كلمة صغيرة
ديمقراطياتهم الزائفة
تدعي كثير من الدول العربية والإسلامية التوجه الديمقراطي وتخادع شعوبها
والعالم بأسره لأنها تتناقض مع ما تعيشه تلك البلدان من واقع مؤلم من كبت للرأي
ومن مصادرة لأي توجه معارض ولاسيما إن كان إسلامياً. فإنه سيوضع حينئذ مع
قائمة المواد الممنوعة فهم ما بين مسجون أو مطارد أو مشنوق، لا لشيء إلا
لمطالبتهم بتحكيم شريعة الله.
ومن العجيب أن تلك الدول يتسنم رؤساؤها زعامة الحزب الحاكم، فعند أي
انتخاب النتيجة المعروفة سلفاً ٩٩% وربما خجلوا من المعارضة المسموعة في
العالم فأعطوا المعارضة نسبة محدودة, والويل كل والويل لمن يعارض، فأول
جزاء سحب حصانته وربما ضرب بالنعال وأخرج غير مأسوف عليه..
هذه ديمقراطيات القوم ولذلك لا يستغرب أن تكون تلك الحكومات محل رضا
العالم الغربي لا لشيء إلا لأنها وقفت وبكل صفاقة في وجه التيار الإسلامي الذي
يشكل بعبعاً لهم ولأسيادهم.
ولله الأمر من قبل ومن بعد ....
стр. 1683
الافتتاحية
أيها المسلمون:
إلى متى هذا الهوان ..؟
واقعة مثيرة حدثت في الأسابيع الماضية لكنها تُجُوهلَتْ، لا أظنها تقل خطراً
وجلالاً عن واقعة مذبحة الخليل الشهيرة، وما أعقبها من تخاذل غير مستغرب على
هيئة الأمم ومؤسساتها، في إصدار قرار عادل يدين الجريمة ويحدد سبل حماية
المواطنين الفلسطينيين العُزل من «جنون» المستوطنين اليهود المسلحين وأعوانهم
في جهاز الشرطة وجيش الإحتلال الصهيوني.
والشعور العام، في أوساط الإعلام العربي خاصة، بحجم الخطر الذي تمثله
الواقعة الجديدة، أوقع الإعلام العربي في زلل فاحش، حين تعمد إخفاء معالم تلك
الواقعة، وحاول التعتيم على صلب موضوعها، بإثارة الكثير من الغبار حول
شكليات وملحقات لا تمت للموضوع الأصلي «الخطير» بصلة.
والشعور العام، في أوساط المؤسسات «القومية» العربية، والإسلامية
بحجم «الجريمة» التي اقترفتها الأمم المتحدة بحق الإسلام وشريعته، كان أيضاً
سبباً في التجاهل «المريب» من هذه المؤسسات وأجهزتها، لمعطيات الواقعة
رغم أنه طلب رسمياً من الجامعة العربية تحديداً إصدار بيان واضح يدين هذا
العدوان، ويطالب باعتذار علني للمسلمين، ولكن الجامعة جعلت كما يقولون أذناً
من طين وأذناً من عجين، ولا من رأى ولا من سمع.
* * *
القصة بتمامها، أن الأمم المتحدة عينت في العام الماضي، المدعو «كسبار
بيرو» مقرراً خاصاً لحقوق الإنسان في السودان، وقد نشط «بيرو» في
إعداد تقرير كامل عن أوضاع «حقوق الإنسان» في السودان، جاء مليئاً
بالاتهامات للحكومة السودانية في مختلف المجالات، وليس هذا بالمهم، فهذا شأنهم
وشأن السودان، ولكن ما هو ليس شأناً سودانياً بل هو شأن إسلامي عام يخص كل
مسلم على وجه الخصوص، أن مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان كتب في تقريره
مهاجماً الشريعة الإسلامية، ومعتبراً أحكامها في الحدود والقصاص إهداراً لحقوق
الإنسان الأساسية، ثم لم يقف التقرير عند هذه الإهانة لدين الإسلام، بل ذهب إلى
الهجوم على ممارسة «الدعوة إلى الإسلام» في المناطق الوثنية وغيرها، واعتبر
ذلك «انتهاكاً» لحقوق الإنسان، إضافة إلى هجومه على استعمال اللغة العربية
لغة أولى للتعليم في السودان، معتبراً ذلك خرقاً لحقوق الإنسان.
* * *
في أعقاب هذه «الفضيحة» ناشد السودان الأمم المتحدة سحب الفقرات
الخاصة بالطعن في الإسلام وشريعته، وطلب اعتذاراً «للمسلمين» عن هذا الجرم
في حق دينهم، بيد أن الأمم المتحدة رفضت بإصرار تحقيق هذا الطلب
«البدهي» بل إن الولايات المتحدة تقدمت بمشروع قرار يوصي بقبول تقرير ... «كسبار بيرو» بل وإمعاناً في الاستهتار، يوصي بمد خدمته في السودان عاماً آخراً، أيضاً المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، دافع عن تقرير
«بيرو» واعتبر أن «الحريات الأساسية» أهم من «الخصوصيات
الإقليمية» ، ولعله استحى أن يقول «الدينية» ، وعلى كل حال فكل ما لا يقل إجراماً عن تقرير «بيرو» ، حيث يكون «مفهوم الإنسان الأوربي» عن الحريات، أقدس وأجل من دين الإسلام وشريعته بل ويلزم الإسلام بالخضوع للمقررات الأوربية في ذلك.
* * *
وكما قدمنا، الإعلام العربي تجاهل الواقعة على خطرها ومن تعاطى معها
حاول إخفاء صلب الواقعة، وجوهر الجريمة، وصور الخبر على أنه نزاع بين
السودان والأمم المتحدة في شأن إهدار حقوق الإنسان في السودان كذلك
«المؤسسات القومية» ، تجاهلت هذا العدوان على الإسلام، وكأن الإسلام وشريعته أصبحتا شأناً وطنياً خاصاً بقطر من الأقطار، وليس دين الأمة بكاملها، وما يمسه ويجرحه فهو يمس كل مسلم، ويطعنه في أعمق مشاعره «وحقوقه» الأولية.
ولنا أن نتخيل هذا الطعن الوارد في تقرير صادر عن الأمم المتحدة موجه إلى
المسيحية أو اليهودية، فماذا سيكون رد الفعل على مثل ذلك الطعن؟ بل إننا نقطع
بأن مثل هذا السؤال مجرد فرض وهمي، إذ أن أحداً في المنظمة الدولية لا يجروء
ولا يجول بخاطره أن يتعرض، ولو من بعيد، إلى اليهودية أو المسيحية، ولا
حتى عباد البقر، فهل صحيح أن الإسلام هو الدين المستباح عند المنظمة الدولية،
في عقيدته التي تطعن «بدم بارد» في أصولها، ويكابرون في مجرد تقديم اعتذار، وحتى إنسانه الذي يذبح في مسجده ومصلاه بالجملة ومع ذلك تعاند المنظمة أو
بعض كبرائها في إدانة المجرمين وحماتهم، وتتهرب من الالتزام «بحق الإنسان
الفلسطيني المسلم» في أن «يعيش» ، وتحرمه من «الحماية» ضد مسلحين
يحملون براكين مكبوتة، من الحقد والمرارة والعنصرية ضد كل ما هو عربي أو
مسلم!
هل أصبح الإسلام هو الدين المستباح في عالم اليوم؟ وهل أصبح طموح
المسلمين في كل مكان أي يطالبوا بإقامة «مناطق أمنة» لعقيدتهم التي تنتهك
بصورة شبه اعتيادية وعلى مختلف الأصعدة من المنظمات الدولية إلى كتاب
وفنانين يحظون بمباركة وحماية أكبر زعامات العالم السياسية وحتى بيوت الأزياء
والموضة؟ !
ما الذي يراد بالضبط من المسلمين هذه الأيام؟ وما معنى هذا المسلسل
المتوالي من الاستفزاز والاستثارة المدعم بتيار إعلامي لا ينقطع مدده من دعاوى
«الإرهاب الإسلامي» ! والتطرف الإسلامي! والخطر الإسلامي! وأي شراك خبيثة تلك التي تنصب للمسلمين اليوم في غير مكان وناحية؟ !
* * *
خبر.. أصدر البرلمان التركي قراراً برفع الحصانة البرلمانية عن النائب
«حسن ميزارتش» من «حزب الرفاه» الإسلامي، ثم ألقت قوات الأمن ... القبض عليه بعد صدور قرار باعتقاله، والتهمة «إهانة ذكرى مصطفى كمال أتاتورك» !
انتهى الخبر، وانتهت معه وبه افتتاحية العدد.
стр. 1684
في إشراقة آية
[ادخلوا في السلم كافة] [*]
د. عبد الكريم بكّار
إن المراد بـ «السّلم» هنا: (الإسلام) على ما رجّحَه عدد من المفسرين وإن (كافّة) حال من (السّلم) على ما نرجحه، ويكون المراد آنذاك: الأمر بالأخذ بتكاليف الإسلام جميعها: ما تميل إليه النفس منها، وما يخالف هواها.
وتصرح الآية الكريمة بأن في عدم الأخذ بالإسلام كاملاً نوعاً من اتباع
الشيطان، حيث إن المنهج الرباني يباين السبل الأخرى في فلسفتها العامة، وإن
التفريط بشيء من ذلك المنهج سيكون فيه اتباع (آلي) لسبيل الشيطان حيث لا يوجد
خيار ثالث.
ويمكن أن نستبصر في إشراقة هذه الآية المباركة المفردات التالية:
١- إن المنهج الرباني يتسم بسمتين أساسيتين هما: التكامل والتفرد فهو نظراً
لتكامله لا يفسح المجال لعناصر أخرى منافية لجوهره، وأما تفرده عن المناهج
الأخرى فإنه يمنحه نوعاً من الحساسية الخاصة التي تجعل أي انحراف عنه أو به
عن مقاصده وغاياته بالغ الضرر على أدائه وإصلاحه للشأن الإنساني كله، فالصفاء
الكلي ليس مطلباً من مطالب الإيمان النظري، ولكنه مطلب من مطالب توظيف
المنهج ورسم دوائر حيويته وفاعليته، وذلك نظراً للعلاقة الجدلية بين النظرية
والتطبيق، فسلامة الإيمان على مستوى الاعتقاد تتأثر إلى حد بعيد بالأخذ الجزئي
للإسلام على مستوى التطبيق! .
وقد حذّر القرآن الكريم النبي- ﷺ -من مطاوعة المشركين في
الإعراض عن بعض المنهج الرباني حين قال: [وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا
تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك] [١] .
٢- إن خصال الخير في هذا الدين كثيرة، وعلى مقدار ما يأخذ المسلم منها
يكون كمال إيمانه وإسلامه، لكن بما أن العمر محدود والطاقات محدودة فإن على
المسلم إذا أخذ بعُمُد الإسلام، واهتدى بهديه العام، وقبس من كمالاته، أن يبحث
عن المجال الحيوي المناسب لاستعداداته وظروفه وطاقاته كي يتخذ منه محراباً
لتعبده وتقربه إلى الله تعالى، حتى نحفظ للمجتمع الإسلامي توازنه ونسد ثغراته.
ومن هنا فإن عبادة طالب العلم محاولة النبوغ، وإتقان التخصص حتى نحقق
للأمة الاكتفاء الذاتي ولو في حده الأدنى على الصعيد العلمي والفني وعبادة علماء
الشرع القيام بالتبليغ وإحياء السنن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجديد
وظائف التدين والتبصر في واقع الأمة، وإن عبادة الحكام إقامة العدل، ورعاية
شؤون الأمة، وحماية البيضة، والتعفف عن الأموال العامة ونشر الدعوة، وعبادة
الجندي دوام التمرس بفنون القتال، واستيعاب الأسلحة الجديدة واستشراف الشهادة،
والاستعداد الدائم للبذل والفداء، وإن عبادة الأغنياء وذوي الجاه سد حاجة الفقراء
ومساعدة الضعفاء على حل مشكلاتهم والوصول إلى حقوقهم، والبذل في تشييد
المرافق العامة، وهكذا ...
وإن خروج كل واحد من هؤلاء عن مجاله الحيوي سيحرمه، ويحرم الأمة
من خير عظيم، بل قد يؤدي إلى أضرار بالغة وخيمة العواقب، فإذا صار هم
العالم امتلاك المال بنية إعمار المساجد مثلاً تقلصت جهوده في ميدانه الحقيقي الذي
ينبغي عليه المجاهدة فيه، وإذا انشغل الحاكم بأعمال خيرية أو أداء النوافل عن
واجباته الأخرى، لم يكن ذلك موضع مدح ولا نفع ذي شأن للأمة المسلمة،
وهكذا ...
وهذا كله يحتاج إلى نوع من البصيرة النافذة بغية وضع الأمور في نصابها.
٣- إن أنظمة الإسلام يكمل بعضها بعضاً، كما يفعّل بعضها بعضاً ومن ثم
فإن أي خلل أو ضعف في نظام من تلك الأنظمة يؤثر بالسلب على أداء باقيها،
وهذا يعود إلى ما ذكرناه آنفاً من ميزة (التكامل) التي يمتاز بها المنهج الرباني،
ونظراً لأهمية هذه المسألة وضعف الإدراك لها سنفيض القول فيها عسى أن نشعر
أننا نقف على أرض صلبة.
وفي البداية فإن مبادئ الإسلام ومنظوماته المختلفة تنضوي تحت رؤية واحدة
مما يجعل التخلي عن أي منها هدماً لجزء من الرؤية الكونية الإسلامية ويستوي
حينئذ على الصعيد العملي على الأقل الجهل بذلك الجزء مع تجاهله أو جحده،
والنتيجة واحدة، وهي غبشٌ في الرؤية على المستوى النظري، واختلال في
التوازنات العميقة على مستوى الشعور، واضطراب أنظمة الحياة الإسلامية على
مستوى الفعل والواقع المُعَاش، وسنضرب العديد من الأمثلة لجلاء هذه الحقيقة.
أ- الزكاة جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي، وعدم القيام بهذه الشعيرة
يؤدي إلى عدم كفاءة النظام الاقتصادي، كما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنظام
الاجتماعي والأخلاقي أيضاً، فالمقدار المفروض من الزكاة في الأموال وعروض
التجارة هو ٢. ٥%، وهذا القدر كاف لسد العديد من حاجات المجتمع الإسلامي
على مقتضى الحكمة الإلهية البالغة، لكن ذلك سيكون في الأحوال العادية والطبيعية
وفي غير الأحوال الطارئة كما في حالات الزلازل والفيضانات، وذلك أيضاً فيما
إذا التزم أغنياء المسلمين بإخراجها، وإذا استمر ذلك الالتزام حقبة مناسبة من
الزمن، فلو قدرنا أن ١٠% من الأغنياء أخرجوا الزكاة وأن التزامهم بأدائها في
مجتمع ما لم يمض عليه سوى سنتين، فإن الزكاة آنذاك لا تقوم بمهامها على الوجه
المطلوب، حيث إن الحالتين اللتين ذكرناهما تجعلان الفقر يتراكم ويتفاقم إلى الحد
الذي لا تفي أموال الزكاة بالتخلص منه.
ثم إن نظام الزكاة يؤدي مهامه في ظل فعالية الأنظمة الأخرى، فإذا كانت
موارد القطر شحيحة جداً، أو كان النظام السياسي فيه مختلاً، وأدى ذلك إلى
انتشار البطالة والعطالة عن العمل، فإن نظام الزكاة بالتالي لا يوصلنا إلى الأهداف
المنشودة منه.
وباعتبار الزكاة جزءاً من النظام الاقتصادي الإسلامي، فإنها أيضاً لا تؤدي
وظائفها إلا بفاعلية النظام الذي تنتمي إليه، فمثلاً: (القرض الحسن) جزء من ذلك
النظام، وإعراض الدولة أو الشعب عنه يؤدي إلى نوع من تعطيل حركة المال
وتداوله، وبالتالي إلى ضعف حركة التنمية والاستثمار مما يفضي أيضاً إلى قلة
فرص العمل وكثرة الفقراء والمعوزين.
ومرة أخرى فإن فاعلية نظام الزكاة ترتبط جزئياً بقيام الدولة بواجباتها من
ضمان الحد الأدنى من المعيشة للفقير بالقدر الذي يحفظ كرامته، ويجعله في وضع
منتج مثمر، فإذا عجزت الدولة عن ذلك أو قصرت فيه، فإن آلية (نظام السوق)
ستوجد شريحة واسعة من المحتاجين الذين لا يمكن أن تقوم بهم أموال الزكوات
والنذور والكفارات ... وينفعل كل ذلك ويتأثر بقوة النظام القيمي وفاعليته، فإذا كان
نشطاً اندفع الناس إلى التطوع بكثير من الأعمال الخدمية واندفع كثير من الفقراء
إلى العمل والحركة مع حسن التدبير والتعفف عن أموال الآخرين مما يخفف من
غلواء الحاجة.
ب- الضبط الاجتماعي في الإسلام يقوم على ركنين أساسيين: الأسرة
والمجتمع العام بما فيه من وسائل تثقيف وتعليم ورقابة ... وإن الخلل في أي من
هذين الركنين سيؤدي إلى شيوع الخلل في أداء الركن الآخر. وواضح أن مهمة
الأسرة أن تصقل الفرد من داخله بما تغرسه من قيم وآداب وبما تخطه في ذهنيته
ومشاعره من خطوط عميقة، كما أن مهمة المجتمع الأرحب القيام بالرقابة على
تشجيع القيم الإيجابية وحماية أفراده من السقوط فيما يعتبر أعمالاً مشينة أو مُخلة.
والحالة النموذجية في هذا تتجلى في عموم الإيمان بالقيم والنظم، وتوحد
التربية الفردية مع معايير الضبط الاجتماعي على مقتضى ذلك الإيمان، فإذا ما
افترضنا الاختلاف بين القيم الأسرية والقيم التي يبثها الإعلام أو تلقنها المدرسة أو
يشيعها الشارع، فإن النتيجة هي تمزق شخصية الطفل بين مختلف هذه المؤثرات،
وحينئذ فإن التربية الأسرية تتعرض للخطر من قبل المجتمع الأوسع أو يأتي الخطر
مما تواضع عليه من قبلها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الطفل يُخفي في
البيت ما تلقفه من المدرسة أو الشارع، ويُخفي فيهما ما لُقنه في البيت، والنتيجة
هي الازدواجية والحيرة وانطفاء الفاعلية، أي إجهاض عمل الجهات التربوية
المختلفة، وترك الناشئ لموجات الظروف.
ج- الحدود في الإسلام وسائل للردع، وهي بمثابة العمل الجراحي الذي يأتي
ترتيبه في التطبب متأخراً، وتؤدي الحدود مهماتها في مجتمع تعمل فيه باقي
الأنظمة بكفاءة من نحو الاستقرار والعدل وتوفر فرص العمل المناسبة وانعدام
المغريات بالفاحشة وانسجام التربية البيتية مع معايير الضبط الاجتماعي وانتشار
العلم ... وإذا ما فرضنا وقوع خلل فيما سبق أو بعضه، فإن كفاءة الحدود في توفير
الأمن للمجتمع سوف تتراجع على مقدار القصور الحاصل في الأنظمة الأخرى،
وهذا كله يجعل مسؤولية أمن المجتمع واستقراره مسؤولية عامة يتحملها كل فرد في
المجتمع، كما تتحملها الدولة على مقدار المكنة والتخصص.
٤- إذا كانت أنظمة الإسلام متفردة في رؤيتها الكونية وفي منطلقاتها وأهدافها، فإن مما يضر بتماسكها الداخلي إدخال العناصر البعيدة عن طبيعتها عليها، وهذا
ما يمكن أن نسميه بـ (التلفيق) ، وإن الثقافة الإسلامية تقبل من الجديد ما ينشط
وظائفها، أو يوظف مبادئها، أو يملأ فراغات وهوامش أوجدتها خاصية المرونة
فيها، فإذا تجاوز الأمر ذلك إلى الجوهر والأنظمة الأساسية، فإن النتيجة هي
ضرب التوازنات العميقة لتلك الثقافة مما يجعلها تنكمش كما هو الكائن الحي حين
يُهاجَم وتفرز نوعاً من العطالة الضرورية كيما تحافظ على وجودها وانسجامها.
وإن ثقافتنا الإسلامية تمر بمرحلة عصيبة لا سابق لها في تاريخها المديد حيث
يمتلك زمام تثقيف الأمة أناس كثيرون يجهلون ثقافة الأمة، بل إنهم رضعوا لبان
الثقافة المعادية، ولسنا هنا بصدد بيان ذلك ولا أسبابه، لكن ما نشاهده اليوم من
عمليات التلفيق والتهجين الثقافي كان حصاد مراحل الركود الفكري والحضاري
بصورة عامة، وإذا كان التجديد سنة من سنن الكائن الحي فإنه إذا لم يتوَل التجديد
أهله تولاه غيرهم، فالإنسان بطبعه لا يصبر على طعام واحد، وهو يستهلك
الشعارات والأفكار والنظم الصغرى، فإذا لم نقم بإثراء ثقافتنا بالدراسات والخبرات
وتجديدها وتحريرها من عوادي الانحراف والجمود والتقليد فعل ذلك من لا يُحسنه،
وصار الانسجام والتجديد عبارة عن سمات ظاهرة جوفاء، أما الجوهر فيشوبه
التناقض والتآكل الداخلي.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 1685
مقال
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
وتثبيت الأمن بمفهومه الشامل
فهد بن ناصر الجديد
تمهيد:
الدعوة السلفية بنجد التي يرميها شانئوها زوراً الوهابية بقصد التنفير منها
وادعاء أنها دعوة مبتدعة، هي دعوة إصلاحية، ودعوة لتصحيح العقيدة الإسلامية
التي انحرفت عن النهج الحق بفعل الاتجاهات الصوفية والبدعية بوجه عام،
وبخاصة في القرون الأخيرة، ومما يؤسف له أنه مازالت بعض الاتجاهات البدعية
تناصب هذه الدعوة العداء بدون وجه حق، لكن الحق أبلج وأكبر من أن تقف في
وجهه المعوقات، فقد بُينت حقيقة هذه الدعوة وكتب عنها، وقرظها الكثير من
العلماء على مستوى العالم الإسلامي منهم (مسعود الندوي من الهند والشيخ بهجت
الأثري من العراق، والشيخ رشيد رضا من مصر، والشيخ علي الطنطاوي من
الشام وغيرهم) ، وهذه المقالة تتحدث عن جزئية خاصة من الآثار الإيجابية لهذه
الدعوة.
-البيان -
يعتبر الأمن من العناصر الأساسية التي تستقر عليها الدول، وتقوم عليها
الحضارات، ولا يمكن أن يتحقق الأمن بمفهومه الشامل إلا عندما تتحقق عبودية
الإنسان لربه، يقول الله تعالى: [ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لهدمت
صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراْ] [١] .
والجزيرة العربية وهي مهبط الوحي ومبعث الرسالة الخالدة، لا يمكن أن
تقوم بها حضارة إلا في إطار من الشريعة الإسلامية، ولا يمكن لأهلها أن ينعموا
بالأمن والاستقرار إلا تحت راية التوحيد.
ومع إشراقة العصر الحديث ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قلب
الجزيرة العربية، واستطاع بفضل الله أن يوحدها تحت قيادة إسلامية واحدة؛ لذا
جاء الاهتمام بدراسة هذه الدعوة المباركة وأثرها في جانب من أهم جوانب الحياة
الأساسية ألا وهو الأمن، وقبل البدء في هذا الموضوع لابد من ذكر لمحة موجزة
عن الحالة الأمنية قبل تلك الدعوة، ومدى ما وصلت إليه الحال من التدهور
والاضطراب آنذاك.
الحالة الأمنية قبل الدعوة:
اضطربت الحالة الأمنية في الجزيرة العربية بسبب انهيار وانحراف
الحالةالعقدية «فكانت البلاد تعيش في ظلام دامس بين عدو يأخذها بالقهر وبين
صديق يأخذها بالغزو» [٢] ، ولمعرفة ما وصل إليه الحال يمكن ذكر المثالين
التاليين:
المثال الأول: ذكر المؤرخ ابن بشر عن أحداث سنة ١١٢٠هـ قوله «وفيها
قتل حسين بن مفيز صاحب (التويم) البلد المعروف في ناحية سدير، قتله ابن عمه
فايز بن محمد وتولى بعده في (التويم) ، ثم إن أهل حرمه ساروا إلى التويم، وقتلوا
فايزاً المذكور وأمروا في البلد فوزان بن مفيز [٣] ، ثم غدر ناصر بن حمد بفوزان
فقتله، فتولى في (التويم) محمد بن فوزان، فتمالأ عليه رجال وقتلوه منهم المفزع
وغيره من رؤساء البلد وهم أربعة رجال، فلم تستقم ولاية لأحدهم فقسموا البلد
أربعاً كل واحد شاخ في ربعها» أي صار شيخاً [٤] .
المثال الثاني: ما جرى لبلدة العيينة عندما أصابها المرض الخطير في عام
١١٣٩هـ وأفنى الكثير من أهلها، ومات أميرها عبد الله بن معمر، وتولى بعده
حفيده محمد بن أحمد، فاجتمع كلٌ من أمير الدرعية زيد بن مرخان وفايز السبيعي
ومعهم أربعون رجلاً، وليتهم قرروا تقديم المساعدة لتلك البلدة المنكوبة، لكنهم
قرروا الهجوم عليها ونهب خيراتها، فلما علم أميرها الجديد أرسل إلى زيد بن
مرخان قائلاً: «ما ينفعك نهب البوادي وغيرهم لنا، وأنا أعطيك وأرضيك وأقبل
إلى أكلمك من قريب وأناجيك» [٥] . فلما قدم زيد ورجاله وجلسوا إذا برصاصة
تستقر في جسمه بتدبير من ابن معمر، فمات من فوره، وتفرق رجاله داخل البيت.
دعائم توطيد الأمن:
لقد سار الشيخ وبمؤازرة الأمير محمد بن سعود على النهج الذي سار عليه
السلف الصالح في توطيد الأمن بمفهومه الشامل في المجتمع فلم يحصر معالجة
الخطأ على الانحراف الشخصي للفرد، وإنما امتد الإصلاح إلى انحراف المجتمع
الذي مهد لانحراف الفرد؛ لذلك جاءت دعائم الأمن مرتكزة على ثلاثة أسس [٦] لا
مناص عنها، وهي:
*تربية الفرد.
*إصلاح الأوضاع القائمة.
*إقامة الحدود.
تربية الفرد:
اهتم الشيخ بأن يتكون في الفرد وازع ديني يحول بينه وبين الوقوع في
الجريمة، فكان التوحيد الخالص من شوائب الشرك أول أمر دعا إليه حتى تتحقق
عبودية الفرد لربه، فإذا علم الإنسان أن الله هو الخالق الرازق (توحيد الربوبية) فلا
يفكر في الحصول على مغنم بوسائل غير مشروعة، وإذا تيقن الإنسان أن الله هو
المعبود بحق (توحيد الألوهية) فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوجه العبادة من
دعاء أو استعانة أو استغاثة أو ذبح أو نذر إلا لله وحده، وإذا علم الإنسان أن الله
العليم الخبير المطلع على سرائر الأمور (توحيد الأسماء والصفات) فلا تراوده نفسه
الإقدام على الجريمة، لذا قام الشيخ بتأليف كتابه المشهور «كتاب التوحيد» [*] .
ولم تكن التربية قاصرة على طبقة دون أخرى، بل شملت كل طبقات
المجتمع حتى كبار السن والعامة، حيث قام بتأليف رسالة موجزة في العقيدة تعرف
بالأصول الثلاثة جاءت على طريقة الحوار وهي مفيدة جداً.
وأما في مجال التربية بالقدوة فقد حرص الشيخ على التأسي بهدي المصطفى-
ﷺ -في جميع أفعاله، فقام باختصار كتاب «زاد المعاد في هدي
خير العباد» لابن القيّم، مع إبراز العبر والعظات، كما قام باختصار السيرة
النبوية وربط المعتقدات الباطلة في عصره بالجاهلية الأولى.
وقد حرص الشيخ على ضرب الأمثلة بذكر قصص السابقين لما للقصة من
أثر بالغ في التربية كما ذكر في كتاب «التوحيد» قصة الرجلين الذين قدم أحدهما
قرباناً لصنم قوم عندما مروا عليهم فخلوا سبيله، وامتنع الآخر فكانت حياته ثمناً
لامتناعه فدخل الجنة، وكذلك قصة الأقرع والأبرص والأعمى.
وقد أكد الشيخ على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد المعرفة
والفهم «لأن الإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار
معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله» [٧] ، ومما قال أيضاً في ذلك: «وأهل العلم
يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاثة أمور: أن يعرف
ما يأمر به وينهى عنه، وأن يكون رفيقاً فيما يأمر به وينهى عنه، صابراً على ما
جاءه من الأذى» [٨] .
ومن وسائل التربية ما يلي:
* بعث الدعاة والعلماء إلى البلدان التي انضمت إلى رحاب الدعوة، مثل
إرسال الشيخ محمد بن صالح إلى بلدة منفوحة، والشيخ عيسى بن قاسم إلى بلدة
الرياض، والشيخ أحمد بن سويلم إلى بلدة ثادق والشيخ حمد العريني إلى بلدة
اليمامة، وجمع من العلماء إلى منطقة الإحساء، والشيخ عثمان أبا حسين ثم الشيخ
قرناس بن عبد الرحمن إلى بوادي حرب.
* إرسال الرسائل إلى بعض البلدان لتوضيح حقيقة دعوته، مثل رسالته إلى
أهل القصيم، ورسالته إلى فاضل بن مزيد رئيس بادية الشام، ورسالته إلى
عبد الرحمن السويدي أحد علماء العراق، ورسالته إلى البكيلي صاحب اليمن،
ورسالته إلى أهل المغرب.
* إقامة المناظرات العلمية مع علماء المسجد الحرام في مكة المكرمة عندما تم
إرسال كل من الشيخ عبد العزيز الحصين في عام ١١٨٤هـ والشيخ حمد بن معمر
في عام ١٢١١هـ.
* تدريس كتاب «كشف الشبهات» [**] في بيت الله الحرام (بعد دخول
السعوديين مكة المكرمة) في عام ١٢١٨هـ.
إصلاح الأوضاع القائمة:
لقد فطرالله الكائن البشري على صفات عديدة منها أنه لا يمكن أن يعيش
مستقلاً بذاته، بل لابد له من العيش بين أفراد ومجتمعات، فإذا كانت تلك المجتمعات غير صالحة، فلا يمكن للفرد مهما بلغ صلاحه أن ينعم بالأمن في ظلها، لذا حرص الشيخ على إصلاح الأوضاع القائمة حتى يحافظ الفرد على صلاحه،
ومن الأوضاع التي تم إصلاحها ما يلي:
إصلاح الوضع الاجتماعي.
إصلاح الوضع السياسي.
إصلاح الوضع الاقتصادي.
إصلاح الوضع الاجتماعي:
حرص الشيخ على تقوية الترابط الأسري في المجتمع ببيان حقوق كل من
الرجل والمرأة حتى يسود الأمن الاجتماعي بينهما، فقد وجد في بعض المجتمعات
النجدية آنذاك من ينظر إلى المرأة نظرة ازدراء وتنقص، فيوقفون أوقافاً يتحايلون
بها لمنع المرأة حقها الشرعي في الميراث، ويزعمون أن ذلك قربة إلى الله، ومن
ذلك ما ذكره الشيخ في بعض رسائله قائلاً: «من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر
تغيير شرع الله ودينه والتحايل على ذلك بالتقرب إلى الله، وذلك مثل الأوقاف
هذه.. إذا أراد الرجل أن يحرم من أعطاه الله من امرأة أو ابن أو نسل بنات أو غير ذلك، أو يعطي من حرمه الله أو يزيد أحداً أكثر مما فرض الله أو ينقصه من ذلك يريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعداً عن الله، فالأدلة على بطلان هذا الوقف ووجوب عودته وقسمته حسب ما قسم الله ورسوله أكثر من أن
تحصر» [٩] .
إصلاح الوضع السياسي:
كانت المنازعات على السلطة بين أفراد الأسر الحاكمة من الأمور المتفشية في
بلدان الجزيرة العربية، وكان غالباً ما يصل الأمراء إلى الحكم عن طريق القوة
والاغتيال، وقليل من يصل سليماً [١٠] كما أسلفنا.
لذا تعين لدى الشيخ أن السياسة الشرعية في بناء البيئة الإسلامية وهدم البيئة
الجاهلية تقتضي البحث عن أمير [١١] يقتنع بصحة الدعوة ويجاهد لأجلها. كما
اقتضت السياسة الشرعية لدى الشيخ أن يتم تعيين الأمير كما يتم تعيين الإمام
للصلاة لكل بلدة تنضم إلى رحاب الدعوة، ومن ذلك ما ذكره مؤرخا الدعوة ابن
غنام وابن بشر:
* تعيين مبارك بن عدوان أميراً على بلدة حريملاء في عام ١١٦٨هـ.
* تعيين دخيل بن سويلم على بلدة ثادق في عام ١١٧٠هـ.
* تعيين سليمان بن عفيصان أميراً في بلدة الدلم في عام ١١٩٠هـ.
* تعيين عبد الله بن جلاجل في منطقة سدير عام ١١٩١هـ.
* تعيين زيد بن عريعر في منطقة الإحساء عام ١٢٠٤هـ. ...
* تعيين هادي بن قرملة رئيساً على بوادي قحطان.
* تعيين كلاً من عبد الوهاب بن عامر وفهاد بن شكبان وطامي بن شعيب أمراء
في منطقة الجنوب.
* تعيين الشريف عبد المعين أميراً في مكة المكرمة عام ١٢١٨هـ، ثم تعيين
الشريف غالب في عام ١٢٢٠هـ.
إصلاح الوضع الاقتصادي:
تأكد لدى الشيخ أن وقوع الجريمة ليس دائماً بسبب الفرد كما يبدو ظاهراً
وإنما هناك سبب حقيقي دفعه إلى اقترافها، «والمصادر المتوفرة عن تلك الفترة
توحي بأن الظلم كان الصفة العامة لأمراء البلدان» [١٢] .
لذا اهتم الشيخ بالإصلاح الاقتصادي حتى يسود الأمن الاقتصادي في الأمة،
وأعظم ما قام به في ذلك المجال المعاهدة أو البيعة التي تمت بينه وبين أمير
الدرعية (محمد بن سعود) ، حيث نص البند الثاني على التخلي عن خراج الثمار
الذي كان يؤخذ من أهلها [١٣] ، ولقد أثبتت الأحداث الجسام بعد تلك البيعة اقتناع
أمير الدرعية بالدعوة ودفاعه المستميت عن مبادئها
إقامة الحدود:
إن الهدف الأساسي من إقامة الحدود قائم على أساس حماية الضروريات
الخمس التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، وهي: الدين، والنفس، والعقل
والعرض، والمال، فبعد تأمين الحاجز الداخلي لدى الفرد بالتربية الصالحة، وبعد
تأمين الحاجز الخارجي المحيط بالفرد المتمثل في إصلاح الأوضاع القائمة، تأتي
المرحلة الثالثة في حماية المجتمع، وذلك بإقامة الحدود، وعلى هذا الأساس يتبين
أن العقوبة ليست قائمة على التشفي والانتقام، وإنما على الردع والزجر، يقول
رسول الله- ﷺ (حد يقام في الأرض خير من المطر لأهلها
أربعين صباحاً «رواه ابن ماجة) [١٤] ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:» وهذا
لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة
فإذا أقيمت الحدود وظهرت طاعة الله ونقصت معصية الله حصل الرزق
والنصر « [١٥] .
ومن الحدود التي تم تنفيذها رجم الزانية في بلدة العيينة في عام ١١٥٧هـ.
ولم تكن الحدود مقتصرة على الأفراد فحسب بل امتدت إلى الجماعات ومن
ذلك ما ذكر ابن بشر:
* أرسل الأمير سعود على رأس قوة عسكرية إلى منطقة الإحساء في عام
١٢١٠هـ لإقامة الحدود على المخلين بالأمن.
* أرسل الأمير سعود قوة عسكرية في عام ١٢١٩هـ إلى بوادي الظفير بعد
أن تأكد تهاونهم عن الصلوات المفروضة، إضافة إلى إيوائهم لبعض المبدلين لدين
الله.
ثمار الدعوة من الناحية الأمنية:
لقد جنى أهل الجزيرة ثمار تلك الدعوة المباركة في توطيد الأمن بمفهومه
الشامل، واطمأن الناس على سلامة عقيدتهم من الأفكار المنحرفة المنتشرة في كثير
من أنحاء العالم الإسلامي، وأمنت قوافل الحجيج القادمة من مختلف بقاع العالم
الإسلامي، وكان إيراد عمال الزكاة وأخماس الغنائم الذين يقدمون إلى الدرعية،
يتخذون تلك الأموال أطناباً لخيامهم إذا جن الليل عليهم لا يخافون إلا الله [١٦] .
وقد اتخذ الإمام عبد العزيز بن محمد رعية إبل لحفظ الضوال منها فمن وجد إبلاً
ضالة في أي بقعة من الجزيرة أتى بها إلى الدرعية وأخذ المكافأة المعدة له [١٧] ،
وعلى من ضاعت له إبل أن يقدم إلى تلك الرعية فإذا عرفها أتى بشاهدين أو شاهد
ويمينه ثم يأخذها، وربما يأخذ الواحدة اثنتين بسبب التناسل والتكاثر [١٨] ، وذات
مرة حاول نفر من الأعراب وهم جياع أن يأخذوا عنزاً ضالة ويذبحوها ويأكلوها،
فلم يتقدم لها أحد، وعندما ألحوا على أحدهم أجاب قائلاً:» والله لا أنزل إليها،
ودعوها فإن عبد العزيز يرعاها « [١٩] .
стр. 1686
من فقه الدعوة
نظرات تربوية
في خلق الصدق
- ١ -
عبد العزيز بن ناصر الجليل
منزلة الصدق منزلة عظيمة ليس في دين الإسلام فقط بل في جميع الأديان،
لا لأنه خُلق من الأخلاق الحميدة فحسب، بل لأنه أصل الإيمان المقبول عند الله
، وهو أساس النجاة من عذاب الله ، وبه يتميز أهل الإيمان
الحق من المنافقين الكاذبين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في منزلة
الصدق: «وهو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين،
والطريق الأقوم، الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين» ... إلى أن
يقول: «فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال،
والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين،
وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة (النبوة) التي هي أرفع درجات
العالمين» .
ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف في فضل الصدق
وخطورة أمره وعلو شأنه.
ولقد اخترت هذه الوقفات التربوية لخلق الصدق في ضوء القرآن الكريم
لمعالجة هذا الموضوع الذي يهم كل مسلم بصفة عامة، ويهم الدعاة إلى الله عز
وجل بصفة خاصة، لاسيما في واقعنا المعاصر، وتتجلى أهميته في الأمور التالية:
الأمر الأول:
لأنه أساس الإيمان، وركنه الركين، وأساس قبول الطاعات والقربات عند
الله ، وعليه يترتب الأجر والثواب يوم القيامة، قال تعالى: [ليجزي الله
الصادقين بصدقهم] [١] وقال تعالى: [هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جناتِ
تجري من تحتها الأنهار ... ] [٢] ولأنه أساس الطاعات وجماعها، فقد أصبح
الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق.
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الصدق أساس الحسنات وجماعها،
والكذب أساس السيئات ونظامها، ويظهر ذلك من وجوه منها:
* أن الصدق هو المميز بين المؤمن والمنافق، ففي الصحيحين عن أنس عن
النبي:» آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن
خان « [٣] ، وفي حديث آخر:» على كل خلق يطبع المؤمن ليس
الخيانة « [٤] وقد وصف الله المنافقين في القرآن بالكذب في مواضع عدة ومعلوم أن المؤمنين هم أهل الجنة، وأن المنافقين هم أهل النار في الدرك الأسفل منها.
* أن الصدق هو أصل البر، والكذب هو أصل الفجور، كما جاء في
الصحيحين عن النبي:» عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ... « [٥] .
* أن الصادق تنزل عليه الملائكة، والكاذب تنزل عليه الشياطين كما قال
تعالى: [هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفَّاك أثيم يلقون السمع
وأكثرهم كاذبون] [٦] [٧] .
الأمر الثاني:
أن الصدق في كل الأمور يوصل صاحبه إلى مرتبة» الصديقية «، التي هي
المرتبة التالية لمرتبة النبوة، وعندما أقول في كل الأمور أريد من ذلك عدم حصر
الصدق في اللسان فقط، وإنما الصدق في النيات والأقوال والأعمال والأصل تحري
الصدق في ذلك كله.
إن مجاهدة النفس على تحري الصدق في جميع الأمور يوصلها إلى هذه
المرتبة العظيمة مرتبة» الصديقية «كما جاء في الحديث السابق الذكر:» ...
ولايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقا « [٨] .
وهنيئاً لمن وصل إلى هذه المرتبة، فيا لها من رتبة، وما أشرف قدرها
وأعظم فضلها، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في وصف أهل هذه الطبقة:
» الطبقة الرابعة ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بعثوا به علماً
وعملاً ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم، وهذه أفضل مراتب الخلق بعد
الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصديقية، ولهذا قرنهم الله في كتابه بالأنبياء فقال
تعالى: [ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاْ] [٩] .
الأمر الثالث:
ثمرات الصدق العظيمة التي تحصل منه في الدنيا والآخرة من البركة والقبول
والإصلاح في الدنيا، والأجر العظيم والثواب الجزيل في الآخرة وسيأتي تفصيل
كل ذلك إن شاء الله تعالى في (ثمرات الصدق) .
الأمر الرابع:
خطورة الكذب والنفاق وأثرهما على الفرد والمجتمع والأمة وبخاصة في
مجتمعاتنا اليوم التي كثر فيها الكذب والدجل والمداهنة، وقل الصدق فيها
والصادقون، ولا أعلم والعلم عند الله عصراً ظهر فيه الكذب والنفاق بوسائله
الماكرة المتطورة كما ظهر في عصرنا اليوم، حتى أصبح الكذب له مدارسه
وأساليبه التي تعلم الناس كيف يكذبون، وكيف ينافقون وكيف يدلسون ... الخ، ولا
أبالغ إذا قلت إن وسائل الإعلام اليوم المقروءة منها والمسموعة والمنظورة قد قامت
في أغلب برامجها على الكذب، وقلب الحقائق وتسمية الأمور بغير أسمائها، وقد
تجاوز الأمر حده حتى أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وظهر الحق في
صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأصبحنا نسمع من يقول عن المسلم
الصادق الذي يتحرى الصدق بأنه ساذج وبسيط وسطحي ... الخ، في الوقت الذي
يوصف الكاذب المنافق بأنه السياسي الحكيم المحنك، إن مجتمعاً كهذا حري
بالسقوط والدمار، ولا نجاة ولا فلاح إلا بالصدق، والأمة الصادقة مع ربها سبحانه
ومع رسولها- ﷺ -لا تهزم أبداً.
الأمر الخامس:
ظهور بعض علامات ضعف الصدق في صفوفنا معشر الدعاة إلى الله عز
وجل، وذلك بوجود بعض التصرفات والممارسات التي تتنافى مع الصدق في
الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، فقلّ الصادقون الربانيون الذين
يصدقون في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، ويضحون في سبيل الله بكل ما
يملكون لنيل مرضاته وحبه، نعم إنه بمحاسبة عجلى لنفوسنا يتبين لنا هذا الضعف، وأننا في أمس الحاجة إلى تقوية هذا الخُلق، ونبذ كل ما يتنافى معه من صور
الكذب والنفاق ووهن العزيمة، وضعف الهمة، وإلا فما معنى وجود هذه الجهود
الضخمة المبذولة اليوم في طرق الدعوة إلى الله ، ثم لا نرى لها إلا أثراً
ضعيفاً لا يكافئ تلك الجهود المبذولة؟ !
الأمر السادس:
إن الصراع الذي نشاهده اليوم بين الحق والباطل، بين دعاة الشر والكفر
ودعاة الخير والإصلاح، ليحتم على أهل الخير حرصهم الشديد على الصدق مع الله
سبحانه واليقين بنصره وثوابه، حتى لا تزل الأقدام، وتضعف العزائم إزاء هذا
البلاء العظيم والمعركة الشرسة بين الحق والباطل، وهذه المواطن هي التي يتميز
فيها الصادقون عمن سواهم، قال تعالى: [الم * أحسب الناس أن يتركوا أن
يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا
وليعلمن الكاذبين] [١٠] .
وكذلك أيام الفتن لا يثبت فيها إلا الصادقون العالمون العاملون، وهم الذين
يشرفهم الله بنصره، ويمكن لهم في الأرض، ويجعلهم أئمة ويجعلهم
الوارثين.
حقيقة الصدق:
إن حقيقة الصدق أوسع من كونها الصدق في الحديث فقط، وإنما حقيقة
الصدق شاملة لصدق النية والعزيمة، وصدق اللسان، وصدق الأعمال، يقول
الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق
يكون في الأقوال وفي الأعمال كقول النبي- ﷺ -في الحديث
الصحيح:» كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة، فالعينان
تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما
البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج
يصدق ذلك أو يكذبه « [١١] .
ويفصّل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى القول في هذا المعنى فيقول:»
والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا
وأحدهما محارب للآخر «.
وأخبر سبحانه: أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه
قال تعالى: [هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جناتِ تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها أبداْ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوزٍ العظيم] [١٢] وقال تعالى: [والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون] [١٣] ، فالذي جاء بالصدق
هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله، والصدق إنما يكون في هذه الثلاثة:
فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على
الجسد، والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الأخلاق،
واستفراغ الوسع وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق،
وبحسب كمال هذه الأمور فيه، وقيامها به تكون صديقيته ولذلك كان لأبي بكر
الصديق ﵁ وأرضاه ذروة سنام الصديقية فسمي (الصدّيق) على الإطلاق، و (الصدّيق) أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول- ﷺ مع كمال الإخلاص للمُرْسل» [١٤] . ...
الفرق بين الصدق والإخلاص:
الصدق والإخلاص عملان قلبيان من أعظم أعمال القلوب، وأهم أصول
الإيمان، فأما الصدق فهو الفرقان بين الإيمان والنفاق، وأما الإخلاص فهو الفرقان
بين التوحيد والشرك في قول القلب واعتقاده أو في إرادته ونيته والأعمال التي
رأسها وأعظمها «شهادة أن لا إله إلا الله» لا تقبل إلا بتحقيق الصدق والإخلاص.
ومن هنا كان الصدق والإخلاص شرطين من شروطها، ولذلك كذّب الله
المنافقين في دعوى الإيمان، وقول الشهادة لانتفاء الصدق، فقال: [إذا جاءك
المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين
لكاذبون] [١٥] ، وقال: [فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين] [١٦] .
كما أبطل سبحانه زعم أهل الكتاب والمشركين أن دينهم هو الحق بانتفاء
الإخلاص فقال: [لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى
تأتيهم البينة] [١٧] ، إلى أن يقول: [وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة] [١٨] .
والصدق والإخلاص مع تقاربهما ترادفهما أحياناً يميز بينهما بتعريف ضد كل
منهما: فالصدق ضده انتفاء إرادة الله بالعمل أصلاً، كمن آمن وصلى كاذباً ولم يرد
الإيمان والصلاة، وإنما فعل ذلك لسبب آخر، كما فعله المنافقون حفظاً لأنفسهم
وأموالهم من السيف، وجبناً عن تحمل أعباء المواجهة الصريحة للإيمان.
والإخلاص ضده انتفاء إفراد الله بالإرادة والتوجه كمن آمن أو صلى صارفاً
ذلك لأحد مع الله، وهذا هو الشرك الذي وقع فيه أكثر العالمين، وعلى قدر ما
يحقق العبد الإخلاص لربه يكون ترقيه في «المخلصين» الذين صرف الله عنهم
غواية الشياطين وأثنى عليهم في كل أمة « [١٩] .
وللحديث بقية..
стр. 1687
دراسات دعوية
إشكالية المناهج
في واقع الدعوة
سليمان عبد العزيز الربعي
مدخل:
سنة ربانية أن تتعدد طرق البلاغ في محاور من السبل المختارة الرامية إلى
نتاج مبارك، وهو واقع مَرْضيّ في حقيقته منه ، شرط اتحاد
وجهات الهدف على نحو موافق لمراده ومراد رسوله- ﷺ بلا
لبس أو غبش. إن ذلك أيضاً هو ذات الحقيقة في دعوة المحجة القرآنية في غير ما
موضع، حيث اختلفت بجلاء أماكن الرسل عليهم الصلاة والسلام في دعواتهم إلى
أقوامهم، في الوقت الذي اتفقت فيه أهدافهم الكامنة في توحيده جل وعز وحده لا ند
له.
وبأقل قدر من الملاحظة يمكن للسابر أن يستجلي ما تقرر في آي الذكر الحكيم، ذلك لوضوحه وبروزه، وها نحن نصطفي سورة هود تقعيداً وتأسيساً.
إن ذلك يتجسد بمفتتح يذكر فيه تعالى «قصص الأنبياء ﵈ للنبي-
ﷺ -تنبيهاً له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله
أمرهم» [١] .
بدءاً بقصة نوح مع قومه، ثم تتابع قصص النبيين هود وصالح ولوط
وشعيب في مضامين حوارية رائعة السبك والمدلول، ولكل قوم توجيه خاص
يناسب معطيات الحدث وتركيبة العقل المخاطب، فقوم نوح مثلوا قمة البطر
العنصري والتجبر الجنسي، مقسمين المجتمع قسمين: نبلاء أشراف، وأراذل
دهماء: [وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ... ] [٢] ، قال ابن
كثير ﵀: «وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرذالنا كالباعة والحاكة وأشباههم،
ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا» [٣] ، وهؤلاء ناسبهم خطاب التمسك بحق
هؤلاء الضعفاء في الدين، والتسليم بأن مرد ذلك إلى الله وحده فلا يستطيع نوح
طردهم، ولا يدري بما يدخره الله لهم في الآخرة، إمعاناً في التبكيت، ودحضاً
لوسائلهم المعتادة في الرفض [وما أنا بطارد الذين آمنوا] [٤] [ولا أقول للذين
تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراْ، الله أعلم بما في أنفسهم، إني إذاْ لمن
الظالمين] [٥] .
لقد كان فهماً فاسداً مؤداه أن الحق لا يمكن أن يتبعه إلا الأشراف دون غيرهم، الأمر ذاته الذي تبنته قريش.
وأما قوم هود، فَحُبس عنهم الغيث، وانقطع نسلهم، فكانا خطين متوازيين
يؤديان إلى الهلاك المادي والمعنوي، بانقطاع الذكر والأثر في الثاني وندرة المورد
في الأول، ومن ثم ناسبهم منهاج خطاب الوعد بالغيث ومدد القوة [ويا قوم
استغفروا ربكم يرسل السماء عليكم مدراراْ ويزدكم قوة إلى قوتكم] [٦] ، وحكمة
هذا البيان الدعوي المحسوس إنما هي موافقته لواقع الحال، كما ذكر ذلك
المفسرون [٧] .
واختلف الخطاب عند البيان لقوم صالح، إذ جاء مذكراً إياهم بنعمة التعمير
والاستخلاف الممتدة طوراً بعيداً، فكان الواجب آنئذ: الإعمار المبارك واستغلال
طول الأمد بالعبودية المفردة: [وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما
لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن
ربي قريب مجيب] [٨] ، ومعناه أرجأكم بنسيء الأجل «وكانت أعمارهم من
ثلاثمائة إلى ألف» [٩] .
ويتواصل بيان الدعوة ليمتد إلى عهد لوط ﵇ فيعمد إلى أسلوب
التذكرة الفطرية بالتناسب الطبيعي للأجناس البشرية، من حيث كونه هداية أبدية،
يجنح بها المذكر إلى المؤنث في الأحياء كافة، وكذا في مثله في السالب والموجب
في ذرات الكون كلها [وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات
قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم
رجل رشيد] [١٠] ، أي راشد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما أجمع عليه
المفسرون ﵏.
ثم يختلف الأسلوب تماماً في الموقف الخامس من السورة، في معرض
الحديث عن قصة شعيب مع قومه أهل مدين، فقد كانوا أصحاب تجارة وأرباب
أموال، غير أنهم معه كانوا ينقصون الناس حقوقهم في الكيل والميزان، ولذا ناسب
أن يخاطبهم شعيب ﵇ بقوله المخبر عنه في القرآن الكريم: [ولا تنقصوا
المكيال والميزان] [١١] ، ذلك لكونه لاحظ بطرهم مع غناهم فالقوم كانوا في سعة
من الرزق، يقول الإمام الطبري في معرض تفسيره للخير في قوله: «إني أراكم
بخير» : «عن الحسن قال: الغنى ورُخص السعر» [١٢] .
لقد عشنا في خمس جولات تباينت فيها ملامح المناهج الدعوية، فهي تأخذ في
كل جولة معالم محددة بسياقات المناخ والتركيب العقدي والفكري وذلك على النحو
التالي:
١- الأولى منها دعوة إلى المساواة وكسر حاجز البطر العنصري البغيض
الذي يمتد من عهد نوح ﵇ مروراً باليونان فقريش إلى عصرنا المتمدن! .
٢- والثانية دعوة ذات طرح إصلاحي يعد بالنماء والازدهار وحلحلة الوضع
الكاسد في البنية العددية الهيكلية، والرواء بعد قتامة التصحر والجدب الجاثم.
٣- وأما الثالثة فيمكن أن يعبر عنها بأنها دعوة تعميرية ناضجة، قوامها
البناء المشيد والعقل المدرك الواعي بأهمية استغلال الاستخلاف الممتد بالصلاح
والعمل رجاء رضوان الله، وتوحيده البتة.
