الورقة الأخيرة
تعب السعداء
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
روى البخاري في قصة نزول الوحي على النبي ﷺ أن
ورقة بن نوفل لمّا أخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى قال:
ليتني أكون حياً إذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله: أومُخرجي هم؟ قال: نعم،
لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي.
عجيب أمر المصلحين.. يواجهون بكل أنواع الظلم والمحاربة والاستهزاء،
ومع ذلك فهم صابرون محتسبون..!!
عجيب أمر المصلحين، يخرج المصلح منهم وحيداً فريداً يقف بمفرده أمام
الأمة بمجموعها لا يضره من خذله ولا من خالفه، يتألب عليه الخاصة وينفر منه
العامة، يصفونه بأقذع الصفات ويتهمونه بأبشع الأخلاق، ومع ذلك فهو رافع
الرأس، عالي الهمة، صادق العزيمة..! ينظر المصلح إلى الناس من حوله فيجد
الانحراف والضلال والبعد عن شرع الله فيتحرك قلبه، ويهتز ضميره، ويصبح
ويمسي مفكراً في هموم الأمة وأحوالها، يظل قلق النفس حائر اللب، لا يهدأ باله
بنوم أو راحة، ولا تسكن نفسه بطعام أو شراب.. وكيف يقوى على ذلك أو
يرضى به وهو يرى أمته تسير إلى الهاوية، وفصول الهزيمة والاستكانة تتوالى
تباعاً..!!
إنّ المصلح صادق مع نفسه، صادق مع الآخرين، يجهر بالحق، ويُسمي
الأشياء بأسمائها، ويكره التدليس والخداع وتزوير الحقائق، ولا يرضى بالمداهنة
أو المداورة، وهذا ما لا يرضي العامة الذين ألهتهم شهواتهم وأهواؤهم عن ذكر الله، كما لا يرضي المتنفذين الذين يستمدون وجودهم ومكانتهم من غفلة العامة
وسكرتهم.
ينطلق المصلح مستعيناً بالله تعالى يجوب الآفاق رافعاً صوته بكلمة التوحيد
الخالص لا يعتريه فتور ولا خور، ولا يقعده عن أمانة البلاغ رغبة ولا رهبة ولا
خوف، لأن القلب العامر بنور الإيمان يكتسب قوة وثباتاً يستعلي بها على زخرف
الدنيا وبطش الجبابرة.
إن عظمة المصلح تتجلى في ثباته ورباطة جأشه وقدرته على مواجهة الناس، بدون كلل أو ملل، فالحق يمكن أن يصل إليه الكثيرون، ولكن الصدع به
والثبات عليه والصبر على الأذى فيه منزلة شامخة لا يصل إليها إلا المصلحون
الأفذاذ.
إن عظمة المصلح تتجلى في رعايته لهموم الأمة كبيرها وصغيرها، دينيها
ودنيويها، فهو يعيش للأمة يذب عن بيضتها ويحمى حماها، ولا يتعلق قلبه بشكر
الناس أو حمدهم، أو ترهب نفسه من غضبهم أو ظلمهم، يقولها صادقاً: [يا قوم
لا أسألكم عليه أجراْ إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون] [هود: ٥١] إنّ
المصلحين هم صانعو الحياة، وباعثو الأمل في الأمة هم حرسها وقادتها وحداتها
إلى كل خير، في زمن عزّ فيه الأحياء، وندر فيه الصادقون..!
стр. 1857
شعبان - ١٤١٥هـ
يناير - ١٩٩٥م
(السنة: ٩)
стр. 1858
كلمة صغيرة
دفاع عجيب
قدم رئيس الرابطة المارونية في بيروت استدعاءات للمسؤولين مطالباً باتخاذ
الإجراءات القانونية الصارمة ضد ماذا؟ .
ضد صحيفة تعرضت بالتطاول برسم كاريكاتوري لـ (الكاردينال: صغير)
وهو مرجع ديني نصراني قائلاً: بأن ذلك يمس في العمق مشاعر النصارى بل
والمسلمين وكرامتهم.. هكذا قال.
قلت: كم مرة انتهكت حرمة علماء الإسلام ودعاته بالصوت والرسم والمقال،
كم مرة ادعي على علماء الإسلام بحبك المؤامرات ضد الدول ومحاولة إسقاطها وهم
لا يملكون سوى الكلمة والكلمة فقط.
كم مرة اعتقلوا وحوكموا محاكمات صورية ثم أعدموا؟!
مَنْ غار على علمائنا واستنكر ما يحاك ضدهم ليل نهار، إلى متى يغار أهل
الأديان الأخرى على علمائهم ومراجعهم، بينما جل وسائل الإعلام تشن حرباً
ضارية على العلماء والدعاة المسلمين بدعاوى ساذجة مكرورة.
ولا نقول سوى: حسبنا الله ونعم الوكيل..
стр. 1859
الافتتاحية
صناعة الإعلام الغربي
تطورت صناعة الإعلام في العقود الأخيرة تطوراً مذهلاً، فالخبر ينتقل من
أقصى المشرق إلى أقصى المغرب خلال دقائق معدودات، بل بدأت القنوات
الفضائية ووكالات الأنباء العالمية تتنافس في تغطية الأحداث على الهواء مباشرة،
حتى ظهر اصطلاح القرية الكونية تعبيراً عن سرعة وسهولة انتقال الخبر،
وصاحب ذلك تنافس وكالات الأنباء على الدقة في النقل والمصداقية في عرض
الأخبار، ممّا جعل كثيراً من الناس يتهافتون على تلقي الأخبار باطمئنان تام
وتصديق كامل، وبخاصة في دول جل العالم الإسلامي التي اعتاد الناس فيها على
الكذب الرسمي والتزوير المتعمد والتلفيق المكشوف، من إعلام استهلاكي لا يُجيد
إلا الإشادة والتطبيل لمنجزات الزعيم الملهم وإبداعاته المتجددة، حتى وإن لم تر إلا
الإنجازات الورقية..!!
ولكن هل الإعلام الغربي ووكالات الأنباء العالمية تلتزم الدقة وتحرص على
مصداقيتها حقاً..؟ !
وللإجابة على هذا السؤال لابد من إدراك الخلفيتين التاليتين:
الأولى: أنّ أكبر وكالات الأنباء والقنوات الفضائية تسيطر عليها الإدارة
اليهودية، التي لا تخفي ولاءها لإسرائيل والمنظمات الصهيونية
الثانية: أنّ هذه الوكالات وجل القنوات الفضائية مخترقة من وكالات
الاستخبارات الغربية، ومن ثم فهي تتحرك وفق استراتيجية استخبارية مدروسة.
وبناء على هاتين الخلفيتين العقدية والسياسية فإنّ النزاهة والدقة والحيادية
التي تزعم القنوات الإخبارية الحرص عليها تتلاشى تماماً حينما يكون التحقيق
الإخباري متعلقاً بالشعوب الإسلامية بعامة وبالصحوة الإسلامية بخاصة، وحينها
تنكشف الأقنعة، وتظهر الصورة الكالحة على وجه المعلق وتندفع الكلمات
الاستفزازية المتشنجة مسيطرة على تحليل المواقف السياسية فالشعوب الإسلامية لا
تستحق البقاء وليس لها حق العيش كريمة وليس لها الحق في خياراتها أسوة بغيرها
من الشعوب، والحركات الإسلامية حركات متزمتة ظلامية أصولية لا تحيا إلا بالدم
والتدمير والإرهاب، فيجب مقاومتها ووأدها وكبتها، وأما الأنظمة الدكتاتورية
القمعية فهي أنظمة وديعة مناضلة متحضرة محبة للسلام، حتى بدت نهاية هذا
القرن في نظر الرأي العام الغربي على أنها حقبة التهديد الإسلامي.. [١] ! !
وبعد سقوط الماركسية والدول التي دارت في فلكها سيطرت فكرة التهديد
الإسلامي على عقول الساسة والإعلاميين الغربيين، حتى أصبحت قاعدة رئيسة
تنطلق منها التعليقات الإخبارية والقرارات الدولية، لقد عقد الكونجرس الأمريكي
في ٢٦ مايو ١٩٩٤ ندوة بعنوان: الإسلام المنبعث من الشرق الأوسط شارك فيها:
السفير روبرت باللترو مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى،
والكاتب دانيل بابيس، والكاتب جون اسبزيتو [٢] ، وقد قال الكاتب بابيس في هذه
الندوة:
إنّه لا يوجد أصولي يريد أن يعيش بهدوء، إن الأصوليين يصرون على
نقطتين: تطبيق الشريعة الإسلامية في كل البلاد الإسلامية، وتوسيع حكم المسلمين
. وكلا الهدفين يحتويان على كفاح عدواني متأصل، وهم قد يظهرون نوعاً من
المرونة، ولكنهم لا يتركون هذين الهدفين.. ثم يقترح على الحكومة الأمريكية
الاقتراحات التالية:
أولاً: دعم الحكومات والجماعات التي تحارب الأصولية.
ثانياً: على الغرب أن يضغط على الدول الأصولية، في السودان وإيران
وأفغانستان، حتى تخفف من عدوانيتها.
ثالثاً: دعم الأشخاص والمؤسسات التي تعارض الأصولية [٣] .
ويفضح هذا الكلام عمق القلق الأمريكي بخاصة من تنامي الصحوة
الإسلامية..!
لقد أصبح الإعلام الغربي والأمريكي على الخصوص بإمكاناته المدهشة أداة
رئيسة في صنع وتشكيل الرأي العام المحلي والعالمي، ونجح الغرب في توظيفه
وجعله وسيلة لتعمية الشعوب الإسلامية، والاستحواذ على العقول والأبصار،
وصرفها عن الحقيقة وساعد على ذلك ما يلي:
* الفشل الإعلامي الذريع الذي تمارسه أكثر الدول المحسوبة على الإسلام
وقيامها بسياسات إعلامية معادية للإسلام، ورفعها لشعار تجفيف المنابع حيث
شوهت المنابع تبعاً لسياسات التطبيع والتغريب.
* إن الإعلام العربي في الغالب مستهلك لأسوأ ما أنتجه الإعلام الغربي على
كل الأصعدة من إذاعة وصحافة، وحتى ما يعرض للأطفال من (الصور المتحركة)
يصاغ صياغة تحاكي النمط الغربي بل هي نسخة مترجمة منه.
* إن الجهود الجديدة في الإعلام الخاص تجارية بحتة تعمل جهدها للهو
والتسلية ولإغراء المُشاهِد بالفاتنات والبرامج الساقطة وقل أن تجد فيها النافع المفيد.
كنا نود لو أن تلك الجهود قامت بشيء من واجبها لمواجهة الإعلام الأجنبي
ومحاولة ترشيد الفهم الخاطئ عن الإسلام وأهله، فقد آن لنا أن ندرك أنّ الإعلام
الغربي إعلام عنصري استعماري، وإنْ زعم الدقة والحيادية ومواقفه من أحداث
العالم الإسلامي: كالبوسنة وفلسطين والشيشان وكشمير وبورما والفلبين أكبر شاهد
على التشويش المقصود.
إن التأني والتثبت في تلقي الأخبار منهج أصيل دلّت عليه النصوص القرآنية، وتواترت فيه الأحاديث النبوية، قال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم
فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين]
[الحجرات: ٦] فإذا كان التثبت من خبر الفاسق مأمور به شرعاً، فخبر الكافر
المظهر لعداوته من باب أولى.
стр. 1860
في إشراقة آية
[ونبلوكم بالشر والخير فتنة]
د. عبد الكريم بكار
خلق الله جل وعلا الدنيا لتكون داراً للابتلاء والاختبتار، ومن ثم فإنه جعل
الإنسان يتقلب فيها بين المنشط والمكره، والرخاء والشدة، والخير والشر، ليرى
سبحانه كيف يصنع هؤلاء العباد، وكيف يطلبون مراضيه في جميع الأحوال،
[ونبلوكم بالشر والخير فتنة] [الأنبياء: من الآية٣٥] .
ولعلنا نقبس من نور هذه الآية المباركة في الوقفات التالية:
١- الناظر في النُظُم العامة التي تحكم مسيرة الحياة يجد أن جوهر (الابتلاء)
يقوم على (التشتيت بين المتقابلات) حيث يؤدي عدم القيام بحق الحالة الراهنة أو ما
سماه القدماء بأدب الوقت إلى الإخفاق في الامتحان الذي يعني تحول الخير إلى شر
أو ارتفاع وتيرة الشر والتدهور، ولعلنا نميط اللثام عن هذا المعنى من خلال
نموذجين اثنين:
(أ) يسعى كل مجتمع إلى إيجاد أكبر قدر ممكن من التماثل بين أفراده بنية
المحافظة على قيمه وخصوصياته وزخمه الحركي، وهذا التماثل من الخير ولا
ريب لأن البديل عنه هو الشقاق والاحتراب الداخلي لكن التجربة الاجتماعية أثبتت
أن الحرص على التماثل التام بين أفراد المجتمع يؤدي إلى انقسامه على نفسه،
حيث يتشوف أعضاؤه ولاسيما الصفوة منهم إلى النفاذ إلى واقع المجتمع على نحوٍ
منفرد ومنعهم من ذلك يؤدي إلى التوتر الاجتماعي، ويجعل (التماهي) الظاهر
عبارة عن شكل فارغ من المضمون، فينتشر النفاق الاجتماعي والازدواجية في
السلوك، ومن ثم فإن المطلوب هو قدر من التنوع الاجتماعي واحترام
الخصوصيات في إطار النظم الكبرى للمجتمع وفي إطار أهدافه ومبادئه العامة.
(ب) حث الإسلام على صلة الرحم وأداء حقوق القرابة، ورتب في ذلك
أحكاماً وآداباً عديدة، والالتزام بها ورعايتها من الخير العظيم، لكن ذلك لابد أن
يوقف عند حدود رعاية مسائل أخرى لا تقل أهمية وحيوية من مثل احترام النظم
التي تتولى توزيع وترتيب الحقوق والواجبات في المجتمع، حيث لا يصح لعامل
القرابة أن يمس العدالة الاجتماعية أو يضغط عليها، الملحوظ أن ما تسمى بـ
(سيادة القانون) لم تأخذ أبعادها بشكل جيد في العصور الحديثة إلا حيث اضمحلت
العلاقات الأسرية والقرابية كما هو الشأن في المجتمعات الغربية أما في المجتمعات
الإسلامية حيث التواصل الأسري والعائلي أمتن وأفضل، فإن من الملحوظ أنه يتم
الكثير من التجاوز والتفلت من النظم العامة في سبيل إعطاء الأقرباء ما ليس لهم
من مكتسبات ظناً أن في ذلك صلة للرحم! لكن هذا يعني عدم النجاح في الابتلاء
والتشتت بين المتقابلات، إن إكرام الأقرباء لا ينبغي أن يتم على حساب الآخرين
ولا بخرق النظام العام، وإلا كان شراً وبلاءً.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن من أشد ما عاناه التمدن الإسلامي في تاريخنا الطويل
كان نقل العرب من مرحلة (القبيلة) إلى مرحلة (الدولة) حيث يتم الفصل شبه الكامل
بين العلاقات والحقوق الشخصية وغير الشخصية، ونجد إلى جانب هذا في سيرة
النبي ﷺ وسلوك أصحابه الكرام موازنة دقيقة في هذا الشأن،
فالنبي ﷺ هو الذي قال: يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي
ما شئت فإني لا أغني عنك من الله شيئاً [١] وهو الذي قال:.... لو أن فاطمة
بنت محمد سرقت لقطعت يدها [٢] .
٢- النجاح في الابتلاء يقتضي نوعاً من اليقظة لجميع قوانا العقلية والروحية، حتى لا نقع في أسر اللحظة الحاضرة ونستسلم لخيرها وشرها رضائها وكربها،
وهذا يعني نوعاً من الاستعلاء على الواقع وعدم الركون إليه، والذوبان فيه، وذلك
إنما يقع عند الغفلة عن (نواة) الابتلاء الكامنة فيه، على نحو ما حدث من غفلة
الرماة يوم أحد عن نواة الابتلاء في أمر النبي ﷺ لهم بالبقاء
في مواقعهم مهما كان اتجاه المعركة، فأدى ذلك إلى تحويل النصر الذي كان يلوح
في مستهل المعركة إلى هزيمة! لكن النبي ﷺ لم يدع المسلمين
يستسلمون لمرارة الهزيمة، ويغرقون في التلاوم والندم، وإنما اندفع بهم إلى ساحة
ابتلاء جديد بأمره لهم بالتوجه إلى حمراء الأسد حيث تحولت مشاعر الفرّ والانكسار
إلى مشاعر المبادأة والمطاردة للعدو! [٣] .
ولعل مما يعصم عن الغرق في الحالة الراهنة تعود الاستبصار وتقليب النظر
في الحالة الراهنة خيرها وشرها، ومحاولة فهم المنطقية والآلية التي أدت إلى
ولادتها وتجسدها، وإذا ما تم ذلك أمكن أن نسيطر على تلك الحالة، ونتصرف إلى
اتجاهات سيرها وتطورها، فإذا كان الابتلاء عبارة عن خير أي خير أصابه
المؤمن ثمرة لجهده وكفاحه وجب عليه أن يستمر في ذلك الجهد على نفس الوتيرة
التي كان عليها، وإذا كان قد أصابه من غير تعب كمن ورث مالاً وفْراً وجب عليه
أن يشكر الله على ذلك أولاً، وأن يقوم ثانياً ببحث الأسباب والعوامل التي تؤدي
إلى المحافظة عليه وتنميته وتزكيته، حتى لا يشعر يوماً ما أن النعمة التي هبطت
عليه لم يكن يستحقها! .
وإذا كان ما أصاب المؤمن من شر ومحنة بسبب أخطائه وخطاياه، فإن
النجاح في مواجهة ذلك الابتلاء لا يكون إلا بالخلاص مما اقترفت يداه، وبذلك
يستحق تغيير الله تعالى له كما قال سبحانه: [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم] [الرعد: ١١] .
وإذا كان ما أصابه بسبب ما جناه غيره فإن عليه أن يصبر، ويحاول أن
يتجاوز ما هو فيه من بلاء بتحوله من (صالح) إلى (مصلح) لأن البلاء حين يعم
بسبب انتشار الفساد لا يتأهل للنجاة منه إلا الذين يسعون إلى تحجيمه وتطهير
المجتمع منه، كما قال سبحانه: [فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن
السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون] [الأعراف: ١٦٥] ،
ولابد للتوطئة لكل ذلك من سيادة روح المفاتحة والمكاشفة والنقد المنصف البناء
حتى لا تندغم الذات في الموضوع، ونصبح كمن كان يدفع العجلة إلى أن أصبح
يجري وراءها مستسلماً لقوة اندفاعها.
٣- إن مبدأ (الزوجية) ملحوظ في الكثير الكثير من المخلوقات والموجودات،
وهذا المبدأ كما أنه سبب في تكاثر الكائن الحي ونمو النوع كذلك هو سبب في
تحول حالات الرخاء والشدة، ففي رحم كل رخاء (نواة) لمحنة، كما أن في أحشاء
كل شدة نواة لرخاء ومنحة وهذا واضح في قوله جل وعلا: [فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا] (الشرح: ٥، ٦) إن فهم هذه المسألة يقتضي منا أن نضع
الحالة الراهنة التي نعيشها في السياق التاريخي والسببي، حتى يتبين لنا أنها ليست
أكثر من حلقة في سلسلة غير متجانسة من النجود والوهاد والنجاحات والإخفاقات.
إن هذه الدنيا ليست هي الظرف المناسب لتموضع (الأحوال النهائية) في خير
أو شر، وإنما هناك دائماً خلف الباب محنة تنتظر إذا ما نحن أسأنا التصرف
بالإمكانات التي بين أيدينا، وفي المقابل فإن الشدائد والمحن تفجّر روح المقاومة
والإصرار والعناد، تلك الروح التي كثيراً ما تظل هاجعة خامدة إلى أن تأتيها
صدمة قوية توقظها من سباتها، وهكذا فالمطلوب دائماً أن نكون في الموقع الصحيح
لمواجهة الابتلاء.
إن طبيعة الابتلاء تقوم على قاعدة من التوازنات العميقة والدقيقة، والإنسان
المبتلى يشبه في كثير من الأحيان الذي يسير على حبل مشدود فهو يطالب حتى لا
يقع بأن يستنفذ كل قواه العقلية والجسمية على نحو دقيق ومتوازن وإلا ...
٤- تمتلك أمة الإسلام بحمد الله عدداً من المنظومات المعيارية والرمزية التي
تمكنها من اختراق الحالة التي تعايشها ومعرفة أوجه الابتلاء فيها، بل وتمكن
الصفوة الممتازة من أبنائها من معرفة نسب الخير والشر وحجم الإيجابيات
والسلبيات في الواقع المعاش، وهذه المعرفة تنظم أيضاً ردود أفعالنا على الطوارئ
والوافدات الجديدة رفضاً ومدافعة وتعديلاً وتهذيباً وقبولاً وترحيباً، وهذا يعني أن
كل ابتلاء جديد لا يدخل في حياة الأمة (الحية) إلا بعد أن يمر بمصفاة قيمها
ومبادئها و (عقيدتها الاجتماعية) [٤] أيضاً، وكلما كان وقع الابتلاء الجديد حاداً
ومكشوفاً استطاع أن يستفز ردود أفعال الأمة عليه بصورة قوية وسريعة، فظاهرة
الردة الأولى كانت ابتلاء كبيراً جداً واجهته دولة الخلافة الوليدة في زمان أبي بكر
﵁ بالقوة والسرعة المكافئة، لكن الابتلاء (المتدرج) الذي حصل بعد
ذلك في صورة فرق وعقائد فاسدة وانحرافات سلوكية وفي صورة تجديد أطر الدولة
وفق اتساع أمة الإسلام لم يستوفز الطاقات الكامنة في الأمة، فلم تقم بواجبها تجاهه، ولعل هذا يدفعنا إلى القول: إن أخطر ما يغيب الإحساس بالابتلاء على مستوى
الفرد والجماعة معاً ليس الكوارث الكبرى ولا الجوائح العظيمة وإنما (التغيرات
البطيئة) التي تدخل من أضيق المسام، فتتكيف الأمة معها سلبياً على سبيل التدرج، وهذا ما حصل بالنسبة لأمة الإسلام وما حدث لدول عظمى في عصرنا الحديث،
فقد بدأت بريطانيا العظمى تتراجع عن مركزها العالمي، وبدأت الشيخوخة تدب في
أوصالها منذ أكثر من قرن لكن ذلك لم يظهر إلا في الحرب العالمية الثانية.
ومن الطريف أن بعض علماء (الأحياء) جاءوا بضفدع، ووضعوه في إناء
وأوقدوا تحته ناراً هادئة، فصارت درجة حرارة الماء ترتفع بمنتهى البطء، وكان
المأمول أن يقفز الضفدع عندما يحسّ بسخونة الماء لكن حدوث التسخين على نحو
بطيء أدى إلى أن يتحول (المحرّض) إلى (مخدّر) وكانت النتيجة أن الضفدع
انسلق دون أن يبدي أية مقاومة!
وهنا تبرز مهمة العلماء الربانيين العظام والمفكرين المبدعين الذين يمتلكون
حاسة (الاستشعار عن بعد) حيث يرون عواقب الأمور قبل فوات الآوان، ويقومون
بما تستحقه من مواجهة وعمل، وفي هذا يقول سفيان الثوري ﵀: الفتنة إذا
أدبرت عرفها كل الناس، وإذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم.
وحتى ننجح في مواجهة الابتلاء (التغيرات البطيئة) فإن علينا أن نقوم بأمرين:
أ- الانشداد إلى الأصول والثوابت في المنشط والمكره والتأبي على انصهار
منهجيتنا وحاستنا النقدية في المعطيات الجديدة مع محاولة استيعاب تأثير المستجدات
على تلك الأصول ومحاولة إيجاد التكييفات والتوظيفات التي ترسخها، وتجعلها
تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ب- المتابعة الجادة والدقيقة لمجمل التغيرات التي تطرأ على حياتنا لا من ...
خلال الحدس والتخمين والملاحظة العامة، وإنما من خلال (الرقم) والأساليب الكمية، حتى نتعرف بدقة على سيرورة أحوالنا المختلفة والمآلات الصائرة إليها، وهذا لن يتم إلا من خلال إعادة تنظيم حياتنا ومؤسساتنا المختلفة على أسس جديدة بحيث تخصص كل جهة أو مؤسسة قسماً أو موظفاً يتولى جمع المعلومات الخاصة بها ونشرها حتى ينمو إحساس الناس ب (الكم) وطريقة قياسه، وليس من المستفز اليوم ذلك التلازم التام والمطلق بين درجة تحضر الدولة ودرجة تقدم الإحصاء فيها.
إن على المسلم أن يظل يكافح ويجاهد في سبيل التعرف على مراضي الله
تعالى في كل حالة من أحواله، ويستشرف بعد ذلك عاقبة المتقين.
стр. 1861
دراسات تربوية قرآنية
[ولا تلبسوا الحق بالباطل..]
(٢)
عبد العزيز بن ناصر الجليل
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد..
في الحلقة الأولى تطرق الكاتب لبيان منطلق هذه الوقفات من قوله تعالى:
[ولا تلبسوا الحق بالباطل] وأهمية الموضوع وبيان معنى اللبس والتلبيس ويواصل
الكاتب المزيد من الإيضاح حول تلك القضية.
-البيان-
إن الانحراف عن الحق والوقوع في الخطأ لا تعدوا أسبابه الفتن التالية:
١- فتنة الشبهات.
٢- فتنة الشهوات.
٣- فتنة الجمع بين الشبهة والشهوة لبس الحق بالباطل وكل انحراف أو
ضلال أو خطأ سواء أكان صغيراً أو كبيراً لا يخرج في دوافعه عن الأسباب الثلاثة
السابقة:
فإذا وقع العبد في مخالفة شرعية، فإما أن يكون السبب في هذه المخالفة هو
الجهل بها وعدم العلم بحرمتها، أو اشتبه الأمر عليه فحسبها مكروهة فقط، فهذا
الخطأ سبب الشبهة الناتجة من قلة العلم وضعف البصيرة.
وأما إذا كان لدى من وقع في المخالفة علم وبصيرة في دين الله بأنها محرمة
ومخالفة للشرع ومع ذلك وقع فيها عمداً، فإن الدافع لهذه المخالفة إنما هو الشهوة،
وضعف النفس، ومثل هذا يقر ويعترف بمخالفته ومجانبته للصواب كما يعترف
بذنبه وتقصيره.
أما إذا وقع في المخالفة عن شهوة وضعف ثم لم يعترف بذنبه وتقصيره،
وإنما راح يبحث عن شبهة شرعية أو تفسير خاطئ أو تأويل متعسف للأدلة ليبرر
بها خطأه ويبرر بها ضعفه وشهوته مع علمه بخطأ تصرفه هذا في قرارة نفسه فهذا
هو الهوى وهذه هي المغالطة وهذا هو لبس الحق بالباطل، وهو أشنع أنواع
الانحراف لأنه مكر وتحايل على شرع الله وخداع للناس.
إن أشد وأشر هذه الفتن من جمع بين الشبهة والشهوة وتحايل على شرع الله
بأن غطى مخالفته وانحرافه بشبهة شرعية، وهو يعلم أنه متحايل ومخادع، ومثل
هؤلاء الملبسين عقوبتهم عند الله أشد من الذين يقعون في المخالفات
الشرعية ولكنهم يعترفون بتقصيرهم وذنوبهم، ولا يكابرون، ولا يبررون ولهذا
حذر النبي ﷺ أمته من ارتكاب الحيل فقال ولا ترتكبوا ما
ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل [١] .
وهذه هي حقيقة لبس الحق بالباطل وحقيقة المغالطة، إذ أن الدافع الحقيقي
للانحراف هو الهوى والشهوة وحب الدنيا، ولكن عوضاً عن أن يعترف بضعفه
هذا وشهوته، ويعترف بذنوبه في مخالفته للشريعة فإنه يستدل لشهوته هذه بشبهة
شرعية يعلم هو في قرارة نفسه أنها لا تصلح للاستدلال، لكن لابد من غطاء يغطى
به هذا الضعف والهوى، وإذا ذهبنا لنتعرف على وسائل التلبيس والطرق التي
ينطلق منها الملبس في أغلوطاته نجدها لا تخرج في الغالب عن الأمور التالية:
١- التأويل الفاسد واتباع المتشابه.
٢- كتمان الحق وإخفاؤه.
٣- تحريف الأدلة عن مواضعها، وعدم إنزالها في مناطاتها، وتفصيل ذلك
فيما يلي:
١- التأويل واتباع المتشابه:
التأويل الفاسد الذي لم يدل عليه دليل يصرفه عن المعنى الظاهر الذي هو
أشبه بتحريف الكلم، والغالب أن الذي يدفع إليه هو الجهل والهوى وفي ذلك يقول
الإمام ابن القيم ﵀: فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو التأويل الذي لم يرده
الله رسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائها إلا
بالتأويل، وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل
إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ [٢] .
وعند قول الله في اليهود: [وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب
لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله
ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون] [ال عمران: ٧٨] يقول سيد قطب رحمه
الله تعالى عن هذه الآية: وآفة رجال الدين حين يفسدون أن يصبحوا أداة طيعة
لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين وهذه الحال التي يذكرها القرآن عن هذا
الفريق من أهل الكتاب نعرفها نحن جيداً في زماننا هذا فهم كانوا يؤولون نصوص
كتابهم، ويلوونها لياً، ليصلوا منها إلى مقررات معينة، يزعمون أنها مدلول هذه
النصوص، وأنها تمثل ما أراده الله منها، بينما هذه المقررات تصادم حقيقة دين
الله في أساسها، معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين
ومدلولات هذه النصوص الحقيقية، وبين تلك المقررات المفتعلة المكذوبة التي
يُلجئون إليها النصوص إلجاء [٣] .
٢- كتمان الحق وإخفاؤه:
وهو تحريف الأدلة عن مواضعها وتغطية الحق بالباطل، وقد ورد في كتاب
الله وسنة رسوله ﷺ من النصوص المحذرة من كتمان
الحق وإخفائه والمتوعده لفاعليه بالوعيد الشديد من ذلك: قوله تعالى: [إن الذين
يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم
الله ويلعنهم اللاعنون] [البقرة: ١٥٩] وقوله: [إن الذين يكتمون ما أنزل الله من
الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله
يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم] [البقرة: ١٧٤] .
يقول الشيخ رشيد رضا في تفسيرها: هذه الآية جارية على الرؤساء الذين
يحرمون على الناس ما لم يحرمه الله، ويشرعون لهم ما لم يشرعه من حيث
يكتمون ما شرعه بالتأويل أو الترك، فيدخل فيه اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم
في شرع مالم يأذن به الله وإظهارخلافه سواء أكان ذلك في أمر العقائد ككتمان اليهود
أوصاف النبي ﷺ ، أو الأكل والتقشف وغير ذلك من الأحكام
التي كانوا يكتمونها إذا كان لهم منفعة في ذلك، كما قال تعالى: [تجعلونه
قراطيس تبدونها وتخفون كثيراْ] [الانعام: ٩١] وفي حكمهم كل من يبدي بعض
العلم، ويكتم بعضه لمنفعة لا لإظهار الحق وتأييده [٤] .
وبقيت كلمة أخيرة في موضوع كتمان الحق، ألا وهي أن بعض الطيبين قد
يقول: ألا يجوز كتمان العلم بل قد يجب أحياناً عند خوف الفتنة من الجهر به سواء
أكان على النفس أو على الناس؟ والجواب أن في ذلك تفصيل كما يلي:
بادئ ذي بدء فإن حديثنا ليس عن كتمان العلم وإنما هو عن كتمان الحق الذي
يجب أن يقال، وفي نظري والله أعلم أن بينهما اختلاف، وذلك أن العلم أنواع فمنه
ما هو واجب القول به وتعليمه الناس كفروض العين ونحوها ومنه ما هو مستحب
ومنه ما يجوز قوله لأناس دون أناس حسب عقولهم وأفهاهم، أما قول الحق الواجب
فأرى أنه من العلم الواجب إيصاله للناس، ولا يجوز كتمه لأن في كتمه مفسدة
تنافي مقاصد الشرع أو بعضها، وفي إخفائه فتنة للناس وليس العكس، فإذا جاز
كتمان العلم أو وجب في ضوء قواعد الشريعة المعتبرة فإنا والحالة هذه نقول: إن
الحق في هذا هو كتمان العلم، وإن الجهر بالعلم مع معرفتنا بالمفسدة المترتبة عليه
هو الباطل والفتنة وهذا والله أعلم هو الذي عناه الشاطبي رحمه الله تعالى في
الموافقات حيث قال: ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره
وإن كان من علم الشريعة، ومما يفيد علماً بالأحكام بل ذلك ينقسم، فمنه ما هو
مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أولا
يطلب نشره بالنسبة إلى حال، أو وقت أو شخص، ومن ذلك تعيين هذه الفرق فإنه
وإن كان حقاً فقد يثير فتنة كما تبين تقريره فيكون من تلك الجهة ممنوعاً بثه، ومن
ذلك علم المتشابهات والكلام فيها، فإن الله ذم من اتبعها فإذا ذكرت وعرضت للكلام
فيها فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى عنه [٥] .
٣- تحريف الأدلة عن مواضعها:
وهذه الطريقة من طرق التلبيس هي ثمرة من ثمرات الطريقتين السابقتين، إذ
لابد لمحرف الأدلة من كتمان الحق، ولابد لمتبع المتشابه من تأويل كلام الله
سبحانه وكلام رسوله ﷺ من التأويل الفاسد الذي يؤدي إلى
صرف الأدلة عن ما أراد الله بها وأراده رسوله ﷺ ومن ثم
وضعها في غير موضعها، وهذا هو نوع من أنواع التحريف للأدلة عن مواضعها،
إذ لايلزم من التحريف أن يكون لفظياً كما فعلت اليهود في التوراة بل إن تحريف
المعنى المراد إلى غير المراد هو تحريف للنصوص عن مواضعها أيضاً وهذا ما
أشار إليه الشاطبي رحمه الله تعالى: وهو يستعرض مآخذ أهل البدع في الاستدلال: ومنها تحريف الأدلة عن مواضعها بأن يرد الدليل على مناط فيصرف عن ذلك
المناط إلى أمر آخر موهماً أن المناطين واحد، وهو من خفيات تحريف الكلم عن
مواضعه والعياذ بالله، ويغلب على الظن أن من أقر بالإسلام وبأنه يذم تحريف الكلم
عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحاً، إلا مع اشتباه يعرض له، أو جهل يصده عن
الحق مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه، فيكون بذلك السبب مبتدعاً وبيان ذلك
أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمراً في الجملة مما يتعلق بالعبادات مثلاً فأتى به
المكلف في الجملة أيضاً، كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها مما
يعلم من الشارع فيها التوسعة، كان الدليل عاضداً لعلمه من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به.
فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان
مخصوص أو مقارنٍ لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً أن الكيفية
أو الزمان أو المكان مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه، كان الدليل بمعزل
عن ذلك المعنى المستدل عليه [٦] .
стр. 1862
خواطر في الدعوة
أنماط التفكير
(٢)
محمد العبدة
إن من هداية القرآن للمسلمين أن يصحح لهم طرق التفكير، ويسددهم إلى
الوسائل الصحيحة للفهم والتجديد، حتى لا يسيروا في مهامه ثم ينكصون، أو
يغزلون غَزْلاً ثم ينقضون.
وجّه القرآن الطاقات الفكرية للمسلم كي يتعلم ويبحث فيما يفيده في دنياه
وآخرته، فلا يعوقه عن حركته أو يأسره عن انطلاقته أحداث جرت ومضت، يقف
عندها لا يحور ولا يكور؛ ويستغرق فيها لتشغله عن واجبه في الحاضر وتطلعه
إلى المستقبل، ومن الطبيعي بل ربما يكون من الواجب الوقوف عندها لأخذ العبرة
والتعلم من دروسها، وشيء آخر لابد من ذكره وهو أن الكلام هنا ليس عن
الماضي الذي تركه لنا علماؤنا من عصر السلف وحتى يومنا هذا من علوم شتّى،
وخاصة ما تعلق منها بشرح وفهم نصوص الوحيين، فإن بعض الناس يتكلم بخبث
ومكر، ويدعو لترك الماضي من هذا الجانب، وترك الأصول والمنهج، أو تفسيره
حسب أهوائه، وإنما نتكلم عن أحداث معينة أو أشخاص معينين، والتركيز عليهم
دون الاشتغال بما ينفع في حاضر المسلمين.
عندما يقول قائل: ما بال علي ومعاوية ﵄، نقول كما ذكر عن
بعض العلماء: تلك أحداث لم نشهدها، وقد مضت، ولا نخوض فيما شَجَرَ بين
الصحابة، والقرآن والسنة موجودان والحمد لله بين أيدينا، أما الوقوف عند هذا
الحدث لاستخلاص الدروس فهذا شيء طيب، وقد قال تعالى: [تلك أمة قد خلت
لها ما كسبت ولكم ما كسبتم] [البقرة: ١٢٣] .
وإذا جاء الآن من يقول: ما بال سيد قطب والمودودي ورشيد رضا وابن
باديس ... الخ، نقول: أولئك دعاة وعلماء قد مضوا إلى ربهم ونأخذ ما عندهم من
صواب وندع أخطاءهم.
وإذا قرأنا عن معارك العلماء السابقين مع بعض الفرق المنحرفة فهل نتقمص
شخصياتهم ونقوم بالدور نفسه؟ أم أن هناك تيارات خطيرة جداً لم تكن موجودة في
حياة أولئك العلماء ويجب مكافحتها مثل التيار العلماني الذي يكيد للإسلام كيداً تندك
منه الجبال.
جاء في تفسير قوله تعالى: [قال: فما بال القرون الأولى، قال: علمها
عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى] [طه: ٥١، ٥٢] : قول موسى عليه
السلام: [علمها عند ربي] يحتمل أن يكون موسى صرفه عن الخوض فيما لا
يجدي في مقامه ذلك الذي هو المتمحض لدعوة الأحياء، لا البحث عن أحوال
الأموات الذي أفضوا إلى عالم الجزاء.. [١] .
إنني أخشى أن تكون عملية الاستغراق في الماضي هروباً من تبعات الحاضر، أو أن يكون التمسك ببعض الآراء والأشخاص نوعاً من الاحتمال والدفاع لأننا لم
نستطع الهجوم والاستفادة من الأحداث لصنع الحاضر، مع أن الواجب التكلم عن
كل الأخطار التي تحيط بالمسلمين، ومن الواجب إرجاعهم دائماً إلى نقاء التوحيد
وفهم واستنباط القرون المفضلة، واتخاذ هذا منهجاً وطريقاً لمعالجة مشكلات
المسلمين، والعيش معهم في واقعهم، ولو كان هذا يكلفنا أكثر، أو يضع على
عاتقنا مسؤوليات أكبر.
стр. 1863
دراسات اقتصادية
السكان والتنمية
من المنظور الإسلامي
د. محمد بن عبد الله الشباني
في اليوم الخامس من شهر سبتمبر لعام ٩٤م افتتح في القاهرة المؤتمر العالمي
للسكان والتنمية الذي قصد من عقده كما يدّعون معالجة النمو السكاني وكيفية
مواجهة الانفجار السكاني، لقد أثار هذا المؤتمر ردود فعل معارضة من قبل علماء
المسلمين لما طرح فيه من برامج لمعالجة مشكلة التزايد السكاني تصادم القيم
الإنسانية ومبادئ وأسس الاعتقاد بالله الرب المعبود.
إن الإطار الفكري الذي قام عليه المؤتمر، وما طرح فيه من أفكار ومناهج
ووسائل للحد من النمو السكاني، يقوم على الفلسفة الجدلية المادية التي من
مقتضياتها أن الإنسان مالك لتصرفاته بشكل مطلق، وأنه المتحكم في أموره كلها
وبالتالي فهو المسؤول عن توجيه الحياة على هذا الكوكب، وعليه أن يستخدم
قدراته وما أتاحه له التقدم العلمي من وسائل لمجابهة النمو السكاني من خلال فلسفة
العبثية القائمة على إنكار وجود الخالق جلا وعلا، وأن المادة هي المُوجدة لنفسها
ولغيرها من الظواهر المادية المشاهدة، وبالتالي فإن الإنسان بحكم ماديته قادر على
أن يتحكم في الحياة ضمن إطار ما أشار إليه القرآن الكريم من وصف هذه الفئة من
البشر الذين يعتبرون أن البعد الزمني للمادة هو المتحكم في مسيرة الحياة كما في
قوله تعالى: [وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما
لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون] [الجاثية: ٢٤] .
أهداف المؤتمر:
تمثلت المجابهة الفكرية لمؤتمر السكان في إنكار توحيد الربوبية من خلال
العمل على تأكيد أن الطبيعة المادية للكون هي المالكة لمعطيات الحياة، وهي
محدودة وذاتية التأثير، وبحكم أن الإنسان جزء من هذه الطبيعة فعليه أن يسعى إلى
تأكيد دوره في السيطرة على المعطيات المادية، فالكون محدود الموارد وبالتالي فإن
محدودية موارده بحكم الطبيعة المادية الحاكمة لذاتها سوف يتغير ميزانها، ولا
تتمكن من توفير احتياجات الإنسان الذي تزايدت أعداده، فعلى الإنسان أن يتحكم
في تكاثره بتقليص نموه حتى تتلاءم الأعداد البشرية مع المعطيات المتاحة للأرض.
هذا المفهوم للعلاقة بين الموارد المتاحة للبشر على وجه الأرض وبين التكاثر
السكاني مفهوم قائم على جحود ربوبية الله بإنكار أن للكون خالقاً يدبر شؤونه.
إن البرنامج الموضوع لمجابهة التكاثر السكاني قائم على هذه الفلسفة فجميع
الوسائل العملية المطروحة في البيان الصادر عن المؤتمر تهدف إلى خفض تزايد
السكان من خلال الدعوة إلى الإكثار من مراكز تنظيم الحمل ونشر الثقافة الجنسية،
والمطالبة بنظامية الإجهاض، بدعوى حماية حقوق المرأة وتأخير سن الزواج مع
جواز ممارسة العلاقات الجنسية خارج الزواج ... كل هذه الوسائل المطروحة
والمقرة من قبل المؤتمر بدون اعطاء أهمية لتأثيرها على بناء الأسرة وعلى فشو
الانحلال الخلقي لأفراد الأمة، لأن القيم والأخلاق خارجة عن التفكير المادي العبثي
الذي من أجله عقد المؤتمر.
إن معارضة ما ورد من طروحات في المؤتمر العالمي الثالث للسكان لأسس
العقيدة الإسلامية يتمثل في إنكار ربوبية الله للعباد، وإنكار صفات الله المرتبطة
بتوحيد الربوبية، فالله يقول في كتابه: [والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم
جعلكم أزواجاْ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص
من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير] [فاطر: ١١] ، وقوله تعالى:
[وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم]
[العنكبوت: ٦٠] ، وقوله: [يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون] [فاطر: ٣] ، وقوله: [قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون] [الأنعام: ١٥١] ، وقوله: [ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا] [الإسراء: ٣١] .
إن جميع هذه الآيات ترد على أولئك المؤتمرين الذي يريدون أن يبدلوا كلام
الله، كما أنها تكشف حقيقة الترابط بين القيم الأخلاقية ومحاربتها وبين عملية
الإنجاب والرد على دعوى الخوف من عدم كفاية الموارد، وأن الخوف من الجوع
نتيجة للإنجاب إنما يعود في أصله إلى إنكار ربوبية الله للخلق، وإلى ما قذفه
الشيطان في نفوس الجاحدين من كفر بخالق الكون والإنسان.
هذه منطلقاتهم:
لقد قام المؤتمر على فكرة نبذ القيم والنظم الاجتماعية القائمة على عقيدة
الإيمان المطلق بربوبية الله للخلق، وأنه لا يعزب عن قدرته وملكوته مثقال ذرة في
السموات ولا في الأرض، وأن اقتلاع هذه العقيدة من نفوس الناس أمر غير ممكن
لمجافاتها الفطرة، لهذا تفادى المؤتمر الإعلان عن أهدافه الفكرية بشكل صريح،
ولكنه انتهج أسلوب تحطيم الخلية التي تمثل الإطار الخاص لفطرة الإنسان القائمة
على الإيمان بالله، والمتمثلة في هدم البناء الأسري وما يلزم لهذا البناء من
سلوكيات أخلاقية تحقق تلاحمه وتماسكه، بجانب هذا الهدف فإن للمؤتمر غايات
مادية أخرى يرغب في تحقيقها لصالح دول الشمال التي تمتلك القدرة العلمية
والمادية، بخلاف دول الجنوب التي تمتلك مصادر المواد الخام حيث تأخذ دول
الشمال هذه المواد بأبخس الأثمان لتعيدها بعد التصنيع إلى دول الجنوب بأغلى
الأثمان، ومن أجل هذا الهدف تزعم دول الشمال التي هي أكثر غنى في العالم أن
مشكلة العالم الثالث أو مشكلة دول الجنوب في عدم النمو إنما تعود إلى القنبلة
الديمغرافية (السكانية) ومن أجل ذلك قدمت دراسات مضللة تزعم أن الأرض لن
تستطيع أن تُطعم سبعة بلايين من السكان حسب التوقعات لسنة ٢٠١٠م، وأن الماء
سينضب من العالم، وأن كثرة السكان في دول الجنوب هي السبب في تلوث الهواء
وازدياد حرارة المناخ. [*]
التكاثر السكاني لا علاقة له بالمجاعات:
إن الحقائق الإحصائية تُكذب ما يزعمه الزاعمون، فقد ذكر برنامج الأمم
المتحدة للتنمية أنه في عام (٩١م) كان خُمس سكان الكرة الأرضية في الدول الغنية
يسيطرون على ٧. ٨٤% من موارد العالم الطبيعية، بينما سكان قارة إفريقيا
الأكثر فقراً لا يملكون سوى ٤. ١% من هذه الموارد.
إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في حماية تجارتها قد أجبرت أوروبا
على تعطيل ١٥% من أراضيها الصالحة للزراعة، كما أن أوروبا تكدس جبال من
اللحم والزبدة والحليب المجفف من خلال شرائها ومنع بيعها إلا بالأسعار التي
ترغب فيها، أما في الجانب الاستهلاكي فإن الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل
٥% من سكان العالم تستهلك ربع الإنتاج العالمي من الطاقة.
إن المال المهدر في إنتاج أدوات الهلاك قادر لو وجه إلى تخصيب الصحارى، وبناء السدود، وحفر الآبار، وتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي على معالجة
مشكلة الفقر في العالم وتوفير المياه اللازمة لذلك فمثلاً: تكلفة حاملة طائرات مجهزة
بست وثمانين طائرة يبلغ ٥. ١ بليون دولار أمريكي وهو مبلغ يكفي لتوفير شبكة
مضخات مائية تحركها حابسات مياه تعمل بواسطة الطاقة الشمسية لدولة كالهند، أما
بالنسبة لتلوث البيئة فإن واحد من سكان الولايات المتحدة يساهم في ازدياد حرارة
الأرض ستة أضعاف مواطن واحد في المكسيك و ١٩٠ ضعف مواطن في أندونيسيا
فزيادة السكان ليست السبب في تلويث البيئة.
وعلى ضوء هذه المعلومات يتضح أن دعوى التكاثر السكاني ليست هي العلة
في المجاعات ولا في انخفاض مستوى الدخول، وإنما المشكلة تكمن في سوء
استغلال الموارد، والفكر المادي الذي يوجه السياسات الاقتصادية والاجتماعية
للدول الغنية.
إن علاقة التنمية بالسكان علاقة تلازم، فالسكان هم مصدر القوى العاملة التي
تمثل أهم عنصر من عناصر الإنتاج، ولكن مؤتمر السكان أغفل أمر النمو النوعي
للإنسان (أي تنمية قدراته وإمكانياته) واهتم بالنمو الكمي للمنتجات بدون ضوابط
أخلاقية، فالنمو حسب المفهوم السائد في المجتمعات الغربية الرأسمالية هو العمل
على تزايد الإنتاج لأي شيء سواء أكان مفيداً أو غير مفيد، مضراً أو مميتاً، مثل
إنتاج الأسلحة والمخدرات كالكحول والسجائر، وغير ذلك من المنتجات التي لا
تنفع الإنسان.
دور الإنسان المسلم في التنمية:
الإسلام يعطي أهمية كبيرة للتنمية، كما أنه لا يهمل دور الإنسان في النمو
ضمن إطار مفهوم: أن الإنسان خُلق وأسكن على هذه الأرض ليشقى ويتعب
وينصب، وأن شقاء الإنسان المادي مرتبط بسلوكه الاعتقادي، لكن حقيقة وجود ما
يكفي البشر المخلوقين من الاحتياجات المادية التي تقوم عليها حياة الإنسان مكفولة،
فالله قد تكفل برزق جميع من على وجه الأرض وليس فقط الإنسان كما في قوله
تعالى: [وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها] [هود: ٦] لكن النقص
في الأموال وعدم كفايتها في فترات زمنية معينة لا يرتبط بعدم كفاية ما خلق الله،
وإنما يعود ذلك إلى أمرين:
الأمر الأول: أن النقص ناتج عن عقاب للإنسان إما بسبب الكفر أو بقصد
الابتلاء والامتحان، يقول تعالى: [ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص
من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا
لله وإنا إليه راجعون] [البقرة: ١٥٥، ١٥٦] ، وقوله تعالى: [وضرب الله مثلا
قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله
لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون] [النحل: ١١٢] .
الأمر الثاني: الابتعاد عن منهج الله سبب للشقاء المادي سواء أكان بعدم
الامتثال لما أمر الله به أو بعدم اتباع شرعه الذي شرعه في تنظيم حياة البشر يقول
تعالى: [ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض
ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون] [الأعراف: ٩٦] .
يعترف الإسلام بالعلاقة التي تربط التنمية حسب المفهوم الاقتصادي وبين
السكان، فالتنمية هي عملية تفاعل مجموعة من القوى خلال فترة من الزمن ينتج
عن هذا التفاعل حدوث تغيرات جوهرية بقصد إحداث تغيرات معينة في الاقتصاد
القومي، ويقصد بتلك المتغيرات ما يحدث في عرض عوامل الإنتاج لذلك فالتنمية
هي عملية المساعدة في إيجاد التفاعل بين المصادر الإنتاجية والقوى العاملة للمجتمع
فتجعل منها طاقة محركة فاعلة ومتفاعلة.
إن مكونات التنمية والعوامل الفاعلة فيها تتمثل في حصيلة التفاعل بين
الإنسان والموارد الطبيعية واستخدام الزمن في استغلال عنصري الإنتاج (الإنسان
والموارد الطبيعية) ، فحصيلة التنمية تتمثل في الوصول إلى التفاعل بين عنصري
الإنتاج والزمن، وهذا التفاعل لا يتم إلا بوجود المحرك المتمثل في الفكر الفاعل.
