قصة قصيرة
درس الشيخ
د. محمد الحضيف
يداوم على حضور درس الشيخ عبد الهادي في مسجد (الحكمة) وحينما يعود
إلى البيت، بعد الدرس، يسأله أهله عن الدرس، فيرد بشيء من الانفعال: هل
الدرس طبق من الأكل أو قطعة ملابس، حتى أعطيكم رأيي فيه؟ !
إنه يرى كل الحضور يهزون رؤوسهم أثناء الدرس، وبعد خروجهم من
المسجد يتحدثون في مواضيع لا علاقة لها بالدرس مطلقا، يذكر مرة أنه أراد
مناقشة بعض الحضور فيما تحدث عنه الشيخ، فوجد نفوراً، ثم مال عليه أحدهم
وهمس في أذنه: من (الحكمة) أن لا تناقش ما يقوله الشيخ، إن الشيخ عبد الهادي
يكره أن يؤوّل كلامه، فهو حينما يقول إن التلفزيون حرام، لا يريد أن تذهب بأحد
الظنون، فيعتقد أنه يتهم مدير التلفزيون، أو السياسة التي تقوم عليها برامج
التلفزيون، أو حتى برامج التلفزيون نفسها، إن الشيخ عبد الهادي يؤثر (الحكمة)
في قوله وعمله، ولذا فهو يكره (المواجهة) ، ويكره كذلك أن يواجه أحداً بخطئه.
تلاميذ الشيخ عبد الهادي كلهم على هذه الشاكلة، مرة حضر لأحدهم خاطرة
ألقاها بعد الصلاة في مسجد في أحد الأحياء الفقيرة، كان موضوع خاطرته «أولئك
الذين يأتون إلى المسجد بثياب ممزقة وغير نظيفة» ، واشتد في تأنيبه لهم، مردداً
قوله تعالى: [يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد] . بعد الخاطرة رأى أن
يناقشه فيما تحدث عنه، فقال له: كيف تطالب هؤلاء الفقراء المعدمين بثياب نظيفة؟ ألم يكن من الأولى أن تحدثهم عن العدالة الاجتماعية في الإسلام حتى تعزيهم على
الحال التي هم فيها؟ فرد عليه مستنكراً: كأني أشم في كلامك طروحات
الاشتراكيين، أو بعض أفكار فلان وفلان، وبالمناسبة فالشيخ عبد الهادي لا يرى
أن من (الحكمة) الترويج لمثل هذه الأفكار.
في إحدى المرات رأى وجهاً غير مألوف يحضر لأول مرة درس الشيخ لقد
بات يعرف كل الذين يحضرون الدرس، بعد أن أنهى الشيخ حديثه وهم الجميع
بالانصراف، تكلم الشخص الغريب فجأة على غير عادة الحضور فقال: يا شيخ،
أنت تكلمت فقلت من (الحكمة) أن لا تفعل كذا ومن (الحكمة) أن تفعل كذا، ثم
ذكرت حديث الأعرابي الذي دخل وبال في المسجد قبل سنتين، وها أنذا أحضر
درسك الآن، ومازلت لم تبرح حديث بول الأعرابي، يا شيخ، لقد حضرت درس
الشيخ عبد الرحمن في مسجد (الحزم) قبل أسبوعين فذكر حديث «سيد الشهداء
حمزة» ، وحضرت درسه الأسبوع الماضي، وكان موضوعه «الأمة في
ظل النظام العالمي الجديد» ، وموضوع درسه اليوم «شيخ الإسلام ابن تيمية مُصلحاً» .
دارت عيون الحاضرين، واشرأبت أعناقهم إلى هذا الواقف يجادل الشيخ،
بعد هول المفاجأة التي عقدت ألسنتهم، قال له أحدهم: ليس من (الحكمة) أن
تخاطب الشيخ بهذه الطريقة، فأجاب الشاب: وهل من (الحكمة) أن يخدركم بهذا
الكلام منذ أكثر من خمس سنوات؟ قالها، ثم استدار منصرفاً.
حدثت حالة من الهرج، وتعالت الأصوات، منها ما يستنكر التصرف ومنها
ما يتساءل، أما هو فقد انسحب بهدوء وخرج من المسجد ولحق بالشاب واستوقفه،
ثم سأله قائلاً: أنا أعجب من أمرك، كيف قدرت أن تجادل الشيخ؟ لقد أخبروني
أن من (الحكمة) ألا أسأله، وحينما سألت بعضهم عن رأيه في الدرس، قال لي إن
الدرس ليس أكلاً أو ملابساً حتى يكون لنا رأي فيه، ثم أريد أن أسألك: من هو
الشيخ عبد الرحمن الذي تحدثت عنه؟ وأين مسجده؟ قال الشاب: هل تود أن
تحضر درسه؟ فرد بالإيجاب.
في الأسبوع التالي كان في مسجد (الحزم) يستمع للشيخ عبد الرحمن الذي كان
يتحدث عن «دور الشباب في الدعوة إلى الله» ، كان الشيخ عبد الرحمن يقول:
«إن المجتمع يهدد وجوده الفساد، لقد غدا حال الناس والفساد يحاصرهم من كل
جانب، كحال قوم حشروا حشراً في نفق مظلم فهم يتخبطون، يحتاجون دليلاً
يقودهم خارج النفق، والدليل يحتاج شعلة تهديه في هذا الظلام، إن الشاب الملتزم
هو الدليل، وإن الدعوة هي الشعلة، لكن الدعوة أمرها خطير، ومن ضروراتها
الامتحان والابتلاء، ومن لوازمها صنوف من البلاء كثيرة، منها الموت والسجن
والاضطهاد، مصداقاً لقوله تعالى: [أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم
لا يفتنون] ، إن الفساد الذي يعصف بالمجتمع أضعاف الظلمة التي تلف النفق،
وإن دون الشعلة لهباً مضطرماً فلا يصل إليها إلا أولو العزيمة الصادقة، كما أنه لا
يصبر على بلاء الدعوة إلا أصحاب الهمم العالية الذين يستلهمون الدرس من معلمهم
الأول محمد ﷺ ،» والله يا عم لا أترك هذا الأمر حتى يظهره
الله أو أهلك دونه «.
أخذت كلمات الشيخ عبد الرحمن بلُبّه، وطفق يحدث نفسه: هذا ما كنت
أبحث عنه، لكن الشيخ حيرني حينما قال خذ الشعلة لتقود الناس، أي اقبل أن
تحمل الدعوة، ثم يعود فيقول إن دون الشعلة لهباً مضطرماً، والدعوة محفوفة
بالابتلاء.
بعد نهاية الدرس ذهب إلى الشيخ وسلم عليه بحرارة، ثم طرح عليه تساؤلاته
وحيرته، مال عليه الشيخ وقال: خذ الشعلة.. واحذر اللهب، ثم أضاف وهو
يبتسم: أراك ثانية.
стр. 1752
نصوص شعرية
جمرة في الدماغ
عبد الوهاب الزميلي
في حريق الفكرة (المخدّرة)
غشي العينَ دخانٌ
فبدتْ ثم اختفتْ!
والدماء اتقدتْ
ضاقت الجدرانْ بالجمر المذابْ
يتلوّى في مساريب اللهبْ
وتنادتْ تطرق الرأسَ..
حروفٌ من حرابْ
وتلفّفتُ بجلدي
عند رأس القنطرةْ
أرقب الأسرابَ
يخفيها الطلبْ!
وضممتُ باليدينْ..
رأسي المخبأ! ما أقسى الصخبْ! !
وبدتْ بين التلافيف تعومْ
أيّ زوج يا حروفَ الفتح تدنو!
بورك العرسُ فهاكْ:
وانتشلت الغادةَ الحسناءَ..
من بين الدماءْ
ثم ألفيتُ يدي تغسلُها فوق الجبينْ
وإذ النار سلامٌ
ولهيبُ الحرفِ
ماءْ! !
стр. 1753
من الأدب السياسي
كوميديا السلام الحامض
ما وراء " الكوابيس " [*]
زياد الدريس
١- تأبين:
وكالات الأنباء / وكالات السفر والسياحة:
تم ظهر يوم (١٣ سبتمبر ١٩٩٣ م) في البيت الأبيض «إنهاء» القضية
الفلسطينية، حيث أجريت مراسم التوقيع على «حلها وإنهائها» وسط أجواء
«مقدسة» ! ساهم رابين في تأجيجها من خلال تلاوة آيات توراتية من سورة «الانتصار» ، تلاه عرفات بتلاوة آيات عربية من سورة «الهزيمة» !
٢- نسوة في السياسة:
الذين خطبوا أو صرحوا أو كتبوا عن اتفاق السلام بنشوة واحتفالية كانوا لا
يمرون في حديثهم على معارضي الاتفاق إلا ويوسعوهم تسفيهاً وجلداً لموقفهم من
الاتفاق أياً كانت المعارضة فلسطينية أو عربية وكأنهم يصادورن المعارض وبالذات
الفلسطيني في التعبير عن رأيه في وطنه! بل ويتهمونه بالنفعية أو الطوباوية.
ثم ما يلبث هؤلاء المحتفلون في نهاية حديثهم القمعي حتى يكرروا تلك المقولة
الجديدة في قاموس الصراع العربي/الإسرائيلي: فلسطين شأن فلسطيني،
والفلسطينيون وحدهم هم الذين يقررون مصيرهم ومصير وطنهم!
(ما أشبه هؤلاء المثقفين بتلك المرأة التي تلوك عورات جيرانها واحداً تلو
الآخر، ثم تختم مائدتها بقولها: ما لناش دعوة! !) .
* إذا كان هذا موقفكم، فلماذا تؤيدون الاتفاق أو تعارضونه؟
* إذا كانت هذه قناعتكم، فلماذا تقفون غصة في حلوق المعارضين دون
المؤيدين؟
* إذا كانت هذه فلسفتكم، فلماذا تتكلمون؟ !
* أما أنا فمازلت أؤمن بتلك المقولة التي علمتمونا إياها من قبل أيها المتكلمون، إن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين جميعاً.
* هل تذكرون هذه العبارة / العهد، أنا لم أكفر بها حتى الآن، ولهذا فمن حقي
ومعي المؤمنون الآخرون بها أن نتكلم عن فلسطين.. أما أنتم فلا.
٣ -قال قائل منهم:
قبل طرح أي مشروع أو قرار سياسي عربي، ثق ثقة تامة أن الموقف منه
حتى قبل الاطلاع عليه وتداوله سيكون على النحو التالي:
سيقول المثقفون القوميون: نعم لهذا المشروع، من منطلق السعي نحو
تسوية الواقع العربي، ورفض «المزايدات» !
سيقول المثقفون الإسلاميون: لا لهذا المشروع، من منطلق السعي نحو
تأمين المستقبل العربي ورفض «المناقصات» !
سيقول المثقفون الفلسطينيون: نعم إذا قالت حكوماتهم: نعم، ولا إذا قالت
حكوماتهم: لا، من منطلق: وهل أنا إلا من غزية ... ولقبض جميع
«المزادات» و «المناقصات» ! !
إذاً: القوميون ينظرون إلى «اليوم» لأنهم يبحثون عن الاستقرار
الإسلاميون ينظرون إلى «الغد» ، لأنهم يبحثون عن النصر. السلطانيون
ينظرون إلى «الأمس» لأنهم يبحثون عن مواقف بطولية / خرافية كي يدرجوها
في مشروع «مذكرات سيادة السلطان» !
٤ -وطن على الريق:
آنذاك، حين كانت الشعوب العربية تقاتل من أجل تحرير أراضيها من سنة
١٩٤٨ حتى ١٩٧٣ م، مروراً بكل النكبات والنكسات والنزوات، كان المقاتل
العربي في ساحة المعركة يجرح أنامله ثم يكتب بالدم اسم وطنه على علم بلاده الذي
سيغرسه في ذلك الشبر المحرر!
وهكذا أراد عرفات أن يفعل في ذلك الشبر الفلسطيني الذي حرره في واشنطن، لكن المقام كان مقام سلام لا ينبغي لرائحة الدماء أن تفوح فيه، فما كان من خيار
آخر لممارسة ذلك الطقس الجهادي القديم في هذه الأجواء الحمائمية سوى أن يبلل
عرفات أنامله من «ريقه الناشف» ، ويكتب اسم بلاده على العلم الفلسطيني.
هكذا فعل عرفات، وهكذا ستدوم تلك الفلسطين الجديدة مادام هذا الريق!
٥ -لحية المناضل ومقص الراعي:
أيام كان عرفات مناضلاً ورقياً وقد تحول الآن إلى رئيس ورقي لم يتمالك أحد
الصحفيين أن يكتم الرغبة لديه في أن يسأل عرفات: متى ستتحول طبوغرافية
الوجه العرفاتي من المرحلة البرزخية بين الحليق والملتحي؟ ! .. ومتى سيسلخ
عرفات جلده العسكري، ويلبس بدلة آدمية تنسجم مع نزهاته وعناقاته الدولية؟ !
لم يتوان عرفات في الإجابة، فقد كان ينتظر السؤال منذ قذف آخر موسي
حلاقة، وآخر قميص «تي شيرت» . قال عرفات: ستزول كل هذه الأعراض
«الفيدل كاستروية» حينما تتحرر فلسطين، ويندحر الاحتلال الإسرائيلي عن كل «شبر من أراضينا» .
ومضت الأيام شعرةً شعرةً حتى فتح الناس أعينهم على مشهد (غزة - أريحا)
أولاً، وإذا مساحة المحرر من فلسطين لا تعدل سوى ٢% من مساحة الأشبار
المحتلة. فهل سيحلق عرفات ٢% فقط من لحيته؟ !
وهل سيخلع ٢% فقط من بدلته العسكرية، وليكن الجورب الأيمن أو ليكن
الأيسر، أو كلاهما معاً، فلا اليمين الفلسطيني «المتطرف» ولا اليسار الفلسطيني
«المتطرف» يؤيدان الاتفاق، فما أسعد عرفات بخلعهما معاً!
٦- " ٠٠٠٠٠ ":
مسكينة فلسطين، لقد عاشت وعايشت حقبة طويلة من «المزايدة» ، يوم أن
لم يكن هناك زبون ولا بيع، وربما هي الآن وقد جاء الزبون ليفاوض فإنها تعرض
عبر «مناقصة» فمن يشتري بأقل سعر؟ !
٧- من أشعل الفيروس؟
مرت أزمة الخليج فَطبَعَتْ في الصوت العربي بعامة والخليجي بخاصة خطاباً
قطرياً طامساً لذلك الخطاب القومي الذي كان يطفح في شوارع المدن العربية حتى
قبل الثاني من أغسطس ١٩٩٠م، وكان مدهشاً حقاً ذلك الانقلاب السريع في اللغة
والعلاقة بين العرب، وكان التساؤل الذي يهتك صمت المجالس العربية هو: هل
ستدوم هذه الوعكة القطرية طويلاً؟ أم ستكون كغيرها من الوعكات العربية المتتالية
التي ما تلبث أن تنجلي لتفسح المكان لوعكة جديدة!
مهما كانت التخمينات للوعكة الشفائية القادمة، فلم يكن أحد يتصور أنها
ستكون إسرائيل.
لقد بدأ اللسان العربي يتهجى من جديد اللغة الإقليمية من خلال فكرة السوق
الشرق أوسطية، بمشاركة تركيا وإيران وإسرائيل «فيروس الوعكة الجديدة» .
وفي خضم هذه الأعراض كان يخترق الذاكرة العربية في غيبوبتها المحببة
سؤال نزق: هذه الدول العربية التي اتكأت على شجرة العزلة كأنها لم تأمن بعضها، هل ستأمن إسرائيل على نفسها؟ !
٨- يا «سلام» سلم:
«رفع المقاطعة العربية» .. «السوق الشرق أوسطية» .. «إعادة توزيع
الموارد والثروات في المنطقة» ، السباق الأمريكي/ الإسرائيلي المحموم نحو
تحقيق وإنجاز هذه الإجراءات السلمية بأسرع ما يمكن، يجعلنا نتساءل: هل كانت
عملية السلام هذه منعطفاً أرادته إسرائيل لتغيير الحرب معنا من حرب عسكرية
«باردة» إلى حرب اقتصادية «ساخنة» ؟
٩- النكثة:
إذا كانت الأمة العربية قد مرت في صراعها مع إسرائيل ضمن ما مرت عليه
من قاموس الإخفاق بالنكبة والنكسة في منعطفات صراعها المزمن فإنها الآن تمر
وضمن القاموس إياه بمنعطف جديد يمكن أن يسمى: النكثة!
ففي هذا المنعطف تم نكث كل الوعود والعهود التي عقدت عربياً وعالمياً في
نخب فلسطين:
* استعادة كل الأراضي الفلسطينية «السليبة» .
* طرد دولة إسرائيل «الدخلية» من خريطة العالم العربي.
* المقاطعة العربية التامة مع إسرائيل سياسياً واقتصادياً حتى ينجلي الاحتلال
عن كل شبر فلسطيني.
* إعادة الشعب الفلسطيني اللاجئ والنازح والمهاجر إلى وطنه.
* تنفيذ القرارات الدولية ٢٤٢، ٣٣٨، ٤٢٥، وجميع قرارات هيئة الأمم
التي توشك الآن بجهود أمريكية وإلحاح إسرائيلي وهوان عربي أن تُرمى جميعها
في زبالة النظام العالمي القديم!
١٠- كيمياء السلام:
خرج مشروع (غزة أريحا أولاً) من مرحلة البروتوكولات إلى مرحلة
المنازعات ومطاردة التفاصيل بين متاهات التعميم الذي ساد بنود المشروع في
جانب الحقوق الفلسطينية، ويبدو من متابعة أولية لهذه المطاردات أن تفاعلات
السلام ستعطي المعادلة التالية:
مشروع (غزة - أريحا أولاً) + (لا للقدس) ثانياً + غليان/الفيضان
«غاز» أولاً + ريحة «ثانياً» + مشروع (لا للقدس) + (H٢O) !
١١- قراءات في الفنجان اليهودي:
(إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست
ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مُزقت دولة
الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن) ! !
السلطان عبد الحميد الثاني
(وسرعان ما أدركت أن أسلوب اليهود في الجدل يقوم على قواعد خاصة بهم، وهو اعتمادهم في أول الجدل على بلاهة خصمهم، فإذا لم يتمكنوا منه تظاهروا
هم بالغباء فيستحيل على خصمهم أن يأخذ منهم أجوبة واضحة) !
أدولف هتلر
(تغلغل اليهود في ديارنا.. ونحن راجعون..
صاروا على مترين من أبوابنا.. ونحن راجعون..
ناموا على فراشنا.. ونحن راجعون..
وكل ما نملك أن نقوله: «إنا إلى الله لراجعون» !)
نزار قباني
(أخي إن ضج بعد الحربْ ... «يهودي» بأعمالهْ
وقدّس ذكر من ماتوا ... وعظم بطش أبطالهْ
فلا تهزج لمن ساروا ... ولا تشمت بمن دانا
بل اركع خاشعاً مثلي ... لنبكي حظ موتانا)
ميخائيل نعيمة
١٢- الكاوبوي «كلينتون» :
الذين تابعوا تفاصيل الاتفاق وإعلان المبادئ، وحذافير لقاء التوقيع بزعامة
كلينتون، لم يمسكوا بأيديهم سوى حقيقة واحدة مفادها: لقد كان كلينتون «راعياً»
بحق!
стр. 1754
مراجعات أدبية
قراءة نقدية في البيان الأدبي
(العدد ٧٦)
أ. د. ناصر بن سعد الرشيد
ينقسم الملف الأدبي إلى قسمين: القسم الأول النصوص الإبداعية من شعر أو
قصة أو مقالة، والقسم الثاني دراسات أدبية أو قراءات نقدية، وسأبدأ بالقسم الثاني
من الملف المنشور في العدد (٧٦) ، فقد كتب الدكتور مصطفى بكري السيد تحت
عنوان «مراجعات أدبية: رؤية في القراءة النقدية» ، وبدأها بتعريفه للقراءة النقدية بأنها: «نظرية القواعد التي تحكم تفسير نص من النصوص الأدبية، يتأكد
فيها دور القارئ بوصفه أحد منتجي النص عبر علاقة تفاعلية تصل القارئ
بالمقروء، لتثمر إنتاج معرفة جديدة تتيح للقارئ توظيفها في إغناء ذاته أو في إعادة
بنائها» .
ولا شك أن هذا التعريف على جماله وصدقه لا يمكن له أن يستوعب كل
تعريفات القراءة النقدية، إذ من المعلوم عند المناطقة أن التعريف يجب أن يكون
جامعاً مانعاً، بيد أن تعريف الدكتور «مصطفى» على كثرة ما استوعب لم يمنع
أن يدخل في هذا التعريف مفردات جديدة ورؤى أخرى، فالدكتور «مصطفى»
انطلق من قانون واحد وهو «العلاقة التفاعلية» كما أسماها، أو «التواصل»
بين المبدع والمتلقي، ومحاولة إعادة بناء النص، بمعنى أن الناقد مبدع، وهذه هي
إحدى نظريات النقد الحديثة، وهي قراءة واحدة من قراءات النص، فالنص لاسيما
الجيد عالم فسيح يمكن أن ينظر إليه من زوايا متعددة، فحيناً يقرأ قراءة تفسيرية
وهي التي أشار إليها الدكتور، وتارة يقرأ قراءة تأويلية، ولعل هذه القراءة هي
القراءة السائدة اليوم، وهي القراءة الأفسح والأرحب، وتارة أخرى يقرأ قراءة
جمالية فنية، بمعنى أن توظف فيها آلات «اللسانية» وقوانين البلاغة، والنص
الجيد بعد ذلك كله هو ذلك النص الذي «لا تفنى عجائبه، ولا يخلق على كثرة
الرد، ولا يشبع منه العلماء» .
ولقد حاول الدكتور «مصطفى» أن يعطي هذا النوع من القراءة مصطلحاً
إسلامياً فسماها قراءة «التدبر» ، وهو مصطلح في الحقيقة رائع وجامع ومانع
فهو رائع إذ هو مصطلح قرآني يجب أن نحتفل به، وأن نحييه في دراساتنا النقدية
المعاصرة، علنا نستغني به عن مصطلح أجنبي لغربه، فلا ينسجم تمام الإنسجام
مع ما نريد، فالمصطلح الذي لا يحمل ما نريد أن نضع فيه من معاني ورؤى
وحمولات مصطلح ضامر ضعيف، لا يقوى على كثرة الرد ويبلى مع التكرار أو
يكون موهماً لخلاف المقصود، وهو جامع لأنه يجمع كل أنواع قراءات التدبر من
تفسيرية وتأويلية وفنية وجمالية، وهو مانع لأنه يمنع القراءات السريعة المبتسرة
التي لا تتغلغل إلى بناء النص ولا تغوص في أعماقه، فمثل هذه القراءة إنما
تستخرج من النصوص محاراتها وقواقعها، لكنها لا تصل إلى دررها وجواهرها.
لقد ركز الدكتور مصطفى على قراءة «التدبر» تركيزاً انطلق منه إلى حكم
خطير وصائب، حيث قال: «ولكن الذي مات بل في الحقيقة ولد ميتاً وجمهوره
آخذ في التناقص هو اجترار الكلام والفكر المعلب والرؤى القبلية وإخضاع التعامل
مع الإبداع إلى قوالب جامدة منغلقة لتصبح ذات صيغة سلطوية وتسلطية على الفكر
الموضوعي، ويكون سقف الفن عندها هو المقنن الجاهز والسلبي المستهلك» .
ويحذر الدكتور مصطفى من بعض أنواع القراءات التي لا تسبر غور النص
والتي تفتقد شروط قراءة «التدبر» وأنا معه في ذلك وخصوصاً تلك القراءات
المعجمية التي تهمل السياق بأنواعه وما يشير إليه النص، أي تهمل إشارات النص
ومنطوقاته ومخبوءاته، وهذه القراءات قراءة لغوية تصلح للدراسات اللغوية، لكنها
لا تصلح للدراسات النصية الجامعة، ففي هذه القراءة تغيب عن القارئ أوليات
التعامل مع الشعر والأثر الفني بعامة، فهي تمكنه من الإحاطة بالمستوى الإخباري
للنص، ولكنها تحجب عنه المستوى الإشاري وهو ما تزخر به اللغة الشعرية فيما
وراء المؤدى المباشر، والذي يكون نظام العلاقات الدلالية والإيقاعية في النص،
وهو الذي يجعل النص يفلت من الظرف المحدد، ويمتلك القدرة على البث المتجدد
بحيث يخاطب أجيالاً عدة «.
وليس كل نص بقادر على أن يفلت من الظرف المحدد، ويملك القدرة على
البث المتجدد مهما كان قارئه، ما لم يكن هذا النص نصاً عظيماً مثل القرآن الكريم
والحديث الشريف وبعض النصوص الشعرية الجيدة الخالدة، وإلا فإن هناك
نصوصاً مهما حاولت القراءة شحنها أو مهما كان التعامل معها لا يمكن لها أن
تستجيب لذلك لأنها نصوص ركيكة ضعيفة أو معادة، والقارئ مهما كانت قدرته
وملكته النقدية، أو حتى موهبته الإبداعية لا يستطيع بأي حال من الأحوال» نفث
الروح في نصوص ولدت ميتة «، كما أنه لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن
يُنْشر الموتى، لكن إذا اجتمع النص الجيد والقارئ الجيدكان الإبداع نقداً والنقد
إبداعاً، وانفلت النص من ظرفه المحدد، ومن مناسبته الخاصة أو سياقه الضيق
إلى عالم واسع رحب يخاطب كل الأجيال ويخاطب كل الأمكنة ويخاطب كل
الأزمنة، وكذلك هو القرآن الكريم» والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب «.
إن لم نفطن إلى هذا الشمول في تعاملنا مع النص فإننا والحال هذه» نمارس
قتل روح النص في حق النصوص الحديثة والتراثية على السواء، هكذا مانزال
ندرس المتنبي، المادح، ومايزال الموضوع أي سيف الدولة وحروبه محور
شاعريته، ويغيب عنا مناخ القمم الذي يكشف عنه نظام العلاقات اللغوية في شعره، يغيب عنا جواب المتنبي على عصر تقهقر فيه العنصر العربي المسلم ... «
ومثل هذا يمكن أن يقال عن مرثية ابن مناذر لعبد الوهاب الثقفي، ومرثية ابن
الرومي لابنه محمد، فالقصيدتان وإن قيلتا في مناسبتين خاصتين لكن قراءتهما
يجب أن ترتفع بهما عن خصوصية المناسبة (السبب) إلى عمومية اللفظ (الفكر كله
والحياة كلها) ، إذ يمكن لهاتين المرثيتين أن تقرآ على أنهما تحتلان رؤية فلسفية
للموت والحياة وللحزن البشري والمأساة الإنسانية والتساؤل عن ما وراء الموت
وهذه النظرة لا يمكن أن تتأتى إلا بمحاولة استنطاق النصوص، واستكشاف دلالاتها
وإشاراتها» إن هذه القراءة تسير في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ ومن
القارئ إلى النص، فبقدر ما يقدم النص للقارئ يضفي القارئ على النص أبعاداً
جديدة قد لا يكون لها وجود في النص «.
وأختتم قراءتي لما كتبه الدكتور مصطفى بكري السيد بإشارته إلى المشكلة
كلها، وهي مشكلة تنظيم الحياة ونشاطها، وهي مشكلة الفكر، فالمشكلة النقدية هي
جزء من هذه المشكلة، يقول الدكتور:» وأخيراً فإن مشكلة النقد ليست معزولة
عن مشكلة الفكر عندنا، بل إن مشكلة النقد هي مشكلة هذا الفكر أو هي وجه من
وجوهها «.
وفي العدد نفسه كتب الأستاذ محمود مفلح تحت زاوية» نقد على نقد «
موضوعاً اختار له عنوان» نقد ظالم.. ونقد نائم «، وهو عنوان مثير يبعث في
سامعه وقارئه أشتاتاً من الأسئلة، وأحسب أن أبسطها وأقربها متناولاً: ما هو النقد
الظالم وما هو النقد النائم؟ وهل هذا تصنيف نقدي جديد أم هو مصطلح جديد؟
لاسيما ونحن في عصر التصنيفات الجديدة والمصطلحات المستحدثة.. إن الجواب
على هذه التساؤلات وربما غيرها، وما تحدثه من إيحاءات وما تستدعيه من
تفسيرات أو تأويلات، سيظهر للقارئ بعد أن يكمل قراءة هذه المقالة النقدية، فما
يلبث أن يجد الأستاذ محموداً يعني بالنقد النائم النقد الذي يتناول النصوص الإسلامية
(حسب قوله) ، والنقد الظالم هو النقد الذي يدور في» فلك الحداثة والتغريب
والأشكال التعبيرية الجديدة التي يكتنفها الغموض ويشكل لحمتها وسداها اللغز
والأسطورة والسحر و (يفلسفون) لها ويؤولونها ويحاولون جاهدين أن يقنعوا القارئ
بأهميتها وريادتها «، أما أن النقد نائم في رأي الأستاذ محمود فلأن» صوت النقد
في صحافتنا الأدبية الإسلامية ومن أقلام كتابنا خافت جداً «.
وأحسب أن القارئ لما كتبه الأستاذ محمود الذي يعالج نوعين من النقد قائمين
اليوم، وإن كان أحدهما يظهر على الآخر (نقد إسلامي ونقد مستغرب) عليه قبل أن
يسلم للأستاذ محمود أو لا يسلم. أن يعرّف الأدب الإسلامي (أي النصوص
الإبداعية) وما مواصفات كونها إسلامية، وما مواصفات كونها غير إسلامية أو
مستغربة، وما هو المبدع وما نوع إبداعه، وهل للمبدع رسالة وما الفرق بين
الإبداع وبين التعليم، وهل للشكل أثر في كونه إسلامياً أو غير إسلامي، وهل
» الأشكال التعبيرية الجديدة «غير إسلامية؟ . كل هذه التساؤلات ومعها غيرها مثلها أو تزيد يجب أن يجاب عنها من قبل الأستاذ محمود أو من قبلي أو من قبل رابطة الأدب الإسلامي، وأتمنى أن تترك لرابطة الأدب الإسلامي.
وإذا كان الأدب الإسلامي حسب مفهومي الذي اقتبسته من القطبين (سيد
ومحمد) هو باختصار (كل تعبير فني جميل يعبر عن الإنسان وقضيته وعن الوجود
والكون والحياة، وما وراء الحياة، وعالم الغيب والشهادة، تعبيراً لا يخالف
ضوابط الإسلام وأصوله) ، لو أخذنا بهذا التعريف الأولي للأدب الإسلامي لوسعنا
دائرته وأغنينا مجالاته ونفينا عنه الجمود والضيق والقولبة الضيقة، وأخرجناه
» من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة «.
وأذكر أنني قلت في تعليق لي ذات ليلة في ندوة من ندوات الأدب الإسلامي
المباركة، تعليقاً على الأستاذين الفاضلين الدكتور عبد القدوس أبو صالح والدكتور
عبد الباسط بدر، حول رأيهما في تعريف الأدب الإسلامي:» أود أن ننظر إلى
الأدب العربي كله بعد الإسلام على أنه أدب إسلامي، وأن نخرج منه ما خالف
الإسلام على أنه أدب شذ عن منهج الأدب الإسلامي في مضمونه أو في تعبيره،
كما أنني لا أميل مطلقاً إلى تتبع بعض النصوص الأدبية في تراثنا الإسلامي
وإبرازها على أنها نصوص إسلامية، وأن ما سواها ليست كذلك «.
وأعتقد أننا لو أخذنا بهذا الرأي لوجدنا أن جملة نصوصنا الأدبية هي نصوص
إسلامية حتى إذا ما عرضناها على التعريف الآنف، وجدناها تندرج تحته بكل
تواءم وتناغم، ولو أخذنا مثلاً شعر أبي نواس برمته وجملته لوجدنا أن أكثره شعره
يندرج تحت ذلك التعريف للأدب الإسلامي، وإنما خرج من ذلك التعريف إنما هو
شاذ يمثل الأقل، ومثله يقال عن أبي تمام وشعره والتجديد في الشعر شكلاً أو
مضموناً ليس بالضرورة أن يكون غير إسلامي كما أن عدم التجديد في الشعر شكلاً
أو مضموناً ليس بالضرورة أن يكون إسلامياً.
وأحسب أن من الأخطاء التي يقع فيها المنظرون للأدب الإسلامي أن يعتبروا
بعض الأشكال الشعرية الجديدة، أو بعض التعبيرات الشعرية الحديثة التي تحاط
حيناً بالغموض وحيناً آخر بالإبهام أدباً غير إسلامي، أو أدباً يتعارض مع الإسلام،
والنظر هنا والحكم على كونه إسلامياً أو غير إسلامي يجب أن يتوجه إلى المحتوى
والمضمون، ولقد كفتنا أم المؤمنين عائشة ﵁ مؤنة ذلك كله وكأنها
تجيب عن هذا التساؤل بقولها:» الشعر كلام (كسائر الكلام) حسنه حسن وقبيحه
قبيح «.
ولا أكتم أخي الفاضل الأستاذ محموداً أنني في يوم من الأيام كنت مستوحشاً
من بعض النصوص الجديدة ولاأزال أستوحش من بعضها لأنني كنت قد جئت إليها
بتصور مسبق على أنها صورة من صور الهدم، أو وعاء من أوعية الغزو الثقافي، أو وسيلة من وسائل التغريب والاستلاب (وهكذا ينظر في أغلب الأحيان إلى كل
جديد وخصوصاً في المجتمعات المحافظة مثل مجتمعنا) ، بيد أنني بعد أن وطئت
حماها، وخضت حمأتها، وحاولت أن أعقد نوعاً من الألفة بيني وبينها، بدلاً من
الوحشة، افترّت لي عن بعض محاسنها وأسفرت لي عن بعض مناقبها، وعرفت
أن هذا النوع من التعبير ليس بالضرورة أن يكون متمرداً على القيم الإسلامية،
وإنما هي مسألة صراع الأجيال والاتصال الحضاري الرهيب والتثاقف المتسارع
(وإن كنا الأضعف في حلبة الصراع الحضاري والتثاقفي) .
أقول هذا لأنني قد وجدت في بعض هذا النوع من الشعر بعض المضامين
الخيرة وخصوصاً موضوع» الهوية «، والبحث عن الذات وسط هذه الانكسارات
وإزاء هذه الانتكاسات والمحن، وأحسب أن محمداً الثبيتي واحداً من هؤلاء الشعراء
في قصيدتيه:» فواصل من لحن بدوي قديم «و» صفحة من أوراق بدوي «،
وما يقال عن الثبيتي يقال عن بعض من الشعراء غيره، ومنهم الشاعر عبد الله
الصيخان في عدد من قصائده التي احتواها ديوانه» هواجس في طقس الوطن «
كقصيدته المعنونة» الحجرة «، وقصيدته» فاطمة «، وقصيدته» هواجس في
طقس الوطن «، ومنهم الشاعر عبد الله الزيد في» أغنية للوهج «و» وجع
المسافة بين دمك وثلاجة الموتى «، في رثاء أخيه محمد، ومنهم الشاعر عبد الله
الخشرمي في قصيدته» وصايا النخيل «، ولو أخذنا الشاعر الكبير عبد الرحمن
العشماوي على أنه من شعراء الأدب الإسلامي الشباب فسنجد شعره ينضح إسلاماً
في شعره العمودي المألوف أو في شعره الجديد» بائعة الريحان «على السواء مما
يبرهن على أن الشكل التعبيري الجديد ليس بالضرورة أن يكون موحشاً أو أن يكون
وعاء خطيراً يتنافى والأدب الإسلامي.
وبعد: فإن لم ننتبه إلى هذا فإننا سنخنق الأدب الإسلامي في بوتقة ضيقة،
ونجعله في حيز ضيق يفقد فيه نموه وانطلاقته، وربما أدى ذلك إما إلى عقمه وإما
إلى موته.. وأرجو ألا تكون بعض مواقفنا المتشددة في فهمنا للأدب الإسلامي،
وسجنه في حيز الوعظ والتعليم والتعبير المباشر، هو ما حدا ببعض النقاد أن
يتجاوزوا هذه النصوص إلى نصوص أخرى وصفها» محمود مفلح «تارة بأنها
» تدور كلها في فلك الحداثة والتغريب والأشكال التعبيرية الجديدة التي يكتنفها
الغموض ويشكل لحمتها وسداها اللغز والأسطورة والسحر «ويفلسفون» لها
ويؤولونها ويحاولون جاهدين أن يقنعوا القارئ بأهميتها وريادتها، وتارة أخرى
يلحى باللائمة على نفر من نقاد الحداثة والتغريب (كما أسماهم) بأنهم يقدمون
نصوصهم التي يقرأونها ويتناولونها بالدراسة «إبداعية ومعاصرة ومهمة وجديرة
بالقراءة ... إلا النصوص الإسلامية! ! ! أو ما يقترب منها، فإنها في زعمهم
فقيرة متخلفة، فجة، تغلب عليها الخطابية والسطحية، وهي تجافي روح الفن،
وتتنافى مع الحساسية الجديدة والرؤية المعاصرة» .
كما يسوء الأخ الأستاذ محمود مفلح التعاون الوطيد بين هذا النوع من النقاد
تعاوناً يرفع بعضهم من شأن بعض، ويدعو بعضهم لبعض حسب قوله: «وإن
المتأمل كذلك فيما يكتب من نقد هنا وهنا لابد وأن يلاحظ أن ثمة اتفاقاً وإجماعاً على
توجه نقدي معين، وأن ثمة جسوراً تقام بين هذا الناقد وذاك، فكأن هذا هو
الصوت، وذلك هو الصدى في تناغم عجيب واتفاق يبعث على الدهشة» .
أقول للأخ محمود وغير محمود: إن التنافس بين الاتجاهات النقدية
المتصارعة لا يحسمها مثل هذا التشكي وذلك التظلم، وإنما يحسمها العمل فلكل
منتداه ولكل رابطته، وأعرف أن للأدب الإسلامي رابطة تجمع كثيراً من أدباء
العالم الإسلامي عربه وعجمه ومبدعيه وناقديه، فالحلبة ميسرة للجميع وإن
الحصيف المبدع المجدد هو من سيظهر في النهاية على صاحبه، وكما كان الشعراء
في عهد بني العباس يميت بعضهم بعضاً وحمل بعضهم ذكر بعض بما يقدم للساحة
الأدبية من إبداع جديد، فإن النقاد والمبدعين في هذا العصر يظهر بعضهم على
بعض، ولا أشك لحظة واحدة في أن المبدع الذي يلمس جراحات أمته وواقعها،
ويحقق هويتها من خلال رؤية جديدة أو تعبير جذاب، هو الذي سيبقى وغيره
سيذهب جفاء، وما الشاعر الإسلامي الدكتور عبد الرحمن العشماوي إلا مثل أسوقه
للشاعر المتألق المتجدد ذي الصيت الذائع.
ويجمل بي وقد أطلت الوقفة مع الأستاذ مفلح أن أختم قراءتي لمقالته بتعقيب
بسيط على قوله: «واستعرض إذا شئت الصفحات الأدبية الإسلامية في أي
مطبوعة تشاء، فإنك قل ما تجد دراسة أدبية جادة عميقة ذات رؤية نقدية واضحة
تنسجم مع قيمنا الحضارية وتعطي لهذا العمل أو ذاك حقه، ولن تجد كذلك توجهاً
نقدياً عاماً واضح المعالم، ولن تجد أيضاً وأقولها بمرارة أسماء نقاد جادين دؤوبين
مخلصين لهذا الفن أو ذاك رغم أن النتاج الإسلامي معافى ومقروء ولا يخلو من
جماليات تستحق أن يتوقف عندها النقد» ، فلمَ هذا! أهو أمر يتعلق بالنتاج
الإسلامي أم هو أمر يتعلق بالنقاد أنفسهم! !
أما القسم الإبداعي فسأتوقف ملياً عند بعض القصائد وعند قصة واحدة وأما
القصيدة التي أود أن أقرأها على عجل فهي قصيدة الدكتور صالح الزهراني بعنوان
«رتابة» ، وهذه القصيدة سأعدها قصيدة إسلامية على أن التعليم فيها أو المباشرة
ليست واضحة، وإنما أعدها إسلامية لأن موضوعها يعالج أمراً من أمور هذه الأمة، وموضوع القصيدة الرتابة في كل شيء والزيف في كل شيء، وأن كل شيء هو
ذلك الشيء لم يتغير ولم يتحول، وأن الخطأ هو الخطأ والكذب على الشعوب هو
الكذب، وأن الهزيمة نصر وأن الفتح رقص وغناء ومائدة.. موضوع يصلح أن
يكون إسلامياً وغير إسلامي، بمعنى أن مثل هذا الموضوع لا يصنف إسلامياً كما
أنه لا يصنف غير إسلامي، أقصد من هذا أن أعود إلى بعض ما أسلفت حين
قراءتي لما كتبه الأستاذ الفاضل محمود مفلح، وأبرهن على أن الأدب الإسلامي قد
يتسع حتى يدخل فيه ما لا يخالفه، لكن ليس بالضرورة أن يكون موضوعه إسلامياً
صرفاً أو تعبيراته تعليمية وعظية.
إن الشاعر الزهراني شاعر يملك قدراً هائلاً من الإبداع مارسه في هذه
القصيدة الجميلة، وآية توفيقه أنه جعلها أو أنها جاءت على بحر مجزوء قوي
الإيقاع (رجز) وقافية متحركة ساكنة، فالتاء المربوطة ساكنة وما قبلها مفتوح حتى
يتلاءم البحر مع القافية، لقد عبر الشاعر الزهراني عن ما يدور في حاضر هذه
الأمة وما يقدم لها من إعلام وزيف أصبح مستهلكاً ومكشوفاً، أي لم يعد ينطلي على
أحد إذ أصبح هذا الزيف ديدناً أي «رتابة» ، وحاول الزهراني أن يحدده بتسعين
سنة، ولا أدري بالضبط لماذا «تسعون حجة» والزمن هنا لا يهم تحديده فالقصيدة
ليست وثيقة تاريخية تؤرخ لبداية خمود ثورة الوعي، والمهم أن هذه الثورة خامدة
وبرهان هذا الخمود:
يبدأ العرض ميتا! ... فوق أشلاء صامدة
البدايات واحدة ... والنهايات واحدة
ويعود هذا المشهد في كل مرة فيبدأ العرض ميتاً والبداية واحدة والنهاية واحدة، والأنكى من ذلك أن:
بطل العرض واحد ... وقصة العرض واحدة
بعد يوم من الضنا ... والوجوه المزايدة
يأتي العرض لكن من مُخْرج واحد ومن عارض واحد ومن قصة عرض
واحدة، فهل يوقظ الجماهير الراقدة بإعلان الفاتح
عن فتواحات جيشه ... عن قواه المجاهدة
أنها شقت المدى ... واستباحت وسائده
وأراقت دم الدجى ... وأضاءت فراقده
والجماهير تدرك هذا الزيف لأنها اعتادت عليه، لكن شاعر الهوى يتهجى
قصائده فلا يحرك ساكناً في هذه الجماهير الجامدة ولا يوقظها لأنها:
عرفت كيف ينتهي
عرفت كيف يبتدي
أصبح الزيف قاعدة! !
مسكين هذا الفاتح الذي تنتهي فتوحاته بالرقص والغناء والتطبيل والمائدة دون
أن يتفاعل معه جمهوره، لأن جمهوره يعرف زيفه وخداعه، وأن هذا الفصل منذ
تسعين حجة يعود ويعود وتحفظه الجماهير التي أصبحت جامدة لا يحرك فيها ساكناً، وهنيئاً لهذه الجماهير النائمة التي لا تتحرك، ولعل الصحوة تعقب هذا الرقاد لأن
الرقاد هنا والجمود هنا علامة من علامات إدراك الزيف وإدراك الزيف هو أدل
دلائل اليقظة.
أما القصيدة الثانية فهي «دمعة على أطلال سربنتسا» للشاعر فيصل محمد
الحجي، وهي قصيدة معبرة حمّل فيها المسلمين مسؤولية ما حدث لهذه المدينة من
حصار وقصف شديد، إذ لم يحفظوها كما يحفظ الحر الحرة بالدم، وأراد أن يثير
فينا النخوة وحمية الإسلام، وحق الأخوة وواجب النصرة، بتعييرنا من طرف خفي
بتقاعسنا، ولمح لنا بأننا لم نفعل كما فعل هارون والمعتصم بالروم وتذكيرنا
بتاريخنا هنا ليس يقصد منه الشاعر إعلامنا بأن هارون أو المعتصم قد هبا يوماً
لنجدة مسلمة أو مسلم استغاث بهما أو احتاج إلى عونهما، فهذا خبر نقرأه في
مقرراتنا المدرسية الأولى، لكنه أراد أن يعيرنا بتقاعسنا، وأن يعقد مقارنة بين
ضعفنا الراهن ووهننا القائم، وبين قوة وشهامة أسلافنا، فيذكر (هارون الرشيد)
مقابل (نقفور) حيث يجعل من الرشيد رمزاً للقائد المسلم وللرئيس المسلم ذي النجدة
والشهامة الذي يشعر بأنه مسؤول أمام الله ومحاسب على ذلك إن فرط بعدم حماية
مسلم أو مسلمة، حتى ولو كانت في بلد غير إسلامي، ويجعل من من «نقفور»
رمزاً للصليبي الغربي المعتدي على حرمات المسلمين وأوطانهم، فإن كان الرشيد
حياً أدبه وعلمه كيف تصان حريات المسلمين وأراضيهم، وإن كان الرشيد ميتاً
صال «نقفور» وجال وانتهك الحرمات، وجبا الأموال منا بطرق متعددة،
وعجزنا أن نفعل شيئاً رغم كثرة عددنا وعتادنا، ووجدنا أن الملجأ من هذا كله إلى
مجلس الأمن نعرض فيه قضيتنا، وجعلنا منهم الخصم والحكم في الوقت نفسه.
والقصيدة في جملتها قصيدة معبرة جياشة تصلح أن تلقى، ولو ألقيت لكانت
أشد أثراً على المتلقي من مجرد قراءتها، على أن هذا الأثر قوي على قارئها،
وهي قصيرة تحمل رسالة خيرة، ونقول لشاعرنا الحجي:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
وليسمح لي الشاعر محمد البراهيم على عدم قراءة قصيدته «ذكرى العبور»
رغم استحقاقها للدراسة والقراءة، فهي قصيدة لا تقل عن أخواتها إن لم تفق بعضاً
منهن، لكن ضيق الوقت لم يسمح لي بذلك من ناحية وشعوري بأن القصيدة تحتاج
إلى وقفة أطول تنصفها، وتقدمها للقارئ تقديماً يليق بها من ناحية أخرى، ولعلي
في قادم الأيام أتمكن من قراءتها.
أما قصة عبد الحليم البراك فقد كتب قصة طريفة عنوانها «شيء لم يحدث»
اختصر كل أحداثها في هذا العنوان السهل، والقصة واقعية عرضها عرضاً فنياً
موفقاً ليس فيها تكلف بعض القاصين، ولم يحاول أن يدخل فيها فضولاً كما يفعل
بعضهم، وإنما حبكها حبكة محكمة، وكل حلقة من حلقاتها تستطيع أن تكملها بقولك
«وكأن شيئاً لم يحدث» .
إن بطل هذه القصة وإن كان يرقب جدار صمت قد امتدت قامته حتى الأفق
يثنيه هذا الجدار من أن يعانقه، فهناك «فتحة علوية تكاد تختفي في ثنايا هذا
الجدار الشامخ.. ثمة نور ضئيل منها» ، وعلى صعوبة الأمر حيث الجدار يعانق
الجدار، وهذه السلسلة الحديدية التي لم تستطع أن تثقل أنفاسه الحرة داخله «، فإن
هذا لا يمنع من الفرحة» وكأن شيئاً لم يحدث «.. إن هذه القصة تروي أحداث
شاب محاصر لكنه لا يستسلم لأنه ينظر إلى كل شيء دون ما يأبه لعواقبه» وكأن
شيئاً لم يحدث «.
أن القصة لا تحتاج إلى تأويل أو تخرص، وإن كان القاص حاول أن يشغلنا
عن تقريرية القصة ببعض الإبهام مثل قوله:» ألقها «دون معرفة عائد الضمير،
وهذا مما يشوق القارئ لمحاولة معرفة على ماذا يعود الضمير، ومثل» ثمة جموع
وقحة «ما هي هذه الجموع؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات التي طرحها القاص
وهي التي جعلت من قصته عملاً أدبياً جيداً تظهر في مكان آخر حين» يتمخض
عن انفجار مدو يحصد أربعة من ذوي الأكتاف المذهبة فأكثر من عشرة قد زينت
أذرعهم الوقحة بشرائط خضراء «، هؤلاء الوقحون يسميهم المحلفون والمحاكمون
بأنهم» أربع حمامات «، ولا يخفى ما لهذه المفارقة من أثر فني رائع.
كل هذا يحدث لكنه بالنسبة له» كأن شيئاً لم يحدث «، إن لدى القاص ملكة
فنية استطاع من خلالها أن يوظف عبارة» وكأن شيئاً لم يحدث «في أربعة
سياقات من القصة، كل عبارة توحي بمعنى جديد وبمعنى مغاير، إن هذه الكلمة
السحرية» وكأن شيئاً لم يحدث «هي كل شيء في هذه القصة، هي عنوانها وهي
بدايتها وهي نهايتها، وهي عقدتها، وأحسب أن هذه الكلمة السحرية» وكأن شيئاً
لم يحدث «تكفي الأخ القاص عبد الحليم البراك أن تضعه في عداد القاصين ذوي
الطرح الملتزم والقدرة الفنية.
وأخيراً فلقد حرصت على أن أتناول قصة الدكتور الحضيف» حدث في
السوق «إلا أن الدكتور مصطفى بكري قد قرأها قراءة لا أرى عندي عليها من
مزيد.
стр. 1755
المسلمون والعالم
على أطلال اليمن:
المجد لكرسي الحكم !
د. عبد الله عمر سلطان
مع تصاعد موجة عدم الاستقرار والحروب المصغرة على مستوى العالم بدا
واضحاً أن الشعارات الفضفاضة كالنظام العالمي الجديد، وزوال خطر الحرب
النووية، وانتصار الديموقراطية النهائي (بصورتها الغربية) ، ونكتة نهاية التاريخ
وبزوغ فجر السلام المزعوم ... لا يمكن أن تغطي سوأة الأحداث الملتهبة والإفلاس
الذي تشهده الساحة السياسية الدولية، أو أن تحجب كساح الأمم المتحدة التي لا
تحمل من اسمها سوى الرسم، ومن مضمونها القبيح إلا هامة بطرس غالي وسمعته
المثيرة للغثيان.
