديث التي وضحت كيفية معالجة النقص الفعلي للمواد الغذائية أو غيرها من السلع، وفي هذا العدد سوف أعالج جانباً آخر من الجوانب التي قد تؤدي إلى بروز ظاهرة الأزمات الغذائية أو النقص في السلع التي يحتاج إليها الأفراد، هذا الجانب هو الجانب الكمي للسلع وكيفية التحكم في ميكانيكية العرض والطلب، أي التحكم في حركة السوق. لقد جاءت أحاديث عديدة تعالج هذا الجانب بشكل يتفق مع واقع الحياة ولا يتعارض مع ميكانيكية السوق، بل إنه يحفزها بالشكل الذي يجعل لميكانيكية السوق دور في تنظيم العرض والطلب بالأسلوب الذي يخدم حركة التبادل التجاري. روى البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر حدثه «أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي ﷺ فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام» [١] ، وفي رواية للبيهقي: كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانها النبي ﷺ أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام، وذكر البيهقي في سننه أن الغاية من منع البيع حتى ينقلوه إلى سوقه لئلا يغلوا الطعام هناك على من يفد، وأنه في ذلك الموقع أرخص. كما روى البخاري وأحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله «قال: لا يبع بعضكم على بيع أخيه [٢] ، كما رُوي في الموطأ وفي السنن للبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أن عمر بن الخطاب خرج إلى السوق فرأي ناساً يحتكرون بفضل أذهابهم فقال عمر لا ونعمة عين يأتينا الله بالرزق حتى إذا نزل بسوقنا قام أقوام فاحتكروا بفضل أذهابهم عن الأرملة والمسكين إذ خرج الجلاب باعوا على نحو ما يريدون من التحكم، ولكن جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف حتى ينزل سوقنا فذلك ضيف لعمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله. كما رُوي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له (مدّين) لكل درهم فقال له عمر ﵁ حُدثتُ بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً، وهم يعتبرون بسعرك فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت، كما روى مالك عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من القطنية العشر. بدراسة الأحاديث والآثار السابقة نجد أن الإسلام عالج جانب العرض والطلب للسلع باستخدام بعض الأساليب التي تساعد على تحقيق التوازن بين العرض والطلب، وتؤدي بالتالي إلى استقرار السوق، وإبعاد الوسائل المؤثرة على منحنى العرض والطلب، وتتمثل هذه الاجراءات العملية في الأمور التالية: أولا: إزالة إمكانية ظاهرة التأثير الكاذب على العرض أو الطلب والذي قد يؤدي إلى تذبذب الأسعار مما قد يسيء إلى المشترين والبائعين؛ لهذا نجد أن المنهج الإسلامي التطبيقي يحبذ وجود الأسواق المتخصصة والتي يتم فيها البيع والشراء في سلع معينة مع منع البيع خارج هذه الأماكن، وهو بهذا يحقق عنصراً مهماً من عناصر فعالية ميكانيكية السوق وهو اجتماع البائعين والمشترين في مكان واحد، والغرض من ذلك تحقيق السعر العادل، وعلى ذلك نفهم الغاية من نهي الرسول ﷺ عن الطعام قبل وصوله إلى سوق الطعام، حيث يوجد المشترون الراغبون في الشراء والبائعون الراغبون في البيع، ويتحقق بذلك حماية المشترين من احتكار بعض الفئات كما يحمي البائعين من حصول الغبن الذي قد يصابون به من جراء تلقي بعض المشترين لهذه السلع قبل وصولها، ويندرج ضمن هذا المفهوم منع احتكار بيع سلع معينة لأشخاص معينين، وهو ما يعرف بنظام الوكالات التجارية لأنه يشبه بيع الحاضر للبادي وهذا النوع من الاحتكار يعاني منه الناس كثيراً حيث يتحكم الوكيل في سعر بيع السلع، وسعر قطع غيارها إذا كانت سلعة رأسمالية، وهو أمر مشاهد في النظام الرأسمالي، كما أنه يتحكم في وجود سلع تعوّد عليها الناس واحتكرت له، فأصبح الوكيل هو البائع الوحيد للمنتج مما يجعله يتحكم في الأسعار كيف يشاء. ثانياً: حق الدولة في التدخل لمنع الظروف التي تجعل أصحاب رؤوس الأموال يتحكمون في احتكار السلع بسبب قدراتهم المالية، فنجد أن عمر بن الخطاب ﵁ عمد إلى حماية البائعين الذين يجلبون السلع من خارج مكان تسويقها، وذلك بتوفير ظروف وجودها لهم في السوق فأمر بأن يتم إطعام وإسكان الجالبين للسلع من خارج المدينة بأن تتولى الدولة توفير أماكن للسكن والإقامة والتخزين للسلع، وذلك بأن تتولى الدولة توفير مخازن عامة في كل بلدة لتخزن فيها السلع التي ترد إلى المدينة أو القرية، وهذه المخازن تعود ملكيتها للدولة وتؤجر بسعر زهيد أو مجاناً مع توفير مساكن يقطنها الجالبون للسلع خلال فترة تواجدهم للبيع، إما مجاناً أو بأسعار زهيدة تشجع على البقاء لفترة كافية تساعد على إيجاد السلع للراغبين في الشراء من أهل القرية أو المدينة، أي أن الأمر متروك للدولة الإسلامية وفق الظروف المتاحة لها لاتخاذ الأساليب التي تشجع على استقرار الأسعار ووجود السلع بدون احتكار لها. ثالثا: تعمد الدولة إلى التدخل لتحقيق الاستقرار السعري للسلع، أي منع الانهيار السعري للسلع من خلال تنظيم وجود السلع في السوق لمنع ظروف الندرة، ولا يتأتى ذلك إلا بمراعاة ظروف العرض والطلب، وما فعله عمر رضي الله عنه مع حاطب، إنما هو دليل يمكن الأخذ به وذلك بحق الدولة في التدخل في العمل على استقرار الأسعار؛ لما يعود على حركة التبادل التجاري بالمنفعة، حيث أن من واجبات الدولة العمل على توفير السلع في السوق، وتشجيع حركة التبادل التجاري بين مختلف الأقطار والأقاليم، وهذا لا يمكن تحقيقه في ظل ظروف فساد السعر السوقي فعمل عمر مع حاطب يرشد إلى أن على الدولة التدخل لحماية الأسعار حتى لا يؤثر ذلك مستقبلاً على حركة التبادل، وبالتالي حتى لا يحدث نقص في السلع مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وحصول الشح أي أن على الدولة تحقيق السعر العادل لمختلف السلع والخدمات ومنع الأفراد الذين قد يعمدون إلى إفساد السوق من خلال تخفيض السعر مؤقتاً، ثم رفعه في فترة لاحقة بعدما يقل توافر السلع، أي محاربة ما يعرف في هذا العصر بسياسة الإغراق المتمثلة في تخفيض الأسعار بأقل من التكلفة الذي تعمد إليه بعض الدول أو بعض التجار عند غزو سوق من الأسواق من أجل السيطرة عليه مستقبلاً، وتحقيق فرق السعر الذي يتم بتخفيض أسعار السلع خلال فترة الإغراق بعد ذلك، وتحقيق السعر الذي ترغبه بعد أن يفسد السوق ويقل العرض فيه. رابعاً: استخدام الضرائب الجمركية كأداة لتحقيق وجود السلع في السوق، أي أن تكون الضرائب الجمركية أداة مالية لتحقيق التوازن في حجم العرض مع الطلب، أي أن وظيفة الضرائب الجمركية لا يقصد منها زيادة موارد الدولة المالية كهدف، وإنما هي أداة لتحقيق كفاية وجود السلع في السوق المحلي؛ لهذا يمكن للدولة الملتزمة بتطبيق التشريع الاقتصادي الإسلامي استخدام هذه الأداة المالية كأسلوب من أساليب تحقيق الحجم الأمثل في وجود وتوافر السلع، وهي السياسة التي اتبعها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في سوق المدينة، وهي سياسة يمكن انتهاجها لكن لا بد من معرفة أن الغاية من السياسة الجمركية ليس زيادة الموارد ولا حماية فئات معينة من المنتجين المحليين على حساب المستهلكين، وإنما يكون الهدف تحقيق التوازن الكمي بين العرض والطلب وفق السعر العادل الذي لا ضرر فيه ولا ضرار. إن معالجة الإسلام لمشكلة الأزمات الغذائية لا يقتصر على الجانب التنظيمي فقط، ولكن الإسلام ينظر إلى الجانب السلوكي للأفراد والذي قد يؤدي إلى إيجاد الأزمات السلعية، فقد يكون السلوك من العوامل المؤثرة في تفاقم أزمات النقص في السلع وارتفاع أسعارها، لهذا فقد عالج الإسلام هذا الجانب ضمن منهجه في التكامل في معالجة المشكلات، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ نهى عن التبقر [٣] في المال والأهل، كما روى مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال له فراش للرجل وفراش لامرأته والثالث للضيف والرابع للشيطان [٤] ، ورُوي عن عروة بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة وسرف [٥] . وباستقراء هذه الأحاديث نجد أن الرسول ﵊ وجه الأمة إلى ضرورة إدراك أهمية السلوك الاستهلاكي في التأثير على وجود السلع وتوفرها، وأن الإنفاق الزائد عن الحاجة مظهر من مظاهر التبذير التي لا يحبها الله، فهو مسلك شيطاني قد حذر القرآن الكريم من انتهاجه كما في قوله تعالى [إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا] [٦] . إن من المشاكل التي يعاني منها المجتمع المعاصر والتي لها دور كبير في التأثير على حركة الاقتصاد، الاتجاه المتزايد إلى الإنفاق الاستهلاكي واستخدام جميع الوسائل الإعلامية لإيجاد هذا الاتجاه، إن تزايد الإنفاق الاستهلاكي يؤثر على القدرة الإدخارية لأفراد المجتمع، مما يؤدي إلى ضعف توافر المال الكافي للاستثمار، مما ينتج عن ذلك خلل في الدورة الاقتصادية. المنهج الإسلامي في معالجة أزمات النقص في السلع بما في ذلك السلع الغذائية، مما له علاقة بالسلوك الاجتماعي والذي يؤدي إلى إيجاد أزمات النقص في السلع الغذائية، يتمثل في اتباع السياسات التالية: ١- ضرورة تقليص الإنفاق فيما لا تدعو الحاجة إليه، مراعاة أن يكون الإنفاق الأسري متوازناً، فلا يكون هناك توسع إنفاقي لا تدعو إليه الحاجة ولكن الإنفاق ينبغي أن يتقيد بمفهوم قوله تعالى [ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماْ محسوراْ] [٧] . وعليه فإن الدولة التي تسترشد بالمنهج الإسلامي في معالجة أمورها الاقتصادية إصدار اللوائح التنظيمية التي تحد مثلا من الإسراف في الإنفاق الاستهلاكي الزائد عن الحاجة، ووضع الاجراءات التي تساعد على تقليص اتجاه الإنفاق الاستهلاكي مثل وضع الضرائب المرتفعة على سلع الترف للحد من شرائها على أن توجه حصيلة هذه الضرائب للإنفاق منها على تنمية المجتمع ومنع الإعلانات المشجعة على شراء السلع الإستهلاكية وغير ذلك من الإجراءات التي تحد من التوجه الإستهلاكي المخل بتوازن الدورة الاقتصادية. ٢- توجيه الأفراد إلى انتهاج سياسة تقليص الرغبة في التراكم السلعي بدون حاجة، وأن على الدولة انتهاج الأسلوب الذي يحد من الميل إلى التكالب على اقتناء السلع بدون حاجة سواء أكان ذلك بإصدار التنظيمات الإدارية التي تدفع الأفراد إلى الإحجام عن تملك ما يزيد عن حاجتهم، استرشاداً بالحديث النبوي الذي رواه جابر بن عبد الله بالابتعاد عن المنهج الشيطاني في الإسراف بتملك ما لا حاجة إليه، واتباع جميع الوسائل والطرق التي تحقق غاية ضبط السلوك الاجتماعي بما يخدم فكرة التحكم في الميل الاستهلاكي. ٣- منع المغالاة في الإنفاق بضبط السلوك الاستهلاكي، والتدخل في تحديد رغبات الأفراد لما لذلك من تأثير في الميل الاستهلاكي والذي بدوره يؤثر على دورة النشاط الاقتصادي، فتقليص الاستهلاك والحد منه قد يؤدي إلى التأثير على الاستثمار مما يسبب في ضعف حركة التبادل والإنتاج ولذلك ينبغي أن لا يُفهم من الحد من الإنفاق الاستهلاكي محاربة الإنفاق الاستهلاكي، ولكن ينبغي أن يكون ضمن إطار عدم الإضرار بالنشاط الاقتصادي، وأن يكون الإنفاق الاستهلاكي موجهاً نحو السلع ذات العائد الإنتاجي، أي أن يتم تشجيع الاستهلاك المعتدل الذي يحقق التوازن في حلقات الدورة الاقتصادية. إن معالجة الإسلام لمشكلة الأزمات الغذائية وفق ما تم استعراضه إنما ينبع من التصور الأساسي الذي يقوم عليه الفكر الإسلامي والمتمثل في الوسطية في معالجة الأمور، فلا إفراط ولا تفريط ضمن المفهوم الذي شرعه الله في كتابه في قوله تعالى [وكذلك جعلناكم أمة وسطاْ لتكونوا شهداء على الناس] [٨] وهذه الوسطية هي التي يدور عليها مدار الأمر في الإسلام عند معالجته لجميع القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

стр. 1672

نصوص شعرية خيام الغبار تركي المالكي (١) (حبةُ الرملِ) عطشى.. تجوبُ القفارْ! (حبةُ الرمل) ما زال ربانُها.. مغرماً بـ (البحارْ) ! ! خنقتها (الملوحةُ) لما تزلْ.. تتهادى على.. سافيات الغبارْ! هي في (رحلة التّيه) .. تخزن نَسْغ النخيلْ! .. تتقلب بين العواصف.. برقاً.. من الشوق للزمن المستقيلْ! .. (٢) تنبِضُ الأسئلةْ! .. في الشفاهِ التي.. أورقتْ بينها.. البسملةْ! (٣) تهزأ المرحلةْ.. بالعيون التي.. لم تزلْ.. مسبلةْ! تتدفأ بالزمهريرْ! و (الجمارُ) مدى الأفْق ِ.. شلالُ نورْ! خضَبتْ ليلَنا.. بدمٍ.. أشعلَهْ! ! .. نثرتْهُ بذوراً.. وأوقدت الشوقَ.. بين الرمالْ! زرعتْ جنةً مقبلِةْ! ! (٤) (الغبارُ) يمدّ أعاصيرَهُ.. خشيةَ الزلزلةْ! بَعثر المزَقَ المُشْعلةْ! أجلبتْ خيلُهُ.. وابتنى حصنَهُ.. وانثنى ساجداً: «سيدي (النسرُ) .. ريحي غدتْ مثقلةْ.. وغباري تناقصَ.. والريّ يمتدّ.. أرسلْ لنا سفناً من غبارْ! ! .. واحشِ ذراته ِ.. بالشفارْ! سيدي (البحرُ) يا بركاتِ الشمالْ! .. أنا بعضُ صداكَ هنا.. وبقايا حذائكَ حين نزلتَ على.. جبهات الرمالْ! ! وأنا من بني..؟ من بني..؟ .. عجميّ الهوى.. والفعالْ! ! لم أزلْ ممسكاً (خيمةً) .. (حُرةً) .. نسجتْها يدُكْ! .. مُسدِلاً سترَها.. مستعيناً ولو (باسم رب الغلامْ) ! ! هاهو (الرملُ) يلفظُ أوتادَها! .. أبحرتْ نحو شاطئ آذانه.. صرخاتُ (أحَدْ) ! جهّز الموجَ (صوتاً) .. يسدّ الشواطئَ.. (سوطاً) .. يرشّ الدماءَ رماداً! .. على (جَمَرات البلدْ) ! (٥) (نخَلاتٌ) تقاوِِمُ.. كيدَ (الغبار) .. وموجَ (البحارْ) .. (نخلات) تلقّى على صدرها.. حرّ تلك الشفارْ! .. وهيَ تسحقُ أضلاعَها.. فَتَضِجّ:» أحَدْ «! ! .. واللآلئُ خُضْرٌ.. تسَاقطُ من جنَبات العذوق/المحارْ! .. تتحدّرُ أحلى الثمارْ.. وتعانقُها الأرضُ.. منجبةً.. زمناً من (نخيلْ) ! (٦) صرخات (أحدْ) .. عبرت من نسيج (خيام الغبار) التي اقتسمتْ.. جسداً/أمةً.. كان نعم الجسدْ! .. فرشتْ بالظلام سماءً لما.. كان أحلى بلدْ! .. ثم أصبح ألف بلدْ.. وبلدْ! ! (٧) صرخات (أحَدْ) .. ديمةٌ أسبلتْ غيثَها! .. تهطلُ القطراتُ.. وتكنسُ شيئاً فشيئاً.. ليالي (الغبارْ) ! (حبةُالرمل) تبني كثيباً! .. وتحتضنُ الغيثَ.. تُنجبُ عشباً.. وتغذو به الصافناتِ الجيادْ! تتآكلُ روحُ (العبيد) .. وتفنى.. وتنبتُ روحُ (العبادْ) ! ! يتعالى (النخيلُ) .. ويملأُ كلّ النواحي.. وتخضرّ من لونه جنباتُ البلادْ! ! تستفيقُ.. بداياتُ هذا النهارْ! (حبةُ الرمل) .. تصعَدُ مَتْنَ الرياح إلى.. حلبات الجهادْ! .