إن علاقة التنمية بالسكان تتمثل في أن الإنسان يأخذ مركز الثقل، فإما أن
يدفع بحركة التغيير إلى الأفضل وإما أن يعيق ويعطل حركة التغيير، وإن حركة
التغيير للإنسان تمر من خلال عملية توجيهه من خلال الثقافة والعمل ورأس المال،
فما هو موقف الإسلام من هذا الجانب؟ ! .
هذا ما سيكون محور الحديث في الحلقة القادمة إن شاء الله.
стр. 1864
قراءة في كتاب
يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة [*]
تأليف/ جيمس باترسون وبيتر كيم
ترجمة: د. محمد بن سعود البشر
عرض: د. مالك الأحمد
توطئة:
يقرأ الإنسان في حياته الكثير من الكتب، لكن يغلب على القراءات أنها
انتقائية بمعنى أنه يقرأ فصولاً وأجزاء من الكتاب مما يثير في نفسه الفضول
والشوق لمعرفة شيء ما، لكن قلما يقرأ الإنسان كتاباً من الجلدة إلى الجلدة كما
يقولون وهذا ينطبق على الكتاب الذي بين أيدينا والذي يتميز بتوفر كمٍ من
المعلومات ذات الطبيعة الميدانية، إذ إن محور الكتاب المجتمع الأمريكي الذي يعد
نموذجاً من المجتمعات الغربية بصفة عامة.
أهمية الكتاب:
يعتبر الكتاب من المراجع القليلة ذات الطبيعة الاجتماعية التحليلية للمجتمع
الأمريكي، وذلك بناءاً على دراسات علمية وإحصاءات ميدانية ومقابلات شخصية،
ولقد نال الكتاب رواجاً كبيراً في أمريكا لأنه كشف بشكل كاف عن واقع المجتمع
الأمريكي كما يراه أبناؤه وأوضح الكثير من القضايا غير الظاهرة، وحصل على
تقريظ الكثيرين من الكتّاب ودور النشر والصحافيين البارزين، وقد استقى المؤلفان
معلوماتهما من دراسات سابقة متعددة إضافة إلى استبانات كثيرة، ومقابلات
شخصية مع آلاف من الناس من طبقات وأجناس وأعمار مختلفة مما يعطي نتائجه
مصداقية معقولة وبخاصة وأن شخصيات الناس بقيت مجهولة كي تعطى الفرصة
للتحدث بصراحة كاملة، وقد قالت عنه مجلة (Busiess week) الأمريكية: إنه
بمثابة رحلة فكرية مزعجة في عقول الأمريكيين وقال عنه الأديب الأمريكي
المعروف (اليكس هيلي) : أنه يعرض الحقائق عن أنفسنا مما لم أشاهده في أي
دراسة أو في استطلاعات الرأي ولا حتى في الأحاديث الشخصية.
منهج المترجم:
سعى المترجم د. محمد البشر أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود إلى
الترجمة الكاملة والأمينة لمحتويات الكتاب كاملة لكنه لدواع إسلامية اضطر إلى
الترجمة الانتقائية في بعض الأحايين خصوصاً عندما يستخدم المؤلفان ألفاظاً سوقية
أو عند الكلام على قضايا جنسية بطريقة تخدش الحياء فيعمد المترجم حينئذ إلى
الحذف اضطراراً أو الترجمة بالمعنى، وذلك دون الإخلال بالمعاني العامة المرادة
وبما لا ينقص من المادة العلمية للموضوع.
ولم يعلق المترجم على المادة، إلا في حالات نادرة لتوضيح مبهم أو شرح
اصطلاح، مما يضفي على الكتاب المترجم قيمة علمية.
محتوى الكتاب:
الكتاب مكون من مقدمة وتسعة فصول وخاتمة في حدود مئتي صفحة.
المقدمة: يبين المؤلفان فيها نظرة الأمريكيين إلى الأشياء التي تهمهم في
الحياة، إضافة إلى حقائق توصلا إليها من خلال الكتاب.
الفصل الأول: الأقاليم الأخلاقية في أمريكا حيث يرى المؤلفان أن هناك
تمايزاً أخلاقياً في أمريكا تبعاً للمواقع الجغرافية.
الفصل الثاني: السلطة الأخلاقية الحقيقية في أمريكا حيث يشير الكتاب إلى
عدم وجود مرجع أخلاقي ديني أو اجتماعي للناس.
الفصل الثالث: مأزق الأخلاق والقيم حيث يُفَصّل الكتاب الحديث في أخلاق
الناس وانحرافاتهم وأسبابها.
الفصل الرابع: الرجال والنساء في عقد التسعينات حيث يبين الكتاب مدى
الخصام بين الجنسين والصورة السلبية للجنسين حيال بعضهما، ونتائج ذلك على
الأسرة والأطفال.
الفصل الخامس: العنف في أمريكا ويبحث فيه المؤلفان العنف والسلام
والاغتصاب والانتحار والإيدز والجريمة باعتبارها قضايا مرتبطة ببعضها بشكل أو
بآخر.
الفصل السادس: العمل: يتحدث الكتاب عن العمل والإخلاص فيه والعلاقات
بين أفراده وعن أخلاقيات العمل.
الفصل السابع: الحياة الاجتماعية: حيث يقارن المؤلفان بين أفقر حي في
نيويورك وأغنى حي في لوس أنجلوس، ثم يعرجان على غياب مفهوم القرية
الواحدة ثم أرقام الجريمة الحقيقية ويعرجان على الفقر والعنصرية والإدمان
باعتبارها ظواهر اجتماعية عامة.
الفصل الثامن: الله، والسلطة الأخرى: يبين الكتاب من الذين يؤمنون بالله
وهل هو مصدر التعاليم ومن هم قادة أمريكا الحقيقيون.
الفصل التاسع: أمريكا والعالم: يبين موقع أمريكا من العالم في نظر أبنائها،
ومستقبل الصراع الاقتصادي والحضاري.
الخاتمة: أربعة وخمسون حقيقة توصل إليها المؤلفان من مجمل ما توصلا
إليه في دراستهما هذه.
ماذا نستفيد من الكتاب:
لا شك أن الكتاب مكتوب للشعب الأمريكي ولذا فطريقة البحث ونتائجه تهم
ذلك الشعب، لكن بالنسبة للمسلمين فإن دراسة واقع المجتمعات الغربية التي لها
علاقات متشابكة مع العالم الإسلامي لها أهمية بالغة من عدة جوانب لعل أبرزها
ظاهرة تأثر الضعيف بالقوي، وظاهرة التقليد عموماً إضافة إلى استشراف مستقبل
هذه الأمم وتوقعات زمن الأفول لهذه الحضارات، مما يشجع ويدفع المسلمين
وبخاصة المقيمين في الغرب إلى الاستفادة من هذا الواقع المتردي لعرض الدين
الإسلامي عليهم كي ينجوا من واقعهم الحالي بعد التفكير في مآلهم ومصيرهم.
نتائج الكتاب:
لعلي أشير إلى ما لخصه المؤلفان وما استطعت تلخيصه من خلال استعراض
الكتاب فيما يلي:
* النساء أفضل خلقاً من الرجال مما يؤهلهن لتسلم مهمات قيادية في مجتمعهن.
* تفتقر أمريكا للقيادة الأخلاقية، أما قادتها الحاليون فهم مصدر الإخفاق في
كل المجالات.
* الشباب الأمريكي هم أكبر مآسي المجتمع.
* ما يصل إلى ٦٠% من مجموع السكان هم ضحايا الجرائم.
* فقدت نسبة كبيرة من الأطفال معاني الطفولة، وأصبحوا ضحايا ظواهر
سلبية جديدة، ومنها على سبيل المثال الاغتصاب، حيث إن نسبة كبيرة من
الصغيرات (تحت ثلاثة عشرة سنة) تعرضن للاغتصاب، وبشكل عام فإن واحداً
من سبعة أطفال تعرض لاعتداء جنسي.
* الانحراف الخلقي والتحلل من القيم هي المشكلة الأولى في البلاد.
* الزواج لم يعد حصانة للمجتمع فالمشكلات الأسرية متفاقمة لدرجة أن ثلث
الأزواج يخونون بعضهم بعضاً.
* غياب الأمن الاجتماعي من ظواهر السنوات الأخيرة، وانتشار الفردية في
كافة نواحي الحياة.
* ٢٠% من النساء تعرضن للاغتصاب وفي أكثر الأحيان يكون ذلك من
أصدقاء ومعارف.
* السلطة الأخلاقية في المجتمع مصدرها الإنسان نفسه والتبرير لذلك السلوك
المنحرف يكون عادة ببساطة غيري يفعله.
* ثلثا الناس يعتقدون أن الكذب لا حرج فيه رغم شعور الكثيرين بالخزي
تجاهه وتجاه السلوكيات الأخرى المنحرفة.
* أكثر من ٥٠% من الناس لا ترى مبرراً للزواج وبالنسبة لأكثر المتزوجات
فإن الإحصان الجنسي وإنجاب الأولاد ليسا السبب الرئيس للزواج، وما يدعى أنه
أكبر مبررات الزواج (الحب) هو من أكبر أسباب الطلاق فيما بعد.
* العلاقات الزوجية ليست جيدة في العموم، وطبيعة الحياة ونظرة الزوجين
لبعضهم بعضاً من أهم أسبابها.
* العنف من أبرز أمراض المجتمع الأمريكي ومعدلاته تفوق جميع البلدان
الأخرى بمراحل، وهو لا يقتصر على فئات معينة. ولوسائل الإعلام دور رئيس
في انتشار العنف، إضافة إلى واقع الحياة وظروف النشأة.
* ١٤% من سكان أمريكا يحملون سلاحاً، والحصول على السلاح رغم
القيود الإضافية متيسر خصوصاً لمن يدفع نقداً.
* الانتحار مستفحل في أمريكا والرقم الرسمي (٣٠.٠٠٠) ، لا يقل الرقم
الحقيقي عدداً عن آلاف من محاولات الانتحار الفاشلة فضلاً عن الأعداد الضخمة
التي تفكر في الانتحار وهذه الظاهرة تكثر في أوساط الرجال والشاذين والشباب.
* ٢.٢ مليون أمريكي مصاب بالإيدز، وسبعة ملايين يعتقدون باحتمال
إصابتهم به.
* هناك رغبة عامة في تدريس المبادئ والقيم الاخلاقية في المجتمع الأمريكي.
* الفساد والرذيلة والمخدرات أكثر انتشاراً في الأوساط الغنية منه في
الأوساط الفقيرة.
* نسبة ٩٠% من الأمريكيين يؤمنون بالإله، لكن الالتزام بأوامره ضعيف
للغاية.
* اليابان تمثل تحدياً اقتصادياً كبيراً لأمريكا حالياً، ويعتقد أكثر الأمريكان
بأفول أمريكا في القرن القادم لصالح اليابان.
* عضو الكونجرس الأمريكي لا يختلف أخلاقياً عن قادة الجريمة وتجار
المخدرات.
* المال هو العامل الرئيس لدى الأمريكي كي يكذب أو يغش أو يسرق أو
يقتل.
* ٢٠% من الأمريكان يتعاطون المخدرات بشكل أو بآخر.
* الجشع والأنانية من الصفات البارزة للمجتمع الأمريكي الحالي.
هذه الخصائص آنفة الذكر تمثل صورة قريبة جداً من الواقع لأنها نتاج
مقابلات شخصية مع آلاف من الناس، وفي الحقيقة ليست هي المقياس الوحيد لكنها
إضافة إلى ما ينشر من أخبار ودراسات وتحليلات للواقع الاجتماعي الحالي لأمريكا
تمثل صورة واقعية يمكن من خلالها رسم صورة معقولة والوصول إلى نتائج مقبولة.
هذا واقع الشعب الذي ما يزال نفر من بني أمتنا يرى فيه (نموذجاً) ويدعون
بكل صفاقة لتقليده واحتذاء أساليبه الحياتية وهو يعيش في جاهلية وانحراف وسقوط، لكن أولئك المقلدة علموا أو جهلوا إنما يدعون لهوان أمتهم وانحرافها، وهم
يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وياليتهم يدعوننا إلى تقليدهم في العلوم والتقنية
والأبحاث ولكن المشكلة أنهم يريدون السير وراء ذلك الشعب بحضارته وثقافته كما
قال كبيرهم الذي علمهم السحر لنأخذ الحضارة حلوها ومرها، خيرها وشرها.
وحينها نعلم إلى أي مدى يريد أولئك بأمتنا من شرور وفتن، وفاقد الشيء لا
يعطيه..
стр. 1865
المسلمون والعالم
نوبل الباردة.. ولغة الحيوان
عبد الله عمر سلطان
كان منظر الثلاثة وهم يقفون على منصة الاحتفال يبعث في النفس الشعور
بالتقزز وتتداعى معه مصطلحات راجت في الفترة الأخيرة في مقدمتها: العصر
الإسرائيلي، المعايير المزدوجة، النفاق الرخيص. أكثرهم تصنعاً وقلقاً، كان
أولهم في استلام جائزته من الراعي للحفل، فعندما تقدم عرفات لاستلام جائزة نوبل
للسلام ظهرت مواهبه المعروفة، كما ظهر بشكل قاطع أن سيل الأحداث وضغط
الواقع القائم قد خفف من قدرته على إخفاء إحباطه وفشله رغم الضحكة الصفراء
والسرور المصطنع الذي غطى معالم وجهه أما بيريز فعندما تقدم إلى استلام جائزته
وإلقاء كلمته كان يحاضر بعقلية الإستراتيجي الذي خطط أسلافه قبل أكثر من نصف
قرن بعض تفاصيل حاصل ما يجري اليوم من أحداث، وبعقلية المستشرف لمستقبل
المنطقة وتفاصيل المشروع الصهيوني القائم من خلال الدراسات العلمية، أما رابين
فكان أكثرهم استكباراً وتضايقاً من حشره في مقعد مجاور لعرفات، هذه الشخصية
التي طالما احتقرها بالأمس ومارس معها منذ اتفاق أوسلو عملية تحطيم شخصية
وسياسية بشكل مهين.
مر الاحتفال بارداً، برودة الاتفاق الذي أفضى إلى نيل الثلاثة هذه الجائزة،
كما عكس بشكل قاطع أن الاتفاق رغم المناورات والمحادثات السياسية الأسبوعية
بين حكومة رابين وسلطة عرفات يعيش في غرفة الإنعاش ويرفض مغادرتها.
قال صحفي نرويجي غطى الاحتفال قائلا: من كان يصدق أن يقف عرفات
في منصة التتويج لولا هذا الانقلاب الهائل الذي جعله يتحدث إلى ضيوف الحفل
كما يتحدث رئيس جمعية حماية حقوق حيوانات في بلد أوربي؟ ! ، ورغم كل هذه
العبارات المليئة بالحديث عن الإنسانية والسلام والبيئة والتحضر فإن عرفات كان
غير صادق وكان جمهوره يعرف ذلك لكنه اضطر إلى مجاملته إلى النهاية طالما أن
الزعيم الفلسطيني قد أدرك ولو في سن الشيخوخة أن عليه أن يتصرف وفق الفكر
الإنساني الديموقراطي وأن اللغة الوحيدة التي سمحت له أن يقف في هذا المحفل
هي لغة المتحضرين..! .
لغة المتحضرين ... ؟
ما لغة المتحضرين؟ هل هي اكتشاف نجهله أم همهمات بالغة الصعوبة أم
وصفة دوائية علينا أن نتناولها بانتظام؟ ربما كانت جواز سفر سحري يسمح
للكهول أن يدركوا سفههم ولأصحاب القضايا الخاسرة أن يعوضوا شيئاً مما فُقد. لغة
المتحضرين.. ما هي يا ترى هذه اللغة؟
والجواب أن جائزة نوبل هي في الحقيقة عبارة موحية وهامة في هذه اللغة
التي أحس الكاتب النرويجي في استخدامه لهذا المصطلح الذي يختصرحالة الحصار
الغربي للمنطقة، لإشكالية الهوية الإسلامية والتعامل معها بالتحديد، والإطار
الغربي للتعامل مع الآخرين ... وفي مقدمة الركب بالطبع المسلمون!
هذه الإشكالية عبر عنها بكل صراحة المستشرق الفرنسي فرانسوا بورجا
بقوله الحضارة الغربية المعاصرة وفي نشوة قوتها الحالية لا تسمح بوجود ثقافات أو
حضارات أو لغات أخرى وهذا السلوك المعاصر يتكئ على مخزون تاريخي يمتد
إلى وقت بداية: الاستعمار الأوربي للعالم حيث كان مبدأ الغربيين (الصليبيين) منذ
البداية إلغاء الثقافات والأجناس الأخرى حتى ولو كان ذلك بأسلوب التطهير العرقي
الذي يمارسه الصرب الأوربيون اليوم على مرأى ومسمع من العالم.
وليم فان الكاتب في الـ لوس أنجلوس تايم يقيم الوضع من زاوية أخرى
بقوله: إن العالم الغربي يجب أن يعترف بوجود مشكلة له مع العالم الإسلامي وهي
أن هذه الشعوب ترفض أن تتخلى عن الفكرة القائلة بأن الدين ينظم كافة مناحي
الحياة، ويرفض بشكل قاطع أن ما لقيصر لقيصر وأن ما لله لله، وهذا ما أدركته
الشعوب المسيحية (المتحضرة) حتى في أوج حماسها الديني، ويكفي أن نذكّر بأن
شارلمان الذي قُلد منصب الإمبراطور المقدس لأوربا عام ٨٠٠م من قبل بابا روما
قد سلك هذا المسلك، لقد توج شارلمان من قبل البابا لكنه لم يكن تحت سلطته،
وهذا ما أتاح أن يكون شارلمان رأس الدولة ومُصّرف أمور الدولة، بينما كان البابا
راعي الآخرة وزعيم الكنيسة. هذا الانفصام لم يحصل في تاريخ الإسلام، وظل
المفكرون المسلمون عبر العصور يرون الدين والدولة وحدة واحدة مما أسقط فكرة
الدولة المدنية (العلمانية) من تاريخ المسلمين حتى بداية هذا القرن.
إنها مشكلة حاول الصليبي المستعمر منذ قرون أن يجد لها حلاً ومرت تجربته
خلال هذا القرن بمراحل ومشاهد وتجارب متعددة.
خبرة قرن:
في بداية هذا القرن، وفي ظل الاستعمار الغربي المباشر وتخلف المسلمين
على كافة الأصعدة، كانت الدعوة العلمانية الصريحة واضحة وقوية ومنتشرة
مستفيدة من وجود الاستعمار الذي هو تفوق الآخر الأوربي على المسلم المتخلف
حينما قيل: أن ليس أمام المسلم من طريق للوقوف سوى الاستناد إلى التجربة
الأوربية العلمانية التي فصلت بين الدين والدولة بشكل قاطع، ويمكن القول: إن
دعاة التغريب والعلمنة كانوا هم المتمتعين بوضع هجومي وبخاصة أن الغرب
المستعمر قد رأى في هذه النخب بروز أول ظاهرة علمانية في تاريخ المسلمين
وظهور أول جيل يطالب بتنحية الشريعة عن مظاهر الحياة.
لكن فشل الظاهرة الليبرالية في إيصال رسالتها وتعميقها شعبياً مع ظهور بداية
حركات إسلامية مناهضة إضافة إلى تفاقم الغضب الشعبي من الاستعمار وممارساته
قد أدى إلى انحسار الفكر الليبرالي لاسيما المتطرف منه وانحصار هذه الظاهرة
بالأحزاب التي تبنت جزئياً مناهضة المستعمر واستقلال بلدان العالم الإسلامي من
نير احتلاله.
وأما المرحلة التالية فقد تزامنت مع انهيار القوى الاستعمارية الأوربية
التقليدية وظهور القوتين المنتصرتين أمريكا والاتحاد السوفياتي واشتعال الحرب
الباردة في مناطق النفوذ لاسيما رقعة العالم الإسلامي، وقد شهدت هذه الفترة تراجعاً
جديداً للأحزاب والشخصيات والرموز المرتبطة بالليبرالية الغربية يقابله صعود المد
اليساري الذي رأى من خلال تبني الماركسية والاشتراكية والقومية سبيلاً للخلاص
من الامتداد الاستعماري الأوروبي المتمثل في الولايات المتحدة، لاسيما مع بروز
دولة الكيان الصهيوني ووقوف الغرب بانحياز تام نحو مشروع إضعاف واستنزاف
العالم العربي من خلال قاعدة استعمارية تمثل أسلوباً جديداً من أشكال الاحتلال
المرتكز على أسس دينية وعقدية تكرس الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي كانت
ولا تزال سائدة.
وتمثل المرحلة الثالثة والتي بدأت بانهيار جدار برلين واندحار الشيوعية
الحالة الراهنة لإطار المواجهة مع العالم الإسلامي وإن كانت هذه الحقبة قد تميزت
بارتفاع موجة الليبرالية العلمانية من جديد. وهذه الموجة قد ظهرت في ظل بروز
معطيات جديدة منها:
* تصاعد موجة الصحوة الدينية في العالم بشكل عام وفي العالمين الإسلامي
والغربي بشكل خاص ومع بروز هذه الظاهرة استطاع الغرب أن يستوعب هذا
التيار ضمن بوتقة القوى الفاعلة فيه بينما حوربت هذه الظاهرة بلا هوادة من قبل
النخب السياسية والثقافية في العالم الإسلامي.
* انهيار الخطر الشيوعي وتقديم الخطر الإسلامي عدواً أوحداً للحضارة
الغربية وإبراز النظريات الداعمة لتضخيم الإسلام عدواً ومصارعاً للحضارات.
* بروز قوى اقتصادية جديدة في العالم تشكل نواة حضارية مرتبطة بالغرب
في إطارها العام لا سيما في اليابان وجنوب شرق آسيا مع محدودية التجربة الفكرية
التي تقدمها تلك الشعوب للعالم عموماً وللغرب خصوصاً.
*اتساع شبكة الاتصالات ووسائلها بصورة مذهلة مما نقل المعركة الحضارية
إلى أرجاء المعمورة بصورة فاعلة وفورية وإمساك الغرب بوسائل وأدوات الثورة
الاتصالية والإعلامية الحالية وإدارة المعركة من خلالها بثقة وذكاء.
*بروز العامل الاقتصادي الاستعماري في صورة الشركات المتعددة الجنسية
وتطويع الموارد الرخيصة في العالم لخدمة الاستعمار الجديد ورموزه الحالية وهيئته
الجديدة.
*كل هذه العوامل تجعل الغرب وحضارته الصليبية المعاصرة في وضع
يسمح له بأن يضرب بالمبادئ والمثل بل وبالمنطق والعقل عرض الحائط في سبيل
تكريس لغته الحضارية التي يتحدث بها باستعلاء تجاه الآخر لا سيما إذا كان الآخر
هو العالم الإسلامي ويتحدث بلا حياء عنها وكأنها الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه رغم أنه أي الغرب يعرف حقاً كذب وبهتان هذه اللغة.
أحداث متفرقة.. وخيط رفيع:
دعونا نلقي نظرة إلى بعض أحداث الأسابيع الماضية، ثم ننظر إلى المحصلة
النهائية لهذه الأحداث ... ففي البوسنة مارس الصرب ولازالوا أبشع أنواع الجرائم
الإنسانية، ووقف الغرب المتمدن ينظر إلى جنود بطرس غالي وهم يؤخذون أسرى، ومدرعات الأمم المتحدة تؤخذ عنوة دون أن يكون هناك رد فعل ولو نفاقاً لإسكات
أفواه المدافع الأرثوذكسية ... والسبب أن الصرب في امتدادهم الديني والحضاري
يتكلمون (اللغة المتحضرة) ... لغة عبادة القوة التي يمارسها الغرب في حق
الضعفاء من أمثال البوسنيين..
أما في الشيشان فهناك دولة تنتهك حدودها يرمي شعبها الأعزل أجساده النحيلة
وعظامه الهشة لتشكّل في وجه الدبابات الروسية الصليبية المتغطرسة سداً. بينما
يقف وزراء خارجية الدول الغربية موقف غير المبالي من الحدث وكأنه يشهد جولة
من جولات المصارعة الحرة بين أسد وقط.
أما إذا كنا قد بدأنا بجائزة نوبل فلنا أن ننتهي بجائزة كورت توخولسكي التي
أعطيت للمرتدة تسليمه نسرين من قِبل نادي القلم السويدي وقامت مارجريت أون
جلاس وزيرة الثقافة السويدية بتسليم الجائزة لهذه المرتدة عرفاناً من مثقفي الغرب
بإنجازات هذه الكاتبة المتحضرة التي وقفت ضد الإسلام والأصولية الهمجية! ثم ما
هي إلا أسابيع وتزور المذكورة باريس عاصمة الظلام الفكري والحقد الذي ليس له
حد في حراسة ١٢٠٠ جندي لتعلن هناك وبصراحة أنها ملحدة ولا تؤمن بالإسلام
جملة وتفصيلا. فيصفق لها الغرب المتحضر ويكتب وليم فان في ١٣ ديسمبر
١٩٩٤ قائلاً إن قضية تسليمه نسرين يجب أن تلقي بالضوء على التحدي الذي
يواجه المثقفين في العالم الإسلامي وهم يسعون إلى تكريس مبدأ حرية المعتقد
ونقاش الحريات بشكل واضح، وليست تسليمه وحدها تعاني من التعصب، فهناك
أمثلة أخرى: كسلمان رشدي والكتاب الجزائرين المرتبطين بالمدرسة الفرنسية،
كل هؤلاء ظواهر قوية تحظى باحترام غربي ومن المؤمنين بالحرية والديموقراطية
في العالم، وعلى الغرب أن يعمل ما في وسعه لبقاء مثل هذه الأصوات داخل العالم
الإسلامي بدلاً من هروب هؤلاء عن الساحة ولجوئهم إلى الغرب ... إن من السهل
أن يرفض المثقف الإسلامي ويرحل ... ! ! لكن الأهم أن يبقي هؤلاء داخل
المجتمعات الإسلامية حتى تصل هذه المجتمعات إلى مرحلة القبول بمصطلحات
العالم المتطور ... إنه دور ضخم ومطلوب، لكنه في هذه الأيام دور محفوف
بالمخاطر ...
هكذا يلخص الكاتب القضية بكل صراحة ووقاحة ... الجوائز تنتظر أولئك
الذين يفتحون الجبهات الساخنة في المجتمعات المسلمة، وجائزة ك نوبل سترتبط
في الذاكرة العربية المسلمة بكل ما من شأنه اغتصاب الحقوق وإهدار قيم ومبادئ
هذه المجتمعات الملاحقة، ترتبط باتفاق الشؤم في كامب ديفيد أو بتوقيع إتفاق بيع
الحقوق والمقدسات كماحدث في أوسلو، وهذا بالضبط ما جعل الجمهور المحاصر
من التلال الشيشانية إلى الأصقاع البوسنية يعي أن الحرب على الإسلام ثمنها
القبول في مجتمع التحضر الصليبي ولو كانت عضوية من الدرجة الثانية والمكافأة
على الدور المطلوب حتى ولو كان سمجاً وفجاً ومحمياً من قبل ألف ومائتي جندي! !
المرحلة الحاضرة مثقلة بتناقضات شتى، أبرزها: لغة الغرب المتباكي على
حقوق الحيوانات والرافض لبشر حملوا حضارة العالم قروناً وحقهم في أن يقرروا
ما يريدون، وأن يعيشوا ضمن مبادئهم التي تشع مع كل ضربة موجهة إليهم ومع
كل حصار يَحشده الغرب يحاول من ورائه أن يستأصل هذه الأمة كما استأصل
الهنود الحمر وكمحاصرته سكان الغابات الاسترالية. والشعوب المسلمة تؤكد مع
كل موجة صليبية جديدة أن فيها عروقاً تنتفض وتزيد حيوية كلما رأت خائناً يجرح
كرامتها بأقدامه التي تدوس على البسط الحمراء في طريقه إلى نيل أعطية يحاول
من خلالها أن يثبت أنه مهتم بقضية الحفاظ على حقوق الحيتان الزرقاء في العيش
بحرية في المحيط الهادي بينما الأحرار الأبرار يعيشون حصاراً أشبه ما يكون بـ
(حصار الشعب) المكي الشهير.
стр. 1866
المسلمون والعالم
في الشيشان هل يعيد التاريخ نفسه ؟
عرض ومتابعة للعلاقات الروسية الشيشانية
أحمد العويمر
تمهيد:
تقع بلاد الشيشان في السفوح الشمالية لجبال القوقاز، وتتدفق إليها المياه من
الجبال مشكلة أنهاراً كبيرة ترفد نهر ترك الذي يعد أهم أنهارها؛ ولذا اشتهرت
بخصوبة أراضيها وكثرة غاباتها الكثيفة، وقد سكن الشيشان هذه الأرض على
ضفاف الأنهار وكان للغابات أثرها في حمايتهم من الأعداء، يقول (جون ماديلي) :
مادامت الغابات موجودة لم يكن من سبيل لقهرهم، ولم يؤثر الروس في مقاومتهم
إلا بعد قطع أشجار الغابات حتى قال: إنه يمكن القول بلا مبالغة إن الذي هزم
الشيشان لم يكن السيف بل البلطة.
وتشتهر الشيشان بثرواتها البترولية والمعدنية بالقرب من عاصمتها
(جروزني) ومساحتها تبلغ (٠٠٠ر١٩كم٢) وسكانها (٥٠٠ر١) مليون نسمة ويشكل
المسلمون فيها نسبة ٧٤% وبسبب الاستعمار الروسي أصبح المسلمون في العاصمة
أقلية؟ .
مقاومة الاستعمار الروسي:
بدأ احتكاك الروس بشعب الشيشان المسلم عام ١٧٢٢م، عندما قام (بطرس
الأكبر) بغزو القفقاس بجيش جرار يقوده بنفسه، فتعرض لهجوم شيشاني أنزل
بجيشه ضربة قوية، نزلت عليه نزول الصاعقة، مما جعله يغير خططه العسكرية
للغزو، فكانت خطته الجديدة أن يترك هؤلاء ولا يحل بهم إلى أن يتم إحكام
الحصار عليهم من كافة الجهات، ووجه جيوشه لنواحي القفقاس الأخرى وبخاصة
الأراضي المنبسطة، وفي سفوح الجبال العارية من الغابات ولم يكن الأمر هيناً أو
نزهة كما توهم ولم يدر بخلده أنه سيذهب إلى الجحيم، وأن أحد عشر قيصراً بعده
سيواجهون حرباً ضروساً من عام ١٧٢٢ إلى عام ١٩١٧م حيث اضطر خَلَفُهُ
الحادي عشر (نقولا الثاني) إلى التنازل عن العرش في ٥/٣/١٩١٧م منهياً حكم
الروس البيض وجرائمهم ومظالمهم.
تقول المؤرخة الأمريكية (لزلي بلانتي) في كتابها سيوف الجنة إن خسائر
القوات القيصرية في حرب القوقاز الأولى بلغت نصف مليون جندي وضابط سقط
معظمهم في قتال الشيشان والداغستان الذين اتحدوا معاً لمقاومة الروس المستعمرين
لمدة ٤٠ سنة، وفي معركة دارغو وحدها لم ينج من ٣٠ ألف جندي روسي سوى
خمسة آلاف بعد وصول نجدة كبيرة لهم وفي مقاومة الشيشان على يد الشيخ منصور
والشيخ شامل والإمام غازي محمد صفحات جليلة من ملاحم الجهاد يعتز بها كل
مسلم وهي جديرة بالاطلاع لما فيها من صور للبطولة والشجاعة [*] .
وبتنازل نقولا الثاني انتهى الاستعمار الروسي الأبيض، ليبدأ استعمار أشد
هو الاستعمار الشيوعي للروس الحمر، حيث استولت القوات الشيوعية على
القفقاس عام ١٣١٤هـ، (١٩٢٢م) ، وقد أعطى لينين الشيشان حكماً ذاتياً، ثم
دمجت مع (الأنجوش) عام ١٣٥٣ (١٩٣٤) لتكونا جمهورية واحدة. ...
نفي الشيشان عن موطنهم:
وضمن قرارات ستالين العشوائية الحاقدة على المسلمين أصدر أمره بنفي
الشيشان وإخوانهم المسلمين حولهم إلى سيبريا، وألغى جمهوريتهم وأعطى أراضيها
لجورجيا، وقد مات عشرات الألوف منهم أثناء رحلة الموت تلك ولكن المسلمين
الشيشانيين لم تزدهم تلك المحنة التي بقوا فيها ١٥ عاماً سوى تمسكاً بدينهم وهويتهم
حتى ألغى مجلس السوفيت الأعلى ذلك القرار الجائر وبرأ الشعوب المسلمة من
تهمة التعاون مع النازي، وسمح للشيشان والأنجوش بالعودة إلى وطنهم عام
١٣٧٧هـ (١٩٥٧م) لكنهم لم يجدوا بلادهم إلا قاعاً صفصفاً، حيث هدمت ... ... المنازل والمدارس والمساجد في محاولة لإلغاء الدين الإسلامي من نفوسهم، وقد فشلت المحاولة، ولم تزدهم المحنة إلا قوة وإيماناً.
بقيت الشيشان جمهورية بحكم ذاتي تحت إشراف روسيا حتى نهاية الحرب
الباردة والانقلاب الذي أطاح بالرئيس السوفيتي الأخير (جورباتشوف) عام ١٩٩١م
وفي تلك الظروف قام الشعب الشيشاني المسلم بمسيرة كبرى في شوارع (جروزني)
مرددين لا إله إلا الله محمد رسول الله , ثم تجمعوا في عدد هائل وزكوا أحد ...
الجنرالات المسلمين المتقاعدين وهو (جوهر داوديف) ثم اختاروه رئيساً لبلادهم
التي أعلنوا استقلالها، وقرأ القسم الذي حدده العلماء أقسم بالله العظيم أن أحارب من
أجل استقلال شعب الشيشان حتى آخر قطرة من دمي وتألفت حكومة شيشانية،
وتقاطر الناس في الشوارع بسلاحهم وأقسموا بأن ينتهزوا الفرصة لعودة الإسلام إلى
بلادهم وتداعوا على قلب رجل واحد بأن يلتسن لو تحرك ضدهم أو لم يعترف
باستقلالهم فإنهم:
١- سيقطعون الطريق بين موسكو وباكو.
٢- ويقومون بعمليات انتحارية ضد المؤسسات الاستراتيجية في داخل روسيا
وأعلنت الجمهوريات المسلمة تأييدها لاستقلال الشيشان، وعارض البرلمان
الروسي إرسال قوات إلى الشيشان، وعاد ٨٠٠ جندي روسي بل سلموا الطائرات
التسع التي جاءت لنقلهم هدية للجنرال (داوديف) .
وأكد علماء الشيشان على عدم تعريض الروس لأي اعتداء بل تركوا الباب
مفتوحاً لخمسة عشر ألف روسي في الداخل لمغادرة البلاد إن أرادوا.
ويتكون الجيش الشيشاني من المسلمين الذي كانوا ضمن الجيش السوفيتي
السابق وممن دربهم داوديف سراً ودخل بهم العاصمة (جروزني) في ٩/٩/١٩٩١،
وبقيت موسكو حائرة حيال ما حدث بل إن بعض المصادر أشارت إلى أن يلتسين
كان يشجع (داوديف) على الاستقلال لإحراج الرئيس السابق (جورباتشوف)
وتعجيل الإطاحة به، وبعد إعلان الاستقلال وتنصيب داوديف رئيساً، وبعد
زياراته لعدد من الدول المجاورة أثار ذلك حفيظة موسكو لاستقباله كرئيس دولة.
المؤامرات الروسية بعد الاستقلال:
قامت روسيا بإرسال قوات حكومية لإقصائه، ودعمت معارضيه الذين
يتزعمهم الشيوعي السابق (عمر افترخانوف) مدير الإدارة المحلية السابق ورئيس
البوليس السري السابق في (نادقيرشني) الشاشانية، ومده بالسلاح لمحاولة إسقاط
الرئيس واحتلال الإذاعة والتلفزيون لكنهم فشلوا.
في الآونة الأخيرة أعادت المعارضة هجومها لإسقاط الرئيس داوديف بزعامة
(افترخانوف) عسكرياً وبزعامة حسب الله توف سياسياً بدعم عسكري روسي مع
غطاء جوي قصف المطارات ودور الحكومة وقصر الرئاسة ونفت روسيا في البداية
أي دور لها في دعم المتمردين الشيوعيين، لكنها اعترفت بذلك فيما بعد.
لماذا يحاول الروس إسقاط داوديف: يرجع هذا إلى دافعين رئيسين هما:
أولاً: الدافع السياسي: ويتمثل في خوف روسيا أن يدفع انفصال الشيشان بقية الشعوب المسلمة إلى طلب الاستقلال، وبالتالي انفراط عقد الاتحاد الروسي كما انفرط الاتحاد السوفياتي البائد، وحتى لا يُشَكل فيما بعد اتحادٌ يضم شعوب شمال القوقاز بقيادة (داوديف) ، مع أنها شعوب تعاني من الفقر وسوء الأحوال الاقتصادية، وهذا الهاجس المفزع لمستقبل روسيا الاتحادية يرعب أيضاً المجتمع
الدولي الذي يخشى قيام كيان سياسي إسلامي في هذه المنطقة الاستراتيجية: لكونها ملتقى قارات آسيا وأوروبا وأمريكا ولكونها ملتقى الملاحة الدولية في هذه المناطق.
ثانياً: الدافع الاقتصادي: حيث تعتبر جمهورية الشيشان ثاني مصدر
احتياطي لنفط روسيا بعد أذربيجان المستقلة التي وقع رئيسها (علييف) اتفاقيات
نفطية مع مجموعة من الشركات الأجنبية، فضلاً عن كون منطقة القوقاز غنية
بالزراعة ذات المحاصيل المتنوعة التي تذهب جلها إلى موسكو مما يشكل فقدانها
خسارة اقتصادية كبيرة لهم.
الاستراتيجية الروسية لإسقاط داوديف:
تتمثل في الآتي:
أولاً: سد الطرق التي يأتي منها الدعم للشيشان:
- بدأت هذه الاستراتيجية بإسقاط الرئيس السابق لجورجيا (زفياد جمسا
خورديا) ليحل مكانه شيفارنادزة بسبب تأييده استقلال الشيشان ومدهم بالسلاح
والمتطوعين، وكانت جورجيا في عهده مفتوحة لاتصاله بالدول الأخرى، وكان
بقاؤه يشكل عمقاً سياسياً واقتصادياً لداوديف ولذا أُسقط نظامه.
إشغال أذربيجان بحربها مع أرمينيا حتى لا تتمكن من مساعدة الشعوب
القوقازية عسكرياً واقتصادياً بحكم كون الجميع مسلمين ولقد شارك الآذاريون
الشيشان الاحتفال بالاستقلال بوفود رسمية وشعبية.
ثانياً: الحصار الاقتصادي وتشجيع المعارضة الشيشانية:
وهما ورقتان لا يمكن فصلهما لسبب بسيط وهو كون الحصار الاقتصادي من
أهم وسائل المعارضة في كسب المؤيدين لهم ضد الدولة، وكذلك تجييش رجال
عصابات المخدرات وعلى رأسهم (روسلان لابزانوف) لارتكاب سلسلة من
الحوادث مثل خطف القطارات والطائرات واحتجاز الرهائن في مناطق مختلفة من
القوقاز وروسيا الاتحادية مع انتحال صفة وهوية رجال داوديف ولقد سلط الإعلام
الروسي وبعض وسائل الإعلام العربي المشبوهة الأضواء عليهم بتلك الصفة
للإساءة إلى نظام داوديف وإظهاره على أنه نظام إرهابي.
ولكون زعيم المعارضة (افترخانوف) غير معروف دولياً فقد تم العفو عن
(حسب الله توف) المعروف دولياً، الذي ظهر فجأة رمزاً للمعارضة وسلطت
الأضواء عليه بشكل ملفت للنظر.
منطلق هذه الاستراتيجية الروسية:
١- تمزيق الشعب الشيشاني واختلاف ولاءاته مما يسهل التدخل الروسي
لإسقاط داوديف.
٢- تحييد شعوب شمال القوقاز على اعتبار أن ما يجري هناك مسألة داخلية
وليس نزاعاً روسياً شيشانياً.
٣- استخدام المعارضة قناعاً للقوات الروسية العسكرية التي ستهاجم الدولة
في المرحلة اللاحقة بعد فشلها المتكرر مع دعمهم بالسلاح الروسي الذي اعترفت به
روسيا بعد إنكار سابق وبعد تحقق أهدافها بتعطيل المطارات لمنع أي مساعدات
خارجية سواء أكانت من دول البلطيق التي توالي إلى حدٍ ما داوديف للمواقف
المشرفة له حينما كان حاكماً عسكرياً لها حيث رفض أوامر القمع ضد هذه الشعوب
أو أي مساعدة من الدول الإسلامية الأخرى في الجنوب.
رفض تهديدات يلتسين:
وجه يلتسين تهديدات للأطراف المتنازعة في الشيشان بأنه سيعلن حالة
الطوارئ، ويرسل قوات عسكرية إذا لم تحل الفصائل العسكرية نفسها وتكف عن
القتال وتطلق سراح الأسرى خلال ٤٨ ساعة لوضع نهاية لإراقة الدماء وإعلان ما
سماه (الشرعية الدستورية) والقانون والسلام في الإقليم الذي وصفه بأنه جزء من
روسيا وكان (داوديف) قد قال أنه أسر ٦٠ مقاتلاً من المعارضة وإذا لم تعترف
الحكومة الروسية بأنهم روس فسوف يتعرضون للقتل باعتبارهم مرتزقة أو
الاعتراف بكونهم روساً، وسيعاملون كأسرى حرب مع رفض تهديد يلتسين، وجدد
داوديف اتهامه لروسيا بأنها مسؤولة عن تفشي الجريمة في الجمهورية وأنها هي
التي تدعم عصابات القتلة وتجار المخدرات وتزودهم بالأسلحة وأن هذه السياسة
سوف ترتد على أصحابها، وأن محاولة إيجاد معارضة داخلية فشلت وتم سحقها،
فضلاً عن فشل مخطط اغتيال داوديف في يوم ٢٣/٢/١٩٩٤ وتجهيز ٢٠ طائرة
مدربة عسكرياً بأربعين مقاتل من قوات أمن الدولة الروسية الخاصة التي خطط بأن
تقوم بعلميات الكوماندوز وتتلوها فوراً عملية اقتحام الجيش الروسي للدولة ولكنها
فشلت.
هل يسقط الروس داوديف؟
لاشك أن روسيا عسكرياً أقوى من دولة الشيشان عدة وعتاداً، وهي مرشحة
لهزيمته عسكرياً على ضوء ميزان القوة، ولكن ذلك لن يكون سهلاً بل سيكون
وراءه مآسٍ ومشكلات لا حد لها للروس لو جرؤوا على القيام بذلك وسيتحدد التدخل
الروسي على ضوء الاعتبارات التالية:
١- مدى موقف كونفدرالية شعوب شمال القوقاز وهل ستقف موقف المتفرج
أم ستتدخل لصالح الشيشان، وهو ما صرح به رئيس الرابطة في جمهورية
(القبرطاي) المجاورة للشيشان، مما يعني أن في انتظار الروس أفغانستان ثانية بل
أشد.
٢- هل سيهب الشعب الشيشاني من الجبال لنصرة رئيسه الرمز كما فعل في
الهجوم السابق الذي شنته المعارضة على العاصمة مؤخراً وتم دحره بتدخل رجال
القبائل وحينها سينتج عن الحرب البرية خسائر جمة للروس وإن كانوا متفوقين عدة
وعتاداً.
٣- موقف بقية الدول الأخرى بعد الهجوم الروسي على الشيشان وهل
تستجيب لنداء داوديف حينما يطلب نصرة (ما يسمى بالشرعية الدولية) أم تذهب
نداءاته عبر الريح، كما ذهبت نداءات (على عزت) في البوسنة، ثم ما هو موقف
هيئة الأمم من تلك الأحداث وهل ستطبق عليها معاييرالتدخل الدولي كما في
الصومال وراوندا أم لا يحصل شيء من ذلك وهذا هو المتوقع، لخوفها وعلى
رأسها سكرتيرها العام من قيام كيان إسلامي في تلك المنطقة المهمة.
٤- هل ستنفذ باكستان وأفغانستان وعدهما بإرسال المجاهدين للدفاع عن
الشيشان عبر البلاد الإسلامية أم لا.
٥- النتائج المتوقعة للمواجهة بين روسيا وداوديف ومدى قدرته على ضرب
العمق الروسي. كما أن لذوي اليسار من الشيشان في موسكو مكانتهم الاقتصادية
فهل سيكون لهم ضغوط على الحكومة الروسية، وتفاعل تلك العوامل آنفة الذكر
سيحدد إلى درجة كبيرة لمن ستكون الغلبة هل ليلتسن أم لداوديف وبخاصة وأن
القوة العسكرية وحدها وكما اتسمت حرب القوقاز الأولى ليست كافية لإرغام هذا
الشعب على عبودية الروس.
هل يتورط الروس بتصرف أحمق؟
حينما جاء وزير الدفاع الروسي للحوار مع داوديف صرح قائلاً بغطرسة إن
كتيبة مظليين واحدة كافية لاحتلال العاصمة خلال ساعتين، والحقيقة أن ذلك ادعاء
وعنجهية وإلا لماذا أحجموا عن اجتياح الشيشان منذ أعلن استقلالها منذ ٣ سنوات
وبخاصة وأن الكتيبة الروسية التي دخلت الشيشان لأول مرة بعد الاستقلال كادت
تباد لولا تدخل الرئيس الذي أمر خمسين ألف مقاتل شيشاني بعدم الفتك بهم وإبادتهم
في أقل من ساعتين، واكتفى الرئيس بتحميل الطائرة بالكتيبة وإعادتها بعد نزع
سلاحها ليصبح غنيمة شرعية للشعب الشيشاني، فهل يتورط الروس في عملية
أخرى مستغلين تفوقهم في العدد والعتاد، وهذا ماحصل بالفعل كما سنشير إليه فيما
بعد.
حقيقة إسلام الشيشان:
الشيشان شعب مسلم يعتز بالإسلام، وممن ساهم في ساهم في نشر الإسلام
بينهم بعض دعاة من الصوفية ولا يخفى ما عليه أولئك الدعاة من الانحرافات
العقدية، ولا شك أن الواجب يدعو إلى بذل جهود متواصلة لتوعية الكثير من
إخواننا هناك بعقيدة الإسلام الصحيحة، وتعريفهم بالإسلام الحق بعيداً عن الغلو في
الصالحين والفهم الصوفي للدين وهذا يحتم على كل المخلصين اتخاذ الوسائل التالية:
١- بعث الدعاة الذين يوثق بصحة عقائدهم لبث العقيدة السلفية هناك.
٢- اختيار عدد من أبناء هذه البلاد للدراسة في الجامعات الإسلامية الموثوقة
حتى لا تقوم بهذه المهمة الطوائف المنحرفة كما هوحاصل اليوم.
٣- ترجمة الكتب الإسلامية في التفسير والحديث والعقيدة والأحكام بلغاتهم
وإشاعتها فيما بينهم.
٤- فتح مراكز إغاثة وتوعية للمسلمين هناك تهتم بالتعليم والتربية والتثقيف
والإغاثة.
ما مدى إسلامية داوديف:
حينما سأل الرئيس داوديف عن نصيبه من الإسلام والإيمان رد قائلاً: إن
على كل مسلم أن يحفظ إيمانه في صدره وألا يكون هذا الإيمان دعاية وأنا شخصياً
لم أقم بأي خطوة مخالفة لأوامر الله تعالى.
وإنه كان لي دعائي الخاص أثناء الطيران وفي أي مهمة حرجة وأضاف قائلاً: إنه حافظ ضمنياً وروحياً على كل تعاليم الإسلام، وقد قدم التسهيلات للمجندين
المسلمين داخل الجيش خلال خدمته وإنه كان يشجع المسلمين على أداء الصلاة
خمس مرات، وكان لا يسمح بأن يزعج المصلين أحد، وكان المسلمون يلجؤون
إليه لإخفاء ما لديهم، ولم يكن ذلك بالشيء القليل إبان وجود الاتحاد السوفياتي.
أما عن رؤيته باعتباره رئيساً مسلماً حول قيام دولة مسلمة أجاب: إن الله
حينما حدد لنا القوانين لكي نعيش بها فإن عدم الاعتراف بها أمر مرفوض وقيام
دولة مسلمة يحكمها القرآن أمل أرجو أن يتحقق ولكن المصارحة هنا واجبة فالشعب
اليوم غير جاهز لمثل هذه الدولة بسبب ما عاناه من تأثير ضد دينه ونفسيته طوال
استعماره ولابد من إعداد جيل مثقف إسلامياً وسيكون قادراً على إجبار أي حكومة
على إقامة هذه الدولة، إن الجيل الكبير وأنا واحد منه يعتبر جيلاً فاسداً، ونحن
مهتمون بإصلاح أنفسنا وتربية الجيل الناشيء، ويجب عدم إغفال أن الشعب
الشيشاني قناعاته تامة بأن طريقه هو الإسلام، ولقد أفسحنا المجال لتدريس الصغار، وأسست المدارس لتؤدي رسالتها بجوار المسجد. والشعب مستعد من الناحية
الروحية لتقبل الشريعة الإسلامية، ولكن علينا أن نوفق دائماً بين الوعي والعاطفة! !
ونتمنى جميعاً ألا يكون ذلك مجرد مناورات سياسية فقط كما هو الحاصل من
كثير من زعماء هذا الزمان والله المستعان.
أخر الأحداث:
وبمرسوم رئاسي تم اجتياح الجيش الروسي دولة الشيشان فجر يوم الأحد
الموافق ٨/٧/١٤١٥ ودخلوها من ثلاثة محاور، وقاومهم الشيشان ببسالة وأسروا
٤٧ جندياً واستولوا على العديد من الدبابات وحاملات الجنود وحرقوا بعضها،
وأسقطوا بعض الطائرات وقد اعترف الروس بذلك.
ولقد رفض البرلمان الروسي هذا التدخل ودعا النائب (يوشينكوف) الذي قاد
المفاوضات مؤخراً في (جروزني) إلى تظاهرات شعبية وسط موسكو وحذر رئيس
الوزراء الروسي السابق (جيدار) من حدوث أفغانستان أخرى في الشيشان داعياً
يلتسن إلى التراجع عن استعمال القوة، وكانت ردود الفعل الغربية على هذا التدخل
باردة وعلى استحياء بدعوى أن الأمر شأن داخلي أما العدوان وانتهاك حقوق
الإنسان فلا قيمة لها مادام الأمر يخص المسلمين فقد قال وزير خارجية أمريكا: إنه
يؤيد التدخل الروسي وهو شأن داخلي أما وزير الخارجية البريطاني فقد قال زيادة
عن ذلك: إن وجود الشيشان مستقلةً فيه تهديد للأمن الأوربي، مع الأمل بتسوية
سلمية سريعة! ولا أستبعد أن الروس قد أخذوا إشارة خضراء من الاجتماعات
الأوربية الأخيرة بخصوص هذا الاجتياح.
وما يؤسف له أن ردود الفعل الإسلامية الرسمية كالعادة ربما لا تتجاوز سوى
الشجب والاستنكار، وأضعف الإيمان هو الضغط على روسيا بعدم التدخل في
الشيشان والاعتراف بها دولة مستقلة أسوة بغيرها من دول الاتحاد السوفيتي السابق.
