← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

متابعات أسئلة الأهلة في ساحة الحوار .. كنا ومازلنا ندعو أصحاب الفضيلة العلماء والمفكرين والقراء المتابعين إلى التواصل مع المجلة تعليقاً ونقداً وتصحيحاً لأي أخطاء، والتعقيب على أي ملاحظة تستحق التصويب. وقد سبق أن نشرت المجلة في العدد (٧٩) مقالة (أسئلة الأهلة في قالبها العبثي) للكاتب سليمان الربعي، وقد وصل إلينا هذان الردان على المقال المذكور: - البيان - الرسالة الأولى من الأخ / عبد الله بن عبد الرحمن: اطلعت على ما كتبه الأستاذ سليمان الربعي بعنوان (أسئلة الأهلة في قالبها العبثي) المنشور في العدد (٧٩) . - وأعجبني حسن أسلوبه وقوة عرضه، وأهمية القضية التي عالجها الكاتب، واللهَ أسال أن يبارك فيه ويوفقه لكل خير. ولكن استوقفني وصفه لسؤال عرضه بعض الصحابة في شأن الأهلة.. بأنَّه: (ساذج يدل على سطحية في التفكير وبدائية في النظر ومحدودية في التناول التأملي، وبساطة البحث عن المعرفة الفكرية المهمة المناسبة للمكان والزمان ... ) . ومن المعلوم المتفق عليه أنَّ للصحابة ﵃ منزلة جليلة، ومكانة كبيرة، فلا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، وأنهم أبرّ هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، وأن من أصول أهل السنة والجماعة موالاتهم لأصحاب النبي ﷺ ومحبتهم، والكف عمَّا شجر بينهم. وفي الآية الكريمة المشار إليها في المقال تأديب للصحابة ﵃ بأن يسأل المرء عمَّا ينفعه، ويترك ما دون ذلك من الأسئلة التي لا تنفع في الدين. ولا شك بأن الكاتب لم يُرد على الإطلاق تنقص أحد من الصحابة، ولعل مراده أن يُشتغل بالأمور العملية النافعة، فالسلف الصالح كانوا يكرهون الحديث فيما لا تحته عمل. وهي -فيما نحسب- زلة قلم غير مقصودة، وإنا على ثقة -إن شاء الله- بأن الكاتب لو أعاد قراءة المقالة مرة ثانية لتنبه لذلك وصحح عباراته.. وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. الرسالة الثانية من الأخ / محمد آل عبد العزيز: ومما جاء فيها: قرأت مقالة الأخ سليمان الربعي (أسئلة الأهلة في قالبها العبثي) ، وأشكره على حرصه وغيرته وجمال أسلوبه، وأرجو أن يتسع صدره للملحوظة التالية: عتب الكاتب على بعض الناس الذين يسألون عن عقيدة ذلك الأستاذ وعلى أي شيء توفاه الله؟ وماذا كان منهجه في الممارسة؟ وفي عام كذا وكذا ماذا عمل؟ وفي مكان كيت كيف شوهد؟ نقبوا في تراثه؟ وماذا ترى يا شيخ في القوم المحبين له؟ وفي الفتية المثنيين عليه؟ وهلم جرا من هذه الألوان القاتمة في أفق الساحة من بعض الناس المحسوبين على الدعوة. ولا أجد أي حرج في السؤال عن عقيدة أحد الكتاب أو الدعاة، أو عن تاريخه ومنهجه وتراثه، فالتقويم والتصويب أمر لازم إذا التزم بالمنهج العلمي والأدب الإسلامي، وبخاصة في مثل هذا العصر الذي اختلطت فيه السبل وكثر فيه الدخيل، وهو منهج شرعي سبقنا إليه أئمة هداة من سلف هذه الأمة الأبرار الذين بنوا علم الجرح والتعديل، فتكلموا عن الرواة قوة وضعفاً، وعن المرويات صحة وسقماً. وبهذا حفظ الله الدين؛ قال محمد بن سيرين: (ما كانوا يسألون عن الإسناد فلما ظهرت الفتن؛ قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظرون إلى أهل السنة فيأخذون حديثهم وينظرون إلى المبتدعة فيتركون حديثهم) . وأحسب أن الكاتب يتفق معي في هذا الرأي، ولكنه أراد أن يستنكر على بعض الناس الذين يأخذون بالظنة ويتهمون بغير بينة، بل يتحدثون بجرأة عن سرائر القلوب، ويرتبون على دقائق المسائل أموراً عظاماً لا تقتضيها. ونتيجة ذلك أن أقرب شيء إلى ألسنتهم التبديع والتضليل بل التكفير بدون دراسة شروط ذلك ومعرفة موانعه.. وهذا أمر غير محمود نهى عنه السلف والأئمة قديماً وحديثاً، والعدل لازم مع كل أحد، والله (تعالى) أعلم. تعليق المجلة: نشكر الأخوين الكريمين على هذين التعليقين اللطيفين، فنحن نرحب بكل نقد هادئ هادف يلتزم الدليل الشرعي، ويتحلى بالأدب وحسن الظن، والمسلم مرآة أخيه المسلم، وهذا من التواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، ويسعدنا جداً ذلك النقد البناء لأننا نرى أنه ليس موجهاً للكاتب فحسب بل موجه لإدارة المجلة وهيئة تحريرها.. ورحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا. والتواصل مع المجلة كتابة وتعليقا وتصحيحاً مطلب نلح عليه ونحث معشر القراء على القيام به، ولا شك أن القارئ الناضج مكسب نسعد به ونفرح، ونجاح المجلة وسلامة منهجها وصفاء طريقتها يحتاج إلى التعاون والتكاتف. وهيئة تحرير المجلة توافق الأخوين على ما ذكراه، وتؤكد أن الكاتب لم يقصد ما حذر منه القارئان الكريمان، وهو -كما ذكر لنا- لم يقصد أي شيء مما أخذ عليه ويبرأ إلى الله أن يكون ذلك مقصده. لكنه كان يتحدث عن ظاهرة ملموسة كانت محور حديثه وأراد التنبيه لسلبياتها. فجزاه الله خيراً، فمن ذا الذي لا يسيء قط، ومن له الحسنى فقط، ولكنها زلة قلم، نسأل الله للجميع العفو والتوفيق والسداد..

стр. 1892

في دائرة الضوء مراجعة لا رجوع دعوة إلى النقد والتقويم لمسارنا الدعوي محمد محمد بدري في الملاحة يعرف قائد السفينة أنه لا يكفيه أن يقلع في اتجاه هدفه، بل يجب عليه (مراجعة) مساره على طول الطريق، فإذا عدّل مساره لتفادي الهلكة لم يشعر أبداً أنه (رجع) عن الهدف، وإنما هو يؤَمِّن وصوله إليه. وهذه المقالة هي دعوة هادئة لا تزعج المستيقظ ولكن توقظ النائمين لإقرار مبدأ (المراجعة) لمسار العمل الإسلامي لتعديل وسائله وفق الواقع والإمكانات حتى لا تبقى سفينة حركتنا الإسلامية حائرة في خضم أمواج الكوارث والمشكلات دون أن تعرف طريقها إلى شاطئ التمكين! ! المراجعة والفهم الخاطئ: إذا ذكرت كلمة (مراجعة) أو (نقد) ، في بعض الأوساط الإسلامية غلب على أفهام السامعين أنها ترادف كلمة (تشهير) .. (تجريح) .. (غيبة) إلى غير ذلك من الكلمات التي تنافي الأخوة الإيمانية، وتخلخل الصفوف، بل وتفضح العورات، وتكشف ثغرات صفهم أمام الأعداء! ! ومن هنا نجد أن عملية (المراجعة) و (النقد الذاتي) لمسار العمل الإسلامي عملية غير رائجة في أوساطنا الإسلامية، بل تُوَاجَه في كثير من الأحيان بلون من (التشنج) الفكري الذي يخلط بين المحن بسبب أخطاء يجب مراجعتها، وبين الابتلاء الذي هو سنة الدعوات، ومن ثم يتهم من يقوم بالمراجعة والنقد الذاتي بأنه رجع عن الطريق، ولم يثبت للمحن! ! وهذا في حقيقته كارثة كبرى! المراجعة مطلوبة. وهذا هو الدليل: إن المراجعة والنقد الذاتي هما طريقا القرآن والسنة، ومنهج الأئمة من سلف هذه الأمة: * فأما القرآن والسنة: فقد عرض القرآن كثيراً من غزوات النبي ﷺ وصحابته من الجيل القرآني الفريد، وأوضح فيها الأخطاء والتقصير على المستوى الفردي والجماعي. - ففي أحد: كانت الجماعة المسلمة تعاني آلام الهزيمة، وبينما هي في المحنة نزلت آيات القرآن، لا لتبارك جهود المسلمين وبطولاتهم في هذه الغزوة، ولا لتوصيهم بالصبر بعد أن قاموا بما عليهم وبذلوا غاية جهدهم، بل ل (تراجع) المعركة وتشير إلى نقطة الخطأ بكل وضوح [مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا] ، فالقرآن يشير إلى أنه كان بين المؤمنين - الذين بقوا مؤمنين وعفا الله عنهم مع تقصيرهم - كان بينهم من يريد الدنيا! ! ومع أن ما حدث كان بإذن الله [ومَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ] مع هذا: أخبرت الآيات أن المصيبة كانت من عند أنفسهم [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] . - في غزوة تبوك: جاء قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ] [التوبة: ٣٨] . - في حنين: نزل قوله (تعالى) : [ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] [التوبة: ٢٥] . - وفي غزوة بدر الكبرى: نزل قول الله : [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وإنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى المَوْتِ وهُمْ يَنظُرُونَ] [الأنفال: ٥-٦] . * وفي سرية عبد الله بن جحش ﵁ بصائر للذين يرفضون المراجعة في أوساطنا الإسلامية: لقد خرجت هذه السرية بأمر من رسول الله - ﷺ بهدف استطلاع أخبار قريش، فمرت بها عير لقريش وحدث اجتهاد خاطئ أخرج السرية عن مهمتها الأساسية إلى قتال مع هذه العير في آخر يوم من رجب، ورجع عبد الله بن جحش بالعير وأسيرين إلى رسول الله، فماذا قال الرسول ﷺ ؟ لقد قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. وحين نزلت آيات الوحي، كيف عالجت هذه القضية؟ لقد كانت آيات الله حاسمة: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ] [البقرة: من الآية ٢١٧] . إن أول ما يتبين لقارئ هذه الآيات أن القرآن قد أتى بتقرير واضح بَيَّن أن ما حدث كان خطأ بل وخطأ كبيراً [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ] تقرير للخطأ ومطاردة له بين صفوف المسلمين، ثم جعل القرآن هذا التقرير للخطأ دماً جديداً في جسم المجتمع الإسلامي، وكشفاً وفضحاً لأعداء الله من المشركين، وبياناً لجريمتهم الأكبر [والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ] . وفي غير سرية عبد الله بن جحش كانت المراجعة للخطأ -إذا وقع - هي طريقة القرآن، وكان الاستدراك له هو طريقة السنة: وتكفي نظرة في القرآن، وقراءة لأخبار السير والمغازي لتأكيد ذلك وبيان أن المراجعة الدائمة والتبصير بالأخطاء هي طريقة القرآن والسنة. المراجعة لدى الرعيل الأول: وعلى طريق القرآن والسنة سار الأئمة من سلف هذه الأمة: فكان منهجهم الفكري وواقعهم العملي هو الحض على المراجعة والنقد الذاتي والدعوة إليهما، بل كانت هذه المراجعة هي صفتهم التي تميزهم عن أهل الأهواء كما أخبر عبد الرحمن بن مهدي أحد شيوخ الشافعية وغيره: (أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم) [*] . ولذلك وجدنا أهل الحديث الذين أخذوا على عاتقهم المحافظة على سنة رسول الله ﷺ يضعون أصول الجرح والتعديل، ذلك العلم الذي لا يخرج عن أن يكون لوناً من ألوان النقد الذاتي والمراجعة للرواة. ويماثل الجرح والتعديل في الحديث، واجب (الحسبة) الذي يهدف إلى حفظ الشريعة والأخلاق في المجتمع الإسلامي، ويراقب فاعليتها في حياة المسلمين. وهكذا وجدنا العلماء في كل عصر ينبهون على المغالطات التي تحدث في الأمة سواء أكانت من المبتدعة أو غيرهم. وإذاً فالمراجعة والنقد الذاتي واجب شرعي لا يملك المسلم إزاءه اختياراً، وضرورة دعوية وحركية لمتانة الصف الإسلامي وصلابة الأرض التي يقف عليها. ومن هنا وجب علينا أن يكون عندنا من رحابة الصدر وسعة الأفق ما يجعلنا قادرين على هضم الانتقادات والمراجعات ووضعها في مكانها السليم اقتداء بأئمتنا من سلف هذه الأمة. حتى تنجح المراجعة ماذا يلزمها؟ ولكي تكون المراجعة والنقد الذاتي جزءاً من أعمالنا، وطريقاً إلى مواجهة ذواتنا بعيداً عن الاندفاعات والظنون، وسبيلاً إلى النمو السليم لأعمالنا لا بد أن يتوفر فيهما عدة أمور، منها: ١- الإخلاص والكفاءة: حتى لا تكون المراجعة والنقد جهوداً عرجاء لا تمشي على رجلين لابد من شرطين أساسيين، هما: (الإخلاص) و (الكفاءة) ؟ ! * فأما الإخلاص: فهو إيثار الحق على كل الخلق في نقد الأعمال وتقويم المواقف، بحيث يكون شعار النقد [وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] . * وأما الكفاءة: فهي امتلاك المعايير الدقيقة للنقد والمراجعة من الكتاب والسنة، والإحاطة بالواقع مع استحضار تجارب الماضي وخبرات السابقين. ولا يغني شرط من الشرطين عن الآخر؛ إذ لو توفرت (الكفاءة) وافتقد (الإخلاص) تحول النقد إلى لون من ألوان الدجل الفكري الذي يضر أكثر مما يفيد! ! وأمّا إذا توفر شرط (الإخلاص) دون توفر شرط (الكفاءة) والقدرة على المراجعة والنقد: تحول النقد إلى لون من ألوان الألعاب الصبيانية التي لا تقوِّم اعوجاجاَ ولا تُصلح فساداً، وإذن: فلا بد من توفر شرطي الإخلاص والكفاءة ليؤدي النقد دوره في ترشيد العمل ودفعه إلى النمو السليم. ٢- نقد الذات لا نقد الآخر: الناقد الحق ليس من يرى القشة في عيون الآخرين، ويغفل عن العود في عينيه، وليس من يسكت عن الجرائم الكبيرة في فصيله الإسلامي، ويطارد الهفوات في الفصائل الأخرى، وإنما الناقد الحق هو من يعكف على الذات فيربيها على أمر الله ويأخذها بشرعته (سبحانه) ، تربية ميدانية من خلال (ممارسة) العمل الإسلامي (ومعايشة) معاناته اليومية، (واستشعار) التحديات المحيطة به، فإذا فعل ذلك، كان نقده أداة تنظيف للوعي والخلق في فصيله الإسلامي -قبل الفصائل الإسلامية الأخرى- ووسيلة من وسائل وقاية الدعوة والحركة الإسلامية من تراكم الأخطاء التي تنفجر في فتن مدمرة تأتي على كيان العمل الإسلامي! . ٣- تحقيق الإصلاح لا ترسيخ الفوضى: من السهل أن ينقد إنسان عملاً ما أو يعدد المآخذ الكثيرة على موقف من المواقف، ولكن الاختبار الحقيقي هو: هل يملك هذا الإنسان القدرة على تطوير العمل الذي ينقده بحيث يرتقي به إلى الأفضل، ويفتح أمامه المجالات الأرحب والآفاق الأوسع؟ وهل يقدر هذا الذي ينقد موقفاً ما أن يوجهه إلى كيفية القيام بدور أكبر ووظيفة أشمل؟ هذا هو الاختبار الحقيقي! ! إن النقد الصحيح (بِنَاء) و (مشاركة) تحيط بالعمل وتوجهه إلى الأفضل، وليس مجرد المعارضة التي لا تبتغي إصلاحاً، وإنما فقط تُرسخ الفوضى. ٤- تبادل النصائح لا تبادل التهم: النقد والمراجعة لابد أن يكونا في إطار من الحكمة والصبر، وفي أسلوب يضبطه قول الله : [وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً..] وقوله سبحانه: [وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ذلك أن النقد موقف (نصح) لتبادل الآراء والأفكار، وليس موقف (عداء) لتبادل الشتم والضرب! كما أن النقد والمراجعة ليسا وصاية على الآخرين ولا إرهاباً لعقولهم، وإنما هما محاولة للتعرف على ما في ممارساتنا من خلل وخطأ للرجوع عنه، واكتشاف ما فيها من صواب للاحتفاظ به وتنميته. ٥- علانية النقد لا إسرار النصيحة: تختلف طريقة مناصحة الفرد عن طريقة نقد ومراجعة أعمال الجماعة، فالأولى: يجب أن تتم في السر وإلا تحولت إلى لون من ألوان التشهير، وأما الثانية: فلابد أن تتم بشكل علني ليراها الجميع، ويقوم الجميع بتصويبها، إن النقد الذاتي والمراجعة ليسا مجرد النجوى المحدودة التي يقوم فيها الناقد بالإسرار بالأخطاء إلى أخيه المجتبى في خلوة حميمة، وإنما النقد إعلان مشهود عن الخطأ على رؤوس الملأ، إعلان يتمتع بصراحة الأسلوب، ووضوح الأفكار مع الاحتفاظ في ذات الوقت بالهدوء الضروري في محاصرة الظواهر السلبية حتى لا يضيف إليها النقد ظواهر سلبية أكبر وأخطر. هنا قد نسمع مقولة يرددها بعضهم مفادها أن النقد بهذه الصورة يقود إلى الفرقة وخلخلة الصفوف الإسلامية؟ ! . وبادئ ذي بدء، نحن لا نشك في (إخلاص) من يرددون هذه المقولة، ولكنا نعتقد أنهم كالأم التي تصل محبتها لوليدها إلى عدم تقويم سلوكه وتربيته على تحمل المسؤولية، فتصنع منه إنساناً عاجزاً هشاً، بل قد تؤدي محبتها له إلى موته لأنها تخشى أن تذهب به إلى الطبيب فيصف له دواء مراً وحقناً مؤلمة. نعم، إن النقد الذاتي والمراجعة هما الدواء لعملنا الإسلامي من أمراضه، وهما التطعيم الذي يقيه - بإذن الله - من الإصابة بتلك الأمراض في المستقبل، وإذا كان لهذا الدواء بعض الآثار السلبية فإن هذا لا يعني أن نترك مرضانا بغير علاج حتى يفترسنا المرض ويقضي علينا. فإن قال قائل: إن الفرقة ليست الأثر السلبي الوحيد، بل هناك ما هو أخطر، إن النقد الذاتي والمراجعة يكشفان عوراتنا أمام أعدائنا المتربصين! قلنا: إن هذه المقولة تفترض في أعدائنا الغباء المحكم والجهل التام، بينما الحقيقة أن خصومنا يعرفون عنا ما قد يفوق -أحياناً - ما نعرفه نحن عن ذواتنا، لسبب بسيط وهو أنهم يعلمون أن في غفلتهم عنا سقوطهم، وهم حريصون على عدم السقوط. إن التستر على الأخطاء بدعوى عدم خلخلة الصفوف أو تبصير الأعداء بمواطن الضعف هو في حقيقته الأمر الخطير والمفسدة العظيمة، ذلك أن دراسة الفشل تفيدنا أكثر مما يفيدنا نصف نجاح خداع يُبْقي على عوامل الفشل التي لا تُنْتِج في النهاية إلا السقوط والتوجه نحو السراب. إن غياب المراجعة والنقد الذاتي تَسبب في كثير من المرات في خروج قطار الحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية على وجه العموم عن طريقه ليسير بطريقة عشوائية أو بغير سبيل وطريق دون أن يجد من يعدل انحرافه ويصوب أخطاءه حتى لا تتكرر الكوارث، ونكتفي جميعاً بالشكوى من تكرار الكوارث وتجارب الفشل، وكأن الشكوى هي العلاج! ! إن أي طريقة في العمل الإسلامي لا يجب أن تكون منديلاً على أعيننا يمنعنا من إعادة النظر فيها ومراجعتها في أي لحظة نريد، فإذا كشفت لنا مراجعتنا عن أخطاء ارتكبناها، فلنعلم أن الاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من الذات وإنما يؤدي إلى تزكيتها، ويحول دون تدسيتها، وأن الندم على الأخطاء يكون دائماً هو الحافز على مواصلة السير بتصور كثر وضوحاً وأقل أخطاءً. إنه ليس من الصواب - ولا من الممكن - أن نعبر آفاق المستقبل ونخوض غماره دون أن نعي جيداً أحداث ماضينا ودروس حاضرنا، ولن نقدر على ذلك إلا عبر (المراجعة) للماضي (والنقد) للحاضر، فمتى ندرك أن وعينا بدروس الماضي ونقدنا لصفحة الحاضر لا تعني بأي حال الرجوع عن أهدافنا الصحيحة، وإنما هي (مراجعة) لا (رجوع) ؟ ! هدية ﷺ في زكاة الفطر فرضها رسول الله ﷺ على المسلم، وعلى من يُمُونه من صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من اقط، أو صاعاً من زبيب، عن أبي سعيد الخدري قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب) ، أخرجه البخاري ٣/٢٩٤، ومسلم ٩٨٥. (زاد المعاد ج٢ ص ١٩)