٤- وتأخذ الرابعة تقاسيم الدعوة الأخلاقية نحو مضامين التناسب الهرمي
والمجتمعي للأمة، والدفاع عن حق المرأة في الاستقرار النفسي والزواج والأمومة
والتعبير الحي، ورفض واقع البشاعة الخلقية والتدمير الفضولي المستمر في حياتهم، الذي ينتج عنه انقلاب الفطرة وفساد الرؤية وحلول الخواء القيمي والروحي بسبب
تلك الممارسات المرفوضة شرعاً وعقلاً وفطرة. إنها باختصار: دعوة نحو الأفق
المشرق والغد السعيد والرضا النفسي الذي لا يُحد.
٥- وفي الموقف الخامس تتضح أمارات الدعوة الاقتصادية المدركة، ذات
البعد الرصين والرصيد الثري من معطيات التفكير الجاد والواعي الذي يحسب لكل
شيء حسابه، تأسيساً لحقائق المعاصرة من كون الغبن الاقتصادي لا يؤدي إلا إلى
نتائج معاكسة لا تحمد عقباها: «إن المعاملات والأخلاق لابد أن تستند إلى أصل
ثابت لا تتعلق بعوامل متقلبة» [١٣] ، ومن ثم تصبح نتيجة التخلي عن هذا
الأصل الثابت دماراً شاملاً، إذ «يؤتي هذا الغش والغصب ثمارهما المرة في حالة
المجتمع وفي حركة التجارة، وحين يذيق الناس بعضهم بأس بعض» [١٤] .
إننا بعد هذا التباين يجب أن ندرك حقائق مهمة تكمن في مصادر التشريع،
غير أننا عنها غافلون أو متغافلون، حين يصبح الصخب واللجاجة من أهم أدوات
«البروز» لدى البعض، ومن تلك الحقائق:
أولا: أن الأسلوب في الدعوة خاضع لواقع المدعوين وحالهم التي هم عليها
على نحو ما ذُكر آنفاً، حيث خوطب كل قوم بما ناسبهم، وبما كان أدعى لقبولهم
لو كانوا يعقلون! .
ثانياً: أن الله رضي هذا المنهاج، بدليل حكايته في كتابه
العزيز وتصويره في أكثر من سورة بترسيخ وتثبيت، الأمر الذي يُفهم منه أن ذلك
عرض توجيهي يجب على الدعاة إلى الله تمثله والعلم به، ملتزمين اختيار الأسلوب
الأمثل في موقعه الملائم.
ثالثاً: أن شرط ذلك هو اتحاد الهدف الذي يحاول أولئك الرسل عليهم
الصلوات والسلام الوصول إليه، وهو إجماعهم على القول: «يا قوم اعبدوا الله ما
لكم من إله غيره» ، فهذا هو الأصل المبتغى والهدف المرام. ولأجل تحقيق هذا
البيان والتأكيد عليه فقد ختمت سورة (هود) بقوله: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا
على مكانتكم إنا عاملون) ، كما افتتحها بالتأكيد على: (اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره) ، وقبلها (أن لا تعبدوا إلا الله) ، فهو قد «ذكر التوحيد والإيمان بالرسل،
فهذا دين الله في الأولين والآخرين، قال أبو العالية:» كلمتان يُسأل عنهما الأولون
والآخرون ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين؟ « [١٥] .
رابعاً: أن في هذا البيان الإلهي إرشاداً خالداً يضعُ أساسيات العمل للدين، بل
لاتخاذ المواقف المناسبة تجاه سائر الأحداث.
إن الواجب علينا جميعاً أن نتمثل هذه الحقائق المكتنزة في سورة (هود) كيما
نُخْفتْ إن لم نلغ ذلك التلاسن النقاشي الذي قلما يُفقد في منتدياتنا ومجالسنا العامة
فضلاً عن الخاصة مع شديد الأسف حول المناهج وأهليتها الشرعية والتحصيلية في
واقعنا المعاصر، حيث بتنا نسمع بلا مقدمات صيحات الحط من فلان أو علان
بحجة التخبط في المسار أو سوء الوسيلة يصاحب ذلك أحياناً انثيال إعلامي منقطع
النظير يقف موقف الضدية منها ولست أعرف تماماً من الذي أعطى هؤلاء أو أولئك
حق النقض والغمز واللمز بل من الذي أنبأهم بأن هذا المنهج مستقيم وذاك معوج؟
إن الواقع يشهد بأن لا أحد، وعليه فيجب الكف عن مثل ذلك التصور الخاطئ
مادامت فروض المرجعية المشروطة متوفرة في الأصول لتلك المناهج، وإن كان
ثمة خلاف بين المصلحين فإننا نطالبهم بتلمس العذر بعضهم لبعض، ليس في
العقائد ولكن في فرعيات النصوص وفصول الفوائد.
لقد اندرجت سنة الله في تقسيم الإمكانات والمواهب بين الخلق تمضي على
الأولين والآخرين، ومن العبث بالعقول أن نحرم دعاتنا ومصلحينا من هذه
السنة (!) فلا ندرك تفاوتهم العلمي والإدراكي والاهتمامي، بأن نبتدع منهاجاً جديداً في الجرح والتعديل.
إن على الجميع أن يعلموا بإدراك أن ثمة معطيات جديدة برزت على السطح،
هي في تشكيلها ومضمونها متباينة مختلفة، وأن يعلموا بإدراك أيضاً أنه قد نشأت
على لوحة الأفق معالم عوالم جديدة، تبتغي أطروحات مناسبة وتنتظر أصواتاً
مكتظة بوعي جديد سديد تبدي عمقاً في التصور والفعل والممارسة والاختيار، في
وقت يُتمسك فيه بالجذور والأصول من لدن تلك الأصوات.
إن نوحاً وهوداً وصالحاً ولوطاً عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى الله جل وعز
يرتبطون مع غيرهم من سائر الدعاة بهذه الصفة، سامون عنهم بالنبوة وتشريف
الوحي والتلقي، وهنا نفهم أنهم في اختيار مناهجهم ينطلقون من رصد مضموني
ودلالي لأحوال قومهم التي تناسبها تلك المناهج، وعليه فلا عجب ولا اعتراض
حينما يختار الداعية لنفسه منهاجاً في دعوته يستشعر أنه سبيله للتأثير والإقناع
شريطة أن تتجذر فيه مرامي الأساس الكامنة في رباط القرآن الكريم والسنة
المطهرة الشريفة، لأنهم يفتقدون ميزة امتازت بها مناهج أولئك الأنبياء، ألا وهي
التزكية من الله سبحانه عن طريق الوحي والمباشرة.
إن من الدعاة إلى الله من هم ملهمون، جذلت الأمة يوم أن برزوا على الساحة، يكملون نقصاً تعتبر أهمية سداده من بدهيات الإحاطة بشمولية الصحوة وعالمية
الدعوة إلى الله، فمنهم من هو مهيأ تماماً للبيان الفقهي والإصابة في الفتيا حين
يمتلك شروطها، علماً بالكتاب وفهماً للسنة ومعرفة بالأصول والناسخ والمنسوخ
وأقوال أهل العلم وتوفر كافة متطلبات الاجتهاد وشروط التصدر للإفتاء.
ومنهم من هو مهيأ للبيان العقدي والتحذير من دجل المبتدعة، وربط المجتمع
بأصول الاعتقاد، ولفت أنظارهم إلى مداخل الشيطان في التشكيك وكيفية التعامل
معه، ودحض مزاعم المفترين، وزيادة إيمانهم بالتدارس والتعهد.
ومنهم كذلك من لا يُلْحق شأوه في المعرفة بكتاب الله قراءة وإدراكاً وفهماً
وسبراً، يسانده تعلق بالقرآن قلبي، ونهم على كتب التفسير تمثلاً ووعياً.
ومنهم اللغوي الحاذق، يشرح غريب النص، ويربط بين فقراته، ويبين
بلاغته وإعجازه ويحشد الشواهد تأييداً له، ويجعل من فقهه اللغوي خادماً لدعوته.
ومنهم الأديب، يربي الذوق، ويتلمس مواطن الجمال، ويعيد للروح نشاطها
وصفاءها وجذوتها، إن من الدعاة من ينتهج أسلوب الأدب الجمالي الفني في
محادثة طائفة من الناس ودعوتهم، لا يصلح لهم إلا ذلك، يفتح مغاليق القلوب،
ويطرق أبواباً ما كان يمكن أن تُفتح بأسلوب آخر.
ومنهم المطلع على أمور الحياة، يلحظ مجريات الحدث، ويرصد تحركات
الواقعة يحلل ويفسر ويقرر ويستنبط، ألمعي فطن يتسلح بإدراك شرعي يحثه على
المواصلة ومتابعة واقع الأمة وحالة المسلمين، انطلاقاً من:» من تعلم سياسة قوم
أحسن التعامل معهم وكشف زيفهم ورد حجتهم وذاد عن المسلمين ما وسعه
الوسع «، قياساً على:» من تعلم لغة قوم أمن مكرهم «.
ومنهم الاقتصادي الخبير، يحسن الطرح والجمع، ويفقه أحوال البورصة
وتداول الأسهم ومضاربات البنوك، يحذر من مصير اقتصادي أو يكشف زيف
تلاعب ربوي، أو يمنحه الله قوة وسموقاً فينشئ لأمته مؤسسة بديلة تُغنيها عن
جحيم تعاملي مشبوه.
هكذا يجب أن نفهم وأن نتفهم، لا أن نبقى أبداً نجادل في المسلمات ونصرخ
بالصدى المعتاد! .
لقد أمسينا نعاني من تضخم في واقع النقد، حيث نُكست سهام المواجهة لترتد
فيما بين المُحَارَبين أنفسهم، كل منهم يحاول تلمس النقص لإبدائه، وتتبع العثرة
والزلة لبيانها، الأمر الذي أثر على مستقبليات الدعوة وآمالها.
إن النقد مطلوب، وحين يوجد النقد الموضوعي توجد الأعمال المثمرة الفاعلة، غير أنه نقد ذو مواصفات خاصة قوامها النية الطيبة، والهدف الخالص الصالح،
والعمق العلمي والمنشود، فعندئذ نفرح به لأنه يقوّم ويُعمّر ويبني، في حين نرفض
كل الرفض ممارسات ثلة من الذين ابتعدوا عن منهاج الدعوة الحقة بنقدهم الجارح
الذي يتجه في كثير من الأحايين إلى الشخوص وهو إن اتجه يوماً للمناهج كان
ساذجاً إلى حد لا يمكن قبوله مليئاً بالفصل والحسم والرفض والتشريع والقبول
والرضا من غير يقين شرعي وتفصيل يفرق بين الصالح والطالح والخطأ
والصواب ... وهو نوع من الظلم لا يحق لأحد من البشر ممارسته، فهم يملكون
حق التوجيه والنقد بشروطهما المعتبرة شرعاً وعقلاً وخلقاً.
إن من أدبيات الحوار والخلاف والنقد أن يُفْسَحَ للآخر مكان ينتقد من خلاله،
لا أن تتم المعالجة من خلف الكواليس وفي عتمة الليل، ونحن نخاطب الذين زُين
لهم عملهم فرأوه حسناً، نخاطبهم بأن تكون» قاعدة الأخلاق عندهم هي إرضاء الله
وانتظار ثوابه؛ ليصبح ما يهرف به أصحاب المذاهب لغواً في ظل النظرة
الأخلاقية الإسلامية « [١٦] .
لقد مضت أزمان النظرة الواحدة، والمشروع الفريد، والأسلوب الأوحد لتحل
محلها النظرة السديدة الموضوعية، والمشروعات المقترحة، والأساليب المتنوعة،
وهي دعوة للجميع لأن يتمثلوها، ودعوة خاصة لأولئك الذين نصبوا من أنفسهم
الضعيفة مراجع للحكم، جاعلين على رؤوسهم تيجان التفرد بالقرار والصيغة في
حكمهم على المناهج والسبل المختارة والمرتضاة، ونحن في حقيقة الأمر نطرح
قضية كان يجب أن تكون مسلمة من الجميع وبخاصة من يُعنون بذلك، لأنهم
مازالوا مع سورة (هود) يقرؤونها صباح مساء.
أما إن كان أولئك السادة ممن يدعون الفهم والحصافة دون غيرهم، فإننا
نسارع إلى تذكيرهم بباب الاجتهاد الواسع بين أهل العلم، ليدركوا أن المنهج
الدعوي إنما هو وسيلة لهدف أسمى نبيل، يتجسد بالعبودية لله على اختلاف
صورها ومجالاتها ووسائلها، وليس يعوزنا التدليل على ذلك الأمر، فهو مبثوث
في آي الذكر الحكيم، يرتبط تمام الارتباط بحال المدعوين وماهية القضية
المطروحة، فتأخذ أشكال الاختصاص والنوعية، في حين يبقى للأصول المباركة
أهميتها وجذوتها ومشروعية بثها وتعليمها للناس، تلك الأصول التي تطالب بأن
تكون مرجعية للمناهج المختارة والوسائل المطروحة على كل حال.
إننا نطالب بهذا الفهم من الجميع بعموم، وأهل القصد بخصوص حتى»
يظهر وجه الموالاة والتحاب فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد، وحتى لا
يصيروا شيعاً ولا يتفرقوا فرقاً؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد التسارع فاختلاف
الطرق غير مؤثر، كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات المختلفة كرجل تقرّبُه
الصلاة، وآخر تقرّبُه الصيام، وآخر تقرّبُه الصدقة ... إلى غير ذلك من العبادات، فهم متفقون في أصل التوجه إلى الله، وإن اختلفوا في أصناف التوجه، فكذلك
المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة وقولهم
واحداً « [١٧] ، والله وحده المستعان.
стр. 1688
خواطر في الدعوة
أو خير هو ؟ !
محمد العبدة
جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله-
ﷺ -قام فخطب الناس، (فقال: لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس
إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، فقال رجل: يا رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله- ﷺ -ساعة ثم قال: كيف قلت، قال: قلت
يا رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله: إن الخير لا يأتي إلا بخير،
أوَ خيرٌ هو؟ إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يَلُم ... ) [١] ، أراد رسول
الله- ﷺ -أن يحذر المسلمين من فتنة المال، وهي فتنة كبيرة، إلا
من أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فالمال خير، كما سماه الله في
القرآن، ولكن الحريص عليه والشره في جمعه هو الذي يهلك، كما أن نبات الربيع
خير ولكن الحيوان الذي يأكل بصورة خاطئة هو الذي يُصاب بالتخمة (ويقتل
حبطاً) فالمشكلة في طريقة تناول الخير، وطريقة أخذ الأشياء بقواعدها وأصولها
السليمة إن العلم خير، ولكن إذا أُخذ كمعلومات للتكديس، ولم يتحول إلى ما ينفع
الناس في الدنيا والآخرة، ولم يتحول إلى أداة لتغيير واقع المسلمين المحزن، فإنه
سيكون وبالاً على أصحابه، وقد قال حكيم لرجل يستكثر من العلم دون العمل: يا
هذا إذا أفنيت عمرك في جمع السلاح فمن تقاتل؟ !
والعلم خير، ولكن ما الفائدة من تسويد مئات بل ألوف الصفحات حول مشكلة
انتهت ومضى عهدها، وليس لها وجود في واقعنا اليوم، وما الفائدة من تأليف
عشرات الكتب في موضوع واحد دون إضافة جديدة، أو إبداع يستحق القراءة، بل
يتهالك بعضهم على التأليف، وتأتيهم شهوة الكتابة عندما يرى مؤلفاً ناجحاً فينسج
على منواله تقليداً بحتاً، يلفقه من هنا وهناك دون عناء أو تعب، ورغم أن كمية
المقروء في العالم الإسلامي (٦ر٣) كيلوغرام مقابل سبعين كيلوغرام للفرد في
الغرب، وكمية المطبوعات (٢٩) عنواناً لكل مليون من السكان في العالم العربي
مقابل (٤٨٨) عنواناً في العالم الذي يسمونه متقدماً، كما جاء في إحصائيات
اليونسكو، رغم هذا الكم القليل فإن المشكلة في مضمون هذا القليل وضحالته،
فالأمية الثقافية ضاربة أطنابها، وطرق التعليم ووسائل التنفيذ لم تؤهل الفرد ليبدأ
طريق العلم الصحيح، وقد وصلتني أخيراً رسالة من صديق يشكو هذا الكم من
الكتب التي عناؤها قليل ويذكر أمثلة على ذلك «الأحوال المطلوبة في رؤية
المخطوبة» و «فصل الخطاب في رؤية الخطاب» ... الخ.
لم يؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية تفسيراً كاملاً للقرآن، لأنه لا يريد أن يكرر
شيئاً قد كُتب عنه، مع أن التفسير كان أحب علم لديه كما يذكر هو عن نفسه،
ولذلك علق واستدرك على تفسير بعض الآيات والسور التي رأى أنها بحاجة إلى
زيادة بيان، إن العلم خير، ولكن كثرة التعريفات والاختلافات وكثرة الردود
والمهابشات العلمية، مما يربك أذهان الناس ويجعلهم في حيرة من أمرهم،
وبخاصة ذلك الناشئ المقبل على الله، والمقبل على الدعوة، ولهذا كتب ابن
الجوزي (تلبيس إبليس) حتى لا يُخدع طلبة العلم، وتصيبهم آفات الطلب والتأليف.
стр. 1689
دراسات تاريخية
منهج التفسير التاريخي
قواعد منهجية في تفسير الحوادث والحكم عليها
(٣)
د. محمد آمحزون
تناول الأخ الكاتب في الحلقتين السابقتين بالعرض للقواعد الثمان المنهجية في
تفسير الحوادث والحكم عليها، وتتلخص فيما يلي:
١- اعتماد المصادر الشرعية وتقديمها على كل مصدر فيما نصت عليه من
أخبار وضوابط وأحكام.
٢- الفهم الصحيح للإيمان ودوره في تفسير الأحداث.
٣- أثر العقيدة في دوافع السلوك لدى المسلمين.
٤- ذكر العوامل المؤثرة في حركة التاريخ.
٥- العلم بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم، والتثبت فيما يقال عنهم.
٦- الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف.
٧- العبرة بكثرة الفضائل.
- إحالة الحوادث على الخطأ في الاجتهاد.
ويواصل الحديث عن بقية القواعد في هذه الحلقة الأخيرة.
- البيان -
القاعدة التاسعة: الطريقة المثلى في معالجة
القضايا والأخطاء:
يلزم دارس التاريخ أن يدرس الظروف التي وقعت فيها أحداثه، والحالة
النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي اكتنفت تلك الأحداث، والأسباب التي دفعت
إلى ارتكاب الخطأ قبل أن يحكم عليه، حتى يكون حكمه أقرب إلى الصواب..
ونكتفي هنا بمثال واحد لبيان الطريقة المثالية في معالجة القضايا والأخطاء، ألا
وهو موقف النبي- ﷺ -من صنيع حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل
كتاباً مع امرأة من المشركين ليخبرهم بمسير الرسول ﷺ إلى مكة، ومن هذه الحادثة نستطيع أن نحدد ثلاث مراحل للمعالجة العادلة للخطأ أو الحادث:
* المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ أو وقوع الحادث، وفي
هذا الحادث تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي.
* المرحلة الثانية: مرحلة التثبت وتبين الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب
الخطأ، وهذا الأمر متمثل في قوله- ﷺ -لحاطب: «ما حملك
على ما صنعت؟» [١] ، وهذه المرحلة مهمة؛ لأنه إذا تبين بعد طرح هذا
السؤال أن هناك عذراً شرعياً في ارتكاب الخطأ تنتهي القضية عند هذا الحد، وإذا
لم يكن العذر مقنعاً من الناحية الشرعية فإنه يصار إلى:
* المرحلة الثالثة: وفيها يتم جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطأ ...
وحشدها إلى جانب خطئه، فقد ينغمر هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته،
وهذا الذي سلكه النبي- ﷺ -مع حاطب حيث قال لعمر عندما
استأذن في قتل حاطب: «أليس من أهل بدر؟» ، ثم قال: «لعل الله قد اطلع
على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو غفرت لكم» [٢] .
القاعدة العاشرة: الاستعانة بعلم الجرح والتعديل
للترجيح بين الروايات المتعارضة وبناء
الصورة التاريخية الصحيحة:
ينبغي الاستعانة بمنهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات، فهو الوسيلة
للترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنه خير معين في رفض بعض المتون
المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ صدر الإسلام.
وعلى هذا الأساس يتم اعتماد الروايات الصحيحة ثم الحسنة لبناء الصور
التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام، وعند التعارض يقدم
الأقوى دائماً، أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى فيمكن الإفادة منها في إكمال
الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة، على شرط أن تتماشى مع روح
المجتمع الإسلامي ولا تناقض جانباً عقدياً أو شرعياً، لأن القاعدة: «التشدد فيما
يتعلق بالعقيدة والشريعة» .
ومن ناحية ثانية، إذا كان أهل الحديث يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن
كانت روايتهم تؤيد أحاديث صحيحة موثقة، فلابأس إذن من الأخذ بهذا الجانب في
التاريخ وجعله معياراً ومقياساً إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها، ومن هذا
المنطلق تتخذ الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند الإخباريين مثل
سيف بن عمر الضبي والواقدي وأبي مخنف وغيرهم.. فما اتفق معها مما أورده
هؤلاء تلقيناه بالقبول، وما خالفها تركناه ونبذناه.
القاعدة الحادية عشر: الرجوع إلى كتب السنة
كمصدر مهم لأخبار صدر الإسلام:
وكذلك من المفيد جداً في كتابة التاريخ الإسلامي الرجوع إلى كتب السنة إذ
هي مصدر موثوق وراجح لأخبار الصدر الأول، لوجود روايات تاريخية كثيرة
فيها على درجة عالية من الصحة، ونظراً لأن كتب الحديث خُدمتْ أكثر من كتب
التاريخ من قبل النقاد، فمثلاً قد تميز صحيحا البخاري ومسلم وعرف أن كل ما
فيهما صحيح بعد الدراسات النقدية التي قام بها كبار الحفاظ القدامى والدارسون
المعاصرون.
وتتضاعف كمية هذه الأخبار الموثوقة بالرجوع إلى كتب السنن والمسانيد
والمصنفات ومعاجم الصحابة، وكتب الفضائل والطبقات، والتواريخ التي صنفها
المحدثون، وكتابات العلماء الذين كانت لهم عناية بشرح كتب الحديث وذلك أن
ثقافتهم الحديثية الممحصة واقتباساتهم من كتب التاريخ المفقودة التي دونها المحدثون
الأولون، جعلت شروحهم غنية بنصوص تاريخية، فعلى سبيل المثال يعتبر كتاب
«فتح الباري، شرح صحيح البخاري» للحافظ ابن حجر مثلاً واضحاً لهذه الكتب
وهؤلاء العلماء، إذ يشمل من الفوائد التاريخية كمية لا يستهان بها.
القاعدة الثانية عشر: معرفة حدود الأخذ من كتب
أصحاب الأهواء والفرق:
من القواعد المهمة أيضاً معرفة الحدود التي تراعى عند الأخذ من كتب
أصحاب الأهواء من الفرق الضالة المبتدعة، إما استجابة لشهوة أو هوى أو بدعوى
التأويل المتعسف أو بالوقوع تحت تأثير الزندقة والكفر.
وقد اعتنى أهل السنة بضبط مذاهب الفرق وأقوالهم لتعرف أحوالهم ومواقفهم، ويكون المسلم على بيّنة منها فلا يخدع من قبلهم.
ولهذا الغرض أفرد بعضهم ذلك بمؤلفات خاصة مثل أبي الحسن الأشعري في
«مقالات الإسلاميين» ، وأبي الحسن الملطي في «التنبيه والرد على أهل
البدع» ، وابن حزم في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل» .
كما أن أصحاب الفرق أنفسهم قاموا بتدوين مذاهبهم ومعتقداتهم وأخبارهم
وتراجم رجالهم وعلمائهم ومناظراتهم وردودهم على المخالفين لهم ومنهم من اشتغل
بالتاريخ فقام بتدوين الأخبار وفقاً لمعتقده الخاص أو مذهبه السياسي، فأظهر مثالب
خصومه وأخفى محاسنهم.
ولأجل هذا لابد للمؤرخ المسلم من التعرف على اتجاهات هؤلاء وعقائدهم،
لأن ذلك يمكنه من التعامل مع النصوص التي أوردوها بما يكون لديه من خلفية عن
اتجاهاتهم وآرائهم ومواقفهم، ثم يقارنها بغيرها عند المؤرخين أو العلماء العدول
الثقات.
وعلى ضوء المقابلة والمقارنة بين النصوص ينظر إلى تعصب الراوي من
عدمه؛ فمن لاحت عليه أمارات التحزب أو التحيز لنحلة أو طائفة أو مذهب لا
يؤخذ منه في هذه الحال، لأن الخصومة والتعصب حجاب ساتر عن رؤية الحقيقة
أما من لا يلحظ عليه التعصب وإن كان من أهل البدع وكان صدوقاً في نفسه
معروفاً بالورع والتقوى والضبط، فتقبل روايته، فقد أخرج بعض الأئمة لنفر من
أهل البدع الذين لا يكذبون، فهذا الإمام البخاري أخرج في صحيحه لعمران بن
حطان الخارجي رغم أنه من كبار الدعاة إلى بدعة الخوارج، لكنه عرف بالورع
والتقوى وأنه لا يكذب.
وقد يجد الباحث في ثنايا الأخبار التي يرويها أهل البدع عن أهل طائفتهم
ومذهبهم ما يمكن أن يكون حجة عليهم وبمثابة الإقرار منهم كحكايتهم لبعض الأقوال
المتضاربة والمعتلة.
القاعدة الثالثة عشر: معرفة ضوابط الأخذ
من كتب غير المسلمين:
إذا كان للتاريخ الإسلامي قواعد وأصول وضوابط شرعية يجب على المؤرخ
المسلم أن يلتزم بها، ويكون بحثه واجتهاده في نطاقها، فذلك يعني الاحتياط عند
الأخذ من كتب غير المسلمين، خصوصاً وأن الحرية بلا قيود وبلا ضوابط تلقاها
العلمانيون في الغرب أو في الشرق وطبقوها على التاريخ الإسلامي بمفاهيمها
المحلية عندهم.
هذا مع الفرق الشاسع بين المنهج العلماني والمنهج الإسلامي بسبب الاختلاف
في التصورات والمفاهيم والمبادئ إذ المنهج جزء من التصور مما جعل نتائج
أبحاثهم ودراساتهم مناقضة للأحكام الإسلامية وواقع المجتمع الإسلامي؛ لهذا فإن
القضايا التي تطرحها كتب غير المسلمين من يهود ونصارى وغيرهم، التي تعالج
التاريخ الإسلامي خصوصاً الصدر الإسلامي الأول ينبغي أن تدرس بعناية وحذر
شديدين، لأنهم لا يصدقون في كثير مما يقولونه عن الإسلام ونظمه ورجاله، ولا
يحل وفق ذلك للمسلم أن يروي عنهم أو يأخذ منهم، لاسيما وأن من شروط البحث
في هذه القضايا عرض الأقوال والأعمال على كتاب الله وسنة رسوله.
على أن غير المسلمين ليس لديهم من الموانع عن الكذب ما لدى المسلمين،
وبالتالي فهم لا يعرفون هذه الموانع، لأنهم لا يجدونها في مجتمعاتهم وبيئاتهم
والإنسان وليد بيئته وذلك لغلبة التيار المادي عليها وما ينتج عنه من تنافس
وصراعات دائمة. وحيث انطلقوا من واقعهم هذا للحكم على غيرهم بنفس المنظار، وقعوا في الخطأ وعمموا الأحكام وشوهوا التاريخ.
ثم إذا كان علماء الإسلام لا يثبتون الأحكام بما يرويه المسلم ضعيف الضبط،
فكيف يحق لقوم مؤمنين أن يحملوا عن كافر ساقط العدالة! بل ويضمر من الحقد
والبغضاء لهذا الدين ما لا يعلمه إلا الله.
القاعدة الرابعة عشر: مراعاة ظروف العصر
الذي وقعت فيه الحادثة:
ينبغي أن نعلم أن بعض تلك الحوادث الواقعة في صدر الإسلام لا يبررها
غير ظروفها التي وقعت فيها، فلا نحكم عليها بالعقلية أو الظروف التي نعيش فيها
نحن أو بأي ظروف يعيش فيها غير أصحاب تلك الحوادث، لأن الحكم حينئذ لن
يستند إلى مبررات موضوعية، وبالتالي تكون نظرة الحاكم إلى هذه الوقائع لم
تستكمل وسائل الحكم الصحيح، فيصدر الحكم غير مطابق للواقع.
ومن الملاحظ أن الخلط بين الواقع المأساوي الذي يعيشه المسلمون في هذا
العصر وبين واقع المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام، يرجع إلى الخطأ في الفهم
الناتج في الغالب عن الصورة القاتمة والمغرضة التي يتلقاها النشء عن تاريخ
الإسلام وحضارته بواسطة المناهج المنحرفة والفلسفات الوضعية التي تعمم الأحكام
وتشوه بذلك التاريخ.
ولا شك أن مصدر الخطأ في هذه المناهج والفلسفات هو تدخل أصحابها
بالتفسير الخاطئ للحوادث التاريخية وفق مقتضيات وأحوال عصرهم الذي يعيشون
فيه، دون أن يراعوا ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة وأحوال الناس
وتوجهاتهم في ذلك الوقت، والعقيدة التي تحكمهم ويدينون بها.. أو بعبارة أخرى:
إن مصدر الخطأ في منهجهم هو تطبيق واقع العصر الحاضر ومفاهيمه على
العصور السابقة، مع أن لكل عصر مميزاته الواضحة التي تسمى في منهج البحث
العلمي «روح العصر» .
وبناء على ذلك يمكن القول إن سبب انحراف منهجهم ومن اتبعهم في هذا
الطريق هو القياس الفاسد، إذ أنه من الخطأ لإنسان يعيش في هذا العصر عصر
الأثرة والأنانية، وتقديم المصلحة الشخصية على مصلحة الأمة، وعدم الاعتزاز
بالأخلاق والمثل والمبادئ، أن يقيس هذا العصر على عصر صدر الإسلام، عصر
تقدير المسؤولية، ومراقبة الله جل وعلا في السر والعلن وبذل النفس والمال في
سبيل المصلحة العامة للأمة.
فمادمنا في عصر تغلب فيه الصراعات السياسية والاقتصادية والتكتلات
الحزبية النفعية، فقد قام هؤلاء بتطبيق هذا الواقع بظلاله القاتمة وسلبياته على ذلك
العصر الذي كانت العقيدة والمبدأ هي المنطلق والأساس لتصرفات الناس فيه،
وسبب ذلك أن الكتابة التاريخية المعاصرة اصطبغت إلا النزر اليسير بالمنهج
المادي الغربي الذي هو بطبيعة الحال ابن بيئته، تلك البيئة التي تتمرغ في أوحال
المادية، وتعاني من مرارة الصراع النفعي، ولا تؤمن بما يسمى بالقيم والمبادئ
لكنها تؤمن بما يسمى بالمصالح، ثم فوق ذلك كله هي غارقة إلى أذنيها في النظرة
المتعصبة الحاقدة على الإسلام.
القاعدة الخامسة عشر استعمال المصطلحات الإسلامية:
تعد قضية المصطلحات من أشد العناصر أثراً وأهمية وخطورة في ثقافة
الشعوب لأنه عن طريقها يتم تثبيت المفاهيم والأفكار.
والمصطلح كلمة أو كلمتان، وقد لا تتعدى ذلك إلا في حالات نادرة لكن هذه
الكلمة قادرة على تحويل التفكير من وجهة إلى نقيضها، بل قادرة على أن تفقد
الإنسان التفكير أصلاً.
ولأن المصطلحات بهذا القدر من الأهمية، فإنه منذ أن تقرر في أوكار
الصهيونية والصليبية تدمير الخلافة الإسلامية، وأعداء الأمة الإسلامية يحرصون
على تخريب الفكر الإسلامي، وتشويه العقل المسلم من باب المصطلحات والمفاهيم.
فقد كان من تأثير الغزو الثقافي الأوربي للمسلمين أن شاعت بينهم مصطلحات
ومفاهيم غريبة عن عقيدتهم وثقافتهم حتى كادت أن تختفي المصطلحات
الإسلامية.. على أن هذا المنزلق يتمثل في عدم وعي الباحثين المعاصرين بأن المصطلحات الحديثة إنما تنبثق من رؤية خاصة للفكر الغربي فهي ذات مضامين ودلالات محلية وتاريخية لا يمكن فصلها عن ذلك الوسط الاجتماعي والظروف التاريخية والثقافية التي لابست نشوء هذا المصطلح أو ذاك، فالمثقفون في العالم الإسلامي كانوا إلى مشارف الخمسينيات لا يدركون أن المصطلح جزء لا يتجزأ من التركيبة أو البنية الحضارية لأي مجتمع وكانوا في حالة الدفاع عن الذات يحاولون أن يوجدوا لكل عنوان براق في المدنية الغربية مثيله في الإسلام عن طريق عقد مقارنات شكلية لا تعير بالاً للارتباط الوثيق الذي يوجد بين المصطلحات والعقائد والأفكار المنبثقة من واقع مجتمع معين.
ولنذكر على سبيل المثال مصطلح اليمين واليسار، فقد نشأ هذا المصطلح
خلال الثورة الفرنسية، وذلك في اجتماع الجمعية التأسيسية المنعقدة بتاريخ الحادي
عشر من شهر أيلول (سبتمبر) عام تسع وثمانين وسبعمائة وألف ميلادية، حيث
جلس الأشراف ومؤيدو النظام الملكي على يمين الرئيس وجلس خصومهم أنصار
الثورة على يساره، حتى أصبحت قاعدة تستخدم لتصنيف الفكر السياسي [٣] .
ومما لا شك فيه أن هذه الخلفية التاريخية تركت بصماتها على التعريف إلا
أنه في عصرنا هذا أصبحت كلمتا اليمين واليسار تعبيرين مطاطيين يختلف
مدلولهما حسب الدولة والمراحل التاريخية: فاليسار في دولة ما يعتبر يميناً في دولة
أخرى.
ورغم أن تصنيفات اليمين واليسار لعبة صهيونية [٤] ، إلا أن بعض الباحثين
مع الأسف وظفوها بصورة آلية، حتى أن بعضهم ألفوا كتباً يصنفون فيها الصحابة
﵃ إلى يمين ويسار، وأن قمة الصراع الطبقي في زعمهم كانت بين
زعيم اليمين معاوية بن أبي سفيان وزعيم اليسار علي بن أبي طالب، والتاريخ
الإسلامي بالنسبة إلى هؤلاء عبارة عن يسار ويمين فالمعتزلة يسار والأشاعرة يمين، والفلسفة العقلانية الطبيعية عند ابن رشد يسار، والفلسفة الإشراقية الفيضية عند
الفارابي وابن سينا يمين والمالكية الذين يقولون بالمصالح المرسلة يسار، والفقه
الافتراضي عند الحنفية يمين، والتفسير بالمعقول يسار، والتفسير بالمأثور
يمين [٥] ، إلى غير ذلك من التصنيفات الغريبة.
إنه يجب الحذر من التقليد الأعمى، إذ يكمن خطر الذوبان في الفكر الجاهلي
الغربي والضياع وسط مصطلحاته الكثيرة التي تفقدنا ذاتيتنا المستقلة وينبغي
استعمال المصطلحات الإسلامية، لأنها ذات دلالة واضحة ومحددة ولأنها معايير
شرعية لها قيمتها في وزن الأشخاص والأحداث.. فالقرآن الكريم قسم الناس إلى:
«المؤمن» و «الكافر» و «المنافق» ، ولكل من الثلاثة صفات محددة ثابتة
ودقيقة لا تقبل التلاعب فيها.
فما ينبغي أن نحيد عن هذا التقسيم إلى مصطلحات نبتت في أوساط غير
إسلامية كوصف الإنسان بأنه يميني أو يساري أو غير ذلك من النعوت غير
الشرعية والتي ليست محددة بصورة دقيقة وثابتة، وكذلك فإن الحكم على الأعمال
والمنجزات التاريخية والحضارية ينبغي أن تستخدم فيه المصطلحات الشرعية وهي
«الخير» و «الشر» و «الحق» و «الباطل» و «العدل»
و «الظلم» ، كما جاءت محددة في القرآن والسنة، ولا تستخدم معايير
الفكر الغربي كالتقدمية والرجعية.. [٦] . ...
وقد تابع الباحثون العرب الغربيين في كل شيء حتى في المصطلحات ذات
العلاقة بالتوزيع الجغرافي والتوزيع التاريخي التي لا صلة لها بواقعهم أو تاريخهم،
ففي إطار التوزيع الجغرافي وضع الغربيون مصطلحات الشرق الأدنى والشرق
الأوسط والشرق الأقصى، وهي مصطلحات يستعملها العرب اليوم بلا بصيرة؛
وذلك لأن المستعمر الأوربي اعتبر نفسه في مركز الأرض فأطلق هذا التوزيع
بالنسبة لموقعه.
وكذلك التوزيع التاريخي مثل العصور القديمة والعصور الوسطى والعصور
الحديثة، فهذا التوزيع يتميز بمراحل وتقلبات تاريخية عاشتها أوربا مما يجعل لكل
فترة من هذه الفترات خصائص ومفاهيم مستقلة تبعاً للتطورات والانقلابات الفكرية
والعقائدية التي عاشتها أوربا في كل حقبة من هذه الحقب: فالعصور القديمة تميزت
بالوثنيات الإغريقية والرومانية، ثم جاءت العصور الوسطى فعرفت هيمنة الكنيسة
وتسلط البابوية، بينما كان من سمات العصور الحديثة ظهور النظم العلمانية والدول
الحديثة.. أما التاريخ الإسلامي بما فيه تاريخ الأنبياء فهو وحدة واحدة بالنظر إلى
المفاهيم والمبادئ السائدة فيه التي لا تتبدل تبعاً لتبدل الزمان والدول والحكام؛ لأنه
تاريخ أمة ذات عقيدة واحدة ثابتة لا يطرأ عليها التغيير، ولذلك ليس بلازم أخذ هذا
التوزيع الأوربي ولا متابعتهم عليه؛ لأنه يفتت تاريخنا ويوجد الحواجز بين
عصوره.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أدعو الباحثين والمؤرخين المسلمين إلى تقديم
دراسات مفصلة تكشف عن حقائق التاريخ الإسلامي، وصياغة منهج نقدي تعامل
وفقه الروايات التاريخية، والمساهمة في تصحيح الأفكار والمفاهيم والعودة بالنشء
إلى المنابع الصافية في الكتاب والسنة؛ لأن تاريخ هذه الأمة بمثابة عرضها
وشرفها، إذ هو القناة التي أوصلت لنا هذا الدين جملة وتفصيلاً وبقدر ما تتلوث
القناة يتلوث المنقول خلالها.
ومن الواضح أن إبراز المنهج الإسلامي في كتابة التاريخ، وتدوين قواعده،
وبيان ركائزه ومنطلقاته، والالتزام به من أهم وسائل التصحيح المنشود في هذا
السبيل، وأن هذا الالتزام يعد ضرورة علمية، ووظيفة شرعية وحاجة إنسانية
والإخلال بها إخلال بموازين العلم الصحيحة وبالأحكام الشرعية، كما يسبب ذلك
نقصاً كبيراً في الدراسة وتشويهاً للوقائع التاريخية بل يسبب انحرافاً خطيراً في
التفسير والفهم والسلوك تجاه الأحداث.
ومن ثم أصبح فرضاً على كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن
يعتبر ذلك من أفضل العبادات، وأن يبادر له ويجتهد فيه ما استطاع إلى أن يكون
أمام شباب المسلمين مثال صالح من سلفهم يقتدون به ويحددون عهده ويصلحون
سيرتهم بصلاح وكمال سيرته.
ولأجل ذلك، لابد من محاولة جادة لإعادة صياغة التاريخ الإسلامي بأقلام
إسلامية تؤمن بالله ورسوله، وتحب صحابة رسول الله- ﷺ ، مع
إحساس بدور الإسلام في الحياة، كما تحس بدور القدوة الصالحة للخلافة الراشدة
في تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، لاسيما وأن تاريخ الخلفاء الراشدين اختص
بصفات تميز بها الخلفاء في سلوكهم الذاتي، وفي إدارتهم لشؤون الأمة ورعايتهم
لدينها وعقيدتها، وحفاظهم على المنهج الذي جاء به رسول الله-صلى الله عليه
وسلم-من الدعوة والجهاد وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك
صار عصرهم مع عصر النبوة معلماً بارزاً ونموذجاً مكتملاً ينبغي أن نسعى إلى
محاولة الوصول إليه، وجعله معلماً من معالم التأسي والقدوة الصالحة للأجيال
الإسلامية في هذا العصر.
стр. 1690
نصوص شعرية
الفجر الدامي
جريمة ومجزرة في المسجد الإبراهيمي
د. عدنان علي رضا النحوي
دَوّى الأذانُ! فَيَا مَنَابرُ أوّبي ... شوقاً إلى خُضُرّ الجنَان وردّدي
وكَأنّ شَقْشَقَةَ الطُيُور نَدَاوَةٌ ... رَفّت وَتَسْبيحُ الرّبى والأوهُد
وكأنّ وَسْوَسَة الزّهور تظلّ تَسأ ... لُ ما يُخَبّأ يا مَرابعُ في غَد
وتَنَفّسَ الوَرْدُ الغَنيّ كأنّهُ ... عَبَقٌ يجودُ بعطره المتورّد
يُلقي على الساحات من دَمه دَماً ... ليَقُول: يا دُنيا أطلّي واشهَدي
* * * *
وَتَنَفّسَ الصّبحُ النّديّ وحَوّمَتْ ... بَينَ الدّيار مُنى وطلعةُ شُهّد
يَسْعَون للبَيّت المنوّر بالهُدى ... مُستَبشرين بجَولة أو مَوعد
نعمَ البُكورُ، وتلكَ عَزْمَةُ مُؤمن ... والجُمعَةُ الزّهراءُ لَهْفَةُ أرشَد
والنورُ من رمضَانَ مُنْبَلحٌ على ... سَاحاتهَا فَيْضاً غَنيّ المورد
يَا للفَضَائل! كُلّها قد جُمّعَتْ ... للصّائمينَ القائمينَ السّهّد
* * * *
رُفعُ الأذَان فأقبَلُوا وصُفُوفُهم ... مَرصُوصَةٌ وَقُلُوبُهم شَوقُ الغَد
الله أكبَرُ! فانحَنَوا لركُوعهم ... والله يَسمعُ خَفقَةَ المُتَوَجّد
رَفَعوا وأهوَوا للسّجود فَلا تَرَى ... إلا خُشُوعَ العابدينَ السّجّد
دوى الّرصاص! وخَلّفَ كُلّ رصاصة ... عات تمرّسَ في الضّلال الأنكَد
دوّى الرصاصُ! فكم شَهيد فجرت ... أضلاعُه ومُجَنْدَل لم يُرفَد
تتطايَرُ الأشلاءُ! كُلّ ضَحيّة تَشكُو لبَارئهَا هَوانَ الهُجّد
وتَلاقَت الأشلاءُ عَبْرَ فَضَائها ... منَ كُلّ ناحية تُباحُ لمُعتَدي
من أرض «كشمير» نداءُ دمَائها ... من أرض بوسْنةَ صَرخَةٌ لم تُنْجَد
من كُلّ مجزَرَة بَقايا أمّة ... تُلْقَى وتُنْثَر في الفَضَاء الأربد
أضْحَت دمَاء المسلمينَ مُباحَةً ... للمُجرميينَ! لكُلّ عَات مُفْسد
وديارُنا أضْحَتْ مُفَتّحَةً لَهُم ... وقُلُوبُنَا فَتحت لفتنَة مُلحد
* * * *
يا لليَهود! وخَلفَ كُلّ مُصيبة ... فتَنٌ لَهُمْ وَيَدٌ! فَيَا شَرّ اليَد!
جَمَعُوا منَ الأحلاف بَيْنَ حبَالهم ... دُوَلاً فماجُوا بالبَلاء المُرعِد
لا! لا يُريدون السلامَ ولا يُريدُ ... الأمريكَانُ وَلا طبائع مُعتدي
جَعَلُوا السلام خَديعةً نَصَبُوا بها ... شَركاً يُمَدّ لحائر مُترَدّد
أينَ النظَامُ العالميّ وأينَ يا ... دُنيا حُقوقُ مُقَتّل ومُطَرّد؟ !
أينَ العَدَالةُ والوُعُودُ وكَيفَ يُر ... جى العَدل من ذئب يَجُولُ وأسود [١] ؟ !
يا أمّتي إن لَم تُفيقي فاشهَدي ... أموَاجَ لَيْل زَاحف مُتَمَدّد
لُمي صُفُوفك، أمة الإسلام، كَال ... بنيَان مَشْدوداً بعَهد آكد
خُوضي مَيادين الجهاد وَرَجّعي ... شَوْقَ الشّهادة دوُنَ ذلك وانهَدي
يا أمة الإسلام تلك أمانَةٌ ... وشَهَادَةٌ لله! قُومي فاشْهَدي
لا! لن يُقيمَ العَدْلَ إلا مُؤمنٌ ... صَدَقَ الإله وقالَ: يَا نَفسي ردي
* * * *
دارَ الخليل تحية من مُهجة ... عَرَفتْ جَلالَ جهادك المُتَوَقّد
قد كُنت بالأمس القريب غَنيّة ... بالبَذْل زاهيَةً بجُودك واليَد
طَهّرت أرضَك من تَدفّق رجسهم ... ورَويتها بالطّهر من دَمك النّدي [٢]
واليومَ أعلَيت الوفاءَ فهذه ... زُمَرٌ تَواثَبُ للشّهادة فاسعدي
وغَداً تَرَيْنَ مَوَاكباً مَوصُولةً ... لله زاحفةَ وطلْعة رُوّد
والنصرُ كالفجر المنّور مُقبلٌ ... بُشرى إليك وآيةٌ للمُهْتَدي
ميلي إلى الأقصى! حَنيُك لم يَزَلْ ... صَفْوَاً وَعَهْدَاً لم يَزَل أمَل الغَد
ميلي هُناكَ وجَدّدي عَهداً أبرّ ... لجوْلة تُوفي بصدْق الموعد
* * * *
стр. 1691
المسلمون والعالم
البوسنة على مفترق طرق
د. أحمد بن راشد بن سعيّد
منذ بدء المأساة البوسنية اجتهد الغرب في أن يفك الحلف بين المسلمين
والكروات، الحلف الذي اعتبره الغرب غير طبيعي، لأنه موجه ضد الصرب
الذين يلتقون مع الكروات في عبادة المسيح! ، وكانت الخطة الإنجليزية الخبيثة «
بتطميع» الكروات في أراضي المسلمين عبر خطة (فانس، أوين) هي إحدى
الوسائل التي انتهجها الغرب لفك هذا الحلف، وقد انقض الكروات بعد هذه الخطة
يحاصرون موستار وترافنيك وغيرهما من المدن الآهلة بالمسلمين؛ لأن الخطة
المجحفة أعطتها الكروات.. وبعد برهة أعلن الغرب أن الخطة فشلت وأن
(الملاذات الآمنة) هي الحل الوحيد الذي بقي للمسلمين في البوسنة!
ثم كرت الشهور، وقاتل المسلمون ببسالة الخونة الكروات والمعتدين الصرب، ... بل قاموا بعمليات هجومية ناجحة ضدهم، ودحروا الكروات بخاصة في عدة
مواقع، وأنزلوا بهم هزائم فادحة، وتدخل جيش كرواتيا النظامي في محاولة يائسة
لوقف التقدم الإسلامي، فلم يفلح.
وكان الموقف الغربي إزاء هذه الأحداث المصيرية في حياة المسلمين موقف
المراقب المتوتر الأعصاب، فتارة يشجب الاعتداء الصربي، وتارة يستنكر تدخل
كرواتيا، ويلوح بالعقوبات ضدها، وبين هذين الموقفين يدعو إلى عقد مفاوضات
سلام فارغة لتقنين الظلم وتكريس العدوان.
بيد أن المسلمين خيبوا آمال المعتدين وحلفاءهم الغربيين، وسيسجل التاريخ
أن أهل البوسنة المسلمين صمدوا صمود الأبطال في معركتهم الشريفة ضد القوى
الظالمة ومن وراءها الحضارة الغربية المتخلفة، وأنهم قاتلوا بعدة زهيدة صنعوها
بأيديهم جيوشاً مدججة بالسلاح، وأنهم نجحوا سياسياً وعسكرياً في إفشال مؤامرة
الإجهاز على الإسلام في قلب أوروبا.
أقول: ظل الغرب يرقب الأحداث وقد أذهله صمود المسلمين وتقدمهم إلى أن
حدثت مذبحة السوق في سراييفو يوم الخامس من شباط (فبراير) الماضي فعمقت
الشعور بالحرج لدى العالم الغربي، وأكدت الحاجة إلى عمل ما لوقف المأساة التي
لم يستطع الصرب والكروات حسمها، وقد لخص هذا الشعور الذي كان سائداً لفترة
طويلة قبل مذبحة السوق قول «مارتن وولاكوت» في صحيفة «الجارديان» أن
«رفض الضحايا المسلمين لقبول الهزيمة والموت قد حطم أسوأ الخطط
الغربية» [١] .
إستراتيجية جديدة:
بُعيد المذبحة سلكت السياسة الغربية محورين جديدين هما: محاولة احتواء
المقاومة البوسنية المتصاعدة، والسعي لإقامة فيدرالية بين المسلمين والكروات،
وقد ساهم في إحداث هذا التغير عوامل مهمة ظهرت على الأرض أبرزها تنامي
القوة العسكرية البوسنية، وقد نشر «بول بيفر» مؤلف كتاب (تقويم الأمن
الإقليمي للبلقان) مقالاً في صحيفة «الوول ستريت جورنال» الأمريكية بعنوان (ما
وراء القوة الجديدة للجيش البوسني) ذكر فيه أن هذا الجيش يتلقى الآن إمدادات
عسكرية وأسلحة حديثة، وأن جنوداً مدربين من خارج المنطقة قد انضموا إليه،
وأضاف «بيفر» أن الجيش يتكون من (٨٠. ٠٠٠) مقاتل، وينقسم إلى ستة
فيالق (كل فيلق ١٠. ٠٠٠) ، ولواءين (كل لواء ٢٠. ٠٠٠) ، جنود اللواءين هم
الذين يقاتلون بضراوة ويحققون انتصارات حاسمة، أحد اللواءين كما يقول «
بيفر» يتألف من (إسلاميين أصوليين متطوعين) ، والآخر يتألف من لاجئي
منطقة «كرايينا» التي احتلها الصرب في كرواتيا [٢] .
ويحصل الجيش على أسلحته من مصانع السلاح التي أعاد تشغيلها في وسط
البوسنة، وقد بدأ بإنتاج مدافع من عيار (١٠٥ملم) في مدينة «زينكا» [٣] ، كما
يحصل على السلاح من غنائم المعارك سيما مع الكروات وتصل إليه أسلحة من
تركيا [٤] ، ويذكر «مارتن دولاكوت» كاتب صحيفة «الجارديان» أن البلاد
الإسلامية تزود البوسنة بالسلاح بشكل غير مباشر حيث تقوم بتحمل أعباء مالية
معينة للحكومة البوسنية، فتقوم هذه الحكومة بتوجيه كل مواردها للمقاومة [٥] .
ومن العوامل المهمة التي أحدثت تغييراً في السياسة الغربية تجاه البوسنة فشل
الكروات في تحقيق نصر على المسلمين، بل إن النصر كان بفضل الله حليف
المسلمين في معظم المعارك التي نشبت بينهم وبين الكروات، كما إن الصرب
فشلوا في اقتحام «سراييفو وتوزلا وجوراجدة وبيهاتش وماجلاي ... » ويقول
«مارتن وولاكوت» أن الذي تغير في البوسنة هو أن المسلمين رفضوا أن يؤدوا دور (الضحية) الذي خصصه الغرب لهم، واختاروا المقاومة ولذا فإن «الاستراتيجية الغربية أفلست وانهارت» [٦] (تأمل!) .
ويبقى العامل الأخير والأهم لتغير الاستراتيجية الغربية في البوسنة هو
الخوف القديم الجديد من ظهور دولة إسلامية خالصة وقوية في أوروبا تقض
مضاجع الكفر وأهله، ولذلك اعتمد الغرب كما أسلفت محاولة احتواء المقاومة
الإسلامية والسعي لإنشاء اتحاد فيدرالي في البوسنة بين المسلمين والكروات يرتبط
لاحقاً باتحاد كونفدرالي مع كرواتيا.
احتواء المقاومة:
وكانت الخطوة الأولى التي قام بها الغرب في استراتيجيته الجديدة هي توجيه
إنذار بُعيد مذبحة السوق بشأن شن غارات جوية على مواقع الأسلحة الثقيلة في «
سراييفو» ، ولم يكن الهدف من هذا الإنذار ردع العدوان الصربي والكرواتي، فقد
تحدث فقط عن سراييفو، وأغفل معاناة المسلمين في الأماكن الأخرى مثل «توزلا
وماجلاي وبيهاتش» ، ولم يطلب الإنذار إنهاء حصار «سراييفو» ، ونص فقط
على سحب المدفعية الصربية مسافة (٢٠كم) ، مع أن الصرب يملكون مدافع يتجاوز
مداها هذا الرقم، كما أنهم يملكون أسلحة أخرى فتاكة كالرشاشات والمدافع الخفيفة
وبنادق القنص، وطالب الإنذار الجميع بتسليم أسلحتهم الثقيلة مما يؤكد استمرار
الغرب في معاقبة الضحية ومكافأة وإرضاء المعتدي.
