اعرف عدوك
دولة يهود من الداخل
صالح العويشق
لقد كان محور تفكير «يهود» على مر القرون ينصب على أمرين مهمين
الأول المال حيث إنهم قد أشربوا حبه كما قال تعالى: [وأشربوا في قلوبهم العجل
بكفرهم] [١] ، أما الثاني فهو العودة إلى أرض كنعان، وإذا كانت الأفكار
الصهيونية الداعية للعودة قد ظهرت ممثلة في حركة سياسية في القرن التاسع عشر
الميلادي، فإن جذورها الفكرية تعود إلى أيام النفي إلى بابل، ولقد نجحت الحركة
الصهيونية في تجميع «يهود» وإقامة دولة لهم في فلسطين، ولكن آثار فترة
الشتات الطويلة تبدو واضحة للعيان في التركيبة الاجتماعية والدينية والسياسية
لمجتمعهم اليوم.
وفيما يلي نبذة موجزة توضح التناقضات التي يعيشها «يهود» مصداقاً لقوله
تعالى:
[لا يقاتلونكم جميعاْ إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد
تحسبهم جميعاْ وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون] [٢] .
النظام الاجتماعي:
المجتمع اليهودي: مكون من خليط متنافر من الجماعات ذات الاتجاهات
المتنافرة، والأصول المتباعدة، والفروقات الثقافية والعنصرية؛ لذا كان من
الطبيعي أن يكون لكل جماعة منها تأثيرها على الواقع السياسي للعدو.
والهدف من هذه الدراسة هو تسليط الضوء على تلك الفروقات والتناقضات
التي تضرب أطنابها في تركيبة ذلك المجتمع [*] .
ويمكن تقسيم المجتمع في دولة يهود إلى قسمين رئيسين:
١- الإشكناز: وهم يهود استقروا في شمال أوروبا وشرقها، وقد تأثروا بنمط
الحياة الغربية، ويختلفون عن غيرهم في بعض نصوص الصلاة وبعض طقوس
الأعياد، وهم أقطاب الصهيونية الحديثة. [٣] .
٢- السفارديم (السفارد) : وهم اليهود الذين استقروا في حوض البحر
المتوسط وفي الوطن العربي وإيران، وكان للغة العربية تأثير قوي على لغتهم
الأم [٤] .
ويمثل الإشكناز أقلية إلا أنهم هم المتنفذون في الكيان الصهيوني، فنظرة إلى
أعضاء الكنيست (البرلمان) أو أعضاءالحكومة، أو حتى رؤسائها تجد هذا الأمر
واضحاً:
* حكومات العدو حتى ١٩٨٤م قد ضمت ٦ وزراء شرقيين من بين ٥٨
وزيراً، حيث شغلوا وزارتي البوليس والبريد غالباً [٥] .
* لم يرأس الحكومة قط يهودي من السفارديم.
* أما رؤساء الدولة فكانوا كلهم إشكناز ما عدا واحد من السفارديم، مع العلم
أن منصب رئيس الدولة شرفي.
* لا يمثل السفارد سوى ٩ % فقط من الوظائف القيادية في المجال
الاقتصادي [٦] .
وعلى الرغم من أن اليهود الشرقيين يشكلون غالبية السكان، إلا أن اليهود
الإشكناز يحاولون منذ زمن بعيد المحافظة على الوجه الغربي الحضاري للدولة.
يقول «إسحاق دويتشر» : «يوجد نوع من العداوة بين اليهود الشرقيين
والغربيين، إلا أنني أعتقد شخصياً أن اليهود الغربيين سوف يصهرون في النهاية
الشرقيين؛ لأنهم يمثلون الحضارة الأرقى التي تنتصر في العادة على الحضارة
الأدنى» [٧] .
ومع أن الهوة بين المجتمعين واسعة جداً، إلا أنها تزداد اتساعاً عند الحديث
عن يهود «الفلاشا» [٨] ، فإننا نجد معظمهم يعاني من العزلة والوحدة في
المجتمع الصهيوني، ويتعمد اليهود الآخرون استخدام لفظ (كوشي) بمعنى (العبيد)
في التعامل مع الفلاشا، مما يزيد من عمق الهوة الفاصلة بين هاتين الطبقتين.
ويصور بعض ما يعانيه يهود الفلاشا قول أحدهم: «لقد كُنا في أثيوبيا بشراً
أما هنا فلسنا سوى حمير» [٩] ، وفي الجهة المقابلة يقول رئيس وزراء إسرائيل
سابقاً (ليفي أشكول) : «إن كل المهاجرين متساوون، إنما هنالك مهاجرون
متساوون أكثر» [١٠] .
أما الحديث عن الاختلافات المذهبية بين اليهود فهو حديث ذو شجون وسآخذ
بطرف منه هنا مع الإشارة إلى أن بعض تلك المذاهب قد اندثر وفيما يلي أهم
المذاهب اليهودية:
١- الغريزيون: وهم (الربانيون) يلقبون أنفسهم «الحسيديم» أي الأتقياء
ويعتقدون بأن عيسى ﵇ زنديق! وإن كانوا معتقدين بظهور مسيح منتظر،
كما أنهم يوجهون العامة إلى احتقار الأمم والأديان والأجناس الأخرى [١١] .
٢- القناؤون: شعبة من الغريزيين إلا أنهم يمتازون بالتطرف والعنف
ويتمسكون بفكرة الوطن اليهودي الحر المستقل، وهم يفضلون الموت على أن
يبايعوا حاكماً أجنبياً، ومع أنها اندثرت كجماعة إلا أن أفكارها تسربت إلى الفكر
الصهيوني الحديث [١٢] .
٣- القراؤون: من أشد أعداء الغريزيين، ويرون أن الربانيين قد استولوا
على مقدسات إسرائيل، ومن الملفت للنظر وجود التشابه بين المنحى الفلسفي لهذه
الطائفة مع المنحى الفلسفي عند المعتزلة [١٣] .
٤- الإصلاحيون: يميلون إلى التساهل في أخذ الأحكام، وينكرون التوراة
كمصدر، وقد صرفوا النظر عن إعادة بناء الهيكل المزعوم، كما أنهم أنكروا أن
يكون الخلاص معناه إقامة دولة في فلسطين، ومما يرونه أن اليهودية دين فقط،
وليست جنسية [١٤] .
٥- المارانوس: يعتبرهم المتأخرون من علماء اليهود خارجين عن الدين
اليهودي، وكانوا في أسبانيا مدة عيشهم يظهرون النصرانية، ويبطنون
اليهودية [١٥] .
٦- الصهيونية: هي حركة التحرر الوطني اليهودي، ومن مضامينها العودة
إلى «أرض الميعاد» وإقامة الدولة اليهودية عليها، ويمكن اعتبارها حركة سياسية
ترفع شعاراً دينياً مع تبني العلمانية في نظم الدولة، ومن أهم أهدافها:
* المحافظة على تميز العنصر اليهودي.
* العمل من أجل العودة إلى «أرض الميعاد» .
* السيطرة على جميع شعوب الأرض وتسخيرها لخدمة الجنس
اليهودي [١٦] .
٧ -الفلاشا: طائفة من اليهود على أساس مذهبي وعرقي، حيث إنهم
يسكنون شرق القارة الإفريقية وفي الحبشة بخاصة، كما أنهم لا يعرفون اللغة
العبرية ولا يؤمنون بالمشنا ولا بالتلمود، إلا أنهم يؤمنون برسالة موسى عليه
السلام ومن بعده وبالكتاب المقدس، والجدير بالذكر أنه لا يوجد أي دليل قوي يبين
مبدأ نشأتهم، وسبب اعتناقهم للدين اليهودي [١٧] .
النظام السياسي لدولة يهود:
إن من الأمور الملفتة للانتباه في النظام السياسي عندهم هو ذلك العدد الهائل
من الأحزاب السياسية (٢٨) حزباً تجتمع فيما بينها في تكتلات ذات أهداف قد
تتوافق في بعض خطوطها العريضة، ويرجع بعض الباحثين ذلك التعدد إلى
الأسباب التالية:
١- عدم انتمائهم إلى تراث تاريخي واحد.
٢- وجود اختلافات عقائدية بين الصهيونيين أنفسهم، تتفاوت من أقصى
اليمين إلى أقصى اليسار.
٣- نزعة كل فريق منهم إلى التكتل مع أبناء وطنة القديم الذي هاجر
منه [١٨] .
والواقع أن تعدد الأحزاب ليس إلا انعكاساً للتركيبة المتناقضة لذلك المجتمع
والتفاوت الظاهر بين مختلف فئاته.
ويمكن تصنيف الأحزاب عندهم على النحو التالي: «التجمع العمالي» وفيه
حزب العمل، الأحزاب اليمينية (الليكود) ، الأحزاب الدينية، الأحزاب الشيوعية.
وهناك بعض الكتاب يرى تقسيمات وتصنيفات أخرى للأحزاب السابقة،
وسأكتفي هنا بالإشارة إلى أهم برامج وأهداف بعض الأحزاب والتجمعات السياسية
اليهودية الرئيسة.
أهداف حزب العمل:
السلام الحقيقي والدائم بين دولتهم وجاراتها، تجميع الشعب اليهودي في «
بلاده» ، القدس الموحدة هي عاصمة دولتهم، معارضة قيام دولة فلسطينية في
المنطقة الواقعة بين إسرائيل والأردن.
أهداف حزب الليكود:
منع إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، القدس عاصمة
دولتهم الموحدة، ضمان قوة الدولة وتعزيز أمنها وإقرار السلام مع جيرانها شرق
الأردن هو جزء من أرض دولتهم التاريخية.
الأحزاب الدينية:
بالرغم من أن كثيراً من اليهود غير متبعين لأحكام الدين اليهودي، إلا أنهم
يتأثرون بالمطالب ذات الصبغة الدينية التي تطالب بها هذه الأحزاب [١٩] .
والأحزاب الدينية قديمة ومن تطلعاتها:
* يولي حزب (أغودات) المسائل الدينية الاهتمام الأساس في نشاطه السياسي، ويربط تأييده للحكومة بمدى استعدادها لتطبيق بعض القوانين الدينية اليهودية.
* أما حزب (المفدال) فهو لن يُسَلّم أي جزء من «أرض إسرائيل»
المزعومة إلى حكم أجنبي، وبين النهر والبحر تقوم دولة واحدة هي إسرائيل
وعاصمتها الموحدة القدس، كما يسعى إلى سلام بين إسرائيل وجيرانها.
الأحزاب الشيوعية:
ومنها حزب (حداش) الذي يتكون من حزب (راكاح) ومنظمة الفهود السود،
ومما يدعو إليه تحقيق السلام العادل في نظره، وذلك بانسحاب إسرائيل من جميع
المناطق التي احتلت عام ١٩٦٧م بالإضافة إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني
في تقرير المصير، وإقامة دولة له في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس
الشرقية [٢٠] .
ومن إفرازات الصراع الطائفي اليهودي ظهر حزب (حركة شاس) المسمى
اتحاد السفارديم حراس التوراة، وتركز هذه الحركة اهتمامها على المجالات الدينية
كما أن هذه الحركة ترى أن فلسطين كلها (لشعب إسرائيل) بحكم وعد التوراة.
ونستطيع ملاحظة مدى التشابه بين برامج الأحزاب الإسرائيلية وبخاصة فيما
يخص العلاقة مع الدول العربية.
والجدير بالذكر أن تلك الأحزاب السياسية تتجه دائماً إلى التكتل في وجه أي
خطر خارجي بغض النظر عن الاختلافات الموجودة حال السلم [٢١] .
وفي ختام الحديث عن الأحزاب الإسرائيلية أشير إلى ما قاله عضو حزب
العمل السابق (أبا إيبان) : «إن إسرائيل الآن في مفترق الطرق، فإما أن تتفاوض
وتبادل الأرض بالسلام، وتحافظ على حلم إقامة الدولة اليهودية، وإما أن تتخلى
عن هذا الحلم، وتصبح دولة قمعية مستبدة يحكم مصيرها صراع داخلي
رهيب» [٢٢] .
стр. 1717
مقال
«الاستغراب» [*]
محاولة جادة لتحصين الهوية
د. أحمد بن محمد العيسى
ليس هناك حاجة كبيرة لايضاح طبيعة العلاقة القائمة بين الشرق الإسلامي،
والغرب (النصراني العلماني) من الناحية العسكرية والسياسية منذ أن تمكنت الدولة
الإسلامية الوليدة من تهديد وجود الدولة الرومانية في الشام ومصر وشمال أفريقيا،
ومن ثم تهديد أوربا ذاتها. لقد كان أساس هذه العلاقة ولايزال، الصراع والصدام
العسكري. وعلى الرغم من أن أهداف الفريقين لم تكن واحدة، إلا أن كل فريق
يرى في الفريق الآخر منافساً قوياً وعدواً لدوداً يسعى إلى فرض سيطرته، وفرض
نظامه العقدي والحضاري في منطقته وبين سكانه. والمسلمون في عصورهم
الزاهية كانوا يرون الامتداد الطبيعي للدعوة والجهاد يسير في الاتجاهين: الشرق
من بلاد فارس والهند وآسيا الوسطى إلى جنوب شرق آسيا، وفي الغرب من
المغرب العربي والأندلس إلى جنوب أوربا وشرقها. والغرب كان يرى الامتداد
الطبيعي لمصالحه وسيطرة مملكاته النصرانية (في العصور الوسطى) ثم دوله
الاستعمارية وشركاته المتعددة الجنسيات، في العصور الحديثة يسير في اتجاه
الشرق، ولابد أن يخترق العالم الإسلامي بأكمله حتى يصل إلى الشرق الأقصى.
ورافق علاقة الصدام العسكري والسياسي، بعدٌ حضاري وثقافي شديد
الوضوح والاستقطاب، فكل فريق منتصر يقوم بتثبيت أركان نظامه العقائدي ورؤاه
الحضارية للكون والإنسان في المناطق «المحررة» ، وغالباً ما يقوم الفريق
المنهزم كما يقرر ابن خلدون بتقليد الفريق المنتصر «ولذلك ترى المغلوب يتشبه
أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر
أحواله..» [١] .
ولهذا فلو تتبعنا العلاقة الثقافية بين المعسكرين منذ عصر صدر الإسلام،
وحتى اليوم نجد أنها تميزت بمراحل ثقافية وتاريخية متميزة:
١- في أول عصور الاصطدام الحضاري بين الشرق الإسلامي والغرب
النصراني، لم يكن للدولة الرومانية المنهزمة أي فعل حضاري متميز، عدا بعض
ما نقله المسلمون من أدواتهم الثقافية مثل حركة تعريب الدواوين وسك العملات..
ولهذا فقد دخل سكان البلاد التي فتحها المسلمون في الدين الحنيف دون مقاومة
كبيرة.. ولكن حصل بُعيد ذلك وفي أواخر عهد الدولة الأموية، ثم تطور في عهد الدولة العباسية، ماسمي في التاريخ الإسلامي «بحركة الترجمة» ، حيث تُرجمت العلوم اليونانية، مثل الفلسفة والرياضيات والفلك، إلى العربية. وعلى الرغم من أن هذه الحركة قد أثرت تأثيراً مهماً في الفكر الإسلامي حيث ظهرت بعض المذاهب «العقلانية» المتأثرة بالفلسفة اليونانية مثل مذهب المعتزلة، إلا أن هذا التأثير كان تأثيراً ذاتياً تم بمبادرة من المسلمين، ولم يكن فعلاً ثقافياً مفروضاً من
الخارج.
٢- وعندما كان المسلمون يمثلون القمة في الفعل الحضاري والتفوق العسكري، ... كان لزاماً أن ينتقل التأثير إلى مراكز الضعف الثقافي في مختلف البلاد التي
احتكت بالعالم الإسلامي، وكان الغرب أحد هذه المراكز، فحدث أن حصل بعد
الحروب الصليبية، رد فعل قوي في الغرب من جراء الاصطدام بالحضارة
الإسلامية ومنجزاتها سواءاً أكان ذلك في الشرق الإسلامي أم في بلاد الأندلس التي
كانت تعيش في الناحية الأخرى أزهى عصورها حضارياً.. ولهذا حدث ما يسمى
بالاستيقاظ والانتباه الغربي، قبل ما يسمى «بعصر النهضة» الأوربية. وبدأت
تسير بعد ذلك عملية البناء الثقافي في الغرب في اتجاهين: الأول: ببعث التراث
الثقافي اليوناني والروماني بشكل مكثف، حتى يكون الركيزة الأساسية للنهضة،
والثاني: كان لابد من صد هذا الفكر الغازي وجعله غريباً بين الناس، إما بتجاهله، أو بإيجاد المراجع العلمية التي تستطيع تفسير هذا الفكر (الغريب) وتصويره
للناس بما لا يتعارض مع المقومات الأساسية التي سار بها الإتجاة الأول. أما كيف
يتم تجاهل حدثاً ثقافياً بارزاً، وفعلاً حضارياً يطرق الباب، فتحدثنا عنه المستشرقة
«زيغريد هونكة» بقولها: «أما أن تكون ثمة شعوباً أخرى، وأطراف من
الأرض لها شأن عظيم في التاريخ، بل وفي تاريخنا الغربي خاصة، فذلك أمرٌ لم
يعد بالإمكان تجاهله في حاضر قد طاول النجوم عظمة. لأجل ذلك، يخيل إلي أن
الوقت قد حان للتحدث عن شعب قد أثر بقوة على مجرى الاحداث العالمية، ويدين
له الغرب، كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير. وعلى الرغم من ذلك فإن
من يتصفح مئة كتاب تاريخي، لا يجد اسماً لذلك الشعب في ثمانية وتسعين منها.
وحتى هذا اليوم، فإن تاريخ العالم، بل وتاريخ الآداب والفنون والعلوم لا يبدأ
بالنسبة إلى الإنسان الغربي وتلميذ المدرسة إلا بمصر القديمة وبابل بدءاً خاطفاً
وسريعاً، ثم يتوسع ويتشعب ببلاد الاغريق ورومة، ماراً مروراً عابراً ببيزنطية،
ومنتقلاً إلى القرون الوسطى المسيحية، لينتهي منها آخر الأمر، بالعصور
الحديثة..» [٢] .
كان هذا التجاهل جزءاً من الاستراتيجية الغربية في صد الفكر الإسلامي أما
إذا اضطر الغرب إلى التعامل مع بلاد الإسلام وخاصة منذ عصر «النهضة»
الغربية، فكان لابد من إيجاد وسيلة أخرى، وكانت هذه الوسيلة هي ما يسمى اليوم
بـ «الاستشراق» . لقد كان للإستشراق مهمة تاريخية واضحة، وهي تحصين
الهوية الثقافية اأوربية عن طريق تكوين المراجع العلمية الغربية التي تستطيع أن
تحدث وتناقش بطريقة علمية لا تدع مجالاً للاختراق الثقافي من الخارج. (يمكن
الاطلاع على ما كتبه الأستاذ محمود محمد شاكر في بحثه المتميز: «رسالة في
الطريق إلى ثقافتنا» عن تاريخ الاستشراق وأهدافه) . ويؤكد إدوارد سعيد في
كتابه الهام «الاستشراق» حقيقة أن الدراسات الاستشراقية لم يكن هدفها في
الأساس معرفة الشرق على حقيقته، ولهذا فهو يقول: «أنا شخصياً أعتقد أن قيمة
الاستشراق على وجه الخصوص، هي في كونه علامة على السلطة الأوربية
الأطلنطية على الشرق، أكثر من كونه بحث حقيقي عن الشرق، (وهذا ما يدعيه
شكله الأكاديمي) ... ولذلك فإن الاستشراق هو بعد هام للثقافة الفكرية السياسية
الحديثة، ولهذا فليس له علاقة كبيرة بالشرق، أكثر من علاقته بعالمنا» نحن «..
وبطريقة ثابتة فإن الاستشراق يعتمد في استراتيجيته على التفوق المركزي الذي
يضع الغربي في مجموعة من العلاقات المحتملة مع الشرق، ولكن بدون أن تفقده
دائماً اليد العليا ... » [٣] .
وأصبح «الاستشراق» من هذا المنطلق يمثل رأس الحربة في توجه
سياسات الغرب الاستعمارية منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وحتى الآن
حيث لايزال يمارس نفس الدور تقريباً من خلال مراكز الدراسات الإسلامية في
الجامعات الغربية، ومن خلال مراكز الدراسات الاستراتيجية التي ترسم السياسات
الغربية في مجالات متعددة.
٣- أما المرحلة الثقافية الثالثة التي تميز العلاقة الحضارية بين الغرب
والشرق الإسلامي فتتمثل في مرحلة «التغريب» التي بدأت منذ بداية عصر
الاستعمار الحديث للعالم الإسلامي من قبل أوربا، وبالتحديد من غزو نابليون مصر
عام ١٧٩٨ م. وقد استمر «التغريب» سمة ثقافية بارزة حتى بعد أن اضطر
الغرب إلى تقويض خيامه العسكرية والرحيل. أما كيف حدث هذا؟ فيحدثنا الكاتب
الفرنسي (ك موريل) بسخرية عن تلك الفترة فترة تصفية الاستعمار: «إذا أرخنا
للمعارك فقد أخفق الاستعمار. ويكفي أن نؤرخ للعقليات لنتبين أننا إزاء أعظم نجاح
في كل العصور. إن أروع ما حققه الاستعمار هو مهزلة تصفية الاستعمار.. لقد
انتقل البيض إلى الكواليس، لكنهم لايزالون مخرجي العرض المسرحي ... » [٤] .
ويشير المؤرخ الأمريكي (دافيد فرومكين) عن تلك الحقيقة في كتابه (سلام ما
بعد سلام) بقوله: «كان أمراً مألوفاً في بدايات القرن العشرين، عندما كان
تشرشل وضيوفه يمضون الوقت في رحلتهم على متن اليخت أنشانترس، أن
يفترض المرء أن الشعوب الأوربية ستواصل القيام بدور السيطرة الذي تمارسه في
الشؤون العالمية إلى أبعد ما تستطيع البصيرة أن ترى. وكان من الشائع أيضاً
الافتراض أن الشعوب الأوربية بعد أن أنجزت معظم ما اعتبره كثيرون رسالة
الغرب التاريخية أي تحديد المصير السياسي للشعوب الأخرى على الكرة الأرضية
فلا بد أنها متممة هذه الرسالة. وكانت بلدان الشرق الأوسط بارزة بين البلدان التي
كان على الأوربيين التعامل معها، إذ هي بين قلة من المناطق المتبقية على كوكبنا
دون أن يعاد تكوين شكلها اجتماعياً وثقافياً وسياسياً على صورة أوروبا
ومثالها ... » [٥] . إذن كان التغريب الثقافي والفكري (على صورة أوروبا ومثالها) هدف من أهداف الاستعمار العسكري والسيبريالية على الشرق الإسلامي. وبالفعل تمكنت أوروبا من تحويل اتجاه طلائع «المثقفين العرب» إلى الفكر والفلسفة الأوربية لتبدأ «حركة الترجمة» الثانية، ولكنها هذه المرة حركة مفروضة من الخارج ترى في أوروبا المثال النموذج، وترى في التراث الإسلامي التأخر والرجعية، وأصبحت تنظر للحضارة والثقافة من منظار غربي لا أثر فيه للتميز الحضاري، بل أن «نسير سيرة الأوربيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يُعاب، وأن نشعر الأوربي بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها ... » [٦] .
الحقيقة أن التغريب يجري على دم وساق، ويواجه العالم الإسلامي وبقية دول
ما يسمى (بالعالم الثالث) ، بشكل لم يسبق له مثيل، خطر تفتيت الهوية الثقافية
والاجتماعية. وعلى الرغم من أن مسيرة التغريب قد بدأت منذ وقت طويل، إلا
أنها بدأت تأخذ أشكالاً مختلفة وأكثر خطورة منذ سقوط الشيورعية، وانفراد القوة
الأخرى بالمسرح العالمي. فقد سيطرت المنظومة الليبرالية الرأسمالية على
المنظمات الدولية (الأمم المتحدة، صندوق، اليونسكو، منظمات الإغاثة العالمية،
وأخيراً منظمة التجارة العالمية «الجات» ..) وتمكنت عن طريق هذه السيطرة
من فرض القوانين الدولية التي تراعي نظامها ومصالحها. كما سيطرت المنظومة
الليبرالية الرأسمالية على وسائل الإتصال الحديثة وتمكنت بفضل التقدم التقني
الهائل من الوصول بقيمها ومعتقداتها إلى جميع بقاع العالم تقريباً. (ينطلق فيض «
ثقافي» بمعنى فريد من بلدان المركز الغرب ويجتاح الكرة الأرضية) . تتدفق
صور، كلمات، قيم أخلاقية، قواعد قانونية، اصطلاحات سياسية، معايير كفاءة، من الوحدات المبدعة إلى بلدان العالم الثالث من خلال وسائل الإعلام (صُحف،
إذاعات، تلفزيونات، أفلام، كتب، أسطوانات، فيدو) . ويتركز الجانب الأكبر
من الإنتاج العالمي «للعلامات» في الشمال، أو يصنع في معامل يسيطر عليها،
أو حسب معاييره وموضاته. وسوق المعلومات شبه احتكار لاربع وكالات:
أسوشيتيد برسس وينايتد برس (الولايات المتحدة) ، رويتر (بريطانيا العظمى) ،
فرانس برس. وتشترك في هذه الوكالات كافة إذاعات العالم، كافة شبكات تلفزيون
العالم، كافة صحف العالم. ويتدفق ٦٥% من المعلومات العالمية من الولايات
المتحدة. ومن ٣٠ إلى ٧٠% من البث التلفزيوني مستورد من المركز.. وهذا
الفيض من المعلومات لا يمكنه إلا أن «يشكل» رغبات وحاجات المستهلكين،
أشكال سلوكهم، عقلياتهم، مناهج تعليمهم، أنماط حياتهم « [٧] .
ولعل من مظاهر هذه السيطرة تفشي الأنماط الثقافية الاستهلاكية في
المجتمعات الإسلامية، ومنها طغيان النزعة الفردية وحب الذات في التعمل مع
الآخرين، وأيضاً الاستسلام للعامل الدعائي في ترويج المنتجات، وكذلك إتجاه
الأفراد وخاصة الشباب إلى الثقافة السطحية السهلة، فتجد الشاب لا يستطيع أن
يجلس ليقرز كتاباً كاملاً، بل يريد الكتاب مختصراً في صفحة أو صفحتين..
وهكذا، فنحن كما يقولون في (زمن السرعة) ومنها أيضاً تفشي ظاهرة المأكولات
السريعة، نتيجة لانتشار هذه النوعية من المطاعم والمتاجر، وكل هذا يعكس
الانماط الاجتماعية السائدة في بلاد الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وربما كان من أخطر مظاهر التغريب في العلاقات الولية أن أصبح الاقتصاد
والقوة المالية هي العامل الأساسي في علاقات وتحالفات الدول، فلا قيم ولا ثقافة،
ولا مبادىء. وهذا يؤكده المفكر والاقتصادي الفرنسي (جاك أتالي) بقوله:» إن
البشرية تدخل في مرحلة من الزمن جديدة تماماًك التاريخ يتسارع، التكتلات تتفكك، الديمقراطية تحقق انتصارات جديدة، ممثلون ورهانات جديدة تبرز على المسرح، أمام هذه التحولات التي تبدو في ظاهرها مبعثرة لا يربط فيما بينها أي رابط،
يسود لدى المراقبين الحذر من النماذج الموجودة، ويغلب الاستسلام لمزاج القوى
العديدة التي تحرك كوكبنا، كما يغلب الميل إلى إعطاء السوق دورً حاسماً في كل
شيء بما في ذلك دور الحكم في مصير الثقافات.. « [٨] .
الاستغراب: هل يكون المحطة الرابعة؟
ولمواجهة هذا المد التغريبي الهائل، لابد أولاً من إدراك خطورة العلاقات
الغير متكافئة بين الفريقين، ثم بإتخاذ استراتيجية تعتمد على محورين أساسيين،
أولهما: بعث العقيدة الإسلامية الصحيحة والفكر الإسلامي الأصيل ونشره بين
الناس ليكون الركيزة الأساسية للنهضة، ثم قيام مراجع علمية إسلامية تدرس
الغرب، وتفهم منطلقاته وأهدافه ونظم حياته الثقافية والفكرية، لتكون الحاجز الأول
لتحصين الهوية الإسلامية، وهذا ما نسميه بـ» الاستغراب «. (وهذين
المحورين شبيهين بالطريقتين اللتين سلكهما الغرب عند مواجهته للحضارة الإسلامية، ... وعندما كان في بداية نهضته الحالية. وليس في هذا تقليداً للغرب، بل هما فيما
أحسب سنة من سنن الله في الكون) .
وعلى الرغم من أن الصحوة الإسلامية المعاصرة قد أدركت أهمية الشق
الأول من هذه الاستراتيجية، فبدأت بالاهتمام بالعلم الشرعي، وتصحيح المعتقدات، ونشر كتب العقيدة والعلوم الإسلامية، بل لا يزال كثير من المفكرين والمنظرين
للصحوة، لا يدركون خطورة المرحلة الحالية، ويحتفظون بأفكار سطحية عن
الغرب، وعن علاقاته بالمجتمعات الإسلامية، وذلك لغياب المراجع التي يتستطيع
أن تشكل الرؤية الإسلامية عن الغرب، بعيداً عن تنظيرات فلاسفة» التغريب «
المعاصرين (ولا تقل عنها سواً تنظيرات احجاب الفكر الإسلامي المستنير! عن
طبيعة العلاقة بين الغرب في ظل ظروف التغريب الشامل) .
إن الاستغراب الذي نشير إليه هنا، ينبغي أن ينطلق من أسس واضحة ليحقق
بعض الأهداف الهامة:
١- استثمار نجاح الصحوة الإسلامية في كسر حدة الانبهار بالغرب، حيث
بدأ كثير من الشباب المسلم يعيد تقويمه للتقدم التقني الغربي. وحتى يتم تعميق
الاعتداد بالنفس، والشعور بالانتماء للأمة والتميز الحضاري والفكري، ينبغي
نقض وتعرية مفاهيم الغرب وقيمه التي يبثها في العالم (الديمقراطية، الحداثة،
الثقافة العالمية.. الخ) ولن يتم هذا النقض إلا بمعرفة أسس هذه المفاهيم وتناقضاتها
على مستوى التنظير، وعلى مستوى التطبيق.
٢- عند إيجاد المراجع الإسلامية الذين يمكن أن نطلق عليهم بـ»
المشتغربين «سوف يتظاءل تأثير (المتغربين) من أبناء المسلمين، الذين يرون في
الغرب، النموذج والمثال، في الفكر والأدب والاقتصاد وقيم العمل، وقيم السياحة، والعلاقات الاجتماعية.. الخ، ولن تحتاج الأمة إلى عناء كبير لكشف شبهاتهم
التنظيرية، إذ أن لديها من يعرف فكر (القوم) ومصالحه ومخططاته.
٣- وعندما نتمكن من دراسة الغرب دراسة واعية في سبيل تحصين هوية
الأمة، والحفاظ على مصالحها، سوف نستطيع دراسة تأثير التطورات التي تحدث
في الغرب في جميع المستويات السياسية، والاقتصادية، والفكرية، والاجتماعية،
على ثقافة الأمة وعلى مصالحها ومستقبلها. إن غياب الروية الحقيقية لما يجري في
الغرب تجعلنا نعيش في ظروف وأحوال ليست من صنعنا، ولا نعرف كيف حدثت، ولماذا، ومن المستفيد منها؟
إن الاستغراب هو محاولة جادة لدراسة الغرب، ليس بهدف الترف الثقافي
والفكري كما حصل عندما ترجمت الفلسفة اليونانية في القرون الإسلامية الزاهية
وإنماا لتحقيق مصالح في غاية الأهمية ومنها في المقام الأول تحصين الهوية
الإسلامية في ظل ظروف التغريب الجامح الذي يجري تطبيقه علي أكثر من صعيد. ...
стр. 1718
من ثمار المنتدى
أنشطة المنتدى الإسلامي
التحرير
سبق الحديث عن بعض مشاريع «المنتدى الإسلامي» مثل: «كفالة الدعاة،
وبرنامج شهر رمضان الماضي، ومشروع مكافحة العمى بدولة تشاد» ، وفي هذا
العدد نواصل الحديث عن مزيد من المشاريع كما يلي:
- البيان -
رابعاً - الدورات والملتقيات العلمية:
ينتشر الدعاة المحليون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتختلف قدراتهم
الدعوية، ومستوياتهم العلمية، وبسبب غياب العلماء وطلاب العلم وانهماك كثير
من الدعاة في أمورهم الخاصة، أصبح الضعف العلمي سمة سائدة عند كثير من
الدعاة.
والعلم الشرعي هو الأساس في العمل الدعوي، فإذا غاب العلم حصل
الاضطراب عند الدعاة، قال الله تعالى: [أفمن يمشي مكباْ على وجهه أهدى أمن
يمشي سوياْ على صراط مستقيم] [الملك: ٢٢] .
ومن أجل ربط الدعاة بالعلوم الشرعية، وتنمية قدراتهم العلمية، سعى
المنتدى الإسلامي إلى إقامة الدورات الشرعية والملتقيات الدعوية التي بلغ عددها
حتى إصدار هذا العدد (١٨) ملتقى دعوي و (١٦) دورة شرعية، وهي أربعة
أنواع:
١- دورات شرعية متخصصة قصيرة:
يشترك فيها الدعاة المتخرجون من الجامعات أو الدعاة المتميزون في المنطقة، وتقوم اللجنة العلمية في المنتدى الإسلامي بإعداد برنامج تفصيلي لهذه الدورات
حسب حاجة الدعاة المستفيدين بالتشاور مع بعض العلماء وطلاب العلم، ثم يتكفل
المنتدى الإسلامي بإرسال عدد من طلاب العلم إلى مقر الدورة، ويقوم مكتب
المنتدى في المنطقة بالترتيب والإعداد لهذه الدورة ويتراوح عدد المستفيدين في
الدورة الواحدة من ٥٠ إلى ١٠٠ داعية.
٢- دورات شرعية متخصصة طويلة:
يشترك فيها الدعاة المتخرجون من الجامعات الإسلامية، وهي دورات مركزة
يشترك فيها حوالي ٣٠ داعية لمدة ثلاثة أشهر، وتقام فيها الدروس المتتابعة يومياً
بعد الفجر إلى المساء في العقيدة والفقه وأصوله والتفسير والحديث ومصطلحه وفقه
الدعوة، بالإضافة إلى بعض التطبيقات الميدانية.
٣- ملتقيات دعوية إقليمية:
ويدعى إليها الدعاة من دول مختلفة، ومن أماكن متفرقة، ويرسل المنتدى
الإسلامي عدداً من الدعاة المؤهلين شرعياً ودعوياً لإلقاء الدروس والمحاضرات في
هذه الملتقيات، ويستمر انعقاد الملتقى من عشرة أيام إلى خمسة عشر يوماً،
ويتراوح عدد المستفيدين من الملتقى الدعوي من ٨٠ إلى ١٥٠ داعية.
٤- دورات شرعية محلية:
يشترك فيها الدعاة المحليون بمختلف المستويات، حيث يقوم الدعاة المحليون
الأكفاء التابعون للمنتدى الإسلامي بالتدريس في هذه الدروات، ويتم إعداد المنهج
العام من قبل اللجنة العلمية بالمنتدى.
ويعتزم المنتدى إقامة عدد من الملتقيات الدعوية والدورات الشرعية في
الصيف القادم إن شاء الله.
وتهدف هذه الدورات والملتقيات الدعوية إلى:
١- نشر وترسيخ العقيدة الصحيحة.
٢- تنشيط وتقوية الدعاة.
٣- نشر العلم الشرعي بين أوساط الدعاة.
٤- تواصل الدعاة وطلاب العلم.
٥- ترشيح الدعاة المتميزين لكفالتهم ضمن دعاة المنتدى الإسلامي (إن لم
يكونوا مكفولين من أي جهة أخرى) .
٦- جمع معلومات عن المناطق التي ينتمي إليها المشاركون.
٧- معالجة المشكلات الدعوية الميدانية التي يعاني منها الدعاة.
تكاليف هذه الدورات:
* التكلفة التقديرية لدورة شرعية متخصصة ٣٠٠. ٥ دولار.
* التكلفة التقديرية لدورة شرعية محلية ٣٥٠. ١ دولار.
* التكلفة التقديرية لملتقى دعوي إقليمي ٠٠٠ر٨ دولار.
وهذه التكلفة شاملة لمصاريف السفر والإقامة ومقر الدورة والتغذية والكتب
ونحوها.
خامساً - حلقات تحفيظ القرآن الكريم:
أنزل الله كتابه العزيز لكي يكون نوراً وهدى للناس، وحث
الرسول ﷺ على قراءته وحفظه وتدبر آياته، وجعل الله أهل القرآن هم خاصته وأحباءه، فهم خير الناس وأعلاهم منزلة، قال النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) .
وتعلم القرآن وحفظه في الصغر مما يفيد المسلم ويعينه، وتربية النشء على
تلاوة الكتاب العزيز وحفظه وتفهمه مطلب أساس من المطالب التربوية.
ويسعى المنتدى الإسلامي ولله الحمد والمنة إلى تكوين المحاضن التربوية
لأبناء المسلمين، عن طريق افتتاح حلقات تحفيظ القرآن الكريم.
وقد أعدت اللجنة العلمية في المنتدى خطة متكاملة لهذه الحلقات يحفظ فيها
الطالب كتاب الله كاملاً في ثلاث سنوات، كما أعدت اللجنة منهجاً مبسطاً
لتعليم العقيدة الإسلامية وأصول الإسلام العامة، ليشب الطفل ويترعرع منذ نعومة
أظفاره على العلم الصحيح والعقيدة السليمة.
يُدَرّسُ في كل حلقة داعية، أو معلم قرآن، ويشرف عليه أحد الدعاة ويقدم
المدرس بعض الهدايا والجوائز التشجيعية للطلاب لجذبهم وتقريبهم إلى الحلقة،
وبخاصة المتفوقين منهم، ويبلغ عدد الدارسين في الحلقة من ٢٠ إلى ٥٠ طالباً.
وحيث إن المصاحف غير متوفرة في كثير من البلاد الإسلامية، فإن الطلاب
يستخدمون غالباً الكتابة على الألواح، ولهذا فإن المنتدى سوف يقوم إن شاء الله
تعالى بتوفير نسخ من القرآن الكريم لجميع الطلاب.
كما سوف يطبع المنتدى الإسلامي إن شاء الله المنهج العلمي المعد لتوزيعه
على المعلمين.
ويبلغ متوسط التكلفة الشهرية لحلقة تحفيظ القرآن الكريم ٨٠ دولار،
والمتوسط السنوي يبلغ ٩٦٠ دولار، وذلك يشمل: مكافأة المعلم، والمصاحف،
والمنهج العلمي، والجوائز التشجيعية، والمستلزمات الأخرى.
стр. 1719
منتدى القراء
الاعتذار من العلم ! !
جمال الحوشبي
مع كل يوم تشرق شمسه.. تقذف المطابع بالآف الكتب والرسائل العلمية التي
تُعنى بقضية (الردود) بين العلماء، أو قضية (النقد) للأطروحات أو المطبوعات،
طمعاً في التعديل أو التبديل.
كل ذلك أضحى سمة من سمات العصر اكتسحت الساحة الإسلامية كغيرها من
القضايا، وأخذت هذه الردود بالفعل (حيزاً) لابأس به من المكتبة الإسلامية الخاصة
لدى كثير من الأفراد.
لم تعد وسائل نشر تلك الردود هي الأوراق، فقد تعدت ذلك النطاق إلى
وسائل أخرى مسموعة ومرئية، وحتى نتبين حقيقة الأمر علينا أن نرجع قليلاً إلى
الوراء!
لقد مر على الأمة الإسلامية حقبة من الزمن ليست بالبعيدة كان الفقه فيها
أحكاماً بلا أدلة، والفقيه راوية بلا اجتهاد، والنحوي حافظاً بلا ملكة، كل ذلك
يسير في رتابة عجيبة لم تتبدل، وعلى طريقة شوهت صفاء الشريعة ونقائها ولما
أراد الله أن تعود للشريعة مكانتها، ويعود الفقه الإسلامي دفاقاً زاخراً متحرراً من
ربقة (التعصب) المذهبي والجمود الذي قضى على روح البحث والاجتهاد يُسرَ
سبيل مثل تلك الردود العلمية المجرّدة من الهوى، ومثل ذلك النقد الهادف بين
العلماء. إن التجّرد (للحق) لا للأشخاص والدعوة إلى نبع الكتاب والسنة ونبذ ما
خالفهما هي السمة التي يجب أن تُصبغ بها تلك الردود.
واليوم وفي غمرة انشغال بعضهم بمثل هذه الردود التي أخذت تطفو على
السطح أكثر من أي وقت مضى، تبقى الحاجة ماسة إلى التذكير بضوابط مثل تلك
الردود والانتقادات.
إن من أهم تلك الضوابط وأولاها بالطّرْق والتذكير قضية التأدب مع العلماء
المجتهدين والدعاة المخلصين من أهل السنة في شتى بقاع الأرض وتتأكد أهمية تلك
القضية إذا علمنا أن بعض القضايا قد يتصدى لها من لا يحسنها، كما أن الأمر قد
يوسد أحياناً إلى غير أهله! ! وقبل هذا وذاك الحذر من خطرات النفس والهوى
وتزيين الشيطان وحزبه، فإنهما يؤديان إلى تزييف الحقائق، وإلى اتهام النوايا
بغير برهان!
لقد زاد من غربة العمل الإسلامي اليوم فئام من الناس مادت بهم سفينة العمل
الإسلامي، وهم مع من يدّعون الإصلاح: يقولون ما لا يعملون ويعملون ما لا
يحسنون، يرصدون الزلة، ولا يبصرون شوامخ الصواب ويتتبعون الهفوة، ولا
يرجون لمجتهد ثواباً! ؟
إنه وإن ولى زمان كان يُستحى فيه من الجهل، فقد أطل زمان احتاج فيه
علماؤه ودعاته إلى أن يعتذروا مما عندهم من العلم إذا قاموا بحقه واجتهدوا في
نشره وتبليغه للناس، كل ذلك حتى لا تتهم النوايا، ولا تحمل على غير محاملها
الطوايا! وكأني بهم يرددون مقالة عبد الله بن مسلم بن قتيبة لمّا أخرج كتاباً استدرك
فيه على (أستاذه) أبي عبيد القاسم بن سلام أسماه (إصلاح الغلط في غريب الحديث
لأبي عبيد) ، فقال ﵀ بعد أن كثر عاذلوه وتصدى له شانئوه ومبغضوه من
جملة ما قاله:
« ... وقد كنا زماناً نعتذر من الجهل، فقد صرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار
من العلم، وكنا نؤمل شكر الناس بالتنبيه والدلالة، فصرنا نرضى بالسلامة،
وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال، ولا ينكر مع تغير الزمان وفي الله خلف
وهو المستعان» ، إنه لسان حال كثير من دعاة الإسلام وعلمائه في ظل تكالب
الأعداء، وكيد الحساد، وظلم ذوي القربى، وتواطؤ السواد على الصمت والرضى
بالسلامة، ونقل الأخبار من غير توثيق أو تمحيص.
أناس أمِنّاهم فبثوا حديثنا ... فلما قصرنا السير عنهم تقوّلوا
стр. 1720
الورقة الأخيرة
الدعاة بين رجل ورويجل
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
الأحداث في العالم الإسلامي تتلاحق، والمتغيرات السياسية تتابع والصراع
بين الإسلام والكفر ينتقل من طور إلى طور ومن دائرة إلى أخرى والمسلمون في
جميع الأحوال كالأيتام على موائد اللئام!
ولقد ورثت الصحوة الإسلامية المعاصرة تركة مهترئة من الانحراف والتخلف
الذي أصاب الأمة الإسلامية بعامة، نتيجة قرون متتابعة من العجز والضعف، ولن
ينهض بها من هذه الكبوة جهود أفراد معدودين مهما بلغت إمكاناتهم وقدراتهم، بل
هي في حاجة لكل الطاقات والجهود يُكمل بعضها بعضاً، ويُسدّد بعضها بعضاً ...
والعمل الإسلامي بفضل الله تعالى سائر بكل ثقة واطمئنان، يشق طريقه على
الرغم من كثرة العراقيل والعقبات، ولكن ألم يسأل الواحد منا نفسه في يوم من
الأيام: ما هو دوري في هذه المسيرة؟ ! وماذا قدّمت لخدمة هذا الدين؟ !
هل يكفي أن يبقى الإنسان متفرجاً، متابعاً لمسيرة الصحوة الإسلامية من بُعد
لا يتجاوز دوره التشجيع والتعاطف ... ؟ ! هل يكفي أن يكون دور الإنسان تكثير
سواد الصالحين فحسب ... ؟ ! أيجوز أن يقتصر الدور على الحوقلة والاسترجاع
إذا أصاب الدعوة ما أصابها؟ !
لا شك بأن هذه سلبية مفرطة، أقعدت كثيراً من الناس عن الإنتاج والعطاء،
وإننا نملك طاقات هائلة بحمد الله تعالى ولكنها طاقات كامنة خاملة، لتم تُسخر
التسخير الأمثل لخدمة الأمة، ولقد كُبلت كثير من هذه الطاقات بآسار من العجز
والضعف، حتى أصبحنا نرى جموعاً غفيرة من الصالحين، ولكن مع الأسف
الشديد حالهم كما وصفهم الشاعر:
يُثقلون الأرض من كثرتهم ... ثم لا يُغنون في أمر جلل
إن الثروة الحقيقية التي تملكها الأمة ليس في الأموال أو الأجهزة والمعدات
ونحوها، وإنما هي في الإنسان الجاد الذي يشعر بالمسؤولية وعظم الأمانة.
وإننا في مرحلة تقتضي أن يُفكر الإنسان كيف يستطيع أن ينتج، بل كيف
ينتج بأكثر من طاقته..! ولن يكون ذلك ممكنا إلا إذا وجدت الهمّة العالية والعزيمة
الصادقة، التي تتطلع إلى أفق عال وقمّة سامقة من العطاء والإبداع ولا ترضى
بالقليل من العمل.
فلا يقتل الطموحات إلا استصغار الإنسان نفسه، يُكبلها بالعجز، حتى يصل
إلى حد الشلل الذي يعوقه عن الحركة والإنتاج، وإن طاقة الإنسان تتآكل غالباً
حينما يزدري الإنسان نفسه، ويشعر أنه ضعيف لا يستطيع أن ينجز عملاً أو يبدع
أمراً. وفي كثير من الأحيان لا يكتشف الإنسان طاقاته ومواهبه إلا من خلال
التجارب.
وإنتاج المرء غالباً يعتمد على مقدار طموحه وهمته، فالإنسان الطموح هو
الذي يجعل أمامه هدفاً عالياً، حتى ولو كانت قدراته لا تؤهله لذلك الآن لأنه سوف
يحرص على تنمية قدراته للوصول إلى هدفه، فإذا نمت القدرات فإنه لن يبقى عند
هدفه الأول، بل سوف تنمو طموحاته وتزداد، وما أجمل قول شيخ الإسلام ابن
تيمية: «العامة تقول: قيمة كل امريء ما يُحسن والخاصة تقول: قيمة كل
امريء ما يطلب» [١] .
стр. 1721
المحرم - ١٤١٥هـ
يونيو - ١٩٩٤م
(السنة: ٩)
стр. 1722
كلمة صغيرة
أعلنت الإدارة الأمريكية مؤخراً قائمة بالدول المتهمة بالإرهاب أو التي تدعمه
وبغض النظر عن مدى صحة أو عدم صحة الاتهام لتلك الدول، إلا أننا - ومعنا
كل منصف -وبنظرة موضوعية نؤكد أن ذلك التصنيف ناقص وغير موضوعي
حيث لم يذكر فيه ما يلي:
١- دول غربية لها باع كبير في الإرهاب وعلى رأسها صربيا وكرواتياً.
٢- العدو لصهيوني أكبر دولة إرهابية مسؤولة عما يتعرض له الشعب
الفلسطيني من اضطهاد.
٣- دول عربية لا يكاد يمر يوم إلا ويقتل رجال الأمن فيه أفرادا من شعوبها، ولا يمر شهر دون أن تعلق الرقاب فيها ظلماً وعدوانا!
٤- دول أخرى تمارس الإرهاب ضد المسلمين مثل الهند وبورما والفلبين
وتايلاند وطاجكستان!
إننا نعلم أن حقد الغرب وعداوته لأمتنا وديننا لن يجتمع مع العدل في سلة
واحدة، وستظل قائمة الإرهاب تلك يداً تهز سنوياَ أكتاف المخدوعين بعدالة الغرب!
وستبقى القائمة نفسها ناقصة يخرج منه كل إرهابي حقيقي مادام إرهابه لا
يختلف مع سياسات ذوي العيون الزرق ومصالحهم من جهة أخرى؟ !
стр. 1723
الافتتاحية
ولكنه ضحك كالبكاء !
شهور طويلة متتابعة منذ مسرح مدريد حين انكمش الزعيم وتقبل صفعات
الأسياد بكل امتنان، إلى احتفال واشنطن حيث كان يتنفس نسمات الفرح ويرش
الابتسامات يميناً وشمالاً، وحتى لحظات العبوس وقسمات الذل التي حملتها عدسات
المصورين في لقاء التوقيع الأخير في القاهرة.
هذه الشهور الطويلة كانت عند صناع الحدث ضرورية للغاية كي تكسر باباً
نسيجه الدماء والأشلاء، يغذيه نزيف عمره نصف قرن، وذاكرة تاريخية تمتد
جذورها إلى متون أربعة عشر قرناً من حركة التاريخ، حيث تتخللها صفحات
عديدة سود، تحكي عن حقد ممتد من خيانات بني قريظة وحتى كيد بني جنسهم من
«يهود» الدونمة، ويوقد جذوة ذلك كله آيات الكتاب المتلوة إلى قيام الساعة.
لقد كان هذا جميعه سداً منتصباً واقفاً، يمنع عابدي ذواتهم وعروشهم من
الولوج إلى الحضن الإسرائيلي، وتوقيع صكوك البيع بلا ثمن، الذي قال عنه
شاعر عربي يوماً:
ترقى العار من بيع ... إلى بيع بلا ثمن!
ومن مستعمر غاز ... إلى مستعمر وطني!
لقد بدأ البيع بثمن بخس في «كامب ديفيد» حين ابتلعت ثمنَه «القططُ
السمان» سريعاً، وكان من بعض آثاره التنموية أن يعم رفاه العيش تحت مستوى
الفقر! أكثر من ٥٠ % من الشعب المصري، ويستوطن المقابر مليونان ممن
أدركهم الرفاه! واليوم انتهى القوم إلى بيع بلا ثمن في القاهرة.. بلى كان الثمن
توكيلاً رسمياً لمستعمر وطني قادم، سيطلق رصاصاً حياً بالنيابة عن جيش إسرائيل
وسينشيء دولة شرطة خالصة، تضيف رقماً جديداً في سجل عام اسمه «الدولة
ضد الأمة» وشعاره «إذا اختلف رأي الشعب مع حماقات الدولة وخياناتها فلا بد
من تغيير.. الشعب» ! .
ومع ذلك فليس ما تم إلا نموذجاً مُجسّداً لما هو قادم، حين تنتقل «الدولة»
في المنطقة من دور الممانعة السلبية للعدو الإسرائيلي إلى دور الشريك الأمني
والاقتصادي، الذي يقوم بمهمته في قمع الأمة، وتجفيف منابع هويتها الحقيقية كي
تموت روح المقاومة فيها، وتقبل بعيش العبيد في ظل العصر الإسرائيلي المرتقب، وستنتصب بالنيابة عن الصديق اليهودي في إنهاك كل عناصر الممانعة وتفكيكها
والقيام بدور الوكيل الأمني في «صراع الحضارات» القادم! .
وكما تم سحق محاولات الشعوب لاستعادة هويتها الإسلامية زمن الحرب ثم
المقاطعة من بعد باسم التفرغ لمواجهة إسرائيل، ومن خلال لغة: «لا صوت يعلو
فوق صوت المعركة» ؛ فإن الزمن القادم ينذر بوحشية أشد وإرهاب أعتى تمارسه
الدولة ضد الأمة، ولكن تحت لافتة جديدة وباسم: «لا صوت يعلو فوق صوت
السلام» ! ، ولا عجب فقد لحقت الحظيرة كلها بالثور الهارب الذي شجبت هربه
في الأزمنة الخوالي! .