стр. 1673

مراجعات أدبية قراءة نقدية في البيان الأدبي (الأعداد من ٦٧ إلى ٧٠) محمد حسن بريغش يبدو أن شعر التفعيلة هو الغالب على القصائد التي تنشرفي المجلة وكذلك يبدو أن الشعر له الحيز الأكبر من بين الأنواع الأدبية أيضاً، وقد لا يكون للمجلة يد في ذلك؛ لأنها تعتمد في ملفاتها الأدبية على ما يصلها أو على ما تختاره من النصوص التي تصلها، وعلى أي حال فإن نجاح النص قد يغطي على غياب أنواع أخرى، والعكس صحيح أيضاً، ويتمنى القارئ أن يستمتع بالنص الجيد، ويرى التنويع في النصوص الإبداعية أيضاً في وقت واحد. في العدد (٦٧) قصيدة شعرية على وزن التفعيلة بعنوان «برقية إلى بيغوفيتش» للشاعر د. محمد بن ظافر الشهري. اختار الشاعر تصوير المأساة التي ينفذها العالم المتحضر في البوسنة على شكل برقية إلى رئيس جمهورية البوسنة والهرسك (علي عزت بيغوفيتش) ، عبر فيها عن تضامنه مع شعب البوسنة، وبهذه الطريقة عرض صوراً من جرائم الصرب ضد المسلمين، ودور (الأمين العام!) في تغطية الجريمة، ومهمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في تنفيذ المؤامرة وارتكاب المجازر تحت المظلة الدولية والرايات الإنسانية. ويدعو من خلال برقيته رئيس البوسنة لإعلان الجهاد وترك ما عداه من سبل، ورفض مشاريع أوروبا المتآمرة، واللجوء إلى الله ليتحقق النصربإذن الله. القصيدة رغم ما تثيره من صور دامية مأساوية نابعة من القضية ذاتها لكنها ليس فيها ما يثير الانتباه، أو يدعو إلى التمعن، أو يستوقف القارئ ليتملى الصورة أو يتأمل في طريقة التعبير. أحياناً تقترب المقاطع من النثر العادي: «صدقني ... لن تخسر شيئاً يذكر» «فسيساستهم لن تتغير» ، «ستعيش إذا عشت حميداً، وإذا مت تكون شهيداً» ، «هذا نصح أخيك المسلم، لا يعرف زوراً ونفاقاً» ، وقليلاً ما تلمح بعض العبارات أو النقاط التي فيها لمح، أو صورة تستوقف القارئ: «لا تدخل معبد بيزنطة، لا تسأل أوثان الروم» ، «لا تُدخل كفك في الأرض السفلى» . أما بقية القصيدة فقد خلت من الصور التي نتمناها، والعبارات الموحية التي تناسب هذا النوع من الشعر. وحبذا لو يتأمل الشاعر معنا قصيدته مرة أخرى وثالثة، ثم يحاول أن يصل إلى ما يريد عبر الصور التي تدعو القارئ للتأمل، أو الغوص، أو الانبهار، أو التعجب، أو الشعور بأنه يكتشف جديداً، أو كأنه يقف لأول مرة أمام هذه الأحداث لطرافة التعبير، أو القدرة على التصوير والاستثارة، وإن الاستمرار في العطاء سبيل التجويد إن شاء الله. في العدد (٦٨) قصيدتان: الأولى على وزن التفعيلة (عبوس) ، والثانية على الوزن الخليلي (مدرستي الكبرى) ، القصيدة الأولى (عبوس) للشاعر عبد الوهاب عبد الله، تتألف من ثلاثة مقاطع، يصور فيها مشاعره إزاء الأحداث الحاضرة التي تثير لدى المسلم مشاعر الحزن والكآبة (عبوس) . ويستخدم الصورة التي يمتزج فيها الصوت، بالذوق، بالصورة المادية والمعنوية، مع غلالة من الغموض لكي يتركنا نشاركه مشاعره. وكأن الشاعر يريد تسجيل عجبه واحتجاجه على الصمت المميت الذي يخيم على هذه الأمة رغم الأحداث الخطيرة التي تزرع أرضها بالمآسي، وتريد أن تقتلع كل جذورها. هذه القصيدة توميء إلى موهبة تحمل في طياتها قدرة على العطاء، وقدرة على أن يكون لهذا العطاء لونه المثمر، وجذوره العميقة، ولكن ذلك يحتاج إلى نوع من الوعي للتجربة التي يصورها الشاعر، هذا الوعي الذي يجعله مالكاً لعناصرها، قادراً على استخدام هذه العناصر بشكل يبعده عن الغرق في الغموض، أو الركون إليه حين لا تسعفه الكلمة الشاعرة، والصورة المبدعة والرمز الموحي، أو حتى لا يقع في السرد الذي يقترب من النثر العادي. القصيدة الثانية «مدرستي الكبرى» للشيخ عائض القرني: قارئ القصيدة يشعر أنه مع خواطر ترد على ذهن المسلم في هذا العصر، وهو يعاني ما يعاني من النكبات التي تنزل بالأمة، والأخطار التي تحدق بها من كل جانب والخداع والتزوير الذين يلفان حياة هذه الأمة. مع كل هذه الخواطر يقف المسلم عصياً على تيار الكفر، لا يذوب ولا يتخاذل، يتذكر مسيرة الحق من لدن آدم ﵇ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والقصيدة جولة منظومة مع تلك الخواطر. وفي العدد (٦٩) ثلاثة نصوص إبداعية: اثنان من الشعر، وواحد من القصة، النص الأول قصيدة شعرية على وزن التفعيلة مختومة بأبيات خليلية للشاعر تركي المالكي بعنوان «نجمة الاعتصام» ، وهي تتحدث عن المرحلة التي وصلت إليها قضية الأرض المقدسة «فلسطين» في الآونة الأخيرة. والقصيدة مقسمة إلى ستة مقاطع، تتوزع الأحداث والآثار المترتبة عليها: ففي المقطع الأول أعلن عن الحدث، ووصفه بتعبير قرآني موجز دقيق (عارض ممطر) : لا يغني ولا يشبع، ووصف ما يجري وصفاً لمّاحاً موحياً (رقص الحبل بالراقصين) ، وفي المقطع الثاني وضح حقيقة الحدث وما ينطوي عليه، وأشار إلى الزيف الذي قلب كل الحقائق التي لا يجهلها أحد، والثوابت التي لا يتنازل عنها مسلم عاقل، فالبحر في هذا السّلْم الموهوم أصبح عذباً وأضحى الغيث العذب ساماً، وأصبح الاعتصام بشعار يهود هو المنجاة من الخطر، فهل هناك أعجب من هذا؟ ! وفي المقطع الثالث يشير إلى من تاجروا بالقضية الفلسطينية، وباعوها باسم الشعارات، وفي المقطع الرابع يعود للحدث ونتائجه، ويصور لقطات من لقاء الثوار باليهود، ويسير إلى نتائج هذه الاتفاقات واللقاءات وما تبعها من مشاريع مستقبلية تؤكد ما سبق إليه من إشارة إلى قلب كل الحقائق، ورفض كل الثوابت لهذه الأمة حتى صارت فلسفة الواقعية هي المنهج، وهي السياسة، وهي الذكاء. وفي المقطع الأخير يحدد طريق الخلاص الذي بيّنه الله لنا، وهو الذي سار به أجدادنا حملة الرسالة الإسلامية، فانتصروا وطهروا أرض المقدسات من أعداء الله. لقد آثر الشاعر منذ البداية الكلمة الموحية، والرمز الدال، والصورة المعبرة، لتحمل ما يريد، ولتنقل القارئ من صورة لأخرى، ومن موقع لآخر، عبر أزمان وقرون، وألوان، وطعوم ... وكان اختيار الشاعر لأكثر رموزه موفقاً، بل بارعاً في بعضها، لأنها تترك القارئ من خلال رمزه يغوص وراء الرمز في الماضي والحاضر يقلب صفحات التاريخ، ويتنقل بين ربوع أوطاننا الإسلامية، ويستعرض الأحداث ليدرك حقيقة ما يجري. فالحدث وهو الاتفاق باسم السلام ما هو إلا رقص، وإذا كان عنوانه يتصل بالسلام فحقيقته كالعارض الممطر.. والحدث قلب للحقائق: فالبحر المالح أصبح في حلوقهم كما يعلنون عذباً، بينما الغيث الذي ينبت به الله الزرع، ويملأ الضرع، ويحيي القلوب ... قالوا عنه إنه سام، وطريق النجاح طريق النجاة (سفينة نوح) هجرها الواقعيون واعتصموا ياللخسارة والعار بشعار يهود، النجمة التي لا تضام ... هذه الرموز وغيرها لها دلالات كثيرة، وكلها دلالات تربط بين واقع اليهود وحقيقتهم كما صورها لنا رب العالمين، وبين ما نحن فيه من تزييف وخداع، وقلب لهذه الحقائٍق، وقتل للمثل والثوابت. وعنوان القصيدة نوع من الرمز، أو جزء من الرمز، وهو عميق الدلالة لأنه يشير فيه إلى الاعتصام، فكيف أصبح إرضاء اليهود والانحياز لهم هو الاعتصام الذي يسعى إليه المضللون، بدلاً من الإعتصام بحبل الله والتمسك بشرعه؟ وكان استخدام الشاعر للرمز موفقاً من التاريخ والتراث، والواقع والأحداث (مسجد الضرار قبساً الغمد الذل سفينة نوح الغيث العارض الممطر واقعي الرياح ... الخ) ، والقصيدة تشير إلى قدرة الشاعر على التصوير، وعلى اختيار الرمز الدال الذي يختصر النظم الطويل، ويركز الانتباه والإحساس على بؤرة الحدث أو مركز الصورة ... ويفسح للقارئ الطريق لكي يغوص ويجول هنا وهناك لاستجلاء الصورة والوصول إلى عمق الرمز. وكان موفقاً في اختيار أكثر الألفاظ التي أعانته على التصوير الموحي، بل كان يضع بعض الألفاظ في سياق التعبير الشعري فتتحول من لفظة عادية إلى كلمة شاعرية مشعة «أنا أنت، فصغ نزف قومي حبراً، وخط به.. هيكلاً للسلام» ، «والجذور توهج في العمق ثابتة لا ترام» ، «ها تضلعت إني أرى رغم هذا الظلام في عروقي دم الفاتحين» ... «يتدفق بالطهر، كالورد كالجمر، يسقي جذوع الكلم» ... وكان موفقاً في الخاتمة التي اختار فيها بيتين مشهورين من شعر الجهاد، وأتبعهما ببيتين من شعره. لقد دلت القصيدة على موهبة شعرية استطاعت (توظيف) الرمز والمعطيات الثقافية، والحقائق التاريخية، والقيم الإسلامية ضمن سياق شعري يعتمد على الرمز والتصوير والإيحاء، بدون الوقوع في دهاليز الغموض، أو الاختفاء وراء الصياغة المعقدة كما يفعل كثير من العابثين بالشعر والذوق. ويبقى لنا أن نشير إلى أنه خرج في بعض المقاطع عن الطريقة التي اختارها ففي المقطع الرابع كرر المعاني التي سبق تصويرها في المقاطع السابقة، ثم استطرد في شرح هذه المعاني حتى أصبح طعم الصورة باهت الأثر، وفقد الرمز معناه الإيحائي، وعمقه المطلوب، وفوّت على الصورة المركزة هذه المزية التي تحملها. وهناك بعض العبارات التي لم يوفق فيها الشاعر، ولم تكن متسقة مع بقية العبارات التي خرجت من إطارها المألوف إلى لغة الشعر، وإيحاءات الكلمة عن طريق الصياغة الموفقة (يا رياح فهزي جذوع غيوث اليقين) . تبقى القصيدة تومئ إلى شاعرية سيكون لها توهجات طيبة، وعطاءات كثيرة إن شاء الله. النص الثاني: قصة بعنوان «للموت مليون طريقة» بقلم/ عبير عبد الله الطنطاوي، والقصة تصور جانباً من مآسي الحرب على الناس، بل تركز على أثر الحرب في الطفولة، وربما اختارت هذه اللقطة من آثار الحرب، لأن الأطفال يمثلون البراءة، والطهر، والفطرة، ولا يعرفون الكره أو الانتقام ولا يدركون معنى السياسة والاقتصاد، والصراعات على المادة ... أحداث القصة تصور امرأة أوصلتها الحرب إلى العدم، فلم تعد تملك شيئاً تقتات به لترضع طفلها، أو لتأتي له بالحليب الذي يُعوضُه عن ثدي أمه الذي نضب، وبعد بحث طويل وبمساعدة صديقة وفيّة لهذه الأم، تظفر صديقتها بمرادها عند أحد الباعة الذي يطلب ثمناً غالياً، فتتخلى عن أساورها الثمينة لتدفعها ثمناً لحياة الطفل، أو ثمناً لحليبه، وعندما أسرعت لتبشر صديقتها الأم بحصولها على الحليب، وجدت أن الطفل قد مات. هذه شريحة أو لقطة من صور الحرب التي باتت تدمر كل شيء، فالقنبلة والصاروخ والطائرة لا تميز بين الإنسان والحيوان وبين الصغير والكبير ... لقد نجحت الكاتبة من خلال هذه الشريحة في الإشارة إلى آثار الحرب ومآسيها ومكابدة الأطفال بخاصة والناس بعامة من جرائها، وكذلك نجحت في إثارة الشفقة والحزن على الطفولة التي راحت ضحية الحرب. واختارت الكاتبة أسلوب السرد المباشر، والعبارة الواضحة البسيطة في قصتها، ولكنها كان بإمكانها أن تتخذ من الطفل الذي مات جوعاً نقطة ارتكاز لتثير كثيراً من الأمور التي تحملها الحروب، ولتومئ إلى بعض سمات هذا العصر، وجرائم الساسة وصنّاع الحروب. وكم كان جيداً أن تضع كل هذا في مواجهة الفطرة البريئة لهذا الطفل المعذب، ومع كل هذه التمنيات، فالقصة خطوة على طريق طويل، وإسهام في إثراء القصة المعاصرة. النص الثالث: قصيدة شعرية على وزن التفعيلة بعنوان «المتحدة» للشاعر/ علي بن موسى، وهي مقسمة إلى عشرة مقاطع، تتحدث عن مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك، وعن الجرائم التي يقترفها الصرب ومن وراءهم من حملة الصليب ضد الأطفال والنساء والشيوخ، وضد الحياة ذاتها. وركز الشاعر في تصويره لهذه الجريمة على (هيئة الأمم) التي رمز إليها في عنوان القصيدة، وعلى مجلس الأمن الذي أضحى ألعوبة، ومظلة لتنفيذ المخططات العدوانية ضد المسلمين. «يا مجلس الأمن المصمم للصليب وللصليب» ، «يا مجلس الأعداء: تقتلنا وتقتلنا، وتمنح خصمنا ليلاً من البارود يحرقنا وقوفاً» ، «هذي ... سراييفو تدك سلامها نار الصليب» . ويستمر الشاعر في تصوير ما عانته سراييفو وغيرها، وما يلقاه الناس ولاسيما الأطفال الذين قطعوا أجسادهم وألقوهم مزقاً في الطريق، كما صور ما فعله الصرب بالنساء والشيوخ وغيرهم، ثم صور حالة المسلمين المتخاذلين الذين « يمضغون عجزهم» ، أو يأكلون خبزهم المعجون باللذات، ويبررون الجريمة بكلمات تدل على فراغ ويأس ومهانة. والشاعر يستخدم الصورة الشعرية للوصول إلى المعاني التي يريدها: «الطفل غادر صبحه» ، «وانكفأ الشروق» ، «قلبي الطريدة، والجموع تتابع الصياد، والصياد يقتنص الجموع!» ، «عذراً سراييفو وباقي السرب، إنك منذ جاؤوا صامدة، ونحن هناك نأكل خبزنا المعجون باللذات» . ولكن استخدامه للصور الشعرية لم يأخذ إلا حيزاً صغيراً، ولم تكن هذه الصور إلا نادراً ذات إيحاءات بعيدة أو عميقة، بل كانت الصور أحياناً بسيطة أقرب إلى الطريقة المباشرة. وإذا كان الشاعر قد وضع القارئ أمام مسؤوليته كمسلم حيال هذه المؤامرة الصليبية، فإنه لم ينجح كما ينبغي في اختيار الألفاظ التي تسعفه لتحقيق ما يريد، فهناك ألفاظ عادية، وعبارات أقرب إلى النثرية البسيطة، وتراكيب ضعيفة أجبر عليها الشاعر لإكمال المقطع «النار تأتي تحتوينا ونظنها في البعد نائية لكنها في القلب تحرقنا» ، «يا مجلس الأعداء تقتلنا، وتقتلنا وتمنح خصمنا ليلاً من البارود يحرقنا وقوفاً» . ولكن هناك عبارات وفق فيها الشاعر، وكانت محققة لما ينبغي لها من دلالات «ونحن نغط في لغط القشور» ، «وأنت المستجير ولا نصير» «هذي سراييفو نواح لا يكف وألف ألف قذيفة زرعت هناك ولا مغيث» . والقصيدة تبشر بعطاء شعري جاد مادامت تنم عن موهبة تتفتح وتشرئب إلى التجويد من خلال تصور واضح. وفي العدد (٧٠) قصيدتان شعريتان: الأولى بعنوان «النور وخيوط العنكبوت» للشاعر علي محمد سفر، وهي على وزن التفعيلة، والثانية بعنوان « كيف يشكو إلى القيود الأسير» للشاعر د/ صالح الزهراني. أما القصيدة الأولى فهي صرخة أو رسالة يخاطب فيها الشاعر المخدوعين بمدنية الغرب، وتقدمه المادي، ممن وصل بهم الأمر إلى الانبهار والغرق في الوهم، والتبعية العمياء باسم الحرية والتقدم، مما أدى إلى وقوعهم في المعاصي واستسلامهم للمذلات. يناديهم الشاعر لينظروا بأعينهم وبصائرهم، وليعوا الحقائق، ويعودوا إلى الحق، ويتخلصوا مما هم فيه من الإثم والوهم. ويظل الشاعر يدق على بصيرة المسلم الغافل المخدوع؛ ليصحو ويستفيق فيكرر النداء «تربت يداك» مستخدماً هذا التعبير الإسلامي المأثور.. ثم يمضي في عرض واقع الحضارة الغربية بطريقة الحكاية، فيعرض قصة المرأة التي استُغلَ شبابها بما فيه من حيوية ونضارة وجمال، فإذا ذوي الشباب لفظت كالجيفة وتركت تعاني القهر والعذاب والبؤس. وفي هذه الحالة لا تجد من أحد شفقة ولا عوناً ولا رعاية، بل تُلقى كالأقذار وتعيش عيشة الذل، وإلى جانب هذا المنظر يعيش الكلب المدلل يأكل ما لذ وطاب، وهنا ترى المرأة خلاصها في قتل الكلب حتى يُؤويها السجن من البرد والحر والتشرد، ويوفر لها لقمة العيش. وحين تفعل ذلك يكون حكم القضاء العادل هناك أن تخرج من السجن وتلقى في الشارع عقوبة لها على جريمتها النكراء، وتفويتاً لحيلتها في التخلص من هذا العذاب، فيضع الشاعر هذه الصورة أمام المخدوعين، ويذكر بصور أخرى كثيرة بإشارات مختصرة، ويذكر بهذا الواقع المخدوعين من الأمة لكي يعودوا إلى الصواب. القصيدة تجوال هنا وهناك، فيها تلوين وتنوع في الصور والأسلوب وطريقة التعبير، وفيها بساطة وعفوية في بعض الأحيان، وإذا كان لهذا الأسلوب محاسنه فإنه كذلك أضعف من قدرة القصيدة على تحقيق الهدف الذي أراده الشاعر، وأضعف الأثر الذي يمكن أن يبقى بعد القصيدة. وكان بمقدور الشاعر أن يستغل على سبيل المثال قصة المرأة لكي تكون تنويراً للحقائق التي يريدها، ثم يتركها بنفسها لكي تنطق بما يريد. القصيدة في شكلها الحالي، والتجوال بين مكان وآخر من خلالها لم يترك فرصة للقارئ لكي يتمعن في صورة أو معنى، أو ليربط بين هذا وذاك أو ليكشف بنفسه بعض الحقائق من الإشارات أو المقارنة أو الرموز الموحية. لقد أراد الشاعر أن يستعرض بسرعة صوراً كثيرة، وأن ينوب عن القارئ أيضاً في شرح ما يريد، وهذا يضعف تأثير الشعر، ويذهب بكثير من جماله. وكذلك كنت أتمنى أن يكتفي الشاعر بنصف هذا القدر من الطول مع التركيز في التصوير والتعبير والتجويد في اختيار أدواته، ولو فعل ذلك لترك في أحاسيسنا ووعينا أثراً أعمق، ولحقق قدراً أكبر من الجودة والإمتاع، وليس هذا صعباً على الشاعر مادامت لديه هذه القدرة على التعبير بغزارة وعفوية. القصيدة الثانية «كيف يشكو إلى القيود الأسير» للشاعر د/ صالح الزهراني تذكرنا بعدد من الشعراء المعاصرين الذين تميزوا بقوة النبرة وحرارة العاطفة وتلوين الخطاب، وامتزاج الصورة بالأسلوب المباشر، أمثال الدكتور النحوي، والدكتور عبد الرحمن بارود، والأستاذ شريف قاسم وغيرهم يخاطب الشاعر في قصيدته ما يسمى بالضمير «ضمير الأحرار، ويتساءل بسخرية ومرارة عن هذا الضمير» أين الضمير؟ «. يا ضمير الأحرار.. أين الضمير ... وبلادي مجازر وقبور! ! ويعدد الفجائع والمجازر والمظالم التي تملأ ديار المسلمين بفعل أصحاب هذا الضمير. هذه الجرائم تنفذ تحت علم الأمم المتحدة ومجلس الأمن، المحكوم من هؤلاء الظالمين الذين نصبوا أنفسهم قضاة، وأتوا من بينهم بشهود الزور وحكموا على الضحية التي هي من المسلمين. ثم ينقل الشاعر خطابه للمسلمين لينبههم إلى ما هم فيه، ويدعوهم إلى شد العزائم وترك الخلافات، وشحذ الهمم، والتبصر بالواقع ليعودوا إلى النهوض من جديد. وأخيراً، ومع هذا الواقع المأساوي، يبشر الشاعر هذه الأمة بالفجر القادم، لأنه وعد الله الذي لا يتخلف، والفجر لا يحول دونه سور أو أي حائل. والقصيدة رغم ما فيها من نبرة خطابية قوية، فقد نجحت في تصوير واقع المسلمين، بل واقع العصر الذي اتسم بتكالب الغرب، وتجمعه ضد الإسلام والمسلمين، وهي لا تخلو من صور بين حين وآخر، وبعض الرموز القليلة، مع التلوين في الأسلوب، مما يعطيها حيوية وجمالاً. وكذلك لا تخلو القصيدة من الأبيات الجميلة التي يحلو للقارئ تردادها لما فيها من طرافة المعنى، أو جمال التعبير، أو قوة الدلالة، مثل: » ما خبا في دمي شعاع المعالي ... في وريدي لا ينضب التكبير « وكذلك اعتمد الشاعر على التكرار غير الممل أو المخل، لتثبيت الصورة التي يريدها، أو الفكرة التي يريد إيضاحها:» يا ضمير الأحرار «،» يا مجلس الأمن «،» حدثوني «،» نحن مليار «.. والقصيدة تشير إلى قدرة الشاعر على التعبير دون تلكؤ أو افتعال وامتلاكه لعناصر القصيدة الناجحة، ولعله في التقليل من النبرة الخطابية أحياناً واستغلال قدرتها على التصوير، يعطي شعره عمقاً وجمالاً، ويقلل من ترف التكرار الذي لا ضرورة له، أو الطول الذي يحكمه السرد المباشر.

