القنبلة البشرية المؤقتة
في حوض البحر الأبيض المتوسط
إعداد وتعليق: قسم الترجمة بالمجلة
نشرت صحيفة (الديلي تلغراف) مقالاً بعنوان (القنبلة السكانية المؤقتة في
حوض المتوسط) تناول فيه كاتبه هذه القضية التي تقض مضاجع الغرب وهي
الزيادة السكانية الكبيرة بالنسبة للدول التي تقع شرق وجنوب المتوسط، وتراجعها
في الدول التي تقع شماله.
تكشف الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة عن أعراض أزمة في
طور التكوين تتعدى حدود الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل بكثير، وتمس الأزمة
كل قطر من أقطار المتوسط غير الأوربية من المغرب إلى البوسفور متزايدة في
تأمين متطلبات أجيالها الناشئة.
لا شك أن زيادة عمق الهوة بين الدول الغنية في الشمال، والدول النامية
والفقيرة في جنوب المتوسط سوف تؤثر على توازن دول حلف الأطلسي
والمجموعة الأوربية التي تملك كلها مصالح مباشرة في المنطقة.
أما بالنسبة للفلسطينيين فالأرقام مذهلة حقاً، فالشريط الساحلي المتداعي الواقع
في واجهة البحر المتوسط المعروف بقطاع غزة كان ولا يزال مرشحًا لمدة طويلة
ليكون إحدى الشرائح الأرضية المنسية الأكثر كثافة سكانية على وجه المعمورة،
فقد تضاعف عدد السكان فيه منذ١٩٤٨ ثلاث مرات من (٢٠٠) ألف إلى (٦٠٠)
ألف تقل أعمار نصفهم عن الرابعة عشرة، وبعد أن تقلصت محاصيل الفاكهة على
الصعيد المحلي لم يبق من موارد الدخل إلا ما يجلبه ما يقرب من (٤٠) ألف عامل
يضطرون كل يوم للانتقال إلى إسرائيل - ومعظمهم بطرق غير قانونية، وكذلك
من التبرعات التي تهبهم إياها وكالة غوث اللاجئين الأونروا unrwa.
هذا ويتفق الخبراء العرب والإسرائيليون على أن الفلسطينيين الواقعين تحت
الاحتلال الإسرائيلي سيتساوى عددهم مع الإسرائيليين في غضون ٢٠ - ٢٥ سنة
قادمة.
ويزيد هذا التنبؤ في تعقيد ما يسميه (ميرون بن فينيستي) المساعد السابق
لرئيس بلدية القدس والرئيس الحالي لمشروع تجيمع المعطيات عن الضفة الغربية:
(الأزمة والحيرة القاسية) لدى إسرائيل. فهو يرى أن إسرائيل لم تكسب حدوداً
استراتيجية مناسبة لأول مرة في حرب الأيام الستة إلا لتجد نفسها أمام مشكلة
السكان العرب في الأراضي التي أخضعت لها والذين يتزايد تهديدهم لفكرة
(إسرائيل) ذاتها كدولة يهودية.
لا يمكن فصل اقتصاد الأراضي المحتلة عن اقتصاد إسرائيل أبداً، إذ إنهما
متشابكان إلى أبعد الحدود. فإسرائيل في حاجة إلى اليد العاملة العربية التي يفوق
عددها (١٠٠) ألف عامل يشتغل الكثير منهم (في مهن حقيرة) يترفع عنها
الإسرائيليون عادة، وتحتاج الصناعة الإسرائيلية سوقاً فلسطينية لاستهلاك بضائعها
المتنوعة ابتداء م+ن الأغذية المعلبة إلى معجون الأسنان.
ويتماثل هذا التزايد السكاني في فلسطين مع الحال في كل من بلاد الشام
وشمال أفريقيا، وقد أوضحت ذلك بشكل جلي الدراسة التي قام بها برنامج الأمم
المتحدة للبيئة حول ما يتوقع بالنسبة للخمسين سنة المقبلة عندما نشر (خطته
الزرقاء) في أثينا في الخريف السابق، حيث برهن التقرير على أن ثلثي سكان
البحر الأبيض المتوسط في الخمسينات كانوا أوربيين منتشرين في الدول الممتدة من
مضيق جبل طارق إلى مضيق البوسفور، غير أن هذه الصورة ستنعكس بحلول
(٢٠٢٥) وسيصبح البحر المتوسط في غضون عشر سنوات من الآن بحراً إسلإمياً، إن لم يكن عربياً، السيناريو الذي طالما توجس منه مستشارو شارلمان خيفة.
وقد أدى هذا التنبؤ بأعضاء بارزين من دول المجموعة الأوربية التي تطل
على البحر الأبيض المتوسط إلى المناداة لاتخاذ تدابير فورية، فالإيطاليون في ... حالة هلع من إمكانية تدهور اقتصاد بلدان البحر الأبيض المتوسط الجديدة المرتبطة بازدياد عدد سكانها، حيث إن هذا يعني تقلصاً لأسواق دول الشمال الكائنة بجوار جيران تعم بينهم البلبلة، وقد اقترح (فرانكو رافيليو) رئيس إدارة الطاقة في إيطاليا أن تستثمر الدول الشمالية (٣٠) مليار دولار من رصيد الأرباح الناجمة عن انخفاض أسعار النفط في إطار مشروع شبيه بمشروع مارشال لتدعيم الأنظمة الاقتصادية في دول البحر الأبيض المتوسط. وقد صرح (بييرو باسيتى) - وهو وزير سابق للصناعة - قائلاً: (إن ما نشاهده حالياً في البحر المتوسط قد يجعل المباحثات بين الشرق والغرب تبدو كأنها صفحة مطوية من فصول التاريخ) .
وتواجه اليونان حالياً مسألة تجمد عدد سكانها -إن لم نقل: ظهور علامات
تقلصهم -في حين يزداد عدد سكان خصمها اللدود - تركيا - بشكل مطرد. وسوف
تصبح كل من تركيا ومصر في غضون (٢٥) عاماً قوتين عظيمتين في المنطقة من
الناحية البشرية، حيث سيزداد عدد سكان كل منهما آنذاك على (١٠٠) مليون نسمة.
إن التركيبة السياسية المعقدة القابلة للانفجار والناجمة عن فقدان التوازن في
الأرقام تتجسد بخطوة مكشوفة في لبنان، فعلى مدى (٤٥) سنة منذ أن وزعت
السلطة والمناصب على الأقليات حسب الحجم تحت بنود الميثاق الوطني المبرم في
١٩٤٣ تمكن الشيعة من الانتقال من المرتبة الثالثة إلى المرتبة الأولى ليصبحوا
أكبر طائفة دينية في البلد.
تترعرع في بيروت في الوقت الحاضر نزعة دينية متطرفة من جراء الفقر
والفوضى اللذين يشكلان البيئة المثالية لتفشي التعصب الديني والعقائدي على حساب
التعقل والتسامح! ! فمثل هذه التطورات ليست بالضرورة من صنع التدخل
الخارجي البعيد العهد في شئون البلاد من طرف (الملالي) في طهران وقم. إذ
يشير ظهور الحجاب والشادور واليشمك على رءوس الشابات في إسطمبول
والقاهرة وتونس إلى أن الطريق نحو التعصب الديني نابع من أماكن شتى.
من بين جوانب الاضطرابات الأخيرة التي قام بها الفلسطينيون في الأراضي
المحتلة القوة المتزايدة للمتعصبين الإسلاميين! ! مما يبعث على الأسف في صفوف
أنصار فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. إن مكونات النقمة على بواعثها لا تخفى
على من له نظرة أقل تبصراً من نظرة السيد (ديفيد ميلر) . ويبعث منظر عمارات
غزة الممتدة بغير اتساق ولا انتظام في الذهن صورة يمكن تعميمها على بقية البلدان
الجديدة في البحر الأبيض المتوسط.
في العشرين سنة القادمة (ستغطى أكثر من أربعة أخماس السواحل بمساكن لإسكان (٢٠٠) مليون مقيم، ومنتجعات سياحية من أجل الغزوات السنوية لأكثر
من (٥٠٠) مليون سائح، وسيغلب على الشكل الجديد لسواحل البحر المتوسط ... طابع المدن المكتظة بالسكان وهو أمر بعيد كل البعد عن التصور الأسطوري لبلاد الرعاة وصيادي السمك في أركاديا arcady.
إن تحديث الزراعة وإدخال التقنية عليها سيجعل مدن حوض المتوسط تنتفخ
بالسكان الوافدين بالإضافة إلى تزايد سكانها الأصليين، فمثلاً تستوعب إسطمبول
سنوياً - رغم أنفها - ثلث مليون من المهاجرين المتقاطرين عليها من القرى، وبما
أن فرص العمل تتقلص كل يوم فإن الكثير يكسبون لقمة عيش لا تكاد تسد الرمق
بعد جهد وعناء في ممارسة (الأعمال الهامشية) مثل تلميع الأحذية، وكنس
الطرقات، وغسل السيارات، وحمل الأمتعة.
إن أحوالاً كهذه من شأنها أن ترسخ المخاوف حول مدى قدرة بلدان البحر
المتوسط غير الأوربية على تطوير وتوسيع أسواقها.
وقد كاشفني (عز الدين جسوس) - الوزير المغربي المكلف بالعلاقات
المغربية بالسوق الأوربية المشتركة - بهذا الواقع المر دون لف أو دوران، فقد
صرح بأن بلده يهدف إلى تحسين علاقاته مع بلدان السوق الأوربية المشتركة ويحلم
في أحسن الحالات بالانضمام التام إليها إذ إن دخول إسبانيا والبرتغال السوق
الأوربية قد وضع المغرب أمام خطر فقدان سوق لترويج ما يعادل مليون طن من
المنتجات الزراعية والحمضيات.
وقد اختتم كلامه قائلاً: (لا يمكن أن يتحول البحر الأبيض المتوسط - وهو
أكبر الممرات التجارية في التاريخ - إلى طريق مسدود، فقد سبق أن أدت محاولة
ذلك في الماضي إلى الحرب) .
وإذا تركنا جانباً إسهاب) الخطة الزرقاء (في الجانب الاجتماعي فإن توقعاتها
لمصير البحر الأبيض المتوسط تذكر المرء بشكل عجيب بالسيناريو الذي رسم
خطوطه بوليبيوس، الذي سبق ليفي حول الاصطدام بين القوتين العظميين شمال
وجنوب البحر الأبيض المتوسط روما وقرطاج: الحرب البونية الأولى First
punic war
الديلي تلغراف ١٩ /١/١٩٨٨
تعليق على المقال
هذا المقال يعطي صورة واضحة لا غموض فيها عن نظرة أعداء الإسلام
بشكل عام، والغربيين بشكل خاص؛ إلى التكاثر السكاني عند المسلمين، ويعكس
النظرة الضيقة المتعصبة المخالفة لكل ادعاءات التحضر والحياد العلمي الذي يزعمه
من يتناولون القضايا الإسلامية بالبحث والتعليق.
ويأتي هذا المقال في وقت تصدر فيه دراسات كثيرة كلها تدق نواقيس الخطر
في الغرب للبحث عن حل لمشكلة زيادة السكان في البلاد الإسلامية، وخصوصاً
القريب منها من أوربا، ويرد موازياً للدراسات والتقارير الصادرة من اليهود سواء
داخل إسرائيل أو خارجها، ويجد له مناسبة في الأجواء السائدة الآن في فلسطين
المحتلة والتي وجد العدو فيها نفسه في مأزق حقيقي أبرز مظاهره الزيادة السكانية
المتصاعدة والمتسارعة في صفوف الفلسطينيين، يقابلها تراجع في نسبة الزيادة
عند المغتصبين اليهود.
وإذا كانت أغلب الدراسات في هذا الموضوع تؤكد على المقارنة بين العرب
واليهود للبحث عن حل إقليمي على مستوى فلسطين وماحولها فقط؛ فإن هذا المقال
يضع المقارنة بين العرب واليهود في إطار القضية الأوسع والأعمق، ويعتبرها
جزءاً من مشكلة ذات أبعاد تتعلق بالصراع الدائم بين الإسلام والصليبية الأوربية
الوثنية تحديداً..
ونتيجة لهذه النظرة فإن الغربيين يرعبهم أن يعود البحر المتوسط بحراً
إسلامياً، ويؤلمهم أن يختل التوازن الذي أرادوه لهذه المنطقة التي جعلوها مجالاً
للتنافس فيما بينهم، ومضماراً لجشعهم وشرههم.
إن بواعث التعصب والعنصرية وحب السيطرة والتعالي التي تحكم آراء
الغربيين تجاه المسلمين واضحة من خلال كلمات هذا المقال، فبينما نراه يتحسر
على الوضع الذي أراده الغرب للبنان؛ نجده يأسى بمرارة لمشاهد لابسات الحجاب
والشادر واليشمك (البرقع) في العواصم الإسلامية، وكذلك إن جهاد أهل فلسطين
وهم في غالبيتهم مسلمون على مدى ثلاثة أرباع القرن ضد الاستعمار البريطاني
وضد الاستيطان اليهودي لم يعره كاتب المقال بالاً، حتى آلمته وأوجعته الأخبار
الجديدة التي نقلت إليه وإلى غيره (القوة المتزايدة للمتعصبين المسلمين! !) .
واختصاراً فإن مما تجدر ملاحظته في هذا المقال أنه:
١- خطاب موجه بالدرجة الأولى إلى الدول التي يهمها أن يبقى المسلمون
ضعفاء على كل المستويات، ونذير خطر لها كي تبذل ما في وسعها لعلاج هذا
الأمر الخطير.
٢ - وأنه يشير بطريق غير مباشر، وبما لا يدع مجالاً للشك، إلى أن الذي
يشجع قضايا تحديد النسل والحد من الزيادة السكانية بين المسلمين، وتشجيع
الدعوات العاملة على ذلك تحت شعارات كثيرة مثل: (تنظيم الأسرة) ، (تنظيم
المجتمع) ؟ (تخطيط الأسرة) إلى غير ذلك من الشعارات الكثيرة.. نقول:
إن الذي يشجع على ذلك هم أعداء للإسلام والمسلمين ويخدمون أفكار مصاصي
دماء الشعوب من المتعصبين الأوربيين، علموا بذلك أو جهلوه.
٣ - إن هذا المقال مثال على قصر نظر السياسات الاستعمارية المادية التي
تقيس كل شيء قياساً مادياً رقمياً، وتبني توقعاتها على ما يقدمه إليها (العلم الجامد)
الذي اتخذوه إلهاً يعبد من دون الله، غافلين عن أن قوانين الحياة ليست بهذا الجمود، وأن الصراع لا يحسم لمصلحة من يملك المال والسلاح فقط في مواجهة من لا
يملكها؛ بل إن فضل الله وعونه يشتمل على أمور كثيرة بالإضافة إلى المال
والسلاح اللذين - إذا لم يضف إليهما التواضع والرحمة والشكر - يتحولان إلى أداة
تقتل صاحبها..
إن الغربيين - مع اعترافنا لهم بأنهم كشفوا كثيراً من الأمور التي كانت
مجهولة، وسخروا المادة في خدمة الإنسان، وتفوقوا على غيرهم في دراسة
الظواهر الكونية والطبيعية - لهم منطقهم الخاص القاصر في فهم التاريخ وفي فهم
حقائق الصراع البشري، وهم والمسلمون على طرفي نقيض، فالمسلمون لهم
منطقهم الذي تعلموه من كتاب ربهم الذي يقول: [وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) ولِيُمَحِّصَ
اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ] [آل عمران: ١٤٠-١٤١] .
стр. 212
أدب وتاريخ
ولات حين مندم
عدنان بن سالم الفهد
.. قال الفتى الشامي: وقفت متقطع الفؤاد.. مقروح الكبد.. من هول
الفاجعة! ! بالأمس كانت أمي.. واليوم أبي.. رحمة بي يا أرحم الراحمين.. إني
لأذكر ذلك الأمس حينما قفل في وجهي باب من أبواب الجنة بموت أمي.. وبكيت
ذلك اليوم وبكى كل نبض في قلبي حتى تقطعت أطنابه حرقة ومرارة.. وكلما
تذكرت قصة إياس القاضي - عندما ماتت أمه فبكى وأجاب عندما سأله السائل ما
أبكاك؟ ! قال: (كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأغلق أحدهما) فتزداد حرقتي
ويزداد نحيبي.. وها هو الباب الثاني قد أقفل اليوم.. من يواسيني؟ ؟ .. ومن
يدعو لي بالرضا؟ ؟ .. رحمة الله عليك يا أمي.. كم قد تحملت من عذاب وألم،
وكم كنت لا أعرف لك فضلاً! ! .. رحمة الله عليك يا أبي.. وحمداً لك يا رب أن
لم تجعل أبواب رحمتك تقفل في وجهي، أما قال رسولك في صلة الوالدين بعد
موتهما ... وإكرام صديقهما، ومنه ما ورد عن ابن عمر: (إن أبر البر صلة الولد
أهل ود أبيه) ..
أعاهدك يا رب أن أصل صديقهما، وأبرهما بأهل ودهما بعد موتهما..
وإني أتوب إليك توبة نصوحًا عن ما مضى من عصياني وعقوقي.. ولكن..
للتوبة شرط إرجاع الحق.! ! أبي.. أمي.. ولكن يا رب.. يا للهول! ! ..
ياللفجيعة! ! .. أحقاً أني في حقيقة؟ ؟ كيف أعتذر؟ ؟ .. كيف أرجع الحق
وصاحبا الحق قد مضيا؟ ! ! كيف أقابلهما؟ ؟ .. كيف أرجع الحق.؟ . كيف
يقبل قولي؟ .. ولات حين مندم! ! . أبي.. أمي..
قال الفتى الشامي: فتخيلت لفرط حزني أن أبي قد تبسم وهو يقول لي:
يا أسعد: إني أعلمك كلمات في المروءة.. قلت: نعم يا أبي، كأنك تسمعني
وأنت في عالمك الآخر.. قال: لا يا بني.. بل أعيد عليك كلمات تعرفها قد علمتك
إياها في صغرك.. أو أحسبك قرأتها في تلك الأكداس من الكتب التي كنت تقرأ لي
منها بعد أن هداك الله والتزمت بالإسلام - أو كما زعمت لي -.. يا بني.. (إن
للسان مروءة فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر
.. وللخلق مروءته، فمروءته سعته وبسطه للحبيب والبغيض) .. بني أما مروءة
النفس هي حملها قسراً وقهراً على ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين ليصير
لها ملكة في جهره وعلانيته) .
- قال الفتى الشامي. نعم يا أبي. نعم، ولكن ثق أني على عهدك وسأحمل
نفسي على المروءة الحقة في لساني وجناني..
- قال الفتى: قالت أمي مقاطعة. دعك من هذا يا أبا أسعد فوالله ما رأيت
منه تلك المروءة التي تحدثه عنها، فما كان للسانه حلاوة ولا لين، وما كان في
خلقه سعة ولا بسطة، وما حمل نفسه قسراً وما أجبرها قهراً. قال الفتى: حسبك
ياأماه.. حسبك.
- قال الفتى. فصرخت صرخة قطعت كبدي ومزقت أضلعي.. ونحبت
وبكيت.. وأمي تكمل: مروءتك يا بني أين كانت عندما كنا في الحياة الدنيا؟ ؟
- قال الفتى: وأين أنت يا أماه الآن؟ ؟ ألست معي.. إني أعتذر إليك مما
بدر مني.
- قالت: دعك من هذا يا بني كفاك يا أسعد [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ] ? [وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ]- قال الفتى: فشهقت.. فوقعت ولكن تمالكت نفسي ونهضت قائماً.. رحماك ربي.. أرجوك يا أمي لا تكملي.. إني قد تبت الآن.. و.. سوف تصفحين عني.. لا لن أعود لمثل ذلك.
- قال أبي: وما ذلك يا أم أسعد؟ !
- قالت أمي: أما تذكر يا أبا أسعد كم رفع في وجهي صوتاً منتصراً لزوجته
أو محتجاً على تدليلي لابنته.. أما سمع وهو الملتزم بالإسلام ذلك الحديث عن أبي
الدرداء، أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال أبو
الدرداء: سمعت رسول الله- ﷺ يقول. «الوالد أوسط أبواب
الجنة» .. فإن شئت فضيع هذا الباب أو احفظه.. والله يا أبا أسعد ما أمرته
بطلاق وإنما كانت بعض الأمور المنزلية البسيطة.. ووالله لو أرجعت إلى الدنيا
لسامحته.. ولكن قد مضى قول ربي أن لا أعود..
- قال الفتى: نعم يا أمي إني أعلم ذلك.. ولكن لِمَ لَمْ تغفري لي وأنا في
الدنيا؟ ؟ ..
قال الفتى: إني أعلم لم ذلك! ! .. لأني ما اعتذرت ليغفر لي أو أسامح
ولكني أخذت زوجتي إلى غرفة أخرى متسلياً بها.
- قد أضعت الباب (باب الجنة) يا أسعد..
- لا. لا يا أبي ما أضعته..
- قال الفتى. قال أبي: أضعته يا أسعد.. أما أغضبتك في ذلك اليوم..
فنظرت إلي شزراً، وأنت تعلم في ذلك اليوم أن ابن أبي حاتم قد نقل عن عروة في
قوله تعالى: [واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ] ، قال عروة: إن أغضباك
فلا تنظر إليهما شزراً..
وجهي، أما قال رسولك في صلة الوالدين بعد موتهما ... وإكرام صديقهما،
ومنه ما ورد عن ابن عمر: (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) ..
أعاهدك يا رب أن أصل صديقهما، وأبرهما بأهل ودهما بعد موتهما.
وإني أتوب إليك توبة نصوحاً عن ما مضى من عصياني وعقوقي.. ولكن..
للتوبة شرط إرجاع الحق..! ! أبي.. أمي.. ولكن يا رب.. يا للهول! ! .. يا
للفجيعة! ! .. أحقاً؟ ني في حقيقة؟ ؟ كيف أعتذر؟ ؟ .. كيف أرجع الحق
وصاحبا الحق قد مضيا؟ ! ! كيف أقابلهما؟ ؟ .. كيف أرجع الحق.. كيف يقبل
قولي.. ولات حين مندم! ! .. أبي..؟ مي..
قال الفتى الشامي: فتخيلت لفرط حزني أن أبي قد تبسم وهو يقول لي:
يا أسعد: إني أعلمك كلمات في المروءة.. قلت: نعم يا أبي، كأنك تسمعني
وأنت في عالمك الآخر.. قال: لا يا بني.. بل أعيد عليك كلمات تعرفها قد
علمتك إياها في صغرك.. أو أحسبك قرأتها في تلك الأكداس من الكتب التي
كنت تقرأ؟ ي منها بعد أن هداك الله والتزمت بالإسلام - أو كما زعمت لي -.. يا
بني.. (إن للسان مروءة فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر.. وللخلق مروءته، فمروءته سعته وبسطه للحبيب والبغيض) .
بني (أما مروءة النفس هي حملها قسراً وقهراً على ما يجمل ويزين، وترك
ما يدنس ويشين ليصير لها ملكة في جهره وعلانيته) .
- قال الفتى الشامي. نعم يا أبي. نعم، ولكن ثق أني على عهدك وسأحمل
نفسي على المروءة الحقة في لساني وجناني..
- قال الفتى: قالت أمي مقاطعة. دعك من هذا يا أبا أسعد فوالله ما رأيت
منه تلك المروءة التي تحدثه عنها، فما كان للسانه حلاوة ولا لين، وما كان في
خلقه سعة ولا بسطة، وما حمل نفسه قسراً وما أجبرها قهراً.. (قال الفتى: حسبك
يا أماه.. حسبك..) .
- قال الفتى: فصرخت صرخة قطعت كبدي ومزقت أضلعي.. ونحبت
وبكيت.. وأمي تكمل: مروءتك يا بني أين كانت عندما كنا في الحياة الدنيا؟ ؟ .
- قال الفتى: وأين أنت يا أماه الآن؟ ؟ ألست معي.. إني أعتذر إليك مما
بدر مني.
- قالت: دعك من هذا يا بني كفاك يا أسعد: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ] [وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] ...
- قال الفتى: فشهقت.. فوقعت ولكن تمالكت نفسي ونهضت قائماً..؟
حماك ربي.. أرجوك يا أمي لا تكملي.. إني قد تبت الآن.. و.. سوف تصفحين
عني.. لا لن أعود لمثل ذلك.
- قال أبي: وما ذلك يا أم أسعد؟ !
- قالت أمي: أما تذكر يا أبا أسعد كم رفع في وجهي صوتاً منتصراً لزوجته
أو محتجاً على تدليلى لابنته.. أما سمع وهو الملتزم بالإسلام ذلك الحديث عن أبي
الدرداء، أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال أبو
الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول. (الوالد أوسط أبواب
الجنة) .. فإن شئت فضيع هذا الباب أو احفظه.. والله يا أبا أسعد ما أمرته بطلاق
وإنما كانت بعض الأمور المنزلية البسيطة.. ووالله لو أرجعت إلى الدنيا لسامحته
.. ولكن قد مضى قول ربي أن لا أعود..
- قال الفتى: نعم يا أمي إني أعلم ذلك.. ولكن لم لم تغفري لي وأنا في
الدنيا..
قال الفتى: إني أعلم لم ذلك! ! .. لأني ما اعتذرت ليغفر لي أو أسامح
ولكني أخذت زوجتي إلى غرفة أخرى متسلياً بها.
- قد أضعت الباب (باب الجنة) يا أسعد..
- لا. لا يا أبي ما أضعته..
- قال الفتى. قال أبى: أضعته يا أسعد.. أما أغضبتك في ذلك اليوم..
فنظرت إلى شزراً، وأنت تعلم في ذلك اليوم أن ابن أبي حاتم قد نقل عن عروة في
قوله تعالى [واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ] قال عروة: إن أغضباك فلا
تنظر إليهما شزراً..
- قال الفتى: قلت: يا أبي.. ولكنك ظلمتني.. فقال لي أبي: وإن.. وإن
يا أسعد.. أما نقل لك البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس أنه قال: «ما من
مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين - يعني من الجنة -
وإن كان واحد فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضي عنه،
قيل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه. وربك يقول [وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً] ثم.. أي ظلم هذا؟ ! ! .. هل أمرتك بشر؟ ؟ لا والله.. إن هي إلا أمور دنيا..
ولتكن أموراً كنت تتعبد الله فيها ... ثق تماماً.. أنك أضعت الباب يا أسعد..
- قال الفتى: فصرخت.. وما عساني أن أفعل وقد ماتا..؟ ! نعم.. لا
عذر ولا قبول.. وربي بالمرصاد.. ويلي! ! ..
- قال الفتى: وسرت راجعاً بعد دفن أبي ومعي من الجموع الكثير.. وكنت
والله مرعوباً متفتت الأحشاء كسيفاً مطرقاً.. ما زال في فكري ذلك اليوم.. وتلك
الأيام التي كنت أرد على أمي أصواتاً أو أحتج على أبي مغاضباً وكإني سيد الدنيا..
وفي تلك الأيام التي ما أرضى أن ترفع أمي طرفاً لزوجتي أو يحتج أبي على
تصرف لي مهما كان صغيراً.. في تلك الأيام كنت أعلم قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ] .. وما أعي معنى لذلك
إلا اليوم.. وكم أبكيتها.. ولكني كنت أقرأ قول ابن عمر: بكاء الوالدين من
العقوق والكبائر.. وأقرأ قوله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
ثلاثاً قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وجلس وكان
متكئاً: ألا وقول الزور، وما زال يكررها حتى قلت ليته سكت) - قال الفتى:
وكم أبكيتك يا أمي.. وكم.. ويا ليتنى قد اعتذرت، ما منعني إلا النسيان أو
الغضب، و.. لست أدري.. ولكني سأستغفر ربي ما عشت وأتذكر الأثر دائماً:
لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك) .. - قال الفتى: وخطرت لي أمي..
بني أسعد.. إذا ألمت بك مصيبة فكيف تفعل؟ ؟
- قلت: سأستغفر ربي.. قالت: أما لو كنت حية لهانت عليك. قال الفتى:
قلت كيف ذاك يا أماه؟ ؟ قالت: روي عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني
خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه فغرت عليها،
فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال له: (هل أمك حية؟) ، قال: لا، قال: تب إلى
الله وتقرب إليه ما استطعت، فذهب.. يقول الراوي: فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله من بر الوالدة..
- قال الفتى الشامي: قلت: يا أماه والله لست أدري هل أضعت الجنة حقاً أم
ماذا..؟ ولكني حسبي بإني قد بررت ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ولا يكلف الله
نفساً إلا وسعها..
- قال: قالت أمي: دونك وما رغبت فيه من زهد في الجنة، وهل ظننت
أن سلعة الله تكون حسب الهوى، ورسول الله ﷺ يقول:
» رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم
يدخل الجنة «.. دعك من هذا، أما أحرقت قلبي وأنا حية؟ .. أما أبكيتني طاعة
لشهواتك أو لنزعاتك أو لزوجتك أو لأمزجتك الخاصة في مواعيد إعداد الطعام أو
استقبال ضيف.. بني.. اسمع بني وأخبر من وراءك من الناس.. قال الفتى:
قلت هاتي يا أم.
- قالت: بني إن الطاعة التي يريدها الله ليست الطاعة التي على هواك متى
غضبت نفرت.. ومتى رضيت وأنست استرضيت.. فالأم لهجها الدائم) قد
رضيت عليك يا بني) . وما تظنها قائلة وقد فطر الله قلبها على حب الابن.. أما
ترى كم من أصدقائك من هجر وفجر فإذا رجع إلى أمه تبسمت وكأن لم يكن قد
حدث منه شيء.. وأنى لها أن تعتب على فلذة كبدها.. ولكن.. هل يرضي هذا
الله؟ .. ثم إن كان ذلك فما معنى قوله تعالى: [وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ
وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا
تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُل رَّبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً] .. وهذا قضاء وحكم وجوب من رب العزة على عدم
التأفف وهو الأصغر.. وما علمت الأم تبالي بالتأفف ولكنه طاعة لله، وتأدب معه،
وقد قرن ذلك بالإخلاص له وعدم الشرك.. ومرة أخرى قرن فقال: [واعْبُدُوا اللَّهَ
ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً] .. إذا كان لك رغبات في الحب والكره،
وذبذبات في الرأي فمتى كان لك أن تقيس الرضا بمعيارك وتظن أنه رضى للوالدين
فقد هلكت يا أسعد.. أما رأيت كيف يستذل الطائر وينكسر إذا خفض جناحه للنزول
فكذلك اخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. وهذا ما فهمه ذلك السلف الصالح.. أما
سمعت عن ذلك الرجل الذي حمل أمه على عنقه حاجاً وكان يرتجز وهو يطوف
ويقول:
إني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر
ثم التفت إلى ابن عمر وقال له: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: لا ولا
بطلقة واحدة من طلقاتها، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل الكثير.
- قال الفتى: وأكملت أمي قائلة: إيه يا بني.. كم كنت أتمنى أن أراك
شاكراً لي قلباً وقالباً، وكم كنت لا أراك إلا مرات قلائل ربما يمر اليوم واليومان
ولا أراك.. وقد شغلت بمعافسة زوجتك وأولادك.. وأحن أن تتمثل الطاعة الحقة
التي عرفها أبو هريرة ﵁ عندما كان في بيت غير بيت أمه، فإذا أراد
أن يخرج مر ببيت أمه ووقف على بابها فقال: السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله
وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا بني ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحمك الله
كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً.. ثم إذا أراد أن يدخل
بيته صنع مثله ... بربك يا بني هل كنت تستطيع أن تتخلف عن زوجتك يوماً أو
يومين.. لا..
- قال الفتى: قلت: ولكن يا أماه كانت سليطة اللسان لا تتركني.. أما أنت
فطيبة القلب..
- قال الشامي: قالت: هو ذاك.. إنها سلعة الله.. ولكني لا أعلم ما يفعل
بي غداً حتى أصفح عنك أولاً.. فذلك اليوم الذي سنتقابل فيه هو اليوم الذي يفر فيه
المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه.. لكل منا شأن يغنيه.. وهو يوم لا
أعرف فيه إلا نفسى! ! ..
- قال الشامي. فتأملت ما خطر لي وبكيت وأنا أقول:
فضيعتها لما أنست جهالة ... وطال عليَّ الأمر وهو قصير
فآهاً لذي عقل ويتبع الهوى ... وواهاً لأعمى القلب وهو بصير
ولكن هيهات.. ولات حين مندم ...
- قال الفتى:.. أما بعد.. فإني لا أعلم هل يقدر لي الله من الأعمال
الصالحات ما يؤهلني للتوفيق في الحياة والاستغفار عن ذنبي، أم تراه يصيبني
بتفريطي في حقهما يوم كانا.. وكم رأيت من عبر ودولة الأيام على الناس.. فالله
منتقم ... والله بالمرصاد..
.. فيا غافل.. وما زال والدك معك.. وما زالت أمك معك.. أما لك في
قصتي معتبر؟ ! ! اسمع يا أخا الإسلام، والله إني أخشى عليك وعلى أهلك
وأولادك الهلاك.. كن على حذر.. وتأمل معنى آية التأفف.. [فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ] وحسبي بها.. فرفع طرف الأم نحو السماء مصيب:
إذاالتفتت نحو السماء بطرفها ... كن حذراً من أن يصب قلبك السهم
وفي آية التأفيف للمرء مقنع ... ولكنه ما كل عبد له فهم
ودونك فارغب في عميم دعائها ... فأنت لما تدعو إليه فقير
وطاعتها وبرها قولاً وعملاً، لا قول لطيف.. وعمل هباء.. فالكلمات لا
تغني ولا تشبع من جوع. أما تعرف من هم أصحاب الأعراف؟ .. جاء في بعض
التفاسير عنهم أنهم أقوام قتلوا في سبيل الله ولكنهم خرجوا بدون إذن آبائهم فكانوا
من أصحاب الأعراف.. ومن قال لك يا مسكين أنك ستموت شهيداً؟ وقد خرجت
بطراً لمشاغل الدنيا.
- قال الفتى الشامي: يا أخا الإسلام.. لا تظن كما ظننت سابقاً أن طاعة
الآباء والأمهات حسب رغبتك وهواك، وإنما هي حسب ما يرغبان هما.. وإلا
لهان الأمر! !
- قال الفتى: كنت أظن أن أبي سيئ الطباع.. وأمي شرسة نمامة، ولكني
أتأمل اليوم وأقول: إن ذلك الرجل الذي قد خلقه الله منبوذاً أو مكروهاً بين الناس
طوال حياته المديدة فكان يتألم ويحتقر.. قد ضمن له الله ألا يظلم.. ووعده بتاج
يناله حقاً وهو إذعان أولاده له إذا ما كبر..
- قال الشامي:.. فبأي حق يا شامي قد انتزعت هذا الحق من أبيك؟ .. إنه
والله الهوى وحب النفس.. ويلك يا شامي يوم تعرض الموازين القسط.
يا أخا الإسلام.. يا من رغبت بزوجتك وفرحت بها متجاهلاً أمك.. ويا من
رغبت بمالك وعيالك وأصدقائك عن أبيك.. تأمل معي كيف تكون الطاعة..
أما تذكر قصة الثلاثة الذين كانوا في الغار.. نعم.. قال الأول: اللهم كان لي أبوان
شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فَناء بي طلب الشجر يوماً فلم
أرح عليهما حتى ناما.. فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما
فلبثت والقدح على يدي أنظر استيقاظهما.. حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا
غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه
الصخرة.. تأمل أخي بأي شيء توسل إلى ربه.. بالطاعة الحقة.. ومن يفعل هذا
اليوم فعله؟ ! فكم ترى زوجات مترفات منعمات.. وأنى للأم المسكينة من أن تغبق
أولاً، وكم من أبناء قد أترفوا بنعيم وأنى للأب أن يغبق قبلهم ...
أخا الإسلام.. لا تظنني أريد تفريطاً في حق الزوجة أو الأطفال ولكن أعطِ
كل ذي حق حقه.. وإياك وما أنا فيه.. واغتنم حياتهما، ورغم أنف امرء أدرك
أبويه أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنة.. وما هي إلا مرارات وآلام أجترها يوشك
أن تنسينيها الأيام ولكن من لي بمحوها من اللوح المحفوظ.. يوم تجد كل نفس ما
عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً
ويحذركم الله نفسه ...
.. ثم إنك توشك أن تقول لي: ولكن لست كأفعالك فاعل فما قدمت على أبي
زوجة، وما رفعت على أمي صوتاً.. وأنا أقول لك: صدقاً قلت ولكن.. أما وإن
أوشكت أن تصر على سلامة سيرتك معهما.. فشد الوثاق ولا تمن.. فذلك هو
رباط قد هداك الرحمن لحراسته وحفظه فدونك وتوثيقه ... ويا سعتادتك.
стр. 213
شعر
إلى متى ؟
شعر: أبي معاذ الخالدي
تحية يا فتى الإسلام والعرب ... في غمرة الليل والإعصار الغضب
تحية.. وفلول الحق لاهثة ... وواثب الحق رغم الحرق لم يثب
تحية.. لك في السراء أبعثها ... وفي الشدائد في الآلام في النكب
ومن دياجي ملمات يضيق لها ... صدر الحليم أناجي كل ذي أرب
من أمتي وعوادي الدهر تطحنها ... في مهمة القحط والأجداب واللغب
من أمتي أمة كانت مكانتها ... فوق الثريا تخطت هامة الشهب
عزاً وبأساً.. وإيماناً تلوذ به ... في كل مصطدم في الدهر اضطرب
تجتاز ليل البرايا من مشاعلها ... وهج الهداية يجلو ظلمة الريب
شبابها درة الأكوان ما جنحوا ... لغير حق.. وما مالوا إلى لعب
إذا جنا الليل لم تلبث مضاجعهم ... أن حركتهن ترنيمات مغترب
جثوا أمام شديد الطول خاشعة ... أبصرهم ودموع الذل في صبب
والوحي عطّر أجواء الظلام ولو ... لا الوحي ما بزغوا كالصبح من عجب
تمتد أعمدة الضوء التي هتكت ... بقوة الحق ما استعصى من الحجب
يا ليل كم شهدت عيناك من بطل ... يبكي أمام جلال الله في رهب؟
وفي النهار ليوث.. كان واحدهم ... في ساحة الحرب كالإعصار كاللهب
في كف أروع لا يخشى وإن ... الموت ينقض كالموتور من قرب
والله أكبر.. رغم اليأس قنبلة ... عنيفة الحس ترمي القوم عنه كثب
يا للشهادة.. أعيتهم مذاهبها ... حيناً فما يئسوا من شدة لطلب
وللسيوف المواضي كم قضت وطراً ... وكم رأت خطراً في لجة الغضب؟
أولئك القوم آبائي مفاخرهم ... مفاخري.. وأنا أولى الورى بأبي
أعظم وأكرم بجيل كان منبته ... روض العقيدة في إثمارها العجب
ويا سعادته.. والكون يحضنه ... وينتشي من عظيم الحب كالحبب
ويا شقاوة أعداء قد احترقوا ... حقداً وضاق عليهم واسع السهب
غشى النواظر حتى ما تكاد ترى ... من الحقائق إلا صورة الكذب
فعد إلى الله.. يامن عضه الألم ال ... دامي ويا من ربي في دجية الريب
واحمل إلى الكون نور الحق إنك ... إن تحمل إلى الكون نور الحق في لب
стр. 214
معضلة التاء المربوطة والهاء !
منصور الأحمد
يشيع اليوم على أقلام الكاتبين: طلاباً، ومدرسين، وصحفيين، وحتى أدباء
خطأ يحسبونه بسيطًا ولكنه ليس بذلك، إذ إنه يوقع في عدم الدقة والالتباس وهو
عدم الاهتمام وقلة الاكتراث بالتفريق بين حرف الهاء (هـ، ـه) والتاء المربوطة
(ة، ـة) وعندما تحاول لفت نظر من يقع في مثل ذلك في كتابته يجيبك في استغراب
وكثيراً في عدم اكتراث: ما الفرق؟ !
فتقول له: الفرق أنهما حرفان مختلفان لكل منهما وظيفته، وشتان ما بينهما،
وإن تشابها في الظاهر، ويجب أن يكون أحدهما منقوطًا، وهو (التاء المربوطة)
والآخر غير منقوط، وهو (الهاء) .
وللتمثيل لذلك فإن: شجرة، مكتبة، وجميع الأسماء التي تنتهي بتاء مربوطة
يجب نَقْط تائها وصلاً ووقفاً، غاية ما في الأمر أننا عندما نقف عليها نلفظ التاء
هاءً (وهذا هو الذي يوهم من لا تدقيق عنده ومن لا يعير ذلك انتباهه أنها هاء
فيتركها بدون نقط) .