وفي هذا الخضم الفوضوي والدوائر المتلاقية، أخذت مراكز الدراسات
الغربية تبحث باهتمام عن ظاهرة مثيرة للجدل: وهي مستقبل اليسار في العالم
لاسيما النصراني منه، ففي المجر أزاح الناخبون الحكومة الليبرالية الديموقراطية
التي خلفت نظام الستار الحديدي الشيوعي؛ ليقفز الشيوعيون مرة أخرى إلى
السلطة، بينما يتوقع أن يشهد العالم الحالي عودة قوية لليسار في أوربا لاسيما
ألمانيا، حيث يسعى الديموقراطيون الاشتراكيون إلى الوصول للحكم، في الوقت
الذي يظهر أن حزب العمال البريطاني في طريقه إلى إسقاط حكم المحافظين الذي
لايزال يحكم لعقد ونيف؛ ليزيل أسطورة التفوق اليميني في المجتمعات «الأنجلو
سكسونية» كما حدث العام الماضي في كندا ومن قبلها الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد أظهرت نتائج الانتخابات الأوربية هذا التوجه، حيث سجلت الأحزاب
ذات التوجهات اليسارية تفوقاً واضحاً لاسيما في البلدان التي تحكمها الآن أحزاب
يمينية ومحافظة، لكن هذا الصعود الظاهر لا يمكن أن يخفي في طياته بعض
الملاحظات الجوهرية وأهمها أن اليسار اليوم هو يسار يختلف في ملامحه وتوجهاته
عن يسار الستينيات، حيث خفت حدة الطرح السياسي وأخذ اليسار الحالي يتجه
كثيراً نحو الوسط، لاسيما في طروحاته الاقتصادية هذه الطروحات في حد ذاتها
تجعله اليوم يؤمن أكثر بقداسة السوق وآلياته بعد أن كان يلعنها ويمقتها ويصنفها
على أنها من آثار الإقطاع والرجعية، وهو بإضافته قضية البيئة والمخاطر المحدقة
بها شَكّلَ نقاط جذب وكسب بعد أن أصبحت مشكلة البيئة ملحة لاسيما في أوروبا
المكتظة سكانياً والمعادية بحكم وثنيتها للطبيعة في خضم معركتها معها لقهرها
وإذلالها، وإضافة إلى هذه الملاحظة فإن المرء لا يمكن أن يتجاهل تراجع اليسار
الحاكم في دول كفرنسا وأسبانيا على سبيل المثال، حيث شكلت النتائج الأخيرة
مصاعب جمة ليسار لايزال يتربع على سدة الحكم.
كل هذه العوامل تجعل أنصار الدورة التاريخية لتفسير الأحداث وتشريح
الجسم السياسي ينتشون، وهم يوظفون هذه السلسلة الحاشدة من الأحداث للتدليل
على نجاح نظريتهم القائلة: بأن الغرب منذ القرن الماضي يشهد دورة كل ثلاثين
سنة، ينقلب فيها الناخبون من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار بعد أن
يفرغ كل جيل من هذا الطرف أو ذاك برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي،
وأن هذا التوازن حفظ لأوربا الغربية وأمريكا التوازن المطلوب لتكريس الهيمنة،
وتجديد الدم المطلوب لخوض معركة الهيمنة الدولية.
إن اليسار هو نتاج وإفراز متراكم للتجربة الغربية، لذا فإن دوره في الحياة
الغربية مفهوم، كلما شعرت المجتمعات هناك بأن «اليمين» قد استنفذ طاقاته
وأفكاره، واليسار هناك لا يكف عن تطوير شعاراته ونظرياته وممارساته في سبيل
«المصلحة القومية» ، وهو في سبيل هذا لا يتجاهل مثلاً مكونات الحضارة التي
ينتمي إليها، أو يتعامى عن صعود الشعور الديني الملتهب في العالم والغرب وإذا
استثنينا ديناصورات الماركسية المتحجرة، فإن بإمكاننا القول أن اليسار الأوربي
من خلال الأمثلة الحاكمة في أوربا وأمريكا لا يخفي عداءه المتأصل للإسلام وأهله،
وإن أضاف إلى نظريته العدائية بعض الأطر الفلسفية المطلوبة.
لقد أردت باستعراضي هذا الدخول إلى موضوع مهم هو «دور اليسار
العربي في واقع الحياة العربية الحالية وتراكم السحب الداكنة التي تلف حاضرنا»
فقد وصلت الأمة إلى شفا الجرف الماثل بعد سلسلة طويلة من عملية الاستلاب
السياسي والعقائدي والاقتصادي، وجاءت مأساة اليمن لتبرهن لنا جميعاً على أن
التشرذم لا حدود له، والمؤامرة لا نهاية لها، والتوجس القائم من المخاطر القادمة
له ألف سبب يبرره، لقد ضربت اليمن مثالاً؛ لأنه نموذج يستحق الفحص ومأساة
تفرض نفسها مع استمرار النزف والدم المراق والحلم المتهشم وتساءلت عن دور
التيارات العلمانية واليسارية بخاصة في صنع هذه المأساة حيث يبحث الغرب عن
دور لليسار يلعبه، بينما كان اليسار الشيوعي في عالمنا العربي ينقلب ليتحول إلى
«إنزيم» مضاف إلى التفاعل المفزع في اليمن ليحولها إلى ساحة ترتفع فيه
الحناجر بشعارات براقة تختلط بواقع مزري؟ !
ويسار اليمن مثالاً:
وقد يقول قائل: إن الأزمة اليمنية والحرب الأهلية القائمة هي من صنع
القبيلة الحاكمة التي تختفي تحت رداء الحزب، وتسكن القصر الجمهوري وترفع
شعارات الوحدة، بينما تتعاطى القات السياسي، وتسعى في نفس الوقت إلى
استثمار حماس الدعاة وطيبة الإسلاميين وتعاطف الشارع معهم، ليخوضوا معركتها
ويفصلون جهاداً على مقياس المرحلة، وإن الاشتراكيين في جنوب اليمن بتوجههم
الانفصالي يحمون شعبهم وثرواته من نزوات الحكم الشمالي وقد يبدأ هؤلاء بسرد
مساوئ النظام في الشمال، وما أتت به الوحدة من مآس وأضرار على الشطر
الجنوبي السابق، ونحن حين نحصر التسلسل في هذا المقال حول دور اليسار
العربي في المثال اليمني، قد نضطر إلى الاستشهاد بواقع أو مشهد ماثل الآن، لكن
ليس الغرض هنا تحليل الحرب الأهلية القائمة أو الممارسات السياسية هنا وهناك،
بل الغرض إلقاء الضوء على ممارسة اليسار العربي لاسيما في اليمن خلال الأزمة
المحتدمة هناك.
يدعي الماركسيون منذ قديم الزمن أنهم وحدويون حتى النخاع ومستشهدون في
سبيل يمن واحد، ويكفي للتدليل على ذلك أن تتأمل قائمة الأحزاب اليمنية التي
نبتت بعيد إعلان الوحدة والتعددية الحزبية، لتجد أن كلمة «وحدوي» أو
«وطني» أو «موحد» أو «اتحادي» تشكل العامل المشترك بينها، حتى إنك تكاد تخلط بينها من شدة التشابه.
واليساريون في اليمن ليسوا مقصورين على الحزب الاشتراكي في الجنوب،
بل إن أحزابهم «الوحدوية» في الشمال أكثر بسبب الانفتاح السياسي الذي لا
يخشى من تجمعات سياسية كل رصيدها بضعة يساريين حالمين، ومقر مستأجر،
وخط تليفوني ومطبوعة لا يقرأها إلا مصحح المطبعة وأعضاء الحزب الطليعي،
ورصيد طبعاً يصب فيه حساب يتضخم مع كل دور يلعبه الفتيان اليساريون
الوحدوين التقدميون! !
ولا شك أن الاشتراكيين الجنوبيين هم أكثر التيارات اليسارية تطرفاً في قضية
الوحدة، فالحزب ظل لأكثر من عقدين يحلم بالوحدة، ويجعلها هدفه الأسمى
وقضيته التي لا تقبل المساومة، وحين شكلت الوحدة مخرجاً من المأزق الناتج عن
انهيار الاتحاد السوفيتي ووسيلة لتحسين سمعته البالغة السوء في المنطقة (حارب
جيرانه السعوديين والعُمانيين والشماليين ثم التفت إلى الرفاق فأوقع بهم مجزرة لا
تقارن بشاعتها بالحرب الدائرة الآن) ، لم يتردد الوحدويون الاشتراكيون في تبنيها
دون أن يكون للشعب في الجنوب أي رأي أو مشورة وبخاصة أنهم قطيع من
المتخلفين الذين فشلت الثورة في جعلهم من بلوريتاريا الحزب..!
وما أسرع اللحظات التي تمر فإذا الحزب اليوم ينادي بالانفصال ويقاتل من
أجل التشطير، ويهرب قادته من العاصمة إلى المدينة الساحلية الرجعية «المكلا»
لكي يكملوا ما بدؤوه من مخطط الدولة التي يستطيعون أن يستمروا في حكمها، بعد
أن رأوا لعبة الكراسي الموسيقية تقذف بهم خارج المنافسة في ظل منافسين
محترفين في الشمال.
لقد نسف الحزب ورموزه الفارين كل البرامج والشعارات والأحلام الوحدوية
التي طالما تغنوا بها، وأصبحت كلمة وحدة تثير لديهم حساسية في الصدر، وحكة
في الجلد، وتهيجاً في الأعصاب، وغدت كل المصطلحات الثورية والوحدوية
جريمة لا تغتفر بين الرفاق اليساريين، في الوقت ذاته بدأ اليساريون في الشمال
من ورثة الشعارات الوحدوية إزاحة منافسيهم في الصناعة الوحدوية والسوق
الاتحادي، كل ذلك يتم باستخدام نفس المصطلحات الثورية التقدمية اليسارية.
قام الاشتراكيون في الجنوب بثورتهم في سبيل «الكادحين» ومن أجل إنهاء
الإقطاع، وإطفاء نار الاستغلال الطبقي الذي كان يمارسه السلاطين وأصحاب
النفوذ ممن يسمون «بالسادة» والسيد هو الذي ينتهي نسبه إلى النبي -صلى الله
عليه وسلم- وينتشر جل هؤلاء السادة في الجنوب حيث يشكلون طبقة من علماء
الصوفية التي تمارس شعوذتها باسم الانتساب إلى آل البيت، لقد صمم الشيوعيون
في الجنوب على أن الدين وأتباعه لاسيما السادة هم عدوهم الأول ولاسيما «رابطة
أبناء الجنوب» التي كان السادة يتسترون من ورائها ويمارسون من خلالها نشاطهم
السياسي، ومع الردة عن المبادئ الأولى شكل الجنوبيون المنفصلون دولة يرأسها
سيد من هؤلاء السادة (البيض) ، ويرأس حكومتها سيد آخر (العطاس) ، ويدير
أمورها في الواقع رئيس الرابطة الصوفية السابق (الجفري) ، وتجمع عدداً لا بأس
به من سادة آخرين، حتى إن الشارع الجنوبي أسماها «دولة السادة» .
ترى هل هذا تكفير عن اثم الماضي أم جواز سفر مطلوب لإثبات رجعية
النظام وقدرته الفائقة على الرقص في حلبة الدراويش، وإثبات للجدية في الانقلاب
من متطرفين ماركسيين إلى رجعيين يخدرون المريدين بهجمات الأقطاب وكرامات
السادة الذين طلقوا كل مبدأ ومعتقد؟ !
وإن كان الشيوعيون الملاحدة في الأمس يعادون المشايخ التقليديين فإنهم ظلوا
بالأمس، ولايزالون يرفعون لافتة ضخمة تقول إنهم ينادون بالدولة العصرية التي
لا تتحكم فيها القبيلة كما هو الواقع في الشمال، ويتباهون دائماً بأنهم قضوا على
القبلية نهائياً في الجنوب، فهل هذا صحيح؟ !
الواقع يقول إن اليساريين شمالاً أو جنوباً قد ارتدوا وتشرذموا وانقسموا حسب
قانون القبيلة والقبيلة وحدها، فالشمالي لاذ بحصن الفخذ، والجنوبي الشيوعي
السابق أصبح أكثر مناطقيةً ورجعية من خصومه، ويكفي أنه تحالف مع قبائل بكيل
في الشمال، ومد يده إلى قبائل «شبوة» و «حضرموت» بعد أن حطم كياناتها،
وسحلها لمدة عقدين، وبات الجميع يرون أنه لا فرق بين الجمهوريين الوحدويين
الذين وظفوا العامل القبلي بذكاء، واليساريين السابقين الذين يحاولون أن يطبخوا
وجبة قبلية باستعجال جعلهم يقدمون وجبة سريعة عسرة الهضم، صعبة الفهم.
ويتهم الماركسيون القدامى ومومياوات العصر الشيوعي في اليمن الحكم في
صنعاء بأنه صاحب علاقات قوية بالإسلاميين المتطرفين، وأنه احتضن الخارجين
على القانون والإجماع العربي! ! والواقع يقول إن هذه هي أهم الأوراق التي لا
يكف قادة الجنوب من التلويح بها كلما حاصرتهم الحقائق وأعياهم الواقع المتناقض،
لكن مهلاً فهؤلاء الماركسيون تحالفوا مع قوى متطرفة تدعي العمل الإسلامي مثل
«حزب الحق» الزيدي المرتبط بإيران الدولة صاحبة الباع الطويل في التآمر والإرهاب، ومع هذا لم يعتبروا هذا التحالف الذي استمر طوال فترة الوحدة وحتى قبيل اندلاع المعارك، نوعاً من التطرف أو الأصولية أو الرجعية!
وما دمنا نتحدث عن الرجعية فيكفي أن نتأمل أن الشيوعيين قرروا أن
يتحالفوا مع أكثر الفصائل الحاملة للراية الإسلامية ارتباطاً بالنظم المنقرضة، فقد
تحالفوا مع الأحزاب الصوفية الخرافية البائدة، ومع أتباع النظام الإمامي الزيدي
المتلاشي، وربما دأب الماركسيون على جمع شتات كل الفرق التي تسير في درب
الانقراض وفلك النسيان.
وظل الماركسيون يعتزون بتحالفهم مع الدول التقدمية في أنحاء العالم لاسيما
(صين ماو وشيوعية موسكو) مقابل اتهام أعدائهم بأنهم صنيعة الاستعمار الغربي،
لاسيما قائدة الاستعمار العالمي (أمريكا) ، كما أن للزمن أحكاماً وللشيوعيين منطق
عجيب وقانون انقلاب مخيف، فقد أصبحت صداقة أمريكا والغرب لهم إنجازاً،
والتفات مجلس الأمن لهم الذي طالما كالوه أقذع الشتائم أصبح وعياً وتحضراً،
وأصبحت الزيارات العلاجية لأمريكا وأوروبا مسابقة يتنافس عليها الأمين العام
للحزب مع منظر الحزب مع فراش الحزب ... الحزب عرف الطريق يا سادة إنه
يبدأ في شارع بنسلفانيا وينتهي بمبنى الكونجرس، ومن سبق فاز..!
لقد غدت مفردات اليسار العربي سهلة الفهم، فهي تساوي اليوم نقيض ما قام
عليه هذا التيار وما استورده قبل عقود، ويكفي أن تنظر إلى الموقف قبل عشرين
عاماً أيام النضال الثوري، والمد القومي، ثم تنظر إلى موقف اليمين الرجعي،
لتخرج بموقف اشتراكي اليوم وشيوعي الحاضر، إن مفردات الخطاب السياسي
هي مفردات الرجعية السابقة مضروبة بالأس ثلاثة.
لقد كانت الدولة الشيوعية في جنوب اليمن مثالاً للتطبيق الصارخ للماركسيين
في جميع أنحاء العالم، أما في الغد فلا يستبعد أن يقيم هؤلاء قبة للسيد البيض تحج
إليها القبائل ويرقص بجانبها الدراويش، وتقوم بتمويل الرحلات السياحية إليه
شركة أمريكان إكسبرس بالتعاون مع فرع الحزب الاشتراكي في المنطقة.
ولكم أن تتأملوا اليسار في محضنه الغربي، وهذا الخبل السياسي الذي يصر
على أن يقيم كرسي حكمه على جماجم البشر وهياكل الشعارات والمبادئ المفلسة،
بينما يغذي جنونه وشبقة شوق عارم للسلطة والنفوذ، ورغبة جامحة للوصول إلى
كرسي الحكم، حتى لو أريقت الدماء، وأزهقت الأوراح ومورس الدجل السياسي
بصورة تدعو للخجل، لو كان هناك خلق فضيلة، أو خصلة حياء.
стр. 1756
حوار
لقاء مع فضيلة رئيس المشيخة الإسلامية
في كوسوفو المسلمة
كوسوفو منطقة إسلامية مازالت ترزح تحت نير الاستعمار الصربي بعد تفكك
جمهورية يوغسلافيا، وعند ما أعلن برلمانها في أيلول ١٩٩١ م الاستقلال ونصب
زعيمهم (د. إبراهيم دوغوفا) ، قامت حكومة الصرب بالغاء حكمها الذاتي وربطتها
بالحكومة الصربية مباشرة وسامت أهلها سوء العذاب ومازالت، وسبق أن تطرقنا
بالتعريف بهذه المنطقة المسلمة مع بيان لمخطط التدمير الصربي لها في العدد (٧١) .
ويسرمجلة «البيان» في سبيل التعريف بهذه المنطقة ورموزها المشهورين،
اللقاء مع فضيلة رئيس المشيخة الإسلامية بكوسوفو د. رجب بويا، حيث يحدثنا
عن واقع المسلمين ومعاناتهم وما يحتاجونه من دعم وتأييد، والدور المنتظر من
إخوانهم المسلمين لنصرتهم.
-البيان-
بطاقة تعريف
وُلد في مدينة كلينا بكوسوفو، ودرس فيها إلى المرحلة المتوسطة، ثم حصل
على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد كانت بعنوان
«الألبانيون والإسلام» ، ثم حصل على الدكتوراه وقد كانت بعنوان «المسلمون في يوغسلافيا» .
* ما هي أهداف زيارة فضيلتكم إلى بريطانيا، وهل أنتم مرتاحون لنتائجها؟
في الحقيقة الزيارة هي للتعرف على المراكز الإسلامية والجمعيات والاستفادة
منها في العمل الإسلامي، لا سيما أنها في أوروبا وهي قريبة منا، وقد استفدنا
كثيراً من حيث التنظيم والعمل.
* نرجو لو حدثتمونا عن أبرز التطورات في كوسوفو في الفترة الأخيرة.
إن قضية كوسوفو شبيهة بقضية فلسطين، هي الآن محتلة من قبل
الصرب وكوسوفو هي أصلاً جزء من ألبانيا، وقد قاموا باقتطاع هذا الجزء، علماً
أن سكان كوسوفو من الألبان المسلمين يشكلون نسبة ٩٠ % وفي كوسوفو ١٠٠
ألف جندي صربي، ومن قبل كان الوضع لابأس به اقتصادياً ولكننا الآن صرنا
نُعاني من أزمات اقتصادية لاسيما بعد تسريح ٢٠٠ ألف عامل من أعمالهم في
المصانع والدوائر الحكومية والمستشفيات وغيرها من المرافق.
* هل ملئت هذه الأماكن بالصربيين أم تركت فارغة؟
إن الصرب يشكلون نسبة ٥ % من السكان، وإن كانوا يحاولون بعد
إخراج الألبان من أعمالهم أن يسدوا العجز بغيرهم، ولكن بقيت الكثير من الأماكن
فارغة، ومازال الحال هكذا بلا تغيير حتى الآن.
* هل هنالك فرق بين الصرب في ألبانيا والصرب في صربيا، لأن هنالك
من يفرق بينهم؟
نعم في السابق كانت هنالك فروق بين الصرب المقيمين في كوسوفو ومن
هم داخل صربيا، ولكن مع التغيرات انقلب الصرب في كوسوفو وصاروا
كالصربيين خارجها في معاملتهم مع المسلمين.
* ما هو الموقف الذي لمستموه من الدول الإسلامية تجاه محنتكم؟
إلى الآن لا نكاد نرى شيئاً من الدول الإسلامية، لا مساندة سياسية ولا
اقتصادية، وحتى الإعلامية قليلة جداً.
* وهل ينطبق نفس الكلام على الجمعيات الإسلامية وهيئات الإغاثة؟
هنالك من الجمعيات من قامت بالمساعدات البسيطة جزاهم الله خيراً وكان
من الواجب أن يقوموا بأكثر من ذلك.
* ما هو المشروع الأبرز الذي تودون أن يقوم به المسلمون؟
الشيء الذي نطلبه من إخواننا جميعاً أن يقوموا بالتعريف بقضيتنا، وبهذه
المساندة يستطيعون تدارك موقف إخوانهم قبل أن يضعفوا، ونود أن تكون المساعدة
في التعليم والصحة والعمل الدعوي الإسلامي، علماً أنه لدينا والحمد لله مدرسة
ثانوية شرعية فيها ٤٥٠ طالباً، وكلية للدراسات الإسلامية بإشرافنا، ولكن هذه
المؤسسات تحتاج إلى دعم مادي حتى تؤدي رسالتها، وكذلك عندنا ٢١ مركزاً
إسلامياً تحت إشرافنا.
* معلوم أن قيمة كفالة الدعاة تختلف بين بلد وآخر، فهل يمكنكم أن تعرفونا
عن القيمة لكفالة داعية في كوسوفو؟
لقد اتصل بنا عدد من الجمعيات لكفالة دعاة وأئمة مساجد، والحمد لله لم
نطلب منهم ما يعطى للدعاة الآخرين في الدول الأوربية، فيكفي الداعية مبلغ
(٢٠٠) دولار أمريكي شهرياً.
* إن الأمة البوسنية قد دخلت في منعطف جديد بعد إعلان الحكومة البوسنية
المسلمة الاتفاق مع الكروات الكاثوليك، ماذا ترون في هذا الاتفاق وانعكاساته على
الأوضاع في كوسوفو؟
إن إخواننا في البوسنة أعلم منا بوضعهم واستراتيجيتهم وسياستهم نحوها
ولا أستطيع أن أقول شيئاً لعدم اطلاعي على الموقف من قريب، ولكني أقول إنهم
يعملون جاهدين لحمل أمانة بلادهم ومسؤولياتها، نسأل الله لنا ولهم التوفيق والسداد.
* هل هناك نشاط بارز للدعاة لرد العدوان الصربي في المدى الطويل؟
نحن في المشيخة الإسلامية ليس لدينا دعاة من الخارج، فكل الدعاة من
الداخل وكلهم من الإخوة الألبان، وهم مع المسلمين في أمورهم الدعوية والسياسية
والاقتصادية ويعملون مع الناس ويساعدوهم في إخراج البلاد من هذه الأزمة،
والكل يعمل ويجتهد.
* ما هي الحجج التي يتذرع الصرب بها في احتلالهم لكوسوفو؟
إنهم يقولون إن كوسوفو مهد الصرب، فهم من حيث الموقع يرون أنها
صربية، وأن الألبان في زعمهم ما هم إلا جالية جاءت من ألبانيا من قبل الأتراك
العثمانيين، وهذا الأمر يُصرح به تارة ويُلوح به تارة أخرى، وهم أيضاً يطمعون
في أراضي كوسوفو الخصبة والغنية من ناحية الخيرات، فهم يزعمون أنهم ضحوا
فيها بالدماء خاصة في حربهم مع العثمانيين ويقولون: لا حق للألبان في هذه
الأراضي، وقد حضروا من ألبانيا ولكننا نعتبر أنفسنا من أصل السكان، ولسنا
جالية، ونحن مسلمون منذ أجدادنا وهذه هي الحقيقة.
* كلمة أخيرة لقراء المجلة؟
إن كلمتي لإخواننا هي أن يقوموا بالدور الإعلامي لإبراز قضيتنا والقضايا
الإسلامية الأخرى، وكذلك مساعدة إخوانهم بكل ما يستطيعون.
стр. 1757
المسلمون والعالم
بعد «التطهير» [*]
مقال مترجم
ترجمة: د. أحمد بن راشد بن سعيّد
الوقت هو يوم الجمعة ليلاً، ومطعم «أدريا» في «بانيالوكا» يغص
بالحديث والضحك والموسيقى، لا أحد يلقي بالاً إلى الأرض المهجورة في الجانب
الآخر من الطريق، والمكسوة ببقايا مسجد «فرحات باشا» ، الذي يعود بناؤه إلى
القرن السادس عشر.. كل مساجد «بانيالوكا» دمرت منذ بداية الحرب.
المسلمون القلائل الباقون في أجزاء البوسنة التي استولى عليها الصرب لم
يعودوا يأملون في أي نوع من التدخل، قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام ١٩٩٢م
كان عددهم يقارب ٠٠٠ر٣٥٠ نسمة، ومنذ ذلك الحين حوالي ٩٠% وعلى جوانب
الطريق المؤدية إلى «بانيالوكا» يشاهد المرء حطام بيوتهم وأطلالهم بعض
الخرائب الباقية يرتفع عليها العلم الصربي إشارة إلى أن عائلة صربية تنوي إعادة
بنائها والسكن فيها، وبعض آخر يفكك بغرض استعمال أجزائها مواداً للبناء.
في بلدة بوسنية يحتلها الصرب وجدنا ثلاثة رجال مسلمين مستعدين للقاء زائر
أجنبي، إلا أن الرعب كان يتملكهم من عقاب الصرب إلى حد أنهم لا يريدون أن
يُعْلَنَ عن مكانهم ولا عن أسمائهم، أحدهم زعيم ديني وشيخ كبير، لم يقل لنا شيئاً، ولكن دموعه انهمرت على وجنتيه، أصغر الثلاثة سناً وهو يكتب مذكرات يومية
لما يعانيه شعبه من اضطهاد قال لنا: «التطهير العرقي» مستمر، في مارس قتل
٣٧ مسلماً و٣ كروات في بيوتهم في «برييدور» ، وفي الشهر الماضي امرأة
مسلمة اسمها «نورا ميدانوفيتش» تبلغ الخامسة والثمانين من العمر قتلت في بيتها
في «بانيالوكا» ، المسلمون بشكل يومي تقريباً يجلدون في الشوارع والأسواق،
والذي يزعج المسلمين أكثر هو سياسة العمالة القسرية التي ينتهجها الصرب، قال
الشاب: «هناك ١. ٥٠٠ مسلم يجبرون على العمل الآن» ، وأضاف: «إنهم
يجعلوننا ننظف الشوارع نقطع الأخشاب، نشذب الأشجار، ونحصد القمح، وقد
بدأوا مؤخراً بإرسال كثيرين ليحفروا خنادق في الجبهة، وقد قتل الكثير منهم
هناك» .
قلة من المسلمين فضلوا السلامة عبر اعتناق النصرانية! امرأة صربية في
قرية «بوسانسكا غراهوفو» الصغيرة قالت إن أصدقاء مسلمين لها اختاروا هذا
الخيار: «في العام الماضي عمدوا كنصارى أرثوذكس لأنهم يريدون البقاء» ..
وقد أرسلوا مؤخراً إلى جبهة «بيهاتش» شمال غرب البوسنة، وأضاف: «إنك
لا تتخيل كم هي سيئة حالتهم، إنهم لا يغادرون الخنادق مطلقاً لأنهم سيقتلون إن
حاولوا ذلك، إنهم يقضون حاجتهم ويأكلون وينامون في الخنادق..» .
الأموال المقدمة من «بلغراد» إضافة إلى شبكة تموين سرية قللت النقص
(في مناطق البوسنة التي يحتلها الصرب) ، والذي أحدثته العزلة والعقوبات الدولية.
في «بانيالوكا» الأناناس المستورد وفاكهة «الكيوي» متوفرة بسهولة
ويستطيع المقتدرون شراء أزياء حديثة في المتاجر الواقعة على شارع
«غوسبودكا» .
الصرب في كل «بانيالوكا» يقولون إن اليونان عملت الكثير لتحسين
الأوضاع، فقامت برفع مستوى التعامل التجاري مع الصرب رغم العقوبات.
«كوبر يسانين» أحد الصرب قال: «لقد أثبتت اليونان أنها أحسن أصدقائنا»
مشيراً إلى أن «تهديد الإسلام» في البلقان قد أجبر الصرب واليونانيين والبلغار
على تكوين جبهة مشتركة.
стр. 1758
المسلمون والعالم
أوجادين
انتصارات جديدة للمجاهدين
الاتحاد الإسلامي في أوجادين
تمهيد:
أوجادين قطاع مسلم تحتله أثيوبيا منذ سلمته بريطانيا عام ١٩٤٨ م، وسبق
للمجلة أن عرّفت بهذه المنطقة في عدد سابق، وقد تلقينا هذا التقرير عن انتصارات
المجاهدين هناك من مكتب العلاقات الخارجية والإعلام للاتحاد الإسلامي في
أوجادين، شاكرين تواصلهم مع المجلة مع دعائنا لهم بالنصر والتمكين. البيان
[يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون]
[الصف: ٨]
مازالت الهجمات الصليبية المتحالفة مستمرة على إخواننا المجاهدين في
أوجادين، وقد ابتدأت منذ عامين إلا أنها أخذت طابعاً جديداً منذ يوم
١٠/١١/ ١٤١٤ هـ، وقد اختلف الهجوم الأخيرعن الهجمات السابقة لكونه أول هجوم تشترك فيه أطراف خارجية مباشرة منذ اندلاع المعارك، حيث شاركت في قصف المواقع طائرات أجنبية (غربية) ، كما تمثل القوى المحلية الصليبية الحكومة الأثيوبية التي تشترك في الهجوم البري المكثف، وذلك بعد أن خسرت مليشيات «التجراي» الكثير من محصلة إحدى وعشرين مواجهة في الفترات الماضية.
وقد أحبط الله كيد الصليبية التي خططت للتصفية النهائية للمجاهدين في هذا
الهجوم الأخير، بفضل الله ثم للأسباب التالية:
١- أخذ المجاهدون تكتيك عدم التمركز في مناطق معينة، وانتشروا في
أنحاء المنطقة وفي طولها وعرضها ليمارسوا حرب العصابات المستمرة في الليل
والنهار.
٢- بفضل من الله هطلت أمطار غزيرة لم ير لها مثيل في الآونة الأخيرة
وهذه الأمطار ساعدت المجاهدين، كما عرقلت وشلت حركة العدو الذي لم يستطع
الخروج من مناطق كثيرة مثل (لغب) حيث انقطعت الطرق، وتعطلت كثير من
آلياتهم ومعداتهم العسكرية.
وبعد أن أخفق العدو الصليبي في هجماته المتحالفة بدأ الانتقام من الشعب
الأعزل، وأخذ يمارس ضدهم ما يلي:
١- جمع أعيان الشعب وبخاصة المتهمين بأنهم من أنصار الجهاد، وقتلهم
بصورة بشعة.
٢- جمعوا المصاحف والكتب الإسلامية وكل ما هو مكتوب بالعربية
وأضرموا فيه النار.
٣- هدمت وأحرقت عدد كبير من منازل الشعب المسلم الأعزل.
٤- تقوم الطائرات الحربية بقصف آبار الشعب التي تشرب منها المواشي
التي يعتمد الناس في حياتهم المعيشية عليها، وذلك حتى يتوقف الشعب عن تأييده
للمجاهدين.
معارك وتنفيذ عمليات ناجحة:
قام المجاهدون بتنفيذ عمليات ناجحة في الأيام القليلة الماضية نذكر منها:
١- في ٢٠/١١/١٤١٤ هـ قام المجاهدون بالهجوم على مطار «جودي»
العسكري وتفجيره ليلاً، وكانت عملية ناجحة حيث عاد المجاهدون سالمين.
٢- في ٢١/١١/١٤١٤ هـ التقت كتيبة من المجاهدين ومجموعة من
مليشيات العدو في «هطاوي» قرب عاصمة المنطقة «جودي» ، ودار بينهما
قتال مري'ر كان النصر فيه حليف المجاهدين، وبينما هم يجمعون الغنائم من
المعدات الحربية وصلت الطائرات الحربية المساندة فانسحب المجاهدون من الموقع.
٣- في ٢٢/١١/١٤١٤ هـ تصادمت كتيبة من المجاهدين وقافلة للعدو قرب
بلدة «كنجدة» انهزمت قافلة العدو، وتمكنت من الفرار.
٤- في ٢٦/١١/١٤١٤ هـ نصب المجاهدون كميناً لناقلة للعدو تقل عدداً
كبيراً من جنودهم، وقد تمكن المجاهدون بفضل الله من الاستيلاء
على هذه الناقلة بعد قتال عنيف، وأصبح من فيها بين قتيل ومشرد، وغنم
المجاهدون غنائم عديدة من بينها عدد لا بأس به من البنادق وجهازي لاسلكي،
وكمية جيدة من الذخائر.
٥- في ٥/١٢/١٤١٤ هـ اصطدمت كتيبة من المجاهدين ومجموعة من
مليشيات العدو في موقع قرب بلدة «جرسلي» ، ودار بينهما قتال مرير استمر
عدة ساعات، وأسفرت هذه المعركة عن إبادة المجموعة النصرانية البالغ عددها
(٤٠) جندياً، حيث لم ينج منهم إلا اثنان فقط، وعادت الكتيبة المجاهدة إلى مواقعها
سالمة ولله الحمد.
٦- في ٦/١٢/١٤١٤ هـ قام المجاهدون بتنفيذ كميناً ناجحاً لقافلة في مدينة
«جودي» العاصمة، حيث اغتالوا جنديين وجرحوا واحداً من مليشيات العدو
الصليبي.
٧- في ٨/١٢/١٤١٤ هـ نصب المجاهدون كميناً لقافلة للعدو قرب مدينة
«قبردهري» ونجم عن هذا الكمين تدمير سيارة تقل عدداً كبيراً من جنود العدو الذين صاروا ما بين قتيل وجريح.
٨- في ١١/١٢/١٤١٤ هـ تمكن المجاهدون من تفجير سيارة وقتل من فيها
، كما استولوا على سيارة أخرى بحمولتها في نفس الموقع، وكان موقع العملية بين
مدينة «فبربيح» و «طجبحور» .
٩- ١٦/١٢/١٤١٤ هـ التقت سرية من المجاهدين ومجموعة من مليشيات
العدو قرب بلدة «شنيلي» ودار بينهما قتال مرير استمر لمدة يوم كامل وبفضل الله
فقد انهزم جنود العدو وولى ظهره تاركاً على أرض المعركة (٧٠) قتيلاً، أما
المجاهدون فقد قتل منهم عشرة وجرح خمسة، نسأل الله أن يتقبلهم شهداء في سبيله.
١٠- في ١٧/١٢/١٤١٤ هـ اشتبكت كتيبة من المجاهدين ومجموعة من
مليشيات العدو في نواحي مدينة «طجحبور» ودار بينهما قتال عنيف استمر نحو
ساعتين، وانتهت المعركة باندحار المجموعة النصرانية وانتصار المجاهدين،
حيث أسفرت هذه المواجهة عن قتل (٤٧) من الجيش الاثيوبي وجرح ما يربو عن
(٣٠) منهم، ومن جانب المجاهدين فقد سقط منهم (٣) مجاهدين، وأصيب (١٠)
مجاهدين آخرين نسأل الله أن يتقبل الموتى شهداء في سبيله.
١١- في ٢٨/١٢/١٤١٤ هـ هاجمت سرية من المجاهدين وفي وضح النهار
قاعدة للمليشيات التجرانية النصرانية في مدينة «طجحبور» ، فقتلوا اثنين من
جنود العدو وغنموا بندقيتيهما، وأصيب أحد المجاهدين بجروح طفيفة.
اعتقال الرئيس المحلي بعد عزله:
في ٢/١٢/١٤١٤ هـ الموافق ١٣/٥/١٩٩٤ م قامت السلطات الأثيوبية
باعتقال الرئيس المحلي لأوجادين «حسن جري قلنلي» ، ونائبه «أحمد علي
طاهر» ، وذلك بعد أن رفضا طلب هذه السلطات تسليم السلطة إلى «عبد الرحمن
محمد أغاس» المعين من قبلها لما في الأخير من الولاء الشديد إلى الذي يصل إلى
درجة العمالة للحكومة الاستعمارية.
وبعد أن تعرض الشعب للخطوات الوحشية السابقة من الغارات البرية
والجوية التي لا تفرق بين المجاهدين المسلحين وبين الشعب الأعزل، كما تعرضت
قيادته السياسية المتمثلة في الحكومة المحلية وبرلمانها المحلي إلى سلسلة من
التدخلات والمضايقات أدت إلى زجهم في السجن بصورة بشعة، والجدير بالذكر أن
إسقاط الحكومة المحلية في أوجادين واعتقال رؤسائها المحليين هو للمرة الثانية
خلال عام واحد.
وبعد هذه الخطوات بدأ في أنحاء المنطقة وبخاصة في المدن الرئيسة مثل
«جودي» العاصمة و «قبردهري» و «طجحبور» مسيرات ومظاهرات
واحتجاجات على هذه التصرفات غير الإنسانية، فكان رد الحكومة الأثيوبية أن
قامت بمزيد من المداهمات والاعتقالات الجماعية وبخاصة ضد أعضاء الحكومة
المحلية والبرلمان، بل تعدى الأمر في هذه المرة إلى إعدام أعداد كبيرة من أعيان
الشعب والوجهاء، فبدأ الشعب يخرج من المدن ليلتحق بالجبهات المسلحة بعد أن لم
يستطع الصبر على هذه الانتهاكات والممارسات من قبل السلطات الاستعمارية في
أديس أبابا، ويلاحظ أن هناك مشاركة فعلية من قبل الشعب في المعارك الأخيرة
بعد أن كانت محصورة بين مجاهدي الاتحاد الإسلامي وبين مليشيات «تجراي»
النصرانية في خلال العامين الماضيين.
وذلك أن الشعب كان يراهن في انتهاء الفترة الانتقالية للحكومة الأثيوبية،
ومن ثم تحديد موعد لإجراء استفتاء عام حول استقلال أوجادين ولما انتهت هذه
الفترة الانتقالية التي مددت عدة مرات من قبل الجبهة الحاكمة في أديس أبابا
(EPROF) اتضح للشعب خرافة الوعود الكاذبة التي ترددها هذه الشلة
الاستعمارية بأن لكل قومية أن تحدد تقرير مصيرها، وأن تختار ما تشاء في ظل
الدستور الجديد! بل أكثر من ذلك انكشف الوجه الحقيقي لهذه العصابة المتعصبة
التي كشرت عن أنيابها لتمارس سياسة الحديد والنار في قمع الشعب المسلم في
أوجادين، وتنكرت لكلامها المعسول الذي كانت تردده في الفترة الماضية عندما
شعرت أن بإمكانها حسم الصراع لصالحها عن طريق القوة العسكرية بواسطة
حلفائها الغربيين، الذين يتدخلون دائماً في الصراع الدائر في القرن الإفريقي لصالح
الأقلية الاستعمارية في أثيوبيا، والتاريخ القديم والحديث يثبت صحة ذلك.
وفي صعيد آخر فقد استعدت الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين للمواجهة
المسلحة مع مليشيات العدو، وانسحبت قياداتهم من المدن، وأغلقوا معظم مكاتبهم،
وقال الأمين العام لهذه الجبهة الوطنية «إبراهيم عبد الله» في مقابلة مع هيئة
الإذاعة البريطانية في ٢٨/١٢/١٤١٤ هـ: إن شعب أوجادين يتعرض لحملات إبادة
واعتقالات واسعة، بل وتعذيب وإعدامات في داخل السجون الجماعية وقال: أن
جبهته تقاتل بجانب مجاهدي الاتحاد الإسلامي لرفع الظلم والضيم عن الشعب في
الأوجادين، ولن نضع البندقية حتى نحصل على حقوقنا في تقرير المصير.
وهكذا نجد أن تخطيط الصليبية المتحالفة قد خاب وفشل [ويمكرون ويمكر
الله والله خير الماكرين] ، كما نجد أن الهجوم الواسع الذي اشتركت فيه أطراف
أخرى، والذي كان مخططاً منذ فترة طويلة وعلى تمثيل مستوى عال في العناصر
المتحالفة، قد باء بالفشل الذريع ولله الحمد وأصبحت نتائجه عكسية حيث إن
الشعب كله اشترك في المعارك الأخيرة، وأصبحت المسألة بين شعب أوجادين
المسلم البالغ ستة ملايين نسمة، وبين المليشيات الاستعمارية الصليبية.
ومما يدل على فشل هذا الهجوم الذي يهدف إلى استئصال المجاهدين وإخماد
أي مقاومة منهم أن المعارك والعمليات الناجحة قد ارتفعت بصورة واضحة أكثر من
ذي قبل.
ومن ناحية أخرى تشير الأخبار الواردة من أنحاء الأوجادين أن معنويات
المليشيات الاستعمارية في الحضيض، وأن آثار الملل والإرهاق ظاهرة عليهم لذلك
فإنهم الآن يبحثون التفاوض مع قيادات أوجادين لإنهاء التوتر الذي عم في أنحاء
المنطقة، إلا أنهم لم يجدوا استجابة حتى الآن لما اشتهروا به من الغدر والخيانة في
مفاوضاتهم الماضية.
ونحن بدورنا ننبه أن الحرب الدائرة في أوجادين حالياً ليست حرباً بين
الإتحاد الإسلامي وبين الحكومة الاثيوبية فقط، وإنما الحرب بين شعب أوجادين
المسلم الذي يئن تحت الاستعمار الحبشي منذ قرن من الزمن، وبين الحكومة
الاستعمارية النصرانية في أثيوبيا، وخير دليل على هذا اعتبار أوجادين منطقة
عسكرية منذ أن ضمتها بريطانيا إلى أثيوبيا عام ١٩٤٨ م ظلماً وعدواناً وإلى يومنا
هذا، حيث تندلع في كل عدة سنوات حروب طاحنة لتلخيص المنطقة من أيدي
المستعمرين، وما كانت حرب ١٩٧٧ م المشهورة بـ (حرب أوجادين) التي تعتبر
من أكبر الحروب التي عرفتها البشرية إلا واحدة من هذه الحروب.
لذا فإننا ننادي إخواننا في كل مكان أن يقفوا إلى جانب إخوانهم في أوجادين،
وأن يستنكروا الانتهاكات والممارسات غير الإنسانية التي يتعرض لها الشعب المسلم
من قبل نصارى الحبشة المتعصبين المغتصبين، حيث إن طبيعة المعركة لا تختلف
عن طبيعة المعركة القائمة في كل من فلسطين والبوسنة والهرسك.
نسأل الله تعالى أن ينصر عبادة المجاهدين في كل مكان، وأن يجعل الدائرة
والذل والصغار على من عادى وظلم.
стр. 1759
متابعات
الندوة الدولية حول التقريب في استانبول
عرض وتحليل
سعد بن محمد آل عبد اللطيف
أقيمت هذه الندوة في إستانبول بتركيا من ١٣١٥ فبراير ١٩٩٣ م برعاية
وقف دراسات العلوم الإسلامية بتركيا وهي مؤسسة علمية تعنى بالأبحاث
والدراسات العلمية، تحت عنوان (الشيعة عبر التاريخ وحتى يومنا الحاضر) ، وقد
بدأ الإعداد لهذه الندوة والأبحاث التي ألقيت فيها منذ ثلاث سنوات، وقد اشترك فيها
ستة عشر عالماً من جامعات تركيا، وقد قاموا برحلة علمية إلى إيران لمدة
أسبوعين.
والهدف من هذه الندوة: تدارس التقارب بين السنة والشيعة! ، وما هي
العوائق التي تحول دون ذلك.
وألقيت في بداية المؤتمر كلمة ترحيبية يمثل صاحبها أهل السنة! ! وكلمة
ترحيبة أخرى يمثل صاحبها الرافضة، والأول من بلد له ثقل كبير عند أهل السنة
والآخر له ثقل كبير أيضاً عند الرافضة، ولهذا الاختيار مغزى كما ترى، وقد اتفق
الطرفان على أن الخلاف بين طائفتيهما السنة والرافضة هو خلاف هامشي! !
ثم ألقيت البحوث التي أعدها أساتذة جامعات من تركيا، وفي الغالب كان يتلو
هذه البحوث تعقيب من الحاضرين من علماء ومثقفي الشيعة الحاضرين في الندوة،
وسنعرض لبعض أهم هذه الأبحاث عرضاً موجزاً.
الأبحاث:
*بحث بعنوان نشأة الشيعة وتطورها، د. أدهم روحي فغلالي رئيس جامعة
موغلا بتركيا تحدث في هذا البحث عن منشأ الخلاف وأساسه بين السنة والشيعة
وهو مسألة: الإمامة، وذكر أن الشيعة يسرون أن الإمامة بالنص وأنها لعلي بن
أبي طالب ﵁ ثم لأبنائه، وذكر أن الإمامة ركن من أركان الإيمان
عندهم، ثم تتبع أحداث التاريخ لرصد تطور معتقدات هذه الفرقة أي الإمامية الإثنا
عشرية.
ثم جاء تعقيب د. محمد علي آذرتب أستاذ في جامعة طهران بإيران حيث
شكك في دعوى أن الإثنا عشرية يقولون بأن إمامة علي بن أبي طالب كانت بالنص، وعرف التشيع بأنه هو الاعتقاد بأن علي بن أبي طالب وأهل البيت أفضل الناس
للخلافة بعد الرسول ﷺ فقط، ثم ذكر وعلى حسب زعمه أن
أغلبية الصحابة لم يبايعوا أبا بكر الصديق ﵁، ثم ذهب يطعن في
الأمويين والعباسيين [١] .
*بحث بعنوان آراء الشيعة في علوم القرآن، د. موسى كاظم يلماز من
كليات الإلهيات بجامعة طهران، وتحدث فقال: إن القرآن جاء بالتواتر دون زيادة
ولا نقصان، بخلاف الرافضة القائلين بوقوع التحريف في كتاب الله بأقوال علمائهم
ونقلاً عن مصادرهم، وجعلها على قسمين: القسم الأول المصادر والأقوال للعلماء
المتقدمين منهم ما قبل القرن الرابع، والقسم الثاني العلماء القائلين بهذا القول ممن
عاشوا ما بين القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر الهجري ثم ذكر قسماً ثالثاً وهم
القائلون بعدم وقوع التحريف.
ثم جاء التعقيب من محمد باقر حجي أستاذ كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية
بجامعة طهران الذي أكد في أول الأمر أن القرآن الكريم جمع في عهد النبي -صلى
الله عليه وسلم- وليس في زمن أبي بكر كما قال الباحث، ثم زعم أن الرافضة لا
يقولون بتحريف القرآن، وأن الروايات التي في هذا الباب هي ضعيفة السند وهي
مخالفة للقرآن والسنة والإجماع! ! ثم ذكر عدة كتب لهم تنفي القول بتحريفه وقال:
لو أن وجود روايات تدل على التحريف عند الشيعة يعني أن الشيعة يؤمنون
بتحريف القرآن لكان وجود الروايات الكثيرة الدالة على التحريف في نطاق واسع
عند أهل السنة! هي أيضاً دليل على اعتقاد أهل السنة بالتحريف! ! ثم ذكر بعض
هذه المرويات التي على فرض صحتها من جهة السند فليس فيها دلالة على
التحريف، من ذلك ما جاء في كتب الحديث أن آية الرجم نسخت تلاوة وبقيت
حكماً، ففي هذا الحديث دلالة على وقوع التحريف في القرآن الكريم كما يزعم!
ولا شك أن ذلك سفسطة [٢] .
*بحث رأي الشيعة الأمامية الإثنا عشرية في التفسير، د. علي أوزك كلية
الإلهيات بجامعة مرمرة تحدث عن عقيدة الإمامة عندهم وكون الإمام لابد أن يكون
معصوماً، وذكر أمثلة على تفسيرهم وتأويلاتهم لآيات القرآن الكريم في دعوى
الإمامة والنص فيها فيما يرى لعلي بن أبي طالب ﵁ وأبنائه من بعده.
ثم ذكر أركان مذهبهم وهي: العصمة، المهدية، الرجعة التقية وكيف أنهم
أولوا آيات القرأن الكريم لتسويغ هذه الأركان والاستدلال على أهميتها وشأنها في
الدين عندهم.
ثم تعرض للخصائص المشتركة كما يرى بين السنة والشيعة، وهي: التوحيد
النبوة المعاد، ولكن المعلوم أنهم نفاه لصفات الله عُبّاد للقبور غلاة في أئمتهم،
معرضون عن سنة النبي ﷺ ، معادون للصحابة رضوان الله
عليهم ... إلى آخر معالم مذهب القوم.
ثم ذكر الباحث أن العلم بالقرآن الكريم وبتفسيره هو خاص بالنبي وآل بيته
﵃ فقط، وذكر أن الإمام عندهم له أحقية التشريع!
ثم علق المهدي الحسيني الروحاني بأن أركان الدين الأربعة ليست أركان بل
هي أمور وقضايا فرعية! وأصول الدين عندهم هي خمسة: التوحيد العدل النبوة
الإمامة، وقال: إن القول بأن الشيعة ترى أن للإمام أحقية في التشريع يجب اتباعه
على ما يرى والتصديق بما يقول كذب عليهم! بل هو قول أهل السنة الذين جعلوا
الصحابة رضوان الله عليهم لهم أحقية التشريع! ! وهو يشير هنا إلى مسألة قول
الصحابي وحكم الأخذ بقوله، وهي مسألة أصولية وقع فيها الخلاف بين أهل السنة، ثم زعم أن أهل السنة يقولون كما تقول الشيعة بأن للقرآن ظاهراً وباطناً، (كذا
زعم!) [٣]
كان هذا التعليق المتهافت سبباً في أن يعقب الباحث د. علي أوزبك على
تعقيب الروحاني، حيث قال: إن المقصود في اجتماعنا هو الوصول إلى الحق
والتجرد له دون محاكمة الصحابة وآل البيت [٤] .
*بحث بعنوان أصول الدين عند الشيعة، د. عوني إنحاف كلية الإلهيات
بجامعة ٩ سبتمبر تحدث في بحثه عن أصول الدين عندهم، وهي: التوحيد والعدل، وقد وافقوا المعتزلة في هذين الأصلين: التوحيد بنفي الصفات والعدل بنفي
القضاء والقدر.
الأصل الثالث النبوة، والرابع الإمامة، والخامس المهدوية، والسادس المعاد، بالإضافة إلى الرجعة والتقية، ثم شكك الباحث في كونهم يعتقدون بتحريف القرآن، ويرى أن التقية أمر طبيعي ربما احتاج له المسلم العادي إذا ما خاف على نفسه أو
على من يعز عليه، وبخاصة وأن منهم الإثنا عشرية الذين لاقوا وذاقوا الكثير من
المحن والمصاعب، فكان هذا دافع للتستر خلف ستار التقية.
ثم جاء تعقيب آية الله مهدي الحسيني الروحاني الذي قال: إن كلمة الشيعة
تعظم أئمتهم كما زعم فإن هذا التعظيم لا يعدو مثل تعظيم أهل السنة للصحابة! ! ثم
ذكر أن قومه يوافقون الأشاعرة في تنزيه الله يعني نفي بعض صفات الله
بخلاف من وقع في التشبيه من أهل الحديث السافبين والحنابلة وابن تيمية
وأتباعه من الوهابيين! (كذا زعم) .
ثم يعود ويذكر أن المعتزلة هم الذين أخذوا هذين الأصلين عنهم: العدل
والتوحيد لا العكس، وهذا ادعاء غير صحيح، فإن الشيعة ومتقدميهم بخاصة
كالروافض كانوا في أول أمرهم مشبهة ومن رؤوسهم في هذا الباب كما هو معروف
هشام بن الحكم، ثم تحولوا إلي الاعتزال ونفي القول بنفي القدر ثم كيف يزعم في
أول الأمر أنهم وافقوا الأشاعرة في باب التوحيد؟ وهنا يرى أن المعتزلة قد وافقوه؟ والأشاعرة تثبت بعض الصفات وتنفي بعضها الآخر أما المعتزلة فينفون جميع
الصفات، فهل وافقت الرافضة حينما قالت بنفي بعض الصفات أو نفي الكل؟ ! ثم
يوافق الباحث في أنهم لا يقولون بتحريف القرآن! ! ويخالف الباحث في أن التقية
والرجعة والبداء ليست من العقائد بل هي من المسائل الفرعية.
*بحث بعنوان مناقشة آراء الإمامية وتقييمها حول موضوعات أصول الدين،
د. يوسف شوقي ياووز كلية الإلهيات بجامعة مرمرة تعرض لما تعرض له زملاؤه
السابقون، ثم أشار إلى أن التقية والعصمة والإلهام الغيبي كانت وراء ما أسماه
بـ (الإمامية الإلهية) .
ثم تحدث الباحث بمرارة عن عقيدتهم في أئمتهم المجتهدين، وأنها فتحت باباً
للظلم والاستبداد والعبودية، ونقل عن أحد علمائهم أنهم يرون طاعة المجتهدين من
علمائهم في كل شيء، ومن رد عليه فهو راد على الإمام والراد على الإمام راد
على الله [٥] .