وها هي أقلام «مرتزقة السلام» تحدثنا عن انفراج الصراع، بل يطالبنا
بعضها بالتخلي عن الحقد والبغضاء! والنظر إلى الآخر «الإسرائيلي» بعين
الرضا العمياء، ولم لا؟ ! أليس شقيقَنا القادم في أسرتنا الجديدة «الشرق
أوسطية» ؟ !
غير أن «الشقيق» لا يقبل المنطق نفسه، بل يزرع عيون السخط في كل
زاوية، ومن بين مطامعه التي يسعى إليها بجد في الحقبة القادمة ما صرح به «
رابين» أمام أركان اللوبي اليهودي في أمريكا حول ضرورة تحويل الـ ٢٠ دولة
عربية إلى ٤٠ دولة على الأقل في غضون السنوات العشر الآتية.
هذا الحلم.. يسعى «الشقيق» إلى تنفيذه على الأرض بدءاً من جنوب
السودان حيث يدعم التمرد النصراني بكميات من صواريخ «ستنجر» ، ويستقبل
بعض قوات «قرنق» لتدريبها في إسرائيل، ومروراً بالجزائر حيث اكتشفت
شحنة من الأسلحة مرسلة من إسرائيل في طريقها إلى الحزب البربري الأمازيغي
الذي يدعو الناس إلى حمل السلاح ومقاتلة دعاة الإسلام في الجزائر، وحتى تمويل
الدراسات والمؤتمرات التي تنبش عن الأقليات العرقية والدينية في أرجاء العالم
العربي، وتؤجج فيها نوازع الانفصال باسم الدفاع عن حقوقها المهضومة! !
إنه بعض من «السلام» الذي لم يكن يعني في قاموس «يهود» إلا
«السام» ! أما اللام الزائدة فحسبها أن تكون طلاءً يخفي عورة العصر الإسرائيلي القادم ويعطي لأبناء سلول وابن العلقمي فسحة في الترويج لبضاعة الوهم، وأحلام السراب عند أبناء أمتهم، حتى وهم يرقصون على دماء الضحايا وأشلاء المصلين! .. وبنو «يهود» هناك يطّاير بهم الفرح لما حققوه من سلام تحرسه قوتهم النووية، ومستعمرون بالنيابة يغسلون أذى التطرف من طريق الهيمنة الإسرائيلية وأسواق تصدر خاماتها إلى «الشقيق» القادم بثمن بخس، ومن ثم تستورد بقيمة الألف طن من خاماتها ما يعادل طناً واحداً تم «تعميده» في مصانع إسرائيل! .
ماذا بقي للأمة إذن؟ ! لقد بقي لها الكثير، بقي لها أولو الأمر من علمائها
الربانيين، وذوي الرأي من صالحيها المدعوين إلى جمع أمورهم، فلا تكون شتى
وأمر العدو مجتمع، وإلى وعي الكيد، فلا يكونون غائبين وعيون العدو تتقد بشرر
اليقظة والمكر، وإلى أن يكونوا فاعلين قادرين على المبادرة، فلا يقعد بهم اليأس
وبين أيديهم بشارة الله بالتمكين ولو بعد حين.
ثم يبقى من بعدُ دور الأمة كلها في الخروج من ربقة الغفلة، وإسار الخوف،
وقيود الشهوات.. أما الصراع فسيظل بعد ذلك وقبله صراع وجود لا يلغيه زمن
السلام الممتد، ولا عقود القران الاحتفالية المعلنة بين كفر أبي جهل ونفاق ابن
سلول وتسيّد حيي بن أخطب! .. حتى وإن توالت توقيعات عابدي الذوات، وشهد
عليها عمالقة القوة العسكرية في العالم.
стр. 1724
محاضرات إسلامية
فقه النوازل والواقعات
دليل على ارتباط الفقه بالحياة
- ١ -
د. عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ
فضيلة الدكتور عبد العزيز القارئ أحد العلماء المعروفين عقيدة وعلماً ومنهجاً، وهو عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وله العديد من
الدراسات العلمية الجادة. وقد اخترنا له هذه المحاضرة المهمة في بابها مع تصرف
بسيط يقتضيه مقام أن تكون مقروءة، وقد أذن لنا فضيلته بذلك ونأمل من فضيلته
المساهمة في هذه المجلة ببعض دراساته ومقالاته العلمية التي هي محل اهتمام
ومتابعة الكثير من القراء.
- البيان -
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. أما بعد:
فقه النوازل والواقعات أحد موضوعات الساعة أبدأه بقول الرب :
[يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراْ كثيراْ وما يذَّكر إلا أولو
الألباب] [سورة البقرة: ٢٦٩] ، قال مجاهد ﵀: «الحكمة: العلم والفقه
والقرآن» ، وقال الإمام مالك ﵀: «وقع في قلبي أنه الفقه في الدين» ،
ومما يدل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله
مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها) [١] ،
ويدل عليه أيضاً قوله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في
الدين) [٢] ، فالخير كل الخير في الفقه في الدين، ومن أوتي الفقه فحري به أن يعرف كتاب الله ، وأن يعرف سنة نبيه ﷺ ، وأن يَذّكر فإن التذكّر من شيم أهل العلم والفقه والفهم، والفقه هو الفهم: فهم مرامي الكلام ومرادات الحديث، قال تعالى في ذم المنافقين: [فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاْ] [سورة النساء: ٧٨] ، وقال منبهاً المؤمنين: [قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون] [سورة الأنعام] .
فهذا القرآن قد أحكمت وفصلت آياته، وهذه سنة النبي -صلى الله عليه
وسلم- قد ثبتت ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولا يفقهون، فكم من مرتل لآيات
القرآن الكريم لا يفقه كثيراً مما يُرتل، وكم من حافظ لحديث الرسول -صلى الله
عليه وسلم- لا يفقه ما يحفظ والفقه مراتب، والفقهاء مراتب بعضهم أفقه من بعض
كما قال النبي ﷺ : (رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه
إلى من هو أفقه منه) [٣] .
وأصحاب النبي ﷺ وهم أصدق هذه الأمة إيماناً وأنقاها
قلوباً وأغزرها علماً كانوا يتفاوتون في الفقه، وهم في الجملة رضوان الله عليهم
أفقه ممن جاء بعدهم، يقول مسروق ﵀: «جالست أصحاب محمد صلى
الله عليه وسلم فكانوا كالإخاذ جمع إخاذة، والإخاذة الغدير يقول: الإخاذة تروي
الراكب والإخاذة تروي الراكبين، والإخاذة تروي العشرة والإخاذة لو نزل بها أهل
الأرض جميعاً لأصدرتهم» ، وكان عبد الله من هذه الإخاذ، يعني عبد الله بن
مسعود ﵁، أي من تلك الإخاذ التي تروي أهل الأرض جميعاً لو نزلوا
بها، وقال أيضاً: شاممت أصحاب محمد ﷺ فوجدت علمهم انتهى
إلى ستة: علي وابن مسعود وعمر وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي بن كعب، ثم
وجدت علم هؤلاء الستة انتهى إلى اثنين: إلى علي وعبد الله بن مسعود «فالفقه
درجات والله يؤتي الحكمة من يشاء.
والمقصود من هذه المقدمة حث شباب الصحوة على العناية بالفقه في الدين،
فإن الفقه هو الواجب وما عداه من العلوم أكثره نافلة.
حقيقة الفقه:
الفقه في الدين بنوعيه فقه العقيدة وفقه الأحكام هذا هو الواجب وما عداه من
العلوم أكثره نافلة. قال تعالى: [فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في
الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] [سورة التوبة: ١٢٢] ، فهذه
الآية دلت على مسألتين أولاهما: أن الناس جميعاً بأمس الحاجة إلى الفقه لقوله
(لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) ، فإذاً كل قوم هم بأمس الحاجة إلى فقهاء في الدين
يبينون لهم وينذرونهم، والأخرى: أنه ينبغي أو يجب أن يَنْتَدب أناسٌ أنفسهم، أو
يُنْتَدَبُونَ للتفقه في الدين وبقصد أن يعلّموا غيرهم (لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) ،
فالتفقه بقصد تعليم الآخرين واجب كفائي بدليل أول الآية وهو قوله تعالى: [وما
كان المؤمنون لينفروا كافة] ، فالتفقه بذلك القصد واجب كفائي، أما التفقه بقصد
معرفة الأحكام للامتثال فهذا واجب عيني على كل مسلم بقدر طاقته ووسعه.
وقفة مع ظاهرة جديدة:
أقول هذا ونحن نشاهد أبناء الصحوة المباركة قد انشغلوا عن الفقه بعلوم
الصناعة الحديثية، من مصطلح وأسانيد وتخريج وعلم رجال ونحو ذلك، ولا شك
أن علم الصناعة الحديثية علم شريف جليل الشأن والمقدار، ولكنه من علوم
الخواص ليس الخواص بالمعني الصوفي حاشا وكلا التي لا يشتغل بها العوام ولا
صغار طلبة العلم ولا المبتدئون، فإذا اشتغلوا بها عن الفقه فإنهم في الغالب يَضلّون
ويُضلون، فلابد من التفقه قبل ذلك، وبخاصة أنه واجب قبل الاشتغال بمثل هذه
العلوم على شرفها وقدرها، وهذا ليس تقليلاً من قيمتها أبداً لكنني أشفق على
المبتدئين من تبعتها، فالأمور مرتبة والواجبات مرتبة، فالفقه أولاً في العقيدة وفي
الأحكام الشرعية، ومن نتائج الخوض في غير الأولويات أننا نشاهد نوعاً من
الفوضى الفكرية تتخلل هذه الصحوة المباركة، وإن كانت لن تؤثر فيها إن شاء الله.
نشاهد مثلاً أقواماً وإن كانوا قلة اشتغلوا بالجرح والتعديل لا لنصرة الدين ولا
للذب عن السنة النبوية، وإنما لزرع الشقاق بين أبناء العقيدة الواحدة.
ونرى أقواماً حملوا أختاماً يختمون بها على ظهور المسلمين ولا يتورعون في
إصدار الأحكام مع قلة بضاعتهم، وغلبة الأهواء عليهم.
نعود إلى مقصودنا وهو الفقه، فمقصودنا بالفقه اليوم تحت هذا العنوان
المذكور سلفاً، هو ما قاله العلماء في تعريفه أنه:» الأحكام الشرعية العملية
المكتسبة من أدلتها التفصيلية «، أي فقه الأحكام.
والمراد بالأدلة التفصيلية كما يعرف غالب المتفقهين: الكتاب والسنة فهما
المصدران الأساسيان، ويلحق بهما الإجماع والقياس فإن لهما قوة إثبات الأحكام
باعتبار أنهما يستندان إلى دلالات المصدرين الأساسيين: الكتاب والسنة، ثم يأتي
بعد ذلك الاجتهاد، والاجتهاد أوسع مدلولاً من القياس فإنه قد ينحل إلى قياس سواء
أكان جلياً أو خفياً، أو ينحل إلى غير ذلك من أنواع الأدلة المعروفة عند العلماء
كالاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع ونحو ذلك، وهذه الأنواع وإن كانت لم
تعرف بهذه المسميات في جيل الصحابة لكنها مقتبسة ومستنبطة من فتاويهم
واجتهاداتهم، فمعانيها متشبعة بها عقولهم مغروسة في نفوسهم وملموسة من فتاويهم
رضوان الله عليهم أجمعين.
مسألة مهمة حول الاجتهاد:
ولأن نصوص الكتاب والسنة محدودة والنوازل والوقائع والحوادث غير
محدودة، فمن هنا تأتي أهمية الاجتهاد.
وهنا مسألة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن الاجتهاد في حقيقة الأمر ليس
تشريعاً، بمعنى أنه ليس منشئاً للحكم، لكنه مظهر له، فالاجتهاد فهم لنصوص
الكتاب والسنة، أو إظهار لحكم مسألة لم يجد فيها المجتهد نصاً فيجتهد في استخراج
الحكم الشرعي لها بفهم نصوص المصدرين الأساسيين ولذلك كما سيأتي فإنه مقيد
بأن يكون ضمن القواعد الكلية والأصول والضوابط الشرعية المستنبطة من الكتاب
والسنة، وأن يكون بواسطة إحدى دلالات الكتاب أو السنة المعتبرة لدى العلماء،
وذلك الاجتهاد حث عليه النبي ﷺ أصحابه والأمة من بعده،
بل ودرب أصحابه عليه، وأشرف عليهم مصوباً ومقوماً، فمثلاً قال -صلى الله
عليه وسلم- لمعاذ بن جبل وهو واحد من أشهر وأفقه أصحاب رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- لما أرسله إلى اليمن، (قال له: ماذا تصنع إن عرض لك قضاء؟
قال معاذ: أحكم بما في كتاب الله، فقال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال أحكم بما
في سنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟
قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال معاذ: فضرب رسول الله ﷺ
في صدري بيده وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله
ورسوله) ، وقد تكلم بعضهم في سند هذا الحديث من جهة الجهالة في بعض
أصحاب معاذ، ولكنها جهالة لا تضر، فقد روي موصولاً من طرق أخرى ومن
أراد التفصيل فليراجع» أعلام الموقعين « [*] .
وهكذا سن النبي ﷺ لأصحابه وللأمة من بعده منهج
الاجتهاد، بل درّب أصحابه على الاجتهاد وأشرف عليهم، وقد اجتهدوا مثلاً بين
يديه في فهم أمره ﷺ : (ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني
قريظة) [٤] في غزوة بني قريظة، وكان اختلافهم مؤثراً فبعضهم صلاها في وقتها
في الطريق وبعضهم أخرها وصلاها في بني قريظة ولم يكن اختلافهم في هذا الأمر
لفظياً كما يقال في بعض الاختلافات، ومع ذلك سكت النبي ﷺ
عن الفريقين، ولم ينكر على أي منهما، فقلنا بذلك: إن من أدب الاختلاف أن لا
ينكر أحد المجتهدين على صاحبه إذا كان النص محتملاً لفهمين، نعم قد يكون أحد
الفهمين أرجح أو أصوب، ومع ذلك مادام ظاهر النص يحتمل الوجهين، فلا يجوز
أن ينكر أحد المجتهدين على صاحبه، لكن عندما يشتط الفهم بمجتهد إلى فهم بعيد
عن النص، فقد كان النبي ﷺ يصوب له فهمه، وقد يلومه
بأسلوب لطيف كما حدث مع عدي بن حاتم ﵁ لما وضع خيطين أسود
وأبيض تحت وسادته يفسر بذلك قول الله : [وكلوا واشربوا حتى يتبين
لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] [سورة البقرة: ١٨٧] ، فقال له
النبي:» إن وسادك إذاً لعريض) [٥] .
فالاجتهاد إذاً مهم جداً، وعظيم الأثر في حياة الناس، وعظيم الأثر في بيان
الأحكام الشرعية، لكنه يحتاج إلى ذكاء وإلى قريحة فقهية قوية، وإلى فراسة وإلى
فهم للواقع وإدراك للوقائع.. فمن لم يفهم الواقع ولم يدرك الوقائع وإن فهم الحكم قد
يعجز عن التطبيق، فالفقه في حقيقة الأمر في مجال الأحكام الشرعية فقه للحكم
الشرعي وفقه للتطبيق، وكان من أفقه أصحاب رسول الله ﷺ
في التطبيق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله
عنهم أجمعين، هؤلاء كانوا أفقه وأبرز الصحابة في الفقه بعامة وفي فقه التطبيق
بخاصة.
هذا هو فقه التطبيق:
وحتى نفهم فقه التطبيق إليكم هذه الواقعة، التي هي من أوضح الأمثلة على
فقه التطبيق، واقعة تسمى واقعة (زبية الأسد) ، وقعت لعلي بن أبي طالب رضي
الله عنه لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن: روى الإمام أحمد في
مسنده [٦] عن حنش بن المعتمر قال: بعثني رسول الله ﷺ
إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنوا «زبية» للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ
سقط رجل، فتعلق بآخر، ثم تعلق رجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم
الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحهم كلهم، فقاموا، أولياء
الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي على تفيئة ذلك، فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله ﷺ حي؟ ! إني أقضي بينكم
قضاء إن رضيتم فهو القضاء وإلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي -صلى
الله عليه وسلم- فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا
من قبائل الذين حفروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، للأول
الربع، لأنه هلك من فوقه وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، فأبوا أن
يرضوا، فأتوا النبي ﷺ وهو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه
القصة، فقال: أنا أقضي بينكم، واحتبى فقال رجل من القوم: إن علياً قضى فينا، فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله ﷺ ، ولقد حكم علي
﵁ في تلك النازلة بفقه عجيب دقيق: للأول ربع الدية؛ لأن ديته حسم
منها دية الثلاثة الذين تسبب في قتلهم لأنه لما تعلق برجل وتعلق الرجل برجل
وتعلق ذاك برجل، وقع الثلاثة بسببه في الحفرة فحسم من ديته نصيب الثلاثة وبقي
له الربع، والثاني تسبب في قتل اثنين فبقي له الثلث والثالث تسبب في قتل واحد
فبقي من ديته النصف، والرابع لم يتسبب في قتل أحد فاستحق الديّة كاملة.
هل هناك مثال أوضح من هذا المثال في فقه التطبيق على أهمية معرفة
الوقائع ومعرفة الواقع حتى ينجح المجتهد في التطبيق؟ !
ولما تعلم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين الفقه في مدرسة النبوة بإشراف
النبي ﷺ ، واجهوا النوازل والحوادث والواقعات المستجدة
بعقلية فقهية راقية وممتازة تدل ليس فقط على علم بكتاب الله وسنة
النبيص وعلم بأحكام الشريعة فحسب، بل تدل على بصر نافذ وبصيرة ممتازة
بواقع الحياة الذي كانوا يعيشونه، وبحقيقة الوقائع التي كانوا يواجهونها فبصرهم
في ذلك بصر نافذ وبصيرتهم صحيحة، ولذلك برعوا رضوان الله عليهم أجمعين
في فقه التطبيق مؤسساً على معرفة الواقع وكيف يطبق الفقه عليه، وإدراك لحقيقة
الوقائع وكيف يستخرج الحكم لها.
فقه الصحابة ومعرفتهم بالواقع:
قبل أن أسوق بعض الأمثلة من فقه الصحابة بالوقائع والنازلات التي استجدت
عندهم، أمهد بهذه الحقيقة وهي أن الفقه مرتبط بالحياة بل الشريعة نفسها مرتبطة
بالحياة، لأننا في هذا الصدد وفي هذا المجال أمام أمرين: أمام شريعة منزلة وأمام
فقه يمثل فهم العلماء والمجتهدين لهذه الشريعة، وكلاهما يكونان ثروة من الأحكام لا
يستغني عنهما أحد أبدا، فالفقه مرتبط بالحياة. الحياة يجب أن ترتبط بالفقه ولا
يزدهر الفقه إلا إذا كان مرتبطاً بالحياة، كما أن الحياة لا تزدهر إلا إذا كانت تحت
سلطة الفقه والفقهاء، فأما إذا كان هناك خصام نكد بينهما فإنهما يفقدان الازدهار،
فالفقه يصيبه الشلل وقد يموت كما حصل في عصور الجمود والانحطاط، والحياة
يصيبها الفساد، والمجتمع قد ينهار بل ينهار فعلاً ويتفكك، فالارتباط بين الفقه
وبين الحياة ارتباط وثيق ... ثم حقيقة أخرى: وهي أن الفقه الإسلامي لا يؤتي
ثمرته المرجوة إلا إذا كانت جوانب الحياة كلها مرتبطة به خاضعة لسلطته. في أي
مجتمع إذا كانت هناك جوانب من الحياة أو بعض مرافق المجتمع خرجت عن
سلطة الفقه، فإن الفقه لا يؤتي ثمرته المرجوة، كما هو الحال اليوم في أكثر
مجتمعات المسلمين، إذ أن هناك جوانب من الحياة لا تخضع للفقه وبخاصة الجانب
السياسي، والإعلامي وفي بعض المجتمعات لا يخضع التعليم أيضاً للفقه، فإذا
خرجت مثل هذه الجوانب الأساسية في المجتمع عن سلطة الفقه يفسد المجتمع،
ولكن الحقيقة الأخرى أن الفقه أيضاً ينقص ولا يؤتي ثمرته المرجوة لأن الفقه لا
يزدهر إلا بالتطبيق.
الفقه ليس نظريات فقط:
والفقه الإسلامي ليس مجرد نظريات ميتة في الكتب فقط كنظريات الفلاسفة،
بل هو فقه للحياة لأن الشريعة التي أنزلها الله أنزلها قانوناً للحياة، فالفقه
يواكب الحياة دائما مرتبطاً بحركتها، ويزدهر بهذا الارتباط يزدهر على أيدي
القضاة وأيدي المفتين وأيدي المجتهدين الذين يتقون الله في بيان الأحكام،
من أراد أن يتلمس أمثلة لهذا الازدهار في الكتب فليقرأ كتب النوازل وكتب
الواقعات وكتب الفتاوى، فعندما تقرأ مختصرالفتاوى أو مجموعها لشيخ الإسلام ابن
تيمية ﵀ لو قدر لك أن تقرأ هذا المجموع كله فإنك تقرأ حياة كاملة بكل
نواحيها السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية ... بل حتى الجغرافية،
ففي بعض الأجزاء جغرف شيخ الإسلام ابن تيمية المناطق السياسية للعالم الإسلامي
في وقته، ما رأيت أعجب من كتابته تلك في تصوير حالة العالم الإسلامي من
الناحية العقدية والسياسية والاجتماعية في عصره: بين حال العراق وحال الشام
وحال الحجاز، وغير ذلك من الأقطار. فهذا كتاب من الكتب إذا قرأته ترى كيف
يرتبط الفقه بالحياة، كيف يواكب الفقه الحياة، وفي عهد الصحابة ﵃
كان الفقه مرتبطاً بالحياة بالواقع لو سميناه فقهاً واقعياً أو فقه الواقع بهذا المعنى،
لصحت هذه التسمية، ما كان الفقهاء يفترضون مسألة من المسائل أبداً بل كانت
الواقعة تقع، والنازلة تنزل فيسألون فتصدر الفتوى وإذا لم يجدوا نصاً في النازلة
اجتهدوا في استخراج الحكم لها، وربما كان الاجتهاد جماعياً.
وللحديث بقية ...
стр. 1725
مقال
من عوارض الإخلاص:
عبادة الذات
هيثم الحداد
إن من أشد الأمراض فتكاً بالأفراد والجماعات المسلمة، انعدام الإخلاص،
بل يمكننا أن نقول: إنه سبب رئيس لتأخر النصر والتمكين، وإنه السبب الرئيس
كذلك لتفرق المسلمين وبعدهم عن الألفة والمحبة ووحدة الكلمة التي هي من أهم
مقاصد الشريعة الإسلامية.
ذلك أن عدم الإخلاص نوع من أنواع الشرك، فهو إشراك غير الله مع الله في
نوع من أنواع العبادة، وقد يكون هذا الشريك بشراً كما هو الحال في الرياء، وقد
يكون غير ذلك.
وتكمن الخطورة الشديدة لهذا المرض في عدة أسباب منها:
أن عدم الإخلاص محبط للعمل، فلا يجني العامل من عمله إلا الحسرة
والندامة، قال تعالى: [وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراْ] [١] ، وقال ﷺ : (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش،
ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب) [٢] ، فبذلك يخسر الإنسان الخسران
المبين.
كما أن عدم الإخلاص في كثير من الأحيان مرض خفي، بل خفي جداً:
(إياكم وشرك السرائر، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر
الرجل إليه، فذلك شرك السرائر) [٣] ، وصاحبه قد لا يتفطن إلى أنه مصاب به،
بل إن صاحبه يظن أنه يحسن صنعاً، وهو من الأخسرين أعمالاً.
ومن أظهر عوارض الإخلاص وأشهرها الرياء الذي يمكن أن نُعرّفه: بأنه
العمل لأجل البشر، وهناك عارض آخر يطرأ على الإخلاص لا يقل خطورة عن
سابقه وربما يكون قسيماً له لكن قل من يتفطن له وهو عبادة النفس بأن يعمل العامل
العمل لأجل نفسه.
فالمرائي يعمل العمل لأجل أن يقول عنه الآخرون ما يحب من الثناء
وصاحبنا يعمل لأجل أن يقول هو عن نفسه ... لأجل أن يرضي نفسه، حتى يحقق
الصفة التي يصفه الناس بها.
فهذا الإنسان يأخذ من الليل، ويصوم الهواجر، ويكثر من الصدقة ويحسن
معاملة بعض الناس، ويبذل من وقته وماله الكثير في الدعوة، وقد ترى عليه
مسحة من الزهد متزيناً بالورع لأجل من؟ لأجل أنه فلان ابن فلان الداعية أو
المربي أو الشيخ، لا لأجل الله وحده، ولا لأجل أن يلقى ثواب ذلك عند الله.
قد يكون هذا غريباً لا يمكن تخيله، ولكنه عند التأمل واقع، وواقع وللأسف
بين صفوف بعض المتصدين للدعوة وطائفة من المتعالمين، ولكن كيف يمكن
تشخيص هذا المرض؟
بادىء ذي بدء نقول: إن العلماء يعّرفون الإخلاص بعدة تعاريف منها: أن
يستوي حال الإنسان في الظاهر والباطن، فالمخلص لله وحده يعمل العمل سواء
أرآه الناس أو لم يروه، أكان له حظ من حظوظ الدنيا أو لم يكن له، أكان له ميزة
معينة أو لم تكن، فليس له توجه إلا لله، وليس له هم إلا الهرب من النار والفوز
بالجنة، فمهما تغيرت الظروف التي حوله فلن يزيد من عمله لأجلها وكذلك لن
ينقص، فالمخلص يعمل الطاعات سواء أكان هو فلاناً المربي أو الشيخ، أو لم يكن
(إن كان في الساقة فهو في الساقة، وإن كان في الحراسة فهو في الحراسة) وهذا
معيار لمن أراد الكشف عن وجود هذا المرض الخفي في نفسه.
ولا يظن ظان أن العمل الدعوي هو المعرض للإصابة بهذا المرض فقط بل
إن كل أعمال الإنسان من دعوة وغيرها معرضة للإصابة بهذا المرض، لأنه يغزو
القلب الذي هو منبع الأعمال وأساسها، فمتى ما أصيب القلب أثر ذلك على جميع
أعمال الإنسان البدنية وغيرها، حتى في عبادته الخاصة من صلاة وصيام وذكر،
فالمصاب بهذا المرض قد يؤدي كثيراً من العبادات، وقد خلى قلبه من نية التعبد
والتقرب إلى الله بها، وحقيقة نيته وأصل دافعه لها أن هذه العبادات من صفات
طالب العلم أو الداعية، فلابد من الإتيان بها لأجل أن تكتمل صورة هذا الداعية أو
طالب العلم أمام نفسه، كمن حصل على منصب ديني، فإنه يبدأ بالإتيان بلوازم
هذا المنصب من عبادات وغيرها، فمن عُيّنَ قاضياً مثلاً لا بد أن تكون هيئته هيئة
طلبة العلم وسيماه سيماء العلماء، فإن أتى ببعض السنن بناء على ذلك فإن دافعه
ربما كان لتحقيق لوازم هذا المنصب لا نية التقرب إلى الله بتلك السنن.
قد يقول قائل إن ما تتحدث عنه أمر لا يكاد يعرف، بل قد لا يظهر لكل أحد، فعلاجه من الصعوبة بمكان، فلا داعي للدخول في هذه التفاصيل ولنأخذ الأمر
بكل يسر وسهولة.
وجواباً على ذلك يقال: موضوع النيات موضوع خطير جداً، إذ هو أساس
قبول الأعمال وردها، فهو أساس الفوز أو الخسران المبين، أي أنه طريق الجنة
أو النار، والجميع مقرون بأن أمره شاق، بل شاق جداً، وكما قال سفيان الثوري:
«ما عالجت شيئاً أشد من نيتي فإنها تتقلب علي» ، وعن يوسف بن أسباط أنه
قال: «تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد» [٤] . وقد
نقل عن بعض العلماء أنه قال: وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا
أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا،
فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك [٥] .
وقد تكلم الأستاذ «عبد الجليل حسن» عن هذا المرض في لمحاته التربوية
من السيرة النبوية، وأجد من نسبة الفضل لأهله أن أقتطف من كلامه ما يناسب
الموضوع وإن طال لأنه أجاد فيه وأفاد.
يقول: «ولمحتنا التربوية التي نشتمها من هنا هي التفرقة بين عبادة الله
وحده الذي لا شريك له، وبين عبادة أنا، التفرقة بين الحق الذي لا مرية فيه سواء
أكان هذا الحق الذي أتى على يدي أو على يد غيري، سواء أكنت أنا فيه أو كان
غيري، وبين الحق الزائف الذي يكون فيه أنا وأنا فقط، فإن كان غيري فهي الردة
والنكوص والهلاك والخسران، إنها التفرقة بين عبادة الله وعبادة أنا، أو بين عبادة
الله وعبادة النفس من دون الله.
إن كثيراً جداً ممن ينتسبون إلى الدعوة الإسلامية اليوم يتعاملون مع الدعوة
ورجالها بمنطق أبي عامر [٦] ، فهو لا ينشط في دعوته إلا إذا كان هو صاحب
الإمارة وصاحب المنزلة، صاحب التوجيه، صاحب المقام في قلوب الخلق هو
القائل، وهو المتحدث، هو القائد ... المهم أن يكون هو وهو فقط، فإذا كان الأمر
كذلك كان النشاط والحركة، والدعوة والهمة العالية، العمل الدائب وربما يغلف كل
ما سبق من عمل وحركة بشيء من التواضع، والزهد الزائفين فإذا اهتزت في
نفس هذا النمط من الدعاة (أنا) فوجد نفسه نزل من موضع إلى موضع، أو سبقه
من هو دونه، أو لم يحز ما ترنو إليه نفسه، انقلبت الأمور وهدأت الحركة،
وانطفأت شعلة النشاط، وبردت جذوة الأمل، وانكفأ إلى بيته، وعلى أحسن
الأحوال أخذ إجازة من الدعوة، تنم عن غضب ومشاحنة ينطوي عليها الصدر،
وقد يسوء الحال عن ذلك، فتكون الردة والنكوص عن الطريق كله، بحجة أن
الجماعة قد انحرفت عن خطها الصحيح، وهو لا يرضى هذا الانحراف، ثم يبدأ
البحث كما يزعم عن طريق آخر فيه أنا وأنا فقط» .
«أخي الحبيب: إن لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة،
فلابد لنا من وقفة صادقة مع النفس لتتوجه من جديد إلى الله، إلى الله وحده لا
شريك له، إنه صفاء الابتداء، فمن خانه ذلك وكان في النفس شيء فليبدأ من جديد، بتوبة صادقة، ونية صادقة، على ألا يكون في القلب والنفس إلا الله وحده لا
شريك له، إن كل ما سوى الله من غايات إنما هي أقذار وأوحال وعفن وعطب
يصيب القلوب فَتَهْلَك وتُهْلكْ، فيبعد النصر ويطول الطريق، فمن كان يريد السير
إلى الله في دعوته المباركة فلا يتطلع إلى شيء، ولا يعمل بشرط أن
يكون كذا وكذا، ولا ينظر إلى تقدم أو تأخر ولا يرسم لهدف في النفس لا يعلمه إلا
الله» .
( «إن السعادة والسداد والفوز في الدارين، والتقدم والفلاح إنما هما في
توجه النية دائماً إلى الله وحده لا شريك له، دونما التفات إلى ما سواه، ولو كنت
ذَنَباً في الحق وأنت على ذلك خير لك من كونك أميراً مطاعاً ورأساً مرموقاً وأنت
على غير ذلك [كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون] [٧] » ) [٨] .
إذاً فمن أنجع أساليب علاج هذا المرض والكشف عن الإصابة به المحاسبة
والمراقبة الدائمتين، ليسأل الإنسان نفسه دائماً، ويفتش عن حقيقة دافعه للعمل أي
عمل ولا يتسامح أو يتساهل مع نفسه، وبخاصة في أمر النية والباعث على العمل، إذ مدار الثواب والعقاب على صلاح النية وفسادها وليعلم أن معالجة أمر النية من
أصعب وأدق الأمور كما تقدم.
لكن هنا ينبغي لنا أن ننبه على أمر قد يقع خلط بينه وبين ما نحن بصدده فقد
يفعل الإنسان أموراً لا يفعلها إلا لأجل أن الناس يقتدون به، ولو لم يكن في موضع
القدوة لم يفعلها، وهذا أكثر ما يكون في باب التروك، وقد تحدث العلماء عن هذا
فرغبوا لمن يقتدى به أن يترك بعض الأمور خشية أن يعتقد الناس فيها ما ليس
بصحيح.
وما نحن فيه ليس من هذا الباب وإن كان الفرق بينهما دقيقاً، فمن يقتدى به،
إذا فعل أو ترك أمراً كي يقتدي به الناس فعلاً أو تركاً إنما يفعل ذلك حتى لا يكون
هو سبباً لوقوع الناس في الحرام، أو سبباً لترك الناس المستحب أو الواجب فيعاقبه
الله على ذلك كما يعاقب فاعل المحرم، إذ الوسائل لها أحكام الغايات.
فالغاية النهائية لمثل هذا هي الدلالة على الخير لأنه سبب لمرضاة الله ونيل
ثوابه، والتحذير من الشر، لأنه من أسباب سخطه ونيل عقابه.
لكن صاحبنا الذي سبق الكلام عنه هنا لم ينظر إلى الآخرة، ولا إلى الثواب
أو العقاب، وإنما غايته النهائية تحقيق منزلته عند الناس.
وكذلك نيته هنا إلى الفرق بين الشعور بالمسؤولية إذا ألقيت على الإنسان ومن
ثم النهوض بأعبائها، وبين هذا الذي نتحدث عنه، فعمر بن عبد العزيز كان غاية
في التنعم والترفه، حتى إذا ولي أمر المسلمين أبدل غاية ما فيه من تنعم وترفه
بغاية الزهد والتقشف، فالفرق كبير، فإن الذي دفع عمر بن عبد العزيز لذلك القيام
بالمسؤولية التي امتحنه الله بها، ذلك أن القيام بها كما أراد الله يستلزم انشغالاً
بمصالح المسلمين عن مصالح نفسه، وورعاً في المال الذي وكله الله عليه، وعبادة
يستعين بها على القيام بأعباء هذا الواجب الثقيل، فمقصده النهائي طلب مرضاة الله
بالنهوض بما أوجبه الله عليه، والقيام به على أتم وجه.
فإذا حُمّل أحد من الناس أعباء أو تكاليف منصب ما، فالواجب أن يبذل غاية
ما في وسعه للقيام بهذا الواجب الذي تحتم عليه، فما من شك أن ما أوجبه الله عز
وجل على من يتحمل أمراً من أمور المسلمين، ليس كما أوجبه على آحاد المسلمين، وعليه فلابد أن يكون عمل ونشاط وحركة الأول أكثر من عمل ونشاط وحركة
الثاني بكثير، إذ لا يتم له القيام بذلك الواجب إلا بهذا الكم من العمل والحركة،
فعلى كليهما أن يقوم بواجباته طلباً لمرضاة الله، وتخلصاً من إثم الإخلال بحقوق
الله وحقوق الناس.
إخواني الدعاة وطلبة العلم: إن أخشى ما أخشاه على أنفسنا أن نأتي يوم
القيامة، وقد أخذ كل مكانه من الجنة بمن فيهم من كنا نظن أنه أقل رتبة منا، ثم لا
نجد مكانا لنا لأننا لم نمهد لهذا المكان بعملنا، ولم يكن الهرب من النار وطلب
مرضاة الله حادينا إلى العمل، بل كانت دوافعنا إما حزبية من باب تكثير الأتباع،
أو من أجل التصدر، أو غير ذلك، فالله الله في أنفسنا وفي قلوبنا ولندعُ الله أن
يجعل همنا في أعمالنا الصالحة التقرب إليه إنه سميع مجيب.
стр. 1726
دراسات في الدعوة
حتى لا يتوقف عطاء الدعاة
فيصل البعداني
يشاهد المطلع على أحوال الدعاة إلى الله تعالى ممن يعانون من الفقر وقلة
ذات اليد وهم كثر في عالمنا الإسلامي ظاهرة انتكاس بعضهم عن الطريق ووجود
فتور كبير لدى عدد ليس بالقليل منهم.
ونظراً لخطورة هذه الظاهرة على مسيرة العمل الدعوي، وما تدل عليه من
ضعف الثقة بالله ، وعدم الرضا بالقضاء والقدر، بالإضافة إلى الجهل
بسنن الله في المنع والإعطاء ... بادرت مستعيناً بالله تعالى في كتابة هذه
السطور محاولاً إلقاء الضوء عليها، راجياً أن تتضح الرؤية لأولئك فيعود من ضاع
منه الطريق، ويقوى على السير من لبث في مكانه وفتر عزمه ولم يواصل المضي، عسى أن تكون كلماتي عامل تقوية وتثبيت لبعض من تتحرش بهم شياطين الجن
والإنس، وتكاد ضغوط المعاناة وشدة الواقع أن تأتي عليهم، فتقعدهم عن مواصلة
المسيرفي سبيل الدعوة إلى الله.
وسيكون الحديث بالأصالة متجهاً إلى من يعيش الأزمة ويكتوي بنارها كما أن
جزءاً منه سيكون موجهاً لإخوانهم الموسرين الذين يشاطرونهم حمل هم هذا الدين،
وهم على معرفة بأحوالهم وشدة معاناتهم.
من تلك حاله كيف يصنع؟
وبما أن الأمر في ذلك وارد على كل داعية إلى الله، فلابد أن يوطن الداعية
نفسه على الآتي:
١- أن يتذكر أن الله يبتلي عباده بالغنى والفقر، فيوسع على بعضهم في
الرزق، ويهبهم من عظيم خيراته الشيء الكثير؛ لكي يقوموا بواجب الحمد والشكر
له، ويمنع سبحانه بعضهم من تلك السعة، ويقدر عليهم رزقه؛ لكي يقوموا بواجب
الصبر وكمال الرضى، فيوفق للحمد والشكر من الأغنياء فريق، ويتجبر الفريق
الآخر منهم ويطغى كما قال تعالى [كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى]
[العلق: ٥٦] كذلك حال الفقراء حيث يوفق للصبر والتسليم والرضى بالقضاء
طائفة منهم، وتتجه الأخرى إلى التسخط والجزع، بل وربما إلى ممارسة كسب
المال من طرق غير مشروعة.
٢- معرفة أن الله قد تكفّل برزق الخلائق كما قال تعالى: [وما من
دابة في الأرض إلا على الله رزقها] [هود: ٦] ، وما تكفل الله به فلا خوف من
تأخره أو ضياعه وعدم وصوله؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ
لأصحابه الذين تعرضوا له بالمسألة رجاء التوسعة عليهم: « ... فو الله ما الفقر
أخشى عليكم ... [١] ، وهذا راجع إلى كمال اطمئنانه وعظيم ثقته بموعود ربه،
ويقينه التام بأن ما قدره الله للعبد من رزق فهو آتيه لا محالة.
٣- العلم بأن لهذا الابتلاء فوائد جَمة متى استطاع المرء تحقيقها تحول الأمر
في حقه من محنة إلى منحة، ومن نقمة إلى نعمة، ومن تلك الفوائد:
*أن العبد بصبره على الابتلاء ينال ما ذكره تعالى في سورة البقرة في قوله:
[ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر
الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون] [البقرة: ١٥٥-١٥٧] .
*أن العبد المبتلى بذلك يتقلب بين مقامات العبودية المختلفة من صبر وتسليم
ورضا وتوكل ورجاء وورع ولجوء وتضرع وسكينة وثقة ... إلى غير ذلك من
المقامات العالية لذلك التي قد يحرمها لو لم يُصَب بذلك.
بالإضافة إلى المقامات الأخرى من حمد وشكر وإحسان إلى الآخرين ... الى
غير ذلك مما يناسب النعم التي أعطيها العبد كنعم الإيمان والصحة والأخلاق الحميدة
والاشتغال بما ينفع في الآخرة ... الخ.
*أن من ابتلي بذلك من الدعاة وصبر يصلب عوده ويقوى ويصبح أكثر قدرة
على الثبات في مواجهة المحن والأزمات [٢] ، وبخاصة إذا كان السبب المباشر
لمعاناته من الفقر وقلة ذات اليد تَمَسّكُه بدينه وثباته على دعوته وقيامه بواجب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
*أن المصيبة والابتلاء في الدنيا لا في الدين، ومن عرف حقيقة الدنيا والدين
وابتلي وكانت مصيبته في دنياه، عرف أنه قد سلم وعوفي وأن واجبه الشكر
والثناء لا السخط وعدم الرضا [٣] .
*أن كل مصيبة سببها المعاصي والذنوب كما قال تعالى: [وما أصابكم من
مصيبة فبما كسبت أيديكم] [الشورى: ٣٠] ، والمصائب والبلايا تُكَفّر الذنوب،
ولولا رحمة الله تعالى بإيقاعها عليه في الدنيا لأجلت عقوبة ما اقترف من ذنوب الى
الآخرة، وعقوبة الآخرة ليست كعقوبة الدنيا مهما عظمت وجلّت، وعند ذلك يجب
في حق العبد الشكر والثناء على الله تعالى.
*أن المصيبة واقعة لا محالة لكونها مكتوبة على العبد، قال صلى الله عليه
وسلم: (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) [٤] ...
وكونها قد وقعت فقد استراح منها إن انتهت ومن بعضها إن بقيت وهذه نعمة
وتوفيق وفضل من الباري سبحانه [٥] .
٤- استشعار حقيقة الدنيا والآخرة والنظر في النصوص الكثيرة من قرآن
وسنة التي تزهد في الدنيا، وتخبر بمصيرها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها وشدة
فتنتها من جهة، وتُرغّب في الآخرة وتخبر بشرفها ودوامها ومن ذلك قوله تعالى:
[قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى] [النساء: ٧٧] ، وقوله :
[بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى] [الأعلى: ١٦، ١٧] ، وقوله
سبحانه: [ما عندكم ينفذ وما عند الله باق] [النحل: ٩٦] ، وقوله صلى الله عليه
وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة
ماء) [٦] ، وقوله ﷺ : (ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم) [٧] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد كلام له جميل حول هذا الموضوع:» ...
فإذا أراد الله بعبد خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، ويؤثر
منهما ما هو أولى بالإيثار « [٨] .
٥- إدراك أن الدنيا لا يقوم عليها ميزان التفاضل في الدار الآخرة، بل ذلك
يقوم على التقوى فمن أكرمه الله وفقه لطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته والدعوة
إليه وتحمل الأذى في سبيله، ومن أهانه سلبه ذلك قال يحيى بن معاذ ﵀:
» لا يوزن غداً الفقر والغنى وإنما يوزن الصبر والشكر « [٩] ، وقال ابن القيم
﵀ ناقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية:» ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل
بالتقوى، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة « [١٠] .
وبالتالي فلا غضاضة على العبد أن يكون فقيراً في هذه الدنيا إذا كان الفقر لا
يعني دناءة المنزلة عند الله ، بل إن لله أولياء من خلقه شعثاً غبراً
مدفوعين في الأبواب كما قال النبي ﷺ : (رب أشعث مدفوعاً في
الأبواب لو أقسم على الله لأبره) [١١] ، وكما قال ﷺ للصحابة
حين مر رجل من أشراف الناس فقالوا: هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن
شفع أن يشفع، ومر رجل من فقراء المسلمين فقالوا هذا حري إن خطب أن لا
ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال ﷺ
(هذا خير من ملء الأرض من هذا) [١٢] .
حتى تكون راضياً مطمئناً:
من أجل أن يخفف الداعية عن نفسه القلق الناتج عن المعاناة من قلة ذات اليد، وينقلب توتره وضجره إن كان موجوداً إلى هدوء واطمئنان ورضا، عليه التأمل
فيما يأتي:
*النظر في حال رسول الله ﷺ كما ورد في سيرته»
حيث توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير « [١٣] ، وكان
ص» يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه « [١٤] ، وتوفي ص»
وما شبع ثلاثة أيام تباعاً من خبز حنطة « [١٥] ،» وكانت تمر عليه ثلاثة أهلّة
في شهرين دون أن يوقد في بيته نار، إنما طعامهم الأسودان التمر والماء « [١٦] ، وكان ﷺ يأكل ومن معه في صدر الإسلام ورق الشجر كما
قال عتبة بن غزوان: (لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- ما طعامنا إلا ورق الحُبْلَة حتى قرحت أشداقنا) [١٧] ، إلى غير ذلك من
الصور الكثيرة التي نقلها لنا مَنْ دَوّنَ سيرته ﷺ وسير صحابته
والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، على الداعية الحق أن ينظر في ذلك، ويتذكر
أنه ليس الوحيد الذي يسير في قافلة الدعوة، ويعاني من قلة ذات اليد، فهذا
قائدها ﷺ وكبار أعلامها قد عانوا ما يعاني وله بهم أسوة كما قال تعالى: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراْ] [الأحزاب: ٢١] .
*عليه أن ينظر إلى من حوله من إخوانه، الذين هم أكثر فاقة وأشد معاناة
ويرى عظم مصيبتهم وضخامة حاجتهم، فيواسي نفسه بمقارنة مصيبته بمصيبتهم،
وخفة حاجته عند عظيم فاقتهم، فيحمد الله على التخفيف والرحمة بأن لم يبتله كما
ابتلاهم، ولم يمتحنه كما امتحنهم، قال رسول الله ﷺ : (إذا نظر
أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل
عليه) وفي رواية (فهو أجدر ألا تزدروا نعمة من الله عليكم) [١٨] .
*وعليه أن ينظر إلى نفسه بشمول في وقته السابق واللاحق، وسيجد عند
ذلك عظم نعم الله تعالى عليه في سائر أحواله الماضية والحاضرة، وأن الله عز
وجل إن كان قد منعه في وقت فقد أعطاه في أوقات، وإن كان قد حرمه في جانب
فقد منحه الشيء الكثير في جوانب إخرى، وعليه أن يقوم بتعداد نعم الله، وسيجد
أن لا قدرة له على حصرها وتقصيها ليعلم عند ذلك مدى كفرانه بنعم الله، وجحوده
بها من جهة، وواسع رحمة الله ولطفه وعظم تجاوزه عنه ومغفرته من جهة أخرى، ... قال تعالى: [وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار]
[ابراهيم: ٣٤] وقال : [وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم] [النحل: ١٨] ، مع أنه ليس للعبد من ذاته في الحقيقة سوى العدم وكل ما فيه وله من خير فهو محض جود الله تعالى وإحسانه.
*عليه التأمل في حال أصحاب الأموال الذين لم يرد الله لهم خيراً، وجعل ما
آتاهم من رزق سبب شقاوتهم في الدنيا، فلا هم يهنأون بعيش ولا يشعرون
بطمأنينة واستقرار أو بسكينة وهدوء بال، بل قد يُودي ببعضهم إلى قتل النفس
والانتحار، وسبب شقاوة بعضهم في الآخرة حيث قادهم إلى الكفر بالله والجحود،
وبالتالي قادهم إلى النار كقارون الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء
بالعصبة أولي القوة، فطغى وتجبر وجحد وقال إنما أوتيته على علم عندي، فكانت
عاقبته كما قال تعالى [فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من
دون الله وما كان من المنتصرين] [القصص: ٨١] .
٧- العلم بأن الفقر بلاء عام بين الخلق يبلتي به الله تعالى من شاء من عباده
الدعاة وغيرهم ولا علاقة لوجوده بالاشتغال بالدعوة إلى الله تعالى والقيام بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتالي فإن التذرع عن ترك الاشتغال بالدعوة
وحمل هم هذا الدين بطلب الرزق والسعي إلى كسب المال خطأ فاحش إذ لا علاقة
لهذا العمل الجليل بوجود الفقر، بل إن الأمر على العكس من ذلك، فإن القيام
بطاعة الله تعالى وتقواه من خلال نشر هذا الدين بين الناس ومحاربة الكفر والبدع
والمعاصي في الأمة، من أعظم أسباب جلب الرزق كما قال تعالى: [ومن يتق
الله يجعل له مخرجاْ * ويرزقه من حيث لا يحتسب] [الطلاق: ٢٣] .
مع أن تارك السير في قافلة الدعوة لأجل ذلك أضاف إلى معاناته من الفقر
وعدم سلوك الأسباب الجالبة للرزق حرمان نفسه من الأجر والثواب عند الله تعالى
وما عنده خير وأبقى وقيامه بتعريضها للعقوبة لعدم قيامه بزكاة العلم الذي آتاه الله
إياه، وتتمثل بنشره بين الناس وتعليمهم إياه.
٨- أن يعلم أن الخير له فيما اختاره الله ، وأن الفقر قد يكون هو
الخير له لأن من عباد الله أناساً من لو أغناهم لحملهم ذلك على البغي والطغيان
والكفر بالرحمن والتجبر على الخلان أشراً منهم وبطراً، كما قال تعالى: [ولو
بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير
بصير] [الشورى: ٢٧] ، قال العلامة ابن سعدي مفسراً لهذه الآية: [ولو
بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض] أي لغفلوا عن طاعته وأقبلوا على
التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الانكباب على ما تشتهيه نفوسهم ولو كان
معصية وظلماً» ولكن ينزل بقدر ما يشاء «بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته» إنه
بعباده خبير بصير «، كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول:» إن من عبادي
من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح
إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ... «) [١٩] .
٩- الحذر من القيام بالتعرض للآخرين للحاجة والتنبه إلى عدم طرق أبواب
المسألة، والعلم بأن ذلك وإن جاز لأناس رخص لهم الشارع بذلك، فإنه مما لا
ينبغي للدعاة سلوكه بحال لأن سبيلهم التعفف والتجمل وعدم إظهار الشكوى والفقر،
بل ستره وكتمانه اتصافاً بقوله تعالى: [يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف]
[البقرة: ٢٧٣] ، ورجاء تحقيق الامتثال لقوله ﷺ : (ومن
يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله) [٢٠] .
١٠- ليعلم الداعية الذي هذا حاله أن ما سبق بيانه ليست بدعوة إلى ترك
العمل، وتعطيل أسباب تحصيل الرزق، فإن ذلك في الحقيقة نقص في العقل
وجهل بالشرع ومخالفة له، كما قال تعالى آمراً بالأخذ بالأسباب مع عدم الركون
إليها: [فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه] [الملك: ١٥] .
بل إن تعريض الإنسان نفسه للفقر حتى يضطر إلى الآخرين مع قدرته على
الكسب غير اقتراف الإثم له آفات ومفاسد كثيرة منها:
*تعلق القلب بما يقيم أوده ويعيشه وما هو محتاج إليه في هذه الدنيا، فيبقى
في تفكير عميق ومجاهدة شديدة مع نفسه لترك حظه منها وهذا من قلة الفقه وعدم
الرشد، والعاقل في تعامله مع نفسه من يقوم بإعطائها حقها ويطالبها بما عليها،
وهذه هي طريقة وهدي رسول الله ﷺ كما جاء في قول سلمان
الفارسي لأبي الدرداء والذي صدّقه فيه ﷺ :» إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً فاعط كل ذي حق حقه « [٢١] .
وعلى العبد القادر على الكسب أن يستبدل مجاهدته لنفسه في شهوة مباحة
مجاهدته لأعداء الله وشرعه من شياطين الجن والإنس، وأن يقوم بواجب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله على بصيرة.
*تطلع النفس إلى ما في أيدي الناس، وتعريضها للحاجة والسؤال إذا مسته
الحاجة إلى المال. ولا شك أن استدامة طلب الرزق الحلال لمن هذه حاله أنفع له
من ترك ذلك.
*مع التسليم جدلاً بأن من هذه حالته سيقطع تعلق قلبه بحاجات نفسه ويقوم
بمنع نفسه من المسألة، فإنه يخشى عليه أن يداخله من الكبر والعجب والزهو
والغرور ما يفسد عليه قلبه ويمرضه إن لم يميته، وتلك والله القاصمة [٢٢] .