стр. 1893

منتدى القراء هم يفصلون ونحن نلبس باسل علوظي التبعية الفكرية عند الكثير من المثقفين لا تعدو أن تكون تأثراً بالنظريات، وانبهاراً بالأفكار الغربية وإذا جئت تطبق النظرية على الواقع وجدت الأمر معقداً وظهرت أمامك علامات استفهام، ولأضرب لك مثالاً من تجربتي: من القوانين التي درستها في علم الفيزياء قانون الغاز المثالي ح. ض = ن. ك. ت. باللاتيني P. V = N. R. T ونعيش مع هذا القانون حصصاً طويلة وعليه تبنى صناعات عديدة ويحفظه ملايين الناس في رؤوسهم، وإذا جئنا إلى الواقع (والطبيعة) وجدنا هذا القانون غير صحيح على إطلاقه، ومن الخطأ تعميمه لأنه خاص بالغاز المثالي، وهذه المعلومة بعينها لم أذكر أني سمعتها في بلادنا من مدرسينا - إلا مرة من مدرس أتى من الخارج - في حين أن هذه المعلومة يعرفها تقريباً كل كبير وصغير هنا في ألمانيا - حيث أدرس -. فالقوانين النظرية هي تبسيط وتشريح لأجزاء من الواقع إذا ضمت إلى بعضها أصبحت معقدة بحيث لا يكاد يستوعبها عقل، فلذلك لابد من النظرة الشاملة لمن يغوص في تفاصيل أي فكرة أو تجربة والا لكفت قوانين نيوتن لمكوكات الفضاء، ولكن نظريات أينشتين النسبية كانت أنسب وأشمل حيث أخذت المتغيرات بعين الاعتبار، أما ما كان لدى نيوتن فقد كان ثوابت (بدهيات) . وفي الوقت الذى يعتبر فيه الغرب حرِّية الإنسان أساساً لابد من الحفاظ عليه (نظرياً) نجدهم يمنعون بعض الأحزاب التي تشكل خطراً على مجتمعاتهم، ففى ألمانيا لا يعترفون بالإسلام باعتباره ديناً رسمياً، ويعترفون باليهودية، مع العلم أن عدد المسلمين في ألمانيا يقرب من مليونين في حين لا يتجاوز عدد اليهود بضعة آلاف. فكيف نفهم هذا التناقض إذا نظرنا إلى الديموقراطية والحرية من خلال مفهومهما الفلسفي النظري، هذا يُرد إلى مُرَّكب معتمد في أرض الواقع تلعب فيه مفاهيم أخرى أدواراً متفاوتة من حين لأخر؛ منها -بل وأهمها كما يبدو لي- انتماء الشعوب الغربية الأوروبية إلى دين آبائهم وأجدادهم، فاذا أحسَّوا بأن غيرهم يحمل فكراً قد يجعلهم تبعاً له قالوا: [بَلْ نَتَّبِعُ مَا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا] وقد صرح بذلك الوزير دوجلاس في بيان مشترك مع مجموعة الشعوب البريطانية (الكومون ويلث) قدمه إلى البرلمان البريطاني في مسألة موقفهم من قضية البوسنة والهرسك بخاصة والوجود الإسلامي في أوروبا بعامة. فإلى من ينادي بالديموقراطية في الدول الإسلامية: هكذا يفهم أصحاب فكرتك طريقهم فينطلقون من أرض واقعهم، فإذا فَصَّلوا وأردتَ أن تلبس فخذ مقاساً يناسبك - وقد لا تجد - ففصل أنت من واقع أرضك وتاريخك لمستقبلك. إن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده، ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- كان يخصف نعله بنفسه، وشيخ الإسلام ابن تيمية أثَّم المسلمين عامة إذا احتاجوا لصناعة ولم يجدوا منهم من يصنعها لهم فيغنيهم عن الحاجة والتبعية والذل لغيرهم.

стр. 1894

الورقة الأخيرة الخروج عن النص د. محمد البشر (توظيف الكلمة) وسيلة قديمة قدم الأمم والحضارات البائدة التي جاء ذكر بعض منها في القرآن الكريم، والتعبير القرآني عن (توظيف الكلمة) جاء بسياق قصصي مختلف، فقد تحدث القرآن في غير موضع عن الكيفية التي لجأ إليها الطواغيت في تضليل الأمة ومخادعة الرأي العام. فقد قال فرعون في محاولته وأد الحركة الإصلاحية والتعتيم على الرسالة السماوية: [ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] [غافر: ٢٦] ، ومن يقرأ هذه الآية ويتدبر مضمونها ويتأمل معناها ويعي مغزاها، يدرك أن هذه الآية - كغيرها من آيات القرآن الكريم - لم تنزل لتحكي عن فرعون بشخصه من أجل الإخبار فقط؛ بل لاستلهام العبرة والتدبر في المعنى الذي جاء في سياق هذه الآية. ومن المعاني المستخلصة من ركوب الظالمين مطية الدعوة، وضعهم أعواناً يفكرون نيابة عنهم، وينطقون بألسنتهم، ويُحَسِّنون صورتهم، وتتنوع وسائلهم بحسب ما هو متوفر عندهم، ولن ندخل في تحليل تاريخي من أجل بيان الفرق بين ماهية الوسيلة التي لجأ إليها فرعون في محاولته إيصال رسالته إلى قومه - التي ذكرت في الآية الكريمة السابقة - وبين الوسيلة الإعلامية المعاصرة من حيث القوة والنفاذ والسطوة والتأثير، فالعبرة بالمعنى المراد وليس بالكيفية التي يتحقق بها هذا المعنى. ولذلك نقول: إن معنى أن يتحول الظالم إلى داعية للإصلاح هو معنى يتجدد في كل زمان ومكان، لكن الفارق الجوهري بين الماضي والحاضر هو أن الوسيلة الإعلامية المسلطة على شعوب هذا الزمان قد نجحت وتفوقت بشكل مذهل في نقل هذا المعنى والترويج له، وأدى القائمون عليها الدور الذي قضى بهم بكل دهاء ومكر خرج في أحيان كثيرة عن (النص) المكتوب الذي قضى مُعدوه سنين عدداً من أجل وضع استراتيجية فاعلة لهذا السيناريو الذي تكبدوا من أجله كل العناء. وبعد ذلك كله يخرج الإعلاميون عن النص بعد أن خامرت عقولهم نشوة (الانتصار) بما يزيفونه، حتى أوجعوا الأمة بضربها في عقيدتها ودعوتها، وكل ذلك (وعين الرضا عن كل عيب كليلة) . فضل صوم ست من شوال. أخرج الإمام مسلم في صحيحه. عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال. كان كصيام الدهر) (صحيح مسلم ج٢ ص ٨٢٢)

стр. 1895

شوال - ١٤١٥هـ مارس - ١٩٩٥م (السنة: ٩)

стр. 1896

كلمة صغيرة - اسكت تسلم - أيها الإسلاميون في مشارق الأرض ومغاربها.. حتى لا تتعرضوا لأي هجوم ولتضمنوا العيش بسلام، وحتى لا تتعرضوا للمصادرة والسجن والتشريد وربما الإعدام: التزموا الوصايا العشر التالية: ١- ألغوا مطالباتكم بتحكيم الشريعة الإسلامية! . ٢- توقفوا عن معارضة تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني! . ٣- لا تنتقدوا مظاهر الفساد والانحلال! . ٤- ألغوا التفكير في الجهاد في سبيل الله! . ٥- تهاونوا مع خطط تغريب المجتمع المسلم! . ٦- اعتقدوا أن تخريب الإعلام والتعليم إنما هو تطوير! . ٧- اعطوا المرأة حقها في التحرر من الإسلام وتعاليمه! . ٨- لا تعترضوا على العلمانية المهاجمة لدينكم، فهذه حرية تعبير! . ٩- اقبلوا تحجيم العمل الإسلامي تحقيقاً لرغبة النظام العالمي الجديد! . ١٠- قولوا بقول النصارى (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ! . بذلك تسلمون وتعيشون بأمان في (فاتيكانات) خاصة لكن بلا سفارات. يا قوم لا تتكلموا.. إن الكلام محرمُ

стр. 1897

الافتتاحية عنوان يختصر واقعاً كان من الصعوبة بمكان أن تناقش أو تحاور أو تجادل.. فالطرف الآخر قد سد كل قنوات الاتصال، وليس بالإمكان إلا أن تتقوقع حول قناعتك وإيمانك بأن قادة الغرب يقولون: «دمروا الإسلام.. أبيدوا أهله» [*] ، فالإسلام في تلك الفسحة التاريخية القريبة كان ينحصر في مصطلح «القوى الرجعية» التي تحاول أن تقف في طريق «الحل التقدمي» وتزرع دربه الهادر بأشواك صغيرة، كانت في نظر الجمهور «تؤذي» ولكنها لا «توقف» زحف القومية المنتفشة أو اليسار المتحرر ... كان شائعاً في ذلك الوقت نظريات خرافية من طراز «خيانة العمائم» و «الارتباط بالاستعمار» و «الدراويش البلهاء» ... ولهذا فقد كان عنوان الكتاب المذكور بمثابة بيضة هشة تواجه جداراً صلداً مغروراً لا يمكن أن يتحمل مجرد التحمل أن يسمع أن للإسلام تاريخه الناصع أو خياره الحضاري أو مشروعه السياسي الذي يهدف إلى أن تحكم البشرية بشرع الله.. اليوم يقف الجدار الصلد مذعوراً ... مجرد أن تهمس باسم الإسلام ينتفض، وحين تشير إلى حملة رسالته تخرج حمم البركان قاذفة شيئاً من مخزون الحقد الهائل المروّع ... مسافة زمنية قصيرة تلك التي فصلت بين السخرية والاستهزاء على شاطئ الأمس «القريب» وهذا الفزع والهلع والتخبط في عصر «المسلمون قادمون» ! ! ، أصبح العالم المتربص بهذا الدين أشبه ما يكون بقلب يضرب بأقصى سرعة ويثير الأوعية الدموية في مختلف أنحاء الجسم الأرضي ليفرّغ ما لديه من دم ليعاود ضخّه من جديد في المعركة، فالقلب المضطرب حذرٌ وجلٌ، والمسلمون في أنحاء البسيطة يرفضون الموت ويقاومون الدم الفاسد ... الغرب كما يقول مفكر بريطاني كان ينظر إلى الإسلام قبل عقدين نظرة العقيدة المتراجعة التي كان يحسن أن توظف لمكافحة الشيوعية الأثيمة ... واليوم تقف الصليبية واليهودية والشيوعية والهندوسية والديكتاتورية المحلية لتخوض حرب القبائل المتحزبة وتجلب بـ «خيلها ورجلها» من كل ناحية لخنق هذا المارد الذي بدأ يتململ ... المعركة ضخمة وكبيرة بل ومصيرية وتحتاج إلى كم هائل من الذخيرة والعتاد؛ ولهذا نستطيع أن نتلمس بعض الفروق بين حرب الإسلام اليوم وبين معارك الغرب القريبة مع النازية والفاشية والشيوعية. وأهم هذه المعالم: *أنها المعركة الأولى التي تجري بين الغرب الصليبي وتراثه من جهة، وبين هذا الدين الضارب بجذوره في التراث والصدور من جهة أخرى، فهي معركة دينية، وهي تعيد إلى الأجواء عصور «ريتشارد قلب الأسد» ونفير جنود الصليب، وفي هذا الإطار وكما كانت المعركة بالأمس فإن الغرب هو البادئ، حيث يشعر بالقوة والسيطرة وضرورة المبادرة قُدماً في حصار المسلمين قبل أن يشبوا عن طوق العجز. *أن حشد الجانب الغربي كان سريعاً ولاهثاً ويغلب عليه الانفعال والتهويل، ففي المعارك السابقة كان الجانب الآخر كالنازية قد كونت كيانات وقوة مهددة بل عدوانية، بينما المسلمون اليوم وخلال أعوام قليلة يواجهون ترسانة الغرب الإرهابية بأسلحتها العاتية المتغطرسة. *أن معالم الصراع قد وحدت بين النصرانية المحرّفة واليهودية الضالة مما أعاد ذكريات المعارك الأولى في فجر الإسلام وأصبح الاستعراض العام لمسرح المعركة يكشف عن قوة هذا التحالف ويزنه بميزان القرآن الكريم الذي أفرد مساحة كبيرة لخطورة هذا الحلف منذ أن بزغ نور الرسالة. *الصراع متنوع ويختبئ وراء لافتة محاربة الإرهاب، لكن أحداث الساعة كشفت عن أن أجساد الشيشان وأعراض البوسنيات وحجاب الفتيات العفيفات: «إرهاب حضاري» لابد للوقوف في وجهه من صب البارود، ونصب المشانق، وشق الأخاديد. لم تعد «العمائم» و «اللحى» و «الدراويش» أدوات يوظفها العدو والصديق في معارك جانبية أو قضايا هامشية ... إنها اليوم تقف أمام أعتى حصار دولي أصبح يولول بلا مواربة أو دبلوماسية صارخاً: «دمروا الإسلام ... أبيدوا أهله» ثم لا يلبث المذعورون إلا أن يتمتموا بنفس اللازمة في مشهد من مسرحية الصراع بين دين حمل لواء إنقاذ البشرية.. وبشرية ضالة حملت لواء إطفاء نور الله بيدها ... والله متم نوره ولو كره الكافرون والعمي المرتجفون من شعاع الشمعة اليتيمة فضلاً عن النور الوقاد ... لم تعد أخبار الإذاعات العالمية تحمل في ثناياها إلا تفاصيل المعركة المشتعلة، ولا يمكن اعتبار النشرة الإخبارية شيقة! مالم يتصدر الإسلام وحملته عناوينها، لقد أصبح هذا الدين المطارد بلا مواربة القصعة التي اجتمعت عليها الدنيا بمختلف مشاربها واتجهاتها وشاراتها، ومع كل سهم يوجه، ويدٍ تغتصب وجرح ينزف، كل ذلك مطارق توقظ الأمة من نومها، والأعداء بذلك يقدمون للأمة أكبر خدمة وأعظم فرصة لتأخذ مسارها ووضعها وموقعها الطبيعي ... عنوان هذا الكتاب أصبح البند رقم واحد في السياسة الدولية!

