← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

دراسات اقتصادية الإسلام والقضايا الاقتصادية المعاصرة المشكلة الاقتصادية وعلاجها من المنظور الإسلامي -٤- د. محمد بن عبد الله الشباني في الحلقة السابقة ناقشنا علاقة التوزيع بعناصر الإنتاج، وبالتحديد دور عنصر العمل باعتباره أهم عناصر الإنتاج تأثيراً في وجود المشكلة الاقتصادية وكيفية معالجة الإسلام لعنصر العمل من ناحية أهميته النسبية من العملية الإنتاجية، وفي هذه الحلقة سوف نتتطرق إلى مناقشة عنصر الموارد الطبيعية باعتباره عنصراً من عناصر الإنتاج وعلاقة هذا العنصر بتوزيع الدخل القومي وتأثيره على بروز المشكلة الاقتصادية، ومعالجة الإسلام لهذا العنصر من عناصر الإنتاج. يقصد بالموارد الطبيعية وفقاً للمفهوم الاقتصادي: كل ما على سطح الأرض من تربة وبحار وأنهار، وما فوقها من ضوء ورياح، وما في جوفها من ثروات معدنية، إن هذا العنصر من عناصر الإنتاج هو مجال الاستغلال وهو الذي يمارس الإنسان دوره فيه من خلال العمل للاستفادة مما أودع الله في أرضه وسمائه من رزق لسد حاجات الإنسان. الموارد الطبيعية والاقتصاد: وعلاقة الموارد الطبيعية بالمشكلة الاقتصادية تتمثل في مدى الاستفادة مما في الأرض من خيرات، وتحريك بقية عناصر الإنتاج لاستغلال هذه الموارد. إن عدم استغلال الموارد الطبيعية المتاحة بأسلوب اقتصادي سليم يحقق النفع العام وتيسير حاجات الأفراد يساعد على بروز المشكلة الاقتصادية، فأهمال الموارد الطبيعية وعدم استغلالها يؤدي إلى تعطل بقية عناصر الإنتاج الأخرى مما يساعد على تفاقم المشكلة الاقتصادية كما أن أسلوب الاستغلال للموارد الطبيعية وعدم مراعاة التوازن عند الاستغلال يؤدي إلى استنزاف الموارد أو أهدارها وبالتالي تفاقم المشكلة الاقتصادية أيضاً. قواعد وضوابط: لقد وضع الإسلام قواعد وأرشد إلى مناهج في كيفية استغلال الموارد الطبيعية بالشكل الذي يخدم اقتصاديات المجتمع، ويحقق التوازن في استغلال الموارد الطبيعية، ويزيل ويبعد الوسائل المسببة لإهدار الموارد مما يقلل من تأثير عنصر الموارد الطبيعية في تفاقم المشكلة الاقتصادية. وترتكز القواعد التي عالج بها الإسلام عنصر الموارد الطبيعية على نظرته بأن ما في السموات والأرض قد سخر لمصلحة الإنسان ومعاشه، وأن على الإنسان أن يبذل طاقته للاستفادة مما وهبه الله من موارد خلقت لتوفر احتياجات الإنسان المادية، ويمكن تحديد القواعد التي يأمر الإسلام بتبنيها عند معالجته لعنصر الموارد الطبيعية في الأمور التالية: أولاً: الحث على استغلال الموارد المعطلة بتوجيه ولاة أمر المسلمين بالتدخل بوضع القواعد والضوابط المؤدية إلى استغلال الموارد المعطلة فقد روى أبو داود عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن عامر الشعبي حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له» [١] ، وهذا الحديث يرشد إلى عدم ترك الموارد المعطلة بدون استغلال، وإن للمجتمع المسلم الحق في التدخل في استغلال هذه الموارد المعطلة حتى ولو كانت ملكيتها ملكية فردية، وعلى ضوء هذا الحديث يمكن أن تقوم الدولة المسلمة بوضع القواعد الإجرائية فيما يتعلق بالمنشآت الصناعية، أو الزراعية، أو غيرها من الأصول الثابتة المنتجة عند عجز ملاكها عن تشغيلها بالتدخل بتشغيلها؛ لأن هذا الإجراء سوف يؤدي إلى التقليل من تفاقم المشكلة الاقتصادية وذلك باستمرارية الإنتاج واستغلال القوى العاملة في هذه المشاريع وعدم تعطلها، وبالتالي الحد من إهدارها، وحقيقة المشكلة الاقتصادية في العالم الإسلامي تكمن في عجز الدول الإسلامية عن ممارسة دورها في استغلال الموارد الطبيعية، بل إن إهدار الموارد الطبيعية هو السمة البارزة في الممارسات الاقتصادية لمعظم الدول الإسلامية. ثانياً: منح الامتياز إذا وجدت علاقة ما بين الموارد الطبيعية وحاجة الناس لفئة من فئات المجتمع على حساب الفئات الأخرى: فالموارد الطبيعية التي يحتاج إليها الناس وهي ميسره وفي متناول الجميع لا يحق لشخص امتلاكها وليس للدولة إعطاء حق الامتياز لشخص أو فئة وبالتالي احتكار منافعها، فحبس مورد طبيعي يحتاج إليه الناس وجعله في أيدي فئة معينة من الناس من الأمور المسببة لوجود المشكلة الاقتصادية سواءً بتعطيل الاستفادة من هذا المورد أو من خلال احتكاره وحرمان فئات من الناس من الاستفادة منه لعدم قدرتهم على دفع الثمن المطلوب لقاء حق الامتياز أو الإقطاع، ولكن حق منح الامتياز والإقطاع موكول إلى ولي الأمر ضمن احتياج المورد الطبيعي حتى يمكن استغلاله، أي أن المورد الطبيعي بطبيعته التي خلقها الله عليها يحتاج إلى جهد ومال للاستفادة منه، منع الامتياز إنما يعود إلى الموارد الطبيعية الظاهرة التي يمكن لجميع الناس الاستفادة منها مثل الملح أوالكلأ أو التراب أو الرمال وغير ذلك من الأمور الظاهرة علي وجه الأرض، التي يمكن للناس الاستفادة منها مباشرة، وقد أوضح الرسول ﵊ فيما رواه ابن ماجه عن ثابت بن سعيد عن جده أبيض بن حمال: «أنه استقطع رسول الله ﷺ الملح الذي يقال له ملح سدّ بمأرب فأقطعه له، ثم إن الأقرع بن حابس التميمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد وردت على الملح في الجاهلية وهو بأرض ليس بها ملح ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء العدّ، فاستقال رسول الله ﷺ -أبيض بن حمال في قطيعتة في الملح فقال أبيض: قد أقلتك منه على أن تجعله مني صدقة فقال رسول الله ﷺ هو منك صدقة، وهو مثل الماء العدّ من ورده أخذه» [٢] . وروي ابن ماجة بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلاء والنار وثمنه حرام» [٣] وفي رواية أخرى لابن ماجة بسنده عن أبي هريرة «ثلاث لا يمنعن الماء والكلاء والنار» [٤] ، فمن جملة هذه الأحاديث يتضح مراعاة حاجة الناس الظاهرة البارزة للمورد الطبيعي، وأن الحاجة العامة للمورد الطبيعي تمنع ولي الأمر من منح امتيازه لأي فئة من الفئات حتى لا يؤدي ذلك إلى إحتكاره والإضرار بالناس والتأثير على عرض هذه المادة التي يستفاد من أخذها من المورد الطبيعي مباشرة، حيث إن منح حق امتياز استغلالها لفئة من الناس أو إقطاعها لفئة من الناس أو لشخص أو لأشخاص سيؤدى إلي قلة العرض، وارتفاع سعرها وعجز الناس عن تملكها مع حاجتهم الماسة إليها وشرائها من محتكرها الممنوح له حق امتيازها. ثالثاً: تدخل الدولة المباشر باستغلال الموارد الطبيعية غير المستغلة وفق خطط إنتاجية استثمارية يضعها ولي الأمر وفق الظروف والمعطيات المتوفرة وبأسلوب يدفع أفراد الأمة لاستغلال هذه الموارد الطبيعية المعطلة، أي أن من السياسات التي يحبذها الإسلام عدم العمل المباشر في استغلال المورد الطبيعي وإنما العمل على تشجيع الأفراد باستغلال مدخراتهم، وبالتالي المساهمة في حل المشكلة الاقتصادية من خلال قيام الدولة في توفير رأس المال الخاص باستغلال الموارد الطبيعية وتوفير الظروف للقوى العاملة في المساهمة في استغلال هذه الموارد، فقد أخرج البخاري مرسلاً عن قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: «ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وزارع على وسعد بن مالك وعبد الله ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين، وقال عبد الرحمن بن الأسود كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا» [٥] ، ومن هذا الحديث ندرك السياسة التوزيعية لعناصر الانتاج، التي تقوم علي العمل على دفع عوامل الإنتاج الأخرى لتحقيق التوازن بين مختلف عناصر الإنتاج، وتوزيع الدخل القومي بين هذه العناصر لمعالجة جانب الإنتاج في المشكلة الاقتصادية. رابعاً: استغلال الموارد الطبيعية من خلال تدخل ولي الأمر في إعادة توزيع الفائض من الاستغلال عن طريق وضع التنظيمات الخاصة والقواعد المنظمة التي تساعد على الاستفادة من مكونات الناتج القومي مع مراعاة حقوق التملك الخاصة وذلك بالتدخل لتحقيق المصلحة العامة لزيادة الناتج القومي والإقلال من تأثير العناصر المرتبطة بالموارد الطبيعية من التأثير في إيجاد المشكلة الاقتصادية واستفحالها، ولقد أوضح الرسول ﵊ الجوانب في كيفية تحقيق ذلك من خلال التوجيه النبوي للأمة فمن ذلك ما رواه البخاري وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» وفي لفظ ابن ماجه «لا يمنع أحدكم فضل ماء ليمنع به الكلأ» [٦] . كما أوضح الحديث الأخر الذي رواه ابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء وفي رواية له «لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نقع البئر» [٧] ونقع البئر هو الزائد من مائها أو المجتمع، فمن هذه الأحاديث يمكن فهم التوجيه النبوي في معالجة الاستفادة منها عند عدم توفر المياه، وبالتالي فإنه في حالة وجود بئر مملوكة لفرد فإن عليه أن يمنح الرعاة ما زاد عن حاجته حتى يمكن الاستفادة من الكلأ في المناطق المتاخمة للبئر، كما قد يفهم أنه في حالة توفر مياه زائدة عن حاجة مالك لبئر، فإن عليه أن يمنح ما زاد عن حاجته في زراعته إلى الآخرين ممن لا يوجد لديهم الماء، وهذا يؤدي إلى قيام الأفراد باستغلال الأراضي المجاورة لمن يتوفر لديه الماء مع مراعاة عدم الإضرار بمالك البئر، وهذا ينطبق في حالة تعطل وسائل رفع الماء لدى أحد المزارعين مما قد يحتاج إلى ما زاد عن ماء جاره حتى لا يخسر إنتاجه ويمكن القياس على ذلك فيما يتعلق، في حالة تعطل مورد من الموارد الطبيعية عن الاستغلال وإمكانية استغلال هذه الموارد ولو بالتدخل في تنظيم استغلال الزائد من الموارد الطبيعية.

стр. 1787

خواطر في الدعوة الفرج بعد الشدة محمد العبدة هذا العنوان من الكلام المحبب عن الأقدمين، وقد ألفوا فيه الكتب وجمعوا حوله الفصول، تُرى لماذا هذا الاهتمام، وأي باعث للكتابة في هذا الشأن؟ لاشك أن الشدائد التي لاقاها المسلمون وخاصة ما بعد القرن الرابع هي السبب في هذا، سواءاً أكانت شدائد داخلية من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، أو كانت خارجية مما أصاب العالم الإسلامي من الغزو الخارجي المدمر، وهذا ما حدا بالقاضي التنوخي أن يكتب المجلدات حول (الفرج بعد الشدة) . إن ما ابتلي به المسلمون في السنوات الأخيرة من الحيف الواقع بهم والحرب الإعلامية الحاقدة التي تشن عليهم صباح مساء، ما يجعل هذا العنوان محبباً إلى المسلم المعاصر أيضاً، ويجعله يردد مع الشاعر: فاصطبر، وانتظر بلوغ مداها ... فالرزايا إذا توالت تولت إننا لا نستطيع الإغراق في التفاؤل، وربما لأن الأمور لم تبلغ مداها بعد وخاصة من جانب الصبر والإعداد المطلوب من المسلم ولكن مما يبشر بخير أن المسلمين رغم الواقع الأليم قد أصبحوا رقماً صعباً في المعادلة السياسية الداخلية والدولية، وعاد بعض أشد الأعداء ليقول: يجب أن نتعايش مع هؤلاء، ونفكر بطريقة عقلانية للتفاهم معهم ... وشيء آخر وهو هذه الحرب الإعلامية التي نرى فيها السُمّ الناقع، لهي دليل على تعاظم قوة الإسلام وشعور الأعداء بالخطر من جهته. عندما يستطيع المسلمون الوصول إلى نقطة (الحرج) مع أعدائهم، فمعنى هذا أن كفة الميزان بدأت تميل لصالحهم، فكفار مكة عندما شعروا بالخطر بدأوا بوضع العراقيل أمام هجرة المسلمين، فمرة يحجزون أموالهم، ومرة يحجزون زوجاتهم وأولادهم، ودبروا قتل الرسول ﷺ -أو إخراجه أو سجنه، وعندما علموا بهجرته تشنجت أعصابهم ووضعوا الجوائز لمن يأتي به حياً أو ميتاً ولكن من رحمة الله بعباده أن لا يوصلهم إلى مرحلة اليأس والطريق المسدود، فيذلوا وينكسروا، وقد قال تعالى: [فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً] [الشرح: آية ٦] ، وقد جاء في تفسيرها: لن يغلب عسر واحد يسرين، ومن ظن أن الله يسلط أعداءه على رسله تسليطاً دائماً، فقد ظن ظن السوء، كما يقول العلامة ابن القيم ﵀، فهل يتقدم المسلمون خطوة أو خطوات حتى يستحقوا (الفرج بعد الشدة) وينطبق عليهم قوله تعالى: [وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد] [ابراهيم: ١٣- ١٤] .

стр. 1788

دراسات تاريخية عبد الله بن سبأ في ميزان البحث العلمي -١ - د. محمد أمحزون تمهيد: موضوع «عبد الله بن سبأ والسبئية» أحد الأبحاث التي تطرق إليها بالدراسة الكثير من الباحثين من المسلمين والمستشرقين، ومن أهم الدراسات في هذا الباب بحث الدكتور سليمان بن حمد العودة بعنوان «عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام» وبحث «عبد الله بن سبأ بين الحقيقة والخيال» د. سعدي الهاشمي، وبحث الأستاذ أحمد عرفات القاضي بعنوان «إنكار ابن سبأ نقش على الماء» [١] . وهذه الدراسة للدكتور (محمد أمحزون) مناقشة بحث جديد حول الموضوع نفسه لباحث لم يأت بجديد وإنما هو نقل عن الباحثين حول تلك الشخصية، والناقد (الكاتب) أحد المتخصصين في دراسة التاريخ، وعضو هيئة التدريس في جامعة «مكناس» بالمغرب (قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية. - البيان - هذه الدراسة نقد للبحث الذي نشره د. عبد العزيز الهلابي أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة الملك سعود، في حوليات كلية الآداب الكويتية [*] عن عبد الله بن سبأ، تدخل في مجال اهتمامات التاريخ الإسلامي، وقد قام فيه المؤلف بتحليل روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن دور عبد الله بن سبأ في أحداث الفتنة الواقعة في خلافة عثمان وعلي ﵄ حيث انتهى بحثه إلى أن تلك الروايات مختلقة ولا أساس لها من الصحة! ! ثم أورد النصوص عن «السبئية» في بعض المصادر المتقدمة فأوضح أنه من خلال استخدامها في تلك المصادر لا تعني جماعة لها عقيدة دينية أو مذهب سياسي محدد، وأنها أطلقت على أناس مختلفين، وكان يقصد بها في كل الأحوال الذم والتعيير، وبعد أن ناقش أقوال الباحثين المعاصرين وآراءهم من عرب ومستشرقين خلص في بحثه إلى أن ابن سبأ شخصية وهمية، وأن الدور المنسوب إليه في إثارة الأحداث وتسييرها دور مزعوم. إن هذا البحث الذي كتبه د. الهلابي يعتبر أحدث دراسة مستقلة أفردت عن عبد الله بن سبأ ولذلك أحببت إبداء بعض الملحوظات حول الآراء التي تبناها حيث نفى في بحثه وجود تلك الشخصية، وأن ابن سبأ في رأيه لا يعدو أن يكون مجرد خرافة سطرتها كتب التاريخ والفرق! ! ومن الملحوظات على هذه الدراسة ما يلي: أولاً سيف بن عمر لم ينفرد بالرواية: يقول د. الهلابي في ص (١٣) من بحثه: «ينفرد الإخباري سيف بن عمر التميمي من بين قدامى الإخباريين والمؤرخين بذكر تلك الشخصية في رواياته، ويجعل له دوراً رئيساً في التحريض على الفتنة، وقتل الخليفة عثمان وإنشاب القتال في معركة الجمل في البصرة» [٢] . في الواقع أن سيف بن عمر لم يكن المصدر الوحيد الذي استأثر بأخبار عبد الله بن سبأ، بل ورد ذكر أخبار ابن سبأ وطائفته منقولة عن علماء متقدمين ورواة غير سيف بن عمر مثل: * سويد بن غفلة أبو أمينة الجعفي الكوفي المتوفى عام (٨٠ هـ/ ٦٩٩م) ، مخضرم ثقة، من أصحاب علي ﵁ [٣] جاء في «طوق الحمامة» لحيي بن حمزة الزيدي وفي «اللفظ» للبرقاني أنه دخل على علي في إمارته فقال : «إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر، يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، فقال علي: مالي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيّره إلى المدائن، ونهض إلى المنبر حتى إذا اجتمع الناس أثنى عليهما خيراً، ثم قال: أو لا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري [٤] . * زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي المتوفى قبل عام (٩٠هـ/٧٠٩م) ، روى عن علي بن أبي طالب، وهو من جلة التابعين، متفق على الاحتجاج به، أخرج ابن عساكر في» تاريخ دمشق «عنه قال:» قال علي بن أبي طالب: مالي ولهذا الخبيث الأسود، يعني عبد الله بن سبأ، وكان يقع في أبي بكر وعمر « [٥] . * إبراهيم بن يزيد النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه الثقة المتوفى عام (٩٦ هـ / ٧١٤ م) [٦] . روى ابن سعد في» طبقاته «أن رجلاً كان يأتيه فيتعلم منه، فيسمع قوماً يذكرون أمر علي وعثمان، فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل وأرى الناس مختلفين في أمر علي وعثمان، فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك فقال:» ما أنا بسبأي ولا مرجئ « [٧] . * الشعبي عمر بن شراحيل الحميري اليمني المتوفى عام (١٠٣هـ/٧٢١م) ، من رواة الأنساب والأخبار الثقات [٨] . أخرج عنه ابن عساكر في» تاريخ دمشق «قال:» أول من كذب عبد الله بن سبأ « [٩] . *سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني المتوفى عام (١٠٦هـ/٧٢١م) ، كان أحد فقهاء التابعين، ثبتاً فاضلاً [١٠] ، روى يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه» المعرفة والتاريخ «قال:» قال أبو الوليد: سألني سالم بن عبد الله بن عمر: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: بئس القوم بين سبأي وحروري « [١١] . * أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي المعمر المتوفى عام (١١٠هـ/ ٧٢٨م) ، روى عن علي بن أبي طالب، قال فيه الحافظ الذهبي: وبه ختم الصحابة في الدنيا [١٢] . أخرج ابن عساكر عنه قال:» رأيت المسيب ابن نجبة أتى به ملببه، يعني ابن السوداء، وعلي على المنبر، فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله [١٣] . * حُجيّة بن عدي الكندي أبو الزعراء الكوفي، روى عن علي وجابر وهو من الطبقة الثالثة [١٤] . ذكر ابن عساكر عنه أنه رأى علياً على المنبر، وهو يقول: من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله ورسوله يعني ابن السوداء [١٥] . * أبو الجلاس الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب، من الطبقة الثالثة [١٦] . نقل ابن عساكر عنه قال: «سمعت علياً يقول لعبد الله بن سبأ: ويلك! والله ما أفضي إليّ بشيء كتمته أحداً من الناس، ولقد سمعته يقول: إن بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وإنك لأحدهم [١٧] . * قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى عام (١١٧هـ/٧٣٥م) ، من ثقات التابعين وحفاظهم، روى عن أبي الطفيل وأنس بن مالك، كان آية في الحفظ والرواية [١٨] . نقل الإمام الطبري في تفسير قوله:» وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية [فأما الذين في قلوبهم زيغ ... ] قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية ... فلا أدري « [١٩] . * أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفى عام (١٥٧هـ/٧٧٣م) [٢٠] . نقل الإمام الطبري عنه في» تاريخه «رواية يصف فيها أشراف أهل الكوفة لخصومهم من أصحاب المختار بالسبئية [٢١] . ثانياً الموهوم لا يدفع المعلوم: يقول المؤلف:» لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية عند البلاذري « [٢٢] . إن المصادر المتقدمة التي اطلع عليها د. الهلابي إذا كانت أغفلت موضوع ابن سبأ والسبئية، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه شخصية خرافية، إذ إن عدم ذكرها له لا يقوم دليلاً على الإنكار أو التشكيك، فهل استوعَبَت تلك المصادر كل أحداث التاريخ الإسلامي حتى نقف وقفة المنكر أو المتشكك إذا لم تذكر شيئاً عن ابن سبأ؟! وهل من شروط صحة الرواية التاريخية تضافر كل كتب التاريخ على ذكرها؟ ! ثم هل نسي د. الهلابي أن المصادر القديمة ضاع كثير منها فأصبحت مفقودة أو في حكم المفقود، حيث ضاع كثير من مؤلفات الزهري وابن إسحاق والواقدي والمدائني وابن شبّه والأصمعي والهيثم بن عدي وعروة بن الزبير وغيرهم، إلا ما استوعبته بعض المصنفات الموسوعية كتاريخ الطبري مثلاً؟ ومن هنا ينبغي الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق للخروج من الشبهات والتوهمات، إذ إن الموهوم لا يدفع المعلوم، والمجهول لا يعارض المحقق فشخصية ابن سبأ وجماعته حقيقة تاريخية يتفق عليها كثير من المصادر المتقدمة غير البلاذري. جاء ذكر السبئية على لسان أعشى همذان المتوفى عام (٨٣هـ/٧٠٢م) وقد هجى المختار وأنصاره من أهل الكوفة بقوله: شهدت عليكم أنكم سبئية وأني ... بكم يا شرطة الكفر عارف [٢٣] وجاء ذكر السبئية في كتاب» الإرجاء «للحسن بن محمد بن الحنفية المتوفى عام (٩٥هـ/٧١٣م) ، الذي أمر بقراءته على الناس وفيه:» ... ومن خصومة هذه السبئية التي أدركنا، إذ يقولون هدينا لوحي ضل عنه الناس « [٢٤] . وفي الطبقات لابن سعد المتوفى عام (٢٣٠هـ/٨٤٤م) ورد ذكر معتقدات السبئية وأفكار زعيمها، فعن عمرو بن الأصم قال: قيل للحسن بن علي: إن أناساً من شيعة أبي الحسن علي ﵇ يزعمون أنه دابة الأرض، وأنه سيبعث قبل يوم القيامة، فقال كذبوا، ليس أولئك شيعته أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه ... » [٢٥] . علماً بأن ما ذكر في هذا النص لا يخرج عما جاء به ابن سبأ من آراء، وأكده علماء الفرق والنحل والمؤرخون في كتبهم [٢٦] . وتحدث ابن حبيب المتوفى عام (٢٤٥هـ/٨٦٠م) عن ابن سبأ حينما اعتبره أحد أبناء الحبشيات [٢٧] ، كما روى أبو عاصم خُشيش بن أصرم المتوفى عام (٢٥٣هـ/ ٨٥٩م) خبر إحراق علي ﵁ لجماعة من أصحاب ابن سبأ في كتابه «الاستقامة» [٢٨] . وفي «البيان والتبيين» للجاحظ المتوفى عام (٢٥٥هـ/٨٦٨م) رواية تشير إلى عبد الله بن سبأ [٢٩] ، كما ذكر الجوزجاني المتوفى عام (٢٥٩هـ/٨٧٣م) وهو من علماء الجرح والتعديل، أن من مزاعم عبد الله ادعاءه أن القرآن جزء من تسعة أجزاء، وعلمه عند علي، وأن علياً نفاه بعد ما كان هم به « [٣٠] . ويقول ابن قتيبة المتوفى عام (٢٧٦هـ/٨٨٩م) في» المعارف «:» السبئية من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ « [٣١] . ويذكر البلاذري المتوفى عام (٢٧٩هـ/٨٩٢م) ابن سبأ في جملة من أتوا إلى علي ﵁ يسألونه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فقال لهم: أوتفرغتم لهذا؟ وحينما كتب علي الكتاب الذي أمر بقراءته على أنصاره كان منه عند عبد الله ابن سبأ نسخة عنه فحّرفها» [٣٢] . وأورد الناشيء الأكبر المتوفى عام (٢٩٣هـ/٩٠٥م) عن ابن سبأ وطائفته ما يلي: «وفرقة زعموا أن علياً ﵇ حي لم يمت، وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، وهؤلاء هم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ رجلاً من أهل صنعاء، يهودياً ... وسكن المدائن» [٣٣] . ثالثاً السبئية في المصادر وليست للذم والتعيير فقط: بعد أن ذكر المؤلف نصوصاً نثرية وشعرية ورد فيها ذكر السبئية، قال: «وبناءً على هذا فلا يمكن الاستنتاج من النصوص السابقة أن السبئية تعني فئة لها هوية سياسية معينة، أو مذهب عقائدي محدد، ولكن المؤكد أنها عندما تطلق على قوم يقصد بها الذم والتعيير» [٣٤] . إن هذا الاستنتاج للباحث لا يخلو من المغالطة والتمويه، فهو يحاول جاهداً التشكيك في السبئية إلى حد جعله يتأولها مجرد كلمة تستعمل للسب والذم! ! إني لأكاد أدهش حين يقول ذلك، وهو نفسه يذكر نصاً شعرياً للفرزدق [٣٥] فيه إشارة واضحة إلى ابن سبأ اليهودي الأصل، الهمداني اليمني المنشأة. تعرف همدانية سبئية ... وتكره عينيها على ما تنكرا ولو أنهم إذا نافقوا كان منهم ... يهوديهم كانوا بذلك أعذرا على أن وجود عبد الله بن سبأ وارتباط السبئية به مما أطبقت عليه المصادر، فذكرته كتب التاريخ والحديث والطبقات والرجال والأنساب والأدب واللغة، وجزم بذلك علماء الفرق والمقالات. فقد نقل القمي المتوفى عام (٣٠١هـ/٩١٣م) أن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وادعى أن علياً أمره بذلك [٣٦] . وأما الإمام الطبري المتوفى عام (٣١٠هـ/٩٢٢م) فقد أفاض في تاريخه في ذكر أخبار ابن سبأ ومكائده معتمداً على روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن شيوخه [٣٧] . ويتحدث النوبختي المتوفى عام (٣١٠هـ/٩٢٢م) عن أخبار ابن سبأ فيذكر أنه لما بلغ نعي علي بالمدائن قال للذي فعله: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض [٣٨] . ويقول أبو حاتم الرازي المتوفى عام (٣٢٢هـ/٩٣٣م) أن عبد الله بن سبأ ومن قال بقوله من السبئية كانوا يزعمون أن علياً هو الإله، وأنه يحيى الموتى وادعوا غيبته بعد موته [٣٩] . وأكد ابن عبد ربه المتوفى عام (٣٢٨هـ/٩٣٩م) أن ابن سبأ وطائفته السبئية قد سلكوا مسلك الغلو في علي حينما قالوا هو الله خالقنا، كما غلت النصارى في المسيح بن مريم [٤٠] . ويذكر أبو الحسن الأشعري المتوفى عام (٣٣٠هـ/٩٤١م) عبد الله بن سبأ وطائفته من ضمن أصناف الغلاة، إذ يزعمون أن علياً لم يمت، وأنه سيرجع إلى الدنيا فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً [٤١] . وروى الكشي المتوفى عام ٣٤٠هـ/٩٥١م) بسنده إلى أبي جعفر محمد الباقر قوله: إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة، ويزعم أن أمير المؤمنين ﵇ هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، كما روى بسنده إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: «لعن الله من كذب عليناً، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً، ماله لعنه الله» [٤٢] . ويقول ابن حبان المتوفى عام (٣٥٤هـ/٩٦٥م) : «وكان الكلبي محمد ابن السائب الإخباري سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، من أولئك الذين يقولون: إن علياً لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها» [٤٣] . ويقول المقدسي المتوفى عام (٣٥٥هـ/٩٦٥م) في كتابه «البدء والتاريخ» : إن عبد الله بن سبأ قال عندما بلغه موت علي بن أبي طالب: لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه [٤٤] . ويكشف الملطي المتوفى عام (٣٧٧هـ/٩٨٩م) عن عقيدة السبئية فيقول: «ففي عهد علي ﵁ جاءت السبئية إليه وقالوا: أنت أنت! قال: من أنا؟ قالوا: الخالق الباريء، فاستتابهم فلم يرجعوا فأوقد لهم ناراً عظيمة فأحرقهم [٤٥] . ... ويذكر كبير محدثي الشيعة ابن بابويه القمي المتوفى عام (٣٨١هـ/٩٩١م) موقف ابن سبأ وهو يعترض على علي ﵁ في رفع اليدين إلى السماء أثناء الدعاء [٤٦] . وفي» مفتاح العلوم «للخوارزمي المتوفى عام (٣٨٧هـ/٩٩٧م) :» السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ « [٤٧] . وذكر البغدادي المتوفى عام (٤٩٩هـ/١٠٣٧م) أن فرقة السبئية أظهروا دعوتهم في زمان علي ﵁ فأحرق قوماً منهم، ونفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، إذ نهاه ابن عباس ﵄ عن قتله حينما بلغه غلوه فيه، وأشار عليه بنفيه إلى المدائن حتى لا يختلف عليه أصحابه، لاسيما وهو عازم على العود إلى قتال أهل الشام [٤٨] . وقال أبو جعفر الطوسي المتوفى عام (٤٦٠هـ/١٠٦٧م) إن ابن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو [٤٩] . ويقول الاسفراييني المتوفى عام (٤٧١هـ/١٠٧٨م) إن ابن سبأ قال بنبوة علي في أول أمره، ثم دعا إلى ألوهيته، ودعا الخلق إلى ذلك، فأجابته جماعة إلى ذلك في وقت علي [٥٠] . ويتحدث الشهرستاني المتوفى عام (٥٤٨هـ/١١٥٣م) عن ابن سبأ فيقول: » ومنه انشعبت أصناف الغلاة « [٥١] . ويقول أيضاً: إن ابن سبأ أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي» [٥٢] . كما أن كتب الأنساب هي الأخرى تؤكد نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ، ومنها كتاب الأنساب للسمعاني المتوفى عام (٥٦٢هـ/١١٦٧م) [٥٣] . وعرّف ابن عساكر المتوفى عام (٥٧١هـ/١١٧٦م) ابن سبأ بقوله: «عبد الله ابن سبأ الذي تنسب إليه السبئية، وهم الغلاة من الرافضة، أصله من اليمن، كان يهودياً وأظهر الإسلام» [٥٤] . وفي اللباب في تهذيب الأنساب «يذكر ابن الأثير المتوفى عام (٦٣٠هـ/ ١٢٣٢م) ارتباط السبئية من حيث النسبة بعبد الله بن سبأ» [٥٥] . وذكر ابن أبي الحديد المتوفى عام (٦٥٥هـ/١٢٥٧م) في «شرح نهج البلاغة ما نصه:» فلما قتل أمير المؤمنين ﵇ أظهر ابن سبأ مقالته وصارت له طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه « [٥٦] . وذكر السكسكي المتوفى عام (٦٨٣هـ/١٢٨٤م) أن ابن سبأ وجماعته أول من قالوا بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت [٥٧] . ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى عام (٧٢٨هـ/١٣٢٧م) أن أصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه، وادعى العصمة له» [٥٨] . وأشار الحسن الحلبي المتوفى عام (٧٤٠هـ/١٣٣٩م) إلى أن ابن سبأ ضمن أصناف الضعفاء [٥٩] . وعند الحافظ الذهبي المتوفى عام (٧٤٨هـ/١٣٤٧م) : «عبد الله بن سبأ من غلاة الشيعة، ضال مضل» [٦٠] . أما الصفدي المتوفى عام (٧٦٤هـ/١٣٦٣م) فقد قال في ترجمته: «عبد الله ابن سبأ رأس الطائفة السبئية ... فلما قتل علي زعم ابن سبأ أنه لم يمت لأن فيه جزءاً إلهياً، وابن ملجم إنما قتل شيطاناً تصور بصورة علي، وأن علياً في السحاب، والرعد صوته، والبرق صوته، وأنه سينزل إلى الأرض» [٦١] . ويشير الشاطبي المتوفى عام (٧٩٠هـ/١٣٨٨م) إلى أن بدعة السبئية من البدع الاعتقادية المتعلقة بوجود إله مع الله تعالى الله وهي بدعة تختلف عن غيرها من المقالات [٦٢] . ويعرف الجرجاني المتوفى عام (٨١٦هـ/١٤١٣م) عبد الله بن سبأ بأنه رأس الطائفة السبئية ... وأن أصحابه عندما يستمعون الرعد يقولون: عليك السلام يا أمير المؤمنين « [٦٣] . وفي خطط المقريزي المتوفى عام (٨٤٥هـ/١٤٤١م) أن عبد الله بن سبأ قام في زمن علي ﵁ مُحدثاً القول بالوصية والرجعة والتناسخ [٦٤] . وسرد الحافظ ابن حجر المتوفى عام (٨٥٢هـ/١٤٤٨م) في كتابه:» لسان الميزان «عن ابن سبأ أخباراً غير روايات سيف بن عمر، ثم قال في النهاية: » وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ، وليس له رواية والحمد لله « [٦٥] . وفي عقد الجمان للعيني المتوفى عام (٨٥٥هـ/١٤٥١م) أن ابن سبأ دخل مصر وطاف في كورها، وأظهر الأمر بالمعروف، وتكلم في الرجعة، وقررها في قلوب المصريين [٦٦] . وأكد السيوطي المتوفى عام (٩١١هـ/١٥٠٥م) في كتاب» لب الألباب في تحرير الأنساب «نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ [٦٧] . وتحسن الإشارة إلى أنه لا ينبغي الغض من قيمة المصادر المتأخرة التي ذكرت السبئية، ذلك أن أصحابها كابن كثير والذهبي وابن حجر والسيوطي وغيرهم من الأئمة الحفاظ، كانوا يستقون معلوماتهم من مصادر قديمة وقيمة بعضها الآن في عداد المفقود، كما عرفوا بسعة اطلاعهم، وغزارة معارفهم وتقصيهم الدقيق للأخبار، حتى إن الباحث يندهش مثلاً عندما يطلع على كثرة الطرق وتنوعها في رواية ابن حجر لأحداث تاريخية، ومن مصادر متقدمة كأخبار البصرة لابن شبه، وكتاب صفين لحيي بن سليمان الجعفي، والمعرفة والتاريخ للفسوي، وتاريخ أبي زُرعة الدمشقي، وغيرها من كتب التاريخ. وللحوار بقية. في العدد القادم بإذن الله.

стр. 1789

خاطرة أدبية أدباء.. بلا أدب د. محمد بن ظافر الشهري قالوا عن الرجز أنه حمار الشعراء، قلت: ليس الأمر كذلك إذا عد الحداثيون شعراء، ذلك أن الصحف باتت أطوع الحمر للحداثيين، فهي لا تبالي من الذي يمتطيها ولا ماذا يحمل، مادام لا يحمل كلمةً ثابتة الأصل شامخة الفرع، وعلى كل حال فلم تعد الحمر بنوعيها وسائط نقل مقنعة في هذا الزمان، ولهذا عمد أهل الارتزاق بالكلمة إلى «سيارات الكذب» فركبوا أسرعها لأن الثمن يتناسب باطراد مع السرعة، وامتطى قليلو الأدب «طائرات الاغراء» فحلقوا بها في سماء المجاهرين، أما عديمو الأدب فقد استقلوا «مكوك سب الإسلام» الذي أثبتت معامل النظام العالمي الجديد / القديم أنه أسرع وسيلة للوصول إلى النجومية العالمية، وهو مجهز بأحدث وسائل السلامة! ! . لقد نال سلمان رشدي جائزة الدولة النمساوية إيماناً بـ «آياته الشيطانية» ، واستحق «الطاهر» بن جلون جائزة جونكورد الفرنسية في «ليلة قَذَرِهِ» ، وتسبب «أولاد حارة» نجيب محفوظ في منحه جائزة نوبل. إن المتابع للحركة الأدبية يلاحظ انتشار «الشذوذ الفكري» الذي أدرك عبيد الدرهم والشهرة أنه أيسر السبل لتسنم الهرم الأدبي المعاصر. ليس شيئاًًً مما ذكرت يدعوا إلى العجب، فإن الحرب بين الحق والباطل سنة ماضية، ولكن إذا كان هؤلاء «الشذاذ» قد آثروا الحياة الدنيا، فأين الذين آمنوا بأن الآخرة خير وأبقى؟ ! ، إن هذا ينبغي أن يكون حافزاً لكل من وجد في نفسه القدرة على التعامل مع الكلمة وتطويعها أن يتقدم في ثقة وثبات متوكلاً على الله، راجياً وجهه، منافحاً عن العقيدة الناصعة والفكر الأصيل. على الشاعر والناثر والناقد أن يشعروا بالمسؤولية الملقاة على كواهلهم وليحذروا من أن يرمي بهم التقليد الأعمى في غياهب الغموض، أو يحصرهم في خطاب أساتذة الأدب الانجليزي في كليات الآداب، إنهم مطالبون بإيصال الفكرة عبر الكلمة إلى الناس.. كل الناس. وتبقى الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ويبقى الأديب المؤمن صّداعاً بالحق مهما كثر الناعقون بالباطل، [.. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال] [الرعد: ١٧]

стр. 1790

نص شعري شجاعة عبد الله بن محمد العسيري أخيراً تعلمت أن جهاد اليهود ضلالٌ..! وبوابةٌ.. للمجاعه! وأن عناق اليهود شجاعه! وأن نضالي الحقيقيّ تفريغُ ذاكرتي.. من حكايا دمائي المضاعه! ووهم القتال.. وحسبُكَ من شَر لفظٍ سماعه. * * * غسلتُ فمي وفؤادي! فرشتٌ لرابين بسطَ ودادي! ! وعدتُ إليكم (بفتح) مريح غنائمُه رائحاتٌ غوادي! ! شجاعُ أنا فاحملوني وغنوا.. وزكوا نفوسكم من كرامتها! .. وتمنوا فأحلامكم فوق ريح السلامْ.. ستصبح سُحْباً.. تصب الغنى فوقكم والوئامْ! ! * * * فقطْ.. طلقوا وهمكم واتبعوني فإني كرهتُ سجون الكرامه! ! أنا خلف (وجه الصقور) اختنقتُ عقوداً.. فما أجمل الآن وجه النعامه! شجاع أنا لست أخشى.. وها أنا أعلن أني تخطيت خوفي.. وصرت لدى ابن (حيي) غلامَهْ! !

стр. 1791

قصة قصيرة عواصف العتمة عواض بن شاهر العصيمي في تلك الساحة.. والليل شبه وحيد في الطرقات.. ثمة قطيع من الكلاب يدور عاصفته على هواه.. تكبر حيناً وتدنو حتى أقول لن تصمد لها نافذتي المسيجة بالحديد متقارب القضبان.. وحيناً.. تخر إلى الأرض، فأحس بالأمن وتبدأ غيمة النعاس تلامس العينين. بيد أنها، كما لو أن أحداً قذف حجراً هناك: ما تلبث أن تملأ من جديد فضاء الليل، فأبقى مكرهاً مفتوح العينين، أكابد العاصفة.. الوقت كماء ينبجس من صخرة، يقطر كعادته متجافياً عني.. يتحاشاني أراه كلما تضرست في مزولته، والصباح لا عصافير له تحت العقارب.. أنهض.. أتأمل الساحة بغضب.. متوارية كالخديعة، وفيها الكلاب لا تكاد ترى.. عمود المصباح الذي يطل عليها من بعيد معطل، ويقف مثل رجل منحن.. والطريق سقيم.. ولو غامرت ونزلت إلى الشوارع، وحاربت هذه المخلوقات بالحجارة، لربما اعترضتني في تلك الساحة دورية الليل.. وعندما يسألوني سوف أرتبك.. وحينئذ قد ينزل من «الجيب» أحدهم ويدنو مني.. يتفحصني.. «البيجامة» واسعة كالثوب.. وسابغة حد الكعب.. والحلق بالإمكان حصر أزاريره خارج الفتحات.. والوجه على سجيته.. سألقي عليه تحية آدم لملائكة الله أولاً، ثم أصافحه.. هو حُرٌ.. إن شاء صافحني وإن بادرني بالأسئلة فكما يريد.. الحق معه.. ماذا يفعل رجل هنا مع هذه الكلاب؟ ! .. وفي هذه الساعة من الليل الغابر؟ ! .. لقد أزعجتني.. حاولت النوم فلم أستطع والله! .. وتخرج هكذا.. أين تسكن؟ ! .. هناك.. في تلك «الحارة» .. هويتك! .. صحيح.. وهنا قد يأخذني إلى التوقيف.. سيكون صعباً بكل تأكيد قضاء بقية الليل على بلاط الريبة حتى الصباح.. ألمح وأنا مستند إلى قضبان النافذة المعتمة أكثر من كلب يقترب من العمود المعطل.. يتمحك به أحدها.. يرفع رجله.. هذه وضعية ممتازة للقتل.. رصاصة واحدة، وفي مكان لا تزيغ فيه الشعرة، كافية لمسح أثره.. هكذا كنا نقتل الكلاب.. إذ ما أن تهبط على قطعان الماعز في السفوح حتى نتلقاها في عتمات الكمائن.. وفوق الصخور، أو تحت الشجيرات المنقضة على منازلنا في السهل، لا تطيش الطلقة عن لمعة المقتل.. أشد قبضتي على الحديد الخشن.. أشعر بالصدأ يتوحش في معترك الخطوط، ويهيج في الأصابع.. يخترق راحة اليد باتجاه عزيمة اللحم والدم والعصب.. وما الذي يضر؟ ! .. عما قليل سيشتعل نداء الفجر.. وحالما تسيل على الحيطان الشمسُ تنطفئ الكلاب.. أنزع يدي خاليتين من الصراخ ولغط القضبان، وأعود متمهلاً إلى فراشي.. الغرفة مذبوحة من الجدار إلى الجدار في الظلمة.. والباب موارى.. وفي نهاية المدخل على بعد أمتار ثمة زاوية تمسك بمصباح ينسكب مباشرة باتجاه الباب الذي يسلمني على الدوام إلى الشارع.. غير أن سعفة من الضوء رغم ذلك جاهدت في السقوط عبر الباب داخل الغرفة، وعلى الجدار انكسرت فبقي منها مثل طولي قائماً يتشبث بتراب الطوبات القريبات من السقف.. كانت العاصفة قد سكتت.. ها هي من منازل الجيران تأتي الديكة منتشية بماء الفجر، وأنا أذكر الله وأحشو الغرفة بالخطوات.. أقف مباشرة تحت المروحة المضبوطة على رقم (٥) .. ورغم أن الهواء ينزل على فروة رأسي كالسوط، وصرير المروحة منخرط فيما يشبه انهيار السلاسل، إلا أنني أوقفت عيني على شيء يتحرك عند قدمي.. لقد أثار انتباهي أنني أطفأت الأنوار على فراش منفرد، وثياب معلقة على الحائط، ولم أفطن إلى أن الجريدة بقيت تروح بعدي وتجيء تحت هواء المروحة المستديم.. الآن فقط تبين لي أن الصفحات كانت طوال الليل تروح وتجيء تحت الهواء.. تتقصف.. يصطفق بعضها ببعض.. في الظلمة.. تحت الصرير.. أتذكر كيف أن الدم كان يفور بين يدي، والخراب يندلع في الصفحة سطراً بسطر.. وأن دمي موزعاً بين وكالات أنباء العالم ليس غير هذا الذي يسيل هنا تطارده الحرائق وحدقات الجنود.. أتذكر كيف أن «علي عزت بيغوفيتش» كان يقف وحيداً في ركن الصفحة مسبل اليدين، حاسر الرأس، قد بذل وجهه إلى شيء ما عن يساره، وعينه اليمني كانت ضيقة مثل الطرقات إلى «سراييفو» .. وكيف أن الرجال ذوي العيون الزرق ملؤا ذات صباح شوارع «مقديشو بحثاً عن سلام فاقع كجباههم وقت الظهيرة.. كانت (Returning Hope) [*] ترقص ثملة على شفاه رجال البحرية وهم يحرسون الأقداح الفارغة في المخيمات، بينما أحدق أنا في وجوه بضعة أطفال تجاوروا حول رجل لا يبدو منه سوى دمه على الأرض.. العالم يطبق على رأسي مثل قبعة.. أحسست بجفاف حاد، واشتهيت الماء، غير أني تمهلت في النهوض حتى اطمأن، عرقٌ في رأسي أخذني فجأة.. وبقيت الجريدة بعدي.. والكلاب.. والعتمة.. [**]