وما زالت الأحداث ساخنة تنذر بعواقب وخيمة ولعل مسلمي الشيشان يلقنون
الروس دروساً يعيدون بها التاريخ حينما أدبوا الجيش القيصري وأذاقوه سوء العقاب
مما ألمحنا إلى شيء منه، ولعله يكون بإذن الله بادرة هزائم وخسائر وسقوط ذريع
لروسيا وتفتتها وانهيار شامل لاقتصادها المتداعي مما تقر به العيون إن شاء الله.
ولعله يتسنى فيما بعد رصد المستجدات للأحداث مما تكون معه العواقب نصراً
مؤزراً للمسلمين وهزائم موجعة للعدو، وما ذلك على الله بعزيز.
المراجع:
١- المسلمون في الاتحاد السوفياتي د/ محمد على البار.
٢- سلسلة مقالات شمس الدين طاش عن جهاد الشيشان في مجلة المجتمع
بدءاً من العدد ٩٣٣.
٣- المسلمون في آسيا والبلقان د/ محمد حرب.
٤- مقالا د / أحمد الشيشاني الوثائقيان في (الجزيرة) العدد ٨١٠٦ وفي
الرياض العدد ٩٦٦٢ وهما من أحسن ما كتب حول تحليل أحداث الشيشان مؤخراً.
٥- المقابلة مع الرئيس جوهر داوديف في مجلة المجتمع العدد ١١٢٨.
стр. 1867
معنويات الصليبين المنهارة في الفلبين
أمام طرقات المجاهدين المتوالية [*]
التحرير
قام راموس رئيس دولة الفلبين الصليبية مؤخراً بزيارة تشجيعية لجنوده في
جبهاتهم القتالية في كل من بلدة كارمين وأليوسان وبانيسيلان في محافظة كوتباتو، وكان ذلك في طائرة عمودية حلقت قريباً من مواقع جنوده لمحاولة رفع معنوياتهم
المنهارة، وتشجيعاً لهم لمضاعفة حملتهم الشرسة على المسلمين.
وقد بدأت المعركة بين المجاهدين وجنود العدو في محافظة كوتباتو الشمالية
منذ أكثر من شهر، حيث هاجم الجنود الصليبيون مواقع المجاهدين في المحافظة
واتسعت المعركة فشملت عدداً من البلدات المجاورة، ومازالت الحرب مستمرة حتى
الآن، وقد مضى عليها أكثر من شهر وقتل خلالها أكثر من مائة جندي من جنود
قوات راموس المسلحة وأصيب عدد كثير منهم، ودمر بعض دباباتهم وسياراتهم
المصفحة، واستولى المجاهدون على كثير من معداتهم الحربية، وانهارت معنويات
الجنود الصليبيين، وكان النصارى المستوطنون يشجعونهم ويلحون عليهم في
مواصلة الهجوم على المجاهدين الذين احتلوا منذ أكثر من شهر ثلاثاً من القرى التي
استوطن فيها النصارى، ولم يتحرك الجنود النصارى بسبب معنوياتهم المنهارة،
لذا كانت تلك الزيارة لهم في مواقعهم أملاً في رفع معنوياتهم المحطمة وتشجيعاً لهم
على حرب المجاهدين، الذين مازالو ولله الحمد ثابتون في خنادقهم، وقد تمركز
بعضهم في القرى الثلاث التي استولوا عليها، وهم على استعداد للقيام بهجوم مضاد
وينتظرون الإشارة فقط من القيادة، وسوف تندلع نيران المعركة قريباً لأن العدو
يعزز جبهاته والمجاهدون يعززون مواقعهم أيضاً.
الأنشطة الجهادية المتقطعة والمتفرقة مستمرة:
أما أنشطة المجاهدين العملية المتقطعة والمتفرقة في المحافظات الأخرى فهى
مستمرة وفيما يلي بعض الأمثلة لهذه الأنشطة:
مدينة كوتباتو:
من الوسائل التي يستخدمها المجاهدون للحصول على السلاح الاستيلاء على
سلاح العدو، وقد تمكنت الفرقة الخاصة المكلفة بذلك من انتزاع بعض أسلحة جنود
العدو كما حصل في سرانجاني، وفي قرية مكابارا بمحافظة كوتباتو الشمالية.
محافظة زامبوانجا الجنوبية:
ألقى المجاهدون قنبلة يدوية على مجموعة من الجنود الصليبيين أثناء شربهم
الخمرفي إحدى الحانات، وقتل ثلاثة منهم في الحال وأصيب خمسة بجروح.
محافظة ماجيندانو:
وقعت دورية الميلشيات النصرانية في كمين نصبه المجاهدون في إحدى
القرى في هذه المحافظة ولقي ستة من النصارى مصرعهم وأصيب ثلاثة منهم وتم
الإستيلاء على أسلحة المقتولين.
محافظة كوتباتو الجنوبية:
وقع ثلاثة من عملاء راموس في كمين نصبه المجاهدون في بلدية سورالا
وقتل العملاء كلهم واستولى المجاهدون على مسدساتهم وأجهزتهم الاستخباراتية.
محافظة كوتباتوا الشمالية:
يستمر تبادل إطلاق النار بين المجاهدين وبين جنود العدو في الجبهات القتالية
في مدينة كارمين، وقد قتل وجرح الكثير منهم في مدينة كارمين وفي بلدية اليوسان.
ردود أفعالهم على المجاهدين:
لقد أصدر رئيس أركان القوات المسلحة الفلبينية أوامر صارمة لقوات
الحكومة البرية والجوية والبحرية بشن هجوم مكثف على الجماعة الإسلامية في
باسيلان للقضاء عليها وتدمير مواقعها، ويسمي العدو أفراد هذه الجماعة الأصوليين
أحياناً والإرهابيين أحياناً أخرى والقراصنة في بعض الأحيان أو المجرمين،
والسبب في تسميته هؤلاء الإخوة بالأسماء المذكورة أنهم يحافظون على سمتهم
الإسلامي، وأن نساءهم محجبات وأنهم يتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله -صلى
الله عليه وسلم- ويدافعون عن حقهم المشروع وأعلنوا مقاومتهم للمعتدي المستعمر،
والواقع أنهم مجاهدو في جبهة تحرير مورو الإسلامية في باسيلان تحت إمارة
الشيخ / سلامات هاشم، وهم مسلمون سائرون وفقاً للسنة النبوية.
ولقد دارت معركة عنيفة بين المجاهدين في باسلان وبين جنود العدو وأسفرت
عن مقتل عشرة من الجنود الصليبيين، واستولى المجاهدون على سبع قطع أسلحة
فردية من أحسن الأسلحة التي يستخدمها العدو.
كما استولوا على جهاز اتصال لاسلكي، وتستمر عملية العدو العسكرية
لمحاولة القضاء على الجماعة الإسلامية التي يصفها بأوصاف سيئة بسبب تمسكها
بدينها ودفاعها عن عقيدتها وشرفها ومطالبتها بحقها المشروع في تقرير المصير.
والمجاهدون يواجهون تلك العملية العسكرية الوحشية بهجمات سريعة
وضربات خاطفة لإلحاق الخسائر بجنود العدو والإستيلاء على أسلحتهم في كل من:
مدينة كوتباتو، ومدينة جينرال سانتوس، ومحافظة ماجيندالو، محافظة
سرانجاني ...
الأنشطة الدعوية التربوية الجهادية:
يتجمع الناس في قواعد ومعسكرات جبهة تحرير مورو الإسلامية تحت إمارة
الشيخ / سلامات هاشم للاشتراك في اللقاءات الدعوية التربوية الجهادية التي تقام
وتنظم في هذه القواعد والمعسكرات وكان يحضر هذه اللقاءات آلاف بل عشرات
الآلاف من المسلمين شيوخاً وشباباً وللنساء أيضاً لقاءات خاصة في تجمعات دعوية
وتربوية لم يسبق لها مثيل في هذه البلاد فالحمد لله.
وبالإضافة إلى هذه الأنشطة الدعوية تنظم أجهزة الجبهة مخيمات وقوافل
دعوية في المدن والمراكز، وفي هذه الأيام بالذات يقام مخيم إسلامي في مدينة داباو
وهي كبرى المدن في منطقة مورو ذات الأغلبية الساحقة من سكانها النصارى
المستوطنين، وبعون الله يعتنق الإسلام عدد كبير من هؤلاء، وبعض المشتركين
في المخيم المذكور من هؤلاءالأخوة الجدد.
نسأل الله لنا ولهم التوفيق والسداد.
стр. 1868
مقال
عام الحزن.. عام الفرج
محمد بن عبد الله الأحمد
مدخل:
بعد حادث تفجير الباص في تل أبيب قال كلينتون: أدعو زعماء الشرق
الأوسط والعالم إلى إدانة هذا العمل، والتأكد من أن الفاعلين لن يحصلوا على الملجأ
أو الدعم (الخميس ١٥/٥/١٤١٥هـ) ، وقال أيضاً: سنحمي السلام ونحارب أعداءه
(الأربعاء ٢١/٥/١٤١٥هـ) وقال وزير خارجيته: علينا أن نعمل معاً على إقفال كل
قنوات التمويل الخارجية العامة والخاصة للإرهاب والانتهاء بذلك من المنظمات
الخارجية المرتبطة بالإرهابيين (الثلاثاء ٢٠/٥/١٤١٥هـ) .
- تداعى إلى فكري وأنا أقرأ الأخبار ثلاثة أحداث مرت برسول الله -صلى
الله عليه وسلم- وأصحابه في أقل من أربعة أشهر، كادت تعصف بهم وبالدعوة
الإسلامية، وكانت في نظر المرجفين ومحدودي الرؤية، أحداث مؤذنة بنهاية دعوة
الرسول ﷺ ؛ وانتصار معسكر قريش، على معسكر الإيمان.
- مات أبو طالب عم رسول الله ﷺ ؛ ثم ماتت خديجة
بنت خويلد ﵂ زوج رسول الله ﷺ ، فماذا كان أثر
وفاتهما؟
قال ابن اسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد،
فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب، بهلاك خديجة، وكانت
له معيناً في دعوته إلى الإسلام.
وبهُلك عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً في أمره، ومَنَعَة وناصراً
على قومه، فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ
من الأذى مالم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء
قريش فنثر على رأسه تراباً [١] وقال ابن كثير: وعندي أن غالب ما روي من
طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي ... ، وكذلك ما أخبر به عبد الله بن
عمرو بن العاص من خنقهم له ﵇ خنقاً شديد حتى حال دونه أبو بكر
الصديق، وكذلك عزم أبي جهل لعنه الله على أن يطأ على عنقه وهو يصلي فحيل
بينه وبين ذلك، مما أشبه ذلك، كان بعد وفاة أبي طالب [٢] .
نعم لقد فقد رسول الله ﷺ عضده وحاميه من قريش،
فاجترأت عليه، وزادت في إيذائه؛ حتى روي عنه ﷺ أنه قال: ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب [٣] .
- وفقد ﷺ أول من آمن به أعني من النساء، وسلوته
وملاذه، وأم أولاده (خديجة ﵂ .
روي عنه ﷺ أنه قال: لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني
الله ولدها وحرمني ولد غيرها [٤] .
وقال ابن اسحاق: وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء منه،
فخفف الله بذلك عن نبيه ﷺ ، لا يسمع شيئاً مما يكرهه، من
ردٍ عليه، وتكذيبٍ له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها؟ إذا رجع إليها، تثبته
وتخفف عليه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى [٥] .
فعلاً: إنها أحداث تهز الكيان البشري، وتزلزل الأرض من تحت أقدام
الضعفاء، أما من قوي إيمانه بالله ويقينه بوعده ونصره، فلا تزيده هذه الأحداث إلا
تصميماً وعزماً على مواصلة الطريق.
- خرج رسول الله ﷺ من مكة بعد أن أحس أنها لم تعد
بيئة صالحة للدعوة خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام وإلى أن يكونوا أنصاره
وحماته؛ وكان ذلك بعد وفاة خديجة بقليل فماذا كان جوابهم؟
لقد قابلوا الرسول ﷺ أسوأ مقابلة، وردوا عليه أقبح ردٍ، وعاملوه بما لم تعامله به قريش.
لقد رفضوا الداعي ﷺ والدعوة، ورجع رسول الله -
ﷺ إلى مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه، وفراق دينه،
حتى إنه لم يدخل مكة إلا بجوار المطعم بن عدي.
إذاً ما العمل؟ ذهب السند الداخلي؛ الذي كان يمد رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- بالراحة والطمأنينة، والمشاركة والمواساة، وهلك المدافع أمام قومه، الذي
كان يوفر له مساحة يتحرك فيها لدعوة الناس وإبلاغ رسالة الله.
وسُدَ أقرب منفذ للدعوة يمكن أن تنتقل إليه، وتنطلق منه ... هل تنتهي
الدعوة؟ هل يقف الداعية؟ هل كانت هذه الأحداث إيذاناً بانتصار الكفر؟ لا وكلا.
بل كانت علامة قرب انتصار الرسول ﷺ ودعوته،
وفتح أبواب أكبر، وآفاق أوسع [فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا]
[الشرح: ٥] قد ضاقت مكة بالدعوة، ورفضت الطائف استقبالها، وأخذت
بعض القبائل التي تأتي في الموسم تساوم عليها.
لقد ضاقت الأرض، ففتحت السماء، لم تتأخر البشارة بهذا النصر كثيراً ففي
ذي القعدة من السنة العاشرة، يسرى برسول الله ﷺ إلى بيت
المقدس، فيؤم هناك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم يعرج به إلى السموات
السبع.
يقول المباركفوري في بيان هذه البشارة: الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس
لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية لما ارتكبوا من الجرائم التي لم
يبق معها مجال لبقائهم على هذا المنصب، وأن الله سينقل هذا المنصب فعلاً إلى
رسوله ﷺ ؛ ويجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما.
ولكن كيف تنتقل هذه القيادة، والرسول يطوف في جبال مكة مطروداً بين
الناس؟ هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى، وهي أن طوراً من هذه
الدعوة الإسلامية قد أوشك إلى النهاية والتمام وسيبدأ طور آخر يختلف عن الأول
في مجراه، ولذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر ووعيد شديد إلى
المشركين [وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها فحق عليها القول،
فدمرناها تدميراْ] [الإسراء: ١٦] .
وإضافة إلى هذه الآيات آيات أخرى تبين للمسلمين قواعد الحضارة وبنودها
ومبادئها التي ينبني عليها مجتمعهم الإسلامي، كأنهم آووا إلى الأرض وتملكوا فيها
أمورهم من جميع النواحي، وكونوا وحدة متماسكة تدور عليها رحى المجتمع،
ففيها إشارة إلى أن الرسول ﷺ سيجد ملجأ ومأمناً يستقر فيه
أمره، ويصير مركزاً لبث دعوته إلى أرجاء الدنيا [٦] .
ثم لم يتأخر النصر الموعود، فبعد ثلاث سنوات فقط، من تلك الأحداث
المحزنة؛ التي بلغت قمتها بالمؤامرة الدنيئة لاغتيال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- عند ذلك ولد الفجر وظهرت تباشير النصر، وانطلق رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- مهاجراً إلى المدينة ليؤسس هناك دولة الإسلام، ويعلن انتصار الإيمان، وهزيمة الكفر، [والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون]
[يوسف: ١٢] . إن أحداث عام الحزن بما فيها من ألم ومرارة، تغرس في قلوب الأتباع روح التفاؤل والإيمان، والتطلع إلى غدٍ مشرق، وقطع العلائق بالخلائق، والالتجاء إلى رب الأرض والسماء، والاعتماد عليه وحده.
[لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر]
ولا شك أن في السيرة النبوية سلوى لكل الدعاة حيال ما قد يتعرضون له من مشاق
واضطهاد ومضايقات فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
وأخيراً: ورغم كل المؤامرات المتوالية التي يحبكها أعداء الإسلام ضد
الدعوة والدعاة في كثير من البلدان والإساءة إليهم بالاتهامات الباطلة من دعوى
الإرهاب والتطرف بمناسبة وبغير مناسبة، محاولة منهم لإجهاض الدعوة والإساءة
للدعاة، وهيهات أن ينجحوا مادام الدعاة مستمسكين بالوحيين وسائرين على سنة
الحبيب ﷺ وليثقوا كل الثقة بنصر الله الذي لا يتأخر عن عباده
الصالحين والخسارة والخزي لأعداء الدين، فإلى الأمام بعزم لا يلين [اصبروا
وصابروا ورابطوا] اللهم أرزقنا حب نبيك ﷺ وحسن الاقتداء
به والفهم عنه.
стр. 1869
الملف الأدبي (نصوص شعرية)
قلق المنطلق
مشتاق شبير حسين
خيولك حيرى اعِتلاها القلق! ... تُفتّشُ في الكونِ عنْ مُنْطَلقْ
وترقبُ في لهفةٍ فَارساً ... غُبارُ جحافِلِهِ لا يُشَقْ
فأسدلْ على الجبنِ سِترَ الوغِى ... وفَجّرْ وراءَ الظلامِ الفلَقْ!
وَسِرْ في مراقي الكمالِ وما الكمالُ ... لِمَنْ نامَ أو مَنْ فَسَقْ
بوارقُ نصرك أحرقتها ... ومازلتَ بعدُ تخافُ الغرق! !
ولم أر مثلك من سَيّد ... عتيقٌ ويرضى بأن يُسْترقْ!
وتُهزمُ علماً بفَرِقْ تَسُدْ ... فما زادنا العلمُ إلا فِرَقْ!
سماؤكَ مِنْ نَصْرِها قَلَمٌ ... وأرضُكِ مِنْ عصر مَجْدِكَ رَقْ
يَراعي قتيلٌ يسيلُ دماً ... تخثر فاسْودّ نطعُ الوَرَقْ
تموتُ القصائدُ في مَهْدِها ... وينعمُ بالعيش مِنيّ الأرقْ
سوايَ بأشعارهِ عاشقٌ ... يَجُرّ القوافي إلى مَنْ عَشِقْ
سوايَ رهينٌ لأفكارهِ ... وأفكارُ شعري تجوبُ الأفقْ
أتتك القصائدُ منقادةً ... إليكِ معَ الشوقِ عبرَ الطّرُقْ
ألستِ أيا أُمّتِي مُنجِباً؟ ! ... ومنجبةُ العِزّ ليستْ تُعَقْ!
عجبتُ ببدر نفاهُ الدّجى ... وَفَجْرٍ أَسِير بسجْنِ الغَسَقْ
وشمس تُقَتّل في مَغْرِب ... فيزهُو بثوبِ الدّماءِ الشَفَقْ!
هناك وراءَ المدى قوّةٌ ... ستَزْحَفُ نحو قلاعِ الرّهَقْ
فيرجعُ للكونِ حَقٌ مضى ... ويحيا بِعِزتِهِ من مُحِقْ
وفي ذاك ما حدثتني الرّؤى ... وما خان سَمعي ولم يَسترقْ
أتانا بذاك الكِتَابُ هُدَىً ... وعن ربنا قاله من صَدَقْ
وينطِقُهُ الكونُ إلا الجَمَادُ ... لو أمّتي اسْتَنْطَقتهُ نَطَقْ!
стр. 1870
نصوص شعرية
معالم (؟ !)
تركي المالكي
أسرجَ الشوقَ وأقدمْ!
يُتبِعُ البسمةَ بالدمْ!
حين أُعدِم..
قيل: ما كان سوى نبتة سوءْ
كان فينا يتطهرْ! !
أخرِجوهُ من فضاءات حشوناها..
بنصر.. كالنتوءْ!
ثم قولوا:
كان يغتال الطفولة..
كان يهذي فيرى أعماقَنا..
بركانَ سوءْ!
ويرى الأرضَ بأثقال من الإفكِ
تنوءْ..
وتنوءْ!
هو مجنونٌ! ومنكرْ!
نحن أقدرْ! ..
نحن أكبرْ..
وسنُنصَرْ
يدعمُ الاكبرَ (قيصرْ! !
...............
نفَضَ الموتَ! فأَحجمْ!
والتقى السهمُ مع النحر! فتمتمْ!
لحظةً.. فانفجرَ الصمتُ! ودمدم:
عاش بالطهر! .. هنيئا ...
كلنا من بعده.. جندُ وُضُوءْ! !
كلنا من بعده.. جندُ وُضُوء! !
стр. 1871
نقد أدبي
الغموض الشعري
إبراهيم بن منصور التركي
يعتبر النقد الجديد الأدب شكلاً متفرداً قيمته في شكله وحسب، وهو يغرق
لذلك في دراسة شكل الأدب وبنائه دون أن تستوقفه دراسة معانيه، مكثر هو حتى
الانتفاخ في تناول معنى البناء، لكنه مقل إلى حد الضمور في تناول بناء المعنى.
وقد يبدو الأمران شبيهين أول وهلة، لكنهما عند التمحيص يفترقان ذلك أن
معنى البناء يمكن اكتناهه حتى في الشعر الذي لا يحمل أي معنى ذهني ولا حتى
عند قائله، كالشعر السريالي مثلاً، بخلاف بناء المعنى فإن تناوله لا يتأتى إلا بعد
وجود معنى أولي يُفهم من النص.
ويمكن توضيح الفرق بمقياس الوحدة العضوية، حيث لا يحكم لها بالوجود أو
عليها بالعدم إلا بعد الظفر بمعان شتى من النص يمكن من خلالها الحكمُ بالترابط أو
التخلخل، أما حينما يغدو النص غامضاً مطلسماً يتأبى على التشكل الذهني فلا يمكن
فعل ذلك، وعلى هذا فمقياس الوحدة العضوية يبحث في بناء المعاني من جهة
تلاحمها وتماسكها، وشدة اقتضاء كل وحدة للأخرى، ولا يمكن أن يحقق الشعر
الدرجات العلى من السموق والسمو إلا بتوافر الأمرين معاً: بناء المعنى ومعنى
البناء.
على أن هناك من يتذرع لفقدان الدلالة وغياب المعنى بأن ذلك إشارة إلى أن
القصيدة تعنى أكثر مما يقوى الكلام على نقله [١] هكذا يقرر أدونيس أو أن الأدب
يقوم على حالات الغياب وليس على حالات الحضور [٢] ، وهو ما يعني أن
الجانب المعمى في النص هو ما يجب علينا أن نبحث عنه في التجربة الأدبية [٣] ...
كما يقرر د. عبد الله الغذامي.
هذا الغياب أو التعمية في جانب المعنى هو ما يخشى أن ينزلق إليه الشعر،
وهو ما سينعكس بالضرورة على النقد، فبالنظر إلى غالب الإبداع والنقد الحداثي
كما يعترف أدونيس مؤخراً يبدو تضخم في النتاج الكتابي، كل يدعي الكتابة الأدبية
الفنية، وكل يدعي النقد والتقويم، والنتيجة هي فوضى وتخبط في الإنتاج الكلامي
يؤديان إلى أن تتساوى النصوص كلها، وأن يغيب التمييز بين الجيد والرديء،
وبين المتفرد والمبتذل [٤] ، إلى هنا يمكن أن يوصلنا التفريط في جنب المعنى،
وإلى هذا يؤدي بنا التحيز ضد المدلول (المعنى) في صف الدال (اللفظ) .
بل قد يطال ضررُ الغموض المظاهر الشعرية الحديثة، كالتضمين الأسطوري
أو التناص (تداخل النصوص) أو حتى الصورة، في هذه المظاهر يتم اجتذاب
الخارج المعاين إلى الداخل الشعري، استدعاء هو للدلالة الناجزة لتساهم في دفع
الحركة الشعرية إلى الأمام، وفي مثل هذه المظاهر الفنية لا يمكن أن يحكم لأي
منها بالجودة وبالأخص التضمين الأسطوري إلا عندما لا يصبح ظاهرة مردها تدخل
الشاعر في نصه من خارجه، وإجبار الأسطورة على الحلول فيه قهراً وعنوة، بل
إن الكلام الشعري هو الذي يستدعيها بعد أن يكون قد هيأ الأديم الذي عليه ستغرس
والأبعاد التي معها ستتماهى [٥] أي أن تتواشج الدلالة الأسطورية مع المعنى الكلي
للقصيدة تشده إليها ويجذبها إليه، وحينها يمكن الحكم لها بالتواصل والترابط مع
البؤرة الدلالية التي تشع منها القصيدة، وهو ما لن يحدث إلا حينما لا يستعصى
النص المؤسطر على الفهم ولا يستغلق فيه المعنى.
ولا يمكن للأسطورة أن تحقق ذلك التواشج في روع المتلقي إلا إذا كانت من
صادرات سياقه الثقافي الذي يشكل ذهنيته، أي أن تتجافى جنوبها عن الاقتراض
المعرفي من سياق ثقافي آخر، وإلا فهي غموض جديد لا يختلف عن غموض مَنْ
يستدني المعاجم والقواميس ليضمن كلماته الجافية قصائده الشعرية، يجب على
الشعر أن يكون نائياً عن أي نتوءات ناشزة تخدش ملاسة السطح الشعري، وهو ما
يفعله استدعاء الآخر الأسطوري في الأنا الشعري.
بيد أن هذا لا يعني رفض الغموض جملة وتفصيلاً، فقد يكون في الغموض
الذي يغيّب ملابسات القصيدة شيء من جمال، وقد يكون في غياب الغرض
الشعري جمال آخر، كما لا يُرفض الغموض الذي يأتي في النص المفتوح، ذلك
أن العمل الأدبي يتجلى في نفس متلقيه بمقدار ما يكون مفتوحاً، بحيث يعطي كل
قارئ للعمل بعداً يتفق مع مستوى قدراته الثقافية والنفسية [٦] حيث النص مفتوح،
ومطلق للخروج، والقارئ ينتج النص في تفاعل متجاوب، لا في تقبل
استهلاكي [٧] ، وهنا الفارق بين النص المغلق والنص المفتوح، هما كلوحين من زجاج، يشف الأول عما تحته ويصفه، تستطيع رؤية باطنه وكشف غوره بلا كثير عناء، والآخر زجاج عاكس ترى فيه صورتك أنت، مشاعرك وانفعالاتك، حركاتك وسكناتك، هو أنت وأنت هو.
ومثل هذا النص لا تتكشف دلالاته من القراءة الأولى للنص، إنما ينطبق
عليه الغموض الذي يدعو إليه عبد القاهر الجرجاني، الغموض حيث يزيدك الطلب
فرحاً بالمعنى، وأنساً به، وسروراً بالوقوف عليه [٨] ، ذلك أن لو كانت المعاني
جميعاً مما لا يحوجك إلى الفكر ولا يحرك من حرصك على طلبه.. لسقط تفاضل
السامعين في الفهم والتصور والتبين، وكان كل من روى الشعر عالماً به، وكل من
حفظه.. ناقداً في تمييز جيده من رديئه [٩] .
وغموضه غموض رمزي يستبطن دلالة ما، وهو ما يُحوِج إلى طلعة
استكشافية لمقاربة ذاك الأفق الرمزي، بشرط أن لا ترمز القصيدة إلى ما هو
شخصي، وإنما تتجاوز ذلك إلى الرمز الذي يؤدي وظيفة نفطن إليها ونعترف بها.
يُشَخّص خبرة عامة يتردد صداها من ضمير إلى ضمير في أزمان
متطاولة [١٠] ، إنه ليس في وسع الرمز الشخصي أن ينقل عاماً كونياً، لأنه لا يرتبط بتقاليد وثقافة وروح مشتركة. بل على العكس يأسر الشاعر الجزئيُ المحدد ويتغلب عليه، فيعود لا يغني للناس، وإنما يغني لنفسه وأذنه [١١] .
إن مثل هذا الغموض المدروس هو ما يمكن أن تتقبله الأذواق السوية التي
تنأى بأوقاتها عن القراءة في كتابات عبثية لا تحمل أي فكرة أو هدف. إن الشعر
يجب أن يحافظ على أبرز خصائصه الفنية التي تعتمد على الإيحاء والإيماء
والغموض الدال، مع عدم فقدانه للمعطيات الفكرية التي تكون روحاً خفية تسري
بين أوصال النص.
стр. 1872
نصوص شعرية
الاكتشاف الأخير
د. ظافر بن علي القرني
هي في الحقيقة، نزهة الشيطان ... مزجت دم الإنسان بالشطّانِ
أقبلت في موج المحيط وإن يكن ... برداً فقلبك ثابت الغليانِ
هو جذوة أعيا المحيط لهيبها ... لهب ولكن ليس كالنيرانِ
من حرها هجر الطيور سماءها ... وتجنبتها أمة الحيتانِ
فتدحرجت في الشط تحرق كل ... من تدنو إليه ويا عذاب الداني
هي لم تفرق بين من عصفت بهم ... فالناس والحيوان كالعيدانِ
ما هكذا شأن الكشوف وشأن ... من يسمو بها بل ذاك شأن الجاني
ما كنت ثمة فاتحاً بل كنت ... ثم مدمراً لعشيرة وكيانِ
أَوَ ما قتلت رجالها ونساءها ... وعبثت بالفتيات والغلمان
وكتبت ما فعلت يداك مفاخراً ... وكأنه نصر لكل زمانِ
هذا الذي صدح الأنام باسمه ... ورأوه رمز تطلع وتفانِ
كهل تمرس في العلوم جميعها ... متولياً إرث الكيان الفاني
حتى إذا عبر المحيط بصحبه ... مزج العلوم بخفة الصبيان
همجية لا زال يلحق زخمها ... بالآخرين بأبعد الأوطان
ونتاجها مازال كل رذيلةٍ ... تأتي على الإنسان في الإنسان
أمم يسمون الهوى حرية ... ومهارة ويمجدون الزاني
المفسدون إذا تكشف أمرهم ... عبروا البلاد بفرحةٍ وآمان
والمجرمون إذا دنوا لعدالةٍ ... عدلت إليهم كفة الميزان
ويبررون فعالهم وإذا الذي ... عبثوا به يصغي بكل حنان
فيسرحون كما أتوا بمهابةٍ ... تدعو ذوي الإحسانِ للطغيانِ
وتزيد من حفظ الأمان مذلةً ... والناس عصياناً على العصيانِ
حرية الخوف التي يَحيونها ... فكر يُحار به ذوو الأذهانِ
الكل يرعد من سفاهة طائش ... تأتي على سنواته بثوان
والكل يوقن أن كل الأرض إلا ... أرضه في الرعب والتيهانِ
أكذوبة جبلوا على تصديقها ... يتبجحون بها بكل مكان
أو من تعج بلاده في مشكلٍ ... يقوى على ضبط المكان الثانيني
стр. 1873
رسالة
عرض حال
فاطمة محمد أديب الصالح
نحن الموقعين أدناه أبناء /١٩٤٨/ وما بعدها، أبناء أحلام العودة، أبناء
الثورة والصمود و (الغضب الساطع آتٍ) و (البيت لنا والقدس لنا) .. أبناء (أصبح
عندي الآن بندقية) و (أنا صامد، صامد) .. و (عبس الخطب فابتسم..) [١] في
وصف الفدائي.. نحن العرب في كل ديار عاشت النكبة والنكبات ...
نحن أبناء الدموع والدماء والعرق تحت شمس المخيمّات.. يسلينا المذياع في
انتظار العودة فنسمع رسائل الشوق والعبث والبث منّا وإلينا في كل المحطات
العربية، تحاول أن تصل بيننا وقد ذُرِرنا كقبضة من رمل في كل أرض يابسة من
الكرة الصامتة..
نريد أن نوضح لكم، بناء على ما سبق، ولحيثيات أخرى كثيرة تقتضي
الحكمة الصمت عنها، أننا أصبحنا بحاجة إلى تغيير لخلايانا المعجونة بحبّ
التضحية والفداء والإباء، حتى ونحن قاعدون عنها، وبحاجة إلى غسيل لأدمغتنا
العنيدة التي لا تريد أن تفهم (لغة العصر المتمدن الساعي إلى السلام عن طريق
الحوار حول الموائد العامرة) .. وبحاجة إلى تغيير لدمائنا التي حقنتموها بغضاً
لليهود، وذلك كله حتى نتقبل فكرة مصافحة يهودي والانحناء له، ثم تسليمه
مستندات ملكية أرضنا وبحرنا وسمائنا، وليس أمامكم لتخليصنا من ذلك الإرث
المتخلف الذي ندمتم عليه، وتراجعتم عنه بعد أربعين سنة إلا الصبر.. فإذا كان
هذا صعباً لأنكم فيما يبدو على عجلة من أمركم، فثمة حلول أسرع: الخلايا يمكن
كيها بالنار فتغدو دون معالم.. الأدمغة يمكن غسلها بالبترول الخام أو المكرر.. الدم
يمكن تجديده بزرع قلوب جديدة. والمستورد منها أفضل.. ولكم الشكر.
... ... ... ... ... ... ... ... ... عنهم
... ... ... ... مذهول بن مظلوم آل مصدوم ...
стр. 1874
مراجعات نقدية
وقفات مع النصوص الأدبية
في العددين (٨١-٨٢)
محمد حسن بريغش
جمع العددان (٨١-٨٢) من مجلة البيان عدداً من النصوص الشعرية التي
تدور حول موضوع عام يشغل عالمنا الإسلامي كله، وهو حالة المسلمين
والمؤامرات العالمية التي تحاك ضدهم، وكل نص من هذه النصوص أضاء جانباً
من جوانب الموضوع.
والملحوظ أن العددين المذكورين لم يضما غير الشعر، فلم يكن هناك أثر
للقصة أو غيرها من الفنون الأخرى [١] ، وكنت أتمنى أن تعنى المجلة بكل الفنون
الأدبية، وتحرص على تنويع النصوص.
وأول النصوص الشعرية نص وحيد في العدد (٨١) بعنوان رؤى خارج القيد
للشاعر تركي المالكي [٢] .
والقصيدة تتردد بين عالمين يحاول الشاعر تصويرهما، وهما يتجاذبانه بقوة
إلى حد الشعور بالقهر والاختناق والتمزق بينهما.
العالم الأول هو الواقع الذي يعيشه المسلمون في شتى بقاع العالم، عالم يقوده
صُنّاع القهر من أعداء الإسلام والإنسانية، الذين يحيكون المؤامرات باسم الإنسان
وحقوقه، وباسم الدفاع عن الحرية، والنظام العالمي و....
ويُلْحظ أن هذا الواقع شكل ثقلاً مخيفاً في القصيدة التي تعكس الهموم التي
يعانيها الشاعر، ولا تلبث أن تنتقل عبر مقاطع القصيدة إلى القارئ.
وعبر الشاعر عن هذا العالم (الواقع) بالقيد، وخنق الأفكار والأعناق ثم
الإحساس بالخوف، وجوف القبر، وحالة الحصار، والجراح، وأسر التشيّؤ،
ولسع السياط، وقساوة الجلاد، وأصوات الأبواق المرعبة، والظلماء، والليل،
والأسوار، والجدب، والنار، والإعصار، والأصنام، وكل ما أشارت إليه
القصيدة، بمثل هذه الألفاظ رمزاً لهذ العالم.
والعالم الثاني: هو عالمه الداخلي المكبوت، عالم المظلومين والمقهورين عالم
المؤمنين المحاصرين الذين ينظرون من خلال الشقوق إلى الغد، الذين يدافعون
القهر، ويحاربون الظلم: بالصبر والثبات واليقين بالنصر، ويتطلعون إلى الضياء، والخير، يتطلعون إلى عالم العقيدة، إلى الآفاق البعيدة الرحبة المليئة بالخير
والضياء والأمل، عبر طريق التضحية والجهاد والعطاء حتى الشهادة أو الانتصار
على الأصنام وحملة القيد، وصناع القهر.
واستطاع الشاعر بشفافية أن يصور هذين العالمين، وأن يصور صمود
المسلم وثباته الذي لا يستسلم، بل يصبر ويصابر حتى يصل إلى ما وعد الله وما
بين الحصار همى على جرحي.. همى ترياقْ ورغم لفائف الظلماء! ... أبصر
أنجماً شقّت ستار الليل
برغم ما يحيطه من مؤامرات، وما يحس به من اختناق، كيف لا يحس بذلك
وهو يرى عبّاد الصليب وقتلة الأنبياء، وعبدة الأوثان يلاحقون المسلم في كل مكان، يحددون له ما يحل وما يحرم، وما يجوز وما لا يجوز؟ !
لقد تألّهوا باسم النظام، والإنسانية، وراحوا يتآمرون على الإسلام والمسلمين
في كل بقاع العالم، وينهبون خيراته ويمنعونه من أن يعبد الله.
القصيدة تصور ذلك عن طريق الإيحاء، وتصور أيضاً ثبات المسلم على
دينه، ويقينه بالنصر الموعود.
يرف الآن في سمعي صهيل الخيل
وتمتزج الدماء بشوقها والليل..
يضج منادياً بالويل..
ورغم الجدب والإعصار تَبْسُقُ بيننا شجّرة
تمد فروعها في الأفق.. منتشرة
إنه الأمل الذي لا يفارق المسلم مهما اشتد البلاء.
القصيدة مجموعة من الصور المتشابكة التي تحكي الواقع المتداخل، والحيرة
التي يعيشها المسلم إزاء ما يرى وما يحدث في شتى ديار الإسلام، ويبدو ذلك في
الألفاظ التي استعملها الشاعر كرموز بنجاح في أكثر الأحايين، وبدت عليه حالة
الاختناق، وصعوبة الاختيار في أحيان أخرى.
ففي الحالة الأولى نرى أمثال الألفاظ التالية التي ساعدت على رسم الصورة،
ونقل الحالة الشعورية والفكرية بنجاح.
تخنق الأفكار والأعناق أشواق القبر مصباحاً ترياق الأبواق صهيل الخيل
الدماء الليل أسوار الجفاف الجدب الإعصار الطيور الهاجرات القيد، تبسق..
وفي الحالة الثانية نرى ألفاظاً متعثرة لم تفصح عما يريد الشاعر، أو لم
تتناسب مع الصورة، فضلاً عن غربتها وبعدها عن اللفظ الشاعري، أو الدلالة
المقصودة مثل:
لفائف الظلماء فاللفائف لا تعكس المعنى المقصود من تكاثف الظلام وشدته
وثقله، بل فيها بعض الرقة والشفافية المتنافرة مع الظلماء.
ورشّت في المدى حزماً من الأضواء الأضواء لا ترش، الأضواء ترمز إلى
العزم والثبات، والإصرار على النفاذ، فهي لا ترش وليست حزماً يمكن أن تنثني
ويطاح بها.
تعين على غيار الصمت غيار لا تدل من حيث المعنى على التغيير بل على
الغيرة، فأي معنى أراد لها الشاعر؟ [*]
أسر التشيؤ ما هو التشيؤ؟ هل يراد بذلك الأشياء الجامدة، أو التكيف مع
إرادة الآخرين؟
لا أظن أن هذا الاستعمال يؤدي المعنى المطلوب.
ومع ذلك فالقصيدة لوحة فنية جميلة مؤثرة، تُبرز قدرة الشاعر على استخدام
الصور، بل استخدامها بطريقة ناجحة، ومركبة، وإعطاء الألفاظ بعداً جديداً، عند
وضعها في سياق الصورة على طريقة الرمز، لتحمل بشكل متآلف معاناة الشاعر
إلى قرائه، فإلى مزيد من التجويد والعطاء.
وفي العدد (٨٢) خمسة نصوص شعرية، أولها نص بعنوان كائن بلا هوية
للشاعر الدكتور صالح الزهراني [٣] .
وهذا النص يلتقي مع النص السابق، وما يليه في الموضوع العام، ولكنه
يركز على شخصية المسلم في هذا العصر الذي غدا كائن بلا هوية نسي تراثه
وماضيه، نسي تاريخه ومنهجه، وراح يأخذ من هنا وهناك، ويتربى على موائد
الآخرين، وأفكارهم، ومنهاجهم، ويأخذ عاداتهم وأذواقهم حتى نسي صبغته، ولم
يكسب ما يغنيه من الآخرين وأصبح ذليلاً تتناهشه الأمم، وتلتف الأكلة حوله كما
يلتفون على القصعة [٤] .
النص لوحة فنية، اختار الشاعر لها أسلوب التساؤل المتكرر، والتعجب
الحائر لرسم هذه اللوحة، وتصوير أوضاع المسلمين:
من أي نهر شربت الصمت؟ من أين عممت هذا الذلّ؟
من أنت؟ كيف انحنى فيك هذا الرأس؟
أو طريقة الاستنكار: كأنه ما أتاك الكون مبتهلاً ...
واستخدام الشاعر أيضاً عدداً من الأسماء والألفاظ كرموز لها دلالتها
وإيحاءاتها التاريخية المعروفة التي ترمز للنصر، والقوة، والجهاد، والفتح،
والإباء.... . مثل سعد، البيرق، الفيلق، صلاح الدين، الخيول،.... العبسي،
ومع تصويره لحال المسلم هذه فإننا نلمح دعوة خفية تستنهضه لرفض الذل،
والنهوض من جديد:
من أنت؟ أقرأ في كفيك ملحمة ... موؤودة، وخيولاً كفنت بطلاً
كأنه ما آتاك الكون مبتهلاً ... يوماً، ولا حف بالنجوى ولا احتفلا
وهذه المقطوعة التي استخدمت كل هذه الألوان اللفظية والأسلوبية لتصوير ما
يريده الشاعر، أكثر أثراً في حس القارئ من قصيدة طويلة تخلو من التلوين
والصوير، أو من الإيحاءات والدلالات التاريخية والفكرية.
وهي محاولة جادة للشاعر في أن يرتاد الآفاق الشعرية الناجحة، ويقدم المزيد
من العطاء الجيد مادام يمتلك الحس الشاعري، والقدرة على التصوير، والخروج
من أسر الرتابة الأسلوبية.
المقطوعة الثابتة بعنوان (الأسماء) للشاعر فيصل بن محمد الحجي [٥] وهي
لا تعدو أن تكون صياغة لمثلٍ عامي معروف، أو واقعة اجتماعية مألوفة، فالناس
يطلقون على أبنائهم الأسماء، والألقاب المناسبة وغير المناسبة، أو المجلوبة، كل
ذلك لأن اختيار الاسم لا يكلف صاحبه مالاً ولا تعباً.
ولو كان وراء الأسماء تبعات لعاش كثير من الناس بلا أسماء، أو اختاروا
أقلها كلفة وعناءً.
وهكذا ينطبق مثل هذا على كثير من الأمور التي تمر في حياة الناس،
فيتباهون بها ويتفاخرون لأنهم لم يدفعوا ثمنها، ولو سئلوا الثمن لتنازلوا عنها
وزهدوا فيها، وهربوا من تبعاتها، هذه المقطوعة نوع من النظم لبعض الأفكار
الطريفة، أو الأمثال المعروفة.
أما المقطوعة الثالثة التيه للشاعر محمد عبد القادر الفقي [٦] فهي أيضاً تلتقي
مع بقية النصوص في الموضوع العام، وتتناول جانباً مهماً منه، هذا الجانب
يتصل بالإنسان المسلم كفرد، والأمة المسلمة كجماعة، والروح التي سرت في هذه
الأمة فتواكلت، وضعفت وتفرقت، فأصابها العذاب، وتشير المقطوعة إلى أن
سبب ذلك كله من أنفسنا أولاً:
عشش فينا الخوار وها نحن والرجز إلفان
ونصرخ ... نصرخ: يا من يجيء إلينا بسبع سنابل خضرٍ
يفيض علينا من الماء والزيت
ثم مِنْ تآمر الأعداء، من يهود ونصارى وأتباعهم، باسم العلم، والتقدم
والعمران، والتطور، والتقنية، والمساعدات ... الخ.
ويقبل جون بسنبلة في اليسار!
ومُديته ... في اليمين
ولكن العدو لا يستطيع أن يدخل الديار لو لم يجد منا ترحاباً وقبولاً، أو
(قابلية) كما يقول مالك بن نبي ﵀ [٧] :
وتمضي السنون ونحن نقبّل كفيه، والنعلَ
نلعق ما كان بالأمس عارا!
ويختصر الشاعر السببين في الآية القرآنية التي وضحت ناموس التغيرات في
المجتمعات والأمم:
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا [٨]
لفاضت على البعد أنهارُ خير
وصار المواتُ رُبى من زروع وزهر
وأمطرت السّحب سمناً وشهداً
ويوضح المقطع الأخير النتيجة التي صار إليها المسلمون بعدما أعرضوا عن
الذكر، وصموا، وساروا في طريق الشياطين، وتركوا سبل المرسلين.
المقطوعة تحكي لنا قصة الواقع الإسلامي، كيف بدأ، ولماذا وصل إلى هذه
النتيجة عبر صور متتالية، موحية، تتعاقب مع مرور الزمن، وأحداث التاريخ.
وميزات هذا النص الذي آثر الطريقة الحديثة أنه يتسم بالوضوح والبساطة،
مع الحيوية والتدفق، وحسن اختيار الألفاظ الدالة الموحية التي ترسم بعداً مقصوداً
للصورة.
وكذلك فإن الشاعر في تصويره لواقعه الإسلامي كان يعيش في ظلال القرآن
الكريم، يقتبس من أنواره صوراً، ومعاني، وألفاظاً فتزداد الصورة وضوحاً،
وتألقاً وجمالاً.
فعلى سبيل المثال نراه منذ البدء يستخدم الألفاظ القرآنية، أو المستوحاة من
بعض الآيات القرآنية: التيه، الرجز، النار، تشوي، السماوات، تخر، تنشق،
سنبلة، المن والسلوى ...
أما الصور المقتبسة فهي على سبيل المثال والنار تشوي الوجوه، تكاد
السماوات من فوقنا تخر علينا، وتنشق من تحتنا الأرض، والموج يطغى، يا من
يجيء إلينا بسبع سنابل خضر، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا، ولكنهم ما وعوا
الذكر، ما كان أكثرهم مؤمنين [٩] فحل عليهم عذاب مهين، ولو أنهم صدّقوا
المرسلين، وكانوا جميعاً من المفلحين.
فالمقطوعة نموذج أدبي جميل للنص الذي يعيش في ظلال القرآن، يمنح منه، ويستضيء بأنواره، ويتفيأ ظلاله فيزداد رسوخاً وقوة وجمالاً، ولو أن هناك
بعض الألفاظ التي تنبو عن الذوق الشاعري، أو لا تتوافق مع الصورة المبتغاة.
والنص الرابع في العدد (٨٢) تحت عنوان دخان الصمت للشاعر عبد الوهاب
الزميلي [١٠] ، والنص يتصل ببقية النصوص السابقة في الموضوع العام:
(أوضاع المسلمين، ومكابدتهم في ظل النظام العالمي الجديد)
وهو يبشر بشاعرية مُجيدة، تحاول الغوص عن طريق استخدام الصورة
والرمز، وتفتح للقارئ أبواب التأمل والاستمتاع بجمال النص، وغموضه أحياناً.
والشاعر في هذا النص يتحدث عن حالة القهر والكبت التي يعيشها المسلمون
في بقاع الدنيا عن طريق الصورة الموحية، والألفاظ المختارة التي يود الشاعر أن
تشع بين يدي القارئ في عدة اتجاهات، فالمسلم من خلال الصورة الشعرية أصبح
هيكلاً جامداً فارغاً له مظهر دون مضمون، تختنق داخله المشاعر، وتموت
الأحاسيس، ويغرق كما أرادوا بالصمت، وعدم القدرة على أي شيء:
يد النحات تحفر في ... جماجمنا فماً حراً
ترقش في عظام الصدر ... ليلاً يقضم الفجرا
بل وتعدى اعتداء المتأمرين إلى الجيل القادم الأطفال رمز الأمل، وعدة
المستقبل.
تسرّب في رؤى الأطفال ... شهماً يخنق الطهرا
والصورة التي يتظاهرون بها أنهم يدافعون عن الإسلام، ويعلمون الجيل
الدين بعيداً عن كذا.. وكذا.. ولذلك استخدم الشاعر بعض الألفاظ بطريقة تدعوا
إلى السخرية من هذا المنطق، وتوحي بالخداع والغدر (فماً حراً) (شهماً) بهذه
الطريقة يصل إلى ما يريد، يبرز الصورة الحقيقية التي عملوا على إبرازها،
صورة داخلها خواء، وليل مظلم، وطهر مخنوق، وخمر باسم الماء.. وظاهرها
براق وشعارات خادعة.
والشاعر يستخدم الرمز عبر صور متعاقبة، بل تكاد القطعة أن تتحول إلى
رموز متتالية (الأحداق، نقشوا، الدم، الحبر، النحات، حراً، ليلاً، الفجر،
معاطس، يغوث، نسراً ... الخ) وهذه مزية واضحة للشاعر في استخدام الصورة
والرمز للتعبير عن فكره ومشاعره، ولكن الرمز قد يؤدي الغرض في جمال
القصيدة وعمقها ومنحها أبعاداً جديدة ورؤى طريفة، ويكون ذلك حين يحاور الرمز
قارئه، ويطاوعه ولو بعد حين في الإفصاح عن بعض مكنوناته أو كلها، أو حين
يضيء للقارئ شيئاً من الفهم، أو التأويل المقبول والتذوق السائغ، أما حين يستغلق
هذا الرمز على قارئه، أو يغرق في الإبهام ويحيط العبارة بالبعد والغربة، حينها
يتحول الرمز إلى عتمة تظلل القصيدة، إلى حد النفور منها أحياناً، أو عوارض
تمنع التواصل بين الشاعر والمتذوق.
وشاعرنا يقف في هذا بين بين، ففي المقطعين الأولين كان الرمز ناجحاً،
أسهم في تعميق الفكرة، ولوّن الصورة ولكنه في المقطعين الأخيرين بدأ يغرق في
الإبهام الذي تعوده بعض الناس، لغرض أو أغراض.
ولا نريد لشاعرنا أن يماثل هذه الصورة، ولو بطريقة غير واعية، لأنه ولا
شك يجب أن يمنح القارئ بعض مكنونات عقله وفكره، وأن يظل قارئه موصولاً
به عبر طريق الفهم والتذوق، ولو كان ذلك من خلال برقيات قصيرة.
والنص الأخير (أنواء) للشاعر محمد البراهيم [١١] لوحة فنية جميلة، تلتقي
مع النصوص السابقة في الموضوع العام، ولكنه يضيء جانباً آخر من الموضوع،
وهو جانب الذين تخلوا عن مجتمعاتهم الإسلامية خدمة للآخرين، ففتحوا لأعداء
هذه الأمة أبواباً ومداخل ليعبثوا بمقدراتها، ما كانوا ليستطيعوا الوصول إليها لولا
تطوع هؤلاء لخدمتهم.
لقد استطاع أعداء الإسلام الوصول إلى عقولنا وأفكارنا، وأذواقنا ليغرسوا
فيها الأفكار الدخيلة باسم العلم، والتطور والتقدم، والمدنية، و ...
لقد أعطيناهم قيادنا حين تركنا لهم قيادة التربية، فربوا الأجيال على النفور
من الدين، وحب الدنيا، والشغف بالمطامع والحرص على الدنيا إلى درجة العبادة، والإعجاب بالأعداء، وتقليدهم بطريقة مخيفة، حتى صار في أمتنا من يحمل
أفكارهم وأضاليلهم، وعاداتهم، وأذواقهم، وبات هؤلاء يدافعون عنهم وينفّذون ما
يريدون.