стр. 1674

نصوص قصصية حدث في السوق ..! د.محمد الحضيف المكان: سوق مزدحم أنا أشك في سلوكه ... دعنا نوقفه. انتظر قليلاً ... فقد نكون مخطئين، ربما له غرض، أو ينتظرأحداً. مخطئين..؟ ! بصراحة أنا ظني لا يخيب في هذا الصنف من الناس.. حليق.. والثوب طويل.. والدخان.. والنظارات الشمسية.. هذه ليست أدلة إدانة.. لكنها مؤشرات.. الهدوء أفضل.. يذهبان باتجاهه، ويقتربان منه.. السلام عليكم. وعليكم السلام.. * يتأملهما الشاب وهما يتجاوزانه مبتعدين، ثم يخرج جهاز النداء الآلي ويتصنع النظر إليه حينما التفت إليه أحدهما. تُسلّم عليه..؟ ! وما المانع.. أليس هذا هو الهدي النبوي؟ إنك بهذا التصرف تشعره بالطمأنينة. أليس هذا هو المطلوب؟ أنا لا أفهم لماذا تتصرف بهذه الطريقة ... ... ... ... انظر ... لقد رمى بورقة على مجموعة من النساء ... دعنا نمسك به قبل أن يختفي. * يختفي الشاب في الزحام، التقط أحدهما الورقة، كانت تحمل رقم هاتف. ألم أقل لك إن تصرفه مريب ... دعنا نلحق به. لا بأس ... هات الورقة. يسرعان في أثره، وبعد مدة يجدانه في مكان آخر من السوق، رآهما فارتبك وأراد أن يتفاداهما، فلحق به أحدهما، وأمسك به. ما اسمك ... وماذا تفعل هنا؟ من أنت؟ هذا ليس من شأنك ... أخبرني ماذا تريد ... بل من شأني. أنا من رجال الهيئة [١] . مطوّع يعني..؟ مطوّع أو غير مطوّع.. يا فاضي.. يا قليل الأدب. ويتجمهر الناس ويرتفع الجدال والشجار بين الاثنين، وتتعالى أصوات الناس بين مؤيد للشاب: (حرام عليكم.. اتركوا الناس وشأنهم) وبين حامل عليه (جزاكم الله خير.. يا جماعة نظفوا البلد من ها العينات التعبانة..) . ثم يصل الشخص الثاني، ويتدخل، ويأخذ عقال الشاب الذي كان قد وقع على الأرض، ويضعه على رأسه، ويمسك بيده بهدوء ... السلام عليكم يا أخي الكريم. ... وعليكم السلام ... نعم ... ؟ أبداً ... طاحت هذه الورقة منك في الممر الآخر، ويبدو أنها تحمل معلومات تهمك، فحرصت أن ألحقك وأعطيك إياها ... - ... ... ... يطالع الشاب في الشخص الذي أمامه مستغرباً، وينقل نظراته بينه وبين الشخص الآخر اشتبك معه، غير مصدق ما يجري. يظل الشخص ممسكا بيد الشاب بهدوء، وهو يسير به بعيداً عن الناس، ويتهامسان، حتى يصل إلى سيارة كانت واقفة يفتحها الشاب ويركبها، ويدور بينهما حوار قصير قبل أن تتحرك السيارة وينصرف الشاب وعلى وجهه ابتسامه. * * * المكان: مجلس مزدحم بعشرات الضيوف: الأحاديث الجانبية تنبعث من كل مكان، يتكلم أحد الحضور طالباً الإنصات إلى شخص يريد أن يقول شيئاً. يا إخوان أريد أن أحدثكم عن حادثة شاهدتها بنفسي ... أو لأكون صادقاً معكم شاهدها إنسان عزيز أثق به جداً! . الحضور يرددون بصوت واحد: تفضل.. تفضل.. قبل أسبوعين في أسواق (....) وأمام الناس كلهم هجم اثنان من رجال الهيئات، هؤلاء الـ (....) على أحد الأشخاص وكان برفقته امرأة وطالبوه أن يثبت صلته بها، ولما أخبرهم أنها أخته أوسعوه ضرباً حتى أغمي عليه واضطرت المرأة التي كانت معه أن تستغيث بالناس وهي تصرخ وتقول ... لقد قتلوا أخي. وماذا حدث بعد ذلك؟ ! لا أدري لأن الذي روى لي القصة قال إنه لم يتحمل أن يرى بقية المشهد خصوصاً وأن أحد الشخصين أمطر المرأة بسيل من الشتائم، واتهمها في عرضها. شخص آخر من الحضور يتدخل ويقول: إذا كانت هي الحادثة التي وقعت أمام (أزياء الشرق) في أسواق (....) فإن أولئك (الوحوش) طلبوا من الشاب أن يثبت لهم أن المرأة التي بصحبته هي زوجته. يا أخي هذا شيء بشع.. لماذا لا يوقف هؤلاء الـ (....) «عند حدهم؟ ! هل تصدق أنهم طالبوه بصك الزواج؟ ! .. إذن بهذه الطريقة علينا أن نحمل صكوك الزواج ودفتر العائلة وشهادة من العمدة والإمارة، لنثبت أن من يسير معنا هم أبناؤنا وزوجاتنا وأخواتنا. يا أخي لقد كان مشهداً لا يُنسى حينما وضع أحدهم قدمه على وجه الشاب وقال له: أين لحيتك يا فاسق.. أو يا كافر على ما أظن. .... وفجأة ينطلق صوت من بين الحضور الذين كان بعضهم يتسابق في إيراد القصص والحوادث التي مرت به أو بصديق له أو بإحدى قريباته: يا إخوان أين حدث كل هذا الذي تقولون..؟ ! في فيلم سينمائى أو في خيالكم؟ ! .. أنا الذي كنت في ذلك السوق ... وأنا الذي حدث لي ذلك الموقف مع رجال الهيئة ... يا إخوان هذا الذي تقولونه غير صحيح ... ولا يجوز ... لم تسل دماء، ولم تصرخ امرأة، بل لم يكن في الموضوع كله نساء أو صكوك زواج، الأمر كله لا يحتمل كل هذه الرواية بفصولها المأساوية..! ! سوء فهم حدث وتمت تسوية الأمر بطريقة ودية ... هل عرفتم القصة الآن..؟ ما هي القصة إذن..؟ ! - ... ... ...

стр. 1675

المسلمون والعالم حين يستنطق الشهود ! «رسالة إلى الأصدقاء الجلادين» د. عبد الله عمر سلطان أحياناً لا يملك الراصد للحدث بداً من أن يستضيف مراقباً محايداً ليدلي برأيه في قضية شائكة، عاطفية، معقدة، ليبتعد عن الوقوع في فخ التصنيف أو إطلاق تهم التحيز عليه. لقد كتبت في هذه الزاوية قبل أكثر من ثلاثة أشهر مقالاً بعنوان «الكلاشنكوف لن يسكت الأذان» ، استعرضت فيه بعض زوايا المشهد الجزائري اللاهث، الذي عالج وضعاً شاذاً تدّعي الأقلية خلال استعراضه أن لديها حقاً مقدساً، وصكاً سرمدياً يتيح لها مصادرة رغبة شعبها وسرقة خياره، على الرغم من أن هذا السلوك يتنافى مع أبسط ما تقتضيه المبادئ الديمقراطية التي تدّعي تيارات العلمنة والفرانكفونية أنها تدافع عنها وتنتمي، إليها وتقاتل من أجل استمرارها على أرض الجزائر ... وتصاعد الحدث الجزائري منذ ذلك الوقت ليسجل مشاهد عديدة تقتضي أن نتوقف عندها، لنعالج بعض النقاط المهمة، ولنصل إلى تأطير تسلسل الأحداث الراهنة للخروج بتصور عام وخطوط عريضة تفسر هذا الحدث، وهذا بالضبط ما عنيته في البداية حين أشرت إلى اختيار المراقب المحايد الذي يستند هنا إلى تجربة تاريخية، وأعني به «جاك فيرجيس» الذي يعد من أبرز رجال القانون في فرنسا، وهو شخصية لها حضورها وتجربتها الممتدة إلى أيام حرب التحرير الجزائرية حين وقف مدافعاً عن حق الشعب الجزائري في استقلاله ونيل كرامته بعيداً عن قيود العبودية المتمثلةفي الاستعمار الفرنسي، وفي ذلك الوقت رُمي هذا المحامي بأبشع التهم، وحاول الفرنسيون المتعصبون اغتياله بتهمة «العمالة» و «الخيانة العظمى» ، وبعد أن نالت الجزائر استقلالها حصل «فيرجيس» على الجنسية الجزائرية، وتولى مناصب مهمة في وزارة الخارجية الجزائرية، وعمل مديراً لمجلة «الثورة الإفريقية، ثم غادر الجزائر إلى فرنسا حيث كانت له مواقف قوية ضد القوى الصهيونية الفرنسية التي ظلت تتهمه بأنه حليف لجبهة التحرير الجزائرية والعرب عموماً، وبعد الانتخابات» الموءودة «وتداعياتها كتب المحامي الفرنسي كتاباً بعنوان» رسالة إلى أصدقائي الجزائريين الذين أصبحوا جلادين « كشف فيه بجلاء عن حجم المأساة وعمق الهاوية التي سقطت فيها البلاد بقيادة مافيا السلطة، ويستعرض الواقع القائم بقوله:» إن القوانين التي فصلها المشرع الجزائري تشبه قوانين حكومة «فيشي» الموالية للنازية التي حكمت فرنسا خلال فترة الاحتلال، بل إن بعض مواد القانون منقولة نصاً وروحاً من هذا القانون السيء السمعة الذي عرفتُ من خلاله حجم الخلل الذي انتاب النظام الحاكم ... أنا لم أقرر من البداية أن أتخذ موقفا معيناً ضد السلطة في الجزائر، لكن ما اكتشفته أثناء أداء عملي هو الذي دفعني إلى ذلك. إن المسؤولين هناك يمارسون على غيرهم ما مارسته عليهم فرنسا في السابق يلجأون إلى كل الوسائل لحماية مصالحهم، وأنا أقول إن الوسائل نفسها تؤدي إلى النتيجة نفسها، ففرنسا اضطهدت «جبهة التحرير» التي كانت تمثل أغلبية الشعب الجزائري، و «جبهة الإنقاذ» فازت في معركة انتخابية بأغلبية الأصوات وهي تُضطهد اليوم، والنتيجة ستكون واحدة. إن الأغلبية قد لا تساند أطروحات «الإنقاذ» لكنها تتعاطف مع أعضائها وتكره رموز السلطة، وسفير الجزائر في فرنسا (سيد أحمد غزالي) قال بنفسه إن ٩٠ % من الشعب يكرهون السلطة. خذ مثالاً آخر: القانون الاستثنائي الجزائري الذي يمنع نشر اسم رئيس المحكمة ويعاقب بالسجن لمدة خمس سنوات من يخالف هذا المنع، وهذه بدعة قانونية انفردت بها الجزائر. لقد قرأت في الصحافة الجزائرية أثناء محاكمة المتهمين بتفجير مطار الجزائر أن أحدهم قال لرئيس المحكمة إنه تم خصيه أثناء التعذيب، وقد رفض الرئيس معاينة المتهم طبياً لتأكيد أقواله أو نفيها، أليس هذا إقراراً بحقيقة التعذيب؟ ! « وحين يُسأل الشاهد الفرنسي عن» عنف الإسلاميين «وهو قميص عثمان الذي يرفع لتبرير بطش السلطة يقول:» عنف السلطة هو أكثر شدة، لقد تم قصف إحدى القرى بغاز النابالم، هل تعرفون عنفاً أشد من هذا؟ ! ثم إن عنف « جبهة الانقاذ» هو ردّ فعل لما تعرضت له، لقد فازت في الانتخابات، ثم رُمي بالذين فازوا في السجن وفي قاعات التعذيب، كيف يمكن بعد ذلك التحدث عن الديمقراطية؟ ما هي شرعية السلطة اليوم؟ ليس في الجزائر رئيس منتخب ولا برلمان منتخب ولا مجالس جبهوية منتخبة ولا بلديات منتخبة، من هنا بدأ العنف وما حدث بعد ذلك هو نتيجة له، لقد كانت فرنسا في السابق ترفض التفاوض مع « جبهة التحرير» متعللة بالعنف، وكنت أقول ما أقوله اليوم، وأنا أعرف الكثيرين من المسؤولين في الجزائر، إنهم يدافعون عن نمط حياة غربي وهذا حق مشروع! لكنهم يعارضون بذلك إرادة الأغلبية، إنهم مثل فرنسيي الجزائر الذين كانوا يرفضون التخلي عن امتيازاتهم «. ثم يُجْلَبُ الشاهد مرة أخرى ليقال له: إن شروط» الإنقاذ «تعجيزية للبدء في الحوار، لاسيما شروط الناطق باسمها» رابح كبير «، فيقول:» في كل حركة هناك وجهات نظر مختلفة، وهناك متشددون ومعتدلون، هذا الأمر طبيعي جداً، ولا يبدو لي أن «رابح كبير» متشدد بل تبدو لي شروطه منطقية، إذ كيف يمكن التفاوض إذا لم يُعترف مجدداً بـ «الإنقاذ» ؟ «. ويشير إلى طلب قادة» الإنقاذ «محاكمة المسؤولين عن انجراف الجزائر إلى دوامة العنف، خصوصاً بعض العسكرين المتشددين بقوله:» وكيف يمكن التفاوض إذا استمر الجلادون في عملهم؟ لابد من إطلاق سراح القياديين الموقوفين، وإيقاف الحملات ضد الإسلاميين، وأنا أتحدث هنا بصفتي مراقباً ولا أنطق باسم «الإنقاذ» ، أقول: إنه من الصعب أن يتعايش الجلاد والضحية بعد كل ما حدث «. وينهي الشاهد الفرنسي شهادته بقوله:» أظن أنه لا وجود لحل آخر سوى الحوار، إنه وضع يشبه الجزائر عام ١٩٦٢ م آنذاك كانت فرنسا قد نجحت عسكرياً في التصدي لجبهة التحرير، لكنها لم تجد طريقة لحكم الجزائر. إن الانتصار العسكري لا يساوي شيئاً أمام العجز السياسي، وفي الجزائر اليوم لم تنجح السلطة في القضاء عسكرياً على «الإنقاذ» ، ولم تنجح في تسيير الأمور حتى رجال السلطة يعترفون بهذا، من جهة أخرى لا يمكن مواصلة إنكار وجود « الإنقاذ» ، وكل ما يحدث يؤكد أنها قوة فاعلة، وأن الأفضل التحاور مع قياداتها حتى لا يتواصل العنف والعنف المضاد بين قاعدتها والسلطة، إن الحوار ليس فقط ضرورياً بل هو المخرج الوحيد من الأزمة ... أنا لا أعلم ماذا يحدث داخل جبهة الإنقاذ، لكن الواضح أن هناك مواقف متباينة، أعتقد أن قادة كل حركة هم دوماً أكثر اعتدالاً من أعضائها القاعديين، لذلك أقول إنه من الحكمة أن يتم التفاوض مع القيادة لتجنب عنف القاعدة، والقيادة وحدها قادرة على منع هذا العنف، هذه القاعدة أثبتتها كل التجارب التاريخية، وأظن أن فرنسا تتجه اليوم نحو إدراكها، فقد أدانت مؤخراً كل أشكال العنف، أي أنها عرّضَت بالسلطة أيضاً، وأظن أن كتابي « رسالة مفتوحة إلى أصدقائي الجزائريين الذين أصبحوا جلادين» أسهم في تليين الموقف الفرنسي. هذا السطر الأخير من الشهادة ينقلنا للحديث عن الموقف الغربي من الحدث؛ لأنه ذو علاقة مباشرة بالموضوع وبتسلسل الأحداث. فرنسا على الخط! «إذا أردت أن تعرف موقف السلطة الحاكمة فعليك أن تعرف موقف باريس ... قَبْلاً» ، هذا ما يقوله «كريستوفر ديكي» المحلل الأمريكي في معرض ... استعراضه لمواقف حكومة «رضا مالك» الذي كاد أن يحصر العالم الخارجي وعلاقته بالجزائر في فرنسا والذي قام بزيارة سرية لها طارحاً ارتباطه الفكري/السياسي، وهو النهج نفسه الذي تتبناه الأحزاب العلمانية والشعوبية التي لا ترى من العالم الخارجي سوى فرنسا ولا تستلهم نموذجاً سواها، مما دفع بعضهم للتساؤل: متى تتحرر الجزائر من فرنسا ... ؟ ! وهذا السؤال ملح خصوصاً أن التحول نحو «الحوار» وتشكيل ندوة هزيلة له كان متزامناً مع توجه فرنسي مماثل، وهو يتلو تشدداً فرنسياً تجاه الإسلاميين الجزائريين تمثل في مسرحية ٧ نوفمبر ١٩٩٣ م حين قُبض على الناشطين الإسلاميين المقيمين في فرنسا بحجة دعم الجماعات المسلحة، لاسيما بعد ثبوت هذه التهمة على «موسى كراوشي» الذي ضُبط لديه نسخ من الرسائل المرسلة من الجزائر تتحدث عن مسؤولية منفذيها عن اختطاف الفرنسيين، ولكن زمناً قصيراً كشف أن هذه الوثائق «الخطيرة» و «الأدلة الدامغة» هي من دس جهاز الاستخبارات الفرنسي وتلفيقه، مما يعطي دليلاً آخر على أن التورط الفرنسي في أحداث الجزائر لا يصب حتماً في مصلحة «حزب فرنسا» أو المنادين بدوام تسلطه العسكري. إن الدور الفرنسي في أحداث الجزائر جعل من باريس وكأنها مصدر القرار لتوجه القوى الحاكمة التي ترتبط كلها في النهاية بخيوط فرنسية تجعل من مصيرها متعلقاً بهذه الخيوط والحبال السرية، فالصراع الذي دار داخل مؤسسة العسكر كان بين جناحين «جناح التشدد» الذي يمثله ضباط الجيش الجزائري الذين خدموا في الجيش الفرنسي أولاً ثم انتقلوا بعد ذلك إلى الجيش الجزائري والفريق الثاني هو الذي نشأ بين أحضان جيش التحرير الجزائري، والفريق الأول هو الذي قاد الانقلاب الأول عام ١٩٩٢ م بعد فوز جبهة «الإنقاذ» بالانتخابات الحرة وأتى بمحمد بوضياف، ثم هو الذي استمر في تصعيد الموقف من خلال تبنيه للحل العسكري والقبضة الأمنية لحل مشكلة حضارية وسياسية في الأساس، ثم قام هذا التيار باغتيال «بوضياف» بعد أن حاول أن يفلت من قبضة الجنرالات، ومارس هذا الفريق سياسة العلمنة الشاملة ومحاصرة اللغة العربية، وإحلال غلاة العلمانيين، والفرانكفونيين، وبقايا الشيوعيين، وشعوبيي البربر في الواجهة، لاسيما بعد وصول «رضا مالك» إلى الواجهة السياسية رئيساً للوزراء. ومع بروز صعوبة تنفيذ سياسة «الاستئصال» التي كان ينادي بها المتشددون، برز تيار المصالحة من العسكر بعد أن انكشف ضعف حجج التيار المتشدد وسقوط مشروعه، لقد تزامن هذا مع تراجع الدعم الفرنسي لبقية القوى المرتبطة به كأحزاب اليسار والبربر، وإن كان الفرنسيون لا يستبعدون إثارة المشروع البربري الانفصالي، الذي سيكون بمثابة العقبة التي توضع في مسار المشروع الإسلامي/العربي في الجزائر. لقد أصبح حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري وحزب التحدي الشيوعي الإفراز المباشر للتيار الفرنسي أضحوكة حتى للحزب الاشتراكي وجبهة التحرير، خصوصاً وأن هذه الأحزاب الهامشية قد مارست دوراً متورماً خلال تسلط «المافيا العسكرية» التي داست على كل المقدسات والثوابت التي يجمع عليها الشعب الجزائري منطلقة من تصور ساذج مفاده أن «علمنة وفرنسة» هذا الشعب واجب مقدس حتى لو كان من خلال التحالف المكشوف مع نظام يفقد كل مقومات الشرعية وأبسط مبادئ العدالة. لقد خسرت فرنسا مرتين، حين تحدت إرادة الشعب الذي ثأر لكرامته ودفع ثمناً لاستقلاله مليون شهيد، ثم خسرت حينما مارست التدخل المباشر (الاستعماري) من خلال واجهة كالحة تجمع بين إجرام المافيا، وفئوية النخبة المثقفة، واستفزاز الشعوبية واستثمارها..! إن الموقف الفرنسي هو مثال صارخ للموقف الغربي عموماً من أحداث الجزائر الذي سيترك آثاراً مهمة مستقبلاً، فأمريكا كما يقول «ماركوس مازلي» مارست دوراً مشابهاً «حين اكتفت ببيانات وزارة الخارجية الاحتفالية التي تحض على الحوار، وتبشر بحقوق الإنسان والديموقراطية، بينما دعمت سراً الحكم العسكري لأنه أخف ضرراً من حكم إسلامي ... ! وفي المقابل كانت الشركات الأمريكية الكبرى تجني أرباحاً هائلة مستغلة حاجة الحكم إلى شريك أجنبي حيث تعمل سبع شركات نفط أمريكية لاكتشاف الغاز، كما أن شركة» بكتل «تنفذ مشروعاً بقيمة ٤٧٥ مليون دولار ... » ، وهو موقف مشابه للموقف البريطاني الذي اكتفى بتحديد المصطلحات، والتبشير البياني بالديموقراطية وحقوق الإنسان، وفرز الأصولي من المتنور الذي تشير إليه مجلة «الإيكونمست» البريطانية بقولها: «الجيش يبقى آخر حصون حماية العلمانية في البلاد والقائم على نشر قيمها، ولذا فإن صغار الضباط يمكن وصفهم بأنهم متعاطفون مع الأصولية لأنهم درسوا المناهج باللغة العربية، وهذا بالضبط ما يُسرُ به كبار الضباط الجزائريين لمحدثيهم حينما يقولون بأنهم لا يستطيعون أن يثقوا بالضابط من مرتبة نقيب فأدنى ... !» ، وهكذا فالناطق بالعربية أو المعتقد بعروبة الجزائر هو أصولي متطرف حسب التصنيف البريطاني. هذا الفزع وتلك البلبلة تكشف حجم الغطرسة الغربية وماذا تعنيه بالأصولية كما تقول المستشرقة الإيطالية «إيزبيلا كاميرا دافيلتو» : «إن قضية الأصولية الإسلامية واجهت تضخيماً مبالغاً فيه من قبل أجهزة الإعلام الغربي فالغرب كان ومايزال بحاجة إلى» اختراع «عدو حتى يضمن لنفسه خطاً دفاعياً ويظل مترفعاً ومتعالياً على ما تبقى من العالم لسنين طويلة، أو حتى لعقود كان هذا العدو متمثلاً في الشيوعية التي يتبناها المعسكر الشرقي، وعندما انهارت الشيوعية برز لدى الغرب التساؤل التالي: من سيكون عدونا المقبل؟ وإذا به يسحب من خزانة تراكم عليها غبار الزمن صورة العدو التاريخي القديم المتمثل في العالم الإسلامي. لكن الغرب كان أيضاً بحاجة إلى وسيلة لإقناع مواطنيه بمصداقية هذا الاكتشاف» الجديد القديم «لذا كان طبيعياً أن يحاول ترسيخ ملامح» البعبع «من خلال تقديم الأصولية الإسلامية في صورة العدو العنيف، واستغل لتقديم هذه الصورة كل ما يمكن أن يمت إلى العالم الإسلامي بصلة. فنحن وعلى الرغم من وجود مظاهر أصولية كثيرة في الديانة المسيحية أو الديانات الأخرى في الغرب، لا نسمع حديثاً عن» عنف هذه المظاهر الأصولية «، في حين نرى هذا المنطق يطبق على العالم العربي. اطلعت أخيراً على الترجمة الإيطالية لأحد كتب المستشرق الانكليزي العجوز » بيرنارد لويس «وهو ينتمي إلى المدرسة القديمة القريبة من المنطق الاستعماري، نشر الكتاب في طبعته الإيطالية تحت عنوان» القتلة، الإرهابيون الأوائل في التاريخ «! وعندما تنشر دار نشر مشهورة وكبيرة في إيطاليا كتاباً بهذا العنوان، فمن الواضح أن لديها هدفاً في تزييف الحقائق، وليس هذا إلا مثالاً مصغراً عمّا يكمن في الغرب من استعداد لرؤية الجانب السلبي فقط من العالم العربي. بطبيعة الحال لا أود أن يفهم من كلامي أنني لا أرى مظاهر أصولية ذات طابع عنيف وإرهابي أحياناً في البلدان العربية، ولو كان الأمر كذلك لكنت أنا أيضاً أسيرة الخطأ نفسه لكوني لا أرى سوى جانب واحد من الحقيقة العربية لكني أعتقد أن هناك حاجة إلى التوازن في قراءة ما يحدث في العالم العربي ثم إن هناك » وحوش «في بقاع العالم أجمع ونحن أيضاً لديناً» وحوشنا «. أرى أن الظاهرة الأصولية العنيفة هي وليدة للمصاعب التي تجتازها بعض البلاد العربية، وبالذات على الصعيد الاقتصادي؛ لكن حتى هذه المصاعب الاقتصادية ليست وليدة اليوم، وإن كان للزعامات الحالية دور في تعميقها فهي وليدة السياسة الاستعمارية، والإمبريالية الثقافية، والاستعمار الجديد ... لذا ففي اعتقادي أن مسؤولية الغرب في هذا الإطار كبيرة وثقيلة. وعلى أي حال فإن أخطاء الزعامات العربية، وغياب الديموقراطية والحرية في العديد من البلدان العربية، من العوامل التي تساهم في شق الطريق أمام صعود تيارات عنيفة تستفيد من غضب الناس، وتستغل هذا الغضب وأرى أنه في ظل مناخ من الحرية والإعلام الحر، فإن غالبية الناس لن تصغي إلى شعارات الحركات الأصولية، ولن تقتنع بمنطقها. ومع هذا فإن الغرب لا يحاول التوصل إلى هذه القراءة الموضوعية للوضع العربي، أو بالأحرى لا يرغب في تقديم صورة حقيقية.. يكفي أن ترى نشرات الأخبار، فهي عندما تتحدث عن الظاهرة الأصولية ومظاهرها العنيفة، تذهب لتصوير الناس وهم يؤدون شعائر دينية أو يصلون في المساجد ثم تربط بين هذه الصور والحديث عن» العنف الإسلامي «! ترى لماذا لم تفكر محطات التلفزيون في الحديث عن الظاهرة الأصولية في الديانات الأخرى وهي موجودة بالفعل من خلال الربط بينها وبين مشهد آلاف المؤمنين الذين يؤمون ساحة القديس بطرس! في الفاتيكان كل يوم أحد للاستماع إلى قداس الأحد الذي يحييه البابا» يوحنا بولس الثاني «، أو أولئك الذين يقفون أمام حائط المبكى» البُراق «في القدس؟ ! ثم من أجاز لهؤلاء الصحفيين أن يطلقوا على بشر عاديين يؤدون شعائرهم الدينية صفة» الأصولية «؟ ! ..» ما فات هذه المستشرقة أن الجزائر ومحنتها كشفت عن أن من يتحدث اللغة العربية أو يطالب برفع الأذان أو يعتقد بعروبة الجزائر هو أصولي بالتعريف الغربي الذي جر الجزائر إلى هذا الواقع المؤلم! بين الكوليرا.. والطاعون: الصراع المحتدم في الجزائر يمكن أن يلخص بأنه صراع عقدي حضاري لا يمكن للمدفع أو الدبابة أو الطائرة الحربية أن تحله، لكن المطلوب هو حوار حقيقي بين قيادات تُحمّل مسؤولية العنف وهي لا تملك حق دخول دورة المياه بحريتها! لقد اكتشف النظام الحاكم بأجنحته الحاجة الماسة للحوار الحقيقي الذي ينصف المطلوبين ويرجع الحقوق لأصحابها ويحد من وهج الصراع الذي زلزل البيت الجزائري من الداخل؛ لكن السؤال هو: هل سيقدم العسكر على مصالحة حقيقية أم يكتفون بحوار وهمي؟ الصراع اليوم أيضاً هو صراع أجيال (جيل هرم وآخر صاعد) ، الجيل الصاعد يرى خياره الإسلامي وينحاز إلى هويته، وهذا الجيل ينبت كشجرة طيبة داخل الوطن وخارجه في المنفى وفي فرنسا خصوصاً، حيث يقبل آلاف المهاجرين على دينهم وهم يشعرون بالعزة، وقد يكون الصراع بين أجنحة السلطة صورة أصغر للصراع المحتدم بين الانتماء إلى جزائر «سي محمد» كما كان يقول بسطاء الجزائريين خلال حربهم مع فرنسا أو جزائر متفرنسة، وهو صورة بلا شك لصراع شعب سلب اختياره وغُيب قراره وراء أقنعة «الننجا» التي يتخفى وراءها صغار الجنود والقادة حين يواجهون شعوبهم، لقد حل الانقلاب الأول وما لبثت عوارض السوء أن أوصلت الجزائر إلى جرف سحيق بالرغم من التخفي وراء رموز مدنية أثبتت إفلاسها، وجرت البلاد إلى أجواء حرب أهلية (مهما اختلفت التسمية) . لقد شبه مسؤول فرنسي الوضع الحالي بأنه حرب أهلية سافرة ونتيجة مباشرة لفساد نظام الحكم الذي دفع البلاد إلى الإفلاس. «إنهم كالطاعون القاتل ببطء، لكنه أفضل من الكوليرا القاتلة بسرعة» وهكذا نحن في أعينهم طاعون، أو جرثومة كوليرا، وهل نحن بحاجة هنا إلى شهادة أخرى تدين الغرب الذي يكيل بأكثر من مكيال..؟ ! في البداية استشهدنا بـ «جاك فيرجسي» والآن علينا أن نسمع مفكراً غربياً آخر هو «سلفاتوري بونو» الذي يلخص نظرة الغرب لنا بقوله: «الغرب ينظر للمسلمين باحتقار حتى ولو كانوا عملاءه، فما بالك بالأصوليين؟ ، هذه الحركات الأصولية تمثل مصدر إزعاج للغرب وهو غير قادر ولا راغب في مناقشة طروحاتها ... » الجزائر اليوم في وضع حرج وهي تشهد انقلاباً ثالثاً، وربما رابعاً، وخامساً.. غير أنها بحاجة إلى انقلاب من نوع آخر، انقلاب تتصالح فيه القيادة المنهكة مع شعبها الأعزل الذي يرفض أن يكون جرثومة. إن الجزائري المسلم إنسان مهما حاول المتغطرسون أن يشوهوا من سيرة أمته الباسلة، وهذا بالضبط ما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء، وهو بالتحديد ما يجب أن يدركه الذين نسوا في غمرة التهيج أن الجزائر ستظل مغروسة في عمق العالم الإسلامي والعربي، وأنها بأحداثها المتوالية قد سجلت لنا شهادات بالغة الأهمية والقيمة عن لؤم أعدائنا وعدالة حق الشعوب في أن تستعيد هويتها. تجربة سجين جزائرى: [*] اسمه «محمد» ، لقد وصف كيف أرغموه على ابتلاع سائل تبييض (كلوركس) مع الماء حتى التقيّؤ، وضربوه بمسدس كهربائي فجّر الحروق في قدميه، وغطسوا رأسه في قاذورات المجاري حتى الاختناق. قال: «عندما رفض أحد الإخوة الإدلاء بمعلومات تحت التعذيب، عذبت الشرطة والدته البالغة من العمر ٥٥ عاماً، لقد رأيتهم وهم يخرجونها من حجرة التعذيب.. كانت عارية، مغطاة بالدماء، لكنها نظرت إلينا وقالت: صبراً يا شباب!» . من الصعب التستر على ما حدث لمحمد بعد هجوم ٣٠ من عناصر الشرطة الملثمين على بيته في حي «سالمبير» في العاصمة الجزائرية في الساعة الثانية صباحاً يوم ١٠ أكتوبر من العام الماضي، عصبوا عينيه وألقوه في شاحنة تابعة للشرطة وأخذوه إلى كلية الشرطة في «شاتونيف.. أسابيع من التعذيب تبعتها أشهر من الظلام الدامس في سجن انفرادي. ما كان محمد يخفي شيئاً من انتماءاته الإسلامية، كان إمام أحد مساجد العاصمة الجزائرية، وهو بالتأكيد أحد مؤيدي جبهة الإنقاذ الإسلامية التي تعارض الحكومة الجزائرية منذ أن ألغت الانتخابات التي كانت توشك الجبهة أن تفوز بها. يقول محمد: إنهم في كلية الشرطة التي تقع في حي» البيار «في العاصمة الجزائرية نزلوا به درجات سلم عديدة إلى سلسلة من الزنزانات، ربما أربعة طوابق تحت الأرض وصفها بأنها (باردة كالثلج) ، كانت الزنزانات صغيرة جداً.. يقول محمد:» وكانت جدران الزنزانة التي كنت فيها ملطخة بالدماء وفيها أضواء قوية جداً لدرجة أنها كادت تعميني، كنت أستطيع سماع الصراخ القادم من الحجرات الأخرى.. نزعوا عني ملابسي وعصابة العينين، كان جميع أفراد الشرطة ملثمين، بعضهم كان يتكلم بلهجة محلية من «قسنطينة» والجهة الغربية، أما الآخرون فقد كانوا من العاصمة الجزائرية، سألوني عن مكان الأسلحة فقلت لهم: لا أعرف وهي الحقيقة، أخذوني إلى فتحة مجاري صخرية في منتصف الحجرة ونزعوا الغطاء، كانت فتحة مجاري كبيرة، ودفعوا برأسي داخلها فاختنقت من القاذورات واستمررت في إنكار أن لي أي علم بالبنادق، بعد ذلك قيدوني بحبل غليظ إلى مقعد من الإسمنت في أحد أركان الحجرة، وسدوا فتحتى أنفي ليجبروني على فتح فمي، ونقعوا قطعة من القماش في محلول من (مبيض الغسيل) وماء، ثم جعلوا يعصرون السائل من قطعة القماش داخل فمي، وفعلوا ذلك مرات ومرات حتى امتلأت معدتي بالمبيض والماء ثم ركلوني في بطني وجعلوني أتقيأ «. لقد فعلوا أشياء فظيعة، في إحدى المرات وضعوا نوعاً من الغراء لمنعي من قضاء الحاجة، ثم جاؤا بمسدس كلما أطلقوه على جلدي أعطى صدمة كهربائية كبيرة جداً سببت لي قروحاً وحروقاً من الدرجة الثانية أو الثالثة وسقط الجلد من قدمي» ، ونزع محمد صندله الأزرق وكشف عن قدميه، لاتزال القروح واضحة للعيان رغم مرور ثلاثة أشهر، قطرها ثلاثة سنتيمترات، نسيج أثر الحروق باهت وواضح مقارنة ببقية جلده. «لقد هددوا بجلب زوجتي وتعذيبها أيضاً لما رفضت الكلام، لقد صنعوا ذلك مع رجال آخرين.. أحدهم ( ... ) وهو شاب من» براكي «جاؤا بزوجته الشابة إليه، ثم أخذوها إلى مكان آخر وعذبوها، فيما بعد علم أنهم اغتصبوها فأصابه انهيار، عندما رأيته أخبرني أنها ماتت من جراء ما فعلوا بها، ثم جاؤا بعد ذلك بأمه وعذبوها واغتصبوها أمامه وفيما بعد حكمت المحكمة بإعدام ذلك الشاب. بعد ثمانية أيام في» شاتونيف «أخذ محمد إلى مركز شرطة في» مدانية « ... ثم بعد ذلك إلى مركز الشرطة الرئيس، وبدأ فصل جديد من التعذيب.. يقول محمد: في الفصل الأخير من التعذيب في مركز الشرطة الرئيس كبلوا يدي وراء ظهري وربطوا قدمي معاً ثم ضربوا رأسي بالأرض بعنف، وقفز أحد الزبانية على رأسي فانكسر أنفي وفقدت حاسة الشم وانخلعت أسناني» ، وبالفعل فقد كان كثير من أسنان محمد العلوية الأمامية مفقوداً «لقد عذبوني عذاباً فظيعاً حتى أنني بلّغت عن شقيقي وقلت: إن له ضلعاً في المقاومة وجاءوا به إلي وجهاً لوجه فقلت لهم: إن هذا غير صحيح، لكنهم كسروا أضلعه وبكى أخي وقال لي: سامحك الله» . عند هذه النقطة انهار محمد بعد ٣٣ يوماً من التعذيب، ووقع على اعتراف بأنه قام بجمع الأدوية والمال للمقاومة، واشتكى إلى قاضي المحكمة بأنه لم يكن له خيار غير توقيع الوثيقة: «يجب أن تفهم: لقد رأيت رجالاً يموتون تحت التعذيب» ، ... ويضيف محمد: «لقد عذبت في إحدى الزنزانات حيث كان الرجال يعلقون من السقف بقيود من حديد في أيديهم، أصابهم الضعف من جراء التعذيب، ورأيت رجلين ميتين معلقين، وأجساد ثلاثة آخرين ماتوا من جراء التعذيب بلهب جهاز لحم المعادن، أما إمام (بومرداس) واسمه (حومي محمد) ، فإن عينيه قد اقتلعتا وهو على قيد الحياة، وترك ليموت في حجرة التعذيب، وفيما بعد قالت الصحافة الجزائرية عنه: كان إرهابياً قتل في معركة بالبنادق مع الشرطة..» .

