← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

دراسات شرعية النفاق حقيقته، أنواعه، صوره -٢ - د. محمد عبد الله الوهيبي تمهيد: تطرق الكاتب في الحلقة السابقة إلى تعريف النفاق في اللغة والاصطلاح، وبين معنى النفاق الأصغر وأنه نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما هو دون الكفركالرياء، وبين أن النفاق الأكبر الذي هو إظهار الإنسان إيمانه بالأركان الستة للإيمان، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه.. وفي هذه الحلقة يواصل الكاتب المزيد من الإيضاح لجوانب أخرى من الموضوع. - البيان - صور النفاق الأكبر: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض هذه الصور، فقال: فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبيّ وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بُغْضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك: مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله ﷺ ومازال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده ... ) [١] . وقال في موضع آخر: (فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، أن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ولا يرى أيضاً وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علماً وعملاً وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحد، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبر، أو بطريق التهود والتنصر ... ) [٢] . ونقل هذه الأنواع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال: ( ... فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بُغْض الرسول أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار) [٣] . فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان بعد دمج الأنواع المتشابهة أو المتقاربة خمس صفات أو أنواع هي: ١- تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به. ٢- بغض الرسول ﷺ أو بغض ما جاء به. ٣- المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ ، أو الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ . ٤- عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر. ٥- عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر. وبالنظر إلى الآيات التي ذكرت أحوال المنافقين، وكلام المفسرين حولها، يمكن أن يضاف إلى هذه الصفات صفات أخرى، وهي: ٦- أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه. ٧- مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين. ٨- الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله. ٩- التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ . فالوقوع في أي صفة من هذه الصفات يُخرج من الملة، وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول ﷺ ، يقول شيخ الإسلام ﵀: ( ... فالنفاق يقع كثيراً في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... ) [٤] . وسأشرح بعض هذه الصفات باختصار ذاكراً أدلة نفاق صاحبها: ١- أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه: وهذا داخل في سبه ﷺ لأن السب: «هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف ... » [٥] والعيب، واللمز فيه انتقاص. قال تعالى: [ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون] [التوبة: ٥٨] . نزلت هذه الآية في ذي الخويصرة التميمي حينما جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقسم غنائم حُنين (فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة ... قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي - ﷺ قال: فنزلت فيه [ومنهم من يلمزك في الصدقات] ) [٦] . قال الإمام الشوكاني في تفسيرها: (قوله: ومنهم من يلمزك) ، يقال: لمزه يلمزه: إذا عابه، قال الجوهري: اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، ... ومعنى الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها) [٧] . وقال في آية أخرى: [ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم] [التوبة: ٦١] ، إلى قوله سبحانه: [ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداْ فيها ذلك الخزي العظيم] [التوبة: ٦٣] . قال شيخ الإسلام ﵀: (فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة، فيجب أن يكون داخلاً فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفاً، ... ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالداً فيها ... ) [٨] ، وقال الشوكاني ﵀ في تفسير هذه الآية: (قوله: «ومنهم» هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ على وجه الطعن والذم هو أذن، قال الجوهري: يقال رجل أذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم أقمأهم الله أنهم إذا آذ وا النبي ﷺ وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقَبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ... وإيذاؤهم له هو قولهم «هو أذن» لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغتراراً منهم بحلمه عنهم وصفحه عن خباياهم كرماً وحِلماً وتغاضياً....) [٩] . وهذه الآية والتي قبلها ذكرهما شيخ الإسلام ضمن الآيات الدالات على كفر شاتم الرسول وقتله [١٠] . وذكر أن إيذاء الرسول ولمزه من الصفات الدالة على نفاق صاحبها، فقال ﵀: (وذلك أن الإيمان والنفاق، أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي ﷺ ، والذين يؤذونه من المنافقين، ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصل المدلول عليه، فثبت أنه حيث ما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً سواء أكان منافقاً قبل هذا القول، أو حدث له النفاق بهذا ... القول) [١١] ، وهذا السب من الإيذاء واللمز والاستخفاف مناف لعمل القلب من الانقياد والاستسلام (ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به، فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد واستسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كفر إبليس فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولاً ولكن لم ينقد للأمر، ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافراً) [١٢] . ٢- التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله: ذكرت هذه الصفة عنهم في سورتي النساء والنور، قال تعالى: [ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون] [النور: ٤٧، ٤٨] ، يقول الحافظ ابن كثير في تفسيرها: (يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يقولون قولاً بألسنتهم [آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك] أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: [وما أولئك بالمؤمنين] ، وقوله تعالى: [وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم] أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: [ألم تر إلى الذين يزعمون ... ] [١٣] ، يقول شيخ الإسلام ﵀: (فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا) [١٤] ، وقال سبحانه في سورة النساء: [ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاْ بعيداْ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداْ] [النساء: ٦٠، ٦١] ، لا شك أن هؤلاء المعرضين ممن يدعون الإيمان هم المنافقين [١٥] ، (فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى ... الرسول فصد عن رسوله كان منافقاً) [١٦] . وهذا النوع من النفاق مما ينافي عمل القلب من القبول والاستسلام. ٣- مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين: وهذه من أخص صفات المنافقين، فهم في الظاهر مع المؤمنين، لكنهم في الحقيقة مع الكفار عيوناً وأعواناً لهم، يكشفون لهم عورات المسلمين وأسرارهم، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر. قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين] [المائدة: ٥١، ٥٢] . قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية بعدما ذكر الخلاف في المعني بهذه الآية: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان) [١٧] . ومن الآيات الصريحة دلالتها في اتصاف المنافقين بهذه الصفة قوله تعالى: [بشر المنافقين بأن لهم عذاباْ أليماْ، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاْ] [النساء: ١٣٨، ١٣٩] . قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: ( ... أما قوله جل ثناؤه: [الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين] ، فمن صفة المنافقين، يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي، والإلحاد في ديني «أولياء» يعني أنصاراً وأخلاء «من دون المؤمنين» يعني من غير المؤمنين، «أيبتغون عندهم العزة» أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي؟ ، «فإن العزة لله جميعاً» يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء ... ) [١٨] . ومعلوم أن موالاة الكفار مراتب مختلفة [١٩] ، منها ما يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومنها دون ذلك، وما نشير إليه هنا هو الموالاة المخرجة من الملة التي يختص بها المنافقون وهي اتخاذهم أنصاراً وأعواناً على المؤمنين، أو الموالاة التامة لهم بالرضى عن دينهم أو تصحيح مذهبهم ونحو ذلك، يقول الإمام الطبري ﵀ مبيناً ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: [لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة] [آل عمران: ٢٨] ، قال ﵀: (لا تتخذوا أيها المؤمنين، الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك [فليس من الله في شيء] يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ... ) [٢٠] ، وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ضمن نواقض الإسلام (الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: [ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين] [٢١] . ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسير قوله تعالى [ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون] : (وذلك الظلم يكون بحسب التولي فإن كان تولياً تاماً، كان ذلك كفراً مخرجاً من دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ، وما هو دونه) [٢٢] . وهذه الموالاة تدل على فساد في اعتقاد صاحبها، وبخاصة من جهة منافاتها لعمل القلب من الحب والبغض، فالحب والبغض كما هو معلوم أصل الموالاة والبراءة، فمحبة المؤمنين تقتضي موالاتهم ونصرتهم، وبغض الكافرين يقتضي البراءة منهم ومن مذاهبهم وعداوتهم ومحاربتهم، فإذا عادى المرء المؤمنين وأبغضهم، ووالى الكافرين وناصرهم على المؤمنين، فقد نقض أصل إيمانه. ٤- المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ أو الكراهية لانتصار دينه: وهذه الصفة ذكرها الله عن المنافقين في أكثر من موضع، فهم بسبب موالاتهم للكافرين يسعون معهم لإضعاف المسلمين وإثارة الفتن بينهم والتخذيل ويسيئون الظن بوعد الله ونصره، ويحبون ظهور الكفار وانتصارهم على المسلمين ويفرحون بذلك، وبالمقابل يصيبهم الهم والغم حينما ينتصر المسلمون. قال عز من قائل: [إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون] [التوبة: ٥٠] ، قال الإمام الشوكاني ﵀: (إن تصبك حسنة) أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في المصيبة، وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أولياً، فمن جملة ما تَصْدُق عليه الحسنة، الغنيمة والظفر، ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام، وهذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا الغاية) [٢٣] ، ويقول الإمام ابن حزم ﵀: (وأما الذي أخبر الله تعالى بأنه إن أصابت رسوله ﵊ سيئة ومصيبة تولوا وهم فرحون، أو أنه إن أصابته حسنة ساءتهم فهؤلاء كفار بلا شك) [٢٤] . والذين يسوءهم انتصار دين الرسول ﷺ حكمهم حكم من يسوءه انتصار الرسول نفسه، ولذلك ورد في الآية السابقة: [إن تمسسك حسنة تسؤهم ... الآية] ، وفي آية أخرى، يقول : [إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاْ، إن الله بما يعملون محيط] [آل عمران: ١٢٠] . وما أكثر ما نلاحظ هذه الصفة في المنافقين المعاصرين من الساسة والإعلاميين وغيرهم، حيث يصيبهم الهم والغم والحزن، ويظهرون الكراهية حينما ينتصر المسلمون في بلد من البلدان، وبالمقابل يظهرون الفرح والسرور والتشفي بما يصيب المؤمنين من هزيمة ومصائب ومحن، وقد يبررون هذا السلوك بوجود انحرافات وأخطاء لدى بعض المؤمنين، وهذا المبرر أو التأويل وإن عُذر به المتأولون المجتهدون، فلا عذر لكثير من هؤلاء لأنه لا يعرف عنهم حرص على التدين أو غيرة على الدين، وإنما يحرصون على ما يرضي أولياءهم الحقيقيين من اليهود والنصارى ونحوهم، وهذا السلوك المشين يدل على فساد في عمل القلب من الحب والفرح أو البغض والكراهة، نسأل الله ﵎ السلامة والعافية. ويمكن أن نذكر صنفاً آخر من أصناف المنافقين، الذين عُرفوا على مدار التاريخ بالكيد للسنة وأهلها ومعاونة الأعداء عليهم، والحزن لظهور السنة وعلوها، والفرح بانهزام أهل السنة وانكسارهم، وهؤلاء هم الرافضة وقد صور شيخ الإسلام حالهم هذا أحسن تصوير، فقال: ( ... فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى، وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم، وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان، وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور، وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة، وقتل أهل بغداد، ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين، وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة ونهى الناس عن قتالهم، وقد عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل مع أعداء الدين ... ) [٢٥] . فهل يعي المسلمون بعامة، والمنتسبون إلى الدعوة بخاصة، هذه الحقيقة؟ وهل يعي هذه الحقيقة من لايزالون يدافعون عن القوم ويحسنون الظن بهم أو يتحالفون معهم ويعلقون عليهم الآمال لنصرة الدين؟

стр. 1822

خواطر في الدعوة منهج الاعتدال محمد العبدة هل تستطيع الدعوة الإسلامية القضاء على هذا التشرذم والتفتت الذي أضر بالعمل الإسلامي أيما ضرر؟ وعلى هذه النوابت التي ما تفتأ تظهر بين الحين والآخر، ويغلب على كثير منها الغلو في الدين، مما يدع الناس حيارى لكثرة ما يلقى إليهم من خلاف في الدين واجتهادات ما أنزل الله بها من سلطان، ويحق للمسلم أن يسأل عن سبب كثرة هذه الظواهر في السنوات الأخيرة، وهل هذا شيء طبيعي؟! إن ظاهرة الغلو أو التساهل في الأوامر والنواهي، نشأت قديماً وربما يكون هذا من طبيعة الإنسان الذي لا يقهر نفسه على منهج الاتباع والاعتدال والوسطية، ففي التشدد والتساهل أهواء نفسية، وطموحات دنيوية، وجهل بأسس هذا الدين ومقاصده العامة، وإنما تكثر هذه النوابت عندما يضعف العلم ويقل العلماء، وإن كان العلم متيسراً ومنتشراً في هذه الأيام ولله الحمد ولكن العلماء المستقلون الذين يجمعون بين العلم والتقوى ويكونون مرجعاً للمسلمين وللشباب خاصة، هؤلاء قلة قليلة، وقد تخلو منهم بعض الأقطار. وإذا أردنا الاستفادة من الماضي فهناك تجربتان تدلان على أنه عندما يوجد العلم والتطبيق العملي للإسلام، فإن ظاهرة الغلو تضعف إلى حد بعيد. ١- عندما انحاز الخوارج عن علي ﵁ استأذن ابن عباس رضي الله عنهما في مناقشتهم وتبيين الحق لهم، فذهب إليهم وسألهم عن سبب مخالفتهم، ورد عليهم شبهاتهم من القرآن والسنة وتراجع عدد كبير منهم عن بدعتهم، وعادوا إلى صفوف أهل السنة. ٢- استمرت بدعة الخوارج زمن بني أمية، ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ حاورهم وكان عالماً ربانياً، ولما لم يجدوا في سلوكه وتصرفاته منفذاً للنقد أو الاحتجاج كما كان في تصرفات بعض من سبقه أقروا له بكل ما قال، إلا ما كان من موافقته بأن يكون الخليفة بعده «يزيد بن عبد الملك» ، فوعدهم ببحث هذا الأمر، ولكن المنية وافته قبل أن يتمه. نخلص من هذين المثالين إلى أن العلماء الراسخين في العلم، هم الذين يكشفون الشبهات، ويبينوا حكم الإسلام في كل مسائل العصر، ويجيبون عن كل الأسئلة التي تقلق بال الشباب المسلم، وأن على الدعوة الإسلامية القيام بخطوات عملية جادة لتقوية جبهة الإسلام علمياً واجتماعياً واقتصادياً، فلعل من عنده بقية من دين أو عقل يثوب ويرجع وتهدأ نفسه، فالإنسان مجبول على الميل لمن يأخذ بيده لحل مشكلات الحياة التي تواجهه، فهكذا رجع الخوارج عندما شاهدوا التطبيق العملي في سيرة عمر بن عبد العزيز، وسيبقى أصحاب الأهواء يستمرئون أعراض المسلمين، ويخوضون معارك وهمية، ويُذهبون أوقاتهم في جدال لا خير فيه، فهؤلاء لا يؤبه لهم، والقافلة تسير بدونهم.

стр. 1823

هموم ثقافية مسيرة المنهج وتشكلاته في الفكر الإسلامي عبد العزيز بن محمد الوهيبي متى ظهر المنهج في الإسلام؟ وهل تشكل وتغير أم بقي على صورته الأولى لم يتغير؟ * وإذا كان قد تغير، فما هي المحطات الأساسية التي توقف عندها؟ ومن هم أبرز ممثلي التيارات الفكرية الكبرى في ذلك المنهج؟ * هل عرف المنهج في الإسلام ما يسمى بـ «الثورة العلمية» ، أو «القطيعة المعرفية» في التفكير الغربي الحديث؟ هذه الأسئلة وغيرها من قضايا المنهج، كانت ومازالت مطروحة في الفكر الإسلامي في مختلف عهوده، ولكنها اليوم بخاصة، في هذا الطور الحديث لمسيرة الفكر البشري، ومسيرة الأمة الإسلامية، وذخيرتها من التجارب والمحاولات المختلفة للنهضة، ورؤاها المختلفة للمنهج ولنفسها وللعالم والكون من حولها، نتيجة للتخبطات والمناهج الملفقة، فإن هذه الأسئلة تعود لتحتل موقعاً مركزياً في التفكير والتأليف من مفكرين ومؤلفين عرب ومسلمين، ذلك أن واقع البشرية والتعاسة والدمار الذي أصابها منذ الثورة العلمانية الكبرى الحديثة التي يؤرخ لها بالثورة الفرنسية (سنة ١٧٨٩م) . وواقع العرب والمسلمين الذين يجيئون في قاعدة السلم في التقدم والعلم والنماء الاقتصادي، هذا الواقع يشهد بأن هنالك أزمة في المنهج، أزمة في التفكير وطرائقه، أزمة في النظام التشريعي والأخلاقي والإداري وباختصار أزمة في كل شيء تقريباً، ولا مناص من مواجهة الأزمة في جذورها الحقيقية والبحث عن علاج ناجع لها، ومخرج سديد منها. ومن هنا فإني في هذا المبحث القصير أحاول الرجوع القهقرى، لنرى معاً البدايات للمنهج في الإسلام، والمحطات والمنعطفات التي توقف عندها والشخصيات والأعلام الذين توهج بهم، وتركوا خلفهم بصمات لا تنسى على مسيرة المنهج في الإسلام. والبداية التي ننطلق منها معاً هي: نزول الوحي، ذلك أن الرسل عليهم السلام بُعثوا إلى أمم متعددة وشعوب متفرقة، كانت ذات ثقافات ومناهج وطرق متنوعة في التفكير، ولذلك لم يكن لهم ﵈ مندوحة من خطوتين اثنتين في التغيير الفكري، والعقدي والاجتماعي والسياسي: الخطوة الأولى: هدم المناهج الباطلة السائدة في مجتمعاتهم وأممهم، وبيان ضلالها وتهافتها. الخطوة الثانية: بناء المنهج الصحيح البديل، وتأصيله وتعميقه. فهما خطوتان: هدم وبناء، إبطال وتأسيس، تخلية وتحلية، تفكيك وتركيب، كما هو هدف الرسالة كلها: [فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها] [البقرة: ٢٥٧] ، فهما عمليتان: كفر وإيمان، رفض وقبول، هدم وتأسيس. مناهج الجاهلية ومواجهتها: فما هي يا ترى مناهج الجاهلية التي واجهت الرسل، وعلى الخصوص خاتمهم محمد ﷺ ؟ وكيف تمت تعريتها وكشفها وإبطالها وتقديم البديل الصحيح عنها؟ . إن الإجابة على هذا السؤال إجابة عن قضية المنهج التي شغلت البشرية بكل أبعادها وما تزال، وهي قضية ضخمة وخطيرة وشديدة التأثير، ولذلك استحقت كل هذا الاهتمام وأكثر منه، والله المستعان. أول ما نندهش لمواجهته في موضوع المنهج في الإسلام كتاباً وسنة هو غزارة النصوص في هذا الباب وثراؤها الملفت للنظر..!! حقاً، لقد احتلت قضية المنهج موقعاً مركزياً في نصوص الكتاب والسنة للخطورة التي تمثلها، وللأهمية العميقة للوصول للمنهج السليم في تحديد خيارات الإنسان ورهاناته المستقبلية وميزان قيمه وأحكامه: [لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ... ] [الحديد: ٢٥] . فما هي أولاً: طبيعة التفكير الجاهلي؟ وكيف تنقض وتبطل؟ وما هي ثانياً: المنهجية البديلة عنها؟ في المسألة الأولى: هنالك ملامح ومظاهر متعددة للتفكير الجاهلي نحاول أن نجملها في هذه العُجالة بما يلي: أولاً - الفهم السحري الخرافي للكون والحياة ومظاهر الطبيعة: يقول تعالى: [وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاْ ... ] [الجن: ٦] ، [واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ... ] [البقرة: ١٠٣] ، [قالوا اطيرنا بك وبمن معك، قال: طائركم عند الله، بل أنتم قوم تفتنون ... ] [النمل: ٤٧] . ولقد رفض الإسلام هذه الرؤية السحرية، وأثّمها وجّرمها، بل لقد كفرها، كما قال تعالى: [وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر ... ] [البقرة: ١٠٣] . كما قوّض الوحي معالم هذه الرؤية السحرية الخرافية: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك» [١] ، ويقول: «لا عدوى، ولا طيرة ولا هامة، ولا صفر» ، عن أبي هريرة وزاد: «ولا نوء ولا غول ... » [٢] . ثانياً - تعطيل وسائل الفهم الصحيح والاستدلال المنتج: [ولقد ذرأنا لجهنم كثيراْ من الجن والإنس: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون] [الأعراف: ١٧٩] . فهم لا يسمعون: [بشيراْ ونذيراْ، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ... ] [فصلت: ٤] ، وإذا سمعوا لا يعقلون: [ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه..] [الأنعام: ٢٥] ، وإذا عقلوا لا يعملون: [إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم] [فاطر: ١٤] ، [أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ... ] [البقرة: ٧٥] . ولذلك فقد قارن كتاب الله تعالى بينهم وبين المؤمنين، وبيّن آثار هذه المقارنة بقوله: [مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، هل يستويان مثلاْ؟ أفلا تذكرون] [هود: ٢٤] ، والنصوص في هذا الباب كثيرة جداً نكتفي منها بذلك الذكر الطيب المبارك. ثالثاً - استحداث مناهج ووسائل بديلة باطلة: ومن ذلك: ١ -القول بعصمة طائفة من الناس وصحة أقوالهم مطلقاً بغض النظر عن شواهدهم أو أدلتهم أو مستنداتهم، وذلك لقدرهم وعظمتهم في النفوس (كالآباء والأجداد) أو لوجاهتهم وقوتهم وجبروتهم (كالزعماء السياسيين) أو لقداستهم ومكانتهم الدينية! (كالأحبار والرهبان) ، يقول الله عن النوع الأول: [وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون] [الزخرف: ٢٣] ، وفي الأخرى (مهتدون) [الزخرف: ٢٢] ، وعن النوع الثاني يقول ﵎: [وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراْ ... ] [الأحزاب: ٦٧، ٦٨] ، وعن النوع الثالث يقول جل وعلا: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣١] . ولا ريب أن أعظم إبطال لنظرية العصمة هذه سواء أجاءت على لسان المقال (كما هو عند النصارى والشيعة) أو على لسان الحال (كما هو عند كثير من الناس) هو البيان الأكيد والتكرار الشديد لبشرية النبي ﷺ ، وتعرضه للخطأ والنسيان وإن كان لا يقر من الله تعالى ونزول المعاتبة له ولأصحابه في نصوص قرآنية قاطعة متكررة تتلى إلى يوم القيامة، كما في سورة «عبس» وغيرها من السور. ٢- التقليل من قيمة المعرفة والاكتفاء في القضايا الخطيرة بالظن والخرص والهوى والمتشابهات: [وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها، قلتم ما ندري ما الساعة، إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ... ] [الجاثية: ٢٢] ، [إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى ... ] [النجم: ٢٣] ، [وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون] [الأنعام: ١١٦] [فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ... ] [آل عمران: ٧] ، وهذه هي الوسيلة المفضلة في انحرافات المعاصرين فقل أن تجد ذكر الله واليوم الآخر في وسائل الإعلام المقروءة والمسوعة والمرئية الغربية؟! ٣ -الكبر وبطر الحق بعد ظهوره لهم: [سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ... ] [الأعراف: ١٤٦] ، [ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس، فلمسوه بأيديهم، لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين] [الأنعام: ٧] ، [وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين] [النمل: ١٤] . وهؤلاء لا تنفع معهم الحجج مهما تكاثرت وتضافرت، فالعيب عندهم أخلاقي سلوكي داخل في باب الشهوات، وليس معرفياً علمياً يدخل في باب الشبهات التي تزول بالعلم، وهي علل قديمة جديدة، فلم تخرج انحرافات المعاصرين مع تنوعها وتشعبها في خطوطها العريضة عن الانحرافات الأولى بل لاتزال تكررها وتعيد إنتاجها بصور وعناوين جديدة، والاستقراء خير شاهد. ذلك هو منهج الإسلام في بيان خلل وخطل وفساد المناهج الجاهلية وذكر وجوه العيب فيها، وسبل السلامة من تلك الوجوه، فما هو يا ترى المنهج المفضل البديل..؟! ملامح المنهج الإسلامي في التفكير: هنالك الكثير من النصوص التي ترسم ملامح وقسمات هذا المنهج وطرائقه نذكر منها: أولا: الإعلاء من شأن العلم، والرفع من قيمة العلماء المخلصين في البحث عن الحقيقة: [وقل رب زدني علماً..] [طه: ١١٤] ، [اقرأ باسم ربك الذي خلق ... ] [العلق: ١] ، [يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ... ] [المجادلة: ١١] ، [وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] [الملك: ١٠] ، [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ... ] [الزمر: ٩] ، ونصوص الكتاب والسنة في هذا المعنى كثيرة جداً، نكتفي منها بما ذكر هنا. ثانياً: إطلاق الوسائل المعرفية إلى أقصى مداها كي تنهل من مصادر المعرفة المتاحة لبني الإنسان، فقد خلق الله الإنسان للإعلام، ولكنه زوده بوسائل المعرفة: [والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ... ] [النحل: ٧٨] ، [ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا] [الإسراء: ٣٦] . فلدينا سمع ينهل من الأخبار: وحياً ربانياً، أو حدثاً إنسانياً، وبصر ينهل من الكتاب: المقروء وهو الوحي، والكتاب المنظور وهو الكون، وفؤاد يعقل نفسه ويعقل الكتاب المنظور والمسطور، ولقد تكاثرت نصوص الكتاب والسنة في الحديث عن الوسائل الثلاث: السمع والبصر والفؤاد، حيث ورد كل منها وما يشتق عنها في مائة وثمانين موضعاً في كتاب الله ﵎ بينما ورد الحديث عن العقل، واللب، والنهى، والحكمة في حوالي ستة وثمانين موضعاً، وكفى بذلك دلالة على عناية الإسلام وحرصه الشديد على إطلاق وسائل الإنسان المعرفية المتاحة إلى مداها الأقصى، تلك الوسائل التي تنهل من المصادر الثلاثة: الخبر عن الله في وحيه، وعن الإنسان في حاضره وماضيه، والكون والعقل الذي يتلقى ذلك كله ويتدبره ويفهمه ويزنه ... ثالثاً: التأكيد على الصياغة السننية العقلانية لظاهرة الوحي والظاهرة الإنسانية والكونية: [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ... ] [محمد: ٢٤] ، [ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون] [البقرة: ١٧٩] ، [ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون] [الأعراف: ٣٤] ، [سنة الله في الذين خلو من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً] [الأحزاب: ٦٢] ، [ولن تجد لسنة الله تحويلاً] (فاطر: ٤٣) ، [ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء ... ] (فاطر: ٢٧-٢٨) . ... وهكذا فالظواهر الرسالية، والإنسانية، والكونية قابلة للتعقل والفهم والتركيب، ولذلك والله أعلم لم ينزل الله ﵎ الكتاب فقط وإنما أنزل معه الميزان العقلي: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ] [الحديد: ٢٥] . والأنبياء لم يعلّموا الكتاب فقط، ولكنهم خلطوه بالحكمة: [لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ... ] [آل عمران: ١٦٤] ، [يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتّ الحكمة فقد أوتي خيراْ كثيراْ] [البقرة: ٢٦٩] . و «الميزان» العقلي في الحقيقة يقوم «بوزن» الحقائق التي تحصل عليها الوسائل المعرفية الممكنة من مصادر المعرفة، ومن ثم ترتيبها في سلم أولويات يعيد تشكيلها بعد انتزاعها من الواقع ويعطيها موقعاً في هذا السلم، وحجماً مرناً قابلاً لإعادة التشكيل في ظروف الزمان والمكان، فهو ليس ميزاناً جامداً لا يتبدل ولا يتغير، وإنما يخضع لظروف الزمان والمكان والبيئة، وهكذا نجد على سبيل المثال قضايا الرسل الحيوية تتفاوت من أمة لأخرى، حسب انحرافها وضلالها، ومن هنا يظهر وجه الخلل في الرؤية الخوارجية أو الإرجائية أو الشيعية مثلاً، فضلاً عن أهل الكتاب، فما بالك بالوثنيين..؟! رابعاً: رسم معالم المنهج وتوضيحها بحسب العقل المعرفي الذي يعمل فيه: ١ -ففي حقل الأخبار: تأتي الوثائق المكتوبة المضبوطة تاريخياً ونقدياً في الطليعة: [ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ... ] [الحج: ٨] ، ومن هنا كانت جريمة تزييف الوثائق خصوصاً فيما يتعلق بالوحي من أخطر الجرائم على الإطلاق: [فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون] [البقرة: ٧٠] ، وكذلك الآثار: [قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ... ] [العنكبوت: ٢٠] ، ثم يأتي قبول خبر الثقة: [ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ... ] [التوبة: ٦١] . والتوقف عن خبر الفاسق: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماْ بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] [الحجرات: ٦] ورفض خبر الكاذب: [لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين ... ] [النور: ١٣] . ٢ -وفي حقل الكونيات تجيء المشاهدة والتجربة والاستقراء معياراً أولاً: [قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم ... ] [البقرة: ٢٦٠] ، [أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر ... ] [الغاشية: ١٧٢١] ، وحديث التأبير الصحيح شهير في هذا المعنى. ٣ -وفي حقل العقليات تجيء المسلمات والبداهات العقلية معياراً: [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ... ] [النساء: ٨٢] [يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً..] [مريم: ٤٢] . وللحديث بقية.

стр. 1824

نصوص شعرية كَائنٌ بِلا هُويَّة د. صالح الزهراني من أيّ نهر شربت الصمت والوجلا؟ ! ... أمهاتك صيّرن الشجى أملا من أينَ عممت هذا الذّل.. ما عرفت ... أرض الشياهين لا نسراً، ولا حجلا؟ في مقلتيك أرى «سعداً» .. ببيرقه ... وفيلقاً «لصلاح الدين» مشتعلا أرى احتمالات معنىً كنت أجهله ... ولم يكن عند من أغلاك محتملا من أنت؟ أبصرُ في عينيك أسئلة ... عويصة، وهموماً أثقلت جبلا من أنت؟ أقرأ في كفيك ملحمة ... موؤودة، وخيولاً كفّنت بطلا كأنه ما أتاك الكون مبتهلاً ... يوماً، ولا حُفّ بالنجوى ولا احتفلا ولا ارتمت تحت رجليك النجوم هوى ... والشمس ما شاطرتك البوح والغزلا من أنت؟ «عنترة العبسي» ألمحه ... في وجنتيك يُباري الخيل والأسلا كيف انحنى فيك هذا الرأس يا قمراً ... بزهو عينيه كنا نضرب المثلا من أنت؟ ما قلتُ شيئاً.. كان يقتلني ... بكل حرف بهيّ كلما سألا ما قلت شيئاً.. نكست الرأس مكتئباً ... وكنت أطرق مما قاله خجلا

стр. 1825

نصوص شعرية .. الأسماء .. فيصل بن محمد الحجي لو كانت (الأسماء) تُشْرَ عادة ... بالمال من (بقَّالة) البلغاءِ أو كان (يشحذها) الذي يحتاجها ... بالذُّل من بوّابة الكُبَراءِ.. أو كان مصنعها بعيداً.. ثم لا ... تأتي بغير مشقةوعناءِ.. لمشى الغنيُّ معدِّداً أسماءه ... ولعاش معظمُنا بلا أسماءِ

стр. 1826

نصوص شعرية .. التيه .. محمد عبد القادر الفقي وطال بنا الليلُ في التيه.. ضاق بنا الدربُ عشش فينا الخوارْ! وها نحن والرجزُ إلفانِ! .. نعرى ... نجوع ... ونشقى ونظمأ.. والنارُ تشوي الوجوهَ.. تكاد السماواتُ من فوقنا.. تخرّ علينا وتنشق من تحتنا الأرضُ والموجُ يطغى ونصرخُ.. نصرخ: «يا من يجيء إلينا بسبع سنابل خضرٍ يفيض علينا من الماء والزيت ... يُسعفنا من رماداتنا والجفافِ فقد هلك الحرثُ والنسل، والضرع جفّ وغادرت المزن آفاقَنا وعربد بين الربوعِ الخرابُ» ويقبل «جونُ» بسنبلةٍ في اليسارِ! ومُديتُهُ في اليمين! ويدخلُ بين الزوايا.. يؤلب هذا ويَنقُد هذا ويغتالُ هذا وهذا وتمضي السنونْ ونحن نقبل كفيه، «والنعلَ» ! .. نلعق ما كان بالأمس عاراً! .. ويزداد حجمُ الضحايا ويعلو الأنين! * * * «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا» لفاضت على البعد أنهارُ خيرٍ وصار المواتُ رُبَى من زروع وزهر وأمطرت السّحْب سمناً وشَهداً ومناً وسلوى! وساد الوئامُ.. وحلّ السلامْ! * * * ولكنهم ما وعوا الذكرَ، «ما كان أكثرهم مؤمنينْ» ! تعاموا وصموا وساروا بدرب شياطينهم سادرينْ فحل عليهم عذاب مهينْ! وأقفرت الأرض، ما عاد غيرُ العضاهِ وبومٍ تنوح مع النائحينْ * * * ولو أنهم صدّقوا المرسلينْ.. لعاشوا كراماً وماتوا كراماً وكانوا جميعا من المفلحينْ! .

стр. 1827

نقد على نقد الأدب الإسلامي محاورات وتعقيب محمد حسن بريغش استوقفني في العدد (٧٨) من مجلة «البيان» ، القراءة النقدية لما نشر في العدد (٧٦) للأستاذ الدكتور ناصر بن سعد الرشيد. واستمتعت بهذه القراءة العميقة الجادة، والتعقيبات المفيدة على ما كتبه الدكتور مصطفى بكري السيد، والأستاذ الشاعر محمود مفلح، وأود التوقف عند بعض النقاط التي وردت في التعقيب، لما لها من فائدة في إثراء الموضوع وتجليته. إن الذي أشار إليه الأستاذ محمود مفلح في العدد (٧٦) في مقالته «نقد ظالم ونقد نائم» واقع ملموس، وشكواه لها ما يبررها، وأسبابها كثيرة منها: ١- تقصير المهتمين بالأدب الإسلامي، وعزوفهم عن تناول الإبداع بالنقد، والتقويم على أسس واضحة، وانشغالهم بدلاً من ذلكبكثير من الأمور الاحتفالية والإعلامية، واهتمامهم بتقديم النظريات والقوالب الأدبية المتخيلة للأدب الإسلامي، وانصرافهم عن الأمر الأهم، وهو دراسة الإنتاج الأدبي الإسلامي في القديم والحديث، والعودة إلى تراثنا الأدبي الكبير منذ فجر الرسالة الإسلامية، إلى اليوم، لدراسته وفق التصور الإسلامي، وإبراز ملامحه وسماته، واستخلاص المنهج الصحيح لهذا الأدب، ووضع القواعد الموضوعية لنقد النصوص وتقويمها، وإعادة عرض تاريخ الأدب العربي من جديد، على أسس إسلامية منهجية صحيحة، بعيداً عن المناهج الغربية، التي استهدفت سلخه من الصفة الإسلامية، وإبعاده عن حقيقته التي تنتمي إلى الإسلام في العموم. ووفق هذا ستبرز الملامح الشاذة في هذا الأدب، وتفرز الفترات المضطربة وحدها التي جعلها المنهج الغربي سمة عامة تنسحب على الأدب العربي كله وتوضع هذه الفقرات والنصوص في مكانها الطبيعي، وضمن حجمها الصحيح. وكذلك نحن بحاجة إلى عرض الآداب المختلفة لشعوب العالم الإسلامي غير العربي وفق المنهج ذاته لإبراز سماته وملامحه واستخلاص هذه الملامح التي تشكل منهجاً واقعياً صحيحاً للأدب الإسلامي. إن مسؤولية المشتغلين بالأدب الإسلامي، إزاء دراسة النصوص ونقدها والتعرف على خصائصها، وإبراز سماتها، والتعريف بأصحابها أهم بكثير من وضع الأسس النظرية، والأطر الفكرية، وفق القواعد المطبقة في المذاهب الأدبية الغربية، لأن هذا الاتجاه يلغي وبشكل آلي تراثنا الأدبي كله ويخرجه من دائرة الأدب الإسلامي، ولأن التنظير يعني محاولة إنشاء هذا الأدب حديثاً، وتحديد قواعده، وكأنه أمر مستحدث وليس امتداداً لتاريخ طويل وتراث كبير. ٢- ومن هذه الأسباب قلة المنافذ الإعلامية المتاحة للأدب الإسلامي بعامة والنقد بخاصة فضلاً عن التعتيم المقصود في كثير من الأحايين على الأدباء الإسلاميين، والمشتغلين بهذا الأدب. ٣- ومنها ابتعاد مناهج الدراسة الأدبية في العالم الإسلامي عن دراسة هذا الأدب، فضلاً عن الاعتراف به، وخضوعها للمناهج الغربية في ذلك، وهناك أسباب أخرى لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة [١] . ولكم كنت أتمنى أن يكون ضمن هذه التعقيب للدكتور ناصر على الشاعر مفلح، مبادرة جادة منه للإسهام في النقد، والاهتمام بالأدب الإسلامي قديمه وحديثه، لا سيما أنه يملك هذه القدرة، وهذا الحس النقدي ولديه هذا الاهتمام الجاد بالأدب الإسلامي. هذه الملاحظة تنقلني إلى ما طرحه الدكتور ناصر في تعقيبه عندما أشار إلى تعريف الأدب الإسلامي [٢] ، واستطرد بعدها إلى القول: «أود أن ننظر إلى الأدب العربي كله بعد الإسلام على أنه أدب إسلامي، وأن نخرج منه ما خالف الإسلام على أنه أدب شذ عن منهج الأدب الإسلامي في مضمونه، وفي تعبيره» . ولأشد ما أفرحني ذلك، لأنني وجدت من ألتقي معه في مثل هذه النظرات، لرسم معالم الأدب الإسلامي على أسس متينة [٣] ، كما سجلت ذلك في كتابي الثاني عن الأدب الإسلامي، فالأدب العربي منذ بزوغ الرسالةتحول إلى أدب إسلامي في عمومه وجملته، وإن لم يكن إسلامياً في شموله اعتراه ما اعترى الناس من صواب وخطأ، وقوة وضعف، وصلاح وآثام « [٤] . ومادام الأمر كذلك، ألا يحق لنا أن نتساءل عن مدى جدية الكاتب في هذا الرأي، وعن مسؤوليته في ذلك، وهو الناقد والأستاذ الجامعي، والدارس والمدرس للأدب؟ نحو الأدب والدارسين. إن أدبنا العربي بحاجة إلى نظرة صحيحة، نظرة تعيده إلى منهج الأدب الإسلامي، الذي يشمل الحياة كلها، ولا ينحصر في موضوعات محددة كما يظ'ن الناس، لأن الأدب الإسلامي هو التعبير الفني الجميل للأديب المسلم عن تجربته في الحياة من خلال التصور الإسلامي. وهو حقيقة ممتدة من بدء ظهور الإسلام إلى اليوم، وسيظل إلى قيام الساعة مادام هناك إسلام ومسلمون، وقد يضعف، وقد يعلوه الغبار والأصباغ، ولكنه يظل باقياً مادامت كلمة الله تتلى ومادام كتاب الله العزيز محفوظاً. وهذا ينسحب على كل الموضوعات، والأفكار، والأغراض، والعصور والأساليب.. فلماذا يرمي الكاتب الفاضل المسؤولية على الآخرين وكأن الأمر خارج عن مسؤوليته ومسؤولية كل ناقد مسلم يهتم بإسلامه ومجتمعه، وبالتالي يهتم بهذا الأدب؟! إن اشارة الناقد إلى رابطة الأدب الإسلامي، وترك الأمر لها لترد على هذه التساؤلات نوع من الهروب، ومع أن الرابطة قد تأسست لخدمة هذا الأدب، فإن المسؤولية نحو الأدب الإسلامي، وتحديد منهجه، ليست مقصورة عى أحد لأن الأمر ليس كهنوتاً بل هو مسؤولية كل أديب مسلم، وكل ناقد مسلم، إن كان من أعضاء الرابطة أو خارج نطاقها، فقضية الأدب الإسلامي هي قضية كل مسلم قبل الرابطة وبعدها، والاهتمام به ليس مقصوراً على الرابطة أو على أي مؤسسة أخرى. ومع أنني كنت من أول الداعين والعاملين لإنشاء هذه الرابطة والمؤسسين لها، والداعين للأدب الإسلامي، فإنني أعرف أن كثيراً من المهتمين خارج الرابطة ليست إسهاماتهم بأقل من إسهامات الآخرين بل هي أكبر من إسهامات الرابطة لأنهم غير خاضعين للأطر الإدارية والنفسية التي تتحكم في أعمال الرابطة والمؤسسات الأخرى عموماً، فضلاً عن أمور أخرى لا مجال للحديث عنها. أما عن موقف بعض المنظرين للأدب الإسلامي من الأشكال الشعرية الجديدة، أو بعض التعبيرات الحديثة، فإن الأدب الإسلامي يتسع لكل الأشكال والموضوعات، لأن الإسلام هو الحياة ذاتها ولكنها الحياة كما أرادها لنا خالق الخلق ، وهذه الحياة فيها كل ما يتعلق بالإنسان والمخلوقات من نشاطات ومشاعر وتجارب، والأديب المسلم يعبر عن كل ذلك كمخلوق يخضع بعبوديته لله وحده، والأدب الإسلامي أدب الحياة، وأدب الإنسان في كل مكان، وليس محصوراً في موضوعات محددة أو صيغ معينة ولكن هذا المفهوم لا يمنعنا من الوقوف في وجه التيارات الوافدة التي تتسربل بألوان وأشكال مستحدثة وتدعي بأنها لا تتعدى ذلك. إن أقطاب هذه التيارات لا يخفون مقاصدهم إزاء كل شيء في تراث هذه الأمة وكيانها، في الشكل والمضمون وفي السلوك والمعتقد وفي الوجود عموماً. يقول يوسف الخال:» أريد أن أعبث باللغة مدة عشرين سنة كرد فعل على عبث أسلافنا بلغتنا ألف عام «. ويقول د. بولس نويا اليسوعي المشرف على رسالة (الثابت والمتحول) لأدونيس، التي أصبحت كتاباً مقدساً عند الحداثيين يخاطب أدونيس:» لا أخفي أنني شعرت بكثير من الحرج عندما طلبت مني أن أكون رفيقك في السفرة الاكتشافية التي كنتُ ناوياً القيام بها، ولئن دفعني دافع إلى قبول هذه المهمة فلأنني شعرت عندما فهمت مقصدك وتبينت الخطوط الكبرى لما تريد أنك ستحقق حلماً حلمت به في شبابي مرتين ... «. ويتابع:» إن معظم فصول أطروحتك إن لم يكن كل فصل منها يمكن أن يصبح منطلقاً لأبحاث أرجو أن يتفرغ لها كثير من الشباب تحت إشرافك وموجهين بتوجيهات منك « [٥] . فهل يمكن أن نقطع الصلة بين النصوص الحديثة وجذورها؟ وهل يمكن أن نقرأ النص أيضاً بحد ذاته منفصلاً عن سياقه وسط المجموعات الشعرية والأدبية لهذا أو ذاك؟ . إن الأديب المسلم أديب منفتح على الحياة، واسع الصدر، يحب الناس، ويحب الخير، ولكنه أيضاً لا يستطيع التغاضي عن أي باطل، ولا يستطيع أن يتغافل عما تحمله الصيغ التعبيرية من إيحاءات ومضامين يأباها الإنسان السوي كما تأباها عقيدة المسلم. ولا يمنع هذا من قراءة كل ما يصدر عن هذا وذاك بقلب سليم النية وعقل واع متفتح، وإدراك بصير، حتى لا نقع في الغفلة من جهة، ولا نحكم بالاندفاع العاطفي من جهة أخرى.

стр. 1828

دخان الصمت عبد الوهاب الزميلي (أ) وفي أحداقنا نقشوا ... وصبوا في الدّم الحبرا يد النّحات تحفر في ... جماجمنا فماً (حرّا) ! ترقّش في عظام الصدر ... ليلاً يقضم الفجرا تلوّن صفحة التاريخ ... والآلامَ والبحرا (ب) تُسَرّبُ في رؤى الأطفال ... (شهماً!) يخنق الطهرا؟ ! تسُكّ مسامعَ الأزْهَار ... تَسْقي شَوْكَنَا خَمْرا تثقب كل ذاكرة ... رأت في بدرنا البدرا (ج) ونجري في خضم الزور ... في أحضانه (نعرى) ! تُطقطقُ في مفاصلنا ... نمال تقرضُ الجسرا وتنشج في حناجرنا ... حروفُ تلعق القهرا (ونغمس) في مناجمنا ... معاطس تنشق التبرا؟ (د) ويُطوَى في ثنايا الرمل ... نبضٌ يُنبت الجمرا يَفُضّ التّلّ ينفُذُ في ... عروق (الموتة الكبرى) يدهده ما تُحنّطُه ... وتلقمه فم المجرى حروف (يغوثَ) .. وارتجفت ... لتعبد ربها (النسرا) ! !