أشار الشاعر إلى هذا من خلال رموزه التاريخية، وسرده للأحداث: يمضي
عام ويجيء عام، وتظل رعاة الأزلام تزرع عذراً، في عيني غدنا الأحلام..
وأصبح الطوسي (محمد بن الحسن الطوسي) الذي والى التتار وكان مستشار
هولاكو، ودليله لاحتلال بغداد وقتل أهلها، وتخريب مكتباتها، أصبح هذا رمزاً
لكل من يفعل هذا على مدار الأزمان، فالطوسي أصبح له مئات الأسماء والألوان،
وأصبح لديه مدرسة كاملة من الأعوان، وليس لقب (الغازي) الذي أعطى لأتاتورك
عند محاربته للإسلام وإلغاء الخلافة، وإعدام مئات العلماء إلا صورة من صور
الطوسي، وهناك عبرة من الأسماء والأعوان.
المقطوعة على قصرها وبساطتها، ووضوحها تحكي لنا قصة عالمنا
الإسلامي الذي وقع فريسة للأعداء بسبب الذين يوطئون خيل التتر، ويستدعون
حجر الأطهار.
لقد استخدم الشاعر أحداث التاريخ، فأخذ منها بعض الرموز، وأشار إلى
بعض الأحداث التي تضيء الفكرة، وتوحي بدلالات أرادها الشاعر لتساعده على
رسم الصورة، وإضاءة الواقع الذي نعيشه، لنفتش عن الطوسي فينا، ونتعرف
إلى منابع الخراب، والقصيدة جيدة، والرموز تخدم الصورة وتبشر بعطاء جيد إن
شاء الله.
стр. 1875
في دائرة الضوء
الفكر الإسلامي والمستقبل
د. محمد عز الدين توفيق
ليس الهدف من هذا العرض هو مناقشة موقف الفكر الإسلامي من الدراسات
المستقبلية، فهذا جزء من الموضوع، ولكن هدف العرض هو مناقشة موقف الفكر
الإسلامي إزاء المستقبل وعلم المستقبل؟ .
وبعبارة أخرى فالموضوع هو إشراك الفكر الإسلامي في الصراع الحضاري
عن طريق لفت النظر إلى ضرورة الاهتمام بالتحديات المتوقعة إلى جانب التحديات
الحاصلة والواقعة.
والاهتمام بالمستقبل قبل مجيئه ليس أمراً جديداً يميز القرن العشرين، فقد كان
الاهتمام بالمستقبل واستشرافه منذ أن خلق الله آدم ﵇، فإن الله تعالى خلقه
يوم خلقه عاقلاً ناطقاً، ومن صفات العقل قدرته على التحرر من سلطة الحاضر
الذي يسجن الجسم في إطاره، فالإنسان يستطيع أن يتحرر بعقله من حاضره،
فيغوص في الماضي متذكراً أحداثه أو يحلق في المستقبل متخيلاً وقائعه، ولقد
استجاب آدم لوسوسة الشيطان وأكل من الشجرة والله أعلم بناء على تفكير مستقبلي، فقد وعده إن أكل منها أن يخلد في الجنة، وكان هذا أول تفكير مستقبلي مارسه
الإنسان لكنه لم يكن في موضعه، لأنه أغفل الشرط الأساس ليكون التفكير سليماً
وهو كفاية المعطيات وسلامتها وصحة مصادرها، وإذا كانت دراسة المستقبل قبل
مجيئه قديمة قدم الإنسان فما الذي يميز عصرنا عن غيره؟ والجواب أن الجديد في
عصرنا هو أن دراسة المستقبل أصبحت علماً قائماً بذاته، له موضوعه ومناهجه
وإطاره العام.
استشراف المستقبل تعامل مع سنن الله في الخلق:
استشراف المستقبل لإعداد ما يكافئ تحدياته من صميم الإسلام، وقد قص
علينا القرآن الكريم قصة الرؤيا التي رآها عزيز مصر وفسرها يوسف ﵇
تفسيراً تضمن التخطيط لخمس عشرة سنة مقبلة، ورغم أن الدراسات المستقبلية لا
تنبثق عن تعبير لرؤى وأحلام ولا تنطلق من حدس وحديث نفس ولكن هذا المثال
يصلح الاستناد إليه في بيان موقف الإسلام من الاهتمام بالمستقبل، ويسجل للإسلام
سبقه إلى إبطال الطرق غير العلمية التي كان الأفراد والدول يلجؤون إليها لمعرفة
المستقبل، وتدور كلها حول الشعوذة وقراءة الطالع والاستعانة بالعرافين والكهنة.
لقد ضحى الإسلام بذلك الجزء الضئيل الذي يكون فيه هؤلاء الكهنة والعرافين
على حق وهدف؛ لأنه ضئيل ولا يتميز من بين كذب كثير، ولم يبق من سبيل بعد
أن حرم الإسلام إتيان العرافين وتصديقهم بما يقولون، إلا الدراسة العلمية التجريبية
أو الميدانية فهذه الدنيا قائمة على سنن، منها ما يسير به الكون ومنها ما يسير به
التاريخ، سنن في الطبيعة وسنن في المجتمع، والذي يتعرف إلى هذه السنن
يستطيع أن يتنبأ بالنتائج إذا وجدت أسبابها دون أن يكون ذلك علماً بالغيب أو
مزاحمة لله في علمه، فالله الذي أذن للإنسان أن يتعرف على الكون وعلى نفسه هو
الذي أذن له أن يتعرف على حركته ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وتبقى الفروق ثابتة
بين علم الله المحيط وعلم الإنسان المحدود، بين علم الله المطلق وعلم الإنسان
النسبي.
ولا يعكر على هذا أن يقال: إن المستقبل يعلمه الله، وإن كثيراً من التنبؤات
تضل وتفشل فيما تنبأت به، فالكلام الآن ليس عن دقة هذه التنبؤات أو عدم دقتها
ولكن الكلام عن مشروعية الدراسة المستقبلية أو عدم مشروعيتها.
وإذا علمنا أن التاريخ في هذه السنوات الأخيرة يسير بسرعة كبيرة والكل
يستعد للدخول إلى القرن الواحد والعشرين دخولاً راسخاً يحفظ له حقوقه ومصالحه، وأن الشغل الشاغل للدول المتقدمة هو المستقبل، لأن الحاضر حصيلة دراسات
تمت في الماضي وتجني تفاصيلها الآن.
إذا علمنا ذلك وعلمنا أن الإسلام يأبى على أمته أن تكون بدون موقع في هذا
التدافع الحضاري علمنا أن الاهتمام بالمستقبل بهذه الطريقة الجديدة من باب الأخذ
بالأسباب، ومدافعة القدر بالقدر.
إن قيام الحضارات وسقوطها وتقدم الأمم وتخلفها والنصر والهزيمة، والقوة
والضعف كل ذلك خاضع لسنة الله ومشيئته مبثوثة في الوحي وفي الواقع، والبحث
عنها في عصرٍ كلّ شيء فيه يسير بعلم من صميم الإسلام.
طبيعة الواقع الراهن للأمة الإسلامية وخصوصياته:
حين وقعت الحروب الصليبية الأولى التي استغرقت حوالي مئتي عام
(١٠٩٦-١٢٩١م) ، كان المسلمون قد انحرفوا عن الإسلام الصحيح ببدع ومعاص،
ولكن الإسلام ذاته لم يكن في نفوسهم موضع نقاش، لا بوصفه عقيدة، ولا بوصه
نظام حياة، وحتى عندما انهزموا أمام الصليبيين والتتار لم يكن أثر الهزيمة هو
الشك في الإسلام والتطلع إلى دين الغزاة وفكرهم وتقاليدهم وقوانينهم، ولم يقع
تفضيل ذلك على الإسلام وبعبارة أخرى لم تتزعزع الثقة في كمال الإسلام وأفضليته
على غيره، وكان الرضى بالإسلام أمراً مستقلاً عن هزيمة عسكرية مؤقتة سرعان
ما اجتمعت للمسلمين الشروط المادية لإزالة آثارها.
أما الواقع الراهن للعالم الإسلامي فيتميز بأن هذه المسلمات تعرضت للاهتزاز، ... وهذه أهم ميزة لموجة الانحراف الراهنة فلم تتم تنحية الإسلام من الواقع فقط بل
ومن الفكر أيضاً، وأصبحت اللادينية أو العلمانية فكراً وممارسة.
حاضر الأمة الإسلامية متشابه:
إذا وعينا هذه الميزة البارزة لموجة البعد الحالية وأدركنا الفرق بين الصورة
الحالية للانحراف عن الإسلام والصور المتقدمة سنرى أن حاضر العالم الإسلامي
من هذه الناحية متشابه، فمشكلته واحدة، تتمثل في كونه يعيش مرحلة ما بعد
الاستعمار.
لقد اشتغل الغرب لفترة قصيرة بمناوشة جانبية عندما كان الغرب الرأسمالي
في مواجهة الشرق الشيوعي، ولكن العالم الإسلامي ظل طيلة هذه الفترة مصنفاً
ضمن العالم الثالث الذي تتقاسم المعسكرات النفوذ فيه، واليوم وبعد انهيار المعسكر
الشيوعي وتوحد الحضارة الغربية بوجهيها عاد الصراع إلى أهله وعادت المواجهة
كما كانت بين نموذجين في الحياة: نموذج قائم على الإيمان بالله والاستعداد للقائه،
ونموذج قائم على الكفر بالله وجحود لقائه.
وقد كثر الكلام عن طبيعة النظام الدولي الجديد، ولكنه ببساطة استفراد
للولايات المتحدة بزعامة العالم والهيمنة عليه.
ومهما اختلفنا فلن نختلف حول ثلاث نقاط أساسية هي:
الأولى: أن أمريكا في ظل هذا النظام الجديد تريد أن تكون الدولة الأولى في
العالم.
الثانية: أن أمريكا تعتبر نفسها ممثلة لحضارة قائمة بذاتها وليس لنظام سياسي
فحسب.
الثالثة: أن العالم العربي والإسلامي يمثلان بالنسبة لأمريكا أول منطقة يجب
تطويعها لهذا النظام الجديد، وذلك لسببين:
أ- خيرات العالم الإسلامي، فهذا العالم الذي يمتد في وحدة جغرافية من
المحيط إلى المحيط يملك ثروة زراعية وحيوانية وبحرية ومعدنية هائلة، كما يمتلك
مقومات التصنيع والتقدم كاملة من أرض وبحار وموانئ ومواقع استراتيجية وعقول
وأيدٍ عاملة وأموال وطاقة ومعادن.
ب- ما يملكه هذا العالم من بديل حضاري مستقل، يستند إلى مرجعية مختلفة
هي الإسلام.
هناك إذن إرادة سياسية لا هوادة فيها لمواجهة أي نظرية دولية مستقلة عن
النظرية الأمريكية، وهذه الإرادة أكدتها كل الأحداث والتحركات السياسية التي
عرفها العالم في الفترة الأخيرة، وإذا أردنا أن نتكلم بوضوح أكثر نستطيع أن نقول
بأن ما يراد بالعالم العربي والإسلامي في المستقبل أسوأ من الذي فُعل به في
الماضي ويُفعل به في الحاضر.
فالغرب قام في حضارته على القهر والغزو وتسخير الشعوب لخدمة الأقلية
البيضاء، وعندما يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي فإن الروح الصليبية لا تفارقه حتى
وهو غير متدين.
يلخص الاستاذ (منير شفيق) [*] السياسة الأمريكية الحاضرة والمقبلة في
المنطقة العربية والإسلامية في أربع نقاط ذكرها في كتابه (النظام الدولي الجديد
وخيار المواجهة) وهي:
١- تشجيع الهجرة المليونية من روسيا وأوروبا الشرقية إلى إسرائيل.
٢- تجريد المنطقة من السلاح غير التقليدي والقدرات العلمية والصناعية
والتقنية.
٣- التحكم في السياسة النفطية وسياسات التنمية بصفة عامة.
٤- الحفاظ على التفوق العسكري والتقني لإسرائيل على مجموع الدول
الإسلامية.
علاقة النظام الدولي بالمشروع الصهيوني في المرحلة القادمة:
لا يمكن الحديث عن النظام الدولي الجديد دون الحديث عن علاقته بالمشروع
الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، وقد تميزت أولى ملامح هذا النظام
بالتغييرات السياسية التي وقعت في الشرق العربي.
فإذا أخذنا القضية الفلسطينية مثالاً نرى أن مسلسل الأحداث سار في كل مرة
في صالح العدو، فمن فلسطين ولاية من ولايات الدولة العثمانية إلى فلسطين تحت
الانتداب البريطاني، إلى فلسطين مقسمة في عام ١٩٤٨م، إلى هزيمة في عام
١٩٦٧م وضياع القدس، إلى اتفاقات كامب ديفيد واعتراف أكبر دولة عربية
بإسرائيل والقيام بالخطوات الأولى نحو تطبيع العلاقات، إلى إخراج المنظمة من
لبنان، إلى اتفاق أوسلو واتفاق القاهرة وخيار غزة/أريحا الذي اعترف فيه رئيس
المنظمة بإسرائيل، وقبل بحكم ذاتي محدود على مساحة صغيرة من أرض فلسطين
لا تتجاوز اثنين في المائة من الأراضي المحتلة.
والمرحلة المقبلة هي استكمال المفاوضات لتطبيع العلاقات السياسية بين
إسرائيل وبقية الدول المجاورة والمرور بعد ذلك إلى مرحلة العلاقات الدبلوماسية مع
سائر دول العرب والمسلمين ومن وراء تلك العلاقات التطبيع الثقافي والسياسي
والتجاري..، حتى تجهز الثقافة اليهودية والنصرانية على البقية الباقية من الثقافة
الإسلامية.
مهمة الفكر الإسلامي إزاء هذا الحاضر ومسؤوليته تجاه المستقبل:
المهمة الثابتة للفكر الإسلامي في هذا العصر وفي غيره هي الدفاع المستمر
عن كمال الإسلام وأنه الحق الوحيد بين المذاهب والعقائد حتى يتجدد الرضى به في
الأجيال ولا يتعرض هذا الرضى للقطيعة في عصر من العصور، فينشأ جيل من
الأجيال على رفض الإسلام والتنكر له والبحث عن السعادة والكرامة في غيره.
مهمة الفكر الإسلامي الثابتة في كل عصر هي ملاحقة الشبهات والطعون التي
تسعى للتشكيك في صلاحية الإسلام للتطبيق وقدرته على القيادة وتحقيقه للسعادة
الدنيوية والأخروية.
وبعبارة أخرى فإن مهمة الفكر الإسلامي تتلخص في الآية الكريمة التي قال
الله تعالى فيها: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
دينا] [المائدة: من الآية ٣] .
فالفكر الإسلامي في كل عصر سيستأنف مهمة البلاغ المبين ويقوم على
حراسة الجبهة الفكرية من الصراع الحضاري كما يقوم بإظهار دين الله على غيره
بالحجة والبرهان.
وفي إظهار هذه المهمة الثابتة للفكر الإسلامي ستبدو مهمته في المرحلة القادمة
صعبة وعسيرة، ذلك أنه سيتصدى لنموذج حضاري على النقيض من النموذج
الإسلامي الذي يدافع عنه، لكنه نموذج يملك كل الوسائل التي تعينه على الانتشار
بل وتعينه على الهيمنة رغم إرادة الشعوب.
هكذا ينهض الفكر الإسلامي بالمهمة:
إن مهمة الفكر الإسلامي في المرحلة المقبلة هي مواجهة هذا النموذج القديم
الجديد، وهو نموذج ثقافي أساساً وله وجه اقتصادي وسياسي فكيف ينهض الفكر
الإسلامي المعاصر بهذه المهمة؟ .
أولاً: على مستوى الموضوع:
لابد أن يتخلص الفكر الإسلامي من جميع صور التضييق التي مورست عليه
في الموضوع , وجعلته في حس الكثير من المثقفين والطلاب يرادف النقاشات الكلامية والفلسفية لبعض الفرق الإسلامية.
فالفكر الإسلامي في موضوعه رحب واسع يستمد سعته وشموله من شمول
الإسلام الذي يتحدث باسمه ومن تعقد الواقع الذي يعالج هذا الفكرُ قضاياه.
مجالات الفكر الإسلامي عديدة منها المجال الفلسفي والمجال العلمي والمجال
التاريخي والمجال الحضاري والمجال اللغوي والمجال الأدبي والفني، والمجال
السياسي والاقتصادي والمجال التربوي والدعوي.
ليس بمعنى أن الفكر الإسلامي فلسفة وعلم وتاريخ وأدب ... ولكن الفلسفة
والعلم والتاريخ والأدب والاقتصاد وغيرها من اهتماماته، ونعتقد أن القضايا التالية
يجب أن تنال مزيداً من العناية في المرحلة المقبلة حتى يكون الفكر الإسلامي
حاضراً في المعركة.
*مسألة الديموقراطية وبأي معنى يمكن قبول هذا المصطلح في المجتمع
الإسلامي وهل يمكن أن تأخذ معنى مشتقاً من الشورى في الإسلام إذا علمنا أن
الشورى في الإسلام مبدأ عام تتغير الأساليب التي تحققه في المجتمع الإسلامي.
*مسألة حقوق الإنسان، وما هو التأهيل الإسلامي لهذا المصطلح الذي
يتصدر المصطلحات السياسية للنظام الدولي الجديد.
*مشكلة البيئة وقضايا التلوث الجوي والصوتي والمائي والاستخدام السيء
للعلم والتقنية.
*نموذج الدولة المدنية أو الدولة الحديثة، وكيف تنسجم في الدولة صفة
الإسلامية وصفة الحداثة.
*التعددية الفكرية والسياسية وبأي معنى يمكن أن تمارس هذه التعددية في
المجتمع الإسلامي.
*مفهوم الأصولية والتطرف والمعاني الجاهلة والمغرضة التي تستعمل لها
هاتان الكلمتان، وما هو التطرف الذي نهى عنه الإسلام، وما هي آثاره السلبية
على مستقبل الإسلام في العالم.
*الإعلام والمشكلة التربوية: كيف تقوم التربية الإسلامية بدورها في عالم
مفتوح وفي ظل تواصل ثقافي واقتصادي وإعلامي متشابك.
*قضية المرأة: حقوقها وحريتها في المجتمع والفروق بين أحكام الإسلام
الثابتة وبين التقاليد والعادات التي نشأت حول المرأة في المجتمع الإسلامي.
*الفكر الإسلامي في خدمة الدعوة الإسلامية ونشر الإسلام في العالم غير
المسلم والقيام بالحوار الحضاري المطلوب مع الأمم الأخرى.
*التأصيل الإسلامي للعلوم الإنسانية، ودعم التجارب الحاصلة في الميدان.
* تعميق الدراسات في فقه الموازنات وفقه الأولويات على ضوء الواقع
الحاضر مع الاستعانة بمباحث الفقه والأصول وبخاصة القواعد الفقهية والأصولية،
وتطبيق هذه القواعد في مجالات الفكر والتربية.
وعندما نقول إن المرحلة المقبلة تستلزم اهتمام الفكر الإسلامي بهذه القضايا لا
نعني أن هذه الموضوعات لم تطرق بعد، ولكنها تحتاج إلى تعميق واستكمال حتى
ترى الأجيال الصاعدة الإسلام بديلاً حضارياً شاملاً، ثم تتمكن البشرية كلها بعد ذلك
من التقاط صورة حقيقية عن الإسلام لا بوصفه أحكاماً فقهية فردية فقط، بل
بوصفه ديناً عالمياً قادراً على تأطير الحياة الإنسانية على الأرض واستلام القيادة من
أي نقطة انتهى إليها شعب من الشعوب في رقيه وتقدمه وحضارته.
ثانياً: على مستوى المنهج:
وبالنسبة للمنهج فإن المستقبل يستدعي أن يتخلص الفكر الإسلامي من منهجين
تسلطا عليه في المرحلة السابقة فحرفاه عن مهمته الحضارية:
الأول: المنهج الاستشراقي الذي بدأه المستشرقون من غير المسلمين:
ونشأ عليه جمع من تلاميذهم، وحصيلته التشكيك في الإسلام وفي التاريخ الإسلامي وتعميق نقط الخلاف وتلميع مناطق الضعف في التجربة التاريخية للإسلام وطمس مواطن القوة فيها.
الثاني: المنهج العلماني أو اللاديني بوجهه الليبرالي والاشتراكي:
الذي يستعمل النصوص والوقائع لتمجيد التجربة الليبرالية أو الاشتراكية ولا ينطلق من الإسلام لتنفيذ التجربتين.
بهذا التحرر في الموضوع والمنهج يمكن للفكر الإسلامي أن يدخل في مواجهة
المستقبل ويتولى إظهار الدين الحق في جبهة الفكر أو في جبهة الكلمة، [يريدون
ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون] [الصف: ٧، ٨] .
لقد كتب فرانسيس فوكوياما وهو مستشار وزارة الخارجية الأمريكية كتابه
نهاية التاريخ مدعياً في هذا الكتاب أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر
الشرقي لم يبق أمام العالم في المستقبل إلا النموذج الأمريكي، وتنبأ بأن العالم
سيتبع هذا النموذج وتلك نهاية التاريخ! ! .
والحقيقة أن نهاية التاريخ مقرونة بنهاية الحياة الإنسانية على الأرض، أما
الصراع بين الحق والباطل فهو باق ما بقيت الحياة، وإذا كان هذا المستشار قد
اعتقد أننا قربنا من نهاية التاريخ بعد انهيار المعسكر الشرقي فلأنه لم يدرس البديل
الحضاري الذي يملكه العالم الإسلامي، والذي سيكون النموذج المقابل للنموذج
الأمريكي في المرحلة القادمة.
كما كان من قبل نموذجا ثالثاً ... يقف في وجه النموذج الأمريكي والسوفيتي
معاً، وإذا علمنا أن النموذج الأمريكي ليس عنده ما يقدمه للبشرية علمنا أن نهاية
التاريخ حقاً هي عودة البشرية إلى النموذج الإسلامي.
إن النموذج الأمريكي لا يملك ما يقدمه أكثر من لبس الجينز، وتدخين
المارلبورو، وشرب الكوكاكولا، وأكل الماكدونالد، ثم الحرية الجنسية، والإلحاد
والعبث والقلق.
وقد كتب السفير الألماني بالرباط الأستاذ مراد هوفمان كتابه الإسلام كبديل
يرد فيه على كتاب فرانسيس فوكوياما ويتحدث عن البديل الإسلامي القادر على
تجاوز سلبيات النموذج الأمريكي الذي تسعى أمريكا الآن لتعميمه على العالم، حتى
تكون الحضارة الأمريكية هي حضارة القرن الواحد والعشرين يقول إن هناك بشائر
تدل على أن هذا النموذج المبعد والمحارب ستكون له الغلبة في المستقبل، لكن
منطق الأسباب يفرض على الفكر الإسلامي أن ينهض بمهمته في بناء الرضى
بالإسلام في نفوس المسلمين وبخاصة في نفوس النخبة المثقفة التي تأثرت بالعلمانية
الغربية، ونمط الحياة الأوربي.
وأمريكا ليست قدراً غالباً، والله غالب على أمره، وتستطيع الأمة الإسلامية
أن تسير وفق نموذجها الحضاري دون أن تراهن على سقوط أمريكا باعتبارها دولة
عظمى.
ولا شك أن الذي يمثل هذا المشروع المستقبلي الذي يُنَظّر له الفكر الإسلامي
ويؤصل هو الصحوة الإسلامية المعاصرة، فهي الممثل الشرعي لهذا المشروع،
ولذلك فإن من أولويات النظام الدولي الجديد: القضاء على هذه الصحوة تحت
مسميات مختلفة كمحاربة التطرف ومقاومة الإرهاب وإجهاض جميع المبادرات التي
تحاول الاستفادة من التراث النظري للعقل الإسلامي لإخراج التجارب الواقعية،
سواء أكانت في صورة دولة إسلامية حديثة تجربة السودان مثلاً أو في صورة
حركات إسلامية شمولية تسعى في أقطارها لإقامة الدين في مختلف مجالات الحياة.
إن الجهود الكبيرة التي يبذلها الغرب لتشويه الصحوة الإسلامية والحركة
الإسلامية التي
تمثلها، والتحريض والضغط الذي تمارسه على الأنظمة للإيقاع بينها وبين
هذه الحركات، هو امتداد للغزو الفكري الذي كانت تمارسه فلول المستشرقين
والمبشرين قبل الاستعمار والهدف واحد هو تنحية الإسلام عن قيادة المجتمع،
وعزله عن النخبة والجمهور، وتكريس التبعية للنموذج الغربي وكأنه قدر لازم،
وقوة غالبة.
ورغم السلبيات التي تظهر أحياناً في ممارسات هذه الحركات فإنها في النهاية
تحمل مشروع المستقبل بالنسبة للعالم بعامة والعالم الإسلامي بخاصة وإذا كان الفكر
الإسلامي فيه اجتهادات تصحح نفسها باستمرار، فإن تنزيل هذه الاجتهادات على
الواقع يجب أن يعرف نفس التصحيح، حتى تكون الصحوة الإسلامية في مستوى
المسؤولية العالمية التي تتحملها، وتكون في مستوى الدين الإسلامي الذي تتحدث
باسمه وتستند إليه وتعده المرجعية العليا في الفهم والتطبيق.
стр. 1876
أنشطة المنتدى
التقرير السنوي لأنشطة المنتدى الإسلامي
يسرنا في هذا العدد تقديم تقرير شامل لأنشطة المنتدى الإسلامي التي تمت
بعون الله وتوفيقه، ثم بتعاونكم وتشجيعكم، سائلين الله تعالى أن يبارك في جهودكم، وأن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى، ويسعدنا أن نستفيد من
آرائكم واقتراحاتكم، كما أننا لا نستغنى عن مؤازرتكم ووقوفكم معنا.
أولاً: الأنشطة التعليمية:
١- المدارس النظامية: ويقصد بها المدارس التي تلتزم بتدريس العلوم
العصرية المقررة في البلد الذي تقام فيه، بالإضافة إلى تدريس علوم شرعية معدة
من قبل المنتدى، وبهذا يجمع الطالب بين الثقافتين ويستطيع المواصلة في
الجامعات الحكومية في أي تخصص يريد.
وقد بلغ إجمالي عدد المدارس (١٣) مدرسة ويستفيد منها (٣٧٢٤) طالباً،
وهي موزعة كالتالي:
بريطانيا: مدرسة واحدة ... تشاد: مدرسة واحدة
غانا: تسع مدارس جنوب شرق أسيا: مدرسة واحدة
كينيا: مدرسة واحدة
٢- المدارس الشرعية: يهتم المنتدى الإسلامي اهتماماً بالغاً بإنشاء وتشغيل
المدارس الشرعية لنشر العلوم الشرعية ورفع الجهل عن أبناء المسلمين، وقد بلغ
عدد هذه المدارس (٣٧) مدرسة يستفيد منها (٧٧٩٣) طالباً، موزعة كالتالي:
بريطانيا: مدرستان , السنغال: مدرسة واحدة
كينيا: ٢٧ مدرسة , تشاد: مدرسة واحدة
الصومال: مدرسة واحدة , بنجلاديش: مدرسة واحدة
أوغندا: ثلاث مدارس , جنوب شرق آسيا: مدرسة واحدة
٣- معاهد إعداد الدعاة: الاهتمام بتنمية الطاقات وإعداد الدعاة له أهمية كبيرة
جداً في إنجاح العمل الدعوي، ولهذا سعى المنتدى الإسلامي لافتتاح ثلاثة معاهد
لإعداد الدعاة، واكتملت كتابة المناهج العلمية الخاصة بها، وهذه المعاهد هي:
(أ) معهد إعداد الدعاة في مالي: وهو جاهز للتشغيل خلال الفصل القادم إن
شاء الله تعالى.
(ب) معهد إعداد الدعاة في غانا: وقد جهزت المباني وسوف يبدأ العمل في
مستهل العام القادم إن شاء تعالى.
(ج) معهد إعداد الدعاة في أثيوبيا: وقد تم بناء وتجهيز المعهد، وسوف يبدأ
العمل به في مستهل العام القادم إن شاء الله تعالى.
٤- توزيع المناهج الدراسية: تفتقر كثير من المدارس الإسلامية في إفريقيا
إلى المناهج الدراسية بسبب ضعف إمكاناتها المادية، وهذا يؤدي في الغالب إلى
ضعف المستوى العلمي للطلاب، ولهذا سعى المنتدى في توزيع المناهج الدراسية
على بعض هذه المدارس، حيث بلغ عدد الكتب الموزعة (٠٠٠ر٥٣كتاب) موزعة
كالتالي:
غانا ٤٠.٠٠٠ كتاباً دراسياً
كينيا ١٢.٠٠٠كتاباً دراسياً
مالي ١.٠٠٠ كتاباً دراسياً
ثانياً: برامج تعيين الدعاة والأئمة والمدرسين:
قام المنتدى الإسلامي - بفضل الله تعالى - بتعيين: ثمانمائة واثنين وثلاثين
داعية ومدرس، يقومون بالتعليم والدعوة والإمامة في عدد غير قليل من الدول
الإفريقية والآسيوية، مثل: (كينيا، وأوغندا، والصومال، وغانا وبوركينا فاسو،
ومالي، وساحل العاج، وأثيوبيا، والسودان، وتشاد، والنيجر ونيجيريا، وبنين،
والسنغال، وبنجلاديش، وباكستان، والفلبين واندونيسيا.. وغيرها) ؛ ليكون
ذلك - إن شاء الله - إسهاماً في نشر منهج أهل السنة والجماعة، ويخضع تعيين الداعية لشروط عدة من أهمها:
- سلامة المنهج معتقداً وسلوكاً.
- الكفاية العلمية والشرعية.
- الكفاية الدعوية.
وقد وضعت برامج دعوية يومية لكل داعية يسير بناء عليها، وتتم متابعة
الداعية بالوسائل التالية:
- يقوم الداعية بإعداد تقرير شهري يرسل إلى مكتب المنتدى الإسلامي.
- تم تعيين مشرف على الدعاة في كل منطقة لمتابعتهم عن قرب.
- يقوم مسؤولو اللجان العاملة في المنتدى بزيارات دورية إلى مناطق الدعاة حيث يتم مناقشتهم وتوجيههم وإرشادهم.
كما يحرص المنتدى الإسلامي على رفع المستوي العلمي والدعوي لهؤلاء
الدعاة عن طريق توفير المكتبات والكتب، وإقامة الدورات الشرعية، والملتقيات
الدعوية، وغيرها.
ثالثاً: الأنشطة التربوية والدعوية: وتشمل الآتي:
١- الدورات الشرعية: تهدف هذه الدورات إلى تصحيح وترشيد العمل
الإسلامي، ورفع المستوى العلمي والوعي الدعوي لدى الدعاة وتأصيل ذلك تأصيلاً
شرعياً مبنياً على الكتاب والسنة الصحيحة ومنهج السلف الصالح.
وقد قام المنتدى الإسلامي بتنظيم العديد من الدورات الشرعية، بلغ عددها -
ولله الحمد - سبعاً وثلاثين دورة، استفاد منها (٢. ٠٦٤) داعية شارك فيها نخبة
من المتخصصين والأساتذة وطلبة العلم، وقدمت فيها: دروس في العقيدة ومنهج
السلف الصالح، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه وأصوله، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، وحاضر العالم الإسلامي، والآداب الإسلامية، وكانت
الدورات موزعة كالتالي:
لندن: سبع دورات ... ... ... السودان: دورتان
بنجلاديش: خمس دورات (منها ٤ دورات كل دورة ٤ أشهر) .
كينيا: دورتان ... ... ... تشاد: دورتان
مالي: دورتان ... ... ... ... نيجيريا: ثلاث دورات
الصومال: دورتان. ... ... أثيوبيا: ثلاث دورات
جنوب شرق أسيا: ثمان دورات ... أوغندا: دورة واحدة
٢- الملتقيات الدعوية: تهدف هذه الملتقيات إلى معالجة مشكلات الدعوة
والدعاة، وتنمية القدرات الدعوية والعلمية لدى المشاركين.
وقد تم - بحمد الله تعالى - عقد: (٢٢) ملتقى دعوياً، استفاد منها
(١٥٦ر ٤) داعية في عدد من الدول، موزعة كالتالي:
- بريطانيا: (١٧) ملتقى دعوياً، كان آخرها: الملتقى السابع عشر في
مدينة ليستريومي ٢٢، ٢٣ صفر ١٤١٥ هـ، شارك فيه ٣٠٠ شخص.
- غانا: ملتقيان دعويان، كان آخرها لمدة ثمانية أيام من ١٢ إلى ٢٠ ربيع
الأول ١٤١٥هـ في مدينة نياكروم، شارك فيه ١٦١ داعية من غانا والدول
المجاورة لها.
- كينيا: ملتقيان دعويان، كان آخرهما لمدة عشرة أيام من ١ إلى ١٠ ربيع
الأول ١٤١٥هـ في مدينة ممباسا، شارك فيه ١٥٠ داعية من كينيا والدول
المجاورة لها.
- السنغال: ملتقى واحداً استمر عشرة أيام من ٢٨ صفر إلى ٨ ربيع
الأول ١٤١٥هـ، شارك فيه ١٢٠ داعية من السنغال والدول المجاورة لها.
٣- الحلقات والدروس العلمية: يواظب المنتدى الإسلامي منذ إنشائه على
عقد دروس أو محاضرات - يوم السبت من كل اسبوع - في مركزه الرئيسي في
لندن.
بالإضافة إلى أن كل داعية تابع للمنتدى الإسلامي يكلف بالتعليم ويعقد
الدروس العلمية الأسبوعية في المساجد في مختلف العلوم الشرعية.
كما يقوم الدعاة التابعون للمنتدى الإسلامي في مختلف الدول بإلقاء الخطب
والمحاضرات في شتى المعارف الإسلامية في المدارس والمعاهد، والمساجد،
والتجمعات العامة.
٤- للمخيمات الشبابية التربوية: يحرص المنتدى الإسلامي على إقامة
المخيمات الشبابية والطلابية لدورها الكبير في إيجاد المحاضن التربوية التي تربي
الشباب، وتنشر الوعي الإسلامي في صفوفهم وقد بلغ عدد المعسكرات والمخيمات
الطلابية التي تم إقامتها: (١٤) مخيماً استفاد منها: (١. ٣٨٥) شاباً، وهي
موزعة كالتالي:
- كينيا: ٣ مخيمات، آخرها في الفترة من ١٥ إلى ٢١ ربيع
الأول ١٤١٥هـ، شارك فيه ٧٥ طالباً.
- مالي: ٣ مخيمات، اثنان منها كانا في شهر ربيع الأول ١٤١٥ هـ،
شارك فيهما ٢٠٥ شاباً.
- جامبيا: مخيم واحد، أقيم في مدينة بانجول لمدة خمسة أيام، وشارك
فيه ١٠٠ شاب.
- جنوب شرق آسيا: أربعة مخيمات، استفاد منها ٢٤٠ شاباً.
- أثيوبيا: مخيم واحد، أقيم في أديس أبابا في الفترة من ٢٩ ربيع الأول
إلى ٧ ربيع الثاني ١٤١٥ هـ، استفاد منه ١٢٠ شاباً.
- السودان: مخيمان، استفاد منهما ٣٠٠ شاب.
٥- دورات الإدارة المدرسية وطرق التدريس: تهدف هذه الدورات إلى تنظيم
وترشيد العمل التعليمي الإسلامي للارتقاء به نحو الأفضل، حيث أقيمت دورة
واحدة فقط في دولة غانا لمدة أسبوع واحد من ٢١ إلى ٢٨ ربيع الأول ١٤١٥ هـ، شارك فيها مائة معلم وإداري، ولنجاح التجربة وأهميتها ينوي المنتدى الإسلامي
بعون الله تعالى تكرار التجربة في دول أخرى.
رابعاً: تحفيظ القرآن الكريم:
يهتم المنتدى الإسلامي اهتماماً خاصاً بكتاب الله حفظاً وتلاوة
ودراسة، ويسعى لتربية النشء المسلم على آدابه وتوجيهاته، وذلك من خلال إقامة
خلوات وحلقات لتحفيظ القرآن الكريم، ويبلغ عدد الحلقات التي يشرف عليها
المنتدى (٤٣٧) حلقة، ويستفيد منها (٩٣٣ر١٢) طالباً وطالبة.
وتتوزع هذه الحلقات في عدد كبير من الدول، منها: كينيا، وأوغندا، وتشاد، ومالي، والسنغال، والصومال، وأثيوبيا، وغانا، وباكستان، وبنجلاديش،
وغيرها.
وقد أعد المنتدى الإسلامي خطة متكاملة للارتقاء بمستوى الحلقات إدارياً
وتربوياً، ووضع منهجاً علمياً رديفاً: في التوحيد، والفقه، والتفسير، والسيرة،
والآداب الإسلامية.
خامساً: القوافل الدعوية:
المناطق الإسلامية مناطق كبيرة، مترامية الأطراف عسيرة المسالك والدروب، وقد انتشر الإسلام - بحمد الله تعالى - في مختلف الأدغال والقرى النائية، ولكن
غلب الجهل على عامة المسلمين في المدن الرئيسة فضلاً عن القرى والهجر النائية، مَّما جعل البدع والشركيات والسحر والكهانة تنتشر في أوساط المسلمين انتشاراً
واسعاً، ومثل هؤلاء الجهلة هم البيئة الخصبة غالباً للنشاط الكنسي حيث أقيمت
المراكز التنصيرية في القرى النائية، واستقر المنصرون للعمل بين المسلمين.
ولصعوبة الانتقال من منطقة إلى أخرى، ولوعورة الطرق وخطورتها في
بعض الأحيان، كلف المنتدى الإسلامي دعاته بإعداد القوافل التي تنطلق إلى
مختلف الأماكن التي ينتشر فيها المسلمون وغيرهم من الوثنيين والنصارى، وذلك
حرصا على الوصول إلى الأماكن البعيدة للدعوة لنشر العقيدة الصحيحة، ومحاربة
البدع والخرافات.
ومن أجل أن يكون تأثير القافلة على المستوى الأمثل، رأى المنتدى الإسلامي
أن يرسل طبيباً مع كل قافلة لعلاج المرضى وتوزيع الأدوية، كما تحمل القافلة
أحياناً بعض الملابس والمواد الغذائية، وبعض الكتب باللغات المحلية، وذلك من
أجل تأليف الناس وتقريبهم إلى الإسلام.
وقد تم - بفضل الله تعالى - تنفيذ (٣٤) قافلة دعوية، موزعة كالتالي:
كينيا: خمس قوافل ... نيجيريا: ست قوافل
الصومال: خمس قوافل أوغندا: ثلاث قوافل
السودان: ثلاث قوافل أثيوبيا: قافلتان
تشاد: قافلتان بنجلاديش: خمس قوافل
جنوب شرق آسيا: ثلاث قوافل
هذا بالإضافة إلى جولات دعوية من دعاة المنتدى في دول أخرى مثل: مالي، والسنغال، وأثمرت هذه القوافل - بحمد الله تعالى - نتائج إيجابية مشجعة للمزيد
من العطاء، حيث أقبل بعض الناس على العلم، وبدؤوا يتعرفون على العقيدة
الصحيحة، والعبادات السليمة، إضافة إلى الوثنيين الذين يسلمون بين أيدي هؤلاء
الدعاة، ومن أمثلة ذلك إسلام أكثر من ستين وثنياً في قرية واحدة من قرى مالي،
فلله الحمد والمنة.
سادساً: بناء المساجد:
قام المنتدى الإسلامي - بحمد الله تعالى - ببناء (١٨١) مسجداً وجامعاً، في
أماكن ودول مختلفة، موزعة كالتالي:
كينيا: ١٧ الجمهوريات الإسلامية: ٥
مالي: ٦ نيجيريا: ١
غانا: ١٩ أوغندا: ٨
الصومال: ٩ أثيوبيا: ٦
السنغال: ٢ باكستان: ٤٠
السودان: ٥ بنجلاديش: ٢٩
تشاد: ٩ جنوب شرق آسيا: ١٧
أريتريا: ١ الهند: ٢
توجو: ٢
ويحرص المنتدى الإسلامي على إحياء رسالة المسجد، وتنشيطه دعوياً
بتعيين داعيه مؤهل في كل مسجد يقوم ببنائه، ليتولى إمامة المسلمين، وإقامة
الدروس الشرعية، ووعظ الناس، وتدريس كتاب الله .
سابعاً: المكتبات العامة ومكتبة طالب العلم:
العلم الشرعي مطلب أساس من المطالب التي ينبغي أن يتحلى بها الداعية فهو
الذي ينير الطريق أمامه، فلا يدعو الناس إلا بمقتضى الحجة والبرهان.
وللكتاب الإسلامي دور كبير في نشر الوعي العلمي ونشر العقيدة الإسلامية
الصحيحة بين أبناء المسلمين، ونتيجة لندرة الكتاب الإسلامي وقلة المراجع العلمية
في كثير من دول العالم، سعى المنتدى الإسلامي إلى توفير الكتب والمراجع العلمية
بعدة وسائل، منها:
أ- المكتبات العامة: وهي على نوعين: مكتبة كبيرة: توضع في المدن
الرئيسة، وفي أماكن المجتمعات الكبيرة للدعاة. مكتبة صغيرة: توضع في
المساجد والمدارس.
وتم انتقاء الكتب بناء على الاحتياجات الأساسية للدعاة في كثير من البلاد،
وقد بلغ عدد المكتبات التي تم تجهيزها حتى الآن (٣٤) مكتبة موزعة كالتالي:
كينيا: مكتبة واحدة كبيرة، وخمس مكتبات صغيرة.
مالي: مكتبة واحدة كبيرة.
غانا: مكتبة واحدة كبيرة.
الصومال: ثلاث مكتبات كبيرة، ومكتبة واحدة صغيرة.
السنغال: مكتبة واحدة كبيرة وأخرى صغيرة.
بريطانيا: مكتبة واحدة كبيرة.
بنجلاديش: مكتبتان كبيرتان.
جنوب شرق آسيا: إحدى عشرة مكتبة كبيرة، ومكتبتان صغيرتان.
السودان: مكتبة واحدة كبيرة.
تشاد: مكتبة واحدة كبيرة، وأخرى صغيرة.
أوغندا: مكتبة واحدة كبيرة.
ب - مكتبة طالب العلم: يحرص المنتدى الإسلامي على تنمية قدرات الدعاة
العلمية، ورفع مستوياتهم الشرعية بوسائل متعددة، منها إعداد مكتبة صغيرة لكل
داعية من دعاة المنتدى الإسلامي، ولكي يكون الاختيار أكثر دقة وأبلغ فائدة
وضعت قائمتان:
الأولى: للدعاة الجامعيين. الثانية: للدعاة غير الجامعيين.
وقد بلغ عدد مكتبات طلاب العلم التي وزعها المنتدى الإسلامي ٥٣٦ مكتبة
موزعة كالتالي:
الصومال: ٢٠ مكتبة كينيا: ١٠٥ مكتبة
تشاد: ١٥٠ مكتبة غانا: ١٢١ مكتبة
جنوب شرق آسيا: ٣٠ مكتبة مالي: ٣٥ مكتبة
بنجلاديش: ٣٠ مكتبة
ج - توزيع الكتاب والشريط الإسلاميين: يسعى المنتدى الإسلامي لإيصال
الكتاب والشريط الإسلاميين إلى مختلف أبناء المسلمين، مساهمة منه في نشر
منهاج أهل السنة والجماعة ورفع المستوى الشرعي بين المسلمين، وقد بلغ عدد
المصاحف التي تم توزيعها حتى الآن أكثر من (١٩. ٠٠٠) مصحف، والكتب
أكثر من (١١٥. ٠٠٠) كتاب، والأشرطة أكثر من (٣٩. ٠٠٠) شريط.
ثامناً: مطبوعات المنتدى الإسلامي:
(١) مجلة البيان: بدأ المنتدى الإسلامي بإصدار هذه المجلة في
عام ١٤٠٦هـ، لتوزع في مختلف أنحاء العالم، وقد اعتمد المنتدى
(٤. ٥٠٠) اشتراكاً شهرياً مجانياً في عدد من الدول، إسهاماً منه في إيصال كلمة الحق والهدى إلى الدعاة وطلاب العلم الذين لا يستطيعون شراء المجلة، بالإضافة إلى عدد كبير من الجمعيات الإسلامية والجامعات والمعاهد.
(٢) نشرة المنار (MANAR AL) : وهي نشرة تصدر باللغة الإنجليزية،
وتوزع في جميع أنحاء بريطانيا، كما توزع في أمريكا، وسوف توزع قريباً في
الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية - إنشاء الله - وتتناول هذه النشرة بعض
البحوث المبسطة في الدين الإسلامي.
(٣) كتاب المنتدى: يقوم المنتدى الإسلامي بطباعة الكتب والرسائل المفيدة
مع الحرص على حسن الاختيار والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة ومن هذه
الإصدارات:
- جهاد المسلمين في أفغانستان يمر بأخطر مراحله.
- التجديد في الإسلام.
- الحزن والاكتئاب في ضوء الكتاب والسنة.
- أيعيد التاريخ نفسه.
- رؤية إسلامية للاستشراق.
- الهزيمة النفسية عند المسلمين على ضوء الكتاب والسنة.
- خواطر في الدعوة (جزءان) .
- منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين.
- اعتقاد أهل السنة في الصحابة.
- على من تعرض الصور؟ (مأساة المسلمين في البوسنة) .
- علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام.
- البداوة والحضارة (نصوص مختارة من مقدمة ابن خلدون) .
- الثوابت والمغيرات في مسيرة العمل الإسلامي.
- الدعوة إلى الله بين الواجب والمحظور.
- فن التعامل مع الناس.
- فاعتبروا يا أولي الأبصار.
- مداخل الشيطان على الصالحين.
- تجربة المنتدى الإسلامي في العمل الدعوي.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أصوله وضوابطه.
(٤) طباعة الكتب المترجمة: قام المنتدى الإسلامي بطباعة عدد من الكتب
الإسلامية المترجمة إلى عدد من اللغات، وتم توزيعها في عدد من دول العالم،
ومنها:
- الأصول الثلاثة (اللغة الفرنسية) .
- الأصول الثلاثة (بلغة الهوسا) .
- الخطوط العريضة (بلغة الهوسا) .
- رفع الملام عن الأئمة الأعلام (باللغة البنغالية) .
- توجيهات إسلامية لجميل زينو (باللغة البنغالية) .
- عقيدة أهل السنة والجماعة لجميل زينو (باللغة البنغالية) .
- مبادئ الإسلام (باللغة البنغالية) .
- تحفة الأخيار للشيخ عبد العزيز بن باز (باللغة الأندونيسية) .
- إلى ابنتي للشيخ على الطنطاوي (باللغة الأندونيسية) .
- القضاء والقدر للشيخ ابن باز (باللغة الأندونيسية) .
- وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة للشيخ ابن باز (باللغة الإنجليزية)
- وجوب أداء صلاة الجماعة للشيخ ابن باز (باللغة الفرنسية) .
بالإضافة إلى أن المنتدى الإسلامي يسعى لتوفير الكتاب الإسلامي باللغات
المختلفة من الأسواق ويوزعها في دول العالم، وقد بلغ عدد الكتب الإسلامية
المترجمة باللغات الأجنبية التي تم توزيعها (٣٧٧. ٥٠٠) كتاباً.
تاسعاً: النشاط الإغاثي، والصحي، والاجتماعي:
يقدم المنتدى الإسلامي أنشطة اجتماعية وصحية متعددة، كما يساهم في إغاثة
المنكوبين وإعانة الملهوفين في عدد من دول العالم الإسلامي، ومن البرامج التي تم
تنفيذها:
١ - المراكز الإغاثية: قام المنتدى الإسلامي بإنشاء (٢٨) مركزاً إغاثياً
استفاد منها أكثر من (١٥. ٠٠٠) شخص يومياً موزعة كالتالي:
- كينيا: (٢٣) مركزاً لإغاثة اللاجئين الصوماليين، استمرت لمدة سنتين
تقريباً، استفاد منها (١١. ٧٠٠) شخص يومياً.. وقد أغلق (٢١) مركزاً منها
لنزوح اللاجئين إلى مواقع أخرى.
- بنجلاديش: يوجد مركز إغاثي استمر لمدة سنتين، ثم تم إغلاقه أخيراً.
- الصومال: يوجد مركزان إغاثيان، يستفيد منهما (٥٠٠) شخص يومياً.
- أثيوبيا: يوجد مركزان إغاثيان، يستفيد منهما (٥٠٠) شخص يومياً.
٢- الأعمال الإغاثية العامة: وتشمل توزيع المواد الغذائية واللباس والكساء
والدواء، وقد قام المنتدى الإسلامي بأعمال إغاثية متعددة في الصومال، وفي
بنجلاديش، للمتضررين بسبب الفيضانات والأعاصير، والبورماويين بسبب
الحروب، وجيبوتي ومالي، وغيرها.
٣- برنامج إفطار صائم: اعتاد المنتدى الإسلامي على تنفيذ البرنامج سنوياً
في عدد من دول العالم، وقد بلغ عدد الوجبات التي تم توزيعها في رمضان ... ١٤١٣ هـ (٨٤٩. ١٦٨) وجبة شملت (١٨) دولة، وأما في رمضان ... ١٤١٤ هـ، فقد بلغ عدد الوجبات (٣٢٦. ٦٧٧) وجبة شملت ١٦ دولة، وفي الغالب يصاحب الإفطار دروس وعظية وتربوية وتعليمية يقوم بها دعاة المنتدى الإسلامي مما يكون له أثر مبارك إن شاء الله تعالى.
٤- برنامج الأضاحي: يقوم المغتدى الإسلامي سنوياً بذبح الأضاحي في عدد
من دول العالم، وذلك لتوزيعها على فقراء المسلمين، وقد بلغ عدد الأضاحي حتى
عام ١٤١٤ هـ أكثر من (١٩. ٠٠٠) أضحية، بالإضافة إلى ذبح العقائق
والكفارات والنذور لتوزيعها على المحتاجين.
٥- كفالة الأيتام: يكفل المنتدى الإسلامي (٥٩١) يتيماً كفالة تامة تشمل
الغذاء والكساء والتعليم.
٦- حفر الآبار: نتيجة لموسم الجفاف والقحط الذي ساد القارة الإفريقية،
وحاجة المسلمين إلى مصادر المياه النقية، عمل المنتدى الإسلامي - ولازال يعمل
- على سد حاجة المسلمين في هذه المناطق وغيرها بالمياه الصالحة للشرب، وقد
حفر المنتدى الإسلامي حتى الآن (١٠٥) آبار في عدد من البلدان الإفريقية
والآسيوية، موزعة كالتالي:
غانا: ٢٥ بئراً باكستان: ١٢ بئراً
أثيوبيا: ٨ آبار أوغندا: بئران
الصومال: ١٠ آبار مالي: بئران
بنجلاديش: ١٨ بئراً كينيا: ٥ آبار
بنين: ٦ آبار توجو: ٦ آبار
جنوب شرق آسيا: ٥ آبار تشاد: ٤ آبار
بالإضافة إلى بئر ارتوازي في كينيا وبئر ارتوازي يعمل بالطاقة الشمسية في
تشاد.