*بحث بعنوان الفكر الشيعي من التقية والانتظار إلى الولاية المطلقة، أحمد
الكاتب، تحدث في بحثه عن الفكر السياسي الشيعي مرحلة الانتظار والتقية حيث
تجمد الحدود عندهم والقضاء وغيرها من الأمور حتى يخرج الإمام من السرداب،
وهناك من قال بفكرة النيابة وذلك بأن يقوم الفقهاء بالقضاء وأخذ الزكوات وغيرها.
وكانت النيابة بذرة لفكرة وعقيدة ولاية الفقيه التي تطورت على يد الخميني
حديثاً حيث أخذ ببث هذه الفكرة بين طلابه في النجف، وألف في شأنها كتابه
الحكومة الإسلامية، ثم قام بالتطبيق العملي لهذه الفكرة حينما وصل إلى سدة الحكم
في إيران، وللحكومة الإسلامية وتحت ستار ولاية الفقيه أن تفعل ما تشاء، فلها
مثلاً أن تهدم المساجد إذا رأت ذلك، أو تمنع أفراد الشعب من الحج إلى مكة
المكرمة ... إلى غير ذلك [٦] .
*بحث بعنوان التقية والعصمة والإلهام عند الشيعة الإمامية د. موسى
الموسوي رئيس المجلس الإسلامي في لوس أنجلس بأمريكا قال في شأن التقية:
كانت ولازالت لها آثارها السيئة في حياتنا، ولازلنا ندفع ضريبتها الباهظة.
وضرب أمثلة على عقيدتهم التقية فقال: إن عقيدتهم في الخلفاء الراشدين
عقيدة غير حسنة كما تشهد بذلك كتبهم ولكنهم يضمرون هذه العقيدة أمام أهل السنة
ويقولون فيهم قولاً حسنا.
ويرفض أن تنسب عقيدة التقية إلى الأئمة من آل البيت، ثم قال عن عقيدة
عصمة الأئمة: إنما وضعت هذه العقيدة لأجل غاية وهي القول بـ الإمامة الإلهية،
وشهد شاهد من أهلها [٧] .
وهناك أبحاث أخرى منها: الثورة الإسلامية الإيرانية والشيعة في القرن
العشرين، الشيعة من القرن العاشر إلى القرن العشرين [٨] ، فروع الدين عند
الشيعة، العبادات في المذهب الجعفري، التصوف عند الشيعة الزيدية ... وغيرها
من الأبحاث.
وفي الختام:
توالت كلمات الحاضرين من أهل السنة من غيرالأتراك من رعايا الدول
العربية وباكستان ممن هم على مذهبهم بالثناء على هذه الندوة، ودعوتها إلى الوحدة
الإسلامية ونشر المحبة بين الفريقين أهل السنة والشيعة، إلا أنهم أكدوا على جوب
توضيح موقفهم أي الرافضة من مسألة وقوع التحريف في القرآن الكريم ومسألة
سب الصحابة وتحذيرهم عامتهم من الوقوع في هاتين المسألتين، كما دعى ممثل
إيران إلى أن يكون الاجتماع القادم في إيران وبإشراف مجمع التقريب بين المذاهب
الإسلامية الموجود هناك [٩] .
وقفات مع هذا المؤتمر:
أولاً: يتميز هذا المؤتمر أو الندوة بالطابع العلمي الأكاديمي إلى حد ما ومن
ثم فهو ليس كغيره من مؤتمرات التقريب التي يغلب عليها الجانب العاطفي والدندنة
حول شعارات الوحدة الإسلامية ومواجهة الأعداء ... الخ.
ولكن ينقص أصحاب هذه البحوث الشيء الكثير من التأصيل العلمي الشرعي
للموضوعات المطروحة، وما يترتب على معتقداتهم تلك مع أهمية عدم الاغترار
بزخرف قولهم وبخاصة وأنهم أهل تقية، ومعرفة أقوال سلف الأمة والعلماء
والمعتبرين المعاصرين فيهم، والرجوع إلى كتب الملل والنحل لمعرفة حقيقة
مذهبهم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، إذ كيف تعرف ذلك إلا بمعرفة أحكام وشرائع
هذا الدين من مصدريه الصحيحين الكتاب والسنة والتجرد للحق ونصرته دون
مواربة أو مجاملة أو عواطف زائفة؟ !
فهناك من الباحثين من هَوّن من شأن في إثبات الصفات المثلى لله
كما دلت على ذلك النصوص الشرعية كما هي عقيدة أهل السنة أما القوم فهم ينفون
هذه الصفات، فيرون أن الأمر ليس ذا أهمية وأنها قضية هامشية؟ ! وهناك من
شكك في كونهم يقولون بوقوع التحريف في القرآن وغيرها من الأخطاءالثابتة فعلياً
في مراجعهم المعتمدة.
ثم لابد للباحث من الحصيلة العلمية الشرعية الصحيحة والعقيدة والتصور
الصحيح من أجل التقييم الصحيح على وفق منهج أهل السنة والجماعة، ومما يدل
على ضعف الحصيلة العلمية الشرعية عند هؤلاء الباحثين، عدم تعرضهم لتوحيد
العبودية عند أولئك، وبخاصة وأن مواقفهم معروفة في هذا الباب، كيف لا وهم
يحجون إلى قبور أئمتهم؟ ! كما هو معروف في مشاهدهم في العراق وإيران مثلا.
ثانياً: الغاية من المؤتمر والمقصد منه هو التقريب، وهي غاية فيها نظر،
فهل يجوز التقريب بين أهل السنة والمبتدعة، فضلاً عن أولئك؟ ! وهل المقصود
من التقريب التنازل من أهل السنة عن عقائدهم! ! أم هل يمكن الاجتماع معهم وهم
يقولون بوقوع التحريف في كتاب الله ويردون السنة؟ ! ويكفرون الصحابة.
ثالثاً: عند وقوع التنازع بين أهل السنة والقوم سيقوم أهل السنة بالرجوع إلى
الكتاب والسنة عند وقوع هذا الاختلاف والتنازع، عملاً بقوله تعالى: [فإن
تنازعتم في شيء فروده إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك
خير وأحسن تأويلاْ] [النساء: ٥٩] ، أما أولئك فيقولون أن القرآن الكريم محرف وربما أولوه على أهوائهم، أما السنة فهي عندهم ما نسبوه إلى أئمتهم (فقط) ، ويطعنون في الصحابة رضوان الله عليهم إلا القليل منهم ويطعنون في السنة إلا أحاديث معدودة، يقدمون أقوال علمائهم ومراجعهم في الحوازات العلمية على نصوص الوحي، فكيف يتفق الفريقان بل كيف يلتقيان؟ !
رابعاً: توصل بعض الباحثين إلى نتائج طيبة في معرفة عقيدة القوم من
القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم إلى الطعن في الصحابة، إلى التقية
والعصمة وغيرها، ولكن ماذا يترتب على هذه العقائد من حكم قائلها، وكيف
نتعامل معه على ضوء معتقداته الفاسدة؟ هل يمكن بعد كل ذلك أن نجلس معه
ونتحاور ونثني عليه ونحسن الظن؟ !
كيف نكون مع قوم يطعنون في كلام الله ووكلام رسوله -صلى الله عليه
وسلم- وفي صحبه الأطهار، ويرجون ليوم يظهر فيه إمامهم المزعوم ليهدم الكعبة
ويقتل أهل السنة ويبطش بهم؟ ! كيف يؤمن جانبهم وهذا ما يؤمنون به، وإلى
متى نبقى سذجاً إلى هذا الحد؟ !
стр. 1760
في دائرة الضوء
محاسبة النفس ونقد الذات
رؤية دعوية لإصلاح المسار
عبد العزيز بن محمد الوهيبي
تمهيد:
لقد سرني وأثلج صدري ما كتبه الأخوان الفاضلان الأستاذ/ جمال سلطان في
مقاله (الدعوة السلفية رؤية نقدية) ، وما كتبه الأستاذ/ أحمد الصويان في مقاله
(الاستبداد الدعوي) اللذين نشرا في العدد (٧٣) من هذه المجلة فهيج ذلك المقالان
شجناً قديمتاً عندي، وأحببت الإدلاء بدلوي في الموضوع بهذه المقالة، عسى أن
تدفع هذه المشاركة الآخرين لتناول تلك القضية من زوايا أخرى تعين على وضوح
الرؤية، وسلامة الفهم، وحسن السلوك. والله من وراء القصد.
ثمة عيبان بارزان، وشاهدان عدلان على ضعف الإنسان وعجزه وقصوره،
هما: الظلم والجهل.
[إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها
وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماْ جهولاْ..] [الأحزاب: ٧٢] .
هاتان الآفتان هما أساس كل بلاء، وجذر كل نقص في بني آدم، ويمكن رد
كل آفة أو عيب من غيرهما إلى هاتين الآفتين مباشرة أو بطريق غير مباشر.
والوعي بهاتين الآفتين والسعي لتلافيهما دلالة على سلامة المنطلق، ونجاح المآل
بإذن الله تعالى.
آفة الظلم:
وهي العيب الأول، وهو عيب أخلاقي وله مظهران: المظهر الأول فردي
يتمثل في أسوأ صورة، التي تتمثل في الشرك بالله تعالى، يقول سبحانه: [إن
الشرك لظلم عظيم..] [لقمان: ١٣] ، وأي ظلم أعظم من الشرك بفاطر الأرض
والسموات؟ !
والمظهر الثاني لهذا العيب الخطير جماعي متعد، يتمثل في ظلم الناس،
وأسوأ صورة له هي الكبر الذي قال عنه النبي ﷺ (الكبر بطر
الحق وغمط الناس ... [١] ، وقال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من
كبر ... ) [٢] .
آفة الجهل:
وهي العيب الثاني، وهو عيب معرفي ويتجلى هو الآخر في مظهرين:
المظهر الأول الجهل بالشريعة المنزلة على محمد ﷺ ، وذلك
بالإعراض عنها كلياً وهو حال الكافرين المستكبرين الذين قال الله عنهم: [والذين
كفروا عما أنذروا معرضون] [الأحقاف: ٣] ، أو الإعراض عن بعض ما جاء به
الرسول ﷺ وهو حال العصاة الفاسقين، أو المبتدعة الزائغين،
الذين قال الله عن أشباههم: [أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء
من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد
العذاب..] [البقرة: ٨٥] .
الأمر الذي يؤدي إلى التفرق والاختلاف، [فنسوا حظاْ مما ذكروا به فأغرينا
بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة..] [المائدة: ١٤] ، ذلك الجهل وذلك
الانحراف نابعان من اصطناع منهج منحرف في الاستدلال كمناهج الصوفية ...
والباطنية، أو قصور المنهج المعتمد كمناهج الخوارج، وتلك صورة تتكرر،
وماتزال حيث تتمسك بعض الطوائف ببعض الجوانب التي حث عليها الإسلام وأمر
بها، فتجعل منها قضية الإسلام الأولى والأخيرة وتتمسك طائفة أخرى بجانب آخر
وتعطيه الأهمية نفسها، وتنكر الواحدة منهما على الأخرى وتقاطعها وتدابرها،
وتتمزق الصفوف، وتبدد الجهود وربما وصل الأمر إلى التفسيق والتبديع، بل
ربما وصل الأمر إلى التكفير وإهدار الدماء، نسأل الله السلامة والعفو والعافية.
تلك بعض آثار المظهر الأول من مظاهر الجهل.
المظهر الثاني وهو الجهل بالواقع: إذ أن الشريعة أحكام كلية وضعت لتعالج
أحداثاً جزئية، ولذلك لابد من فهم الواقع بشكل صحيح، من أجل تنزيل أحكام
الشرع عليه، ومن صور الجهل بالواقع اصطناع منهج في الفهم والتحليل يقود دائماً
لفهم خاطئ ومعالجة خاطئة، ومن الأمثلة الشهيرة في التحليل السياسي على سبيل
المثال نظرية المؤامرة، تلك التي ترجع كل الأحداث والوقائع والمستجدات لمؤامرة
عالمية واحدة يختلف في تحديدها ولكن النتيجة واحدة مؤامرة شديدة الإحكام، شديدة
الدقة، شديدة النجاح لا نملك إزاءها صرفاً ولا عدلاً، وتحيط بكل شيء علماً، قد
تكون خلف هذه المؤامرة الماسونية السرية، ذات القيادة الخفية، وهي حكومة
عالمية خفية تجتمع وتخطط، وتدبر كل شيء، وكل هذه الحكومات والدول
والمنظمات إنما هي أحجار على رقعة الشطرنج، تتحرك وفق مخطط مدروس كي
تنفذ لعبة الأمم، وتعبث بمقدرات الشعوب..
هذه النظرية ليست مختصة ببعض المسلمين، بل هي منهج مريح يعفي من
تبعات التحليل والتدقيق والمراجعة، وكانت سائدة في بعض المدارس التحليلية
الأمريكية عندما كانوا يرون الشيوعية خلف كل خطر يتهددهم كما هو لدى المكارثية.
تلك أربعة فروع من فروع الخلل السلوكي (الأخلاقي) والخلل المعرفي تتفرع
عنها فروع أخرى كثيرة.
مدارس فهم النص:
في المسألة المعرفية الاستدلالية نود طرح هذا السؤال: هل جاء الإسلام
بمفردات نصوص تؤخذ هكذا مبعثرة، ويتعامل مع كل نص بمفرده كأنه منهج
مستقل وتشريع منفرد، أم ينظر إليه كما ينظر إلى الخلية في الجسد الحي لا قوام
لها إلا به، ولا حياة لها إلا بحياته، وعزلها وفصلها يعني موتها المحقق..؟ ! ثم
إذا سلمنا بأن الشريعة كل متكامل يصدق بعضها بعضاً، ويؤيد بعضها بعضاً كما
قال الله تعالى: [الله نزل أحسن الحديث كتاباْ متشابهاْ مثاني] [الزمر: ٢٣] ،
فأي هذه النصوص هو المحور، وأيها الأطراف؟ ! أيها هو العمود الفقري،
وقطب الرحى الذي لا قيام لغيره إلا به..؟ ! أيها المحكم الذي يمكن من خلاله فهم
المتشابه ... الملتبس الغامض..؟ ! ولنأخذ على ذلك مثلاً توضيحياً سريعاً: في
مسألة الموقف من عصاة الموحدين في شريعة الإسلام، فنحن نجد هنا مدارس
متعددة في فهم النص وإدراكه أشهرها ثلاث:
أولا الخوارج: الذين آمنوا بأن النص المحكم في هذه المسألة هو قول الله
: [ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا..]
[الجن: ٢٣] ، وكل نص خلاف هذا النص فهو عندهم مردود عليه، فنصوص مغفرة
الذنوب دون الشرك، مثل قوله سبحانه: [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
ذلك..] [النساء: ٤٨] ، المقصود بها ما دون الكبائر.. وهكذا، ومن خلال هذا
الفهم السيء فإن مرتكب الكبيرة المصر عليها كافر خارج من الملة مخلد في نار
جهنم والعياذ بالله..! !
ثانياً المرجئة: الذين قالوا بأن النص المحكم في هذه المسألة قوله سبحانه
وتعالى: [قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله
يغفر الذنوب جميعاْ] [الزمر: ٥٣] ، وكل نص يفهم من ظاهره خلاف هذا النص
فهو غير مراد والواجب تأويله، فمثلاً الآية التي استدل بها الخوارج على مقولتهم
السابقة، فإن المقصود بالمعصية في الآية هو المعاصي المكفرة كالسخرية بالدين،
أو ذم الرسول- ﷺ ، أو كراهية ما أنزل الله ... الخ.
ثالثاً مدرسة الصحابة أو المنهج الحق: أما علماء الصحابة ومن اقتفى أثرهم، فقد رأوا أن في المنهجين خللاً معرفياً استدلالياً ظاهراً، ذلك أنه في حقيقة الأمر
فإن الآية المحكمة في الباب هي قوله : [إن الله لا يغفر أن يشرك
به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..] [النساء: ٤٨] ، فبهذه الآية تجتمع أطراف
النصوص ويفسر بعضها بعضاً، فنصوص الوعد بالجنة للموحدين العصاة الذين
يقترفون الكبائر، هي بعد تطهيرهم في النار حيناً من الدهر، أو بمغفرة الله سبحانه
وتعالى لهم، ونصوص الوعيد على المعصية المقصود أن الفاعل لها مستحق للوعيد
وقد يعاقب بذلك العقاب، وقد يغفر الله له، أو تكفرها طاعاته أو البلاء الذي يصيبه
في الدنيا، أو غير ذلك من الأسباب، ولا ريب أن فهم السلف هو الفهم السديد،
وهو مقتضى النصوص الواردة المتواترة في إقامة الحدود على مرتكبي الكبائر، إذ
لو كانوا كفاراً لوجب قتلهم، ولغير ذلك من الدلائل.
ولا ريب أن هذا الفهم هو الذي يعصم المجتمع من التمزق والحروب الداخلية
الناجمة عن رؤية وفهم الخوارج، كما يعصمه من التحلل وانتشار الفساد والجريمة
الناجم عن الرؤية الإرجائية.
ومن هنا نفهم حقيقة قول الله سبحانه: [فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله
والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاْ]
[النساء: ٥٩] ، فالرد إلى الله والرسول ليس عملاً تعبدياً فقط ينجو به الفاعل من عذاب الآخرة، بل هو أيضاً أحسن مآلاً ومصيراً في الدنيا للأفراد والجماعات.
ولقد دلت نصوص الكتاب والسنة على الأهمية الكبرى لمراجعة المسيرة ونقد
الذات، والنصوص في هذا كثيرة جداً، فمن ذلك قوله سبحانه: [والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..] ... ...
[التوبة، ٧١] ، فجعل مناط الولاء هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك ظاهر لا ريب فيه، إذ إن المداهن الساكت عن مخالفات أخيه يكون في صدره حرج منه، كما أن لأخيه حرجاً هو الآخر إذ هو يعلم أن أخاه منكر في نفسه لهذا الفعل، ولكنه لا يبين له هذا الإنكار مما يدل على وجود حاجز بينهما، ومنها قوله : [لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون..] [المائدة: ٧٨، ٧٩] ، فكان سبب حلول اللعنة عليهم ترك التناصح والتذكير.
ولقد حفلت نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة بالكثير من التقويم
والمراجعة والتصحيح، فمن ذلك الآيات في غزوة بدر الكبرى التي فرقت بين
الحق والباطل، واختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قسمة
أول غنائم يحصلون عليها، ونزول سورة الأنفال تعالج هذا الحدث العظيم:
[يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا
الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم..]
[الأنفال: ١، ٢] ، وهكذا تمضي الآيات متوالية في درس تربوي طويل وعظيم
وعجيب..
ومع نزول هذه الآيات، وبعد عام فقط، تكون الأنفال هي السبب الأساس في
هزيمة أحد، وتتنزل الآيات لا تجاملهم ولا تحابيهم رغم هزيمتهم وألمهم يتنزل فيهم
قوله سبحانه: [ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم
في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد
الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ... ] [ال عمران: ١٥٢] .
هكذا يجتمع عليهم الدرس العملي القاسي بالهزيمة، والدرس النظري بالملامة، كتاباً يتلى إلى يوم القيامة، ويسمع به خصومهم، ولا يقال: ربما شمت الأعداء
بنا.. ربما وربما..، بل يكون البيان في وقت الحاجة إليه والتذكير في قمة
الانفعال، ليكون ذلك أبلغ وأعمق أثراً.
وفي مواقع وأماكن وحوادث كثيرة أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن
تستقصى، حتى لقد صح عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه
قال: (كنا لا نتباسط مع نسائنا والوحي ينزل مخافة أن ينزل فينا شيء، حتى إذا
قبض رسول الله ﷺ تباسطنا..! ! بهذه الحساسية كانوا
رضوان الله عليهم يتلقون الوحي، ويستمعون إليه.
ضرورة المحاسبة والمراقبة:
من هذه النصوص ومن غيرها، ندرك الأهمية القصوى لمحاسبة النفس
ومراجعة المسيرة، وتصحيح الطريق، وهي حقيقة موضوعية تنبه لها عقلاء
البشر وأسوياء العالم، فوضعوا لهذا الغرض مجالس الشورى ودواوين المراقبة،
وغير ذلك، ومن هنا كانت الأهمية الكبرى لأن يتعود الدعاة وقفات المراجعة
ومجالس المناصحة، ومؤتمرات التصحيح، وأن يرحبوا بالنقد الهادف ويصبروا
على التوجيه الإيجابي، بل ويصنعوا الأدوات والآليات التي تضمن لهذا النقد وذلك
التوجيه أن يؤتي ثماره وينتج فوائده المرجوة.
خلل في زوايا ثلاث:
وسأتطرق لهذا الموضوع في هذه العجالة من زوايا أساسية ثلاث، أرى أن
الخلل يظهر واضحاً فيها وهي:
أولاً فقه المقاصد وغايات الدين الكبرى:
ففي هذه الزاوية يظهر خلل عميق شديد الإيذاء في فهم كثير من الدعاة
والجماعات للغايات الكبرى للدين، وترتيبها فيما بينها، وفي ترتيب الأولويات
ويتجه كثير من هؤلاء إلى التعامل مع هذا الموضوع ومع جميع القضايا إلى التفكير
البسيط المختزل، ومن خلال هذا التفكير المبسط لدرجة الإخلال يتحرك الفرد
والجماعة، ويرسم طريقه، ويحدد مساره.
فمثلاً يسأل سائل: لم خلق الله الخلق؟ فتكون الإجابة: ليعبدوه وحده سبحانه
وتعالى، بدليل قوله ﵎: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ... ]
[الذاريات: ٦٥] ، أي يوحدون.
ثم يسأل: وما التوحيد؟ فيجاب: هو إفراد الله ﵎ بالعبادة وهو
ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، ثم ينسى توحيد
الألوهية ويركز على النوع الأخير لأنه النوع الذي يكثر فيه الانحراف حسبما يرى، فلا يتحدث إلا عنه ولا يناقش إلا فيه، ولا يدندن إلا حوله وينسى أولاً أن العبادة
اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة، وأن
عمارة الأرض، ورحمة البشرية، والقوامة على الناس من أنواع هذه العبادة، وأن
الله ﵎ جعل وجود الجماعة لتحقيق هذا الغرض، والقيام بهذه الرسالة،
فقال سبحانه: [هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..] [هود: ٦١] ،
أي طالبكم بعمارتها.
ولذلك يغيب هذا البعد للأسف الشديد عن أذهان كثير من الإخوة الدعاة، فلا
يلتفتون إليه، ولا يعالجونه، ولا يسألون عنه، بل ربما نظر إليه بعضهم نظرة
نفور وتنفير، بل ربما نظرة تبديع وتضليل، فيرون الاهتمام بإعداد القوة التي أمر
الله بها: [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..] [الأنفال: ٦٠] يرون ذلك نوعاً
من التساهل وتضييع قضايا الدين، ويجهلون أنهم إنما جعلهم الله ﵎
للشهادة على الناس والرحمة للعالمين: برهم وفاجرهم مسلمهم وكافرهم: [وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين] [الأنبياء: ١٠٧] [وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا
شهداء على الناس..] [البقرة: ١٤٣] ولذلك فهم لا يقومون بأي جهد لعمارة
الأرض على أحسن صورة، ولإعداد القوة، وللشهادة على الناس.. بل تراهم
يُزَهّدون في فهم الواقع، وفي متابعة المستجدات المهمة، وفي تعلم اللغات الأجنبية
وغيرها وباختصار كل ما من شأنه الحصول على القوة، والقيام بالشهادة.
ثانياً إ دراك الذات ومعرفة الآخر وكيفية التعامل معه:
ولقد جعل الله لكل من آفتي الظلم والجهل دواءً، فدواء الجهل السؤال والتعلم، ولذلك يقول ﷺ لمن أفتوا صاحب الشجة بالاغتسال حتى
مات (قتلوه قتلهم الله.. ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العي السؤال..) [٣]
فالعلم بنوعيه: العلم بالدين والشرع، والعلم بالكون والواقع هما الشفاء للداء العريق
في الإنسان، داء الجهل، وقد يسر الله وحيه ودينه: [ولقد يسرنا القرآن للذكر
فهل من مذكر..] [القمر: ٣٢] ، كما يسر فهم كونه، وقد وضع الحدود الشرعية
والكونية، والمخالف لها إنما يضر نفسه، ويدمر مجتمعه وتبقى السنن ويتمزق هو: [تلك حدود الله فلا تعتدوها..] [البقرة: ٢٢٩] ولقد أدرك علماء الطبيعة ذلك
فالتزموا بالحدود الكونية كما هي دون أن يسألوا عن سبب مقدار سرعتي الضوء
والصوت، ولا عن سبب مقدار عجلة الجاذبية، ولكنهم اكتفوا بقياسها والتزموا به، ولو خالفوه لدمرت آلاتهم وخاب سعيهم.
وهكذا الشأن في أمر الله الشرعي ووحيه المنزل، فهو يسير ولكنه خطير،
سهل ولكنه ثقيل..: [إنا سنلقي عليك قولاْ ثقيلاْ..] [المزمل: ٥] ويكفي أن
نعلم أن أخطر مذهبين عقائديين شهدهما العصر الحديث، وقامت على أساس هذين
المذهبين ما يسمى بالدول العظمى روسيا وأمريكا، وهما الرأسمالية والاشتراكية
(الشيوعية) ومجالهما الحيوي الاقتصاد.
إن هذين المذهبين نُقضا في كتاب الله ﵎ في آية واحدة هي قوله
سبحانه: [ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا..]
[البقرة: ٢٧٥] ، فكون البيع حلالاً ذلك نقض للاشتراكية التي تدعو للملكية العامة،
وإبطال ملكية الأفراد في النهاية وتحريم البيع بذلك، وتحريم الربا نقض للقاعدة
المركزية في النظرية الرأسمالية، وهي قاعدة الربا التي لا وجود للنظام إلا بها.
من ذلك يتبين لنا أن دعاة الإسلام والساعين لتغيير مجتمعاتهم حتى تسير وفقاً
لشريعة الله ﵎، عليهم أولاً وقبل كل شيء فهم شريعة الله ﵎
كما أنزلها لا كما تهوى نفوسهم وترغب أفئدتهم، عليهم فهمها بشمولها وعمومها،
وبالطريقة االصحيحة المعتبرة، عليهم أن يثنوا ركبهم لهذا الغرض ويصبروا
ويصابروا، وعليهم كذلك فهم واقع مجتمعاتهم والواقع الدولي من حولهم، وتنزيل
هذا الفهم الشرعي على الواقع المتغير المتجدد، كي يتمكنوا من قيادة ركب البشرية، وليس فقط منافسة خصومهم والوقوف أنداداً لهم.
ثم عليهم بعد ذلك الفهم، وهذا الوعي تربية ذواتهم ومن معهم على الجوانب
السلوكية والسبل العبادية لله ﵎، والقيم الخلقية مع عباده المؤمنين وغير
المؤمنين، وهي عملية شاقة فعلاً، ولكن لا مناص عنها، كانت تلك هي منهجية
رسول الله ﷺ وصحبه حبه، يقول ابن مسعود ﵁: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعلمهن، ونعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً.
ولا سبيل غير هذا السبيل: علم وعمل، معرفة وسلوك، قول وفعل ظاهر
وباطن.. ولقد لبث رسول الله ﷺ ربع قرن يربي أصحابه
بالعلم والعمل ثم ما لبث في الربع الثاني أن هز بهم رضوان الله عليهم أجمعين
الدنيا وجابه بهم التاريخ، وأسقط بهم القوتين العظميين: فارس حيث أخبر
عنهم ﷺ : (إذا هلك كسرى فلا كسرى غيره..) [٤] ، والروم البيزنطية التي انكفأت على نفسها في أوروبا، ولم ترفع رأسها طوال عشرة قرون حتى جاء العصر الحديث، والذي حدث أول مرة يمكن أن يتكرر مرة أخرى إذا وجدت شروطه الموضوعية، لأن الوحي لايزال موجوداً محفوظاً:
[هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله..]
[الصف: ٩] .
ثالثاً إدراك سنن الله في الكون والأفراد والجماعات:
لقد تعلمنا من كتاب الله ﵎ وسنة رسوله، أن لله في مسيرة الكون
والمجتمع سنناً دقيقة قابلة للرصد تحتاج، للتعامل معها والتحرك من خلالها، كما
قال سبحانه: [فلن تجد لسنت الله تبديلا، ولن تجد لسنت الله تحويلاْ..]
[فاطر: ٤٣] ، ومن تلك السنن الكثيرة أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن
للتمكين في الأرض شروطاً وضوابط: [إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين..] [البقرة: ١٢٤] ، وقال أيضاً: [إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم..] [محمد: ٧] .
ومن ذلك أن الناس يسارعون لتكذيب من يأتيهم بالغريب غير المعتاد
ويحتاجون لكثير من الوقت حتى تختمر الفكرة في أذهانهم فيؤمنوا بها: [بل كذبوا
بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله..] [يونس: ٣٩] ، ومن ذلك أيضاً أن
الجماهير تخضع لما يسمى في نظريات الإعلام بالعقل الجمعي وقادة الرأي، قال
تعالى: [إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس
وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول
البشر..] [المدثر: ١٨-٢٥] ، قال هذا قائد الرأي الجاهلي الوليد بن المغيرة ثم رددتها الجماهير من ورائه دون تفكير، ولذلك طالبها ﵎ بالنظر الفردي أو الثنائي: [قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد..]
[سبأ: ٤٦] .
وإذا صح هذا في الجاهلية مع التخلف الإعلامي والاتصالي والانتقالي فهو في
العصر الحديث أجلى وأوضح وأظهر، لذلك فإن ثقل الأمانة وضخامة التبعة على
الدعاة في الوقت الحاضر كل ذلك ضخم جداً، ولن يطيقوه إلا بالعلم ديناً ودنيا،
والعمل الجاد عبادة وعمارة، والتربية الصالحة العميقة نسكاً وخلقاً، ثم رص
الصفوف ووحدة الكلمة، على كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، والوعي
بالواقع والسنن، والتحرك بالأهداف البعيدة والكبيرة: [ولينصرن الله من ينصره
إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا
بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور..] [الحج: ٤٠، ٤١] .
والحمد لله أولاً وآخراً.
стр. 1761
منتدى القراء
من مآسي تاريخنا المعاصر
صالح محمد العصيمي
وقفت ذات يوم ممعناً النظر في خريطة العالم الإسلامي، وكلما نظرت إلى
بقعة في تلك الخريطة أغمضت عيني، ثم صرفتهما بسرعة إلى بقعة أخرى ثم
بدأت أبحث عن مكان يكسوه اللون الأخضر، ولكن للأسف كانت تلك الخريطة تكاد
أن تكون حمراء اللون والدماء الزكية تسيل في شعاب العالم الإسلامي وأوديته
وتتجمع أنهاراً مع أنهار الدموع لتكون بحر المأساة الكبرى، أما الرؤية في بحر
المأساة فإنها معدومة فشمس الإسلام قد حجبت بغبار الذنوب والخطايا.
ففي البوسنة والهرسك يقتل المسلمون، ودول الغرب تحيك المؤامرات.
والمسلمون يبلغون المليار، يعيش أكثرهم بلا هدف، ولا هم مشترك وذلك يجعلهم
مجرد هامش في صفحة التاريخ.
كان اليهود والنصارى وأمم الأرض جميعاً يهابوننا عندما كنا نهاب الله
ويخشوننا عندما كنا نخشى الله، ويأبهون بنا عندما كنا نهتم بإخواننا في كل مكان،
أما وقد تركنا ذلك كله فكان لزاماً أن تمضي سنة الله فينا [إن الله لا يغير ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم] [الرعد: ١١] .
إن نداءات المسلمين من يوغسلافيا أو من الفلبين أو من الحبشة والهند موجهة
أساساً إليك أنت! .. نعم أنت يا من تقرأ هذه السطور وتقلب هذه الصفحات، هل
تعتقد أن المخاطب غيرك أو أن المسؤول سواك؟ كلا وإن كنت تحسب ذلك فاعلم
أن هذه هي المشكلة وأن هذا هو الخلل.
عندما صاحت تلك المسلمة وامعتصماه، كان هناك رجل مسلم لم يتجاهل
الأمر، كذلك فإنه لم يقل: هل سأقاتل الروم وحدي! ! ولكنه فعل ما يستطيع
فركب البحر ثم جد في السير حتى بلغ المعتصم فبلغه الصرخة، ولو أن كل واحد
منا عرف تقصيره فعمل لإكماله لكان الأمر هيناً، ولكن للأسف كل من سمع
بالمصائب اعتقد أن المخاطب هو كل مسلم يعيش على هذه البسيطة سواه.
اعلم يا أخي أنك بإيمانك وبغيرتك على أمتك تمثل أمة واحدة ودولة كاملة،
فيك جهاز للدفاع عن الأمة، وفيك جهاز للإعلام بواقع الأمة، وفيك بيت للمال
يدعم الأمة، فلا تحتقر من أمرك شيئاً، ذلك الرجل الذي بلّغ المعتصم صيحة
المرأة المسلمة انتقم للإسلام ببضع كلمات، فهلا نصرت الإسلام وأنت على أحد
ثغوره؟ !
يجب على كل منا أن يساهم في العلاج، وإليك بعضاً مما تستطيع تقديمه:
١- اجعل لهموم الأمة موقعاً هاماً في خريطة قلبك: فالمسلم الحق يتأمل حال
أمته ثم يتألم له، فإذا حضر الطعام تذكر إخوانه الجياع، وإذا جلس مع أفراد
أسرته تذكر أفراد أسرة أخيه المنكوب، فصلاح الدين لم يولد فارساً، ومحمد بن
القاسم لم يولد قائداً، بل كانوا أفراداً مثلنا ولكن نفوسهم سمت فسموا، وهممهم
ارتفعت فارتقوا.
٢- الدعاء: ومن منا يشك في أن الدعاء أمضى سلاح وهو على العدو أشد
من القنابل والصواريخ، وهذا رسول الله ﷺ يقول: (لا يرد
القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) .
٣- الدعم المالي: وليس المقصود بذلك دفع مبلغ زهيد نشعر بعده بأننا أدينا
ما علينا، ولكن لنقدم إلى من حرم حق العيش والحياة من ضروريات الحياة ما
أمكن، فضلاً عن كمالياتها.
стр. 1762
الورقة الأخيرة
ذوق الداعية
جمال سلطان
الدعوة إلى الله ليست في الحقيقة عملاً علمياً بحتاً، بقدر ما هي عمل
احتماعي، يتخاطب فيه الداعية مع أصناف من البشر، ومستويات من المدارك
والأفهام، إضافة إلى شبكة كاملة من العلاقات الاجتماعية لها حساسياتها تجاه الكلام
والخطاب والألفاظ، وهذا كله مما يوجب على الداعية المسلم الاحتفاظ بقدر عال من
الذكاء والحضور الذهني، وقبل ذلك وبعده إلى قدر عال من الذوق والأدب ورهافة
الحس، بالنظر إلى كونه يمثل تجسيداً فردياً للوجود الإسلامي في المجتمع.
أقول هذا الكلام، المحرج لبعضهم، بمناسبة تكرار صدور تعبيرات وكلمات
وألفاظ من بعض الدعاة، في دروسهم أو أشرطتهم أو على منابرهم هي بالتأكيد مما
يأباه الذوق، وينفر منه السمع، ويصدم المستمع بطلقات ثقيلة من القبح والذمامة
والأذى، وصحيح أن هذا كله لا يصدر عن كبار الدعاة ورموز الدعوة المتميزين،
وإنما يصدر عادة عن شباب الدعاة، والمبتدئين في هذا المجال، ولكن ذلك لا
يمنعنا من الإشارة إليه والتحذير منه، لشيوعه وأسراف هؤلاء النفر في استعماله.
خذ مثلاً لذلك الحديث عن تميز المسلمين، وشمولية دين الإسلام لكل
سلوكيات المسلم، وهناك نصوص كثيرة تغني في هذا الشأن، إلا أن بعض الدعاة
لا يتخير أو لا يجذب حاسته سوى قول مشرك أو يهودي بذيء، موجهاً حديثه إلى
أحد الصحابة: إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى يعلمكم الخراءة.
يا أخي هذا قول يهودي ثائر حاقد، وبذيء، وقد سجل أهل العلم قولته من
باب أمانة النقل، أما أن تصبح بذاءة اليهودي، والخراء، وحديث الخراءة
والمستفاد من قصة الخراء، هي حديث المنابر وأشرطة التسجيل، فهذا أبداً لا
يكون من الذوق ولا من ذكاء الدعوة ولا من أدب الداعية، ولا من رهافة الإحساس.
إن نزعة تسقط الغرائب والفرائد في الخطاب الدعوي، هي ولا شك فعل
المبتدئين، وقليلي العلم والخبرة معاً، ولكننا على كل حال لابد أن ننبه كل من
تصدى إلى الدعوة، إلى شرط جوهري وبسيط، وهو أن يمتلك الذوق والأدب
الرفيع والرهافة، وأن يحدث الناس بما يعرفون ويحتملون، لا أن يتلمس لهم من
الفرائد والنوادر ما يجرح مشاعرهم أو يصدم خواطرهم، بل عليه أن يسمو بهم في
خطابه.
والله المستعان.
стр. 1763
ربيع الأول - ١٤١٥هـ
أغسطس - ١٩٩٤م
(السنة: ٩)
стр. 1764
كلمة صغيرة
أصبح المجاهدون الذين ساهموا في تحرير أفغانستان ظاهرة مرعبة وغير
مقبولة في كل بلد، وقد اتُخذت الوسائل الخسيسة لإظهارهم وكأنهم الخطر الأكبر
على كل بلد ينتمون إليه زوراً وبهتانا، وجرَّموا بمجرد الانتماء لذلك الجهادٌ، بل
ونالهم نكران الجميل حتى من أقرب المقربين لهم من رفاق الجهاد الذين طالب
بعضهم بإخراجهم من أفغانستان، بل وأصدر المنافقون فتاوى بحل قتلهم ظلماً
وعدواناً!
إنها خطة شيطانية يساهم فيها أعداء الإسلام وأذنابهم لضرب أولئك الشباب
والقضاء عليهم، فماذا سيكون رد فعلهم يا ترى، فماذا سيكون رد فعلهم يا ترى؟ !
وكنا نود توعية بعضهم حتى لا تظهر بينهم بعض الأفكار المتعجلة والمنحرفة كما
حصل لشباب الخلافة مثلاً ونهايتهم المأسوية، كما كنا نتمنى استغلالهم في مقاومة
الباطل وحزبه في مواقع جهادية أخرى، لكن هذا الأمر لا يعني أولئك الحكام بحال
مادام أن محارتهم رغبة السادة الكبار! !
стр. 1765
الافتتاحية
المشروع العلماني يتداعى
جاء الإسلام رسالة خاتمة أخرج الله به الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب
العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل
الإسلام، ولذلك دخله الناس أفواجاً، وعلى هذا الأساس قامت دولة الإسلام في
المدينة، وتواصل مده عبر القرون، فكانت جنسية المسلم عقيدته.
وحينما بَعُدَ المسلمون عن حقيقة دينهم، وانحرف بهم الفهم عن أصول
معتقدهم ومنطلقاته الإيمانية، حينها ظهرت الأمية الفكرية والتعصب المذهبي
والاتجاهات البدعية، وظهر الغلو المصادم للإسلام، مما أدى إلى شيوع الجهل في
الأمة بعامة، مما أدى إلى سقوطها أمام الزحف الاستعماري الجديد الذي اصطنع
نفراً من أبناء الأمة على عينه، فظهرت في ديار الإسلام الاتجاهات الفكرية الوافدة
التي دعت إلى القومية والعنصرية والفئوية، بتشجيع من المستعمر المغتصب الذي
سلم العهدة بعد فترة الاحتلال وبعد مقاومته إلى تلامذته ومريديه، وهو متأكد تماماً
من مدى حرصهم على أداء دوره، وقيامهم بتنفيذ رسالته بأعظم مما كان يقوم به،
فقامت الأحزاب العلمانية التي جعلت من نفسها ما يدعونه «بالشرعية
الدستورية» ، فحكمت بعقلية بوليسية مناوئة للأمة ولعقيدتها وضربت بالحديد والنار كل دعاة الفكرة الإسلامية، واعتبرتهم أعداء ليس لهم حق الدعوة إلى تحكيم شريعة الله في وضح النهار، في الوقت الذي فتحت فيه المجال لكل منهج علماني حتى ولو كان ماركسياً.
أفيدوني رحمكم الله ماذا استفاد عالمنا الإسلامي والعربي من تلك الحكومات
العلمانية؟ وماذا كسب من جراء تولي أولئك الحاكمين بأمرهم على مقدرات أمتنا؟
وبماذا أتوا لها من معطيات الحضارة الجديدة النافعة سوى أن جعلوا بلداننا في
مؤخرة البلدان فقراً وفي ذيل القافلة تخلفاً، ولم نعد سوى أسواقاً استهلاكية للأجنبي، ومحطات تجارب للأنظمة والقوانين المستوردة ومجالاً مفتوحاً للتغريب والإفساد
عن طريق وسائل الإعلام والتعليم، فضلاً عن تنحية شريعة الله، مما ساعد على
انتشار الجريمة بمعدلات متصاعدة لها آثارها الخطيرة على حاضر الأمة ومستقبلها.
هذه بعض نتائج العلمانية في ديارنا، ومع ذلك مازالت الأبواب مشرعة
لنشوء المزيد من تلك الأحزاب إياها، وعقد الندوات والحوارات معها لتكريس تلك
المبادئ الباطلة، وخداع الشعوب بمنطلقاتها، والحيلولة دون نشر الفكر الإسلامي
الرشيد، وبعد سبعين عاماً مضت من غزو العلمانية لعالمنا العربي والإسلامي، لم
نجد سوى قبض الريح وحصاد الهشيم.
إن عقلاء الغرب في غمرة بحثهم الدائب عن مصالح بلدانهم، يقومون
بعمليات غربلة وتقويم لمناهج حياتهم واتجاهات فكرهم، للبحث عن مواطن
الانحراف وتقويمها، ومعرفة معوقات الطريق وتذليلها، ومعرفة خاطئ الأفكار
وتصويبها.
أما علمانيو أمتنا فهم أكثر العلمانيين في العالم ديكتاتورية، وأبرزهم انتهازية
وأشهرهم تطرفاً في التعصب لآرائهم الهزيلة، حتى صار «أتاتورك الهالك»
يحكم من قبره مقدرات دولة مثل تركيا، فيجرم كل دعاة الإسلام وقادة الإصلاح
لمخالفتهم لما وضعه من نهج علماني أهوج، وعلى نهجه يحكم الفراعنة الصغار في
بلداننا اليوم، ويقفون بكل صفاقة للحيلولة دون تحكيم شريعة الإسلام بدعاوى فارغة
ما أنزل الله بها من سلطان، بينما نجد الغربيين في خضم مراجعاتهم لأفكارهم
وقوانينهم ومناهجهم، يضعون العلمانية نفسها في قفص الاتهام، فمنذ أكثر من شهر
دعا «مركز أبحاث الديمقراطية» بجامعة «ويستمنستر» في لندن بالتعاون مع
منظمة «ليبرتي» إلى ندوة عن «انهيار العلمانية والتحدي الإسلامي للغرب» ،
ركزت في أبحاثها على نقد المشروع العلماني عبر المستويين النظري والتطبيقي،
وموقف الإسلام من هذا المنهج.
وهذه الندوة لم تكن ترفاً فكرياً، ولم تصدر من فراغ، وإنما كان دافعها ما
لاحظه العلماء وقادة الفكر هناك من مظاهر الانحراف والسقوط التي آلت إليها
الحياة في الغرب مما جعل الغربيين أنفسهم يهربون إلى غير العلمانية، حتى وإن
كان إلى أصوليات نصرانية فضلاً عن ما عانته تلك المجتمعات من مظاهر
الانحراف الخلقي الذي أدى إلى شيوع الأمراض الجنسية والمخدرات وغيرها
وظهور الاتجاهات السياسية المتطرفة مثل النازية والفاشية والتطهير العرقي، مما
يعني أن الحضارة الغربية آيلة للسقوط لا محالة إذا سارت بنفس هذا المعدل في
الانحراف.
وقد قام هؤلاء المفكرون في هذه الندوة بمناقشة تلك المظاهر المنحرفة في
حياتهم، لتلمس الطريق قبل السقوط الذي حذر منه سابقاً أمثال «توينبي
وشبنجلر» ، وإذا نظرنا إلى واقعنا العلماني في عالمنا العربي والإسلامي، نجد أن علمانيينا الذين هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا ينقصهم ذكاء أولئك الغربيين وبعد نظرهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومظاهر مكرهم تتجلى فيما يلي:
١- التجاهل للأيدلوجية العلمانية في شقها الليبرالي، التي يتبنونها للتربص
والتستر والحيلولة دون أي توجه آخر حتى ولو كان الإسلام ذاته، لأنهم يعلمون أن
فسح المجال له يعني سقوطهم المحتم.
٢- إشاعة الفهم الكهنوتي الخاطئ للإسلام، واعتباره كأي دين محرف آخر
لا يصح أن يبارح دور العبادة، وهذا جهل بالإسلام وآفاقه الحياتية المختلفة التي
اكتشفها غير المسلمين فأسلموا، وفاقد الشيء لا يعطيه.
٣- العقليات المستمرئة للباطل التي يمكن أن تتحالف مع الشيطان، وأن
تتصالح مع أعدى أعداء الإسلام، لكنها تأخذها العزة بالإثم عن الرجوع إلى الحق
والاعتراف بحاكمية الإسلام.
٤- نفاقهم لكثير من الحكام، ومسايرتهم في كل ما يدعون إليه، ولاسيما ما
من شأنه علمنة المجتمعات، وحثهم على مضايقة التيار الإسلامي وإظهاره بأنه
العدو الوحيد للحاكم، ليكسبوا من تهميشه وجودهم في الساحة وبخاصة في وسائل
الإعلام، حيث يدعون ليل نهار إلى أن العلمانية هي الحل! !
٥- النهج الميكيافيلي الذي يعني أن «الغاية تبرر الوسيلة» ، فقد كانوا
ماركسيين يقفون صفاً واحداً ضد الإسلام، وحينما سقطت أيدلوجيتهم صاروا
يهادنون الإسلام، ولكن بفهم جديد يدعونه «التنوير» ، وهو للتزوير أقرب، وفي
مكان آخر من هذا العدد مزيد من الفضح للعلمانيين ولطرائقهم الجديدة.
إن البقاء للأصلح مهما طالت الأيام ومهما أرجف المرجفون، ومما يثبت ذلك
ترنح التجربة العلمانية في الغرب، والأعجب أن القوم عندنا يقيمون لها الاحتفالات
خداعاً وتزويراً وغشاً للأمة جمعاء، إن كل باطل لا يدوم والحق الذي لا شك فيه
أن «إن المستقبل للإسلام» رغم كل المعوقات.
وصدق رسول الله ﷺ حين قال: «ليبلغن هذا الأمر ما
بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله في هذا الدين بعز
عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر» .
[والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون] .
стр. 1766
مقال
نحو فهم صحيح للعقيدة
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين، وبعد:
لا شك أن العلم بالله تعالى أشرف العلوم وأزكاها وأهمها، فلا حياة للقلوب ولا
نعيم، ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن ثم
فإن التفقه في أصول الدين، وتعلم العقيدة وتعليمها، من أعظم المهمات، وأفضل
القربات.
وهذه المقالة تحوي جملة من المعالم والتنبيهات لعلها تسهم في الفهم الصحيح
للعقيدة، وتعين على تحقيق فقهها تعلماً وتعليماً، فإليك تلك المعالم على النحو التالي:
إخلاص النية لله تعالى في دراسة العقيدة وفهمها:
على كل من المتعلم والمعلم أن يصدقا في فهم العقيدة، وأن يسعيا إلى تلقي
العقيدة ابتغاء وجه الله تعالى، وطمعاً في مرضاته، ففقه العقيدة من أفضل العبادات
، والعبادات يجب أن تكون لله تعالى وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: [وما
أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء] [البينة: ٥] وقال النبي -صلى الله
عليه وسلم-: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً
من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة «) [١] ، ويقول الربيع بن خثيم:» كل
ما لا يراد به وجه الله يضمحل « [٢] .
التسليم التام والتعظيم الكامل للنصوص الشرعية الدينية:
يتعين عند تلقي العقيدة وتدريسها أن يخضع القلب لنصوص الوحيين فلا
يعارض النص المنزل برأي، ولا ذوق، ولا معقول، ولا سياسة ... لقد كان نبينا
محمد ﷺ يربي أصحابه ﵃ على التسليم لله تعالى
وتعظيم النصوص الشرعية وإجلالها، فلقد خرج ﷺ يوماً على
أصحابه وهم يقولون:» ألم يقل الله كذا وكذا؟ يرد بعضهم على بعض، فكأنما
فقئ في وجهه حب الرُمّان من الغضب، ثم قال: (ما لكم تضربون كتاب الله بعضه
ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم) « [٣] .
قال الأوزاعي ﵀» من الله تعالى التنزيل، وعلى رسوله التبليغ،
وعلينا التسليم « [٤] .
التدرج في تعلم وتعليم مسائل العقيدة:
يلزم البدء بالأولويات، وتقديم الأهم على المهم، فيراعي المتعلم والمعلم
التدرج والمرحلية في التعامل مع كتب العقيدة.
فيبدأ بالمختصرات وينتهي بالمطولات، فيبدأ مثلاً» برسالة الأصول
الثلاثة «للشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو أعلام السنة المنشورة للشيخ حافظ حكمي، ثم ينتقل إلى كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم الواسطية لابن تيمية، ثم شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، ثم التدمرية ... إلى أن يصل إلى المطولات مثل أصول اللالكائي ونحوها [٥] .
ويعتني بتقديم الأهم على المهم، ومن ذلك أن يبدأ بتحقيق ما يجب عليه في
باب الاعتقاد، فيجب على المكلف أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر، وما أمر به الرسول ونهى عنه، بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر به،
فلابد من تصديقه فيما أخبر والانقياد له فيما أمر [٦] .
ولذا فإن الاشتغال مثلاً بتعلم وتعليم» الأصول الثلاثة «من آكد المهمات،
فيجب على كل مكلف أن يعرف ربه ، ونبيه -صلى الله عليه
وسلم- ودينه الإسلام، وهذا ما جاء في حديث جبريل المعروف حيث يتعين على
المكلف تحقيقها في دنياه، كما يُسأل عنها حين يوضع في قبره، ويُسأل عنها يوم
بعثه ونشره: ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين؟
الشمولية في تعلم العقيدة وتعليمها:
فلا يقتصر على تقرير مسائل في الاعتقاد مع إهمال نظيرها أو آكد منها كأن
يُشتغل مثلاً بتقرير توحيد الربوبية مع إهمال توحيد العبادة، أو يُحذّر من الشرك
في الدعاء والذبح والنذر، مع إهمال أو تساهل في شرك الطاعة كما هو مشاهد في
واقع كثير من المسلمين الآن.
إن هذه الشمولية تحقق الأخذ بجميع أحكام الشرع، والإيمان بشعائر
الدين كافة، قال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة] ...
[البقرة: ٢٠٨] ، وقال سبحانه: [والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا] [ال عمران: ٧] ، وإن هذه الشمولية تورث إيماناً بجميع النصوص الشرعية، وتستلزم وسطية وخيرية بين الطوائف والفرق التي أهملت تلك الشمولية، حيث آمنت تلك الفرق ببعض النصوص وأخذت بها وأنكرت بقية النصوص وأعرضت عنها.