стр. 1792

نص شعري .. حوار .. علي الحاجي جميل: أنا يا بثينةُ راحلٌ صَوْبَ الجبلْ ... فالشيبُ أنذرني وقلبي في وَجَلْ قال استَمعْ نُصحي فوجهك شاحبٌ ... رَتبْ حقائبكَ الثمينة في عَجَلْ والوقتْ أدركنا وهذي شَمسُهُ ... غابتْ وراء الأفق والليلُ وَصَلْ إني بياضٌ غيرَ أنّ مُصيبتيْ ... سوداءُ تَحملُ في ثناياها الأجَلْ عهدُ الشباب مضى فماذا يُرتَجَى ... من هذه الدنيا الفَجُورة بالدَجَلْ إمض لعزكَ فالجنانْ قريبةٌ ... قُربَ الطغاة إلى جَهنّمَ يا بَطَلْ بثينة: قالتْ بثينةُ يا جميلُ أما تَرى ... أن المعاركَ والحُروب بلا أمَلْ بَذل الأباةُ دماءهُمْ ونُفوسَهم ... وتيتمتْ أبناؤُهم في المُعتقَلْ بَلْ كلّ معركة نَخوضُ غمارَها ... نُسجتْ وقائعُها على قد الفشَلْ إهدأ قليلاً كي نُقَوّمَ ما مَضى ... ونَرى علاقةَ ما طبخْتَ بما حَصَلْ هلْ ما تَقوم به جهادٌ فاضلٌ ... أم أنهُ نَزَقٌ وطيشٌ مُرتَجَلْ؟ وَهَنَتْ قوَى الصَبْر الجَميل لديكُمُ ... فَخرجّتَ تستُر ضعفَ صبر قد رحَلْ ووصفت مَنْ جَعلَ الأناةَ طريقةُ ... يبني بناءَ الصالحين منَ الاُوَلْ بالجُبن والخَور الشديد وأنه ... حَمَلٌ يُعَدُ على المديح من الهَمَل جميل أو هَنّتِ يا بنّتَ الأكَارم والتُقَى ... وشرعت في نحت الأرُومة والأثلْ [١] وَجَعلت أسبابَ الخُنوع جميلةً ... وصقلت سيفاً للدعاية والجَدَلْ خَوفاً على مال يلذُ رنينُهُ ... وخَدُود أصغرنا الذي مَلّ القُبَلْ هُمْ جَنّدوا للحرب كلّ رمَاحهمْ ... وبقيتُ وحديَ بالتعقّل مُعتقَلْ أدعو إلى السلم الذليل وأبتغي ... عندَ العدو سَرابَ عيش مُبتَذَلْ أنا إن أمُتْ فإلى الجنان تَزُفني ... حُورٌ تلألأ مثلَ أحدَاق المُقَلْ أو أنتصر أقضي على جُبن غدا ... نهجاً وفكراً يُستطابُ ويُنتحلْ بثينة: أنا ما عشقتك يا جميل صبابة ... أو هزّني شعرٌ تضَمخَ بالغزَلْ أنا قد عشقتُكَ يا جَميلْ مُجاهداً ... ومُثقفاً ومُفكراً يُحي الأمَلْ أنا ما حَرصتُ على الحياة دقيقةً ... إلا لأضغطَ فَوقَ زَندك يا بطَلْ إنْ كُنْتَ تَحسبُ أن قلبي خائرٌ ... أخطأتَ يا زينَ الشباب ولا خجَلْ أو كانَ حقدُكَ يا جميلُ أصابني ... فاعلمْ بأن الحقدَ أكثرَ ما قتَلّ كلّ الذي أبغيه أنْ تلقْ العدا ... في ساعة لا حظّ فيها للفشَلْ وانظُرْ لصَفّكَ بالأناة وبالتُقَى ... وابحثْ عن السر الذي خَلفَ الشللْ بثينة: أنا لستُ أحقدُ يا بثينةَ مُطلقاً ... لكنني أخشى عليكَ منَ الحوَلْ أخشى من الضعف الذي هزّ الحجَا ... وغدا سلاحاً يستظلّ بما حصَلْ لكن نُصحَك يا بثينةُ رائعٌ ... عَسلٌ يُخالطُهُ رحيقٌ من جَدلْ قلبي بحتُبك يا بثينةُ نابضٌ ... لمّا رأيتُ الصدقَ ينبُضُ في المُقَلْ هيا نُحاولَ أنْ نقوّمَ نَهجَنَا ... بشجاعة الأبطال والسلف الاُوَلْ رفعوا لواءَ الحق في أركانها ... وفقَ الكتاب ووفقَ منهاج عدَلْ فقهوا كتابَهُمُ وعاشوا عصرَهُمْ ... فاستنبطوا حكماً وصاغُوها دوَلْ بثينة: أبشر جميلُ فلستُ أوْجَلُ منهمو ... حُسنُ التدبُر من مزيَات البطَلْ فانظر لمُشكلة الجزائر كي ترى ... أينَ الصوابُ وأينَ أسبابُ الزلَلْ وانظرْ إلى مصرَ الجهاد هُنيهةً ... علّ التبصُرَ يُطفئ الخَطبَ الجَللْ أو خُذْ بلادَ الشام كيفَ تصرّفُوا ... فتفرقُوا في كلّ بيداء طَللْ فإذا استفدتَ منَ الدروس جَميعها ... ووعيتَ أسبابَ التخلف والعللْ هيا إلى ساح الجهاد فكُلُنا ... شوقٌ لنثأرَ للمذابح في عَجَلْ فإذا رجعتَ من الجهاد مُظفراً ... ألقاكَ بالوجه المُضيء وبالقُبَلْ وإذا قضيتَ فإنني مُشتاقةٌ ... ولجنة الفردوس يحدُونَا الأمَلْ

стр. 1793

نقد على نقد تقويم الحداثة = تقويض أم ترويض ؟ إبراهيم بن منصور التركي أجدب النمط الشعري في عصر الانحطاط، وبلغ من التصحر درجة الترمّد والتجلمد، فهبت أيدي النهضويين تستدعي النص التراثي الغائب تعيد إنطاقه واستنطاقه، وتحاول امتداداً عمودياً يتصل بالسلف الشعري، ويمتد في الوقت نفسه أفقياً ليعبر عن واقعه المعاش. ولم يكن هذا الوضع ليرضي ثلة معاصرة رأت فيه ارتكاسا فجاً، يتبتل في محراب القديم «المتكلس» ، فمضت فيما تحسبه حداثة أو تحديثاً تزعم اقتراض النافع من يمين أو يسار، فاتحة بذلك باب الانبهار بالآخر الغربي على مصاريعه، كل ذلك مع محاولة استنكاف يتأبى خضوعاً للسابق العربي، فكان أن جاءت تلك المحاولات مسخاً للشرق ونسخاً للغرب. وحاول بعض المهتمين تلمس أسباب تلك الميول المتفرنجة، واكتناه ما وراء الأكمة، فجاءت طروح كثيرة يأخذ بعضها برقاب بعض، تعرض لهذه الظاهرة التحديثية وتتناولها بالدراسة والتقويم، وأبحرت مقاربات رديفة لتنتشل الأدب من التشظي المرتقب، وتحثو في وجوه الناكصين بعض الحقيقة، وانبرت الثلة الغيورة لتتمترس صوت الحوار والنقاش، مطلقة أعيرتها الحوارية عبر توجهين متباينين انشعبت إليهما الرؤى، تعلن في أولهما الفئة الأولى عن رفضها القاطع لكل إفرازات تلك الظاهرة التحديثية، وترى حتمية القطيعة المعرفية مع كامل نتاجاتها، في حين رأت الفئة الأخرى إمكانية الانتفاع بالمعطى الجديد ما لم يصادم الثوابت أو يزعزعها، هذه الفئة الأخيرة تتكئ على تأسيس معرفي بالرأي والرأي المضاد، فتتناور بعد استكمالها شرائط الحوار وطرائقة، من غير ان تتخذ من دون الحق وليجة، وسنقارن فيما يأتي بين النهجين في حوارهما الحداثة حواراً أدبياً فكرياً. أولاً: جوانب التجديد الشكلي: لقد تخلقت الحداثة من رحم التجديدات وارتياد ذرى التحديث، فما لبثت الأكلة أن تداعت إلى قصعتها مبهورة بجديد الموائد، إلا أنها أعني الحداثة أصطدمت بالابتناء المحصن عن بعض ضد اجتياحاتها الجسورة، فهي لم تكتف بالاندساس الدلالي في صميم المتن الشعري، وإنما مارست انزياحاً متمرداً انتهك الأنساق الشكلية السائدة، وحاول بعض الغيورين ربط هذا الانتهاك الشكلي بجوانب التمرد الدلالي، فالشعر الحر أو شعر التفعيلة وفق هذه النظرة مرفوض بجميع أشكاله وألوانه، لأنه يشارك في الجريمة الواسعة ويمهد لها، والشعر الحديث جريمة يمتد في أسلوب متدرج حتى يقتل الكلمة العربية ويلغي تاريخها، وحتى يحاول قتل اللغة كلها، ثم يمتد المكر إلى التاريخ والعقيدة والدين، ومن ثم لا يرضى أصحاب هذا التوجه عن عدد من الشعراء المسلمين شرعوا يكتبون الشعر الحديث، وهم يدرون أو لا يدرون أن جميع أشكاله بضاعة واحدة خطط لها نهج واحد لتحقيق أهداف واحدة. ولم يرتض المنصفون فتح أبواب المصادرة والإلغاء وإساءة النية، أو جعل التماهي بين الكيانين الشكلي والدلالي أمراً حتمياً، فجاء نهجهم ليقرر بأن لنا «أن نعاف الطارئ وليس لنا رفض وجوده وإن اختلف مع الموروث.. فشاعر النثرية والغموض نرفضه فنياً ولا ننظمه في عقد المشبوهين إلا أن يتعمد بنزوعه تقويض الكلمة الطيبة، والمتأثر فنياً بشاعر حداثي لا نسلكه في مساره الفكري» [١] وحسبما يعلم فإن التجديد العروضي ضارب بجذوره في تراثنا الأدبي كما أن الغموض ليس قضية آنية راهنة، وإنما هو إشكالية تتجذر في تراثنا النقدي عبر مقولة (المعنى في بطن الشاعر) أو مكاشفة (لم تقول ما لا يفهم؟) إنهما تخليص للفن من تلك العبارات التي فقدت وهجها المثير، وأصبحت مضغة في شدق السائد والمتبع. إن الرغبة السلطوية في التأطير وقولبة الإبداع ستقف حجر عثرة إن اتسعت أمداؤها أمام محاولات التجريب والشكف عن اللامع المستكن. ولهذا جاء النهج المتعقل ينداح في فضاءات التمايز بين الكيانين أعني محايثة الفن للموضوع ويؤكد أن «الغموض الفني لا يعني إلغاء الدلالة.. إنه تخليص للنص الإبداعي من الدلالة الواحدة المنتهية والتسامي إلى احتمال دلالات كثيرة يتلبس بها النص، وتكون قادرة على الاستجابة لتطلعات المتلقي» [٢] إن النهج المنكفئ على مألوف الذات لا يشكل معضلة حينما يغدو الانكفاء ممارسة فردية محصورة، ذلك أن الطرح الشعري الجديد يظل توجهاً ذوقياً يحق للآخر استدباره مادام يرى القبلة في الجهة المخالفة، إنما الإشكال ينزرع عندما يكون الاستنكاف الفردي فرضاً قسريا لرأي الأنا في وجه الرؤية الجماعية، أو عندما يصبح تجبر اً عدائياً ضد مألوف الذات. إن رفض التجديد وإقفال الباب دونه سيؤدي بالضرورة إلى تسطح الإبداعات الأدبية، وتحويل أشكالها إلى أختام محفوظة يصم بها الأدعياء الدخلاء. فيختبئ من ثم الوسم البائن بين المبدع الأصيل، والمدعي الدخيل. كما قد تتسلطن الرؤية الأحادية لتكبسل الرؤى الجمعية وتختزلها في مرتأى فردي وحيد. ثانياً: إلغاء الحداثة وتصفيتها أم تنقيتها؟ : إن التوجه الترويضي يميل إلى إمكان التعويض بديلاً عن إعلان التقويض، ويطرح الرغبة في التنقية عوضاً عن الإلغاء والتصفية. فهو يتساءل عن جدوى «التفكير في أسلمة الحداثة وجعلها إشكالية عربية متحاشية التورط في الإلحاد والرفض والتصدي للإسلام» [٣] ، «فالثابت أنها أي الحداثة تستمد لحمتها وسداها من واقعها المعاش، ومن ثم فإن لكل زمان ولكل أمة ولكل ثقافة حداثة متميزة، فهل نملك القدرة على بلورة حداثة عربية تصد وباء الطارئ.. لو استطعنا ذلك لقبلنا بوصف الجديد بالحداثة، ومنحناها ملامح عربية وإسلامية ولنا أن نسميها ما شئنا: حداثة أو معاصرة أو تجديدا» [٤] . وبرغم الروح المتفائلة التي ينطوي عليها هذا الرأي إلا أنه يعكس إشعاع الترويض الذي يماهنه أنصار التقويض لطرح البديل الجائز، وهنا تصبح محاولات التقويم فعل احتواء للشكل الحداثي دون النفاذ إلى دواخل المعنى الشعري، أي أنه يحرر الكلمة مما علق بها من غبار السنين فيطهرها ويغسلها. وهذا النهج المتعقل يعيد في حواره إيجاد خطابه النقدي حول الخطاب الحداثي المتأسس فيندس في أديمه المغصن، ويعيد تشكيله عبر رؤية مقبلنة تمارس الفرز والانتقاء. إنه يذيب ولا يذوب، يجادل ولا يجامل، يختار الباقيات الصالحات ولا يرضى غيرها. ولا يرى خطاب التقويض إمكانية استبقاء الصالح، بل إنه يشنع على الحداثة بكل صورها، وينفي تعدديتها وتباينها، فلا يمكن حسب ذلك الرأي أن يقول حداثي أن له حداثته الخاصة التي تختلف عن حداثية أدونيس أو كمال أبو ديب، لأن ركائز الحداثة واحدة، وخطها العام واحد، وهذا الرأي قد اجتالته أفكاره الغيورة المتحمسة إلى الرغبة في طمس المعالم التحديثية وغيبتها، دون إدراك مفارقة الأدبي للفكري، في حين يؤكد الخطاب الآخر وبكل واقعية أن علينا «أن نتبين ميادين الجدل الحداثي فهناك الحيز الأدبي والحيز الفكري ولكل مجال متطلباته» [٥] . لقد خلط الهم التحديثي عملاً صالحاً وآخر سيئاً فكان لزاماً استبقاء ما ينفع الناس وإزهاق روح الزبد، أما محاولة نسف المنجز الحداثي بكل مفرداته فتفكير عاطفي يهوي بالموضوعية في مكان سحيق. إن ذلك يعني إشراع النوافذ أمام حوار فني تتبادل فيه الآراء حول الجديد الوافد دون فرض مصادرة أو استعداء. ثالثاً: منهج التعامل مع الأقوال الحداثية: الفارقان السابقان داخلان ضمن الفروق في منهج التعامل، لكن إفراد منهج التعامل مع الأقوال بفقرة منفردة يأتي تنبيهاً على خطورة هذا الجانب. ذلك أن كثيرين يستصدرون أحكامهم عن ظواهر الأقوال من خلال ما يستبطنونه من نوايا، عبر توغل ينبت عن الظاهر البريء ليفتض بكارة الأصقاع المحجبة. يؤكد خطاب التقويض مثلاً على أن في الحداثة ثورة على اللغة والعقيدة والتاريخ والدين، ويضطر أحياناً لكي يؤكد هذه المقولة إلى لي أعناق النصوص المحايدة ليجعلها رفضاً للدين أو اللغة أو التاريخ! . رغم أن النص حمال يمكن أن يستوعب دلالة أرأف! . إن العقل المتجرد يوجب «أن نتخطى التعميم والتشهير وعشوائية التصدي. وتلافي إطلاق الأحكام العامة.. وتحرير المسائل وتحديد الأحكام وأخذ الأمور بقوة الفهم ودقة التصور» [٦] ، كما يأخذ على عاتقه «إقامة جسور العودة، وفتح قنوات الاتصال، وطرح الفظاظة والغلظة وتحامي التشهير» [٧] . إن التعامل الواقعي مع الظواهر المحدثة ومحاورتها كفيل ببلورتها وتصحيح منهاجها، أما استعداء الآخرين واتهامهم بالمروق والفسوق والعصيان، فلا يجب أن يكون إلا مع «الفئات المكشوفة، التي تعلن الحرب على الله والكون والإنسان فهذه لا هوادة معها ولا حوار» [٨] إن وجود حوار خلاق يدرع جنح الكلمة المهذبة سيرسم الدروب والمسالك ويقتطع من البيداء المهالك، وهو ما قد يعيد للأصيل تعملُقه، ويقزم دور الطارئ الدخيل، فضلاً عن أنه يمنح النقد مصداقية هو في مسيس الحاجة إليها. إن الإسلام كما يأبى في الشعر والقصة إثارة الشهوة، فإنه يأبى في النقد شهوة الإثارة، وهو كما يرفض أن يتسامق النقد لذات النقد فهوأيضاً يرفض أن يتسابق النقد لنقد الذات، وكما الحرص علي إيجاد أدب إسلامي في الشعر والنقد يجب أن يكون الحرص على وجود أدب إسلامي في الحوار، هذه البدهيات المغفلة يجب أن تنسرح إلى حيز الفعل في كل حوار نقدي، حتى لا يزل النقد الإسلامي أو يُزَل في مهاترات لا تجدي شيئاً. وأحسب أن زلات كتلك قد تعني سلباً للمعطيات الإيجابية التي يمكن أن تريع في حضن النقد والإبداع الإسلامي بفعل التحاور الخلاق بين الرأي والرأي الأخر. إني هنا لا أتهم أشخاصاً أو أبرئ آخرين، بقدر ما أحسب أني وازنت بين نهجين من مناهج التعامل مع الرأي المضاد، الذي وإن اختلفنا معه، فلا يجب أن يكون اختلافنا ضدياً متشنجاً، بل يجب أن يكون حوارياً هدائاً يمتلك مع فرادة التصور فرادة الأسلوب. وعلى أي حال، يمكن لمن أراد الاستزادة في معرفة الحداثة، سواء أكان من جهة جذورها أو أفكارها أو المنهج الناجع للتعامل معها، أن يقرأ مع كتاب د. الهويمل السابق كتاب: الحداثة في ميزان الإسلام للدكتور عوض القرني وكتاب: أدب الردة للأستاذ جمال سلطان، ففيهما حول هذا الموضوع غناء شاف وبيان واف.

стр. 1794

المسلمون والعالم الحالة الجزائرية الفصل الثالث ثم ماذا؟! د/ يوسف الصغير إن ما يجري في الجزائر اليوم امتداد لما سمي بحرب الجزائر، فالصراع كان بين تيارين أساسيين هما تيار الفرنسة والتيار الإسلامي، وعلى الرغم من تغير الأسماء فإن المسمى واحد، فالحرب الأولى كانت بين الجيوش الفرنسية والمجاهدين الجزائريين واستمرت من عام ١٨٣٩م لمدة نصف قرن، ارتكبت خلاله الجيوش الفرنسية أبشع صور الإبادة، وتم لهم في النهاية إخضاع الشعب الجزائري، وبدأت مرحلة المسخ بعد مرحلة الإبادة، وخلال هذه المرحلة قام الفرنسيون بجهود جبارة لإعادة صياغة الشعب ثقافياً، وضُمّت الجزائر إلى فرنسا، فتم تشجيع الفرنسيين على الاستيطان في الجزائر، واستعمارها وسموا بالمعمرين، وأعطوا أحسن الأراضي، وتمتعوا بحقوق المواطنة من الدرجة الأولى أما الشعب فهو فرنسي من الدرجة الثانية، وتم فرض الخدمة العسكرية عليهم، ولكن لم يترقوا في الرتب، أما سياسياً فقد نشأت فروع للأحزاب الفرنسية في الجزائر وكانت أقصى أماني الأحزاب الوطنية أن ينال مواطنوا الجزائر حقوق الفرنسي، وفي هذه الأثناء قام الشيخ عبد الحميد بن باديس بإنشاء جمعية العلماء وكان لها دور كبير في المحافظة على الهوية الإسلامية، مما مهد لقيام حرب التحرير التي كان الإسلام هو مرتكزها المعنوي، وكان الناس يقاتلون لإخراج الفرنسيين الكفار من الجزائر التي يجب أن تبقى حرة ومستقلة عن فرنسا، وبالطبع كان هناك كثير من الجزائرين يقاتلون في صفوف الفرنسيين وهؤلاء انقسموا إلى قسمين، قسم بكر في اتخاذ القرار وانضم إلى جيش التحرير قبل انسحاب فرنسا ويمثلهم كثير من الضباط السابقين في الجيش الفرنسي، وهم الذين يحكمون الجزائر اليوم باسم فرنسا وعلى رأسهم خالد نزار ويعرفون بجنرالات فرنسا، أما القسم الآخر فقد خرجوا مع الفرنسيين وعاشوا في فرنسا يعانون من التهميش والإهمال فهم لا يعامألون معاملة الفرنسي على الرغم من تضحياتهم، حيث يعانون إحباطاً لا مزيد عليه فهم منبوذون من الجالية الجزائرية في فرنسا إضافة إلى إحساس الفرنسيين بأنهم عبء عليهم، غير أنه يتوجب عليهم إيواؤهم لأسباب أدبية. وبعد إنسحاب فرنسا العسكري من الجزائر تولى مقاليد السلطة بدعم دولي وإقليمي رجل يخطب في الناس بالفرنسية، ويحكمهم بالاشتراكية (أحمد بن بله) وبينما قام النظام الجديد بتقريب الشيوعيين الذين كانو يؤيدون لاستعمار الفرنسي، قام بايذاء وسجن شيوخ جمعية العلماء. وعلى الرغم من تغير الحكام فإن سيطرة المتفرنسين كانت واضحة وتكونت منهم مافيا عسكرية وسياسية غرقت في الفساد ونهبت ثروات البلاد بل وحاولت بيع ثروات البلاد مقدماً وأوقعتها في ديون خارجية كبيرة حتى إن دخل البلاد لا يكاد يغطي ربا الديون فكيف بوفائها؟ ! وفي المقابل قامت هذه العصابة بالوقوف أمام التوجه الإسلامي بل وحتى نشر التعريب. وعن طريقهم استمرت فرنسا في حكم الجزائر وكانت الأحداث الحالية دليلاً واضحاً على أن الجزائر لا تزال أسيرة الاستعمار الفرنسي حتى إن الشيخ رابح كبير صرح في حديث إذاعي أن وزير الداخلية الفرنسي يتحدث كأنه وزير داخلية الجزائر، وذلك تعليقاً على حادثة المجمع السكني الفرنسي في الجزائر. ولهذا فإنه لا داعي لتحليل مواقف الحكومة الجزائرية لأنها وإن كان أركانها سواءً أكانوا البارزين أو المتوارين لهم مصالح يحاولون الحفاظ عليها إلا أن بقاءهم مرهون بمواقف أسيادهم، فهم بين منفذ لسياسات الدولة الداعمة أو لاجئ إليها. إن الحكم العسكري في الجزائر يحاول الحصول على دعم من أي جهة لديها استعداد، ولها مصلحة في دعم الوضع الحالي في الجزائر ويمكن تقسيم تلك الجهات إلى ثلاث: عربية وغربية وفرنسية. أولاً: الموقف العربي: إن نظام الحكم في الجزائر يحظى بدعم الدول العربية التي تشعر بخطر تنامي الصحوة الإسلامية وخوفها من قيام دولة إسلامية تعبر عن آمال شعبها في تطبيق الإسلام في كل مجالات الحياة، ولكن مظاهر هذا الدعم تتفاوت فبلاد المغرب العربي في وضع حرج: فهي من جانب علاقاتها متوترة مع الجزائر فهناك مشاكل حدودية ساخنة مع المغرب، وأخرى تحت الرماد مع تونس وليبيا، ومن جانب آخر تخشى وصول الإسلاميين للحكم مما يجعل الدعم الواضح للحكومة مغامرة غير محمودة العواقب، ولهذا فالمغرب تارة يغض الطرف عن نشاط الجماعات المسلحة على جانبي الحدود، وتارة أخرى يتشدد معها حتى أنه سلم أمير الجماعة الإسلامية المسلحة (عبد الحق العيايدة) إلى حكومة الجزائر التي حكمت عليه بالإعدام، أما تونس فإنها لزمت الصمت عند فوز الجبهة في الانتخابات، ثم انحازت بصورة واضحة للنظام مما أدى إلى قيام الجماعات المسلحة بعمليات انتقامية داخل تونس، أما ليبيا فهي كالعادة مواقفها متباينة وغير ثابتة والحكومة الجزائرية أحياناً تتهم ليبيا بإيواء المجاهدين، وأحياناً أخرى تشيد بالتعاون الأمني وتتحدث عن دعمها اللفظي طبعاً لليبيا في وجه الحصار المفروض عليها. أما الدول البعيدة فمنها من يتراوح تأييده بين دعم مادي وبين تعاون أمني وثيق عن طريق إرسال ضباط وخبراء في التحقيق والتعذيب وعلى أي حال فإن وضع النظام الميئوس منه لا يشجع على التورط معه في علاقة قد تؤثر على مستقبل العلاقة مع تلك الأنظمة في حال سقوطه. ثانياً: موقف الدول الغربية: وهي تنقسم إلى دول من الدرجة الثانية، وهذه الدول همها المنافع المادية المجردة بغض النظر عن طبيعة نظام الحكم فمثلاً إيطاليا يهمها بقاء العلاقات الاقتصادية الحالية، ولكنها لا تتبنى النظام السياسي، ولهذا فهي تدعوا إلى حوار يشمل جميع الأطراف، بل وتقول: إن النظام يعاني من مشكلة الشرعية أما الدول القوية وبخاصة أمريكا وألمانيا فإن لهما مصالح اقتصادية وأهداف سياسية مستقبلية في الجزائر: فمثلاً أمريكا لها مصالح حالية كبيرة في الجزائر وهي تأمل في تأمين هذه المصالح، وتسعى إلى ملأ الفراغ الذي يتوقع أن يشغر بخروج فرنسا النهائي من الجزائر ولهذا فهي تسعى إلى بناء علاقات مع كل من الحكومة الحالية، ودعمها مالياً ولو بصورة محدودة نظراً لإحساس أمريكا بعدم جدوى الدعم للنظام وأن سقوطه مسألة وقت ومن جانب آخر تحرص على ربط علاقات ببعض الأطراف ممّن يمثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ وبخاصة تيار الجزأرة، ويلاحظ أن موقف أمريكا الرسمي هو تفضيل بقاء النظام الحالي كما هو مع علمها باستحالة ذلك، ودعوة النظام من جهة أخرى إلى الحوار الجاد مع الأطراف الأخرى التي لا تمارس العنف، مما قد يعني ضمناً استبعاد جبهة الإنقاذ، وهذا يتوافق مع الموقف الفرنسي، ولكنه لا يتوافق مع الموقف الفعلي الأمريكي في محاولتة لربط خيوط الاتصال مع جميع الأطراف ويبدو أن الموقف الأمريكي يحاول الجمع بين أمرين متناقضين وهما استبعاد الإسلاميين عن الحكم وأن تحل أمريكا محل فرنسا في الجزائر، وهذا الجمع مما يصعب تصوره فإبعاد الإسلاميين يقتضي ترسيخ الدور الفرنسي، وخروج فرنسا يعني سقوط النظام في يد الإسلاميين، وبالتالي فإن أمريكا تصرح بأن هناك اتفاق في وجهات النظر مع فرنسا، ولكن ليس هناك تطابق فيها، وقد شرح أحد الدبلوماسيين الأمريكيين الوضع في الجزائر في لقاء له مع وسائل الإعلام، ومما نشرته «الحياة» في ٨/٢/١٤١٥هـ نقتطف ما يلي: «قال: إن الوضع المتدهور في الجزائر مقلق» ، ونفى أن تكون بلاده تنازلت عن الجزائر أو أنها مقتنعة بأن حكومة إسلامية هي المستقبل الوحيد فهذا ليس الواقع «لقد أيدنا جهود الإصلاح الاقتصادي عبر إعادة جدولة ديونها ... الخارجية في نادي باريس وصندوق النقد الدولي وحضضنا الحكومة على توسيع قاعدتها السياسية الضيقة جداً عبر الحوار مع كل القوى السياسية التي ترفض العنف والإرهاب» في البلد. إلى أن قال: «أما النتيجة الأكثر ترجيحاً في حال استمرار التدهور فهي اتجاه البلاد نحو نوع من البلقنة، وهذا سيكون تطوراً سلبياً يشجع بعض المناطق الأخرى مثل مناطق البربر لأن تصبح أكثر ميلاً للانفصال هذا هو السيناريو المرجح في حال استمرار التدهور» . ثالثاً: الموقف الفرنسي: إن فرنسا تعاني من عقدة الشعور بأن هناك انحساراً سريعاً في النفوذ الفرنسي في العالم وتراجع على جميع المحاور أمام الزحف الإنجلوسكسوني فهناك مشكلة تراجع اللغة الفرنسية سواءً أكان ذلك على مستوى أوربا أو على مستوى العالم، وحتى في فرنسا يعاني الفرنسيون من زحف الثقافة الأمريكية الناطقة بالإنجليزية، أما في إفريقيا فإن التراجع مستمر ويحاول الفرنسيون باستماتة الحفاظ على آخر مناطق نفوذهم فأنشأوا الرابطة الفرانكفونية وتورطوا في النزاعات الداخلية لحماية مصالحهم، وقد تمت هزيمة فرنسا في رواندا وحلت محلها أمريكا بدون جهد كبير، ويمثل الوضع في الجزائر أكبر التحديات أمام الحكومة الفرنسية فهناك داخل الحكومة تنافس كبير بين وزيري الداخلية والخارجية حيال الملف الجزائري مما يوحي بحالة التردد في التعامل مع الجزائر بين عقليتين، عقلية أن الجزائر ما تزال ينظر لها على أنها أمتداد لفرنسا أو أنها بلد لها فيها مصالح مهمة، أما الشعب الفرنسي فهو يعيش بين مشاعر العنصرية والمكابرة إزاء المطالبة بالتدخل في الجزائر وبين الإحساس بالعجز ومطالبة الحكومة بالكف عن سياستها الخرقاء في الجزائر والعمل على عدم الغرق في أتون المشكلة الجزائرية، ويبدو أن الحكومة الفرنسية متورطة في دفع فاتورة ليس لها حد من أجل حماية النظام ومحاولة منع سقوطه مع إحساسها بعدم جدوى الدعم حتى إن وزير خارجيتها يتساءل عن مصير مساعداتهم ولا شك أن ارتكابها لأعمال استعراضية مثل عمليات التفتيش والتدقيق التي ليس لها عائد سوى إحساس المسلمين بالغبن والإذلال مما يزيد من تفاقم الوضع ويدل بالتالي على حالة التخبط التي تعيشها فرنسا مع إحساسها بأن هناك من يسره تتالى أخطائها لأنه يعد العدة للعب الدور التالي الذي قد ينجح فيه، وقد يناله ما نال فرنسا، وما أعنيه أن أمريكا دأبت على وضع رجلها في موضع قدم فرنسا الخالي، وللذكرى فإن أمريكا حاولت أن تنجح فيما فشلت فيه فرنسا في فيتنام حيث إنه بمجرد خروج فرنسا مكسورة الجناح دخلت أمريكا بكل خيلائها وجبروتها فنالها ما نال فرنسا، والذي لا شك فيه أن مستقبل الجزائر يحدد داخل الجزائر نفسها، ولن يستطيع أحد من الأعداء التأثير عليه إلا من خلال ثغرة موجودة في صفوف القوى الإسلامية المؤثرة، ولا يمكن إخفاء أن هناك ثغرات يحاول العدو النفاذ منها، فهل نعمل على سد هذه الثغرات؟ ونعمل بجد على الوصول الى الهدف المعلن وهو إقامة دولة إسلامية تحاول أن تسير على منهاج النبوة، أم نضيع في خضم الخلافات والأهداف القريبة التي قد تجعل من الخطوات الأخيرة أصعب الخطوات؟ وإذا كان جهاد الشعب الجزائري قد سرق منه قبل أكثر من ثلاثين سنة، فهل نكرر الخطأ، ونجعل غيرنا يحقق أغراضه على حسابنا، ففرنسا تريد أن تفشل المشروع الإسلامي في بدايته وإذا كانت أمريكا ترى استحالة ذلك فلا يعنى أنها لا تحاول إفشاله في مرحلة قادمة، فالحذر الحذر والبدار البدار إلى تحديد الأهداف وإعداد الوسائل ودراسة الواقع بإيجابياته وسلبياته،. من أجل الخروج بتصور لحل المشاكل الداخلية التي تعترض سبيل الجهاد لإعادة الوجه الإسلامي المشرق لأرض المليون شهيد. الساحة الجزائرية والنظام العالمي الجديد: إن ما يجري في الجزائر قد فضح ما يسمى بالنظام العالمي الجديد وتبجح الغرب بالديمقراطية ودفاعه عنها حتى لقد بلغ بهم الأمر أن يصدروا قراراً في مجلس الأمن يخول أمريكا تشكيل قوة لغزو دولة (هاييتي) مدعين أن هذا لمجرد إعادة الرئيس المنتخب ديمقراطياً وإسقاط النظام العسكري الحالي، ومن جانب آخر يحذر القس والسياسي الأمريكي جيكي جاكسون «نيجيريا» من فرض حصار اقتصادي عليها إذا لم يسلم العسكريون الحكم لرجل الأعمال (مسعود أبيولا) الذي يعتقد أنه فاز في الانتخابات النيجيرية الأخيرة، ولا ينتهي العجب عندما نرى الدول الغربية تدعم في الوقت نفسه زمرة من العسكريين الذين قاموا بإنقلاب عطل المسار الانتخابي وشن حرباً على الذين فازوا في الانتخابات الجزائرية، ويبدو لي أنهم يرون أن الشعب الذي يعتمد في طعامه على المعلبات المستوردة يجب عليه أيضاً أن يحكم بأفكار معلبة مستوردة من الخارج أيضاً، ولما كان المسؤولون الفرنسيون يتبجحون بأنهم يسعون إلى محاربة الإرهاب في الجزائر حتى إنهم أخيراً أرسلوا ألف مظلى فرنسي بكامل سلاحهم إلى الجزائر مما يشكل بداية التورط الفرنسي المباشر فإنه من المستحسن عرض بعض الممارسات والوسائل التي يتبعها النظام في محاربة الشعب المسلم، وسنكتفي بمقتطفات من رسالة كتبها المحامي الفرنسي المعروف بدفاعه عن الجزائريين أيام حرب التحرير وبعلاقاته الحميمة مع أركان النظام «جاك فرجس» وقد أختتم رسالته بكلمات يتبرأ فيها من أصدقائه القدامى الذين تخلوا عن المبادئ ومارسوا ضد الشعب نفس ممارسات المستعمر الفرنسي، فقال «لهؤلاء الذين ارتدوا على أنفسهم أقول: وداعاً للجزائرين إلى الأبد، جزائر المخلصين والمضطهدين، والضعفاء» وحيث إن الرسالة طويلة ومليئة بالتفاصيل أختار منها لقطات معبرة منها شهادة إسماعيل منصوري الذي يقول: جَرّدَنا رجال الدرك من ملابسنا تماماً، وأوثقونا من أرجلنا وأيدينا وأحرقونا بنافثة لهب، وحقننا أحدهم بمادة في «القضيب» ، لم نكن نملك أي جواب على أسئلتهم، فقد الكثير منا استخدام عضو من أعضائه، وقد أورد المؤلف لائحة طويلة بمن ماتوا تحت التعذيب نختار منم ما يلي: ١- محمد عمروش: سبعة وعشرون سنة، مؤذن بمسجد النصر، أغتيل من قبل الشرطة أمام المسجد بينما كان رافعاً يديه إلى فوق. ٢- سيد مقيرش: يلقب ب (محمد لَماَنَهّ) من كل سكان حي المدينة بالجزائر العاصمة لأمانته وثقته، تم إيقافه من طرف رجال الدرك «بوزريعه» تحت إمرة (رئيس رقباء مساعد) توفي تحت التعذيب، تم فتح تابوته رغم منع السلطات لذلك فوجدوا أن أعضائه قد قطعت بالمنشار الكهربائي. وقد تطورت أساليب النظام حيث عمدوا في الفترة الأخيرة إلى أسلوب العقاب الجماعي والتصفية العشوائية حيث إن قتل أحد عناصر الأمن في شارع أو في قرية يعني قيام قوات الأمن الخاصة «الننجا» باعتقال وتصفية مجموعة من الشباب حتى الذين لم يكن لهم دور في الحادث، وهذا يدل على الطريق المسدود الذي وصل إليه النظام حيث يعتبر أن كل الناس ضده، وبدون تمييز ومن الملاحظ أن قوات الأمن يقومون بتغطية وجوههم خوفاً من كشف شخصياتهم، وهذا ليس بمستغرب فإنه إذا كان الحكام الفعليين في الجزائر غير معروفين تماماً: فكل من (بن جديد «و (بو ضياف) و (علي كافي) و (زروال) واجهات يتم إجبارها على الاستقالة أو قتلها أو تنحيتها من قبل (المافيا الخفية) ، فإنه من الطبيعي أن يكون المرتزقة حريصين على عدم معرفتهم لحرصهم على حفنة من النقود التي تعطى لهم من المساعدات الدولية مع العلم أن المجند العادي في الأمن يتقاضى أجراً أكثر من الطبيب مع انتشار البطالة حيث لم يعد أمام الشباب سوى الاضمام إلى قوات الأمن أو البقاء عاطلين ومعرضين للاعتقال أو الخروج إلى الجبال للانضمام إلى المجاهدين الذين نجحوا في إخراج النظام من كثير من المناطق حتى إن العاصمة بها مناطق محرمة على أعوان النظام، وتدل عملية مهاجمة سكن السفارة الفرنسية التي كان يحرسها الدرك الفرنسي ومقتل خمسة من الدرك والدبلوماسيين وخروج المهاجمين بدون أي خسائر على الرغم من أن الحراسة مشددة في هذه المنطقة مما تدل على مقدار الفشل الذي يلاقيه النظام في إصراره ومن ورائه فرنسا على الحل الأمني، أي القضاء على المجاهدين، وكما يصرح المسؤولون الفرنسيون أخيراً أنهم يحضون الحكومة على إجراء الانتخابات في الوقت المناسب أي بعد تصفية الإسلاميين أو تحجيمهم. ولكن أنّى لهم ذلك وكيف يثق بهم أحد بعد ما تسببوا في إدخال البلاد في نفق مظلم، بتعطيلهم المسار الانتخابي ورفض خيار الشعب، والله نسأل أن يعلي كلمته وينصر جنده إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

стр. 1795

المسلمون والعالم أدركوا مسلمي بورما قبل فوات الأوان [*] د. محمد يونس [**] يتعرض إخواننا المسلمون في إقليم «أراكان» في بورما إلى حرب شاملة تقوم على القتل والتشريد والتعذيب، مخالفة لكل الشرائع ومصادمة لما يسمى بحقوق الإنسان من قبل الطغمة الحاكمة البورمية البوذية، وهذا موجز عن أوضاع هذا الشعب المسلم المضطهد، وما يعانيه من حرب عنصرية شديدة يتناساها العالم، لكن حين تتعرض زعيمة المعارضة البورمية لمضايقة بسيطة لا تصل إلى «واحد في الألف» مما يتعرض له المسلمون، تقوم الدنيا ولا تقعد، ويشنع على حكومة «رانجون» بدعوى مخالفتها لحقوق الإنسان، أما المسلمون فلا مؤيد لهم، وقد سبق لمجلة «البيان» أن تطرقت بالتعريف بهذه المنطقة من خلال دراسة موسعة عن هذا الشعب في العدد (٥٢) . - البيان - «أراكان» المحتلة هي الدولة الإسلامية التي تكاد أن تُنسى من أذهان كثير من المسلمين مع مرور الأيام والسنين، وهي تقع في جنوب غرب بورما البوذية والساحل الشرقي من خليج البنغال، تحدها من الشرق سلسلة جبال أركان التي تعتبر امتداداً لجبال هملايا وتجعل أراكان منفصلة تماماً عن بورما البوذية وتعطيها شكل وحدة جغرافية مستقلة، كما تمتد حدودها من الشمال مع بنجلاديش نحو (١٧٦) ميلاً، بينما يمتد ساحلها على خليج البنغال نحو (٣٦٠) ميلاً، ويتجاوز عدد سكانها الأربعة ملايين ونصف المليون نسمة حوالي ٧٠% منهم مسلمون، يعرفون باسم «الروهنجيا» و ٢٥ % بوذيون يعرفون باسم «الماغ» ، ٥ % أقليات أخرى من النصارى والهندوس وعباد الظواهر الطبيعية! ومازال المسلمون يعانون الأمرين من القمع الذي تقوم به الحكومة البورمية البوذية منذ احتلال هذه المنطقة من قبل الملك البوذي (بودوبيه) عام ١٧٨٤ م وإلى الآن ومما يحدر ذكره أن أماكن المسلمين الروهنجيا ليست في أركان فقط، وإنما في العديد من المواقع بما فيها العاصمة رانجون. وفي عام ١٩٩١ م استغلت حكومة بورما البوذية الأحداث التي حدثت بعد أزمة الخليج الثانية، فاستأنفت مسلسل القتل والتعذيب والقتل والتشريد ضد مسلمي أراكان الأبرياء، واستمرت المجازر والمذابح ضدهم لا لشيء سوى إصرار هذا الشعب على عقيدته الإسلامية ومطالبته بالحرية والكرامة [وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد] [البروج: ٥] فكان نتيجة لتلك المجازر الوحشية، وسياسة انتهاك الأعراض الجماعية، وتردي الأوضاع الأمنية، أن اضطر أكثر من (٣٠٠) ألف مسلم روهنجيا من بينهم الأطفال والنساء وكبار السن إلى مغادرة ديارهم إلى دولة مجاورة هي «بنجلاديش» وقد أجبرت هذه الهجرة الجماعية المفاجئة بنجلاديش التي تعاني اضطرابات سياسية واقتصادية مستمرة على توقيع اتفاقية مع بورما نصت على: ١- العودة الفورية والسريعة للمهاجرين إلى ديارهم. ٢- أن تقوم الحكومة البورمية بتعويض المسلمين عن كل ما فقدوه. ٣- السماح لمسلمي أراكان بحرية السفر والتنقل داخل البلاد وخارجها. ٤- أن تصدر الحكومة البورمية بطاقة الجنسية للمسلمين فور عودتهم إلى بلدهم. ٥- تعويض المسلمين عند استخدامهم قسراً عمالاً لبناء السدود والطرق. وفي الواقع أنه لم ينفذ أي بند من بنود هذه الاتفاقية بل العكس هو ما حدث فقد استبدلت القوانين العنصرية بأخرى أشد صرامة، وأصبح التنقل للمسلمين في أراكان أصعب من السابق، وازدادت عمالة السخرة والاحتجاز القسري وحوادث القتل والتعذيب والاعتقالات واغتصاب النساء وإجبار الفتيات المسلمات على الزواج من البوذيين، وإليكم فيما يلي بعض النماذج من هذه الممارسات التي تركتبها الطغمة البوذية الحاكمة ضد المسلمين في أراكان فهي تساعد على إلقاء الضوء على الوضع المأساوي الذي يمر به المسلمون في هذا البلد المنسي: من الناحية الدينية: ١- هدم المساجد وتحويلها إلى مراقص وخمّارات ودور سكن. ٢- يتعرض العلماء والدعاة وطلبة العلم للامتهان والضرب، وإرغامهم على العمل في المعتقلات. ٣- عدم السماح للدعاة بالانتقال من مكان إلى مكان لممارسة الأنشطة الدعوية، ولا يسمح بدخول العلماء والدعاة من الخارج لأعمال الدعوة والإرشاد بين إخوانهم المسلمين. ٤- مصادرة أوقاف المسلمين ومقابرهم وتحويلها إلى مراحيض عامة أو حظائر للخنازير والمواشي. ٥- يدخل أفراد الجيش البورمي البوذي في المساجد بأحذيتهم ونجاساتهم حاملين زجاجات الخمر تحدياً لمشاعر المسلمين. ٦- غير مسموح للمسلمين ببناء المساجد أو المدارس ولا إصلاح القديم منها كما لا يسمح لهم باستخدام مكبرات الصوت في الأذان. ٧- غير مسموح بأداء فريضة الحج للمسلمين من أراكان باستثناء عددقليل ممن ترضى السلطات البورمية البوذية عن سلوكهم، وهذا من باب الدعاية أيضاً. من الناحية الاجتماعية: ١- صدر في عام ١٩٨٢ م قانون جديد للجنسية والهجرة وبموجبه قرر أن شعب أراكان المسلم شعب بلا وطن، وليس لهم حق تملك أي عقارات في الدولة ولا ممارسة الوظائف في الدوائر والمؤسسات الحكومية. ٢- إجبار الفتيات المسلمات على الزواج من البوذيين. ٣- إصدار توجيهات من قبل السلطات البوذية بين وقت وآخر تهدف إلى تحويل المجتمع المسلم إلى مجتمع إباحي. ٤- ترويج الخمور وإشاعة الفاحشة بين أبناء المسلمين الشباب على نفقة الحكومة بالمجان. ٥- إرغام المسلمين على العمل بدون تعويض كبناء السدود، وحفر الخنادق للجيش، وحمل بضائعهم إلى المناطق الجبلية النائية. ٦- إقامة مستوطنات بوذية جديدة بين قرى المسلمين بهدف تغيير التركيبة السكانية في أركان، وعلى وجه الخصوص في مناطق الكثافة السكانية للمسلمين. من الناحية الاقتصادية: ١- مصادرة أراضي المسلمين وأوقافهم وإقامة معابد البوذيين ومستوطناتهم عليها. ٢- حجز قوارب صيد الأسماك التابعة للمسلمين ومصادرتها لأد نى سبب. ٣- عدم السماح للمسلمين ببيع محاصيلهم الزراعية، مما يؤدي إلى خسارتهم. ٤- منع المسلمين من شراء الآلات الزراعية الحديثة لتطوير مشاريعهم الزراعية. ٥- عمليات السلب والنهب لأموال المسلمين تتم تحت إشراف عمال الحكومة. ٦- إلغاء العملات المتداولة بين وقت وآخر من دون تعويض المسلمين عنها ٧- إحراق محاصيل المسلمين الزراعية، وقتل مواشيهم ٨- عدم السماح للمسلمين بإقامة أي نوع من الصناعة في أراكان. الموقف الحالي: يتغلغل الخوف الدائم في قلوب الحكام البورميين من أن التنامي السكاني للشعب المسلم هناك، لذلك يقومون بإكراه المسلمين على ترك شعائر دينهم واعتناقهم للحضارة البوذية وثقافتها، وهذا يؤدي إلى منع المسلمين أن تقوم لهم قائمة، وبالتالي ينجحون في مخططاتهم التي انتهجوها للقضاء على المسلمين منذ أول يوم لاستقلال بورما، وللوصول إلى هذا الهدف فقد اتخذوا خطوات منها: ١- غير مسموح للنساء أن يتحجبن خارج المنزل. ٢- على النساء والفتيات المسلمات أن يخرجن للعمل في الحقول ٣- لا يسمح للشباب المسلمين بإعفاء لحاهم. ٤- غير مسموح للرجال المسلمين بارتداء زيهم المعتاد ٥- يجب على المسلمين الحصول على إذن مسبق قبل الزواج. ٦- إجبار الفتيات المسلمات على تناول موانع الحمل، بينما ممارسة هذا العمل تعتبر خرق لقانون الدولة بالنسبة للبوذيات. ٧- غير مسموح للرجل المسلم أن يتزوج أكثر من واحدة. ٨- إرغام المسلمين على الانحناء للعلم البورمي. ٩- المراقبة المستمرة على المساجد والمدارس الدينية. ولمتابعة هذه الخطوات التعسفية وتنفيذها قرروا بأن المسلم الذي يعفي لحيته لا يقبض راتب عمله حتى يحلقها، ولا يسمح له بركوب الباصات والقوارب، والنساء اللاتي يخرجن متحجبات يمزق حجابهن، ومنذ مطلع عام ١٩٩٤ م قامت حكومة «رانجون» البوذية باجراءات بشعة تجاه علماء الدين والقيادات الإسلامية في أراكان، في خطوة خطيرة ضد المسلمين هناك فقامت السلطات العسكرية بالقبض على عدد كبير من العلماء والمشايخ واعتدت عليهم بالضرب والسجن، وقامت سلطات السجن بحلق لحى العلماء والمشايخ وتشويه وجوههم، ولم يكتفوا بهذه التجاوزات، بل وصل بهم الأمر إلى اغتصاب بنات هؤلاء العلماء والمشايخ على أيدي أفراد القوات البوذية المسلحة. وعلى صعيد آخر فقد تتابعت الأخبار الواردة من داخل أراكان بأن الطغمة الحاكمة البورمية البوذية لا تزال تصر على تكرار الأسباب والعوامل التي أدت بالشعب المسلم الروهنجيا إلى الهجرة والتشرد، وعلى عدم اعترافها بهؤلاء المسلمين باعتبارهم مواطنين أصليين، بالإضافة إلى امتداد عملياتها الإرهابية واجراءاتها التعسفية، واعتقال زعماء المسلمين، ونهب أموالهم واستباحة حرماتهم وإرغام سكان القرى والمدن من الرجال والنساء والأطفال وكبار السن كل يوم على العمل بدون أي تعويض، كرصف الطرق في المناطق الجبلية، وحمل أسلحة الجيش والعتاد إلى الغابات والمناطق الجبلية. كما أن الطغمة الحاكمة البوذية البورمية شكلت مؤخراً قوة خاصة باسم «الدفاع عن الحدود» (ناساكا) التي تضم رجال المخابرات السرية ووحدات انتحارية من الجيش ورجال الشرطة والجوازات، لملاحقة المسلمين، ووفقاً للنظام الأساسي الذي تشكلت بموجبه هذه القوة الخاصة، فقد أعطيت امتيازات مثل حق تنفيذ أي عملية بدون إذن رسمي سابق من قبل الحكومة، كما أن لها اتخاذ أي اجراءات تراها مناسبة ضد المسلمين دون الرجوع للقضاء أو المحاكمات ومقر هذه القوة ولاية أراكان المسلمة، لتمارس فيها ما تشاء من الإيذاء وصنوف التعذيب والقتل ضد المسلمين، ونفذت حتى الآن عشرات العمليات ضد المسلمين الأبرياء منذ أن تم تشكيلها وقتل خلالها عدد كبير من الشباب المسلمين وأودع مئات آخرون في السجون باتهامات باطلة، وفي الوقت الحاضر صار العلماء المسلمون على وجه الخصوص هدفاً لحملات هذه القوة. وأخيراً قد اشتدت حدة اعتداءات الطغمة الحاكمة ضد المسلمين كثيراً ففي الأسبوع الأول من شهر مايو ١٩٩٤ م تم اعتقال عدة مئات من المسلمين عشوائياً في بلدتي «مونغدو وبوتهيدونغ» من بينهم (٦٤) امرأة وطفل، وهم يواجهون الآن شتى أنواع التعذيب في السجون والمعتقلات. وعمليات التعذيب والظلم قد تتعدى حدود ما كانت في السابق، فقد جرى اعتقال ثلاثمائة مسلم في الفترة من ٢٣-٢٥/٥/١٩٩٤ م بما فيهم بعض عمد قرى المسلمين والعاملين التابعين لهم، وهم يتعرضون في المعتقلات لعمليات التعذيب على أيدي قوات (ناساكا) ، كما ذبح (١١) مسلماً من قبل هذه القوة الغاشمة في «مير الله» وهي منطقة قيادة «علي تائنجو» جنوب بلدة «مونغدو» . كما أجبرت القوات المسلحة البورمية العاملة في جنوب بلدة (مونغدو) (٠٠٠ ر٢٠) مسلم من سكان القرى على نقل أسلحة الجيش وبضائعه من مكان إلى آخر، كما استخدموا باعتبارهم دروعاً بشرية في العمليات العسكرية ضد المجاهدين وخلال تلك العمليات تم قتل عدد كبير من هؤلاء المسلمين والفلاحين العاملين في أراضيهم باتهامات كاذبةأنهم على علاقة بالمجاهدين. هذه هي الحالة التي يعيش في ظلها المسلمون، وبموجب حديث الرسول ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» فإن مأساة أراكان وقضية الشعب البورمي ليست مأساة وقضية شعب واحد، بل هي مأساة جميع الأمة الإسلامية، بل مأساة الإنسانية جمعاء. إن قضية هذا الشعب تشكل محنة مركبة ومضاعفة، وهي كارثة إنسانية كبيرة، وجريمة في حق المجتمع الدولي وضد القانون الدولي، وإن إبادة جنس بشري أو فئة معينة داخل بورما لا يعتبر شأناً داخلياً يخص بورما وحدها، لأنه يتعلق بحقوق الإنسان التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة، ويزعم الغرب أنه يدافع عنها. فنناشدكم يا إخواننا أن تقوموا بواجبكم تجاه هؤلاء المسلمين المضطهدين في رانجون على ايقاف ممارساتها التعسفية وممارساتها القمعية وحملات الإبادة المنتظمة ضد المسلمين هناك، كما نناشد من خلال مجلة «البيان» الجهات المسؤولة في كل بلد مسلم أن تقف وراء شعب في أراكان في كفاحهم لاستعادة حقوقهم المغصوبة من الاستعمار البوذي البورمي وأن تمارس كافة الأساليب السياسية والدبلوماسية والاقتصادية للحد من ممارساتها العدوانية تجاه هؤلاء المسلمين العزل، كما نأمل تسهيل وسائل التعليم والمعاش والتنقل لهم ولأولادهم [وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر] [الأنفال: ٧٢] [واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين] [هود: ١١٥] . من أخبار مجاهدي الروهنجا: وردنا من الأستاذ «سعيد الرحمن» أمين عام منظمة تضامن الروهنجا ما يلي من آخر أخبار المجاهدين هناك: ١- وقعت دورية مؤلفة من (٣٥) جندياً في كمين أعده مجاهدو المنظمة في ١٩/٥/١٩٩٤ م شمالي قرية «فانسي» التي تبعد (٤٨) كم شمال مدينة «بوتسمي دونغ» في محافظة «أراكان» ، وقد قتل (١١) جندياً بورمياً في الكمين والجدير بالذكر أن القوات البورمية العاملة في جنوب مدينة «مونج داو» أجبرت حوالي (٠٠٠ر٢٠) مسلم من سكان القرى على نقل الأسلحة والقيام واستخدمتهم باعتبارهم دروعاً بشرية في العمليات العسكرية ضد المجاهدين، وقتلت خلال العملية هذه عدداً من الفلاحين بحجة أنهم من المجاهدين الروهنجا. ٢- بتاريخ ١٥/٦/١٩٩٤ م قامت مجموعة من مجاهدي الروهنجا بمحاصرة ومهاجمة دورية تابعة للجيش البورمي في الموقع العسكري في «خاندونج» بينما كانوا يستريحون في مضافة القرية شرقي فومالي على بعد (٦) أميال جنوب شرق «بوتيدونج» ، وقد قتل (٧) من أفراد الدورية الثمانية فوراً، واستولى المجاهدون على أسلحتهم، ثم قامت قوات المجاهدين بنصب كمين للقوة الحكومية المساندة، وحدثت مواجهة ثانية مع القوات المتقدمة قتل خلالها عنصر من القوات البورمية واضطرت باقي القوة إلى التراجع حاملة معها بعض الجرحى، وعادت قوات المجاهدين إلى قواعدها سالمة.