стр. 1829

نصوص شعر ية .. أنواء .. محمد البراهيم يمضي عام.. ويجيء عامْ وتظل رعاة الأزلامْ.. تزرع غدراً.. في عيني غدنا الأحلامْ تأكل سحتاً.. من ريع مبيع الأوهامْ! بينا.. تتهادى عن بعدٍ.. أنواءٌ لحمتها النارْ وسُداها سحق الأحرارْ وعلى بلدي.. أتلمح خللَ الأنواءْ وجه الطوسي.. يبسم خبثاً ويحيك عمائمه السودْ يمنحها هام الوزراءْ يوطئُ خيلَ التتر الأبطحْ يستدعي حَجَر الأطهارْ وبنو بلدي.. يرتادون السوق جثياً يبتاعون الوهم نقياً (والغازي) ال (كانْ) السمسارْ.. أبصر بعض النوء وأفتى: هاتيك عوارض إمطارْ وتلاه سليل الحنفاءْ.. في رصف طريق الإلهام! .

стр. 1830

المسلمون والعالم هذه حقيقة مجلس الأمن نظرات في مواقفه من قضايا المسلمين د. محمد طاهر حكيم كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن دور مجلس الأمن ومهامه في تحقيق الأمن والسلام العالميين إبان تعرض المسلمين لمآس ونكسات وويلات من أعدائهم في شتى أنحاء المعمورة ولا سيما في البوسنة وفلسطين وكشمير على سبيل المثال لا الحصر. وظن بعضهم أن مجلس الأمن سيفرض الأمن ويعيد السلام إلى المناطق المنكوبة، ويحقق الأهداف التي قام من أجلها وهي إقامة العدل ونصرة المظلوم وردع المعتدي، وغاب عن هؤلاء أن المنظمة الدولية غدت أداة طيعة في أيدي الأقوياء لتحقيق خططهم وتنفيذ مآربهم. إن مجلس الأمن تتحكم في قراراته خمس دول فقط الأعضاء الدائمون وهم: أمريكا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، والصين، التي تسعى من خلال قرارته لتحقيق مصالحها الخاصة وفرض سيطرتها على الدول الضعيفة والإسلامية منها بالذات، ويقال عن أي قرار يصدر عن هذا المجلس بأنه قرار دولي أو يعبر عن إرادة المجتمع الدولي وهذا عجيب وما أكثر عجائب هذا الزمن ومنها أن يقال عن القرار الصادر من خمس دول بأنه «دولي» ويفرض على باقي دول العالم دون أدنى حق لها في ابداء الرأي أو الاعتراض عليه، بل إنه بإمكان دولة واحدة من هذه الدول الخمس إفشال أي قرار لا يعجبها بصرف النظر عن مواقف بقية الدول، ومع هذا يقال عن أي قرار يصدر عن مجلس الأمن بأنه قرار دولي. خذ مثالاً شعب البوسنة المسلم، وما حدث له من وحشية وهمجية لا نظير لها حيث يعيش شعب بكامله تحت الإرهاب، والحكم العسكري، ونظام المعسكرات الذي يذكرنا بأساليب «النازية» أو «الفاشية» أو «الشيوعية» ومجلس الأمن الذي يتبجح بالدفاع عن حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي وحق جميع شعوب الأرض في العيش في سلام متباطئ متخاذل لأن هناك بعض الأعضاء الدائمين في المجلس لا يرون ما يراه العالم ودوله وشعوبه قاطبة، فهل بعد هذا يصح أن يقال عن أي قرار يصدر من مجلس الأمن بأنه قرار دولي؟ أين مكمن التزوير؟ إن مجلس الأمن لا يعبر عن المجتمع الدولي بل هو يعبر عن هيمنة أعضائه الدائمين على «القرار الدولي» ولذا يحسن تسميته بـ «مجتمع القوة» أو «مجتمع الخاصة» أو «مجتمع النخبة» الذي يحكم باسم المجتمع الدولي، ولذا فإن تسمية قراراته بالدولية زور وباطل. إن هذا الوضع القائم ما هو إلا امتداد لحقبة الاستعمار الذي ولى بمظهره العسكري ليحل بمظهره السياسي، فهذا المجلس في الحقيقة أصبح مجلس استعمار وليس مجلس أمن، وهذا ما تؤكده أفعال أعضاء المجلس وتصريحاتهم، فهم لا يرون ضرورة الرجوع إلى مجلسهم أو استصدار القرار من مجلسهم فيما تقوم به دولهم من أعمال عدوانية أو تأديبية كما يسمونها تجاه الدول الأخرى ولا سيما الإسلامية بل تنطلق دولهم في تعاملها مع هذه الدول من منطلق القوة والنظرة الاستعمارية الماثلة في مخيلتهم فوق القرار وأنهم قادة العالم وحكامه كما لو كانوا في أيام استعمارهم العسكري. فأمريكا تتدخل في شؤون دول أمريكا اللاتينية وتقتل وتعتقل من تشاء وتضرب مثلاً ليبيا بالقنابل عام ١٩٨٦م وبريطانيا تكتسح الفوكلاند والاتحاد ... السوفيتي السابق يحتل افغانستان ويقتل مئات الألوف من الناس ويدمر البلاد، ويهدد الدول المجاورة بحجة الدفاع عن أفغانستان ولم يعبأ بقرارات الأمم المتحدة حتى خرج بسياط المجاهدين. وحينما سئلت «تاتشر» رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، لماذا لم تستصدر بريطانيا قراراً من مجلس الأمن في حرب فوكلاند؟ فأجابت قائلة: «إن البريطانيين ليسوا عرباً» . القرارات بين الضعفاء والأقوياء: ثم إن قرارات مجلس الأمن تفرض على الدول الضعيفة ولا سيما الإسلامية منها، كما تفرض على هذه الدول العقوبات الاقتصادية والتجارية والعسكرية، والمقاطعة الدولية إذا لم تخضع لرغبة وهيمنة مجلس الأمن بل وتدرج أسماؤهم في قائمة الدول المساندة للإرهاب والمنتهكة لحقوق الإنسان.. الخ.. كما هو حال بعض الدول الإسلامية المعروفة للجميع، أما الدول الكافرة والمحتلة لأراضي المسلمين والتي تحظى بمساندة وتأييد أعضاء مجلس الأمن الدائمين فلا تلزم بتطبيق أي قرار صادر عن مجلس الأمن ولا يفرض عليها أي عقوبات إلا صورياً ذراً للرماد في العيون بل هي في كثير من الأحيان تعربد يمنة ويسرة وتهزأ بقرارات المجلس «الموقر» دون أن يثير ذلك حفيظة المجلس أو أن يكون فيه التحدي للمجتمع الدولي، وهذا يؤكد أن المجلس لن يقف مع أي قضية للمسلمين مهما كانت إذا كان الطرف الآخر فيها من غير المسلمين. فهذا الرئيس الصربي المجرم، لما سأله بعض الصحفيين الأجانب عن مصير أكثر من (٦٠) قراراً للمنظمة الدولية، ولماذا لم ينفذها الصرب، فالتفت إليهم المجرم ضاحكاً وقال: إننا غير مسؤولين عن تنفيذ هذه القرارات لأن صربيا تنفذ القرارات الصربية لا قرارات الأمم المتحدة، وقال: لا توجد أي قوة ستحول بيننا وبين أهدافنا، ولن يستطيع أحد أن يقف في وجه المصالح الصربية في يوغسلافيا، وأن الصرب مستعدون لمجابهة العالم كله في ذلك. ومنذ أيام وقف رئيس وزراء العدو الصهيوني وقال: على العرب أن يعطوا الكثير من التنازلات والمرونة في محادثات السلام وعليهم أن ينسوا الأراضي الإسرائيلية! والقدس تماماً! لأنها صارت مسائل لا تقبل مناقشة، وأن أي نقاش حولها إنما هو حديث في الوقت الضائع لن يقدم ولن يؤخر.. إلخ. وخطب رئيس وزراء الهند يوم استقلال الهند وقال: إن كشمير جزء لا يتجزأ من الهند وإن أي كلام حول استقلالها أو تقرير مصيرها مجرد حلم باكستاني صعب المنال، وعلى الكشميريين أن يدركوا أنهم هنود، ومن أراد أن يكون باكستانياً فعليه مغادرة أراضي الهند، يعني الأراضي الكشميرية. أجوبة وتصريحات مليئة بالتحدي والغطرسة والصلف، والسبب أنهم يعلمون أن قرارات مجلس الأمن حبر على ورق، وأنها لا تنفذ عليهم بل يعلمون أن الدول الكبرى توافقهم بل وتساندهم وتشجعهم على ما يقومون به من احتلال وأعمال إجرامية وإلا فما معنى قول «كاراجيتش» زعيم صرب البوسنة، وهو يتساءل باستغراب، «لماذا يتظاهر الجميع بذرف الدموع على البوسنة؟ إن هؤلاء المتظاهرين بدموعهم يتحدثون إلينا في الغرف المغلقة بطريقة مختلفة، وهذه الطريقة هي: إراحة الذبيحة وحد الشفرة، وكيف تفسر سكوت الدول الكبرى على احتلال اسرائيل الأراضي الإسلامية العربية وإبعاد أهلها عنها؟ دعني أسأل بريطانيا العظمى عما سيكون عليه موقفها لو أن فرنسا وألمانيا قامتا باقتطاع جزء من الأراضي البريطانية، واعتبرت ذلك الجزء حزاماً أمنياً لها، دعني أسأل جميع أعضاء المجلس عما إذا كان ضم القدس المحتلة يختلف عن ضم النازية للنمسا.. إلخ. على من تنفذ القرارات؟ ثم أود أن أسأل أعضاء المجلس الدائمين: أرونا قراراً واحداً صدر عن مجلس الأمن في صالح المجتمع الإسلامي قد دخل حيز التنفيذ؟ هناك أكثر من (٦٣) قراراً دولياً في قضيةالبوسنة لم ينفذ منها قرار واحد وكأن الصرب يعرفون هذه الحقيقة فاستمروا في مذابحهم وجرائمهم في ظل الحماية الدولية، وقد عبر عن هذا الواقع المرير وزير الخارجية البوسني في مؤتمر صحافي عقده في لندن بقوله» إن المنظمة العالمية عار على مجتمعنا المعاصروإننا سنقوم برفع الشكوى إلى المحكمة الدولية ضد هذه المنظمة الدولية العاجزة عن حماية شعبنا بل لمشاركتها في المجازر المرتكبة في البوسنة، إن المنظمة الدولية سلبت منا الحق الأساسي في الحياة وحق الدفاع عن أنفسنا «. اتخذ المجلس أكثر من مائة قرار لصالح القضية الفلسطينية أشهرها القرار » ٢٤٢ «الذائع الصيت الذي أكاد أجزم أن الأوراق التي كتب عليها قد بليت فهل نفذ منها قرار واحد؟ وفي قضية كمشير المسلمة اتخذ المجلس أكثر من ١٣ قراراً لم ينفذ منها قرارٌ واحدٌ، بل لا يوجد أي دور للمجتمع الدولي في منع الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الهندوسي يومياً ضد شعب كشمير المسلم الأعزل. المجلس يستجيب لمن؟ وعندما دخلت قوات جورجيا إلى» أبخازيا «ووجه الأبخاز» ١٤ «نداء عاجلاً للأمين العام سعياً للتدخل الدولي حماية للأرواح البريئة، لم تكلف الأمانة العامة نفسها مشقة الرد عليها، عندها فطن الأبخاز إلى أنه لا قيمة للنداءات والذل والهوان والاعتماد على الآخرين فوحدوا جهودهم في ملاحقة العدو بشجاعة وبسالة، ووقعت المفاجأة:» شيفرنادزة «بنفسه يقوم بنداء عاجل للأمين العام، يرجوه فيه سرعة التدخل، وجاء الرد في هذه المرة سريعاً، فقد تم إرسال مبعوثي الأمم المتحدة الذين دعوا لاجتماع عاجل بين الطرفين، وتم الاجتماع باتفاق على انسحاب الجورجيين من» سوخومي «لكن الاتفاق لم ينفذ، وانتظر الأبخاز مصداقية الأمم المتحدة، ولكن دون جدوى، عندها خرجوا على قلب رجل واحد فحرروا عاصمتهم وإن أخرجوا منها بتدخل الروس ولكن إلى حين بإذن الله. وفي جزر مورو يعاني ستة ملايين مسلم من الحصار المفروض عليهم من قبل قوات الصليبي راموس، وفي طاجكستان يوجد أكثر من مائتي ألف مسلم شردهم الشيوعيون عبر الحدود الطاجيكية، وفي باكو تحتل القوات الأرمينية النصرانية ٢٠ في المائة من أراضي أذربيجان وتضع يدها على ٣٨ مدينة آذرية وفي الصومال ولبنان.. مآس وأحزان، ولا وجود لمجلس الأمن. الحقيقة أننا نحن المسلمين نبالغ في حسن الظن بمجلس الأمن عندما نلجأ إليه، ونتوقع منه أن ينظر إلى قضايانا بعين العطف والرحمة أو على الأقل بعين العدل والإنصاف. حقيقة يجب أن نعيها: وتغيب عن أذهاننا حقيقة مهمة وهي: أن المجلس عبارة عن التكتل اليهودي (أمريكا) النصراني (بريطانيا وفرنسا) الشيوعي (روسيا والصين) ، فهل يرجى للمسلمين خير من هؤلاء؟ أليس هؤلاء هم أعداؤنا، أليس الله قد حذرنا منهم ومن والاعتماد عليهم وموالاتهم؟ ألم يخبرنا الله تعالى وهو أصدق القائلين [لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا] فكيف نأمل الخير ممن حذرنا الله منهم. هل نتوقع مناصرة قضايانا ممن زرعوا النبتة الخبيثة (اسرائيل) في قلب العالم الإسلامي؟ أم نتوقع ذلك من روسيا وهي التي لطخت يديها بدماءالمسلمين الأبرياء في دول آسيا الوسطى وأفغانستان وهي التي تزود إسرائيل باليهود والأيدي الفنية الماهرة، وتزود مجرمي الصرب بالأسلحة ضد مسلمي البوسنة العزل. أما فرنسا فلها موقفها من قضايا المسلمين بعامة ومن قضية البوسنة بخاصة فعندما قام ميتران بزيارته المشبوهة (لسراييفو) قال للرئيس المسلم علي عزت: » ليكن في علمك بوضوح أن فرنسا لن تسمح مطلقاً بوجود دولة على عتبات أوروبا يحكمها المسلمون «. وقد عبر نائب الرئيس البوسني أيوب غانيتش عن موقف الأوروبيين من قضية بلاده، فقال: إن أوروبا أظهرت وجهها الحقيقي، وإن تدمير البوسنة وفناء أهلها سيكون على يد أوروبا وليس على يد الصرب فقط. فهل نأمل مناصرة قضايا المسلمين من هذه الدول، أم نأمل ذلك من الصين العضو الخامس في المجلس وهي التي لا زالت تستعمر تركستان الشرقية وتعمل التقتيل والتهجير حيال المسلمين هناك وتزود مجرمي الصرب بالأسلحة والمعدات. هذه بركات بطرس! هل نتوقع الخير بل الحياد من بطرس غالي الذي يمتلئ قلبه حقداً على الإسلام والمسلمين والذي يفتقد لروح المبادرة الإنسانية والشجاعة السياسية في ممارسة مهامه ومنصبه؟ فقد تطوع في أول مؤتمر صحفي يعقده بعد اختياره لمنصبه بأن أعلن أن القرار ٢٤٢ غير ملزم لإسرائيل، وقد سبق في دراسة منشورة له أن قال بعدم إلزامية ذلك القرار، ولم يكن ذلك التصريح المدهش سوى بداية لمسلسل من المواقف العفنة والمعادية للمسلمين، وهي مواقف أثارت كثيراً من الاستنكار حتى في وسائل الإعلام الغربية، ومن هذه المواقف: الضغط على مسلمي قبرص دون اليونانيين والنصارى. تجاهلها المتعمد لقضايا المسلمين الملحة كفلسطين وكشمير وبورما وأبخازيا وغيرها. وأما موقفه من الحرب المسلطة على المسلمين في البوسنة، فقد كان موقفاً متخاذلاً بل متواطئاً مع الجزارين الصرب ضد المسلمين، فقد دعا الصرب والغرب في بداية الحرب أن يحكموا الحصار حول البوسنة حتى لا يدخل إليها المجاهدون المسلمون للدفاع عن إخوانهم فتتحول البوسنة إلي أفغانستان أخرى ثم عندما طلب منه التدخل لوقف المذابح الصربية أجاب قائلاً: هذه حرب الأثرياء وليس عندنا مال، ثم فيما بعد أصر على أن لا يكون لقوات الأمم المتحدة أي دور في حماية شعب البوسنة وموقفه هذا قد انتقد حتى من بعض الغربيين فقد وصفته» كيرك باتريك «السفيرة الأمريكية السابقة في الأمم المتحدة بقولها (إنه شخص قصير النظر وتصرفاته غير إنسانية لأنه لم يعلن الحرب دفاعاً عن البوسنة) ، وقد كتبت عنه ست مقالات طويلة اتهمته فيها بأنه (المسؤول الوحيد عن إبادة الشعب البوسني المسلم وسيأتي يوم يقدم فيه الحساب الطويل أمام العالم عن تواطئه مع الصرب) ، أما مهازل المناطق (غير الآمنة) والتي تسمى زوراً بالآمنة فهي سخرية كل من لديه أدنى ذرة من ضمير. ماذا فعل الوسيط وقوات هيئة الأمم؟ مأساة المنظمة الدولية في البوسنة لا تنتهي عند هذا الحد بل كان من أكبر مآسيها وسيطها» ديفيد أوين «البريطاني الذي صمم تصميماً صربياً، وتقول عنه زوجة السفاح» سلوبودان «رئيس صربيا (إن أوين أحد أفراد عائلتنا فهو دائماً معنا ... في كل مرة يزور بلجراد ينزل ضيفاً على بيتنا.. يأكل ويشرب معنا ... وكانت مهمته إيجاد تصفية عادلة محايدة للحرب كوسيط دولي ولكن المهمة الحقيقة التي قام بها ويقوم بها هي تقطيع أوصال البوسنة كما وصفه مذيع» بي بي سي « وعلق الصحفي الانجليزي» جون سويني «على خارطة أوين لتقسيم الجمهورية المنكوبة بقوله (أما أوين فإنه يجلس بابتسامته الذئبية، ويتوسط لتقطيع البوسنة ... هذا للصرب.. وهذا للكروات.. والفتات للمسلمين) ، يقول ذلك الوسيط الدولي المزعوم: (إن مسألة الضربات الجوية الغربية ضد الصرب هي خدعة بشكل أو بآخر ... وإن دور الأمم المتحدة هناك ينطوي على أكثر من خدعة) قالها بسهولة وكأن البشرية كلها لا قيمة لها عنده. ويأتي بعد هذا دور القوات الأممية التي أرسلت إلى هناك لتؤمن الخائفين وتدافع عن المظلومين وتستر عورات المضطهدين إلى آخر مصطلحات الرحمة وحماية الإنسان التي ترفع لواءها قوات الأمم المتحدة في كل مكان، فماذا فعلت هذه القوات؟ ذكرت صحيفة» الجارديان «الصادرة في ٢٨ اغسطس ١٩٩٣م عدداً من تهم الفساد الموجهة إلى جنود الأمم المتحدة في سراييفو وأخطر هذه التهم أن هذه القوات تقوم بالمتاجرة بالمخدرات وتهريبها، وقال المراسل: إن الجنود الفرنسيين الذين يعملون تحت قيادة الأمم المتحدة يقومون بعمليات اغتصاب واسعة ضد المسلمات، وأنهم كانوا يعطون الصرب شحنات الأغذية والأدوية مقابل إعطائهم نساء مسلمات بوسنيات من المعتقلات لاغتصابهن. وقال مراسل» الديلي تلغراف «: إن ضباطاً كباراً من الأمم المتحدة هم الذين كانوا يشرفون على أسواق الدعارة في البوسنة. وذكرت» نيويورك نيوز « الصادرة في ١٧/٥/١٤١٤ هـ، أن أكثر من خمسين ضابطاً من فرنسا وكندا وأكرانيا ونيوزيلندة ودولة افريقية لم يذكر اسمها كانوا يترددون على معتقل يديره الصرب يعج بالأسيرات من النساء المسلمات اللاتي أجبرن على ممارسة البغاء. هذه بعض أعمال وجرائم ذوي القبعات الزرقاء، لكن السؤال: من يتولى التحقيق في ذلك إذا كان الخصم هو الحكم؟ آخر مهازل المنظمة: وتأتي بعد هذا آخر مهازل المنظمة الدولية في اختيار هيئة المحكمة الدولية لمحاكمة مجرمي الصرب على جرائم الحرب وكانت المفاجأة، فقد تم استبعاد أي قاض مسلم من عضوية المحكمة المذكورة، أما الأكثر غرابة فهو اختيار قاض هندوسي من ماليزيا التي يشكل المسلمون فيها أكثر من ٧٠ % من سكانها واختيار قاض نصراني من مصر التي تزيد نسبة المسلمين فيها عن ٩٢% في المائة واختيار قاض زرادشتي من باكستان التي تزيد نسبة المسلمين فيها عن ٩٠ %. والمضحك أن المجرمين الذين سيحاكمون أمام المحكمة مطلقون ويستقبلون استقبال الأبطال والقادة في لندن وباريس ونيويورك وواشنطن وجنيف، والأخطر من هذا كله أن الدول العظمى الأعضاء في مجلس الأمن التي طالبت كثيراً بتأسيس هذه المحكمة تتراجع الآن عن تقديم زعماء الصرب للمحاكمة باعتبار أن جلوسهم إلى مائدة المفاوضات يشفع لهم، أما محاكمتهم فتعرقل مسيرة السلام. إن المرء يقف حائراً أمام تصرفات هذه المنظمة التي تكيل بمكيالين وتزن بميزانين فهي لا تحب نصرة المسلمين أو حتى السماح للآخرين بمساعدتهم أو حتى حمايتهم أو حتى حماية الأبرياء منهم لكن عندما يكون الأمر متعلقاً ببعض الجنود غير المسلمين فيظهر الوجه الآخر للمنظمة الدولية فتقلق وتحزن على بضعة جنود أسبان ولا تتأثر على تقتيل مئات الآلاف من المسلمين وتشريدهم وتهجيرهم واغتصاب نسائهم ونهب ممتلكاتهم. إن هذا الشعور الذي ينتابنا نحو هذه المنظمة وسكرتيرها يجعلنا نكرر ونرفع صوتنا مع الكاتب الذي يقول: (إن عالمنا مليء بالأكاذيب وإن هيئة الأمم وميثاق حقوق الإنسان كذب في كذب وحماية الشعوب من التفرقة العنصرية كذب في كذب وحماية الدول من الإعتداء هو كذب في كذب) ، وكذلك نكرر مع الرئيس علي عزت (إن الغرب حينما يتعلق الأمر بالإسلام مستعد لأن يخون مبادئه وقيمه التي ينادي بها) . الحقيقة الغائبة: إن الحقيقة الناصعة التي لا تحتاج إلى إثبات هي أن قضايانا لن يحلها أحد سوانا (وما حك جلدك مثل ظفرك) وإن أمة لا تملك الدفاع عن نفسها لا تستحق الحياة والبقاء، والحقيقة أن ما اغتصب بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ذلكم هو المنطق البدهي الذي تشهد له حقائق التاريخ الإنساني قديماً وحديثاً، فلولا ذلك لما خرج الرومان من العالم العربي في عصر الفتوحات ولما طرد المسلمون الصليبيين المعتدين الغزاة من أراضيهم، ولما غادرت فرنسا الجزائر وأمريكا فيتنام وروسيا افغانستان. لكن إلى متى نظل نتشبث بمجلس الأمن؟ وإلي متى نبقى مخدوعين بـ » المجتمع الدولي «؟ إن شرور اليهود والهندوس والصليبيين والشيوعيين واعتداءاتهم على المسلمين لن تقهرها» شرعية دولية «ولا قرارات شجب وإدانة واستنكار، وإنما تهزمها وحدة المسلمين واتفاقهم وقوتهم وتفوقهم التقني والعلمي والعسكري، والاتحاد والتعاون فيما بينهم في كل المجالات ولا سيما المجالات الدفاعية والعسكرية. والله من وراء القصد..

стр. 1831

المسلمون والعالم جهودهم.. وجهودنا في عصر السلام ..! عبد العزيز بن محمد الخضر إن جميع أخطاء الماضي التي لها أكثر من قرن، لم تكن إلا تراكمات مع الزمن لإنشاء جيل أو أكثر تشرّب الهزيمة واعتاد الذل بعد أن تحولت قابلية الاستعمار لديه إلى مرض مزمن لم تتخلص منه إلا نوعية محدودة مع أنها لا تخلو من بعض الآثار هنا أو هناك. أخطاء الماضي.. ومحررو السياسة العربية: إذا كان لديك ذاكرة وكنت ممن يتابع تنظيرات الإعلام العربي السياسية عن طريق كتابات بعض الكتاب إياهم، فإنك ستلاحظ مدى تحولات الأفكار لديهم، وهذه التحولات تتأثر باتجاه الريح السياسية، إذ لديها حساسية الاستشعار عن بعد وعن قرب، إذ فن التبرير والإقناع وادعاء الواقعية وغيرها أساليب سهلة لمن يمارسها على مدى أكثر من عشرين عاماً. إنك لا شك ستلاحظ على كتاباتهم ادعاء الموضوعية والواقعية، وأنهم هم النخبة المثقفة في المجتمعات العربية، وأما نقد العقلية العربية، والمجتمعات العربية، والسياسات العربية، وأخطاء الماضي.. فهم يخرجون أنفسهم منها مع أنهم هم الذين ساعدوا في تشكيل العقلية العربية، والسياسات العنترية. فهم من أكبر أسباب النكسات العربية، ومع هذا فإنك لا تكاد تجد أحدهم يقول أو يحاول أن يعترف بأخطاء الماضي ولو بالتلميح، إذ ليس المهم لديهم أن تحل هذه القضية أو تلك! إنما المهم هو أن يكتب في زاويته كل صباح أو كل أسبوع ما يسود ذلك الحيز، وبعضهم يجعلك تفهم أنه سبق له نقد ماضي السياسة والعقلية العربية لكن أحداً لم يسمعه. ما أسهل أن يسحبوا آراءهم السابقة ثم يتهموا بها الآخرين، فعندما سقطت الشيوعية غير مأسوف عليها، بدأت التنظيرات والتحليلات لأسباب السقوط وخلفياته، ونقد الأيديولوجية التي قامت عليها، هذا رأيهم الآن وهم يعتبرون أنفسهم النخبة المثقفة ذات النظرة البعيدة.. فأين هذه الآراء قبل أكثر من عشر سنوات؟! أليس من السهل أن تنقد مخلفات الفكر بعد وضعها في زبالة التاريخ؟ ! أين الثبات على المبدأ؟ أين الأسس العلمية والموضوعية؟ أين الصدق؟ أين الشجاعة في الرجوع عن الخطأ أمام الملأ؟ أين الإخلاص في حل المشكلات؟ هذا الكلام مقدمة للحديث عن أهم قضايا أمتنا الإسلامية التي يحاول الإعلام ومحررو السياسة العربية أزاحة أخطاء الماضي حيالها على الآخرين واتهامهم بها، ليدفع الجميع في مجتمعاتنا الإسلامية ثمن السلام، كما دفعوا ثمن الحرب. قضية فلسطين.. القدس.. أولاً: إن المتأمل لواقع العالم الإسلامي ومشكلاته سيلاحظ أن القضية الفلسطينية هي محور نكسات هذا القرن، وقُبيل الحديث عن هذه القضية أشير إلى ملحوظة سلبية يجب أن يُتنبه لها وهي مسألة الحماس الوقتي المحدود الذي يبدأ بالانطفاء تدريجياً بعد الحدث إلى أن يتلاشى، فتصبح اهتماماتنا بقضايا الأمة على شكل موجات ذات قمة وقاع، فما أن يبدأ الخط البياني بالارتفاع إلا ويسقط بنفس السرعة.. ولو أن كل قضية نتعامل ونتفاعل معها نسبياً تبعاً لأهميتها في حياة الأمة ومصيرها، مع السماح للتغيرات الطفيفة في التعامل والحماس للطبيعة البشرية. لقد كان أمراً مؤسفاً أن يسألني أحدهم عن كتاب متكامل يعطيه التصور الشرعي والواقعي للقضية الفلسطينية والأحداث التي مرت بها، يعطيه النظرة المستقبلية لأهم قضايا الأمة ثم لا أستطيع الإجابة..! لا أنكر أن هناك كثير من الكتب التي اهتمت بهذه القضية من منظور إسلامي، ولكن غالباً يلاحظ عليها الاهتمام بجانب دون آخر، ومع هذا فهي محدودة الانتشار والشيء الذي لا نستطيع نفيه أنه لوحظ إهمال كبيرمن الدعاة والمثقفين الإسلاميين بهذه القضية في السنوات الماضية، حتى أفقنا على مثل هذه المؤامرات والمواقف، وكثير من فئات المجتمع الإسلامي ليس لديها الوعي الكافي بمثل هذه القضية، سوى بعض المشاعر والعواطف القابلة للهدم بتأثير إعلامي منظم، عندها نحتاج إلى سنوات عديدة لإعادة بناء الوعي والمشاعر إذ الهدم أسهل من البناء، ولو كان هناك اهتمام منظم من المثقفين والدعاة في أنحاء العالم الإسلامي، وتعاون مع دور النشر للوصول إلى جميع شرائح المجتمع، لأصبحت مضادات حيوية لهذه المؤثرات الإعلامية، ويكفي لرؤية هذا الخلل أننا وجدنا كثيراً من الفئات في المجتمع الإسلامي اقتنعت بأفكار السلام بعد أن كنا نراه مستحيلاً قبل سنوات! نعم لقد خسرنا الشيء الكثير حتى حماس الجماهير وعواطفها، بمجرد التخدير الإعلامي لعدة شهور! لذا يجب أن يكون لدينا الاهتمام المتوازن في كل قضية إسلامية، ولا يتعارض هذا مع الاهتمامات التأصيلية للعلم الشرعي للخاصة والعامة، وتوعية الجماهير، ولا يليق أن تضيع الأمة بجمود بحجة العلم الشرعي، أو هامشية بحجة الاهتمام بالواقع. جهود وتبريرات: لقد تركزت الجهود الإعلامية المختلفة في الفترة الماضية منذ مؤتمر مدريد على محاولة إقناع جميع الشرائح في المجتمع العربي والإسلامي بحتمية هذا الحل، وأنه لا يمكن أن يوجد هناك حل آخر، وللوصول إلى هذا الهدف اتبعت أساليب عدة كتغيير الصيغة الإخبارية وتحليلاتها تدريجياً فيما يتعلق بهذه القضية وتركيز الاهتمام بالأخبار التي تشجع تقدم خطوات السلام، ومحاولة تهميش الأخبار المؤثرة على عملية السلام، إضافة إلى كم هائل من المقالات والأعمدة الصحفية المختلفة للكتاب الذين ينظرون لهذه الخطوات بطرق مختلفة. ويلاحظ المتتبع في الفترة الماضية لأكثر الآراء المختلفة المؤيدة والمعارضة بمختلف توجهاتها التي طرحت عبر منابر إعلامية متعددة وفقاً لتوجهها العام، أن هناك محاور عدة يحاوَل من خلالها اقناع الطرف الآخر. وقبل أن أستعرض تلك الآراء التي طرحت، أو أن أشير بكل أسف إلى تفوق الطرح العلماني، وجهود محرري السياسة العربية في التنظير لهذه القضية لإقناع المتابع العربي، أو محاولة تخديره، وإن كان هذا التفوق ناتج عن التفوق الإعلامي في الوسائل، إلا أن هناك بعض النقاط والتساؤلات التي طرحها هذا التوجه بعمق وموضوعية -مدعين- يوهمان المتابع البسيط الاقتناع بهذه الآراء حيث يلاحظ ابتعادهم عن الطرح العاطفي، مع محاولتهم إشعار الآخرين بالموضوعية والواقعية، مع رمي المعارضين من كل التوجهات ببعض الكلمات والتعبيرات، وجعلهم جبهة واحدة، مع اتهامهم بعدم الواقعية وأنهم مازالوا يعيشون مرحلة الشعارات. أما الطرح الإسلامي لقضية السلام، فإنه وللأسف لايزال دون مستوى الأحداث، إذ كل الطرح الذي تم في الفترة الماضية من قبل الإسلاميين لايزال طغيان العاطفة مؤثراً فيه تأثيراً كبيراً، وكثيراً ما تركز الهجوم فيه على قادة عملية السلام، مع بكاء ورثاء الواقع، وتذكر التاريخ واستعمال العموميات بعيداً عن مناقشة تعقيدات الأحداث، وفضح المبررات التي يطرحها المؤيدون. حيل لإقناع الآخرين: لقد كانت الآراء التي تؤيد عملية السلام تدور محاورها حول نقاط محددة ومن خلالها استطاعت اختراق العقلية العربية وإقناعها بحتمية هذا الحل، ويمكن بالاستقراء تحديد تلك النقاط باختصار كالتالي: ١- أن الأوضاع العربية لا يمكنها في الوقت الحالي مواجهة إسرائيل ومعارضتها، فهي في ضعف اقتصادي كبير، ومشاكل داخلية متعددة إضافة إلى الضعف العسكري والعداوات فيما بين الدول العربية نفسها. ٢- يجب استغلال هذه الفرصة لتفريغ مجتمعاتنا للتطوير والتنمية التي تحتاجها بدلاً من الدخول في حروب استنزاف تئد برامج التنمية المختلفة. ٣- إنتهاج مبدأ «خذ وطالب..» ومن خلاله نتدرج في استرداد الحقوق خطوة خطوة، بدلاً من أن نخسر كل شيء، ولو أننا قبلنا بالتقسيمات السابقة باتباع هذا الأسلوب لكنا حافظنا على مكتسبات كبيرة. ٤- أنه تم تجريب الحلول التي يريدها المعارضون عن طريق استرجاع الحقوق بالقوة وعدم التنازل عن أي شيء، فكانت النتيجة أن وصلنا إلى هذه الحالة. ٥- التحول الجيد في العقلية العربية في التفاوض والمحاورة الواقعية بعيداً عن الأحلام، والتخلص من قضية رفع الشعارات والسياسات العنترية باسم تحرير المقدسات التي استغلتها قيادات عربية لتبرير أخطائها المتعددة. ٦- كسب بعض الشيء أحسن من أن نخسر كل شيء نتيجة لأوضاعنا الحالية. ٧- وضع هوية ودولة للفلسطينيين يكون من خلالها تكوين الذات لاسترداد الحقوق مستقبلاً، وجعلهم يواجهون تحديات المستقبل بأنفسهم. ٨- تكرار إلقاء سؤال: ما هو الحل البديل؟ وكيف أيها المعارضون؟ ومن خلاله يتم اتهام المعارضين بعدم وجود حل لديهم، وأنهم مازالوا يعيشون الأوهام السابقة، وبعدهم عن النظرة الواقعية والموضوعية. تلك بعض المبررات أو الحيل التي استعملت لإقناع الآخرين، والتي أثمرت عن اقتناع قطاع عريض في المجتمع الإسلامي، بل حتى المعارضون ممن لهم النظرة الإسلامية وبخاصة من ذوي الثقافة السطحية أصبح ليس لديهم إلا العاطفة الحارة لمواجهة مثل هذه المبررات، حيث يلاحظ عدم قدرتهم على مواجهة المبررات بذاتها والمحاورة حولها، وهذا الأمر له خطورته، إذ كيف تتم المحافظة على هذه الفئة التي لم تتلوث بأفكار السلام؟ ثم كيف نحاول إقناع الذين آمنوا بحتمية هذا الحل إذا كنا لا نحاول الرد عليها وفضح هذا التوجه؟ ! تهافت التبريرات: من السهل جداً أن ترد على هذه المبررات إذا كان لديك علم شرعي وثقافة واسعة وفهم عميق للواقع، ولكن من الخطأ أن نظن أن قطاعاً عريضاً يمكن أن يكون لديهم هذه المقدرة، ويمكننا هنا أن نستعرض بعض المبررات التي يتمسك بها من يعارض عملية السلام من أصحاب النظرة الإسلامية والمتمثلة فيما يلي: ١- خيانة القضية باعتبارها قضية دين أو عقيدة، لأن الاعتراف للعدو بحق الوجود على أرض فلسطين لا يمكن أن يقابله أي شئ، فكيف إذا كانت بنود السلام مجحفة وفيها ظلم واضح؟! ٢- أن الطبيعة اليهودية من الوحي ومن التاريخ ومن الواقع تثبت أنها لا يمكن أن تلتزم بالمواثيق والعهود. ٣- من أهم الأفكار التي تقوم عليها عمليات السلام، الوقوف في وجه الأصولية الإسلامية ومحاربتها والتضييق عليها، باسم معارضتهم لأفكار السلام! ٤- خطورة الأمور التي ستحدث مستقبلاً، كعمليات التطبيع التي سينتج عنها اختراق كبير لمجتمعاتنا العربية والإسلامية في النواحي الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ٥- أن تجارب الحروب والمواجهات السابقة لم تكن إلا من قيادات القومية العربية، وكان طبيعياً أن تفشل، أما حركات الجهاد الفعلي فإنها قادرة على تحقيق نتائج لولا إعاقات وخيانات بعض النظم العربية. ٦- بقاء القضية معلقة الآن، أفضل من أن تحل بمثل هذه الحلول التي ستدفع ثمنها الأجيال القادمة. تلك بعض المبررات وليس كلها التي يطرحها المعارضون لفكرة السلام مع اليهود، وأعرف أن هناك أسباباً كثيرة غيرها تجعل من السلام الذي وصلنا إليه واقعة حرجة للأمة تجمعت فيها أخطاء وخيانات الماضي والحاضر. ما دورنا..؟ ! تُرى هل تكفي عبارات الشتم والتنديد، وتأجيج العواطف، وبكاء ورثاء الواقع للتخفيف من آثار المصيبة؟ ! بنظرة موضوعية ونقدية لذواتنا نجد أننا لا نزال بعيدين عن مستوى الحدث إذ لاتزال عشوائية الطرح البعيدة عن التنظيم فيما يخص هذه القضية، فكل ما تم في الفترة الماضية فقط جهود فردية هنا وهناك، من بعض الكتاب والخطباء والمحاضرين، التي ينقصها أيضاً الشمولية في الطرح، فكل جهد منها أجاد في معالجة زاوية من زوايا المشكلة. إن استمرارنا في معالجة هذه القضية بهذه الطريقة، دون تخطيط وتأمل ودراسة مستقبلية للوضع، قد يجعلنا أمام مستقبل مظلم في ظل هذه الأوضاع حتى أصبحت تلك القضية التي نتمسك بها في معارضة السلام تحشرنا في التصنيف مع آخرين من معارضي السلام من متطرفي اليهود والإسلام الإيراني وحثالة المتاجرين بالقضية..! وحتى الآن ليس لدينا فكرة متكاملة لمواجهة الوضع الذي لم نُستشر فيه وما هي البرامج التي يمكن أن نسير عليها للتخفيف من آثار تلك المصيبة. وهنا اقتراحان يمكن البدء بهما: *تنسيق الجهود بين مراكز وهيئات إسلامية مختلفة في أنحاء العالم لوضع برامج عملية يمكن تطبيقها في الواقع لمواجهة تحديات المستقبل القريب. *قيام مبادرات خاصة من أي جهة إسلامية لتخصيص لجان تهتم بهذا الشأن، وعقد ندوات متعددة تُستقطب فيها أعداد كبيرة من العلماء والمتخصصين في الشؤون الإعلامية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وأعرف أن هناك اقتراحات كثيرة يمكن إيجادها في هذا الشأن، إلا أنه تبقى مشكلة من يُعلق الجرس، ومن يبدأ ..؟ ! لأن مثل هذه الاقتراحات تتكرر ويكثر الحديث حولها، بل سنجد من يقول إن قيام أي مؤتمرات وندوات في هذه القضية سينتج كماً هائلاً من التوصيات التي لن ترى طريق النور..! ! تلك مشكلة من مشكلاتنا الكثيرة التي نعاني منها، وأتوقف هنا عن الاستطراد حولها. ومع هذا وبافتراض عدم قيام تلك الاقتراحات الجماعية في عالم الواقع فإنه يمكن أن تكون هناك جهود فردية منظمة هنا وهناك، يمكن من خلالها نشر وعي متكامل حول هذه القضية، فبإمكان أي جهة إعلامية إسلامية أن تستقطب الكتاب للحديث في هذا الشأن، وأن نقوم بإصدار كتيبات على شكل سلسلة من الإصدارات تعالج القضية من جوانب مختلفة. ويمكن كذلك لخطيب الجمعة بدلاً من أن يطرح القضية كلها بحماس وعاطفة في خطبة أو خطبتين، ثم يترك الحديث عنها لسنوات يمكن أن يكون لديه تخطيط مستقبلي في معاجة القضية وطرح متكامل على شكل سلسلة من الخطب تمتد لسنوات، حيث يتطرق لهذا الموضوع كل أربع شهور مثلاً، يجمع خلالها معلومات متنوعة وتعليقات ونظرات مستقبلية. ويمكن لأي جهد شخصي نقوم به، أن نفكر جيداً قبل القيام به، حتى لا يحصل هناك تكرار في الطرح لأفكار ومواضيع محددة، وتهمل جوانب أخرى ويمكن عن طريق اللقاءات المباشرة مع العلماء، وأساتذة الجامعات والمتخصصين حثهم على التطرق والاهتمام بمثل هذه الموضوعات وعدم نسيانها. أشياء كثيرة يمكن عملها، لو صدقنا مع الله وابتعدنا عن تلك السلبية التي نعيشها في حياتنا.