стр. 1676

المسلمون والعالم قبض الريح من أوسلو إلى دافوس أحمد بن عبد العزيز العويمر لم يخرج حتى أكثر المراقبين تفاؤلاً بعملية الصلح بين (منظمة التحرير الفلسطينية) و (العدو الصهيوني) بأي أمل في إمكانية إتمام الصلح، ولم يصدق ولن يصدق ما كان يمني به دعاة السلام شعبهم الفلسطيني من آمال عراض نتيجة للصلح مع العدو، وذلك على ضوء لعبة المفاوضات من أوسلو إلى دافوس مروراً بواشنطن وجنيف وطابا، حتى القاهرة ... وهذا شيء نعرفه حق المعرفة وهو أحد المبررات التي جعلت المعارضين «الصادقين» للسلام مع العدو يكفرون بالصلح معه لا لمجرد المعارضة فحسب، وإنما لأسباب جوهرية سبق أن طرحت ومازالت تطرح منذ بوارق التصريحات بمهزلة (كامب دافيد) وما بعدها، وذلك للعداوة الصريحة التي يكنها (يهود) للإسلام والمسلمين، وهذا مسطور في القرآن الكريم في آيات كثيرة منها: [ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين] (البقرة: ٨٩) ولما يمثله (يهود) من خطر على الأمة الإسلامية في مجالات الفكر والثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة والقوة العسكرية [١] ، إن لم يستعد لهم بتقوية تلك المجالات كما دل عليه قوله تعالى [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة] ، فإنهم يعملون وبكل السبل المتاحة لغزو أمتنا الإسلامية والقضاء على مقدراتها وإشاعة عوامل التخلف والانهزامية فيها ليتحقق ما يخططون له من أهداف بعيدة المدى. ولا شك أن المستفيد الأكبر من هذه العملية الاستسلامية هم الصهاينة وهذا مشاهد وملموس للأدلة الآتية: ١ -إن للعدو الصهيوني استراتيجيته التي قامت دولته على أساسها وهو يعتبر ما احتل من الأراضي العربية جزءاً لا يتجزأ من أرضه التي يزعم أنه موعود بها، ولذلك سماها بأسماء عبرية، ولكنه قد يتساهل تكتيكياً لأهداف يريد تحقيقها ومنها ما يمني نفسه به من غزو اقتصادي للمنطقة بعد بروز ما عرف بالسوق «الشرق أوسطية» ، وبعد تهافت قومنا على السلام معه كتهافت الذباب على الشراب، بل اتضح لنا أن منهم من له اتصالاته السابقة بالعدو زمن (اللاءات الثلاث) وزمن (الصمود والتصدي) ! ! وهو ما كتبت فيه دراسات موثقة، تعكس حقيقة الانتماء وتوضح من هم أولئك القوم الذين يقولون خلاف ما يبطنون! [٢] . ٢ -إن يهود مازالوا يعملون على إذلال الشعب العربي بعامة والفلسطيني بوجه خاص في أساليبهم التفاوضية، وطرقهم الملتوية في تفسير بنود الاتفاق وفق أهوائهم وبما يحقق أهدافهم المرسومة. ٣ -بعد اتفاقية ما سمي خيار (غزة أريحا أولاً) وإعطاء يهود وقتاً للانسحاب لتدير (م. ت. ف) تلك المناطق، عادوا لوضع العراقيل بدءاً من عدم الموافقة على انسحاب جيشهم، وادعاء أن المسألة مجرد إعادة للانتشار ثم تحجيمهم للمناطق بحدود معينة، وبعد عدة اجتماعات لم يعط الصهاينة ولا عشر ما كان يأمل به المتفاوض الفلسطيني من آمال. ٤ -جعلهم المستعمرات الصهيونية (المستوطنات) عامل عرقلة لتنفيذ الاتفاق، وكل متأمل في التاريخ الصهيوني المعاصر يعرف أن تلك المستعمرات مناطق استراتيجية في الأماكن التي تختار فيها، وتكون مسلحة وسكانها مسلحون، فهي بؤر سرطانية تثير الرعب وتشيع الفاحشة في أي مكان تزرع فيه، ولقد كشفت « يائيل ديان» حقيقة هذه المستوطنات وبينت ما يمارس فيها من إباحية [٣] ، وهذه المستعمرات ستبقى تؤدي رسالتها ولن تسحب بقول «رابين» في خطاب أمام جمع ضخم من اليهود في أمريكا: (إن إسرائيل غير مستعدة لإزالة المستعمرات في الضفة والقطاع، ومهما كانت الاتفاقية فالمستعمرات ستبقى وسيدافع عنها الجيش) . ٥-كان من معطيات هذا التوجه للسلام مع العدو وهذا ما خطط له يهود محاصرة الرافضين للتوجه الاستسلامي، وبخاصة أصحاب التوجه الإسلامي، وهذا ما حصل بالفعل وآثاره الخطيرة على الشعب الفلسطيني بدت واضحة للعيان. ٦-إتيانهم بفكرة (الاستفتاء) على الانسحاب من المناطق المحتلة وهي أحبولة من أحابيلهم المعروفة في الالتفاف على ما قد يبدو من نتائج إيجابية مع أن تلك الاستفتاءات مرفوضة في القانون الدولي، إذ كيف تستفتي دولة شعبها على أراض احتلتها وهي تعترف باحتلالها؟ ! فهم يدّعون أن فكرة الاستفتاء تلك ستلقي بذور الشقاق في صفوف خصومهم (الليكود) والمستوطنين فإن وافقوا على الفكرة فإن هذا لن يؤدي لاستجماعهم صفوفهم وقواهم ضد التسوية ماداموا سيحتكمون إلى الشعب، وإذا رفضوا سيظهرون بمظهر الرافض لآراء (الشعب) لكن لو جاءت نتيجة الاستفتاء (سلبية) ففي هذه الحالة لابد من انتخابات جديدة، وبالتالي تؤجل التسوية لعدة أشهر إضافية وإن عاد (الليكود) للحكم فإن نتيجة العملية ستكون معروفة سلفاً والمستوطنون الصهاينة مازالوا يقومون بتحركاتهم المكشوفة الرافضة للانسحاب، بل يقومون ببناء المزيد من المستوطنات غير المرخصة، بل إن مجلس البلديات في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين قد دعا لمضاعفة المستعمرات وإن عاد عن موقفه ظاهرياً. ٧- إن لعبة التمديد والتمطيط للمحادثات، ووضع العراقيل في طريقها، هي إحدى الأساليب التي تقوم بها إسرائيل مستغلة (اللوبي الصهيوني بأمريكا) لأخذ المزيد من الإعانات والكثير من وسائل الترضية الغالية الثمن. ٨ - إن المستفيد الأول والأخير من هذه العملية هو العدو الصهيوني نفسه فقد ظهر أمام العالم أجمع بأنه الطرف الجانح للسلام، بل استطاع بهذه العملية أن يحظى بمكاسب دبلوماسية مهمة، فقد زار رئيس وزراء العدو (تركيا) ، وهناك ١١ دولة من خمسين دولة عضو في (منظمة المؤتمر الإسلامي) ذات علاقات دبلوماسية كاملة مع العدو الصهيوني وفي الأفق ٢٢ دولة مسلمة لها اتصالات جارية لإقامة علاقات دبلوماسية فضلاً عما جناه العدو من ضمانات لقروض جديدة من (أمريكا) إضافة إلى أسلحة متطورة، واجتذاب رؤوس الأموال الأوربية لدعم اقتصاده. ٩ - الضحك على الذقون بوضع وجود غير مرئي للصهاينة في المعابر بحيث يكونون وراء زجاج عازل يَرَى ولا يُرى، وبإمكانهم منع دخول أي فلسطيني مسافر وتفتيشه واستجوابه ولكن بحضور محام فلسطيني! ! هذه معطيات المفاوضات! * لم يجن المتفاوض الفلسطيني شيئاً حتى الآن، ويتوقع ألا يجني شيئاً ذا بال، فمازال العدو يماطل فيما وعد به وفي الوقت نفسه يضرب بيد من حديد على إخواننا في الأرض المحتلة، ويسوم الناشطين في مقاومته سوء العذاب، ولا يمر يوم إلا وقد قام بقتل عدد من رجال المقاومة الإسلامية الرافضين لتطبيع العلاقات معه. * تناسي العملية السلمية (فلسطينيي المهجر) ، والأدهى والأمر هو المطالبة بتوزيعهم خارج وطنهم المحتل، ولقد صرح «بيريز» مؤخراً أنهم يعارضون إقامة فلسطينيي الخارج في غزة وأريحا. * قوة الأمن الفلسطينية التي أعدت لتقوم بالأمن وضرب كل معارض لتوجه (السلام) ستقوم بالدور الصهيوني نفسه وسيكون ضحيتها أبناء فلسطين فهل هذا في مصلحة هذا الشعب، أم أنها ستأتي بالمزيد من المعاناة والمزيد من الشقاق والمزيد من المواقف المؤدية إلى ردود الأفعال الشديدة.. والمستفيد الأول هو العدو نفسه. * ظهور الميول الخفية للعلاقات مع اليهود بشكل سافر، حتى أن بعض الدول العربية تستعجل تطبيع العلاقات الاقتصادية مع العدو والتبادل التجاري معه بأقصى ما يمكن، مع وجود المقاطعة العربية التي مازالت على الأقل (شكلياً) قائمة، ولم تلغَ رسمياً حتى الآن، وهناك دعوات لوضعها على جدول أعمال أقرب لقاء في الجامعة العربية للمطالبة بإلغائها على ضوء الضغوط الأخيرة. * صار للعدو الصهيوني أدوار أكثر فاعلية في العمل الاستخباراتي وصارت جواسيسه تصول وتجول في بعض الدول العربية وذلك بدعوى أنهم وفود شعبية أو ثقافية أو حتى ادعاء (أنهم وفود يهودية لا صهيونية) ! ! وصار من يقبض عليه بالجرم المشهود في التجسس للعدو يعاد مكرماً معززاً، ولو حوكم وأدين بجريمته. * عقد اليهود في المغرب ولأول مرة في دولة عربية وبمباركة رسمية مؤتمرهم الأولى في ٥/٢/١٩٩٤م تحت شعار (إعادة إحياء اليهودية المغربية في أفق تنوعها وامتدادها في العالم) ، ويحضره مندوب صهيوني هو نائب رئيس الكنيست (رافي درعي) ، وقبل هذا المؤتمر زار المغرب وفد من جماعة (بناي برث) الصهيونية الدولية المحظورة في بعض الدول العربية لكونها مؤسسة صهيونية، ومعلوم أن (التجمع اليهودي المغربي) ثاني أبرز تجمع صهيوني في العالم بعد اللوبي الصهيوني (إيباك) في أمريكا، ومن المتوقع أن يكون نتيجة هذا التوجه للسلام مع العدو والمؤتمرات الصهيونية في بعض الدول: المطالبة وبإلحاح للإفراج عن الجواسيس الصهاينة في البلاد العربية وعلى رأسهم (عدنان ياسين) العين الصهيونية في السفارة الفلسطينية بتونس الذي ألقي القبض عليه بالجرم المشهود مؤخراً. وهناك تفكير صهيوني جاد يسعون لطرحه وهو اللعب بورقة المعتقلين الفلسطينيين وطلب مقايضتهم بالمتعاونين معها! . * مازال العدو متمسكاً بآرائه الداعية لأن تصبح نتيجة هذا الاتفاق كياناً هزيلاً ليس إلا، بل سيكون تحت رحمته بالشروط التي تقضيها هيمنته وحتى ما نشر في (وثيقة القاهرة) مؤخراً لا يرقى إلى مستوى ما اتفق عليه سابقاً من التحفظ على مساحة أريحا والسيطرة الصهيونية على المستعمرات. وهناك مناطق ستقسم السلطة فيها بين الطرفين بالإضافة إلى مسؤولية الصهاينة عن المعابر الدولية، وقد ادعت الإذاعة الصهيونية مؤخراً أنهم سينتهون عام ١٩٩٥ م من إقامة سياج حول قطاع غزة المحتل بطول ٦٥ كم مزوداً بجهاز إنذار كهربائي سيطوق القطاع الذي ينتظر أن يشهد بداية تطبيق الحكم الذاتي. فأي مكاسب سيحققها السلام المزعوم مع العدو وهو بتلك المثابة؟ ! ولا يغيب عن البال ما قاله «رابين» عن زمن الانسحاب الذي كان مقرراً في ١٣ ديسمبر الماضي وأُجل إلى ١٣ إبريل القادم، حينما قال: «ليس هناك تواريخ مقدسة» . المزيد من التضليل! يعلن دهاقنة (م. ت. ف.) تضليلاً للأمة أن المعارضة للسلام في صفوف الشعب الفلسطيني ليست إلا وليدة الظروف الاقتصادية الصعبة للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة مما جعلهم يتمسكون بالرؤية الرافضة للسلام التي تلبي رغبة القصاص من العدو المحتل الذي طالما آذاهم، وهذا ما صرح به (عرفات) مؤخراً بقوله: «إن المجموعات المتطرفة ستستفيد من أجواء الفقر والظلم وانعدام الاستقرار والتوازن، وأضاف قائلاً:» إن الأساس الأهم للتوصل إلى الاستقرار هو العدالة والعدالة والعدالة لنا جميعاً «! ولا ندري أي عدالة يمكن أن يعطيها اللصوص ومصاصو الدماء، لاسيما وأنهم مازالوا يعرقلون التسوية التي وقّعوا عليها، بل إنهم وبأساليبهم المعروفة يلوحون بالتهديد النووي، وقد صدر مؤخراً كتاب (الكتلة الحرجة) الذي يكشف ما في الترسانة النووية الصهيونية من سلاح، والذي جهز لها صاروخهم (أريحا/٢) الذي يبلغ مداه ١٤٠٠ ميل، وبه تكون حتى دول أوربا الشرقية في متناول ذراعهم النووية، فأي سلام يزعمون وهم يعدون العدد بمثل هذه الأسلحة النووية؟ ! موقف الإسلاميين والعلمانيين: لا شك أن الأوضاع المتردية التي يعيشها الشعب الفلسطيني المسلم ومعاناته الطويلة من جور وإذلال العدو الصهيوني مشاهدة وملموسة، ثم إن فشل العنتريات العربية في استرداد حقوقه.. وليأسه من الأحزاب التي طالما تحدثت باسمه، ودعت إلى استقلاله وهي المستفيد الأول لرفع حساباتها في البنوك من جراء تلك الدعاوى، والتي ماتزال تدعو لاستغلال هذا الشعب المسلم وزيادة أرصدتها المادية والمعنوية باسمه، كل ذلك جعله يفقد الثقة فيهم جميعاً، نعم سقطت الأحزاب المادية والعلمانية سقوطاً ذريعاً، وانكشفت حقيقة توجهاتها وطبيعة ولاءاتها، وهي وإن كانت ماتزال ترفع لواء المعارضة للسلام مع العدو فهي تعلم بأن هذا هو الأسلوب الوحيد الباقي لتستجيش به العواطف. ومادام أن هناك بعض الدول التي مازالت ترفع لواء المعارضة للسلام مع العدو لأسباب مؤقتة فيما يبدو، فستكون تلك الأحزاب العلمانية بالفعل في مواقف لا تحسد عليه بعد سقوط أسيادهم في وحل الاستسلام، أما الإسلاميون الذين مازالوا منذ كتائب التحرير الأولى لا يرون الحل إلا بالجهاد [*] ، فهم يدعون الأمة إلى المزيد من الوحدة وإلى المزيد من التعاون ليكونوا يداً واحدة. هذا نهج الإسلاميين عبر التاريخ مروراً بعزالدين القسام وفرحان السعدي ومحمد أمين الحسيني وأحمد ياسين وغيرهم [٤] . ولا يخفى أن معارضة الأحزاب العلمانية الفلسطينية إنما لسبب أنها لم تعط وزناً من خلال المكاسب المحددة التي ستحظى بها (م. ت. ف) والمنتمين لها، بينما معارضة الإسلاميين معارضة في سبيل الله ثم لوجه الحق الذي يؤكد أن فلسطين بلاد إسلامية مقدسة لا يمكن بحال أن يفرط فيها بأي حلول لا تلبي أدنى حقوق شعبها المحتل، فضلاً عما يشكله الصلح مع العدو الغاصب من إقرار لاحتلاله أراضي إسلامية لا يصح بحال من الأحوال إقراره عليها مهما كانت الدوافع [**] . فإلى أولياء الله وأحبابه من المجاهدين في سبيله الرافعين لرايته، الحذر.. الحذر من اليأس من رحمة الله، وما عليكم أن تدركوا النصر مادمتم عاملين للوصول إليه.. هذا هو الطريق لاسترداد الأرض المقدسة، وما عداه فإنما هو قبض الريح! [وإن تتولوا يستبدل قوماْ غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم] (محمد: ١٦) ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون [٥] . مذبحة الخليل والعجز المريع حيالها: في يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان ١٤١٤ هـ وهذا العدد ماثل للطبع حدثت مذبحة الصهاينة في المسجد الإبراهيمي بالخليل التي نسبت إلى الصهيوني المتطرف (جولدشتاين) أحد أنصار جماعة» كاخ «المتطرفة والتي قتل فيها المصلون وهم سجود وقد بلغ عددهم ما ينيف على تسعين شهيداً فيما نحسبهم والله حسبهم ولا نزكي على الله أحداً. وقد نقلت نشرة (قدس برس) عن شهود عيان أن الجنود الصهاينة حاولوا منع المصلين المسلمين من دخول المسجد بحجة احتفال اليهود بعيد (البوديم) وكانوا يستفزون المسلمين منذ مساء الخميس بإطلاق الألعاب النارية تجاههم، ولما أصر المسلمون على الدخول إلى المسجد سمحوا لهم، وعند العاشرة مساء طلب منهم الخروج من المسجد واعتدي عليهم بالضرب.. وعند قدوم المصلين لأداء صلاة الفجر من يوم الجمعة بأعداد كبيرة قدرت بحوالي ألف وخمسمائة مصل، وبعد إقامة الصلاة وعند الركوع الأول ثم السجدة الأولى سمع إطلاق النار الكثيف من الخلف وكان يقوم به جندي بزيه العسكري الرسمي والذي تحصن بأحد الأعمدة عند إطلاقه النار، ويعتقد بأنه أطلق حوالي ثمانية مخازن من الرصاص، وأكد شاهد آخر أن جندياً آخر أطلق النار على الملين وبصورة عشوائية. وأكد الشهود بأن الجنود الصهاينة على غير عادتهم لم يحضروا لحراسة المسجد، وإنما وقفوا بالقرب من الساحات الخارجية ولم يدخلوا المسجد إلا بعد توقف إطلاق النار تماماً، مما يوحي بتواطؤهم مع الجناة، وقد قام المصلون بالقبض على أحد المهاجمين وضربوه بطفاية الحريق حتى هلك، ولم ينتحر كما زعمت الحكومة الصهيونية. ومع ردود الأفعال الشديدة المستنكرة لهذه المجزرة ضد الشعب الفلسطيني، وبعد عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة الموقف والمطالبة بحماية دولية للشعب الفلسطيني، وقفت أمريكا ضد أي إدانة للعدو الصهيوني وبكل بجاحة يقول وزير خارجية العدو (يوسي بلين) : إن الأحداث المأساوية في الخليل يجب ألا تكون مبرراً لأي شرط لاستئناف مفاوضاتهم مع المنظمة. والعملية فيما ظهر من شهادة الشهود مخطط لها ولم تكن عملاً فردياً والخطوة التالية يجب أن يؤكد على إلزام العدو بنزع السلاح من المستوطنين وليس (المتطرفين) فقط. إن الصهاينة لا يعرفون سوى أسلوب واحد فقط يوقفهم عند حدهم، فهل يفطن له أنصار الحل السلمي الذين لم ينتج عن توجهاتهم تلك سوى السراب؟ هل يفطن الغارقون في وحل السلام إلى الموقف الحق أم على قلوب اقفاله؟ !

стр. 1677

المسلمون العالم الإنجليز: من الملك ريتشارد «قلب الأسد» إلى اللورد ديفيد أوين د.يوسف الصغيّر مهما قلنا عن برود الإنجليز، وهل هو ميزة أم عيب، فإن دهاءهم السياسي هو من الصفات التي أجمع عليها الناس منذ اليوم الأول الذي أخرجت فيه السلحفاة رأسها أي خروجهم من جزيرتهم الصغيرة إلى أصقاع بعيدة تجاوزوا فيها مستعمراتهم على الساحل الفرنسي المقابل لهم فإن وجهتهم كانت المشاركة الفعالة في الحروب الصليبية، وذلك بعد أن استرد صلاح الدين بيت المقدس وطهرها من رجس الصليبيين، وكان الصراع السياسي والعسكري الذي جرى بين صلاح الدين الأيوبي ﵀ وريتشارد «قلب الأسد» ملك الإنجليز هو أول اللبنات في علاقة الإنجليز مع العالم الإسلامي، وإذا علمنا مدى تقديس الإنجليز لملوكهم، فإننا لا نستغرب ثبات السياسة الخارجية للإنجليز وعملها المستمر على إضعاف المسلمين بالطريقة الإنجليزية المعتادة، وهو العمل على إيجاد آثار مستديمة للاستعمار، أو بالأحرى عاهات مستديمة. وإليك بعض الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر: ١- تسلل الإنجليز إلى الهند بدعوى التجارة، وكان الحكم فيها للمسلمين وخرجوا منها بعدما قسمت قسمة ضيزى إلى قسمين أحدهما يحكمه الهندوس والثاني يحكمه المسلمون مع مشكلات لا حصر لها، فالمنطقة لم تستقر منذ خروج الإنجليز عام ١٩٤٧م. ٢- وأيضاً تسللوا إلى مصر بدعوى التحالف مع الدولة العثمانية ضد الفرنسيين، فحكموا مصر، وضموا إليها السودان، ثم فصلوا السودان، وابتكروا نظام المناطق المعزولة، مما أورث السودان مشكلة الجنوب الحالية. ٣- استولوا على عدن بدعوى الحفاظ على خطوط الملاحة، وعندما خرجوا منها سلموا الحكم فيها للشيوعيين الذين مازالوا يفسدون في البلد إلى الآن. دورهم في إنشاء دولة إسرائيل: وللتشابه الكبير بين ما جرى في فلسطين وما يجري في البوسنة، فإنه من المناسب إلقاء بعض الضوء على بعض الملامح المهمة في طريقة الإنجليز في إقامة دولة اليهود في فلسطين، ومنها: أولا: أن وعد بلفور هو رسالة شخصية من وزير الخارجية البريطاني إلى اليهودي حاييم وايزمان الذي كان من زعماء الحركة الصهيونية ومع ذلك كانت هي قطب الرحى في سياسة الحكومات البريطانية المتعاقبة ولا أظن أن ذلك بسبب احترام تعهد عضو في حكومة سابقة بقدر ما كان تحالف نصراني صليبي لإقامة دولة اليهود في هذه المنطقة الحساسة «فلسطين» ، مما يحقق مصالح غربية بعيدة المدى وفي الوقت نفسه يحقق أهداف الصهيونية النصرانية التي ترى مع قيام دولة إسرائيل قرباً لنزول المسيح، وهو في الحقيقة (المسيخ الدجال) . ثانيا: قيام الإنجليز بالعمل تحت غطاء عصبة الأمم التي أصدرت قراراً يجعل فلسطين تحت الانتداب الإنجليزي، وتم تعيين اليهودي هربرت صموئيل مندوباً سامياً لهم هناك. ثالثا: قام الإنجليز بإدارة الأمور في فلسطين بناء على مبدأ إيجاد المشكلة ثم التظاهر بالعمل على حلها، فقاموا بتشجيع هجرة واستيطان اليهود في فلسطين، وبعد ذلك أظهروا الحرص على حل مشكلة التعايش بين العرب واليهود مع الحرص على الظهور بمظهر الجهة المحايدة! ! رابعاً: أنهم لا يخجلون من إرسال لجان تقصي الحقائق كأنهم لا يعرفونها وفي إصدرار التقارير التي يطلقون عليها أسماء مثل «الكتاب الأبيض» للإيحاء بالعدالة، ومثلاً في سنة ١٩٩٢م أصدرت الحكومة البريطانية كتاباً أسمته «أبيضاً» شرحت فيه أهدافها في فلسطين، وجاء في هذه الوثيقة أن الغرض لم يكن تحويل فلسطين بأكملها إلى وطن قومي لليهود بل أن يقام هذا الوطن في فلسطين، ويستبعد هذا الكتاب شرق الأردن من نطاق وعد بلفور، وفي عام ١٩٣٩ م وبعد القضاء على الثورة الفلسطينية الكبرى نشرت الحكومة البريطانية كتاباً «أبيضاً» أيضاً جاء فيه: * إن تعهدات بريطانيا بإقامة وطن قومي يهودي قد تحققت بالفعل. * إنشاء دولة واحدة مستقلة بعد مضي عشر سنوات شرط توفر علاقات مواتية بين الفلسطينيين واليهود! ! خامساً: وكما حصل في فلسطين من حرص السلطات الإنجليزية آنذاك على تجريد الفلسطينيين من السلاح، وكان يتم تنفيذ الإعدام شنقاً في الفلسطينيين الذين تثبت عليهم تهمة حيازة السلاح، مع قيام هذه السلطات في الوقت نفسه بتسليح وتدريب قوات اليهود تحت لافتة «شرطة المستعمرات اليهودية» ، يحدث الآن في البوسنة منع السلاح عن المسلمين بدعاوى باطلة وحقيقتها تجريدهم من وسائل المقاومة المشروعة ليكونوا صيداً سهلاً لأعدائهم من الصرب والكروات.. سادساً: وفي آخر مشهد من المسرحية يقوم الإنجليز بتحويل القضية إلى الأمم المتحدة التي تكرمت بعد عدة اقتراحات صورية لحل ما يسمى بمشكلة التعايش بإعلان قيام دولة لليهود في فلسطين، وسارعت الدول الكبرى إلى الاعتراف بها، وضمان أمنها بدعوى أنها دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة مع كونها دولة مغتصبة لأراضي لا تملكها. سابعاً: عدم الممانعة في إصدار الأمم المتحدة لقرارات كثيرة متتالية تدور حول التقسيم، ثم وقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي المحتلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم، وينتهي عجبنا عندما يكشف بطرس «غالي» أن هناك قرارات ملزمة وأخرى غير ملزمة، وعادة ما تكون القرارات الملزمة علينا، والقرارات غير الملزمة لنا، فلنا قرارات المدن الآمنة وحظر الطيران في البوسنة، وعلينا الكثير الكثير من القرارات الملزمة والتي مايزال قطاع كبير من المسلمين يعاني من آثارها الخطيرة بدعوى تطبيق قرارات هيئة الأمم المتحدة. وأما آخر ممثلي الامبراطورية العجوز في حياكة وتدبير المؤامرات فإنه « ديفيد أوين» ابن الأرستقراطية الإنجليزية الذي يمثل «الجنتلمان» صاحب الابتسامة الصفراء، الذي ينفذ سياسة بلاده بتصميم يقل نظيره، فعلى الرغم من كثرة الانتقادات الموجهة إليه بشأن دوره في المفاوضات وتحيزه الواضح للصرب أولاً وللكروات ثانياً، فإنه ظل يردد نفس المقولات في أن رفع حظر السلاح عن المسلمين لن يحل القضية، بل ويطلق التهديدات ضد المسلمين بقبول طروحات الصرب والكروات وإلا فإنهم سيواجهون الفناء، وعندما تدور الدوائر على الكروات فإننا نجده أحرص الناس على عقد الهدن والاتفاقات الصورية، حتى يلتقط الكروات أنفاسهم، وهناك ملاحظة مهمة تبين فضيلة الصبر التي يتحلى بها وقدرته على تحمل تمثيل هذا الدور لمدد طويلة فإن «فانس» استقال، وأما قائد قوات الأمم المتحدة البلجيكي فإنه لم يطق صبراً فانتقد دور الأمم المتحدة في البوسنة مما أدى إلى إزاحته عن منصبه واستدعائه إلى بلجيكا، أما «أوين» فأنه ثابت في مواقفه، باق في منصبه؛ لأنه يمثل سياسة بريطانيا في البوسنة التي تتبناها الدول الأوربية على العموم، أما الموقف الأمريكي فأعتقد أن أفضل تصوير له هو تصريح مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق في أن محاربة الأصولية والإرهاب كما يدعي يقتضي إظهار الاهتمام بقضية المسلمين في البوسنة، وحتى الآن فإن موقف أمريكا لا يتعدى كثيراً (المواقف الدعائية) . وأخيراً فإن موقف دول الغرب التي ترفع راية الحياد عالياً من أحداث البوسنة، قد أفرز مواقف أخرى توضح مقدار التحول في سياسة الغرب بعد سقوط النظم الشيوعية، فمن جهة نجد مثلاً بريطانيا تتبنى التصدي لأي محاولة لإقامة كيان إسلامي في أوربا، وبالتالي ينبغي وأد دولة البوسنة، ومحاولة تهدئة الأوضاع في بقية مناطق البلقان المرشحة للإنفجار في لحظة مما سيفقد الصرب القدرة على التصدي للمد الإسلامي في أوربا، الذي لا يتناسب مع دعاوى العلمانية، ولهذا نجد بداية تحول إدخال الكنيسة رسمياً في الصراع العقدي الذي يتوقع الإنجليز نشوبه عاجلاً أو آجلاً، وفي هذا الإطار يكتمل الدور الإنجليزي فهم في البوسنة يحاولون إحكام قيد الضحية المسلمة ليكمل الجلاد النصراني مهمته، أما في بلاد السودان فإن من يمثل الكنيسة الانجليكانية وهو الدكتور (جور كيري) رئيس أساقفة كانتربري يقوم بمحاولة مستميتة من أجل الإبقاء على حيوية التمرد في الجنوب والمدعوم من الغرب، وقد تراوحت لهجته في التصريح بأن الهدف هو الحفاظ على جنوب السودان تحت هيمنة الأقلية النصرانية والوقوف في وجه محاولة إدخال جماهير الوثنيين في الإسلام، وبين المراوغة بقوله أنه يأمل أن يعيش الإسلام والنصرانية في وئام ثم يقوم بمحاولة جادة من أجل توحيد قادة التمرد، ولا يرى بأساً في الزعم أن جميع قادة التمرد وتوحيد جهودهم هو من أجل السلام، كما صرح «أوين» من قبل بأن رفع حظر السلاح عن المسلمين في البوسنة لا يساعد في عملية السلام. بريطانيا: الكنيسة والدولة: إن ملابسات تحول الإنجليز من الكاثوليكية إلى البروتستانتية الخاصة بهم (الإنجليكانية) ، تدل على أن الإنجليز على دين الملك وكفى، ولهذا خلافاً لجميع دول العالم النصراني فإن الملك أو الملكة هو رئيس الكنيسة الإنجليزية ولهذا فإن الكنيسة هي كنيسة الدولة وجزء من أجهزتها المهمة، خاصة في الميدان الخارجي، حيث إن الكنيسة الإنجليزية تعيش حالة من الانفصام، ففي الداخل نلاحظ أن غالبية الإنجليز لا دنيين، وتعاني الكنائس من ضعف الإقبال ومن زار بريطانيا سيلاحظ الكثير من الكنائس معطلة، ويعرض كثير منها للبيع أما في الخارج فإنها لعبت وتلعب دوراً كبيراً في توطيد النفوذ الإنجليزي، وعلى سبيل المثال فإن الكنيسة هي التي تولت نشر الثقافة واللغة والعادات الإنجليزية في الدول التي رزحت فترة من الزمن تحت نير الاستعمار عن طريق المدارس والمستشفيات الكنسية، أما في الجانب السياسي فإن الكنيسة تلعب دوراً مساعداً ومن الأمثلة على ذلك حادثة (تيري ويت) مبعوث الكنيسة إلى لبنان، حيث تبين أن المذكور لا يعدو كونه غطاء لعملية سرية تقوم بها المخابرات المركزية الأمريكية في لبنان من أجل إطلاق سراح الرهائن، وكان خطفه نتيجة لتعثر المباحثات. أما آخر مساهمات الكنيسة فهي حادثة زيارة رئيس الأساقفة إلى السودان عن طريق كينيا متجاوزاً سيادة الحكومة السودانية، مما أدى إلى طرد السفير البريطاني في الخرطوم، الذي وضع الحكومة البريطانية في موقف لا تحسد عليه [*] .