стр. 1898

الشرع والواقع أزمة تطبيق لا أزمة فهم د. خميس بن عاشور عندما نتصفح جملة الإنتاج الفكري المعاصر للمسلمين، نلاحظ تلك الاندفاعات غير الشعورية التي ربما تفسر ذلك الاضطراب النفسي الناتج عن الحيرة المنهجية في كيفية التعامل مع الموروث الثقافي، ومن ملامح هذا الاضطراب المنهجي: عدم الفصل بين الدين الحقيقي الذي تمثله نصوص الوحي الإلهي (الكتاب والسنة الصحيحة) وبين إضافات علماء المسلمين من تفسيرات وشروح قد تكون سليمة وقد تكون عكس ذلك، وعندما نُفصّل أكثر: نجد أن أهم اضطراب في هذا المجال هو موقف العلماء والمفكرين من العمل في المنظور الإسلامي باعتباره بعداً (فلسفياً) . إن أصحاب الفكر الإرجائي قديماً وحديثا ركزوا كثيراً على تفسير الإسلام وشرحه ومحاولة فهمه فهوماً تختلف باختلاف المنابع الفكرية والبدع (الأيديولوجية) ، ولكن بالرجوع إلى نصوص الدين الإسلامي نجدها تدل دلالة واضحة على أن مشكلة فهمه وتوضيحه ليست مطروحة بهذه الكيفية المعقدة؛ فالقرآن بيان للناس، والبيان في اللغة هو الوضوح، فالقرآن واضح الدلالة بنفسه [ونزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم] [النحل: ٤٤] وقوله ﷺ : «تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها» [١] ، وهذا معناه: الوضوح والمفهومية. ومن هنا نقول: إن الأزمة إذاً أزمة عمل وتطبيق لا أزمة فهم وتفسير، وبالتالي: فالاستقامة على وفق دعوة الإسلام في الوقت الراهن وفي جميع أوقات انحطاط المسلمين هي القضية التي يمكن أن تكون مستقبَلاً علاجاً لهذا الاضطراب النفسي والجمعي لدى مفكري الحركة الإسلامية المعاصرة، وبعد ذلك يمكن أن تطرح قضية اللغة والدعوى التي لا دليل عليها في هذا المجال وهي أن لغة المسلمين أثناء فترة التنزيل ليست هي لغة المسلمين اليوم، وهذا خطأ فاحش، فالقرآن عربي مبين إلى يوم القيامة، وتعلم اللغة العربية ميسر أكثر من أي وقت مضى، فالقرآن العربي إذن واضح ومفهوم ومفسر بنفسه وبالسنة النبويةالصحيحة بشرط معرفة لغته. وهذه العملية - أي: عملية تعلم لغة القرآن - أصيبت بجرثومة يمكن أن يقال لها: «ذهان الصعوبة والاستحالة» ، وهذا المرض الجرثومي أنشأ أمراضاً أخرى - أو بالأحرى بدعاً فكرية أخرى - بدأت تطرح قضية خطيرة ومهمة وهي البحث عن وسائل لفهم الإسلام من خارج نصوص الإسلام الإلهية، ولهذا سيطر الفكر الإرجائي على الساحة الرسمية للمسلمين - إلا من رحم ربك -، هذا الفكر الذي يجعل العمل مشروطاً بشروط جعلت منه قضية فلسفية مثالية لا نجدها إلا في صفحات ومخيلات أصحابها، وبالتالي: بدا الإسلام عند هذه الفئة عبارة عن تراث فكري جميل يدرس من أجل نفقات الأبهة والبهارج الرسمية التي هي بمثابة التوابل للطعام لا أكثر ولا أقل. إن الإسلام الممثل في نصوص الكتاب والسنة قد بين للناس قيمة العمل والتطبيق والاستقامة عليه، بل إنه جعل العمل هو العبادة، فالعبادة هي أن يعمل المسلم كل ما يحبه الله ويرضاه، فالصلاة عبادة، والخشية من الله عبادة، والرجاء والتوكل عبادة، وتعليم الناس عبادة، والجهاد في سبيل الله عبادة، ومعاملة الناس بسلوك حسن عبادة، وغير ذلك من مجالات الحياة الواسعة. قال (تعالى) : [ألا له الخلق والأمر] ، فهذه الآية المجملة المختصرة قد جمعت بمضمونها توحيدي الربوبية والألوهية، وهي في حد ذاتها عنصر وأصل من أصول المنهج الإلهي، فقصر الخلق على الله بيان لتوحيد الربوبية وكل ما يتعلق به من رزق وتدبير وإحياء وإماتة..، وقصر الأمر فيها بيان لتوحيد الألوهية أي: العبادة وكل ما يتعلق به من مقتضيات وعلى رأسها: الاستقامة وفق الأوامر والنواهي، وهذه النواهي هي كذلك أوامر بالترك. فالأزمة إذاً قد تفرعت، وأصبح المسلمون والذين يأمرونهم قد يخالفون ما أمر الله به، وقد يفعلون ما نهى الله عنه، وهذا المنهج الذي هو واقع بالفعل هو نتيجة اتباع الهوى، وقد أظهر لنا إسلاماً موازياً للإسلام الحقيقي الإسلام الذي تمثله نصوص الوحي الإلهي (الكتاب والسنة الصحيحة) ، وفي هذه الحالة فإنه لابد أن تتشكل الحركة الإصلاحية التي تعمل على توضيح الحقائق الشرعية، وهذه هي مهمة العلماء العاملين الذين ورد ذكرهم في الأثر القائل: «يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الغالين وانتحال المبطلين» [٢] . والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1899

دراسات شرعية نظرة في المصطلحات العقدية سعد بن محمد آل عبد اللطيف تشهد الساحة الإسلامية في المجال الفكري فوضى في الاصطلاحات، فهذا يجعجع بالمصطلحات المحدثة نابذاً خلفه المصطلحات الشرعية، وذاك يستتر بباطله خلف المصطلحات الشرعية لتزيين الباطل وترويجه بين الناس، والآخر يرفض جميع الاصطلاحات المحدثة ولو كانت ذات معنى صحيح. إن تحديد الاصطلاحات وتوضيح مدلولاتها يساعد كثيراً على إزالة الإشكال في الفهم، وحسن الظن بالآخرين، والوصول إلى الحق، وتضييق دائرة الخلاف، ويغلق الباب أمام سيل جارف من الشرور والفساد، ويحول دون تسلل دعاة الزندقة وأهل الأهواء إلى الساحة بترويج أباطيلهم وبدعهم. والاهتمام بهذا الموضوع هو جزء مهم من مسألة التأصيل العلمي الشرعي في الصحوة العلمية التي تشهدها الأمة الإسلامية. وهذه السطور هي محاولة متواضعة في هذا الباب، وسيكون تناولي لهذا الموضوع على النحو التالي: ١- أهمية الاعتناء بالاصطلاحات الشرعية: تأتي أهمية الاعتناء بالاصطلاحات العقدية كالإيمان والكفر والنفاق ... لأنها مما جاء في وحي الله فلها حرمتها؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) : ومن الأصول الكلية أن يُعْلَم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق؛ فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها، يثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني، فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما أخبر ونطيعه في كل ما أوجب وأمر [١] . والتعبير عن الحق بالمصطلحات الشرعية هو سبيل أهل السنة والجماعة؛ قال ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية ﵀ : والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة [٢] . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ :.. والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بغيرها، فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد، والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحِكَم والمعاني مالا ينقضي عجائبه. والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع، ثم قد يجعل اللفظ حجة بمجرده وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق، وقد يضطرب في معناه، وهذا أمر يعرفه من جربه من كلام الناس، فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام؛ كما قال (تعالى) : [واعتصموا بحبل الله جميعاً] [آل عمران: ١٠٣] ومتى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث وبين معناها بياناً شافياً: فإنها لا تنتظم فقط جميع ما يقوله الناس من المعاني الصحيحة، بل فيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل؛ كما قال: [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] [الحجر: ٩] [٣] . ولابد من توضيح الاصطلاحات للناس حتى لا يلتبس الحق بالباطل، وليس كما فعل الفلاسفة الإسلاميون، فقد سعوا إلى ترويج الفلسفة اليونانية الوثنية بأسماء ومصطلحات شرعية حتى يوجدوا لتلك الفلسفة قبولاً عند الناس تحت هذه الأسماء والمصطلحات الشرعية التي تعظمها نفوس المسلمين؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيهم:.. ثم إنهم لما سمعوا (أي: الفلاسفة الإسلاميون) كلام الأنبياء أرادوا الجمع بينه وبين أقوالهم، فصاروا يأخذون ألفاظ الأنبياء فيضعونها على معانيهم، ويسمون تلك المعاني بتلك الألفاظ المنقولة عن الأنبياء، ثم يتكلمون ويصنفون الكتب بتلك الألفاظ المأخوذة عن الأنبياء فيظن من لم يعرف مراد الأنبياء ومرادهم أنهم عنوا بها ما عناه الأنبياء، وضل بذلك طوائف [٤] مثال ذلك: الملائكة، فهي عندهم: هي العقول العشرة، واللوح المحفوظ: هو النفس الفلكية ... ، إلى غير ذلك. ٢- خطورة الاصطلاحات المجملة التي لم تحدد: الاصطلاحات المجملة هي اصطلاحات تحمل حقاً وباطلاً وتشتمل على صواب وخطأ، وعدم تحديدها يكون سبباً في وقوع الخلاف والشقاق؛ يقول شيخ الإسلام ﵀ : ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي، فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلاً عن أن يعرف دليله.. [٥] ويقول ابن القيم ﵀ : فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهاناً مخبطة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب [٦] . وهناك فريقان عبر تاريخ الأمة الإسلامية قد تحدثوا بمصطلحات مجملة محدثة، كانت سبباً في ظهور البدع وفشوها بين الناس. الفريق الأول: الصوفية: فقد كان التصوف في مراحله الأولى قد أكثر فيه من استخدام المصطلحات المجملة التي تحمل حقاً وباطلاً؛ كالغناء مثلاً، فجاء مِن بعدهم مَن تعلق بهذه الاصطلاحات، وأصبح يستدل على مذهبه الفاسد من وحدة الوجود أو سقوط التكاليف بأقوال هؤلاء المشايخ. يقول ابن القيم ﵀ : فإياك ثم إياك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها فإنها أصل البلاء، فإذا سمع ضعيف المعرفة والعلم بالله (تعالى) لفظ: اتصال وانفصال، ومسامرة ومكالمة، وأنه لا وجود في الحقيقة إلا وجود الله، وأن وجود الكائنات خيال ووهم، وهم بمنزلة وجود الظل القائم بغيره: فاسمع منه ما يملأ الآذان من حلول واتحاد وشطحات، والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها، وأرادوا بها معاني صحيحة في أنفسهم فخلط الغالطون في فهم ما أرادوه ونسبوه إلى إلحادهم وكفرهم واتخذوا كلماتهم المتشابهة تُرساً لهم وجُنة [٧] . الفريق الثاني: أهل الكلام: الذين استخدموا مصطلحات محدثة مجملة في مجادلتهم مع الملاحدة والفلاسفة ونحوهم. يقول ابن تيمية ﵀ : وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة (المبتدعة) كلفظ الجسم والجوهر والعَرَض وحلول الحوادث ونحو ذلك، كانوا يظنون أنهم ينصرون الإسلام بهذه الطريقة وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله، فوقع منهم من الخطأ والضلال ما أوجب ذلك، وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم، فإن البدعة لا تكون حقاً محضاً موافقاً للسنة، إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلاً، ولا تكون باطلاً محضاً لا حق فيه، إذ لو كانت كذلك لم تخْفَ على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: إما مخطئاً غالطاً، وإما متعمداً لنفاق فيه وإلحاد [٨] . ٣- استخدام المصطلحات المحدثة: لابد أن يحرص المسلم على استخدام المصطلحات الشرعية، أما المصطلحات المحدثة فلابد من عرضها على الكتاب والسنة للتحقق من صحة دلالتها على المطلوب؛ قال (تعالى) : [فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر، ذلك خير وأحسن تأويلا] [النساء: ٥٩] . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : وأما الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام، فلا تُتلقى بتصديق ولا تكذيب حتى يُعرف مراد المتكلم بها، فإن وافق ما قاله الرسول كان من القول المقبول، وإلا كان من المردود، ولا يكون ما وافق قول الرسول مخالفاً للعقل الصريح أبداً، كما لا يكون ما خالف قوله مؤيداً ببرهان العقل أبداً [٩] . ويقول أيضاً ﵀ : وأما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة؛ كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة [١٠] . ثم يقول بعد ذلك: والسلف والأئمة الذين ذموا وبدّعوا أهل الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل في المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين: في دلائله، وفي مسائله: نفياً وإثباتاً. فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه؛ كما قال (تعالى) : [كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه] [البقرة: ٢١٣] وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف [١٠] . وهذا المنهج قد استخدمه شيخ الإسلام في كتبه ومناظراته مع الخصوم، ومن أمثلة ذلك: قوله ﵀ : فيقال له: لفظ الجوهر والعرض في الاصطلاح الخاص: ليس نفيهما عن الله من الشريعة، كما أنه ليس إثباتهما من الشريعة، بل سلف الأمة وأئمتها أنكروا على من تكلم بنفيها، كما أنكروا التكلم بإثباتها وعدوا ذلك بدعة، فليس لأحد أن ينفي بهذين اللفظين الذين ليس لهما أصل لا في نص ولا في إجماع ولا أثر إلا بحجة منفصلة غير هذا اللفظ، إذ الحجج التي يستدل منها باللفظ لابد أن يكون لفظها منقولاً عمن يجب اتباع قوله وهو الكتاب والسنة والإجماع، فكيف باللفظ الذي لا يُنقل عن إمام في الدين ولا أحد من سلف الأمة [١١] .