стр. 1796

المسلمون والعالم العمل الإسلامي في إفريقيا حوار مع د/ عبد الرحمن السميط التحرير * العمل الإسلامي الخيري بأنواعه المختلفة (الإغاثي التعليمي الدعوي ... ونحوها) عمل جديد نسبياً، ولكنه خطى خطوات متسارعة في السنوات الأخيرة.. فكيف تقومونه، مع إيجابيات العمل وسلبياته؟ خلال الخمس عشرة سنة الماضية شهدت الساحة الإسلامية نمواً كبيراً جداً للعمل الخيري، ورغم التوفيق الذي حالف الغالبية العظمى من هذه المنظمات بفضل من الله ، وذلك من خلال ما حققته من نجاح طيب في كثير من الميادين، إلا أنني أود أن أركز هنا على نماذج من السلبيات التي حدثت والتي أتمنى أن نقوم نحن العاملين في المؤسسات الخيرية بمراجعة أنفسنا وتصحيح هذه الأوضاع الخاطئة، ومنها على سبيل المثال: أولا: بدأت تبرز عند البعض روح الانتماء للمنظمة التي يتبعها حتى طغت على روح الانتماء للإسلام، مما أثر على العمل الإسلامي في المناطق التي يعملون بها، وأحياناً يحدث هذا بحسن نية ونادراً ما يحدث بصورة أخرى. ودعني أضرب لك مثالاً: قمت بزيارة لمنطقة نائية في شمال كينيا، واكتشفت وجود قبائل أصلها إسلامي، ولكن لا يوجد بينهم دعوة إسلامية منظمة، وكان يوجد شخص من المدرسين الحكوميين يقوم بتدريس مادة الدين الإسلامي في بعض المدارس الثانوية، وكان لديه استعداد طيب، وبدأ فعلاً في الدعوة في وسط هذه القبائل، وكنا بحاجة له للتفرغ للدعوة الإسلامية، ولكن ظننا أننا لو سحبناه من المدارس ستصبح بدون مدرسين مؤهلين، وبخاصة وأن التعيينات الآن في تلك المدارس صعبة جداً، مما يعني بقاء الطلبة في المرحلة الثانوية بدون توجيه إسلامي، فتركناه على وظيفته على أن يعمل في أيام العطل معنا في الدعوة، وفوجئنا بإحدى المنظمات تعرض عليه راتباً خيالياً وتنقله إلى مكان آخر، بينما كان بالإمكان تعيين أي شخص بديل له في ذلك المكان، ومن السهل وجود أشخاص بديلين عنه هناك، ونجم عن ذلك أن أصبحت المدارس بدون دعوة، وكذلك القرى التي كان يزورها ويدعو الناس فيها فقدته أيضاً، وأعتقد أن هذا التصرف ناتج من أن الأخوة لم يروا إلا من زاوية ضيقة (من وجهة نظر مصلحة المؤسسة التي يعملون بها فقط) ، ولهذا نجد تنقلات كثيرة بين المؤسسات الإسلامية أعتقد أن أشد المنظمات ضرراً على العمل الإسلامي هم أولئك الهواة الذين يأتون وفي جيوبهم كثير من المال، ويعرضون الرواتب الخيالية في الأزمات، ثم ينسحبون بمجرد أن تنتهي الأزمة، ويبقى هؤلاء الموظفون مشردين بدون وظيفة، وقد حصل هذا في المجاعة التي أصابت الصومال وشمال كينيا، حيث يوجد عدد غير قليل ممن كانوا موظفين في الحكومة وفي غيرها، وتم إغراؤهم برواتب خيالية فاستقالوا من وظائفهم للعمل في بعض المؤسسات، واستغنت عنهم تلك المؤسسات بعد انتهاء المجاعة، فأصبحوا يمدون أيديهم إلى الناس طلباً للإحسان بعد أن كانت لديهم وظيفة يستطيعون أن يخدموا الإسلام من خلالها. ثانياً: ومن السلبيات تدافع المنظمات للعمل في نفس المكان، وكم كنت أتمنى لو قمنا بالابتعاد عن أي مكان توجد فيه إحدى المنظمات الإسلامية والانتقال إلى أماكن أخرى، فالساحة تستوعب الجميع، وما حدث في مجاعة الصومال مثال على ذلك حيث تركز عمل أغلب المنظمات الإسلامية في منطقة مقديشو وما حولها، وها نحن نرى تدافعاً للمنظمات الإسلامية في بعض المناطق مع إهمال كامل لمناطق أخرى، فموزمبيق مثلاً يوجد بها ست منظمات رغم محدودية العمل ورغم أن أغلب المنظمات لم تقدم شيئاً ملموساً حتى الآن لإخوانهم المسلمين، ورغم المشاكل الإدارية التي تكتنف عمل بعض المؤسسات الإسلامية، بينما دولة مثل غينيا الاستوائية التي فيها أعداد كبيرة من المسلمين، ومثل نيجيريا والكميرون والكنغو لا يوجد فيها حضور حقيقي لمنظمات ميدانية تقدم عملاً خيرياً في هذه المناطق إلا ما ندر. ثالثاً: إصرار بعض المنظمات رغم العجز الإداري الموجود لديها على التوسع بدون حدود، مما أوجد خلخلة في أعمالهم، فنجد بعض العاملين يبقون أشهراً طويلة بدون رواتب وبدون تعليمات، دعك من الزيارات الميدانية التي يفترض أن يقوم بها العاملون في المكاتب الرئيسة للاطلاع على مشاكل مكاتبهم في مختلف المناطق، وهذا أوجد إحباطاً في نفوس إخواننا من الدعاة في هذه المناطق مما عاد بسلبيات كثيرة على العمل الخيري. رابعاً: عدم قيام بعض المنظمات الإسلامية بتدقيق المحاسبة بشكل يضمن وصول المساعدة إلى المحتاج فعلاً، كما قرر المتبرع، مما أوجد فئة من الناس ممن قلت تقواهم فأصبحوا يجتهدون في هذه الأموال، وأصبحت الحدود غير واضحة في أعينهم بين المصالح الشخصية ومصالح الإسلام وهناك سلبيات كثيرة تحتاج إلى وقت أطول ومجال أرحب. * العمل الخيري من الأعمال الشاقة المجهدة.. فما هي الصعوبات الرئيسة التي ترون أنها تواجه العمل الخيري، وكيف يمكن تجاوزها أو التقليل من آثارها؟ كثير من العاملين في العمل الخيري يدّعون أن المشكلة الرئيسة هي المال وأنا أعتقد أن غالبية المؤسسات الإسلامية لديها مشكلة مالية، ولكن المشكلة ليست في قلة الأموال ولكن في تخمة الأموال التي لا تستطيع أن تضعها في موضعها الصحيح، والمشكلة الرئيسة في نظري هي إدارة العمل الخيري حيث لا يوجد أشخاص مؤهلين للعمل في المؤسسات الخيرية الإسلامية نتيجة حداثة عهدها، وهناك أيضاً انعدام الرقابة الميدانية عند بعض المؤسسات التي مدت جذورها بشكل كبير في وسط المتبرعين ونست الزيارات الميدانية وأهميتها في الرقابة الإدارية والمالية، كما أن هناك صعوبة يجب أن لا نغفلها، وهي عدم وجود الغطاء السياسي للعمل الخيري الإسلامي، فالدول الإسلامية بصورة عامة دول ضعيفة أو دول لا تود الدخول في إشكالات سياسية لحماية العمل الخيري الذي ينبع من دولها، بينما نجد أنه ما أن تمس مؤسسة أمريكية أو ألمانية أو إنجليزية إلا وتقوم قيامة حكومات تلك الدول وتتدخل لدى أعلى المؤسسات الحكومية في إفريقيا وجنوب شرق آسيا، لصالح العمل الخيري الذي تقوم به المؤسسات الغربية، بينما نحن المسلمين كالأيتام على موائد اللئام وأضرب لك مثالاً بلجنة مسلمي إفريقيا، وهي ليست فريدة في ذلك حيث قتل العديد من دعاتنا في عدد من الدول مثل الصومال وليبيريا وسيراليون وموزمبيق وغيرها، وإطلاق النار على مؤسساتنا شيء لم يعد يثيرنا بسبب كثرة ما يحدث ولا نستطيع أن نلجأ إلى أي جهة لتقوم بحمايتنا، بل إنه حتى في الصومال برزت النعرات الوطنية والإقليمية بشكل مزعج، فأنت عندما تطلب قوات لحماية الإغاثة التي تنقلها من مكان إلى آخر، يقول لك المسؤول هناك: أنك لست تابعاً لبلدي ولا أستطيع أن أحميك، بينما هو يقوم بحماية الإغاثة التابعة لمؤسسات نصرانية باسم الأمم المتحدة، وكنت أتمنى أن نحس بالوحدة الإسلامية أولاً، وبالوحدة الخليجية ثانيا في حماية المؤسسات الخيرية الخليجية بصورة خاصة، والمؤسسات الإسلامية الأخرى بصورة عامة، بغض النظر عن هذه الحدود المصطنعة التي وجدت بين دولنا. *التخطيط والتدريب والمتابعة.. من الدعامات الرئيسة لنجاح العمل الخيري، فما هي مرئياتكم حيال هذا الموضوع؟ أعتقد أن العمل الإسلامي الخيري إذا أريد له النجاح فلابد له من وضع خطة مستقبلية مع تقييم لما نفذ من هذه الخطة على مراحل، ويكون هذا التقييم بإجراء محاسبة إدارية ومالية دقيقة في المكاتب الرئيسة، بالإضافة إلى زيارات ميدانية دورية لأمكنة العمل، حيث لاحظنا أن بعض المؤسسات الخيرية تعتمد على الإدارة من بعيد دون أن تعلم ماذا يحدث في الميدان حقيقة، بل إنها تعتمد اعتماداً كلياً في اتخاذ بعض القرارات المهمة على التقارير التي تصلها. أما مشكلة التدريب، فمع الأسف الشديد قليل من المؤسسات التي تقوم بدورات تدريبية ولكنها لا تكون على المستوى المطلوب، وينعكس ذلك على مستوي العمل مما يجعل بعض العاملين يتحدثون عن أمور يجهلونها. *للمنظمات التنصيرية خبرات طويلة وإمكانات هائلة وجهود جبارة في العالم الإسلامي.. فمن خلال خبرتكم في إفريقيا هل لكم أن تذكروا لنا بعض الإحصائيات لحجم هذه الأنشطة، وما هو دور المؤسسات الإسلامية في مواجهة المد التنصيري؟ الإحصائيات موجودة في المراجع الأجنبية وبخاصة المراجع التنصيرية وأضرب مثالاً بكنيسة «المرمون» التي زاد عدد أتباعها أكثر من ١٦ % خلال السنوات الأربع الماضية في إفريقيا، كما أن الكنيسة الكاثوليكية تبذل عشرات الملايين من الدولارات على العمل التنصيري في إفريقيا، حيث ازداد عدد ... الكاثوليك وهم فئة من فئات النصارى ما بين عام ١٩٨٠ إلى عام ١٩٩٤ م من ٥٢ مليون إلى ٩٢ مليون، والمعروف أن البابا الحالي زار إفريقيا لأول مرة في عام ١٩٨٠ م ثم زارها بعد ذلك عشر زيارات ويوجد حالياً ٥٥ ألف طالب يدرسون الرهبنة الكاثوليكية في إفريقيا ويوجد حالياً ٢٠٧٠٠ قسيس و ٤٢ ألف راهبة، يساعدهم ٢٦٤ ألف مساعد ديني متفرغ للقسس في أعمالهم الدينية اليومية، فإذا كان هذا في إفريقيا وحدها، فما بالك في المناطق الأخرى، ولوحظ كذلك أن رجال الكنيسة بدأوا الدخول في السياسة بدعم من الفاتيكان، رغم أن الفاتيكان ينفي ذلك تماماً، ولكن من الواضح جداً أنه لا يمكن أن يقوموا بما قاموا به من تدخل سياسي بدون هذا الدعم الخفي من الفاتيكان، وكمثال على ذلك، هناك خمس دول يرأس المجالس الوطنية أو البرلمانات بها قسس كاثوليك برتبة أسقف في غرب إفريقيا، وقد كانت البداية في «بنين» حينما أصبح الأسقف «إيسادور ديسوزا» رئيساً للبرلمان في عام ١٩٩٠ م، ثم حدث نفس الشيء في الكنغو والغابون والتوغو وزائير، ويرأس الحركة الانفصالية في جنوب السنغال قسيس كاثوليكي، كما أن الكنيسة الكاثوليكية متورطة حتى آذانها في الحركة الانفصالية في جنوب السودان ويقيم «جون قرنق» أثناء زيارته إلى نيروبي نصف المدة في كنيسة كاثوليكية في ضواحي نيروبي، والنصف الثاني في كنيسة بروتستنتية، وبكل وضوح يقوم بهذا العمل بينما تدخلت الدول الغربية لتحريم إقامة أي حزب على أساس ديني في خمس دول ذات أغلبية إسلامية، وهي موريتانيا، والنيجر، وتشاد، والسنغال، وغينيا كوناكري، حتى لا يكون للإسلام صوت في السياسة، وحسب إحصائيات المجلة الدولية لأبحاث التبشير وهي مجلة علمية أمريكية فإن ما تم جمعه خلال عام واحد لصالح الكنيسة في شمال أمريكا وغرب أوروبا بلغ ١٨١ مليار دولار، ويوجد لديهم ٢٠٥٠ محطة إذاعة وتلفزيون، ويملكون في دولة مثل أندونيسيا ٦٤ مطار، ويمكن من هذا أن نقدر عدد الطائرات التي يملكونها. *صلة القارة الإفريقية بالإسلام صلة قديمة جداً، وقد كان للغة العربية حضور مبكر في القارة، ولكن استطاع الاستعمار استبدال اللغة العربية وحروفها باللغات الغربية والأحرف اللاتينية.. فهل لكم أن تذكروا لنا بعض تلك الجهود في ذلك؟ الإسلام لم ينزل على إفريقيا (ببراشوت: مظلة) وإنما له جذور عميقة، فمنذ هجرة الحبشة الأولى االتي دخل بها الإسلام إلى إفريقيا قبل أن يدخل إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وقد اكتشف قبل مدة مسجد في جزيرة «باتي» في شرق كينيا عمره ١٣٥٠ سنة، واكتشف مسجد له نفس العمر في شمال زنجبار وفي جزيرة «بمبا» . وفي زيارتي الأخيرة إلى «مدغشقر» وجدت كثيراً من الآثار الإسلامية التي يعود تاريخها لأكثر من ألف سنة، ويذكر أحد الباحثين الغربيين أنه وجد قبراً في زيمبابوي كتب عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ «هذا قبر سلام صالح الذي انتقل من الدار الفانية إلى الدار الباقية عام ٩٥ من هجرة النبي العربي» وهناك قرائن تثبت أن العرب كانوا قد سكنوا جنوب إفريقيا قبل الرجل الأبيض، بل قبل الرجل الأسود، وأقصد جمهورية جنوب إ فريقيا التي كانت عنصرية، وإلى عهد قريب جداً كان الحرف العربي هو الحرف الذي كان يستخدم في الكتابة في إفريقيا بدون منافس، حتى جاء الاستعمار والتنصير الغربي في منتصف القرن الماضي، وأخذ يحارب الحرف العربي لأنه ينتمي إلى لغة القرآن، واستطاع أن يغير كثيراً من اللغات، من أواخر اللغات التي غيرت من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني لغة «الهاوسا» في شمال نيجيريا، واللغة الصومالية وغيرها، وكانت اللغة العربية لغة رسمية في كينيا إلى عام ١٩٦٤ م ثم ألغيت، ومع الأسف الشديد فإن العرب لا يقدمون شيئاً للدفاع عن لغتهم، حينما قام أحد الوزراء ذوي التوجه الإسلامي في السنغال بإلغاء اللغة الألمانية في بعض المعاهد نظراً لعدم الحاجة لها، تدخلت ألمانيا وقطعت جميع المساعدات حتى اضطر أصحاب القرار هناك لإقالة هذا الوزير، وفي «تشاد» تم إقرار اللغة العربية لغة رسمية، ولكن رغم هذا لم تتقدم أي دولة عربية بإرسال مدرس واحد للغة العربية في المدارس التشادية، ولذلك بقيت اللغة العربية لغة رسمية حبراً على ورق، وحتى الإذاعة العربية فكانت إلى عهد قريب تبث لمدة ربع ساعة فقط، بينما الإذاعة باللغة الفرنسية تبث لعدة ساعات نظراً لعجز الإذاعة العربية عن توفير برامج ومعدات تحتاج إليها، وقد صدر منذ شهر قرار من تشاد بأن تكون جميع اللافتات في الدوائر الرسمية باللغة الفرنسية واللغة العربية، ورغم هذا لم تجد أي تشجيع من الدول العربية لذلك. *كيف بدأت صلتكم الشخصية بإفريقيا، وما هي العقبات الأولى التي واجهتكم في العمل، وما أبرز نشاطات لجنة مسلمي إفريقيا؟ أذكر منذ كنت أعمل في كندا في السبعينات أنني ألقيت محاضرة على مجموعة من الطلبة المسلمين في أمريكا عن جهود التنصير، وتحمس الأخوة وطلبوا مني أن نفعل شيئاً، فاقترحت في محاضرة أخرى أن يدفع كل طالب مبلغاً يتراوح ما بين نصف دولار إلى دولار شهرياً وبصورة مستمرة، ثم يجمع ذلك المال ونطبع به كتباً ونوزعها في الدول المحتاجة وبخاصة في إفريقيا، وعندما عدت إلى الكويت بعد انتهاء دراستي وتدريبي شعرت بأن العمل الطبي لا يستوعب طاقاتي، وحصلت على بعض التشجيع من بعض المسؤولين، ونحمد الله سبحانه وتعالى أن تبرعت لنا إحدى المحسنات لبناء مسجد، فذهبنا إلى «ملاوي» لبناء المسجد، وما وجدناه هناك كان يدمي القلب، وعلى إثرها كنت أحد المؤسسين للجنة مسلمي إفريقيا، وقررنا منذ البداية أن نعمل بشكل علمي بحت، وأن لا ننظر في الحالات الفردية، وأن ننظر إلى المجتمع الإسلامي ككل ونحاول أن ننميه، فنحن لا نساعد شخصاً بذاته لأنه محتاج للمال أو لغيره، ولكن نحاول أن نبني المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية والإغاثية لهذه المجتمعات، وأذكر أنه في أول ثلاثة اجتماعات كنا بأمس الحاجة إلى ٥٠٠ دولار ولم نستطع أن نجمعها، ولكن بعد ذلك نحمد الله على أننا قد تجاوزنا الامتحان في هذا الجانب في الأيام الأولى من بداية عملنا حتى أصبحت الأن لجنة مسلمي إفريقيا أكبر منظمة عالمية متخصصة في العمل الإسلامي في إفريقيا حيث يغطي عملها أربعين دولة في إفريقيا ولها مكاتب متعددة هناك ولدينا ٣٢٨٨ داعية متفرغاً وهو عدد يفوق ما لدى جميع الدول العربية المشتركة، ولدينا أكثر من نصف مليون طالب يدرسون في ٨٤٠ مدرسة تديرها لجنة مسلمي افريقيا عبر مكاتبها الميدانية، وحفرنا ٧٦٠ بئراً، ولدينا أكثر من ٢٠٠ طالب يدرسون الدراسات العليا وبخاصة في مجال الطب والهندسة والعلوم في عدة جامعات في الدول العربية والأجنبية، كما قمنا بترجمة وطباعة وتوزيع أكثر من ٥. ٦ مليون كتيب إسلامي بـ ١٨ لغة وبالطبع لدينا إذاعة للقرآن الكريم وهي الإذاعة الإسلامية الوحيدة التي تمتلكها منظمة إسلامية، وتغطي ١٦ دولة إفريقية في غرب إفريقيا ومقرها «سيراليون» وتبث بعشر لغات، وقد أسلمت عدة قرى ومناطق بسبب سماعها للإسلام حيث لم تكن قد وصلتها الدعوة الإسلامية من قبل، ومع الأسف الشديد فإن هذه الإذاعة تعاني من مشاكل مالية بعد أن استمرت عشر سنوات في البث بدون انقطاع.

стр. 1797

في دائرة الضوء الكتاب الإسلامي: وقفات نقدية ودعوة للارتقاء نحو الأفضل أحمد بن عبد الرحمن الصويان انتشر الكتاب الإسلامي انتشاراً واسعاً، وأصبحت له الصدارة في دور العرض والنشر ومعارض الكتاب الدولية والمحلية، وسجلت مبيعاته أرقاماً قياسية منقطعة النظير، وساعد في انتشاره تطور آليات النشر والطباعة تطوراً مذهلاً، فأصبحت دور النشر تقذف بسيل متدفق من الكتب بألوانها البراقة وعناوينها الجذابة، وأصبح المتابع للجديد يعجز عن الإحاطة بذلك، وبخاصة مع فوضى الكتابة والنشر، وغياب المؤسسات العلمية التي تنظم ذلك وتحتويه أو تتبنى الكتب المتميزة بعد دراستها وتقويمها. وأمام هذا الركام المتتابع من الكتب تضيع الكتابات العلمية الجادة التي يكتبها أهل القدرة والإتقان، وبخاصة إذا لم يكونوا من أصحاب الأسماء اللامعة المشهورة، ويظهر هذا جلياً مع غياب القارئ الناضج غالباً الذي يملك قدرة نقدية تؤهله للتمييز بين الغث والسمين، حيث أصبح كثير من القراء كالتائه الغريب لا يدري أين يتجه..! وعلى الرغم من العمر الطويل نسبياً للصحوة الإسلامية المعاصرة، إلا أن القدرة العلمية لكثير من أبنائها لم تنضج بعد، ويظهر ذلك في العقلية الهشة التي نشاهدها في المنظومة الثقافية السائدة هنا وهناك. مع أنّ أبناء الصحوة مقارنة بغيرهم أكثر الناس ثقافة واهتماماً بالقراءة وإقبالاً عليها بمختلف تخصصاتها. وللمادة المكتوبة المعروضة في الساحة تأثير كبير جداً في صنع وتشكيل فكر القراء، وتقويم هذه المادة وتحليلها ضرورة ملحة تساهم في إثراء المعرفة العلمية وترشيدها، وفي هذه الورقات سوف أقف وقفات عابرة عند بعض الكتابات الإسلامية الحديثة، لعلها تساعد في تسديد النقص وتقويم الخطأ. الوقفة الأولى: في أهداف التأليف: أولاً: التجديد والإبداع: تختلف أهداف التأليف من كاتب إلى آخر، ولكن من السمات الظاهرة في الكتابات الإسلامية غياب الإبداع والتجديد، فالكتابة الأصيلة الجادة التي تقدم إضافة علمية جديدة قليلة جداً، إذا قورنت بالعدد الكبير الذي تنتجه المطابع، فمعظم الكتابات تكرار واجترار لا جديد فيها، فالمسألة الواحدة تجد فيها عشرة كتب مثلاً أو أقل أو أكثر كلها تدور حول أفكار واحدة وتعرض بطرائق متشابهة، وقد لا أبالغ إذا قلت وباستخدام مفردات وجمل وشواهد واحدة..! وهذا ناتج في كثير من الأحيان عن عجز بعض الكتاب وافتقادهم لآلية الكتابة وأدواتها، والإبداع لا يأتي من فراغ، فهو ثمرة لتراكم مجموعة كبيرة من العلوم والمعارف والخبرات وكثرة الكتب في الموضوع الواحد لا تدل على أنّهُ أعطى حقه من الدرس أو أنه بحث بحثاً متكاملاً، بل إنّ ذلك قد يتطلب مزيد بحث وتأصيل، إمّا لأنّ الكتابات السابقة كلها أو بعضها ضعيفة، أو أن الموضوع واسع ولم تستوعب جميع أطرافه ومسائله. ولا يعني هذا أنّ كل كاتب مطالب بأن يأتي بأفكار جديدة دائماً، ولكن إذا لم تكن الفكرة جديدة فليس أقل من التجديد في أسلوب العرض والمناقشة والتحليل. قال الإمام النووي في بيان آداب التأليف: «وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يُسبق إليه أكثر، والمراد بهذا ألا يكون هناك مصنّف يُغني عن مصنّفه في جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها فليصنّف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضمّ ما فاته من الأساليب» [١] . وقال صاحب الأزدي: «لا ينبغي لمصنّّّف يتصدى لتصنيف أن يعدل عن غرضين: إمّا أن يخترع معنى، وإمّا أن يبتدع وضعاً ومبنى، وما سوى هذين الوجهين، فهو تسويد الورق، والتحلي بحلية السرف» [٢] . وقال حاجي خليفة: «ثم إن التأليف على سبعة أقسام، لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها، وهي: إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه» [٣] وجماع هذه المقاصد التأكيد على ضرورة الإتيان بالجديد، والحرص على الإبداع والابتكار، والذي ينبغي تأكيده أنّه على الرغم من كثرة الإصدارات وتتابع المطبوعات الحديثة، إلا أنّ الأصيل النافع هو الذي بقى والزمن كفيل بإماتة الغثاء، قال الله تعالى: [فأما الزبد فيذهب جفاء وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض] (سورة الرعد: الآية ١٧) . ويعجبني في هذا السبيل موقفان رائعان: الموقف الأول: قال المفضل بن محمد بن حرب المدني: «.. ثم إنّ مالكاً عزم على تصنيف الموطأ، فصنّفه، فعمل من كان في المدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شاركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: ائتوني بما عملوا، فأتي بذلك. فنظر فيه ثم نبذه، وقال: لتعلمنّ أنّه لا يرتفع من هذا إلا ما أريد به وجه الله. قال المفضل: فكأنّما ألقيت تلك الكتب في الآبار وما سمع لشيء منها بعد ذلك بذكر!» [٤] . الموقف الثاني: قال البويطي لشيخه محمد بن إدريس الشافعي: «إنك تعتني في تنظيف الكتب وتصنيفها، والناس لا يلتفتون إلى كتبك ولا إلى تصنيفك، فقال: يابني إن هذا هو الحق، والحق لا يضيع» [٥] ثانياً: التنظير الثقافي بعض الكتابات الإسلامية تميل إلى التنظير الثقافي، ولا يتم تنزيلها على أرض الواقع الذي تعيشه الأمة، فهناك فجوة عميقة فسيحة بين الهم الثقافي والمعاناة اليومية التي تعيشها الأمة الإسلامية، وإنّ التجريد والإغراق في التنظير، وتحويل الكتابة إلى متعة ثقافية أو أطروحات فنية، لا يخدم الدعوة الإسلامية بحال، فما لم تتحول الأطروحات الثقافية إلى مشروعات عمل وإنجازات مشاهدة ملموس فإنها تبقى كلمات باردة لا حياة فيها. إنّ الكتابة الإسلامية ليست صنعة يتكسب بها المرء، أو هواية يشغل بها وقته، وإنمّا هي إحساس بالمسؤولية ينبض بمشكلات الأمة واحتياجاتها، ومن ثم فإن الكاتب الناجح هو الذي ينزل من صومعته الفكرية وبرجه العاجي ويتلمس هموم الناس وأحاسيسهم، ولابد من تفاعل وتواصل يتسم بالحيوية والجدية بين الكاتب والقارئ، ولكن مع الأسف الشديد لازال الخطاب الإسلامي بعيداً عن رجل الشارع، وهو أقرب إلى السلبية والارتجال، منه إلى الإحساس بواقع الأمّة. لقد غلبت عزلة الكتاب الإسلامي عن الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ... فهو لا يقدم الأطروحات العلمية التي تنطلق من المستجدات المتلاحقة التي تمر بها الأمة الإسلامية، والتي تفرزها بيئات متباينة سياًسًيا ًواجتماعياً، فالدراسات الشرعية الحديثة المتخصصة في الفقه والتوحيد، ونحوهما اقتصرت على التحقيق والترتيب والتبويب والاختصار، ونحو ذلك. وهذه مطالب في غاية الأهمية، ولكنها قصرت تقصيراً واضحاً في معالجة احتياجات العصر ومستجداته. ففي مجال الدراسات العقدية، قل أن تجد دراسات متخصصة لمناقشة الفلسفات الغربية المعاصرة، التي ملأت الساحة بضجيجها، وقل أن تجد دراسات متخصصة للرد على دعاة التغريب والحداثة، وما بعد الحداثة، ونحوها. ومما يلزم ذكره أنّ أئمتنا وأسلافنا ﵃ كانوا يعالجون القضايا التي احتاجت إليها عصورهم، فقضية الإمام الشافعي، تختلف عن قضية الإمام أحمد بن حنبل، وتختلف عن قضية الإمام ابن تيمية، وإن كانت كلها تجتمع في إطار واحد أما نحن فقد وقفنا عند قضايا المتقدمين، ولم نهتم الاهتمام اللازم بقضايا عصرنا التي تحيط بنا من كل مكان، فعصرنا الذي نعيش فيه وإن كانت قضاياه تشارك بعض قضايا هؤلاء الأئمة في بعض المسائل إلا أنّه قد استجدت فيه مسائل وأحوال كثيرة تحتاج إلى اجتهادات جديدة ومعالجات علمية مستفيضة ينهض بها علماء الأمة ومجتهدوها. وأمّا في مجال الدراسات الفقهية فهناك قصور بيّن في دراسة فقه النوازل، مثل: (المعاملات المالية المصرفية بتعقيداتها الكثيرة، التأمين، العلاقات الدولية.. ونحوها) . وإن كانت هناك إسهامات محمودة مشكورة في هذا الميدان، لكنها لا زالت قليلة وتحتاج جهداً أكبراً وأما في مجال السياسة الشرعية فالأمر فيها أصعب، والدراسات التي يُعتمد عليها في هذا الباب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وكتاباتنا السياسية لا تعدُ في الغالب أن تكون توصيفاً للواقع أو لبعض جوانبه، وهي تعمد غالباً إلى تصوير العدو الخارجي وكأنه أخطبوط امتد لكي يحيط بكل شيء ويسيطر عليه، وأما نحن فمجرد أحجار على رقعة شطرنج! ! ومن ثم فإنّ الخطط التي تدار، والدسائس التي تحاك هي سبب هزائمنا المتلاحقة، والنتيجة الطبيعية هي الهروب من المسؤولية بإلقاء التبعة على العدو الخارجي دائماً.! ! إنّ مشكلات الأمة الإسلامية، مشكلات كثيرة، متعددة الألوان متعددة الاتجاهات، معقدة تعقيداً كبيرا، وتحتاج إلى دراسات علمية جادة ناضجة تنفذ إلى العمق، وترسم السبيل الأمثل لوعي الأمة وعزتها. الوقفة الثانية: الموضوعية العلمية في البحث والدراسة والتحليل: تميزت بعض الكتابات الإسلامية بضعف ظاهر في اعتماد الموضوعية العلمية في البحث والدراسة والتحليل، ومن علامات ذلك: أولاً: ضعف منهج الاستدلال العلمي: إنّ الاعتماد على المصادر الشرعية للاستدلال والتلقي، مطلب أساس لسلامة البحث العلمي واستقامته على الجادة الصحيحة، وقد تواترت الدلائل الشرعية لتقرير ذلك والتأكيد عليه، قال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى االله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاْ] [سورة النساء: الآية ٥٩] ، فالأدلة المتفق عليها هي: الكتاب والسنة والإجماع واختلف العلماء في القياس، وأكثرهم على اعتباره دليلاً رابعاً إذا استوفى الشروط العلمية التي قررها علماء الأصول. وقد انحرف عن هذا السبيل فئتان: الفئة الأولى: الذين أهملوا النصوص الشرعية عل اختلاف ظاهر في درجة الإهمال وأدى ذلك إلى استحداث مصادر أخرى للاستدلال والتلقي. ومن هذه المصادر: (١) الاعتماد على الآراء والعقول البشرية المجردة، مع توافر النصوص الشرعية المحكمة، كما هو الحال عند أصحاب المدرسة العقلية، ومن دار في فلكهم من أهل الرأي الذين يعارضون بأقيستهم الفاسدة وآرائهم الناقصة النصوص الثابتة المحكمة. (٢) الاعتماد على أقوال الشيوخ والرجال، وجعلها حجة في ذاتها وتقد يمها على الكتاب والسنة الصحيحة. (٣) الاعتماد على الذوق والوجد والإلهام والكشف، كما هو الحال عند الصوفية والباطنية. (٤) حصر الحق في منطقة أو بلد أو طائفة بدون حجة أو برهان. الفئة الثانية: أخذوا بالأدلة المتفق عليها، ولكنهم تعاملوا معها بحرفية صارمة أدت إلى الانحرافات التالية: (١) عزل النص الواحد عن النصوص الأخرى، وأخذه كأنّه وحدة مستقلة، أو أخذ النص بمعزل عن المقاصد الكلية للتشريع الإسلامي، وهذا يؤدي بالضرورة إلى قصور بيّن في النظر، وعجز في التصور، ومعلوم أنّ المسألة لا تتضح معالمها إلا إذا جمعت أطرافها واكتملت أجزاؤها. (٢) إهمال الأصول والقواعد العلمية التي أصّلَها الأئمة الأثبات في فهم النصوص، مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، ونحوها. (٣) الاستهانة بأقوال الأئمة والفقهاء المتقدمين منهم والمتأخرين، بحجّة أن النص موجود بين أيدينا، ويمكن أخذه مباشرة، فلسنا بحاجة للنظر في شيء آخر، ويحتج بعضهم بأن أكثر الأئمة والفقهاء كان ينهى عن تقليده وكتابة أقواله واجتهاداته، وقد يقول: هم رجال ونحن رجال..! وفي هذا المنهج خطورة بالغة لا تحمد عقباها، ونتيجتها الحتمية إهمال التراث العلمي العظيم الذي ورثناه عن أئمة الإسلام وفقهائه الأعلام، وفرق كبير بين تقليد الأئمة وجعل أقوالهم في منزلة أقوال النبي المعصوم -صلى الله عليه وسلم-من جهة، والضرب بها عرض الحائط وإهمالها من جهة أخرى..! (٤) تأثر فهم الكاتب بالبيئة الاجتماعية والتربوية والنفسية التي نشأ عليها، فإذا كانت البيئة تميل إلى التساهل فأحكامه واختياراته متساهلة، وإذا كانت البيئة تميل إلى التشديد، فأحكامه واختياراته متشددة. وخطورة هذا المسلك أنّ المرء يبني اجتهاداته العلمية بناء على الخلفية الفكرية التي نشأ عليها، وهو لا يشعر بذلك على الإطلاق، فيكون اختيار الباحث واجتهاده انعكاساًً لبيئته، ولذا فإن التجردفي البحث والتحليل من القضايا الدقيقة التي تحتاج إلى مزيد عناية ونظر. ثانياً: الاستهانة بعقل القارئ وفكره من خلال المسائل التالية: ١- تلقين القارئ: يسعى بعض الكتاب إلى تلقين القراء الفكرة المرادة وكأنها لوائح إدارية صارمة مجردة من الاستدلال العلمي والبرهان الشرعي، ودور القارئ التسليم والقبول، ثم التلقي والأخذ، بدون نظر أو تأمل، لأنّ الكاتب قد كفاه المؤونة، وفكرّ بالنيابة عنه. فالكاتب بذلك يربي القارئ على التبعية والتقليد، وعلى الحفظ والتلقين، وليس على النظر والتفكير، والنتيجة قدرة فائقة على الحفظ والاجترار، وعجز ظاهر عن التأمل والتعقل والنقد البناء. إن الكاتب المتميز هو الذي يربي عقل القارئ ويدفعه إلى التفكير ويستحثه على النظر والمشاركة، ويفتح أمامه آفاقاً جديدة من البح فحينما ينهي القارئ الكتاب الذي بين يديه، ويبدأ بنشاط عقلي جديد يدعوه إلى التأمل وتقليب النظر، ويثير عنده الرغبة في المساهمة الفاعلة، فقدنجح الكاتب هنا نجاحاً ملحوظاً في ربط القارئ بما كتب وبمقدار ما يشعر القارئ بالحيوية والتفاعل، يكون مقدار النجاح. ولكن حينما يعجز الكاتب عن دفع القارئإلى التفكير ويبقي ذهنه ساكناً خاملاً، فقدُ أخفق في ربطه والتأثير عليه، والقارئ الذي يفقد القدرة على التفكير هو بالضرورة عاجز عن التفاعل والتواصل والانتفاع بما يقرأ..! ٢- الوصاية على عقل القارئ وفكره: يسعى بعض الكتاب إلى فرض الوصاية على عقل القارئ وفكره ومحاصرته، وإلزامه بالنتيجة التي توصل إليها، ويظهر ذلك في بعض الأحيان من عنوان الكتاب فضلاً عن مادته الأصلية، فبعضهم يعنون لكتابه بقوله: (القول الفصل في..) ، (نهي الصحبة عن ... ) ، (إلزام الأصحاب بـ ... ) ، ويشعر القارئ حينما يقرأ لهؤلاء الكتاب في المسائل الخلافية التي تباينت فيها أنظار المجتهدين قديماً وحديثاً، أنّ الحق معه بلا ريب، وأنّ مخالفه على شفا جرف هار يُخشى أن ينهار به إن لم يتب ... ! وليس خطأ أن يجتهد الكاتب في ترجيح أحد الأقوال بدليله إذا استفرغ وسعه وكان أهلاً لذلك ولكن الخطأ أن يصادر أقوال الآخرين ويحسم المسألة حسماً قاطعاً لا مراجعة فيه، وفي هذا ازد راء بعلماء الأمّة ومجتهديها الذين لم يصلوا إلى ما وصل إليه..! ! ويتفرع من هذه المسألة أنّ بعض الكتبة قد لا يلزم القارئ بالنتيجة التي توصل إليها، ولكنه يوهمه بأنّ المسألة لا يوجد فيها إلا قول واحد، ويسعى لتلميعه وإبرازه، وإن وجدت أقوال أخرى فهي عنده ضعيفة ليس لها حظ من الأثر أو النظر، مع أنها قد لا تقل قوة عن القول الأول، وقال بها أئمة مجتهدون، وأخشى أن يكون في هذا الأسلوب لون من ألوان الخداع وفقد للأمانة العلمية التي تعد لازماً من لوازم البحث العلمي، كما أنّ فيها مشابهة لليهود الذين يكتمون الحق، قال الله تعالى: [يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون] (سورة آل عمران: الآية ٧١) . والمنهج العلمي يقتضي عرض الأقوال والحجج بأمانة كاملة ثم يُرجّح بناء على القواعد العلمية المتبعة عند علماء الأمة للترجيح بين الأقوال، قال ابن تيمية: «يجب أن يكون الخطاب في المسائل بطريقة ذكر دليل كل قول ومعارضة الآخر له، حتى يتبيّن الحق بطريقه لمن يريد الله هدايته» [٦] . ٣- ضعف التركيز: بعض الكتاب يبدأ الكتابة والفكرة لم تنضج بعد في ذهنه، ولم يتصور المسألة تصوراً جيداً، فيضطر إلى الخلط والتلفيق، أو الدوران وفقدان التركيز، رغبة منه في الوصول إلى مراده، فلا الكاتب قادر على استيعاب الفكرة، ولا هو قادر على إيصالها إلى القراء، والننتيجة المتوقعة إزاء ذلك ضحالة الفكرة وميلها إلى السطحية وقلة العمق. إنّ الكاتب الناجح هو الذي يستطيع نقل الأفكار والمعلومات إلى القارئ بأقصى قدر من المنهجية العلمية، مع سهولة العرض وسلاسة الأسلوب، وأمّا الدوران والتنطع والتقعر في الكلام فكما أنّه يفسد الفكرة ويصعبها، فهو يُملل القارئ وينفره. قال الإمام النووي في بيان آداب التصنيف: «وليحرص على إيضاح العبارة وإيجازها، فلا يوضح إيضاحاً ينتهي إلى الركاكة، ولا يوجز إيجازاً يفضي إلى المحق والاستغلاق» [٧] . وقال ابن الأنباري: «متى أمكن أن يكون الكلام جملة واحدة، كان أولى من جعله جملتين من غير فائدة» [٨] . ٤- المنحى العاطفي: يغلب الخطاب العاطفي على كثير من الأطروحات الإسلامية، فالمواعظ والقصص هي السائدة في طريقة المعالجة لعامة القضايا، فالربا مثلاً لا يُعالج معالجة فقهية اقتصادية مؤصلة، تحدّد فيها أبعاد المشكلة ومعالمها، ثم تحدد آثارها وأخطارها على الفرد والمجتمع، ثم ترسم الحلول والبدائل العلمية الجادة، للنهوض بالأمة من هذا المأزق الخطير. وهكذا عامة قضايا الأمة ينبغي أن تعالج بعلمية، ولا تعالج بعواطف وعموميات تحوم حول الحمى ولا تقترب من أصل الداء، ولا بأس أن توجد كتابات تركز علي الجانب العاطفي، أو تتخصص فيه في مقاماتها، ولكن لا ينبغي أن تكون هذه صفة سائدة في الخطاب الإسلامي، فالخطاب الوعظي يصلح لبعض الناس، ولكنه لا يصلح لهم جميعاً، كما أنّه يصلح لمعالجة بعض الموضوعات، لكنه لا يصلح لها جميعاً والحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه اللائق به شرعاً وعقلاً. يخيّل إليّ وأنا أقرأ لبعض الكتّاب أنّ تخلف الأمة القرون الماضية كلها يمكن أن يعالج بإذكاء العاطفة والإصلاح القلبي، ولا شك بأنّ هذا تبسيط ضيق الأفق، وإيقاظ البعد الإيماني لمعالجة مشكلات الأمّة مطلب أساس ولكنه بالمفهوم الشامل المتكامل لمعنى الإيمان، ومن مقتضيات ذلك رسم الأوعية الشرعية الأصيلة للنهوض بالأمّة من كبوتها. ٥- ضعف الرؤية الشاملة: تفتقر بعض الكتابات الإسلامية إلى الرؤية الشاملة لللإسلام، وإنمّا تأخذ أصول الإسلام وشرائعه أجزاء متفرقة لا صلة لها ببعضها. وظهر في هذا الإطار اتجاهان: الاتجاه الأول: ركز على القضايا الكلية، وأهمل ما يسميه بالثانويات والقشور والشكليات، مع أنّها كلها ثابتة بالنصوص الصحية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-على اختلاف بيّن في تحديد المقصود بالكليات والثانويات. ومن ذلك أنّ أحدهم كان ينعى على بعض الناس اشتغالهم في إثبات صفة اليدين لله ، وفي الوقت الذي تمتد فيه أيادي اليهود والنصارى لسرقة مقدرات المسلمين وأموالهم، فضلاً عن أيدي فساق المسلمين التي ترابي وتغش وتحتكر..! وأحسب أنّ هذا الاختلاف مفتعل تماماً، والحقيقة أنّه يمكن إثبات يدين لله تليقان بكماله وجلاله وعظمته، ومع ذلك يمكن محاربة اليهود والنصارى والتحذير من المرابين ونحوهم، وأمّا تشطير الدين وتبعيضه فمما لم يرد عن الرعيل الأول من الصحابة والتابعين. الاتجاه الثاني: ركز على جزئيات الشريعة ووضعها في موضع الكليات، وأدى ذلك إلي التساهل في الأخذ بأصول الإسلام، وصرف الطاقات في قنوات مفضولة. والصواب أنّه لا يجوز الاشتغال بالفروع على حساب الأصول ولا بالجزئيات على حساب الكليات، كما لا يجوز إهمال الفروع والاستهانة بها، بدعوى أنها قشور وثانويات، فكل شيء ثبت في دين الله فهو حق يجب أن يقدّر حق قدره، ويوضع في موضعه اللائق شرعاً. ونصوص الشرع وقواعده تقتضي البدء بالأهم فالمهم، كما جاءذلك في حديث عبد الله بن عباس، لما بعث النبي صمعاذاً إلى اليمن. [٩] وفقه الأولويات من المسائل المهمة التي تحتاج إلى مزيد بحث ودراسة وتأصيل.