стр. 1832

المسلمون والعالم الإسلام في زيمبابوي ماضيه وحاضره ومستقبله عمر بيري تقع دولة «زيمبابوي» في جنوب إفريقيا، ويحدها من الشمال جمهورية زامبيا، ومن الجنوب جمهورية جنوب إفريقيا، ومن الشرق دولة موزنبيق ومن الغرب جمهورية بوتسوانا، ويبلغ عدد سكان زيمبابوي حوالي عشرة ملايين نسمة، والمسلمون يقلون عن نسبة ١% من هذا التعداد، حيث يبلغ عددهم حوالي ثمانين ألف نسمة، ويعتمد اقتصاد زيمبابوي على الزراعة في المقام الأول ثم التعدين والتصنيع. استقلت زيمبابوي عن الاستعمار البريطاني عام ١٩٨٠م، بعد قرن من الاستعمار، وذلك بعد حرب دامت أكثر من عشرين عاماً، وكانت المسيحية هي الديانة الرسمية في أيام الاستعمار، إلا أن الحالة تغيرت بعد الاستقلال، إذ ينص دستور زيمبابوي على حرية الاعتقاد، وبناء على ذلك يتمتع المسلمون بحرية كاملة حيث لا يوجد أي عائق من ناحية الحكومة في طريقة نشر الإسلام. دخول الإسلام في زيمبابوي: دخل الإسلام في زيمبابوي على مرحلتين: المرحلة الأولى كانت قبل مجيء الأوربيين إلى زيمبابوي، حيث قامت علاقات تجارية بين العرب المسلمين الذين دخلوا المنطقة عن طريق الساحل الشرقي من موزمبين، وكان هؤلاء المسلمون يتاجرون مع قبيلة تعرف باسم «الواريمبا» التي تقيم في إقليم «ماسوينجو» جنوب شرق زيمبابوي، هذه القبيلة أسلمت في ذلك الوقت ولكن لأسباب لا تعرف انقطعت العلاقات التجارية بين الواريمبا والعرب، مما أدى إلى ابتعاد الواريمبا عن الإسلام، إلى أن بقيت بعض التعاليم الإسلامية عندهم متضائلة جداً، واعتبروها تقاليد خاصة بقبيلتهم. من هذه التعاليم الإسلامية التي بقيت عندهم: عدم أكل لحم الخنزير واللحوم التي يذبحها غيرهم، ولا يتزوجون أحداً من خارج القبيلة، وعند الذبح يقولون البسملة بطريقة محرفة، وبقي عندهم الختان أيضاً، وكان الشاب يعلم سورة الفاتحة بطريقة محرفة بعد الختان، وكانت هذه السورة تعتبر سراً من أسرار القبيلة، وكانوا يحيون بعضهم بعضاً بالتحية الإسلامية، أي السلام عليكم. وقد اكتشف المسلمون هذه القبيلة في أوائل السبعينات، وأسلم أغلبهم ويبذل حالياً الدعاة جهدهم لإعادة إسلام هؤلاء الإخوة الذين ضلوا. أما المرحلة الثانية لدخول الإسلام في زيمبابوي فذلك كان مع مجيء الاستعمار، لقد أتت الحكومة الاستعمارية بالهنود باعتبارهم موظفين إداريين إلى زيمبابوي، وكان معظمهم بحمد الله مسلمين، ونظراً لأن السكان المحليين ما كانوا معتادين على العمل في المزارع والمناجم مقابل راتب، إذ كانوا يفضلون أن يعملوا في مزارعهم الخاصة، ونظراً لكل ذلك وللحاجة إلى الأيدي العاملة اضطر المستوطنون إلى جلب العمالة من «ملاوي» و «موزمبيق» ، وكان بحمد الله وتوفيقه معظم هؤلاء مسلمين. وهكذا يمكن تقسيم المسلمين في زيمبابوي إلى ثلاث فئات، وهم: ١- مسلمون ذوو الأصول الآسيوية (منهم الملونون) . ٢- مسلمون ذوو الأصول الملاوية (وهم أغلبية الفئات) . ٣- مسلمون محليون (الواريمبا وغيرهم الذين يسلمون هذه الأيام) . بحكم أسباب هجرة المسلمين إلى زيمبابوي يتواجد المسلمون في المدن الرئيسة ومناطق التعدين والزراعة، وفي الريف بالنسبة للمسلمين المحليين (الواريمبا) ، فالمسلمون الآسيويون يحترفون التجارة بينما نجد الملاويين يعملون في المزارع والمناجم، ومنهم من يحترف الحياكة. حالياً يوجد معهد إسلامي واحد في العاصمة يعرف باسم «اقرأ دار العلم» ، ويشرف عليه مجلس العلماء، ولكن يوجد ما يشبه نظام الخلاوي في كل مسجد، حيث يتلقى التلاميذ دروسهم الإسلامية بعد الدوام المدرسي، أي بعد صلاة العصر. المستقبل للإسلام: إن مستقبل الإسلام في زيمبابوي مبشر جداً نظراً للحرية الدينية التي هي حق دستوري، ونظراً لأن الحكومة لم تضع أي عقبات أمام الدعوة الإسلامية فهي تعامل المسلمين كأي مواطن من غير فرق، وكلما تقدموا بطلبات سواء أكانت لبناء مسجد أو غير ذلك، وجدوا استجابة جيدة. ومن الأمور التي تبشر بمستقبل زاهر للإسلام في زيمبابوي سأم غير المسلمين من النصرانية لعلاقتها بالاستعمار، ورغبتهم الشديدة في شيء جديد والإسلام بالنسبة لهم جديد. نظراً لهذه العوامل يجب على المهتمين بالدعوة أن يستغلوا فرصة تسامح الحكومة لصالح الإسلام، وأن يعملوا على زيادة عدد المسلمين، وعلى رفع مستوى المسلمين المعيشي، والثقافي، والتعليمي، مما قد يمكنهم من احتلال مراكز حساسة في الدولة، ويمكن أن يتم ذلك إذا اعتبرت المقترحات الآتية: ١- التعليم: * تأسيس مدارس إسلامية ذات نظام مزدوج، حيث يجمع الطالب بين التعليم الإسلامي (الديني) والتعليم الأكاديمي، وهذه المدارس يمكن أن تقام في مناطق الواريمبا (إقليم ماسونجو) ، وفي كوبكوي، والعاصمة هراري، وبلاوايو، ونحبذ لو كانت هذه المدارس داخلية كلها، أو بعضها حتى نتمكن من استقبال طلاب من مناطق مختلفة. * تأسيس معاهد تجارية مهنية تقدم برامج في مجالات مختلفة مثل: السكرتارية، والمحاسبة، والتجارة، والإدارة، والمهن الأخرى مثل: الكهرباء، وميكانيكا السيارات، والنجارة، وغير ذلك، ويسمح لهذه المعاهد أن تقدم التعليم الأكاديمي أيضاً. ٢- المشاريع التنموية: بما أن معظم المسلمين فقراء، أعتقد أنه لو أتيحت لهم فرص لعمل مشاريع تنموية، وقدمت لهم المساعدات اللازمة، قد يرفع ذلك من مستواهم المعيشي، ويكون لذلك أثر ملموس في سير الدعوة الإسلامية في زيمبابوي وكما سبقت الإشارة ومعظم المسلمين الفقراء يجيدون الحياكة، فلوعملت لهم جمعيات تعاونية في هذا المجال فلا شك أن ذلك سينفعهم، ومنهم من يجيد البناء، والتجارة، والزراعة، ومجالات تجارية أخرى. ٣- برامج الدعوة الإسلامية والتوعية: يلاحظ أن أحد أسباب قلة عدد المسلمين في زيمبابوي أن المسلمين لم يبذلوا جهداً كبيراً في الدعوة الإسلامية، بل قصروا مجهودهم على أنفسهم وذويهم، لذا فقد يجد الواحد أن العامة من غير المسلمين ربما لم يسمعوا قط عن الإسلام، وبالتالي أرى ضرورة تنفيذ برامج الدعوة وتكثيفها، من خلال استغلال الوسائل المتاحة من الأجهزة الإعلامية، مثل الراديو، والتلفاز والصحف، وهناك حاجة إلى منشورات إسلامية باللغة الإنجليزية واللغات المحلية. ويمكن أن تقوم الدعوة الإسلامية من خلال تقديم الخدمات الصحية، وحفر الآبار، وغير ذلك على نمط ما يقدمه التبشير النصراني، وفي أوقات الجفاف يمكن تقديم الإغاثة اللازمة، وأيضاً يمكن أن تقدم مساعدات للمزارعين في شكل البذور الحبوب الزراعية المختلفة، والسماد، والآلات الزراعية وغير ذلك. ٤- وهناك حاجة للمنح الدراسية في الخارج في جميع المجالات، والحكومة لا مانع لديها بهذا الخصوص. ٥- أما فيما يختص بتسجيل المنظمة في زيمبابوي فيستحسن أن تسجل باعتبارها محلية حتى تستثنى من الضرائب، وهذا يساعد أيضاً حين يطلب إقامة لأي أجنبي يرغب العمل في المنظمة، حيث تشترط الحكومة لأي أجنبي يريد العمل في زيمبابوي أن يتوظف لدى منظمة أو شركة محلية، حيث إن هذه المنظمة أو الشركة تقوم مقام الكفيل.

стр. 1833

المسلمون والعالم الأقليات الإسلامية قضية العصر د. محمد يحيى في وقتنا الراهن لا يستطيع المسلم أن يهرب من أنباء الاضطهاد والملاحقة بل والمذابح التي تتعرض لها الأقليات الإسلامية سواء أكانت صغيرة الحجم أم كبيرة في شتى أنحاء العالم فمن «البوسنة» إلى «كوسوفو» إلى «اليونان» إلى بلاد «الأباظة» وإقليم «أوستيا» و «الإنجوش» و «طاجيكستان» و «كشمير» و «الفلبين» و «تايلاند» إلى «أثيوبيا» و «الكاميرون» و «جنوب إفريقيا» ، ومنذ سنوات وسنوات كان الحديث عن قبرص وإريتيريا وزنجبار وبورما التي عاد الحديث عنها كما عاد عن الجمهوريات ... السوفيتية الآسيوية السابقة، كما كان على امتداد سبعين عاماً، ومازال الحديث متصلاً عما أقل إثارة للانتباه كنقص الدعاة والمساجد والفقر والجهل بتعاليم الدين والتفكك والبعد عن سائر مسلمي العالم. المعنى المطلوب لمفهوم الأقليات: باختصار فإن ملف قضية الأقليات الإسلامية هو ملف مؤلم يبعث على الحسرة وينفر القلم من الاقتراب منه، وأذكر أن أحد رؤساء التحرير لمجلة إسلامية طلب مني منذ سنوات أن أكتب باباً ثابتاً في مجلته عن الأقليات المسلمة أتابع أحوالها وأعرف الناس بها وبمشاكلها فكان ردي عليه بعد أن تناولت مشكلة نقص المعلومات وصعوبة الحصول عليها هو أن هذه القضية لا يمكن لأي شخص أن يتناولها دون الحديث عن موضوع واحد متكرر لا يكاد يتغير ألا وهو الذبح والتقتيل مما يؤدي بعد فترة إلى تعود القراء عليه بحيث ينحصر مجال الأقليات الإسلامية عندهم في مجرد مقابلة روتينية باردة لآخر إحصاءات القتلى والمعذبين من المسلمين بجانب إحصاءات الخسائر المادية في صفوفهم. وأخشى أن قضية الأقليات الإسلامية قد تحولت عند المسلمين أو في إعلامهم على تواضعه وضعفه إلى ما كنت أتصوره منذ سنين طويلة فلا توجد في الصورة الآن سوى إحصاءات القتلى والخسائر على كل الجبهات والأصعدة توضع أمام الناس وسط افتقار كبير إلى المعلومات الأخرى ووسط بعض التعبيرات الحزينة والاقتراحات المعممة لحل الأزمة ولا شيء غير ذلك مما يؤدي في الحقيقة إلى قتل القضية وفض الاهتمام بها تماماً، والغريب أننا في دنيا الأرقام هذه نعتمد في إحصاءاالقتلى والخسائر على المصادر الأجنبية في المقام الأكبر وليس على مصادرنا إلا فيما ندر. الإحصائيات الأجنبية مشبوهة: والطريف أن الرجوع إلى هذه المصادر الأجنبية نفسها رغم تحيزها الواضح يكشف عن حقائق قد تبدو غريبة حتى بالنسبة لمن كانوا يظنون أنفسهم من المطلعين، فمنذ فترة قريبة تصادف أن وقع في يدي كتاب الأحصاء السنوى الصادر عن مكتب الإحصاء الألماني لعام ١٩٩١ وفيه باب عن توزيع السكان في شتى دول العالم وفق الديانة، ووجدت في هذا الكتاب أرقاماً عن المسلمين في أوروبا فإذا بهم وفق مصادر هذا الكتاب يبلغون ١٢% من سكان الاتحاد السوفيتي السابق و٤. ١٠% من سكان ما كان يعرف بيوغوسلافيا و٣% من سكان فرنسا و٧ . ٢% من سكان ألمانيا و٤. ١% من سكان بريطانيا وإيرلندا وتصورت أنه نتيجة لتحيز التقرير (الذي يقول: إن هذه هي الأرقام كما كانت عام ١٩٨٩) فلابد أن تكون النسب السكانية للمسلمين أعلى من ذلك بكثير على الأقل في الاتحاد السوفيتي والاتحاد اليوغسلافي السابقين، أما عن إفريقيا فقد أورد الكتاب مثلاً أن المسلمين يشكلون ٨. ٤٢% من سكان بوركينا فاسو مقابل ١، ١٢% من المسيحين، فمن كان يظن أن بوركينا فاسوا بلداً إسلامياً هذا إن عرف سكانها على خريطة إفريقيا الغربية؟ والمسلمون في سيراليون ٥. ٣٨% من عدد السكان وهم أكبر مجموعة دينية فمن كان يتصور أو يعرف أن سيراليون بلد إسلامي؟ وهم في السنغال ٩. ٩٣% من عدد السكان أي أكثر من نسبتهم في بعض البلاد الإسلامية المشهورة ومع ذلك فلا تطالعنا السنغال في الإعلام الدولي إلا بوجه مسيحي، يوحى بأنها بلد لا وجود للمسلمين فيه إلا قلة هامشية، والمسلمون في بلاد إفريقية أخرى في هذا التقرير غير الموثوق تماماً يشكلون أقليات أكبر مما قد يظن المرء فهم في موزمبيق ١٣% من عدد السكان وفي رواندا ٩% وفي مالاوي ٢. ١٧% وفي غانا ٧. ١٥ % هذا عدا البلدان التي يشكلون فيها الأغلبية. وبصرف النظر عن مصداقية هذه الإحصاءات (وهي ليست فوق مستوى الشبهات لإنها مثلاً تورد أن عدد المسلمين في السعودية يبلغ ٩٣% من السكان وهو كذب مضحك) ، فإنها تدل على شيء واحد يحكم العلاقة مع قضية الأقليات المسلمة ألا وهو الافتقار المخجل إلى المعلومات الأساسية من مصادر موثوقة رغم أننا نعيش في عصر يكثر الحديث فيه عن ثورة المعلومات وثورة الاتصالات، ونلمس فيه نقداً للدول الإسلامية في مجال استهلاك أدوات الاتصال والإعلام على الأقل من الناحية التقنية البحتة، إن عدم وضوح الصورة يشكل الجانب الأهم من قضية الأقليات لكنه مجرد البداية، فعلى فرض توافر المعلومات الدقيقة والمفصلة والموثوقة هل يمكن أن تتغير الصورة أو يتغير وضع الأقليات تتحول قضية الأقليات عن أن تكون مجرد قضية إحصاءات بأعداد القتلى والخسائر؟ لا أظن ذلك، بل إن الجهل وعدم توفر المعرفة بأحوال الأقليات قد يكون أحياناً السلاح الذي تستخدمه بعض الجهات والدوائر العلمانية صاحبة النفوذ في كثير من البلدان الإسلامية كي تحجب الحقائق عن جماهير المسلمين، وتقضي بذلك على تعاطفهم مع الأقليات الإسلامية، ومن ثم تلاشي الوعي والإحساس بوجود أمة إسلامية واحدة يرجى الترابط والتعاضد بين مكوناتها. مشكلات الأقليات: قد يكون الجهل بأحوال الأقليات بل حتى بأعدادها هو المشكلة الأولى التي تواجه المسلمين حيال هذه القضية إلا أن هذه المشكلة تهون بجانب المشاكل الأخرى المتصلة بموضوع الأقليات المسلمة، ولعل أوضح هذه المشاكل هي كيفية توصيف الأقليات، فهل المسلمون في كشمير أقلية أم أنهم أصحاب البلاد الذين يرزحون تحت الاحتلال الهندوسي؟ وهل هم في الجمهوريات الآسيوية السابقة من الاتحاد السوفيتي أقليات أم أصحاب البلاد الحقيقيين وهم الأغلبية فيها الذين تآكلت أغلبيتهم إما عن طريق تهجير الروس إلى بلادهم أو عن طريق استلاب أبنائهم بنشر الشيوعية والإلحاد؟ ويقال نفس الشيء في بلدان إفريقية كثيرة تقلصت فيها أعداد المسلمين (دون أن يتحولوا إلى أقلية بالمعنى الدقيق) من جراء عمليات التنصير العارمة أو إبعادهم إلى هامش الحياة على يد الاستعمار، وهنا ينبغي أن نشير كذلك إلى مسألة حجم الأقليات، فالحديث عن الأقليات الإسلامية بوضعها كلها في سلة واحدة لمجرد أنهم يوجدون داخل حدود سياسية لا يشكلون فيها أغلبية عددية يتجاهل حقيقة أن هؤلاء أقليات كبيرة العدد بحيث لا يجوز أن يطبق عليها مفهوم الأقلية. كذلك فإن هناك أقليات إسلامية تعيش وسط أغلبية غير مسلمة كبيرة إلى حد أن هذه الأقليات كما في أمريكا أو الصين أو بعض بلاد أوروبا تفوق أعدادها أعداد المسلمين في بلدان يعتبرون فيها من الأغلبيات إلا أن عدد السكان فيها لا يتجاوز ملايين قليلة، لكن النسبة العددية للمسلمين في تلك البلدان كبيرة العدد تجعل منهم «أقلية» وفقاً للمصطلح العددي، ومما لا شك فيه أن هذه الأقليات كبيرة الحجم يمكن أن يكون لها بالتنظيم والنشاط والتماسك دور فاعل في نشر الإسلام في محيطها أو على الأقل في الحفاظ على عقيدتها والتفاعل الإيجابي مع الأمة الإسلامية لخدمة مصالحها كما هو حال الجاليات اليهودية في أمريكا ودول غرب وشرق أوروبا. والحق أن مجرد إطلاق لفظ الأقليات على المجتمعات الإسلامية المقيمة في بلدان خارج ما اصطلح عليه أنه يمثل القلب الإسلامي أو ديار الإسلام يوجد فوضى وظلم كبير، فهناك مجتمعات مسلمة كما أشرت في الفقرة السابقة كانت توجد في ديارها آمنة كما في مناطق غرب أفريقيا والبلقان ثم فرضت عليها تجمعات سكانية أخرى بفعل التنصير أو التهجير أو تغلب القوى السياسية غير الإسلامية المحلية أو الاستعمارية بحيث أن تسمية «الأقلية» تغمطها حقها وتطمس الواقع التاريخي لتشير إلى مجرد حاضر مؤلم، بل وتجمع هذه التسمية بين هذه التجمعات ومجتمعات إسلامية أخرى نشأت في فترات قريبة في بلدان كبلدان المهجر في الأمريكتين وأستراليا، غير أن الخطورة الحقيقية في مصطلح «الأقليات» تكمن في جانب آخر. إن استعمال هذه التسمية يشير إلى تجمعات سكانية محدودة العدد وبالتالي محدودة التأثير لكونها بعيدة فعلياً (جغرافياً) من القلب أو المركز، ومن ثم تكون بعيدة عن هذا المركز من ناحية الشعوب والترابط مما يجعل الاهتمام بها في أحسن الأحوال أمراً ثانوياً، وهذه التسمية تشير إلى تجمعات سكانية تقيم منعزلة ومندمجة داخل دول إقليمية ذات حدود ثابتة وراسخة ومحاصرة داخل ببيئات ثقافية ودينية مغايرة، كما تشير التسمية إلى أن هذه الأقليات قد تحدد وضعها إلى الأبد داخل هذا النطاق أي داخل نطاق غير إسلامي، وعلى هامش اهتمامات الأمة الإسلامية بحيث أن أقصى ما ينتظر من علاقة بين المركز الإسلامي أو القلب الإسلامي وهذه الأقليات هي علاقة التفقد بين وقت وآخر والإمداد ببعض المواد التعليمية والتدخل اللفظي في الحالات القصوى لمحاولة إنقاذ هذه الأقليات مما تتعرض له دون أن يؤدي ذلك أبداً إلى إفساد العلاقات مع القوى والبلدان والقوميات غير الإسلامية التي تعيش الأقليات المسلمة داخل نطاق نفوذها. الأقليات بين المسلمين والنصارى: ومن الجلي أن هذا التكييف لقضية الأقليات الإسلامية وهو التكييف الذي يشير إليه المصطلح يتناقض تماماً مع الوضع داخل النصرانية العالمية فمن الصحيح أن عبارة الأقليات النصرانية قد تستخدم أحياناً لكنها تستخدم فقط على المستوى الإعلامي والدارج دون أن يكون بها ارتباطات شعورية أو معنوية كتلك المشار إليها في الفقرة السابقة، أما الوضع الطبيعي فهو أن ينظر إلى النصارى في كل مكان ليس على أنهم أقليات منعزلة هنا وهناك وسط بيئات غير نصرانية وإنما كأفراد وأعضاء في ديانة وأمة دولية الطابع لها مؤسساتها الدولية (العابرة للقارات والحدود الإقليمية) وهي الكنائس الكبرى ومجالسها العالمية ومنظماتها التي لا تكاد تحصى، وهي هيئات مسؤولة عن رعاية وتفقد جميع النصارى في كل مكان دون تفرقة بين أغلبيات وأقليات في النظرة أو الشعور أو مدى الرعاية أو مدى تقدير الاحتياجات، وينطبق نفس الشيء على اليهود والبوذيين والهندوس حتى الآن، فضلاً عن النحل الصغيرة المارقة مثل القاديانية والبهائية وغيرها. الخلل في مفهوم الأقليات الإسلامية حالياً: إذن النظرة أو الطريقة التي تطرح بها مسألة الأقليات الإسلامية تعاني من الخلل منذ بدايتها لمجرد الإيحاءات والمعاني التي تحيط بمصطلح الأقليات ذاته لأنها تحدد طبيعة الأقليات كما قلت كتجمعات محدودة العدد ومحدودة الأهمية تقع منعزلة عن القلب أو المركز داخل بيئات غير إسلامية تحاصرها وتبعدها عن القلب الذي لا يستطيع بدوره أن يكون علاقة معها تتداخل أو تؤثر بأي حال على علاقاته مع تلك القوى غير الإسلامية، ولذلك تبقى علاقة المركز مع الأقليات علاقة هامشية وهشة تبرز من خلالها كل إيحاءات العزلة والقلة وعن الأهمية التي ينطوي عليها مصطلح «الأقلية» كما تكاد تقتصر على مجرد التدخل اللفظي من وقت لأخر وإحياء الروابط المعنوية المجردة، هذا الطرح الخاطئ منذ البداية بحكم التركيز على مصطلح «الأقلية» بإيحاءاته يختلف عن طروحات نصرانية ويهودية تبدأ من منطلق الأمة الواحدة، وليس من منطلق القسمة بين أكثريات وأقليات تتحدد فقط على معيار عددي مشكوك في دقته على أفضل الأحوال، وألاحظ هنا أن المعيار العددي للبحث في حساب الأقليات يغفل جوانب أخرى أكثر أهمية في مسألة الأقلية وأبرزها الفاعلية والتأثير الذي يمكن للأقلية أن تمارسه داخل المجتمع الذي تعيش فيه بفضل حسن تنظيمها، وتماسكها، وتركز عناصر القوة المادية والإعلامية والاقتصادية والسياسية ... الخ، ومرة أخرى فإن مثال الأقلية اليهودية في أمريكا والأقليات النصرانية في بعض البلدان الإسلامية أو الأقلية الصينية في ماليزيا يؤكد هذا الرأي. والواقع أن هذا الخلل في تصور قضية الأقليات المسلمة منذ البداية يعكس خللاً في القلب أو المركز الإسلامي نفسه الذي يبدو أنه من خلال الطرح لمسألة الأقليات على هذا الوجه القاصر يسعى إلى تفادي أو تجنب مواجهة الأزمة داخله أو أن هذا الطرح في حدا ذاته تعبير عن الأزمة ذاتها. المقصود بالقلب والمركز: إن ما أقصده هنا بالقلب أو المركز الإسلامي وهو ما يشير إليه بعضهم بالعالم العربي وبعض البلدان المجاورة كإيران وتركيا والذي يعاني من مشكلات التفتت والانقسام والخلافات واشتعال الحروب على الهوية بين الجماهير المسلمة ونخب وفئات علمانية فرضتها عهود الاستعمار والتبعية في هذه المناطق. إن هذا القلب لا يكاد يستحق لقب المركز أو القلب نتيجة للمشكلات المتعددة التي يعاني منها، وليس هنا مجال التعمق في ذكرها بحيث أن طرح قضية الأقليات بشكل هامشي منعزل، من شأنه أن يخفف أعباء هذا المركز عما إذا طرحت هذه القضية باعتبارها قضية أساسية من قضايا الأمة الإسلامية الواحدة ذلك لأن هذه الوحدة في حد ذاتها بل هذا الوجود لأمة إسلامية هو الآن في بعض الدوائر موضع تساؤل وشك في ظل فكر التجزئة الإقليمية القومية العرقية أو في ظل فكرة العلمانية. إننا لا نجافي الحقيقة ولا نتجنى إذا قلنا: إن المركز لم يعد مركزاً أو قلباً بالمعنى الدقيق أو بالمعنى التاريخي أيام الدول الإسلامية الكبرى حتى السلطنة العثمانية أو الخلافة العثمانية، وهذا المركز لم يعد قادراً لاعتبارات عديدة على أن يقوم بأعباء قضية الأقليات لو طرحت على نطاق واسع باعتبارها قضية مجتمعات إسلامية تعاني من ظروف مشددة وضغوط ويطلب الاهتمام بها كالاهتمام بالمركز. إن المركز لم يعد مركزاً بالمعنى الدقيق لافتقاده إلى السلطة المركزية ذات الطابع الدولي والمسؤوليات العابرة للقارات كالهيئات النصرانية واليهودية بل والشيوعية (سابقاً) والليبرالية الدولية، ومن دواعي الأسف أن المنظمات الإسلامية الدولية لم تكن بأي حال البديل الناجح المكافئ لهذه المؤسسات الدولية الأجنبية ولم تمثل البديل المطلوب للسلطة السياسية المركزية المعبرة عن وجود الأمة الإسلامية الواحدة، ولأن المركز أو القلب من العالم الإسلامي لم يعد قادراًعلى أداء دور كبير على الساحة الدولية، فإن ذلك انعكس سلباً وبالضرر الشديد على قضية الأقليات حتى مع الطرح المتواضع لها باعتبارها مجرد قضية تعاطف شعوري مجرد، وعلى هذا تزداد قضيةالأقليات المسلمة صعوبة وتعقيداً إزاء هذا الضعف في المركز الذي يقيد إلى حد كبير من إمكانية القيام بتحرك فعال لحل مشاكل الأقليات رغم وجود التوصيات والحلول النظرية الكثيرة لهذه المشاكل. القضية إذن متشابكة الأطراف وهي إن كانت قضية الأقليات إلا أنها أيضاً وبنفس القدر قضية الأغلبيات المسلمة التي أصبحت في بعض الأحوال وكما تدل على ذلك شواهد الماضي القريب والحاضر المعاصر تعاني من مشكلات حادة لا تختلف عن مشكلات الأقليات وذلك في ظل حكم الأقليات والفئات العلمانية، إن الاضطهاد بل حتى والمذابح أصبحت واحدة في كلا الحالتين كما إن الحلول التي تطلبها الأقليات وأبسطها حق العبادة وأداء الشعائر وتعليم الأبناء الدين الإسلامي أصبحت هي الحلول التي تطلبها بعض الأغلبيات الإسلامية التي تحكمها طغم علمانية لا سيما إذا كانت من العسكر، وإزاء هذا الوضع فإن انتظار الحل لمشكلات ومحن وأوضاع الأقليات من المركز أو القلب الإسلامي يصبح أمراً مشكوكاً فيه إن لم يكن بعيد المنال، ولا يعني هذا بالطبع أن يتأجل طرح أو حل مشكلات الأقليات إلى حين إصلاح أوضاع المركز الإسلامي حتى يصبح قادراً على التعامل معها، وإنما يعنى تقديم طرح أكثر نضجاً ووعياً لهذه القضية [*] . وفي تقديري أن هذا الطرح الأقرب للصدق والأفضل هو الكف عن معاملة المسألة من المنظور الضيق الذي تنطوي عليه كلمة «الأقليات» لابد من النظر إلى المجتمعات الإسلامية في شتى بلدان العالم من منطلق مفهوم الأمة الواحدة ذات المهمة الربانية الجسيمة مع استناد هذه الرؤية إلى معرفة ومعلومات دقيقة وموضوعية، ولا يعني هذا اتباع سياسة مواجهة مشددة مع العالم غير الإسلامي قد لا تكون الأمة مستعدة لها في الوقت الراهن، وإنما يعني معاملة الأقليات باعتبارها أجزاء عضوية من الأمة لا مجموعات منعزلة هامشية تقع خارج نطاق الأمة. إن هذه المجتمعات قد تكون خارج ما تعودنا على أنه النطاق الجغرافي للأمة الإسلامية (وإن كان هذا القول غير صحيح تماماً) لكنها يجب أن تكون في موقع القلب من الأمة أو داخل نطاقها المعنوي والفكري وهمها الحضاري، كما إن المركز الإسلامي لابد أن يعدل نظرته إلى الأقليات ولكن قبلها عليه أن يعدل نظرته إلى نفسه وإلى أوضاعه.

стр. 1834

في دائرة الضوء لم لا نفكر ..؟! دعوة إلى المزيد من المنهجية بعيداً عن الرتابة والتقليد أحمد بن عبد الرحمن الصويان (١) إن طرق المعرفة البشرية أياً كان نوعها متعددة، وهذه الطرق تؤثر غالباً على صحة المعلومة أو بطلانها، وبقدر ما تنضبط هذه الطرق بالمنهج العلمي يكون القرب من صحة المعلومة ودقتها، والقدرة على التفكير الصحيح هي الطريق الأمثل للنمو والنضج، فالفكر هو حياة الإنسان وبه يتميز عن بقية الكائنات، وهو: «الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة» [١] . ومن أخطر العوامل المؤثرة سلباً على طريقة التفكير والتحليل بناء المعارف العلمية على العادة والأعراف التي ينشأ عليها الإنسان، فهو يعتقد صحة المسألة لكثرة تكرارها وتداولها في بيئته التي نشأ فيها، فهي معارف مبنية على التقليد والاقتباس وليس على التفكير والتدبر، فهو لا يستطيع أن يتجاوز الموروث الاجتماعي أو الفكري. وبعض الموروثات الاجتماعية أو الفكرية أو الدعوية قد تكون صحيحة لا غبار عليها، لكنها تكتسب صحتها عند قوم لأن الدليل الشرعي قد دل عليها وعند آخرين لأنها موروثات ألفوها وأخذوها عن آبائهم وأشياخهم، وشتان بين المنهجين! وكثيراً ما نعتقد صحة فكرة ما من الأفكار وتصبح لدينا مسلمة من المسلمات لا تقبل المناقشة، حتى إذا خرجنا إلى بيئة أخرى واطلعنا على معارف جديدة، واكتسبنا خبرات إضافية، تبين لنا بطلان ما كنا نؤمن به، وقديماً كان يقال: «لا يعرف الإنسان خطأ شيخه حتى يجلس عند شيوخ آخرين» . إن الشعور بالسلامة المطلقة للبيئة التي يعيش فيها الإنسان، واعتقاد هـ بكمالها وخلوها من الأمراض، يقوده إلى التبعية وحبس العقل عن التدبر والتأمل، وسوف يؤدي ذلك إلى الضمور والتآكل، وأما الإحساس بضرورة النمو والتحسين وليس بالضرورة الخطأ فإنه يقوده إلى الإبداع والتجديد وتطوير الطاقات، فالتفكير المبدع هو الذي يحول الركود والرتابة والتلقائية إلى حركة حية منتجة تتطلع دائماً إلى المزيد، وكما قال الفضل: «التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك» [٢] ، وقال ابن القيم: «التفكر والتذكر بذار العلم، وسقيه مطارحته، ومذاكرته تلقيحه» [٣] . إن التفكير الصحيح وسيلة من وسائل الانعتاق من آسار العادة والاتكال على تفكير الآخرين، وكسر لطوق الرتابة والاجترار الذي يتربى عليه الناس كابراً عن كابر، ولهذا تضمنت دعوات الأنبياء جميعاً عليهم الصلاة والسلام دعوة للتفكر والنظر، والتخلص من إرث الآباء والأجداد، قال الله تعالى: [قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) ] سبأ: ٤٦ [. والتأثر بالعادة أو البيئة له أشكال متعددة، منها التأثر بالبيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها المرء، أو التأثر بالتجمع الحزبي الذي ينتمي إليه.. ونحو ذلك. أذكر أنني قبل سنوات كنت في زيارة لأحد الإخوة الدارسين في بريطانيا فرأيته يساهم في توزيع بيان لتأييد الثورة الإيرانية، فقلت له: هل أنت مؤمن بما جاء في هذا البيان؟ ! فقال: لا، ولكن..! فقلت: ولكن بهذا أمرت.. فاحمر وجهه خجلاً، وسكت..!! تعجبتُ كثيراً من هذا الموقف، وعلمت أن التربية الحزبية أفضل طريقة لوأد العقول وإماتة البصائر، هذه التربية التي تبنى على ضرورة التسليم والانقياد، دون النظر والتفكير، ومن قلد عالماً لقي الله سالماً، ومثل هذا الموقف له نصيب وافر من قول النبي ﷺ : «من نصر قومه على غير الحق، فهو كالبعير الذي ردي، فهو ينزع بذنبه» ] ٤ [. لقد نجحت التربية الحزبية في صناعة الببغاوات والقطعان الهائمة التي لا تجيد إلا فن التصفيق والإشادة واجترار الشعارات، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً في بناء العقول الحية المبصرة، القادرة على بناء المواقف وصناعة الأحداث وأخزى الله التبعية العمياء الصماء كم قتلت من الطاقات، وسحقت من الشخصيات..! ! (٢) ومن العوامل المؤثرة أيضاً على طريقة التفكير أن معرفتنا للحق تتأثر بأقوال الرجال وشهرتهم، فنحن نحاكي الرجال في أقوالهم واعتقاداتهم لمجرد إمامتهم وشهرتهم، حتى إن عقل الإنسان ينغلق ويصبح وقفاً على ذلك الشيخ حتى لا يرى حقاً إلا ما جاء عن إمامه الذي آمن بقدراته وإمكاناته، فهو يقبل ويرفض، ويصدق ويكذب، ويأخذ ويعطي، بناء على قول الشيخ وتوجيهه بدون النظر إلى الحجة أو البرهان، وبدون أن يكون له حظ من التعقل أو التفكير وما مثل هذا الإنسان إلا: «كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري» ] ٥ [. ومن طرائف المقلدة ما نقله الماوردي حيث قال: «ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلاً يناظر في مجلس حفل، وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة فكان جوابه عنها أن قال: إن هذه دلالة فاسدة ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه! فأمسك عنه المستدل متعجباً! !» ] ٦ [. وشدة إعجابنا بإمام من الأئمة تجعلنا في بعض الأحيان نتحرج من سؤاله عن الحجة هذا إذا فكرنا في السؤال! وأذكر في مناقشة لأطروحة علمية أن الباحث تبنى مسألة واستدل لها بقول لشيخ الإسلام ابن تيمية، فسأله الأستاذ المناقش: وما حجة ابن تيمية؟ ! فكأن الباحث ارتبك ولم يخطر بباله هذا السؤال، ولم يفكر فيه ... على الإطلاق؟! قال محمد بن عبد الله بن الحكم: «ما رأت عيني قط مثل الشافعي، لقد قدمت المدينة فرأيت أصحاب عبد الملك الماجشون يعلون بصاحبهم، يقولون: صاحبنا الذي قطع الشافعي، فقلت: إني لأحب أن أنظر إلى رجل قطع الشافعي، قال: فلقيت عبد الملك، فسألته عن مسألة، فأجابني، فقلت: أي شيء الحجة؟ قال: لأن مالكاً قال كذا وكذا..! فقلت في نفسي: هيهات أسألك عن الحجة، فتقول: قال معلمي، وإنما الحجة عليك وعلى معلمك!» ] ٧ [. ولهذا قال ابن تيمية: «معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر» ] ٨ [. وما أجمل قول أبي يوسف: «لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا» ] ٩ [. (٣) إن الخطاب الإسلامي ليس خطاباً وعظياً مجرداً، وإنما هو في أصله خطاب برهاني يعتمد على البيان التفصيلي الدقيق للحجج والبراهين، وبخاصة في القضايا الكلية للاعتقاد، فأساسه قول الله تعالى:] قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ ] البقرة: ١١١ [، وقوله تعالى:] ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين [] الأحقاف: ٤ [. وتتوالى النصوص الشرعية للتأكيد على ضرورة التعقل والتدبر والنظر في ملكوت السموات والأرض، وتستحث العقل البشري على ضرورة البحث والمراجعة والتأمل، وتنعى على المقلدة منهجهم، وتذمهم على جمودهم وعجزهم وقصورهم، قال الله تعالى:] أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [ ] الحج: ٤٦ [. ويأتي اليوم الذي يتحسر فيه أولئك القوم ويندمون على منهاجهم وطريقتهم، قال الله تعالى:] وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [ ] الملك: ١٠ [، وقال تعالى:] وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا [] الأحزاب: ٦٧ [. وحينما زعم بعض الفلاسفة أن الطريقة القرآنية طريقة خطابية، رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة، منها قوله: «وليس الأمر كما يتوهمه الجهال الضلال، من الكفار المتفلسفة وبعض المتكلمة، من كون القرآن جاء بالطريقة الخطابية، وعري عن البرهانية أو اشتمل على قليل منها، بل جميع ما اشتمل عليه القرآن هو الطريقة البرهانية، وتكون تارة خطابية، وتارة جدلية مع كونها برهانية. والأقيسة التي اشتمل عليها القرآن هي الغاية في دعوة الخلق إلى الله ... ولهذا اشتمل القرآن على خلاصة الطرق الصحيحة التي توجد في كلام جميع العقلاء، من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم، ونزهه الله عما يوجد في كلامهم من الطرق الفاسدة، ويوجد فيه من الطرق الصحيحة ما لا يوجد في كلام البشر بحال» ] ١٠ [. إن الصحوة الإسلامية بحاجة ماسة إلى العقول الناضجة المستنيرة القادرة على التفكير والإبداع، وعلى المربي أن يستشعر أهمية ذلك فيحيي هذه الملكة في نفوس أتباعه، فلأن يقود أسوداً متوثبة يقظة، خير له وأنفع من أن يقود قطيعاً من الخرفان التي لا تعي ولا تدرك، ولن يقوى المربي على ذلك إلا إذا كان أسداً، فهل من أسود؟! تأمل حال عمر بن الخطاب ﵁ حينما يقول على المنبر: «إذا أصبتُ فأعينوني، وإذا أخطأت فقوموني» ، فقال له رجل من بين الناس: «إذا أخطأت قومناك بسيوفنا..!» ، عمر بن الخطاب لا يرضى بتعبيد الناس للناس ومصادرة عقولهم، وتغييبهم عن الساحة، بل يطالبهم بالمشاركة والناس لا يرضون بالتبعية والعجز، وهكذا تبنى الأمم. وأكاد أجزم بأن من الأسباب الرئيسة للتخلف الفكري والمنهجي الذي تمر به الصحوة الإسلامية هو أننا جعلنا التفكير ورسم الخطط مهمة آحاد من الناس أما البقية فهم متفرجون، لا يتجاوز دورهم تكثير السواد..! وإن تحرير العقول من العبودية للأحزاب، ومن الذوبان في أقوال الشيوخ، مطلب رئيس للنهوض بالعمل الإسلامي من الرتابة والاجترار والدوران حول الذات، ولعل من أبرز مقومات نجاح العمل الإسلامي أن تستحث تلك الطاقات الكامنة الخاملة، إلى النظر والتأمل، وفق الأسس والموازين الشرعية، فلأن تفكر الأمة بمائة عقل خير لها وأنفع من أن تفكر بعقل واحد..!!

стр. 1835

من ثمار المنتدى أنشطة المنتدى الإسلامي الصيفية يحرص المنتدى الإسلامي ولله الحمد والشكر على ترشيد العمل الإسلامي وتنشيطه، وذلك بنشر العلم الشرعي الصحيح في أوساط المسلمين بعامة، وفي أوساط الدعاة في البلاد الإسلامية المختلفة بخاصة، وقد كان الصيف الماضي حافلاً بالعديد من الأنشطة الدعوية والبرامج الميدانية المتعددة، وهي كما يلي: أولاً الملتقيات الدعوية: ١- الملتقى الدعوي السابع عشر في بريطانيا: تم عقد هذا الملتقى في يومي ٢٢ و ٢٣ صفر ١٤١٥هـ في مدينة ... «ليستر» وقد شارك فيه ثلاثمائة شخص، وكان العنوان الرئيس للملتقى: «نحو ترشيد أخلاقي للعمل الإسلامي» . ... ٢- الملتقى الدعوي الثاني في غانا: تم عقد هذا الملتقى في مدينة نياكروم لمدة ثمانية أيام من ١٢ إلى ٢٠ ربيع الأول ١٤١٥هـ، وقد شارك فيه مائة وواحد وستون داعية من «غانا، وتوجو وبنين، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، والنيجر» ، كما شارك فيه اثنا عشر ضيفاً من الشيوخ والدعاة، ومن أبرز المحاضرات التي ألقيت: أ- ولا تفرقوا. ب- العلمانية وأثرها في العالم الإسلامي. جـ- الإخلاص. د- السنن الإلهية. هـ-الولاء والبراء. و دعوة إبراهيم الخليل ﵊. وقدمت وفود البلدان المشاركة بحوثاً وندوات متعددة منها: أ- الفرق المنتمية إلى الإسلام وأنشطتها القائمة حالياً. ب- تاريخ الدعوة الإسلامية السلفية في كل دولة. ٣- الملتقى الدعوي الثاني في كينيا: تم عقد الملتقى في مدينة «ممباسا» لمدة عشرة أيام من ١ إلى ١٠ ربيع الأول ١٤١٥هـ، شارك فيه مائة وخمسون داعية من «كينيا، وتنزانيا، وأوغندا وجزر القُمُر، والصومال، وإثيوبيا» ، وقدم في هذا الملتقى عدد من الدروس العلمية والمحاضرات من إبرزها: (أ) التكفير خطورته وضوابطه. (ب) لا إله إلا الله مفتاح دعوة الرسل. (ج) مصادر التشريع الإسلامي. (د) مسائل في باب الأسماء والصفات. (هـ) أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم. كما قام الشيوخ بزيارة مساجد المنطقة ومراكز الدعوة والمدارس الإسلامية وألقوا فيها عدداً من المحاضرات والكلمات التوجيهية. ٤- الملتقى الدعوي الأول في السنغال: تم عقد الملتقى في ضاحية من ضواحي العاصمة «داكار» لمدة عشرة أيام من ٢٨ صفر إلى ٨ ربيع الأول ١٤١٥ هـ، وكان عدد المشاركين ١٢٠ داعية من: «السنغال، ومالي، وموريتانيا، وجامبيا، وغينيا بيساو، وغينيا كوناكري» ومن أبرز المحاضرات التي ألقيت في هذا الملتقى: (أ) المخرج من الفتنة في مسيرة العمل الإسلامي. (ب) معالم الرشد في الدعوة إلى الله. (ج) افتقار العمل الإسلامي إلى الضوابط الشرعية. (د) أدب الاختلاف بين الدعاة. كما قام الشيوخ بزيارة لعدد من مساجد المنطقة والجمعيات والمراكز الإسلامية فيها. ثانياً الدورات الشرعية: ١- الدورة الشرعية السابعة للدعاة في بريطانيا: تم عقد الدورة في مبنى المنتدى الإسلامي بلندن لمدة أسبوعين من ٢٤ صفر إلى ٥ ربيع الأول، وشارك فيها ٨٩ داعية قدموا من: فرنسا، وهولندا والسويد، و٢٧ منهم قدموا من إنجلترا. ٢- دورة شرعية لإعداد الدعاة في الصومال: تم عقد الدورة في مدينة «بورعو» في شمال الصومال لمدة عشرة أيام من ٦ إلى ١٦ ربيع الأول، وشارك فيها تسعون داعية من مختلف أنحاء الصومال وقدم في هذه الدورة أربعون درساً، بالإضافة إلى عدد من المحاضرات والأنشطة الأخرى. ٣- دورة شرعية لإعداد الأئمة والدعاة في أوغندا: تم عقد الدورة في مدينة «امبالي» لمدة عشرة أيام من ١٥ إلى ٢٤ صفر ١٤١٥ هـ، وشارك فيها اثنان وثمانون إماماً، وتهدف هذه الدورة إلى التأهيل الشرعي لدى الأئمة والخطباء وتزويدهم بالعلوم الفقهية والدعوية التي يحتاجون إليها لإحياء رسالة المسجد. ٤- دورة شرعية لإعداد الدعاة في بنجلاديش: تم عقد الدورة في مدينة «دكا» لمدة أربعة عشر يوماً من ٢٩ صفر إلى ١١ ربيع الأول ١٤١٥ هـ، وشارك فيها خمسون دارساً، وقد سبق هذه الدورة دورة مكثفة لمدة ثلاثة أشهر شارك فيها خمسة وعشرون دارساً. ٥- دورة شرعية لإعداد الدعاة في نيجيريا (لاجوس) : تم عقد الدورة لمدة ثلاثة أسابيع من ٢٤ ربيع الأول إلى ١٤ ربيع الثاني وشارك فيها مائتان وخمسون طالباً. ٦- دورة شرعية لإعداد الدعاة في نيجيريا (كانو) : تم عقد الدورة لمدة أسبوعين من ٢٢ ربيع الأول إلى ٧ ربيع الثاني، وشارك فيها مائة وخمسون طالباً من خريجي الثانويات وطلاب الثانويات والمتوسطات. ٧- دورة تعليمية لإعداد الدعاة في نيجيريا: عقدت الدورة في مدينة «جيغا» بولاية «كيبي» لمدة أسبوعين من ٦ إلى ٢١ ربيع الأول ١٤١٥ هـ، وشارك فيها مائة وسبعة وخمسون من مدرسي المدارس الإسلامية وأئمة المساجد وطلبة العلم. ٨- دورة في الإدارة وطرق التدريس في غانا: تم عقد الدورة في غانا لمدة أسبوع من ٢١ إلى ٢٨ ربيع الأول ١٤١٥ هـ، وشارك فيها مائة مشارك، وألقيت فيها عدد من المحاضرات الإسلامية، وتهدف الدورة إلى تنظيم وترشيد العمل التعليمي الإسلامي. ثالثاً المخيمات الشبابية: يحرص المنتدى الإسلامي على إقامة المخيمات الشبابية والطلابية لدورها الكبير في إيجاد المحاضن التربوية التي تربي الشباب وتنشر الوعي الإسلامي في صفوفهم، وكان من أبرز المخيمات التي عقدت خلال الصيف الماضي ما يلي: ١- المخيم الشبابي الثالث في كينيا: عقد المخيم في منطقة «لامو» لمدة أسبوع من ١٥ إلى ٢١ ربيع الأول ١٤١٥هـ، وشارك فيه خمسة وسبعون طالباً وقدم فيه خمسة وثلاثون درساً وثمانية وعشرون محاضرة في أبواب متنوعة في العلوم الشرعية والدعوية والتربوية. ٢- المخيم الشبابي الأول في مدينة كاي بدولة مالي: عقد المخيم لمدة أسبوع من ٢٨ ربيع الأول إلى ٥ ربيع الآخر، وشارك فيه خمسة وثمانون طالباً وقدمت فيه خمسة عشرة محاضرة. ٣- المخيم الشبابي الأول في مدينة سان بدولة مالي: عقد المخيم لمدة أسبوع من ١٨ إلى ٢٤ ربيع الأول، وشارك فيه مائة وعشرون طالباً، وقدمت فيه أربع عشرة محاضرة. ٤- المخيم الشبابي الأول في جامبيا: عقد المخيم في مدينة «بانجول» لمدة خمسة أيام وشارك فيه مائة داعية. ٥- مخيم شبابي في إثوبيا: تم تنفيذ المخيم بمدينة «أديس أبابا» في الفترة من ٢٩ ربيع الأول إلى ٧ ربيع الثاني ١٤١٥ هـ بالتنسيق مع «جمعية القرآن الكريم» ، وحضره مائة وعشرون طالباً. رابعاً مسابقات تحفيظ القرآن الكريم: يشرف المنتدى الإسلامي على عدد كبير جداً من حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وقد عقد عدد من مسابقات تحفيظ القرآن الكريم، وهي: ١- مسابقة تحفيظ القرآن الكريم الثانية في دولة غانا. ٢- مسابقة تحفيظ القرآن الكريم الأولى في دولة بنين. ٣- مسابقة تحفيظ القرآن الكريم الأولى في دولة توجو. ٤- المسابقة الكبرى لتحفيظ القرآن الكريم بين طلاب «غانا وبنين وتوجو» . وقد كان لهذه المسابقات بفضل الله تعالى دور بارز في إعلاء الهمم وحث الناس على الاعتناء بكتاب الله تعالى تلاوة وحفظاً وعلماً وعملاً. تلك بعض من ثمرات دعمكم وتشجيعكم لنا، نسأل الله أن يبارك في هذه الجهود وأن يوفقنا لفعل الصالحات، وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى.