وهذه الشمولية تورث اعتدالاً في التلقي والفهم، فنسلم من ردود الأفعال،
ومقابلة الانحراف بانحراف آخر كما هو حال أهل البدع والأهواء.
هكذا نتعامل مع المخالف:
ومع هذه الشمولية في التعلم والتعليم لمباحث الاعتقاد، فإن الانحرافات ظاهرة
في حياتنا الحاضرة تستدعي مزيداً من التفصيل في سبيل الرد على هذا الانحراف،
وكشف شبهات المخالف وتفنيدها، وهذا مسلك مأثور سلكه سلفنا الصالح ﵏
تعالى.
» فقد سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ هل لهم رخصة أن يقول الرجل:
كلام الله ثم يسكت [٧] ، فقال أحمد: ولمَ يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه
السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيء لا يتكلمون « [٨] .
فكان الإمام أحمد وغيره من السلف يعتقدون أن القرآن كلام الله تعالى، ولما
أظهر المعتزلة القول بخلق القرآن، لم يجد السلف بداً من مخالفتهم والرد عليهم،
والتفصيل في ذلك، فقالوا: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق فمنه بدأ وإليه يعود.
ومثال آخر:» أن علماء الكوفة القائلين بأن الإيمان قول وعمل أكثر من
غيرهم في بقية الأمصار، حيث إن الإرجاء ابتداء كان فيهم أكثر، كما أن التجهم
وتعطيل الصفات لما كان ابتداء حدوثه من خراسان، كثر من علماء خراسان ذلك
الوقت من الإنكار على الجهمية ما لم يوجد قط لمن لم تكن هذه البدعة في بلده ولا
سمع بها « [٩] .
والناظر إلى واقعنا يرى أنواعاً كثيرة من الانحرافات الظاهرة في باب
الاعتقاد، كتولي الكفار وموالاتهم، وانتشار المذاهب الفكرية والأدبية المنحرفة
وظهور عدة طواغيت وأرباب من أمثال مجددي ملة» عمرو بن لحي «الداعين
إلى عبادة الأوثان والأموات، ودعاة تحكيم القوانين الوضعية والدساتير الأرضية
... وغيرها.
ومع خطر هذه الانحرافات وشناعة أثرها فإن الجهود المبذولة تجاهها قليلة
محدودة، وفي المقابل فإن جهوداً كبيرة ومؤلفات كثيرة تصرف في تحصيل حاصل، وتقرير أمور اعتقادية هي محل اتفاق بين المسلمين الآن.
أهمية تحقيق الحدود والتعريفات:
من المعالم المهمة في فهم العقيدة: الاعتناء بالتعريفات، والعلم بحدود ما أنزل
الله تعالى على رسوله ﷺ ، فعلى المعلم والمتعلم أن يهتما
بتحقيق الحدود والتعريفات لمصطلحات الاعتقاد مثل الإيمان والنبوة والمعجزة ...
الخ بحيث تكون جامعة مانعة، فلا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج منها ما هو
داخل فيها، فيتوصل إلى التصور الصحيح لتلك المصطلحات، ومن ثم يعرف
ضرورة ما يناقض تلك المصطلحات.
ومن ثم فإن المعرفة الصحيحة لحد الإيمان مثلاً يورث علماً صحيحاً في
معرفة حد الكفر الذي يناقض الإيمان، فإذا كان الإيمان قولاً وعملاً، فكذا الكفر
قول وعمل، ولما ضل المرجئة في معنى الإيمان فجعلوه تصديقاً فقط أورثهم ذلك
ضلالاً آخر عندما حصروا الكفر في التكذيب فحسب.
وهناك جملة من أقوال أهل العلم في بيان أهمية هذا المَعْلَم:
يقول ابن تيمية:» الألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن
مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته، وينفي ما نفاه من المعاني، فإنه يجب علينا أن
نصدقه في كل ما أخبر، ونطيعه في كل ما أوجب وأمر ... « [١٠] .
ويقول ابن القيم:» معرفة منازل العبودية ومراتبها من تمام معرفة حدود ما
أنزل الله على رسوله، وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق فقال
تعالى: [الأعراب أشد كفراْ ونفاقاْ وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على
رسوله] [التوبة: ٩٧] ، فبمعرفة حدودها دراية، والقيام بها رعاية يستكمل العبد
ويكون من أهل إياك نعبد وإياك نستعين « [١١] .
ويقول أيضاً:» فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود، ولاسيما حدود
المشروع المأمور والمنهي، فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود حتى لا يدخل فيها ما
ليس منها، ولا يخرج منها ما هو داخل فيها ... « [١٢] .
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:» اعلم أن
مَنْ تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج، وعرف ماهيته بأوصافها
الخاصة، عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى
الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين، ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما،
لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر، وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة
الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة « [١٣] . ...
مثالان مهمان:
من التنبيهات المهمة في هذا الموضوع: معرفة منشأ النزاع وأصله في أبواب
الاعتقاد التي وقع فيها الافتراق، فإن معرفة ذلك يورث فهماً صحيحاً، ويميز
المذهب الحق من المذاهب الباطلة، كما يعطي تصوراً صائباً لأقوال المخالفين
وأوجه الاتفاق والاختلاف معهم، وأضرب لذلك مثلين: أحدهما مسألة الإيمان
فالأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان هو دعوى أن الإيمان حقيقة واحدة لا
تتبعض ولا تتجزأ، فمتى ذهب بعضه ذهب كله فلم يبق منه شيء.
يقول ابن تيمية:» وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج
والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال
بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء
بعضه، كما قال النبي ﷺ : (يخرج من النار من كان في قلبه
مثقال حبة من الإيمان) [١٤] « [١٥] .
والمثال الآخر: أصل الضلال في مسألة القدر هو التسوية بين مشيئة الله
تعالى وإرادته، وبين محبته ورضاه، فسوى بينهما الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا،
فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً وقالت القدرية
النفاة ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة فهي خارجة عن
مشيئته وخلقه [١٦] .
هذا ما تيسر إيراده من معالم وتنبيهات في فهم العقيدة، راجياً من الله تعالى
أن يعين على استكمالها، وبالله التوفيق.
стр. 1767
مقال
العلماء ومسؤولية البلاغ
عبد اللطيف الوابل
إن من يتأمل سنة الله في الأمم الماضية، ويقرأ تاريخ هذه الأمة المسلمة
يصل إلى حقيقة واحدة هي أنه كلما ضلت أمة من الأمم عن الحق، وابتعدت عن
الهدى، وقادها أهل الزيغ والضلال، وتحكم في شؤونها المفسدون، فإن من سنة
الله أن يبعث فيها نبياً من الأنبياء يبين الحق للناس، ويكشف الباطل وأهله ويحمل
راية الإصلاح والجهاد، صابراً على ما يصيبه من الأذى.
كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون أقوامهم إلى الحق
ويطالبون رؤساءهم من الملأ بالإذعان والطاعة لأمر الله وحكمه، وتحكيم شرعه
في كل شؤون الحياة، ويكشفون للناس الباطل القائم، وخذ مثلاً لذلك قصة شعيب
﵇ مع قومه حيث ذكر الله عنه بأنه دعا قومه إلى الالتزام بشرع الله،
ونهاهم عن البغي والفساد، قال تعالى: [وإلى مدين أخاهم شعيباْ، قال يا قوم
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني
أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا
الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين] [هود: ٨٤، ٨٥] ، فجمع عليه
السلام في دعوته بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يقتصر على العبادة
الفردية، بل دعاهم إلى إصلاح شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية، وهذا معلم واضح
من معالم دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدعوة المتكاملة التي تقتضي التغيير
الشامل لجميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليكون
الدين كله لله، فلم يكن أنبياء الله بمعزل عن واقع قومهم، ولم ينشغلوا بقضية
الأفراد عن قضايا الملأ وعن مظالم المجتمع.
ولما بعث الله محمداً ﷺ أنزل عليه القرآن ليكون كتاب
هداية ومنهج حياة آمنة مطمئنة، فمن يقرأ القرآن يجد أنه منهج شامل يوجه حياة
الناس في جميع جوانب الحياة، فقد حمل ﷺ أمانة الرسالة،
ودعا الناس إلى كل خير وفضيلة، ونهى عن كل سوء ورذيلة: أمر بإقامة العدل
ونشره بين الناس، ودعا إلى إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وحارب كل أنواع الظلم والعدوان سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أو الجماعات، ولم تقتصر توجيهات القرآن على الجوانب الشخصية لحياة الأفراد، بل شملت
الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحيث إن محمداً -صلى الله
عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء إذ لا نبي بعده، فقد حمل المسؤولية بعده العلماء
الصادقون كما ورد بذلك الأثر: «وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في
الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العامة كفضل القمر على سائر
الكواكب والعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا
العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» [١] .
هذه المسؤولية التي تحملها علماء الأمة الربانيون طوال تاريخ الإسلام كانت
بمثابة السور الآمن الذي حمى الأمة من عواصف الانحلال والفساد، ولا شك أن
الناس بدون العلماء جهال، تتخطفهم شياطين الإنس والجن، من كل حدب وصوب، وتعصف بهم الضلالات والأهواء من كل جانب، ومن هنا كان العلماء من نعمة
الله على أهل الأرض، فهم مصابيح الدجى، وأئمة الهدى.
والعلماء الذين أعنيهم هم العلماء الربانيون الجريئون في قول الحق المحبون
الخير للأمة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والمحاسبون للولاة،
الناصحون لهم بالحق، الذين اتصفوا بخلق المرسلين، يقولون للظالمين ظلمتم
وللمفسدين أفسدتم، لا يخشون أحداً إلا الله سبحانه، ولا يسكتون عن حق واجب
إذاعته، ولا يكتمون حكماً شرعياً في قضية أو مشكلة سواء أكانت متعلقة بشؤون
الأمة أم بعلاقات الدولة، إذ صلاح الأمة منوط بصلاح العلماء وقيامهم بواجبهم.
صفات أولئك العلماء:
ولهذه النوعية العظيمة من العلماء صفات يتسمون بها، ويمكن إجمالها فيما
يلي:
١- الإخلاص في القول والعمل:
وهو أن يريد العالم بعلمه وجه الله والدار الآخرة، في الحديث: «لا تَعَلّموا
العلم لتباهو به العلماء أو تماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا به المجالس فمن فعل
ذلك فالنار النار» [٢] ، وإن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة رجل تعلم العلم
وقرأ القرآن لغير الله، وفي الحديث الآخر: «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله
لا يتعلمه إلا لصيب به عرض الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» [٣] .
٢- العلم بما علم ودعوة الناس إلى ذلك:
فإنه لا فائدة من علم لا يتبعه العمل، ولهذا فإن العلماء العدول تجد علمهم في
حركاتهم وسكناتهم وصمتهم وكلامهم ومواقفهم، يقول الإمام علي ﵁ يا
حملة العلم اعملوا به، فإن العالم من عمل بما علم فوافق عمله علمه، وسيكون
أقوام يحملون العلم لا يجاوزر تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم
علانيتهم، يجلسون حلقاً حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على
جليسه إذا جلس إلى غيره وتركه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله
، وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- أنه قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن
خمس: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه،
وماذا عمل فيمَ علم» [٤] .
٣- خشية الله ومراقبته في القول والعمل:
قال سفيان الثوري: إنما يطلب الحديث ليتقى به الله، قال ابن عبد البر:
وليعلم المفتي أنه موقع عن الله أمره ونهيه، وأنه موقوف ومسؤول عن ذلك وعن
مالك ﵀ أنه كان إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال
بعض أهل العلم لبعض المفتين: إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص السائل، ولكن تخليص نفسك أولاً «.
٤- قول الحق وإظهاره:
ومن أهم واجباتهم الرد على شبهات أهل الزيغ والضلال وإنكار المنكرات
المعلنة الظاهرة وبيان خطرها، وإعلام الأمة بذلك، وعدم التدليس عليهم لئلا يتخذ
الناس سكوت العلماء عن المنكر الظاهر والظلم والبغي حجة في اعتقاد أن ذلك حق
لاسيما مسائل الاعتقاد: كالحكم بغير ما أنزل الله مثل القوانين الوضعية واستحلال
ما حرم الله وتقنينه وإلزام الناس به، وموالاة المشركين ومظاهرتهم على المسلمين، التي يترتب على السكوت عنها ضياع الفهم الصحيح لدين الله واندراسه،
وانقلاب الحق باطلاً والباطل حقاً في نفوس عامة الناس، مما لا يجوز السكوت
عليه.. هذا البيان للحق هو الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم بقوله: [وإذ أخذ
الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم
واشتروا به ثمناْ قليلاْ فبئس ما يشترون] [ال عمران: ١٨٧] إن العلماء هم أقدر
الناس على قول الحق وبيانه لاسيما ما يتعلق بأعمال الولاة والحكام، مما تكون
مفسدته عامة على جميع الأمة.
٥- التعاون والتشاور والتناصح:
وذلك بتبادل الرأي والمناداة إلى اجتماع كلمة المسلمين على الحق حتى تتحقق
المصالح العامة، ولا شك أن العلماء هم أولى الناس بجمع كلمة المسلمين، إذ الأمة
إنما تجتمع على علمائها فإذا اجتمعت كلمة العلماء، وتوحدت وحصل بينهم التعاون
والتناصح، فإن ذلك أدعى إلى اجتماع الأمة وتعاونها وتضامنها في وجه عدوها.
٦- مناصرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها:
إن مسؤولية العلماء ليست محصورة بقطر أو ببلد بل ينبغي أن يعيشوا
ويعايشوا هموم الأمة، ويناصروا المسلمين، ويردوا على أعدائهم ويرفعوا الظلم
عنهم بما يستطيعون، لا يخشون في ذلك أحداً إلا الله سبحانه، وذلك أسوة بنبيهم
محمد ﷺ ، وإن دعوتهم ورسالتهم لا ينبغي أن تحصرها
الأقطار ولا الجنسيات لاسيما في أيام الفتن وظهور البدع وانتشار الفساد والظلم
والعدوان ...
٧- كشف سبيل المجرمين:
وذلك بتحذير الأمة من خطر أصناف المجرمين، وطرق الظالمين وخداع
المنافقين، وهذا هو جزء من بيان الحق وإظهاره، وكما قيل:» وبضدها تتبين
الأشياء «، والعلماء هم أعرف الناس بشبه المنافقين وخفاياهم، الذين يمثلهم اليوم
بكل وضوح أصناف العلمانيين، ولهذا أمر الله نبيه ﷺ بجهاد
المنافقين، وكشف سبيلهم لتحذر الأمة من الوقوع في غوائلهم، ومن الانخداع
بمظاهرهم الكاذبة.
٨- الحذر من مجالسة أهل الأهواء:
أولئك القوم الذين لاتزال آثار الهوى والحسد تظهر في أقوالهم وأعمالهم، فهم
باب فتنة في كل زمان ومكان ومفتاح شر على الأمة في السابق واللاحق، وهل ما
أصاب الإمام أحمد، وابن تيمية وغيرهما من علماء الأمة إلا بسبب هذا الصنف من
الناس؟ والأصل في علماء الأمة أن يتولوا الرد على أهل الأهواء، ويحذروا
الناس من مخالطتهم؛ لأن الناس تبع لعلمائهم، فإذا رأوا علماءهم يلاطفون أهل
الأهواء، فإنهم يقعون في شباكهم ويظنون أن ما عندهم هو الصواب! !
إن علماء المسلمين هم الذين كانوا يقودون حملات الجهاد ويرفعون رايات
الإصلاح، ويدافعون عن حقوق أمتهم، فلم ينزلوا في مساجدهم أو منازلهم أو
يقتصروا على تدريس طلابهم، وإفتاء الناس في قضاياهم الخاصة من طلاق
ووضوء وصلاة وبيع وشراء وغيرها مع أهمية ذلك كله، بل كانوا يعلمون أن
مسؤوليتهم أكبر من ذلك بكثير، وأن واجبهم تجاه الأمة يتعدى هذه الأمور كلها
ليصل إلى مناصرة المسلمين، ومناهضة الكافرين، وكشف ضلال الفاسقين ورد
الظالمين عن ظلمهم، وحماية شرع الله من التحريف أو التعديل ونبذ التحاكم إلى
القوانين الوضعية أو التلاعب بأوامر الله ورسوله ﷺ .
اللهم وفق علماء المسلمين إلى الصواب، وثبتنا وإياهم على الحق، إنك على
كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
والله من وراء القصد.
стр. 1768
دراسات في العقيدة
دلائل محبة الرسول ﷺ
بين السنة والبدعة
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
إن محبة الرسول ﷺ أصل عظيم من أصول الدين، فلا
إيمان لمن لم يكن الرسول ﷺ أحب إليه من ولده ووالده والناس
أجمعين.
* قال الله تعالى: [قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم
وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم
من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم
الفاسقين] [التوبة: ٢٤] .
قال القاضي عياض في شرح الآية: «فكفى بهذا حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة
على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها -صلى الله
عليه وسلم-، إذ قرّع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله
وتوعدهم بقوله تعالى: [فتربصوا حتى يأتي الله بأمره] ، ثم فسقهم بتمام الآية،
وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله» [١] .
* وقال الله تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] [الأحزاب: ٦] .
* وقال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب
إليه من والده وولده والناس أجمعين» [٢] .
* وقال أيضاً: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من
والده وولده» [٣] .
* وعن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو
آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل
شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : «لا والذي نفسي بيده
حتى أكون أحب إليك من نفسك» ، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ
من نفسي فقال النبي ﷺ : «الآن يا عمر» [٤] .
آثار محبته ﷺ :
المحبة عمل قلبي اعتقادي تظهر آثاره ودلائله في سلوك الإنسان وأفعاله ومن
علامات ذلك:
أولاً تعزير النبي ﷺ وتوقيره:
قال الله تعالى: [إنا أرسلناك شاهداْ ومبشراْ ونذيراْ لتؤمنوا بالله ورسوله
وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاْ] [الفتح: ٩] .
ذكر ابن تيمية أن التعزير: «اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما
يؤذيه» . والتوقير: «اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد
الوقار» [٥] . ...
وتوقير النبي ﷺ له دلائل عديدة، منها:
١ -عدم رفع الصوت فوق صوته:
قال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي
ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون]
[الحجرات: ٢] .
وعن السائب بن يزيد قال: «كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل فنظرت
فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما أو
من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما،
ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ص» [٦] .
٢ -الصلاة عليه:
قال الله تعالى: [إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا
صلوا عليه وسلموا تسليماْ] [الأحزاب: ٥٧] .
قال ابن عباس: يصلون: يُبرّكون [٧] .
وفي الآية أمر بالصلاة عليه، والأمر يقتضي الوجوب، لهذا قال النبي -
ﷺ : «البخيل من ذكرتُ عنده فلم يصل عليّ» [٨] . ...
وقال: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ» [٩] .
ثانياً الذ ب عنه وعن سنته:
إن الذب عن رسول الله ﷺ ونصرته، آية عظيمة من
آيات المحبة والإجلال، قال الله تعالى: [للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من
ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاْ من الله ورضواناْ وينصرون الله ورسوله أولئك هم
الصادقون] [الحشر: ٨] .
ولقد سطر الصحابة ﵃ أروع الأمثلة وأصدق الأعمال في الذب
عن رسول الله ﷺ ، وفدائه بالأموال والأولاد والأنفس، في
المنشط والمكره، في العسر واليسر، وكتب السير عامرة بقصصهم وأخبارهم التي
تدل على غاية المحبة والإيثار، وما أجمل ما قاله أنس بن النضر يوم أحد لما
انكشف المسلمون: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ
إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد، فقال: يا سعد بن
معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت
يا رسول الله ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة
بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون،
فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه [١٠] .
ومن الذب عن سنته ﷺ : حفظها وتنقيحها، وحمايتها من
انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين، ورد شبهات الزنادقة
والطاعنين في سنته، وبيان أكاذيبهم ودسائسهم، وقد دعا رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- بالنضارة لمن حمل هذا اللواء بقوله:» نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً
فبلغه كما سمعه، فرب مُبلّغ أوعى من سامع « [١١] .
والتهاون في الذب عن رسول الله ﷺ أو الذب عن سنته
وشريعته، من الخذلان الذي يدل على ضعف الإيمان، أو زواله بالكلية، فمن
ادعى الحب ولم تظهر عليه آثار الغيرة على حرمته وعرضه وسنته، فهو كاذب
في دعواه.
ثالثاً تصديقه فيما أخبر:
من أصول الإيمان وركائزه الرئيسة، الإيمان بعصمة النبي -صلى الله عليه
وسلم- وسلامته من الكذب أو البهتان، وتصديقه في كل ما أخبر من أمر الماضي
أو الحاضر أو المستقبل، قال الله تعالى: [والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما
غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] [النجم: ١٤] .
والجفاء كل الجفاء، بل الكفر كل الكفر اتهامه وتكذيبه فيما أخبر، ولهذا ذم
الله المشركين بقوله: [وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق
الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين، أم يقولون افتراه قل
فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم
يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة
الظالمين] [يونس: ٣٧-٣٩] .
ومن لطائف هذا الباب التي تدل على منزلة الشيخين الجليلة، أن رسول الله
ﷺ قال لأصحابه:» بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ
منها شاة فطلبها حتى استنقذها، فالتفت إليه الذئب، فقال له: من لها يوم السبع
ليس لها راع غيري؟ وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته
فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! قال
النبي ﷺ : «فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب
﵄» [١٢] .
رابعاً اتباعه وطاعته والاهتداء بهديه:
الأصل في أفعال النبي ﷺ وأقواله أنها للاتباع والتأسي،
قال الله تعالى: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم
الآخر وذكر الله كثيراْ] [الأحزاب: ٢١] .
قال ابن كثير: «هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله -صلى الله
عليه وسلم- في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الله ﵎ الناس بالتأسي
بالنبي ﷺ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته
ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه » [١٣] .
وجاء أمر الله في وجوب طاعة الرسول -صلى الله عليه
وسلم- في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه فانتهوا] [الحشر: ٧] .
وجعل الله طاعة الرسول ﷺ من طاعته سبحانه
، فقال: [من يطع الرسول فقد أطاع الله] [النساء: ٨٠] .
وأمر بالرد عند التنازع إلى الله والرسول، فقال: [يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله
والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا]
[النساء: ٥٩] .
وتواترت النصوص النبوية في الحث على اتباعه وطاعته، والاهتداء بهديه
والاستنان بسنته، وتعظيم أمره ونهيه، ومن ذلك قول الرسول -صلى الله عليه
وسلم-: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا
عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة
ضلالة» [١٤] .
وقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» [١٥] .
وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» [١٦] .
فطاعة الرسول ﷺ هي المثال الحي الصادق لمحبته عليه
الصلاة والسلام فكلما ازداد الحب، زادت الطاعات، ولهذا قال الله :
[قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] [ال عمران: ٣١] .
فالطاعة ثمرة المحبة، وفي هذا يقول أحد الشعراء:
تعصى الإله وأنت تزعم حبه ... ذاك لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع
خامساً التحاكم إلى سنته وشريعته:
إن التحاكم إلى سنة النبي ﷺ أصل من أصول المحبة
والاتباع، فلا إيمان لمن لم يحتكم إلى شريعته، ويسلم تسليماً، قال الله تعالى:
[فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاْ
مما قضيت ويسلموا تسليماْ] [النساء: ٦٥] .
وقد بين الله أن من علامات الزيغ والنفاق الإعراض عن سنته، وترك التحاكم إليها، قال الله تعالى: [ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما
أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن
يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاْ بعيداْ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل
الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداْ] [النساء: ٦٠، ٦١] .
الغلو في محبة الرسول ﷺ :
انحرف بعض الناس عن هدي النبي ﷺ وأحدثوا في دين
الله ما ليس منه، وغيروا وبدلوا، وغلوا في محبتهم للرسول -صلى الله
عليه وسلم- غلواً أخرجهم عن جادة الصراط المستقيم، الذي قال الله فيه: [وأن هذا صراطي مستقيماْ فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله]
[الأنعام: ١٥٣] .
وقد كان رسول الله ﷺ حريصاً على حماية جناب التوحيد، فكان يحذر تحذيراً شديداً من الغلو والانحراف في حقه، ودلائل ذلك كثيرة جداً
منها:
* عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده،
فقولوا: عبد الله ورسوله» [١٧] .
* وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا أني أنهاكم عن
ذلك يحذر ما صنعوا» [١٨] .
* وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي -صلى الله
عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت، فقال له النبي ﷺ :
«جعلتني لله عدلاً، بل قل ما شاء الله وحده» [١٩] .
* وعن أنس أن رجلاً قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وابن
خيرنا، فقال رسول الله ﷺ : «قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم
الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق
منزلتي التي أنزلني الله » [٢٠] .
ونظائر هذه النصوص كثيرة جداً، وثمرتها كلها بيان أن محبة النبي -صلى
الله عليه وسلم- وتعظيمه لا تكون إلا بالهدي الذي ارتضاه وسنه لنا، ولهذا قال
عليه أفضل الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ» [٢١] .
حقيقة المولد النبوي:
ظهرت هذه الفكرة في عصر الدولة العبيدية الباطنية، إظهاراً منهم لدعوى
محبة النبي ﷺ ، ثم انتشرت في كثير من دول العالم الإسلامي، إلى يومنا هذا فأصبح اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول عيداً مشهوداً عند
كثير من المبتدعة يجتمعون فيه لإنشاد المدائح النبوية والأوراد الصوفية، وإقامة
الحفلات والرقصات، وقد يقترن بذلك بعض الشركيات من دعاء النبي -صلى الله
عليه وسلم- والاستغاثة به، وقد يحدث الاختلاط بين الرجال والنساء والاستماع إلى
الملاهي.
إن تحويل الإسلام إلى طقوس وثنية من الأهازيج الشعرية والطبول والمزامير
والتمايل والرقص، وبالتالي الانحراف به عن صفائه ونقائه، هو من قبيل جعله
إلى العبث والخرافة أقرب منه إلى الدين الحق.
وحينما تكون هذه العقلية الساذجة المنحرفة حاكمة للعالم الإسلامي يكون رد
الفعل الرئيس لدخول خيول نابليون إلى الأزهر الشريف هو اجتماع الشيوخ للتبرك
بقراءة حديث النبي ﷺ من صحيح البخاري! وكلما ازدادت
الدائرة على المسلمين ازدادت الدروشة، وتمايلت الرؤوس وبحت الأصوات
بالأناشيد والأوراد والمدائح النبوية.
إن الاحتفال بالمولد النبوي أصبح عند بعض الناس من العامة والخاصة الآية
الرئيسة لمحبة النبي ﷺ ، وأذكر أنني كنت قبل سنوات في بلد
إسلامي في أوائل شهر ربيع الأول، والناس منهمكون في التجهيز والإعداد لليوم
الثاني عشر، تحدثت مع أحد كبار الأساتذة الجامعيين عن هذه البدعة، وبعد أن بح
صوتي بذكر الأدلة والشواهد، قال لي: هذا صحيح، ولكن هذا سيدنا النبي! !
عندها تذكرت قول غلاة الصوفية: «من أراد التحقيق فليترك العقل
والشرع!» [٢٢] ، وصدق ابن تيمية حينما قال عن غلاتهم: «كلما كان الشيخ أحمق وأجهل، كان بالله أعرف، وعندهم أعظم» [٢٣] . ...
ومن المفارقات التي تدعو إلى التأمل، أن بعض الناس قد يعصى النبي -
ﷺ ليلاً ونهاراً، ويتهاون في تعظيم أوامره، فضلاً عن الالتزام
بسنته، ومع ذلك فهو يحتفي بيوم المولد، ويوالي فيه ويعادي، وكأن غاية الحب
عنده هو إحياء هذا اليوم بالمدائح والأوراد، وبعد ذلك ليفعل ما يشاء ... ؟ ! يقول
الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: «من تتبع التاريخ يعلم أن أشد المؤمنين حباً
واتباعاً للنبي ﷺ أقلهم غلواً فيه ولاسيما أصحابه رضي الله
عنهم ومن يليهم من خير القرون، وأن أضعفهم إيماناً وأقلهم اتباعاً له هم أشد غلواً
في القول وابتداعاً في العمل» .
وليس عجيباً أن يحظى هذا اليوم باحتفاء رسمي من الحكومات العلمانية
وتسخر له كافة الإمكانات الرسمية، وتجري تغطية فعالياته من جميع وسائل
الإعلام، لأنها تعلم يقيناً أن غاية هؤلاء الدراويش لا تتجاوز الأوراد والمدائح حتى
إن النذور والقرابين التي ترمى على القبور والأضرحة والمزارات أصبحت مصدر
دخل رئيس لوزارات الأوقاف والسياحة، ولهذا كان حافظ إبراهيم يقول متهكماً:
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف يرزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات؟! [٢٤]
إن محبة الرسول ﷺ عقيدة راسخة في قلوب المؤمنين،
ثمرتها الاقتداء والبذل والعطاء والتضحية والجهاد في سبيل نصرة دينه وإعلاء
لوائه وحماية سنته، ولا يوجد بين محبي الرسول ﷺ مكان
للعجزة النائحين، وما أجمل قول أنس بن النضر ﵁ لما مر بقوم من
المسلمين قد ألقوا بأيديهم فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات
عليه « [٢٥] .
стр. 1769
خواطر في الدعوة
(كذلك لنثبت به فؤادك [*] )
محمد العبدة
يشتكي كثير من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية من ظاهرة الفتور [١]
التي تفشت في السنوات الأخيرة، واعتورت كثيراً ممن كان يرجى نفعه، ويؤمل
خيره، وإذا كانت هذه الظاهرة طبيعية أحياناً لما جُبل عليه الإنسان من الضعف
فإنها تبدو غير ذلك عندما تتكرر وتستمر، وعندئذ فهي جديرة بالتأمل ومعرفة
الأسباب والدوافع، وإن من أكبر أسبابها والله أعلم عدم التجديد في العمل الإسلامي، والانتقال به من مرحلة إلى أخرى، من حالة الضعف إلى القوة ومن قلة العلم إلى
الرسوخ فيه، ومن التأصيل النظري إلى الواقع العملي ومن التخطيط الجزئي إلى
التخطيط الشامل، فإن هذا مما يرفع الروح المعنوية عند المسلم، بل ويزيد إيمانه،
وعندها يكون أقوى على دفع عملية التغيير فهي علاقة جدلية كما يقال، وإن ما نراه
أحياناً من الجمود على فكر معين قاله أحد الدعاة أو المفكرين قبل عقود من السنين،
يدعو إلى الأسف، فما يصلح لفترة الأربعينات والخمسينات قد لا يصلح اليوم، وما
كُتب في تلك الفترة وما بعدها بقليل حول الاجتهادات في أساليب الدعوة، أو طرح
بعض الشعارات ليس كله صحيحاً، وهؤلاء الدعاة وإن كان لهم فضل السبق،
ولكن الحق أحق أن يتبع، وقد رأينا عجباً ممن يتصدى للدعوة، يقول لك: قال
فلان، وكتب فلان، وكأنه لم يزدد منذ عشرين سنة حرفاً من العلم، ولا يدري ماذا
جَد على الساحة الإسلامية.
وإذا تتبعنا حال الدعوة في عصر الرسالة نجد أنها في تقدم مستمر، ليس فيه
تراجع، فالمسلمون يزدادون عدداً، والدعوة تكسب شخصيات مهمة وتجد لها ملجأ
آمناً في الحبشة، ويتعاطف معها بعض أشراف قريش في حصار الشعب، ثم تأتي
بيعة العقبة الكبرى منعطفاً مهماً للدعوة، فالهجرة إلى دار الإسلام (المدينة) .
كان رسول الله ﷺ ينقل المسلمين خطوة خطوة على
طريق التمكين فالمرحلة المكية كانت إعداداً للمرحلة المدنية، بل كل مرحلة سواء
أكانت في الفترة المكية أو المدنية كانت نقطة انطلاق إلى ما بعدها، وكلما مارس
الفرد واجباً ازداد قوة واستعداداً، وقويت آماله، وشعر بالرغبة في العمل، وكان
القرآن ينزل منجماً ليثبت قلب الرسول ﷺ ويعيش المسلمون
مع القرآن واقعاً عملياً، يُقوّمهم وينتقل بهم في عملية تربوية إلى الحال التي وصل
إليها الصحب الكرام.
إذا كان الإسلام هو الحق وغيره هو الباطل، فلماذا وجد هذا الواقع الذي نحن
فيه لولا أن في الأمر خللاً في معرفة وجوه المصالح والمفاسد، ونقصاً في القيادات
التي تنقل المسلمين إلى المرحلة المناسبة، ولعله عندئذ تُشفى صدور قوم مؤمنين.
стр. 1770
دراسات اقتصادية
المشكلة الاقتصادية
وعلاجها من المنظور الإسلامي
- ٣ -
د. محمد عبد الله الشباني
في الحلقتين السابقتين ناقشنا جانب من جوانب المشكلة الاقتصادية، وهو
جانب الندرة في الموارد الطبيعية، وأوضحنا المنهج الإسلامي في معالجة هذا
الجانب، وفي هذه الحلقة سوف نناقش الجانب الثاني من جوانب المشكلة
الاقتصادية، والمتمثل في نمطية ونوعية توزيع عناصر الإنتاج على أفراد المجتمع
أي تحديد مصادر الدخول الفردية وقواعد اكتسابها وتوزيعها وأنصبة عناصر الإنتاج
في الدخل.
يرتبط حل المشكلة الاقتصادية بالأساس الذي يتم بموجبه تحديد العائد الأفضل
للتكاليف المدفوعة على عوامل الإنتاج، ومدى تأثير ذلك على عرض المستخدمات
الإنتاجية، وبالتالي فإن المشكلة الاقتصادية ترتبط بالأسلوب والمنهج الذي يتم به
معالجة توزيع المدفوعات على مختلف عوامل الإنتاج.
مفهوم نظرية التوزيع:
تقوم نظرية التوزيع وفقاً للمفهوم الاقتصادي على تحديد مستوى المدفوعات
بالنسبة إلى مختلف عوامل الإنتاج، فنظرية التوزيع وفق المفهوم الاقتصادي
المعاصر تهتم بكيفية الحصول على عائد أفضل للتكاليف المدفوعة على عوامل
الإنتاج، الذي بدوره يؤثر على عرض المستخدمات الإنتاجية.
تتدخل المفاهيم الاعتقادية والتنظيمية في تحديد رؤية النظام الاقتصادي
للعلاقات التأثيرية لعوامل الإنتاج في بناء نظرية التوزيع في التطبيق العملي، من
تلك المفاهيم التي لها تأثير في التمييز بين مختلف الأنظمة الاقتصادية: كيفية
توزيع الناتج الصافي للدخل بين مختلف عوامل الإنتاج.
إن القواعد والضوابط التي يتم وضعها من قبل النظم الاقتصادية لها تأثير
على حركة عناصر الإنتاج، فمثلاً النظرة التي يتبناها النظام الاقتصادي تجاه
عنصر العمل ودوره في عملية الإنتاج، والأساليب المستخدمة في تحريكه وكذا بقية
عوامل الإنتاج الأخرى، تحدد التمايز والاختلاف بين مختلف الأنظمة الاقتصادية
فيما يتعلق بكيفية توزيع الناتج القومي على مختلف عوامل الإنتاج.
تمثل أهم جوانب المشكلة الاقتصادية في الأساليب التي تتبناها نظرية التوزيع
لمجموع النواتج الصافية للدخل، ممثلاً في مقدار دخل الفرد (أي نصيبه) الذي يناله
نظراً لاشتراكه في الإنتاج، سواء بعمله أو بملكيته أو بهما معاً، تتأثر هذه
الأساليب التي يتبعها النظام الاقتصادي لأي مجتمع من المجتمعات بالفلسفة التي
يسعى النظام الاقتصادي لترسيخ مفاهيمها فيما يتعلق بالنظرة إلى أي عنصر من
عناصر الإنتاج.
يقصد بمفهوم التوزيع وفق النظرة الاقتصادية، عملية تحديد حصص عناصر
الإنتاج في دخل المجتمع والتي تشتمل على جانبين هما:
١- التوزيع الشخصي، أي توزيع ملكية عناصر الإنتاج على أفراد المجتمع.
٢- التوزيع الوظائفي، ويقصد به تحديد أنصبة عناصر الإنتاج في الدخل
القومي على أساس الوظيفة التي أداها كل عنصر في تحقيق هذا الدخل.
إن المشكلة الاقتصادية في جانبها التوزيعي تقوم على أساس تحديد مصادر
الدخول الفردية، فالنظام الرأسمالي الذي أصبح السمة المسيطرة بعد سقوط النظام
الاشتراكي يحدد مصدر الدخل من العمل ومن عوائد التملك، مع قصور النظام
الرأسمالي في وضع القواعد المحددة لاكتساب الملكية أو توزيعها مما أدى إلى سوء
توزيع الملكية بين أفراد المجتمع والذي بدوره أدى إلى سوء توزيع الدخول بينهم
فيما يتعلق بالتوزيع الشخصي، أما التوزيع الناشيء عن مساهمة عناصر الإنتاج
(أي التوزيع الوظائفي) فالنظام الرأسمالي يحصر هذا التوزيع في الربح للأرض
والأجر للعمل والفائدة الربوية لرأس المال والربح للتنظيم أو الإدارة.
أما النظام الاشتراكي فهو يلغي الملكية الخاصة لعناصر الإنتاج كلياً أو يحد
منها بدرجة كبيرة، لذا فإن التوزيع يتم على أساس العمل، ووفقاً للخطة الاقتصادية
التي ترسمها الدولة، وهو بهذا يخالف النظام الرأسمالي، وقد أوضحت التجربة
العملية عجز هذا النظام عن حل المشكلة الاقتصادية، بل أدى إلى تفاقمها، وعجز
عن تحقيق الأحلام التي بشر بها أتباعه ومعتنقيه، أما النظام الرأسمالي فقد أخذت
بوادر فشله تبرز، وأخذت جوانب المشكلة الاقتصادية تستفحل مما يؤذن بقرب
سقوط النظام الرأسمالي الربوي، وذلك سوف يؤدي إلى كارثة عالمية لا يعلم مداها
إلا الله، فجزئيات المشكلة الاقتصادية أخذت في الاتساع والنمو والتجزؤ مما جعل
منظري النظام الاقتصادي الرأسمالي يهتمون بالجزئيات والعمل على تجنب
الأضرار التي تلحق بالجوانب الأخرى للمشكلة الاقتصادية.
لم تجد النظرية الإسلامية فيما يتعلق بجانب التوزيع من يتبناها في الواقع
التنفيذي، وبالتالي فإن ما سوف يتم إبرازه من طروحات لمعالجة المشكلة
الاقتصادية في جانبها التوزيعي، إنما يقوم على افتراض أن هذه الأطروحات في
المعالجة إنما تقوم على أن هناك تكامل في النظرة لإدارة اقتصاد الدولة، والذي
بدوره يرتبط ببقية الأنظمة الاجتماعية الأخرى المستمدة من الشريعة الإسلامية أي
أن هذه الطروحات لا يمكن أن تقوم بدورها في معالجة هذا الجانب من جوانب
المشكلة الاقتصادية إذا عزلت عن محيطها البيئي، إن القصد من طرح هذه
الأطروحات في معالجة جانب التوزيع من المنظور الإسلامي عند معالجة المشكلة
الاقتصادية، هو إبراز أن الإسلام يمتلك الوسيلة والمنهج الذي يمكن عند الأخذ به
مع بقية أنظمة الإسلام الأخرى، حل ما يعانيه الإنسان المعاصر من مشاكل
اقتصادية ناتجة عن الانحراف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.
العلاقة بين عناصر الإنتاج وتوزيع الدخل القومي علاقة ترابط وتداخل
وترتكز هذه العلاقة على تحديد عناصر التملك ومصادرها، والأسلوب الذي ينبغي
اتباعه لتوزيع الدخل القومي على عناصر الإنتاج، ومن مصادر بروز المشكلة
الاقتصادية في إي نظام اقتصادي حدود ونظام ومصادر التملك، وكيفية إيجاد
التوازن بين مختلف عناصر الإنتاج في اقتسام حصة من الدخل القومي وهذا يتأثر
بالقواعد والنظم والتشريعات التي تحدد مصادر الدخل وطرق الكسب ونطاق ومجال
استخدام الفائض المدخر من الكسب.
إن من أهم الأمور التي تشغل بال الاقتصاديين هو كيفية معالجة عدم التوازن
في تخصيص وتوزيع الدخل على مختلف عناصر الإنتاج.
يمتلك الإسلام تصور معين ومنهاجية خاصة تحدد طرق الكسب ونطاقه كما
تعالج نطاق الإنفاق مع إعطاء الحافز على الادخار والاستثمار، بجانب الاحتفاظ
بتوازن المجتمع ضمن التوجيه القرآني الكريم في قوله تعالى: [كي لا يكون دولة
بين الأغنياء منكم] [الحشر: ٧] ، الإسلام يحرص على تحقيق التوازن بين
مختلف عناصر الإنتاج بالتدخل عند الضرورة مع وضع القواعد التي يتم الاسترشاد
بها، إن عناصر الإنتاج التي يقرها الإسلام، ويعمل على تحقيق التوازن بينها
ثلاثة عناصر أساسية هي: العمل، والموارد الطبيعة ورأس المال، أما عنصر
التنظيم أو الإدارة فهو يدخل ضمن عنصر العمل والإسلام يعطي أهمية خاصة
للعمل حيث إن له دور متميز في العملية الإنتاجية لأنه العنصر المؤثر في تكوين
رأس المال، ولكن لا يُهمل دور رأس المال في المساهمة في العملية الإنتاجية.
اختلال التوازن بين عناصر الإنتاج يساهم في وجود المشكلة الاقتصادية ولهذا
فقد وضع الإسلام قواعد لمنع هذا الاختلاف بين عناصر الإنتاج، وسوف نناقش
كيفية معالجة الإسلام لكل عنصر من عناصر الإنتاج فيما يتعلق بمعالجة توزيع
الدخل القومي بين هذه العناصر، ويعقب ذلك إبراز معالجة الإسلام العامة لضبط
التوازن بين مختلف عناصر الإنتاج ضمن نظام الإسلام الاقتصادي.
يعتبر الإسلام عنصر العمل هو القاعدة الأساسية في التملك، كما أنه هو
المتحكم والمؤثر في تحديد تكاليف الإنتاج، لأن إنتاج السلع أو تقديم الخدمات
مرتبط بقوة العمل المبذولة سواء أتمثلت هذه القوة في الجهد العقلي أو العضلي وإن
إنتاج السلع أو تقديم الخدمة لا يتم إلا من خلال قوة العمل، وبهذا فإن الإسلام
يعترف بدور العمل في العملية الإنتاجية.
روى الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده عن جميع بن عمير عن خاله أبي
بردة بن نيار قال: سُئل النبي ﷺ عن أفضل الكسب فقال:
«بيع مبرور وعمل الرجل بيده» [١] ، وفي حديث آخر رواه أحمد والحاكم عن رافع بن خديج قال: قيل يا رسول الله: أي الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» [٢] ، وفي حديث آخر رواه ابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي ثياباً من هجر فأتانا رسول الله ﷺ فساومنا في سراويل وعندنا وازنون يزنون بالأجر فقال للوازن: «زن وأرجح» [٣] . ...
من هذه الأحاديث وغيرها نجد أن الإسلام يعطي للعمل دوراً في العملية
الإنتاجية، وأن العمل هو أفضل أعمال الكسب، لأهمية العمل في النشاط
الاقتصادي وتأثيره في الدورة الاقتصادية، وفي ظهور المشكلات الاقتصادية فقد
عمد الإسلام إلى معالجة المشكلات التي يمكن أن يؤثر فيها العمل، فمن تلك
المعالجات التي اهتم الإسلام بوضع حلول لها، وأرشد إلى أمور ينبغي الأخذ بها
الأمور التالية:
١- وضع أسس تحديد الأجور:
عند وضع سياسة الأجور يجب وضع أسس تحديد الأجور في المجتمع فمن
ذلك ما رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده عن المستورد بن شداد قال: سمعت
رسول الله ﷺ يقول: «من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة وإن
لم يكن له خادم فليكتسب خادماً فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً» [٤] ، إن
هذا الحديث يضع قاعدة عامة لسياسة الأجور، ونصيب العمل من الدخل العام وهذه
القاعدة تتمثل بأن يكون هناك حد أدنى للأجور لا يجوز إعطاء أقل منه وهذا الحد
الأدنى مرتبط بالكفاية في تحقيق الضروريات الأساسية، لهذا فإن من المشكلات
التي تؤثر في تفاقم المشكلة الاقتصادية هو تقليص الأجور وإضعاف نصيبها من
الدخل القومي، لأن إضعافها سوف يؤدي إلى التأثير على الإنفاق والذي بدوره
يؤثر على الدورة الإنتاجية.
٢- ضرورة معلومية الأجور ودفعها عند تمام العمل المنجز:
وهذه القاعدة تساعد على إيجاد سوق العمل المستقرة، ومنع الاضطرابات
العمالية التي هي السمة البارزة في المجتمعات الرأسمالية، ومن الأحاديث المرشدة
إلى هذا الأمر ما رواه الدارقطني بسنده عن عبد الله بن مسعود أن النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال: «إذا استأجر أحدكم أجيره فليعلمه أجره» [٥] ، كما روى أحمد
في مسنده عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن استئجار
الأجير حتى يبين له أجره، ونهى عن النجش واللمس وإلقاء الحجر [٦] ، كما
روى البيهقي في سننه مرفوعاً عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وأعلمه أجره
وهو في عمله» [٧] فهذه الأحاديث ترشد إلى دفع مستحقات العمال في وقتها،
ومعلومية الأجر والغاية من هذا الأمر إيجاد العلاقة الجيدة بين أرباب العمل والعمال، وبالتالي استقرار سوق العمل.
٣- العمل على استقرار سوق العمل:
وذلك بالعمل على غرس مبدأ الاستقرار وبقاء العامل في عمله وعدم التنقل
من عمل إلى آخر، وإن اضطراب سوق العمل وعدم استمرارية العمال في أي
نشاط من الأنشطة الاقتصادية، سوف يؤثر على تكلفة الناتج نتيجة لتغير منحنى
عرض العمالة، فيحدث الاضطراب في سوق العمل، لهذا فإن الإسلام يعمد إلى
الحث على استقرار العمالة وعدم تنقلها، ويرشد إلى ذلك ما رواه ابن ماجة في
سننه وأحمد في مسنده عن الزبير بن عبيد عن نافع قال: كنت أجهز إلى الشام
وإلى مصر، فجهزت إلى العراق فأتيت عائشة أم المؤمنين ﵂ فقلت
لها: يا أم المؤمنين كنت أجهز إلى الشام فجهزت إلى العراق، فقالت: لا تفعل
مالك ولمتجرك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سبب
الله لأحدكم رزقاً من وجه فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له» [٨] ، وما رواه ابن
ماجة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من
أصاب من شيء فليلزمه» [٩] ، هذه التوجيهات النبوية ترشد إلى الاهتمام
بضرورة العمل على استقرار العمالة وبقائها، أي العمل على السعي إلى المحافظة
على توازن منحنى العرض والطلب للقوى العاملة.
٤- حفظ حقوق العاملين:
تقوم استراتيجة تنظيم العمل كما ترشد إليه أحكام الإسلام، على حفظ حقوق
العاملين وإلزام أصحاب العمل بتوفير الظروف البيئية الملائمة، وعدم استغلال
طاقة العامل أكثر من قدرته، وضرورة كفاية الأجر لتحقيق احتياجاته الأساسية،
فلقد وردت أحاديث ترشد إلى مراعاة ذلك والأخذ به، ومن ذلك ما رواه البخاري
في الأدب المفرد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:
«للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» [١٠] ، كما روى
البخاري بسنده في الأدب المفرد عن أبي ذر قال: قال النبي -صلى الله عليه
وسلم-: «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما
يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه» [١١] .
من هذه الأحاديث يمكن وضع سياسة عامة للعلاقة بين أرباب الأعمال
والعمال، تتمثل في إعطاء العمال الأجور الكافية لسداد احتياجاتهم، مع وضع
الضوابط التي تمنع أصحاب العمل من تكليفهم بالقيام بأعمال أكثر من طاقتهم بحيث
يلزم صاحب العمل بتهيئة الظروف التي لا تؤدي إلى إرهاق العامل جسدياً ونفسياً،
هذه الأمور تقدر بقدرها ضمن القاعدة الأصولية «لا ضرر ولا ضرار» بحيث لا
تغلب مصلحة العامل على مصلحة رب العمل، ولا مصلحة رب العمل على
مصلحة العامل، بل يجب الانطلاق عند وضع السياسات العمالية من مفهوم أن
الجميع أخوة تربطهم رابطة العقيدة والإيمان.
стр. 1771
نصوص شعرية
صرخة في طريق المجد
عبد العزيز بن غرسان الشهري
جُرحٌ مضى وهناكَ جُرحٌ بادي ... ومصائبٌ جلت عن التّعدادِ
في كلّ ناحية وكل ثَنيّةٍ ... جُرحٌ يَصيحُ بأمتي ويُنادي
حتى متى فرْعَونُ يقْهرُ عزتي ... وإلى متى هَامَانُ ينهبُ زادي؟
وإلى متى سيظلّ يُقلقُ راحتى ... كسرى، وقيصرُ يسترقّ بلادي؟
ما في الممالك والمدائن سالمٌ ... من سوط جبار وصولة عَادي
كم تَستَغيثُ وتستجيرُ وما ترى ... إلا جماداً، أو شبيه جَمَادِ!