стр. 1798

الورقة الأخيرة الهجرة غرباً د. وحيد عطية المصري يجذب انتباه المطالع للصحافة العربية اليومية الإعلانات المتكررة لمكاتب الهجرة إلى الخارج التي تحث أصحاب الخبرات العلمية ورؤوس الأموال على الهجرة إلى الغرب، كذلك يجد المتتبع لتلك الإعلانات أن فحواها كُتب بطريقة خبيثة ومغرية لجذب «الزبائن» لبضائعها! وعادة ما تذكر تلك الإعلانات العديد من المميزات مثل: * نظام الضمان الاجتماعي للمستحقين. * الرعاية الصحية المجانية. * التعليم مكفول للجميع. * الاستقرار والأمان والحرية. لذلك يجد الكثير من أبناء المسلمين المضطهدين في بلدانهم المؤهلين تأهيلاً عالياً ضالتهم في مكاتب الهجرة تلك، ويقبل عليها المضطرون اضطراراً أو أصحاب الثروات الخائفين من مصادرتها بطريقة أو بأخرى، وغالباً ما يجد العلماء والمهندسون والأطباء والمحاسبون فرص عمل ممتازة في البلاد الغربية مقارنة بما يجدونه في بلادهم، بل إن العديد منهم يبزون نظراءهم الأجانب ويتقلدون أعلى المناصب في المؤسسات والهيئات التي يعملون بها. إن الأمر ليس بمقصور على مكاتب الهجرة فحسب، بل إن المشاهد لطارقي أبواب بعض السفارات يطلبون معلومات واستفسارات عن الهجرة يتيقن تماماً أن نزوح الخبرات المسلمة في تزايد مستمر، وهو من غير أدنى شك يؤدي إلى النزوح المعاكس للخبراء الأجانب إلى بلاد بعض المسلمين بمميزات خاصة لا تتوفر لأبناء المسلمين في بلدانهم! غير أن كل ما سبق من مغريات للعيش في بلاد الغرب يجب أن لا ينسينا ما يواجهه الغرب من انهيار في القيم والأخلاق، بالإضافة إلى ما سيواجهه المسلم هناك من مشكلات، منها على سبيل المثال لا الحصر: أداء الفرائض بصفة عامة، وتربية الأبناء وتعليمهم، وخطر تأثير المجتمع المختلط على الأسرة المسلمة. وهناك أسئلة عدة تطرح نفسها: هل توضح مكاتب الهجرة المميزات والأخطار «للزبون» ، أم تعميه بذكر المميزات التي يفتقدها في بلاده فقط؟ لماذا تبحث مكاتب الهجرة عن المسلمين سواء أكانوا خبراء أو مستثمرين وتشجعهم على الهجرة؟ وإلى متى هذا التزاحم على مكاتب الهجرة وأبواب السفارات الأجنبية من أبناء المسلمين؟ ليس المطلوب من علماء المسلمين ومفكريهم محاربة هذه الظاهرة فحسب، بل عليهم أيضاً إيجاد الحلول والتشريعات اللازمة للمحافظة على العقول المسلمة، وتكريمها، وإعطائها الثقة الكاملة في سبيل النهوض بالأمة الإسلامية لتصبح الرائدة بين الأمم في شتى نواحي الحياة.

стр. 1799

جمادى الأولى - ١٤١٥هـ أكتوبر - ١٩٩٤م (السنة: ٩)

стр. 1800

كلمة صغيرة تمثل وسائل الإعلام المقروءة منبراً مهماً في التأثير على الفرد والجماعة وصناعة الرأي العام وتشكيله؛ إذ ليست الإصدارات الدورية من صحف ومجلات سوى محطات للتأثير المتراكم، والحوار المنتظم مع عقل القارئ وعواطفه ومعارفه. وقد كان أملنا منذ البدء أن ننشيء منبراً دورياً، يسد بعضاً من الحاجة الماسة في ميدان الإعلام الإسلامي وتجسّد الأمل، وكانت «البيان» ، إلا أننا بعد كل هذه المسيرة نحب أن نذكر القارئ الكريم أننا لم نجعل من هم المجلة ملاحقة الحدث السياسي ورصده وتحليله مع إدراكنا لأهمية ذلك فالمجلة إصدار شهري وهمومها: شرعية، فكرية، ثقافية بالدرجة الأولى، ومع ذلك فإننا نحرص على إبداء موقفنا من أحداث العالم الإسلامي وإعطاء رؤية لبعض التحولات السياسية المفصلية نحسب أنها تحظى بنصيب من النضج والعمق وحسبنا أن نجتهد ما أمكن، وأن نحلم مع ذلك باعتلاء موقع أفضل، وتقديم عطاء أقرب إلى رضوان الله، وأدعى إلى احترام القارئ الكريم.

стр. 1801

الافتتاحية والعاقبة للمتقين رؤية في الأحداث الأخيرة بالجزائر (١) وأخيراً.. وبعد مرور ثلاث سنوات وبضعة أشهر خرج عباسي مدني وصاحبه علي بلحاج من السجن برؤوس شامخة وهمم عالية، خرجا ليثبتا للناس جميعاً أن أساليب المكر والقهر والجبروت التي تصب فوق رؤوس الدعاة والمصلحين لا تزيدهم إلا إقبالاً وثباتاً، ولا تثني من عزائمهم، أو تحبط من هممهم..! ! لقد أثبتت أحداث الجزائر أنه مهما تشبث أهل الغواية بغوايتهم، وأصروا على باطلهم، فإن أهل الحق أطول نفساً، وأقوى عزيمة، وأهنأ بالاً..! لقد أثبتت أحداث الجزائر أن الديموقراطية التي يرعاها الغرب هي ديموقراطية الببغاوات الذين يقولون ما لا يفعلون، وحالهم كما قال القائل: ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت! ! لقد أثبتت أحداث الجزائر أن دعوات الإصلاح وحركات التغيير لن تنجح إلا بالصبر واليقين والثبات على الحق، مهما كثرت التضحيات، فالبصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ما بال هذه الجماهير التي تعرضت لكل أنواع المسخ وغسيل الدماغ تعود ثانية إلى رياضها اليانعة الكريمة ولا ترضى بالدنية في دينها..؟ ! ما بال هذه الجماهير التي ذاقت كل أنواع الذل والاستخذاء، تعود ثانية إلى نداء التوحيد بكل إباء وشمم..؟ ! لقد جربت الأمة كل شعارات التغيير: النفعية.. الاشتراكية.. القومية.. البعثية.. الوطنية.. والنتيجة مزيد من الانحطاط والتخلف والفساد، فلا تخرج الأمة من مأزق إلا وتعود إلى مأزق آخر أشد منه انحرافاً وتخلفاً، فتتراكم الإحباطات، والضحية هو الشعب المسكين.! إن أشد حالات الذل والمهانة أن تضرب العبودية على الشعوب، وتسرق عقولها، وتصادر هويتها، ولقد عرفت الشعوب أن تلك الهياكل النخرة المهترئة التي تخبطت في قيادة الأمة قد أفلست، وانكشفت أقنعتها وظهر عوارها وخزيها، ولم يبقَ إلا أن تعود إلى دينها الحق وتلتف حول أبنائها الخُلص الأبرار الذين عُفّرَتْ وجوههم بالتراب ذلاً وعبودية لله العظيم وحده لا شريك له. لقد أثبتت أحداث الجزائر أن الإسلام هو خيار هذه الأمة، فلما رفعت راياته وحملها رجالها المخلصون، التفت حولهم الجماهير بكل محبة وثقة. مساكين أولئك الذين يحاربون الإسلام..! ! مساكين أولئك الذين يحاربون الله تعالى ويبارزونه..! ! مساكين أولئك الذين يحاربون خيار الشعب ويناصبونه العداء..! ! (٢) وبخروج الشيخين من السجن انتقل العمل الإسلامي في الجزائر إلى طور جديد ومفترق حاسم مليء بالمناورات السياسية، عندما بدأت الدعوة إلى الحوار والجلوس على مائدة المفاوضات، ونحن نثق بصلابة إخواننا وقوتهم في دينهم، كما نثق بيقظتهم وإدراكهم للألاعيب السياسية بأنفاقها المظلمة وطرقها المتعرجة، وحبنا لهم يدفعنا إلى تذكيرهم بالنقاط التالية: أولاً: أن المطالبين بالحوار هم الذين أسكتوا اختيار الشعب، وعطلوا المسار الانتخابي، ووأدوا الديموقراطية المزعومة التي يتشدقون بها. ثانياً: أن الحوار لا يعني الضعف والرضوخ والتنازل، ولا يؤدي إلى الاستهلاك وامتصاص الحماس، بل ينبغي أن يكون دعوة لاستعادة الحقوق وإصلاح الأوضاع المتدهورة. ثالثاً: لا يجوز أن تنسينا الأهداف القريبة أهدافنا البعيدة، ولن يتم ذلك إلا بوضوح الخطط، وتوافر الدراسات، ومعرفة الإمكانات والخيارات المطروحة في الساحة. والذي نريد تأكيده أن القضية ليست أن يخرج مدني من السجن أو لا يخرج مع تقديرنا الشديد له وإنما القضية أن تخرج الأمة بأكملها من ذلك السجن الكبير الذي يكتم أنفاسها، أن يخرج الشعب من ذلك الحصار الرهيب الذي ضرب عليه، أن يعيش الناس عيشة الأحرار الكرام لهم عقول يعون بها وآذان يسمعون بها وعيون يبصرون بها. رابعاً: لقد كانت قوة الإنقاذ في المرحلة السابقة في تماسكها ووحدة كلمتها ووضوح أطروحاتها ومبادئها، ولن تكون قوية في هذه المرحلة الحرجة إلا بذلك، فالحذر الحذر من الاختلاف والفرقة والتنازع، وتطاوعوا ولا تختلفوا، وتناصروا ولا تتخاذلوا، وقضية الجزائر الكبرى ليست هي الإنقاذ أو حماس أو النهضة أو الجماعات المسلمة، إنما هي أن نكون أو لا نكون، وإما إسلام أو لا إسلام. لقد صبر الشعب الجزائري وثبت في هذه المحنة عندما رأى أشياخه وقادته في مقدمة الصفوف برؤوس شامخة ونفوس أبية كريمة. لقد صبر الشعب الجزائري وثبت عندما رأى الصدق والقوة في الحق ووضوح الرؤية، ولكني أحسبه يوصي القيادة بالمحافظة على انتصاراته حتى لا تسرق ثمرته كما سرقت من قبل لمّا أخرج الاستعمارَ من أرضه. [والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا] ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1802

مقال نظرات في: أصول التجديد الإسلامي خميس بن عاشور هل العقيدة والشريعة اللتان توجدان اليوم بين أيدي المسلمين هما العقيدة والشريعة اللتان كانتا أيام الصحابة والسلف الصالح؟ .. أم أن تشويهات أصابت الإسلام الأول الإسلام الصحيح إسلام الفطرة والوضوح والواقعية، لا شك أن إسلام اليوم في كثير من البلدان ليس هو الإسلام الصحيح كما ورد به الوحيان، ومادمنا نسلم بذلك فإن ضرورة التجديد تبدو ملحة للخروج من الأزمة، أزمة البعد عن واقع الإسلام النقي، ومع اعتقاد كثير من المسلمين بأن الإسلام لا يزال بخير وعافية في عقيدته وشريعته فإنه يتحتم أن نبين ما إذا كان ذلك صحيحاً أم أنه لا يعدو كونه وهماً كبيراً، وتراكمات فكرية للزمان والمكان على الضمير الجمعي المسلم سيما وقد استحال الإسلام إلى تقاليد وعادات مستحكمة خالية من بذور الإبداع التي تميز ذلك التفاعل البناء بين الإسلام النقي ونفوس المسلمين المخلصين، وإلا فكيف نفسر تلك السلبية التي ميزت المسلم فيما بعد القرون المفضلة، إن هناك خَللاً دون ريب، وإن هناك انحرافاً عن الخط الذي رسمه الوحي الإلهي للمسلم كي يسلكه بكل عزيمة وثقة، ومهمة التجديد في هذا المجال هي تحديد علل ذلك الانحراف، ووضع الأساليب والمناهج التي بإمكانها أن تضع قطار الإسلام مرة أخرى على الخط ويلزم من ذلك أن توفر هذه الأساليب التجديدية نفس الظروف والإمكانيات النفسية الروحية التي وجدها المسلم عندما كان الوحي يتنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. إن مهمة التجديد إذاً هي إبعاد كل العناصر والجزئيات الدخيلة على عملية تفاعل الوحي مع النفوس، هذا التفاعل هو الذي من شأنه أن يحيي تلك الإيجابية الإيمانية التي أخرجت من بين من أخرجت جيل الصحابة وجيل التابعين الذين مثلوا الإسلام خير تمثيل، وأصبحوا بذلك النموذج السامي لثمرة تفاعل الوحي الإلهي بالنفوس، وبعد ذلك قد تلوح في الأفق إمكانية مطابقة الواقع الفكري والعملي الآني مع الواقع الفكري والعملي للفترة النموذجية للإسلام، فترة السلف الصالح، ثم نحاول إزالة الشوائب والزوائد التي تشوه عملية المطابقة، وبقدر الجهد والإخلاص الذي نبذله في هذه العملية بقدر ما تكون الصورة الحاصلة أوضح وأقرب إلى النموذج المنشود وإن كان ليس بالضرورة أن نحصل على نفس الحجم ونفس الكثافة بل قد نحصل على أقل من ذلك أو أكثر بحسب توافر الشروط اللازمة لإحداث عملية التفاعل بين الوحي الإلهي البعيد عن كل شائبة بشرية وبين نفوس المسمين الذين يملكون الشروط النفسية المطلوبة منهم، كذلك حسبنا أن نعمل على التسوية والمقاربة ما أمكن إن هذه العملية التطابقية تبدو عملية هائلة تتطلب الإرادة والعزيمة التي لا تعرف الكلل ولا الخور. إن نظرة فاحصة إلى منهج التلقي أثناء فترة التنزيل، ثم فترة أولئك الذين عايشوا التنزيل تجعلنا نجزم بعد الاطلاع على ما أنتجه المسلمون في ميدان أصول التشريع والاعتقاد بأن هناك بوناً شاسعاً بين هذين المنهجين (منهج السلف ومنهج الخلف) وبغض النظر عما حدث بسبب الضرورات الزمانية والمكانية فإن أصول الخلف الجديدة لا شك أنها تحمل الكثير من بصمات الوضعية البشرية التي من شأنها تكثيف الحجب التي تقف دون استشفاف المعنى الحقيقي للإسلام. إن دراسة منهاج السلف في الاعتقاد والتشريع تبين لنا بكل وضوح أن مهمة هذه المنهاج هي البحث عن حكم الله في القضايا المطروحة من خلال تتبع نصوص الوحي وقد فرض هذا الاتباع للنصوص شروطاً تدور جلها حول إثبات النص سنداً ومتناً ومعنى، حتى إذا اتفقت الأسانيد والمعاني حول فهم معين أخذوا به ولم ينظروا إلى غيره، وهذا ما حدث في الأغلب، إن لم نقل في كل القضايا العقدية، أما القضايا التشريعية (أي المتعلقة بالأحكام العملية) فإنهم كانوا رغم مفاهيمهم المتعددة لبعضها فإن خلافاتهم كانت محدودة ومحصورة جداً، وسبب ذلك اتحادهم في منهج الفهم والإثبات، ولقد اقتضت العصور اللاحقة لهؤلاء السلف شروطاً فرضتها حيثيات الزمان والمكان، وبالتالي فإننا نستطيع أن ندخل عاملاً مهماً في تجديد الإسلام عقيدة وشريعة وهو عامل «علم الإسناد» الذي هو من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، والغرض من ذلك هو إعادة الاعتبار إلى النص الصحيح الذي هو غاية المشرع بلا ريب سواء أكان ذلك في الأحكام العملية أو الأحكام الاعتقادية، بدون تفريق بين العقيدة والشريعة لا كما فعل ذلك منهج الخلف، وبالإضافة إلى ذلك فإننا نستطيع أن ندخل عاملاً آخر لا يقل أهمية عن الأول وهو اللغة العربية، فالعمل على إعادة الاعتبار إلى اللغة التي نزلت بها كل تلك النصوص هو ذلك العامل ذو الرقم المهم في هذه المعادلة، وبالإضافة إلى ركن الاجتهاد الفقهي العملي فإننا نستطيع أن نضع منهجاً لا يعتبر جديداً بقدر ما يعتبر عملية تنسيق وقراءة لما يوجد في مبادئ الفكر الإسلامي الأصولي بالدرجة الأولى، وذلك من خلال مراجعة مؤلفات المسلمين في بيان أصول التشريع وأصول الاعتقاد، ويمكن صياغة ذلك كما يلي: أولاً: الرجوع إلى النصوص الشرعية (الكتاب والسنة) مع اعتبار كل ما وضعه المسلمون في محاولاتهم لفهم النصوص، وذلك ما يقودنا بالتالي إلى مراجعة أمهات كتب أصول الفقه وأصول العقيدة ليسر منهاجها، ثم محاولة نقدها ليؤخذ منها ما يستحق الأخذ في عملية وضع منهج لتجديد الإسلام وإرجاع الحيوية إليه في نفوس المسلمين. ثانياً: الإسناد في هذه العملية يعتبر وسيلة لا مناص منها ومهمته هي الوصول إلى متن النص الصحيح، كما جاء به الوحي الإلهي، وذلك قبل البدء في عملية فهمه وفق مقتضيات خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين فالإسناد إذا هو تلك الضرورة التي فرضها البعد الزماني عن مصدر النص وهذا يقود بدوره إلى دراسة منهجية تتعلق بعلم الإسناد ومدى إمكانيات توظيفه لكي يؤدي مهمته الأساسية في عملية تجديد الإسلام. ثالثاً: اللغة العربية وإن كانت أداة ووسيلة هي في نفس الوقت غاية لأن نزول الوحي بها يجعلها ذات أهمية بالغة، وهذا ما يقودنا إلى محاولة وضع خطة سليمة لدراسة اللغة العربية فيما بعد انقضاء عصور الاحتجاج حيث أصحاب اللغة الأصليين السلفيين، وذلك ما من شأنه أن يوفر للمسلمين من العرب وغير العرب الشرط المباشر لاستقبال خطاب الشارع المنزل بلسان عربي مبين، وهنا يتحتم وضع المناهج المفصلة لنشر اللغة وتدريسها بكيفية تقرب المسلم من النص وهو سليم من التشوهات التي قد تصيبه بسبب عوامل الزمان والمكان. فتجديد اللغة هو أيضاً ركن من أركان تجديد الإسلام نفسه، وذلك بالتركيز على النص العربي (نثراً وشعراً) قبل التركيز على قواعد اللغة من نحو وصرف مثلما هو معمول به اليوم ومنذ قرون طويلة من تاريخ الإسلام حيث طغت الوسيلة (قواعد اللغة) على الغاية (النص العربي) . رابعاً: الاجتهاد، والمقصود به بذل الجهد في معرفة الحكم العملي لا الاعتقادي، وذلك ما من شأنه أن يحافظ على وحدة العقيدة عند المسلمين، ووضع حد لعمليات التمحل والتعسف التي تعرضت لها من خلال القول بجواز الاجتهاد في العقيدة الذي تزعمت القول به مدرسة العقلانية قديماً وحديثاً، أما الاجتهاد في معرفة الأحكام العملية فهو العملية الواجبة من أجل أن يبقى الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان كما أراده الله ، ولكن إذا نحن تأملنا في الخلافات الحاصلة بين المسلمين نجد أن أغلبها نابع من المبالغة في توسيع مجال النظر البشري في مسائل الإيمان والحقائق الغيبية أي توسيع مجال الاجتهاد على غير الوجهة التي أرادها الشارع، أي علي الطريقة المعبرة عن الآراء أو بعبارة أخرى عن الميولات والأهواء النفسية في بعض الأحيان أو حتى السياسية في أحيان أخرى، وهذا ما يقودنا في هذا المضمار بدافع المنهج العلمي إلى دراسة الاجتهاد دراسة أصولية تهدف إلى وضع تعريف له مقبول شرعاً، وتحديد مجاله، ووسائله وأساليبه، وبالتالي محاولة فرز تلك المعضلات الفكرية التي نشأت بسبب تداخل مجالات المتحول في مجال الثابت داخل الإسلام عقيدة وشريعة، وتقودنا هذه الدراسة مرة أخرى إلى مبادئ الفكر الأصولي الإسلامي حيث ستؤخذ كل الأصول بالاعتبار بدءاً بالقياس وانتهاءً بالأصول الأقل أهمية كالعرف والاستصحاب مع التركيز على هذا الأخير الذي قد يكون أصلاً له أهمية أكبر مما أعطاه الأصوليون في كتبهم ومؤلفاتهم، وهذه الأهمية تكمن في علاقته «الرياضية» مع القياس، لأننا نجد المتوسعين في العمل بالقياس والرأي يقللون من أهمية الاستصحاب والذين يضيقون في العمل بالقياس والرأي أو ينكرونهما يتوسعون في العمل بالاستصحاب كالحنابلة والظاهرية، وهذا ما يجعله ينافس أصل القياس ويحد من عمله ليصبح بديلاً في الإجابة عن الوقائع الطارئة، وكما سبق فإن هذا المنهج قد لا يعتبر جديداً بقدر ما يعتبر عملية إعادة تشكيل أو صياغة للتراث الأصولي الإسلامي الذي لم يترك لمستزيد مجالاً كبيراً للزيادة، وإنما حسبنا أن نستشف من هذا التراث ما به نستعيد مجدنا في مجال التقنين والالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة، والله الموفق..

стр. 1803

دراسات شرعية النفاق حقيقته، أنواعه، صوره -١ - د. محمد عبد الله الوهيبي تمهيد: كثر الحديث في القرآن الكريم عن النفاق والمنافقين، صفاتهم وأخلاقهم وأنهم شر أنواع الكفار، وأن مصيرهم في الدرك الأسفل من النار، ومن ثم تحذير المؤمنين منهم لأن «بلية المسلم بهم أعظم من بليته بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: [هم العدو فاحذرهم] [المنافقون: ٤] ، ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، أي لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد ها هنا لحصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم، بل هذا من إثبات الأولية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يُتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهراً وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها، فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم وهم في الباطن على خلاف دينهم أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياماً ثم تنقضي ويعقبها النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحاً ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر» [١] . ويقول الحافظ ابن كثير ﵀: (نبه الله على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خيراً) [٢] ، وسيكون حديثنا في هذا المقال عن تعريف النفاق، ثم نذكر أنواعه، ونركز الحديث على النفاق المخرج من الملة باعتباره المقصود الأساس من بحثنا. تعريف النفاق: اختلف علماء اللغة في أصل النفاق، فقيل إن ذلك نسبة إلى النفق وهو السرب في الأرض لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه. وقيل: سمي به من نافقاء اليربوع، فإن اليربوع له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء، كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه، وقيل: نسبة إلى نافقاء اليربوع أيضاً، لكن من وجه آخر وهو إظهاره غير ما يضمر ذلك: أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض ترك قشرة رقيقة حتى لا يعرف مكان هذا المخرج، فإذا رابه ريب دفع ذلك برأسه، فخرج، فظاهر جحره تراب كالأرض، وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر [٣] . ولعل النسبة إلى نافقاء اليربوع أرجح من النسبة إلى النفق (لأن النفق ليس فيه إظهار شيء، وإبطان شيء آخر، كما هو الحال في النفاق، وكونه مأخوذاً من النافقاء باعتبار أن المنافق يظهر خلاف ما يبطن، أقرب من كونه مأخوذاً منه باعتبار أنه يخرج من غير الوجه الذي دخل فيه، لأن الذي يتحقق فيه الشبه الكامل بين النافقاء والنفاق هو إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، إضافة إلى أن المنافق لم يدخل في الإسلام دخولاً حقيقياً حتى يخرج منه) [٤] . أما النفاق في الاصطلاح الشرعي فهو إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد [٥] ، أو هو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وإن كان أصله في اللغة معروفاً كما سبق [٦] . وأساس النفاق الذي بني عليه: أن المنافق لابد وأن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: [ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون] [البقرة: ١٠] ، وقال: [والله يشهد إن المنافقين لكاذبون] [المنافقون: ١] وأمثال هذا كثير « [٧] . إذاً: أخص وأهم ما يميز المنافقين الاختلاف بين الظاهر والباطن، وبين الدعوى والحقيقة كما قال تعالى: [ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين] [البقرة: ٨] ، قال الإمام الطبري ﵀: (أجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم) [٨] . وقد يطلق بعض الفقهاء لفظ الزنديق على المنافق، قال شيخ الإسلام رحمه الله:» ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ (الزنديق) وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق: هل تقبل توبته؟ والمقصود هنا: أن (الزنديق) في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أأبطن ديناً من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع والمعاد والأعمال الصالحة ... « [٩] ، وقال الإمام ابن القيم ﵀ في بيان مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم:) : (الطبقة الخامسة عشر) : طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، هؤلاء هم المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار» [١٠] . ١- النفاق الأصغر: الأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة ﵃، في ذكر آية المنافق، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا إئتمن خان» [١١] . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ -قال: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» [١٢] ، قال الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار، فإن أخوة يوسف ﷺ -جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار، أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يُرد النبي ﷺ -بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار، وقوله ﷺ (كان منافقاً خالصاً) معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث ... ) [١٣] . وقال الإمام الخطابي ﵀: (هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال، فتفضي به إلى النفاق، لا أن من بدرت منه هذه الخصال، أو فعل شيئاً من ذلك من غير اعتياد أنه منافق) [١٤] . وقال أي الخطابي: «ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل» [١٥] ، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال:) والأولى ما قاله الكرماني: إن حذف المفعول من (حدّث) يدل على العموم، أي إذا حدّث في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصراً، أي إذا وجد ماهية الحديث كذب، وقيل محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالباً « [١٦] ، وقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعدما شرح هذه الخصال:» وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن ... « [١٧] . ومن هذا الباب الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين [١٨] ، قال النبي ﷺ :» من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق « [١٩] ، ومن ذلك ما رواه البخاري في» باب: ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك «:» قال أناس لعبد الله بن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنّا نعدها نفاقاً « [٢٠] . وهذا هو النفاق الذي خافه الصحابة على أنفسهم، يقول ابن رجب [٢١] : (ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقاً، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي: أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فالله إنا لكذلك، فانطلقنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال:» مالك يا حنظلة؟ «قال: نافق حنظلة يا رسول الله وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله ﷺ :» لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة « [٢٢] . ومما ورد في هذا المعنى أي خوف الصحابة من النفاق ما قاله ابن أبي مليكة:» أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل « [٢٣] ، يقول الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الأثر:» والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة وعقبة بن الحارث والمسور بن مخرمة، فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشعر به مما يخالف الإخلاص ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃ « [٢٤] . وخلاصة القول في النفاق الأصغر، أنه نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما هو دون الكفر، وذلك كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل وكإظهار مودة الغير والقيام بخدمته مع إضمار بغضه والإساءة إليه، كالخصال الواردة في حديث شعب النفاق ونحو ذلك، فعلى المسلم الحذر من الوقوع في شيء من ذلك. ٢- النفاق الأكبر: سبقت الإشارة إلى تعريفه عند الكلام عن النوع الأول، ويمكن اختصار تعريفه بتعريف ذكره الحافظ ابن رجب حيث قال ﵀:) النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار» [٢٥] ، ومن الآيات في تكفيرهم ومصيرهم في الآخرة قوله تعالى: [ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين] [البقرة: ٨] ، وقوله ... : [بشر المنافقين بأن لهم عذاباْ أليماْ] [النساء: ١٣٨] ، وقوله سبحانه: [إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار] [النساء: ١٤٥] ، وقوله تعالى: [وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها] [التوبة: ٦٨] ، وقوله تعالى: [يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير، يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمَوا بما لم ينالوا] [التوبة: ٧٣، ٧٤] وقوله عن طائفة من المنافقين: [لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم] [التوبة: ٦٦] فهذه الآيات تبين لنا أن المنافقين من أسوأ أنواع الكفار، ومصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، لأنهم زادوا على كفرهم، الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك فصل القرآن الحديث حولهم وحول صفاتهم لكي لايقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم. وفي الحلقة القادمة سنتحدث إن شاء الله عن بعض صور النفاق الأكبر.

стр. 1804

مراجعات شرعية أحكام أهل الذمة باقية لم تنسخ محمد شاكر الشريف لقد أصبحت اليوم قضايا الإسلام وأحكامه الشرعية مرعى خصباً وكلأ مباحاً، ترعاه السوائم من كل لون وجنس، ويشعر المرء بكثير من الضيق والضجر، والغضب، وذلك عندما يطالع في كثير مما يكتب أو يستمع إلى كثير مما يقال، فيجد الجهل والجور والحيف في تناول الأمور الشرعية، لكن هذه الحالة التي يكاد يعيشها المرء يوميا وذلك بفعل الدخلاء والمتطفلين على الكلام في أمور الإسلام تزداد أكثر وأكثر، ويزداد حرها ولهيبها اللافح، عندما يقع ذلك الخلط والتخليط، والحيف، والجور، والتحريف من رجل مشهور يشار إليه من بين الناس، أومن جماعة مشهورة لها رصيدها عند الناس. وقد يكون الدافع أحياناً لهذه الرغبة في تحصيل منفعة شخصية، أو حفاظاً على منصب زائل، أو دفعاً لمضرة متوهمة، وقد يكون الدافع أحياناً لذلك هو الرغبة في عمل ما يسمونه «مصالحه» مع بعض الأنظمة الحاكمة بغير ما أنزل الله، أو إنهاء أزمة معه، أو الحصول على ما يسمونه «بعض المكاسب» من مثل السماح بدخول الانتخابات، أو إصدار مجلة، أو غير ذلك. وبغض النظر عن مناقشتنا لتلك الرغبات، وما إذا كانت مقبولة أو مرفوضة، فإن الذي ينبغي أن يكون واضحاً للجميع أنه لا يمكن أن تكون تلك «المساومات» على حساب الإسلام، وعلى حساب أحكامه، وشرائعه ومناهجه وثوابته، وإلا فإن الحركة الإسلامية الناضجة لن تغفر هذه «المساومات» لأصحابها، وسوف تعزلهم، وفي النهاية سوف تلفظهم، ولن يحصد المرء غير ما زرع أقول الذي دعاني إلى كتابة ذلك، هو ما قرأته في جريدة الحياة يوم الأحد بتاريخ ٣٠/٢/ ١٤١٥ ص٥ العدد ١١٤٩٤ من بيان أصدرته جماعة إسلامية كبيرة، لها رصيدها، ولها ريادتها في مجال العمل الإسلامي. ولا يعنيني الآن رغم كثرة ما تعرض له بيان الجماعة غير موضعين: الموضع الأول: قول بيان الجماعة: (إنهم ينتمون إلى أهل السنة والجماعة، ويعتبرون أنفسهم جماعة من المسلمين، وإن عقيدتهم، وفكرتهم من حيث النقاء والأصالة لا تشوبها شائبة، كما إن مناهجهم واضحة، ومتميزة من حيث اعتمادها على الكتاب والسنة، والفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات) . ونحن هنا لا يعنينا أن ننقب وراء هذا الكلام في تراث الجماعة لنرى مدى صوابه من خطئه، ويكفينا هذا الإعلان الذي يمثل أصلاً قويماً، ينبغي أن يقوم عليه أي عمل إسلامي، وهو يمثل في الوقت نفسه مقياساً لمدى قرب العمل الإسلامي أو بعده عن حقيقة الإسلام. إن إعلان مثل هذا الأصل من أي جماعة تعمل للإسلام، لابد أن يلقى الترحيب والإشادة، ويستقبل بالسرور والسعادة من أولئك الذين يهمهم أمر الإسلام ويعيشون له، وينبغي تشجيع أصحابه على التمسك به وإعانتهم عليه وانطلاقاً من تشجيعنا لتلك الجماعة على الالتزام بهذا الأصل، الذي أعلنوه ومساعدتنا لهم للمضي فيه قدماً، ننتقل إلى الموضع الثاني لنناقشه انطلاقاً من الأصل المذكور. الموضع الثاني: فقد جاء في بيان الجماعة أن «الشريعة الإسلامية أباحت لغير المسلمين حرية العقيدة، والعبادة، وإقامة الشعائر، وحرية الأحوال الشخصية، وعملت على حماية ذلك إلى أبعد مدى» .. ويمضي البيان إلى أن يقول عن جماعته أنها «ترى أن المواطنة، أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها حلت محل مفهوم أهل الذمة، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات، مع بقاء مسألة الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومواريث طبقاً لعقيدة كل مواطن وبمقتضى هذه المواطنة، وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده ترى » الجماعة «أن للنصارى الحق في أن يتولوا باستثناء منصب رئيس الدولة كل المناصب الأخرى من مستشارين، ومديرين، ووزراء، ويمثل النصارى مع المسلمين في مصر نسيجاً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً واحداً تداخلت خيوطه وتآلفت ألوانه، وتماسكت عناصره» ، وقد يتعجب المرء ويتساءل هل من الممكن أن يكون الذي كتب تلك الفقرة، هو نفسه الذي كتب الفقرة السابقة التي نقلناها؟ ! شيء عجيب حقاً لكن على أي الأحوال ننتقل الآن إلى مناقشة تلك الفقرة الأخيرة على ضوء الأصل الذي ذكرت الجماعة أنها متمسكة به. أولاً: هل أباحت الشريعة الإسلامية فعلاً لغير المسلمين حرية الاعتقاد.. إلى آخر ما قال البيان، مع العلم أن «غير المسلمين» وهو التعبير الذي آثر بيان الجماعة استخدامه يشمل اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والشيوعيين، وعبدة الأوثان، وعبدة الأبقار، وكل كافر أو مشرك. فأين نجد تلك الإباحة في «الكتاب والسنة، والفهم الصحيح، الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات» ؟ إن الشريعة لم تبح قط الكفر بالله أو الشرك به ولم تبح قط التعبد بالعبادات الباطلة المبتدعة، ولم تبح قط فعل المنكرات والمعاصي، وإنما الخلاف قد وقع بين أهل العلم في شأن أهل الكتاب: اليهود والنصارى وما سواهما من الكفار، هل يعاملون معاملة أهل الكتاب، أم ليس إمامهم إلا الإسلام أو السيف؟ لأدلة عندهم في ذلك لامجال للحديث عنها هنا ولم تكرههم الشريعةعلى الدخول في الإسلام [لا إكراه في الدين] ، أما «الإباحة» فلا، وفرق كبير بين «الإباحة» وبين عدم الإكراه، فإن «المباح» هو الذي يستوي فيه الأمران: الفعل أو الترك، والكفر والشرك أكبر الكبائر فكيف يقال: إن الشريعة أباحت ذلك؟ ! لكن لنقل: إن بيان الجماعة لم يقصد «الإباحة» بالمعنى الوارد في أصول الفقه، وإنما أراد فعلاً عدم إكراه «غير المسلم» على ترك دينه والدخول في الإسلام، بل تركت له الخيار بين الدخول في الإسلام أو البقاء على دينه. ثانياً: لنفترض أن أصحاب البيان يأخذون بقول أهل العلم الذين يرون أن ذلك الحكم غير مختص بأهل الكتاب، وأن جميع الكفار يشملهم الخيار في الدخول في الإسلام أو البقاء على دينهم، لكن على أي نحوٍ جاء هذا الخيار سواءً أكان لأهل الكتاب فقط، أو لجميع الكفار؟ إن مقتضى «الكتاب والسنة والفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات أن ذلك لا يكون إلا بأن يصبح هؤلاء من» أهل الذمة «فيلتزموا بأحكام » أهل الذمة «،» ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون «أما كتاب ربنا الكبير المتعال ففيه قوله: [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] [التوبة: ٢٩] . وأما سنة نبينا ﷺ -المؤيد من ربه، والذي لا ينطق عن الهوى ففيها الكثير نذكر منها حديث بريدة الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه وفيه: » اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله.... . ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.. « [١] فالكتاب والسنة» يبينان أن السيف لا يرفع عمن يرفع عنه من الكفار إلا ببذل الجزية عن يد وهم صاغرون، وذلك التزام بأحكام «أهل الذمة» . وأما «الفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات» ، فارجع إليه وانظر في جميع كتب أهل العلم الفقهية بدون استثناء لتجد الآيات والأحاديث وأحكام «أهل الذمة» المبنية عليها ولتعلم أن دار الإسلام، لا يقيم فيها كافر إقامة دائمة إلا إذا خضع لأحكام «أهل الذمة» ، وبمقتضى هذا الخضوع يأمن أهل الذمة على أنفسهم وأهليهم وأموالهم. وعلى هذا فقول بيان الجماعة: «إن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها حلت محل مفهوم أهل الذمة» ، لم يعتمد على الكتاب ولا على السنة ولا على الفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات، بل جاء مناقضاً لكل ذلك. إن ما يقوله البيان هنا يعنى أن مصطلح «أهل الذمة» والأحكام المرتبطة به قد انتهى، وأن بيان الجماعة قد استخرج له شهادة الوفاة، وكفنه ودفنه في ثياب «المواطنة والجنسية» لكنها شهادة مزورة وثياب دنسة، وستبقى الأحكام الشرعية ثابتة شامخة رغم كل البيانات. فيا أصحاب البيان: خبرونا ماذا تفعلون بنصوص كتاب ربنا وسنة نبينا وبعمل الخلفاء الراشدين وأقوال الأئمة وتصانيف العلماء التي تحدثت عن أهل الذمة وأحكامهم، ماذا تفعلون بهذا؟ أتقولون: إن بيانكم نسخ تلك الأحكام؟ ! وهل يملك أحد من المسلمين أن ينسخ أحكام الشرع، أو أن يبدلها ويغيرها حسب هواه؟ ! وربما قد يعجب بعض القراء، وقد يستغرقون في الضحك الشديد ويقولون: (ياعم: أين أنت الآن، وفيم تتكلم، وعن أية جزية أو صغار، وأين هذا الجهاد الذي تتحدث عنه، وهل نستطيع أن نفرض ذلك على الكفار، ونحن الذين في الحقيقة نكاد ندفع لهم الجزية عن يد ونحن صاغرون) . وأنا أقول لصاحب مثل هذا الكلام: أولاً: أن ذلك ليس كلامي جئت به من عند نفسي، وإنما هو نصوص الشرع وأقوال أهل العلم، ونحن جميعاً مطالبون بالالتزام بذلك وعدم الخروج عنه. ثانياً: أن المرء منا قد تمر به فترات ضعف أو عجز وسواء أكان هذا الضعف أو العجز خارجاً عن إرادته فيكون معذوراً، أو كان ضعفاً وعجزاً ناتجاً عن تقصير وجبن وخور فلا يكون معذوراً لا يتمكن معها من الصدع بكلمة الحق أو الجهر بها أو العمل لها وإلزام الآخرين بها، لكن ليس البديل عن ذلك هو التحريف والتبديل، فإذا لم يتمكن المرء من قول الحق أو فعله فلا أقل من الصمت، أما النطق بالباطل والدعوة إليه وتزيينه للناس فمن من المسلمين يقبله؟ ! وإذا لم يستطع جيلنا القيام بذلك على الوجه المطلوب، فلا أقل يا أخي من أن نترك للأجيال القادمة المفاهيم صحيحة غير مبدلة والثوابت غير محرفة فلعل الله سبحانه يحقق على أيديهم ما عجز جيلنا عن تحقيقه (وإن كان لنا أمل في الله تعالى أن يحقق نصر الإسلام على يد هذا الجيل) . ثالثاً: ونمضي مع البيان حيث يذكر: «وإن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات» وهذه هي النتيجة المنطقية طالما تم إلغاء أحكام أهل الذمة وهي في نفس الوقت تمثل الطلب الذي طالما ألح الكفار في الحصول عليه، وهو المساواة التامة في دار الإسلام بين المسلمين والكفار، فياسبحان الله ما أشد ظلم هذه المساواة التامة وما أكثر مرارتها! لكننا نمضي مع البيان ليفسر لنا هذه المشاركة الكاملة والمساواة التامة حتى يكون كلامه هو الشاهد عليه، يقول بيان الجماعة: «وبمقتضى هذه المواطنة وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده، ترى (الجماعة) أن للنصارى الحق في أن يتولوا باستثناء منصب رئيس الدولة كل المناصب الأخرى من مستشارين ومديرين ووزراء. لقد أصبحت» المواطنة «في فقه تلك الجماعة أصلاً شرعياً، وقاعدة تُفَرّع عليها الأحكام وتؤخذ منها التفاصيل، فها هو ذا يقول:» وبمقتضى هذه المواطنة «ولم ينس البيان أن يضيف إلى هذا الأصل أصلاً آخر ليناقض به الأحكام الشرعية ألا وهو قوله:» وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده « فهل تلك الحجج الباردة التي قدمها البيان:» (المواطنة «) وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده» هل تصلح تلك الحجج، لمعارضة الأحكام الشرعية الثابتة!! وقد نظرت في هذه الفقرة فوجدت أن كاتبها يتعامل مع العواطف وليس مع أصول ثابتة يرجع إليها، وذلك أنه قصر تولى المناصب علىالنصارى «دون أن يذكر» اليهود «وهم الذين يشملهم مع النصارى لفظ» أهل الكتاب «باتفاق أهل العلم، فما هي القاعدة يا أصحاب البيان» التي استندتم إليها لإخراج اليهود من تولي المناصب؟ ! وما النصوص الشرعية من «الكتاب والسنة والفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات» التي تستندون إليها في التفرقة بين اليهود والنصارى؟ ! الذي يبدو لي أن الكاتب أهمل ذكر اليهود رغم عدم وجود أدلة يستند إليها في ذلك لأنه مازال يعيش في أجواء الحرب التي كانت بين المسلمين واليهود، وربما كان يخشى من ردة الفعل الشعبي عند ذكر اليهود، لكن أقول لك يا أخي: لا تخشَ شيئاً، فالآن قد انتهت الحرب وحل السلام، ولم يعد بين المسلمين واليهود حروب، وبالتالي فلا تخشَ من ضياع التأييد الشعبي وكن منطقياً مع نفسك، وأعلنها قل حتى يستقيم لك منطقك: «وبمقتضى هذه المواطنة، وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده ترى (الجماعة) أن للنصارى واليهود الحق أن يتولوا....» إلى آخر ما جاء في الفقرة، بل وأضف البقية الباقية من غير المسلمين وأنا أقول لأصحاب البيان: طالما أنكم أقررتم أن المواطنة أو الجنسية حلت محل مفهوم أهل الذمة، فلماذا لا تقرون للمواطن اليهودي الذي يتمتع بجنسية إحدى الدول العربية والإسلامية بالحق في تولى المناصب الوزارية والاستشارية؟ ! إنه لشيء ممتع حقاً من وجهة نظر بيان الجماعة أن نرى دولة مسلمة: رئيسها مسلم، ورئيس وزرائها يهودي، والوزراء خليط من المسلمين واليهود والنصارى، ولا بأس أن يكون رئيس مجلس الشورى نصرانياً، حتى تكون هناك عدالة ومساواة في توزيع المناصب العليا لا سيما وأن لهم المشاركة الكاملة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات كما ذكر البيان فتكون رئاسة الدولة للمسلمين، ورئاسة الوزراء لليهود ورئاسة مجلس الشورى للنصارى! ! وعلى كلٍ فنحن نطالبكم بالكتاب والسنة أو الفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات أو اختلفوا فيه، والذي يبيح للنصارى جميع المناصب باستثناء رئاسة الدولة. أما نحن فنبرأ إلى الله تعالى من ذلك، ولا نقول بظُلم أهل الذمة ولا بالاعتداء عليهم، ولكن لا ننزلهم إلا حيث أنزلتهم الشريعة، ولا نعطي لهم شيئاً حرمهم الله ورسوله منه. ومساعدة منا لكم على الالتزام بالحق، نذكر لكم من النصوص الشرعية والفهم الصحيح لأهل العلم ما يبين بطلان ما ذكرتموه في الفقرة السابقة، وإن كان المرء ليس في حاجة إلى ذكر تلك الأدلة، لأن ما ذكرتموه في الفقرة السابقة هو من الكلام الذي يقال عنه: مجرد حكايته كاف في بيان بطلانه، بل إن الرجل المسلم العامي صاحب الفطرة السليمة التي لم تدنس بمثل ما جاء في البيان إذا سمع ذلك الكلام الذي ذكرتموه، فلابد أن يمجه ويرفضه ويستغربه، وإذا لم تصدقوني فانزلوا إلى الشارع المسلم، وسلوا الناس وسوف تعرفون النتيجة. يقول الله ﵎: [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم..] [المائدة: ٥١] يقول ابن كثير ﵀: «ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله قاتلهم الله ... ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: [ومن يتولهم منكم فإنه منهم] » أليس من الموالاة لأهل الكتاب اليهود والنصارى، جعلهم وزراء أو أعضاء في مجلس الشورى (مستشارين) ، إذا كنتم لا توافقون على ذلك فلننظر إلى ذلك الأثر الوارد عن عمر بن الخطاب الخليفة الراشد الذي جعل الله الحق على قلبه ولسانه في فقه تلك الآية: «عن عياض الأشعري أن عمر ﵁ أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له (أي لأبي موسى) كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر، وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتاباً في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني، قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه ثم قرأ [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ... ] ، قال أبو موسى: والله ما توليته وإنما كان يكتب، فقال عمر ﵁: أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب؟ ! ، لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأتمنهم إذ خونهم الله، ولا تعزهم بعد أن أذلهم الله» [٢] فانظروا كيف رفض الخليفة الملهم اتخاذ كاتب نصراني يطلع على أمور المسلمين واحتج على ذلك بالآية المذكورة، وأنتم لا تجعلونه كاتباً فقط، بل تجعلونه رئيساً للوزراء ووزيراً ومستشاراً ومديراً وهلم جرا. يقول بيان الجماعة في فقرته الأخيرة «ويمثل النصارى مع المسلمين في مصر نسيجاً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً واحداً تداخلت خيوطه وتآلفت ألوانه وتماسكت عناصره» ، وإني لأتعجب: هل هذا كلام شرعي يعبر عن رؤية جماعة إسلامية أم أنه موضوع إنشاء من النوع الذي يقال في المجاملات، وهل من الممكن أن تكون هناك مجاملات على حساب الدين؟ ، الشيء الغريب والعجيب في آن: أن النصارى أنفسهم لا يقبلون هذا الكلام ولا يرتضونه؛ لأن هذا الكلام يعنى أن ذاتية النصارى وذاتية المسلمين قد ذابتا وتداخلتا معاً، وكونتا نسيجاً واحداً مما يعني ضياع الشخصية المستقلة أو التنازل عنها، وإذا كنت لا تصدقني فسل وأظنك تعلم قبل كثيرين غيرك ماذا يفعل كبير النصارى في بلدك ضد الإسلام والمسلمين، وعلى كلٍ أنا لا أمنعك الحق في أن تعبر عن أحاسيسك وأشواقك أنت وجماعتك تجاه النصارى، وابذل لهم كل ما تستطيع من تنازل أو لين في القول، لكن عليك ألا تتعدى بهذه الأحاسيس والأشواق إطار جماعتك إلى المسلمين كلهم، فما أظن أن أحداً خولك الحديث باسم المسلمين في بلدك. ثم أقول: وهب أن الذي ذكرته أنت صحيح وهو غير صحيح لكن نفترض ذلك أنه كان هو الواقع فعلاً، فهل وجود الاختلاط وعدم التمايز بين المسلمين والنصارى يذكر على سبيل المدح أم يذكر على سبيل الذم وعلى سبيل تنبيه المسلمين على التمايز عن الكفار والابتعاد عن مشابهتهم أو التشبه بهم؟ ! ألم تسمعوا عن «الشروط العمرية التي اشترطها عمر بن الخطاب ﵁ على أهل الذمة، والتي فيها منع تشبه أهل الذمة بالمسلمين والتي تحول دون حدوث ذلك النسيج المزعوم. ألم تسمعوا عن كتاب صنفه العالم الجليل شيخ الإسلام ابن تيمية» وهو يحذر فيه أشد التحذير من ذلك النسيج الواحد الذي تدعونه، إنه كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» فارجعوا إليه فلعله يردكم عن إدعاء ذلك النسيج. على كل حال إن لم تكونوا قد سمعتم بهذا ولا بذاك، فلا علينا أن نسمعكم بعض أحاديث الرسول المصطفى التي تحرص على تمييز المسلمين عن غيرهم من الكافرين سواء أكانوا من أهل الكتاب، أومن غيرهم، وتحول بين المسلم وحدوث ذلك النسيج (الحضاري والاجتماعي والثقافي) الموحد. يقول الرسول ﷺ : منكراً على المسلمين ما يقع منهم من مشابهة ومتابعة وموافقة لليهود والنصارى، ومنفراً لهم من ذلك وحاضاً على تركه، يقول: «لتتبعُن سَنَن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جُحْر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» [٣] ، قال ابن حجر ﵀: «قوله: قال فمن: هو استفهام إنكار، والتقدير: فمن هم غير أولئك» [٤] ويقول ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم» [٥] قال ابن تيمية: «إسناده جيد وأقل أحواله: أنه يقتضي تحريم التشبه بهم» وقال ﷺ : «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» [٦] ولا يُكَمّل رد السلام، بخلاف المسلم الذي يقال له: وعليكم السلام ورحمة الله، أليس في هذه الأحاديث منعٌ للنسيج الثقافي والحضاري والاجتماعي الواحد، ألا يشعر المسلم من مثل هذه التوجيهات حرص الإسلام على إقامة حاجز نفسي بين المسلم وغيره، يمنعه من الانجذاب نحوه، وإذابة الفوارق بينه وبين غيره. وفي النهاية أقول لأصحاب البيان: ما الغرض، ومن المستفيد، ومن يرتضي ذلك البيان؟ فإن كان الغرض أن يرضى عنكم «الأسياد» المحليون أو غيرهم، فأنا أقول لكم تصديقاً لقول ربي مادمتم ترفعون شعار الإسلام، ولو تنازلتم عن أمور كثيرة، فلن يرضوا عنكم، كما قال تعالى: [ولن ترضي عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم] [البقرة: ١٢٠] أما إن كان الغرض هو الدفاع عن الإسلام، فإن ذلك لا يمكن أن يتم عبر العبث بأحكامه أو التنازل عنها. وأما المستفيد، فلا يستفيد من هذا البيان إلا أعداء الله ورسوله والمؤمنين لأن أي محاولة لتغيير أو تحوير في ثوابت الإسلام ومفاهيمه لن تصب إلا في مصلحتهم، ولن تؤدي إلا إلى تزييف وعي الشعوب المسلمة، وبالتالي رواج الأباطيل بينها، وسهولة انقيادها للطواغيت. وأما الرضا، فإن هذا البيان لا يرضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين؛ لأنه لايمكن الرضا بما فيه خروج على أحكام الشريعة. وأخيراً فلي رجاء: هل أطمع في بيان آخر يتم فيه الرجوع إلى الحق والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولأن يكون المرء ذيلاً في الحق خير له من أن يكون رأساً في الباطل، آمل ذلك، لا سيما أنكم إناس مسلمون تحبون الله ورسوله وتودون خدمة دينكم، وإن شاء الله لن يخيب ظني فيكم ولعل هذا البيان كان فرصة لنا لنقدم هذه الأمور التي ربما تكون قد غابت عن بعضهم، لا سيما وأن بعض المناوئين لأحكام الشريعة، يبثون مثل هذه الأقوال في مقالاتهم وأحاديثهم. والله الموفق والهادي إلى صراط مستقيم.