أما الكلمات: جباه (جمع جبهة) وجوه، الله، تنبيه، معتوه ... فهذه الكلمات
تنتهي بالحرف (هـ) ولا يصح بحال نقطه لأننا نقرؤه هاء في حالتي الوصل والوقف
وكذلك الكلمات: كتابه، قوله، دوره- تكتب هاء لا تاء مربوطة (أعنى هاء
دون نقط) لأنها هنا هاء الضمير وتقرأ هاء وصلاً ووقفاً، ولو نقطناها لربما حسبت: كتابة (مصدر كتب) قولة (المرة من القول) دورة (المرة من الدوران) .
وهناك خطأ آخر (وهو متفرع من عدم التفريق بين التاء المربوطة والهاء)
ولكنه لا يظهر إلا في القراءة وهو لفظ التاء المربوطة أثناء القراءة هاء ساكنة مثل: (عاد الطلاب إلى المدرسه بعد انتهاء العطلهْ الصيفيهْ) والواجب أن تقرأ (عاد
الطلاب إلى المدرسة بعد انتهاء العطلةِ الصيفيةِ) وقد يلجأ بعض الناس إلى لفظ
التاء هاء ساكنة أثناء القراءة لأنه لا يعرف حركة التاء أهي: ضمة أم فتحة أم
كسرة؟ وهنا يصبح الخطأ الإملائي هروبًا من الخطأ الإعرابي، ولا يظن من يفعل
ذلك أنه ارتكب خطأين وتداوى من الداء بداء آخر.
إن هذه الملاحظات ربما تقابل بهز الكتف من فئتين:
أ - فئة غير مقتنعة بأن هذا الأمر ذو بال ومهم إلى درجة التنبيه عليه، بل
لا تعتبر أمر اللغة العربية كله من الأمور التي ينبغي صرف الجهد إليها ونحن هنا
لا نعني غير المسلمين، أو أعداء الإسلام بل نعني كثيراً من المسلمين ذوي النوايا
الطيبة.
ب - وفئة أخرى تعتبره تحصيل حاصل، وهناك من أمور اللغة ما هو أهم
منه لبذل الجهود، وقد يستكثرون أن ينبه على موضوع كهذا في مجلة.
ولنا أمل في كل من يقرأ هذه الملاحظات من الفريقين أن يغيروا من رأيهم
ويعطوها شيئاً من الجدية، فضعف العربية ليس إلا ضعفاً لأهلها، والخطأ فيها منها
كبائر ومنه صغائر، ولكن الصغائر إذا صاحبها التكرار والإصرار أصبحت كبائر.
стр. 215
هل الدولة العباسية دولة أعجمية ؟
محمد العبدة
من أصعب الأمور في الدراسات الاجتماعية أن تظن أنك في معمل للكيمياء،
أو أنك أمام معادلات رياضية، إذا أضفت هذا العنصر إلى ذاك، أو هذا الرقم إلى
أخيه فلا بد أن تكون النتيجة معلومة محددة، فالنفس الإنسانية تأبى هذه المعادلات،
بل هي أعقد مما كان يظن علماء النفس في أول هذا القرن.
وفي تعليلنا لحوادث التاريخ، أو عندما نصف عصراً من العصور لا نستطيع-
وبكل بساطة - أن نلقي الكلام على عواهنه، ونحدد طبيعة هذا العصر أو ذاك
بجملة واحدة وكأنها بديهية رياضية. ومما يتردد على الألسنة قول بعض المؤرخين
أو الأدباء الذين يكتبون في التاريخ أن الدولة العباسية (دولة أعجمية خراسانية،
ودولة بني مروان دولة عربية أعرابية) [١] هكذا وبهذا التعميم، وبهذا الإطلاق
تصبح هذه الكلمة مسلمة لا شك فيها ولا جدال، وهذه التعميمات والنظرة الأحادية
للدول تطبق أحياناً على الأفراد فيظن الناس أن هذه صفاتهم الرئيسية، وباقي
الصفات ضعيفة، كما يقال: شجاعة عليٍّ وحياء عثمان ﵄، فيظن
البعيد أن علياً شجاع بلا سياسة، وأن عثمان حيي بضعف.
إن هذه التعميمات في الأحكام قد تكون صادقة في جانب من الجوانب، ولكنها
لا تعطي الصورة الصحيحة للموضوع المتحدث عنه، وهذا من أكبر المغالطات
التي تحجبنا
عن التفكير السليم، بل وتحجب الحقائق عنا لأننا لم نتعود الدخول في
التفاصيل والجزئيات التي باستقرائنا لها نكون أقرب للصواب.
وقبل أن نجيب على السؤال المتبادر: هل الدولة العباسية أعجمية خراسانية؟ أحب أن أوضح طبيعة الدعوة العباسية أولاً ثم الدولة العباسية ثانياً.
أولاً: نشطت الدعوة العباسية كحركة مضادة للدولة الأموية، همها الأول
إسقاط الحكم الأموي مهما كانت الوسائل، فهي حركة منظمة ترفع شعارات عامة
لتجمع الناس من حولها، وينضوي الكل تحت لوائها، كل حسب فهمه وتوقعاته،
ولا مانع لديها من العمل بواجهات متعددة ومختلفة، فهي إسلامية ترفع شعار العدل
ضد ظلم بني أمية، وهي هاشمية ترفع شعار أحقية بني هاشم دون تفريق بين آل
العباس أو آل علي. وهي في خراسان تتقرب من السكان الأصليين ومن العرب
اليمانية الذين استقروا هناك، ومن قوادها ومنظميها عرب وخراسانيون، وقد ينضم
إليها من يحمل في نفسه أغراضاً دينية وسياسية بعيدة كل البعد عن الإسلام.
يقول ابن تيمية واصفاً هذه الحالة: وكان في أنصارها من أهل المشرق ...
والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: «الفتنة
هاهنا» [٢] وظهر حينئذ كثير من البدع ... وكان المهدي من خيار خلفاء بني
العباس وأحسنهم إيماناً وعدلاً وجوداً فصار يتتبع المنافقين الزنادقة [٣] .
ثانياً: ولكن الدعوة بعد نجاحها وتحولها إلى دولة تبنت المذهب السني، وتجد
الدولة نفسها في صراع مع أصحاب المذاهب الهدامة من (مانوية) أو (بابكية ... خرمية) وعندما لم تجد في العراق ما يكفي من العلماء لنشر السنة أتوا من المدينة بعلماء مهدوا السبيل كربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد، وارتحل إليهم هشام بن عروة وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ومحمد بن إسحاق، ومن حينئذ بدأ ظهور السنة هناك " [٤] .
ويقول ابن تيمية: وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهداً للصلوات في أوقاتها من بني أمية، فإن أولئك كانوا كثيري الإضاعة لمواقيت الصلاة كما جاءت فيهم الأحاديث:
(سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها
واجعلوا صلاتكم معهم نافلة) [٥] .
وهذه الدولة فيها ظلم أيضاً وقع من ملوكها أو ولاتها وفيها بدع تبناها المأمون
وإخوته، وترجموا كتب اليونان التي كان لها الأثر السيئ على الأمة الإسلامية
ولكنها تبقى دولة إسلامية كما جاء في الحديث (ثم يكون ملكاً عضوضاً) ويصفها
المؤرخ ابن طباطبا: بأنها دولة فيها مكر وخداع، وفي تعليق للذهبي عن تحول
الدولة إلى بني العباس قال: (فرحنا بمصير الأمر إليهم ولكن والله ساءنا ما جرى
من سيول الدماء والسلب والنهب) [٦] .
ونستطيع القول: إن الدعوة العباسية أرادت أن تكون دولة إسلامية غير
منحازة لفريق دون آخر ولكنها لم تتخذ الوسائل الكافية لذلك، بل وقعت فيما أبت
وتسلط عليها في بعض الفترات أسر ذات نفوذ كبير، ثم تسلط عليها الأتراك.
ونعود للسؤال الأول: هل الدولة العباسية دولة أعجمية؟ فنقول:
١- إن مؤسسي هذه الدولة من بني هاشم من صميم قريش وكانوا مؤسسين
فعلاً وليسوا أداة بيد أحد، والذي خطط لهذه الدعوة هو محمد بن علي بن عبد الله
بن العباس وقام بتنفيذها بعده ابنه إبراهيم. وبدأت الدولة بأخيه عبد الله الملقب
بالسفاح ثم بأبي جعفر المنصور، وكانوا أقوياء ولا يستطيع أحد أن يتخذهم أداة
لتنفيذ أغراضه.
٢- كان عدد النقباء الذين يشرفون على الدعوة في خراسان وغيرها اثني
عشر نقيباً معظمهم من العرب أمثال:
سليمان بن كثير الخزاعي، وهو رئيس النقباء وشيخهم.
مالك بن الهيثم الخزاعي.
طلحة بن رزيق الخزاعي.
موسى بن كعب التميمي.
القاسم بن مجاشع التميمي.
قحطبة بن شبيب الطائي.
خالد بن إبراهيم الشيباني.
سالم بن سلام البجلي.
٣- إن اصطلاح (أهل خراسان) لا يعني بالتاكيد أن جميعهم من سكان البلاد
الأصليين، فالعرب استوطنوا قرى خراسان ومدنها، وكثير منهم من العرب الذين
هجّرهم زياد بن أبيه حين كان أميراً على العراق، وذلك لشغبهم على الأمويين،
وكثيراً ما يظن بعض الكتاب أن فلاناً أعجمي بسبب نسبته إلى إقليم أو مدينة في
إيران، والحقيقة أنه عربي فالذي يسمع باسم جديع بن علي الكرماني يظنه أعجمي
وهو من رؤساء الأزد، أو الفضل بن سليمان الطوسي وهو من تميم [٧] .
٤- من الأدلة على أن عرب خراسان ساهموا في الدعوة العباسية ما تؤكده
رواية في مخطوط (أخبار العباس) تقول: " طالت الفتنة بين نصر بن سيار وعلي
ابن الكرماني ومن كان بها من العرب حتى أضجر ذلك كثيراً من أصحابها، وجعلت
نفوسهم تتطلع إلى غير ما هم فيه وإلى أمر يجمعهم، فتحركت الدعوة يدعو اليماني
اليماني والربعي الربعي.. " [٨] .
ولا شك أن الموالي لهم دور في قيام الدولة، فالدعوة كما قلنا قامت بواجهات
متعددة.
٥- وأما ما يذكر عن رسالة إبراهيم بن محمد بن علي العباسي إلى أبي مسلم
الخراساني الذي يقول فيها: (.. وإن استطعت ألا تدع بخراسان لساناً عربياً فافعل..)
(الطبري ٦/ ١٤) فهذا الجزء من الرسالة فيه تناقض صريح، فكيف يعتمد
على نقباء عرب وعلى قبائل عربية ويوصي خاصة باليمانيين ثم يقول له اقتل كل
عربي. وقد حاول الدكتور يوسف العش في كتابه عن الخلافة العباسية أن يثبت
تصحيف هذه الجملة وأنها ربما تكون (إنساناً مريباً) وحاول منقح الكتاب أن يثبت
أنها (لساناً غريباً) ولكن الدكتور فاروق عمر أثبت من خلال مخطوط (تاريخ
الموصل) للأزدي أن الرسالة كتبت بهذه الصيغة (فاقتل من شككت في أمره ومن
كان في نفسك منه شبهة، أو وقع في نفسك منه شيء، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار
تتهمه فاقتله) [٩] . ونحن هنا لا نناقش الوصية من حيث قسوتها أو وحشيتها،
فالأزدي نفسه الذي أورد هذا النص أنكر على العباسيين قسوتهم على حركة قامت
بالموصل، والذي نريد التأكيد عليه هو أنه لا يمكن أن يصدر كلام متناقض من قبل
منظر كبير للدعوة مثل إبراهيم الإمام.
٦-إن العباسيين بعد أن استقر لهم الأمر استخدموا أقسى الوسائل مع
خصومهم سواء كانوا عرباً أم خراسانيين فقد قتل أبو سلمة الخلال الذي كان يسمى
بوزير آل محمد، وقتل عبد الله بن علي العباسي عم الخلفاء السفاح والمنصور لأنه
منافس خطير لأبي جعفر على الخلافة، وقتل قائدهم المشهور أبو مسلم الخراساني، كما جابه المنصور حركة الرواندية الباطنية بعد أن أصبحوا خطراً على الدولة،
أما قبل ذلك فلم يتحرك لهم وعندما نصح بضربهم قال. (دعهم يدخلون النار في
طاعتنا على أن يدخلوا الجنة في معصيتنا) [١٠] .
وأخيراً فإننا لا نستطيع أن نبرئ الدولة العباسية بشكل عام من الوصف الذي
وصفت به لأنه قد تسلط فعلاً بعض الأسر الأعجمية الذين لهم هوى وثقافة معينة
يريدون تطبيقها على نظم الحكم أو العادات والتقاليد، ومن أمثلة هذه الأسر.
البرامكة، وبنو سهل، وبنو طاهر، ولكن الخلفاء في هذه الفترة كانوا أقوياء
وعندما كانوا يشعرون بجدية خطر هؤلاء كانوا يستأصلونه.
وقد يقال إن طبيعة التطور في أمثال هذه الدول أن تستعين بالأباعد حسداً
وحرصاً وبعداً عن أطماع الأقارب وإن كان فيه هلاكها في النهاية. وقد وقع لبني
أمية في الأندلس قريب من هذا وتبقى المشكلة في هذا الفكر الذي يريد أن يلخص
حال دولة بجملة واحدة، ولا يحب الدخول في تفاصيل الأسباب الكثيرة والجزئيات، هذه النظرة القاصرة الأحادية للأمور وعللها والتي لا زالت تؤثر في حياتنا
وتقويمنا للأشخاص والأشياء.
стр. 216
شئون العالم الإسلامي ومشكلاته
ثورة.. ولا كالثورات
إن انتفاضة الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة هي الحدث الذي شغل
العالم طيلة الأشهر الأربعة الماضية، فقد سيطرت أحداثها على نشرات الأخبار
العالمية، وتناقلت صورها كل شاشات التلفاز، وكان لها صدى واسع ومؤثر في
جميع العواصم، واستطاعت أن تحدث انقلاباً في النظرات على مستوى لم يسبق له
مثيل.
فقد أحدثت تغييراً جوهرياً في نفوس كثير ممن كانوا ينظرون إلى القضية
الفلسطينية على أنها مشكلة حفنة من اللاجئين، وفتحت أعينهم على رؤية شعب
عملاق نهض من سباته، على الرغم من وقوعه تحت وطأة الاحتلال حوالي
أربعين سنة. وأحدثت دفعاً قوياً لثقة هذا الشعب بنفسه، حينما رأى مقاومته غير
المتكافئة للعدو تحدث هذه البلبلة والحيرة في صفوف اليهود وأنصارهم. فزاده ذلك
إصراراً، وفجر طاقاته الكامنة. فهذه البلبلة والحيرة التي وقعت لليهود انعكست
إيجابياً على أهل فلسطين، وجعلتهم يواجهون آلة العدو العسكري بصدور عارية إلا
من الإيمان، وأيد مجردة من كل سلاح إلا سلاح الحجارة، وشفاه يقترن فيها هتاف
(الله أكبر) بمقت اليهود ومن يقف خلفهم. وكذلك أوقعت هذه الأحداث المفاجأة في
نفوس لصوص الحركات الجهادية والمقاومة الحقيقية، نعني. مناضلي المكاتب
وردهات الفنادق الفخمة، فانطلقوا - كعادتهم - يتزلفون وينافقون وينفون أي
خلاف بينهم وبين من هم داخل دائرة الاحتلال.
فإذا قال قائل: إن هذه الانتفاضة سوف تستغل من الجهة الفلانية أو الجهة
الفلانية، فنحن نقول لهم: هذه حركة إسلامية سوف تؤتي أكلها ولو بعد حين..
وأعظم ميزة لهذه الثورة الفريدة في وجه الاحتلال الغاصب هي إدراك الجيل الفتي
من أبناء فلسطين أن انتظار الفرج من وراء الحدود لم يعد بالحل الأمثل، وأنه -
في ظل الظروف العامة للمنطقة وشعوبها ومعاناتها المتراكمة - لم يبق إلا الاعتماد
على النفس من مخرج، فقد فتح هذا الجيل عيونه ليرى نفسه وجهاً لوجه مع أقسى
أنواع المعاناة:
١- عدو جاثم مستهتر ومستمر في اجتثاث جذور هذا الشعب من أرضه،
وزرعها - من جديد - بشذاذ الآفاق الذين يستجلبهم من كل مكان.
٢- وجيل سابق أدركه التعب، وكاد يقتله اليأس نتيجة لتناوب النكبات عليه.
٣- وصراخ كثير ينبعث من وراء الحدود، ذو ألوان متعددة: شرقية وغربية، يجأر به مهرجون محترفون بتوجيه السباب للصهيونية والإمبريالية والرجعية.
وبتضخيم أدوارهم في ساحة كادت تخلو إلا منهم، ومنظمات وأنظمة تتناخى وتزبد
وترغى! ولكن، ماذا كان نتيجة ذلك كله؟ ... لا شيء!
إن هذا الجيل قد فهم " ألف باء " النضال ببساطة شديدة، ولم يعد يحتاج إلى
أمثلة بعيدة عن أرضه يحتذيها لمحاربة الغاصبين، ولم يترب ويتثقف لا على
(أدبيات) حرب فيتنام، ولا على (نضالات) جيفارا ورفاقه! وإنما استمد عناصر
الكفاح من (الله أكبر) التي لا تزال ترتفع من المآذن المزروعة في أرضه،
واستلهم مواجهة العدو المسلح حتى الأسنان من روح الشهادة والشهداء التي هي من
بدهيات دينه الذي لم ينتشر ظله على هذه الأرض بسهولة، بل بعد أن تضمخت
بدماء الشهداء، وضمت بين أحضانها صفوة الخلق من صحابة رسول الله-صلى
الله عليه وسلم-، ومن سار على نهجهم من المسلمين المجاهدين دعاة الحق والخير
والعدل والحرية.
إن البطولات التي يظهرها أبناء فلسطين في مواجهة أعداء الله أمثلة ترتفع لها
هامة كل مسلم وكل عربي، بل كل مهضوم الحق يؤمن أنه بالإصرار على حقه
سيصل إليه لا محالة.
وإن الشهداء الأبرار الذين سقطوا برصاص العدو الغادر، وبآلة قمعه التي
تسلحه بها أمريكا وحليفاتها؛ هم الذين يضيئون لهذا الشعب طريق العزة والكرامة.
على مدى أربعة أشهر كانت أيام الجمعة مناسبات تشحن روح التصدي لهذا
العدو، ويعبر فيها المسلمون في فلسطين عن غضبهم من استمرار الاحتلال،
ويستهينون فيها بأسلحة المرتزقة اليهود، فيسقط منهم القتلى، ويتعرض الكثير منهم
للضرب والتنكيل بكافة صنوفه وأشكاله، وغدت المساجد - كشأنها دائماً - معاقل
للإعداد والمقاومة، ومثابة لطالبي التوبة الذين تخلوا عن الضعف والخمول،
وانضموا إلى صفوف هؤلاء الفتيان المفعمين بالحيوية وكراهية العدو اليهودي.
ومما يلفت النظر مسارعة أصحاب النفوس الضعيفة - الذين كانوا يتعاونون
مع العدو، ويقدمون له المعلومات عن إخوانهم، ويعملون كجواسيس وعيون تبلغ
السلطات الصهيونية بتحركات أهلهم لقاء منفعة رخيصة، أو بسبب عداوة وحقد
شخصي- نقول: مسارعة هؤلاء لإعلان توبتهم في المساجد على رءوس الجماهير، ندماً على ما فعلوا، أو خوفاً من غضبة هذه الجماهير الصادقة التي من المتوقع أن
تذهب بهم وبمن يعملون لهم.
إن من حق فلسطين على المسلمين في كل أنحاء العالم أن يقدموا ما
يستطيعون من دعم ومساندة لأهلها الصابرين والمرابطين في وجه العدو الصهيوني، وأن يفكروا بطرق جدية بعيدة عن أساليب الدعاية والمزايدات كيف يكونون عمقاً
حيوياً لهذه الهبة التي لا ينبغي أن نقف منها موقف المتفرج.
стр. 217
أقوال على هامش الانتفاضة
الأدلة المتوفرة الآن في أرشيفات الدولة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي تفند
الخرافة الدعائية المستحيلة والقائلة بأن رحيل الفلسطينيين الجماعي عن أراضيهم
كان طواعية، وبأمر من القيادة العربية العليا.
الحاخام دايفيد غولد بيرغ - عن جريدة الاندبندنت
الصواب والخطأ في فلسطين كما في أي مكان آخر، ولكن الشيء الغريب في المسألة الفلسطينية هو أن العالم أصغى للطرف الذي ارتكب المخالفات، وأصم أذنيه عن الاستماع للضحية.
أرنولد توينبي
السجون والإبعاد وحتى الموت تعتبر المدارس التي يولد فيها الثوار الحقيقيون.
كريستيان ساينس مونيتور
لا أستطيع أن أغفر للعرب إجبارهم لأبنائنا على أن يطلقوا النار عليهم! .
غولدا مائير
стр. 218
هدم العقيد لمزاجيته
أفضل من هدم سجن
من قذائف الحاكم بأمره في ليبيا الجديدة أنه أعلن في خطاب ألقاه أمام ما
يسمى بمؤتمر الشعب العربي أنه سيداهم مع ذوي المسجونين السجن الموجود في
طرابلس وسيهدمه ثم يفرج عن أربعمائة ليبي معتقلين فيه. وأنه سيتحمل شخصياً
مسئولية هذه الخطوة وما ينشأ عنها، وأنه لا مكان للسجون في ليبيا.. وفي اليوم
التالي نفذ ما وعد به حيث قاد بنفسه " بلدوزر " وبدأ بهدم جدار السجن وكان حوله
عدد كبير من رجال السلطة وذوي المعتقلين، وفي مشهد عاطفي مؤثر خرج
السجناء يعانقون أقرباءهم والدموع تتساقط من أعين الجميع وكأنها حبات المطر،
و (كاميرات) التصوير تنقل هذا المنظر المؤثر وهذا ما يحرص عليه ويعشقه الحاكم
بأمره في طرابلس.. وغير مستغرب على المعتقلين وذويهم أن يتفاعلوا مع هذا
الحدث فلقد كانوا يظنون أنهم لن يلتقوا في هذه الدنيا وكان الأهل لا يعلمون فيما لو
كان أبناؤهم أحياء أو أمواتاً. وفي الوقت نفسه كان مكتب الاتصال الخارجي يبلغ
البعثات الدبلوماسية في طرابلس. هذا القرار الذي ينص على الإفراج عن المعتقلين
الأجانب أيضاً.
وأعلن صاحب القذائف في المؤتمر الآنف الذكر أن جميع المواطنين العرب
يمكنهم اعتباراً من الآن الدخول بحرية ومن دون أي قيد أو شرط إلى ليبيا، وقال
بالحرف الواحد:
(نحن نعلن أنه اعتباراً من هذه اللحظة أن ليبيا هي أرض كل العرب
بمقدورهم دخولها عبر جميع المنافذ وسوف نقاوم أي شخص يمنع أي عربي من
دخول ليبيا بحرية تامة من دون قيد أو شرط) . وتوعد الذين يعرقلون منح
تأشيرات للعرب فقال:
(إذا سمعت أن أي مكتب أخوة أو مكتب شعبي في الخارج منع أي عربي
عن القدوم إلى ليبيا بحرية سوف أرسل له جماهير من هنا أو جماهير عربية هناك
لتزحف عليه وتدمره) .
وفي ٢٤ رجب عام ١٤٠٨ هـ تجمع آلاف المواطنين أمام مبنى الجوازات
والسفر وفي مقدمتهم الذين كانوا ممنوعين من السفر، وتقدمهم العقيد معمر حيث
دخل بهم المكاتب وأمر بإحضار ملفات الممنوعين، ثم بدأ بتمزيقها وشاركته
جماهيره في التمزيق، وقام بتسليم الممنوعين من السفر جوازاتهم الممنوعة.
وغير مستغرب أن يكون هذا الحدث موضع اهتمام الناس في الوطن العربي،
وبشكل أخص في ليبيا لأن مثل هذا الأمر يعد ظاهرة جديدة، ولأن الشعب العربي
عاطفي ينسى العقل والمنطق بل والتاريخ والجغرافيا أمام الأحداث المؤثرة التي تمر
به.. ونحن في (البيان) نحرص على عرض هذا الحدث في إطاره الصحيح،
وننبه القراء أولاً إلى أنه لا يجوز تجاوز الأحداث التي شهدتها ليبيا خلال الأعوام
الماضية، لقد قامت عدة انقلابات عسكرية ضد العقيد كان آخرها قبل حوالي
شهرين، وفشل الانقلاب ورافق فشله بطش وتنكيل وسفك دماء، وتحركت القبائل
تطلب الثأر من النظام، وأصبح العقيد وقبيلته في وضع لا يحسدون عليه..
وجاءت هذه المحاولة بعد الصدمة العنيفة التي تعرض لها نظام العقيد على يد
القوات التشادية، وساد الذعر في أوساط الجيش وأدرك أفراده أن الحاكم بأمره يزج
بهم في معارك ليس لهم من ورائها أي مصلحة، وكثر التذمر بين رجال القوات
المسلحة، وانتشرت ظاهرة الهروب من الخدمة، وأصبح رجال مخابرات العقيد
وجماهيره كالجيش الانكشاري غير قادرين على ضبط الأمور، ورجل المخابرات
ليس مستعداً دائماً للوقوف مع النظام ضد أهله وذويه. أما ضباط الجيش فيتساءلون:
مهما فعلنا لن نكون عند الحاكم بأمره كما كان زملاؤه في مجلس الثورة. لقد
بطش بمعظمهم، فناس منهم علم الناس بموتهم، وناس آخرون لا يعرف أحد فيما
لو كانوا أحياء أو أمواتاً، ويقولون أيضاً: إلى متى سيبقى هذا الرجل يطلب منا أن
نفكر بعقله وليس بعقولنا؟ هل هذا هو الإسلام الذي زعم أنه جاء ليكون جندياً من
جنوده، أم هذه هي أخلاق العرب حيث يتشدق دائماً بأن أمله الوحيد تحقيق الوحدة
العربية؟ أم هذه هي الحرية والتقدمية والديمقراطية التي يكثر من تردادها؟ !
ويطارد العقيد كابوس المعارضة في الخارج يزيد عددهم على ستة عشرألفاً
من كبار المثقفين وأصحاب الاختصاصات العلمية المهمة وهؤلاء يؤثر غيابهم على
مستقبل بلد لو كان عدد سكانه أضعاف عدد سكان ليبيا، فكيف يكون الحال مع بلد
يقل عدد سكانه عن ثلاث ملايين نسمة، ومساحته واسعة جداً، ولهؤلاء أنصار كثر
داخل السجون الصغيرة، والكبيرة في ليبيا، ولا ندري هل شملتهم قرارات الإفراج
أم لا؟ !
هذا العدد الضخم من المعارضة لا يثقون بالعقيد، ويؤكدون بأن هذه ليست
المبادرة الأولى في سياسته الارتجالية، ولا يتصورون بأن الأمن سيعود إلى ربوع
ليبيا في ظل هيمنة الحاكم بأمره، ويتساءلون كيف يطاردنا النظام ونحن في الخارج، ويسخر قطاع الطرق والقراصنة والمجرمين لتصفيتنا في مختلف عواصم العالم
ثم يزعم بأنه وفي موقف من مواقفه المزاجية قرر بأنه لن تبقى هناك سجون في
ليبيا بعد الآن؟ !
وفضلاً عن هذا كله فالشعب فقد المواد الضرورية من الأسواق، والعقيد
يتحدث بعقلية راعي الإبل أو الغنم، ونحسب أنه سوف يصدر كتاباً أخضر جديداً
يشرح فيه كيف يستغني عن العملة الصعبة في ظل نظام يقوم على المقايضة، فمن
يملك البيض يشتري خبزاً، ومالك القمح يشتري زيتاً، وهكذا.. والخلاصة فنظام
العقيد أشرف على الانهيار، وبات يشك بأقرب الناس إليه، ونصحه زعماء قبيلته، بأنهم لا يقبلون أن ينتقم الناس منهم وهم لا يستطيعون مقاومة الشعب كله، وفي
مثل هذه الحالات عودنا الحاكم بأمره في طرابلس كما عودنا أشباه الحاكم بأمره على
تفجير قذيفة من قذائفهم السلمية التي يمتصون عن طريقها النقمة الشعبية العارمة،
فكانت مبادرته بهدم سجن من سجون طرابلس، وفتح البلد أمام المواطنين العرب..
وفي ثنايا هذه المبادرة تبرز شخصية العقيد المستبدة الظالمة التي لا يمكن الاطمئنان
إليها، ونحسب أن بعض الناس سيقولون لنا: كيف يهدم الرجل سجناً ويفتح بلاده
أمام العرب ثم تقفون منه هذا الموقف؟ ولماذا تتسرعون في إصدار الأحكام؟ !
نقول لهؤلاء: على رسلكم وتعالوا نناقش ما قاله العقيد، وما قيل رسمياً عن
هذه المبادرة:
* قال العقيد: اعتباراًمن هذه اللحظة فستكون ليبيا هي أرض كل العرب،
إلخ ... قال مثل هذا الكلام منذ بداية ثورته.. وعندما غضب من السادات طرد
العمال المصريين بطريقة غير كريمة، وسجن بعضهم، وعندما غضب من
بورقيبة أيضاً طرد العمال التونسيين.. وليس هناك مانع يمنعه من تكرار مثل هذه
الأفعال لأنه يتحرك بمزاجية غريبة.
* ومن جهة أخرى ماذا سيصنع العرب في ليبيا، والبلد في حالة إفلاس وهو
الذي يملك موارد هائلة من النفط ولكن العقيد أنفقها على ثوار كوستاريكا،
ونيكاراغوا، وإيرلندا وحبش، وجنبلاط، وغيرهم.. وغيرهم. أما الحديث عن
المؤسسات والمصانع التي أفلست وماذا فعل بها الخبراء السوفييت فهذا يحتاج إلى
مقالات، بل ويعرف عامة الليبيين مثل هذه الأمور التي تعد سبة عار في تاريخ هذا
النظام.
* وكيف نصدق أن هذا النظام سوف يفتح صدره للعرب وهو الذي قطع
الرواتب والمساعدات عن شباب ليبيا الذين يدرسون في الخارج مما جعل نفراً منهم
يرتمون هنا وهناك بحثاً عن لقمة العيش.
* قال العقيد بأنه يتحمل وحده مسئولية الإفراج عن المعتقلين، ومن قبل
تحمل وحده مسئولية الزج بهم في السجون، وتحمل وحده تبذير أموال الأمة.
صحيح أن العقيد أفرج عن المعتقلين ولكن المشكلة أنه يتصرف بما يوحيه
إليه عقله. إن كان الذين أفرج عنهم مذنبين فأين المحاكم والقانون والمحامون،
ولماذا لا تعلن هذه الأمور على الملأ؟ ! .
لماذا لا يتفضل العقيد إن كان جاداً ويقول: كان عقلي كل شيء في حياتكم،
وقررت الآن العودة إلى المحاكم والقوانين، وكل مواطن بريء حتى يدان، ولا
يدان إلا إذا دافع عن نفسه بحرية ومن غير كبت ولا إرهاب..
* قال العقيد: " إذا سمعت أن أي مكتب أخوة أو مكتب شعبي في الخارج
منع أي عربي عن القدوم إلى ليبيا بحرية سوف أرسل له جماهير من هنا أو
جماهير عربية هناك لتزحف عليه وتدمره ".
وهذا المقطع وحده من خطاب العقيد يفسر لنا نفسيته التي لا يستطيع التحرر
مما تمليه عليه من هواجس وأهواء، فهو دوماً صاحب القرار، والجماهير ملك
يديه من المحيط إلى الخليج - هذا إن سلمنا جدلاً بأنه قومي عربي - ومن يخالفه
فمصيره الموت والدمار.. مسكينة أمتنا التي طالما ابتليت بمثل هذا الرجل العجيب
الغريب، والمدهش حقاً أن كثيراً من العاطفيين يعجبهم قول العقيد هذا، ولو تأملوا
قليلاً لوجدوا فيه محنة ليبيا التي استمرت حوالي عشرين عاماً! !
فالمكاتب الشعبية مكاتبك أيها العقيد، ورجالها أنت الذي اخترتهم، وهم أعز
ما تملك فكيف لا يسلمون من تدميرك عندما يمنعون أي عربي من دخول بلدك؟
انتبه أخي القارئ إلى قوله (أي عربي) ، فإذا افترضنا صدق العقيد هل يدمر
المواطن الليبي لأنه منع مجموعة من تجار المخدرات مثلاً؟ ! ومن ثم لماذا قرار
التدمير بيد العقيد وهو الذي يعتمد على أشبه ما يكون بصراع الطبقات، ولماذا
يستغرب العقيد تحرك قطعات عسكرية لتدميره وتدمير نظامه أو تحرك الشعب في
الداخل والخارج لمثل هذا الغرض؟ فهل قرارات التدمير التي يأمر بها شرعية
وتقدمية والقرار الذي يصدره الشعب أو الطبقة الواعية من الشعب ليست شرعية
ولا هي تقدمية؟ !
أيها العقيد العتيد: اعلم أن هذه المسرحية إذا انطلت على غوغاء الناس
وعامتهم فلن تنطلي على ضباط جيشك، ولا على المعارضة في الخارج والداخل،
ولن يقبل إنسان يحترم نفسه أن يعيش في بلد دستوره وقوانينه مزاجك ومواقفك
المتقلبة.. وحتى عامة الناس سيشعرون بعد حين فقدان المصداقية فيما قلته وسوف
تزداد نقمتهم، ولن يثقوا بك حتى لو تبت وصحت توبتك.
أيها العقيد النجيب. إن مزاجيتك لا يقبلها ولايرضاها أحد داخل ليبيا ولا
خارجها فإذا قال الرجل الثاني في نظامك: إنني مؤمن بكتابك الأخضر، فاعلم أنه
يكذب عليك كما تكذب أنت عليه وعلى غيره، فحدد موقفك وأعلن عن المبادئ التي
تؤمن بها:
* هل أنت مسلتم وتريد تحكيم شرع الله كما أعلنت في بداية حكمك، إذن
لماذا تقول بإلغاء السنة والتي حكم عليك بسبب ذلك علماء المسلمين في العالم بالردة؟ ولماذا قتلت عدداً غير قليل من الدعاة، وأئمة المساجد؟ ولماذا حاولت إرغام
الطالبات على الخروج بغير إذن أهلهن والتدرب على السلاح والاختلاط بالسفهاء
من جماهيرك؟ !
* هل تؤمن بالقومية العلمانية وتعتقد أنه لا فرق عندك بين أبي جهل وأبي
بكر، أو بين أبي لهب وعمر بن الخطاب، إذن لماذا وقفت مع إيران ضد العراق
ومع إيران في عدوانها على الخليج ومحاولاتها المكشوفة من أجل السيطرة على
الحرمين؟ !
* هل أنت يساري شيوعي؟ .. إن الذي نعلمه أن المعسكر الشيوعي لا يثق
بك ولا يعتبرك من المنتمين إليه ولا حتى من المؤيدين، وما تظنه أسراراً يذكره
عامة الناس وخاصتهم، وآخر هذه الأمور تأييد الخبراء السوفييت للانقلاب الفاشل
ضدك، وهؤلاء الخبراء ومن وراءهم خدعوك فيما أسميته مصانع أسلحة..
* هل أنت عبيدي باطني؟ وقد زعمت في بعض تصريحاتك أنك قريب
للخميني، ورغم تناقضاتك الكثيرة فلا زلت ثابتاً على موقف ودي من إيران
وحلفائه افي بلاد الشام؟ !
* أم أنت أمة وحدها، لا تدين ولا تؤمن بغير مزاجيتك، وهذه المزاجية
تلتقي حيناً مع الإسلام في موقف من المواقف، وحيناً آخر مع القومية العلمانية
وهكذا، وهذا هو الأرجح، وهنا مكمن الخطر.
أيها العقيد العجيب: ثق أننا والله نحب أن تتوب إلى الله ،
وتطهر قلبك من الكفر الذي طالما أعلنته في إذاعتك وأجهزة إعلامك، وتحفظ
لسانك من النطق بالكفر والفسوق والعصيان، وتغير أفعالك المنكرة الشنيعة..
يسرنا يا أيها العقيد أن تفتح صفحة جديدة ناصعة بيضاء في تاريخ ليبيا وتغلق
صفحة كالحة سوداء لم يشهدها هذا البلد المنكوب في ظل استعمار الطليان وطغيانهم
ننصحك صادقين أيها العقيد إن أردت التغيير أن تغير القناعات التي في عقلك..
وأن تتخلى عن المزاجية، ثم تتلف الكتاب الأخضر وتقلع عن الكتابة لأنك لست
أهلاً لها، وتحترم قبل ذلك دين الأمة.. نعم أن تحترم عقيدة الأمة، فالمسلم قد
يصبر على الذل، وقد يصبر على الجوع، وقد يصبر على الحرمان ولكنه لا
يصبر ولا يسكت عن تأديب كل من يمتهن دينه، وإذا غلب على أمره بعض الوقت
فسوف ينفجر البركان لا محالة ويجتث الطغاة وينتصر المسلمون على الظالمين
المفسدين.
لقد أردت أيها العقيد - كما أراد أساتذتك من قبل - أن يعبدك الناس من دون
الله وأن يكون كتابك الأخضر مقدماً على القرآن الكريم، ولبثت من عمرك عشرين
عاماً تقتل وتبطش وتسجن ثم ما الذي حدث؟ !
إن الذين تربوا في مدارسك وجامعاتك ومعاهدك من الشباب لا يكرهون شيئاً
كما يكرهون نظامك، ولا يحتقرون شيئاً كما يحتقرون كتابك الأخضر، وسيبقى
هذا موقفهم حتى لو أصبح الكتاب أسود أو أحمر، ولا يقدمون شيئاً على حب الله
ورسوله.
أيها العقيد العتيد: لا أظنك تفهم هذه الحقيقة لأن المنصب يعمي قلب صاحبه، وكذلك كان من قبلك لا يتعظون ولا يعتبرون، وليست مشكلتك مع هذه الجهة الإسلامية أو تلك.. إن مشكلتك مع الإسلام، ومشكلتك مع كل من يدين بالإسلام مهما كان انتماؤه وجنسيته وإقامته.
ليتك تفهم أيها العقيد أن الأرحام التي أنجبت عمر المختار وصحبه ما زالت
تنجب رجالاً يحبون الموت كما تحب أنت وجماهيرك ولجانك الحياة ... وأن
الرجال الذين قهروا الطليان وسجلوا أنصع الصفحات في تاريخ المسلمين الحديث ما
زالوا هم الرجال لأن الإسلام العظيم هو الذي صنع هؤلاء وأولئك ... وأن الأرض
الطيبة لا تزال هي الأرض بنعمة الله وفضله.
فليتك أيها العقيد تثوب إلى رشدك وتتوب إلى ربك وتكفر عن جرائمك
وظلمك قبل أن يأتي يوم لا ينفعك فيه الندم.
стр. 219
جهاد المسلمين في أفغانستان
يمر بأخطر مراحله
عود على بدء
لا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.. أن يكون حيادياً في موقفه من الغزو
الشيوعي لأفغانستان، وانطلاقاً من هذه القناعة، ولأن المسلمين كالجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، لهذا وذاك وقف
المسئولون عن المنتدى الإسلامي إلى جانب إخوانهم المسلمين الأفغان، وقدموا كل
ما يقدرون عليه، وكانوا يعيشون بقلوبهم وعواطفهم ومشاعرهم مع المشردين
الأفغان في محنتهم ومصيبتهم، ومنذ بداية المعارك كان أهل المنتدى يرون
وجوب وحدة المجاهدين الذين يجمعهم منهج أهل السنة، وعليهم جميعاً أن يترفعوا
عن المصالح الشخصية والعقلية القبلية ويكونوا على قلب رجل واحد، وسجلنا هذه
المعاني وغيرها في أول عدد من أعداد " البيان " على شكل رسالة مفتوحة إلى
المجاهدين الأفغان، وفي عدد آخر تحدثنا عن باكستان ودورها تحت عنوان
باكستان أمام التحديات.. وعندما أعلن الشيوعيون عن مبادرتهم في إنهاء الحرب
قدمنا دراسة شاملة في (البيان) تحت عنوان (جهاد المسلمين في أفغانستان يمر
بأخطر مراحله) ، ثم رأينا أن نجمع المقالات بل الأبحاث الثلاثة في كتاب.. ونحن
إذ نقدم هذا الكتاب إلى قراء " البيان " نرجو أن يكون من وراء ذلك فوائد كثيرة
وعبر عديدة.