٧- مشروع مكافحة العمى: أقام مركز السند الإسلامي بالباكستان بإشراف
المنتدى الإسلامي وتنظيمه، تسعة مخيمات طبية لعلاج أمراض العيون، وإجراء
العمليات الجراحية لإزالة الماء الأبيض، استفاد منها (٤١. ٠٠٠) مريض، وهي
موزعة كالتالي:
السنغال: مخيم واحد استفاد منه حوالي ٤. ٠٠٠ مريض
السودان: مخيمان استفاد منهما ٩. ٠٠٠ مريض
تشاد: مخيمان استفاد منهما ١. ٠٠٠ مريض
جنوب شرق آسيا: ٣ مخيمات استفاد منهما ١٤. ٠٠٠ مريض
مالي: مخيم واحد استفاد منه حوالي ٤. ٠٠٠ مريض
٨- مراكز الخياطة: تهدف هذه المراكز لإعانة نساء المسلمين وتدريبهن على
مهنة تنفعهن في حياتهم، للاستغناء على سؤال الناس، بالإضافة إلى الاستفادة من
هذه المراكز في التعليم والإرشاد، وبلغ عدد هذه المراكز: أربعة مراكز، موزعة
في كل من: كينيا، مالي، السودان، وجنوب شرق آسيا.
عاشراً: الأنشطة الاستثمارية (الأوقاف) :
للعمل الاستثماري أهمية كبيرة في استمرار الأنشطة وثباتها، ولهذا حرص
المنتدى الإسلامي حرصاً كبيراً على إيجاد أوقاف ومشاريع استثمارية، وقد تمكن
المنتدى - بحمد الله تعالى - من شراء مجمع سكني في شمال بريطانيا يحتوي على
ست وعشرين شقة، ويبلغ عائد هذا المشروع (١٥٥. ٠٠٠ دولار) في السنة،
كما تيسر ولله الحمد شراء أرض في مدينة ليدز في بريطانيا قرب الجامعة، وسوف
يقام عليها ١٠٠ وحدة سكنية طلابية، وتقدر تكلفة هذا المشروع حوالي ... ... ... (١. ١٢٠. ٠٠٠دولاراً) ويقدر عائد هذا المشروع بحوالي ١٣% في السنة.
وبإتمام هذا المشروع - إن شاء الله تعالى - سوف تفتح قناة مباركة لاستمرار
كثير من أعمال البر والخير، ونحن واثقون أنكم معنا، وسوف تشاركوننا في،
إنجاح هذا الوقف بدعمكم ودعائكم.
وأخيراً: قارئنا الكريم بعد إطلاعك على ما قام به المنتدى الإسلامي من
مشاريع وأنشطة، والتي قامت بفضل الله تعالى ثم بدعم ومؤازرة أهل الخير من
أمثالك، نفيدك بأن في جعبتنا الكثير والكثير من المشاريع والأنشطة التي نعزم
تقديمها للمسلمين المحتاجين، ولكن لن نتمكن من ذلك إلا باستمرار تواصلك معنا
ودعائك، وهذا ما نأمله منك، ونظنه بك.
وفق الله الجميع للخيرات
стр. 1877
الورقة الأخيرة
رسالة القلم
حسن قطامش
جال بخاطري أن أنظر فيما أوحى به قلم الرافعي من بديع الأسلوب وجميل
الحكم، فرددت بصري فيه ثم توقفت عند هذه الكلمات: إن الحقائق الكبرى
كالإيمان والجمال والحب والخير والحق ستبقى محتاجة إلى كتابة جديدة من أذهان
جديدة. تفكرت فيها، ثم أرجعت البصر في عرض هذه الحقائق اليوم وما نصيبها
من واقعنا، فإذا هي بين أيدي مرتزقة أكالين يدنسونها بمزاعم أوهام التقدم والرقي، وبين حابسين لها في نفوس ملؤها الخوف والتردد من صوغها في قالب الصدق
والموضوعية ولازالت الحاجة قائمة لسبرغور تلك الحقائق والتي تملأ حياة
الإنسان.. في نفسه وأهله ويومه وغده.
إن الإنسان بحاجة إلى أقلام صادقة توجهها عقول ناضجة تدرك حاجاته
النفسية والاجتماعية والثقافية والتربوية، أقلام تحمل همّ هذه الأمة التي تتجاوز
التيارات التائهة في دروب الهوى، أقلام تعرف للكلمة حقها وقوتها وسطوتها
وتعرف لها مكانها وزمانها.
وكم تآذت مسامعنا من أقلام ارتكست في رديء التصورات، وسيء المعاني،
مما أضعف في نفوس الكثير من الناس الأدب، وسار ركب الأقلام الآسنة يستقى
من مداد الرذيلة، ويلون الصفحات بزائف الكلم، ويقدمون الإيمان والجمال والحب
والخير والحق وغيرها من تلكم المعاني الكبار في ثوب زور لُطخ بآسن الأفكار
وزبالة الأذهان.. فأي ضحك على الإنسان.
إن هذه الأقلام العرجاء مهما بدا من حُسن مظهرها واستمراريتها لن تعدم
أصحاب نظر ثاقب يكشفون مرضها وعللها المزمنة.
أما بعض الأقلام الصالحة المنكسرة فلابد لها يوماً أن يستقيم عودها، وذلك
حين تتحرر من وهم الخوف والتردد، لتصبح أذهاناً جديدة لصياغة حقائقنا الكبيرة.
стр. 1878
رمضان - ١٤١٥هـ
فبراير - ١٩٩٥م
(السنة: ٩)
стр. 1879
كلمة صغيرة
. الحذر الحذر .
منذ سنوات يوم وقف مجاهدوا إريتريا يصارعون (الجبهة الشعبية النصرانية)
حينئذ دعا كاتب مشهور الإريتريين قائلاً: (الاستقلال قبل الإسلام) مما فت في
عضد الكثيرين - في الوقت الذي قام الغرب بدعم النصارى - فتشتت شمل
المسلمين شذر مذر.. واليوم يقول الكاتب نفسه حيال حرب الشيشان: (الدعوة إلى
الإسلام أهم بكثير من دولة الإسلام) ، ونحن لا نشكك في نوايا الرجل، لكن
الأمور الأساسية لا مساومة عليها، وإقامة دولة الإسلام هدف كما أن الدعوة إليه
هدف ولا منافاة بينهما، ثم من يحمي الدعوة إذا لم يكن لها دولة؟ ! ولماذا لا يعمل
لكلا الهدفين معاً، لا سيما إذا عرفنا أن هناك فئات معارضة مشبوهة الاتجاه تدعم
من روسيا وتريد الارتباط بها؟ !
فلنحذر مثل تلك الآراء المتعجلة التي ربما أدت إلى المهالك، وأعداؤنا مهما
جاملناهم فلن يتغير موقفهم من عقيدتنا، ومواقفهم من مفكري الإسلام ودعاته
واضحة كالشمس بغضاً وكرهاً ومصادرة.
فنأخذ الإسلام كما جاء، وليس كما يريده بعضهم أجزاء وأبعاضاً
والله المستعان..
стр. 1880
الافتتاحية
أمتنا ومرحلة الغثائية !
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله
وصحبه أجمعين.. ... أما بعد،،
نتساءل -بكل براءة- ويتساءل معنا كل مسلم مخلص هل وصلت أمتنا
العربية المسلمة إلى المرحلة الغثائية التي حذر منها الرسول الكريم -صلى الله عليه
وسلم- بقوله: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعى الأكلة إلى
قصعتها، قيل: يا رسول الله، فمن قلة يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء
السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب أعدائكم لحبكم الدنيا
وكراهيتكم الموت) [١] .
نعم إن كثيراً من بني قومنا يخطبون اليوم ود (يهود) ، ويطالبون على أصعدة
كثيرة بإعادة العلاقات معهم وتطبيعها والدعوة -بكل حماس- إلى إلغاء مقاطعتهم في
سبيل إنشاء ما يسمى بـ (السوق الشرق أوسطية) ، وليست المسألة مجرد تنشيط
الواقع الاقتصادي المتردي في كثير من البلدان، فلوازم التطبيع أكبر من ذلك بكثير؛ فهناك التطبيع الثقافي الفكري ومن ثم إبعاد كل ما يعكر هذا التوجه ... ألم نسمع
بسياسات تجفيف المنابع التي بدأت فيها بعض الدول العربية فغيرت المناهج
وحذفت كل ما له علاقة بالتحذير من أعداء الإسلام، وحذفت آيات الجهاد وتراجم
الأبطال، ولا ندري هل تصل محاولات الحذف إلى آيات القرآن والحديث، الله
أعلم! ! .
والأعجب في هذه المرحلة أن يُوقَفَ - بكل صفاقة - ضد كل المعارضين
لذلك التوجه ووصمهم بالتطرف والإرهاب، وهذا ما وضحت بوادره في أكثر من
بلد عربي، فإلى الله المشتكى.
ويتواصل المد الغثائي في الأمة بمواقفها السلبية من كثير من قضايا المسلمين
المغلوبين على أمرهم وبخاصة في البوسنة والهرسك، نعم هناك إعلام يعمل ليل
نهار لكشف خلفيات تلك المؤامرة القذرة التي يقوم بها الغرب والشرق ضد هذه
القضية، وهناك جهود إغاثية لمد المسلمين هناك بالدعم والمساعدة، ولكن أين
الموقف الشجاع ضد الصرب (الأرثوذكس المتعصبين) ؟ هل قام المسلمون جميعهم
بتهديد الصرب - ولو بمجرد الكلام - أو بقطع العلاقات الدبلوماسية معهم وقطع
العلاقات الاقتصادية أيضاً؟ إن ذلك مع الأسف لم يحدث! ، والأعجب أن تقوم
الدول الغربية بمؤامراتها المكشوفة ضد مسلمي البوسنة والهرسك وتتواطأ معهم
(هيئة الأمم) ومندوبوها المدنيون والعسكريون، وحينما يتحدى الصرب كل جهودهم
الهزيلة ويعرضون جنودهم للقتل غيلة، لا يحركون ساكناً، بل يقومون بذبح
القضية بمخططات مشبوهة يقصد منها إرضاء الصرب وإعطاؤهم ما يريدونه على
حساب هذه الدولة المسلمة، ولا شك أن ذلك له خلفياته العقدية التي ترفض قيام
كيان إسلامي في أوروبا.
ووجدنا (روسيا) الأرثوذكسية الحاقدة تقف، مواقفها المكشوفة في البوسنة،
تقف ضد أي قرار لتأديب الصرب وفي الوقت نفسه تدعمهم بكل الطرق الممكنة
خارقة بذلك الحصار الدولي الهش على الصرب، وحينما كان التهاون هو موقف
المسلمين بعامة حيال تلك الأعمال: لم تتردد روسيا في التدخل الدموي لإجهاض
استقلال دولة الشيشان بأساليب همجية، ولقد وقف مجاهدو الشيشان ضدها بكل
بسالة وشجاعة؛ مما أدى إلى الفشل الذريع الذي مني به الجيش الروسي والخسائر
الفادحة التي تكبدها، واستيقاظ الغرب مؤخراً على مخالفات (حقوق الإنسان) بدك
(جروزني) بالصواريخ والقنابل المحرمة دولياً.
إن غثائية أمتنا تمثلت حينما عُقد (المؤتمر الإسلامي) وانتهى بغير أن يتطرق
إلى هذه القضية لا من قريب ولا من بعيد! ! وكأن لسان حالهم - ما هو رأي
الغربيين - أن قضية الشيشان مسألة داخلية، وهذا خطأ شنيع ارتكبه الغرب وتُوبع
عليه، مع أن حق الشعوب في تقرير مصيرها مسألة محسومة حسب مواثيقهم
الدولية، أكدتها مواثيق هيئة الأم المتحدة في الفقرة (٢) من المادة [١] ، وكذلك
المادة (٥٥) ، ثم جاءت البروتوكولات الخاصة بحقوق الإنسان لتؤكد أهمية ذلك.
والعجيب أن الغربيين قبل ٢٠ عاماً -عند التوقيع على ميثاق (هلسنكي) -
أصروا على أهمية حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي التي كانت تعتبر شأناً داخلياً، لكن الغرب رفض ذلك الاعتبار بالإجماع، وفي نهاية الحرب الباردة كانت أمريكا
هي القائد أيضاً في مجال تأكيد تلك الالتزامات من خلال (ميثاق أوروبا الجديدة)
الذي تم التوقيع عليه في مؤتمر قمة باريس عام ١٩٩٠، وقد رفض الميثاق - كما
فعل إعلان هلسنكي - اللجوء إلى القوة في حل النزاعات.
وروسيا - باعتبارها وريثة (الاتحاد السوفيتي البائد) - ملزمة بهذه القوانين
الدولية التي تدوسها اليوم وتضرب بها عرض الحائط على مرأى ومسمع من
الجميع.
إن حجة الغرب بأن أحداث الشيشان مسألة داخلية مغالطة وادعاء بلا دليل،
فقد سبق للغرب أن تدخل في شؤون (الاتحاد السوفيتي) السابق في مسألة مواقفه
غير الإنسانية من الكتاب السوفيت المعارضين الذين ما إن يتحدث أحدهم بمعارضة
الدولة حتى يضغط عليها ليخرج بسلام، بل ويعطى جائزة نوبل، وتدخل في
شؤونه أيضاً يوم منع هجرة اليهود لفلسطين المحتلة، وتدخلت أمريكا في الصومال، ومؤخراً في (هايتي) ، وتدخلت فرنسا في (رواندا) ، وحتى يبقى الأمر مقبولاً
تحول ببساطة إلى تدخل دولي! !
أين إنسانية الغرب اليوم مما حدث في البوسنة وما يحدث اليوم في الشيشان؟! لماذا يقال إنها مسألة (داخلية) ، وفي قضايا أخرى يتم التدخل ويحول إلى تدخل
دولي بأساليب مكشوفة؟ ! .
لماذا ضغط الغرب على الاتحاد السوفيتي حتى يمرر استقلال دول البلطيق،
ثم يسكت ويصاب بالصمم والعمى عن أحداث همجية تحدث في بلاد أخرى؟ ! ،
المسألة مسألة عقيدة ونعرات صليبية مهما استبعدها أدعياء التنوير.
وعليهم أن يعوا ما قاله صاحب (الفرصة السانحة) : (إن المصالح وليست
المثاليات هي التي تدفع الدول إلى التعاون) .
إننا - وبكل صراحة - ندعو بني قومنا ساسة ومفكرين وإعلاميين وغيرهم
إلى مراجعة سريعة لحال الأمة، وأهمية الوقوف بكل شجاعة وتَبَنِّي الموقف
الإسلامي وبكل جسارة مع الغرب والشرق، وبخاصة في الموقف من القضايا
الإسلامية ومحاسبتهم بدقة حيال الاستهتار الحاصل إزاءها، وضرورة احترام
الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها وأهمية إعطائها حق تقرير مصيرها كغيرها.
ونحن نستقبل هذا الشهر الكريم الذي هو شهر عزة وكرامة وشهر جهاد وقوة
جدير بنا أن نجعل منه منطلقاً لتصحيح أوضاعنا ولمحاسبة أنفسنا على ما فرطنا في
جنب الله من أخطاء وخطايا جعلتنا إلى الغثائية أقرب.
إن هذا الشهر المبارك جدير بأن يشعل في أنفسنا روح الجهاد، وأن يثير في
جوانحنا فعل الخيرات وترك المنكرات وتكفير السيئات.
واللهَ نسأل - كما بلغنا هذا الشهر- أن يوفقنا لصيامه وقيامه، وأن ينصر دينه
ويعلي كلمته، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
стр. 1881
دراسات دعوية
الترف.. وخطره على الدعوة والدعاة
[١]
فيصل البعداني
إن زينة الحياة الدنيا وشهواتها أخذت بألباب وعقول أفراد من الأمة حتى
عبدوها وأصبحوا يرون في تعاليم الإسلام وأحكامه ما يفسد عليهم متعتهم بها
فصاروا يحاربون تعاليم الإسلام والداعين إليه، ويقفون في وجه كل دعوة جادة إلى
الإسلام تريد إعادة الأمر إلى نصابه، وتقوم ببيان خطر الاغترار بالدنيا، منبهة
إياهم إلى ما أحدثه من آثار سلبية كثيرة على دينهم ودنياهم.
وشباب الصحوة الإسلامية بعامة والدعاة إلى الله (سبحانه) بخاصة، جزءٌ من
أفراد المجتمع الإسلامي يصيب بعضهم - سواء أكان ذلك في حياتهم الشخصية
والاجتماعية أو في البيئة الدعوية التي يعملون من خلالها - ما يوجد في مجتمعاتهم
من أمراض وأدواء، ومن ذلك وجود ظاهرة الترف والرفاهية الزائدة في حياة
بعضهم، وانشغالهم بذلك عن تربية أنفسهم والقيام بواجبهم تجاه دينهم وأمتهم، بل
إن الأمر لدى أولئك تجاوز حد التشاغل إلى مرحلة التساقط عن الطريق وترك
الطاعة ومبارزة الله (تعالى) بالمعاصي.
وهذه محاولة لمعالجة تلك الظاهرة ببيان حقيقتها، وإيضاح موقف الشرع منها، وإبراز مظاهرها، وتحليل أسبابها وبيان خطورتها وآثارها، مع محاولة تقديم
وصف لعلاجها، عَلَّ الله أن يوفقنا إلى تلافيها وتجاوز آثارها.
حقيقة الترف:
جاء في القاموس: التُّرفة: النعمة والطعام الطيب، والشيء الظريف تخص
به صاحبك، والمترف كمكرمَ: المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع، والمُتَنَعَّمُ لا يمنع
من تنعمه [١] .
والمراد بالترف في هذا المقال: مجاوزة حد الاعتدال بنعمة أو الإكثار من
النعم التي يحصل بها الترف [٢] ، وعليه فإن المترفين هم: الذين أبطرتهم النعمة
وسعة العيش، الحريصون على الزيادة في أحوالهم وعوائدهم، الساعون إلى بلوغ
الغاية في حاجات الذات الحسية من مأكل ومشرب ومسكن ومركب.. الخ، ومع أن
الترف قائم على الغنى ومبني عليه إلا أنه ليس بلازم له، فكم من غني وهو بخيل، يعيش هو وأهله عيشة البؤساء والمعوزين، وكم من فقير حرص على توفير النعم
وتحصيل ملذات الحياة وشهواتها من أي سبيل! !
موقف الإسلام من الترف:
ورد ذكر الترف في القرآن الكريم في ثمانية مواضع كلها في موضع الذم له
والتحذير منه، كما ورد العديد من الأحاديث النبوية التي ينهى بعضها عن الترف
جملة وتحذر من تعلُّق القلب به، وغلو الإنسان في الانغماس في متع الحياة وملذاتها، وبعضها الآخر ينهى عن مظهر من مظاهر الترف، ويحث على تركه
والانصراف عنه إلى ما هو خير في الدارين.
فمن الآيات: قوله (تعالى) : [وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا
فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] الإسراء: ١٦ [، وقوله (تعالى) :] حَتَّى
إذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إذَا هُمْ يَجأرُونَ [] المؤمنون: ٦٤ [، وقوله (سبحانه) :
] وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى
أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [] الزخرف: ٢٣ [.
ومن الأحاديث ما رواه عمرو بن عوف أن النبي ﷺ قال
(فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على
من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) ] ٣ [، وما رواه عبد الله
بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا
ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة) ] ٤ [.
ودعوة الإسلام إلى ترك الترف، ومحاربته له، لا تعني ترك النعم والملذات، وإنما المراد الاقتصاد في الإنفاق وعدم تعلق القلب بها والركون إليها، وإلا فإن
النبي ﷺ الذي حذر من الترف وأحوال المترفين قد قال: (إن
الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس
والتباؤس) ] ٥ [وقال ﷺ لوالد أبي الأحوص: (فإذا آتاك الله
مالاً فليُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته) ] ٦ [، وقد كان من دعائه -صلى الله عليه
وسلم-: (اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها
معادي) ] ٧ [.
وأما قوله ﷺ لأصحابه عندما ذكروا عنده الدنيا: (ألا
تسمعون، ألا تسمعون: إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان!) ] ٨ [،
فالمراد به: التواضع في اللباس وترك التبجح به] ٩ [، وعدم غلو الشخص في
الاهتمام بمظهره حتى يشار إليه بالبنان.
مظاهرات الترف:
للترف مظاهر كثير، من أبرزها ما يلي:
* الإفراط في تناول الطعام والشراب وتوفير متطلبات النفس مما لذ وطاب،
مما جعل الجم الغفير من الناس - دعاة وغيرهم - يعانون بسبب ذلك من السمنة
وكثيرٍ من الأمراض الناشئة عن التخمة.
* جعل المال في الملابس الراقية، والاكتفاء بلبس الجديد والفاخر، حتى
كثرت بسبب ذلك الملابس غير المستخدمة في المنازل، وتكدست مع وجود تنوع
في الاستعمال حسب تعدد فصول العام، واختلاف أوقات اليوم، ويبرز الترف في
هذا الجانب لدى النساء.
* صرف الأموال الكثيرة في السيارات والحرص على ضخامتها وتعددها
حسب أحجامها وأنواعها، وتسليم بعضها لمراهقين يستخدمونها - غالباً - في غير
ما وضعت له.
* صرف الأموال الضخمة في بناء المنازل والدور، والتباهي في إعدادها
وتصاميمها البديعة في الشكل الخارجي والداخلي، مع الحرص على تعدد مواقعها
فبعضها للشتاء والآخر للصيف، وبعضها للسكن وبعضها للنزهة، ومع الحرص
على سعتها وكثرة غرفها ووجود ملحقات لها ووفرة وسائل الترفيه فيها مع أن الذي
يكفي الإنسان من ذلك الشيء القليل.
* نعومة الأجساد وطراوتها وترهل الأطراف ونعومتها والتهاون أثناء أداء
الأعمال مما أدى إلى أمراض حديثة ولدتها هذه الظواهر.
* الاستكثار من وسائل الزينة والاعتناء الزائد بالنفس، والإفراط في التدهن
والتطيب والترجيل للشعر، ونحو ذلك من أمور الناس حتى إن بعضهم ليزيد إنفاقه
على زينته وبعض مظاهر الترف الأخرى على دخله، مما يضطره إلى الاقتراض
أو إلى تعاطي أمور أخرى لا تحمد عقباها.
* جعل المال في الفرش الوثيرة والأواني الفاخرة والمتاع الراقي، أو الإكثار
من ذلك - وإن لم يكن الشيء غالي الثمن - كثرة تقصر معها أيام العمر وتأبى أن
تتسع للعبد لكي ينتفع بها ويستخدمها.
* عدم قيام الإنسان بحاجاته الذاتية والاجتماعية التي يتمكن من القيام بها
والمجيء بالخدم رجالاً ونساء، لكي يقوموا بذلك من غير حاجة وإنما رغبة منه في
ترفيه نفسه وتقديم الراحة لأهله وأولاده، وحباً منه في التفاخر والتباهي والظهور
بمظهر المتميز أمام بقية أفراد المجتمع.
* كثرة استخدام وسائل الترويح عن النفس من مزاح وألعاب ونزهة وزيارات
كثيرة تخرج بالترويح عن الأمر الذي شرع له، وتصبح في حياة كثير من الناس
كأنها هي الأصل والجد هو الفرع.
* ضياع الأوقات وانتشار البطالة في حياة بعض من الدعاة والمصلحين،
حيث تكثر ساعات نومهم ويتتابع فناء أعمارهم دون أن يقضوا شيئاً منها في أمر
ينفعهم في دينهم أو دنياهم.
* التعلق بالتوافه، وضعف التفكير، وغياب القدرة على النقد البناء،
وانتشار التقليد، والتسرع في الحكم على الأشياء بناءً على ظواهرها، وإمكانية
التلاعب بالشخص واستدراجه إلى ما يراد من قبل الآخرين بيسر وسهولة وبدون
عناء أو مشقة.
* عدم الحرص على الطاعة، والتواني عن القيام بما يقِّرب في الآخرة سواء
أكان ذلك فيما يتعلق بذات الشخص كصلاة النفل وصيام التطوع، أو فيما يتعلق
بشؤون الدعوة، إذ تكثر عند التنفيذ المشاغل وتتعدد المبررات للتقاعس عن العمل
أو التأخر في أدائه، وفي المقابل توجد - لدى ذلك الصنف - عجله في تحصيل
وسائل الترف، وسرعة في تحقيق مطلوبات النفس وشهواتها.
* تتبع أقوال أهل العلم للأخذ بالأيسر منها، ويرجع ذلك إلى أن كثرة النعم
تقود إلى الدعة والراحة، وتلك تقود إلى اقتحام سبيل الشهوات والانغماس في
الملذات، التي قد لا يجد العبد متنفساً له فيما أحل الله فيقرر الأخذ بما يراه حراماً،
ولكن لكي يزيل الحرج عن نفسه، ويدفع عنه لوم الآخرين - إن وجد - يقوم بتتبع
أقوال أهل العلم في الأمر الذي قرر إتيانه إلى أن يجد له عالماً في القديم أو الحديث
يقول بجواز فعله، فيفرح به ويبدأ بإعلانه ونشره لا اعتقاداً بصحة ذلك القول
والرغبة في إذاعته، ولكن حباً في رفع الحرج عن النفس نظراً لموافقة ذلك القول
لما قد عزمت نفسه على فعله.
أسباب الترف:
لانشغال بعض المنتسبين إلى الدعوة بالترف أسباب عديدة، منها:
١- طول الأمل ونسيان الموت:
الانشغال بمتاع الدنيا وشهواتها ناتج عن طول الأمل ونسيان الإنسان كونه في
رحلة إلى الدار الآخرة تكتمل بنزول ملك الموت لقبض الروح، ونظراً لخطورة
تلك الغفلة عن ذلك المصير وما تنتجه من ضعف الخوف من الله (تعالى) وقلة
الخشية له، وبالتالي عدم المحاسبة للنفس والمراقبة لعملها، قال (عز رجل) محذراً
من ذلك:] ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [] الحجر: ٣ [،
وقال ﷺ موصياً ابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو
عابر سبيل) ] ١٠ [، (وذلك لأن الغريب لا تعلق له ببلد الغربة، ولا تشاغل لديه
بملذاتها وملهياتها، بل قلبه معلق بوطنه الذي يرجع إليه) ] ١١ [ (والمسافر لا هم له
في الاستكثار من متاع الدنيا أثناء قطعه لمنازل السفر، وإنما يكتفي بتحصيل زاد
السفر له ولراحلته لا غير) ] ١٢ [.
٢- عدم موازنة الإنسان بين جوانبه المختلفة:
الانغماس في زهرة الحياة وبهارجها ناتج عن تغليب الإنسان لمتطلبات،
جسده من مأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن ووسائل ترويح ... الخ وإغفاله
لمتطلبات مهمة أخرى من عقل وروح، وعدم قيامه بالأخذ بالهدي النبوي الرشيد
الداعي إلى الموازنة بين تلك الجوانب المختلفة، روى البخاري أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- قال لعبد الله بن عمرو حين -علم بمغالاته في العبادة: (ألم أخبر
أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل صم
وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك
عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً) ] ١٣ [.
وروى البخاري أيضاً (أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ
سألوا عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله
عليه وسلم- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي
الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء
فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا
وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد،
وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ] ١٤ [.
٣- حب التقليد أو التأثر بضغوط الواقع:
يرغب بعض الدعاة في أن يكون ابن بيئته - كما يقولون - فيرى أنه لابد له
من الظهور بالمظهر اللائق به مطعماً ومشرباً ومركباً ومسكناً وخدماً وترفيهاً
فيضطر لكي يصل إلى ذلك الهدف إلى تقليد المترفين في بيئته ممن لا خلاق لهم
مباهاةً وتفاخراً وحباً في مساواتهم في أحوالهم ومعاشهم، إن لم يصل به الأمر إلى
حد الرغبة في التفوق عليهم وتجاوز ما هم فيه من ترف.
وهذا مرض داخلي يوجد لدى بعض الدعاة، وقد يكون الأمر على العكس من
ذلك فلا يوجد لدى ذلك الداعية رغبة ذاتية في الترف، لكن أفراد مجتمعه الذي
يعيش فيه من أقارب وأصحاب - ممن رفعوا شأن زخرف الحياة وصارت شهوات
الدنيا وملذاتها في نظرهم قيمة يقاس الإنسان نجها؛ فبمقدار ضخامة منزل الشخص
وكثرة خدمه وعدد مراكبه وبذخه في مأكله ومشربه وملبسه: تكون مكانته
ومنزلته - يدفعونه إلى ذلك دفعاً من خلال المطالبة بإلحاح شديد من قِبَلِ الأهل والأقارب بتوفير وسائل الترف، أو من خلال النقد الجارح واللوم اللاَذعَ من الأصحاب على ما يسمونه بحرمان النفس من خيرات الله (تعالى) ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، بل إن المطالبة واللوم قد يصحبهما سوق العديد من المبررات التي يجدها الداعية تحت ضغط الواقع الشديد مقنعة نوعاً ما فتتغير نظرته شيئاً فشيئاً إلى أن تزول قناعاته السابقة فتتبدل حاله، ويصبح في غالب أمره كسائر أفراد مجتمعه.
٤- ضعف التربية:
من أبرز أسباب الترف ضعف التربية وضعف التوجيه الجاد والمناسب
للشباب من قبل بعض المربين في كيفية التعامل مع فتنة الحياة الدنيا وزخرفها وما
نتج عن ذلك من عدم تربية النشء على الجَلَدَ والخشونة بذريعة الخوف من انفراط
اجتماع الطلاب حول المربي والخشية من انصرافهم عنه بالكلية!
٥- كثرة المال ووفرة النعم:
زيادة المال ووجود النعم ووفرتها تكون أحياناً من أكبر دواعي الترف وأسبابه، وذلك لأن المال يعمي ويصم، ويدعو إلى الركون والمتعة والراحة ويدفع صاحبه
إلى البذخ والإنفاق في غير حاجة، وقد أوضح الله (تعالى) في كتابه هذه الحقيقة في
آيات، منها قوله (تعالى) :] كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [] العلق:
٦-٧ [، ومن أجلى صور الطغيان وأوضحها البطر بالنعمة والإنفاق في غير حاجة
ترفاً ومباهاة وحباً للظهور.
يقول (سبحانه) على لسان المترفين الذين أبطرتهم النعمة:] وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ
أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [] سبأ: ٣٥ [، فكثرة الأموال قادتهم إلى الترف
والبطر والكبر، وتلك الأمور جرتهم إلى تكذيب الحق، ورفض قبوله والإذعان له.
ويزداد تأثير كثرة المال ووفرة النعم على الإنسان وجره إلى الترف وغاية
الرفاهية حين يكون مولوداً في النعم، لم تمر به حالات بؤس، ولم يعرف شدة
البلاء ومعاناة الفقر، بل جاءه المال وتوفرت لديه النعم بسهولة ويسر من دون ما
كسب أو بذل جهد.
٦- حب النفس للشهوات:
حبب الله (تعالى) للبشر زينة الحياة الدنيا وزخرفها، فقال (سبحانه) :] زُيِّنَ
لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ والْبَنِينَ والْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ
والْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأَنْعَامِ والْحَرْثِ ... [] آل عمران: ١٤ [، وليست المشكلة في
ذلك الحب الذي وضعه الله (تعالى) في القلوب، بل إنه فطري وضروري لاستمرار
الحياة والقيام بواجب الخلافة في الأرض، ولكنها تكمن في تقديم حب تلك الأشياء
على محبوبات الله (تعالى) ورسوله ﷺ ، وما ينتج عن ذلك من
التشاغل بها والركون إليها حتى يصير الإنسان كأنه مسترق لها لا يستطيع عمل ما
يخالفها وإن كانت في ذلك سعادته ونجاحه، وقد حذر الله في كتابه عباده
من تقديم حبهم لشهواتهم وملذاتهم على حبه (سبحانه) وحب رسوله -صلى الله عليه
وسلم- والعمل لدينه، فقال (سبحانه) :] قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ [إلى قوله (تعالى) :
] وأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ
ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِي [] التوبة: ٢٤ [.
٧- الإغراء بالوقوع في الشهوات:
يسعى أعداء الدين من يهود ونصارى وأذنابهم في أوساط المسلمين إلى إلهاء
الأمة - وبخاصة شباب الصحوة المنتسبين منهم إلى الدعوة - بالشهوات وغمسها
بالملذات لتلهو وتعبث حتى لا تفيق على ما يفعلون بها من محاولة طمس عقيدتها،
وعدم استعادتها لمكانتها وكرامتها، حيث أغرقوا أسواق المسلمين بوسائل الترف
وفنون الملذات، وزينوا ذلك في نفوسهم وبثوا لها الدعايات وأقنعوا الكثيرين بأنها
دليل من أدلة الحضارة وعنوان من عناوين التقدم والتميز والرقي في المجتمع.
ولقد أفصح أولئك الأشرار عن نواياهم الخبيثة؛ ومن ذلك ما جاء في
البروتوكول السادس من (بروتوكولات حكماء صهيون) : ( ... سنشجع حب الترف
المطلق ... ) ] ١٥ [، وما جاء في البروتوكول الثالث عشر: ( ... سنلهيها - أي:
الجماهير - أيضاً بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزجيات للفراغ والمجامع
العامة وهلم جرا ...) ] ١٦ [.
هذه آثار الترف:
لتوجه بعض الدعاة إلى معيشة الترف آثار عامة وآثار خاصة بمسيرة الدعوة، سأتحدث أولاً عن آثار الترف العامة، ثم أتبعها ثانياً بآثار الترف الخاصة وآثارها
السيئة على مسيرة الدعوة.
من آثار الترف العامة:
* قلة العبادة والتكاسل عن الطاعة ونسيان الآخرة، وذلك لأن القلب له حد لا
يستطيع تجاوزه، فمتى ملىء بشيء حتى فاض استحال ملؤه بغيره حتى يلقي
صاحبه ما فيه أو ينقص منه، والمترف قد ملأ قلبه أو كاد بِهَمّ الدنيا وتحصيل متعها
وشهواتها، فلم تجد العبادة وتذكر الآخرة المكان الكافي لهما في قلبه، مما اضطر
غالبها إلى الرحيل، قال أبو حازم ﵀: (يسير الدنيا يشغل عن كثير
الآخرة) ] ١٧ [، فإذا كان هذا حال اليسير من الدنيا فكيف بحال الكثير؟ ! .
* جعل الإنسان نفسه عرضة لعبودية الهوى والشهوات، ورد الحق والتكذيب
به، وقد أبان الله (تعالى) في كتابه أن الترف سبب لذلك في آيات عديدة، منها:
قوله (تعالى) :] واتَّبَعَ الَذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وكَانُوا مُجْرِمِينَ [] هود: ١١٦ [، وقوله :] وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم
بِهِ كَافِرُونَ [] سبأ: ٣٤ [، وقوله (سبحانه) :] وذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي النَّعْمَةِ
ومَهِّلْهُمْ قَلِيلاً [] المزمل: ١١ [
* ضياع ساعات عمر الإنسان وأيامه في أمور إن لم تكن مع سيئاته فلن
تكون مع حسناته بحال، قال رسول الله ﷺ محذراً من ذلك:
(ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة) ] ١٨ [،
ومما استحسن من كلام الحجاج قوله على المنبر: (إن امرءاً ذهب من عمره ساعة
في غير ما خلق له لخليق أن تتطاول عليه حسراته) ] ١٩ [.
* ضعف استشعار مراقبة الله (تعالى) للعبد وندرة محاسبته لنفسه ومراجعتها
فيما تعمل ليعرف المرء ما له وما عليه فيتزود من الخيرات ويترك اقتراف ما لا
يُقَرِّبُه من الله (تعالى) من آثام أو مباحات.
* زيغ بعض الناس وانحرافهم وخروجهم من عداد الصالحين نتيجة الإكثار
من الملذات والشهوات المباحة أولاً، ثم التوسع فيها حتى يخرجوا عن دائرة المباح
إلى دائرة المشتبه فيه، ومع الزمن يقعون في المحرمات قليلاً قليلاً حتى يصلوا إلى
مرحلة الهلكة وزيغان القلب، وخروجه إلى دائرة الفسق إن لم يتجاوزها، نسأل الله
السلامة.
* العُجْب بالنفس والتكبر على الآخرين، وهاتان الصفتان موجودتان لدى
بعض الدعاة نتيجة عيشهم في أوساط النعيم، ولكنهم لا يتمكنون - في الغالب - من
الشعور بها إلا من أدام منهم النظر في حاله أو نبهه عليها آخر ممن وفقهم ربهم
وصانهم من الوقوع فيها، وذلك راجع إلى كونهما تبدءان في النفوس كخيط رفيع
جداً لا يُرى ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يبين ويتضح، ويكون الداعية عند ذلك قد غفل
وخف مبدأ محاسبته لنفسه.
* كسر قلوب الضعفاء وذوي الفقر والحاجة في المجتمع من جهة، وتكون
الحقد لديهم على ذوي اليسار والترف من جهة أخرى، نتيجة ما يلاحظونه من
وجود فوارق كبيرة في العيش والإنفاق بين طبقات المجتمع المختلفة، وذلك من
خلال المقارنة بين حال المترفين العابثين بالأموال اللاهين بالنعم، الذين لا يعرفون
فضل الخيرات وقيمتها ممن لا يقدمون معروفاً لمستحقيه، وبين أحوالهم حين يرون
أنفسهم لا يستطيعون الحصول على ضروريات الحياة وحاجياتها.
* عدم القدرة على تحمل المشقة والتجلد للشدائد والتأهب لمجيء الفتن وتقلب
الأيام، وذلك نتيجة عجز الإنسان وعدم تهيئته لنفسه وترويضه إياها على تحمل
ذلك لو نزل به.
* ضياع الأموال والعبث بها في الترهات مما أدى إلى عجز بعض الناس عن
القيام بالواجبات، فكيف بالمستحبات؟ بل إن الأمر قد وصل بأناس إلى الاقتراض
للإنفاق على الملذات وما تشتهيه الأنفس.
* نجاح مخططات الكفار في إلهاء المسلمين بالترف والبذخ وما صاحب ذلك
النجاح من ازدهار صناعاتهم لوسائل الترف التى يرسلونها إلى أوساط المسلمين
ليلهوا بها ويترفهوا، وينشغلوا عن قضاياهم الكبرى، وهذا ملموس.
* قساوة القلب وغلظة الحس وثقل البدن مما يؤدي إلى نسيان العلم وزوال
الفطنة والحرمان من متعة، التطلع إلى ما وراء اللذة الآنية بالإضافة إلى الحرمان
للنفس من متعه الاهتمامات الكبرى اللائقة بالدور العظيم للمسلم في هذه الحياة مع
انشغال القلب عن التبصر بما يدور حوله للعبرة والعظة من ذلك نتيجة غرقه في
لجة اللذائذ والشهوات] ٢٠ [، قال الشوكاني ﵀ عند قوله (تعالى) :] إلاَّ
قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [: (وخصص
المترفين تنبيهاً على أن التنعم هو سبب إهمال النظر) ] ٢١ [.
* انتشار البطالة وظهور العجز والكسل وشيوع التواني عن أداء الأعمال
النافعة بحيث يقوم بعضهم بإنجاز عمل يوم في أسبوع، وإنجاز عمل أسبوع في
شهر، ... وهكذا، ولخطورة هذا الأثر في حياة المسلم كان النبي -صلى الله عليه
وسلم- يدعو فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ... ) ] ٢٢ [.
* ظهور السمنة لدى كثير من الناس وانتشار كثير من الأمراض الناتجة عن
التخمة وقلة السعي والحركة.
وللحديث بقية..
* * *
قطوف رمضانية
قال ﷺ : (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها
إلى سبعمائة ضعف؛ يقول الله إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به؛ ترك
شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند
لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) أخرجه البخاري
ومسلم.
стр. 1882
دراسات شرعية
الصلة بين الأخلاق والعقيدة
د. جلال الدين محمد صالح
ترتبط الأخلاق بالعقيدة ارتباطاً وثيقاً يفوق حد التلاحم والتمازج ويستحيل معه
تصور انفكاك إحداهما عن الأخرى بحيث يمتنع تخيل أخلاق مجردة عن العقيدة،
أو عقيدة مجردة عن الأخلاق، مما يجعلنا نوقن أن كل الخصائص الأخلاقية
المنحرفة هي - لا محالة - إفراز عقائد منحرفة، بينما الأخلاق النبيلة تظل دليلاً
ساطعاً على انبثاقها وانبعاثها من وحي عقيدة نقية نائية عن التحريف وإيحاءات
القصور البشري، وفي الوقت ذاته: توقن أن الأخلاق المنحرفة برهان على وجود
الأخلاق المستقيمة كالنقود المزيفة تكون دليلاً على وجود النقود الصحيحة.
والسرد القرآني للقيم الأخلاقية يُعَضِّدُ هذه الرؤية، ويبين بداهتها ونصاعتها
لكل متأمل يتلو آيات القرآن بتدبر وتفكر، حيث نجد نعوت الكمال الإنساني
وخصال أخلاقه الحميدة محاطة بصفاء العقيدة ونقاء التصور ووضوح العبودية لله
رب العالمين، بينما تأتي مفردات الأخلاق الذميمة وموبقاتها مقرونة بالانحراف
العقدي والتشوش الفكري والارتكاس في مفاهيم الشرك؛ حيث: تقديس الأحجار
والأشجار والأبقار والطواغيت، والانحدار دوماً إلى ما دون المكانة الإنسانية،
فالشرك في حد ذاته صفة أخلاقية تستجمع كل الشرور، وتتولد عنها كل الأخلاقيات
الهابطة، وكل السلوكيات المنحرفة، لأنه منهج استكباري يستنكف صاحبه أن
يكون عبداً لله، وقد كان أول سلوك من هذا القبيل ما جاهر به إبليس أمام الله
(سبحانه) [وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
الكَافِرِينَ] [البقرة: ٣٤] .
وهكذا أضحى الاستكبار على الله، ومن ثم التعالي على عبادة قريناً للشرك
ورديفاً له، والذي تجلى في موقف إبليس مع الله يتجلى لنا أيضاً في
السلوكيات التي أبداها قوم نوح (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) معه حين جعلوا
أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا، وبهذا النهج
الأخلاقي بات المنحرفون يتواصون حتى صار من دأبهم توارث الاستكبار على الله
والاستخفاف بالعباد وإرادة العلو والإفساد في الأرض، وهو دأب تعرضه علينا
آيات القرآن كلما صورت لنا واقعاً عقدياً منحرفاً تنعته بالطغيان تارة، والاستكبار
والعلو في الأرض تارة أخرى [اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى] [النازعات: ١٧]
[إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً] [القصص: من آية ٤] ،
[قَال الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ] [الأعراف: ٧٦] .
وكل هذه النعوت صفات أخلاقية مقيتة لا يمكن أن تكون إلا مع الانحراف
العقدي والارتداد عن عبادة الله ، تتكاثر عنها كل الشناعات
الأخلاقية من: قتل، وهتك، ونهب، وظلم، وإشاعة الفاحشة بين العباد، ففي
مجتمعات الكفر وأنظمة الشرك تسود الطبقية، وتوطأ إنسانية الضعفاء، وتسخر
طاقاتهم لخدمة الطغيان واستكبار الملأ، وفي مجتمعات الكفر والشرك تستشري
الفاحشة بين الأفراد وتجد الحماية والرعاية، فما فعل قوم لوط سوى ممارسة غير
أخلاقية ساقطة ظهرت ونمت في ظل الانحراف العقدي حيث كان قوم لوط أول
مجتمع كافر مارس هذه الفعلة القبيحة، ونافح عنها وتعامل معها وكأنها خلق إنساني
رفيع لا تستهجنه النفس البشرية ولا تأباه الفطرة السوية، وفي مجتمعات الجاهلية
استساغ الناس وأد البنات، واضطهاد الضعفاء، وإكراه الإماء على البغاء،
وتعاطي الربا والقمار والتآزر على الباطل حتى قال شاعرهم: (من لا يظلم الناس
يظلم) ، وشعارهم (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) (بالمعنى الجاهلي) *
السلوك الأخلاقي عند أهل الكتاب:
وأهل الكتاب - الذين كان الأجدر بهم أن يكون لهم فضل الإصلاح الأخلاقي
بما استحفظوا من كتاب الله - فقدوا هذه الخاصية بما كسبت أيديهم من تحريف لما
أوحي إليهم ونسيان لما ذكروا به، فصاروا هم أشد ضلالاً وأعظم انحرافاً وأكثر من
يسعى في الأرض فساداً.
فالتزييف اليهودي للتوراة كان وراء تشبع الروح اليهودية بسفاسف الأخلاق
التي نالت من قداسة الأنبياء وطهارتهم حين رمتهم بسلوكيات لا تليق بهم، متهمة
نوحاً ﵇ بالسكر ومضاجعة بناته، ومتهمة داود ﵇ بالافتتان
بزوجة أحد قواده والتآمر عليه، والتحريف اليهودي للتوراة كان وراء العقلية
اليهودية في تأصيل أخلاقيات التزوير، وطمس الحقائق، وكتمانها [الَذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وإنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعْلَمُونَ]
[البقرة: ١٤٦] .
والتحريف اليهودي للتوراة كان وراء استباحة اليهود لأموال غيرهم وشعورهم
بالتميز العرقي على الآخرين تأسيساً على اعتقاد كاذب، يزعم أنهم أبناء الله
وأحباؤه، وأن كل من سواهم حمير خلقوا لخدمتهم، من هنا صار اليهود رسل
الفساد يسيحون في الأرض بنظرياتهم السلوكية المدمرة، التي تدعو علناً إلى
الانسلاخ من كل ما له صلة بأخلاقيات الطهر والعفاف، وساهمت أقلامهم وأدمغتهم
في ابتداع وسائل غير أخلاقية شريرة، فأوجدوا أندية العراة، وشواطئ الانحلال
والتفسخ الأخلاقي، وبنوك النهب والاستغلال، وساندوا نمو الدعوات الساعية إلى
خنق كل سلوك أخلاقي يصون كرامة الإنسان ويعصمه من المنحدر الحيواني،
وأخذوا على أنفسهم أينما وجدوا ألا يدخروا وسعاً في تفريغ الذات البشرية من كل
إيمان يُعمق في أحشائها أخلاقيات التزكي والتطهر، إدراكاً منهم أن الانحراف
العقدي والفراغ الديني أفضل مناخ مناسب لتزايد الانحراف الأخلاقي، لهذه الغاية
كان اندساس اليهود في الكيان النصراني، وإعمال يد التحريف في العقيدة
النصرانية على يد شاؤول المعروف عند النصارى (ببولس الرسول) مما نجم عنه
تحول المجتمعات النصرانية إلى مجتمعات الضلال الأخلاقي حيث تعفنت أديرة
الرهبان وكهوفهم بكل القاذورات الأخلاقية، وبهذا: لم يعد مجتمع النصارى صالحاً
لأن يكون مصدر إشعاع أخلاقي يتحقق به خلاص النفس الإنسانية وسعادتها،
فالإنجيل المحرف بما تضمنه من معتقدات ساذجة وباطلة دفع معتنقيه إلى نبذه
وإدارة الظهر له، والانطلاق في الحياة بلا قيود أخلاقية، والاستعاضة عنه بأخلاق
وضعية هي أخلاق الرأسمالية الأوربية والاشتراكية الماركسية.
الرأسمالية والأخلاق:
والأخلاق الرأسمالية هي نتاج طبيعي للواقع العقدي المنحرف، ولذا جاءت
هذه الأخلاق أشد فتكاً بالإنسان وأكثر تهديداً له، وإنها مهما بدت ملاذاً آمناً فلن
تكون حلاً للمعضلة الأخلاقية التي تلوي اليوم عنق أوروبا، لأنها هي في حد ذاتها
جزء من المشكلة التي جاءت لحلها، ولأنها تسير على النهج الانحرافي نفسه؛
يروي الأستاذ (محمد قطب) عن شقيقه (سيد) ﵀ أنه أثناء زيارته لأمريكا
كان ذات مرة جالساً في حديقة فاقترب منه رجل أبيض، وسأله: من أين أنت؟
فأجاب سيد ﵀ : من مصر، فرد عليه قائلاً: إذن أنت مسلم، قال: نعم،
قال: إذن حدثني عن الإسلام، فأخذ سيد ﵀ يحدثه عن الإسلام، والرجل
منصت باهتمام حتى أنهى سيد حديثه، عندها قال الرجل: جميل ما قُلته ولكن
الدولار هو الإله الوحيد الذي أعرفه! ! .
هكذا حولت الرأسمالية الإنسان إلى عبادة إله جديد هو الدولار، فزادته تعاسة
على تعاسة، قال: ﷺ (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار..) ، ولقد ديست كل المكارم الأخلاقية فاختفت عن الوجود الفعلي بقايا الأخلاق
الربانية المتناثرة في صفحات الإنجيل المحرف مغمورة بما يعرف (بأخلاق النتائج)
وأصبح الرأسمالي لا يرى حرجاً من إبادة شعوب وأمم بأكملها كما فعل بالهنود
الحمر بحثاً عن الذهب الأصفر، وكما فعل مع سكان مستعمراته في إفريقيا حيث
اقتاد منهم الألوف - بعد أن نهب خيرات أوطانهم - مكبلين بالأغلال في الأعناق
والأيدي والأقدام استغلالاً لسواعدهم وقوة أجسامهم في استثمار اقتصادي لا يعود
نفعه إلا إلى الرأسمالي ذاته، ثم من وحي أخلاقه الرأسمالية اعتمد معيار اللون
والثراء في التفاضل؛ فالنازية في ألمانيا، جعلت العرق الآري أفضل من وجد على
الأرض، والرجل الأبيض عموماً في أوروبا وأمريكا وأفريقيا مارس أخلاقيات
التفريق العنصري، واصطفى ذاته لتكون في القمة، واضطهد السود -لمجرد أنهم
سود - في أمريكا، وحتى وقت قريب في جنوب إفريقيا، ولم تنعتق هذه الشعوب
من قبضته واضطهاداته إلا عبر تضحيات باهظة التكاليف ونضالات عنيدة
ومتواصلة حتى انتزعت من بين فكيه شيئاً من حقوقها، ثم في تناقض صارخ كثيراً
ما نسمع ضجيجه عن حقوق الإنسان، مصاغة وفق اختياراته واستحساناته،
منطلقة من جذور عقائد محرفة، وأهواء قاصرة، وأخلاقيات نفعية، تساير الظلم
وتسانده إذا ما رأت فيه مبتغاها.
إن مفردات العدالة والحرية والإنسانية، تعدم محتواها الأخلاقي الرباني عندما
تُحشى بمحتويات المفاهيم الرأسمالية المتمخضة عن مصالح الرجل الأبيض،
والهائمة وراء عبادة الدولار! الذي أوحى إلى عابديه إباحة كل الشناعات الأخلاقية
قرباناً له، فلا حرج في وحي ذلك الإله المزعوم أن يعبد في محراب القمار وبنوك
الربا وأسواق الاستغلال ومواخير الفساد والانحلال الخلقي، ولا بأس من أن يتقرب
إليه عابدوه بأخلاقيات الظلم والغش والاحتكار، والعبث بإنسانية الإنسان بسن
تشريعات لا أخلاقية بهيمية تعقد لها المؤتمرات وتنفق عليها الأموال كالمؤتمر
السكاني الأخير، ليقر بنود وثيقة تقدمت بها هيئة الأمم المتحدة وتضمنت أقبح
الفظائع الأخلاقية، ومن أبرز ما فيها: -
١- إباحة الإجهاض لكل الأعمار.