وقد اتضحت ملامح مؤامرة جديدة بانتشار بضع مئات من الجنود (الروس)
على جبال سراييفو [٧] بالرغم من اعتراض الحكومة البوسنية الشرعية على
قدومهم بدعوى أن روسيا غير محايدة في الصراع، إلا أن بطرس غالي أكد موافقته
على ذلك، ولم يعر اهتماماً لاحتجاج الحكومة، كما اقترحت فرنسا وضع «
سراييفو» تحت إدارة الأمم المتحدة غير عابئة بسيادة حكومة البوسنة وقد سارع
(البطرس) إلى إبداء موافقته على الاقتراح حتى قبل مناقشته من قبل الاتحاد
الأوروبي ومجلس الأمن [٨] ، ويتساءل «أنتوني لويس» كاتب «النيويورك
تايمز» قائلاً: «هل وقف البوسنيون أمام اعتداءات الإبادة خلال العامين
الماضيين ليحكمهم في النهاية» بطرس بطرس غالي «وبيروقراطيته
الحمقاء؟ !» [٩] .
ولقد صُممّ الإنذار ليخدم مصالح الصرب، فالمسلمون لابد أن يسلموا أسلحتهم
الثقيلة حيث لا يوجد مكان ينسحبون إليه، والصرب سلموا مئة مدفع قديمة من بقايا
الحرب العالمية الثانية وسحبوا (٤٠٠) استعلموا بعضاً منها مؤخراً في قصف «
بيهاتش وماغلاي» ، وقد صرح مسئول بوسني بأن القضية كلها «خدعة» قائلاً:
«الأمم المتحدة موجودة هنا لتساعد الصرب، فبينما يتركز الاهتمام على سراييفو
يحاول الصرب أخذ بيهاتش، إنهم يحاولون وصل كينين ببانيالوكا» [١٠]
إن فكرة وضع سراييفو تحت إدارة «بطرس غالي» ليست أصلاً فكرة
فرنسا بل هي فكرة الصرب، وقد صرح «يوفان زاميتيشا» أحد مستشاري
المجرم «رادوفان كاراجيتش» أن «سحب الصرب أسلحتهم أو وضعها تحت
إشراف الأمم المتحدة لم يكن نتيجة للإنذار، إن وضع سراييفو تحت الإدارة الدولية
كان مبادرة صربية طرحت قبل مذبحة السوق بوقت طويل، اهدموا سراييفو
واجعلوها نموذجاً صالحاً لبقية البلاد، هذه كانت فكرتنا» [١١] .
في الحقيقة إن إبعاد المدافع الصربية (٢٠كم) وانتشار الروس على الجبال
يعني استمرار حصار سراييفو، ولكن على بعد (٢٠كم) بدل (٥ كم) كما كان الحال
سابقاً، إنه يعني تجميد الحصار وتقنينه رسمياً من قبل الأمم المتحدة، كما يمثل
مدخلاً لتقسيم المدينة.
وإذا تم نقل هذا النموذج إلى المدن المسلمة الأخرى المحاصرة كما دعا إلى
ذلك بعض السياسيين والصحفيين الغربيين، فإنها دعوة لاحتواء المقاومة البوسنية،
وتكريس المكاسب الصربية، وتقسيم البلاد أو دعوة لخنق الشعب المسلم في
البوسنة «بخيط أزرق رفيع» وجعله فقط «سعيداً بقوافل الطحين» [١٢] .
الاتحاد الفيدرالي:
لقد أدرك الغرب أخيراً أنه لا مفر من قيام كيان إسلامي في البوسنة، كما
أدرك أن المسلمين لن يتخلوا عن خيار القتال حتى تتوفر لكيانهم المنتظر أسباب
البقاء والحياة، ويرى بعض المحللين مثل «سعيد عكاشة» أن أوروبا ليست على
استعداد لتحويل مسلمي البوسنة إلى مهاجرين في شتات أوروبي يتوقع توحيده في
غضون سنوات، كما يذكر أن بعض مفكري أوروبا يرون أن تشتت مسلمي
البوسنة «سيصبح دعماً لروح التمرد على الحضارة الغربية التي يقودها مهاجرو
العالم الثالث في الغرب في الآونة الأخيرة» ، ولذلك يخلص «عكاشة» إلى
القول: إن الخوف الأوروبي من القضاء على الكيان الإسلامي له ما
يسوغه [١٣] .
غير أن واقع الأمر يشير إلى أن الغرب لم يفكر بهذا الذكاء منذ البداية بل
دفعه الحقد الصليبي إلى محاولة إبادة الشعب البوسني وتذويبه، وهو الآن يبدو
مرغماً على الاعتراف بوجود سياسي حقيقي للمسلمين في البوسنة، بعد أن فشلت
محاولة الإبادة وصمد الشعب البوسني في ميادين القتال، وعاد بعض أبنائه إلى
(الأصولية) كما يقولون، ولم يبق أمام الغرب بعد فشل التحالف الكرواتي الصربي
ضد المسلمين إلا السعي لإقامة اتحاد فيدرالي بين الكروات والمسلمين يتحد بعد ذلك
كونفدرالياً مع كرواتيا، ويهدف الغرب من ذلك إلى عدم قيام كيان إسلامي خالص،
بل مقيد داخلياً بالفيدرالية وخارجياً بالكونفدرالية، وقد أشار «فرانيو توجمان»
رئيس كرواتيا إلى أن أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا «بذلوا جهوداً مهمة في
سبيل التوصل» إلى هذا الاتفاق وصرح أن السبب في ذلك هو أن «هذه الدول
تريد أن يتوجه المسلمون نحو النمو والتطور حسب الحضارة الأوروبية بعيداً عن
الأفكار الإسلامية الأصولية» [١٤] ، وهذا الكلام يدل على عدم وجود خلافات
جوهرية بين الدول الغربية فيما يتعلق بمسألة البوسنة، فالكل متفقون على مكافأة
العدوان الصربي وعلى عدم قيام دولة إسلامية.
وقد ضغطت الولايات المتحدة على الحكومة البوسنية لتقبل بهذا الاتفاق
ووعدتها بما وعدت به كرواتيا من مساعدات اقتصادية وامتيازات دبلوماسية
وانضمام إلى برنامج الشراكة من أجل السلام، كما حذرتها من أنها إذا رفضت
توقيع الاتفاق فإن أمريكا «لن تتدخل لإيقاف تدمير ما تبقى من البوسنة» . من
جهة أخرى اقتنع الكروات بأن سياسة (كرواتيا الكبرى) جلبت فشلاً ذريعاً وهزيمة
ساحقة وكارثة (علاقات عامة) في الخارج، كما جاء التلويح بالعقوبات والوعد
بالمساعدات ليحمل كرواتيا على القبول بالاتفاق، وربما يرى الكروات أن الاتفاق
فيه مصلحة مرحلية لهم فيؤجلون مشروع (كرواتيا الكبرى) إلى حين وتتساءل مجلة
«الإيكونومست» : هل يدعهم الأمريكان يفعلون ذلك ويتخلون عن
وعودهم؟ [١٥] ...
تجدر الإشارة إلى أنه حتى كتابة هذه السطور [*] لم يتفق الطرفان المسلم
والكرواتي على بعض النقاط الأساسية كالدستور وتقسيم الأراضي وموعد تطبيق
الكونفدرالية، على أية حال يبقى المشروع غير عادل في حق المسلمين الذين كانوا
يشكلون (٤٤%) من مجموع سكان البوسنة والهرسك قبل الحرب وربما كان قبول
الحكومة البوسنية به كخيار تكتيكي يحقن دماء المسلمين ويهيئ قاعدة لحلول
مستقبلية أفضل، ولنا أمل في وعي مسلمي البوسنة الذي أفشل كثيراً من المؤامرات
السابقة، وقبل ذلك نحن موقنون بوعد الله بالنصر لدينه والتمكين لعباده: [إنهم
يكيدون كيداْ، وأكيد كيداْ، فمهل الكافرين أملهم رويدا]
[الطارق: ١٥-١٧] .
стр. 1692
المسلمون والعالم
مجزرة الدم الأرخص ...
وزعامات الورق !
د. عبد الله عمر سلطان
في غمرة الفرح الطاغي وثنايا الانتصار الذي أعمى وأصم، خرجت يرقات
«السلام» الذليل تعلن للدنيا وتملأ الكون هتافاً أن أهلاً (بالعصر الإسرائيلي)
وأدواته، وأن عاش الذئب الصهيوني مادام أزلام القضية قد نجحوا في توقيع اتفاق
البيت الأبيض الذي ستتم بموجبه عملية جز الرقاب برعاية (الجزار الأمريكي)
«راعي السلام» ... نعم إنه السلام الذي لا حرب بعده أبداً والتعايش الذي لا يعكر صفوه «المتطرفون والأصوليون والمتعطشون للدماء» وما هي إلا بُرهة خاطفة من عمر الزمن حتى اكتسب «سلام الصَغَار» صفة القدسية وارتفع بهامته إلى مكانة المُشّرع الحكيم، فإذا فكر فلسطيني مشرد منذ نصف قرن عن موطئ قدم له في ظل (كانتون غزة أريحا) صرخ في وجهه غراب الصفقة «عدوي عدو السلام» ! وإذا ما تساءل مقدسي محروق القلب محطم الخاطر عن مصير القدس، تصدى له المتحدث الرسمي باسم معسكر السلام «إن هذا التساؤل حق يراد به باطل، يراد به تعكير جو السلام!» وإذا ما تحدثت المصادر الإسرائيلية المسيطرة على تنفيذ الاتفاق وتفسيره على هواها الضال عن تعاون مخابراتي وأمني لملاحقة كل من يعكر صفو أمن الصهاينة ونُقل هذا الاتفاق إلى العرب المنكسرين، لم يجد إنكشارية السلام الجدد من حرج في أن يبرروا هذا الاتفاق بأنه «لمصلحة العملية السلمية الجديدة» ! .
كل الخيانات وفقدان الذمة والحياء وإراقة ماء الوجه وكسر الظهور وهي
راكعة لعجل بني إسرائيل الجديد، كانت تتم في ضوء النهار بعد أن كانت حبيسة
الغرف المغلقة والاتصالات السرية، لم يعد هناك شك أو تساؤل في أن «سلام
الصهاينة» أصبح القاسم المشترك لكل من يريد أن يُطأطئ رأسه ليسير في جادة
(النظام العالمي الجديد) المشؤومة، ولم يعد هناك صوت يعلو فوق صوت
«السلام» أو قضية تحدد الولاء والبراء سوى مذهب السلام العاتي، إذا كنت من المشيدين بالسلام على الطريقة (الرابينية) فأنت واقعي معتدل بعيد النظر، وإن كنت ممن يبدي حوله أي تحفظ فأنت راديكالي رجعي بشع ... إن كنت قد شاركت في «الدبكة العرفاتية» ورقصت فيها طوعاً أو كُرهاً فأنت إذاً (شرق أوسطي) متفتح وعقلاني غير مؤدلج، وإن كنت اكتفيت بمشاهدة هذا (الصَرَع السياسي) فلا بد أنك (أيدلوجي شعاري إسلاموي محنط) ! !
المرحلة لا تحتمل القسمة على اثنين، المرحلة لا تعرف إلا رقماً واحداً
وعنواناً يتيماً «السلام» وأنصاره و «التعايش» مع اليهود ومؤيديه، حتى لو
حُشر في هذا الطابور المنافقون والمرتعدون والمنهزمون والشواذ والمتاجرون
والراقصون على كل جرح من جراح شعوبهم، فأمريكا أيها السادة لها وكيل اسمة
«إسرائيل» ، وإسرائيل يا رعاكم الله قد أصبح لها وكلاء محليون، فالسند متصل
لا انقطاع فيه، من ساند سدنة السلام العرب كان له حبل مودة مع سادة صهيون،
ومن ناصر هؤلاء فله قدم سبق مع السادة الكبار هناك خلف بحر الظلمات الأطلنطي، ومن هنا تتضح معالم المرحلة، مرحلة السلام الصهيوني الصليبي الذي أصبح
عجلاً يعبد، ووثناً تحرق بخور الباطل من حوله.
لكن عروقاً تنبض بالحق، وتأبى أن تُغَلف بالدولار الأخضر، وقفت تحذر
من هذا السلام الهزيل، وتلك الهجمة الباغية، وقف صوت يقول في يوم توقيع
الصك المخزي ليرسم لوحة مبصرة في وجه ضجيج وبريق وموسيقى صهيون
ومعسكرها الناطق باللغات الثلاث: العبرية والعربية والإنكليزية وقف وهو لا يملك
سوى قلماً خط قصيدة تقول
سينبت هذا السلام الدمار
ويوقد في كل ناحية ألف نار
حذار.. حذار
فإن يهود تعاهد في الصبح عهداً
لتنبذه في المساء
وتبرم ميثاقها في المساء
لتنقضه في الصباح
وما عرفت مرة بوفاء
وما عرفت ذات يوم بحسن الجوار
حذار من الإنهيار
بزيف انتشار، ووهم انتصار [١]
لكن القائد الهرم والمنتفش بالوهم والزيف أصر، وأقسم بأن يمضي إلى نهاية
الطريق الموحش، فأنبت لنا غابة من (هتافة التهريج) ، ومروجي التطبيع الذين
خلت لهم الساحة فأطلقوا العنان لألسنتهم الجبانة، وأقلامهم المأجورة وضمائرهم
التي طالما تقلبت في ولاءاتها في سوق النخاسة، خلا لهم الجو حيناً ثم فاجأهم هول
أتى من جهة الأرض المقدسة، فأخرسهم دوي الرصاص في فجر الخامس عشر من
رمضان ليصرخ دم المصلين في محراب (المسجد الإبراهيمي) ، فإذا المأجورون
عراة إلا من الخسة، وجوعى إلا من فتات الموائد، خائفين من شعوبهم التي
مارسوا في حقها الشعوذة السياسية والعقدية.
لقد كان معسكر «سلام الصَغَار» صَغَاراً حقاً، أمام حقائق رمضان ومشاهد
السجود والركع الغارقين في دمائهم، وشموخ المساجد التي انتهكها حلفاؤهم
الصهاينة بحماية الرصاص الأمريكي.
ماذا بقي لهم أن يدافعوا عنه، هذه حليفتهم أمريكا تبدوالشريك الكامل في «
الإرهاب البشع» الذي وصل ذروته في مجزرة الخليل، فالقاتل أمريكي وسلاحه
أمريكي، وتمويله أمريكي، أما الصهاينة بقيادة رابين فقد شاركوا في المذبحة
مباشرة من خلال جيشهم الذي حصد من أرواح المسلمين هناك عشرات بل مئات
القتلى الأبرياء والصامدين، وتحصن المعتدون بصياحهم أحياناً أخرى كثيرة
يمارسون الاغتيال حتى في حق الأطفال الذين سرقوا من عيونهم الفرحة وبراءة
الطفولة، لقد شاءت إرادة الله أن تُظهر المجرمين وأيديهم ملطخة بدم المصلين
الركع السجود، وقد حمل كل ضالع في هذا المشهد المقزز جرمه أمام العالم، ثم
أمام هذه الأمة المصابرة المذبوحة كل نهار، ولم يكن رصاص (باروخ جولدشتاين)
سوى المشهد الأخير من مسرحية السلام الصهيوني ورايته السوداء الموغلة في
الخسة، وما أحرانا أن نقف أمام بعض دلالات الجريمة وتداعياتها بعد أن عرفنا
تفاصيلها السردية، وبعد أن استشعرنا حجم «الاستغفال والاستنذال» الذي مُورس
على الجماهير العربية والمسلمة والذي أطلق عليه «عملية التطبيع» ، هذه
الجريمة التي قادتها مجموعات وقوى معينة تسعى إلى تمكين الاختراق الصهيوني
من عمقنا الجغرافي والشعبي، وبدا واضحاً أن هذه القوى التي تطبعت تريد أن
ترى سواد الأمة قد تطبع وهم يمنون أنفسهم بالواقع الذي تصدق عليه المثل «بال
حمار فاستبالت أحمره» .
الدم الأرخص:
كأن النظام العالمي الجديد قد حدد تسعيرة الدم الإنساني ونجح في ذلك أيما
نجاح، الدم المسلم بلا ريب هو الأرخص والروح المسلمة هي المستهدفة في
مسلسل العدوان المحتدم منذ انهيار الحرب الباردة، ولابد للعالم المتحضر
ولحضارته الغربية أن يذرف دموع التماسيح ويتظاهر بالاهتمام حينما تقع المجازر
المروعة لتأكيد تحضره وأصوله المهذبة، فمذابح سراييفو وكشمير وفلسطين
وبورما والصومال وطاجيكستان تلقى اهتماماً صوتيا/إعلامياً قصير المدى ثم يوأد
بانتظار المجزرة المقبلة، إن هذا الاستهتار بهذا الدم المسلم يبرز من خلال ممارسة
الأمم الصليبية المتحدة التي يرأسها البطرس العربي اللسان النصراني الجنان،
ويكفي أن نستعرض آلية عمل هذه الهيئة تجاه مجزرة الخليل التي استمرت
مناقشات مجلس الأمن الظالم حولها أسابيع دون إصدار حتى قرار يدين مجزرة هي
الأبشع في التاريخ الإنساني المعاصر، ثم تَحّجُم هذه المؤسسة «الإنسانية جداً»
عن إدانة الهند عن ممارساتها في كشمير بالرغم من أن الهند دولة محتلة لهذا الإقليم
بموجب قراراتها الشكلية التي لا تعرف التطبيق الفوري والحرفي إلا على أجسادنا
وفوق أراضينا المستباحة.
أزهد الأرواح عندها أرواحنا، وأبخس الدماء دماؤنا، وأثمن الرصاص هو
المزروع في أجسادنا نبالماً وقنابل إنشطارية وأخرى «ذكية» ، أما إذا كان
المستهدف على أرضنا عصابة مسلحة ومليشيا تمنع الطعام حتى عن مناصريها،
فإن هذه الأمم المتحدة ضدنا تشمر عن ساعد الجد والنشاط فتصدر القرارات في
ظرف ساعات لأن الضحية نصراني مزروع في خاصرتنا كما هو الحال مع
الصليبي (جون جرنج) الذي أرسلت الأمم المتحدة مبعوثاً دولياً لمراقبة «حقوق
الإنسان الصليبي» فلم يجد بأساً من مهاجمة الإسلام «البربري» الذي يميز بين
البشر حسب معتقدهم (كما يرى) بينما تميز شرعة الغاب وذراعها المرعب بين
الأجساد المسلمة وتلك الكافرة فترمي الأولى بالمجازر وتلاحق أبرياءها بقرارات
الحصار والتجويع والرعب! ! وتشجع الأخرى بالمال والسلاح والدعم الإعلامي
المستمر.
لقد تحولت بوصلة الصراع في عمقنا الشعبي من صراع أوطان ونزال
عناصر إلى الحقيقة الذاهلة الشاردة حيناً من الزمن، فإذا بالشعوب تدرك مع مطلع
كل مجزرة وأنباء كل حصار أنها مستهدفة لإسلامها وعقيدتها، وأن القائمة التي
كانت تستهدف حدودها الشرقية اليوم ستنال من نواحيها الغربية غداً أو عمقها
الأوسط بعد غد، فالهجمة مستعرة ولا تعرف لدمويتها حداً، أرخص الدماء اليوم
سيكون له ثمن غداً، حينما يسيل في بقاع لم تكن تعرف من دينها سوى مظاهر
شكلية أو مناسبات موسمية، فتنقلب الدماء إلى وقود والأجساد الهائمة إلى شموع
توحيد، والمجازر المتتالية إلى صواعق كهربائية تبث في الأوصال الميتة ذرات
الإيمان المتوهج.
الغرب اليوم في ظل هجمته الشرسة يستخدم أسلحة المقاطعة الاقتصادية
والحرب النفسية، ويبرمج لإحداث زلازل سياسية وأزمات اقتصادية خانقة تصب
في النهاية في مصلحته، ولا يمكن أن نجد سائلاً أرخص من الدم المسلم هذه
اللحظة سوى «النفط العربي» الذي وصل سعره إلى أدنى مستوى منذ حرب
(٧٣ م) ، أليس من المستغرب حقاً أن تكون ثروة الأمة البشرية والمادية هدفاً مستباحاً ومباشراً في ظل هذا التردي المفجع؟ !
كلهم جولدشتاين:
أظهرت تحقيقات (اللجنة الصهيونية المُشَكّلَة) للتحقيق في المجزرة الوجه
البشع لهذه الصهيونية المغروسة دولياً المدعومة من قبل الدول الكبرى المتكالبة على
القصعة المستباحة، حاكم الخليل «الجنرال جولدشتاين» قال: إن هناك توتراً
أمنياً متصاعداً منذ أكثر من عام وأنه نبه إلى ضرورة ضبط «المستوطنين» حتى
لا يحدث ما لا تحمد عقباه.
جميلة هذه الديموقراطية الإسرائيلية الخائفة على دماء بني الإسلام في الخليل، ورائعة هذه الشهادات الإنسانية للدولة الديموقراطية الوحيدة وسط قطيع العرب
الهمج! !
ما لا تحمد عقباه، ترجمه جنود «جولدشتاين» الثاني قائد منطقة الخليل
بأكثر من اثنتي عشر صفحة سقطوا وهم في ريعان الشباب بعد المجزرة، أما أرقام
الضحايا الذين سقطوا قبل المجزرة بقيادة «جولدشتاين العاقل» فلا تقل قطعاً عن
عدد ضحايا ذلك المأفون المجنون.
وبين «العاقل» و «المجنون» علينا أن نصالح «الجنون» اليهودي الذي
يريد رابين ومن خلال مؤسسته الصهيونية أن يصنع سلاماً معنا، بموجب «روح
السلام» وقوانينه يجوز لجيش رابين وجولدشتاين الثاني أن يمزق أجساد النساء
والشيوخ والأبرياء بلا تحفظ، فالضحايا هم من الأصوليين المتطرفين أعداء السلام، ... ويجوز لجولدشتاين الأول وزمرة المستوطنين أن يصطادوا ضحايا «جيش
الدفاع» حين يستفز المصلين في حرم الأقصى، ويطلق رصاص رشاشه تجاه أي فلسطيني لا يروق له مظهره، ويمتهن كرامة المصلين، ويقوم على تحطيم سياراتهم وقلب بسطات الخضار المتواضعة لمزارعي الخليل، وبموجب قوانين «جولدشتاين» الأول والثاني ... والعاشر، فإن إزهاق روح مستوطن مجرم جريمة تحتل عناوين الأخبار، ويندد بها العالم القذر المتواطئ، وتصبح بضاعة الدمية العرفاتية الذي شاءت الأقدار أن يكون آخر تصريحاته الاستسلامية قبل المذبحة أن يندد بقتل مستوطن إسرائيلي على أيدي المجاهدين الذين لم يزالوا يتمسكون بحقوقهم، ويدافعون عن مقدساتهم حتى ولو بسكين أو ساطور.
«قانون جولدشتاين» الذي ابتكرته الصهيونية السياسية بقيادة «جولدشتاين
الأكبر» الذي يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية يقتضي توزيع الأدوار بين الحمائم
والصقور والمعتدلين والمتطرفين، ورصاص جيش يهود ورصاص المستوطنين،
وفي كل الأحوال تبقى الضحية هي الضحية والهدف هو اجتثاث الوجود العقدي
والبشري لأهل الإسلام في البقعة المباركة، ومحاصرة المد الإسلامي المنتشر مع
كل هجمة شرسة وكل سقوط درامي لقيادات العلمنة والتطبيع، هذه القيادات وخلفها
الحيات والعقارب الإعلامية التي تريد أن تفرض على الشعوب السلام مع أعداء الله
من اليهود، وتصر على أن المغضوب عليهم أبناء عمومة، وأن قتلة الأنبياء شرق
أوسطيون مثلنا، وأن أخوة القردة والخنازير شركاء لنا في الآلام والآمال.
القضية هنا أن المؤسسة الإعلامية والسياسية العربية تريد أن تمارس الكذب
وغسيل الأدمغة بمحاليل مغشوشة ومنتجات رديئة، تجعلها في نظر الساذج البسيط
قليلة الحياء، عديمة الذمة، فنص الكتاب وصحيح السنة لا ينالهما عشرات
المهرجانات التطبيعية أو الحملات المتصهينة، مهما قبض القائمون عليها من ثمن
ثم زعموا لسادتهم أنها ناجحة!
وإذا الشعوب سئلت:
ونحن نعيش هول المأساة ومع حالة الذهول التي عمت عالمنا العربي
والإسلامي، خرجت الشعوب المسلمة لتقول كلمتها دون رتوش وفي غياب مقص
الرقيب، لقد كانت الغضبة الشعبية العارمة رسالة أخرى، تؤكد هوية الصراع،
وتُذكّر بمضامين المواجهة، فالمسلمون في أقاصي الأرخبيل الأندونيسي وفي قرى
سومطرة خرجوا في تظاهرات عارمة ليقولوا أنهم لايزالون أحياء وأن ما يحركهم
هو جرح الإسلام النازف، بالرغم من كل محاولات التنويم المغناطيسي والتطبيع
الإعلامي الذي يحاول أن يمهد لعملية الاستسلام الكبير، وما كانت هذه المظاهرة إلا
واحدة من عشرات المشاهد المتتالية في أكثر من موقع وفي أكثر من بلد، وقد
خرجت لتقول وتعبر عن حجم الفاجعة، كما عبرت عن وحدة المسلمين في بقاع
الأرض وتكوينهم العقدي وأن آيات الكتاب وبشارات الرسول-صلى الله عليه
وسلم-هي التي تحرك المسلم للهم المشترك وتدعوه لرفض التطبيع وكأن قائلهم
يصرخ:
«حذار.. حذار
فإن بشارتنا في الكتاب
الذي يريدون
أن يطمسوا نوره من قلوب الصغار
ويلغوا أحكامه من حياة الكبار
فيغدو تما تم للمائعين
ويعوذ تعاويذ للخائفين
وما كان إلا العقيدة، إلا الشريعة
إلا الشعيرة.. إلا الشعار
برغم التقول، رغم التأول، رغم الحصار!»
لقد عم الشارع المسلم عموماً والعربي خصوصاً حالة من «القرف» من هذا
الوضع المزري، فقامت الشعوب لتقول كلمتها، قامت السيدة الفلسطينية لتقول
لمراسل المحطة الأمريكية: «أين عرفات؟ هل استطاع أن ينال أريحا أو غزة
كما وعدوه؟ هل يستحق أن أهتف باسمه حتى اليوم؟ لقد رأى اليهود أنه باع
القدس، وصمت في خزي فتجرأوا على الخليل، القدس والخليل لن تتحرر بعرفات
و ( ... ) إنها لن تتحرر إلا بالإسلام» .
كانت العجوز الفلسطينية تقول بلسان الحال لهذا المراسل:
حذار.. فلو أنكم للسلام دفعتم أعز ثمن
وسقتم عليه الثرى والثريا شهوداً
وأجلب إبليس بالجند ينعق:
«عشنا..
وعاشت يهود
وعاش الوطن»
ولو أنكم للسلام سعيتم
بتقتيل كل غيور وتقطيع كل أغر
بتعقيم كل النساء
بتجفيف كل البحار
ستخرج هذي المحار
جنوداً، يقدون من وهج الشمس
فجر نهار
ويعقب هذا السلام دمار
ويرقد في كل ناحية ألف نار
ويرجع للصابرين الوطن
ويصرع سيف الجهاد الوثن
ويعذب ماء
وتزهو ظلال.. بأهل ودار
نعم.. لقد خرجت جماهير فلسطين داخل حدود ١٩٤٨م وهي تنادي بإسلامها
وأنها جزء من الكيان الكبير، فقتل مواطن في النقب التي ثارت لأول مرة، كما
شهدت مدن الناصرة وأم الفحم (أم النور) ومناطق الجليل أوسع انتقاضة شعبية
معبرة عن الذي يجول في نفوس الشعوب التي أقحمت في أتون التطبيع مع أعدائها، ويراد منها أن تكون الدواب التي تركبها بني إسرائيل كما هو المفهوم الصهيوني
الذي لا يوجد من ينازله ويصده سوى آيات الكتاب التي في الصدور المؤمنة والتي
ترفض هذا التعايش التعس الذي تصر قيادات العلمنة على وصفه بأنه تعايش رائع
يلخصه الكاهن الذي أبن المجرم جولدشتاين بقوله «إن مائة مليون عربي لا
يساوون ظفر يهودي واحد» ، وهذا ما ترجمه مئات من الذين شيعوا جثمانه بقولهم
«كلنا جولدشتاين» ، أما شعوبنا فقد قالت بصوت واحد «ألا لعنة الله على
المستسلمين.
زعامات الورق:
المأزق الذي تعيشه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية مؤشر لمدى الإنحدار في
أسلوب القيادة وحجم القطيعة بين القمة والقاعدة، والذي يصلح للتطبيق في أكثر
النماذج العربية، وإن كان نموذج القيادة الفلسطينية جديراً بالتأمل كونها قيادة حركة
تحرير شعبي تدّعي تمثيل الدولة وممارسة شؤونها ولو من باب الإدعاء، لقد لخص
الكاتب الأمريكي (شومسكي) موقع القيادة الحالية بأنه» أسوأ وضع لحركة تحرير
وطني في العصر الحديث «، أو بعبارة معلق أمريكي آخر» إن مجزرة الخليل
مؤشر هام لمرحلتين: المرحلة الأولى كانت مشكلة قيادة المنظمة مع أمريكا
وإسرائيل، والثانية تتمثل في مشكلة المنظمة مع شعبها الفلسطيني الذي أحرق
صور عرفات وداس عليها ... «.
وهذا التوصيف بالضبط هو ما يستخدمه المحللون السياسيون للقيادات المفلسة. إن مجزرة الخليل كانت بمثابة المشهد الأخير الذي تختتم فيه هذه القيادة المتخبطة
آخر خطواتها إلى المجهول، فحتى جل كوادرها تخلت عنها، أما القيادة فقد فقدت
حتى هيبتها الشكلية، ولم يستطع عرفات أن يجمع اللجنة التنفيذية قبيل المجزرة
للمصادقة على اتفاقه مع بيريز في القاهرة، فاكتفت إسرائيل بتوقيع (الزعيم!)
عليه! !
إن المتتبع لردود فعل عرفات وقيادته يرى أن أرخص ثمن كان يفكر فيه هو
دم شعبه، لذا فقد سارع لتلبية نداء كلنتون لاستئناف المفاوضات، ودماء شهداء
المذبحة لم تجف بعد، ثم فوجئ بحجم الغضبة الشعبية وتضاؤل التأييد له فقلب له
ظهر المجن، وأصر على الحماية الدولية لسكان الأراضي المحتلة والتي كانت
إحدى المثالب الصارخة لاتفاقه المشؤوم.
لقد أيقن الشعب الفلسطيني أن هذه القيادة أعجز من أن تقود نفسها وتحل
خلافاتها الداخلية المتتالية والناتجة عن تهالك المسؤولين على المناصب والأموال
والنفوذ، وأيقن الشعب الفلسطيني عبر ما صدر عنه بُعَيد المذبحة أن اتفاق أوسلو
المر لن يحصد سوى الحصرم، وأصبح رد الفعل الشعبي بمثابة كرة الثلج التي
تكبر مع كل تدحرج، وترفض مع كل مجزرة هذه القيادة التي أحرقت كل مراكبها
على شاطئ العجز والاستسلام للعصر الصهيوني/الصليبي الذي صرح رابين بعد
الواقعة بثلاث أسابيع» أن قيادة المنظمة لم تعد قادرة على إقناع الشعب الفلسطيني
بالحل السلمي، لذا فإن وزارته ستبحث عن السلام على الجبهة السورية بدلاً من
الفلسطينية «.
إذن أين أطنان السواد الكتابي الذي سطر عن السلام؟ أين الصديق المخلص
الذي وجده عرفات في زيارته المشؤومة لواشنطن في البيت الأبيض؟ أين منظروا
السلام ودعاة وأنصار عرفات المهذب والمستسلم لقوانين النظام العالمي الجديد ... ؟
لو كان لدى الزعيم تقدير فعلي لم حدث لتوارى عن كرسي القيادة وموقع المسؤولية، فمنذ أن تسنم مقاليد الأمور والقضية الفلسطينية وهي من شفا جرف هار إلى ...
هاوية، ومعظم الانتصارات التي تحققت لها كانت من صنع أطفال الحجار ...
وجنرالات المولوتوف ويافعي الإسلام الذين يدفعون كل يوم من دمهم دفعة تذكر
بجهاد عزالدين القسام ورفاقه الأبطال.
إن المجزرة بالفعل ستمايز بين الصفوف والاتجاهات والمواقف أرادوها
مجزرة الدم الأرخص، وكانت شرارة الفجر التي لامست زعامات الورق فأحرقتها، هناك» بعل سهى الطويل «وشركاه، وهنا» إخوان أحمد ياسين « ...
وتلاميذه، وهذا الفريق يرسم وينظم المواقف البطولية. أما الفريق الأول فكان
انعكاساً لحالة الترهل والانكسار التي تترجمها الأبيات الشعرية التي تتلمس معالم
مرحلة المجزرة وما قبلها وما بعدها:
» مقتل ستين فتى في مسجد الخليل
تضارب الأنباء حول موتهم
قال.. يقال.. قيل..
حمامة السلام مرت من هنا..
هذا الرصاص بيضها
وصوته الهديل
عقد اجتماع عاجل لمجلس التنكيل
البحث ينتهي إلى ضرورة التعجيل
في طلب التأجيل
قصف مركز على أجهزة التسجيل
مستفعلاتن فاعلن مستفعل فعيل
هذا هو الموجز من أنبائنا
إليكم النشرة بالتفصيل:
تعيش إسرائيل! «
стр. 1693
المسلمون والعالم
ماذا يبقى من دولة اليمن ؟
قراءة في الأزمة اليمنية في مراحلها الأخيرة
عبد الله عبد العزيز
مرت البلاد اليمنية في الأشهر الأخيرة بعدد من الأحداث وشهدت العديد من
التطورات التي تستحق من المتابع للساحة التوقف عندها والنظر في آثارها، كما
أنها تستحق من أبناء الحركة الإسلامية دراستها واستنباط فوائدها، ولعل من أبرز
ما وقع مؤخراً الأمور التالية:
وثيقة العهد والاتفاق:
اتفق أعضاء لجنة الحوار السياسي بمن فيهم ممثلو أطراف الصراع في اليمن
(المؤتمر الشعبي العام الحزب الاشتراكي) على بنود وثيقة العهد والاتفاق بعد تلكؤٍ
من حزب الرئيس اليمني وإصرار من الحزب الاشتراكي ويعتبر ذلك الاتفاق بمثابة
الانتصار للحزب الاشتراكي إذ أنه قد استطاع أن يتجاوز البرلمان الذي لا وجود
مؤثر له فيه. كما استطاع أن يضع في هذه الوثيقة التي يسميها بعضهم «الدستور
اليمني الجديد» حيث كافة شروطه ومطالبه التي تضمن له النفوذ والبقاء في
السلطة، سواء أكان ذلك عن طريق تجريد الرئيس من كثير من مهامه وإعطائها
لرئيس الوزراء الذي ينتمي للحزب الاشتراكي نفسه أو عن طريق فرض (نظام
اللامركزية الواسعة) وإنتخاب محافظي وكبار مسؤولي (ما يسمى بالمخاليف) والتي
يضمن الحزب في كثير منها بطريقة أو بأخرى وبالأخص في مناطق نفوذه قبل
الوحدة انتخاب الناس لمرشحيه، كما أن الحزب استطاع بهذه الوثيقة نزع موافقة
طرف الصراع الآخر على تجريده من أبرز وسائل قوته عن طريق الموافقة على
إخراج وحدات الجيش من المدن وإلغاء وزارة الإعلام وإيكال مهام أعمالها إلى هيئة
وطنية مستقلة، وتقليص صلاحيات البرلمان بإنشاء مجلس للشورى يختار أعضاؤه
من أبناء المحافظات بالتساوي كما أن الحزب عن طريق هذه الوثيقة قد قطع عدة
خطوات في العمل على إضعاف نفوذ القبائل اليمنية وتجريد اليمنيين من أهم ما
يتميزون به وهو حيازتهم للسلاح وتنقلهم به عن طريق انتزاع موافقة (المنافس)
على العمل على إنهاء الوجود المسلح غير الرسمي في إشارة إلى أسلحة القبائل
والنظر في قانون حمل السلاح الحالي لجعله أكثر صرامة في إشارة إلى سلاح الفرد
العادي كما استطاع ذلك الحزب إبراز بعض القضايا التي تخدمه في صراعه
كالجانب الأمني وما يسمى بمحاربة التطرف والإرهاب الذي كان البند الأول من
بنود الوثيقة ... إلخ ومع الكسب الكبير للحزب الإشتراكي في الوثيقة وضخامة
التنازلات التي قدمت له إلا أن أبرز الملاحظات عليها لو توفرت النوايا الصادقة
لتطبيقها الجدول الزمني المحدد لتنفيذ بنودها إذ أن كثيراً من القضايا بحاجة
لإصلاحها إلى سنوات والوثيقة حددت لها أسابيع أو أشهر مما يضع الكثير والكثير
من الاستفهامات حول حقيقة مطالب الحزب المذكور.
تدويل الأزمة:
سعى الحزب الاشتراكي بقوة إلى تدويل الأزمة متخذاً ذرائع عدة لذلك ومن
أبرزها:
* إدعاء الرغبة في توفير ضمانات حقيقية لتنفيذ بنود الوثيقة عن طريق
حضور عربي ودولي واسع بعد قيامه بحملة إعلامية واسعة لإقناع المهتمين بالأزمة
اليمنية أن الطرف الآخر ليس جاداً في العمل على تنفيذ بنود الاتفاق وأنه يسعى
لوضع العقبات والعراقيل أمام ذلك، وقد حصل التدويل بالنسبة للوثيقة بالفعل إذ تم
توقيعها في الأردن في ٩/٨/١٤١٤ وليس في اليمن.
* أبراز خطورة الوضع الأمني والعسكري عن طريق تحريك بعض الألوية
التابعة للحزب إلى مواقع مثيرة للقوات الشمالية بالإضافة إلى تحريك بعض الأفراد
والقبائل ودفعهم إلى ممارسة بعض الأعمال المخلة بالأمن والتي تقلق الدول الغربية
كاختطاف بعض الأجانب كرهائن ونهب بعض ممتلكات الشركات الأجنبية هادفاً من
وراء ذلك إلى إثارة اهتمام القوى الغربية بالوضع وتذبيهها إلى خطورة ذلك على
مصالحها أو رعاياها أو شركاتها مما يستدعي تددخلها، وهذا ما حصل بالفعل إذ
أعلنت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي قلقهما من تفاعلات
الأزمة اليمنية وضرورة إنهائها سلمياً، كما تم تشكيل لجنة عسكرية شارك فيها إلى
جانب اللجان اليمنية لجان عسكرية عُمانية وأدنية بالإضافة إلى الملحقين العسكريين
الأمريكي والفرنسي في صنعاء من أجل وقف التداعيات العسكرية وإرجاع ألوية
الجيش المختلفة إلى مواقعها قبل الأزمة وبالأخص الموجود منها في خطوط التماس
بين الشطرين سابقاً.
* الزيارات التي قام بها مسؤولوا الحزب الاشتراكي إلى بعض الأقطار العربية
كمصر وسوريا والسعودية والكويت والإمارات تحت ذريعة اطلاع الأشقاء العرب
على حقيقة الموقف من وجهة نظر الحزب وما استدعته من زيارات مضادة من
المؤتمر الشعبي العام لكل من الرياض والقاهرة و (أبو ظبي) لعرض الأزمة من
وجهة نظره أيضاً.
* إيهامه لبعض الدول بدعوى وجود عناصر قيادية كبيرة مناوئة لها في اليمن
وأنها تقع تحت حماية طرف الصراع الآخر، وأنه لا فرصة لها لتصفية معارضيها
الموجودين في اليمن والقبض عليهم إلا عن طريق الدخول على خط الأزمة
والمطالبة بتسليم معارضيها الذين تصفهم بالتطرف والإرهاب.
التداعيات العسكرية:
في الوقت الذي كان زعماء الائتلاف الحاكم في اليمن يوقعون وثيقة العهد
والاتفاق في عمان وفي حين لم تجف بعد أحبار أقلامهم كانت المدافع تتبادل القصف
في محافظة أبين الجنوبية بين قوات لواء العمالقة الشمالي وقوات لواء مدرم
الجنوبي ولقد عزز الحزب الاشتراكي وجوده العسكري في المحافظة عن طريق أو
امر قيادته إلى ثلاثة من الألوية التابعة له وهي الوحدة في المكلا وقوات اللواء
الخامس في عدن وقوات اللواء الثلاثين مشاة في شبوة بالتوجه اليها بهدف السيطرة
على المواقع المهمة في المحافظة وتطويق لواء العمالقة الشمالي الموجود فيها
وضرب الوجود المميز في المحافظة لشباب الصحوة الإسلامية العائدين من
أفغانستان ولقد أشرك الحزب مع جنود جيشه مليشياته الشعبية كانت نتيجة تلك
التداعيات خسائر بشرية ومادية ملحوظة للطرفين ولولا رحمة الله تعالى لكانت تلك
المواجهة بداية الشرارة لتصفية الوجود العسكري لما كان يعرف بالشمال في
الجنوب ولما كان يعرف بالجنوب في الشمال مما يعني قيام المواجهة المسلحة
الشاملة بين الطرفين وبالتالي التشطير والانفصال.
محاولة تصفية وجود الشباب المسلم في أبين:
قبل الوحدة اليمنية حارب الحزب الاشتراكي الدين الإسلامي وقتل الأنفس
سحلاً ورمياً وشنقاً، وهتك الأعراض، ونهب الأموال وصادر الدور والأراضي،
وأهان العلماء والأعيان وغيرّ في القيم والبنية الاجتماعية مما أثار عليه النفوس
المؤمنة والشريفة وحرض الأيدي المتوضئة على زعمائه فسعت إلى الثأر لدينها
ولمن قتل من أفراد عوائلها أو انتهك من أعراضها أو صودر من أموالها ودورها
ومزارعها.
وكان عودة الشباب اليمني من أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية من
أفغانستان بعد قيامهم بواجب النصرة لإخوانهم هناك فرصة لدى أفراد محدودين جداً
منهم للانتقام من بعض زعماء الحزب وكوادره مما أخاف الحزب وأقضّ مضجعه
فأخذ يتحين الفرصة لنشر أولئك الشباب ومطاردتهم وإيقاع القتل والتعذيب والسجن
على من تقع عليه اليد منهم ولقد كانت أضخم محاولة لذلك في شهر رمضان
الماضي في محافظة أبين تحت التذرع بمشاركة أولئك الشباب لقوات العمالقة
الشمالي في صراعه مع جيش الحزب! !
انفتاح الحزب الاشتراكي:
نتيجة العزلة التي أوقع الرئيس على صالح نفسه فيها نظراً لموقفه في حرب
الخليج الثانية وعلاقاته مع الإسلاميين في اليمن وعدم استيعابه للواقع وطبيعة البلاد
الجغرافية والاجتماعية وقيامه بارضاء بعض الدول من خلال طرد بعض رعاياها
الذين يتهمون بالإرهاب والتطرف فقد تمكن الحزب الاشتراكي من الخروج عن
عزلته التي كان يعاني منها إقليمياً ودولياً ونظراً لتبعيته القوية في السابق للمعسكر
الشرقي حيث قام أمينه العام بزيارة القاهرة ليقول لها إنه مستعد لتسليم من تريد ممن
يسمونهم بالمتطرفين في اليمن كلها لولا معارضة على صالح والإسلاميين له من
القيام بتسليم من يوجد منهم في المحافظات الشمالية وزار دمشق ليعلن وقوفه إلى
جانب حزب البعث السوري في صراعه مع حزب البعث العراقي وليس كما يفعل
الرئيس اليمني.
وزار الرياض لينشئ علاقات جديدة وقوية لم تكن موجودة من قبل في وقت
يعاني الرئيس علي صالح من تردي الأجواء في علاقاته معها.
كما قام الأمين العام المساعد بزيارة كل من الكويت والإمارات معزياً إياهما
في ضحاياهما وخسائرهما في حرب الخليج الثانية ملقياً بتبعة الموقف اليمني آنذاك
على (رئيس الدولة) وكأن الحزب كان خارج السلطة وقد تلقى الحزب الاشتراكي
من جراء ذلك الانفتاح دعماً قوياً (انظر ما صرح به مسؤول إشتراكي رفيع
المستوى لمجلة الوسط «عدد ١٩٠» ) مما دفعه إلى مزيد من التصلب في
صراعه مع الرئيس علي صالح.
دعامة الوحدة داخلية أم خارجية؟
أثبتت الأحداث في الفترة الماضية أن ضمانة استمرار الوحدة اليمنية أمريكية
أوروبية، ويظهر ذلك من خلال التصريحات الرسمية لمسؤولين أمريكين
وأوروبيين بضرورة إنهاء الأزمة سلمياً ومن خلال التحرك الواضح للسفير
الأمريكي في صنعاء ومشاركة الملحقين الأمريكي والفرنسي (الأخير ممثل
للمفوضية الأوروبية) في اللجنة المكلفة بمنع استمرار التداعيات العسكرية وأهمية
العودة إلى الثكنات العسكرية حسبما كانت عليه الأمور سابقاً.
وكل أطراف الأزمة تدرك أن الغرب لا يهمه من يبقى في الحكم من أطراف
الصراع سواء الرئيس اليمني أو أمين عام الحزب الاشتراكي ولكن الذي يهمه أن
يكون الباقي منهما أكثر قدرة وأعظم تفانياً في خدمة مصالحه.
والغرب يسعي إلى الاستقرار في اليمن وبالأخص في أماكن وجود النفط حيث
يجب أن تبقى بمنأى عن الصراع القائم كما صرح بذلك مسؤول أمريكي وسعي
الغرب إلى الدعوة للاستقرار ليس من أجل سواد عيون اليمنيين ولكن من أجل
مصلحته لكي يتمكن من تهيئة الجو الملائم للشركات الغربية المنقبة عن النفط
والغاز هناك ومن أجل استخراج خيرات البلاد المختلفة.
ولكن يبدو أن الغرب مع حرصه على الاستقرار فهو يدعم الحزب الاشتراكي
مباشرة نظراً لكون الحزب هو الأقدر على ضرب الحركة الإسلامية المتنامية في
اليمن وهو الأجدر بمحاربة الانتشار الكبير لها.
كما أن الحزب هو الأقدر على القيام بخدمة المصالح الغربية نظراً لعدم وجود
روابط ذات شأن تربطه بعقيدة الأمة وموروثها وللخبرة الطويلة في الخضوع
للأسياد التي تميز بها نتيجة تبعيته لفترة طويلة لقادة (الكرملن) في موسكو والتي
يمكن انتقالها إلى قادة البيت الأبيض إن لم تكن قد انتقلت بالفعل.
كما أن الحزب نظراً لشراسته الشديدة ودمويته الكبيرة هو الأكفأ بالقيام بتقليم
أظافر القوى الوطنية الأخرى التي قد تقف حجر عثرة في المستقبل أمام المصالح
الغربية كالقبائل مثلاً.
وصحيح أن الغرب يهمه فقط تحقيق مصالحه سواء أكان ذلك عن طريق
الوحدة أو الانفصال لكن يبدوا أنه يدرك أن الوحدة أكثر ضمانة للاستقرار وأكثر
قدرة على منع وجود تواترات قد تصل إلى تهديد مصالحه في المستقبل، كما أن
الانفصال سيعني قوة الحركة الإسلامية في الشمال عن طريق تحالف الرئيس اليمني
معها نظراً لحاجته الماسة إليها لمواجهة فلول الاشتراكيين المنتفشة.
وتجدر الإشارة إلى أن ما سبق هو قراءة للمصالح الغربية في اليمن والتي
تصنع القرار الغربي، لكنها قراءة قد تخطئ من جهة، وقد يُدخل صُناع القرار في
الغرب بعض التعديلات التي تقلب المسألة وتجعل المصلحة ليست في الوحدة بل
بالانفصال كأن يُسعى إلى تشتيت قلوب أبناء اليمن وجرهم إلى الحرب والتقاتل
خارج مواقع النفط للتخلص منهم نظراً لعدم رضوخهم لاستعمار سابق اليمن الشمالي
وعدم الخضوع والاستكانة للرجل الغربي الأبيض، ونظراً لكثرة عددهم وخطورة
أن يشكلوا في المستقبل من خلال الوحدة مع إخوانهم في الخليج والجزيرة خطراً
يعرض مصالحهم وأمن وليدهم غير الشرعي (العدو الصهوني) للخطر.
كما تجدر الاشارة إلى أن القول بأن ضمانة الوحدة خارجية لا يعني عدم وجود
قوى داخلية خيرة ترغب بالوحدة وتكافح عنها بل هي كثيرة وفي طليعتها أبناء
الصحوة الإسلامية لكن المراد أن القوى التي بيدها صنع قرار الوحدة والانفصال
يرى أحدها الحزب الإشتراكي أن مصلحته بالانفصال ولا يوجد ما يردعه عن ذلك
لولا خوف تعريض المصالح الغربية في البلاد للخطر أما ما يوجد من عقبات داخلية
أمام الانفصال ككونه قد يؤدي إلى إراقة بعض الدماء نظراً لاختلاط مواقع القوات
الحالية للطرفين في الشمال والجنوب وكون الطرف الآخر قد يتخذ موقفاً متشدداً
ويفجر الوضع فليس بأمر ذي بال لدى الراغبين في الانفصال بدليل تاريخهم الحافل
بالقتل والدماء.
من آثار الأزمة:
عانى الشعب اليمني من الأزمة معاناة كبيرة في سائر المجالات حيث اكتوى
بنارها واحترق بلهيبها في وقت يتم تصارع الطرفين على بسط النفوذ وكسب
المواقع بعيداً عن الشعور بحرقة الشعب وعظيم معاناته، ولعل من أبرز الآثار التي
ولدتها الأزمة اليمنية ما يلي:
تجاوزت الأزمة جميع ثوابت اليمن الشرعية والدستورية والقانونية وعودة
تحكيم كل من طرفي الأزمة لمصالحه وما تمليه عليه رغائبه مما سبب فشل حركة
مؤسسات الدولة الدستورية كمجلس الرئاسة والوزراء والنواب بل وشل حركة جل
مؤسسات الدولة عن طريق عودة غالب الوزراء والمحافظين وكبار المسؤولين
الاشتراكيين في الشمال إلى الجنوب وعودة غالب المحافظين والمسؤولين التابعين
لحزب الرئيس في اليمن إلى الشمال مما سبب تفككاً وفساداً إدارياً كبيراً أضف إلى
ذلك ما كان موجوداً من قبل من معاناة كبيرة لا تحفى على معظم أفراد الشعب.
الارتفاع الكبير في الأسعار حيث وصل سعر برميل الغاز في بعض المناطق
إلى ٥٠٠ ريال وكيس السكر إلى أكثر من ٢٠٠٠ ريال وعلبة الحليب المجفف إلى
٧٠٠ ريال. مع قلة دخل الفرد وازدياد في معدلات البطالة والانخفاض الكبير في
قيمة الريال الشرائية.
أضف إلى ذلك توجه طرفي الصراع إلى صرف عائدات النفط من العملات
الصعبة في شراء الأسلحة لتوزيعها على كوادرهما بدلاً من توفير السلع وتقديم
الخدمات والبدء في تنفيذ المشاريع التنموية لصالح الشعب كله.
بروز النعرات المناطقية والقبلية وانتشار الحقد والكراهية بين أبناء المناطق
والقبائل المختلفة إذ استغل طرفا الصراع أبناء المناطق التي تحت أيديهم والقبائل
الموالية لهم وسعى كل طرف إلى تحريض أتباعه على الطرف الآخر وغرس
البغض والحقد فيما بينهم والشخص الذي له اختلاط باليمنيين سيسمع ما يسوؤه من
مثل أنا شمالي وذاك جنوبي ومن مثل أنا من بكيل والآخرون من حاشد أو مذحج أو
يافع أو من الأشراف ... إلخ.
عودة الحزب الاشتراكي بقوة إلى المناطق الجنوبية والشرقية عن طريق ايذاء
وطرد المسؤولين والجيش والأمن الشمالي، وعن طريق تسليح ونشر ميليشات
الحزب وترويع الناس بها لكبت الرأي المخالف واعادة شعار الحزب المعروف (لا
صوت يعلو فوق صوت الحزب) مع زوال كل وجود لسلطة ما يسمى بدولة الوحدة
في أراضيه، وقد سببت تلك العودة القوية للحزب في تلك المناطق أموراً كثيرة من
أهمها ندرة إن لم نقل توقف قوافل الدعوة إلى الله من الشمال إلى الجنوب وقلة
حركة التنقل لكسب الرزق والبحث عن العمل ... إلخ.
تجميد العمليات والحركات الاستشارية الداخلية والخارجية وتعطيل الاقتصاد
وشل حركات البيع والشراء والعمران انتظاراً من أصحاب رؤوس المال لما ستسفر
عنه الأزمة.
تشجيع قُطّاع الطرق من الأفراد وشراء ذمم بعض القبائل من أجل قطع
الإمدادات من الغذاء والغاز عن بعض المدن.