كما أن هذه الأسطر ليست دعوة إلى الإعراض عن نعم الله المتيسرة من
الحلال ونبذها وإضاعتها، لأن تلك النعم في نظر الأخيار عوناً على الإيمان والعمل
الصالح، ولكنها نداء إلى استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب، والسعي إلى عدم
تعلقه بها وحرصه عليها واشتغاله بأجمعه بها حتى يصل إلى مرحلة عدم الفرح
بموجود فيها وعدم الأسف على مفقود منها كما قال تعالى: [لكيلا تأسوا على ما
فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم] [الحديد: ٢٣] .
إنها دعوة إلى أن يربي العبد نفسه على غنى النفس، وأن يكبح جماحها ويقوم
بتهذيبها حتى تصل إلى مرحلة القناعة بأنه لن يفوتها شيء من الرزق قسمه الله
تعالى لها في الأزل، وأن يقوم بتوطينها على الرضا باليسير حتى يصل بها إلى
درجة الاستغناء عن الخلق، كما قال ﷺ : (وارض بما قسم الله لك
تكن أغنى الناس) [٢٣] .
١١- ومع الدعوة إلى طرق أسباب الرزق الحلال من تجارة وزراعة
وصناعة ... الخ، فإنه لابد من التذكير بأن العبد لا ينبغي له ترك ما بيّنَه الشرع
من أمور جالبة للرزق ومنها:
*التقوى كما في قوله تعالى: [ومن يتق الله يجعل له مخرجاْ * ويرزقه من
حيث لا يحتسب] .
*الاستغفار كما في قوله تعالى: [فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراْ *
يرسل السماء عليكم مدراراْ * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم
أنهاراْ] [نوح: ١٠-١٢] .
*الإنفاق والصدقة كما في قوله تعالى: [وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو
خير الرازقين] [سبأ: ٣٩] ، وقوله ﷺ : (ما نقصت صدقة من
مال) [٢٤] ، وقوله تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم أنفق أنفق عليك) (٤٣) .
*الشكر للنعم وعدم كفرانها كما قال تعالى: [لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن
كفرتم إن عذابي لشديد] [ابراهيم: ٧] .
*الاستغناء عن الخلق والتعفف عما في أيديهم كما في قوله صلى الله عليه
وسلم: (ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله) [٢٠] .
*صلة الرحم كما قال ﷺ : (من أحب أن يبسط له في رزقه
وينسأ له في عمره فليصل رحمه» [٢٥] .
*الدعاء كما قال تعالى: [وقال ربكم ادعوني أستجب لكم] [غافر: ٦٠] ،
وقوله ﷺ : (لا يرد القضاء إلا الدعاء) [٢٦] .
نداء إلى الأغنياء:
١- لابد للأغنياء من إدراك خطورة الفقر حيث إنه كما قيل قرين الكفر، وأن
خطورته تزداد على الدعاة إلى الله ، والعلم بأنه من شدة خطورته كان -
ﷺ يدعو الله تعالى بأن يغنيه منه ويستعيذ بالله من فتنته كما في
قوله ﷺ (اقض عنا الدين وأغننا من الفقر) [٢٧] ، وقوله:
(اللهم فإني أعوذ بك ... ومن شر فتنة الفقر) [٢٨] .
ولذا كان لابد لمن يسر الله تعالى عليه من الدعاة وكذلك الموسرين الصالحين
أن يتفقدوا حال إخوانهم فإن لهم عليهم حقاً، وما لم يصل الأمر إلى ذلك فإن الأخوة
لن تنعقد في الحقيقة والموجود منها مجرد مخالطة ليس إلا، لا حقيقة لها في العقل
والدين [٢٩] ، وليعلم الموسرون بأن لهم بالأنصار من صحابة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة حيث واسوا إخوانهم من المهاجرين وقاسموهم
الأموال.
٢- وأن يتذكروا أيضاً ما جاء من نصوص في الأمر بالإنفاق وبيان فضله
والتحذير من عدمه، ومن ذلك قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم
من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون]
[البقرة: ٢٥٤] ، وقوله سبحانه: [الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون
ما أنفقوا مَنَّاً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون]
[البقرة: ٢٦٢] ، وقوله : [وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقوا إلا
ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون] [البقرة: ٢٧٢] ،
وقوله ﷺ : (يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من
مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟) [٣٠] ، وفي
رواية (وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس) [٣١] ، وقوله ﷺ : (إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيراً فنفخ فيه يمينه وشماله
وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيراً) [٣٢] ، وقوله ﵊: (ما
تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن
كانت تمرة فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربى أحدكم فُلوَه
أو فصيله) [٣٣] .
ولا شك أن الصدقة على الإخوان أفضل من الصدقة على الفقراء كما قال علي
﵁ «لعشرون درهماً أعطيها أخي في الله أحب إليّ من أن أتصدق مئة
درهم على المساكين» [٣٤] .
٣ -ولا يكفي تفقد الإخوان والإنفاق على المحتاج منهم فحسب، بل لابد من
سلوك أفضل السبل لإيصال ذلك إليهم بما يحفظ لهم ماء وجوههم ويصونهم من الذل
والمهانة أمام إخوانهم المنفقين، وبما يمنع من تسليط الآخرين ألسنتهم الحداد عليهم
أو غيبتهم أو سوء الظن بهم، وبما لا يساعد المعوزين على ترك الحياء أو التشجع
على طرق أبواب المسألة والخروج عن هيئة التعفف والاستغناء عن الآخرين.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 1727
خواطر في الدعوة
نشأة أخرى
- ٢ -
محمد العبدة
الإيمان الغامر، والتوحيد الخالص، الذي يملأ النفس يقيناً، فلا تتفرق ولا
تتهافت أو تضطرب، هو الذي يرفع المسلم ليكون (صاحب رسالة) ، وهو الذي
يدفعه لاستصغار الأهوال والخطوب، ويعطيه قدرة على الصبر والاحتمال،
ويستكبر على الشهوات، ويعلو على العصبيات، فيكون همه الذي يقيمه ويقعده،
هو انتصار هذا الدين.
المؤمنون حقاً هم الذين دفعوا بالمد الإسلامي الأول قوياً، حتى كاد أن يغطي
المعمور من الأرض، وعاشت أجيال من بعدهم على قوة هذا الدفع عاشت أجيال
بقوة إيمان مثل أبي عبيدة بن الجراح ﵁ الذي لا يعبأ بنفسه وإنما كان
همه الأول هو هذا الدين، ولذلك قبل بإمرة عمرو بن العاص في غزوة (ذات
السلاسل) ؛ لأن الرسول ﷺ قال له: «تطاوعا ولا تختلفا» .
وإيمان خالد بن الوليد هو الذي جعله يقبل بأن يكون تحت إمرة أبي عبيدة بعد
أن كان القائد العام للجيوش الإسلامية في الشام، والحرص على الدعوة ووحدة
الصف هو الذي جعل الصحابي الجليل أبا برزة الأسلمي يتألم من القتال الواقع بين
بني أمية وعبد الله بن الزبير ويقول: «إني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطاً
على أحياء قريش، وإن هذه الدنيا هي التي أفسدت بينكم» .
ونحن والله قد أصبحنا ساخطين على هذا الذي يجري في أفغانستان حيث لم
تراعَ مصلحة المسلمين وسمعة الإسلام، ولم يقبل صلح أو تعاون أو مشورة، وأما
ما يجري من القتال بين المسلمين من القتال بالكتب لا بالكتائب من الذم والثلب
وتصنيف الناس، والولوغ في أعراض الدعاة الصادقين، وما يجري من الشقاق
والبغضاء لأتفه الأسباب، فلا شك أنه من الأهواء والأنانيات.
ما الذي يقضي على آفات النفس، من الحسد والبغي، وحب العلو والرئاسة،
أو الوقوع في سفاسف الأمور وترك معاليها؟ ليس غير الإيمان الذي يملأ الجوانح
هو الذي يقضي على هذه الآفات الإيمان بالله الذي يعلم هذه النزغات، والإيمان
باليوم الآخر، حيث يلاقي الإنسان ربه، وليس غير حب هذا الدين والرغبة في أن
يطبق في الأرض، وأن يهيمن ويعلو، ويستظل الناس بخيره وعدله.
ومن هنا ندرك مدى دلالة وعظمة قول الرسول ﷺ : ( «
إنما الأعمال بالنيات» ) ، فإنه من الجدير بالتأمل أن العمل الذي يقوم من بداياته
على نية صادقة وسنة ماضية، فإنه يكون قوياً مستمراً بإذن الله، وإن كان غير
ذلك فإنه مُنبتٌ يعود لأصله وجذره ولا يبارك فيه، ولهذا قال عالم الأمة عبد الله بن
مسعود ﵁: «أنتم أكثر أعمالاً من أصحاب محمد ﷺ
وهم أفضل منكم ذلك لأنهم كانوا أبر قلوباً ... » ، فالحياة هي حياة القلب، والموت
هو موت القلب: [يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم] .
стр. 1728
نص شعري
مناجاة.. للعام الجديد
محمد العتيق
صاح في الناس المنادي:
«أيها الناس استفيقوا..
شيعوا العام الطريدْ
واحضنوا العام الجديدْ
واحتسوا من غير لأي خمرة العام السعيدْ
كي تظل النفس سكرى..
في مدى العام المديدْ»
«أيها العابث فينا..
ما نداءاتك إلا صرخة..
في مسمع الوادي السحيقْ»
هكذا.. ردد صمت السامعينْ!
وانبرى صوت المناجي:
أيها العام الجديدْ.. يا ترى ما قد تكون؟
أترى نتلوك سطراً..
في كتاب البؤس من عيش العبيدْ؟
أم ترى نرويك شعراً..
في رثاء العز والمجد التليدْ؟
أيها العام الجديد..
طال عمر لجفاف الريق والأرض هنا
وارتوت من دمعها مليون عينْ
واشتكى الضيم سوادُ الثقلينْ
وارتدى الناس من الإملاق أخفاف حُنينْ
بدل الواحد شدوا محزمين!
ويطول الحزن في مأتمهم..
ويفك الدين دينْ!
أيها العام الجديد
بلغ الأولاد عشراً من سني العمر
في ظل حياة الفقر لا يدرون ما معنى «المطرْ»
قال لي أكبرهم:
حدثتنا أمنا ذات مساءْ
أن شيئاً كان من مهد السماءْ
كان يهمي فوق أجساد البشرْ
وتسميه العبارات «مطر» !
صارت الأمطار ذكرى..
أصبحت محض خبرْ!
أيها العام الجديدْ..
أترى فيك نرى..
نشوة الأطفال من تحت المطرْ؟
وانتشاء الروض من عبق الزهرْ؟
وابتهاج العيد في أحلى الصور؟
في بلادي من جديد!
أترى يوماً يعود..
منتدى الأرواح في عذب السمر..
وحديث الحب في صمت السحر..
في رياض ضاءها نور القمر..
في بلادي من جديد؟ !
واختفى صوت المناجي..
حيث لا ثَمّ سوى همس الظلامْ!
стр. 1729
دراسات اقتصادية
المشكلة الاقتصادية
وعلاجها من المنظور الإسلامي
- ١ -
د.محمد عبد الله الشباني
تمثل المشكلة الاقتصادية محور الاهتمام لدى علماء الاقتصاد، كما أنها محور
اهتمام الدول عند معالجتها لقضاياها الاقتصادية، فالمشكلة الاقتصادية مرتبطة
بوجود الإنسان على الأرض، وهي من العوامل المؤثرة في المسيرة التاريخية
للإنسان، بل إن أحد أنبياء الله المرسلين وهو النبي شعيب ﵊
قامت دعوته لقومه على تأكيد الجانب الاقتصادي وأهمية الإصلاح الاقتصادي
المرتبط بسلامة العقيدة، فقد حكى الله في القرآن الكريم قصة شعيب مع قومه،
وأبرز أهم نقاط إنكاره ﵇ على قومه المتمثلة في عملية البخس في التبادل
التجاري، وأكل أموال الناس بالباطل من خلال التأثير في عملية التوزيع، التي
تمثل أهم جوانب المشكلة الاقتصادية يقول الله تعالى مخبراً عن واقع قوم شعيب
وسلوكياتهم الاقتصادية المرتبطة بسوء التوزيع: [وإلى مدين أخاهم شعيباْ قال يا
قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير
وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا
تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين] إلى قوله: [قالوا يا شعيب
أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت
الحليم الرشيد، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاْ
حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما
توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب] [١] .
ولعل في الآيات إشارة إلى تأثير عدم العدل في التوزيع وفي التبادل التجاري، وأكل أموال الناس بالباطل، وأن ذلك من أسباب سوء الأوضاع الاقتصادية للفرد
والمجتمع، فقد وصف نبي الله شعيب واقعه باعتباره تاجراً يلتزم بأوامر الله بأن الله
قد رزقه رزقاً حسناً بسبب التزامه بما يأمر به قومه من العدل في التعامل.
تتمثل المشكلة الاقتصادية في جوانب ثلاثة هي:
١- ندرة الموارد الطبيعية وقلتها ومحدوديتها، وبالتالي فإن المشكلة في هذا
الجانب تتمثل في الاختيار بين ما ينتج وما لا ينتج لاختلاف وكثرة حاجات الإنسان، وكيفية تخصيص الموارد المتاحة للاستخدام، أي تحديد الموارد التي يمكن
استخدامها، وأسلوب الإنتاج الذي ينبغي اتباعه وبالتالي فإن المشكلة تمتد لدراسة
نظرية الائتمان لهذه الموارد ونوعية السلع وكمياتها، وأولويات إنتاجها، والبدائل
بينها.
٢- الطريقة التي يتم بها توزيع الدخل العام على عناصر الإنتاج المختلفة أي
نمطية ونوعية توزيع عناصر الإنتاج على أفراد المجتمع، وأنصبة عناصر الإنتاج
في ذلك الدخل على أساس الوظيفة التي أداها كل عنصر في تحقيق هذا الدخل،
فهذا الجانب من المشكلة الاقتصادية يتعلق بتحديد مصادر الدخول الفردية وقواعد
اكتسابها وتوزيعها، وكذلك تحديد أنصبة عناصر الإنتاج في الدخل وهي الربح
للأرض والأجر للعمل والعائد على رأس المال والربح للمنظم أي للمضارب بالعمل.
٣- الأهمية النسبية لعناصر الإنتاج ودور كل عنصر وأهميته في العملية
الإنتاجية، والأهمية النسبية مرتبطة بالمفهوم الفلسفي الذي يعتنقه المجتمع، فإن
للنظام الاجتماعي بما يحتويه من تنظيمات اقتصادية تأثيراً في تحديد مقدار الإنتاج
ونوعه سواء أكان من حيث مدى اتساع وضيق حرية التملك أو حرية العمل
والاستهلاك، أو تشجيع التقدم الفني والتقني لتحسين وزيادة الإنتاج بقصد الاستفادة
من عناصر الإنتاج الأساسية المتمثلة في الموارد الطبيعية ورأس المال والعمل.
إن هذه الجوانب الثلاثة للمشكلة الاقتصادية هي محور الدراسات الاقتصادية،
كما أن لها دورها في الصراع بين مختلف الشعوب والمجتمعات بجانب أنها من
العوامل المسببة لنشوء الحروب وسقوط الحضارات.
إن وجود المشكلة الاقتصادية هو جزء من سنة الله الكونية، وابتلائه وامتحانه
للبشر حتى يتميز الخبيث من الطيب، والصالح من الفاسد، والمؤمن من الكافر.
إن الإسلام يقر بوجود المشكلة الاقتصادية، ويعتبرها من الظواهر الكونية
ومن السنن الإلهية المصاحبة لوجود الإنسان على الأرض، وجزء من امتحان الله
له حتى يمكن تحديد مصيره في الحياة الآخرة.
إن النقص والندرة في الموارد الطبيعية جزء من إرادة الله الكونية، كما إنها
أحياناً تكون نوعاً من العقاب الإلهي لطغيان الإنسان في الأرض وإفساده فيها.
لقد حدد الله في كتابه العزيز العلة لوجود هذه الظاهرة، أي ظاهرة ندرة
الموارد وقلتها، بأنها تعود إلى طبيعة الإنسان التي خلقه الله عليها، تلك الطبيعة
المتمردة الطاغية التي تستغني عندما تشبع، يقول الله تعالى موضحاً هذه الحقيقة:
[ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء] [٢] ،
ويقول تعالى واصفاً طبيعة النفس البشرية عندما تصل إلى الرفاه وتحقق متطلبات
وحاجات الإنسان، بأنها تصبح طاغية مستبدة: [كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه
استغنى] [٣] ، كما إن المجتمع الذي يستغني فإنه يمارس ما يمارسه الفرد، وهذه
الحقيقة أوضحها القرآن الكريم في قوله تعالى: [لقد كان لسبأ في مسكنهم آية
جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور،
فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل
وشيء من سدر قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور] [٤] ،
وقوله تعالى: [وضرب الله مثلاْ قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداْ من
كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا
يصنعون] [٥] .
إن للندرة في الموارد الطبيعية حكمة تقتضيها، فالنقص في الموارد يوجد
الحافز على عمران الأرض واستمرارية البشر عليها حتى الأجل المحتوم بالعمل
حسب الطاقات والإمكانيات الفعلية والعقلية الموزعة بين البشر، مما يؤدي إلى قيام
عنصر العمل بدوره في الاستفادة من الموارد الطبيعية، ومساهمته في استخراج
الكنوز المودعة في الأرض، ولن يتم ذلك إذا انعدمت وزالت المشكلة الاقتصادية،
لقد حدد القرآن الكريم هذه الحكمة بأنها جزء من سنة الله الكونية وآية من آيات
ربوبيته في قوله تعالى: [ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاْ
سخرياْ] [٦] .
يحدد القرآن الكريم المنهج الذي يمكن للإنسان عند اختياره له تحقيق الرخاء
والحصول على رغد العيش وكفايته، فقد تكفل الله بتوفير احتىاجات الإنسان
المرتبطة بمقومات وجوده، حيث تكفل الله بإشباعها، هذا المنهج الذي أوضحه الله
سبباً موجباً لكفاية الاحتياجات، هو إيمان الإنسان بالله قولاً وعملاً وسلوكاً وتشريعاً، إن انحراف المجتمعات الإنسانية يعتبر سبباً في تحقيق النقص في الإنتاج سواء
أكان ذلك بسبب تسليط الله لبعض مخلوقاته بإفساد وتحطيم الإنتاج، أو بنزع بركة
الخير والرزق الذي يبسطه الله لعباده، يقول الله تعالى: [ولو أن أهل القرى آمنوا
واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا
يكسبون] [٧] .
إن معالجة الإسلام للمشكلة الاقتصادية، والأسلوب الذي يأمر باتباعه لتجنب
الوقوع في المشكلة بالشكل الذي يخل بتوازن المجتمع، يقوم على معالجة جميع
جوانب المشكلة الاقتصادية بشكل متكامل بحيث تتكاتف جميع العناصر المؤثرة في
التنظيم الاجتماعي بالعمل في تناسق وتكامل لتحقيق المجتمع الفاضل الذي تسير
الحياة فيه وفق منهج الله الذي أوضحه سبحانه في كتابه على لسان نبيه -صلى الله
عليه وسلم-، فإذا تحقق هذا الأمر باليسر وفق شريعة الله عقيدة وشريعة، فإن
المشكلة الاقتصادية بمختلف جوانبها لا تصبح معوقاً لاستقرار الفرد وتحقيق الغاية
التي من أجلها خلقه الله وأهبطه إلى الأرض، ليعمرها فترة زمنية محددة، حيث
ينتهي به المطاف إلى الحياة الأخرى التي لا نصب فيها ولا تعب، وإنما هي دار
جزاء على ما قدمه خلال الفترة الزمنية التي مكثها على وجه الأرض.
إن دراسة المنهج والأسلوب الذي يعالج به الإسلام حل المشكلة الاقتصادية
يقتضي دراسة جميع جزئيات وكليات النظام الاقتصادي من المنظور الإسلامي، أي
دراسة كاملة وشاملة لمنهجية وأسلوب الإسلام في تنظيم المجتمع من الناحية
الاقتصادية، وبالتالي فليس من مهمة هذه المقالة وما يتبعها من مقالات طرح كامل
لكافة الحلول التي يطرحها الإسلام لعلاج المشكلة الاقتصادية باعطاء تصور كامل
لمنهج الإسلام، فهذا يحتاج إلى دراسات مطولة ومتنوعة لمختلف فروع الاقتصاد،
ولكن سوف نحاول في هذه المقالة وما بعدها من مقالات ترتبط بالمشكلة الاقتصادية
إعطاء القارىء تصوراً عاماً للحلول التي يأمر بها الإسلام لحل المشكلة الاقتصادية
بجوانبها الثلاثة التي أشرت إليها في بداية هذه المقالة، وتأصيل فكرة أن الإسلام لا
يقتصر على معالجة العلاقة بالله تعالى فقط، وإنما يعالج مشاكل البشر المادية بما
يتفق مع الطبيعة البشرية والسنن الكونية التي اقتضتها حكمته من خلق الإنسان على
هذه الأرض.
إن الندرة في الموارد الطبيعية مرتبط بحكمة خلق الإنسان، حيث إن الأرض
التي خلقها الله للإنسان ليسكن فيها لم تخلق لتكون مكان راحة وسعادة ونعيم، وقد
أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى عندما أهبط أبا البشر آدم ﵇: [وقلنا
اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين] [٨] ، فلم
يفض الله أنعمه على الأرض كما أفاضها في الجنة بل جعل متاعها قليل وجعل
مواردها محدودة، ولكن الله الذي خلق الأرض وخلق البشر عليها، قد أوجد فيها
من الخيرات والموارد التي تكفي حاجة الناس إذا قاموا على الطريق السوي وامتثلوا
لأمر الله، ولكن إذا انحرفوا فإن قانون الندرة يؤدي إلى استفحال المشكلة
الاقتصادية وإصابة الناس بالألم والعذاب والشقاء والفقر والجوع والخوف..
إن منهج الإسلام في معالجة الندرة في الموارد الطبيعية يتمثل في توجيه
المجتمع إلى استغلال جميع الموارد الطبيعية، وبذل الجهد في سبيل الحصول عليها
والاستفادة منها، فاستغلال هذه الموارد يحتاج إلى بذل الجهد، فمن أراد أن يستفيد
مما أوجده الله على الأرض أو في السماء، فإن عليه بذل الجهد فالموارد الطبيعية
التي هي أحد المصادر المسببة للمشكلة الاقتصادية، سواء أكان ذلك من ناحية
القصور في استغلالها، أو من ناحية الأسلوب والتقنية المتبعة من قبل الإنسان عند
استغلاله لهذه الموارد، لهذا فإن معالجة واقع الندرة للمواد الطبيعية يأتي من كيفية
استغلال هذه الموارد وبذل الجهد لاكتشافها، فالأرض هي مصدر أساس من مصادر
الرزق، وهي تكتنز في باطنها المواد الأولية لإنتاج المنتجات التي يحتاج إليها
الإنسان في حياته، كما إنها تحتفظ على ظهرها بمصادر الإنماء من تربة وماء
فيتحقق باجتماعهما انتاج حاجة الإنسان من الغذاء ولهذا فإن معالجة الإسلام لجانب
قلة الموارد وندرتها يأتي من خلال استغلال الأرض وتوجيه انتباه الإنسان إلى
الأرض، وضرورة استغلالها باستصلاح الأرض والعمل على استغلالها وخلق
الحافز للإنسان لتحقيق ذلك.
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من
أعمر أرضاً ليست لأحد فهو حق) [٩] ، فيتضح من هذا الحديث جانب من جوانب
معالجة الإسلام لكيفية التعامل مع الندرة، وذلك بالحث على استغلال الأرض
واستثمارها من خلال تشجيع الإنسان على استغلال الأرض من خلال الاستفادة من
غريزة التملك لدى الإنسان بحثّ الأفراد القادرين على استغلال الأرض المعطلة،
وبالتالي فإن الإسلام يحرص على دفع عوامل الإنتاج في التفاعل من أجل تخفيف
آثار الندرة في الموارد في استفحال المشكلة الاقتصادية فعدم استغلال الأرض يؤدي
إلى تعطيل مصدرين من مصادر الإنتاج وهما الأرض والعمل، ولهذا فقد وجه
الإسلام الاهتمام إلى هذا الجانب من جوانب معالجة الندرة بتوفير المناخ المساعد
على استغلال المتاح من الموارد الطبيعية فأوجد السياج النظامي لحماية الفئة النشطة
من بني الإنسان، بتوفير الحافز على استغلال الأرض من خلال إعطاء حق التملك
لمن يستثمر الأرض، وحماية هذا التملك بإهدار أحقية أي مغتصب فعبارة: وليس
لعرق ظالم حق التي وردت في بعض الروايات يقصد منها أنه لا يحق لرجل يأتي
إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرساً غصباً ليستوجب بهذا الغرس
تملك الأرض، فقد أهدر حقه ومنعه من ذلك الحق، وتقع حماية التملك على ولي
الأمر المسلم الذي يتولى رئاسة الدولة الإسلامية.
إن مشكلة الدول المتخلفة هي في عجزها عن استغلال مصادر الطبيعة المتاحة
للإنسان، إما بسبب التشريعات الظالمة التي تعيق الحافز على العمل والتاريخ
المعاصر يقدم الدليل على أن التشريعات الظالمة، وتبني الأفكار المنحرفة أدى إلي
انهيار النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي الذي قام تنظيمه الاقتصادي على
تقليص دور الفرد في استغلال الموارد الطبيعية بكبح غريزة حب التملك، وبالتالي
إبعاد الحافز عن العمل بمنعه من أداء دوره في التأثير بعدم الاستفادة القصوى من
الموارد الطبيعية.
لقد وجه الإسلام الانتباه إلى أن الموارد الطبيعية لا تقتصر على ما يظهر على
وجه الأرض، وأن الندرة قد تكون بسبب عدم بذل الجهد الفكري والعضلي، وأن
الندرة يمكن حلها إذا بذل الإنسان الجهد، وعمد إلى البحث عن مصادر الرزق بعدم
الركون إلى المصادر الظاهرة، لقد روى أبو يعلى في مسنده حديث عائشة رضي
الله عنها أنها قالت قال رسول الله ﷺ : (اطلبوا الرزق في
خبايا الأرض) [١٠] ، ففي هذا الحديث إظهار لحقيقة أن الأرض تخبىء كثيراً من
الخيرات، وأن الله الذي خلق الإنسان قد تكفل بأن يوفر له احتىاجاته ولكن بشرط
أن يعمل على البحث والتنقيب، فالحديث فيه إشارة صريحة على أن الرزق مخبؤ
في باطن الأرض، لكنه يحتاج إلى طلب.
إن من سنن الله الكونية أن الله قد أوجب على الإنسان السعي في الأرض
وبذل الجهد والتعب، أما التمتع بدون تعب فهو في الحياة الأخرى، وهذا من
الأسرار التي جعلها الله في قلة الموارد، ولكن ليس الانعدام الكلي وعدم إمكانية
توفير الاحتىاجات، فالندرة حسب المفهوم الإسلامي نسبية وليست مطلقة، أي أن
الندرة تحدث إذا عطل الإنسان ملكاته وقدراته ولم يعمل على استغلال طاقاته
الذهنية.
إن من واجب الإنسان أن يمارس عملية التفكير والاختراع، فما يصنعه
الإنسان أو يكتشفه هو من صنع الله، لهذا ينبغي فهم قول الله تعالى على حقيقته
[والله خلقكم وما تعملون] [١١] ، فإن ما يتوصل إليه الإنسان من مخترعات، وما يلهمه الله من معرفة للأسرار الكونية، إنما أذن الله بها في هذا العصر مع كثرة الناس، ولم يأذن بها فيما سبق من تاريخ البشرية ليؤكد حقيقة ثابتة لا جدال حولها أن الله قد تكفل بتوفير احتياجات الإنسان وأن الموارد المتاحة كفيلة بتوفير احتىاجات الإنسان بشرط أن يسعى وفق سنن الله وضمن نطاق العبودية له تعالى، ولهذا فإن الانحراف عن هذا المنهج سيكون سبباً في ندرة الموارد حيث يصبح ذلك أداة لإنزال عقاب الله تعالى على ظلم الإنسان.
стр. 1730
نص شعري
مسرح !
عبد الله محمد العسيري
يجر خطاهُ..
على «مسرح» من سآمةْ
ومن خلفه «ابنُ سلول» له أوجه عدةٌ
ليس فيها جباهُ!
وفي مقلتيه جهامةْ
وفوق الجبين حمولة ذل..
غدت للعبيد علامةْ!
«وقع هُنا»
يخط بريشته في الورقْ
هامساً وهو يحني العنقْ:
«سمعاً وطاعة!
نحن باعة..
وما كانت القدس والأرض إلا بضاعة!
وكلي قناعة..
غير أني أفضّل كتمان سري»
ويُغرقُ همساً:
«كيف أصنع لو أبصرَ الشعبُ أحداقَه السائلةْ!
ويدي القاتلةْ!
وجنينَ» السلام «الذي جاء ميتاً
وإن صفقت فرحاً فرقةُ» القابلةْ «! !
إن شرطي الحفاظ على السر حتى استلام الثمنْ» .
هو يهوي على الطاولة..
يغمس الآن ريشته.. والعفنْ..
يتحدث عبر روائحه! ..
عن حقيقة هذا الظلام الذي..
يتستّر متزّراً بـ «السلامْ» !
أفّ.. هذا زمان الوَهَنْ!
ما الوهن؟ !
أن تبيع دمي..
وتجعل دولارهم بعد قتلي الكفنْ! !
ثم تسلبه حين تبتعد العدساتُ..
لتأخذ أنت الثمنْ
стр. 1731
المسلمون والعالم
المسافة بين فلسطين وجنوب افريقيا
رؤية في حدثين
د. عبد الله عمر سلطان
لم يجد وزير الخارجية الأمريكي من عبارة لوصف دخول الشرطة الفلسطينية
إلى غزة وأريحا سوى القول: «إنها تجربة تشبه التجربة المثيرة التي نراها اليوم
في جنوب افريقيا» ، وما أبعد الشبه وأخبث المقارنة بين تجربة جنوب افريقيا
التي عادت لتُحكم وتسير وفق رأي أهلها، وبين «الجيب» الاختباري الذي
يحاول المستفيدون من وجوده أن يروجوا له، ويربطوا بينه وبين تجربة الأفارقة
الجنوبيين.
ولكن مهلاً، قد يكون هناك شيء من التشابه بين هذا الحدث، وذاك ربما
يكون هناك خيط رفيع يربط المشهدين، والمسرحين، والجمهور الفاغر فاه لهثاً
وراء ما تخبئه بقية الفصول التي اعتاد الجميع أن تكون مأساوية وفي اتجاه واحد،
والجمهور الذي يهنأ بلذة النصر على الظلم بعد كفاح مرير، ولنتأمل ملامح الشبه
بين الروايتين:
أولاً: كلا المشكلتين في الجنوب الأفريقي أو فلسطين المحتلة بدأت مع انتشار
الرجل الأبيض وحضارته المشينة، التي كانت تحمل الإنجيل المحرّف بيد بينما
تنشغل الأخرى في صب الرصاص والبارود باتجاه سكان العالم من غير البيض،
الرجل الأبيض الذي ينظر إلى نفسه باعتباره مخلوقاً فوق البشر الآخرين كان من
حقه أن يعلن وهو يطأ القدس (بظلالها الإسلامية) انتهاء الحروب الصليبية كما فعل
الجنرال اللنبي أو أن يمارس الصيد البشري في حق سود جنوب افريقيا وملونيها
لأنهم دون البشر، الذين يحملون الدماء والأعين الزرقاء.
ثانياً: كلا الكيانين العنصريين في جنوب افريقيا أو في كيان الصهاينة لم يكن
ليكتب له الاستمرار والبقاء لولا الدعم الغربي المادي والمعنوي المباشر ورغم
تعاقب الشعارات التي بدأت منذ إطلاق الفكرة السخيفة التبريرية بأن الاستعمار جاء
ليطور الشعوب المحرومة، وحتى شعارات «ولسون» وعصبة الأمم في تقرير
حق الشعوب، إلى إعلانات الأمم المتحدة ودساتيرها الطنانة بالرغم من توالي كل
هذا الطنين الهائل، فإن الغرب لم يغير موقفه العملي من هاتين التجربتين
المروعتين، بل ظل ينظر إلى هذين الكيانين باعتبارهما امتداداً حضارياً له بكل
شمولية التجربة الحضارية وتعقيدها.
ثالثاً: ظلت جنوب أفريقيا كما ظل العدو الصهيوني نموذجاً آلياً لما تعنيه
العنصرية والتفرقة على أساس الجنس أو العرق (وأهم من ذلك الدين) فالآبارتايد
التي تعني بلغة المستعمرين البيض التفرقة على أساس اللون والصهيونية كلاهما
كانا ولازالا وجهين لنفس العملة التي جرمها العالم ودوله ومنظماته الدولية عبر أكثر
من عقد، وحتى سقوط نظام التفرقة في جنوب افريقيا التي ظلت تجربتها ممقوتة
ومقاطعة دولياً، بالرغم من الخطوات والمبادرات الإيجابية للبيض لحل هذه
المعضلة، بينما حظيت الصهيونية بدعم أمريكا خصوصاً حتى أجبر العالم في ظل
«النظام العالمي الجديد» أن يبتلع اعتراضه ويدوس على قراراته السابقة لكي
تشرق شمس الصهاينة في ظل الحرب الصليبية.
رابعاً: في ظل هذا المشروع الغربي القذر، وبالدعم الدولي لدوله المنتصرة
في هذا القرن، ومع تزامن الاعتراض الدولي الصوتي غالباً والدبلوماسي أحياناً،
أظهرت الشعوب الأفريقية المجاورة، والدول العربية المحيطة بفلسطين، فشلاً تلو
فشل، وكشفت المواجهة المفروضة على هذه الأمم عن فجوة حضارية هائلة،
وغباء سياسي لا مثيل له، لاسيما حين كان يحارب المهزوم والمظلوم بسلاح ظالمه
وعقيدة من قهره، وهذا بحد ذاته كان دافعاً لطرح أسئلة ضرورية وبدهية حول
الكينونة والذات والجذور الحضارية، وإجابات هذه الأسئلة هي البداية الصحيحة،
لتصحيح المعادلة القائمة.
خامساً: وهنا، ومع تراكم هذه العوامل هب السود في افريقيا مطالبين
بحقوقهم وأرضهم وثرواتهم ... ، بل قبل ذلك بإنسانيتهم، بينما كان شعب فلسطين
المسلم يدفع بالدم الأحمر كل يوم ليغذي روح الجهاد والانتفاضة في وجه الظالم،
ومن يقف وراءه ويستتر بدرعه وآلته العسكرية العجيبة.
أنا أزعم أن عوامل الشبه وتقاسيم الملامح تتنتهي هنا، ليبدأ مفترق طرق قاد
تجربة جنوب افريقيا نحو الانتصار، بينما قاد قضية فلسطين نحو وضع أقسى من
الاحتلال المباشر، وأفظع من التسليم بمفرداته التي تلاشت مع الدخول الهزيل
لقوات القمع الفلسطينية الناشئة.
لماذا نجح «مانديلا» ؟
هذا التساؤل الملح طرحه العديد من المراقبين والمهتمين والمندهشين، وهم
يرون «نلسون مانديلا» يُقْسم رئيساً للدولة الجديدة في جنوب افريقيا، وأكثر ما
أثار دهشة هؤلاء هو مقارنة مصير فلسطين المظلم بالرغم من عدالة قضيتها مع
واقع مشروع «مانديلا» الذي انتهى إلى انتصار باهر ولهذا التساؤل مكانه
المشروع وأهميته البالغة.
لقد اجتمع لمشروع «مانديلا» القائم عدة عوامل لابد من وضعها في
الحسبان عند تناول القضية، بعضها يمكن الإفادة منه كونه تجربة بشرية وتحركاً
إنسانياً يستفاد منه، لاسيما لأولئك الذين تصدوا لحل مشكلة فلسطين من أبناء جلدتنا، نجح «نلسون مانديلا» بعد ثمن باهظ وكفاح لاشك في مرارته، فقد نفي هذا
الرجل الذي حمل قضية أبناء جلدته إلى جزيرة روبن عام ١٩٦٤ م ومكث في
السجن أربعة وعشرين عاماً، حمل فيها هم أمته، ويقول تعليقاً على ذلك: «
طردت من الجامعة في أول سنة لي فيها، وكنت ابن تسعة عشر عاماً بعد أن قدت
اعتصاماً داخل مبنى الجامعة، بعدها عرفت أن هذا الطريق مليء بالمفاجآت وأن
هذه البداية، مجرد بداية» ، ولم يثن هذا الأمر «مانديلا» عن قناعته، فظل
تحت المراقبة والملاحقة حتى اعتقل عام ١٩٥٦ م لمدة عام بتهمة إثارة الشعب، ثم
أعقب ذلك قرار بحظر نشاط «المؤتمر الوطني الأفريقي» فاندفع «مانديلا»
نحو العمل السري وانشأ عام ١٩٦١ م جناحاً عسكرياً تابعاً للمؤتمر، وإثر ذلك
اعتقل ثم أدين عام ١٩٦٤ م، وحكم عليه بالسجن المؤبد وحينذاك قال: «ظننت
أن الحياة لا طعم لها بعد شهور من السجن.. كدت أن أنس ما معنى الحياة، لكني
لم أنسَ أنني كنت أعيش لقضية تستحق أن أدفع حياتي ثمناً لها فضلاً عن أن
أنساها..» .
ولنا أن نقارن بين هذا الرجل الضال الذي كان يتخذ من الماركسية نموذجاً
بالرغم من نصرانيته، وبين قيادات العار التي قادت قضية المسلمين الأولى كانت
قيادة المنظمة تعيش في الفترة التاريخية نفسها، ولكن ممارستها أبعد ما تكون عن
طريق التضحية التي مارسها كافر، فضلاً عن متابعة طريق الحق والرشاد، لقد
رفض «مانديلا» أن يفرج عنه ليمضي كدمية تقبل بشروط المؤسسة الحاكمة في
جنوب افريقيا، وفضل السجن على الحرية العوراء، حدث هذا مرتين عام ١٩٧٣
م وعام ١٩٨٤ م، ولما كان يسأل كانت إجابته: «لقد سجنت لرفض التفرقة
العنصرية، وسأقبل الإفراج عني شريطة أن ترفع هذه التفرقة البشعة» ، لقد قبل
«مانديلا» السجن لمدة ربع قرن، ثم اضطر الجلادون أن يفرجوا عنه بعد ما
رأى العالم كيف يستطيع فرد أن يرتفع بقضية إلى الآفاق البعيدة، وكيف تستطيع
قيادات أخرى أن تهوي بشعبها وتاريخها ودمائها إلى تلك الهوة السحيقة، وهي
تعيش عيشة الأباطرة، وتمارس النضال على الفرش الحريرية والبسط الحمراء،
ثم تُقْتَنَص كالطيور المرعوبة في قصورها الصغيرة أو على الشواطىء حيث لقي
بعض قادة التهريج النضالي لقضية فلسطين حتفهم وهنا يحضرني مقال «زهير
محسن» الذي اغتيل في مدينة «كان» الساحلية بفرنسا حيث كان يمارس النضال
السياحي! ! بعيدة هي القيادات الفلسطينية بأنانيتها وتهريجها وقصر نظرها ونزقها
وطفولتها السياسية، مقارنة بالمواصفات القيادية المتميزة التي صقلتها التجربة
والممارسة في المثال الذي نطرحه للمقارنة.
لقد علق «جفري بارثولت» المعلق الأمريكي على هذا البون الشاسع بقوله:
«قيادة تصنع الحدث وأخرى تلهث لتظل في دائرة الحدث» ، ونحن نقول: قيادة
تعرض عن شعبها وعقيدتها وعمقها لتظل تحكم ولو شبراً من الطين وأخرى ترفض
أن تتاجر بآلام من ائتمنوها على قضيتهم حاضرهم وغدهم.
إن من الظلم بمكان أن نقارن بين القيادتين رغم المعطيات المتعددة التي
سنحت لعرفات وشركاه فأصروا دوماً على أن يختاروا مقعد القيادة بأي ثمن ولو كان
هذا الثمن باهظاً وغالياً وثميناً، كقيمة القدس ومنزلة الأقصى في قلب كل مسلم،
إن من المفارقة حقاً هنا أن شعب فلسطين قد خاض حرباً ضروساً في وجه الاحتلال
تزيد ضراوتها وتضحياتها على تلك التي شهدتها جنوب افريقيا، لكن جهاد الشعوب
قد يذهب أدراج الرياح في ظل قيادات الترهل والعجز، وهذا أبلغ الدروس التي
يجب أن يستفيد منها الشعب الفلسطيني الآن، وهو يشهد بالرغم من الاتفاق الهزيل
ذروة اشتعال المقاومة والجهاد، فالقيادات التي سطرت الاتفاق الهزيل بأي ثمن
سيطويها الزمن، وحينها ستُظهر الأحداث القيادات الراشدة التي تصبر وتصابر
وترفض الانحناء إلا لربها، وهناك ستبدو تجربة «مانديلا» حتى من الناحية
القيادية ضئيلة، ولكم أن تتأملوا بذرة الصمود التي وضعها الشيخ المقعد المصابر «
أحمد ياسين» ، وهو يواجه بجسده المشلول أعتى قوى الجبروت الوحشية.
وإذا وضعنا في الحسبان الفارق بين القيادتين، نجد عاملاً آخراً لا يقل أهمية
عن هذا العامل، وهو يتمثل في جوهر الصراع في فلسطين، حيث يمثل ذلك
الصراع امتداداً للحرب الصليبية اليهودية التي شنت على أهل التوحيد المضطهدين
في الدعوة، وحتى ظهور الملاحم والفتن، فالحرب في جنوب افريقيا كانت لا
تحمل البعد العقدي، بعد أن روض الرجل الأبيض افريقيا السمراء ونصّرها
وألحقها بمنظومته الحضارية، وإن كان ينظر إليها نظرة العبد المقود والمسيحي
الوضيع، فالإسلام إذاً غائب عن هذه المعادلة، وفي ظل التغيرات الدولية وانقشاع
خطر الشيوعية، وتحول «مانديلا» من شيوعي أحمر إلى متعصب للرأسمالية
وأنصار الليبرالية بمفهومها النصراني وجذورها اليونانية فلا يوجد سبب للقلق
داخلياً أو خارجياً، فهذه الدولة ستظل انعكاساً لحضارة الرجل الأبيض تستورد قيمه
ومبادئه وديموقراطيته، وستهتم بقضاياها الداخلية وكيف تحسن من وضع الإنسان
الأسود المسحوق، الذي سيدور في النهاية حول رحى القوى الغربية، «لن يكون
(مانديلا) خطراً على الحضارة الغربية فليس لديه (جرثومة الأصولية) أو فكرة نشر
(حضارة مغايرة) » كما يقول المعلق الأمريكي «ساوندرز» ، بينما نرجع إلى
فكرة «جفري برثولت» عن ماهية الصراع العربي الإسرائيلي، حيث يعلق على
دخول اتفاق غزة/أريحا أولاً حيّز التنفيذ بقوله: «سواء أكان هذا حسناً أو سيئاً فإن
جنوب افريقيا اليوم تتعامل مع واقعها الشاب، ومهما كان الماضي قاسياً وخاطئاً
فإنه من البقايا التي ينظر إليها بسماح وعفو، أما هناك في الأراضي المقدسة فإن
الوضع يختلف فالتاريخ حاضر، منذ إبراهيم ﵇ الذي يعتبر نبياً لدى
اليهود والمسلمين، وهذا الماضي يطل كسحابة داكنة يحكم الحاضر ونقاشاته،
ويسحبه إلى الوراء بالرغم من توالي القرون ... » .
الصراع حتى في منظور أولئك المحايدين نظرياً صراع عقدي حضاري
طويل ولاهث لا يمكن حله على الطريقة «المانديلية» ، لأن المعادلة فيه أن نكون
أو لا نكون، والغرب يرفضنا مهما تصنعنا الذل وتعلمنا العبودية لأن الحق أخبرنا
أن هذا النفق ليس له من مخرج إلى أن نتبع ملتهم كما اتبع «مانديلا» ملتهم،
فرضوا عنه، ولكن ضمن المعادلة نفسها، التابع والمتبوع، السيد والعبد، الأبيض
«السوبرمان» والمملوك المنبوذ..
ونتيجة لذلك العامل وذاك الإطار، فقد نجح «مانديلا» حينما أثبت للغرب
أن قضيته معه محصورة في رفع التفرقة غير الإنسانية التي تمارس ضد السود من
بني جلدته، وفي سبيل هذا سعى منذ خروجه من السجن قبل ثلاث سنوات إلى
إثبات اندماجه العضوي ضمن قواعد ومفردات الغرب النافش ريشه اليوم، أعلن
بعد خروجه من السجن تمسكه بالليبرالية الغربية وديمقراطيتها وتجاربها الغربية
الرائجة، ثم أعلن بلا مواربة أنه كان مخطئاً أو مبالغاً في إعجابه بالشيوعية أو
الاشتراكية ورغم كونهما نبتتين غربيتين ثم خطى الخطوة المهمة والحاسمة حينما
أدرك بعد جولته التاريخيةفي الولايات المتحدة بُعيد الإفراج عنه، أن عليه أن
يتقرب ويتودد ليهود العالم، فأعلن دون تردد عن بالغ أسفه واعتذاره عن موقفه
السابق والقائل بأن الصهيونية صورة من صور العنصرية، إنها ليست كذلك، هكذا
اكتشف الزعيم الواقعي قواعد اللعبة وحصل على جواز السفر الذي قُبل بموجبه
عضواً بارزاً ورصيداً مهماً، فزاد هذا من بريقه ولمعانه، فقصته وتاريخه وكفاحه
ثروة وجهت نحو رصيد هائل لنجاحات الغرب، ومن يقبل أن يوظف كل هذه
المعطيات المهمة في اللحظة المناسبة وبالأسلوب الذي يكفل إعادة التأهيل، ثم
الانطلاق في شرايين هذه الحضارة المتوحشة التي توظف كل من يقبل بشروطها
وقواعد لعبتها.
الحقيقة التي تصفعنا:
الحقيقة التي تصفعنا شئنا أم أبينا أن نموذج غزة/أريحا أولاً هو نموذج إقليم
«بانتوستان» وهو إقليم كان يقطنه السود في ظل الحكم العنصري البائد،
ويحكمون أنفسهم ذاتياً ويمارسون فيه ضبط العناصر التي تقلق أمن البيض كما
يجمعون القمامة بطريقتهم الخاصة، ويوزعون الحصص الدراسية حسب اتفاقهم،
ويحق لهم سماع طبولهم التقليدية، وإصدار الطوابع التي تحمل اسم «الكانتون» !!، لكن كان لهم حرية أكبر في المجال الاقتصادي وعبور البشروالتجارة الخارجية.
لقد رفض «مانديلا» دولة «بانتوستان» ليقبل «فخامته» بأقل منها بكثير
بعد شهور من إراقة ماء الوجه والمفاوضات الشاقة التي انتهت بمهرجان التوقيع
الأخير الذي أثبت للعالم الذي كان يتابع حفل الاتفاق أنه يشاهد مسرحية بكل ما
تعنيه الكلمة من قيمة ترفيهية، وأن التهريج السياسي قد يكون أكثر فكاهة من
الترفيه التجاري القائم.
إن الحقيقة التي تصفعنا اليوم تقول لنا مرة أخرى: إن علينا أن نختار موقعنا
في الوجود، فإما أن نكون وإما أن لا نكون، لأن الحل المطروح والقيادة الحالية
في شأن القضية الفلسطينية يقودان حتماً إلى الإندماج في الكيان الصهيوني،
والالتحاق بركب المنتصر الذي قهرنا بالسلاح الفتاك دهراً، ثم روضنا إلى شباكه
تحت شعار السلام والاستقرار والسوق الشرق أوسطية.
إن العالم اليوم لا يعترف إلا بلغة القوة ومفرداتها، ولا يؤمن إلا بجبروت
المنتصر الذي يمارس استعماره بشتى الطرق والوسائل السياسية والاقتصادية
والإعلامية، ومن كان يصدق أو يلهث وراء المبادىء والشعارات فعليه أن يتأمل
في واقع البوسنة، ودفاع «مانديلا» السابق عن حق فلسطين في الوجود وتجريم
الصهيونية الغاشمة وجرائمها.
لازلت أتذكر دفاع بعض الدعاة والإسلاميين الحار عن «مانديلا» الذي وقف
في وجه الصهيونية واليهود، أما اليوم فالأحداث المتوالية والحقائق الدامغة لا تفسح
مجالاً لأنصاف الحلول أو التمييع أو التسطيح، ولهذا نال شعب افريقيا الجنوبية
حريته وفق قانون ومعايير الغرب النصراني، بينما نال شعب فلسطين ومجاهدوه
المصرون على المقاومة هدية رمزية وهي قوة قمع تطارد فيه روح الإسلام الذي
هو المستهدف في هذا الصراع، وشتان بين مظلوم ينال حريته، ومقموع يصب
عليه مزيد من القهر والعسر الذي لابد أن يعقبه اليسر، حسب وعد الله المحتوم.
стр. 1732
نص شعري
.. في الغابة الجديدة ..
فيصل بن محمد الحجي
أنا في الغابة قد أحدق بي ... خطرٌ يُنذرني بالعَطَب
أنا في الغابة وحدي أعزلٌ ... خائفٌ مضطربٌ كالأرنب
ضارياتُ الغاب حولي كشّرت ... عن نيوب كسياط اللهب
ليس لي منها نصيرٌ منقذٌ ... ليس لي في طوقها من مهرب
والردى يرقبني من مخلب ... أو من الناب وسُم العقرب
ما جدى الحيلة حين امتزجت ... قوة الليث بمكر الثعلب؟
آه يا ربي أغثني.. إنني ... تائبٌ.. والأمن أقصى مطلبي
فبدا (سعدٌ) صديقي قادماً ... حاملاً سيفاً شديدَ المضرب
فتعانقنا فيا.. يا مرحبا ... بصديق مُسعف في الكُرَب
وجلسنا بأمان راسخ ... وتوارى الخوف خَلفَ الحُجُب
وتذاكرنا لقاءات الصبا ... وتهادينا قطوفَ الأدب
واختلفنا بحديث عابر ... وتشاتمنا لأدنى سبب
وتفرقنا كما يقضي الجفا ... عندها أيقنتُ أني عربي! !
* ... * * *
لم تكن أعمالنا تودي بنا ... لو تخلقنا بأخلاق النبي!
стр. 1733
المسلمون والعالم
رسائل عاجلة
إلى الشعب اليمني المسلم
أيمن بن سعيد
وصلتنا هذه المقالة من الكاتب الكريم، وهي في الحقيقة لسان حال كل مسلم
مخلص لإخوانه شعب اليمن، لعل الله أن ينفع بها كل من تصل إليه منهم.
-البيان-
أيها الشعب اليمني المسلم في كل مكان، يسرنا أن نبعث إليك هذه الكلمات من
منطلق الأخوة، وواجب المحبة التي فرضها الله بين عباده المؤمنين رغبة منا في
القيام بواجب النصح الذي أوجبه الله تعالى على المؤمنين تجاه أنفسهم وإخوانهم،
مخاطبين من خلالها إيمانك وحكمتك لما جاء في الحديث الصحيح: (الإيمان
يمان ... ) ، مذكرين بسابقتك في التمكين لهذا الدين ونشره في جهات كثيرة من الأرض، وببذلك في سبيل تحقيق ذلك النفس والنفيس، ونحن أيها الشعب المؤمن الأبي حين نتوجه إليك بتلك الرسائل نخاطبك من خلالها بأسلوب الناصح المشفق عليك، وحاشا لله أن يكون هدفنا التعالي عليك، أو التشفي منك لما ينزل بساحتك، وذلك لأنك جزء منا ونحن جزء منك، فما يصيبك يصيبنا، وما يسوؤك يسوؤنا، قال ﷺ كما في صحيح مسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، ولذا فإننا نحرص على الوضوح والمصارحة لك قدر طاقتنا، مبررين ذلك بعلمنا لحبك للحق، وسعة صدرك له، واستعدادك لقبوله.