٢- الحرية الجنسية للمراهقين والأطفال حرية مطلقة.
٣- حق المراهقين في أن تكون لهم حياة خاصة ومعلومات سرية لا تنتهك
حتى من الوالدين..
٤- يعاون المراهقون والأطفال على احترام الحقوق السابقة من الحكومات
ومن المؤسسات الأخرى، وعلى الوالدين احترام حقوق هؤلاء.
وهذا غاية الإفساد في الأرض الذي يتم بدعم من القوى الرأسمالية وهيمنتها
التي يراد من البشرية أن تَرِد معاطنه وترتوي من مستنقعاته الآسنة، وهو شقاء
أخلاقي سبق أن سلب الإنسان الأوربي سعادته وألجأه إلى نمط أخلاقي آخر هو نمط
الأخلاق الاشتراكية، نمط نكد لا يخرج إلا ما كان نكداً، يستمد كل تنظيراته
الأخلاقية في شتى جوانبه الحياتية من أصوله الإلحادية، ويقرر أن سعادة الإنسان
تكمن في أخلاقيات الصراع الطبقي التي تدفع به - حسب زعمهم - إلى حياة الرفاة
والرغد في مجتمع شيوعي تغيب عنه الدولة وتختفي فيه شارات الشرطة ويحكمه
قانون (من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته) ، وهو نهج يرفض في نظمه
الأخلاقية كل سلوك يعيق تقدمه أياً كان مصدره وينعته بالأخلاق البرجوازية، وقبح
الشيء وحسنه يتحدد فقط بالنظر إلى مردوده على طبقة البروليتاريا على حد
تعبيرهم.
وانطلاقاً من هذه النظرة سلك القادة الشيوعيون كل شعاب السلوكيات المتردية
فأشاعوا حالة الخوف الدائم، وأفسدوا بالمرتبات الكبيرة والامتيازات رجال الجيش
والبوليس والأجهزة السياسية والأفراد المطيعيين من طبقة المثقفين، وأسكتوا قمعاً
كل صوت مقاوم.
وفي كتاب مدرسي عن الأخلاق الماركسية معد للمدارس الثانوية في المجر
سنة ١٩٧٨ م، يقول: (إن الطفل ابناً كان أو بنتاً لا يصح بحال أن يُقدم على قتل
أمه إلا إذا أصبحت خائنة للطبقة العاملة..) [١] .
وخيانة الطبقة العاملة هي إبداء النقد لسلوكيات الفكر الاشتراكي وأئمته أو
التعامل معه بشيء من الحذر والحيطة، والأمانة الأخلاقية في زعمهم هي الفناء في
شخصية القيادة الماركسية، والدينونة لمقولاتها، وتكريس عبادتها، ولعلنا لاحظنا
جميعاً كيف أن الشعب الكوري الشمالي أحتشد حول صنم الزعيم الكوري غداة
هلاكه ساجداً راكعاً، بل إن من الحجارة من اكتسب شيئاً من القداسة في كوريا
لكونه حظى بجلسة من رائد الفكر الاشتراكي الكوري؛ ففي تابوت زجاجي بساحات
أحد المصانع بكوريا الشمالية عرض حجر بداخله، ومكتوب عليه هذه العبارة:
(الحجر الذي جلس عليه الرفيق الحبيب المبجل عندما كان يتحدث) [٢] ، ومن
البداهة أن تعلن هذه المعتقدات كسادها، وتترك اللاهثين خلفها في العراء حيارى
وقد خلت أفئدتهم من كل معتقد صحيح وخلق رفيع، ذلك ما كان من النمط
الاشتراكي البديل للنمط الرأسمالي على يد (جورباتشوف) في أطروحته المعروفة
(بالبيرسترويكا) ، ولم يكن هذا الإعلان انتصاراً للنقيض الرأسمالي بقدر ما كان
تأكيداً لتخبط أهل الكتاب، وعجزهم عن انتشال البشرية من ورطتها وتخليصها من
مأزقها بتقديم أخلاقيات وضعية يزعمون أنها تسعد حياتها وتعظم إنسانيتها.
إنه انتصار فقط للعقيدة الإلهية الداعية إلى عبادة الله وحده [قُلْ يَا أَهْلَ
الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]
[آل عمران: ٦٤] .
الأخلاقيات في الإسلام:
إنه انتصار للإسلام الذي ينطلق في إصلاحاته الأخلاقية من حقيقة العبودية لله
، فطرة الله التي فطر الناس عليها - وهي حقيقة لا يضارعه فيها أحد،
وقد تميز بها عن غيره - فيثير في النفس الإنسانية مكامن التدين ويوقظ فيها مواطن
الفطرة، ومعاقل الإيمان ويعتقها من الخضوع لغير الله حتى إذا ما تخلصت من
الشرك وشوائبه، وأيقنت أن الوحيين هما مصدر التلقي وهما مصدر التحليل
والتحريم، انساقت دونما تلعثم أو تعثر لأخلاقيات الدين، فيضبط مسار حياتها،
ويوجه حركاتها وسكناتها.
وهذا النهج نراه في دعوة نبينا محمد ﷺ ، ونراه في
دعوة من قبله من الأنبياء، فقد كان الإصلاح النبوي في الرسالات السماوية يتوجه
قبل كل شيء إلى تمكين مفاهيم العقيدة الصحيحة وتصويبها أولاً ليعقبها بعد ذلك
تلقائياً تلقي أخلاقيات الإسلام والانصياع لها بنفس ملؤها الرضى والاطمئنان كما
كان ذلك من جيل الصحابة (رضوان الله عليهم) لحظة تحريم الخمر، فالنهي عن
كل خلق مشين لا يمكن أن يؤتي ثماره مالم يُسْبَق سلفاً بتعميق العبودية لله (تعالى)
وتثبيتها في الوجدان، لذا، نلاحظ التوجيه الرباني في القرآن الكريم يجعل مسألة
تصحيح الانحراف العقدي والبراءة من الشرك في مستهل الأخلاقيات الضرورية
التي يلزم التعهد بالتزامها عند إرادة الانضمام إلى مجتمع الإسلام [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا
جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا
يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [الممتحنة: ١٢] .
ولا يفصل الإسلام تقريراته الأخلاقية عن قضية العبودية لله رب العالمين،
لتنال عظمتها وقدسيتها من عظمة هذه القضية [وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ
وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً] [الإسراء: ٢٣] .
فالخصائص الأخلاقية الحميدة التي تضمنتها سورة الإسراء من: طاعة
الأبوين، وإقامة المكيال والميزان بالقسط، والبعد عن: الإسراف والتقتير، والقتل، والزنا، وأكل مال اليتيم، والتقول على الناس، والسير خيلاءً ومرحاً، وما
أمرت به من الوفاء بالعهد، هي نموذج لكثير من الآيات القرآنية التي تعالج قضايا
الأخلاق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في إطار العقيدة، وهي خصائص
تتعرى عن قيمتها الأخلاقية إذا أقصيت عن محيطها العقدي، أو طرحت في قوالب
عادية، أو قدمت ضمن توجيهات دين محرف، وتضعف هذه المعاني الأخلاقية في
النفس تبعاً للوهن الذي يعتري العقيدة (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) .
ولهذا كان من أخلاقيات النفاق - كما ورد في السنة -: الكذب في الحديث،
والإخلاف في الوعد، والخيانة في الأمانة، والغدر في العهد، والفجور في
الخصومة، كما أن الفِرَق المبتدعة التي انحرفت عن مسار أهل السنة والجماعة
تنفرج عندها زاوية الانحراف الأخلاقي بقدر انحرافها عن منهج العقيدة الصحيحة،
ففي التصوف المنحرف نجد الوله بالمردان، والافتراء على الله ورسوله، وفي
منهج الرفض يتضخم التدين بازدراء الصحابة، ويتبوأ التخلق بأخلاقيات الكذب
باسم التقية مكاناً علياً، كما أن كل أموال الناس - بزعم استحقاق الخمس - يعد من
صميم المعتقد الرافضي، وعلى قسط من هذه الأخلاقيات ينطوي التوجه الخارجي
القائم على قتل أهل الإسلام، وترك أهل الأوثان.
وفقه الأخلاق ينبغي أن يكون على ضوء الكتاب والسنة الصحيحة، حيث
يثير في النفس مكامن الدين ويوقظ فيها مواطن الفطرة ويجعل خضوعها لله وحده،
وذلك كله ضروري لنجاح مسيرتنا الدعوية، وأهدافنا الإصلاحية، وإن أي توجه
دعوي لا يعي هذه الحقائق ولا يوليها اهتماماته حري به أن يعيد النظر في مفاهيمه.
والله الموفق ...
стр. 1883
مقال
السلم والقتال في الإسلام
قراءة دلالية وشرعية واصطلاحية
كمال السعيد حبيب
المدخل اللغوي:
لا تمثل اللغة مجرد قالب شكلي تصب فيه الألفاظ، ولكنها تعبير حضاري
للتفاهم بين أفراد أمة، ولذا: فإن للألفاظ ومعانيها دلالات حضارية تعكس رؤية
الحضارة التي أنتجت هذه الكلمات للكون وللذات وللآخر، ولذا: فإن التحليل
اللغوي يمثل أحد المداخل الهامة لمعرفة موقف حضارة (ما) من بعض القضايا
وكيف تصورتها وفكرت فيها وعبرت عنها، والأداة الرئيسة لمعرفة ذلك ستكون
(القواميس اللغوية) كما يمكن تتبع التطور اللغوي للمصطلح إذ قد تتطور دلالته
اللغوية إلى تعبيرات أخرى تتجاوز مجرد الوضع الأول له، وهو ما يعرف بـ
(الدلالة العرفية) ، وحتى تتكامل الرؤية فإن مصدراً آخر يجب على الباحث تعقبه
حتى تكتمل الصورة لديه، ذلكم هو كيف تم التعبير عن هذه الكلمة في القرآن
الكريم والسنة المطهرة وهو ما يعرف باسم (الدلالة الشرعية) ، ونحن سنقتصر
في هذه الدراسة على البحث اللغوي في القواميس والبحث الشرعي في القرآن
الكريم، والبحث الاصطلاحي.
أولاً: الدلالات اللغوية لكلمة (السلم) :
بمراجعة لسان العرب فإننا نجد أن المعاني ودلالتها لكلمة السلم تتمحور حول
الآتي:
١- علامة المسالمة - أي ظهور بوادر لغياب الحرب أو توقفها - فالجنود لا
يزالون في الميدان، والقادة مقبلون على ترتيبات السلام التي قد لا تصل إلى نهايتها
صُلْحاً فتبقى حالة الحرب قائمة.
٢- الصلح بين جماعتين ففي كتابه ﷺ بين المهاجرين
والأنصار حين مقدمه المدينة نص على: (وإن سلْم المؤمنين واحد لا يسالم مؤمن
دون مؤمن) [*] أي لا يصالح واحد دون أصحابه، وانما يقع الصلح بينهم وبين
عدوهم باجتماع مَلَئهم على ذلك.
٣- الحياد بمعنى عدم وجود تعامل أو علاقة بين طرفين كما في قوله (تعالى)
[وإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً] [الفرقان: ٦٣] أي: لا خير بيننا وبينكم ولا
شر، وليس السلام هنا هُو المستعمل في التحية.
٤- الاستسلام وإظهار الخضوع والانقياد والرضا بالأحكام، وتلك هي حالة
الهزيمة التي يفرضها الغالب على المغلوب.
أي: إن مدلول السلم في اللغة يتضمن أربعة مستويات تبدأ بما يطلق عليه في
العلاقات الدولية (الإشارات والرموز) التي يتبادلها أطراف الصراع التي تعكس
تطور إدراكهم بعدم جدوى الاستمرار في الحرب، وتنتهي بحالة الاستسلام
والهزيمة التي لا إرادة للمغلوب فيها مع الغالب، ويبقى موقف الحياد الذي يعني
عدم التعامل، والصلح الذي يعني انخراط طرفي الصراع في ترتيبات تحقق
مصلحة الطرفين؛ لا يختفي في هذه الترتيبات التنازع ومحاولة كل طرف أن يحقق
أكبر قدر من المكاسب، وهو ما يطلق عليه في العلاقات الدولية (الصراع
التفاوضي) ؛ واذا كان (كلاوزنتر) قد قال: (إن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى)
فإن الصلح والتفاوض هما الحرب بوسائل أخرى، ففي رحلة الصلح ورغم توقف
القتال والأعمال العسكرية إلا أن الصراع لم ينته بعد، ومن الواضح في حالة
الصلح وجود إرادتين متساويتين تتنازعان للحصول على أكبر قدر من المكاسب؛
ولذا: فإن وثيقة المدينة التي صاغها النبي بين المهاجرين والأنصار وبينهم وبين
اليهود أكدت على أنه لا يجوز لجماعة أو فئة أن تقرر السلم والصلح دون بقية الأمة، فقرار السلم قرار جماعي ليكون مُتَأكَداً أنه في صالح الأمة، ولكي يكون مسؤولية
كل أفراد الأمة فهو حالة مصيرية كحالة الحرب تماماً لا يجوز لفئة أن تنفرد به دون
بقية المسلمين*.
ثانياً: الدلالة الشرعية لكلمة السلم:
وردت كلمة (السلم) في القرآن الكريم في مواضع متعددة وبمعان متعددة:
١- الاستسلام، كما في قوله (تعالى) : [قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ
إلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ] [الفتح: ١٦] أي: يدخلون في
الإسلام ويلتزمون أحكام شريعته.
٢- الهدنة وعدم الرغبة في القتال، كما في قوله (تعالى) : [فَلا تَهِنُوا
وتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] [محمد: ٣٥] فهنا
قطاع من المؤمنين يرغبون في السلام والمهادنة مع الأعداء؛ لأن القتال يهدر
الدماء أو لأنهم جبناء، كما وردت عن الهدنة من جانب الأعداء، كما في قوله
(تعالى) : [وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] [الأنفال: ٦١] .
٣- ووردت أيضاً بمعنى الكف والصلح، كما في قوله (تعالى) : [فَإنِ
اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً]
[النساء: ٩٠] فهؤلاء لم يتعرضوا لحركة المسلمين بالدعوة في الجزيرة العربية وتركوهم يتحركون دون أن يتعرضوا لهم، فهنا لا ينبغي للمسلمين أن يتعرضوا لهم لأن السلم قاعدة لكي يبقى الجهاد ماضياً.
٤- ووردت بمعنى كونها قرينة على الإسلام في قوله (تعالى) : [ولا تَقُولُوا
لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً] [النساء: ٩٤] أي: قال السلام عليكم، وهو
يدل على إسلامه ظاهراً.
وفي الاصطلاح الشرعي فإن السلم يعني مصالحة المسلمين للكافرين على
تأخير الجهاد إلى أمد معين لضرورة أو مصلحة (ويطلق عليها المسالمة والموادعة) .
أي إن السلم في التصور الفقهي الشرعي هو حالة استثنائية لا يتوقف فيها
الاستعداد للجهاد؛ وإنما فقط للضرورة، أي لأن المسلمين ليس لهم قوة أو لأن
للمسلمين مصلحة في ذلك كتحييد بعض القوى، وهذا التصور مبني على أن العالم
ينقسم إلى قسمين: دار الإسلام ودار الحرب، وأن دار الحرب مقصودة دائماً
بالقتال من جانب المسلمين حتى تدخل في الإسلام أو حتى تقبل نظامه وتلتزم أحكام
ملته، فالأصل في هذا التصور هو أن العلاقة بين الدولة الإسلامية والعالم هي
علاقة حرب دائمة ما لم توجد مصلحة أو ضرورة.
ثالثاً: الدلالات اللغوية لكلمة القتال:
١- هي الحرب بين طرفين أو قوتين.
٢- الدعاء باللعن والخروج من رحمة الله على الأعداء، كما في قوله (تعالى) : [قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ] [عبس: ١٧] ، أي: لُعِن، وقوله -صلى الله عليه
وسلم-: (قاتل الله اليهود) أي لعنهم وعاداهم، أي: إن الدعاء على العدو هو
ممارسة قتالية إذ لم يكن بالوسع مواجهته في الميدان إما لعدم الاستعداد العسكري أو
لعدم القدرة إلى النفاذ إليه لأن الحواجز تحول دون ذلك، كمنع المشاركة في
المعارك ضد المسلمين بالبوسنة وفلسطين، فالدعاء يعني استحضار حالة القتال في
النفس دائماً.
٣- الاستبعاد والإهمال كما في الحديث (من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من
المسلمين فاقتلوه) أي اجعلوه كمن قتل أو مات بأن لا تقبلوا له قولاً ولا تقيموا له
دعوة؛ فالإهمال والمقاطعة والاستبعاد كممارسة جماعية لمن يريد أن يضر
بالمسلمين داخلياً أو خارجياً هو تعبير قتالي يميت العدو وينفيه من الحضور في
واقع المسلمين وفي أنفسهم، أي: إن هناك بعداً معنوياً ونفسياً في القتال، فحياة
العدو تتمثل في قبوله وحضوره على المستوى النفسي، وموته يتمثل في لفظه
وعداوته واهماله واستبعاده.
٤- تحقق أمنية للنفس طال انتظارها، فنقول (قتل غليله أي سقاه فزال
غليله بالرِّي) أي: إن التعلق بالأهداف الإسلامية للأمة ومحاولة بعثها وإحيائها هو
ممارسة قتالية، فإذا لم يكن لدى المسلمين قوة تحقيقها في عالم الشهود الخارجي فلا
أقل من تمثلها في عالم الاستبعاد الداخلي، فدوام تمثلها واستحضارها هو مرحلة
نحو تحويلها إلى حقيقة واقعة..
٥- الخبرة والتجربة والممارسة والسياسة فنقول رَجُل مُقِّتل أي مجرِّب
للأمور ويُقال ناقة مُقتِّلة، أي: مذللة لعمل من الأعمال فقد روِّضت على ذلك
واعتادت عليه، وهذا هو الجانب التربوي للقتال فإن تحطيم أهواء النفس وفسادها
وامتناعها حتى تستحيل خلفاً صالحاً قابلاً للطاعة والخضوع، وتَقَبُّل ما تكره
والرضا به، وسرعة التلبية والطاعة حتى فيما تكره النفس وهذا هو ما يمكن أن
نطلق عليه (روح الجندية) .
أي: إن مدلول القتال في اللغة يتضمن مستويات عدة: تبدأ باستحضار
أمنيات الأمة في النفس، وتنتهي بالانخراط في قتال عضوي ضد العدو في ميدان
الحرب، ويتوسط ذلك مستويات عدة من الممارسات تجاه النفس وتجاه العدو، ولا
يمكن لأمة أن تنتصر في معركة حربية مع العدو وهي لم تمارس مستويات القتال
الأخرى على المستوى النفسي والتربوي؛ لذا فإن ظهور ما يسمى بالحرب النفسية
التي توجه في الأساس إلى إدراك الخصم وعقله ونفسه له ما يبرره، وتستطيع
القول بأن الهزيمة النفسية لا يمكن أن تقود إلى نصر عسكري مهما كانت الأمة
متسلحة بالعتاد، فالجانب النفسي الإدراكي في القتال كما يقول ابن خلدون: هو
أساس النصر أو الهزيمة.
رابعاً: الدلالات الشرعية لكلمة القتال:
لقد ورد مصطلح القتال في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وبأشكال متعددة،
فقد قال (تعالى) : [كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ] [البقرة: من ٢١٦] أي:
فُرِض، كما ورد في قوله (تعالى) : [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ
فِيهِ كَبِيرٌ] [البقرة: من الآية ٢١٧] كما ورد في قوله (تعالى) : [وإذْ غَدَوْتَ مِنْ
أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] [آل عمران: من الآية ١٢١] م وقوله (تعالى) : [فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
وقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ] [النساء: من الآية
٧٧] وقوله (تعالى) : [ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلَى فِئَةٍ
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ] [الأنفال: من الآية ١٦] وقوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ] [الأنفال: من الآية ٦٥] وقوله (تعالى) : [فَإذَا
أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إلَيْكَ
نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ] [محمد: من الآية ٢٠] ، ونجد الفقهاء يربطون
ربطاً محكماً بين مفهوم الجهاد ومفهوم القتال، ففي تعريفهم للجهاد قالوا: هو دعوة
الكفار إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا.
ويقول بعضهم: الجهاد هُو: (قتال الكفار لنصرة الإسلام) ، فالقتال هو أداة
الدولة الإسلامية في نشر سلطانها لإعلاء دين الله ولتكون كلمة الله هي العليا.
ويمكن القول: إن مصطلح الجهاد يتبادل مع مصطلح القتال دلالته بحيث
يمكن لأي منهما أن يعبر عما يدل عليه الآخر إذا أطلق أي منهما، لكن إذا اجتمعا
معاً فإن مصطلح الجهاد يبدو أوسع من مجرد القتال؛ إذ فيه جوانب دعوية وتربوية
وإعدادية، بينما يعبر القتال عن الحرب في الميدان، لكن لا يطلق الجهاد أبداً
وينزع منه التعبيرات التالية له إما بالاستعداد للقتال أو الانخراط الفعلي فيه، أي:
إن الجهاد من أجل معاش الأولاد مثلاً أو من أجل الحصول على رسالة علمية أو
من أجل بناء عمارة.. الخ، لا يعبر عن المعنى الشرعي للجهاد.
ومصطلح الجهاد أسبق من مصطلح القتال فهو مصطلح مكي بينما مصطلح
القتال هو مصطلح مدني، فهو التعبير المؤسس لحركة دولة، أما قبل الدولة فإن
مصطلح الجهاد هو إعداد نفسي وتربوي ودعوي للقتال باعتبار أن القتال هو أسمى
صورة للجهاد وهو أكثرها خطراً على النفس، ففي المعركة يتعرض الإنسان لزلزلة
الإقدام على الموت وهي فتنة تحتاج إلى تربية وجهاد.
خامساً: رؤية القدماء والمحدثين للسلم والقتال:
هناك إجماع بين الفقهاء القدامى على أن القتال هو أداة الدولة الإسلامية
الحركية لتحطيم القوى التي تقف في وجه نشر سلطان الإسلام على العالم، فالعلاقة
بين دار الإسلام والعالم هي علاقة قتالية تتقدمها الدعوة، ولكن بعض المعاصرين
وتحت تأثير انتشار الأفكار الحديثة عن العلاقات الدولية رأوا أن السلم هو أساس
علاقة الدولة الإسلامية (دار الإسلام) بالعالم، والفقهاء الأقدمون نظروا إلى الجانب
القتالي على أنه ينسخ الأحكام المرحلية التي أجازت السلم، بينما رأى المعاصرون
أن أحكام السلم محكمة وتمسكوا بها وأسسوا علاقة العالم الإسلامي (دار الإسلام)
بالآخر على أنها: علاقة ود ومحبة وعدم اعتداء، وبدون الدخول في الجدل الفقهي- فلذلك موضع آخر- فإننا نحاول من خلال التتبع للدلالة اللغوية والشرعية لكلمتي
السلم والقتال أن نؤسس تصوراً جديداً.
سادساً: بناء تصور جديد لعلاقة دار الإسلام بالعالم
من خلال المدخل اللغوي:
الدلالة اللغوية لكلمة السلم كما أوضحناها لا تنفي وجود تعارض في المصالح
والأفكار والأهداف بين دولة وأخرى، لذا: عكسنا قولة (كلاوزنتر) فقلنا: إن
السلم هو الحرب بوسائل أخرى، فليس معنى أن تكون علاقة الدولة الإسلامية
بالآخرين هي علاقة سلم أن ينتفي الصراع بينهما ولكنه يبقى قائماً واحتمالاته
مفتوحة، فقد يكون التعارض لأسباب سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية ولكل حالة
منها أسلوب في إدارة الصراع مع العالم.
أما الدلالة اللغوية لكلمة القتال فإنها لا تعني الانخراط في حرب عفوية بشكل
دائم مع العالم، ولكن هناك مستويات دون القتال تجعل الأمة على أهبة الاستعداد
والاستنفار لمواجهة العدو لأي سبب من الأسباب، فعلاقة القتال في جوانبها الأهم
تتمثل في الاستعداد النفسي من قبل لحالة الحرب، ويمكن تصور أن معنى حالة
السلم بمعنى الصلح متداخل ومتقاطع مع معاني القتال ودلالته التي تركز على
الجانب التربوي بحيث لا يتحول السلم الذي تقيمه الأمة إلى ركون للدنيا وكراهية
للموت، وإنما هو سلم واعٍ ومستعد إذا حاولت الأطراف الأخرى أن تنقض اتفاقها
مع الدولة الإسلامية أو بدا للدولة الإسلامية أن حالة الضرورة أو المصلحة غير
متوافرة، فهو لذلك سلم له طابع مرن ومتغير وليس سلماً مؤثراً، ولا توجد في
العلاقات الدولية المعاصرة حالة سلم دائم أو حالة حرب دائمة، وإنما هي حالة
صراع دائم لا يتوقف، وكلمة السلم والقتال تتضمنان حالة الصراع أكثر من معاني
الاستسلام أو الحياد. إن الاستعداد الدائم للحرب سواء أكان ذلك في حالة السلم أو
ما قبل القتال هو الردع الذي يمنع الخصم من أن يضر بمصالحك أو أن يعتدي
عليها، واستراتيجية الردع المتبادل الآن ليست سوى تملك أدوات القتال والتهديد
بالاستعداد لاستخدامها دون الاستخدام الفعلي لها، وهي استراتيجية تتداخل فيها
تعبيرات السلم والصراعية وتعبيرات القتال السلمية التي تحقق أهداف الحرب دون
استخدامها.
قطوف رمضانية
قال ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله
حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري
стр. 1884
خواطر في الدعوة
وإخوانهم يمدونهم في الغي
محمد العبدة
ليس غريباً أن يلجأ العلمانيون في معرض التشغيب على الإسلاميين إلى
التهمة المكررة المعتادة (أنتم تريدون الحكم، وتستخدمون الدين وسيلة لهذا الهدف) ،
وليس غريباً أن يعيدوا الكلام البارد الغث عن (الإسلام السياسي) و (الأصولية) مما
يجترُّونه وينقلونه عن الكتابات الغربية، ويظنون أنهم بهذا التهويش الإعلامي إنما
يضعون الإسلاميين في الزاوية الحرجة.
إن هذه التهمة ليست جديدة على مسامع الدعاة إلى الله، فإن للمعاصرين من
العلمانيين سلفاً في ذلك [وإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ]
[الأعراف: ٢٠٢] ، إنهم ملأ فرعون حيث يذكر القرآن هذا الحوار بينهم وبين موسى ﵇ [قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ] [يونس: ٧٧-٧٨] ، قال في تفسير المنار:
(هذا استفهام وتوريط وتقرير، فحواه: أتقر وتعترف بأنك جئتنا لتصرفنا
عما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا من الدين القومي الوطني، لنتبع دينك، وتكون لك
ولأخيك كبرياء الرئاسة الدينية وما يتبعها من كبرياء العظمة والملك الدنيوية في
أرض مصر كلها، يعنون: أنه لا غرض لك من دعوتك إلا هذا وإن لم تعترف به
اعترافاً) [١] .
أليست هذه مقولة علمانيينا حذو القذة بالقذة؟ ترى ما الذي أعطى لهؤلاء الحق
في الحكم ومنعه عن الإسلاميين؟ ! ولماذا السياسة حلال لهم وحرام على غيرهم؟! وما هي مؤهلاتهم لسياسة الخلق لما فيه مصلحتهم؟ وماذا قدموا لهذه الأمة طوال
عقود من السنين تربعوا فيها على سدة الحكم قي أكثر أنحاء العالم الإسلامي، إلا أن
تركوا الديار قاعاً صفصفاً، فقد ضعف العلم وانحسرت التنمية، وظهرت طبقات
طفيلية امتصت خيرات المجتمع، وقننت الرشوة والظلم.. وقبل كل هذا فقدت
الأمة أثمن ما تملك: هويتها وانتماءها.
ما أكثر جرأة هؤلاء الذين ملؤوا الدنيا جعجعة بالشعارات الوطنية، هؤلاء
الجاحدون لثقافتهم، المتنكرون لأمتهم، فإن علمانيي أوروبا لم يتنكروا لماضيهم
التاريخي كما فعل هؤلاء، ولم يخجلوا من انتمائهم الحضاري السابق كما يخجل
هؤلاء، ولقد أعلن أخيراً عن فوز الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية
وخاصة الجناح المحافظ المتدين، والذي يقود هذا التيار أستاذ جامعي تذاع
محاضراته ذات الطابع المتدين في جميع الكليات، ولم نسمع أن هناك من يقيم
الدنيا ولا يقعدها، ويدعو بالويل والثبور لانتصار هذا الجناح أو لانتصار
النصرانية (السياسية) ، فلا أدري أي صنف من البشر علمانيونا هؤلاء؟ ! !
إن هذه الأرض لله، والله لا يحب الفساد والظلم [لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]
[البقرة: ١٢٤] والمسلم مأمور بالعدل والإنصاف والرحمة للخلق، وقد قام بمهمة
الحكم وسياسة الناس لما فيه مصلحتهم في معاشهم ومعادهم سيد الخلق محمد رسول
الله ﷺ ، وقام بها بعده أفضل الناس بعد الأنبياء أمثال أبى بكر
وعمر، ولم يستنكفوا عنها، ولم يزهدوا فيها، ولم يفصلوا بين الدين والحياة،
وبين الدين والسياسة، وامتلأت الأرض عدلاً ورحمة وعمراناً.
واذا جادل هؤلاء بما يقع من أخطاء في جهات إسلامية، فما وقع منهم
أضعاف هذا، ويبقى المسلمون أكثر رحمة وعدلاً وهم المستقلون عن الارتباط
بأعداء الأمة.
стр. 1885
دراسات اقتصادية
السكان والتنمية من المنظور الإسلامي
(٢)
د. محمد بن عبد الله الشباني
في الحلقة الأولى تم تحديد واستجلاء الإطار الفكري الذي قام عليه المؤتمر
العالمي للسكان الذي انعقد في القاهرة خلال شهر سبتمبر لعام ١٩٩٤ م، كما تمت
مناقشة موقف الإسلام من مفهوم التنمية وعلاقة ذلك بالسكان، وفي هذه الحلقة
سوف يتم مناقشة موقف الإسلام ومعالجته لموضوع السكان ضمن إطار عملية
التنمية وفقاً للمفهوم الذي سبقت مناقشته في الحلقة السابقة.
يمتلك الإسلام أسساً وأطراً توضح العلاقة بين مجموعة أفراد البشر (السكان)
وبين عملية التنمية من حيث إنها وسيلة من وسائل معالجة وجود البشر كثرةً وقلةً،
فكثرة البشر وقله الموارد حقيقة من حقائق وجود الإنسان على هذه الأرض، وهي
جزء من سنة الله الكونية في وجود النقص في الموارد بحيث تتحقق سنة الله في
الابتلاء والامتحان للبشر فيما أعطوا وفيما منعوا؛ يقول الله (سبحانه) : [ولَوْ بَسَطَ
اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ ولَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ] [الشورى: ٢٧] .
إن الإسلام يضع ضوابط وقواعد تعالج الخلل عند نقص الموارد، كما تعالج
أسلوب تنمية الموارد الطبيعية بتحسين قدرات الإنسان بحيث تعمل على زيادة
الإنتاج القومي وتحقيق التوزيع العادل بين الأفراد لهذا الإنتاج.
والحقيقة الشرعية حول وجود الناس زيادة ونقصاً تتمثل في أن الله قد حدد
عددهم وأحصاهم ولا يمكن أن يولد إنسان ما لم يكن قد أراد الله ولادته؛ يقول
تعالى: [ولَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ولَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَأْخِرِينَ] [الحجر: ٢٤] وقد
جاءت هذه الآية لتبين حقيقة أن البشر قد تم إحصاؤهم في الأزل، وأنه لن يكون
هناك نفس مخلوقة أتت إلى الوجود أو تأتي في المستقبل إلا وهي معلومة له
، فإن الله قد وفر لهذه النفوس احتياجاتها، ولهذا جاء في نفس
السورة وفي هذه الآية تحديد مصدر الأشياء وأن ما يوجد على وجه الأرض معلوم
مقدر؛ يقول تعالى - موضحاً لجميع البشر أن مصدر الرزق وغيره مملوك لله
وتحت تصرفه -: [وإن مِّن شَيْءٍ إلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ومَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ]
[الحجر: ٢١] وفي آية أخرى تصف حقيقة تعلق الرزق وأن جميع المخلوقات
مضمون رزقها وأن أنكار هذه الحقيقة هو مخالف لحقيقة الإيمان بالرب الخالق؛
يقول (تعالى) : [ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا] [هود: ٦] .
إن محاربة الزيادة السكانية من خلال منعها - سواءً أكان ذلك بفرض وسائل
منع الحمل أو بالإجهاض - باعتقاد أن الموارد لا تكفي الزيادة السكانية وأن مصلحة
البشر تقتضي الإقلال من زيادة نموهم، إن ذلك إعلان لإنكار ربوبية الله للخلق.
إن الإسلام لا يعارض استخدام وسائل تأجيل الحمل لظروف معينة فردية،
فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: (كنا نعزل
والقرآن ينزل) [١] ، كما روى البخاري أيضاً عن ابن محَيْريز أنه قال: (دخلت
المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست إليه فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد:
خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فاصبنا سبياً
من سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء فأردنا أن نعزل، فقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه
عن ذلك، فقال: (ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا
وهي كائنة) [٢] .
من خلال هذين الحديثين ندرك أن عملية تنظيم الحمل لأغراض معينة كتأجيل
الحمل للحاجة إلى المرأة أو لمرض المرأة أو غير ذلك من الأسباب الموجبة لتأخير
الحمل أمر جائز، لكن مع إدراك أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال القضاء على
الحمل تخلصاً منه، وأن جميع وسائل الحمل المعروفة لا تضمن منع الحمل ولا
تمنع وقوعه مهما كانت هذه الوسائل، وهذا مصداق قول الرسول -صلى الله عليه
وسلم- (ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة) ، لهذا قامت الدعوة في
مؤتمر السكان الأخير بالسماح بتقنين الإجهاض والسماح به قانوناً باعتباره هو
الوسيلة المضمونة لمنع المواليد، وهو وأد الجاهلية المعاصرة.
الإسلام يعتبر الإنسان عنصراً مهماً من عناصر التنمية، وبالتالي فإن العناية
بالسكان من حيث الكم والكيف أمر مهم لمسار التنمية الاقتصادية، مع الأخذ في
الاعتبار أن هناك تفاوت في هذه القدرة على المساهمة في العملية الإنتاجية من فرد
إلى فرد.
إن الأفراد متفاوتون في القدرة على المساهمة؛ فمنهم من يمتلك القدرات
الجسمية والعضلية ومنهم من لا يمتلك ذلك، ولذلك فقد وضع الإسلام قواعد لمعالجة
هذه الاختلالات، سواء أكان ذلك من ناحية تنمية قدرات الأفراد وقيام الدولة
المسلمة بتنمية ذلك، أو من خلال إلزام الأفراد القادرين على مساعدة غير القادرين
من خلال التشريعات المالية التي وضعها الإسلام.
والعناية المهنية بالفرد هي إحدى السمات البارزة في عملية التنمية السكانية
من وجهة النظر الإسلامية، تتمثل هذه العناية بتوجيه الأفراد نحو تأكيد أهمية
الممارسة المهنية من خلال إعطاء قيمة للإنسان العامل المنتج المهني؛ فقد روى
أحمد بسنده عن جميع بن عمير عن خاله أبي بردة بن نيار، قال: سئل النبي -
ﷺ عن أفضل الكسب، فقال: (بيع مبرور، وعمل الرجل
بيده) [٣] .
ففي الحديث السابق توضيح وتوجيه إلى أهمية الفرد في التنمية وأنه هو
مصدر التنمية سواء أكان ذلك فيما يخصه أو ما يخص بيئته المحيطة به، وبالتالي: فإن من الواجب العمل على زيادة القدرة لدى أفراد الأمة على المساهمة في زيادة
الإنتاج، باعتبار أن الإنسان هو أهم عنصر من عناصر الإنتاج القومي.
إن من أهم مقومات التنمية السكانية إيجاد الأفراد المدركين لدورهم في
المجتمع، وأن كل فرد من أفراد المجتمع يتحمل المسؤولية تجاه استقرار ونماء
مجتمعه، بحيث يكون له دور فعال ومؤثر مهما كان مركزه في هذا المجتمع؛ لهذا
فإن من مرتكزات التنمية السكانية تنمية هذا الوعي، والذي يتمثل في أمرين:
الأمر الأول: إيجاد الإحساس لدى كل فرد من أفراد المجتمع بأهميته في
الواقع الاجتماعي، على أن يغرس هذا الأمر في النفوس من نعومة الأظافر،
ويرشد إلى ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵁ عن النبي -
ﷺ أنه قال: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير
الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو
مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد
راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته) [٤] .
الأمر الثاني: المساهمة الفعلية في تنمية قدرات الآخرين ومساعدتهم ليكونوا
فاعلين ومنتجين، ويوضح ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁
قال: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامي من الناس عليه صدقة،
كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته يحامله
عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى
الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة) [٥] ويكمل مدلول هذا الحديث ما رواه ابن
حبان والحاكم في مسنده عن ابن كثير السحمي عن أبيه، قال: سألت أبا ذر، قلت: دلني على عمل إذا عمل العبد به دخل الجنة، قال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: يؤمن بالله، قال: فقلت: يا رسول الله إن مع الإيمان
عملاً! ، قال: يرضخ في رزقه لله، قلت: وإن كان معروفاً لا شيء له، قال:
يقول معروفاً بلسانه، قلت: فإن كان عَيينا لا يبلغ عن لسانه، قال: فيعن مغلوباً،
قلت: فإن كان ضعيفاً لا قدرة له، قال: فليضع لأخرق، قلت: وإن كان أخرق،
قال: فالتفت إلي، وقال: ما تريد أن ترع في صاحبك شيئاً من الخير؟ فليدع
الناس من أذاه) ففي هذا الحديث توضيح لمنهج الإسلام في كيفية توجيه الفرد
للمساهمة في تنمية مجتمعه من خلال المساهمة قي توفير الظروف المساعدة لتحسين
ظروف الآخرين سواءً أكان ذلك بالفعل المادي أو بالقول.
إن التنمية السكانية التي يسعى إليها الإسلام هي رفع كفاءة الأفراد النوعية
باعتبار أن الفرد عنصر فعال في العملية الإنتاجية للمجتمع، وبالتالي فإن اضمحلال
قدرة الفرد وكفاءته سوف يؤدي إلى أن يكون عنصر العمل ضعيفاً غير منتج كلا
على الآخرين.
إن دور الدولة المسلمة في تحقيق هذه التوجيهات لتنمية الطاقة السكانية تتمثل
في اتباع المنهج الإسلامي في تطبيق قواعد الصرف من الأموال العامة، التي منها
الأمور التالية [٦] :
١- زيادة الدخل القومي بزيادة الثروة الفردية من خلال توجيه الإنفاق سواءً
أكان ذلك فيما يتعلق بكيفية توزيع الزكاة أو بالقيام بالإنفاق على البيئة الأساسية
للاقتصاد، وذلك بقصد إخراج الفئات الفقيرة غير المنتجة إلى فئات منتجة، ويؤيد
ذلك ما رواه الترمذي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: (قدم علينا مصدِّق
النبي ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا - وكنت
غلاماً - يتيماً فأعطاني منها قلوصاً) [٧] ، فإعطاؤه القلوص إنما قُصد منه أغناؤه
بتمكينه من زيادة الدخل من خلال إعطائه رأس المال القادر على توفير فرصة
استغنائه عن بيت مال المسلمين.
٢- تنمية قدرات الأفراد العلمية والعملية بتوفير البيئة الاجتماعية الحانية من
خلال اهتمام الدولة بأفرادها ورعايتها لهم من خلال الإنفاق عليهم من بيت المال،
فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- أنه قال: (من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو ضيعة فإليّ،
وأنا وليّ له، أفك عنه وأرث ماله، والخال وليّ من لا وليّ له، يفك عنه ويرث
ماله) [٨] .
ولقد فهم هذا الحديث ومارسه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (رضي الله
عنه) فقد كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق، وقال له: أن أخرج للناس
أعطياتهم (أي رواتبهم ومخصصاتهم الدورية) ، فكتب إليه: إني قد أخرجت للناس
أعطياتهم وقد بقى في بيت المال مال (فائض في الخزانة) ، فكتب إليه: أن انظر
كل من عليه دين في غير سعة ولا سرف فاقض عنه، فكتب إليه: إني قد قضيت
عنهم وبقى في بيت المال مال، فكتب إليه: انظر إلى كل بكر (أي: أعزب) ليس
له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه، فكتب إليه: إني قد زوجت كل من
وجدت وقد بقى في بيت مال المسلمين مال، فكتب إليه: أن انظر من كانت عليه
جزية فضعفت عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعام
ولا عامين. وقد روى ابن كثير في البداية والنهاية خبراً عن عمر بن عبد العزيز
بأنه كان يأمر من ينادى في الناس كل يوم: أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أين
الناكحون (أين الذين يريدون الزواج) ؟ أين اليتامى؟ وقد سبق بتطبيق هذا المنهج
الخليفة الرائد عمر بن الخطاب ﵁ ، وقد روى أبو عبيد القاسم بن
سلام عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب (رضي
الله عنه) كتب إلى بعض عماله أن اعط الناس على تعلم القرآن. وتعلم القرآن يمثل
الأساس الثقافي الذي بدون وجوده تتعطل قدرات أفراد المجتمع الفاعلة، ويقاس
على ذلك: جميع أنواع التدرب والتعليم لرفع كفاءة وقدرات أفراد المجتمع.
إن معالجة الإسلام لمشكلة التزايد السكاني إنما تقوم على أساس أن البشر
يمثلون طرف المعادلة المهم في التنمية الاقتصادية، وأن الإخلال بهذا الطرف
سوف يؤثر على التنمية الاقتصادية بمجملها، ولهذا فإن المعالجة لا تكون بتقليص
الأعداد البشرية المخلوقة وإنما بزيادة قدراتهم الإنتاجية مع توفير البيئة الاجتماعية
الرحيمة التي تأخذ بيد الفقير والعاجز والكبير.
стр. 1886
نصوص شعرية
رمضان عذراً إن عصى الشعر
محمد عبد القادر الفقي
أيا رمضان الخيرِ عذراً، عصى الشعرُ ... فلم يترنم مثلما يوجب الأمرُ
وكيف لشعري أن يسيل عذوبةً ... بمدحك والأرزاء في أبحري كُثْرُ
وكيف القوافي فيك أزجي عصيَّها ... وأحوالنا تُزري، وأفعالنا نكْرُ؟! وأين الخيال الحر؟ أنَّى لنا بهِ وفي القلب همٌّ لا يرام لهُ حسْرُ
تهبُّ الرياح الذارياْتُ بداخلي ... فتترك نفسي بلقعاً ما بهِ زهْرُ
تراوحني في كل حين فجاءةٍ ... كأني فلاة ليس في رملها سدرُ
فيا خير شهرٍ لا تلمني لأنني ... أعاني جروحاً لا يعالجها الصبرُ!
أتيتَ إلينا والكراماتُ قد خَبَتْ ... ومن أين تأتينا وقد أورق الشرُّ؟
نصلي؟ نعم! لكن صلاة بلا تقى ... ونأمر بالفحشاء إذ وجب الطهر!
نصوم؟ نعم! لكن صياماً عن القِرى ... ولذاتنا تمتد إذ يطلع الفجرُ!
وفي الأرض إخوان لنا كلُّ حلمهم ... بقايا إدامٍ يستقيم بها الظَّهْرُ!
كأن مجاعات الدنا كلها قوَتْ ... بدورهمُ.. أو حلّ مِصْرَهمُ الفقرُ
نحجُّ؟ نعم! لكن لمجلس عصبةٍ ... ونطلب منه الأمن إن يُهتكُ الستُر
فلا عصبة (الفيتو) أعادت أماننا ... ولا الدبُّ واسانا، ولا الأقرعُ لنسر!
أتيت إلينا، صُبْحُنا مثل ليلنا ... فأجواؤنا سودٌ وأجفاننا جمرُ
فيا رمضان العتق ذلّت رقابُنا ... إلى اللهِ نشكو: ربَّنا مسنا الضرُ!
تداعتُ علينا أمّةٌ بعد أمّةٍ ... وعشش فينا اليأس والضَّعْف والذُّعْرُ
وليس لأهلينا سراةٌ وإنما ... بُلينا بجندهم علينا المُدى الحُمْرُ
إذا المرء صلى الفجر قالوا: مُخَرِّبٌ! ... وإن عاقر الصهباء قالوا: فتى حُرُّ!
وإن رتل القرآن قالوا: مضللٌ! ... وإن حالف الشيطان قالوا: له الشكرُ!
همُ قد أضاعوا (قدسنا) بل كياننا ... فوا ذلّ شعبِ عمرُهُ كلّهُ قهر!
أتيت إلينا، والمصائب جَمَّةٌ ... فآلامنا مَدٌّ وآمالنا جَزْرُ!
وأوراقنا صُفْرٌ بلون جلودنا ... وأشرارنا كُثْرٌ، وإنجازنا صفر!
فواعجباً إن فارق الخيرُ أرضنا ... وواعجباً إن عربد الشركُ والكفر
وواعجباً أن يهدم البغيُ مسجداً ... وأن يصبح الهندوس هرُّهم نمْرُ
وواعجباً أن ندمن العار والخنا ... وواعجباً أن يكْثرَ الفرُّ لا الكر
وواعجباً أن يسحق الصِّرْبُ قومنا ... وواعجباً أن يكْثُرَ البقرُ والجزْرُ
نُذبَّح مثل الشاة في كل موضع ... ونُسلَخُ أحياءً وتغلي بنا القدرُ!
وتُرمى إلى الخنزير عمداً لحومُنا ويأكل منها الكلبُ والذئب والنسر!
فيا رمضان القدر قد ضاع قدرُنا ... وأظلمت الدنيا، ونهتف: يا بدر؟
ولا بدرَ، لا حطين، لا أيَّ بارقٍ ... لنصرٍ، تُرى من أين يأتي لنا لنصر؟
إذا نحن لم نغسلْ من الرجس أنفساً ... فخير مكانٍ يرتضينا هو القَبْرُ!
стр. 1887
مقال
هل يموت المجتمع ؟
د/ خالص جلبي
أما موت الأفراد فليس من إنسان إلا وقد رآه واقعاً، بل إن حقيقة الموت لنا
كأفراد لا تفارقنا يوماً واحداً، فنحن نعي أننا جئنا إلى هذه الدنيا بغير رغبة منا أو
استشارة، كما أننا سنودع هذه الحياة بمثل ذلك، ولكننا لا نستطيع أن نهضم أو
نستوعب موت مجتمع ما، فلا يوجد فرد منا عاصر موت مجتمع بالشكل الذي
يموت به الفرد، فهل يعني هذا أن المجتمع خالد لا يموت؟ أو أنه كائن من نوع
غير (بيولوجي) إلا أنه يموت ككل الكائنات التي تولد فتموت؟ وإذا كانت (سنة أو
قانون) الولادة والموت تطوق هذا الكائن الذى نسميه (المجتمع) وتشكل مصيره،
فقدبات علينا معرفة هذا (البعد الجديد) في الحياة الإنسانية، أي: تشكل المجتمع،
ثم مراقبة احتضاره وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وكيف يتم ذلك؟ وبأي آلية؟ وفي
أي ظرف؟ وتحت أية شروط؟ [ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ] .
حوار حول الموضوع:
اعتدل الدكتور (ماجد) في جلسته، ثم حدق فيّ النظر مليّا وقال - وفي وجهه
علامات اليأس والألم -: إن تحليلي في غاية التشاؤم وانطباعي عن المجتمع
العربي: أنه قد تحول إلى جثة على طاولة التشريح فهو في حكم الميت، وفي
قناعتي أنه سيندثر بشكل نهائي في القرن القادم.
صدمت وبعمق، فهذا الإنذار المرعب (PROGNOSIS) [١] ، يشكل
حالةً متقدمة حتى عن وضع السرطان، فيبقى السرطان مرضاً لا أمل في الشفاء
منه، ومع هذا يبقى المريض مريضاً، أي أنه مازال حياً يرزق، ولو أنه محكوم
عليه بالإعدام.
لقد مضى صديقي الدكتور في تحليله خطوة أبعد، واعتَبَرَ أن المجتمع في
حكم الميت مع كل مظاهر الحياة والنشاط لأفراده! ! فمن أين جاء بتحليله هذا يا
ترى؟ ؟ إنه - وهو الباحث في العلوم الإنسانية والتربوية - عنده عددٌ من
المشعرات (INDEX) والمؤشرات إلى وضع المجتمع، ولادة أو موتاً، عافية أو
اعتلالاً، لذا تقدم فطرح هذا التشخيص، (DIAGNOSIS) فاعتبر الجسد
الاجتماعي (جثة) .
قلت له - معقباً ومتسائلاً في الوقت نفسه -: إننا معشر الأطباء عندنا من
المؤشرات ما فيه الكفاية على موت الفرد (عضوياً) : من انعدام النبض، وتوقف
ضربات القلب، وغياب التنفس، وعدم تدفق الدم بجرح الجلد، أو توقف النشاط
الكهربي للقلب والدماغ ولمدة طويلة، بل حتى إن الجثة تبدأ في التغير بعد فترة،
فتكون أولاً حارِّة لتصبح بعد ذلك باردة، وتكون رخوة لتصبح بعد ذلك مثل قطعة
الخشب المتيبسة (الصمل الجيفي) ، ثم تبدأ في التعفن والتحلل، ويصبح القبر خيرُ
سترٍ لهذا الجسم المتهتك.
- نظر إليّ صديقي الدكتور متأملا ثم أجاب: بهذه الدقة من التحديد ليس
عندي جواب؟ -ومع هذا-، لنضع، لكلام آنف الذكر تحت المجهر النقدي لنرى
صموده وصلابته أمام التحليل؟ !