وقبل بضعة أشهر بدأت أجهزة الإعلام العالمية تتحدث عن اتفاق أمريكي
سوفييتي حول أفغانستان، وفي ٩ / ٢ /١٩٨٨ أعلن " غورباتشوف " الأمين العام
للحزب الشيوعي الروسي أن جيش بلاده سيبدأ في الانسحاب من أفغانستان ابتداء
من ١٥ مايو /١٩٨٨، وسيتم انسحاب جميع القوات السوفييتية خلال عشرة أشهر.
وقد اطلعنا على الأخبار والبيانات الصادرة عن هذه الجهة أو تلك،
والتصريحات الرسمية الصادرة عن الدول الكبرى والصغرى فما وجدنا شيئاً جديداً
نضيفه على ما سبق ذكره في بحثنا السابق (جهاد المسلمين في أفغانستان يمر
بأخطر مراحله) . ومن أهم أقسام هذا البحث ما يلي:
* المبادرة سوفييتية وليست أفغانية.
* هل يرغب السوفييت في الانسحاب من أفغانستان.
* وهل يقبل السوفييت الانسحاب دون قيد أو شرط.
* أهدافهم من وراء المبادرة.
* موقف المجاهدين من المبادرة.
* أين مواطن الخلل؟
* وما النصر إلا من عند الله.
مرة أخرى نقول من يقرأ هذا البحث بإمعان لن يجد جديداً، وهذا من فضل
الله وتوفيقه، والذين ينطلقون من مناهج ثابتة ويتحررون من ضغط العاطفة، ومن
الرغبة في تسجيل مواقف يرضون بها هذه الجهة أو تلك يستطيعون رصد الأحداث،
وفهم الواقع بدقة، ولا يتناقضون في تحليلاتهم ومواقفهم.
واستجابة لرغبة قرائنا سنكتب عن الأحداث الجديدة ولكن سنتناولها بإيجاز،
ونريد من إخواننا المسلمين أن يراقبوا هذه الأحداث بدقة ويعلموا من خلالها كيف
تتغير الأحوال عندما تتفق الدولتان العظميان على موقف من المواقف ووعي
المشكلة جزء من حلها.
* رفض سكرتير وزارة الخارجية الأمريكية التعليق على موقف بلاده من
حكومة المجاهدين، وقال: سمعت بها الآن، ثم بدأت أجهزة الإعلام تنقل عن إدارة
البيت الأبيض عزمها على إيقاف المساعدات التي تقدمها للأفغان.
* المصادر الرسمية السوفييتية والغربية والأمريكية تدعو إلى وجوب عودة
ظاهر شاه وتشكيل حكومة ائتلافية، كما تدعو إلى ضرورة اشتراك السياسيين
الأفغان المقيمين في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا بهذه الحكومة،
وهؤلاء السياسيون الذين يتحدثون عنهم عملاء للغرب وخصوم للإسلام والمجاهدين.
* مصادر سوفييتية وغربية تتساءل: لماذا لا تشارك المنظمات الأخرى؟
يعنون: المنظمات الرافضية الهزيلة مثل: حركة إسلامي - آية الله محسني -
الشورى والاتفاق - آية الله بهئشتي، وغيرهما.. في اتحاد المجاهدين السبعة
ويريدون من وراء هذا أن تكون الأكثرية المطلقة ضد الإسلام السني.
ولهذا جاء في بيان غورباتشوف الآنف الذكر: " إننا نعتقد أن إيران الدولة
المجاورة لا يجب أن تظل بمعزل عن أية تسوية سياسية في أفغانستان ".
ونذكر القراء بما ذكرنا في أبحاثنا الماضية عن دور إيران، كما نذكر القراء
بتعاون نظام الآيات وعملائهم داخل أفغانستان مع الشيوعيين السوفييت، وعند
المجاهدين حقائق مذهلة عن مثل هذا التعاون.. وبكل أسف فقد سمعنا أن بعض
المجاهدين يهدد إذا أخرج من باكستان في الالتجاء لإيران، فليتذكر هؤلاء مواقف
إيران بجدية ... وليتذكر كيف يعاملون الأفغان السنة في إيران:
والمستجير بعمرو حين كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار وتحاول الهند
بالتنسيق مع السوفييت إشراك إيران في حل مشكلة أفغانستان، وتصرح باكستان
بأنها تطلع إيران على كل ما تجريه من مفاوضات تتعلق بهذه المسألة.
وهؤلاء المجاهدون الأبطال الذين قدموا آلاف الشهداء، وسجلوا أروع
الصفحات في تاريخ أمتنا الإسلامية الحديث، ونالوا إعجاب العالم وتقديره.. هؤلاء
المجاهدون الأشاوس تغير أسلوب الحديث عنهم في الصحف وأجهزة الإعلام
العالمية وقسمتهم إلى قسمين:
* معتدلون.
* متطرفون.
فالمعتدلون - مجددي وكيلاني ومحمدي - وهم الذين ينادون بعودة ظاهر شاه
وتشكل حكومة ائتلافية، وهم الذين يريدون الخير لبلدهم وما إلى ذلك من ألفاظ
رقيقة وألقاب فضفاضة.
أما المتطرفون فهم الذين نعرف بأنهم يريدون أن يحكموا شرع الله في بلدهم..
أصبحوا الآن متطرفين وسيقال غداً بأنهم دعاة عنف وإرهاب، وأنهم متعطشون
لسفك الدماء ...
وكما قلنا في أبحاثنا السابقة، ستغلق في وجوههم الأبواب التي كانت مفتوحة،
وستمنع عنهم المساعدات، وسوف تهاجمهم أجهزة الإعلام، وسيتأثر بهذه الدعاية
المسمومة كثير من المغفلين الذين يغيرون قناعاتهم بسهولة ويسر.
وليعلم إخواننا أن الجنة حفت بالمكاره، والنار بالمغريات، والمهم إرضاء الله
، وحذار مما يسمى بالحكومة الائتلافية أو الحيادية فليس هناك شيء
اسمه الحياد، وكيف يكون الإنسان حيادياً بين الشيوعية والإسلام، أو بين العلمانية
والإسلام؟ بل كيف يكون هناك ائتلاف بين أعداء الله وعبيده الطائعين الراكعين.
قال تعالى: [فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ، ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] .
إن أعداء الله جددوا تحالفهم واتفقوا أن لا تقوم في أفغانستان دولة مسلمة
سنية وسيشعلون نار الفتن ويستخدمون جميع التناقضات، ونقاط الضعف في هذا
البلد المسلم، فحذار حذار أن توجه البنادق إلى غير صدور الشيوعيين والعلمانيين
الكافرين، وكما قلنا سابقاً فأهم شيء في جهاد المسلمين الأفغان الاستقلالية، ولن
يتمتعوا بالاستقلال إلا إذا انتقلوا إلى داخل أفغانستان واستفادوا من جبالها الشامخة،
وجعلوا من أرضها مقبرة لكل أفاك أثيم.
ما نأمله من إخواننا المجاهدين أن يتعاملوا مع هذه المرحلة بنوايا خالصة،
وعزائم قوية، وعليهم أن يرصوا صفوفهم، ويحذروا من إرجاف المرجفين،
وتخذيل المتقاعسين الذين يبحثون عن أي حل في أفغانستان.. إن دماء وأعراض
الملايين لا يجوز بحال من الأحوال أن يستهان بها أو أن تهدر بموقف متسرع أو
قرار غير مدروس.. إنها الأمانة يجب الوقوف عندها طويلاً.. طويلاً.. ولا
ندري لعلها بعون الله تعالى وتوفيقه بداية نصر الإسلام التي لن تكون أيسر من
الجهاد نفسه.. إن كثيرين ممن صبروا على آلام الجهاد ولأوائه قد لا يطيقون
الصبر على غنائم النصر، ولا يملكون كبح جماح شهوة السلطان والسلطة، فتكون
القاصمة القاضية.
ولنا في غزوة أحد وماتنزل عنها من الآيات عظة وعبرة.. - لقد صبر
الأصحاب على مرارة الطريق وآلامه، وانتصروا في غزوة بدر، وظنوا أن الجهاد
قد انتهى بهذا، ودخلوا غزوة أحد ظانين أن النصر لهم لا محالة، وجاءت الغنائم،
وضعفت النفوس، وبرز حظ الدنيا فكانت الهزيمة كما قال الله تعالى: [ولَقَدْ
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُم مِّنْ
بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ومِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ] .
حتى قال بعض الأصحاب. ".. والله ما علمت أن فينا من يريد الدنيا حتى
نزلت هذه الآية ... ".
ولقد حذرنا الله ﵎ وبين لنا سبب الفشل والهزيمة وذهاب الريح
فقال:
[ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ]
فالتنازع والتفرق، وتنوع الاتجاهات، وتوزع المقاصد وتنوع الولاءات إن لم
يسبب الهزيمة - لا سمح الله - فهو بلا ريب سبب في تأخير النصر.
إذاً فليستمر الجهاد، وليكن من الداخل، دون منة هذا الطرف أو ذاك، أو
وصاية هذه الجهة أو تلك، وليكن بطريقة مدروسة، وليكن بطريقة مستقلة.. جهاد
دائم مستمر حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ﵎.
اللهم اجمع كلمة إخواننا المجاهدين على الهدى، ووحد صفهم، واربط بين
قلوبهم بحبك، اللهم خذ بأيديهم، وكن لهم ولا تكن عليهم، وارحم ضعيفهم، واجبر
كسرهم، وسدد رميهم، واخذل عدوهم.. اللهم أبطل بحولك وقوتك مكر الأعداء،
وأزل هذه الغمة عن هذه الأمة، ورد أمة محمد إليك رداً جميلاً.. يا عزيز يا كريم
يا واسح الفضل وعظيم الاقتدار ... آمين ... آمين، وصلى الله على نبينا محمد
وآله وصحبه.
стр. 220
أخبار حول العالم
أوزبكستان
زيادة في السكان.. وتمسك بالإسلام
مراسل (بي. بى. سي) في موسكو: " جيرمي هاريس "
شن الحزب الشيوعي السوفييتي هجوماً عنيفاً على الأسلوب الإداري في
إحدى جمهوريات آسيا الوسطى التابعة للاتحاد السوفييتى. وذكرت جريدة (برافدا)
لسان حال الحزب الحاكم أن المسئولين في جمهورية " أوزبكستان " يسبحون في
الفساد والتهاون في العمل. ويبدو مقال صحيفة برافدا وكأنه سيناريو يحكي مخاوف
موسكو البالغة من شبح تحرك الجمهوريات الواقعة تحت هيمنتها في آسيا الوسطى
التي بدأت الحياة تدب فيها. وتشكل المقالة عرضاً لعدد من أوجه القصور العام
الذي تشهده هذه الجمهورية، وكذلك الخمول واللامبالاة والفساد الإداري والمحسوبية كل ذلك مقترناً بظاهرتين اثنتين تمثلان السبب الرئيسي لمخاوف موسكو الشديدة
وهما:
أ - تعاظم معدل النمو السكاني.
ب - استمرار ولاء السكان للإسلام.
وتقول الصحيفة: (إن الثلث فقط من عدد العاملين في أوزبكستان يمكن اعتبارهم عمالاً بمعنى الكلمة، وبما أن ظاهرة البطالة من الأمور المعترف بها رسمياً في المجتمعات الشيوعية؛ فإن صحيفة برافدا تحاول تفسير هذه الظاهرة على أنها: إما وليدة غياب العمال عن وظائفهم؛ أو انعدام جديتهم في عملهم.
وتضيف الصحيفة: إن معدل الولادات في هذه الجمهورية قد وصل إلى ثلاثة
أضعاف معدلات الولادة في سائر الجمهوريات السوفييتية، مما يستدعي تحسين
طرق تنظيم النسل فيها (الدعوة إلى الحد من تناسل المسلمين) .
كما اعترفت الصحيفة بانتشار نفوذ الإسلام على نطاق واسع بين أهالي
أوزبكستان، وتقول الصحيفة: إن مسئولاً سابقاً في الحزب الشيوعي ساعد في بناء
مسجد هناك! ! وكانت موسكو قد عينت رئيساً جديداً للحزب في أوزبكستان في
الشهر الماضي، في محاولة للحد من تفشي ظواهر الفساد المذكورة، ومع أن
(البرافدا) لم تنتقده بشدة؛ لكنها لم تترك لقرائها مجالاً للتفاؤل بأنه سينجح في مهمته
هذه فعلاً.
стр. 221
فضائح أباطرة التبشير
جيمي سويغارت ٥٢ سنة، شخص يتقد حيوية، يقدم برنامج تلفزيوني
باسمه ويصل إلى تسعة ملايين أمريكي. ويشرف على إمبراطورية للبث
التلفزيوني التبشيري تقع في (باتون روج في ولاية لويزيانا) وأرباح هذه
الإمبراطورية حوالي (١٥٦) مليون دولار سنوياً، وتبث برامجها إلى (١٤٠) بلداً، ويتبعها كلية لألف طالب لتعليم الإنجيل، وكنيسة تتسع لسبعة آلاف شخص،
وهو معروف بموهبته الموسيقية، وبعدائه للكاثوليك.
هذا المبشر (التاجر) سبق له أن أشرف على فضح منصرين آخرين
يستخدمون التلفزيون لهذا الغرض، ففي العام الماضي شارك في كشف النقاب عن
الفضيحة الأخلاقية لـ (جيم باكر) زعيم جماعة التسبيح بآلاء الرب، سكرتيرته
جاسيكا هاهن.
كما ساهم (سويغارت) في كشف فضائح (مارفن غورمان) المنافس له في
نشاطه من (نيو أورليان) ، وقد أدى بهما التنافس على النفوذ إلى أن اتهم
سويغارت غورمان بالفساد الخلقي وأثبت ذلك بالأدلة الدامغة التي أدت إلى تجريد
(غورمان) من مناصبه الدينية، ومع أن هذا الأخير قدم شكوى لدى
المحكمة ضد سويغارت مطالبا بمبلغ (٩٠) مليون دولار كتعويض عن التشهير به، ونشر إشاعات خاطئة حوله، إلا أن ذلك لم ينفعه.
أخيراً وقع سويغارت في الفخ، وجاء دوره في مسلسل الفضائح، حيث يبدو
أن غورمان قد انتقم لنفسه، فقد حصل على صور لسويغارت مع إحدى المومسات، ويقول غورمان إن سويغارت قد اعترف بعد محادثة دامت ساعتين في سيارته أنه
سبق أن كانت له علاقة مع (عدد كبير من العاهرات) ، وفي اليوم التالي انهار
سويغارت باكياً أمام غورمان ومحاميه.
وقد صرح مصدر أن هذه الفضيحة سيكون لها أبعاد خطيرة على هذه
المؤسسات التبشيرية المعروفة بـ Evangelical christians أكثر من فضيحة
(باكر) العام الماضي.
وهذا المبشر (سويغارت) هو الذي تحدى الشيخ أحمد ديدات، وجرت بينهما
المناظرة العلنية أمام الجمهور، وصورت هذه المناظرة على شريط فيديو موجود
في السوق.
وبعد: فهذه هي قصة هذا المبشر، كما نشرتها الصنداي تايمز ٢١/٢/١٩٨٨
стр. 222
مشاهداتي في بريطانيا
حادثان لهما معنى واحد
د. عبد الله مبارك الخاطر
الحادثة الأولى:
بطل هذا الحادث - إن جاز أن نطلق عليه كلمة بطل - شاب عربي من
عصاة المسلمين كان يدرس في بريطانيا ثم أنهى دراسته وكره العودة إلى بلده بسبب
الحرب التي لا يريد أن يكون جندياً فيها لا لشيء إلا لأنه لا يحب أن يموت،
وليس أمامه للإقامة في بريطانيا إلا الزواج، وتزوج فعلاً من امرأة نصرانية
إنكليزية من مقاطعة (ويلز) ، وأهل هذه المقاطعة يحتفظون بشيء من الأخلاق
والعادات الطيبة..
وكان الزوج وديعاً في بداية حياته الزوجية، وكانت المسكينة تظن أنها سوف
تعيش حياة سعيدة معه، وطالما حلمت بالأولاد والمستقبل والاستقرار والهناء والنعيم.
والزوج كان ممثلاً يظهر خلاف ما يبطن، والزوجة عنده وسيلة للإقامة..
وبعد حين من الزمن عاد إلى الحياة التي ألفها.. عاد إلى الكاس والطاس..
عاد إلى استقبال وصحبة حثالة الناس.. عاد إلى الأفلام الماجنة المثيرة! !
رفضت المرأة سلوك زوجها، وحاولت إقناعه بتغيير مسلكه، وذكرته بما
كان بينهما من وعود قبل الزواج، ولكن الطبع غلب التطبع، ولم تجد المرأة أمامها
إلا الانفصال عن هذا الرجل، فانفصلت غاضبة حانقة عليه وعلى بلده الذي ينتمى
إليه، وعلى الدين الذي يدين به.
استغل أقرباؤها المتعصبون هذا الموقف أبشع استغلال، وألصقوا عيوب
زوجها السابق بالإسلام، ودفعتها كثرة الحديث عن الإسلام إلى دراسته لتشهر به
وبكل من يدين به، وعند الغربيين جلد ومثابرة إذا بحثوا مسألة من المسائل..
وبعد أن قرأت مجموعة من الكتب التي أتيح لها الحصول عليها، وبعد أن
زارت أكثر من مركز إسلامي وقابلت عدداً من المسلمين تبين لها عظمة الإسلام
وصفاءه وأنه دين الفطرة فأسلمت وحسن إسلامها وعلمت خطورة من ينتسب
للإسلام ثم يتخلق بأمثال أخلاق زوجها السابق، وأصبحت بحمد الله من العاملات
للإسلام.
الحادثة الثانية:
شاب عربي مسلم كان يدرس في لندن، ولم يستطع إقناع نفسه أنه يعيش في
لندن فعلاً، ومن الأمثلة على ذلك أنه كان يقود سيارته في الشوارع العامة المزدحمة
وكأنه في صحراء مقفرة وليس له من يشاركه السير فيها، ولهذا فالرجل يسير
بالسرعة التي يريدها ولا يهتم بالإشارات الضوئية، وكانت له حوادث كثيرة..
وذات مرة صدم امرأة مسنة وكان الحق معها، وكان صاحبنا المخطئ، ثم أطلق
العنان لذلوله - عفواً لسيارته - وأدرك أن المرأة هلكت في أرضها، ولم يحاول
إسعافها، وخشي من المحاكمة فهرب إلى بلده وترك دراسته وجاء ابن المرأة
العجوز إلى المستشفى فوجد أمه قد فارقت الحياة، وبعد البحث والتحقيق علم أن
الذي تسبب في الحادث عربي مسلم وأنه هرب وغادر بريطانيا، وكان الرجل لأول
مرة يسمع بكلمة مسلم وإسلام - كما ذكر فيما بعد - فدفعه الغضب والفضول إلى
دراسة شيء عن هذا الدين الذي خرج أمثال هذا الذي قتل أمه، وشاء الله له الخير
والهداية، وشرح صدره للحق، وعلم أن الإسلام يأمر بغير ما فعله قاتل أمه وأنه
دين الحق والعدالة والحرية والمساواة، فأعلن إسلامه، وصلح حاله، وكان لسان
حاله ير دد كما كان لسان حال التي ذكرناها في الحادث الأول يردد:
ظلمته ألسنة تؤاخذه بكم ... وظلمتموه مقصرين كسالى
стр. 223
استراحة البيان
إعداد: صالح الغفيلي
أولاً: قبس من النور:
قال الله : [وَالْعَصْرِ، إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا
وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]
وقفة مع السورة:
يقول سيد قطب ﵀ في الظلال:
في هذه السورة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما
يريدها الإسلام، وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح
وأدق صورة. إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار، وتصف الأمة
المسلمة: حقيقتها ووظيفتها، في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة.. وهذا هو
الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله..
إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناجح، هو ذلك المنهج ... الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه.. وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار ...
ثانياً: قبس من السنة:
المرور بين يدي المصلي:
عن أبي جهيم الحارث بن الصئمة الأنصاري ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ : (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم
لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه) رواه البخاري.
ثالثاً: من كلام السلف ﵃:
قال ابن مسعود ﵁: اطلب قلبك في ثلاثة مواطن:
عند سماع القرآن الكريم، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم
تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك الفوائد لابن
القيم / ١٤٨
رابعاً: محبة الله:
قال ابن القيم ﵀ ...
في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة:
١- قراءة القرآن.
٢- التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض.
٣ - دوام ذكره على كل حال.
٤ -إيثار محابه على محابك.
٥ - مطالعة القلب لأسمائه وصفاته.
٦- مشاهدة بره وإحسانه.
٧ - انكسار القلب بين يدي الله.
٨ - الخلوة به سبحانه وخاصة في أوقات الاستجابة.
٩- مجالسة الأخيار.
١٠- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله
(مدارج السالكين ٣ /١٧-١٨ (بتصرف) .
стр. 224
من رسالة للأخ عبد الله المسفر نختار هذه الفقرة:
ذكر الذهبي في ترجمة عمرو بن العاص:
قال عمرو بن العاص: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا
الإسكندرية، فقال عظيم منهم: أخرجوا إلي رجلاً أكلمه ويكلمني فقلت: لا يخرج
إليه غيري، فخرجت معي ترجماني، ومعه ترجمان حتى وضع لنا منبران، فقال: ما أنتم؟ قلت: نحن العرب، ومن أهل الشوك والقرظ، ونحن أهل بيت الله،
كنا أضيق الناس أرضاً وشره عيشاً نأكل الميتة والدم ويغير بعضنا على بعض، كنا
بشر عيش عاشه الناس. حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفاً، ولا
أكثرنا مالاً، قال: أنا رسول الله إليكم يأمرنا بما لا نعرف، وينهانا عما كنا عليه
فشنفنا له، وكذبناه، ورددنا عليه حتى خرج إليه قوم من غيرنا فقالوا. نحن
نصدقك ونقاتل من قاتلك، فخرج إليهم وخرجنا إليه وقاتلناه فظهر علينا، وقاتل من
يليه من العرب فظهر عليهم فلو يعلم من ورائي من العرب ما أنتم عليه من العيش
لم يبق أحد إلا جاءكم فضحك، ثم قال. إن رسولكم قد صدق، وقد جاءتنا رسل
بمثل ذلك وكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك فعملوا فينا بأهوائهم، وتركوا أمر
الأنبياء فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه وإذا فعلتم مثل الذي فعلنا
فتركتم أمر نبيكم لم تكونوا أكثر عدداً منا، ولا أشد منا قوة ((سير أعلام النبلاء
٣ / ٧٠-٧١)
هكذا كان العرب في الجاهلية في ظلمة يدركون شدتها حينما جاءهم الله بنور
هذا الدين فأخرجهم من الكفر إلى الإيمان ومن الشك إلى اليقين.
لم يتردد هذا الصحابي لحظة واحدة أن يذكر تلك الصفات التي كان يحس
بمرارتها بعد أن شم رائحة الإيمان، وعاش في رحاب التوحيد)
صدق وصراحة وشجاعة، وعدم خجل من ماضيهم المشين، في الوقت
الذي نجد كثيرًا من المسلمين يحرصون على إبراز آثار الماضي والتي ... لا يحرصون على عرضها على الإسلام أموافقة له أم مخالفة؟ نحس بالهزيمة فنتلمس شيئاً نفخر به، وليس عندنا الشجاعة والإحساس بعظمة هذا الذين ... لنتخذه هو وحده - وهو كذلك - المفخرة الحقيقية، ولذلك نجد قوماً يهتمون ... بالآثار فيبذلون جهوداً في البحث والتنقيب ليقولوا لغيرهم من الأمم: إن عندنا شيئا ً كما عندكم حتى لو وصل بهم الأمر إلى الفخر بالأصنام لربما بحثوا ... ... ليشابهوهم في فخرهم، فلا غرابة إذا رأينا أن النصر الذي نزل عليهم لم ينزل ... علينا، وأن التمكين الذي سعدوا به لم نسعد به.
стр. 225
قديم جديد
الإنكليز حلقة الشر المفرغة
الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ﵀
نشرت في العدد ٢٤ من جريدة البصائر الجزائرية سنة١٩٤٨ وأعدنا نشرها
لما فيها من سداد الرأي وقوة التعبير.
أيها العرب:
إن الإنكليز هم أول الشر ووسطه وآخره، وإنهم كالشيطان، منهم يبتدئ الشر
وإليهم ينتهي، وإنهم ليزيدون على الشيطان بأن همزاتهم صور مجسمة تؤلم وتؤذي
وتقتل، وجنادل مسمومة تهشم وتحطم وتخرب، لا لمة تلم ثم تنجلي، وطائف
يمس ثم يخنس، ووسوسة تلابس ثم تفارق، ويزيدون عليه بأنهم لا يطردون
بالاستعاذة، وتذكر القلب، ويقظة الشواعر، وإنما يطردون بما يطرد به اللص
الوقح من الصفع والدفع والأحجار والمدر، ويدفعون بما يدفع به العدو المواثب،
بالثبات المتين للصدمة، والعزم المصمم على القطيعة وبت الحبال، والإرادة
المصرة على المقاطعة في الأعمال، والإجماع المعقود على كلمة واحدة ككلمة
الإيمان: (إن الإنكليز لكم عدو فاتخذوهم عدوا) . يرددها كل عربي بلسانه،
ويجعلها عقيدة جنانه، وربيطة وجدانه، وخير ما يقدمه من قربانه.
قد غركم أول الإنكليز فأعيذكم أن تغتروا بآخره بعد أن صرح شره، وافتضح
سره، وانكشف لكم لينه، عن الأحساك والأشواك، وقد تمرس بكم فعرف الموالج
والمخارج من نفوسكم، قبل أن يعرف أمثالها من بلادكم، وحلل معادن النفوس
منكم قبل أن يحلل معادن الأرض من وطنكم، وعجم أمراءكم فوجد " أكثرهم من
ذلك الصنف الذي تلين أنابيبه للعاجم، وتدين عروبته للأعاجم.
قد علمتم أنه هو الذي وعد صهيون فقوى أمله، ولولا وعده لكانت
الصهيونية اليوم كما كانت بالأمس حلماً من الأحلام يستغله (الشطار) ويتعلل ... به الأغرار.
وعلمتم أنه انتدب نفسه على فلسطين فكان الخصم والحكم في قضيتها، وأنه
ما انتدب إلا ليحقق وعده، وأنه في ظل انتدابه، وبأسنة حرابه، حقق صهيون
مبادئ حلمه، فانتزع الأرض منكم بقوة الإنكليز، وقوانين الإنكليز، وفتن
ضعفاءكم بالخوف، وفقراءكم بالمال، حتى أخرجهم من ديارهم، واتخذ الصنائع
والسماسرة منكم، وبنى المدن بأيديكم، ومهد الأرض بأيديكم وشاد المصانع بأيديكم، وأقام المتاجر وبيوت الأموال لامتصاص دمائكم وابتزاز أرزاقكم.
وعلمتم أن الإنكليز هم الذين سنوا الهجرة بعد الفتح ليكاثروكم بالصهيونيين
على هذه الرقعة من أرضكم، فلما انتبهتم للخطر غالطوكم بالمشروع منها وغير
المشروع. ومتى كانت هجرة الوباء والطاعون مشروعة إلا في دين الإنكليز؟ !
وعلمتنم أن بريطانيا هي التي جرت ضرتها البلهاء أمريكا إلى مجادَّتكم
وجرأتها على احتقاركم لتكيدها وتكيدكم، ولتحل بالسياسة ما عقده الاقتصاد بينكم
وبين أمريكا من صلات، وأنها هي التي ألبت عليكم الأمم الصغيرة ودويلاتها حتى
إذا جالت الأزلام وأيقنت بالفوز أمسكت إمساك المتعفف، وتظاهرت بالروية
والحكمة، وجبرت خواطركم بالحياد، وملأت الدنيا تنويهاً بهذا الحياد الفاضح،
فكانت كالقاتل المعزِّي ... يا ضيعة الآداب الإسلامية بينكم، إن المؤمن لايلدغ من
جحر مرتين.
وقد لدغتم من الجحر الإنكليزي مرات فلم تحتاطوا ولم تعتبروا، وخدعتم من
الجانب الإنكليزي كرات فلم تتعظوا ولم تتبصروا. خدع خلفكم كما خدع سلفكم،
واستهوى أمراءكم وكبراءكم، ودعاكم إلى موائده الفقار (كذا، ولعلها. موائد
القمار) فلبيتم، وما رأى منكم في كل الحالات إلا المجاملة، واستمرار المعاملة،
وما آنس منكم إلا التهافت على أعتابه والتعلق بأسبابه.
فيا ويحكم ... أكلُّ ذلك لأن الإنكليز أغنياء وأنتم فقراء؟ أو لأنهم أقوياء وأنتم
ضعفاء؟ كلا ... إنهم لأغنياء بكم وبأمثالكم من الأمم المستخذية، وليسوا أغنياء
عنكم، وإنهم لأقوياء بما يستمدونه من أرضكم وجيوبكم، فاقطعوا عنهم المددين
يضْووا ويهزلوا، واخذلوهم في مواطن الرأي والبأس ينخذلوا، وعمروا جزيرتكم
تخرب جزيرتهم؛ إن لِبدة الأسد هي بعض أسبابه إلى زرع الهيبة في القلوب،
ولكن لبدة الأسد البريطاني لبدة مستعارة، فلو أن كل أمة استرجعت شعراتها من
تلك اللبدة التي تكمن وراءها الرهبة، لأمسى الأسد هراً مجرود العنق، معروق
الصدر، بادي الهزال والسلال.
إن الغنى عمل وتدبير، فلو عملتم لكنتم أغنياء؛ وإن الغنى من غنى النفس
بالتعفف عن الكماليات، وفطمها عن الشهوات، وإن القوة مشيئة لا جبر، فلو شئتم
أن تكونوا أقوياء لكنتم؛ وإن بدء القوة من قوة الأخلاق، وقوة الاتحاد.
هذا أول الإنكليز عرفتموه، فهل عرفتم آخرهم؟ إنهم كانوا أداة تفريقكم في
الماضي، وكانوا عوناً للزمان عليكم، فلما رأوا شملكم إلى اجتماع، وجامعتكم إلى
تحقق، جمعوا لكم كل ما عندهم من مكائد ومصائد ...
إنهم ينطوون لكم على العظائم، وإن في جعبتهم ما في جعبة الحاوي من
حيات، وإن في أيديهم عروق الجسم العربي يضغطون على أيها شاءوا متى شاءوا
ولهم مع ذلك من بينكم العيون الراصدة، والألسنة الحاصدة، وفيكم مع ذلك
الآذان السامعة، والهمم الطامعة، وفي سجلاتهم ذممكم وهممكم وقيمتكم قدروها
تقديراً، وأوسعوها تحليلاً وتدبيراً.
إنهم ما حركوا مشروع سوريا الكبرى في ميقات معلوم إلا ليفتنوا بعضكم
ببعض، ويغروا بيتاً ببيت، وقريشاً بتميم. فينخرق الإجماع وتفترق الجامعة.
وإن هذه النقطة هي أعلى ما يصل إليه الدهاء الإنكليزي؛ كما أنها أعسر
امتحان للضمير العربي الذي يتمنى أن يتكتل العرب ولكن بدافع من أنفسهم لا على
يد عدوهم؛ وإن الإنكليز لقادرون على تحريك غيرها من الفتن المفرقة؛ وإنكم -
أيها العرب - لا تردون كيدهم إلا بإجماعكم على تحديهم، واجتماعكم على إيقاف
تعديهم، وإقامة جامعتكم على اعتبار مصلحة العرب، ووطن العرب، فوق
الأغراض والأشخاص.
إنكم لا تردون كيدهم بقوة جامعة الدول العربية، حتى تسندوها بجامعة
الشعوب العربية؛ فحركوا في وجوههم تلك الكتلة متراصة يرهبوا ثم يذهبوا.
لمسنا في هذه الكلمة حقائق مريرة وأومأنا إلى قضايا يسوؤنا أن نزيد حمأتها
مداً.
ولكن ما عذرنا إذا أمسكنا عن الشرح، ولو كان فيه جرح، وقد تأدى إلينا من
تراث أجدادنا العرب هذه الحكمة الغالية: " من كتم داءه قتله ".
***
قال الأصمعي:
سمعت أعرابياً يدعو الله وهو يقول:.
هربت إليك بنفسي - يا ملجأ الهاربين - بأثقال الذنوب أحملها على ظهري،
لا أجد شافعاً إليك إلا معرفتي بأنك أكرم من قصد إليه المضطرون، وأمَّل فيما لديه
الراغبون، يا من فتق العقول بمعرفته وأطلق الألسن بحمده، وجعل ما امتن به من
ذلك على خلقه كفاء لتأدية حقه؛ لا تجعل للهوى على عقلي سبيلاً، ولا للباطل
على عملي دليلاً.
стр. 226
الصفحة الأخيرة
كيف تنجو من العقاب إذا كنت
جاسوساً أو فاسداً؟ ! [١]
ربما تستغرب هذا العنوان وتشعر بالدهشة وتستنكر تشجيع الناس على
التجسس والفساد، فهل يصح العفو عن الجاسوس أو إطلاق سراح فاسد الذمة؟ ! ...
الجواب: نعم، إذا كان يضم إلى هاتين الصفتين صفات آخرى لا بد منها ومؤهلات لا يمكن تجاهلها.
أهم المؤهلات التي ترشح الجاسوس خرب الذمة في بلادنا للعفو عنه، أو
إطلاق سراحه أن يكون نصرانياً مثلاً، والنصرانية دين قائم على التسامح!
والكنيسة تخدم لترسيخ هذا المبدأ، فما إن تسمع بأحد (رعاياها) قد وقع في
المصيدة حتى تهب للسعي لتخليصه، ومع أنها لا تتدخل في السياسة (كما تزعم) إلا
أنها تجد من عون السياسيين وأهل السياسة ما يعجب ويطرب!
أما إذا انضم إلى " نصرانية " هذا المجرم كونه يحمل هوية أجنبية - ونعني
بالأجنبية. غير العربية: أوربية أو أمريكية تحديداً - فهذا المؤهل مؤهل ذهبي،
إذ عن طريق التسامح مع حملة هذه الهويات نثبت أشياء كثيرة:
أ - نثبت تحضرنا وبعدنا عن التعصب.
ب - ونثبت عدالتنا التي لا تحابي القريب، وتبطش بالبعيد، بل تدق عنق
القريب، وتقول للغريب: (خلا لك الجو فبيضي واصفري) .
ج- ونثبت أخيراً أننا أهل مصالح رخيصة وقريبة المدى لا أهل مبادئ
نتحمل كل النتائج للدفاع عنها..
أما إذا وقعت في المصيدة لمجرد وشاية من شخص لم تدخل مزاجه (وكنت
مسلماً، لا كنيسة تحنو عليك، ولا هوية أجنبية في جيبك تقيك شر العاديات) فاعلم
أنك ستبقى هناك حيث تندب حظك أنك لم تكن ألمانياً جاسوساً أو إنجليزياً راشياً.
إلى أن يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب لوائل
هذا إذا بقيت حياً ... ! .
стр. 227
شوال - ١٤٠٨هـ
يونيو - ١٩٨٨م
(السنة: ٢)
стр. 228
الافتتاحية
التقريب بين المذاهب والأديان
حيلة الأقوياء حلم الضعفاء
أن يتداعى قوم مختلفون في وجهات النظر إلى مؤتمر أو اجتماع ليدلي كل
بوجهة نظره أمام الآخر، ويوضح جوانب من فكره، قد تكون خافية على الآخرين، لتكون صورة الفكر الذي يحمله واضحة أمام الناس لا لبس فيها ولا غموض؛
فهذا لا مانع منه، ولا بأس فيه. حيث إن هذا لا يعدو أن يكون تجلية للحق
المنشود، وإزالة لأوهام قد تعلق في أذهان الآخرين بفعل مؤثرات شتى سابقة.
ولكن الذي ينعم النظر في كنه ما يسمى بدعوات التقريب بين النحل والأديان، ويستبطن حقيقتها سيجد أن هذه الدعوات - إن لم تكن ترمي إلى عكس ما تدعو إليه - فهي على الأقل مشبوهة مدخولة.
وحتى يقام الدليل على هذه الدعوى فلابد من تحليل الأجواء التي تنبعث منها
هذه الدعوات، ومن نظرة في حالة من يدعو إليها، ومن ينتدب للمشاركة فيها،
ومن دراسة جدوى هذه الدعوات سواء في صفوف من تعقد باسمهم؛ أو الجهة ... التي تنظم وتشجع مثل هذه التظاهرات.
لو تتبعنا الظروف والأجواء التي تنشط فيها دعوات التقريب لسهل علينا أن
نرى أن الداعين إليها والذين يرجون قطف ثمرتها يعيشون في " مأزق " وتحيط بهم
(أزمة) ، ويظنون أن دعوتهم قد تخرجهم من هذا المأزق وتنتشلهم من هذه الأزمة. فما هو المأزق عند دعاة التقارب الإسلامي المسيحي مثلاً؟
إن دعوات التقارب والحوار الإسلامي المسيحي كلها تقريبًا نشأت في الجانب
المسيحي، ومع أن هذا الجانب هو الغالب غلبة مادية؛ لكن من السهل إدراك
الأزمة التي يعيشها من يمثلونه، فقد وجدوا أن قرونًا طويلة من الصراع والصدام
مع الإسلام لم تحل مشاكلهم معه، ولم يلمحوا أن حملة العقيدة الإسلامية يمكن أن
يلينوا على العسف والقهر، ولم تبدُ عليهم آثار من تعب المصاولة في حلبات
التذويب أو التشويه، بل يفاجأ هؤلاء - وهم في عنفوان تسلطهم المادي وهيمنتهم -
بالإسلام الذي عملوا على تجريده من كل قوة، وسخروا لحرب أهله كل أنواع
الأسلحة، فنهبوا مقدراتهم، وضربوا وحدتهم، وبثوا بينهم كل سموم العصبيات،
وتجاهلوا ثقافتهم، وأبرزوا عيوبهم، وكبتوا محاسنهم، بل أظهروا محاسنهم في
ثوب العيوب، وضربوا بين شعوبهم وبين الإسلام بالأسداد، على الرغم من
ادعائهم حرية الفكر يفاجئون بهذا الإسلام لا زال حياً له نفس يعلو وجسم يتحرك.
فكيف السبيل وما العمل؟ !
هنا يلبسون جلد الحَمَل، ويقدمون أنفسهم على أنهم يريدون أن يفهموا الإسلام فقد اكتشفوا كثيرًا من النقاط الإيجابية فيه وفي أهله، ومن الخسارة أن تضيع
الجهود في الحروب والصراعات، ولابد من اكتشاف نقاط الالتقاء، وتضييق
الفوارق، فتجوز الخدعة على بعض مفكري المسلمين، فيكتبون البحوث التي غالبًا
ما تكون مملوءة بالنفاق والتشويه والتمييع.
ومما له دلالة يحسن التوقف عندها أن الداعين لمثل هذه الندوات تجمعهم صفة
واحدة وهى خدمة المفاهيم الغربية، فهم إما أن يكونوا من السفراء السابقين في
الدول الإسلامية، أو من الذين يدرسون الإسلام في بعض الجامعات الغربية التي
تقدم خدماتها لوزارات الخارجية هناك، أو من رجال الكنيسة الذين يقومون بمهام
التنصير في البلاد الإسلامية.
أما فيما يتعلق بالجانب الإسلامي فإن الذين ينتدبون للمشاركة غالباً ما يكونون
إما من المفتين الرسميين، أو أصحاب مناصب لها شبهة تعلق بدين الإسلام من
الذين ترسلهم دولهم كي يدفعوا عنها تهمة التعصب والانغلاق، ويبرزوا بالنيابة
عنها وجه الإسلام المتطور!
أما من حيث النظر في نتائج دعوات التقارب وندوات الحوار فإنها لا تؤدي
إلى شيء مما يسمى التقارب أو تضييق شقة الخلاف، ولا تعطي أي نتيجة عملية
على هذا الصعيد، اللهم إلا تحقيق أهداف الأذكياء من الداعين إليها، كجمع
المعلومات عن المسلمين، وتسجيل الشهادات التنازلية التي يقيدونها عندهم كسابقة
يستشهدون بها فيما يستقبلون من أحداث ومشاكل مع المسلمين، فتكون هذه
الشهادات زيادة في رصيدهم الذي يستخدمونه لشق الصفوف وزيادة الهوة بين
إسلاميين: إسلام هو الإسلام، وإسلام آخر متطور يجتهدون في إحلاله محل
الإسلام الشَّموس الذي ضاقت بهم السبل والحيل في تأهيله وترويضه.