стр. 1678

في دائرة الضوء الجذور التاريخية لسياسة تجفيف المنابع د.أحمد بن محمد العيسى لم تكن سياسة تجفيف المنابع التي تتبعها بعض الدول العربية للحد من تغلغل عقيدة الإسلام وتعاليمه في المجتمع، ووصولها بالذات إلى عقول الناشئة من أبناء المسلمين.. لم تكن وسيلة جديدة تفتقت عنها عقول منظري العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة. إنها سياسة لها جذور تاريخية تمتد إلى المواجهات الأولى بين الحق والباطل منذ أن صدع رسول الله بالرسالة الخاتمة في مكة، لقد دأبت قريش على محاولة منع وصول كلمة التوحيد إلى آذان الناس داخل مكة أوآذان القادمين إليها، سواء أكان قدومهم للتجارة أو للحج، ولقد وجه صناديد قريش جهودهم إلى المنبع الأول صاحب الرسالة ﵊ لمحاولة الحد من تأثيره، وقطع الوسائل المعينة على إيصال كلمة الحق للناس، فكانت محاولاتهم متعددة الوسائل: منها ما كان بالترغيب أو الترهيب، أو المقاطعة الاقتصادية، أو الاستهزاء والسخرية، أو غير ذلك من الوسائل التي لا تخفى على من قرأ السيرة النبوية واستلهم دروسها. ولكن الرسالة التي أراد الله لها أن تكون رسالة خاتمة، أصبحت من القوة والمنعة بعد وفاة الرسول ﷺ بحيث فاضت منابعها علماً ودعوة وتعليماً وحكماً بين الناس، ولم يعد بالإمكان تجفيفها في أرض الإسلام لتجذرها في أعماق مؤسسات المجتمع آنذاك، وعلى الرغم من المحاولات العديدة من قوى الباطل لدحر الإسلام وإلحاق الهزيمة بالمسلمين، وإثارة الفتن العقائدية والسياسية في المجتمع، إلا أنه لم تكن هناك محاولات عميقة وجذرية لتجفيف منابع الإسلام المتنوعة في حواضر العلم والتدريس والدعوة والجهاد. ولكن التاريخ الحديث يبرز لنا محاولة مستميتة لتجفيف المنابع، تمثل تجربة ونموذجاً للتجارب الحديثة التي جرت وتجري هنا وهناك في بلاد العالم الإسلامي، وهذه التجربة هي تجربة الحزب الشيوعي السوفيتي في بدايات هذا القرن عندما قرر منظرو سياساته القضاء على الدين الإسلامي؛ لأنه يمثل الحصن الحصين ضد هيمنة الشيوعية على البلاد التي حكمتها. ولعل المرحلة التاريخية المعاصرة التي بدأت منذ بداية هذا القرن العشرين هي من أكثر الفترات غموضاً وتغييباً عن عقول المسلمين، على الرغم من أن المسلمين اليوم يعيشون في ظل إفرازات الأحداث التي حدثت في تلك الفترة. ومما يؤسف له أن تلك الأحداث العظيمة التي وقعت في بلاد العالم أجمع مثل الثورة الشيوعية والحربين العالميتين، وانتهاء مرحلة الاستعمار العسكري، ونشوء الدول القومية في البلاد العربية، ليست غائبة عن أذهان الشباب المسلم الذي يدرس في الجامعات والمعاهد فحسب، بل هي غائبة أيضاً عن عقول كثير من الدعاة والمفكرين الإسلاميين والعاملين للإسلام في كل مكان تقريباً. ويحدثنا كتاب (المسلمون في الاتحاد السوفيتي) الذي ألفه الفرنسيان (بينغسن ولمرسييه) وصدرت طبعته الإنجليزية في عام ١٩٦٧ م عن صورة تاريخية للتجربة الأم لسياسة «تجفيف المنابع» ، التي رسمها المفكر الشيوعي من أصل مسلم «سلطان غالييف» للحزب الشيوعي، وقام الحزب بتنفيذها بلا هوادة منذ بداية سيطرته على المنطقة الإسلامية في آسيا الوسطى وبلاد القفقاس والقوقاز، و «سلطان غالييف» مفكر بدأ حياته بالتنظير لإسلام عصري (كما يفعل أصحاب الفكر الإسلامي المستنير اليوم) ، وانضم إلى حزب «الجديد» في طشقند، وهو أول منظمة سياسية مناهضة للوجود الروسي، و «للمرجعية الدينية» معاً، ثم انضم «غالييف» للحزب الشيوعي بعد الثورة الشيوعية، وكان كما يقول الكتاب «الزعيم المسلم المرموق بين أقرانه من الزعماء، وكان أكثر الزعماء حظاً في الحزب الشيوعي، فقد كان عضواً في مجمع مفوضيات الشعب لشؤون القوميات، ورئيس تحرير مجلة القوميات الموسكوفية، وأستاذاً في جامعة شعوب الشرق، ويد ستالين اليمنى، والزعيم الشيوعي المسموعة كلمته في شؤون سياسة القوميات، فليس من العجيب إذن أن تكون نظرياته بشأن الثورة الشيوعية موضع تقدير وقبول من أبناء دينه الذين قبلوا بالتعاون مع النظام السوفيتي، ولذا فإن أفكاره كانت تمثل مع اختلافات محلية نموذجاً لكل الشيوعيين الوطنيين ما بين سنتي ١٩٢٠- ١٩٢٣ م، لا بل استمر هذا شأنه حتى سنة ١٩٢٨ م أي بعد أن حلت عليه غضبة الحزب للمرة الأولى..» . وقد أدرك ذلك المفكر أن طبيعة الإسلام غير طبيعة الأديان الأخرى التي حاربتها الشيوعية، لأن الإسلام كما يقول الكتاب: «أشد خطراً من غيره من الأديان على النظام الشيوعي لأن عمل المسلمين بأحكام الإسلام الشرعية والأخلاقية، يميز المسلمين عن غيرهم، ويقيم بينهم وبين الشعوب الروسية السوفيتية وفي المقام الأول الروس أنفسهم حواجز نفسية من الصعب التغلب عليها ... » ولكن «سلطان غالييف» رسم سياسة النفس الطويل للقضاء على الإسلام، وأشار إلى الخطوط العريضة في سياسته تلك في مقال نشره في مجلة (جيزن) عام ١٩٢٠م، ومن ملامح هذه السياسة وجوب «إبعاد المسلمين عن دينهم بمراحل تدريجية لا تثير صداماً أو مقاومة قد تتخذ شكل حرب وطنية وفوق ذلك كان على الدولة الشيوعية أن تبعد عن نفسها ظن المسلمين وهي تشن حرباً على الإسلام أنها إنما تفعل ذلك استمراراً للحملة التي شنها عليهم المبشرون المسيحيون في القرن التاسع عشر ... » ، ويستدرك المؤلفان بعد هذه الإشارة فيقولان: «غير أن صرف المسلمين عن هذا التفكير، كان مستحيلاً لأسباب منها: أنهم خلعوا ثوب الكهنوت وانضموا إلى الشيوعية، عن عقيدة أو لغاية، وكانوا يرون في عملهم الجديد الإمكانية المنطقية لمتابعة العمل الذي بدؤوه في ظل الكنيسة الأرثوذكسية ... ويمكن للقارئ هنا أن يتوقف برهة، ويستحضر السياسات الغربية الحالية في البلاد العربية، التي تسعى بشتى الوسائل كي تبعد ظن المسلمين في أن سياساتها الحالية ما هي إلا امتداد للحروب الصليبية في القرون الوسطى والاستعمار الغربي في القرون الحديثة. وهذا يشمل بطبيعة الحال دور المبشرين بالنصرانية الذين وجدوا في المهن التي يحتاجها المسلمون مثل الطب والهندسة وغيرها، فرصة لمتابعة عملهم التبشيري دون اهتمام كبير من المسلمين. وقد اقتضت» الرصانة والحكمة «التي يزعمون في محاربة الإسلام أن بدأت الحكومة الشيوعية تنفيذ سياسة» سلطان غالييف «لتجفيف منابع الإسلام بشكل غير مباشر: يقول المؤلفان:» ما كادت الحرب الأهلية تنتهي حتى هاجمت الحكومة السوفيتية الإسلام بطريق غير مباشر، وذلك بالقضاء على المؤسسات الإسلامية الثلاث، وهي: أولا: الأوقاف التي كانت تضمن القوة الاقتصادية لعلماء الدين، ثانيا: المحاكم الشرعية التي تمنح الإسلام السيطرة على حياة المسلمين الخاصة، وثالثاً: التعليم الديني الإسلامي، وقد شنت هذه الحملات الثلاث في وقت واحد تقريباً «. وكما هي سياسة تجفيف المنابع التي يجري تنفيذها في بعض البلاد العربية، اتجهت الجهود إلى منابع الإسلام الحقيقية، ولم تتجه في البداية إلى الأحزاب والجماعات والأشخاص الذين كان لهم دور في مقاومة الحزب الشيوعي، ذلك لأن سياسة تجفيف المنابع لا يهمها الأشخاص أو الأحزاب في ذلك الوقت، فهم سيصبحون صيداً سهلاً في غياب المؤسسات الداعمة لهم في المجتمع، ولكن المهم هو تلك المنابع الحقيقية التي تضمن استمرار هيمنة تعاليم الدين في حياة السكان، والعجيب أن الكتاب يؤكد كما تؤكد السياسات الحالية لتجفيف المنابع أن هذه السياسة لا تجد مقاومة قوية من المسلمين بعكس السياسات التي تتجه للقضاء على الأحزاب والأشخاص والجماعات! ! يقول الكاتب:» وفي سنة ١٩٢٥م عمدت الحكومة إلى تصفية الوقف نهائياً فأصدرت جمهورية (أوزبكستان) في ١٩ كانون الأول ١٩٢٥م مرسوماً يقضي بأن تتملك مفوضية الشعب للزراعة كل الأوقاف الكائنة خارج المدن باستثناء البساتين والكروم، وبعد ذلك بقليل صادرت أوقاف المدن وأوقاف المساجد، وفي سنة ١٩٣٠م قضت حكومة موسكو عملياً ونهائياً على المؤسسات الوقفية الكائنة في طول الاتحاد السوفيتي وعرضه، وذلك بوعدها أن توزع الأرضين على الفلاحين، وهكذا قضي على هذه المؤسسة الإسلامية في بضع سنوات، من غير أن تثير أي مقاومة، ومنذ ذلك الحين حرم علماء الدين من أسباب رزقهم، كما حرمت المساجد والمدارس من الوسائل المادية لدوام بقائها، وبدأت الحملة على العادات الإسلامية وعلى التشريع الإسلامي في الوقت الذي بدأ فيه الكفاح ضد قوة الإسلام الاقتصادية، وقد سهل هذه الحملة كونها جاءت في نطاق العلمانية، وهي تقليد قديم تردد على الأسماع كثيراً ولم تكن محاولة إضعاف التشريع التقليدي بله القضاء عليه نهائياً في نظر النخبة من المسلمين إلا استمراراً للكفاح الطويل الذي قاده (الجديد) في سبيل جعل التشريع الإسلامي عصرياً، وقد بدأ الكفاح ضد الشرع في كثير من البلدان في القرن التاسع عشر «. وهنا لابد من وقفة أخرى للقارئ: ليتفكر في تلك القوى الشيطانية التي جعلت مخططي سياسة تجفيف المنابع المعاصرين ينتبهون إلى سياسات أسلافهم أمثال» سلطان غالييف «، ويحاولون تطبيق تلك السياسات بحذافيرها في مجتمعات المسلمين، فمن الدعوة إلى جعل الإسلام (عصرياً) ، إلى الدعوة إلى» العلمانية « صريحة، وأخيراً إلى تجفيف منابع الإسلام الاقتصادية والتعليمية والتشريعية. ولم يكتف الحزب الشيوعي السوفيتي بالقضاء على المؤسسات الإسلامية الثلاث، ولكنه في الوقت نفسه كما يقول الكتاب قام بحملة دعائية ضخمة ضد علماء الدين، حيث» كانت الدعاية الرسمية تسعى، في بداية الأمر، إلى الحط من أقدار علماء الدين فقط في نطاق عملهم وتتهمهم بالجهل وعدم فهم القرآن وعدم معرفة أحكام الشرع، وبالتالي تتهمهم بأنهم أئمة غير صالحين، ثم تطورت حملة التحقير رويداً رويداً، وصار علماء الدين يتهمون بعد سنة ١٩٢٦ م بالرشوة والسرقة والإجرام، وأخيراً بسوء السيرة والخلق وبعد سنة١٩٢٨ م قررت السلطات السوفيتية أن تبدل حملاتها غير المباشرة بحملات مواجهة، لا بل أن تهاجم الإسلام في جوهره وصميمه، متناسية نصائح الحكمة والحذر التي أسداها إليها سنة ١٩٢١م (سلطان غالييف) وغيره من الشيوعيين المسلمين ... « ويكمل الكتاب الحديث عن آخر فصول هذه الخطة التي رسمها الحزب الشيوعي للقضاء على الإسلام نهائياً في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق فيقول:» في سنة ١٩٢٨م بلغت السياسة الحكيمة، التي لجأت إليها الحكومة في مكافحة الدين، هدفها من غير أن تثير أية مقاومة شعبية، وذلك بتبنيها الكفاح الذي كان (الجديد) يخوضه منذ عشرات السنين بغية جعل الإسلام عصرياً، وتطبيقه على العالم الحديث، وبعد أن نجحت هذه السياسة بتجريد الإسلام من قوته الزمنية أصبح بالإمكان البدء بتنفيذ المرحلة الثانية وهي الكفاح في سبيل إقامة مجتمع شيوعي بعيد كل البعد عن الأفكار الدينية، وقد بدأ تطبيق هذه المرحلة بعنف منذ البدء بمشروع السنوات الخمس، وذلك بحملة مجابهة على الإسلام تقرر تنفيذها في الوقت الذي تقررت فيه مجابهة (الجديد) ، وتصفية أكثر أعضائه الذين انضموا إلى الحزب الشيوعي أمثال «سلطان غالييف ... » . وكما يقول الحكماء: «إن التاريخ يعيد نفسه» ، لقد أسدلت مرحلة تاريخية خطيرة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، وبدلا من القضاء نهائياً على الإسلام، تمت تصفية الحزب الشيوعي نفسه، ولكن المعركة مستمرة بين قوى الحق وقوى الباطل، إذ يجري الآن استنساخ تجربة تجفيف المنابع الشيوعية ليتم تطبيقها بعد تعديلات طفيفة في بعض البلاد العربية، أو بالأصح قد تم تطبيقها منذ عشرات السنوات عندما تمكنت الدول التسلطية في العالم العربي من السيطرة والتحكم في المؤسسات الثلاث التي تحدث عنها الكاتب وهي: الأوقاف الإسلامية التي كانت تمنح المشاريع الدعوية والعلمية الاستقلالية الاقتصادية، والتعليم الإسلامي بعد أن ألغت أو ضمت جميع المعاهد الشرعية إلى النظام التعليمي العلماني، وقبل ذلك ألغت المحاكم الشرعية أو كادت بعد أن أن ربطتها بمؤسسات مركزية تخضع مباشرة للحزب أو الدولة، وبقي من سياسة تجفيف المنابع ملاحقة الشوارد التي قد تتدخل في هذه المؤسسات الثلاث، وتحاول إعادة الصفة الإسلامية ولو قليلاً إلى النظام التعليمي أو المحاكم، أو الأوقاف الإسلامية، وبقي منها أيضاً ملاحقة الدعاة الذين يتهمون في وسائل الإعلام «بالجهل، والظلامية، والتطرف، والإرهاب ... » ... والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 1679

مطالعات مواقف العلماء تحيي الأمة قد مات في حديدهم أقوام حسن قطامش حين يَدْلَهِمّ الخطب، ويجل الأمر، ويظهرالفساد، ويشيع الظلم في كثير من البلدان التي نَحّت الحكم بما أنزل الله، حينئذ يخشى الناس على أنفسهم وأولادهم وذويهم، فيضطرون إلى الانزواء بعيداً عن معترك الأحداث بل ويخضعون لهذا الواقع المظلم، ويستسلمون له بعد أن ألجمت ألسنتهم تلك الأوضاع، فنجدهم قد رضوا أن يتجرعوا مرارة الصبر، وربما شربوا كؤوس الذل والمهانة، لكن الظالم ينسى حين بغيه وجبروته تدبير الخالق العزيز الجبار وأنه له بالمرصاد، فيتمادى في بغيه ويزيد في طغيانه، ولكن يأبى الله إلا أن ينصر دينه ويتم نوره، ويدحض الباطل، ويعلي الحق، فيقيض لتلك الشعوب الذليلة المنكسرة من يخرجها من خنوعها وذلتها، ويبعث فيها روح العزة والكرامة وذلك حين يضحي العلماء والدعاة بأنفسهم، حينما يقعون تحت سياط الجلادين وسيوف الجبارين وأعواد المشانق، لأنهم لا يخافون في الله لومة لائم ليقولوا للناس: إن الموت في سبيل الله خير من الموت جبناً وذلاً، ويقيض الله كذلك لأولئك الظلمة الطغاة من يرهب قلوبهم، ويزلزل كراسيهم بالصدع بكلمة الحق ابتغاء مرضاة الله، بعد أن يتخذوا كل الوسائل المتاحة والمشروعة لذلك، وبعد أن يصر الظالم على ظلمه، ويقف من شرع الله موقف المعارض ويقف من الدعاة إلى الله موقف المعادي والمحارب. إن إحياء الأمة من مواتها، وبعثها من غفوتها ونومها، وإخراجها من عبادة غير الله، وقيادتها إلى ربها وسوقها إليه سوقاً جميلاً، وحمل هذا الدين والسعي به والجهاد في سبيله، إن هذا وغيره هو من سمات العلماء الفحول عبر تاريخنا المجيد، ونستعرض هنا صوراً من مواقف أولئك العلماء لعلها تكون إحياءاً للغافلين، ورهبة للظالمين، إذ ضحوا بأرواحهم في سبيل إعلاء دين الله سبحانه، وهي العزاء لكل مسلم يسوؤه تلك التصرفات الجائرة ضد الدين ودعاته. ولو استرجعنا التاريخ لوجدنا الأمر لا يكاد يختلف، بل يسجل التاريخ تلك الحقيقة الجلية ألا وهي الصراع بين حزب الرحمن وحزب الشيطان، ولن تموت أمثال هذه الكلمات الصادقة: «ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ... » ! ! فإلى أولئك الذين يسقطون ظلماً وعدواناً في الدفاع عن الإسلام ودعوته: ليعلموا أنه قد سبقهم أقوام على الطريق نفسه، وإليك أخي صوراً من تلك المواقف. [سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاْ ولن تجد لسنة الله تحويلا] [١] . الإمام البويطي [٢] هو العلامة، سيد الفقهاء، يوسف أبو يعقوب بن يحيى المصري البويطي صاحب الشافعي ولازمه مدة وفاق الأقران، وكان إماماً في العلم قدوة في العمل زاهداً ربانياً متهجداً، دائم الذكر.. سعى به أصحاب ابن أبي دُؤاد حتى كتب فيه ابن أبي دُؤاد إلى والي مصر فامتحنه أي في محنة خلق القرآن فلم يجب، وكان الوالي حسن الرأي فيه، فقال له: قل فيما بيني وبينك، قال: إنه يقتدى بي مئة ألف، ولا يدرون المعنى! ! فأمر به أن يحمل إلى بغداد. قال الربيع بن سليمان: رأيته على بغل في عنقه غلٌ، وفي رجليه قيدٌ وبينه وبين الغل سلسلة فيها لَبِنَةٌ طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: «إنما خلق الله الخلق» بكن «فإذا كانت مخلوقة فكأن مخلوقاً خُلق بمخلوق.. ولئن دخلت عليه لأصْدُقَنّه يعني الواثق ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم» . وتوفي ﵀ في قيده مسجوناً بالعراق في سنة إحدى وثلاثين ومئتين من الهجرة. الإمام نعيم بن حماد [٣] هو العلامة صاحب التصانيف، وكان شديداً في الرد على الجهمية حُمل إلى العراق في إبان تلك الغيمة مع البويطي مقيدين.. وكان يقول: «من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس في ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه» . قال ابن يونس: حُمل على القول بتلك الفرية فامتنع أن يجيب فسجن ومات في سجنه سنة تسع وعشرين ومئتين، وجر بأقياده، فألقي في حفرة، ولم يكفن ولم يصلى عليه.. وأوصى نُعيم بن حماد أن يدفن في قيوده وقال: «إني مخاصم» . الإمام الخزاعي [٤] هو أبو عبد الله أحمد بن نصر الخزاعي، كان أماراً بالمعروف، قوالاً بالحق من أكابر العلماء العاملين، ومن أهل العلم والديانة. حمل من بغداد إلى سامراء مقيداً، وجلس له الواثق فقال له: «ما تقول في القرآن؟» قال: «كلام الله» ، ق ال: «أفمخلوق هو؟» قال: «كلام الله» قال: «فترى ربك يوم القيامة؟» قال: «كذا جاءت الرواية» قال: «ويحك يُرى كما يُرى المحدود المتجسم، ويحويه مكان، ويحصره ناظر؟ أنا كفرت بمن هذه صفته ... » ، ما تقولون فيه؟ « فقال قاضي الجانب الغربي:» هو حلال الدم «ووافقه فقهاء، قال الواثق: » ما أراه إلا مؤدياً لكفره قائماً بما يعتقده «ودعا بالسيف وقام. وقال:» إني لأحتسب خُطاي إلى هذا الكافر.. «فضرب عنقه بعد أن مدوا له رأسه بحبل وهو مقيد. قال الحسن بن محمد الحربي: سمعت جعفر الصائغ يقول: رأيت أحمد بن نصر حين قتل ... قال رأسه: لا إله إلا الله والله أعلم. وعُلق في أذن أحمد بن نصر ورقة فيها:» هذا رأس أحمد بن نصر دعاه الإمام إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فجعله الله إلى ناره « وبقي رأسه منصوباً ببغداد، والبدن مصلوباً بسامراء وفي رجليه زوج قيود. هذه صور لابتلاء العلماء على مر التاريخ من الظلمة والطواغيت والنتيجة أن أولئك العلماء يترحم عليهم حتى الآن، أما أولئك الظلمة المحادون لله ولرسول ولشريعته، فإنهم محل المقت والكراهية.. [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقبلون] [٥] .