لا يمكن أن نفهم (موت المجتمع) ما لم نفهم ما هو (المجتمع) تأصيلاً؟ فإذا
استطعنا أن ندرك تكوين هذا الكائن (النوعي) أمكن لنا أن نحدد مرضه من صحته،
وموته من حياته، فالمجتمع ليس مجموعة أفراد، بل هو (شبكة علاقات) ، تنظم
نشاط الأفراد [٢] ، فإذا أردنا تصور (الشبكة الاجتماعية) أو (النسيج الاجتماعي)
أمكن تشبيهه بالخيوط والعقد، العقدة الواحدة متصلة بالعقدة الثانية من خلال خيوط
الشبكة، وبذلك فإن كل عقدة متأثرة سلباً أو إيجاباً بوضع الخيوط التي تصل ما بين
هذه العقد، وتعطينا (البيولوجيا) مثالاً ممتازاً لهذا الوضع، حيث يترابط ما يزيد
عن مائة مليار خلية عصبية (النورونات -NEURONS) في، الدماغ من خلال
نسيج عصبي كثيف، كل خلية مزودة بحوالي ألف ارتباط، بحيث يشكل الدماغ
الذي يحمله كل فرد منا في رأسه؛ شبكة أكبر وأعقد من كل الكون المحيط بنا،
وتتعاون هذه (النورونات) من خلال (نظام التحام) بين كل خلية وأخرى، تسري
فيها سيالة عصبية، تعبر هذا النسيج من أقصاه إلى أقصاه، بحيث تحيل الدماغ في
النهاية إلى وحدة عمل مركزية واحدة منسقة مبدعة، والنسيج الاجتماعي -أي شبكة
العلاقات والخيوط التي تربط بين الأفراد - تتعلق أيضاً بالأفراد الذين يفرزونها،
ولذا فإن وضع الشبكة المرتخي أو المشدود، النشيط أو الخامل، يتعلق بالأفراد
الذين يحفظون هذه العلاقات أو يدمرونها. وينبني على هذه الفكرة أمران هامان:
١- الأمر الأول: أن قوة الشبكة الاجتماعية وإحكامها هي من قوة الأفراد
لأنها من صناعتهم.
٢- الأمر الثاني: أن الأفراد قد يمزقون هذه الشبكة، فيما لو شُد الخيط أو
توتر بشكل زائد لمصلحة إحدى العُقَد، وهي (الظاهرة الورمية) ، حيث يؤدي
ضخامة الفرد (العقدة في الشَبكة الاجتماعية) ، إلى قطع الأوتار الاجتماعية،
وبالتالي بداية تدمير المجتمع على حساب نمو الأفراد وتضخمهم بظاهرة (السرطان) ، فالسرطان ليس إلا مجموعات من الخلايا تعلن التمرد على النظام لحسابها الخاص، غير عابئة بما يحصل للجسم، ولكن السرطان - كما عَلمنا في مثل القرد سيئ
الذكر في (كليلة ودمنة) الذي نشر غصن الشجرة القاعد فوقه - عندما يقضي على
البدن بارتكابه هذه الحماقة المصيرية، يقضي على وجوده ذاته.
يقول مالك بن نبي: (بيد أن جميع أسباب هذا التحلل كامنة في شبكة العلاقات، فلقد يبدو المجتمع في ظاهره ميسوراً نامياً، بينما شبكة علاقاته مريضة، ويتجلى
هذا المرض الاجتماعي في العلاقات بين الأفراد، وأكبر دليل على وجوده يتمثل
فيما يصيب (الأنا) عند الفرد من (تضخم) ينتهي إلى تحلل الجسد الاجتماعي لصالح
الفردية، فالعلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم، فيصبح
العمل الجماعي المشترك صعباً أو مستحيلاً) [٣] .
تركيبة المجتمعات:
كان اكتشاف حلقة البنزين في الكيمياء العضوية شيئاً مثيراً للغاية، فالسكر
السداسي (الجلوكوز) الذي يستخدم للطاقة في جسمنا، مكون من ذرات من الفحم
الأسود (الكربون) ، كما أن الألماس اللامع الرائع الصلد، مكون من ذرات من
(الكربون الأسود) المضغوط بشكل جبار، والذي منح اللمعان للذرات السوداء
القبيحة، هو طبيعة (التركيب الداخلي) لذرات الكربون، فأصبحت شديدة اللمعان
والمجتمع بدوره هو (طبيعة تراص) خاصة بين أفراده، فإذا بقي ذرات كان سخاماً
اسوداً قاتماً، فإذا تراصت ذراته تحول إما إلى إعصار طاقة، أو لمعان تفوق عبر
التاريخ.
فالذي منح ذرة السكر الحلاوة المنعشة والطاقة الرائعة، وأعطى ذرة الألماس
الصلابة المخيفة، والتألق المدهش الفذ، هو طبيعة التركيب الداخلي، مع أن
ذرات الكربون في الأصل سواد وقتام، وهشاشة وضعف بين العناصر المعدنية،
بل يعتبر الفحم (شبه معدن) وليس معدناً، فهو ليس في صلابة الحديد، أو ندرة
الذهب، أو ثقل الزئبق، أو إشعاع اليورانيوم، فالذي يعطي التركيب القوة
الضاربة، أو النوعية الممتازة، أو التميز والتفوق، هو كيفية (اجتماع) عناصره
الأولية، فالذي يَسِمُ المجتمع بالقوة أو الضعف، بالتميز أو السطحية، بالتفوق أو
الانحطاط، هو نوعية علاقة ذراته (أشخاصه) الداخلية، وبذلك تفوق المجتمع
الياباني وتأخر المجتمع العربي، مع أن النقطة الزمنية لاحتكاك كلا المجتمعين
بالمجتمع الغربي كانت متقاربة، فارتفع المجتمع الياباني وحلق، في حين أن
المجتمع العربي مازال يجرجر أقدامه المتعبة المريضة، ويعجز عن السيطرة على
حل مشاكله، وبين عامي ١٩٦٠ - ١٩٩٠م حقق المجتمع (الكوري) قفزة نوعية
وبقى المجتمع (الغاني) يتجرع غصص التخلف، مع أن مستوى دخل الفرد كان
واحداً في نقطة البدء! ! [٤] .
إذاً فالمجتمع هو تركيب (STRUCTURE) تماماً كما في التراكيب
الكيمياوية العضوية، وهو بالتالي ليس (مجموعة ذرات) و (كومة أشخاص) ونحن
نعلم من الكيمياء العضوية أن تغيير فاعلية مركب من وضع إلى وضع، يتم من
خلال السيطرة على تغيير نوعية العلاقات الكيمياوية الداخلية، ويبقى (الكم الذري)
كما هو بدون نقص أو زيادة، فينقلب المركب الخامل إلى فعّال وبالعكس، والدواء
إلى سم زعاف، والسم إلى ترياق، كما حصل مع باول ايلريش (PAUL
EHRLICH) بعد (٦٠٦) مرات من المحاولات؛ لقلب التركيب الكيمياوي لبعض
الأصبغة، فتحول المركب السام في النهاية إلى ترياق وعقار، لمعالجة داء فتك
بالجنس البشري كثر من (٤٠٠) عاماً (الافرنجي - SUPHILIS) [٥] .
المجتمع مرضه وموته:
كيف يمرض المجتمع إذاً؟ بل كيف يموت؟ . كل ذلك يحدث بالآلية نفسها
(تغير طبيعة العلاقات الداخلية بين العناصر الأولية) ، فإذا تورم الأفراد وتحولوا
إلى (قوارض اجتماعية) تلتهم الشبكة الاجتماعية، انحدر المجتمع صوب الفناء
والموت، وبالآلية نفسها التي يموت بها الأفراد، ولكن علينا أن نتأمل هذه الظاهرة
جيداً، فما الذي يحدث عند موت الفرد؟
دعنا نتأمل ظاهرة (الفك والتركيب) في أي موجود تحت أيدينا من مثل
الكرسي أو الطاولة أو السيارة.
كيف نسمي الطاولة (طاولة) ؟ أو السيارة (سيارة) ؟ إن هذا يرجع ليس إلى
(القطع أو الأجزاء) التي تشترك في تركيب الطاولة فضلاً عن السيارة! ! فلو
أمسكنا بالكرسي و (فككنا) الأجزاء عن بعضها، لم تعد الطاولة (طاولة) ولا السيارة
(سيارة) ؟ ! والسبب هو أن السيارة تأخذ (وظيفتها) و (شكلها) الذى يمنحها الاسم،
من (اتصال القطع) و (تلاحم الأجزاء) فتقوم السيارة بوظيفة محددة من مثل الحركة
لنقل الركاب والأمتعة، كذلك الحال في الكرسي الذي نجلس عليه، فإذا التأمت
قطعه، وتضافرت عناصره الأولية، لتؤدي وظيفة (الجلوس) عليه، استحال إلى
كرسي، أما قطعه الأولية فليس لها اسم، وأجسادنا هي تركيبٌ من هذا النوع معقد
للغاية، والذي يحدث في الموت، شبيه بما يحدث للكرسي عندما تتناثر قطعه،
وتعود إلى سيرتها الأولى، أو للسيارة عندما تُفكك وترجع إلى وحداتها الأولية،
وأشار القرآن إلى هذه الحقيقة عندما قال [قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ]
[ق: ٤] .
فالجسد الذي يتحلل إلى عناصره الأولية لا ينقص منه شيء، وبدننا في
الواقع مكون من برميل ماء، ومقدار من الحديد يكفي لصناعة مسمار صغير،
وقبضة من الكلس، وكمية من الكبريت تكفي لرأس عود ثقاب، وحفنة من
الفوسفور، وآثارة من اليود والنحاس، وبقية تافهة من الفوسفور المتقد، وكمية من
الغازات التائهة! !
فنحن باعتبارنا (مواداً أولية) في (ثمننا) لا نساوي شيئاً مذكوراً، ولكننا في
تركيبنا الإنساني لا يصل إلينا (سعر) ، لذا فالذي يبيع نفسه بالذهب يعتبر تاجراً في
منتهى الغباء! ! وعندما يموت الفرد بيولوجياً فإن البدن يتحلل بعد فترة ليرجع إلى
دورة الطبيعة.
إن العنصر الواحد مثل حديد الدم، أو فوسفور المخ، أو يود الدرق، أو كلس
العظام؛ مصيره في النهاية إلى التراب، إلي دورة الطبيعة، ليعاد تشكيله
واستخدامه من جديد، في غاية جديدة، ونشأة مستأنفة وعالم محدث وخلق مبتكر،
قد يدخل في بشر من جديد، أو أنسجة حيوان، أو محتويات خلية نباتية، فأجسادنا
الزائلة خلقها الله من التراب، وهي تيمم شطرها مرة أخرى إلى التراب [مِنْهَا
خَلَقْنَاكُمْ وفِيهَا نُعِيدُكُمْ ومِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى] [طه: ٥٥] ، والذي حصل مع
الموت اتسم في الواقع بصفتين جوهريتين، سبقت إحداهما الأخرى، فأما الخلل
الأول بعد الموت والذي يطرأ على الإنسان فهو (توقف الوظيفة) فيتحول الإنسان
إلى صورة جامدة، لا يبكي ولا يضحك، لا يتألم ولا يحس، لا يتكلم ولا يسمع،
فإذا استقرت هذه الحالة انتقل إلى الحالة الثانية وهي (تحلل الشكل) فالميت مثل
النائم، يبقى في الفترة الأولى محافظاً على شكله، بل يبقى اللحم حاراً ولساعات
بعد الوفاة، كما تبقى بعض الخلايا حية، بل قد تنمو الأظافر شيئاً ما، ثم يسيطر
الموت فتبدأ (علاقات) الأنسجة بالتفكك و (ارتباطات) الخلايا بالتمزق النهائي، كي
يتفكك الجسم تماماً إلى وحداته الأولية.
والمجتمع عندما يبدأ في الانهيار في مرحلة الموت يمر بما يشبه هذه المراحل
من (شلل الوظيفة) لينتقل بعدها إلى مرحلة (اندثار الشكل ودماره الكامل) .. ليتحول
إلى (كومة) من الأناسي و (خردة) من البشر لا يجمعها رابط أو يضمها مثل أعلى
أو يحدوها قيم عليا أو ينظمها تنسيق مشترك، فيعيش كل فرد لنفسه، أو يتحول
الإنسان من (الشخص) إلى (الفرد) فيخسر ذلك (البعد) الذي منحه إياه المجتمع،
حينما أضاف إلى معادلته البيولوجية (المعادلة الاجتماعية) [٦] ، ومن الملفت للنظر
أن القرآن أشار إلى المَيْتَتَين، فذكر موت (الفرد) [وجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ]
كما أشار إلى موت الأمم والمجتمعات [ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ] [٧] ، فالأجل هنا جماعي
وليس فردي، فالآجال إذاً نوعان: منها ما هو خاص بالفرد وما هو خاص
بالمجتمعات، كل من نوعية متباينة، وهذا يعني بعبارة أخرى أن الأمم تموت،
والدول تنتهي [٨] والشعوب تفنى [٩] والحضارات تباد وتنهار [١٠] .
إن المجتمع الفرعوني حينما اندثر وطواه التاريخ، وبقيت الأهرامات تشهد
على حيوية شعب أصبحت في ذمة التاريخ، لم يمت أفراد ذلك المجتمع (بيولوجيا) ، ولم تغب عناصره الأولية في التراب، ومازال الإنسان الفرعوني (المصري)
يعيش، ولكن باعتباره عنصراً أولياً شارك في حضارات مختلفة، فعندما مات
المجتمع الفرعوني تحول أفراده إلى عناصر أولية و (طوب) أو (لبنات) امتصها
مجتمع زاحف نام متفوق، كون بها نفسه من (لبنات) المجتمع الميت، الذي يلفظ
أنفاسه الأخيرة، وهكذا تحول المجتمع (الفرعوني) إلى مجتمع (روماني) ، ثم مات
بدوره ليتحول إلي مجتمع (إسلامي) وهكذا طوى التاريخ بين جنبيه مجتمعات تترى، ضمها قبر التاريخ وضريح الحضارات [ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً
آخَرِينَ] [١١] مثل المجتمع اليوناني والقرطاجني والأزتيك والإنكا والوبيخ والفرعوني.. إلخ، [هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً]
[مريم: ٩٨] .
السلسلة الذهبية. ما هي؟
ومن خلال البانوراما التي استعرضناها من القرآن والتاريخ وعلم الاجتماع
والكيمياء العضوية والبيولوجيا بل وحتى علم الأدوية، نتوجه لتسليط الضوء على
فكرة (السلسلة الذهبية) كي نفهم في ضوئها معنى الموت الاجتماعي، وتقطع شبكة
الربط الحضارية! !
ما معنى أن (معاملة) ما في أي قطاع اجتماعي لا تمشي إلا بطريقة (الدفع،
المتتابع المستمر) مع شيء من المقبلات من (الوساطة) ؟ ! إن هذا المرض خطير
للغاية، وهو مؤشر لأزمة اجتماعية، فالعملية الاجتماعية أياً كانت هي -إن شئنا أم
أبينا، وحتى تنجز- تتكون من سلسلة من الأفعال الاجتماعية، يقودها الأفراد
الاجتماعيون، من خلال معادلة (حق - واجب) أي: إن الواجب الذي يؤديه فرد
في سلسلة (أ) سيكون له حقاً في سلسلة (ب) مثل العلاقة بين (علاج طبي لمريض)
و (استخراج رخصة قيادة سيارة في مصلحة المرور) و (نقل رسالة بريدية) فالعملة
أي (الخدمة الاجتماعية) هي عملة ذات وجهين (حق - واجب) فما كان حقاً لفرد هو
واجب للتأدية في ذمة آخر.
هذه العملية الاجتماعية مهمة في كل (حلقات السلسلة) بما فيهم الفرّاش وحامل
الأوراق، لأنه يكفي أن (تنام) المعاملة في (درج) موظف، حتى تضطرب السلسلة
كلها وتحل الكارثة! ! وهذه الحقيقة القاسية والمؤسفة هي لب العملية الاجتماعية،
فإذا كانت (السلسلة الاجتماعية) مكونة من عشر حلقات بين الرئيس، ومساعده،
والسكرتير، والموظف المتلقي، وحامل الأوراق، والمدقق، والناسخ، والضارب
على الآلة الكاتبة، وصاحب الكمبيوتر، والجالس خلف سنترال التلفون، يكفي أن
تضطرب (حلقة واحدة) - حلقة واحدة فقط لاغير- من هذا السلسلة كي يختل العمل
بأكمله، وهذه المشكلة هي أس الأسس في التركيب الاجتماعي، فعندما يكون
الموظف متسللاً بدون إذن [١٣] ، والساعي مهملاً، والمدقق نعساناً، والناسخ
فوضوياً، والجالس على الكمبيوتر جاهلاً، والقاعد خلف السنترال نائماً يكفي الخلل
في (حلقة مفردة يتيمة) - ولو كانت كل (السلسلة) من الذهب الخالص
(٢٤ قيراط) - أن تحل الكارثة وتقع المصيبة، وتتوقف السلسلة أن تمر بها (السيالة الكهربية) الاجتماعية، وبذا ينطفئ الضوء الاجتماعي، ويذهب نوره، ويبدأ المجتمع في التحول إلى مجتمع (نفسي نفسي) .
إن النزول إلى ساحة العمل الاجتماعي مرهق إلى أبعد الحدود، مزعج إلى
حد المرض، مضيعة للوقت بدون مبرر (لأننا ملوك الزمان) بل ويأكل الكرامة
الإنسانية أحياناً، فلا موظف يبقى خلف طاولته، ولا عامل يبقى مرتبطاً بعمله،
والدخول إلى الطرقات هو النزول إلى ساحة الحرب يحمد الفرد فيها الله في نهاية
المطاف على السلامة، وملاحقة المعاملات جولة في بلاد (أليس للعجائب)
و (عبقر) للجن، وإنجازها كأنه إزاحة جبل، والسر في هذا هو تقطع (نقط الاتصال
والالتحام الاجتماعية) بين (حلقات) السلسلة الذهبية التي أشرنا إليها، فلا تعود
ذهبية بل تتحول إلى سلسلة تنك، وحديد صدأ، والصدأ على كل حال يعني التفكك
والعودة إلى حال (الخام الطبيعي) ، فإذا اضطربت (السيالة الكهربية) الاجتماعية،
وتقطعت حلقاتٌ متعددة من سلاسل شتى، كان ذلك مؤشراً خطيراً لتدمير النسيج
الاجتماعي، وكان معناه أن المجتمع بَعُدَ أن يكون مجتمعاً، بل بدأ يتحول إلى
(مُجمِّع هزيل) و (مافيات اجتماعية) وحوضٍ مرعبٍ لسمك القرش وقنافذ البحر
والأخطبوط الاجتماعي، وهذا المرض لن يقف عند هذا الحد بل سيقضي في
النهاية حتى على تلك الجزر الطافية هنا وهناك في الأوقيانوس (المحيط) غير
الاجتماعي المتخبط، كما كانت حالة الامبراطورية الرومانية في العصور الوسطى، وفي النهاية يصبح المجتمع أمام طريق مغلق، وعليه أن يولد من جديد، إما
بحزمة قيم جديدة بالولادة الروحية الجديدة كما فعل الإسلام مع (البشر الخام) في
الجاهلية، حيث لم يكن يهم (طرفة بن العبد) إلا قدحٌ من الخمر، وقتالات
وممارسات طائشة [١٤] ، أو الذوبان والاختفاء الكامل في مجتمعات قوية متفوقة،
واندثار ثقافة المجتمع [وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ]
[محمد: ٣٨] وقد حدث هذا في التاريخ ومازال يحدث.
أنواع المجتمعات:
ما الفرق بين مجتمع ومجتمع آخر؟ ؟ هناك ثلاثة أنواع من المجتمعات فيما
لو أردنا استخدام المصطلحات العصرية! ! مجتمع (مضخة الماء) والمجتمع
(الكهربائي) والمجتمع (الإلكتروني) ، فعندما لا تمشي المعاملات إلا بطريقة (الدفع
المتتابع المستمر) ! ! فهي تعود إلى مجتمعات (مضخة الماء) فالماء يتدفق طالما
بقيت اليد ملتصقة بالذراع الحديدي، فاذا توقفت عن (الدفع) انقطع الماء وتوقف
الخير! ! وهكذا فالمعاملة التي تقف مباشرة قبل هدفها بمليمتر واحد؛ لا تصل إلى
هدفها بدون (الدفعة الأخيرة) ويعتبر كل جهد سابق وكأنه لا شيء، فلا تولد أو ترى
النور بدون الحقنة الأخيرة! ! أما المجتمع (الكهربي) فهو الذي يتحرك بكبس
الأزرار، فتمشي المعاملة وحدها بدون متابعة إلى مقرها الأخير، بسبب قوة كل
حلقة من (السلسلة الذهبية) وهكذا تولد كل معاملة وصاحبها مطمئن إليها طالما
حركَّها، وهو الذي لمسناه في الماكينة الاجتماعية الغربية أثناء العيش بينهم، وهي
من أسرار تفوقهم وقوتهم، فلا تحتاج أي معاملة إلى متابعة أو ملاحقة، فضلاً عن
نشوء مؤسسات خاصة في المجتمع لمثل هذه الوظائف الطفيلية (تخليص
المعاملات - متابعة الجوازات - تحصيل الديون الفوري!) أما المجتمعات المستقبلية مجتمعات (النبض الإلكتروني) فهي تلك التي تتربع على عرش الإلكترونيات، ويفتح لها القرن الواحد والعشرين ذراعيه للاحتضان، من مثل المجتمع الياباني [١٥] ، وحتى يمكن نقل المجتمع من عصر (مضخة الماء) إلى (الفعل الكهربي) فضلاً عن (التوهج الإلكتروني) فإن ذلك يتوقف على اتصال عناصر العملية الاجتماعية، فإذا أدى أحد (حلقات) السلسلة عمله بفعل (جذبي بانتكاس داخلي) قعد المجتمع وشُل، وإذا تحول إلى روح (الواجب وضمن المراقبة المتقابلة المزدوجة وبآلية النقد الذاتي) تحول إلى مجتمع (حركة الكهرباء) فإذا قفز إلى روح (المبادرة) أصبح بسرعة الومض الإلكتروني ... ولله في خلقه شؤون! !.
مع تمزق شبكة المجتمع تدفع كل عناصر المجتمع الثمن مع كل فوائده
المركبة، حتى من هم في قمة الهرم الاجتماعي، والسبب بسيط هو أن (الماكينة
الاجتماعية) لا تعمل، حتى الأوامر التي تأتي من فوق تفقد حرارتها كلما نزلت إلى
أسفل، فتتباطأ ويتوقف الإنتاج، وكأنها مثل القانون الثاني في الديناميكيا الحرارية، فهي تبرد مع الوقت، والتحرك باتجاه المحيط، أي: إن الفعل الاجتماعي يتحول
من فعل (واعٍ إرادي) إلى عمل (فيزيائي) وشتان بين الإرادة والمعدن، والحي
والجماد، والفعل والانفعال، والطبيعة والإنسان، في حين أن المحافظة على
الشبكة الاجتماعية تجعل الحياة سهلة لكل واحد فيها، ممتعة لكل فرد، حلوة لكل
من يشارك في نشاطها، ولعل هذا هو الذي قصده القرآن حين ربط بين مفهوم
(الاستقامة) والفائض في الحياة الاجتماعية (غدقاً) [وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً] [الجن: ١٦] .
يقول المثل الإنجليزي: إن هناك قصة طريفة جرت لأربعة أشخاص
أسماؤهم: (كل واحد) و (أي واحد) و (لا أحد) والرابع كان اسمه (بعض الناس) ،
وكان هناك أمر مهم يجب أن ينجز، فسُئل (كل واحد) كي ينجزه، إلا أن (كل
واحد) كان يتوقع من زميله (بعض الناس) أن يقوم به، إلا أن (بعض الناس)
غضب لأن المهمة كانت مهمة الزميل (كل واحد) ، إلا أن (كل واحد) فكر أن (أي
واحد) يمكن أن يؤديها، ولكن الزميل (لا أحد) تحقق أن (أي واحد) يمكن أن يفعلها، وبذلك كانت المحصلة أن (كل واحد) لام (بعض الناس) لأن (لا أحد) فعل ما كان
يجب أن يفعله (أي واحد) ! !
وتحكي القصة أن ملكاً أراد اختبار محبة شعبه له، بأن نصب في الميدان
الطعام للبلد حوضاً كبيراً، وطلب من كل فرد عربوناً لحبه قدحاً صغيراً من العسل، وفي اليوم التالي كان الحوض فارغاً، لأن كل واحد فكر بنفس الطريقة: (وما
الذي سيؤثر في الوعاء الكبير أن ينقص منه قدحي الصغير؟ ! !) [*] .
من الأحاديث الضعيفة الواردة في رمضان
حديث: (نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله مضاعف، ودعاؤه
مستجاب وذنبه مغفور) وهو ضعيف رواه البيهقي والديلمي وابن النجار..
حديث: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من
صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانت نورا بين عينيه يوم القيامة) وهو ضعيف؛
أخرجه البيهقي والطبراني والدارقطني.
حديث: (صوموا تصحوا) وهو ضعيف، رواه الطبراني في معجمه، ورواه
ابن عدي في الكامل ...
حديث: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان) وهو ضعيف،
رواه البزار ...
(عن كتاب مخالفات رمضان للشيخ عبد العزيز السدحان بتصرف)
стр. 1888
المسلمون والعالم
الجزائر
حزب فرنسا.. حرب فرنسا !
د/ عبد الله عمر سلطان
الحديث عن الجزائر ونزفها المستمر يدخل تحت تصنيف (السهل الممتنع) ؛
سهل؛ لأن توالي الأحداث وتفاصيل الأخبار لازال يؤكد حقيقة هامة صارخة وهي
أن استئصال التيار الإسلامي من الأرض الجزائرية بحجة محاربة الإرهاب قد
جرت البلاد إلى حرب أهلية بمعنى الكلمة، وأن الطرف الذي اختار هذا الطريق
الملغوم قد كشف بعد عام من مسرحية صعود القيادة الجديدة أن الرصاص والبطش
خياره وحسب! !
أما الصعوبة فهي أن الحدث بالرغم من بساطة مكوناته قد أحاطت به أكوام
من المعالجات الإعلامية والفكرية التي تحاول أن تعالج النتيجة ولا تقرب السبب
وأن توجد إجابات للأسئلة الملحة دون النظر إلى الحقيقة التي أنجبت هذا المولود
البائس المسمى بالحالة الجزائرية.
بعض المعطيات أصبحت في حكم القناعات التي لا تقبل الجدل والنقاش،
وكثير من التضليل تم مزجه بقليل من الحقيقة حتى يذر الرماد في العيون وينشغل
المتابع في جزئيات وفرضيات دون المساس بالجوهر أو التطرق إلى أصل الداء
والعلة..
ولعلنا هنا نطرح ثلاثة أسئلة مهمة لفهم الواقع الجزائري - بعد مرور أكثر
من عام على تولي الحكومة الجزائرية للسلطة - وهذه الأسئلة كفيلة بأن تنقلنا
لاستعراض أهم العناصر التي تشارك في صنع المأساة الحالية.
- أول هذه الأسئلة المهمة والملحة تقول: حينما قبلت الحركة الإسلامية -
ممثلة في جبهة الإنقاذ - أن تشارك في الانتخابات النيابية وفازت بها ... هل كانت
نتيجة الفوز المحتمل تساوي الواقع المأساوي الذي دمر البلاد وأهلك الحرث
والنسل؟ ؟
- هل كان القادة العسكريون يظنون أن الشعب الجزائري سيرضى بأن يسرق
خياره ثم يصمت؟ أم كان متوقعاً أن يكون هناك نوع من المقاومة المحدودة التي
يتكفل الكلاشنكوف بإسكاتها؟ ؟
... ثم، مع تشعب الأزمة واستفحالها، هل كان التدخل الدولي محتملاً؟ .
وهل أصبح اتهام الأطراف المتقاتلة بالارتباط الخارجي تهمة وإشاعة أم حقيقة واقعة
يستفيد منها طرف في النزاع دون الأطراف الأخرى..؟
وبما أن المشهد الجزائري ملتهب بما فيه الكفاية فربما اكتفينا بهذه المحاور
الثلاثة التي تشكل الأسئلة والمنطلقات الرئيسة التي تطل برأسها مع تصاعد
الأحداث وتشابك عناصر الأزمة.
الصمود الذي فاق التوقع:
كان قادة (ما يعرف الآن بالفريق الاستئصالي) يدركون حتماً ما كانوا يقدمون
عليه حينماً قرروا إلغاء الجولة الثانية من انتخابات ١٩٩١م وما رافق هذا القرار
من إجبار لرئيس الدولة (الشاذلي بن جديد) على الاستقالة بصورة فيها الكثير من
الإهانة والذل لرمز من رموز (حرب التحرير) وزعيم البلاد (الدستوري) ..، كان
الإتيان بـ (محمد بو ضياف) ليلعب دور (التيس المستعار) الذي يتحرك من ورائه
قادة الانقلاب يمثل في الحقيقة احتراق آخر أوراق الشرعية التحريرية التي تتكئ
على تجربة الاستقلال عن فرنسا وبدء مرحلة جديدة تتسم بالارتباط المباشر
بالفرانكفونية والعداء الشديد للإسلام والعروبة، كان (الحركيون الجدد) يملؤون
الفضاء الإعلامي وينحشرون في كل خلايا أجهزة الدولة المتهرئة، وكما كان
(الحركي) السابق مرتبطاً بالمستعمر الفرنسي ومحارباً في صفوف جيشه ومخابراته
خلال حرب الاستقلال السابقة فإن (الحركي) الجديد كان يحارب أهله وشعبه معتقداً
أن الانحياز لثقافة وفكر العلمنة المتفرنس سيضمن له البقاء في السلطة والتمتع
بخيرات البلاد ومواردها.
يقول (ستيفن أندرسون) : (لم يكن أحد يتوقع - بعد إلغاء الانتخابات - أن
تتسع دائرة الحرب إلى هذا المستوى، وأن تبلغ هذه المرحلة من التصعيد الكثيف،
لقد أخطأ القادة العسكريون وحلفاؤهم في الخارج التقدير، فخلال ثلاث سنوات من
الحكم البوليسي برزت ظاهرة الفرز الجماعي الحالي، وأصبح الشارع الجزائري
منقسماً إلى تيارين: أقلية مرتبطة بالفّرْنَسَة والعلمنة تحكم وترفض أنصاف الحلول، وغالبية متعاطفة مع العروبة والإسلام تقذف كل يوم بفلذات أكبادها لرفض
أنصاف الحلول الأخرى ... ) .
(أحمد بن بله) الرئيس الجزائري السابق الذي لا يمكن وصفه (بالأصولية)
يلقي بتفسير لهذا التعاطف الذي أدى إلى أن يقف سواد الجزائريين خلف المشروع
الإسلامي بقوله: (هناك أوساط غربية تخشى ما يسمى بالتيار الإسلامي، وهناك
تفسير خاطئ للصحوة الإسلامية نفسها، إنهم يعتقدون أنها ظاهرة سببها الفقر
واليأس، قد يكون البؤس جانباً من هذه الظاهرة، ولكن الحقيقة هي نظرة المسلمين
المختلفة إلى المجتمع الاستهلاكي المادي ومظاهر البعد عن الله، وجبهة الإنقاذ
قدمت مشروعاً يحترم قيم المجتمع ويحاول إيجاد الحلول لمشاكله، ومع أن الجبهة
منغلقة على نفسها لكنهم في نظر الجزائري وفي نظري أناس أوفياء شرفاء يضحون
من أجل مبادئهم، إن عناصر الإنسان (الثوري) الشريف موجودة فيهم ... (عباسي
مدني) كان جندياً في الجيش الجزائري أيام حرب التحرير، وكذلك كان عدد كبير
من قادة جيش الإنقاذ ... إنهم مناضلون.. والمشكلة الكبرى أن الأرض الجزائرية
قد تحررت لكن بقي الاستعمار حياً في تشريعات الدولة ومناحي الحياة الثقافية
المرتبطة بفرنسا، اليوم -باختصار- تنظر فرنسا إلى الجزائر وكأنها مستعمرة،
ولذا: فالشعب بالأمس واليوم ضد الغاصب ومع المناضل من أجل إعادة هويته) .
أما مراسل التلفزيون الإيطالي فقد علق على ظاهرة الصلابة في الصمود بأنه: (نابع من معطيات الشارع ونبضه؛ فالإسلاميون أصبحوا القوة (الظاهرة) الوحيدة
التي لم تلكها الألسن في قضايا الفساد أو شراء الذمم، وهم الطرف الأقوى سياسياً
وعسكرياً، وعندما دعا (علي بلحاج) أركان النظام الجزائري إلى مناظرة تلفزيونية، يكون للشعب الجزائري الرأي الأخير في الحكم على الطرفين، فإنه كان يعلن
بكل وضوح بأن الشعب معنا وأن التدليس والدجل الإعلامي لا يتحمل مجرد مناظرة
من عدة دقائق..!)
هذه المعطيات دعت إلى التساؤل عن قدرة الحل العسكري على الاستمرار؛
فبالرغم من أن النظام ظل يعلن أن حملته التي بدأت في التصعيد قبل ثلاثة أشهر
للقضاء على كل الجماعات المسلحة التي يزيد عدد أفرادها عن خمسين شخصاً إلا
أن فشله كان واضحاً، مما دفع أحد المراقبين إلى التعليق بسخرية قائلاً: (لا شك
أن خبراء الأجهزة الأمنية سيكونون مدينين للسلطات الجزائرية إن هي أمدتهم
بالطريقة السحرية التي اعتمدتها في القضاء على هذه المجموعات التي عادت لتوجه
صفعة قوية باختطافها الطائرة الفرنسية في أكثر المواقع الحيوية في الجزائر،
ولتثبت للجميع الإعلام العالمي الغربي والجزائري قد أصبح مخنوقاً بدرجة فظيعة،
إن هذه الدولة - التي لم تعد تملك سوى ميلشيات ومجموعة ضئيلة من المؤيدين
أصحاب السمعة السيئة والوزراء المتخبطين - تشكل في النهاية عامل ترجيح
للجماعات التي حوصر قادتها في السجون فانطلق الشباب في هياج يحرق الأرض
ويدمر ما أمامه ...)
الكلاشنكوف في النهاية ولد كلاشنكوفات كثيرة في أيدي الشعب ولم ينجح في
حل الأزمة!
الواقع القائم وتسويق خطر الأصولية:
يمكن القول اليوم أن قادة التيار الاستئصالي من العسكر قد فهموا قواعد اللعبة
الدولية باكراً عندما صرحوا بعد إلغاء الانتخابات بأنهم الورقة الوحيدة القادرة على
الوقوف أمام (الخطر الأصولي) ! ، وفي خضم تسويق هذا الخطر وقعت الدول
الكبرى في شَرَك التناقض الذي يمتد من البوسنة إلى الشيشان، والذي يترجم إلى
حرب شرسة على الأجساد المسلمة فضلاً عن الحرب على الأفكار الداعية إلى
تحكيم الإسلام وشرائعه..، وسيقف المؤرخون يوماً (قد لا يكون بعيداً) لكي يتأملوا
كم كان الزيف والنفعية والنظرة القاصرة والعجلى قد انتهت لصالح المشروع
الإسلامي عندما كشف الغرب عن حقده وانحيازه، وكيف داس على مُثُل
الديموقراطية (التي يدعي حمايتها) وساند تياراً استئصالياً نزقاً دون مراعاة للشعوب
التي لا يزال فيها بقية من أنفة..
كان الفرانكفونيون والعسكر واللصوص يعلنون بأعلى صوت (المد الأصولي
قادم) ثم لا تلبث فرنسا وحليفاتها أن يهرعوا ويهرولوا ليدعموا بأي وسيلة تصفية
ذلك (الشبح) دون التحقق أو التمعن في مضمون الملف الجزائري فضلاً عن
المجاملة لشعب اختار - لأول مرة - من ينطق بأحلامه ورؤاه.
دَغدَغ التيار الاستئصالي القوم وضرب على الوتر الحساس، فكانت ثلاث
سنين من الرعب والدم والقهر، وجر البلاد إلى دوامة الدمار وخراب الديار..
مراسل هيئة الإذاعة البريطانية زار مناطق من الجزائر تسيطر عليها الجماعات
المسلحة التي خرجت من رحم الأزمة وتزودت من المعين نفسه الذي غرف منه قادة
الانقلاب ... العسكر كانوا ينادون بالاستئصال والضرب في السويداء، والشباب
الذين غُيب قادتهم في المعتقلات لجأوا إلى الجهاد ... يقول المراسل: (من الصعب
أن تقارن بين حماس الشباب المسلح وحكمة الشيوخ المعتقلين، ومن الصعب
التفاهم اليوم مع شباب أخذوا حقهم بأيديهم وتمتعوا في مناطق واسعة بنفوذ وشعبية
لوقوفهم ضد النخبة الحاكمة المقطوعة عن الشعب وقواعده، كان بالإمكان أن تجنب
البلاد خطر هذا العنف الدموي - وبالإمكان تجنيبها مزيداً من الخراب - لو أن
الشارع الجزائري مارس خياره الأصولي ... وهذا ما يقوله كثيرون من الذين
قابلناهم وهم يرددون: بالله عليكم (حكم قال الله قال الرسول) أم هذا الانتحار
الجماعي والتدمير الذي لم يترك مجالاً من مجالات الحياة إلا مَسَّه) .
لقد فطن المجتمعون في روما من قادة الأحزاب المؤثرة هذا المنطق وإن
جاءت القناعة متأخرة، فالتخويف من الإسلاميين الذي شارك فيه بعض هذه
الأحزاب قد أدى إلى تلاشي أي نشاط سياسي أو مبادرة لانتشال البلاد من الحرب
الأهلية، وأصبح دورهم بمثابة القنطرة التي تعبر عليها جنازير الدبابات العسكرية
التي تصر على لغة الحديد والنار ... أحد قادة حزب التحرير قال خلال وجوده في
روما: (الحقيقة مغيبة عن العالم تماماً؛ هناك دولتان في الجزائر، واحدة في المدن
والمعسكرات والقواعد العسكرية ترتبط بالبلاد عبر جهاز القمع الذي يسمى (الننجا) ، وآخر يسيطر على الأرياف ومحيط المدن والمدن ذاتها بعيد الظلام ليلاً..)
والحكومة غاضبة أشد الغضب لأن بعض وسائل الإعلام نقلت شيئاً من هذا الواقع؛
لأن المطلوب عزل الجزائر عن الرأي العام نهائيا حتى يتم تنفيذ حلم فئة العسكر
المحدودة العدد والشعبية، إن الإجابة على هذا المحور لن تنتهي قريباً كما يبدو،
فطالما أن هناك شبحاً تزداد السهام الموجهة إليه، فإن ازدياد القمع والقتل سيكون
مبرراً في العواصم الكبرى طالما أن سوق (الخطر الأصولي) تلقى مزيداً من
المضاربين في بورصة السياسة الدولية.
حرب فرنسا:
مقابل اتهام الإسلاميين من قبل النظام بارتباطات خارجية، كانت الشهور
الماضية تشهد أكثر من اتهام الإسلاميين لخصومهم بأنهم حزب فرنسا.. كانت تشهد
تحولاً من (حرب حزب فرنسا) ... إلي شطب الكلمة الوسطى لتصبح المرحلة
معنونة (بحرب فرنسا) ، والاتهام لا يطلقه الإسلاميون فقط بل إن بعض الساسة
الفرنسيين أخذوا يحذرون من الوقوع في حبال (المصيدة الجزائرية) كما صرح
الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان، الذي طالب حكومته بالتفريق بين النضال
ضد الإرهاب - وهذا الذي يجب أن يكون قائماً وبلا تحفظ - وبين الدعم غير
المشروط وغير المحدد الذي يقدم للسلطات الجزائرية، وهو قريب من موقف قائد
الاتحاد الديموقراطي الفرنسي (جان دونيو) الذي طالب حكومته بالحياد في هذا
النزاع.
لكن التمني والمطالبة شيء والواقع شيء آخر، فقد أبرز اختطاف الطائرة
الفرنسية للعيان كم هي ضالعة - فرنسا - في الحدث الجزائري، ويكفي هنا أن
نذكر ما نقلته الصحافة العالمية عن رئيس الوزراء الفرنسي (إدوارد بلادور) الذي
طلب من الحكومة الجزائرية أن تسمح للطائرة بالتوجه إلى فرنسا، وحينما تردد
(مقداد سيفي) رئيس الحكومة كان الطلب الفرنسي يحمل صيغة الأمر (Exiger)
مما أدى إلى توتر في العلاقة بين العاصمتين وانتشار روح التذمر في الشارع
الجزائري من هذا التدخل الفرنسي المباشر في الأحداث والمساس بالسيادة! !
ويمكن تلمس هذه المشاركة الفرنسية المباشرة من خلال الدعم الاقتصادي
المباشر للحكومة العسكرية المتمثل في إعادة جدولة الديون وممارسة ضغط على
المجموعة الأوربية للتخفيف من حدة الأزمة الناتجة عن ديون خارجية تتجاوز
٧٠ مليار فرنك فرنسي، كما قامت فرنسا بفتح اعتماد جديد للحكومة الجزائرية يتجاوز المليار دولار لتمكينها من شراء المواد الأساسية، ولولا هذا الدعم المباشر لانهار نظام الحكم في ظل الفساد وتراجع العائدات النفطية، أما في مجال الدعم العسكري فإن الصحافة الفرنسية والعربية قامت بنشر تفاصيل الصفقة التي تضم آليات جديدة وطائرات (مروحية) وأجهزة قتال ليلية والإشراف على تدريب عناصر الجيش الجزائري في البلدين، كما أن البصمات الأمنية الفرنسية أصبحت معروفة حيث ترفض فرنسا أن يقوم الجيش الجزائري بحماية المصالح الفرنسية في البلاد، وتقوم قوات أمنية فرنسية بهذه المهمة! ! وأخيراً يبرز الغطاء السياسي المباشر الذي يقوم به الحكم الفرنسي لصالح الحكم العسكري حيث أصبح من أشد أنصاره، ويكفي أن يشار هنا إلى الانتقادات الفرنسية المتكررة لدول التحالف الغربي لعدم حماسها لمشروع الدولة العسكرية الاستئصالية في الجزائر، الذي تتردد بريطانيا وألمانيا وأمريكا في دعمه علناً.
المشهد الحاضر يجعل من حرب فرنسا مهمة صعبة، لأنها جربت قبل عقود
قليلة أن تمارس سياسة العصا الغليظة تجاه شعب الجزائر، فكانت الكارثة، ومع
مرور الأيام - المليئة بالدمار والهلع - انْزَلَقَتْ فرنسا مرة أخرى في المستنقع
الجزائري بعد أن أثبت (الحركيون الجدد) أنهم لا يستطيعون أن يديروا رحى
الصراع مع الشعب المنكوب.
يقولون: (التاريخ يكرر نفسه) .. لكن، من يصدق أنه يفعل ذلك بهذه
السرعة؟ ! .
قطوف رمضانية
الصوم مناط لتحقيق العبودية، وهي الوصف الذي نُعت به كل من اصْطُفي
من الخلق، قال الله (تعالى) : [واذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ أُوْلِي
الأَيْدِي والأَبْصَارِ * إنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وإنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ
المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ]
(رسالة العبودية لابن تيمية ص ٨٥)
стр. 1889
المسلمون والعالم
العلاقات السودانية الإرترية
ودوافع التعكير
د/بلال محمد
لقد كان المتوقع من إرتريا الحديثة تعزيز علاقاتها بالسودان، وتنمية علاقاتها
معها، - على الأقل - مع أولويات مرحلة ما بعد الاستقلال، ودفعاً لمعوقات
خطواتها التنموية، ولكن يبدو أن قلق الرئيس النصراني (إسياس أفورقي) من المد
الإسلامي في القرن الإفريقي بعامة وإرتريا بخاصة، أبعده عن اتخاذ القرارات
الصائبة في حل متاعبه الداخلية، وترتيب علاقاته، وتذليل تعرجات المسيرة بالتي
هي أحسن، فآثر الجنوح إلى المصادمة مع الحركة الإسلامية الإرترية بدل المسالمة، وانشرح صدره لسياسات الكبت والقهر، وتكميم أفواه شعبه، وانساق لروح
الكراهية والتعصب المقيت ضد جاره المسلم تآلفا وتضامناً مع الاتجاهات المعادية
للتوجه الحضاري الإسلامي - رغم أن السودان بنظامه الحالي كان عضده الأيمن
في دعم أهداف الاستقلال، والمبادر الأول إلى تقديم العون المادي والسياسي -إذ
أسكت صوت المعارضة دون تفريق بين الإسلاميين وغيرهم! ! . بيد أن ذلك لم
يشبع نهمة (إسياس) ولم يجعله يكف عن شروره، بل راح يكيل للسودان التهم
ويحمله - استجداءً للغرب، وصرفاً للأنظار عن مشكلاته الداخلية - نمو الحركة
الإسلامية الإرترية وتصاعد أنشطتها السياسية والعسكرية، هذا بعد أن كان من قبل
يعزو وجودها -تنفيراً وتشويهاً- إلى الدعم الإثيوبي في عهد منجستو، ثم عزاها
بعد الاستقلال إلى ما زعمه من دعم خارجي! ثم ادعى القضاء على الحركة
الجهادية الإسلامية وإنكار وجودها، ثم أخيراً العودة إلى عزو تناميها - في الآونة
الأخيرة - إلى دعم الحكومة السودانية، وهكذا بقي (إسياس أفورقي) حائراً
مضطرباً في تصريحاته بشأن تزايد ثقل الحركة الإسلامية الإرترية، والوقوف من
كل معارضيه السياسيين مواقف متطرفة دائماً، متثاقلاً عن الحوار بتصعيد حملات
الاعتقال والاختطاف والاغتيال - حتى مع شركاء النضال والتحرر - تحت ذريعة
تطهير الجيش من العناصر المشاغبة والانقلابية [١] ، حيث صفّت أجهزته القمعية
في سبتمبر ١٩٩٤م عدداً كبيراً من معاقي حرب التحرير الذين خرجوا من
معسكراتهم قرب العاصمة (أسمرا) تعبيراً عن معاناتهم الإنسانية، وتظلماً من
تقاعس النظام وعجزه عن رعايتهم.
والإسلاميون في إرتريا توقعوا من قبل هذه المواقف العدائية من (إسياس)
وحذروا مراراً من خطورة توجهاته الشعوبية، ولذا لم يفاجؤوا بسياساته الاستعدائية، فمن الأهمية بمكان لـ (أفورقي) أن يرى المشروع الإسلامي في السودان وقد
قُوض، وعندها تتحقق أطماع (إسياس) السياسية والثقافية بمنع المسلمين في إرتريا
من سند المقاومة والممانعة، من هنا اندفع (إسياس) نحو الارتباط (بإسرائيل)
واقتفاء أثرها في مكافحة المد الإسلامي الذي يراه خطراً على أمن المنطقة [٢] .
وطبقاً لهذا الإحساس، وانطلاقاً من هذا الشعور كان (إسياس) أكثر رؤساء
(إيقاد) [٣] ، تفاعلاً مع مشروعها المطروح لحل مشكلة جنوب السودان، والقاضي
بإلغاء النظام الحاكم في السودان وإقامة نظام علماني بدلاً منه شرطاً أساساً
للاستقرار [٤] .
وقد حظي هذا المشروع بتأييد ومناصرة منظمة التضامن المسيحي العالمي في
بون ومنظمة الإخاء المسيحية الهولندية [٥] ، وتبنته أحزاب العلمنة السودانية،
وسبق أن طرح الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) نظيره عام ١٩٨٩م أثناء
وساطته بين الحكومة وقيادة حركة (جون جرنج) في لقاء نيروبي [٦] .
لكن إصرار الحكومة السودانية على الرفض حمل (إسياس) على الخروج من
طور ادعاء الإصلاح إلى طور العداء المعلن، معتقداً أن ذلك سيحقق له كسباً
سياسياً وثقافياً واقتصادياً، بما يبرهن للقوى الصهيونية على إخلاصه في أداء دور
التخريب المتعمد ضد السودان من بوابته الشرقية، وكان فعلاً قد سبق ذلك بفتح
معسكرات تدريب لعناصر الجنوب المتمردة، وقدم السودان شكواه إلى منظمة
الوحدة الإفريقية متهماً إرتريا بالتعاون مع إسرائيل في تدريب عدد من المتمردين
الجنوبيين [٧] .
وبات من المؤكد لدى السودان حسبما نقلته جريدة الحياة عن مصادر سودانية
مطلعة (أن القوات الجوية الإسرائيلية تبني الآن قاعدة قرب مدينة (أومال) في غرب
إرتريا في مكان لا يبعد كثيراً عن الأراضي السودانية، وأنه رصدت حركة
لطائرات هليوكبتر، ولوجود مهندسين وعسكريين من إسرائيل يشرفون على
الإنشاءات المدنية للمشروع) [٨] .
هدف أفورقي من هذا الإجراء:
وتهدف هذه الإجراءات إلى عزل الشعب الإرتري عن خلفيته الاستراتيجية،
وإيجاد عداءات لا مبرر لها بينه وبين الشعب السوداني، ووضع حواجز بين
الشعبين للحيلولة دون تعميق الثقافة الإسلامية ولغتها العربية في المحيط الإرتري،
لأن حالة التواصل بين الشعبين ستؤدي حتماً إلى تغلب الثقافة الإسلامية على
سياسات (التجزئة) و (العلمنة ذات الاتجاه الصليبي) لاسيما أن (إسياس) يعزو ذيوع
اللغة العربية في إرتريا إلى جهود معلمين سودانيين في عهد الاستعمار
البريطاني [٩] ، ويخشى أيضاً من أن يكون لهم هذا الدور نفسه في بث الوعي الإسلامي حالياً، ولذا: لم يكن غريباً منه أن يصدر قراراً بإبعاد السودانيين المقيمين في إرتريا عقب قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق الحدود.
وتَعَمِّد (إسياس) إحداث هذه الوقيعة والقطيعة بين إرتريا والسودان لأسباب
مفتعلة، وبجانب ما يعكسه لنا من استعداده للعمل في معسكر العداء الإسلامي يكشف
لنا من ناحية أخرى لجوءه إلى استخدام وسائل الحرب النفسية لسلب الذات
الإسلامية الإرترية اطمئنانها النفسي، وذلك من خلال التأكيد لها أن بمقدوره
الانقضاض على خلفيتها الإسلامية في السودان كما تغلَّب من قبل وقهر في مرحلة
ما قبل الاستقلال كياناتها العسكرية والسياسية بالتحالف مع (تجراي) امتداده الديني
والثقافي مستغلاً خلافاتها السياسية وانحرافاتها الفكرية، كما أنه على المدى البعيد
يرمي إلى بناء قوة (تجراي تجرنيا) المكونة من إرتريا وإقليم (تجراي) الاثيوبي
والمدعومة من إسرائيل، يكون المسلمون فيها أقلية مقهورة ومعزولة، لاسيما أن
ثمة تقارير سياسية تشير إلى أن إثيوبيا مقبلة على مرحلة من التمزق والتفتت
القومي بما يمنحه الدستور من حق لكل قومية في الانفصال والاستقلال [١٠] .
وقد كان هذا الهدف مطلباً مطروحاً في الخمسينات في فترة تقرير المصير من
الأب الروحي لنظام (إسياس) : (ولدآب ولدماريام) .
وهذا يتطلب ضرورة إيجاد مناخ مناسب وملائم، ومن ثم لا عجب أن يعكر
(إسياس) صفو علاقات إرتريا مع السودان بتوجهه الإسلامي، ويمتِّن في الوقت
ذاته صلاته بإسرائيل الصهيونية، ويشارك في قمع الإسلاميين بأوجادين، ويؤكد
أهمية ما أقدم عليه من إبرام عقد الكنفدرالية مع إثيوبيا مصرحاً أنها: (إحدى الصيغ
المطروحة للاندماج مع هذا البند..) [١١] . دون أن يقول لنا من الذي طرحها،
ومتى.