وتبقى وراء ذلك الخلافات كما هي، وهذا أمر طبيعي، فالقفز فوق الخلافات
العقائدية لا يحلها ولا يذيبها، وتجاهل قرون متطاولة من العداء والصراع ذر للرماد
في العيون، واستهانة بتاريخ كل من الإسلام والمسيحية، فضلاً عن أنه من
المستحيل التبرؤ من أي تاريخ إلا بالتبرؤ أولاً من العقيدة التي انبثق منها وعنها
ذلك التاريخ.
وقل مثل ذلك في ما يطرح من دعوات لإزالة الخلاف السني- الشيعي، فهي
دعوات كثيرًا ما تنبثق من الجانب الذي يواجه طريقاً مسدودًا، وتهدف إلى تسويق
أصوله لتكون مقبولة عند الطرف الآخر، هذا مع ملاحظة التساهل إلى درجة
السطحية والغفلة - إن لم نقل الغباء - عند من يختارون ناطقين باسم أهل السنة،
والمداورة والإيهام والعناد الذي لا يخفيه لحن القول عند محاوري الشيعة.
على أن المثير فيما يتعلق بالحوار السني - الشيعي هو الجهل المطبق الذي
يلف الداعين إلى ذلك، لا الجهل فيما ينبغي أن يكون عليه تصور المسلم في هذا
العصر، بل الجهل بحقيقة عقيدة الآخر وأسسها، والنظر إلى الخلاف على أنه لا
يعدو خلافًا على قضايا فرعية، أو على أمور أخرى عفّى عليها الزمن، فماذا
عسانا أن نقول فيمن يطرح - كمنطلقات لإزالة الخلاف -ما يلي:
* نحن والشيعة متفقون على أن السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن للتشريع.
*وأنه لا يمكن طرح مسألة الإمامة كمشروع معاصر.
*وأن مشكلة المهدي المنتظر ليست من الأهمية بمكان.
إلى غير ذلك مما يعكس عقيدته وفكره هو، ونظرته إلى سلبيات العقيدة
الأخرى.
كيف يقال إن السنة والشيعة متفقون على أن السنة هي المصدر الثاني
للتشريع؟ أية سنة؟ ! هل يعتد أحد الطرفين بما يسميه الآخر سنة؟ ! وترك
البحث في الخلافات وإثارتها يرضى به أهل السنة، ولكن هل هناك عاقل يظن أن
الشيعة ترضى به؟ إذن؛ لانهار أساس مكين من أسس عقيدتها، فلو وقع ظلم على
شيعي من أي جهة حتى لو كانت يهودية أو مسيحية سرعان ما يتناخى القوم بـ "
يالثارات علي والحسين! " ولا حاجة للقول أن التشيع - كما آل معناه في هذا العصر - يقوم على جملة أركان منها: البراءة واللعن، البراءة ممن، ولعن من؟ !
وكيف يمكن التخلي عن فكرة الإمامة؟ أليست أصلاً من أصول الدين عند
الشيعة تعادل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر؟ والمنطق
الإيماني يقول: إن الإيمان بهذه الأمور كل لا يتجزأ، وإن كل الأصول الشيعية
تنبع من مشكلة الإمامة وإليها تعود، وكذلك قضية المهدي المنتظر، لو ترك القوم
الاعتقاد بالمهدي لانهار ركن " الرجعة " وما ينبني عليه ويتفرع منه - وهو كثير-
عندهم..
ليس من مقصود هذه الكلمة أن تستقصي الأصول التي يخالف فيها الشيعة
أهل السنة، ولكن الهدف هو إظهار أن مقولة التقريب أسطورة من الأساطير، لو
أنتجت نتائجها المنطقية لجعلت كل طرف يتخلى عما هو أساسي في عقيدته،
ولتشكل من ذلك فريق ثالث لا هو سني ولا هو شيعي، فهل يمكن تصور وجود
هذا الفريق في المجتمع الإسلامي؟ نعم، إنه فريق " الإلحاد "، وإلا فالمشاهد أن
قضية التقريب بين المذاهب لا تروج إلا في صفوف أهل السنة، نظرًا للكثرة
العددية والانفتاح الذي يعيشون فيه - إن لم نقل التسيب- والتعصب والخوف من
الآخر لم يوجد إلا في صفوف الطوائف الأخرى سواء على صعيدها الشعبي أو
الرسمي. وأمامنا تجارب من الماضي والحاضر على سبيل المثال لا الحصر.
فدار التقريب التي كانت يشرف عليها مرجع إيراني هو العلامة (القمي)
كانت في مصر، في حين أنه لم يكن لهذه الدار ولو فرع واحد في أي جزء من
إيران، وقد يقال، من باب التذاكي والشطارة: إن حكومة إيران على أيام سيء
الذكر الشاه السابق لم تكن إسلامية، ولكن نقول: هل تغير الحال على عهد طيبي
الذكر حكام إيران الحاليين؟ إن الدستور الإيراني منَّ على أهل السنة حين اعترف
بهم وجعلهم على سوية واحدة وفي مرتبة اليهود والنصارى والبهائيين والزرادشتين، هذا في الوقت الذي لا نلحظ فيه هذا التفريق بين المسلمين أنفسهم ولا بينهم وبين
غيرهم في الماضي والحاضر في أي دستور آخر غير الدستور الآنف الذكر. وبعد ...
فإن هذا الكلام لا يتوجه إلى أصحاب الأهواء والأغراض، وإنما يتجه إلى
الذين تسوءهم حال المسلمين وما هم عليه من الفرقة والضعف والتخلف الذي نرى
أن أسبابه ترجع بالدرجة الأولى إلى الجهل بعدة أمور:
* الجهل بحقيقة ما هم عليه من دين، وخلطهم بين الأصل والفرع والواجب
والمسنون.
*الجهل بأعداء هذا الدين وتاريخهم ونفسياتهم ودوافعهم التي تحركهم.
*الجهل بالماضي كيف وقع، وبالحاضر كيف يسير، وعدم القدرة على ربط
كل حدث بالآخر ربط الأسباب بالنتائج، حتى طمع فينا كل طامع، ونعق بين
ظهرانينا كل ناعق.
إن بدعة التقريب والتقارب شأنها شأن البدع جميعًا، تقدم نفسها على أنها
خدمة للحق والحقيقة، وجهد في سبيل الله، ولكنها - علم ذلك مبتدعوها والمدندنون
لها أو لم يعلموا - جهد في سبيل الشيطان.
стр. 229
مجددون معاصرون
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
عندما أعلن عن تأسيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر عام ١٩٣١ م
كان قد مضى قرن كامل على احتلال فرنسا لهذا البلد المسلم، وكانت استراتيجية
هذا المحتل هي أن تصبح الجزائر قطعة منه أو بتعبير أدق كانت السياسة المتبعة
هي فرنسة الجزائر، ولذلك مارس هذا الاستعمار أشد أنواع الاضطهاد والقهر
وسلب الأموال، وتحويل المساجد إلى كنائس، وفرض اللغة الفرنسية كلغة ثقافة
وتخاطب، واستطاعت قوات الاحتلال الفرنسي القضاء على جميع الثورات التي
فجرها العلماء وزعماء البلاد، هذه الثورات التي كانت تفتقد الشمولية، والقدرة
على التنظيم، رغم تضحياتها وبطولة زعمائها، ولذلك كانت تقمع في كل مرة،
وما أن حل الثلث الأول من القرن العشرين حتى كان الظلام قد خيم على الجزائر
كلها، فما تبقى من المساجد التي هدمها العدو كانت تحت رقابته لا يخطب فيها إلا
من ينافق له، وألغيت المحاكم الإسلامية وبدأت جحافل المبشرين تزحف نحو
الجزائر.
يقول الشيخ البشير الإبراهيمي واصفاً هذه الحالة: «كان من نتائج الدراسات
المتكررة للمجتمع الجزائري بيني وبين ابن باديس منذ اجتماعنا بالمدينة المنورة
(١٩١٣) أن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين
عليه، وبعبارة أوضح من استعمارين مشتركين يمتصان دمه ويتعرقان لحمه
ويفسدان عليه دينه ودنياه:
١- استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي يعتمد على الحديد والنار.
٢- واستعمار روحاني يمثله مشائخ الطرق المؤثرون في الشعب، المتجرون
بالدين، المتعاونون مع الاستعمار عن رضي وطواعية. والاستعماران متعاضدان
يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، ومظهرهما معًا تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم فتسعى
في الانفلات، وتفقيرها لئلا تسعى بالمال على الثورة [١] .
أرادت فرنسا شيئاً وأراد الله شيئاً آخر، وإذا أراد الله شيئًا سهل أسبابه،
وكان من كرمه سبحانه وفضله على أهل الجزائر أن يسر بروز رجال أعلام
استفادوا من تجارب الذين سبقوهم، ودرسوا مشكلات أمتهم دراسة دقيقة، وقرروا
العمل الجاد لإخراج المسلمين في الجزائر مما هم فيه إلى حالة ترضى الله سبحانه
وتعالى، وكان فارس هذه الحلبة والبارز في ميدانها الشيخ عبد الحميد بن باديس
﵀، فبعد رجوعه إلى الجزائر من رحلته العلمية إلى تونس ومصر، ثم
الحجاز والشام [٢] كانت فكرة الإصلاح والعمل المنظم قد اختمرت في ذهنه ولم
يبق إلا التمهيد لها، فكان يبث هذه المفاهيم لكل من يشهد حلقاته العلمية في التفسير، يقول ﵀: (إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت
لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور
وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة) [٣] .
ثم يلتفت ﵀ إلى العلماء والقادة فيقول:
" ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلا بإهمالهم أمر الاجتماع
ونظامه، إما باستبداد أئمتهم وقادتهم، وإما بانتثار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم، فعلى أهل العلم - وهم المسؤولون عن المسلمين بمالهم من إرث النبوة فيهم - أن
يقوموا بما أرشدت إليه هذه الآية [٤] الكريمة فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع
والشورى في كل ما يهمهم من أمر دينهم) [٥] .
وهكذا كان ﵀ يمهد لما صمم عليه من تأسيس جمعية تلم شمل العلماء
والدعاة الصادقين، ولا تقتصر على فئة دون فئة ولا على إقليم دون إقليم.
مراحل تأسيس جمعية العلماء:
١- مرحلة الشعور بالخطر الجاثم على صدور أهل الجزائر والتفكير بالحلول، وأسباب الداء وكيفية الدواء، وهذه المرحلة كانت بوادرها في المدينة المنورة عام ١٩١٣م عندما التقى الشيخ ابن باديس مع رفيق دربه وجهاده الشيخ البشير الإبراهيمي الذي كان مهاجرًا إلى الحجاز للدراسة والاطلاع، وقد وصف الإبراهيمي هذه المرحلة أدق وصف فقال:
" كان من تدابير الأقدار الإلهية للجزائر، ومن مخبآت الغيوب لها أن يرد
عليَّ بعد استقراري بالمدينة المنورة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد
ذلك الشيخ عبد الحميد بن باديس أعلم علماء الشمال الأفريقي-ولا أغالي - وباني
النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر ... كنا نؤدي صلاة
فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي ونخرج إلى منزلي فنسمر مع
الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل
لصلاة الصبح. ثم نفترق إلى الليلة الثانية إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها الشيخ
بالمدينة، كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر
ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صوراً ذهنية
تتراءى في مخيلتنا، وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد
بضع عشرة سنة.
وأشهد الله على أن تلك الليالي من عام ١٩١٣ ميلادية هي التي وضعت فيها
الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا عام
١٩٣١ [٦] .
٢-التمهيد لجمع المسلمين وبث روح التعاون والعمل الجماعي في صفوفهم،
بواسطة دروس التفسير في مساجد قسنطينة وكانت الإدارة الفرنسية تعرقل دروس
الشيخ ابن باديس فينتقل من مسجد لآخر، كما أن هذه المرحلة كانت فترة نضوج
لأبرز قادة الجمعية الذين رحلوا إلى المشرق وتنقلوا بين المدينة المنورة ودمشق
والقاهرة، واتصلوا بأعلام الدعوة السلفية في هذه المدن، وتدارسوا معهم واقع
العالم الإسلامي والحلول اللازمة للنهوض.
٣-زار ابن باديس عام١٩٢٤ الشيخ الإبراهيمي في مدينة (سطيف) وأخبره
بأنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم (الإخاء العلمي) تجمع شمل العلماء والطلبة
وتوحد جهودهم، وتقارب بين مناحيهم في التعليم والتفكير، وعهد ابن باديس إلى
الإبراهيمي مهمة وضع القانون الأساسي للجمعية، فوضعه الإبراهيمي واتفقا ... عليه [٧] ولكن هذا المشروع لم ير النور لعدم تجاوب علماء قسنطينية مع رغبة ابن باديس ولأن الاستعداد لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد.
٤-أصر ابن باديس على إنشاء جمعية للعلماء وأنه لابد من عمل إصلاحي
كبير، وتنازع العلماء رأيان: الأول تبناه الإبراهيمي وخلاصته: أن يكون هدف
الجمعية تعليميًا، وأن يربي جيل متخصص في مختلف الفنون والمعرفة ينطلق
المربون به في حملة شاملة على الباطل والبدع.
والرأي الثاني: وقد تبناه ابن باديس ويقوم على مهاجمة المبطلين والمبتدعين
منذ البداية، ولأن البدع قد طال عليها الأمد وشاب عليها الوالد وشب عليها الولد،
فلا يطمع في زوالها إلا بصيحة مخيفة تزلزل أركانها، وإعصار شديد يكشف الستر
عن هذا الشيء الملفق ليتبينه الناس على حقيقته. وقد تم الاتفاق على الأخذ بالرأي
الثاني. وبناء على ذلك أصدر ابن باديس جريدة (المنتقد) عام ١٩٢٥ التي يبين
اسمها عن معنى النقد الذي يخالف منهج أرباب الطريقة (اعتقد ولا تنتقد) وكتب
ابن باديس في المنتقد عن دعوة محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية ونقل عن (المنار)
رسالة عبد الوهاب النجدي إلى عبد الله الصنعاني [٨] .
ثم صدرت (الشهاب) [٩] وفيها الدعوة إلى مناصرة فكرة الإصلاح وتجميع
القوى وأن يكتب إلى الشهاب من يوافق على هذه الأفكار، فانهالت الرسائل المؤيدة، ومنها رسائل من الشيخ الطيب العقبي، ومبارك الميلي.. وقد جاء في رسالة
الشيخ العربي التبسي: " أزفت ساعة الجماعة وتصرم عصر الفرد " [١٠] وفي
عام ١٩٣١ نشرت (الشهاب) اقتراحًا بتأسيس جمعية العلماء وكان الغرض هو جمع
القوى الموزعة من العلماء على اختلاف حظوظهم من العلم للتعاون على خدمة الدين
الإسلامي واللغة العربية، والنهوض بالأمة [١١] .
استجاب كثير من العلماء لدعوة ابن باديس وتقرر الاجتماع في الساعة
الثامنة من صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة ١٣٤٩ هـ الخامس من
مايو ١٩٣١ في نادي الترقي بعاصمة الجزائر، وكان عدد المجتمعين اثنين وسبعين
من العلماء وطلبة العلم، وكان هذا الاجتماع بمثابة جمعية عمومية لوضع القانون
الأساسي ثم عقد اجتماع آخر وانتخب الشيخ ابن باديس رئيسًا والشيخ الإبراهيمي
نائبًا للرئيس.
إن تأخير قيام الجمعية إلى هذا الوقت مع أن نشاط ابن باديس وحديثه عن
العمل الجماعي ورد في أوائل العشرينات إنما كان لتطلع ابن باديس إلى مشاركة
جميع العلماء الذين يؤمنون بالإصلاح، وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا والدخول في حوار
مع كل فرد منهم، كما يتطلب وضوح الأهداف والغايات.
٥- حاول بعض الصوفية من أعضاء الجمعية والمشايخ الذين لهم ارتباط
بالإدارة الفرنسية السيطرة على الجمعية ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعًا، وفي عام ١٩٣٢
خرجوا من الجمعية وانتخب ابن باديس مرة ثانية رئيسًا بالإجماع، وبذلك صفت
الجمعية لرجال الإصلاح الذين كان منهجهم واضحًا منذ البداية.
أما السؤال المتبادر، لماذا دخل هؤلاء في الجمعية أصلاً؟ فالجواب:
أن ابن باديس تعاون مع المعتدلين من الطرقيين والعلماء الرسميين ولم يتعاون
مع الملوثين الذين ظهرت أباطيلهم وأراد من هذا التعاون شيئين:
الأول: أراد أن يواجه المستعمرين وعموم أعداء هذا الدين بموقف إسلامي
موحد، وموقفه هذا يذكرنا بالوفد الذي قابل به ابن تيمية قازان زعيم التتار وكان
يضم الصوفيين والمبتدعين.
الثاني: كان ابن باديس يعرف كيف يتحرك، وكيف يتعامل مع الناس،
وكيف يستفيد من الظروف والمناسبات التي تمر، وكان يضع هذه الأمور كلها في
موضعها وإطارها الصحيح، وهذا التعاون لم يغير أو يبدل شيئًا من قناعات ابن
باديس وزملائه، بل كانوا أصحاب القرار وأهل الأكثرية في الجمعية.
ولابد من الإشارة هنا إلى إيمان ابن باديس بالمرحلية ولذلك نراه ينتقي
العبارات لكل مرحلة انتقاء دقيقًا وذكيًا، فعندما أخذ الترخيص للجمعية كانت الغاية
التي أعلنت في القانون الأساسي (محاربة الآفات الاجتماعية كالخمر والميسر
والبطالة والجهل، وكل ما يحرمه صريح الشرع وينكره العقل) وهذه الأخيرة فيها
تلميح إلى الصوفية، ولكن بعد الانتخاب الثاني ١٩٣٢وتصفية الجمعية من أعوان
الإدارة دعا ابن باديس إلى (الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء
بفهم الأئمة المعتمد عليهم، ودعوة المسلمين كافة إلى السنة النبوية ... ... المحمدية) [١٢] .
وبعد مضي خمس سنوات على تأسيس الجمعية أكد البشير الإبراهيمي على
غايات الجمعية وخاصة في الأمور التالية:
١- محاربة الطرقية وأنه لا يتم في الأمة الجزائرية إصلاح مع وجود هذه
الطرقية المشؤومة.
٢- نشر التعليم الحر البعيد عن إشراف الحكومة بين صفوف الصغار والكبار
٣- الوقوف في وجه التبشير والإلحاد.
وهكذا كلما قويت الجمعية ووجد ابن باديس أن الفرصة مناسبة لتوسيع دائرة
عمل الجمعية، أعلن عن الأهداف الكبرى لها، وإذا لم يتح له ذلك ذكر أهدافه عن
طريق الصحافة التي كان يمتلكها هو شخصيًا وليست تابعة للجمعية مثل (المعتضد)
و (الشهاب) .
أهداف الجمعية:
في عام ١٣٥٦ هـ ١٩٣٨ م حددت الجمعية أصولها ومبادئها في النقاط
التالية:
١- الإسلام هو دين الله الذي وضعه لهداية عباده وأرسل به جميع رسله،
وكمله على يد نبيه محمد ﷺ الذي لا نبي بعده.
٢- القرآن هو كتاب الإسلام.
٣- السنة (القولية والفعلية) الصحيحة تفسير وبيان للقرآن.
٤- سلوك السلف الصالح (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) تطبيق صحيح لهدي الإسلام.
٥- البدعة كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- فعله، وكل بدعة ضلالة.
٦- المصلحة كل ما اقتضته حاجة المسلمين في أمر دنياهم ونظام معيشتهم
وضبط شؤونهم وتقدم عمرانهم بما تقره أصول الشريعة.
٧- التوحيد أساس الدين، فكل شرك في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل
فهو باطل مردود على صاحبه.
٨- اعتقاد تصرف أحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك وضلال،. وبناء
القباب على القبور والذبح عندها لأجلها، والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال
الجاهلية، فمن فعله جهلاً يُعلّم ومن أقره ممن ينتسب إلى العلم فهو ضال مضل.
٩- الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف ومبناها كلها على الغلو في
الشيخ، وتجميد العقول، وإماتة الهمم.
١٠- عند المصلحة العامة من مصالح الأمة يجب تناسي كل خلاف يفرق
الكلمة ويصدع الوحدة، ويتحتم التآزر والتكاتف حتى تنفرج الأزمة وتزول الشدة
بإذن الله ثم بقوة الحق، وادراع الصبر وسلاح العلم والعمل والحكمة:
[قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا
أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] .
عبد الحميد بن باديس
بقسنطينة الجامع الأخضر أثر صلاة الجمعة ٤ ربيع الأول ١٣٥٦ [١٣] .
وما كانت الشعارات التي يرفعها ابن باديس: (القرآن إمامنا، والسنة سبيلنا، والسلف الصالح قدوتنا، وخدمة الإسلام والمسلمين وإيصال الخير ... لجميع سكان الجزائر غايتنا) [١٤] إلا تلخيصاً لهذه المبادئ.
إن النزعة السلفية واضحة في هذه الأصول والغايات المعلنة ولا شك أن رحلة
ابن باديس وزملائه إلى المشرق واطلاعهم على حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
واجتماعهم بعلماء الشام وما كتبه رشيد رضا في المنار له أثر كبير في توجهات
الجمعية، كما أن جيل المصلحين الأول مثل الشيخ صالح بن مهنا قد تأثر بالحركة
السلفية، ومع ذلك فإن ابن باديس وزملاؤه لم يكونوا نسخة مطابقة لعلماء الشام أو
الجزيرة بل كان عندهم من سعة الأفق أحيانًا أكثر من الذين تأثروا بهم، وقد تظهر
الدعوة السلفية أحيانًا في قطر من الأقطار الإسلامية دون أن يطلع أهله على ما في
القطر الآخر وذلك لأنها دعوة حق يهتدي إليها من أوتي فطرة سليمة وقلب واع.
إنجازات الجمعية:
قامت الجمعية بأعمال كبيرة وجليلة وجهود تستحق التقدير والثناء الحسن،
فلها دور كبير في بث الوعي الديني وإحياء المفاهيم الإسلامية الصحيحة من الكتاب
والسنة ومحاربة الخرافيين الذين يتاجرون بالدين ويتعاونون مع المستعمرين، وقد
سدوا منافذ العلم وسيطروا على عامة الشعب بسبب الجهل، وقد كانت كتابات ابن
باديس والإبراهيمي مزلزلة لأركانهم فانقمعوا وانحسروا والتف الشعب حول العلماء
العاملين.
يقول البشير الإبراهيمي ساخرًا من الطرقيين: " القوم عارفون بالله وإن لم
يدخلوا كتابًا ولم يقرءوا كتابًا، وكل من ينتسب إليهم عارف بالله بمجرد الانتساب
أو بمجرد اللحظة من شيخه، ومن تنقيحاتهم تحديد مراحل التربية (الخلوية) لمعرفة
الله بثلاثة أيام (فقط لا غير) تتبعها أشهر وأعوام في الانقطاع لخدمة الشيخ من سقي
الشجر ورعي البقر وحصاد الزرع وبناء الدور مع الاعتراف باسم الفقير والاقتصار
على أكل الشعير ... "
وأنشطة الجمعية متشعبة وشاملة يصعب الحديث عنها كلها ولذلك سنقتصر
على ذكر نشاطها التعليمي الذي كان من أهدافه الرئيسية إحياء اللغة العربية لغة
القرآن والإسلام بعد أن حاول المستعمر إقصاء اللغة تمهيداً لإقصاء الدين. ولا شك
أن هذه مهمة صعبة، وهي أمل كل المصلحين الذين عاشوا قبل هذه الفترة وبعدها، فقد كان من المجمع عليه عندهم أن أهم وسيلة لترقية الأمة ونقلها من ذلها
وضعفها هو التربية والتعليم، لإنشاء أجيال جديدة تتسم بالسلوك الإسلامي والفهم
العميق لهذا الدين، وقد حققت الجمعية كثيرًا من هذا مما يعتبر في عصرها من
المعجزات.
كانت المدارس الحكومية قليلة جدًا، وهي خاضعة خضوعًا تامًا لإشراف
الإدارة الفرنسية في مناهجها ومدرسيها، بل كانت فرنسا تتعمد التجهيل، يقول
محمد فريد وجدي الذي زار الجزائر ١٩٠١: (هجرت ربوع العلم وخربت دور
الكتب وصارت الديار مرتعًا للجهل وكادت تدرس معالم اللغة العربية ... الفصحى) [١٥] .
ويقول الشيخ الإبراهيمي: (إن مدارساً عامرة بهذا الصنف من الأطفال الذي
لم يجد إلى التعليم الحكومي سبيلاً، وإن عدده لكثير إنه ليقارب التسعين بالمائة من
أبناء الأمة) [١٦] .
قصدت الجمعية لهذا الخلل، فشجعت الجمعيات الإصلاحية في كل مدينة
لإنشاء مدرسة، وهذه الجمعية تتكفل بدفع رواتب المعلمين وتشجيع الأهالي على
التبرع، وكانت جمعية العلماء تشرف على هذه الجمعيات المحلية وتشرف على
اختيار المدرسين، وقد بلغ عدد هذه المدارس عام ١٩٣٥ سبعين مدرسة ويقدر عدد
التلامذة بحوالي ٣٠. ٠٠٠ بين صبي وفتاة.
وكانت جمعية العلماء تنظم للمدرسين دورات تدريبية لرفع مستواهم التعليمي ومناقشة أساليب ونظم التعليم وفي عام ١٩٤٤ نشطت الجمعية نشاطًا بارزًا
فأنشأت خلال عام واحد ثلاثاً وسبعين مدرسة في مدن القطر وقراه [١٧] وفي عام
١٩٤٨ بلغت مدارس الجمعية حوالي١٤٠ مدرسة، وفي عام ١٩٥٤ ازداد العدد إلى
١٧٠ مدرسة، وقد بلغ عدد تلاميذ هذه المدارس عام ١٩٥١ (٣٦. ٢٨٦) تلميذًا
وتلميذة منهم ١٦. ٢٨٦ يدرسون دراسة كاملة في المدارس العربية ولا يلتحقون
بالمدارس الحكومية، وبقية الطلبة سهلت لهم الجمعية أمر متابعتهم الدراسة في
مدارسها بأن جعلت لهم دوامين للتعليم في الصباح والمساء. وفي عام ١٩٤٧
أسست الجمعية أول معهد للتعليم الثانوي في قسنطينة أطلق عليه اسم عبد الحميد بن
باديس، وبدأت الجمعية تشجع خريجي هذا المعهد للالتحاق بجامعات الزيتونة في
تونس أو الأزهر أو جامعة دمشق أو جامعة بغداد، وكأن الجمعية كانت تهيئ
الشباب لعملية بناء الجزائر المستقلة.
وهذا الجهد العظيم هو صراع مرير مع الإدارة الفرنسية لتثبيت هوية هذا
الشعب وأنه مسلم عربي، ففي هذه المدارس تعلم الأطفال العربية لأن التعليم في
المدارس الحكومية كان كله باللغة الفرنسية، وهذه الأمور كانت واضحة في ذهن
ابن باديس وصحبه من اليوم الأول وأن نهضة الإسلام مقرونة بنهضة اللغة العربية.
فجزاهم الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين، من رجال قاموا بواجبهم حق القيام.
* يتبع *
стр. 230
الفيديو والتلفزيون
خطر مؤكد على الأطفال
يظهر التأثير الهائل للفيديو والتلفزيون على الأطفال بشكل واضح عندما يتم
إدخال الجهازين أو أحدهما إلى البيت بعد نشوء الأطفال ووعيهم، إذ يبدو ذلك جليًا
في تبدل تكوينهم الشخصي والنفسي. ويستطيع المراقب إدراك ذلك من خلال نشوء
اهتمامات جديدة لدى الأبناء وأنماط من السلوك تحاكي سلوك الممثلين أو
الشخصيات الخرافية الوهمية، أما أولئك الأطفال الذين يولدون والتلفزيون في
بيوتهم فإنه يغدو بعد حين أهم موجه لتفكيرهم وسلوكهم وذوقهم واهتماماتهم، وقد لا
يلاحظ ذلك كثير من الآباء والأمهات، وخاصة أولئك الذين لا يهمهم أين تسير
السفينة ومن يوجه الدفة.
ويؤكد الدكتور إبراهيم إمام خطر التلفزيون - والفيديو - على الأطفال،
ويراه خطراً ثابتاً، ويحذر من التقليل من ذلك أو تهوين الأمر، فيقول:
" إن تأثير الإعلام على الأطفال تأثير ثابت، ولا ينبغي للمسؤولين أن يقللوا
من خطره، أو يهونوا من أمره، ولاشك (في) أن طريقة معالجة التلفزيون للتراث
الثقافي العالمي نفسه، وخاصة أسلوب استخدام الكاميرا يجعل التلفزيون مصنعًا
للخوف والرعب بالنسبة للموضوعات العنيفة، وعندما يخلط الأطفال بين الواقع
والخيال، ويتعرضون للتأثير الضار باستمرار، ويرون المجرم بطلاً خفيف الظل،
والقانون لا ينتصر إلا في النهاية، ورجل الشرطة موضع تهكم وسخرية،
والقاضي إنسانًا مترددًا ومضحكًا، فإن احتمال عدم التأثير بذلك كله أمر جد عسير،
وقد يكون صحيحًا أن تأثير التلفزيون - والفيديو - على الأطفال الأصحاء يختلف
في شدته ونوعيته عن تأثيره على الأطفال الذين لا يحسون بالأمر، ولكن لابد أن
يكون التلفزيون مؤثرًا على كلا النوعين " [١] .
التلفزيون والتحصيل الدراسي لدى الأطفال:
يشكو الآباء والمربون من آثار التلفزيون السلبية في علاقة الأطفال بالكتاب
والمدرسة، وتبدو نتائج ذلك ظاهرة على معظم الأطفال الذين يتابعون المشاهدة.
ومن الملاحظ لدى العاملين أن مما يؤدي إلى التأخر الدراسي، وعدم متابعة المعلم
أثناء الشرح سبب كثير منه التعلق ببرامج التلفزيون، والسهر الطويل في متابعة ما
يجري على الشاشة المرتعشة، إذ وجد أن الأطفال الذين لديهم أجهزة تلفزيون أو
فيديو يذهبون للنوم متأخرين عن نظائرهم في السن ممن لا يوجد لديهم، ويبدو
أيضًا أن التلفزيون يتداخل مع الواجبات المنزلية التي يكلف بها التلاميذ [٢] وبذلك
يبدو الطفل سلبيًا أمام ما يدور في قاعة الدرس.
وفي ربيع عام ١٩٧٧ ظهر كتاب بالغ الآثار والأهمية في الأسواق الغربية،
وهو الكتاب الوحيد الذي ناقش تجربة التلفزيون ومشاهدته، وبين أهميتها عن
محتوى البرامج التي تظهر على شاشته. هذا الكتاب من تأليف (ماري دين) وقد
أسمته (المخدر الكهربي) وكان سببًا لضجة كبيرة عند الآباء القلقين، وعلماء النفس
والمربين، ولقد أكد الكتاب أن مشاهدة الأطفال التلفزيون تسبب عندهم نوعًا من
الإدمان، وأنها تحول جيلاً كاملاً منهم إلى أشخاص يتميزون بالسلبية، وعدم
التجاوب، ولا يستطيعون اللعب والابتكار، ولا يستطيعون حتى التفكير ... بوضوح [٣] ، فكيف يتسنى لمثل هؤلاء الأطفال استيعاب الدروس وتركيز اهتمامهم فيما يلقى عليهم أو يطلب منهم التفكير فيه إذا كانت معظم أوقاتهم تستنفد أمام الشاشة الصغيرة؟ .
وفي تقرير لمنظمة اليونسكو العالمية، رقم (٣٣) تبين أن الأطفال، في البلاد
العربية، من سن السادسة إلى سن السادسة عشرة يقضون ما بين اثنتي عشرة
ساعة وأربع وعشرين ساعة أمام التلفزيون أسبوعيًا، وأن سن الخامسة حتى
السابعة هي الفترة التي يبدي فيها الطفل أقصى اهتمام بمشاهدة التلفزيون، وفي
المرحلة التي تسبق هذه الفترة فإن الطفل في سن الثلاث سنوات يقضي ٤٥ دقيقة
يوميًا أمام التلفزيون، وفي سن أربع سنوات ينفق ساعة ونصف الساعة يوميًا [٤] .
ولم تزل الدراسات والتقارير العلمية تتوالى في تبيان ما للأجهزة السمعية
البصرية من أثر بالغ الضرر فيما يظهر على شاشاتها، ولذلك فإن تقريراً آخر نشر
في مجلة اليونسكو عن نتيجة الاستطلاع الياباني عن وسائل الإعلام جاء فيه: إن
فيض المعلومات التي تقدمها أجهزة الإعلام يعطل القدرات التأملية الخلاقة لدى
الأطفال. وأوضح التقرير أن الأطفال كانوا ضحية لبرامج التلفزيون والمجلات
الهزلية. وذكر الأطباء والمدرسون الذين شملهم الاستطلاع أن وسائل الإعلام أشد
ضررًا بالأطفال وخاصة البرامج الترفيهية الساقطة والمجلات الهزلية التي ترد ... إليهم [٥] ، وإن حشو مخيلة الطفل، وإشغال فكره بهذه الترهات لا تدع له مجالاً لاستيعاب المعلومات التي يتلقاها في المدرسة، مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى كراهية الطفل للمدرسة والكتاب لشعوره بقصورهما وعجزهما عن جذبه إليهما كما يجذبه التلفزيون والفيديو، إذا أنهما لا يتطلبان من الطفل مجهودًا ولا حركة، ويحشوان رأسه بالخيالات والأوهام، ويضحكانه ويعلمانه الرقص والغناء، وكيفية إقلاق راحة الآخرين [*] .
стр. 231
مناقشة ابن عباس للخوارج
دروس وعبر
معن عبد القادر
أصيبت الأمة الإسلامية في القرون المتأخرة في أعز ما تملك وهو عقيدتها
الصافية النقية التي جاء بها الرسول ﷺ من عند الله ،
وسار عليها صحابته رضوان الله عليهم، وتبعهم في ذلك ثلة من الأولين وقليل من
الآخرين، ولا تزال طائفة من الأمة سائرة عليها كما أخبر بذلك الرسول -صلى الله
عليه وسلم-.
وهذه المصيبة العظيمة لها جذور تاريخية ترجع إلى القرون الأولى. فقد
بدأت هذه المصيبة بمقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-
على يد مجوسي حاقد، ثم قتل ذي النورين عثمان بن عفان -﵁،
بمؤامرة دنيئة، ثم ظهر القول بنفي القدر، ثم أوقدت الفتنة بين المسلمين، ودار
القتال بينهم، ثم خرجت الخوارج بمقولة شنيعة، ثم ظهر التشيع، وازداد ... أهله غلواً وبعداً عن الدين، وانتشر الرفض في بقاع شتى من العالم الإسلامي.
وفي كل مرة كانت هذه الانحرافات تجد من يتصدى لها من الرجال الأفذاذ
الذين جمعوا بين العلم والعمل، والجهاد في سبيل الله، وكان هؤلاء يعملون على
تنقية الأجواء الإسلامية من كل انحراف ومن كل دخيل.
وفي الأسطر التالية أثر يتحدث عن نموذج لانحراف خطير ظهر في هذه
الأمة، وكيف تصدى لهذا الانحراف رجل تخرج من مدرسة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- التي تخرج منها أعظم الرجال.
وهذا الأثر فيه فوائد شتى، لم يكن المقصود استخراجها جميعاً، بل ترك ذلك
للقارئ الكريم، وإنما حسن التنبيه على بعض فوائده على وجه الاختصار.
وطريقة عرض هذا الأثر هي: عرض جميع رواياته التي وقفت عليها ومن
ثم إدراج الزيادات على السياق الأصلي، وقد أسوق نصًا غير النص الأصلي - في
بعض المواطن - لأن في ألفاظه زيادة فائدة.
وسياق الرواية الأصلي هو لمتقدم المخرجين لهذا الأثر من أصحاب مصنفات
الحديث.
وهذا نص الأثر:
عن ابن عباس ﵁ قال: لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار -
على حدتهم - وهم ستة آلاف وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن أبي طالب
وأصحاب النبي ﷺ معه، قال: جعل يأتيه الرجل فيقول: يا
أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا فإني لا أقاتلهم
حتى يقاتلوني وسوف يفعلون. فلما كان ذات يوم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين:
أبرد عن الصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم فأكلمهم، قال: إني أتخوفهم عليك. قلت:
كلا إن شاء الله تعالى وكنت حسن الخلق لا أوذي أحدًا. قال: فلبست أحسن ما
أقدر عليه من هذه اليمانية، قال أبو زميل: كان ابن عباس جميلاً جهيرًا. قال: ثم
دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة. قال: فدخلت على قوم لم أر قط أشد
اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن [*] الإبل، وجوههم معلمة من آثار السجود، عليهم
قمص مرحضة، وجوههم مسهمة من السهر. قال: فدخلت. فقالوا: مرحبًا بك يا
ابن عباس! ما جاء بك؟ وما هذه الحلة، قال: قلت ما تعيبون علي؟ لقد رأيت
على رسول الله أحسن ما يكون من هذه الحلل، ونزلت [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق] قالوا: فما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم
عن أصحاب رسول الله ﷺ ومن عند صهر رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- عليهم نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، وليس فيكم منهم أحد، فقال
بعضهم: لا تخاصموا قريشاً فإن الله تعالى يقول: [بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ] ، وقال
رجلان أو ثلاثة لو كلمتهم.
قال: قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وختنِه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟
قالوا: ننقم عليه ثلاثاً.
قال: وما هنّ؟
قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ] ، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله .
قال: قلت وماذا؟
قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن
كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم.
قال: قلت وماذا؟
قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير
الكافرين.
قال: قلت أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.
قال: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه -
ﷺ ما لا تنكرون [ينقض قولكم] أترجعون؟
قالوا: نعم.
قال: قلت أما قولكم: حكّم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول: [يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ] ،إلى قوله: [يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ] . وقال في المرأة وزوجها: [وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ
وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا] . أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح
ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم، وفي بضع امرأة. وأن تعلموا أن الله
لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال.
قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وإصلاح ذات بينهم.
قال: أخرجت من هذه؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة، أم تستحلون
منها ما تستحلون من غيرها، فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست أم المؤمنين فقد
كفرتم، وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ
وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] ، فأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت
من هذه؛ فنظر بعضهم إلى بعض.
قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، فإن
رسول الله ﷺ دعا قريشًا يوم الحديبية أن يكتب بينه وبينهم
كتابًا فكاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان. فقال: اكتب يا علي هذا ما قاضى عليه
محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت،
ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله حقًا وإن
كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله، فرسول الله ﷺ
كان أفضل من علي ﵁ وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه.
أخرجت من هذه؛ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي منهم أربعة آلاف
فقتلوا على ضلالة.
هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في (المصنف، باب ذكر رفع السلام
١٠/١٥٧ رقم ١٨٦٧٨) ومن طريقه - بنفس اللفظ تقريبًا -أخرجه أبو نعيم في
(الحلية ١/٣١٨) ، وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى ٨/١٧٩) ، وابن عبد البر
القرطبي في (جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٠٣ طبعة المنيرية) ، ويعقوب بن
سفيان البسوي في (المعرفة والتاريخ ١/٥٢٢) ، والحاكم في (المستدرك ٢/١٥٠-
١٥٢) ، وأخرج بعضه الإمام أحمد في (المسند ١/٣٤٢، ٥/٦٧ رقم ٣١٨٧،
طبعة شاكر) كلهم أخرجوه من طريق عكرمة بن عمار ثنا أبو زميل الحنفي ثنا ابن
عباس به، ولكل منهم لفظ مختلف وزيادات أثبتنا منها ما كان فيه زيادة معنى.
وهذا الأثر نسبه الهيثمي في (مجمع الزوائد) إلى الطبراني وأحمد في المسند،
وقال: رجالهما رجال الصحيح، وأشار إليه الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية ٧ /
٢٨٢) ، وابن الأثير في (الكامل) وابن العماد الحنبلي في (الشذرات) ، وذكر
غيرهم سياقات أخر لهذه القصة ولكنها عن غير ابن عباس من غير هذا الطريق،
وإنما مقصودنا رواية ابن عباس فقط..
وقال أحمد شاكر في تعليقه على (المسند ٥ / ٧ ٦ رقم ٣١٨٧) : إسناده
صحيح. اهـ
أصول ودروس مستفادة من الأثر:
أولاً: لقد أتى الخوارج من قبل فهمهم السقيم لنصوص الشرع، ويرجع
ضلالهم إلى أسباب أهمها:
١- فهم النصوص ببادئ الرأي، وسطحية ساذجة، دون التأمل والتثبت من
مقصد الشارع من النصوص، فوقعوا في تحريف النصوص وتأويلها عن معناها
الصحيح.