****
أبناءُ جلدتنا وفي نظراتهمْ ... حقدُ الصليب وخسّةُ الموسادِ
فتحوا لأهْل الشّرّ كلَ مُغَلّقٍ ... وغَدَوا لأهْل الخير بالمرصادِ
نصبوا العداءَ فليسَ يُغلقُ منبرٌ ... إلا ويُفْتَحُ للفساد نوادي
والكفر يرتَعُ في الممالك آمناً ... وشريعة الرحمن في الأصْفَادِ
وأئمةُ الإصلاح في أوطاننا ... ملؤا السّجُونَ بتهمة الإفسادِ
والقُدسُ مثخنةً تئنّ وفي رُبى ... مدريدَ مدوا للسلام أيَادي
في ما مضى كنا نراهُ خيانةً ... واليومَ نركُضُ خلفَهُ ونُنادي
بالأمس طارقُ جَاءَهَا مُتوشحاً ... سيفاً ليرفعَ رايةَ الأمجادِ
ماذا يظنّ ويُرتَجَى من معشَرٍ ... خانوا كتائبَ طارق بن زيادِ
رباهُ جئتُكَ لا لغيركَ طالباً ... ولغير بابكَ ما أنختُ جَوَادي
****
ألمي يطول فَأمّتي في حيرةٍ ... من فُرقَة العُلماء والعُبّادِ
الحقّ بينَ تَخَاصم وتَقَهقُر ... والكُفر بينَ تضافرٍ وتمادي
زُرعَ الخلافُ بأرضها حتى غدَتْ ... مزَقاً من الأضغان والأحقادِ
تغزى فتُهرَعُ ويحَ عُمري للعدا ... كفريسة هُرعت إلى الصيادِ
والفقرُ يفتكُ بالبلاد ومَالُها ... يُجبَى لأهل الكُفر والإلحادِ
إني لأعجبُ كيفَ تُنصَرُ أمةٌ ... عَبَثاً بغير شريعة وجهادِ
ما دُمتِ مُعْرِضَةً وسيفُك مغمدٌ ... فالمَجدُ في واد، وأنتِ بوادِ
****
أنا مسلمٌ يا قوم تجري في دمي ... شيَمُ الأباةِ ونَخوَةُ الأجدادِ
قد راعَ تكبيري كَنائسُ قيصَرٍ ... وارتَاعَ كسرى من صَهيل جيَادي
نفسي عليّ عزيزةٌ وكرامتي ... لا تُشتَرى بالوَعد والإبْعَادِ
والقلبُ مني باليقين قد ارتوى ... ثقةٍ فلستُ أشُكّ في الميعادِ
والله لا النمرودُ يوهنُ همتي ... أبداً ولا فرعَونُ ذو الأوتَادِ
أنا لستُ أخشى حربَهُم وسياطَهُم ... كلا ولا أخشى من الجَلادِ
إن مادَ جسمي للسياط وللأذى ... فالقلبُ مني ليسَ بالمَيّادِ
إن آثروا سجني فسجني خَلوةٌ ... وسياحتى في النفي والإبعادِ
أوْ سرّهُم قتلي فلستُ بجازع ... فالموت غايةُ مطلبي ومُرادي
عَجبوا، وما عجبوا لشيء مثلما ... عَجبوا لطول تصبّري وعنَادي
ضدان ما اجتمعا لطالب عزةٍ ... شَرَفُ النفوس وراحةُ الأجسادِ
****
يا قوم قد بانَ الطريقُ فهل تُرى ... أزفَ الرحيل إلى ذُرى أمجادي
سيروا على سنن الأبَاة وشمّروا ... حذراً، فما في الدرب غيرُ قتادِِ
أدوا الأمانة قبل ألا تملكُوا ... إلا البُكاءَ وحُرقَةَ الأكْبَادِِ
إني أرى أيامكم قد أصْبَحَتْ ... حُبلى، وأرقُبُ ساعَة الميلادِ
وتوغلوا في كل درب نافع ... لا تتركوا الميدان للأوغادِِ
كم منهل عذب، وكم من مورد ... للخير يشكوا قلةَ الوُرّادِِ
ربوا النفوسَ على الثّبَات سجيةً ... عندَ الحَوادث فالخُطوبُ غوادي
وتريثوا فالنصر ليسَ بخُطبة ... تُلقى وليسَ بوفرة الأعدادِِ
ما حاجة الأمجاد إلا وقفةٌ ... في الحادثات كوقفة المقْدادِِ
كم راية بالأمس أوْقدَ نارُها ... لم يبقَ منها اليومَ غيرُ رمادِ
هي رايةٌ للحقّ إلا أنها ... رُفعت بغير بصيرة ورشادِ
ما قلة الأعداد نشكوا إنما ... تشكو الكتائبُ قلة الإعدادِ
محَنُ الزمان تَمَيزُ إنْ هي أقبلت ... بينَ الأسُود وصُورة الآسادِ
وتَسُفُ ريحُ الجدّ كلّ مُخلخلٍ ... في الدرب ليس بثابت الأوتادِ
حتى إذا زكت النفوسُ وهُيئت ... للنصر جاء النصرُ كالمُعتادِ
تأتي البشائرُ بعدَ طول مشقةٍ ... كالغيث بعدَ البرق والإرعادِ
стр. 1772
المسلمون والعالم
هل الغرب يكره التسلط إلى هذا الحد ؟
عين الرضا لجاكرتا.. وعين السخط لكوالالمبور!
د. عبد الله عمر سلطان
«مات الديكتاتور» ، «سقط الإمبراطورالأحمر» ، «وأخيراً.. هلك الطاغية» ...
عناوين مشابهة لهذه كانت هي التي تتصدر صفحات الصحف الغربية
وحاشيتها العربية بعد هلاك زعيم كوريا الشمالية وصنمها الأوحد «كيم إيل
سونج» ، لاسيما بعد أن أخذت المواجهة بين هذه الدولة المتقوقعة على نفسها وبين القوى الغربية المسيطرة على العالم ومقدراته بعداً آخر ... ، لقد فجّر الزعيم الهالك من ضمن ما فجر خلال لقائه بالرئيس الأمريكي الأسبق «جيمي كارتر» معادلة النفاق والتطفيف الأمريكي الطافح حين ربط بين برنامجه النووي وبرنامج
«إسرائيل» الأكثر تطوراً، وقذف بالكرة في الجانب الأمريكي قائلاً:
«أنا مستعد لتدمير برنامجي النووي في حالة تدمير البرنامج الإسرائيلي
الأكثر خطراً..! !» .
لقد أصبح منطق الطغاة والمحنطين على كراسي الحكم هو «قارنوا برامجنا
التسليحية ببرامج إسرائيل» ، وهذا المنطق هو من باب إحراج الجانب الغربي
وبيان عوار منطقه وكفره بأبسط مبادئ العدل والمساواة في العلاقات الخارجية لأنه
يمسك بهذا الغرب المنحاز من العصب الذي يثيره، ويكشف عن همجيته وانحيا زه، أما الجانب الآخر من منطلق الطغاة ومنطقهم، لاسيما في عالمنا العربي
والإسلامي، فهو أن هذه المقولة الحقة لا يراد بها إلا باطل تجرعته أجساد شعوبنا
حينما تسلط هذه الأسلحة وتلك المدافع إلى صدور الشعب الأعزل.. لا إلى
«إسرائيل» التي كفلت لزعامات تصلب الشرايين أن تغرس أقدامها كجذور شجر الصبّار الشائك ...
لقد تنفس «العالم الحر» الصعداء، وأفرغت ذراعه الإعلامية التي لا تقل
دموية وجرماً عن آلته العسكرية والاقتصادية المقالات والدراسات والتحليلات
المتعددة التي ترسم خيارات المستقبل الآسيوي بعد هلاك الطاغية.
أوليس جديراً أن يحتفل الغرب المناضل دوماً في سبيل الحرية بسقوط زعيم
متسلط؟ أوليس الغرب هو حامي حمى الديموقراطية والذائب هياماً وشغفاً بكل ما
هو ومن هو عادل ومنصف؟ !
قد يذكرنا بعضهم هنا بمقولة «جان كارباترك» مندوبة أمريكا في الأمم
المتحدة سابقاً، ومنظرة اليمين الأمريكي «المحافظ والمتدين» حينما أطلقت
تصريحها الشهير حول دعم أمريكا لبعض الأنظمة القمعية مقابل حركات تؤمن
بالحوار والتعددية، فقالت دون مواربة: «إن دكتاتوراً تابعاً لنا ... خير ألف مرة
من نظام ديموقراطي يقف أمام مصالحنا ... » .
وهنا قد يقال: إن هذا التصريح هو زلة لسان أو عاطفة جياشة من شمطاء لم
تملك مشاعرها أو أحاسيسها وهي عادة متأصلة في رعاة البقر لاسيما المحافظين
منهم لكن لماذا لا نمتثل لنصائح الناطق باسم البيت الأبيض أو وزارة الخارجية
الأمريكية حيث يشير علينا مع كل غارة إسرائيلية تجندل الأطفال وتزرع الرعب،
بأن نضبط أعصابنا، وأن نتحلى بمقدار جيد من ضبط النفس، حتى تتكفل
إسرائيل بضبط أنفاسنا.. أو إنهائها إلى الأبد؟ ! .
ماذا علينا لو نظرنا بعين الواقع إلى جنوب شرق آسيا قريباً من بؤرة هلاك
الدكتاتور، وقارنا بين مثالين أحدهما «دكتاتوري» ... والآخر «ليبرالي» ...
واحد يكمم الأفواه ويطارد المعارضين، ويستحدث العقائد لدولة جل سكانها يدينون
بدين واحد، وآخر يحكم خليطاً غير متجانس من الشعوب والأعراق ... ؟ ! لن
نختار دولة مسلمة وأخرى كافرة لأن أصدقاءنا الأمريكان سوف يتهموننا حتماً
بالأصولية والتشدد والنتائج المسبقة، بل سنختار دولتين ضمن عالمنا الإسلامي
لننظر كيف يُصعّد الحدث هنا، ويتجاهل هناك ثم نطرح السؤال البريء ذاته: هل
يؤيد الغرب الديموقراطية أم الدكتاتورية؟ !
ثم ما هو عامل الفرز لحب التسلط أو الهيام بالتسامح والتعددية؟ هل هذا
العامل مهم وحاسم ودقيق إلى هذا الحد؟ .. دعونا نستعرض وضع أندونيسيا
وماليزيا للوصول إلى إجابة معقولة على هذا السؤال.
أندونيسيا ومفترق الطرق:
ظلت أندونيسيا رغم ضخامتها وكثافتها السكانية عامل تحييد واستقرار في
منظومة السياسة الأمريكية في المحيط الهادي، أو بعبارة «ستيفن ستراسر»
المعلق الأمريكي «دولة متعاونة مع الغرب إلى أقصى حد، وودودة مع الصين
رغم استحواذ الجالية الصينية بها على المقدرات الاقتصادية، مع سلبية في تعاملها
مع جيرانها، وهي الآن تبحث عن موطئ قدم في ظل انقلاب الموازين، فهي التي
بادرت لإجراء المباحثات في كمبوديا، وهي التي تسعى لجمع فرقاء النزاع في
بورما، كما أنها الآن تعرض وساطتها بين كوريا الشمالية والغرب» إن الرئيس
الحالي سوهارتو الذي أتى بعد حكم «سوكارنو» المتعاطف مع الشيوعيين، ظل
أصدق الحلفاء لأمريكا، وهذا ما حدا بالغربيين إلى التغاضي عن الممارسة السياسية
العنيفة والفساد المستشري في الحكومة هناك ولا تزال أصداء الصدمات الأخيرة بين
الحكومة والشعب لا تخطئ بكثير متابعة من قبل الصحافة الغربية التي تعمل
بنظرية حارس البوابة «الإعلامية» ، وهذه النظرية الإعلامية تقول إن الإعلام
لاسيما الذكي يتعامل مع الخبر كحارس البوابة فيضخم ما يراه يخدم مصالحه
ومبادئه، ويتجاهل ما يسيء إليها ... وهذا العامل هو الذي يفسر التغاضي عن
إجراءات الحكومة الأندونيسية لحظر أكبر ثلاث مجلات في البلاد هي: «دي تيك، وتمبو، والمحرر» في شهر «حزيران» المنصرم بعد أن نشرت تفاصيل عن
عمولات صفقة شراء أسلحة للقوات البحرية الأندونيسية التي يتهم فيها وزير
التطوير والتقنية «حبيبي» الذي يعد أبرز الشخصيات لخلافة «سوهارتو» بعد
أن إنتهاء ولايته الخامسة.
لقد مرالأرخبيل الأندونيسي بفترة مشابهة في عام ١٩٧٨ م، بعد أن تظاهر
الطلبة والمثقفون اعتراضاً على إعادة انتخاب سوهارتو رئيساً في ظل انتشار
المحسوبية والفساد والقمع السياسي، والاعتماد على المساعات الخارجية وتسلط
الجالية الصينية، على مقدرات البلاد وتحالفها مع نظام العسكر.
لقد طرح المعارضون بقوة أن العسكر قد قاموا بواجبهم ولم يعد لديهم أي جديد
يقدمونه، فتفتقت الأذهان عن فكرة «الباتشيلا» ، وهي دين جديد استحدثه
«سوكارنو» ، وألزم الشعب الأندونيسي المسلم اعتناقها، ثم قام بمطاردة كل خصومه بحجة محاربة هذا الوثن الجديد الذي اُلزمَت حتى الأحزاب الإسلامية بالإيمان به وإلا ... والسؤال: هل يواجه المأزق السياسي بدين جديد أو وثن آخر يتم من خلاله محاربة المد الإسلامي المتنامي في الأرخبيل الوادع؟
لقد راهن العسكر والقوى الغربية من خلفهم على النمو الاقتصادي باعتباره
هدفاً وغاية ووسيلة من خلال نموذج شبيه بنموذج «بونشيه» ديكتاتور تشيلي
الذي حكمها بالحديد والنار ليرفع من اقتصادها عقدين من القمع لكن النمو
الاقتصادي في ظل التسلط والتغاضي الغربي، لا يحل المشكلة بل ربما فاقمها
فالصحافة الأندونيسية والشارع هناك يتحدث عن «مافيا بيركلي» ، وفي هذا
إشارة إلى جامعة «بيركلي» الأمريكية الشهيرة التي ينتمي إليها معظم رموز
النظام الحاكم والمثقفين الكبار، وهذه العصابة الحاكمة ترى أن النمو الاقتصادي
وحده لا ينصف مظلوماً أو يزيل فساداً أو يحل قضية هامة كقضية الهوية والانتماء
لاسيما في أجواء صحوة المسلمين المعاصرة وعودتهم إلى ذاتهم.
قد يتغاضى الغرب حيناً عن أصدقائه، ويطلق أيديهم تخنق وتصطاد
ضحاياها البشرية، وتعد برفاهية أكبر وحلم تنموي جميل، لكن الأرقام والمشاعر
حينما تختلط تقول إنه بالرغم من التقدم الاقتصادي والنمو المتسارع في أندونيسيا،
إلا أنه يظل أقل بكثير من دول آسيوية أخرى لا تقارن بإمكاناتها ومقدراتها، وأن
طوفان الفساد المستشري يلقي بظلاله على الحياة الاقتصادية من خلال الاحتكار
والعمولات الخيالية، تماماً كما يعوق نمو الحياة الاجتماعية أو السياسية، فالنمو
الاقتصادي لابد أن يرافقه انفتاح سياسي، واستقرار اجتماعي، واستنفار لغالبية
الأمة يربطها بمعتقد أو فكرة شمولية حضارية كعقيدة الإسلام لا تمت لشعوذة العسكر
أو صنمهم الهلامي! !
وماليزيا في خندق الدفاع عن الذات:
على عكس الوضع في أندونيسيا، فإن الخارطة السياسية والأمنية في ماليزيا
تتميز باختلاط كثير من الأعراق لاسيما الصينيين والهنود، إضافة إلى الملاويين
المسلمين، ويشكل المسلمون أغلبية ضئيلة لكنهم يمسكون بزمام الحكم والقيادة، وقد
استطاعت ماليزيا أن تسجل قفزات كبيرة في تكوين دولة عصرية ذات اقتصاد متين
رغم قلة إمكاناتها مقارنة بأندونيسيا، وظلت البلاد تتمتع بمناخ حر وفضاء واسع
حتى للأقليات المتربصة بالمسلمين والموالية لدول الجوار وبالرغم من الرفاه
الاقتصادي المقرون بمناخ حر وديمقراطي، فقد ظلت البلاد تتمتع بسياسة مستقلة
ترفض التحزبات، وتأبى أن تخضع للهيمنة والغطرسة الغربية.
لقد جمع المثال الماليزي المحرمات الثلاث: نمو اقتصادي، وحرية سياسية،
وتوجه مستقل يحمل بصمات الإسلام، وهذا ما يفسر حنق الغربيين لاسيما
البريطانيين من هذه الدولة الفتية وتسخير وسائل الإعلام لاسيما التي يملكها ...
الصهيوني «ماردوخ» للنيل من الحكومة الماليزية التي ردت على بريطانيا
«العظمى سابقاً» بأسلوب فيه درس للعزة ونموذج للإباء.
لقد قامت كوالالمبور بشطب الشركات البريطانية من قائمة المؤسسات التي
تتعامل معها، فما كان من الأسد البريطاني «الهرم» إلا أن قدم الاعتذار وتخلت
الصحافة البريطانية عن أسلوب الدس العلني في هذه الجولة، لكن التآمر لم ولن
ينتهي، وسيجد ألف وسيلة لرد المارد الماليزي إلى الحظيرة وفرض النموذج
«السوهارتي» عليه إن أمكن ذلك.
إن التوجه المستقل لاسيما المسلم هو عامل الفرز الوحيد لمضايقة ماليزيا
ورسم المخططات لحصارها، كما أنه شرط العضوية المهم الذي غض الغرب
الطرف بسببه عن الأرخبيل المجاور، الذي رضي بالدوران في الفلك الغربي،
وقام بنصب العقيدة الجديدة «الباتشيلا» بدلاً من الاعتزاز بالإسلام وترسم نهجه
الحضاري.
الغرب يكره الديكتاتورية، ويحب الديموقراطية، عبارة حفظناها عن ظهر
قلب، لكن الحقيقة المرة أن هذه العبارة صحيحةفي حق شعوبه ودوله فقط، أما في
حق الشعوب المسلوبة هويتها فربما جرب الغرب الديمقوراطية هنا وشجع
الدكتاتورية هناك، لكن في بلداننا المسلمة فلا شك أن الديكتاتورية لاسيما العسكرية
تواجه بترحيب أكبر وتغذى بالمقويات والمنشطات التي تسعى كما نرى في البلدان
الثورية في عالمنا العربي إلى جعله كسروية ثورية يتوارثها الدكتاتور الصغير عن
السفاح الكبير، وهذا بالضبط ما ينوح عليه الغرب ويلطم في مأتم الديكتاتور
الشيوعي الكوري الذي حول «البرولتاريا» بقدرة قادر إلى مؤسسة ماركسية
عائلية مغلقة أمام المساهمين
هل نعود إلى مقولة «جين كارباتريك» ونعيد تقييمها على ضوء هذه
المقارنة لنقول: إنها أكبر من مجرد زلة لسان وأقرب ما تكون إلى قاعدة مهمة في
سياسة وصولية مستعمرة؟ !
стр. 1773
المسلمون والعالم
وآإسلاماه:
ردة بين مسلمي الهند فماذا نحن فاعلون؟ !
د. نفيس أحمد
المسلمون في أطراف «علي كراه» وبعض مديرياتها يقضون حياتهم في
أسوأ درجات الفقر والتخلف، وبخاصة في الناحية التعليمية والاقتصادية، ولا توجد
المدارس التي يتلقى فيها أبناء المسلمين العلوم الدينية والعصرية في هذه القرى إذ
أن جل الناس يعيشون في فقر وإفلاس، فلذلك لا يستطيعون بناء المدارس، ولا
يعرفون أهمية التعليم في العصر الحديث، فضلاً عن أن يرسلوا أولادهم إلى
الخارج للدراسة، وغالب أبنائهم يشتغلون في المزارع وتزويد المدن المجاورة
بالحليب، ويعملون في النجارة أو الحدادة، وبعض الأعمال اليدوية البسيطة بوجه
عام.
والشيء الذي يفزع كل مسلم، هو أن الأحزاب الهندوكية المتعصبة قد
استغلت تخلف المسلمين وسوء حالتهم، فعملت جاهدة على إخراجهم من ربقة
الإسلام، وقد عرفت هذه الحركة باسم «شدهي» ، والحزب الهندوكي الذي يؤدي
الدور المهم في دعم هذه الحركة يُعرف باسم «بآديه سماج» ، وتلك الردة واقع
يعيشه المسلمون، والمناطق المتأثرة بهذه الردة هي: «هاترس» «آكره»
«اتيه» ، «متهرا» في ولاية اترابرديش، و «بهرت بور» في ولاية رجستهان، إذ إن هذه المديريات متجاورة، وقد بلغ عددها المائة أو أكثر ومعظم من يقطن هذه المنطقة هم طبقة «راجبرت» ، وكان أكثر أفراد هذه القبيلة قد دخلوا في الإسلام قبل عدة قرون، ولكنهم لم يجدوا التوعية الدينية والتربية الإسلامية رغم مضي عدة قرون على إسلامهم، ولم يفكر المسؤولون من الأمة الإسلامية في وضعهم التعليمي والاقتصادي، إذ إنهم لايزالون متمسكين بالتقاليد التي ورثوها، فلم يتغيرحالهم في قليل أو كثير، وقد سنحت للحركات الهندوكية المتعصبة فرصة بعد استقلال الهند، واستغلت الأوضاع وحاولت إقناع المسلمين بالارتداد، أو إغرائهم بمزاعمها بأنهم إنما كانوا على الديانة الهندوكية من قبل، وأن الملوك المسلمين قد أرغموا آباءهم وأجدادهم بالقوة على ترك الديانة الهندوكية، ولم يعد هناك أي مبرر في استمرارهم على الدين الإسلامي، ويصبح من العسير نيلهم الوظائف في الدوائر ولا أي ضمان لنيل المال والحياة الكريمة ما لم يرتدوا إلى الهندوكية.
غير أن المسلمين الذين كانت عندهم الكرامة والغيرة، رفضوا شتى
الإغراءات وهاجروا إلى باكستان، وقد ارتدت أكثر القرى التي بلغت حوالى مائة
قرية بعد الاستقلال، والمسلمون من سكان هذه القرى لايزالون يتعرضون
لمحاولات حثيثة لدفعهم إلى الردة، والمديريات والقرى الأخرى التي تأثرت بهذه
الحركة هي كما يلي:
١- في «علي كراه» ونواحيها:
برساره، الله بور، كلوكانكله، سوجيا، سوجان، كرى رستم، نكله كهرني، كوكا كهريا، كمهرى، كيمار، ببكواره، وكيرو.
٢- في مديرية متهرأ:
كوهن بور، برى، بمورى، مان كانكله، بهينه، ملك بيور اسبار مادهرى
كند، اندى، نوكايان، سيواميكو، برادلى، سيهى، حتى بوره يائى سرير، تهرا، سلطان بور.
٣- في مديرية آكره:
مريره، سلى نكر، سنيحكجه، سكراه، كاوا، واد، راى بها سكندره،
كهداوائي، بحبورى، فتحبورى، يُسى جه، كهيره، بيرى، وأ اد يجائى نكله
لجن، حسن بور، اروا، ساندهن، وكتيلا، وفي بعض القرى لا يوجد الآن أي
مسلم، ففي ولاية راجستهان، وبصفة خاصة في مكان تسى كهيلى ببرو، جالنى
كنج.
العوامل الكامنة وراء فتنة الردة:
من العوامل التي تؤدي إلى انتشار تلك الردة، الكتابة ضد الإسلام: فنسبة
الهنود من المثقفين والمتعلمين في هذه المنطقة مرتفعة بالمقارنة مع المسلمين كما أن
وضعهم الاقتصادي هو أحسن بكثير من المسلمين، فلديهم أسواق تجارية كثيرة
وكبيرة، ويخصص التجار من دخلهم اليومي قسطاً معيناً لحركة «شدهي» ،
وتستعمل هذه الحركة ذلك القسط المعين لتنشيط العمل والدعاية ضد الإسلام،
وتطبع الكتب بكثرة للطعن في القرآن الكريم والسنة، وتوزع مجاناً في موسم
«هاترس» ، الذي ينعقد في معبد «دأوجى مهراج» في «أغسطس» أو «سبتمبر» كل عام، وتزداد هذه الكتب في كل سنة، وتحتاج إلى الرد الدامغ عليها، وهذا ما لم يقم به أحد بعد، وتغرس روح الاستنكار والاستخفاف ضد الإسلام والمسلمين عن طريق هذه الكتب، والمسلمون لا يستطيعون الرد الصحيح بسبب قلة معرفتهم بالدين الإسلامي فيتأثرون بتلك الشبهات، وقد أصيبوا بمركب النقص بسبب النسبة المنخفضة في التعليم والاقتصاد، وبما يثار ضد الإسلام من دعاوى ومفتريات.
اختلاط المسلمين بالهندوس:
كما ذكر سابقاً فإن المسلمين يعيشون مع الهندوس ويتشبهون بهم في تقاليدهم
إلى حد كبير، فأسماء الرجال والنساء من المسلمين متشابهة مع أسماء الهندوس،
وننقل هنا بعض الأسماء على سبيل المثال: (حتربال سنك جندربال، راجبيرسنك، سرنام سنك، سكورام، انوب سنك) ، هذه أسماء الرجال المسلمين كلها، أما
أسماء النساء فهي سرشيلاديري ارملاديري تاراوتي وهنى) ، والسبب في هذا هو
تسهيل الالتحاق بالمدارس، فحينما يأخذ مسلم ولده للالتحاق في المدرسة يطالبه
مدير المدرسة بتغيير الاسم ليكون مشابهاً لأسماء الهندوس، فيقول أب الولد
المسكين: عيّن الاسم الذي تستحسنه لهذا الولد فيبدل المسؤول اسمه، ويسجل هذا
الاسم في المستندات كلها مستقبلاً، ويعرف هذا الولد المسلم بالاسم الهندوكي.
وننقل هنا بعض أسماء الأولاد المحولة في الماضي القريب على سبيل المثال: (جمشيد علي، الاسم الجديد والمحول: مهندرسنك، محمد سليم الاسم الجديد
والمحول: راجويرسنك، جميل أحمد، الاسم الجديد والمحول: ملكهان سنك) ،
وهناك شيء آخر وهو: حينما يذهب أي مسلم إلى مسجل البلد لتسجيل اسمه فيشير
عليه بأهمية تغيير اسمه إلى اسم هندوكي بدلاً من اسمه الإسلامي.
ونتيجة لجهل المسلمين فهم يحتفلون بأعياد «هولي، ديوالي، رنكولي»
الهندوسية، وعلى سبيل المثال فإن مراسم الزواج تتم كما يحتفل الهندوس بها تماماً، وإن تقاليد الزواج تشابه ما لدى الهندوس، وكثير من المسلمين يدورون سبع
مرات حول النار وفق الطقوس الهندوكية مع خطبة النكاح، وبعضهم يكتفون
بالدوران بدلاً من خطبة النكاح فحسب، ويوضع الطعام مثل الهندوكيين في أيام
الزواج، ولا يستعملون اللحم قط، ويحتفلون بذكرى الأربعين للميت، ويأكلون فيه
«بوا» الطعام الهندوكي، ويتصورونه طريقاً للثواب والعمل الصالح، ولو امتنع
أحد منهم عن تلك الطقوس وصف بأنه «وهابي» ! ! ، ويوجد جبل باسم
«كوبردن» قريباً من «متهرا» يعبده الهندوس والهنود الذين لا يذهبون إلى كوبردهن في تاريخ معين، فهم يصنعون الجبل الصغير في بيوتهم للعبادة، وكثيرٌ من المسلمين في هذه المنطقة لجهلهم يفعلون ذلك في بيوتهم مثل الهندوكيين.
ثم إن المسلمين يلعبون القمار بكثرة مثل الهندوس في يوم «دهن تيرس»
ويتفاءلون به للنجاح للسنة الآتية، وهم يلبسون دهوتي (اللباس الهندوكي الخاص)
مثل الهندوس بوجه عام، ويحضر قليل من المسلمين للصلاة في يوم الجمعة
والعيدين، وكذلك الصلوات الخمس.
الإغراء بالمال للردة عن الإسلام:
إن المسلمين كلهم يعيشون في فقر مدقع، وهم يرتدون إلى الهندوكية بأتفه
مقابل، مثل إسقاط الديون اليسيرة أو غير ذلك، ومن المسلمين الذين اختاروا
المذهب الهندوسي في الأعوام الماضية على سبيل المثال: (كيندالال اختار المذهب
الهندوكي لأجل مضخة يدوية مائية للحقل؛ كبتان سنك، اختار المذهب الهندوسي
لأجل ثلث ألف روبية؛ كيان سنك، مقابل العمل كفراش! ديوان سنك، مقابل
اعطائه بعض المال.
وارتد أحد عشر مسلماً في «الله بوره، وبرساره» في نوفمبر وديسمبر
١٩٩١ م، وكلهم تقريباً أغروا بالمال، ويحتفل المسؤولون من «أريه سماج»
احتفالاً كبيراً عند إجراءات ردة المسلمين، ويكون البوليس بكثرة في ذلك الوقت
لترويع المسلمين، فيجمع وجهاء الناس وكبار الزعماء من المنطقة وتلقى الخطب
ضد الإسلام والمسلمين علانية، لإظهار القوة للمذهب الهندوكي ويتأثر المسلمون
بهذا العمل خوفاً، حيث يقود الرأسمالي الهندوسي المشهور «برلا» هذه الحركة
لتؤدي دورها في انتشار الارتداد في هذه المنطقة.
وتُزَوَجُ البنات المسلمات من الهندوس مقابل الأموال لآباء البنات بدافع الطمع
والجهل بالدين، وأما أبناء المسلمين الذين يدرسون الابتدائية والثانوية فهم يختاون
المذهب الهندوسي ليتمكنوا من الزواج، وليجدوا المال الوافر مع تزويجهم من
الهندوسيات، ومن ثم يُسَهّل المسؤولون الهندوس عملهم في الدوائر الرسمية.
ارتد أكثر القرى التي بلغ عددها أكثر من مائة بعد استقلال الهند إلى الآن،
وكانت الردة بكثرة إبان استقلال الهند، لكن لاتزال هذه الظاهرة مستمرة، وجل
زعماء مسلمي الهند يتجاهلون القرى التي ارتدت كلها، فيهدم المسجد فيها،
ويستعمل حظيرة للدواب! ! .
مخاطر المستقبل ومدارس المعبد الهندوسي (ششوديا) :
وانتشرت حركة الردة إلى الآن بسبب تخلف المسلمين وسوء حالتهم في
التعليم والاقتصاد، ولجهلهم بحقيقة دينهم، ولكن الحركات الهندوكية قد اختارت
حيلة جديدة، وهي تأسيس المدارس باسم «التعليم والتربية» ، حيث يُعلم الأولاد
في هذه المدارس التعاليم الهندوسية مع الدراسات الأخرى التي تهاجم الإسلام
والمسلمين ويزداد التهجم والاستخفاف ضد المسلمين بتدريس دعاوى اعتداءات
الملوك المسلمين على الهنود، وقصص ملوك الهندوكيين أيضاً وقد أسست مدرسة
في موضع سرجان في مديرية هاترس، التي يوجد فيها المسلمون بكثرة، وليس
لهم سبيل لتعليم أولادهم إلا هذه المدرسة، فينشأوا على المذهب الهندوسي من حداثة
السن.
فهلا تدبرنا وفكرنا فيما يحدث من قبل أن تكون العواقب رهيبة ومدمرة؟
الحركة القاديانية وأثرها بين المسلمين:
يستغل القاديانيون المسلمين أيضاً بسبب تخلفهم في التعليم والاقتصاد ولجهلهم
بالإسلام، وقد نجحوا بخاصة في مدينتي «رجان وساندهن» وكثير من المسلمين
قد قبلوا المذهب القادياني، وأسست لهم مدرسة من قبل القاديانيين ويلتحق بها
أطفالهم مما جعلهم يتأثرون بمذهب القاديانية.
إهمال المسلمين الكبير:
غريب جداً ألا يعلم كثيرٌ من المسلمين شيئاً عن هذه الردة الكبيرة حتى الآن،
ولا يقوموا بمحاولات جادة لإيقافها ودراسة أسبابها ووضع الحلول الناجعة لعلاجها
سوى ما حصل في ولاية «راجستهان» قبل عدة أيام في منطقة «بهرت بور» .
هكذا توقف فتنة الردة:
لا يوجد أي نظام للتعليم العام والشرعي بوجه خاص لأولاد المسلمين وبناتهم
في المنطقة كلها، لذلك يجب اتخاذ الخطوات التالية لعلاج هذه المأساة، وهي كما
يلي:
١- تأسيس المدارس التي يدرس فيها التعليم الإسلامي مع العلوم الحديثة.
٢- تأسيس النوادي الإسلامية التي يلقي بها العلماء الخطب والنصائح الدينية
في بعض المناسبات.
٣- تكتب الردود الدامغة على الكتب المعادية للإسلام التي توزع مجاناً بين
المسلمين في المنطقة كلها.
٤- تأسيس كلية ثانوية عامة لأبناء المسلمين.
٥- إنشاء المشروعات التعاونية لإصلاح حال المسلمين والرفع من مستواهم
الاقتصادي والتعليمي.
٦- فتح حسابات مالية لإعانة المسلمين الذين يرتدون بسبب الفقر.
ولا بد من توفير المال لإتمام الأعمال المذكورة مع الجهد المركز والاهتمام
البالغ، وقد أسست مدرسة ابتدائية من قبل جمعية التعاليم الدينية في «الله بوره»
وتُدَرّس فيها العلوم الإسلامية مع العلوم الحديثة، وقد بدأنا هذا العمل بعون الله
تعالى مع فقدان كثير من الوسائل في أيدينا، وقد جاءت النتائج مفيدة بعد بدء هذا
العمل، ولم يرتد أحد من المسلمين بعد ذلك وهم يشعرون بالثقة في النفس ولقد زار
مسؤول الجمعية منطقتهم في كثير من الأحيان، والآن نحن نحتاج إلى مكان واسع
لتأسيس الكلية والمدرسة الثانوية كما نحتاج إلى الأفراد الذين يبذلون الجهد
والإخلاص.
بدأ هذا العمل برعاية اتحاد التعليم الديني «علي كره» ، وهو فرع لمجلس
التعليم الديني الذي يرأسه فضيلة الشيخ «أبو الحسن علي الندوي» ، ويتولى
أمانته العلامة الدكتور «اشتياق حسين قريشي» من «لكنؤ» ، أما رئيس الفرع
فهو «رحمة الله خان شرواني» ، وخازنه البروفيسور «نجم الحسن» من جامعة
«علي كره» الإسلامية، ويرعى هذا الاتحاد ثلاثين مدرسة أخرى في محافظة
«علي كره» ، والمساعي جارية لفتح مدارس أخرى كثيرة تعلم الطلاب عن طريق اللغة الأوردية مواد عصرية مع التعليم الشرعي الإسلامي.
هذا حال بعض المسلمين في الهند، فما هو واجب المراكز الإسلامية الدعوية
في عالمنا الإسلامي، وما هو واجب أغنيائنا والموسرين من المسلمين حيال الرفع
من شأن إخواننا المغلوبين على أمرهم؟ ألا هل بلغت اللهم فاشهد! ! ..
والله نسأل التوفيق والسداد للجميع.
стр. 1774
المسلمون والعالم
حول موضوع الأكراد
- مناقشة وتعقيب -
محمد بن سليمان
في العدد (٧٦) من «البيان» المقال الموسوم بـ «أحفاد صلاح الدين بين
مؤامرة الأعداء وخذلان الأصدقاء» ، ولما كان هذا الموضوع من الموضوعات
الشائكة حيث تختلط العاطفة مع القومية والإسلامية، كان لابد من رؤية إسلامية
تكون بعيدة عن ردود الفعل وضغط الأحداث، وقبل إبداء بعض الملاحظات على
المقال التي هي مساهمة في إيجاد رؤية إسلامية، لابد من التمهيد التالي: ...
١- نحن نؤمن بالإسلامية، وليس عندنا ولله الحمد أي نعرة قومية أو نظرة
مجافية لأي شعب من الشعوب الإسلامية، وذلك حتى لا يظن ظان، أو يتهم متهم.
٢- إن القضايا التي تهم أمر الأمة لا يصلح لها التدسس للعواطف على
حساب الحل السليم والنظرة الواقعية، ولا يصلح لها إلا المصارحة وقول الحق ولو
كان مراً، ومعالجة المشكلة من جميع جوانبها.
٣- إن الأمة الإسلامية تجمع شعوباً شتى ولغات شتى، والأصل هو انصهار
هذه الشعوب في بوتقة الإسلام، والإسلام لا يضاد الأشياء الطبيعية مثل أن ينتسب
الإنسان إلى قبيلة أو شعب، ولكنه يحارب العصبية القبلية أو العصبية الشعوبية:
[وجعلناكم شعوباْ وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم] ، ومشكلة الشعوب
الإسلامية مشكلة واحدة سواء أكانوا عرباً أو عجماً، وهي البعد من منهج الله،
والتخلف الذي ضرب بجرانه منذ سنين متطاولة.
٤- إن أي مشكلة لا تحل برد الفعل، فإذا كان الترك العلمانيون رفعوا شعار
القومية الطورانية، وبعض العرب رفعوا شعار القومية العربية، فالحل لا يكون
برفع شعار القومية الكردية، وإنما بالرجوع إلى مصدر القوة والوحدة والتقدم، وهو
الإسلام.
بعد هذا التمهيد أقول لكاتب المقال:
١- لماذا هذا التهويل في الألقاب، فهل أكراد البرزاني والطالباني والحزب
الكردستاني في تركيا، هل هؤلاء أحفاد صلاح الدين حقاً؟ وأكثرهم فاسدون جهلة، شيوعيون وعلمانيون، ومن الطبيعي أن يقال أيضاً أن عرب اليوم من الجهلة أو
الذين لا يريدون المنهج الإسلامي ليسوا أحفاد عمر بن الخطاب أو خالد بن الوليد،
ولا أتراك اليوم أحفاد نور الدين أو محمد الفاتح..
٢- إن لهجة المقال وفي الصفحة الثانية منه توحي بأن االأصل عند لأكراد
هو الانفصال، فهم في الدولة الإسلامية: «وشاركوا في كثير من الأحداث
التاريخية، وقامت لهم دول، وفيهم علماء ... » ، وأقول للأخ الكاتب: هذا شيء
طبيعي لأن كل الشعوب التي أسلمت اندمجت في المجتمع الإسلامي الواحد، ولم
يعد هناك هذا التمايز فالأتراك شاركوا ومسلمو الهند شاركوا، والبربر شاركوا،
فهل نعود الآن ليفتخر كل شعب بما عمل، ونثيرها عصبية مشوبة بالإسلامية؟
ومن أغرب الأشياء أن يقول الكاتب: إن دولة صلاح الدين كانت دولة كردية، وهل فَكّر صلاح الدين ﵀ بهذا التفكير أم أقام دولة إسلامية وكان أستاذه في
هذا هو السلطان نور الدين محمود التركماني؟
وأما نقلك عن علماء الأكراد أن الغرب يعاديهم لأن صلاح الدين منهم وهو
الذي طرد الصليبيين، فهذا أيضاً من التهويل الذي لا يحمد فالغرب يعادي الإسلام
والمسلمين من أي انتماء كانوا، وصلاح الدين ﵀ من أبطال الإسلام، ولكنها
نظرة ضيقة للأمور، وللأتراك أن يقولوا: الغرب يعادينا لأن الدولة العثمانية دكت
حصون الغرب وقلاعه لمدة ثلاثة قرون، والعرب يقولون: إن عداء الغرب لهم
أكبر من أي عداء لأنهم هم الذين حملوا الدعوة الإسلامية إلى الشعوب في أنحاء
العالم.. وإذا شجعنا هذه النغمات فماذا نقول للبربر في شمال إفريقيا أو لسكان
جنوب السودان، أو لكل طائفة إسلامية لا تتكلم العربية؟ !
٣- والأعجب من هذا أن يقول الكاتب: إن هناك رأياً منصفاً في مصطفى
البرزاني، ويقول: «انظر: علماء الأكراد» مع أن أمر البرزاني وعلاقته مع
إسرائيل وعلاقته مع الشيوعيين في موسكو، أمر مشهور وقد اعترف ابنه مسعود
في مقابلة مع مجلة (المجلة) بعلاقة والده هذه، وأما علاقة الطالباني وغيره من
الأحزاب العلمانية الكردية مع إسرائيل، فيكفي أن يرجع الكاتب إلى الصحف
والمجلات الصادرة بعد حرب الخليج.
٤- هل تُشَجّعُ اللغة العربية أم الكردية، والمفروض على الأكراد وغيرهم
من الشعوب الإسلامية أن يتعلموا العربية، لأنها لغة الإسلام ولغة القرآن والسنة
والثقافة الإسلامية، ونحن نعلم أن هناك دعاة مخلصين في صفوف الأكراد يعلمون
العربية، وينشرون الوعي الإسلامي والعلم الشرعي، ونحن لا نخاطب هؤلاء
وإنما الذين يدندنون حول اللغة القومية ويغيرون أسماءهم أو أسماء أبنائهم من
العربية إلى الكردية، كما أننا نعلم صعوبة تعلم العربية بالنسبة للشعوب الإسلامية،
وأنها تحتاج لإرادة ووقت، وأنه لابد من ترجمات للعلوم الإسلامية، ولكن الأصل
هو تعلم العربية.
٥- في بداية المقال ذكر الكاتب أن من أسباب تطور ملف الأكراد «ازدياد
الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، ومطالبة الأكراد بحل تاريخي على غرار حل
الصراع العربي الإسرائيلي» ، وكأن الكاتب يوافق على هاتين النقطتين، فهل
هناك فعلاً اهتمام بحقوق الإنسان المسلم أم أن الغرب يدغدغ عواطف المسلمين بهذه
الكلمات الطنّانة؟ وهل يوافق الكاتب على هذا الحل العربي الإسرائيلي؟ وهل
الأكراد المسلمون يوافقون على هذا الحل؟ !
٦- وأخيراً أقول للأخ الكاتب: إن مشكلة الأكراد هي مشكلة كل مسلم ولا
شك في أنهم ظلموا من الأنظمة التي يعيشون في ظلها كما ظلم غيرهم أيضاً،
ويجب على المسلمين مساعدتهم في وضعهم الحالي في شمال العراق، وعلى الدعاة
استغلال هذه الفرصة لبث الدعوة وتعليم الناس أمور دينهم وإنشاء المدارس ... وأما
على المدى البعيد فلماذا لا يتعاون المسلم الكردي مع المسلم التركي للوقوف أمام
الزحف العلماني؟ ولماذا لا يتعاون الأكراد في إيران وهم من أهل السنة مع أهل
السنة هناك؟ وإن مشكلة الكردي المسلم هي مشكلة العربي المسلم، فلماذا لا يتعاون
الجميع لإقامة شرع الله، والدول لن تسمح أبداً بحل انفصالي فلماذا لا نرجع إلى
الأصل وإلى الحل الصحيح وهو الإسلام؟ !
تعقيب على المقال:
وقد تم عرض هذا النقد على كاتب المقال وأفاد بالآتي:
أشكر للكاتب الكريم وجهة نظره التي لا أشك في أنها ناتجة عن غيرة إسلامية، وأحب أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعض ملحوظاتي على المقال فيما يلي:
١- حينما دعوت إخواننا الأكراد بأنهم أحفاد صلاح الدين، إنما كنت أعني
استجاشة شعورهم الإسلامي بربطهم بقائد مسلم منهم، ولعلم الأخ الكريم أن الأكراد
العلمانيين يعتبرون صلاح الدين خائناً للقضية الكردية! هكذا يزعمون، ثم من قال
أن المعني بأحفاد صلاح الدين حزب البرزاني أو الطالباني بينما المقال يحذر من
التعامل معهم؟ !
٢- لا يمكن بحال أن يفهم القارئ للمقال أن فيه دعوة قومية، وقد بين المقال
أن من أسباب فشل انتفاضتهم كونها كانت ذات منطلق قومي ومعاذ الله أن يكون
ذلك الوهم في ذهن الكاتب.
٣- لا أدري كيف يفهم الكاتب أن الأصل في المقال هو انفصال الأكراد وقد
أكدت على خطأ ذلك، وأن أي توجه انفصالي سيعود سلباً على مصلحة هذا الشعب
المسلم، وسيستغل من أعدائه أبشع استغلال.
٤- لا يمكن أن أدعو إلى اللغة الكردية على حساب لغة القرآن الكريم، ولكن
لنكن واقعيين أكثر، فهل ندع دعوة إخواننا الأكراد وتوعيتهم حتى يتعلموا لغة
القرآن، أم أن دعوتهم بلغتهم ضرورة مع أهمية بل ضرورة تعلمهم لغة القرآن
الكريم؟ ! وهذا محل اتفاق والحمد الله.
٥- أما أن الأكراد يطالبون بحل تاريخي وذكر بعض الحلول، فهذا لسان
الكثيرين منهم، وتلك الحلول لا يعني وصفها بالتاريخية أنها صحيحة أو مطلوبة،
لكنها حديث الساعة ولا يمكن بحال أن تحل مشكلات المسلمين إلا بحلول إسلامية
مهما طال الزمان، وهذا ما نتفق عليه.
٦- أما ما ذكره الأخ الكريم في تعقيبه عن البرزاني فقد كنت أرغب ويرغب
غيري في توثيق ما ذكره عنه، وليس الإحالة إلى مجهول، وبخاصة وأن الرجل
قد أفضى إلى ما قدم، وإن كان الواجب ذكر الحقائق مهما كانت مرة.
جزى الله أخانا خيراً ووفقنا وإياه إلى ما يحبه ويرضاه.
стр. 1775
المسلمون والعالم
مأزق الإعلام العربي
في حرب اليمن
د. محمد البشر
المتتبع لتغطية الكثير من وسائل الإعلام العربية للحرب اليمنية الأخيرة
والإرهاصات السياسية التي سببت اندلاع الحرب، وتأثيرها على مرحلة ما بعد
الحرب يلحظ العجب العجاب، فمنذ بداية الأزمة يشعر المتابع لتلك الوسائل
الإعلامية أن الإعلام العربي لم يتحرر بعد من عبوديته العمياء للنزوات والأهواء
السياسية الشخصية، ولم يستفد من الدرس القاسي الذي حصل في حرب العرب مع
إسرائيل عام ١٩٦٧ م، عندما ضلل هذا الإعلام الجماهير العربية حتى ظنت أن
إسرائيل قد هزمت هزيمة ساحقة، وأبيدت عن بكرة أبيها، ولن تقوم لها قائمة،
فإذا بالإسرائيليين يردون على هذا الزيف الإعلامي بضربة قاصمة قبل أن تشرق
شمس الصباح، لتوقظ الشعوب العربية على حقيقة مُرة كشفت زيف إعلامها الذي
لم يكن إلا وسيلة لتمجيد الاستبداد العسكري والتسلط السياسي، وقناعاً يتوارى خلفه
الذين كرسوا أنفسهم لتعبئة الجماهير ونفخها بالشائعات والرسائل المزيفة.
ومع أن الفارق الزمني بين عامي ١٩٦٧ و١٩٩٤ م كبير وشاسع، وخليق
بأن يجعل هذا الإعلام يستفيد من ذلك الدرس الذي تلقاه وأن يعي أبعاده، إلا أن
الأحداث الأخيرة في اليمن أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن مأزق هذا الإعلام
سيظل اليوم وغداً ومستقبلاً كما كان بالأمس مادام يدور في فلك الأهواء السياسية
التي توجهه، ومادام هو أيضاً يقبل بهذا التوجه ويتلقاه بطاعة عمياء وتزلف لا
حدود له.
قد يقول قائل إن أي مؤسسة إعلامية لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن
تنفك عن التوجه السياسي الذي تنتمي إليه، حتى لو كان ذلك في البلاد الغربية التي
تدعي حرية الرأي و «ديموقراطية» الفكرة، ويُرد على هؤلاء بالقول إن
«تبعية» الإعلام العربي للتوجيه السياسي لا يمكن مقارنتها بغيرها من أنواع التبعية الإعلامية الأخرى، فالإعلام العربي كالشاعر الجاهلي يبالغ في المديح ويقذع في الهجاء، وقد كان مديحه وهجاؤه في أحداث اليمن يتعدى مسألة المبالغة في الوصف إلى التضليل والخداع وتزييف الحقيقة، وقد تمثل ذلك في الزخم الإعلامي الهائل الذي وقف بقوة في صف الحزب الاشتراكي يساند فكرته، ويناضل عن رموزه، ويروج لمبادئه في داخل اليمن وخارجها، حتى استيقظت الشعوب العربية على الحقيقة التي لا تقبل الزيف، ولا ترضى بالمخادعة، واكتشفت الشعوب العربية أن الحقائق الصامتة التي كانت تجري على أرض اليمن ونالت تعتيماً إعلامياً يعجز الإنسان عن وصفه، كانت مغيبة عنه وأدركت أيضاً أن هذا الإعلام إنما كان فقط يزاول مهمة التأثير في صياغة الرأي العام، وإعادة تشكيله حتى ينسجم مع السياسة المرسومة له، حتى لو كانت هذه السياسة قد بان عوارها وتكشف زيفها.
وإن تعجب فعجب لبعض مؤسسات الإعلام العربي التي حاولت أن تلتزم
بمعايير الموضوعية والحياد في تغطيتها لأحداث اليمن عندما كانت في أيامها الأولى، لكنها ما لبثت أن أصيبت بالداء الذي أصاب غيرها، فغيرت من خط مسارها،
وانحرفت بشكل ملفت للنظر وبدون سابق تخطيط أو إشعار وانضمت إلى قافلة
المهرجين وركب المزيفين، فخسرت جمهورها أولاً وخسرت المؤسسات الإعلامية
الأخرى التي كانت تنقل عنها ثانياً.
أما الوجه الكالح والمزيف لهذا الإعلام فقد تمثل في عجزه عن التعامل مع
الواقع بعد أن تكشفت الحقائق وانتهت الحرب، واستمر في ممارسة دوره في
التضليل والترويج للفكرة المهزومة، وبات يردد كلمات وعبارات مثل:
«الانتصار الملغوم» و «سقطت الدولة ولم تسقط الفكرة» و «اختفى الحزب الاشتراكي كرقم عسكري في الساحة اليمنية لكنه يظل رقماً سياسياً مهماً ومطلوباً لتحقيق التوازن مع الإسلاميين» و «بقاء الحزب الاشتراكي أصبح ضرورة وطنية وإقليمية ودولية لمواجهة أي احتمالات أصولية» ، وغير ذلك من الجُمل والعبارات والمصطلحات التي أصبحنا نسمعها في هذا الوقت بالذات أكثر من أي وقت مضى.
وفي ظني أن هناك سبباً آخراً لهذا الزيف والتضليل الإعلامي العربي المتعمد
الذي صاحب أحداث اليمن الأخيرة، وهو أن بعض الصحف العربية قد فتحت
أبوابها مشرعة لكل مغضوب عليه، ولكل ناقم على مجتمعه، ولكل منفي وصاحب
«ثأر» ، ولكل مغرض وصاحب هوى لكي يمارس تضليل الآخرين من خلال
هذه الصحافة الموبوءة، ولذلك فإن هذه الصحافة في نظر أمثال هؤلاء تمثل مصدراً
للرزق ووسيلة للتشفي.
ومادام حال الإعلام العربي بهذه الصورة، فإنه سيظل يمارس وظيفته في
تضليل الرأي العام وصياغته من خلال السياسة التي تُملى عليه، لكن المهم أن
تدرك الشعوب العربية هذه الحقيقة، وأن تبحث عن البديل الذي يحترم عقل
الإنسان.
стр. 1776
المسلمون والعالم
بعد الحرب:
اليمن يمر بأخطر مرحلة
أيمن بن سعيد
بعد أن توقف الاقتتال في اليمن، ووضعت الحرب أوزارها، بدأ الكثيرون
في الحديث عن مستقبل اليمن في ظل الوضع الراهن الذي أفرزته (الأزمة) ،
ونحاول في هذه المعالجة استشراف المستقبل حيالها وإلقاء الضوء على معطياتها
سواءً أكان ذلك فيما يتعلق بالوضع الداخلي اليمني، أو فيما يتعلق بالموقف
الخارجي.
من معالم المستقبل اليمني:
لقد أفرزت هذه الحرب العديد من الافرازات، ستشكل بمجموعها المستقبل
اليمني، ولعل من أبرز معالم تلك المرحلة في ضوء المعطيات المتوفرة ما يلي:
* ازدياد ثقل الحركة الإسلامية، وكسبها للمزيد من التأييد الشعبي في الشارع
اليمني، بالإضافة إلى تعاطف بعض القادة العسكريين معها، وتحسن النظرة إليها
لدى كثير من الرموز الاجتماعية المؤثرة، وفي مقابل ذلك ازدياد الضغوط
الخارجية على الرئيس اليمني للعمل على تحجيم دور الإسلاميين وعدم السماح لهم
بالسعي إلى التفرد بالشارع اليمني وحصد الكثير من المكاسب بعد سقوط الحزب
الاشتراكي المنافس العقدي المنظم لهم، وعدم القابلية لدى جل اليمنيين للكثير من
رموزه.
مما يعني والله أعلم أن من أبرز معالم المرحلة القادمة الصراع بين الحركة
الإسلامية والقيادة الحالية عند رضوخها للضغوط المتوالية عليها، مما سيؤدي إلى
انحسار شعبيتها وعدم استقرار الوضع الداخلي.