أيها الشعب اليمني المسلم: إنا نتابع بقلق وخوف، ما يقوم به بعض القادة
الحاكمين بأمرهم على أرضك من سفك للدماء، وإزهاق للأرواح وتدمير مكتسبات
الأمة وخيراتها، وكل ذلك من أجل الحفاظ على مناصبهم وتثبيت كراسيهم،
واستمرار نفوذهم، ونظراً لوجود غبش في تصور الكثيرين وبخاصة من أبنائك
تجاه تلك الأحداث، ووجود تباين كبير في المواقف من شخص إلى آخر، قمنا
بتوجيه هذه الرسائل المختصرة إليك، والتي نلقي من خلالها بعض الضوء على ما
يمر بك اليوم من أزمة، محاولين تنبيه أولئك الأشخاص إلى الموقف الحق في هذا
الأمر الجلل، علها أن تجد قبولاً فينفع الله تعالى بها ويسدد، وجاء الآن دور
الشروع في تلك الرسائل:
الرسالة الأولى الذنوب سبب الأزمة:
أيها الشعب اليمني المسلم من الأمور المتقررة في الشرع أنه مانزل بلاء بأحد
فرداً أو شعباً إلا بذنب، وما حلت مصيبة إلا بمعصية، قال تعالى: [وما أصابكم
من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير] [الشورى: ٣٠] ولقد انتشر في
الساحة اليمنية في السنوات الأخير العديد من الذنوب والمعاصي فمن قيام الدولة
الموحدة على دستور علماني مشبوه كان لعلمائك الأفاضل منه موقف صريح
معروف، إلى إفساح المجال للأحزاب العلمانية على اختلاف مشاربها لتقدح في
الدين، وتجذب إليها بعض أبناء المجتمع ساعية إلى إقصاء شرع الله تعالى ونشر
التغريب والعلمنة في المجتمع تحت شعاراتها البراقة المختلفة كالتحديث والتطوير
والعدالة ... الخ، إلى محاربة الدعاة والمصلحين ومحاولة إجهاض مكتسبات الأمة
الموافقة للشرع في التعليم وغيره، إلى تجديد الكنائس في بعض المدن والسماح
لوجود نشاط تنصيري قوي في القطاع الصحي وبين العاملين من المسلمين في
شركات التنقيب عن النفط، إلى انتشار الربا، وتفشي صناعة الخمور وتعاطيها،
إلى عودة ظهور أهل البدع والخرافة وبقوة من رافضة وصوفية وإسماعيلية، إلى
ضعف القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم، إلى
ازدياد تعلق كثير من الناس بالدنيا وقلة استمساكهم بتعاليم الشرع، إلى اختلاف أهل
الخيروتفرقهم وعدم اجتماعهم على كلمة سواء، إلى غير ذلك من المنكرات الكبيرة
والصغيرة التي لا تخفى.
أيها الشعب اليمني المسلم: إن الطريق إلى تجاوز المصائب والبلايا التي
حلت بك يكمن في العودة الصادقة على وجه السرعة إلى الله تعالى، والالتزام بكل
جد بشرعه المطهر، والقيام بنبذ تلك المنكرات ومقاومتها سواءً أكانت عامة أو
خاصة، وذلك لأنه ما دفع بلاء إلا بتوبة، قال الله تعالى: [فلولا كانت قرية
آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة
الدنيا ومتعناهم إلى حين] [يونس: ٩٨] .
الرسالة الثانية ضرورة الالتفاف حول العلماء والدعاة:
أيها الشعب اليمني الأبي: إن العلماء الناصحين، والدعاة المخلصين هم
مصابيح الأمة وشموعها التي تضيء لها الطريق في الظلم، وتقودها إلى بر الأمان
في النكبات والفتن، وقد أمر الله تعالى بسؤالهم والأخذ عنهم في قوله :
[فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] [النحل: ٤٣] ، وذلك لأنهم العالمون بدين
الله تعالى، العاملون بتعاليمه، الداعون إليه، المنافحون في سبيل تمكينه،
المحاربون لأعدائه، فوجب لذلك الالتفاف حولهم، للأخذ عنهم، ومناصرتهم وشد
أزرهم أمام أعدائهم الذين يكيدون لهم، ويمكرون بهم، لا لأشخاصهم، وإنما لما هم
عليه من دعوة للحق ومنافحة للباطل.
أيها الشعب اليمني: إننا حين ندعوك إلى الالتفاف حول علمائك ودعاتك
المخلصين، نحذرك في الوقت نفسه من فئة تريد الاندساس في صفوفهم لتمزيق
كلمتهم، وتحذير الناس من الأخذ عنهم، وهم قلة ولله الحمد، ولكن علامتهم
الواضحة التي لا يستطيعون إخفاءها بالإضافة إلى انحراف مناهجهم وما هم عليه
من خرافات وبدع وحب لمتع الحياة وشهواتها ولاؤهم لأعداء الدين من العلمانيين
والاشتراكيين، ومحاولة تبرير انحرافاتهم وجرائمهم في حق الدين والأمة، والسعي
إلى جعل سيئاتهم في نظر الشعب حسنات، وشرورهم خيرات.
الرسالة الثالثة الوحدة مطلب ومكسب:
أيها الشعب اليمني: إن الوحدة بين الشعوب الإسلامية ومنها الوحدة بين
اليمنيين مطلب يدعو إليه الشرع، ويحث عليه العقل، وتحتمه المصلحة وهو
طريق العودة إلى الأصل بعد أن مزقه الأعداء وشتته المستعمرون إلى دويلات
هزيلة، إلا أن الوحدة التي تقوم على دستور علماني مشبوه وقيادات وأحزاب لا هم
لها إلا ذواتها وأطماعها الشخصية، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفرقة والتمزق،
ولن تكون الوحدة عندها إلا وسيلة تتعارض أو تتوافق مع هوى القيادات، وتتناقض
المواقف بالتالي بحسب ما تقدمه هذه الوحدة باعتبارها وسيلة يستخدمها كل طرف
سلباً وإيجاباً في صراعه مع الأطراف الأخرى، وتبقى الوحدة الحقيقية التي تجمع
للأمة قوتها وتصون حماها ويحكم فيها شرع الله ومنهجه، مطلباً للأمة ومكسباً
تحرص عليه وتسعى إليه، مهما سببت هذه النماذج المشوهة من انطباعات سيئة
عن الوحدة.
الرسالة الرابعة الأخوة الإسلامية أولاً:
أيها الشعب اليمني: أوجب الله تعالى التآخي والتآزر بين المؤمنين، ودعاهم
إلى التواد والتناصر، فقال : [إنما المؤمنون إخوة] [الحجرات: ١٠] ،
وقال سبحانه: [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر..]
[التوبة: ٧١] ، وحذر تعالى من تأخير مرتبة تلك الأخوة الإيمانية، وقيام
الشخص بتقديم أخوة النسب أو الوطن عليها، فقال : [قل إن كان آباؤكم
وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله
لا يهدي القوم الفاسقين] [التوبة: ٢٤] .
ولقد أحدثت الأزمة اليمنية شرخاً في مبدأ الأخوة الإيمانية لدى أفراد كثيرين،
حيث ظهرت الكراهية، ووجدت نفوس مريضة ترضى بنزول البلايا وحلول
المصائب على الآخرين، بل وتتمنى حدوث ذلك بهم، بالإضافة إلى كونه قد برز
في الساحة دعاة القبلية والمناطقية، وبدأ أشرار بإثارة التعصب المذهبي بعد أن كاد
أن يخمد، رغبة منهم في تفجير الوضع وقيام الحرب الأهلية بين أبناء القبائل
والمناطق والمذاهب المختلفة، ولعل أكبر الجهات جرماً وأعظمها تسبباً في ذلك
الإعلام الكاذب الذي تأثربه الكثيرون ممن ضعف وعيه، وغاب لديه أثناء تبنيه
المواقف وحكمه على الآخرين الانطلاق من نصوص الشرع وجعلها دليلاً وحاكماً
في ذلك، أو ممن ليس بضعيف الإيمان ولكن قلت معرفته بالمقاصد وضعفت نظرته
إلى المرامي والغايات التي يطمح إلى تحقيقها من يقف خلف تلك الوسائل الإعلامية
المختلفة.
أيها الشعب اليمني: وعلى ضوء ذلك فإن الحل يكمن في الاستمساك
بنصوص الكتاب والسنة، والتأسي بهدي سلف الأمة في العلم والعمل والدعوة
والمبادرة إلى تقديم الأخوة الإسلامية على جميع الروابط والوشائج المختلفة سواءً
أكانت قبيلة أو منطقة أو غير ذلك، والسعي إلى تطبيق لوازم تلك الأخوة من محبة
ونصرة وتكافل في أرض الواقع، مع القيام بنبذ ما وراء ذلك من كراهية وحقد،
وعصبية وتعد على الآخرين في أموالهم أو أعراضهم أو أنفسهم.
أيها الشعب اليمني المحب للحق: يا ترى هل يبادر من أفرادك من قصّر أو
انحرف في هذا الجانب إلى تلافي أخطائهم والتكفير عن زلاتهم؟ هذا ما نظنه بهم
ونرجوه منهم
الرسالة الخامسة خطورة تحقق الانفصال:
أيها الشعب اليمني: إن مخاطر كبيرة تنتظرك أنت، وستنعكس على بلادك
حينما يتمكن الحزب الاشتراكي من السيطرة، حيث سيقوم بالقضاء على خصومه،
كما أنها تنتظر جنوب وشرق بلادك في حال تحقق الانفصال وتمكن الحزب من
الانفراد بها، ولعل أبرز المخاطر المتوقعة: تطبيق الحزب لما يسميه بمشروع
الحزب الحضاري الذي يصفه على ألسنة عدد من مسؤوليه بالتحديث والتطوير
وتجاوز النظم القديمة والقيم البالية! ! وملخص حقيقة ذلك المشروع: تغريب
المجتمع وعلمنته، وإقصاء شرع الله تعالى ومحاربته وإحداث تغيير في قيم ومبايء
شعبنا المسلم عن طريق علمنة المناهج وإقصاء أهل الخير والصلاح عن مواقع
النفوذ ومراكز التوجيه، وضرب الصحوة الإسلامية عن طريق تجفيف منابعها،
وتحجيم انتشارها ومطاردة أفرادها بأي ذريعة من مثل: مساندتها لمن سيسميهم في
حال قضائه عليهم بالقوى الشريرة أو الاتهام بالتطرف ودعم الإرهاب ... الخ، هذا
بالإضافة إلى تشجيع السفور والاختلاط، وتمرد المرأة على القيم والمباديء
الإسلامية.
وهناك خطر آخر وهو إبراز الحزب لعلماء البدعة والخرافة كالرافضة
والصوفية حلفاؤه منذ قيام الوحدة إلى اليوم وجعلهم (وجهه الإسلامي) واستخدامهم
ورقة بيده يضرب بها الحركة الإسلامية السنية على اختلاف فصائلها متى شاء،
كما أن الحزب سيسعى في حال انتصاره إلى إنهاء جميع خصومه في الشمال
والجنوب، وجعل الساحة فارغة له ولحلفائه، مما يعني إسالة أنهار من دماء أبنائك
أيها الشعب في جهات كثيرة من أرضك.
أيها الشعب اليمني المسلم: ونحن نحذرك من خطورة تمكن الحزب
الاشتراكي وكل حزب علماني، ونقوم بدعوتك إلى مواجهة تلك المخططات بكل
سبيل من الآن قبل أن يأتي وقت تندم فيه ولات حين مندم، فإن ذلك لا يعني بحال
أننا نؤيد المؤتمر الشعبي، فكم جرّب الدعاة في بلدك تقلبات قادته المتكررة،
ووعودهم بتصحيح الانحرافات حين تحاصرهم الضائقات، ثم ما إن ينفك قيد
المحنة حتى يعودوا إلى علمنتهم وضلالهم.
الرسالة السادسة يا شعب اليمن أنت مستهدف!
أيها الشعب اليمني الأبي: يا من عرفت بعزتك، وشجاعتك وقوة شكيمتك،
وعنايتك بما يعينك على حفظ كرامتك سلاحك إنك مستهدف من قبل أعدائك في
الداخل والخارج، وإن التنسيق بين العدوين الداخلي والخارجي قد ازداد وبلغ الغاية، بل قد بدءوا بالفعل في تنفيذ مخططهم ضدك، فبعد ضرب جيشك يراد تمزيقك،
وإثارة الحروب الأهلية بين فصائلك المختلفة تحت ذرائع شتى كالمناطقية والقبلية
والمذهبية لتضعف أولاً، ويتم نزع سلاحك ثانياً ثم يتم ترويضك وسلب عزتك
وإذهاب كرامتك، ليتمكن بعدها أعداؤك من تغيير هويتك وتقسيم أرضك، وسلب
خيراتك، وفعل ما يشاء أعداؤك بك.
أيها الشعب اليمني المسلم: لقد حاولت القوى الدولية استعمارك ولكنها فشلت
في تحقيق هدفها ذاك في جل مناطقك، فهيأت بعض أبنائك، وربتهم على عينها
ليتآمروا معها ضدك، فيا ترى هل تقف أمام أهداف أولئك ومخططاتهم كالجبل
الأشم فتحرمهم مما يريدون، ولكننا نعلم أنك لن تتمكن من ذلك إلا باستمساكك بدينك، وإدراكك لمخططات أعدائك، وحفاظك على وحدتك وسبل قوتك، نسأل الله تعالى
أن يجنبك ما يريده أولئك لك.
الرسالة السابعة ضرورة اجتماع الدعاة وترتيبهم للأولويات:
أيها الشعب اليمني المسلم: إن الدعاة إلى الله تعالى في صفوفك فئة منك،
ولذا نستميحك العذر بأن نخصهم بهذه الرسالة الأخيرة.
أيها الدعاة إلى الله تعالى في اليمن: إن المسؤولية على عواتقكم كبيرة وإن
من أبرز أسباب الأزمة غفلة بعض الدعاة وتقاعسهم عن القيام بواجبهم بالكلية،
وقيام بعضهم بشيء من ذلك، ولكن من دون ترتيب للأولويات والمبادرة إلى البدء
بالأهم قبل المهم، والواجب قبل المندوب، هذا بالإضافة إلى عدم التشاور بين
الفصائل الدعوية في القضايا المطروحة بهدف التنسيق بين المواقف الذي حال دون
التمكن من الوصول إلى اتخاذ موقف موحد حيالها.
أيها الدعاة الصادقون: إن تشتتكم وتفرقكم النابع في غالبه من اختلافات
شخصية، وسعي بعضكم إلى إلغاء الأطراف الأخرى، وجعلها تحت لوائه، وقيام
بعضكم بحصر وظيفته في تتبع عثرات الدعاة والقيام بنشرها وتحذير الناس من
الالتفاف حولهم من خلالها مع كون ذلك محرماً في الشرع يمثل خطراً كبيراً على
وجودكم في الوقت الراهن، ويهيء لبعض الجهات استغلال بعضكم مرحلياً لضرب
الآخر ليتم في ما بعد حفر الخنادق لمن بقي منكم وإلقائهم فيها.
أيها الدعاة المخلصون: إن دوركم داخل شعبكم اليمني يجب أن يكون مبنياً
على ركيزتين:
الأولى: تعليم الناس العقيدة الصحيحة التي كان عليها رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- وصحابته الكرام، والقيام ببنائها في نفوسهم، والسعي إلى إيجاد
لوازمها وآثارها في حياتهم العامة والخاصة.
الثانية: هدم الكفر والبدع والمعاصي ومحاربتها والقيام بتحذير الناس منها
وبالحكمة، فإن أغفلتم هاتين الركيزتين، أو قام بعضكم بإحداهن واستهجن واستهان
بمن يقوم بالأخرى فقد زاغ وانحرف.
أيها الدعاة إلى الله تعالى: احذروا فإن الخطر الذي ينتظركم من جراء
الأحداث الأخيرة كبير وماحق، فأعداؤكم يريدون فرض العلمانية في بلادكم
ويسعون إلى تجفيف منابعكم وحصاركم، والتضييق عليكم جميعاً من دون تفريق
بينكم، والإتيان بآخرين من أهل البلاغة والضلالة ليقوموا بالدعوة إلى باطلهم باسم
الإسلام بدلاً منكم، فيا ترى هل تتقون الله وتتنبهون لذلك فتبادروا إلى ترك الشقاق
والفرقة بينكم وتعودوا جميعاً إلى الأخذ بصدق بمنهج رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان في العلم والعمل والدعوة؟
أيها الأحبة: هذا ظننا بكم، وهذا ما نؤمله منكم، والله يحفظكم ويرعاكم.
وختاماً أيها الشعب اليمني المسلم: نسأل الله أن يصونك ويحميك وأن يمكنك
من نصرة دينه، وهزيمة أعدائك الذين يكيدون لك في الداخل والخارج والله يحفظك
ويتولاك.
[إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم] .
стр. 1734
أحداث راوندا
رسالة إلى كل من أمن مكر الله
د.يوسف الصغيّر
إن الذي يطلع على ما يتعرض له الأبرياء من إبادة في «راوندا وبورندي»
لا يملك إلا أن يتأثر ويتألم ويسأل نفسه: ألهذا الحد تنتكس فطرة الإنسان فيقتل
لمجرد القتل والانتقام العام؟ ألهذا الحد رخصت الحياة على بني البشر؟ !
إن غياب أخلاق المحاربين يدل على خواء الحضارة الحالية، فمعظم شعبي
«راوندا وبورندي» تربوا على يد الكنيسة سواء الكاثوليكية أو البرتستانتية وعُمّدَ
الناس وغمسوا في الماء المقدس! ونالتهم بركات القُسُس! ومع ذلك فهم أكثر
همجية ووحشية لأنهم جمعوا أخلاق الوثنيين مع طبائع الغربيين في إدارة الصراع
التي تتلخص في الإبادة الجماعية التي تحل كل إشكال، لقد كان للإسلام وجود كبير
في المنطقة انحسر مع قدوم المستعمر، أفليس من حقهم أن نهتم بهم لعل الله أن
يحدث بعد ذلك أمراً!
الموقع والتاريخ:
تقع «راوندا وبورندي» في وسط افريقيا ضمن المنطقة الاستوائية، وقد
ساعد ارتفاعهما على اعتدال مناخهما مما يفسر كثافة السكان العالية فيها، مقارنة
بدول الجوار، حيث تبلغ الكثافة ١٦٠ شخص في الكيلومتر المربع، وتبلغ مساحة
«راوندا» حوالي ٢٦ ألف كم٢، ويقطنها حوالي أربعة ملايين وربع المليون
نسمة، أما «بورندي» فتبلغ مساحتها حوالي ٢٧ ألف كم٢، ويقطنها خمسة
ملايين ونصف المليون نسمة، وقد وصلهما الإسلام في فترة متأخرة مع امتداد نفوذ
سلطان عمان وزنجبار، وكانت السيادة فيهما للمسلمين، وعندما اتفقت الدول
الأوربية في القرن التاسع عشر على توزيع المستعمرات فيما بينها منعاً للنزاعات،
أصبحت تنجانيقا أو البر التنزاني حالياً من نصيب ألمانيا والكونغو «زائير حالياً»
من نصيب بلجيكا، وحيث أن بورندي وراوندا تقعان بين هاتين المنطقتين، فقد قام
الألمان أولاً بتوسيع نطاق مستعمراتهم إلى المرتفعات، فتمت لهم السيطرة على كل
من بورندي وراوندا، ونظراً لقلة الألمان في المنطقة ورقي المسلمين الحضاري
مقارنة بالقبائل الوثنية آنذاك، فقد اضطر الألمان للاستعانة بالمسلمين من أجل شغل
الوظائف المختلفة، وعندما قام الألمان بمد خطوط السكك الحديدية في المنطقة،
ازدهرت أحوال المسلمين وانتشروا في أنحاء البلاد وكثر دخول الوثنيين في الإسلام.
وقد قام المسلمون بعدة ثورات ضد الاستعمار الألماني بدءاً من حركة «بشر
بن سالم» عام ١٣٠٧ هـ وانتهاءً بحركة «ماجي ماجي» الوطنية التي أخمدها
الألمان بعنف وهمجية، حيث قاموا بإحراق القرى وقتل الألوف من المدنيين، وقد
أدت هذه الحركة إلى تغير سياسة الألمان، فعمدوا إلى المهادنة والسماح من جديد
بحرية الدعوة، وقد استمر هذا الوضع حتى قامت الحرب العالمية الأولى بين ألمانيا
وحلفائها من الأتراك والنمساويين من جهة وبريطانيا وفرنسا وحلفائهما من جهة
أخرى.
وكما كانت أوروبا مسرحاً للحرب فقد كانت المستعمرات أيضاً مجالاً لحرب
أخرى حيث قام الانجليز باحتلال تنزانيا، بينما استولى البلجيك على راوندا
وبورندي، وهكذا تمت تصفية المستعمرات الألمانية في افريقيا، وتم تثبيت هذا
الوضع بعد الحرب عن طريق إصدار عصبة الأمم قراراً يجعل بورندي وراوندا
تحت الانتداب البلجيكي.
وهنا زاد الضغط على المسلمين في المنطقة، حيث قام البلجيكيون بالقضاء
على الممالك الإسلامية في شرق الكونغو التي تحاذي راوندا وبورندي وهدمت
المساجد، وأزيلت علامات الوجود الإسلامي، أما في بورندي وراوندا فقد نشطت
الإرساليات التبشريرية لمحاربة التعليم الإسلامي، وقام الاستعمار بمصادرة أراضي
المسلمين بحجة إقامة مشاريع عامة، وأصبحت النصرانية ومدارس التبشير هي
السبيل للحصول على كثير من المساعدات والميزات، ولهذا دخل كثير من الوثنيين
ظاهراً في النصرانية حتى وصلت نسبتهم إلى ٧٠ % مقارنة مع ٢٠ % للمسلمين، والباقي منهم وثنيون وحلت (لغة البلجيكيين) محل السواحلية (لغة المسلمين) ،
وقبيل خروج الاستعمار ظاهراً في عام ١٣٨٢ هـ بدأت تظهر آثار السياسة
الاستعمارية التي كان لها آثارها المدمرة بعد حوالي ٣٢ عاماً.
جذور المأساة:
إن أساس المأساة هو الاختلال الواضح في التوزيع السكاني وتوزيع السلطة،
ففي بورندي وراوندا هناك قبيلتان تشكلان الأغلبية الساحقة من السكان هما: قبيلتي
الهوتو (١٦ % منهم مسلمون) وهم من أصل زنجي والتوتسي (٣ % منهم مسلمون)
وهم من أصل حامي، وعلى الرغم من أن الهوتو أكثر عدداً فإن السلطة في يد
التوتسي، حيث أن ملكي بورندي وراوندا سابقاً كانا من التوتسي، وقد اشتعلت
الحرب بين الجانبين قبل خروج الاستعمار مع اختلاف في نتيجتها في بورندي عنها
في راوندا، وإليك ملخصاً لما جرى في كل بلد:
أولاً بورندي:
تبلغ نسبة التوتسي في بورندي ٢٥ %، بينما تبلغ نسبة الهوتو ٦٥ % من
السكان، ومع ذلك استطاع التوتسي الاحتفاظ بالسلطة والسيطرة الكلية على الجيش
والشرطة والمناصب العليا، مع تحول النظام إلى جمهوري عسكري ونظراً
للاضطرابات المستمرة ومطالبة الهوتو بالمساواة، فإن السلطة رضخت مؤقتاً فتم
اجراء أول انتخابات ديمقراطية في البلاد في يونيو ١٩٩٣ م، فاز بها حزب «
الجبهة من أجل الديمقراطية» برئاسة «ميليشو ندادي» وهو من الهوتو وبالطبع
اعتمدت خطة الرئيس على إدخال الهوتو في الجيش والشرطة التي كانت تقريباً
وقفاً على التوتسي، ولكن بعد أربعة أشهر قام الجيش الذي يسيطر عليه التوتسي
بانقلاب عسكري تم خلاله إعدام الرئيس وستة من الوزراء وشكل قادة الانقلاب
مجلساً للإنقاذ الوطني! برئاسة وزير الداخلية، وفرّ بقية الوزراء إلى السفارات
الأجنبية في العاصمة «بوجميورا» ، وبعد معارك متصلة فشل الانقلاب وتراجع
قادة الجيش عن المحاولة، وحاولت القيادات التبرؤ من الانقلاب بدعوى أن
العناصر الانقلابية غير منضبطة، ومع ذلك استمرت أعمال القتل المتبادل بين
الهوتو والتوتسي، وقام الجيش الذي يسيطر عليه التوتسي بأغلب أعمال القتل،
وقد قتل أكثر من مئة ألف مدني أغلبهم من الهوتو، ولجأ أكثر من سبعمائة ألف إلى
خارج البلاد، وكثيرٌ منهم إلى راوندا المجاورة، واستقرت الأحوال مؤقتاً على بقاء
الرئاسة بيد الهوتو حيث تولى الرئاسة «سيبريان نتارياميرا» وهو من الهوتو،
مع بقاء السلطة الحقيقية في يد التوتسي.
ثانياً راوندا:
تبلغ نسبة الهوتو في راوندا حوالي ٩٠ % من السكان، ولذلك فقد حسم الأمر
لهم مبكراً، حيث قاموا بثورة على ملوك التوتسي الذي كانوا يستأثرون بالسلطة
والمال، ولم يتدخل البلجيكيون على الرغم من استعمارهم للبلاد، وفي عام ١٩٦١ م أجريت انتخابات تم على إثرها الغاء الملكية وتولى الهوتو الحكم، ولم يستسلم
التوتسي فقد كانت غاراتهم مستمرة من الدول المجاورة، وبخاصة بورندي التي
يسيطرون عليها، وفي عام ١٩٧٣ م تولى الحكم الجنرال «جوفنال هابيا ريمانا»
بعد أن قام بانقلاب عسكري، ونهج نهجاً اشتراكياً، وكانت تربطه صداقة مع
الرئيس الفرنسي «فرانسوا ميتران» ، مما مكنه من الاعتماد على الدعم الفرنسي
في الوقوف في وجه غزو التوتسي لراوندا عام ١٩٩٠ م، حيث قامت الجبهة
الوطنية الراوندية المكونة أساساً من قبائل التوتسي بغزو راوندا قادمة من أوغندا
التي تولت تسليح الجبهة.
وهكذا تعقد الوضع حيث أن التوتسي في كلا البلدين يحاولون استعادة
سيطرتهم المطلقة، وقد حصلت المأساة الأخيرة عندما تعرضت طائرة الرئاسة
الراوندية للهجوم عند محاولتها الهبوط في مطار العاصمة الراوندية «كيجالي»
وذلك بواسطة إطلاق الصواريخ عليها، وقد كانت الطائرة تقل كل من رئيسي
راوندا وبورندي وهما من الهوتو، وهنا أشارت أصابع الاتهام إلى التوتسي وبدأ ت
على الفور مجازر رهيبة في كل من بورندي وراوندا، وبدأ مسلسل القتل ليس فقط
على الهوية بل على الشبه فقط، فمن يشبه الهوتو يتم قتله من قبل التوتسي، ومن
يشبه التوتسي يتم قتله من قبل الهوتو، وقام حرس الرئيس الراوندي مع مجموعات
من الهوتو بارتكاب مجازر رهيبة استعملت فيها الأسلحة النارية والسكاكين، بل
ومفكات «البراغي» أيضاً، ولم ينج من المذابح المتبادلة طفل أو امرأة أو عاجز، وبلغ عدد القتلى حوالي ٢٠٠ ألف قتيل، بل ويصل في بعض التقديرات إلى
٥٠٠ ألف إنسان، وأصبح من المعتاد أن ترى أكوام من الجثث مكدسة في الطرقات، واستعرت الحرب من جديد بين جيش الحكومة وقوات الجبهة القادمة من أوغندا،
وسيطرت الجبهة على حوالي نصف البلاد، ووصلت إلى العاصمة، ومازال القتال
يدور فيها مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من الناس إلى تنزانيا المجاورة.
ولسائل أن يسأل: أين الأمم المتحدة التي تزعم أنها المسؤولة عن حفظ أرواح
المستضعفين وإقامة السلام بين بني البشر؟ والجواب هو أن الأمم المتحدة موجودة
في عاصمة راوندا منذ فشل حملة التوتسي السابقة، ولها قوات من بلجيكا
وبنجلاديش وغيرهما، وقد قامت بمهمتها خير قيام! فقد قامت القوات البلجيكية
بمساعدة قوات فرنسية باجلاء الأجانب (الغربيين) ، ثم انسحبت أيضاً تاركة القوات
البنغالية تقوم بمحاولة حماية المدنيين بدون جدوى، ومع استمرار المجازر استمر
التغاضي عما يجري، فالقاتل والمقتول أفارقة وإن كان غالبيتهم من النصارى أتباع
الكنيسة السوداء إلا أنهم من الجنس غير الأبيض!
أخيراً:
لعل القارىء الكريم يلاحظ أن ممارسة المجازر الرهيبة التي تعتمد على
الإبادة الجماعية التي لا تفرق بين ذكر وأنثى، ولا بين صغير وكبير، ولا بين
مسلح وأعزل، يكاد يكون القيام بها وقفاً على معتنقي النصرانية، وذلك لعدم وجود
الحجة التي يواجهون بها الخصم، ولهذا تلجأ إلى خيار الإبادة، وهذا ما حصل في
الأندلس وفي أمريكا الجنوبية وفي البوسنة، محاولات فاشلة جرت وتجري، ولهذا
يستطيع الفرد العادي أن يستنتج أن الإنسان في عرف الساسة الغربيين هو اليهودي
أولاً ثم النصراني الغربي ثانياً، ثم النصراني ثالثاً ثم من يحقق مصالحهم رابعاً،
وما عداهم فهم مجرد أوراق نقدية ليس لها رصيد.
стр. 1735
المسلمون والعالم
شاهد عيان:
هكذا تهدم مساجد أهل السنة في إيران
د.عبد الله المكراني
قامت السلطات الإيرانية مؤخراً بهدم مسجد «فيض» الخاص بأهل السنة في ...
مدينة «مشهد» ، والهجوم المسلح وإراقة دماء المصلين في مسجد «المكي»
أكبر مسجد جامع لأهل السنة في «زاهدان» عاصمة «بلوشتان» الإيرانية،
واحتلال المسجد والمدرسة الدينية التابعة له من قبل «الحرس الثوري» الإيراني
والمخابرات الإيرانية وإن كان قد تأخر نشر المقال لظروف فنية فإنه يسرنا إيضاح
هذه المؤامرة كما وضحها الأخ الكاتب جزاه الله خيراً البيان
[ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها،
أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب
عظيم] [البقرة: ١١٤] .
مسجد الشيخ فيض في مشهد هو مسجد جامع مر عليه قرابة مائة عام وكان
مثار جدل عنيف في الأعوام الأخيرة بين الحكومة الإيرانية المتمثلة في المخابرات
من جهة وبين أهل السنة والجماعة المستضعفين تحت الضغط الرافضي المتزايد من
جهة ثانية، وربما عاد سبب ذلك إلى ما يلى:
فراغ إيران من الحرب الخارجية من جهة، وعدم تحملها لأهل السنة في
مدينة كمدينة «مشهد» من جهة ثانية، وكذلك، قد يعود الأمر إلى حشود المصلين
الذين كانوا يملؤون المسجد عند أداء الفرائض في كل مكان، بالمقارنة بعدد
المصلين الشيعة الذين لا يعدون صلاة الجمعة فرضاَ عينياً بسبب غيبة الإمام
المنتظر بزعمهم الذي هو في تناقص مستمر، هذا من جانب، ومن جانب آخر
وجود هذا المسجد لأهل السنة في قلب مدينة مشهد، وقرب مزار الإمام «الرضا»
قبلة آمال القوم، ووجوده قرب بيت والد خامنئي مرشد الثورة الحالي، وإحاطة
المسجد بجيران في غاية التعصب، حيث أصبح المسجد مركز تجمع لأهل السنة
حيث يلتقون لأداء الصلاة فيه، لذا غيرت الحكومة قبل سنة واحدة خط سير
الطائرات الذاهبة إلى الحج، التي كانت تحمل حجاج السنة من بلوشتان وخراسان،
من مشهد إلى كرمان، كي لا يجتمع أهل السنة في مسجدهم في مشهد، كل هذا
جعل الدولة تفكر في هدم المسجد، وهناك قرار غير معلن ينص على أن أي مدينة
تكون نسبة السنة فيها أقل من ٤٠ % يجب أن لا يسمح لهم ببناء مسجد فيها،
والتلاعب في تحديد هذه النسبة مسألة سهلة بالنسبة لهم، والكلام السابق هو كلام
محافظ مشهد وهو ابن آية الله جنتي المشهور بتعصبه ضد أهل السنة هناك.
وقبل هدم المسجد اقترحت المخابرات الإيرانية مبلغاً من المال يأخذه أهل
السنة بدلاً من المسجد كأنه محل تجاري، فلا قداسة ولا احترام! ! ولكن العلماء
أفتوا بأن تبديل المسجد أو بيعه غير جائز، ولقد صادرت المخابرات تلك الفتوى،
فلم تصل إلى المسؤولين الرسميين، واقترحوا أيضاً أن يعطوا لهم أرضاً في
أطراف مشهد، أي بعيداً عن مركز المدينة، ولم يلق أيضاً ذلك العرض قبولاً من
هيئة أمناء المسجد، ومن علماء بلوشتان وخراسان وغيرهم من أهل السنة، ولقد
استصدرت المخابرات بعض الفتاوى من بعض المشايخ المغمورين والمرتزقين،
حيث أفتى أولئك بإعدام أفضل العلماء والشباب بتهمة «الوهابية» ، وهذه حجتهم
كلما أرادوا قتل عالم من أهل السنة، وفي ليلة الاثنين ١٩ شعبان ١٤١٤ هـ
الموافق لذكرى وصول الخميني إلى إيران، حيث تحتفل الدولة بتلك المناسبة أشد
الاحتفالات، وتسمى في إيران «عشرة فجر الثورة» ، في ليلة كهذه يضيع كل
شيء، حاصرت المخابرات الإيرانية مسجد فيض لأهل السنة في مشهد حصاراً
عنيفاً، ثم استقدمت ١٥ جرافة كبيرة وبعد منع الناس من التردد حول المسجد بدأت
الجرافات في العمل من خارج المسجد طوال الليل في هدم الجدران والأبواب باتجاه
الداخل دون أن يفرغ المسجد من المصاحف والسجادات والمكتبة الموجودة فيه
واقتيد إلى السجن كل من كان في المسجد غير من استشهد تحت الجرافات، وكل
من كان يأتي ويسأل عن سبب الهدم حيث علم خبر ذلك في الليلة نفسها هاتفياً من
خادم المسجد الذي كان في الداخل قبل الهدم.
انتشر هذا الخبر المؤلم كالصاعقة في المناطق السنية التي تقع في الحدود
الإيرانية، حيث الزحف الشيعي مستمر منذ العهد الصفوي إلى يومنا هذا ويتعرض
أهل السنة لأنواع الضغوط لإبعادهم عن المراكز الداخلية أو للتهجير إلى خارج
البلاد.
في يوم الثلاثاء الأول من فبراير ١٩٩٤ م بدأت احتفالات الحكومة، إلا أن
هذا الحادث المؤلم أدمى قلوب أهل السنة (وكثير من المعارضين الذين يكرهون
النظام أشد من غيرهم) ، ممن كانوا يتعرضون أيضاً لضغط وقتل وتعذيب،
والغريب أن (دعوة الأخوة) بين السنة والشيعة لم تزل على أشدها من قبل الحكومة
تزويراً وخداعاً، وكل عالم سني إذا تكلم بشيء من الحق يلقى وبالاً عظيماً لأنه
يفرق بين الأخوة! ! وهكذا سجن وأعدم علماء وشخصيات بارزة إما بتهمة الوهابية
أو التفرقة بين السنة والشيعة أو التجسس وهذه التهم الجاهزة لكل من لم يسمع لهم
ويطيع، كالأستاذ بهمن شكوري والعلامة أحمد مفتي زاده والعلامة آية الله البرقعي
الذي كان من كبار مراجع الشيعة وتحول للسنة قبل الثورة وكتب رداً على عقيدة
الشيعة وله كثير من المؤلفات والكتب والمقالات، والدكتور علي مظفر يان الطبيب
الحاذق الذي تحول للسنة قبل الثورة أيضاً وأعدم، وعشرات من هؤلاء الذين
نحسبهم شهداء فضلاً عن المسجونين والمنفيين، والآن لنرجع إلى ما نحن بصدده.
انتشر خبر هدم مسجد فيض بالهواتف والأفواه، إلا أن الصحف ولضغوط
الحكم الجائر في إيران لم يقدروا على عمل أي شيء مهم يحول دون تخريب
المسجد، أو إعادة بنائه كما حدث في مسجد (حضرت بال) أو مسجد بابري في
الهند، وقال أحد السيخ في زاهدان: إن الحكومة الإيرانية بيضت وجه حكومتنا! ،
ومع هذا الجو الخانق الذي يخرس أدنى صوت أو اعتراض تفجر حزن أهل السنة
وكانوا يبكون في كل مكان، وبدأوا بإغلاق محلاتهم التجارية في بعض المدن
السنية، وبخاصة في زاهدان عاصمة بلوشتان الإيرانية وبدأ الناس بالتجمع حول
المسجد المكي والمدرسة الدينية التابعة له والمجاورة للمسجد، اللذين بناهما الشيخ
عبد العزيز ملا زاده ﵀ الزعيم الديني والسياسي لأهل السنة في بلوشتان،
وكان الناس يلقى بعضهم بعضاً بوجوه حزينة وبغيظ مكظوم.
وفي صباح الثلاثاء الأول من فبراير ١٩٩٤ م حدث اجتماع شعبي ديني
خلافاً لما أعلنته صحف الدولة التي افترت عليهم بأنهم من المنافقين، أي من «
منظمة مجاهدي خلق اليسارية» ، ثم غيرت لهجتها فوراً وافترت عليهم بأنهم من
الأشرار والمهربين، تجمعوا حول مسجد المكي وفي داخل المدرسة الدينية وبدأ عدد
من المشايخ يهدىء الناس الذين كانوا يتفجرون غضباً، وبادىء ذي بدء لم يفتحوا
باب المسجد للناس ليتفرقوا، وقال خطيب المسجد إني أخاف أن تحدث حادثة
تنسينا قضية مسجد فيض، لكن أعداد الناس بدأت تتزايد باستمرار إلى أن فتحوا
أبواب المسجد كي لا يشتبك الناس مع القوى الحكومية التي حاصرتهم من كل جهة، ولا يكونوا هدفاً لطلقات حاقدة من حرس الثورة والمخابرات، وذهب خطيب
الجامع إلى حشد الناس ووعدهم بأن يتصل بالمسؤولين ليأتوا إلى الناس ويحدثونهم
ويقنعونهم، ومنذ الصباح الباكر وإلى وقت وقوع الهجوم كان العلماء ووجوه الناس
الذين اجتمعوا في مكتب المدرسة الدينية يسعون جاهدين للاتصال بالمسؤولين من
المحافظ ومكتب مندوب الخامنئي (الذي يدبر المؤامرات الشيطانية ضد مدارس أهل
السنة ومساجدهم) وغيرهما، ولكنهم لم يجدوا أحداً، كانوا يسمعون جواباً واحداً
وهو: أن دوائر الدولة مشغولة بإقامة احتفالات الثورة، لكن ظهر بعد ذلك من
القرائن أن هذا كله كان جزءاً من المؤامرة المدبرة سابقاً.
ومن جانب آخر وخوفاً من تأزم الوضع سعى علماء السنة إلى تهدئة الناس
ودعوهم من خلال مكبرات الصوت إلى الهدوء، وفي وسط هذا الضجيج وحيال
غضب الناس من هدم مسجدهم كأنه لم تكن هناك آذان كثيرة تسمع، وبخاصة أن
شباب المدارس الذين يسمعون الإهانات لمعتقداتهم يومياً من معلميهم قد تفجر
غضبهم وحنقهم وكانوا يبكون، وبدأ الناس برمي سيارات الشرطة بالحجارة وكسر
الزجاج، وأخذوا ينزلون أعلام الدولة المرتفعة فوق الدكاكين بشأن احتفالاتهم، ثم
ذهب بعض العلماء والمصاحف بأيديهم إلى حشود الناس الذين تحمسوا كثيراً وكانوا
يمنعونهم من المظاهرة وكسر الزجاج.. كل هذا لأنهم كانوا يعرفون حقد الدولة
وخططها.
وقال أحد شهود العيان أنه رأى شخصاً كلما كان الناس يمنعونه من كسر
الزجاج لم يكن يمتنع عن ذلك حتى منعوه بالقوة، وإذا بجهاز اللاسلكي يقع من
تحت إبطه وكان يلبس اللباس البلوشي المحلي، ولما عرف الناس أنه من
المخابرات الإيرانية ويكسر الزجاج، ضربوه وإذا بهذا العنصر للمخابرات يطلق
النيران على الناس ويهرب، ويجب أن نعلم أن كثيراً من عناصر المخابرات
الإيرانية كانوا يتخفون في اللباس البلوشي، وكانوا في ذلك اليوم يستغلون عواطف
الناس، ويحاولون استفزازهم لإيقاد الفتنة فتكون لديهم الذريعة لتوجيه سلاحهم إلى
صدور أهل السنة باسم الأشرار والمنافقين كما افترت عليهم صحفهم الحكومية التي
كذبت في نفس الوقت خبر هدم مسجد فيض في مشهد، في حين أن المسؤولين
كانوا يعترفون بذلك، ولما سئلوا عما في الصحف قالوا إنها «حرة» ! !
[وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون] .
وقبل حادثة إطلاق النار على المصلين في مسجد «المكي» بعدة ساعات تم
إخلاء المستشفى الحكومي من المرضى تمهيداً لإدخال الجرحى والقتلى الذين كانوا
ينوون قتلهم، هذا وغيره يدل على أنهم كانوا قد درسوا الوضع بدقة قبل ذلك
بشهور، حتى رتبوا الحادث في أيام الاحتفالات إلى أن عرفوا طبائع المدن التي
سوف تعترض على هدم المسجد، ليضربوها بالحديد والنار [ويمكرون ويمكر الله
والله خير الماكرين] ، كما أنهم عزلوا زاهدان عن باقي المدن وقطعوا الاتصالات
الهاتفية قبل الحادثة بعدة ساعات.
وفي ذلك الوقت كان خطيب الجامع الذي يعد زعيماً لأهل السنة والعلماء
ووجوه الناس كانوا مجتمعين في مكتب المدرسة ليحادثوا أي مسؤول حكومي يأتي
إلى الناس فيجيبهم بشيء، إلى أن وصل قائد الشرطة الضابط (غضنفري) إلى
مكتب المدرسة وأخبر أنه وجد عبر اللاسلكي بعض المسؤولين وقال الشيخ له ليأتوا
من غير طريق الشارع الرئيس الذي اجتمع الناس فيه خوفاً عليهم كي لا يرميهم
الناس بالحجارة، لكنهم عمداً أو جهلاً والله أعلم جاؤوا عبر الشارع الرئيس، وفعلاً
حدث ما توقعه الشيخ، ورماهم الناس بالحجارة، ولكن لا أحد يدري بالضبط هل
كانت هذه جماهير الناس حقاً أم أنهم فئة معدة لتقوم بهذا الدور في هذا اليوم؟ وكما
أشرت سابقاً أن المخابرات كانت تعد لهذه الواقعة كي تضرب أهل السنة من جهة
وكي توجه أنظار الناس في إيران إلى هذه المشكلة لينسوا مشكلاتهم وليوحدوا
صفوفهم لتفرقهم كثيراً بعد الحرب مع العراق، ولقد تبين أن الذين جاؤوا ليلتقوا
بالناس هم الذين أصدروا الأمر بإطلاق النار أولاً وقبل هذه الحادثة بقليل ذهب أحد
العلماء إلى قائد الشرطة ورجاه أن يفرق عناصر الشرطة في المنطقة كي لا يتفجر
غضب الناس برؤيتهم، فأجاب: هؤلاء لا يسمعون! وصاحبه كان يبتسم، وكأنهم
كانوا عالمين بما سوف يجري، وفي هذا الوقت في الساعة ٥. ١٢ ظهراً بالتوقيت
المحلي أذن المؤذن كي يخرج الناس من الشارع ويدخلوا المسجد لأداء الصلاة،
وبعد ذلك بقليل سمع الأمر بإطلاق النار من اللاسلكي الذي كان بيد أحد الضباط،
ودخل الناس والعلماء إلى المسجد وأعلنوا عبر مكبرات الصوت أن الشغب وكسر
زجاج محلات الناس لا يصح ولا يجوز شرعاً وبدأوا في أداء صلاة الظهر، وكانوا
في الصلاة جماعة حيث بدأت طلقات الرصاص تدوي في الهواء، ثم يسقط
المصلون والأبرياء في داخل المسجد والمدرسة بعد ذلك، وذهب أحد المشايخ بعد
الصلاة وتكلم عبر مكبرات الصوت موجهاً نداء إلى الشرطة أنه يجب عليه ألا
يكرر الخطأ، وأن لا يطلق الرصاص، فأجابت الشرطة فوراً عبر مكربات
الصوت: لسنا نحن الذين نطلق الرصاص وإنما هم المخابرات والحرس، ثم كنا
نرى أسف بعض الضباط بعد ذلك لما حدث، لأن الشرطة هي القوى النظامية
وليست قوى (حزب الله) كما يقولون أو حرس الثورة، ثم أغرقوا المسجد والمدرسة
بدماء الأبرياء خلال ثلاث ساعات متواصلة، وكانت تشاهد الطائرة المروحية من
فوق والجنود من الأرض وسيارات الحرس من أعالي الجبل ومن فوق البنايات، لم
يبق من المسجد مكان إلا وأصابه الرصاص، ثم بعد ذلك جمعوا القتلى والجرحى
والأسرى، والله أعلم بعددهم، ولم يعطوا إلا ثلاث جثث ليلاً ومنعوا من تشييع
الجنائز، وبعد ذلك جاؤوا في منتصف الليل، وأزالوا آثار الرصاص من الجدران
والأبواب وغيروا زجاج الشبابيك، ظل المسجد محاصراً حوالي أسبوع ثم رفعوا
الحصار وأرغموا خطيب الجامع للحضور لمظاهراتهم وإلا سوف يعملون معه كذا
وكذا، وهذه هي القصة المؤلمة لشاهد رأى الحادثة بعينه.
العجيب الذي لا يمكن تعليله بحال أن يشكك آيات إيران في مساجد السنة
ويدعون بأنها الخطر الأكبر على عقديتهم، ولا ينبذون بنت شفه حيال كنائس
النصارى وبيع اليهود ومعابد المجوس، فأي إسلام يدعي هؤلاء وهم يهدمون
مساجد الله جهاراً نهاراً؟ !
نداء من أهل السنة في إيران لإخوانهم المسلمين:
في بيان مهم وزع يوضح الحاجة الماسة لأهل السنة في إيران، وأن حاجتهم
الماسة تتطلب ما يلي:
١- إيجاد إعلام فاعل لأهل السنة على الأقل مسموع باللغة الفارسية.
٢- تخصيص قسم للترجمة إلى الفارسية للكتب العقدية والفكرية المهمة.
٣- نشر أشرطة علماء السنة مثل (أحمد مفتي زاده) و (عبد العزيز ملازاده)
و (آية الله البرقعي) وغيرهم.
٤- تدريس أبناء السنة في الجامعات الإسلامية المشهورة.
٥- أهمية إيصال المجلات الإسلامية النافعة لهم.
أدركوا مسلمي إيران السنة قبل أن يذوبوا في مخططات الرافضة.
والله المستعان.
стр. 1736
قراءة في كتاب
إنفاق العفو في الإسلام بين النظرية والتطبيق
تأليف: د. يوسف إبراهيم يوسف [*]
عرض:نورة السعد
لا يقتصر مفهوم «إنفاق العفو» في الفكر الإسلامي على فضل المال فحسب، فآية البقرة [ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو] [١] لم تقيد العفو بالفائض من
المال، وإن كان المفسرون قد وقفوا بالعفو عند ذلك، بل إن السنة المطهرة قد
وردت صراحة «بإنفاق العفو» من الجهد والإمكانيات البشرية وهو ما يؤكده
الدكتور/ يوسف إبراهيم يوسف في بحثه هذا عن «إنفاق العفو في الإسلام» ،
وسوف نعرض في السطور الآتية بعضاً مما ورد فيه بإيجاز:
والعفو هو الفائض عن حاجة صاحبه من مال أو جهد أو وقت أو صحة وهو
موجود بكمية وفيرة لدى الأمة الإسلامية التي تجاوزت المليار نسمة سواءاً أكانت
تمثل العفو في الجهد البشري أم الموارد النقدية والعينية، بل إن دور «العفو» من
الجهد البشري في بناء المجتمع، وتمويل تنميته، أكبر من دور «العفو» في
المال لاسيما في معظم المجتمعات الإسلامية، التي تملك قدراً كبيراً من الاثنين غير
أن ثرواتها المادية والمالية غير مستغلة.
ويشير الكتاب إلى أن «العفو» بهذا المعنى يكمن في صور متعددة فليس
موجوداً عند الأغنياء فقط، فالغني يملك فضل المال، بيد أن الفقراء لديهم مكامن
أخرى للعفو تتمثل في الجهد والصحة والمواهب المختلفة في اللسان والجنان، ولقد
فهم الصحابة المعنى الأول من إنفاق «العفو» فاشتكوا إلى الرسول -صلى الله
عليه وسلم- قائلين: «يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور» ! ! لكن
الرسول ﷺ صحح لهم هذا الفهم فقال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة.. وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة» [٢] ، حتى إذا عجزت عن أي عمل «تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك» [٣] .
إننا إذاً جميعاً داخلون في هذا التكليف قادرون عليه بصور متفاوتة وهذا يعني
أن الطاقات الفائضة، والإمكانات الموهوبة للإنسان لا يباح للمسلم تعطيلها أو منعها
عن خدمة المسلمين، ولا يعفى من المسؤولية من قام بتبديدها في مباح، أو وضعها
في محرم.
إننا والحال هذه مكلفون بالبحث عن ميادين وقنوات لتنفق في سبيل الله
جهودنا وأعمارنا وعافيتنا ومواهبنا، يقول الرسول ص: «من كان في حاجة أخيه
كان الله في حاجته» [٤] ، ومن هنا فإن كل ما يزيد عن كفاية الشخص مما لديه
من إمكانيات يصبح محلاً للإنفاق على مصالح المجتمع (ص ٦٨-٧٣) ويروي أبو
سعيد الخدري ﵁: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ
إذ جاءه رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالاً فقال رسول
الله ص: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له
فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» ، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا
أنه لا حق لأحد منا في فضل [٥] .
وهكذا فإن كل فضل من مال أو جهد أو فتوة أو قدرة يجب أن يستغل إسلامياً
ليصب في الصالح العام، فيرتقي المجتمع، ويبين أثر ذلك على الأفراد. إن المسلم
المخلص يترجم عقيدته في سلوك عملي رجاء ثواب الله وتصديقاً
بموعوده، يوم لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره، وشبابه، وماله وعلمه.
وإذا أردنا أن نقف على نوع التكليف في مسألة إنفاق العفو: هل هو فرض
عين أم فرض كفاية؟ فإن المؤلف ممن رجح المذهب الثاني الذي يوجب على كل
فرد أن يترصد بالعفو من ماله وجهده فرص التوظيف والتشغيل فإذا وجدت حاجة
في الناس بادر إلى سدها، فإذا سبقه إلى ذلك غيره جاز له أن يبقي العفو الذي لديه، ولا يكون بذلك آثماً، بيد أنه يظل يتحرى الفرص لتشغيل ما لديه.