٢-أخذهم ببعض الأدلة دون بعض، فيأخذون بالنص الواحد، ويحكمون على
أساس فهمهم له دون أن يتعرفوا على باقي النصوص الشرعية في المسألة نفسها،
فضربوا بعض النصوص ببعض (وبهذا أسكتهم ابن عباس ﵁، فقد
كان يأتيهم بباقي الأدلة في الموضوع نفسه، فلا يجدون لذلك جواباً) .
وسبب ضلال الخوارج هو سبب ضلال طوائف عديدة من المسلمين. يقول
الشاطبي ﵀ أن أصل الضلال راجع إلي (الجهل بمقاصد الشريعة،
والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا
يكون ذلك من راسخ في العلم) [١] .
ثانياً: الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، وتوحد صفهم، وهذا ظاهر
من موقف على -رضي الله تعالى عنه- ابتداء حين (جعل يأتيه الرجل فيقول يا
أمير المؤمنين: إن القوم خارجون عليك فيقول: دعهم حتى يخرجوا، فإني لا
أقاتلهم حتى يقاتلوا وسوف يفعلون) فكان ﵁ حريصًا على أن لا يأتي
إلى الخوارج بشيء من القتال ونحوه يفرق به المسلمين، ويضعف شوكتهم، ما لم
يخرجوا هم عليه، أو يؤذوا المسلمين ببدعتهم.
وهذا الأصل متمثل أيضًا في موقف ابن عباس ﵄ في
حرصه على الخروج إليهم وانتدابه نفسه للتفاهم معهم، وتفنيد شبهتهم وإرجاعهم
إلى الحق.
فهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمون من الامتناع عما يضعف شوكتهم،
ومن بذل الجهد في جمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم، ولابد أن نُتْبِع هذا الأصل بأصل
آخر وهو:
ثالثًا: ولعله من أصل الأصول وأعظمها لكثرة ما تشتد إليه حاجة المسلمين
ألا وهو (السبيل إلى وحدة المسلمين وجمع صفهم) .
إن وحدة المسلمين أصبحت مقولة يقولها كل مسلم، وكل جماعة، فالكل
ينادي بالوحدة والكل يزعم أنه ساعٍ إليها حريص عليها، ولكن ما هو السبيل الحق
إلى تحقيق هذه الوحدة، هنا موضع الخلاف، وهنا تزل الأقدام، وتضل الأفهام،
وتنحرف الأقلام.
إن وحدة المسلمين مطلب شرعي ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة، فلا بد
أن تكون الوسيلة إليه شرعية. إن وحدة المسلمين يجب أن تكون عبادة نتقرب بها
إلى الله ، والله لا يعبد إلا بما شرع، وكل عمل ليس عليه أمر الشرع فهو
رد كما أخبر بذلك الرسول ﷺ .
إن وحدة المسلمين بمعناها الشرعي الصحيح، تعني أن يعودوا جميعًا إلى
الفهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف
الصالح، هكذا وهكذا - فقط - يمكن أن نتحد، وهذا هو السبيل الوحيد لوحدة
الصف، وهذا الذي سلكه ابن عباس وأقره عليه على -رضي الله تعالى عنهما-.
ذهب ابن عباس ﵄ إلى الخوارج حتى يعيدهم إلى الصف
الإسلامي، فبين لهم أولاً وقبل أن يناظرهم المنهج الصحيح، فقال: (أرأيت إن
قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه ﷺ
مالا تنكرون ... ) إذن هو الكتاب والسنة والعودة إليهما، وقد كان صرح لهم قبل
ذلك بالفهم الذي ينبغي أن نفيء إليه إذا اختلفت أفهامنا فقال: (جئت أحدثكم عن
أصحاب رسول الله ﷺ ومن عند صهره، عليهم نزل الوحي،
وهم أعلم بتأويله) الله أكبر! ما أنصع هذا المنهج وما أشد وضوحه، الرجوع إلى
الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح.
وبعد أن بين لهم المنهج شرع يدحض حجتهم، ويفند شبهتهم، ويوضح فساد
منهجهم فمن عاد منهم وتنازل عن معتقداته وآرائه، واعتقد اعتقاد جماعة المسلمين
فقد عاد إلى الصف، ومن أبى وأصر على معتقده فهو خارج على الصف ولا سبيل
للوحدة معه، بل عندما آثار بقية الخوارج الفتنة، قام إليهم علي ﵁
فقاتلهم ولم يتحرج في ذلك.
إن السبيل إلى وحدة المسلمين هو الاتحاد على الأصول الثابتة من الكتاب
والسنة وكل سبيل آخر للوحدة لا تقره الشريعة، ولا يجوز لنا - ونحن عباد الله
سلمنا أمرنا إليه - أن نجعل منها صنمًا نستجيز من أجله كل وسيلة غير مشروعة.
إن الوحدة التي تنشأ عن ضم الطوائف المختلفة في الأصول في دائرة واحدة،
وإعطائها مسمى واحد على اختلاف عقائدها، هي وحدة غير شرعية، وإن الصف
الذي ينشأ عنها ليس مرصوصًا.
ولنتأمل في قول الله : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً] ، ثم قال:
[وَلاَ تَفَرَّقُوا] ، يقول الشاطبي ﵀ تعليقًا على الآية: (تبين أن التأليف إنما
يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير
ما تعلقت به الأخرى فلابد من التفرق وهو معنى قول الله تعالى: [وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ] [٢] .
إذن فتضييع الأصول من أجل الوحدة سبيل غير شرعي، بل هو فوق ذلك
عمل لا يقره العقل، وإليكم التوضيح.
إن التفرق بين المسلمين حاصل ولابد، فكلام الله حق [وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] وكلام رسوله حق «تفترق هذه الأمة على ثلاث
وسبعين فرقة» ... وقال: «سألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» فإذن
فإنه يستحيل في الواقع أن يزول الاختلاف تمامًا وأي مسلم يوقن بمعاني هذه
النصوص، ليس عنده طمع في ذلك فهذا أمرٌ قضى الله به، ولكنه ستبقى طائفة
على الحق.
فإن كان الأمر كذلك فهل يعقل أن نفرط في أصولنا - ونحن معاقبون إن فرطنا - من أجل السعي في حصول أمر مستحيل.
إن كل مسلم مخلص صادق غيور يحزن على حال المسلمين، ويغتم له
ويتأسف عليه أسفًا شديدًا، ولكن ليس الحل أبدًا أن نفرط في الأصول من أجل
تحقيق أمر قد قرر الشارع أنه لا يكون، كيف وقد أمرنا الله بقتال طائفة من
المسلمين إن بغت وهل يكون القتال إلا تفرقة؟ بل وفيه ما هو أشد من ذلك، ولكنه
أمر الله [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] .
وعذرًا أخي القارئ إن أطلنا في هذا الأصل، فلقد فحش فيه الخطأ
والانحراف.
رابعًا: الحكم في تقييم الرجال: إن أحوال الخوارج من كثرة العبادة والاجتهاد فيها غير خافية على أحد، فلقد قال الرسول ﷺ : «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم..» وقال ابن عباس في ...
وصفهم كما في هذا الأثر: ( ... لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن ... الإبل، ووجوههم معلمة من آثار السجود ... ) ومع كل هذا فلقد أتوا ببدعة ... خطيرة، ووضعوا بذور الخلاف بين المسلمين، وليس من مسلم سليم العقيدة ... ... إلا ويذكرهم في معرض الذم، ولم يذكرهم العلماء في مصنفاتهم إلا للتحذير ... ... من بدعتهم وبيان فساد معتقدهم دون أدنى فخر واعتزاز بعبادتهم. ...
إن المنهج الإسلامي الواضح، يدلنا على أنه يجب تقييم الرجال أولاً من منطلق معتقداتهم وتصوراتهم، وجميع السمات الأخرى -إذا أقرها الشرع - تأتي بعد ذلك لا قبله. فلو انطلقنا في الحكم على الخوارج من خلال شدة اجتهادهم في العبادة، وجعلنا ذلك هو المقياس الأول في ... الحكم عليهم، لكان ينبغي أن نجلهم ونحترمهم، فنرفع درجتهم حتى فوق درجة الصحابة إذ يقول الرسول، ﷺ ، لصحابته في شأن ... الخوارج: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم» فكم يكون هذا التقييم سخيفًا؟ ...
ولكن الأمر يختلف تمامًا، ويعود إلى نصابه الصحيح، عندما يحكم عليهم من
خلال معتقداتهم وتصوراتهم فنرى أنهم قد ابتدعوا في دين الله بدعة خطيرة فاحشة،
فوضعوا بذور الخلاف والفتنة.
إن الاعتقاد الصحيح، يليه العمل الصالح، هو الذي يميز المسلم الحق
المنتمي إلى أهل السنة والجماعة، أما كل الاعتبارات الأخرى فإنه يشترك فيها
المسلم الحق مع غيره من أهل البدع والضلال. فلا ينبغي أن تكون معيارًا أساسيًا.
ونتيجة لانحراف هذا الأصل عند كثير من الإسلاميين -فضلاً عن عامة
المسلمين -وجدنا من غالى في الثناء على جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده
وغيرهما، وذلك أنه حكم عليهم من منطلق ظنه بأن لهم جهدًا مشكورًا في نشر
الإسلام والدفاع عنه، ولم يضع للاعتبار الأساسي وزنًا، فلم يضع في حسابه أن
الأول كان شيعيًا، وأنه كان عضوًا بارزًا في الماسونية ومؤسسًا لبعض فروعها في
البلاد العربية، وأن الثاني - مع إخلاصه في الدفاع عن الإسلام - قد أوَّل
المعجزات وقدم العقل على النقل، وكانت له علاقة مشبوهة مع المستشرقين.
لقد شاع تعظيم بعض الرجال وتقديسهم على ما هو أقل من ذلك، مثل قدمه
في مجال الدعوة، أو كثرة الأفراد الذين اهتدوا على يديه، أو شدة التعذيب الذي
لاقاه من الطغاة، أو طول فترة السجن في زنزاناتهم. ولا نعني بكلامنا أبداً أن مثل
تلك الأعمال لا وزن لها، بل لها فضل عظيم إن صح الأصل الأول، وحتى لو لم
يصح فنحن نعترف بالحق، ونثبت الفضل لكل صاحب فضل، ولكن المحظور هو
الانسياق وراء العواطف، فنعظم الرجال ونتحمس لهم، ونشهد بعدلهم وصدقهم
ونزاهتهم، بل وكثيًرا ما نسمع من يشهد لهم بالجنة! ! لأجل اعتبار من تلك
الاعتبارات.
خامسًا: إن تبني الخوارج لموقفهم ابتداء لم يكن عن تثبت وتمحيص ونظر
ولذلك فقد زالت شبهتهم، ودحضت حجتهم بعد دقائق معدودة من بداية المناظرة،
وإن كان القسم من الخوارج الذي فاؤوا إلى الحق يمدحون على ذلك لتجردهم
وإخلاصهم، وعودتهم إلى الجادة الصحيحة حينما تبين لهم ذلك دون مماراة ولا
مماطلة، وإن كانوا يمدحون على ذلك فإنهم ينتقدون على سرعة تبنيهم للفكرة ابتداء
دون تثبت وتمحيص.
إن الذين لا يعتنقون الفكرة عن اقتناع عميق بالفكرة ذاتها، وبعد تثبت من
أدلتها الشرعية الصحيحة بمنهج سليم، يكثرون التنقل.
إن الدعوة المعاصرة تواجه تحديات ضخمة، ومشاكل عدة، من الداخل
والخارج، فما لم يكن أصحابها على قناعة شرعية قوية بأفكارهم، وبأدلتها فإنه لا
يؤمن عليهم التذبذب بين الصف والصف إن بقي عندهم الحماس للإسلام، أو
الانتكاس إن فقدوا حماسهم لدينهم.
وإنه لمن المؤسف حقًا أن نرى كثيًرا من أتباع الدعوات، أذهانهم خواء من
كل فكرة أصيلة، مليئة بتاريخ دعوتهم وسيرة عظمائهم فقط هي زادهم في الطريق، ودافعهم إلى العمل، فنصيحتنا إلى كل مسلم مخلص، أن يستوثق من أصوله،
ويطلب عليها الأدلة الشرعية وأن يفهمها بالمنهج الصحيح، وأن يفتش بتجرد عن
قناعته بالأفكار التي يؤمن بها ويدعو إليها، وينظر هل هي أصيلة أم أنها موجودة
بوجود المؤثر والمرغب، فإن زال المؤثر زال التأثير، ولنأخذ درسًا عظيمًا من
الصحابي الجليل كعب بن مالك- أحد المخلفين الثلاثة-وقد هجرهم الرسول ﷺ وترك المسلمون السلام عليهم، ثم جاءته الدعوة للجوء إلى من يعززه ويكرمه [٣] فلم يتذبذب أو يتردد، بل قذف رسالة ملك غسان إلى التنور لشدة إيمانه بأنه على الحق، ونصيحة لإخواننا الدعاة: إن الذي يتبنى فكرة بسرعة ولظروف معينة عرضة لأن يتخلى عنها بنفس السرعة، لظروف أخرى.
سادسًا: إن مخالفة ابن عباس التامة للخوارج في جميع الأفكار والتصورات
لم تمنعه من العدل في القول، فقد كان بمقدوره السكوت لكن العدل مع المخالفين
جعله يصفهم بما وجد فيهم -وإن كان في هذا الوصف مدح لهم -قال: (فدخلت
على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم في العبادة ... ) فعلى العاملين في حقول الدعوة
إلى الله الاتصاف بالعدل مع مخالفيهم، وعدم الامتناع من ذكر محاسنهم، بل
ويحرصوا على أن يستفيدوا منها [٤]
سابعًا: وما كان هذا الدرس بحاجة إلى أن يذكر لظهوره ووضوحه وكثرة
الأدلة عليه، لولا أن التفريط فيه قد وقع من كثير من العاملين للإسلام فضلاً عن
عامة الناس، ألا وهو الحرص على صلاة الجماعة.
ولقد سمعنا حوادث عديدة عمن يفرطون في حضور الصلاة جماعة مع
المسلمين في المساجد بحجة انشغالهم بطلب العلم، أو ببعض البحوث الهامة، أو
أنه وإخوانه يتداولون أمرًا يهم المسلمين، فيعتذرون بذلك عن تفويتهم الجماعة.
فعلى هؤلاء وغيرهم، أن يتأملوا في حال ابن عباس، وقد انتدب نفسه لمهمة
عظيمة، لا شك في أن فيها مصلحة للمسلمين، ومع ذلك فحرصه على صلاة
الجماعة شديد إذ يقول لعلي ﵁: (أبرد عن الصلاة، فلا تفتني حتى
آتي القوم فأكلمهم ... ) .
فهل نفقه هذا الأمر، ونعلم أن التمسك بأحكام الدين جميعها واجب على كل
فرد، وهو من أبرز سمات المسلم، وهو من تعظيم حرمات الله، فلم نتهاون
ونتساهل في أوامر الله يا عباد الله؟
ثامنًا: ينبغي على الدعاة إلى الله ، من أصحاب المنهج الصحيح ألا
ييأسوا من عودة الطوائف المنحرفة إلى المنهج القويم ممن أمعنوا في الضلال،
فهاهم الخوارج على شدة بدعتهم وتمسكهم بها (حتى أن عبد الرحمن بن ملجم -
أحدهم - قد قتل عليًا تقربًا إلى الله بقتله) ومع ذلك فقد عاد منهم كثير إلى الحق بعد
أن تبين لهم، فلا ينبغي أن نيأس من عودة تلك الطوائف المنحرفة إلى الحق،
خاصة وأن كثيرًا من المنتسبين إليها هم من الأتباع حجبهم مشايخهم ومتبوعوهم عن
الاستماع للمخلصين خوف تذبذب موقفهم وتخليهم عنهم، فلم يصل الحق إلى كثير
من الأتباع حتى تحصل لهم المقارنة بينه وبين ما هم عليه.
فعلى الدعاة إلى الله أن يحرصوا على الوصول إلى الأتباع بعيدًا عن الملأ
والمشايخ والقادة.
هذا، ولا يزال في القصة دروس عظيمة، منها أسلوب المناظرة والجدل مع
أهل البدع ولعلنا نفرد هذا في مقال خاص، ونشير في الختام إلى بعض الدروس
الأخرى الهامة، التي لا يتسع المقام للتفصيل فيها، ولعل في الإشارة إليها كفاية
لأولي الألباب.
ففيها أن ينتدب الكفء نفسه للمهام وأن الإخلاص وحده لا يكفي في صحة
العمل، وأن على الداعية أن يغشى الناس في مجالسهم، وعليه أن لا يستثار لانتقاد
ذاته، وفيها أيضًا استئذان الفرد قائده إذا هم بفعل ما.
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب.
стр. 232
يا له من دين.. لو أن له رجالاً
محمد العبدة
كلما أقرأ أو أسمع أنه في عام ١٩٩٢م ستكون السوق الأوربية المشتركة
مفتوحة الحدود، مشرعة الأبواب لمواطنيها في التنقل والتجارة، ودون أية قيود
وأنهم يستعدون لهذه النقلة، كلما أسمع ذلك يملكني الحزن والأسى، كيف يجتمع
هؤلاء الناس ويتعاونون على ما بينهم من اختلاف في اللغة، وعلى ما بينهم من
إحن قديمة، وعلى ما بينهم من تعصب إقليمي عرقي، وكيف لا يجتمع المسلمون
والدعاة منهم بشكل أخص وبين أيديهم كل العوامل التي تحتم الاتحاد والتعاون
والتناصر.
لا شك أن الذي يدفع بالغربيين إلى اتخاذ هذه الخطوات التعاونية هو نظرتهم
للعواقب والتفكر بالنتائج التي تتمخض عن هذا التعاون وأنه يحقق لهم مصالح كثيرة، فهي سياسة دنيوية تقوم على استخدام العقل وتبعد العواطف والغرائز جانبًا، ولا
شك أن الذي يمنع المسلمين من التعاون والتفاهم هو ضعف النظر في العواقب وعدم
الانتباه لما يحيط بالمسلمين من أخطار، وما يتربص بهم من شرور، وتحكيم
العواطف والنظرة الضيقة، والنظر للمصالح الآنيّة والفردية، وليس الذي ينقصهم
غيرة دينية أو نقص في الحماسة لنصرة الإسلام، وإنما هو التخلف الحضاري الذي
جعلهم لا يفكرون تفكيرًا هادئًا متزنًا مستبصرًا، بل لا يستحثهم هذا الضعف الذي
ابتلوا به فأصبحوا طعمة لكل طامع ونهبة لكل ناهب، لا يستحثهم على الاتحاد أو
التعاون على الأقل.
إن بعض الغربيين يستغربون جدًا أن تتكلم الشعوب العربية لغة واحدة، ويفهم
كل منهم عن الآخر ومع ذلك يكون بينهم هذا التفرق والتناحر، وكأن كل قطر قارة
منعزلة، وكثيرًا ما يسألون: هل يستطيع المصري التفاهم مع المغربي أو العراقي
مع اليمني، لأنهم لا يتصورون أن كل هذه الأقاليم التي تتكلم بلغة واحدة تكاد لا
تتفق على شيء إلا على التفرق والتناحر.
أتقام تكتلات كبيرة لأعداء الإسلام، ونحن نمارس هواية التشرذم والتفرق
ونكثر من عدد اللافتات والعناوين.
أيقيم أعداء الإسلام دولاً طويلة عريضة على أفكار وكتب من اختراع بشر بل
هي من حثالة أفكار البشر، وكتاب الله بين أيدينا، وتفسيره بين ظهرانينا، وهو
حبل الله المتين، وهو العروة الوثقى لا انفصام لها، ويبقى المسلمون على حالهم
المزرية هذه؟ !
ألا يحق لنا أن نطمع بمطلب متواضع من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية
وهو التفكر بما يدور حولهم، وكيف يتكالب أعداء الإسلام تكالبًا شديدًا، ولا ينفكون
لحظة واحدة عن التخطيط والتدبير، وتقليب الأمور، حتى يتسنى لهم دوام
السيطرة والهيمنة على الأمم المغلوبة على أمرها.
إن رؤية الحقيقة خير من التمادي في المراوغة والقول بأن كل شيء يسير
على أحسن ما يكون، والتبصر في العيوب وإبرازها في شجاعة، ومعالجتها وإن
كان الدواء مؤلمًا، أفضل من الإمعان في التغافل، والبقاء في دائرة التراشق بالتهم
والتهم المضادة.
стр. 233
الإمام محمد بن الحسن الشيباني
وكتابه " السِّيَرُ الكبير "
عثمان جمعة ضميرية
-١-
اقتضت حكمة الله تعالى أن تختم الرسالات السماوية برسالة نبينا محمد -
ﷺ ، فكانت رسالته دعوة عالمية خالدة، تتميز بالسمو والكمال،
وتنطق بالهدى والعدالة والحق، وتهدف إلى صلاح الفرد والمجتمع وإلى خير
الإنسانية بأجمعها.
ودعوة هذا شأنها لابد أن تنظم العلاقة بين الفرد وخالقه، وبين الفرد وأخيه
في المجتمع، وبين الفرد والمجتمع كله من حوله، كما تنظم علاقة الأمة المسلمة
بغيرها من الأمم، إذ هي " تحد للمكلفين حدودًا في أمور دينهم ودنياهم.
-٢-
وكان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتلقون أحكام هذه الشريعة عن النبي -
ﷺ مباشرة، فيرجعون إليه في كل ما يتصل بشئون الدين
والدنيا في مجال العقيدة والإيمان، وفي مجال العبادة والأخلاق، وفي نطاق
المعاملات المالية ... الخ، وحفظوا ذلك عنه وفهموه وصدروا عنه في فقهم.
وبعد أن انتقل النبي ﷺ والتحق بالرفيق الأعلى، وتفرق
الصحابة في البلدان، وصار كل واحد منهم مرجع ناحية من النواحي، فكثرت
الوقائع، وجدت الحوادث، وكان كل منهم يفتي فيما يواجهه من مسائل بحسب
اجتهاده. وتتلمذ عليهم جيل من التابعين أخذ عنهم العلم: قرآناً وسنة واستنباطًا
منهما، ضمن قواعد وضوابط تضبط عملية الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية،
دُوّنت فيما بعد، وأطلق عليها اسم " أصول الفقه ".
وفي هذه المرحلة انتشرت رواية أحاديث النبي ﷺ ،
وأعقب ذلك عملية نشيطة في التدوين، وظهور مدرستين فقهيتين هما: مدرسة أهل
الحديث في المدينة النبوية، ومدرسة أهل الرأي في العراق (بالكوفة) .
-٣-
وليس من غرضنا في هذا المقال دراسة تطور هاتين المدرستين وخصائص
كل منهما، ووجه الفرق بينهما ... ولكن حسبنا هنا الإشارة إلى أن هذا الانقسام
تعمق فيما بعد، وأدى إلى انفصام بين أهل الرأي وأهل الحديث، وكل منهما
بحاجة إلى الآخر، حتى إن الإمام الخطابي ﵀ قد رأى في عصره آثار هذا
الانقسام فكتب في مقدمة «معالم السنن» يقول:
ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين:
أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في
الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث
بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل
بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو
قفر وخراب.
وجدت هذين الفريقين - على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في
المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم
إلى صاحبه - إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير
متظاهرين!
فأما هذه الطبقة، الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما
وَكْدهم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره
موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون
سيرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا على الفقهاء، وتناولوهم
بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم
قاصرون وبسوء القول فيهم آثمون.
وأما الطبقة الأخرى، وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرِّجون من
الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده
من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم
التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها. وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم
في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته
الألسن فيما بينهم، من غير تثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي،
وغبنًا فيه.
وهؤلاء- وفقنا الله وإياهم - لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم
وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه، طلبوا فيه الثقة واستبرؤوا له
العهدة. فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم
والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم
وأضرابه لم تكن عندهم طائلاً.
وترى أصحاب أبى حنيفة لا يقبلون من الرواية إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد
بن الحسن والعِلْية من أصحابه، والأجلة من تلاميذه، فإن جاءهم عن الحسن بن
زياد اللؤلؤي وذويه رواية قولٍ بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه.
وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني
والربيع بن سليمان المرادي، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا
إليها، ولم يعتدوا بها في أقاويله.
وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأستاذيهم الخ.
-٤-
وهذه الكلمة الضافية الرائعة من عيون ما كتبه الإمام الخطابي، ﵀،
تؤكد أهمية الجمع بين الحديث والرأي السليم أو النظر والأثر، لأن كل واحد منهما
محتاج إلى الأخر، فالشافعي -كما قال القاضي عياض - تمسسك بصحيح الآثار
واستعملها، ثم أراهم أن من الرأي ما يحتاج إليه، وتبنى أحكام الشرع عليه، وأنه
قياس على أصولها، وَمُنْتَزَعٌ منها، وأراهم كيفية انتزاعها والتعلق بعللها وتنبيهاتها، فعلم أصحاب الحديث: أن صحيح الرأي فرع للأصل، وعلم أصحاب الرأي:
أنه لا فرع إلا بعد أصل، وأنه لا غنى عن تقديم السنن والآثار أولاً.
-٥-
وهذا الرأي الذي تقدم وغيره ينبئ عن مكانة من جعله الله تعالى معلمًا من
معالم هذه المدرسة المتميزة، التي توازن بين مدرستي الحديث والرأي في الفقه
الإسلامي، ويشير إلى المنزلة الرفيعة التي يتبوؤها الإمام محمد بن الحسن الشيباني،
تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان وصاحبه، رحمهما الله تعالى.
وما أكثر ما نجد من منارات، ومعالم في تاريخنا الإسلامي المجيد! ! فلتكن
هذه المقالة عن واحد من هذه المنارات، عن الإمام محمد بن الحسن، الذي تتلمذ
على أبى حنيفة وتأثر بفقهه، ونبغ في مدرسته، حتى أصبح مرجع أهل الرأي في
حياة أبي يوسف بعد وفاة أبي حنيفة، وهو الذي رحل إلى المدينة وأخذ عن الإمام
مالك بن أنس، وله رواية خاصة في الموطأ، وهى رواية مشهورة من أوثق
الروايات وأجلها، يعقب أحاديثها بما عليه العمل عند أبي حنيفة، ويبين السبب
الذي من أجله وقع الخلاف. قال الإمام محمد: أقمت على باب مالك ثلاث سنين،
وسمعت منه لفظاً سبعمائة حديث ونيفاً.
وقال الشافعي: كان محمد بن الحسن إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله وكثروا، حتى يضيق بهم الموضع.
-٦-
في سنة ١٣٢هـ رزق أبو عبد الله، الحسن بن فرقد الشيباني، من أهل
حرستا، في غوطة دمشق ببلاد الشام، بولده محمد بن الحسن، في واسط بالعراق، فقد كان أبو عبد الله في جند الشام، وانتقلت أسرته إلى مدينة واسط، وفيها ولد
محمد بن الحسن الشيباني الحرستانى، ثم انتقل إلى الكوفة مع والده.
وفي العراق، نشأ محمد بن الحسن وترعرع، ثم حفظ القرآن الكريم وتلقى
مبادئ تعليمه، وبدأ يختلف إلى حلقة أبي حنيفة في الكوفة، وقد جرى معه ما يدل
على نبوغه المبكر وذكائه المتوقد، ولم تكن حلقة أبي حنيفة مجرد حلقة عادية
لتعليم مبادئ الفقه، بل كانت مدرسة تضم النوابغ من الطلبة الذين يذكي فيهم
شيخهم روح الاجتهاد والبحث بمسائله التي يطرحها عليهم ثم مناقشتها بكل حرية
وشورى ليصل إلى رأي ناضج، يأمر بعد ذلك بكتابتها وتدوينها في بابها من كتاب
الفقه الإسلامي العظيم.
وانصرف محمد بن الحسن بكليته إلى العلم انصرافاً ملك على جوانب حياته،
حتى إنه قال لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا بها قلبي، وخذوا ما
تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي.
-٧-
لازم محمد بن الحسن شيخه الأول أبا حنيفة، وسمع منه وكتب عنه، وبعد
وفاته لازم أبا يوسف حتى برع في الفقه، وسمع أيضاً من مسعر بن كدام، ومالك
ابن مغول، وعمر بن ذر الهمداني، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ومالك ابن أنس،
ولازم مالك بن أنس مدة - كما سبق - حتى انتهت إليه رياسة الفقه بالعراق بعد
أبي يوسف.
وتفقه به أئمة أعلام كالشافعي، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وهشام بن عبيد
الله الرازي، ويحيي بن معين، ومحمد بن سماعة، وأسد بن الفرات، وغيرهم
كثير.
-٨-
وقد أثنى عليه العلماء ثناء عاطراً يدل على علو مكانته ومنزلته، وحسبك
شهادة الإمام الشافعي فيه.
قال الإمام الشافعي: أخذت من محمد بن الحسن وِقْرَ بعير من علم، وما
رأيت رجلاً سميناً
أفهم منه - أو أخف روحاً منه - وكان يملأ القلب والعين.
وقال: كان إذا تكلم خيل لك أن القرآن نزل بلغته.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه.
وكان الشافعي أيضاً يقول: ما رأيت أحداً سئل عن مسألة فيها نظر إلا رأيت
الكراهية في وجهه إلا محمد بن الحسن، وما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام،
والعلل، والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن، ولو أنصف الناس لعلموا أنهم لم
يروا مثل محمد بن الحسن، ما جالست فقيهاً قط أفقه ولا أفتق لساناً بالفقه منه، إنه
كان يحسن من الفقه وأسبابه أشياء تعجز عنها الأكابر ... وقال إبراهيم الحربي:
قلت لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: هي من كتب محمد
بن الحسن.
هذه شهادة إمام أهل السنة، وتلكم شهادة ناصر السنة واضع علم الأصول في
الإمام الرباني محمد بن الحسن الشيباني، تغنيان عن كل شهادة بعدهما.
-٩-
وذلك كله يشير إلى طرف من منزلة الإمام محمد ﵀ في الفقه
الإسلامي ومكانته فيه. وقد رتب العلماء طبقات المجتهدين في الفقه الإسلامي
ووضعوا محمداً، ﵀، في الطبقات الأولى، إن لم يكن في الأولى منها،
وجعلها ابن كمال باشا الحنفي سبع طبقات، وتبعه في ذلك الشيخ ابن عابدين
الحنفي.
فالأولى: طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة، ومن سلك مسلكهم
في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط الأحكام والفروع من الأدلة الأربعة من غير
تقليد لأحد لا في الفروع، ولا في الأصول.
الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف، ومحمد، وسائر
أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة المذكورة، على
مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام
الفروع، لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول.
والثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف والطحاوي والكرخي..
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين، كالرازي الجصاص وأضرابه.
الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كالقدوري، وصاحب ... الهداية - المرغيناني - وأضرابهما.
والسادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرواية والرواية النادرة، كأصحاب المتون.
والسابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر.
-١٠-
إلا أن هذا التقسيم لطبقات الفقهاء، ليس تقسيماً دقيقاً، ولا تقسيماً حاصراً
مميزاً لكل طبقة عن الأخرى، ولذلك أبدى بعضهم نظراً في ذلك، فقال الشيخ
هارون بن بهاء الدين المرجاني الحنفي:
«ليت شعري، ما معنى قولهم: (إن أبا يوسف ومحمداً وزفر، وإن خالفوا
أبا حنيفة في بعض الأحكام، لكنهم يقلدونه في الأصول - في معرض عدهم من
الطبقة الثانية السابقة - ما الذي يريد به؟
فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها في كتب الأصول، فهي
قواعد عقلية وضوابط برهانية، يعرفها المرء متن حيث أنه ذو عقل وصاحب فكر
ونظر، سواء كان مجتهداً أو غير مجتهد، ولا تعلق لها بالاجتهاد قط.
وشأن الأئمة الثلاثة - أبو يوسف ومحمد وزفر - أرفع وأجل من أن لا
يُعرفوا بها كما هو اللازم من تقليدهم غيرهم فيها، فحاشاهم ثم حاشاهم عن هذه
النقيصة، وحالهم في الفقه، وإن لم يكن أرفع من مالك والشافعي فليسوا بدونهما،
وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف وجرى مجرى الأمثال قولهم: أبو حنيفة أبو
يوسف، بمعنى أن البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة: أبو يوسف» .
وقال الخطيب البغدادي: قال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور
الأمر، ظاهر الفضل، أفقه أهل عصره ... وكذلك محمد بن الحسن، قد بالغ
الشافعي في الثناء عليه، وذكر ابن خلدون أن الشافعي رحل إلى العراق ولقي
أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم، وكذلك أحمد بن حنبل أخذ عنهم مع وفور
بضاعته في الحديث.
ولكل واحد منهم أصول مختصة تفرد بها عن أبي حنيفة، وخالفه فيها، ونقل
عن الغزالي أنه قال: إنهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه!
وهذا ما أبداه أيضاً العلامة ابن بدران الحنبلي في (المدخل إلى مذهب الإمام
أحمد بن حنبل) عندما عرض للسبب الذي لأجله اختار كثير من العلماء مذهب
الإمام أحمد على غيره، وفي بحثه عن الاجتهاد والتقليد، ومن ذلك قوله عن الطبقة
الأولى من المفتتين والمجتهدين المنتسبين إلى مذهب فقهي معين: «ثم إن للمفتي -
المجتهد - المنتسب إلى أحد المذاهب أربع أحوال: أحدها: أن لا يكون مقلداً
لإمامه، لا في مذهبه، ولا في دليله، لكنه سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى،
ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيراً منه على أهله، فوجده صواباً، وأولى من غيره،
وأشد موافقة فيه وفي طريقه ... وحكي عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر
أصحاب أبي حنيفة أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم لأنهم وجدوا طريقتهم في
الاجتهاد والفتاوى أسد الطرق ... وحكى اختلافاً بين الحنفية والشافعية في أبي
يوسف ومحمد والمزني وابن سريج: هل كانوا مستقلين في الاجتهاد أم لا؟ قال:
ولا تستنكر دعوى ذلك فيهم في فن من فنون الفقه بناء على جواز تجزئ منصب
الاجتهاد، ويبعد جريان الخلاف في حق هؤلاء المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب
كلها.
-١١-
ومع هذا الخلاف في كون الإمام محمد مجتهداً مطلقاً أم لا؛ فإن مكانته في
العلم مكانة بارزة، ففي التفسير تعرف مكانته من قول الشافعي ﵀:» لو
أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت، لفصاحته «ويقول محمد -
﵀:» ينبغي لقارئ القرآن أن يفهم ما يقرأ «فله مكانته في معرفة
أسلوب القرآن الكريم وبيان أحكامه وناسخه ومنسوخه، ومن ثم كان من أعلم الناس
بكتاب الله.
وفي الحديث والسنة: كان للإمام محمد عناية خاصة، فهو قد رحل إلى الإمام
مالك وسمع منه الموطأ، وله روايته الدقيقة، التي تتميز عن رواية يحيى الليثي
بأنه يعقب بقول أبي حنيفة وقوله في كل مسألة غالباً. والكتاب مطبوع وله شروح
متعددة كشرح (ملا علي القاري) .
وله كتاب» الآثار «الذي يروي فيه أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة،
وعليه شروح، وقد عني الحافظ ابن حجر برجاله فكتب رسالته» الإيثار بمعرفة
رجال الآثاروله كتاب «الحجة على أهل المدينة» فيه كثير من الآثار التي يرويها
بسنده، وفي سائر كتبه جملة صالحة من الأحاديث والآثار.
وأما ثقافته اللغوية، فحسبك قول الإمام الشافعي: إنه كان من أفصح الناس،
وكان ثعلب يقول: محمد عندنا حجة من أقران سيبويه، وكان قوله حجة في اللغة.
وذكر ابن يعيش في شرحه خطبه (كتاب المفصَّل) أن محمداً ضمَّن كتابه ... المعروف بـ «الجامع الكبير» في كتاب الأيمان منه، مسائل فقه تُبتنى على أصول العربية، لا تتضح إلا لمن له قدم راسخة في هذا العلم ... وكان أبو علي الفارسي يتعجب من تغلغل الإمام محمد في النحو، في الجامع الكبير.
وقال ابن جني عن كتب الإمام محمد وأثرها في علم النحو: إنما ينتزع أصحابنا منها العلل، لأنهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه فيجمع بعضها ... إلى بعض بالملاطفة والرفق.
-١٢-
والذي يشهد للإمام محمد ومكانته: تصانيفه ومؤلفاته، الجيدة المتقنة، التي
كانت عماد الكتب المدونة في الفقه الإسلامي، «كالأسدية» التي هي أصل
«المدونة» في مذهب الإمام مالك، وكتاب «الأم» للإمام الشافعي ﵀،
وهذه الكتب هي التي حفظت فقه المذهب الحنفي، وتعتبر أصولاً له، وبخاصة
الكتب المعروفة بـ «ظاهر الرواية» .
فمن كتبه «الجامع الصغير» في الفقه، وقد طبع مع شرح له للكندي سماه
«النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير» وفي مقدمة الشرح تفصيل لشراح
الجامع الصغير منذ القديم.
و «الجامع الكبير» وهو كتاب جامع لجلائل المسائل، مشتمل على عيون
الروايات ومتون الدرايات، حتى قال بعضهم: ما وضع في الإسلام مثل جامع
محمد بن الحسن، وقد طبع هذا الكتاب في القاهرة بعناية أبي الوفاء الأفغاني،
وللكتاب شروح ومختصرات كثيرة.
«السير الصغير» و «السير الكبير» الأول: يرويه عن أبي حنيفة،
والثاني من آخر مؤلفاته، وكلاهما في العلاقات الدولية وأحكام الجهاد، وعليه
شروح كثيرة، وسنفرده إن شاء الله تعالى، بمقال مستقل.
ومن أهم كتب الإمام محمد «الأصل» أو «المبسوط» ، وهو من أول
تصانيفه، وأجمعها لأبواب الفقه، وفيه يسجل آراء أبي حنيفة، وأبي يوسف
وآرائه هو، ويناقش ويعلل للأحكام ويستدل لها، ويقبل ويرفض من الآراء،
حسب منهجه الفقهي. وقد طبع هذا الكتاب، أو قسم كبير منه، في خمس مجلدات، وصور أخيراً في الباكستان، ومعه ما سبق أن حققه ونشره الدكتور شحاتة، وهو
ما يتضمن كتاب «السلم» من أصل الكتاب.
وله كتاب «الزيادات» ألفها بعد الجامع الكبير، استدراكاً لما فاته فيه من
المسائل.
وهذه الكتب الستة المتقدمة، هي التي تعرف في المذهب الحنفي بكتب
«ظاهر الرواية» أو «مسائل الأصول» لأنها رويت بطريق الشهرة، أو التواتر
عن الإمام محمد، بخلاف الكتب الأخرى التي رويت عنه بطريق الآحاد.
وقد جمع هذه الكتب كلها الحاكم الشهيد في كتاب واحد سماه (الكافي) وقد
شرحه السرخي في كتابه الضخم (المبسوط) الذي طبع في القاهرة في ثلاثين جزءاً
ثم صور حديثاً عن هذه الطبعة، وما أجدره بطبعة علمية حديثة محققة مخرجة
الأحاديث.
ومن كتبه الأخرى: (الرقّيات) و (الكيسانيات) و (الجرجانيات)
و (الهارونيات) و (النوادر) ، وله أيضاً (الحجة على أهل المدينة) وفيه احتجاج على
فقهاء أهل المدينة في مسائل الفقه ومناقشتها، وقد طبع في أربع مجلدات بعناية أبي
الوفاء الأفغاني، وتعليق المفتي السيد حسن الكيلاني.
و (كتاب الآثار) وهو مسنده يرويه عن أبي حنيفة، وقد طبع اكثر من مرة
وترجم الحافظ ابن حجر لرجاله في رسالته (الإيثار بمعرفة رواة الآثار) ، وقد طبع
أخيراً في كراتشي بالباكستان عام ١٤٠٧هـ.
ولهذه الكتب مخطوطات كثيرة في كثير من بلدان العالم الإسلامي، عنيت
بذكرها كتب التراث وتاريخ الأدب العربي، والكتب التي ترجمت حديثاً للإمام
محمد بن الحسن الشيباني.
ومنها: رسالة (الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وأثره في الفقه الإسلامي)
للدكتور محمد الدسوقي، وقد طبع حديثاً في قطر، وفي كشوف الدراسات العليا
بكلية الشريعة بجامعة الأزهر (الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه
الإسلامي) مسجلة عام ١٩٦٨م.