وإذا سلكت القيادة اليمنية هذا المسلك، فإنها ستعمل على إبراز الكثير من
الرموز العلمانية في الداخل ذوي العداء الصارخ للتوجه الإسلامي، من أجل مزيد
من الاستفزاز لشباب الحركة الإسلامية، وبالتالي جرهم إلى ممارسات يريدها أولئك
لتكون ذريعة لضرب المكتسبات الإسلامية الحالية في كثير من المجالات.
وربما تكون الخطوة الأولى في هذا الاستفزاز تحجيم الوجود السياسي للحركة
الإسلامية وسلوك العديد من الخطوات القانونية للتضييق عليها، ومنها القيام بالدعوة
إلى انتخابات نيابية مبكرة من أجل التخلص من الوجود الإسلامي المميز في
البرلمان الحالي، والإتيان ببرلمان جديد يساعد على تمرير تلك التوجهات للتأثير
على الشارع اليمني.
أما في حالة عدم الرضوخ لتلك الضغوط، فإن من أبرز معالم المرحلة القادمة: وجود تماسك داخلي بين الدولة وعامة الشعب، وربما يؤدي ذلك إلى تحريك
المعارضة في الخارج عن طريق كوادرها في الداخل للقيام باضطرابات داخلية،
مما سيؤدي إلى توجيه بعض التهم للنظام كانتهاك حقوق الإنسان ودعم التطرف
ورعاية الإرهاب.. الخ، وفي نظري فإن القيادة ستحاول الإمساك بالعصا من
الوسط من أجل القيام بإجراء شيء من التوازن بين الضغوط الخارجية والداخلية،
وستجد لها مؤيدين في هذا الاتجاه من القوى الدولية المؤثرة كالولايات المتحدة على
سبيل المثال.
وفي حال اضطرار القيادة اليمنية إلى اتخاذ قرار لمصلحة إحدى الجهتين فإن
من المؤكد أنه سيكون لمصلحة الضغط الخارجي، مما يعني الدخول في صراع
ومواجهة مع الحركة الإسلامية.
وقبل إنهاء الحديث عن هذا المعلم المحتمل، لابد من تسجيل ظاهرة برزت
بعد الحرب وبقوة وهي تداعي العلمانيين من ساسة وإعلاميين في داخل اليمن
وخارجه، لإثارة المخاوف لدى القيادة اليمنية من بروز التيار الإسلامي الذي كان له
دور مؤثر في هذه الحرب، ولعل أبرز المخاوف التي يبثها أولئك:
التخويف من ازدياد شوكة الإسلاميين مما قد يفقد القيادة الحالية نفوذها
ويحرمها من التفرد بالكلمة الأولى في البلاد.
أن ذلك سيؤدي إلى عدم استقرار اليمن لأن العلمانيين في الداخل ومن خلفهم
في الخارج سيقلبون الطاولة، وسيستمرون في المعارضة وبقوة مما يعني إحراجاً
شديداً للدولة.
إيهام القيادة اليمنية بأن حاجتها إلى الإسلاميين قد ضعفت إن لم تكن قد انتهت
بعد ضرب قوة الحزب الاشتراكي.
التهديد بأن التحالف مع الإسلاميين سيعني خنق البلد اقتصادياً والتضييق عليه
سياسياً، واتهامه بدعم الإرهاب والتطرف وانتهاك حقوق الإنسان.
ومع أننا لا ننتظر من التيار العلماني غير هذا التحريض والمكر والخداع إلا
أنه لابد من القول بأن عدم إعطاء الإسلاميين المكاسب التي يستحقونها سيؤدي إلى
عدم الاستقرار في اليمن، وسيكون الأمر كما هو موجود في دول أخرى كالجزائر،
نظراً لطبيعة البلد الجغرافية والاجتماعية ولا نتشار السلاح مع الشعب بشكل قد لا
يكون له نظير في أي بلد من بلدان العالم.
* من المتوقع أن يكون من أبرز معالم المرحلة القادمة إضعاف وإسقاط الكثير
من الرموز السياسية والاجتماعية التي أيدت الحزب الاشتراكي وتحالفت معه،
بالإضافة إلى بعض من القيادات والشخصيات غير المرغوب فيها وبخاصة التي
وقفت مع الإنفصاليين وأيدتهم.
* بروز قيادات جديدة في المحافظات الجنوبية والشرقية خلفاً لقيادات الحزب
الاشتراكي، والغالب أنها ستكون من أتباع الرئيس السابق «علي ناصر» الذي
يُلَمّع بشكل ملفت للنظر.
* وجود مزيد من الحريات وبالأخص لأصحاب الفكر غير المعارض للحكومة
سواءً أكانوا محسوبين على الإسلام أو علمانيين، ووجود نوع من التنافس بين
أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة وبخاصة في المحافظات الجنوبية والشرقية بعد
الفراغ العقدي والنفسي الكبير الذي أحدثه سقوط قوة الحزب الاشتراكي.
* ازدياد تردي الوضع الاقتصادي كاستمرار انهيار العملة، وازدياد أسعار
السلع الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة، وقلة فرص العمل، وتوقف الكثير من
المشاريع التي كانت قائمة وبالأخص في محافظتي عدن وحضرموت، نظراً لأن
دخول البلاد ستصرف على الأقل في المنظور القريب على قادة الجيش وبعض
الشخصيات السياسية البارزة من أجل كسب ولائها للرئيس ولحكومته، بالإضافة
إلى انصراف الجزء الأكبر منها على فوائد المديونية الكبيرة على اليمن، وتوقف
بعض أصحاب رؤوس الأموال عن تقديم الدعم نتيجة عدم رضاهم عن النتائج التي
أفرزتها الحرب.
* سعي القوى الانفصالية في الخارج والداخل إلى تعميق روح «المناطقية»
بين أبناء الشمال والجنوب، وإثارة النعرات المذهبية، وإثبات أن أبناء الشمال
يريدون إلغاء الوجود البارز لأبناء الجنوب، وأنهم يعاملونهم كمواطنين من الدرجة
الثانية أو الثالثة، من أجل كسب التعاطف معهم ضد قوات الحكومة والرموز
الوحدوية المختلفة.
* من المعالم المهمة في مستقبل الأوضاع اليمنية، وضع التراتيب الإدارية
من قبل الحكومة لتثبيت ودعم الوحدة في اليمن، بعدما زالت أكبر العقبات في سبيل
ذلك.
نظرات في مستقبل الحزب الاشتراكي:
حين قرر الزعيم الاشتراكي علي سالم البيض ومن حوله اتخاذ قرار الانفصال، انقسم قادة الحزب الاشتراكي في المكتب السياسي واللجنة المركزية إلى مؤيد
لقرار الانفصال ومعارض له، والذين قاموا بتأييد قرار الانفصال ساروا مع البيض
إلى النهاية، وبعد الهزيمة التي حلت بهم فر من بقي منهم إلى خارج البلاد، أما
الذين عارضوا قرار الانفصال فقد أعلن بعضهم تأييده للوحدة، وهؤلاء كان غالبهم
في صنعاء فيما بقي بعضهم معتكفاً في منزله ومنهم من غادر البلاد والتزم الصمت.
وبين يدي الحديث عن مستقبل الحزب الاشتراكي لابد من الحديث عن كل من
الإنفصاليين والوحدويين كلاً على حدة.
أولاً مستقبل الانفصاليين:
لم يبقَ أحد من هؤلاء داخل اليمن بل فر من بقي منهم على قيد الحياة إلى
خارج البلاد، ومستقبل هؤلاء مرتهن بنوايا الدول التي ساندتهم أثناء الأزمة فإن
رأت أن من مصلحتها التوقف عن مساندتهم أو أن الوضع لا يسمح لهم بالقيام بمثل
ذلك، فإن هذه الفئة ستختفي وستعتبر هزيمتها العسكرية بمثابة نهاية حياتها
السياسية، أما إذا رأت تلك الدول أن من مصلحتها الاستمرار في رفض نتيجة
الحرب وأن بإمكانها استخدام هذه الفئة كورقة ضغط لتحقيق بعض المكاسب، فإن
الإنفصاليين في الحزب الاشتراكي سيكونون في دائرة الضوء لمعارضة النظام القائم، وعنذ ذلك يمكن لهم أن يقوموا بأمور عدة منها:
القيام بحرب استنزاف عن طريق العصابات المختلفة، مثل تفجير المنشآت
واغتيال بعض الرموز الوحدوية، واحتجاز وقتل بعض الأجانب الذين تسمح
الظروف بممارسة ذلك ضدهم.
شراء ذمم بعض القبائل لتسمح للعصابات بالعمل من أراضيها والاحتماء بها
بعد انجاز مهماتها التخريبية.
شراء ذمم بعض الرموز السياسية لتأييد موقفها بأي شكل، هذ من جهة ومن
جهة أخرى ليتسنى للمعارضة كشف استراتيجية الحكومة في مواجهة نشاطاتها
المختلفة.
الاستمرار في إثارة النزاعات العرقية والقبلية، وإثارة المذهبية والمناطقية في
سائر الأراضي اليمنية.
استخدام قراري مجلس الأمن ٩٢٤ و ٩٣١ مدخلاً لنظامية المعارضة
الخارجية، لكونهما ينصان على ضرورة الحوار بين طرفي النزاع وعدم حسم
الصراع بالقوة لمصلحة طرف واحد والقول بأن إنهاء الأزمة عسكرياً لن ينهيها
سياسياً، والوضع في الجزائر خير مثال.
عودة المعارضة المسلحة ستدمر البلد اقتصادياً بوسائل عديدة لا تخفى على
المتابع الحصيف، وضرب البلد سياسياً عن طريق التأثير على موقف بعض الدول
العربية والإسلامية، وإيهام صناع القرار في الدول الغربية أن مصالحهم تكمن في
عدم الاستقرار في اليمن وأن تمكنهم من استنزاف خيرات البلاد لن يتم إلا عن
طريق المعارضة في الخارج في حال وصولها إلى الحكم.
ثانياً مستقبل الوحدويين:
وهذا الجناح هو الذي ستسمح له القيادة بأن يكون المتحدث باسم الحزب
الاشتراكي، وأعتقد بأن هناك خيارات عدة أمام هؤلاء في حالة رغبتهم الاستمرار
في الحياة السياسية ولعل من أبرزها:
بقاؤهم متحدثين باسم الحزب الاشتراكي، وارثين لمواقعه في السلطة وعند
ذلك من المتوقع أن يكون بعضهم ممثلاً للمؤتمر الشعبي العام داخل الحزب، كما أن
الآخرين سيبقون على ما كانوا عليه من فكر وسلوك سياسي، ولكن بشرط عدم
مجاوزتهم للخطوط الحمراء التي لا يُسمح بتجاوزها، وهذا هو والله أعلم أقوى
الخيارات.
من المحتمل أن يعلن هؤلاء عن حزب جديد يقوم على أنقاض حزبهم البائد،
من أجل التخلص من اسم الحزب ذي الدلالات العقدية من جهة والتبرؤ من الانتماء
للحزب الذي تسبب فيما تسبب فيه من خراب ودماء ولتفادي السخط الجماهيري
ضده.
أن ينضم أولئك الوحدويون في الحزب إلى بقية الأحزاب السياسية الأخرى
وبالأخص حزب المؤتمر الشعبي العام.
حرب اليمن بين المصالح والمفاسد:
لا يخلو كثير من الأمور من وجود خير وشر، إلا أن الأزمة اليمنية أثمرت
العديد من الجوانب الخيرة، كما أنها أدت إلى الكثير من الآثار السيئة وسنحاول هنا
إيضاح أهم ما تحقق أو يمكن أن يتحقق من مصالح وإيجابيات ومن مفاسد وسلبيات:
أ -من المصالح والإيجابيات:
* سقوط قوة الحزب الاشتراكي وكبار قياداته، مما يعني تحرر المحافظات
الجنوبية والشرقية من هيمنته، وحصولها على مزيد من الانفتاح والحريات.
بروز قوة الإسلاميين في الساحة اليمنية، وكسبهم السمعة الحسنة وتعاطف
الكثيرين من أبناء الشعب اليمني معهم.
* انفتاح مجالات جديدة للدعوة إلى الله تعالى أحدثها السقوط الكبير لقوة ونفوذ
الحزب الاشتراكي، التي يمكن للدعاة والمصلحين الاستفادة منها وجني ثمارها.
* تهيؤ الفرصة للنظام للتمكن من توحيد الجيش والعملة وكثير من مؤسسات
الدولة، ومركزية الدخل العام للدولة مما يعني تحسناً اقتصادياً متوقعاً بعد زوال
بعض آثار الأزمة.
* ضعف الأفكار البدعية من رافضة وصوفية والتي ارتبط رموزها بالحزب
الاشتراكي وسقوط بعض الرموز النفعية والمتسترين بالدعوة إلى الله من ذوي
الهوى والنزعات الطائفية.
ب -من المفاسد والسلبيات:
* خسائر الحرب البشرية والمادية الكبيرة وما سببته الأزمة من ضعف
وإنهاك للاقتصاد ومن معاناة لأبناء اليمن وبخاصة في محافظات عدن ولحج، وأبين.
* آثار الحرب العقدية والنفسية، حيث برزت المناطقية، وظهرت ولاءات
جديدة غير إسلامية كالولاء والتقديس للوحدة أياً كانت، والتأييد لما يسمى
بالديمقراطية، والتعددية السياسية والشرعية الدستورية.
* إبراز حزب المؤتمر الشعبي العام لبعض كوادره المنحرفة عقدياً، وعودة
ما كان يعرف بـ «الزمرة» أنصار «علي ناصر» إلى الحياة السياسية.
* زيادة فرص تحجيم دور الإسلاميين أو محاولة ضربهم من قبل النظام في
المرحلة القادمة، لما ألمحنا إليه.
* قتل وإعاقة الكثير من الكوادر الخيرة والشجاعة في الشعب اليمني سواء
أكانت داخل الجيش أو في القوى المساندة له أثناء الحرب.
المطلوب من الإسلاميين في هذه المرحلة:
* إدراك خطورة المرحلة:
لقد بذل الإسلاميون كل ما يستطيعون من أرواح ودماء وأموال ومواقف وآراء
من أجل التأثير على الرأي العام اليمني، لدرء أعظم المفاسد والتقليل من مخاطر
هذه المرحلة، إلا أن الأعداء قد رموهم عن قوس واحدة محاولين تحجيم دورهم
والتقليل من شأنهم، وحرمانهم من قطف الثمار التي يستحقونها وبالتالي لابد لهم من
إدراك خطورة المرحلة المقبلة وإعداد العدة لذلك حتى لا يتمكن الأعداء من تطبيق
قاعدتهم الشهيرة «الإسلاميون: تضحيات بدون مكاسب ولن يتحقق للإسلاميين ...
ذلك إلا باجتماعهم على كلمة سواء ومعرفة أن الأعداء قد يسعون إلى ضرب فصيل
منهم اليوم وتحييد الفصائل الأخرى ليجهزوا عليها غداً الواحد تلو الآخر (إنما أكلتُ
يومَ أكلَ الثور الأبيض) .
وليعلم الجميع أن كيد الأعداء لا يستهدف شخص أو فصيل وإنما المراد به
الإسلام ذاته، وبالتالي فلابد من إجراء خطوات سريعة من الإسلاميين لرأب الصدع
وإصلاح الأوضاع فيما بينهم عن طريق التحاكم إلى نصوص الشرع وتناسي الإحن
والأحقاد الناتجة عن آراء اجتهادية أو مواقف شخصية لهذا الداعية أو ذاك، وفي
حال عدم التوصل إلى شيء من ذلك فلابد من تأخير النقاش فيها قليلاً والتوجه إلى
مواجهة الخطر الأكبرالذي قد يجتاحهم.
* التأني والواقعية:
سقوط قوة الحزب الاشتراكي وقياداته لا يعني التهاون في الإعداد للمرحلة
المقبلة، وبالتالي فإن على دعاة الإسلام في اليمن أن يتبصروا في أمرهم وأن يتأنوا
وأن يلتزموا بالانضباط بالقواعد الشرعية، حتى لا يقعوا في منزلقات خطيرة.
* المزيد من المكاسب للدعوة الإسلامية:
في هذه المرحلة التي برزت فيها مكانة الإسلاميين، يمكن لهم تحقيق العديد
من المكاسب، ومنها على سبيل المثال:
* تثبيت المعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن رسمياً، وزيادة أعدادها
وميزانياتها، والمبادرة إلى فتح أعداد كبيرة منها في المحافظات الجنوبية والشرقية، مع السعي إلى إعطائها استقلالاً إدارياً كما كان الوضع في السابق.
* المطالبة بالإشراف على قطاع التربية والتعليم واخراج الكوادر والقيادات
ذات الفكر المنحرف منها، وإصلاح المناهج المصادمة للإسلام عقيدة وشريعة
وسلوكاً.
* السعي إلى إجراء إصلاحات واضحة في مجال التعليم العالي، وتنحية
الرموز المشبوهة القائمة عليه.
* تربية شباب الصحوة وعامة الشعب على إنكار المنكرات العامة المنتشرة
في اليمن، والسعي إلى توجيه أهل الجرأة من العلماء والدعاة والأعيان لتكوين نواة
لهيئات رسمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* استغلال الفرصة لإصلاح السلك القضائي ومعالجة ما فيه من سلبيات
كانتشار الفساد والرشوة لدى بعض القضاة، ووجود من لا يجوز توليه هذا المنصب
وبخاصة النساء.
* إجراء مزيد من الإصلاحات في جوانب الاقتصاد والإعلام والصحة
والسعي إلى أسلمة هذه الجوانب وإشراف الكوادر الصالحة من أبناء الصحوة أو من
غيرهم عليها.
* التخلص من علماء السوء والفتنة من أهل الرفض والتصوف ومنعهم من
الصعود على المنابر لإفساد عقائد المسلمين واستبدالهم بمن يخاف الله ويتقيه.
* المبادرة بإلغاء القوانين المخالفة للشرع حتى لا تكون حجة لأعداء الدين
وذريعة إلى إفشاء الفساد والمنكرات بين المسلمين.
* الضغط في سبيل الحصول على قناة تلفزيونية ومحطة إذاعية للبرامج
التربوية، ومعالجة القضايا الإسلامية التي يحتاجها أبناء الشعب اليمني.
* التخفيف من الآثار السيئة للأزمة:
كانت للأزمة اليمنية آثار سيئة في جوانب مختلفة سواء ما كان منها متعلقاً
بالشعب اليمني ذاته أو ما كان متعلقاً بعلاقة الشعب اليمني ببعض شعوب المنطقة
وسنذكر بعض الآثار التي تعقد فيها الآمال على الإسلاميين في إصلاحها أو التخفيف
منها بعد توفيق الله :
* المساعدة في التخفيف مادياً على من أصيب أثناء الأزمة بإصابات جسدية.
* السعي إلى ضبط أوضاع الدولة إدارياً، وإصلاح الفساد المستشري فيها.
* العمل على تخفيف الآثار التي سببتها الأزمة في نفوس اليمنيين من إحن
وأحقاد نتيجة إعلام الأزمة.
* محاربة الآثار السيئة التي نشرها المغرضون بين أبناء الشعب اليمني
كالمناطقية والقبلية، والسعي إلى تجاوزها عن طريق غرس الإيمان وإذكاء روح
الانتماء للإسلام.
* محاربة الآثار العقدية السيئة والممارسات الخاطئة التي لا يقبلها الإسلام
والتي نتجت عن الأزمة، من مثل تمجيد الوحدة وتقديسها حتى أصبحت لدى الكثير
غاية في ذاتها، مع أنها على الحقيقة وسيلة إلى تحقق مقاصد شرعية ولذا وقف
الإسلاميون معها، أما لو كانت وسيلة لتحقيق مفاسد شرعية كاجتماع أهل الشر
والعلمنة وكيدهم للدين والخير، لتغيرت النظرة ولكان العلماء والدعاة من أوائل من
يقف ضدها، ومن ذلك تمجيد ما يسمى بالشرعية الدستورية، ولا يخفى على
الجميع تنديد علماء اليمن في بداية قيام الوحدة بالدستور الحالي من جهة، كما لا
يخفى أن هذا السلاح قد يستخدم لضرب الصحوة نفسها إن لم يكن اليوم فغداً،
وعليه فالواجب بيان هذا الجانب للناس وأنه لا يجوز تقديس سوى النص الشرعي
الصحيح، أما ما سواه فهو عرضة لأن يكون حقاً أو باطلاً والمسلم يقبل الحق ويرد
الباطل، ومن ذلك أيضاً تمجيد الوحدويين بشتى فصائلهم مع أن منهم الاشتراكي
والبعثي والناصري ... الخ وفي الشرع لا فرق بين من كان من أولئك وحدوياً أو
انفصالياً، والواجب الشرعي مناصحة الجميع حتى يعودوا إلى الله ،
صحيح أن المصلحة الشرعية قد تقتضي غض الطرف عن فريق دون فريق، إلا
أن الولاء والبراء القلبي تجاه الجميع يجب أن يكون واحداً.
* الاهتمام بالعلم الشرعي والتربية العميقة:
لقد شغل الدعاة إلى الله في اليمن منذ بداية الوحدة إلى اليوم بأزمات
ومحن من قبل أعدائهم ابتداء بمعركة الدستور، ومروراً بالانتخابات البرلمانية ...
وتشكيل الحكومة وانتهاء بهذه الأزمة التي استمرت شهوراً طويلة وختمت بهذه
الحرب المأساوية، ولذا فإنا نؤكد على دعاة الإسلام في اليمن وعلمائه الأفاضل،
ونأمل منهم الاعتناء بنشر العلم الشرعي من مصادره الأصيلة، والمبادرة إلى تعليم
الناس العقيدة الصافية الصحيحة التي كان عليها رسول الله ﷺ
وصحابته الكرام، وأن يحرصوا على الاهتمام بالجوانب التربوية وإدراك بأن
المرحلة في اليمن مرحلة العلم والتربية وأنه لا يجوز إهمالها في خضم المعتركات
السياسية، مع أن عليهم بذل كل ما يستطاع من جهد لتعميق الإيمان وترسيخه في
نفوس العامة الذين يقدرون العلماء والدعاة، وأن يبادروا إلى إعداد رجال ربانيين
يقومون بأمر هذا الدين في صفوف القبائل حتى يتفرد ولاؤها للدين.
وأخيراً:
نهيب بعلماء الأمة وقادتها ودعاتها والخيرين من أبنائها في كل مكان أن يقفوا
مع إخوانهم في اليمن في هذه المرحلة العصيبة بكل ما يستطيعون من نصيحة ورأي
ودعم، فإن الوقت وقتهم والواجب واجبهم، نسأل الله أن يكتب لليمن من أمره رشداً، وأن يجعله ذخراً للإسلام وعزاً للمسلمين.
стр. 1777
دراسات دعوية
أسئلة الأهلة في قالبها العبثي الجديد
تأملات في طبيعة الأسئلة المطروحة حول آليات الدعوة والموقف منها
سليمان بن عبد العزيز الربعي
ربما لم تكن الدعوة إلى الله بحاجة إلى تنقية من الشوائب والآفات أكثر منها
في واقعها المعاصر، نظراً لمبررات عديدة تشكل تهديداً حقيقياً لحاضرها وقابلها،
تلك الدعوة التي يحمل المسلم الواعي همها سبراً وأملاً إشفاقاً وبين الفينة وأختها
تُطل على ساحتها معالم أخطار جسيمة هي من قبيل تلك التهديدات، تدعو إلى
الوقفة الجادة والرؤية العميقة المصححة حيالها، وان من ذلك ما يُسمى باصطلاح
أهلها (المعوقات) ، وهي في الأعم الأغلب تندرج تحت قسمين رئيسين:
(١) معوقات داخلية (٢) معوقات خارجية.
ويُقصد بالداخلية: ما يكتنف مسيرة العمل الدعوي من عوامل مثبطة ترتبط
بآليات محسوبة على الصف العامل منهاجاً أو ممارسة عينية، والخارجية: تأخذ
أشكال الزحف المباين، والرصد المريب القاصد إلى شر مضمر، ونحن إذا ما
نظرنا نظرة موضوعية، وجدنا المعوقات الداخلية بتوصيفها الآنف تربو خطراً
على تلك الخارجية المعلومة من أبجديات الدعوة بالضرورة؛ لأن البصير الناقد يجد
صعوبة في التمييز والتصنيف لما يستجد من عوائق داخلية، وحتماً يصاب بالحيرة
والتردد دون الجزم بنتائج مبنية على مقدمات افتراضية، وهو كذلك يواجه عند
الإقدام واتخاذ الاجراء عينات لا تحصى من سوء الفهم المفرز أسئلة يصعب الاجابة
عليها، وهذا هو سر إقدام النبي ﷺ على أعمال حاسمة في
مواجهات مباينة عن الصف الإسلامي، في الوقت الذي لم يعمد فيه إلى ذلك عندما
يصبح الشأن داخلياً خوف البلبلة داخل التنظيم الجديد، وخشية الاستغلال السيئ من
قبل مراجع ومراكز عديدة قد ترى في الإجراء تعدياً على التقعيد والوحدة لا مبرر
له البتة، وهو ﷺ يعطي السبب ذاته لعمر ﵁ الذي
طالب باتخاذ إجراء حاسم في حق ابن أبي في غزوة بني المصطلق جزاء ما تفوه
به من فتنة بقوله ﵊: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً
يقتل أصحابه!» [١] .
والقرآن الكريم يحكي للنبي ﷺ نماذج من تحركات مريبة
داخل الدولة الناشئة، لا يعلم ﵊ رموزها ولا مدبريها، من بعض
أهل المدينة الذين مردوا على النفاق، في حين لم يكن يخفى عليه كافة رموز
طوائف الكفر الصراح في مدى الصراع الناشب حديثاً، وهذا وذاك من المعوقات
لكن الأول لطيف خفي، والثاني خارجي صريح جلي.
أريد من وراء هذا كله أن أخلص إلى القول: إن الدعوة الإسلامية تواجه في
حاضرها ضغطاً خارجياً متزايداً، غير أنه يسير لجهة فضحه من تحركات داخلية
خطرة بكل معنى لهذه الكلمة المقلقة.
وأحاول في هذه العُجالة - إن شاء الله - رصد لون من ألوان هذه المعوقات
الداخلية التي إستشرت في الصف المنهجي والآلي بشكل فعال ينبىء عن أن وراء
الاكمة ما وراءها، بل وامتدت بهاجسها القلق صوب ميادين دعوية خارجية تنظر
إلى صفوف الداخل نظرة استشراف وثقة، تنمذج من مثالها المرصود أساليبها
وخططها المستقبلية، إن محصلة ما سطرت يكمن في نشوء مناخات متنامية من
الأسئلة العبثية التي لا طائل وراءها، ومن تطور عوالم حوارية توصف بالسلب مذ
كانت وسيساً قلما يُسمع على قدر ما هو حادث في هذا الوقت بالذات.
وهذه الظاهرة ينبغي أن تُطرح طرحاً جاداً، وتناقش مناقشة تفصيلية متجردة، ويُبحث فيها عن الأسباب والدوافع والنتائج المنتظرة وراء هذه الظاهرة التي
يطَّرد الاهتمام بتحليلها وسط مجتمعات دعوية، تلك التي أصبحت - بعد أن لم
تكن - كوابيس مثقلة بالأسى والضجر، تزور منامات المصلحين بتعدد صورها البشعة التي لا تشاكلها إلا رؤوس الشياطين.
لقد نعى القرآن الكريم على المسلمين منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام توجيه
أسئلة عبثية إلى النبي ﷺ ، طارحاً نموذجاً لتلك الأسئلة المنهي
عنها متكرماً برد نافع ينهج مناهج الحكمة والبلاغة الأصيلة.
إن ما أعنيه يكمن في ذلك الدرس العظيم الذي تعلمنا إياه سورة البقرة في قول
المولى : [يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج..]
[البقرة: ١٨٩] ، فقد جاء في أحد تفسيري الآية الكريمة أن الناس سألوا النبي -
ﷺ عن الأهلة والكواكب، لمَ يبدو القمر هلالاً صغيراً، ثم لا
يلبث إلا قليلاً وقد أخذ في الزيادة والتوهج والاكتمال، وهو على أي حال سؤال
ساذج يدل على سطحية في التفكير، وبدائية في النظر، ومحدودية في التناول
التأملي، وبساطة في البحث عن المعرفة الفكرية المهمة المناسبة للمكان والزمان
وكان يمكن أن يأتي الرد على ظاهر سؤالهم العبثي، لكن النظر الصحيح يقرر غير
ذلك، حيث جاء بأسلوب الحكيم عند البلاغيين، وهو جديد على العرب ينبىء عن
شيئين اثنين: صد عن استفسارات لا تفيد، وتوجيه نحو المفيد من المقاصد العليا،
إنه قد صرف الإجابة إلى باطن القصد الذي لم يرد في العقول المستفهمة عن سبب
تطور الأفلاك لا عن مقصد وحكمة إيجادها.
أورد الإمام محمد بن جرير الطبري ﵀ بسنده إلى ابن عباس
﵄ أنه قال: «سأل الناس رسول الله ﷺ عن
الأهلة، فنزلت هذه الآية: [يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ... ] الآية.. يعلمون بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم» [٢] .
ويبدو السؤال أكثر وضوحاً في مراده الدقيق في رواية - وإن كانت بسند
ضعيف - أخرجها الإمام السيوطي، إذ «أخرج ابن عساكر عن ابن عباس قوله
تعالى: [يسألونك عن الأهلة] قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة ابن عتمة
وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل
الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي، ثم لايزال ينقص ويرق حتى يعود كما كان لا
يكون على حال واحدة؟ فنزلت [يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ... ]
في حل دينهم ولصومهم ولفطرهم وعدة نسائهم والشروط التي إلى أجل» [٣] .
إن القوم، إذن «يسألونه عن الأهلة.. ما شأنها؟ ما بال القمر يبدو هلالاً
ثم يكبر ثم يستدير بدراً؟ وفي الإجابة اتجه إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرد
العلم النظري، وحدثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم وفي حياتهم، ولم يحدثهم عن
الدورة الفلكية، وكيف تتم وهي داخلة في مدلول السؤال: ما بال القمر يبدو هلالاً
... الخ، كذلك لم يحدثهم عن وظيفة القمر في المجموعة الشمسية، أو في توازن
حركة الأهلة والأجرام السماوية، وهي داخلة في مدلول السؤال: لم خلق الله الأهلة؟
فما هو الايحاء الذي يُنشئه هذا الاتجاه من الإجابة؟ لقد كان القرآن بصدد
إنشاء تصور خاص، ونظام خاص، ومجتمع خاص.. كان بصدد إنشاء أمة جديدة
في الارض، ذات دور خاص في قيادة البشرية، لتنشىء عالماً خاصاً من
المجتمعات غير مسبوق، ولتعيش حياة نموذجية، ولتقر قواعد هذه الحياة في
الأرض، وتقود إليها الناس، والإجابة العلمية على هذا السؤال ربما كانت تمنح
السائلين علماً نظرياً في الفلك إذا استطاعوا استيعاب هذا العلم، وهو محل شك؟
لأن العلم النظري بحاجة إلى مقدمات طويلة، ومن هنا عدل عن الإجابة التي لا
تفيد كثيراً في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها ... » [٤] .
إنه لفت نظر إلى المهم، وتجنب طرح حوارات وأسئلة هي أقرب إلى العبث
منها إلى الجد، وهو رسالة تربوية للعلماء والمعنيين لاستخدام الأسلوب ذاته،
واليوم يمارس بعض المسلمين الدور نفسه، حيث اطردت أسئلة الأهلة بصورها
المتعددة الشوهاء، وأصبح هم الكثيرين «تصميم» أسئلة من هذا الطراز لتلقى
في مجمع يحفل بالأهم، لو أن قومي أولئك يعلمون!
إن الصورة تتكرر «لتشنف» الأذان بنشاز قديم، وتطرح في اهتمام عجيب
مئات من الحوارات المتكررة حول الدعوة وواقع الدعاة، خالية من ثمرة تُجتنى أو
فائدة تُرتجى.
بل وتقطع المسافات من أقصى الجنوب إلى أواسط الشمال ليتمخض الجبل
الأشم عن مواقف استفهامية كمواقف الأعراب في العهد الأول، ثم لا تلبث أن
تورث هذا الصخب القلق العقيم الذي ينحدر من صبب في نمط مسف يهتك حجب
الأحراز والحرمات لا في المناهج والآليات فحسب، بل في الاعيان والشخوص نقداً
وتقييماً ومغالطة وتجريحاً لا يرقب في داعية إلا ولا ذمة.
إنه لا يعني الدعوة إلى الله أن تحارب من مراصد خارجية، فتلك سنة
المواجهة، لكن الذي يعييها ويقلقها ويعنيها أن ينتدب أناس من داخل الصف أنفسهم
لهذه المهمة الدنيئة التي تصب في خدمة العدو المتربص، لقد خسرت هذه الدعوة
جهداً كبيراً صرفه أولئك في سبيل نبش قبر فلان وتشويه صورة علان عندما
اجتاحت هذه الأسئلة عقولهم وقلوبهم بصورة قوية، فحسبوا أنهم ببثها واشهارها
مناضلون مجاهدون، وما هم - في الحق - إلا أدوات غيرية، يحرقون أنفسهم
ومراجعهم وما يشعرون.
ولقد كان من نتائج هذا التوجه أن أصيبت الأمة والدعوة على اختلاف
مناهجها برجال مقدسين وأعلام معتبرين، جعلوا من محاريب علمهم مجالاً تطرح
من خلاله تلك الترهات، وقد أخذت صفة الشرعية والثقة والتزكية عند بعضهم.
إن مما يحفظ على الدعوة إلى الله جلالها، ونبلها، ومصداقيتها وتوحيد هدفها
الرشيد، أن يتعامل الأعلام من أئمة الإسلام مع أسئلة الأهلة الجديدة بأسلوب الحكيم
ذاته، الذي انتهج في القرآن الكريم، وعولجت به قضايا شائكة من قضايا الدين،
إنهم ملزمون بواجب توجيه أمثال أولئك السائلين نحو مقاصد تفيدهم، وتحذيرهم
من مغبة هذه العبثية الجديدة، وقد كان هذا دأب المصلحين من أهل العلم، حين
شعروا بهذه المسؤولية العظيمة واستكنهوا خطر مثل هذه الممارسات المضلة
وسلبيتها الماثلة، أورد أبو إسحاق إبراهيم بن جماعة الكناني ﵀ عن
أبى إبراهيم المزني قوله: «فجعل يسمع مني وينظر إليَّ ثم يجيبني عنها بأخصر
جواب، فلما اكتفيت قال لي: يا بني ألا أدلك على ما هو خير لك من هذا؟ قلت:
نعم، فقال: يا بني هذا علم إن أنت أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كفرت، فهل لك في علم إن أصبت فيه أجرت، وإن أخطأت فيه لم تأثم؟ قلت: وما هو؟ قال: الفقه فلزمته وتعلمت منه الفقه ودرست عليه» [٥] .
لقد أصبح من المعتاد تماماً أن يصدر كتاب تشويهي مقرظاً من العَالِم الفلاني،
أو أن يكتسح الأسواق شريط بصوت ذلك الحبر الرباني في شأن من شؤون هوامش
الحواشي!
إن مما علمناه عقيدة: أن الله - جل وعلا - لم يتعبدنا بالتنقيب عن السرائر
فذلك له وحده، وسوء النية منقصة في المسلم الحق، وتلك الأسئلة تتمحور حول
هاتين النقيصتين، فمن سؤال يركز على ذلك الأستاذ: ما عقيدته وعلى أي شيء
توفاه الله؟ وماذا كان منهجه في الممارسة؟ وفي عام كذا ماذا عمل؟ وفي مكان
كيت كيف شوهد؟ نقبوا في تراثه؟ وماذا ترى يا شيخ في القوم المحبين له؟ وفي
الفتية المثنين عليه؟ وهلم جراً من هذه الألوان القاتمة في أفق الساحة، أو سؤال
يفني الوقت في البحث عن كلمة في الكتاب المقروء تحتمل الوجهين وتقبل الرأيين، ثم لا يلبث المرء إلا وقد اطلع على نموذج من نماذج سوء النية في الدرس
والسبر والحوار من جانب واحد، لا لشيء إلا لحاجة في نفس يعقوب لما يقضها!
ولعله - باذن الله - لن يقضيها.
إن هذين النموذجين هما ميدان المنافسة هذه الأيام بين فئام من مدعي العلم
والمعرفة، وان الفطن الكيس يدرك كذلك أن القوم بين رجلين، رجل جاهل مغيب، وآخر اكتنفته دواعي الحالقة التي تحلق الدين لا الرأس كما في حديث المعصوم -
ﷺ .
نعم، فإن من القوم أولئك من هو حاسد حانق، يكشفه منطقه ويعريه لحن
القول، ونحن بحيال ذينك الرجلين، نقدم للأول علاجاً من المعرفة والعلم
والتوضيح، ودعوة إلى تفهم الواقع وقراءة الحقيقة من منطلق التجرد لله وطلب
الحق أياً كان وممن كان، أما الثاني فإن الإمام الجهبذ شيخ الإسلام ابن تيمية -
﵀ يسدي إليه نصحاً بالتوبة والإنابة، ذلك لأن الواجب في حق كل «من
وجد في نفسه حسداً.. أن يستعمل التقوى والصبر، فيكره ذلك في نفسه» [٦] ،
ويكره العبث بالعقول!
إن هدف المتربصين بالدعوة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إيجاد جر من
الصدام العنيف بين السادة العلماء والدعاة، الذي يمكن أن تسببه تلك الأسئلة
والحوارات العبثية القائمة اليوم، والمتجهة نحو إيجاد مثل ذلك الهدف، لقد أدرك
أولئك المتربصون أن المزلق الخطر المسبب لذلك يتمثل في تلك المناخات من
التشكيك والاتهام المبطن والعمل المضاد، وإيعاز مخيف بالإسقاط والتسلق على
حساب غيرهم.. وتفويت الفرصة إنما يتم بمضادات حيوية تقابل أسئلة الأهلة في
قالبها العبثي الجديد، وربط السائلين بأصول الدين، وصرف جهودهم السلبية نحو
(أهداف) و (مضامين) و (وسائل) تعينهم على فهم الدين ومن يرد الله به خيراً يفقهه
في الدين، لا في أسئلة العابثين.
وإن الأمانة الكبرى لا تقتضي من أولئك الأعلام أن يفنوا الأوقات الطويلة في
الإجابة على مثل هذه الأسئلة، أو طرح مناقشات تقابل بالرضا المعضد، بل إن
رباط العلم يجب أن يكون في سموق عال على الجراحات وإلهتافات الشخصية
الجانبية، لتصل إلى سماوات النبل الشريف في البذل والخير والعطاء الزاهر.
إن ما يدفع بتلك الأسئلة نحو الشيوع والشهرة الواسعة، ما يحسه بعضهم
بالوصاية على الدعوة النقية من كل شائبة، والحق أن تلك الدعوة المبتغاة، أو
السنة المطهرة، أو السلفية المتبعة ليست حكراً على أحد، بل ولا يمكن السماح
بمجرد خاطرة هذه الفكرة أن تسبح في فضاءات أحد، لأنها - ببساطة - منهج
مرفوض، نفاه المولى سبحانه عن الدين وحذر منه رسوله الأمين -صلى الله عليه
وسلم-.
إن تلك الأحاديث التي وردت في الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ليست
متكأ مناسباً لأولئك، فهي فرقة لا تعرف بالأشخاص والأعيان، بل هى دعوة ذات
منهاج مطروح للعرض، وحين عرفت السنة بأحمد ﵀ فإن ذلك بسبب
تقاعس أهلها - آنذاك - عن القيام بحق الوحدة الإتباعية لمبدأ العقيدة في إن القرآن
الكريم منزل غير مخلوق، وأن تدارس المتمسك به في الإعلان، وتأول بقية من
يعول عليهم، حينها عرف أحمد بها وعرفت به وأصبح من الغالب أن يقال: (إن
رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة، وإن رأيته يكرهه فاعلم
أنه صاحب بدعة) .
وحين عرف المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالسنة فلأنه
قد جاء على فترة من الاتباع وطفرة من الابتداع، ولسنا في حل اليوم أن نطبق ذلك
في حاضرنا على الأعيان، فالأمة آيبة إلى ربها، والسنة متبعة على مستوى
طيب - بحمد الله -، فلم هذه الوصاية على السلفية والسنة والإتباع من قبل أولئك السائلين ومراجعهم؟ إن هذه الأمة التي كانت خانعة مستذلة قد شبت عن الطوق، ولم تعد تتذكر الماضي الأسيف إلا وهي تسكب دموع التوبة والألم، وحين بلغت هذا الوعي الراشد فانها سترفع يد الوصاية التي يحاول إطباقها من يدعون حق تملك حقوق السنة والسلفية تمهيداً للتصدير واعتماد فروع خاصة في بلاد الإسلام.
إن الراعي في رأس شظية يؤذن فيقيم للصلاة لحقيق بتملك هذه الدعوى التي
بنقلها أصحاب الأسئلة لأنفسهم [٧] ، أولئك الراجمون بجهالة المجتمع مقروناً ...
بشعور العلوية المشوبة بحذر لا يتصور، وهم إن سمعوا بعزم ذلك الراعي النجيب، أجفلوا بخيلهم وأسئلتهم حوله وحول مرعاه ورعيته طمعاً في الإلغاء والتصفية
والحسم، غير أن الحق كله لذلك الراعي في القول والفعل، والفصل حينئذ بين
الفريقين مرجعه إلى فضيلة القاضي.
وفي حين تكمن بينة الداعي «المدعي إقامة السنة وحقها» بصلاة الشظية
فإني أحسب أن يمين المنكرين سؤال عبثي جديد.
وعند الله تجتمع الخصوم، وهو وحده المستعان على ما يصفون.
стр. 1778
في دائرة الضوء
أقنعة العلمانية
قراءة في الطروحات العلمانية الجديدة
د. محمد يحيى
يلاحظ المتتبع للطروحات العلمانية الفكرية في البلدان العربية خلال الفترة
القريبة، توجهين أساسيين يحكمان هذه الأفكار، أولهما حديث نسبياً من حيث
التعبير العلني عنه مؤخراً، وهو يبشر صراحة بالفكر العلماني «الكلاسيكي» في
صورته الشرسة من ضرورة الفصل بين الدين (وهو هنا الإسلام) والدولة، أو بين
الدين والسياسة، أو بين الدين والحكم، أو بين الدين والاقتصاد والتعليم وسائر
شؤون المجتمع، أما الاتجاه الثاني فهو يواصل ما عهد عن أصحاب هذا الفكر في
العقود الماضية من طرح العلمانية وراء أقنعة ومسميات شتى لا تلجأ إلى المصادمة
المباشرة أو الوضوح الصريح أو الإفصاح عن النوايا والأهداف النهائية، وظهور
الاتجاه الأول الذي يمكن أن نسميه بالأتاتوركي نسبة إلى رائد العلمانية في العالم
الإسلامي في شكلها السياسي الشامل يرتبط بتصاعد الحرب من جانب القوى المحلية
والأجنبية ضد الحركات الإسلامية، حيث فقدت هذه القوى توازنها أو صبرها في
الفترات الأخيرة، وقررت أن تكون الحرب علنية ليس فقط ضد التيارات الإسلامية
ولكن ضد الإسلام ذاته، من خلال وجوده الدستوري والقانوني في أنظمة الدول
العربية، وأيضاً من خلال وجوده المؤسسي في هيئات تعليمية أو ثقافية أو
اجتماعية، ولذا جاءت الدعوة إلى العلمانية الأتاتوركية صريحة إلى حد أننا سمعنا
مثلاً موظفاً رسمياً في وزارة الثقافة بإحدى الدول العربية يتحدث باسم وزارته وهو
ما يعني الحديث باسم الحكومة داعياً إلى فصل الدين عن الدولة في دستور البلاد،
وتتردد آراء مشابهة من جانب كتاب من المشرق والمغرب العربي في صحف
ومجلات تصدر هنا وهناك، وتديرها وتدعمها الأنظمة والحكومات، وتتراوح
أهداف هذا التوجه الجديد المعلن ما بين بالونات اختبار (وفق المصطلح الصحفي
الدارج) لآراء الصفوة والجماهير نحو الدعوة العلمانية الصريحة، وما بين التهديد
للإسلاميين والمؤسسات الإسلامية بأنهم إذا لم يتوقفوا عن النشاطات الإيجابية في
مجال الدعوة والحركة فإن الأنظمة الحاكمة قد تضطر في نهاية المطاف إلى اللجوء
إلى «الحل الأتاتوركي» أي إلى تبني العلمانية التقليدية بالنص في الدساتير
والقوانين على تنحية الإسلام وعزله عن شؤون الدولة والحكم والمجتمع بكل
مؤسساته، والوصول إلى الإقصاء الشامل لهذا الدين عن كل شؤون الحياة.
خطورة التوجه العلماني الجديد:
لكن هذا التوجه الأخير للطرح العلماني على خطورته المتمثلة في المصادمة
الصريحة للإسلام، يبقى محدوداً من الناحية الكمية بالمقارنة مع التوجه العلماني
الأخير الذي يحتل المساحة الكبرى في الكتابات الفكرية والإعلامية العلمانية،
وأعني به تسريب هذا الفكر بشتى جوانبه وراء مجموعة من الأقنعة وأدوات التنكر
والستائر التي تخفي حقيقة جوهره أو مقاصده وأغراضه البعيدة أو الجهات التي
تحركه وتستفيد منه، وفيها جهات دينية غير إسلامية تتمسك بأديانها أشد التمسك،
وتتعصب لها إلى الحد الممقوت، لكنها تريد للمسلمين أن يتحللوا من دينهم، وأن
تنفصم عرى هذا الدين، ويبعد عن حياة الشعوب وتوجيه مصائرها، وإذا كان
الفكر العلماني الكلاسيكي محدود الطرح في الناحية الكمية حتى الآن، فإن الفكر
المقنع منذ فترة طويلة ومازال أكثر انتشاراً لأنه لا يسعى إلى الصدام المباشر
الواضح مع العقيدة، بل يواصل عدوانه عليها، ويهاجمها بطريق غير مباشرة،
فيقوض الطرح الإسلامي بطريق الإجهاض والإضعاف المستمر، دون أن يجازف
بإثارة مشاعر الجماهير المسلمة أو تحفيز طاقات رد الفعل الفكري الإسلامي، أو
تنبيه المسلمين لما يراد بهم، بل ويكسب فوق ذلك التظاهر بأنه تيار فكري محايد
أو حتى «إسلامي مستنير» ! !
صور جديدة للخداع:
وأقنعة العلمانية كما عهدناها متعددة وكثيرة ومتغيرة وفق الظروف والمناسبات، وتتيح هذه الأقنعة مزايا أخرى لأصحاب الفكر العلماني غير ما لاحظناه فيما سبق، فهي قبل كل شيء تمكنهم من الرد على دحض الإسلاميين لأفكارهم بمقولة أن
الإسلاميين لا يفهمون العلمانية، أو يتعمدون الحط من شأنها بربطها بالفكر في
الإسلام، بينما هي «في الحقيقة» (أي في القناع والفكر) لا تعني سوى التفكير
الحر، أو الاجتهاد الذهني، أو الاستنارة العقلية، أو الموضوعية العلمية، أو
الإصلاح الاجتماعي والديني! ! ... الخ.
ولقد شاهدنا في الفترة الأخيرة إحدى المجلات الشيوعية ترد على سلسلة
مقالات لكاتب ومفكر إسلامي موضوعي فند فيها أفكار العلمانيين، باتهام الكاتب أنه
«يزيف العلمانية» أي يتهم العلمانية، وينسب إليها ما ليس فيها على حد زعم
المجلة وهذه هي فائدة أسلوب الأقنعة والتنكر، لأنه يمكن العلمانيين عند الرد
الموضوعي والداحض والمفند لأفكارهم أن يتنصلوا منها بزعم أنهم إنما ليسوا سوى
دعاة العقل والفكر والحرية والاستنارة والتقدم وما أشبه ذلك من المصطلحات
والألفاظ العامة التي يطلقونها دونما تحديد اجتلاباً للأذهان، لكنهم يحددونها في
الوقت الملائم وبالمعنى والمضمون الذي يختارونه ويكون أكثر المضامين فعالية
وأثراً في وضع ومقام معين.
مزاعم علماني متفلسف:
وفي هذا الصدد مثلاً ونحن نشير إلى أقنعة العلمانية واستخدامها التقنع والتنكر
لأغراض مرحلية تتعلق بالرغبة في الانتشار والترويج واستمالة الأذهان وتجنب
المواجهة المباشرة، أشير إلى واحد من أحدث هذه الأقنعة وربما كان من أطرفها،
فقد عرف أستاذ جامعي مصري للفلسفة وهو غير مسلم اشتهر بهجومه على
الإسلاميين منذ عقد الستينات العلمانية بقوله: إنها تعني التفكير في الأمور البشرية
النسبية والمتغيرة بطبيعتها من خلال فكر نسبي ومتغير، والابتعاد عن «المطلق»
عند التفكير في هذه الأمور البشرية وتدبيرها وإدارتها، وهذا التعريف المبتكر
للعلمانية يبدو مختلفاً تماماً وبعيداً كل البعد عن تعريفها التقليدي بأنها فصل الدين
عن الحكم والدولة والمجتمع، لكنه بعد تحليله يصل إلى نفس الهدف وراء سحابة
المصطلحات الفلسفية عن المطلق والمتغير والنسبي.
فصاحب هذا التعريف يصف العلمانية بأنها التفكير في الشؤون البشرية ذات
الطابع النسبي والمتغير بأساليب وأفكار مماثلة لها من حيث النسبية والتغير لكنه من
المعروف أن المذاهب العلمانية المتنوعة وبالذات في المجالات «المتغيرة
والنسبية» كالسياسة والاقتصاد وقضايا المجتمع، اتسمت بأشد درجات الإطلاق والجمود والصلابة وعدم التغير بحيث كانت تضع نفسها في شكل دساتير وقوانين صارمة ثابتة تهيمن على حركة المجتمعات التي طبقت فيها وتعيد صياغتها بشكل كلي وشامل بحيث تتسق هذه المجتمعات مع تلك الأفكار النظرية المجردة، ولو كلف الأمر ملايين الضحايا البشرية ومحن واضطرابات تستمر عشرات السنين.
وليست التجربة الشيوعية فيما كان يعرف بالكتلة الشرقية الأوروبية عنا ببعيد، فالمذاهب العلمانية نفسها، وهي من وضع البشر لم تكن ترى في نفسها أنها أفكار
متغيرة ونسبية جاءت لتحكم شؤون بشرية متغيرة ونسبية، بل على العكس فقد
انتحلت لنفسها بالضبط ما تدعي العلمانية أن الأديان قد اتصفت به ألا وهو الطابع
المطلق الشمولي الجامد المستعصي على التغير، وينطبق هذا حتى على تلك
المذاهب العلمانية التي ادعت «الليبرالية» أو التحرر، إذ لم تخلوا هذه المذاهب
من مطلقات مقدسة طرحت على أنها ثابتة ثبوت الدهور، وغير متغيرة مع تغير
الظروف، بل وعلى أنها هي التي تحكم وتضبط وتوجه التغيرات وتهيمن عليها لا
تواكبها ولا تسايرها ولا تتغير معها، وهذه المقدسات معروفة حتى الآن في الحرية
الاقتصادية ونظام التمثيل البرلماني، وأفكار المساواة المطلقة والفردية، وأشهر
مطلق من مطلقات الليبرالية بل ومن مطلقات الفكر العلماني نفسه هو مطلق فصل
الدين عن الدولة.