(ص ٥٨، ٥٩)
ويوجب الإسلام البدء بالإنفاق الاستهلاكي على النفس، ومن تلزم نفقته فإذا
وجد «عفواً» بعد ذلك أُخْرجَتْ الزكاة بشروطها، وما بقي فوقها فإن المسلم
يفاضل في إنفاقه بين الإنفاق الاجتماعي والإنفاق الاستثماري بحسب الظروف
الاجتماعية وأحوال المسلمين من حوله، والمقصود بالإنفاق الاجتماعي هو: إسهام
المسلم في الإنفاق على مصالح المجتمع، ويعني الإنفاق الاستثماري: الإنفاق على
تكوين رأس المال، وزيادة قدرة المرء على توليد الدخل الشخصي، وهذا ما أرشد
إليه النبي ﷺ من حديث صاحب الحديقة إذ قال: «فأنا أنظر
إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً وأرد فيها ثلثه» [٦] .
(ص ٥٦، ٥٧)
وإن في المال حقاً سوى الزكاة كما ثبت عن ابن عمر ﵁ وإن
الحديث الذي يقول: «ليس في المال حق سوى الزكاة» صحته: «في المال حق
سوى الزكاة» ، أما كلمة «ليس» فزيدت في الحديث عن طريق النساخ وشاع
الخطأ بعد ذلك، قال بهذا فضيلة الشيخ القرضاوي متابعاً للعلامة الشيخ أحمد شاكر، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من واجبات المال غير الزكاة: «تجب
النفقات للأقارب والزوجة والرقيق والبهائم، ويجب حمل العاقلة وقضاء الديون،
ويجب الإعطاء في النائبة، ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري فرضاً على
الكفاية ... إلى غير ذلك من الواجبات المالية» . وقال الإمام مالك ﵀:
«يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم ولو استغرق ذلك أموالهم» .
والخلاصة: أن في المال حقوقاً واجبة غير أداء الزكاة فإن إخراج الزكاة لا ينفي عن المال صفة الكنز، إذا منعت بقية الحقوق الواجبة فيه فيما يعود بالنفع على المسلمين من بناء الاستثمارات، وإقراض المحتاج وإطعام الجائع، وغير ذلك من ضروب التكافل بين المسلمين، والتي تعبر عن طبيعة النظام الإسلامي،
وتبني مجتمع المتقين المتكافل. (ص ٩٤، ٩٥، ٩٧) ...
وتقع مهمة توجيه العفو، إلى الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية، على
عاتق الكثير من المؤسسات القائمة في المجتمع ابتداءً من مؤسسة الدولة نفسها
بوصفها أهم مؤسسة في المجتمع، وانتهاءاً بالجمعية الخيرية التي يكونها الأفراد
لأداء واجب من الواجبات الكفائية، مروراً بالكثير من المؤسسات التي يضمها
المجتمع، والدولة بوصفها أهم المؤسسات المؤثرة على «العفو» من ناحية فعاليته
في تحقيق مصالح المجتمع، تستطيع القيام بعدة أمور:
١- أول ما يجب على الدولة في هذا الخصوص هو أن تتخذ من الوسائل
والسياسات ما يجعل الفوائض المهاجرة تطمئن إلى توطنها في بلادها وتعود من
مهجرها، وهذا يتطلب تأميناً على نفسها، وفتحاً لفرص الاستثمار والتنافس الحر
أمامها، وسعياً إلى إيقاظ الوعي الديني في نفوس أصحاب هذه الفوائض.
٢- أن تضع الدولة إطاراً لتنظيم عملية استخدام العفو، يكفل انسياب
الفوائض إلى قنوات الاستثمار المختلفة، ومجالات الخدمة الاجتماعية المتعددة دون
عقبات أو عراقيل، وبما يحفظ هذه الفوائض من أن تبدد في مشروعات مظهرية
غير مجدية، أو في استثمارات لم يصل المجتمع إلى طلبها في هذه المرحلة.
(ص ١٠٤، ١٠٥)
وبعد ذلك تظهر قضية كفاءة المصارف الإسلامية، وإذا استطاعت هذه
المصارف أن تقوم بدورها المنوط بها، وأن تعمل دائماً على رفع كفاءتها وتطوير
أساليبها فإن نجاحها مرتهن بمساندة المجتمع والدولة، فالمطلوب إذاً نشر المصارف
الإسلامية في أرجاء البلاد، وإزالة المعوقات من أمامها، وإحاطتها بالتشريعات
الكفيلة باستقرارها ونموها.
ويتحقق إنفاق العفو بأكثر من صورة، وقصره على صورة دون أخرى تقييد
للمطلق بغير دليل، فكلما طابت نفس المسلم، وتفاعلت مع الهدي الذي أتاه من ربه، تمكنت من اقتحام العقبة، واختارت صورة من صور إنفاق العفو في سبيل الله،
تكون أبلغ في الدلالة على الاستجابة لأمر الله، وأول هذه الصور وأعلاها تتمثل في
تقديم العفو والتخلي عن ملكيته لصالح المستفيد منه. (وهناك صورة الوقف: وهي
خروج عن ملكية العفو وجعله ملكاً لله تعالى فلا يملكه من وقف عليه لكنه يستفيد
منه فقط) .
ومن الصور أيضاً، استخدام العفو في خدمة مصالح المسلمين مع الاحتفاظ
بملكيته، مثل بناء المشروعات الاستثمارية التي تحقق منفعة للمالك ومصلحة
للمجتمع في الوقت نفسه، وتتدرج بعد ذلك صور إنفاق «العفو» فهناك صور
كثيرة استخدمها المسلمون ثم تغافلوا عنها، وهي من هدي الرسول -صلى الله عليه
وسلم- تنضوي تحت ما يسمى بـ «المنيحة» . قال النبي -صلى الله عليه
وسلم-: «ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعس وتروح بعس، إن أجرها
لعظيم» ، فالمنيحة هي الدابة يدفعها المستغني عنها إلى من يستفيد من قوتها
ودرها، ثم يستعيدها بعد مدة مقدرة ومثل ذلك أن يبني المسلم دوراً يملكها، لكنه يخصصها لسكنى الفقراء وأبناء السبيل وينتفع بها إذا احتاج إليها، وجدير بالذكر أن عدم إنفاق فائض المال في صورة من هذه الصور أو مثيلاتها يعني تعطيل المال والجهد وإضاعتهما، وذلك أمر منهي عنه شرعاً. (ص ٥٤، ٥٥)
ويشير حديث النبي ﷺ : «لا قدست أمة، لا يأخذ فيها
الضعيف حقه غير متعتع» [٧] ، إلى هذه العلاقة الوثيقة بين حفظ كرامة الإنسان، واستحقاق الأمة نصر الله وعونه، فإن حق الضعيف في هذا الحديث ليس حقاً
معيناً، وإنما هو حق شامل عام: إنه حق في الحياة الكريمة، وفي العدالة
والمساواة والحصول على عمل دون أن يتقدمه من هو دونه، وحقه في التنقل
والملكية وممارسة حقوقه السياسية، وحقه في إبداء الرأي، وتوجيه أمور
الجماعة ... إلى غير ذلك من الحقوق التي جاءت بها الشريعة وكفلها الإسلام. (ص ١٢، ١٣)
стр. 1737
في دائرة الضوء
رؤية في مسألة «التعددية»
عرض ونقد
د.محمد يحيى
حفلت الكتابات الفكرية في الآونة الأخيرة بطروحات كثيرة حول قضية
«التعددية» وتفريعاتها في النواحي الفكرية والاجتماعية والسياسية، بل وحتى الدينية، وبدا لمن يتابعون هذه الكتابات أن أنصار مبدأ «التعددية» يرون فيه الحل الناجع للكثير من مشكلات الأمة وفق توصيفهم لها، وأنهم يطرحونه مذهباً فلسفياً قائماً، يدعون له، وينافحون عنه في وجه خصوم معينين، وارتبطت فكرة «التعددية» بمنظومة أخرى من الأفكار التي تروج هي الأخرى في الكتابات الفكرية المعاصرة، كفكرة «الاعتراف بالآخر» ، و «الديموقراطية» وما أشبه ذلك، كما اكتسبت مثل تلك الأفكار قداسة خاصة، وارتقت إلى مرتبة الشعار العاطفي المطلق، الذي يرفع لاستجلاب المشاعر وإثارة الخواطر، ويطلق علامة على حركة اجتماعية وفكرية عامة.
هدف هذه الفكرة:
وشُهرَت دعوة «التعددية» بخاصة في وجه الحركات والأفكار الإسلامية
التي وصفت بأنها عدو التعددية، كما هي عدو الفكر والتقدم والتنوير والعقل
والحرية ... الخ، وعلى الرغم من اجتهاد بعض المفكرين الإسلاميين في إيجاد
وضع ثابت للتعددية داخل الشريعة الإسلامية كالقول الشائع مثلاً بأن المذاهب
الفقهية هي أحزاب سياسية واجتماعية متعددة إلا أن وصمة رفض التعددية بقيت
تلاحق الإسلاميين في الكتابات الجارية وتدمغهم في عرف الكاتبين بكل النواقص
الناجمة عن ذلك.
ملحوظات أربع مهمة:
ولا يكاد المتابع للكتابات الدائرة حول التعددية أن يهرب من ملحوظات عديدة
حول هذه الفكرة كما جاءت في الطروحات الدارجة، وهي ملحوظات ينبغي وضعها
في الحسبان عند أي تعامل أو تحليل للفكرة.
أولاً: أبرز هذه الملحوظات ما يتعلق بالمصدر الذي تؤخذ منه عادة هذه
الكتابات والدعوات في الفترة الراهنة، وأعني به قطاعات من الفئة المثقفة ذات
التوجه العلماني، وبالذات العناصر المسماة بالليبرالية واليسارية منها، ولا يخفى
أن الفئات الأخيرة على تنوعها من ماركسية وشيوعية واشتراكية وقومية كانت حتى
وقت قريب أشد الرافضين لمبدأ التعددية ولاسيما في مجال الحزبية السياسية ذلك
لأن أصحاب هذه المذاهب كانوا إلى سنوات أخيرة يزايدون على أصحابهم في
الغرب في التشديد على «أحادية» مذاهبهم ورؤاهم الفكرية وقدرتها وحدها على
تفسير وتحليل كل الظواهر، وتدبير كل أمور المجتمع دون شريك، وليس ببعيد
عنا زعم الماركسيين أن فلسفتهم هي الحق الوحيد القادر على شرح وتوضيح كل
أمور الكون، وعلى تفسير شتى الظواهر الاجتماعية سواء أكان التفسيرفي مجال
الحركة الاجتماعية والسياسية أو في مجال الفكر والرأي والنظر الفلسفي، فما بال
المزاعم قد تغيرت إلى النقيض في زمن قصير لا يسمح بتحول فكري، بل وبدون
دلائل على حدوث مثل هذا التحول إلى الانفتاح الفكري؟ !
ثانياً: تؤدي هذه الملحوظة إلى أخرى تفوقها في الأهمية والمغزى فالواقع
المشهود والتجربة التاريخية خلال نصف قرن مضى، تدل على أن من يستميتون
الآن في طرح مبدأ «التعددية» كانوا أول وأشد من يناقضه في القول وفي الفعل
فهم الذين قمعوا وكبتوا بل سحقوا الحركات الإسلامية، وأمروا أو حرضوا على
قتل المفكرين والعلماء المسلمين العزل من أي شيء سوى أفكارهم، وهم الذين
تحالفوا مع كل أصحاب الدعوات والممارسات الاستبدادية في الحكم، وناصروا كل
من حل الأحزاب، وسيطر احتكاراً على مذاهب ومنابر الإعلام والثقافة وسد منافذ
الحركة الاجتماعية الأصيلة وفي الوقت الراهن يتحالف هؤلاء مع أنظمة حكم
عسكرية دكتاتورية تحظر التعددية السياسية، وتمنع التعددية الفكرية والأخطر من
ذلك أن ممارسة هؤلاء لمفهوم «التعددية» في الحاضر تتمحور حول رفض وجود
التيار الإسلامي الفكري والحركي في الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية
والإعلامية بحجة واهية مصطنعة هي أن هذا التيار يرفض التعددية وبذلك جاز أو
وجب إبعاده عنها رغم أن من بين صفوف «التعدديين» الجدد من أفنى عمره
يرفض التعددية الحزبية والفكرية، ثم ها هو أصبح من دعاتها، وتلك تعددية
غريبة تلك التي تجعل من أهم مبادئها إقصاء أقوى الأطراف على الساحة،
وقصر المنتفعين بها على أصحاب مذاهب هي في حقيقتها مذهب واحد: هو
العلمانية المتطرفة.
ثالثاً: إن «التعددية» المكتشفة أخيراً حلاً سحرياً للمشكلات والأزمات، لا
تطرح باعتبارها فكرة أو مسلك اجتماعي أو أسلوب حركي أو دعوة أخلاقية، بقدر
ما تطرح سلاحاً مشهوراً في وجه خصوم التيار العلماني من المسلمين، فنحن لسنا
أمام طرح فكري يطلب لنفسه كسائر الطروحات الفكرية المناقشة الهادئة الجادة
والعقلانية، بقدر ما نواجه بشعار يُرَدَدُ لإرهاب الخصوم ودمغهم بالتسلطية،
ورفض الحوار وتشويه صورتهم في أذهان الناس على أنهم هم وليس العلمانيون
الذين يبشرون بالبطش والطغيان برفضهم للتعددية، وبالمثل فإن هذا السلاح
والشعار يستخدم لتبييض صورة العلمانيين وتحسينها بنفي أبرز ملامحها وهو
الاستبداد بالرأي والتعصب المقيت ضد المخالفين، والرغبة العارمة في الاستئثار
والاحتكار لكل مناحي الحياة وأدوات الفعل والحركة في المجتمع. نحن إذن في
طرح «التعددية» في الكتابات العلمانية الجارية نواجَه بأسلوب خبرناه في
طروحات منظومة الأفكار الأخرى المماثلة ألا وهو استخدام الفكرة سلاحاً كالسيف
والمدفع للهجوم على الخصوم وتشويه صورتهم مع تحسين صورة الأنصار.
رابعاً: ترتبط الملحوظة الأخيرة بما سبق، فلأن مفهوم «التعددية» يستخدم
الآن مجرد سلاح للضرب، ولأنه يناقض أفكار وممارسات من يتزعمون لواء
الدعوة إليه، فهو يبدو غامض الملمح ومضطرب الأبعاد فالحديث قد يجري عن
التعددية السياسية فنسمع دعوة إلى السماح بتعدد الأحزاب، لكن هذه الدعوة مقيدة
بأن تعمل هذه الأحزاب داخل نطاق محدد ومحدود لا تتجاوزه، هو في العادة «
ميثاق وطني» أو قانون صارم يضفي عليها في الواقع وحدة أو «أحادية» في
الفكر والسلوك، فوق أن هذه «الأحزاب المتعددة» تستثنى منها فئات عديدة أولها
ما يسمى بالأحزاب الدينية أو الإسلامية مما يجعل من التعددية المرغوبة مجرد لفظ
أجوف، والحديث قد يدور حول التعددية الفكرية والثقافية لكنه ينحصر في الواقع
في نبذ ونفي الإسلام والتمكين لأحادية فعلية من المذهب العلماني المتغرب، حتى
وإن تسترت ببعض التفريعات الشكلية داخل هذا المذهب، والأكثر أهمية في هذا
أن المناقشات حول التعددية تتركنا في حيرة حول ما إذا كان الكلام يدور حول واقع
موجود بالفعل يراد الاعتراف به، وتقنين وجوده، أم حول مثال وأنموذج يراد
إيجاده من عدم، باعتباره هدفاً أسمى ينبغي الوصول إليه، ذلك لأن الحديث عن
التعددية يجري أحياناً بشكل يوحي بأن أنصاره إنما يريدون تمهيد السبيل لتطورات
ومذاهب وأفكار يراد جلبها إلى الساحة بعد التمهيد لها بفكرة التعددية، ولعلنا نذكر
في هذا السبيل كيف خلقت بعض الأحزاب السياسية خلقاً مصطنعاً في بعض البلدان
العربية عندما راجت «موضة» التعدد الحزبي بتقليد أسماء وتوجهات أحزاب
قائمة في البلاد الأوروبية، كأحزاب الخضر والاتحادية الديموقراطية وغيرها.
كيف نتعامل مع هذه الفكرة؟
هذه الملحوظات الأولية حول طروحات فكرة التعددية في الكتابات العربية
المعاصرة ولاسيما العلمانية توجه النظر إلى ضرورة فحص مصدر وأهداف الطرح
قبل التعامل معه فكرياً على أنه فكرة بريئة يرد عليها الإسلاميون بأي شكل كان،
فنحن كما أسلفت أمام فكرة ظاهرها الانفتاح والتحرر لكنها تصدر عن منابر
ارتبطت أشد الارتباط بكل معاني الدكتاتورية والأحادية والهيمنة الاحتكارية ونفي
الآخر، والفكرة تطرح بشكل مناقض لجوهرها حيث تنطوي دائماً على استبعاد
الإسلام وحركاته من هذه التعددية الانفتاحية الموعودة بحجة جاهزة هي: أن
الإسلام لا يؤمن بالتعددية وبالتالي فلا مكان له فيها وكأن الآخرين الذين أعطوا مكاناً
فيها كانوا يؤمنون بها، وأخيراً تطرح الفكرة لا باعتبار هذا الطرح مبدءاً قابلاً
للنقاش العقلي والفلسفي والتوضيح، بل مجرد سلاح لتشويه الإسلاميين وتحسين
صورة العلمانيين، وهو ما ينعكس في غموض أبعاده، وفي هذه الحالة ينبغي أن
نقف إزاء أهداف تَبَنّي العلمانيين لهذه الفكرة ضمن منظومة ادعاءاتهم الراهنة، إذ
تكون في هذا فائدة تفوق مجرد التعامل السطحي معها رفضاً أو قبولاً.
يرتبط الحديث كثيراً عن «التعددية» في هذه الفترة ارتباطاً سببياً مباشراً
بصعود الفكر والطروحات الإسلامية إلى حد أدهش العلمانيين في العقدين الأخيرين
في مقابل إفلاس مذاهبهم وطروحاتهم المختلفة، لقد حدث انقلاب مدهش في ساحة
الفكر والثقافة في المجتمعات العربية حيث أن السيطرة شبه المطلقة التي كانت
للعلمانيين (بفضل الالتصاق بالأنظمة الحاكمة) في الخمسينيات وبالذات في
الستينيات، قد تضعضعت، ثم انهارت في السبعينيات والثمانينيات، ومع سقوط
الطروحات العلمانية أصبحت النخبة العلمانية عارية أمام الجماهير دون تمويه يخفي
حقيقة عمالتها وتبعيتها لأنظمة هي بدورها عميلة وتابعة للدول الاستعمارية القديمة،
بجانب خيانتها الكبرى لدينها وعروبتها وشعوبها بأساليب الحكم الاستبدادي، وبدا
واضحاً أن الساحة التي شهدت سيطرة العلمانيين الاحتكارية مهيأة الآن لاكتساح
إسلامي شامل لن تتبقى معه آثار تذكر لمذاهب وأفكار العلمانية المتغربة، في هذه
الظروف نشأ فجأة الحديث عن «التعددية» في ذات الأوساط التي كانت قد كرست
كل جهودها بدعم من السلطات وأجهزة الأمن والبطش، لكي تقضي على كل آثار
الإسلام وأفكاره قبل ذلك بسنوات. ظهرت فكرة «التعددية» بوضوح لكي تكون
مجرد الغطاء والمبرر الذي يسمح بوجود واستمرارية بقايا الأفكار العلمانية المتغربة
في وقت بدا للعلمانيين أن التيار الإسلامي الجارف سيجتاحها كلها. نحن إذن نواجه
بفكرة وليدة الخوف الطاغي لدى من مارسوا القمع والاستبداد والنفي والاحتكار في
أن يستبعدوا وينفوا مع فارق بالطبع هو أنهم مارسوا هذه الأشياء في موقع الأقلية
التابعة للخارج والموالية لأنظمة غير شعبية، بينما الإسلام هو دين وثقافة وحضارة
البلاد وعقيدة أغلبية سكانها الساحقة.
التعددية من منظور علماني:
«التعددية» في جوهر طرحها الراهن من جانب العلمانيين لا تعبر عن
توجه ديموقراطي مفاجىء، ولكنها مجرد مناورة فكرية للإلحاح على ضرورة وجود
أفكار مغايرة للإسلام في الساحة التي يظنون أن الإسلام بقوة الجماهير سيكتسحها
كلها، ولو أتيحت لهم فرص رد التيار الإسلامي لأسقطوا دعوى «التعددية» تماماً، وهم بالفعل قد ضمنوا دعاواهم ما يسمح بذلك، فوسط الحديث عن التعددية في
كل مظاهر الحياة نجدهم قد وضعوا الشروط والقيود التي تؤدي حتماً إلى استبعاد
الإسلام منها في نهاية المطاف، أو إعطائه وضع التابع الضعيف داخل إطارها
ووسط سائر المذاهب العلمانية.
القضية إذن، كما هو الحال مع الطروحات الأخرى حول «الاعتراف بالآخر» وما شابهه، لا تعدو أن تكون «تكتيكاً» دعائياً فكرياً بطرح شعار يضمن البقاء للنفس في حالة صعود «الآخر» (الإسلامي) المكتسح مع إمكانية إسقاط هذا الشعار وتفريغه من مضمونه في حالة تراجع هذا «الآخر» . بهذا وحده نستطيع أن نفسر التناقضات الكامنة في الدعوى واللبس والغموض الذي يكتنف أبعادها كما أشرنا في الملحوظات السالفة، فهي ليست مبدءاً فكرياً متسقاً بل مجرد شعار يستخدم سلاحاً وفي الحقيقة يستخدم باعتباره مناورة شأنه شأن سائر الطروحات العلمانية في هذه الفترة تنفيذاً للدور الذي يؤديه العلمانيون في هذه الفترة في مواجهة الإسلام وحركاته، وخلاصة المناورة أنه عندما يكون المد العلماني في صعود نسمع حديث الاحتكار والأحادية والنفي والاستبعاد، وعندما ينهار المد ويتراجع نسمع حديث التعددية والاعتراف بالآخر لضمان موطىء قدم وبقية من وجود لدعاواه دون أن يجتاحها المد الإسلامي المضاد، ولأنهم يعاملون
«التعددية» هذه المعاملة سلاحاً وشعاراً ومناورة، فلا يبالون بالتناقضات، بل لا يهتمون بالتوضيح والمناقشة العقلية المتأنية، وهذه خلفية طرح فكرة
«التعددية» .
* * *
أنحن مع التعددية أم ضدها، وكيف؟
يصل طرح «التعددية» إلى الفكر الإسلامي عادة في شكلين لا ثالث لهما:
الأول هو اتهام مطلوب الرد عليه بأن الإسلام أو الإسلاميين ومعهم في ذلك تاريخ
الإسلام لم يعرف التعددية بل كان ضدها على طول الخط، والثاني هو تحد للإسلام
وللإسلاميين وللفكر الإسلامي بأن يخرجوا بطروحات نظرية وممارسات عملية
تثبت أن للتعددية مكانة راسخة عندهم.
طرح «التعددية» إذن يوجه للفكر الإسلامي في شكل اتهام أولا، ثم في
شكل تحد ثانياً، أي يوضع الإسلام في موضع دفاعي مما يفرض عليه آليات الدفاع
التقليدية وأبرزها محاولة نفي التهمة بأي شكل وإثبات العكس ألا وهو أن الإسلام لا
يحتوي على شيء قدر احتوائه على «التعددية» ذلك المبدأ السحري المرغوب فيه! وبالفعل دارت في هذا الإطار مرغمة معظم المعالجات الإسلامية للفكرة بدءاً من
تطويع مفهوم «الشورى» لفكرة «التعددية» وانتهاءاً كما ذكرنا بالحديث عن
المذاهب الفقهية كأحزاب سياسية، وبدا لمن يتابع هذه الكتابات (الدفاعية
والاعتذارية في جوهرها) أن الإسلام ما جاء أو أوحي إلا ليضمن أو يوجد التعددية
في كل أشكالها حتى لو كانت هناك مجالات لا توجد فيها، ويتناسق هذا مع ما عهد
في أمثال هذه الكتابات الدفاعية المضطرة إلى نفي التهمة وإثبات العكس ولو
بالمبالغة فكذلك رأينا من يذهب إلى أن من خصائص الإسلام الاعتراف بالآخر
(ونسيان نفسه على ما يبدو!) أو التمكين لمخالفيه في الوجود ... الخ.
وبصرف النظر عن الكتابات الإسلامية في موضوع التعددية، التي لم تجد
مفراً من أن تكون دفاعية اعتذارية بحكم طريقة طرح الفكرة من الجانب الآخر فإن
هذه الكتابات تظل تتحدث عن تعددية داخل الإطار الإسلامي مهما كان ذلك الإطار
واسعاً، أو حتى فضفاضاً كما بدا عند بعضهم، وهذا الوضع للتعددية الفكرية
والسياسية والثقافية داخل الإطار الإسلامي لا يعجب من يطرحون الفكرة مهما بدا
متسامحاً لأنهم يقصدون في الحقيقة تعددية جذرية أي خارج الإطار الإسلامي، أو
هم يرمون في الحقيقة إلى ثنائية (لا تعددية) تضع الإسلام في ناحية والعلمانية
(بمذاهبها الثانوية) المتغربة في الناحية الأخرى. ولهذا فالردود أو المعالجات
الإسلامية لموضوع التعددية لا تلقى القبول عند العلمانيين لأنها لا تصل مهما
تساهلت، أو مهما نفت التهمة وقبلت التعددية إلى المفهوم المرجو من طرح الفكرة، وهو القبول الصريح والاعتراف «بغير الإسلامي» و «بالمعادي للإسلام»
طرفاً مساوياً وشريكاً قوياً مؤثراً في ثنائية تنظيم سائر المجتمعات الإسلامية، بل
والقبول بأن تكون لهذا الطرف حجية الحكم والتوجيه والسيطرة، ولعل في هذا
الهدف الأخير ما يفسر الإلحاح العلماني في الآونة الأخيرة على فكرة تتواكب مع «
التعددية» وهي «تداول السلطة» حيث يدور التركيز على ضرورة أن يقدم
الإسلاميون التعهدات القاطعة والمضمونة بأنهم لن يصلوا إلى الحكم، أو بالأدق إلى
مواقع القرار والتوجيه في المجتمعات إلا من خلال انتخابات شعبية (وهذا ما لم
يفعله العلمانيون أبداً بل جاءوا عن طريق الانقلاب والدعم الخارجي) ، وأنهم لن
يحتكروا السلطة أبداً بل سيتبادلونها مع الاتجاهات الأخرى (وهذا أيضاً ما لم يفعله
العلمانيون مطلقاً مع الإسلاميين) ، وهذا الحديث عن تداول أو بالأصح تبادل
السلطة بين طرفي الثنائية يوحي بأن الإسلام دين الأغلبية سيوضع على قدم
المساواة (إن لم يكن أدنى بكثير) مع فئات نخبة الأقلية الضئيلة التي لا تعيش إلا
بحبل من الأنظمة وحبل من القوى الخارجية.
المقولات الإسلامية إذن حول القبول بالتعددية إما داخل الإطار الإسلامي أو
خارج هذا الإطار في مجتمعات ودول وعقائد أخرى، لن تحظى بالإعجاب من
جانب دعاة «التعددية» ، وهم كذلك لن يستسيغوا القبول الإسلامي بأديان ومذاهب
مخالفة داخل إطار المجتمعات والدول الإسلامية مادام الإسلام مهيمناً عليها، لأنهم
كما أسلفنا يريدون تعددية أو ثنائية جذرية يكون فيها لمذاهب العلمانية المتغربة
وجوداً مؤسساً ومهيمناً، أو على الأقل تبادلياً مع الإسلام في البلاد الإسلامية، ولا
يكون متضمناً داخل الإطار الفكري ولا نقول العقدي الإسلامي. القبول الإسلامي
بالتعددية مهما كان متسامحاً وواسع المدى لن يصادف هوى أصحاب الدعوة الراهنة
العالي صوتها لأنه لا يوافق جوهر وهدف طرحهم، ألا وهو الأحادية العلمانية
المتسربلة زيفاً في ثياب طلب التعددية، والحق أن الموقف العلماني الحقيقي من
موضوع التعددية يطابق الموقف الإسلامي الذي يهاجمونه وإنْ من الناحية المضادة
فهم إن سمحوا بالتعددية وهو ما يشك فيه كثيراً فإن ذلك يكون بين مذاهب فرعية
داخل المذهب الأم أنواع مختلفة من الليبرالية داخل الإطار الليبرالي الأعم، أو
أنماط من الفكر الماركسي داخل المذهب الشيوعي المادي الأوسع.. الخ، أو يكون
على أبعد تقدير بين عدة مذاهب وتوجهات تشترك كلها في الأساس العلماني
المتغرب، وتجد فيه قاسمها المشترك الأكبر، ومبررها الفلسفي وعلى هذا فإذا كان
الموقف الإسلامي يرى أن تعدد الأفكار والتوجهات يجوز داخل إطار أعم وأقوى،
فهو لا يقدم شيئاً شاذ اً كما يصور العلمانيون بل هو نفس موقفهم، تعدديتهم إذن في
أحسن حالاتها وأكثرها تحرراً لا تختلف عن التعددية التي ينادي بها بعض
الإسلاميين في المقابل، فلماذا إذن يستمر الهجوم الحاد على الإسلام بدعوى رفض
التعددية وتشعب الأفكار والرؤى؟ وهذا المفهوم للتعددية عندهم يقتصر فقط على
داخل الصف العلماني، أما خارجه، فهناك أحادية صارمة تنفي الضد الإسلامي
وتعاديه.
التعددية وتقلب المعنى:
الصورة الحقيقية التي ينبغي على الفكر المسلم أن يعيها هو أننا إزاء طرح
متقلب متعدد المستويات في هذا الموضوع، فنحن أمام دعاية ملحة حول «التعددية» لكننا إذا تفحصناها وجدناها «تعددية» مقيدة ومشروطة ومحدودة داخل تفريعات
مذهب أو إطار واحد مسيطر العلمانية الوافدة ثم نجدها في هدف الطرح «ثنائية»
جذرية عندما نتبين معناها في المجتمع المسلم، ولكننا في الممارسة الواقعية العملية
نجدها «أحادية» صارمة وشرسة في نفيها واستبعادها «للآخر» الإسلامي،
ورفضها لكل طروحاته وإصرارها على إخضاع الإسلام (بآليات التطوير والتطويع
والعلمنة والتغريب) داخل النمط اللاديني والنسق التغريبي. «التعددية» هي ورقة
الدعاية «والثنائية» هي الهدف المنشود لإثبات وحفظ الوجود داخل المجتمعات
الإسلامية في ظل صعود التيار الإسلامي، أما «الأحادية» فهي الواقع والممارسة
والهدف النهائي، ولكن الفكر الإسلامي يتعامل حتى الآن مع الشعار فقط، وعلى
مستواه السطحي دون الاختراق إلى الأهداف والغايات وواقع الممارسة والفعل
وخلفية التاريخ والأصول الفكرية النظرية، ولذلك فإن الطرح الإسلامي المضاد
الداعي للقبول بالتعددية لا يجد القبول عند أصحاب الدعوى التعددية رغم أنه كان
ينبغي أن يرضيهم لو كانت النوايا صحيحة وسليمة، ذلك لأنهم لا يقنعون برد
يجابههم على مستوى الشعار، لأن الشعار عندهم هو مجرد القناع الظاهري الذي
يخفي حقيقة «الثنائية» و «الأحادية» ، ومهما حاول الإسلاميون مواجهة الشعار
برفض التهمة وقبول التحدي، فلن يرضى العلمانيون لسبب بسيط هو أن قبول
المسلمين بالتعددية أياً كانت أبعاده يناقض استمرار توجيه التهمة ضدهم لأسباب
دعائية ويحرم العلمانيين من عريضة اتهام رابحة وورقة تشويه جيدة، كما أن هذا
القبول الإسلامي لا يتمشى، ولا يعني حقيقة «الثنائية» و «الأحادية» الكامنة
وراء شعار «التعددية» كما أراده رافعوه.
ولست بذلك أدعو للكف عن الطرح الإسلامي والتعاطي في مسألة
«التعددية» في شكل نفي التهمة وإثبات الموقف الصحيح، حتى لو اقتصر ذلك في الوقت الراهن على التعامل على مستوى الشعور، وحتى لو اقترن ببعض التعسف في التخريج والتنظير، فهذا الأمر مطلوب إبراء للذمة وتوضيحاً لمواقف الإسلام في وجه الشبهات المثارة والتي قد تنطلي على من لا يعلمون. ولكن هذا الطرح ينبغي كذلك أن يتجاوز مستوى طرح «التعددية» باعتبارها شعاراً، ليتعامل مع مستويات الدعوى المختلفة التي ألمحنا إليها فيما سبق وفوق ذلك ينبغي على هذا الطرح الإسلامي للقضية أن يتجاوز مستوى الردود الدفاعية ليناقش المشكلة برمتها مناقشة واعية متأنية متدبرة، وهو ما لا نجده عند طروحات العلمانيين التي تتسم كما قلنا في بداية المقال بالانفعالية والتشنج.
أسئلة تحتاج إلى أجوبة:
إن هناك أسئلة تحيط بفكرة «التعددية» لا تجد إجابة في الطرح العلماني
لكنها تبقى ملحة على ضوء الطروحات لتحقيق خير أكبر وأعم، شأنها في ذلك شأن
«الديموقراطية» ؟ أي هل «التعددية» هي هدف نهائي يتحتم على المجتمع أن
يصل إليه، أم أنها أسلوب قد يطبق في مواقف معينة للتعرف على أفضل الآراء
والاتجاهات، ولتحقيق أنجع أداء في مجال معين؟ وهل نقف عند التعددية في
المواقف والاتجاهات والآراء كأمر حتمى، أم أننا نسعى إلى تجاوز ذلك صوب
رأي محدد واحد لاسيما إذا أدى هذا التعدد والتشعب إلى التشتت والتمزق بل
والصراع؟ وعلى أي مستوى يكون طلب التعددية وتكريسها وفي أي مجال؟ هل
هي في مجالات الاقتصاد والإنتاج والعلوم أم في مجالات القيم والأخلاق والعقائد؟
ولماذا تضفى على «التعددية» في حد ذاتها قيمة مطلقة بحيث تصبح خيراً محضاً
في جوهرها وفي مجرد وجودها، بينما يصبح توحد الرأي (حتى ولو كان أمراً
طبيعياً نابعاً من الموقف دون قسر) أمراً مستقبحاً في ذاته ومرتبطاً بالدكتاتورية أو
الفقر الفكري؟ وهل يصبح هذا التصور في كل المواقف أي هل ينطبق في
المواقف الاقتصادية الإنتاجية مثلاً كما ينطبق على المواقف العقائدية؟ ثم هناك
السؤال الأهم: هل طرحت «التعددية» باعتبارها قضية لمجرد التقليد لأن الغرب
قد طرحها في السنوات الأخيرة داخل مجتمعاته لظروف وأسباب مختلفة؟
منطلقات التعددية العالمية:
إن طرح مسألة «التعددية» جرى في بعض بلاد أوروبا الشرقية وما يسمى
بالعالم الثالث مؤخراً على المستوى السياسي البحت، طلباً لتعدد الأحزاب السياسية
في مجتمعات ظلت عقوداً طويلة لا تعرف سوى نظام الحزب الواحد. ولكن في بلد
غربي رائد ومؤثر كأمريكا طرحت المسألة في سياق اجتماعي ثقافي سلوكي مع
ارتفاع صوت فئات متعددة عرقية (الزنوج وذوي الأصل الأمريكي الجنوبي
والآسيوي) ولغوية (أسبانية) وسلوكية (جماعات ما يسمى بتحرر المرأة وحقوق
الشواذ وأنصار البيئة و «الأصولية المسيحية» ) ، لتطالب بوجود متوسع، ونفوذ
قوي لها داخل المجتمع الواحد، وهنا اتخذت قضية التعددية أبعادها المحددة التي
وصلت إلى حد التبشير بالتعددية في أنماط الزي والطعام والسلوك الشخصي، لكنها
لم تصل إلى إسقاط الإطار الموحد العام الذي يربط أشتات المجتمع الأمريكي، فهذه
التعددية مثلاً لم تتسع أو تشمل دعاة إقامة مجتمع ديني «أصولي» ، ولا دعاة
إقامة نظام نازي مما يسمى باليمين الجديد المتطرف.
والحديث عن «التعددية» في بعض بلدان أوروبا الغربية كفرنسا وألمانيا
وإلى حد أقل إنجلترا، بدأ فقط تحت ضغط وجود تجمعات كبيرة ومتزايدة من
المهاجرين الأجانب، مما فتح احتمال الثنائيات بل والتعدديات اللغوية والعرقية
والدينية (وأبرزها الإسلام) داخل البلد الواحد، لكن مفهوم التعددية في هذه البلدان
جرى تحجيمه في الحال، بحيث أصبح على أحسن الأحوال لا يتجاوز مجرد
السماح لبعض هذه الفئات بحقوق محدودة، للتعبير وببعض الخدمات الاجتماعية مع
كف أذى أصحاب البلاد عنها.
الخلاصة:
من الواضح أن أنماط طروح التعددية هذه تخالف تماماً النمط الذي طرحه
العلمانيون في البلاد العربية، والمخالفة في الشكل واضحة، لكنها أوضح ما تكون
في الغرض والهدف من الدعوة كما ظهر مما سبق، ويجب على الفكر الإسلامي أن
يضع هذه الفروق الجوهرية في الاعتبار عند تصديه لمناقشة هذه الفكرة، لكن «
التعددية» في طرحها المحلي تبقى كما أسلفنا «تكتيكاً» فكرياً دعائياً يحقق أهدافاً
متعددة أبرزها كسب المشروعية للفكر العلماني الوافد والاحتفاظ له بمكانة مقننة
داخل المجتمعات الإسلامية في وجه صعود الالتزام بالإسلام، ثم الهجوم الدعائي
على الفكر الإسلامي وتشويه صورته وإشغاله بالدفاع الاعتذاري عن النفس، مع
تحسين صورة النخبة العلمانية الساقطة وإضفاء طابع الحرية والانفتاح عليها، وهو
أبعد ما يكون عن حقيقتها.
стр. 1738
إصدارات
من مكتبة «البيان»
* اليهودية والماسونية: لمؤلفه الشيخ العلامة / عبد الرحمن الدوسري رحمه
الله، يقع الكتاب في (١٨٤) صفحة، وضح فيه مؤلفه دعاوى اليهود بأحقيتهم التاريخية في أرض فلسطين، كما كشف عن جوانب من مكر اليهود على النصرانية وعلى الإسلام، وسعيهم الحثيث للتحكم في شؤون العالم وخيراته عن طريق إنشاء الحركات والمنظمات المشبوهة كالماسونية، كما فضح في جزء من الكتاب بعض الشخصيات والدعوات التي صنعها اليهود وربوها، وختم كتابه بالحديث عن الأسلحة التي انتصروا بها، والأمور التي يجب أن ننطلق منها لمواجهة دويلتهم في المنطقة «إسرائيل» ، والكتاب من نشر دار السنة للنشر والتوزيع بالخبر.
* الخشوع في الصلاة: لمؤلفه/ محمد عزالدين توفيق، يقع الكتاب في ١٠٢
صفحة من القطع المتوسط، يتحدث فيه مؤلفه عن الأسباب الداعية للخشوع في
الصلاة والطرق الموصلة إليه، والكتاب يحمل الرقم (٣) من سلسلة المعالم الصادرة
عن دار النشر الدولي بالرياض.
* بدائع التفسير: الجامع لتفسير الإمام ابن قيّم الجوزية، جمع وتخريج /
يُسري السيد محمد، يقع الكتاب في خمسة مجلدات، وقام فيه جامعه بتتبع كلام ابن
القيم في التفسير من خلال كتبه المختلفة وترتيبها حسب ترتيب سور وآيات
المصحف الشريف، والكتاب من نشر دار ابن القيم بالدمام.
* ظاهرة النفاق خبائث المنافقين في التاريخ: لمؤلفه/ عبد الرحمن حسن حبنكه
الميداني، يقع الكتاب في مجلدين، وقد تحدث فيه مؤلفه عن تعريف النفاق
والمنافقين، وقام بدراسة شاملة للنصوص القرآنية في النفاق والمنافقين، كما قام
بنظرة استعراضية للمنافقين عبر التاريخ، والكتاب يحمل الرقم (٧) من سلسلة
أعداء الإسلام، وهو من نشر دار القلم بدمشق.
* دراسات في القصة الإسلامية المعاصرة: للكاتب الناقد/ محمد حسن بريغش، وهو كتاب جديد عن القصة الإسلامية المعاصرة تناول الكاتب فيه عدداً من
القصص بالتحليل والنقد، ويضم الكتاب أربعة فصول: الأول يتحدث عن ملامح
القصة الإسلامية الحديثة، وفي الثاني يعرض لسبع قصص من إنتاج الدكتور
نجيب الكيلاني، فيحللها وينقدها من خلال رؤية إسلامية لهذا الفن القصصي،
وهذه القصص التي عرضت في هذا الفصل تمثل ثلاثة عقود من تطور الكيلاني
وإنتاجه. وفي الفصل الثالث عرض الكاتب آخر انتاج الكيلاني، متمثلاً في
المجموعة القصصية (الكابوس) ورواية (ملكة العنب) ، وانتهى إلى أن هذه
القصص مع ثلاث قصص أخرى تعد نقلة مهمة ومرحلة جديدة في مسيرة الدكتور
الكيلاني الأدبية، ومسيرة القصة الإسلامية المعاصرة، وفي الفصل الرابع حلل
المؤلف كتاب الدكتور نجيب الكيلاني عن المسرح الإسلامي، وتوقف عن العديد
من الآراء والنظريات المطروحة في هذا الكتاب، والكتاب نقد تطبيقي من خلال
رؤية إسلامية تحاول ترسيخ قواعد للنقد الإسلامي وتحديد ملامح هذا الفن عبر
التجارب الأدبية، والإبداع الجديد، بعد أن كثر الحديث عن النظرية والملامح بعيداً
عن المجال التطبيقي
стр. 1739
من ثمار المنتدى
أنشطة المنتدى الإسلامي
التحرير
سبق الحديث عن بعض مشاريع «المنتدى الإسلامي» مثل: «كفالة الدعاة، وبرنامج شهر رمضان الماضي، ومشروع مكافحة العمى بدولة تشاد، والدورات
والملتقيات العلمية للمنتدى، وحلقات تحفيظ القرآن الكريم» ، وفي هذا العدد
نواصل الحديث عن مزيد من المشاريع كما يلي:
- البيان -
سادساً مشروع مكتبة إسلامية:
الكتاب الإسلامي له دور كبير في نشر الوعي العلمي، ونشر العقيدة
الصحيحة بين أبناء المسلمين، ويفتقر الكثيرون إلى الكتاب الإسلامي افتقاراً شديداً، وهو لا يوجد في الغالب إلا بأيدي الطلاب الخريجين من الجامعات الإسلامية، أما
عامة الدعاة وطلاب العلم فلا يجدون المراجع الإسلامية التي يحتاجون إليها في
معرفة عقائد الإسلام، والعبادات والمعاملات الشرعية.
وفي المقابل ينتشر الكتاب الصوفي بين أيدي الناس، فكتب المدائح النبوية
والأوراد الصوفية متداولة بشكل واسع.
ومن أجل ذلك يسعى المنتدى الإسلامي إلى تجهيز مكتبات إسلامية عامة
تحتوي على المراجع العلمية الأساسية في مختلف العلوم الإسلامية، وذلك لتقريب
العلم بين أيدي الدعاة وتسهيل الوصول إلى المعارف الشرعية الأصلية.
وقد أعدت اللجنة العلمية بالمنتدى ثلاثة نماذج للمكتبات العلمية:
الإول: مكتبة إسلامية كبيرة: توضع في المدن الرئيسة وفي أماكن التجمع
الكبيرة للدعاة.
الثاني: مكتبة إسلامية متوسطة: توضع في المدن الصغيرة والجوامع.
الثالث: مكتبة إسلامية صغيرة: توضع في المساجد والمدارس.
وتم انتقاء الكتب بناء على الاحتىاجات الأساسية للدعاة في كثير من البلاد،
وعرضت قوائم الكتب على عدد من العلماء وطلاب العلم لإبداء الرأي وإعطاء
المشورة، فرأوا مناسبتها.
ويعين المنتدى الإسلامي مشرفاً على كل مكتبة من هذه المكتبات للحفاظ على
المكتبة من جهة، ولإعانة القراء وإرشادهم من جهة أخرى.
تكلفة المكتبة الكبيرة: ٠٠٠ر١٢ دولار
تكلفة المكتبة المتوسطة: ٥٠٠ر٣ دولار
تكلفة المكتبة الصغيرة: ٧٥٠ر١ دولار
وتشمل التكلفة: قيمة الكتب، ومتوسط قيمة الشحن، وإيجار المقر لمدة سنة
وتأثيثه.
سابعاً مكتبة طالب علم:
العلم الشرعي مطلب مهم من المطالب التي ينبغي أن يتحلى بها الداعية قال
الله تعالى: [فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك] ، فبدأ بالعلم قبل العمل، وقد
سن رسول الله ﷺ هذه السنة وأمر بها جميع أتباعه، قال الله
تعالى: [قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما
أنا من المشركين] .
فالعلم الصحيح هو الذي ينير الطريق أمام الداعية، فلا يدعو الناس إلا
بمقتضى الحجة والبرهان، وذلك يعينه في معرفة أدواء الناس ومشكلاتهم، ثم
يستطيع بعد ذلك أن يرتب الأولويات التي يبدأ بها بناءاً على ذلك.
ويحرص المنتدى الإسلامي على تعيين الدعاة الذين يتوسم فيهم الخير
والصلاح، مع صفاء العقيدة وحسن السلوك، والعلم هو جماع ذلك كله ولكن بسبب
الضعف العام الذي يعانيه كثير من الدعاة في أفريقيا وغيرها لغياب العلماء وقلة
المراجع العلمية لزم تنمية قدرات الدعاة العلمية، ورفع مستوياتهم الثقافية، ومن
أجل ذلك يقدم المنتدى الإسلامي برامج متنوعة لهم منها: توفير مكتبة منتخبة لكل
داعية من دعاته التابعين له، بالإضافة إلى بعض الدعاة الذين يتوسم فيهم الخير
والصلاح والجدية، وقد راعينا في اختيار هذه المكتبة عوامل مختلفة منها:
١ -أن تكون هذه المكتبة شاملة لمعظم أبواب العلم، جامعة لأهم الأصول
التي يحتاج إليها الدعاة.
٢ -أن تلائم الاحتىاجات الدعوية في المنطقة.
٣ -أن تكون سهلة العبارة سلسة العرض.
ولكي يكون الاختيار أكثر دقة وأبلغ فائدة وضعنا قائمتين: الأولى للدعاة
الجامعيين، والثانية للدعاة غير الجامعيين.
وقد تم عرضهما على عدد من العلماء الفضلاء للاستفادة من توجيهاتهم
وملحوظاتهم، وإليك بيانهما:
أولا دعاة غير جامعيين:
١- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
٢- أعلام السنة المنشورة (للحكمي) .
٣- تفسير السعدي.
٤- تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (للبسام) .
٥- صفة صلاة النبي ﷺ (للألباني) .
٦- الرحيق المختوم (للمبار كفوري) .
٧- مختصر منهاج القاصدين (للقاسمي) .
٨- فضائح الصوفية (لعبد الرحمن عبد الخالق) .
ثانياً دعاة جامعيون:
١- شرح العقيدة الواسطية (للرشيد) .
٢- أعلام السنة المنشورة (للحكمي) .
٣- فتح رب البرية بتلخيص الحموية (لابن عثيمين) .
٤- تفسير السعدي.
٥- فقه السنة (لسيد سابق) .
٦- تمام المنة في تخريج أحاديث فقه السنة (الألباني) .
٧- الرحيق المختوم (للمبار كفوري) .
٨- معالم الانطلاقة الكبرى (محمد عبد الهادي المصري) .
٩- أصول الدعوة (لعبد الكريم زيدان) .
١٠- تهذيب مدارج السالكين (لابن القيم / العزي) .
١١- الموجز في الفرق والأديان (العقل والقفاري) .
تكلفة مكتبة طالب علم (مع الشحن) :
أولاً: مكتبة طالب علم غير جامعي: ٥٠ دولار
ثانياً: مكتبة طالب علم جامعي: ٦٠ دولار.
стр. 1740
الورقة الأخيرة
ثمن الكرسي
أحمد العويمر
في كل دول الدنيا، يرشح الوزير لمؤهلاته العلمية، ولتجربته العملية ليتمكن
من إداء رسالته على الوجه المطلوب، انطلاقاً من إيمانه بالأيدلوجية العقدية
والفكرية التي تدين بها أمته، غير أن جل ديار العرب والمسلمين في هذا الزمان
عندما يرشح الوزير فيها إنما يعود أمر ترشيحه إما لصلة حزبية أو لنزعة عشائرية
أو لصداقة خاصة أو لترشيح الحزب ذي الأغلبية، فهي في الغالب معايير لا تمت
للعلمية بصلة ولا للمعرفة العملية بأي رابطة.
ولذلك ستكون عطاءات وزارة (سعادته) إن وجدت راجعة في الغالب على ما
بناه سابقه، وقد يتهور بنصيحة بعض المستشارين إياهم فيهدم ما بناه سلفه وتعود
الأمور «حيص بيص» ، وفي النهاية إما أن يقال الوزير أو تقال الوزارة لفشلهما
في أداء ما هو مناط بهما من مهام.
وفي أثناء ممارسة سعادته لمهام وزارته فإن عليه شروطاً يلزمه أن ينفذها ثمناً
لبقائه في الكرسي، ومنها:
* الثناء المنقطع النظير للمعطيات التي جاء بها الزعيم الهمام والتي انتشل بها
البلاد وساهم في تطورها والتي لم يأت بها سواه، وتلك المعطيات سيستمر المديح
لها حتى ولو لم يرها الشعب.
* الدعوة لإعادة ترشيح الزعيم لأن البلد لم تنجب مثله ولن تنجب غيره وعليه
البقاء في الحكم حتى تقبض روحه أوأن يطاح به.
* الدعوة بمناسبة وبغير مناسبة لعلمنة المجتمع: ليس بفصل الدين عن
السياسة، وإنما لفصل الدين عن الحياة.
* المعارضون في نظره ليسو سوى شلل وغوغاء لا يعرفون (ألف باء)
السياسة، ولو أتيح لهم المجال لأودوا بالبلاد إلى الخراب والدمار وعليهم أن يعيشوا
على هامش الحياة إن لم يكونوا في غياهب السجون إن لم يكونوا على أعواد
المشانق.
* أن أسلمة المجتمع تخلف ورجعية وأن الدعاة لذلك متطرفون وإرهابيون وأن
على المجتمع وفئاته أن يعيشوا حياة ليبرالية لا تقيم لثوابت الدين أي احترام، بل
وعلى الحكومة أن تتخذ من البرامج والخطط ما يجفف منابع الإسلام خوفاً من نشوء
الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى.
إن لم يؤمن الوزير بهذه «الأفكار المتطرفة» ويعمل جاهداً على تنفيذها فإن
بقاءه في كرسيه مشكوك فيه.
قولوا لي بربكم: هل هذه الأفكار أساليب عمار أم أساليب دمار؟ وهل أولئك
الذين يدعون لتلك السياسات الخرقاء بناة أم هدامون؟ وهل هم مسلمون حقاً أم أنهم
أدعياء ومنافقون لأنهم لا يقيمون للدين وزنا؟ وهل تستطيع مثل تلك الدول أن
تسير إلى الأمام أم ستسير إلى الهاوية؟
قاتل الله اليهود فتلك مخططاتهم، وقاتل الله من سار على نهجهم ما أجهلهم،
والله نسأل أن يرى العاملين للحق ما تقر به العيون وما تصلح به الأحوال، رغم
كل المعوقات، وأن يخزي أعداء الإسلام وأن يريهم نهايات باطلهم المحتومة.
[ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله] .