-١٣-
ولسنا الآن بسبيل الكتابة المفصلة عن جوانب شخصية محمد وفقهه -رحمه
الله-، فإن ذلك يحتاج إلى مقام غير هذا المقام، وما أردت لهذه الكلمات إلا أن
تكون مقدمة بين يدي التعريف بكتابه الرائع (السير الكبير) وهو أول كتاب في
العلاقات الدولية الإسلامية، جعل كثيراً من المفكرين، ومنهم الأجانب، يعتبرون
الإمام محمداً أبا القانون الدولي، قبل غروسيوس وغيره.. وإذ طالت هذه المقدمة، فلنلو عنان القلم لندع التعريف بالكتاب وأهميته لمقالة أخرى لاحقة - إن شاء ... الله تعالى-
-١٤-
وليكن ختام هذه الكلمة الإشارة إلى وفاة الإمام محمد ﵀ في سنة ... (١٨٩ هـ) ، بعد حياة حافلة بالعلم: دراسة وتدريساً وتأليفاً ورئاسة للقضاة، في عهد هارون الرشيد، ﵀، فقد خرج والكسائي مع الرشيد إلى «الريِّ» في بلاد ما وراء النهر، والتي تقع الآن في بلاد إيران، وفي هذا العام أيضاً توفي الكسائي، بل في يوم واحد، فروي أن الرشيد جزع لموتهما، وقال: «دفنت الفقه والنحو بالري» .
فسلام على الإمام الرباني، محمد بن الحسن الشيباني، ورحمه الله، في
الأولين والآخرين كفاء ما قدم من خدمة جليلة للفقه الإسلامي العظيم. والحمد لله
رب العالمين.
* للبحث صلة *
стр. 234
شذرات وقطوف
اختيار: مازن محمد راغب
أين المشكلة؟
.... أمر الاعتقاد في الإسلام لم يترك لاجتهاد الناس ولا لأذواق المجاذيب؛
بل هو محصور في مصدر واحد هو النقل ... بخلاف فقه الشريعة، فإن المصدر
الرئيسي له هو الوحي، ولكن ترك فيه مجال كبير لاجتهاد المجتهدين ...
وكان هذا من أعظم أسباب شمول الشريعة ومرونتها التشريعية. النبي-صلى
الله عليه وسلم- أقر الاختلاف في الأحكام في عهده، ولم يخطّئ أحداً من المجتهدين
رغم اختلافهم، إلا إذا اشتط الفهم بأحد منهم فتكلم بغير فقه، لذلك لا يعد الاختلاف
في فقه الأحكام من حيث المبدأ مشكلة في حياة المسلمين، المشكلة في أدب
الاختلاف ...
البهاليل في عصر الكمبيوتر للدكتور عبد العزيز القارئ
الفضيلة في عصرنا
... نحن في عصر تكاد الفضيلة الإنسانية فيه تلحق بالألفاظ التاريخية التي
تدل على ما كان قديماً ... بل عادت كلمة من كلمات الشعر تراد لتحريك النسيم
اللغوي الراكد في الخيال، كما تقول: السحاب الأزرق، والفجر الأبيض، والشفق
الأحمر، والتطاريف الوردية على ذلك الشمس. وأصبح الناس ينظر أكثرهم إلى
أكثرهم بأعين فيها معنى وحشي له مس كمس الضرب أو طعن أو ذبح.
مصطفى صادق الرافعي وحي القلم ج ٢
السياسة
... ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم
يصنعه الرسول ولا نزل به وحي. ومن قال لا سياسة إلا بما نطق به الشرع فقد
غلط وغَلَّط الصحابة.
ابن القيم في الطرق الحكمية
قال الحسن البصري لمطرف بن عبد الله:
يا مطرف، عظ أصحابك. فقال مطرف:
إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن:
يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟ لود الشيطان أنه ظفر بهذه منكم، فلم يأمر
أحدٌ بمعروف، ولم ينه عن منكر.
стр. 235
نظرية «الوسيلة والهدف»
في القيادة
ر. ج. هوز [١]
ترجمة: طارق عبد الحليم
هذه الدراسة المترجمة التي نقدمها في مجال الدراسات الاجتماعية، استكمالاً
لما قدمناه في العدد الثامن من «البيان» ، هي لعالم الاجتماع الأمريكي روبرت
هوز، المتخصص في علم النفس الاجتماعي Social Psychology والتي قدم
فيها الورقة الأولى لنظرية جديدة في فن القيادة وسماها بنظرية (الوسيلة والهدف) ،
وتعني بتحديد المهام الرئيسية للقيادة كما يراها، والتي على رأسها إيضاح الهدف
المنشود، وبيان الوسيلة لتحقيقه، وأثر ذلك على سلوك الاتباع.
ظهرت - في الحقبة الأخيرة - مجموعة من الدراسات في مجال دراسة
«القيادة» تعرف باسم نظرية «الوسائل والأهداف» ، وحسب هذه النظرية فإن
فعالية القيادات تتحدد بدرجة تأثيرها على حفز همم المرؤوسين (الاتباع) ، ورفع
قدراتهم على أداء العمل بفعالية، وتنمية شعورهم بالرضا والاكتفاء الداخلي عن
العمل، وقد أطلق على هذه النظرية «الوسائل والأهداف» لأنها تصب اهتمامها
على كيفية تأثير القائد على تصورات اتباعه عن «الهدف» من العمل الجماعي،
وعن تطلعاتهم الشخصية، وطرق ووسائل تحقيق كلا الهدفين.
الأسس التاريخية للنظرية:
تمتد جذور نظرية «الوسائل والأهداف» في القيادة، لنظرية أكثر عمومية
تبحث في مجال «الدوافع» تعرف باسم نظرية «التوقعات»
(Expectations) وبشكل مختصر، فإن هذه النظرية الأخيرة تنص على أن
تصورات الأتباع ومواقفهم يمكن استنباطها من:
أ- درجة اقتناعهم بأن العمل الجماعي الذي يقومون به، سيؤدي إلى نتائج
محددة (التوقع) .
ب- درجة تقييمهم لهذه النتائج (التقييم) .
ولهذا السبب، فإن رضا الناس عن عمل ما، وما يحققه لهم من شعور
بالاكتفاء الداخلي، إنما يكمن في قناعتهم بأن هذا العمل سيؤدي بهم إلى الوصول
لتحقيق، أشياء ذات قيمة عالية في نظرهم.
هذا الأساس العقلي النظري، يمكن من خلاله التنبؤ بعدد من الظواهر
المتصلة بموضوع القيادة، فمثلاً: لماذا تتصرف القيادات بشكل ما في موقف ما؟
أو كيف يمكن أن تؤثر القيادة على «حفز همم» (Motivation) الأتباع على
العمل؟
وهذا الأمر الأخير، هو محور اهتمام هذه الدراسة الحالية، وهو أن «همم
الاتباع إنما تحفز على العمل حسب سلوك القيادة وأثرها في توضيح أهداف العمل
وقيمته، ووسائل تحقيق هذه الأهداف» .
وقد طور عدد من الباحثين (إيفانز، هارمر، جرين) في هذا الشأن، بعض
الافتراضات المحددة بشأن أثر السلوك القيادي على وسائل وأهداف الأتباع. وقد
ركز هؤلاء الباحثون على أمرين:
١ - كيفية تأثير القائد على توقعات اتباعه في أن «الجهد المبذول سيؤدي
إلى أداء فعال، ومن ثم إلى نتائج قيمة، ومقابل مجزٍ.
٢- كيفية تحول هذا التأثير إلى دافع لحفز همم الأتباع لزيادة العمل كماً وكيفاً.
وعلى الرغم من أن تنظير فن القيادة من زاوية الوسائل والأهداف للاتباع،
يدرج في مراحله الأولى، فإننا نعتقد أن له مستقبلاً واعداًٍ لسببين:
أولهما: أنها تعالج جوانب من سلوكيات القيادة لم تبحث من قبل، إلا أنها
تبدو مثمرة.
وثانيهما: أنها تحدد - بدرجة كافية من الدقة - العوامل المختلفة التي يتوقف
عليها سلوك القيادة في المواقف المختلفة.
وقد افترض» إيفانز «في بنائه النظري الأساسي، أن فعالية القيادة تتحدد
بقدرتها على إتاحة الفرصة للأتباع للوصول إلى النتائج التي يسعون إليها، مع ربط
هذه النتائج التي يرجونها بحسن أدائهم للعمل. وقد أوضح» إيفانز «أن أحد مهام
القيادة الاستراتيجية، هو إيضاح الوسيلة للأتباع لإتمام وتحقيق عمل ما للوصول
إلى نتائج وأهداف ذات قيمة لهم، كذلك فإن من مهام القيادة أن ترفع من درجة
» المقابل المتوقع «لدى الأتباع، بأن تكون داعمة لهم عن طريق الاهتمام براحتهم،
وحالتهم الاجتماعية والعامة، ذلك أن الإحساس الناشئ لدى الأتباع بأن القيادة
تدعمهم شخصياً، هو في حد ذاته» قيمة «مطلوبة كجزاء على العمل والجهد
يمكن للقائد أن يمنحها بنفسه، وتؤدي إلى رفع دافعية الأتباع للعمل ومزيد من الجهد.
كذلك فقد درس» إيفانز «العلاقة بين سلوك القيادة من جهة، ودرجة توقع
وتطلع الأتباع لتحقيق أهدافهم، وأوضحت هذه الدراسة أنه كلما أعطت القيادة
التوجيهات الكافية لأداء العمل، كلما كانت العلاقة بين سلوك القيادة وبين أداء
الأتباع طردية إيجابية.
وكما ربط» إيفانز «بين جودة أداء الأتباع، ودرجة قناعتهم بأن عملهم
سيؤدي إلى نتائج محددة قيمة، كذلك ربط بين هذا الأخير وبين سلوك القيادة وأدائها، بأن جعل وظيفة القائد الأساسية هي إيضاح الوسيلة لتحقيق الأهداف بشكل لا
يشوبه لبس، وجعل النتائج المرجوة مرتبطة بحسن الأداء كما سبق ذكره.
وانطلاقاً من هذا الخط فقد طور» هوز وكيسلر «نظرية أكثر تعقيداً من
نظرية (إيفانز) . وتسعى هذه النظرية لبيان أثر أربعة نماذج من السلوك القيادي
على الأبعاد الثلاثة التالية:
١- رضاء واكتفاء الأتباع بعملهم الجماعي.
٢ - قبول الأتباع لقيادتهم، واقتناعهم بها.
٣- قناعة الأتباع بأن جهدهم سيؤدي إلى أداء حسن، ومن ثم لتحقيق الهدف
المرجو.
هذه النماذج الأربعة القيادية هي:
١- القيادة الموجهة: Directive Leadership
وتعرف بأنها القيادة التي تعرف الأتباع بما هو منتظر منهم، وتعطي
التوجيهات المحددة للعمل المطلوب وكيفية أدائه، وتجعل دور الفرد كالتابع معلوماً
محدداً في مجموعته. كذلك فإنها تجدول العمل، وتحافظ على مستوى معين من
الأداء بالحرص على التزام الأتباع لقواعد وقوانين محددة.
٢- القيادة الداعمة: Supportive Leadership
وتعرف بأنها القيادة المتوددة، القريبة من الأتباع، والتي تظهر الاهتمام
بأوضاعهم واحتياجاتهم. وهذه النوعية من القيادة تهتم عادة بالتفصيلات الصغيرة
التي تجعل العمل أكثر إمتاعاً، وتعامل الآخرين على أساس من الندية والتكافؤ،
وبطريقة ودية دون حواجز.
٣- القيادة المشاركة: Participative Leadership
وهي القيادة التي تستشير أتباعها، وتستمع لاقتراحاتهم، وتضعها موضع
الجدية والاهتمام والدراسة قبل اتخاذ قراراتها.
٤ -القيادة التي تصب اهتمامها على العمل: A chievement-oriented
Leadership
وهي التي تحدد أهدافاً عالية لأتباعها، وتتوقع منهم أن يتصرفوا على أحسن
مستوى، وأن يكونوا ساعين دائماً لتحسين أدائهم، كذلك فإنها تظهر الثقة في أن
أتباعها سوف يتحملون مسؤولياتهم، ويصبون اهتمامهم على إنجاز الأهداف السامية هذه النوعية من القيادة تؤكد دائماً على سمو الأداء، والثقة في قدرة الأتباع على
تحصيل هذا المستوى.
وقد ذكرت بعض الدراسات أن هذه الأنماط المختلفة من السلوك القيادي قد
تظهر في قيادة واحدة تبعاً لاختلاف الموقف، فعلى سبيل المثال، قد يكون القائد»
موجهاً «في بعض الحالات، لكنه مشاركاً أو داعماً في حالات أخرى. لذلك فإن
الطريقة التقليدية في تعريف القائد بأنه» داعماً «أو» مشاركاً «أو» موجهاً «
لم تعد بذات نفع، كذلك فإن القيادة تستطيع أن تتخير من أنماط السلوك القيادي ما
يناسب الموقف المطلوب لقيادة الأتباع. والنظرية التي كنا بصددها الآن، وإن
كانت تعتبر شرحاً مؤقتاً - وغير نهائي - لتأثير سلوك القائد، فإنها غير متكاملة،
ذلك أنها لا تتناول بقية أنماط السلوك القيادي، كما أنها لا توضح أثر هذا السلوك
على العوامل الأخرى خلاف رضاء الأتباع، وشعورهم بالاكتفاء.
نظرية الوسيلة والهدف:
الافتراضات العامة:
الفرض الأول: أن سلوك القائد مقبول ومرضي للأتباع، إذا كان الأتباع
يرون في هذا السلوك مصدراً لتحقيق اكتفائهم ورضاهم الداخلي حالاً أو مستقبلاً.
الفرض الثاني: أن سلوك القائد يجب أن يكون له تأثير» حافزي «، بمعنى
أن يحقق زيادة الجهد، حين يرتبط بأمرين:
١- أن يجعل تحقيق احتياجات الأتباع متوقفاً على حسن أدائهم.
٢- أن يساعد هذا السلوك على توفير الظروف الملائمة لتحسين الأداء
بواسطة التعاون والتوجيه والدعم والجزاء اللازم لتحقيق كفاءة الأداء.
ومن الأبحاث السابقة على نظرية» التوقع «السابق ذكرها، يمكن استنتاج
أن مهام الزعيم الاستراتيجية هي:
١- تحديد وحفز احتياجات الأتباع التي تكون للقائد إمكانية السيطرة عليها
وتحقيقها لهم.
٢ - التركيز على زيادة الإنتاجية الفردية للاتباع لتحقيق أهداف العمل.
٣ - تسهيل وإيضاح وسائل زيادة الإنتاجية بالتدريب والتوجيه.
٤ - مساعدة الأتباع في الحصول على آمالهم والإفصاح عنها.
٥ - تقليل فرص الشعور بالإحباط.
٦ - زيادة فرص الرضاء الشخصي للأتباع عن العمل، بشرط حسن أدائهم.
العوامل الشرطية: Contingency Factors
هناك فئتان من المتغيرات الظرفية (التغير في الموقف والظروف) يمكن
اعتبارهما عوامل شرطية.
والعامل الشرطي: هو المتغير الذي يؤثر على العلاقة بين متغيرين آخرين.
مثال ذلك: يمكن القول بأن» هيكلية العمل « (كعامل شرطي) تؤثر على درجة
الارتباط بين كل من سلوك القائد التوجيهي (كمتغير أول) وإحساس الأتباع بالرضاء
نتيجة هذا السلوك (كمتغير ثان) ففي حالة ارتفاع درجة هيكلية العمل: كلما زادت
درجة توجيه القائد لأتباعه، كلما قل إحساسهم بالرضاء عن العمل ونتائجه،
والعكس في حالة ضعف هيكلية العمل (أي درجة وضوح المطلوب وتنظيمه) نجد
أنه كلما زادت درجة وكمية توجيهات القائد للأتباع، كلما زاد إحساسهم بالرضاء
لهذا يمكن القول بأن العلاقة بين درجة توجيه القيادة للأتباع وإحساس الاتباع
بالرضاء، متوقفة على (أو مشروطة ب) هيكلية العمل ودرجة وضوحه.
والعاملان الشرطيان في هذه النظرية هما:
١- الصفات الشخصية للأتباع.
٢- الضغوط البيئية التي يجب أن يتلاءم معها الأتباع حتى يتمكنوا من تحقيق
أهدافهم، والوصول لإرضاء ذواتهم، وتأمين احتياجاتهم. وبالرغم من أن هناك
عوامل ظرفية أخرى تؤثر على تحديد نوعية السلوك القيادي، إلا أنها غير محددة
حتى الآن.
الفئة الأولى من العوامل الشرطية (صفات الأتباع) : Subordinates Characteristics
تؤكد نظرية الوسيلة والهدف على أن سلوك القيادة يكون مقبولاً لدى الأتباع،
ما دام محققاً لرغباتهم وآمالهم حالاً أو مآلاً. وتحدد صفات الأتباع الشخصية هذا ا
لمفهوم.
فمثلاً، قد أوضح رينون وميتشل باستخدام مقياس» مركز التحكم «أن
درجة الفرد على هذا المقياس تؤثر في العلاقة بين السلوك القيادي المشارك،
ودرجة رضاء الفرد التابع. وهذا المقياس يعكس رأي الفرد في مدى استجابة البيئة
المحيطة لسلوكه وتصرفاته. فبعض الناس يعتقدون أن ما يحدث لهم -من البيئة
المحيطة-إنما هو بسبب سلوكهم هم، والبعض الآخر يعتقد أن ما يعرضون له إنما
يكون بسبب الصدفة العابرة لا أكثر.
فالطائفة الأولى ترحب بالقيادة المشاركة (نظراً لأن أفرادها يرون أن
مشاركتهم في صنع القرار ستنعكس على ما يحدث لهم) أكثر من الطائفة الثانية التي
تفضل النمط القيادي الموجه.
كذلك فإن درجة قناعة الأتباع، بتكافؤ إمكانياتهم الشخصية مع الأعمال
الموكلة لهم، تعتبر من الصفات الشخصية للأتباع التي يمكن أن تعد من قبيل
العوامل الشرطية، فإنه كلما كان الأتباع أكثر إحساساً بقدرتهم الشخصية على أداء
العمل المطلوب، كلما قل ترحيبهم بالنمط القيادي الموجه أو السلوك التدريبي،
حيث أن ذلك يؤدي إلى تقليص دافعية الأفراد على العمل، حيث يرون ذلك نوعاً
من الرقابة التي تضيق عليهم الخناق.
الفئة الثانية من العوامل الشرطية (الضغوط البيئية) : Environmental
Pressures
وتحدد هذه الفئة بمجموعة العوامل التي لا يمكن للأفراد السيطرة عليها، مع
أنها لا تزال ذات أهمية بالغة في الوصول بهم إلى درجة الاكتفاء والقدرة على
تحسين الأداء. وتؤكد النظرية على أن تأثير السلوك القيادي على الحالة النفسية
للأتباع، يتوقف على ظروف بيئية أخرى ذات علاقة بدافعية الأتباع، هذه
الظروف البيئية هي:
١- نوعية العمل المنوط بالفرد.
٢ - نظام تسلسل السلطة الرسمي للمنظمة.
٣ - مجموعة العمل الأساسية التي يعمل الفرد من خلالها.
وتقييم هذه العوامل البيئية يمكن من التنبؤ بدرجة ونوعية تأثير السلوك
القيادي على مجموعة معينة من الأتباع.
وتؤثر هذه العوامل الثلاثة السالفة الذكر على الأتباع بإحدى الطرق الثلاث
التالية:
١- أن تكون» حاثّة «لدافعية الفرد وانكبابه على عمله.
٢- أن تضبط سلوك الأتباع في شكل محدد لصالح العمل وهذه الضوابط
تساعد على إبراز آمال الأتباع في أن الجهد سيؤدي للجزاء الحسن، وعلى الحد من
تخوفاتهم من حدوث تضارب أو اضطراب.
٣- كذلك فإنها تعتبر كمكافآت على بلوغ درجة الكفاءة المطلوبة للعمل فمثلاً:
قد يعتبر الفرد أن الثناء الذي يتلقاه من زملائه في مجموعة العمل التي يتبعها، على
حسن أدائه، مكافأة إضافية، بغض النظر عن ثناء القائد نفسه عليه. من هنا يمكن
القول بأن أثر القيادة على دافعية الأتباع للعمل يرتبط بدرجة تأثير البيئة المحيطة
كحاثة للدوافع، أو كضوابط للسلوك أو كعامل جزائي إضافي.
وبالنسبة للبيئة، فإن نظرية» الوسيلة والهدف «تؤكد على أنه عندما تكون
أهداف العمل ووسائله واضحة-بسبب طبيعة العمل الروتينية، أو نمطية العادات
ووسائل التحكم في الأداء - فإن أي محاولة للقيادة في أن تتدخل لإيضاح العمل
ووسائله وأهدافه بشكل زائد ستكون غير ذات نفع، لأنها ستعامل من جهة الأتباع
على أنها تدخل مباشر دون داع. وعلى الرغم من أن ذلك قد يؤدي إلى تحسن
الأداء بعض الشيء إلا أنه سيؤدي كذلك للحد من درجة رضاء واكتفاء الأتباع في
أداء عملهم.
كذلك فإن هذه النظرية تنص على أن سلوك القيادة يساعد على حفز همم
العاملين ما دام يساعدهم على التلاءم مع مخاطر ومجاهل البيئة المحيطة التي تأتي
من مصادر متعددة لإحباطهم.
ومثل هذا السلوك القيادي الذي يحمي الأتباع من مخاطر ومجاهل البيئة،
يؤدي لزيادة دافعيتهم للعمل نحو الهدف، طالما أنه يزيد من قناعتهم بأن حسن
الأداء سيؤدي إلى حسن الجزاء.
وهذه الافتراضات، والمواصفات الخاصة بالشروط الظرفية، تقدم هيكلاً
مشجعاً يمكن من خلاله بناء وتطوير البحث مستقبلاً للوصول إلى نظرية متكاملة في
القيادة.
стр. 236
إسرائيل بعد ٤٠ سنة ...
دولة مضطربة
عن THE Guardian Weekly (١/٥/١٩٨٨)
إعداد: قسم الترجمة بالمجلة
بلغت إسرائيل أربعين سنة من عمرها ولازالت في اضطراب وحيرة تشبه
حالتها عند قيامها.
لقد تمكنت إسرائيل من استيعاب ضعف السكان الأصليين من المهاجرين،
وحولت مساحات شاسعة من الصحراء إلى أرضٍ زراعية منتجة، وأنجزت
إنجازات هامة في مجالات الصناعة والزراعة، ويحق لها أن تفتخر بأعلى نسبة
من المثقفين القادرين على القراءة والكتابة؛ وبنسبة عالية من الكتب المنشورة
تضاهي أعلى النسب في العالم.
لكن الاحتفالات هذا العام ألغيت بسبب اعتذار الضيوف الأجانب عن الحضور
تحت تأثير الخوف أو الاشمئزاز من الانتفاضة الفلسطينية التي هزت أركان البلاد
منذ ديسمبر الماضي، وتصرف الحكومة تجاهها، من جهة أخرى فإن الإسرائيليين
أنفسهم لهم مشاغل أخرى.
إن سن الأربعين هو سن النضج، يعي فيه المرء هويته وحدوده، لكن الأمر
يختلف بالنسبة لإسرائيل، فجميع المسائل الأساسية المتعلقة بوجودها لا تزال دون
حل، وهي على الرغم من قدرتها العسكرية والاقتصادية لا يزال موضوع بقائها
هشاً معرضاً للخطر، فالإسرائيليون لا يعرفون بعد شكل وطبيعة الدولة التي
يعيشون فيها، وهم مختلفون على تحديد هويتهم، ومختلفون على من هو
«اليهودي» وإلى الآن لم يتفقوا على تحديد موقفهم من اليهود خارج إسرائيل، ومن
غير اليهود الذين يعيشون داخلها، وفي الوقت الذي يتفاخرون به باستقلالهم تراهم
يزداد اعتمادهم يوماً بعد يوم على قوة أجنبية هي الولايات المتحدة الأمريكية التي قد
لا تتفق مصالحها إلى الأبد مع مصالحهم، وقبل كل شيء؛ فإنهم - إلى الآن- لم
يجيبوا على السؤال المصيري: ما معنى حصولهم على دولة، وهل إسرائيل
حصن منيع يحتمي فيه اليهود من عالم معاد لا يرحم خلف جدران عالية مشحونة
بالأسلحة؟ ! أم إنها دولة مثل سائر الدول، لها سفارات، وحلفاء، وأصدقاء،
وأعداء، أي هي وطن يعيش فيه الشعب اليهودي كجزء من المجموعة الدولية؟
يقول الخبير في الشؤون السياسية شلومو أفنيري:
(لو سألتني عن رأيي لأخبرتك أن أبشع دور لعبته عداوة العرب الدائمة لنا
هو أنها شغلت إسرائيل - منذ وجودها - بالصراع من أجل البقاء حتى إننا لم نجد
من الوقت ما يساعدنا على اتخاذ قرار حول طبيعتها) .
لقد أطلقت الانتفاضة الفلسطينية شرارة جدل علني عنيف سوف يشتد في
الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر، وإن هذا الجدل ليس بين العرب واليهود بل هو
بين اليهود أنفسهم، ولم يعد الخلاف حول مصير الأراضي المحتلة إلا مسألة واحدة
من مسائل كبيرة.
أثناء الفترة التي ركزت وسائل الإعلام العالمية الانتباه فيها على الانتفاضتة
كانت أفضل المؤسسات في إسرائيل تعاني من أزمات بالغة الحدة، فالخدمات
الصحية تكاد تنهار تحت وطأة الإضرابات الطويلة المتتابعة التي يقوم بها الأطباء
والعاملون في الحقل الصحي، وكذلك الجامعة العبرية - وهي أفضل جامعة في
البلد - مهددة بالإفلاس، والمدارس الحكومية في تدهور مستمر بسبب قلة التمويل،
والكثير من الإسرائيليين يرون أن خطر البيروقراطيين وعجرفتهم يضاهي خطر
رماة الحجارة في غزة في تهديده للمعنويات العامة ولسلامة إسرائيل.
وتعاني إسرائيل كذلك من أزمة قيادة؛ فقد انتهى جيل دافيد بن غوريون،
وغولدا مائير، وموشى دايان، ومناحيم بيغن، وزعماء إسرائيل الحاليون أصغر
حجماً وأقل تأثيراً.
يقول الفيلسوف اليهودي دافيد هارتمان:
(لابد أن تعود أربعون سنة علينا بشيء من مبادئ الحكمة، لقد انتهت فترة
المراهقة لدينا ... لقد كانت لنا آمال صباً كبيرة مثل حرب الأيام الستة والضربات
الساحقة في لبنان، ولكن الصراع الآن هو بين سياسة قائمة على الرعب النابع من
أزمة نفسية من جهة وبين سياسة التعقل من جهة أخرى إن الناس بحاجة لتزعامة،
ولكن البلاد لا تزال محكومة بعقلية الأحياء والحارات، ولا يزال الساسة ضيقي
الأفق، ومن الصعوبة بمكان العثور على شخص قادر عن التعبير عن رؤية قومية
حقة) .
لقد كان الصهاينة الأوائل يتوقون إلى تكوين دولة يهودية، على غرار
سويسرا تكون صغيرة ومحايدة وهادئة، فقد كتب ثيودور هرتزل مؤسس الحركة
الصهيونية عام ١٨٩٦ يقول:
إننا كيهود سوف نعيش: أحراراً على أرضنا، وسنموت في سلام في بيوتنا، وسيتحرر العالم بحريتنا، وسيستغني بمالنا، وسيرتفع بعظمتنا، وإن أي عمل نقوم به هناك لمصلحتنا الخاصة سينعكس على بقية العالم خيراً وبركة
وسيكون له مردود قوي.
كانت تلك أحلاماً وردية، إلا أنها لم تحسب حساب أمرين مشؤومين غيرا
وجه الصهيونية [١] :
أولاً: كان الهولوكست الذي أجبر الصهاينة على استبدال تصورهم لدولة
مثالية مؤلفة من نخبة من الرواد بخطة عملية تستهدف إعادة إسكان مئات الألوف
من اللاجئين في وقت قصير.
ثانياً: كان هناك عداء السكان العرب في فلسطين وفي الدول المجاورة لما
يسمى الآن إسرائيل، وهو عداء لا يروض ولا يستكين، فقليل من الصهاينة من
استطاع إدراك مشكلة العرب، فأنصار الصهيونية الأوائل تصوروا أن العرب
سرعان ما سيقبلون بالحضور اليهودي في فلسطين، وسيرحبون بالامتيازات
الاقتصادية التي ستنجم عن ذلك، حتى عندما خاضوا حرب الاستقلال ضد خمسة
جيوش عربية سنة ١٩٤٨ فإن أغلب الإسرائيليين - حسب رأي شلومو أفنيري -
توقعوا أنه بمجرد انتهاء الحرب سوف يقبل جيرانهم العرب بالأمر الواقع [٢] لكن
هذا لم يحصل، فقد ولدت إسرائيل في حلبة الصراع ولما تخرج من هذه الحلبة منذ
ولادتها، فحتى الآن يتحدى الفلسطينيون الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع
غزة بالحجارة والزجاجات الحارقة، ولكن حتى الآن لا يوجد بديل سياسي مقنع
يضمن في الوقت نفسه حق إسرائيل في الوجود ويلبي مطالب الفلسطينيين في
الحصول على وطن. فعقلية الذي يعيش تحت الحصار؛ والحساسية المفرطة تجاه
الأمن؛ والخوف من هؤلاء الذين لا يعترفون بحقك في الوجود، ويسعون بكل
الطرق إلى تدميرك؛ ... كل هذا لا يزال جزءاً من كابوس يجثم على صدر كل
إسرائيلي.
لقد أخطأ الصهاينة الأوائل التقدير في شيء آخر كذلك، فقد توقع الكثير منهم
أنه بمجرد قيام الدولة اليهودية فإن يهود الشتات سيتقاطرون من كل الأنحاء على
«أرض الميعاد» طائعين، ولكن أغلب الذين عادوا فعلاً خلال السنين الماضية كانوا
لاجئين، فيهود الغرب الأثرياء ظلوا بعيداً، حيث إن قيام إسرائيل قد ضاعف من
نفوذ الكثير منهم سياسياً، ومن ثقتهم بأنفسهم في الدول التي يقيمون فيها، وقلل من
رغبتهم في المجيء إلى إسرائيل الأمر الذي يثير التوتر والغضب بين شقي اليهود
الإسرائيليين والأميركيين وهى مشاعر مشحونة تطفوا أحياناً على السطح بين الفينة
والأخرى يعجب المرء لحدتها، كالتراشق الذي احتدم حول قضية الجاسوس
(بولارد) أو سياسة القبضة الحديدية التي تنتهجها إسرائيل في الأراضي المحتلة.
إن أمة تعيش في سلام قد تجد من المفيد أن يكون جزء من أبنائها خارجها،
يعملون في تقوية وتحسين مركزها خاصة إذا كانوا كجاليات تتمتع بنفوذ لكن بالنسبة
لدولة صغيرة تعيش تحت الحصار فإنها بحاجة إلى تجميع كل قواتها داخل جدرانها. يقول المؤرخ الأمريكي آرثر هيرتزبرغ:
(مهما كانت لباقة الإسرائيليين فإنهم لم يتخلوا أبداً عن المبدأ الذي اختطه)
ابن غوريون بكل فظاظة بقوله: إن اليهودي الحق هو من يعش في إسرائيل
فقط.
إن الحصار الدائم الذي تعيشه إسرائيل أوقف نموها في مجالات مهمة أخرى،
فالكثير من المؤسسات الاجتماعية الفريدة في البلاد مثل الجيش المدني والكيبوتسات،
والهستدروت، وبرامج الصحة والخدمات الاجتماعية، قد أنشئت قبل قيام
إسرائيل، وقد تلاشت الروح الاشتراكية التي قامت عليها هذه المؤسسات إذ أن
الدولة نفسها تكافح من أجل البقاء.
لمدة طويلة كان يكفي لهذه المؤسسات لكي تزدهر الدافع الخاص باليهود للعودة
إلى وطنهم الموعود.. والحياة الحرة في مجتمع يهودي خالص لكن في السنوات
الأخيرة ركدت هذه المؤسسات الأساسية، ومثاليتها تآكلت في ظل التهرب من
الحلول على الصعيد السياسي، ومن جراء التضخم المالي في أواخر السبعينات
وأوائل الثمانينات.
المزارع الجماعية تحتاج إلى تمويل ضخم من الحكومة لتبقى على قيد الحياة،
والهستدروت والخدمات الصحية والاجتماعية أصبحت إمبراطوريات مفضوحة
للتبذير والفساد، حتى حزب العمل الذي أسسه بن غوريون والذي كان قوة سياسية
متحركة أدركه الهرم، وقد فشل تحالف حزب العمل اليساري والليكود اليميني في
مواجهة هذه الأزمات الداخلية.
الانحرافات أعاقت السياسة الإسرائيلية، وقيدت الزعامة الإسرائيلية بتحالفات
أعاقت قدرتهم على اتخاذ القرار وأعطت للأحزاب الصغيرة نفوذاً يتجاوز حجمها
الطبيعي، لأنها كثيراً ما تمكنت من تركيع الحكومة بانسحابها من التحالف. إن
انتخابات ١٩٨٤ تمخضت عن شلل أخير وأجبرت حزبي العمل والليكود على
التناوب على رئاسة الوزراء بين «بيريز» وخصمه السياسي اللدود «إسحاق
شامير» .
يقول جاد يعقوبي:
إنها حكومة ذات رأسين تعاني من انفصام الشخصية وهى عاجزة عن اتخاذ
قرارات مصيرية بسبب الطريق المسدود الذي وصلته، حتى لو كان بيغن أو بن
غوريون رئيساً للوزارء الآن فإنهما سيعانيان من نفس المشكلة.
قريباً سيكون على الناخبين أن يختاروا، وهذه المرة ستأتي الانتخابات بعد
الانسحاب من لبنان وحل المشكلة الاقتصادية في إسرائيل، وستكون الفروق أكثر
وضوحاً بين الأحزاب والبرامج اكثر واقعية. وقد يحاول السياسيون أن يرقعوا
الاختلافات بينهم مرة أخرى ولكن سوف تكون وراءهم أصوات أخرى تتحدث عن
الفروق الحقيقية.
ويعتبر الياكيم هيتسني المؤرخ والمنظر لحركة الاستيطان اليهودي في الضفة
الغربية: أن اليهود كانوا دائماً متميزين عن بقية العالم، إذ كانوا يعانون دائماً من
خليط من السحر واللعنة، نحن قوم كنا ولا نزال تحت رحمة القدر نؤمن بإله واحد
لا يرى، ولذلك اضطررنا لبناء جدران حولنا والبقاء في حالة استنفار قصوى ليل
نهار. كنا مجبرين على العيش في الجبال لا في السهول، حتى أننا خضنا غمار
حرب أهلية منذ ألفي سنة كانت بين من يريدون التفرد ومن لهم نزعة عالمية.
بالنسبة لنا يهودا والسامرة (الضفة الغربية) ليست مجرد قطعة أرض وإنما هي
ساحة صراع. يدور عليها قتال دائم من أجل تأكيد هويتنا.
ويرى هيتسني أنه يجب على إسرائيل عدم التخلي عن الضفة الغربية إذا
أرادت الاحتفاظ بشخصيتها اليهودية.
أما يهوشافاط هاركابي الرئيس السابق للمخابرات العسكرية وأستاذ العلاقات
الدولية فيرى أنه للسبب نفسه يجب التخلي عن الضفة الغربية، فقد قال: «نحن
لا نستطيع أن نحارب العالم بأسره، ولا نستطيع التقوقع على أنفسنا أيضاً، فمما لا
خلاف عليه أن هذا البلد سيبقى صغيراً حتى في حالة إلحاق الضفة الغربية كاملة به، وقد نستطيع أن نبقى أحياء داخل حدود غير آمنة ولكننا لا نستطيع أن نستمر
كدولة يهودية إذا كان نصف شعبنا عازماً على محقنا، نحن بين أمرين أحلاهما مر
ولذلك يجب علينا اختيار الأقل سوءا ".
стр. 237
أدب وتاريخ (قصة قصيرة)
مقام الشيخ بركات
علي محمد
كان الأستاذ عادل يتبادل الحديث مع الأستاذ سعيد وهما في طريقهما إلى
المدرسة في الكَفْرْ، عندما صعد الحافلة متسول نصف معتوه، كبير في السن يهتز
ويتأرجح، ويمسح لعابه بكمه المتهدل المتسخ، يستجدي الركاب ويتهدد ويتوعد،
يهددهم بأنه سيدعو عليهم بأن تنقلب الحافلة بهم في عرض الطريق.
ويبدو أن الأستاذ سعيد من منبت متأثر كثيراً بالكرامات والأولياء، والأبدال
والأوتاد! حيث إنه طلب من الأستاذ عادل أن يبادر إلى إعطائه بعض الدراهم
خشية أن تنقلب الحافلة فعلاً. لأن المتسول المذكور (عبد الكريم أبو شطة) من
المباركين المستجابي الدعوة.
أجابه الأستاذ عادل: هل تتكلم من كل عقلك يا أستاذ؟
- طبعا ولم لا؟ فإن الأحاديث عن الخوارق التي جرت على يديه يتناقلها
الصغير والكبير، وسترى بعد قليل أنه سينزل ونمضي نحن في الحافلة، ويسبقنا
إلى القرية التالية ماشياً، حيث سينتظرنا هناك.
- لا حول ولا قوة إلا بالله!
- ماذا يا أستاذ عادل؛ أو تنكر الكرامات؟
- وهل قلت لك أني أنكر الكرامات؟
- لا لم تقل ولكن لسان حالك يقول هذا.
- أنا لا أنكر الكرامات بشكل مطلق يا أستاذ سعيد. فالله قادر أن يكرم من
شاء من عباده، لكن أن تصبح الكرامات طعامنا وشرابنا وتدخلنا في باب إشراك
هؤلاء العبيد والأموات مع الله في الخلق والأمر فلا.
- يعني أنت لا تصدق أن الشيخ أحمد أبو سرود قد جاء من عرفات إلى
استانبول وأكل الكبة المشوية عند أهله وعاد ليلاً إلى عرفات؟
- يا أستاذ سعيد، بارك الله في عقلك أهذا الذي تعلمته في الجامعة؟
- بدأنا بأسلوب السخرية!
- لا يا أستاذ سعيد أنا لا أسخر منك، ولكن أن يكون كلام العوام وخرافاتهم
كلاماً منزلاً محكماً لا يقبل النقد، وتناقشني شهراً كاملاً حول حجية حديث الآحاد،
وأنه لا يجوز أن نأخذ به في العقيدة لأنه ظني فهذا غير معقول.
- ولكن هذه الكرامات لا ينقلها العوام فقط، بل إن ساداتنا المشايخ ينقلون
كثيراً منها عن أصحاب المقامات والأضرحة.
طيب يا أستاذ سعيد ما رأيك لو برهنت لك برهاناً عملياً أن كل هذه المقامات
والأضرحة خلط بخلط؟
أعوذ بالله! أعوذ بالله!
(وكانت الحافلة قد وصلت بهم إلى الدوار الموصل إلى الكَفْرْ)
هل هنا على هذا الدوار مقام أو ضريح يا أستاذ سعيد؟
-لا.
إذاً ما رأيك لو أشعنا في الكفر أن على هذا الدوار قبراً قديماً لأحد الصالحين
قد اندرس وضاعت معالمه؟
لماذا؟
- لأريك بأم عينك أن الناس ستحمل هذه الإشاعة محمل الجد، وربما يقيمون
في العام القادم مقاماً كبيراً للشيخ المزعوم!
دعك من هذا يا رجل، وهل تظن الناس مجاذيب إلى هذا الحد؟
طيب، أنت ماذا تخسر إذا تعاونت معي؟ أم أنت خائف من النتيجة.
- لا لست خائفاً، ولكن!
وبما أنك نصف موافق فما رأيك أن نطلق على الشيخ المزعوم اسم: الشيخ
بركات؟
- طيب، كما تشاء.
واتفقا على إشاعة الأمر بأسلوب هادئ في المدرسة وعند الحلاقين باعتبار أن
دكان الحلاق من أهم وسائل الإعلان.
أجاب الحلاق (سليم أبو لسان) موافقاً على كلام الأستاذ عادل: طبعاً لابد أن
يكون الأمر صحيحاً. وهل من المعقول أن الجديدة وأم الكوسا عندهم عشرات
الصالحين، ونحن لا يوجد عندنا ولا مقام واحد؟
- الشيخ بركات يا حاج سليم كان من كبار الصالحين وكانت له مكانته عند
الباب العالي.
إذاً أنت تعرف كل هذه المعلومات عن الشيخ بركات قدس الله سره وتسكت.