стр. 1900

دراسات دعوية الترف وخطره على الدعوة والدعاة -٢ - فيصل البعداني تطرق الكاتب الكريم في الحلقة السابقة إلى بيان حقيقة الترف وموقف الإسلام منه وأهم مظاهره وأسبابه وأهم آثاره العامة والخاصة، ونواصل معاً الاطلاع على المزيد من الإيضاح والبيان لجوانب أخرى من هذا الموضوع. -البيان- الآثار السيئة للترف على مسيرة الدعوة: *أن المترفين من الدعاة حريصون على تقليد تجارب دعوية سابقة، وقل أن يبرز من أوساطهم قيادات دعوية جديدة تتأمل في تجارب من سبقها وتأخذ منها ما كان صالحاً في نفسه ومناسباً للمرحلة التي تمر بها الدعوة، وما لم تجده لدى السابقين كذلك اجتهدت فيه على ضوء تعاليم الشرع وفي ظل متطلبات الواقع. *عدم تقدم الدعوة إلى مراحل متقدمة، بل تأخرها إن لم يصل الأمر إلى انشقاقها نتيجة اختلاف الرأي بين المترفين وغير المترفين من الدعاة حيث إن المترفين غالباً ضعيفو الرأي، والعميق منهم في رأيه يكون الأصل فيه مراعاة استمرار أسباب ترفه حتى وإن لم يستشعر ذلك في ذهنه وغير المترفين غالباً هم الأكثر عمقاً في الرأي وسبر حقائق القضايا والمسائل من غيرهم، ولكن زمام اتخاذ القرار والمبادرة غالباً بيد من بإمكانه مد الدعوة بالمال والقدرة على الإنفاق على مشاريعها - بيد المترفين -، ورجوع أولئك عن رأيهم إلى ما يراه غيرهم قليل في الغالب نظراً لما يوجده الترف لديهم من استعلاء وكبر خفي يحجزهم في أكثر الأحيان عن قبول الحق ممن ليس على شاكلتهم، ولن يعجزوا عن التبرير وسوق الحجج لأن باب الاستغلال السيء لمصلحة الدعوة مشرع للجميع وليس من عادته رد أحد. *كون المترفين أكثر عرضة للفتور والتراجع عما هم عليه من خير ودعوة أمام الفتن التي تلازم في الغالب الدعاة، والعقبات التي تعترض مسيرة الدعوة، بل إن بعضهم قد يتحول أمام المغريات والخوف من أفول الترف وانصرام الملذات إلى الوقوف في وجه الدعوة، وكَيْل التهم لها، وإثارة الشُبَه حولها، ومحاولة الوقيعة بين حَمَلتها. *أن الداعية المترف متعود على الإنفاق على خواصه بكثرة وسعة؛ فإذا أوكل إليه شيء من أموال الدعوة فعل بها كما يفعل بماله غالباً، والأصل أنها لا تصرف إلا في الأمور الضرورية والحاجية، وما زاد عن مكان فالمكان الآخر في أمس الحاجة إليه. *أن الداعية المترف أقل اهتماماً بدعوته والقيام بها من غيره، وذلك لأنه عقد همته للشهوات والتلذذ بالنعم والملذات وطلب أسباب ذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: هو عاجز عن القيام بأمور نفسه فكيف يقوم بأمور الدعوة وهي ضرب من الجهاد؟ *أن الداعية المترف أقل إفادة للمدعوين من غيره، وذلك لأن انغماسه في النعيم وتحصيل أسبابه مانع له من التزود بالعلم الشرعي، مما يعني اكتفاءه بتقديم ما عنده من معلومات، فإذا انتهت بدأ بتكرارها، وهكذا. *الترف من أسباب زوال الدعوات وأفولها ما لم يبادر كبار الدعاة إلى إصلاح الوضع وتسديد الأمر لأن انتشار الترف بين مجموعة من الدعاة من غير نكير يؤدي إلى اتساع انتشاره بين فئات أخر، نظراً لحب النفوس لذلك واتخاذ كل فئة لمن قبلها قدوة، مما يؤدي إلى ضعف الأنشطة في البداية نتيجة فتور بعض الدعاة، وبعد ذلك يبدأ تساقط الفاترين مجموعة بعد مجموعة نتيجة الانهماك بزخرف الحياة والتشاغل بزينتها. *الترف يدفع الدعاة إلى عدم نشر الدعوة بقوة وجدية بين كافة فئات المجتمع، كما أنه يؤدي إلى فتور المربين عن ممارسة الأعمال التربوية نظراً لمشقة ذلك على النفس وما تتطلبه العملية التربوية من وقت وجهد وبذل، وذلك ما يعجز عنه المترفون نظراً لعدم تعودهم عليه. علاج الترف وكيفية تجاوزه: سيكون هناك بسط للحديث - نوعاً ما - في هذا الجانب نظراً لأهميته، وسيتم تقسيم هذه الفقرة إلى ثلاثة محاور: أ- من هدي السلف في التعامل مع زهرة الحياة وزخرفها: لابد للمترف من النظر في هدي السلف في التعامل مع متع الحياة وملذاتها، للأخذ منه والسير على منواله، ونظراً لكثرة ما ورد عن السلف في ذلك فسأحاول ذكر أبرز معالم هديهم في ذلك والاستشهاد لذلك ببعض أقوالهم وأفعالهم: *تربية النفس على عدم تحقيق كل ما تشتهيه مع قدرة العبد على تحقيق مطلوبها؛ قال رجل لابن عمر ﵁ : ألا أجيئك بجوارش، قال: وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته، قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقواماً يجوعون أكثر مما يشبعون [١] ، وفي رواية: ولكن عهدت أقواماً يجوعون مرة ويشبعون مرة [٢] . وسئل الحسن عن الرجل يبتاع الطعام ويبتاع اللحم، هل عليه في ذلك؟ فقال: إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كفى سرفاً ألا تشتهي شيئاً إلا أكلته [٣] . *أن ما يكون ترفاً من رجل قد لا يكون ترفاً من آخر، حيث كان السلف (رحمهم الله تعالى) يفرقون بين الرجل الغني والرجل الفقير، فيقبلون من الغني من التوسع ما لا يقبلونه من الفقير؛ عن عبد الله بن حميد قال: مر جدي على عمر ابن الخطاب وعليه بردة فقال: بكم ابتعت بردك هذا؟ قال: بستين درهماً، قال: كم مالك؟ قال: ألف درهم، قال: فقام إليه بالدرة فجعل يضربه ويقول: رأس مالك ألف درهم وتبتاع ثوباً بستين درهما؟ ! [٤] ، وفي حين كان عمر يصنع ذلك بهذا الرجل ذكر ابن سعد عن سعد بن إبراهيم قال: كان عبد الرحمن بن عوف يلبس البُرد أو الحلة تساوي خمسمائة أو أربعمائة [٥] ، وذكر الأصفهاني عن عثمان بن أبي سليمان: أن ابن عباس اشترى ثوباً بألف درهم فلبسه [٦] . ومما ينبغي أن يلحق بذلك اختلاف البلدان غنى وفقراً، وكذلك اختلاف الأوقات من حيث نزول النوازل بالمسلمين أو عدم ذلك، ففي البلد الغني في حال الأمن واستقرار أحوال المسلمين يتساهل في التوسع في استعمال المباحات أكثر من التساهل بذلك في البلد الفقير، أو في حال نزول المصائب والبلايا على المسلمين. *النظر إلى ملذات الحياة الدنيا وشهواتها على أساس أنها وسيلة زائلة تقرب إلى الدار الآخرة لا أنها غاية في ذاتها وهدف يطمح إلى تحقيقه والتشبث به، قال عثمان ابن عفان ﵁ في آخر خطبة له: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، لا تبطركم الفانية، ولا تشغلكم عن الباقية، آثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله [٧] . *التوسط في الإنفاق على النفس والأهل؛ قال عبد الملك بن مروان لعمر ابن عبد العزيز: كيف وما يغنيك؟ ، قال: الحسنة بين السيئتين، قال الله (تعالى) : [والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما] [الفرقان: ٦٧] [٨] ، وقال الحسن: إن من علامة المؤمن: ... ولا يقصر به بيته، ولا يبخل ولا يبذر، ولا يسرف ولا يقتر [٩] ، وعن سفيان، قال: كانوا يكرهون الشهرتين: الثياب الجياد التي يشتهر فيها ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يُحتقر فيها ويُستَذَل دينه [١٠] . *الإنفاق في وجوه البر والخير والحث على ذلك؛ فعن علي ﵁ قال: ما أنفقت على نفسك وأهلك من غير سرف ولا تقتير فلك، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان [١١] ، وعن الزهري، قال: تصدق ابن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة [١٢] ، وعن الحسن، قال: باع طلحة أرضاً له بسبعمائة ألف، فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرقاً من مخافة المال حتى أصبح ففرقه [١٣] ، وعن مغيث بن سمي، قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فكان يقسمه كل ليلة ثم يقوم إلى منزله وليس معه منه شيء [١٤] . *السعي في طلب الرزق بدون مغالاة توصل العبد إلى التفريط في الطاعات؛ ومن ذلك: ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك [١٥] ، وعن ثابت البناني، قال: ذكر أنس سبعين رجلاً من الأنصار كانوا إذا جنهم الليل أودوا إلى معلم لهم بالمدينة يبيتون يدرسون القرآن، فإذا أصبحوا فمن كانت عنده قوة أصاب من الحطب واستعذب من الماء، ومن كانت عنده سعة أصابوا الشاة فأصلحوها فكانت تصبح معلقة بحُجَر رسول الله ﷺ [١٦] ، وقال القاسمي: وكان السلف يبتدرون عند الأذان ويخلون الأسواق لأهل الذمة والصبيان [١٧] . *الحث على شغل الإنسان وقته بما ينفعه ديناً ودنيا، والتحذير من البطالة والفراغ، قال عمر ﵁ : لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة [١٨] ، وقال ابن مسعود: إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته [١٩] ، ... وقيل لأحمد: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي [٢٠] وقوله ﷺ حين ذكر الطير فقال: تغدو خماصاً وتروح بطاناً [٢١] ، فذكر أنها تغدو في طلب الرزق، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم [٢٢] . *الإكثار من محاسبة النفس عند سعة الرزق وانبساطه، وخشيتهم من أن يكون ذلك استدراجاً؛ قال عبد الرحمن بن عوف: قُتل حمزة فلم نجد ما نكفنه فيه وهو خير مني، وقتل مصعب بن عمير وهو خير مني فلم نجد ما نكفنه، وقد أصبنا منها ما قد أصبنا.. ثم قال: إني لأخشى أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في الدنيا [٢٣] . وعاد خباباً نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله إخوانك تقدم عليهم غداً، قال: فبكى وقال: أما إنه ليس بي جزع ولكنكم ذكرتموني أقواماً وسميتم لي إخواناً، وإن أولئك قد مضوا بأجورهم كلهم، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم [٢٤] . ب- توجيهات عامة للمترف يمكنه القيام بها: *معرفة أن الترف مما لا يليق بالدعاة، وأن اللائق بهم هو إيثار العمل بدين الله والدعوة إليه والذود عنه؛ لأن ما عند الله خير وأبقى، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ قال الله (تعالى) في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر [٢٥] ، وقال ابن القيم ﵀ : قال لي شيخ الإسلام في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة، ثم يقول: فالعارف يترك كثيراً من المباح إبقاءً على صيانته ولاسيما إذا كان ذلك المباح برزخاً بين الحلال والحرام [٢٦] ، وقال ﵀ في الفوائد: من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته [٢٧] . *على المترف أن ينظر في حوادث الزمان ونوائب الليالي والأيام، وأنه إن كان غنياً اليوم فقد يكون فقيراً غداً، وبالتالي: فإنه إن لم يردع نفسه في غناه واغتر بحاله فقد تزول دنياه فجأة ويتحول غناه فقراً وعزه ذلاً، وعندها تضيق به الأرض بما رحبت وتسوء عاقبته، ولله در الشاعر حين قال: إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالاً إذا قيل تم فالعاقل يعد نفسه لتقلب الأحوال وتبدل الأزمان. *على المترف أن ينظر في مدى الخسارة التي يجنيها نتيجة الاشتغال بمظاهر الترف، ومن تلك الخسائر على سبيل المثال: ذهاب أمواله سدى، وكون الوقت الذي يفنى في ذلك غير نافع له في الآخرة مع أنه يدنو بصاحبه من الآخرة، وضعف محبة العبد لربه لأن اشتغاله بملذات الدنيا وشهواتها يؤدي به إلى حبها حباً يصد عن الطاعة، ومثل ذلك مُضعف لحب العبد لربه، قال ابن القيم ﵀ : لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة [٢٨] . *على المترف أن يدرك أن حصوله على وسائل الترف ومغريات الحياة وشهواتها ليس من أسباب تحصيل السعادة، والواقع خير شاهد على ذلك، فكم من رجل بلغ الغاية في الاستمتاع بزهرة الحياة ومتعها، ومع ذلك نجده كثير الخوف والهموم، شارد البال، بل إن الأمر قد يصل به إلى قتل النفس والانتحار، وكم من رجل مع فقره وصعوبة معيشته نجده في سعادة وهناء وانشراح صدر، قال الحسن: أهينوا الدنيا، فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن هانها [٢٩] ، وقال الشاعر: ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد *الحذر من تقليد البيئة التي يعيش فيها في كل شيء، والتنبه لعدم أخذ التصورات والقيم إلا من طريق الإسلام، لأن من أبرز أسباب الترف -كما سبق - حب التقليد للمترفين في المجتمع وإرادة مباهاتهم وحب البروز والتعالي عليهم نتيجة رفع كثير من المجتمعات من شأن الدنيا وزخرفها، وتحويل ذلك إلى غاية وقيمة بعد أن كان وسيلة وزينة، والطريق لتجاوز ذلك وتلافيه: تعويد الإنسان نفسه الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة لمعرفة حكمها في الشيء المراد فعله قبل مباشرة ذلك، وعندما يطبق المرء ذلك ستتضح له القيم والسلوكيات المخالفة لتعاليم الإسلام في المجتمع - ومنها الترف والتباهي به - فيسعى إلى الحذر منها وتجنبها. *لابد للعبد من إشغال نفسه بما يعود عليه نفعه في الآخرة، وذلك لأن النفس إذا رباها صاحبها على جعل ذلك هدفاً، تترتب الأولويات لديها فتقدم الأنفع على النافع والنافع على ما ليس فيه نفع، وحين تفعل النفس ذلك فإنها ستتعالى عن التعلق بمتع الحياة؛ قال سليمان الداراني: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله عن الآخرة [٣٠] ، وقال مالك بن دينار: بقدر ما تخزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك [٣١] . *التأمل في تبعات الترف في الآخرة، وتخيل العبد وقوفه بين يدي الله (تعالى) ، والأسئلة التي ستوجه إليه في ذلك الموقف عن النعيم الذي يتقلب بين جنباته في هذه الدنيا دافع له إلى ترك الترف، ولذا: ذكّر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بذلك فقال: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه [٣٢] ، ولقد كان هذا التأمل من أكبر الأسباب التي دفعت بعض السلف إلى التقلل من الدنيا وملذاتها؛ قال طاووس: حلو الدنيا مر الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة [٣٣] وكان الأسود يقول: من كانت الدنيا أكبر همه، طال غداً في القيامة غمه [٣٤] . *النظر في حال أهل الترف قديماً وحديثاً، والتأمل في أوضاعهم وما يعانيه غالبهم من غفلة، وقلة طاعة، وقسوة قلب، وكثرة هم، وتشتت فكر، بالإضافة إلى الفجيعة من تقلب الأحوال والخوف من انصرام ما هم عليه من نعيم وملذات: كفيل بردع العاقل عن التعلق بالملذات، ولله در سفيان الثوري حين قال: إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي [٣٥] . *إدراك المترف أن القليل من نعيم الدنيا يكفي لعبور هذه الدار والوصول إلى الآخرة، وبالتالي: فإن عليه التخفيف من الانغماس في الملذات، قال -صلى الله عليه وسلم- حين دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا! ، فقال: مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها [٣٦] ، وكان خالد بن صفوان يقول: بت أفكر فكسبت البحر الأخضر بالذهب الأحمر، ثم نظرت فإذا الذي يكفيني من ذلك رغيفان وطمران [٣٧] . *معرفة مخططات ووسائل أعداء الإسلام في إلهاء الشعوب المسلمة لصدها عن دينها وسلب خيرات بلدانها، فإن من أسباب لهو بعض المسلمين وتشاغلهم بالترف والشهوات - كما سبق - سعي أعدائهم من اليهود والنصارى وغيرهم إلى ذلك، فمتى عرف المرء تلك المخططات واتضحت له وسائل تنفيذها، تحاشى الوقوع في حبائلها. *لابد للمترف من النظر في أحوال المسلمين والتأمل في شدة ما يعانون من فقر وجهل ومرض، بالإضافة إلى ما يتعرضون له من حروب، ليعرف شدة خطئه في ترفه، وأن الأنفع له تقديم ما يفيض عن حاجته إلى إخوانه. ج- وسائل يحسن للمربين الأخذ بها للتخفيف من الترف وآثاره: عندما نتحدث عن ترف بعض الأشخاص المنتسبين إلى طريق الدعوة لابد لنا من التعريج على الدور الواجب القيام به من قبل المربين والمسؤولين عن المحاضن التربوية لكي يقوموا بدورهم في تجاوز هذه الظاهرة حتى لا تتراجع مسيرة الدعوة أو تستمر في مكانها التي هي فيه دون تقدم يذكر، والوسائل التي يمكن أن يقوم بها المربون في علاج تلك الظاهرة كثيرة؛ منها ما يلي: *تربية من في تلك المحاضن على الاستقامة والجدية، وتعوديهم على أخذالإسلام بقوة بحيث يبادرون إلى فعل محبوبات الله (تعالى) سواء أكانت واجبات أو مستحبات، وإلى ترك مبغوضات الله (تعالى) سواء أكانت محرمات أو مكروهات. والاستقامة على الإسلام وأخذه بقوة لا يطيقه إلى من صلب عوده وقوي إيمانه، لأنها تعني القيام بين يدي الله (تعالى) على حقيقة الصدق بحيث يترك الإنسان شهوات نفسه وملذاتها مع قدرته على إتيانها، ويتحمل ما يلاقيه من جراء قيامه بمخالفة معهودات المجتمع وعاداته [٣٨] . *تصريف طاقات المتربين وتوجيههم إلى حسن استثمار أوقاتهم، لأن من أبرز دواعي الترف وأسبابه ارتفاع نسبة الفراغ في أوقات الشباب، مع وجود طاقات كبيرة بحاجة إلى توجيه وإرشاد واع من قبل المربين لتصريفها تصريفاً حسناً ووضعها في المسار الصحيح، ولقد جاء حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه ابن عباس ﵄ : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ [٣٩] مبيناً مدى تفريط كثير من الناس في طاقاتهم، ومنبهاً أصحاب التربية والتوجيه إلى ضرورة ملاحظة تلك الظاهرة والسعي بجد لعلاجها. *لابد للمربين أن يبينوا للذين يربونهم وبخاصة في المجتمعات المترفة منهج الإسلام في التعامل مع النعم، والسعي بجد إلى ممارستهم ذلك المنهج في واقع حياتهم العملية مع متابعتهم - بأسلوب مناسب - أثناء التطبيق والممارسة من أجل رفع معنوياتهم، وتشجيعهم حال الإصابة، وتوجيههم إلى الحق حال مجانبته والوقوع في ضده. *لابد للمربين من توجيه الشباب وتربيتهم على الجلد والخشونة وترك الدلال والطراوة، ومن الأمور التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك ما يلي: -الحديث عن صفات الرجال المجاهدين في الأمة قديماً وحديثاً، وبيان مدى تركهم للكثير من الأمور التي تؤدي بهم إلى الترف والرفاهية مع تمكنهم من إتيانها لكي يتخذ المربُّون أولئك الأفذاذ قدوة وأسوة. -إرشادهم إلى ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ من خدمة أنفسهم؛ قالت عائشة ﵂ : كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمال أنفسهم، فكان يكون لهم أرواح، فقيل لهم: لو اغتسلتم [٤٠] ، وحثهم على القيام بخدمة أنفسهم قدر الإمكان والاستغناء عن العمال والخدم - في المنزل وخارجه - وجعل ذلك هو الأصل وخلافه هو الاستثناء. -اختيار أنواع الرياضة التي تؤدي إلى قوة الجسم وتساعد على التحمل والخشونة كالجري والسباحة، وأنواع الرياضات التي تساعد في الدفاع عن النفس، مع ملاحظة وتجنب المحاذير الشرعية والتربوية. -الإقلال من توفير وسائل الترف، سواء أكان ذلك في المطاعم أو المشارب أو الملابس أو المساكن أو المراكب أو الألعاب ... إلخ. -دفعهم إلى إتيان ما يستطيعون من نوافل العبادات وبالأخص العبادات البدنية كصيام التطوع والحج والعمرة وقيام الليل ... ونحو ذلك من العبادات التي يكون فيها نوع مشقة على البدن. -لا بد للمربين من توجيه من تحت أيديهم إلى الاهتمام بمعالي الأشياء وترك سفاسفها، والبحث عن حقائق الأمور وعدم الاقتصار على ظواهرها، والقيام بتعريفهم بأن قيمة الإنسان بحسب ما يكون عليه من تقوى لله وعمل لدينه ونصرة لإخوانه، لا بما هو عليه من زهرة الحياة الدنيا وزخرفها. *لابد للمربين من تعويد من تحت أيديهم على الإيثار والكرم وحب البذل ودفعهم إلى المبادرة والتسابق في ذلك إيثاراً للباقية على الفانية، قبل أن يفاجئ أحداً منهم الموت أو تتبدل به الأحوال ويحدث ما يمنعه من القيام بذلك. *لابد للمربين أن يحملوا الذين يربونهم بعض المسؤوليات، مع التشجيع حال الإصابة، والإرشاد مع الرفق حال الخطأ. *لابد للمربين من تشجيع من تحت أيديهم على الابتكار والسعي إلى اتخاذ القرار، وحثهم على التفكير والقيام بالموازنة بين المصالح والمفاسد، وممارسة النقد البناء ونبذ التقليد الأعمى للآخرين - من مربين وغيرهم - في الصغير والكبير. *لابد للمربين من طرق أسماع الذين يربونهم بمعاناة أكثر المسلمين في هذا العصر مع تقديم ما يرسخ ذلك في نفوسهم من صور ووثائق، ودفعهم إلى المقارنة بين حياتهم التي يعيشونها وبين الحياة التي يعيشها الآخرون من إخوانهم.