стр. 1680

الورقة الأخيرة حكمة.. وحكمة د. محمد بن ظافر الشهري الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وعلى هذا فهما عدوان ليس بينهما إلا حد السيف، ولكنهما قد يلتقيان إذا صبغت الحكمة «بالمساحيق الميكافيلية» ولبس الظلم ثوب «الاعتدال» فيكون نتاج هذا «القِرَان الشاذ» مسخاً، ولابد، فإما «حكمة هجينة» أو «ظلماً معتدلاً» وفي كل شر! ! لقد كانت الحكمة عند السلف واضحة المواصفات ثابتة المقاييس، لقد كانت « حكمة أصيلة» أقبلوا عليها دون حاجة إلى تلوينها لكي تصبح «جذابة» أما في « ... زمن المساحيق» فقد أصبح الإقبال شديداً على «الحكمة المترهلة» لأنها تجيد الاصطباغ «بألوان الطيف» . إذا علمنا هذا فلا عجب أن نرى داعية يلعب بالنرد والشطرنج مع «اللاعبين» ، أو يهيم ويغني مع «المغنين» ، أو يكذب ليضحك «الهازلين» ، وهو يزعم ... في كل هذا أنه يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأنه إنما يريد أن يحبب الدين إلى قلوب المعرضين، ولن نجادل في اجتهادات هذا النوع من الدعاة، إذ هي بينة البطلان، ومخالفة للسنة والقرآن، ولكننا نقول: أي دين هذا الذي يدعون الناس إليه؟ ! إن العجب ليس في وجود المخالفات «فكل ابن آدم خطاء..» ولكن العجب كل العجب أن ينسب الظلم إلى الحكمة واللهو واللعب إلى الدعوة! ! إن محمداً ﷺ لم يكن يلجأ إلى تلك «الحكمة الهجينة» يوم أن كان يلاقي ألوان الأذى من صناديد الكفر في مكة، وكان أصحابه مجموعة من الضعفاء والمساكين يسامون أصناف العذاب، وينكل بهم أمام عينيه، ولكن الأنبياء لم يؤتوا إلا حكمة «أصيلة» [يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراْ كثيراْ وما يذكر إلا أولو الألباب] [١] . لقد ارتدت الجزيرة العربية في عهد أبي بكر الصديق ﵁، ولم يبق معه إلا قلة بهم من اللأواء ما الله به عليم، فما كانت «الحكمة الهجينة» لتخطر ببال الصديق أبداً، وهو الذي تلقى دروساً في الحكمة على يدي أحكم الناس محمد. وهذا هو إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، ناله من العذاب ما يُلَيّن الصخر فلم يلجأ في محنته إلى «الحكمة الفضفاضة» فضلاً عن التي هي شر منها. لقد كان السلف يتحرجون من ذكر بعض أحاديث الرجاء أمام العامة خشية الاتكال عليها وترك العمل، وذلك من الحكمة ولا شك، ولكن أرني واحداً منهم تَقَوّل على رسول الله ﷺ ما لم يقل بدعوى الحكمة أو الإخلاص أوما شئت من الدعاوى! ! لقد كان أولئك الأئمة يعرفون حدود الحكمة كما يعرفون أنفسهم، إنها حكمة قوامها التميز، وعنوانها الوضوح، ودافعها الصدق، وسبيلها المتابعة.. إنها الحكمة الأصيلة.

стр. 1681

ذو القعدة - ١٤١٤هـ أبريل - ١٩٩٤م (السنة: ٨)

стр. 1682

كلمة صغيرة ديمقراطياتهم الزائفة تدعي كثير من الدول العربية والإسلامية التوجه الديمقراطي وتخادع شعوبها والعالم بأسره لأنها تتناقض مع ما تعيشه تلك البلدان من واقع مؤلم من كبت للرأي ومن مصادرة لأي توجه معارض ولاسيما إن كان إسلامياً. فإنه سيوضع حينئذ مع قائمة المواد الممنوعة فهم ما بين مسجون أو مطارد أو مشنوق، لا لشيء إلا لمطالبتهم بتحكيم شريعة الله. ومن العجيب أن تلك الدول يتسنم رؤساؤها زعامة الحزب الحاكم، فعند أي انتخاب النتيجة المعروفة سلفاً ٩٩% وربما خجلوا من المعارضة المسموعة في العالم فأعطوا المعارضة نسبة محدودة, والويل كل والويل لمن يعارض، فأول جزاء سحب حصانته وربما ضرب بالنعال وأخرج غير مأسوف عليه.. هذه ديمقراطيات القوم ولذلك لا يستغرب أن تكون تلك الحكومات محل رضا العالم الغربي لا لشيء إلا لأنها وقفت وبكل صفاقة في وجه التيار الإسلامي الذي يشكل بعبعاً لهم ولأسيادهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد ....

стр. 1683

الافتتاحية أيها المسلمون: إلى متى هذا الهوان ..؟ واقعة مثيرة حدثت في الأسابيع الماضية لكنها تُجُوهلَتْ، لا أظنها تقل خطراً وجلالاً عن واقعة مذبحة الخليل الشهيرة، وما أعقبها من تخاذل غير مستغرب على هيئة الأمم ومؤسساتها، في إصدار قرار عادل يدين الجريمة ويحدد سبل حماية المواطنين الفلسطينيين العُزل من «جنون» المستوطنين اليهود المسلحين وأعوانهم في جهاز الشرطة وجيش الإحتلال الصهيوني. والشعور العام، في أوساط الإعلام العربي خاصة، بحجم الخطر الذي تمثله الواقعة الجديدة، أوقع الإعلام العربي في زلل فاحش، حين تعمد إخفاء معالم تلك الواقعة، وحاول التعتيم على صلب موضوعها، بإثارة الكثير من الغبار حول شكليات وملحقات لا تمت للموضوع الأصلي «الخطير» بصلة. والشعور العام، في أوساط المؤسسات «القومية» العربية، والإسلامية بحجم «الجريمة» التي اقترفتها الأمم المتحدة بحق الإسلام وشريعته، كان أيضاً سبباً في التجاهل «المريب» من هذه المؤسسات وأجهزتها، لمعطيات الواقعة رغم أنه طلب رسمياً من الجامعة العربية تحديداً إصدار بيان واضح يدين هذا العدوان، ويطالب باعتذار علني للمسلمين، ولكن الجامعة جعلت كما يقولون أذناً من طين وأذناً من عجين، ولا من رأى ولا من سمع. * * * القصة بتمامها، أن الأمم المتحدة عينت في العام الماضي، المدعو «كسبار بيرو» مقرراً خاصاً لحقوق الإنسان في السودان، وقد نشط «بيرو» في إعداد تقرير كامل عن أوضاع «حقوق الإنسان» في السودان، جاء مليئاً بالاتهامات للحكومة السودانية في مختلف المجالات، وليس هذا بالمهم، فهذا شأنهم وشأن السودان، ولكن ما هو ليس شأناً سودانياً بل هو شأن إسلامي عام يخص كل مسلم على وجه الخصوص، أن مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان كتب في تقريره مهاجماً الشريعة الإسلامية، ومعتبراً أحكامها في الحدود والقصاص إهداراً لحقوق الإنسان الأساسية، ثم لم يقف التقرير عند هذه الإهانة لدين الإسلام، بل ذهب إلى الهجوم على ممارسة «الدعوة إلى الإسلام» في المناطق الوثنية وغيرها، واعتبر ذلك «انتهاكاً» لحقوق الإنسان، إضافة إلى هجومه على استعمال اللغة العربية لغة أولى للتعليم في السودان، معتبراً ذلك خرقاً لحقوق الإنسان. * * * في أعقاب هذه «الفضيحة» ناشد السودان الأمم المتحدة سحب الفقرات الخاصة بالطعن في الإسلام وشريعته، وطلب اعتذاراً «للمسلمين» عن هذا الجرم في حق دينهم، بيد أن الأمم المتحدة رفضت بإصرار تحقيق هذا الطلب «البدهي» بل إن الولايات المتحدة تقدمت بمشروع قرار يوصي بقبول تقرير ... «كسبار بيرو» بل وإمعاناً في الاستهتار، يوصي بمد خدمته في السودان عاماً آخراً، أيضاً المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، دافع عن تقرير «بيرو» واعتبر أن «الحريات الأساسية» أهم من «الخصوصيات الإقليمية» ، ولعله استحى أن يقول «الدينية» ، وعلى كل حال فكل ما لا يقل إجراماً عن تقرير «بيرو» ، حيث يكون «مفهوم الإنسان الأوربي» عن الحريات، أقدس وأجل من دين الإسلام وشريعته بل ويلزم الإسلام بالخضوع للمقررات الأوربية في ذلك. * * * وكما قدمنا، الإعلام العربي تجاهل الواقعة على خطرها ومن تعاطى معها حاول إخفاء صلب الواقعة، وجوهر الجريمة، وصور الخبر على أنه نزاع بين السودان والأمم المتحدة في شأن إهدار حقوق الإنسان في السودان كذلك «المؤسسات القومية» ، تجاهلت هذا العدوان على الإسلام، وكأن الإسلام وشريعته أصبحتا شأناً وطنياً خاصاً بقطر من الأقطار، وليس دين الأمة بكاملها، وما يمسه ويجرحه فهو يمس كل مسلم، ويطعنه في أعمق مشاعره «وحقوقه» الأولية. ولنا أن نتخيل هذا الطعن الوارد في تقرير صادر عن الأمم المتحدة موجه إلى المسيحية أو اليهودية، فماذا سيكون رد الفعل على مثل ذلك الطعن؟ بل إننا نقطع بأن مثل هذا السؤال مجرد فرض وهمي، إذ أن أحداً في المنظمة الدولية لا يجروء ولا يجول بخاطره أن يتعرض، ولو من بعيد، إلى اليهودية أو المسيحية، ولا حتى عباد البقر، فهل صحيح أن الإسلام هو الدين المستباح عند المنظمة الدولية، في عقيدته التي تطعن «بدم بارد» في أصولها، ويكابرون في مجرد تقديم اعتذار، وحتى إنسانه الذي يذبح في مسجده ومصلاه بالجملة ومع ذلك تعاند المنظمة أو بعض كبرائها في إدانة المجرمين وحماتهم، وتتهرب من الالتزام «بحق الإنسان الفلسطيني المسلم» في أن «يعيش» ، وتحرمه من «الحماية» ضد مسلحين يحملون براكين مكبوتة، من الحقد والمرارة والعنصرية ضد كل ما هو عربي أو مسلم! هل أصبح الإسلام هو الدين المستباح في عالم اليوم؟ وهل أصبح طموح المسلمين في كل مكان أي يطالبوا بإقامة «مناطق أمنة» لعقيدتهم التي تنتهك بصورة شبه اعتيادية وعلى مختلف الأصعدة من المنظمات الدولية إلى كتاب وفنانين يحظون بمباركة وحماية أكبر زعامات العالم السياسية وحتى بيوت الأزياء والموضة؟ ! ما الذي يراد بالضبط من المسلمين هذه الأيام؟ وما معنى هذا المسلسل المتوالي من الاستفزاز والاستثارة المدعم بتيار إعلامي لا ينقطع مدده من دعاوى «الإرهاب الإسلامي» ! والتطرف الإسلامي! والخطر الإسلامي! وأي شراك خبيثة تلك التي تنصب للمسلمين اليوم في غير مكان وناحية؟ ! * * * خبر.. أصدر البرلمان التركي قراراً برفع الحصانة البرلمانية عن النائب «حسن ميزارتش» من «حزب الرفاه» الإسلامي، ثم ألقت قوات الأمن ... القبض عليه بعد صدور قرار باعتقاله، والتهمة «إهانة ذكرى مصطفى كمال أتاتورك» ! انتهى الخبر، وانتهت معه وبه افتتاحية العدد.

стр. 1684

في إشراقة آية [ادخلوا في السلم كافة] [*] د. عبد الكريم بكّار إن المراد بـ «السّلم» هنا: (الإسلام) على ما رجّحَه عدد من المفسرين وإن (كافّة) حال من (السّلم) على ما نرجحه، ويكون المراد آنذاك: الأمر بالأخذ بتكاليف الإسلام جميعها: ما تميل إليه النفس منها، وما يخالف هواها. وتصرح الآية الكريمة بأن في عدم الأخذ بالإسلام كاملاً نوعاً من اتباع الشيطان، حيث إن المنهج الرباني يباين السبل الأخرى في فلسفتها العامة، وإن التفريط بشيء من ذلك المنهج سيكون فيه اتباع (آلي) لسبيل الشيطان حيث لا يوجد خيار ثالث. ويمكن أن نستبصر في إشراقة هذه الآية المباركة المفردات التالية: ١- إن المنهج الرباني يتسم بسمتين أساسيتين هما: التكامل والتفرد فهو نظراً لتكامله لا يفسح المجال لعناصر أخرى منافية لجوهره، وأما تفرده عن المناهج الأخرى فإنه يمنحه نوعاً من الحساسية الخاصة التي تجعل أي انحراف عنه أو به عن مقاصده وغاياته بالغ الضرر على أدائه وإصلاحه للشأن الإنساني كله، فالصفاء الكلي ليس مطلباً من مطالب الإيمان النظري، ولكنه مطلب من مطالب توظيف المنهج ورسم دوائر حيويته وفاعليته، وذلك نظراً للعلاقة الجدلية بين النظرية والتطبيق، فسلامة الإيمان على مستوى الاعتقاد تتأثر إلى حد بعيد بالأخذ الجزئي للإسلام على مستوى التطبيق! . وقد حذّر القرآن الكريم النبي- ﷺ -من مطاوعة المشركين في الإعراض عن بعض المنهج الرباني حين قال: [وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك] [١] . ٢- إن خصال الخير في هذا الدين كثيرة، وعلى مقدار ما يأخذ المسلم منها يكون كمال إيمانه وإسلامه، لكن بما أن العمر محدود والطاقات محدودة فإن على المسلم إذا أخذ بعُمُد الإسلام، واهتدى بهديه العام، وقبس من كمالاته، أن يبحث عن المجال الحيوي المناسب لاستعداداته وظروفه وطاقاته كي يتخذ منه محراباً لتعبده وتقربه إلى الله تعالى، حتى نحفظ للمجتمع الإسلامي توازنه ونسد ثغراته. ومن هنا فإن عبادة طالب العلم محاولة النبوغ، وإتقان التخصص حتى نحقق للأمة الاكتفاء الذاتي ولو في حده الأدنى على الصعيد العلمي والفني وعبادة علماء الشرع القيام بالتبليغ وإحياء السنن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجديد وظائف التدين والتبصر في واقع الأمة، وإن عبادة الحكام إقامة العدل، ورعاية شؤون الأمة، وحماية البيضة، والتعفف عن الأموال العامة ونشر الدعوة، وعبادة الجندي دوام التمرس بفنون القتال، واستيعاب الأسلحة الجديدة واستشراف الشهادة، والاستعداد الدائم للبذل والفداء، وإن عبادة الأغنياء وذوي الجاه سد حاجة الفقراء ومساعدة الضعفاء على حل مشكلاتهم والوصول إلى حقوقهم، والبذل في تشييد المرافق العامة، وهكذا ... وإن خروج كل واحد من هؤلاء عن مجاله الحيوي سيحرمه، ويحرم الأمة من خير عظيم، بل قد يؤدي إلى أضرار بالغة وخيمة العواقب، فإذا صار هم العالم امتلاك المال بنية إعمار المساجد مثلاً تقلصت جهوده في ميدانه الحقيقي الذي ينبغي عليه المجاهدة فيه، وإذا انشغل الحاكم بأعمال خيرية أو أداء النوافل عن واجباته الأخرى، لم يكن ذلك موضع مدح ولا نفع ذي شأن للأمة المسلمة، وهكذا ... وهذا كله يحتاج إلى نوع من البصيرة النافذة بغية وضع الأمور في نصابها. ٣- إن أنظمة الإسلام يكمل بعضها بعضاً، كما يفعّل بعضها بعضاً ومن ثم فإن أي خلل أو ضعف في نظام من تلك الأنظمة يؤثر بالسلب على أداء باقيها، وهذا يعود إلى ما ذكرناه آنفاً من ميزة (التكامل) التي يمتاز بها المنهج الرباني، ونظراً لأهمية هذه المسألة وضعف الإدراك لها سنفيض القول فيها عسى أن نشعر أننا نقف على أرض صلبة. وفي البداية فإن مبادئ الإسلام ومنظوماته المختلفة تنضوي تحت رؤية واحدة مما يجعل التخلي عن أي منها هدماً لجزء من الرؤية الكونية الإسلامية ويستوي حينئذ على الصعيد العملي على الأقل الجهل بذلك الجزء مع تجاهله أو جحده، والنتيجة واحدة، وهي غبشٌ في الرؤية على المستوى النظري، واختلال في التوازنات العميقة على مستوى الشعور، واضطراب أنظمة الحياة الإسلامية على مستوى الفعل والواقع المُعَاش، وسنضرب العديد من الأمثلة لجلاء هذه الحقيقة. أ- الزكاة جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي، وعدم القيام بهذه الشعيرة يؤدي إلى عدم كفاءة النظام الاقتصادي، كما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنظام الاجتماعي والأخلاقي أيضاً، فالمقدار المفروض من الزكاة في الأموال وعروض التجارة هو ٢. ٥%، وهذا القدر كاف لسد العديد من حاجات المجتمع الإسلامي على مقتضى الحكمة الإلهية البالغة، لكن ذلك سيكون في الأحوال العادية والطبيعية وفي غير الأحوال الطارئة كما في حالات الزلازل والفيضانات، وذلك أيضاً فيما إذا التزم أغنياء المسلمين بإخراجها، وإذا استمر ذلك الالتزام حقبة مناسبة من الزمن، فلو قدرنا أن ١٠% من الأغنياء أخرجوا الزكاة وأن التزامهم بأدائها في مجتمع ما لم يمض عليه سوى سنتين، فإن الزكاة آنذاك لا تقوم بمهامها على الوجه المطلوب، حيث إن الحالتين اللتين ذكرناهما تجعلان الفقر يتراكم ويتفاقم إلى الحد الذي لا تفي أموال الزكاة بالتخلص منه. ثم إن نظام الزكاة يؤدي مهامه في ظل فعالية الأنظمة الأخرى، فإذا كانت موارد القطر شحيحة جداً، أو كان النظام السياسي فيه مختلاً، وأدى ذلك إلى انتشار البطالة والعطالة عن العمل، فإن نظام الزكاة بالتالي لا يوصلنا إلى الأهداف المنشودة منه. وباعتبار الزكاة جزءاً من النظام الاقتصادي الإسلامي، فإنها أيضاً لا تؤدي وظائفها إلا بفاعلية النظام الذي تنتمي إليه، فمثلاً: (القرض الحسن) جزء من ذلك النظام، وإعراض الدولة أو الشعب عنه يؤدي إلى نوع من تعطيل حركة المال وتداوله، وبالتالي إلى ضعف حركة التنمية والاستثمار مما يفضي أيضاً إلى قلة فرص العمل وكثرة الفقراء والمعوزين. ومرة أخرى فإن فاعلية نظام الزكاة ترتبط جزئياً بقيام الدولة بواجباتها من ضمان الحد الأدنى من المعيشة للفقير بالقدر الذي يحفظ كرامته، ويجعله في وضع منتج مثمر، فإذا عجزت الدولة عن ذلك أو قصرت فيه، فإن آلية (نظام السوق) ستوجد شريحة واسعة من المحتاجين الذين لا يمكن أن تقوم بهم أموال الزكوات والنذور والكفارات ... وينفعل كل ذلك ويتأثر بقوة النظام القيمي وفاعليته، فإذا كان نشطاً اندفع الناس إلى التطوع بكثير من الأعمال الخدمية واندفع كثير من الفقراء إلى العمل والحركة مع حسن التدبير والتعفف عن أموال الآخرين مما يخفف من غلواء الحاجة. ب- الضبط الاجتماعي في الإسلام يقوم على ركنين أساسيين: الأسرة والمجتمع العام بما فيه من وسائل تثقيف وتعليم ورقابة ... وإن الخلل في أي من هذين الركنين سيؤدي إلى شيوع الخلل في أداء الركن الآخر. وواضح أن مهمة الأسرة أن تصقل الفرد من داخله بما تغرسه من قيم وآداب وبما تخطه في ذهنيته ومشاعره من خطوط عميقة، كما أن مهمة المجتمع الأرحب القيام بالرقابة على تشجيع القيم الإيجابية وحماية أفراده من السقوط فيما يعتبر أعمالاً مشينة أو مُخلة. والحالة النموذجية في هذا تتجلى في عموم الإيمان بالقيم والنظم، وتوحد التربية الفردية مع معايير الضبط الاجتماعي على مقتضى ذلك الإيمان، فإذا ما افترضنا الاختلاف بين القيم الأسرية والقيم التي يبثها الإعلام أو تلقنها المدرسة أو يشيعها الشارع، فإن النتيجة هي تمزق شخصية الطفل بين مختلف هذه المؤثرات، وحينئذ فإن التربية الأسرية تتعرض للخطر من قبل المجتمع الأوسع أو يأتي الخطر مما تواضع عليه من قبلها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الطفل يُخفي في البيت ما تلقفه من المدرسة أو الشارع، ويُخفي فيهما ما لُقنه في البيت، والنتيجة هي الازدواجية والحيرة وانطفاء الفاعلية، أي إجهاض عمل الجهات التربوية المختلفة، وترك الناشئ لموجات الظروف. ج- الحدود في الإسلام وسائل للردع، وهي بمثابة العمل الجراحي الذي يأتي ترتيبه في التطبب متأخراً، وتؤدي الحدود مهماتها في مجتمع تعمل فيه باقي الأنظمة بكفاءة من نحو الاستقرار والعدل وتوفر فرص العمل المناسبة وانعدام المغريات بالفاحشة وانسجام التربية البيتية مع معايير الضبط الاجتماعي وانتشار العلم ... وإذا ما فرضنا وقوع خلل فيما سبق أو بعضه، فإن كفاءة الحدود في توفير الأمن للمجتمع سوف تتراجع على مقدار القصور الحاصل في الأنظمة الأخرى، وهذا كله يجعل مسؤولية أمن المجتمع واستقراره مسؤولية عامة يتحملها كل فرد في المجتمع، كما تتحملها الدولة على مقدار المكنة والتخصص. ٤- إذا كانت أنظمة الإسلام متفردة في رؤيتها الكونية وفي منطلقاتها وأهدافها، فإن مما يضر بتماسكها الداخلي إدخال العناصر البعيدة عن طبيعتها عليها، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ (التلفيق) ، وإن الثقافة الإسلامية تقبل من الجديد ما ينشط وظائفها، أو يوظف مبادئها، أو يملأ فراغات وهوامش أوجدتها خاصية المرونة فيها، فإذا تجاوز الأمر ذلك إلى الجوهر والأنظمة الأساسية، فإن النتيجة هي ضرب التوازنات العميقة لتلك الثقافة مما يجعلها تنكمش كما هو الكائن الحي حين يُهاجَم وتفرز نوعاً من العطالة الضرورية كيما تحافظ على وجودها وانسجامها. وإن ثقافتنا الإسلامية تمر بمرحلة عصيبة لا سابق لها في تاريخها المديد حيث يمتلك زمام تثقيف الأمة أناس كثيرون يجهلون ثقافة الأمة، بل إنهم رضعوا لبان الثقافة المعادية، ولسنا هنا بصدد بيان ذلك ولا أسبابه، لكن ما نشاهده اليوم من عمليات التلفيق والتهجين الثقافي كان حصاد مراحل الركود الفكري والحضاري بصورة عامة، وإذا كان التجديد سنة من سنن الكائن الحي فإنه إذا لم يتوَل التجديد أهله تولاه غيرهم، فالإنسان بطبعه لا يصبر على طعام واحد، وهو يستهلك الشعارات والأفكار والنظم الصغرى، فإذا لم نقم بإثراء ثقافتنا بالدراسات والخبرات وتجديدها وتحريرها من عوادي الانحراف والجمود والتقليد فعل ذلك من لا يُحسنه، وصار الانسجام والتجديد عبارة عن سمات ظاهرة جوفاء، أما الجوهر فيشوبه التناقض والتآكل الداخلي. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 1685