غرس الحزب الاشتراكي الروح الانفصالية لدى كثير من أبناء المناطق
الجنوبية والشرقية عن طريق نسبة أسباب معاناة الناس وأخطاء المرحلة الانتقالية
إلى الشماليين وتجريد الحزب نفسه منها، بل إن الحزب ليقوم بارتكاب بعض
الأخطاء كالقتل ويقوم بنسبتها إلى خصمه ثم تقول كوادره للناس: هل تريدون هذا
الوضع السيئ الذي جاء به الآخر أم ترغبون بالأمن والاستقرار الذي كنتم تنعمون
به قبل الوحدة؟ ! بالإضافة إلى بث الأماني المعسولة بمستقبل واعد نظراً لظهور
النفط والدعم اللذين يحلم بهما الحزب ويتوقعهما.
فوائد وعبر من هذه الأزمة:
تستحق الأزمة اليمنية من المصلحين والدعاة إلى الله التوقف عندها
لاستلهام عبرها واستنباط دروسها وأخذ فوائدها ولعل من أبرز الدروس والعبر ما
يلي:
* في الأزمة اليمنية سقوط آخر لدعاوي الديمقراطية في العالم الإسلامي بعد
السقوط الكبير في الجزائر، وثبوت أن المتشدقين بتطبيقها من أبناء المسلمين هم
ألد أعدائها ما لم توافق مصالحهم التي يبيتونها ورغبائهم التي يطمحون إليها هذا من
ناحية ومن ناحية أخرى فإن الأزمة اليمنية تسقط دعاوي الغرب في السعي إلى
تطبيق الديمقراطية في العالم الإسلامي إذ أنه وحلفاءه يدعمون بقوة الحزب
الاشتراكي الرافض لنتائج الانتخابات النيابية ومبدأ حكم الأكثرية للأقلية.
* تقلب حال السياسيين في التعامل مع شباب الصحوة الإسلامية بين مد وجزر
حسب مصالحهم واحتياجهم العملي فإن أرادوهم أو خافوهم قربوهم وأعطوهم بعض
المكاسب التي لا تؤثر على مواقفهم وإن استغنوا عنهم ولم يخشوهم لفظوهم وآذوهم
حساً ومعنى.
* خطورة استعجال شباب الصحوة وعلمائها في اتخاذ المواقف والحكم على
الآخرين ويبرز هذا الأمر جلياً في موقف بعض قيادات الإسلاميين في التجمع
اليمني للإصلاح من الحزب الاشتراكي فبعد أن أعلنت انتهاء الخلاف العقدي
والفكري وبقاء الخلاف السياسي مع الحزب الاشتراكي فقط إذا بالحزب يطلق العنان
لكوادره لمهاجمة الإسلام وشرائعه كتعدد الزوجات والمعاهد الإسلامية، وإذا به
يشتد في مطاردة الإسلاميين وقتلهم وسجنهم وتهجيرهم، وإذا به يمنع قوافل الدعاة
إلى الله ويعرقل أنشطتهم في الجنوب ويخيفهم، وإذا به يصم حتى أولئك الدعاة
بالإرهاب والتطرف والسعي إلى الفتنة وعدم فهم الدين على حقيقته. إن الاستعجال
آفة خطيرة برزت في تعامل أولئك الإخوة مع الحزب ولو أنهم تأنوا وثبتوا مطالبتهم
الحزب بالتوبة والإقلاع عما هو عليه من كفر وردة لكان خيراً لهم. إن دعوة الناس
إلى الحق لا يبرر أبداً مداهنتهم ووصفهم بما هم ليسوا عليه من الحق.
* عدم جدوى السعي إلى كسب تغييرات دستورية وقانونية نظرية تصب في
مصلحة الشريعة الإسلامية عن طريق دخول الانتخابات النيابية لأن الدساتير
والقوانين في عالمنا الإسلامي جلها سائر على رغبة المتنفذين ومحققة لمصالحهم
وبالتالي فإن على الدعاة إلى الله أن يبحثوا عن وسائل أخرى للتغيير مع الحرص
على الاتباع وتجنب الابتداع.
* إن الإسلاميين مهما أظهروا من مرونة واعتدال وتنازل عن بعض القيم
والمبادئ وسكوت عن أخرى من أجل إرضاء العلمانيين في بلدانهم ومن خلفهم من
قوى الشر القريب منها والبعيد فلن يغنى عنهم ذلك شيئاً أمام أولئك الأعداء
وسيستمر أولئك في الكيد لهم ومحاولة إزهاق أرواحهم والعمل على محاولات
تجفيف منابعهم.
هذه بعض من الفوائد والعبر من هذه الأزمة، والله نسأل أن يصلح الأحوال
وأن يجمع القلوب على الحق وأن يبصر الجميع بصراطه المستقيم حتى تتلافى في
تلك الأخطاء والسلبيات ولعله يتضح للجميع وبخاصة الإخوة أصحاب التوجه
الإسلامي الفوائد والعبر مما حدث وأهمية استيعابها وتصحيح المسار في الدعوة
والإصلاح والجهاد بالطرق الشرعية القويمة فهل نعي ذلك عسى؟ ولعل والله من
وراء القصد.
стр. 1694
المسلمون والعالم
أضواء على
مذبحة المسلمين في «غانا»
مندوب «البيان»
تمهيد:
قد يخفى على كثير من المسلمين ما يتعرض له إخواننا المسلمون في غانا من
محنة بتواطؤ من أعداء الإسلام، وما يؤسَف له أن الإعلام العربي لم يتطرق لها.
وقد وافانا مندوب «البيان» بهذا التقرير عنها.
- البيان -
اندلعت الحرب يوم الثلاثاء ٢/٢/١٩٩٤م بقرية (بمبلا) الواقعة بالمنطقة
الشمالية التي تبعد عن العاصمة (أكرا) بحوالي ٩٦٠ كم، ويسكن هذه المنطقة عدد
من القبائل المسلمة والوثنية، ولكن أكبر قبيلة فيها عدداً وإسلاماً هي قبيلة (داغومبا)
٩٦%، ثم أربع قبائل أخرى تتراوح نسبة المسلمين فيها ما بين ٧٠% إلى ٨٨%
وهي تحت أربعة ملوك.
وتعيش معها قبائل أخرى وثنية ونصرانية من بينها قبيلة (كونكمبا) النصرانية
وهي قبيلة فاسدة متوحشة تعيث في الأرض فساداً وقد شاركت في هذه الحرب بكل
شراسة وقسوة ضد المسلمين.
أما سبب إندلاع هذه الفتنة فهي مكيدة من أعداء الإسلام النصارى وتعود
بدايتها إلى ١٢ سنة خلت، وذلك أن القبائل المسلمة المذكورة وهم الغالبية في
الإقليم لم تستطع جهود التنصير أن تؤثر فيهم مع ما بذلت من أموال طائلة
وإغراءات بالأغذية والملابس للسيطرة على هذا الإقليم وتنصيره. فلجأت إلى
أسلوب المكر والتحرش، وراحت تعبئ قبيلة (كونكمبا) المذكورة وتحرضها على
المطالبة بأرض من أراض (داغومبا) المسلمة لتستقل بها. ولما رفض الملك خطط
النصارى لهم عملوا على أخذ الأرض قهرا، وراحوا يجمعون لهم الأسلحة
ويدربونهم عليها، ولما تمت قوتهم هجموا على المسلمين هجوماً شرساً واسعاً
ليخرجوهم من الأرض المذكورة بعد احتلالها حتى يبنوا عليها كنائسهم ومدارسهم،
فأحرقوا البيوت والمزارع، وهدموا المساجد وروعوا النساء والأطفال والشيوخ،
وكانوا يستعملون الأسلحة الحديثة المختلفة. وقد اشترك مع النصارى الوثنيون في
القتال ووقفوا بجانبهم ويساعدونهم بالرجال والسهام والسيوف وما لديهم من أنواع
السحر التي يتعاطونها.
حصيلة هذه المذبحة:
وأهم الأحداث البارزة في هذه الحرب أنهم هجموا على ١٥٠ قرية وفعلوا
بأهلها ومنازلها الأفاعيل، ويلاحظ التركيز على هدم وإحراق المساجد على
المصلين بها بكل قساوة وعنف، ويقدر عدد المساجد المحروقة والمهدمة بحوالي
١٠٠ مسجد حسب الإحصاء الأخير الذي حصلنا عليه من الحكومة.
ففي قرية (سامبو) دمروا المسجد بما فيه من المصلين ويقدر عددهم بـ ٧٠
شخصاً من بينهم إمام المسجد، وفي قرية (سوسن) اقتحموا المسجد وقتلوا أكثر
المصلين فيه، وفي قرية (زيزغو) أيضاً أحرقوا المسجد وقتلوا المصلين فيه وكذلك
فعلوا (بساباتي ومكييلي) وغيرها من القرى.
وأما عدد البيوت المحروقة والمهدومة فتقدر بستمائة بيت، أما المزارع التي
أحرقت فتقدر بأكثر من ألف مزرعة.
ويقدر عدد الموتى حسب إحصاء الحكومة الأخير بما يزيد عن (٨٠٠٠) قتيل
ممن عثر على جثثهم، ولاتزال فرق التفتيش تواصل عملها لدفن الجثث هنا وهناك.
أما المشردون من اللاجئين فيقدر العدد بـ (٢٠.٠٠٠) شخص، وقد وصل
منهم إلى (تمالي) حوالى (٤٠٠٠) شخص، أما الشيوخ والأطفال والنساء الذين لم
يصلوا بعد فلا يعلم مصيرهم في الأدغال إلا الله.
وأما النازحون لحدود (التوجو) فيقدر عددهم بحوالي (٥٠٠٠) لاجئ وهؤلاء
اللاجئون يعيشون ظروفاً صعبة جداً من جميع النواحي وحاجتهم ماسة للغذاء
واللباس، ومن بينهم جرحى كثيرون محتاجون إلى علاج وغذاء.
الدعم الحاصل لا يكفي:
وقد حاولت بعض الجهات الإغاثية دعم المسلمين وخاصة المشردين منهم من
جمعيات محلية وهيئات خارجية ببعض المال، لكنه كان قليلاً جداً لا يكفي شيئاً،
ومنها:
١- المجلس الأعلى للدعوة والبحوث الإسلامية بمالي.
٢- جماعة الهدى بأكرا.
٣- مجلس التنمية بيت الزكاة الكويتي.
٤- جمعية إحياء التراث الإسلامي الكويت.
وقد حاول المهاجمون من النصارى والوثنيين احتلال مدينة (ياندي) المسلمة
وحاصروها لأكثر من أسبوع، وركزوا كل قوتهم عليها، ولكن المسلمين بعون الله
تعالى دافعوا عنها ببسالة وردوا الكفار على أعقابهم خاسئين.
وفي هذه الأيام تحسن الوضع وخفت حدة القتال بعدما تدخل الجيش وضرب
الوثنيين بالطائرات فتراجعوا، وقد صادر أكثر من (٢٠٠) بندقية حربية
(كلاشنكوف) ومدفعية (آر. بي. جيه) وغيرها، وأعلنت حالة الطوارئ بالمنطقة
لمدة ثلاثة أشهر بعد أن سقط من أفراد الجيش عدد غير معروف.
والحقيقة المُرّة هي أن النصارى والوثنيين قد بلغوا هدفهم، فقضوا على عدد
كبير من المسلمين وشردوهم وأحرقوا وهدموا وخربوا مساجدهم ومنازلهم
ومزارعهم، واحتلوا جزءاً كبيراً من أراضيهم ...
وهكذا فالمسلمون هنا يعانون كما هم يعانون في كل مكان وزمان من مآسي
وكوارث من أعدائهم، فإلى الله المشتكى.
стр. 1695
قراءة في كتاب
ليس غبياً ومع ذلك مسلم!
قراءة في مذكرات «مراد هوفمان» [*]
محمد حامد الأحمري
كانت السيارتان وهما من طراز «شيفروليه» قد تصادمتا بمقدمتيهما ...
بسرعة إجمالية تبلغ (٩٥) ميلاً في الساعة تقريباً، وكانت فرصتي ...
للنجاة من هذا الحادث تعادل تلك التي كان يمكن أن أحظى بها فيما لو أني قفزت من الطابق الخامس في مبنى مرتفع.
وعندما كان الجراح يحاول إعادة وجهي الممزق إلى ما كان عليه، تساءل
بصوت مرتفع عمّا كان عليه شكلي قبل الحادث، وتمكنت بحركة من رأسي أن
أشير إلى أنه يمكنه أن يعثر على جواز سفري في طقم ملابسي المخضبة بالدماء
وأخذ الطبيب لبعض الوقت يجيل بصره على التوالي بين صورتي في جواز سفري
وتقاطيع وجهي الممزقة، ثم همهم مردداً بأنه يمكنني أن أجري جراحة تجميل بعد
بضع سنوات.
وأضاف بتحفظ وهو يحقنني بجرعة تخدير في أول ليلة لي بالمستشفى: «يا
عزيزي إن المرء لا ينجو في مثل هذه الحوادث! لعل الله قد ادّخَر لك شيئاً في
المستقبل» ! .
وبعد تسعة وعشرين عاماً، أي في ٢٥ (أيلول) عام ١٩٨٠م استطعت أن
أدرك معنى هذا « (ص ٢٠-٢١) .
هكذا يبدأ» مراد هوفمان «مذكراته في سياق ممتع يبهج القارئ المسلم في
زمن قل فيه أن يقرأ شيئاً يفرحه، والمسلمون يفرحون بهذا النوع من الكتب
لأسباب عديدة: أولها فرحة المسلم بمهتد جديد ينقذه الله من النار، فنفرح له بالهداية
والنجاة، والسبب الآخر أننا نفرح عندما يُعترف بنا، فنحن في عالم النكران
والتجاهل، يصب علينا الرصاص من جانب، والإعلام الساخر المستهزئ
بالمسلمين من جانب آخر، فإذا سمعنا همسة إنصاف أو اعتراف طرنا بها فرحاً.
وأخيراً فإن المشهور من قصص الذين كتبوا مذكرات إسلامهم أو حياتهم بعد
هدايتهم تكشف لنا كثيراً من جوانب عظمة ديننا التي قد لا ندركها، ولكنها تقدم حلاً
لعدد من المشكلات التي يعانونها وعايشوا مرارتها، وضاقت السبل بهم في البحث
عن حل لها، ثم يجدون في الإسلام خير حل لها. إن في احترام العقل ويقظة
الروح واعتدالها عند المسلم الحق وفي مصادر المسلمين السنة، ما خلب عقل»
مراد هوفمان «وهو المثقف القانوني الفيلسوف المتمرس بالسياسة وصاحب الميول
الروحية، لقد جذبه الإسلام بإعجازه الرباني فاندفع له بكل اهتمام وعمق يقين.
يقدم» مراد «قصة التثليث في المسيحية بكل سخرية، وينقدها ويذكر بعض
علماء اللاهوت من أمثال» هانزكونج «الذين بدا لهم أن التثليث خرافة ويتمنى لهم
الإسلام إذ يراهم على أبوابه يقفون، و» كونج «هو مدير معهد الأبحاث
المسكونية في» توبنجن «بألمانيا، وقد اعترف أن الرسول محمد-صلى الله عليه
وسلم - نبي حقيقي بمعنى الكلمة، واشتعل الخلاف بينه وبين رؤوس الفاتيكان الذين
يعتقدون» الخلاص فقط في النصرانية «، وأنه لا أنبياء من خارج الكنيسة.
وقال» كونج «: إن الإسلام طريق حقيقي للخلاص، وإن الكنيسة لا يمكنها
أن تستمر بعد ذلك في إنكار أن محمداً- ﷺ -المرشد والقائد على
هذا الطريق يعد نبياً حقيقياً بكل معنى الكلمة، ويعتقد» كونج «أن الإنجيل قد بشر
بمجئ نبي آخر» (ص٢٢٣-٢٢٤) .
وينقل في نصوص عديدة أنه لو طبق منهج النقد التاريخي على عدد من
الأديان لما صمدت للنقد التاريخي، ولكن الإسلام لا يخشى تطبيق هذه المناهج عليه، ويتمنى «مراد» لـ «هانزكونج» أن يسلم، فقد وضع قدميه على الطريق.
إن سعة أفق المؤلف، وتنوع ثقافته جعلت من الكتاب درساً ثقافياً جيداً
وجعلت من عمل المترجم عملاً صعباً، فقد وفق كثيراً ووقعت له في الترجمة هنات
هنا وهناك، مما لا يعزب عن فطنة القارئ.
وكما أن في الكتاب مناقشات وسيرة حياة، فإن فيه سيرة قارئ وتجربته مع
الكتب والثقافة والشعوب، فمرة تجدك في بعض الفصول تقرأ عرضاً لكتاب، وفي
أخرى تقرأ نقداً اجتماعياً لمجتمعه الغربي، ومرة ثالثة في خلاف مع الصوفية،
ورابعة يشيد بأخلاق المجتمع الإسلامي الذي تعمقت فيه أخلاق الإسلام رغم العمل
الدائب من أنصار التغريب الذين يحاولون تدمير أخلاق الشعوب الإسلامية،
ويسخر «هوفمن» من هذه الطائفة التي بدأها «أتاتورك» ومسخت أخلاق
الشعب التركي وحضارته وأبعدته عن الدين الحق، ويقص قصصاً مؤلمة لبعد
الأتراك عن الدين، حتى أصبحت الحروف العربية عند الجيل الجديد كالحروف
الصينية، والتي جعلت أحدهم يرد عليه وهو يسأله عن بعض العادات الحسنة في
تركيا عندما يطرق الباب ألا يزيد على ثلاث طرقات، ويبعد يده حتى لا يطرق
الرابعة، فتقول له حماته زكية: «إنها عادة تركية» ولا تعرف أنها سنة
الرسول- ﷺ ، وكذا الأمانة في البيع وبعض ما ورثه تجار أتراك
أصلاء يعدونه عادة تركية وهي في الأصل خُلق إسلامي، ثم تحدث عن دور
الإسلام في إصلاح التجارة، وأساليب التعامل من خلال إصلاح الإنسان.
«مراد هوفمان» عايش الحقبة الأخيرة من الحرب الجزائرية الفرنسية،
وآلمته مشاهد إحراق الفرنسيين لأحياء كاملة في الجزائر بقنابل النابالم، وآلمته
كلمات جارته في الجزائر لأطفالها وقد شاهدوا قتل النساء الجزائريات الذاهبات إلى
السوق فقد خففت الأم الفرنسية الروع والهلع الذي استولى على الأطفال من قتل
جمع من النساء بلا سبب بأن قالت لهم: «إنهم ليسوا سوى عرب» ! !
يقول: بحثت مراراً عن ذلك السر الذي مكن هؤلاء الجزائريين الملتزمين من
احتمال كل هذا الاحتقار وسوء المعاملة والعقاب، وأخيراً وجدت مفتاح هذا السر
وأنا أعود لقراءة الآية (١٥٣) من سورة البقرة: [يا أيها الذين آمنوا استعينوا
بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين] .
ولا ننسى هنا إعجابه الشديد بأستاذه «محمد أسد» ، وقد ذهب لزيارته في
لشبونة وناقشه، ويرى أنه ما من شخص آخر استطاع خلال المائة عام الأخيرة أن
يبز النمساوي «محمد أسد» في إسهامه العظيم في شرح الإسلام ونشره في الغرب
(ص ٦٥) ، ويبدو «هوفمان» أقوم منهجاً من أستاذه «أسد» الذي كان مغرقاً في
عقلانيته في مواضع عديدة من كتبه، وله هفوات وغرائب مشهورة، ولكنها لا
تقدح في إسلامه وحسن نيته ﵀، وما تركه من أعمال باللغة الإنجليزية تدل
على اهتمامه بالقرآن وتفسيره وبصحيح البخاري بخاصة، وقد ظلمه من شكك فيه، وكتاباته تحتاج إلى نقد علمي وليس إلى حقد، ويكفيه وصف «مراد» له وقد
أنصفه في قوله «والله أعلم» ، وأما «مراد» فما سبق من تزكية لكتابه فقد كان
ذلك في العموم، ولكنه لم يسلم من هنات في فهمه للدين الإسلامي ولبعض أحكامه،
وقد أشار ودل قوله في مواضع من كتابه على عدم وضوح في الفهم، مثال ذلك
قوله عن الجهاد «إنه لا يعدو في أصله أن يكون جهاداً معنوياً» (ص ١٧٦) ،
وكلام له عن الحقيقة الأرحب في نص موهم (ص ١٢١) .
وأمثال هذه الكلمة مما يروغ عن التحديد العلمي، أو تغلب عليه نفسية
الاعتذار في بعض المواقع، والحديث عن فكره وبقية آرائه العقائدية والسلوكية
مكانه في دراسة عن كتابه «الإسلام كبديل» الذي خرج بعد هذا الكتاب مدار
حديثنا.
لقد أحسنت يا «مراد» كتابة مذكراتك الإسلامية، ونرجو أن نقرأ قريباً
مذكرات أخرى لأفواج من المثقفين وعلماء اللاهوت الذين يسلمون ما بين وقت
وأخر، وقد لاحظ المؤلف عن وعي جوع الغربيين للإسلام، ولكن عدم وجود قدوة، حيث لم يسمح للغربيين أن يسلموا، وهم يبحثون عن دليل مادي عن قدوة
يتبعونها، وأوضاع الفقر والجهل والخوف والفساد والخصام لا تسمح لأحد أن
يتبعها إلا قلة ممن يفضلون موقف النبل، يقول المؤلف: «ومن ثم فقد فضلت
موقف النبل المتواضع على موقف الكبرياء الغبي الذي يتخذه اللاأدريون المفترض
فيهم الجرأة والاكتفاء الذاتي، والذين غالباً ما يعيشون في عزلة نفسية جليدية
وضيقة، وبكامل وعيي أسلمت نفسي وفكري لمن هو أكبر من كل كبير» الله أكبر
كبيراً « [١] (ص ١٢١) .
لقد كان» مراد «شجاعاً وجريئاً عندما عرض على مؤتمر الناتو لمديري
الإعلام بوزارات الدفاع عام ١٩٨٤ م في» بروكسل «: أن الإسلام فيه حل
لمشكلاتهم الدينية والأخلاقية، وتساءل الحاضرون وهمسوا: هل رئيس المؤتمر
جاد فيما يقول أم يمزح؟ !
وأقام لقاءات ومناقشات في الجامعات والتلفزيون الألماني يدعو فيها إلى
الإسلام ويصرح بقناعاته، وفي المؤتمرات الدولية التي يرأسها يخبر معدي الطعام
مسبقاً بدينه، ويحضرون له طعامه وموقعه على مائدة ليس فيه خمر ولا خنزير،
ويتعجب من أحد أثرياء العرب وقد دعاه إلى الخمر فقال له» مراد «:» وأين ...
الله؟ ! «فرد عليه العربي الذي قال له من قبل إنه من ذرية الرسول ﷺ قال العربي الثري وهو سكران:» لقد تركت الله في ...
المطار! ! « [٢] ، لقد تجاوز» هوفمان «هذه العقبات والسلوكيات التي تمنع ... غيرنا من قبول ديننا والتي صنعت حاجزاً بينهم وبين الإسلام، إن الذين يتعاملون مع الغربيين من المسلمين كثيراً ما يكونون نماذج مكروهة ومنفرة عن الإسلام، بتهتكها وخلاعتها وانعدام أخلاقياتها، حتى كان لسان حال الذين ناقشوه يقول:» ليس غبياً ومع ذلك مسلم « (ص ١٧٥) . لقد وصم المتغربون الإسلام
بما يليق بهم.
مذكرات (هوفمان) كتاب يناسب عامة المثقفين وتحتاجه جداً طائفة المثقفين
المخدوعين أو الذين استولت عليهم أوهام العالم النصراني القوي مادياً الذي أفقدنا
بريقه ولمعانه القدرة على رؤية الحق الذي عندنا، إنه نقاش ثقافي يعالج قضية
المتطرفين من النصارى في الغرب، ويعالج مشكلة المتطرفين للنصارى إلى درجة
التشنج في العالم الإسلامي.
стр. 1696
مقالة
المرأة بين تفكيرين
إعداد:نورة السعد
لم تعِ المرأة المسلمة بعد أنها الخاسرة في هذه الصفقة العصرية المسماة «
تعليم البنات» في كثير من البلدان، وهي خسارة لم تطلها وحدها بل انسحبت
بآثارها المدمرة على المجتمع بأكمله.. ماذا جنت المرأة عندما دفعوها دفعاً إلى
صعود مراقي التعليم العلماني؟ ! غير أنها جنت على نفسها وعلى من سواها؟ لقد
أخرجوا المرأة من بيت وليّها: أباً أو زوجاً، بشتى الحيل وأهونها فكان ذلك بداية
المحذورات جميعاً، وتركت المرأة جهادها الكريم في بيتها وانصرفت إلى نضال
مدنّس أو على الأقل ثانوي في الخارج؛ سعياً وراء تحصيل العلم بزعمهم! !
وتحقيق الكيان الاجتماعي! ! والوظيفة المرموقة، وباسم العلم والنور والتقدم! !
أخرجوا لنا نماذج نسويّة تمرست وتقلبت في معتركات التعليم ومجالات العمل
ومسارح الاختلاط المختلفة، نماذج (رائدة) خلّفَت وراءها رسالتها وبخاصة هموم
البيت، ومشاكل الزوج والأولاد! ! فضلاً عن تخلّى الرجل عن ولايته وقوامته
على المرأة، فلم يعد يأمر في أهل بيته ولا ينهى وانسحبت المرأة من البيت،
وتفككت الأسرة وضاعت المسؤوليات.
لماذا تتعلم المرأة، وماذا تتعلم؟
تتعلم المرأة لتنير عقلها وقلبها، وبماذا تنيره يا ترى؟ بالمناهج الدراسية
الرجّالية التي لا تنفع المرأة، ولا تستقيم مع فطرتها، ولا مع دورها الحقيقي في
المجتمع! أم بالمناهج التعليمية إياها في شتى المراحل المملوءة بالأفكار اللادينية بل
المناوئة للدين أحياناً.. تلك المناهج التي تكرس الازدواجية في الأذهان (تعليم ديني
ومدني، قديم وحديث) وتعرض المفاهيم الدخيلة وتزكيها وتطمس على المفاهيم
الإسلامية وتشوهها (لاسيما مناهج التاريخ والتربية والاجتماع، وخصوصاً مناهج
الدين! !) . [١]
وما ضرورة الدراسات العليا للمرأة المسلمة؟ في كثير من الأحيان هل حقاً
هو التحصيل العلمي! ! أم صرعة المساواة مع الرجل؟ إذن فما الآثار المترتبة
على تخريج تلك الأفواج من حاملي الإجازات (العلمية) ؟ ! أين فاعليتهم الاجتماعية؟ وماذا قدموا للمجتمع؟ ! ماذا قدمت تلك الرسائل الجامعية في معظمها غير انتحال
أفكار الآخرين واقتباس كلامهم، وتبني مناهجهم الضالة دون فهم أو تمحيص؟
حتى أصيب كثير من الرجال والنساء بالخلل العقدي! !
فأجيبوني ما ضرورة الدراسات العليا للمرأة؟ لاسيما إذا جرها ذلك إلى
التغرّب وحدها؟ ! فإن سفر المرأة يعني: سفراً دون محرم، وإقامة دون ولي
واختلاطاً ومنكرات لا تعد ولا تحصى، خصوصاً في هذا العصر، وعند فتيات
اليوم، اللاتي لا يبالين بركوب الصعاب، وخوض غمار التجارب، برغم قلة الزاد.
وحتى عندما ترافق المرأة زوجها المبتعث إلى الخارج، يتفتق الذهن التجاري
للزوجين في كثير من الأحيان عن فكرة إكمال المرأة للدراسة أيضاً، لا من أجل
سواد عيون العلم، ولكن تجميعاً للمرتبات (مرتب دراسي هنا ومرتب وظيفي هناك)
أما الأولاد فيحصلون على الحشف وسوء الكيلة، ففوق التغريب يلاقون الإهمال،
فيرمى بهم إلى جليسات السوء (baby setters) والمدارس الأجنبية، وإلى خضم
الحياة الغربية الموبوءة ذاتها.
ويدّعي الجهلة والمضللون: بأن الاختلاط أقل كلفة من إنشاء كليات للبنين
وأخرى للبنات، ولكن ما الداعي أصلاً إلى تعلم المرأة لعلوم الذرة والهندسة
والزراعة! ! والإعلام والصحافة! ! والآداب والفنون! ! وغير ذلك؟ هل
ليستوي الرجل والمرأة، في الخضوع للغزو الثقافي وغسيل الأمخاخ والتناقضات
العقدية، ولماذا كل هذا الحرص على إخراج المرأة وإفسادها؟ لماذا تمجّد وتلمّع
النماذج الشاذة في المجتمعات الإسلامية من شويعرات ومتأدبات وفنانات ومفكرات
ومتحزبات ومستوزرات! ! لماذا جعلوا المرأة التقدمية بزعمهم تمشي تحت هالة
من الأضواء والتعاطف، وصوروا المجتمع الشرقي المتخلف كما يحبون أن يطلقوا
عليه يكمن مترصداً وراء الجدار على هيئة رجل ملتحٍ بيده خنجر؟ ! هل الإسلام
عدو للمرأة؟ ! سيقولون لك: لا، لكن الإسلاميين كذلك! فالإسلام الموجود بين
دفتي المصحف ليس خصماً لهم مادام القرآن مهجوراً! !
ولكن أين هي المرأة المسلمة؟ ! هل هي تلك الخيمة المتحركة كما يدعون!! المرأة الجاهلة المتخلفة! تلك التي أورثتها جدران البيت قصر النظر وبلادة الحس، وسُقم التفكير! ! هل هي تلك التي لا تعرف من الحياة سوى الطبخ والنفخ، «
واسكت يا ولد» ، وهات أيها الزوج؟ ! أم أنها تلك المرأة العصرية (الواعية) ! !
التي تتمتع باستقلالية اقتصادية وفكرية! ! تلك التي تدفع بأبنائها إلى المدارس
الخاصة أو المدارس الأجنبية! ! تلك التي تختار بلداً أجنبياً لتمضية الإجازة
الصيفية، لينعم أطفالها «بكورسات» اللغة الإنجليزية ويمارس أفراد العائلة
حرياتهم بعيداً عن أعين الرقباء! ! تلك الأم العصرية التي اهتدت (! !) إلى
تطبيق التربية الحديثة الفذّة فألبست صغيرتها ذات الاثني عشر ربيعاً (! !) «
البنطال» و «التي شيرت» وتركتها تقص شعرها كالصبي، وتمارس الهوايات
الرياضية، وتتلقى دروساً في الموسيقى، ولأنها تتفوق في الفيزياء والرياضيات
الحديثة، فليس عليها بعد ذلك ألا تحسن شأناً نسوياً واحداً وألا تعرف من القرآن
والدين إلا ما تجتاز به امتحاناً، دون ممارسة أو تطبيق، ولماذا تتحجب هذه الفتاة ...
وأمها لا تلتزم كثيراً بالحجاب الشرعي! ! ولماذا تتحجب والحجاب مسألة
شخصية! ! ولماذا تكره على الصلاة؟ وليس لديها وقت لذلك! ! فالوقت مزدحم بالدراسة والنادي والأتاري والفيديو والفسح ... الخ عندما تبلغ الفتاة سن الرشد فإنها ستختار (أو لن تختار) لنفسها الحجاب والصلاة وبقية الأمور المؤجلة! ! أما الآن فالأم تسلح ابنتها بأساسيات الحياة وبما ينفعها حقاً في حياتها العملية! !
هذا جانب من التربية الحديثة التي تفتخر بها الأمهات العصريات في المجالس
النسوية، ويفضلن الحديث فيما أنفقنه على المدارس الخاصة، ودورات المهارات
الالكترونية، وملابس الصيحات الحديثة، والسفريات هنا وهناك فسينفقون أموالهم
ثم تكون عليهم حسرة.
إن المرأة المسلمة حقاً هي التي بايعت الله ورسوله- ﷺ -على
السمع والطاعة: فصانت نفسها، وحصنت بيتها، وجعلت همها الأول في حمل
الأمانة التي استحفظت عليها: تربية الأجيال الربانية المحمدية، وعرفت حق
المجتمع عليها، فانطلقت تتفقه في دينها، وتدعو قريناتها، وتنصح لأخواتها.
إنها تلك التي طالبت بنصيبها من الهدي الرباني لما غلبها الرجال عليه
فاستجيب لها، لأنها شقيقة الرجل، أي شريكته لا نده، فإن اختلاف الطبائع
الجسدية والنفسية، عند كل من الرجل والمرأة يعني بالضرورة اختلافاً حاسماً في
الوظائف والأدوار، وإلا فإنه من المجافي للمنطق أن يخلق الإنسان ذكراً وأنثى
دون أن يترتب على ذلك أمرٌ ما.
ولقد خرجت المرأة المسلمة في خير القرون، مجاهدة في ظل القرآن لكن ذلك
لا يعني أنها هجرت بيتها، وحملت السيف وجالدت الرجال، فإن النماذج المعروفة
لنا لا تمثل صوراً عامة، لكنها نماذج معدودة فحسب لنساء مسلمات، استجبن
بشجاعة منقطعة النظير لدوافع إيمانية بحتة، فقد شهدت نسيبة بنت كعب مع
زوجها وابنتها أُحداً، وشهدت أيضاً الحديبية ويوم حُنين ويوم اليمامة، وشهدت
أسماء بنت أبي بكر ﵄ اليرموك مع زوجها الزبير، وشهدت أم سُلَيم
حنيناً مع زوجها أبي طلحة، وابنها أنس بن مالك، وحمل عبادة بن الصامت زوجه
أم حرام معه لما غزا قبرص في خلافة عثمان بن عفان ﵁.. ويتجاهل
الكثيرون أن هاتيك النسوة المسلمات، وعلى رأسهن أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها قد شاركت في الأحداث المهمة في عصرهن، وخُضنَ المعارك، ومع ذلك كله
فلم تكن إحداهن تكلم الرجال إلا من راء حجاب.
إذا كان الرجل نصف المجتمع فإن المرأة هي نصفه وحاضنة نصفه الآخر
فهذا الرجل نفسه قد تعرض لتربية المرأة أماً وتأثيراتها أختاً وابنةً وزوجاً، وإذا
كان في وسع الرجل أن يتنصل قليلاً أو كثيراً من مهامه داخل بيته، فإن المرأة لا
يسعها من ذلك أقله، فهي المربية المدبرة المسؤولة، شاءت أم أبت، فإذا صلحت
صلح الأمر كله وإن غاب الرجل وإذا فسدت لم يُجْدِ مع ذلك دواء.
إن صلاح الرجل والمرأة، مرتبط أساساً بعودة المجتمع إلى نظام الإسلام،
إنه في بلوغنا القيم الإيمانية التي تجعلنا نحيا في سبيل الله حياة ربانية كاملة، في
أقوالنا وأفعالنا ومشاعرنا وأذواقنا، وخلجات صدورنا وآفاق تصوراتنا، وغايات
آمالنا، إنطلاقاً من غاية التربية الإسلامية ومناهجها المبنية على تكوين الفرد
الصالح في نفسه المصلح لما اسّتُرّعي عليه.. وقد اسّتُرّعيت المرأة على البيت
المسلم الذي يمثل بحق نواة مصغرة للمجتمع كله، بل الحياة بأسرها.
стр. 1697
في دائرة الضوء
«قضية الآخر»
في كتابات المثقفين العرب
د. محمد يحيى
أصبحت قضية ما يسمى «بالآخر» تشغل حيّزاً واضحاً في الطروحات
الثقافية على الساحة العربية في الآونة الأخيرة، لاسيما في مجال مواجهة الفكر
الإسلامي ونقده، حيث توجه تهمة رئيسة الآن إلى هذا الفكر بأنه لا يعترف بالآخر، ولا يفقه التعامل معه، بل لا يضع قضية الآخر برمتها في الحسبان ويرمى الفكر
الإسلامي بهذه التهمة من قِبَل رموز العلمانية على امتداد ساحة العالم العربي الفكرية، كما تبنى على هذه التهمة اتهامات فرعية، تتعلق بدعوى ضيق الأفق، والانغلاق، والتعصب وما شابه ذلك وتقترن بهذه القضية أو هذا الطرح مسائل أخرى،
أصبحت مشهورة ثقافياً في الفترة الأخيرة كقضية التعددية، والتفاعل الفكري
الحضاري، وإسقاط مفهوم الهوية والذاتية، وتجنب الحديث عن الغزو الفكري
والثقافي، باعتبار أن كل هذه المسائل تعالج قضية الآخر وتحلها، وفي الوقت نفسه
ينشغل بعض المثقفين الإسلاميين بالرد على الطروحات الدائرة في فلك قضية
الآخر، بتوضيح انفتاحية الإسلام، وقدرته على التواصل الحضاري،
وسماحته الدينية، وعدم تبنيه مفاهيم ضيقة حول الهوية، والذات ... الخ.
ولكن في خضم هذه الطروحات والطروحات المضادة، تغيب حقائق
واعتبارات مهمة يغفلها عمداً أو سهواً من أتوا بقضية الآخر إلى الساحة الفكرية كما
إن عدم تعرض من يتصدون بالرد من الجانب الإسلامي لها يضعف من فاعلية
دورهم ويجعلها أشبه بالضربات المضادة «الروتينية» التي توجه في لعبة كرة
المضرب حتى تستقر الأمور إلى أن يتناول الطرفان الكرة في رتابة، حتى يسجل
أحدهما نقطة، ثم تعود المباراة إلى وتيرتها، حتى يسجل الآخر نقطة.. وهكذا،
ومثلما هي الحال في كثير من القضايا الثقافية المطروحة، ولاسيما في مجال
المواجهة بين الإسلام والفكر العلماني، فإن المطلوب هو كسر حلقة الرتابة في
طرح القضية وإدارتها بدلاً من الاندماج الطوعي غير الواعي في داخل هذه الحلقة، مما ينتهي إلى العقم، وعدم الجدوى حيث يسجل الطرفان النقاط كل أمام جمهوره، ويفوز أحدهما في النهاية لكي يواجه الهزيمة في المباراة أو القضية التالية.
المطلوب إذن هو الخروج من دائرة التبادل الرتيب للحجج والحجج المضادة داخل
حلقة المباراة القضية المطروحة إلى فحص وكشف قواعد المباراة، ومن الذي
فرض هذه المباراة القضية وحدد أطرها الفكرية؟ ! والمطلوب أيضاً تسليط الضوء
على هذه الأمور الواقعة خارج إطار ساحة اللعب؛ لأن ذلك أكثر فائدة لفهم القضايا، والتعامل معها، وكذلك للعلم والوعي بحقيقتها، وهذا هو المطلوب تجاه قضية
«الآخر» برمتها.
لعل أول الأسئلة التي ينبغي أن توضع في هذا السياق هو: من الذي يطرح
قضية الآخر؟ وهو سؤال يفتح الباب لأسئلة حيوية أخرى مثل: ما هو هدف
إدراج هذه القضية؟ ، وهل تطرح هذه القضية بهدف ثقافي محض هو المعرفة
المجردة؟ أم تطرح بهدف سياسي/ثقافي هو توجيه ضربة، أو إثارة عقبة أمام تيار
خصم؟ .. هناك سؤال أخطر حول ما الذي يعنيه بالضبط من يطلقون مصطلح
«الآخر» ؟ وما هي أبعاد القضية وما هي المصطلحات المتصلة بها؟ .. هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرح قبل الإجابات والحجج والأسانيد التي تثبت أن الإسلام يعترف بالآخر، ويتعامل معه ويتفاعل ويفكر.
إن مفهوم أو مسألة «الآخر» تستند أساساً إلى تراث أوروبي فكري وفلسفي
بعيد الغور وطويل التاريخ، فهو متأصل مثلاً في النزعة «الإنسانية» أو بالأصح
الفردية، التي غلبت على الفكر الغربي فيما يسمى عصر النهضة وما تلاه من
عصور فلسفية، حيث تضخم إحساس الإنسان الفرد بذاته وشخصيته وكيانه
ومشاعره ورغباته وتطوره ومصالحه، إلى حد أصبح معه هو وليس الرب أو الإله
أو الأمة أو المجموع البشري محور التفكير والهم الأول والأسبق، وإزاء هذا
التضخم والمحورية للذات المفردة، وتحولها إلى عالم واسع من الأفكار والمشاعر
والرغبات والمصالح تدور حول نفسها في أنانية طاغية أصبح «الآخر» وهو
الأفراد، أو الكيانات، أو الذوات الأخرى مشكلة أو قضية تفرض نفسها من حيث
كيفية التعامل مع هؤلاء، وتحقيق الذات في مواجهتهم أو على الأقل بتنسيق معهم،
أو دون الدخول في صراع معهم، أو بالدخول في صراع معهم والفوز في هذا
الصراع.. باختصار شديد فإن قضية الآخر نشأت فقط في ظل تضخم وتمدد
الإحساس «بالأنا» المفردة، أو بالذات والكيان والشخصية الفردية إلى حد أصبح
معه إيجاد مجال لما هو خارج الفرد أو لما هو غير الذات مشكلة تتطلب الحل،
وتتطلب التفكير في أبعادها ومضامينها.
النزعة الفردية الغربية المسماة أحياناً أو في أصلها «بالإنسانية» هي الرحم
الأول الذي ظهرت فيه قضية الآخر، والتي ظهرت تجلياتها تباعاً في الفلسفات
والمذاهب الفكرية الغربية المختلفة حتى العصر الحالي، ففي فلسفة هيجل المنطقية، وفي مفهوم الحد والذات غير المطلقة في كلامه عن النفس والروح والتاريخ
يصبح الآخر ضرورة حتمية تلازم الذات المفردة، وتحتم عليها التعامل معها، وإذا
كانت الذات والآخر هنا أفراداً أو مفاهيم، فإن الذات والآخر في فلسفته عن التاريخ
تصبح أمماً وجماعات ودولاً يجري التصارع والتناقض بينها على هذه الأسس، وقد
انعكس هذا المفهوم الهيجلي عن الذات والآخر على أفكار ومذاهب سياسية وقانونية
كثيرة طيلة القرن التاسع عشر والعشرين، رأت في غلبة الأنا، وإطلاقها بالتغلب
على الآخر، أو استيعابه من خلال «الجدلية» الهيجلية المشهورة، الحل الأكيد،
والهدف الأسمى الذي تسعى إليه.
والفلسفة النفعية الإنجليزية الشهيرة في منتصف القرن التاسع عشر، وما
تمخض عنها بعد ذلك من مذاهب في علم النفس والاجتماع والسياسة، وقبل كل
ذلك في الأخلاق والسلوكيات، قدمت هي الأخرى طرحها الخاص لقضية «الآخر» ، أو «الأنا» التي لا يشغلها شيء سوى «حساب اللذة» والحصول عليها
بأعظم درجة، حيث تصبح المشكلة هنا هي كيفية إجراء هذا الحساب للذة والتعظيم
للفرد وللأنا في وجه الآخر، أو بالتنسيق معه وحيث تصبح المشكلة الكبرى في هذا
المذهب وما تفرع عنه من مذاهب ليبرالية وبراجماتية، هي تحقيق مصالح ولذات
وسعادة الأفراد والذوات المادية داخل مجتمع مكون من «ذوات» فردية متضخمة
الإحساس بكياناتها، وكل منها هو «الأنا» لنفسه و «الآخر» بالنسبة لغيره،
وتظهر قضية الآخر في مباحث الإدراك المعرفي عند (الظواهرية) في مطلع القرن
العشرين حيث رأت هذه الفلسفة أن عملية اكتساب المعرفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً
بذات العارف الفردية، التي تسعى لاستكشاف الآخر المعرفي أو النفسي أو
الشخصي، وكذلك تظهر قضية الآخر في بعض الفلسفات الوجودية، ولاسيما في
فلسفة (سارتر) ومن لف لفه من الفلاسفة الفرنسيين والأمريكيين وغيرهم، وهي
تظهر هنا على المستوى الفردي البحت حيث يكون هدف الذات المفردة هو «
تحقيق الذات» في إطار يكون فيه «الجحيم هو الآخرون» وفق عبارة (سارتر)
المشهورة والتي ترى في الآخر (الغريب) الذي ينبغي الدخول في علاقة ما معه،
ولكن فقط في إطار أو سياق تحقيق الأنا لذاتها.
وأخيراً وعلى مدى العقدين الماضيين تبرز قضية «الآخر» في الفكر
الأوروبي الثقافي بعامة، وعلى كل المستويات الفلسفية والاجتماعية وحتى «
الأنثروبولوجية» لتعالج قضية الحضارة الغربية في مواجهة المشكلات المترتبة
على العهد الاستعماري القديم والإمبريالي الجديد من تعاملات مع شعوب وثقافات ما
يسمى بالعالم الثالث، ومع الأقليات الكبيرة العرقية والدينية واللغوية والثقافية التي
نشأت داخل الدول الأوروبية ثم الأمريكية؛ بسبب عوامل عديدة كالهجرة والعلاقة
الاستعمارية، وهذا الطرح الأخير هو الذي نقله إلى الساحة الفكرية العربية عناصر
النخبة العلمانية في إطار سياستهم الدائبة في المحاكاة والنقل والاستيراد لما يروج
في ساحات الفكر الغربي، وكذلك في إطار استخدام هذه النخبة لأدوات فكرية
غربية كأسلحة في حرب المواجهة مع الإسلام ومنهجه.
والخلاصة هي أن مسألة «الآخر» لا تقوم بل ولا يكون لها معنى إلا في
ظل حالة من تضخم الشعور بالأنا أو بالذات الفردية أو الجمعية أو المعنوية إلى حد
تصبح معه علاقاتها مع أي كيان خارجها (الآخر) سواء أكان فردياً أو جمعياً مشكلة ...
من حيث أنه قد يعرقل، أو يحد من أهم وقائع هذه الأنا أو الذات في تحقيق نفسها
بالمعنى الشامل معنوياً أو مادياً، مما يستتبع أن يكون هناك مشكلة «الآخر» ، وقد
تفرقت أنواع الحلول والاتجاهات الغربية في مشكلة الآخر بين ما سمي «بنفي
الآخر» أو سحقه والقضاء عليه (وهذا في حالات الصراع بين القوميات، وبين
الثقافة الاستعمارية النصرانية العلمانية والثقافات المستعمرة) ، وبين محاولات
الحوار والاستيعاب بالتعددية على درجات داخل كيان موحد أوسع ... الخ.
* * * * *
إن المشكلة الحقيقية مع قضية «الآخر» تختلف عن المشكلة التي تواجهنا
نحن المسلمين مع قضايا فكرية أخرى فرضتها النخبة المتغربة: كقضية العلمانية،
ففي هذه القضايا تكون المشكلة الأولية هي كون هذه القضايا غربية المنشأ أي أنها
قضايا تتصل اتصالاً عضوياً لا ينفصم بالسياق الحضاري والثقافي والسياسي
والاجتماعي للتجربة التاريخية الأوربية، حيث إن انتزاعها من هذا السياق
وتحويلها إلى مجرد مبادئ نظرية عامة مجردة ذات انطباقية عمومية يصبح هو
المشكلة الأولى التي يتحتم مواجهتها وكشفها قبل الدخول في مناقشات أخرى لتلك
القضايا، أما بالنسبة لقضية «الآخر» ومع التأكيد أيضاً على خصوصيتها الثقافية
السياقية الأوروبية فإن الوضع يختلف لأن المشكلة الأولية التي تواجهنا معها هي في
تطبيقها، وإدخالها بشكل معكوس من قبل أصوات النخبة العلمانية.
لقد قلنا: إن قضية الآخر تنشأ أو قد نشأت في ظروف كان فيها تضخم الذات
أو الأنا بمستوياتها المختلفة وأشكالها المتنوعة فردي، أو ثقافي أو سياسي/اجتماعي
يصل إلى حد هائل، يتحتم معه معالجة وضع «الآخر» بمستوياته وأشكاله
المختلفة في إطار عملية تحقيق الأنا لذاتها، هذا هو السياق الذي ظهرت فيه قضية
الآخر في الغرب داخل الإطار الفردي العام للحضارة هناك، وداخل فلسفاتها من
الهيجلية إلى النفعية إلى الليبرالية إلى الوجودية إلى فلسفات الثقافة والمعرفة والنقد
الحضاري والأنثروبولوجيا، ولكن عند نقل هذه القضية إلى الساحة الثقافية العربية
نلاحظ أنها تحولت من قضية ذات أبعاد فلسفية/اجتماعية متعددة، وذات منظور
واسع عميق، إلى مجرد تهمة توجه ضد خصم ثقافي على سبيل تشويه صورته،
ولفتح الباب أمام توجيه اتهامات أخرى له تشبه السباب الدارج، ولا تخلو من
مسحات الغلو والعصبية كاتهامات التعصب والانغلاق وما أشبه ذلك.
إلا أن الوضع المعكوس الذي أشرت إليه يتجلى في أن تهمة العداء للآخر
توجه إلى الذات، أوالأنا أو الهوية أو الكيان الإسلامي في وقت هو فيه في أشد
حالات الضعف والهزال والتراجع، بل وفقدان الوعي والتماسك، بحيث إن قضيته
الحقيقية ليست في حل مشكلة الآخر، بل في مجرد ضمان استمرارية ذاتيته وكيانه
هو. نحن لسنا أمام ذاتية فردية أو جماعية تعاني من التضخم والغرور والتوسع
والابتلاع والاستعلاء المجنون، كما كانت الحال مع الذاتية الفردية أو الجمعية في
عصور النهضة والكشوف الجغرافية وإحياء العلوم الفلسفية والطبيعية، ثم عهود ما
سمي بالتنوير والفتوح الاستعمارية وتكوين الامبراطوريات والدول القومية الكبرى،
وما صاحب ذلك كله من تأليه للفرد والذات وإخضاع كل شيء من دين وقيم
وشعوب أخرى لهما وجمعها فيهما، بل نحن عندما نتحدث عن الذاتية الإسلامية
فردية أو جمعية في الفترة الراهنة نتحدث عن ذاتية هي في حالة من الضعف
والخمول لأسباب عديدة تاريخية وفعلية ليس هنا مجال الحديث عنها بحيث بات
يخشى عليها أن تفقد وجودها نفسه وبالتحديد من جراء سطوة هذا «الآخر» الذي
يجري الحديث عنه كما لو كان هو المهدد من جانب الذات الإسلامية، نحن لسنا
أمام ذات جامحة طامحة، متوسعة، عدوانية، شرسة، نهمة تمضي لاستعمار الدنيا، بحيث يصح أن ترفع في وجهها دعوات الحفاظ على «الآخر» من عدوانها
واجتياحها، وبحيث يصح أن تحذر من الدوس على هذا الآخر بالأقدام، والقضاء
عليه ونفيه، أو على الأقل مناصبته العداء.
إن الذات الإسلامية التي ترفع في وجهها الآن تهمة العداء للآخر ورفضه
ليست هي الذات الأوروبية الاستعمارية التاريخية، أو الذات النظرية المصبوغة
بالنزعة الإنسانية العلمانية اللتين سعتا وتسعيان إلى محو أو إدماج أو نفي أو
استيعاب «الآخر» ، وهذه الذات لم يعرف عنها هذا النزع الإنساني الاستعماري
العلماني أو الصليبي المهدد، والنافي «للآخر» سواء أكان من ناحية تجربتها
التاريخية أو المعاصرة، أو من ناحية مكوناتها العقدية، وبصرف النظر عن هذا
وذاك فإن وضعها الحالي من التفكك وضعف الإحساس والوعي بالهوية يهددها هي
وليس الآخر بالضياع، وهذا الواقع يجعلنا نفهم التهمة الموجهة لها بالعداء «للآخر» على أنها في حقيقتها ليست تهمة مبنية على تفكير ونظر جدي متعمق في الأمور، بقدر ما هي تهمة تقوم على تشويه الصورة وتقديم الغطاء لما يتردد الآن بفجاجة
في الإعلام الغربي وغيره حول دعوى «الخطر الإسلامي الجديد» و «خطر
الأصولية الصاعد» ، وما شابه ذلك من أنواع الدعاية الإعلامية، فتهمة العداء «
للآخر» لا تكشف عن نظرة جادة لمحتوى الثقافة الإسلامية، أو لتجربة الذات
الإسلامية التاريخية والمعاصرة، وإنما هي مجرد شعار من شعارات تشويه الصورة
والدعاية السوداء، وإلا لما كان من أبسط الأخطاء أن توضع الذات المتأزمة موضع
الذات المستعلية الغربية.
إذن قضية الآخر تبدأ بداية مقلوبة عندما تطرح عندنا، وهي بداية تخالف
تماماً البداية المنطقية والمعقولة والطبيعية لها في سياقها الغربي، ويكفي أننا لسنا
أمة مُستَعْمِرَة أو عدوانية، حتى تكون لهذه القضية انطباقية علينا من ناحية تهديدنا
للآخر، كما يكفي أننا نحن الذين نتعرض لعداء الآخر ومحاولته نفينا واستعبادنا
واستبعادنا.