لا والله أنا لست ساكتاً ولكن المسألة غابت عن ذهني في زحمة المشاكل.
(وانتشر الخبر في الكفر انتشار النار في الهشيم. ورآه عدد من الناس في المنام،
وتحدثوا عن طوله الفارع، وعمامته الضخمة وكراماته التي
لا تحصى، وكيف أن المئذنة كانت تنزل إليه عندما كان يريد أن يؤذن.. و..
و..) .
(وبدأ الحديث في المدرسة بين أخذ ورد بين الأساتذة جميعاً) .
- دعوكم من هذه الخرافات يا ناس.
يعنى تريد أن تقول أن الشيخ بركات غير موجود؟
- طبعاً غير موجود.
- ما الذي تقوله يا رجل؟ ولماذا تريد مسخ الصورة الجميلة للشيخ بركات
﵀، وكيف تجرؤ أن تقول هذا؟ وهل تستطيع أن تثبت ذلك؟
- قبل أن تؤكد أن الشيخ بركات لم يوجد، وأنه لم يكن قط. عليك أن تعتبر
ظروف الوجود، وأنواع الوجود. وأنا متأكد من أن الشيخ بركات كان موجوداً لكنه
وجود من نوع شاعري خاص غريب.
- ولكن يا إخوة كيف انفجر الينبوع الغربي في الكفر على يديه إذا لم يكن
موجوداً؟ !
-لا، لا، هو موجود، لقد وجد على وجه ما.
أجاب المدير باستخفاف. تعني أنه وجود ذهني في الخيال؟
- أو ليس الوجود الخيالي وجوداً أو ليس الأشخاص الأسطوريون موجودين؟ ...
صحيح إنه ربما يكون وجود الشيخ بركات خيالياً، لكن افتراض وجوده،
وتأكيد هذا الوجود، هو تأكيد على وجود الأشخاص الذين يمثلون الخير والصلاح
في هذا المجتمع.
- لقد كان الشيخ بركات موجوداً. إنني أصر على ذلك، تفكروا أيها الأخوة
قليلاً تصلوا إلى نتيجة تقول بأن شرط الوجود لا يشمل المادة فقط، إنه يعني فقط
العلاقة بين الصفة والموضوع، إنه يعبر عن علاقة فقط، حتى الصفات يمكن أن
تأتي بعد ذلك. والمهم هو الجوهر وبعض الصفات الذاتية كالوجود. وقضية
الوجود مفروغ منها بالأدلة المنطقية.
وكيف ذلك يا أستاذ؟
- القضية بسيطة: - كل ما يقول عنه العلماء والمشايخ موجود فهو موجود.
- قال العلماء إن الشيخ بركات موجود.
- إذاً فالشيخ بركات موجود.
- المصيبة أن الشيعة الإمامية الذين قالوا بعصمة الأئمة أدى بهم هذا إلى
التطرف فكيف بمن يقول بعصمة كل من وضع على رأسه خرقة ملفوفة؟ !
- أتكفرني يا أستاذ السند والدليل؟ !
- هو لا يكفرك يا أستاذ! طول بالك!
- ولكن لابد من الإقرار بأن الوجود من دون صفة هو - عملياً - عدم وجود
شيء.
- ولكن صفات الشيخ موجودة وأكيدة ألم تقرأ ما كتبت عنه الجريدة البارحة؟ وماذا كتبت؟
- تحت عنوان «اكتشاف مقام الشيخ بركات» كتبت تقول:
ولد الشيخ بركات قدس الله سره في قرية الكفر عام ١١٠٠هـ وهو من سلالة
سيدنا خالد بن الوليد، وقد درس على عدد كبير من العلماء منهم فلان وفلان، ولقد
اشترك مع الجيش التركي في إحدى معاركه مع الصليبيين. وما إن استبد به
الحماس حتى نفخ عليهم، فآثار زوبعة ضخمة، رفعت الجيش المعادي مسافة مائة
متر في الهواء، وسقطوا جميعاً مضرجين بدمائهم ...
ومن أين جاء الصحفي بهذه المعلومات؟
- وهل جاء بها من بيت أبيه؛ هذا تاريخ. ووالله أنت لا تصدق ولو رأيت
الشيخ بركات بأم عينيك. وهل عدم معرفتك لدليل على صحة المعلومات يعني أن
المعلومات غير صحيحة؟
- ولكن هذه دعوى وتحتاج إلى دليل، فالبينة على من ادعى، وعلي وعليك
التثبت من صحة أي دعوى، وإلا ادعى كل واحد منا ما يحلو له.
- هذه ليست دعوى، إنها حقيقة، وأنت الذي تدعي عدم صحة الخبر،
وعليك البينة.
- يا رجل لا تحمل الأمر أكثر مما يحمل، وتستخدم كل وسائل الجدل في
إثبات قضية اخترعها خيال الأستاذ عادل، ليثبت بها غوغائية الجمهور، والسير
بلا تثبت وراء كل ناعق.
- الأستاذ عادل اخترعها! ؟ - أولاً: الأستاذ عادل يحب الجدل مثلك، وكل
قضية يطلب عليها دليل، ودعواه عندنا غير مقبولة. فإنه من حقده على الأولياء
والصالحين يدعي أنه هو الذي اخترع وجود الشيخ بركات، والشيخ بركات قدس
الله سره موجود من زمن أجداده، ولن تنفعه دعواه شيئاً. وثانياً: فإن هذا الادعاء
يزرع الشك في كل الأولياء والصالحين ومقاماتهم وكأن الدنيا خلت تماماً من
الصلاح والصالحين. أعوذ بالله! !
وقرع الجرس وانصرف الأساتذة إلى الدروس، وسار الأستاذ سعيد مذهولاً
مما رأى يحدث نفسه: معقول؟ غير معقول! . أيمكن أن تكون كل هذه الناس
مجاذيب؟ والجريدة؟ أيمكن أن تردد ما يقوله الناس بدون تمحيص؟ غريب! ! !
إن في الأمر لغزاً ما، كيف اجتمع المشايخ بالأمس في الدوار وأقاموا
الحضرة (احتفال) للشيخ بركات؟ والشيخ بركات اخترعه الأستاذ عادل! ! أيمكن
أن يكون الخرف أصابهم جميعاً؟ غير ممكن! ! غير ممكن! !
وبدأت تتسرب إلى ذهنه فكرة جديدة تحل له اللغز. وهي أن الشيخ بركات
موجود فعلاً، وأن الأستاذ عادل يعلم ذلك مسبقاً وقد خدعه وأوهمه أنه هو الذي
اخترع وجود الشيخ بركات.
وحاول الأستاذ عادل أن يزيل هذه الفكرة من رأسه لكنه لم يفلح.
واستمر النقاش في المدرسة على هذا المنوال عدة أيام، وكان العام الدراسي
في أواخره، وقد انتهت المناقشات بذهاب كل أستاذ إلى بلده عندما حانت العطلة
الصيفية.
* * *
وفي العام التالي ركب الأستاذ عادل والأستاذ سعيد الحافلة ذاهبين إلى المدرسة
في الكفر، وكان الأستاذ عادل قد نسي الموضوع لكنه انتبه إلى الأستاذ سعيد وهو
يتمتم في سره ببعض العبارات عندما أصبحوا على مقربة من الدوار. وكم كانت
دهشتهم كبيرة عندما وجدوا بناءاً جميلاً لمقام الشيخ بركات ينتصب شامخاً على
الدوار وبجانبه مسجد كبير فخم على الطراز المعماري التركي.
ابتسم الأستاذ عادل ونظر إلى الأستاذ سعيد.
لكن الأستاذ سعيد لم يعره كبير انتباه، بل طلب من السائق أن يتوقف قليلاً،
ورفع يديه وقرأ الفاتحة على روح الشيخ بركات.
стр. 238
(قصيدة)
يا مُسْلِمَة
من ديوان: شجون غريب
لأبي عاصم القارئ
يا مسلمهْ
ما بين نجد والسَّراة وحول آكام الحرم
ترتيل (أم المؤمنين) أضاء ديجوراً أصم
ونطاق (أسماء) الأبية في كتائبنا علم
وهدى رَحَى (الزهراء) سيدة الأمم
نغم يجلل هام حادينا
ويزين ترنيمات قارينا
ويهيج مكتوم الهوى للسيد الأكرم
يا مسلمهْ
هذي (علوج الروم) قد لبست بُرُوداً عربيه
يخفون أحمرهم، وأصفرهم، وكفر (المزدكيه)
لو يملكون لبعثروا فينا بذور الهمجيه
ولمزقوا خمر المصونات المخدرة الأبيه
ما هذه ريح الصبا
ولا شذى القيصوم، أو شيح الربى
لكنها هوجاء، زوبعة تولول، أجنبيه
يا مسلمه
إني أرى قطعانهم هاجت هياج الزبد
وتروم تاجاً قد لبستيه لعز الأبد
نسجته آيات الكتاب بقلبك المتوقد
وعلى جبينك أسدلته يد الحبيب (محمد)
فدعي قطيع البهم
يهوي لذل جهنم
ولنمض نحو سمائنا في المسجد.
стр. 239
نظرة في كتاب (الكامل)
لابن الأثير
د. سليمان الدخيل
هناك فرق بين أن ننسب ابن الأثير - عليه رحمة الله - إلى التشيع وحاشاه
عن ذلك ونحن لا نملك عليه دليلاً، بل نجد في ترجمته ثناء العلماء والحفاظ من
مشاهير أهل السنة [١] ؛ وبين أن نقف عند نزعة التشيع في كتابه (الكامل في
التاريخ) وقفة لا تقلل من قدر الكتاب وقيمته بقدر ما تلفت النظر إلى ملاحظة يحسن
التنبه لها.
وقد اطلعت على ما كتبه الأخ الكريم (محمد العبدة) عن (ابن الأثير وموقفه
من الدولة العبيدية وبعض الدول المعاصرة لها) في العدد التاسع من هذه المجلة
الغراء (البيان) وقد لفت نظري ما أشار إليه صاحب المقال مما يدل على نزعة
تشيع عند ابن الأثير في هذا السفر العظيم، وقد تساءلت بيني وبين نفسي: من أين
لابن الأثير هذه النزعة في الكامل؟
أترى هو الجهل بعقائد الشيعة الأمر الذي قال معه ابن الأثير - حين حديثه
عن دعوة العبيديين (الفاطميين) ولم يخرج فيه -يعني المعز- إلى حد يذم ... به!! [٢] .
قال في موضع آخر-وهو يتحدث عن واحدة من عقائد الشيعة (الرجعة) - ما
نصه: (قال عمرو ابن الأصم: قلت للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن
علياً مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: كذب والله هؤلاء الشيعة، لو علمنا أنه مبعوث
قبل يوم القيامة ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله) . ثم يعلق ابن الأثير بعد ذلك قائلاً:
(أما قوله هذه الشيعة فلا شك أنه يعنى طائفة منها فإن كل شيعة علي لا تقول هذا،
إنما تقوله طائفة يسيرة منهم، ومن مشهوري هذه الطائفة جابر بن يزيد الجعفي
الكوفي، وقد انقرض القائلون بهذه المقالة فيما نعلمه) [٣] .
وعلى كل حال فالقول بانقراض (الإمامية) وهم القائلون (بالرجعة والوصية)
غير مقبول من ابن الأثير، لاسيما وقد عاش في عصر تكاثر فيه الشيعة وأصبح
لهم وجود ظاهر إلى حد قال معه أحد الشيعة: (ولولا مجيء المغول لرفرف لواء
التشيع على الشرق الإسلامي) [٤] .
وهو العصر الذي ألفت عنه كتب خاصة بأعيان الشيعة، وفيهم الإمامية ومن
أبرزها (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) للشيخ أغا بزرك الطهراني، وقد
أحصى فيه مؤلفه قرابة ثلاثمائة رجل من أعيان الشيعة ومع ذلك قال محققه أنه ... لا يمثل بشيء تاريخ الشيعة في ذلك القرن الذي تغلغلوا فيه في بيوت ... الأمراء، ودخلوا بلاط الخلفاء، وكان منهم الوزراء والعلماء [٥] .
وكان من هؤلاء من كان في الموصل أمثال (محمد بن أبي الفوارس الحلي) [٦] .
وفي عقيدة الرجعة - بالذات - والتي نفى ابن الأثير وجودها في عصره
تطالعنا مصنفات الشيعة بالأعداد الكبيرة المؤلفة فيها على امتداد القرون، وفيها ما
هو في القرن السابع - وقد عايشه ابن الأثير - من أمثال: كتاب (الغيبة للحجة وما
جاء فيها عن النبي والأئمة ووجوب الإيمان بها) للأشرف بن الأغر المعروف بتاج
العلا العلوي الحسيني المتوفي سنة ٦١٠ هـ، فهل كانت هذه الكتب سرية حتى لم
يطلع عليها أمثال ابن الأثير؟ أم أنها ألفت في عصور متأخرة ونسبت للأوائل؟ !
ووفق ذلك كله فالسمعاني (ت ٥٦٢) يشهد بوجود أصحاب هذه العقيدة في
عصره [٧] .
أم هي لظروف العصر وملابسات البيئة التي عاش فيها ابن الأثير؟ وهي
بيئة كان للشيعة فيها وجود ليس على مستوى الأفراد فحسب وإنما على مستوى
الولاة والحكام. ومن أمثلة ذلك: الملك الرحيم (ت ٦٥٧) الذي ملك (الموصل)
نحواً من خمسين سنة [٨] وهو الذي أزال الدولة الأتابكية (وهم أسياده قبل) ، وكان
يبعث في كل سنة إلى مشهد علي قنديلاً ذهبياً زنته ألف دينار، وهذا-كما قال
الحافظ ابن كثير-دليل على تشيعه، بل على قلة عقله [٩] .
وكان في الأصل أرمنياً، حتى نقل (الذهبي) عنه أنه كان يحتفل لعيد
(الشعانين) لبقايا فيه من شعار أهله، فيمد سماطاً عظيماً إلى الغاية، ويحضر
المغاني، وفي غضون ذلك أواني الخمور فيفرح وينثر الذهب من القلعة ويتخاطفه
الرجال؟ فمقت لإحياء شعار النصارى، وقيل فيه:
يعظم أعياد النصارى محبة ... ويزعم أن الله عيسى بن مريم
إذا نبهته نخوة أريحية ... إلى المجد قالت أرمنيته: نعم [١٠]
وإذا كان الأمر كذلك فيه، فلا غرابة أن يسير إلى (هولاكو) التتري - بعد أن
أوقع ببغداد ما أوقع، ثم انفصل عنها- على هيئة الخادم المتلطف له، ومعه الهدايا
والتحف! ! حتى رجع إلى بلاده متولياً من قبله [١١] .
هذا الملك أثنى عليه ابن الأثير في مقدمة كتابه، فقال: ( ... مولانا مالك
الملك (! !) الرحيم، العالم المؤيد، المنصور المظفر بدر الدين، ركن الإسلام
والمسلمين، محي العدل في العالمين، خلد الله دولته) ! ! [١٢] . بل الأمر أعجب
من ذلك، فابن الأثير إنما انساق في إتمام تأليف كتابه (الكامل) عن أمر الملك
الرحيم هذا، وهذا ما حكاه ابن الأثير نفسه في مقدمة كتابه حين قال: (فلما جمعت
أكثره أعرضت عنه مدة طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعددت، لأن
معرفتي بهذا النوع كملت وتمت، ثم إن نفراً من إخواني وذوي المعارف والفضائل
من خلاني.. رغبوا إلي في أن يسمعوه مني، ليرووه عني، فاعتذرت بالأعراض
عنه وعدم الفراغ منه، فإنني لم أعاود مطالعة مسودته ولم أصلح ما أصلح فيه من
غلط وسهو.. إلى أن قال: فبينما الأمر كذلك إذ برز من طاعته فرض واجب
واتباع أمره حكم لازب، من أعلاق الفضل بإقباله عليها نافعة.. مولانا مالك الملك
الرحيم.. فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل، وأبطلت رداء الكسل، وألفت الدواة
وأصلحت القلم وقلت: هذا أوان الشد فاشتدي زيم، وجعلت الفراغ أهم مطلب،
وإذا أراد الله أمراً هيأ له السبب وشرعت في إتمامه مسابقاً، ومن العجب أن
السكيت يروم أن يجيء سابقاً، ونصبت نفسي غرضاً للسهام، وجعلتها مظنة
لأقوال اللوام ... ) [١٣] .
وقال ابن كثير-في ترجمته للملك الرحيم -: وقد جمع له الشيخ عز الدين
كتابه المسمى بالكامل في التاريخ فأجازه عليه وأحسن إليه [١٤] .
وإذا كان الأمر كذلك فهل بإمكاننا أن نفسر نزعة التشيع في (الكامل) بهذا
الأمر وهي نزعة لا يمكن تجاهلها ولا قبولها - مهما كانت أسبابها - فبالإضافة إلى
الأمثلة التي ساقها الأستاذ محمد العبدة في مقاله الآنف الذكر أسوق الأمثلة التالية:
١ - في أحداث الفتنة الواقعة بين الصحابة يلحظ القارئ (للكامل) تغليب
الروايات التي تصف خصوم (علي) ﵁ بصفات يبعد قبولها، بل
يبعد أن يقول بها علي نفسه، ومنها أن علياً يصف معاوية ويقول: ( ... وخلاف
معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق بن
طليق، حزب من الأحزاب، لم يزل حرباً لله ورسوله هو وأبوه حتى دخلا في
الإسلام كارهين ... ) [١٥] .
وحين رفعت المصاحف (للتحكيم) في (صفين) من قبل أهل الشام، قال
أصحاب علي:
نجيب إلى كتاب الله، فقال لهم علي: (عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم
وقتال عدوكم، فإن معاوية وعمراً، وابن أبي معيط، وحبيباً، وابن أبي سرح،
والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، فقد صحبتهم أطفالاً
ثم رجالاً فكانوا شر أطفال وشر رجال ... ) [١٦] .
إذا كانت هذه الرواية - وأمثالها كثير- لا تليق بمقام الصحابة فلا أدري لماذا
يكثر من ذكرها (ابن الأثير) ؟ دون أن يعلق على كثير منها.
فإن قيل: إن مجمل الروايات التي ساقها إنما سبقه بذكرها الإمام الطبري في
(تاريخه) وابن الأثير في (مقدمته) أبان أنه اعتمد فيما شجر بين الصحابة على
الطبري، فلا لوم عليه في ذلك؛ أجيب بأن هناك فارقاً في المنهج بينهما، فالطبري
وإن لم يعلق على هذه الروايات المنكرة فقد صرح في مقدمته أن في تاريخه ما
يستشنع وإن ذلك كان من قبل الرواة، ورأى الطبري أن إسناده كل رواية إلى
رواتها يعفيه من التبعة، ويجعل الحكم للقارئ يحكم معرفته بالرواة، والأمر يختلف
عند ابن الأثير الذي جعل من منهجه -أحياناً - الحكم على الروايات، والتعليق
على بعض الروايات، وكان جديراً به أن يعلق على هذه المرويات المنكرة، كما
صنع الحافظ (ابن كثير) الذي قال -في معرض حديثه عن هذه الروايات -: «ثم
ذكر أهل السير كلاماً طويلاً جرى بينهم -يعني معاوية وأصحابه - وبين علي،
وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر، فإن في مطاوي ذلك الكلام من علي ما ينتقص
فيه معاوية وأباه، وأنهم إنما دخلوا في الإسلام ولم يزالا في تردد فيه وغير ذلك [١٧] .
وحين تعرض لرواية أبي مخنف في لعن علي معاوية ومن معه، ثم لعن
معاوية علياً ومن معه، قال:
» ولا يصح هذا والله أعلم « [١٨] .
٢- وفي الدولة العباسية، وحين حديثه عن الخليفة (المتوكل) قال:
وفي سنة ٢٣٦ هـ أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي ﵇،
وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع
الناس من إتيانه.. وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ﵇
ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أن يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم وكان
من ندمائه من يسخر من علي ﵁ وقيل أن المتوكل كان يبغض من
تقدمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق في محبة علي وأهل بيته، وإنما
كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي، منهم علي بن
الجهم الشاعر الشامي من بني شامة ابن لؤي، وعمر بن فرح الرخجي، وأبو
السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالى بني أمية، وعبد الله ابن محمد بن
داود الهاشمي المعروف بابن أترجه، وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه
بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين
يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر فيه ما كان، فغطت
هذه السيئة جميع حسناته، وكان من أحسن الناس سيرة، ومنع الناس من القول
بخلق القرآن إلى غير ذلك من المحاسن) [١٩] .
وهذه الرواية حين نرجع إلى الطبري لا نجدها بهذا السياق، بل نجد الطبري
يكتفي بسياق الحادثة (هدم قبر الحسن وما حوله، وحرث وإسقاء فوضع القبر) [٢٠] .
فلماذا أطال ابن الأثير في ذكرها مؤكداً على بغض المتوكل لعلي وأهل بيته،
بل كان يبغض من كان محباً لعلي من الخلفاء قبله؟ وهل صحيح أن» ندماء
المتوكل كانوا مشهورين بالبغض لعلي؟ وإذا كان الإمام أحمد من مستشاري ... المتوكل [٢١] فهل لهذا اكتفى بالإشارة إلى وفاته مجرد إشارة؟ ! [٢٢] .
وعلى فرض تسليمنا بكون المتوكل فيه (نصب) [٢٣] فهل يستحق من ابن
الأثير أن يقول عنه: «إن هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتله! ويقول: إن هذه السيئة غطت جميع حسناته؟ ! وهو الخليفة الذي أثنى عليه طائفة من
العلماء فقال: خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ تقريبًا) :
استخلف المتوكل فأظهر السنة - وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق
برفع المحنة وبسط السنة ونصر أهلها [٢٤] . وقال ابن خلكان: رفع المحنة في
الدين وأخرج أحمد بن حنبل من الحبس وخلع عليه [٢٥] . وقال ابن تيمية:
» وفي أيام المتوكل عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا
الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم « [٢٦] .
ويقول ابن كثير:» إن السنة قد ارتفعت جداً في أيامه [٢٧] . وقد استبشر الناس
بولايته فإنه كان محباً للسنة وأهلها ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق لا
يتكلم أحد في القول بخلق القرآن [٢٨] .
وكان محبباً إلى رعيته قائماً في نصرة أهل السنة، وقد شبهه بعضهم
بالصديق في قتله أهل الردة لأنه نصر الحق ورد عليهم حتى رجعوا إلى الدين،
وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بنى أمية، وقد أظهر السنة بعد البدعة،
وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه الله.
هذه بعض أقوال العلماء في المتوكل، وإذا كان يظهر منها تتبعه لأهل البدع
وقمعهم فإن قمعه لبدعة (التشيع) ظاهرة، فقد كان يتبع أخبارهم ويطارد مشايخهم
في أقطار الخلافة، وتتبعه للشيخ (بشر الجعاب) الذي كان يظهر التشيع (بالدينور)
وله أصحاب يجتمعون إليه ويأخذون عنه، كما ذكر قصته مطولة ابن خلكان [٢٩]
نموذج لهذا التتبع، ولعل هدمه لقبر الحسين من هذا الباب، والسؤال المطروح
لماذا تستثير مثل هذه الأعمال ابن الأثير إلى حد يقول معه إنها غطت جميع ... حسناته؟ !
وفي معرض حديثه عن (المعتضد) ذكر أنه عزم في سنة ٢٨٦هـ على لعن
معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس. قال ابن
الأثير: (وهو كتاب طويل قد أحسن كتابته، إلا أنه استدل فيه بأحاديث كثيرة
على وجوب لعنه عن النبي ﷺ لا تصح ... ) [٣٠] وهذا
الكتاب ساقه (الطبري) بطوله في أحداث سنة ٢٨٤هـ[٣١] وفيه من الغرائب
والأحاديث المنكرة ما لا يتصور، وفوق ما فيه من أحاديث منكرة فهو صريح في
لعن أبي سفيان وابنه معاوية، ويزيد، ومروان بن الحكم بن الحكم وولده وهم -كما
في الكتاب - أئمة الكفر، وقادة ضلالة وأعداء الدين، ومجاهدي الرسول،
ومغيري الأحكام، ومبدلي الكتاب، وسفاكي الدم الحرام؟ ! ! [٣٢] إلى غير ذلك
من شناعات يحار القلم في تدوينها، ويعجز اللسان عن النطق بها والعجب أن يقول
(ابن الأثير) أن الكتاب قد أحسن كتابته! ! وكان ينتظر منه أن يقول كما قال ابن
كثير: إن هذا من هفوات المعتضد [٣٣] .
ثالثاً: تعاطفه مع الشيعة:
يظهر للمتأمل في (كامل ابن الأثير) تعاطفه مع الشيعة، أو من لهم ميول
(علوية) على الأقل، فتراه كثيراً يترجم للشيعة وخاصة (الإمامية) وربما ذكر بعض
معتقداتهم ولم يعلق عليها، ففي أحداث سنة ٣٠٥هـ قال: وفيها توفي أبو جعفر
بن محمد بن عثمان العسكري رئيس الإمامية، وكان يدعي أنه الباب إلى الإمام
المنتظر ... [٣٤] ، وكما صنع مع (ورام بن أبي فراس) [٣٥] الذي توفي سنة
٦٠٥ هـ وقال عنه ابن الأثير: وكان صالحاً [٣٦] ويطيل في تراجمهم كما فعل
مع الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن زريك الأرمني وزير العاضد العبيدي،
والمتوفي سنة ٥٥٦ هـ، والذي نص ابن الأثير على إمامته، وقال عنه: وكان
الصالح كريماً فيه أدب، وله شعر جيد، وكان لأهل العلم عنده إنفاق، ويرسل
إليهم العطاء الكثير، فذكر نماذج لها، ونماذج من شعره أيضاً [٣٧] ، وفي ترجمته
للملك الأفضل (علي بن صلاح الدين) [٣٨] أطال في ترجمته كذلك وامتدحه بأشياء
لم يسبغها على أبيه (صلاح الدين) [٣٩] وهو أفضل منه ومما قاله في الأفضل: «
وكان ﵀ من محاسن الزمان، لم يكن في الملوك مثله، كان خيراً، عادلاً،
فاضلاً، حليماً، كريماً، قل أن عاقب على ذنب، ولم يمنع طالباً.. إلى أن قال:
وبالجملة فاجتمع فيه من الفضائل والمناقب ما تفرق في كثير من الملوك، لا جرم
حرم الملك والدنيا، وعاداه الدهر، ومات بموته كل فعل جليل، فرحمه الله ورضي
عنه» [٤٠] .
وتعاطف (المنتصر) العباسي مع العلويين [٤١] جعلت (ابن الأثير) يقول في
وصفه: كان المنتصر عظيم الحلم، وراجح العقل، غزير المعروف، راغباً في
الخير جواداً كثير الإنصاف، حسن العشرة، وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين ﵉ فأمن العلويين وكانوا خائفين أيام أبيه وأطلق وقوفهم وأمر برد
فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب ﵇ [٤٢] بل نقل
عن بعضهم: إن المنتصر كان شاور في قتل أبيه (المتوكل) جماعة من الفقهاء
وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أموراً قبيحة كرهت ذكرها، فأشاروا عليه بقتله فكان
كما ذكرنا بعضه [٤٣] .
وفي مقابل هذا التعاطف كان ابن الأثير يعرض ببعض أهل السنة الذين يرى
منهم انحراف عن علي ﵁، كما ذكر في ترجمته لمصعب ابن عبد
الله بن ثابت بن عبد الله بن الزبير [٤٤] وفي حديثه عن الحسن ابن زيد بن الحسن
ابن علي بن أبي طالب ﵁ ذكره فيمن توفي سنة١٦٨ هـ ثم قال عنه:
«وكان قتد استعمله المنصور على المدينة خمس سنين ثم عزله وحبسه ببغداد،
وأخذ ماله فلما ولي المهدي أخرجه ورد عليه ماله، وكان جواداً إلا أنه كان منحرفاً
عن أهل بيته مائلاً إلى المنصور» [٤٥] .
وأخيراً فهذا ما تيسر الوقوف عليه في (الكامل لابن الأثير) ويبقى بعد ذلك
كلمة أراها مهمة في نهاية هذه الدراسة، وهي أن هناك صنفين من القراء قد لا
يستفيدون من هذه الدراسة الفائدة المرجوة:
الصنف الأول: يفهم هذه الدراسة فهماً قاصراً ينتقض هذا السفر العظيم
(الكامل) ، بل ربما وصل به الأمر إلى انتقاص (ابن الأثير) نفسه، نظراً لوجود
هذه الملاحظات عليه فلا يرى حاجة إلى الاستفادة منه، وإذا ذكر عنده اشمأزت
نفسه، وتمنى لو غيره ذكر! !
والصنف الثاني: على النقيض وهؤلاء بلغت بهم الثقة، ووصل بهم
الإعجاب مبلغاً لا يمكن أن يقبلوا معه نقداً صحيحاً -لا يقلل من قدر الكتاب، ولا
ينقص من قدر مؤلفه - بل يعتبرون هذا النوع من الدراسة هدماً لكتب التراث
وتجنياً على جهود الأسلاف ... إلى غير ذلك من التهم الباطلة.
والحق أن كلا الأمرين قصور في الفهم لا تهدف إليه هذه الدراسة التي أريد
منها مزيد الثقة بهذه النفائس من كتب التراث بعد إيضاح ما فيها من هنات لا يكاد
ينجو منها عمل البشر. والله المستعان.
стр. 240
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
حول الانتفاضة
حوار مع وفد مسلمي بريطانيا
في الفترة الواقعة بين ١٢-١٨ آذار (مارس) قام وفد من المسلمين البريطانيين
[المكون من: إبراهيم هيوت، وسليمان إيتم، وموسى باترسون، وعيسى دربي،
ومحمد عطاء الله، وعبد الله باول، وعبد الرحيم غرين، وصاحب مستقيم بليهر،
برئاسة الأخ يوسف إسلام] بزيارة لتفقد أحوال المسلمين في فلسطين المحتلة،
وكانت فرصة طيبة لمجلة «البيان» أن تلتقي مع بعض أعضاء هذا الوفد: الأخ
يوسف إسلام والأخ إبراهيم هيوت لتنقل للقراء انطباعات هؤلاء الأخوة عما يعانيه
الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما شاهدوه من أوضاعهم هناك.
وبعد الترحيب بهم وتهنئتهم بسلامة العودة كان هذا الحوار:
البيان: لاشك أن أحداثاً هامة جدت على الساحة الفلسطينية، هل كان ذلك
هو الدافع وراء زيارتكم لإخوانكم هناك؟
الأخ يوسف إسلام: لقد عزمنا على زيارة فلسطين إثر مشاهدتنا على شاشات
التلفزيون المعاملة الوحشية التي يعامل بها اليهود إخواننا وأخواتنا في الإسلام هناك، وخاصة بعد اقتحامهم المتكرر للمسجد الأقصى، لقد أثرت بنا تلك المناظر عميق
الأثر، حيث استحال بعد ذلك أن يقر لنا قرار، وأن نبقى عاجزين عن أي حركة،
لذلك صممنا على الذهاب إلى تلك البقاع، وزيارة إخواننا، وتقديم ما في طاقتنا من
مساعدة مادية أو معنوية.
أو على الأقل إحساسكم بضرورة إشعارهم بتعاطف ودعم إخوانهم خارج
فلسطين.
* نعم، مع أننا لم نكن نعلم في البداية أن الأخبار الخارجية تكاد تكون
معدومة، وقد تبين لنا فيما بعد أن اتصالهم بالعالم الخارجي ضئيل جداً، وأنهم
ليسوا على علم بما يجري خارج فلسطين، أو حتى في أماكن أخرى من فلسطين
نفسها، فالاتصالات الإذاعية والمنشورات الصحفية وغيرها معرضة لرقابة شديدة،
وكان علينا -كمسلمين بريطانيين نتمتع بما لا يتمتع به كثير من المسلمين وهو
حرية التنقل - أن نخترق هذا الطوق الحديدي، فنتصل بهم على أمل أن تطمئن
نفوسهم إلى أن لهم إخوة يشاطرونهم مشاعرهم.
أين أقمتم خلال هذه الزيارة؟
* لقد نزلنا في فندق بالقدس اسمه «مضافة الحجاج» وهو ملك لأحد
المسلمين، ثم انطلقنا من هناك في مختلف الاتجاهات.
هل يمكن أن تحدثونا عن جولاتكم هناك؟
* كان لنا برنامج عمل وضعناه، بمساعدة بعض الإخوة من الأوقاف (أوقاف
المسجد الأقصى) لقد قدموا لنا نصائح، ولأن الوقت قصير جداً فقد حرصنا على
استغلال كل دقيقة لزيارة أهم المناطق وتكوين فكرة عامة، فذهبنا إلى أمكنة كثيرة
في الضفة الغربية وغزة، ومسحنا مناطق: نابلس، رام الله، الخليل، أريحا،
الجليل.
لاشك أن الفلسطينيين يعانون كثيراً من الاحتلال الإسرائيلي فهل لمستم ورأيتم
شيئاً من هذه المعاناة؟
* لو نظرنا إلى الأمر نظرة عامة، فمنذ وصولنا تبين لنا بشكل واضح أن
اليهود يحاولون إحكام السيطرة على كل شبر، فلا يمكن لأحد أن يتحرك دون
ترخيص من اليهود، فالسيارات لها لوحات ملونة بألوان خاصة للتعرف ما إذا
كانت قادمة من الضفة الغربية أم لا، وليس باستطاعة أحد أن يتجول خارج الضفة
لأنه لو فعل ذلك لكان من السهل إيقافه، وهو معرض دائماً لمثل هذه الأسئلة: من
أنت؟ وإلى أين تقصد؟ وأين أوراقك الشخصية؟ ... الخ
وهم يسعون إلى إفساد برنامجك وخاصة إذا كنت مسلماً، عندما دخلنا وسط
الفلسطينيين رأينا تلك المنازل المتداعية الفقيرة، فسألنا عن أصحابها فعلمنا أنهم
مسلمون، فسألنا: لماذا لا يعاد بناؤها؟ فكان الجواب أنه ليس لهم الحق في إعادة
بنائها، ولو حاولوا الحصول على تصريح بإعادة البناء لما استطاعوا، حيث إنه
من رابع المستحيلات الحصول على هذا التصريح، فالعقبات الإدارية معقدة جداً،
وأخيراً وبعد ضياع وقت طويل يكون الجواب: لا، ليس لك الحق في البناء وقد
يحدث أن يحصل البعض على الموافقة، ولكن هذا صعب ونادر جداً.
إلى جانب ذلك ترى مدناً هائلة حديثة البناء ومجهزة بأحدث التجهيزات
والمرافق، وقد اختيرت لها الأماكن الاستراتيجية فبدت كالقلاع الحصينة فتسأل
عنها فيقال لك: إنها المستوطنات! كنا نظن أن المستوطنات عبارة عن مخيمات
مؤقتة متواضعة ولكن هذا الظن زال عندما رأيناها رأي العين، والأنكى من ذلك أن
هؤلاء الفلسطينيين الذين لا يسمح لهم بإعادة بناء بيوتهم المتهدمة هم الذين يبنون
تلك المدن المحصنة الحديثة (المستوطنات) ، إذاً ماذا يفعلون وقد سدت إسرائيل في
وجوههم كل طرق الرزق وألجأتهم إلى العمل في خدمتها؟ ! إن ما رأيناه من
مفارقات هناك غريب وخارق للعادة حقاً.
ومع كل هذا الوضع المأساوي ترى الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح
يتبخترون بخيلاء وبطر ويضحكون من المسلمين وإذا رأوا أحداً فليس غريباً أن
يخاطبه أحدهم: هيه، أنت، خذ هذه الحجارة وارمها هناك، ونظف هذا المكان
وإذا خالفهم انهالوا عليه بالضرب وأنواع الإهانات!
لقد ذهبنا للصلاة في المسجد الأقصى، وعلى الرغم من فرحنا بذلك لكننا كنا
نشعر أننا محاصرون من كل جانب وخاصة يوم الجمعة، فعدسات التصوير
وكاميرات الفيديو منصوبة في كل جانب من جوانب المسجد الأقصى تراقب
المصلين والداخل والخارج، والجنود فوق السطوح وفي ساحة المسجد، والطائرات
العمودية تحوم حول وفوق منطقة الحرم، ومقابل المسجد تبدو الجامعة العبرية على
التل وقد نصبت فيها أجهزة التصوير وأجهزة التنصت، هكذا تحس طيلة وجودك
هناك أنك محاصر، وبعد الصلاة يبدأ الأطفال بالتكبير (الله أكبر) ثم الرجال ثم بعد
ذلك النساء، إنها مأساة إنسانية لا توصف وليس لها نظير في العالم تحدث كل يوم
جمعة، يلي ذلك هدير الطائرات العمودية وصوت آلات التصوير التي تلتقط صور
هذا المشهد.
ماذا عن السجون الإسرائيلية؟
* لقد ذهبنا إلى نابلس حيث وقعت اضطرابات كبيرة والتقينا مع بعض
الأخوة الذين كانوا في السجن فرووا لنا ما يجري في السجون وطبيعة المعاملة التي
لاقوها في السجن، لقد قضى بعضهم ١٦ عاماً وبعضهم ٧ سنوات، وقد وصفوا لنا
سياسة التجويع التي تفرض عليهم في السحن، وكذلك حشر العدد الكبير في مكان
لا يتسع إلا لواحد فقط! لقد أغلقت المدارس وعطلت لتتحول إلى سجون، ٨ آلاف
سجين باعتراف اليهود أنفسهم، هل تصدق؟ بالإضافة إلى الجنود الذين يعيثون
فساداً فيغيرون على المنازل ليلاً يكسرون النوافذ والأبواب ويحطمون الأثاث ثم
يذهبون ...
هل لاحظتم آثاراً للتوجه الإسلامي في الانتفاضة؟
* لاشك أن الإسلام يشكل محركاً أساسياً وقوياً لهذه الانتفاضة، فالشعب
الفلسطيني في غالبيته شعب مسلم ولابد له أن يستوحي عوامل الإصرار والصمود
في وجه العدو من عقيدته وثقافته، وقد كان المنطلق الأساسي لهذه الانتفاضة من
المساجد، وكذلك فإن ملاحظة شيوع الحجاب الإسلامي بين النساء هناك، في
الضفة وغزة تدل على أثر إسلامي واضح.
ما مظاهر التمييز التي يقوم بها اليهود ضد المسلمين؟
* هناك مؤسسة إسلامية في غزة تدير مأوى للعجزة وكبار السن وكان من
شأنها أن أمر الحاكم العسكري حظر جمع التبرعات لهذه المؤسسة، وأمر بإغلاق
المأوى وهكذا هام هؤلاء العجزة على وجوههم بدون مأوى ولا حماية، بينما رأينا
على مسافة أمتار قليلة من المأوى المغلق مؤسسة مسيحية لها كل صلاحيات التوسع
والتسهيلات، بل هناك منظمة شيوعية! أما إذا كان الأمر يتعلق بمنظمة إسلامية
فإن أشد القرارات وأكثرها إجحافاً تتخذ ضدها.
هل شعرتم أن موقفكم تبدل بعد اطلاعكم المباشر على الأحداث هناك؟
* نعم، تصورنا الأساسي لحقيقة اليهود تغير جذرياً، فقد كنت أظن - كمسلم
بريطاني - أن اليهود ليسوا بهذه الصورة من الفظاعة، ولكن بعد أن رأيتهم بأم
عيني فيمكن أن أعتبرهم أقسى الناس قلوباً وأشدهم وحشية، وإلا فما جريمة العرب
المسلمين في فلسطين تجاه اليهود، هل نكلوا بهم كما فعل فيهم في دول أوربا؟
وهل كانت فلسطين في أيديهم فجاء الفلسطينيون فانتزعوها منهم؟ ! أم أن جريمة
أهل فلسطين أنهم من حملة رسالة آخر الأنبياء محمد ﷺ إلى
البشرية.
إنهم يقدمون أنفسهم إلى الغرب على أنهم هم الدولة الديموقراطية الوحيدة في
الشرق الأوسط في حين أن كل الدول المحيطة بها دول دكتاتورية!
* إن الدعاية السياسية الرهيبة والتي يتحكمون بها هي التي تجعل الغربيين
يتقبلون هذا التزوير، وإن أفضل طريقة لمقارعة اليهود هي الإسلام، لا السياسة
ولا الدعاية، ولا المال، الإسلام فقط، فهو أكبر خطر يتهددهم ويرعبهم.