стр. 1901

خواطر في الدعوة ولكن حمزة لا بواكي له محمد العبدة إن الظلم الواقع على المسلمين في كثير من بقاع العالم لا نظير له؛ فهذا المجتمع الدولي الظالم الكنود قد تحالف حلف الشيطان ضد كل حق وفضيلة، وضد كل من يريد عبادة الله وحده، وترك ما دونه من الأصنام، ويريد هذا الحلف الشيطاني جرّ البشرية إلى مهاوٍ سحيقة من الضلال والفسق، ومن يقول له: لا، فهذه جريمة العصر. إن ما يجري في البوسنة مثال صارخ على النفاق الدولي وتظاهره بالإنسانية، وهو يخفي مُرّ العذاب بسكوته عما يقع من جرائم بحق المسلمين، وهذا واضح يعرفه كل إنسان، بل ويتألم له أناس من غير المسلمين الذين عندهم بقية من ضمير أو حب للحق. ولكن الذي نريد الوصول إليه هو: أين علماء المسلمين؟ ! وأين دورهم في التخفيف عن إخوانهم؟ وأخص بالذكر العلماء الذين لهم مكانة متميزة، لماذا لا يمارسون الضغوط على هذه الحكومات كي تقوم بعملٍ ما؟ ! فالغرب لا يفهم إلا لغة القوة، ولو كانت قوة معنوية، ولكن عندما لا يرى شيئاً ولا يحس بأي معارضة لما يفعل، فسوف لا يرى إلا مصالحه القريبة والبعيدة. لقد تدخل بابا النصارى مباشرة وبقوة في مسألة كرواتيا وسلوفينيا؛ يقول هنجتون صاحب مقال صراع الحضارات [١] : وكنتيجة لإصرار البابا على تأمين دعم قوي للبلدين الكاثوليكيين، اعترف الفاتيكان بكل من سلوفينيا وكرواتيا حتى قبل المجموعة الأوروبية، وحذت الولايات المتحدة حذو أوروبا، وهكذا تجمع الممثلون الرئيسيون في الحضارة الغربية وراء إخوانهم في الدين. هل بابا النصارى أحرص على رعاياه من حرص العلماء على إخوانهم في الدين؟ ! أليس من العجيب أن هذه النصرانية التي تقول في كتبها المحرفة: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله تتدخل في السياسة وتستجيب الدول لاقتراحات وضغوط البابا، وديننا الذي يقول: [وهو الذي جعلكم خلائف الأرض..] [الأنعام: ١٦٥] ، والذي يقول: [ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..] [آل عمران: ١٠٤] ، لا يتدخل علماؤه في شؤون إخوانهم، ومن العجيب أيضاً أن النصرانية المحرفة تقول في كتبها: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر تجد رجالها من أشد الناس إيماناً بمبدأ القوة، وأنه هو الذي يحل المشاكل العالمية، وديننا الذي يقول: [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين] [البقرة: ١٩٠] لا نجد من يدافع عنه ولا عن رعاياه، أيكون عمر بن الخطاب ﵁ مسؤولاً عن شاة إذا عثرت بشط الفرات ولا يكون العلماء مسؤولين عن دماء المسلمين؟ ! لا شك أنهم مسؤولون ويستطيعون فعل شيء يخفف الآلام. إن الواجب يدعو علماء المسلمين أن يجتمعوا على كلمة يستطيعون بها رفع الظلم عن إخوانهم في البوسنة أو الهند أو كشمير، هل نأمل بأن يكون هناك دور للأزهر وأمثاله؟ ! هذه القلاع التي كانت حصناً لردع أعداء الدين، وهل نأمل بأن يأخذوا بنصيحة عمر حين قال: يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول: (لا) بملء فيه.

стр. 1902

هموم ثقافية التنمية بين المشروع الحضاري الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي (١) أ. د. نبيل السمالوطي [*] المفاهيم: يمكن النظر إلى نظريات التنمية ومداخلها سواء أكان ذلك في الفكر الوضعي أو الفكر الإسلامي على أنها اجتهادات يمكن الاتفاق أو الاختلاف حولها، وهذه الاجتهادات تدور أساساً حول آليات وعمليات وأساليب ومضامين تغيير مخطط يستهدف تحسين مستويات الحياة ورفع مستويات معيشة الناس وتحقيق أهداف عليا وصورة معينة للمجتمع والعلاقات والتنظيمات والنظم الاجتماعية التي هي موضع اختلاف بين نماذج التنمية المختلفة، وهي أشد اختلافاً بين المشروع الغربي باتجاهاته المختلفة من جهة، وبين المشروع الإسلامي باجتهاداته المتباينة من جهة أخرى. ويقصد هنا بالاجتهادات الوضعية: تلك التوجيهات والنظريات والمداخل والمناهج التي يطرحها بعض المنظرين لتحقيق التنمية الشاملة للمجتمعات اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً ... دون الاستناد إلى ثوابت عقدية أو أخلاقية أو قِيَميّة أو تشريعية ترجع لوحي من السماء، وهي تحاول تحليل وتفسير ظواهر الفقر والغنى، والتخلف والتقدم، والضعف والقوة، وتحديد منطلقات التنمية وآلياتها وضوابطها وأهدافها استناداً إلى متغيرات واجتهادات حسية أو عقلية أو اجتماعية أو تاريخية في حدود الخبرة البشرية وإمكانات العقل البشري، وفي ضوء فلسفات التاريخ أو في ضوء نماذج وأهداف أيديولوجية بعيدة عن أي ثوابت أو مطلقات أو حقائق لا تتغير. وفي المقابل: يقصد بالاجتهادات الدينية: تلك الآراء والنظريات والمداخل والمناهج التي تحاول فهم وتشخيص وتحليل متغيرات التخلف والتقدم والغنى والفقر والقوة والضعف في إطار المنطلقات والثوابت والأهداف والضوابط الدينية، مع الأخذ بكل جوانب التحليل العلمي والمنهجي المادي والاجتماعي والتاريخي والاقتصادي والسياسي في إطار متغيرات التاريخ ومتغيرات العصر، وفي ضوء المنطلقات الثابتة المتصلة بجوهر الإنسان والمجتمع، ورسالة كل منهما، والموقف من التاريخ والثقافة، والموقف من عالمي الغيب والشهادة، وفي إطار نظرة تكاملية للمعرفة من حيث مصادرها وطبيعتها وأنواعها، ودور كل منها في مسيرة الإنسان والمجتمع، وفي ظل رؤية شمولية للعوامل والأسباب والآليات المؤدية إلى التقدم والتنمية بكل أبعادها المادية والروحية والاجتماعية والسياسية، البشرية والكونية، وفي إطار فهم وتفسير محدد للإنسان والمجتمع والتاريخ والعلاقات الاجتماعية سواء أكان ذلك بين الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات أو الدول [١] . والقول بوجود مشروعات أو نماذج من التنمية تستند إلى اجتهادات وضعية، وأخرى تستند إلى اجتهادات دينية، يعني: أن كلا النوعين من النماذج يتضمن إعمال العقل والتحليل العلمي والاستعانة بمصادر متعددة للمعرفة، ويعني: إمكانية التعدد والاختلاف في مجال الاجتهاد القائم على منهجية التفسير والتحليل وبناء الخطط استناداً إلى قواعد معلوماتية وفكرية ومنطقية، وإذا كانت الاجتهادات الوضعية تستند إلى قدرات البشر وتستبعد الثوابت الدينية، فإن الاجتهادات الدينية تستند إلى الثوابت الدينية سواء أكانت منطلقات أو آليات أو أهدافاً، ولكنها تؤكد على أهمية الجهد الإنساني في الاستنباط والفهم والتحليل والوصول إلى النتائج والأحكام، وينطبق هذا الأمر على علوم الدين والدنيا معاً التي ينظر إليها الإسلام بوصفها علوماً إسلامية، فالعلوم التجريبية التي وجدت قبل الإسلام اختفت من حياة الإنسان تحت وطأة عدة قوى، من بينها سياسات حكام الإمبراطورية الرومانية التي ركزت على الحياة العسكرية والتنظيمات القانونية ولم تهتم بالعلم التجريبي، ومن بينها السياسات الكنسية في أوروبا التي أكدت على استبعاد أي اجتهاد إلى جوار كتابهم المقدس. فضل المسلمين على الحضارة: وكما يذكر ابن نباتة فقد تم وضع الكتب في الدهاليز ليأكلها الزمان، وعندما أتى الإسلام، أنشأ المسلمون أول جامعة وهي بيت الحكمة، وتم إخراج الكتب من الدهاليز، وقام المسلمون بترجمتها إلى العربية واستكمال ما نقص أو ضاع منها، والتعليق عليها وشرحها، وتدريس الصالح منها، وتأليف العديد من الكتب، والوصول إلى العديد من الاختراعات العلمية، وتقنين خطوات المنهج التجريبي بشكل واضح [٢] . هذا بالطبع إلى جانب الوصول إلى علوم جديدة سواء أكان ذلك في مجالات السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو التربية تستند إلى مبادئ الكتاب والسنة، أو في مجال التجريب في بعض فروع العلم كالكيمياء والطب والرياضيات.. إلخ، وقد نظر المسلمون إلى كل هذه العلوم على أنها علوم إسلامية، وقد أدى المسلمون خدمة مهمة للعلم، وذلك بنقله من المحلية إلى العالمية، وقاموا بتطوير العلوم وتحديد معالم المناهج، كذلك قاموا بمحاولة تقديم العلم المفصل للمتخصصين وتبسيط العلوم للجمهور، وهذا العلم الذي نشأ وتطور وتقدم في ظل الحضارة الإسلامية وصل إلى الغرب من خلال مراكز إشعاع ثقافي، مثل الأندلس وصقلية والشام وغيرها. وترتبط حضارة الإسلام بالعلم ارتباطاً وثيقاً؛ لأن طلب العلم جزء لا يتجزأ من العبادة، وطلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة، وكانت أول كلمة في القرآن الكريم هي اقرأ، وهنا يحق لنا القول: إن العلم النافع بكل فروعه يحتل موقعاً رئيساً في الحضارة الإسلامية، وإذا كان الغرب ومشروعه الحضاري يركز الآن على العلوم التجريبية التي أقامها على مرتكزات من العلم الإسلامي فالفارق كبير بين موقع العلم في المشروع الحضاري الإسلامي وموقعة في المشروع الحضاري الغربي؛ فرق في المنطلقات والغايات، وفرق في الضوابط والآليات، وفرق في التوجيه والتطبيق؛ فالمنطلقات عند المسلمين عبادية؛ أي: تنفيذ إرادة الله وأوامره في النظر في الكون والآفاق، وفي الأنفس، وفي التاريخ والمجتمع وهي كلها مخلوقات لله من أجل الوصول إلى السنن أو القوانين التي تحكم هذه المخلوقات، وهذا يفيد من جهتين: الأولى: تعميق الطاقة الإيمانية عند الإنسان، فالتعمق في العلم يؤدي إلى مزيد من الخشية لله [إنما يخشى الله من عباده العلماء] (فاطر: ٢٨) . الثانية: الانتفاع بهذه المعرفة في التطبيقات العلمية (التقنية أو الصناعية) الأمر الذي يؤدي إلى أن يكون المجتمع المسلم هو الأقوى اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وصحياً وسياسياً وعسكرياً ... وهو شرط رئيس للقيام برسالة الإنسان والمجتمع المسلم في إعلاء كلمة الله والدعوة إليه وتأمين سبل الدعوة الإسلامية ومحاربة طواغيت الأرض وإقامة العدل والقضاء على الظلم، والنصوص كثيرة من الكتاب والسنة في هذا المعنى؛ منها قوله (تعالى) : [قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون] [الزمر: ٩] وقد بين الرسول ﷺ فضل العالم على العابد، وأوضح أن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدماء الشهداء، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يفعل. وهذا هو ما أدى إلى ازدهار الحضارة الإسلامية وإلى إبداعات العقل المسلم في كل مجالات العلوم الشرعية والكونية والاجتماعية والأدبية والإنسانية، وهذا هو ماحدا بملوك أوروبا في عصر النهضة إلى إرسال مجموعات للحصول على الكتب الإسلامية لترجمتها إلى اللغات الأوروبية، ليس فقط في مجالات العلم الطبيعي والاجتماعي ولكن أيضاً في مجالات العلوم الشرعية كذلك، وكانت هذه هي نقطة انطلاق الحضارة الغربية في مجال العلم التجريبي بشقيه النظري والتطبيقي، وهو العامل الرئيس في التقدم العلمي والاقتصادي والتقني الحالي في الغرب. وإذا كانت النماذج الدينية والوضعية في التنمية تنطلق من مشروعات حضارية متباينة أو متصادمة من حيث المنطلقات والغايات، فإنه يتعين علينا أن نتفق على مفهوم الحضارة، فالحضارة بوصفها خلاصة الخبرة والتراكم المعرفي والتربوي والإبداع البشري والضوابط الإصلاحية لها جانبان: أولاً: الجانب المعنوي: يتمثل في المعتقدات والقيم والأخلاقيات والضوابط الدينية والمبادئ والأطر الفكرية والرؤية العامة للكون والحياة والإنسان والتاريخ والعلاقات بين البشر، أفراداً وجماعات ودولاً. ثانياً: الجانب المادي: المتمثل في المستوى العلمي التجريبي ومستوى التقنية والمستويات الاقتصادية المادية لأبناء المجتمع. والحضارة هي محصلة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، وهي محصلة التفاعل بين الدوافع والرغبات والتطلعات والأعمال والشهوات الإنسانية من جهة، وبين الضوابط والمعايير التي تحكم حركة الإنسان في إشباع هذه الشهوات، وتوجيه الدوافع، وأساليب توظيف نتاج هذه الدوافع والشهوات والأعمال الإنسانية من جهة أخرى، وهي محصلة التفاعل بين الغايات النهائية والإمكانات والإبداعات والجهود الإنسانية للوصول إليها، فالحضارة إذن هي تفاعل بين عاملين: الأول يتصل بالقيم والمبادئ والموجهات العقدية المنهج والنماذج السلوكية والفكرية التي تحدد ما هو مرغوب فيه وما هو متسامح فيه وما هو مرغوب عنه، وبين الواقع المادي بمغرياته المادية وما فيه من أدوات وأجهزة هي وسائل إشباع الحاجات الإنسانية المتزايدة والمتغيرة [٣] . إشكاليات النموذج الغربي في الحضارة: والحضارة في المشروع الغربي هي حضارة ترتكز في منطلقاتها وآلياتها وأهدافها على الجانب المادي في الحياة، وحتى بالنسبة للمبادئ العليا والقيم في الغرب فهي موظفة لخدمة الأهداف المادية، فإذا كان المشروع الحضاري الغربي يعلي من قيم وممارسات: الديموقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان، وإعلاء قيمة العقل والتفكير العقلي، والاحتكام للمنطق والسيطرة على الطبيعة وإخضاعها لخدمة الإنسان.. إلخ، فإن هذه المبادئ المتفق على أهميتها وضرورتها ليست مسخرة لحماية الإنسان بذاته، وإنما لحماية المصالح والصفوات الغربية مقابل الجماهير، وحماية