стр. 1805

خواطر في الدعوة بين المداراة والمداهنة محمد العبدة إن الفرق كبير بين المداراة والمداهنة، فالأولى سنة، والثانية معصية والمسلم الذي يتصدى لدعوة الخلق، وتعليمهم، وهدايتهم لطريق الحق، سوف يلقى كثيراً من العنت، وكثيراً من الأذى، وسيجد بالمقابل أصنافاً من الناس فيهم خير مشوب بجهل، أو غفلة، فإذا صبر على أمثال هؤلاء، واستعمل المداراة على وجهها الصحيح، فإن العاقبة له بإذن الله، وما المداراة إلا حسن العشرة غير مشوبة بمعصية، أو كما وصفها الشيخ رشيد رضا بالكياسة التي لا تهدم حقاً، ولا تبني باطلاً، وحتى يكون للداعية أثره، وشخصيته المتميزة، لابد أن يبتعد عن المداهنة، والفرق بينهما أن المداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق، أو يرده إليه، أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليُقره على الباطل، ويتركه على هواه، فالمداراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق « [١] . والدليل على المداراة ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: » استأذن رجل على رسول الله ﷺ -فقال: ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام: قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام، قال: أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس، أو ودعه الناس إتقاء شره « [٢] وفي البخاري في كتاب الأدب، ما جاء عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال:» إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم. « [٣] قال العلماء:» ما كان من أمر الدين، مثل أن يفتي بغير الحق أو يكذب أو يترك شيئاً من الواجبات، فهذه مداهنة محرمة، والمداراة مثل أن تعطيه مالك أو تحسن إليه.. « [٤] . ويفصل ابن بطال أنواع المداراة حتى يكون المسلم على بينة من أمره فيقول:» والمداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، فالمداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه «. [٥] وإذا فقه المسلم حديث رسول الله ﷺ ، وكيف أنه استعمل المداراة ليعلم المسلمين آداب الدعوة، مع أن الله عصمه من الناس، وإذا فقه أقوال العلماء الذين نقلنا عنهم، فسوف يتألف أناساً، أو يبعد شر آخرين، وأما الفظ الجواظ فلا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع، وهذه هي الدنيا بصفوها وكدرها.

стр. 1806

دراسات اقتصادية الإسلام والقضايا الاقتصادية المعاصرة المشكلة الاقتصادية وعلاجها من المنظور الإسلامي - ٥ - د. محمد عبد الله الشباني في الحلقتين السابقتين الثالثة والرابعة ناقشنا علاقة التوزيع بعنصرين من عناصر الإنتاج وهما عنصر العمل والموارد الطبيعية ومدى تأثيرها في وجود المشكلة الاقتصادية وكيفية معالجة الإسلام لهذين العنصرين من ناحية أهميتهما النسبية في العملية الإنتاجية، وعلاقتهما التأثيرية في بروز المشكلة الاقتصادية. وفي هذه الحلتقة سوف نناقش دور رأس المال باعتباره من عناصر الإنتاج في العملية الإنتاجية وأهميته النسبية في التأثير في بروز المشكلة الاقتصادية. والمفهوم الاقتصادي لرأس المال: هو كل ثروة تدخر وتستخدم في إنتاج ثروة أخرى، فهو بهذا يشمل الكثير من الثروات بل الثروات المدفوعة على الإنتاج كالأرض والمناجم والمواد الأولية وأدوات الإنتاج كالآلات والمنشآت الصناعية والزراعية والتجارية والنقد، وينقسم رأس المال إلى ثابت وهو الذي يستخدم أكثر من مرة واحدة في الإنتاج ورأس مال متداول وهو الذي لايستخدم غير مرة واحدة مثل البذور والمواد الأولية. يحتاج تكوين رأس المال إلى توافر ثلاثة عوامل هي الموارد الطبيعية والعمل والادخار، والادخار ضرورة لتكوين رأس المال حيث إن الادخار عامل يوجد لأنه يعمل على تحريك بقية عناصر الإنتاج الأخرى، وبالتالي يختلف عن الاكتناز، الذي يقوم على الاحتفاظ بالثروة من غير تفكير في استثمارها. لقد أعطى الإسلام لرأس المال دوراً مهماً ومؤثراً، بل إن كثيراً من التوجيهات النبوية والممارسات التي تمت في عهده ﵊ ومن بعده خلفاؤه تؤكد حقيقة أن لرأس المال دوراً في استغلال بقية عناصر الإنتاج وبالتالي تتخذ السيادة التحويلية للدولة الإسلامية توجها خاصاً فيما يتعلق باستخدام رأس المال في تحريك الاقتصاد ومعالجة المشكلة الاقتصادية، ومن ذلك ما أشرنا إليه في الحلقة السابقة من حديث قيس بن مسلم الذي رواه البخاري «وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا» [١] فعمر ﵁ بهذه السياسة المنهجية أوضح ما لرأس المال من دور في استغلال عنصري العمل والموارد الطبيعية، ورأس المال المتاح سواء من خلال مساهمة الدولة يكون في تقديم رأس المال التشغيلي أو رأس المال الثابت. إن المنهجية التي يقوم عليها الإسلام عند معالجته لرأس المال تقوم على أسس وقواعد تساعد على أن يكون لرأس المال دور في معالجة المشكلة الاقتصادية من ناحية استخدامه باعتباره أحد الأدوات المهمة في استغلال واستثمار بقية عناصر الإنتاج، وبالتالي تقليص التأثيرات السلبية للمشكلة الاقتصادية على الناتج القومي مع تحقيق التوازن فيما يتعلق بتوزيع الدخل القومي. والقواعد والأسس التي ترتكز عليها المنهجية الإسلامية في معالجتها لاستخدام رأس المال باعتباره عنصراً من عناصر الإنتاج وأداة لمعالجة المشكلة الاقتصادية تتمثل في الأمور التالية: أولاً: الحث على الادخار واعتباره أهم وسيلة من وسائل تكوين رأس المال وأنه سبب من أسباب انتفاء الفقر فقد روى أحمد في مسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ -أنه قال: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» [٢] ، والفقه المقصود في هذا الحديث هو جودة الفهم وحسن المعرفة، والرفق في المعيشة هو القصد في الإنفاق من غير إسراف وفي هذا الحديث توجيه للأمة بمراعاة القصد في الإنفاق والحث على الادخار، ويساند هذا الحديث ما رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما عال من اقتصد « [٣] ، والمقصود بالعول في هذا الحديث نفي الفقر عن من اقتصد في نفقته، فلم يبخل ولم يبذر، وفعل الرسول ﵊ يؤكد هذا المقصد من التوجيه فقد روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁» أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم « [٤] ، ففي هذا العمل من الرسول ﷺ -إرشاد للأمة إلى العمل على الإدخار ومراعاة مستقبل الأيام وعدم اكتناز ما زاد عن حاجته من الإنتاج بحيث يساعد في هذا على توافر السلع في الأسواق. ثانياً: الاهتمام برأس المال العيني بالمحافظة عليه وإطالة العمر الإنتاجي له وتجنب أساليب الاستهلاك المضرة، التي تؤدي إلى تقصير العمر الإنتاجي فرأس المال العيني هو رأس المال الثابت للمنتج، الذي يمثل الأداة التي تحرك بقية عناصر الإنتاج، ولهذا فإن الإسلام يوجه الانتباه إلى الاهتمام برأس المال العيني (الثابت) فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁» أن قدح النبي - ﷺ -انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة قال عاصم رأيت القدح وشربت فيه « [٥] ، ففي هذا الحديث توجيه واضح وإرشاد بضرورة ... الاهتمام والعناية برأس المال المنتج والمستخدم بقصد إطالة الاستفادة منه، فيمكن قياس الآلات والمعدات المكونة لرأس المال العيني على القدح من حيث العمل على صيانة الآلات والمعدات لإطالة عمرها الإنتاجي، والاهتمام بعدم تشغيل الآلات فوق طاقتها الإنتاجية حتى لا تتعطل أو تخرب قبل نهاية عمرها. ثالثاً: اعتبار رأس المال الثابت الركيزة الأساسية في تكوين رأس المال الاجتماعي، وبالتالي العمل على الإبقاء عليه وعدم التفريط ببيعه، وإن من الواجب في حالة بيع رأس المال الثابت استبداله برأس مال ثابت منتج آخر، وذلك بقصد توسيع قاعدة رأس المال العيني، والأهمية النسبية للمحافظة على رأس المال العيني تكمن في مجابهة النقص في القيم الفعلية لرؤوس الأموال النقدية، ومحاربة التوجه إلى الاستثمار في الأصول النقدية مثل شراء الأسهم والسندات الحكومية وسندات الإقراض بقصد الاتجار بها، لأن هذه الأصول أصول غير منتجة، ولهذا فإن من المشاكل التي تواجه الدول الإسلامية التي تستثمر فوائضها النقدية في الأوراق المالية من خلال المضاربة في أسواق المال العالمية النقص في القيم الفعلية لهذه الأموال نتيجة التضخم المالي، ولهذا فالتوجيه النبوي بالعناية برأس المال العيني باعتباره الركيزة في تكوين رأس المال ومجابهة النقص في القيم الفعلية للنقود يعتبر العلاج لكثير من المشكلات الاقتصادية التي تواجه المجتمعات الإسلامية المعاصرة كما يرشد إليه حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه ابن ماجة بسنده أن رسول الله - ﷺ -قال:» من باع داراً فلم يجعل ثمنه في مثله كان قمناً أن لا يبارك فيه « [٦] وحديث عمران بن حصين الذي رواه أحمد بسنده أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول:» من باع عقدة مال سلط الله عليها تالفاً يتلفها « [٧] ، والمراد بعقدة المال أصل المال أي رأس المال الثابت. فهذان الحديثان يوجهان الأمة إلى ضرورة التركيز على تكوين رأس المال الثابت وعدم التفريط فيه أو استبداله إلا بمثله أي إعطاء أهمية لرأس المال الثابت باعتباره الأساس في تشغيل بقية عناصر الإنتاج الأخرى وزيادة الناتج القومي. رابعاً: توجيه الاهتمام لإحلال واستبدال وتجديد رأس المال الثابت، أي العمل على استمرارية رأس المال الثابت للمنتج بإحلال الأصول الثابتة الجيدة محل الأصول المستهلكة، وتوجيه الانتباه إلى مراعاة الطاقة الاستيعابية لرأس المال المنتج بحيث لا يؤدي توسع رأس المال الثابت إلى إعاقة العملية الإنتاجية بالتأثير عليها وبالتناقص، ويرشد إلى هذا المفهوم ما رواه أبو داود عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال:» كنت وافد بني المنتفق ...، قال: فبينا نحن مع رسول الله ﷺ -جلوس إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر، قال: ما ولّدْتَ يا فلان؟ قال: بهمة، قال فاذبح لنا مكانها شاة، ثم قال: لا تحسبن (بالكسر) ولم يقل لا تحسبن (بالفتح) أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مئة لا نريد أن تزيد فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة « [٨] . ففي هذا الحديث إرشاد إلى أمرين: الأول: استبدال الأصل القديم بأصل جديد فالشاة التي تذبح حل محلها بهيمة صغيرة سوف تقوم بالإنتاج والشاة المذبوحة عادة تكون من الغنم التي بدأ إنتاجها في التقلص. الثاني: أشار الحديث إلى أن الطاقة الاستيعابية للحظيرة وقدرة الراعي علي المحافظة على القطيع هما في حدود مائة رأس من الغنم فالزيادة عن هذا الحد إضعاف للقدرة الإنتاجية لعنصري الإنتاج، المكان والقوى العاملة (الراعي) ، ويمكن الاسترشاد بهذا التوجيه النبوي بضرورة وضع قواعد وإجراءات يجب اتباعها من قبل المالكين لرأس المال الثابت بمختلف مكوناته وقيام ولي الأمر بالإشراف والمتابعة لتطبيق هذه الإجراءات لما فيه مصلحة الأمة بأجمعها.

стр. 1807

دراسات تاريخية عبد الله بن سبأ في ميزان البحث العلمي - ٢ - د. محمد آمحزون تمهيد: سبق الحديث عن اصل هذه الدراسة وبيان خطأ بعض المنطلقات التي بنى عليها د/عبد العزيز الهلابي دراسته تلك، وهي أن (سيف بن عمر لم ينفرد بالروايات الواردة في ابن سبأ، إنما سبقه الكثير من المؤرخين والعلماء في مصادر معروفة وأن السبئية ليست للذم والتعيير فقط) ويواصل الأخ الكاتب المزيد من الكشف عن تهافت تلك الدراسة. - البيان - للسبئية منطلقات خطيرة: أما قول الأستاذ الهلابي: إن السبئية لا تعني جماعة معينة لها عقيدة محددة، بل هي مجرد كلمة تعني الذم والتعيير، فهذا ينافي الواقع التاريخي لهذه الطائفة التي تزعم أنها هديت لوحي ضل عنه الناس [١] ، ويزعم رئيسها أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي [٢] ، كما أن السبئية يقولون برجعة الإمام وأن الأموات يرجعون إلى الدنيا [٣] ، ويقولون بالوصية [٤] ، ويسبون الصحابة [٥] ، ويزعمون أن علياً دابة الأرض [٦] ، وأنه شريك النبي في النبوة بل منهم من يقول بأن محمد ﷺ -رسول علي، يقول ابن حزم عنهم: وهذه الفرقة السبئية باقية إلى اليوم فاشية عظيمة العدد، منهم كان إسحاق بن محمد النخعي الأحمر الكوفي، ويقولون: إن محمد ﷺ -رسول علي [٨] . وتقول السبئية كذلك بالحلول والتناسخ [٩] ، ويعللون اختفاء علي بالغيبة [١٠] . ويجزم قتادة بن دعامة السدوسي بأن السبئية كغيرها من الفرق الضالة مثل النصرانية واليهودية، لها أفكارها ومعتقداتها الخاصة بها، التي تعد بدعة تتناقض مع جوهر الدين المنزل من عند الله، يقول: والله إن اليهودية لبدعة وإن النصرانية لبدعة، وإن الحرورية لبدعة، وإن السبئية لبدعة مانزل بهن كتاب ولا سنهن نبي [١١] . ومن السبئية المغيرة بن سعيد البجلي الذي قال عنه ابن قتيبة: وأما المغيرة فكان مولى لبجيلة وكان سبئياً [١٢] . وقال فيه ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعد فيما يروى عنه من الزور عن علي، هو دائم الكذب على أهل البيت، ولا أعرف له حديثاً مسنداً [١٣] . وجابر بن يزيد الجعفي الذي ذكره ابن حبان في عداد السبئية حيث قال: كان جابر سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول: إن علياً يرجع إلى الدنيا [١٤] ، وروي عن سفيان بن عيينة أنه يعني جابر كان يقول: علي دابة الأرض [١٥] . ومنهم أبو النصر محمد بن السائب الكلبي الكوفي الذي قال فيه ابن حبان: وكان الكلبي سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ [١٦] . ويقول عنه الحافظ ابن زريع البصري: رأيت الكلبي يضرب صدره ويقول: أنا سبئي، أنا سبئي [١٧] . وأبعد في الخطأ من الزعم السابق بأن السبئية ليست طائفة لها عقيدة محددة قول الدكتور الهلابي بأن السبئية مجرد كلمة تطلق للتعيير والذم [١٨] . وإذا كانت كذلك، فلابد أن يكون لها أصل في اللغة، وعند الرجوع إلى معاجم اللغة وجدنا أن سبأ تعني: من حلف على يمين كاذبة غير مكترث بها والخمر اشتراها ليشربها، والجلد سبأه أي أحرقه [١٩] . ولم يقل أحد من علماء اللغة أن السبئية تعني الذم والتعيير، بل قال صاحب لسان العرب: وسبأ اسم رجل يجمع عامة قبائل اليمن، وهو اسم مدينة بلقيس باليمن، والسبأية أو السبئية من الغلاة، وينسبون إلى عبد الله بن سبأ [٢٠] . وقال الزبيدي: وسبأ والد عبد الله المنسوبة إليه الطائفة السبئية بالمد كذا في نسختنا، وصحح شيخنا السبئية بالقصر كالعربية وكلاهما صحيح، من الغلاة، جمع غال وهو المتعصب الخارج عن الحد في الغلو من المبتدعة، وهذه الطائفة من غلاة الشيعة [٢١] . رابعاً - موقف الإمام علي من السبئية: يقول الدكتور الهلابي: وهذه الروايات التي تروي بأن السبئية قالت لعلي: أنت خالقنا ورازقنا لا يمكن أن يقبلها المنطق السليم، إذ لا نعرف أحداً من العرب عبد إنساناً واعتقد أنه هو الخالق الرزاق، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، بل لا نعرف أن أحداً من المسلمين ارتد عن دين الله ارتداداً صريحاً بعد الردة التي حدثت بعد وفاة الرسول ﷺ -مباشرة ... لماذا يعاقبهم علي بالإحراق في النار وهي عقوبة غير مألوفة لا في عهد الرسول ﷺ -ولا في عهد الخلفاء الراشدين قبله؟ ألا يمكن أن يضربهم بالسياط ليستتيبهم فإن لم يتوبوا قتلهم بالسيف؟ [٢٢] . إن خبر إحراق علي ﵁ لطائفة من الزنادقة المرتدين تكشف عنه الروايات الصحيحة في كتب الصحاح والسنن والمعاجم، فقد ذكر الإمام البخاري في كتاب استتابة المرتدين في صحيحه عن عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي النبي - ﷺ : (لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (من بدل دينه فاقتلوه) [٢٣] . ولفظ الزندقة ليس غريباً عن عبد الله بن سبأ وطائفته، يقول ابن تيمية: إن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ [٢٤] . ويقول الذهبي: عبد الله ابن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل [٢٥] ، ويقول ابن حجر: عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ... وله أتباع يقال لهم السبئية معتقدون الإلهية في علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته [٢٦] ، ويقول في موطن آخر بأن أحد معاني الزندقة الادعاء بأن مع الله إلهاً آخر [٢٧] ، وهذا المعنى قال به ابن سبأ وأتباعه، وجزم بذلك أصحاب المقالات والفرق والمحدثون والمؤرخون. وروى خبر الإحراق أيضاً أبو داود في سننه: في كتاب الحدود باب الحكم فيمن ارتد [٢٨] ، والنسائي في سننه: في كتاب الحدود [٢٩] ، والحاكم في ... المستدرك، في كتاب معرفة الصحابة [٣٠] ، والطبراني في المعجم الأوسط من طريق سويد بن عقلة أن علياً بلغه أن قوماً ارتدوا عن الإسلام، فبعث إليهم فأطمعهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها، ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال: صدق الله ورسوله [٣١] . وروي من طريق عبد الله بن ثريد العامري عن أبيه قال: قيل لعلي إن هنا قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا: فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال أدخلهم، فقالوا كذلك فلما كان اليوم الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك فخد لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذفهم فيها حتى إذا احترقوا قال: إني إذا رأيت الأمر منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا قال الحافظ ابن حجر: وهذا سند حسن [٣٢] . خامساً - سيف بن عمر في الميزان: يتحامل الدكتور الهلابي على الإخباري سيف بن عمر التميمي تحاملاً شديداً، ويقول بأن سمعته باعتباره محدثاً سيئة للغاية، فقد حكم أصحاب الجرح والتعديل عليه بالضعف واتهموه بوضع الأحاديث على الثقات وبالزندقة، كما يتهمه بالتحيز والتعصب، وأنه عبث بروايات التاريخ الإسلامي، خصوصا ما له صلة بالفتنة وما تلاها [٣٣] . والحقيقة أن هذا الكلام مبالغ فيه، إذ يجب أن نفرق بين سيف بن عمر باعتباره محدثاً من جهة وباعتباره إخبارياً من جهة أخرى، فالطعن فيه من جهة الحديث وهو أمر صحيح لا ينسحب بالضرورة على الأخبار التي يرويها. أثنى الحفاظ على سيف بالخبرة والمعرفة في التاريخ، فقال الحافظ الذهبي: كان إخبارياً عارفاً [٣٤] ، وقال الحافظ ابن حجر: ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ [٣٥] . على أن الحافظ ابن حجر لم يرض باتهامه بالزندقة وقال: أفحش ابن حبان القول فيه [٣٦] . ولسنا ندري كيف يصح اتهامه بذلك وروايته في الفتنة وحديثه جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أبعد ما يكون عن أسلوب الزنادقة، وكيف يستقيم اتهامه بالزندقة وهو الذي فضح وهتك سر الزنادقة! ويمكن القول: إن رواية سيف بعيدة كل البعد أن تضعه موضع هذه التهمة، بل هي تستبعد ذلك، إذ إن موقفه فيها هو موقف رجال السلف في احترامه للصحابة وتنزيهه لهم عن فعل القبيح، فقد انتحى جانباً عن أبي مخنف والواقدي فعرض تسلسلاً تاريخياً ليس فيه تهمة للصحابة، بل يُظْهِر منه حرصهم على الإصلاح وجمع الكلمة، وهو الحق الذي تطمئن إليه النفوس، إذ يسير في اتجاه الروايات الصحيحة عند المحدثين. وإذا كان المحدثون يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن كانت روايتهم تؤيد أحاديث صحيحة موثقة، فلا بأس إذن من الأخذ بهذا الجانب في التاريخ وجعله معياراً ومقياساً إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها، ومن هذا المنطلق تتخذ الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند الإخباريين مثل سيف والواقدي وأبي مخنف، فما اتفق معها مما أورده هؤلاء تلقيناه بالقبول، وما خالفها تركناه ونبذناه. ومما لا شك فيه أن روايات سيف في أغلبها مرشحة لهذه المعاني، إذ تتفق وتنسجم مع الروايات الصحيحة المروية عن الثقات فيما يتعلق بوجود ابن سبأ علاوة على أنها صادرة ومأخوذة عمن شاهد تلك الحوادث أو كان قريباً منها. أما وصف سيف بالتحيز فأمر غير صحيح، إذ أن تعصب سيف المزعوم ترده أحوال قبيلته بني تميم وموقفها من الفتنة، فمن المعروف أنهم ممن اعتزل الفتنة مع سيدهم الأحنف بن قيس يوم الجمل [٣٧] ، وبالتالي فإن روايته للفتنة تشكل من خلال مضمونها على العموم مصدراً حيادياً ومطلعاً في آن واحد. سادساً - تحميل روايات سيف ما لا تحتمل: يقول الدكتور الهلابي: وما يهمنا هنا هو الرواية الأولى، إذ أن سيفاً أراد أن يقول بطريق غير مباشر: إن الخليفة علياً لم ينضم إليه أحد من المهاجرين والأنصار، وإنما فقط سبعمائة من الكوفيين والبصريين، ومن يكونون هؤلاء الكوفيين والبصريين في المدينة؟ لابد أنه يريد أن يقول بطريق غير مباشر أيضاً: إن أنصار الخليفة علي هم قتلة عثمان، مع العلم أنه ذكر في مكان آخر أن قتلة عثمان من أهل البصرة قتلوا مع حكيم بن جبلة العبدي قبل أن يقدم علي وجيشه البصرة، فسيف يهدف ضمنياً إلى النيل من الخليفة علي، وفي الوقت نفسه يريد أن يعارض تلك الروايات التي تبالغ في عدد المشاركين في جيش علي من أهل بدر خاصة والصحابة من المهاجرين والأنصار عامة [٣٨] . من الملحوظ هنا أن الدكتور الهلابي يحاول جاهداً أن يحمل روايات سيف ما لا تحتمل من المعاني، ويتجاهل روايات أخرى لا تتفق مع خطه الذي رسمه مسبقاً تجاه سيف، فيَحْكُم بلا دليل ظاهر على أجزاء من رواياته ويسكت عمداً عن ذكر أجزاء أخرى لأنها تؤدي الغرض من فهم الروايات بالشكل المطلوب، وهو مع هذا يستعمل عبارات غير علمية وغير دقيقة مثل: أراد أن يقول بطريق غير مباشر، يهدف ضمنياً. فمن المآخذ على الدكتور الهلابي أنه نسب إلى سيف ما لم يرو بقوله: ... إن الخليفة علياً لم ينضم إليه أحد من المهاجرين. فالشطر الأخير من هذه العبارة مأخوذ من رواية سيف: وخرج معه أي مع علي من نشط من الكوفيين والبصريين متخففين في سبعمائة رجل [٣٩] ، أما الشطر الأول من العبارة: إن الخليفة علياً لم ينضم إليه أحد من المهاجرين والأنصار فهو من استنتاج الدكتور الهلابي. وهذا الاستنتاج ليس في محله، إذ يتناقض مع ما رواه سيف حول هذا الموضوع، فقد ذكر أسماء الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين انضموا إلى علي، ومن ذلك قوله فأجابه رجلان من أعلام الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان وهو بدري وخزيمة بن ثابت [٤٠] ، وقوله: وأرسل علي الحسن وعماراً بعد ابن عباس ... [٤١] ، فلما نزلوا ذي قار دعا علي القعقاع بن عمرو فأرسله إلى البصرة [٤٢] . وهؤلاء من المهاجرين، وقوله: قال الشعبي: بالله الذي لا إله إلا هو، ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة بدريين ما لهم سابع أو سبعة ما لهم ثامن [٤٣] . والحق أن الصحابة الذين انضموا إلى علي ﵁ أو إلى مخالفيه (طلحة والزبير وعائشة ومعاوية ﵃ لم يكونوا كثرة كما توحي بذلك بعض الروايات التي تبالغ في عدد المشاركين من الصحابة في الفتنة، وإنما كانوا قلة كما جاءت بذلك الأخبار الصحيحة في كتب الحديث. روى عبد الرزاق في المصنف والإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ -عشرات الألوف، فلم يحضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين [٤٤] . وروى ابن بطة بإسناده إلى بكير بن الأشج أنه قال: أما إن رجالاً من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم [٤٥] . وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى الحسن البصري أن رجلاً قال لسعد بن أبي وقاص: هذا علي يدعو الناس، وهذا معاوية يدعو الناس، وقد جلس عنهم عامة أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال سعد: أما وإني لا أحدثك ما سمعت من وراء وراء، ما أحدثك إلا ما سمعته أذناي ووعاه قلبي، سمعت رسول الله ﷺ -يقول: إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول ولا تقتل أحداً من أهل القبلة فافعل [٤٦] . هذا وإن رواية سيف عن الصحابة الذين شاركوا في الفتنة تسير في هذا الاتجاه ولا تحيد عنه. أما قول الدكتور الهلابي في تساؤلاته: ومن يكونون هؤلاء الكوفيين والبصريين في المدينة؟ لابد أنه يريد أن يقول سيف بطريق غير مباشر أيضاً إن أنصار الخليفة علي هم قتلة عثمان، مع العلم أنه ذكر في مكان آخر أن قتلة عثمان من أهل البصرة قتلوا مع حكيم بن جبلة قبل أن يقدم علي وجيشه البصرة [٤٧] . فصحيحة نسبة القول الأخيرإلى سيف [٤٨] ، لكن العبارة الأولى التي فيها أنه اتهم علياً بأن أنصاره هم قتلة عثمان، فلم يقل بها سيف إطلاقاً، ولا ذكرها الإمام الطبري في تاريخه، وإنما هي من استنتاج الدكتور الهلابي الذي يتقن علم ما وراء السطور! ولهذا نقول للأستاذ الهلابي: متى كان المنهج العلمي ضرباً من ضروب الاستنتاج العقلي المحض في غياب النصوص والروايات؟ ! وللإشارة، فإن أسلوب سيف في روايته لأحداث الفتنة ليس فيه أي نيل أو تجريح لعلي ﵁ بل أثنى عليه بما هو أهله، إذ نقل عن سعيد بن زيد أنه قال: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي ﷺ -ففازوا على الناس بخير يحوزونه إلا وعلي بن أبي طالب أحدهم [٤٩] . وذكر أن علياً حين انطلق إلى البصرة في إثر طلحة والزبير وعائشة كان ينوي الإصلاح وجمع الكلمة [٥٠] ، كما أثنى على دور القعقاع بن عمرو رسول علي في تثبيطه أهل الكوفة عن الاشتراك في الفتنة أولاً [٥١] ، ثم في مساعيه الإصلاحية بين علي ومخالفيه في البصرة ثانياً [٥٢] . سابعاً - منهج عجيب إزاء الأحاديث النبوية: يقول المؤلف: ومع أني أرجح أن (حديث الحوأب حديث موضوع ... [٥٣] . فمن الملاحظ هنا أن الدكتور الهلابي يتعامل مع الأحاديث النبوية كما يتعامل مع الروايات التاريخية، فيقبل ويرفض، ويعلل ويجرح حسب اجتهاده الشخصي، مع العلم أن مصطلح الحديث فن جليل وخطير بلغ من الدقة والإحكام أرقى ما يمكن أن تصل إليه الطاقة البشرية، فأحكامه ومصطلحاته ذات دلالة واضحة ومحددة لا تقبل التلاعب فيها، ولذلك يكون الحديث إما صحيحاً وإما ضعيفاً وإما موضوعاً، وفق الموازين النقدية للرواية. وبما أن الأحاديث هي غير الروايات التاريخية، فينبغي للتثبت من صحتها أن يتم الرجوع إلى العلماء المختصين في علم الحديث النبوي. وحديث الحوأب حديث صحيح قال عنه الحافظ ابن كثير: إسناده على شرط الصحيحين [٥٤] ، وقال الحافظ الذهبي: هذا حديث صحيح الإسناد [٥٥] وقال الحافظ بن حجر في الفتح: أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه ابن حبان والحاكم، وسنده على شرط الصحيح [٥٦] . ورواية الحديث كما نقلها الإمام أحمد: (حدثنا عبد الله، حدثني أبي حدثنا يحيى عن إسماعيل، حدثنا قيس قال: لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب، قالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله عز وجل ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ -قال لها ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب! [٥٧] . ثامناً - الطبري سمى السبئية: يقول الدكتور الهلابي: إن الإمام الطبري لم يسم طائفة عبد الله بن سبأ سبئية، وإنما وضع هذه التسمية سيف بن عمر لتنسجم مع رواياته حول ابن سبأ ودوره في الفتنة [٥٨] . لقد فات المؤلف بأن الإمام الطبري ذكر السبئية في تفسيره جامع البيان عند شرحه لقوله تعالى: [فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله] [ال عمران: ٧] ، يقول: وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله ... كان من أهل النصرانية أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سبئياً أو حروريا أو قدرياً أو جهمياً، كالذي قال ص: فإذا رأيتم الذين يجادلون فهم الذين عنى الله فاحذروهم [٥٩] . تاسعاً - منهج المستشرقين غير مسلم له على الإطلاق: يبدو جلياً أن الدكتور الهلابي تأثر بأفكار بعض المستشرقين الذين لا يقرون بوجود ابن سبأ، إذ نحا منحاهم في إثارة الشكوك حول شخصيته ويقول: بأن هؤلاء نالوا قصب السبق في إثارة قضية عبد الله بن سبأ [٦٠] . لكن يا ترى إذا كان المستشرقون قد سبقوا الباحثين العرب إلى دراسة شخصية ابن سبأ، فهل نحن ملزمون بالتسليم بكل ما كتبوه في هذا الصدد؟ إن المستشرقين كغيرهم من البشر معرضون لعوامل السهو والخطأ، ومنهم من يشتط في نظرته، ويحمل في نفسه من الأهواء والرغبات ما يجعله يفرض آراءه المسبقة على النصوص، ويتعسف في تأويلها نظراً للعداء التاريخي في نفسه للإسلام والمسلمين. ثم لا يخفى أن المستشرقين الذين أنكروا وجود السبئية كان هدفهم من ذلك التشكيك والإنكار هو إدعاء أن الفتن إنما هي من عمل الصحابة والمسلمين أنفسهم، وأن نسبتها إلى اليهود أو الزنادقة هو نوع من الدفاع لجأ إليه الإخباريون والرواة المسلمون ليعلقوا أخطاء هؤلاء الصحابة على عناصر أخرى، فيقول أحد هؤلاء المستشرقين: بأن ابن سبأ ليس إلا شيئاً في نفس سيف أراد أن يبعد به شبح الفتنة عن الصحابة وإنها إنما أتت من يهودي تستر بالإسلام [٦١] . عاشراً - ثبوت أخبار ابن سبأ: إذا افترضنا جدلاً أن الروايات والأخبار المتعلقة بابن سبأ غير صحيحة ومن نسج الخيال، فكيف يعقل أن يسكت عنها العلماء الأقدمون ولا ينتقدوها، وهم الذين أصّلوا منهجاً علمياً دقيقاً في نقد الرجال وتتبع أحوالهم! هذا وقد أثبت كثير من العلماء والرواة في كتبهم خبر ابن سبأ، ولم يُستدرك عليهم في هذا الشأن إلا ما كان من بعض الباحثين المعاصرين الذين أطلقوا لأنفسهم العنان للخوض في هذا الموضوع بغير سند أو أثرة من علم فأساؤوا بذلك إلى أسس البحث العلمي التي يدعون أنهم أهلها بغير دليل. حادي عشر - رأي بلا مصدر أو دليل: الغريب في الأمر أن الدكتور الهلابي رغم تأكيده على أن شخصية ابن سبأ شخصية وهمية، فإنه لم يدعم رأيه ولو بمصدر واحد متقدم ينفي وجود عبد الله بن سبأ، فكيف يكون إذاً صاحب منهج علمي ودراسته قائمة على الآراء والفرضيات، بينما هي تفتقر أساساً إلى الأدلة العلمية ودعم من المصادر المتقدمة القريبة من هذه الأحداث؟ ! وفي الختام نقول: إن تشكيك بعض الباحثين المعاصرين في عبد الله بن سبأ، وأنه شخصية وهمية، وإنكارهم وجوده، لا يستند إلى الدليل العلمي ولا يعتمد على المصادر المتقدمة، بل هو مجرد استنتاج يقوم على فرضيات وتخمينات شخصية تختلف بواعثها حسب ميول مُتبنيها واتجاهاتهم.

стр. 1808

نصوص شعرية رؤى خارج القيد تركي المالكي (١) قيود تخنق الأفكار والأعناقْ! . (........................) وتعبرُ في رؤاي اليوم (أشواقُ) .. غدا حُلُمي بجوف (القبو) .. مصباحاً وما بين الحصار هَمَى على جرحي.. همى ترياقْ! أشدّ العين من أسر التّشُيّؤ.. من خطى قدمي أحررها..! وأبعثها لتبحر في المدى.. وتعانق الآفاقْ! ويهوي السوطُ.. والجلادُ يُزْبدُ.. و (الصدى) ضجّت به (الأبواقْ) ! وينفتح المدى.. يمتدّ! .. وينكمش (الصدى) .. يرتدّ! .. ورغم لفائف الظلماء.. أبصر أنجماً شقّت ستار الليلْ! .. ورشّتْ في المدى حزماً من الأضواءْ! يَرفّ الآن في سمعي صهيلُ الخيلْ! وتمتزج الدماءُ بشوقها.. و (الليلْ) .. يضجّ منادياً بالويلْ! .. وتلعقُ خطوَهُ (الأصداء) ! : (لكم يا مارقين الويلْ، لكم يا مارقي..) (٢) (وأعلم أن (أشواقي) .. غدت في محنتي الترياقْ.. فأشتاقُ! .. وأشتاقُ! .. وأمنحُها دمي.. قلبي.. سنيّ العمر.. والأحداقْ! وأنْبُت بين (أسوار الجفاف) نخيلةً.. تشتاقُ للثمرة! وأسواط السموم تهزّها والشمسْ.. تَصُبّ شعاعَها ناراً! .. ورغم الجدب والإعصار.. تَبْسُقُ بيننا شجرة! ! تمد فروعها في الأفق.. منتشرةْ غدت مأوى (الطيور) الهاجراتِ القيدْ! وللجوعى.. غدتْ ثمرةْ! .. (٣) (رُؤى) لم تندرج في (عالم الأوهامْ) ! تعين على غيار الصمت والأيامْ.. و (أحلامٌ) تمارسُ فعلها.. لتُحَطّمَ الأغلال و (الأصنامْ) ! وننسجُ حولها عملاً.. يُهيّءُ للهدى أقوامْ.. ويجري العام بعد العامْ! .. ويبقى الشوقُ وقّاداً.. ويسري في الدم الإلهامْ.. ولا نأسى على ما فاتَ.. نحلمُ أن نرى زمناً.. يُجسّدُ هذه (الأحلامْ) ! !