стр. 1741
صفر - ١٤١٥هـ
يوليو - ١٩٩٤م
(السنة: ٩)
стр. 1742
كلمة صغيرة
الخطاب العلماني - إزاء فضحه من الإسلاميين وتعريتهم له في الكثير من الدراسات - اتخذ مساراً جديداً بعيداً عن الموضوعية التي طالما ... تشدقوا بها ومصادماً للحرية التي يزعمون أنها من حق الآخر باتخاذهم منهجاً ... جديداً في السب والشتم والقذف، وحتى لا تراق مياه وجوههم لا يوقعون -أحياناً- ردحهم في العداء للإسلام ودعاته وهذا ليس غريباً عليهم فهم جبناء عند الحوار الموضوعي، وإذا تورط أحدهم فيه استخدم كل مواهبه في التزوير والمغالطة ... والكذب لستر سوءاته، وقد أدى بهم هذا النهج إلى التأكيد على أنهم منافقون عقدياً ... وميكيافيليون سياسيا ً، وسوفسطائيون فكرياً، بل إن أحدهم سمى اهتداء الفنانات (الحرب بالنقاب) !
فماذا يبقى لكم من دعوى الإسلام إذا هاجمتوه أو أنكرتم ما جاء به؟ ! أو
اتهمتم دعاته بأنهم دعاة للظلام والتخلف! ! إن ثقة الناس في علمائهم الموثوقين لا
حد لها، مهما افتريتم عليهم أو غالطتم في حقهم.
وأخيراً نقول لكم (إذا لم تستحوا فاصنعوا ما تشاؤون) .
стр. 1743
الافتتاحية
تعالوا إلى كلمة سواء
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..
لما رأى نفر من عقلاء الأمة أن قوتهم ونهضتهم لا يمكن أن تكون إلا بالعودة
للأصول وبالرجوع للجذور، وظهرت الصحوة الإسلامية على كل الأصعدة، وإن
كانت لم تسلم من بعض السلبيات إذ صارت مع اختلاف الآراء وتباين المنطلقات
مجالاً للحزبية الضيقة وحب السيطرة والزعامة فنشأت اختلافات في الرؤى
والمنطلقات ساهمت في إضعاف هذه الصحوة مما مكن لأعدائها من العلمانيين بشتى
اتجاهاتهم المشبوهة من الافتراء عليها والدعاية الكاذبة ضدها، ولا يكاد مجتمع
إسلامي أن يسلم من الصراع المرير بين الإسلاميين والعلمانيين ووجدت بعض
الحكومات في بعض البلدان فرصة في تأجيج الصراع بين الفريقين لتبقى هي
المسيطرة على أزمة الأمور، ولتنسى الشعوب المغلوبة على أمرها ما تعيشه من
ظلم وفقر وجهل..
وبما أن الإسلاميين هم أصحاب المبادئ والدعاة إلى الحق وأن فتح المجال لهم
سيؤدي في النهاية لسقوط تلك الحكومات الصوتية، لذا عمدوا إلى مضايقة التيار
الإسلامي بمصادرة حقه في الوجود، وبوضع القوانين التي تحد من دوره وفعالية
تأثيره في تلك المجتمعات، مع التفنن في وضع كل صور الاستفزاز للإسلاميين
وبخاصة في وسائل الإعلام والتعليم، وعملوا بأسلوب معروف هو (احتواء) بعض
العلماء ليكونوا ناطقين رسميين لتلك الحكومات العلمانية ضد أي رأي صادق، وأي
فكر نزيه يدعو لإعطاء الإسلام ودعاته دورهم في الإصلاح ورأينا من هؤلاء من
يهاجم دعاة الإسلام بكل صفاقة لصالح من لا يحكم بشرع الله، فإلى الله المشتكى.
هذا فضلاً عن ما تقوم به تلك الحكومات من تشجيع للتيارات العلمانية من
يسارية وليبرالية، بإعطائها حق الوجود، وحق إبداء الرأي وبكل الوسائل المتاحة
بل وفسحت المجال للافتراء والكذب على الإسلاميين بلا وازع من دين أو رادع من ضمير، فهل هذا من العدل أو من المساواة أو من الحريات التي طالما تشدقت
بها تلك الحكومات؟! إن الحقيقة العلمية الثابتة تؤكد على أن الضغط يولد الانفجار!
لذا وجدنا تلك المجتمعات التي حرمت دعاة الإسلام من العمل في وضح النهار
وفي الهواء الطلق، وأطلقت العنان لغير الإسلاميين من أي توجه علماني، بدعوى
أنه لا يصح قيام تجمع من منطلق ديني لأننا حسب رأيهم كلنا مسلمون.. لكنها لم
تحرم الأحزاب القومية أو الأحزاب الديمقراطية، ولم تحرم الأحزاب الوطنية
بالحجة نفسها، ولكن حين نعلم السبب يبطل العجب فالمقصود هو الإسلام الذي لا
يُراد له صوت مرتفع يدعو باسمه لأن الشعوب مسلمة، وحل مشكلاتها فعلاً في
الإسلام، وحينها ستسقط الأصنام.
لقد وجدنا تلك المجتمعات التي يناوئ حكمها الإسلام ودعاته تعيش أوضاعاً
مأساوية من الاضطراب وفقدان الأمن، مما هو حديث الساعة كل يوم.
لكن حين تُحرم بعض الفئات من حقوقها وتضطهد وتُحارب في وجودها فمن
يمنع اليائسين من ردود الأفعال العنيفة ومن يقنع أولئك بعدم تجاوز الحدود ومن
يفهمهم بسلوك الطريق المستقيم وعدم اللجوء إلى العنف المضاد؟!
لا يكاد يختلف اثنان في أن السبيل إلى ذلك هو إعطاء الجميع حقوقهم وعدم
التفرقة في المعاملة في الحقوق المدنية، وفتح الحوار عن طريق العلماء المعروفين
بخبرتهم وماضيهم المجيد في الدعوة إلى الله، وأن خلاف ذلك ليس من ورائه إلا
سوء الأحوال مما يسر له كل عدو وشامت، ولا نشك أن وراء تلك الفئة أناس
مشبوهون يعملون على اضطراب مسار الأمة وانحرافه عن الصواب.
والملاحظ أنه عند فشل السياسات الحكومية العلمانية في حرب الدعوة والدعاة
وحينما يكون نتيجة العنف والإرهاب الحكومي عنفاً وإرهاباً مضاداً يعلم الحاكمون
بأمرهم أن اللجوء للحوار هو البديل، لكننا نفاجأ بأن الحوار إنما هو انتقائي، وأن
فئات فاعلة لها كيانها ولها تأثيرها، بل حتى اتجاهات فكرية تعرف بالاعتدال من
كل الدارسين عالمياً، نُفاجَأ أنها نُحيت عن الحوار ولا ندري مع من يتم الحوار
وعلى ماذا يتم التناقش.
والويل كل الويل لمن يحتج أو يطالب حتى بتطبيق قانونهم جدلاً فاللجوء إلى
القمع جاهز، وإعلان الطوارئ أو الحصار أقرب ما يكون! إنه من العقل بل من
الشرع والمصلحة العليا للأمة المراجعة الشاملة لسياسات الضرب بيد من حديد أو
سياسات الضرب في المليان، والعمل على جمع الأمة على كلمة سواء وأن يعطى
العلماء دورهم الصحيح في الدعوة وجمع الشمل والحوار البناء قبل أن تحترق
الأوراق وقبل أن نعض أصابع الندم.
إننا مازلنا ندعو إلى تحكيم شرع الله، فهو علامة إسلامنا ودليل انتمائنا لهذا
الدين، تحقيقاً لعبوديتنا لله تعالى، واحتراماً لرغبات شعوبنا التي تطالب بتحكيم
شريعة الله والتوقف عن مهازل مجالس الشعب والبرلمانات التي تلهي الأمة بالدعوة
لتطبيق الشريعة، ثم الدعوة إلى التقنين لأحكامها، حتى إذا أوشكت تلك المجالس
على تنفيذ ذلك حلت بأمر رئاسي فتلغى تلك الجهود التي أوشكت على التمام لتبدأ
من جديد انتخابات ثم مناقشات ثم دراسات ثم تحل، وهكذا دواليك. إن تلك
الأساليب لم تعد تخفى على أحد، فهي أساليب مخادعة ومكشوفة، فإلى متى نخادع
شعوبنا ونغالط أنفسنا؟ !
إن واقع أمتنا مرير منذ أن نحيت شريعة الله، ومنذ حكم أمتنا كل علماني
عنيد يقف بكل صفاقة ضد أي دعوة إلى تحكيم الإسلام بدعوى أنه رجعية وتخلف،
فأي خير يأتي من هؤلاء غير ما نلمسه من انحراف وسوء أحوال؟ مما جرأ إحدى
الدول الغربية لتضع في استراتيجيتها الاستعمارية الجديدة العمل على زيادة تأثير
نفوذها في إحدى البلدان العربية، وقد نشر هذا على الملأ، فهل من مصلحة أمتنا
أن يتحكم فيها الأجنبي وأن يبعد عنها كل مصلح غيور؟ !
إننا ندعو إلى المراجعة وإلى المحاسبة وإلي الاستماع إلى كل قول رشيد
يهدف إلى المصلحة العليا للأمة، بدلاً من أن نكون معوقين للوصول إلى جادة
الصواب، ومكرسين لعوامل القلق والاضطراب.. إن علاجنا بين أيدينا لكننا
نهرب عنه متشبهين بأهل الكتاب الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها.
العزاء لنا وللأمة جميعاً أن كل طاغية ينحي شرع الله ويحارب أولياءه إنما
هو مُحارب لله ولرسوله وللمؤمنين، ولن يفلح مثل هؤلاء أبداً، ولنا أمل جد كبير
في الله تعالى أن يرزق الأمة الرجال الأكفاء الذين يعيدونها للمنهج الإلهي وأن
يضعوا ثقتهم في العلماء المخلصين والدعاة المصلحين مع العمل لما فيه مصلحة
البلاد والعباد، وحينها سيغير الله الأحوال إلى الأحسن والأصلح بإذنه تعالى، وما
ذلك على الله بعزيز، إن صحت النوايا وحسنت المقاصد، وإلا فالموعد الله،
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
стр. 1744
مصطلحات
أهل السنة والجماعة
محمد بن عبد الله الوهيبي
السنة في الاصطلاح تأتي بعدة معان [١] ولا يعنينا في هذا المقال الموجز
تتبع تلك المعاني، وإنما يعنينا أن نُعَرّف بمصطلح «السنة» أو «أهل السنة»
باعتبارها دلالة على اتجاه معين في الاعتقاد، يقول الإمام ابن رجب ﵀
« ... وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء» [٢]
ومراد هؤلاء الأئمة بـ «السنة» طريقة النبي ﷺ التي كان
عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، ولهذا كان الفضيل بن
عياض يقول: «أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال» [٣] ، وذلك
لأن عدم أكل الحرام من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي -صلى الله عليه
وسلم- وأصحابه ﵃ ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من
أهل الحديث وغيرهم: السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات، وبخاصة
في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل
القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة وإنما
خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة، وأما
السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات) [٤] .
وأهل السنة هم المتبعون لسنة الرسول ﷺ وسنة أصحابه ...
﵃، يقول الإمام ابن الجوزي ﵀: « ... ولا ريب في أن
أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله ﷺ وآثار أصحابه، هم أهل السنة» [٥] .
إذاً لفظ «أهل السنة» يقصد به معنيان: الأول متابعة السنن والآثار الواردة
عن الرسول ﷺ وصحابته ﵃ والعناية بها،
وتمييز صحيحها من سقيمها، والتزام موجبها من الأقوال والأعمال في مجال العقيدة
والأحكام والثاني: أخص من المعنى الأول، وهو الذي عناه بعض المصنفين حيث
سموا كتبهم باسم السنة كابن أبي عاصم وأحمد بن حنبل وابنه والخلال وغيرهم،
ويعنون بذلك الاعتقاد الصحيح الثابت بالنص والإجماع، وفي كلا المعنيين يتبين لنا
أن مذهب أهل السنة امتداد لما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته
الكرام رضوان الله عليهم أما التسمية بأهل السنة فنشأت بعد الفتنة عند بداية ظهور
الفرق.
قال ابن سيرين ﵀: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت
الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل
البدع فلا يؤخذ حديثهم» [٦] ، وسئل الإمام مالك ﵀ «من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به لا جهمي ولا قدري ولا رافضي» [٧] ، ثم لما صارت للجهمية شوكة ودولة امتحنوا الناس ودعوهم إلى التجهم بالترغيب
والترهيب فآذوا الناس وعذبوهم، بل وقتلوا بعض من لم يقل بقولهم، فسخر الله
لأهل السنة الإمام أحمد ﵀ حيث صبر على امتحانهم وابتلائهم، وناظرهم
وفند حججهم وأعلن السنة وأظهرها، ووقف في وجه أهل البدع والكلام، فصار
بسبب ذلك يلقب بإمام أهل السنة.
نستنتج مما سبق أن مصطلح «أهل السنة» اشتهر عند الأئمة المتقدمين
باعتباره مصطلحاً مقابلاً لمصطلح «أهل الأهواء والبدع» من الرافضة والجهمية
والخوارج والمرجئة وغيرهم، فأهل السنة هم الذين بقوا على الأصل الذي كان
عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.
أهل السنة والجماعة:
ويطلق على أتباع مذهب السلف الصالح في الاعتقاد «أهل السنة
والجماعة» ، وقد وردت أحاديث كثيرة تأمر بلزوم الجماعة، وتنهى عن الفرقة والخروج [٨] ، وقد اختلف العلماء في المقصود بالجماعة على عدة أقوال [٩] أحدها أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، والثاني أنهم الأئمة المجتهدون والثالث أنهم الصحابة ﵃، والرابع هي جماعة المسلمين إذا أجمعوا على أمر، والخامس جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير.
وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى معنيين: (الأول: أن الجماعة هم الذين
اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم
الخروج عليها وعلى أميرها، والثاني: أن الجماعة ما عليه أهل السنة من الاتباع
وترك الابتداع، وهو المذهب الحق الواجب اتباعه والسير على منهاجه، وهذا
معنى تفسير الجماعة بالصحابة، أو أهل العلم والحديث، أو الإجماع، أو السواد
الأعظم ... ) [١٠] .
ويقول شيخ الإسلام: «وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الإجماع
وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس المجتمعين
و» الإجماع «هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين ... » [١١] .
ومصطلح «أهل السنة والجماعة» يؤدي نفس المعنى الذي يؤديه مصطلح
«أهل السنة» ، فعامة استعمالات الأئمة له مقابل أهل البدع والأهواء، وإليك
بعض الأمثلة على ذلك:
قال ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى [يوم تبيض وجوه
وتسود وجوه] [آل عمران: ١٠٦] ، «فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة
والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة» [١٢] .
وقال سفيان الثوري ﵀: (إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة،
وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة) [١٣] .
إذاً يمكن أن نعتبر مسمى أهل السنة والجماعة بين الفرق، كمسمى المسلمين
بين الملل، فالانتساب إليه والتسمى به واستعماله باعتباره دلالة على صحة الاعتقاد
والمنهج، أمر حسن وسائغ باعتباره انتساباً لاسم شرعي، وقد استعمله أئمة السلف، ومن أكثر الأئمة استعمالاً لهذا المصطلح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
الأشاعرة والماتريدية ومصطلح أهل السنة والجماعة:
يكثر استعمال هذا المصطلح بين الأشاعرة والماتريدية، ويعتبر كثير منهم أن
مذهب السلف «أهل السنة والجماعة» هو ما قاله أبو الحسن الأشعري وأبو
منصور الماتريدي، وبعضهم يعتبر أهل السنة والجماعة «الأشاعرة والماتريدية
ومذهب السلف» .
يقول الزبيدي: (إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة
والماتريدية) [١٤] ، ويقول صاحب الروضة البهية: (اعلم أن مدار جميع عقائد
أهل السنة والجماعة على كلام قطبين أحدهما الإمام أبو الحسن الأشعري والثاني
الإمام أبو منصور الماتريدي ... ) [١٥] ، أما الأيجي فيقول: ( ... وأما الفرقة
الناجية المستثناة: الذين قال فيهم الرسول ﷺ : «هم الذين
على ما أنا عليه وأصحابي» فهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة
والجماعة) [١٦] ، ويقول حسن أيوب من المعاصرين: (أهل السنة هم أبو الحسن
الأشعري وأبو منصور الماتريدي ومن سلك طريقهما، وكانوا يسيرون على طريقة
السلف الصالح في فهم العقائد) [١٧] ، وعامة هؤلاء يذكرون عقائد الأشاعرة
والماتريدية على أنها مذهب أهل السنة والجماعة، وليس المقصود هنا مناقشة هذا
الادعاء الباطل، وإنما أردت ذكر فائدتين في هذا المجال هما:
١- أن استعمال الأشاعرة والماتريدية ومن تأثر بهم لهذا المصطلح لا يغير
شيئاً من حقيقة ابتداعهم وانحرافهم عن منهج السلف الصالح في أبواب كثيرة لا
مجال لتفصيلها هنا.
٢- أن استعمالهم لهذا المصطلح لا يمنعنا من استعماله والتسمي به باعتباره
اسماً شرعياً استعمله أئمة السلف، ولا يعاب من يستعمله أو يُذم، إنما يعاب إذا
خالف اعتقاد ومذهب السلف الصالح في أي أصل من الأصول.
стр. 1745
محاضرات إسلامية
فقه النوازل والواقعات
دليل على ارتباط الفقه بالحياة
- ٢ -
د. عبد العزيز القارئ
في الحلقة الأولى من هذه المحاضرة لفضيلة الدكتور عبد العزيز القارئ عضو
هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، تطرق فضيلته إلى حقيقة
الفقه وكيف أبدع الصحابة فيه ونبه فضيلته على خطر ظاهرة الاشتغال بالصناعة
الحديثية على حساب الفقه بمعناه الشامل، ثم تطرق لمسألة الاجتهاد وأثره العظيم
في حياة الناس وبيان الأحكام الشرعية، وكيف كان فقه الصحابة فقه تطبيق وليس
فقه نظريات جامدة، ونواصل معكم بقية هذه المحاضرة المهمة.
- البيان -
نماذج من فقه الصحابة:
وسأضرب لمنهج الصحابة ﵃ في فقه النوازل والواقعات أربعة
أمثلة:
المثال الأول في العبادات:
الأذان يوم الجمعة: فقد كان الأذان في عهد النبي ﷺ
أوله عندما يجلس الإمام على المنبر، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر، وفي عهد
عثمان وعلي، كثر الناس وزاد الأذان الثالث على الزوراء [١] ، الأذان الثالث كما
ورد في النص باعتبار الأذان الذي عند جلوس الإمام على المنبر وباعتبار الإقامة
فإنها تسمى أيضاً أذان، فزاد الأذان الأول على الزوراء، وفي بعض الروايات أن
الزوراء دار كانت في السوق، وفي بعض الروايات أنه أمر بذلك ليعلم الناس
بدخول أو بحضور وقت الجمعة قبل أن يخرج الإمام إلى المسجد أو إلى المنبر.
ما كان هذا الأذان على عهد النبي ﷺ ولا على عهد
الصاحبين، وإنما هو سنّه الخليفة الراشد عثمان قياساً على باقي الصلوات، هذا
أذان لإعلام الناس بدخول الوقت في أوله، فقاس الجمعة على باقي الصلوات، هذه
نازلة وهذا ما واجهها به الصحابة من فقه، والصحابة في عهد عثمان عملوا بفعله
في سائر المدن والأمصار، وقد كانوا منتشرين فيها.
المثال الثاني في الطلاق:
فقد روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن الطلاق كان على عهد
النبي ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، أن طلاق
الثلاث كانت توقع واحدة، فقال عمر: «إن الناس قد استعجلوا في أمر لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم» [٢] ، فأمضاه عليهم بمشاورة من الصحابة، وحقيقة هذه
المسألة كما أفهم والله أعلم أن عمر أولاً كان يسأل المطلق الذي أوقع الثلاث دفعة
واحدة عن قصده ماذا يقصد هل يقصد إيقاعها ثلاثاً أو ما قصد إلا التأكيد وإيقاعها
واحدة، ثم لما تتابع الناس على ذلك، وكثر منهم واستخفوا به صار لا يسأل أحداً
عن مقصده، ولا يفرق بين من يقصد التأكيد وإيقاعها واحدة أو لا يقصد ذلك،
ويمضيه على الجميع ثلاثاً ردعاً للناس الذين كثر منهم هذا واستخفوا بحدود الله عز
وجل.
هذا مثال آخر لطريقة الصحابة في مواجهة النوازل، فإن الحال في وقت
عمر تغير عن الحال في وقت النبي صوأبي بكر.
المثال الثالث حد الخمر:
وهو يشبه هذا المثال، ولكنه في الحدود (حد الخمر) ، فشارب الخمر في عهد
النبي ﷺ كان يضرب بالجريد وبالنعال ويبكت (بمعنى أن يقال
له أما تستحي أما تتقي الله.. ونحو ذلك) ، وفي عهد أبي بكر جلد أربعين، وفي
عهد عمر قال عمر ﵁: ويبدو أن شاربي الخمر قد كثروا في عهده
فاستشار الصحابة، فقال علي ﵁ إنه إذا شربها سكر وإذا سكر هذى
وإذا هذى افترى، فجلده ثمانين مثل عقوبة القربة، وفي رواية أن عبد الرحمن بن
عوف قال له ﵁: إن أخف الحدود ثمانون جلده فأمضوا عقوبة شارب
الخمر ثمانين جلدة، فاختلف الفقهاء في فهم ذلك: بعضهم قالوا إن حد الخمر
ثمانون، وبعضهم قالوا حدها أربعون وما زاد فهو تعزير، وللإمام أن يزيد تعزيراً
إذا كان ذلك اجتهاد من إمام عادل.
المثال الرابع في المعاملات:
وهو تضمين الصناع، فالصانع إذا ادعى هلاك المتاع الذي بحوزته وليست
له بينة على ذلك، كان في عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء قبل
علي يُصدّق، وفي عهد علي ألزمهم بالضمان، وقال لا يصلح الناس إلا ذلك.
لماذا؟ لأن الناس في عهد علي ﵁ اختلف حالهم عن حال الناس في
عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعثمان فإن التزامهم بالصدق
وبالحق صار أخف مما سبق فاختلف حالهم عن ذي قبل، ومن مثل هذا استنبط
العلماء قاعدة اختلاف الفتوى بسبب فساد الناس، كما تحدث للناس أقضية بقدر ما
أحدثوا من أحكام، ففساد الناس وفساد الأحوال تتغير بموجبه الفتوى.
هذه أربعة أمثلة تبين لنا منهج السلف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- في مواجهة ما يستجد من واقعات ونوازل، ونستفيد من هذه الأمثلة دروساً
عظيمة لواقعنا ولحالنا أصلح الله حالنا، ومنها:
١- أن الاجتهاد لا يسوغ من كل أحد إنما يسوغ ممن له الأهلية فقط، فإن أبا
بكر أو عمر أو غيرهما من الخلفاء الراشدين ما كانوا يستشيرون كل أحد، بل كانوا
يستشيرون فقهاء الصحابة وأهل العلم والرأي منهم.
٢- ومن هذه الدروس أن الاجتهاد ليس صلاحية مطلقة للمجتهد، بل يجب
أن يكون مقيداً بالقواعد الشرعية والمبادئ الكلية والأصول المعتبرة عند الفقهاء
وعند العلماء، والتي استنبطت من الكتاب والسنة. ولو تأمل الدارس المتفقه كل
مثال من الأمثلة الآنفة الذكر وغيرها من الأمثلة، لوجد هذه الحقيقة فيها، فإن
الصحابة ﵃ لا يخرجون في اجتهاداتهم هذه عن المبادئ الكلية التي دل
عليها الكتاب والسنة.
٣- ومن هذه الدروس أن مدار الشرع على المصلحة: على جلب المصالح
المعتبرة، وعلى درء المفاسد المحققة فحيث ما تكون المصلحة الشرعية فثم شرع
الله كما يقول ابن القيم ﵀ فلا أقول كما يقول بعض الكتاب المعاصرين: إن
الشريعة الإسلامية مرنة! ! فكلمة مرنة في عرفهم تحتها ما تحتها، لكن أقول إن
الشريعة الإسلامية، والفقه الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان مهما
اختلفت أحوال الناس، ومهما استجد من متغيرات ومن تطورات فالمصلحة معتبرة
لكن أهواء الناس غير معتبرة، وشهوات الحكام ورغبات السلاطين غير معتبرة في
الشريعة الإسلامية ولا لدى الفقهاء الذين يتقون الله في البيان، وهذه
القاعدة (دوران الشرع على المصلحة) لا يعرفها إلا الفقهاء ولا يقدر على تطبيقها
إلا الفقهاء والعلماء الربانيون.
٤- ومن هذه الدروس أيضاً أن أصحاب رسول الله ﷺ
إضافة إلى عملهم الغزير بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وبفهمهم العميق للأحكام الشرعية كانوا كما نوهت على بصيرة كاملة بالواقع ...
وتتعجب من اختلاف فتياهم، فتجد الصحابي في المدينة له فتوى وفي العراق له
فتوى أخرى، وفي حالة له فتوى وفي حالة أخرى له فتوى أخرى، كما ضربتُ
في هذه الأمثلة، وهذا يدل على أنهم متبصرين بالواقع الذي يعايشونه مدركين تمام
الإدراك للوقائع المستجدة التي يواجهونها، وهكذا يجب أن يكون الفقيه.
ومن أعجب الأمثلة على ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عباس ﵄ فقال له: ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: إلى النار، فلما ذهب وانصرف قال له جلساؤه: ما هكذا كنت تفتينا فما
شأن اليوم؟ قال: إني أحسبه مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً فبعثوا في أثره فوجدوه
كذلك [٣] .
فاختلاف الحالة لدى المفتي كالطبيب يصف لكل مريض ما يناسب حاله فلو
أفتى هذا بأن له توبة كأنه حرّضه على أن ينفذ ما في قرارة نفسه، وفي رواية أنه
سئل يعني أن سائلين سألاه فسأله سائل هل لمن قتل توبة؟ قال: لا وسأله سائل
آخر في مرة أخرى فقال: نعم. فلما سئل عن هذا الاختلاف في الفتوى قال:
رأيت في عيني الأول أنه يقصد القتل فقمعته، وأما الثاني فكان صاحب واقعة
يطلب المخرج.
هل تريدون مثالاً أوضح من هذا على عظم أهمية أن يكون الفقيه متبصراً
بالواقع، عالماً بأحوال الناس، عالماً بملابسات الوقائع التي تطرأ عليه والنوازل
التي تستجد؟ !
٥- ومن أعظم الدروس المستفادة من هذه الأمثلة آنفة الذكرأن في منهج
السلف أصحاب رسول الله ﷺ ما يمكن أن نسميه بالشورى
العلمية فقد كان أبو بكر الصديق إذا نرلت به نازلة، ولم يجد فيها فيما يعلم سنة عن
رسول الله ﷺ يخرج إلى الناس فيسألهم، أخرج البغوي عن
ميمون بن مهران ﵀ قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب
الله فإن وجد فيه ما يقضي به بينهم قضى به، فإن لم يكن في الكتاب، وعلم من
رسول الله ﷺ في ذلك سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل
المسلمين: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء، فربما
اجتمع النفر كلهم يذكر كل واحد عن رسول الله ﷺ قضاء، فإن
أعياه أن يجد فيه سنة جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم (لاحظ استفتاء ثم
شورى أهل الفقه والحل والعقد) ، فإن أجمع رأيهم على شيء قضى به. وكان عمر
﵁ يفعل ذلك إلا أنه إن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان
فيه لأبي بكر قضاء فإن وجد أبا بكر قضى به بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس
الناس، فإذا اجتمعوا على أمر قضى به ومع أن هؤلاء هم من هم ومع ذلك لا
يغترون برأيهم ولا يستدلون باجتهادهم، بل يشاورون الناس وتجد الواحد اليوم مع
قلة بضاعته وغلبة الهوى عليه ينفرد بنفسه بين جدران أربعة ويخرج علينا بآراء
عجيبة لا فقه فيها ولا بصيرة ولا يتقي الله فيها، ويريد أن يحمل الناس عليها.
استبداد علمي مع أنه لا استبداد في العلم في الإسلام، كما أنه لا استبداد في السياسة، والاستبداد السياسي والاستبداد العلمي كلاهما مذموم في الإسلام.
معالم على طريق الاجتهاد:
ثم إن الاجتهاد في المسائل الاجتهادية فيما فيه مجال للاجتهاد وإذا وقع من
المجتهدين مهما كان الاجتهاد جزئياً أو كلياً على أنواعه التي يذكرها الفقهاء يجب أن
لا يؤدي إلى التنازع والتناحر والتطاحن. انظرإلى الصحابة وخذ عمراً مثلاً وهو
خليفة أمير المؤمنين كيف كان يناقشه الصحابة ويحتدون ويقولون له هذا ظلم
«أتقف ما غنمناه بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا» ، ومع ذلك لا يغضب ... نماذج رائعة من أدب الاختلاف.
الاختلاف لدى السلف لا يفضي إلى التنازع والتطاحن، ولا يفسد للود قضية
كما يقول العلماء، فإن التناحر والتطاحن في الآراء وفي العلم ورمي المخالف في
الاجتهادات بالتهم من علامات أهل البدع كالخوارج الذين يكفرون مخالفيهم،
فالمبادرة الى تكفير المخالف في مسائل للاجتهاد فيها مجال، من علامات الخوارج، وسب المخالفين ولعنهم والتشنيع عليهم من علامات الروافض، فعلى كل مسلم أن
يتأدب بهذه الآداب، على كل مجتهد، على جميع أهل العلم أن يتأدبوا بهذا الأدب
السلفي إن كانوا وقعوا في مسلك أهل البدع من التشنيع على المخالفين ورميهم بالتهم
وتبديعهم وتكفيرهم وسبهم والتشنيع عليهم، فعليهم أن يستغفروا الله ويتوبوا إلى الله
ويعودوا إلى منهج السلف.
أما أهل العلم والفقه والاجتهاد من علمائنا على مختلف مستوياتهم ودرجاتهم
أكابرهم وأصاغرهم فإننا نطالبهم بأن يواجهوا النوازل التي وقعت بنا والواقعات
التي استجدت علينا، وما أكثرها وما أخطرها مثلاً، نحن نواجه الآن في مجتمعنا
هجمة علمانية، هناك من يحاولون علمنة هذا المجتمع ومحاولة صبغه بصبغة
العلمانية، فيدعون للفصل بين الدين والحياة وبين الفقه والمجتمع، وهذه نازلة
خطيرة جدت في الأمة فالمجتمع المسلم يسير بخطى حثيثة إلى العلمانية بضغوط
خارجية وجهود داخلية، أناس يتكلمون بألسنتكم وهم من جلدتكم وهم يبذلون النفس
والنفيس في سبيل تخريب هذا المجتمع المسلم، وهذا من أعظم النوازل، فعلى
علمائنا أن يواجهوا هذه النوازل بعقلية ناضجة كعقلية السلف، عقلية الصحابة
رضوان الله عليهم أجمعين، عقلية واعية عميقة تتقي الله ، فإن من أعظم
ما يواجه به هذا المقام أن يبين العلماء الحكم الشرعي لا يخافون في الله لومة لائم،
والحمد لله أنه لاتزال في مجتمعنا بقية من علماء يقولون الحق ولا يخافون لومة لائم، نسأل الله أن يثيتهم ويجزيهم عنا خير الجزاء.
العالم أو المفتي الذي لا يتقي الله في بيان الحكم، وينافق العلماء، لا يصلح
للاجتهاد، وهو والجاهل سواء لأنه أخطر من الجاهل، العالم يقتدى به فإذا لم يتق
الله في بيان حكم الشرع يورد الأمة موارد الهلاك، وهناك علماء للأسف ينافقون
الحكام أو يخافون منهم ولا يبينون الأحكام على وجهها الصحيح، ومن أعجب
الأمثلة على ذلك مفت في بلد مسلم أفتى بإباحة الربا إذا مارسته الدولة وتحريمه إذا
مارسه أفراد الشعب، انظر إلى أي حد يصل النفاق ومداهنة الحكام، هذا فقيه نعم
ولكنه من فقهاء السلطان له سلف، ذلك المنافق الذي رأى حماماً يلعب به الخليفة
فكذب على رسول الله ﷺ ، فالحديث الصحيح لا سبق إلا في
خف أو حافرأو نصل، فزاد أو جناح هذا مثل ذاك فأمثال هؤلاء موجودون نسأل
الله أن يكفينا شرهم.
стр. 1746
دراسات شرعية
نظرات في
علم أصول الفقة: الصعوبة والعلاج
محمد عثمان الأخضر شوشان
أصول الفقه أحد العلوم الإسلامية الأصيلة توالت المؤلفات فيه عبر التاريخ،
إلا أن ظاهرة صعوبة هذا العلم ملموسة، وهذه الرؤية من الكاتب محاولة لعلاج
صعوبة هذا العلم.
- البيان -
تعتري أصول الفقه جملة من المشكلات في جوانب مختلفة منه في مضمونه
أحياناً، وفي منهج دراسة مسائله، ومناقشة بعضها، وفي الأسلوب الذي سطر به
أحياناً، وفي منهج تدريسه أحياناً أخرى، وكلها مشكلات تسببت في قلة الاستفادة
من هذا العلم المهم، لذا فهي بحاجة ماسة للحلول والعلاج من قبل المتخصصين فيه
عسى الله أن ينفع بها.
وأحاول في هذا المقال إن شاء الله تسليط الضوء على إحدى هذه المشكلات،
محاولاً طرح بعض الحلول لها حسب ما أراه مناسباً.
تتمثل هذه المشكلة في منهج تدريس أصول الفقه، تلك التي نتج عنها قضيتان
خطيرتان: الأولى عدم فهم أصول الفقه، والثانية عدم معرفة كيفية الاستفادة منه
بعد ذلك.
أما القضية الأولى: فإن طلبة العلم الشرعي في الجامعات والمعاهد
المتخصصة بله من هم دونهم يشكون من صعوبة فهم مادة «أصول الفقه» وتؤكد
نتائج الاختبارات هذه الدعوى في كل فصل دراسي.
أما القضية الثانية: فإن هناك عدداً لا بأس به من طلبة العلم إما لأنهم رزقوا
فهماً قوياً، أو لأنهم بذلوا جهداً مضاعفاً قد أدركوا وفهموا كثيراً من مسائل هذا الفن
ولكنهم للأسف الشديد لا يستفيدون من هذا شيئاً في ممارساتهم العلمية، وذلك لعدم
معرفتهم بكيفية الاستفادة من هذا العلم!
إن حل هاتين المشكلتين موزع في نظري بين أطراف ثلاثة هي:
١- طالب العلم.
٢- معلم مادة أصول الفقه.
٣- المؤسسات العلمية والتعليمية المهتمة بتدريس هذه المادة والاستفادة منها.
أولاً طالب العلم:
إن أهم مسألة ينبغي أن تتوفر لدى طالب العلم تجاه هذا الفن بعد سلامة القصد
هي إدراكه للغرض من دراسته والفائدة المرجوة منه، ويحصل ذلك بمطالعة ما
سطره العلماء في هذا الخصوص، ويمكن جمع ذلك في ثلاث نقاط:
١- تحصيل ملكة الاستنباط للأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية
وملكة الاستنباط هي رأس مال الجهد كما قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني.
٢- استنباط تلك الأحكام على وجه الصحة حسب نظر المجتهد لا في واقع
الأمر، وهذا مبتغى ومطلب كل مجتهد صادق مخلص، ورفع الإثم عنه عند الخطأ
منوط بسلوكه المنهج القويم في الاجتهاد أي اعتماده قواعده الشرعية، التي هي
أصول الفقه.
٣- معرفة سبب الاختلاف في جملة من الفروع الفقهية المختلف فيها بين
العلماء إذ إن الاختلاف في القاعدة الأصولية قد يسبب اختلافاً في أحكام الفروع
الفقهية، مما يمهد ويختصر للطالب أسباب الترجيح.
٤- استنباط أحكام النوازل باستخدام دليل القياس أو مقاصد الشريعة.
كما على الطالب أن يستحضر أن أول من ألف في هذا الفن تأليفاً مستقلاً إمام
جليل من أئمة أهل السنة والجماعة هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀
مما يؤكد توجيه مسؤولية هذا العلم إلى من ينتمون إلى هذا المنهج منهج السلف
الصالح تعلماً وتعليماً واستفادة وتجديداً.
إن إدراك طالب العلم لأهمية هذا العلم من خلال الوقوف على أغراضه
وفوائده، ثم مقارنة ذلك بحال كثير ممن تصدروا للفتيا والاجتهاد في أيامنا هذه
سواء أكانوا ممن يدعون الالتزام بالنصوص الشرعية أو ممن يغلبون النظرة العقلية
المصلحية على النصوص الشرعية على حد سواء، وما ترتب على هذا من مفاسد، لمن أهم أسباب تنشيط الهمة والجد والاجتهاد لفهم مسائل هذا العلم مهما كانت
التضحية كبيرة.
ثانياً معلم مادة «أصول الفقه» :
تنتظم الاقتراحات المتعلقة بالمعلم في هذا الموضوع في مقدمتين: المقدمة
الأولى: عُرّف أصول الفقه باعتباره لقباً بأنه (القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط
الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية) [١] ، وقد عُرّفت القاعدة بأنها (حكم
كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه كقولنا: كل حكم دليل على القياس
فهو ثابت) [٢] .
المقدمة الثانية: هذه القواعد إنما يتوصل إليها لتكون عند عملية الاستنباط
(مقدمة كبرى في القياس الحملي أو ملازمة في القياس الاستثنائي، بعد أن يقدم لها
بمقدمة صغرى موضوعها جزئي من جزئيات تلك القاعدة ودليل تفصيلي يعرفه
الفقيه بيسر وسهولة كالأمر بالصلاة في قوله تعالى: [أقيمو الصلاة] فيكون بذلك
قياساً منطقياً هذه كيفيته:
المقدمة الصغرى: الصلاة مأمور بها في قوله تعالى: [أقيموا الصلاة]
وهذا دليل تفصيلي.
المقدمة الكبرى: كل مأمور به واجب (وهذه أصولية أو دليل كلي إجمالي) .
النتيجة: الصلاة واجبة (وهذه النتيجة حاصلة بإسقاط الحد الأوسط المكرر) .
فمن هاتين المقدمتين ندرك أن أصول الفقه في الاصطلاح هو القواعد الكلية
نحو (كل أمر للوجوب) التي يتوصل بها المجتهد إلى التعرف على الأحكام الشرعية
الفرعية (كوجوب الصلاة) من الأدلة التفصيلية التي هي في هذا المثال قوله تعالى:
[أقيموا الصلاة] ، وهكذا ... [٣] .
الاقتراحات المترتبة على هاتين المقدمتين:
١- قيام مدرسي أصول الفقه بتدريسه على أساس ما عرف به سابقاً، أي
على شكل قواعد (أحكام كلية ... «بحيث تكون القاعدة شكلاً ومضموناً هي
موضوع الدرس يتناولها المدرس بالشرح والتفصيل.
٢- قيامهم كذلك بتدريب الطلاب على كيفية الاستفادة منها عند التطبيق على
الصفة المذكورة آنفاً، مع ذكر الأمثلة الصحيحة الواقعة في مصنفات أهل العلم.
ويطلق على هذا المنهج (تخريج الفروع على الأصول) يستعين المدرس بما
ألف فيه، ومن ذلك:» أصول الشاشي «،» تخريج الفروع على الأصول
للزنجاني «،» مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول للتلمساني «،
التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للاسنوي» ، «القواعد والفوائد الأصولية
لابن اللحام» ، وكلها كتب مطبوعة وفي متناول الجميع.
ولهذين الاقتراحين فوائد منها:
١- سهولة حفظ القاعدة واستذكارها عند الحاجة إليها باعتبارها المقصود
الأول من الدرس.
٢- يسر الاستفادة منها عند التطبيق كما هو مبين في ترتيب المقدمات بخلاف
ما لو عرضت على شكل بحث مبسوط.
وبهذا إن شاء الله يجد الطالب نفسه أمام سبيل لا غموض فيه، ولا صعوبة
للتوصل إلى حكم شرعي في مسألة معينة، ولم يبق منه سوى بذل الجهد في تحديد
الأدلة المتعلقة بمسألته.
ثالثاً المؤسسات التعليمية والعلمية:
أرى أن المطلوب من هذه المؤسسات للمساهمة الجادة في حل هذه المشكلة
جملة من الأمور:
١- عقد ندوات وجلسات يدعى إليها المتخصصون في هذا العلم لتشخيص
المشكلة، ومحاولة تقديم حلول عملية لها.
٢- المسارعة في تنفيذ ما توصل إليه أهل الاختصاص في هذا الشأن ونشره
تعميماً للفائدة.
٣- تكليف الباحثين في الدراسات العليا ممن تتعلق رسائلهم بالأحكام بوضع
فهرس للقواعد الأصولية المذكورة في بحوثهم حتى يتمكن غيرهم من التعرف على
كيفية استفادتهم من تلك القواعد.
٤- على المؤسسات العلمية التي تقوم بإصدار الفتاوى والبحوث وضع فهرس
للقواعد الأصولية المذكورة في مجلاتها الدورية للغرض السابق نفسه.
غير أنه بعد قراءة هذه المقترحات يتبادر إلى الذهن سؤال مهم وهو: هل
القواعد الأصولية كلها قد صيغت على شكل قواعد؟ وهل هذه الصياغة موحدة بين
الأصوليين؟
لا شك أن هاتين المسألتين في غاية من الأهمية بالنسبة لزماننا هذا على الأقل، إذ قد لا تكون بهذه المثابة عند الأوائل لاعتبارات كثيرة، فليس سهلاً أن يقوم أي
طالب أو باحث بصياغة قاعدة من بعد إدراكه للدرس، إذ يتطلب هذا العمل الدقيق
إحاطة بجميع متعلقات القاعدة، وقد لا يتوفر هذا في غير أصحاب التخصص
المتمرسين من أساتذة ومجتهدين.
لذا فإنني أقترح أن تقام ندوات وجلسات علمية يدعى إليها هؤلاء لوضع صيغ
موحدة للقواعد الأصولية، ثم نشرها ليتداولها الجميع، علماً بأن علماءنا الأوائل قد
كفونا مؤونة صياغة جملة منها، وبخاصة القواعد المختلف فيها ومظانها كتب
التخريج والأصول وأسباب الاختلاف وبعض كتب القواعد الفقهية، وكان من
منهجهم في صياغتها أن تذكر القاعدة بصيغة السؤال إن كانت مختلفاً فيها وبصفة
التقرير إن كانت متفقاً عليها.
وفي الختام أسأل الله ﵎ أن ينفع بهذه الاقتراحات، وأن يرزقنا
الإخلاص والتوفيق في العلم والعمل.
стр. 1747
دراسات اقتصادية
المشكلة الاقتصادية
وعلاجها من المنظور الإسلامي
-٢-
د. محمد عبد الله الشباني
في الحلقة السابقة تطرقنا إلى جانب من معالجة الإسلام لجانب من جوانب
المشكلة الاقتصادية، وهو جانب الندرة، وفي هذه الحلقة سوف نتطرق إلى
الجوانب الأخرى لمعالجة مشكلة الندرة، وهذا الجانب يتعلق بدور الدولة في معالجة
الندرة من خلال كيفية استغلال الموارد الطبيعية وتنميتها، أي دور الدولة المسلمة
في التأثير على الإقلال من تأثير قانون الندرة على المشكلة الاقتصادية.
إن من مهمات الدولة أن تعمل على البحث عن المصادر الطبيعية، فقد أشرنا
في الحلقة السابقة إلى الحديث الذي رواه أبو يعلى في مسنده عن عائشة رضي الله
عنها عن النبي ﷺ الذي جاء فيه: (اطلبوا الرزق في خبايا
الأرض) [١] ، ففي هذا الحديث توجيه نبوي للأفراد وللحاكم المسلم باعتباره ...
مسؤولاً عن الأمة، والقاعدة التي يتبعها التشريع الإسلامي هي مخاطبة الأمة
فصيغت الأوامر كما جاءت في القرآن الكريم موجهة لأفراد الأمة بأجمعهم لكن
مسؤولية التنفيذ تقع على الحاكم نفسه، فمن ذلك قوله تعالى: [ولكم في القصاص
حياة يا أولي الألباب] [البقرة: ١٧٩] ، وقوله تعالى: [الزانية والزاني فاجلدوا
كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله] [النور: ٢] ، كما
يلاحظ ذلك في الأحاديث النبوية الشريفة حيث يتوجه الخطاب إلى الأمة، لكن جهة
التنفيذ هم ولاة الأمر، وعليه فإن التوجيه النبوي في هذا الحديث يقتضي أن تقوم
الدولة بالبحث عن مصادر الرزق المخبوءة في باطن الأرض.
الحديث الشريف يوضح العلاج:
إن من وسائل علاج ندرة الموارد وفق ما يشير إليه ذلك الحديث الأمور التالية:
١- ضرورة بذل الجهد من قبل الأمة ممثلة في الحاكم المسلم بالعمل على
البحث عن الموارد الطبيعية، وتسخير القوى العاملة من الأمة بالعمل على بذل
الجهد والمشقة، فصيغة «اطلبوا» توحي بأهمية الحصول على موارد طبيعية
جديدة، أو اكتشاف مجالات جديدة في استغلال الموارد الطبيعية المتاحة، مما
يقتضي بذل كل جهد ممكن عضلي أو عقلي وبالتالي فإن مشكلة الندرة لن تحل
بدون بذل الجهد والعمل، فالله قد تكفل برزق جميع مخلوقاته، ويؤكد هذه الحقيقة
قوله تعالى: [وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها] [هود:
٦] ، لكن الحصول على هذا الرزق يستدعي بذل الجهد، كما أنه لا يقتضي كثرة
الكمية المتاحة، ولكن اكتشاف مختلف مجالات الاستخدام للموارد المتاحة يؤدي إلى
إشباع حاجات الإنسان.
٢- إن مفهوم الرزق كما أشار إليه الحديث لا يقتصر على شيء دون آخر بل
يشمل كل شيء يحقق إشباع الحاجات سواء أكان الأمر يتعلق بالإنتاج الزراعي، أو
المعدني، أو غير ذلك، وبالتالي ضرورة قيام الأمة ممثلة في ولي الأمر بالتنقيب
عن مصادر الرزق، إذ أن المصادر مخبوءة في باطن الأرض، فإذا تقلصت أو
قلت الموارد المتاحة على وجه الأرض فلا يعني ذلك أن الرزق قد انقطع،
والاكتشافات العلمية المعاصرة أكبر دليل على أن الله يفتح في كل يوم على البشر
مصادر جديدة من الرزق سواء أكان ذلك من خلال العثور على موارد جديدة، أو
اكتشاف كميات إضافية، أو اكتشاف مجالات جديدة لاستخدام الموارد المتاحة، التي
تساعد على إشباع متطلبات الإنسان.
٣- يوجه الحديث الانتباه إلى حقيقة مهمة أغفلها المسلمون ولم يهتموا بها
وهذه الحقيقة هي أن الأرض مملوءة بالخيرات، وأن المشكلة تكمن في الإنسان
نفسه، فالأرض تمتلك في باطنها خيرات كثيرة، وما على الإنسان إلا أن يُعمل
فكره، ويبذل جهده في البحث عن مصادر الرزق في باطن الأرض، ولن يكون
هناك عجز في الموارد لتلبية احتياجات الإنسان إلا إذا كسل الإنسان عن البحث
عنها، أو انحرف فكره وسلوكه في استغلال ما أتاحه الله له من خيرات فصرفها في
مجالات مضرة تعود بالشر عليه، وإن الممارسات المعاصرة من قبل الدول لهي
أكبر دليل على أن العجز ليس في الموارد بقدر ما هو في نوعية استغلال الجهد في
ما يعود بالضرر على الإنسان نفسه.
ضرورة استغلال الموارد المتاحة:
إن من المسببات لإيجاد الندرة في الحاجات القصور في استغلال الموارد
المتاحة، ولهذا فإن من المهام الأساسية التي ينبغي على ولاة الأمر من المسلمين
الاهتمام بها هو استغلال الموارد المتاحة، وعدم تعطيلها، تلك التي يمكن من
خلالها سد حاجات المجتمع، وإن ما فعله رسول الله ﷺ مع
يهود خيبر لإشارةٌ واضحة الدلالة على ضرورة استغلال الموارد المتاحة، فقد روى
البخاري والبيهقي في سننه وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد
الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر
لليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها [٢] ، وفي رواية
للنسائي أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر
وأرضها على أن يعملوها من أموالهم وأن لرسول الله ﷺ شطر
ما يخرج منها، وفي حديث أخر رواه البيهقي بسنده عن عبد الله بن أبي بكر قال:
جاء بلال ابن الحارث المزني إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه
أرضاً فقطعها له طويلة عريضة، فلما ولي عمر قال له: يا بلال إنك
استقطعت رسول الله ﷺ أرضاً طويلة عريضة أقطعها لك وإن رسول الله ﷺ لم يكن ليمنع شيئاً يسأله، وإنك لا تطيق ما في يديك، فقال: أجل قال انظر ما قويت عليه منها فأمسكه وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله شيء اقتطعنيه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لتفعلن، فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين [٣] .
من هذين الحديثين نرى اهتمام الإسلام وحرصه على معالجة ندرة الحاجات
من خلال العمل على استغلال المتاح منها، والعمل على الاستفادة القصوى من
الموارد المتاحة وعدم تعطيلها، فالرسول ﷺ عمد إلى علاج
النقص في الأيدي العاملة القادرة على الحرث والزراعة بالاستعانة باليهود على أن
يكون للمسلمين شطراً مما تخرجه الأرض، وصنع عمر وهو ولي أمر المسلمين
مع بلال المزني باستعادته ما لم يستطع بلال عمارته مما تم إقطاعه إياه من رسول
الله ﷺ ، يؤكد حقيقة أن معالجة الندرة في أحد جوانبها هو
العمل على استغلال المتاح من المصادر، وتدخل الدولة حسب سلطتها لتنفيذ ذلك،
ولهذا نجد الواقع السيئ للمجتمعات الإسلامية في عجزها عن استغلال مواردها
وتعطيلها سواء أكان ذلك من خلال التنظيمات والتشريعات المالية والإدارية المعيقة
للمبادرات الشخصية، أو من خلال تبني مناهج في التخطيط الاقتصادي
والاجتماعي تساعد على تعطيل الموارد وجعلها في حالة عجز دائم.
تدخل ولي الأمر للمصلحة العامة:
إن من واجبات الدولة في حالة تعطل مورد من الموارد الطبيعية بسبب عدم
قدرة الشخص على التنفيذ لنقص في قدراته المادية أن تتدخل في تنظيم ذلك، ففي
عمل عمر ﵁ باستعادة ما تم إقطاعه واعادة توزيعه على المسلمين،
تنفيذ لهذا الجانب من حيث عدم ترك الأرض غير مستغلة ولهذا فإن من مسؤولية
الدولة وضع الأنظمة الإجرائية التي تساعد على استغلال المتاح من الموارد
الطبيعية وغيرها ممن يُعجَزُ عن استغلاله بأحد عوامل الإنتاج ففي حالة توقف
المصانع الإنتاجية لعدم قدرة أصحابها على الإنفاق عليها، فإن على ولي الأمر
التدخل وعدم تعطيل هذه الموارد، فقد روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن محمد
بن عبد الرحمن الحميدي أن عامر الشعبي حدثه أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها
فهي له « [٤] ، ففي هذا الحديث إرشاد لولي الأمر أن يتدخل في حالة عجز
المالكين عن استغلال عنصر من عناصر الإنتاج، وذلك باستغلاله وفقاً للقاعدة
الشرعية» لا ضرر ولا ضرار «بحيث يكون لولي الأمر وضع القواعد الإجرائية
التي تساعد على تدخل الدولة في حالة توقف المصانع أو المزارع الكبيرة عن
الإنتاج لعجز المالكين عن استغلالها، مراعاة لمصلحة الاقتصاد العام للدولة، مع
مراعاة حقوق المالكين، بشرط عدم تعطلها عن المساهمة في زيادة الناتج القومي.