وهنا يطرح سؤال آخر من تلك الأسئلة التي لاحظناها فيما سبق نفسه: فمن
هو ذلك الآخر الذي يتهدده الإسلام ويتباكى عليه المتباكون؟ هل هو الغرب
بنزعاته من صليبية إلى استعمارية جديدة وقديمة إلى صهيونية وعلمانية؟ أم هو
غير المسلمين في خارج وداخل البلدان الإسلامية ومعهم النخب الحاكمة والمثقفة
(اللادينية) ؟ أم هو اليهودية العالمية والإسرائيلية؟ وهل هذا الآخر أفراد ودول، أم
أفكار ومذاهب وفلسفات، أم حركات سياسية واجتماعية ودولية، أم تيارات
اقتصادية ومادية كبرى ... الخ؟ ثم من هو الذي يتحدث عن العداء للآخر متباكياً
عليه، وقائماً على حقوقه التي يزعم تعرضها للخطر؟ إنه نخب وأقليات متغربة
ومعلمنة داخل عالمنا العربي المسلم وكأنهم بهذا الحديث المشفق على «الآخر»
يهاجمون بني جلدتهم المعترضين متهمين إياهم بالعدوانية والتوسع الاستعماري
والجهل الثقافي، وهل تكون هذه النخب والعناصر قد وضعت نفسها بذلك في زمرة
الآخر هذا، بحيث ينطبق عليها ما تقوله بعض الحركات الإسلامية من أنها انخلعت
من ربقة الدين؟
إن البداية الحقيقية للتعامل مع قضية الآخر، تكون بفهمها وفهم سياقها
الحضاري الفكري الأصلي وتتبع هوية وهدف من يطرحونها، لاسيما وهم يجعلون
من أنفسهم تابعاً لذلك الآخر الذي يتحدثون عنه، وليس جزءاً أو مكوناً من الأمة
الإسلامية التي يوجهون الاتهام إليها، ولا يمكن أن يكون هناك طرح لقضية الآخر
مع تجاهل قضية الأنا أو «الذات» أو الهوية، وهذا من طبيعة الأشياء المنطقية
لأنه إذا جاز لنا أن نتصور وفق المنطق الهيجلي مثلاً أنه لا يمكن أن توجد ذات
(غير مطلقة) بدون الآخر، فإنه في الوقت نفسه لا يمكن وجود آخر وأيضاً من
الناحية المنطقية والفعلية بدون الأنا والذات، ولذلك فعندما يصرح بعض عناصر
النخبة مثلاً من أن قضية إثبات الهوية الحضارية والعقدية هو أمر بات مرفوضاً
وبائداً، وبأنه لا يجوز الحديث عن الغزو الفكري فإن المرء يستغرب أن يصدر هذا
ممن يتحدثون في الوقت نفسه عن احترام الآخر واعتباره والتعامل معه من موقع
التفاعل، وليس العداء، إذ كيف يكون ذلك إذا كانت الأنا أو الذات (الحضارية
الدينية) التي ستقوم بذلك هي عندهم مرفوضة من موقع رفض الحديث عن الهوية
والذاتية الثقافية؟ إن وجود الهوية والأنا الثابتة الواضحة هو الشرط الأول للحديث
بعد ذلك عن الآخر وعن أي نوع من أنواع العلاقة معه، وليس هذا فحسب بل لابد
أن تكون هذه الأنا قوية صاعدة ولابد كذلك أن تكون فاعلة داخل ثقافة فردية تعلي
من شأن الذات وتجعل من تحققها أي تحقق الذات بمعنى بسطها وامتدادها في
الزمان والمكان والعمق الحضاري والفني والإشباع والقوة المادية أهم أحد أهدافها،
ولكن عندما تكون الأنا مهددة بالتفتت والضياع وعدم الوجود وعندما لا تتحقق فيها
الشروط التي توفرت في الأنا الغربية، وحتّمت طرح قضية الآخر فإن طرح هذه
القضية والإعلاء من شأنها يصبح عملاً مشبوهاً، وغير منطقي، ويحق عندئذ
توجيه تهمة مضادة من أن هذا الطرح وبالذات في شكل الاتهام هو طرح مغرض لا
يأتي لوجه الحقيقة بل لمجرد إحراج الخصم الفكري، ووضعه في موضع الدفاع
بقذفه بالاتهام وراء الآخر ليس لغرض سوى إشغاله بالرد، أو إحاطة مواقفه
بالشكوك والظنون، وفض الناس من ورائه وقبل كل شيء إجباره على اتخاذ
مواقف يرحب فيها بالأفكار والمذاهب المخالفة وإلا تعرض لتهمة أنه ينفي الآخر
ويعاديه.
ولا يمكن كذلك طرح قضية الآخر بإلحاح وخطورة وفي شكل الاتهام الحاد في
ظل وضع تتعرض فيه الذات أو الأنا أو الهوية إلى عدوان مستمر وشرس من
جانب ذلك الآخر ضد كل مظاهرها، سواء أتخذ هذا العدوان شكل الغزو الفكري،
أو الاجتياح الإعلامي أو الهيمنة السياسية والاقتصادية أو الهجوم العسكري المباشر، أو حتى الإبادة والإفناء، كما يحدث الآن على امتداد ساحة العالم الإسلامي.
إن الآخر هو الذي ينبغي أن يوجه إليه النصح والتحذير بأن ينهي عداءه
ونفيه للأنا (وهي تعتبر الآخر بالنسبة له) قبل أن توجه للأنا الضعيفة والمحاصرة
تهمة العداء للآخر، والحق أن طرح تهمة العداء للآخر بهذا الشكل المعكوس يكشف
غرضاً آخر من أغراض الإلحاح عليها من جانب النخبة ألا وهو الإرهاب الفكري
وتمييع المواقف الإسلامية، فتحت شعار التفاعل والتقارب مع الآخر والتعرف عليه
يجري الإلحاح على كبت وإسكات العديد من المواقف والأحكام الشرعية بحجة أنها
تعادي الآخر، وتعوق التعامل معه، وتشعره بالحرج وحتى تشوه صورة الإسلام
لديه، ومنها قضايا الجهاد والحكم الإسلامي ورفض الربا، وأحكام المرأة والأسرة،
بل وحتى الموقف الشرعي من عقائد النصارى، وسلوك اليهود.
وبنظرة فاحصة إلى الواقع نجد أن الطرح الفعلي لقضية الآخر في عدد من
البلدان العربية، قد فرض بالفعل من أجل هذا الهدف دون غيره، حيث يقال من
جانب عناصر النخب العلمانية: إن الطروحات الإسلامية في المجال السياسي
والاجتماعي ينبغي تغييرها لأنها تسئ إلى الآخر وهو هنا الغرب والدوائر السائرة
في ركابه وهكذا يصبح مفهوم الآخر هنا ذا طبيعة قمعية واضحة فالآخر هو الكيان
الحضاري المخالف الذي تصبح للعلاقة معه أولوية قصوى تفوق حتى أولوية أن
يكون للذات أو للأنا وجود مستقل، أو أن يكون لها حوار مع نفسها هي أولاً. إن
الآخر وفق هذا المفهوم يصبح هو الكيان الأكثر أهمية من الذات التي يتحتم أن
تضحي بنفسها، أو تعدل من طبيعتها؛ لكي تتوافق معه وتندمج فيه ولا تغضبه! !
وهكذا تنقلب قضية العداء للآخر من معناها الظاهر إلى النقيض، فالمطلوب ليس
تخفيف الغلواء ضد الآخر، بل الاندماج فيه تدريجياً، والتوافق معه تحت شعار
إقامة العلاقة معه والتكيف والتفاعل في ظروف تكون فيها الذات الحضارية ضعيفة، ويكون الآخر عدوانياً متوسعاً ولا يقبل بأقل من الاستيعاب والهضم، وليس غريباً
والأمر كذلك أن يتوافق طرح قضية الآخر مع فرض ما يسمى بالنظام العالمي
الجديد، كأحدث طروحات الغرب لتحقيق الهيمنة العالمية على كل الأصعدة.
إن تعاملنا مع القضايا الفكرية التي تطرح ينبغي أن يسير على الخطوط التي
سعينا إلى رسمها هنا من التعمق في الخلفيات والأهداف المرغوبة، وحقيقة المفاهيم
المطروحة والسياقات الحاكمة بدل الانشغال بتبادلات سطحية للحجج لا تغني ولا
تفيد.
стр. 1698
تعريف بأنشطة المنتدى الإسلامي
في العدد قبل الماضي سبق التعريف بالمنتدى الإسلامي وأنه أحد مراكز أهل
السنة والجماعة، يسير على منهجهم، ويدعو إلى أصولهم، ويذكر بطريقتهم
السلفية الخالية من الغلو والانحراف، وهو يستقبل وبكل ترحاب أي مسلم مهما كان
لونه أو جنسه.
ووضحنا في تقرير موجز ألوانا من الأنشطة الدعوية والثقافية والمشاريع
الخيرية، التي تمت بعون الله ثم بدعمكم ومؤازرتكم والتي لا تزال بحاجة إلى ذلك
الدعم، انطلاقا من قوله تعالى [وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم
والعدوان] ، وكانت ولله الحمد محل إعجاب وتقدير القراء والمتابعين لأنشطة
المنتدى.
وقد رأينا البدء بإيضاح المزيد من التعريف لكل مشروع على حدة تحدثا بنعمة
الله، سيكون الحديث هنا أولا عن مشروع كفالة الدعاة وبرامج تعيينهم، ثم بيان
لبرنامج شهر رمضان المبارك الماضي، وكذلك تفصيل لمشروع مكافحة العمى
بدولة تشاد، بالإضافة إلى بيان إجمالي لمشروعات المنتدى القائمة والمستقبلية.
أولا: مشروع كفالة الدعاة وبرامج تعيينهم:
وإيمانا من المنتدى الإسلامي بعالمية رسالة الإسلام، فقد تم افتتاح عدد من
المكاتب الفرعية للمنتدى الإسلامي في بعض الدول وتعيين مندوبين يتابعون أنشطة
المنتدى في دول أخرى، وبعد طول بحث ودراسة رسمت خطة العمل وحددت
الأهداف والوسائل، وذلك من أجل أن يكون العمل إن شاء الله عملا مدروسا،
معروفة أبعاده ومعالمه، بعيدا عن الارتجال والعشوائية.
تم تعيين خمسمائة من الدعاة في عدد غير قليل من الدول الإفريقية والآسيوية
مثل: كينيا، أوغندا، الصومال، أثيوبيا، الأوجادين، السودان، تشاد، مالي،
النيجر، نيجيريا، غانا، التوجو، بنين، السنغال، بنجلاديش، باكستان، الفلبين، إندونيسيا ... ليكون ذلك إن شاء الله تعالى إسهاما في نشر منهج السلف الصالح.
ويخضع تعيين الداعية لشروط عدة من أهمها:
١- سلامة المنهج معتقدا وسلوكا.
٢- الكفاية العلمية.
٣- الكفاية الدعوية.
وقد وضعت برامج دعوية يومية لكل داعية يسير في عمله بناء عليها وتشمل
هذه البرامج:
١-حلقة واحدة على الأقل لتحفيظ القرآن الكريم.
٢-دروس ومحاضرات عامة.
٣-دروس ومحاضرات في المدارس والتجمعات العامة.
٤-جولات دعوية في القرى المجاورة، وغيرها.
ثم تتم متابعة الداعية عن طريق المشرف الدعوي في المنطقة نفسها، وعن
طريق إرسال تقارير شهرية إلى اللجنة المختصة بذلك.
ويحرص المنتدى الإسلامي على رفع الكفاءة العلمية الشرعية والدعوية لهؤلاء
الدعاة عن طريق الدورات العلمية الشرعية والملتقيات الدعوية والإمداد بالكتب
والمراجع ونحوها.
تكلفة كفالة داعية:
يقدم المنتدى الإسلامي راتبا شهريا لكل داعية، ومقدار هذا المرتب يخضع
في أغلب الأحوال لمستوى المعيشة في بلد الداعية ولمؤهله العلمي ومدى الجهد
الذي يقدمه، وبشكل عام تتراوح الرواتب بين ٦٥٢٤٠ دولار ومتوسط المرتبات
كما يلي:
متوسط كفالة الداعية ١٠٠ دولار شهريا، و ١.٢٠٠ دولار سنويا.
الكفالة تشمل: المكافأة الشهرية بالإضافة إلى مصاريف الجولات الدعوية التي
يقوم بها الداعية من نقل ومأكل ومسكن ... الخ.
ثانيا: برنامج شهر رمضان المبارك:
بفضل الله تعالى تمكن المنتدى الإسلامي من القيام بتنفيذ برامجه المعدة لشهر
رمضان الماضي، وذلك من خلال برنامج تفطير صائم صاحبتها الأنشطة العلمية
والدعوية والتعبدية، حيث تم بعون الله إعداد ٣٢٦. ٦٧٧ وجبة إفطار
وعشاء بتكلفة إجمالية قدرها ١٨٧. ٣٥ دولار خلال هذا العام.
ولقد حرص المنتدى الإسلامي أن تكون المناطق المستفيدة من البرامج هي
الأكثر فقرا والأشد حاجة كمواقع اللاجئين المسلمين في كثير من البلدان كالصومال
وبنجلاديش وليبريا، ولقد تمت إقامة سنة التراوح والقيام والكثير من الخطب
والمحاضرات والندوات والدروس التي تصحح العقيدة وترفع الجهل عند العامة
وتفقههم في أمور دينهم المختلفة وبالأخص في أحكام الصيام والقيام والاعتكاف،
وزكاة الفطر، وذلك عن طريق دعاة المنتدى الإسلامي الموجودين في تلك البلدان.
ولقد كان لهذا البرنامج أكبر الأثر في نفوس الناس ونفع الله به خلقا كثيرا
وبالأخص في جوانب العقيدة وأحكام الدين، فلله الحمد والمنة.
وستجد أخي القارئ الكريم أدناه جدولا يبين البلدان المستفيدة من المشروع
وعدد الوجبات في كل بلد والتكلفة بالدولار.
جدول مشروع إفطار صائم لعام ١٤١٤هـ:
---------------------------------------------
م ... المبلغ الإجمالي عدد الوجبات التكلفة بالدولار
---------------------------------------------
١ ... كينيا (اللاجئون الصوماليون) ٣٥.٩٧٣ ١٩.١٦٦
٢ ... السنغال ٥.٠٠٠ ... ٩.٣٣٣ ... ...
٣ ... بنجلاديش:
... أـ البنجلاديشيون. ١٠.٠٠٠ ٥.٣٣٣
... ب ـ اللاجئون البورميون. ٩٠.٠٠٠ ٤٨.٠٠٠
٤ ... غانا ٦٠.٠٠٠ ١٦.٠٠٠
٥ ... نيجيريا ١٠.٠٨٩ ٨.٠٧١
٦ ... أثيوبيا ... ... ٨.٣٣٣ ٦.٦٦٧
٧ ... إندونسيا ٢١.٥٠٠ ١١.٤٦٧
٨ ... الفلبين ١١.٦٦٧ ٩.٣٣٣
٩ ... السودان ... ١٢.٥٠٠ ١٣.٣٣٣
١٠ ... إريتريا ٣.٨٤٦ ٦.٦٦٦
١١ ... الصومال ١٠.٠٠٠ ٥.٣٣٣
١٢ ... مالي ٨.٧٥٠ ٩.٣٣٣
١٣ ... أوغندا ٤.٨٨٦ ٣.٩٠٩
١٤ ... تشاد ٦.٠٠٠ ٤.٠٠٠
١٥ ... ليبيريا ٥.٣٣٣ ٥.٣٣٣
١٦ ... ساحل العاج ٢٢.٨٠٠ ٨.٠٨٠
---------------------------------------------
إجمالي المصروفات ... ... ... ٣٢٦.٦٧٧ ... ١٨٧.٣٥٧
ثالثا: برنامج مكافحة العمى في تشاد:
بفضل من الله تعالى قام المركز الإسلامي في السند بتنظيم برنامجه الطبي
(برنامج مكافحة العمى) في جمهورية تشاد بالتعاون مع المنتدى الإسلامي الذي تولى
مهمة الإعداد والتنسيق والإشراف للبرنامج، ومع جماعة أنصار السنة المحمدية
بتشاد التي زودت البرنامج بالطاقة التشرية العاملة في حقل الأمن والتنظيم والنقل
والتغذية.
وقد استمر البرنامج الطبي خمسة أيام أنجز خلالها ما يلي:
١- الكشف على ما يزيد عن خمسة آلاف مراجع.
٢- صرف الأدوية اللازمة للمراجعين.
٣- صرف النظارات الطبية للمحتاجين وقد تجاوزت (١٥٠٠) نظارة.
٤- إجراء ٣٧٨ عملية جراحية للمصابين بالماء الأبيض الذي يؤدي إلى
فقد البصر، وكانت جميع العمليات بحمد الله ناجحة وموفقة.
وكان الفريق الطبي العامل في البرنامج مكونا من ثمانية أطباء واستشاريين
وأربعة عشر فنيا. وقد رافق البرنامج الطبي برنامج دعوي متكامل شارك فيه ما
يقارب ٤٠ داعية، وتضمن:
١- إلقاء المحاضرات العامة في العقيدة والشريعة على جميع المراجعين في
المستشفى.
٢- تنظيم الحلقات التعليمية للمرضى لتعليمهم أمور دينهم.
٣- إقامة المحاضرات والندوات العامة في مساجد العاصمة (أنجمينا)
ومنتدياتها.
٤- توزيع كميات كبيرة من الكتب والأشرطة باللغتين العربية والفرنسية
وقد شمل هذا التوزيع جميع المرضى والمراجعين والمشاركين، وكذلك المساجد
والجمعيات الإسلامية والمكتبات العامة.
٥- إقامة مسابقة القرآن الكريم التي كانت على خمسة مستويات تبدأ من
حفظ القرآن كاملا وإلى حفظ خمسة أجزاء، وقد شارك فيها ما يزيد على ٤٠
شخصا.
٦- إقامة مسابقة السنة التي كانت على أربعة مستويات، وقد شارك فيها
قريب من ٣٠ شخصا.
٧- إقامة دورتين دعويتين شارك في كل منهما نخبة من الدعاة، وكانت
فترة إقامة كل واحدة ثلاثة أيام، وكان عدد المستفيدين من الدورتين ٥٠ داعية.
٨- توزيع بعض الكتب المنهجية على المدارس العربية.
٩- نفذ المنتدى الإسلامي خلال البرنامج مشروع العقائق الذي تم فيه ذبح
٢٠٠ عقيقة وزعت لحومها على الفقراء والمرضى وطلاب العلم المحتاجين.
هذا وقد كان فرح الناس بهذا المشروع عظيما، كما أنه ولأول مرة يقام في
تاريخ تشاد كلها برنامج طبي بهذا المستوى الكمي والكيفي، على أيدي أطباء
مسلمين، وشعر الناي بالفارق العظيم بين هذا البرنامج والبرامج الطبية التي تقيمها
المنظمات التنصيرية التي تأخذ من الدعاية أكثر من حجمها بكثير.
لذا فقد كان غيظ الأعداء من البرامج كبيرا مما حملهم على وضع العوائق دون
إقامته والعراقيل التي تقلل من نفعه أو أثره، ولكن الله سبحانه سلم فباءت
محاولاتهم بالفشل، وأثبت البرنامج بجدارة نجاحا منقطع النظير.
وكان هذا البرنامج فرصة طيبة لأن ينفذ الدعاة بما عندهم من اعلم إلى الناس
إذ العلم صار مقرونا بالعلاج والدعوة مصحوبة بالطعام والهدي بالهدايا، لقد تعرف
الكثيرون على أركان الإسلام والإيمان بعد أن لم يكونوا يعرفونها.
ومع كل هذا فقد خرج عشرات العميان مبصرين بعد أن ذاقوا مرارة العمى
عشرات السنين يضجون بالدعاء، ويلهجون بالثناء لكل من كان سببا في عود
أبصارهم إليهم، وقد أسلم ولله الحمد ٢٣نصرانيا.
فالحمد لله أولا وأخيرا وظاهرا وباطنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين..
стр. 1699
الورقة الأخيرة
الهم الأدبي
تركي المالكي
الإنتاج الأدبي الإسلامي المعاصر لا يكاد يمثل غير رف واحد مضئ في
مكتبة متخمة بالإصدارات، مسترخية على مد البصر من الأرض طولاً وعرضاً..
ومايزال النص الأدبي الذي تنبض في جنباته ومضات الخيال وفجاءاته وجماله
ووقده المعنى وخلوصُه من غبار التهويمات المصادمة لجوانب من الرؤية
الإسلامية.. مايزال حجم هذا النص وعمقه غير متوازن مع هدير هذا البحر الممتد في طول العالم الإسلامي وعرضه من العائدين إلى حياض الإسلام بعد طول غياب، بالرغم مما تحقق في السنوات الأخيرة وبخاصة في ميدان النصوص الشعرية.
إن ركن الأدب في المكتبة الأدبية المعاصرة يكاد يمثل جانباً من المنجز
الغربي الذي نجح في بناء عقل ثقافي لا يرى إلا من خلال (العيون الزرق) !
ويُعجب حتى بالديدان التي تم (تعميدها) في بطون أصحاب البشرة البيضاء والشَعَر
الأشقر! مثلما يقبل كل الأقواس الغربية من الرومانسية إلى (ما بعد الحداثة) ، لكنه
يصاب بالشلل حين يرى قوساً إسلامياً واحداً ولو كان القوسَ الأخير الذي يُبقي
الإنسان في أحسن تقويم.
ولو فتشت في عالم الرواية العربية مثلاً عن نموذج واحد مشرق يمكن أن
يكون معبراً عن شخصية الإنسان المسلم وهويته الحضارية في أبعادها المختلفة أو
معالجاً بعمق لمشكلاته الحقيقية، لجف عزمك في طريق البحث الذي لا ينتهي بينما
يزدحم الطريق بنماذج الكادحين الذين يصارعون الفقر ويحاولون صناعة الفجر
الشيوعي الكاذب، أو أولئك الذين يسكنون (شقة الحرية) وينقلون ما تضج به من
العلاقات الغرامية مع التفصيل الذي يلاحق الحركة والكلمة حتى يجسم الصورة في
خيال القارئ بكل تفصيلاتها! ويصفون التنقل في عالم المبادئ المزيفة حتى وهو
يتم أحياناً بحسب فتاة الغلاف التي تفتح الطريق لقبول الدعوة أو تغلقه! ! .
وبين جبال الرماد هذه تكاد تختفي تلك الجمرات المعدودات من أمثال روايتي
(الثعابيني) و (ملكة العنب) ، فلا يُحس بها أحد، وهي التي تحمل نسغ الجمال
ملتحماً بهم صادق، تجري دماء الأمة الحقيقية في عروقه.
من هنا يصبح الهم الأدبي لزاماً بعضاً من خارطة الهموم الثقافية للخطاب
الإسلامي، وهل يمكن لدعوة إسلامية أن تهمّش البعد الأدبي أو تلغيه من اهتماماتها
وتحتفظ مع ذلك بمسيرتها الإصلاحية في بقية أبعاد الإنسان الحضارية؟ .. أظن أن
ذلك غير مقبول في المنهج الإسلامي من جهة ولا ممكن التحقق في الواقع الإنساني
المعاش من جهة أخرى؛ لأن الهاجس الأدبي والشوق إلى رواء الجمال وعذوبته
جزء من البناء النفسي في الإنسان يغذوه الأدب الحقيقي ويعمقه، ولا تكاد تكتمل
الشخصية الإنسانية إلا به، فضلاً عن بقاء الكلمة سلاحاً متعدد الاستخدامات في
الصراع الطويل بين الحق والباطل.
فهل تكون (مجلة الأدب الإسلامي) التي صدر عددها الأول قطرة في أول
الغيث، تقدم النص الفني الجميل، ملتحماً بالرؤية الإسلامية، بعيداً عن أدب
الأعطيات من جهة، ونصوص الترجمة لمتاهات الفكر الغربي المقدّمة في أشكال
فنية جميلة من جهة أخرى؟
نرجو أن تكون كذلك ونطمح أن ينهمر من بعدها القطر.
стр. 1700
ذو الحجة - ١٤١٤هـ
مايو - ١٩٩٤م
(السنة: ٨)
стр. 1701
كلمة صغيرة
على صوت مدافع الصرب وهي تقصف مدينة (غوراجدة) يتم تصميم
مخطط التدخل العسكري في المنطقة الجغرافية المرشحة لاحتضان العدو القادم..
تلك التي يلونها الدين الإسلامي وإن تباينت فيما عداه.
هكذا تفكر النخب السياسية الغربية من روسيا إلى أمريكا، بالرغم من
اختلاف الرؤى وصراع الأطماع فيما بينها.
ويبقى حل مأساة البوسنة مرتبطاً بإبقاء النزيف محصوراً في المنطقة المحددة، إذ لو تعداها لاختلطت الأوراق بصورة قد تفسد جوانب من خطط استراتيجية أبعد
مدى في الزمان والمكان، لذا فإنه لا مانع من تقديم المهدئات ذات الصوت الضخم
إعلامياً والأثر الهزيل واقعياً.
إن لنا أن نطرح هنا سؤالاً صغيراً بحجم هذه الكلمة الصغيرة: ماذا بقي
للجوقة الإعلامية في العالم العربي من شروحات وتحليلات كي تقدمها وتفسر بها
إغراق الأصوليين (زعموا) في وهم ضخم اسمه (نظرية المؤامرة) ؟ !
стр. 1702
الافتتاحية
أما آن للسيوف أن تغمد ..!
رسالة لإخوة الجهاد في أفغانستان
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما
بعد..
حينما انطلقت شعلة الجهاد الأولى ولم يُلق أحد لكم بالاً، بل عده بعضهم
طيشاً وتهوراً، فكيف يستطيع همج رعاع من رجال البوادي والجبال أن يقفوا أمام
قوة نووية كبرى..؟ ! وما هي إلا أشهر يسيرة حتى سارت الركبان بأخبار
انتصاراتكم وبطولاتكم، التي أدهشت جميع المراقبين والمحللين وأصبحت الشغل
الشاغل للساسة والإعلاميين ورجال الاستخبارات.
كانت هذه الشعلة المباركة روحاً جديدة سرت في العالم الإسلامي من أدناه إلى
أقصاه، دبت الحياة في نفوس كثير من المسلمين، فراية الجهاد التي ظلت منكسة
عقوداً متتابعة في ظل أنظمة العجز والتبعية، شمخت بكل إباء وشمم على ربى
أفغانستان، لتثبت للعالم أجمع أن الإسلام لازال حياً، ولازال قوياً قادراً على
العطاء. التفت جموع المسلمين على رايتكم، وتقاطر الشباب من كل مكان إلى
أرضكم، يتربى على روابيكم وجبالكم، تاركاً وراءه النساء والأولاد والأموال ومن
حبسه العذر منهم، ظل قلبه معلقاً بكم، تحدثه نفسه بالجهاد يوماً بعد يوم.
كل انتصار لكم كان يهز قلوب المسلمين، ويزيد من حميتهم وأملهم في الله
العظيم، فقد أصبحتم ملء بصر العالم وسمعه، وأصبحتم «قضية المسلمين
الأولى» . ألوف من الشهداء نحتسبهم عند الله تعالى.. ألوف من الجرحي والمعاقين.. ألوف من الأيتام والأرامل.. لقد كانت التضحيات جسيمة، والأرواح العبقة الطاهرة التي نحسبها استشهدت في سبيل الله ما كانت في يوم من الأيام عقبة تحد من عزائمكم، بل كانت حادياً إلى مزيد من العطاء والبذل والتضحية، ومازالت تلك القبور المتناثرة على الهضاب والجبال رمزاً من رموز الشهامة والكرامة، ومازالت تلك الدماء الزكية تلون الصخور ورؤوس الجبال بأزهى الألوان وأعطرها.
كنا نسمع أخبار الشهداء وتضحيات الأبطال، ثم نرى دموع الشباب، بل
والشيوخ تتساقط شوقاً إلى الشهادة، كلهم يتمنى أن يكون ذلك الشهيد. ثم.. كانت
الثمرة بحمد الله وفضله نصراً مؤزراً، حينما سقطت كابل بأيدي المجاهدين،
وتفرقت فلول الشيوعيين، وتعالت تكبيرات المسلمين فرحاً بنصر الله تعالى، وجاء
البشير يعطر أسماعنا بهذا الفتح المبارك، حتى أصبحت آثار السعادة والفرح تُرى
على الوجوه، وضجت مساجد المسلمين بالدعاء والثناء على الله، وحمده والشكر له.
بدأت جموع المهاجرين في بيشاور وغيرها تحزم الأمتعة، وتعود إلى وطنها
فرحة بنصر الله، استيقظ الأمل في نفوسهم، فما أحلى العودة إلى الدور التي
هجرت، والمزارع التي أقفرت.. فضلاً عن حنين الصبية الذين ولدوا في المهجر
يشدهم إلى المنزل الأول الذي طالما سمعوا عنه من آبائهم وأمهاتهم. نعم فتحت
كابل وتحررت من أسر الشيوعيين، ولكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ !
هل قامت دولة الإسلام الموعودة، وحكمت بالكتاب والسنة..؟ ! هل
ارتفعت راية التوحيد، وتساقطت رايات الجاهلية..؟ هل اندحر الشيوعيون
والعلمانيون والنفعيون، وشمخت رؤوس الموحدين الأبرار..؟ ! هل تساقطت
الأحزاب والتجمعات القبلية، واجتمع الناس على كلمة سواء..؟ ! هل رسم
المجاهدون خططهم لترسيخ الإسلام في بلادهم، وتعليم الناس أصوله وقواعده
العامة..؟ ! هل ضمدت الجراح، وجفت الدماء، وبدأت رحلة الإعمار والبناء..
؟ ! هل.. وهل.. أسئلة تتلاحق، ولكن إجابتها جميعها مع الأسف الشديد واحدة لا
تتغير: لم يحدث شيء من هذا على الإطلاق..! !
إذاً ما الذي حدث..؟ ! تحولت مدافع المجاهدين إلى إخوانهم يقتل بعضها
بعضاً، ويسفك بعضهم دماء بعض..! بنيت تحالفات جديدة مدارها على المصالح
الحزبية، والمنافع القبلية..! أصبح المتصارعون لا يجيدون إلا لغة الرصاص..
والتدمير! .. كان النداء الكريم الذي يشحذ الهمم ويقوي العزائم هو: الله أكبر..
الله أكبر، ولكن أخشى أن نداء الغنيمة أصبح أرفع صوتاً..!
لم يستطع الشيوعيون أن يعتدوا على المساجد خوفاً من غضبة الشعب أما
صراعات الإخوة فقد وصلت إلى المساجد فدمرت بعضها..! ! عند ذلك عادت
فلول المهاجرين تحمل متاعها ثانية هاربة من كابل، ولكنها هذه المرة لا تهرب من
الشيوعيين، بل من تقاتل «المجاهدين» ! !
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةعلى الحرّ من وقع الحسام المهنّد
عاد الشيوخ والعجزة والنساء ثانية إلى مهاجرهم، بقلوب امتلأت خيبة
وحسرة وإحباطاً.. أهذه ثمرة الجهاد التي نتطلع إليها..؟ ! أهذا هو ثمن النفوس
الزكية والجراحات الندية..؟ ! أهذا هو ثمن الدموع والدماء والأشلاء المتناثرة هنا
وهناك..؟ ! أربعة عشر عاماً من اللأواء والعنت وألوان المصاعب والأهوال..
أتضيع وتتآكل أمام النعرات القبلية والأهواء الحزبية والحظوظ الشخصية..!
أيها المجاهدون:
كنا نتابع أخباركم يوماً بيوم، وننصت سامعين لمن يُحدّثنا عن أحوالكم
وانتصاراتكم بكل فخر، وتلهج ألسنتنا بالدعاء لكم، ثم ها نحن اليوم نستحي ونتألم
حينما نسمع صراعاتكم وتنافسكم على اقتسام السلطة.. إي والله نستحي لأنكم
أصبحتم مادة لسخرية العلمانيين وتهكمهم..!
لقد حاول كثير من الإعلاميين استغلال هذا الحدث لإثبات فشل تجربة الجهاد
الأفغاني برمته، بل أرادوا التسلق بذلك إلى القدح في كل عمل إسلامي في أي
مكان كان..!
والذي ينبغي تأكيده أن للجهاد الأفغاني فوائد إيجابية كثيرة، وكثيرة جداً،
منها إحياء تلك الفريضة التي أريد إماتتها في النفوس قروناً طويلة، وظهر أن
المسلمين يمكن أن يكونوا قوة تُهاب متى ما استغلت مشاعرهم الإسلامية وقادهم
أناس صالحون مصلحون، وإثبات أن ديننا الحنيف هو الطريق المستقيم لإعادة
مجد القوة والمنعة لأمتنا، ولا طريق آخر غيره، فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام
ومهما طلبنا العزة في غيره أذلنا الله. وهذه المحن الأخيرة يجب أن يستفيد منها
المسلمون، وعليهم أن يدرسوا المحاسن والمساوىء بموازين منهجية متجردة،
لتكون رصيداً فاعلاً يُضاف لرصيد التجربة الإسلامية المعاصرة.
ولهذا نقول لكم أيها المجاهدون بكل صدق:
اتقوا الله في الفتوح المباركة التي فتحها الله على المسلمين.. اتقوا الله في
الأرواح التي استشهدت.. اتقوا الله في الشيوخ والعجزة والنساء والصبيان.. اتقوا
الله.. اتقوا الله.. اتقوا الله..! !
[ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم] . [وإن تتولوا يستبدل قوماْ
غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم] .
стр. 1703
بحوث شرعية
التفسير بالمأثور
نقد للمصطلح وتأصيل
مساعد سليمان الطيّار
إن المصطلحات العلمية يلزم أن تكون دقيقة في ذاتها ونتائجها، وإلا وقع فيها
وفي نتائجها الخلل والقصور، ومن هذه المصطلحات التي حدث فيها الخلل
مصطلح (التفسير بالمأثور) ، وفي هذا المصطلح أمران: أنواعه، وحكمه.
أما أنواعه، فقد حدّها من ذكر هذا المصطلح من المعاصرين بأربعة، هي:
(تفسير القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبأقوال الصحابة، وبأقوال التابعين) . [١]
وغالباً ما يحكي هؤلاء الخلاف في جعل تفسير التابعي من قبيل المأثور. [٢]
وأما حكمه، فبعض من درج على هذا المصطلح ينتهي إلى وجوب الأخذ
به. [٣] ...
وأقدم من رأيته نص على كون هذه الأربعة هي التفسير بالمأثور الشيخ محمد
بن عبد العظيم الزرقاني، حيث ذكر تحت موضوع (التفسير بالمأثور) ما يلي: «
هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة تبايناً لمراد الله من كتابه» ثم قال: «وأما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف بين العلماء: منهم من اعتبره من المأثور
لأنهم تلقوه من الصحابة غالباً ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي» . [٤] ...
ثم جاء بعده الشيخ محمد حسين الذهبي (ت: ١٩٧٧ م) فذكر هذه الأنواع
الأربعة تحت مصطلح (التفسير المأثور) ، وقد علل لدخول تفسير التابعي في
المأثور بقوله: «وإنما أدرجنا في التفسير المأثور ما روي عن التابعين وإن كان
فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي؟ لأننا وجدنا كتب التفسير
المأثور كتفسير ابن جرير وغيره لم تقتصر على ما ذكر مما روي عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- وما روي عن الصحابة، بل ضمنت ذلك ما نقل عن التابعين في
التفسير» [٥] .
منشأ الخطأ في هذا المصطلح:
إنه فيما يظهر قد وقع نقل بالمعنى عمن سبق أن كتب في هذا الموضوع وبدلاً
من أن يؤخذ عنه مصطلحه استبدل به هذا المصطلح الذي لم يتواءم مع هذه الأنواع، ولا مع حكمها كما سيأتي.
والمصدر الذي يظهر أن هذه الأنواع نُقلت منه هو رسالة شيخ الإسلام ابن
تيمية المسماة (مقدمة في أصول التفسير) .
وقد وردت هذه الأنواع الأربعة تحت موضوع (أحسن طرق التفسير) [٦]
فهي عند شيخ الإسلام (طرق) وليست (مأثوراً) .
ولو تأملت النقلين السابقين، فإنك ستجد أنهما يحكيان الخلاف في كون تفسير
التابعي مأثوراً أم لا.
وستجد هذا موجوداً في رسالة شيخ الإسلام، ولكن البحث فيه ليس عن كونه
مأثوراً أم لا، بل عن كونه حجة أم لا؟
وبين الأمرين فرق واضحٌ، إذ لم يرد عن العلماء هل هو مأثور أم لا؟ لأن
هذا المصطلح نشأ متأخراً، بل الوارد هل هو حجة أم لا؟
وإن كان هذا التأصيل صحيحاً، فإن اصطلاح شيخ الإسلام أدق من اصطلاح
المعاصرين، وأصح حكماً.
فهذه التقسيمات الأربعة لا إشكال في كونها طرقاً، كما لا إشكال في أنها
أحسن طرق التفسير، فمن أراد أن يفسر فعليه الرجوع إلى هذه الطرق.
نقد مصطلح (التفسير المأثور) :
مصطلح المعاصرين عليه نقد حيث يتوجه النقد إلى أمرين وإليك بيانه:
١- ما يتعلق بصحة دخول هذه الأنواع في مسمى (المأثور) .
٢- ما يتعلق بالنتيجة المترتبة عليه، وهي (الحكم) .
أما الأول: فإنه يظهر أن هذا المصطلح غير دقيق في إدخال هذه الأنواع
الأربعة فيه، فهو لا ينطبق عليها جميعاً، بل ويخرج ما هو منها، فهذا المصطلح
غير جامع ولا مانع لسببين:
أ- أن المأثور هو ما أثر عمن سلف، ويطلق في الاصطلاح على ما أُثر عن
النبي ﷺ والصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم.
فهل ينطبق هذا على تفسير القرآن بالقرآن؟
إن تفسير القرآن بالقرآن لا نقل فيه حتى يكون طريقه الأثر، بل هو داخل
ضمن تفسير من فسر به.
* فإن كان المفسر به الرسول ﷺ فهو من التفسير النبوي.
* وإن كان المفسر به الصحابي، فله حكم تفسير الصحابي.
* وإن كان المفسر به التابعي، فله حكم تفسير التابعي.
وهكذا كل من فسر آية بآية فإن هذا التفسير ينسب إليه.
ب- أن المأثور في التفسير يشمل ما أُثر عن تابعي التابعين كذلك ومن دوّن
التفسير المأثور فإنه ينقل أقوالهم، كالطبري (٣١٠) وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧) ،
وغيرهما.
بل قد ينقلون أقوال من دونهم في الطبقة، كمالك بن أنس، وغيره. ولو
اطلعت على أوسع كتاب جمع التفسير المأثور، وهو (الدر المنثور في التفسير
بالمأثور) لرأيت من ذلك شيئاً كثيراً.
ولو قُبلت العلة التي ذكرها الشيخ محمد حسين الذهبي في إدخاله تفسير
التابعين في المأثور، لصح تنزيلها على المأثور عن تابعي التابعين ومن دونهم.
وقد نشأ الخطأ في تصور ونقل الخلاف في تفسير التابعي، وهل يندرج تحت
التفسير بالمأثور، أم لا يصح أن يوصف بأنه تفسير مأثور؟ ونزّل كلام العلماء
خطأ في حكم تفسير التابعي على قضية كونه تفسيراً مأثوراً أم غير مأثور، ولم
يكن حديث العلماء على كونه مأثوراً أم غير مأثور، إذ لم يكن ذلك المصطلح
معروفاً ولا شائعاً في وقتهم.
وأما الثاني وهو ما يتعلق بالحكم فإن بعض من درج على هذا المصطلح نصّ
على وجوب اتباعه والأخذ به [٧] ، وهو مستوحى من كلام آخرين [٨] .
ومما يلحظ على هذا الحكم أنهم يحكون الخلاف في تفسير التابعي من حيث
الاحتجاج، بل قد حكى بعضهم الخلاف في تفسير الصحابي [٩] .
ثم يحكمون في نهاية الأمر بوجوب اتباعه والأخذ به، فكيف يتفق هذا مع
حكاية الخلاف الوارد عن الأئمة دون استناد يرجح وجوب الأخذ بق ول التابعي،
فهم يمرون على هذا الخلاف مروراً عاماً بلا تحقيق.
ثم إن كان ما ورد عن الصحابة والتابعين مأثوراً يجب الأخذ به على
اصطلاحهم فما العمل فيما ورد عنهم من خلاف محقق في التفسير؟ وكيف يقال:
يجب الأخذ به؟
ومن نتائج عدم دقة هذا المصطلح نشأ خطأ آخر، وهو جعل التفسير بالرأي
مقابلاً للتفسير بالمأثور وهو الأنواع الأربعة السابقة حتى صار في هذه المسألة خلط
وتخبط، وبنيت على هذا التقسيم معلومات غير صحيحة، ومنها:
١- أن بعضهم يقررون في تفسير الصحابة والتابعين أنهم اجتهدوا وقالوا فيه
برأيهم، ثم يجعلون ما قالوه بهذا الرأي من قبيل المأثور ناسين ما مرروه من قول
بأنهم قالوا بالرأي، فيجعل قولهم مأثوراً وقول من بعدهم رأياً، فكيف هذا؟ وإذا
كان الصحابة قالوا في التفسير برأيهم فلا معنى لتفضيلهم على غيرهم ممن بعدهم
في هذه المسألة، وهذا لا يعني مساواة من بعدهم بهم.
٢- كما تجد أن كتب التفسير تُقسّم إلى كتب التفسير بالمأثور وكتب التفسير
بالرأي، وعلى سبيال المثال يجعلون تفسير ابن جرير من قبيل التفسير بالمأثور،
ولو أردت تطبيق مصطلح التفسير بالمأثور، فإنك ستجد اختيارات ابن جرير
وترجماته، فهل هذه من قبيل الرأي أم من قبيل المأثور؟ فإن كان الأول فكيف
يحكم عليه بأنه مأثور؟ ! وإن كان الثاني فإنه غير منطبق لوجود اجتهادات ابن
جرير، وفرق بين أن نقول: فيه تفسير بالمأثور، أو نقول هو تفسير بالمأثور.
٣- وقد فهم بعض العلماء أن من فسر بالأثر فإنه لا اجتهاد ولا رأي له بل
هو مجرد ناقل، لا عمل له غير النقل، ويظهر أن هذا مبني على ما سبق من أن
التفسير بالمأثور الذي يشمل الأربعة السابقة يقابله التفسير بالرأي.
ومن ذلك ما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور [*] : «أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب ألا يعدو ما هو مأثور، فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها، ولم يوضحوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر ... » . ثم قال: «وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب، وحسبه بذلك تجاوزاً لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور، وذلك طريق ليس بنهج، وقد سبقه إليه بقي بن مخلد، ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبري فيه معاصروه، مثل ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، فلله درّ الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور، مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين، والزجاج والرماني ممن بعدهم، ثم من سلكوا طريقهم، مثل الزمخشري وابن عطية» . [١٠] ...
وها هنا وقفات ناقدة لهذا الكلام:
الأولى: لم يصرح الطاهر بن عاشور بأولئك الذين «جمدوا على القول بأن
تفسير القرآن يجب ألا يعدو ما هو مأثور» وفي ظني أن هذا لم يُقَل به ولكنه تأوّلٌ
لكلام من يرى وجوب الأخذ بما أثر عن السلف.
الثانية: لم يورد الشيخ دليلاً من كلام الطبري يدلّ على التزامه بما روي عن
الصحابة والتابعين فقط، ولم يرد عن الطبري أنه يقتصر عليهم ولا يتعدى ذلك إلى
الترجيح.
الثالثة: أنه جعل منهج الطبري كمنهج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم،
وشتان بين منهج الطبري الناقد المعتمد على روايات السلف ومنهج هؤلاء الذين
اعتمدوا النقل فقط دون التعقيب والتعليق، وهذا المنهج الذي سلكوه لا يُعاب عليهم؛ لأنهم لم يشترطوا التعليق على الآيات والتعقيب على المرويات، بل كانوا
يوردون ما وصلهم من تفاسير السلف، وهم بهذا لا يُعدون مفسرين، بل هم ناقلو
تفسير.
ومن هنا ترى أن الشيخ بن عاشور يرى أن من التزم بالمأثور فإنه لا يكون
له رأي كالطبري. وأنّ من لم يلتزم بالمأثور فلله دره! كما قال.
وقد سبق أن ذكرت لك أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اعتمدوا التفسير
بالرأي وقالوا به، وإن من الأخطاء التي وقعت مقابلة أقوالهم التي هي من قبيل
الرأي بأقوال أبي عبيدة والفراء وغيرهم، بل الأعجب من ذلك أن تفاسيرهم اللغوية
تجعل من المأثور وتُقابل بتفاسير أبي عبيدة والفراء والزجاج اللغوية، وتجعل هذه
لغوية.
كل هذه النتائج حصلت لعدم دقة مصطلح التفسير بالمأثور.
ما هو التفسير بالمأثور:
بعد هذا العرض، وتجلية مصطلح التفسير بالمأثور المعتمد في كتب بعض
المعاصرين يتجه سؤال، وهو: هل يوجد تفسير يسمى مأثوراً؟
والجواب عن هذا (نعم) ، ولكن لا يرتبط بحكم من حيث وجوب الاتباع
وعدمه، بل له حكم غير هذا.
فالمأثور هو ما أثر عن رسول الله ﷺ وعن صحابته
وعن التابعين وعن تابعيهم ممن عُرفوا بالتفسير، وكانت لهم آراء مستقلة مبنية
على اجتهادهم.
وعلى هذا درج من ألف في التفسير المأثور؛ كبقي بن مخلد، وابن أبي حاتم
والحاكم، وغيرهم.
وقد حاول السيوطي جمع المأثور في كتابه (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)
وذكر الروايات الواردة عن الرسول ﷺ وصحابته وتابعيهم
وتابعي تابعيهم ومن بعدهم.
وهذا لا يبنى عليه حكم من حيث القبول والرد، ولكن يقال: إن هذه الطرق
هي أحسن طرق التفسير، وإن من شروط المفسر معرفة هذه الطرق.
أما ما يجب اتباعه والأخذ به في التفسير فيمكن تقسيمه إلى أربعة أنواع:
الأول: ما صح من تفسير النبي ﷺ .
الثاني: ما صح مما روي عن الصحابة مما له حكم المرفوع كأسباب النزول
والغيبيات.
الثالث: ما أجمع عليه الصحابة أو التابعون؛ لأن إجماعهم حجة يجب الأخذ
به.
الرابع: ما ورد عن الصحابة خصوصاً أو عن التابعين ممن هم في عصر
الاحتجاج اللغوي من تفسير لغوي، فإن كان مجمعاً عليه فلا إشكال في قبوله،
وحجيته، وإن ورد عن واحد منهم ولم يعرف له مخالف فهو مقبول كما قال
الزركشي: «ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان،
فلا شك في اعتمادهم» . [١١] .
وإن اختلفوا في معنى لفظة لاحتمالها أكثر من معنى، فهذا يعمد فيه إلى
المرجحات.
أما ما رووه عن التابعي فهو أقل في الرتبة مما رووه عن الصحابي، ومع
ذلك فإنه يعتمد ويقدم على غيره.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1704
من فقه الدعوة
نظرات تربوية
في خلق الصدق
-٢ -
عبد العزيز بن ناصر الجليل
في الحلقة الأولى، تطرق الكاتب إلى منزلة الصدق العظيمة، ومبررات
تناول هذا الموضوع، وحقيقة الصدق والفرق بين الصدق والإخلاص، ونواصل
مع الكاتب نظرات أخرى في الموضوع.
-البيان-
وعلى ضوء ما سبق يتضح للقارىء الكريم أن الصدق أنواع ومراتب تتجلى
فيما يلي:
١- صدق النية:
وذلك بأن تكون النية خالصة لله وابتغاء مرضاته، وأن لا يكون
هناك باعث في الحركات والسكنات إلا مرضاة الله ، فإن شاب النية شيء
من حظوظها لم تكن صادقة، وإن تكلم العبد بلسانه خلاف ما في قلبه فهذا أيضاً
دليل على عدم الصدق في النية، والأدلة في ذلك كثيرة منها قوله تعالى في وصف
المنافقين: [يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم] [الفتح: ١] وقوله تعالى: [من
كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون]
[هود: ١٥، ١٦] .
ومن الصدق في النية: الصدق في العزيمة على الفعل إذا تمكن منه، لأن
النية قد تكون صادقة، لكن العزيمة على الفعل ضعيفة وصاحبها متردد، وقد تكون
العزيمة صادقة، لكن إذا جد الجد، وعزم الأمر، وهاجت الشهوات خارت
وضعفت، ولم يحصل الوفاء بالعزيمة، وقد لا تضعف في البداية لكن إذا باشرت
الفعل وذاقت مرارته ضعفت وخارت، والموفق من وفقه الله تعالى وأمده بعونه
ورحمته، ولو وكل العبد إلى نفسه ضاع وهلك، فيا حي يا قيوم برحمتك نستغيث،
أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً.
٢- الصدق في الأقوال:
وذلك لا يكون إلا في الأخبار، أو ما يتضمن الإخبار، والخبر إما أن يتعلق
بالماضي فلا يخبر عن الأشياء على خلاف ما هي عليه، أو بالمستقبل كالوفاء
بالوعد والعهد [١] .
وهذه المرتبة من الصدق هي التي يحصر كثير من الناس الصدق فيها، ولا
يتجاوزونها إلى غيرها، ولا شك أنها مرتبة عظيمة وتكميلها من أعز الأمور وأشقها
على النفس، ولكنها يسيرة على من يسرها الله عليه، وجاهد نفسه في تحقيقها.
صور من الصدق في الأقوال:
والصدق في الأقوال له صور عديدة منها:
أ- الصدق في نقل الأخبار:
فلا ينقل المسلم إلا الأخبار الصادقة، وهذا بدوره يتطلب من الناقل التثبت
فيما يقال، واجتناب الظنون والأوهام والحذر من التحدث بكل ما يُسْمَعُ، فمن حفظ
لسانه من الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه، فهو صادق في خبره وهذا
يقتضي الابتعاد عن الظنون والإشاعات. قال ﷺ : «إياكم
والظن فإن الظن أكذب الحديث» [٢] ، وقال: «كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل
ما سمع» [٣] .
ب- الصدق في الوعد:
لأن إعطاء الوعد غالباً ما يكون بالقول، فالوفاء بالوعد من الصدق في
الأقوال، وإخلافه يعد كذباً، إلا إذا كانت النية عند إعطاء الوعد صادقة ثم حال
بينه وبين تنفيذ الوعد أمر خارج عن إرادته، فإن هذا لا يعد إخلافاً للوعد وبالتالي
لا يعتبر كذباً، والوعد قد يكون على مكان معين أو في زمن معين أو على أعطية
أو زواج أو أي أمر آخر يعد به الرجل أخاه، فإن الإخلاف في هذه الأمور وأمثالها
بدون مبرر شرعي يعتبر كذباً لقوله تعالى: [واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان
صادق الوعد وكان رسولاْ نبياْ] [مريم: ٥٤] .
ج -الوفاء بالعقود والعهود:
وهذا أيضاً من الصدق في الأقوال، فإخلاف العهد والغدر فيه من أشد أنواع
الكذب. قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود] [المائدة: ١] وقال تعالى: [والموفون بعهدهم إذا عاهدوا] [البقرة: ١٧٧] . ومن الوفاء بالعهد حفظ
الأسرار وكتمانها، ولعل قوله ﷺ في التحذير من صفات
المنافقين خير شاهد لما سبق ذكره، يقول ﷺ : «أربع من كُنّ
فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق: إذا
حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» [٤] .
٣- الصدق في الأعمال:
وهو استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، وأن يجاهد العبد نفسه في أن تكون
سريرته وعلانتيه واحدة، وأن لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف
به حقيقة: كمن يتظاهر بالخشوع في الظاهر والقلب ليس كذلك أو يتظاهر بالحرقة
على الدين والغيرة على المحارم وهو في الباطن ليس كذلك والصور كثيرة جداً
فمنها صور الرياء المختلفة، والقول باللسان ما ليس في القلب، وهذا لا يعني أن
يترك المرء الأعمال الصالحة حتى يصلح باطنه، كلا ولكن يجاهد نفسه في أن
يستحيل باطنه إلى تصديق ظاهره، يقول صاحب الإحياء: «إن مخالفة الظاهر
للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص، وإن كانت عن غير
قصد فيفوت بها الصدق» ، وقال يزيد بن الحارث: «إذا استوت سريرة العبد
وعلانيته فذلك النّصَفُ، وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإن
كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور» ، وقال معاوية بن مرة: «من
يدلني على بكّاء في الليل بسّام في النهار؟» أ. هـ.
٤- الصدق في مقامات الدين:
وهو أعلى الدرجات وأعزها، الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف
والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور فإن هذه
الأمور مباديء ينطلق الاسم بظهورها، ثم لها غايات وحقائق والصادق المحقق من
نال حقيقتها، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقاً فيه، كما يقال:
فلان صدق القتال، ويقال: هذا هو الخوف الصادق وهذه هي الشهوة الصادقة ...
وقال الله تعالى: [إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا] إلى قوله
[أولئك هم الصادقون] [الحجرات: ١٥] وقال: [ولكن البر من آمن بالله واليوم
الآخر] إلى قوله: [أولئك الذين صدقوا] [البقرة: ١٧٧] .
من علامات الصدق:
إن للصدق علامات ومظاهر تنفي ضدها، وإذا لم توجد أو كانت ضعيفة فإن
ذلك دليل على ضعف الصدق، وتسلط العوائق عليه، ومن هذه العلامات ما يلي:
١- طمأنينة القلب واستقراره:
إن الصدق في جميع الأحوال باطنها وظاهرها يورث الطمأنينة والسكينة في
القلب، وينفي عنه التردد والريبة والاضطراب التي لا توجد إلا في حالات الشك
وضعف الصدق أو عدمه، يقول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا
يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة» [٥] .
٢- الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله :
ومن علامة طمأنينة القلب النابعة من الصدق انشراحه وزهده في الدنيا
والتأهب للآخرة، قال تعالى: [فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن
يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاْ كأنما يصعد في السماء] [الأنعام: ١٢٥] ، لما
نزلت هذه الآية سئل الرسول ﷺ عن شرح الصدر فقال: «
نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح» ، قيل فهل لذلك أمارة؟ قال:
نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل
نزول الموت « [٦] .
فالصادق مع الله لا تراه إلا متأهباً للقاء ربه، مستعداً لذلك بالأعمال
الصالحة، والقيام بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه، يريد بذلك وجه الله
متبعاً في ذلك رسوله ﷺ .