وللماركسية والاشتراكية مطلقاتها الخاصة كما لسائر المذاهب والفلسفات
العلمانية، بل إنهم يتبادلون الهجوم فيما بينهم بالإشارة إلى الطابع المطلق لكل منهم
الذي يستعصي على التغيير والنسبية، ويقاومهما ويصر لنفسه على احتكار الحق
المطلق حتى في أدق الأمور الاجتماعية والاقتصادية وأكثرها عرضة لمجريات
التغير والتبدل.
العلمانية والمطلق والنسبي:
العلمانية إذن لم تكن أبداً إدارة أو تفكيرفي شؤون البشر المتغيرة والنسبية
بأفكار وأساليب تشاكلها، بل على العكس كانت تتمثل في استبدال مطلق جديد (هو
العلمانية) لمطلق قديم هو (المسيحية الغربية) ، وما رافقها من أفكار ومذاهب سياسية
واقتصادية وثقافية، ثم إن المذاهب العلمانية لم تنظر لنفسها على أنها مجرد
تعبيرات ملائمة عن أوضاع نسبية ومتغيرة، تتغير وتتبدل وتمضي مع ذهاب هذه
الأوضاع، بل على العكس اعتبرت نفسها مبادئ وخطوط عمل وإرشاد وتوجيه
حاكمة وعامة، توجه وتقود وتشكل هذه الأوضاع، بل وتحكم كيفية ومسار تغييرها
إلى أبد الآبدين، أو إلى الوصول إلى الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ كما في
الماركسية والليبرالية.
العلمانية إذن تحل لنفسها ما تحرمه على غيرها، وإذا نظرنا إلى الجانب
الآخر من المسألة فلن نجد داعياً لوصف شؤون البشر بأنها نسبية ومتغيرة مهما
كانت درجة التغير والتبدل التي تطرأ على أحوال الأفراد والمجتمعات والأمم فوراء
هذه التغيرات تقف (كما تقول لنا حتى فلسفات العلمانية ذاتها) قوانين كبرى ومبادئ
عامة، وملامح مشتركة، تجعل من وجود أفكار وتعاليم مطلقة للتفكير في هذه
الشؤون، أمراً مقبولاً، بل وضرورياً، ولا ننسى أن «ماركس» وهو أحد كبار
كهنة الفكر العلماني الغربي قد ابتكر نظاماً مطلقاً محكماً ادعى أنه يقف بثبات
وصرامة لا تتخلف وراء كل التغيرات التي تطرأ على المجتمعات فالمطلق أياً كان
له مجال في التفكير في الشؤون البشرية والمطلق كذلك له مجال أكبر في مجال
توجيه هذه الشؤون كما تدل على ذلك التجربة العلمانية ذاتها في النظرية والممارسة، ذلك لأنه إذا قبلنا بفكرة أن كل الشؤون البشرية متغيرة ونسبية، فإن ذلك لا يعني
منطقياً أن تكون المبادئ التي توجه وتحكم هذه الشؤون متغيرة ونسبية مثلها، لأن
الحكم والتوجيه والتدبير في حد ذاته يعني وجود درجة كبيرة من الثبات والهيمنة،
تتجاوز النسبية والتغير وتتعالى عليهما أو تقود التغيرات في مسار معين، وتبعدها
عن مسار آخر.
والأكثر أهمية في ذلك هو بحث معنى «المطلق» وفق هذا التعريف المبتكر
للعلمانية، فهل المقصود هنا هو «الإله» الذي تتحدث عنه الأديان التي يواجهها
العلمانيون رغم ضرورة الإشارة إلى اختلاف مفاهيم الألوهية بين الأديان وبالأخص
بين الإسلام وبين سائر الأديان بما فيها تلك التي تسمى حالياً بالسماوية أم أن
«المطلق» هذا هو الأفكار والمذاهب الدينية لاسيما ما يتصل منها بالتشريع والشؤون الاجتماعية المتنوعة، وفي هذه الحالة ينبغي الإشارة إلى وجود شريعة في الإسلام تختلف جوهرياً وبالنوع عن أي أفكار أخرى بدائية ومحدودة قد تحتويها الأديان الأخرى في مجال التشريع الاجتماعي، فالشريعة الإسلامية هي نظام كامل له منهاجه الخاص، ولا يمكن أن تختزل هذه الشريعة بوصفها بتلك الكلمة العامة الغامضة ذات الإيحاءات السلبية في دنيا الفلسفة وهي عبارة
«المطلق» ، فالشريعة الإسلامية بالذات تحتوي على مستويات من المبادئ والقوانين والأحكام، وفيها من المرونة ومن القابلية للاستيعاب وتغطية المتغيرات، والتعامل معها من خلال أنظمتها هي كالاجتهاد وغيره ما يحول دون نشوء مشكلة ... التقابل الثنائي بين المطلق والنسبي التي يثيرها ذلك التعريف العلماني، وهو يحمل في ذهنه الأوضاع المسيحية الغربية.
وإياً كان ذلك «المطلق» فلا يعطينا تعريف العلمانية هذا مسوغاً لإبعاده عن
شؤون البشر، سواء أكان تفكيراً فيها أو توجيهاً لها، مادام أن العلمانية نفسها تقيم
بعده مطلقاً أو مطلقات أخرى من صناعتها هي، أي أصنام وثنية مادية لتحل محل
الآلهة الغيبية (حسب تصورهم) ، فلا جديد في المسألة.
تهافت العلمانية الجديدة:
تعريف العلمانية الجديد هنا ينشيء عند تحليله تناقضات ومشكلات عديدة،
كما أنه ينبثق عن نفس التعريف القديم، لكنه ليس سوى قناع أو تنكر له، فهو
يطلق اسم المطلق على: الدين أو الشريعة أو العقيدة أو «الله» ، وهو ذو
إيحاءات سلبية كما قلنا ولاسيما في مذاهب الفلسفة الغربية الحديثة وفي مقابلة هذا
المطلق توضح شؤون البشر المتغيرة النسبية (هكذا كل شؤون البشر متغيرة ونسبية
عندهم بإطلاق!) ، ثم تأتي العلمانية لتسمى في هذا التعريف بالأفكار النسبية
المتغيرة والتي تصلح بذلك دون «المطلق» لتسيير وتفسير حياة البشر وشؤونهم.
إنها مجرد تسميات مختلفة، فبدل القول بأن الدين يجب أن يرفض وينحى من
حياة البشر لتحل محله العلمانية، أو بالأصح مذاهبها المختلفة يأتي القول بأن حياة
البشر متغيرة نسبية بإطلاق (!) في التغير والنسبية، وأن هناك اتجاهين يتنازعان
تفسير وتسيير هذه الحياة، أحدهما «مطلق» لا يصلح لها والآخر مثلها متغير
نسبي، فهو الأصلح والأجدر بها، هكذا تترجم العلمانية الكلاسيكية إلى صياغة
تحاول أن تتجمل بمصطلحات الفلسفة ذات الإيحاءات والظلال المعينة دون أن
يتغير شيء في المضمون.
لكن هذا التعريف الجديد أو القناع الجديد يحتوي من التناقضات أشد ما يحتويه
التعريف الأقدم، لاسيما فيما يتصل بالإسلام، فشريعة الإسلام ليست ذلك «المطلق» البعيد عن دنيا البشر وهمومهم وأوضاعهم بل هي وثيقة الصلة بها لا من حيث
إنها تعكسها وتبررها وتواكبها بشكل ذيلي في تغيراتها كما يصور التفسير المادي
المألوف، بل من حيث إنها تقودها وتوجهها وترقى بها وفق مشيئة وحكمة العزيز
العليم الذي أوحى بها، وشؤون البشر في هذا التصور الإسلامي ليست متغيرة
نسبية بإطلاق، بل تطرأ عليها التغيرات وفق سنن ثابتة، كما تتفاوت التغيرات
بين مادي واجتماعي ونفسي وعقدي وأخلاقي ... كل له مساره الخاص ودرجته
الخاصة في مدى التغير، والتغير فيها يمكن توجيهه والتحكم فيه على الأقل من
الناحية المهمة كناحية الإيمان وإرضاء الله بالعمل وفق منهجه، والثبات في محن
البلاء والاختبار المتنوعة.
وأخيراً فإن الأفكار العلمانية ليست نسبية التطور كما يزعم التعريف، بل هي
تزعم لنفسها كما أسلفنا الإطلاق والثبات، أضف إلى ذلك السذاجة الفكرية المتضمنة
في مقولة أن النسبي والمتغير لا يصلح للتفكير فيه سوى النسبي والمتغير فصاحب
هذا التعريف وهو ماركسي النزعة يعرف أكثر من غيره أو هذا هو المفترض أن
الماركسية وقبلها بدرجة أكثر الهيجلية قد حكّمت فكراً (أو ما أسموه بمنهج علمي)
مطلقاً هو الجدل أو الديالكتيك بشقيه المنطقي والمادي في تفسير ما رأوا أنه شؤون
الحياة والتاريخ المتغيرة والنسبية، فالمتغير في هذه الفلسفات محكوم بقانون مطلق
لا يجعل منه تغيراً بقدر ما يجعل منه ثباتاً يتجلى شيئاً فشيئاً إلى أن يظهر بكامله،
كما أن النسبي عندهم لا يصبح نسبياً إلا عندما ينسب إلى إطار مطلق يحتويه
ويتعالى عليه.
خدعة المجتمع المدني:
في نهاية الأمر لسنا نواجه سوى قناع آخر من أقنعة العلمانية هذه المرة في
ثوب فلسفي النقش، لكن الأقنعة لها ثياب متعددة، فهناك مثلاً الثوب السياسي الذي
يفصح عن نفسه هذه الأيام في مصطلح كثر ترديده بصورة ببغاوية حتى عد عند
بعضهم وكأنه الحل السحري لكل الأزمات والمشاكل وفي مقدمتها أزمة الإسلام،
وأعني به مصطلح «المجتمع المدني» ، فالدعوة إلى العلمانية هذه الأيام تتخذ
شكل الإلحاح على إقامة أو تقوية ما يسمى «بالمجتمع المدني» ، وليس المقصود
بهذا المجتمع كما قد يتبادر إلى الذهن أنه المجتمع الذي لا يسيطر عليه العسكريون
بشكل مباشر أو غير مباشر كما هي الحال في معظم المجتمعات العربية، بل على
العكس نجد أن أصحاب هذا المصطلح أو التعريف العلماني من أشد أنصار الحكم
العسكري، لأنهم يرون في شراسة هذا الحكم وبعده عن الالتزام بالقوانين وحقوق
الإنسان، أكبر ضمانة للتصفية الجسدية للحركات الإسلامية التي يناصبونها العداء
والخصومة.
المجتمع المدني المقصود في هذا المصطلح الذي نجد له أوسع رواج الآن في
بعض الصحف والمجلات والمنابر الناطقة باسم النخبة العلمانية، هو المجتمع
اللاديني، ذلك لأن «المدني» عندهم لا يواجه «العسكري» بل يواجه ...
«الديني» وقد اعتمد مطلقو هذا التعبير على ترجمة محرفة للاصطلاح الدنيوي أو غير الكنسي في بعض اللغات الأوروبية، الذي يقابل ويواجه «الكنسي» أو الديني فالدين عندهم يرتبط بما هو متصل بالكنيسة ورجالها (الكهنوت) الذين يشكلون بزيهم وتنظيمهم المستقل المميز سلكاً هو سلك الدين أو الكنيسة المتميز عن سائر المؤسسات الاجتماعية، كسلك الجيش أو ملاك الأراضي ... الخ، وعند غيرهم يطلق عليه اسم «الدنيوي» (أي غير الديني) الذي تحور في الترجمة أو في التلاعب عند أصحاب التعريف أو الدعوة الجديدة إلى «المدني» . ...
والخلط هنا ينشأ من أن كلمة «المدني» في استخدامات العربية الحديثة
تطلق أساساً للتفرقة بين ما ينتمي إلى السلطة العسكرية وما ينتمي إلى غيره كما قد
يطلق على ما ينتمي إلى المدنية أو الحضر، أو ما يتسم بالصفات السائدة في تلك
الأماكن، لكن «المدني» لا يعني في العربية «العلماني» ، ومن هنا يأتي القناع
أو التنكر، فهم يستخدمون تعبير المجتمع المدني لأنه سيجد القبول بإيحاءاته التي
تعني مجتمعاً لا يسيطر عليه العسكريون بالدكتاتورية والتسلط وكبت الحريات
وفرض الرأي الواحد الخاطئ في معظم الأحيان، كما أن أصحاب المصطلح
يساعدون على هذا الترويج بإكسابه إيحاءات أخرى ينظمونها حول لفظة
«المدني» كالديموقراطية والحرية وتعدد الآراء والمناقشات والانفتاح السياسي والفكري، لكنهم عندما يتحدثون عن هذا المصطلح فإنما يقصدون كما يتضح من كتاباتهم العلمانية أو اللادينية المجتمع الذي يفصل الدين عن حياته وينحيه بعيداً، وهكذا يظهر المصطلح جذاباً لبعضهم لكنه في نفس الوقت يؤدي نفس ما يؤديه التعريف الكلاسيكي للعلمانية.
وكما هو الحال في التحليل السابق للتعريف الجديد للعلمانية، فإننا إذا حللنا
تعبير «المجتمع المدني» كما يستخدمه العلمانيون، فسنجده ينطوي على تناقضات
تهوي به كمصطلح جاء حسب استخدامهم أبسطها أن مفهوم «المجتمع المدني»
كما يستخدم في الكتابات الاجتماعية الغربية يعني مجموع المؤسسات والهيئات
والمنظمات والجمعيات والروابط المعروفة (الجيش، الشرطة الجهاز
الإداري ... الخ) ، ومن هذه الناحية فإن المصطلح بمعناه الدقيق أو العلمي في الكتابات الأكاديمية يضم ولا يستبعد المؤسسات الدينية، كما يضم ولا يستبعد الأفكار والرؤى الدينية طالما أنها تشكل قسماً من نسيج هذا الشعب الذي يتشكل المجتمع المدني من تنظيماته.
وللعلمانية أقنعة أخرى تخفي وراءها طرحها الأساس والصريح الذي ما خرج
هذه الأيام إلى طور العلن إلا كحلقة من حلقات المواجهة مع الإسلام كما يسمونها،
والأقنعة ذات فوائد متعددة للطروحات العلمانية لكنها في المقابل ينبغي أن تكون
بمثابة ساحة تدريب ودافع تنشيط للفكر الإسلامي في تتبعها ودراستها ودحضها
وكشف ما وراءها، مع إظهار البديل أو بالأصح «الأصيل» الإسلامي الذي
تحاول هذه الطروحات أن تشوه صورته أو تخفيه.
стр. 1779
من ثمار المنتدى
أنشطة المنتدى الإسلامي
سبق الحديث في الأعداد السابقة عن بعض مشاريع «المنتدى الإسلامي»
مثل: «كفالة الدعاة، وبرنامج شهر رمضان الماضي، ومشروع مكافحة العمى
بدولة تشاد، والدورات والملتقيات العلمية للمنتدى، وحلقات تحفيظ القرآن
الكريم» ، ومشروع مكتبة إسلامية، ومكتبة طالب علم، وفي هذا العدد نواصل الحديث عن مزيد من المشاريع كما يلي:
- البيان -
ثامناً معاهد إعداد الدعاة:
تمهيد:
العلم الشرعي من القضايا الأساسية التي يقوم عليها العمل الدعوي ولهذا كان
العلم هو مقدمة كل عمل ومع الأسف الشديد فإن الجهل بأصول الإسلام وقواعده
العامة، فضلاً عن غيرها من السمات السائدة في أوساط المسلمين، ليس عند عامة
المسلمين فحسب بل حتى عند خاصتهم من أئمة المساجد والدعاة والمدرسين..
ومن ذلك نبعت فكرة إنشاء معاهد لإعداد الدعاة في عدد من الدول الإسلامية،
لنشر الوعي الشرعي بين المسلمين، وإعداد مجموعة منتخبة من الدعاة للقيام
بالأعباء العلمية والدعوية.
ولا شك أن إعداد الرجال القادرين على تحمل المسؤولية وأعبائها عملية شاقة
جداً، وتتطلب جهوداً كبيرة، ولكنها في غاية الأهمية، وهي ضرورة ملحة ينبغي
الاعتناء بها.
ب - أهداف المشروع:
١- إعداد كفاءات دعوية مؤهلة قادرة على تحمل المسؤولية.
٢- نشر العلم الشرعي في أوساط المسلمين.
٣- إعداد طاقات سلفية واعية، ترفع راية أهل السنة والجماعة.
جـ- إعداد المنهج التعليمي:
المنهج التعليمي هو إحدى الركائز الأساسية لإنجاح المشروع، وقد قامت لجنة
من الأساتذة الأكْفَاء بوضع خطة تعليمية يعتمد تدريسها في المعاهد، مع الاستفادة
من مناهج الجامعات الإسلامية.
د- خطة الدراسة في المعاهد:
يتم اختيار الطلاب الذين أنهوا المرحلة الثانوية بتفوق من المدارس الإسلامية، وسوف تكون الدراسة في المعهد لمدة سنتين اثنتين فقط تدرس فيهما المواد التالية:
١- العقيدة ... ... ٢- التفسير
٣- التلاوة ... ... ٤- الفقه
٥- أصول الفقه ... ٦- العقيدة
٧- مصطلح الحديث ٨- أصول الدعوة
٩- التاريخ والسيرة ... ١٠ - اللغة العربية
١١ - الفرق والأديان
في السنة الأولى يتم افتتاح ثلاثة فصول دراسية فقط، ويكون عدد الطلاب
المقبولين ثلاثين طالباً في كل فصل، وفي السنة الثانية يتم افتتاح ثلاثة فصول
دراسية أخرى بحيث لا يزيد مجموع الطلاب في المعهد عن ٢٠٠ طالب.
هـ - المدرسون:
سوف يتم اختيار أربعة من المدرسين الأكْفَاء للقيام بأعباء هذه المسؤولية
الكبيرة في السنة الأولى، ويكلف أحدهم بالقيام بإدارة المعهد بالإضافة إلى جهوده
في التدريس، وفي السنة الثانية يزاد ثلاثة مدرسين آخرين ليكون المجموع الكلي
للمدرسين سبعة مدرسين.
تكلفة إنشاء معهد لإعداد الدعاة: ٠٠٠ر١٣٣ دولار
متوسط تكلفة تشغيل المعهد للسنة الأولى: ٠٠٠ر٣٢ دولار
وهذا يشمل الرواتب والكتب والمصروفات الإدارية.
تاسعاً القوافل الدعوية:
المناطق الإسلامية مناطق كبيرة مترامية الأطراف وعرة المسالك والدروب،
وقد انتشر الإسلام بحمد الله تعالى في مختلف الأدغال والقرى النائية، ولكن الجهل
غلب على المسلمين في المدن الرئيسة فضلاً عن القرى والهجر النائية، مما جعل
البدع والشركيات والكهانة تنتشر في أوساط المسلمين انتشاراً واسعاً، بل انتشرت
بعض الطقوس والعادات الوثنية، حتى بلغ الحال في بعض المناطق أن الأجيال
الجديدة من أبناء المسلمين تركوا دينهم وتحولوا إلى عبادة الأوثان، ولكن بقيت
عندهم بعض الرسوم والعادات الإسلامية التي توارثوها عن آبائهم، مثل التوجه
جهة مكة خمس مرات في اليوم والليلة، وهم يفعلون ذلك ولا يدرون لماذا يفعلونه!
ومثل هؤلاء هم البيئة الخصبة غالباً للنشاط الكنسي، حيث أقيمت المراكز
التنصيرية في القرى النائية، واستقر المنصرون بين المسلمين حتى أصبح من
المعتاد أن ترى القسيس المنصر يسكن بين الأدغال والأحراش منذ سنوات طوال.
ولصعوبة الانتقال بين المدن والقرى، ولوعورة الطرق وخطورتها في بعض
الأحيان، كلف المنتدى الإسلامي دعاته بإعداد القوافل الدعوية التي تنطلق إلى
مختلف المواقع التي ينتشر فيها المسلمون وغيرهم من الوثنيين والنصارى، وذلك
حرصاً على الوصول إلى الأماكن البعيدة والوعرة.
وتتكون القافلة في الغالب من: داعية يجيد لغة القوم، داعية محلي ليكون
دليلاً ومعيناً، طبيب عام لمعالجة المرضى، مشرف زراعي أحياناً، سائق.
وتحمل القافلة أدوية لعلاج المرضى، وأحياناً بعض الملابس والمواد الغذائية، وأحياناً أخرى بعض الكتب باللغة المحلية، وذلك من أجل تأليف قلوب الناس
وتقريبهم إلى الإسلام، كما تكلف القافلة بإجراء المسح العام للمنطقة لمعرفة
احتياجاتها ومشكلاتها لعرضها على المكتب الرئيس في المنطقة لدراستها وتقويمها.
وقد أجريت التجارب الأولية لهذه الخطة فوجدت نتائج طيبة مباركة ومشجعة
للمزيد من العطاء والإنتاج، حيث أقبل الناس على العلم وبدأوا يتعرفون على
العقيدة الصحيحة والعبادات السليمة، إضافة إلى الوثنيين الذين يسلمون على أيدي
هؤلاء الدعاة (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) .
متوسط تكلفة القافلة الدعوية الواحدة ١٣٥٠ دولار
стр. 1780
الورقة الأخيرة
أيها الغيورون عتابكم مقبول
التحرير
بعد صدور العدد (٧٨) وما ورد فيه من رؤية خاصة لكاتبين من كُتاب المجلة
في موضوعين مختلفين هما (ذوق الداعية) و (قصة: درس الشيخ) ، وما ألمحا إليه
من موقف رأياه عند ذكرهما للحديثين (حديث سلمان ﵁ قال: قيل له:
قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة ... الحديث) ، وحديث
(بول الأعرابي في المسجد) .
فوجئنا ببعض الإخوة الغيورين الذين كاتبونا وهاتفونا جزاهم الله خيراً مفيدين
بأن سياق المقالين فيه استهانة وتقليل من قيمة الحديثين، ونعوذ بالله أن يخطر ببال
مسلم أي شيء من ذلك، لكنها وجهة نظر حيال التناول الجزئي عند عرض ديننا
الحنيف والتوقف عند نقاط بعينها، وتناسي الأصول العامة والكليات الكبرى.
ثم إن الخلاف قد يحصل من طريقة التناول، ولذلك نؤكد على أهمية ألا
يخطر ببال أحد من قرائنا الكرام ما ذكر، ونحن نعلم ولله الحمد قيمة ما أوردته
السنة، فحديث سلمان ﵁ أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي
وابن ماجه وغيرهم، ولذلك قال النووي ﵀: ومراد سلمان ﵁
«أنه علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا ... » ، وجاء في «المنهل العذب لمورود
شرح سنن أبي داود» للسبكي [١/٣٨] عند شرحه لحديث سلمان ﵁
عند قوله: «أجل..» ، يعني علمنا رسول الله ﷺ كل شيء
نحتاج إليه في ديننا، وقال الطيبي: «جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم لأن
المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان
إلى استهزائه وأجاب جواب المرشد للسائل المُحَيّر» .
أما حديث بول الأعرابي، فقد رواه البخاري في كتاب الوضوء ح/٢١٩
[فتح الباري، الجزء الأول، ص ٣٨٥] ، وقد ذكر ابن حجر في الفتح الحكم
العظيمة من تركه يبول في المسجد.
لقد كان الحديثان الشريفان موثقين من المصادر المعتمدة، وحسبهما أنهما في
الصحيحين، ولا يجوز لمسلم أن يشكك في صحتهما أو أن يقف منهما موقف
المجادل أو المستهزيء، ونحن في هذه المجلة نصدر عن منهج إسلامي سلفي يقدر
المصادر الحديثية المعتمدة، ونرفض جملة وتفصيلاً المساس بأي منها لأن ذلك
يعني النكوص عن منهج سلفنا الصالح الذي طالما حذرنا من مخالفته في الكثير من
البحوث والمقالات في هذه المجلة، لكن ما حصل كان وجهة نظر وضحنا منطلقها، والأخوان الكاتبان نحسبما، والله حسيبهما، ولا نزكي على الله أحداً من
المعروفين بغيرتهما على السنة، ومن الملتزمين بها.
والله نسأل أن يغفر لنا جميعاً، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم.
стр. 1781
ربيع الآخر - ١٤١٥هـ
سبتمبر - ١٩٩٤م
(السنة: ٩)
стр. 1782
كلمة صغيرة
المؤتمر العالمي للسكان والتنمية، مؤتمر مشبوه، يتضح ذلك من خلال ورقة
عمله التي بلغت مائتي صفحة، تضمنت أمورا مصادمة للإسلام من الدعوة إلى
تسهيل القضايا الجنسية، وتشجيع المساوة المطلقة بين البنين والبنات في كل
التشريعات، ولدعوة إلى تحديد النسل، وإشاعة موانع لحمل وسن القوانين التي
تبيح عمليات الإجهاض وتلك الدعاوى الباطل للإسلام منها موقف حاسم ولذلك
رفضه علماء الإسلام قاطبة.
فلماذا _ إذن تستضاف تلك المؤتمرات المشبوهة لتطرح سخافاته بدعوى العلم
وحرية الرأي وهي تصادم الدين؟ ، ولماذا لم يعقد هذا اللتان تعنيان من كثافة
سكانية علية وليس لديهما دين يمانع في تبني تلك الدعوى الباطلة؟ ! .
إننا في حاجة إلى زيادة النسل مع أسلمة خطط التنمية، وفي ذلك حل لكل
إشكاليات المؤتمر.
والسؤال المهم لمصلحة من يقام هذا المؤتمر؟
стр. 1783
الافتتاحية
ماذا وراء أمواج السلام ؟!
للإسلام مع يهود تاريخ حافل بالصراع تخللته صور عديدة لمكرهم وغدرهم
مصداقاً لقوله تعالى [ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين
أشركوا] ، ومؤامرات ابن السوداء وميمون القداح وآثارها الخطيرة في تاريخنا مسطرة وجهودهم في إفساد تراثنا الإسلامي ببث إسرائيلياتهم معروف وتظاهرهم بالإسلام للكيد له كما فعل (يهود الدونمة) ، الذين عملوا على إسقاط الخلافة العثمانية، لا يجهله أي قارئ للتاريخ الحديث، وقامت دولتهم على ثرى فلسطين المسلمة بدعم من الإنجليز الذين أعطوهم (وعد بلفور) عام ١٩١٧ مؤذناً بقيام دولتهم التي قامت فعلاً عام ١٩٤٨، ولم تفلح الحكومات العربية آنذاك في التعامل معهم ومواجهتهم، بل أُوقفت الزحوف المجاهدة المنطلقة لتحرير فلسطين المغتصبة بدعوى أن ذلك واجب الحكومات العربية التي انهزمت شر هزيمة، وتوالت النكبات في عصور القومية العربية والنزعات الثورية العلمانية، التي لم تكن سياساتها حيال العدو سوى الحرب الكلامية ومجرد التلويح باسترداد الأراضي المغتصبة ليس إلا! وكانت النتيجة المحتمة لتلك السياسات العجيبة الهزائم المتوالية في أعوام ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣ مما أوجد إحباطاً لدى الشعوب العربية التي لم تُعد الإعداد المطلوب للجهاد في سبيل الله وهذا ما أدى فيما ... بعد إلى السقوط في مستنقع الاستسلام للعدو بدءاً بقبول (مشروع روجرز) من قبل (عبد الناصر) إلى صلح السادات في كارثة (الكامب ديفيد) إلى الغرق في الوحل بمهزلة الحكم الذاتي في غزة وأريحا، التي مازال العدو يمسك بخناقها، ثم التوقيع بالصلح مؤخراً مع الأردن، حيث أعلن أن هذا الصلح يؤذن بإنهاء الحرب بين البلدين بعد وعد من أمريكا بالدعم الاقتصادي والتنازل عن ديونه، ومد جيشه بالسلاح، ولا ندري لحرب من؟!
والواضح أن ذلك الصلح مخطط له منذ عشرين سنة على الأقل! وهذا ما
أكدته الخطوات التطبيعية السريعة بينهما والمتمثلة فيما يلي:
١- الربط المباشر بين البلدين في الهاتف والكهرباء.
٢- فتح نقطتي عبور جديدتين للسياح والرعايا
٣- الإسراع بفتح ممر جوي بينهما وهو ما حصل بالفعل ٤ تعاون قوات
الأمن في البلدين لمكافحة الجريمة.
٥- استمرار المفاوضات حول الشؤون الاقتصادية تمهيداً للتعاون الثقافي
المستقبلي، والكاسب الوحيد في مسألة السلام هذا هو العدو لأمور منها:
١- نجاحه في تفريق الصف العربي والتفرد بكل دولة في سلام مهين
٢- التطبيع القادم في الأصعدة السياسية والإعلامية والسياحية، وأخطر من
ذلك التطبيع الثقافي الذي يعني إزالة كل ما في الكتب والصحف والمناهج من كون
اليهود أعداء لأمتنا، ولا ندري ماذا سيصنعون بما في الوحيين
٣- انتعاش الاقتصاد الصهيوني بخاصة بعد تطبيق إلغاء المقاطعة العربية
وهذا ما بشر به (بيريز) قومه في كتابه (شرق أوسط جديد)
٤- تفريط الأمة في بناء قوتها بناءً على هذا السلام الموهوم بينما العدو مسلح
نووياً واقتصادياً وإعلامياً، بما لا يدع مجالاً للمقارنة
إن موقفنا من العدو موقف عقيدة، وليست المسألة حاجزاً نفسياً يسهل هدمه،
يقول تعالى [ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم] . ولاشك أن
التداعي السريع على هذا السلام أو بتعبير أدق (التطبيع) هو تجاهل لموقف عقيدتنا
وجهل بحقيقة الصراع مع العدو، مما أدى إلى السياسات العقيمة على كل الأصعدة، حيث ووجه الاتحاد بالتفرق ووجهت القوة بالضعف والعقيدة بالأيدولوجيات الفاشلة.
إن الحل الإسلامي الذي يعرفه العدو ويخشاه مازال معطلاً من إعداد للعدة
وتجييش للجيوش وتربية للأمة التربية الجهادية وتحكيم لشريعة الله واستقلالية
للقرار بعيداً عن المؤثرات الأجنبية، وهذا الحل هو ما يخشاه قادة العدو، يقول (بن
جوريون) : «لا نخشى إلا الإسلام، هذا المارد الذي بدأ يتململ من جديد ويقول:
إن ما أخشاه أن يظهر في العالم العربي: محمد جديد»
إن واقعنا اليوم في خضم هذه الأحداث المتوالية يضع علامات استفهام كبيرة
تحتاج إلى جواب.
لماذا ينحى الإسلام من المواجهة وهو الحل الحاسم لغطرسة العدو؟
لماذا تضرب الحركات الإسلامية المجاهدة في كل بلد عربي عند التمهيد لكل
سقوط واستسلام للعدو؟
لماذا يصادر الرأي المعارض للاستسلام ويعتبر أهله دعاة انقسام وتفريق
للصفوف ويحاربون بكل الوسائل الإعلامية؟
لماذا تستخرج الموافقة للاستسلام للعدو بأساليب مزيفة وإدعاء أن ذلك رغبة
الشعوب مع محاولات إغرائها بوسائل مكشوفة لقبول تلك التوجهات؟ !
كيف يفرط في أراض إسلامية مغتصبة ويكتفى ببعض ما احتل بعد نكبة ٦٧
فقط، وما قبلها أليست تلك أراض إسلامية محتلة.؟ !
ولا ندري متى يُكَف عن التزوير وتسمية الأشياء بغير اسمائها، ففي هذه
الأيام يسمى هذا السقوط بسلام الشجعان! وما عهدنا الشجعان يفرطون في مبادئهم
ويتهاونون في حقوقهم.
وعلى كل حال يجب أن لا نيأس من روح الله ونصره، متى ما صدقنا معه،
وأعددنا العدة، وجاهدنا في سبيله بكل السبل الشرعية المتاحة ومن أعظمها إيقاظ
الحس الإسلامي في الشعوب الملبس عليها، ببيان حقيقة أعدائها والموقف منهم،
وتبشيرها بمثل قول الرسول الكريم ﷺ «لا تقوم الساعة
حتى تقاتلوا يهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي
فاقتله) [*] » ، فلماذا نعطي الدنية في ديننا والله تعالى يقول: [ولله العزة
ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون]
стр. 1784
في إشراقة آية
[وخلق الإنسان ضعيفاً] [ ١]
د. عبد الكريم بكار
الإنسان هذا المخلوق العجيب هو صنعة الله تعالى المحكمة الدقيقة هذا الإنسان
الذي يبدو للوهلةالأولى في منتهى البساطة مشتمل على كل أشكال التعقيد، إنه يبدو
قوياً مخيفاً مع أنه في حد ذاته ضعيف في كل جانب من جوانب شخصيته ضعفاً لا
يوازيه شيء سوى ما يدعيه من القوة والعزة والسطوة!
إن هذه الكلمات القرآنية الثلاث قد لخّصت لنا جوهر الإنسان، لكن دون أن
تضع لنا الإصبع على مفردات ذلك الضعف ومظاهره ليظل اكتشافها التدريجي
عبارة عن دروس وعظات مستمرة تذكر الإنسان بحقيقته، وسوف ينفذ العمر دون
أن نحيط بحقيقة أنفسنا.
ويمكن أن نسلط الضوء على بعض ما أدركناه من ضعفنا وبعض ما يجب
علينا تجاه ذلك في الكلمات التالية:
١- تَبَصّر بني الإنسان عل الرغم من التقدم المعرفي الكبير بأجسامهم مازال
محدوداً إلى يوم الناس هذا، فهناك أجزاء من أجسامنا مازالت مناطق محرّمة، فعلم
الدماغ مازال علم إصابات أكثر من أن يكون علم وظائف وتشريح، ومركبّات
الأنسجة والسوائل المختلفة في أجسامنا وتفاعلها مع بعضها مازال الكثير منها
مجهولاً، فإذا ما دلفنا إلي مناطق المشاعر والإدراك وصلاتها وتفاعلاتها بالجوانب
العضوية، وجدنا أن كثيراً مما لدينا ظنون وتخرصات أكثر من أن يكون حقائق.
فإذا ما خطونا خطوة أخرى نحو العالم الوجداني والروحي وجدنا أنفسنا في
متاهات وسراديب، حتى إن الفردية لتطبع كل ذرة من ذرات وجودنا المعنوي،
مما يجعل إمكانات الفهم ووضع النواميس والنظم العامة أموراً قليلة الفاعلية محدودة
النجاح.
إن الباحثين في مجالات علوم الإنسان يجدون الطرق متشعبة ملتوية كلما
تقدموا نحو الأمام، على حين أن الباحثين في علوم الطبيعة يستفيدون من أنواع
التقدم المعرفي الأفقي في إضاءة ما بقي مظلماً من مسائل الطبيعة والمادة. وتقدّس
الله تعالى إذ يقول: [ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من
العلم إلا قليلا] [الإسراء: ٨٥]
ويزداد ظهور ضعف الإنسان حين يدخل الإنسان في صراع بين عقله
ومشاعره حيث يجد نفسه عاجزاً عن دفع مشاعره والخلاص من وساوسه والتغلب
على مخاوفه أو معرفة مصدرها في بعض الأحيان، ليدرك المرة تلو المرة أنه مع
طموحه إلي السيادة على الأرض وغزو الفضاء قاصر عن السيطرة على نفسه!
إن فاعلية كل رأي ودقته نابعان من مجموعة العمليات التي يستند إليها فحين
تكون تلك العمليات ظنية وعائمة فإن آراءنا الطبية والنفسية سوف يظل كثير منها
هشاً ونسبي الصواب.
٢- هذا الإنسان الضعيف لا يستطيع أن يبصر الأمر إلا ضمن شروط
ومعطيات زمانية ومكانية وثقافية خاصة ومحدودة، فهو لا يستطيع أن يتخلص من
محدودية الرؤية وضرورة النظر من زاوية معينة، وهذا هو السرّ الأكبر في أننا لا
نملك أن نتفق حول كثير من المسائل والقضايا المطروحة. إن خصوصية تكويننا
وظروفنا ومشاعرنا تدفع مواقفنا وآراءنا إلى التفرد، ومن ثم فإننا نعجز عن توحيد
الرؤية وبسط الرأي الواحد في أكثر شؤوننا.
٣- نحن عاجزون عن إدراك الأشكال النهائية لأكثر حقائق هذا الكون دفعة
احدة، فالحقائق لا تسفر لنا عن كل أبعادها وأطوارها إلا على سبيل التدرج، ومن
ثَمّ فإن الإنسان الضعيف يظل يكتشف عجزه باستمرار، وكأن ما يحرزه من التقدم
اليوم ليس إلا عنواناً على ما كان يجهله بالأمس، وما سيصل إليه غداً ليس إلا
رمزاً على ما يجهله اليوم، ومن ثم فإن التغيير والتطوير يظلان ملازمين لكل
إنتاجاتنا وإبداعاتنا علي مقدار ما نحرزه من تقدم في العلم والفهم، والمقولة التي لا
يفتأ هذا المخلوق الضعيف يرددها: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كذا، ولقلت كذا..، وانطلاقاً من هذا فإن من سمات النظريات العلمية الناجحة أن
تكون منفتحة وذات قابلية جيدة للإضافات التي تأتي بها حركة كشف الحقائق
وإدراك المجهولات.
٤- هذا الإنسان الضعيف لا يستطيع أن يجزم بشيء مقطوع من حوادث
المستقبل، فمهما أدرك المرء الظروف والعوامل والمؤثرات التي تحيط به لم
يستطع أن يعرف ماذا سيحدث له بعد شهر أو يوم أو ساعة، وأعظم أطباء الدنيا لا
يستطيع ضمان استمرار حياته أو حياة غيره ساعة من زمان، ومن ثمّ فإن القلق
والخوف من المستقبل هما الهاجس الجاثم فوق صدر الإنسان الحديث الذي فقد
الإيمان وفضيلة الدمج بين الحياة الدنيا والآخرة، والمتأمل في كثير من الأقوال
والتصريحات والدراسات يجد أن خبراء الاستراتيجية هم أكثر الناس مجازفة ولا
سيما عندما يشرعون في سرد التفاصيل للأحداث المتوقعة، حيث تقصر طاقات
البشر وإمكاناتهم عن التنبؤ بها [٢] .
٥- أكثر ما يظن فيه عجز الإنسان وضعفه هو الإمكانات التي يمتلكها لفهم
الواقع المعاش بكلياته وجزئياته ومشكلاته وخباياه، وقد كثرت في أيامنا هذه الدعوة
إلى فهم الواقع وفقهه، وهي دعوة مهمة، لكنها تخفي في طريقة طرحها نوعاً من
التبسيط للمسألة، حيث إن فهم الواقع أو مقاربته مسألة من أعقد ما يواجهه العقل
البشري، فالقيم التي نؤمن بها تتحكم إلى حد كبير في رؤيتنا لذلك الواقع، وكثيراً
ما تشكل حائلاً بيننا وبين رؤية حقيقة ما يجري فيه. والعقل الإنساني حتى يلامس
الواقع فإنه يفترض ثباته وجموده، على حين أن الواقع يظل محطّة لتدفق التحولات
المشعثة الكثيرة والحادة أحياناً مما يجعل إدراكنا قاصراً عن ملاحقته، وبالتالي فإن
أحكامنا تصدر على أشياء فائتة ومنتهية ومن هنا فإنه لابد من بناء (إشكالية) ، يتم
من خلالها تقسيم الواقع إلى قضايا يمكن تحديدها وتقديم إجابات وحلول لها، والنمط
الذي سنصور الواقع من خلاله هو عبارة عن صورة عقلية مركبة تدخل فيها رؤانا
العقدية إلى جانب العناصر المعرفية والقيم الاجتماعية التي ترشد حركة المجتمع،
ومادام كل ذلك متفاوتاً عند الناس فإن عجزنا عن لمّ الخلاف سوف يظهر أكثر
وأكثر عندما نحاول تقويم الواقع وإصدار الأحكام عليه.
وهذا ما سيؤدي بالتالي إلى اختلافات كثيرة في مناهج الإصلاح ومشروعات
النهوض الحضاري، وهنا يظهر مرة أخرى مأزق وهن الإنسان حيث إن التقدم
العلمي لا يتحقق دون الإغراق في التخصص، والتقدم يستمد مشروعيته وأهميته
من كونه يقدم الأدوات التي تساعد على إصلاح شأن الإنسان وترشيد قراراته، لكن
الإغراق في التخصص يحول دون فهم الواقع ودون فهم حاجات الإنسان المختلفة
من منظور شامل، إذ إن مجال التخصصات هو الجزئيات، وفهم الواقع الإنساني
يحتاج إلى رؤى ونظريات كلية لا تتوفر عادة عند الاختصاصيين.. ومن هنا ندرك
لماذا نرى تقدم المعرفة وتأخر الإنسان وانحداره شيئاً فشيئاً نحو البربرية! إننا
عاجزون عن رعاية شؤوننا إذ اما ابتعدنا عن الانتفاع بالهداية الربانية.
الموقف الموضوعي مما سبق:
إذا كان الإنسان على ما ذكرنا من العجز والقصور فإن عليه أن يطامن من
نفسه، ويخضع لقيوم السموات والأرض خضوع العارف بضعته المدرك لعظمة
خالقه متخذاً من ذلك باباً للأوبة والتوبة الدائمة.
وعلى الإنسان مع ذلك أن يحترم عقله وقدراته فلا يزجّ به في مجاهيل
وغيوب لا يملك أدنى مقدمات للبحث فيها، حتى لا يتناقض واقعه مع ذاته ومن
المنهجية القويمة أن نعلّم أنفسنا الصبر على الاستقراء والتأمل وعدم المسارعة إلي
إطلاق الأحكام الكبيرة قبل التأكد من سلامة المقدمات التي تستند إليها، وحين نصل
إلي حكم ظني فإنه علينا أن نصوغة بطريقة تُشعر المطلع عليه بذلك، فلا نسوق
القطعيات مساق الظنيات، ولا الظنيات مساق القطعيات. ويروون عن الإمام مالك
﵀ أنه كان كثيراً ما يردد قوله تعالى [إن نظنُّ إلا ظنَّاً وما نحن بمستيقنين] [الجاثية: ٣٢] وذلك عندما يُستفتى فيفتي، وقد عتب الإمام الجويني على
الماوردي أنه كان في كتابه» الأحكام السلطانية «يسوق المظنونات والمعلومات
على منهاج واحد» [٣] . مع أن النصوص في مجالات «السياسة الشرعية»
قليلة، وأكثر المسائل فيها مبنية على الاجتهاد.
إن الوضعية التي وضع الله تعالى فيها الإنسان تحتم أن نظل في حالة من
الاستعداد الدائم لقبول الحق أياً كان مصدره والتراجع عن الخطأ وتعديل الرأي
وامتلاك فضيلة المرونة الذهنية، وعلى الله قصد السبيل.
стр. 1785
من فقه الدعوة
نظرات تربوية في خلق الصدق
-٣ -
عبد العزيز بن ناصر الجليل
نشرت الحلقتان الأولى والثانية من هذه الدراسة في العددين (٧٥) و (٧٦) من
هذه المجلة، ولظروف فنية تأجلت هذه الحلقة الأخيرة حيث يضع الكاتب بين يدي
القارئ هذه الهموم والأشجان في صورة رسائل إلى من يهمه الأمر.
- البيان -
الرسالة الأولى إلى علماء الأمة وطلاب العلم فيها:
أوصي نفسي وإياكم بما أوصى به ربنا عباده المؤمنين [يا أيها
الذين آمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين] [التوبة: ١١٩] .
يا علماءنا الأجلاء: يا من تعقد عليهم الأمة أملها بعد الله سبحانه في إنقاذها
مما هي فيه من جهل ومحن وبلاء [اتقوا الله وكونوا مع الصادقين] وإن من
لوازم الصدق مع الله ومع عباده المؤمنين، الحذر الشديد من الدنيا
وزينتها وزخرفها، فلا أضر على العالم منها، ولذا كان سلفنا الصالح يحذرونها أشد
الحذر، فبارك الله في علمهم وعملهم، وأصلح الله بهم ما فسد.
أيها العلماء الأجلاء: إن أمتنا الإسلامية تمر في هذا الزمان بمحن شديدة وهي
تنتظر كلمتكم، فإذا سكتم فمن لعقيدة الأمة التي يسعى الأعداء لإفسادها ومن لدماء
الأمة التي تسفك وتستباح يوماً بعد يوم، ومن لأعراض الأمة وأخلاقها التي تنتهك
باسم الحرية والتقدم والتحضر، ومن لأموال الأمة واقتصادها الذي تسري فيه نار
الربا والبيوع المحرمة؟!
ودعاؤنا إلى الله أن تلتحم صفوف المصلحين في هذه الأمة من
علمائها ودعاتها ومجاهديها وقادتها ليكونوا يداً واحدة في الإصلاح والدعوة إلى الله
بالحكمة والموعظة الحسنة، راجياً أن تقبلوا هذا التذكير ولو صدر من ابنكم
الصغير.
ولكم في سيرة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قدوة حسنة، فقد استفاد في
محنته من أعرابي عامي ... ذكر الذهبي في السير: قال أحمد بن حنبل: ما
سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر يعني محنته أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها
في رجعة طوق، قال: يا أحمد، إن يقتلك الحق مُت شهيداً، وإن عشت عشت
حميداً، فقَوى قلبي) [١] .
الرسالة الثانية إلى دعاة الأمة ومجاهديها:
أوصي نفسي وإياكم بما أوصى به الله سبحانه عباده المؤمنين: [يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين] [التوبة: ١١٩] .
وإن من لوازم الصدق ومقتضياته أن تكون الدعوة إلى الله والجهاد
في سبيله لأجل الله وابتغاء مرضاته، فلا تكون لأجل مال أو منصب أو
جاه أو كسب شهرة أو التعصب لشيخ أو حزب أو طائفة، لأن كل ذلك ذاهب
وضائع وممحوق البركة في الدنيا والآخرة، فحري بنا أن نحاسب أنفسنا ونحن في
طريق الدعوة والجهاد في سبيل الله، ونتبين مدى صدقنا في دعوتنا إلى الله سبحانه، وهل هي خالصة لله وحده أم يشوبها ما يشوبها من أعراض الدنيا الفانية..؟ !
وإن من لوازم الصدق في الدعوة إلى الله سبحانه أن يبادر الداعية إلى تصديق
قوله وما يدعو إليه بفعله، وأن لا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، أو يرغب في فعل
ولا ينوي القيام به، أو يظهر للناس حرقة وغيرة على هذا الدين والأمر لا يتعدى
شقشقة اللسان، والقلب مشحون بأمر الدنيا وشهواتها وغارق في وديانها، إن كل
ذلك مما ينافي الصدق في الدعوة إلى الله .
مع أهمية سلامة قلب الداعية من الغل والحقد والحسد على إخوانه الآخرين
من الدعاة، وإنما يُكنّ المحبة لكل مصلح يدعو إلى الخير، ويتعاون معه في طاعة
الله ، ولا يحتقر جهده مهما قل، ولا تراه إلا حريصاً وساعياً إلى اجتماع
الكلمة ووحدة الصف، فالداعية الصادق يكره الفرقة والاختلاف إذا لم يكن في
أصول الدين وكلياته، والدعاة الصادقون يرحم بعضهم بعضاً، ويرفق بعضهم
ببعض، ويتناصحون فيما بينهم.
كما إن الصدق مع الله سبحانه في الدعوة والجهاد يفرض على المسلم أن يكون
على بصيرة فيما يدعو إليه ويجاهد من أجله، وهذا يلزم التفقه في الدين والتبصرة
فيه بما قال الله وقال رسوله ﷺ وفهمه الصحابة
الكرام ﵃.
وإن من لوازم الصدق في الدعوة إلى الله سبحانه، الحذر من كيد الأعداء
المتربصين بهذا الدين وأهله من الكافرين والمنافقين، وبخاصة في زماننا هذا الذي
تنوعت فيه أساليب المكر والخبث، فحري بالداعية الصادق أن يتفطن لدسائس
الأعداء ودجلهم ونفاقهم ولو ألبسوا ذلك كله لبوس الحكمة والمصلحة إن التنازل
اليسير من الداعية إلى الله سبحانه لا يقف عند حد، بل يتبعه تنازلات وتنازلات،
لأن أعداء هذا الدين لا يكتفون بالقليل من الداعية وقد حذر الله سبحانه نبيه -صلى
الله عليه وسلم-من هذا الخطر فقال: [فلا تُطِعِ المكذبين * وَدُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون] [القلم: ٨-٩] ، والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيها أصحاب الدعوة إلى الله هي
هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى ﷺ وهي أن
التكليف بهذه الدعوة تنزل من عند الله فهو صاحبها، وأن الحق الذي تنزلت به لا
يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار، فلا سبيل إلى التعاون بين حقها
وباطلهم، أو الالتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق والقائمين على
الباطل، فهما منهجان مختلفان وطريقان لا يلتقيان، فأما حين يغلبه الباطل بقوته
وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم، لحكمة قضاها الله فالصبر حينئذ حتى يأتي الله
بحكمه والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح، وهما الزاد المضمون لهذا
الطريق.
إنها حقيقة كبيرة لا بد أن يدركها ويعيش فيها رواد هذا الطريق فالمحاولات
كثيرة التي حاول المشركون مع رسول الله ﷺ -فيها المساومة
على الدعوة، ولكن الله عصم منها رسوله، وهي محاولات الطغاة مع أصحاب
الدعوات دائماً، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها،
ويرضوا بالحل الوسط الذي يغرونهم به في مقابل مغانم كثيرة، ومن جملة الدعاة
من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأولئك لا يطلبون منه أن يترك
دعوته كلياً، إنما يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق.
ومن لوازم الصدق في الدعوة أن يحذر الداعية من الكذب على إخوانه
المسلمين والدعاة المصلحين، ومن ذلك إشاعة الأخبار قبل التحقق من صحتها
واستخدام الأساليب الملتوية والمراوغات بحجة السياسة والمصلحة.. كل هذا لا
يتفق وصدق الداعية وسلامة قلبه.
ومن لوازم الصدق في الدعوة إلى الله سبحانه أن يعتني كل مسلم منا بنفسه
بالوسائل الشرعية للتربية، وذلك في وسط بيئة صالحة معروفة بصحة الفهم وحسن
القصد، يتربى معها، ويعد نفسه للتضحية في سبيل الله وبذل المال
والنفس في ذلك، وأن يوطن نفسه لابتلاءات الطريق ومشاقه، التي هي سنة من
سنن الله لتمحيص الصفوف، قال تعالى: [الم * أحسب الناس أن
يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين
صدقوا وليعلمن الكاذبين] [العنكبوت: ٢-٣] فلا يتبين الصادق في دعوته من
الكاذب إلا بالابتلاء نسأل الله العافية والصبر عند البلاء.
إن الداعية الذي يهمل نفسه فلا يربيها ويعدها للبيع على الله يوشك
أن ينهزم وتخذله نفسه عند أول هزة وأول اختبار، مع أنه يحب لنفسه غير ذلك
مما يعيشه في حال الرخاء والأمن من الحماس العاطفي والكلام الذي لا يجاوز
التراقي، يقول سيد قطب ﵀: «إن العقيدة وطريقها لشاقة بعيدة، تتقاصر
دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة، إن تكاليف العقيدة هو جهد خطر، تجزع
منه الأرواح الهزيلة والقلوب الخاوية، ولكنه الأفق الذي تتخاذل دونه النفوس
الصغيرة والبيئة الهزيلة، قال تعالى: [لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك
ولكن بعدت عليهم الشقة] [التوبة: ٤٢] [٢] .