المجتمعات الغربية مقابل المجتمعات الأخرى، وهذه القيم التي يرفع المشروع الغربي شعارها ويجعل منها سيفاً مسلطاً على العالم الثالث، يؤكد أغلب الباحثين في العلوم الاجتماعية في الغرب وبعض مفكري العالم الثالث أن هذا المشروع الغربي يمثل بها قمة صور وحالات التنمية التي يجب على كل دول العالم الثالث السعي لتحقيقها، هذه القيم والمبادئ هي مثاليات غير متحققة حتى في الغرب نفسه؛ فالحكم في الولايات المتحدة ليس ديموقراطياً وإنما هو حكم صفوة القوة على حد تعبير س. ر. ملز C. R. MILLS في كتابه بعنوان صفوة القوة The Power Elite [٤] ، وحقوق الإنسان غير مطبقة فعلياً في أمريكا بدليل استمرار التمييز العنصري والصراعات العرقية في أوروبا وأمريكا، وزعماء الغرب يؤكدون أن إعلان حقوق الإنسان لم يوضع لسكان إفريقيا السوداء، وهذا ما أعلنه أحد رؤساء الحكومة الفرنسية وهو جون فيري [٥] ، وموقف الغرب من مسلمي البوسنة والهرسك يعكس حقيقة فهم حقوق الإنسان في الغرب، ونفس الأمر تعكسه ثورات وتمرد العرقيات المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ومن بينها ما حدث منذ سنتين تقريباً في لوس انجلوس، ونفس الأمر أيضاً يعكسه موقف ومؤامرات الغرب ضد حركات التحرر في العالم الثالث، سواء أكانت اقتصادية أو سياسية، ويتضح من موقف الغرب من الإسلام والمسلمين ويتضح هذا في العديد من المشروعات الفكرية العلمية مثل مشروع كاميلوت، كما يتضح من موقف الغرب من تجارب الديموقراطية في دول العالم الثالث مثل تجربة الجزائر، كما يتضح من موقف الأوروبيين حالياً من المستوطنين العرب والمسلمين في دول أوروبا مثل فرنسا وألمانيا.. إلخ، وهو موقف يعكس العداء وعدم الإنسانية. هذه الإشكاليات في المشروع الحضاري الغربي، هي إشكاليات موضوعية يثيرها كتاب ومفكرو الغرب أنفسهم الذين يرون أن المشروع الحضاري يعلي من قيمة الاستمتاع المادي والرفاهية في مقابل القيم الأخلاقية، وهذه الحقيقة أدت في التطبيق إلى العديد من الإشكاليات التي تبرزها بشكل موضوعي الإحصاءات الغربية التي أوردها فهمي هويدي في مقال له بالأهرام بتاريخ الرابع من أكتوبر سنة ١٩٩٤م من واقع المصادر الرسمية في الغرب التي توضح أن ٤٠% من الأطفال غير شرعيين (في الولايات المتحدة) و٦٠% من الأزواج لا يعيشون مع زوجاتهم، وأن عشرة آلاف أنثى دون الثامنة عشر تم اغتصابهن سنة ١٩٩٢م في مدينة واشنطن وحدها، منهم ٣٨٠٠ دون الثانية عشر، وأن ٢٠% من هؤلاء الأخيرات تم اغتصابهن عن طريق آبائهن، و٢٦% عن طريق الأقارب، وأنه قد تم رصد ٣٠ مليار دولار في الولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة الجريمة، ويجند لهذا العمل ٠٠٠ر١٠٠ رجل شرطة [٦] . أهم جوانب الاختلاف بين المشروع الحضاري الإسلامي والمشروع الغربي: أما عن المشروع الحضاري الإسلامي فهو مشروع متوازن يعكس فطرة وحاجات الإنسان، ويحقق أقصى درجات التوازن المادي والروحي، وأقصى درجات التقدم في كل المجالات الروحية الدينية والاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية، وهذا المشروع يحقق صالح الإنسان الحقيقي في الدنيا والآخرة، وبهذا تتكامل المادية والروحية، وتتكامل الجوانب المعرفية الحسية والعقلية مع حقائق الوحي، ويتكامل الإنسان مع الكون الذي يعيش فيه والذي سُخر من قِبَل الخالق لخدمته، ويتكامل الإنسان مع مجتمعه وأمته، ويتكامل عالم الغيب مع عالم الشهادة، وتتكامل الدوافع مع الضوابط، وتتكامل الدنيا مع الآخرة. ولا يمكن الاكتفاء بالقول: إن المشروع الحضاري الغربي ينطلق من المادية والعلمانية المسرفة، وإن المشروع الإسلامي ينطلق من الإيمان بالغيب ويحقق التكامل بين المادة والروح، لأن المنطلقات والأهداف والآليات والنتائج متصارعة ومتناقضة، وسوف يكتفى هنا بإبراز بعض الأمثلة لتوضيح هذا الأمر: أولاً: الموقف من الكون أو ما يسمى بالطبيعة ومن الحياة والوجود: هو في الغرب علاقة صراع دامٍ، يعكس هذا مصطلحات: غزو الصحراء، قهر الطبيعة، إخضاع الظواهر لسيطرة الإنسان ... وهم يصورون العلاقة على أن الحياة الطبيعية معاكسة للإنسان، مقلقة له، ولابد من صرعها والتغلب عليها. [٧] يقابل هذه النظرية في المشروع الحضاري الإسلامي نظرة مناقضة تماماً، فكل ما في الكون مسخر للإنسان، بل إن الكون في جانبه المتصل بالبشر مخلوق لخدمة الإنسان، ومناسب لقدراته على المعرفة والتعامل والتسخير، قال (تعالى) : [هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاْ] [البقرة: ٢٩] وكما يقول صاحب الظلال [٨] : فإن كلمة لكم تدل دلالة قاطعة أن الله خلق الإنسان لأمر عظيم ... ليكون مستخلفاً في الأرض، مالكاً لما فيها، فاعلاً مؤثراً فيها. وإذا كان المشروع الحضاري الغربي يؤكد العداء بين الإنسان والبيئة المادية (الجغرافية) المحيطة به، فإن الإسلام يؤكد أن هذه البيئة مسخرة بأمر خالقها للإنسان، والآيات التي تتحدث عن هذا كثيرة وقاطعة؛ منها قوله (تعالى) : [الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه ... الآية] (إبراهيم: ٣٢-٣٤) وقد جاء هذا الكون موافقاً تماماً لقدرات الإنسان على الفهم والتفسير والاستيعاب، وقدرات الإنسان على العمل والاستثمار والإنتاج، وقدرات وحاجات الإنسان البيولوجية كالماء والهواء، والنسب المعجزة للأكسوجين، وما تنبته الأرض من غذاء أو كساء ... إلخ، كل هذا يؤكد الوحدة والتناسق في النواميس أو القوانين أو السنن التي تحكم الأرض والكون والإنسان حتى لا يقع التصادم والصراع والعدوان، على العكس تماماً من مُسَلمات المشروع الحضاري الغربي.. ثانياً: ما يبرز فيه الصراع والتناقض بين المشروعين الحضاريين الغربي والإسلامي، يتمثل في النظر إلى الإنسان؛ فالإنسان في المشروع الغربي حيوان ناطق، يسعى باستمرار نحو إشباع شهواته خاصة شهوات المال والجنس والأكل والمركز والتفوق بأقصى قدر ممكن وبأقل خسارة ممكنة، فهو يحاول الوصول إلى أقصى قدر من اللذة والرفاهية بأقل مجهود ممكن [٩] ، وهذا هو التيار النفعي (البراجماتي) والرأسمالي المسيطر على الفلسفة الغربية، فالإنسان في المشروع الغربي: كائن يهدف إلى المنفعة والمتعة في إطار المشروع الفردي والحرية والمسؤولية الفردية، وهو ليس إلا رقماً في معادلة حياتية يمكن فهمها وتحليلها بالحاسب الآلي، أما الإنسان في المشروع الحضاري الإسلامي فهو مخلوق خلقه الله واستخلفه في الأرض لأداء رسالة حضارية محددة هي العبادة بمفهومها الواسع الذي يشمل كل ما قصد به تنفيذ أوامر الله وتجنب نواهيه، وهذه تشمل: العبادات، والتعلم، والإنتاج العلمي، وفهم السنن الحاكمة للإنسان والكون والمجتمع والتاريخ [١٠] ، وتشمل: تعمير الأرض والإنتاج العملي وبناء المجتمع الأقوى إيمانياً واقتصادياً وتقنياً واجتماعياً وسياسياً؛ المجتمع القادر على: إقامة العدل والحق، وعلى تحرير الإنسان، والقضاء على الظلم، والدعوة إلى الإسلام، وتأمين سبل الدعوة إلى الله، وبناء القوة المرهبة لأعداء الإسلام. والإنسان في المشروع الإسلامي كائن مزدوج الهوية؛ فهو مكون من جانب ترابي هو مصدر الشهوات، وجانب روحي هو مصدر السمو والقيم ومصدر ترشيد إشباع هذه الشهوات بالشكل الذي يحقق الاعتدال وفق المنهج الإلهي، وهذا لا ينفي حق الإنسان في الاستمتاع بالطيبات من الرزق، قال (تعالى) : [قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق] [الأعراف: ٣٢] وقال (تعالى) : [زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَمة والأنعام والحرث.. الآية] [آل عمران: ١٤] . ثالثاً: من جوانب الصراع بين المشروع الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي: مصادر المعرفة [١١] ، ومصادر التوجيه والضبط بالنسبة لحركة ... الإنسان في الفكر والعمل، وحركة المجتمعات في التنظيم والتخطيط وتحديد الأهداف وتحديد الأولويات؛ فالمشروع الغربي بحكم ماديته وعلمانيته ينكر الوحي وينكر كل ما يتصل بالغيب، ويثق ثقة مطلقة بالعقل الإنساني وقدراته الخارقة على النفاذ إلى أدق أسرار الإنسان والكون والحياة، فهو قادر على تنظيم سلوكياته وعلاقاته وتنظيماته ومجتمعه وعالمه دون حاجة إلى توجيهات سماوية أو غيبية، واستناداً إلى هذا: انطلق يشرع ويصوغ القوانين في كل جوانب الحياة. وفي المقابل: نجد المشروع الحضاري الإسلامي يؤكد على أهمية أحادية الوحي مصدراً للمعلومات الصادقة، ومصدراً للتشريع الحكيم، ومصدراً للضبط والتوجيه، في كل مجالات السلوك والعلاقات والنشاط البشري، مع فتح المجال واسعاً للاجتهاد في مجال المتغيرات والمستجدات في إطار الثوابت الإيمانية والمعيارية الحاكمة، والمشروع الإسلامي يؤكد على أهمية المصادر الحسية والعقلية للمعرفة بوصفها مصادر بشرية ركز الوحي على أهميتها ووجه إلى ضرورة استخدامها للوصول إلى السنن الحاكمة للكون والمجتمع والإنسان والتاريخ، للانتفاع بها عملياً، إلى جانب زيادة الطاقة الإيمانية عند المؤمنين، والمشروع الإسلامي يؤكد عدم قدرة الإنسان على التشريع لما يحقق له النفع الحقيقي لا النفع الوهمي، النفع في الدنيا والآخرة لا النفع الدنيوي فقط، النفع لكل الناس لا النفع لجماعة أو صفوة أو فئة أو مجتمع دون آخر. فالإنسان في المشروع الإسلامي مخلوق خلقه الله بقدرات محددة لايتعداها، وهو يسعى بحكم تكوينه الترابي وبحكم وسوسة الشيطان له نحو إشباع شهواته إلى غير حد، وكل إنسان مهما زادت ثقافته وقدراته لا يستطيع التخلص من تجربته الزمانية والمكانية، ولا أن يتخلص من المؤثرات التربوية والاقتصادية التي أثرت على تنشئته الاجتماعية، كذلك لا يستطيع التخلص من القوى التنظيمية والسياسية والمجتمعية التي عاصرها، ولا يستطيع التخلي عن المشكلات الاجتماعية والعاطفية والجسمية التي يعاني منها، ولا يستطيع تحقيق الحيدة والنزاهة الكاملة أو الموضوعية عند مناقشة أمور تتصل بالحاجات الإنسانية أو السلوكيات أو العلاقات الاجتماعية..، ولا يستطيع الإحاطة بكل جوانب الموضوع المدروس، لكل هذه الأسباب وغيرها فإن الإنسان في حاجة مستمرة إلى الهدي الإلهي وإلى المنهج الرباني، ينظم له حياته وعلاقاته [١٢] ويحدد له الأولويات والأهداف والآليات التي تحقق صالحه الحقيقي.. هذا المنهج بضوابطه وأحكامه وتوجيهاته لا يصادر المصادر البشرية للمعرفة وهي الحس والعقل، ولا يصادر الجهد والبحث الإنساني عن الحقيقة ولا يمثل عائقاً أمام انطلاق الإنسان ورفاهيته، وعلى العكس من هذا؛ فإن هذا المنهج يؤكد الفعالية الإنسانية ويستثيرها في إطار السلامة والاعتدال، وحماية الإنسان من الانحراف والطغيان والفساد، ومن العبودية لغير الله. [١٣] وهذا المنهج يحقق أقصى درجات العزة والكرامة للإنسان.. دون هذا المنهج تسود الأنانية والصراع والتناقضات الطبقية والعرقية والدولية، وتسود الشهوات وتقنن الانحرافات، ويسود الانحراف والشذوذ باسم حرية التعاملات المالية، أو حرية استخدام الجسد، أو حرية العلاقات بين الجنسين أو بين أبناء الجنس الواحد، أو حرية الإجهاض، وبعيداً عن المنهج الإلهي تختفي العفة وتختفي رقابة الآباء على الأبناء، ويندفع الناس تحركهم الشهوات المادية وحدها، وتعد الضوابط الأخلاقية نوعاً من التخلف الفكري المرفوض. إن الوحي وهو المصدر الرئيس في المشروع الإسلامي يؤكد على وجود عالمين؛ عالم الشهادة وعالم الغيب، وأن الحياة الدنيا ليست إلا مرحلة يعبرها الإنسان إلى الآخرة، وأن الحياة الدنيا هي فترة الاختبار والابتلاء، والنتيجة قد تكون في الدنيا، ولكنها يقيناً يحصلها الإنسان في الآخرة، وفي ضوء هذا التصور يصبح الإنسان مستعداً للتضحية بجهده وماله بل وحياته في سبيل حياة أخرى، وبهذا الفهم يصبح الإنسان قادراً على ممارسة الكر والفر في حياته الدنيا وفق المنهج الإلهي، وهذا ما يحقق المرونة والفعالية في الحياة الإنسانية، فهذا المشروع يحدد للإنسان متى ولماذا يضحي، ومتى ولماذا يتوقف عن التضحية بالجهد والوقت والمال والنفس. والمشروع الحضاري الإسلامي يحقق نوعاً من أسمى أشكال التعادلية في حياة وفعاليات الإنسان، فالعديد من آيات القرآن الكريم تحقر من شأن الدنيا وتزهد الناس فيها؛ منها قوله (تعالى) : [إنما الحياة الدنيا لعب ولهو.. الآية] [محمد: ٨٦] وقوله (تعالى) : [وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور] [آل عمران: ١٨٥] وهذا حتى لا يركن الإنسان لشهواته ونزواته وينزلق نحو الانحراف والفساد، وهناك العديد من الآيات الكريمات تؤكد على أهمية الاستخلاف والعمل والعلم والتعليم وبذل الجهد والإنتاج وتعمير الأرض حتى قيام الساعة؛ منها قوله (تعالى) : [هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ... الآية] [تبارك: ١٥] وقوله (تعالى) : [هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها] (هود: ٦١) كل هذا من أجل استمرار حركة الحياة وتحقيق مصالح الناس وإنفاذ مشيئة الله وإنفاذ واجبات الاستخلاف في الأرض.