٣- سلامة القلب:
إن من علامة الصدق سلامة القلب، وخلوه من الغش والحقد والحسد للمسلمين، فالعبد المؤمن الصادق في إيمانه لا يحمل في قلبه غلاً للمؤمنين ولا شراً، بل إن
حب الخير والنصح للمسلمين هو طبعه وعادته، وهذه الحالة القلبية تظهر علاماتها
على الأعمال، وذلك بتجنب الظلم والعدوان والاستطالة على الأعراض، والحرص
على العدل والقسط مع الناس، والانطلاق بما في الوسع لقضاء حاجات المسلمين
وإغاثة ملهوفهم ودفع الظلم عنهم والحزن على مصابهم والفرح لفرحهم. إن كل هذه
الخلال تفرزها سلامة القلب الذي يترتب عليه أيضاً مظهر من مظاهر الصدق ألا
وهو محبة الناس لمن هذه حاله، فيصبح مألوفاً لهم لأنه صدق معهم؛ فألفهم وألفوه، وتواضع لهم فأحبوه، وهذا مصداق قول الرسول ﷺ :»
المؤمن مؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف « [٧] .
٤- حفظ الوقت وتدارك العمر:
إن الصادق في إيمانه لا تجده إلا محافظاً على وقته شحيحاً به، لا ينفقه إلا
فيما يرجو نفعه في الآخرة، ينظر إلى العمر كله كأنه ساعة من نهار وإلى الدنيا
كأنها ظل شجرة نزل تحتها، ثم قام وتركها، فبادر بالأعمار الصالحة فراغه
وصحته، وشبابه، وحياته، وابتعد عن كل آفة تقطع عليه طريقه، وتضيع عليه
وقته، وتبدد عليه عمره القصير بما لا ينفع.
٥- الزهد في ثناء الناس ومدحهم بل وكراهة ذلك:
ويتبع ذلك الزهد فيما عند الناس، والقناعة بما كتب الله ، وهذه
الصفة إذا وجدت فهي علامة على الصدق والإخلاص، وهي تنبع أصلاً من صحة
المعتقد، وكمال التوحيد لله ، وحول هذه الصفة والوصول إليها يقول
الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:» لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح
والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار «.
٦- إخفاء الأعمال الصالحة وكراهة الظهور:
إن من علامة صدق العبد فيما يعمله لله حرصه على إخفاء عمله
وكراهة اطلاع الناس عليه، كما أن كراهة الشهرة والظهور علامة من علامات
الصدق الذي يبعد صاحبه عن الرياء والسمعة والتصنع للخلق، فكلما كان العبد
صادقاً مع ربه كلما كان حريصاً على إخفاء أعماله حيث لا يطلع عليها إلا
الله ، الذي يسمع ويرى ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها، وإن حياة
سلفنا الصالح مليئة بهذه النماذج الوضيئة نذكر منها ما يلي:
* عن أبي حمزة الثمالي قال: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على
ظهره بالليل فيتصدق به ويقول:» إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز
وجل « [٨] . ...
* وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: إن كان
الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه وما يشعر
به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما
يشعرون به.
٧- الشعور بالتقصير والانشغال بإصلاح النفس ونقدها أكثر من الآخرين:
إن من أخطر ما على النفوس أن ينشغل العبد بغيره بالنقد والتقويم وينسى
نفسه والتفتيش عن عيوبها، وهذا للأسف كثير عندنا في زماننا هذا، وإن من
علامات صدق العبد مع ربه ومع نفسه أن ينشغل بنفسه وإصلاحها وتقويمها أكثر
مما يعطيه لغيرها، وإذا وجدت هذه الصفة نتج عنها المحاسبة للنفس والتربية
والتزكية لها، كما ينتج عن ذلك أيضاً احتقار النفس في ذات الله والنظر
إليها بالتقصير في جنب الله، وبالتالي تنتفي صفات العجب والغرور والاعتداد
بالنفس، وعلى هذا فلا يجتمع الصدق والعجب في قلب مؤمن أبداً، كما إن هذه
الصفة تطهر القلب من الحقد على المسلمين، وتصيّد أخطائهم وعثراتهم والتفكه
بذلك في المجالس بحجة الدعوة وبيان الأخطاء والتحذير منها.
٨- الاهتمام بأمر هذا الدين والجهاد في سبيل الله :
إن الصدق في محبة الله ومحبة دينه تقتضي أن يكون أمر هذا الدين
هو شغل المؤمن الشاغل، حيث لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال وهو يرى دين الله
ينتهك ويقصى من الحياة، وبالتالي يرى الفساد المستطير يدب في أديان
الناس ودمائهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم. إن المؤمن الصادق لا يقدّم على هذا
الهم الأكبر أي اهتمام من أمور الدنيا الفانية، ولكن إلى الله نشكو حالنا، وضعف
إيماننا وركوننا إلى دنيانا حيث إننا إذا رجعنا إلى قلوبنا وما هي الاهتمامات التي
تملؤها، لم نجد عند أكثرنا وياللأسف إلا اهتمامات دنيوية بحتة هي التي تحتل
الأرقام الأولِى في تفكيرنا، فمنا من همه الأول منصب يحصل عليه، أو شهادة
يستلمها ليعيش بها، ومنا من همه زوجته وأولاده أو تجارته وأمواله ... الخ. هذه
الاهتمامات الفانية، ثم إن كان هناك فضول تفكير واهتمامات جاء أمر هذا الدين
والدعوة إليه بعد الاهتمامات السابقة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف
الصدق عندنا في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، يقول الإمام ابن القيم
رحمه الله تعالى» وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع
ودينه يترك وسنة رسوله ﷺ يرغب عنها، وهو بارد القلب،
ساكت اللسان، شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق «.
٩- التميز:
إن التميز في حياة المؤمن أمر ضروري جداً خاصة في عصور الغربة، وإن
المسلم الصادق يُعرف بتميزه وإصراره على دينه بين الناس، فيعرف بصحة معتقده
عند فساد المعتقدات، وبالتزامه بالسنة عند فشوا المبتدعات، وبصدق إيمانه إذا فشا
الكذب والنفاق، وبعبادته إذا الناس يلهون ويلعبون، وبأخلاقه إذا هدرت الأخلاق
وضيعت.
هذه بعض صفات الغرباء الذين قال فيهم الرسول ﷺ :
» طوبى للغرباء أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن
يطيعهم « [٩] .
١٠- قبول الحق والتسليم له:
إن من علامات الصدق لدى المسلم إذعانه للحق وقبوله من أي أحد كان
فالصادق لا تراه إلا باحثاً عن الحق الذي يتعبد به لربه ويقربه إلى مولاه، وإذا بان له الدليل ولا ح له الحق فرح به ووجد فيه بغيته، ولا يرده إبداً سواء
أكان قائله صغيراً أو كبيراً، أكان عدواً أو صديقاً، وإذا وجدت هذه الصفة الكريمة
عند المسلم، وصارت من عاداته وأخلاقه فإنها تنفي كثيراً من الصفات الذميمة مثل
الكبر والاستعلاء والتعصب للآراء والتحزب للأشخاص والهيئات، كما أنها تورث
المحبة والألفة بين أهل العلم والدين، وتورث الاجتماع والائتلاف وتنفي الفرقة
والاختلاف، كما أن قبول الحق والتمسك به يقتضي القول به والدعوة إليه دون
لبس أو تردد، فالصادق لا تراه إلا صادعاً بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ولا
يجامل ولا يداهن.
هذه بعض صفات الصادقين.. والله نسأل أن يجعلنا من الصادقين قولاً
وفعلاً.. والله المستعان.
стр. 1705
خواطر في الدعوة
نشأة أخرى
محمد العبدة
احتار المصلحون في أمر هذه الأمة، فمنذ قرن ونيف والسؤال يتكرر: أين
الخلل؟ وما هي العلة؟ ومن أين يبدأ الإصلاح؟ ووصل الحال بأحد زعماء
المسلمين في أول هذا القرن - وقد استقر به المقام في المدينة النبوية - أن يجأر
بالشكوى ويقول: «لا يتحرك المسلمون حتى يتحرك جبل أحد من مكانه» .
إن هذه الشكوى لها ما يبررها، فهذه الأمة ليست أمة مستأنفة تبدأ طريقها من
جديد، بل هي امتداد لأمة بدأت في عصر الرسالة، فهي تحمل بذور نهضتها،
ولكنها تحمل أيضا أعباء سنين متطاولة من التخلف والضعف والتفرق، وجاءت
آثار التغريب في العصر الحديث فزادت الأمور تعقيداً فكيف نخلّص الفرد المسلم
من هذه الأدواء، وننشئه نشأة أخرى ليعود إنساناً فعالاً صالحاً مصلحاً؟
لقد حام حول هذا الموضوع كثير من المصلحين الذين يريدون بالأمة خيراً،
فمن مقرب ومن مبعد، ورفعت شعارات صحيحة، ولكنها تصف أعراض الداء ولم
تكشف عن العلة، فعندما يقال: إن الخلل جاء من البعد عن شريعة الله، فهذا
صحيح، ولكن لماذا يسكت المسلم عندما يطبق شرع غير شرع الله؟ ولماذا
يستسهل هدا الأمر، ولا يدافعه مع خطورته الشديدة؟ ما سبب ضعف شخصيته
حتى يقبل بما هو واقع؟
لا شك أن العطب جاء من قبل ضعف العقيدة، وعدم وضوحها، ومن ضعف
الإيمان وخلل في تصور الولاء والبراء، ذلك لأن حرارة الإيمان هي التي تدفع
بالسلوك والخلق إلى أعلى مراتبه، وهي التي تساعد على قوة الصعود وعدم
التنازل عن تطبيق شرع الله مهما كلف الأمر، بل هي التي تحرق المراحل وتذيب
العقبات من طريق الدعوة.
وأن قوة الإيمان، وفهم العقيدة السليمة، هو الذي ينتشل المسلم من أوضار
الجاهلية بشتى أصنافها ومسمياتها، إلى آفاق الرشد والشهادة على الناس وعالمية
الإسلام، وهو الذي جعل عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «بلال
سيدنا وأعتقه سيدنا» ، بينما نجد العصبية والحزبية تنخر في صفوف المسلمين
الذين يريدون حمل الدعوة، فكيف بغيرهم؟
قد تعيش أمم بعقائد واهية سخيفة، وقد يعتريها أزمات في هويتها ومبادئها ثم
تستأنف حياتها، ولكن الأمة الإسلامية أمة نشأت على الدين وقامت بالدين وهو
الذي صنعها وحضَّرها، وعندما يحدث خلل في الدين تقع الكارثة، وتحدث
الشروخ في جميع مناحي الحياة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتصبح الأمة حائرة بائرة مرعى لكل راع، يسومها الخسف وسوء العذاب.
كيف نرفع من وتيرة هذا الإيمان حتى يعود إلى اتقاده وفعاليته؟ ويكون
كالآتي الذي لا يقف أمامه شيء؟ وكيف يعود إلى العقيدة صفاؤها وأثرها العملي
ولا تكون مماحكات في الكتب والأذهان؟ هذا ما يجب أن تتجه إليه الهمم، وهذا ما
يجب أن تربى عليه جماهير المسلمين.
стр. 1706
هموم ثقافية
التنمية في المجتمع الإسلامي
بين الأصالة والمعاصرة
د. خلف خلاف الشاذلي
تُعرّف التنمية بأنها عملية تهدف إلى رفع مستوى معيشة أفراد مجتمع معين
على المدى الطويل، معتمدة بالدرجة الأولى على الإمكانيات الذاتية لهذا المجتمع،
مع تقدير واع للعوامل الخارجية، وذلك عن طريق دعم مقدرة المجتمع على القيام
بوظائفه الإنتاجية، وتحقيق أفضل استثمار لإمكانياتها المحلية.
ولقد انبهرت الدول النامية، ومنها الدول العربية والإسلامية بالتجربة الغربية
في التنمية، وما حققته هذه التجربة من إنجازات سريعة، ومن ثم فإنها رأت
ضرورة أن تحذو حذو هذه الدول إذا ما أرادت تحقيق التنمية المرجوة وظلت تعتقد
في صلاحية النماذج والنظريات الغربية لفترة طويلة، لتكتشف في آخر الأمر أن
النماذج التنموية الخارجية، شرقية أكانت أو غربية، لم تكن تهدف إلى خدمة هذه
المجتمعات، ومنها المجتمع العربي المسلم، بقدر ما كانت تهدف إلى استمرار
استنزاف تلك المجتمعات، وتؤكد تبعيتها لتلك الدول الأجنبية.
وأمام انهيار مصداقية عمومية وثبات النماذج التنموية والنظريات الغربية
وعدم تمتعها بالقدسية من ناحية، والأزمات التي أخذت تتعرض لها عمليات التنمية
في بعض الدول ذاتها التي أخذت تطبق تلك النماذج لسنوات طويلة من ناحية أخرى، بات من المؤكد عدم وجود نموذج للتنمية معد سلفاً في جملته وتفاصيله يصلح لكل
الأزمنة ولكل المجتمعات، وذلك أن التنمية عملية مجتمعية تخضع لظروف كل
مجتمع وخصائصه المميزة.
وقد ركزت استراتيجيات ومداخل التنمية في معظم الدول النامية، ومنها
الدول العربية، على أهمية التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث وكان
الاتجاه السائد في هذه الدول قائماً على محاكاة النموذج الغربي في التنمية دون فهم
لأسس بناء هذه النماذج، ومدى ملاءمتها للواقع والظروف الموضوعية التي تعيشها
هذه المجتمعات.
وتبلورت على الساحة الفكرية في مجتمعنا المسلم تيارات ثلاثة هي:
١- تيار التغريب الذي انبهر أنصاره بالغرب، وتبنوا الدعوة إلى ضرورة أن
نصبح غربيين في كل شيء، وراحوا يدافعون عن قيمة الثقافة الغربية بل والتغني
بصلاحيتها، وفي الوقت نفسه ينظرون إلى الثقافة الأصيلة على أنها «موضة»
قديمة لم يعد لها قيمة جمالية، على الرغم من أنه كثيراً ما تعود «الموضة»
القديمة لتصبح «موضة» جديدة في حقبة تالية.
٢- تيار الرفض لكل جديد أياً كان، تحت تأثير العصبية للموروث، وذلك
من خلال العمل على إحياء التراث والتمسك به لضمان الوجود المتميز والمستقل.
٣- أما التيار الثالث، فهو تيار الوسط، الذي يرفض أنصاره التقليد الأعمى
والنقل الحرفي عن الحضارة الغربية، وفي الوقت نفسه يرفضون الجمود والانغلاق.
ويقوم منهج هذا التيار على المزج بين القديم والحديث، أو بين الأصالة
والمعاصرة: أصالة عصر ازدهار الحضارة الإسلامية والمعاصرة التي يحكمها
واقع الأمة، والاستفادة من حضارات الآخرين، استفادة الراشد الذي يُميز بين ما
يتسق مع تميزه الحضاري، وبين ما يؤدي إلى طمس الهوية الحضارية وانطلاقاً
من الثقة بقدرة هذا التراث على استيعاب معطيات الحديث من ناحية والتفاعل معه
من ناحية أخرى.
وفي هذا الإطار طرحت قضية الأصالة والمعاصرة نفسها على بساط البحث
والمناقشة، وترددت أسئلة كثيرة في هذا الشأن، وتعددت حيث إن كلاً من الأصالة
والمعاصرة تظلان مفهومين محايدين حتى تصبحان إطاراً مرجعياً للتنمية في مجتمع
من المجتمعات، فبينما تشير الأصالة إلى الارتباط بالتراث المحلي، نجد أن مفهوم
المعاصرة يشير إلى الارتباط بمناهج عصر الصناعة ومنجزاته.
... وعموماً فإن مفهوم التحديث يرتبط بفكرة الصياغة الغربية للثقافات
المحلية دون اعتبار لمضامين تلك الثقافات، وهو بذلك يعتبر مفهوماً منحازاً لثقافة
المجتمع الغربي.
مخاطر التحديث:
تقوم فكرة التحديث على إحلال الثقافة، والنظم الاجتماعية والاقتصادية
الغربية محل الثقافة والنظم الأصيلة، وقد سيطرت توجهات التحديث على معظم
سياسات التنمية، في الدول النامية، ومنها المجتمع العربي الإسلامي باعتباره في
زعمهم الحل الوحيد والأمثل لمشكلات التخلف، وهو تفسير عنصري وقاصر
للتخلف، ويغفل جانباً كبيراً من الأسباب الحقيقية للتخلف وأخذت عمليات التحديث
تمتد إلى جميع مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بل والتربوية والثقافية
أيضاً، لتأخذ شكل الغربية أو التغريب.
والتحديث على النمط الغربي علاوة على ما فيه من مخاطر على الدين هو
كارثة في شؤون الدنيا، حيث يجعل من المجتمع العربي الإسلامي مجتمعاً هامشياً،
ويُكرس من تبعيته للخارج، وتلك هي الغزوة الاستعمارية الحديثة فلقد أصبحت
عملية التنمية من خلال محاكاة النموذج الغربي بمثابة أداة لنقل ثقافة المجتمعات
الصناعية المتقدمة إلى المجتمعات الأقل تقدماً، مؤدية بذلك نفس الدور الذي سبق
وأن أدته أيدلوجية التقدم في القرن التاسع عشر في كل من أمريكا اللاتينية وبعض
دول الشرق الأوسط وإفريقيا، عندما حاولت هذه الدول تبني أساليب وسياسات
اقتصادية تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي، متجاهلة بذلك الموروثات الثقافية
والتراث الحضاري القائم.
* إنه في ظل التحديث، على النموذج الغربي، قد يصبح المجتمع متقدماً من
ناحية استهلاكه للسلع والخدمات، دون أن يتحول إلى مجتمع متقدم من الناحية
الإنتاجية، ويؤدي ذلك إلى الازدواجية الخطيرة على مستقبل التنمية في هذه
المجتمعات، وهي ما نراها اليوم في كثير من المجتمعات النامية، من حياة
إستهلاكية على الطراز المتقدم، وحياة إنتاجية على نمط التخلف، حيث تقدمت هذه
المجتمعات في مجال الاستهلاك، بينما تخلفت أو بقيت على حالها في مجال الإنتاج.
* إن التحديث على النموذج الغربي يشكل خطراً على الثقافة المحلية والتراث
الأصيل والأبنية الاجتماعية والاقتصادية القائمة، حيث تصبح تلك المجتمعات
أسيرة للقيم والأنساق الثقافية، وكذا الحلول التكنولوجية والأبنية الاجتماعية
والاقتصادية الدخيلة، كما أنها تصبح أيضاً أسيرة لتطلعاتها الاستهلاكية وعجزها
الإنتاجي.
* إن الدعوة إلى التطوير والتحديث، القائم على محاكاة النموذج الغربي في
التنمية، لا تعد أن تكون دعوة للاحتواء والتبعية، وتجسيداً للتشوه الحضاري الذي
يهدد مجتمعاتنا، وفقداناً للثقة بالقدرة على الابتكار والتجديد.
* إن التحديث على النموذج الغربي ينطوي على مضامين أيدلوجية، مادية
وعلمانية، ووجودية وبرجماتية، تشكل خطراً على المجتمع الإسلامي بخاصة
حيث تبدو في ظاهرها الرحمة وفي باطنها يكون العذاب.
* وأخيراً فإن قضية الفكر الهدام ليست قضية محدودة بوقت معين، ولكنها
كانت وستظل مطروحة طالما أن هناك صراعاً بين الحق والباطل، وقد يختلف
الطرح في صوره وأشكاله، ولكنه ثابت في أهدافه وغاياته والتحديث على طريقة
النموذج الغربي في التنمية إنما هو شكل آخر من أشكال الفكر الهدام.
لا للتغريب:
لم تكن المشكلة تكمن بالكامل في المداخل أو النماذج التنموية المستوردة ذاتها، والتي ربما تكون قد نجحت في الدول التي نشأت فيها، بل تمثل القصور
الأساسي في أن عمليات التحديث في مجتمعاتنا لم تكن نابعة من الواقع الاجتماعي
والثقافي الأصيل، فعلى عكس التنمية في كثير من المجتمعات الغربية، نجد أن
العوامل الأساسية التي دفعت إلى التغيير في مجتمعاتنا بدأت مع اختلال التوازن
التقليدي الأصيل، بفعل عوامل خارجية متضمنة في عملية التحديث والتحضر
والتصنيع على غرار النموذج الغربي في التنمية، وأصبحت عمليات التنمية بذلك
أسيرة عوامل خارجية غير متأصلة، حيث أخذت عمليات التحديث شكل التغريب،
وأصبحت هذه المجتمعات تسير بوعي أو بغير وعي نحو التبعية، التي طالما تسعى
هذه المجتمعات إلى التحرر من إسارها.
والحقيقة أن التبعية أصبحت تمثل واقعاً بسبب ما نحن فيه من تأخر وشقاق
فقد كنا متبوعين أيام كنا أقوياء، ونحن نتهم الغرب بأنه يجرنا إلى التبعية والحقيقة
أننا نتبعه لأننا نشعر بأننا بحاجة إلى تقدمه وعلومه، وصار أخشى ما نخشاه أن
يؤدي ذلك إلى تغلغل أشكال التبعية إلى مجتمعاتنا نتيجة النقل الحرفي، وعمليات
المحاكاة العمياء لكل ما تهب به رياح الغرب دون إمعان النظر فيما أكان هذا مناسباً
لنا أم لا.
هل نقول (لا) للمعاصرة؟ !
... لا تعني الأصالة في ارتباطها بالتراث المحلي، الجمود والتقوقع ذلك أن
التراث يضم الموروث الحضاري بأجمعه، ويحتوي على جانبين:
الأول: ثابت ويجب الحفاظ عليه، ويتضمن اللغة والدين والقيم والتنشئة
الاجتماعية، والثاني: متغير يمكن التعامل معه كجزء من الحياة الحاضرة.
فالأصالة بذلك لا تعني مطلقاً كما قد يتصور بعضهم الانغلاق على الذات في
العلوم أو التقنية التي أصبحت ضرورية، ولكنها تعني إعادة النظر في النماذج التي
لقنها الغرب تلقيناً والتعامل معها بوعي، بل ومحاولة تجاوزها بمعطيات جديدة،
ولا تعني أن ندير ظهورنا تماماً للتطور الحادث بالفعل من حولنا، ولكن تعني
الدراسة المتأنية لاختيار ما يناسبنا ويدعم الهوية الحضارية والخصوصية الثقافية
لمجتمعنا العربي الإسلامي، ويؤكد أهمية التواصل الحضاري والتاريخي بالنسبة
لهذا المجتمع.
فهل نقول الحضارة قذارة، بحجة أنها حضارة الغرب، ونغمض أعيننا تماماً
عن ما يحدث من حولنا من تطور؟ ! إن القول بنعم للمعاصرة يعني التفاعل مع
الحضارة ويعني أيضا الحرص على امتلاك القوة بكل الصور، وهذا أمر مهم
لإقرار الحق والعدل في الكون، وإعلاء كلمة الله ، فالحق يحتاج إلى
قوة تحميه وتفرضه. وحضارة اليوم هي حضارة مادية بكل المقاييس، تقوم
بالدرجة الأولى على العلم التجريبي.
وعلينا باعتبارنا مجتمعاً إسلامياً أن نأخذ بناصية العلم الذي هو السبيل إلى
امتلاك عوامل القوة المادية، وبخاصة تلك العلوم التي تتجاوز الحدود الدولية التي
ليست حكراً على مجتمع بعينه، وهي تلك العلوم الطبيعية التي تتعلق بدراسة المادة
وخواصها، وقد أخذ الغرب نفسه الكثير من النظريات العلمية عن العرب
والمسلمين الأوائل أمثال: ابن الهيثم والرازي ... فلماذا لا نأخذ عنهم في هذا
المجال؟ ! ذلك أن التقنية في حد ذاتها ليست موجبة أو سالبة، ولكن طبيعة
المجتمع ومدي تماسك مؤسساته هما العاملان اللذان يجعلانها سالبة أو موجبة في
تأثيرها، ومن ثم فإن الحل لا يكون عن طريق الانغلاق على الذات، ولكن يكون
عن طريق العمل على سد الثغرات ونقاط الضعف التي قد تظهر في المؤسسات
الاجتماعية والتي تفرزها التقنية الحديثة أو الانفتاح على العالم الخارجي.
стр. 1707
مقال
واجبنا في زمن الانهزام
د. محمد بن عبد الله الشباني
تمر الأمة الإسلامية في هذا العصر بمرحلة من الذُل والهزيمة لم تبلغها في أي
حقبة من حقب التاريخ الإسلامي، فقد اجتمعت قوى الشر من يهود ونصارى فرمت
بسهامها عن قوس واحدة، فأصابت الأمة في مَقاتل عدة، ومن أهم المَقاتل التي
أصابت الأمة التخلخل والنكوص والانهزام والاستسلام لرغبات العدو والإذعان
بتنفيذ أوامره، فأصبحت الأمة لا تملك من أمرها شيئاً.
إن الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام قد تعطل، بل إن الدعوة إليه أصبحت
أمراً نشازاً، وأصبحت الدعوة إلى الاستسلام للأعداء بكل ما يطلبونه هي النغمة
السائدة التي يتولى الإعلام غرسها وتثبيتها والتأكيد على أنها الطريق الأفضل لأخذ
الحقوق، فلا جدوى لما عداها من وسائل للحصول على الحقوق، كما أنها الركيزة
التي يقوم عليها البناء السياسي في العالم الإسلامي وتتولى القيادات السياسية تنفيذها
بحماسة وجدية.
إن السؤال الذي ينبغي طرحه ومناقشته هو: ما دور الفرد المسلم في مجابهة
هذا الواقع المؤلم؟ وكيف يمكن للفرد المسلم المجرد من جميع القوى المساندة
ممارسة دور فاعل ومؤثر في مقاومة هذه الغارة التي تعددت أشكالها وأنواعها؟
وهل يمكن للفرد أن يمارس دوراً مؤثراً في ظل هذا الواقع؟ وكيف لهذا الفرد أن
يمارس دوره الجهادي؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة ترتبط بمدى فهم الفرد المسلم لأهمية دوره في
إحداث التغيير في المجتمع، وإن الدور السلبي الذي يمارسه كل فرد من أفراد
المسلمين إنما يعود في أساسه إلى الجهل المطلق لما يوجبه الإسلام على المسلم من
مسؤولية تجاه مجتمعه.
لقد وردت أحاديث كثيرة تحدد دور الفرد في المجتمع المسلم، وترتبط معرفة
هذا الدور بفهم هذه الأحاديث وربطها بالواقع، فمن تلك الأحاديث التي حددت دور
الفرد في المجتمع ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وقف على ناس جلوس فقال: (ألا أخبركم بخيركم من شركم، قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا وشرنا، قال: خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره) [١] ، وما رواه البخاري في الأدب المفرد
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المؤمن
مرآة أخيه والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضعفه ويحوطه من ورائه) [٢] وما رواه
ابن حبّان والنسائي والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه
الناس على دمائهم وأموالهم) [٣] .
إن المعنى العام لهذه الأحاديث يؤكد أن دور الفرد المسلم دور إيجابي يتفاعل
مع قضايا المسلمين، ويكون عوناً للمسلمين، فيعمل بكل جهده على تقوية ومساندة
إخوانه ممن يعانون الظلم والاضطهاد من الأعداء، فعلى المسلم أن يؤمن شره عن
المسلمين، وأن يحوط إخوانه، ويكف يده عن مساعدة أعدائهم وكف اللسان واليد
يأخذ أشكالاً عدة إذا أحسنَ استعمالها، فإن تأثيرها على الأعداء كبير كما إنها نصرة
للمسلمين. والسؤال هنا: كيف يمكن للمسلم أن يمارس هذا الدور المؤثر لصالح
المسلمين في هذا العصر الذي أصبحت المناصرة الجهادية باليد والمال محظورة،
وباللسان ممنوعة في معظم الأقطار؟ !
إن الفرد المسلم الواعي قادر على ممارسة دوره الجهادي إذا استشعر
المسؤولية تجاه أمته، وعزم على أن يُمارس دوره الفردي مجرداً من كل أنواع
القدرة على المجابهة، وإن أول خطوة لممارسة هذا الدور تتمثل في معرفة أعداء
الأمة الذين يحملون الحقد والضغينة على المسلمين وعلى الإسلام، إن هذه المعرفة
وتعمقها في نفس الفرد تمثل الخطوة الأولى في المجابهة، ولهذا نجد أن من ركائز
الإيمان الولاء والبراء، ومن رحمة الله بالمسلمين أنه لم يدع أمر اكتشاف أعدائهم
لقدراتهم، ولكنه سبحانه أوضح أولئك الأعداء بجلاء ووضوح لا لبس فيهما، فقد
أشار القرآن الكريم إلى ذلك بصريح العبارة في قوله تعالى: [لتجدن أشد الناس
عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا] [٤] ، وقوله تعالى: [ولن ترضى عنك
اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم] [٥] ، وقوله تعالى: [ود كثير من أهل
الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراْ] [٦] ، فاليهود وأنصارهم من النصارى
الذين تتركز قوتهم المعاصرة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا ودول أوروبا في
الغالب، هم الأعداء الذين حذر الرسول منهم، والذين ينبغي على كل فرد مسلم أن
يَحذرهم على أساس أنهم أعداء لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، إن التاريخ القديم
والمعاصر أكبر شاهد على ذلك، بل إن المصائب المعاصرة التي حلت بالمسلمين
من احتلال لأراضيهم، وانتهاك لحرماتهم ونهب لخيراتهم، ومساندة لأعدائهم من
اليهود والوثنيين من الهندوس والسيخ، والسعي بكل جهد على إيجاد الظروف
السياسية والاقتصادية المعيقة لانعتاق بلاد المسلمين من قبضتهم من خلال التمكين
للمنافقين والمرتدين من العلمانيين والمستغربين والانتهازيين بتسلم زمام الأمور في
البلاد الإسلامية، والعمل على القضاء على أي توجه شعبي للعودة إلى منابع القوة
للأمة الإسلامية من خلال محاربة القيادات السياسية والفكرية ذات التوجه الإسلامي، التي تطالب بأن يكون شرع الله هو الحاكم والموجه لشؤون الحياة لاشك أن لهم
دوراً فيه.
إن هذا الواقع السيىء للأمة أدى إلى بروز ظاهرة الانهزام والشعور بالعجز
عن مقاومة الهجمة الصليبية اليهودية والوثنية من الهندوس وغيرهم.
إن الفرد المسلم يستطيع لو تم إنماء الوعي الإيماني لديه أن يمارس دوراً
فاعلاً ومؤثراً لصالح المسلمين من خلال الجهاد الاقتصادي والجهاد العقدي والثقافي
بتحصين الأمة من خطر الغزو الثقافي الذي يمثل الخطر الأكبر على جهاز المناعة
لدى الأمة.
من مظاهر الجهاد الفردي:
يستطيع الفرد المسلم ممارسة الجهاد الفردي في زمن الانهزام من خلال
ممارسة دوره الاقتصادي، وتنمية الوعي الثقافي لأفراد الأمة الآخرين من خلال
موقعه مستهلكاً للسلع، وموجهاً لأسرته وممارساً لحقه الطبيعي في إبداء التعبير
وإزالة المنكر والأمر بالمعروف من خلال أداء واجب الكلمة في محيطه الاجتماعي
وتتمثل الوسائل التي يمكن للفرد أن يمارس دوره الجهادي في محاربة أعداء الأمة
من خلال موقعه في المجتمع في عدة أمور يمكن تلخيصها في الآتي:
الأمر الأول: المقاطعة الاقتصادية بالامتناع عن شراء السلع سواء أكان
الشراء للاستهلاك أو الاقتناء، والتي تنتج وتُصَدّر إلى بلاد المسلمين من الدول
الغربية بعامة والعدو الصهيوني بخاصة، والاستعاضة عنها بشراء السلع المنتجة
في البلاد الإسلامية، فهذه المقاطعة الفردية لا تكلف الفرد المسلم أي جهد ما عدا
تغيير نمط الاستهلاك، وإحلال سلع منتجة ومصنعة في البلاد الإسلاميةمحل السلع
المنتجة في بلاد أعداء الإسلام، وبهذه المقاطعة يتحقق أمران الأول: تشجيع
منتجات البلاد الإسلامية وتقوية اقتصادياتها، والثاني: محاربة العدو اقتصادياً
بالامتناع عن شراء السلع المنتجة في تلك البلاد ومحاربة كل تاجر مسلم يستورد
السلع الاستهلاكية من بلاد أعداء المسلمين وعلى كل فرد رفع شعار «قاطعوا
الأعداء» بالامتناع عن شراء أي سلعة منتجة وموردة من بلاد النصارى،
وبالأخص الدول التي تتولى قيادة دول النصارى في عصرنا الحالي وتفضيل الدول
الأخرى من غير الدول الإسلامية في حالة عدم وجود تلك السلع لديها بشراء السلع
المنتجة مثلاً من الصين واليابان وجنوب شرق آسيا مثلاً وإن امتناع كل فرد مسلم
عن شراء أي سلعة منتجة أو ذات علاقة تجارية أو اسم تجاري مرتبط بالشركات
الغربية، سوف يؤدي إلى وجود غضب شعبي تجاه ما تمارسه القوى الصليبية
الحاقدة، إن على كل فرد مسلم الامتناع عن شراء هذه السلع ودعوة الآخرين لذلك.
الأمر الثاني: أن يقوم كل فرد إذا كان صاحب شركة أو مؤسسة تمارس
الأعمال التجارية بالامتناع عن الاستيراد من الدول الغربية والاستعاضة بالاستيراد
من الدول الإسلامية، أو الدول التي يمكن أن تكون يوماً عدواً للدول النصرانية،
كما أن على كل فرد يمتلك القدرة على الاستقدام للأيدي العاملة أن يمتنع عن
الاستقدام من تلك الدول، وأن يمارس كل فرد إذا لم يكن صاحب شركة أو مؤسسة
الضغط الاجتماعي من خلال النقد وإثارة الإحساس الديني لدى أصحاب هذه
الشركات.
الأمر الثالث: أن يقوم كل فرد وبخاصة العاملين في حقل التعليم باستخدام
التعليم وسيلة للجهاد بالكلمة بغرس القيم والمبادىء والأفكار الإسلامية التي تحمي
أفراد الأمة وبخاصة الطلبة والطالبات من الغزو الثقافي، فالدول النصرانية تسعى
إلى طمس الهوية الإسلامية، فقد تكالب الأعداء وسخروا جميع الإمكانيات من أجل
هدم مقومات الأمة بإضعاف مفهوم الولاء والبراء من خلال الدعوة إلى التقارب بين
الأديان، الذي أصبح مصيدة وقع فيها كثير ممن ينتسبون إلى العلم والثقافة،
فالقصد من التقارب بين الأديان هو الاعتراف بالديانتين اليهودية والنصرانية
المحرفتين وكأنهما صحيحتان، مع أن الله أخبر أنه لا يقبل غير الإسلام ديناً في
قوله تعالى: [ومن يبتغ غير الإسلام ديناْ فلن يقبل منه] [٧] ، وإن مبدأ الحوار
مع الأديان المحرفة قد حدده الله، فلا يجوز الحوار إلا وفق القاعدة القرآنية في قوله
تعالى: [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا
نشرك به شيئاْ ولا يتخذ بعضنا بعضاْ أرباباْ من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا
بأنا مسلمون] [٨] ، كما إن الغرب النصراني يسعى إلى إبعاد الأمة عن تحكيم
شرع الله في الاقتصاد والاجتماع والسياسة، وتبني سلوكيات الغرب النصراني من
حرية مزعومة، وإباحية وإلحاد وكفر بالله، ولهذا فإن للمعلم أو المعلمة دوراً كبيراً
في الجهاد من خلال جهاد الكلمة، وتزويد الطلبة والطالبات بالقيم السليمة،
ومحاربة جميع المظاهر السلوكية المنافية لقيم الإسلام وتعاليمه.
الأمر الرابع: أن يمارس الفرد المسلم من موقع عمله في غير حقل التعليم
دوره في محاربة الخطط التي تسعى لتقويض مقومات المجتمع، وبخاصة في حقل
الأمن والإعلام، فالدور الجهادي للفرد المسلم الذي يعمل في هذه الأعمال كبير
وخطير، وبخاصة ما يتعلق بمحاربة المفسدين الذين يعملون على إفساد الشباب من
خلال نشر الرذيلة بينهم، فإن هدف الأعداء هو نشر المخدرات والزنا وغير ذلك
من الإفساد الأخلاقي، وبالتالي فإن على المسلم الذي يعمل في الأمن مسؤولية
تفويت الفرصة على الأعداء من خلال القضاء على أوكار الفساد، وكذلك بالنسبة
لمن يعمل في حقل الإعلام فإن عليه واجب نقل الصورة الصحيحة عن واقع
المسلمين واستخدام المنبر الإعلامي بقصد توعية المسلمين بواقعهم وكشف أساليب
الأعداء ومنع كل وسائل الهدم والتخريب لعقائد الأمة وقيمها، وبالتالي فلو أن كل
صحفي أو كاتب في جريدة أو صاحب دار نشر امتنع عن نشر أي كتاب أو مقالة
فيها إساءة للإسلام أو تساهم بنشر فكرة إلحادية، أو تسويغ الفاحشة، فإنه بهذا
يمارس دوره الجهادي في حماية الأمة والمجتمع الإسلامي من الوقوع في مصيدة
الأعداء، وتوفير الأرضية لاتساع الصحوة الإسلامية.
إن للفرد دوراً كبيراً في محاربة الأعداء وإفشال خططهم، وبالتالي فالجهاد
الذي هو ذروة سنام الإسلام لا يقتصر على حمل السلاح فقط، بل يشمل جميع
أوجه الجهاد، فالتفاعل مع هموم الأمة وقضاياها يمثل لوناً مهماً من ألوان الجهاد
فالمسؤولية الفردية هي مناط التكليف في الشريعة الإسلامية ففي الحديث المشهور:
(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) «، فقد شملت المسؤولية جمع أفراد الأمة،
ويؤكد هذا المفهوم حديث ابن عباس الذي رواه البخاري، فقد قال رسول الله -
ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيه وإذا استنفرتم
فانفروا) [٩] والاستنفار في زمن الانهزام يتمثل في قيام كل فرد بواجبه الفردي تجاه حماية الأمة من خلال استخدام الإمكانات المتاحة له لصالح الأمة، وأن يكون قدوة للآخرين بممارسة دوره الفعال، ودعوة الآخرين للاقتداء به.
стр. 1708
الملف الأدبي
(نصوص شعرية)
.. رتابة ..
د. صالح الزهراني
منذ تسعينَ حجّةً..
ثورة الوعي خامدة
يبدأ العرض ميّتاً! ..
فوق أشلاء صامدة..
البدايات واحدة!
والنهايات واحدة!
بطل العرض واحدٌ..
قصة العرض واحدة..
مخرج العرض واحدٌ..
والجماهير راقدة!
بعد يوم من الضنى
والوجوه المزايدة! ..
.. أعلن الفاتح الأبي..
والزغاريد شاهدة..
عن فتوحات جيشه..
عن قواه المجاهدة..
أنها شقت المدى..
واستباحت وسائده! !
وأراقت دمَ الدجى! ..
وأضاءت فراقده..
كذّبت كلّ خائن..
فهي بالنصر عائدة..
وبدا شاعر الهوى..
يتهجّى قصائده!
وانتهى الفتح رقصة..
وغناءً، ومائدة!
والجماهير لم تزل..
تشهد العرض جامدة..
عرفت كيف ينتهي..
عرفت كيف يبتدي..
أصبح الزيف قاعده! !
стр. 1709
نقد على نقد
نقد ظالم.. ونقد نائم
محمود مفلح
يبدو أن صوت النقد في صحافتنا الأدبية الإسلامية وعلى أقلام كتابنا خافتٌ
جداً، ومهما حاولت أن تُصغي إلى هذا الصوت فإنك لن تظفر بشيء ذي بال،
على أن هذا الصوت لدى الآخرين قويٌ، واضح النبرات، شديد التأثير حيث
تبلورت خطوطه، وتحددت توجهاته، واستقرت كذلك رموزه.
ولا أبالغ إذا قلت ومن خلال متابعتي المتواضعة لما يصدر هنا وهناك من
صحافة أدبية أقول لا أبالغ إذا قلت: إن المرحلة الراهنة هي مرحلة النقد، وإن
القوم جادون في تأسيس نظرية نقدية تناسب رؤيتهم ومنطلقاتهم، وهم مشغولون
بتأصيلها، يقيمون تنظيراتهم على ضوئها، ويُجرُون كذلك التطبيقات اللازمة على
نصوص يختارونها من أجل دعم هذا التوجه النقدي وترسيخه.
حتى ظهرت أسماء نقدية مهمة لا نستطيع أن نتجاوزها، أو نقفز فوقها أو
نستهين بمجهوداتها الدؤوبة في مشرق الوطن العربي ومغربه، وإن المتأمل كذلك
فيما يُكتب من نقد هنا وهناك لابد وأن يلاحظ أن ثمة اتفاقاً وإجماعاً على توجه نقدي
معين، وأن ثمة جسوراً تقام بين هذا الناقد وذاك، فكأن هذا هو الصوت، وذاك
هو الصدى في تناغم عجيب، واتفاق يبعث على الدهشة!
وإن النصوص التي يختارها هؤلاء النقاد تدور كلها في فلك الحداثة والتغريب، والأشكال التعبيرية الجديدة، التي يكتنفها الغموض، ويُشكل لحمتها وسُداها اللغز
والأسطورة والسحر، و «يفلسفون» لها ويؤولونها ويحاولون جاهدين أن يُقنعوا
القارىء بأهميتها وريادتها.
حتى أصبحنا نسمع بأسماء شعراء وقصاصين وروائيين ظهروا على الساحة
فجأة، بجهود هذه الأقلام النقدية الدؤوبة في التلميع والترصيع..!
وظهرت على الساحة كتب تحمل سمات هذا الاتجاه النقدي، تُبشر بها
الصحافة، ويكتب بعضها عن بعض، وكلها تنويعات على وتر واحد، إلا أن
طابعها الإصرار والالتزام.
وكل النصوص التي تتناولها هذه الدراسات إبداعية ومعاصرة ومهمة وجديرة
بالقراءة ... إلا النصوص الإسلامية! ! أو ما يقترب منها، فإنها في زعمهم فقيرة، متخلفة، فجة، تغلب عليها الخطابية والسطحية وهي تجافي روح الفن، وتتنافى
مع الحساسية الجديدة، والرؤية المعاصرة! !
إنه حصارٌ محكم، سبق التخطيط له، والاتفاق عليه، في لقاءات أدبية تمت
وتتم هنا وهناك.
وهو واقع نقدي مؤثر حفر مجراه، وظهرت نتائجه، قَبلْنَا ذلك أم رفضناه،
فرض نفسه على الساحة الأدبية بقوة، ولا تكاد تخلو مطبوعة أدبية واسعة الانتشار
من هذا التوجه النقدي الحديث.
حتى أصبح القارىء يُردد عن وعي ودون وعي مقولات هؤلاء النقاد ويتأثر
بالنصوص التي يعرضونها، ويعرف الكثير من الأسماء التي تمارس هذا النقد،
وتشتغل به.
وفي الجانب الآخر ترى النقد الإسلامي وللأسف البالغ مازال يحبو وليته يحبو
بنشاط وحيوية.
واستعرض إذا شئت الصفحات الأدبية الإسلامية في أي مطبوعة تشاء فإنك
قلّ ما تجد دراسة أدبية جادة عميقة ذات رؤية نقدية واضحة، تنسجم مع قيمنا
الحضارية وتعطي لهذا العمل أو ذاك حقه، ولن تجد كذلك توجهاً نقدياً عاماً واضح
المعالم، ولن تجد أيضاً وأقولها بمرارة، أسماء نقاد جادين دؤوبين مخلصين لهذا
الفن أو ذاك، رغم أن النتاج الأدبي الإسلامي معافى ومقروء ولا يخلو من جماليات
تستحق أن يتوقف عندها النقد.
ورغم أن الأساتذة الجامعيين الذين يحملون شهادات عليا في النقد الأدبي كُثر
والحمد لله وفيهم القادر على النهوض بهذا العبء، لو نفض عنه غبار الكسل
وتجرد لهذه المهمة، وإن تجربتي في هذا الصدد مع بعض هؤلاء الأساتذة الأفاضل
للأسف غير مشجعة، إذ قمت عندما صدر ديواني الجديد «نقوش إسلامية على
الحجر الفلسطيني» بإرسال نسخ منه إلى خمسة من هؤلاء الأساتذة، وطلبت منهم
في عبارة رقيقة أن يتفضلوا بالكتابة عن هذا العمل سلباً أو إيجاباً، إذ أن الشاعر لا
يطمئن على تجربته الإبداعية حتى يسمع قول النقد فيها.
وانتظرت شهوراً وشهوراً، ولم يصلني من أحد منهم وريقة تشعر أن الديوان
قد وصل فضلاً عن القيام بالكتابة عنه، رغم أن حظي أفضل من غيري في هذا
الصدد.
وأنا أعرف عشرات الأعمال الأدبية الإسلامية قد صدرت هذا العام والعام
الذي قبله، ولم ينهض لها النقد، ولم يقترب منها رغم أهميتها.
فالإبداع في واد والنقد في واد، ومازال بعض نقادنا مشغولين بتنظيراتهم،
ورؤاهم، وتعريفاتهم ومصطلحاتهم، ولم يكلفوا أنفسهم مقاربة النصوص الإبداعية، أو الحديث عنها، حتى نهض بهذه المهمة أخيراً أو ببعضها الشعراء أنفسهم
تعريفاً وتطبيقاً.
ولا أريد أن أدلل على أهمية النقد برواية «الذئب» ، التي كتبها أديب
إيطالي مغمور، ورفضت جميع دور النشر في إيطاليا طباعتها مما جعل صاحبها
يتأثر تأثراً عميقاً أدى به إلى أن أصيب بنوبة قلبية مات على إثرها، حتى سمع
بالرواية ناقد شهير، أعجب بها فكتب لها مقدمة ضافية، ودفعها إلى دور النشر
فلاقت رواجاً كبيراً، وإقبالاً من القراء عجيباً، وترجمت إلى جميع لغات العالم،
وصدرت منها حتى الآن الطبعة الخامسة والأربعون..
فالنقد هو الذي يعطي العمل الأدبي قيمته، ويضيء أبعاده ويخط له مساراته
الإبداعية الجديدة، بالإضافة إلى أن الناقد يمارس عملاً إبداعياً جديداً لا يقل متعة
وأهمية عن العمل المنقود.
وما لم تكن هناك حركة نقدية جادة ومستمرة، تواكب الأعمال الأدبية وتعلن
عن ولادتها، وتمنحها شرعية القبول، فإن الأدب الإسلامي عندنا سوف يظل يسير
على قدم واحدة.
стр. 1710
نصوص شعرية
ذكرى العبور
محمد البراهيم
عندما حلت به ذكرى العبورْ
أنف الشامخ من صمت الجموعْ
ساقها روادها سوق الأمةْ
رهن الشامخ للسيف دمهْ
حطم الأوهام فيما حطمهْ
باع أمناً.. ورخاءً سئمهْ
واشترى خوفاً ورعباً..
حيثما دار يدورْ
واشترى حبراً.. وغذّى قلمهْ
وامتطى الفارس ظهر الكلمةْ
ومضى ينشد ما بين السطورْ..
وطناً ضيّع يوماً رقمهْ
* * *
تلكمُ جملة ما قال الشهودْ..
ومضى.. مثلما النجم يغورْ
غير أني..
أعلم اليوم تمام الملحمةْ
فلقد برّ بوعدهْ
ومشى الدرب لوحدهْ
لكأني..
أسمع الآن وجيبَ الحمحمةْ
وأرى الفارس يعلو فرسهْ
نسج العز لجاماً ألجمهْ
هتف المخبرُ.. إذ كان معهْ:
ويحه.. ما أقدمهْ؟ !
حدثته النفسُ: «ماذا لو يحورْ؟ !
أتُرى يُبدي أسيفاً ندمهْ؟»
فأجاب العزم في عزم وقورْ:
«إن يك الموت قضي..
فلم الخوف لمهْ؟
أفراراً من قضاء لزمهْ؟ !
* * *
أبصر الشامخُ أمراً نكره..
أبصر السادنَ يعلي صنمهْ
ناكرَ الأصل ربيبَ الدونمةْ!
يطمس الحق.. ويفري أممهْ
حسب الحق.. كما الماء يغورْ..
إنما يتبع فهماً فهمهْ
* * *
سمع الشامخ أمراً نكرهْ..
إذ بعيداً..
حيث لا ثمّ سوى همس الطيورْ
يسكن الشيخ الذي ظل خفياً..
وسميراً للنجومْ
يزرع الحقل ويرعى غنمهْ
يعشق الليل ويهوى نسمهْ
يذكر الله ويرجو كرمهْ
رجع الشيخ.. إلى الكوخ الصغيرْ
متعباً ذات مساءْ
فرأى الكوخ هباءْ!
عسكر الظالم غَدراً هدمهْ
إذ وشى بالشيخ كيد العملاءْ
أي جرم أجرمهْ؟ !
» أي جرم؟ ! «..
وعلى الوجه تفاصيل ذهول وخفاءْ!
فأتى الرد نسيئاً..
من سفيه لطمهْ:
(أتظن السيد الوالي يجورْ؟ !)
ضحك الكل ... وأنشدْ:
يسقط الصبح.. وتحيا العتمهْ!
يسقط العدل.. وتحيا الظلمةْ!
رمق الشيخ بعينيه السماءْ..
سأل الله سؤالاً كتمهْ
سمع الشامخ.. والتذّ الفداء
ومضى يسعرُ حربَ الكلمةْ
* * *
قرأ القارىء سطراً ...
في بقايا صفحة مهترئةْ:
» غيلَ بالأمس عدو الأنظمةْ! «
* * *
أيها الشامخ.. عذراً..
لم يزل يدهمنا سيل الفجورْ
لم تزل تسكننا عدوى الجحورْ
غير أنّا.. سنصلي..
كلما مرت بنا ذكرى العبورْ:
» رحم الله قتيل الكلمةْ «
» رحم الله قتيل الكلمةْ «
стр. 1711
قصة قصيرة
شيء لم يحدث ..! !
عبد الحليم البراك
يرقب جدار صمت قد امتدت قامته حتى الأفق البعيد.. لونٌ أشهب وبرودة
قاسية.. تجعله يحس بشيء من الانتشاء.. طعمهما الحلو في شفتيه اليابستين..
هذه الفتحة العلوية التي تكاد تختفي في ثنايا هذا الجدار الشامخ.. ثمة نور ضئيل
منها.. كأمل ينتظره من بعيد.. الجدار يعانق الجدار.. وهذه السلسلة الحديدية لا
تثقل أنفاسه الحرة داخله.. لا تمنعها من الفرحة.. وكأن شيئاً.. لم يحدث..
* * *
طريق مستطيل.. ينتهي بأفق حقله الصغير.. ثمة جموع وقحة.. قادمة..
ألقها.. هيا..
انتظر..
ألقها.. قبل أن يرونا..
أريد أكبر عدد منهم..
أنت تقودنا نحو الحديد.. معاً..
اذهب أنت..
ولكن..
إني آمرك.. هيا..
ولكن..
ولكن اذهب.. هل سمعت؟ !
حاضر! ! ..
غضب أحمر يتمخض عن انفجار مدو يحصد أربعة من ذوي الأكتاف
المذهبة.. وأكثر من عشرة قد زينت أذرعهم الوقحة بشرائط خضراء.. ثمة عين لمحته.. لا محالة.. أمسكوا به.. أحس بشيء من اللذة.. وكأن شيئاً.. لم يحدث..
* * *
يرقب حلقات من حديد متراصة ومترابطة.. «ستحاكم! ! ..»
(لم أقترف جرماً.. أرادوا سرقة أنفاسي من أضلعي) .
... يرقب باباً حديدياً أمامه.. أسود.. وعليه كتابات ثائرة..
صوت حذاء عسكري يرن.. يقطع مسافات من كهوف الصمت الداكنة..
حركة غليظة تهز هذا الباب المترس.. رجل ضخم الجثة مكتنز الخطوات
كجسمه..:
موعد المحاكمة اليوم..
اجتاحت صدى كلماته أرجاء الفضاء الموحشة.. لم يعلق.. قام.. مشى..
خرج.. شم هواءً عفناً.. تفل عن يساره.. أحس وكأن شيئاً.. لم يحدث..
* * *
دلف إلى القاعة.. ثمة أشياء ميتة.. مسح القاعة بعينيه.. الهواء العفن أيضاً
يتكوم في وسطها.. جهة المنضدة اللامعة.. يرقد عليها ثلاثة أشخاص.. هم
أنفسهم الذين راحوا جراء القذيفة.. «يبدو أنهم سينتقمون الآن..»
طلبوا منه أن يقترب من أوسطهم.. نظرة ممددة ألقاها عليهم..:
- أنت مدان! !
- بماذا؟ ! ! ..
- بقتل أربع حمامات..! !
- ... ؟ ؟ ! !
تذكر طفولته الممزقة.. وأحس وكأن شيئاً.. لم يحدث..
стр. 1712
نصوص شعرية
.. دمعة..
على أطلال سربنتسا
فيصل بن محمد الحجي
سربنتسا.. مدينة بوسنية مسلمة، صبرت تحت وطأة الحصار والقصف
الصربي الشديدين عاماً كاملاً، وهي تنتظر نجدة أحفاد طارق وصلاح الدين. كان
يكفيها الإمداد بالسلاح دون الرجال، فلم يطلع عليها وجه نصير إلا قلة من شباب
الصحوة الذين زرعوا قبورهم في أنحاء الأرض من أجل أن يورق الأمل، أما من
بقي منهم حياً فهو ينتظر الاعتقال والمحاكمة إن عاد إلى بلده بتهمة (البوسنيين
العرب!) فما أمر (الأفغان العرب) عنا ببعيد.