وإنني بهذه المناسبة أوصي نفسي وإخواني الدعاة والمجاهدين أن لا نتكلم في
أمر، أو نقدم على موقف من مواقف الدعوة حتى تتوفر فيه الشروط التالية:
١- الاطمئنان التام أنه الحق الذي يحبه الله تعالى، وإعداد النفس لتحمل
تبعاته.
٢- الاطمئنان التام على أن القيام في هذا الأمر هو لله سبحانه وحده وابتغاء
مرضاته.
٣- الاستعانة بالله وحده في تحقيق هذا الأمر والثبات عليه إذ لا قدرة للعبد
لحظة واحدة بدون عون الله وتوفيقه.
إذن يا إخواني الدعاة: إن الأمر جد ليس بالهزل.
قد هيؤوك الأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
الرسالة الثالثة إلى المربين في هذه الأمة:
أوصي نفسي وإياكم بما أوصى به الله سبحانه عباده المؤمنين [يا أيها الذين
أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين] [التوبة: ١١٩] .
أيها المربون: إن التربية لها معنى أوسع من التعليم وتلقين المعلومات
فالتربية هي الجهد الذي يبذله المربون في كل مجتمع من آباء ومعلمين وغيرهم في
إنشاء الأجيال القادمة على أساس العقيدة التي يؤمنون بها، ومنحهم الفرصة الكافية
لتشرب معاني الدين والتضحية من أجله والاعتزاز به بين الأمم فالأمة الجادة هي
التي تربي أبناءها طبقاً للعقيدة التي تدين بها لله تعالى، وتسعى لنشرها بين الأمم،
حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله تعالى، وهذه مهمة المربين في هذه الأمة
فما أثقلها من تبعة، وما أشرفها من رسالة.
ومن لوازم الصدق أيها المربون الكرام أن تصدقوا مع من ولاكم الله تربيتهم
وتعليمهم، وذلك بتعليمهم الخير، وربطهم بأبطال هذه الأمة ورعيلها الأول،
وتحذيرهم من الشر وأهله، وتبصيرهم سبيل المجرمين وأفكارهم الخبيثة وتفنيدها
والتحذير منها.
ومن لوازم الصدق في التربية إعداد المناهج الكريمة المستمدة من الكتاب
والسنة، وفهم الصحابة وفقه الواقع الذي تعيشه الأمة، فعلى المسؤولين عن مناهج
التعليم في المجتمعات المسلمة أمانة عظيمة وتبعة ثقيلة، فليصدقوا مع الله
في أمة محمد ص وأبنائها، فلا يختاروا إلا ما فيه الخير والإصلاح وتنشئة الأجيال
على العقيدة الحقة والأخلاق السامية، وأن يردوا ويسقطوا كل ما من شأنه إفساد
العقيدة والأخلاق والأفكار والهمم، فنحن أمة ذات رسالة عظيمة خالدة ينبغي للناشئة
أن يدركوا رسالة أمتهم، وأنها خير أمة أخرجت للناس.
أيها المربون من آباء ومعلمين: إن الله سبحانه سائلكم عما استرعاكم فأعدوا
للسؤال جواباً [واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله] [البقرة: ٢٨١] تذكروا أثر
العمل الطيب، والسنة الحسنة حين تسري في الأمة وينتشر الخير بسببها، فتنالوا
أجر ذلك عن كل من تأثر به، والعكس بالعكس والعياذ بالله تذكروا أثر العمل
السيء والسنة السيئة حين تسري في أبناء الأمة ويتربون عليها فستنالوا وزر ذلك
ووزر من تأثر به نعيذكم بالله من هذا المآل، وهذا مصداق قوله -صلى الله عليه
وسلم-» من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن
ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل
بها « [٣] .
ومن لوازم الصدق في التربية: أن يربط الأبناء والطلاب في حياتهم
بالأهداف العالية النبيلة، ولا يربطون بالتوافه من الأمور والأهداف الهابطة لأن
النظرة السائدة اليوم في أكثر بيوت المسلمين ومدارسهم: أن طلب العلم قد ربط
بالمصلحة الدنيوية، وأنها وسيلة للعيش ولا يوجد في جو المنزل أو جو المدرسة إلا
من رحم الله من يقول للمتربي إن لك أمة تنتظرك، وأن لك دوراً ينتظرك في
الدعوة إلى التوحيد وهداية الناس بإذن الله تعالى والجهاد في سبيله والذود
عن حمى الأمة وعقيدتها، إن هذا النوع من التربية قليل، فعلى المربين الصادقين
مع ربهم سبحانه أن يحيوا هذه المعاني عند إخوانهم المربين ويصبغوا بها المناهج
المعدة لذلك، وينشروها في صفوف أبنائهم وطلابهم حتى يخرج جيل قوي متماسك
يشعر بانتمائه لهذا الدين، ويشعر بمسؤوليته ليتولى هو بدوره إكمال الطريق،
وتربية الأجيال التي تأتي بعد ذلك.
وبقيت كلمة أخيرة أوصي بها نفسي وإخواني الآباء، ألا وهي الصدق مع الله
سبحانه في جعل البيت محضناً من محاضن التربية الكريمة للأبناء والبنات
والإخوان والأخوات والزوجات، وذلك بعمارته بذكر الله ووجود القدوة
الصالحة، وتطهيره من أسباب الرجس والفساد، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته..
إن العجب كل العجب من أناس أنعم الله عليهم بنعمة الأموال والأولاد، ثم هم
يخربون بيوتهم بأيديهم ويلقون بأنفسهم وأهليهم إلى النار، والله تعالى يقول: [يا
أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراْ وقودها الناس والحجارة] [التحريم: ٦] .
إن أحدنا لو رأى ابنه أو ابنته أو أخاه أو أخته أو زوجته يتعرض أحدهم
لهلاك في الدنيا بحريق أو غرق أو سقوط من شاهق، لهب مسرعاً لإنقاذه وإن لم
يكن قريباً منه صاح به محذراً من السقوط في المهلكة، وإن الله سبحانه يحذرنا من
نار تلظّى لا تأتي نار الدنيا عندها إلا جزءاً من سبعين جزء منها ومع ذلك لا
يتحرك الكثير منا في إنقاذ نفسه وأهله منها [قل نار جهنم أشد حراْ لو كانوا
يفقهون] [التوبة: ٨١] .
الرسالة الرابعة إلى الإعلاميين في هذه الأمة:
أوصي نفسي وإياكم بما أوصى به عباده المؤمنين سبحانه عز من قائل: [يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين] [التوبة: ١١٩] .
أيها المؤمنون من إعلاميي هذه الأمة: إني أخاطب فيكم عقيدتكم الإسلامية،
التي تحملونها بين جوانحكم التي تحدد هويتكم بين بني البشر وترفع رؤوسكم بين
بني الإنسان، أخاطب فيكم غيرتكم الإسلامية ومروءتكم العربية، وأخلاقكم العريقة
التي تميز المسلم عن غيره، أخاطب فيكم الأمانة العظيمة التي حملكم الله إياها من
خلال مسؤولياتكم الخطيرة التي تتولونها أخاطب فيكم المسؤولية التي أناطتها الأمة
بكم لتربوا أبناءها على الإيمان الصادق والعفة والطهارة والعزة والكرامة.
أيها الإعلاميون المؤتمنون على عقيدة الأمة وأخلاقها: اصدقوا مع ربكم
سبحانه في الوفاء بما عهد إليكم [وأوفو بالعهد إن العهد كان مسئولا]
[الإسراء: ٣٤] ، [لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون]
[الأنفال: ٢٧] .
واصدقوا مع أمتكم المسلمة التي أمنتكم دينها وأعراضها وعقولها وأفكارها،
فلا تخونوا أمتكم، وكونوا عند حسن ظنها بكم.
إن إعلام أي أمة يعبر عن عقيدتها وهويتها، وإذا أردنا أخذ صورة سريعة
عن أي أمة أو مجتمع، فلننظر إلى إذاعتها وتلفازها وصحفها وما ينشر فيها فإن
ذلك يدلنا على ما يقوم عليه هذا المجتمع من عقيدة وأخلاق.
إن لكل أمة هوية، فأين هويتنا الإسلامية في في كثير من إعلام دولنا؟ !
إن الإسلام ليس كلمة فحسب، ليس عقيدة مستكنة في القلب فحسب بل
الإسلام هو الاستسلام لله وحده في جميع شؤون الحياة، قال تعالى: [يا
أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة] [البقرة: ٢٠٨] .
هذا هو الإسلام الذي جاء من عند الله ، وإن الناظر في إعلام
المجتمعات المسلمة اليوم ليرى ازدواجية وانحرافاً، وهذا يعني أحد أمرين:
١- أن يكون هناك جهل بحقيقة هذا الدين، وأنه بالإمكان أن يكون المرء
مسلماً بقلبه ولسانه فقط ثم يفعل بعد ذلك ما يشاء ويعمل ما يحلو له أن يعمل مادام
أنه ينطق الشهادتين، فالهوية التي يحملها هي الإسلام وهذه عقيدة المرجئة التي
أفسدت في الأرض ودخل من خلالها العلمانيون الذين يفصلون الدين عن الحياة،
ويجعلونه عقيدة مستكنة في الضمير وبين جدران المساجد فحسب! !
٢- أو أن حقيقة الدين ومفهومه الواسع واضحة في أذهان القوم، ولكنهم
آثروا الحياة الدنيا ومناصبها وزخرفها على مرضاة الله والدار الآخرة، فاشتروا الحياة الدنيا الفانية بالدار الآخرة الباقية فما أشد خسارتهم وأكسد تجارتهم، ألا ذلك هو الخسران المبين.
ثم ماذا سيكون جوابك إذا حاكمتك الأمة بأسرها على ما قدمت لها من كلمة
مسموعة أو مرئية أو مقروءة يوم تكون سبباً في إضلال أبنائها، أناشدك بما معك
من الإيمان بالله واليوم الآخر أن لا تغفل عن هذا اليوم الرهيب، فوالله إنه لقريب:
[وما يدريك لعل الساعة قريب * يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا
مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي شقاق بعيد]
[الشورى: ١٨] .
وبعد: هذا ما يسر الله سبحانه كتابته حول هذا الموضوع، عسى الله أن ينفع
به كاتبه وقارئه في الدنيا والآخرة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 1786
دراسات اقتصادية
الإسلام والقضايا الاقتصادية المعاصرة
المشكلة الاقتصادية وعلاجها من المنظور الإسلامي
-٤-
د. محمد بن عبد الله الشباني
في الحلقة السابقة ناقشنا علاقة التوزيع بعناصر الإنتاج، وبالتحديد دور
عنصر العمل باعتباره أهم عناصر الإنتاج تأثيراً في وجود المشكلة الاقتصادية
وكيفية معالجة الإسلام لعنصر العمل من ناحية أهميته النسبية من العملية الإنتاجية،
وفي هذه الحلقة سوف نتتطرق إلى مناقشة عنصر الموارد الطبيعية باعتباره
عنصراً من عناصر الإنتاج وعلاقة هذا العنصر بتوزيع الدخل القومي وتأثيره على
بروز المشكلة الاقتصادية، ومعالجة الإسلام لهذا العنصر من عناصر الإنتاج.
يقصد بالموارد الطبيعية وفقاً للمفهوم الاقتصادي: كل ما على سطح الأرض
من تربة وبحار وأنهار، وما فوقها من ضوء ورياح، وما في جوفها من ثروات
معدنية، إن هذا العنصر من عناصر الإنتاج هو مجال الاستغلال وهو الذي يمارس
الإنسان دوره فيه من خلال العمل للاستفادة مما أودع الله في أرضه وسمائه من
رزق لسد حاجات الإنسان.
الموارد الطبيعية والاقتصاد:
وعلاقة الموارد الطبيعية بالمشكلة الاقتصادية تتمثل في مدى الاستفادة مما في
الأرض من خيرات، وتحريك بقية عناصر الإنتاج لاستغلال هذه الموارد. إن عدم
استغلال الموارد الطبيعية المتاحة بأسلوب اقتصادي سليم يحقق النفع العام وتيسير
حاجات الأفراد يساعد على بروز المشكلة الاقتصادية، فأهمال الموارد الطبيعية
وعدم استغلالها يؤدي إلى تعطل بقية عناصر الإنتاج الأخرى مما يساعد على تفاقم
المشكلة الاقتصادية كما أن أسلوب الاستغلال للموارد الطبيعية وعدم مراعاة التوازن
عند الاستغلال يؤدي إلى استنزاف الموارد أو أهدارها وبالتالي تفاقم المشكلة
الاقتصادية أيضاً.
قواعد وضوابط:
لقد وضع الإسلام قواعد وأرشد إلى مناهج في كيفية استغلال الموارد الطبيعية
بالشكل الذي يخدم اقتصاديات المجتمع، ويحقق التوازن في استغلال الموارد
الطبيعية، ويزيل ويبعد الوسائل المسببة لإهدار الموارد مما يقلل من تأثير عنصر
الموارد الطبيعية في تفاقم المشكلة الاقتصادية.
وترتكز القواعد التي عالج بها الإسلام عنصر الموارد الطبيعية على نظرته
بأن ما في السموات والأرض قد سخر لمصلحة الإنسان ومعاشه، وأن على الإنسان
أن يبذل طاقته للاستفادة مما وهبه الله من موارد خلقت لتوفر احتياجات الإنسان
المادية، ويمكن تحديد القواعد التي يأمر الإسلام بتبنيها عند معالجته لعنصر الموارد
الطبيعية في الأمور التالية:
أولاً: الحث على استغلال الموارد المعطلة بتوجيه ولاة أمر المسلمين بالتدخل
بوضع القواعد والضوابط المؤدية إلى استغلال الموارد المعطلة فقد روى أبو داود
عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن عامر الشعبي حدثه أن رسول
الله ﷺ قال: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها
فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له» [١] ، وهذا الحديث يرشد إلى عدم ترك الموارد
المعطلة بدون استغلال، وإن للمجتمع المسلم الحق في التدخل في استغلال هذه
الموارد المعطلة حتى ولو كانت ملكيتها ملكية فردية، وعلى ضوء هذا الحديث
يمكن أن تقوم الدولة المسلمة بوضع القواعد الإجرائية فيما يتعلق بالمنشآت
الصناعية، أو الزراعية، أو غيرها من الأصول الثابتة المنتجة عند عجز ملاكها
عن تشغيلها بالتدخل بتشغيلها؛ لأن هذا الإجراء سوف يؤدي إلى التقليل من تفاقم
المشكلة الاقتصادية وذلك باستمرارية الإنتاج واستغلال القوى العاملة في هذه
المشاريع وعدم تعطلها، وبالتالي الحد من إهدارها، وحقيقة المشكلة الاقتصادية في
العالم الإسلامي تكمن في عجز الدول الإسلامية عن ممارسة دورها في استغلال
الموارد الطبيعية، بل إن إهدار الموارد الطبيعية هو السمة البارزة في الممارسات
الاقتصادية لمعظم الدول الإسلامية.
ثانياً: منح الامتياز إذا وجدت علاقة ما بين الموارد الطبيعية وحاجة الناس
لفئة من فئات المجتمع على حساب الفئات الأخرى: فالموارد الطبيعية التي يحتاج
إليها الناس وهي ميسره وفي متناول الجميع لا يحق لشخص امتلاكها وليس للدولة
إعطاء حق الامتياز لشخص أو فئة وبالتالي احتكار منافعها، فحبس مورد طبيعي
يحتاج إليه الناس وجعله في أيدي فئة معينة من الناس من الأمور المسببة لوجود
المشكلة الاقتصادية سواءً بتعطيل الاستفادة من هذا المورد أو من خلال احتكاره
وحرمان فئات من الناس من الاستفادة منه لعدم قدرتهم على دفع الثمن المطلوب لقاء
حق الامتياز أو الإقطاع، ولكن حق منح الامتياز والإقطاع موكول إلى ولي الأمر
ضمن احتياج المورد الطبيعي حتى يمكن استغلاله، أي أن المورد الطبيعي بطبيعته
التي خلقها الله عليها يحتاج إلى جهد ومال للاستفادة منه، منع الامتياز إنما يعود
إلى الموارد الطبيعية الظاهرة التي يمكن لجميع الناس الاستفادة منها مثل الملح
أوالكلأ أو التراب أو الرمال وغير ذلك من الأمور الظاهرة علي وجه الأرض،
التي يمكن للناس الاستفادة منها مباشرة، وقد أوضح الرسول ﵊
فيما رواه ابن ماجه عن ثابت بن سعيد عن جده أبيض بن حمال: «أنه استقطع
رسول الله ﷺ الملح الذي يقال له ملح سدّ بمأرب فأقطعه له،
ثم إن الأقرع بن حابس التميمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا
رسول الله إني قد وردت على الملح في الجاهلية وهو بأرض ليس بها ملح ومن
ورده أخذه، وهو مثل الماء العدّ، فاستقال رسول الله ﷺ -أبيض
بن حمال في قطيعتة في الملح فقال أبيض: قد أقلتك منه على أن تجعله مني صدقة
فقال رسول الله ﷺ هو منك صدقة، وهو مثل الماء العدّ من
ورده أخذه» [٢] . وروي ابن ماجة بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله
ﷺ : «المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلاء والنار وثمنه
حرام» [٣] وفي رواية أخرى لابن ماجة بسنده عن أبي هريرة «ثلاث لا يمنعن
الماء والكلاء والنار» [٤] ، فمن جملة هذه الأحاديث يتضح مراعاة حاجة الناس
الظاهرة البارزة للمورد الطبيعي، وأن الحاجة العامة للمورد الطبيعي تمنع ولي
الأمر من منح امتيازه لأي فئة من الفئات حتى لا يؤدي ذلك إلى إحتكاره والإضرار
بالناس والتأثير على عرض هذه المادة التي يستفاد من أخذها من المورد الطبيعي
مباشرة، حيث إن منح حق امتياز استغلالها لفئة من الناس أو إقطاعها لفئة من
الناس أو لشخص أو لأشخاص سيؤدى إلي قلة العرض، وارتفاع سعرها وعجز
الناس عن تملكها مع حاجتهم الماسة إليها وشرائها من محتكرها الممنوح له حق
امتيازها.
ثالثاً: تدخل الدولة المباشر باستغلال الموارد الطبيعية غير المستغلة وفق
خطط إنتاجية استثمارية يضعها ولي الأمر وفق الظروف والمعطيات المتوفرة
وبأسلوب يدفع أفراد الأمة لاستغلال هذه الموارد الطبيعية المعطلة، أي أن من
السياسات التي يحبذها الإسلام عدم العمل المباشر في استغلال المورد الطبيعي وإنما
العمل على تشجيع الأفراد باستغلال مدخراتهم، وبالتالي المساهمة في حل المشكلة
الاقتصادية من خلال قيام الدولة في توفير رأس المال الخاص باستغلال الموارد
الطبيعية وتوفير الظروف للقوى العاملة في المساهمة في استغلال هذه الموارد، فقد
أخرج البخاري مرسلاً عن قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: «ما بالمدينة أهل
بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وزارع على وسعد بن مالك وعبد الله
ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي
وابن سيرين، وقال عبد الرحمن بن الأسود كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في
الزرع، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن
جاؤوا بالبذر فلهم كذا» [٥] ، ومن هذا الحديث ندرك السياسة التوزيعية لعناصر
الانتاج، التي تقوم علي العمل على دفع عوامل الإنتاج الأخرى لتحقيق التوازن بين
مختلف عناصر الإنتاج، وتوزيع الدخل القومي بين هذه العناصر لمعالجة جانب
الإنتاج في المشكلة الاقتصادية.
رابعاً: استغلال الموارد الطبيعية من خلال تدخل ولي الأمر في إعادة توزيع
الفائض من الاستغلال عن طريق وضع التنظيمات الخاصة والقواعد المنظمة التي
تساعد على الاستفادة من مكونات الناتج القومي مع مراعاة حقوق التملك الخاصة
وذلك بالتدخل لتحقيق المصلحة العامة لزيادة الناتج القومي والإقلال من تأثير
العناصر المرتبطة بالموارد الطبيعية من التأثير في إيجاد المشكلة الاقتصادية
واستفحالها، ولقد أوضح الرسول ﵊ الجوانب في كيفية تحقيق
ذلك من خلال التوجيه النبوي للأمة فمن ذلك ما رواه البخاري وابن ماجة عن أبي
هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تمنعوا
فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» وفي لفظ ابن ماجه «لا يمنع أحدكم فضل ماء ليمنع
به الكلأ» [٦] . كما أوضح الحديث الأخر الذي رواه ابن ماجة عن جابر بن عبد
الله ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل
الماء وفي رواية له «لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نقع البئر» [٧] ونقع البئر هو
الزائد من مائها أو المجتمع، فمن هذه الأحاديث يمكن فهم التوجيه النبوي في
معالجة الاستفادة منها عند عدم توفر المياه، وبالتالي فإنه في حالة وجود بئر مملوكة
لفرد فإن عليه أن يمنح الرعاة ما زاد عن حاجته حتى يمكن الاستفادة من الكلأ في
المناطق المتاخمة للبئر، كما قد يفهم أنه في حالة توفر مياه زائدة عن حاجة مالك
لبئر، فإن عليه أن يمنح ما زاد عن حاجته في زراعته إلى الآخرين ممن لا يوجد
لديهم الماء، وهذا يؤدي إلى قيام الأفراد باستغلال الأراضي المجاورة لمن يتوفر
لديه الماء مع مراعاة عدم الإضرار بمالك البئر، وهذا ينطبق في حالة تعطل
وسائل رفع الماء لدى أحد المزارعين مما قد يحتاج إلى ما زاد عن ماء جاره حتى
لا يخسر إنتاجه ويمكن القياس على ذلك فيما يتعلق، في حالة تعطل مورد من
الموارد الطبيعية عن الاستغلال وإمكانية استغلال هذه الموارد ولو بالتدخل في
تنظيم استغلال الزائد من الموارد الطبيعية.
стр. 1787
خواطر في الدعوة
الفرج بعد الشدة
محمد العبدة
هذا العنوان من الكلام المحبب عن الأقدمين، وقد ألفوا فيه الكتب وجمعوا
حوله الفصول، تُرى لماذا هذا الاهتمام، وأي باعث للكتابة في هذا الشأن؟ لاشك
أن الشدائد التي لاقاها المسلمون وخاصة ما بعد القرن الرابع هي السبب في هذا،
سواءاً أكانت شدائد داخلية من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، أو كانت خارجية
مما أصاب العالم الإسلامي من الغزو الخارجي المدمر، وهذا ما حدا بالقاضي
التنوخي أن يكتب المجلدات حول (الفرج بعد الشدة) .
إن ما ابتلي به المسلمون في السنوات الأخيرة من الحيف الواقع بهم والحرب
الإعلامية الحاقدة التي تشن عليهم صباح مساء، ما يجعل هذا العنوان محبباً إلى
المسلم المعاصر أيضاً، ويجعله يردد مع الشاعر:
فاصطبر، وانتظر بلوغ مداها ... فالرزايا إذا توالت تولت
إننا لا نستطيع الإغراق في التفاؤل، وربما لأن الأمور لم تبلغ مداها بعد
وخاصة من جانب الصبر والإعداد المطلوب من المسلم ولكن مما يبشر بخير أن
المسلمين رغم الواقع الأليم قد أصبحوا رقماً صعباً في المعادلة السياسية الداخلية
والدولية، وعاد بعض أشد الأعداء ليقول: يجب أن نتعايش مع هؤلاء، ونفكر
بطريقة عقلانية للتفاهم معهم ... وشيء آخر وهو هذه الحرب الإعلامية التي نرى
فيها السُمّ الناقع، لهي دليل على تعاظم قوة الإسلام وشعور الأعداء بالخطر من
جهته.
عندما يستطيع المسلمون الوصول إلى نقطة (الحرج) مع أعدائهم، فمعنى هذا
أن كفة الميزان بدأت تميل لصالحهم، فكفار مكة عندما شعروا بالخطر بدأوا بوضع
العراقيل أمام هجرة المسلمين، فمرة يحجزون أموالهم، ومرة يحجزون زوجاتهم
وأولادهم، ودبروا قتل الرسول ﷺ -أو إخراجه أو سجنه،
وعندما علموا بهجرته تشنجت أعصابهم ووضعوا الجوائز لمن يأتي به حياً أو ميتاً
ولكن من رحمة الله بعباده أن لا يوصلهم إلى مرحلة اليأس والطريق المسدود،
فيذلوا وينكسروا، وقد قال تعالى: [فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً]
[الشرح: آية ٦] ، وقد جاء في تفسيرها: لن يغلب عسر واحد يسرين، ومن ظن
أن الله يسلط أعداءه على رسله تسليطاً دائماً، فقد ظن ظن السوء، كما يقول
العلامة ابن القيم ﵀، فهل يتقدم المسلمون خطوة أو خطوات حتى يستحقوا
(الفرج بعد الشدة) وينطبق عليهم قوله تعالى: [وقال الذين كفروا لرسلهم
لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين *
ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد]
[ابراهيم: ١٣- ١٤] .
стр. 1788
دراسات تاريخية
عبد الله بن سبأ
في ميزان البحث العلمي
-١ -
د. محمد أمحزون
تمهيد:
موضوع «عبد الله بن سبأ والسبئية» أحد الأبحاث التي تطرق إليها
بالدراسة الكثير من الباحثين من المسلمين والمستشرقين، ومن أهم الدراسات في
هذا الباب بحث الدكتور سليمان بن حمد العودة بعنوان «عبد الله بن سبأ وأثره في
إحداث الفتنة في صدر الإسلام» وبحث «عبد الله بن سبأ بين الحقيقة والخيال»
د. سعدي الهاشمي، وبحث الأستاذ أحمد عرفات القاضي بعنوان «إنكار ابن سبأ
نقش على الماء» [١] .
وهذه الدراسة للدكتور (محمد أمحزون) مناقشة بحث جديد حول الموضوع
نفسه لباحث لم يأت بجديد وإنما هو نقل عن الباحثين حول تلك الشخصية، والناقد
(الكاتب) أحد المتخصصين في دراسة التاريخ، وعضو هيئة التدريس في جامعة
«مكناس» بالمغرب (قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية.
- البيان -
هذه الدراسة نقد للبحث الذي نشره د. عبد العزيز الهلابي أستاذ التاريخ
الإسلامي في جامعة الملك سعود، في حوليات كلية الآداب الكويتية [*] عن عبد الله بن
سبأ، تدخل في مجال اهتمامات التاريخ الإسلامي، وقد قام فيه المؤلف بتحليل
روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن دور عبد الله بن سبأ في أحداث الفتنة
الواقعة في خلافة عثمان وعلي ﵄ حيث انتهى بحثه إلى أن تلك
الروايات مختلقة ولا أساس لها من الصحة! ! ثم أورد النصوص عن «السبئية»
في بعض المصادر المتقدمة فأوضح أنه من خلال استخدامها في تلك المصادر لا
تعني جماعة لها عقيدة دينية أو مذهب سياسي محدد، وأنها أطلقت على أناس
مختلفين، وكان يقصد بها في كل الأحوال الذم والتعيير، وبعد أن ناقش أقوال
الباحثين المعاصرين وآراءهم من عرب ومستشرقين خلص في بحثه إلى أن ابن
سبأ شخصية وهمية، وأن الدور المنسوب إليه في إثارة الأحداث وتسييرها دور
مزعوم.
إن هذا البحث الذي كتبه د. الهلابي يعتبر أحدث دراسة مستقلة أفردت عن
عبد الله بن سبأ ولذلك أحببت إبداء بعض الملحوظات حول الآراء التي تبناها حيث
نفى في بحثه وجود تلك الشخصية، وأن ابن سبأ في رأيه لا يعدو أن يكون مجرد
خرافة سطرتها كتب التاريخ والفرق! !
ومن الملحوظات على هذه الدراسة ما يلي:
أولاً سيف بن عمر لم ينفرد بالرواية:
يقول د. الهلابي في ص (١٣) من بحثه: «ينفرد الإخباري سيف بن عمر
التميمي من بين قدامى الإخباريين والمؤرخين بذكر تلك الشخصية في رواياته،
ويجعل له دوراً رئيساً في التحريض على الفتنة، وقتل الخليفة عثمان وإنشاب
القتال في معركة الجمل في البصرة» [٢] .
في الواقع أن سيف بن عمر لم يكن المصدر الوحيد الذي استأثر بأخبار عبد
الله بن سبأ، بل ورد ذكر أخبار ابن سبأ وطائفته منقولة عن علماء متقدمين ورواة
غير سيف بن عمر مثل:
* سويد بن غفلة أبو أمينة الجعفي الكوفي المتوفى عام (٨٠ هـ/ ٦٩٩م) ،
مخضرم ثقة، من أصحاب علي ﵁ [٣] جاء في «طوق الحمامة»
لحيي بن حمزة الزيدي وفي «اللفظ» للبرقاني أنه دخل على علي في إمارته فقال
: «إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر، يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك،
منهم عبد الله بن سبأ، فقال علي: مالي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله
أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيّره إلى المدائن،
ونهض إلى المنبر حتى إذا اجتمع الناس أثنى عليهما خيراً، ثم قال: أو لا يبلغني
عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري [٤] .
* زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي المتوفى قبل عام (٩٠هـ/٧٠٩م) ،
روى عن علي بن أبي طالب، وهو من جلة التابعين، متفق على الاحتجاج به،
أخرج ابن عساكر في» تاريخ دمشق «عنه قال:» قال علي بن أبي طالب:
مالي ولهذا الخبيث الأسود، يعني عبد الله بن سبأ، وكان يقع في أبي بكر
وعمر « [٥] .
* إبراهيم بن يزيد النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه الثقة المتوفى عام (٩٦
هـ / ٧١٤ م) [٦] . روى ابن سعد في» طبقاته «أن رجلاً كان يأتيه فيتعلم منه، فيسمع قوماً يذكرون أمر علي وعثمان، فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل وأرى
الناس مختلفين في أمر علي وعثمان، فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك فقال:» ما
أنا بسبأي ولا مرجئ « [٧] .
* الشعبي عمر بن شراحيل الحميري اليمني المتوفى عام (١٠٣هـ/٧٢١م) ،
من رواة الأنساب والأخبار الثقات [٨] . أخرج عنه ابن عساكر في» تاريخ دمشق «قال:» أول من كذب عبد الله بن سبأ « [٩] .
*سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني المتوفى عام
(١٠٦هـ/٧٢١م) ، كان أحد فقهاء التابعين، ثبتاً فاضلاً [١٠] ، روى يعقوب بن
سفيان الفسوي في كتابه» المعرفة والتاريخ «قال:» قال أبو الوليد: سألني سالم
بن عبد الله بن عمر: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: بئس القوم بين
سبأي وحروري « [١١] .
* أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي المعمر المتوفى عام
(١١٠هـ/ ٧٢٨م) ، روى عن علي بن أبي طالب، قال فيه الحافظ الذهبي: وبه ختم الصحابة في الدنيا [١٢] . أخرج ابن عساكر عنه قال:» رأيت المسيب ابن نجبة أتى به ملببه، يعني ابن السوداء، وعلي على المنبر، فقال علي: ما
شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله [١٣] .
* حُجيّة بن عدي الكندي أبو الزعراء الكوفي، روى عن علي وجابر وهو
من الطبقة الثالثة [١٤] . ذكر ابن عساكر عنه أنه رأى علياً على المنبر، وهو
يقول: من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله ورسوله يعني ابن
السوداء [١٥] .
* أبو الجلاس الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب، من الطبقة
الثالثة [١٦] . نقل ابن عساكر عنه قال: «سمعت علياً يقول لعبد الله بن سبأ: ويلك! والله ما أفضي إليّ بشيء كتمته أحداً من الناس، ولقد سمعته يقول: إن بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وإنك لأحدهم [١٧] .
* قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى عام (١١٧هـ/٧٣٥م) ، من ثقات التابعين
وحفاظهم، روى عن أبي الطفيل وأنس بن مالك، كان آية في الحفظ
والرواية [١٨] . نقل الإمام الطبري في تفسير قوله:» وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية [فأما الذين في قلوبهم زيغ ... ] قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية ... فلا أدري « [١٩] .
* أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفى عام (١٥٧هـ/٧٧٣م) [٢٠] . نقل
الإمام الطبري عنه في» تاريخه «رواية يصف فيها أشراف أهل الكوفة لخصومهم
من أصحاب المختار بالسبئية [٢١] .
ثانياً الموهوم لا يدفع المعلوم:
يقول المؤلف:» لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد
الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية عند البلاذري « [٢٢] .
إن المصادر المتقدمة التي اطلع عليها د. الهلابي إذا كانت أغفلت موضوع
ابن سبأ والسبئية، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه شخصية خرافية، إذ إن عدم ذكرها
له لا يقوم دليلاً على الإنكار أو التشكيك، فهل استوعَبَت تلك المصادر كل أحداث
التاريخ الإسلامي حتى نقف وقفة المنكر أو المتشكك إذا لم تذكر شيئاً عن ابن سبأ؟! وهل من شروط صحة الرواية التاريخية تضافر كل كتب التاريخ على ذكرها؟ !
ثم هل نسي د. الهلابي أن المصادر القديمة ضاع كثير منها فأصبحت مفقودة أو في
حكم المفقود، حيث ضاع كثير من مؤلفات الزهري وابن إسحاق والواقدي
والمدائني وابن شبّه والأصمعي والهيثم بن عدي وعروة بن الزبير وغيرهم، إلا ما
استوعبته بعض المصنفات الموسوعية كتاريخ الطبري مثلاً؟
ومن هنا ينبغي الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق للخروج من الشبهات
والتوهمات، إذ إن الموهوم لا يدفع المعلوم، والمجهول لا يعارض المحقق
فشخصية ابن سبأ وجماعته حقيقة تاريخية يتفق عليها كثير من المصادر المتقدمة
غير البلاذري.
جاء ذكر السبئية على لسان أعشى همذان المتوفى عام (٨٣هـ/٧٠٢م) وقد
هجى المختار وأنصاره من أهل الكوفة بقوله:
شهدت عليكم أنكم سبئية وأني ... بكم يا شرطة الكفر عارف [٢٣]
وجاء ذكر السبئية في كتاب» الإرجاء «للحسن بن محمد بن الحنفية المتوفى
عام (٩٥هـ/٧١٣م) ، الذي أمر بقراءته على الناس وفيه:» ... ومن خصومة هذه
السبئية التي أدركنا، إذ يقولون هدينا لوحي ضل عنه الناس « [٢٤] .
وفي الطبقات لابن سعد المتوفى عام (٢٣٠هـ/٨٤٤م) ورد ذكر معتقدات
السبئية وأفكار زعيمها، فعن عمرو بن الأصم قال: قيل للحسن بن علي: إن أناساً
من شيعة أبي الحسن علي ﵇ يزعمون أنه دابة الأرض، وأنه سيبعث قبل
يوم القيامة، فقال كذبوا، ليس أولئك شيعته أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا
ميراثه ولا أنكحنا نساءه ... » [٢٥] . علماً بأن ما ذكر في هذا النص لا يخرج
عما جاء به ابن سبأ من آراء، وأكده علماء الفرق والنحل والمؤرخون في
كتبهم [٢٦] .
وتحدث ابن حبيب المتوفى عام (٢٤٥هـ/٨٦٠م) عن ابن سبأ حينما اعتبره أحد
أبناء الحبشيات [٢٧] ، كما روى أبو عاصم خُشيش بن أصرم المتوفى عام
(٢٥٣هـ/ ٨٥٩م) خبر إحراق علي ﵁ لجماعة من أصحاب ابن سبأ في كتابه «الاستقامة» [٢٨] .
وفي «البيان والتبيين» للجاحظ المتوفى عام (٢٥٥هـ/٨٦٨م) رواية تشير
إلى عبد الله بن سبأ [٢٩] ، كما ذكر الجوزجاني المتوفى عام (٢٥٩هـ/٨٧٣م) وهو
من علماء الجرح والتعديل، أن من مزاعم عبد الله ادعاءه أن القرآن جزء من تسعة
أجزاء، وعلمه عند علي، وأن علياً نفاه بعد ما كان هم به « [٣٠] .
ويقول ابن قتيبة المتوفى عام (٢٧٦هـ/٨٨٩م) في» المعارف «:» السبئية
من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ « [٣١] .
ويذكر البلاذري المتوفى عام (٢٧٩هـ/٨٩٢م) ابن سبأ في جملة من أتوا إلى
علي ﵁ يسألونه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فقال لهم: أوتفرغتم لهذا؟ وحينما كتب علي الكتاب الذي أمر بقراءته على أنصاره كان منه عند عبد الله ابن
سبأ نسخة عنه فحّرفها» [٣٢] .
وأورد الناشيء الأكبر المتوفى عام (٢٩٣هـ/٩٠٥م) عن ابن سبأ وطائفته ما
يلي: «وفرقة زعموا أن علياً ﵇ حي لم يمت، وأنه لا يموت حتى يسوق
العرب بعصاه، وهؤلاء هم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ
رجلاً من أهل صنعاء، يهودياً ... وسكن المدائن» [٣٣] .
ثالثاً السبئية في المصادر وليست للذم والتعيير فقط:
بعد أن ذكر المؤلف نصوصاً نثرية وشعرية ورد فيها ذكر السبئية، قال:
«وبناءً على هذا فلا يمكن الاستنتاج من النصوص السابقة أن السبئية تعني فئة لها هوية سياسية معينة، أو مذهب عقائدي محدد، ولكن المؤكد أنها عندما تطلق على قوم يقصد بها الذم والتعيير» [٣٤] .
إن هذا الاستنتاج للباحث لا يخلو من المغالطة والتمويه، فهو يحاول جاهداً
التشكيك في السبئية إلى حد جعله يتأولها مجرد كلمة تستعمل للسب والذم! !
إني لأكاد أدهش حين يقول ذلك، وهو نفسه يذكر نصاً شعرياً للفرزدق [٣٥]
فيه إشارة واضحة إلى ابن سبأ اليهودي الأصل، الهمداني اليمني المنشأة.
تعرف همدانية سبئية ... وتكره عينيها على ما تنكرا
ولو أنهم إذا نافقوا كان منهم ... يهوديهم كانوا بذلك أعذرا
على أن وجود عبد الله بن سبأ وارتباط السبئية به مما أطبقت عليه المصادر،
فذكرته كتب التاريخ والحديث والطبقات والرجال والأنساب والأدب واللغة، وجزم
بذلك علماء الفرق والمقالات.
فقد نقل القمي المتوفى عام (٣٠١هـ/٩١٣م) أن عبد الله بن سبأ أول من أظهر
الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وادعى أن علياً أمره
بذلك [٣٦] .
وأما الإمام الطبري المتوفى عام (٣١٠هـ/٩٢٢م) فقد أفاض في تاريخه في ذكر
أخبار ابن سبأ ومكائده معتمداً على روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن
شيوخه [٣٧] .
ويتحدث النوبختي المتوفى عام (٣١٠هـ/٩٢٢م) عن أخبار ابن سبأ فيذكر أنه
لما بلغ نعي علي بالمدائن قال للذي فعله: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة،
وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك
الأرض [٣٨] .
ويقول أبو حاتم الرازي المتوفى عام (٣٢٢هـ/٩٣٣م) أن عبد الله بن سبأ ومن
قال بقوله من السبئية كانوا يزعمون أن علياً هو الإله، وأنه يحيى الموتى وادعوا
غيبته بعد موته [٣٩] .
وأكد ابن عبد ربه المتوفى عام (٣٢٨هـ/٩٣٩م) أن ابن سبأ وطائفته السبئية قد
سلكوا مسلك الغلو في علي حينما قالوا هو الله خالقنا، كما غلت النصارى في
المسيح بن مريم [٤٠] .
ويذكر أبو الحسن الأشعري المتوفى عام (٣٣٠هـ/٩٤١م) عبد الله بن سبأ
وطائفته من ضمن أصناف الغلاة، إذ يزعمون أن علياً لم يمت، وأنه سيرجع إلى
الدنيا فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً [٤١] .
وروى الكشي المتوفى عام ٣٤٠هـ/٩٥١م) بسنده إلى أبي جعفر محمد الباقر
قوله: إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة، ويزعم أن أمير المؤمنين ﵇
هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، كما روى بسنده إلى علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب: «لعن الله من كذب عليناً، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت
كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً، ماله لعنه الله» [٤٢] .
ويقول ابن حبان المتوفى عام (٣٥٤هـ/٩٦٥م) : «وكان الكلبي محمد ابن
السائب الإخباري سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، من أولئك الذين يقولون: إن
علياً لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير
المؤمنين فيها» [٤٣] .
ويقول المقدسي المتوفى عام (٣٥٥هـ/٩٦٥م) في كتابه «البدء والتاريخ» :
إن عبد الله بن سبأ قال عندما بلغه موت علي بن أبي طالب: لا يموت حتى يسوق
العرب بعصاه [٤٤] .
ويكشف الملطي المتوفى عام (٣٧٧هـ/٩٨٩م) عن عقيدة السبئية فيقول:
«ففي عهد علي ﵁ جاءت السبئية إليه وقالوا: أنت أنت! قال: من
أنا؟ قالوا: الخالق الباريء، فاستتابهم فلم يرجعوا فأوقد لهم ناراً عظيمة
فأحرقهم [٤٥] . ...
ويذكر كبير محدثي الشيعة ابن بابويه القمي المتوفى عام (٣٨١هـ/٩٩١م)
موقف ابن سبأ وهو يعترض على علي ﵁ في رفع اليدين إلى السماء
أثناء الدعاء [٤٦] .
وفي» مفتاح العلوم «للخوارزمي المتوفى عام (٣٨٧هـ/٩٩٧م) :» السبئية
أصحاب عبد الله بن سبأ « [٤٧] .
وذكر البغدادي المتوفى عام (٤٩٩هـ/١٠٣٧م) أن فرقة السبئية أظهروا دعوتهم
في زمان علي ﵁ فأحرق قوماً منهم، ونفى ابن سبأ إلى سباط المدائن،
إذ نهاه ابن عباس ﵄ عن قتله حينما بلغه غلوه فيه، وأشار عليه بنفيه
إلى المدائن حتى لا يختلف عليه أصحابه، لاسيما وهو عازم على العود إلى قتال
أهل الشام [٤٨] .
وقال أبو جعفر الطوسي المتوفى عام (٤٦٠هـ/١٠٦٧م) إن ابن سبأ رجع إلى
الكفر وأظهر الغلو [٤٩] .
ويقول الاسفراييني المتوفى عام (٤٧١هـ/١٠٧٨م) إن ابن سبأ قال بنبوة علي
في أول أمره، ثم دعا إلى ألوهيته، ودعا الخلق إلى ذلك، فأجابته جماعة إلى ذلك
في وقت علي [٥٠] .
ويتحدث الشهرستاني المتوفى عام (٥٤٨هـ/١١٥٣م) عن ابن سبأ فيقول:
» ومنه انشعبت أصناف الغلاة « [٥١] . ويقول أيضاً: إن ابن سبأ أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي» [٥٢] .
كما أن كتب الأنساب هي الأخرى تؤكد نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ،
ومنها كتاب الأنساب للسمعاني المتوفى عام (٥٦٢هـ/١١٦٧م) [٥٣] .
وعرّف ابن عساكر المتوفى عام (٥٧١هـ/١١٧٦م) ابن سبأ بقوله: «عبد الله
ابن سبأ الذي تنسب إليه السبئية، وهم الغلاة من الرافضة، أصله من اليمن، كان
يهودياً وأظهر الإسلام» [٥٤] .
وفي اللباب في تهذيب الأنساب «يذكر ابن الأثير المتوفى عام
(٦٣٠هـ/ ١٢٣٢م) ارتباط السبئية من حيث النسبة بعبد الله بن سبأ» [٥٥] .
وذكر ابن أبي الحديد المتوفى عام (٦٥٥هـ/١٢٥٧م) في «شرح نهج البلاغة
ما نصه:» فلما قتل أمير المؤمنين ﵇ أظهر ابن سبأ مقالته وصارت له
طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه « [٥٦] .
وذكر السكسكي المتوفى عام (٦٨٣هـ/١٢٨٤م) أن ابن سبأ وجماعته أول من
قالوا بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت [٥٧] .
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى عام (٧٢٨هـ/١٣٢٧م) أن أصل الرفض
من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلو في علي بدعوى
الإمامة والنص عليه، وادعى العصمة له» [٥٨] .
وأشار الحسن الحلبي المتوفى عام (٧٤٠هـ/١٣٣٩م) إلى أن ابن سبأ ضمن
أصناف الضعفاء [٥٩] .
وعند الحافظ الذهبي المتوفى عام (٧٤٨هـ/١٣٤٧م) : «عبد الله بن سبأ من
غلاة الشيعة، ضال مضل» [٦٠] .
أما الصفدي المتوفى عام (٧٦٤هـ/١٣٦٣م) فقد قال في ترجمته: «عبد الله
ابن سبأ رأس الطائفة السبئية ... فلما قتل علي زعم ابن سبأ أنه لم يمت لأن فيه
جزءاً إلهياً، وابن ملجم إنما قتل شيطاناً تصور بصورة علي، وأن علياً في
السحاب، والرعد صوته، والبرق صوته، وأنه سينزل إلى الأرض» [٦١] .
ويشير الشاطبي المتوفى عام (٧٩٠هـ/١٣٨٨م) إلى أن بدعة السبئية من البدع
الاعتقادية المتعلقة بوجود إله مع الله تعالى الله وهي بدعة تختلف عن غيرها من
المقالات [٦٢] .
ويعرف الجرجاني المتوفى عام (٨١٦هـ/١٤١٣م) عبد الله بن سبأ بأنه رأس
الطائفة السبئية ... وأن أصحابه عندما يستمعون الرعد يقولون: عليك السلام يا
أمير المؤمنين « [٦٣] .
وفي خطط المقريزي المتوفى عام (٨٤٥هـ/١٤٤١م) أن عبد الله بن سبأ قام في
زمن علي ﵁ مُحدثاً القول بالوصية والرجعة والتناسخ [٦٤] .
وسرد الحافظ ابن حجر المتوفى عام (٨٥٢هـ/١٤٤٨م) في كتابه:» لسان
الميزان «عن ابن سبأ أخباراً غير روايات سيف بن عمر، ثم قال في النهاية:
» وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ، وليس له رواية والحمد لله « [٦٥] .
وفي عقد الجمان للعيني المتوفى عام (٨٥٥هـ/١٤٥١م) أن ابن سبأ دخل مصر
وطاف في كورها، وأظهر الأمر بالمعروف، وتكلم في الرجعة، وقررها في قلوب
المصريين [٦٦] .
وأكد السيوطي المتوفى عام (٩١١هـ/١٥٠٥م) في كتاب» لب الألباب في
تحرير الأنساب «نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ [٦٧] .
وتحسن الإشارة إلى أنه لا ينبغي الغض من قيمة المصادر المتأخرة التي
ذكرت السبئية، ذلك أن أصحابها كابن كثير والذهبي وابن حجر والسيوطي
وغيرهم من الأئمة الحفاظ، كانوا يستقون معلوماتهم من مصادر قديمة وقيمة بعضها
الآن في عداد المفقود، كما عرفوا بسعة اطلاعهم، وغزارة معارفهم وتقصيهم
الدقيق للأخبار، حتى إن الباحث يندهش مثلاً عندما يطلع على كثرة الطرق
وتنوعها في رواية ابن حجر لأحداث تاريخية، ومن مصادر متقدمة كأخبار البصرة
لابن شبه، وكتاب صفين لحيي بن سليمان الجعفي، والمعرفة والتاريخ للفسوي،
وتاريخ أبي زُرعة الدمشقي، وغيرها من كتب التاريخ.
وللحوار بقية. في العدد القادم بإذن الله.
стр. 1789
خاطرة أدبية
أدباء.. بلا أدب
د. محمد بن ظافر الشهري
قالوا عن الرجز أنه حمار الشعراء، قلت: ليس الأمر كذلك إذا عد الحداثيون
شعراء، ذلك أن الصحف باتت أطوع الحمر للحداثيين، فهي لا تبالي من الذي
يمتطيها ولا ماذا يحمل، مادام لا يحمل كلمةً ثابتة الأصل شامخة الفرع، وعلى كل
حال فلم تعد الحمر بنوعيها وسائط نقل مقنعة في هذا الزمان، ولهذا عمد أهل
الارتزاق بالكلمة إلى «سيارات الكذب» فركبوا أسرعها لأن الثمن يتناسب باطراد
مع السرعة، وامتطى قليلو الأدب «طائرات الاغراء» فحلقوا بها في سماء
المجاهرين، أما عديمو الأدب فقد استقلوا «مكوك سب الإسلام» الذي أثبتت
معامل النظام العالمي الجديد / القديم أنه أسرع وسيلة للوصول إلى النجومية العالمية،
وهو مجهز بأحدث وسائل السلامة! ! .
لقد نال سلمان رشدي جائزة الدولة النمساوية إيماناً بـ «آياته الشيطانية» ،
واستحق «الطاهر» بن جلون جائزة جونكورد الفرنسية في «ليلة قَذَرِهِ» ،
وتسبب «أولاد حارة» نجيب محفوظ في منحه جائزة نوبل.
إن المتابع للحركة الأدبية يلاحظ انتشار «الشذوذ الفكري» الذي أدرك عبيد
الدرهم والشهرة أنه أيسر السبل لتسنم الهرم الأدبي المعاصر.
ليس شيئاًًً مما ذكرت يدعوا إلى العجب، فإن الحرب بين الحق والباطل سنة
ماضية، ولكن إذا كان هؤلاء «الشذاذ» قد آثروا الحياة الدنيا، فأين الذين آمنوا
بأن الآخرة خير وأبقى؟ ! ، إن هذا ينبغي أن يكون حافزاً لكل من وجد في نفسه
القدرة على التعامل مع الكلمة وتطويعها أن يتقدم في ثقة وثبات متوكلاً على الله،
راجياً وجهه، منافحاً عن العقيدة الناصعة والفكر الأصيل.
على الشاعر والناثر والناقد أن يشعروا بالمسؤولية الملقاة على كواهلهم
وليحذروا من أن يرمي بهم التقليد الأعمى في غياهب الغموض، أو يحصرهم في
خطاب أساتذة الأدب الانجليزي في كليات الآداب، إنهم مطالبون بإيصال الفكرة
عبر الكلمة إلى الناس.. كل الناس.
وتبقى الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ويبقى الأديب المؤمن
صّداعاً بالحق مهما كثر الناعقون بالباطل، [.. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما
ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال] [الرعد: ١٧]
стр. 1790
نص شعري
شجاعة
عبد الله بن محمد العسيري
أخيراً تعلمت أن جهاد اليهود ضلالٌ..!
وبوابةٌ.. للمجاعه!
وأن عناق اليهود شجاعه!
وأن نضالي الحقيقيّ تفريغُ ذاكرتي..
من حكايا دمائي المضاعه!
ووهم القتال..
وحسبُكَ من شَر لفظٍ سماعه.
* * *
غسلتُ فمي وفؤادي!
فرشتٌ لرابين بسطَ ودادي! !
وعدتُ إليكم (بفتح) مريح
غنائمُه رائحاتٌ غوادي! !
شجاعُ أنا فاحملوني وغنوا..
وزكوا نفوسكم من كرامتها! .. وتمنوا
فأحلامكم فوق ريح السلامْ..
ستصبح سُحْباً..
تصب الغنى فوقكم والوئامْ! !
* * *
فقطْ.. طلقوا وهمكم واتبعوني
فإني كرهتُ سجون الكرامه! !
أنا خلف (وجه الصقور) اختنقتُ عقوداً..
فما أجمل الآن وجه النعامه!
شجاع أنا لست أخشى..
وها أنا أعلن أني تخطيت خوفي..
وصرت لدى ابن (حيي) غلامَهْ! !