стр. 1903

قطوف وصايا نبوية عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (من طلب العلم ليُماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار) . وفي رواية عن حذيفة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتُماروا به السفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم. فمن فعل ذلك فهو في النار) . وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلم العلم ليُباهي به العلماء ويجاري به السفهاء، وتصرف به وجوه الناس إليه؛ أدخله الله جهنم) . عن صحيح سنن ابن ماجه، ج١، للعلامة الألباني..

стр. 1904

مقال دراسة المستقبل - مدخل تأصيلي - أحمد بن عبد الرحمن الصويان مدخل: علم الإدارة من العلوم القديمة قدم الإنسان، أخذ أشكالاً وأنماطاً متعددة تختلف باختلاف العصور والأنشطة، وهو حصيلة تجارب وخبرات متنامية للاستفادة من الطاقات والموارد المتاحة البشرية منها على وجه الخصوص للوصول إلى أهداف محددة بأسرع وقت ممكن، وأقل جهد مبذول، وأقل تكلفة ممكنة. فعلم الإدارة وسيلة من وسائل ضبط العمل وإتقانه وتوجيهه الوجهة الصحيحة، ولهذا قال الكاتب فورست في تعريف الإدارة: إنها فن توجيه النشاط الإنساني. ويعتمد الفكر الإداري لبناء أي عمل من أي نوع كان على العناصر التالية: ١- التخطيط. ٢- التنظيم. ٣- التوجيه. ٤- الرقابة (المتابعة) . فالتخطيط أحد العناصر المهمة لإنجاح أي عمل بشري، وهو يعني: التصور المستقبلي المبني على الدراسة والتحليل للوقائع والإحصائيات الثابتة للعمليات المستقبلية، ويكون عادة قبل التنفيذ [١] . * ويشمل التخطيط ما يلي: ١- رسم الأهداف العامة والخاصة. ٢- دراسة المستقبل (التوقع) . ٣- رسم السياسات واللوائح. ... ٤- تحديد الجداول الزمنية للتنفيذ. ٥- دراسة الموازنات المالية المتوقعة. فالتخطيط إذن وسيلة من وسائل بناء العمل على الدراسات والأبحاث العلمية، وليس على أساس العواطف والرغبات الشخصية، وبه يعرف الإنسان إلى أين هو ذاهب.. وما الطرق التي سوف يسلكها.. والوسائل التي سوف يستخدمها..! وبهذا يتبيّن أنّ دراسة المستقبل أحد العناصر الرئيسة لنجاح التخطيط، حتى إن الكاتب فايول اختزل علم الإدارة كله في هذا العنصر تأكيداً لأهميته وحيويته، فقال في تعريف علم الإدارة: بأنّه النظر إلى المستقبل. وفي هذه المقالة لن أتحدث عن عناصر الفكر الإداري، أو عناصر التخطيط، وإنّما سوف أخصصها لدراسة المستقبل وتوظيفه في العمل الإسلامي. (١) إن الدعوة الإسلامية من أجلّ وأشرف الأعمال التي تقوم بها الأمّة، وهي من أولاها بالتخطيط والدراسة، وما لم تبن بناءً علمياً صحيحاً، وترسم لها الخطط العلمية والعملية فإنّها سوف تبقى ذات أثر محدود الفاعلية زماناً ومكاناً، ولا يكفي أن يكون العمل ناجحاً في مرحلة ما من المراحل، ولكن من المهم أن نحافظ على ذلك النجاح وننميه بصورة مطردة. لقد ولدت الصحوة الإسلامية المعاصرة في وسطٍ مُسْتَلَبٍ حضارياً وفكرياً، ومتخلف إدارياً وسياسياً واقتصادياً، ورجال الصحوة جزء من هذه الأمة، ولهذا امتدت إلى بعضهم العدوى لتصيب برامجهم التي تبنى على العفوية والارتجال والاجتهادات الفردية المتخبطة، وتتأثر بردود الأفعال الآنيّة، وتنطلق من أطروحات وعظية وتعميمات مبنية على فراغ علمي، والنتيجة المتوقعة إزاء ذلك: ظهور بعض الإنجازات الغثائية الهشة التي لا تقوى على الثبات أمام الأعاصير الفكرية والسياسية. إنّ الدارس لسيرة النبي ﷺ يجد أنّ خطواته المباركة في كلّ مرحلة من المراحل الدعوية تسير وفق خطة محكمة مستبصرة؛ قال الله (تعالى) : [قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين] [يوسف: ١٠٨] . ولقد كان رسول الله ﷺ ينظر إلى المستقبل دائماً حتى في أحلك المواقف وأحرجها، فها هو ذا يقول لخباب بن الأرت لما شكى له الشدة التي أصابت الصحابة في العهد المكي: ... والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون [٢] . ويقول لسراقة بن مالك ﵁ وهو يطارده يوم الهجرة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ ! [٣] . ويقول وهو يحفر الخندق، عندما اجتمعت عليه الأحزاب: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة.. أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض.. أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة [٤] . والعجيب أن بعض الناس يبحث هذه النصوص ونحوها من زاوية واحدة فقط، وهي: أن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، وأن هذا من الغيب الذي أظهره الله عليه تأكيداً لنبوته ورسالته، وواجبنا التسليم والتصديق، وهذا حق بلا ريب، ولكن لهذه النصوص زوايا وأبعاد كثيرة، من أجلّها: أنّ رسول الله ﷺ وضع بين عينيه أهدافاً جليلة بعيدة المدى، ثم استحث النفوس الحية والهمم العالية للوصول إليها، دون أن تصاب بالإحباط أو اليأس لعارض طارئ من العوارض القريبة، فهي دعوة لتوسيع الأفق وتعميق النظر والانطلاق إلى تلك الرحاب الواسعة لاستشراف آفاق المستقبل غير المنظور، ومن ثم: السعي الحثيث لاستثمار الحاضر بكل إمكاناته لبناء المستقبل وترسيخه وإزالة عوائقه ومشكلاته. إنّ سعة الأفق والنظر إلى المستقبل تجعل الإنسان يدرك تماماً: ماذا.. ومتى.. وكيف يعمل، فهو يتحرك برؤية واضحة وخطى مرسومة، وها هو ذا يوسف ﵊ يرسم خطته الاقتصادية بالاستفادة من سنوات الرخاء المشهودة، لمواجهة سنوات الشدة المتوقعة؛ قال الله (تعالى) : [قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً ممَّا تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدَّمتم لهنَّ إلا قليلاً مما تحصنون] [يوسف: ٤٧-٤٨] . وإن شعار (المستقبل لهذا الدين) شعار صحيح بلا شك، دلت عليه الدلائل الشرعية المتواترة، ولكنّه ليس شعاراً وعظياً، تحشد له القصص وتستثار له النفوس فحسب، بل لابد من معرفة شروط التمكين وموانعه، والعمل على إعداد الأمة وبنائها، ورسم الخطط المستقبلية الكفيلة بتيسير سبيل ذلك وإنجازه، فنصر الله لا يتنزّل على العجزة القاعدين؛ قال الله (تعالى) : [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم] [الرعد: ١١] ، قال ابن الجوزي: إن الله لا يُغير ما بقوم من الكروب، حتى يغيروا ما بأنفسهم من الذنوب، فلا يكون التغيير إلا بعد التغيير، فبظلمنا وذنوبنا صبّت علينا المظالم، وهكذا ينتقم الله من الظالم بظالم [٥] . إن استشراف المستقبل ليس رجماً بالغيب، أو تعلقاً بالظنون والتخرصات، أو اشتغالاً بالخيالات المجردة الهلامية، وإنما هو توظيف لمعطيات الماضي (المدروس) والحاضر (الملموس) ومسبباتها، لتوقع نتائجها ولوازمها، ومن ثم: رسم خطط العمل وتنظيمها بناءً على ذلك. (٢) إذا أردنا للدعوة الإسلامية أن تنهض من كبوتها، وتقدم برامج أكثر فاعلية ونماءً وتأثيراً في الأمة، فلابد من وجود مراكز بحثية جادة يستقطب لها أهل العلم والبصيرة والخبرة، ليتم من خلالها: دراسة المستقبل وتغيراته المتوقعة، ورسم الخطط وتنظيمها. وتتم دراسة المستقبل بالمواءمة بين العناصر التالية: ١- دراسة النواميس والسنن الكونية، فسنن الله (تعالى) ثابتة لا تتحول ولا تتبدل؛ قال (تعالى) : [فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا] [فاطر: ٤٣] ؛ ولهذا أمر الله (تعالى) بدراستها والاعتبار بها: [قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين] [آل عمران: ١٣٧] . ٢- دراسة تاريخ الأمم وتجارب الشعوب والدول في قديم الدهر وحديثه؛ ففيها عبرة وعظة لكلّ معتبر، ولهذا قصّ الله (تعالى) لنا قصص الأمم الغابرة، وقال: [لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون] [يوسف: ١١١] . ٣- دراسة وتقويم تجارب الحركات الإسلامية المعاصرة بكلّ تجرّد بعيداً عن التعصب لها أو ضدها، والحذر من عقدة التفرد والتميز التي قد تصاب بها بعض تلك الحركات التي تؤدي في الغالب إلى الدوران حول الذات واعتقاد الكمال (الزائف!) ، وتقزيم الحركات الأخرى، ومن ثم: إهمال تاريخها وتجاربها، مع أنّ الحكمة تقتضي دراسة حتى الحركات التي نرى أنّها هزيلة وذات تجارب ضعيفة، لكي لا نقع فيما وقعت فيه، والسعيد من وعظ بغيره. ٤- دراسة الإمكانات والقدرات المتاحة الموظفة والمستثمرة حالياً، أو التي يمكن توظيفها مستقبلاً. ٥- التعرف على مواطن القوة لاستثمارها ودعمها، ومواطن الضعف لتصحيحها وعلاجها، ويتطلب ذلك مكاشفة بينية في غاية الوضوح والصراحة، بعيداً عن المجاملة أو التسويغ. ٦- دراسة الاحتياجات الآنيّة التي تتطلبها المرحلة الحالية، (الأهداف القريبة) . ٧- دراسة التطلعات والطموحات المستقبلية (الأهداف البعيدة) ، من خلال الإمكانات والقدرات المتاحة، ومن ثم: السعي إلى التوفيق بين الأهداف القريبة والبعيدة، بحيث يكمل بعضها بعضاً ولا يطغى جانب على جانب آخر. ٨- ترتيب سلم الأولويات العلمية والعملية بمقتضى النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع الذي تعيشه الصحوة الإسلامية. ٩- دراسة الظروف المحيطة، والتحديات التي تواجهها الأمّة، والعقبات المتوقعة من داخل البناء أو خارجه والحذر من داء التبسيط المفرط للمسائل الذي يؤدي غالباً إلى الغفلة والتهاون وعدم المبالاة، وداء التصعيب المفرط الذي يؤدي إلى تعقيد المسائل وتضخيمها حتى يصاب المرء بالإحباط واليأس، وهما اللذان يُعبر عنهما الأستاذ مالك بن نبي بذهان السهولة وذهان الاستحالة..! ! . ويضمن ذلك نسبياً حساب المواقف قبل وقوعها، ومعرفة البدائل الممكنة، ممّا يجعل تقدير القرارات أكثر دقة وفاعلية. وبهذا التكامل والشمول تتحرك الصحوة الإسلامية وفق خطط علمية محكمة مدروسة، تنتقل فيها الدعوة من مرحلة إلى أخرى، تتفادى أو تستعد من خلالها للأزمات المفاجئة، وتساهم مساهمة فاعلة في صناعة الأحداث وتوجيهها، ولا تقف دائماً موقف ردود الأفعال التي تفرض عليها فرضاً..! ! ؛ قال الله (تعالى) : [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ... وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم] [الأنفال: ٦٠] ، وقال (تعالى) : [يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثباتُ أو انفروا جميعاْ] [النساء: ٧١] . ... وعلى الرغم من إدراك كثير من الإسلاميين لخطورة هذا الأمر وأهميته، إلا أنّ التفاعل العملي مع هذه الحقيقة يسير بتثاقل وتباطؤ غريب..! إن كثيراً من الدعاة يُستهلكون في الأمور الوقتية والأعمال اليومية وهي من الخير إن شاء الله ولكنهم لا يجدون وقتاً لتقويم أعمالهم وتاريخهم، كما لا يجدون وقتاً لرؤية ودراسة مستقبلهم، وقصارى ما يفعلونه النظر تحت أقدامهم. وإن مستقبل الأمة له علاقة وطيدة بإعداد الأمة وتربيتها تربية شرعية متكاملة، فإلى متى يستمر مصير الأمة ألعوبة بأيدي الساسة الذين ينظرون إلينا بازدراء شديد ومهانة، ويمارسون في حقنا مختلف ضروب الاستبداد والتعسف، ويستخدمون العصا الغليظة التي تُلهب الظهور، بل وتقطع الأعناق..! ! إن عملاً جباراً ضخماً مثل العمل الإسلامي الذي يُراد منه انتشال الأمة، الأمة كلها، من حمأة الجاهلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. ونحوها لا يقوى عليه آحاد من علماء الأمة ومفكريها مهما بلغت إمكاناتهم وقدراتهم، كما لا يقوى عليه فصيل واحد من فصائل العمل الإسلامي مهما بلغ مفكروه وقواعده وجماهيره؛ فهو يحتاج إلى جهود جبارة تُستنفر لها كل الخبرات والطاقات المتوافرة، أو التي يمكن توفيرها، وتوجّه بخطط مدروسة وأعمال محكمة؛ قال الله (تعالى) : [أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمَّن يمشي سوياً على صراط مستقيم] [الملك: ٢٢] .

стр. 1905

الملف الأدبي (نصوص شعرية) أهازيج دماء اليقظة تركي المالكي القصيدة: قدّمَ لي أشلاءهُ طريةً.. مغموسةً بالحزنْ! أوقدَ لي مشاعلَ العينينْ غارين تنزفان آلامَهما.. وتنبضان رغمَ ثِقْل الوهْنْ! تلوحُ في عمقهما.. بلدتُه التي هوتْ.. قوتُه التي وهتْ.. أحلامُه التي استحالتْ.. نُتَفاً من عهْنْ! ! * * * أنظرُ بالبرودة المعتادةْ يُثيرني.. (أحفرُ في ذاكرتي! .. لا ألتقي متسعاً للحفرْ أوقفتُني؟ ! أوقَفَني؟ ! سيانِ إذ قد عدت بالخفينِ لا بالسر صفراً تجرّ الصفرْ) لكنما.. يعلقُ بي.. من رحلتي سؤالْ أقذفُه كطلقةٍ.. بدايةَ اشتعالْ! : من أنتْ؟ عضو شوتْه الحُمّى.. تحتَ جحيم قصفهم تداعى يفرشُ جسرَ دمهِ.. ينسجُ من أشلائه شراعا! يسري إليك منهكاً مراعا (يُشعلُني يمنحني آليةً للحفرْ! تنبضُ في الحمّى.. أُبصرُني أمخُرُ بحرَ السرْ أَقْلبُ وجهَ (جروزُني) .. تَشِفّ من خلاله بخارَى!) أقرأُ فيه نبضَ (داغستانَ) وجهَ شاملٍ ووهجُهُ يُقاومُ (الثلوجَ) و (الحيارى) ! دهشةَ حمزاتوفَ مصلوباً تشُدّ عنقَه (رفاقُه) النصارى! أحضنُ حزن صاحبي يسبقني فمي.. كلمعة الضياء في مغارةٍ.. وكلّ حرف وقدةٌ.. يضجّ في أرجائها دمي: تعالَ أنت مني.. دماك هذي تنتمي للفجرْ! تعال وادرعني.. نكون نبتتين تثمران لو.. بعد عقود زهرْ.. ونَبْعةً ونصرْ.. وتمزجان بذرةَ الجهد بماء الصبرْ! يَسْكنُني.. نصيرُ جسماً واحداً.. فبعضُه لبعضه تداعى! ! * * * تَلقيات: صوت ١- قصيدةٌ كالشمسْ. صوت ٢- أهزوجة لم تنغمس في الهمسْ. صوت ٣- جديدةٌ.. خيالُها يفتح لي نوافذاً.. ألحانُها تحملُني.. فوق بساط الجرسْ. صوت ٤ -................ . سْ. * * * إفاقة خارج النص: (جروزُني) .. ما بين أحلامي وقصف الأمسْ تستقبل الصباح بالجراحْ! ما بين أشعاري وبرد الرمسْ.. تعلم عني أنني.. أنزف في الحبر رؤى وحُلُماً.. ونَفَساً مشتعلاً من نَفْسْ! ! أما يدي فالقيدُ في معصمها! ! .. يحولُ ما بين يدي.. والقوسْ! !

стр. 1906

كتابة الكتابة بوصفها فعلاً بحسبها مقاومة د. مصطفى السيد إن المجرمين إذ يطالعون النص المكتوب، فإن براعته وقوته تفعل في نفوسهم وعقولهم فعلاً فاتكاً وإذ هم على الفور يفصحون عن سوء ما صنعوا، وقد يُقلعون عن سوئهم أيضاً. ليس على الأرض أخطر ولا أقوى من كاتب يعيش من أجل فكره، فهو يُركز كل وجوده في فكره كما تتركز أشعة الشمس في عدسة ليستطيع أن يُحْدث مثلها نوراً وهّاجاً ساطعاً. تُعَدّ الكتابة في عصرنا بل وفي كل عصر إحدى أهم الوسائل التي يمكن من خلالها قراءة مجتمع ما بتفاصيله وهمومه؛ تقرأ حياة الناس اليومية وأحلامهم، وتحاول أن تشير إلى مواضع الخلل والألم، لأنها لا تخاف القضايا الساخنة أو الحرجة، وإنما تلج إلى أعماقها، والكتابة حين تنهض بهذا الدور تقول الكثير، وتعطي الكثير، إذ تصبح كالمرآة التي يرى الشعب فيها نفسه، والإنسان حين يرى نفسه بوضوح لابد أن تتحرك طاقاته ومشاعره ليصبح أكثر وعياً. هذه إحدى الرسائل التي تتطلع الكتابة إلى توصيلها لأن النص المكتوب ليس إلا رسالة باتجاه القارئ، فإذا فقد مضمونه الجاد ألغى نفسه وقارئه. إن إيماننا راسخ بأن الكتابة قوة خفية آسرة، تدفعنا إلى الاكتمال الصعب في مواجهة النقص الملازم للعاجزين والكسالى، إنها الملاذ الذي نشيده لنرفع به القبح والحصار والتشتت، وكم هو مدين الكاتب لهذا الإيمان الطامح الذي يدرأ عنا بفضل الله الكثير من الأذى الذي يواجهنا. إن الكتابة الأصيلة يكفيها أن تحول بيننا وبين الكتابة التي تكون حسب الحجوم والأيام والمناسبات والمواسم. الكتابة هي الهوية الفكرية للإنسان المثقف يُثبِتُ من خلالها وجوده، ويُبرز عبر سطورها حضوره، هو يكتب فهو موجود، ولئن كان ميلاد الإنسان اللغوي يَثْبُتُ بالكلام، فميلاده الفكري يُثَبّتُ بالكتابة. والكتابة الصادقة تمتزج بمواقف الإنسان امتزاج الدم بالشريان وهي ليست بياضاً في سواد، وصحفاً تقرأ أو لا تقرأ، بل هي شهادة على العصر، واستكشافٌ لسبل التوصيل والتواصل مع طائفة من الناس جعلت من الحروف قَُوْتَها وقُوّتها، تبتهج بالنص الجديد المضمخ بطيوب الواقع لا المتضخم بالحديث عن زائف الفواقع، النوازل المفجعة. الكتابة الصادقة جُهْدٌ وجهاد لأنك: لا تستطيع أن تكتب خارج دمك نعبر النهر فنشمر عن سيقاننا في الكتابة لابد أن نشمر عن أرواحنا لأن الكُتّاب الذين خافوا أصبحوا كتبة والشجعان مع الكرام البررة عندما يضحي الكاتب بسلطته يغدو كاتبَ السلطة، كاتب الوظيفة والارتزاق لا كاتب المواجهة والاستشهاد. قال الإمام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) : وتجد أئمة أهل العلم من أهل البدعة والفرقة ... يصنفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء ويتقربون إليهم بالتصنيف فيما يوافقهم [١] . مثل هذه الكتابة تكون كتابة اللحظة الطارئة بأعراضها وصدقها الواقعي، ولكن أبعد ما تكون عن أن تعكس جوهر اللحظة وترسباتها السياسية والفكرية والفنية التي تمنحها بقاءً شبه أبدي خارج اللحظة التي أنتجتها. مثل هذه الكتابة مهضمات فكرية وليست غذاء، تمارس فيها عمليات التنظيمات والتشذيبات الداخلية للخطاب، التي تنتهي في ظل ظروف من الإقصاء وضروب من الاستعباد إلى إقامة مساحات الصمت والإضمار، وساحات من الإفصاح والإعلان تحكم ما يجب أن يقال، وما يخضع للتجديد والكشف والابتكار وما يتبع نظام التعقيب والتبرير والتكرار. هذه الكتابة: تحصيل حاصل، كلام دون إشارة، قول دون دلالة، أصوات بلامعان، كمٌ دون كيف، بدن بلا روح، مياه راكدة دون مصب، تنشد الأمان والسلامة، مهنة رسمية، تمّحي الشخصية فيها، لا تتغير من زمان إلى زمان، ولا تتبدل من مكان إلى مكان، ولا من شخصية إلى شخصية، ولا من قضية إلى قضية. هذه الكتابة: أدت إلى تضاؤل الاهتمام الشخصي والشعبي وفقدان الثقة في الكاتب والمكتوب على السواء. أما الكتابة الجادة فقد تفتح على المرء أبواب الجحيم عندما تلقي به بين أشداق النقاد الذين لا يرقبون في مخلص إلا ولاذمة، ولكنها تبقى الكتابة التي تروي حقول الانتظار بقطرات الأمل لأنها تهطل على النفوس بأشعة الوعي، فإذا لامست شغاف القلب اهتزت وربت وأنتجت من تجاوب القراء بقدر ما تحمل من عناء الكاتب وعنايته. هذه الكتابة والموت فرسا رهان وقرنا ميدان، لأنها شهادة لله وشهادة على الناس وشهادة في سبيل الله، حسبها من الأثر الحميد إشاعة تيار جديد من الأفكار الحقيقية الصادقة، إنها ليست فن ارتياد إمكانات اللغة فقط، وليست كذلك دخول الأبواب المفتوحة، بل فتح الأبواب المغلقة والعقول المقلقة أيضاً. هذه الكتابة: لا تقف عند حدود التفسير فقط، بل تستشرف تخوم التغيير، وآفاق الغد، لأنها ليست حذلقة فكرية، تدعي وجود عمق مفقود، أو تغطي خواءً مشهوداً. هذه الكتابة: يكون الكاتب فيها هادياً ومعلماً، ولا تكون منازلة في معركة (دونكوشوتية) وهمية، إنها النص الضد لكتابة التسلية التي رفضها الكاتب الذي صرخ مستقيلاً من قيودها. سيداتي آنساتي سادتي: سلبتكم عشرين عام آن لي أن أرحل اليوم وأن أهرب من هذا الزحام وأغني في الجليل للعصافير التي تسكن عش المستحيل ولهذا: أستقيلْ.. أستقيلْ.. أستقيلْ. الكتابة المسلية تطرد بحروفها قطرات الأمل لتؤسس لعبودية فكرية عمادها نصوص تُرَص ولا تقول شيئاً، تسد خلة الكاتب إلى الشهرة الكاذبة وسحت المال، وتسد عقل القارئ ونفسه لما حوته من ثقافة السخافة، وسخافة الثقافة. الكاتب العضوي المنتمي إلى عقيدة الأمة لا يضع قلمه في يده فقط بل وفي قلبه أيضاً، يفعل ذلك ليواجه كتائب المرتزقة، وفصائل ذوي الجعائل ممن يقبضون أقلامهم عن نُصرة الحق وأهله، ويطلقونها تنهش في أعراض الرجال. عندما نكتب يجب أن نكون نحن، وليس مصالح الآخرين المزيفة معكوسة فينا، يجب أن نكون صوت من لا صوت له. (عندما يخرس الإنسان في بلائه يمنحني الله قدرة التعبير عن شقائه) . إن من اضطر غير باغ ولا عاد أن يقول ما لا يقال، وأكْرِه وقلبه مطئمن بحب الخير وأهله فلا تثريب عليه إن شاء الله، أما الذي يتبرع بالخضوع ويَطّوع بالخنوع، فلن تقبل معاذيره، لأنها من لاغية القول، وسيحمل من أوزاره ومن أوزار من يضلهم ما شاء الله له أن يحمل. الكتابة حقاً لا تنفي ولا تصادر بل تحاور وتتسع لوجهات النظر، ولا تبتزّ الخصوم بكل ما في المعجم من سوء الألفاظ والألقاب لأنهم خالفوها الرأي. هذه الكتابة تحاور فتنقل المتلقي إلى آفاق أوسع، ولا تراوح مكانها، لأن كاتب المراوحة لا يسطيع بدون تاء أن يَضُخّ في عقول القراء مبادئ المعرفة التي توسع مداركهم إلا إذا كان تعلم بدوره مبادئ الحرية والأخلاق والتسامح والترفّع، ففي ظلال هذه القيم الأربع يصبح الالتزام والحرية شيئاً واحداً وقيمة عظيمة أيضاً، وتجعل من القارئ الذي ينتظر هذه المعرفة الطازجة شريكاً مهماً في محاولة التأسيس لجيل متحضر شاهق الجباه ومن الأسْد الأباة، هدفه مقاومة السلبية واللامبالاة التي سُجن في أبهائها وردهاتها كتاب كُثْرٌ ممن قَوْلَبوا المجتمع عبر الكتابة المدجنة والأفكار المهجنة في أنماط من التفكير هشمت آمال الأمة وهمشت دورها. إن الكتابة التي تصادر فيها حرية الكاتب هي المدخل المؤدي إلى مصادرة حرية الوطن والفكر معاً، وتقييد الكتابة يؤدي بشكل طبيعي إلى تدمير الوطن والمواطن. إن الكتابة التي تؤسس للحوار الهادف المسؤول وليس للهتاف المتحمس المتهور هي بفضل الله ضمان مستقبل أفضل، والحوار مهما بهظ ثمنه واحتد صوته يظل أرخص من نقطة دم تسفك وطي كشح على حقد. إن حصار الكاتب رغبة أو رهبة ينتج حكماً وحتماً طبقة من الكتبة المدربين على تقديم المعلبات الثقافة والأدبية والفكرية؛ يقدمونها بعد أن انتهت مدة صلاحيتها لتصيب عقول القراء بالشلل، ولتنتج بالتالي ثقافة عاقراً عقيماً عبر مضغ الناس ثقافة اللا أمة واللادور واللاقضية. في مناخ المصادرة يقرأ الكاتب (النشرة الجوية) للكتابة ليتعرّف اتجاه الريح، فإن كان عصر الاشتراكية فكراً وأدباً عكف على سير أعلام الخبثاء: ماركس/ انجلز/ ولوي التوسير (أحد كبار مفسري الماركسية في فرنسا قضى قبل سنتين) وجاستون باشيلار، وتيري آجلنتون (ناقد إنجليزي ماركسي) / وبيار لوكاتش/ ولو سيان جولدمان (من كبار نقاد الأدب الواقعي والماركسي) . وإني لأقسم بكل قسم مباح وبكل يمين يعظم به الرب أن مثل هؤلاء الكتاب في ظل الظرف السابق يصبحون يساريين؛ فيكتبون عن كل السابقين، ويمسون إذا اتجهت بوصلة السلطة إلى الإسلام إسلاميين فينشرون سيرة الإمام الشافعي (رحمه الله تعالى) ويحدثونك عن شيوخه مثل مالك ومسلم بن خالد الزّنجي ويتكلمون عن أصحابه وطلابه والمتمذهبين بمذهبه مثل القفال والربيع راوي الأم، والنووي، والرسالة في الأصول، والشافعي في بغداد، والشافعي في القاهرة ... إلخ، هؤلاء هم كتاب النشرة الجوية. وأخيراً: فستبقى النصوص التي ينتجها كل كاتب بمفازة من الاهتمام وبمبعدة عن القراء ما لم يُدخل العالَم بفتح اللام الأخيرة بوصفه نصاً والواقع بوصفه نصاً أيضاً مالم يدخلهما في نسج الكتابة، وستظل كتابته محدودة الأمداء مالم تكن ذات فضاء وأفق شاسع. وإذا ما نفى الكاتب موضوعية الآخر بهوى النفس، واختزل العالم بفقهه الخاص، ونقل الإبداع من حوار بين الكاتب والناس إلى حوار بين القلم الأخضر وقوى الابتزاز والقرصنة بكل صورها فإن الكتابة حينئذ تكون قد فقدت مشروعها ووأدت طموحها.