واضطرت المدينة البطلة بعد نفاذ الذخيرة إلى الاستسلام المهين لقوات الأمم
المتحدة التي قامت بتنفيذ شروط (الصرب) ، وذلك بتدمير ما تبقى من سلاح المدينة
لتقف عارية أمام عدوها الفاجر.. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سربنتسا.. ما حفظناك كما ... يحفظ الحرّةَ حرّ بالدما
عَظُمَ الخَطبُ ولم نرفع له ... رايةً تغزو العدا أو علما
لم يَثُر (هارونُ) من علج غزا ... وسبى (فاطمةً) أو (مريما)
عاث كلبُ الروم في أقداسنا ... ودفعنا جزيةً كي نَسْلما!
صوفنا أو قطننا أو زيتنا ... ناله (نقفور) منا كرما! !
جزية (الكربون) من يجهلها؟ ! ... جشع يمتص منا الدسما!
سربنتسا.. أي جرح راعف ... مَلأ الآفاقَ حُزناً معتما؟ !
هذه صلبانهم ... نعرفها ... حقدها يكسو رُبانا عدما
* * * *
سربنتسا.. أي ذل قاهر ... لطخ الهامات عاراً مؤلما
نحن أسلمناك للعار وما ... أغضب العارُ بنا (معتصما)
جهرةً.. تلمس كفّ المعتدي ... موضعَ العفة لمساً مجرما!
وأخو النخوة يرنو صامتاً ... كالذي يحجب عينيه العمى
كم أنين.. كم صُراخ ضارع! .. ... فهل الأسماع تشكو صمما؟ !
يا جيوشاً أُتخمَت أسلحةً ... لم تدع في بيت مال درهما!
سمنت من جوعنا.. وانتفخت ... وغدا المغنمُ فيها مغرما!
جثمت فوق تراقينا وقد ... كتمت إصرارنا فانكتما
سمنت.. حتى حسبناها إذا ... دوهمت أوطانُنا.. تحمي الحمى
كم تحدت خصمَها هادرةً ... وأتى الخصمُ ضحىً.. فالتحما
وانجلى الموقفُ عن مهزلة: ... جبهة ديست.. وأنف رُغما
جرت الخذلانَ.. وانسلت إلى ... مجلس الأمن.. تنادي الأمما! !
стр. 1713
مراجعات أدبية
رؤية في
القراءة النقدية
د. مصطفى بكري السيد
القراءة النقدية: هي نظرية القواعد التي تحكم تفسير نص من النصوص
الأدبية، يتأكد فيها دور القارىء بوصفه أحد منتجي النص عبر علاقة تفاعلية تصل
القارىء بالمقروء لتثمر إنتاج معرفة جديدة تتيح للقارىء توظيفها في إغناء ذاته أو
في إعادة بنائها.
هذه القراءة الإنتاجية هي نقيض للقراءة الاستهلاكية، والقراءة الإنتاجية فعل
حضاري، وهي بعد توفيق الله السبب القوي لتفسير المواقع والواقع ومن ثم
تطويرهما، وهي معيار الحكم في الخلاف في كثير من القضايا التي لا يكون سبب
الاختلاف فيها راجعاً إلى الموضوع بل يعود إلى الكم والكيف القرائي حول هذا
الموضوع.
ومثل هذه القراءة وهي قراءة «التدبر» بحسب المصطلح القرآني لم ولن
تموت في العالم الإسلامي، ولكن الذي مات بل في الحقيقة ولد ميتاً وجمهوره آخذ
في التناقص هو اجترار الكلام والفكر المعلب، والرؤى القَبْلية، وإخضاع التعامل
مع الإبداع إلى قوالب جامدة منغلقة لتصبح ذات صيغة سلطوية وتسلطية على الفكر
الموضوعي، ويكون سقف الفن عندها هو المقنن الجاهز والسلبي المستهلكم،
والمثال الذي أسوقه على هذه القراءة تلكم القراءة اللغوية التي تتعامل مع كل علم
من علوم اللغة تعاملاً مستقلاً دون أن تتمكن من سبكها في سبيكة معرفية تستدرج
النص إلى الحكي والقول، وتكاد تحصر النقد بمرجعية معجمية ويكون اهتمامها
اهتماماً معجمياً في المفردة والتركيب لا اهتماماً بنائياً ودلالياً.
في هذه القراءة تغيب عن القارىء أوليات التعامل مع الشعر والأثر الفني
عامة، فهي تمكنه من الإحاطة بالمستوى الإخباري للنص، ولكنها تحجب عنه
المستوى الإشاري، وهو ما تزخر به اللغة الشعرية فيما وراء المؤدى المباشر
والذي يُكوّن نظام العلاقات الدلالية والإيقاعية في النص، وهو الذي يجعل النص
يُفلت من الظرف المحدد، ويمتلك القدرة على البث المتجدد بحيث يخاطب أجيالاً
عديدة.
تستهدف القراءة النقدية وضع النص في موضع البحث المعرفي استكشافاً
لجمالياته وطاقاته الإبداعية وما يحمله من رؤِى تحول وتحويل، هذه القراءة يحجب
نور شمسها أو يكاد التضخم في الدراسة الاجتماعية أو التاريخية الأدبية التي تجعل
الأدب ملحقاً بالحياة لاحقاً بالأحداث، هل هناك أكثر اغتيالاً للأدب من أن يكون
تاريخ الأدب أوفر حظاً في ساعات التدريس من النصوص، وفي تاريخ الأدب
يغيب النص أو يُغيّب لا فرق، ويصبح شهيداً لا شاهداً، قتيلاً لا مقاتلاً، ويكف
عن البحث المتجدد والدور المتعدد، ولا أمل في استنقاذ النص الأدبي من تقزيمه
وتحطيمه المتمثل بالبحث في ثناياه عن كل شيء إلا أدبيته. لا أمل إلابأن نبذل
جهداً مقابلاً لقراءة الاغتيال ابتغاء بلورة مفهوم ونهج جديدين في قراءة الأثر الأدبي، دون ذلك لن يتم اللقاء بين المبدع والقارىء، وهذه القراءة هي قراءة الكشف لا
الوصف، وبالمناسبة لنتذكر أن الزمخشري أطلق على قراءته للقرآن الكريم اسم «
الكشاف» .
مقتل القراءة الأولى وخطورتها أن تكون أخيرة، وهي تلك التي يتكلس فيها
فهم الأدب كتكلس الشعب المرجانية حيث تُخْضعُ الأدب لطفولية الفهم الذي يكتسبه
الطالب في المرحلتين المتوسطة والثانوية أو تلزمه به البيئة المحلية.
القراءة الأدبية هي التي تَسْتغور النص كما لو كان منجماً، تبحث عما هو
ثمين ومحجوب في طياته، فتعمل على استخراجه، القراءة الأدبية لا تخرج إلينا
قبل أن تدخل هي من خلال الناقد، تدخل إلى العمل الأدبي لتعايشه وتنفذ إلى باطنه، فتكشف عن الأدب قبل الفكرة، فإن لم يكن ثمة أدب فليس بشافع له أدبياً أن
يحتوي على أدق الأفكار.
القراءة الأدبية تتم على مستويين:
في القراءة الأولى يسلم الناقد نفسه للعمل، أي أنه يمارس قراءة النص
بوصفه قارئاً متذوقاً للأدب ومدرباً على هذا التذوق، وعادة ما يخرج من هذه
القراءة بانطباعات تختلف من عمل إلى آخر، فقد يخرج بالشعور باكتمال المتعة،
أو بالشعور بأن شيئاً ما خطأ أو لم يكتمل يحول بين شعور المتعة والاكتمال.
وفي القراءة الثانية يقيد انطباعاته مطبقاً للمنهج التحليلي على العمل الفني
ومتبيناً للعلاقات التي تجمع الجزئيات في كلية فنية.
ومما يساعد على القراءة الأدبية أن يحرص الناقد على الإحساس بالأثر الفني
بعد معايشته والالتصاق به التصاقاً كاملاً، يمكن أن نسميه كمال الاتصال، ذلك
الذي يتم فيه استغراق يُوحد بين القارىء والموضوع، بحيث يصبح الموضوع أي
الأثر الفني ذاتاً وتصبح الذات موضوعاً. بذلك يستطيع القارىء أن يخرج انطباعه
من حيز الخصوص إلى نطاق العموم، وتبيت قراءته وسيلة من وسائل المعرفة
عندما تأطرت بأطروحة ممنهجة تفيد كل مُتَلَق ومُتَلَقّى.
يجب أن يتذكر القارىء الأدبي أن ثمة فرقاً بين أن يقرأ صامتاً لنفسه وبين أن
يقرأ ناطقاً لغيره.
وأخيراً فإن مشكلة النقد ليست معزولة عن مشكلة الفكر عندنا، بل إن مشكلة
النقد هي مشكلة هذا الفكر أو هي وجه من وجوهها.
ونحن نمارس قتل روح النص في حق النصوص الحديثة والتراثية على
السواء، هكذا ما نزال ندرس المتنبي، المادح، ومايزال الموضوع أي سيف
الدولة وحروبه محور شاعريته، ويغيب عنا مناخ القمم الذي يكشف عنه نظام
العلاقات اللغوية في شعره، يغيب عنا جواب المتنبي على عصر تقهقر فيه العنصر
العربي المسلم، يغيب عنا رفعه للصوت العربي في مقابل هيمنة العجم والعجمي
في الفعل والقول، رفعه لهذا الصوت أخاذاً في سماء أخذت فيه النجوم العربية
الإسلامية بالأفول، وآذنت شمسها بغياب العرب المسلمين عن قيادة الأمة التي
سلبتهم إياها، عناصر أعجمية عملت لحسابها أكثر مما عملت لحساب تواصل
الدور الإسلامي وحضوره الدائم.
إن الولوج إلى عالم المتنبي وأمثاله من الشعراء العظام لا يتحقق بقراءة
سكونية سلبية مغلقة، بل بقراءة متحركة فعالة، لأنها تعامل حركي مع أثر يتميز
بالحياة وقابليته للنمو والتوهج، وقدرته على العطاء، إن هذه القراءة تحقق اتصال
الإبداع بالإبداع أي اتصال الإبداع النقدي بالإبداع النصي وتتسع لكلمة الآخر
وسؤالاته.
ومع أننا نعتقد أن المتنبي قد أفرز مكتبة قرائية كاملة، فإن كل قراءة لاحقة
إضاءة للقراءة السابقة، وكشف عن قارة من الطموحات انطوت عليها عبقريته الفذة.
إن النص الأدبي يستحضر إلى ساحته قراءات بعدد الاتجاهات القائمة في
المجتمع، فهناك القراءة المثالية التي تستحضر معها مسطرة القيم المجردة المطلقة
وتريد من الأدب أن يكون موعظة أخلاقية لا يعدوها إلى غيرها، فإن لم تجد فيه
بغيتها أعرضت ونأت بجانبها.
وهناك القراءة الخيالية التي تريد من النص أن يكون ركوباً يحملها بعيداً عن
الواقع والوقائع، لا تريد لغة مفهومة ولا قضية مخدومة، بل تريد هروباً واختباء
بالكلمات وتترساً بالمبهمات، وهناك القراءة السياسية التي لا تبتغي من النص أكثر
من أن يكون نشرة أخبار جوية عفواً بل سياسية.
أما مستويات القراءة فمنها ما يكون استكشافياً، ومنها ما يكون استرجاعياً،
ومنها ما يكون عمودياً، ومنها ما يكون أفقياً، ومنها ما يكون استنطاقياً يقول فيها
النص ولا يُقوّل.
هذه القراءات كلها تشكل مراجع ثانوية للقراءة الأدبية التي هي القراءة
الأساس للنص، والتي تعتمد على منظومة العلاقات الداخلية للبنية اللغوية وغيابها
يعني إفقار النص واختزاله، وبالتالي إلغاءه.
إن هذه القراءة تسير في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارىء، ومن
القارىء إلى النص، فبقدر ما يقدم النص للقارىء، يضفي القارىء على النص
أبعاداً جديدة قد لا يكون لها وجود في النص، وعندما تنتهي العملية بإحساس
القارىء بالإشباع النفسي والنصي، عندئذ تكون عملية القراءة قد أدت دورها.
إن من أكبر مهام ومسؤوليات القراءة النقدية أن تؤصل وتؤثل وتوسع من
أمداء قراءة النقد التساؤلي الذي يضيف بالسؤال المهموم أكثر مما يعطي بالجواب
المحفوظ.
وهذه مقاربة لاستنطاق النص القصصي الموجود في العدد (٧٤) من مجلة
البيان والمعنون بـ «حدث في السوق» بقلم د/ محمد الحضيف.
١- تلخيص النص:
ليس بمكنة أحد أن يختزل لغة النص، فإذا كانت علامات الاستفهام والتعجب
مقصودة ومن الدوال فما بالك بالكلمات بَله الجمل؟ إذن سأختصر الحدث.
المكان: سوق مزدحم (عنوان الجزء الأول من النص) ، رجلان من رجال
الحسبة هيئة الأمر بالمعروف يؤديان واجبهما في مراقبة السوق، يشك الأول منهما
برجل ذي مظهر مريب، فيقف منه موقف المتهم، الرجل الآخر يرفض التهم
المعلبة. يتمسك كل من عضوي الهيئة برأيه بعد حوار مقتضب. يتابع الثلاثة
سيرهم، يلقي الرجل ذو المظهر المريب برقم هاتف على عنقود من النساء،
تتحقق رؤية الأول في الرجل المريب، ويمسك بالرجل، ويدور بينهما حوار،
ويجتمع الناس، منهم من يريد الدنيا فيقول: (حرام عليكم اتركوا الناس وشأنهم) ،
ومنهم من يريد الآخرة، ويوافق على اعتقال المريب: (جزاكم الله خيراً) ، الرجل
الثاني يحاول أن يمحو صورة العنف في نفس المتهم يحاوره ويناوله شيئاً سقط منه، ولا يتركه إلا بابتسامة تضيء وجهه.
المكان: مجلس مزدحم بعشرات الضيوف: انتهى الحدث في السوق، يبدأ
التعليق عليه في مجلس واسع (مزدحم بعشرات الضيوف) .. يجمع الحاضرون على
فظاظة بعض رجال الهيئة، ويصفونهم بنعوت قاسية (.... .) أو (وحوش) ،
ويتفنن الحاضرون في السرد والقص وإلقاء التهم جزافاً. صوت واحد في المجلس
إن الكرام قليل يقطع على الحاضرين حديثهم مفاجئاً إياهم بالرواية الصحيحة عما
حدث. وهكذا يفاجأ الحاضرون بمن يقلب سحرهم عليهم، ويرد سهمهم إليهم فيكون
هذا السؤال: ما هي القصة إذن؟ إنه سؤال يعيد الحدث إلى درجة الصفر.
الصراع في النص: الصراع بين عضو الهيئة وزميله حول مدى اتهام الرجل، وما إمكان براءته. عضو الهيئة الأول يقول عن الرجل المريب: (حليق،
والثوب طويل ... والدخان، والنظارة الشمسية) .
العضو الثاني: (هذه ليست أدلة إدانة) .. (الحكم الأول) .
الصراع بين الجمهور والمشاهدين: بعضهم وقد رأى الصراع والاشتباك
بالكلام والأيدي بين عضو الهيئة والمتهم يقول: حرام عليكم اتركوا الناس وشأنهم.
البعض الآخر: (جزاكم الله خير، يا جماعة نظفوا البلد من ها العينات) .
مسافة واسعة بين الدعوة إلى حرية العبث ووصف التعرض لهؤلاء العابثين
(بحرام) ، والدعوة إلى تطهير البلد من هؤلاء (الحكم الثاني) .
الصراع في منزل (مجلس مزدحم) : حيث يرمي الحاضرون وهم (عشرات)
يرمون الهيئة عن قوس واحدة، وذلك بنسج (إسرائيليات) عن تجاوز رجال الهيئة،
وإخراج قصة من لا شيء، ثم تنويع السرد في القصة الملفقة: (قبل أسبوعين في
أسواق.... .) وأمام الناس كلهم هجم اثنان من رجال الهيئات) (إن أولئك الوحوش
طلبوا من الشاب أن يثبت أن المرأة التي بصحبته هي زوجته) (كان مشهداً لا ينسى
حينما وضع أحدهم قدمه على وجه الشاب وقال له: أين لحيتك يا فاسق، أو يا
كافر على ما أظن! !) . تقابل هذه النصوص والشهادات المعنعنة بشهادة من شهد
الوقيعة، فيرد الأمر إلى نصابه ولعل المتحدث الأخير (هو الذي يمثل الكاتب) ،
وهو ليس بعيداً أن يكون الرجل المتهم الذي يظهر في أول النص، فهو يقول
للحاضرين الذين لا يهضمون طعامهم إلا بهاضوم من الباطل: (أنا الذي كنت في
السوق، وأنا الذي حدث لي ذلك الموقف مع رجال الهيئة.. سوء فهم حدث وتمت
تسوية القصة بطريقة ودية) .
٢ -القضية التي تموضع النص حولها:
يطرح النص الهيئة موضوعاً لمناقشته قصصياً، الهيئة دوراً لا خلاف عليها
نفى الخلاف ظاهراً على الأقل ولكن الخلاف على أداء هذا الدور.
فعضو الهيئة الأول أشعل معركة أكبر من طاقة القضية، ولقد استعمل «
مطرقة» لكسر «جوزة» ، أما الثاني فقد التزم الحوار وسار بالشوط إلى آخر
المشوار، فهو قد طيب خاطر المتهم، ليقلب الطاولة في وجوه عصبة الإفك في
نهاية القصة عندما جعل من خصم الهيئة رجلاً يدفع عنها حجج الحشرات التي
اعتادت أن تمضغ أعراض الطيبين، وإعمال مبضع النقد في ممارسات أهل
الحسبة ظلماً وباطلاً. لقد أدان النص تسرع عضو الهيئة الأول وتشنجه وأظهر
التعقل حلاً مطلوباً وطريقاً آمنة للوصول إلى أفضل النتائج، ممثلاً بعضو الهيئة
الثاني.
كما يطرح النص موقف خصوم الهيئة، فهي لا تتحرك في فراغ إنها تصطدم
بشهوات جامحة، وشخصيات لا تتورع عن إنتاج الكذب وترويجه ومواجهة هؤلاء
كما أشار النص أجدى ما تكون من داخل صفوفهم فصاحب العلاقة تكلم فسكت
الجميع، هل يمكن أن نقول إن نوعاً من التناص (تداخل النصوص) قد حصل بين
هذا النص وشخصية امرأة العزيز في سورة يوسف ﵇ عندما قالت (أنا
راودته عن نفسه) والرجل هنا أيضاً يقول بملء فيه: (أنا الذي حدث لي ذلك
الموقف مع رجال الهيئة، سوء فهم حدث، وتمت تسوية الأمر بطريقة ودية) .
ينتهي النص بالسؤال: ما هي القصة إذن؟
لم يجب الكاتب، لأن قوة النص ليست فيما يقوله فقط، بل وفيما لم يقله
أيضاً. هل يحق للمرء أن يسأل هل الهيئة هنا رمز للدعوة الإسلامية؟ وهل إن
السوق والمجلس المزدحمين رمز للمجتمع؟ وهل يتعين على الإسلاميين أن يعتبروا
أو يصلحوا بعض أدواتهم (عضو) الهيئة الأول؟ وهل اقتنعوا بأن الحوار وإن طال
أسلم عاقبة وأرخص تكاليف من منازلة (دينكوشوتيه) تؤذي الدعوة، وتحرج الدولة؟ وهل تكون أساليب الدعوة جامدة في عالم متغير؟
أعتقد جازماً أن الحل في الإسلام فقط، ولكن المشكلة في المسلمين كأدوات
لهذا الحل ما مقدرتهم على تحقيقه؟ لا بأس أن تعيد قراءة القصة. وشكراً.
стр. 1714
المسلمون والعالم
أقدم التجارب العلمانية تترنح !
قراءة في الانتخابات البلدية التركية الأخيرة
د. عبد الله عمر سلطان
بعد أيام من ظهور نتائج الانتخابات البلدية في تركيا، التي انتهت بتقدم
ملموس لحزب الرفاه ذي التوجه الإسلامي، زار وزير خارجية الكيان الصهيوني «
شمعون بيريز» تركيا والتقى برئيسة الوزراء «تشيلر» ، وأجرى مباحثات
تركزت على إحياء محور التعاون بين الدولتين في مجالات متعددة وصفتها المحللة
الأمريكية «كاثي دافيس» بأنها ستغير من ملامح المنطقة إذا وجدت طريقها إلى
التنفيذ، حيث إنها ترمي فعلاً إلى قيام كيان شرق أوسطي فاعل، يرتكز على
التكامل بين الدولة اليهودية وأقدم حكومة علمانية في المنطقة، وبخاصة أن الزيارة
جاءت بعد اهتزاز الثقة في قدرة النظام العلماني في أنقرة على الاستمرار كنموذج
أمثل لبقية الكيانات العلمانية التي تتفاوض مع «إسرائيل» .
لقد قررت الصهيونية ممثلة في رمزها الفكري/السياسي «شمعون بيريز»
القيام بخطوة أكثر جسارة، حينما سارع إلى زيارة أنقرة عارضاً عليها ملامح
مشروعه «الشرق أوسطي» ، الذي طرحه بالتفصيل في كتابه الأخير، وركز
خلال هذا الطرح على أهمية وجود ركائز مشتركة بين «إسرائيل» قطب الرحى
في المعادلة، والنظم والكيانات السياسية المرتبطة والمندمجة معها «حضارياً» ،
وهذا الشرط الحضاري يقتضي وجود حد أدنى من التبعية للغرب والولاء لنظامه
السياسي العلماني، هذا النظام الذي تُعتبر تركيا أبرز وأقدم وأقسى أمثلته الراهنة.
خطان متقابلان:
إن خط الصهيونية مع تركيا قديم، ويمتد إلى ما قبل وجود كيان الصهاينة في
فلسطين، ففي الذهن الصهيوني هناك مثالان متقابلان لتركيا، أحدهما مثله السلطان
عبد الحميد الذي رفض «التطبيع» مع مشروع هرتزل الصهيوني الذي كان يمثل
مخرجاً «واقعياً» لمحنة السلطان والدولة المريضة في حالة موافقته على مشروع
الاغتصاب لأرض فلسطين ... ، وتلك تجربة لا ينساها الصهاينة أبداً لرمز الخلافة
الإسلامية التي شمخت رغم ضعفها، ورفعت جبينها والمهالك تسن أنيابها وأظافرها
لتقتلعها وتزيلها من الوجود ... ، أما الصورة الأخرى لتركيا فهي التي يسارع «
بيريز» وأي صهيوني آخر لمد الجسور معها والتحالف والتعاون مع القائمين عليها، وتلك هي تركيا العلمانية الأتاتوركية التي كانت دوماً بمثابة النافذة التي يتسلل منها
المشروع الصهيوني إلى المنطقة، ومنذ وقت طويل ... ، لذا فإن زيارة «بيريز»
وكلامه أمام الأقلية اليهودية التركية عن تعاون عسكري وأمني واستراتيجي مع
تركيا العلمانية «البعيدة عن التعصب» يؤخذ في إطار المحور الذي شهد تحسناً
كبيراً في الآونة الأخيرة حيث تعد النخب العلمانية التركية جماهيرها لمرحلة «
شرق أوسطية» يكون لليهود والأتراك العلمانيين قصب السبق والريادة فيها،
خصوصاً في ظل خصوصية العلاقة مع الغرب وأمريكا بالذات.
وفي كلام معلق الإذاعة الإسرائيلية تلخيص لخصوصية العلاقة بين العلمانية
الطورانية والصهيونية البشعة، حيث يقول: ظلت تركيا الرئة الوحيدة التي نتنفس
من خلالها في المنطقة، وظل النظام الحاكم في أنقرة صديقاً وحيداً لإسرائيل منذ
البداية انطلاقاً من علمانيته الصادقة، وتحالفه الجدي مع المشروع الإسرائيلي
التقدمي، لذا فإسرائيل تشعر بالقلق حتماً من تنامي التيار الأصولي في هذا المركز
الاستراتيجي المهم، وهي مستعدة للدخول في شراكة حقيقية للحفاظ على مكتسبات
سبعة عقود من التجربة الأتاتوركية.
الأواني المستطرقة:
فوز حزب الرفاه بنسبة ٦. ١٨ % من الأصوات والحصول على المناصب
البلدية في ست مدن كبرى و ٢٢ بلدية في مراكز الولايات و ٩٢ بلدية من بلديات
الأقضية و ٢٠٣ بلدية من بلديات البلدات، مؤشر على تنامي العاطفة الإسلامية
لدى الشعب التركي، وصعود التيار الإسلامي ممثلاً في هذا الحزب في بلد مورست
فيه العلمانية بقوة الحديد والنار ولأطول فترة في عالمنا الإسلامي، فتجربة تركيا
العلمانية هي الأقوى، وهي الأكثر خبثاً وتلوناً وثقلاً فهي تجربة بدأت عام ١٩٢٣ م
على يد الهالك «كمال أتاتورك» الذي أتى بمشروع تغريبي إلحادي متكامل يبدأ
باللغة وينتهي بلباس الرأس مروراً بالقوانين والأنظمة والتهميش القسري لهوية
تركيا المسلمة.
لقد تدخلت الآلة العسكرية الثقيلة ثلاث مرات على مدى سبعة عقود كلما
شعرت أن «مبادىء أتاتورك» ومشروع العلمنة التركي في خطر: حدث هذا عام
١٩٦٠ م حينما أعدم العسكر الهمج «عدنان مندريس» الذي كانت جريمته عودة
الأذان باللغة العربية بعد أن حُرم المسلمون من صوت «الله أكبر» لأربعين عاماً
ثم ما لبثوا أن خرجوا من ثكناتهم مرة أخرى عام ١٩٧١ م بعد أن تعرض حزب
الشعب الذي أسسه «أتاتورك» لنكسة انتخابية، أما في انقلاب «كنعان أفرين»
الأخير عام ١٩٨٠ م، فالسبب كان أكثر إلحاحاً، بعد أن جاءت تحركات شعبية
بالهوية الإسلامية وأعادتها إلى الواجهة والمناقشة، وهو أمر يرفضه العسكر
الأتراك الذين يشكلون العصا الغليظة لحزب الناتو «الأطلسي» ، الذي يصر على
تخلي تركيا عن إسلامها مقابل أن يقوم الجيش التركي «بالواجب» الملقى على
عاتقه، وهو حماية البوابة الشرقية والجنوبية لدول أوروبا النصرانية.
الغرب وتركيا العلمانية:
إن دول أوروبا إضافة إلى الولايات المتحدة، ينظرون إلى تركيا العلمانية
نظرة صغار واحتقار، فبالرغم من الطرق المستمر لباب السوق الأوربية المشتركة
ظل الباب مغلقاً أمام تركيا، التي تريد أن تكافأ على خدماتها وانضباطها العلماني
وسلخها لهويتها الإسلامية، كما ظل الغرب ينظر إلى الجمهورية الأتاتوركية على
أنها نموذج «جيد» يستحق الاستنساخ في بقية المناطق العربية والإسلامية، فهذه
الملايين السبعين تعيش منذ تفجير المشروع العلماني دون هوية أو هدف أو رسالة،
بعد أن كانت هذه الأمة قبل قرنين تهدد قلب أوروبا وهي تحمل شيئاً من روح العزة
الإسلامية، وهذا العملاق الأناضولي قد تم استئناسه بطريقة عبقرية جعلته مسخاً لا
هو بالمسلم الشرقي المعتز بأصوله، ولا هو بالعلماني الأوروبي المفتخر بانتسابه
إلى نادي أوروبا النصراني والمسمى بالسوق الأوربية المشتركة. وما أقسى أن
يعيش الإنسان دون هوية، وما أفظع أن تكون الأمة بلا نسب أو حدود ... ، ولابد
هنا أن تمر الأمة بمرحلة البحث عن الذات والعودة إلى الأصول، وهذه مرحلة
انتقالية تمر بها أي أمة وهي تبحث عن هويتها، وخلال عملية البحث تبرز
المفارقات وتفرض المسلمات نفسها لاسيما بعد أن تأخذ التجربة أي تجربة مداها
وزمنها والمساحة التي لابد بعدها من التوقف للتفكير، وإعادة طرح الأسئلة البدهية
التي غيبت عن هذه الشعوب بقوة الحديد والنار، أو بوعود الرفاه الاقتصادي
والتقدم الاجتماعي الذي كان أشبه ما يكون بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً.
صحيفة «الوول ستريت جرنال» الأمريكية كتبت عن أزمة الهوية هذه بعد بروز
نتائج الانتخابات التركية قائلة: «يمكن القول بكلمات قليلة إن تركيا تمر الآن في
مرحلة انتقالية غير أن هذا الانتقال يحدث وسط فراغ أيديولوجي يتعين على البلاد
من خلاله أن تحدد هويتها في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة.
والواقع أن هذا الفراغ، الذي زادت من حدته الأزمة الاقتصادية العميقة
والحرب الشاقة ضد الأكراد، هو الذي دفع الأتراك نحو الإسلام لتحديد الاتجاه.
ومن الواضح أن أزمة الهوية هذه كانت تتفاعل منذ وقت طويل، ذلك أن
أيديولوجية تركيا المشتقة من تصميم» أتاتورك «على تحويل خرائب
الامبراطورية العثمانية إلى بلد عصري على النمط الغربي، غير قادرة في حقيقة
الأمر على توفير الإجابات لعدد كبير من الأسئلة التي تواجه الأتراك اليوم.
إذ بعكس الماركسية والديمقراطية الليبرالية، لا تملك» الكمالية «
الأيديولوجية الشاملة التي تفسر المجتمع والتاريخ، وهي ليست نظاماً أخلاقياً
اجتماعياً في شكل ديانة تقليدية، كما أن ظهورها وهيمنتها خلال القرن الماضي
حرم المجتمع التركي من الجذور الأخلاقية والاجتماعية التي يوفرها الإسلام وتجعل
الناس يشعرون بالأمان.
لقد كان إنجاز» الكمالية «الرئيس هو تثبيت وتعزيز القومية التركية، لكن
ما إن ضربت القومية التركية جذورها في المجتمع حتى فقدت سبب وجودها، هذا
ما قاله الكاتب» ديليب هيرو «في كتابه الأخير الذي تناول فيه تركيا وآسيا
الوسطى.
ومما لا شك فيه أن الإسلام يوفر الحل بالنسبة للكثيرين من الأتراك، ففي كل
سنة يتدفق مئات الآلاف من المهاجرين المتدينين غير المثقفين من منطقة الأناضول
إلى الضواحي الفقيرة في أنقرة واسطنبول، ولعدم استعداد هؤلاء لفهم متع الحياة
في اسطنبول، ولذهولهم من الفساد المستشري في كل مكان، يتحول معظم هؤلاء
المهاجرين إلى حزب الرفاه، بأمل أن يقيهم من السقوط الأخلاقي» .
إن ما شهدته تركيا تشهده بقية بقاع العالم الإسلامي، فهذا البعث الإسلامي
أصبح هو الرقم الصعب والعامل المشترك لأي أمل قائم للخروج من نفق الواقع
الملبد بالإحباط والتدهور، إن انتخابات تركيا أكدت أن الصحوة الإسلامية تعيش
حالة تشبه الظاهرة الفيزيائية المعروفة بظاهرة الأواني المستطرقة، فأنت حينما
تضع مجموعة من الأواني المختلفة الحجم والشكل وتربط بينها بقاعدة مفتوحة
ومشتركة، تجد أن الماء المصبوب في آنية منها ينعكس تلقائياً على مستوى المياه
في الأواني الأخرى، وهكذا فالحالة الإسلامية اليوم تشبه مجموعة الأواني
المستطرقة التي تستفيد من كل قطرة ماء تسكب في قالب مع اختلاف نوعي بين
القوالب، نصر المسلمين في تركيا ينعكس على الحالة المعنوية لدعاة الإسلام في
أندونيسيا، وارتفاع راية الإسلام في أقصى طاجيكستان تحس بإيجابيته شوارع
سارييفو، والخلاصة أن عودة المسلمين إلى جذورهم في بلد الخلافة الإسلامية
يعطي أملاً للعاملين من أجل الإسلام. إن أعتى وأبشع النماذج العلمانية بدأ يتحول
إلى خندق الدفاع، بعد أن ظل يطارد أهل الإيمان من مواقع الهجوم ملوحاً بالرخاء
والتقدم والاندماج مع الغرب المنتصر والمحارب لهذه الأمة، لاسيما بعد غروب
شمس دولة الخلافة.
التحدي لا يزال ضخماً:
بالرغم من النتائج المفرحة لأداء حزب الرفاه التركي في الانتخابات، فإن
بصمات العلمانية المنفرة لاتزال ملموسة على كافة الأصعدة، في الوقت الذي يظل
اليسار الملحد واليمين الأمريكي يحظى بثقل وتأثير على الساحة السياسية
والاجتماعية في تركيا، وأمام هذا التحدي تبرز نقاط لابد من التوقف أمامها:
* أمام حزب الرفاه تحد عقدي يتمثل في قرون طويلة من التصوف والخرافة
التي تسللت إلى الحياة التعبدية لقواعد واسعة من الحزب، كما يشكو الحزب من
جانب آخر من ضعف في الجانب الفكري والتجديد في طروحاته العقدية، وما
يتفرع عنها من مواقف سياسية واقتصادية واجتماعية، وفي الوقت الذي يعتبر فيه
الحزب صاحب صوت ضخم حالياً، فإن هذا الصوت بحاجة إلى حنجرة قوية وفكر
متجدد ودورة دموية نشطة تساعده على تكوين قاعدة صلبة تجمع الرموز الإسلامية
في تركيا على منهجية واضحة، ولابأس أن يبدأ الحزب بالاهتمام بهذا الجانب من
الآن، خصوصاً أن في تجربته بعداً عن الحزبية الضيقة التي جعلته متعاطفاً مع
قطاع عريض من الحركات الإسلامية.
إن التحدي القائم أمام الإسلاميين في تركيا أكبر من حجم المنافسة السياسية،
إنه تحد حضاري شامل، وما لم يكن الشمول المتسلح بمنهجية سليمة حاضراً، فإن
دور الحزب سيظل جزئياً، كما أن تكوينه العقدي والمنهجي سيظلان نقطتي ضعف
واضحتين.
* أمام الرفاه تربص من قبل أحزاب الإلحاد والعلمانية والقومية المتطرفة كما
أن العلمانية التركية تتمثل في شخصيات ورموز ومؤسسات تعيش على الإرهاب
العلماني القائم، هذه الأحزاب والشخصيات ستركز على البلديات التي يحكمها
الإسلاميون، وستتجنى في الحكم عليها، وستضخم أخطاءها وستحاربها بالشائعات
والقصص المختلفة، وهذا ما يحتم على الحزب اليقظة والحذر وممارسة أساليب
النقد الذاتي، فالعلمانية التركية تظل أقدم تجارب العلمنة تاريخاً وجذوراً إذا ما
قورنت بالتجارب العلمانية الأخرى في عالمنا الإسلامي.
* أما أكبر الدروس التي نخرج بها، فهي قوة هذا الدين الذاتية التي صمدت
وتصمد أمام أعتى الحروب وأقسى المواقف والظروف، ويوماً بعد يوم يصلب عود
هذه الأمة وتعود إلى نبعها الصافي، وحين نقارن بضعف الجهود وكثرة الأخطاء
وقلة ذات اليد، فإننا لابد أن نخرج بمُسَلّمَة تصرخ وتقول: إن هذا الأمر هو أمر
الله، وإن ضعف الداعي، وحورب المبلغ، وتكالب العدو.
* هناك المؤسسة العسكرية التي صرح مسؤول المخابرات فيها بُعيد ظهور
النتائج: أنها ستتدخل في أي ظرف تشعر أن مبادىء «أتاتورك» مهددة أو أن
العلمنة تتعرض للخطر، هذا التصريح أمامنا تتناقله وسائل الإعلام، وبين أيدينا
تاريخ العسكر الطورانيين يؤكد انحياز العلمنة إلى التسلط وفرض خياراتها بالقوة أو
الديموقراطية التي توافق مكاييلهم.
* الصحافة التركية وكر من أوكار الملاحدة والعلمانيين، مارست وتمارس
التحرش بالإسلام وأهله، كما أن قنوات الإفساد التي تنتشر في تركيا وبتشجيع من
أهل الفساد والإضلال ستزيد من نشاطاتها، مما يحتم بروز قنوات إعلامية ملتزمة
بالدفاع عن المشروع والهوية الإسلامية في تركيا.
* النزاع العرقي كشف أن الأكراد وغيرهم من الأقليات المسلمة المضهدة قد
أعطت صوتها لحزب الرفاه، لأنه دعا إلى رفع الاضطهاد الطوراني عنها ووعدها
بعدل الإسلام وسماحته، والمطلوب الأن أكبر من شعار حيث إن انتشار الدعوة بين
هذه الأقليات وتعريفها بكينونتها الإسلامية وهويتها، أمر مطلوب بل بالغ الأهمية
في هذه المرحلة.
* الغرب الخائف المذعور من كل نصر للإسلام سيمارس حرباً ضروساً ضد
الإسلام وأهله، سواء أكان عن طريق مباشر أو بواسطة حلفائه وفي مقدمتهم اليهود، وهذا يقتضي الكياسة والبعد عن الاستعراض الخطابي والعمل بجد وإخلاص على
أرض الواقع بشمولية، وعدم قصر النشاط الإسلامي على الجانب السياسي الذي هو
أكثر النشاطات إثارة وغيظاً للقوى الدولية، وأمامي الآن مثال لهذه الحرب السافرة، يتمثل في مقال لمجلة «الإيكونمست» البريطانية التي تبث الذعر في قلوب
الغربيين من حكم حزب الرفاه الذي سيحظر أهم إنجازات «أتاتورك» في
إسطانبول وهي: الخمارات ودور الدعارة، وتتهكم بوعد رئيس البلدية الجديد الذي
وعد بالقضاء على الدعارة والفساد وتحويل نشاط المدينة كمركز للمؤتمرات الدولية، ولم تجد المجلة تعليقاً سوى: كيف سيحضر النساء المؤتمرات وهن بالعباءة؟ !
* ويبقى الاقتصاد المنهار تحدياً آخر يمثل نتائج التخبط الذي مارسته
الحكومات العلمانية المتعاقبة، وهو يحتاج إلى إصلاح جذري وانفتاح على العالم
الإسلامي الذي هو الامتداد الطبيعي لتركيا.
إن تنوع هذه التحديات وضخامتها يجعلنا ندعو لإخواننا المسلمين في تركيا
بالنصر والتمكين والمبادرة إلى استخلاص الدروس والعبر من تجارب إسلامية
مشابهة، على أن تكون ذخيرة في معركة الصراع بين الإلحاد والإيمان ما بين الكفر
والإسلام، ما بين العلمنة والحل الإسلامي ... وهي معركة ضخمة نؤمن أنها طويلة
وقديمة قدم الحق والباطل، والعاقبة للمتقين والبشائر هي علامات الترنح التي
نشاهدها تعتري أقدم تجربة علمانية ...
стр. 1715
المسلمون والعالم
أحفاد صلاح الدين
بين مؤامرة الأعداء وخذلان الأصدقاء
أحمد العويمر
لم يتعرض شعب من شعوب الدنيا للظلم والمحن وهضم حقوقه بعد الشعب
الفلسطيني مثل الشعب الكردي المسلم، وملف هذه القضية، بل المأساة الكبرى لهذا
الشعب كما يراه خبراء الاستراتيجية الغربيون مطروح وبقوة على طاولة القضايا
الكبرى في المنطقة، وإن هذا الملف مرشح للعديد من التطورات والتفاعلات خلال
السنوات القادمة لأكثر من سبب، مما يمكن إجماله فيما يلي:
* ازدياد الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان ومشاكل الأقليات في العالم.
* مطالبة الأكراد بحل تاريخي على غرار «حل الصراع العربي
الإسرائيلي» و «الصراع بين البيض والسود» في جنوب افربقيا.
* تنامي وعي الأكراد وتحولهم إلى قوى سياسية في كل تركيا والعراق
وإيران.
* شعور الغرب بوجود فراغ استراتيجي في المنطقة يمكن أن يخترق من قبل
ما يسمونة بالأصولية الإسلامية.
* محاولة الغرب استغلال هذه الورقة وتأسيس المناطق الآمنة للأكراد شمال
العراق، هو الخطوة الأولى لتوتير الصراع الدائم في المنطقة [١] وسيكون هذا
المقال فرصة لإعطاء فكرة موجزة عن هذا الشعب المسلم تاريخاً وواقعاً وعن
معاناته وأسبابها والمؤامرة ضده والحل لمشكلته على النحو التالي:
لمحة جغرافية وتاريخية:
بلاد الأكراد أو «كردستان» منطقة واسعة تبلغ مساحتها (٠٠٠ر٥٠٠) كم٢
يعيش فيها ما بين (٢٥ - ٣٠) مليون كردي مسلم، وهم أكبر شعب في العالم ممن
لا يملك السيادة على أرضه، ولا إدارة بلاده بنفسه، إذ أنهم موزعون على خمس
دول هي: تركيا حيث يعيش فيها حوالي (٨٠٠ر٠٠٠ر١٠) نسمة وفي العراق
(٤٠٠ر٠٠٠ر١٠) نسمة، وفي سوريا (مليون) ، وفي إيران (٥٠٠ر٠٠٠ر٥)
نسمة، والأكراد شعب عريق دخل الإسلام بعد فتح بلاده على يد الصحابي الجليل
«عياض بن غُنْم» سنة (١٨ هـ) ، وكان «القعقاع بن عمرو» قد فتح قلعة حلوان
جنوبي بلادهم سنة (١٦ هـ) ، فدخلوا في دين الله أفواجاً وحسن إسلامهم وبقوا
موالين للدولة الإسلامية حتى بعد سقوطها في حمأة النعرات القومية من عربية
وطورانية، وشارك الأكراد في كثير من الأحداث التاريخية الإسلامية، ومن
أبرزها نصرتهم للعباسيين في قيام دولتهم وإعادة الخلافة العباسية إلى مصر على يد
القائد المظفر «صلاح الدين الأيوبي» ثم كانت لهم حكوماتهم المستقلة في ظل
الخلافتين العباسية والعثمانية، ومن أهمها الحكومة الروادية في تبريز: ٢٦٠-
٦١٨ هـ، والحكومة الشدادية بآران: ٣٤٠-٤٦٥ هـ، الحكومة الدوستكية في
ديار بكر، والحكومة الأيوبية في مصر والشام وغيرها، ونبغ من الأكراد علماء
مشهورون، أثروا الفكر الإسلامي أمثال (ابن خلكان، وأبناء الأثير الثلاثة، وابن
الحاجب، وابن الصلاح، والحافظ العراقي) ، ومن أبرز دعاتهم وعلمائهم
المعاصرين (أمجد الزهاوي ود/ علي محيي الدين القره داغي، ود/ مصطفى مسلم، والشيخ علي عبد العزيز، ود/ حمدي السلفي وغيرهم) .
مأساة الأكراد البداية والمقاومة:
نشأت هذه القضية وفقاً لاتفاقية «سايكس بيكو» عام ١٩١٩ م، حيث
وزعت مناطقهم على خمس دول كما سبق الإشارة، وذلك حينما عرف المستعمرون
إصرار هذا الشعب المسلم على رفض التجاوب معهم، والسير في ركابهم، مما
أدى إلى معاناتهم ممن حكمهم بالتمييز العنصري وتعرضهم للمجازر الوحشية
وحملات الإبادة المنظمة كلما بدرت منهم بادرة مقاومة فأصبحت مناطقهم مرتعاً
للجهل والتخلف ومسرحاً لتطبيق الأحكام العرفية فحدثت عدة انتفاضات في أجزاء
عديدة من كردستان، ففي تركيا قامت ثورة الشيخ «سعيد بيران» عام ١٩٢٥ م،
وأخرى قادها الجنرال «إحسان نوري باشا» ١٩٢٧-١٩٣٠ م وثالثة في إقليم «
دسيم» عام ١٩٣٧ م، عدا الانتفاضات التي مازالت قائمة حتى الآن التي يغلب
عليها النزعات القومية البحتة، وفي إيران حينما قامت دولتهم (مهاباد) عام ١٩٤٦ م نسّق الشاه مع السوفيات آنذاك وبعد وقف دعمها سقطت الدولة عام ١٩٤٧ م.
وفي العراق لم تهدأ ثورتهم بدءاً بثورة الشيخ «محمود الحفيد» ١٩٢٠-
١٩٣٠ م، مروراً بالثورات البرزانية الثلاث [٢] ، التي كان آخرها عام ١٩٦١-
١٩٧٥ م حيث انطفأت بعد اتفاقية الجزائر بين شاه إيران البهلوي وشاه العراق
صدام، لكن الثورة استمرت ولم يوقفها إلا الغازات السامة التي راح ضحيتها ألوف
من النساء والشيوخ والأطفال، ومازال الأكراد يتعرضون لبطش طاغوت العراق
حتى الآن.
لهذا تآمر الغرب عليهم!
يؤكد علماء الأكراد ومفكروهم المعاصرون أن شعبهم تعرض لمؤامرة دولية
قام بها المستعمر الغربي بتوزيعهم في مناطق متناثرة، وهذا التقسيم من أهم مظاهر
مأساتهم، يقول الشيخ «القره داغي» [٣] إن ذلك التقسيم لم يأت اعتباطاً، بل هو
مقصود وبخطة استعمارية مرسومة تهدف إلى ما يلي:
* الثأر من أحفاد صلاح الدين الذين هزموا الغزاة لصليبين في معركة حطين.
* إن الصليبيين لم ينسوا صلاح الدين حينما قام قائدهم وركل قبره برجله
قائلاً: «ها نحن عدنا يا صلاح الدين» .
* تمزيق هذا الشعب وإعطاء كل جزء منه لدولة، لجعل المنطقة بؤرة
صراع دائم، وهذا ما حدث بالفعل.
وتعرض الأكراد لحروب طاحنة وإفناء بمختلف الأسلحة المحرمة دولياً ولعل
أشهرها مذبحة «حلبجة» ، ومما يؤسف له أن كثيراً من الدول العربية ساعدت في
إبادة هذا الشعب بتعتيمها إعلامياً على هذا الظلم والطغيان ثم حصل اهتمام مفاجيء
بعد حرب الخليج الثانية بالقضية الكردية حيث فتح الباب على مصراعيه أمام عدد
من الباحثين والدارسين والإعلاميين، فنقلت معاناة هذا الشعب ونشرت في وسائل
الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وصدر الكثير من الكتب والمجلات عن
الشعب الكردي لبيان تاريخه ودوره الإسلامي ومعاناته من ظلم الظالمين، وإبراز
ذلك بعد أن كان معتماً عليه، ولكن كما قيل «بعد خراب البصرة» [*] .
المأساة مستمرة:
تضمنت اتفاقية الجزائر آنفة الذكرضمان العراق لأمن الأكراد واستقلالهم إلا
أنهم تعرضوا للبطش، وزادت معاناتهم بعد حرب الخليج الثانية، ومازالوا يعيشون
في ضيق وحرمان، وقد ضيق الخناق عليهم سياسياً واجتماعياً وهُجّرُوا من مناطقهم، وكان ذلك مقدمة لحصارهم وتصفيتهم جسدياً، كل ذلك لم يحرك ساكناً لدى ما
يسمى بالضمير العالمي والأمم المتحدة ومنظماتها، وتشرد الشعب الكردي عن دياره، ولجأ إلى تركيا وإيران حيث الجوع والبرد والضياع.
لماذا فشلت انتفاضتهم الأخيرة؟
حينما ثار الأكراد على حكم طاغوت العراق مؤخراً بعد تنفس الصعداء
وتشجيع الغرب لهم، فشلوا في استثمار انتفاضتهم لأسباب منها:
* لم يعرف مقاتلوهم استعمال الأسلحة الثقيلة التي استولوا عليها من جيش
العراق، واستمروا في استخدام أسلحتهم الخفيفة.
* النقص في وقود الدبابات وتموين المقاتلين.
* مواطن العجز في القيادة والتحكم والاتصالات بين القادة، وما وجد من
وسائل لم يكن فعالاً.
* فشلهم في حرب المدن حيث لم يتعودوا إلا على حرب العصابات.
* تردد الغرب في مساعدتهم حتى لا تقوم لهم دولة، ربما يكون لها أبعاد
أخرى غير مرغوب فيها [٤] .
* التحرك من خلال رؤية قومية.
ومما يؤسف له أن هذه الألوف من المهاجرين كانت مكاناً مهيأ للغزو
النصراني بكافة جمعياته ومنظماته [**] ، أما المسلمون فلم يكن لهم أي دور يذكر سوى
جهود بعض الجمعيات الخيرية والشعبية، وحينما زار الأمين العام لمنظمة حقوق
الإنسان «إسلام أباد» في باكستان قال في تقريره عنهم بأنه قام بجولة في مخيم «
ديار بكر» التركي، ووجد الخدمات المقدمة للمهاجرين محدودة ولا تكفي حاجاتهم
الضرورية، وبخاصة أثناء فصل الشتاء ونزول الثلوج فالمهاجرون أعطوا خيمة
واحدة لكل أسرة مهما كان عددها، وبعض الفرش التي لا تؤدي الغرض مع تقديم
القليل من الخبز والعلاج، وقد تحدث المهاجرون للمندوب عن مأساتهم، وكيف
ضربوا بالغازات السامة بواسطة الطائرات، مما اضطرهم للهرب من الموت
المحقق، تاركين موتاهم وجرحاهم وممتلكاتهم وأراضيهم.
ثم قدمت منظمة حقوق الإنسان مشروعاً عاجلاً للإغاثة بعدما وعدت الحكومة
التركية بتقديم التسهيلات لإيصال المساعدات للمنكوين، ولكن المأساة مازالت
مستمرة وواقعهم مايزال بائساً، ومازالوا تحت الحماية الدولية من الناحية الأمنية مع
اختراقها أحياناً من قبل حاكم العراق، لكن معاناتهم الاقتصادية والاجتماعية كبيرة،
وحتى تؤدي المعونات دورها لابد أن تعاش مأساتهم المروعة التي نقلت بعضها
وكالات الأنباء مع التجاهل للكثير منها لاسيما بعد تحركات الحكومة التركية
واضطهادها للأكراد فيها والضغط عليهم وتجريدهم من حقوقهم الإنسانية، وبخاصة
بعد الصراع بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردي، الذي تسبب في إيجاد
المزيد من المعاناة لهذا الشعب المغلوب على أمره [٥] .
لماذا تسيد العلمانيون الأكراد؟
الملاحظ أن العلمانيين الأكراد هم أولوا قوة وسلطة وبروز، وذلك لأن الأكراد
منذ بداية هذا القرن ابتلوا بما ابتلي به كثير من الشعوب العربية والإسلامية من
الجهل بالإسلام الصحيح، والغزو الثقافي فكثرت فيهم الاتجاهات المنحرفة وعلى
رأسها الأحزاب العلمانية والقوميات والتوجهات الصوفية، التي عزلت الدين عن
الحياة، وعاشت طقوسها بعيداً عن واقع شعبها وضرورة النهوض به.
وأسباب التوجهات العلمانية يمكن أن ترجع إلى ما يلي:
* أن الدول التي عاشوا فيها قامت على نزعات قومية كما في العراق وتركيا
مثلاً، مما دفعهم إلى الدعوة إلى القومية الكردية، مع ملاحظة أن الأكراد من أواخر
الشعوب المسلمة التي أخذت بهذه النعرة، إذ بقيت انتفاضاتهم حتى العشرينيات وهم
ينادون بالإسلام كما في ثورة الشيخ «محمود الحفيد» .
* قيام الدول والأنظمة الحاكمة بإيقاع أشد أنواع الظلم لهم وهضم حقوقهم مما
جعلهم في حالة ثورة وغضب دائمين، فجاء القوميون ورفعوا شعاراتهم البراقة
بدعوى الإنقاذ مع دعايات كاذبة ضد الإسلام، من هنا جاءت شعبية أولئك
العلمانيين من قبَل الأكراد، مع جهلهم بحقيقة هؤلاء وانحرافاتهم الفكرية.
* الدعم الضخم الذي حصلت عليه تلك الأحزاب القومية من الشرق والغرب، بينما لم يحصل الإسلاميون على شيء وجهودهم المحدودة تقوم على مواردهم
الذاتية الضعيفة.
* وسائل الإعلام الغربية والشرقية أبرزت العلمانيين، وضخمت صورتهم
واعتنت بهم ودعمتهم.
* إن الحركات الإسلامية لم تولي عنايتها بكردستان، ولم تقم بواجبها نحوها
في البلاد العربية وتركيا، ولذلك تأخر قيام كيان خاص بالجماعة الإسلامية
هناك [٦] .
* محاولة إيجاد فرقة وصراع بين الأكراد والعرب عن طريق إحياء القوميات.
الحركة الإسلامية الكردية:
انتبه العلماء والمفكرون الأكراد إلى واقع شعبهم واستغلال العلمانيين لمعاناته، فقامت جهود دعوية مشكورة منها الجماعة الإسلامية الكردية «بارتيا إسلاميا
كردستاني» ، التي تأسست في ١١/١٢/١٤٠٠ هـ، وقام المؤسسون بإعلان
دستورهم الإسلامي بعنوان «يا شباب كردستان اتحدوا» ، داعين للالتفاف حول
الإسلام، وأن الغاية المنشودة توجيه ضربة قاصمة للاستعمار وأعوانه، ولها مجلة
هي لسان حال الجماعة والناطق الرسمي لها، وشعارها «الله ربنا والإسلام ديننا
ومحمد نبينا» ، وتستلهم مواقفها من واقع الشعب الكردي وفق تصور إسلامي بعيد
عن القوميات والعنصريات [٧] .