مقال دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتثبيت الأمن بمفهومه الشامل فهد بن ناصر الجديد تمهيد: الدعوة السلفية بنجد التي يرميها شانئوها زوراً الوهابية بقصد التنفير منها وادعاء أنها دعوة مبتدعة، هي دعوة إصلاحية، ودعوة لتصحيح العقيدة الإسلامية التي انحرفت عن النهج الحق بفعل الاتجاهات الصوفية والبدعية بوجه عام، وبخاصة في القرون الأخيرة، ومما يؤسف له أنه مازالت بعض الاتجاهات البدعية تناصب هذه الدعوة العداء بدون وجه حق، لكن الحق أبلج وأكبر من أن تقف في وجهه المعوقات، فقد بُينت حقيقة هذه الدعوة وكتب عنها، وقرظها الكثير من العلماء على مستوى العالم الإسلامي منهم (مسعود الندوي من الهند والشيخ بهجت الأثري من العراق، والشيخ رشيد رضا من مصر، والشيخ علي الطنطاوي من الشام وغيرهم) ، وهذه المقالة تتحدث عن جزئية خاصة من الآثار الإيجابية لهذه الدعوة. -البيان - يعتبر الأمن من العناصر الأساسية التي تستقر عليها الدول، وتقوم عليها الحضارات، ولا يمكن أن يتحقق الأمن بمفهومه الشامل إلا عندما تتحقق عبودية الإنسان لربه، يقول الله تعالى: [ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراْ] [١] . والجزيرة العربية وهي مهبط الوحي ومبعث الرسالة الخالدة، لا يمكن أن تقوم بها حضارة إلا في إطار من الشريعة الإسلامية، ولا يمكن لأهلها أن ينعموا بالأمن والاستقرار إلا تحت راية التوحيد. ومع إشراقة العصر الحديث ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قلب الجزيرة العربية، واستطاع بفضل الله أن يوحدها تحت قيادة إسلامية واحدة؛ لذا جاء الاهتمام بدراسة هذه الدعوة المباركة وأثرها في جانب من أهم جوانب الحياة الأساسية ألا وهو الأمن، وقبل البدء في هذا الموضوع لابد من ذكر لمحة موجزة عن الحالة الأمنية قبل تلك الدعوة، ومدى ما وصلت إليه الحال من التدهور والاضطراب آنذاك. الحالة الأمنية قبل الدعوة: اضطربت الحالة الأمنية في الجزيرة العربية بسبب انهيار وانحراف الحالةالعقدية «فكانت البلاد تعيش في ظلام دامس بين عدو يأخذها بالقهر وبين صديق يأخذها بالغزو» [٢] ، ولمعرفة ما وصل إليه الحال يمكن ذكر المثالين التاليين: المثال الأول: ذكر المؤرخ ابن بشر عن أحداث سنة ١١٢٠هـ قوله «وفيها قتل حسين بن مفيز صاحب (التويم) البلد المعروف في ناحية سدير، قتله ابن عمه فايز بن محمد وتولى بعده في (التويم) ، ثم إن أهل حرمه ساروا إلى التويم، وقتلوا فايزاً المذكور وأمروا في البلد فوزان بن مفيز [٣] ، ثم غدر ناصر بن حمد بفوزان فقتله، فتولى في (التويم) محمد بن فوزان، فتمالأ عليه رجال وقتلوه منهم المفزع وغيره من رؤساء البلد وهم أربعة رجال، فلم تستقم ولاية لأحدهم فقسموا البلد أربعاً كل واحد شاخ في ربعها» أي صار شيخاً [٤] . المثال الثاني: ما جرى لبلدة العيينة عندما أصابها المرض الخطير في عام ١١٣٩هـ وأفنى الكثير من أهلها، ومات أميرها عبد الله بن معمر، وتولى بعده حفيده محمد بن أحمد، فاجتمع كلٌ من أمير الدرعية زيد بن مرخان وفايز السبيعي ومعهم أربعون رجلاً، وليتهم قرروا تقديم المساعدة لتلك البلدة المنكوبة، لكنهم قرروا الهجوم عليها ونهب خيراتها، فلما علم أميرها الجديد أرسل إلى زيد بن مرخان قائلاً: «ما ينفعك نهب البوادي وغيرهم لنا، وأنا أعطيك وأرضيك وأقبل إلى أكلمك من قريب وأناجيك» [٥] . فلما قدم زيد ورجاله وجلسوا إذا برصاصة تستقر في جسمه بتدبير من ابن معمر، فمات من فوره، وتفرق رجاله داخل البيت. دعائم توطيد الأمن: لقد سار الشيخ وبمؤازرة الأمير محمد بن سعود على النهج الذي سار عليه السلف الصالح في توطيد الأمن بمفهومه الشامل في المجتمع فلم يحصر معالجة الخطأ على الانحراف الشخصي للفرد، وإنما امتد الإصلاح إلى انحراف المجتمع الذي مهد لانحراف الفرد؛ لذلك جاءت دعائم الأمن مرتكزة على ثلاثة أسس [٦] لا مناص عنها، وهي: *تربية الفرد. *إصلاح الأوضاع القائمة. *إقامة الحدود. تربية الفرد: اهتم الشيخ بأن يتكون في الفرد وازع ديني يحول بينه وبين الوقوع في الجريمة، فكان التوحيد الخالص من شوائب الشرك أول أمر دعا إليه حتى تتحقق عبودية الفرد لربه، فإذا علم الإنسان أن الله هو الخالق الرازق (توحيد الربوبية) فلا يفكر في الحصول على مغنم بوسائل غير مشروعة، وإذا تيقن الإنسان أن الله هو المعبود بحق (توحيد الألوهية) فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوجه العبادة من دعاء أو استعانة أو استغاثة أو ذبح أو نذر إلا لله وحده، وإذا علم الإنسان أن الله العليم الخبير المطلع على سرائر الأمور (توحيد الأسماء والصفات) فلا تراوده نفسه الإقدام على الجريمة، لذا قام الشيخ بتأليف كتابه المشهور «كتاب التوحيد» [*] . ولم تكن التربية قاصرة على طبقة دون أخرى، بل شملت كل طبقات المجتمع حتى كبار السن والعامة، حيث قام بتأليف رسالة موجزة في العقيدة تعرف بالأصول الثلاثة جاءت على طريقة الحوار وهي مفيدة جداً. وأما في مجال التربية بالقدوة فقد حرص الشيخ على التأسي بهدي المصطفى- ﷺ -في جميع أفعاله، فقام باختصار كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن القيّم، مع إبراز العبر والعظات، كما قام باختصار السيرة النبوية وربط المعتقدات الباطلة في عصره بالجاهلية الأولى. وقد حرص الشيخ على ضرب الأمثلة بذكر قصص السابقين لما للقصة من أثر بالغ في التربية كما ذكر في كتاب «التوحيد» قصة الرجلين الذين قدم أحدهما قرباناً لصنم قوم عندما مروا عليهم فخلوا سبيله، وامتنع الآخر فكانت حياته ثمناً لامتناعه فدخل الجنة، وكذلك قصة الأقرع والأبرص والأعمى. وقد أكد الشيخ على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد المعرفة والفهم «لأن الإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله» [٧] ، ومما قال أيضاً في ذلك: «وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاثة أمور: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، وأن يكون رفيقاً فيما يأمر به وينهى عنه، صابراً على ما جاءه من الأذى» [٨] . ومن وسائل التربية ما يلي: * بعث الدعاة والعلماء إلى البلدان التي انضمت إلى رحاب الدعوة، مثل إرسال الشيخ محمد بن صالح إلى بلدة منفوحة، والشيخ عيسى بن قاسم إلى بلدة الرياض، والشيخ أحمد بن سويلم إلى بلدة ثادق والشيخ حمد العريني إلى بلدة اليمامة، وجمع من العلماء إلى منطقة الإحساء، والشيخ عثمان أبا حسين ثم الشيخ قرناس بن عبد الرحمن إلى بوادي حرب. * إرسال الرسائل إلى بعض البلدان لتوضيح حقيقة دعوته، مثل رسالته إلى أهل القصيم، ورسالته إلى فاضل بن مزيد رئيس بادية الشام، ورسالته إلى عبد الرحمن السويدي أحد علماء العراق، ورسالته إلى البكيلي صاحب اليمن، ورسالته إلى أهل المغرب. * إقامة المناظرات العلمية مع علماء المسجد الحرام في مكة المكرمة عندما تم إرسال كل من الشيخ عبد العزيز الحصين في عام ١١٨٤هـ والشيخ حمد بن معمر في عام ١٢١١هـ. * تدريس كتاب «كشف الشبهات» [**] في بيت الله الحرام (بعد دخول السعوديين مكة المكرمة) في عام ١٢١٨هـ. إصلاح الأوضاع القائمة: لقد فطرالله الكائن البشري على صفات عديدة منها أنه لا يمكن أن يعيش مستقلاً بذاته، بل لابد له من العيش بين أفراد ومجتمعات، فإذا كانت تلك المجتمعات غير صالحة، فلا يمكن للفرد مهما بلغ صلاحه أن ينعم بالأمن في ظلها، لذا حرص الشيخ على إصلاح الأوضاع القائمة حتى يحافظ الفرد على صلاحه، ومن الأوضاع التي تم إصلاحها ما يلي: إصلاح الوضع الاجتماعي. إصلاح الوضع السياسي. إصلاح الوضع الاقتصادي. إصلاح الوضع الاجتماعي: حرص الشيخ على تقوية الترابط الأسري في المجتمع ببيان حقوق كل من الرجل والمرأة حتى يسود الأمن الاجتماعي بينهما، فقد وجد في بعض المجتمعات النجدية آنذاك من ينظر إلى المرأة نظرة ازدراء وتنقص، فيوقفون أوقافاً يتحايلون بها لمنع المرأة حقها الشرعي في الميراث، ويزعمون أن ذلك قربة إلى الله، ومن ذلك ما ذكره الشيخ في بعض رسائله قائلاً: «من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر تغيير شرع الله ودينه والتحايل على ذلك بالتقرب إلى الله، وذلك مثل الأوقاف هذه.. إذا أراد الرجل أن يحرم من أعطاه الله من امرأة أو ابن أو نسل بنات أو غير ذلك، أو يعطي من حرمه الله أو يزيد أحداً أكثر مما فرض الله أو ينقصه من ذلك يريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعداً عن الله، فالأدلة على بطلان هذا الوقف ووجوب عودته وقسمته حسب ما قسم الله ورسوله أكثر من أن تحصر» [٩] . إصلاح الوضع السياسي: كانت المنازعات على السلطة بين أفراد الأسر الحاكمة من الأمور المتفشية في بلدان الجزيرة العربية، وكان غالباً ما يصل الأمراء إلى الحكم عن طريق القوة والاغتيال، وقليل من يصل سليماً [١٠] كما أسلفنا. لذا تعين لدى الشيخ أن السياسة الشرعية في بناء البيئة الإسلامية وهدم البيئة الجاهلية تقتضي البحث عن أمير [١١] يقتنع بصحة الدعوة ويجاهد لأجلها. كما اقتضت السياسة الشرعية لدى الشيخ أن يتم تعيين الأمير كما يتم تعيين الإمام للصلاة لكل بلدة تنضم إلى رحاب الدعوة، ومن ذلك ما ذكره مؤرخا الدعوة ابن غنام وابن بشر: * تعيين مبارك بن عدوان أميراً على بلدة حريملاء في عام ١١٦٨هـ. * تعيين دخيل بن سويلم على بلدة ثادق في عام ١١٧٠هـ. * تعيين سليمان بن عفيصان أميراً في بلدة الدلم في عام ١١٩٠هـ. * تعيين عبد الله بن جلاجل في منطقة سدير عام ١١٩١هـ. * تعيين زيد بن عريعر في منطقة الإحساء عام ١٢٠٤هـ. ... * تعيين هادي بن قرملة رئيساً على بوادي قحطان. * تعيين كلاً من عبد الوهاب بن عامر وفهاد بن شكبان وطامي بن شعيب أمراء في منطقة الجنوب. * تعيين الشريف عبد المعين أميراً في مكة المكرمة عام ١٢١٨هـ، ثم تعيين الشريف غالب في عام ١٢٢٠هـ. إصلاح الوضع الاقتصادي: تأكد لدى الشيخ أن وقوع الجريمة ليس دائماً بسبب الفرد كما يبدو ظاهراً وإنما هناك سبب حقيقي دفعه إلى اقترافها، «والمصادر المتوفرة عن تلك الفترة توحي بأن الظلم كان الصفة العامة لأمراء البلدان» [١٢] . لذا اهتم الشيخ بالإصلاح الاقتصادي حتى يسود الأمن الاقتصادي في الأمة، وأعظم ما قام به في ذلك المجال المعاهدة أو البيعة التي تمت بينه وبين أمير الدرعية (محمد بن سعود) ، حيث نص البند الثاني على التخلي عن خراج الثمار الذي كان يؤخذ من أهلها [١٣] ، ولقد أثبتت الأحداث الجسام بعد تلك البيعة اقتناع أمير الدرعية بالدعوة ودفاعه المستميت عن مبادئها إقامة الحدود: إن الهدف الأساسي من إقامة الحدود قائم على أساس حماية الضروريات الخمس التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، وهي: الدين، والنفس، والعقل والعرض، والمال، فبعد تأمين الحاجز الداخلي لدى الفرد بالتربية الصالحة، وبعد تأمين الحاجز الخارجي المحيط بالفرد المتمثل في إصلاح الأوضاع القائمة، تأتي المرحلة الثالثة في حماية المجتمع، وذلك بإقامة الحدود، وعلى هذا الأساس يتبين أن العقوبة ليست قائمة على التشفي والانتقام، وإنما على الردع والزجر، يقول رسول الله- ﷺ (حد يقام في الأرض خير من المطر لأهلها أربعين صباحاً «رواه ابن ماجة) [١٤] ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:» وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة فإذا أقيمت الحدود وظهرت طاعة الله ونقصت معصية الله حصل الرزق والنصر « [١٥] . ومن الحدود التي تم تنفيذها رجم الزانية في بلدة العيينة في عام ١١٥٧هـ. ولم تكن الحدود مقتصرة على الأفراد فحسب بل امتدت إلى الجماعات ومن ذلك ما ذكر ابن بشر: * أرسل الأمير سعود على رأس قوة عسكرية إلى منطقة الإحساء في عام ١٢١٠هـ لإقامة الحدود على المخلين بالأمن. * أرسل الأمير سعود قوة عسكرية في عام ١٢١٩هـ إلى بوادي الظفير بعد أن تأكد تهاونهم عن الصلوات المفروضة، إضافة إلى إيوائهم لبعض المبدلين لدين الله. ثمار الدعوة من الناحية الأمنية: لقد جنى أهل الجزيرة ثمار تلك الدعوة المباركة في توطيد الأمن بمفهومه الشامل، واطمأن الناس على سلامة عقيدتهم من الأفكار المنحرفة المنتشرة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، وأمنت قوافل الحجيج القادمة من مختلف بقاع العالم الإسلامي، وكان إيراد عمال الزكاة وأخماس الغنائم الذين يقدمون إلى الدرعية، يتخذون تلك الأموال أطناباً لخيامهم إذا جن الليل عليهم لا يخافون إلا الله [١٦] . وقد اتخذ الإمام عبد العزيز بن محمد رعية إبل لحفظ الضوال منها فمن وجد إبلاً ضالة في أي بقعة من الجزيرة أتى بها إلى الدرعية وأخذ المكافأة المعدة له [١٧] ، وعلى من ضاعت له إبل أن يقدم إلى تلك الرعية فإذا عرفها أتى بشاهدين أو شاهد ويمينه ثم يأخذها، وربما يأخذ الواحدة اثنتين بسبب التناسل والتكاثر [١٨] ، وذات مرة حاول نفر من الأعراب وهم جياع أن يأخذوا عنزاً ضالة ويذبحوها ويأكلوها، فلم يتقدم لها أحد، وعندما ألحوا على أحدهم أجاب قائلاً:» والله لا أنزل إليها، ودعوها فإن عبد العزيز يرعاها « [١٩] .
следующие страницы →