هل الدوافع التي تجعل مسيحي الغرب يقدمون المساعدات الكبيرة لليهود هي
اشتراكهم في ثقافة واحدة أم هو التعصب ضد المسلمين والتأثر بدعايات اليهود؟
* إننا نعتقد أن هذا التآمر من قبل اليهود والذين يدعمونهم ليس إلا استمراراً
للحروب الصليبية والحملات الاستعمارية ضد المسلمين، وهي شكل جديد يعتمد
على تجزئة العالم الإسلامي وتفتيته، وهي حلقة من المخطط العام، وهم بزرعهم
إسرائيل في فلسطين تمكنوا من طعن العالم الإسلامي في الصميم، وجعلها عامل
عدم استقرار دائم يستنفذ الطاقات وينشر الفتن، وإن مشكلة فلسطين تبقى المشكلة
المركزية للعالم الإسلامي، ولا تقارن أي مشكلة إسلامية أخرى بها أبداً.
بالنسبة لك كمواطن بريطاني تمكن من زيارة فلسطين ما هي رؤيتك لدورك،
أنت وبقية المسلمين هنا في بريطانيا؟
* أولاً: إطلاع الناس على مشاهداتنا، والتعبير عن مشاعرنا، وذكرياتنا مع
إخواننا الواقعين تحت الهيمنة الإسرائيلية والمحاصرين من كل جانب، وسنحاول
مساعدتهم على قدر طاقتنا عن طريق جمعيتة الإغاثة الإسلامية، وعن طريق إلقاء
المحاضرات والتصريحات.
هل كانت لكم مناقشات مع بعض الإخوة، وهل قدموا لكم بعض الآراء؟
* لقد حدثونا عن تجاربهم المريرة تحت نير الاحتلال وما يتعرضون له من
محن. فالحياة اليومية عندهم صراع دائم من فقد أبنائهم ومن إتلاف متاعهم، ومن
سوء المعاملة التي يلقونها من العدو، وكأن لسان حالهم يطلب أن ننقل هذه الصور
السوداء عن معاناتهم إلى ما وراء حدود فلسطين، إلى جميع بلدان؟ ! العالم، فهم
مدركون لأثر النشاط الإعلامي، وهاهم اليهود يستغلون كل الأكاذيب وكل أساليب
الدعاية من أجل أن يلفتوا نظر العالم إليهم.
نتقدم بالشكر لأعضاء وفدكم الكريم، ونحيي فيكم هذا الاهتمام بأوضاع
المسلمين في فلسطين المحتلة، ونرجوا من الله أن نلتقي دائماً على
ما فيه مصلحة المسلمين وعزتهم. وأن تكون أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
стр. 241
نداء لإغاثة المسلمين في لبنان
إن المتتبع لأخبار (لبنان) هذا البلد المنكوب بحرب قذرة خطط لها من قبل
القوى الكبرى وإسرائيل، وشارك أباطرة الطوائف في تأجيجها حتى أكلت الأخضر
واليابس. إن المتتبع لهذه الحرب لا يسعه إلا أن يرى أن الفئة الوحيدة المغبونة
والتي تدور الحرب على رؤوسها هم أهل السنة فهم الذيتن ضربوا في بيروت
وطرابلس وصيدا والمخيمات الفلسطينية، وهم المعزولون عن القرار السياسي،
وهم الذين تضرروا أكثر متن غيرهم من الدمار الاقتصادي الذي حاق بلبنان، فكل
الفئات الأخرى تقدم لها المساعدات الكبيرة من دول عربية وأجنبية، ومن الأمثلة
على ذلك أن ما تنفقه إيران على شيعة لبنان يزيد تقريباً على خمسين مليوناً من
الدولارات شهرياً، وليست المساعدات المادية فقط هي التي تقدم للطوائف الأخرى، بل إن التخطيط المعادي للإسلام مكنهم من السيطرة على مناطق مهمة في لبنان
فأقاموا فيها دويلاتهم، وهذا ما مكنهم من ابتزاز الأموال والتلاعب بمقدرات الناس [١] وقد أشارت الصحف كثيراً إلى مثل هذه الأمور، وأصبح زعماء الطوائف لا
يستحون من التصريح بها، ومنذ بدء الحرب في لبنان وحتى كتابة هذه الأسطر فقد
حرص اليهود والأمريكان والسوفييت والنصارى وأشباههم في المنطقة العربية على
أن يبقى أهل السنة كالأيتام على موائد اللئام، ولطالما اجتمعت هذه القوى الكافرة
المجرمة ووقفت في خندق واحد لتبطش بالمسلمين في كل مكان.
وكان من آثار التدهور الاقتصادي المريع في لبنان أن المسلمين ازدادوا فقراً
في حين ازدادت الطوائف الأخرى ثراءً لأنهم من تجار الحروب، ونحن من خلال
المؤسسة التي تصدر مجلة البيان (المنتدى الإسلامي) قمنا بدور متواضع في مساعدة
إخواننا المسلمين في لبنان، ولكن حاجتهم أكبر من طاقتنا، ومن يطالع الصحف
ويستمع إلى وكالات الأنباء يحترق قلبه ألماً مما يسمع ويقرأ عن الأطفال الجياع
والرجال الذين يراد لهم أن يكونوا أذلاء، أمام هذه المناظر المفجعة وانطلاقاً من
شعورنا بألم إخواننا فإننا ندعوا المحسنين إلى البذل والإنفاق وليذكروا دائماً قوله
تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي
كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] [البقرة: ٢٦١] .
وليذكروا قول رسول الله ﷺ : «المسلمون كالجسد
الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» .
فأين أنتم يا أبناء الجسد الواحد؟ تذكروا عندما تجلسون مع أطفالكم أن هناك
في لبنان أطفالاً لا يجدون رغيف الخبز، تذكروا أن هناك نفراً من المسلمين تستغل
أوضاعهم من أجل إخضاعهم ويتحكم في مصائرهم كما يتحكم بالسوام من البهائم.
ونحن في (المنتدى الإسلامي) نرسل بانتظام مساعدات إلى المسلمين في لبنان،
ومن يرغب في المساهمة في هذا الخير فيمكن أن يرسل إلى العنوان المبين في
نهاية هذه الصفحة في لندن ويذكر فيه أن هذا المبلغ مخصص للبنان، وليكن
مطمئناً أن هذه الأموال تأخذ طريقها إلى الأفواه الجائعة والأجسام العارية وتوزع
حسب موازين شرعية ليس فيها إن شاء الله هوى أو تفرقة.
AL-MUNTADA AL-ISLAMI TRUST
National WEST MIN STER BANK
FULHAM BRANCH
ACCOUNT NO: ٤٤٣٤٨٤٥٢
٨٣١ FULHAM ROAD
LONDON SW٦ UK
стр. 242
هزيمة جديدة لأثيوبيا
حققت جبهة تحرير أريتريا نصراً كبيراً على صعيد القتال الطويل ضد
الجيش الأثيوبي وذلك حينما تمكن مقاتلوها من دحر الأثيوبيين عن مدينة (أفابيت)
البالغة الأهمية في هجوم مباغت شنوه في ١٧/٣/١٩٨٨ موقعين في صفوفهم أبلغ
الإصابات وأجسمها على الإطلاق منذ اشتعال نار الحرب هناك منذ ما يربو على
ربع قرن.
وقد أكد صحافيون غربيون - زاروا المعركة - ما أعلنه المقاتلون من
تحريرهم للمدينة المذكورة، ورووا ما شاهدوه من مناظر مروعة على سفوح التلال
المحيطة بالمدينة تدل على فداحة الهزيمة التي لحقت بالأثيوبيين في هذه المعركة
لوحدها.
ويرى السالك للطرق المؤدية إلى (أفابيت) سيلاً من سيارات الشحن العسكرية
الأثيوبية- التي غنمها المقاتلون - المدججة بالذخيرة إلى جانب مئات المدافع
ومنصات إطلاق الصواريخ والدبابات التي بلغ عددها (٦٠) دبابة حسب مصادر
الجبهة.
فقد ولى الأثيوبيون مدبرين دون أن تتوفر لديهم الفرصة حتى لاصطحاب
أسلحتهم معهم. كما تمكن الأرتيريون من أسر أعداد كبيرة جداً من الجنود
الأثيوبيين بلغت (١٨ - ٢٠) ألف. كما وقع في قبضتهم ثلاثة من المستشارين
العسكريين الروس أحدهم برتبة عقيد. وفي تطور آخر تمكن الأرتيريون من إزاحة
القوات الأثيوبية عن منطقة شمال بحري في ٢٢/٤/١٩٨٨ مكبدين إياهم (١٠٨٥)
إصابة بينها (٥٣٠) قتيل، كما قصفت مدفعيتهم ضواحي مدينتي كون وأسمرا
عاصمة أريتريا، كما أنهم أعلنوا استعادتهم لمدينة أجاردات الواقعة في غرب الإقليم. وتبدو حكومة أديس أبابا -بعد الهزائم التي منيت بها- في حاجة أكثر من أي وقت
مضى إلى تحقيق نصر مهم على صعيد القتال وذلك أملاً في استعادة ما فقدته من
مواقع بالغة الأهمية، إلى جانب النهوض بمعنويات جيشها المنهارة.
وقد أقدمت حكومة أديس أبابا على اتخاذ خطوات في اتجاه الإعداد لهجوم
معاكس كبير، من بينها إعادتها للعلاقات الدبلوماسية مع الصومال الأمر الذي أتاح
لها فرصة سحب ألوف من قواتها المرابطة على الحدود هناك وزجها في الجبهة
الشمالية. أما على الصعيد الإعلامي فقد امتلأت الصحف الأثيوبية بالنداءات التي
تحث الشباب على الانخراط في صفوف الجيش استعداداً لسحق المتمردين على حد
زعمهم. وتقول مصادر دبلوماسية غربية أن (منغستو هيلا ماريام) رئيس النظام
الأثيوبي ربما يكون قد تمكن من حشد ما بين (١٠٠-١٥٠) ألف مقاتل معظمهم في
مقتبل العمر. ومن جهة أخرى وكخلق شيوعي مألوف، لجأ ماريام إلى استخدام
سياسة التجويع في المناطق الدائر فيها القتال وتمثل ذلك بطرده للعديد من هيئات
ومنظمات الإغاثة الدولية العاملة هناك، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى مضاعفة
كوارث المجاعة التي تعاني منها المنطقة أصلاً.
إلا أنه على الرغم من كل تلك الاستعدادات، فإن دبلوماسيين غربيين لا
يرون في الجيش الأثيوبي المقدرة على تحقيق تقدم عسكري يذكر ضد الأريتريين،
بل على العكس من ذلك فإن مستقبل ماريام السياسي -حسب تقديراتهم - سيكون
متوقفاً على نتيجة ذلك الهجوم المزعوم
ومما تجدر معرفته أن الجيش الأثيوبي يعد ثاني أكبر جيش في القارة
الأفريقية من حيث العدد كما أنه يأتي بالمرتبة الثانية من حيث العدة بعد جيش
جنوب أفريقيا، فقد أغدقت عليه أمريكا منذ منتصف هذا القرن ما قيمته بلايين
الدولارات من المساعدات العسكرية ومثلها فعلت روسيا في أعقاب قيام الثورة
الشيوعية عام ١٩٧٤ حينما تنكرت للأريتريين وانقلبت ضدهم طمعاً فيما حصلت
عليه فيما بعد من تسهيلات عسكرية في أرخبيل دهلك، ومن تغلغل في القارة
الأفريقية.
لمحة موجزة عن تاريخ أرتيريا الحديث:
تشغل أرتيريا مسافات طويلة من الساحل الغربي للبحر الأحمر، ويعتبر
ميناءا «مصوع» و «عصب» فيها من أهم الموانئ عليه، كما يعتبران المنفذ
البحري الوحيد لدولة أثيوبيا على البحر المذكور.
احتل الإيطاليون أريتريا عام ١٨٩٠ م وأطلقوا عليها اسمها الذي تعرف به
اليوم، ومكثوا فيها حتى أخرجهم الإنكليز منها بعد انتصارهم عليهم في الحرب
العالمية الثانية عام ١٩٤١ م، ولقيت دولتا الاحتلال (إيطاليا وبريطانيا) من أهالي
أريتريا مقاومة شديدة منذ اليوم الأول الذي وطأت فيه أقدامهم أرضها ولم يتمكنا
طيلة فترة تواجدهما هناك من إحكام السيطرة عليها.
وإبان فترة الاحتلال تلك نشأت بين الأريتريين عدة فئات سعت إلى إجلاء
القوات الغازية عن بلادهم وكان من بين تلك الفئات فئة أطلق عليها في حينها
الرابطة الإسلامية اتخذت من عرب أريتريا قاعدة انطلاق لها، ومما تجدر معرفته
أن هذه الفئة أو الجماعة كانت الوحيدة على الساحة التي انفردت دون غيرها عن
الفئات بمطلب استقلال أريتريا المطلق ولم تكن لها أية صلات مع سلطات الاحتلال
أو مع أثيوبيا على خلاف البقية.
وفي نهاية الأربعينيات شهدت أريتريا أحداثاً ساخنة فقد كانت مسألة مستقبلها
السياسي موضوع الساحة لدى الدول القوية الأربعة (فر نسا، بريطانيا، روسيا،
أمريكا) الذين منهم تشكلت لجنة لتسوية قضيتها. وبعد خلاف وجدل طويلين وافقت
الأمم المتحدة-تحت ضغوط اللجنة-على تبني حلى وسط يأخذ بالاعتبار مصالح
أثيوبيا الإقليمية والاقتصادية في المنطقة وينص على دخول أريتريا في اتحاد
كونفدرالي مع أثيوبيا على أن يكفل ذلك الاتحاد حقوق أريتريا كاملة بما في ذلك حق
إنشاء حكومة محلية تتولى الإشراف على إدارة كافة شؤون البلاد باستثناء شؤون
الدفاع التي نص القرار على إبقائها بيد حكومة أديس أبابا. إلا أنه ما أن دخل عام
١٩٥٥ م حتى كان الدستور الأثيوبي قد شهد تغيرات جذرية لم تدع معها إلا جزءاً
ضئيلاً جداً من الحقوق التي نص عليها قرار الأمم المتحدة المذكور، فلم تعد
الحكومة الأريترية قادرة على اتخاذ أبسط القرارات المحلية إلا بإذن مسبق من
حكومة أديس أبابا. وفي شهر أيار من عام ١٩٦٠ م صوت مجلس الشعب
الأريتيري وبالإجماع! ! على إعادة تسمية الحكومة الأريترية باسم الإدارة
الأريترية، ويعلم الأريتيريون جيداً أن قرارا كهذا ما كان ليتخذ لولا الضغوط
الشديدة التي مارستها الحكومة الأثيوبية. وجاء عام ١٩٦٢ م ليشهد قطف ثمار تلك
الضغوط وذلك بضم أريتريا رسمياً إلى أثيوبيا وإعلانها الإقليم الرابع عشر فيها.
ولا تخلو ألاعيب سياسية واستهتار بحقوق الشعوب كهذا من دور بريطاني في
العادة، فقد كان المندوب السامي البريطاني في أريتريا - وكان يهودياً - في الفترة
التي سبقت قيام إسرائيل وراء إقناع هيلا سيلاسي إمبراطور الحبشة آنئذ بضم
أريتريا إلى ملكه وجعلها منفذاً مستقبلياً وحيداً للدولة اليهودية - التي كانت تهم
بريطانيا بإقامتها في فلسطين -على قارة أفريقيا، ومن هنا تتضح حوافز بريطانيا
في الأمم المتحدة وراء ضم أريتريا.
وفي مطلع الستينيات وفي ظروف كهذه التي شهدت نقضاً للعهود وسلباً
للحقوق انبثقت جبهة التحرير الأرتيرية وكان أبناء أريتريا المسلمون شعلتها الأولى، فعلى أكتافهم قامت وبأيديهم سطرت الملاحم الأولى، فقد أدركوا ومن الوهلة
الأولى أن هيمنة الفئة الصليبية الحاكمة في أديس أبابا [١] سيعنى في المستقبل
القريب اجتثاثهم من دينهم ولغتهم وتقاليدهم، ولم يخطئ المسلمون الأريتريون الظن
بأعدائهم، فمنذ ذلك الحين ومجازر الأثيوبيين في حق العزل منهم والاعتداء على
حرائرهم لا تعرف لها حدود.
لقد سلب المسلمون هناك من كل حقوقهم حتى لغتهم لم يعد لها وزن يذكر في
كثير من جوانب الحياة بما في ذلك التعليم، هذا على الرغم من أن الأريتريين
يشكلون نسبة لا يستهان بها من مجموع السكان البالغ حوالي ٣٠ مليون. إلا أن
الحكومة تحاول إظهارهم أمام العالم بمظهر الأقليات الصغيرة زاعمة أنهم لا يشكلون
سوى نسبة بسيطة من المجموع العام للسكان، علماً أنه لم يعرف عن الحكومة
الأثيوبية قيامها في يوم ما بإجراء عملية إحصاء للسكان يتبين من خلالها نسب
الطوائف المختلفة في البلاد.
стр. 243
المسلمون في الاتحاد السوفييتي
منذ مدة ووسائل الإعلام على اختلافها تتناقل أنباء القلاقل وموجات الاحتجاج
العرقية التي تسود عدداً من جمهوريات ما يسمى بالاتحاد السوفييتي، ذلك «الاتحاد»
الذي يضم أكثر من مائة طائفة عرقية تتحدث بما لا يقل عن ثمانين لغة، وتكتب
بما يزيد على ثمانية عشر نوع من الحروف الأبجدية، وتدين بديانات شتى، بل إن
أتباع الدين الواحد متفرقون إلى عشرات الملل المختلفة، فملل النصارى- على
سبيل المثال لا الحصر -تربو على (١٥٢) ملة.
بنية غريبة تدفع للتساؤل حقاً؛ إذا كان هذا هو مدى التباين بين شعوب هذا
الاتحاد، فعلى أي من أسس الوحدة ينهض هذا الكيان إذاً؟ ! !
ولرب قاسم مشترك يجمع بين هذه الشعوب والنحل ألا وهو أمنية الفكاك من
هيمنة الماركسية الحمراء التي ابتليت بها منذ ما يربو على نصف قرن.
فمنذ ما يقارب العام ونصف العام وزعماء الكرملين يواجهون ظاهرة جديدة لم
يألفوها من قبل تمثلت في اندلاع أعمال الشغب ومظاهرات اتخذت من جمهوريات
لاتفيا، لتونيا، كازاخستان، أستونيا، أذربيجان، وأرمينيا مسرحاً لها، راوح فيها
المتظاهرون في مطالبهم بين مطالب بمنح مزيد من الحريات، إلى داع إلى حكم
ذاتي، إلى ثالث يطالب بانفصام تام عن هذا الاتحاد كما حصل في جمهورية
كازاخستان المسلمة في أواخر عام ١٩٨٦م.
ولعل حديثاً عن شعوب غير مسلمة هناك لا يهمنا كثيراً - نحن المسلمين -
بقدر ما تهمنا أحوال إخواننا المسلمين في الجمهوريات المسلمة القابعة تحت نير
الشيوعية.
إلا أنه على الرغم من كل ما حدث في تلك الجمهوريات من خروج على
طاعة الكرملين؛ مما يمكن اعتباره نقطة انقلاب في منحنى هيمنة هذه
الإمبراطورية ونفوذها، غير أن الخطر الحقيقي في حسابات الرفاق في موسكو،
والذي قد يزعزع كيانهم؛ بل ويقوضه يوماً ما هو ذلك القادم من صوب جمهوريات
آسيا الوسطى المسلمة المبتلاة بحكمهم البغيض، ذلك الخطر المحدق المنبعث من
تشبث شعوب تلك الجمهوريات المستمر بدينها، على الرغم من محاولات حوالي
ثلاثة أرباع قرن من الزمن لثنيهم عن ذلك.
ولعل هذا هو السبب الذي دفع زعيم الكرملين الحالي إلى شن حملته الهوجاء
على المسلمين الملتزمين قبل ما يقرب من عام ونصف عند توقفه في جمهورية
كازاخستان وهو في طريقه إلى الهند، حينما شدد على ضرورة القضاء على كل
الظواهر الدينية (يقصد الإسلامية) والعمل جدياً على نشر الأفكار الإلحادية، كما
وجه اللوم إلى بعض الكبار من مسؤولي الحزب ممن وصفهم بالفشل في ترسيخ
مبادئ الحزب، والذين كانوا -على النقيض من ذلك - يساهمون في بعض
المناسبات الدينية، بل ويدعون إليها أحياناً. ولعل زعيم الكرملين يشير بخطابه
ذلك إلى ظاهرة اكتظاظ المساجد بالمصلين الآخذة بالاضطراد، لا سيما في المساجد
غير الرسمية، والتي غالباً ما يتخذها المسلمون في منازلهم وبشكل يصعب على
أجهزة الأمن مراقبتها.
وتسلك السلطات الشيوعية في محاربتها لهذه الظواهر مسلك الجد، فكثيراً ما
أُقصي مسؤولون كبار عن مناصبهم لأسباب بسيطة لا تتجاوز قيام بعضهم بإحياء
حفلات في مناسبات دينية، كمناسبة حلول شهر رمضان مثلاً! ولا تخفي السلطات
الشيوعية قلقها حيال تزايد معدل الولادات لدى المسلمين في هذه الجمهوريات والذي
قد يفوق مجموع معدل الولادات في باقي الجمهوريات مجتمعة - بما في ذلك روسيا - مع حلول نهاية هذا القرن، في الوقت الذي فشلت فيه كل الجهود التي بذلتها
الحكومة لإقناع الأمهات الروسيات - على وجه الخصوص - لزيادة الإنجاب إلى
أكثر من اثنين، علماً بأن معدل الإنجاب لدى الأمهات المسلمات تجاوز الخمسة،
وكثيراً ما تحوز أمهات مسلمات على جائزة الأمومة لإنجابهن عشرة أبناء. وتنبع
مخاوف الحكومة الروسية من كون أن كبريات مرافق الدولة وفي مقدمتها الجيش
والمؤسسات الاقتصادية آخذة في الاعتماد وبشكل مكثف على الشبان المسلمين في
إدارة شؤونها، هذا بالإضافة إلى أن نسبة بسيطة جداً من هؤلاء الشبان يحسنون
اللغة الروسية، في حين أن الغالبية العظمى منهم لا تأبه بتعلّمها على الإطلاق مما
يجعل أمر ولائهم للإمبراطورية الروسية موضع شك متزايد لدى الزعماء الروس،
في وقت تتناقص فيه نسبة الأغلبية الروسية في ما يسمى بالمجتمع السوفييتي بشكل
قد يهبط إلى مادون نسبة إلى ٤٨% مع حلول عام ٢٠٠٠ م. في حين تشير
إحصائيات عام ١٩٧٩ م أن عدد المسلمين في أنحاء الإمبراطورية قد جاوز الـ
٤٣ مليوناً، وأنه مع حلول عام ٢٠٠٠ م سيشهد الاتحاد السوفييتي ولادة طفل مسلم
كل ثانية وهو ما يشكل نصف معدل المواليد لدى الطوائف الأخرى مجتمعة، وإذا
ما تذكرنا هذا الكم الهائل من المواليد لدى المسلمين وتذكرنا أن هؤلاء المسلمين
مازالوا - وبعد مرور أكثر من نصف قرن على احتلال روسيا لبلادهم - في معزل
شبه تام عن الجنس الروسي وباقي الطوائف، لاسيما في الجانب الاجتماعي من
حياتهم، وأن هؤلاء المسلمين مازالوا يكنون الود لإخوانهم في البلاد المسلمة
المجاورة كأفغانستان، ويتحمسون لظهورهم على أعدائهم، الأمر الذي يقلق موسكو
كثيراً؛ ارتسمت لدينا أبعاد القلق الذي يساور الشيوعيين حيال مستقبل
إمبراطوريتهم، كما تبين لنا خطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه أولئك المسلمون -
لو اتحدوا - في تقويض صرح أكبر دولة استعمارية همجية عرفها العصر الحديث، والله غالب على أمره.
стр. 244
أخبار حول العالم
الجهاد الأفغاني
تمكن المجاهدون الأفغان من حسم أهم معركة استراتيجية لصالحهم منذ بداية الغزو الشيوعي الروسي لبلادهم قبل ما يقرب من تسعة أعوام وذلك بتحريرهم
لحامية باركوت الواقعة في إقليم كونار بعد حصار مستمر لها دام ثمانية سنوات.
وقد جاء سقوط باركوت ليكون الرابع من نوعه خلال أسبوعين عقب سقوط
(معروف، أتاغار) وليسجل رقماً قياسياً في عدد سقوط المواقع ذات الأهمية
الاستراتيجية في فترة وجيزة كهذه، ويضع المراقبون العسكريون معنويات الجيش
الأفغاني المتداعية سبباً رئيسياً وراء سقوط الحاميات تلك.
وتمثل حامية باركوت الحصينة بوابة الدخول إلى إقليم نورستان، وكانت فيما
مضى تستخدم لقطع طرق إمداد المجاهدين القادمة من باكستان، وبناء على ما تقوله
مصادر موثوقة لدى المجاهدين فإن عشرين طائرة عمودية روسية قامت بعملية
إخلاء أعضاء الحزب الشيوعي من بين (٧٠٠) رجل يقومون بالدفاع عن الحامية،
كما ذكر قائد عمليات المجاهدين هناك أن ما يزيد على (٣٠٠) فرد من الجيش
الأفغاني لجأوا إلى صفوف المجاهدين خلال المعركة.
ومن جهة أخرى فإن حكومة كابول باتت تعيش شبح أجواء الفترة التي
ستعقب انسحاب الروس وتوقف مساعداتهم العسكرية لاسيما سلاح الطيران، ومع
أنه من المتوقع أن يترك الروس وراءهم العديد من الطائرات وآلات الحرب
الأخرى إلا أن النقص الشديد في عدد الطيارين الأفغان وطواقم الصيانة سيجعل
استخدام سلاح الطيران بشكل فعال خياراً مستحيلاً أمام كابول.
وتهم كابول - وفق خطة دفاعية استراتيجية رسمتها موسكو لها - بسحب
قواتها إلى داخل المدن الرئيسية ومحاولة الاحتماء فيها أمام ضربات المجاهدين. إلا
أن المتتبعين لتطورات الوضع هناك يرون أن تحول معنويات الجيش الأفغاني
المنهارة دون نجاح تلك الخطة.
ديلي تلغراف ٢٥/٤/١٩٨٨
الأندبندنت ٢٦/٤/١٩٨٨
стр. 245
على الرغم من عداء السوفييت لكل الأديان..
لكن عداؤهم للإسلام أشد
يقول قسطنطين خارتشوف رئيس مجلس إدارة الشؤون الدينية التي تقدم
تقاريرها إلى الحكومة السوفييتية (وهو رجل معروف باعتداله) :
... إن قادة الحزب الشيوعي المحليين قد انساقوا وراء عاطفتهم أكثر من
اللازم أحياناً لإكراه الناس على الإلحاد، وبناء على الأرقام التي نشرت للمرة
الأولى في الاتحاد السوفييتي في شهر نوفمبر (١٩٨٧) فإن عدد المؤسسات الدينية
المعترف بها قانونياً تقلص بنسبة ٣٤% خلال ربع القرن الأخير، حيث إن عددها
الحالي يصل إلى حوالي ١٥ ألف.
ومن أكبر الأديان التي تضررت الإسلام مما أدى إلى انتشار الملالي سرياً في
آسيا الوسطى انتشاراً واسعاً، وهم يسببون مشاكل للحكومة! .
وتتعرض شعائر وطقوس العبتادة لتدى المسلمين إلى هجوم قوي في وسائل
الإعلام في جمهوريات آسيا الوسطى.
стр. 246
احتدام شدة المعارك في أرتيريا
في الوقت الذي تستعد فيه أديس أبابا لاستضافة احتفالات الذكرى الخامسة
والعشرين لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية (٢٣-٢٦/٥/١٩٨٨) باتت على وشك
فقدان السيطرة التامة على إقليمي أرتيريا وتيجري الشماليين في خضم حربها مع
أهالي الإقليمين.
فقد فقدَ الجيش الأثيوبي السيطرة على الطريق الرئيسي الموصل بين أديس
أبابا والبحر الأحمر بالإضافة إلى تقهقره عن العديد من المدن الرئيسية خلال الفترة
الممتدة من شهر شباط المنصرم حتى الآن. وقد كانت الحكومة الأثيوبية قد أمرت
جميع الأثيوبيين في منتصف شهر أيار (مايو) بالتبرع بمرتب شهر واحد وذلك
مساهمة في دعم المجهود الحربي، كما أعلنت حالة الطوارئ في الإقليمين
المذكورين، ورفعت شعار: كل شيء من أجل الحرب. وتبدو حكومة أديس أبابا
المركزية - ولأول مرة منذ اندلاع الحرب هناك قبل ٢٦ عاماً - وكأنها على عتبة
خسارة الجولة الأخيرة من القتال. ويقول المراقبون إن كل شيء مرتبط بإمكانية
الجيش الأثيوبي على شن هجوم معاكس لاستعادة الطرق والمدن الرئيسية التي فقدها.
هذا وكان الأثيوبيون قد انسحبوا من جميع المدن الواقعة إلى الشرق. من
مدينة (كرن) (انظر الخريطة) التي يقول الأرتيريون أنهم يستعدون لدخولها، ومن
المعلوم أن جميع الطرق المؤدية إلى مدينتي أسمرة (العاصمة) وكرن قد قطعت وأن
تموين المدينتين قد أصبح متعذراً إلا من طريق الجو.
وتأتي هذه الانتكاسات العسكرية في وقت أخذت فيه روسيا تفكر ملياً في الحد
من نفقاتها العسكرية الضخمة الناتجة عن تورطاتها في نزاعات داخلية كهذه. ولا
سيما في أعقاب الصفعات التي تلقتها على أيدي الأفغان.
الأندبندنت ٢١/٥/١٩٨٨
стр. 247
ارتفاع هجرة اليهود
من الاتحاد السوفيتي
جنيف/رويتر
قالت اللجنة الدولية لشؤون الهجرة يوم ٢/٥/١٩٨٨ م أن الهجرة اليهودية من
الاتحاد السوفييتي قد ارتفعت في شهر نيسان لتصل إلى (١٠٧٧) مهاجر وهو أعلى
رقم تصله الهجرة في شهر واحد منذ شهر أيار من عام ١٩٨١ م عندما بلغ عدد
المهاجرين (١١٤٠) . وكان (٩٤٤) يهودياً قد غادروا الاتحاد السوفييتي في شهر
نيسان من هذا العام في حين بلغ عدد اليهود الذين غادروا الاتحاد السوفييتي ابتداءً
من هذا العام (٣٤٠٢) بالمقارنة مع (١٤٣١) غادروا خلال الأشهر الأربع الأولى
من عام ١٩٨٧. كما بلغ عدد اليهود الذين غادروا الاتحاد السوفييتي خلال العام
الماضي (٨٠١١) وهو يشكل ثمانية أضعاف العدد الذي غادر في عام ١٩٨٦ م كما
يشكل أكبر عدد من اليهود سمح لهم بالمغادرة منذ عام ١٩٨١ م عندما بلغ عددهم
(٩٥٦٠) .
التايمز ٣/٥/١٩٨٨ م.
стр. 248
بأقلام القراء
التماس البركة في الوقت
صالح عبد الهذلول
كثير من أهل الخير والصلاح وخاصة من تكون الدعوة إلى الله هي شغلهم
ومعظم اهتمامهم يشكون من قلة الوقت وسرعة مروره دونما نتائج تستحق كل ذلك،
بل إن بعضهم يتحسر أحياناً بسبب فوات كثير من الفرص وترك كثير من الأعمال
بسبب ضيق الوقت.
ولكن مما ينبغي معرفته في هذا الشأن وملاحظته أن الرسول -صلى الله عليه
وسلم- حينما رغب في قيام الليل مثلاً وصلاة الوتر أو قراءة القرآن، لم يكن جاهلاً
بمشاغل الداعية أو أنه قال ذلك الكلام من فراغ، بل إنه ﷺ
كبير الدعاة إلى الله ومع ذلك رغب فيما رغب فيه، هذه ناحية، وأخرى أن جهد
البشر قاصر وطاقتهم محدودة، فلهذا لابد من التزود من مثل هذه المحاطِّ التي
ذكرها الرسول ﷺ وعملها، وإلا فالمخالفة والضعف، وربما
غيرها كذلك.
ثم إنه لا يستبعد أن قلة البركة في الوقت والتي يشكو منها الدعاة ناتجة عن
الارتجالية في توزيعه، لا تلمس هدى النبي ﷺ في ذلك، نعم
قد يمر على الداعية وقت ينشغل فيه عن قراءة القرآن أو صلاة الوتر أو يعجز عن
قيام الليل أو ... بسبب انهماك في أعمال الدعوة لكن هذا لا يكون دائماً، وإنما هي
حالات تطرأ، كما ورد عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها كانت تؤخر
قضاء أيام من رمضان حتى يأتي عليها شعبان لانشغالها بأعمال الرسول -صلى الله
عليه وسلم-، ولكن ذلك أحياناً وليس غالباً.
ومرة ثانية أقول: إن توزيع الوقت لنا - نحن المسلمين - يجب أن يكون
أصيلاً مستلهماً من شريعتنا ومتبعاً فيه هدى الرسول ﷺ .
وسأذكر مثالاً على التخبط عندنا في توزيع الوقت: وهو ترك صلاة الوتر
وعدم قيام الليل وإن من أسباب ذلك وأقواها النوم متأخراً، وهذا لا شك خلاف هدي
الرسول ﷺ - إلا ما استثني من ذلك - فتجد كثيراً من أهل
الصلاح لا ينام إلا متأخراً، وربما منعه شغل يسير أو تشاغل حتى منتصف الليل
أو بعده حتى لا يقال نام مبكراً أو يعرف عنه التبكير بالنوم! !
صحيح أن الداعية يجب أن يبذل نفسه ووقته في سبيل الله ولكن يراعي في
ذلك تلمس السنة ويراعي في ذلك أيضاً تفاضل الأعمال، ثم إذا جاءه عارض
وشغله عن التبكير أحياناً، فلا ينبغي أن يعتاد ذلك.
ثم لنعلم أن الرسول ﷺ عوتب في موقفه من عبد الله أم
مكتوم ﵁ حينما جاءه ليعلمه الرسول مما علمه الله، وكان الرسول -
ﷺ مشغولاً مع صناديد قريش يطمع في إسلامهم، فعاتبه الله في
ذلك عندما ردَّ وعبس في وجه ابن أم مكتوم، فلنتذكر مثل هذا الموقف عندما يجيء
أحد ليسمع منك أيها الداعية كلام الله أو يشكو إليك أمراً في دينه فتمنعه أو تغلق
الباب دونه بحجة النوم مبكراً.
هذا والله أسأل أن يمن علي وعلى إخواني المسلمين بالهدى والسداد وصلى
الله على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.
стр. 249
ذو الحجة - ١٤٠٨هـ
أغسطس - ١٩٨٨م
(السنة: ٣)
стр. 250
الافتتاحية
عواقب التبذير
هل المسلمون فقراء؟ وهل صحيح أن الله حرمهم حيث وسَّع على غيرهم؟
عن ذلك علواً كبيراً.
إن فضل الله على المسلمين لا حدود له، ولا يحيط به وصف، وإن ما حباهم
به من الخير تتحلب له نفوس غيرهم، وتتكالب على الظفر ببعضه القُوى من شرق
وغرب.
إذن، فما سر هذا الضنك الذي يعيش به المسلمون، وماذا وراء هذا الهوان
الذي يلفُّهم حينما تُطرح قضاياهم على موائد المساومات؟ !
إن هذا السؤال يقضّ مضجع كل مَن يحمل قلباً من المسلمين، ويؤرقه ليل
نهار بحثاً عن الجواب.
وعلى كثرة الأجوبة وتشعبها، ومن خلال تجميع الأسباب للخروج بنتيجة
يمكن إبرازها؛ فإن هناك ظاهرة تصب في أسباب الضعف والتراجع، ألا وهي
ظاهرة التبذير والإسراف.
وحينما نقول: ظاهرة؛ فإننا نعني أن الأمر خرج عن أن يكون مسلكاً فردياً
لقلة من الأفراد لا تأثير لهم في المجتمع الكبير. ولو كان الأمر كذلك لما استحق أن
يُنَوَّه به كسبب رئيسي من أسباب التخلف والانحطاط.
ونريد أن نتقدم خطوة أخرى فنقول: إن من شأن البعيدين عن هدْي الإسلام
والقرآن إذا اغتنوا أو ملكوا شيئاً من أسباب القوة أن يدفعهم ذلك إلى الإسراف
والبطر والتعالي على خلق الله، وعيش اللحظة الراهنة دون تفكير بالعواقب، ولا
وضْع النهايات في الاعتبار.
ولكن حديثنا لن يتجه إلى هؤلاء، وإنما يعنينا أن نتوجه إلى من يفترض فيهم
بُعد النظر، وعدم الاغترار باللحظة العابرة، وهم الذين يهمهم أمر المسلمين،
ويعيشون من أجل الفكرة الإسلامية، لها يعملون، وفي سبيلها يضحون.
يحسن بالمسلم أن يفرق بين الكرم - الذي هو خلق أصيل من الأخلاق
الإسلامية - وبين التهور في التبذير.
فكثير من فضلاء المسلمين يدفعهم الخوف من وصفهم بالبخل، وحرصهم
على أن يوصفوا بالكرم إلى أن يتكلفوا في المأكل والمشرب والملبس والمركب،
ويقلدوا من يطفون على صفحة المجتمع من محدثي النعمة، وعندما تتحول القيادة
الفكرية في مجتمع ما إلى مثل هؤلاء الذين يضربون أسوأ الأمثلة للآخرين، في
غيبة المبادىء التي تعمل على تماسك المجتمع في وجه الرياح التي تهب عليه من
كل جانب؛ فأي خير يبقى في الحياة، وأي أمل في تحسن الأحوال؟ !
إن المجتمع المسلم بحاجة إلى مثل أعلى في هذا المجال غير من تملأ أخبارهم
أعمدة الصحف والمجلات، مثل أعلى في الحكمة والتعقل في مجال الإنفاق، والبعد
عن تضييع الأموال في ما لا يُجدي.
وعلى عقلاء المسلمين الانتباه إلى حسن التدبير والنظر إلى مستقبل الدعوة
الإسلامية، فهذه الدعوة إذا تحسن حالها بما يبذله المحسنون في سبيلها عن طريق
التبرع والإحسان؛ فإن حالها سيكون أحسن إذا قامت مشاريع ومؤسسات صلبة
قادرة على الوقوف بذاتها دون الاعتماد المتواصل على الصدقات والهبات - وهذا
ليس تعريضاً أو تشهيراً بالصدقات - وأول خطوة في سبيل ذلك أن ينهض بهذا
الأمر أناس ينفرون من المظاهر، ويتحرون البعد عن التنطع الذي يمحق البركة.
فالبركة في المفهوم الإسلامي ليست أمراً خيالياً يصعب تعليله، وإنما هي
ثمرة الجهد الذي يصدر من أناس أخلصوا نيتهم لله، وتبرؤوا من كل حول وطوْل
إلا من الاعتماد عليه في كل شأن من شؤونهم، وبذلوا وسعهم، وحين يعلم الله -
سبحانه - صدق تجردهم، وبذلهم جهد طاقتهم يجعل الله لقليلهم ثمرة، ويبارك
جهدهم، كما قال تعالى: [لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا
آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً] [الطلاق: ٧] .
فما بالك بالكثير المثمَّر؟ ، في حين يمحق - سبحانه - جهود من يحادّونه
ويصدون عن سبيله ولو كان القناطير المقنطرة التي تُنفق من أجل ذلك؛ مصداقاً
لقوله : [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ
فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ]
[الأنفال: ٣٦] .
إننا لا نأتي بجديد إذا دعونا المسلمين إلى الاقتصاد في النفقة والبعد عن تبديد
نعمة الله فيما لا يعود بالفائدة؛ فقد قال رسول الله ﷺ : (إن
الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به
شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة
السؤال، وإضاعة المال) [رواه مسلم ٥: ١٣٠] .
وما لم يعلنها المسلمون - وأخص العرب منهم الذين أكرمهم الله بهذا الدين،
وامتنَّ عليهم بأن جعلهم في سرة العالم، وأتمنهم على تبليغ هذه الرسالة للعالمين -
أقول: ما لم يعلنها المسلمون حرباً على التبذير في كل مجال فإن اليوم الذي
ستغزوهم فيه منظمات الإغاثة قريب، والساعة التي ستجعلهم في عداد الدول التي
تتناوشها هذه المنظمات من كل جانب، والبنك الدولي من جانب آخر تلوح في
الأفق، ومن يدري عندها؟ فقد يحقق هؤلاء فتنة المسلمين عن دينهم، وهو ما
عجزوا عن تحقيقه قبلاً بقوة السلاح، وأمامنا أمثلة حية من بنغلاديش وموزمبيق
والحبشة وغيرها.