стр. 1809

المسلمون والعالم مأساة المسلمين في ليبيريا - حقائق وأرقام - سيكو أبو بكر شريف يتعرض المسلمون في ليبيريا منذ خمس سنوات ماضية لحملة صليبية ووثنية شرسة تهدف إلى استئصالهم وإنهاء وجودهم على التراب الليبيري، ونجم عن هذه الحمل قتل ما يزيد عن (١٠٠. ٠٠٠) ألف مسلم شر قتلة كإحراق الدعاة والأئمة بإشعال النيران فيهم بعد صب البنزين عليهم وفصل رؤوس آخرين عن أجسامهم وقطع ألسن وآذان المؤذنين أحياء وفتح بطون الحوامل واغتصاب النساء والفتيات مما أفرز ما لا يقل عن (١٠. ٠٠٠) يتيم وأرملة، مع تشريد ما يزيد عن (٧٠٠. ٠٠٠) ألف يعيشون الآن لاجئين في الدول المجاورة مثل غينيا وسيراليون وساحل العاج ونيجيريا وغانا وغيرها فضلاً عن مئات الآلاف الذين نزحوا إلى العاصمة منروفيا ويقيمون في مخيمات ومراكز إيواء تحت حماية قوات حفظ السلام الإفريقية، ويعانون جميعاً ظروف معيشية وصحية سيئة للغاية، هذا بالإضافة إلى هدم المساجد والمدارس الإسلامية ومنازل المسلمين، ومؤسساتهم الاقتصادية مع نهب كافة ممتلكاتهم. هذا ما يحدث وغيره كثير للمسلمين في ليبيريا في غفلة أو لا مبالاة من الأمة الإسلامية. ولصراع المسلمين مع النصارى في ليبيريا تاريخ طويل بدأ كما سيتضح منذ عام ١٨٢٢م، ولكن كان في شكل غزو تنصيري وفكري منظم وإن كانوا قد نجحوا في تهميش المسلمين وإبعادهم عن شؤون المجتمع، إلا أنهم فشلوا في تنصيرهم بالمقارنة مع الجهود الجبارة التي بذلوها ويبذلونها لمدة تزيد عن قرن وستة عقود. نبذة جغرافية وتاريخية: تقع جمهورية ليبيريا على الساحل الجنوبي الغربي من القارة الإفريقية ويحدها المحيط الأطلنطي جنوباً، وغينيا كوناكري شمالاً وساحل العاج شرقاً، وسيراليون غرباً، تبلغ مساحتها (١١١. ٠٠٠) كيلو متر مربعاً وعدد سكانها (٣) ملايين نسمة، يشكل المسلمون (٣٥%) والنصارى (٢٥%) والباقون وثنيون، ويتكون سكان ليبيريا من (١٦) قبيلة منها الماندغو والفاي والغولا والماندي وهذه كلها قبائل مسلمة. تأسست ليبيريا في عام ١٨٤٧م على يد الإفريقيين المحررين الذين اختطفوا إلى الولايات المتحدة أرقاء، ولكن ظهرت هناك أصوات وجمعيات إنسانية عارضت الاتجار بالإنسان واستعباده ونادت بتحرير الأرقاء وإعادة توطينهم في وطنهم الأصلي إفريقيا، وبتأييد ودعم من الحكومة الأمريكية آنذاك باشرت تلك الجمعيات مهمتها الاستيطانية بإيفاد البعثات الاستكشافية إلى القارة الإفريقية لإيجاد مناطق صالحة لتوطين المحررين، وبعد رحلات عديدة وقع اختيارهم على منطقة تعرف حالياً بـ (ليبيريا) حيث حصلوا على أراضي من ملوك ورؤساء قبائل المنطقة الأصليين بالشراء تارة وبالمنحة تارة أخرى. وفي عام ١٨٢٢م وصلت أول سفينة إلى شاطئ المستوطنة الجديدة محملة بالفوج الأول من المحررين العائدين ترافقهم البعثات التنصيرية بهدف تنصير المنطقة وأهلها من المسلمين، ثم تتابع وصولهم وظلت الحكومة الأمريكية ممثلة بتلك الجمعيات الإنسانية أو التنصيرية بالأحرى ترعى شؤون المستوطنة الجديدة إلى أن أعلنت استقلالها عام ١٨٤٧م وسموها (ليبيريا) وتعني (هنا الحرية) لتكون بذلك أول دولة إفريقية ذات سيادة. وعرف أولئك العائدون بـ (الأمريكيين الليبيريين) ويشكلون (٥%) من مجموع سكان ليبيريا إلا أنهم حكموا البلاد لمدة زادت عن (١٣٥) سنة أي منذ الاستقلال عام ١٨٤٧م ولم يسمحوا بمشاركة أغلبية السكان الأصليين في الحكم حتى إذا كان عام ١٩٨٠م قاد الرئيس صومويل دو الراحل وهو من السكان الأصليين انقلاباً عسكريا ليضع بذلك نهاية لحكمهم واحتكارهم للسلطة. بداية محنة المسلمين: حينما أدرك المنصرون فشلهم في تنصير المسلمين، عمدوا إلى الغزو المسلح في ٢٤ ديسمبر عام ١٩٨٩م عن طريق تحريض ودعم أفراد بعض القبائل الوثنية المعروفين بكراهيتهم وحقدهم الشديد ضد الإسلام والمسلمين، فتسللوا عبر حدود ليبيريا مع ساحل العاج حيث تدربوا تحت اسم (الجبهة الوطنية الليبيرية) بقيادة تشارلز تايلور وهو من الأمريكان الليبيريين وأعلنوا أنهم يهدفون إلى الإطاحة بالحكومة تضليلاً للرأي العام العالمي وتغطية على تصرفاتهم الوحشية في المسلمين، وقاموا بعملية تمشيط في طول البلد وعرضه بحثاً عن كل من هو مسلم أو إسلامي للقضاء عليه. الوضع الأمني والسياسي: ينقسم البلد الآن إلى ستة أجزاء: العاصمة منروفيا وضواحيها وتسيطر عليها الحكومة الانتقالية بدعم من قوات حفظ السلام الإفريقية التي تدخلت في أغسطس عام ١٩٩٠ لبسط الأمن عندما انهار الجيش الحكومي أمام المتمردين، والجزء الثاني تحت سيطرة (الجبهة الوطنية الليبيرية) الفصيل الرئيس والجزء الثالث تسيطر عليه حركة التحرير من أجل الديموقراطية في ليبيريا (يوليمو) والمكونة من بعض المسلمين وفلول جيش الرئيس صومويل دو الراحل الذي اغتيل على يد المتمردين في سبتمبر عام ١٩٩٠ في ظروف غامضة، والجزء الرابع يسيطر عليه (مجلس السلام الليبيري) وهي مجموعة وثنية نصرانية، والجزء الخامس تحت سيطرة المسلمين الذين استردوها من الجبهة الوطنية الليبيرية، والجزء السادس والأخير تحتله (قوات دفاع قبيلة لوما) وهي وثنية خالصة، وجميع الفصائل غير الإسلامية متفقة فيما بينها على ضرب المسلمين وإنهاء وجودهم في ليبيريا. وقعت كل من الجبهة الوطنية الليبيرية وحركة يوليمو باعتبارهما الموجودتين على الساحة وقتئذ اتفاقية الصلح مع الحكومة الانتقالية في مدينة كوتونو عاصمة جمهورية بنين بتاريخ ٢٥/٧/٩٣، وتضمن الاتفاق وقف إطلاق النار ونزع السلاح، وتكوين حكومة انتقالية جديدة تمثل جميع الأطراف المعنية لتسيير شؤون البلد والإشراف على إجراء الانتخابات بعد ستة أشهر من تاريخ توقيع الاتفاقية إلى غير ذلك من البنود الواردة فيها. وبعد مرور سنة على توقيع الاتفاقية المذكورة، لم ينفذ منها إلا البند الخاص بتشكيل حكومة انتقالية جديدة، وقد تعثر تنفيذها بسبب تدخلات خارجية وتعنت كل طرف وسعيه إلى الحصول على نصيب الأسد من المناصب الوزارية والإدارية العليا، بل لقد زاد الوضع تعقيداً بظهور فصائل جديدة لم تكن طرفاً في الاتفاقية المذكورة. القضية الأساسية للمسلمين: على رغم أن المسلمين هم الضحية الأولى للأحداث الجارية في ليبيريا بسبب عقيدتهم، إلا أن الاتفاقية المذكورة جاءت مجحفة بحقهم، حيث لم يرد فيها ما يكفل حرية الاعتقاد والعبادة لجميع المواطنين، بل وعلى العكس، نصت على العفو عن المسؤولين عن تلك الاعتداءات الوحشية وإشراكهم في الحكم، كما أنها لم تتضمن أي ضمانات تحول دون تكرار ما حدث، الأمر الذي سيجعل من الصعب على المسلمين العودة إلى ديارهم والعيش في أمن واستقرار. ومن المناسب أن نوضح هنا بأن لا ينخدع أحد بوجود بعض المسلمين في الحكومة الانتقالية الحالية التي قد تزول في أي وقت لأنه تمثيل إسلامي صوري، الهدف منه إرضاء المسلمين وتثبيطهم وإسكاتهم عن المطالبة بحقوقهم المشروعة، وبخاصة إذا علمنا أن ذلك التمثيل غير صادر عن تنظيم إسلامي مؤسسي ذي برامج وأهداف، هذا فضلاً عن وجود حملة شعواء الآن تطالب بتنحيتهم وإخراجهم من الحكومة نظراً لانتمائهم الإسلامي. النشاط التنصيري: تقوم المؤسسات الكنسية بأنشطة مكثفة وعديدة في ملاجئ المسلمين في مجالات الإغاثة والصحة والتعليم والشباب وتقديم قروض زراعية وتجارية للاجئين، وكلها تهدف إلى استمالتهم وإخراجهم من دينهم إن استطاعوا، وقد أقاموا داخل الملاجئ في غينيا وحدها ما لا يقل عن أربعين مدرسة في مختلف مراحلها من ابتدائية ومتوسطة وثانوية، أما في مجال الإغاثة، فإن أغلب عمليات التوزيع تكون في أيام الجمعة ويجعلونها متزامنة مع صلاة الجمعة، وأما نشاطهم في داخل ليبيريا فهو منقطع النظير ويتضح ذلك من الأرقام التالية: النشاط العدد المدارس ١٣٠٥١ الكليات المتوسطة والمعاهد الفنية ٥٠٠ الجامعات ٢ الكنائس والمراكز التنصيرية ٤٨٤٠٠ المستوصفات والمراكز الصحية ٣٦ المستشفيات ٦ المكتبات لترويج الكتب التنصيرية ٤٠٠ مؤسسات إنسانية وخيرية ٦ محطات إذاعية ٢ صحف ومجلات ٤ دور أيتام ٢ وعندما قرر المسلمون الدفاع عن أنفسهم في وجه الاعتداءات المتكررة المشار إليها، أثارت القوى التنصيرية المحلية والعالمية ضجة كبيرة وكثفت من تحركاتها لمواجهة ما يسمونه الخطر الإسلامي على النصرانية في ليبيريا، وإليك أيها القارئ الكريم نص التقرير الذي أصدره مؤخراً مجلس الكنائس العالمي وتوصيات اللجنة المنبثقة عنه والخاصة بليبيريا، مما يدل على حجم المؤامرة التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين في هذه الدولة الإفريقية وفي غفلة من الأمة الإسلامية. نص التقرير [١] : مدخل: منذ (١٤٧) سنة، قررت (المنظمة الأمريكية للاستيطان) وهي منظمة نصرانية غير حكومية ومقرها في أمريكا إعادة توطين العبيد الإفريقيين المحررين والمرفوضين من قبل المجتمع الأمريكي، قررت توطينهم في أي بقعة من القارة الإفريقية، وكان لهذه المنظمة هدفان رئيسان: الأول: إعادة توطين هؤلاء الأفارقة في قارتهم الأصلية. والثاني: استعمال هؤلاء المستوطنين في تنصير إفريقيا. وقد تم وضع عدة استراتيجيات لتحقيق هذه الأهداف، ولكن نظراً لبعض الظروف الاقتصادية والعامل الديني بين السكان الأصليين الذين كانوا من المسلمين، فإن تحقيق هذه الأهداف قد واجهته بعض الصعوبات. وبالاختصار، وبعد مرور (١٤٧) سنة، فإن هذه الدولة النصرانية المهمة، مهددة من قبل المسلمين، أكثر من أي وقت مضى، وهناك حاجة إلى المزيد من الاهتمام والمساعدة العاجلة لهؤلاء المتقين (النصارى) لقمع هذا الخطر الإسلامي، ولكن قبل إصدار أي توصيات، فإنه من الأفضل التعرف على مدى قوة هذه الجماعة (المسلمين) واستيراتيجيتهم ومصادر تمويلهم والعقول المخططة لهم، وهذه الأعمال تحتاج إلى تشكيل لجان خاصة لدراستها، وفي ضوء نتيجة هذه الدراسة، يمكن تأجير متخصصين من أنحاء العالم للتعامل مع الوضع حماية للنصرانيةفي ليبيريا بصفة خاصة وفي أفريقيا بصفة عامة، ويتوقع وصول تقرير عن ليبيريا بصفة خاصة وعن إفريقيا بصفة عامة من هذه اللجان في أقرب فرصة لكي يتم وضع خطة العمل لعام ١٩٩٤. التقرير الشامل الذي أعدته اللجنة الخاصة بليبيريا ١٩ مارس ١٩٩٤ مقدمة: بناء على طلب مجلس الكنائس العالمي لدراسة الخطر الإسلامي للنصرانية في واحدة من أهم الدول النصرانية في العالم والمسماة ليبيريا الدولة التي استخدمتها الكنائس البورتستانتية قاعدة لمدة قرن وبضع عقود لنشركلام الإله في كل أنحاء أفريقيا، فقد وجدنا أنه خطر يمكن قمعه ويتطلب التعامل معه بجهود جماعية من قبل جميع الكنائس في العالم، لأن سقوط النصرانية في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم يعني نكسة كبيرة أخرى للنصرانية، ونريد من هذا التقرير التعرف على قوة هذه الجماعة الإسلامية ومصادر تمويلها والعقول المخططة لهم. قوة الجماعة (المسلمين) : كان للإسلام وجود قبل وصول العبيد المحررين الذين أسسوا تلك الدولة منذ (١٤٧) سنة، فهؤلاء المسلمون تقليديون في عقيدتهم ومحافظون في تمسكهم بدينهم، ولا يسمحون بأي تغيير رغم الحرب النفسية الموجهة إليهم منذ تأسيس دولة ليبيريا الحديثة، مع ذلك استطاع (المسلمون) ضبط أنفسهم دوما طوال كل هذه الأعمال القمعية والاضطهاد الذي يصفه الكثيرون بأنه قنبلة موقوتة. هذه الجماعة اليقظة تهيمن عليها قبيلة ماندنجو القوية وهي قبيلة قوية منتشرة في غرب إفريقيا، وقد حكمت معظم هذه المناطق قبل وصول الأوروبيين في تلك الجهة من إفريقيا بدأت هذه الجماعة تظهر في الآونة الأخيرة أكثر تطرفاً حتى من جيرانهم المسلمين الذين هم أكثر منهم عدداً، وقد زادت من تصميمهم، الحرب الأهلية الدائرة في البلد التي دفعتهم إلى حمل السلاح وهو ما يجعل التهديد أكثر خطورة، حيث يوجد حالياً أكثر من (١٠. ٠٠٠) شاب مسلم يحملون السلاح وينتمون إلى إحدى الفصائل المتحاربة ذات الأغلبية المسلمة وبقيادة أحد المسلمين، وإن كان لا يوجد عند هذا القائد أي برنامج إسلامي، وإنما هو ذو طموحات سياسية، وبعبارة أخرى ليس هناك أي تهديد من جهة قائد هذه الفصيلة بل من السهل كسبه بالمال والسلطة، ولكن التهديد الحقيقي يكمن في أولئك الشباب (المقاتلين) حيث يؤمن معظمهم بحتمية استعادة حقوقهم ومجدهم الإسلامي. ويؤيد هذه الأفكار بعض القادة الإسلاميين الراديكاليين وعلى وجه التحديد (الشيخ/ كافومبا كونيه) الرجل الذي يطالب بالمساواة الدستورية للمسلمين في البلد، ومع ذلك فإنه يعارض الحرب كوسيلة للحصول على حقوقهم. كما تحظى هذه الفكرة بتأييد بعض رؤساء الجمعيات الإسلامية الخيرية منهم الشاب النشط الذي يرأس لجنة مسلمي إفريقيا الشيخ/ عمر سايو الداعية الديني المتدرب في السعودية وهو مصدر تمويل قومه (المسلمين) لعلاقاته الجيدة مع العرب، ولكن كيفية تحقيق هدف كافومبا هذا مازال مجهولاً حتى الآن. في ضوء العوامل المذكورة أعلاه، نوصي باتخاذ الإجراءات التالية فوراً: ١- إرسال متخصصين إلى ليبيريا من ذوي الخبرة الطويلة في التعامل مع مثل هذه القضايا المعقدة. ٢- إغداق الأموال على الكنائس للقيام بحملات صليبية مكثفة. ٣- كسب السياسيين الرؤساء ذوي النفوذ والمعنيين بالقضية الليبيرية. ٤- التأثير على العالم الغربي للقيام بحملات لصالح القادة السياسيين من النصاري. ٥- إيجاد بلبلة في صفوف التجمع ذي الأغلبية المسلمة من الشباب. ٦- كسب كبار القادة المسؤولين عن عملية حفظ السلام في البلد للمساهمة في إفشال نشاط هؤلاء الشباب الأصوليين. ٧- العمل على إيجاد عداوة في نفوس النصارى ضد المسلمين. ٨- دفع رواتب مغرية لعدد كبير من الشبان المنصرين للقيام بأنشطة تنصيرية مكثفة. ٩- وضع أنشطة الشخصيات الإسلامية البارزة في البلد ومؤسساتهم تحت المراقبة وتشكيل لجنة خاصة للإشراف على ذلك. ١٠- التأثير على النصارى في الحكومة للوقوف إلى جانب الكنيسة والعمل من أجل مصالحها في كل المداولات الوطنية. ١١- كسب القادة السياسيين الإسلاميين بأي وسيلة كانت، وختاماً يتم دعم هذه المخطط من قبل جميع النصارى في العالم مع الحرص الشديد عل سرية التنفيذ. وجميع هذه التوصيات إما قد نفذ فعلاً أو أنها تحت التنفيذ.

стр. 1810

المسلمون والعالم هذا ما يفعله الرافضة في إفريقيا محمد إدريس تضعف إسلامية المرء فقهاً وسلوكاً، إذا قل اهتمامه بلغة القرآن الكريم، ويبدو خلله العقدي إذا عاداها، ويأبى الروافض الفرس إلا أن يظهروا الأدلة الدامغة على التربص بالإسلام عقيدة صحيحة، ومنهاجاً قويماً، فهاهم يشيدون صرحاً للفارسية على جسد العربية، وهي تغرغر في جامعة غانا، ولا لوم على الروافض إذ يحبون الفارسية، ولكن اللوم على المسلمين والعرب بخاصة الذين يجهلون أو يتجاهلون مصرع العربية سامدين في مواقع كثيرة وهم مشغولون عنها، والله المستعان. - البيان - أولاً اللغة العربية تحتضر في جامعة غانا: تبادرت إلى ذهني صرخة اللغة العربية على لسان حافظ إبراهيم قديماً: رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي ولدت ولما لم أجد لعرائسي ... رجالا وأكفاء وأدت بناتي ومحدثي يشرح لي ما جرى وهو أحد أساتذة اللغة العربية والعلوم الإسلامية بجامعة غانا وأنا مشدوه حقاً مما سمعته منه، لقد تمثّل لي هذا الوأد حقاً في هذه القصة الغريبة في واقعنا العربي المعاش! ففي جامعة الليغون أعرق الجامعات في غانا، بل وفي إفريقيا، توجد كلية اللغات التي كانت تضم قسم اللغة العربية باعتبارها لغة حية مثل الفرنسية والأسبانية والألمانية والروسية التي تدرس بها، وفي الحقيقة أنه لا يستفيد من اللغة العربية ولا يقبل عليها في الجامعة إلا الطلبة المسلمون الأفارقة الدارسون فيها، أو بعض الطلبة النصارى المتخصصون في اللسانيات وهم قلة قليلة، وكانت الحكومة الغانية ممثلة بوزارة الجامعات هي التي تمول قسم اللغة العربية هذا كباقي اللغات فتحضر الأساتذة وتتكفل بتكلفة السنة التطبيقية المتمثلة في انتقال الطلبة إلى جامعات الأقطار العربية قبل سنة التخرج، لتطبيق ما أخذوه ميدانياً بين إخوانهم العرب المسلمين، ولكن منذ أربع سنوات خلت، توقفت الحكومة عن تمويل كلية اللغات بالجامعة كلها، وأوكلت هذا إلى حكومات وقوميات كل لغة لتقوم بذلك. ويقول محدثي: فانبرت كل حكومة وكل قومية تقوم بواجب المسؤولية إزاء لغتها، فقدمت كل منها دعماً فائضاً، وتكفلت بجميع احتياجات الأساتذة والطلبة والوسائل التعليمية والمادية، بل ووضعت أيضاً حوافز مغرية، حتى يلتحق أكبر عدد ممكن من الطلبة بقسم لغتها! وبقي أساتذة اللغة العربية السبعة في القسم يرقبون ماذا يحدث؟ وينتظرون ماذا يقع من حكوماتهم العربية الإسلامية، فطال الانتظار، ولم يحدث شيء! فقرروا إشعار المعنيين لعل قرار الحكومة الجديد لم يصلهم، أو لم يذكر كثير من حكام العرب المسلمون في غمرة الحياة السياسية، فتوجهوا إلى سفارات الدول العربية الممثلة في غانا، وعددها ست سفارات، وقد وجدوا من ممثلي هذه السفارات لقاءاً لبقاً وودياً، وترحيباً فيّاضاً، ووعوداً معسولة فاطمأن لها الأساتذة وتنفسوا الصعداء. ولكن الأيام توالت والشهور مرت، والأساتذة يراجعونهم حيناً بعد آخر فلا يجدون منهم غير اعتذارات كثيرة ومبررات واهية ووعوداً عرقوبية! ! فقرر الأساتذة جزاهم الله خيراً العدول عن السفارات إلى الهيئات والجمعيات العربية الإسلامية، والثقافية والخيرية المهتمة بنشاط الدعوة، فراسلوا مؤتمر الدول الإسلامية بهذا الخصوص، وبعضاً من الهيئات والجمعيات العلمية العربية، ومجامع اللغة العربية، والمراكز الثقافية، بل وبعض الشخصيات العلمية التي تهتم بمثل هذه الموضوعات، فتلقوا ردوداً مختلفة، ومنهم من أرسل مبعوثه لمعاينة المكان أي لجامعة غانا لدراسة الموضوع عن كثب مع الأساتذة، ورفع تقريراً بعدها مفصلاً ومأساوياً عن وضع اللغة العربية إزاء اللغات الأخرى! ! ولكنه مع الأسف الشديد منذ ذلك الحين لم ير له أثر! ! ومرت السنتان والثلاث والأربع، فحزم خمسة أساتذة حقائبهم وغادروا الجامعة نهائياً بعدما ساءت حالتهم المادية، ليبحثوا عن عمل في مكان آخر وقرر البقية مواصلة جهودهم مصرين على المواصلة مهما كان الأمر ومهما ساءت الأمور. يقول الأستاذ: وأخيراً فوجئنا بقرار الجامعة في هذه الآونة ومضمونه كالآتي: نظراً لما لوحظ على قسم اللغة العربية من تدهور في نشاطه العام وعدم توفر الشروط المتماشية مع لوائح النظام الجامعي لبقائه، فإنه تقرر إلغاء هذا القسم تدريجياً بدءاً بالسنة الأولى إلى السنة الرابعة على مدى أربع سنوات ابتداءاً من السنة الدراسية المقبلة ٩٥/١٩٩٦ م، وتحل محله اللغة القادرة على توفير الشروط. ويواصل الدكتور حديثه والألم يبدو على قسمات وجهه: وما أن صدر القرار المذكور بأيام حتى شهدنا رجالاً من الشيعة الرافضة يتحركون في الجامعة بين الإدارة والوزارة بسعي حثيث، ولما تتبعنا خطاهم أخبرنا بأنهم قدموا طلبهم يحاولون بكل ما يملكون من جهد ووسائل إحلال اللغة الفارسية محل اللغة العربية، وهم مستعدون أن يوفروا كل الشروط وزيادة في هذا المجال! ! ويقول محدثي: ولا يستبعد حسب الإشارات والأمارات والأخبار أن تفتح السنة أولى فارسية مكان السنة أولى عربية الموءودة في الموسم الجامعي المقبل! ! فقلت مواسياً ومتحسراً لمحدثي: وماذا بوسع مثلي ومثلك أن يفعل؟ ومنذ سنتين مضتا أغلقت الجامعة الإسلامية بالنيجر لمدة سنة ونصف، وهي التي تموّل من قبل مؤتمر الدول الإسلامية! ! وليس القسم كالجامعة! ! فإني أخاف أن يكون قول حافظ قد صدق حقاً، وها هي ذي اللغة العربية توأد في هذه الرقعة التي يسكنها ٥٤ % من المسلمين الراغبين في تعلم لغة القرآن والإسلام وكأن شيئاً لم يكن! ! فهل من مجيب؟ ! وأين التشدق بالقومية والهوية والأصالة! وإلا فعفن السياسة العلمانية المنبطحة قد طغى على كثير من حكام العرب والمسلمين! فهل تموت العربية في غانا؟ ! ثانياً إيران تبني جامعة في كينيا: ذكر النائب الثاني لرئيس حزب فورد كينيا الحزب المعارض للحكومة البروفيسور/ راشد مزي، أن هناك خطوات جارية لبناء جامعة في منطقة الساحل بكينيا، ذكر ذلك فورد فور رجوعه من زيارة استغرقت أسبوعين إلى إيران تلبية لدعوة قدمت إليه لحضور ذكرى الثورة الإيرانية الخامسة بتاريخ ٤/٦/١٩٩٤ م، مع زميله/ فارح معلم عضو في البرلمان لمنطقة لغنيرا كما ذكر أنه على اتصال بالسفارة الإيرانية لتنفيذ الخطة، وأن الكلام حول المشروع المذكور قد تمت مناقشته خلال زيارته مع مندوب دولة إيران للشؤون الإفريقية ونائب وزير الدراسات العليا الذي أيد الفكرة. كما أكد بأنه واثق كل الثقة أن الحكومة الكينية لن تعارض الأمر لأنه في مصلحتها، وذكر أن المندوبين الإيرانيين سيأتون إلى مدينة ممباسا لدراسة الوضع بهذا الخصوص، وأضاف قائلاً بأن الحكومة الإيرانية قد وعدت بتقديم عشرين (٢٠) منحة دراسية سنوياً لمن يريد من الشباب الكينيين الالتحاق بجامعاتها، والهدف واضح كالشمس في رابعة النهار. تعليق: هذه إيران الدولة الرافضية تقدم كل الجهود لنصرة عقيدتها وإيجاد موطئ قدم لها في كل مكان، لاسيما في إفريقيا التي تكاد تكون خالية من مذهبها بعد سقوط دولة بني عبيد الباطنية في مصر، إذ تصطفي بعض الشباب الأفارقة الذين توفر لهم كل الإمكانيات للدراسة في جامعاتها وحوزاتها العلمية، وتستقطب بعض المسؤولين الذين لا يعرفون حقيقة مذهبها، وها هي تقوم بالعمل المتواصل لبناء جامعة رافضية في كينيا. فماذا فعل أكثر أهل السنة سوى الكلام، بل إن الجامعات الإسلامية في بعض الدول العربية لم تعد تقبل الطلاب من الدول الإفريقية إلا في أضيق نطاق، بينما إيران تشرع لهم الأبواب؟ إن الأمر جد خطير إذا لم تتخذ كل السبل لقطع الطريق على الرافضة وتوعية الشعوب المسلمة بما تخطط له إيران وملاليها، فهل نعي عظم الخطر أم على قلوب أقفالها وأولئك يعملون ليل نهار؟ أدركوا إفريقيا فإنها قارة المستقبل قبل أن يسبقكم إليها القوم بمخططاتهم ولامبالاتنا! . - البيان -

стр. 1811

المسلمون والعالم الجزائر: الحوار بعد خراب الديار د. عبد الله عمر سلطان وأخيراً وبعد ثلاث سنوات من القمع والمعالجة الأمنية والنظرة الأحادية التي لا ينقصها قصر النظر الحاد، استجابت المجموعة العسكرية في الجزائر لنداء المنطق والعقل، وأيضاً لنداءات الأصدقاء الأجانب وقررت أن تجلس مع ممثلي الشعب الجزائري الحقيقيين وقادة الأمة الذين غُيبوا في غياهب السجون بعد اجراء أول اختبار حقيقي في عالمنا العربي انتهى بالنتيجة المتوقعة: هزيمة ساحقة للمترهلين من قادة التحرير وصعود ملفت للنظر للدعاة المصابرين. لقد قام الرئيس الجزائري الأمين زروال بخطوته هذه بعد وصول الأوضاع في الجزائر إلى حافة الهاوية في ظل رفض الجنرالات المتشددين الحل السلمي وإصرارهم على تصفية المقاومة الشعبية حتى آخر نفس جزائرية حرة لقد حاول الأمين زروال في بداية وصوله إلى السلطة أن يبدأ حواراً حقيقياً يعيد الاستقرار إلى البلاد، وجاءت خطواته المتمثلة باتفاق مبدئي مع شيوخ الإنقاذ حينها على التحضير لجولة حوار يبدأ بإطلاق الشيخين بوخمخم وجدي ثم الإفراج عن بقية قيادة الجبهة والدخول في حوار ينهي المأزق الجزائري الراهن، لكن أنّى لفرنسا وقطيعها المربوط بها بحبل سري أن يرضوا بحل كهذا يعيد الأوضاع إلى أطرها الطبيعية ويعيد المياه إلى مجاريها؟ ! لقد شن علي كافي (هل لازلتم تذكرون هذا النكرة؟) وكان رئيساً للوزراء ويمثل التيس المستعار الذي كان يختبئ وراءه جنرالات فرنسا حملة ضد رئيسه، وحذر من الحوار، وطالب بدلاً من ذلك بحماية العلمانية الجزائرية وحرية الإنفاصليين البربر وحفنة الشيوعيين المحنطين، لأن هذا الخليط الممزوج بالتوابل الفرنسية يمثل النخبة التي لا ترى بأساً من وصول الحرب الأهلية في الجزائر إلى تدمير الحاضر والمستقبل..! وأخذ العسكر المتشددون المبادرة وراحوا يضيقون الخناق على دعاة الحوار داخل أجهزة الدولة بصورة تشبه أعراض مرضى التوحد، وإن المصابين بهذا المرض الخطير لا يعانون من انفصام الشخصية، حيث تظهر لهم شخصية سوية وأخرى مجنونة، لأن هؤلاء لا يعرفون سوى شخصية واحدة هي شخصية تعيش في عالم منفصل عن عالم بني البشر و (الأوادم) ، وتنسحب من خضم الحياة اليومية، وتقطع كل اتصال لها به، وتوجد عالماً خاصاً بها لا يصيخ السمع لأحد، ولا يرد النداء حتى لأبسط النداءات وأكثرها إخلاصاً وقرباً. وجنرالات التصعيد الأمني كانوا يعيشون عالم التوحد الأمني الذي يمنى المصابون به بقرب تطهير الجزائر من آخر مظهر إسلامي، بل حتى عروبي ليصدح الفرانكفونيون بأناشيدهم الفرنسية المخلوطة باللغة الأماغيزية! لكن هل نجح منطق الجنرالات المختبئين وراء قناع السلاحف والذين أسالوا دماء الشعب الجزائري أنهاراً؟ وكيل وزير الخارجية الأمريكية زار باريس في بداية هذا الصيف واجتمع بمندوبي الصحافة والمحللين للوضع الجزائري، وأشار إلى أن الجيش الجزائري أصبح من الضعف بمكان بحيث أن المستقبل يحمل بالنسبة لإدارته حلين لا ثالث لهما: إما الوصول إلى وضع كالوضع في يوغسلافيا حيث ستوجد ثلاث دول متناحرة على الأقل، أو أن يصل الإسلاميون إلى السلطة بقوة السلاح، وقد كان هذا التصريح بمثابة استكمال للصراع العلني بين واشنطن وباريس، واشنطن التي ترى أن تتعامل مع الواقع وتنظر إلى موطئ قدم جديد في الجزائر التي عافت التدخل الفرنسي المستفز، وفرنسا المثقلة بالحقد الصليبي وثارات معركة الجزائر، وانحسار رموزها ورجالاتها وثقافتها في ساحة الصراع الحر العلني الذي أكد الجزائريون أن خيارهم فيه هو الإسلام. ولم تكن أمريكا وحدها تقف هذا الموقف، بل إن إيطاليا وألمانيا وحتى الأسد الإستعماري (بريطانيا) رفضت الوصاية الفرنسية على تعاطيها ومعالجاتها للملف الجزائري، وأكدت أن الحل هو عودة الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الواجهة لأنها (رغم كل الحقد والمشاعر السلبية) وحدها القادرة على أن تعيد الاستقرار والأمن المطلوبين لهذه البقعة المضطربة. لقد أخرجت مجلة الإكنومست ملفاً في بداية شهر أغسطس الماضي تتحدث فيه عن معركة يمكن تجنبها بين الإسلام والغرب، وكان سبب إخراج هذا الملف إلى النور كما يقول المحرر توقع استلام الإسلاميين السلطة في الجزائر، مما يعني أن على الغرب أن يعيد النظر في تعاطيه وتعامله مع هذه الحركة السنية التي أعادت الإسلام إلى الواجهة عقيدة وحيدة في عالم اليوم تعطي منهجية متكاملة للإنسان في حياته اليومية، ومنافساً وحيداً للحضارة الغربية وإفرازاتها. إن هذه الخطوة المتوقعة منذ زمن قد تكون الفرصة الأخيرة أمام الحكم الجزائري لإنقاذ البلاد من الأزمة الراهنة، وإن استجابة قادة الإنقاذ وشروطهم العادلة التي حملتها رسالة الشيخين مدني وبلحاج تدلان على حرص الإسلاميين على إنقاذ الوضع والخروج بحل يكفل إنهاء الأزمة، لكن ما لم يقترن هذا الإفراج المؤقت بتغيير في أسلوب وعقلية السلطة خلف القناع العسكري، فإن جولات الحوار قد لا تكون سوى سراب وبخاصة، إذا صدق توقع المسؤول الأمريكي أو نفذ المتشددون في السلطة بعض ماضيهم التسلطي تجاه قيادات الجبهة لتصفية رموزها، وعندها يمكن أن نقول إن الحوار هو ستار لخراب الديار.. وإحلال الدمار الذي لازال ينهش التراب الجزائري..! !

стр. 1812

المسلمون والعالم وقفة مع: المد الإسلامي في أفريقيا محمد لانج صار تعتبر إفريقيا إحدى مناطق الصراع العقائدي في القرن العشرين، فقد شهدت هذه القارة خلال هذا القرن صراعاً عقائدياً مريراً لم تشهده في سابق تاريخها، ويدور هذا الصراع بين الإسلام الذي يحرص على ترسيخ دعائمه في ربوع القارة، والنصرانية التي تسعى للتغلغل فيها على حساب الإسلام واليهودية التي يقل وجودها في القارة بالنسبة لغيرها، ولكنها تعمل كادحة لفك العزلة التاريخية التي طال أمدها بينها وبين شعوب المنطقة، إلى جانب مذاهب فكرية ونحل باطلة تبث سمومها الفتاكة بين كل ذي عقيدة ودين. وتوجد عوامل عدة وراء هذا الصراع العقائدي الذي تشهده الساحة الإفريقية، تتلخص فيما يلي: ١- الاتصالات المتبادلة بين شعوب القارة الإفريقية والشعوب الأخرى: حيث تؤكد الدراسات السكانية أن هناك ارتفاعاً مطرداً في الهجرة السكانية من وإلى القارة الإفريقية، ولا شك أن الاحتكاك بين الشعوب ينتج عنه نوع من الغزو الفكري والثقافي والعقائدي، إذ لابد من التأثير أو التأثر أو كليهما معا، فإذا كان الإسلام قد دخل إلى إفريقيا، وانتشر فيها عن طريق الاحتكاك بين الأفارقة وغيرهم وبخاصة التجار العرب فكذلك النحل والعقائد والمذاهب الفكرية الأخرى الدخيلة التي لم يكن لها وجود في القارة إنما جاءت عن طريق الوافدين للقارة وعلى رأسهم المستعمرون الغربيون. ٢- تنازع الدول الاستعمارية في مصالحها داخل القارة الإفريقية: فالاستعمار الغربي لإفريقيا قد صاحبته محاربة شديدة للإسلام من جانب، والترويج للنصرانية والعقائد والمذاهب الفكرية الباطلة من جانب آخر ومازال الغربيون يمارسون هذه السياسة؛ لتصورهم بأن الإسلام قنبلة موجهة ضد الغرب، واعتقادهم بأن في انتشار الإسلام في إفريقيا تهديداً لمصالحهم وأطماعهم الاستعمارية، ومن هنا ندرك الأسباب التي تدفع الغرب إلى مساعدة الكنيسة العالمية بشتى مذاهبها، ودعم مؤسساتها التعليمية والاجتماعية والمالية في القارة الإفريقية، حيث أصبحت الكنيسة بعد إفلاسها في الغرب مجرد سلاح غربي لمحاربة الإسلام. ٣- إفلاس الكنيسة أمام الحضارة الغربية: فبعد إفلاس الكنيسة في الغرب، وفشلها في تكوين الإنسان الغربي تكويناً روحياً يتمشى مع حضارته المادية، تنكر الإنسان الغربي للكنيسة وانصرف عنها باعتبارها عائقاً كبيراً في طريق التطور والتقدم الحضاري وبخاصة بعد فضائح رجال الكنيسة في القرون الوسطى، وظهور استغلالهم للدين، ومن هنا جرّت الكنيسة ذيل الهزيمة في أوروبا متجهة إلى إفريقيا حيث توجد ظروف وعوامل عدة كالفقر والأمية والوثنية يمكن أن تستغلها لنشر مبادئها والتغلغل فيها على حساب الإسلام، ويؤكد ذلك الاهتمام البالغ الذي توليه الكنيسة للقارة الإفريقية في هذا القرن، والزيارات البابوية المتعددة إلى دول إفريقيا، وما يسود الآن من فكرة أفرقة القساوسة لتولي المناصب في الكنيسة الكاثوليكية، والاقتراح المقدم إلى الفاتيكان بأن يتولى أحد الأفارقة السود منصب البابوية في المستقبل. ٤- تزايد الوعي الإسلامي لدى مسلمي القارة الإفريقية: فبفضل الله وبما من به من الوعي الإسلامي المتزايد لدى مسلمي إفريقيا وانفتاحهم نحو الرؤية الشمولية للإسلام، أصبح كثير منهم يقاومون أشكال التنصير التي لم يكن المسلم الإفريقي يفطن وينتبه لها، وقد نشأت في مختلف أنحاء القارة الإفريقية حركات إسلامية تتزعم هذه المقاومة. مظاهر الصحوة الإسلامية في إفريقيا: هناك، وفي وسط الصراع العقائدي المرير تشهد القارة الإفريقية صحوة إسلامية عارمة، حيث يتزايد المد الإسلامي فيها باطراد رغم كل المخططات الصليبية الرامية إلى تنصيرها والحيلولة دون انتشار الإسلام فيها، وهذه الصحوة تتخذ مظاهر عدة منها: (أ) انتشار المدارس الإسلامية في ربوع القارة: فما من شك في أن المعاهد الإسلامية والعربية التي يزداد عددها يوماً بعد يوم في مختلف الدول الإفريقية تساهم مساهمة فعالة في نشر الإسلام وتوعية المسلمين، وهي تزود الصحوة الإسلامية في القارة الإفريقية بالثقافة اللازمة لنضجها واستمراريتها، ولاسيما بعد أن انخرط في السلك التعليمي لهذه المدارس أصحاب الاتجاه الإسلامي من الشباب المسلم المتخرج من الجامعات الإسلامية. (ب) ظاهرة التزايد المستمر في عدد الكتاتيب ومراكز تحفيظ القرآن الكريم: ويلاحظ أن هناك عودة إلى نظام الكتاتيب ومراكز وخلاوي تحفيظ القرآن الكريم في عديد من الدول الإفريقية، فقد انتعشت الخلاوي القديمة التي كانت قد توقفت لفترة عن أداء رسالتها، وبخاصة إبان الحقبة الاستعمارية التي حاربت وبشدة كل ما له صلة بالإسلام، كما نشأت كتاتيب كثيرة أخرى في المدن والقرى والأرياف، وقد زاد الأفارقة من عنايتهم بمراكز تحفيظ القرآن الكريم متهمين الثقافة الغربية ومؤسساتها التعليمية بالعمل على تدمير القيم والأخلاق في المجتمعات الإسلامية وبخاصة بين الشباب. (جـ) كثرة الجمعيات الإسلامية: فقد نشأت جمعيات إسلامية في مختلف الدول الإفريقية، وهذه الجمعيات مما لا شك فيه هي دعائم ترتكز عليها الصحوة الإسلامية، وبخاصة أن معظم هذه الجمعيات تضم في صفوفها عدداً كبيراً من الكوادر والمثقفين بالثقافة الإسلامية الناضجة ممن تخرجوا من الجامعات الإسلامية والعربية، ولذا نستغرب ما نسمعه من الهجوم الشرس على تعدد الجمعيات الإسلامية في إفريقيا، واعتبار هذا التعدد ظاهرة سلبية وسيئة للعمل الإسلامي، إذ لا ينبغي النظر إلى هذا التعدد من الناحية السلبية فقط؛ لأن الإسلام ينتفع من هذه الجمعيات المتعددة أكثر مما يتضرر بها، وإن كننا نؤمن بضرورة التنسيق فيما بينها في حقل العمل الإسلامي؛ لأن ذلك هو السبيل لنجاحها في أداء المهمات المطلوبة منها. (د) قيام اتحادات للطلبة المسلمين في مختلف الجامعات الإفريقية: فقد تشكلت عدة اتحادات للطلبة المسلمين في مختلف الجامعات الإفريقية وتعتبر هذه الاتحادات توجهات إسلامية داخل هذه الجامعات العلمانية؛ ولذا ينبغي الاهتمام بها، ودعمها مادياً ومعنوياً؛ كي تعطي ثمارها المرجوة في تحويل هذه الجامعات من التبعية للغرب إلى مواقع استراتيجية للإسلام مستقبلاً بإذن الله. وتجدر الإشارة إلى أن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض قد بدأت في تنظيم دورة شرعية للتوعية في جامعة دكار بالتنسيق مع اتحاد الطلبة المسلمين في هذه الجامعة. (هـ) التغيير التدريجي في النمط الصوفي القديم: يلاحظ أن هناك تراجعاً تدريجياً للزعامات الصوفية في إفريقيا ذات النمط الصوفي الذي كان يتسم بالسلبية والجمود الفكري، وبدأ الاتجاه نحو المنهج الإسلامي الصحيح بعدما تخرج عدد كبير من الشباب المسلم من الجامعات الإسلامية. (و) ظهور تدريجي للزي الإسلامي: فقد بدأ الزي الإسلامي يظهر تدريجياً في أوساط النساء المسلمات في إفريقيا، وكان ذلك ثمرة طيبة من ثمار الصحوة الإسلامية المتزايدة في القارة ولم يعد من المستغرب أو النادر أن ترى امرأة مسلمة متحجبة، وأنت تمشي في شوارع بعض الدول الإفريقية كالسنغال أو كينيا أو مالي. تلك تأملاتنا في المد الإسلامي المتزايد في إفريقيا، الذي يتطلب منا بذل مزيد من الجهد والاهتمام بالعمل الإسلامي وتطويره للوصول إلى أهدافنا السامية، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 1813