стр. 1836

الورقة الأخيرة لنحذرهم.. بعضُهم من بعض د. محمد ظافر الشهري لايزال المنافقون يتوارثون راية «ابن أبي» جيلاً بعد جيل، تلك الراية التي تعلو كلما قوي المسلمون، فإذا دب الضعف في جسد الأمة وتسابقت إليها الأدواء، وتواثبت عليها الأعداء، نكست راية النفاق ورفعت راية المجاهرة. وتلك ذاتها هي حال الشيوعي الذي لا يقبل من الناس إلا عقيدة «لا إله والكون مادة» ، فمن كفر بها فضرب الأعناق، ومن آمن بها كان من الرفاق فإذا شعر الشيوعي بالخطر، ترضى عن أبي ذر ﵁ وتحدث عن «اشتراكية في الإسلام!!» . وهكذا يفعل «أفراخ اللادينية» الذين إذا أجدب بهم الزمان زاروا المساجد يوم الجمعة، فإذا أخصبوا أصروا على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وقالوا: من اصطحب إسلامه خارج المسجد فلا يلومن إلا نفسه!! . وإنك لترى «الحداثي» يتحدث عن «اللامعقول» و «العبث» و «اللغة المفجرة» مادام يخشى أن تصيبه دائرة، فإذا خلا له الجو طفق يسب الدين ويعلن الحرب على قيوم السماوات والأرضين. إن المنافقين هم المنافقون مهما تباينت شعاراتهم وتعددت مشاربهم، ولقد نبأنا الله من أخبارهم بما يكفي لهتك أستارهم وفضح أسرارهم، إنهم «يخادعون الله وهو خادعهم» . ولقائل أن يقول: فما بالهم إذن يخْفَون على الناس؟ ! ولن أماري في أن من الناس من يهش بهم ويبش إليهم، فأجسامهم تدعو إلى الإعجاب وأقلامهم تبز الألباب، وقد «طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين» [وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين] [المطففين: ٣١] ، ولكن الحق الذي لا ريب فيه أن الأمة «بدأت» تميز عدوها من صديقها، ولم تعد الشعارات البراقة والدعاوى الجوفاء تصلح لتلميع الشخوص أو الأطروحات، وهذا ما أدركه المنافقون فأسقط في أيديهم، واستيقنوا أن العلم في ازدهار، وأن الجهل في تراجع وانحسار. لقد كان المنافقون فيما مضى يوجهون سهامهم إلى العلماء وطلاب العلم، أما اليوم فقد اتسع الخرق على «الراتق!!» ، ولا غرو والحال هذه أن تطيش سهام المنافقين وتحار أحلامهم، ويغلب عليهم التشنج في أقوالهم وأفعالهم، [فهم في ريبهم يترددون] [التوبة: ٤٥] ، [والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون] [يوسف: ٢١] .

стр. 1837

رجب - ١٤١٥هـ ديسمبر - ١٩٩٤م (السنة: ٩)

стр. 1838

كلمة صغيرة .. هم العدو فاحذرهم .. كان أعداؤنا المعروفون في صدر الإسلام هم المنافقون وفي عصور تالية كانوا هم الزنادقة وفي هذا العصر هم (العلمانيون) إذ يجمع هؤلاء قاسم مشترك هو ادعاؤهم الإسلام وهم أعدى أعدائه وعداؤهم للإسلام يتمثل فيما يلي: * أنهم يرفضون إسلام الوحيين، وربما رضوا بإسلام أمريكاني! * يقفون ضد المطالبة بتحكيم الشريعة بشراسة ويرون في القوانين الوضعية بديلاً عنها. * يدعون إلى الفكر (الليبرالي) الجاهلي ويرفضون الفكر الإسلامي الرشيد. * مجاهرتهم بالتعاون مع أعداء الإسلام في الداخل والخارج والدعوة لتطبيع العلاقات معهم. * يغررون بالمرأة المسلمة ويدعونها للتحرر من الإسلام لتكون طعمهم لانحراف المجتمع وتغريبه. * عداؤهم لعلماء الإسلام ودعاته ووصفهم ظلماً وعدواناً بالتطرف والإرهاب إننا مازلنا نعرف مخططاتهم وأهدافهم المشبوهة حتى ولو تظاهروا بالإسلام حتى يدخلوا في الإسلام كافة، ولن تنطلي أخاديعهم إلا على الجهال والسذج. نعم هناك أعداء آخرون غيرهم لكنهم أوضح من الشمس في رابعة النهار.

стр. 1839

الافتتاحية تحولات النخب تيه السياسة.. تيه الثقافة مسارُ التاريخ العربي المعاصر - السياسي والفكري منه - مر بعدد من الانكسارات الحادة، كان كل منها يهدم سياقاً وصل إلى لحظة الانفجار في مأزقه، وينشيء من أشلائه نسيجاً لسياقٍ آخر جديد، غير أن التحولات جميعاً كانت تحدث داخل هذا التيه لا خارجه، وكثيراً ما كان الآخر - بنفسه أو بظلاله من النخب السياسية التي تتغذى من دعمه - هو المسيطر على مسار التحول ووجهته الرئيسة. إنها رحلة تنحدر كل يوم إلى عمق أشد محنة وأكثف ظلاماً وأبلغ إمعاناً في سفر الهدف الضائع والجهد المهدر، وها هي النخب اليوم وهي تقف في أعقاب قرن من التحولات والانكسارات السياسية والثقافية تحاول بعد أن ركبت قطار «السلام» أن تجبر كل شيء على محو هويته والركوب معها! بدءاً من ... الذاكرة التاريخية، ومروراً بالأشخاص والأفكار والأشياء، حتى ولو كانت العقول المسلحة بالوعي والعلم مجمعةً على خطورة الرحلة، ومحذرةً من جُبّ الانتحار الذي قد ينتظر القطار في نهايتها. ولئن اختلف من بقي من عقلاء هذه المنطقة على كل شيء إلا أن حوافرهم تشترك جميعاً في النزول عند فكرة واحدة أسّها الإقرار بأن مسيرة «السلام» وآلياته ومفاصله الرئيسة، وبُنيته السياسية والاقتصادية والفكرية أصبحت - بعد الاتفاقيات العديدة التي صَبّت في مجرى السلام أو زامنت مسيرته - في يد العدو التقليدي: البعيد (على المستوى الجغرافي فقط) ، أو القريب المنتزع من أحشاء أوروبا وأمريكا، والمزروع في جسد العالم العربي من خمسين عاماً خلت. لقد كان قرناً من التيه تَحملُنا فيه النخب السياسية من هوة إلى أخرى والكثرة الكاثرة من الأمة غائبة أو مغيبة، تسمع صهيل الخيول ووعود العز فإذا استبان الأمر وانجلى الغبار وجدت نفسها في مزاد البيع، تدكها بغال العدو وتصهل فوقها أحصنته، وهي تباع بالثمن البخس الذي تقبضه النخب لحسابها الشخصي، بينما تسوقها إلى حظيرة الاستسلام بسوط السلطان، وغبار الإعلام! هل نسينا وعود الليبرالية وتحالفاتها مع المحتل بين الحربين؟ وكيف انتهت الحرية إلى سجون العسكر وثوراتهم بعد نكبة (١٩٤٨م) ؟ ! أم نسينا جحيم الأحزاب القومية والمد الثوري الذي تغذى على مشاعر الناس وعواطفهم ودمائهم! ثم لما بانت صحائفه بعد أن باد سلطانه إذْ به عاش على سمع العدو وبصره، والتحمت كفاهما خلف الستار مراراً (خارج النص المسرحي الإعلامي طبعاً!) ، وليس أبلغ من صفة «القتل» التي لم يجد أحد الباحثين السياسيين كلمة أصدق منها في توصيف الحال التي انتهى إليها (البلد/الأنموذج) مصر بعد تنقله بين هذه النخب. أما اليوم فإن الصبح قد بان لذي عينين، وأطلت علينا النخب السياسية تحت شمس إسرائيل (المشرقة) ، تبادلها العناق، وتكشف في ميدان السباق إلى «الحضن اليهودي» ما كان يمارس خلف الستار، بعيداً عن لهيب أكف الجماهير المصفقة لعبارات «التحرير» أو «الجهاد» ! المدوية في مكرفونات هذا النظام أو ذاك (حسب ما يقتضيه المقام) ! وكما أن عرفات (غزة / أريحا) لم يكن سوى نسخة رديئة عن سادات (كامب ديفيد) فإن حسين (وادي عربة) ليس سوى حبة ثالثة في المسبحة، وكل الثوابت التي تُبطّئ تساقط بقية الحبات قد اختُزِلت اليوم في ثابت وحيد، يحتاج إلى بعض الجهد والوقت لتذويبه.. إنه «الحرج» بالمفهوم الذي يشرحه «حسن المغرب» - في إجابته لسؤال الصحفيين عن توقع طلب رابين رفع مكتب الاتصال إلى قنصلية - بقوله: «إن صداقته الحميمة مع رابين وذكاء الأخير سيجعلانه يقدر» الحرج «الذي قد يسببه للحسن مع شعبه لو أراد تنفيذ هذا الطلب الآن! . ومع ذلك فإنه يبدو أن الوجه الكالح للنخب السياسية لم يعد حريصاً على برقع الحرج هذا، بعد أن أصبح حبلُه السري المتّصل بالآخر الحامي له، يعتمد في بقائه على تضحيات» شجاعة «تبدأ بالتطبيع الاقتصادي، ثم تطمع أن لا تحلّ الرحال إلا في مضارب» الشرق أوسطية «حيث تنصب إسرائيل خيمة شيخ القبيلة! . على الشط الآخر تُسايرُ معظم النخب الثقافية أمراضَ الساسة، وربما سبقتهم حيناً! فكانت طليعتهم في تهيئة الأجواء لامتصاص سقطة أخرى دون انفجار! ، أو تأخرت بعض الوقت فلم تفلح في نقض نسيج السنين الطوال وركوب عربة القطار الأولى التي احتشد فيها الساسة، فتأخرتْ لا رفضاً للمرحلة ولكن بنية الإعداد والركوب في العربة التالية! أما الالتحام مع خيار الأمة والانحياز إلى الشعوب المغلوبة على أمرها فكيف نتوقعه أو ننتظره ممن يعيش بجسده في مدينة عربية بينما كل قراءاته وقناعاته وكيانه النفسي والثقافي يستوطن إحدى العواصم الغربية. إن الواحد من هؤلاء» يعيش تمزقاً حاداً في الانتماء فهو منتم بفكره إلى العالم الغربي الحديث بينما هو منتم بعلاقاته الاجتماعية إلى العالم العربي «، إن هذا النوع من النخب هم طلائع العدو الثقافية، وإن هاجموا وحاربوا كياناته السياسية وتسلطه الاستعماري. ويبقى بعد ذلك هذا المشهد الطاغي اليوم حين تجتمع» النخبة ضد الأهل « وتحتشد» الدولة ضد الأمة «ويكتمل عصر التبعية، غير أن تحت هذه القشرة عالماً مفعماً بالحركة، وشعوباً تنحاز زرافات ووحداناً إلى هويتها، وتفرز رموزاً ونخباً تَتّقدُ بهمومها، بالرغم من ثقل التبعة، ووطأة أمراض الغياب الحضاري قروناً عددا، ومع مرور كل يوم يشتد التمايز بين تيار صاخب يحاول إعادة البناء، وأقليات نخبوية تتشبثُ بأطواق نفوذ مُخَرمة، والعدو هناك يراقب ويرى في كل شرارة وعي صغيرة نطفةً تتخلّقُ بركانَ لهب قادم! فيحشد مكره وريحه لإطفائها فلا يزيد لهيبها إلا انتشاراً وجمرَها إلا نضجاً وتوقداً، غير أن النخب التي تبيع أهلَها، وتنغرس في أرض العدو لا تكاد تعي أن خيارات الشعوب المسكونة بهاجس الإحياء والنهوض هي المنتصرة في النهاية، ومع ذلك فإننا نشهد قلةً جادة صدمتها الحقائق، وبدأت تغادر السفينة المثقوبة، رغم الضغط النفسي والحصار الإعلامي، وتنحاز إلى خيارات الشعوب، وكأن صوتها يردد: "» شدّ على أصابعي يظنني أخافْ! أسرج لي حصانَه المقطّعَ الأطرافْ! لوّح لي باللؤلؤ المكنون في الأصدافْ! قلتُ له: يا سيدي (العرّافْ) .. ماذا ترى يفعلهُ البحارُ في.. سفينةٍ مثقوبةٍ!! بطيئةِ الشراع والمجدافْ؟ ! «".

стр. 1840

في إشراقة آية يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا صالح بن سليمان العامر إن المتأمل في كتاب الله تعالى، والناظر فيه ببصيرة، ليدرك تلك المعالم والسنن والحقائق والنواميس التي يقوم عليها الكون والوجود الإنساني، حتى إنه ليعلم، بل ويعتقد أن لهذا الكون وهذا الوجود رباً يدبر وحاكماً يحكم ونظاماً واحداً. ولنتدبر معاً آية من كتاب الله حتى نبرهن على ذلك على سبيل المثال، قال الله تعالى: [يعلمون ظاهراْ من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون] [الروم: ٧] ، في هذه الآية ذكر الله صنفاً من الناس على سبيل الذّم واصفاً حالتهم في نظرتهم القاصرة إلى الدنيا، حيث قال: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) ، ووصفهم الله بأنهم يعلمون، إذاً هم ليسوا جهلاء بل من الذين يعلمون، وربما يكون أحدهم عالماً في كثير من الفنون، فقد يكون أديباً كبيراً وربما كان عارفاً بالسياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو التجارة؛ ولذلك قال الحسن البصري ﵀: «والله ليبلغ من علم أحدكم بدنياه، أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يُحسن أن يصلي» [١] ، فالحسن ﵀ ذكر صنفاً واحداً وإلا فهناك أصناف آخرون يجيدون فنوناً أخرى، فقد قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ﵏ ورضي عنهم: «يعرفون أمر معيشتهم ودنياهم، متى يزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يغرسون، وكيف يبيتون» [٢] ، وقال ابن خالويه: «ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم» [٣] ، كل هؤلاء نظروا إلى الدنيا من زاوية واحدة وبمقياس واحد وبفهوم ذات منطلقات محددة، والحقيقة التي فهمها الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - والصحابة من بعد رسول الله ﷺ ، هي أن هذا الوجود ما هو إلا سلسلة واحدة وحلقات متصلة، أو بعبارة أخرى صفحات متوالية، أول تلك الحلقات والصفحات هذه الدنيا التي وقف عندها أولئك النفر (الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) ، ويلي هذه الصفحة صفحات أُخَرُ وهي ما سماه الله ﵎ (الآخرة) . والذي يجعل الآخرة في حسابه هو المفكر الموفق والحكيم المسدد الذي يضع الأمور في نصابها، ولذلك قال تعالى: (وهم عن الآخرة هم غافلون) فالغفلة عن الآخرة تجعل مقاييس الغافلين تختل ويتأرجح في أكفهم ميزان القيم، فلا يملكون تصوراً صحيحاً، ويظل تصورهم عنها ظاهراً سطحياً ناقصاً « [٤] . ولقد أجاد سيد قطب ﵀ في ظلال القرآن، حيث عقد مقارنة بين صنفين من الناس حيث قال:» ومن ثم لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينظر ما وراءها لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها، ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حال، فلكل منهما ميزان ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى به الأشياء والأحداث والقيم والأحوال، وهذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا، وذاك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن ونواميس شاملة للظاهر والباطن والغيب والشهادة والدنيا والآخرة.. الماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء والأموات، وهذا هو الأفق البعيد الأوسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه، ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان المستخلف بحكم ما في كيانه من روح الله « [٥] . وبذلك تعرف الحكمة من ذكر (الآخرة) عند ذكر أي تشريع أو أي خُلُق في القرآن والسنة مثل قوله تعالى: [الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر....] [النور: ٢] وقوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» ، وفي رواية «ليسكت» ) [٦] ، ففي هذين النصين دليل على أثر الإيمان باليوم الآخر في الإذعان للأحكام والتشريع والتخلق بالأخلاق الفاضلة والمحمودة ... وبالتأمل في الآية تبدو فوائد منها: إن معرفة أمور الدنيا وعلومها هو أمر محمود، ولكن الاكتفاء به والإكثار منه بحيث يؤدي ذلك إلى الغفلة عن الآخرة هو المذموم، فمثلاً دراسة الأدب أمر مطلوب، ولكن الإغراق فيه بصورة تلهي المرء وتعميه وتصمه عن أن يتعلم أمور دينه وآخرته هو المذموم؛ ولذلك تجد ذلك الكاتب أو الأديب أو الشاعر يجيد هذه الفنون ويطرب حينما يقرأ عنها، وإذا نظرت إلى حصيلته من العلم الشرعي الواجب لوجدته خاوياً مع أنه يمتلك الآله من كتابة وفهم وفكر التي تخوله أن يكون مفكراً إسلامياً يستطيع توظيف تلك النصوص الموجودة في الكتاب والسنة - التي هي هدفٌ للمسلم في الحياة - لكي يحقق الغاية من وجوده فيها، وهي إرضاء الله ﵎، فيكون بذلك من السعداء في الدنيا والآخرة، وكذلك إذا نظرت إلى تأثره بالقرآن وخشوعه عند سماعه، لوجدته غير ذلك المتأثر الخاشع، لعدم اهتمامه به واطلاعه عليه، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولا أقصد عند ذكر ذلك أن جميع الأدباء على هذه الوتيرة وعلى هذا المنوال بل هناك من الأدباء من تجده ذا حصيلة علمية وخشوع وحياة قلب. ومنها أهمية الإيمان باليوم الآخر وأثره في تقويم الفرد وسلوكه وتفكيره ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي - ويسمى بحديث الولي -: «ولسانه الذي ينطق به وعقله الذي يعقل به» [٧] ، أي أنه ينطق على نور من الله ويفكر ويعقل الأمور والأحداث على نور من الله. ومنها كذلك: خطر الغفلة عن الآخرة لأنها تنسي الإنسان نهايته وحياته الحقيقية، ولذلك كان السلف الصالح يفكرون في الآخرة ويعملون للآخرة ولهم مواقف في تأملها والخشوع عند تذكرها مما يدفعهم إلى العمل الصالح ولنا مع المفيد مما هو مسطور في كتب الأدب والزهد والسلوك مما هو في مقامه ويطول المقام بذكره*. وفي الآية فوائد كثيرة ومعارف غزيرة أكتفي بهذا القدر منها، والله أعلم، والحمد لله أولاً وآخراً.

стр. 1841

دراسات تربوية قرآنية [ولا تلبسوا الحق بالباطل..] [١] عبد العزيز بن ناصر الجليل تمهيد: الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.. أما بعد: فإن الله خلق الخلق من الجن والإنس لغاية عظيمة، وهي عبادته سبحانه وتوحيده والإخلاص له وحده لا شريك له، قال تعالى: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] [الذاريات: ٥٦] ، ومن أجل ذلك أنزل سبحانه الكتب وأرسل الرسل، وزود عباده بالعقول التي تميز الخير من الشر والحق من الباطل، وتكفل سبحانه بالعون والتوفيق لمن أراد الهدى والحق فدله إليه ورزقه الانقياد له، وتخلى عمن أعرض عن الحق فلم يقبل به، ولم يستسلم ويخضع له، وكل هذا من الابتلاء الذي خلق الله سبحانه الموت والحياة من أجله، قال تعالى: [الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاْ وهو العزيز الغفور] [الملك: ٢] . وانقسم الناس إثر ذلك إلى مؤمنين موحدين مدركين للغاية التي من أجلها خلقوا، فصارت دوافعهم كلها في مرضاة الله سبحانه، وسخروا كل ما آتاهم الله في هذه الدنيا لخدمة هذه الغاية الشريفة لنيل مرضاة الله ، فعملوا للآخرة والفوز برضوان الله والجنة، ومن الناس من أمضى حياته في اللهو واللعب وإيثار الحياة الدنيا، وجعل هذه الدنيا همه وغايته واتبع هواه، فخسر الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين. ثم إن الفئة المؤمنة لم تسلم كذلك من الفتن، وكيف لا يكون ذلك وعدوها الشيطان الرجيم متربص بها لا يفتأ يضلها ويزين لها ويخدعها؟ يقول الله عن إبليس اللعين: [قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين] [الأعراف: ١٦، ١٧] ، وقال تعالى: [قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين] [الحجر: ٣٩، ٤٠] . أحابيل الشيطان: إن من أعظم الفتن التي يفتن الشيطان بها العباد، فتنة التزيين ولبس الحق بالباطل واتباع الهوى في ذلك، ولقد وقع في هذا الشَرَك الخطير كثير من الناس وبخاصة في زماننا هذا، حيث تموج الفتن موج البحر، وحيث كثر الخداع والنفاق والدجل والرياء. نعم إننا في زمان اشتدت فيه غربة الإسلام، وضُلل كثير من الناس وتمكن الشيطان من كثير منهم تمكناً يظنون معه أنهم بمنأى عن عدوهم اللدود وعلى صلة بربهم ، وما ذلك إلا بسبب التباس الحق بالباطل والجهل بالعلم ولتعاون شياطين الجن والإنس [يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراْ] [الأنعام: ١١٢] ، فتعاونوا في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال مزخرفة، وألفاظ من القول خادعة، وتسمية للأشياء بغير أسمائها فَضَلّ بسبب ذلك كثير من الناس، والعاقل منهم من وقف حائراً لا يدري أين وجهة الحق فيما يسمع ويرى من التناقضات وتبرير المواقف الخاطئة المخالفة للشريعة، بسبب استيلاء الهوى على النفوس واستيلاء الشهوات على القلوب. ولما كان من غير المستطاع المجاهرة برد الشريعة ورفضها، كان لابد لهم من لي أعناق النصوص من آيات وأحاديث ليستدل بها أولئك المبطلون على المواقف المنحرفة وليست فيها دلالة عليها، ولو أن الذي يقع في الانحراف يعترف بذنبه وخطئه وضعفه في مخالفة الشريعة، لكان الأمر أهون، وكذلك لو أنه استدل بدليل في غير محله ولما نُبّهَ إلى هذا الخطأ في الاستدلال رجع واعترف لكان هذا أيضاً أهون، ولكن المصيبة أن يصر المسلم الذي حَرّفَ الأدلة ولواها ليجد لعمله مَخْرَجَاً وشرعية، فيكابر بعد بيان الحق له، ويغالط نفسه والمسلمين بصنيعه هذا. منطلق هذه الوقفات: إننا في زماننا هذا نرى صوراً كثيرة من لبس الحق بالباطل، وصوراً أخرى من المغالطات والخداع والحيل المحرمة في شرع الله ، فكان لزاماً على الدعاة والمصلحين أن يحذروا من الوقوع في هذا المزلق، وأن يكشفوه للناس ولا يدَعُوهم لأهل الأهواء يلبسون عليهم دينهم ويحرفون الكلم عن مواضعه، ومعلوم ما ينتج من وراء ذلك من الفتن والتضليل. من أجل ذلك جاءت هذه الوقفات التربوية في ضوء القرآن الكريم لمعالجة هذا الموضوع المهم على ضوء الكتاب والسنة وما ذكره العلماء الفحول، وقد اخترت عنواناً لها قوله تعالى: [ولا تلبسوا الحق بالباطل] ، وهو جزء من آيتين كريمتين وردت إحداهما في سورة البقرة عند قوله تعالى: [ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون] [البقرة: ٤٢] والأخرى في سورة آل عمران عند قوله تعالى: [يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون] [آل عمران: ٧١] . العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: وهاتان الآيتان وإن كانتا قد نزلتا في أهل الكتاب فالعبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب كما هو مقرر عند علماء الأصول، فكل من كتم الحق وخلطه بالباطل وهو يعلم فهو من أهل هذه الآية، ولذلك سوف لا أتطرق لمحاولات أهل الكتاب ولا أصحاب الملل الكافرة في تلبيس الحق بالباطل ومغالطاتهم في ذلك، بل سينصب جل البحث على واقعنا المسلم الذي نعيش فيه وندعو إلى الله فيه، محاولاً كشف بعض الصور التي التبس فيها الحق بالباطل والتي يقع فيها بعض المنتسبين لهذا الدين من المنافقين وضعاف الإيمان لتبرير الانحراف أو التهوين منه والرضى به وإقراره، بل إن بعض الطيبين من دعاة وطلاب علم قد تأثروا بأولئك الملبسين فصاروا يرددون بعض ما يقولون بعلم أو بغير علم، وقد قسمت الموضوع إلى المباحث التالية: * أهمية الموضوع * تعريفات * أسباب التباس الحق بالباطل * صور من لبس الحق بالباطل * الأسباب الواقية من لبس الحق بالباطل * خاتمة. أهمية الموضوع: إن لدراسة التباس الحق بالباطل أهمية كبرى لما ينتج عن ذلك التلبيس من تزييف وفتنة يكون لها الأثر السيء والضرر البالغ في تضليل الأمة وتحريف الحقائق وتزوير الأحداث، ويمكن توضيح أهمية الموضوع في الأمور التالية: ١- القيام بالعبودية لله تعالى لا يتم إلا بالإخلاص له ، وأن تكون العبادة على بصيرة باتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، والبصيرة بالدين لا تتحقق مادام أن الباطل ملتبساً بالحق، مما يلزم تنقية الحق من الباطل قال تعالى: [قد تبين الرشد من الغي] [البقرة: ٥٦] . ٢- كثرة التلبيس والتضليل في عصرنا بوسائل إعلامية ماكرة مضللة تلبس على الناس دينهم وتخلط الحق بالباطل، بل وصل الأمر لدرجة قلب الحقائق وإظهار الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، وذلك لطمس الحق أو تشويهه وتشويه حملته والداعين إليه، فكان لابد من إزالة هذا اللبس لإحقاق الحق وإبطال الباطل بقدر المستطاع [ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون] [الأنفال: ٨] . ٣- السكوت المزعج لكثير من العلماء وطلبة العلم في ديار الإسلام أمام كثير من المستجدات والنوازل التي تبحث فيها الأمة عن الموقف الشرعي إزاء تلك النوازل، مما حدا بذوي القلوب المريضة في غيبة العلماء أن يلبسوا على الأمة أمرها، وتكلمت الرويبضة في أمر العامة، والأدهى والأمر أن من أهل العلم من يساهم في هذا التلبيس فتراه يسمي الأمور بغير أسمائها، وينزل النوازل في غير مناطاتها، بل قد يثني على المبطلين ويغض من قدر المصلحين، فإلى الله المشتكى. ٤- أهمية تعرية الباطل وأهله، فمادام أن الحق مختلط بالباطل، وسبيل المجرمين لم يتميز عن سبيل المؤمنين، فإن الدين سيبقى مشوهاً عند الناس، وسيبقى التلبيس فيه قائماً، (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) . ٥- ضرورة بيان تلبيس الطواغيت ودعاة العلمنة في كثير من بلدان الإسلام وما يضفونه على مخططاتهم الظالمة من تبريرات لظلمهم وادعاءاتهم التي قال الله تعالى في مثلها: [وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون] [البقرة: ١١، ١٢] . ٦- ظهور بعض المغالطات من كثير من الناس واستخدامها في تبرير المواقف الخاطئة والمخالفات الشرعية، سواء أكانت فردية أو جماعية فينبثق عنها مواقف وممارسات خاطئة تلبس على الناس أمرهم، ومنشأ هذه المغالطات في الغالب شهوة مزجت بشبهة فتولد عنها مغالطة، وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد. مصطلحات في الموضوع: يحسن بنا قبل الدخول في ثنايا الموضوع الإلمام بتعريفات كثر إيرادها، من أهمها (اللبس والتلبيس) و (الأغاليط والمغالطات) : أولاً- اللبس والتلبيس: قال في لسان العرب: «اللّبْس واللّبَس: اختلاط الأمر، لبس عليه الأمر يلبسه لبْساً فالتبس، إذا خلطه عليه حتى لا يعرف جهته، والتبس عليه الأمر أي اختلط واشتبه، والتلبيس: كالتدليس والتخليط، شدد للمبالغة، وربما شدد للتكثير، يقال: لَبَستُ الأمر على القوم ألبْسُه إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً» أ. هـ، وقال ابن الجوزي ﵀ في تلبيس إبليس: «التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق» أ. هـ، ومن ذلك قوله تعالى: [ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون] [البقرة: ٤٢] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عند هذه الآية: «فإنه من لبس الحق بالباطل فغطاه به فغلط به لزم أن يكتم الحق الذي تبين أنه باطل إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق» . ثانياً- الأغاليط والمغالطات: قال في لسان العرب: «المغْلطَة والأغلوطة: ما يغالط به من المسائل والجمع: الأغاليط، وفي الحديث أنه ﷺ نهى عن الأغلوطات، قال الهروي: وأراد بها المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيهيج بذلك شر وفتنة، وإنما نهي عنها لأنها غير نافعة في الدين ولا تكاد تكون إلا بما لا يقع، ومثله قول ابن مسعود ﵁: (أنذرتكم صعاب المنطق) يريد المسائل الدقيقة الغامضة» . وقد أخرج أبو داود ﵀ في سننه عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات [١] ، وروى كل من البخاري ومسلم حديث حذيفة المشهور في الفتن، وفيه قول حذيفة: «إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط» [٢] قال في الشرح: الأغاليط جمع أغلوطة وهي المسائل التي يغلط فيها والأحاديث التي تذكر للتكذيب، ونقل الحافظ بن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم عند شرحه للحديث التاسع من أحاديث الأربعين النووية قوله: وقال الحسن البصري: «شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يعمون بها عباد الله» وقال الأوزاعي: «إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علماً» . والحاصل مما ذكر أن المغاليط هي التي يثيرها المغالطون من صعاب المسائل أو المسائل التي لم تقع، وذلك ليغالطوا بها العلماء ليزلوا فيعمون بها العباد ويهيج من ذلك شر وفتنة وتلبيس على الناس، نسأل الله السلامة.. وللحديث بقية إن شاء الله.

стр. 1842

من فقه الدعوة حكم الإنكار في مسائل الاجتهاد خالد بن عثمان السبت تمهيد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص صفات صفيه من خلقه صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه حيث قال [الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر] [الأعراف: ١٥٧] ، وهذا الوصف أيضاً من أخص أوصاف من اصطفاهم من سائر البشر ليكونوا أتباعه ورسله وأنبياءه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله] [التوبة: ٧١] وبين ﷻ أوصاف المؤمنين: [التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر] [التوبة: ١١٢] وجعل الله تعالى مناط خيرية أمتنا الإسلامية بهذا الوصف [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر] ... [آل عمران: ١١٠] . وهذا الوصف له آداب وضوابط يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معرفتها والالتزام بها، وسيكون حديثي في هذه الحلقة عن حكم الإنكار في مسائل الاجتهاد وعلى النحو التالي: أهمية هذه المسألة: الكلام في هذه المسألة يعتبر من أهم ما ينبغي معرفته في هذا الباب، وذلك لسببين رئيسين: الأول منهما: كثرة وقوع اللبس والخلط في هذا الجانب.. فإن الكثيرين ممن يتكلمون عن هذه المسألة يعبرون عنها بـ «الإنكار في مسائل الخلاف» فيطلقون القول بـ «عدم الإنكار في مسائل الخلاف» . ولو جعلنا عبارتهم هذه قاعدة وأردنا تطبيقها لتعطل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تماماً.. لأن الخلاف واقع في أصول الدين وفروعه في القديم والحديث، فما هو الضابط في ذلك؟ الحق كما قيل: وليس كل خلاف جاء معتبراً.. إلا خلاف له حظ من النظر السبب الثاني: هو استغلال كثير من أهل التلبيس والتدليس والخلط، ذكر بعض أهل العلم مثل هذه العبارة في كتبهم..! ! فأصبحت مُعَوّلاً لأولئك لتثبيت جذور التمييع لمسائل الشريعة العلمية والعملية..! وإن من عادة أهل البدع إطلاق العبارات المجملة.. والموهومة، ليصلوا منها إلى معان باطلة! ! والحق في خلاف مسلكهم هذا.. قال ابن القيم ﵀ في نونيته: فعليك بالتفصيل والتمييز ... فالإطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا ... الأذهان والآراء كل زمان وقال: فعليك بالتفصيل إن هم أطلقوا ... أو أجملوا فعليك بالتبيان وقد علمت مما سبق أنه لا يحكم على الشيء أو الفعل بأنه منكر إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه ﷺ أو إجماع المسلمين.. وعليه فإنه إذا وُجد النص فلا عبرة بخلاف المخالف كائناً من كان..! فالقول بأن «مثل هذا من المختلف فيه الذي لا ينكر» قول باطل.. وإنما العبارة الصحيحة «لا إنكار في مسائل الاجتهاد» . فإذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد التي لم يرد فيها دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، أو وقع عليها الإجماع.. أو كانت مما تضاربت فيها الأدلة - ظاهراً - في نظر المجتهد أو خفي المأخذ، أو غير ذلك من الأمور المعروفة، فهذا مسلم، وبه تعلم أن هناك فرقاً بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، فالأولى أعم من الثانية كما هو ظاهر. والحاصل أنه كلما قوى الخلاف كلما كان العذر أقرب.. والعكس يقال في حال ضعفه. جاء في نصاب الاحتساب: «.. ومن لم يستر الركبة ينكر عليه برفق لأن في كونها عورة اختلافاً مشهوراً، ومن لم يستر الفخذ يعنف عليه ويضرب لأن في كونه عورة خلافاً عند بعض أهل الحديث» [٣] . ومما يُستدل به على بطلان القول بعدم الإنكار في مسائل الخلاف: إنكار الصحابة ومن بعدهم على المخالف للسنة الثابتة كائناً من كان، والأمة مأمورة باتباع نبيها- ﷺ وكل من أتى بما يخالف هديه الثابت وسنته فهو مخطئ قطعاً وينكر عليه. وقد أنكر الصحابة على من منع من التمتع بالعمرة، وعلى من أتم في السفر، وعلى من أباح وطئ المرتدة بملك اليمين، وعلى من حرق الغالية بالنار، علماً بأن القائلين بهذه الأقوال الآنفة الذكر هم من أفاضل الأمة وخيارها بعد نبيها-صلى الله عليه وسلم-، ولا يدانيهم من كان بعدهم لا في علم ولا في تُقىً..! ! وإن مما ينبغي أن يُعلم أنه ليس كل مجتهد مصيب، وإنما المصيب واحد لأن الحق لا يتعدد، وإن كان المجتهد المخطئ مأموراً بالعمل بما وصل إليه اجتهاده حتى يتبين له خطؤه، وهو مأجور أجراً واحداً في حال الخطأ، وله أجران في حال الإصابة. وكثير ممن غلط في مسألتنا تلك إنما دخل عليه اللبس بسبب عدم وضوح هذه المسألة الأخيرة..! ! ونحن في هذا لمقام أردنا الإشارة إلى هذه النقطة للتنبيه عليها دون الخوض في تفاصيلها، لأن هذا محله كتب الأصول.. وقد أطنب في شرحها وبيانها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فراجعه إن شئت. وبهذا تكون قد عرفت أن الصواب إنما هو القول بعدم الإنكار في مسائل الاجتهاد.. وضابط هذا ما تقدم.. وأنه لا التفات إلى الخلاف الشاذ، كما أن مثله لا يجعلها مسائل اجتهاد، والواجب في مثل هذه الأمور الاجتهادية لزوم المناصحة والبيان من قبل من تبين له وجه الحق في شيء من تلك المسائل. وقفات: الوقفة الأولى: هذا الكلام يقال في حق المجتهد أو المتأول الذي له فيما ذهب إليه تعلق بالنصوص الشرعية، أما المقلد فلا، لأنه ينكر عليه، وقد نقل ابن مفلح ﵀ رواية عن الإمام أحمد ﵀ تدل على أنه لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، قال إسحاق بن إبراهيم: عن الإمام أحمد أنه سُئل عن الصلاة في جلود الثعالب. قال: إذا كان متأولاً أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلاً ينهى.. « [٤] . الوقفة الثانية: لا يتنافى عدم الإنكار على المخالف في مثل هذه المسائل مع دراستها ومناقشتها بين أهل العلم، ليعرف كل منهم مأخذ الآخر ليهتدي الجميع للوصول إلى الحق، شريطة أن لا يؤدي هذا إلى فتنة أو مفسدة كبيرة، وبشرط أن لا يكون التشاغل بها على حساب ما هو أهم منها. الوقفة الثالثة: يندب المخاطب إلى العمل بالأحوط والخروج من الخلاف في هذه المسائل جرياً على وفق القواعد الشرعية. الوقفة الرابعة: تجنب الخلاف والحرص على تفاديه قدر الاستطاعة، مع التماس الأعذار للمخالفين، بالإضافة إلى عدم جعل هذه الخلافات الاجتهادية مجالاً للتفرق والانقسام واستباحة الأعراض. الوقفة الخامسة: ينبغي حسن المحاورة والمناظرة في هذه المسائل وغيرها، مع التجرد للحق متى ظهر دليله، وترك المراء والجدال العقيم والمخاصمة. وقد قرر ابن القيم ﵀ مسألتنا هذه أحسن تقرير في كتابه العظيم إعلام الموقعين فقال:» وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه «لا إنكار في المسائل المختلف فيها» والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا كان خالف كتاباً أو سنة، وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء! وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً. وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم. والصواب ما عليه الأئمة: أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها - إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به - الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في قول العالم: «إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد» طعن على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضراً وسفراً، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار.. « [٥] .

стр. 1843

خواطر في الدعوة أهل مكة أدرى بشعابها محمد العبدة هذا المثل المشهور يجبهك به بعض الناس عندما تبدي وجهة نظرك في أحداث معينة، أو تناقش فكرة تخالف فيها ما هو واقع في بلد من بلدان العالم الإسلامي، وأنت لست من أهله، فهل يصح إطلاق مثل هذا المثل في واقعنا اليوم وهل تُحلّ مشكلة كبيرة بمثل هذا التبسيط، حيث لا داعي للمشاركة والاستفادة من آراء الآخرين أو المخالفين. لا يشك أحد في وجود خصوصيات معينة لكل بلد سواء من ناحية جغرافيته أو طبيعة سكانه أو مستوى ثقافته، لكن ما حجم هذه الخصوصية أمام كثير من الأحوال المتشابهة: الاجتماعية منها والاقتصادية والسياسية؟ إن الخصوصية تمثل نسبة قليلة، فلقد عاشت معظم شعوب العالم الإسلامي ظروفاً واحدة، والتخلف الحضاري يلفها جميعاً، ولم تتمكن حتى الآن من العودة لهويتها وأصالتها وإلى الدين الذي يرقيها معنوياً ومادياً، وقد تسلطت أوروبا على معظم هذه الشعوب في القرن الماضي، وجعلت أرضه مِزَقاً وأوزاعاً، وفرضت مناهج للتعليم خرجت أجيالاً ممسوخة العقل والفكر، فلا دنيا أقامت ولا رجعت إلى دينها الذي هو مبعث حضارتها وعزها، فالمشكلات واحدة والهموم واحدة، فهل هناك خير في نقل الخبرات والتجارب، وقد وقعت أحداث في المشرق كانت جديرة بالتأمل والدراسة وأخذ العبرة، وحدثت أمور في المغرب كان حَرىّ بأهل المشرق أن يستفيدوا منها. لقد ذكر القرآن الكريم قصص أقوام لنعتبر بها وهم بعيدون عنا زماناً، وقد مَرّ على المسلمين زمن كان من مميزات طلب العلم الرحلة إلى الأقطار المجاورة لزيادة في العلم أو الخبرة ومعرفة أحوال المسلمين، بل إننا نجد في أيامنا هذه من أذكياء المجتمعات الغربية مَنْ يصف ويحلل بعض مشاكل المسلمين وكأنه يعيش بين ظهرانَيْهم، فلماذا يحرم المسلمون أنفسهم من خبرات متراكمة لمقولة يقولها إنسان لم يتعود على التفكير العميق، وعلى التأمل في سنن الاجتماع البشري التي ذكرها القرآن، وإذا كان الحاضر أشبه بالماضي، أفلا تتشابه أحداث وقعت في زمن متقارب؟ ولا أظن أن مثلاً هنا وشعاراً هناك يحل مشاكلنا المعقدة التي تحتاج إلى دراسة وحوار ومشاركات للرأي تعقد لها ندوات ومؤتمرات حتى تتضح القضايا، ويبين السبيل. وإذا كان أهل مكة أدرى بشعابها، فليس من الضروري أن يكونوا أدرى بظروفها وما يحيط بها، وبطبيعة الصراع الذي يدور في العالم اليوم، ولقد رمى عمر بن الخطاب ﵁ داهية الروم بداهية العرب عمرو بن العاص ﵁ ونحن تحاصرنا الشعارات العامة والأمثال المضروبة، وقد تحولت الدنيا إلى قرية كما يقولون.