وعلى كل حال، فإن ما يجري ما هو في نظرنا إلا شرٌ بيِّت بلندن عام
١٩٩١م عند البت في المسألة الإرترية عقب سقوط (منجستو) بين الثلاثي المنتصر
(إسياس أفورقي، وملس زناوي، وكوهين اليهودي) .
فاللهم فرق صفوف الأعداء واجعل بأسهم بينهم، وأخرج إخواننا المسلمين
منهم سالمين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
فرص رمضانية
* كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما
كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً.
(أخرجه البخاري)
* قال رسول الله ﷺ (عمرة في رمضان تعدل حجة)
أخرجه البخاري ومسلم.
* (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)
أخرجه البخاري ومسلم
стр. 1890
المسلمون والعالم
نظرات في واقع المسلمين في الفلبين
-بحث ميداني-
الحافظ يوسف موسى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد..
فإن المتابع لمسيرة الدعوة الإسلامية بين النصارى الوافدين لدول الخليج
العربي منذ عام ١٤٠٥ هـ حتى اليوم يلحظ أن الفلبينين هم أكثر النصارى اعتناقاً
للإسلام، حيث كانت نسبتهم من بين كل المعتنقين للإسلام في ٧٦%، ولكن لا
معنى لفرحنا بذلك ما لم نهتم بهؤلاء الإخوة المهتدين اهتماماً خاصاً يليق بدخولهم في
الإسلام وبقربهم منه؛ ولهذه الأسباب قمت بزيارة للفليبين لدراسة أحوالهم عن كثب، فوجدتهم بهذا الإقبال نفسه وأكثر منه في بلادهم، لعوامل كثيرة متوفرة هناك.
ومن الطرافة أنني وجدت نصارى الريف لا يزالون يحافظون على بعض
القيم الإسلامية، وذلك لأن الفلبين كان بلداً مسلماً، وقد بدأ التنصير فيه قبل قرنين
بعد وصول البرتغاليين بقيادة ماجلان الذي وضع أول كنيسة في منطقة (سيبو) وقد
قتله سلطان من قادة المسلمين من أبناء الفلبين اسمه (لابو لابو) كما يشهد بذلك
تاريخ الفلبين الحديث.
وبلاد شرق آسيا لم تزل في معظمها بلاداً إسلامية مثل ماليزيا وأندونيسيا
وجاراتها، ماعدا جزر الفلبين التي تقلص المسلمون فيها إلى أقلية، وذلك لأنها
كانت ومازالت محط أنظار النصارى، لموقعها الاستراتيجي الذي جعل الأمريكان
يضعون بها قواعدهم العسكرية؛ لتكون لهم مركزاً عسكرياً وثقافياً وتجارياً.
ولما كانت الفلبين بهذه الأهمية فإنه يجدر بنا أن نتحدث في البداية عن أهم
قضايا الدعوة هناك، وسأبدأ بقضية المسلمين حديثي العهد بالإسلام من النصارى
وغيرهم، وذلك لأنهم أهم الفئات في تلك المنطقة.
أولاً: النصارى المعتنقون للإسلام، وهم أهم الفئات للأسباب الآتية:
إن معظم النصارى في الفلبين متعلمون، وهم من الطبقة المثقفة، مقارنة
بالمسلمين الفلبينيين بالميلاد، الأمر الذي جعلهم ملمين بتعاليم أناجيلهم المحرفة،
مما سهل دعوتهم للإسلام عندما يقارن الواحد منهم بين ما يعتقده من أباطيل وما
يجده في القرآن من حق، ولذلك تجد المعتنق للإسلام يكون جاداً ومستقيماً وشغوفاً
بمعرفة المزيد عن الإسلام أكثر من المسلم بالميلاد، فضلاً عن وضعهم الاجتماعي
والاقتصادي الذي جعلهم أكثر رفعة وتعففاً من المسلم بالميلاد الذي -أحياناً - لا يجد
حرجاً في تسول الناس باسم الأخوة في الإسلام.
وهذا الوضع جعل المعتنقين للإسلام - حديثاً - أوسع فهماً ومعرفة بالأمور
الشرعية وأكثر نشاطاً في الدعوة من أقرانهم من المسلمين بالوراثة.
ومن العوامل التي تساعد الشعب الفلبيني على اعتناق الإسلام تركيبتهم
الطبقية من حيث الوضع الاقتصادي لأن الدولة كلها عبارة عن قطاع خاص،
ولاسيما الزراعة التي وصلت قمة النظام الإقطاعي الذي عرف في القرون الوسطى، الأمر الذي جعل الفارق كبيراً بين الفقراء والأغنياء، مما دفع مثقفيهم إلى كراهية
هذا الوضع الاحتكاري البغيض.
والمسلمون المعتنقون للإسلام - حديثاً - لهم مشكلات
تتلخص في الآتي:
١- أن مسلمي الميلاد يعتبرون المعتنقين للإسلام من الدرجة الثانية، ويظنون
أن الإسلام يخصهم وحدهم، ويظهر ذلك في علامات عدم الترحيب بالقادم لإعلان
إسلامه، ويزيد اليقين عندي في هذا الأمر إجماع كل الإخوة العرب على هذا الرأي، بيد أنني لاحظت عدم نشاط مسلمي الميلاد في دعوة غير المسلمين للإسلام؛
فمعظم المعتنقين للإسلام عرفوه من الدعاة المسلمين العرب أو دعاة الرافضة، كذلك
لاحظت أيضاً الصعوبات التي تقابل المعتنق للإسلام - حديثاً - عندما يطلب إعلان
إسلامه على يد بعض مسؤولي المراكز الإسلامية، حيث يطلب منه مبلغ من المال
إمعاناً في التعقيد! ! وربما تقليداً للنصارى في طريقة التعميد فتحول الإسلام عند
هؤلاء إلى مجرد طقوس.
٢- وعلى ضوء ما ذكر آنفاً: غالباً ما تحدث مشادة بينهم حيث يكون المسلم
الجديد شغوفاً بمعرفة أمور العقيدة والآخر كسولاً فضلاً عن شعوره بالحسد لكونه
أقل معرفة بالإسلام من المسلم الجديد، فعندما يصحح الأول خطاً ارتكبه الثاني في
العبادة أو العقيدة تجد المسلم بالميلاد لا يقبل ذلك قائلاً له: (متى عرفت الإسلام
حتى أصبحت فيه عالماً؟) ولا تمضي لحظات حتى تجد المسلمين بالميلاد تجمعوا
حول هذا لضربه! ! ولو كان على حق، بك قد يصل الأمر أحياناً إلى القتل -
والعياذ بالله - لمجرد أنه ليس مسلماً بالميلاد! !
٣- من أكبر مشكلات معتنقي الإسلام - حديثاً - فقدانهم لأعمالهم وذويهم
وبخاصة النساء منهم؛ وذلك قد يكون لاكتشافها أن عملها حرام بحكم الإسلام، أو
أن يحاربها أهلها لاعتناقها الإسلام، وهذا صراع قاس ومرير في بلد قل أن يوجد
فيه المؤازر وكل شيء فيه بثمن إلا الهواء.
٤- والمسلم الجديد غالباً لا يجد من يتابعه ويواسيه في مصائبه لعدم وجود
مركز يختص بهذا الأمر، مما يجعله سهل الانزلاق مع الرافضة المتأهبة لهذه
الحالات أو الارتداد عن دينه عندما تشتد به المحن ولا يجد مخرجاً منها.
٥- المسلم الجديد لا يعرف الفرق بين الغث والسمين، لذلك نشط الرافضة
بين المسلمين الجدد لاحتوائهم ولقد نجحوا -إلى حد كبير- في استقطابهم، بل هناك
من لم يعرف الإسلام إلا عن طريقهم لكثافة نشاطهم وتوافر كتبهم ومساعداتهم.
٦- أما أكثر مكاتب المسلمين القائمة بالدعوة هناك - وبالرغم مما تقدمه من
جهود - إلا أن نشاطها محصور في توزيع بعض الكتب وقليل من حلقات تحفيظ
القرآن، لكنها لا تقوم - بما فيه الكفاية من المتابعة والتقصي وراء المسلمين
أصحاب المشكلات الذين يحتاجون إلى الدعم والمؤازرة [*] .
ثانياً: المسلمون بالميلاد:
هذه الفئة مارس الاحتلال البرتغالي والأسباني - والأمريكي مؤخراً - معهم
طريقة جعلتهم أقل تعليماً وأكثر تخلفاً، مع أنهم يقطنون في أخصب الأراضي
الزراعية في جنوب الفلبين، وهم الوحيدون المتمتعون بالدعم الكبير الذي يصل
إليهم من بلاد المسلمين، مع العلم أن هذا الدعم لا يوزع إلا على السلاطين وقليلين
من غيرهم؛ الأمر الذي جعلتهم في وضع طبقي أيضاً، فهناك فئة في تخمة من
الشبع وفئة تتضور من الجوع.
وأكثر الفئات مهضومة الحقوق هي فئة المجاهدين والمرابطين في الثغور،
والحقيقة أنهم هم أولى الفئات بالدعم.
هذه التركيبة جعلت الفئة المتنعمة غارقة في الكسل والخمول، والفئة الثانية
حاسدة ومنتظرة للمزيد من الدعم لتحسين حالهم بدلاً من الكد والمثابرة لتحسين
الأوضاع بطرق الكسب الشريف.
ولقد وجدت ظاهرة جديدة تأكيداً للكسل حيث أصبح عدد من مسلمي الميلاد
يبيع أرضه للنصارى ويهاجر إلى المدينة في شمال البلاد، وذلك بخطة من الكنيسة
التي عجزت عن تنصيرهم فعمدت إلى إخلائهم بشراء الأرض وتسليمها للنصارى،
أملاً في تحويل المنطقة إلى منطقة نصارى مغلقة.
بجانب هذا الوضع السيئ فلقد أحيا الأعداء فيهم نعرة قبلية مقيتة تلاحظها في
سوء العلاقات بين القبائل حتى بلغت درجة القطيعة والحرب، وجعلت الرجل لا
يتزوج من غير قبيلته ظناً منه أن القبيلة الثانية كافرة! ! ، هذا مع غلاء المهور
الفاحش الذي لا يتصوره العقل.
ولقبائل مسلمي الفلبين درجات طبقية تبدأ بقبيلة (المرناو) على أنها أرقى
القبائل ثم (المقتدناو) ثم (التاوسوق) ثم تأتي بعدها القبائل الصغرى الأخرى والفارق
بين هذه القبائل هو فقط الكم العددي للقبيلة الذي يكسبها قوة ومنعة وعليه جاء هذا
التدرج، وقبيلة التاوسوق هي القبيلة المقاتلة حقاً وقد كلفت ببناء المساجد في جميع
أنحاء الفلبين وذلك لغيرتهم الإسلامية أكثر من غيرهم.
ومن المؤسف حقاً أنهم لا يعرفون العقيدة الصحيحة ولا يميزون بين الحلال
والحرام ومعظمهم صوفي، وبدأت تدخل عليهم ضلالات الرافضة مؤخراً، كما
سيتبين فيما بعد.
ثالثاً: الصوفية:
- تنتشر البدع الصوفية بين أئمة المساجد في المدن الكبرى، كما تنتشر
الصوفية في جزر هولوسولو وتاوتاوي وباسيلان، حيث يكثر بينهم التعامل بالسحر
والشعوذة وخاصة الطريقة الرفاعية، وهناك فرق أخرى من الصوفية قد لا يوجد
لها مثيل، منها:
* القرديون: وهم يعتقدون بأن القرود لها قدرة على شفاء الأسقام المستعصية.
* المنبريون: وهم يعتقدون بقدسية المنبر العتيق في بعض المساجد.
* الجنيون: وهؤلاء يتعاملون مع الجن بالسحر والشعوذة.
* القبوريون: وهؤلاء هم المستغيثون بقبور من يسمونهم أولياء ويتوسلون بهم
ويقدمون لهم القرابين وما إليها من شركيات.
- لقد نشر الصوفيون كثيراً من البدع والخرافات مثل إقامة المآتم ومراسم
الدفن - تقليداً للنصارى - وقراءة القرآن على الأموات، وإقامة الولائم بعد عشرين
يوماً من الوفاة وبعد أربعين أو خمسين يوماً من الوفاة أيضاً، وغير ذلك من البدع
مثل إحياء ليلة النصف من شعبان والاحتفال بالمولد النبوي، كما ظهرت بينهم
عقيدة تناسخ الأرواح.
رابعاً: الرافضة:
للرافضة نشاط ملموس بين المسلمين بعامة وطلاب الجامعات والمعاهد
بخاصة، فقد أخذوا يشككون المسلمين في دينهم من عدة نواح، وهم يقسمون
نشاطهم إلى قسمين نشاط للمسلمين وآخر لغير المسلمين - حيث إن عدداً دخل
الإسلام عن طريقهم -مع أنهم لا يركزون كثيراً على هذا الجانب.
فهم يقدمون للمسلمين ما يشككهم في معتقد أهل السنة والجماعة، وبهذا
التشكيك ظهرت مشكلة صارت تواجه المسلمين والرافضة - على السواء - من قبل
النصارى؛ حيث ظن النصارى أن الإسلام إسلامان والقرآن قرآنان، إسلام شيعي
وآخر سني وقرآن فاطمة وقرآن السنة، وبهذا فقد قالوا: إن القرآن محرف كما
نقول نحن حيال الإنجيل، والإسلام متعدد مثل النصرانية -كاثوليك وبروتستانت-
وأصبح هذا من مفتريات المنصرين على الإسلام التي استلهموها من مفتريات
الرافضة.
والآن بدأ الرافضة يركزون نشاطهم في الجنوب - حيث الثقل الإسلامي -
وذلك لأن الشمال أصبح مكتظاً بالشباب من العرب الذين ذهبوا إلى الفلبين طلباً
للدراسة، حيث يوجد الآن في مانيلا وحدها قرابة السبعة آلاف طالب، منهم عدد لا
بآس به يقوم بمحاولة الرد على الرافضة، وهذه المحاولات -مع ضعفها- أعاقت
سير دعوة الرافضة هناك، فضلاً عن أن سكان الجنوب مسلمون بالوراثة ولا علم
لهم بأباطيل الرافضة -إلا ما رحم ربي- مما جعلهم أكثر تقبلاً لضلالاتهم، بجانب
ما يوجد فيهم من صوفية متفشية تحرم صاحبها من التدقيق والتحقيق، علاوة على
الدعم المادي الذي يقدمه الرافضة، فضلاً عن إثارتهم للنعرة العرقية وذلك باستعداء
الفلبينيين على العرب من جانب أنهم أعاجم والروافض أعاجم فلذلك هم أحق
بالتعاون معاً، ويعتمدون على تفسير آية: [الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفَاقاً]
[التوبة: ٩٧] ، تفسيراً محرفاً مؤداه أن كل العرب كفرة ومنافقون.
والدعم الذي يقدمه الرافضة يعتبر قليلاً مقارنة بالدعم القادم من بلاد المسلمين
إلا أنه على قلته يُعْتَمَدُ في توزيعه على الإيرانيين أنفسهم عن طريق وسطاء من
أبناء الفلبين، ويقومون هم بالمتابعة الدقيقة، ويأمرون بتوزيع الدعم في الوقت
المناسب وللعمل المناسب -أي بتركيز محسوب- مما جعل لدعمهم أثراً فاق أثر
الدعم القادم من بلاد المسلمين، رغم كثرته وتعدد مصادره.
ونظراً لوجود المتخصصين والمتفرغين لدعوة الرافضة فضلاً عن الدعم
المادي والدبلوماسي المقدم من سفارة إيران وعدم وجود نظير مقابل له لدى
المسلمين أصبح نشاط الرافضة أكثر تأثيراً حتى بلغ الأمر درجة اتهام أهل السنة
والجماعة بكثرة الكلام وقلة العمل، والحق يقال: لا يعرف للمسلمين نشاط إلا
جهود دعوية وإغاثية في حدود ضيقة [*] بينما الرافضة ينشرون المعاني المحرفة
للقرآن وكثيراً من كتب مذهبهم الباطل بكل اللغات المحلية والإنجليزية، وكفى
شاهداً على نشاطهم بناء مسجد كبير بمدينة (دوماجتي) باسم مسجد الخميني، بينما
لا يوجد مسجد واحد باسم أهل السنة والجماعة في المدن الكبرى نهائياً! ! ، وهم
دائماً يلمزون مسلمي السنة بأنهم وهابيون مبتدعون! !
ولا يمكن للمرء أن يتصور إلى أي مدى أثرت أباطيلهم، والأدهى من ذلك
والأسوأ: أنه لم يقم أحد بالرد على هذه الأكاذيب ولو بطريق غير مباشر حتى الآن، مما جعلهم يقولون: إن هذا هو الحق وإلا لماذا لم يرد عليهم أحد من أهل السنة
والجماعة؟ ! وفعلاً لقد صدَّق العوام هذه الأراجيف كل التصديق، ونحن جميعاً
مسؤولون عن الرد على هذه الأباطيل ما لم يقم من يفندها.
ولقد قام الشيخ سلامات هاشم - مؤخراً - بنشر مجلة في حدود ضيقة على
نفقته لدحض أراجيف الرافضة، إلا أنها لم تنهض بالمهمة الكاملة.
ومع العلم أن زعماء الرافضة الأساسيون هم إيرانيون لا يتعدون العشرة في
كل الفلبين، لكنهم لا يلتقون بالجمهور مباشرة بل عن طريق وسطاء من أبناء
الفلبين كما أنهم يعملون بأعمال توهم الناس بأنهم فقراء ولا دخل لهم بشيء سوى
كسب القوت مثل الجزارة أو المطاعم الصغيرة وصناعة الخبز.
وعندما يرغبون في اجتذاب القادة الكبار من المسلمين لاعتناق مذهبهم الهدام،
يعطونهم تذاكر طيران مفتوحة لعدة بلدان إسلامية، وعند ذهابهم لتلك البلدان
يعرضون عليهم أسوا ما في تلك البلدان، ثم يدعونهم بعد ذلك لزيارة إيران حيث
يعرضون عليهم أفضل المناطق، ثم يهيئون لهم مقابلات مع كبار قادة إيران إمعاناً
في الإغراء، ثم يطرح عليهم السؤال: أي البلدان أكثر إسلاماً؟ إيران البلاد
الأخرى؟
والروافض لا يميلون إلى أسلوب الحوار المفتوح إلا إذا علموا أن المحاور
يجهل شبهاتهم وغير ملم بدقائق التاريخ الإسلامي، فهم ميالون للأسلوب الخفي
بعمل المنشورات خاصة وسط الجهلة الذين لا علم لهم وفي المناطق التي لا تتوافر
بها المراجع لدحض مفترياتهم.
والرافضة والنصارى يتشابهون في طقوسهم الدينية، وذلك في عبادة تكفير
الذنوب، حيث إن للنصارى أسبوعاً مقدساً من كل عام فيه الجمعة المقدسة يصلب
فيها أحد النصارى وهو حي دون أن يقتل، ويخرج فيها الشباب عاريي الظهور
ويضربون أجسادهم بالسياط المليئة بالشوك والحديد حتى تسيل الدماء وهم يدورون
بالشوارع كما يفعل الروافض تماماً في طقوسهم المبتدعة في أيام عاشوراء.
وهنالك أشخاص عادوا إلى الحق بعد أن أضلتهم الرافضة، ومن جملة هؤلاء
الشيخ مهدي باقندا من مدينة زامبوانقا، وهو الوحيد الذي كون صحيفة من ماله
الخاص للرد على ترهات الرافضة.
أما وسائل تشكيكهم الأخرى [**] فتتمثل في الآتي:
(١) يزعمون أن القرآن الذي بين أيدينا - نحن أهل السنة والجماعة -
محرف، وقد زيد فيه ونقص، وأن هناك مصحف فاطمة فيه مثل القرآن الذي معنا
ثلاث مرات (ومن هنا جاء زعم النصارى بأن القرآن محرف وليس كتاب واحد،
مثله مثل الإنجيل) .
(٢) طعنوا في صحة كتب الحديث التي بين أيدينا وبخاصة صحيحي
البخاري ومسلم، وذلك للتشكيك في صحة السنة النبوية الشريفة.
(٣) يكفرون الصحابة ويشككون في نزاهتهم وبخاصة الصحابة الكبار منهم،
وهذه ظاهرة منتشرة جداً حتى بين من يدعي الولاء لأهل السنة من المسلمين في
الفلبين وذلك عن جهل.
(٤) ينشرون الرذيلة بين أبناء وبنات المسلمين عن طريق (نشر المتعة) أو
ما يسمونه (نكاح المتعة) ، ففي بادئ الأمر كانوا يشيعون هذا السفاح بين المسلمين، فضلاً عن أن عدد المعتنقات للإسلام كبير وما يزال في ازدياد ملحوظ، ولكن
سرعان ما نفر النساء من هذا الرأي وكرهن الرافضة، فغير الرافضة من خطتهم،
وقالوا: إن زواج المتعة لا يجوز إلا مع المرأة النصرانية، ولقد وقعت كثيرات من
بنات المسلمين وغيرهن من المعتنقات للإسلام ضحايا لهذا الانحراف.
(٥) يزعمون بأن الأئمة الاثني عشر معصومون، وأنهم أفضل من الأنبياء والرسل.
(٦) يوزعون الكتب والمجلات التي تحمل هذه السموم دائماً في شتى جزر الفلبين المسلمة فلا يكاد يخلو منها مسجد ولا مدرسة.
(٧) يقدمون الندوات والمحاضرات بكل الوسائل المتاحة لنشر عقائدهم إن لم يجدوا من يقف ويفند مزاعمهم.
(٨) لقد أثر الروافض على بعض خريجي الجامعات الإسلامية المتخرجين
في الدول العربية واستمالوهم بالإغراءات عن طريق السفارة الإيرانية.
(٩) لقد تغلغل الروافض في صفوف (جبهة تحرير مورو الوطنية بقيادة نور
مسواري) تحت شعارات زائفة مثل محاربة الإمبريالية والصهيونية وغيرها من
الشعارات، لذلك فهناك كثير من القادة يتعاطفون مع الرافضة.
(١٠) تأثر بعض الطلبة العرب بدعاوى الرافضة فتبنوا عقائدهم الباطلة.
стр. 1891
متابعات
أسئلة الأهلة في ساحة الحوار ..
كنا ومازلنا ندعو أصحاب الفضيلة العلماء والمفكرين والقراء المتابعين إلى
التواصل مع المجلة تعليقاً ونقداً وتصحيحاً لأي أخطاء، والتعقيب على أي ملاحظة
تستحق التصويب. وقد سبق أن نشرت المجلة في العدد (٧٩) مقالة (أسئلة الأهلة
في قالبها العبثي) للكاتب سليمان الربعي، وقد وصل إلينا هذان الردان على المقال
المذكور:
- البيان -
الرسالة الأولى من الأخ / عبد الله بن عبد الرحمن:
اطلعت على ما كتبه الأستاذ سليمان الربعي بعنوان (أسئلة الأهلة في قالبها
العبثي) المنشور في العدد (٧٩) . - وأعجبني حسن أسلوبه وقوة عرضه، وأهمية
القضية التي عالجها الكاتب، واللهَ أسال أن يبارك فيه ويوفقه لكل خير.
ولكن استوقفني وصفه لسؤال عرضه بعض الصحابة في شأن الأهلة.. بأنَّه:
(ساذج يدل على سطحية في التفكير وبدائية في النظر ومحدودية في التناول التأملي، وبساطة البحث عن المعرفة الفكرية المهمة المناسبة للمكان والزمان ... ) .
ومن المعلوم المتفق عليه أنَّ للصحابة ﵃ منزلة جليلة، ومكانة
كبيرة، فلا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، وأنهم أبرّ هذه الأمة قلوباً
وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، وأن من أصول أهل السنة والجماعة موالاتهم
لأصحاب النبي ﷺ ومحبتهم، والكف عمَّا شجر بينهم.
وفي الآية الكريمة المشار إليها في المقال تأديب للصحابة ﵃
بأن يسأل المرء عمَّا ينفعه، ويترك ما دون ذلك من الأسئلة التي لا تنفع في الدين.
ولا شك بأن الكاتب لم يُرد على الإطلاق تنقص أحد من الصحابة، ولعل
مراده أن يُشتغل بالأمور العملية النافعة، فالسلف الصالح كانوا يكرهون الحديث
فيما لا تحته عمل. وهي -فيما نحسب- زلة قلم غير مقصودة، وإنا على ثقة -إن
شاء الله- بأن الكاتب لو أعاد قراءة المقالة مرة ثانية لتنبه لذلك وصحح عباراته..
وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
الرسالة الثانية من الأخ / محمد آل عبد العزيز: ومما جاء فيها:
قرأت مقالة الأخ سليمان الربعي (أسئلة الأهلة في قالبها العبثي) ، وأشكره
على حرصه وغيرته وجمال أسلوبه، وأرجو أن يتسع صدره للملحوظة التالية:
عتب الكاتب على بعض الناس الذين يسألون عن عقيدة ذلك الأستاذ وعلى أي
شيء توفاه الله؟ وماذا كان منهجه في الممارسة؟ وفي عام كذا وكذا ماذا عمل؟
وفي مكان كيت كيف شوهد؟ نقبوا في تراثه؟ وماذا ترى يا شيخ في القوم المحبين
له؟ وفي الفتية المثنيين عليه؟ وهلم جرا من هذه الألوان القاتمة في أفق الساحة
من بعض الناس المحسوبين على الدعوة.
ولا أجد أي حرج في السؤال عن عقيدة أحد الكتاب أو الدعاة، أو عن تاريخه
ومنهجه وتراثه، فالتقويم والتصويب أمر لازم إذا التزم بالمنهج العلمي والأدب
الإسلامي، وبخاصة في مثل هذا العصر الذي اختلطت فيه السبل وكثر فيه الدخيل، وهو منهج شرعي سبقنا إليه أئمة هداة من سلف هذه الأمة الأبرار الذين بنوا علم
الجرح والتعديل، فتكلموا عن الرواة قوة وضعفاً، وعن المرويات صحة وسقماً.
وبهذا حفظ الله الدين؛ قال محمد بن سيرين: (ما كانوا يسألون عن الإسناد فلما
ظهرت الفتن؛ قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظرون إلى أهل السنة فيأخذون حديثهم
وينظرون إلى المبتدعة فيتركون حديثهم) .
وأحسب أن الكاتب يتفق معي في هذا الرأي، ولكنه أراد أن يستنكر على
بعض الناس الذين يأخذون بالظنة ويتهمون بغير بينة، بل يتحدثون بجرأة عن
سرائر القلوب، ويرتبون على دقائق المسائل أموراً عظاماً لا تقتضيها. ونتيجة
ذلك أن أقرب شيء إلى ألسنتهم التبديع والتضليل بل التكفير بدون دراسة شروط
ذلك ومعرفة موانعه.. وهذا أمر غير محمود نهى عنه السلف والأئمة قديماً وحديثاً، والعدل لازم مع كل أحد، والله (تعالى) أعلم.
تعليق المجلة:
نشكر الأخوين الكريمين على هذين التعليقين اللطيفين، فنحن نرحب بكل نقد
هادئ هادف يلتزم الدليل الشرعي، ويتحلى بالأدب وحسن الظن، والمسلم مرآة
أخيه المسلم، وهذا من التواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، ويسعدنا جداً
ذلك النقد البناء لأننا نرى أنه ليس موجهاً للكاتب فحسب بل موجه لإدارة المجلة
وهيئة تحريرها.. ورحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا.
والتواصل مع المجلة كتابة وتعليقا وتصحيحاً مطلب نلح عليه ونحث معشر
القراء على القيام به، ولا شك أن القارئ الناضج مكسب نسعد به ونفرح، ونجاح
المجلة وسلامة منهجها وصفاء طريقتها يحتاج إلى التعاون والتكاتف.
وهيئة تحرير المجلة توافق الأخوين على ما ذكراه، وتؤكد أن الكاتب لم
يقصد ما حذر منه القارئان الكريمان، وهو -كما ذكر لنا- لم يقصد أي شيء مما
أخذ عليه ويبرأ إلى الله أن يكون ذلك مقصده.
لكنه كان يتحدث عن ظاهرة ملموسة كانت محور حديثه وأراد التنبيه لسلبياتها. فجزاه الله خيراً، فمن ذا الذي لا يسيء قط، ومن له الحسنى فقط، ولكنها زلة
قلم، نسأل الله للجميع العفو والتوفيق والسداد..
стр. 1892
في دائرة الضوء
مراجعة لا رجوع
دعوة إلى النقد والتقويم لمسارنا الدعوي
محمد محمد بدري
في الملاحة يعرف قائد السفينة أنه لا يكفيه أن يقلع في اتجاه هدفه، بل يجب
عليه (مراجعة) مساره على طول الطريق، فإذا عدّل مساره لتفادي الهلكة لم يشعر
أبداً أنه (رجع) عن الهدف، وإنما هو يؤَمِّن وصوله إليه.
وهذه المقالة هي دعوة هادئة لا تزعج المستيقظ ولكن توقظ النائمين لإقرار
مبدأ (المراجعة) لمسار العمل الإسلامي لتعديل وسائله وفق الواقع والإمكانات حتى
لا تبقى سفينة حركتنا الإسلامية حائرة في خضم أمواج الكوارث والمشكلات دون
أن تعرف طريقها إلى شاطئ التمكين! !
المراجعة والفهم الخاطئ:
إذا ذكرت كلمة (مراجعة) أو (نقد) ، في بعض الأوساط الإسلامية غلب على
أفهام السامعين أنها ترادف كلمة (تشهير) .. (تجريح) .. (غيبة) إلى غير ذلك من
الكلمات التي تنافي الأخوة الإيمانية، وتخلخل الصفوف، بل وتفضح العورات،
وتكشف ثغرات صفهم أمام الأعداء! !
ومن هنا نجد أن عملية (المراجعة) و (النقد الذاتي) لمسار العمل الإسلامي
عملية غير رائجة في أوساطنا الإسلامية، بل تُوَاجَه في كثير من الأحيان بلون من
(التشنج) الفكري الذي يخلط بين المحن بسبب أخطاء يجب مراجعتها، وبين
الابتلاء الذي هو سنة الدعوات، ومن ثم يتهم من يقوم بالمراجعة والنقد الذاتي بأنه
رجع عن الطريق، ولم يثبت للمحن! ! وهذا في حقيقته كارثة كبرى!
المراجعة مطلوبة. وهذا هو الدليل:
إن المراجعة والنقد الذاتي هما طريقا القرآن والسنة، ومنهج الأئمة من سلف
هذه الأمة:
* فأما القرآن والسنة:
فقد عرض القرآن كثيراً من غزوات النبي ﷺ وصحابته من الجيل القرآني الفريد، وأوضح فيها الأخطاء والتقصير على المستوى الفردي والجماعي.
- ففي أحد: كانت الجماعة المسلمة تعاني آلام الهزيمة، وبينما هي في
المحنة نزلت آيات القرآن، لا لتبارك جهود المسلمين وبطولاتهم في هذه الغزوة،
ولا لتوصيهم بالصبر بعد أن قاموا بما عليهم وبذلوا غاية جهدهم، بل ل (تراجع)
المعركة وتشير إلى نقطة الخطأ بكل وضوح [مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا] ، فالقرآن
يشير إلى أنه كان بين المؤمنين - الذين بقوا مؤمنين وعفا الله عنهم مع تقصيرهم -
كان بينهم من يريد الدنيا! ! ومع أن ما حدث كان بإذن الله [ومَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى
الجَمْعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ] مع هذا: أخبرت الآيات أن المصيبة كانت
من عند أنفسهم [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ
عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] .
- في غزوة تبوك: جاء قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ
لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا
مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ] [التوبة: ٣٨] .
- في حنين: نزل قوله (تعالى) : [ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ
عَنكُمْ شَيْئاً وضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] [التوبة: ٢٥] .
- وفي غزوة بدر الكبرى: نزل قول الله : [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ
مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وإنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ
كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى المَوْتِ وهُمْ يَنظُرُونَ] [الأنفال: ٥-٦] .
* وفي سرية عبد الله بن جحش ﵁ بصائر للذين يرفضون
المراجعة في أوساطنا الإسلامية: لقد خرجت هذه السرية بأمر من رسول الله -
ﷺ بهدف استطلاع أخبار قريش، فمرت بها عير لقريش وحدث
اجتهاد خاطئ أخرج السرية عن مهمتها الأساسية إلى قتال مع هذه العير في آخر
يوم من رجب، ورجع عبد الله بن جحش بالعير وأسيرين إلى رسول الله، فماذا
قال الرسول ﷺ ؟
لقد قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام.
وحين نزلت آيات الوحي، كيف عالجت هذه القضية؟
لقد كانت آيات الله حاسمة: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ
فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ
اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ] [البقرة: من الآية ٢١٧] .
إن أول ما يتبين لقارئ هذه الآيات أن القرآن قد أتى بتقرير واضح بَيَّن أن ما
حدث كان خطأ بل وخطأ كبيراً [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ] تقرير للخطأ ومطاردة له بين
صفوف المسلمين، ثم جعل القرآن هذا التقرير للخطأ دماً جديداً في جسم المجتمع
الإسلامي، وكشفاً وفضحاً لأعداء الله من المشركين، وبياناً لجريمتهم الأكبر
[والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ] .
وفي غير سرية عبد الله بن جحش كانت المراجعة للخطأ -إذا وقع - هي
طريقة القرآن، وكان الاستدراك له هو طريقة السنة:
وتكفي نظرة في القرآن، وقراءة لأخبار السير والمغازي لتأكيد ذلك وبيان أن
المراجعة الدائمة والتبصير بالأخطاء هي طريقة القرآن والسنة.
المراجعة لدى الرعيل الأول:
وعلى طريق القرآن والسنة سار الأئمة من سلف هذه الأمة: فكان منهجهم
الفكري وواقعهم العملي هو الحض على المراجعة والنقد الذاتي والدعوة إليهما، بل
كانت هذه المراجعة هي صفتهم التي تميزهم عن أهل الأهواء كما أخبر عبد
الرحمن بن مهدي أحد شيوخ الشافعية وغيره: (أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم) [*] .
ولذلك وجدنا أهل الحديث الذين أخذوا على عاتقهم المحافظة على سنة رسول
الله ﷺ يضعون أصول الجرح والتعديل، ذلك العلم الذي لا
يخرج عن أن يكون لوناً من ألوان النقد الذاتي والمراجعة للرواة.
ويماثل الجرح والتعديل في الحديث، واجب (الحسبة) الذي يهدف إلى حفظ
الشريعة والأخلاق في المجتمع الإسلامي، ويراقب فاعليتها في حياة المسلمين.
وهكذا وجدنا العلماء في كل عصر ينبهون على المغالطات التي تحدث في
الأمة سواء أكانت من المبتدعة أو غيرهم.
وإذاً فالمراجعة والنقد الذاتي واجب شرعي لا يملك المسلم إزاءه اختياراً،
وضرورة دعوية وحركية لمتانة الصف الإسلامي وصلابة الأرض التي يقف عليها.
ومن هنا وجب علينا أن يكون عندنا من رحابة الصدر وسعة الأفق ما يجعلنا
قادرين على هضم الانتقادات والمراجعات ووضعها في مكانها السليم اقتداء بأئمتنا
من سلف هذه الأمة.
حتى تنجح المراجعة ماذا يلزمها؟
ولكي تكون المراجعة والنقد الذاتي جزءاً من أعمالنا، وطريقاً إلى مواجهة
ذواتنا بعيداً عن الاندفاعات والظنون، وسبيلاً إلى النمو السليم لأعمالنا لا بد أن
يتوفر فيهما عدة أمور، منها:
١- الإخلاص والكفاءة: حتى لا تكون المراجعة والنقد جهوداً عرجاء لا
تمشي على رجلين لابد من شرطين أساسيين، هما: (الإخلاص) و (الكفاءة) ؟ !
* فأما الإخلاص: فهو إيثار الحق على كل الخلق في نقد الأعمال وتقويم
المواقف، بحيث يكون شعار النقد [وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] .
* وأما الكفاءة: فهي امتلاك المعايير الدقيقة للنقد والمراجعة من الكتاب
والسنة، والإحاطة بالواقع مع استحضار تجارب الماضي وخبرات السابقين. ولا
يغني شرط من الشرطين عن الآخر؛ إذ لو توفرت (الكفاءة) وافتقد (الإخلاص)
تحول النقد إلى لون من ألوان الدجل الفكري الذي يضر أكثر مما يفيد! ! وأمّا إذا
توفر شرط (الإخلاص) دون توفر شرط (الكفاءة) والقدرة على المراجعة والنقد:
تحول النقد إلى لون من ألوان الألعاب الصبيانية التي لا تقوِّم اعوجاجاَ ولا تُصلح
فساداً، وإذن: فلا بد من توفر شرطي الإخلاص والكفاءة ليؤدي النقد دوره في
ترشيد العمل ودفعه إلى النمو السليم.
٢- نقد الذات لا نقد الآخر: الناقد الحق ليس من يرى القشة في عيون
الآخرين، ويغفل عن العود في عينيه، وليس من يسكت عن الجرائم الكبيرة في
فصيله الإسلامي، ويطارد الهفوات في الفصائل الأخرى، وإنما الناقد الحق هو من
يعكف على الذات فيربيها على أمر الله ويأخذها بشرعته (سبحانه) ، تربية ميدانية
من خلال (ممارسة) العمل الإسلامي (ومعايشة) معاناته اليومية، (واستشعار)
التحديات المحيطة به، فإذا فعل ذلك، كان نقده أداة تنظيف للوعي والخلق في
فصيله الإسلامي -قبل الفصائل الإسلامية الأخرى- ووسيلة من وسائل وقاية الدعوة
والحركة الإسلامية من تراكم الأخطاء التي تنفجر في فتن مدمرة تأتي على كيان
العمل الإسلامي! .
٣- تحقيق الإصلاح لا ترسيخ الفوضى: من السهل أن ينقد إنسان عملاً ما
أو يعدد المآخذ الكثيرة على موقف من المواقف، ولكن الاختبار الحقيقي هو: هل
يملك هذا الإنسان القدرة على تطوير العمل الذي ينقده بحيث يرتقي به إلى الأفضل، ويفتح أمامه المجالات الأرحب والآفاق الأوسع؟ وهل يقدر هذا الذي ينقد موقفاً ما
أن يوجهه إلى كيفية القيام بدور أكبر ووظيفة أشمل؟ هذا هو الاختبار الحقيقي! !
إن النقد الصحيح (بِنَاء) و (مشاركة) تحيط بالعمل وتوجهه إلى الأفضل،
وليس مجرد المعارضة التي لا تبتغي إصلاحاً، وإنما فقط تُرسخ الفوضى.
٤- تبادل النصائح لا تبادل التهم: النقد والمراجعة لابد أن يكونا في إطار من
الحكمة والصبر، وفي أسلوب يضبطه قول الله :
[وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً..] وقوله سبحانه: [وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ذلك أن النقد موقف (نصح) لتبادل الآراء والأفكار، وليس موقف (عداء) لتبادل الشتم والضرب!
كما أن النقد والمراجعة ليسا وصاية على الآخرين ولا إرهاباً لعقولهم، وإنما
هما محاولة للتعرف على ما في ممارساتنا من خلل وخطأ للرجوع عنه، واكتشاف
ما فيها من صواب للاحتفاظ به وتنميته.
٥- علانية النقد لا إسرار النصيحة: تختلف طريقة مناصحة الفرد عن
طريقة نقد ومراجعة أعمال الجماعة، فالأولى: يجب أن تتم في السر وإلا تحولت
إلى لون من ألوان التشهير، وأما الثانية: فلابد أن تتم بشكل علني ليراها الجميع،
ويقوم الجميع بتصويبها، إن النقد الذاتي والمراجعة ليسا مجرد النجوى المحدودة
التي يقوم فيها الناقد بالإسرار بالأخطاء إلى أخيه المجتبى في خلوة حميمة، وإنما
النقد إعلان مشهود عن الخطأ على رؤوس الملأ، إعلان يتمتع بصراحة الأسلوب،
ووضوح الأفكار مع الاحتفاظ في ذات الوقت بالهدوء الضروري في محاصرة
الظواهر السلبية حتى لا يضيف إليها النقد ظواهر سلبية أكبر وأخطر. هنا قد نسمع مقولة يرددها بعضهم مفادها أن النقد بهذه الصورة يقود إلى الفرقة وخلخلة الصفوف الإسلامية؟ ! .
وبادئ ذي بدء، نحن لا نشك في (إخلاص) من يرددون هذه المقولة، ولكنا
نعتقد أنهم كالأم التي تصل محبتها لوليدها إلى عدم تقويم سلوكه وتربيته على تحمل
المسؤولية، فتصنع منه إنساناً عاجزاً هشاً، بل قد تؤدي محبتها له إلى موته لأنها
تخشى أن تذهب به إلى الطبيب فيصف له دواء مراً وحقناً مؤلمة.
نعم، إن النقد الذاتي والمراجعة هما الدواء لعملنا الإسلامي من أمراضه،
وهما التطعيم الذي يقيه - بإذن الله - من الإصابة بتلك الأمراض في المستقبل،
وإذا كان لهذا الدواء بعض الآثار السلبية فإن هذا لا يعني أن نترك مرضانا بغير
علاج حتى يفترسنا المرض ويقضي علينا.
فإن قال قائل: إن الفرقة ليست الأثر السلبي الوحيد، بل هناك ما هو أخطر، إن النقد الذاتي والمراجعة يكشفان عوراتنا أمام أعدائنا المتربصين!
قلنا: إن هذه المقولة تفترض في أعدائنا الغباء المحكم والجهل التام، بينما
الحقيقة أن خصومنا يعرفون عنا ما قد يفوق -أحياناً - ما نعرفه نحن عن ذواتنا،
لسبب بسيط وهو أنهم يعلمون أن في غفلتهم عنا سقوطهم، وهم حريصون على
عدم السقوط.
إن التستر على الأخطاء بدعوى عدم خلخلة الصفوف أو تبصير الأعداء
بمواطن الضعف هو في حقيقته الأمر الخطير والمفسدة العظيمة، ذلك أن دراسة
الفشل تفيدنا أكثر مما يفيدنا نصف نجاح خداع يُبْقي على عوامل الفشل التي لا تُنْتِج
في النهاية إلا السقوط والتوجه نحو السراب.
إن غياب المراجعة والنقد الذاتي تَسبب في كثير من المرات في خروج قطار
الحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية على وجه العموم عن طريقه ليسير بطريقة
عشوائية أو بغير سبيل وطريق دون أن يجد من يعدل انحرافه ويصوب أخطاءه
حتى لا تتكرر الكوارث، ونكتفي جميعاً بالشكوى من تكرار الكوارث وتجارب
الفشل، وكأن الشكوى هي العلاج! !
إن أي طريقة في العمل الإسلامي لا يجب أن تكون منديلاً على أعيننا يمنعنا
من إعادة النظر فيها ومراجعتها في أي لحظة نريد، فإذا كشفت لنا مراجعتنا عن
أخطاء ارتكبناها، فلنعلم أن الاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من الذات وإنما يؤدي
إلى تزكيتها، ويحول دون تدسيتها، وأن الندم على الأخطاء يكون دائماً هو الحافز
على مواصلة السير بتصور كثر وضوحاً وأقل أخطاءً.
إنه ليس من الصواب - ولا من الممكن - أن نعبر آفاق المستقبل ونخوض
غماره دون أن نعي جيداً أحداث ماضينا ودروس حاضرنا، ولن نقدر على ذلك إلا
عبر (المراجعة) للماضي (والنقد) للحاضر، فمتى ندرك أن وعينا بدروس الماضي
ونقدنا لصفحة الحاضر لا تعني بأي حال الرجوع عن أهدافنا الصحيحة، وإنما هي
(مراجعة) لا (رجوع) ؟ !
هدية ﷺ في زكاة الفطر
فرضها رسول الله ﷺ على المسلم، وعلى من يُمُونه من
صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو
صاعاً من اقط، أو صاعاً من زبيب، عن أبي سعيد الخدري قال: (كنا نخرج
زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من
أقط، أو صاعاً من زبيب) ، أخرجه البخاري ٣/٢٩٤، ومسلم ٩٨٥.
(زاد المعاد ج٢ ص ١٩)
стр. 1893
منتدى القراء
هم يفصلون ونحن نلبس
باسل علوظي
التبعية الفكرية عند الكثير من المثقفين لا تعدو أن تكون تأثراً بالنظريات،
وانبهاراً بالأفكار الغربية وإذا جئت تطبق النظرية على الواقع وجدت الأمر معقداً
وظهرت أمامك علامات استفهام، ولأضرب لك مثالاً من تجربتي:
من القوانين التي درستها في علم الفيزياء قانون الغاز المثالي
ح. ض = ن. ك. ت. باللاتيني P. V = N. R. T
ونعيش مع هذا القانون حصصاً طويلة وعليه تبنى صناعات عديدة ويحفظه
ملايين الناس في رؤوسهم، وإذا جئنا إلى الواقع (والطبيعة) وجدنا هذا القانون غير
صحيح على إطلاقه، ومن الخطأ تعميمه لأنه خاص بالغاز المثالي، وهذه المعلومة
بعينها لم أذكر أني سمعتها في بلادنا من مدرسينا - إلا مرة من مدرس أتى من
الخارج - في حين أن هذه المعلومة يعرفها تقريباً كل كبير وصغير هنا في ألمانيا -
حيث أدرس -.
فالقوانين النظرية هي تبسيط وتشريح لأجزاء من الواقع إذا ضمت إلى
بعضها أصبحت معقدة بحيث لا يكاد يستوعبها عقل، فلذلك لابد من النظرة الشاملة
لمن يغوص في تفاصيل أي فكرة أو تجربة والا لكفت قوانين نيوتن لمكوكات
الفضاء، ولكن نظريات أينشتين النسبية كانت أنسب وأشمل حيث أخذت المتغيرات
بعين الاعتبار، أما ما كان لدى نيوتن فقد كان ثوابت (بدهيات) .
وفي الوقت الذى يعتبر فيه الغرب حرِّية الإنسان أساساً لابد من الحفاظ عليه
(نظرياً) نجدهم يمنعون بعض الأحزاب التي تشكل خطراً على مجتمعاتهم، ففى
ألمانيا لا يعترفون بالإسلام باعتباره ديناً رسمياً، ويعترفون باليهودية، مع العلم أن
عدد المسلمين في ألمانيا يقرب من مليونين في حين لا يتجاوز عدد اليهود بضعة
آلاف.
فكيف نفهم هذا التناقض إذا نظرنا إلى الديموقراطية والحرية من خلال
مفهومهما الفلسفي النظري، هذا يُرد إلى مُرَّكب معتمد في أرض الواقع تلعب فيه
مفاهيم أخرى أدواراً متفاوتة من حين لأخر؛ منها -بل وأهمها كما يبدو لي- انتماء
الشعوب الغربية الأوروبية إلى دين آبائهم وأجدادهم، فاذا أحسَّوا بأن غيرهم يحمل
فكراً قد يجعلهم تبعاً له قالوا: [بَلْ نَتَّبِعُ مَا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا] وقد صرح بذلك
الوزير دوجلاس في بيان مشترك مع مجموعة الشعوب البريطانية (الكومون ويلث)
قدمه إلى البرلمان البريطاني في مسألة موقفهم من قضية البوسنة والهرسك بخاصة
والوجود الإسلامي في أوروبا بعامة.
فإلى من ينادي بالديموقراطية في الدول الإسلامية: هكذا يفهم أصحاب فكرتك
طريقهم فينطلقون من أرض واقعهم، فإذا فَصَّلوا وأردتَ أن تلبس فخذ مقاساً
يناسبك - وقد لا تجد - ففصل أنت من واقع أرضك وتاريخك لمستقبلك.
إن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده، ورسولنا -صلى الله
عليه وسلم- كان يخصف نعله بنفسه، وشيخ الإسلام ابن تيمية أثَّم المسلمين عامة
إذا احتاجوا لصناعة ولم يجدوا منهم من يصنعها لهم فيغنيهم عن الحاجة والتبعية
والذل لغيرهم.
стр. 1894
الورقة الأخيرة
الخروج عن النص
د. محمد البشر
(توظيف الكلمة) وسيلة قديمة قدم الأمم والحضارات البائدة التي جاء ذكر
بعض منها في القرآن الكريم، والتعبير القرآني عن (توظيف الكلمة) جاء بسياق
قصصي مختلف، فقد تحدث القرآن في غير موضع عن الكيفية التي لجأ إليها
الطواغيت في تضليل الأمة ومخادعة الرأي العام.
فقد قال فرعون في محاولته وأد الحركة الإصلاحية والتعتيم على الرسالة
السماوية: [ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ
فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] [غافر: ٢٦] ، ومن يقرأ هذه الآية ويتدبر مضمونها ويتأمل
معناها ويعي مغزاها، يدرك أن هذه الآية - كغيرها من آيات القرآن الكريم - لم
تنزل لتحكي عن فرعون بشخصه من أجل الإخبار فقط؛ بل لاستلهام العبرة والتدبر
في المعنى الذي جاء في سياق هذه الآية.
ومن المعاني المستخلصة من ركوب الظالمين مطية الدعوة، وضعهم أعواناً
يفكرون نيابة عنهم، وينطقون بألسنتهم، ويُحَسِّنون صورتهم، وتتنوع وسائلهم
بحسب ما هو متوفر عندهم، ولن ندخل في تحليل تاريخي من أجل بيان الفرق بين
ماهية الوسيلة التي لجأ إليها فرعون في محاولته إيصال رسالته إلى قومه - التي
ذكرت في الآية الكريمة السابقة - وبين الوسيلة الإعلامية المعاصرة من حيث القوة
والنفاذ والسطوة والتأثير، فالعبرة بالمعنى المراد وليس بالكيفية التي يتحقق بها هذا
المعنى.
ولذلك نقول: إن معنى أن يتحول الظالم إلى داعية للإصلاح هو معنى يتجدد
في كل زمان ومكان، لكن الفارق الجوهري بين الماضي والحاضر هو أن الوسيلة
الإعلامية المسلطة على شعوب هذا الزمان قد نجحت وتفوقت بشكل مذهل في نقل
هذا المعنى والترويج له، وأدى القائمون عليها الدور الذي قضى بهم بكل دهاء
ومكر خرج في أحيان كثيرة عن (النص) المكتوب الذي قضى مُعدوه سنين عدداً من
أجل وضع استراتيجية فاعلة لهذا السيناريو الذي تكبدوا من أجله كل العناء.
وبعد ذلك كله يخرج الإعلاميون عن النص بعد أن خامرت عقولهم نشوة
(الانتصار) بما يزيفونه، حتى أوجعوا الأمة بضربها في عقيدتها ودعوتها، وكل
ذلك (وعين الرضا عن كل عيب كليلة) .
فضل صوم ست من شوال.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه. عن أبي أيوب الأنصاري ﵁
أن رسول الله ﷺ (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال.
كان كصيام الدهر)
(صحيح مسلم ج٢ ص ٨٢٢)