حوار د. صلاح الصاوي في حديث شامل أجرى الحوار / السيد أبو داود د. صلاح الصاوي الأستاذ بكلية الشريعة جامعة الأزهر.. من الدعاة المتميزين.. عمل نائباً للأمين العام لهيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي.. ثم مديراً للمركز العالمي لأبحاث الإعجاز العلمي في باكستان ثم أستاذاً زائراً في معهد العلوم الإسلامية والعربية في واشنطن.. ويعمل الآن مديراً لمركز بحوث تطبيق الشريعة الإسلامية برابطة العالم الإسلامي.. وله صلات عديدة بالمنظمات الإسلامية في أوروبا وأمريكا ومختلف أنحاء العالم الإسلامي تعددت كتبه وتنوعت إلا أن القاسم المشترك بينها هو هموم ومشكلات الصحوة الإسلامية وكيفية ترشيدها وبصفة خاصة على المستوى العقدي والفكري، ولذا كان الحوار مع د. صلاح الصاوي مهماً وذا مغزى بحكم هذه الخبرة الواسعة في العمل الإسلامي. - البيان - * الأمة الإسلامية في حالة انكسار وضعف في هذه المرحلة.. وباعتبارك عشت في أوروبا وأمريكا، وعايشت مشكلات المسلمين هناك واقتربت من مقولات الغرب.. ما هو الأسلوب الأمثل في رأيك للتعامل مع الغرب؟ إذا كان المقصود بالحوار بسط قضية الإسلام فهذا مما تعبّد الله به عباده في جميع الأطوار والأحوال سواء أكانت الأمة في حالة انتصار أم في حالة انكسار، فنحن أمة دعوة ورسالة نبلغها لغيرنا من الناس في جميع أطوارنا وفي جميع أحوالنا فلا خلاف على بسط قضايانا والدفاع عنها وحشد الأدلة لإثباتها في أي طور وعلى أي حال كنا، وهذا القدر من القضية يحكمه أيضاً ألا ينكسر حاجز الولاء والبراء الذي أقامته الشريعة، وجعلته أساساً في التعامل بين المسلم وغير المسلم، وقضية الولاء والبراء لها قواعد محكمة في دين الإسلام وقد وردت فيها عشرات الآيات والأحاديث، وفي أزمنة الانكسار يرق هذا الحاجز ويضعف، ويبرز فقه التبرير الذي تنشئه عوامل الوهن التي تمر بها الأمة من ناحية، ومفاهيم الاختراق الوافدةمن ناحية أخرى، ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن يقال: إن الولاء والبراء يحدده الكتاب والسنة لا غير، فمن كان مؤمناً بالله ورسوله بذلت له حقوق الموالاة كاملة، ومن كان كافراً بالله ورسوله حجبت عنه حقوق الموالاة كاملة، ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أو فيه طاعة وفيه معصية فإنه يأخذ من الموالاة بحسب إيمانه وطاعته، ويأخذ من المعاداة بحسب ما فيه من معصية، وهذا المعنى ينبغي ألا ينهزم ولا ينكسر في أنفسنا مهما توالت مطارق المحن والشدائد علينا. لكن من ناحية السلوك العملي فنحن نفرق بين الموالاة والمداراة فالتسامح موجود للمسلمين ولغيرهم، والمداراة يلجأ إليها الناس حينما يكونون في حالة ضعف وانكسار، وطبيعي حينما أكون ضعيفاً ومنكسراً أن لا تطلب مني أن أتصرف باعتباري قوياً ومتمكناً. وعندما تكون الأمور على هذا النحو فمنطق التسامح والتآلف وارد ومنطق الدعوة والاستماتة في الدفاع عن قضية الإسلام وبسط حججه وَرَدّ بعض شبهات وأباطيل خصومه واردٌ ومهم. وعموماً فإن علاقتنا بالغرب وبغير المسلمين عموماً علاقة دعوة وعلاقة بلاغ، ونحن أمة دعوة ورسالة وأصحاب الدين الذي ارتضاه الله لعباده ديناً وقد نُسِخَتْ به الأديان كلها، ونحن نمسك بأيدينا المصحف الذي حماه الله من التحريف والتبديل على حين حرفت الكتب السماوية كلها فلم يبق على الأرض وحي معصوم إلا القرآن والسنة، ولم يبق دين يقبله الله ويرتضيه لعباده إلا الإسلام، فبقدر جسامة هذا الموقع وهذه المسؤولية ينبغي أن تكون أمانة الدعوة وأمانة البلاغ مع المحافظة على عقيدة الولاء والبراء حتى لا تنكسر هذه الأمة على مافيها من انكسار، وحتى لا تذوب هويتها في معترك الأفكار والسياسات. * تختلف فصائل الصحوة الإسلامية في فهم النصوص وفي تنزيل هذه النصوص على الواقع، ومن هنا تنشأ المشكلات، كيف يمكن في رأيك الخروج من هذا المأزق؟ يحدث خلط في التعامل مع النصوص الشرعية بين مناط الاستخلاف ومناط الاستضعاف، فهناك طائفة من النصوص يرتبط تطبيقها بواقع الاستخلاف والقوة وطائفة أخرى يرتبط تطبيقها بواقع الاستضعاف والغربة. ومثال ذلك الآيات الواردة في باب الصفح والمغفرة والمداراة وتألف المخالف.. فما ورد في هذا المقام من آيات أو أحاديث فإنما ترتبط بواقع الاستضعاف والغربة، وما ورد من نصوص في باب الهجر والزجر والغلظة، فإنما يرتبط بواقع التمكين والقوة، فإذا حدث خلط فأنزلت النصوص التي ترتبط بواقع الاستضعاف على واقع القوة أو العكس فيحدث الخلط ويحدث التشويش. فالنصوص الواردة في باب الصفح والمغفرة وتألف المخالف مثل قوله تعالى: [قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله] [الجاثية: ١٤] وقوله تعالى: [وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون] [يونس: ١٢١] وقوله تعالى: [واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراْ جميلاْ] [المزمل: ١٠] هذه النصوص ترتبط بواقع يعيش فيه المسلمون في غربة، لا قوة لهم ولا شوكة ولا منعة، فإذا تحول المسلمون إلى واقع القوة والاستخلاف والتحكم يخاطبون بطائفة أخرى من النصوص كقول الله تعالى: [يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم] [التحريم: ٩] ، وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة] [التوبة: ٧٣] ومن أسباب الخلط والشطط في وقتنا المعاصر قضية الغفلة عن هذا المعنى.. ومتى حدث هذا الفصل الذي نرجوه، ينتظم الأمر، ويستقيم المسار بإذن الله. * في ظل انهيار الحضارةالمادية الغربية.. هل ترى أن مستقبل الإسلام سيكون نابعاً من بلاد المسلمين أنفسهم، أم من خارج بلاد الإسلام؟ هذه المنطقة هي منطقة الريادة.. منطقة الإسلام.. المنطقة التي بعث فيها الأنبياء وتنزلت فيها كتب السماء.. وأهلها هم أبناء الأجيال الأولى الذين انتصر بهم الإسلام ونحن نتمنى أن يشرح الله للإسلام صدورغيرهم، وأن يكونوا مدداً للإسلام والمسلمين. * الإعلام الغربي يتحدث دائماً عن الإنسان الغربي على أنه متحضر لا يفرق بين الناس على أساس ديني.. على عكس الإنسان العربي والمسلم.. فعلى اعتبارأنكم عشتم وسط الغربيين.. هل هذه المقولة صحيحة؟ بخاصة فيما نراه في البوسنة وما نراه من تفرقة عنصرية في بعض ديار الغرب؟ الفرق بيننا وبينهم هو الفرق بين الوضوح وبين النفاق.. فقوانينهم ونظمهم تنص على ما تقول.. وواقعهم في كثير من الأحوال يخالف ذلك مخالفة جذرية، وحسبنا هذا التطفيف الظالم الذي يقوده ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، والمكاييل المزدوجة التي يتعامل بها مع العالم الإسلامي. ولكننا لا نعرف هذا التلون وهذا الخداع.. فظاهرنا كباطننا، ما نعتقده ديانة نفعله على الملأ ونقيم عليه الحجج والبراهين، وكل من يعيشون على أرض الإسلام يتمتعون بحقوق كاملة لا يتمتع بعشرها المسلمون المقيمون في الغرب الآن. فلا يملك المسلم المقيم في أمريكا مثلاًِ أن يتزوج من امرأة ثانية إلا إذا قدم وثيقة طلاق أمام القضاء الأمريكي، وإلا يعتبر قد ارتكب جريمة قانونية ضخمة جداً، يحاكم بها، ويطرد من البلاد. وبعض الناس قد تحتم عليه ظروفه الزواج وهو في ذلك المجتمع الجديد، ولكن لا يملك ذلك، فهل صادر المسلمون حق غير المسلمين في أن يحتكموا في مسائل الأسرة إلى قوانينهم عبر ١٤ قرناً؟ . ولكن في القرن العشرين.. يحجب هذا الحق عن المسلمين. ماذا يعني أن يقوم المجتمع الفرنسي ولا يقعد من أجل فتاتين محجبتين فأي خطورة على الحضارة الغربية والمجتمع الفرنسي من ذلك؟ * هل لك أن تحدثنا عن مدى ارتباط الصليبية العالمية بالنظام العالمي الجديد؟ هذا موضوع متشابك.. لكني أقول: إن هناك صراعاً طويلاً عمره في الحقيقة خمسة آلاف سنة بين وعدين وعد حق من الله تعالى ووعد مفترى.. كذب به أصحابه على الله. اليهود والنصارى اتفقوا على الأسطورة التي تقول: إن قادماً سيأتي وسينزل في أرض الميعاد، وإنه يجب أن يهيء المسرح لاستقباله، وأن يتعاون اليهود والنصارى معاً في ذلك، هذا القادم عند النصارى هو المسيح وعند اليهود هو الدجال، وهناك تناقض جذري بين هذين القادمين.. فاليهود يرون في المسيح عيسى ابن مريم أنه ابن زنا كذاب دعيّ! ، والنصاري يعتقدون أنه إلههم ومعبودهم، وأن اليهود هم الذين قتلوه، ورغم هذا التناقض الجذري الضخم جداً الذي يفصل بينهما إلا أنهم استطاعوا أن يتفقوا حول هذه الأسطورة وقالوا نحن نتفق على أن قادماً سيأتي، وبما أنه سينزل في أرض الميعاد، فيجب أن يكون شعبه قوياً لكي يتمكن من استقبال هذا القادم.. فالصليبية العالمية تقول نحن نصلي للرب، ونرسل السلاح لإسرائيل لنهيء المسرح لاستقبال هذا القادم الجديد الذي سيقود العالم قيادة جديدة. فتقف الآن اليهودية العالمية والصليبية العالمية في معسكر لاستقبال قيادة جديدة للبشرية بزعمهم.. وأن هذه هي التي ستغير وجه الوجود كله. والمستهدف في الناحية المقابلة هو الإسلام وبخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي فمحاربة الإسلام أصبح مشروعهم القومي الذي يجمعون عليه شعوبهم. إن ما نراه اليوم من مرحلة للسلام، بدأ منذ خمسة آلاف سنة، منذ وعد الله لإبراهيم وسينتهي عندما يلتقي المسيحان: مسيح الهدى عيسى بن مريم ومسيح الضلالة الدجال، فيدرك مسيح الهدى مسيح الضلالة في فلسطين فيقتله، ويومها يسدل الستار عن آخر فصل في هذا الصراع، والذي أخبرنا بذلك هو رسول الله الصادق المصدوق ﷺ ، وأخبرنا أن المسيح سيصلي خلف المهدي فقال: (وإمامهم منهم تكرمة الله لهذه الأمة) إشارة إلى أن المسيح لن يأتي بشريعة جديدة وإنما سيحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ثم يبدأ مسلسل آخر الزمان وهو كالعقد إذا انفرطت منه حبة تتداعى سائر حباته وتتساقط. فالقضية هكذا لها أبعاد وجذور دينية قابعة في أعماق مخططي السياسة وصناع القرار في الغرب، وهو بعد ديني عند اليهود والنصارى نرجو ألا يغفله المسلمون. * ما هو دور المنظمات الإسلامية في الغرب لمواجهة هذه المخططات.. وما الذي يعوقها لتؤدي دورها كما يفعل اللوبي اليهودي؟ أعتقد أن المسلمين يستطيعون أن يؤدوا دوراً كبيراً في هذه المجتمعات أن يؤثروا بعض التأثير في السياسة الأمريكية إذا شاءوا، وأن يرجحوا مرشحاً على آخر، وأن يدعموا بعض القضايا الإسلامية، ويمثلوا ضغطاً على صناع القرار هناك، هذا ليس بمستحيل لكن العمل الإسلامي هناك يعاني من التشرذم أيضاً، لأن جذوره مهاجرة من الشرق فنقلت معها ما نعانيه في الشرق من تفرق وتشرذم، فإذا وفقوا في مثل هذه البلاد إلى من يرشد خطاهم ومسارهم ويجمع الله به كلمتهم، فأتوقع أن يؤدوا دوراً كبيراً في هذه البلاد. وهذا التفكير بدأ يطرح بعمق في الفترة الأخيرة فعقدت مؤتمرات إسلامية في أمريكا لترشيد العمل الإسلامي، والجمع بين فصائله أو على الأقل إيجاد وحدة موقف في التعامل مع الأحداث التي تمر بالإسلام والمسلمين، وبعض هذه المؤتمرات حققت نجاحاً ملحوظاً، وبعضها انتهى إلى صياغات وبرامج محددة يمكن أن تستمر وأن توظف إذا وجدت من يستكمل البناء ويكمل المسيرة فالساحة واعدة بكثير من الخير، فالمسلمون يستطيعون أن يؤدوا دوراً فاعلاً إذا استغلت وسائل الإعلام والاتصال في النافع المفيد، ووظفت لصالح الإسلام. * كيف يمكن القضاء على الخلاف بين فصائل العمل الإسلامي؟ لقد تأملت في واقع العمل الإسلامي المعاصر فوجدت أنه يعاني من مشكلتين كبيرتين.. من تشرذم علمي يوشك أن يمثل تفرقاً في الدين.. ومن تشرذم تنظيمي يوشك أن يمثل تفرقاً في الراية.. فأخذت أبحث عن الأسباب.. ما الذي أدى إلى التشرذم العلمي؟ هناك اجتهادات علمية متفاوتة مختلفة أدت إلى أن تموج الساحة بالمفاهيم المتصارعة.. أسباب ذلك كثيرة منها.. الخلط بين الثابت والمتغير أو الخلط بين المحكم والمتشابه، لأن سر الخلل في هذه الناحية يرجع إلى أحد أمرين: إما أن نغلو في مسألة من مسائل المتشابه فنرفعها إلى مصاف المحكمات والقطعيات فنوالي ونعادي عليها.. وإما أن نوهن ونفرط في مسألة من المحكم فنهمش قيمتها، ونهمش دورها ونهبط بها إلى مستوى المسائل المتشابهه والبسيطة، هذايقتضي منا أن نعيد ترتيب الأوراق داخل العقل المسلم، بحيث نفصل بدقة بين المحكمات التي يجب أن تجتمع عليهاكلمة المسلمين كافة وبين المتشابهات التي يجب أن يتغافر فيها الناس ولا يفجروا بسببها عداوات وخصومات. ويجب أن تقدم ورقة عمل تجمع فيها نقاط التنازع بين فصائل العمل الإسلامي.. لنفصل فيها كما قدمنا سابقاً.. ولي شخصياً دراسة مطبوعة في ذلك بعنوان (نحو مسيرة راشدة للعمل الإسلامي) . * الشباب الإسلامي حائر الآن: فطائفة تغرق في التراث ولا ترى غيره وطائفة تقطع الصلة بالتراث إلى حد كبير.. كيف السبيل للخروج من هذاا المأزق؟ لا بديل عن سلفية المنهج وعصرية المواجهة، بمعنى إننا يجب أن نرجع بأصول الفهم إلى الكتاب والسنة وما أجمع عليه الفقهاء، وأن نستخدم هذه الأصول في دراسة ومعالجة مشكلاتنا المعاصرة، فلا نهاجر إلى الماضي بالكلية فننفصل عن الحاضر بالكلية فهذا نوع من الخلل، ومعناه أنني سأعيش في اهتمامات تراثية تاريخية بحتة، فالسلف واجهوا مشكلات بعينها تصدوا لها بالقرآن والسنة وبكل ما آتاهم الله، أما مجتمعاتنا المعاصرة فإنها تفرز قضاياجديدة فلا ينبغي أن أهاجر إلى الماضي، وأنفصل عن مشكلاتي المعاصرة ولا ينبغي بنفس القدر أن تحجبني هذه المشكلات المعاصرة عن التواصل مع السلف وعن استخدام أصول الفهم وقواعد المنهج السلفي التي توارثتها الأمة جيلاً بعد جيل في دراسة وتحليل وعلاج هذه المشكلات.. وهناك معيار يمكن أن يمثل صمام أمن في هذه القضية.. فإذا فصلنا أبناء هذا الجيل عن تراثهم وعن كتب سلفهم فإننا نغامر بالفكر الإسلامي ونغرر به تغريراً كبيراً ينذر بمستقبل شديد الظلام، فسلفنا الصالح كما نقلوا لنا نصوص الكتاب والسنة نقلوا لنا الفهم الصحيح والمعتبر لمحكمات الكتاب والسنة، وكما مثلوا مرجعية في نقل النصوص، مثلوا مرجعية في فهم المحكمات في هذه النصوص ولهذا يقول الله تعالى: [ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم] [النساء: ١١٥] كان يكفي أن يقول: ويتبع غير سبيل الله، وقال الرسول ﷺ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي [١] وكان يكفي أن يقول عليكم بسنتي فقط.. ففهم سلفنا الصالح والقرون الثلاثة الأولى يمثل صمام أمن في فهم محكمات الكتاب والسنة. ولقد قرأت لأحد المتساهلين من أهل الفكر المعاصر من يقول: إن مقصود الشريعة من قطع يد السارق هوتحقيق الزجر الخاص للسارق ثم الزجر العام أمام الناس حتى لا يأكلوا بالسرقة، فلو أتينا بعقوبة أخرى غير القطع ولتكن الأشغال الشاقة فنحن نكون بذلك قد حققنا مقصود الشريعة، ولم نخالف الشرع، ولم نحكم بغير ما أنزل الله، فهذا نوع من الضلال والبهتان الذي أدى إليه التفلت من مرجعية السلف، فالأمة أجمعت جيلاً بعد جيل على هذه العقوبة وعلى أن الخروج عنها ضلال والحكم بغيرها بهتان وكفر وشرك وظلم لأنه حكم بغير ما أنزل الله.

стр. 1814

في دائرة الضوء مأزق النقد في الفكر الحداثي د. أحمد بن محمد العيسى لا أتصور أن هناك مفكراً يتجاهل أهمية النقد كعنصر من عناصر نهوض الأمم ووسيلة لتقويم الواقع ومعالجة الأخطاء والغوص في أعماق حركة المجتمعات والأفراد، وفي أعماق الأفكار التي تتراكم داخل تلك المجتمعات أو في عقول أفرادها التي تشكل رؤيتهم للقضايا الأساسية التي تكوّن واقعهم الاجتماعي بالمعنى الشامل لهذا الواقع، ولكن الذي يثير الاختلاف والرفض أحياناً في مسألة النقد يتمثل في ثلاثة عناصر تشكل منظومة النقد وهي: من هو الناقد؟ وما هو المنقود؟ وما هو منهج النقد؟ وأحسب أن التفكر في هذه العناصرالثلاثة مهم جداً عندما نحاول القراءة في مشاريع النقد الحداثية التي اجتاحت الفكر العربي منذ أن انهار مشروع النهضة العربي بعد هزيمة (يونيو) ١٩٦٧، الذي قادته القومية العربيةوالفكر التغريبي منذ جلاء الاستعمار العسكري عن البلاد العربية، وتزامن هذا الحدث التاريخي مع اكتساح ظاهرة الصحوة الإسلامية المجتمعات العربية مبشرة ببدء مشروع نهضوي آخر مغاير لذلك الذي قادته القومية العربية، لقد أدت هذه الأحداث إضافة إلى عامل ثقافي شديد الأهمية وهو استحكام حركة التغريب الفكري والثقافي والأدبي على عقول (المثقفين) العرب الذين غرقوا حتى آذانهم في المعارك الفكرية والنقدية والفلسفية التي شهدتها أوروبا وبخاصة فرنسا وألمانيا منذ مطلع هذا القرن. المشاريع النهضوية ردود أفعال: أدت هذه الظروف إلى نشأة مشاريع النقد الحداثية، والتي يمكن أن نصفها بأنها ردود أفعال على واقع يبدو لتلك الفئات من المثقفين أنه يسير في اتجاه معاكس لحركة التقدم والنهضة، ويمكن تبرير هذا الحكم من جانبين: الأول: إن مشاريع النقد الحداثية أقحمت الفكر العربي الذي يفترض أنه يبحث عن حلول لمشكلات المجتمع العربي في قضايا فكرية وفلسفية لا علاقة لواقعه بها، ولهذا وجدنا كثيراً من أفكار المدارس النقدية الأوربية من ماركسية ووجودية وبنيوية وتفكيكية وغيرها، تجيء وتذهب في الدراسات العربية وعلى صفحات المجلات المتخصصة وغير المتخصصة دون أن تشغل عقل القارئالعربي وذلك لسبب بسيط وهو أنها لا تعبر عن همومه وأفكاره وقضاياه المصيرية، وكثير من النقاد الحداثيين يعترفون بهذه الحقيقة ولكنهم يجدون تفسيراً لها يتناسب مع غرورهم الثقافي، إذ يبررون ذلك بأن العقل العربي لا يزال يعيش وفق آليات ومنطلقات لا تستوعب هذه المصطلحات والمناهج النقدية التي يبثونها في دراساتهم النقدية، إذ أن الكتابة العالية لا تتوجه إلى جمهور شعبي من القراء بل تستهدف النخبة المثقفة القادرة على قراءة هذا النهج من الكتابة من خلال تفهم هذه النخبة للإطار الفكري والأدبي ومرجعه الغربي لهذه الكتابة، بنظر كتابها وقارئيها كلما اقتربت هذه الكتابة من الأنماط والنماذج الغربية ارتفعت قيمتها الأدبية وازدادت صحتها الفكرية [١] ! ! الثاني: إن الدراسات النقدية الحداثية على الرغم من أنها متخلفة بعشرات السنين عن المدارس النقدية في الغرب إلا أنها وبسبب بعدهاعن الواقع العربي كثيراً ما تأتي بنتائج غير موضوعية وبعيدة عن الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العربي، ويمكن أن نضرب لهذا مثالاً وهو أن غالبية النقاد يجمعون على أن الوضع العربي القائم حالياً هو وضع متخلف ساهمت في تكوينه أسباب عدة منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، إلا أنه عند التشخيص الدقيق لأسباب هذا التخلف تتباين الآراء وتبتعد الأفكار كثيراً فمشاريع النقد الحداثية كما عند الجابري وغيره ترى أن الأزمة تكمن في تكوين العقل العربي، الذي ينقسم إلى عقل (سلفي) يزداد مع الوقت توغلاً في الماضي بالشكل الذي يجعل التفكير فيه يفقد أسبابه الموضوعية، وعقل متغرب يحاكي النموذج الأورربي الذي يتوغل في المستقبل بالشكل الذي يجعل الأمل في اللحاق به يتضاءل أمام اضطراد التقدم العلمي والتقني الهائل.. [٢] . ويتطرف آخرون في استنتاجاتهم النقدية بحسب مناهجهم النقدية إلى أبعد من ذلك كما هو عند أدونيس أو محمد أركون وعبد الله العروي وغيرهم. شهوانية النقد الحداثي: ولم تكن عملية النقد لما يسمى بالعقل (السلفي) ، تتم بدراسة واقع (العقل) الإسلامي في العصر الحديث، ثم محاولة إيضاح مساراته المرضية ومقارنة ذلك بالأسس والمنطلقات العقائدية والفكرية الإسلامية، ولو تم ذلك لكنا مسرورين جداً، ولكن شهوانية النقد الحداثي اتجهت إلى تلك الأسس والأصول لتحاول الطعن في صلاحيتها لتكون أساس النهضة والتقدم، وكأن الهدف الأساسي لعملية النقد الحداثية هذه هي اقتلاع الأصول من (العقل) العربي وإعادة تركيبه من جديد، أو كما يقول محمد أركون: الحداثة التي ننظر إليها في هذا المجال هي التي تضع حداً لاستئثار الأديان التقليدية بوصفها الينابيع والمقامات العليا لإنتاج الحقيقة الواحدة وإدارتها، الحقيقة العالمية الثابتة العابرة للتاريخ بعد أن أوحى الله بها وأبانها وحماها.. [٣] . أسباب التخلف في زعمهم: والغريب أن مدرسة النقد الحداثية توجه أسباب التخلف الحضاري إلى (العقل) الإسلامي السلفي، بمفهومه المثالي وليس الواقعي، بينما يؤكد الواقع والتاريخ أن (العقل) الإسلامي الذي يعتمد على مصادر التلقي في الإسلام (الكتاب والسنة) كان غائباً في أغلب فترات التاريخ العربي المعاصر، وإن الحوادث التاريخية والاجتماعية الكبرى التي حدثت في تاريخ العرب المعاصر والتي شكلت عصر الانحطاط والتأخر للمسلمين بعامة والعرب بخاصة، كانت تتم في ظل غياب شبه تام للعقل الإسلامي الفاعل، وإذا حدث ووجد (العقل) الإسلامي فهو إما كان دوره هامشياً أو كان دوره مقموعاً من قبل القوى العلمانية والقومية التي أحكمت قبضتها على العالم العربي منذ رحيل الاستعمار، إذن كيف تقوم المدارس النقدية الحداثية بتشريح مريض لعقل غير موجود بصورة شمولية وتنسب إليه الفشل الحضاري للعالم العربي! ! يتضح من الأسطر السابقة أن الناقد هو من تتلمذ في أحضان المدارس النقدية الأوربية بكافة اتجاهاتها وتياراتها، وبذلك شكلت تلك المدارس تكوينه الفكري و (العقلي) ، أما المنقود فهو التراث الفكري الإسلامي، وتعدى ذلك إلى نصوص الوحي في القرآن الكريم والسنة النبوية، لأن تلك النصوص في مفهوم الحداثيين هي من التراث الفكري الذي لا قدسية له ولا تميز، وهذه جميعاً هي التي شكلت بنية (العقل) الإسلامي، ونأتي الآن إلى الإشارة إلى منهج النقد الذي سلكه الحداثيون في مشاريعهم النقدية، والذي نحسب أنه يمثل المأزق الذي وقع فيه أولئك القوم. منهج النقد الحداثي: إن القارئ للفكر النقدي الحداثي لا يحتاج إلى عناء كبير في اكتشاف الأدوات النقدية التي يستخدمها الحداثيون في نقد (العقل) العربي، ومن ثم نقد أصوله المعرفية ومنطلقاته الفكرية، لقد غرق النقاد الحداثيون كما أشرنا سابقاً في خضم الحركات النقدية والفلسفية الغربية التي تطغى على الساحة الفكرية في فرنسا وألمانيا بالذات، لأنهما تمثلان أهم المدارس الفكرية في تاريخ أوروبا المعاصر ابتداء من فلسفة هيجل وكانت ومروراً بماركس وفرويد ونيتشه ثم انتهاء بالحركات النقدية التي ازدهرت بعد الحرب العالمية الثانية من أمثال الوجودية والبنيوية والتي قامت بهجوم نقدي حاد للفكر الغربي الذي أفرز النازية والفاشستية وغيرها من الحركات العنصرية، لقد اهتم النقاد الحداثيون العرب فترة من الزمن بالأدوات النقدية التي يقدمها الفكر الماركسي لتشريح حركة التاريخ والمجتمع، مثل مفهوم صراع الطبقات، وتحالف القوى البورجوازية والرجعية الدينية لممارسة السلطة وتبرير سحق الطبقات المحرومة في المجتمعات، وانتقل بعضهم إلى مدرسة النقد البنيوية والتي يمثلها ميشل فوكو وجاك دريدا وجيل ديلوز، فاهتموا بتفكيك النص وإعادة قراءته بعيداً عن تأثير الواقع الاجتماعي والفكري الذي أنتجه. وها هو قطيع منهم يتجه إلى مدرسة ما بعد الحداثة حيث التهكم والتوجه الفردي والعودة إلى الذات: هذه هي ردود الفعل التي لا مهرب منها لفكر يبحث عن حقيقة تتميز بتهرب دائم، فكر لا يجد أمامه منفذاً إلا في الفكاهة والهزل ورفض روح الجد وفي تجذير الوعي الذاتي.. [٤] ، واهتم كثير من الدارسين الحداثيين بالمناهج الغربية في العلوم الإنسانية (علم الاجتماع والتاريخ واللغات وعلم النفس والتربية.. إلخ) فاقتبسوا المناهج النقدية التي أفرزتها الصراعات الفكرية التي خاضتها المدارس الفلسفية في الغرب، وبدأوا يطبقونها على التاريخ والتراث الإسلامي، أما قراءتهم للتراث الإسلامي منذ عصر صدر الإسلام وحتى الآن فقد كانت تتم بصورة انتقائية بحيث يتم في الغالب اقتباس النصوص والحوادث التاريخية والفكرية التي تخدم حكماً نقدياً مسبقاً، وهي قبل ذلك وبعده تتنفس من خلال الرؤية الاستشراقية للثقافة الإسلامية، والمتأمل مثلاً في مشروع علي أحمد سعيد (أدونيس) في كتابه الثابت والمتحول، يرى بشكل واضح المحيط الاستشراقي الذي قرأ به أدونيس التراث الإسلامي. وبهذا أدى استخدام المناهج النقدية الحداثية في البيئة الفكرية الإسلامية إلى محاولة قسرية للمزج بين بيئتين وثقافتين مختلفتين حيث يتم تفسير حركة المجتمع والفكر تفسيراً قريباً لما يحدث في المجتمعات الغربية، بل والأخطر من ذلك أصبحت المناهج النقدية الغربية تمثل سلطة مرجعية للناقد، يرجع إليها كلما حاول إصدار حكم نقدي على أي ظاهرة يقوم بدراستها في الفكر الإسلامي، وعندما يستخدم النقاد الحداثيون المناهج النقدية التي تطورت في سياق الفكر الغربي، فبعضهم يفسرون مثلاً حركة الفتوحات الإسلامية تفسيراً مادياً جدلياً، حيث كانت تهدف إلى التوسع والهيمنة، وأن حروب الردة والفتنة الكبرى التي حدثت في أواخر عهد الخليفة عثمان بن عفان ﵁ إنما هي حروب اقتصادية، وأن تاريخ الإسلام منذ قيام الإسلام إلى اليوم هو تاريخ صراع بين الطبقات، تارة يكتسي هذا الصراع صبغة اقتصادية اجتماعية وتارة يظهر بمظهر الصراع الايديولوجي والنزاع بين الفرق.. [٥] . أما علاقة الإسلام بالنصرانية فقد تصارعا وتبادلا النبذ منذ القرن السابع مستعملين التصور نفسه للحقيقة الموصى بها، لتشريع المساعي التوسعية طلباً للهيمنة في مدى المتوسط خصوصاً.. [٦] . ولعل القارئ لا يغفل عن استخدام هذه الأحكام النقدية البعيدة عن محيط المسلمين العقدي والفكري، فقد أغفل أولئك النقاد مثلاً الدوافع الإيمانية التي دفعت حركة الفتوحات الإسلامية، وهي الدوافع التي يحث عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة من نشر الدعوةالإسلامية، وإعلاء كلمة الله في الأرض. ومشاريع النقد الحداثية التي وقعت في هذا المأزق لم تجد حرجاً من انتقاد المشروع التغريبي الكامل، ذلك أن الحداثيين اكتشفوا أن نقل الواقع العربي ليماثل الواقع الأوربي بكل قيمه وأفكاره وثقافاته هو بكل المقاييس ضرب من المستحيل، وأن مشروع المتغربين الأوائل على مستوى الفكر والسياسة والأدب قد انهار تماماً بعد هزيمة ٦٧، حيث اصطدم هذا المشروع بازدواجية اسمها الغرب حيث يُرى الغرب بأنه يمثل العدوان والغزو الاستعماري والاحتكار والامبريالية وفي نفس الوقت فهو يمثل الحداثة والتقدم والنموذج في مشاريع التنمية. مأزقهم في مشاريعهم: ولكن هل تنبه أولئك النقاد إلى المأزق الذي وقعوا فيه باستخدامهم المناهج النقدية الغربية في نقد الواقع العربي؟ الحقيقة أنهم يعرفون المأزق الذي وصلت إليه مشاريعهم، يقول هشام شرابي شئنا أم أبينا يستمد هذا الفكر العلماني النّقاد مفاهيمه ومصطلحاته وأبعاده من التجربة الأوروبية للحداثة بمفهومها الشامل.. [٧] ولكن كيف يمكن تبرير هذا الاستخدام للمصطلحات والمفاهيم الأوروبية، يجيب شرابي: يهدف الناقدون العلمانيون عند طرحهم مقولة الحداثة إلى إقامة إطار ومفاهيم تختلف إلى حد بعيد عن الأطر والمفاهيم الغربية التي يستمدون منها مقاييسهم العلمانية وعدداً من مفاهيمهم النقدية! وذلك لأن المنطلق الفكري لدى معظمهم هو الواقع المعاش عينه لا الفكر الأكاديمي المجرد! [٨] . ولكن هل هذا ممكن؟ هل يمكن استخدام مقاييس علمانية ومفاهيم نقدية من بيئة فكرية معينة ثم تقام أطر ومفاهيم مختلفة عن تلك الأطر والمفاهيم. إن هذا لا يكون إلا بالقيام بحركة نقدية عميقة لتلك الأطر والمفاهيم المقتبس منها أولاً، ثم تقارن تلك الأطر بالأصول الفكرية والعقدية التي يقوم عليها المجتمع المنقود. وهذا مالم يفعله الحداثيون، وإنما يتحدثون عن تجاوز لمفاهيم ومصطلحات هم غارقون في لججها وتشكل محور فكرهم وإنتاجهم النقدي ويقول الجابري في هذا السياق إننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أومنهجيات أو قراءات مختلفة متباينة، مفاهيم يمكن الرجوع ببعضها إلى كانت أو فرويد أو بلاشير أو التوسير أو فوكو، بالإضافة إلى عدد من المقولات الماركسية التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها. [٩] ، ولكن كيف يبرر الجابري هذه المراجع وأحكامها النقدية، يقول: ولا نشك أن القارئ المتمرس بهذه الفلسفات والمنهجيات سيلاحظ، وله الحق في ذلك، أننا لا نتقيد في توظيفنا لتلك المفاهيم بنفس الحدود والقيود التي تؤطرها في إطارها المرجعي الأصلي، بل كثيراً ما نتعامل معها بحرية واسعة. إننا واعُون بهذا تمام الوعي ونمارس هذه الحرية بكل مسؤولية. ذلك لأننا لا نعتبر هذه المفاهيم قوالب نهائية، بل هي فقط أدوات للعمل يجب استعمالها في كل موضوع بالكيفية التي تجعلها منتجة، والأوجب التخلي عنها، إذ ما قيمة أي مفهوم إذا كان سيذكر للزينة فقط؟ [١٠] . فوضوية النقد الحداثي: أما نحن فنشك في قدرة الناقد الحداثي في عدم التقيد بالحدود والقيود التي تؤطر تلك المنهجيات في إطارها الأصلي، لأن ذلك ببساطة يعني هدم ذلك المنهج النقدي أو تجاوزه لغيره، فما لم يلتزم الناقد بحدود ذلك المنهج فإن ذلك يعني إما اقتباس انتقائي من أدوات ذلك المنهج بحيث يصبح الناقد يتعامل مع (لا منهج) ، أو أن يتجاوز الناقد حدود ذلك المنهج ويقدم منهجاً جديداً، وهذا لا يملكه النقاد الحداثيون لأنهم لا يزالون يعيشون في غربة المكان كما فعل أسلافهم أصحاب المشروع التغريبي الكامل. وأخيراً، إذا كان القارئ للنقد الحداثي لا يستغرب النقد الهادم للفكر والتراث الإسلامي، والمفاهيم الإسلامية التي تكون (العقل) المسلم والتي تكون أساساً للنهضة المنشودة في العالم العربي، فقد يستغرب نقدهم للمشروع التغريبي الكامل الذي يجعل (العقل) العربي يرى الغرب في صورة المثال والنموذج الذي يجب أن يسير على منواله في مشروع النهضة المنشودة. إذاً هل لدى أولئك النقاد من مشروع آخر تنهض به الأمة العربية من سباتها الطويل؟ ! ! إن المشروع النقدي الحداثي بكل تأكيد لا يقدم البديل، بل يفتح المجال على مصراعيه للفوضى الفكرية والسياسية والاجتماعية، وبالتالي إلى ضياع الهوية الحضارية للأمة بعد أن يتم هدم كل المقومات والأصول التي تبني عليها الأمة نهضتها وتميزها الحضاري.

стр. 1815

من ثمرات المنتدى الملتقى الثقافي والدورة الشرعية التحرير الدورة السابعة للعلوم الشرعية: نظم المنتدى الإسلامي الدورة السابعة للعلوم الشرعية في المقر الرئيس في لندن، وذلك في الفترة ٢٣ صفر ٦ ربيع الأول ١٤١٥هـ وقد شارك في الدورة ثلة من أساتذة الجامعات وطلبة العلم، واستفاد منها قرابة الستين طالباً. كما نظم المنتدى وللمرة الأولى دورة مبسطة في العلوم الشرعية باللغة الإنجليزية في الفترة نفسها، وقد بلغ عدد المشاركين ثلاثين طالباً. والمنتدى الإسلامي يحمد الله أن سخر القائمين عليه للاهتمام بهذه الدورات العلمية النافعة، كما يشكر الإخوة المدرسين على جهودهم الطيبة خلال أيام الدورة. أنشطة المنتدى الإسلامي الصيفية (الملتقى الثقافي السابع عشر) : أقام المنتدى الإسلامي ملتقاه الثقافي السابع عشر في مدينة ليستر يومي السبت والأحد ٢١، ٢٢ صفر ١٤١٥هـ، تحت شعار نحو ترشيد أخلاقي للعمل الإسلامي. وقد تناول المحاضرون الموضوع من خلال ثلاث محاضرات: ١) أخلاق السلف في التعامل مع المخالفين. ٢) البناء الخلقي وأثره في تكوين الداعية. ٣) المؤثرات النفسية على أخلاقيات المنتدين. ٤) بالإضافة إلى ندوة تحمل شعار الملتقى عنواناً لها. كما تضمن الملتقى محاضرة عن أوضاع اليمن تناولت التاريخ والحاضر ورؤية مستقبلية لأوضاع اليمن. والمنتدى الإسلامي يشكر الإخوة المحاضرين على استجابتهم للدعوة وعلى محاضراتهم القيمة، كما يعتذر مرة أخرى للإخوة والأخوات الذين حضروا الملتقى عن تغيب عدد من المحاضرين المدعوين، وهو أمر خارج عن إرادتنا وإرادتهم، فالله المستعان. وبعد الملتقى السابع عشر، كانت لنا وقفة مع جمهور المنتدى المستفيدين في استبانة كانت نتائجها كالتالي: يرى ٧٢% من المشاركين أن الملتقيات الثقافية نشاط مهم له فوائده العديدة بينما يرى ٢٤% منهم أنها نشاط مفيد إلى حد ما، ويرى ٤% أنها نشاط روتيني فائدته قليلة. أما عن عدد الملتقيات السنوية، فيرى ١٩% منهم أن تعقد الملتقيات ثلاث مرات سنوياً، بينما يرى الأكثرون (٥٧%) أن تعقد مرتين سنوياً، و١٣% يرون عقدها مرة واحدة فقط، أما ١١% من الحضور فيرون ألا يعقد الملتقى إلا عند الحاجة إلى طرح موضوع مهم، وبعد التأكد من مشاركة محاضرين متميزين. وأظهرت الاستبانة أن ٤٥% من الحضور يشجعهم على المشاركة بالدرجة الأولى أسماء المحاضرين المدعوين، بينما يحضر ٣٤% منهم تفاعلاً مع شعار الملتقى وعناوين المحاضرات، وذكر ٢١% أن الأسباب الاجتماعية والترفيهية هي الأسباب الرئيسة لحضورهم، وحول ظاهرة اعتذار المحاضرين عن المشاركة بعد الإعلان عن أسمائهم، أبدى ١٢% من الحضور أن هذا يزعجهم كثيراً، إلى درجة أنهم لو علموا بذلك قبل الوصول لم يحضروا أصلاً، لكنه لا يؤثر على موقفهم من المشاركة، وذكر البقية (٢٦%) أن هذا أمر يتوقع ولذلك لا ينزعجون منه.

стр. 1816

الورقة الأخيرة جاهلون أم متجاهلون ؟! محمد سليمان إن مشكلتنا مع من يسمون أنفسهم بالكتاب (المثقفين) أو (الانتلجنسيا) العربية، أو (التنويريين) وهذا يعني أن غيرهم ظلاميون مشكلتنا معهم أنهم يقفون مع الظلم والاستبداد، بل مع الهمجية والوحشية عندما تكون ضد المسلمين، والحقيقة أن هؤلاء ليسوا بمثقفين ولا أصحاب فكر، لأن الثقافة والعلم ستؤدي يوماً ما إلى معرفة الحق والوقوف بجانب العدل، مع إننا نرى بعض الباحثين الغربيين وهم قلة على كل حال يتكلمون ببعض الحقيقة التي لا يستطيع أحد عنده ذرة من حياء أو موضوعية إنكارها. جاء في حوار أجرته إحدى الصحف العربية مع الباحث الفرنسي (فرانسوا بورجا) قوله عن النخبة الحاكمة بعد الاستقلال: فالنخبة الاستقلالية انفصلت عن الغرب سياسياً، ولكن ثقافياً ظلت تتجاهل الأطر المرجعية المحلية، ففي تونس مثلاً أغلق (الحبيب بورقيبة) المؤسسة التي كانت تعتبر قلب الثقافة الإسلامية في تلك الفترة، وهي جامعة الزيتونة، وقال جواباً لسؤال حول العنف ومن الذي بدأ به؟ : في كثير من الأحيان نجد أن العنف بادرت به الأنظمة الحاكمة، وليست الحركات الإسلامية. ورداً حول ما يقال وإن المد الإسلامي يرجع إلى تدهور الحالة الاقتصادية قال: أنا لا أوافق على هذا التحليل، ولكن أعتقد أن الظروف الاقتصادية تؤثر إلى حد ما على أسلوب العمل السياسي.... وهذا كاتب فرنسي آخر (جاك فيرجاس) يؤلف أخيراً (رسالة مفتوحة إلى أصدقاء جزائريين تحولوا إلى جلادين) ، وفي هذا الكتاب يتهم مثقفي الجزائر ويحملهم مسؤولية ما يجري، ويتهمهم بالتواطؤ مع السلطة، وأن فعل الإسلاميين كان رداً على عنف السلطة، ويطالب (المثقفين) بتحديد موقعهم بوضوح، هل يقفون إلى جانب النظام الديكتاتوري أو ينضمون إلى ضحايا القمع..؟ ! هل هذان الفرنسيان أعرف بالمنطقة وظروفها وتقلباتها من بعض المتعالمين عندنا؟ أم أن شيئاً من الحياد والتعقل جعلهم يتكلمون ببعض الحقائق، بينما نرى كتابنا (كتاب الصحف والمجلات) الذين يدعون (التنويرية) مازالوا يدندنون على أن سبب المد الإسلامي هو التدهور الاقتصادي، ويطلبون من الغرب مساعدتهم اقتصادياً حتى يقف هذا المد. وإن مما يدعو للشفقة والرثاء أن يطلع علينا (فؤاد زكريا) في مجلة العربي متأسفاً متحسراً على الأيام الخوالي، أيام طه حسين وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى الذين بدأت بهم حركة (التنوير) ! ومتحسراً على أن الإسلام هو الذي ينتشر بين صفوف الناس والمتعلمين، وهذا في زعمه تراجع إلى الوراء. حالة مؤسفة فعلاً أن يكون (المثقفون) العرب بهذا الجهل أو التجاهل.

стр. 1817

جمادى الآخرة - ١٤١٥هـ نوفمبر - ١٩٩٤م (السنة: ٩)

стр. 1818

كلمة صغيرة يتباهى الغربيون بتقريرهم للحرية قيمة إنسانية في دساتيرهم وقوانينهم يواصلون ويفاصلون عليها، ولفرنسا ادعاء كبير في هذا الباب، غير أن واقعها اليوم لا يمت لذلك بصلة، فالحرية في نهجهم هي الهجوم على الإسلام ودعاته وتشجيع مناوئي الإسلام حتى (تسليمه البنغالية) ! بل وأصبح الفكر الموضوعي المجرد تحت طائلة قانونهم، فقد رفضت رسالة علمية تكذب دعوى مذابح اليهود، وصودر كتاب (جارودي) في كشف عنصرية الصهيونية ومزق كثير من صفحاته وصودرت كتب إسلامية في معرض للكتاب عندهم. أما انتهاك الحرية الشخصية فكان بقرار من وزير (التربية) لرفضه ارتداء الزي الإسلامي للفتيات المسلمات بدعوى أنه ظاهرة أصولية، ولا نعرف أنهم رفضوا ارتداء زي الراهبات ولا الطاقية الصهيونية المعروفة، وهي مظاهر أصولية! . الغريب أن يؤيد مسؤول مسلم رأي الوزير! ! وإنها لمأساة أن يجتمع ضدك القريب والبعيد!

стр. 1819

الافتتاحية متى تستقل أمتنا تشريعياً ؟ ! الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: كل الدول في شتى أنحاء العالم لها أنظمة وقوانين تدين لها، وعليها تحافظ، وتعادي وتوالي من أجلها.. لا ترضى أن تمس من قريب أو بعيد ووصل الأمر في الاعتزاز بها أن ربطوا بينها وبين سيادة الدولة، واعتبروا أي مساس بهذه السيادة يعتبر «خيانة عظمى» . وأمتنا الإسلامية عبر تاريخها الطويل تؤمن إيماناً كاملاً بأن دين الإسلام هو هويتها وشريعته هي دستور حياتها، وقيمه وأخلاقه هي منهاج تعاملها فيما بينها ومع الآخرين، وكان ذلك سبباً مباشراً في وحدة الأمة وقوتها ومهابتها وبعد سنوات وسنوات من البعد عن الإسلام الحق وشريعته الخالدة، استولى الطورانيون على أطلال الخلافة العثمانية التي كانت تسمى آنذاك «الرجل المريض» بمؤامرة محبوكة وضحتها شروط «كرازون» التي نفذها العميل الماسوني «أتاتورك» والتي كان من أهم بنودها: ١- قطع صلة تركيا بالإسلام. ٢- وضع دستور مدني علماني. وكانت الثمرة المرة لتلك المؤامرة أن تداعى الأعداء المستعمرون على جل ديار الإسلام مستعمرين لها، محاولين تنفيذ الشروط نفسها في كل بلد احتلوه وبعد سنوات من مقاومة المجاهدين لهم سلموا السلطات لنفر ممن صنعوهم على أعينهم، فأسسوا الحكومات العلمانية التي قامت بعد ما سمي بـ «الاستقلال» ولا ندري أي استقلال يزعمون والمستعمر مازال قائماً في النظم والقوانين السائدة، ولا ندري أي استقلال يدعون وهم يعادون الإسلام ودعاته ويرفضون تطبيق الشريعة الإسلامية بحجج استعمارية ترفض الإسلام ديناً ودولة..؟ ! بل زادوا عليها معاداة الدعاة إلى الله، وسن القوانين المضادة لشرعه ومنعهم قيام أي توجه إسلامي مهما كانت صفته، بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، مع عدم ممانعتهم من قيام أي تنظيم غير إسلامي حتى ولو كان شيوعياً أو بعثياً. لقد شجعوا سياسات التغريب في الفكر والمجتمع، ومحاولة صنع أجيال متمردة على الإسلام بالسياسات الإعلامية والتعليمية والسياحية.. وشنوا حملات تشويه ضد الإسلاميين، ورموهم عن قوس واحدة، واتهموهم ظلماً وعدواناً بالتطرف والإرهاب، ورفضوا بكل عنجهية الحوار الموضوعي معهم فكانت عاقبة أمرهم خسراً. وحتى تنطلي هذه اللعبة على الشعوب المغلوبة على أمرها، شغلوها بهموم الحياة والبحث عن لقمة العيش، وزعموا بكل تبجح أن هذه الصحوة إنما مرجعها فقر الشعوب وحاجتها، فدعوا الدول الأجنبية لبذل المزيد من المعونات والتنازل عن ما ألحقته سياساتهم العقيمة من ديون للدول الأجنبية لكنها مازالت تعيش في فقر ومسغبة وسوء أحوال وعنف مضاد، وما أصدق الحديث القدسي (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) . والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: لماذا يحاربون الإسلام وفيه عزتهم ومنعتهم؟ ولماذا يناصبون دعاته العداء وهم لا يريدون إلا أن تكون كلمة الله هي العليا؟ ! لا شك أن هذا هو الدليل الجلي على الانحراف عن منهج الحق ويؤكد ذلك ما تضمنته أنظمتهم وقوانينهم من انتهاك للإسلام وتعاليمه ومحاربة لأوليائه، ولا نجد تبريراً لذلك إلا ما يلي: ١- أن هؤلاء الحاكمين بأمرهم عاهدوا أسيادهم والشيطان على رفض شريعة الله حتى آخر لحظة من حياتهم. ٢- الجهل المركب بالإسلام واعتباره مثل غيره من الأديان المحرفة، ولسان حالهم أن الإسلام غير صالح للحكم لعدم مناسبته للعصر [كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا] . والحقيقة أن هؤلاء الحكام إن لم يكونوا عملاء بأفعالهم تلك فماذا يكونون؟ إذ أن الجهل لم يعد مسوغاً كافياً لوصمهم به لأن كثيراً من المجامع العلمية العالمية اعترفت بشريعة الإسلام وتميزها وشمولها وصلاحيتها، وأصبح ذلك معروفاً ومتيسراً لكل باحث عن الحقيقة، ويبدو أنه زيادة على الأسباب آنفة الذكر فإن حب السلطة والتمسك بها لما تؤديه من مصالح مادية ومعنوية له دوره أيضاً. ولا ننسى أن ذلك بسبب تصورهم الخاطئ: بأن فتحهم المجال لدعاة الإسلام وطرحهم المنهج الإسلامي، سيغري الشعوب بالموافقة على برامجهم وبالتالي إعطاؤهم التأييد دون غيرهم، كما حصل لجبهة الإنقاذ الجزائرية. ومازلنا نتساءل مع كل مخلص من أبناء هذه الأمة: إلى متى تُحرم الشعوب الإسلامية من خيارها الأصيل؟ وحتى متى يُحال دون تحكيم الشريعة الإسلامية؟ وإلى متى يُحال دون تبليغ رسالة الإسلام دون غيره. إن السابر لحال الحكومات العربية التي لا تقيم لشريعة الإسلام وزنا، يجد أنها غير شرعية بالمعنى الشرعي الصحيح لمضادتها لشرع الله، وغير شرعية نظاماً لظلمها لشعوبها وسلبها خياراتها المعلنة، ولمخالفتها حتى لدساتيرها التي تنص غالباً على أن الإسلام دين الدولة، إذ أن ذلك صورة لا حقيقة لها. إن الاستقلال حقاً أن تستقل بمبادئك ومنطلقاتك الأصيلة، والفخر حقاً أن تطبق شريعة الخالق جل وعلا، لا أن تكون عالة على الأجانب، والعزاء لأمتنا المغلوبة على أمرها في كثير من البلدان أنها وإن حيل بينها وبين ما تطالب به من تطبيق الشريعة، فإن الظلم لا يدوم وإن دام مؤقتاً فإن عاقبة القائمين عليه وخيمة وسينالهم الجزاء الأوفى دنيا أو أخرى. إننا ندعو الحاكمين في الدول الإسلامية إلى تطبيق شريعة الله إثباتاً لصحة إيمانهم [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم] ، وليساهموا في حل إشكاليات مجتمعاتهم، لأن الشريعة الإسلامية مع ضبطها لأحوال العباد توجد الضمير الحي الذي يفقده القانون، فقد ملت الشعوب جور ما تحكم به من القوانين المستوردة، بل إن من المساجين من طالب بتحكيم شرع الله عليه وإخراجه، فليس هناك ما يسوغ كل هذا التردد حيال تطبيق الشريعة الإسلامية. إن دين الله قادم بإذن الله ولو وضعت في طريقه السدود والقيود، وعلى الدعاة إلى الله أن يعملوا جاهدين لتبليغ رسالتهم على المنهج النبوي وبكل الوسائل المشروعة، وأن لا يتعجلوا قطف الثمار، وأن لا يتيحوا للأعداء فرصة للنيل منهم أو الحيلولة دون بلاغهم، وصدق الله العظيم: [ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون] ، وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم] ، ذلك كلام الله تعالى، وعده ووعيده، ومن أصدق من الله قيلا؟!