ومع انتشار التوجهات الصوفية السائدة في المجتمع الكردي مثل «الطريقة
النقشبندية» والطريقة «القادرية» ، إلا أنه برز عدد من العلماء الأكراد المتميزين
بعيداً عن التوجهات الصوفية السائدة، فدعوا إلى الإسلام الصحيح، وقاموا بجهود
علمية وإعلامية، وأسسوا المجلات الإسلامية المعروفة، ومن أبرزها:
١- نداء الحق: التي يشرف عليها الشيخ «علي القره داغي» .
٢- حلبجة: والتي يرأس تحريرها «الأستاذ محسن جوامير» .
٣- جودي: لسان حال الحركة الإسلامية
وفي نظري أن على إخواننا علماء الأكراد بذل المزيد من التوعية للشعب
الكردي، ومحاولة إيقاظه من الجهل بإسلامه، لاسيما ما ينتشر فيه من اتجاهات
عقدية منحرفة وعلى رأسها «اليزيدية» و «العلوية» و «والصوفية، وكذلك
فضح الاتجاهات القومية والعلمانية السائدة المرتزقة باسم هذه القضية، التي كثيراً
ما لمزت الإسلاميين ووصفتهم بالتطرف والإرهاب زوراً وعدواناً، ومن ذلك ما
ذكره الصحفي الكردي» هيلكوت حكيم «الذي يقول بكل صفاقه: إنه لا يوجد
قرية كردية يفهم سكانها بوجود حزب إسلامي سياسي [الحياة العدد ١١٣٥٢] .
والأكراد ولله الحمد أكثرية سنية اشتهروا بالشجاعة والكرم، يحبون الإسلام
ويعتزون به، ويحترمون رموزه الإسلامية قديماً وحديثاً، ولو وجد الإسلام
الصحيح لما تَسَيّد أمثال البرزاني والطالباني في صفوف الأكراد، ومن قبل حاول
القياصرة والروس استغلال هذا الشعب المسلم والاستعانة به ضد العثمانيين، ولكن
محاولاتهم باءت بالفشل.
إن غياب الإسلام الصحيح اليوم هناك جعل بغاث الطير يستنسر، أليس من
المخجل أن يسبقنا الشيوعيون والعلمانيون واليهود والنصارى إلى إخواننا الأكراد
الذين عاشوا بالإسلام وللإسلام طوال تاريخهم؟
أين الدعاة إلى الله في مناطق الأكراد؟
أين الطلاب الأكراد في المعاهد والجامعات الإسلامية؟
أين الكتب والرسائل والصحف والمجلات المترجمة لكل ما ينفهم بلغتهم؟
أين الجهود لإنشاد الجمعيات الخيرية التي تهتم بهم وتعينهم على أعباء الحياة
بدلاً من جمعيات التنصير؟ !
ليت الدعاة المسلمون يدركون خطورة الموقف، ويفتحون قلوبهم لإخوانهم
هناك، وليت التجار يتنادون إلى فتح المدارس والمستشفيات والمساجد في مناطق
الأكراد [٨] .
الحل لمشكلة الأكراد:
هل الأكراد يريدون دولة مستقلة؟ هل هم انفصاليون؟ الحقيقة أن الأكراد
يريدون أن يعيشوا في ظل عزة وكرامة كبقية الشعوب الأخرى، يريدون أن
يعترف بوجودهم وبلسانهم وحقوقهم.. هذا ما يريدونه، وحتى المشروع الذي قدمه
الأكراد ليس فيه الرغبة للانفصال وكل ما فيه المطالبة بالحكم الذاتي ليس إلا.
وليس من مصلحتهم المطالبة بإقامة دولة مستقلة لهم في ظل الأوضاع الحالية، وذلك لما يلي:
* كونهم موزعين على أكثر من دولة ولا يمكن أن تسمح تلك الدول بقيام
دولتهم.
* ومع تشجيع ما يسمى النظام العالمي الجديد لحق تقرير المصير لكثير من
الشعوب إلا أن مصالح الغرب مع دول المنطقة تجعله لا يؤيد قيام تلك الدولة.
* موقع الدولة الداخلي لا يشجع على استقرارها لكونها محاطة بأعدائها مما
يطيل معانات شعبها.
* لو قامت تلك الدولة فإن زعماءها سيكونون من العلمانيين اليوم، الذين
نادوا بالتعاون مع الصهاينة جهاراً نهاراً.
ولو قدر جدلاً قيام دولة كردية لأي ظرف طارىء فإنها لضمان قيامها ستنفذ
المطلوب منها كما يلي [٩] :
* إقامة علاقات وثيقة مع العدو الصهيوني، وستكون منطلقاً له ضد أي
نهوض عربي أو إسلامي قادم.
* ستنسق مع تركيا للسيطرة على موارد المياه لنهري دجلة والفرات مما قد
يؤثر على المدى الطويل على إمداد المنطقة العربية بالمياه.
* ليس من المستبعد أن يعرض العلمانيون الأكراد خدماتهم على الغرب
لضرب التوجه الإسلامي في المنطقة وبخاصة وأن موقفهم من الإسلاميين سيء جداً
وضربهم لهم مؤخراً معروف.
* فضلاً عن أن تجارب الأكراد المعاصرة في محاولة إقامة دولتهم غير
مشجعة وسلبياتها أكثر من إيجابياتها.
إن حل مشكلتهم في الإسلام والإسلام وحده لو طبق. فعلى إخواننا الأكراد في
ضوء هذا الواقع المؤلم أن يعطوا ثقتهم للعلماء والمفكرين الإسلاميين بعد فشل
العلمانيين في مشاريعهم المعتادة، وعلى الدعاة والعلماء أن يقوموا بواجب الدعوة
للإسلام الصحيح ونبذ الاتجاهات المنحرفة، والتربية لشعبهم المسلم وتحذيره من
الأحزاب العلمانية المرتزقة، وألا يستعجلوا الصراع مع تلك الأحزاب كما حصل
في الآونة الأخيرة، لأن النتائج معروفة سلفاً فهم أقل عدة وعتاداً من تلك الأحزاب
العلمانية. فهل يفطن أحبتنا الأكراد لهذه المسألة ويقوموا بواجباتهم المفترضة؟ !
عسى ولعل.
والله نسأل لهم النصر والعز والتمكين تحت راية التوحيد، والله غالب على
أمره.
стр. 1716
اعرف عدوك
دولة يهود من الداخل
صالح العويشق
لقد كان محور تفكير «يهود» على مر القرون ينصب على أمرين مهمين
الأول المال حيث إنهم قد أشربوا حبه كما قال تعالى: [وأشربوا في قلوبهم العجل
بكفرهم] [١] ، أما الثاني فهو العودة إلى أرض كنعان، وإذا كانت الأفكار
الصهيونية الداعية للعودة قد ظهرت ممثلة في حركة سياسية في القرن التاسع عشر
الميلادي، فإن جذورها الفكرية تعود إلى أيام النفي إلى بابل، ولقد نجحت الحركة
الصهيونية في تجميع «يهود» وإقامة دولة لهم في فلسطين، ولكن آثار فترة
الشتات الطويلة تبدو واضحة للعيان في التركيبة الاجتماعية والدينية والسياسية
لمجتمعهم اليوم.
وفيما يلي نبذة موجزة توضح التناقضات التي يعيشها «يهود» مصداقاً لقوله
تعالى:
[لا يقاتلونكم جميعاْ إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد
تحسبهم جميعاْ وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون] [٢] .
النظام الاجتماعي:
المجتمع اليهودي: مكون من خليط متنافر من الجماعات ذات الاتجاهات
المتنافرة، والأصول المتباعدة، والفروقات الثقافية والعنصرية؛ لذا كان من
الطبيعي أن يكون لكل جماعة منها تأثيرها على الواقع السياسي للعدو.
والهدف من هذه الدراسة هو تسليط الضوء على تلك الفروقات والتناقضات
التي تضرب أطنابها في تركيبة ذلك المجتمع [*] .
ويمكن تقسيم المجتمع في دولة يهود إلى قسمين رئيسين:
١- الإشكناز: وهم يهود استقروا في شمال أوروبا وشرقها، وقد تأثروا بنمط
الحياة الغربية، ويختلفون عن غيرهم في بعض نصوص الصلاة وبعض طقوس
الأعياد، وهم أقطاب الصهيونية الحديثة. [٣] .
٢- السفارديم (السفارد) : وهم اليهود الذين استقروا في حوض البحر
المتوسط وفي الوطن العربي وإيران، وكان للغة العربية تأثير قوي على لغتهم
الأم [٤] .
ويمثل الإشكناز أقلية إلا أنهم هم المتنفذون في الكيان الصهيوني، فنظرة إلى
أعضاء الكنيست (البرلمان) أو أعضاءالحكومة، أو حتى رؤسائها تجد هذا الأمر
واضحاً:
* حكومات العدو حتى ١٩٨٤م قد ضمت ٦ وزراء شرقيين من بين ٥٨
وزيراً، حيث شغلوا وزارتي البوليس والبريد غالباً [٥] .
* لم يرأس الحكومة قط يهودي من السفارديم.
* أما رؤساء الدولة فكانوا كلهم إشكناز ما عدا واحد من السفارديم، مع العلم
أن منصب رئيس الدولة شرفي.
* لا يمثل السفارد سوى ٩ % فقط من الوظائف القيادية في المجال
الاقتصادي [٦] .
وعلى الرغم من أن اليهود الشرقيين يشكلون غالبية السكان، إلا أن اليهود
الإشكناز يحاولون منذ زمن بعيد المحافظة على الوجه الغربي الحضاري للدولة.
يقول «إسحاق دويتشر» : «يوجد نوع من العداوة بين اليهود الشرقيين
والغربيين، إلا أنني أعتقد شخصياً أن اليهود الغربيين سوف يصهرون في النهاية
الشرقيين؛ لأنهم يمثلون الحضارة الأرقى التي تنتصر في العادة على الحضارة
الأدنى» [٧] .
ومع أن الهوة بين المجتمعين واسعة جداً، إلا أنها تزداد اتساعاً عند الحديث
عن يهود «الفلاشا» [٨] ، فإننا نجد معظمهم يعاني من العزلة والوحدة في
المجتمع الصهيوني، ويتعمد اليهود الآخرون استخدام لفظ (كوشي) بمعنى (العبيد)
في التعامل مع الفلاشا، مما يزيد من عمق الهوة الفاصلة بين هاتين الطبقتين.
ويصور بعض ما يعانيه يهود الفلاشا قول أحدهم: «لقد كُنا في أثيوبيا بشراً
أما هنا فلسنا سوى حمير» [٩] ، وفي الجهة المقابلة يقول رئيس وزراء إسرائيل
سابقاً (ليفي أشكول) : «إن كل المهاجرين متساوون، إنما هنالك مهاجرون
متساوون أكثر» [١٠] .
أما الحديث عن الاختلافات المذهبية بين اليهود فهو حديث ذو شجون وسآخذ
بطرف منه هنا مع الإشارة إلى أن بعض تلك المذاهب قد اندثر وفيما يلي أهم
المذاهب اليهودية:
١- الغريزيون: وهم (الربانيون) يلقبون أنفسهم «الحسيديم» أي الأتقياء
ويعتقدون بأن عيسى ﵇ زنديق! وإن كانوا معتقدين بظهور مسيح منتظر،
كما أنهم يوجهون العامة إلى احتقار الأمم والأديان والأجناس الأخرى [١١] .
٢- القناؤون: شعبة من الغريزيين إلا أنهم يمتازون بالتطرف والعنف
ويتمسكون بفكرة الوطن اليهودي الحر المستقل، وهم يفضلون الموت على أن
يبايعوا حاكماً أجنبياً، ومع أنها اندثرت كجماعة إلا أن أفكارها تسربت إلى الفكر
الصهيوني الحديث [١٢] .
٣- القراؤون: من أشد أعداء الغريزيين، ويرون أن الربانيين قد استولوا
على مقدسات إسرائيل، ومن الملفت للنظر وجود التشابه بين المنحى الفلسفي لهذه
الطائفة مع المنحى الفلسفي عند المعتزلة [١٣] .
٤- الإصلاحيون: يميلون إلى التساهل في أخذ الأحكام، وينكرون التوراة
كمصدر، وقد صرفوا النظر عن إعادة بناء الهيكل المزعوم، كما أنهم أنكروا أن
يكون الخلاص معناه إقامة دولة في فلسطين، ومما يرونه أن اليهودية دين فقط،
وليست جنسية [١٤] .
٥- المارانوس: يعتبرهم المتأخرون من علماء اليهود خارجين عن الدين
اليهودي، وكانوا في أسبانيا مدة عيشهم يظهرون النصرانية، ويبطنون
اليهودية [١٥] .
٦- الصهيونية: هي حركة التحرر الوطني اليهودي، ومن مضامينها العودة
إلى «أرض الميعاد» وإقامة الدولة اليهودية عليها، ويمكن اعتبارها حركة سياسية
ترفع شعاراً دينياً مع تبني العلمانية في نظم الدولة، ومن أهم أهدافها:
* المحافظة على تميز العنصر اليهودي.
* العمل من أجل العودة إلى «أرض الميعاد» .
* السيطرة على جميع شعوب الأرض وتسخيرها لخدمة الجنس
اليهودي [١٦] .
٧ -الفلاشا: طائفة من اليهود على أساس مذهبي وعرقي، حيث إنهم
يسكنون شرق القارة الإفريقية وفي الحبشة بخاصة، كما أنهم لا يعرفون اللغة
العبرية ولا يؤمنون بالمشنا ولا بالتلمود، إلا أنهم يؤمنون برسالة موسى عليه
السلام ومن بعده وبالكتاب المقدس، والجدير بالذكر أنه لا يوجد أي دليل قوي يبين
مبدأ نشأتهم، وسبب اعتناقهم للدين اليهودي [١٧] .
النظام السياسي لدولة يهود:
إن من الأمور الملفتة للانتباه في النظام السياسي عندهم هو ذلك العدد الهائل
من الأحزاب السياسية (٢٨) حزباً تجتمع فيما بينها في تكتلات ذات أهداف قد
تتوافق في بعض خطوطها العريضة، ويرجع بعض الباحثين ذلك التعدد إلى
الأسباب التالية:
١- عدم انتمائهم إلى تراث تاريخي واحد.
٢- وجود اختلافات عقائدية بين الصهيونيين أنفسهم، تتفاوت من أقصى
اليمين إلى أقصى اليسار.
٣- نزعة كل فريق منهم إلى التكتل مع أبناء وطنة القديم الذي هاجر
منه [١٨] .
والواقع أن تعدد الأحزاب ليس إلا انعكاساً للتركيبة المتناقضة لذلك المجتمع
والتفاوت الظاهر بين مختلف فئاته.
ويمكن تصنيف الأحزاب عندهم على النحو التالي: «التجمع العمالي» وفيه
حزب العمل، الأحزاب اليمينية (الليكود) ، الأحزاب الدينية، الأحزاب الشيوعية.
وهناك بعض الكتاب يرى تقسيمات وتصنيفات أخرى للأحزاب السابقة،
وسأكتفي هنا بالإشارة إلى أهم برامج وأهداف بعض الأحزاب والتجمعات السياسية
اليهودية الرئيسة.
أهداف حزب العمل:
السلام الحقيقي والدائم بين دولتهم وجاراتها، تجميع الشعب اليهودي في «
بلاده» ، القدس الموحدة هي عاصمة دولتهم، معارضة قيام دولة فلسطينية في
المنطقة الواقعة بين إسرائيل والأردن.
أهداف حزب الليكود:
منع إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، القدس عاصمة
دولتهم الموحدة، ضمان قوة الدولة وتعزيز أمنها وإقرار السلام مع جيرانها شرق
الأردن هو جزء من أرض دولتهم التاريخية.
الأحزاب الدينية:
بالرغم من أن كثيراً من اليهود غير متبعين لأحكام الدين اليهودي، إلا أنهم
يتأثرون بالمطالب ذات الصبغة الدينية التي تطالب بها هذه الأحزاب [١٩] .
والأحزاب الدينية قديمة ومن تطلعاتها:
* يولي حزب (أغودات) المسائل الدينية الاهتمام الأساس في نشاطه السياسي، ويربط تأييده للحكومة بمدى استعدادها لتطبيق بعض القوانين الدينية اليهودية.
* أما حزب (المفدال) فهو لن يُسَلّم أي جزء من «أرض إسرائيل»
المزعومة إلى حكم أجنبي، وبين النهر والبحر تقوم دولة واحدة هي إسرائيل
وعاصمتها الموحدة القدس، كما يسعى إلى سلام بين إسرائيل وجيرانها.
الأحزاب الشيوعية:
ومنها حزب (حداش) الذي يتكون من حزب (راكاح) ومنظمة الفهود السود،
ومما يدعو إليه تحقيق السلام العادل في نظره، وذلك بانسحاب إسرائيل من جميع
المناطق التي احتلت عام ١٩٦٧م بالإضافة إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني
في تقرير المصير، وإقامة دولة له في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس
الشرقية [٢٠] .
ومن إفرازات الصراع الطائفي اليهودي ظهر حزب (حركة شاس) المسمى
اتحاد السفارديم حراس التوراة، وتركز هذه الحركة اهتمامها على المجالات الدينية
كما أن هذه الحركة ترى أن فلسطين كلها (لشعب إسرائيل) بحكم وعد التوراة.
ونستطيع ملاحظة مدى التشابه بين برامج الأحزاب الإسرائيلية وبخاصة فيما
يخص العلاقة مع الدول العربية.
والجدير بالذكر أن تلك الأحزاب السياسية تتجه دائماً إلى التكتل في وجه أي
خطر خارجي بغض النظر عن الاختلافات الموجودة حال السلم [٢١] .
وفي ختام الحديث عن الأحزاب الإسرائيلية أشير إلى ما قاله عضو حزب
العمل السابق (أبا إيبان) : «إن إسرائيل الآن في مفترق الطرق، فإما أن تتفاوض
وتبادل الأرض بالسلام، وتحافظ على حلم إقامة الدولة اليهودية، وإما أن تتخلى
عن هذا الحلم، وتصبح دولة قمعية مستبدة يحكم مصيرها صراع داخلي
رهيب» [٢٢] .
стр. 1717
مقال
«الاستغراب» [*]
محاولة جادة لتحصين الهوية
د. أحمد بن محمد العيسى
ليس هناك حاجة كبيرة لايضاح طبيعة العلاقة القائمة بين الشرق الإسلامي،
والغرب (النصراني العلماني) من الناحية العسكرية والسياسية منذ أن تمكنت الدولة
الإسلامية الوليدة من تهديد وجود الدولة الرومانية في الشام ومصر وشمال أفريقيا،
ومن ثم تهديد أوربا ذاتها. لقد كان أساس هذه العلاقة ولايزال، الصراع والصدام
العسكري. وعلى الرغم من أن أهداف الفريقين لم تكن واحدة، إلا أن كل فريق
يرى في الفريق الآخر منافساً قوياً وعدواً لدوداً يسعى إلى فرض سيطرته، وفرض
نظامه العقدي والحضاري في منطقته وبين سكانه. والمسلمون في عصورهم
الزاهية كانوا يرون الامتداد الطبيعي للدعوة والجهاد يسير في الاتجاهين: الشرق
من بلاد فارس والهند وآسيا الوسطى إلى جنوب شرق آسيا، وفي الغرب من
المغرب العربي والأندلس إلى جنوب أوربا وشرقها. والغرب كان يرى الامتداد
الطبيعي لمصالحه وسيطرة مملكاته النصرانية (في العصور الوسطى) ثم دوله
الاستعمارية وشركاته المتعددة الجنسيات، في العصور الحديثة يسير في اتجاه
الشرق، ولابد أن يخترق العالم الإسلامي بأكمله حتى يصل إلى الشرق الأقصى.
ورافق علاقة الصدام العسكري والسياسي، بعدٌ حضاري وثقافي شديد
الوضوح والاستقطاب، فكل فريق منتصر يقوم بتثبيت أركان نظامه العقائدي ورؤاه
الحضارية للكون والإنسان في المناطق «المحررة» ، وغالباً ما يقوم الفريق
المنهزم كما يقرر ابن خلدون بتقليد الفريق المنتصر «ولذلك ترى المغلوب يتشبه
أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر
أحواله..» [١] .
ولهذا فلو تتبعنا العلاقة الثقافية بين المعسكرين منذ عصر صدر الإسلام،
وحتى اليوم نجد أنها تميزت بمراحل ثقافية وتاريخية متميزة:
١- في أول عصور الاصطدام الحضاري بين الشرق الإسلامي والغرب
النصراني، لم يكن للدولة الرومانية المنهزمة أي فعل حضاري متميز، عدا بعض
ما نقله المسلمون من أدواتهم الثقافية مثل حركة تعريب الدواوين وسك العملات..
ولهذا فقد دخل سكان البلاد التي فتحها المسلمون في الدين الحنيف دون مقاومة
كبيرة.. ولكن حصل بُعيد ذلك وفي أواخر عهد الدولة الأموية، ثم تطور في عهد الدولة العباسية، ماسمي في التاريخ الإسلامي «بحركة الترجمة» ، حيث تُرجمت العلوم اليونانية، مثل الفلسفة والرياضيات والفلك، إلى العربية. وعلى الرغم من أن هذه الحركة قد أثرت تأثيراً مهماً في الفكر الإسلامي حيث ظهرت بعض المذاهب «العقلانية» المتأثرة بالفلسفة اليونانية مثل مذهب المعتزلة، إلا أن هذا التأثير كان تأثيراً ذاتياً تم بمبادرة من المسلمين، ولم يكن فعلاً ثقافياً مفروضاً من
الخارج.
٢- وعندما كان المسلمون يمثلون القمة في الفعل الحضاري والتفوق العسكري، ... كان لزاماً أن ينتقل التأثير إلى مراكز الضعف الثقافي في مختلف البلاد التي
احتكت بالعالم الإسلامي، وكان الغرب أحد هذه المراكز، فحدث أن حصل بعد
الحروب الصليبية، رد فعل قوي في الغرب من جراء الاصطدام بالحضارة
الإسلامية ومنجزاتها سواءاً أكان ذلك في الشرق الإسلامي أم في بلاد الأندلس التي
كانت تعيش في الناحية الأخرى أزهى عصورها حضارياً.. ولهذا حدث ما يسمى
بالاستيقاظ والانتباه الغربي، قبل ما يسمى «بعصر النهضة» الأوربية. وبدأت
تسير بعد ذلك عملية البناء الثقافي في الغرب في اتجاهين: الأول: ببعث التراث
الثقافي اليوناني والروماني بشكل مكثف، حتى يكون الركيزة الأساسية للنهضة،
والثاني: كان لابد من صد هذا الفكر الغازي وجعله غريباً بين الناس، إما بتجاهله، أو بإيجاد المراجع العلمية التي تستطيع تفسير هذا الفكر (الغريب) وتصويره
للناس بما لا يتعارض مع المقومات الأساسية التي سار بها الإتجاة الأول. أما كيف
يتم تجاهل حدثاً ثقافياً بارزاً، وفعلاً حضارياً يطرق الباب، فتحدثنا عنه المستشرقة
«زيغريد هونكة» بقولها: «أما أن تكون ثمة شعوباً أخرى، وأطراف من
الأرض لها شأن عظيم في التاريخ، بل وفي تاريخنا الغربي خاصة، فذلك أمرٌ لم
يعد بالإمكان تجاهله في حاضر قد طاول النجوم عظمة. لأجل ذلك، يخيل إلي أن
الوقت قد حان للتحدث عن شعب قد أثر بقوة على مجرى الاحداث العالمية، ويدين
له الغرب، كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير. وعلى الرغم من ذلك فإن
من يتصفح مئة كتاب تاريخي، لا يجد اسماً لذلك الشعب في ثمانية وتسعين منها.
وحتى هذا اليوم، فإن تاريخ العالم، بل وتاريخ الآداب والفنون والعلوم لا يبدأ
بالنسبة إلى الإنسان الغربي وتلميذ المدرسة إلا بمصر القديمة وبابل بدءاً خاطفاً
وسريعاً، ثم يتوسع ويتشعب ببلاد الاغريق ورومة، ماراً مروراً عابراً ببيزنطية،
ومنتقلاً إلى القرون الوسطى المسيحية، لينتهي منها آخر الأمر، بالعصور
الحديثة..» [٢] .
كان هذا التجاهل جزءاً من الاستراتيجية الغربية في صد الفكر الإسلامي أما
إذا اضطر الغرب إلى التعامل مع بلاد الإسلام وخاصة منذ عصر «النهضة»
الغربية، فكان لابد من إيجاد وسيلة أخرى، وكانت هذه الوسيلة هي ما يسمى اليوم
بـ «الاستشراق» . لقد كان للإستشراق مهمة تاريخية واضحة، وهي تحصين
الهوية الثقافية اأوربية عن طريق تكوين المراجع العلمية الغربية التي تستطيع أن
تحدث وتناقش بطريقة علمية لا تدع مجالاً للاختراق الثقافي من الخارج. (يمكن
الاطلاع على ما كتبه الأستاذ محمود محمد شاكر في بحثه المتميز: «رسالة في
الطريق إلى ثقافتنا» عن تاريخ الاستشراق وأهدافه) . ويؤكد إدوارد سعيد في
كتابه الهام «الاستشراق» حقيقة أن الدراسات الاستشراقية لم يكن هدفها في
الأساس معرفة الشرق على حقيقته، ولهذا فهو يقول: «أنا شخصياً أعتقد أن قيمة
الاستشراق على وجه الخصوص، هي في كونه علامة على السلطة الأوربية
الأطلنطية على الشرق، أكثر من كونه بحث حقيقي عن الشرق، (وهذا ما يدعيه
شكله الأكاديمي) ... ولذلك فإن الاستشراق هو بعد هام للثقافة الفكرية السياسية
الحديثة، ولهذا فليس له علاقة كبيرة بالشرق، أكثر من علاقته بعالمنا» نحن «..
وبطريقة ثابتة فإن الاستشراق يعتمد في استراتيجيته على التفوق المركزي الذي
يضع الغربي في مجموعة من العلاقات المحتملة مع الشرق، ولكن بدون أن تفقده
دائماً اليد العليا ... » [٣] .
وأصبح «الاستشراق» من هذا المنطلق يمثل رأس الحربة في توجه
سياسات الغرب الاستعمارية منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وحتى الآن
حيث لايزال يمارس نفس الدور تقريباً من خلال مراكز الدراسات الإسلامية في
الجامعات الغربية، ومن خلال مراكز الدراسات الاستراتيجية التي ترسم السياسات
الغربية في مجالات متعددة.
٣- أما المرحلة الثقافية الثالثة التي تميز العلاقة الحضارية بين الغرب
والشرق الإسلامي فتتمثل في مرحلة «التغريب» التي بدأت منذ بداية عصر
الاستعمار الحديث للعالم الإسلامي من قبل أوربا، وبالتحديد من غزو نابليون مصر
عام ١٧٩٨ م. وقد استمر «التغريب» سمة ثقافية بارزة حتى بعد أن اضطر
الغرب إلى تقويض خيامه العسكرية والرحيل. أما كيف حدث هذا؟ فيحدثنا الكاتب
الفرنسي (ك موريل) بسخرية عن تلك الفترة فترة تصفية الاستعمار: «إذا أرخنا
للمعارك فقد أخفق الاستعمار. ويكفي أن نؤرخ للعقليات لنتبين أننا إزاء أعظم نجاح
في كل العصور. إن أروع ما حققه الاستعمار هو مهزلة تصفية الاستعمار.. لقد
انتقل البيض إلى الكواليس، لكنهم لايزالون مخرجي العرض المسرحي ... » [٤] .
ويشير المؤرخ الأمريكي (دافيد فرومكين) عن تلك الحقيقة في كتابه (سلام ما
بعد سلام) بقوله: «كان أمراً مألوفاً في بدايات القرن العشرين، عندما كان
تشرشل وضيوفه يمضون الوقت في رحلتهم على متن اليخت أنشانترس، أن
يفترض المرء أن الشعوب الأوربية ستواصل القيام بدور السيطرة الذي تمارسه في
الشؤون العالمية إلى أبعد ما تستطيع البصيرة أن ترى. وكان من الشائع أيضاً
الافتراض أن الشعوب الأوربية بعد أن أنجزت معظم ما اعتبره كثيرون رسالة
الغرب التاريخية أي تحديد المصير السياسي للشعوب الأخرى على الكرة الأرضية
فلا بد أنها متممة هذه الرسالة. وكانت بلدان الشرق الأوسط بارزة بين البلدان التي
كان على الأوربيين التعامل معها، إذ هي بين قلة من المناطق المتبقية على كوكبنا
دون أن يعاد تكوين شكلها اجتماعياً وثقافياً وسياسياً على صورة أوروبا
ومثالها ... » [٥] . إذن كان التغريب الثقافي والفكري (على صورة أوروبا ومثالها) هدف من أهداف الاستعمار العسكري والسيبريالية على الشرق الإسلامي. وبالفعل تمكنت أوروبا من تحويل اتجاه طلائع «المثقفين العرب» إلى الفكر والفلسفة الأوربية لتبدأ «حركة الترجمة» الثانية، ولكنها هذه المرة حركة مفروضة من الخارج ترى في أوروبا المثال النموذج، وترى في التراث الإسلامي التأخر والرجعية، وأصبحت تنظر للحضارة والثقافة من منظار غربي لا أثر فيه للتميز الحضاري، بل أن «نسير سيرة الأوربيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يُعاب، وأن نشعر الأوربي بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها ... » [٦] .
الحقيقة أن التغريب يجري على دم وساق، ويواجه العالم الإسلامي وبقية دول
ما يسمى (بالعالم الثالث) ، بشكل لم يسبق له مثيل، خطر تفتيت الهوية الثقافية
والاجتماعية. وعلى الرغم من أن مسيرة التغريب قد بدأت منذ وقت طويل، إلا
أنها بدأت تأخذ أشكالاً مختلفة وأكثر خطورة منذ سقوط الشيورعية، وانفراد القوة
الأخرى بالمسرح العالمي. فقد سيطرت المنظومة الليبرالية الرأسمالية على
المنظمات الدولية (الأمم المتحدة، صندوق، اليونسكو، منظمات الإغاثة العالمية،
وأخيراً منظمة التجارة العالمية «الجات» ..) وتمكنت عن طريق هذه السيطرة
من فرض القوانين الدولية التي تراعي نظامها ومصالحها. كما سيطرت المنظومة
الليبرالية الرأسمالية على وسائل الإتصال الحديثة وتمكنت بفضل التقدم التقني
الهائل من الوصول بقيمها ومعتقداتها إلى جميع بقاع العالم تقريباً. (ينطلق فيض «
ثقافي» بمعنى فريد من بلدان المركز الغرب ويجتاح الكرة الأرضية) . تتدفق
صور، كلمات، قيم أخلاقية، قواعد قانونية، اصطلاحات سياسية، معايير كفاءة، من الوحدات المبدعة إلى بلدان العالم الثالث من خلال وسائل الإعلام (صُحف،
إذاعات، تلفزيونات، أفلام، كتب، أسطوانات، فيدو) . ويتركز الجانب الأكبر
من الإنتاج العالمي «للعلامات» في الشمال، أو يصنع في معامل يسيطر عليها،
أو حسب معاييره وموضاته. وسوق المعلومات شبه احتكار لاربع وكالات:
أسوشيتيد برسس وينايتد برس (الولايات المتحدة) ، رويتر (بريطانيا العظمى) ،
فرانس برس. وتشترك في هذه الوكالات كافة إذاعات العالم، كافة شبكات تلفزيون
العالم، كافة صحف العالم. ويتدفق ٦٥% من المعلومات العالمية من الولايات
المتحدة. ومن ٣٠ إلى ٧٠% من البث التلفزيوني مستورد من المركز.. وهذا
الفيض من المعلومات لا يمكنه إلا أن «يشكل» رغبات وحاجات المستهلكين،
أشكال سلوكهم، عقلياتهم، مناهج تعليمهم، أنماط حياتهم « [٧] .
ولعل من مظاهر هذه السيطرة تفشي الأنماط الثقافية الاستهلاكية في
المجتمعات الإسلامية، ومنها طغيان النزعة الفردية وحب الذات في التعمل مع
الآخرين، وأيضاً الاستسلام للعامل الدعائي في ترويج المنتجات، وكذلك إتجاه
الأفراد وخاصة الشباب إلى الثقافة السطحية السهلة، فتجد الشاب لا يستطيع أن
يجلس ليقرز كتاباً كاملاً، بل يريد الكتاب مختصراً في صفحة أو صفحتين..
وهكذا، فنحن كما يقولون في (زمن السرعة) ومنها أيضاً تفشي ظاهرة المأكولات
السريعة، نتيجة لانتشار هذه النوعية من المطاعم والمتاجر، وكل هذا يعكس
الانماط الاجتماعية السائدة في بلاد الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وربما كان من أخطر مظاهر التغريب في العلاقات الولية أن أصبح الاقتصاد
والقوة المالية هي العامل الأساسي في علاقات وتحالفات الدول، فلا قيم ولا ثقافة،
ولا مبادىء. وهذا يؤكده المفكر والاقتصادي الفرنسي (جاك أتالي) بقوله:» إن
البشرية تدخل في مرحلة من الزمن جديدة تماماًك التاريخ يتسارع، التكتلات تتفكك، الديمقراطية تحقق انتصارات جديدة، ممثلون ورهانات جديدة تبرز على المسرح، أمام هذه التحولات التي تبدو في ظاهرها مبعثرة لا يربط فيما بينها أي رابط،
يسود لدى المراقبين الحذر من النماذج الموجودة، ويغلب الاستسلام لمزاج القوى
العديدة التي تحرك كوكبنا، كما يغلب الميل إلى إعطاء السوق دورً حاسماً في كل
شيء بما في ذلك دور الحكم في مصير الثقافات.. « [٨] .
الاستغراب: هل يكون المحطة الرابعة؟
ولمواجهة هذا المد التغريبي الهائل، لابد أولاً من إدراك خطورة العلاقات
الغير متكافئة بين الفريقين، ثم بإتخاذ استراتيجية تعتمد على محورين أساسيين،
أولهما: بعث العقيدة الإسلامية الصحيحة والفكر الإسلامي الأصيل ونشره بين
الناس ليكون الركيزة الأساسية للنهضة، ثم قيام مراجع علمية إسلامية تدرس
الغرب، وتفهم منطلقاته وأهدافه ونظم حياته الثقافية والفكرية، لتكون الحاجز الأول
لتحصين الهوية الإسلامية، وهذا ما نسميه بـ» الاستغراب «. (وهذين
المحورين شبيهين بالطريقتين اللتين سلكهما الغرب عند مواجهته للحضارة الإسلامية، ... وعندما كان في بداية نهضته الحالية. وليس في هذا تقليداً للغرب، بل هما فيما
أحسب سنة من سنن الله في الكون) .
وعلى الرغم من أن الصحوة الإسلامية المعاصرة قد أدركت أهمية الشق
الأول من هذه الاستراتيجية، فبدأت بالاهتمام بالعلم الشرعي، وتصحيح المعتقدات، ونشر كتب العقيدة والعلوم الإسلامية، بل لا يزال كثير من المفكرين والمنظرين
للصحوة، لا يدركون خطورة المرحلة الحالية، ويحتفظون بأفكار سطحية عن
الغرب، وعن علاقاته بالمجتمعات الإسلامية، وذلك لغياب المراجع التي يتستطيع
أن تشكل الرؤية الإسلامية عن الغرب، بعيداً عن تنظيرات فلاسفة» التغريب «
المعاصرين (ولا تقل عنها سواً تنظيرات احجاب الفكر الإسلامي المستنير! عن
طبيعة العلاقة بين الغرب في ظل ظروف التغريب الشامل) .
إن الاستغراب الذي نشير إليه هنا، ينبغي أن ينطلق من أسس واضحة ليحقق
بعض الأهداف الهامة:
١- استثمار نجاح الصحوة الإسلامية في كسر حدة الانبهار بالغرب، حيث
بدأ كثير من الشباب المسلم يعيد تقويمه للتقدم التقني الغربي. وحتى يتم تعميق
الاعتداد بالنفس، والشعور بالانتماء للأمة والتميز الحضاري والفكري، ينبغي
نقض وتعرية مفاهيم الغرب وقيمه التي يبثها في العالم (الديمقراطية، الحداثة،
الثقافة العالمية.. الخ) ولن يتم هذا النقض إلا بمعرفة أسس هذه المفاهيم وتناقضاتها
على مستوى التنظير، وعلى مستوى التطبيق.
٢- عند إيجاد المراجع الإسلامية الذين يمكن أن نطلق عليهم بـ»
المشتغربين «سوف يتظاءل تأثير (المتغربين) من أبناء المسلمين، الذين يرون في
الغرب، النموذج والمثال، في الفكر والأدب والاقتصاد وقيم العمل، وقيم السياحة، والعلاقات الاجتماعية.. الخ، ولن تحتاج الأمة إلى عناء كبير لكشف شبهاتهم
التنظيرية، إذ أن لديها من يعرف فكر (القوم) ومصالحه ومخططاته.
٣- وعندما نتمكن من دراسة الغرب دراسة واعية في سبيل تحصين هوية
الأمة، والحفاظ على مصالحها، سوف نستطيع دراسة تأثير التطورات التي تحدث
في الغرب في جميع المستويات السياسية، والاقتصادية، والفكرية، والاجتماعية،
على ثقافة الأمة وعلى مصالحها ومستقبلها. إن غياب الروية الحقيقية لما يجري في
الغرب تجعلنا نعيش في ظروف وأحوال ليست من صنعنا، ولا نعرف كيف حدثت، ولماذا، ومن المستفيد منها؟
إن الاستغراب هو محاولة جادة لدراسة الغرب، ليس بهدف الترف الثقافي
والفكري كما حصل عندما ترجمت الفلسفة اليونانية في القرون الإسلامية الزاهية
وإنماا لتحقيق مصالح في غاية الأهمية ومنها في المقام الأول تحصين الهوية
الإسلامية في ظل ظروف التغريب الجامح الذي يجري تطبيقه علي أكثر من صعيد. ...
стр. 1718
من ثمار المنتدى
أنشطة المنتدى الإسلامي
التحرير
سبق الحديث عن بعض مشاريع «المنتدى الإسلامي» مثل: «كفالة الدعاة،
وبرنامج شهر رمضان الماضي، ومشروع مكافحة العمى بدولة تشاد» ، وفي هذا
العدد نواصل الحديث عن مزيد من المشاريع كما يلي:
- البيان -
رابعاً - الدورات والملتقيات العلمية:
ينتشر الدعاة المحليون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتختلف قدراتهم
الدعوية، ومستوياتهم العلمية، وبسبب غياب العلماء وطلاب العلم وانهماك كثير
من الدعاة في أمورهم الخاصة، أصبح الضعف العلمي سمة سائدة عند كثير من
الدعاة.
والعلم الشرعي هو الأساس في العمل الدعوي، فإذا غاب العلم حصل
الاضطراب عند الدعاة، قال الله تعالى: [أفمن يمشي مكباْ على وجهه أهدى أمن
يمشي سوياْ على صراط مستقيم] [الملك: ٢٢] .
ومن أجل ربط الدعاة بالعلوم الشرعية، وتنمية قدراتهم العلمية، سعى
المنتدى الإسلامي إلى إقامة الدورات الشرعية والملتقيات الدعوية التي بلغ عددها
حتى إصدار هذا العدد (١٨) ملتقى دعوي و (١٦) دورة شرعية، وهي أربعة
أنواع:
١- دورات شرعية متخصصة قصيرة:
يشترك فيها الدعاة المتخرجون من الجامعات أو الدعاة المتميزون في المنطقة، وتقوم اللجنة العلمية في المنتدى الإسلامي بإعداد برنامج تفصيلي لهذه الدورات
حسب حاجة الدعاة المستفيدين بالتشاور مع بعض العلماء وطلاب العلم، ثم يتكفل
المنتدى الإسلامي بإرسال عدد من طلاب العلم إلى مقر الدورة، ويقوم مكتب
المنتدى في المنطقة بالترتيب والإعداد لهذه الدورة ويتراوح عدد المستفيدين في
الدورة الواحدة من ٥٠ إلى ١٠٠ داعية.
٢- دورات شرعية متخصصة طويلة:
يشترك فيها الدعاة المتخرجون من الجامعات الإسلامية، وهي دورات مركزة
يشترك فيها حوالي ٣٠ داعية لمدة ثلاثة أشهر، وتقام فيها الدروس المتتابعة يومياً
بعد الفجر إلى المساء في العقيدة والفقه وأصوله والتفسير والحديث ومصطلحه وفقه
الدعوة، بالإضافة إلى بعض التطبيقات الميدانية.
٣- ملتقيات دعوية إقليمية:
ويدعى إليها الدعاة من دول مختلفة، ومن أماكن متفرقة، ويرسل المنتدى
الإسلامي عدداً من الدعاة المؤهلين شرعياً ودعوياً لإلقاء الدروس والمحاضرات في
هذه الملتقيات، ويستمر انعقاد الملتقى من عشرة أيام إلى خمسة عشر يوماً،
ويتراوح عدد المستفيدين من الملتقى الدعوي من ٨٠ إلى ١٥٠ داعية.
٤- دورات شرعية محلية:
يشترك فيها الدعاة المحليون بمختلف المستويات، حيث يقوم الدعاة المحليون
الأكفاء التابعون للمنتدى الإسلامي بالتدريس في هذه الدروات، ويتم إعداد المنهج
العام من قبل اللجنة العلمية بالمنتدى.
ويعتزم المنتدى إقامة عدد من الملتقيات الدعوية والدورات الشرعية في
الصيف القادم إن شاء الله.
وتهدف هذه الدورات والملتقيات الدعوية إلى:
١- نشر وترسيخ العقيدة الصحيحة.
٢- تنشيط وتقوية الدعاة.
٣- نشر العلم الشرعي بين أوساط الدعاة.
٤- تواصل الدعاة وطلاب العلم.
٥- ترشيح الدعاة المتميزين لكفالتهم ضمن دعاة المنتدى الإسلامي (إن لم
يكونوا مكفولين من أي جهة أخرى) .
٦- جمع معلومات عن المناطق التي ينتمي إليها المشاركون.
٧- معالجة المشكلات الدعوية الميدانية التي يعاني منها الدعاة.
تكاليف هذه الدورات:
* التكلفة التقديرية لدورة شرعية متخصصة ٣٠٠. ٥ دولار.
* التكلفة التقديرية لدورة شرعية محلية ٣٥٠. ١ دولار.
* التكلفة التقديرية لملتقى دعوي إقليمي ٠٠٠ر٨ دولار.
وهذه التكلفة شاملة لمصاريف السفر والإقامة ومقر الدورة والتغذية والكتب
ونحوها.
خامساً - حلقات تحفيظ القرآن الكريم:
أنزل الله كتابه العزيز لكي يكون نوراً وهدى للناس، وحث
الرسول ﷺ على قراءته وحفظه وتدبر آياته، وجعل الله أهل القرآن هم خاصته وأحباءه، فهم خير الناس وأعلاهم منزلة، قال النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) .
وتعلم القرآن وحفظه في الصغر مما يفيد المسلم ويعينه، وتربية النشء على
تلاوة الكتاب العزيز وحفظه وتفهمه مطلب أساس من المطالب التربوية.
ويسعى المنتدى الإسلامي ولله الحمد والمنة إلى تكوين المحاضن التربوية
لأبناء المسلمين، عن طريق افتتاح حلقات تحفيظ القرآن الكريم.
وقد أعدت اللجنة العلمية في المنتدى خطة متكاملة لهذه الحلقات يحفظ فيها
الطالب كتاب الله كاملاً في ثلاث سنوات، كما أعدت اللجنة منهجاً مبسطاً
لتعليم العقيدة الإسلامية وأصول الإسلام العامة، ليشب الطفل ويترعرع منذ نعومة
أظفاره على العلم الصحيح والعقيدة السليمة.
يُدَرّسُ في كل حلقة داعية، أو معلم قرآن، ويشرف عليه أحد الدعاة ويقدم
المدرس بعض الهدايا والجوائز التشجيعية للطلاب لجذبهم وتقريبهم إلى الحلقة،
وبخاصة المتفوقين منهم، ويبلغ عدد الدارسين في الحلقة من ٢٠ إلى ٥٠ طالباً.
وحيث إن المصاحف غير متوفرة في كثير من البلاد الإسلامية، فإن الطلاب
يستخدمون غالباً الكتابة على الألواح، ولهذا فإن المنتدى سوف يقوم إن شاء الله
تعالى بتوفير نسخ من القرآن الكريم لجميع الطلاب.
كما سوف يطبع المنتدى الإسلامي إن شاء الله المنهج العلمي المعد لتوزيعه
على المعلمين.
ويبلغ متوسط التكلفة الشهرية لحلقة تحفيظ القرآن الكريم ٨٠ دولار،
والمتوسط السنوي يبلغ ٩٦٠ دولار، وذلك يشمل: مكافأة المعلم، والمصاحف،
والمنهج العلمي، والجوائز التشجيعية، والمستلزمات الأخرى.
стр. 1719
منتدى القراء
الاعتذار من العلم ! !
جمال الحوشبي
مع كل يوم تشرق شمسه.. تقذف المطابع بالآف الكتب والرسائل العلمية التي
تُعنى بقضية (الردود) بين العلماء، أو قضية (النقد) للأطروحات أو المطبوعات،
طمعاً في التعديل أو التبديل.
كل ذلك أضحى سمة من سمات العصر اكتسحت الساحة الإسلامية كغيرها من
القضايا، وأخذت هذه الردود بالفعل (حيزاً) لابأس به من المكتبة الإسلامية الخاصة
لدى كثير من الأفراد.
لم تعد وسائل نشر تلك الردود هي الأوراق، فقد تعدت ذلك النطاق إلى
وسائل أخرى مسموعة ومرئية، وحتى نتبين حقيقة الأمر علينا أن نرجع قليلاً إلى
الوراء!
لقد مر على الأمة الإسلامية حقبة من الزمن ليست بالبعيدة كان الفقه فيها
أحكاماً بلا أدلة، والفقيه راوية بلا اجتهاد، والنحوي حافظاً بلا ملكة، كل ذلك
يسير في رتابة عجيبة لم تتبدل، وعلى طريقة شوهت صفاء الشريعة ونقائها ولما
أراد الله أن تعود للشريعة مكانتها، ويعود الفقه الإسلامي دفاقاً زاخراً متحرراً من
ربقة (التعصب) المذهبي والجمود الذي قضى على روح البحث والاجتهاد يُسرَ
سبيل مثل تلك الردود العلمية المجرّدة من الهوى، ومثل ذلك النقد الهادف بين
العلماء. إن التجّرد (للحق) لا للأشخاص والدعوة إلى نبع الكتاب والسنة ونبذ ما
خالفهما هي السمة التي يجب أن تُصبغ بها تلك الردود.
واليوم وفي غمرة انشغال بعضهم بمثل هذه الردود التي أخذت تطفو على
السطح أكثر من أي وقت مضى، تبقى الحاجة ماسة إلى التذكير بضوابط مثل تلك
الردود والانتقادات.
إن من أهم تلك الضوابط وأولاها بالطّرْق والتذكير قضية التأدب مع العلماء
المجتهدين والدعاة المخلصين من أهل السنة في شتى بقاع الأرض وتتأكد أهمية تلك
القضية إذا علمنا أن بعض القضايا قد يتصدى لها من لا يحسنها، كما أن الأمر قد
يوسد أحياناً إلى غير أهله! ! وقبل هذا وذاك الحذر من خطرات النفس والهوى
وتزيين الشيطان وحزبه، فإنهما يؤديان إلى تزييف الحقائق، وإلى اتهام النوايا
بغير برهان!
لقد زاد من غربة العمل الإسلامي اليوم فئام من الناس مادت بهم سفينة العمل
الإسلامي، وهم مع من يدّعون الإصلاح: يقولون ما لا يعملون ويعملون ما لا
يحسنون، يرصدون الزلة، ولا يبصرون شوامخ الصواب ويتتبعون الهفوة، ولا
يرجون لمجتهد ثواباً! ؟
إنه وإن ولى زمان كان يُستحى فيه من الجهل، فقد أطل زمان احتاج فيه
علماؤه ودعاته إلى أن يعتذروا مما عندهم من العلم إذا قاموا بحقه واجتهدوا في
نشره وتبليغه للناس، كل ذلك حتى لا تتهم النوايا، ولا تحمل على غير محاملها
الطوايا! وكأني بهم يرددون مقالة عبد الله بن مسلم بن قتيبة لمّا أخرج كتاباً استدرك
فيه على (أستاذه) أبي عبيد القاسم بن سلام أسماه (إصلاح الغلط في غريب الحديث
لأبي عبيد) ، فقال ﵀ بعد أن كثر عاذلوه وتصدى له شانئوه ومبغضوه من
جملة ما قاله:
« ... وقد كنا زماناً نعتذر من الجهل، فقد صرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار
من العلم، وكنا نؤمل شكر الناس بالتنبيه والدلالة، فصرنا نرضى بالسلامة،
وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال، ولا ينكر مع تغير الزمان وفي الله خلف
وهو المستعان» ، إنه لسان حال كثير من دعاة الإسلام وعلمائه في ظل تكالب
الأعداء، وكيد الحساد، وظلم ذوي القربى، وتواطؤ السواد على الصمت والرضى
بالسلامة، ونقل الأخبار من غير توثيق أو تمحيص.
أناس أمِنّاهم فبثوا حديثنا ... فلما قصرنا السير عنهم تقوّلوا
стр. 1720
الورقة الأخيرة
الدعاة بين رجل ورويجل
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
الأحداث في العالم الإسلامي تتلاحق، والمتغيرات السياسية تتابع والصراع
بين الإسلام والكفر ينتقل من طور إلى طور ومن دائرة إلى أخرى والمسلمون في
جميع الأحوال كالأيتام على موائد اللئام!
ولقد ورثت الصحوة الإسلامية المعاصرة تركة مهترئة من الانحراف والتخلف
الذي أصاب الأمة الإسلامية بعامة، نتيجة قرون متتابعة من العجز والضعف، ولن
ينهض بها من هذه الكبوة جهود أفراد معدودين مهما بلغت إمكاناتهم وقدراتهم، بل
هي في حاجة لكل الطاقات والجهود يُكمل بعضها بعضاً، ويُسدّد بعضها بعضاً ...
والعمل الإسلامي بفضل الله تعالى سائر بكل ثقة واطمئنان، يشق طريقه على
الرغم من كثرة العراقيل والعقبات، ولكن ألم يسأل الواحد منا نفسه في يوم من
الأيام: ما هو دوري في هذه المسيرة؟ ! وماذا قدّمت لخدمة هذا الدين؟ !
هل يكفي أن يبقى الإنسان متفرجاً، متابعاً لمسيرة الصحوة الإسلامية من بُعد
لا يتجاوز دوره التشجيع والتعاطف ... ؟ ! هل يكفي أن يكون دور الإنسان تكثير
سواد الصالحين فحسب ... ؟ ! أيجوز أن يقتصر الدور على الحوقلة والاسترجاع
إذا أصاب الدعوة ما أصابها؟ !
لا شك بأن هذه سلبية مفرطة، أقعدت كثيراً من الناس عن الإنتاج والعطاء،
وإننا نملك طاقات هائلة بحمد الله تعالى ولكنها طاقات كامنة خاملة، لتم تُسخر
التسخير الأمثل لخدمة الأمة، ولقد كُبلت كثير من هذه الطاقات بآسار من العجز
والضعف، حتى أصبحنا نرى جموعاً غفيرة من الصالحين، ولكن مع الأسف
الشديد حالهم كما وصفهم الشاعر:
يُثقلون الأرض من كثرتهم ... ثم لا يُغنون في أمر جلل
إن الثروة الحقيقية التي تملكها الأمة ليس في الأموال أو الأجهزة والمعدات
ونحوها، وإنما هي في الإنسان الجاد الذي يشعر بالمسؤولية وعظم الأمانة.
وإننا في مرحلة تقتضي أن يُفكر الإنسان كيف يستطيع أن ينتج، بل كيف
ينتج بأكثر من طاقته..! ولن يكون ذلك ممكنا إلا إذا وجدت الهمّة العالية والعزيمة
الصادقة، التي تتطلع إلى أفق عال وقمّة سامقة من العطاء والإبداع ولا ترضى
بالقليل من العمل.
فلا يقتل الطموحات إلا استصغار الإنسان نفسه، يُكبلها بالعجز، حتى يصل
إلى حد الشلل الذي يعوقه عن الحركة والإنتاج، وإن طاقة الإنسان تتآكل غالباً
حينما يزدري الإنسان نفسه، ويشعر أنه ضعيف لا يستطيع أن ينجز عملاً أو يبدع
أمراً. وفي كثير من الأحيان لا يكتشف الإنسان طاقاته ومواهبه إلا من خلال
التجارب.
وإنتاج المرء غالباً يعتمد على مقدار طموحه وهمته، فالإنسان الطموح هو
الذي يجعل أمامه هدفاً عالياً، حتى ولو كانت قدراته لا تؤهله لذلك الآن لأنه سوف
يحرص على تنمية قدراته للوصول إلى هدفه، فإذا نمت القدرات فإنه لن يبقى عند
هدفه الأول، بل سوف تنمو طموحاته وتزداد، وما أجمل قول شيخ الإسلام ابن
تيمية: «العامة تقول: قيمة كل امريء ما يُحسن والخاصة تقول: قيمة كل
امريء ما يطلب» [١] .