أساليب تنمية الموارد:
إن من مسببات الندرة المرتبطة بالموارد الطبيعية سوء الأسلوب في استغلال
الموارد المتاحة، بحيث تؤدي إلى ضعف وعجز الموارد عن القدرة على الإنتاج
وتوفير الاحتياجات؛ ولهذا فإن طرق وأساليب استغلال الموارد الطبيعية يلعب دوراً
في اضمحلال وتقلص القدرة الإنتاجية للمورد الطبيعي، ولقد حرص الإسلام على
هذا الجانب، ووردت أحاديث عدة توجه الانتباه إلى هذا الجانب، وإن على قادة
المجتمع المسلم الاهتمام بهذا الجانب، ومن تلك الأحاديث ما رواه البيهقي في سننه
عن علي بن الحسن عن أبيه عن جده قال: قدم رسول الله ﷺ
المدينة فقال: (يا معشر قريش إنكم تحبون الماشية فأقلوا منها، فإنكم بأقل الأرض
مطراً، واحرثوا فإن الحرث مبارك أكثروا فيه من الجماجم [٥] ) ، وفي حديث
آخر رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب أنه قال: نهى عن الحكرة بالبلد، وعن
التلقي وعن السوم قبل طلوع الشمس، وعن ذبح قني الغنم [٦] ، وقد روى أبو
داود عن عبد الله بن حبشي قال: قال رسول الله ﷺ : (من
قطع سدرة صوب الله رأسه في النار» [٧] .
من هذه الأحاديث يمكن فهم السياسة التي يوجه الإسلام أتباعه إليها فيما يتعلق
بأساليب المحافظة على الموارد الطبيعية بالعمل على المحافظة على الغطاء النباتي، ... وعدم قطع أو إزالة الغطاء الشجري، والتعامل مع الموارد المتاحة حسب
طبيعة البيئة، واستغلال الموارد وفقاً للظروف البيئية، ونلاحظ ذلك من توجيه رسول الله ﷺ للمهاجرين من قريش بتغيير نمط الاستثمار من تربية الماشية التي تعتمد على الرعي إلى الحرث، حيث أن طبيعة البيئة لا تسمح لهذا النوع من الاستغلال بخلاف البيئة في مكة التي تقوم على الرعي وليس على الزراعة، كما أن الزراعة في منطقة المدينة أجدى وأكثر فائدة، ولهذا فإنه من الواجب استخدام البدائل والخيارات عند التعامل مع الموارد الطبيعية، وعدم استنزاف الموارد المنتجة، والإبقاء عليها من أجل زيادتها كما يرشد إلى ذلك الحديث الذي منع من ذبح إناث الغنم لما في ذبحها من استنزاف لمورد من الموارد المتاحة لإشباع حاجات الإنسان، وينطبق هذا على أي مورد من الموارد المتاحة للإنسان بضرورة العناية بتنمية الموارد الطبيعية وزيادتها من خلال حسن الاستغلال.
إن ما توحي به جميع الأحاديث التي أشرنا إليها من توجيهات، لهو مؤشر
قوي على مدى حرص الإسلام على معالجة جانب ما يحدث من عجز في توفير
الاحتياجات الفردية من خلال معالجة مسببات الندرة المرتبطة بالموارد الطبيعية.
стр. 1748
خواطر في الدعوة
.. سددوا وقاربوا ..
محمد العبدة
جُبلَ الإنسان على النقص والضعف، فربما أبرم اليوم أمراً يفكر غداً في
نقضه أو إصلاحه وتعديله، وعندما يضع البشر قانوناً من عند أنفسهم لتيسير
شؤون حياتهم، سرعان ما يكتشفون أن فيه ثغرات لابد من إصلاحها، أو أنه
يكبلهم بجزئية من جزئياته، ومن ثم يبدأ الالتفاف عليه، أو تفسيره بما يتناسب مع
أغراضهم.
نقول هذا لأنه عندما أراد المسلمون في هذا العصر ترتيب أمور الدعوة ترتيباً
إدارياً، أخذوا من البيئة التي حولهم، فكانت هذه (التراتيب) بحاجة إلى إعادة النظر
بين كل فترة وأخرى، للبحث عن عيوبها، وما هي أوجه النقص فيها، ولكن شيئاً
من هذا لم يحدث، ووجد المسلمون أنفسهم أسرى لقوالب جامدة، وشكليات صنعتها
أيديهم، لم يستطيعوا التخلص منها، وكان الواجب أن يستفيدوا من صياغة التشريع
الإسلامي كما أنزله الله ، لأننا سنجد فيه دائماً مساحة ومرونة لزيادة
العمل، كما نجد فيه حداً أدنى وحداً أعلى، قال تعالى عن حال الدائن والمدين:
[وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون]
[البقرة: ٢٨٠] والدفاع عن النفس ضد الظلم حق، ولكن التحمل والمغفرة أجمل:
[ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور] [الشورى: ٤٢] ، [يسألونك ماذا
ينفقون قل العفو] [البقرة: ٢١٩] .
لماذا لم يستفد المسلمون من هذه السنة في تدبير الخلق، حتى كان من آثار
هذا الجمود والضيق أن عُطلت طاقات، وأهدرت إمكانات؟ فكم من شاب متحمس
أو داعية له قدم راسخة لم يستفد منه لأن طرائق العمل لا تستوعب الجميع، ولم
يكتف المسلمون أنهم ضعاف في اكتشاف الطاقات الفاعلة، بل زادوا على ذلك أنهم
خسروا كثيراً ممن عندهم خير وعلم، وقراءة في تاريخ الدعوة الإسلامية المعاصرة
تنبئك عن العشرات والمئات الذين لم تستوعبهم الدعوة، وربما وجدوا أنفسهم أمام
طريق مسدود، فاختار بعضهم القيام بجهود فردية، ومنهم من أصابه الفتور وآثر
العزلة.
يقول بعض المفكرين: «إن من أسباب تقدم الإنجليز على من سواهم من
الشعوب الأوروبية في بداية نهضتهم هذه، المرونة في تنظيماتهم وكل
شؤون حياتهم، فنراهم دائماً يتركون مساحة للتحرك من خلالها ومحاولة التخريج والاجتهاد» .
هذا ما توصلت إليه عقولهم البشرية، أما المسلمون الذين يحملون فكرة
التجديد فهم يستهدون بالسيرة النبوية وأسلوب الرسول ﷺ في
معاملة صحبه الكرام، ويتأملون أسرار نزول القرآن منجماً خلال ثلاث وعشرين
سنة، وكيف تربى المسلمون من خلال هذا التنزيل، وإذ فعلوا هذا فإنهم سيصلون
إلى نتائج طيبة بإذن الله.
стр. 1749
هموم ثقافية
أقوال منسية حول «التغريب» [*]
د. أحمد إبراهيم خضر
منذ العشرينيات من هذا القرن والباحثون الغربيون المتخصصون منشغلون
بقضايا تغريب العالم الإسلامي بعامة، وما يسمونه بمنطقة الشرق الأوسط بخاصة
ولا يكاد يخلو أي كتاب أو أي مقالة تتعرض لحياة المسلمين من إشارة هنا وأخرى
هناك لهذا التغريب، إلى الدرجة التي حدت بهؤلاء الباحثين إلى القول:
«إن مظاهر التغريب عند شعوب الشرق الأوسط مشاهدة تماماً وبدرجة
كافية وإنه لمن السهل عليك أن تضع قائمة طويلة توضح لك كيف أن هذه المظاهر
التقليدية التي كانت سائدة منذ مائة أو مائة وخمسين عاماً قد اجتاحتها رياح التغيير،
واستبدلتها بقيم أدخلها الغرب» .
لم يكن تغريب المسلمين مسألة متروكة لمجرد الاحتكاك بين الثقافتين
الإسلامية والغربية، ثم متابعة آثار هذا الاحتكاك على الإسلام والمسلمين، إنما
كانت سياسة موجهة ومدروسة تستند إلى تنظير خاص، يعتمد في جزء كبير منه
على تجارب الاحتكاك بين الإسلام والغرب في الماضي، وعلى تجربة الثورة
الصناعية وما تلاها من آثار على البناء الاقتصادي والاجتماعي والتقني الغربي، ثم
على تحليل مسألة اتساع الهوة بين هاتين الثقافتين بعد الثورة الصناعية؛ بسبب
الاستقرار الثقافي في بلاد المسلمين، وتلك التراكمات التي أخذت مكانها في الغرب.
نظرية ومكاسب:
استندت عملية تغريب المسلمين إلى ما يسمى بنظرية (تشويش الأحكام
القيمية) أو إيقاع الاضطراب في هذه الأحكام، وتقوم هذه النظرية على الأساس
التالي:
«هناك توازن وتوافق بين عناصر ثقافة المجتمع التقليدي المستقر جيداً،
بمعنى أن القيم التي تحكم وتسود هذا المجتمع تتسق وتؤيد واقعه المعاش؛ ولهذا
تتميز ثقافة هذا المجتمع بالتماسك والتوازن الداخلي.
ويمكن للواقع الثقافي أن يعير وأن يستعير عناصر من ثقافة أخرى مخالفة
بصورة أكثر سرعة من استعارة القيم الثقافية، ولهذا يصعب حدوث تغير في القيم
في الوقت الذي يسهل فيه حدوث تغير في الواقع.
وعندما يحدث اتصال بين ثقافتين مختلفتين، فيدخل واقع جديد إلى إحداهما
يمكن هنا أن يتحطم التوازن القديم، وتتغير القيم الثقافية بتغير الواقع الذي كانت
تحكمه وإن احتاج الأمر إلى بعض الوقت، بسبب هذه الصلة العاطفية التي يحيط
بها المجتمع ثقافته الخاصة، ومقاومته لإدخال أي محتويات ثقافية غريبة أو جديدة.
وهذا لا يعني بالطبع أن مكونات الواقع في ثقافة ما يمكن أن تزرع في ثقافة
أخرى دون أن تسبب تغيرات في قيمها، أو أن قيم ثقافة ما يمكن أن تفرض على
الثقافة الأخرى دون أن تحدث تغيرات في مكونات هذه الثقافة؛ لأن التناسق المحكم
والاعتماد المتبادل بين مكونات الواقع والقيم الثقافية يجعل من غير الممكن أن تدخل
تغيرات في واحدة منها دون أن تحدث تغيرات في الأخرى» .
بهذه النظرية دخل الغرب إلى حياة المسلمين ساعياً بمختلف طاقاته الثقافية
والعسكرية والاقتصادية والتقنية إلى إدخال واقع جديد يخص ثقافته هو على ثقافة
المسلمين؛ ليحطم التوازن القائم بين واقعها وقيمها، ويغير من قيمها حتى تصبح
مناسبة للواقع الجديد الذي أدخله عليها، ولقد حقق الغرب هنا مكسبين مهمين:
أولهما أنه بتحطيمه لهذا التوازن المشار إليه أوجد هوة عميقة بين الإسلام والمسلمين، ودمر الصلة العاطفية التي تربط المسلمين بإسلامهم والمكسب الآخر: أنه وهو
يخترق هذه الهوة ليملأ الفراغ المترتب عليها حرك الأمور بالطريقة التي تمكنه من
تحقيق مكاسب مادية ضخمة على حساب هذا الكيان المنهار.
سنقتصر في مقالتنا هذه على عرض وتحليل ثلاثة من عناصر هذا الواقع
الجديد الذي أدخله الغرب على حياة المسلمين فدمر التوازن القائم في ثقافتهم.
أولا صنع هيبة الغرب:
لم يكن هذا الواقع موجوداً من قبل، كانت العلاقة بين المسلمين وغيرهم تقوم
على أساس «الإسلام والكفر، وجاء الغرب وأدخل واقعاً جديداً.. فبعد أن تمكن
من إيجاد موطئ لأقدامه في بلاد المسلمين، أحاط نفسه وأهله بهالة من الهيبة
والاحترام، وفرض نفسه على النظام الاجتماعي القائم في بلاد المسلمين، وتقلد
الوظائف القيادية، وساهمت حكومات بلاد المسلمين العلمانية في تدعيم هذه الهيبة؛
بوضع أبناء المستعمر في مواقع قيادية مهمة وسمحت لهم بالحضور إلى مناسبات
وطنية وغير وطنية، لا يدعى إليها عادة إلا كبار رجالات الدولة وعلية القوم فيها.
وزاد الغرب من هيبته في عيون المسلمين بما أدخله عليهم من صناعات
وتكنولوجيا ومعرفة في ميادين مهمة انفرد بها، وكان نتيجة ذلك أن ظهر الغربيون
للمسلمين على أنهم هم الأسمى وهم الطبقة العليا.
وهنا تغيرت القيم فأصبح الغرب وأهله هدفاً مرغوباً يسعى بعض المسلمين
للانتفاع به، كما ينتفعون بصناعاته ومنتجاته، وسهلت هذه الهيبة عند المسلمين
طريق محاكاة أسلوب الحياة والسلوك والأخلاقيات والاتجاهات الغربية، ثم جاء
الانهيار الكبير حينما قلد المسلمون الغربيين في فتورهم نحو دينهم وعدم مبالاتهم به
وهو عين ما كان يهدف إليه الغرب.
يقول (روفائيل باتاي) أستاذ علم الإنسان في (دوبسيي كوليج) بفيلاديلفيا
وجامعة كولومبيا في الخمسينيات من هذا القرن:
» ... بينما تكشف لنا البدايات التقنية للتغريب عن هذا النجاح العالمي الذي
حققته، تأتي هناك عوامل أخرى أبرزها (نظام الهيبة الجديد) الذي تسرب الغربيون
عن طريقه إلى قطاعات الناس المختلفة، وتمكنوا من السيطرة والرقابة على
الوظائف المهمة، وفرضوا أنفسهم على النظام الاجتماعي، وظهروا للناس على
أنهم هم الأسمى وهم الطبقة العليا.
ليس من السهل أن نحلل المكونات المتعددة التي تصنع الهيبة الغربية، لقد
كان عنصر القوة هو العنصر الأكثر أهمية في أيام الاستعمار الأوربي، إلا أن هذا
العنصر قد استبدل الآن بمزيج متعدد المكونات: مثل الثروة، وتملك الآلات
والمعدات الغربية ذات الهيبة، أو المعرفة الخاصة في ميادين ذات أهمية متزايدة
كالطب والزراعة وغيرهما، وشغل مراكز تحظى بالثقة والنفوذ تمنحها الحكومات
المحلية للغربيين، والسماح لهم بالحضور الحر في مناسبات معينة مثلما يسمح تماماً
وبدرجة متساوية للقيادات العليا في الدولة. إن الهالة والهيبة التي تحيط بالغربي
غلفت ثقافته تماماً، فأصبح اكتساب الثقافة الغربية نتيجة لذلك هدفاً مرغوباً فيه
اجتماعياً يفوق بدرجة كبيرة الانتفاع المعترف به لمنتجات هذه الثقافة «.
وفي معرض حديثه عن تخلي المسلمين عن مناهجهم التقليدية في الطب
واتباعهم لمناهج الطب الحديث يقول (باتاي) في وثيقته:
» إن البحث في الأسباب التي أدت إلى التغيرات في الاتجاهات العقلية التي
سادت منذ قرون، لا يجعلنا نرد هذه التغيرات العقلية إلى الاهتداء المفاجئ إلى
التفكير الأكثر عقلانية ولكن إلى (الميل للغرب) .. من أين أتى هذا الميل؟ !
تكمن الإجابة على هذا السؤال في هذه الهيبة للغربيين وثقافتهم، إن الهيبة
التي يتمتع بها كل شيء غربي في عيون شعوب الشرق الأوسط أوجد فيهم نزوعاً
إلى محاكاة كل الطرق الغربية، إنه أدى إلى رغبة خانعة ليس فقط في الحصول
على المعدات الغربية، ولكن رغبة في تقليد السلوك والاتجاهات الغربية كذلك. لقد
قبل الطب الغربي ليس لأنه أظهر أفضلية ولكن لأنه طب غربي، تبنى سكان
الشرق الأوسط ازدراء الغرب للممارسات السحرية وغير العلمية، ليس لأن ذلك له
قيمة فحسب، ولكن لأنه أمر مؤكد جاء به الغرب (المهاب) «.
وعن (اللامبالاة) وعدم الاكتراث بالدين التي قلد فيها المسلمون الغرب يقول
(باتاي) :
» ... وهنا ظهر على المسرح (الغربي) المحمل بالهيبة والذي يحتل وضعاً
أعلى ويحمل ثقافة تستحضر الرغبة في محاكاتها: أن هؤلاء الأجانب لا ينتمون
فقط إلى دين مختلف، ولكن اتجاهاتهم نحو دينهم المسيحي كانت فاترة فكان من
الطبيعي أن يقلد هؤلاء المعجبون بالطرق الغربية من مجموع ما قلدوه الفتور نحو
الدين واللامبالاة به، فأظهروا عدم الاهتمام بدينهم هم «.
ثانيا علمنة الأسرة:
ينظر الغربيون إلى الأسرة المسلمة على أنها أسرة ممتدة، والأسرة الممتدة في
المصطلحات الغربية هي الأسرة التي تتكون بنائياً من ثلاثة أجيال أو أكثر، وتضم
الأجداد وأبناءهم غير المتزوجين والمتزوجين (أو بناتهم) وتضم أحفادهم كذلك.
سعى الغربيون نحو علمنة الأسرة المسلمة، وإلى أن تكون الأسرة الغربية
وأشكالها الاجتماعية هي النموذج الجديد الذي يجب على المسلمين الاقتداء به. عمل
الغرب على فصل الأسرة المسلمة عن الدين، وذلك بكسر قبضة الدين من تلك
الأسرة الممتدة وتقليص اعتماد الفرد عليها، والقضاء على تكامله معها وتدمير
سلطة الأب على أولاده، وانفلات الأبناء من الأسرة؛ حتى ينفلتوا من الجو الديني
العام الذي يحيط بالأسرة، والنظر إلى كل ذلك على أنه ماضٍ يجب أن يرفض.
يقول (باتاي) :
» في الوقت الذي كان فيه التأثير المباشر للبعثات التنصيرية على الحياة
الدينية في الشرق الأوسط تافهاً، تميز الغرب بموقفه البارد تجاه الدين لأن الدين في
الشرق الأوسط في ظل الظروف التقليدية هو طريقة كلية للحياة: التنظيمات المهنية
هي تنظيمات دينية، ارتداء الزي المحلي أمر يقره الدين الطب والتعليم مهنتان
دينيتان، سلطة الدولة نفسها تقوم على الدين، ليس هناك ترتيب هرمي في الإسلام
كما هو في الكنائس المسيحية، وليس هناك قسيس أيضاً، العديد من سكان الحضر
منتظمون في دوائر دينية، والكثير من العائلات سواء أكانت في الريف أو الحضر
تحظى بتأييد المؤسسات الدينية، أما أكثر المؤسسات التي تمسك بقبضتها على الفرد
فهي الأسرة الممتدة، اعتماد الفرد على أسرته وتكامله معها مسألة عالية الأهمية في
ثقافة الشرق الأوسط إلى درجة أنها تعد ثقافة القرابة، الأسرة هنا مؤسسة دينية
يعضدها الدين، أي أن الدين يعضد الأسرة، وهي بدورها تعضد الدين.
ولما جاء التغريب أحدث انهياراً في السلطة الأبوية، وحطم الأسرة الممتدة
وغيّر نظام الاقتصاد العائلي بسبب حركة الهجرة من القرية إلى المدينة إلى نظام
اقتصادي يقوم على علاقات غيرشخصية، أصبحت الأسرة الغربية وأشكالها
الاجتماعية نموذجاً يحتذى به بين الطبقات العليا والوسطى، ولم يترتب على هذه
الأمور مجرد تغير جوهري في طبيعة الحياة الأسرية ذاتها فقط، وإنما ترتب عليها
أهم من ذلك كله وهو (علمنة الأسرة) وابتعادها عن الدين، فحينما ينفلت الشاب من
قبضة أسرته كان يخلف وراءه هذا الجو الديني الهام الذي كان يحيط به فيصبح
رفضه لهذا الجو جزءاً من رفضه للماضي، ولهذه الأسرة التي تحكم قبضتها عليه.
ثالثا الحياد الموجه للمشروعات الاقتصادية والفنية الغربية:
هناك الكثير من المشروعات الاقتصادية والفنية الغربية العاملة في البلاد
الإسلامية مهمتها الأساسية استنزاف خيراتها وربطها بالغرب، ولقد حرص
الغربيون وهم يدخلون هذا الواقع الجديد إلينا هذه المشروعات على تجنب الخوض
المباشر في أي موضوعات تتعلق بالعقيدة الإسلامية، وتركوا هذه المهمة للبعثات
التنصيرية بالرغم من تسليمهم بمحدودية عائدها وللشيوعية لكنهم أي الغربيين أولوا
الشيوعية اهتماماً وثقلاً أكبر، فهي في نظرهم التهديد الحقيقي الخطر على عقيدة
المسلمين الذي يمكن أن يطيح بتوازنهم الاجتماعي الثقافي، وقد تركزت الجهود
على إقناع المسلمين بأن الشيوعية لا تتطابق مع الإسلام فقط بل إنها التعبير
الحقيقي للشكل النقي من الإسلام في أصوله الأولى! ولا يهم هنا أن يكون نظام
الحكم القائم في بلاد المسلمين شيوعياً بقدر ما يهم تدمير بنائهم الاجتماعي الثقافي
الكلي.
يقول (با تاي) :
«تميز مدخل الغرب في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة بصفة خاصة
بالاعتناء الشديد بتجنب الخوض في أي قضايا أيديولوجية، والتركيز على الناحية
الفنية فقط بالنسبة للمشروعات الاقتصادية والفنية وما هو على شاكلتها، دخلت هذه
المشروعات إلى الشرق الأوسط عبر الولايات المتحدة والأمم المتحدة ومعها توجيه
أساس بعدم التدخل في القيم والأيديولوجيات الخاصة بالبلاد.
لكن الأمر يختلف بالنسبة للبعثات التنصيرية، فليس أمر الكف عن التدخل
الأيديولوجي موضع حرية اختيار هنا، إلا أنه يجب أن يوضع في الاعتبار رد فعل
المجتمع الإسلامي للمحاولات المكشوفة لتنصيره، لقد نجحت البعثات التنصيرية في
علاج عشرات الآلاف من المسلمين، كما علمت الآلاف من مرضى الأطفال
المسلمين، وربما أثرت بسلوكياتها ومثلها على النظرة الأخلاقية للعديد من المسلمين، ورغم ذلك فإن الذين تحولوا إلى النصرانية قلة قليلة. إن الدين في الشرق
الأوسط يشغل وضعاً محورياً في بنائه؛ ولهذا يعتبر التنصير عند المسلمين ردة
يترتب عليها أن ينفصل المسلم إذا تنصر عن الأسرة والمجتمع والقيم الثقافية
ويتعرض لنبذ أصدقائه والمحيطين به، وأهم من ذلك كله أن اعتناق الإسلام اعتقاداً
ثابتاً لا يهتز والنظرة إليه على أنه الدين الحقيقي يعني أن الردة عنه غباء كامل.
رابعا تغريب النخبة:
عمد الغرب بهذا الواقع الجديد إلى ضرب التوازن المستقر الذي أوجده الإسلام
بين طبقات المجتمع المختلفة وإلى تمزيق الشرايين الحيوية التي تجري بين
الطبقات العليا والدنيا وإيجاد تناقضات بينها، إلى أن ينتهي الأمر بأن تنظر الطبقة
العليا إلى الطبقة الدنيا على أنها جماعة من المتخلفين البدائيين الذين يمثلون ما
يسميه الغرب» بالوجه الفقير لثقافة الإسلام التقليدية «.
وحتى تتسع الهوة بين هاتين الفئتين عمد الغرب إلى ما يلي:
١- تغريب واحتضان الطبقة العليا التي تملك المال الوفير والفرص المتاحة
للسفر والاتصال بالغرب وشراء منتجاته وتبني نمط حياته، ثم استغلال الدافع
الكامن عند الطبقة الدنيا التي تسعى إلى تسلق السلم الاجتماعي لتكون قريبة من
الطبقة العليا بإتاحة الفرصة لها لاكتساب الخاصية التي تفردت بها هذه الأخيرة.
٢- تدمير الجسر الثقافي الذي يربط بين الفئتين السابقتين بتحويل الطبقة
العليا إلى جماعة من المستهلكين الشرهين لكل ما هو مستورد وقادم من الغرب،
بعد أن كانت هذه الطبقة تستخدم أحسن وأجمل وأفضل القوى الثقافية المتوافرة في
الأرض الإسلامية، لقد كان هذا الاستخدام في حد ذاته أساساً من أسس توحد الطبقة
العليا في المجتمع مع باقي الطبقات.
لم يكن تغريب الطبقة العليا إلا أحد أوجه سلسلة الواقع الجديد الذي أراد به
الغرب ضرب التوازن الاجتماعي المستقر في البلاد الإسلامية، وهناك وجهان
آخران: أولهما إيجاد طبقة جديدة من العمال الحضريين المحرومين، ولقد جندت
هذه الطبقة من المدن ومن الريف؛ لدفع عجلة التصنيع الفجائي والمفروض الذي
أدخله الغرب على عالمنا الإسلامي، لقد عاشت هذه الطبقة ظروفاً صعبة وقاسية
ولم يكن المهم أن تعيش هذه الظروف فقط، وإنما كان المهم أن تحرم من
الإشباعات العاطفية والروحية التي يمنحها الدين والأسرة الممتدة لأفرادها. كان
تجنيد هذه الطبقة من الريف لتحقيق هدف مهم آخر سعى إليه الغرب وهو إيجاد ما
يسمى (بثنائية الريف المدينة) حيث القدر الأكبر للمدينة وكل ما قدم منها ويرمز لها، مع الحط من قدر الريفيين والعمل على هجرتهم إلى المدينة لتشكيل الطبقة الجديدة
وتركيز المهنيين (الغير مهمين) والمثقفين في المدينة على حساب المهنيين الذين
تشتد الحاجة إليهم كالأطباء والمهندسين وغيرهم.
هذا هو الوجه الأول، أما الوجه الثاني: فقد كان تدعيم الطبقة الوسطى
وإضافة فئات أخرى لها تشابه أكثر وأكثر مثيلتها في البلاد الغربية، ويعهد إليها
بمهمة التطوير الثقافي للبلاد لحساب الغرب.
خامسا إدخال الصناعة والتكنولوجيا:
لم يكن التصنيع (الحديث) والتكنولوجيا واقعاً قائماً في بلاد المسلمين فجاء
الغرب وأدخلهما عن عمد كواقع جديد بهدف إحداث اضطراب خطير في النسيج
المكون لثقافة المسلمين أولاً، ولضمان تبعية المسلمين له واستنزاف خيراتهم
بطريقة عصرية، لأن الطرق القائمة لا تسعفه في تحقيق هذا الاستنزاف.
دمر الغرب الصناعات المحلية، وقضى على المهن التقليدية، ونشر بضائعه
الاستهلاكية، وأرغم الصنّاع والحرفيين إما على الخروج من الساحة والانضمام إلى
ركب العمال الحضريين، أو تعديل خبرتهم الفنية بحيث ينتجون بضائع ذات نمط
غربي يعرف الغرب أنها لن تقوى على المنافسة أمام بضائعه التي تستخدم التقنية
الحديثة العالية الجودة المعدلة وفقاً لأذواق المسلمين، ثم نافس الغرب بعد ذلك
المشروعات الصناعية القائمة، وأدخل مناهجه الغربية في إنتاج ما يصنع محلياً.
اعتقد المسلمون أنهم وهم يستخدمون المعدات والتقنية الغربية قد وصلوا إلى
مرحلة من التقدم الاجتماعي، وأن التغير الذي حدث عندهم بسبب هذا الاستخدام
تغير محدود لن يؤثر على قيمهم الأساسية، ولم يدرك المسلمون وهم في وهم هذا
التقدم أن الغرب قد وقف بهم عند حد (طريقة الاستخدام) ولم ولن يصل بهم أبداً إلى
(طريقة الإنتاج) .. لم يكن المسلمون وهم يستخدمون الصناعة والتقنية الغربية
يقفون عند الحدود الشرعية التي تحدد لهم الفرق بين الانتفاع بالثقافة وبين التأثر
بهذه الثقافة، في حين أن الغرب كان يعلم تماماً أن استخدام أي عنصر ثقافي غربي
لابد وأن يؤدي بالضرورة إلى استخدام عنصر آخر، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر
إلى تبني طريقة الحياة الغربية ذاتها.
حال الغرب دون تمكين المسلمين من صناعة الآلات التي توجد فيها باقي
الصناعات، فلم توجد لدينا المصانع التي تصنع الآلات من (موتورات) وخلافه ولم
تتوفر لدينا آلات من صناعة البلاد تمكننا من صناعة باقي المصانع، ولقد أعاق
الغرب صناعة الآلات في بلاد المسلمين بحجة أنها تحتاج إلى وقت طويل وأنه لابد
لنا من صناعة الحاجات الأساسية، فانصرف المسلمون إلى الصناعات الاستهلاكية
وأصبحت بلادهم سوقاً لمصانع أوربا وأمريكا، وأرسلت أكثر البعثات إلى الخارج
لا لتعلم صناعة الهندسة الثقيلة وصناعة الفولاذ، ولكن لدراسة الآداب واللغويات
والعلوم الإنسانية والاجتماعية التي توسع الهوة بين المسلمين وثقافتهم، فانصرفت
البلاد إلى صناعة المنسوجات والورق وخام الحرير، وأهملت صناعة الآلات.
وبدلاً من استقدام خبراء صناعة الآلات استقدمت الخادمات والمربيات
الأجنبيات، صاغ الغرب لنا كتبنا خاصة في النمو الاقتصادي، فجعلنا نعتقد أننا
لابد وأن نسير في عدة مراحل وبشروط معينة حتى نصل إلى مرحلة التقدم فأطال
أمامنا أمل تسلم زمام رأس الصناعة ومنبعها وهو (صناعة الآلات) .
أجبرنا الغرب على شراء المصانع والآلات منه وبثمن باهظ، وإذا أصيبت
الآلات بعطب أو كسر اضطررنا لاستقدام خبرائه لإصلاحها أو استيراد الآلة منه
وإلا تعطلت المصانع كلية.
لم تكن لبلاد المسلمين سياسة اقتصادية محددة في أن تكون هذه البلاد
(صناعية) بمعنى (أن تصنع الآلات) ، ولهذا لم تخلص بلادنا حتى الآن ولم تستغنِ
عن الغرب لكنها أصبحت بدلا من ذلك أكثر ارتباطاً به وبمنتجاته وآلاته والأهم من
ذلك كله بطريقة الحياة الغربية.
يقول (باتاي) :
ما أن وجد الغربيون لأنفسهم قدماً في قلب الشرق الأوسط حتى بدأوا في
إظهار (تكنولوجيتهم) ونشر مظاهر معينة منها عمداً وعرضاً بين السكان المحليين.
إن المظاهر التكنولوجية للثقافة هو إيسر ما يمكن أن يستعار، وهذا صحيح فقط
عند النظر إلى (استخدام) المنتج التكنولوجي وليس (إنتاجه) . إنه يصعب عليك أن
تصنع مضخة مياه تعمل بمحرك لكنك تستطيع في دقائق قليلة أن تتعلم كيف
تستخدمها، وأن تتعرف على مزاياها التي تفوق استخدامك للأسلوب القديم لرفع
المياه عن طريق (الشادوف) .
إن قبول سكان الشرق الأوسط للتكنولوجيا الغربية بالإضافة إلى إمكانيات نقلها
ووظيفتها الكبرى كمؤشر هام للتقدم، قد تيسر بواسطة حقيقة مؤداها أنها لا تشغل
وضعاً مهماً في ثقافتهم الخاصة.. وبمعنى آخر إن شعوب الشرق الأوسط مثل
أصحاب أي ثقافات أخرى لم ترَ أن مجرد التحول إلى استخدام المعدات الغربية
يعنى أن قيمهم الأساسية سوف تتأثر، بل رأت أنه مجرد تغير ذو أهمية قليلة،
وأخيراً أدركت بعد أن فات الأوان أن قبول أي عنصر ثقافي غربي منفرد يؤدي إلى
قبول عناصر أخرى أكثر وأحدث فتكون النتيجة إحداث اضطراب خطير في النسيج
الحيوي المكون لثقافتهم التقليدية.
إن مقارنة نمو التصنيع الغربي بتصنيع الشرق الأوسط يبين لنا أن تصنيع
الأخير كان محدوداً وفجائياً، بالإضافة إلى أنه مفروض من الخارج، ولم ينمو
عضوياً في بيئته المحلية، ولهذا كان من المحتمل أن يصاحب بتوترات قاتلة
يترتب عليها انهيار الأشكال التقليدية من التفاعل الاجتماعي الذي تميزه العلاقات
الشخصية والأسرية وانتشار المكانات الموجهة قرابياً، وتحوله إلى الأشكال الغربية
من التفاعل الاجتماعي الذي يقوم على العلاقات غير الشخصية» .
هذه خمسة عناصر من عناصر هذا الواقع الجديد الذي أدخله الغرب على حياة
المسلمين لتغريبهم وتدمير التوازن القائم في ثقافتهم، وتندرج جهود الغرب هذه
تحت قوله [ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفَاراْ
حسداْ من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق] [١] ، وتشير الوقائع السابقة إلى
أن الغرب قد نجح إلى حد بعيد في جهوده تلك رغم التحذير الذي وجهه الله عز
وجل للمسلمين من اتباع سبيل الكافرين كما جاء في قوله تعالى: [ومن يشاقق
الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله
جهنم] [٢] ، وقوله تعالى [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء
بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم] [٣] وقوله تعالى: [لا تجد قوما
يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله] [٤] ... إلى غير ذلك من
الآيات.
لكن نجاح الغرب في تغريب المسلمين لم يكن راجعاً إى كفاءة تنظيره
المدروس الذي أسماه (تشويش الأحكام القيمية) ، فليس هذا التنظير كما يخيل
للبعض بجهد إبداعي خلاق يضيف هيبة أخرى إلى هيبة الغرب الحالية في عيون
المسلمين. إن هذا الجهد يتضاءل أمام قاعدة ابن تيمية ﵀ التي يقول فيها:
«إن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى
موافقة في الأخلاق والأعمال ... فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة
والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية.. فإن إفضاء هذا النوع من الموالاة أكثر
وأشد والمحبة والموالاة لهم أي اليهود والنصارى تنافي الإيمان» .
ويرجع نجاح الغرب في تغريب المسلمين إلى سببين أساسين:
الأول: أن هذا هو قضاء الله النافذ فيما أخبر به رسوله -صلى الله
عليه وسلم- مما سبق في علمه، فقد قال ﷺ : (لتتبعن سنن من
قبلكم حذو القذة حتى لو دخلوا مجر الضب لدخلتموه، قال يا رسول الله: اليهود
والنصارى؟ قال فمن؟) [٥] .
الثاني: ضعف إيمان المسلمين: الله ضمن نصر دينه وحزبه
وأوليائه القائمين بدينه علماً وعملاً، يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «فإذا
ضعف الإيمان صار لعدوهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم فهم جعلوا عليهم
السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى، فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور مَكْفيٌ
مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان
وواجباته ظاهراً وباطناً.. وقد قال الله تعالى للمؤمنين [ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم
الأعلون إن كنتم مؤمنين] [٦] ، وقال تعالى: [فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم
الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم] [٧] .
فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود الله يحفظهم بها
ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم فيبطلها عليهم كما يتر الكافرين والمنافقين أعمالهم
إذا كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره.
стр. 1750
نصوص شعرية
.. «لا» ..
د. محمد ظافر الشهري
من المنتصرْ؟ !
سؤال من النار
آذت به عبدَها.. في سَقَرْ
فَرَدّ الشررْ:
عُمرْ.. أيها النارُ..
فازَ.. انتصرْ
ودين المجوس انتحرْ
هُمُ قد «بروا» ريشةَ الغدر
في صدر إسلامنا
لكي يرسموا صورةً قاتمةْ
فكانت لنا الخاتمةْ
لأن القدرْ..
إذا غَيّبَ الشمسَ
أبدى القمرْ!
من المنتصر؟ !
سؤالٌ عضالْ!
إجابته لم تكن عند أهل الشمالْ
ولا نزوة من «جمالْ»
إجابته..
دوحةٌ عَبّقَتْ في «الظلالْ»
فغنى شذا عطرها
موكبَ الشمس بعد «الزوال» :
إذا طلب «الرملُ» منا السجودْ
وبلّغنا «الحبلُ» دارَ الخلودْ
فإنا نفضلُ دربَ الحبالْ
من المنتصرْ؟ !
ورود غَذَت نحلنا.. أم يدٌ آثمة؟ !
لسانٌ تلا الذكرَ..
أم ألسنٌ ظالمة؟ !
أكُفٌ بها الجمرُ..
أم راحة الغادة الناعمة؟ !
أنا مؤمنٌ
قال للكفر: «لا ... »
وأبصرَ في معصم النصر
«أنشوطةَ» الابتلاءْ
فيا نفسُ لا تعذليني
ذريني..
لأنفض عن ساعديّ الكسلْ
وأزرع في مهجتي
بذرة من أمل
وأجتث بـ «الحب» زقومةًَ!
حيث كانتْ ولمّا تزلْ
ترد المسارْ
إلى جمرة
في «تجاعيد» نارْ
وتأبى على «العود» أن يشتعلْ!
ذريني..
أرفرفُ بالروح فوق الحياة
«أوزع» طوقَ النجاة
أصوغ من الفجر أنشودةً خالدة
أعيش حدائي..
إلى «سورة المائدة»
وكل السورْ
وما دام للجنة الارتحالْ
فنعم «السفر»
стр. 1751
قصة قصيرة
درس الشيخ
د. محمد الحضيف
يداوم على حضور درس الشيخ عبد الهادي في مسجد (الحكمة) وحينما يعود
إلى البيت، بعد الدرس، يسأله أهله عن الدرس، فيرد بشيء من الانفعال: هل
الدرس طبق من الأكل أو قطعة ملابس، حتى أعطيكم رأيي فيه؟ !
إنه يرى كل الحضور يهزون رؤوسهم أثناء الدرس، وبعد خروجهم من
المسجد يتحدثون في مواضيع لا علاقة لها بالدرس مطلقا، يذكر مرة أنه أراد
مناقشة بعض الحضور فيما تحدث عنه الشيخ، فوجد نفوراً، ثم مال عليه أحدهم
وهمس في أذنه: من (الحكمة) أن لا تناقش ما يقوله الشيخ، إن الشيخ عبد الهادي
يكره أن يؤوّل كلامه، فهو حينما يقول إن التلفزيون حرام، لا يريد أن تذهب بأحد
الظنون، فيعتقد أنه يتهم مدير التلفزيون، أو السياسة التي تقوم عليها برامج
التلفزيون، أو حتى برامج التلفزيون نفسها، إن الشيخ عبد الهادي يؤثر (الحكمة)
في قوله وعمله، ولذا فهو يكره (المواجهة) ، ويكره كذلك أن يواجه أحداً بخطئه.
تلاميذ الشيخ عبد الهادي كلهم على هذه الشاكلة، مرة حضر لأحدهم خاطرة
ألقاها بعد الصلاة في مسجد في أحد الأحياء الفقيرة، كان موضوع خاطرته «أولئك
الذين يأتون إلى المسجد بثياب ممزقة وغير نظيفة» ، واشتد في تأنيبه لهم، مردداً
قوله تعالى: [يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد] . بعد الخاطرة رأى أن
يناقشه فيما تحدث عنه، فقال له: كيف تطالب هؤلاء الفقراء المعدمين بثياب نظيفة؟ ألم يكن من الأولى أن تحدثهم عن العدالة الاجتماعية في الإسلام حتى تعزيهم على
الحال التي هم فيها؟ فرد عليه مستنكراً: كأني أشم في كلامك طروحات
الاشتراكيين، أو بعض أفكار فلان وفلان، وبالمناسبة فالشيخ عبد الهادي لا يرى
أن من (الحكمة) الترويج لمثل هذه الأفكار.
في إحدى المرات رأى وجهاً غير مألوف يحضر لأول مرة درس الشيخ لقد
بات يعرف كل الذين يحضرون الدرس، بعد أن أنهى الشيخ حديثه وهم الجميع
بالانصراف، تكلم الشخص الغريب فجأة على غير عادة الحضور فقال: يا شيخ،
أنت تكلمت فقلت من (الحكمة) أن لا تفعل كذا ومن (الحكمة) أن تفعل كذا، ثم
ذكرت حديث الأعرابي الذي دخل وبال في المسجد قبل سنتين، وها أنذا أحضر
درسك الآن، ومازلت لم تبرح حديث بول الأعرابي، يا شيخ، لقد حضرت درس
الشيخ عبد الرحمن في مسجد (الحزم) قبل أسبوعين فذكر حديث «سيد الشهداء
حمزة» ، وحضرت درسه الأسبوع الماضي، وكان موضوعه «الأمة في
ظل النظام العالمي الجديد» ، وموضوع درسه اليوم «شيخ الإسلام ابن تيمية مُصلحاً» .
دارت عيون الحاضرين، واشرأبت أعناقهم إلى هذا الواقف يجادل الشيخ،
بعد هول المفاجأة التي عقدت ألسنتهم، قال له أحدهم: ليس من (الحكمة) أن
تخاطب الشيخ بهذه الطريقة، فأجاب الشاب: وهل من (الحكمة) أن يخدركم بهذا
الكلام منذ أكثر من خمس سنوات؟ قالها، ثم استدار منصرفاً.
حدثت حالة من الهرج، وتعالت الأصوات، منها ما يستنكر التصرف ومنها
ما يتساءل، أما هو فقد انسحب بهدوء وخرج من المسجد ولحق بالشاب واستوقفه،
ثم سأله قائلاً: أنا أعجب من أمرك، كيف قدرت أن تجادل الشيخ؟ لقد أخبروني
أن من (الحكمة) ألا أسأله، وحينما سألت بعضهم عن رأيه في الدرس، قال لي إن
الدرس ليس أكلاً أو ملابساً حتى يكون لنا رأي فيه، ثم أريد أن أسألك: من هو
الشيخ عبد الرحمن الذي تحدثت عنه؟ وأين مسجده؟ قال الشاب: هل تود أن
تحضر درسه؟ فرد بالإيجاب.
في الأسبوع التالي كان في مسجد (الحزم) يستمع للشيخ عبد الرحمن الذي كان
يتحدث عن «دور الشباب في الدعوة إلى الله» ، كان الشيخ عبد الرحمن يقول:
«إن المجتمع يهدد وجوده الفساد، لقد غدا حال الناس والفساد يحاصرهم من كل
جانب، كحال قوم حشروا حشراً في نفق مظلم فهم يتخبطون، يحتاجون دليلاً
يقودهم خارج النفق، والدليل يحتاج شعلة تهديه في هذا الظلام، إن الشاب الملتزم
هو الدليل، وإن الدعوة هي الشعلة، لكن الدعوة أمرها خطير، ومن ضروراتها
الامتحان والابتلاء، ومن لوازمها صنوف من البلاء كثيرة، منها الموت والسجن
والاضطهاد، مصداقاً لقوله تعالى: [أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم
لا يفتنون] ، إن الفساد الذي يعصف بالمجتمع أضعاف الظلمة التي تلف النفق،
وإن دون الشعلة لهباً مضطرماً فلا يصل إليها إلا أولو العزيمة الصادقة، كما أنه لا
يصبر على بلاء الدعوة إلا أصحاب الهمم العالية الذين يستلهمون الدرس من معلمهم
الأول محمد ﷺ ،» والله يا عم لا أترك هذا الأمر حتى يظهره
الله أو أهلك دونه «.
أخذت كلمات الشيخ عبد الرحمن بلُبّه، وطفق يحدث نفسه: هذا ما كنت
أبحث عنه، لكن الشيخ حيرني حينما قال خذ الشعلة لتقود الناس، أي اقبل أن
تحمل الدعوة، ثم يعود فيقول إن دون الشعلة لهباً مضطرماً، والدعوة محفوفة
بالابتلاء.
بعد نهاية الدرس ذهب إلى الشيخ وسلم عليه بحرارة، ثم طرح عليه تساؤلاته
وحيرته، مال عليه الشيخ وقال: خذ الشعلة.. واحذر اللهب، ثم أضاف وهو
يبتسم: أراك ثانية.
стр. 1752
نصوص شعرية
جمرة في الدماغ
عبد الوهاب الزميلي
في حريق الفكرة (المخدّرة)
غشي العينَ دخانٌ
فبدتْ ثم اختفتْ!
والدماء اتقدتْ
ضاقت الجدرانْ بالجمر المذابْ
يتلوّى في مساريب اللهبْ
وتنادتْ تطرق الرأسَ..
حروفٌ من حرابْ
وتلفّفتُ بجلدي
عند رأس القنطرةْ
أرقب الأسرابَ
يخفيها الطلبْ!
وضممتُ باليدينْ..
رأسي المخبأ! ما أقسى الصخبْ! !
وبدتْ بين التلافيف تعومْ
أيّ زوج يا حروفَ الفتح تدنو!
بورك العرسُ فهاكْ:
وانتشلت الغادةَ الحسناءَ..
من بين الدماءْ
ثم ألفيتُ يدي تغسلُها فوق الجبينْ
وإذ النار سلامٌ
ولهيبُ الحرفِ
ماءْ! !
стр. 1753
من الأدب السياسي
كوميديا السلام الحامض
ما وراء " الكوابيس " [*]
زياد الدريس
١- تأبين:
وكالات الأنباء / وكالات السفر والسياحة:
تم ظهر يوم (١٣ سبتمبر ١٩٩٣ م) في البيت الأبيض «إنهاء» القضية
الفلسطينية، حيث أجريت مراسم التوقيع على «حلها وإنهائها» وسط أجواء
«مقدسة» ! ساهم رابين في تأجيجها من خلال تلاوة آيات توراتية من سورة «الانتصار» ، تلاه عرفات بتلاوة آيات عربية من سورة «الهزيمة» !
٢- نسوة في السياسة:
الذين خطبوا أو صرحوا أو كتبوا عن اتفاق السلام بنشوة واحتفالية كانوا لا
يمرون في حديثهم على معارضي الاتفاق إلا ويوسعوهم تسفيهاً وجلداً لموقفهم من
الاتفاق أياً كانت المعارضة فلسطينية أو عربية وكأنهم يصادورن المعارض وبالذات
الفلسطيني في التعبير عن رأيه في وطنه! بل ويتهمونه بالنفعية أو الطوباوية.
ثم ما يلبث هؤلاء المحتفلون في نهاية حديثهم القمعي حتى يكرروا تلك المقولة
الجديدة في قاموس الصراع العربي/الإسرائيلي: فلسطين شأن فلسطيني،
والفلسطينيون وحدهم هم الذين يقررون مصيرهم ومصير وطنهم!
(ما أشبه هؤلاء المثقفين بتلك المرأة التي تلوك عورات جيرانها واحداً تلو
الآخر، ثم تختم مائدتها بقولها: ما لناش دعوة! !) .
* إذا كان هذا موقفكم، فلماذا تؤيدون الاتفاق أو تعارضونه؟
* إذا كانت هذه قناعتكم، فلماذا تقفون غصة في حلوق المعارضين دون
المؤيدين؟
* إذا كانت هذه فلسفتكم، فلماذا تتكلمون؟ !
* أما أنا فمازلت أؤمن بتلك المقولة التي علمتمونا إياها من قبل أيها المتكلمون، إن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين جميعاً.
* هل تذكرون هذه العبارة / العهد، أنا لم أكفر بها حتى الآن، ولهذا فمن حقي
ومعي المؤمنون الآخرون بها أن نتكلم عن فلسطين.. أما أنتم فلا.
٣ -قال قائل منهم:
قبل طرح أي مشروع أو قرار سياسي عربي، ثق ثقة تامة أن الموقف منه
حتى قبل الاطلاع عليه وتداوله سيكون على النحو التالي:
سيقول المثقفون القوميون: نعم لهذا المشروع، من منطلق السعي نحو
تسوية الواقع العربي، ورفض «المزايدات» !
سيقول المثقفون الإسلاميون: لا لهذا المشروع، من منطلق السعي نحو
تأمين المستقبل العربي ورفض «المناقصات» !
سيقول المثقفون الفلسطينيون: نعم إذا قالت حكوماتهم: نعم، ولا إذا قالت
حكوماتهم: لا، من منطلق: وهل أنا إلا من غزية ... ولقبض جميع
«المزادات» و «المناقصات» ! !
إذاً: القوميون ينظرون إلى «اليوم» لأنهم يبحثون عن الاستقرار
الإسلاميون ينظرون إلى «الغد» ، لأنهم يبحثون عن النصر. السلطانيون
ينظرون إلى «الأمس» لأنهم يبحثون عن مواقف بطولية / خرافية كي يدرجوها
في مشروع «مذكرات سيادة السلطان» !
٤ -وطن على الريق:
آنذاك، حين كانت الشعوب العربية تقاتل من أجل تحرير أراضيها من سنة
١٩٤٨ حتى ١٩٧٣ م، مروراً بكل النكبات والنكسات والنزوات، كان المقاتل
العربي في ساحة المعركة يجرح أنامله ثم يكتب بالدم اسم وطنه على علم بلاده الذي
سيغرسه في ذلك الشبر المحرر!
وهكذا أراد عرفات أن يفعل في ذلك الشبر الفلسطيني الذي حرره في واشنطن، لكن المقام كان مقام سلام لا ينبغي لرائحة الدماء أن تفوح فيه، فما كان من خيار
آخر لممارسة ذلك الطقس الجهادي القديم في هذه الأجواء الحمائمية سوى أن يبلل
عرفات أنامله من «ريقه الناشف» ، ويكتب اسم بلاده على العلم الفلسطيني.
هكذا فعل عرفات، وهكذا ستدوم تلك الفلسطين الجديدة مادام هذا الريق!
٥ -لحية المناضل ومقص الراعي:
أيام كان عرفات مناضلاً ورقياً وقد تحول الآن إلى رئيس ورقي لم يتمالك أحد
الصحفيين أن يكتم الرغبة لديه في أن يسأل عرفات: متى ستتحول طبوغرافية
الوجه العرفاتي من المرحلة البرزخية بين الحليق والملتحي؟ ! .. ومتى سيسلخ
عرفات جلده العسكري، ويلبس بدلة آدمية تنسجم مع نزهاته وعناقاته الدولية؟ !
لم يتوان عرفات في الإجابة، فقد كان ينتظر السؤال منذ قذف آخر موسي
حلاقة، وآخر قميص «تي شيرت» . قال عرفات: ستزول كل هذه الأعراض
«الفيدل كاستروية» حينما تتحرر فلسطين، ويندحر الاحتلال الإسرائيلي عن كل «شبر من أراضينا» .
ومضت الأيام شعرةً شعرةً حتى فتح الناس أعينهم على مشهد (غزة - أريحا)
أولاً، وإذا مساحة المحرر من فلسطين لا تعدل سوى ٢% من مساحة الأشبار
المحتلة. فهل سيحلق عرفات ٢% فقط من لحيته؟ !
وهل سيخلع ٢% فقط من بدلته العسكرية، وليكن الجورب الأيمن أو ليكن
الأيسر، أو كلاهما معاً، فلا اليمين الفلسطيني «المتطرف» ولا اليسار الفلسطيني
«المتطرف» يؤيدان الاتفاق، فما أسعد عرفات بخلعهما معاً!
٦- " ٠٠٠٠٠ ":
مسكينة فلسطين، لقد عاشت وعايشت حقبة طويلة من «المزايدة» ، يوم أن
لم يكن هناك زبون ولا بيع، وربما هي الآن وقد جاء الزبون ليفاوض فإنها تعرض
عبر «مناقصة» فمن يشتري بأقل سعر؟ !
٧- من أشعل الفيروس؟
مرت أزمة الخليج فَطبَعَتْ في الصوت العربي بعامة والخليجي بخاصة خطاباً
قطرياً طامساً لذلك الخطاب القومي الذي كان يطفح في شوارع المدن العربية حتى
قبل الثاني من أغسطس ١٩٩٠م، وكان مدهشاً حقاً ذلك الانقلاب السريع في اللغة
والعلاقة بين العرب، وكان التساؤل الذي يهتك صمت المجالس العربية هو: هل
ستدوم هذه الوعكة القطرية طويلاً؟ أم ستكون كغيرها من الوعكات العربية المتتالية
التي ما تلبث أن تنجلي لتفسح المكان لوعكة جديدة!
مهما كانت التخمينات للوعكة الشفائية القادمة، فلم يكن أحد يتصور أنها
ستكون إسرائيل.