стр. 1820

مقال وقفات مع جهود علماء الدعوة السلفية في نجد في الرد على المخالفين عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيفف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فالرد على المخالفين سواءأ كانوا من المبتدعة أو الكافرين أو المنافقين أو غيرهم نوع من الجهاد في سبيل الله تعالى فهو من أفضل القربات وأعظم الطاعات، ففيه إظهار للسنة، وتحذير من البدعة، وقضاء على الفتنة، واستبانة سبيل المجرمين. والرد على المخالفين لا يكون عملاً صالحاً مقبولاً إلا إذا أريد به بيان الحق وإظهاره، ورحمة الخلق وهدايتهم، كما كان أهل السنة قديما وحديثاً: يعلمون الحق ويرحمون الخلق. وليس الحديث عن علماء نجد تعصباً لإقليم.. فنعوذ بالله من دعاوى الجاهلية ونعرات القومية، لكنه الحديث عن الأقربين، ممن لهم مواقف رائعة مغمورة، وأياد بيضاء منسية، وجهاد ودعوة وصبر وتضحيةكغيرهم، فمع أن علماء نجد كانوا منشغلين بالتدريس والفتيا والقضاء وغيرها إلا أنهم اجتهدوا في الرد على المخالفين أياً كانوا، فصدعوا بالحق لا يخافون في الله لومة لائم ولم تمنعهم سطوة أحد من الخلق عن إبلاغ رسالات الله تعالى. [الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداْ إلا الله وكفى بالله حسيباْ] [الأحزاب: ٣٩] . اجتهد علماء نجد في الرد على المخالفين وسطروا كتباً كثيرة، ورسائل متعددة في الرد على طوائف الكفر وأهل البدع وسائر المخالفين لدين الله تعالى، ودوّنوا أجوبة شافية في إزالة اشكالات وكشف شبهات، وحسبك أن تلقي نظرة على الجزء التاسع من كتاب «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» وكتاب: «مختصرات الردود» وتبلغ صفحات هذا الجزء ثمان وأربعين وأرربعمائة صفحة من الحجم الكبيرمع أن هذا الجزء يقتصر على بعض الردود لا كلها، وعلى مختصرات الردود دون مطولاتها لتعرف مدى ذلك. ومن خلال متابعة واطلاع لجملة من هذه الردود، أقف بعض الوقفات: ١- كثرة الردود وتعددها وشمولها: ما أكثر الكتب والرسائل التي دونهاأولئك العلماء في الرد على المنحرفين، وما أكثر القصائد التي نظمها العلماء في الجواب على المبتدعة وبقية المخالفين، وقد تميز بعض علماء نجد بكثرة الردود وتعددها، ومن ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٣٨٥هـ) ، وابنه العلامة عبد اللطيف (ت ١٣٩٣هـ) ، والشيخ سليمان بن سحمان (ت ١٣٤٩) والشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري (ت ١٣٩٩) والشيخ حمود بن عبد الله التويجري (ت١٤١٣هـ) ﵏ جميعاً. ولقد كتب الشيخ عبد الرحمن بن حسن ردّاً على داود بن جرجيس النقشبندي، وجملة من الردود على عثمان بن منصور، وردّاً على ابن حميد صاحب السحب الوابلة، وردّاً على محمود الكشميري، وغيرهم. وأما الردود التي حررها العلامة عبد اللطيف فهي كثيرة، منها: رد مطوّل وآخر مختصر على داود بن جرجيس، وجملة من الردود علي عثمان بن منصور، والبراهين الإسلامية في الرد على الشبهات الفارسية، ورد على الصحاف، والبولاقي، وابن عمير.. وأما الردود التي كتبها الشيخ سليمان بن سحمان فهي كثيرة جداً، منها: الأسنة الحداد في الردّ على علوي الحداد، والصواعق المرسلة الشهابية الرد على محمد الكسم السوري وكشف غياهب الظلام رداً على (مختار العظم) والضياء الشارق رد اًعلى (الزهاوي) الشاعر، وله قصائد طويلة في ديوانه عقود الجواهر المنضدة الحسان في الرد على أئمة الضلال مثل (أحمد زيني دحلان) و (النبهاني) ونحوهم. وحرر الشيخ عبد الرحمن الدوسري عدداً من المقالات والقصائد في هذا الباب، فكتب ردّاً على أحمد زكي رئيس تحرير مجلة العربي ونظم قصيدة في الرد على الشاعر القروي، ورد اًعلى القوميين والاشتراكيين في مقالات متعددة نشرت في مجلة راية الإسلام التي كانت تصدر في الرياض ثم توقفت. ودَوّن الشيخ حمود التويجري عدة ردود منها: إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة رداً على (أحمد الصديق الغماري) ، والرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي، والانتصار على من أزرى بالمهاجرين والأنصار رداً على (عبد الله السعد) ، والسراج الوهاج لمحو اباطيل أحمد شلبي عن الإسراء والمعراج. ولم يقتصر علماء نجد في ردودهم على طائفة معينة فحسب، بل شملت ردودهم جميع الطوائف والمبتدعة، فكتبوا في الرد على الملاحدة الزنادقة والنصارى، والباطنية، والمتصوفة والخرافيين، وكذلك الرد على الرافضة الأشاعرة وغيرهم. ٢- تنوع الردود حسب اختلاف الأحوال: تنوعت ردود علماء نجد واختلفت حسب ما استجد من الانحرافات والمخالفات، فغلب على رسائل أئمة الدعوة زمن الدولة السعودية الأولى الرد على المخالفين في توحيد العبادة لكثرة المخالف آنذاك، وأظهر مثال على ذلك ما نجده في مؤلفات ورسائل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. ولما انتشرت الدعوة السلفية في بقية أنحاء الجزيرة العربية وخارجها احتاج الأمر إلى زيادة بيان وتفصيل في مبحث الأسماء والصفات، وذلك لغلبة الانحراف في هذا الباب في كثير من بلاد المسلمين، كما نجده جلياً في رسائل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين (ت١٢٨٢هـ) والشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه العلامة عبد اللطيف. وفي هذا الزمان استفحل حكم الطاغوت في بلاد المسلمين، الذي تمثل في القوانين الوضعية، فاهتم علماء نجد بالرد علي تلك القوانين، ومن ذلك ما سطره العلامة محمد بن إبراهيم في رسالته «تحكيم القوانين» وفتاوية وأجوبته المتعددة في تقرير الحاكمية لله تعالى، ونقد المؤسسات الوضعية والأنظمة الطاغوتية [١] ، وكتب الشيخ عبد الرحمن الدوسري كتاباً في ثلاثة أجزاء بعنوان «الحق أحق أن يتبع» في نقد القوانين الوضعية. ولما ظهرت موجة الإلحاد والاستهزاء بالغيبيات، وإنكار وجود الله تعالى، كما هو عند الشيوعيين، انبرى لهم علماء نجد، فكتب الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت١٣٧٦هـ) رسالة بعنوان «الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين» ، وكتب رسالة أخرى بعنوان «انتصار الحق» في الموضوع نفسه. وكتب الشيخ ابن سحمان جواباً عن أسئلة ألقاها بعض زنادقة عصره سنة ١٣٣٢هـ، حيث تتضمن هذه الأسئلة طعناً في الحكمة الإلهية في تشريع مناسك الحج، وسمى جوابه «إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل» . وعندما زاغ عبد الله بن علي القصيمي، تصدى له علماء نجد بالرد فألف الشيخ السعدي رسالة بعنوان «تنزيه الدين وحملته عما افتراه القصيمي في أغلاله » وألف الشيخ إبراهيم السويح (ت١٣٦٩هـ) كتاباً بعنوان «بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال» ، وصنف الشيخ عبد الله بن يابس (ت١٣٨٩هـ) كتاباً بعنوان «الرد القويم علي ملحد القصيم» . ٣- لم تكن هذه الردود ترفاً أو فضولاً أو كلاماً بارداً: لقد كان الباعث على تدوين تلك الردود هو الغيرة على دين الله تعالى، والذب عن شعائر الله والغضب لحرمات الله ، فهذه الجهود في الرد على المخالفين من مقتضيات الولاء والبراء، ومن لوازم الحب في الله والبغض في الله، الذي يعد أوثق عرى الإيمان كما أخبر الصادق المصدوق، ومن ثم فإن أحدهم يرد على المخالف أياً كان، سواءً أكان حاكماً أو محكوماً، قريباً أو بعيداً، مع مراعاتهم لأحوال الناس ومنازلهم، ومدى قربهم أو بعدهم عن الحق، فعلى سبيل المثال نجد الشيخ حمد بن عتيق (ت١٣٠١هـ) يرد على اعتراضات أحد الحكام في زمانه، كما رد على أخطاء في تفسير فتح البيان للشيخ محمد صديق حسن ﵀، وكان الشيخ حمد في غاية الصلابة والشدة مع ذاك الحاكم، بينما كانت رسالته إلى الشيخ محمد صديق حسن في غاية اللطف واللين فمع ما وقع فيه الشيخ محمد صديق من أخطاء وهنات في تفسيره، ومع ما اشتهر عن ابن عتيق من الغيرة الإيمانية والقوة في دين الله تعالى، إلا أننا نجد الشيخ ابن عتيق يلتمس لمحمد صديق المعاذير، ويحسن الظن به، لما كان عليه محمد صديق من عموم الاتباع لمذهب السلف الصالح. لقد صدع الشيخ بكلمة الحق أمام حكام زمانه، فلم يداهن أحداً منهم بل رد عليهم دون خوف فقال في إحدى رسائلة مخاطباً أحدهم: «وأما ما ذكرت من التخويفات فجوابه: [إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم] ونصدع بالحق إن شاء الله، ولا قوة إلا به، ولا يمنعنا من ذلك تخويف أحد [٢] . ولا غرابة أن يقوم الشيخ هذا المقام الرفيع، فلقد كان من المدافعين عن هذا الدين، والغيرة على المسلمين كانت شغله الشاغل، وهمه الوحيد، حتى إنه كتب جواباً لمن عزاه في وفاة ابنيه قائلاً: » ولكن والله ما بلغت مصيبتي بالابنين معشار ما بلغ بي من المصيبة التي حلت بكثير من الإخوان.. بينما الرجل يدعو إلى التوحيد ويحذر من أهل الشرك إذا هو منقلب على عقبيه « [٣] ٤- الانتصار لإخوانهم العلماء: فإذا رد أحد هؤلاء الأعلام علي بدعة أو مخالفة، فلا عجب أن يرد المخالف على هذا العالم، ومن ثم قام علماء نجد بالذب عن إخوانهم وحماية أعراضهم، وتقرير صحة ردودهم وتأكيدها. ومن ذلك أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين كتب رسالة في تخطئة البوصيري في بردته، فقام أحدهم بالذب عن تلك البردة والرد علي المعتقد الصحيح، فانبرى الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في الدفاع عن أبي بطين وتقرير صواب رسالته. ودافع الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن الشيخ حمد بن عتيق، عندما كتب الشيخ حمد بن عتيق رسالة في التحذير من موالاة الكفار، فشنع بعض الشامتين بالشيخ حمد، واستغلوا بعض الهنات في عبارات الشيخ حمد، فبادر الشيخ عبد اللطيف بالدفاع عنه فكان مما قاله:» فيجب حماية عرض من قام لله وسعى في نصر دينه الذي شرعه، وترك الالتفات إلى زلاته والاعتراض على عباراته، فالأمر سهل في جنب تلك الحسنات «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» . فليصنع الركب ما شاؤا لأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج ولما قال المتوكل لابن الزيات: يا ابن الفاعلة وقذف أمه، قال أحمد: أرجوا الله أن يغفر له، نظراً إلى حسن قصده في نصر السنة وقمع البدعة « [٤] ٥- لا تنفك هذه الردود عن جوانب عملية: ومواقف ظاهرة، فليست مجرد ردود نظرية علمية فحسب، بل اقتضت موجبها من الهجر، أو القتل، أو القتال ونحو ذلك. ويقول الشيخ عبد الله أبو بطين عن أحد المنتسبين للعلم المردود عليهم: وابن عجلان أقل الأحوال هجره، وأما النصيحة فلا تفيدفي مثله» [٥] وأفتى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بجواز قتل رافضي تطاول على أصحاب رسول الله ﷺ [٦] . ومن المواقف العلمية في هذا الصدد، ما فعله المحسن: مقبل بن عبد العزيز الذكير حيث أنشأ نادياً في البحرين لتحرير المقالات وإعداد الردود على النصارى الذين انتشروا في أطراف الجزيرة العربية، وقد تولى الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع (ت١٣٨٥هـ) رئاسة النادي، وقام به خير قيام [٧] . ٦- سلك بعض علماء نجد أسلوب المناظرة مع المخالفين: عندما دعت الحاجة إلى مثل تلك المناظرات، ومن ذلك ما وقع في المناظرة بين الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين وبين علماء مكة المكرمة سنة ١١٨٥ هـ، وكانت المناظرة في مسائل توحيد العبادة، وقد أقنعهم الشيخ الحصيني بالصواب واعترفوا بأن هذا هو دين الله تعالى [٨] . كما وقعت مناظرة بين الشيخ حمد بن ناصر بن معمر (ت١٢٢٥هـ) وبين علماء مكة سنة ١٢١١هـ، وقد أذعن علماء مكة لمقالته، وطلبوا من الشيخ ابن معمر تأصيل براهينه، وتسجيل ما ناظرهم به، فكتب في ذلك رسالة مفيدة [٩] . ٧- كان الرد على المخالف يأخذ مسلكاً دعوياً: يراد به دعوة المخالف إلى اتباع الحق والدليل، مع رحمته والإحسان إليه. ومن ذلك قصة الشيخ أحمد بن عيسى (١٣١٩هـ) مع التاجر التلمساني كما حكاها الشيخ محمد نصيف قائلاً: «كان الشيخ أحمد بن عيسى يشترى الأقمشة من جدة من عبد القادر التلمساني أحد تجار جدة بمبلغ ألف جنيه ذهباً، فيدفع له منها أربعمائة، ويقسط عليه الباقي، وآخر قسط يحل ويستلمه التلمساني إذا جاء إلى مكة للحج من كل عام، ثم يبتدئان من أول العام بعقد جديد، ودام التعامل بينهما زمناً طويلا وكان الشيخ أحمد بن عيسى يأتي بالأقساط في موعدها المحدد لا يتخلف عن قسط ولا يماطل في أداء حقه، فقال له التلمساني: إني عاملت الناس أكثر من أربعين عاماً فما وجدت أحسن من التعامل معك يا وهابي فيظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين، فسأله الشيخ أن يبين له هذه الشائعات، فقال: إنهم يقولون إنكم لا تصلون على النبي ﷺ ولا تحبونه فأجابه الشيخ أحمد بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم.. إن عقيدتنا ومذهبنا أن من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير فصلاته باطلة، ومن لا يحبه فهو كافر، وإنما الذي ننكره نحن أهل نجد هو الغلو الذي نهى النبي ﷺ عنه، كما ننكرالاستعانة والاستغاثة بالأموات، ونصرف ذلك لله وحده. يقول الشيخ محمد نصيف عن الشيخ التلمساني: فاستمر النقاش بيني وبينه في توحيد العبادة ثلاثة أيام حتى شرح الله صدري للعقيدة السلفية، وأما توحيد الأسماء والصفات فإن الذي قرأته في الجامع الأزهر هو عقيدة الأشاعرة وكتب الكلام مثل السنوسية وأم البراهين وشرح الجوهرة وغيرها، فلهذا دام النقاش فيه بيني وبين الشيخ ابن عيسى خمسة عشر يوماً، بعدها اعتنقت مذهب السلف، فعلمت أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم بفضل الله تعالى، ثم بحكمة وعلم الشيخ أحمد بن عيسى. ثم إن الشيخ التلمساني أخذ يطبع كتب السلف.. وصار من دعاة عقيدة السلف. قال الشيخ محمد نصيف: فهداني الله إلى عقيدة السلف بواسطة الشيخ عبد القادر التلمساني فالحمد لله على توفيقه» [١٠] . ٨ -تميزت تلك الردود بعمق وعي أصحابها: وسعة اطلاعهم وفقههم واقعهم، ومعرفة مشكلات عصرهم، ولقد حرص علماء نجد على نشر ردودهم في المجلات ذات الانتشار الواسع، مع صعوبة وتعذر الاتصالات آنذاك فالشيخ ابن سحمان يكتب رداً على جريدة القبلة لسان الشريف الحسين بن علي ويرسل هذا الرد إلى مجلة المنار، ويكتب الشيخ العلامة السعدي رسالة إلى مجلة المنار، فيثني ثناء حسناً على المجلة وصاحبها، ويشير إلى جهود تلك المجلة في نصرة الإسلام، ثم يبدي انتقاده على المجلة بضعف اهتمامها في الرد على الملاحدة والزنادقة، وأصحاب المسلك العقلاني، ويذكر السعدي في رسالته طنطاوي جوهري وما في تفسيره «الجواهر» من المزالق، ويربط هذا الاتجاه المنحرف بالاتجاه الفلسفي اليوناني القديم [١١] . كما انتقد الشيخ محمد بن مانع في رسالة خطية محمد رشيد رضا في دعوته للتقريب بين أهل السنة والشيعة*، وانتقد عموماً المدرسة الإصلاحية، كما بعث الشيخ عبد الله بن يابس انتقاداً لكتاب «الوحي المحمدي» لمحمد رشيد رضا، وقد نشر في مجلة المنار، ثم أعقبه محمد رشيد رضا بالجواب [١٢] . ٩- قوة الحجة ووضوح البرهان: لاشك أن اتباع الحق بدليله يورث يقيناً ورسوخاً، ومن ثم يتميز أهل الحق بقوة حجتهم، وثبات منهجهم، واطراد مسلكهم بخلاف أهل الباطل، فهم في ريبهم يترددون، يغلب عليهم التناقض والتذبذب. ونلحظ من خلال ردود علماء نجد قوة الحجة، والثقة المطلقة بالمنهج الذي سلكوه مسلك أهل السنة والجماعة ولا ريب أن هذه الحجج القوية نابعة من علم راسخ ويقين ثابت. وقد كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول: «أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كلاً أخاصمه بكتب المتأخرين من علماء مذهبه الذين يعتمد عليهم [١٣] . ومن ذلك أن مندوباً انجليزيا قدم البحرين وكان قسيساً نصرانياً ومعه كتاب يحوي شبهات في إثبات صحة النصرانية وتوهين دين الإسلام، فعرضه على حاكم البحرين، وطلب منه عرضه على علماء البحرين ليجيبوا عليه أو يقروا بصحة ما فيه إن عجزوا، فَعُرِضَ عليهم فقالوا: لا نستطيع الرد عليه فقال له أحد خواصه: إنه يوجد في البحرين شاب من طلبة العلم بنجد، فأرى أن تعرضه عليه عسى أن يكون له عنده جواب، فأعطى الكتاب لهذا الطالب، وهو الشيخ عبد العزيز بن حمد بن معمر (ت١٢٤٤هـ) ، فقال: سأعطيكم الجواب عليه بعد شهر إن شاء الله تعالى، فلم يمض شهر حتى دفع إليهم الجواب السديد، واسمه» منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب «فدعى القسيس الانجليزي، فلما قرأ الرد دهش من قوة الجواب وسداد الرأي» [١٤] ... تلك وقفات تحتاج إلى مزيد بسط وبيان، لكن حسبنا من هذه الوقفات العابرة أن تكون حافزاً للاطلاع على تراث أولئك العلماء، والتأسي بهم في جهودهم العلمية والعملية، وبالله التوفيق.

стр. 1821

دراسات شرعية النفاق حقيقته، أنواعه، صوره -٢ - د. محمد عبد الله الوهيبي تمهيد: تطرق الكاتب في الحلقة السابقة إلى تعريف النفاق في اللغة والاصطلاح، وبين معنى النفاق الأصغر وأنه نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما هو دون الكفركالرياء، وبين أن النفاق الأكبر الذي هو إظهار الإنسان إيمانه بالأركان الستة للإيمان، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه.. وفي هذه الحلقة يواصل الكاتب المزيد من الإيضاح لجوانب أخرى من الموضوع. - البيان - صور النفاق الأكبر: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض هذه الصور، فقال: فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبيّ وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بُغْضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك: مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله ﷺ ومازال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده ... ) [١] . وقال في موضع آخر: (فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، أن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ولا يرى أيضاً وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علماً وعملاً وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحد، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبر، أو بطريق التهود والتنصر ... ) [٢] . ونقل هذه الأنواع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال: ( ... فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بُغْض الرسول أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار) [٣] . فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان بعد دمج الأنواع المتشابهة أو المتقاربة خمس صفات أو أنواع هي: ١- تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به. ٢- بغض الرسول ﷺ أو بغض ما جاء به. ٣- المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ ، أو الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ . ٤- عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر. ٥- عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر. وبالنظر إلى الآيات التي ذكرت أحوال المنافقين، وكلام المفسرين حولها، يمكن أن يضاف إلى هذه الصفات صفات أخرى، وهي: ٦- أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه. ٧- مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين. ٨- الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله. ٩- التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ . فالوقوع في أي صفة من هذه الصفات يُخرج من الملة، وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول ﷺ ، يقول شيخ الإسلام ﵀: ( ... فالنفاق يقع كثيراً في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... ) [٤] . وسأشرح بعض هذه الصفات باختصار ذاكراً أدلة نفاق صاحبها: ١- أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه: وهذا داخل في سبه ﷺ لأن السب: «هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف ... » [٥] والعيب، واللمز فيه انتقاص. قال تعالى: [ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون] [التوبة: ٥٨] . نزلت هذه الآية في ذي الخويصرة التميمي حينما جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقسم غنائم حُنين (فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة ... قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي - ﷺ قال: فنزلت فيه [ومنهم من يلمزك في الصدقات] ) [٦] . قال الإمام الشوكاني في تفسيرها: (قوله: ومنهم من يلمزك) ، يقال: لمزه يلمزه: إذا عابه، قال الجوهري: اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، ... ومعنى الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها) [٧] . وقال في آية أخرى: [ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم] [التوبة: ٦١] ، إلى قوله سبحانه: [ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداْ فيها ذلك الخزي العظيم] [التوبة: ٦٣] . قال شيخ الإسلام ﵀: (فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة، فيجب أن يكون داخلاً فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفاً، ... ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالداً فيها ... ) [٨] ، وقال الشوكاني ﵀ في تفسير هذه الآية: (قوله: «ومنهم» هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ على وجه الطعن والذم هو أذن، قال الجوهري: يقال رجل أذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم أقمأهم الله أنهم إذا آذ وا النبي ﷺ وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقَبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ... وإيذاؤهم له هو قولهم «هو أذن» لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغتراراً منهم بحلمه عنهم وصفحه عن خباياهم كرماً وحِلماً وتغاضياً....) [٩] . وهذه الآية والتي قبلها ذكرهما شيخ الإسلام ضمن الآيات الدالات على كفر شاتم الرسول وقتله [١٠] . وذكر أن إيذاء الرسول ولمزه من الصفات الدالة على نفاق صاحبها، فقال ﵀: (وذلك أن الإيمان والنفاق، أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي ﷺ ، والذين يؤذونه من المنافقين، ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصل المدلول عليه، فثبت أنه حيث ما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً سواء أكان منافقاً قبل هذا القول، أو حدث له النفاق بهذا ... القول) [١١] ، وهذا السب من الإيذاء واللمز والاستخفاف مناف لعمل القلب من الانقياد والاستسلام (ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به، فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد واستسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كفر إبليس فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولاً ولكن لم ينقد للأمر، ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافراً) [١٢] . ٢- التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله: ذكرت هذه الصفة عنهم في سورتي النساء والنور، قال تعالى: [ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون] [النور: ٤٧، ٤٨] ، يقول الحافظ ابن كثير في تفسيرها: (يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يقولون قولاً بألسنتهم [آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك] أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: [وما أولئك بالمؤمنين] ، وقوله تعالى: [وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم] أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: [ألم تر إلى الذين يزعمون ... ] [١٣] ، يقول شيخ الإسلام ﵀: (فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا) [١٤] ، وقال سبحانه في سورة النساء: [ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاْ بعيداْ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداْ] [النساء: ٦٠، ٦١] ، لا شك أن هؤلاء المعرضين ممن يدعون الإيمان هم المنافقين [١٥] ، (فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى ... الرسول فصد عن رسوله كان منافقاً) [١٦] . وهذا النوع من النفاق مما ينافي عمل القلب من القبول والاستسلام. ٣- مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين: وهذه من أخص صفات المنافقين، فهم في الظاهر مع المؤمنين، لكنهم في الحقيقة مع الكفار عيوناً وأعواناً لهم، يكشفون لهم عورات المسلمين وأسرارهم، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر. قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين] [المائدة: ٥١، ٥٢] . قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية بعدما ذكر الخلاف في المعني بهذه الآية: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان) [١٧] . ومن الآيات الصريحة دلالتها في اتصاف المنافقين بهذه الصفة قوله تعالى: [بشر المنافقين بأن لهم عذاباْ أليماْ، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاْ] [النساء: ١٣٨، ١٣٩] . قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: ( ... أما قوله جل ثناؤه: [الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين] ، فمن صفة المنافقين، يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي، والإلحاد في ديني «أولياء» يعني أنصاراً وأخلاء «من دون المؤمنين» يعني من غير المؤمنين، «أيبتغون عندهم العزة» أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي؟ ، «فإن العزة لله جميعاً» يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء ... ) [١٨] . ومعلوم أن موالاة الكفار مراتب مختلفة [١٩] ، منها ما يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومنها دون ذلك، وما نشير إليه هنا هو الموالاة المخرجة من الملة التي يختص بها المنافقون وهي اتخاذهم أنصاراً وأعواناً على المؤمنين، أو الموالاة التامة لهم بالرضى عن دينهم أو تصحيح مذهبهم ونحو ذلك، يقول الإمام الطبري ﵀ مبيناً ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: [لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة] [آل عمران: ٢٨] ، قال ﵀: (لا تتخذوا أيها المؤمنين، الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك [فليس من الله في شيء] يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ... ) [٢٠] ، وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ضمن نواقض الإسلام (الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: [ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين] [٢١] . ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسير قوله تعالى [ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون] : (وذلك الظلم يكون بحسب التولي فإن كان تولياً تاماً، كان ذلك كفراً مخرجاً من دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ، وما هو دونه) [٢٢] . وهذه الموالاة تدل على فساد في اعتقاد صاحبها، وبخاصة من جهة منافاتها لعمل القلب من الحب والبغض، فالحب والبغض كما هو معلوم أصل الموالاة والبراءة، فمحبة المؤمنين تقتضي موالاتهم ونصرتهم، وبغض الكافرين يقتضي البراءة منهم ومن مذاهبهم وعداوتهم ومحاربتهم، فإذا عادى المرء المؤمنين وأبغضهم، ووالى الكافرين وناصرهم على المؤمنين، فقد نقض أصل إيمانه. ٤- المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ أو الكراهية لانتصار دينه: وهذه الصفة ذكرها الله عن المنافقين في أكثر من موضع، فهم بسبب موالاتهم للكافرين يسعون معهم لإضعاف المسلمين وإثارة الفتن بينهم والتخذيل ويسيئون الظن بوعد الله ونصره، ويحبون ظهور الكفار وانتصارهم على المسلمين ويفرحون بذلك، وبالمقابل يصيبهم الهم والغم حينما ينتصر المسلمون. قال عز من قائل: [إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون] [التوبة: ٥٠] ، قال الإمام الشوكاني ﵀: (إن تصبك حسنة) أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في المصيبة، وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أولياً، فمن جملة ما تَصْدُق عليه الحسنة، الغنيمة والظفر، ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام، وهذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا الغاية) [٢٣] ، ويقول الإمام ابن حزم ﵀: (وأما الذي أخبر الله تعالى بأنه إن أصابت رسوله ﵊ سيئة ومصيبة تولوا وهم فرحون، أو أنه إن أصابته حسنة ساءتهم فهؤلاء كفار بلا شك) [٢٤] . والذين يسوءهم انتصار دين الرسول ﷺ حكمهم حكم من يسوءه انتصار الرسول نفسه، ولذلك ورد في الآية السابقة: [إن تمسسك حسنة تسؤهم ... الآية] ، وفي آية أخرى، يقول : [إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاْ، إن الله بما يعملون محيط] [آل عمران: ١٢٠] . وما أكثر ما نلاحظ هذه الصفة في المنافقين المعاصرين من الساسة والإعلاميين وغيرهم، حيث يصيبهم الهم والغم والحزن، ويظهرون الكراهية حينما ينتصر المسلمون في بلد من البلدان، وبالمقابل يظهرون الفرح والسرور والتشفي بما يصيب المؤمنين من هزيمة ومصائب ومحن، وقد يبررون هذا السلوك بوجود انحرافات وأخطاء لدى بعض المؤمنين، وهذا المبرر أو التأويل وإن عُذر به المتأولون المجتهدون، فلا عذر لكثير من هؤلاء لأنه لا يعرف عنهم حرص على التدين أو غيرة على الدين، وإنما يحرصون على ما يرضي أولياءهم الحقيقيين من اليهود والنصارى ونحوهم، وهذا السلوك المشين يدل على فساد في عمل القلب من الحب والفرح أو البغض والكراهة، نسأل الله ﵎ السلامة والعافية. ويمكن أن نذكر صنفاً آخر من أصناف المنافقين، الذين عُرفوا على مدار التاريخ بالكيد للسنة وأهلها ومعاونة الأعداء عليهم، والحزن لظهور السنة وعلوها، والفرح بانهزام أهل السنة وانكسارهم، وهؤلاء هم الرافضة وقد صور شيخ الإسلام حالهم هذا أحسن تصوير، فقال: ( ... فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى، وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم، وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان، وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور، وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة، وقتل أهل بغداد، ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين، وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة ونهى الناس عن قتالهم، وقد عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل مع أعداء الدين ... ) [٢٥] . فهل يعي المسلمون بعامة، والمنتسبون إلى الدعوة بخاصة، هذه الحقيقة؟ وهل يعي هذه الحقيقة من لايزالون يدافعون عن القوم ويحسنون الظن بهم أو يتحالفون معهم ويعلقون عليهم الآمال لنصرة الدين؟

стр. 1822

خواطر في الدعوة منهج الاعتدال محمد العبدة هل تستطيع الدعوة الإسلامية القضاء على هذا التشرذم والتفتت الذي أضر بالعمل الإسلامي أيما ضرر؟ وعلى هذه النوابت التي ما تفتأ تظهر بين الحين والآخر، ويغلب على كثير منها الغلو في الدين، مما يدع الناس حيارى لكثرة ما يلقى إليهم من خلاف في الدين واجتهادات ما أنزل الله بها من سلطان، ويحق للمسلم أن يسأل عن سبب كثرة هذه الظواهر في السنوات الأخيرة، وهل هذا شيء طبيعي؟! إن ظاهرة الغلو أو التساهل في الأوامر والنواهي، نشأت قديماً وربما يكون هذا من طبيعة الإنسان الذي لا يقهر نفسه على منهج الاتباع والاعتدال والوسطية، ففي التشدد والتساهل أهواء نفسية، وطموحات دنيوية، وجهل بأسس هذا الدين ومقاصده العامة، وإنما تكثر هذه النوابت عندما يضعف العلم ويقل العلماء، وإن كان العلم متيسراً ومنتشراً في هذه الأيام ولله الحمد ولكن العلماء المستقلون الذين يجمعون بين العلم والتقوى ويكونون مرجعاً للمسلمين وللشباب خاصة، هؤلاء قلة قليلة، وقد تخلو منهم بعض الأقطار. وإذا أردنا الاستفادة من الماضي فهناك تجربتان تدلان على أنه عندما يوجد العلم والتطبيق العملي للإسلام، فإن ظاهرة الغلو تضعف إلى حد بعيد. ١- عندما انحاز الخوارج عن علي ﵁ استأذن ابن عباس رضي الله عنهما في مناقشتهم وتبيين الحق لهم، فذهب إليهم وسألهم عن سبب مخالفتهم، ورد عليهم شبهاتهم من القرآن والسنة وتراجع عدد كبير منهم عن بدعتهم، وعادوا إلى صفوف أهل السنة. ٢- استمرت بدعة الخوارج زمن بني أمية، ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ حاورهم وكان عالماً ربانياً، ولما لم يجدوا في سلوكه وتصرفاته منفذاً للنقد أو الاحتجاج كما كان في تصرفات بعض من سبقه أقروا له بكل ما قال، إلا ما كان من موافقته بأن يكون الخليفة بعده «يزيد بن عبد الملك» ، فوعدهم ببحث هذا الأمر، ولكن المنية وافته قبل أن يتمه. نخلص من هذين المثالين إلى أن العلماء الراسخين في العلم، هم الذين يكشفون الشبهات، ويبينوا حكم الإسلام في كل مسائل العصر، ويجيبون عن كل الأسئلة التي تقلق بال الشباب المسلم، وأن على الدعوة الإسلامية القيام بخطوات عملية جادة لتقوية جبهة الإسلام علمياً واجتماعياً واقتصادياً، فلعل من عنده بقية من دين أو عقل يثوب ويرجع وتهدأ نفسه، فالإنسان مجبول على الميل لمن يأخذ بيده لحل مشكلات الحياة التي تواجهه، فهكذا رجع الخوارج عندما شاهدوا التطبيق العملي في سيرة عمر بن عبد العزيز، وسيبقى أصحاب الأهواء يستمرئون أعراض المسلمين، ويخوضون معارك وهمية، ويُذهبون أوقاتهم في جدال لا خير فيه، فهؤلاء لا يؤبه لهم، والقافلة تسير بدونهم.

стр. 1823

هموم ثقافية مسيرة المنهج وتشكلاته في الفكر الإسلامي عبد العزيز بن محمد الوهيبي متى ظهر المنهج في الإسلام؟ وهل تشكل وتغير أم بقي على صورته الأولى لم يتغير؟ * وإذا كان قد تغير، فما هي المحطات الأساسية التي توقف عندها؟ ومن هم أبرز ممثلي التيارات الفكرية الكبرى في ذلك المنهج؟ * هل عرف المنهج في الإسلام ما يسمى بـ «الثورة العلمية» ، أو «القطيعة المعرفية» في التفكير الغربي الحديث؟ هذه الأسئلة وغيرها من قضايا المنهج، كانت ومازالت مطروحة في الفكر الإسلامي في مختلف عهوده، ولكنها اليوم بخاصة، في هذا الطور الحديث لمسيرة الفكر البشري، ومسيرة الأمة الإسلامية، وذخيرتها من التجارب والمحاولات المختلفة للنهضة، ورؤاها المختلفة للمنهج ولنفسها وللعالم والكون من حولها، نتيجة للتخبطات والمناهج الملفقة، فإن هذه الأسئلة تعود لتحتل موقعاً مركزياً في التفكير والتأليف من مفكرين ومؤلفين عرب ومسلمين، ذلك أن واقع البشرية والتعاسة والدمار الذي أصابها منذ الثورة العلمانية الكبرى الحديثة التي يؤرخ لها بالثورة الفرنسية (سنة ١٧٨٩م) . وواقع العرب والمسلمين الذين يجيئون في قاعدة السلم في التقدم والعلم والنماء الاقتصادي، هذا الواقع يشهد بأن هنالك أزمة في المنهج، أزمة في التفكير وطرائقه، أزمة في النظام التشريعي والأخلاقي والإداري وباختصار أزمة في كل شيء تقريباً، ولا مناص من مواجهة الأزمة في جذورها الحقيقية والبحث عن علاج ناجع لها، ومخرج سديد منها. ومن هنا فإني في هذا المبحث القصير أحاول الرجوع القهقرى، لنرى معاً البدايات للمنهج في الإسلام، والمحطات والمنعطفات التي توقف عندها والشخصيات والأعلام الذين توهج بهم، وتركوا خلفهم بصمات لا تنسى على مسيرة المنهج في الإسلام. والبداية التي ننطلق منها معاً هي: نزول الوحي، ذلك أن الرسل عليهم السلام بُعثوا إلى أمم متعددة وشعوب متفرقة، كانت ذات ثقافات ومناهج وطرق متنوعة في التفكير، ولذلك لم يكن لهم ﵈ مندوحة من خطوتين اثنتين في التغيير الفكري، والعقدي والاجتماعي والسياسي: الخطوة الأولى: هدم المناهج الباطلة السائدة في مجتمعاتهم وأممهم، وبيان ضلالها وتهافتها. الخطوة الثانية: بناء المنهج الصحيح البديل، وتأصيله وتعميقه. فهما خطوتان: هدم وبناء، إبطال وتأسيس، تخلية وتحلية، تفكيك وتركيب، كما هو هدف الرسالة كلها: [فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها] [البقرة: ٢٥٧] ، فهما عمليتان: كفر وإيمان، رفض وقبول، هدم وتأسيس. مناهج الجاهلية ومواجهتها: فما هي يا ترى مناهج الجاهلية التي واجهت الرسل، وعلى الخصوص خاتمهم محمد ﷺ ؟ وكيف تمت تعريتها وكشفها وإبطالها وتقديم البديل الصحيح عنها؟ . إن الإجابة على هذا السؤال إجابة عن قضية المنهج التي شغلت البشرية بكل أبعادها وما تزال، وهي قضية ضخمة وخطيرة وشديدة التأثير، ولذلك استحقت كل هذا الاهتمام وأكثر منه، والله المستعان. أول ما نندهش لمواجهته في موضوع المنهج في الإسلام كتاباً وسنة هو غزارة النصوص في هذا الباب وثراؤها الملفت للنظر..!! حقاً، لقد احتلت قضية المنهج موقعاً مركزياً في نصوص الكتاب والسنة للخطورة التي تمثلها، وللأهمية العميقة للوصول للمنهج السليم في تحديد خيارات الإنسان ورهاناته المستقبلية وميزان قيمه وأحكامه: [لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ... ] [الحديد: ٢٥] . فما هي أولاً: طبيعة التفكير الجاهلي؟ وكيف تنقض وتبطل؟ وما هي ثانياً: المنهجية البديلة عنها؟ في المسألة الأولى: هنالك ملامح ومظاهر متعددة للتفكير الجاهلي نحاول أن نجملها في هذه العُجالة بما يلي: أولاً - الفهم السحري الخرافي للكون والحياة ومظاهر الطبيعة: يقول تعالى: [وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاْ ... ] [الجن: ٦] ، [واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ... ] [البقرة: ١٠٣] ، [قالوا اطيرنا بك وبمن معك، قال: طائركم عند الله، بل أنتم قوم تفتنون ... ] [النمل: ٤٧] . ولقد رفض الإسلام هذه الرؤية السحرية، وأثّمها وجّرمها، بل لقد كفرها، كما قال تعالى: [وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر ... ] [البقرة: ١٠٣] . كما قوّض الوحي معالم هذه الرؤية السحرية الخرافية: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك» [١] ، ويقول: «لا عدوى، ولا طيرة ولا هامة، ولا صفر» ، عن أبي هريرة وزاد: «ولا نوء ولا غول ... » [٢] . ثانياً - تعطيل وسائل الفهم الصحيح والاستدلال المنتج: [ولقد ذرأنا لجهنم كثيراْ من الجن والإنس: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون] [الأعراف: ١٧٩] . فهم لا يسمعون: [بشيراْ ونذيراْ، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ... ] [فصلت: ٤] ، وإذا سمعوا لا يعقلون: [ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه..] [الأنعام: ٢٥] ، وإذا عقلوا لا يعملون: [إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم] [فاطر: ١٤] ، [أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ... ] [البقرة: ٧٥] . ولذلك فقد قارن كتاب الله تعالى بينهم وبين المؤمنين، وبيّن آثار هذه المقارنة بقوله: [مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، هل يستويان مثلاْ؟ أفلا تذكرون] [هود: ٢٤] ، والنصوص في هذا الباب كثيرة جداً نكتفي منها بذلك الذكر الطيب المبارك. ثالثاً - استحداث مناهج ووسائل بديلة باطلة: ومن ذلك: ١ -القول بعصمة طائفة من الناس وصحة أقوالهم مطلقاً بغض النظر عن شواهدهم أو أدلتهم أو مستنداتهم، وذلك لقدرهم وعظمتهم في النفوس (كالآباء والأجداد) أو لوجاهتهم وقوتهم وجبروتهم (كالزعماء السياسيين) أو لقداستهم ومكانتهم الدينية! (كالأحبار والرهبان) ، يقول الله عن النوع الأول: [وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون] [الزخرف: ٢٣] ، وفي الأخرى (مهتدون) [الزخرف: ٢٢] ، وعن النوع الثاني يقول ﵎: [وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراْ ... ] [الأحزاب: ٦٧، ٦٨] ، وعن النوع الثالث يقول جل وعلا: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣١] . ولا ريب أن أعظم إبطال لنظرية العصمة هذه سواء أجاءت على لسان المقال (كما هو عند النصارى والشيعة) أو على لسان الحال (كما هو عند كثير من الناس) هو البيان الأكيد والتكرار الشديد لبشرية النبي ﷺ ، وتعرضه للخطأ والنسيان وإن كان لا يقر من الله تعالى ونزول المعاتبة له ولأصحابه في نصوص قرآنية قاطعة متكررة تتلى إلى يوم القيامة، كما في سورة «عبس» وغيرها من السور. ٢- التقليل من قيمة المعرفة والاكتفاء في القضايا الخطيرة بالظن والخرص والهوى والمتشابهات: [وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها، قلتم ما ندري ما الساعة، إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ... ] [الجاثية: ٢٢] ، [إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى ... ] [النجم: ٢٣] ، [وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون] [الأنعام: ١١٦] [فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ... ] [آل عمران: ٧] ، وهذه هي الوسيلة المفضلة في انحرافات المعاصرين فقل أن تجد ذكر الله واليوم الآخر في وسائل الإعلام المقروءة والمسوعة والمرئية الغربية؟! ٣ -الكبر وبطر الحق بعد ظهوره لهم: [سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ... ] [الأعراف: ١٤٦] ، [ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس، فلمسوه بأيديهم، لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين] [الأنعام: ٧] ، [وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين] [النمل: ١٤] . وهؤلاء لا تنفع معهم الحجج مهما تكاثرت وتضافرت، فالعيب عندهم أخلاقي سلوكي داخل في باب الشهوات، وليس معرفياً علمياً يدخل في باب الشبهات التي تزول بالعلم، وهي علل قديمة جديدة، فلم تخرج انحرافات المعاصرين مع تنوعها وتشعبها في خطوطها العريضة عن الانحرافات الأولى بل لاتزال تكررها وتعيد إنتاجها بصور وعناوين جديدة، والاستقراء خير شاهد. ذلك هو منهج الإسلام في بيان خلل وخطل وفساد المناهج الجاهلية وذكر وجوه العيب فيها، وسبل السلامة من تلك الوجوه، فما هو يا ترى المنهج المفضل البديل..؟! ملامح المنهج الإسلامي في التفكير: هنالك الكثير من النصوص التي ترسم ملامح وقسمات هذا المنهج وطرائقه نذكر منها: أولا: الإعلاء من شأن العلم، والرفع من قيمة العلماء المخلصين في البحث عن الحقيقة: [وقل رب زدني علماً..] [طه: ١١٤] ، [اقرأ باسم ربك الذي خلق ... ] [العلق: ١] ، [يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ... ] [المجادلة: ١١] ، [وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] [الملك: ١٠] ، [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ... ] [الزمر: ٩] ، ونصوص الكتاب والسنة في هذا المعنى كثيرة جداً، نكتفي منها بما ذكر هنا. ثانياً: إطلاق الوسائل المعرفية إلى أقصى مداها كي تنهل من مصادر المعرفة المتاحة لبني الإنسان، فقد خلق الله الإنسان للإعلام، ولكنه زوده بوسائل المعرفة: [والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ... ] [النحل: ٧٨] ، [ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا] [الإسراء: ٣٦] . فلدينا سمع ينهل من الأخبار: وحياً ربانياً، أو حدثاً إنسانياً، وبصر ينهل من الكتاب: المقروء وهو الوحي، والكتاب المنظور وهو الكون، وفؤاد يعقل نفسه ويعقل الكتاب المنظور والمسطور، ولقد تكاثرت نصوص الكتاب والسنة في الحديث عن الوسائل الثلاث: السمع والبصر والفؤاد، حيث ورد كل منها وما يشتق عنها في مائة وثمانين موضعاً في كتاب الله ﵎ بينما ورد الحديث عن العقل، واللب، والنهى، والحكمة في حوالي ستة وثمانين موضعاً، وكفى بذلك دلالة على عناية الإسلام وحرصه الشديد على إطلاق وسائل الإنسان المعرفية المتاحة إلى مداها الأقصى، تلك الوسائل التي تنهل من المصادر الثلاثة: الخبر عن الله في وحيه، وعن الإنسان في حاضره وماضيه، والكون والعقل الذي يتلقى ذلك كله ويتدبره ويفهمه ويزنه ... ثالثاً: التأكيد على الصياغة السننية العقلانية لظاهرة الوحي والظاهرة الإنسانية والكونية: [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ... ] [محمد: ٢٤] ، [ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون] [البقرة: ١٧٩] ، [ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون] [الأعراف: ٣٤] ، [سنة الله في الذين خلو من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً] [الأحزاب: ٦٢] ، [ولن تجد لسنة الله تحويلاً] (فاطر: ٤٣) ، [ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء ... ] (فاطر: ٢٧-٢٨) . ... وهكذا فالظواهر الرسالية، والإنسانية، والكونية قابلة للتعقل والفهم والتركيب، ولذلك والله أعلم لم ينزل الله ﵎ الكتاب فقط وإنما أنزل معه الميزان العقلي: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ] [الحديد: ٢٥] . والأنبياء لم يعلّموا الكتاب فقط، ولكنهم خلطوه بالحكمة: [لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ... ] [آل عمران: ١٦٤] ، [يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتّ الحكمة فقد أوتي خيراْ كثيراْ] [البقرة: ٢٦٩] . و «الميزان» العقلي في الحقيقة يقوم «بوزن» الحقائق التي تحصل عليها الوسائل المعرفية الممكنة من مصادر المعرفة، ومن ثم ترتيبها في سلم أولويات يعيد تشكيلها بعد انتزاعها من الواقع ويعطيها موقعاً في هذا السلم، وحجماً مرناً قابلاً لإعادة التشكيل في ظروف الزمان والمكان، فهو ليس ميزاناً جامداً لا يتبدل ولا يتغير، وإنما يخضع لظروف الزمان والمكان والبيئة، وهكذا نجد على سبيل المثال قضايا الرسل الحيوية تتفاوت من أمة لأخرى، حسب انحرافها وضلالها، ومن هنا يظهر وجه الخلل في الرؤية الخوارجية أو الإرجائية أو الشيعية مثلاً، فضلاً عن أهل الكتاب، فما بالك بالوثنيين..؟! رابعاً: رسم معالم المنهج وتوضيحها بحسب العقل المعرفي الذي يعمل فيه: ١ -ففي حقل الأخبار: تأتي الوثائق المكتوبة المضبوطة تاريخياً ونقدياً في الطليعة: [ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ... ] [الحج: ٨] ، ومن هنا كانت جريمة تزييف الوثائق خصوصاً فيما يتعلق بالوحي من أخطر الجرائم على الإطلاق: [فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون] [البقرة: ٧٠] ، وكذلك الآثار: [قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ... ] [العنكبوت: ٢٠] ، ثم يأتي قبول خبر الثقة: [ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ... ] [التوبة: ٦١] . والتوقف عن خبر الفاسق: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماْ بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] [الحجرات: ٦] ورفض خبر الكاذب: [لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين ... ] [النور: ١٣] . ٢ -وفي حقل الكونيات تجيء المشاهدة والتجربة والاستقراء معياراً أولاً: [قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم ... ] [البقرة: ٢٦٠] ، [أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر ... ] [الغاشية: ١٧٢١] ، وحديث التأبير الصحيح شهير في هذا المعنى. ٣ -وفي حقل العقليات تجيء المسلمات والبداهات العقلية معياراً: [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ... ] [النساء: ٨٢] [يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً..] [مريم: ٤٢] . وللحديث بقية.

стр. 1824

نصوص شعرية كَائنٌ بِلا هُويَّة د. صالح الزهراني من أيّ نهر شربت الصمت والوجلا؟ ! ... أمهاتك صيّرن الشجى أملا من أينَ عممت هذا الذّل.. ما عرفت ... أرض الشياهين لا نسراً، ولا حجلا؟ في مقلتيك أرى «سعداً» .. ببيرقه ... وفيلقاً «لصلاح الدين» مشتعلا أرى احتمالات معنىً كنت أجهله ... ولم يكن عند من أغلاك محتملا من أنت؟ أبصرُ في عينيك أسئلة ... عويصة، وهموماً أثقلت جبلا من أنت؟ أقرأ في كفيك ملحمة ... موؤودة، وخيولاً كفّنت بطلا كأنه ما أتاك الكون مبتهلاً ... يوماً، ولا حُفّ بالنجوى ولا احتفلا ولا ارتمت تحت رجليك النجوم هوى ... والشمس ما شاطرتك البوح والغزلا من أنت؟ «عنترة العبسي» ألمحه ... في وجنتيك يُباري الخيل والأسلا كيف انحنى فيك هذا الرأس يا قمراً ... بزهو عينيه كنا نضرب المثلا من أنت؟ ما قلتُ شيئاً.. كان يقتلني ... بكل حرف بهيّ كلما سألا ما قلت شيئاً.. نكست الرأس مكتئباً ... وكنت أطرق مما قاله خجلا

стр. 1825

نصوص شعرية .. الأسماء .. فيصل بن محمد الحجي لو كانت (الأسماء) تُشْرَ عادة ... بالمال من (بقَّالة) البلغاءِ أو كان (يشحذها) الذي يحتاجها ... بالذُّل من بوّابة الكُبَراءِ.. أو كان مصنعها بعيداً.. ثم لا ... تأتي بغير مشقةوعناءِ.. لمشى الغنيُّ معدِّداً أسماءه ... ولعاش معظمُنا بلا أسماءِ
следующие страницы →