стр. 1844

نصوص شعرية .. روضات الصبر .. مروان كجك اصبر فصبرُك دعوةٌ وسبيلُ ... يا مَنْ يُداوي السّقْمَ وهْوَ عَليلُ لو كنت أملِكُ بعضَ أوصافِ الدّوا ... لَبَذَلْتُهُ، لكنني مخجولُ أدعوُ لكَ الشافي القديرَ وأرْتَجي ... فضلاً به يُقْضَى لنا المأمولُ آذَنْتَ أهلَ البَغْي حينَ دَعَوْتَهُمْ ... للحقّ، فارتعدت ذُرىً وذُيُولُ وتقاصَرُوا لَمّا رأوْك مَنَارَةً ... بالحقّ، يرسمُ دربَكَ التنزيلُ ضاقُوا بصوتكَ، لم ترقهمُ عصبةٌ ... قامَتْ لبعثِ الحقّ وهْوَ هزيلُ وتعاقدُوا أنَْ يصرفوكَ تجنّياً ... حتى يسودَ مُصانِعٌ وعميلُ أبْشِرْ أبا الفرسان إن رماحَهم ... شَقّتْ بطونَ الريحِ وهيَ تصولُ واستنشدَت ريحَ الشمالِ نشيدَها ... فتساقطَ الحمّالُ والمحمولُ رَضَعَتْ مِنَ التاريخِ محض زُلالِهِ ... وتذوّقت مَا أنبتَ الترتيلُ حتىَ غدت أسْدُ العَرينِ تصونُهُ ... عن غادر في مقلتيه ذُحولُ لم تُلههِمْ دُنْيا ولا زَيْفُ الرّؤىَ ... ما بينهم خَبلٌ ولا مجهولُ صَفْوُ العَشيرةِ في المكارمِ والتقى ... أهلُ الفداءِ، إذا دَعَوْتَ، فُحُولُ ميزانُهُمْ قرآنُهُم وزعيمُهُم ... عَبدُ تَسَامىَ في المقامِ رسولُ فاصْبِرْ فإنكَ في النوازل رائدٌ ... والدربُ - نَعْلَمُ - شائِكٌ وطويلُ فالصبرُ رَوْضاتٌ لأبناء الهُدَى ... ولِجَنّةِ الرحمنِ تلكَ سبيلُ

стр. 1845

دراسات اقتصادية الإسلام والقضايا الاقتصادية المعاصرة المشكلة الاقتصادية وعلاجها من المنظور الإسلامي (الحلقة الأخيرة) د/ محمد عبد الله الشباني في الحلقات السابقة أشرنا إلى جانبي الندرة والأهمية النسبية لعناصر الإنتاج ودور كل عنصر وأهميته في العملية الإنتاجية وارتباطه بالمشكلة الاقتصادية وفي هذه الحلقة سوف نتطرق إلى كيفية معالجة الإسلام لتوزيع الدخل العام، أي إيجاد التوازن في الثروة بين أفراد الأمة وذلك فيما يتعلق بتوزيعها وفق المبدأ القرآني [كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم] [الحشر: من الآية ٧] . إن قضية التوزيع للثروة تمثل روح وجوهر الاختلال في الأنظمة الاقتصادية المعاصرة حيث نجد التفاوت بين مختلف أفراد الأمة فيوجد الأشخاص المعدومون الذين لا يجدون المأوي أو المأكل أو الملبس والفئات المتخمة، فالإسلام أوجد نظاماً لمعالجة الاختلال الاقتصادي سواء أكان ما يتعلق بتوفير الوسائل المالية اللازمة لحفز عناصر الإنتاج أو إعادة التوازن من خلال التشريع المالي الإسلامي الذي عالج قضية التفاوت بأسلوب يحقق العدالة ويساعد الفئات غير القادرة على المساهمة في نمو الدخل العام. تمثلت معالجة الإسلام للتفاوت في تملك الثروة باتباع نظام مالي فريد في نوعه يتحقق من خلاله تحقيق عدالة التوزيع وإيجاد التكافل بين مختلف أفراد المجتمع ضمن إطار تنظيمي متكامل، بحيث إذا اختل جزء منه ظهر الاختلال في بقية الأجزاء، فالنظام المالي الإسلامي مكمل للنظام الاقتصادي في إطاره العام والاجتماعي بمختلف جوانبه بحيث لا يمكن تحقيق أهداف النظام المالي الإسلامي إذا اختلت بقية أنظمة الإسلام المتعلقة بتنظيم شؤون الإنسان الحياتية. مميزات نظام توزيع الثروة في الإسلام: يتميز نظام توزيع الثروة في النظام الإسلامي بخصائص مهمة تتمثل في الآتي: أولاً: وضع نظام للجباية المالية من المكلفين حيث يشمل هذا النظام جميع مصادر الدخل، ويتمثل ذلك في نظام الزكاة فقد خصص هذا المورد للإنفاق منه على تلبية احتياجات الفرد الأساسية وتنمية قدرته الذاتية من خلال منح الزكاة للمحتاجين من أفراد المجتمع، لقد حدد القرآن الكريم مصارف الزكاة بحيث لم يجعل لآراء الأفراد دوراً فيمن تصرف له يقول تعالى: [إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم] [التوبة: ٦٠] ، فهذه الآية تحدد نوعية من تصرف لهم الزكاة ومن خلالها يتضح أن الزكاة تهتم بتوفير الحاجات الفردية لأفراد الأمة، ولقد اهتم العلماء المسلمون بتحديد الكفاية التي تحدد من يستحق الزكاة ممن لا يستحقها، يقول الإمام النووي في هذا الخصوص: «المعتبر المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لابد له منه على ما يليق بحاله بغير إسراف ولا إقتار لنفس الشخص ولمن هو في نفقته» [١] ، وهذا الفهم الذي أشار إليه الإمام النووي قائم على فهم ما جاء عن رسول الله ﷺ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته» [٢] . إن المفهوم الذي يمكن استخلاصه من هذا الحديث هو اتساع نطاق الحاجات العامة التي تقوم الدولة باتباعها بحيث تتكفل الدولة برعاية أفرادها في أمورهم الخاصة ممن لا يستطيعون أن تكون لهم القدرة على توفير احتياجاتهم، وهذا الأمر ليس متروكاً للأفراد من الناس وإنما هو واجب من واجبات الدولة عليها القيام به. وإن تحقيق العدالة في توزيع الثروة بين مختلف فئات المجتمع وبالتالي إضعاف تأثير الجوانب الأخرى المسببة للمشكلة الاقتصادية يقوم على مفهوم أن المسلمين كالجسد الواحد. خصائص الزكاة: ولهذا فإن الزكاة تمثل الأداة التي شرعها الإسلام لتحقيق عدالة التوزيع والتي تتميز بالخصائص التالية [٣] : ١- فصل حصيلة الزكاة عن الموارد المالية الأخرى التي يتم جبايتها للإنفاق على المصالح العامة وتخصيصها بالإنفاق منها على الفئات الثمان التي حددها القرآن في آية الصدقات: على أن يكون الإنفاق على احتياجات الأفراد بالشكل الذي يجعل مستحق الزكاة يستغني عن الزكاة مستقبلاً بحيث يكون مساهماً في زيادة موارد الزكاة، يقول الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) في هذا الخصوص «فيدفع إلى كل واحد منهما (الفقير والمسكين) إذا اتسعت الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى، وذلك يعتبر بحسب الحالات فمنهم من يصير بالدينار الواحد غنياً إذا كان من أهل الأسواق يربح فيه قدر كفايته فلا يجوز أن يزاد عليه، ومنهم من لا يستغنى إلا بمائة دينار فيجوز أن يدفع إليه أكثر، ومنهم من يكون ذا جلد يكتسب بضاعته قدر كفايته فلا يجوز أن يعطى وأن كان لا يملك درهماً» [٤] ، وهذا الفهم للإمام الماوردي لنطاق صرف الزكاة إنما هو مبنى على توجيه الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: «قدم علينا مصدق النبي - ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا وكنت غلاماً يتيماً فأعطاني منها قلوصاً» [٥] . ٢- في حالة عجز الزكاة عن كفاية احتياجات الأفراد فإن لولي الأمر فرض مبالغ إضافية لسد حاجة المحتاجين من الأغنياء بشكل مؤقت لإشباع الحاجات، وقد أوضح الرسول ﷺ ذلك في الحديث الذي رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس قالت سألت أو سئل النبي ﷺ عن الزكاة فقال (إن في المال حقاً سوى الزكاة ثم تلى هذه الآية التي في البقرة [ليس البر أن تولوا وجوهكم] « [٦] ، وحديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي رواه الطبراني في الصغير موقوفاً أنه قال» إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعسروا إلا مما يضيع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم يوم القيامة حساباً شديداً، ثم يعذبهم عذاب أليماً. ٣- اعتماد عدم المركزية في الجباية والصرف بالنسبة للزكاة فلا يجوز نقل حصيلة الزكاة من وحدة إدارية معينة إلى أخرى مالم يتم إشباع حاجات أفراد هذه الوحدة الإدارية، وقد أوضح الرسول ذلك كما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس الذي جاء فيه أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله.. إلى أن قال: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم» [٧] ، وقد أوضح الإمام الماوردي واقع صرف الزكاة على الأصناف الثمانية حيث قال: «وإذا قسمنا الزكاة في الأصناف الثمانية لم يحل حالهم بعدها من خمسة أقسام: أحدها أن تكون وفق كفايتهم من غير نقص ولا زيادة، فقد خرجوا بما أخذوه من أهل الصدقات وحرم عليهم التعرض لها، القسم الثاني: أن تكون مقصرة عن كفايتهم فلا يخرجون من أهلها ويحالون بباقي كفايتهم علي غيرها، والقسم الثالث: أن تكون كفاية لبعضهم مقصرة عن الباقين فيخرج المكتفون عن أهلها، ويكون المقصرون على حالهم من أهل الصدقات، والقسم الرابع: أن يفضل عن كفاية جميعهم يخرجون من أهلها بالكفاية ويرد الفاضل من سهامهم على غيرهم من أقرب البلاد إليه، والقسم الخامس : أن تفضل عن كفايات بعضهم ويعجز عن كفاية الباقين فيرد ما فضل عن المكتفين على من عجز عن المقصرين حتى يكتفي الفريقان» [٨] . ٤- استخدام الزكاة أداة لتحريك الفوائض المالية الناتجة عن عنصر العمل باستغلالها، فالزكاة ليست واجبة على الناتج أو صافي الربح وإنما على رأس المال، وما ينتج عنه إذا تجاوز النصاب، والنصاب يتفاوت حسب طبيعة المال بجانب أن شمولية الزكاة لجميع أفراد المجتمع وأن الحد الأدنى لما يعفى من الزكاة ضئيل سواء أكان لرأس المال أو الناتج وفرض الزكاة وفق ذلك يهدف إلى التقليل من تراكم المال في يد فئة معينة محدودة، فالزكاة تدفع المدخرات الجامدة إلى الاستثمار المنتج وليس إلى الاستثمار غير المنتج حيث حرم الإسلام الربا أو الاستثمار في إنتاج سلع أو تقديم خدمات محرمة مثل إنتاج الخمور أو آلات الطرب أو خدمات المتع المحرمة. ثانياً: لعنصر العمل تأثير في العملية الإنتاجية كما أنه المصدر المساعد في تكوين الثروة بجانب أنه وسيلة التملك الأساسيةفي الإسلام واختلاف نصيب العمل من الناتج القومي يؤثر في عدالة توزيع الثروة كما أنه العنصر الذي يساعد على تفاقم المشكلة الاقتصادية، ولهذا فقد اهتم الإسلام عند معالجته للمشكلة الاقتصادية بأن أعطى لهذا العنصر من عناصر الإنتاج أهمية خاصة وراعى - عند توزيع الناتج القومي على عناصر الإنتاج - هذا العنصر لما له من دور سلبي أوإيجابي في الوضع الاقتصادي لأي مجتمع، فعنصر العمل هو العنصر المتحكم والمؤثر في تحديد تكاليف الإنتاج، وبالتالي في قيمة الناتج القومي وتوزيعه بين عناصر الإنتاج الأخرى. إن معالجة الإسلام عند توزيعه للناتج القومي بين مختلف عناصر الإنتاج قد راعى أهمية عنصر العمل باعتباره عاملاً منتجاً أو مستهلكاً في الدورة الاقتصادية، فوضع قواعد وأسس ينبغي الاسترشاد بها عند تحديد مقدار الأجر الذي يعطى للعامل: وقد ارتكزت هذه الأسس على قاعدة ضرورة كفاية الأجر في توفير الضروريات الأساسية لحاجات الفرد بحيث لا يقل الحد الأدنى للأجر عن توفير هذه الضروريات، وبالتالي فإن هذا الحد يتغير بتغير الظروف ويفهم هذا من حديث رسول الله ﷺ عن المستورد بن شداد قال سمعت رسول الله - ﷺ يقول: «من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة وإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً فإن لم يكن له مسكن فليكتسب سكناً قال أبو بكر أخبرت أن النبي ﷺ قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق» [٩] . ثالثاً: يقر الإسلام لرأس المال بأحقية الحصول على جزء من الناتج القومي باعتبار أن رأس المال عنصر من عناصر الإنتاج الذي يتحقق من خلال استغلاله زيادة الناتج القومي، بالتالي فإن لرأس المال حق في الحصول على جزء من الناتج القومي على شكل ربح أو إيجار، ويمكن فهم ذلك مما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما رواه ابن ماجة والبيهقي والنسائي وأبو داود عن رافع بن فريج قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة» [١٠] ... وكذلك ما رواه مسلم وأبو داود عن حنظلة بن قيس الأنصاري «قال سألت رافع بن خديج ﵁ عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال لا بأس به إنما كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا فلم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك أجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس» [١١] ، فمن جملة ما يفهم من هذه الأحاديث أن الإسلام يعطى لرأس المال نصيباً من الناتج القومي باعتباره عنصراً من عناصر الإنتاج يؤثر في تحديد تكلفة المنتج وبالتالي في قيمة الناتج القومي ولكنه استبعد وضع قيود لأحقية رأس المال في جزء من الناتج القومي، وهذه الأحقية مرتبطة بطبيعة دور رأس المال في الحصول على الناتج القومي: ولهذا فإن حق رأس المال في جزء من الناتج القومي إنما يتحقق إذا تمثل في أصل ثابت يمكن استغلاله بتحقيق الإنتاج مثل الريع للأرض أو المساهمة مع عنصر آخر مثل دخول رأس المال النقدي أو العيني مع العمل في تحقيق الربح، ولهذا نجد أن الإسلام استبعد أن يكون للنقود - التي هي أداة للتداول - أن يكون لها جزء من الناتج. ولهذا فقد حرم الربا بأي صورة كانت سواء أأطلق على الربا الفائدة أو العائد أو العمولة أو أي تسمية كانت، لهذا فإن نظرية التوزيع للناتج القومي التي تمثل جانب من جوانب المشكلة الاقتصادية في النظام الاقتصادي المعاصر، كما يمكن فهمها من القرآن والسنة أنها تقوم على قاعدة المشاركة الفعلية في عملية الإنتاج، ولهذا فإن عملية التوزيع وفقاً لذلك تتحدد في عنصر العمل من خلال دفع الأجور والربح لرأس المال المساهم في عملية الإنتاج الذي يتحمل المخاطرة بالفقدان في حالة الخسارة وأحقية الحصول على عائد يتمثل في الربح أو الإيجار لرأس المال العيني الذي تم تكوينه من خلال استغلال الموارد الطبيعية والاستفادة منها في تكوين أصول رأسمالية منتجة يتم الانتفاع بها فتنال جزءاً من الدخل الناتج عن استغلالها. هذه هي المشكلة الاقتصادية: مما سبق من مناقشات لجوانب متعددة للمشكلة الاقتصادية يتضح لنا أن المشكلة الاقتصادية من وجهة النظر الإسلامية هي جزء من واقع حياة الإنسان وبالتالي فلا يمكن القضاء عليها، ولكن يمكن الحد من تأثيراتها السلبية، وأن معالجة الإسلام للمشكلة الاقتصادية يقوم على تجنب الأسباب بالمواجهة لهذه المشكلة، والالتزام بالمنهج الإسلامي في التنظيم الاجتماعي والسياسي والمالي الذي رسمه الله في كتابه وعلى لسان نبيه، وأن تحقيق الرخاء يرتبط بالإيمان بالله سلوكاً واعتقاداً كما أشار إلى ذلك ربنا في كتابه في قوله تعالى: [ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض..] [الأعراف: ٩٦] .

стр. 1846

نصوص شعرية .. بذور النهاية .. نضال القاسم سأمضي وحيداً.. أشدّ الرحالْ إلى غير غاية! وحيداً.. مشيت الخطى عنوةً ومنذ ابتدأت.. رأيتُ النهايةْ! فما صدَقوني.. وقد حاربوني.. وألقوا بدربي بذورَ النهايةْ فما أوهنتني الدروبُ ولا ضيعَتني الدروبُ لأني بجرحي قصصتُ الحكايةْ فقد علمتني.. خطاي النزيفَ! .. وقد لقّنتني جراحي البداية! .

стр. 1847

مقال روح الفريق والمبادرات الذاتية محمد محمد بدري يشكل الأفراد العنصر الأول في بناء كل أمة، وتوفر الصلات بين هؤلاء الأفراد الشرط الأول لقيام هذه الأمة برسالتها وتقديمها لعطائها الحضاري.. فروح الفريق هي الدعامة الأساسية في حمل رسالة الأمة، والعمل الجماعي من أهم ضمانات النجاح وتحقيق الأهداف، ذلك أن العمل الجماعي يضيف كل فرد في الأمة إلى غيره إضافة كيفية لا كمية، وروح الفريق توحد الأفكار والممارسات العملية من أجل تحقيق رسالة الأمة.. ومن هنا كانت الأمة التي تسير خطوات أفرادها بروح الفريق ويسود أعمالهم التعاون والتكامل، هي الأمة الجديرة بالريادة البشرية. ولقد ربى رسول الله ﷺ الرعيل الأول من المسلمين على روح الجماعة وذكرهم بالمسؤولية الجماعية عن أمر هذا الدين، فكان وصفه - ﷺ لدين الإسلام بالسفينة السائرة في البحر، يحاول المفسدون خرقها وإغراق أهلها، وكانت وصيته للمسلمين جميعاً بأن طريق نجاتهم إنما هو الأخذ على أيدي المفسدين كما في صحيح البخاري، قال ﷺ «مثل القائم على حدود والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» [١] . وإذن فالمسؤولية عن هذا الدين هي مسؤولية «أمة» المسلمين في مواجهة «أمة» الكافرين، وكما أن الكفار لا يمارسون كفرهم وإفسادهم فرادى، وإنما يوالي بعضهم بعضاً، فكذلك يجب أن يمارس المسلمون إسلامهم مجتمعين وأن يواجهوا الكفر بـ «الأمة» المتعاونة المتناصرة، ويوقنوا أنه إذا لم تقم «أمة» الإيمان بهذا الواجب، فسوف تتولى «أمة» الكفر قيادة البشرية، وإذا حدث ذلك كان الفساد الكبير، في ميادين السياسة، في ميادين الاجتماع، في ميادين الأخلاق، وشيوع التحلل والفواحش.. وغير ذلك.. ومن هنا فإن المسلمين في أمس الحاجة إلى من يعيدهم إلى العمل بروح «الأمة» وقيم «الولاء» للفكرة الإسلامية، والبعد عن العصبيات والأطر الحزبية التي هي في حقيقة أمرها «مقابر» تدفن فيها «أشلاء» الأمة الإسلامية بعد أن قتلتها الفرقة. ولا شك أن عودة المسلمين إلى روح الأمة، وهجرهم للأطر الحزبية يحتاج إلى شجاعة في فك الارتباط القائم بين العمل الإسلامي وبين الأطر الحزبية وبالتالي تَقَبُل العمل الإسلامي للاستراتيجية الصائبة التي توصله إلى أهدافه، سواء أكانت هذه الاستراتيجية منبعثة من داخله أو من خارجه! ! ولكي يتحقق هذا الهدف الأكبر، ويصل العمل الإسلامي المعاصر إلى ذلك. المستوى السامق، لابد للتربية الإسلامية من تنمية الصفات التي تحقق التفاعل بين أفراد الأمة مثل صفة الأخوة، والشورى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والعطاء المتبادل والقدرة على تكوين تجمعات حضارية يكون الولاء فيها للأمة الإسلامية، قبل أن يكون للتجمع أو الحزب؟ ! ولا شك أن تنمية هذه الصفات تحتاج إلى برامج تربوية تركز على الائتلاف والعمل الجماعي، وتنهي العزلة عن المجتمع، وتربي الأفراد على أساس من الحرية ضمن النظام، والمبادرة مع الانضباط، والتنفيذ وليس الجدل وتفجير الطاقات وليس تبرير العجز، وروح الفريق وليس روح القطيع. إن التربية «المطلوبة لتنشئة المسلمين عموماً - فضلاً عن الجيل الذي يقع عليه عبء المواجهة الأولى مع الجاهلية، ينبغي أن توازن بين الروح الفردية والروح الجماعية عند أفراد الجماعة، فلا تحيلهم أصفاراً عن طريق تنمية الروح الجماعية على حساب الروح الفردية، ولا تنمي فيهم الفردية الجانحة فيعتز كل منهم بفكره وذاته وبتقييمه الخاص للأمور، فلا تأتلف منهم جماعة، ولا يلتئم لهم تجمع له وزن» [٢] . ولكي يحقق العمل الإسلامي المعاصر ذلك التوازن بين الروح الجماعية وبين الروح الفردية، لابد له من توفير المناخ الذي يساعد على تنمية شخصية الأفراد مع اختيار أساليب العمل التي تتيح أقل قدر من السلطة، وأكبر قدر من المبادرات الذاتية، والحرص في ذات الوقت على ترسيخ مبدأ الشورى بين العاملين للإسلام وتبادل الأراء فيما بينهم حول الأمور التي فيها صلاح حال الأمة. ولا شك أن هذا يستلزم أن يتحول العمل الإسلامي من أسلوب المركزية في اتخاذ القرار وتطبيقه ومراقبة تنفيذه! ! إلى أسلوب المشاركة التي يتسع نطاقها، رغم المخاطرة بالوقوع في الخطأ؟ ! ذلك أن هذا الأسلوب في العمل هو الطريق إلى تنمية الطاقات، وتحرر الأفراد من التقوقع داخل أفكار وتصورات القادة، إلى الشعور بحرية التحرك والعمل، مما يزيد من حماستهم للعمل والعطاء لإحساس كل منهم أن له وظيفة مستقلة تتناسب مع كفاءاته وقدراته. وإذا كان أسلوب المشاركة الواسعة من الأفراد يحقق لهم تنمية الشخصية واستقلالية القرار، فإن الصلات التعاونية بينهم تؤدي إلى نمو روح الود، وتُيسر تقبل كل فرد منهم أراء إخوانه.. فتكون النتيجة هي ازدياد التفاعل بين أفراد الجماعة وتكامل جهودهم في سبيل حمل رسالتهم التاريخية، والخروج بأمتهم من أزمتها. إن الجماعة والتنظيم في الإسلام يعني «التعاون» و «العلمية» .. أي تعاون الجهود في خطة يضعها العلم، فجوهر الجماعة وحقيقة التنظيم إنما هو التعاون بين المسلمين، والتكامل بين نشاطاتهم في اتجاه التمكين لشريعة الله، وإقامة دولة الإسلام، وإحياء الأمة الإسلامية. ومن هنا وجب أن يكون تخطيطنا الإسلامي «أسلوب عمل جماعي يأخذ بالأسباب لمواجهة توقعات المستقبل، ويعتمد على منهاجنا الفكري العقدي الذي يؤمن بالقدر ويتوكل على الله، ويسعى لتحقيق هدف شرعي هو عبادة الله وحده لا شريك له. ولأن التخطيط الإسلامي أسلوب عمل جماعي فلابد أن يستوعب جهد كل أفراد المجتمع، ويهتم بتحقيق الترابط الاجتماعي بين أفراده، عبر إيجاد رابطة الأخوة بين المسلمين والاهتمام بالروابط الأسرية وعلاقات الجوار» [٣] بحيث تتحول علاقة المسلمين ببعضهم بعضاً إلى شعور حي يتفاعل مع مشاكل الآخرين وحاجاتهم، كما يتفاعل مع قضاياه الفردية. ولأن التخطيط الإسلامي أسلوب عمل جماعي فلابد أن يقوم على مبدأ الشورى ويصطبغ بصبغته كما أمر الله [وشاورهم في الأمر] [آل عمران: ١٥٩] ولابد أن تكون الشورى هي صفة الصف الإسلامي كما أخبر الله سبحانه [وأمرهم شورى بينهم] [الشورى: ٣٨] ولابد أن يتعلم الفرد المسلم أن يبحث دائماً عمن يستشيره من أهل العلم والخبرة، وأهل الإخلاص والتقوى.. فيمزج فكره وتجربته مع ما يمكن أن يستفيده من أفكار وتجارب الآخرين، لكي يكون عمله على ضوء من رؤية مستوعبة، وبصيرة نافذة. ولأن التخطيط الإسلامي أسلوب عمل جماعي، فلابد فيه من التأكيد على إيجاد «التشجيع المتبادل» والنهي عن «التثبيط» ذلك أن «كلمة التشجيع تلعب دوراً هاماً في دفع عجلة العمل إلى الأمام، بينما تعوق كلمات التثبيط العمل القائم - إن لم توقفه تماماً - ومن هنا فإن واجب القائمين على العمل الإسلامي أن يبتعدوا عن الأقوال المثبطة مثل: ماذا يفيدنا هذا؟ ، أو لن نستطيع أن نعمل شيئاً..، وأن يعملوا بروح إيجابية وهم على يقين أن هنالك دائماً ما يمكن عمله، وأن كل عمل مفيد» [٤] إن الحياة الإسلامية حياة جماعية يسودها التعاون والتكامل، ويخرج فيها الفرد من دائرة التمحور حول الذات إلى الانفتاح على الآخرين.. ومن الاتجاه إلى الهموم الفردية إلى حمل هموم الأمة.. ولذلك فإن تجمعات الأفراد الذين لا تقوم بينهم صلات الأخوة والتعاون والتكامل، لا تستحق وصف «المجتمع المسلم» و «الأمة الحية» بل إن أول صفات الأمة الميتة هي «تعطل روح الجماعة والعمل الجماعي، وتوقف تبادل الخبرات والمشورة.. وذلك يُنتج في واقع الأمة ظواهر التعصب للرأي، والعجب والكبر والتعالم وإملاء الرأي وفرضه على الآخرين ويكون من نتائج ذلك بروز مجتمع الكراهية، وفقدان الثقة وشيوع الحسد وانعدام التعاون والوحدة، وتفرق الكلمة، والتستر علي الأخطاء، والعيوب، ورفض النقد الذاتي، وتبرير الهزائم والنكسات والأزمات، وبالجملة: تحطم روح الجماعة والعمل الجماعي، وإغلاق قنوات الاتصال والتفاهم فلا تحل المشكلات إلا بالخصومة والفتن والتآمر والقتل ولعل هذا المصير ما يشير إليه تعالى [قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض] [الأنعام: ٦٥] . إننا نشكو في عملنا الإسلامي من بعض الأخطاء، هذه حقيقة، ولكننا إذا بحثنا عن سبب هذه الأخطاء سنجد أن وزرها جميعها يرجع إلينا نحن.. إلى » الجراثيم «التي نحملها في كياننا فتمنع من العمل الجماعي وروح الفريق.. جراثيم الشح المطاع والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، واعجاب كثير منا برأيه! ! إن أخطاء عملنا الإسلامي المعاصر ستبقى طالما بقينا عاجزين عن تصفية وتجديد كياناتنا وفقاً لتوجيهات الإسلام التي تجعل التعاون والروابط القوية بين الأفراد هي أساس تحقيق الأهداف.. قال الله [لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم] [الأنفال: من الآية٦٣] فالفرد المنعزل لا يستطيع أن يرسل الخير إلى غيره، بل لابد أن يكون عمله في صورة» فريق عمل «يؤدي نشاطاً مشتركاً ويتحرك بتوازن دقيق بين الروح الفردية والروح الجماعية فيكون عمله في إطار من» الفرد للمجموع والمجموع للفرد «وتقوم استراتيجيته على أساس من» روح الفريق والمبادرات الذاتية «. ولا تستطيع أمة من الأمم أن تحقق أقصى الفعالية في الداخل والخارج إلا إذا كان النظام الجماعي هو الذي يُسَير خطوات أفرادها، ومن هنا فإن الواجب الأول لجميع فصائل العمل الإسلامي المعاصر هو بداية مسيرة التعاون من أجل بناء الأمة الإسلامية القوية التي تستطيع مواجهة كل أعدائها وحمل رسالتها الحضارية إلى كل البشرية.. تلك الرسالة التي لا يمكن أن يحملها فرد أو مجموعة أفراد، إنما تحملها مجموعات متعاونة تعمل وفق خطة تكاملية مدروسة تقوم على أساس من» روح الفريق والمبادرات الذاتية «.

стр. 1848

المسلمون والعالم سلام وادي عربة الاستفراد الثالث د/ عبد الله عمر سلطان تبدو عملية السلام المنطلقة بهذا الزخم الملفت للنظر عملية أحادية المكاسب والتوقعات والتصورات والمستقبل، الجانب الصهيوني في كل تفاصيل أي اتفاق أو إعلان مبادئ أو حفلة سمجة يطل برأسه وهو يرسم ابتسامته الماكرة وبرعاية الحليف الأمريكي المحترف وكأنه يريد إذلال آخر معاقل الأنفة في النفوس التي ذاقت الهزيمة مرتين وهي تقابل بني إسرائيل، مرة جرجرت أذيالها في ساحات المعارك، وها هي اليوم تقدم فروض الطاعة والولاء وبقية الدراهم القليلة عربوناً لقبولها في النظام الإقليمي الشرق الأوسطي. صحيفة النيويورك تايمز علقت على عناوين هذه المرحلة بقولها: «مرحلة قبول الوضع الراهن بكل واقعية وتكريس الوجود الغربي في المنطقة مع إعطاء إسرائيل حجمها الحقيقي الذي طالما حاول العرب أن يخفوه عن أنظارهم..» ، أما مراسل هيئة الإذاعة البريطانية فعلق على حفلة التوقيع الأردني / الإسرائيلي: «بأنه اليوم الذي فتح الباب لحاخام يهودي بأن يقف على أرض إسلامية وفي ضيافة أسرة هاشمية تنتمي إلى نبي الإسلام ليصرح بمقاطع من التوراة وسط احترام وتقدير بالغين..» ، (برنت راسل) المعلق الأمريكي خرج بصورة تحليلية تمس عمق هذا السيل الجارف فقال: «الواقع الذي ترسمه القيادة الأمريكية في دفعها لعلمية السلام تطغى عليه حتى الآن الروح الدعائية والاحتفالية، وأنا لا أقلل من عدد المعاهدات أو كثرة اللقاءات الثنائية أو حجم التنازلات التي تلقتها إسرائيل بمباركة أمريكا فهذه ظاهرة للعيان لا تحتاج إلى عدسة مكبرة أو جهاز حاسب آلي، لكن الذي تجب الإشارة إليه أن هذه الاتفاقات لازالت اتفاقات حكومات لا شعوب وخيار رسمي لم يراعِ نبض الشعوب أو يأخذ بعين الاعتبار شعبية الذين يتمسكون بخيار الصلح فضلاً عن مستقبلهم.. إن من حق إسرائيل أن تحتفل لأن هذا السلام هو ما تمنته وحاربت وخططت من أجله لعقود بعد أن كانت منبوذة، وهو ينسجم مع السياق السياسي والشعبي لليهود في شتى بقاع الأرض، أما الشعوب العربية فإننا إذا تواضعنا واكتفينا بتوصيف دبلوماسي للواقع فإن واقعها يقول إنها تشعر بالغثيان أو دوار البحر من مظاهر الصداقة العربية - الإسرائيلية التي تشبه طبخة وضعت على موائد الجائعين والمحبطين على عجل ثم قيل لهم ليس أمامكم سوى الإشادة بالخلطة السحرية التي أخرجت لكم الطبق العربي/ الإسرائيلي المشترك. لقد أتت خطوات السلام الأردنية - الإسرائيلية بعد حادثة تفجر الباص في تل أبيب، هذا الحادث كشف بصدق عن النفسية اليهودية المنحطة التي تريد أن تقبض ثمن الانهيار والانصياع العربي دون مقابل، حتى ولو كان عاطفياً، فرابين وصف الحادث أمام الشعب البريطاني الذي كان يزوره بالقول:» إن الإرهاب هو من طبيعة شعوب هذه المنطقة - من العرب - وإن علينا أن نجد من الوسائل ما يكفل القضاء على الطباع المتأصلة لدى هذه الأمم «، أي بكلام آخر: إن السلام الذي تبرمه أمريكا وتضغط من أجل إتمامه لمصلحة قاعدتها المتقدمة (إسرائيل) هو سلام الحضارة المتفوقة التي يصفها كاتب يهودي» وجدت نفسها مضطرة إلى العيش وسط جيران عدوانيين متخلفين فكانت مهمة إسرائيل إدخال مفاهيم السلام والاحترام المتبادل قبل أن توقع اتفاقيات سياسية هامة «إن هذا الاحتقار وتلك الغطرسة الإسرائيلية ظهرت في تصرف رئيس الدولة الذي يطلق عليه طابور التطبيع العربي لقب (جنرال السلام) هذا الجنرال المسالم العجوز هو (عايزرا وايزمان) الذي رفض أن يستقبل مكالمة ياسر عرفات في أعقاب حادثة الباص تعبيراً عن احتقاره الممزوج بالغضب من هؤلاء الذين اضطر إلى توقيع اتفاقيات سلام معهم رغم حنقه داخلياً عليهم ورفضه حتى اعتذاراتهم المتكررة والمهينة. لماذا يريدون السلام إذن؟ إذا كانت شعوب المنطقة المسلمة همجية متخلفة بربرية إلى هذه الدرجة وإذا كان زعماء السلام الأعرج إرهابيين مهما ركعوا واعتذروا وقبلوا الأيادي، فلماذا إذن هذا الهجوم الضاري من أجل السلام وما الذي يدفع أمريكا (المتحضرة) وإسرائيل» المتمدنة «لكي توقع هذه الاتفاقيات وترضى بالحديث مع قادة الإرهاب (كما تحكي عنهم) وشعوب المنطقة التي تؤمن بالعنف وسيلة وحيدة للحوار. الحلف الأمريكي الإسرائيلي ينظر إلى المنطقة العربية على أنها منطقة تمر بمرحلة مخاض قاس، مرحلة تنهي القوى الدولية فيها عصر الحرب الباردة ومخلفاتها وتسعى إلى تشكيل شبكة جديدة من العلاقات والرؤى والمفاهيم والقواعد التي تكرس الانتصار الغربي الليبرالي عنواناً والصليبي حقيقة وإلى الأبد.. القوى الدولية تشعر منذ (قمة مالطا) التي عقدت بين جورج بوش وميخائيل جورباتشوف أن الأنظمة العربية لا سيما الثورية ضرورية لإنهاء مستحقات الحرب الباردة ولا سيما الصراع العربي الإسرائيلي بالصورة التي حددتها هذه القوى، أي بتفوق يهودي يكرس المرحلة الشرق أوسطية الجديدة وهذا يحتاج إلى قيادات المرحلة الراهنة - التي على الرغم من كل تناقضاتها وتاريخها - تشكل حجر الأساس لهذه الاتفاقيات التي توقع هنا وهناك وهذا الدور يتعاظم في ظل ارتفاع المد الإسلامي الذي له موقف واضح من قضية فلسطين والقدس والصلح مع اليهود ... لقد بدى للعيان بعد أكثر من عقد من الصلح في كامب ديفيد أن التطبيع ظل تطبيع حكومات لا شعوب وأن الشعب المصري في أوسع قطاعاته ظل ينظر إلى الصلح مع اليهود على أنه اتفاق حكومي فوقي لا يعنيه من قريب أو بعيد، وظل دعاة التطبيع وعرابوه مجموعة منعزلة عن الشعب ونبضه رغم الإمكانات الهائلة والمنابر المتعددة التي بين أيديهم، والتجربة الصهيونية حتى في القطاعات التي جاءت في الاحتكاك مع الغرب من المجالات البحثية والرياضية والفنية ظلت مغلقة في قطاعها الواسع أمام موجة التطبيع، والمحصلة إذن سلام توقعه حكومات وقيادات مارست الهزيمة السياسية بالأمس وتوقع هزيمتها السياسية اليوم وتحت هذه اللافتة الرسمية التي لا تستند إلي دعم شعبي يسعى الكيان الصهيوني إلى إقامة كيانات تنشط في مجالات الفكر والإعلام والسياسة والاقتصاد، تكون بمثابة النخب التي ترتبط بالمشروع الصهيوني الشرق أوسطي وتمارس دور الهتاف للتطبيع باسم الشعوب التي لفظتها وعركتها منذ أيام النضال القومي والماركسي حتى انتهاء الحال بهم اليوم طلائع للحل الصهيوني والسلام ببصماته الرامية إلى خنق الأمة. إن إسرائيل وأمريكا تسعيان اليوم إلى توقيع الصلح مع العرب وهم في أضعف حال، حينها سيقول اليهود رأيهم في السلام مع العرب في الانتخابات المقبلة، وهو موقف سيكون في مجمله راضياً عن الخطوات السلمية، في مقابل ذلك نجد أن الشعوب العربية مغيبة بل مسلوبة حتى من حق الاعتراض، وهذا بالتحديد ما يهدد جنين السلام منذ يومه الأول، فالشعوب تثأر لكرامتها ولو بعد حين حتى ولو كان على طريقة النازية حينما ثارت ضد اتفاقية (فرساي) التي اعتبرها الألمان مهينة لهم» كما يقول (فرانسيسكو دوتشيني) المعلق الإيطالي، هذه القوة الصهيونية تمثلت يوم أن وقف الرئيس الأمريكي كلنتون خلال زيارته الأخيرة للكيان الصهيوني وهو معتمر الطاقية اليهودية واعداً إسرائيل بحماية وأمن وتفوق إلى الأبد ثم قام زعيم المعارضة (بنيامين نتان ياهو) وخاطب كلنتون قائلاً «لسنا بحاجة إلى وعود مستقبلية واتفاقات مع زعامات صغيرة إن أبناءنا اليهود هم الذين صنعوا المعجزة الإسرائيلية وإن السلام الذي يوعد اليهود بإبرامه مع جيرانهم سيحرمهم من أرضهم التوراتية المقدسة» في الوقت نفسه كانت قوات الأمن الأردنية تعتدي على عضو في البرلمان الأردني أراد أن يعبر عن موقفه من المعاهدة في ظل «الشرعية الدستورية وضمن حقوقه النيابية» ولكن الرد كان يتمثل في إقدام عناصر الأمن على ضربه وهو يهم بارتقاء المنبر، أما زملاؤه الذين طلبوا أن يعبروا عن وجهة نظرهم من السلام المفروض على الأردن فإن الرد كان واضحاً: ليس أمامكم سوى التأييد والدعم لهذا الاتفاق خصوصاً أن الرئيس الأمريكي كان ضيف البرلمان.. عندها وجد المعارضون الأردنيون أن مقاييس السلام وارتباطه بالقوة والضعف يجعل من زعيم المعارضة الإسرائيلية يقول رأيه بكل صراحة في حضرة (الإمبراطور كلنتون) أما هم فقد اكتفوا بأن يقاطعوا الجلسة ويشاهدوا زملاءهم على شاشات التلفاز وهم يغمرون «الراعي» الأمريكي بفيض من الهتاف والتصفيق. السلام الآن مطلوب ويكفي أن النفسية اليهودية المعقدة والمشوهة قد رأت كلنتون يلقي بثقله في محطات رحلته الشرق أوسطية يكيل المدح لمن سار على الخط الإسرائيلي ويكيل الوعيد لمن تردد أو تساءل، ثم بعيد هذه الرحلة يعقد مؤتمر الشرق الأوسط للتنمية بالمغرب وتشارك الوفود العربية بقضها وقضيضها لتمرر وتقر المخطط الإسرائيلي لمرحلة الهيمنة الصهيونية المقابل للضمور العربي. وفي رأي محلل فرنسي «السلام الأردني الإسرائيلي نموذج للاتفاقيات النفسية.. فالحدود الإسرائيلية الأردنية ظلت هادئة لأكثر من أربعين عاماً الذي حصل هو تكريس السلام العسكري وترجمته إلى قبول بالتفوق الإسرائيلي وفتح نوافذ شعبية له حتى يحرق جدار العداء..» . ما فات هذا المعلق هو أن أخطر ما في اتفاق وادي عربة وما تلاه من مشاهد وعروض مسرحية يهودية مستفزة تغذي في الإنسان المقهور والمطالب بالانسلاخ عن دينه ومنطقه ومعاناته بذور الرفض لسلام المنهزمين لا سيما وأنهم قد خرقوا طبلة أذنه أيام الكامب ثم أيام اتفاق أوسلو بالجنة التي ستبزغ حينما يصالح المغتصب اليهودي المتكئ على الترسانة الغربية المستكبرة التي نالت منه في (صبرا وشاتيلا) والقدس والخليل وحوض البقر ودير ياسين ثم يفتح عينيه ليرى الزعيم الفلسطيني يُذل صباح مساء ويعامل باعتباره رئيس محمية هنود حمر مهمته قمع شعبه ومحاصرته، بينما لم تتحول صحاري النيل إلى أنهار وجنات بمجرد أن تصالحت مصر وإسرائيل، بل زادت معاناة المواطن المصري الذي حاول أن يصدق من قال له: إن السلام معناه الازدهار.. وهذا بالضبط ما يجعل تمرير مثل هذه الكذبة الممجوجة وجبة ثقيلة الظل وعسيرة الهضم.. تماماً كوجه رابين وجوقته العربية التي ترقص على المزامير اليهودية وتصر على أن نصاحبها في الرقص.. على الطريقة الصهيونية المقززة، كما رقصت النخب (إياها) أيام الكامب أو هتفت مع عرفات نخب التطبيع يوم أن احتفل الغرب المتصهيتن بالاستفراد الثاني بالعرب في حديقة البيت الأبيض قبيل حوالي عام، بينما جاء الاستفراد الثالث في وادي عربة رتيباً ومملاً لأن الجميع اكتشفوا أن النائحة المستأجرة التي باعت ضميرها وقلمها وحنجرتها وهي تندد بأعداء السلام من المتطرفين إنما تمارس الانتحار البطيء منذ أن اختارت أن تكون ظلاً للمشروع الصهيوني في المنطقة.