لقد بدأ اللسان العربي يتهجى من جديد اللغة الإقليمية من خلال فكرة السوق
الشرق أوسطية، بمشاركة تركيا وإيران وإسرائيل «فيروس الوعكة الجديدة» .
وفي خضم هذه الأعراض كان يخترق الذاكرة العربية في غيبوبتها المحببة
سؤال نزق: هذه الدول العربية التي اتكأت على شجرة العزلة كأنها لم تأمن بعضها، هل ستأمن إسرائيل على نفسها؟ !
٨- يا «سلام» سلم:
«رفع المقاطعة العربية» .. «السوق الشرق أوسطية» .. «إعادة توزيع
الموارد والثروات في المنطقة» ، السباق الأمريكي/ الإسرائيلي المحموم نحو
تحقيق وإنجاز هذه الإجراءات السلمية بأسرع ما يمكن، يجعلنا نتساءل: هل كانت
عملية السلام هذه منعطفاً أرادته إسرائيل لتغيير الحرب معنا من حرب عسكرية
«باردة» إلى حرب اقتصادية «ساخنة» ؟
٩- النكثة:
إذا كانت الأمة العربية قد مرت في صراعها مع إسرائيل ضمن ما مرت عليه
من قاموس الإخفاق بالنكبة والنكسة في منعطفات صراعها المزمن فإنها الآن تمر
وضمن القاموس إياه بمنعطف جديد يمكن أن يسمى: النكثة!
ففي هذا المنعطف تم نكث كل الوعود والعهود التي عقدت عربياً وعالمياً في
نخب فلسطين:
* استعادة كل الأراضي الفلسطينية «السليبة» .
* طرد دولة إسرائيل «الدخلية» من خريطة العالم العربي.
* المقاطعة العربية التامة مع إسرائيل سياسياً واقتصادياً حتى ينجلي الاحتلال
عن كل شبر فلسطيني.
* إعادة الشعب الفلسطيني اللاجئ والنازح والمهاجر إلى وطنه.
* تنفيذ القرارات الدولية ٢٤٢، ٣٣٨، ٤٢٥، وجميع قرارات هيئة الأمم
التي توشك الآن بجهود أمريكية وإلحاح إسرائيلي وهوان عربي أن تُرمى جميعها
في زبالة النظام العالمي القديم!
١٠- كيمياء السلام:
خرج مشروع (غزة أريحا أولاً) من مرحلة البروتوكولات إلى مرحلة
المنازعات ومطاردة التفاصيل بين متاهات التعميم الذي ساد بنود المشروع في
جانب الحقوق الفلسطينية، ويبدو من متابعة أولية لهذه المطاردات أن تفاعلات
السلام ستعطي المعادلة التالية:
مشروع (غزة - أريحا أولاً) + (لا للقدس) ثانياً + غليان/الفيضان
«غاز» أولاً + ريحة «ثانياً» + مشروع (لا للقدس) + (H٢O) !
١١- قراءات في الفنجان اليهودي:
(إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست
ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مُزقت دولة
الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن) ! !
السلطان عبد الحميد الثاني
(وسرعان ما أدركت أن أسلوب اليهود في الجدل يقوم على قواعد خاصة بهم، وهو اعتمادهم في أول الجدل على بلاهة خصمهم، فإذا لم يتمكنوا منه تظاهروا
هم بالغباء فيستحيل على خصمهم أن يأخذ منهم أجوبة واضحة) !
أدولف هتلر
(تغلغل اليهود في ديارنا.. ونحن راجعون..
صاروا على مترين من أبوابنا.. ونحن راجعون..
ناموا على فراشنا.. ونحن راجعون..
وكل ما نملك أن نقوله: «إنا إلى الله لراجعون» !)
نزار قباني
(أخي إن ضج بعد الحربْ ... «يهودي» بأعمالهْ
وقدّس ذكر من ماتوا ... وعظم بطش أبطالهْ
فلا تهزج لمن ساروا ... ولا تشمت بمن دانا
بل اركع خاشعاً مثلي ... لنبكي حظ موتانا)
ميخائيل نعيمة
١٢- الكاوبوي «كلينتون» :
الذين تابعوا تفاصيل الاتفاق وإعلان المبادئ، وحذافير لقاء التوقيع بزعامة
كلينتون، لم يمسكوا بأيديهم سوى حقيقة واحدة مفادها: لقد كان كلينتون «راعياً»
بحق!
стр. 1754
مراجعات أدبية
قراءة نقدية في البيان الأدبي
(العدد ٧٦)
أ. د. ناصر بن سعد الرشيد
ينقسم الملف الأدبي إلى قسمين: القسم الأول النصوص الإبداعية من شعر أو
قصة أو مقالة، والقسم الثاني دراسات أدبية أو قراءات نقدية، وسأبدأ بالقسم الثاني
من الملف المنشور في العدد (٧٦) ، فقد كتب الدكتور مصطفى بكري السيد تحت
عنوان «مراجعات أدبية: رؤية في القراءة النقدية» ، وبدأها بتعريفه للقراءة النقدية بأنها: «نظرية القواعد التي تحكم تفسير نص من النصوص الأدبية، يتأكد
فيها دور القارئ بوصفه أحد منتجي النص عبر علاقة تفاعلية تصل القارئ
بالمقروء، لتثمر إنتاج معرفة جديدة تتيح للقارئ توظيفها في إغناء ذاته أو في إعادة
بنائها» .
ولا شك أن هذا التعريف على جماله وصدقه لا يمكن له أن يستوعب كل
تعريفات القراءة النقدية، إذ من المعلوم عند المناطقة أن التعريف يجب أن يكون
جامعاً مانعاً، بيد أن تعريف الدكتور «مصطفى» على كثرة ما استوعب لم يمنع
أن يدخل في هذا التعريف مفردات جديدة ورؤى أخرى، فالدكتور «مصطفى»
انطلق من قانون واحد وهو «العلاقة التفاعلية» كما أسماها، أو «التواصل»
بين المبدع والمتلقي، ومحاولة إعادة بناء النص، بمعنى أن الناقد مبدع، وهذه هي
إحدى نظريات النقد الحديثة، وهي قراءة واحدة من قراءات النص، فالنص لاسيما
الجيد عالم فسيح يمكن أن ينظر إليه من زوايا متعددة، فحيناً يقرأ قراءة تفسيرية
وهي التي أشار إليها الدكتور، وتارة يقرأ قراءة تأويلية، ولعل هذه القراءة هي
القراءة السائدة اليوم، وهي القراءة الأفسح والأرحب، وتارة أخرى يقرأ قراءة
جمالية فنية، بمعنى أن توظف فيها آلات «اللسانية» وقوانين البلاغة، والنص
الجيد بعد ذلك كله هو ذلك النص الذي «لا تفنى عجائبه، ولا يخلق على كثرة
الرد، ولا يشبع منه العلماء» .
ولقد حاول الدكتور «مصطفى» أن يعطي هذا النوع من القراءة مصطلحاً
إسلامياً فسماها قراءة «التدبر» ، وهو مصطلح في الحقيقة رائع وجامع ومانع
فهو رائع إذ هو مصطلح قرآني يجب أن نحتفل به، وأن نحييه في دراساتنا النقدية
المعاصرة، علنا نستغني به عن مصطلح أجنبي لغربه، فلا ينسجم تمام الإنسجام
مع ما نريد، فالمصطلح الذي لا يحمل ما نريد أن نضع فيه من معاني ورؤى
وحمولات مصطلح ضامر ضعيف، لا يقوى على كثرة الرد ويبلى مع التكرار أو
يكون موهماً لخلاف المقصود، وهو جامع لأنه يجمع كل أنواع قراءات التدبر من
تفسيرية وتأويلية وفنية وجمالية، وهو مانع لأنه يمنع القراءات السريعة المبتسرة
التي لا تتغلغل إلى بناء النص ولا تغوص في أعماقه، فمثل هذه القراءة إنما
تستخرج من النصوص محاراتها وقواقعها، لكنها لا تصل إلى دررها وجواهرها.
لقد ركز الدكتور مصطفى على قراءة «التدبر» تركيزاً انطلق منه إلى حكم
خطير وصائب، حيث قال: «ولكن الذي مات بل في الحقيقة ولد ميتاً وجمهوره
آخذ في التناقص هو اجترار الكلام والفكر المعلب والرؤى القبلية وإخضاع التعامل
مع الإبداع إلى قوالب جامدة منغلقة لتصبح ذات صيغة سلطوية وتسلطية على الفكر
الموضوعي، ويكون سقف الفن عندها هو المقنن الجاهز والسلبي المستهلك» .
ويحذر الدكتور مصطفى من بعض أنواع القراءات التي لا تسبر غور النص
والتي تفتقد شروط قراءة «التدبر» وأنا معه في ذلك وخصوصاً تلك القراءات
المعجمية التي تهمل السياق بأنواعه وما يشير إليه النص، أي تهمل إشارات النص
ومنطوقاته ومخبوءاته، وهذه القراءات قراءة لغوية تصلح للدراسات اللغوية، لكنها
لا تصلح للدراسات النصية الجامعة، ففي هذه القراءة تغيب عن القارئ أوليات
التعامل مع الشعر والأثر الفني بعامة، فهي تمكنه من الإحاطة بالمستوى الإخباري
للنص، ولكنها تحجب عنه المستوى الإشاري وهو ما تزخر به اللغة الشعرية فيما
وراء المؤدى المباشر، والذي يكون نظام العلاقات الدلالية والإيقاعية في النص،
وهو الذي يجعل النص يفلت من الظرف المحدد، ويمتلك القدرة على البث المتجدد
بحيث يخاطب أجيالاً عدة «.
وليس كل نص بقادر على أن يفلت من الظرف المحدد، ويملك القدرة على
البث المتجدد مهما كان قارئه، ما لم يكن هذا النص نصاً عظيماً مثل القرآن الكريم
والحديث الشريف وبعض النصوص الشعرية الجيدة الخالدة، وإلا فإن هناك
نصوصاً مهما حاولت القراءة شحنها أو مهما كان التعامل معها لا يمكن لها أن
تستجيب لذلك لأنها نصوص ركيكة ضعيفة أو معادة، والقارئ مهما كانت قدرته
وملكته النقدية، أو حتى موهبته الإبداعية لا يستطيع بأي حال من الأحوال» نفث
الروح في نصوص ولدت ميتة «، كما أنه لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن
يُنْشر الموتى، لكن إذا اجتمع النص الجيد والقارئ الجيدكان الإبداع نقداً والنقد
إبداعاً، وانفلت النص من ظرفه المحدد، ومن مناسبته الخاصة أو سياقه الضيق
إلى عالم واسع رحب يخاطب كل الأجيال ويخاطب كل الأمكنة ويخاطب كل
الأزمنة، وكذلك هو القرآن الكريم» والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب «.
إن لم نفطن إلى هذا الشمول في تعاملنا مع النص فإننا والحال هذه» نمارس
قتل روح النص في حق النصوص الحديثة والتراثية على السواء، هكذا مانزال
ندرس المتنبي، المادح، ومايزال الموضوع أي سيف الدولة وحروبه محور
شاعريته، ويغيب عنا مناخ القمم الذي يكشف عنه نظام العلاقات اللغوية في شعره، يغيب عنا جواب المتنبي على عصر تقهقر فيه العنصر العربي المسلم ... «
ومثل هذا يمكن أن يقال عن مرثية ابن مناذر لعبد الوهاب الثقفي، ومرثية ابن
الرومي لابنه محمد، فالقصيدتان وإن قيلتا في مناسبتين خاصتين لكن قراءتهما
يجب أن ترتفع بهما عن خصوصية المناسبة (السبب) إلى عمومية اللفظ (الفكر كله
والحياة كلها) ، إذ يمكن لهاتين المرثيتين أن تقرآ على أنهما تحتلان رؤية فلسفية
للموت والحياة وللحزن البشري والمأساة الإنسانية والتساؤل عن ما وراء الموت
وهذه النظرة لا يمكن أن تتأتى إلا بمحاولة استنطاق النصوص، واستكشاف دلالاتها
وإشاراتها» إن هذه القراءة تسير في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ ومن
القارئ إلى النص، فبقدر ما يقدم النص للقارئ يضفي القارئ على النص أبعاداً
جديدة قد لا يكون لها وجود في النص «.
وأختتم قراءتي لما كتبه الدكتور مصطفى بكري السيد بإشارته إلى المشكلة
كلها، وهي مشكلة تنظيم الحياة ونشاطها، وهي مشكلة الفكر، فالمشكلة النقدية هي
جزء من هذه المشكلة، يقول الدكتور:» وأخيراً فإن مشكلة النقد ليست معزولة
عن مشكلة الفكر عندنا، بل إن مشكلة النقد هي مشكلة هذا الفكر أو هي وجه من
وجوهها «.
وفي العدد نفسه كتب الأستاذ محمود مفلح تحت زاوية» نقد على نقد «
موضوعاً اختار له عنوان» نقد ظالم.. ونقد نائم «، وهو عنوان مثير يبعث في
سامعه وقارئه أشتاتاً من الأسئلة، وأحسب أن أبسطها وأقربها متناولاً: ما هو النقد
الظالم وما هو النقد النائم؟ وهل هذا تصنيف نقدي جديد أم هو مصطلح جديد؟
لاسيما ونحن في عصر التصنيفات الجديدة والمصطلحات المستحدثة.. إن الجواب
على هذه التساؤلات وربما غيرها، وما تحدثه من إيحاءات وما تستدعيه من
تفسيرات أو تأويلات، سيظهر للقارئ بعد أن يكمل قراءة هذه المقالة النقدية، فما
يلبث أن يجد الأستاذ محموداً يعني بالنقد النائم النقد الذي يتناول النصوص الإسلامية
(حسب قوله) ، والنقد الظالم هو النقد الذي يدور في» فلك الحداثة والتغريب
والأشكال التعبيرية الجديدة التي يكتنفها الغموض ويشكل لحمتها وسداها اللغز
والأسطورة والسحر و (يفلسفون) لها ويؤولونها ويحاولون جاهدين أن يقنعوا القارئ
بأهميتها وريادتها «، أما أن النقد نائم في رأي الأستاذ محمود فلأن» صوت النقد
في صحافتنا الأدبية الإسلامية ومن أقلام كتابنا خافت جداً «.
وأحسب أن القارئ لما كتبه الأستاذ محمود الذي يعالج نوعين من النقد قائمين
اليوم، وإن كان أحدهما يظهر على الآخر (نقد إسلامي ونقد مستغرب) عليه قبل أن
يسلم للأستاذ محمود أو لا يسلم. أن يعرّف الأدب الإسلامي (أي النصوص
الإبداعية) وما مواصفات كونها إسلامية، وما مواصفات كونها غير إسلامية أو
مستغربة، وما هو المبدع وما نوع إبداعه، وهل للمبدع رسالة وما الفرق بين
الإبداع وبين التعليم، وهل للشكل أثر في كونه إسلامياً أو غير إسلامي، وهل
» الأشكال التعبيرية الجديدة «غير إسلامية؟ . كل هذه التساؤلات ومعها غيرها مثلها أو تزيد يجب أن يجاب عنها من قبل الأستاذ محمود أو من قبلي أو من قبل رابطة الأدب الإسلامي، وأتمنى أن تترك لرابطة الأدب الإسلامي.
وإذا كان الأدب الإسلامي حسب مفهومي الذي اقتبسته من القطبين (سيد
ومحمد) هو باختصار (كل تعبير فني جميل يعبر عن الإنسان وقضيته وعن الوجود
والكون والحياة، وما وراء الحياة، وعالم الغيب والشهادة، تعبيراً لا يخالف
ضوابط الإسلام وأصوله) ، لو أخذنا بهذا التعريف الأولي للأدب الإسلامي لوسعنا
دائرته وأغنينا مجالاته ونفينا عنه الجمود والضيق والقولبة الضيقة، وأخرجناه
» من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة «.
وأذكر أنني قلت في تعليق لي ذات ليلة في ندوة من ندوات الأدب الإسلامي
المباركة، تعليقاً على الأستاذين الفاضلين الدكتور عبد القدوس أبو صالح والدكتور
عبد الباسط بدر، حول رأيهما في تعريف الأدب الإسلامي:» أود أن ننظر إلى
الأدب العربي كله بعد الإسلام على أنه أدب إسلامي، وأن نخرج منه ما خالف
الإسلام على أنه أدب شذ عن منهج الأدب الإسلامي في مضمونه أو في تعبيره،
كما أنني لا أميل مطلقاً إلى تتبع بعض النصوص الأدبية في تراثنا الإسلامي
وإبرازها على أنها نصوص إسلامية، وأن ما سواها ليست كذلك «.
وأعتقد أننا لو أخذنا بهذا الرأي لوجدنا أن جملة نصوصنا الأدبية هي نصوص
إسلامية حتى إذا ما عرضناها على التعريف الآنف، وجدناها تندرج تحته بكل
تواءم وتناغم، ولو أخذنا مثلاً شعر أبي نواس برمته وجملته لوجدنا أن أكثره شعره
يندرج تحت ذلك التعريف للأدب الإسلامي، وإنما خرج من ذلك التعريف إنما هو
شاذ يمثل الأقل، ومثله يقال عن أبي تمام وشعره والتجديد في الشعر شكلاً أو
مضموناً ليس بالضرورة أن يكون غير إسلامي كما أن عدم التجديد في الشعر شكلاً
أو مضموناً ليس بالضرورة أن يكون إسلامياً.
وأحسب أن من الأخطاء التي يقع فيها المنظرون للأدب الإسلامي أن يعتبروا
بعض الأشكال الشعرية الجديدة، أو بعض التعبيرات الشعرية الحديثة التي تحاط
حيناً بالغموض وحيناً آخر بالإبهام أدباً غير إسلامي، أو أدباً يتعارض مع الإسلام،
والنظر هنا والحكم على كونه إسلامياً أو غير إسلامي يجب أن يتوجه إلى المحتوى
والمضمون، ولقد كفتنا أم المؤمنين عائشة ﵁ مؤنة ذلك كله وكأنها
تجيب عن هذا التساؤل بقولها:» الشعر كلام (كسائر الكلام) حسنه حسن وقبيحه
قبيح «.
ولا أكتم أخي الفاضل الأستاذ محموداً أنني في يوم من الأيام كنت مستوحشاً
من بعض النصوص الجديدة ولاأزال أستوحش من بعضها لأنني كنت قد جئت إليها
بتصور مسبق على أنها صورة من صور الهدم، أو وعاء من أوعية الغزو الثقافي، أو وسيلة من وسائل التغريب والاستلاب (وهكذا ينظر في أغلب الأحيان إلى كل
جديد وخصوصاً في المجتمعات المحافظة مثل مجتمعنا) ، بيد أنني بعد أن وطئت
حماها، وخضت حمأتها، وحاولت أن أعقد نوعاً من الألفة بيني وبينها، بدلاً من
الوحشة، افترّت لي عن بعض محاسنها وأسفرت لي عن بعض مناقبها، وعرفت
أن هذا النوع من التعبير ليس بالضرورة أن يكون متمرداً على القيم الإسلامية،
وإنما هي مسألة صراع الأجيال والاتصال الحضاري الرهيب والتثاقف المتسارع
(وإن كنا الأضعف في حلبة الصراع الحضاري والتثاقفي) .
أقول هذا لأنني قد وجدت في بعض هذا النوع من الشعر بعض المضامين
الخيرة وخصوصاً موضوع» الهوية «، والبحث عن الذات وسط هذه الانكسارات
وإزاء هذه الانتكاسات والمحن، وأحسب أن محمداً الثبيتي واحداً من هؤلاء الشعراء
في قصيدتيه:» فواصل من لحن بدوي قديم «و» صفحة من أوراق بدوي «،
وما يقال عن الثبيتي يقال عن بعض من الشعراء غيره، ومنهم الشاعر عبد الله
الصيخان في عدد من قصائده التي احتواها ديوانه» هواجس في طقس الوطن «
كقصيدته المعنونة» الحجرة «، وقصيدته» فاطمة «، وقصيدته» هواجس في
طقس الوطن «، ومنهم الشاعر عبد الله الزيد في» أغنية للوهج «و» وجع
المسافة بين دمك وثلاجة الموتى «، في رثاء أخيه محمد، ومنهم الشاعر عبد الله
الخشرمي في قصيدته» وصايا النخيل «، ولو أخذنا الشاعر الكبير عبد الرحمن
العشماوي على أنه من شعراء الأدب الإسلامي الشباب فسنجد شعره ينضح إسلاماً
في شعره العمودي المألوف أو في شعره الجديد» بائعة الريحان «على السواء مما
يبرهن على أن الشكل التعبيري الجديد ليس بالضرورة أن يكون موحشاً أو أن يكون
وعاء خطيراً يتنافى والأدب الإسلامي.
وبعد: فإن لم ننتبه إلى هذا فإننا سنخنق الأدب الإسلامي في بوتقة ضيقة،
ونجعله في حيز ضيق يفقد فيه نموه وانطلاقته، وربما أدى ذلك إما إلى عقمه وإما
إلى موته.. وأرجو ألا تكون بعض مواقفنا المتشددة في فهمنا للأدب الإسلامي،
وسجنه في حيز الوعظ والتعليم والتعبير المباشر، هو ما حدا ببعض النقاد أن
يتجاوزوا هذه النصوص إلى نصوص أخرى وصفها» محمود مفلح «تارة بأنها
» تدور كلها في فلك الحداثة والتغريب والأشكال التعبيرية الجديدة التي يكتنفها
الغموض ويشكل لحمتها وسداها اللغز والأسطورة والسحر «ويفلسفون» لها
ويؤولونها ويحاولون جاهدين أن يقنعوا القارئ بأهميتها وريادتها، وتارة أخرى
يلحى باللائمة على نفر من نقاد الحداثة والتغريب (كما أسماهم) بأنهم يقدمون
نصوصهم التي يقرأونها ويتناولونها بالدراسة «إبداعية ومعاصرة ومهمة وجديرة
بالقراءة ... إلا النصوص الإسلامية! ! ! أو ما يقترب منها، فإنها في زعمهم
فقيرة متخلفة، فجة، تغلب عليها الخطابية والسطحية، وهي تجافي روح الفن،
وتتنافى مع الحساسية الجديدة والرؤية المعاصرة» .
كما يسوء الأخ الأستاذ محمود مفلح التعاون الوطيد بين هذا النوع من النقاد
تعاوناً يرفع بعضهم من شأن بعض، ويدعو بعضهم لبعض حسب قوله: «وإن
المتأمل كذلك فيما يكتب من نقد هنا وهنا لابد وأن يلاحظ أن ثمة اتفاقاً وإجماعاً على
توجه نقدي معين، وأن ثمة جسوراً تقام بين هذا الناقد وذاك، فكأن هذا هو
الصوت، وذلك هو الصدى في تناغم عجيب واتفاق يبعث على الدهشة» .
أقول للأخ محمود وغير محمود: إن التنافس بين الاتجاهات النقدية
المتصارعة لا يحسمها مثل هذا التشكي وذلك التظلم، وإنما يحسمها العمل فلكل
منتداه ولكل رابطته، وأعرف أن للأدب الإسلامي رابطة تجمع كثيراً من أدباء
العالم الإسلامي عربه وعجمه ومبدعيه وناقديه، فالحلبة ميسرة للجميع وإن
الحصيف المبدع المجدد هو من سيظهر في النهاية على صاحبه، وكما كان الشعراء
في عهد بني العباس يميت بعضهم بعضاً وحمل بعضهم ذكر بعض بما يقدم للساحة
الأدبية من إبداع جديد، فإن النقاد والمبدعين في هذا العصر يظهر بعضهم على
بعض، ولا أشك لحظة واحدة في أن المبدع الذي يلمس جراحات أمته وواقعها،
ويحقق هويتها من خلال رؤية جديدة أو تعبير جذاب، هو الذي سيبقى وغيره
سيذهب جفاء، وما الشاعر الإسلامي الدكتور عبد الرحمن العشماوي إلا مثل أسوقه
للشاعر المتألق المتجدد ذي الصيت الذائع.
ويجمل بي وقد أطلت الوقفة مع الأستاذ مفلح أن أختم قراءتي لمقالته بتعقيب
بسيط على قوله: «واستعرض إذا شئت الصفحات الأدبية الإسلامية في أي
مطبوعة تشاء، فإنك قل ما تجد دراسة أدبية جادة عميقة ذات رؤية نقدية واضحة
تنسجم مع قيمنا الحضارية وتعطي لهذا العمل أو ذاك حقه، ولن تجد كذلك توجهاً
نقدياً عاماً واضح المعالم، ولن تجد أيضاً وأقولها بمرارة أسماء نقاد جادين دؤوبين
مخلصين لهذا الفن أو ذاك رغم أن النتاج الإسلامي معافى ومقروء ولا يخلو من
جماليات تستحق أن يتوقف عندها النقد» ، فلمَ هذا! أهو أمر يتعلق بالنتاج
الإسلامي أم هو أمر يتعلق بالنقاد أنفسهم! !
أما القسم الإبداعي فسأتوقف ملياً عند بعض القصائد وعند قصة واحدة وأما
القصيدة التي أود أن أقرأها على عجل فهي قصيدة الدكتور صالح الزهراني بعنوان
«رتابة» ، وهذه القصيدة سأعدها قصيدة إسلامية على أن التعليم فيها أو المباشرة
ليست واضحة، وإنما أعدها إسلامية لأن موضوعها يعالج أمراً من أمور هذه الأمة، وموضوع القصيدة الرتابة في كل شيء والزيف في كل شيء، وأن كل شيء هو
ذلك الشيء لم يتغير ولم يتحول، وأن الخطأ هو الخطأ والكذب على الشعوب هو
الكذب، وأن الهزيمة نصر وأن الفتح رقص وغناء ومائدة.. موضوع يصلح أن
يكون إسلامياً وغير إسلامي، بمعنى أن مثل هذا الموضوع لا يصنف إسلامياً كما
أنه لا يصنف غير إسلامي، أقصد من هذا أن أعود إلى بعض ما أسلفت حين
قراءتي لما كتبه الأستاذ الفاضل محمود مفلح، وأبرهن على أن الأدب الإسلامي قد
يتسع حتى يدخل فيه ما لا يخالفه، لكن ليس بالضرورة أن يكون موضوعه إسلامياً
صرفاً أو تعبيراته تعليمية وعظية.
إن الشاعر الزهراني شاعر يملك قدراً هائلاً من الإبداع مارسه في هذه
القصيدة الجميلة، وآية توفيقه أنه جعلها أو أنها جاءت على بحر مجزوء قوي
الإيقاع (رجز) وقافية متحركة ساكنة، فالتاء المربوطة ساكنة وما قبلها مفتوح حتى
يتلاءم البحر مع القافية، لقد عبر الشاعر الزهراني عن ما يدور في حاضر هذه
الأمة وما يقدم لها من إعلام وزيف أصبح مستهلكاً ومكشوفاً، أي لم يعد ينطلي على
أحد إذ أصبح هذا الزيف ديدناً أي «رتابة» ، وحاول الزهراني أن يحدده بتسعين
سنة، ولا أدري بالضبط لماذا «تسعون حجة» والزمن هنا لا يهم تحديده فالقصيدة
ليست وثيقة تاريخية تؤرخ لبداية خمود ثورة الوعي، والمهم أن هذه الثورة خامدة
وبرهان هذا الخمود:
يبدأ العرض ميتا! ... فوق أشلاء صامدة
البدايات واحدة ... والنهايات واحدة
ويعود هذا المشهد في كل مرة فيبدأ العرض ميتاً والبداية واحدة والنهاية واحدة، والأنكى من ذلك أن:
بطل العرض واحد ... وقصة العرض واحدة
بعد يوم من الضنا ... والوجوه المزايدة
يأتي العرض لكن من مُخْرج واحد ومن عارض واحد ومن قصة عرض
واحدة، فهل يوقظ الجماهير الراقدة بإعلان الفاتح
عن فتواحات جيشه ... عن قواه المجاهدة
أنها شقت المدى ... واستباحت وسائده
وأراقت دم الدجى ... وأضاءت فراقده
والجماهير تدرك هذا الزيف لأنها اعتادت عليه، لكن شاعر الهوى يتهجى
قصائده فلا يحرك ساكناً في هذه الجماهير الجامدة ولا يوقظها لأنها:
عرفت كيف ينتهي
عرفت كيف يبتدي
أصبح الزيف قاعدة! !
مسكين هذا الفاتح الذي تنتهي فتوحاته بالرقص والغناء والتطبيل والمائدة دون
أن يتفاعل معه جمهوره، لأن جمهوره يعرف زيفه وخداعه، وأن هذا الفصل منذ
تسعين حجة يعود ويعود وتحفظه الجماهير التي أصبحت جامدة لا يحرك فيها ساكناً، وهنيئاً لهذه الجماهير النائمة التي لا تتحرك، ولعل الصحوة تعقب هذا الرقاد لأن
الرقاد هنا والجمود هنا علامة من علامات إدراك الزيف وإدراك الزيف هو أدل
دلائل اليقظة.
أما القصيدة الثانية فهي «دمعة على أطلال سربنتسا» للشاعر فيصل محمد
الحجي، وهي قصيدة معبرة حمّل فيها المسلمين مسؤولية ما حدث لهذه المدينة من
حصار وقصف شديد، إذ لم يحفظوها كما يحفظ الحر الحرة بالدم، وأراد أن يثير
فينا النخوة وحمية الإسلام، وحق الأخوة وواجب النصرة، بتعييرنا من طرف خفي
بتقاعسنا، ولمح لنا بأننا لم نفعل كما فعل هارون والمعتصم بالروم وتذكيرنا
بتاريخنا هنا ليس يقصد منه الشاعر إعلامنا بأن هارون أو المعتصم قد هبا يوماً
لنجدة مسلمة أو مسلم استغاث بهما أو احتاج إلى عونهما، فهذا خبر نقرأه في
مقرراتنا المدرسية الأولى، لكنه أراد أن يعيرنا بتقاعسنا، وأن يعقد مقارنة بين
ضعفنا الراهن ووهننا القائم، وبين قوة وشهامة أسلافنا، فيذكر (هارون الرشيد)
مقابل (نقفور) حيث يجعل من الرشيد رمزاً للقائد المسلم وللرئيس المسلم ذي النجدة
والشهامة الذي يشعر بأنه مسؤول أمام الله ومحاسب على ذلك إن فرط بعدم حماية
مسلم أو مسلمة، حتى ولو كانت في بلد غير إسلامي، ويجعل من من «نقفور»
رمزاً للصليبي الغربي المعتدي على حرمات المسلمين وأوطانهم، فإن كان الرشيد
حياً أدبه وعلمه كيف تصان حريات المسلمين وأراضيهم، وإن كان الرشيد ميتاً
صال «نقفور» وجال وانتهك الحرمات، وجبا الأموال منا بطرق متعددة،
وعجزنا أن نفعل شيئاً رغم كثرة عددنا وعتادنا، ووجدنا أن الملجأ من هذا كله إلى
مجلس الأمن نعرض فيه قضيتنا، وجعلنا منهم الخصم والحكم في الوقت نفسه.
والقصيدة في جملتها قصيدة معبرة جياشة تصلح أن تلقى، ولو ألقيت لكانت
أشد أثراً على المتلقي من مجرد قراءتها، على أن هذا الأثر قوي على قارئها،
وهي قصيرة تحمل رسالة خيرة، ونقول لشاعرنا الحجي:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
وليسمح لي الشاعر محمد البراهيم على عدم قراءة قصيدته «ذكرى العبور»
رغم استحقاقها للدراسة والقراءة، فهي قصيدة لا تقل عن أخواتها إن لم تفق بعضاً
منهن، لكن ضيق الوقت لم يسمح لي بذلك من ناحية وشعوري بأن القصيدة تحتاج
إلى وقفة أطول تنصفها، وتقدمها للقارئ تقديماً يليق بها من ناحية أخرى، ولعلي
في قادم الأيام أتمكن من قراءتها.
أما قصة عبد الحليم البراك فقد كتب قصة طريفة عنوانها «شيء لم يحدث»
اختصر كل أحداثها في هذا العنوان السهل، والقصة واقعية عرضها عرضاً فنياً
موفقاً ليس فيها تكلف بعض القاصين، ولم يحاول أن يدخل فيها فضولاً كما يفعل
بعضهم، وإنما حبكها حبكة محكمة، وكل حلقة من حلقاتها تستطيع أن تكملها بقولك
«وكأن شيئاً لم يحدث» .
إن بطل هذه القصة وإن كان يرقب جدار صمت قد امتدت قامته حتى الأفق
يثنيه هذا الجدار من أن يعانقه، فهناك «فتحة علوية تكاد تختفي في ثنايا هذا
الجدار الشامخ.. ثمة نور ضئيل منها» ، وعلى صعوبة الأمر حيث الجدار يعانق
الجدار، وهذه السلسلة الحديدية التي لم تستطع أن تثقل أنفاسه الحرة داخله «، فإن
هذا لا يمنع من الفرحة» وكأن شيئاً لم يحدث «.. إن هذه القصة تروي أحداث
شاب محاصر لكنه لا يستسلم لأنه ينظر إلى كل شيء دون ما يأبه لعواقبه» وكأن
شيئاً لم يحدث «.
أن القصة لا تحتاج إلى تأويل أو تخرص، وإن كان القاص حاول أن يشغلنا
عن تقريرية القصة ببعض الإبهام مثل قوله:» ألقها «دون معرفة عائد الضمير،
وهذا مما يشوق القارئ لمحاولة معرفة على ماذا يعود الضمير، ومثل» ثمة جموع
وقحة «ما هي هذه الجموع؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات التي طرحها القاص
وهي التي جعلت من قصته عملاً أدبياً جيداً تظهر في مكان آخر حين» يتمخض
عن انفجار مدو يحصد أربعة من ذوي الأكتاف المذهبة فأكثر من عشرة قد زينت
أذرعهم الوقحة بشرائط خضراء «، هؤلاء الوقحون يسميهم المحلفون والمحاكمون
بأنهم» أربع حمامات «، ولا يخفى ما لهذه المفارقة من أثر فني رائع.
كل هذا يحدث لكنه بالنسبة له» كأن شيئاً لم يحدث «، إن لدى القاص ملكة
فنية استطاع من خلالها أن يوظف عبارة» وكأن شيئاً لم يحدث «في أربعة
سياقات من القصة، كل عبارة توحي بمعنى جديد وبمعنى مغاير، إن هذه الكلمة
السحرية» وكأن شيئاً لم يحدث «هي كل شيء في هذه القصة، هي عنوانها وهي
بدايتها وهي نهايتها، وهي عقدتها، وأحسب أن هذه الكلمة السحرية» وكأن شيئاً
لم يحدث «تكفي الأخ القاص عبد الحليم البراك أن تضعه في عداد القاصين ذوي
الطرح الملتزم والقدرة الفنية.
وأخيراً فلقد حرصت على أن أتناول قصة الدكتور الحضيف» حدث في
السوق «إلا أن الدكتور مصطفى بكري قد قرأها قراءة لا أرى عندي عليها من
مزيد.
стр. 1755
المسلمون والعالم
على أطلال اليمن:
المجد لكرسي الحكم !
د. عبد الله عمر سلطان
مع تصاعد موجة عدم الاستقرار والحروب المصغرة على مستوى العالم بدا
واضحاً أن الشعارات الفضفاضة كالنظام العالمي الجديد، وزوال خطر الحرب
النووية، وانتصار الديموقراطية النهائي (بصورتها الغربية) ، ونكتة نهاية التاريخ
وبزوغ فجر السلام المزعوم ... لا يمكن أن تغطي سوأة الأحداث الملتهبة والإفلاس
الذي تشهده الساحة السياسية الدولية، أو أن تحجب كساح الأمم المتحدة التي لا
تحمل من اسمها سوى الرسم، ومن مضمونها القبيح إلا هامة بطرس غالي وسمعته
المثيرة للغثيان.
وفي هذا الخضم الفوضوي والدوائر المتلاقية، أخذت مراكز الدراسات
الغربية تبحث باهتمام عن ظاهرة مثيرة للجدل: وهي مستقبل اليسار في العالم
لاسيما النصراني منه، ففي المجر أزاح الناخبون الحكومة الليبرالية الديموقراطية
التي خلفت نظام الستار الحديدي الشيوعي؛ ليقفز الشيوعيون مرة أخرى إلى
السلطة، بينما يتوقع أن يشهد العالم الحالي عودة قوية لليسار في أوربا لاسيما
ألمانيا، حيث يسعى الديموقراطيون الاشتراكيون إلى الوصول للحكم، في الوقت
الذي يظهر أن حزب العمال البريطاني في طريقه إلى إسقاط حكم المحافظين الذي
لايزال يحكم لعقد ونيف؛ ليزيل أسطورة التفوق اليميني في المجتمعات «الأنجلو
سكسونية» كما حدث العام الماضي في كندا ومن قبلها الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد أظهرت نتائج الانتخابات الأوربية هذا التوجه، حيث سجلت الأحزاب
ذات التوجهات اليسارية تفوقاً واضحاً لاسيما في البلدان التي تحكمها الآن أحزاب
يمينية ومحافظة، لكن هذا الصعود الظاهر لا يمكن أن يخفي في طياته بعض
الملاحظات الجوهرية وأهمها أن اليسار اليوم هو يسار يختلف في ملامحه وتوجهاته
عن يسار الستينيات، حيث خفت حدة الطرح السياسي وأخذ اليسار الحالي يتجه
كثيراً نحو الوسط، لاسيما في طروحاته الاقتصادية هذه الطروحات في حد ذاتها
تجعله اليوم يؤمن أكثر بقداسة السوق وآلياته بعد أن كان يلعنها ويمقتها ويصنفها
على أنها من آثار الإقطاع والرجعية، وهو بإضافته قضية البيئة والمخاطر المحدقة
بها شَكّلَ نقاط جذب وكسب بعد أن أصبحت مشكلة البيئة ملحة لاسيما في أوروبا
المكتظة سكانياً والمعادية بحكم وثنيتها للطبيعة في خضم معركتها معها لقهرها
وإذلالها، وإضافة إلى هذه الملاحظة فإن المرء لا يمكن أن يتجاهل تراجع اليسار
الحاكم في دول كفرنسا وأسبانيا على سبيل المثال، حيث شكلت النتائج الأخيرة
مصاعب جمة ليسار لايزال يتربع على سدة الحكم.
كل هذه العوامل تجعل أنصار الدورة التاريخية لتفسير الأحداث وتشريح
الجسم السياسي ينتشون، وهم يوظفون هذه السلسلة الحاشدة من الأحداث للتدليل
على نجاح نظريتهم القائلة: بأن الغرب منذ القرن الماضي يشهد دورة كل ثلاثين
سنة، ينقلب فيها الناخبون من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار بعد أن
يفرغ كل جيل من هذا الطرف أو ذاك برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي،
وأن هذا التوازن حفظ لأوربا الغربية وأمريكا التوازن المطلوب لتكريس الهيمنة،
وتجديد الدم المطلوب لخوض معركة الهيمنة الدولية.
إن اليسار هو نتاج وإفراز متراكم للتجربة الغربية، لذا فإن دوره في الحياة
الغربية مفهوم، كلما شعرت المجتمعات هناك بأن «اليمين» قد استنفذ طاقاته
وأفكاره، واليسار هناك لا يكف عن تطوير شعاراته ونظرياته وممارساته في سبيل
«المصلحة القومية» ، وهو في سبيل هذا لا يتجاهل مثلاً مكونات الحضارة التي
ينتمي إليها، أو يتعامى عن صعود الشعور الديني الملتهب في العالم والغرب وإذا
استثنينا ديناصورات الماركسية المتحجرة، فإن بإمكاننا القول أن اليسار الأوربي
من خلال الأمثلة الحاكمة في أوربا وأمريكا لا يخفي عداءه المتأصل للإسلام وأهله،
وإن أضاف إلى نظريته العدائية بعض الأطر الفلسفية المطلوبة.
لقد أردت باستعراضي هذا الدخول إلى موضوع مهم هو «دور اليسار
العربي في واقع الحياة العربية الحالية وتراكم السحب الداكنة التي تلف حاضرنا»
فقد وصلت الأمة إلى شفا الجرف الماثل بعد سلسلة طويلة من عملية الاستلاب
السياسي والعقائدي والاقتصادي، وجاءت مأساة اليمن لتبرهن لنا جميعاً على أن
التشرذم لا حدود له، والمؤامرة لا نهاية لها، والتوجس القائم من المخاطر القادمة
له ألف سبب يبرره، لقد ضربت اليمن مثالاً؛ لأنه نموذج يستحق الفحص ومأساة
تفرض نفسها مع استمرار النزف والدم المراق والحلم المتهشم وتساءلت عن دور
التيارات العلمانية واليسارية بخاصة في صنع هذه المأساة حيث يبحث الغرب عن
دور لليسار يلعبه، بينما كان اليسار الشيوعي في عالمنا العربي ينقلب ليتحول إلى
«إنزيم» مضاف إلى التفاعل المفزع في اليمن ليحولها إلى ساحة ترتفع فيه
الحناجر بشعارات براقة تختلط بواقع مزري؟ !
ويسار اليمن مثالاً:
وقد يقول قائل: إن الأزمة اليمنية والحرب الأهلية القائمة هي من صنع
القبيلة الحاكمة التي تختفي تحت رداء الحزب، وتسكن القصر الجمهوري وترفع
شعارات الوحدة، بينما تتعاطى القات السياسي، وتسعى في نفس الوقت إلى
استثمار حماس الدعاة وطيبة الإسلاميين وتعاطف الشارع معهم، ليخوضوا معركتها
ويفصلون جهاداً على مقياس المرحلة، وإن الاشتراكيين في جنوب اليمن بتوجههم
الانفصالي يحمون شعبهم وثرواته من نزوات الحكم الشمالي وقد يبدأ هؤلاء بسرد
مساوئ النظام في الشمال، وما أتت به الوحدة من مآس وأضرار على الشطر
الجنوبي السابق، ونحن حين نحصر التسلسل في هذا المقال حول دور اليسار
العربي في المثال اليمني، قد نضطر إلى الاستشهاد بواقع أو مشهد ماثل الآن، لكن
ليس الغرض هنا تحليل الحرب الأهلية القائمة أو الممارسات السياسية هنا وهناك،
بل الغرض إلقاء الضوء على ممارسة اليسار العربي لاسيما في اليمن خلال الأزمة
المحتدمة هناك.
يدعي الماركسيون منذ قديم الزمن أنهم وحدويون حتى النخاع ومستشهدون في
سبيل يمن واحد، ويكفي للتدليل على ذلك أن تتأمل قائمة الأحزاب اليمنية التي
نبتت بعيد إعلان الوحدة والتعددية الحزبية، لتجد أن كلمة «وحدوي» أو
«وطني» أو «موحد» أو «اتحادي» تشكل العامل المشترك بينها، حتى إنك تكاد تخلط بينها من شدة التشابه.
واليساريون في اليمن ليسوا مقصورين على الحزب الاشتراكي في الجنوب،
بل إن أحزابهم «الوحدوية» في الشمال أكثر بسبب الانفتاح السياسي الذي لا
يخشى من تجمعات سياسية كل رصيدها بضعة يساريين حالمين، ومقر مستأجر،
وخط تليفوني ومطبوعة لا يقرأها إلا مصحح المطبعة وأعضاء الحزب الطليعي،
ورصيد طبعاً يصب فيه حساب يتضخم مع كل دور يلعبه الفتيان اليساريون
الوحدوين التقدميون! !
ولا شك أن الاشتراكيين الجنوبيين هم أكثر التيارات اليسارية تطرفاً في قضية
الوحدة، فالحزب ظل لأكثر من عقدين يحلم بالوحدة، ويجعلها هدفه الأسمى
وقضيته التي لا تقبل المساومة، وحين شكلت الوحدة مخرجاً من المأزق الناتج عن
انهيار الاتحاد السوفيتي ووسيلة لتحسين سمعته البالغة السوء في المنطقة (حارب
جيرانه السعوديين والعُمانيين والشماليين ثم التفت إلى الرفاق فأوقع بهم مجزرة لا
تقارن بشاعتها بالحرب الدائرة الآن) ، لم يتردد الوحدويون الاشتراكيون في تبنيها
دون أن يكون للشعب في الجنوب أي رأي أو مشورة وبخاصة أنهم قطيع من
المتخلفين الذين فشلت الثورة في جعلهم من بلوريتاريا الحزب..!
وما أسرع اللحظات التي تمر فإذا الحزب اليوم ينادي بالانفصال ويقاتل من
أجل التشطير، ويهرب قادته من العاصمة إلى المدينة الساحلية الرجعية «المكلا»
لكي يكملوا ما بدؤوه من مخطط الدولة التي يستطيعون أن يستمروا في حكمها، بعد
أن رأوا لعبة الكراسي الموسيقية تقذف بهم خارج المنافسة في ظل منافسين
محترفين في الشمال.
لقد نسف الحزب ورموزه الفارين كل البرامج والشعارات والأحلام الوحدوية
التي طالما تغنوا بها، وأصبحت كلمة وحدة تثير لديهم حساسية في الصدر، وحكة
في الجلد، وتهيجاً في الأعصاب، وغدت كل المصطلحات الثورية والوحدوية
جريمة لا تغتفر بين الرفاق اليساريين، في الوقت ذاته بدأ اليساريون في الشمال
من ورثة الشعارات الوحدوية إزاحة منافسيهم في الصناعة الوحدوية والسوق
الاتحادي، كل ذلك يتم باستخدام نفس المصطلحات الثورية التقدمية اليسارية.
قام الاشتراكيون في الجنوب بثورتهم في سبيل «الكادحين» ومن أجل إنهاء
الإقطاع، وإطفاء نار الاستغلال الطبقي الذي كان يمارسه السلاطين وأصحاب
النفوذ ممن يسمون «بالسادة» والسيد هو الذي ينتهي نسبه إلى النبي -صلى الله
عليه وسلم- وينتشر جل هؤلاء السادة في الجنوب حيث يشكلون طبقة من علماء
الصوفية التي تمارس شعوذتها باسم الانتساب إلى آل البيت، لقد صمم الشيوعيون
في الجنوب على أن الدين وأتباعه لاسيما السادة هم عدوهم الأول ولاسيما «رابطة
أبناء الجنوب» التي كان السادة يتسترون من ورائها ويمارسون من خلالها نشاطهم
السياسي، ومع الردة عن المبادئ الأولى شكل الجنوبيون المنفصلون دولة يرأسها
سيد من هؤلاء السادة (البيض) ، ويرأس حكومتها سيد آخر (العطاس) ، ويدير
أمورها في الواقع رئيس الرابطة الصوفية السابق (الجفري) ، وتجمع عدداً لا بأس
به من سادة آخرين، حتى إن الشارع الجنوبي أسماها «دولة السادة» .
ترى هل هذا تكفير عن اثم الماضي أم جواز سفر مطلوب لإثبات رجعية
النظام وقدرته الفائقة على الرقص في حلبة الدراويش، وإثبات للجدية في الانقلاب
من متطرفين ماركسيين إلى رجعيين يخدرون المريدين بهجمات الأقطاب وكرامات
السادة الذين طلقوا كل مبدأ ومعتقد؟ !
وإن كان الشيوعيون الملاحدة في الأمس يعادون المشايخ التقليديين فإنهم ظلوا
بالأمس، ولايزالون يرفعون لافتة ضخمة تقول إنهم ينادون بالدولة العصرية التي
لا تتحكم فيها القبيلة كما هو الواقع في الشمال، ويتباهون دائماً بأنهم قضوا على
القبلية نهائياً في الجنوب، فهل هذا صحيح؟ !
الواقع يقول إن اليساريين شمالاً أو جنوباً قد ارتدوا وتشرذموا وانقسموا حسب
قانون القبيلة والقبيلة وحدها، فالشمالي لاذ بحصن الفخذ، والجنوبي الشيوعي
السابق أصبح أكثر مناطقيةً ورجعية من خصومه، ويكفي أنه تحالف مع قبائل بكيل
في الشمال، ومد يده إلى قبائل «شبوة» و «حضرموت» بعد أن حطم كياناتها،
وسحلها لمدة عقدين، وبات الجميع يرون أنه لا فرق بين الجمهوريين الوحدويين
الذين وظفوا العامل القبلي بذكاء، واليساريين السابقين الذين يحاولون أن يطبخوا
وجبة قبلية باستعجال جعلهم يقدمون وجبة سريعة عسرة الهضم، صعبة الفهم.
ويتهم الماركسيون القدامى ومومياوات العصر الشيوعي في اليمن الحكم في
صنعاء بأنه صاحب علاقات قوية بالإسلاميين المتطرفين، وأنه احتضن الخارجين
على القانون والإجماع العربي! ! والواقع يقول إن هذه هي أهم الأوراق التي لا
يكف قادة الجنوب من التلويح بها كلما حاصرتهم الحقائق وأعياهم الواقع المتناقض،
لكن مهلاً فهؤلاء الماركسيون تحالفوا مع قوى متطرفة تدعي العمل الإسلامي مثل
«حزب الحق» الزيدي المرتبط بإيران الدولة صاحبة الباع الطويل في التآمر والإرهاب، ومع هذا لم يعتبروا هذا التحالف الذي استمر طوال فترة الوحدة وحتى قبيل اندلاع المعارك، نوعاً من التطرف أو الأصولية أو الرجعية!
وما دمنا نتحدث عن الرجعية فيكفي أن نتأمل أن الشيوعيين قرروا أن
يتحالفوا مع أكثر الفصائل الحاملة للراية الإسلامية ارتباطاً بالنظم المنقرضة، فقد
تحالفوا مع الأحزاب الصوفية الخرافية البائدة، ومع أتباع النظام الإمامي الزيدي
المتلاشي، وربما دأب الماركسيون على جمع شتات كل الفرق التي تسير في درب
الانقراض وفلك النسيان.
وظل الماركسيون يعتزون بتحالفهم مع الدول التقدمية في أنحاء العالم لاسيما
(صين ماو وشيوعية موسكو) مقابل اتهام أعدائهم بأنهم صنيعة الاستعمار الغربي،
لاسيما قائدة الاستعمار العالمي (أمريكا) ، كما أن للزمن أحكاماً وللشيوعيين منطق
عجيب وقانون انقلاب مخيف، فقد أصبحت صداقة أمريكا والغرب لهم إنجازاً،
والتفات مجلس الأمن لهم الذي طالما كالوه أقذع الشتائم أصبح وعياً وتحضراً،
وأصبحت الزيارات العلاجية لأمريكا وأوروبا مسابقة يتنافس عليها الأمين العام
للحزب مع منظر الحزب مع فراش الحزب ... الحزب عرف الطريق يا سادة إنه
يبدأ في شارع بنسلفانيا وينتهي بمبنى الكونجرس، ومن سبق فاز..!
لقد غدت مفردات اليسار العربي سهلة الفهم، فهي تساوي اليوم نقيض ما قام
عليه هذا التيار وما استورده قبل عقود، ويكفي أن تنظر إلى الموقف قبل عشرين
عاماً أيام النضال الثوري، والمد القومي، ثم تنظر إلى موقف اليمين الرجعي،
لتخرج بموقف اشتراكي اليوم وشيوعي الحاضر، إن مفردات الخطاب السياسي
هي مفردات الرجعية السابقة مضروبة بالأس ثلاثة.
لقد كانت الدولة الشيوعية في جنوب اليمن مثالاً للتطبيق الصارخ للماركسيين
في جميع أنحاء العالم، أما في الغد فلا يستبعد أن يقيم هؤلاء قبة للسيد البيض تحج
إليها القبائل ويرقص بجانبها الدراويش، وتقوم بتمويل الرحلات السياحية إليه
شركة أمريكان إكسبرس بالتعاون مع فرع الحزب الاشتراكي في المنطقة.
ولكم أن تتأملوا اليسار في محضنه الغربي، وهذا الخبل السياسي الذي يصر
على أن يقيم كرسي حكمه على جماجم البشر وهياكل الشعارات والمبادئ المفلسة،
بينما يغذي جنونه وشبقة شوق عارم للسلطة والنفوذ، ورغبة جامحة للوصول إلى
كرسي الحكم، حتى لو أريقت الدماء، وأزهقت الأوراح ومورس الدجل السياسي
بصورة تدعو للخجل، لو كان هناك خلق فضيلة، أو خصلة حياء.