стр. 1849

المسلمون والعالم المسلمون في اليونان بين المطرقة والسندان د. عبد الله البراهيم تمهيد: كلمة عميقة الدلالة في وصف الموقف المعادي للمسلمين في أوروبا توضحه بجلاء قالها المؤرخ الفرنسي المعروف (جوستان لوبون) في كتابه المشهور « حضارة العرب» : «إن حقد النصارى على المسلمين يشبه حقد اليهود على النصارى، خفيٌ أحياناً لكنه عميق دائماً» وهذا القول لا يبعد عن الصحة إلا أن الحقيقة: أن ذلك العداء اليوم ليس خفياً إنما هو واضح كالشمس في رابعة النهار، كما في البوسنة، وكذلك في اليونان حيث يعاني المسلمون من المضايقة والحرمان مما يخالف المعاهدات الدولية بل والدستور اليوناني نفسه وقبل تفصيل ما سبق، أعطي لمحة عن دخول الإسلام في اليونان. دخول الإسلام في اليونان: فتح المسلمون مدن الجزر اليونانية في العهد الأموي ومنها (رودس) وفتح المسلمون الأندلسيون كريت عام ٢١٢ هـ. وفتح السلطان مراد الأول (العثماني) مقدونيا عام ٧٨٢هـ، وتوالى سقوط مدن اليونان حتى خضعت لحكم العثمانيين عدة قرون، فهاجر العديد من الأتراك والبلقان والألبان المسلمين إلى هناك واعتنق بعض اليونانيين الإسلام. وفي القرن الثالث عشر عقدت معاهدة لوزان بين تركيا واليونان عام ١٣٤٤/ ١٩٢٣ وطرد اليونانيون الألبان المسلمين من منطقة (جنينه) ، كما طردوا (المقدونيين) المسلمين، وعلى أثر هذا هاجر مئات الألوف من المسلمين إلى تركيا، ووصل عدد المهاجرين (١.٢٠٠.٠٠٠) نسمة وتعرض من بقى للاضطهاد مما قلل عدد المسلمين اليونانيين، ويقدر عددهم الآن بأكثر من (٢٠٠.٠٠٠) نسمة. الأماكن التي يقطنها المسلمون: ينتمي المسلمون في اليونان إلى عدة أصول فمنهم الأتراك ومنهم البلقان والبوماك والألبان، ومنهم اليونانيون أيضاً ويتنشرون في مناطق عدة من أهمها: ١- تراقيا القرية: ومساحتها ٨.٧٥٨ م، وعدد سكانها حوالي ٤٠٠.٠٠٠ نسمة والمسلمون منهم ١١٧ ألف مسلم، وكانت هذه المنطقة تابعة لتركيا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ثم احتلتها اليونان بعد ذلك، وقد كفلت معاهدة لوزان تحقيق المساواة والعدالة للمسلمين، وعدم المساس بمعتقداتهم ومساجدهم ومدارسهم وأوقافهم لكن المعاهدة لم تحترم وبسبب اضطهاد المسلمين عدد قراهم من ٣٠٠ قرية إلى ٤٠ قرية. ٢- مقدونيا: وتقع شمالي اليونان وعدد المسلمين فيها حوالي ١٥ ألف نسمة والمسلمون فيها من الألبان واليونان والبوماك والغجر وهم يعانون من التفكك والضياع بصورة مآساوية. ٣- منطقة بحر إيجه: وبخاصة جزيرتي رودس وكوس والجزر القريبة من تركيا ويخشى على المسلمين فيها من الانفتاح والذوبان في المجتمعات غير المسلمة. ٤- منطقة ايبروس وتقع شمال غرب اليونان: قرب ألبانيا، وكانت أرضاً ألبانية استولت عليها اليونان على ١٣٣٢، وحصل بها تبادل سكاني مع تركيا حسب اتفاقية لوزان، ثم طرد المسلمون الألبان إلى ألبانيا وبقى بها حوالي ٥٠ ألف مسلم، وهاجر معظمهم فيما بعد، وقتل العديد منهم وغير بعضهم أسماءهم ليسلموا من الاضطهاد، ويقدر عدد المسلمين بها بـ ١٥ ألف نسمة. ٥- أثينا: العاصمة، وبها عدد من المسلمين منذ العهد التركي، وهاجر إليها عدد آخر من المسلمين والألبان من مناطق مختلفة، كما تقيم بها جالية مسلمة من بعض الدول العربية، ويقدر عدد المسلمين بها ب٢٠ ألف نسمة. واقع المسلمين في اليونان: تمارس الحكومة اليونانية الضغوط على المسلمين فتمنعهم من بيع أراضيهم إلا لليونانيين، كما تحرم عليهم زيادة مساكنهم عن دور واحد، مع منع بناء المساجد، ومن استخدام الوسائل العصرية في الإنتاج ليظلوا متخلفين، لذا يعيشون وضعاً اقتصادياً متدهوراً ولقد حكم على أحد المسلمين بدفع غرامة مالية بسبب تعليمه القرآن الكريم لابناء المسلمين أيام الجمع، كما حكم على مسلم آخر بالغرامة والسجن لأنه يعلم الأطفال دينهم ساعتين في الأسبوع. الحكومة اليونانية تستبيح المواثيق: كفلت معاهدة لوزان بين اليونان وتركيا آنفة الذكر حماية الأرواح وحرية ممارسة الدين وحرية الهجرة والتنقل والمساواة أمام النظام، حرية استخدام لغتهم، وحق تأسيس وإدارة المدارس والمعاهد الاجتماعية والدينية ولقد ضربت بها اليونان عرض الحائط، وفي بروتوكول ١٩٦٨ عقد بين الحكومتين اليونانية والتركية أيضاً ويتضمن أن تحترم كل حكومة المشاعر الدينية والعرقية للأقليات في البلدين كما وقعت اليونان على الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان الذي تضمن حرية الديانات وحرية الرأي وعدم التمييز على أساس ديني أو عرقي. الدستور اليوناني يكفل الحرية ولكن! ينص الدستور اليوناني عام ١٩٧٥ على حماية حقوق الأقلية التركية المسلمة في تراقيا الغربية ومن نصوصه: - كل اليونانيين متساوون أمام القانون المادة ١-٤. - سحب الجنسية اليونانية يكون فقط عند حمل جنسية أخرى أو عند القيام بعمل ضد المصالح الوطنية في المادة ٣-٤. - يملك كل الأشخاص الحق في التعبير بحرية عن هوياتهم والاشتراك في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد ما داموا لا يشكلون خطراً على الآخرين ويحترمون القانون، المادة ١-٥. - كل الأشخاص الذين يعيشون ضمن حدود اليونان يجب أن يتمتعوا بحماية كاملة لحياتهم وشرفهم وحريتهم بغض النظر عن قوميتهم أو عرقهم أو لغتهم أو دينهم، المادة ٢-٥. - كل إجراء إداري يحد من حرية الحركة أو المسكن في البلاد لأي يوناني مادة ٤-٥ الصحافة حرة يمنع مراقبتها، المادة ٢-١٥. خرق الحكومة لدستورها: قامت الحكومة اليونانية بمخالفات قانونية تخالف حتى دستورها المعلن وذلك في حق المسلمين فقط ومنها: ١- الحرمان من حق المواطنة والجنسية: وهذا حصل لأشخاص زاروا تركيا ومنهم عسكريون خرجوا مع الجيش اليوناني ومنهم صحفيون فضلاً عن المخالفة لقرارات مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي (CSCE) عام ١٩٨٩ الذي ينص على ضرورة احترام الدول الموقعة وفيه عدم حرمان المواطن المغادر لبلده من العودة إليه متى شاء، ولقد حرم بضعة آلاف من المسلمين لخروجهم من اليونان لتركيا أو البانيا من العودة لبلادهم. ٢- حرية التنقل (السفر) واحتجاز الجوازات: تمنع الحكومة اليونانية مسلمي اليونان من حرية السفر حيث تحجز جوازاتهم بعده طرق منها دخول البوليس لمنازل المسلمين وطلب الجوازات، ثم أخذها ومنها أن شرطة الجوازات عند الحدود تخير العائدين من المسلمين عند دخولهم للبلاد بأن جوازاتهم لم تعد صالحة وبالتالي تحجزها لديها وفي معظم الحالات يتم إعادة الجوازات في فترة بين شهرين إلى ٨ أشهر وبدون ذكر للأسباب. إن حجز الجوازات بدون سبب وبدون محاكمة وبدون مواجهة قضائية يخرق مواد الدستور اليوناني والاتفاقيات الدولية لحرية السفر كما يشكل مضايقة للمسلمين في اليونان وإنكار لحقهم في السفر. ٣- حرية الحركة والسفر في المناطق «المقيدة» : معظم تراقيا الغربية منطقة عسكرية «مقيدة» يحتا ج فيها المرء لترخيص رسمي لدخولها وبخاصة المحاذية لبلغاريا ويذكر بعض أفراد الأقلية المسلمة أن هناك ٢٥٠٠٠ مسلم من البوماك يعيشون في المناطق المقيدة من اكسانثي و ١٠.٠٠٠ في المنطقة المقيدة من كوموتيني، وهناك تشديد قوي على حركة وتنقل سكان تلك المناطق كما تغلق المنطقة كلها بين منتصف الليل حتى الخامسة صباحاً ويمنع السكان من تجاوز دائرة قطرها ٣٠ كم من قراهم في جميع الأوقات. ٤- إنكار الأصل العرقي: ترفض الحكومة اليونانية الاعتراف بوجود أقلية تركية في اليونان وبخاصة في تراقيا الغربية كما ذكر رئيس الوزراء بأنه يوجد مسلمون يونانيون في تراقيا الغربية ولا يوجد أتراك يونانيون هناك. ومن القضايا المشهورة ما حصل للدكتور صادق أحمد والسيد إسماعيل شريف في يناير ١٩٩٠ عندما دعيا للمحاكمة عندما وزعا مطبوعات في حملتهما الانتخابية لعضوية برلمان ١٩٩٠ وذكرهما «الأقلية التركية» فيه تحريض المواطنين على العنف وإيجاد تفرقة للأمة باستخدام لفظة تركي «وحكم عليهما بالسجن ١٨ شهراً. ٥- المعاملة المتردية والسيئة: على الرغم من توقيع اليونان على الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والحريات الأساسيةالتي تنص على عدم تعريض الأفراد لمعاملة غير إنسانية أو سيئة فإن مسلمي تراقيا الغربية يتعرضون لمضايقات كثيرة من قبل البوليس مثل: - استدعاء من يتعاونون مع منظمات حقوق الإنسان والمراقبين الدوليين من المسلمين وذلك لاستجوابهم والتحقيق معه في قسم الشرطة. - مضايقة المحامين من المسلمين من قبل البوليس بين وقت وآخر. - قيام رئيس المباحث بإعطاء أوامر لمراقبة كثير من الأتراك المسلمين. - مضايقة المراقبين الخارجين والمنظمات الإنسانية التي تحقق في انتهاكات حقوق الأقلية المسلمة التركية، وقد تعرض المحامي الألماني (هانز هيلدمان) للضرب من قبل المباحث بعد حضوره جلسة محاكمة د. صادق أحمد وإسماعيل شريف. - تهديد المسلمين من قبل البوليس بالضرب والإيذاء في حالة تقديمهم أي شكوى. ٦- حرية التعبير: ينص الدستور اليوناني في مادته الرابعة عشرة على حرية التعبير والنشر للأراء والمعتقدات كما ينص على حرية الصحافة ومنع الرقابة عليها. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الحرية بالنسبة لمسلمي تراقيا الغربية مقيدة ويمنع دخول الصحف والكتب التركية إلى المنطقة ويتم التشويش أحياناً على الإذاعة والتلفزة التركية، ويوجد حالياً ٥ صحف باللغة التركية محدودة الطبعات قليلة الصفحات تصدر أسبوعياً في كوموتيني وإكساتي مع مجلتين شهريتين ويحظر نشر أي انتقاد للحكومة عما يصيب المسلمين من مضايقات. ٧- الحرية الدينية (حرية العبادة) : تنص معاهدة لوزان على حق مسلمي اليونان في حرية الدين وحق التصرف في المعاهد الوقفية كما نصت الوثيقة الختامية لاجتماع فينا في يناير ١٩٨٩ على حرية الأفراد في تنظيم مؤسساتهم الدينية وهياكلها الإدارية، وقد خرقت الحكومة اليونانية هذه المعاهدة بعدة أشكال منها: - عدم إعطاء التصاريح لترميم أو إعادة بناء المساجد القائمة ومنع التصريح ببناء المساجد الجديدة. - عدم منح المسلمين حق اختيار مفتٍ لهم. - محاولة الحكومة التصرف في أوقاف المسلمين. ٨- الحرية السياسية: تقوم الحكومة اليونانية بعدة إجراءات للتضييق على المسلمين في محاولة منها للتقليل من عدد أصواتهم والحد من وزنهم في الانتخابات ومن هذه الإجراءات: - إغلاق الحدود مع تركيا قبيل الانتخابات لمنع المسلمين اليونانيين من الذي يكونون في زيارة لتركيا من العودة للتصويت. - إيقاف جميع المواصلات الداخلية الحيوية والبرية بين تراقيا الغربية وبقية أجزاء اليونان في أسبوع الانتخابات. - الزج بألاف الجنود في تراقيا الغربية ليصوتوا هناك في محاولة للتقليل من أصوات المسلمين. - التخفيض التدريجي لعدد صناديق الاقتراع في المنطقة والمباعدة بينها لتصبح عملية الاقتراع شاقة وتحتاج لسفر لا يقل عن ساعة للوصول إليها. - تعرض بعض المسلمين للضرب في مراكز الاقتراع. - إغلاق بعض الصناديق في تراقيا الغربية قبل انتهاء فترة التصويت للتقليل من أصوات المسلمين. - رفض طلبات الترشيح للانتخابات كما حصل للدكتور صادق أحمد والسيد إسماعيل شريف. ٩- عدم المساواة: تنص معاهدة لوزان في مادتها رقم ٤٥ على ضرورة حصول المسلمين في اليونان على حقوق متساوية مع غيرهم من المواطنين كما تنص المادة ٤/١ من الدستور اليوناني على أن جميع اليونانيين سواء أمام القانون. ويعاني المسلمون في اليونان من عدم تمكينهم من بيع وشراء الأراضي ومن بيع وشراء أو إصلاح المنازل أو بنائها وكذلك منع بناء المدارس والمساجد وهي الحقوق التي يحصل عليها غيرهم بسهولة. ويحصل الشيء نفسه في قطاع التجارة إذ يمنع المسلمون من الترخيص بمزاولة التجارة أو ممارسة المهن الحرفية وتملك المعدات الصناعية اللازمة للمصانع ويجدون صعوبة بالغة في الحصول على رخص القيادة العمومية وهي الضرورية للمزارعين لقيادة التراكتورات والحراثات وهناك نوع آخر من الصعوبة في الحصول على رخصة القيادة الخصوصية. أ- المباني والأراضي: يشترط القانون اليوناني الحصول على ترخيص من حاكم المنطقة قبل شراء أو بيع الأراضي والمباني وتستغل السلطات هذا القانون في مضايقة المسلمين في عمليات البيع والشراء، وفي الوقت الذي يحصل المواطن اليوناني النصراني على الترخيص في اليوم نفسه. ويستطيع المرء ملاحظة الفرق بين مناطق المسلمين والنصارى في المساكن حيث مساكن المسلمين صغيرة وتعاني من القدم ومعظمها من طابق واحد أما مساكن النصارى فهي غالباً من طابقين وذات مظهر أفضل والشوارع والملاعب ومباني المدارس أفضل حالاً، كما أن البلديات في قرى المسلمين لا تمنح التراخيص بتعبيد طرق جديدة أو إصلاح الطرق الحالية وتتعرض لغرامات فادحة في حالة مخالفة الأوامر، وهناك الكثير من القرى المسلمة التي لا تصلها الكهرباء والمياه. ويمكن للمرء أن يقارن ببساطة بي قريتين في ضواحي كوموتيني: قرية كالاموكاسترو المسلمة وقرية سيدروهوري النصرانية. وتدعي السلطات اليونانية أن السبب في ذلك أن المسلمين لا يريدون إنفاق الأموال على مبانيهم لأنهم يستثمرونها في تركيا! كما يدعي بعض المسؤولين اليونانيين أن السبب يعود إلى فقر المسلمين حيث أن دينهم يجعلهم متخلفين وفقراء. ب- نزع ملكية الأراضي: في عام ١٩٧٨ وضعت الحكومة اليد على مساحة من الأراضي مساحتها من ٣٠٠٠ - ٤٠٠٠ فداناً لبناء جامعة تراقيا في ضواحي كوموتيني ولم يستغل إلا جزء بسيط من الأرض لمباني الجامعة وقد أدى هذا الإجراء ضد الملاك المسلمين من الفلاحين إلى أن يهاجروا إلى تركيا، ويذكر بعض المزارعين أنهم عرضوا ٥٠٠ فداناً على الحكومة بدون مقابل بشرط أن تترك لهم باقي الأرض إلاأن طلبهم رفض، وتدعي الحكومة أنها لا تفرق في إجراء وضع اليد بين المسلمين والنصارى من مواطنيها وبين عامي ١٩٧٦-١٩٨٠ وضعت الحكومة اليد على ٣٠٠٠ فدان من الأراضي على بعد ٨ كم من كوموتيني وكان ٩٠% من هذه الأرض يعود للمسلمين، وتؤدي عملية انتزاع الملكية وبخاصة للأراضي الزراعية إلى إيجاد صعوبات لملاكها المسلمين الذين حتى لو تم تعويضهم مادياً لا يتمكنون من شراء أراضٍ جديدة لزراعتها مما يؤدي بهم إلى الهجرة إلى تركيا. ج- التجارة: تفرض الحكومة قيوداً» غير مكتوبة «على المسلمين تمنعهم بموجبها من مزاولة الأعمال التجارية التي تحتاج إلى تصريح من السلطة المحلية، فلا يوجد مصانع مملوكة للمسلمين ولا محطات وقود ولا حتى صيدليات وفيما يلي بعض الحالات الواقعية: * مهندس ميكانيكي من إكسانثي، ومدير فني لمصنع رخام، حاول على مدى عدة سنوات الحصول على ترخيص لبناء مصنع دون جدوى. * خباز مسلم، من إكسانثي، ذكر أنه استأجر محلاً لبيع الحلويات والخبز ولم يستطع على مدى عدة سنوات من الحصول على ترخيص لشراء معدات المخبز، كما لا يمنح المسلمون المتقدمون لشغل وظائف حكومية مهنية الفرصة كغيرهم. د- رخص القيادة: كما سبق ذكره فمن الصعوبات جداً أن يحصل المسلمون على رخص قيادة عمومية التي يحتاجها المزارعون لقيادة الحراثات والتراكتورات ويزيد عدد الذين رفضت طلباتهم عن ٣٠٠٠ مسلم في تراقيا الغربية في السنوات الأخيرة، ويحتاج الحصول إلى رخص القيادة الخصوصية إلى توسط أحد المسؤولين أو دفع رشوة. هـ- أعمال الخدمة المدنية: لا يتم منح المسلمين الفرصة للعمل بأعمال الخدمة المدنية، وهناك على سبيل المثال ٣٠٠ موظف في مكتب السلطة المحلية في كوموتيني لا يوجد بينهم أي مسلم ومن الألف موظف في مكتب السلطة المحلية في إكسانثي لا يوجد مسلم واحد وتدعي السلطات أن السبب يعود إلى أن المسلمين لم يتقدموا أصلاً لشغل هذه الوظائف، وهذا غير صحيح كما يذكر المسلمون هناك. و المدارس: تنص المادة ٤٠ من معاهدة لوزان على أحقية المسلمين في تراقيا الغربية في حقوق متساوية مع غيرهم لتأسيس وإدارة المدارس والمعاهد وحقهم في استخدام لغتهم (التركية) وممارسة دينهم (الإسلام) في تلك المدارس. ويذكر المسلمون عدم تمكينهم من بناء مدارس جديدة أو ترميم القديمة، كما لا يسمح لهم بتعيين المدرسين ويدرس أبناؤهم مناهج قديمة باللغة التركية، وفي المدارس الابتدائية يدرس أبناء المسلمين الأتراك ٧٠% من المناهج باللغة اليونانية والتي كانت قبل ٢٠ سنة لا تشكل إلا ٤٠% فقط، ويتم تعيين المدرسين من قبل الحكومة أما مدرسوا اللغة التركية فيتم تدريبهم في أكاديمية (تيسالونكي) التي لا تؤهلهم تأهيلاً جيداً لتعليم اللغة. ويوجد حوالي ٢٥٠ مدرسة ابتدائية (تركية) في تراقيا الغربية يدرس فيها حوالي ١٢٠٠٠ طالب ومدرستان تركيتان ثانويتان واحدة في أكسانثي والأخرى في كوموتيني تستوعب كل منهما قرابة ١٥٠ طالباً، وتشترط هاتان المدرستان اجتياز الطالب لاختبارات قبول يجرى باللغة اليونانية، ويضطر الطلبة الذين لم يجتازوا الاختبار للسفر إلى تركيا لإكمال دراستهم الثانوية هناك. ز- المناهج الدراسية: معظم المناهج الدراسية التي تدرس لأبناء المسلمين باللغة التركية في المدارس الابتدائية هي مناهج قديمة لم يتم تطويرها ومازالت الطبعات مثلاً تعود إلى عام ١٩٧٠م، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتب ذات الطبعات الأحدث التي ترسلها الحكومة التركية تحتاج إلى موافقة الحكومة اليونانية التي تتلكأ في ذلك، على الرغم من عمل التعديلات المطلوبة، إلا أن الكتب لم تفسح. والله نسأل أن يلطف بإخواننا المسلمين هناك، وأن يرفع ما نزل بهم من ظلم.

стр. 1850

المسلمون والعالم انطباعات عائد من اليمن أيمن بن سعيد تمهيد: رصدت مجلة البيان أحداث اليمن الأخيرة أولاً بأول متوخية في ذلك العدل والإنصاف داعية أبناءها إلى نبذ الخلاف وضرورة تعاونهم على البر والتقوى، للخروج من دائرة تلك الفتنة التي مرت بهم وببلدهم وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، كانت البيان ترغب في رصد الواقع الفعلي بعد الحرب بنظرة موضوعية، كما عودنا قراءنا وطالبنا بعض المهتمين بمتابعة ذلك الحدث وبعد لأي وصلتنا هذه المقالة من الكاتب الذي سبقت مشاركته بالكتابة للمجلة شاكرين له ولكل كتاب المجلة تواصلهم معنا. - البيان - تأسرك اليمن بخضرتها، وجمال هوائها، واعتدال درجة حرارة أغلب مناطقها، ووعورة وارتفاع جبالها وامتداد وجمال سواحلها، واختلاف مناخاتها، وغزارة أمطارها، وتنوع محاصيلها، ومع أن ذلك موضوع يستحق الحديث عنه من وجهة نظري إلا أني سأضرب الذكر عنه صفحاً، وأتوجه إلى تناول انطباعاتي حول القضايا التي أظن أنها تهم قارئ (البيان) الغراء. الوضع الاقتصادي: تحسن الوضع الاقتصادي قليلاً عما كان عليه في الأيام الأخيرة للحرب وذلك من ناحية تحسن قيمة صرف الريال مقابل الدولار، وانخفاض الأسعار، وتوافر فرص العمل نسبياً، إلا أن الوضع ما يزال أكثر من سيء على كل حال فعلى سبيل المثال: بالنسبة للقيمة الشرائية للريال ما يزال سعر صرفه مقابل الدولار متدهوراً، حيث تبلغ قيمة الدولار الآن ٩٥ ريالاً بينما كانت قد بلغت أثناء الحرب ١٥٠ ريالاً. وبالنسبة للبطالة فما تزال متضخمة وبخاصة بعد شبه التوقف العمراني في محافظتي عدن والمكلا، وإن وجدت حركة عمرانية خفيفة في سائر المحافظات، مما قلل بالتالي فرص العمل. أما بالنسبة للغلاء الفاحش ومعاناة الناس من ذلك فما تزال السلع الأساسية مرتفعة الأسعار جداً بالنسبة لعامة الناس مع الانخفاض الذي حصل لها بعد الأيام الأخيرة للحرب حيث تبلغ الأسعار لدى التجار لبعض السلع - بالريال اليمني - كالتالي: القمح ٦٥٠، والسكر ٢٤٠٠، والأرز التايلندي ٢٢٠٠، الكيلو الجرام من اللحم البقري: ٣٠٠ ريال، الدجاجة الواحدة ٢٢٠ ريال. ولابد من الإشارة إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار يصاحبه ضعف في مدخولات عامة الناس فباستثناء التجار وأصحاب الحرف الآلية يبلغ متوسط رواتب موظفي الدولة من جند وغيرهم ٣٥٠٠ ريال: بينما غالبية الشعب إما مشتغلون بالزراعة وهي لا تكفي لتوفير السلع الأساسية، وإما عاطلون عن العمل وهم الأكثر وبخاصة في المدن والمحافظات الفقيرة نسبياً كالمهرة وحجة والحديدة. ولقد جعل ضعف المدخول الكثير من أفراد المجتمع يلهث جاهداً في تحصيل لقمة العيش وتوفير متطلبات الحياة، مما أعطى التفكيرالمادي وحسابات الربح والخسارة دوراً كبيراً في التأثير على التعامل بين أفراد المجتمع. الوضع الاجتماعي: المجتمع اليمني مجتمع محافظ في الجملة تحكمه القبلية وبالأخص في المحافظات الشمالية في أحيان كثيرة، ويبدو أن القبلية في الجنوب - بعد زوال نفوذ الحزب الاشتراكي مهيأة للعب دور كبير وبالأخص في حضرموت وشبوة وأبين ويافع، وما يوجد من ضعف في المحافظة في بعض المدن كعدن على وجه الخصوص فمرده إلى كون هذه المدينة كانت عاصمة الاحتلال الانجليزي، ثم عاصمة دولة الحزب الاشتراكي، ويوجد فيها الكثير من القوميات الوافدة كالهندية والصومالية.. إلخ وبأعداد كبيرة. ويليها في ذلك مدينة تعز، وسبب ذلك يعود إلى ضعف الكيان القبلي فيها ومجاورتها لمحافظة عدن وكون جل أفراد وقيادات الحزب الاشتراكي في المحافظات الشمالية منها. ومع وجود التزام ومحافظة في المجتمع اليمني بشكل عام إلا أنه التزام ومحافظة تقليدية - بخاصة في جانب المرأة - ومالم يبادر الدعاة والمصلحون وعلى وجه السرعة إلى إعطائها بعداً عقدياً إسلامياً عن طريق نشر العلم الشرعي وإذكاء روح المراقبة لله تعالى والخوف منه سبحانه واستغلال الفرص المتاحة نسبياً في وسائل الإعلام المختلفة وتكثيف الدروس والمحاضرات الشرعية في المساجد والمدارس للرجال والنساء على السواء، وتوزيع الكتاب والشريط الإسلامي بشكل كبير فإنها معرضة للضعف بشكل سيكون ملحوظاً وبسرعة كبيرة وذلك عن طريق الكثير من المؤثرات ومنها: أ- التحول الكبير في المجتمع اليمني من ناحية التعليم وهذه إيجابية كبيرة حيث يتوقع أن يتم القضاء على الأمية في اليمن والتي تبلغ نسبتها الآن أكثر من ٦٠% بشكل كبير جداً في أوساط الجيل القادم إلا أنه ما لم يصحب التعليم تربية للجيل على المراقبة لله تعالى والخوف منه ورجاء ثوابه كما تبين فإن ذلك قد يعني جعله عرضة لتلقي ثقافات مختلفة مخالفة للشرع عن طريق القراءة للصحف والمجلات والكتب المختلفة والتي تحمل فكراً منحرفاً وتشجع على السلوكيات السيئة، وعن طريق الاحتكاك بالمدرسين والطلبة ذوي التوجهات المنحرفة. ب- عن طريق وسائل الإعلام والاتصالات المختلفة - حيث انتشرت أجهزة التلفاز والراديو بل والفيديو في جل المنازل تقريباً ومما عمت به البلوى أن صحون استقبال البث المباشر أصبحت ظاهرة متفشية في كثير من المدن بالإضافة إلى أن الصحف والمجلات التي تروج للسموم الفكرية والسلوكية تباع في كل المدن تقريباً وبأسعار زهيدة نسبياً، بالإضافة إلى أنه من الميسور على المراهقين والشباب في جل المدن اليمنية من الذكور الذهاب إلى دورالسينما أو المقاهي التي تعرض فيها أفلام سيئة من خلال الفيديو. ج- الدور الخطير الذي يقوم به أصدقاء وصديقات السوء المنتمون إلى الأندية الفاسدة أو الأحزاب والمنظمات العلمانية وهي كثيرة في اليمن. د- الوضع الاقتصادي المتردي الذي يدفع بعض الشباب ذكوراً وإناثاً إلى فعل كل ما يمكن فعله في سبيل الحصول على المال بغض النظر عن كونه خيراً أو شراً. ومع أن المجتمع اليمني يمتلك عاطفة دينية جيدة، وتنتشر في أوساطه صحوة إسلامية مباركة إلا أن هذه الصحوة تنتشر انتشاراً أفقياً أكثر من انتشارها انتشاراً رأسياً بمعنى أن جل أفرادها يحملون ولاءً عاماً للإسلام وطموحاً قوياً لتطبيقه واستعداداً لدى الكثيرين للدفاع عنه إلا أن حصيلتهم الشرعية ضعيفة ولذا نجد الكثير من المخالفات الشرعية في أوساط الكثير من أفراد وقيادات الصحوة من مثل ضعف الالتزام الذاتي بأحكام الإسلام، وتقديم العقل أو المصلحة على النص، والولاء للأفراد والجماعات على حساب الولاء للدين.. إلخ. وكذلك يوجد من بين أفراد الصحوة من لديه علم شرعي لا بأس به لكن لديه ضعفاً ظاهراً في فقه الواقع، ولذا لا يتمكن من إنزال أحكام الدين على الواقع وتطبيقها تطبيقاً صحيحاً، كما أنه قد يوجد فريق يحمل فكراً نظرياً صحيحاً لكنه أبعد ما يكون عن الالتزام والتقيد بأخلاقيات الدين وآدابه سواءً أثناء عرضه للدين أو تحاوره مع الآخرين. ولذا فإن الصحوة الإسلامية هناك مهددة من داخلها وخارجها، فمن داخلها هي مهددة بالتنازع بين فصائلها، وبأخذ كل فصيل ببعض النصوص دون الأخرى، وبسهولة اختراقها من بعض من يعاديها عن طريق رفعه لشعاراتها نتيجة حرصها على الكم دون الكيف، كما أنها مهددة من الداخل بمثالية بعض الفصائل وعدم الفقه لطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى عدم إدراك بعضهم للموقف الشرعي الصحيح الذي يجب التعامل على ضوئه في هذه المرحلة الحرجة، وكذلك وجود عقليات ضيقة - تعد الآخرين قصاراً وتريد فرض الوصاية عليهم ومصادرة آرائهم، ولا تقبل الخلاف في مسائل الاجتهاد وترى أن من لم يكن عصرياً في جميع آرائها فهو ضدها.. إلخ. أما التهديد الخارجي الذي ينتظر الصحوة الإسلامية في المجتمع اليمني فيتمثل في التيار العلماني بشتى فصائله الاشتراكية واللبرالية والقومية من بعثية وناصرية .. الخ، كما يتمثل في التيار البدعي الذي يوجد أفراد منه داخل بعض فصائل العمل الإسلامي وهو يشترك مع التيار الإسلامي في رفع شعار الدين إلا أن طروحاته مغايرة للفكر الإسلامي النقي مع قيامه بمحاربة أصحاب الاتجاه الصحيح بزعم عدم معرفتهم بالدين وبدعوى ترويجهم لأفكار قادمة من خارج اليمن (كالوهابية) ! كما يزعمون. ويتمثل أولئك المبتدعة في اليمن في التيارين الصوفي والرافضي اللذين يتلقيان دعماً مالياً ومعنوياً كبيراً من بعض الدول والجهات والأفراد من خارج اليمن. هذا بالإضافة إلى الضغوط الكبيرة التي تقوم بها دول وجهات أجنبية عدة على الرئيس اليمني لمنع الإسلاميين من الانتشار، وتطالبه بتقديم قيادات الصحوة وشبابها في اليمن كبش فداء لنيل رضاها وكسب دعمها. ولذا فإنه مالم يتداعى عقلاء قيادات الصحوة الإسلامية اليمن من شتى الفصائل لإصلاح الخلل في طريق تحكيم النص وإنزاله على مجريات الواقع بعد فقهه فقهاً صحيحاً بالإضافة إلى الاهتمام بالعلم الشرعي وتبني العقيدة الصحيحة والعمل على نشر ذلك، والقيام بتربية شباب الصحوة والمنتسبين لها تربية عميقة مع أخذ الأهبة وإعداد العدة ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج، فإن مستقبل الصحوة الإسلامية في اليمن في السنوات القادمة قد لا يفرح. الوضع السياسي: حدثت مؤخراً بعد التطورات السياسة المهمة في الساحة اليمنية من أبرزها: ١- التعديلات الدستورية: تم إقرار التعديلات الدستورية من قبل مجلس النواب، ليتم تعديل المادة الثالثة في الدستور التي ثار حولها جدلاً كبيراً إلى: «الشريعة الإسلامية مصدر التشريع» وذلك بعد أن كانت: «الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع» كما تم تحقيق رغبة الإسلاميين في الكثير من المواد الرئيسة في الدستور التي تشير إلى توجهات الدولة. كما تم إلغاء مجلس الرئاسة في الدستور واكتفي بدلاً منه برئيس منتخب يختار نائباً له، ومع أن التعديلات الدستورية في الجملة تعد مكسباً للإسلاميين وضربة للعلمانيين إلا أنها ستبقى حبراً على ورق مالم تترجم إلى واقع ملموس من خلال ممارسات وسلوكيات الدولة ومسؤوليها في المرحلة المقبلة. كما أن الإسلاميين في حال عدم تنفيذ تلك التعديلات على أرض الواقع وسكوتهم أمام الشعب عن ذلك يكونون قد أعطوا النظام القائم الشرعية التي يحكم بها مع استمراره في ممارساته وسلوكياته المخالفة للشرع. ويجب على الإسلاميين الذين بادروا إلى الإعلان عن زوال العلمانية في اليمن وقيام دولة الإسلام بمجرد التعديلات الدستورية ودخول بعض الإسلاميين في الحكومة أن يعرفوا أنّ أمامهم تحديات كبيرة قادمة حتى يتحقق لهم ما أعلنوا عنه، وتتمثل في المخالفات الضخمة للشريعة داخل الدولة التي لابد من إزالتها والقيام بتعديل الواقع على ضوء الشرع ومن صور تلك المنكرات: * الأحزاب العلمانية الكثيرة كالحزب الاشتراكي والتجمع الوحدوي وحزب البعث والأحزاب الناصرية وحزب الأحرار.. إلخ، بالإضافة إلى تنفذ بعض العلمانيين في الدولة وسيطرتهم على ما تسمى بوزارات المفاصل والكثير من المواقع المهمة وذلك باسم المؤتمر الشعبي أو المستقلين. * كما أن من تلك المنكرات الانحراف الكبير عن الشرع في مجالات الاقتصاد والإعلام والتعليم الجامعي والعلاقات الدولية. * بالإضافة إلى صور الشرك الأكبر المتواجدة في المجتمع اليمني بكثرة بإقرار من الدولة من مثل دعاء الأموات وطلب شفاعتهم، ورجاء النفع ودفع الضر منهم، وتقديم القرابيين والنذر لهم.. الخ، (وما أحداث الأضرحة الأخيرة في عدن وموقف الدولة وبعض الإسلاميين منها ببعيد) ، إنه مالم يكن هناك إصلاح جذري في التطبيق لمثل هذه المخالفات وغيرها كثير فإن الشعار يبقى شعاراً مجرداً عن القيمة، وربما قام بدور كبيرفي مخادعة أفراد الشعب المسلم ودغدغة عواطفه بالإضافة إلى كونه مع تصريحات بعض المسؤولين وتبريرات بعض الإسلاميين غير المنضبطين بالنص سيفاً مصلتاً على رقاب الغيورين ودعاة العقيدة الصحيحة فيما نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً. ٢- انتخاب رئيس للجمهورية: بعد التعديلات الدستورية تم حل مجلس الرئاسة وانتخاب رئيس للبلاد عن طريق مجلس النواب فاز بها المرشح الوحيد علي عبد الله صالح ليكون بذلك الرجل الأول في كامل البلاد بعد هروب نائبه السابق علي سالم البيض إلى الخارج بعد هزيمة حزبه في الحرب الأخيرة، ولتتكرس بيده الكثير من الصلاحيات المهمة. وفور انتخابه أصدر قراراً جمهورياً مفاجئاً للكثيرين بتعين وزير الدفاع عبد ربه هادي - من أبناء محافظة أبين الجنوبية - نائباً له وقد فسر هذا القرار من كثير من المراقبين بأنه خطوة نحو رفع يديه عن وزارة الدفاع بما يشبه التكريم، وليتخلص بأسلوب ذكي من إيكال رئاسة الحكومة لشخص تعود أصوله إلى المحافظات الجنوبية والشرقية خشية عدم ولائه التام للرئيس. ٣- تشكيل الحكومة: أصدر الرئيس اليمني قراراً جمهورياً بتكليف عبد العزيز عبد الغني (عضو مجلس الرئاسة السابق والرجل الذي سبق له تشكيل ثلاث حكومات سابقة) برئاسة الحكومة وتشكيلها وقد قام المذكور بتشكيل حكومة ائتلافية من شركاء النصر على الحزب الاشتراكي - حزب المؤتمر اشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح - بنسبة (٢: ١) اثنين للمؤتمر وواحد للإصلاح وذلك حسب نسبة التمثيل في مجلس النواب، وقد حصل التجمع اليمني للإصلاح، في ضوء ذلك على ثمان وزارات هي التربية والعدل، والأوقاف، والتجارة والتموين، والصحة، والثروة السمكية، والإدارة المحلية، والماء والكهرباء، بالإضافة إلى منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، ويلاحظ من خلال تلك الوزارات أن التجمع اليمني للإصلاح لم يحصل على وزارة من وزارات المفاصل المهمة، وفور إعلان تشكيل الحكومة وتحديد من يتولى كل وزارة أبدى كثير من اليمنيين عدم ارتياحهم لهذا التشكيل نظراً لتطلعهم إلى أسماء جديدة ووجوه شابة لم يعرف عنها حماية الفساد أو التستر عليه. ولقد بادرت الحكومة إلى رفع شعار (معالجة التدهور الاقتصادي ومحاربة الفساد الإداري) ويبدو أن الفرصة مواتية لها لتحقيق ذلك نتيجة سقوط قوة الحزب الاشتراكي وكبار قياداته التي كانت تصر على وجود ازدواجية في المهام ووجود جهازين في الدولة إلا أنها ستواجه صعوبات كبيرة جداً في ذلك نتيجة ارتباط كثير من التجار بكبار المسؤولين وامتلاك بؤر الفساد في الدولة لمراكز اجتماعية أو حزبية مرموقة، وليس أدل على ذلك من تنحية وزير التجارة والتموين السابق عبد الرحمن بأفضل الذي استطاع إيصال السلع الأساسية إلى المواطنين في كافة أنحاء الجمهوية بأسعار معقولة جداً من نسبة ٣٠% فقط المعطاة له من الواردات نظراً لعدم ارتياح التجار له نتيجة كشفه لكثير من حيلهم وألاعيبهم على الشعب. وبتشكيل الائتلاف من ثنائي المؤتمر والإصلاح يكون الحزب الاشتراكي قد خرج إلى المعارضة لأول مرة منذ قيامه إلا أن ذلك لا يعني انتهاءه سياسياً أو أنه لن يعود إلى الحكومة في حال حاجة القيادة اليمنية إليه لمواجهة الإسلاميين وبخاصة في ظل الضغوط الخارجية المتوالية على الرئيس اليمني لإرجاع الاشتراكيين إلى الحكومة ليتم إحداث نوع من التوازن بينهم وبين الإسلاميين داخلها. كما أن خروج الحزب الاشتراكي من الحكومة ودخول الإسلاميين الائتلاف الحاكم بنسبة أكبر من ذي قبل لا يعني أن التشكيلة الأخيرة للحكومة اليمنية قد خلت من أصحاب التوجهات العلمانية المعادية للتوجه الإسلامي ودعاته أو أن أعداء الصحوة الإسلامية على اختلاف مشاربهم وأحزابهم سيتوقفون عن الكيد للحركة الإسلامية ومحاولة إحراق المنتسبين إليها شعبياً وسياسياً على السواء في آن واحد، وكل ما نأمله أن يكون الإسلاميون على مستوى الحدث وأن يكونوا قد أعدوا العدة لذلك. الوضع الإداري: ما إن تجلس مع مجموعة من اليمنين في أي محافظة إلا ويشتكون من الوضع الإداري، ففي المحافظات الشمالية كثيراً ما تسمع عن صور الفساد الإداري مثل: تعيين الرجل لقرابته من صاحب القرار، إلى وضعه في مكان لا يستحقه لوجاهته الاجتماعية، إلى شراء المناصب، إلى عدم الانتظام من قبل الموظفين في الدوام حضوراً وانصرافاً، إلى الروتين العقيم، إلى الرشاوي وعدم القدرة على إنجاز المواطن لمعاملاته بدونها، إلى محاربة أصحاب الذمم النظيفة من صغار الموظفين والتضييق عليهم، إلى عدم قدرة أصحاب الغيرة من كبار المسؤولين على إحداث التغيير المطلوب، إلى السرقة والاختلاس للمال العام، إلى بيع الرتب العسكرية.. إلخ من الأمور المخجلة والمبكية في آن واحد. أما إذا انتقلت إلى المحافظات الجنوبية والشرقية فستجد أن الوضع فيها أكثر سوءاً حيث تعاني بالإضافة إلى بعض ما هو موجود في المحافظات الشمالية من فوضى إدارية كبيرة نتيجة التغيير الذي حصل بعد الحرب لجل الكوادر القيادية في الأجهزة الحكومية الذي اضطرت إليه الحكومة نظراً لأن الحزب الاشتراكي كان يقصرها على كوادره القيادية والمنتسبين إليه فقط. هذا بالإضافة إلى رداءة مقار تلك الأجهزة وصغر مساحاتها (الفارق العمراني بين ما كان يعرف باليمن الشمالي والجنوبي - باستثناء البناء الحديث من قبل المواطنين بعد الوحدة - كالفارق بين اليمن الشمالي والدول الغنية في الخليج) . ومما زاد الأمر سوء ما حصل من نهب وعبث بأثات ومحتويات تلك الدوائر فور انتهاء الحرب بالإضافة إلى الإحراق المتعمد لسجلات الموظفين وملفات بعض المحاكم من قبل قيادات الحزب الاشتراكي قبل خروجها كما حدث في عدن وغيل باوزير في حضرموت، ولذا فإن إرث الحكومة الجديدة بعد الحرب ثقيل، وبالأخص الإسلاميين فيها والذين أوكلت لهم أهم وأبرز وزارات الخدمات التي تحتك بالمواطن وتلبي له احتياجاته كالتجارة والتموين والصحة والماء والكهرباء والعدل والتربية.. الخ، وما لم يعدوا العدة اللازمة لذلك وتعطى لهم الميزانيات والصلاحيات الكافية لتغيير أعمدة الفساد الذين شاخ بعضهم في المناصب وتلبية احتياجات وزاراتهم وبالأخص في المحافظات الجنوبية والشرقية، فإن أوراقهم قد تحترق في الساحة، وقد يعدهم كثير من أبناء الشعب اليمني جزء من أصحاب الفساد وحماته. الحرب والخسائر: كنت أتصور من خلال متابعات وسائل الإعلام الخارجية بأنواعها أن حجم الدمار والخراب الذي وقع من جراء الحرب كبير جداً، والواقع أن الأمر ليس كذلك فباستثناء الدمار الذي حصل لمحطات البترول بجوار قاعدة العند الشهيرة، والطلقات التي أصابت أبنية قريتي صبر والوهط نتيجة الكر والفر بين الجانبين فيهما، وحي دار سعد وبعض الطلقات المعدودة في أحياء الشيخ عثمان والممدارة والمنصورة وخور مكسر هذا في عدن بالإضافة إلى تدمير بعض المنازل في بروم والطلقات التي أصابت بعض الأبنية في فوّة.. مدخل المكلا.. في حضرموت، فتكاد تنحصر الخسائر في الدمار الذي لحق بالعتاد العسكري وحالات العبث والنهب الكثيرة والإحراق المتعمدة للدوائر الحكومية ومؤسسات القطاع العام وعلى وجه الخصوص في مدينة عدن. هذا بالإضافة إلى ما لحق بمطار عدن ومصفاتها في البريقة، ومحطات ضخ النفط في مأرب وخزانات وقود الكهرباء في المخا من إصابات مؤثرة، بالإضافة إلى الخسائر التي لحقت بالبلاد من جراء شل الحركة التجارية وتوقف وهروب الكثير من المشاريع العمرانية والاستثمارية. ولقد تفاوتت تصريحات المسؤولين اليمنيين في تحديد قيمة الخسائر للبلاد بين ثلاثة وثمانية مليارات من الدولارات ويبدو أن الرقم الأخير مبالغ فيه جداً وبخاصة إذا كان المراد الخسائر التي لحقت الدولة اليمنية فقط. ولكن الخسائر الكبيرة التي حدثت والتي لا يمكن تقديرها بثمن هي آلاف القتلى والجرحى من الجانبين. مواقف عامة الناس بعد الحرب: الناس بعد الحرب في المحافظات الشمالية في الغالب الأعم يكلون ما تحقق من هزيمة للاشتراكي إلى الله تعالى، ويقولون: هذا نصر من الله سبحانه، وتجد من عامة الناس من يحدثك عن كرامات يذكر أنها حصلت - كما يقال - لجند الحكومة، كما أنهم وقفوا وقفة رجل واحد أثناء الحرب وبعدها مع الرئيس اليمني وحكومته في مواجهة الحزب الاشتراكي ودحره، ويعود ذلك إلى الجهود الكبيرة التي بذلها الإسلامّيون لإقناع العامة بمخالفة الحزب الاشتراكي للعقيدة الإسلامية التي يدين بها الشعب، ولإعلان الحزب الاشتراكي للانفصال، ولإثبات وسائل الإعلام اليمنية ارتباط قياداته بجهات خارجية. والآن بعد أن أقنعت وسائل الإعلام الشارع اليمني بأن الحزب الاشتراكي كان السبب المانع لإحداث الكثير من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية لتحسين كفاءة الدولة واستقرارها ورفع مستوى المعيشة للشعب فإن الحكومة التي تشكلت بعد الحرب ستوضع على المحك فإن نجحت في القيام ببعض مشاريع البنية الأساسية وتأمين السلع الأساسية بأسعار معقولة ومحاربة الفساد الإداري فإن الرئيس اليمني ومن حوله من القيادات التي هزمت الاشتراكي ستتحول إلى قيادات تاريخية لدى كثير من أبناء المحافظات الشمالية، أما إذا لم تنجح الحكومة في القيام بذلك واستمر الفساد الإداري والتدهور الاقتصادي على ما هو عليه أو تحسن تحسناً لا يلمسه المواطن فإن من المتوقع أن يحمل الشارع في المحافظات الشمالية على القيادة اليمنية ويحملها أخطاء الماضي والحاضر على السواء ويعتبرها تلاعبت بمشاعره وعواطفه لا غير. هذا بالنسبة للمحافظات الشمالية أما المحافظات الجنوبية والشرقية فإن الناس فيها على الغالب الأعم- باستثناء شباب الصحوة الذين سامهم الحزب الاشتراكي أثناء الحرب وقبلها سوء العذاب - كانوا مع القيادات التي أعلنت الانفصال نظراً لنجاحها في إعطاء الحرب بعداً مناطقياً وللوعود والأماني المعسولة التي منّت بها قيادات الانفصال أبناء تلك المناطق. وأياً كان الموقف أثناء الحرب فقد استقرت البلاد عسكرياً وعملت القيادة اليمنية على توحيد الجيش وانتزاع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من أيدي الأشخاص الذين سلمهم إياها الاشتراكيون ويبدو أن نجاح القيادة اليمنية في استمالة قلوب الناس في تلك المحافظات وزوال ما بثه قادة الانفصال من إشاعات عنها مرتبط بقدرتها على السيطرة على الأمن ومحاربة الفساد الإداري والقيام بتنفيذ مشاريع البنية التحتية والمشاريع التنموية التي تحتاجها تلك المحافظات هذا بالإضافة إلى القدرة على السيطرة على الغلاء الفاحش في المعيشة والقيام بإيكال بعض المناصب القيادية المهمة في الدولة إلى شخصيات يرتضيها الشارع في تلك المحافظات كوزير النفط اليمني فيصل بن شملان على سبيل المثال. وما لم يحدث ذلك فسيستمر الكثير من أبناء تلك المناطق على ولائهم للقيادات التي أعلنت الانفصال وستستمر الحساسية تجاه أبناء المحافظات الشمالية والتي أحدثها قادة الانفصال لديهم بدرجة كبيرة. احتياجات اليمن: الحديث عن احتياجات اليمن يطول وسأكتفي هنا بذكر احتياجين يعدان من أهم الاحتياجات وأبرزها من وجهة نظر الكثيرين من اليمنيين الذين قابلتهم: ١- الاحتياج الدعوي: بزوال هيمنة الحزب الاشتراكي على الجنوب اليمني وبتحسن سمعة الإسلاميين في الشارع اليمني وبوصول الإسلاميين إلى الحكم على مستوى الوزراء ووكلائهم والمحافظين ومدراء العموم.. الخ، فإن أبواباً كثيرة أصبحت مشرعة أمام الدعاة هناك بعد أن كانت مغلقة ولفترات طويلة، ولكنها أبواب تحتاج إلى من يدخلها لينشر من خلالها العلم الشرعي النقي والعقيدة الإسلامية الصافية بأسلوب حسن حكيم وإلا فإن مجرد فتحها لا يكفي. ونظراً لقلة طلبة العلم الشرعي وعدم قدرة الموجود منهم على تلبية احتياجات جميع المناطق فإنه يتعين على أبناء اليمن في الخارج والذين رزقهم الله تعالى علماً شرعياً طيباً، وفهما جيداً للمرحلة التي تمر بها اليمن أن يبادروا إلى العودة إلى بلدانهم للقيام بجزء من واجبهم تجاه دينهم وأمتهم، في مثل هذه الفرصة المتاحة قبل أن تتغير الأحوال وتتبدل الأمور. كما أن على القادرين من المسلمين أفراداً وجماعات أن يزودوا إخوانهم الدعاة في اليمن بما يحتاجون من نصح وخبرة ودعم لتلافي الأخطاء التي يقع فيها شباب الصحوة هناك، ولتحقيق أفضل النتائج في خدمة هذا الدين والدعوة إليه. بالإضافة إلى أن من واجب أهل الخير من اليمنيين في الخارج - من غير طلبة العلم - أن يبادروا إلى تزويد قراهم ومدنهم بما يمكن من المصاحف والكتب والأشرطة الإسلامية المناسبة، كما أن عليهم أن يبادروا إلى كفالة الدعاة ومدرسي تحفيظ القرآن الكريم وأن يقوموا بالتنسيق بينهم لتحقيق أفضل النتائج في ذلك. ٢- الدعم الاقتصادي: جاءت الحرب اليمنية لتقضي على ما تبقى من مظاهر الحركة وبوادر الأمل في انتعاش الاقتصاد اليمني بعد التأثر الكبير الذي أصابه نتيجة إفرازات حرب الخليج الثانية. ولذا فإن المواطن اليمني يعاني معاناة كبيرة سواء أكانت من ناحية الغلاء وارتفاع أسعار المواد أو من ناحية قلة فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة مع الضعف الكبير في مدخولات العاملين فكيف بالعاطلين؟ ولذا فإن الاحتياجات التي يمكن أن تقدم لدعم هذا الجانب هي: - مبادرة المهاجرين اليمنيين في الخارج وغيرهم من القادرين إلى استثمار جزء من أموالهم في اليمن نظراً للمستقبل الواعد الذي يبشر به الوضع هناك ومن أجل المساهمة في إيجاد فرص عمل لكثير من أفراد الشعب. - قيام المؤسسات الخيرية الإسلامية في العالم بتحويل جزء من مشاريعها الخيرية والاستثمارية إلى اليمن ومبادرتها إلى دعم الأجهزة الحكومية التي تولاها الإسلاميون مثل وزارات التموين والتجارة والصحة والماء والكهرباء والتربية، حتى يخدموا إخوانهم أبناء الشعب وينجحوا في المهام الموكلة إليهم، ويخيب الله ظن من يتربص بهم الدوائر من أعدائهم. والله نسأل أن ينصر أولياءه وأن يخذل أعداءه.. والله من وراء القصد.

стр. 1851

المسلمون والعالم مستقبل المغرب العربي الكبير وقفات مع ندوة عن واقع المغرب العربي محمد حامد الأحمري عقد «مركز أبحاث الجغرافيا السياسية والحدود الدولية» التابع لكلية الدراسات الشرقية في جامعة لندن ندوة لمدة يومين في أوائل جمادى الثانية الموافق ٦-٧/١٠/٩٤م تحت عنوان «مستقبل المغرب العربي» حضرها ممثلون عن بعض الدول المغربية كتونس والمغرب، وممثلون عن حركات إسلامية منهم عبد الله جاب الله من النهضة في الجزائر، والغنوشي من النهضة في تونس وعبد الإله بن كيران من حركة التجديد والإصلاح، كما حضر عبد الحميد الإبراهيمي (رئيس وزراء سابق في الجزائر) ومحمد مزالي وأحمد بن صالح (وزيران سابقان من تونس) وبعض المهتمين بالمنطقة من سفراء ومثقفين ودبلوماسيين. وكانت الندوة في غاية الحيوية في كثير من جلساتها وبخاصة تلك التي دارت حول حقوق الإنسان في تونس التي شارك فيها مشاركة مثيرة عدد ممن حدثت لهم حوادث تعذيب جسدي، وقد ذكرت أسماء بعض الذين أعدموا أو أصيبوا بعاهات في سجون تونس، ولقد سأل مندوب منظمة العفو الدولية عن بعض الأسماء موجهاً أسئلته لمندوبي الحكومة التونسية، وتحدث إسلاميون في الندوة عن نظرتهم لأحوال بلادهم ومستقبلها، وكانت الورقة التي قرئت نيابة عن رابح كبير من جبهة الإنقاذ قد ركزت على تاريخ جبهة الإنقاذ، ووفق كاتبها في تأكيد هوية الجبهة وكونها معبرة عن الشعب الجزائري وطموحاته وأفكاره. وشارك من المستشرقين فرانسوا بورجا صاحب كتاب «الإسلام السياسي» بادئاً حديثه بسؤال مهم وهو: هل يسمح الغرب لأي شعب في العالم أن يستعمل مصطلحاته الخاصة التي تختلف عن مصطلحات الغرب ولغته وأفكاره؟ . ثم عقب على ذلك بأن الفكر الغربي فكر لا يسمح بوجود الآخرين ولا يسمح بلغات وثقافات ومصطلحات أخرى، وأشار إلى الثقافات التي أبادها الغرب في أرجاء العالم، وانتقد قومه الفرنسيين الذين لا يسمحون بالحجاب في فرنسا، وفي الوقت نفسه اعتذر لحكومته عن بعض تصرفاتها، وذكر أنهم هم يفهمون المنطقة، وسيتعاملون معها أكثر من غيرهم، ملمحاً إلى استبعاد الأمريكان والبريطانيين. وتحدث المستشرق الأمريكي «مور» من جامعة أوستن بولاية تكساس عن موقف بلاده حكومة ومستشرقين أو مثقفين تجاه المغرب العربي والحركات الإسلامية عموماً، وذكر أن الحكومة الأمريكية يتنازعها طرفان: الطرف الذي يخيفها من الإسلام والعمل الإسلامي، ويرى أن التحدي الأكبر للولايات المتحدة في العقود القادمة هو الإسلام، ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه حادثة المجمع التجاري في نيويورك وحوادث الاغتيالات في العالم ومشكلات إيران حيث يكبرون من حجمها، ليخيفوا المجتمع الأمريكي وليضغطوا على الحكومة لتسير في الاتجاه الذي يريدون، ويساند هؤلاء بعض الأكاديميين من أمثال صمويل هانجتون صاحب مقال « صراع الحضارات» الذي كسب دوياً إعلامياً وأيضاً المجموعات اليهودية التي تسير في طريق التخويف من الإسلام. وهناك طرف معتدل يرى أن الاتجاه الإسلامي قادم لا محالة وسوف يتمكن في العالم الإسلامي، وبين الإسلاميين متطرفون كالذين يحملون السلاح في جبال الجزائر، والذين يقتلون الناس في مصر، وهؤلاء ليسوا الاتجاه الرئيس في الإسلاميين، فبين الإسلاميين اتجاه آخر معتدل مهادن متعقل ومتعلم ويمكن الحوار معه، وقال: إن بعض أعضاء الحكومة الأمريكية يميل إلى هذا التقسيم، وهذا هو الرأي الذي طرحه - إلى حدٍ ما - جون اسبوزيتو صاحب كتاب «التهديد الإسلامي خيال أم حقيقة» . وفي الجانب الأوروبي تحدث «جون جرندون» من الحكومة البريطانية وكان في بعض كلامه مستفزاً وبخاصة عندما ذكر أن الإسلام لا يبدو أنه يهتم بالإنسان وحقوقه، وقضية حقوق الإنسان كانت جانباً من أسباب عدم ورود المساعدات إلى مناطق في المغرب العربي، وذكر أن المشكلة الإدارية كانت من الأسباب الأساسية للتخلف في شمال إفريقيا، ثم أعطى أرقام المساعدات للمنطقة. ومن المغرب العربي تحدث عبد الإله بن كيران وقارئ ورقة حزب الاستقلال وقد تحدثا عن قضايا مجمع عليها في المغرب أهمها الموقف من الملكية والصحراء، وعدم وجود تنافر حاد في عدد من القضايا كالذي يحدث في تونس والجزائر، وتبني الإصلاح والتجديد لمفاهيم الإصلاح، وعدم المواجهة مع السلطة. واستمع الحاضرون إلى وجهة نظر أوروبية من ألمانيا والبرتغال حول العلاقة ما بين المغرب الكبير وهذه الدول، وذكر المتحدث الألماني أن حكومة بلاده لا تتعامل مع المعارضة في الدول، ولكنها تتعامل مع الحاكم فقط بقطع النظر عن موقف شعبه منه، ربما لأن الموقف السياسي الخارجي الألماني كان غالباً بأيدي الأمريكان، وهم لا يعطون إلا هامشاً لا يكاد يذكر للألمان في القضايا الدولية. كانت جلسات الندوة تبدأ في التاسعة صباحاً وتنتهي في حدود السادسة مساءً، يتخلل ذلك الصلوات وجلسات الراحة والمناقشات الجانبية، وقد أقيمت صلاة الجمعة في مقر المعهد، وخطب بالمسلمين الشيخ جاب الله، وكان أغلب الحاضرين من المسلمين ومن المغرب العربي، وأظهر خلالها الاتجاه الإسلامي - وبخاصة في تونس والجزائر - قدرته على شرح موقفه وقضيته بقوة ووضوح، ولم توفق الحكومات إلى إعطاء الحاضرين موقفاً إيجابياً تجاه ما يحدث، فقد غابت الحكومة الجزائرية عن الندوة، ولم يوفق الوفد التونسي في إقناع الحاضرين بموقفه. وكان كثير من الحاضرين من خارج المنطقة معجبين بمدى الفائدة العلمية التاريخية: السياسية والفكرية التي حصلوا عليها خلال يومين من النقاش عن جزء مهم من عالمنا العربي الإسلامي، وكانت غالب المناقشات صريحة لا تخلو أحياناً من خطابة وتهييج وإقناع للحاضرين بأسلوب لا يفهمه ولا يتعامل معه الحاضرون في المجتمع الغربي، كما فعله بعض المتحدثين. والذي يأسف له أحدنا أنه ليس بإمكانه أن يقيم مثل هذه الندوة في العالم العربي، رغم اتساعه وتنوعه، وهو لن يخرج مما ألم به حتى يكون بإمكانه أن يناقش مشكلاته بكل حرية وصراحة، ويسعى للحلول بلا خوف من عواقب ما يراه. ومما تجدر ملاحظته أن أغلب البحوث ركزت على واقع المغرب وتاريخه أكثر من حديثها عن المستقبل.

стр. 1852

المسلمون والعالم الرافضة يغزون البوسنة عمر أحمد مهدتش لقد دخلت الرافضة في جميع مناطق البوسنة وكشرت عن أنيابها، وأصبح معظم الشعب البوسني يجلهم ويجعلهم رمزاً للدولة الإسلامية لما قدموه له من خدمات كثيرة ولما ساهم به رموزهم وموظفوهم من جهود كثيرة كما سنوضحه فيما بعد. يا علماءنا ويا دعاتنا ويا طلبة العلم من لإخوانكم في العقيدة لقد تشيع الكثيرون من إخوانكم وتزوج العديد من الروافض من أخواتكم - لا حول ولا قوة إلا بالله - ألا من مغيث بعد الله يغيثنا من تلك الكارثة والمصيبة الساحقة، وهذه بعض جهودهم في بلاد البوسنة والهرسك في الآونة الأخيرة: - تأسيس الهلال الأحمر الإيراني: الخطر الرافضي من أهم العقبات التي تقف في طريق الدعوة السلفية في البوسنة والهرسك، فقد قاموا بتأسيس الهلال الأحمر الإيراني وقاموا بتوزيع الطعام على أسر الذين قتلوا من المجاهدين. - فتح مركز العهد: وهو مركز ثقافي ديني، يقوم فيه الروافض بتدريس المواد الدينية المختلفة (فقه - عقيدة - قرآن - لغة عربية - لغة فارسية على منهجهم بالطبع.. الخ) وتوفر فيه المواد الغذائية والمبيت مجاناً للطلبة المغتربين، ويشرف المركز على طباعة كتبهم الدينية، وهذ هو أخطر عمل قاموا به حتى الآن، حيث أعلنوا أن مذهبهم الرافضي هو أحد المذاهب الإسلامية كالمذاهب الأربعة، ولقد تزوج زعيمهم الديني الإمام جعفر وكذلك رئيس وحدة التدريب العسكري الضابط عباس من بوسنيتين. - فتح قاعدة عسكرية تدريبية: قام الروافض بافتتاح قاعدة عسكرية بقرية هفوة بمدينة فيسكو، يقومون فيها بتدريب الجنود على جميع أنواع الأسلحة والتدريبات القتالية الأخرى وذلك بالترتيب مع الجيش البوسني كما يقومون بتمويل وحدة عسكرية أصبح الآن أسمها (عبد اللطيف) بعد استمالتهم لقائدها صالكو عمر بيقوفيتش. - استقطاب الرؤساء والقادة: ومن أجل ذلك نظم الإيرانيون زيارة خاصة لرؤساء مدينة فيسكو لإيران وكان فيها: * مرساد شهانوفيتش ... - رئيس حزب الـ SDA (الحزب الديمقراطي) . * رامزة علي اهيموفيتش - أستاذة بكلية الدعوة في زينيتسا. * صالكو عمر بيقوفيتش - قائد كتيبة عبد اللطيف - ملامح مخطط الرافضة وأعمالهم الحالية: * العمل بسرية كبيرة. * العمل بتخطيط جيد وسياسة بعيدة المدى. * العمل مباشرة مع القنوات الحكومية المسؤولة. * فتح سفارتين في سراييفو وزغرب. * التعاقد مع حكومة كرواتيا: ليتم تصنيع سفن لهم، وبهذه الطريقة يتم تشغيل ٣٠٠٠٠ عامل في مصنع السفن الكرواتي، وبذلك يتمكن الروافض من السيطرة على الحكومة الكرواتية، ومن هنا يسمح لهم بحرية التنقل وجلب المواد المختلفة من طعام وأوراق. * إنشاء مطار عسكري في منطقة فيسكو. * تدريب الجيش البوسني في منطقة كاكان، مع إعطاء الجنود دورة دينية. * التبرع بـ ٨ طائرات مروحية للنقل. * جلب الذخائر والمعدات العسكرية المختلفة، وحفر اسم إيران على كل رصاصة. * جلب أصحاب الكفاءات العالية مثل الأئمة والدعاة والمدربين العسكريين والمخابرات الخاصة والصحفيين. * مساعدة أصحاب مراكز الشباب المختلفة والنوادي الأدبية، وعقد الندوات الدينية بشكل مكثف. * ترويج فكرة زواج المتعة، بل والتزوج من فتيات أهل السنة بتلك الطريقة المحرمة. * بعث الأئمة وأصحاب الخبرات العالية إلى إيران. * طباعة الكتب والمجلات التي تخدم مذهبهم الرافضي، مع مراعاة عدم تجريح أهل السنة وعدم ذكر الاختلافات المذهبية، وقد ألفوا كتاباً في السيرة وهمشوا كثيراً من الصحابة وذكروا دور علي ﵁ فقط، ووضعوا جائزة قدرها ١٠٠٠ مارك لمن يحفظ هذا الكتاب، ووزعت المسابقة في جميع أنحاء البوسنة. * طباعة الكتب ذات الصيغة البدعية. * توزيع كتب الروافض وصور الخميني وصور خامئني وكتابة عبارات مثل روح الله تحت صورة الخميني ... الخ. * استعطاف قلوب المسلمين بنشر القضايا الإسلامية المختلفة مثل قضية فلسطين وقضية سلمان رشدي. * استخدام الوسائل السمعية والمرئية من تلفاز ومذياع لنشر عقيدتهم الفاسدة * الاستمرار في الدعم ولو بالقليل (قليل دائم خير من كثير منقطع) . * نشر كتاب الدولة والإسلام ويتضمن هذا الكتاب الهجوم على أبي هريرة ﵁ ورد الأحاديث التي رواها، وبذلك يتم هدم صرح من صروح السنة النبوية المطهرة. * يا أهل السنة والجماعة يا أتباع سلف الأمة من يأتي إلينا منكم يا أهل الخير.. يا أهل العلم.. يا أهل الصلاح.. ندعوكم بقلوب كلها حزن وأسى.. من للإسلام غير المسلمين.. من لنصرة هذا الدين غيركم.. أدركوا الخرق قبل أن تغرق سفينة الإسلام في بحر الرفض، فالأرض لازالت بكراً وتحتاج إلى من يزرع فيها الخير فأين أنتم يا دعاة الإسلام ويا طلبة العلم لتقوموا بواجبكم تجاه هذا البلد المسلم الذي تسلط عليه الأعداء من كل حدب وصوب (تقتيل وتشريد.. تغريب وتنصير.. تعصب مذهبي مقيت.. هجمة رافضية شرسة) ، فمن يشعر بهذا الخطر ويشارك إخوانه في رفع المعاناة وصد هذا الهجوم المنظم.

стр. 1853

المسلمون والعالم ميثاق شرف المنظمات الجهادية في كشمير تمهيد: عانى ويعاني المسلمون في كشمير الكثير والكثير من الظلم والاضطهاد الهندوسي ولقد استطاع الهندوس بكل خبث اصطناع بعض الرموز المشبوهة المنسوبة للإسلام ليكونوا لهم أذناباً ولكن الشعب الكشميري المسلم عرف أولئك حق المعرفة، ومقت صنعهم ورفض بكل إباء التعامل معهم ووضع يده في يد الجماعات الإسلامية المجاهدة التي مع كثرتها لم تؤثر الأثر المرجو لكونها متفرقة ومختلفة، ولما رأت تلك الجماعات أن سبيل النصر لن يكون إلا بالاتحاد والتعاون على البر والتقوى والجهاد تحت راية إسلامية واحدة اجتمع نفر من القيادات السياسية والجهادية الكشميرية مؤخراً، وناقشوا آخر التطورات على الساحة وأعربوا عن قلقهم البالغ حيال مؤامرات الهند ومحاولاتها الدائبة لبث الخلافات بين الجماعات الكشميرية المسلمة، وقرروا الاتفاق على استراتيجية موحدة لمواجهة التحديات الهندية المعادية وفي ضوء ذلك الاجتماع تم الاتفاق على إعداد ميثاق شرف يحتكم إليه القادة الكشميريون في عملهم الجهادي، وقد صاغ هذا الميثاق مجموعة من المجاهدين ورموز العمل الإسلامي هناك وهم: ١- الأستاذ / غلام محمد صفي. ٢- د/ أليف الدين الترابي. ٣- د/ حيدر حجازي. وقد أرسله للمجلة مشكوراً البروفيسور (اليف الدين الترابي) المدير العام للمركز الإعلامي لكشمير المسلمة وهذا هو نص الميثاق: بنود الميثاق: ١- يجب على جميع المنظمات الجهادية في كشمير المحتلة احترام مبادئ الجهاد الإسلامي - بما في ذلك التزام كل منظمة - بأحكام كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ . ٢- سوف تواصل جميع المنظمات الجهادية جهادها ضد الاحتلال الهندوسي بروح إسلامية، وفي ظل الآية الكريمة [واعتصموا بحبل الله جميعاْ ولا تفرقوا] . ٣- ستهتم المنظمات الجهادية بتربية مجاهديها تربية إسلامية حسنة، وذلك لتمكينهم من تطبيق المبادئ الإسلامية للجهاد حتى إبان المعارك. ٤- تلتزم جميع المنظمات الجهادية بتطبيق المبدأ الإسلامي الذي أمر به رسول الله ﷺ في قوله: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» - أو كما قال ﷺ ٥- تحترم جميع المنظمات الجهادية المبدأ الإسلامي الذي يمنع المسلمين من التعرض لغير المسلمين الذين لا يشتركون في الحرب مباشرة، وأن على المسلمين الحفاظ على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم. ٦- سوف تقوم جميع المنظمات الجهادية بمراقبة وجود العملاء داخل صفوفها، وإذا تبين وجود العملاء في أي منظمة سوف تتخذ إجراءات صارمة ضدهم. ٧- تطالب كل المنظمات أفرادها بعدم التورط في الاشتباكات بين مختلف الفئات الجهادية، وإذا وجد أي شخص يخالف هذا المبدأ، فإن المنظمة المعنية سوف تطبق العقوبات في حقه. ٨- يجب على جميع المنظمات ألا تقبل أي شخص طُرد من منظمة أخرى بعد أن ثبتت مخالفاته للمبادئ الجهادية. ٩- لن تقوم أي منظمة جهادية بنزع سلاح أي مجاهد ينتمي إلى منظمة أخرى. ١٠- تمنع المنظمات أفرادها من قبول أو طلب أي مساعدة من عامة الناس أما بالنسبة لحاجات المجاهدين الأساسية، فإنها سوف تكون من مسؤوليات المنظمة التي ينتمي إليها المجاهد. ١١- لن يتدخل المجاهدون في شؤون الناس الشخصية أو في قضاياهم الاجتماعية. ١٢- إذا ثبت أن مجاهداً دخل بيتاً من بيوت عامة الناس إجبارياً، وقام بعمل غير مشروع، أو سرق شيئاً، فإن المنظمة التي ينتمي إليها ذلك المجاهد سوف تطبق العقوبات الشرعية الإسلامية في حقه. ١٣- إذا قام شخص من منظمة ما بمخالفة ما، أو قام بعمل ينافي المبادئ الأساسية، أو غصب سلاح الآخرين أو قام باختطاف مجاهد ينتمي إلى منظمة جهادية أخرى، فإن الأمر سوف يرفع إلى قادة منظمته الجهادية وإذا لم تقم هذه المنظمة بأي إجراءات ضده، فإن جميع المنظمات الجهادية سوف تقوم بالإجراءات المشتركة ضد تلك المنظمة. ١٤- إذا قام أي مجاهد بارتكاب عمل يخالف مبادئ الإسلام في الجهاد فإن منظمته الجهادية سوف تطبق العقوبات في حقه، أما المنظمات الجهادية الأخرى فلن تقوم بأي إجراءات ضد ذلك المجاهد. ١٥- جميع المنظمات الجهادية ستفضل مصالح الجهاد على مصالح المنظمات. ١٦- سوف تهتم جميع المنظمات بتنفيذ العمليات المشتركة ضد العدو. ١٧- على جميع المنظمات السياسية والعسكرية واجب الاحترام والتقدير لقادة تحالف الأحزاب الكشميرية لتحرير كشمير. ١٨- يجب على كل عضو في تحالف الأحزاب الكشميرية لتحرير كشمير ألا يقوم بإصدار أي تصريح أو توجيه يخالف دستور التحالف وأهدافه وسياسته. ١٩- ستبذل جميع المنظمات الجهادية والأحزاب السياسية في تحالف الأحزاب الكشميرية لتحرير كشمير جهودها لتطبيق هذه الوثيقة. ٢٠- سوف تقوم المنظمات الجهادية بتشكيل قيادة موحدة لتطبيق مبادئ هذه الوثيقة، وسوف تُطبق العقوبات في حق كل من يخالف مبادئ الوثيقة. سارية العمل بها من تاريخ إعلانها، أما بالنسبة للأمور التي سبقت، فإن الجميع سوف يتجاوز عنها.

стр. 1854

قراءة في كتاب الأصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الإسلامية المعاصرة المؤلف: نبيل ياسين عرض: محمود السيد الدغيم جرى الصراع في معظم الوقائع القديمة تحت رايات الخلافات الدينية والمذهبية، فالجهاد كان في سبيل نشر الإسلام والدفاع عن حقوق المضطهدين، وذلك ما لم يرق لأعداء الإسلام الذين قاوموا الإسلام على جبهتين إحداهما خارجية والثانية داخلية. أما على الجبهة الخارجية فأخذ الصراع شكل حروب تنوعت طرقها بين الهجوم، والهجوم المعاكس، والدفاع الإيجابي، والدفاع السلبي ... كل ذلك ضمن إطار الاستراتيجيات الثابتة، وأنواع التكتيك المتغير، وكان اتساع رقعة الأرض الخاضعة لفئة ما وضيقها مرهوناً بقوتها العسكرية والمعنوية وتناسق التكتيك مع الاستراتيجية، ولذلك أصبحت مساحة الأراضي المفتوحة بين مد أيام القوة، وجزر أيام الضعف، ولكن عمليتي المد والجزر لم تنسحبا على المعتقدات الدينية عموماً كما هو الحال بالنسبة للمساحات الأرضية المفتوحة، وعن ذلك نشأت دار الإسلام ودار الحرب، وتنوعت الأحكام الشرعية والتكليفية الخاصة بالمقيمين ضمن دار الإسلام ودار الحرب بما ينسجم مع تحقيق المصلحة الفردية للشخص مع مراعاة مصلحة الأمة. أما على الجبهة الداخلية فقد اتخذ الصراع نمطاً آخر اعتمد على المؤمنين بعقيدة أو فكر الطرف المعادي، والطامحين إلى تحقيق مصالح فردية خاصة تترواح بين الكسب المادي لقاء خدمات التجسس والولاء، والطموح إلى السلطة ولو في ظل العدو، أو التحرر من القيم الدينية والأخلاقية التي تقف حائلاً دون تحقيق الملذات والشذوذ، ومن هنا نشأت تيارات التبشير بالمعتقد المعادي والفكر المعادي، والتقت مع تيارات التمرد الداخلي المكونة من الصعاليك والناقمين والفاشلين والحاقدين على كل ما هو أصيل، والعاقدين آمالهم على العدو في تحقيق ما يرغبونه من بدع مرفوضة. وعلى مر العصور حافظت التيارات المعادية على المعنى ولكنها غيرت القافية، وما يعنينا هنا هو ذكر التيارات التي عادت العرب والمسلمين، وسبب ذلك العداء هو الحقد الدفين الذي كان ومازال يتأجج في صدور الفرس المجوس والروم، لأن المسلمين استطاعوا دك عرشي كسرى وقيصر منذ عهد النبي ﷺ وعهود الخلفاء الراشدين من بعده، ثم ازداد حقد الشعوبيين على الخليفة معاوية بن أبي سفيان ﵄ لأن أمير المؤمنين معاوية أرسى الأسس القوية لدولة إسلامية بقيادته قاعدتها دمشق وسلطانها ممتد من جنوب آسيا حتى جنوب أوروبا، متخذاً من جزيرة قبرص قاعدة بحرية تنشر هيبة دمشق في عموم سواحل البحر الأبيض المتوسط (بحر الشام) بعدما كان يسمى (بحر الروم) ، وعلى الجناح الشرقي كانت البصرة سيفاً مسلطاً على رقاب من أحرقوها فيما بعد. ولذلك نرى الآن أعداء الأمة العربية والإسلامية يبدؤون هجومهم بنيران حامية على أمير المؤمنين معاوية ﵁ مطلقين عليه صفات رخيصة لا يجب أن تطلق إلا عليهم. وقد تنوعت أسلحة الهجوم على الإسلام، ورفعها أعداؤه سراً وجهراً أمثال أبي لؤلؤة المجوسي والهرمزان، وعبد الله بن سبأ ومن جاء بعدهم من الشعوبيين والزنادقة، وأتباع الفرق العاملة على تشتيت شمل الأمة وإضعافها عن مقاومة العدوان الخارجي، حتى آلت إلى ما آلت إليه من التمزق والتشرذم والخضوع للأعداء بشكل مباشر أو غير مباشر، مكشوف أو مستور ديني أو سياسي. ولقد لعب المستشرقون من مؤيدي روما الكاثوليكية أو نيويورك البروتستانتية أو موسكو القيصرية الرومية الأرثوذكسية دوراً هداماً، وينخرط في هذا المنخرط مبشروا الماركسية اللينينية، والماوية، والكيم ايلسنغية، وفي ذيل قائمة أعداء أمتنا يأتي الفرس متلفعين بالجبة الخمينية، ومتعممين بعمائمها متسلحين بالمذهبية الطائفية داعين إلى القضاء على المسلمين السنة. في سنة ١٩٧٣م صدرت الطبعة الأولى من كتاب أدونيس «الثابت والمتحول» ، وصدرت الطبعة الثانية مع بعض الإضافات سنة ١٩٩٤م، وردّ النقاد على أفكار أدونيس الهدامة التي رعاها مشرفه الخوري «بولس نويا اليسوعي» في جامعة القديس يوسف في بيروت، وقد نشر (ملحق آفاق) دراسة للأستاذ/ وليد نويهض حول الطبعة الأخيرة لكتاب أدونيس على مدى ثلاثة أسابيع ابتداء من يوم الأحد ٧/٨/١٩٩٤م، و ١٤/٨/١٩٩٤م ثم ٢١/٨/١٩٩٤م. لقد أوضح الأستاذ وليد نويهض أن «محاولة أدونيس في مطلع السبعينات لم تكن جديدة، لكنها كانت مبكرة في طرح الخطوط العريضة للنقاش، كما أنها جاءت في سياق مناخات سياسية - أيديولوجية يسارية وتغريبية حاولت السطو على التراث من خلال إسقاطات نظرية تأثرت في جانب منها بالمستشرقين الليبراليين في أوروبا والولايات المتحدة، وفي جانبها الآخر تأثرت بمحاولات المستشرقين الماركسيين في قراءة الإسلام والتاريخ الإسلامي» . وقد تطرق أدونيس في كتابه لموقف السلطة من الفقهاء والمثقفين وموقفهم منها، وقد بذل جهداً كبيراً لإثبات صحة أفكاره الهدامة، والدعاية لها، تحدوه في ذلك نزعة مذهبية باطنية ضيقة. وأصدر «سيد محمد القمني» عن «دار سينا» في مصر كتاباً عنوانه: «الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية، مدخل إلى قراءة الواقع الاجتماعي لعرب الجاهلية، وإفرازاته الأيدولوجية» ، والكتاب صادر سنة ١٩٩٠ م على ضوء المنهج الماركسي الذي يعتبر الدين الإسلامي حزباً هاشمياً حاز السلطة حينما «أعلن النبي المنتظر» (ص ١٣) ، والكتاب لا يعدو أن يكون هجوماً رخيصاً على المسلمين، ولاسيما قريش بعامة وبني أمية وبني هاشم بخاصة. كانت تلك مقدمة ضرورية ولاسيما ذكر ما كتبه أدونيس وسيد القمني لأن نبيل ياسين لم يذكرهما رغم أنه قد سطا على أفكار الكتابين فاختزل منهما ومن بعض المنشورات الشيوعية هذا «البيان» الذي سماه «الأصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الإسلامية المعاصرة» ، كما سطا على ما كتبه اليهودي المصري «أحمد صادق سعد» عن الإنتاج الآسيوي، وهو يذكرنا بالبيانات والمنشورات الشيوعية التي شوهت أفكار المخدوعين في هذا القرن، ورغم أن شيوعيي العالم استفاقوا من غيبوبتهم، فإن الشيوعيين الناطقين بالعربية مازالوا يهذون بالفكر الماركسي، رغم لجوئهم إلى البلاد الرأسمالية ومعيشتهم على حساب الرعاية الاجتماعية فيها، وممارسة نشاطاتهم في حي سوهو وشوارع الغرام! ! يقدم الكاتب نفسه بادعاء أنه مفكر علمي مناقض للأصوليين والمتطرفين! الذين يرفضون الشيوعية والرأسمالية، ويتقوقعون ضمن إطار الفكر القومي! والفكر الإسلامي! ورغم حملته «العرمرمية» على تزمت القوميين والإسلاميين! واستغرابه تشددهم، فإنه يتناول أحوالهم بشكل يدل على تزمته وتعصبه وقذفه من يخالفه الرأي بتهم غير صحيحة ولا وجود لها إلا في مخيلة الكاتب الذي تقمص الازدواجية في نقاشه، حيث يتضح للقارئ أن الكاتب ركز هجماته على محورين رئيسين هما الفكر القومي، والفكر الإسلامي، ولكنه لم يكن عادلاً في هجومه على هذين الفكرين لأنه ركز هجومه بشكل انتقائي وتجاهل التيارات التي توافق هواه، فجاء الكتاب معبراً عن التعصب الشيعي ضد المسلمين السنة، ولاسيما السلفيين، كما عبر الكاتب عن التعصب الشيوعي ضد القوميين ولاسيما العرب منهم، وهكذا سقط المؤلف في بؤرة التعصب الذي يدّعي نقده، وصار كتابه أشبه ما يكون بمنشور «نضال الشعب» الشيوعي، أو «الفتوى الإلهية» الملالية. وكرر الكويتب نفس الكلام عدة مرات على نفس المحاور، ويمكننا تلخيص محاور هجماته فيما يلي: ١- قال المؤلف: «بدأت العلاقة بين المثقف والسلطة الدينية تتوتر منذ نشأة الدولة الأموية ... » (ص ١٠) ، ثم شن هجومه على الخليفة «عثمان بن عفان، ومعاوية بن أبي سفيان» ﵄ (ص١٢) ، وهاجم الدولة الأموية التي «عززت مصالح وامتيازات بني أمية أولاً ثم الفئات القبلية الموالية لها ثانياً» (ص٣٣) ، ثم كرر الهجوم على الخليفة عثمان ﵁ وادعى أن معاوية «استولى على جميع أراضي الصوافي في العراق بالذات وأقطعها لنفسه وأفراد عائلته وعشيرته» (ص٤٥) ، ثم ادعى أن معاوية «عمل على تحويل الفقهاء ورواة الحديث إلى رجال دين! مرتبطين بالدولة» (ص٥٠) وكأن علماء المسلمين - في نظره - مثل رفاقه الذين يؤيدون من يدفع أكثر، ثم عاود الكَرّة على معاوية فقال: «إن الملكية الاجتماعية بشكلها الذي ظهر في زمن الرسول والخلفاء الراشدين، تدمرت نهائياً في زمن معاوية، وحل محلها نهب منظم واسع النطاق استند إلى إرهاب الدولة ... » ، هكذا فهم الكاتب تطور الدولة الإسلامية، فضيق أفقه وتعصبه الشيعي منعاه من رؤية مآثر معاوية الذي طور نظام الحكم الإسلامي بشكل منفتح على قضايا عصره، وهذه مأثرة يذكرها المنصفون من أعداء معاوية لأن إنكارها يدل على الغباء والجهل والتعصب الأعمى. ٢- شن نبيل ياسين هجوماً بعد مرور ٨٠٠ سنة على صلاح الدين الأيوبي، ﵀، لا لشيء سوى أن صلاح الدين عزز مواقع الخلافة العباسية في مصر، وقضى على النفوذ الفاطمي الذي أصبح مرتبطاً بقوات الاحتلال الصليبي، متجاهلاً مآثر صلاح الدين في توحيد الشام ومصر وكسر شوكة الصليبيين، ولم ير من تاريخه المشرف سوى اصطدامه بالزنادقة العبيديين وادعى المؤلف: أن مصر شهدت «في عهد صلاح الدين ظاهرة المساعدة على نشر التحريف الديني عن طريق إنشاء التكايا والزوايا، وتشجيع الدراويش للقضاء على الفكر الفاطمي الشيعي الذي ازدهر في مصر!» (ص١٨) هكذا يصور الكاتب الانحرافات عن الشريعة الإسلامية بصورة الفكر، ويصور تصحيحها بصورة التحريف، وهذا ليس بغريب أن يصدر عن شيعي وشيوعي في الوقت نفسه! ! ثم كرر نفس التهمة ضد صلاح الدين وأضاف أن صلاح الدين «وسع الإقطاع العسكري» (ص٤٣) ، ثم هاجم الأيوبيين بتكرار الكلام السابق (ص٥٨) و (ص٧٧) ، وهكذا يتباكى على العبيديين ويذم صلاح الدين والأيوبيين، تعصباً للشيعة وحقداً على السنة لا أكثر ولا أقل، والتاريخ شاهد على فضل صلاح الدين، وكان من الأجدر به لو ذكر لنا خيانة الوزير ابن العلقمي ودوره في سقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ. ٣- هاجم الكاتب المسلمين السنة السلفيين هجوماً رخيصاً يدل على حقده وسوء عقيدته وتعصبه، حيث هاجم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: «ظهر ابن تيمية أيضاً، ذلك السلفي الذي عارض المنطق وكرّس الفكر الطائفي، وهاجم القياس في الإسلام بالاشتراك مع ابن قيم الجوزية، مثلما هاجم الفكر الديني للحركات السياسية والاجتماعية المعروفة في تاريخ الإسلام، والواقع أن فكر هؤلاء المنظرين الدينيين هو الفكر الديني السائد حالياً، ومن المهم أن نذكر أن فكر هؤلاء قد تشكل في فترات الانحطاط السياسي والاجتماعي والثقافي وظهور موجات الاستبداد الديني بشكلها الصارخ، وفي فترة حاجة الدولة إلى جهاز أيديولوجي يبرر استبدادها السياسي وصبغه بالصبغة الدينية ... » (ص٢٢) . لقد عمد المؤلف إلى التعمية والتهم الباطلة متهماً شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ بالهجوم على «القياس في الإسلام» ، وهذا كذب صريح لأن ابن تيمية نقد «القياس الأرسطي» نقداً منهجياً، وشأنه في ذلك شأن علماء أصول الفقه السنة وقد أيد قياس أصول الفقه باعتباره الميزان المستقيم، وعقد للقياس كتاباً خاصاً في كتاب «المسودة» في أصول الفقه (ص ٣٢٧-٣٨٨) ، قال فيه: «القياس العقلي حجة يجب العمل بها، ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع، ولا يجوز التقليد فيه، وقد نُقل عن الإمام أحمد الاحتجاج بدلائل العقول، وبهذا قال جماعة الفقهاء والمتكلمين من أهل الإثبات» المسودة في أصول الفقه، ص ٣٢٧) . وهذا الاستشهاد يبين لنا أن الأمر اختلط على هذا المتعالم الذي لا يفرق بين أنواع القياس، وابن تيمية ليس وحيداً في نقد القياس الأرسطي بل هناك من نقده قبله كأبي سعيد السيرافي (ت ٣٦٨ هـ) والباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) وأبي المعالي الجويني إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) ، وكان هؤلاء العلماء قد تنبهوا إلى القصور والخلل والعجز في القياس الأرسطي منذ قرون عديدة، ثم جاء فلاسفة أوروبا ليكرروا نقد القياس الأرسطي وهذا واضح في كتابات: جون استيوارت مل (١٨٠٦-١٨٧٣ م) ولويس كارول (١٨٣٢-١٨٩٨ م) وفرنسيس هربرت برادلي (١٨٦٤-١٩٢٤ م) وبرتراند رسل (١٨٧٢-١٩٧٠ م) . ومن الجدير بالذكر أن ابن تيمية ألف كتاباً معروف بـ «القياس في الشرع الإسلامي، أثبت فيه أنه لم يرد في الإسلام نص يخالف القياس الصحيح» (طبع المطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٤٦ هـ) ، وله كتاب آخر عنوانه «الرد على المنطقيين» (طبع في الهند بومباي ١٣٦٨ هـ/١٩٤٩ م) ، وله كتاب جدلي هو «منهاج السنة النبوية» ويقع في تسعة مجلدات. أما عن موالاة شيخ الإسلام ابن تيمية للسلطة، فهو افتراء سمج يدل على الجهل المبرمج، لأن مواقف شيخ الإسلام ضد استبداد الحاكم مشهورة وسنواته الطويلة في سجن قلعة دمشق خير شاهد على دحض افتراءات المدعو نبيل ياسين وأشباهه من أعداء أهل السنة. ويتابع المذكور هجومه على السلفيين فيقول: «وهذه الأفكار جمعت بين أفكار أبي الأعلى المودودي وأفكار الحركة الوهابية ذات الطابع البدوي المعادي للمدنية، والطابع السلفي الذي أعطى صفة أصولية لا تتناسب ومنطلقات الوهابية التي تتميز بطابع طائفي ظهر في حملات الإبادة التي شنها الوهابيون على مدن الشيعة المقدسة مثل كربلاء والنجف في القرنين الماضي والحالي، وهي جزء من رد البداوة على المدنية ... » (ص٢٧) ، وهكذا يسفر الكاتب عن تعصبه الشيعي وحقده على السلفيين، وبذلك يفقد مصداقية الكاتب المحايد أو العادل أو الصادق. ويكرر هجومه على السلفيين (ص٣٢) ويحملهم مسؤولية التطرف حيث يقول: «تعتبر المنطلقات السنية الوهابية المهد الذي تربت فيه التيارات السنية المتطرفة المعاصرة، وقد تميزت الدعوة الوهابية بكونها عودة إلى المحافظة والسلفية أكثر من كونها عودة إلى الأصول، ومن غير الصائب اعتبارها فكراً أصولياً، ولذلك ترفض الدعوة الوهابية (الأعرابية) - وهذه التسمية أَخَذْتُها من القرآن في وصفه لفهم الأعراب للإسلام - التعايش مع العصر على ضوء معطيات الحاضر، كانت الدعوة الوهابية نتاج مجتمع قبلي يتسم بالبداوة والأعرابية على النقيض من الإسلام الذي فتح آفاق العرب على المدنية والحضارة خارجاً من المجتمع التجاري المكي، وهنا يكمن التناقض بين الوهابية والأصولية الإسلامية» ! (ص٤٠) . هكذا يخلط نبيل ياسين الحابل بالنابل، ويخرج عن حياد العلماء إلى صفوف السوقة الحاقدين، ويصف السلفيين بصفة (الأعراب) ، وهو أشد كفراً ونفاقاً من الأعراب والشاهد عليه كتابه، ويدعي أن «الدعوة الوهابية على النقيض من الإسلام، وهذا التجديف يستحق إقامة حد الجلد بالنعل على نبيل ياسين، لأن السلفيين» الوهابيين «أصح إسلاماً منه ومن أمثاله من أنصار السبأية اللينينية. ٤- هاجم المذكور المذاهب السنية الأربعة، أي الحنفي والمالكي والشافعي، والحنبلي، وادعى أن بقاء الحركات الدينية» في دائرة النفوذ الاجتماعي والثقافي والسياسي للفكر الديني المحافظ فكرياً والمتطرف سياسياً يعود إلى الماضي، إلى الالتحاق بالفكر الديني للمذاهب السنية التي ظهرت خلال القرن الثامن بعد تصفية وتنقية لكثير من الأحكام التي ارتبطت بالدولة ولذلك ادعت أنها ترجع إلى الأصول، وفي الواقع أن الأصولية هي تقليد المذاهب الأربعة في عصر ولادتها وليس أصولية نشأة وظهور الإسلام، ورداً من الفقه! على الدولة اتسمت هذه المذاهب بمواقف متزمتة، لكن الدولة عادت وتكيفت مع عملية احتواء هذه المذاهب التي أصبحت من جديد فكراً للدولة المذهبية الطائفية بعد أن التحقت الدولة بهذه المذاهب في وقت متأخر ... « (ص٤٢-٤٣) . ترى لو كان أهل السنة متطرفين كما يزعم نبيل ياسين، فهل كان من الممكن بقاء أتباع المذاهب الأخرى بينهم في معظم أقطار الأكثرية السنية؟ ولماذا يتحدث عن التطرف السني ويتجاهل عصابات الاغتيال الشيعية من الحشاشين وأمثالهم وصولاً إلى ميلشيات حزب الله بفروعه التي روعت المسيحيين والسنة والشيعة على حد سواء في لبنان وغير لبنان؟ الجواب لأن نبيل ياسين منحاز للمافيا الباطنية. ويتكرر الهجوم على السنة (ص٥١) و (ص٥٨) و (ص٧٧) ، ودوافع الهجوم مذهبية بحتة، إذ ما من هجوم على السنة إلا ويلازمه نواح على حقوق المستضعفين الشيعة! . ٥- هاجم الكاتب الرموز السنية بشكل عام، فبالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً فقد شن هجماته على العباسيين (ص١٩) ، والسلاجقة (ص٢١) و (ص٥٧) و (ص ٦٥) ، والعثمانيين (ص٢٣) و (ص٣٦) و (ص٤٩) و (ص٥٠) و (ص ٥٧) و (ص٥٨) و (ص٦٠) و (ص٦٥) ، وحسن البنا وسيد قطب (ص٢٧) و (ص٦١) ، والمجاهدين الأفغان (ص٣٩) ، والإخوان المسلمين (ص٤٢) وجمعية الدعوة الإسلامية (ص٧٥) . ولم يتورع عن تحميل هؤلاء السنة مسؤولية تخلف الأمة الإسلامية لأنهم قمعوا الفكر الشيعي التقدمي والشيوعية، على حد زعمه، فهم أعداء للماركسية والرأسمالية، لأنهم مسلمون أصوليون قوميون معادون للثقافة والتقدم! ! ٦- مقابل الهجوم على أهل السنة اتخذ نبيل ياسين مواقع الدفاع عن الشيعة والشيوعية، فهو مع الزنادقة أمثال» ابن المقفع وبشار بن برد.. الذين كانوا ضحايا العلاقة بين المنطق والإسلام « (ص١٠) ، وهو مع الشيعة ضد الأمويين (ص١٢) ، ومع الشيعة ضد السنة في العراق (ص٥٧) ، ومع القدرية لأنها تعارض الجبرية (ص١٣) و (ص١٤) ، ومع» أهم الاتجاهات الفكرية في الإسلام وهي جمعية إخوان الصفا «! ! (ص١٥) حسب رأيه، وهو من مؤيدي» كتاب ألف ليلة وليلة « (ص٢٧) ولاسيما القسم الخاص بالشبق الجنسي بنوعيه، ومع الشيوعيين ضد الإسلاميين (ص٦٧) و (ص٦٩) و (ص٧٠) و (ص٧٩-٩٢) ، وفي القسم الأخير يدعم آراءه بوقائع ندوة» عوامل نهضة القوى الدينية المنعقدة في قبرص سنة ١٩٨٧ م «والتي لخصتها مجلة النهج - الشيعية - كما يستشهد بتقارير الأحزاب الشيوعية التالية: الحزب الشيوعي الإيراني» تودة « (ص٨٤) ، والحزب الشيوعي التركي (ص٨٥) ، والحزب الشيوعي البحريني (ص٨٦) ، والحزب الشيوعي الأردني (ص٨٦) ، والحزب الشيوعي السوداني (ص٨٨) ، و» الإجماع الماركسي العربي « (ص٨٨) . وأتبع الكتاب بملاحق ذكر أنه نشرها في جريدة الحياة سنة ١٩٩٣ م دون تحديد تاريخ نشرها، وهي» مصائر المثقفين في عصر الخلافة الإسلامية « (ص ٩٣) ،» ليبرالية التراث.. أصولية المعاصرة « (ص٩٩) ،» دراسات في الأوضاع الاقتصادية للدولة الإسلامية الأولى « (ص١٠٥) . وقد هاجم المؤلف الفكر القومي، والدولة القومية (ص١٦-١٧) و (ص٤٩) و (ص٥٣) و (ص٧١) و (ص ٨٣) و (ص٨٤) ، لما لهذا الفكر من ارتباط بالأمويين!! وهكذا تتضح هوية موضوعية الكاتب ونزاهته.

стр. 1855

في دائرة الضوء الحركة النسوية - إطار للفهم - د. محمد يحيى على مدى العقدين السابقين أصبحت أفكار وطروحات وممارسات ما يطلق عليه في الغرب الحركة النسوية أو (الفِمِنِزْم) تمثل تياراً قوياً وسائداً في الحياة الاجتماعية والثقافية بل والسياسية، ويجد المتابع هذا الأثر في العديد من دور النشر المخصصة لنشر هذه الأفكار في عشرات الكتب الصادرة للترويج ونشر تلك الطروحات، كما يجده في جمعيات اجتماعية وفكرية نشطة، وفي دوائر ذات نفوذ داخل المعترك السياسي تعمل على تحويل الأفكار والطروحات النظرية إلى واقع عملي فعلي من خلال استصدار القوانين والتمكين الاجتماعي للممارسات النسوية عبر وسائل الإعلام الطاغية التي تشكل الرأي العام. وبما أن الفمنزم قد أصبحت في الغرب وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص أشبه بالأيديولوجية الفكرية التي وجدت فيها الليبرالية العلمانية تجديداً لدمائها، فقد سرت هذه الأيديولوجية بشكل واضح ومتحمس من خلال مؤتمراتها عن المرأة والسكان والعقود التي كرستها للمرأة والطفل وكانت الصياغة اللغوية مثلاً لوثيقة مؤتمر السكان العالمي الذي عقد بالقاهرة خلال شهر سبتمبر في العام ١٩٩٤م منشوراً نسوياً خالصاً تجلت فيه - في عباراته وكلماته - معظم دعاوى ومفاهيم تلك الحركة مما مثل وصولاً للأيدلوجية النسوية الغربية إلى مستوى الطرح العالمي، لتكون نمطاً في الأفكار والقيم والعادات والممارسات يراد فرضه وتعميمه في الدنيا بأسرها. مرجعية هذه الحركة في الغرب: إن الحركة النسوية في الغرب التي يراد لها الآن أن تصدر إلى العالم كله لتصبح نموذجاً عالمياً، ينبغي أن تفهم في إطار نشأتها الاجتماعية والفكرية والثقافية، وفي إطار الروافد الثقافية التي غذتها، والأوضاع الحضارية العامة التي أفرزتها، ذلك لأن هذا الفهم هو الذي يعصم العقل من الدعوى التي تزعم أن هذه الحركة ليست أيديولوجية نسبية ثابتة في بيئة فكرية واجتماعية معينة وخاصة، بل إنها فلسفة مطلقة عالمية صالحة لكل زمان ومكان، أو هي نموذج مطلق للسلوك البشري بعامة. والحق أن الفمنزم في هذا التطور تكرر ما حدث للأيديولوجيات الغربية السابقة من ليبرالية واشتراكية وبراجماتية التي طرحت على العالم ليست باعتبارها اتجاهات خاصة بالحضارة الغربية، بل باعتبارها مذاهب مثالية وعالمية ونماذج تطبيقية تسري على كل البشر رغم اختلاف حضاراتهم وعقائدهم. وهذا الإطار للفهم الذي نلمح إليه معقد ومتشعب، لكن أول وأهم ما يمكن أن يقال عن الفمنزم: إنها على عكس ما يفهم بعضهم في العالم الإسلامي - وهم يريدون من خلال هذا الفهم إحداث نوع من التمازج أو التقارب بين أفكارها وبين التعاليم الإسلامية تحت شعارات مثل تحرير الإسلام للمرأة- ليست حركة تهتم بحقوق المرأة أو توفير العدالة والإنصاف لها فالحديث عن حقوق المرأة والعدالة في تحسين وتصحيح أوضاعها هو حديث جزئي بل لا معنى له في ظل أفكار الفمنزم، ذلك لأن الحقوق والعدالة لا يمكن أن يكون لها معنى بمعزل عن إطار مرجعي وقيمي ومفاهيمي عام، يحدد ماهية تلك الحقوق وطابع العدالة ونوعها، والفمنزم في هذا الصدد لا تعترف طبعاً بأي إطار مرجعي عام في مجتمعها أو حضارتها، بل هي تزعم أنها تحدد وتنشيء إطاراً مرجعياً عاماً جديداً في السياق الغربي. ومن هذا فالحركة النسوية ليست امتداداً - كما يحاول أن يوحي بعضهم إما بجهل أو بسوء نية - لحركات ظهرت في الغرب خلال القرن الماضي، تريد انتزاع حق التصويت للنساء في الانتخابات، أو حقوق الملكية والتعليم والعمل. ومن باب أولى فإن الفمنزم لا يمكن أن تكون هناك رابطة أو صلة بينها وبين حركات ودعوات ظهرت في بلدان إسلامية في مطلع القرن الحالي لتنادي بحقوق المرأة في ظل الإسلام، وتطالب بتحسين أوضاعها وفق القيم التي أرساها هذا الدين الحنيف. إن الفمنزم في جوهرها أطروحة جذرية ترفض أن تدافع عن حقوق المرأة وفق الإطار القيمي الذكري أو الرجالي أو الأبوي السائد كما يصفونه، وهي تسعى في أفكارها إلى طرح إطار مرجعي عام بديل هو الإطار النسوي. هذه الحركة في إطارها الفكري: وهنا نصل إلى كنه الفمنزم ووضعها داخل السياق الفكري والثقافي الغربي العام، إنها سعي إلى قلب كل التصورات الاجتماعية والقيمية، بل والأدبية واللغوية التي تسود في الغرب عبر إدخال منظور جديد أو معيار ظل في تصورهم مكبوتاً حتى الآن ألا وهو المنظور النسوي الذي ينبغي أن يعاد تفسير وكتابة كل التاريخ البشري الاجتماعي والفكري وحتى الاقتصادي من منطلقه وباعتماده إطاراً مرجعياً مطلقاً. والحق إن الفمنزم في هذا لا تختلف عن فلسفات غربية سابقة سعت إلى قلب جذري للمفاهيم والأوضاع من خلال إدخال منظور جديد لرؤية الأمور وتحليلها، ولعل أشهر هذه الاتجاهات هو النزعة الإنسانية (الهيومانزم) التي سادت ما يسمى بعصر النهضة في أوروبا وأحلت الدنيوي (أو العلماني) محل الديني، أو الليبرالية التي أحلت البورجوازي محل الأرستقراطي محوراً للتفسير، أو الماركسية بإرجاعها كل الأمور البشرية إلى المعيار المادي الاقتصادي ... إلا أن الفمنزم تزعم لنفسها تميزاً في هذا الصدد فكل الحركات السابقة - كالبراجماتية أو الفلسفات الوجودية مثلاً - كانت تغيرات جذرية في المنظور، ولكن داخل إطار قيمي مرجعي أعلى واحد لم يتغير هو الإطار الذكري، أما الفمنزم فتعتبر محاولة تتجاوز كل محدوديات الفلسفات السالفة الذكر في أنها تغير وتبدل الإطار العام الذي حكم تلك الفلسفات. ولكن رغم هذه الدعوى العريضة فإن الدراسة السريعة لمحتوى أفكار الفمنزم تكشف عن أنها استعادت وأخذت بشكل انتقائي من أفكار تلك الفلسفات الذكرية الطابع، بحيث يمكن القول بأنه لولا تلك الفلسفات لما نشأت الفمنزم، وأنها تمثل امتداداً للسياق العلماني العام الذي هيمن على الفكر والحضارة الغربية منذ عصر النهضة، فعلى سبيل المثال أخذت الفمنزم من الليبرالية ذلك الإحساس المفرط بذاتية الفرد الإنساني منعزلاً عن السياق الاجتماعي والديني، وإن كانت قد صبت هذا الإحساس على المرأة وليس الرجل، وأخذت من الماركسية بعض الشعارات الثورية وتحليل الاستغلال الاقتصادي مع تطبيق هذه المصطلحات والتحليلات على المرأة في الغرب وليس على الطبقات الاجتماعية وأشكال الإنتاج المادي، وأخذت من بعض مدارس التحليل النفسي مفاهيمها في نشأة الهوية الجنسية وتطورها، ولكنها طورتها لكي تتخذ منها مبرراً للدفاع عن مفهوم استرجال المرأة وتخنث الرجل، مما يمهد لظهور جنس ثالث يخرق كل المواصفات المستقرة حول طبيعة كل من الرجل والمرأة، وأخذت كذلك من فلسفة نتشه وبعض الفلسفات المعاصرة كالبنيوية والتفكيكية مبدأ النسبية وتحطيم المطلق لكي تتوصل من ذلك إلى نسف وهز الأسس الفكرية للمجتمع الذكري كما تسميه، تمهيداً لإنشاء وإقامة طروحاتها التي تريدها أطراً مطلقة، مهيمنة وسائدة. محددات أخرى للموضوع: وإذا كانت العلاقة مع الفلسفات الغربية الكبرى تحدد موقع الفمنزم الفكري من خلال آليات المعارضة والاستعارة والامتداد المقلد، فإن محددات أخرى لهذه الأطروحة لا يجب إغفالها لاسيما وأن هذه المحددات خاصة بالتجربة الغربية العقائدية والحضارية، وأنها هي التي ترسم للفمنزم مجالها الخاص باعتبارها أيدلوجية غربية بحتة لا يجب ولا يمكن أن تمتد لتطرح باعتبارها رؤية عالمية شاملة لكل البشر، فمن هذه المحددات تصور الفكر الغربي العام للمرأة ذلك التصور الذي حددته الفلسفات اليونانية والكنائس النصرانية والمفاهيم اليهودية ثم نقحته الأفكار الإنسانية العلمانية، ومن هذه المحددات الكبرى وضع المرأة الاجتماعي والاقتصادي على امتداد القرون وما شابه في القرون الأخيرة من مشكلات مع تعقد أنماط الحياة الغربية بفضل الثورة الصناعية ونتائجها. وجلي أن هذه الفلسفات والقيم والأوضاع تختلف اختلافاً جذرياً ونوعياً عن مثيلاتها في الإسلام وفي خبرة المجتمعات الإسلامية التي حددت أوضاع المرأة، وحتى لو تقبلنا الطرح القائل بوجود مشكلة للمرأة أو قضية للمرأة في إطار المجتمعات الإسلامية، فإن الحقيقة تبقى أن هذه المشكلة والقضية تختلف في تكييفها عن مشاكل وقضايا المرأة في الوسط الغربي، كما تختلف في الإطار القيمي الذي تطرح من خلاله، والحلول التي يمكن أن توجد لها في ظل هذا الإطار كما نجده في الغرب. لقد طرحت الفمنزم نفسها في البداية استجابة ومخرجاً من الأوضاع التي تحكم حياة المرأة الغربية في الأوقات المعاصرة، ورداً على ما حللته بأنه ظلم المفهوم اليوناني - الروماني - النصراني الذي ظل يحدد كيان وهوية المرأة على مدى حياة الحضارة الغربية، وهي في هذا أوحت في الفترة المبكرة بأنها امتداد - وإن كان جذرياً - لبعض الحركات النسوية السابقة التي دعت إلى تحرير أو انعتاق أو حقوق المرأة في بعض النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولكن مع تطور واتساع الحركة فكرياً، وتزعم بعض العناصر اليهودية والراديكالية لطروحاتها، ظهرت أبعاد الفمنزم الحقيقية التي ألمحنا إلى طرف منها فيما سبق، كما ظهر طابعها العنصري الذي يتخذ من معاداة الرجل محور الانطلاق الأساس، ويشعل نيران الحرب العنصرية بين الرجال والنساء في حرب مستعرة لا ترضى بأقل من إخضاع الرجل -الذي يعامل في الفمنزم كجنس مطلق وشرير- وتغيير طبيعته لكي يكتسب الأنثوية الرقيقة المستسلمة في الوقت الذي تسيطر فيه المرأة باعتبارها هاجساً مطلقاً بعد أن تكتسب خصائص الاسترجال والذكورة مثل القوة والشراسة والهيمنة. هذا هو الهدف الأسمى للفمنزم أو الفردوس الأرضي الموعود كالفردوس الماركسي للبروليتاريا، وفي سبيل الوصول إلى هذا الهدف الطوباوي وضعت المفاهيم الجذرية للعلاقات بين الجنسين، واستعيرت الأفكار التي تنسف المطلق وتروج للنسبية، ونشطت عملية قلب وعكس القيم تحت دعوى الانطلاق من المنظور النسوي في مواجهة الذكري. الفمنزم أيدلوجية تغريبية مقصودة: انتهت الفمنزم في الغرب - أو كادت - منذ سنوات باعتبارها حركة فكرية نشطة، ولكنها مع هذا الموت أو التجمد الفكري بقيت مترسخة هناك باعتبارها مذهب أو أيدلوجية لها أتباع، وارتبطت بمصالح مادية وإعلامية وسياسية، وتيارات اجتماعية تعادي الأديان والعقائد وتروج للإلحاد والإباحية والشذوذ الجنسي. وكما هو الحال بالنسبة للفلسفات الغربية السابقة التي تحولت إلى هذا المصير، بدأت الدوائر الحاكمة ذات النفوذ في البلدان الغربية الكبرى تنظر إلى الفمنزم على أنها سلاح أيدلوجي ضد الخصوم والقوى الحضارية التي يتوجس الغرب منها، وبدأت الفمنزم أداء هذا الدور في الثمانينات أولاً ضد الماركسية الثورية، ولكن بعد انتهاء قوة الشيوعية ظهر دورها الأساس في المرحلة الحالية سلاحاً فكرياً يواجه قيم وتعاليم ومفاهيم وتصورات الإسلام. ومن هنا بدأ طرح الأيدلوجية النسوية من خلال منابر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لتجد طريقها إلى ما يسمى بدول العالم الثالث ومعظمها في الحقيقة دول إسلامية، بل إن هذه الدول بالذات هي المستهدفة خصيصاً من ترويج وفرض هذه الأيدلوجية باعتبارها نموذجاً اجتماعياً سلوكياً يراد له أن يسود ليدمر قيم الإسلام وممارساته وسلوكياته. ولكي تؤدي الفمنزم دورها بشجاعة شكلت منها - كما حدث مع الفلسفات الغربية السابقة التي صدرت إلى العالم - نسخة تصديرية تشبه تلك النسخ التصديرية من أنواع السلاح أو الآلات المتقدمة التي لا يصدرها الغرب إلى البلاد الإسلامية إلا بعد أن يدخل فيها تعديلات تسلب منها فعاليتها التقنية وإن بقيت على شكلها الخارجي البراق والمتقدم، والنسخة التصديرية للفمنزم نزعت منها دعاوى الشذوذ الجنسي واسترجال المرأة، وتخنث الرجل وقلب الأدوار وإعادة تفسير التاريخ من المنظور النسوي في مواجهة المنظور الرجالي، وهذه النسخة صيغت في قالب الدعوة التي ألفها المسلمون من حقوق وحريات وإنصاف للمرأة، لكنها في الواقع بقيت في الجوهر محتفظة بهذه المفاهيم الأصلية لها بحيث إذا تساءل إنسان عن نوعية هذه الحقوق والحريات والإنصاف المطلوب للمرأة في ظل الفمنزم في نسختها التصديرية بإشراف الأمم المتحدة، لوجد أنها تكمن في الحرب العنصرية ضد الرجل وفي استهجانه، وإبعاد الهداية الدينية والتوجيهات الإسلامية، وفي عكس الأدوار وصولاً إلى مجتمعات وثنية شائهة تشبه مجتمع قوم لوط. أختي المؤمنة هذا ما يريدون! ومن هذا الإطار نفهم أن ما يحدث الآن مع الفمنزم في العالم الإسلامي هو بالضبط ما حدث مع فلسفات سابقة في إطار عمليات الإمبريالية الثقافية والغزو الفكري والإلحاق والتبعية وتغريب وعلمنة المسلمين بالكامل ومحو هويتهم، فالتصدير والفرض للأيدلوجية النسوية من خلال آليات المنظمات الدولية والمعونة الغربية، يحدثان كما حدثا من قبل مع الماركسية والليبرالية، والمروجون أنفسهم من العملاء الذين يوصفون بالمفكرين والكتاب الذين يدعون أن الفمنزم حل سحري جديد، يروجون كما سبق أن روجوا للفلسفات الغربية الأخرى، والانبهار نفسه والاستخذاء الذي حدث مع المذاهب الفكرية السابقة الوافدة من الغرب يظهر الآن مع الفمنزم حيث نسمع عن اتجاهات للتلفيق والمواءمة تستعير من مصطلحات وشعارات الفمنزم ما تحاول أن تضفي عليه الطابع والمفهوم الإسلامي. وأصبحنا نقرأ كتباً عن تحرير المرأة المسلمة لا بتعاليم ومفاهيم الإسلام الواسعة المرنة والإنسانية، بل من خلال أطر الفمنزم المرجعية لتصبح المرأة المسلمة مجرد نسخة من امرأة الفمنزم المشاكسة العدوانية المحاربة لجنس الرجال، والتي قد تقبل من الإسلام ما تراه يكرس لها حقوقاً لكنها ترفض منه ما ترى أنه واجبات تكبلها، والمشكلة الأساسية وراء كل ذلك أن الفمنزم تحولت من أيدلوجية غربية خاصة ذات سياق معين ومحدد إلى برنامج وخطة عمل تطبيقية يراد لها أن تطبق على المسلمين لتحل محل دينهم، كما يراد لها أن تطبق بشكل مطلق وعام.

стр. 1856

الورقة الأخيرة تعب السعداء أحمد بن عبد الرحمن الصويان روى البخاري في قصة نزول الوحي على النبي ﷺ أن ورقة بن نوفل لمّا أخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى قال: ليتني أكون حياً إذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله: أومُخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. عجيب أمر المصلحين.. يواجهون بكل أنواع الظلم والمحاربة والاستهزاء، ومع ذلك فهم صابرون محتسبون..!! عجيب أمر المصلحين، يخرج المصلح منهم وحيداً فريداً يقف بمفرده أمام الأمة بمجموعها لا يضره من خذله ولا من خالفه، يتألب عليه الخاصة وينفر منه العامة، يصفونه بأقذع الصفات ويتهمونه بأبشع الأخلاق، ومع ذلك فهو رافع الرأس، عالي الهمة، صادق العزيمة..! ينظر المصلح إلى الناس من حوله فيجد الانحراف والضلال والبعد عن شرع الله فيتحرك قلبه، ويهتز ضميره، ويصبح ويمسي مفكراً في هموم الأمة وأحوالها، يظل قلق النفس حائر اللب، لا يهدأ باله بنوم أو راحة، ولا تسكن نفسه بطعام أو شراب.. وكيف يقوى على ذلك أو يرضى به وهو يرى أمته تسير إلى الهاوية، وفصول الهزيمة والاستكانة تتوالى تباعاً..!! إنّ المصلح صادق مع نفسه، صادق مع الآخرين، يجهر بالحق، ويُسمي الأشياء بأسمائها، ويكره التدليس والخداع وتزوير الحقائق، ولا يرضى بالمداهنة أو المداورة، وهذا ما لا يرضي العامة الذين ألهتهم شهواتهم وأهواؤهم عن ذكر الله، كما لا يرضي المتنفذين الذين يستمدون وجودهم ومكانتهم من غفلة العامة وسكرتهم. ينطلق المصلح مستعيناً بالله تعالى يجوب الآفاق رافعاً صوته بكلمة التوحيد الخالص لا يعتريه فتور ولا خور، ولا يقعده عن أمانة البلاغ رغبة ولا رهبة ولا خوف، لأن القلب العامر بنور الإيمان يكتسب قوة وثباتاً يستعلي بها على زخرف الدنيا وبطش الجبابرة. إن عظمة المصلح تتجلى في ثباته ورباطة جأشه وقدرته على مواجهة الناس، بدون كلل أو ملل، فالحق يمكن أن يصل إليه الكثيرون، ولكن الصدع به والثبات عليه والصبر على الأذى فيه منزلة شامخة لا يصل إليها إلا المصلحون الأفذاذ. إن عظمة المصلح تتجلى في رعايته لهموم الأمة كبيرها وصغيرها، دينيها ودنيويها، فهو يعيش للأمة يذب عن بيضتها ويحمى حماها، ولا يتعلق قلبه بشكر الناس أو حمدهم، أو ترهب نفسه من غضبهم أو ظلمهم، يقولها صادقاً: [يا قوم لا أسألكم عليه أجراْ إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون] [هود: ٥١] إنّ المصلحين هم صانعو الحياة، وباعثو الأمل في الأمة هم حرسها وقادتها وحداتها إلى كل خير، في زمن عزّ فيه الأحياء، وندر فيه الصادقون..!

стр. 1857

شعبان - ١٤١٥هـ يناير - ١٩٩٥م (السنة: ٩)

стр. 1858

كلمة صغيرة دفاع عجيب قدم رئيس الرابطة المارونية في بيروت استدعاءات للمسؤولين مطالباً باتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة ضد ماذا؟ . ضد صحيفة تعرضت بالتطاول برسم كاريكاتوري لـ (الكاردينال: صغير) وهو مرجع ديني نصراني قائلاً: بأن ذلك يمس في العمق مشاعر النصارى بل والمسلمين وكرامتهم.. هكذا قال. قلت: كم مرة انتهكت حرمة علماء الإسلام ودعاته بالصوت والرسم والمقال، كم مرة ادعي على علماء الإسلام بحبك المؤامرات ضد الدول ومحاولة إسقاطها وهم لا يملكون سوى الكلمة والكلمة فقط. كم مرة اعتقلوا وحوكموا محاكمات صورية ثم أعدموا؟! مَنْ غار على علمائنا واستنكر ما يحاك ضدهم ليل نهار، إلى متى يغار أهل الأديان الأخرى على علمائهم ومراجعهم، بينما جل وسائل الإعلام تشن حرباً ضارية على العلماء والدعاة المسلمين بدعاوى ساذجة مكرورة. ولا نقول سوى: حسبنا الله ونعم الوكيل..

стр. 1859

الافتتاحية صناعة الإعلام الغربي تطورت صناعة الإعلام في العقود الأخيرة تطوراً مذهلاً، فالخبر ينتقل من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب خلال دقائق معدودات، بل بدأت القنوات الفضائية ووكالات الأنباء العالمية تتنافس في تغطية الأحداث على الهواء مباشرة، حتى ظهر اصطلاح القرية الكونية تعبيراً عن سرعة وسهولة انتقال الخبر، وصاحب ذلك تنافس وكالات الأنباء على الدقة في النقل والمصداقية في عرض الأخبار، ممّا جعل كثيراً من الناس يتهافتون على تلقي الأخبار باطمئنان تام وتصديق كامل، وبخاصة في دول جل العالم الإسلامي التي اعتاد الناس فيها على الكذب الرسمي والتزوير المتعمد والتلفيق المكشوف، من إعلام استهلاكي لا يُجيد إلا الإشادة والتطبيل لمنجزات الزعيم الملهم وإبداعاته المتجددة، حتى وإن لم تر إلا الإنجازات الورقية..!! ولكن هل الإعلام الغربي ووكالات الأنباء العالمية تلتزم الدقة وتحرص على مصداقيتها حقاً..؟ ! وللإجابة على هذا السؤال لابد من إدراك الخلفيتين التاليتين: الأولى: أنّ أكبر وكالات الأنباء والقنوات الفضائية تسيطر عليها الإدارة اليهودية، التي لا تخفي ولاءها لإسرائيل والمنظمات الصهيونية الثانية: أنّ هذه الوكالات وجل القنوات الفضائية مخترقة من وكالات الاستخبارات الغربية، ومن ثم فهي تتحرك وفق استراتيجية استخبارية مدروسة. وبناء على هاتين الخلفيتين العقدية والسياسية فإنّ النزاهة والدقة والحيادية التي تزعم القنوات الإخبارية الحرص عليها تتلاشى تماماً حينما يكون التحقيق الإخباري متعلقاً بالشعوب الإسلامية بعامة وبالصحوة الإسلامية بخاصة، وحينها تنكشف الأقنعة، وتظهر الصورة الكالحة على وجه المعلق وتندفع الكلمات الاستفزازية المتشنجة مسيطرة على تحليل المواقف السياسية فالشعوب الإسلامية لا تستحق البقاء وليس لها حق العيش كريمة وليس لها الحق في خياراتها أسوة بغيرها من الشعوب، والحركات الإسلامية حركات متزمتة ظلامية أصولية لا تحيا إلا بالدم والتدمير والإرهاب، فيجب مقاومتها ووأدها وكبتها، وأما الأنظمة الدكتاتورية القمعية فهي أنظمة وديعة مناضلة متحضرة محبة للسلام، حتى بدت نهاية هذا القرن في نظر الرأي العام الغربي على أنها حقبة التهديد الإسلامي.. [١] ! ! وبعد سقوط الماركسية والدول التي دارت في فلكها سيطرت فكرة التهديد الإسلامي على عقول الساسة والإعلاميين الغربيين، حتى أصبحت قاعدة رئيسة تنطلق منها التعليقات الإخبارية والقرارات الدولية، لقد عقد الكونجرس الأمريكي في ٢٦ مايو ١٩٩٤ ندوة بعنوان: الإسلام المنبعث من الشرق الأوسط شارك فيها: السفير روبرت باللترو مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، والكاتب دانيل بابيس، والكاتب جون اسبزيتو [٢] ، وقد قال الكاتب بابيس في هذه الندوة: إنّه لا يوجد أصولي يريد أن يعيش بهدوء، إن الأصوليين يصرون على نقطتين: تطبيق الشريعة الإسلامية في كل البلاد الإسلامية، وتوسيع حكم المسلمين . وكلا الهدفين يحتويان على كفاح عدواني متأصل، وهم قد يظهرون نوعاً من المرونة، ولكنهم لا يتركون هذين الهدفين.. ثم يقترح على الحكومة الأمريكية الاقتراحات التالية: أولاً: دعم الحكومات والجماعات التي تحارب الأصولية. ثانياً: على الغرب أن يضغط على الدول الأصولية، في السودان وإيران وأفغانستان، حتى تخفف من عدوانيتها. ثالثاً: دعم الأشخاص والمؤسسات التي تعارض الأصولية [٣] . ويفضح هذا الكلام عمق القلق الأمريكي بخاصة من تنامي الصحوة الإسلامية..! لقد أصبح الإعلام الغربي والأمريكي على الخصوص بإمكاناته المدهشة أداة رئيسة في صنع وتشكيل الرأي العام المحلي والعالمي، ونجح الغرب في توظيفه وجعله وسيلة لتعمية الشعوب الإسلامية، والاستحواذ على العقول والأبصار، وصرفها عن الحقيقة وساعد على ذلك ما يلي: * الفشل الإعلامي الذريع الذي تمارسه أكثر الدول المحسوبة على الإسلام وقيامها بسياسات إعلامية معادية للإسلام، ورفعها لشعار تجفيف المنابع حيث شوهت المنابع تبعاً لسياسات التطبيع والتغريب. * إن الإعلام العربي في الغالب مستهلك لأسوأ ما أنتجه الإعلام الغربي على كل الأصعدة من إذاعة وصحافة، وحتى ما يعرض للأطفال من (الصور المتحركة) يصاغ صياغة تحاكي النمط الغربي بل هي نسخة مترجمة منه. * إن الجهود الجديدة في الإعلام الخاص تجارية بحتة تعمل جهدها للهو والتسلية ولإغراء المُشاهِد بالفاتنات والبرامج الساقطة وقل أن تجد فيها النافع المفيد. كنا نود لو أن تلك الجهود قامت بشيء من واجبها لمواجهة الإعلام الأجنبي ومحاولة ترشيد الفهم الخاطئ عن الإسلام وأهله، فقد آن لنا أن ندرك أنّ الإعلام الغربي إعلام عنصري استعماري، وإنْ زعم الدقة والحيادية ومواقفه من أحداث العالم الإسلامي: كالبوسنة وفلسطين والشيشان وكشمير وبورما والفلبين أكبر شاهد على التشويش المقصود. إن التأني والتثبت في تلقي الأخبار منهج أصيل دلّت عليه النصوص القرآنية، وتواترت فيه الأحاديث النبوية، قال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] [الحجرات: ٦] فإذا كان التثبت من خبر الفاسق مأمور به شرعاً، فخبر الكافر المظهر لعداوته من باب أولى.

стр. 1860

في إشراقة آية [ونبلوكم بالشر والخير فتنة] د. عبد الكريم بكار خلق الله جل وعلا الدنيا لتكون داراً للابتلاء والاختبتار، ومن ثم فإنه جعل الإنسان يتقلب فيها بين المنشط والمكره، والرخاء والشدة، والخير والشر، ليرى سبحانه كيف يصنع هؤلاء العباد، وكيف يطلبون مراضيه في جميع الأحوال، [ونبلوكم بالشر والخير فتنة] [الأنبياء: من الآية٣٥] . ولعلنا نقبس من نور هذه الآية المباركة في الوقفات التالية: ١- الناظر في النُظُم العامة التي تحكم مسيرة الحياة يجد أن جوهر (الابتلاء) يقوم على (التشتيت بين المتقابلات) حيث يؤدي عدم القيام بحق الحالة الراهنة أو ما سماه القدماء بأدب الوقت إلى الإخفاق في الامتحان الذي يعني تحول الخير إلى شر أو ارتفاع وتيرة الشر والتدهور، ولعلنا نميط اللثام عن هذا المعنى من خلال نموذجين اثنين: (أ) يسعى كل مجتمع إلى إيجاد أكبر قدر ممكن من التماثل بين أفراده بنية المحافظة على قيمه وخصوصياته وزخمه الحركي، وهذا التماثل من الخير ولا ريب لأن البديل عنه هو الشقاق والاحتراب الداخلي لكن التجربة الاجتماعية أثبتت أن الحرص على التماثل التام بين أفراد المجتمع يؤدي إلى انقسامه على نفسه، حيث يتشوف أعضاؤه ولاسيما الصفوة منهم إلى النفاذ إلى واقع المجتمع على نحوٍ منفرد ومنعهم من ذلك يؤدي إلى التوتر الاجتماعي، ويجعل (التماهي) الظاهر عبارة عن شكل فارغ من المضمون، فينتشر النفاق الاجتماعي والازدواجية في السلوك، ومن ثم فإن المطلوب هو قدر من التنوع الاجتماعي واحترام الخصوصيات في إطار النظم الكبرى للمجتمع وفي إطار أهدافه ومبادئه العامة. (ب) حث الإسلام على صلة الرحم وأداء حقوق القرابة، ورتب في ذلك أحكاماً وآداباً عديدة، والالتزام بها ورعايتها من الخير العظيم، لكن ذلك لابد أن يوقف عند حدود رعاية مسائل أخرى لا تقل أهمية وحيوية من مثل احترام النظم التي تتولى توزيع وترتيب الحقوق والواجبات في المجتمع، حيث لا يصح لعامل القرابة أن يمس العدالة الاجتماعية أو يضغط عليها، الملحوظ أن ما تسمى بـ (سيادة القانون) لم تأخذ أبعادها بشكل جيد في العصور الحديثة إلا حيث اضمحلت العلاقات الأسرية والقرابية كما هو الشأن في المجتمعات الغربية أما في المجتمعات الإسلامية حيث التواصل الأسري والعائلي أمتن وأفضل، فإن من الملحوظ أنه يتم الكثير من التجاوز والتفلت من النظم العامة في سبيل إعطاء الأقرباء ما ليس لهم من مكتسبات ظناً أن في ذلك صلة للرحم! لكن هذا يعني عدم النجاح في الابتلاء والتشتت بين المتقابلات، إن إكرام الأقرباء لا ينبغي أن يتم على حساب الآخرين ولا بخرق النظام العام، وإلا كان شراً وبلاءً. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن من أشد ما عاناه التمدن الإسلامي في تاريخنا الطويل كان نقل العرب من مرحلة (القبيلة) إلى مرحلة (الدولة) حيث يتم الفصل شبه الكامل بين العلاقات والحقوق الشخصية وغير الشخصية، ونجد إلى جانب هذا في سيرة النبي ﷺ وسلوك أصحابه الكرام موازنة دقيقة في هذا الشأن، فالنبي ﷺ هو الذي قال: يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت فإني لا أغني عنك من الله شيئاً [١] وهو الذي قال:.... لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها [٢] . ٢- النجاح في الابتلاء يقتضي نوعاً من اليقظة لجميع قوانا العقلية والروحية، حتى لا نقع في أسر اللحظة الحاضرة ونستسلم لخيرها وشرها رضائها وكربها، وهذا يعني نوعاً من الاستعلاء على الواقع وعدم الركون إليه، والذوبان فيه، وذلك إنما يقع عند الغفلة عن (نواة) الابتلاء الكامنة فيه، على نحو ما حدث من غفلة الرماة يوم أحد عن نواة الابتلاء في أمر النبي ﷺ لهم بالبقاء في مواقعهم مهما كان اتجاه المعركة، فأدى ذلك إلى تحويل النصر الذي كان يلوح في مستهل المعركة إلى هزيمة! لكن النبي ﷺ لم يدع المسلمين يستسلمون لمرارة الهزيمة، ويغرقون في التلاوم والندم، وإنما اندفع بهم إلى ساحة ابتلاء جديد بأمره لهم بالتوجه إلى حمراء الأسد حيث تحولت مشاعر الفرّ والانكسار إلى مشاعر المبادأة والمطاردة للعدو! [٣] . ولعل مما يعصم عن الغرق في الحالة الراهنة تعود الاستبصار وتقليب النظر في الحالة الراهنة خيرها وشرها، ومحاولة فهم المنطقية والآلية التي أدت إلى ولادتها وتجسدها، وإذا ما تم ذلك أمكن أن نسيطر على تلك الحالة، ونتصرف إلى اتجاهات سيرها وتطورها، فإذا كان الابتلاء عبارة عن خير أي خير أصابه المؤمن ثمرة لجهده وكفاحه وجب عليه أن يستمر في ذلك الجهد على نفس الوتيرة التي كان عليها، وإذا كان قد أصابه من غير تعب كمن ورث مالاً وفْراً وجب عليه أن يشكر الله على ذلك أولاً، وأن يقوم ثانياً ببحث الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى المحافظة عليه وتنميته وتزكيته، حتى لا يشعر يوماً ما أن النعمة التي هبطت عليه لم يكن يستحقها! . وإذا كان ما أصاب المؤمن من شر ومحنة بسبب أخطائه وخطاياه، فإن النجاح في مواجهة ذلك الابتلاء لا يكون إلا بالخلاص مما اقترفت يداه، وبذلك يستحق تغيير الله تعالى له كما قال سبحانه: [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم] [الرعد: ١١] . وإذا كان ما أصابه بسبب ما جناه غيره فإن عليه أن يصبر، ويحاول أن يتجاوز ما هو فيه من بلاء بتحوله من (صالح) إلى (مصلح) لأن البلاء حين يعم بسبب انتشار الفساد لا يتأهل للنجاة منه إلا الذين يسعون إلى تحجيمه وتطهير المجتمع منه، كما قال سبحانه: [فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون] [الأعراف: ١٦٥] ، ولابد للتوطئة لكل ذلك من سيادة روح المفاتحة والمكاشفة والنقد المنصف البناء حتى لا تندغم الذات في الموضوع، ونصبح كمن كان يدفع العجلة إلى أن أصبح يجري وراءها مستسلماً لقوة اندفاعها. ٣- إن مبدأ (الزوجية) ملحوظ في الكثير الكثير من المخلوقات والموجودات، وهذا المبدأ كما أنه سبب في تكاثر الكائن الحي ونمو النوع كذلك هو سبب في تحول حالات الرخاء والشدة، ففي رحم كل رخاء (نواة) لمحنة، كما أن في أحشاء كل شدة نواة لرخاء ومنحة وهذا واضح في قوله جل وعلا: [فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا] (الشرح: ٥، ٦) إن فهم هذه المسألة يقتضي منا أن نضع الحالة الراهنة التي نعيشها في السياق التاريخي والسببي، حتى يتبين لنا أنها ليست أكثر من حلقة في سلسلة غير متجانسة من النجود والوهاد والنجاحات والإخفاقات. إن هذه الدنيا ليست هي الظرف المناسب لتموضع (الأحوال النهائية) في خير أو شر، وإنما هناك دائماً خلف الباب محنة تنتظر إذا ما نحن أسأنا التصرف بالإمكانات التي بين أيدينا، وفي المقابل فإن الشدائد والمحن تفجّر روح المقاومة والإصرار والعناد، تلك الروح التي كثيراً ما تظل هاجعة خامدة إلى أن تأتيها صدمة قوية توقظها من سباتها، وهكذا فالمطلوب دائماً أن نكون في الموقع الصحيح لمواجهة الابتلاء. إن طبيعة الابتلاء تقوم على قاعدة من التوازنات العميقة والدقيقة، والإنسان المبتلى يشبه في كثير من الأحيان الذي يسير على حبل مشدود فهو يطالب حتى لا يقع بأن يستنفذ كل قواه العقلية والجسمية على نحو دقيق ومتوازن وإلا ... ٤- تمتلك أمة الإسلام بحمد الله عدداً من المنظومات المعيارية والرمزية التي تمكنها من اختراق الحالة التي تعايشها ومعرفة أوجه الابتلاء فيها، بل وتمكن الصفوة الممتازة من أبنائها من معرفة نسب الخير والشر وحجم الإيجابيات والسلبيات في الواقع المعاش، وهذه المعرفة تنظم أيضاً ردود أفعالنا على الطوارئ والوافدات الجديدة رفضاً ومدافعة وتعديلاً وتهذيباً وقبولاً وترحيباً، وهذا يعني أن كل ابتلاء جديد لا يدخل في حياة الأمة (الحية) إلا بعد أن يمر بمصفاة قيمها ومبادئها و (عقيدتها الاجتماعية) [٤] أيضاً، وكلما كان وقع الابتلاء الجديد حاداً ومكشوفاً استطاع أن يستفز ردود أفعال الأمة عليه بصورة قوية وسريعة، فظاهرة الردة الأولى كانت ابتلاء كبيراً جداً واجهته دولة الخلافة الوليدة في زمان أبي بكر ﵁ بالقوة والسرعة المكافئة، لكن الابتلاء (المتدرج) الذي حصل بعد ذلك في صورة فرق وعقائد فاسدة وانحرافات سلوكية وفي صورة تجديد أطر الدولة وفق اتساع أمة الإسلام لم يستوفز الطاقات الكامنة في الأمة، فلم تقم بواجبها تجاهه، ولعل هذا يدفعنا إلى القول: إن أخطر ما يغيب الإحساس بالابتلاء على مستوى الفرد والجماعة معاً ليس الكوارث الكبرى ولا الجوائح العظيمة وإنما (التغيرات البطيئة) التي تدخل من أضيق المسام، فتتكيف الأمة معها سلبياً على سبيل التدرج، وهذا ما حصل بالنسبة لأمة الإسلام وما حدث لدول عظمى في عصرنا الحديث، فقد بدأت بريطانيا العظمى تتراجع عن مركزها العالمي، وبدأت الشيخوخة تدب في أوصالها منذ أكثر من قرن لكن ذلك لم يظهر إلا في الحرب العالمية الثانية. ومن الطريف أن بعض علماء (الأحياء) جاءوا بضفدع، ووضعوه في إناء وأوقدوا تحته ناراً هادئة، فصارت درجة حرارة الماء ترتفع بمنتهى البطء، وكان المأمول أن يقفز الضفدع عندما يحسّ بسخونة الماء لكن حدوث التسخين على نحو بطيء أدى إلى أن يتحول (المحرّض) إلى (مخدّر) وكانت النتيجة أن الضفدع انسلق دون أن يبدي أية مقاومة! وهنا تبرز مهمة العلماء الربانيين العظام والمفكرين المبدعين الذين يمتلكون حاسة (الاستشعار عن بعد) حيث يرون عواقب الأمور قبل فوات الآوان، ويقومون بما تستحقه من مواجهة وعمل، وفي هذا يقول سفيان الثوري ﵀: الفتنة إذا أدبرت عرفها كل الناس، وإذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم. وحتى ننجح في مواجهة الابتلاء (التغيرات البطيئة) فإن علينا أن نقوم بأمرين: أ- الانشداد إلى الأصول والثوابت في المنشط والمكره والتأبي على انصهار منهجيتنا وحاستنا النقدية في المعطيات الجديدة مع محاولة استيعاب تأثير المستجدات على تلك الأصول ومحاولة إيجاد التكييفات والتوظيفات التي ترسخها، وتجعلها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ب- المتابعة الجادة والدقيقة لمجمل التغيرات التي تطرأ على حياتنا لا من ... خلال الحدس والتخمين والملاحظة العامة، وإنما من خلال (الرقم) والأساليب الكمية، حتى نتعرف بدقة على سيرورة أحوالنا المختلفة والمآلات الصائرة إليها، وهذا لن يتم إلا من خلال إعادة تنظيم حياتنا ومؤسساتنا المختلفة على أسس جديدة بحيث تخصص كل جهة أو مؤسسة قسماً أو موظفاً يتولى جمع المعلومات الخاصة بها ونشرها حتى ينمو إحساس الناس ب (الكم) وطريقة قياسه، وليس من المستفز اليوم ذلك التلازم التام والمطلق بين درجة تحضر الدولة ودرجة تقدم الإحصاء فيها. إن على المسلم أن يظل يكافح ويجاهد في سبيل التعرف على مراضي الله تعالى في كل حالة من أحواله، ويستشرف بعد ذلك عاقبة المتقين.
следующие страницы →