стр. 1907

نصوص شعرية السحاب في معتقل القيظ علي الغامدي شفتان مرهقتان من وجعين قد دهماهما! .. وجع السؤال المرّ.. مع وجع الجوابْ! ! فالقيظُ أشعل نارهُ وبنى مدائن للسرابْ قيظٌ تربعّ في العيون وشدّ أرقةَ العذابْ! جمع المعاول ثم علّمها الخرابْ! ! ويداه تمتهنان زرعَ العقم في رحم الترابْ! كم ظلّ يحلم أنه سيشيد معتقلاً ليُسكِنه السحابْ.. فالقيظُ غايته الخرابْ مازال يخدعه السرابْ شفتان والينبوعُ وارتْه السلاسلُ والقيودْ.. والقيظُ فجّر سوطَه ينبوعَ دمْ! رصفتْه أشلاءُ الأباةْ لم تسمع الجدرانُ رغم السوط آهْ! ! فتعلمتً معنى الحياة والسوط لا يدمي سوى كبد البغاةْ! أصغى الجدارُ لعله يحظى بآهْ.. فبكى وسالت دمعتاهْ: ما المجد إلا للأباةْ.. حتى وإن مكث الذبابُ هنيهة فوق الجباهْ. شفتان والأقدام تفترش العظامْ.. همجيةُ الأقدام تجتاح السنابلَ في انتقامْ! وتجاهلتً أن السنابل لا تموتْ.. من كل سنبلة سينبت ألفُ سنبلة ويخضَرّ الحطامْ! ! وغد السنابل لن يفكّ لثامَهُ غيرُ الحسامْ! لا نفع من جيش الكلامْ.. مالم يُسطّرْهُ الحسامْ في الفجر تنتفضُ العظامْ.. لتهزّ أفئدةَ الطّغامْ في الفجر يحلو الإبتسامْ شفتانِ والرسخ اختفى والقيدُ ملّ.. وقوافلُ الكلمات ألهبَها الحصارْ.. حتى غدتً في لجة الأمواج للساري فنارْ! نور ونارْ والنار في الظلماء تزداد استعارْ والنور لا يخبو إذا ما اشتد في الليل الحصارْ فالنور ناصية النهارْ!

стр. 1908

متابعات نقدية في التحليل الشعري ... دخان الصمت أيمن علي ما أجمل الشعر إن صدر عن نفسٍ شاعرةٍ، تتلمسُ مآسيَ واقعٍ مريرٍ يُزْجي الحزن بنغمة تتسللُ لنفس قارئها، فيتحد القلبان وتتساقطُ دموعُ ألمٍ بين شاعرٍ عاش لأمة سادَتً قروناً، وقارئ وجدَ بغيته في كلمات عرفها قلبه وعجز عنها لسانه. وها هي قصيدة الأستاذ (عبد الوهاب الزميلي) دُخان الصمت تقفُ بالقارئ على واقعٍ تُعُلّمَ فيه الصمتُ، وخِيفَ الكلامُ عنه، فبدَتً كلماتُهُ دخاناً تعبر عن صمت خانق بشيء غير مرئي، خوفاً من فضيحة الكلمات في زمن صُودِرَتً الكلمةُ فيه. بدأ شاعرنا أبياتَهُ بثنائية النحات والمنحوت، فالنحات يمثل القوة المتصرفة كيفما شاء ودونما مساءلة، والمنحوت يمثل العجز بتبعية مطلقة لا تعرفُ إرادةً غيرَ إرادةِ صاحبها. وإذا تأملنا الأفعال التالية في أبيات المجموعتين (أ، ب) (تحفر، ترقش، تلون، تسرب، تسك، تسقى، تثقب، يخنق، نجد صفات هذا النحات الذي صب جاهليته بكل معانيها في منحوتاته، حتى لا تَخْرِمَ منها شيئاً، فَنَقَشَ في الأحداق حتى لا ترى إلا ما يريد، وأفسد الدم بالحبر فتغيرت المشاعر، فلم تَعُدً تمثل فكر أمة، بل باتت تفكر في طعامها وشرابها فحسب، لأن النحات حفر في جماجمها فماً حراّ! حراً يأكلُ ويشربُ ما يشتهي ويحب، يخلو من أي مبدأ أو عقيدة، وتفنن في تزيين عظام الصدر ليخنق الإيمان إن استطاع ليجعله ليلاً يمحو به الفجر! والنقش من أقوى وسائل النحات ثباتاً واستمرارية، وقرن معه الرقش والتلوين ليزيده خداعاً وجمالاً. وفي أحداقنا نقشوا وصبوا في الدم الحبرا يدُ النحات تحفرُ في ... جماجمنا فماً حراً ترقّشُ [١] في عظام الصدر ليلاً يقضم الفجرا وبعدَ هذا الواقعِ الأليمِ والتغاير بين صفات النحات المبادر الدؤوب المغير وبين صفات المنحوتات المستسلمة الضعيفة، ينقلنا الشاعر من تلك الثنائية الصغيرة إلى دائرة التاريخ الواسعة بشقيها: شق الحق وشق الباطل، وبعبارة أخرى ثنائية الصراع التاريخي بشقيه: شق يغوث ونسرا وشق معركة بدر التي فرقت بين الحق والباطل، فشعور النحات بخطورة التاريخ الزاخر بموروثات الدين والعلم والوعي، أملت عليه تزوير صفحات التاريخ حتى وإن اضطر لتغيير البحر على ما فيه من صفاء واتساع ووضوح، بل حق وإن صوّر الألام أفراحاً، والهزيمة نصراً والكفر إيماناً ... تُلَوّنُ صفحةَ التاريخ ... والآلامَ والبحرا ولم تَسْلَمِ الأطفالُ من يد النحاتِ التي غذتهم على مر السنين بأنه الشهم العفيف، ولم تَسْلَم الأزهار أيضاً على ما فيها من فطرة وجمال، فأبدلها بأشواك القبح والهموم والشقاء، بل سقى الشوك خمراً إمعاناً في الضياع واستبدالاً لفطرة الله؛ يقول الشاعر: تُسَرّبُ [٢] في رؤَى الأطفال ... شهماً يخنق الطهرا! تَسُكّ مسامعَ الأزهار ... تَسْقي شوكنا خمرا ولما كانت الأمة ترى في معاركها ومنها معركة بدر النور والهداية والطريق إلى الخلاص من الظلم، ثَقّبَ النحاتُ كل ذاكرة اتصلت بتاريخها ودينها ومبادئها، لتبقى عارية عن الفكر كما أراد لها. تُثقّبُ كُلّ ذاكرةٍ ... رأتً في بدرِنا البدْرا وأما صفات المنحوتات فتوضحها الأفعال التالية في المجموعة الثالثة (ج) : نجري، نعرى، تطقطق، تقرض، تنشج، نغمس ... من: سلب للإرادة واستسلام، وخوف، بل جريان خلف الزور بجميع أشكاله ومعانيه من: نفاق اجتماعي، واقتصادي، وتاريخي، وثقافي، وسياسي. وَنَجْرِي في خِضَمّ الزور ... وفي أحضانه نعرى فيوحي الفعل نجري بكثرة النفوس المريضة، والزور هو تزويق الكلام وتحسينه في الصدر، فكم من غافل تسابق لقول الزور والعمل به من أجل حياة تافهة دنيئة، كما توحي به كلمة نعرى، فالشقاء يسببه الناس لأنفسهم لطواعيتهم المطلقة للنحات ومساعدتهم له. ولقد تنوعت أماكن التغيير التي أحدثها النحات، ففي الأحداق، الدم، الجماجم، الصدر ... مما أدى إلى قطع الجسر؛ جسر العبور إلى التاريخ والتراث، الجسر الذي يربط الأمة بدينها وحضارتها، وما تملك إلا النشيج كالصبيّ الذي يبقى بكاؤه في صدره عجزاً وخوفاً. وما كانت يدُ النحاتِ لتنجحَ لولا انغماسٌ في شهواتٍ زائلة زائفة، فاستنشق الناسُ الذهبَ والفضة بدلاً من استنشاق الحرية التي نَعِمَ بها أجدادُهُمً قروناً. تطقطقُ في مفاصلنا ... نِمالٌ [٣] تقرضُ الجسرا وتنشجُ في حناجرنا ... حروفٌ تلعقُ القهرا ونغمسُ في مناجمنا ... معاطسُ [٤] تنشق التبرا [٥] لقد أظهرتً الأبياتُ الغلبةَ للنحات، ورغم ذلك ما يزال الأملُ يحدو الشاعرُ من بداية القصيدة، فيد النحات: ترقشَ في عظامِ الصدر ... ليلاً يقضِمُ الفجرا فالقضم: الأكل بأطراف الأسنان، عكسه الخضم: الأكل بالفم كله، فبين الشاعر حرص النحات على إطفاء الفجر، ولكنه عاجزٌ لا يتخذُ وسيلةً سوى القضم، فالفجر ما زال مركوزاً في النفوس حتى وإن قُضِمَ أجزاؤُهُ، وكذا قوله: تَسُك مسامعَ الأزهار ... تسقي شوكنا خمرا فالسّكُ: التضييق والانسداد، فهو وإن ضيّق النور، وحاول منع الهداية فإنه لم يستطع القضاء عليها. وحتى مع استسلام المنحوتات جرياً وراءَ الزور، ومع سيطرة النحات على الجوارح، نجد الأمل بين كلمات الشاعر حيث يقول: تطقطقُ في مفاصلنا ... نِمالٌ تقرضُ الجسرا والقرض: القطع، فقرضُ النملة مع كونه بطيئاً لا يكون هدماً شاملاً، فالباطل وإن أثرّ في بناء الأمة عجز عن هدم كيانها. وتأتي اللوحةُ الأخيرة من أبيات المجموعة (د) متمازجةً مع خيوطٍ ضعيفةٍ سَبَقَتْ، لتتجمعَ في بوتقةِ أملٍ واحدةٍ تتضادّ مع سابقتها تجربة النحات بالإمكانات والنتائج. ويطوي في ثنايا الرمل ... نبضٌ ينبتُ الجمرا يفض التل ينفذ في ... عروقِ الموتة الكبرى يُدهدهُ ما تحنطه ... وتلقمه فم المجرى حروفُ يغوث وارتجفتْ ... لتعبدَ ربها النسرا فإمكاناتُ النحاتِ كبيرةٌ ومواهبه متعددة، ولكن سرعان ما تهدمت أصنامه وسارت مع النهر لتصبح سراباً، لأنها لم تتبلورً من أفكارِ أمةٍ أو من تضحيات أثرت في واقعها، وإنما هي زخرفات تعلمها النحات (يغوث) من ربه النسرا الذي لا يضر ولا ينفع. وأما إمكانات الأمة المادية فهي قليلة، ولكن رصيدها المعنوي متصل بأنبيائها، فمهما توارى الحق بالتراب فمن ثنايا الرمل مكان الرسالة الأولى تنبت حياة الوعي، لتهدم ما تحنطه يد النحات فينتصر تاريخ أمّه قهرت أعداءها قروناً.

стр. 1909

نصوص شعرية الأمل والعمل علي الحجي مَن قضى العمر كلّه ... لم تصادفه معضلاتْ؟ كفكف الدمع يا أخي ... هذه سنة الحياةْ ليس يجدي بكاؤنا ... إنما الصبر والثباتْ إن تدعً ساحة الرّماة ... لا تدعً نخبة الكُماةْ اطرح اليأس جانباً ... واتخذ مئزر الثّقاتْ واصل السير عازماً ... مُبعداً حاجز البُغاةْ حاول البدء واعياً ... لا تقل: إنه المماتْ وارفع البيد ناهضاً ... والتباشير مشرعاتْ! قد تقوّي قلوبنا ... عارضات ومشكلاتْ! وهي تطهير آثم ... وهي أجرٌ مع التّقاةْ خالقُ الليل موجدٌ ... يقظةً تعقب السباتْ أحسنِ الظنّ فالمُنى ... أمهاتٌ لها بناتْ! هل هموم تعوقنا ... إن بدأنا من الفَلاةْ كالذي ليس عنده ... غير بحثٍ عن النجاةْ فهو يسعى محاولاً ... وائداً حالة الشّماتْ آملاً في نجاحه ... عزمُه يجمع الشّتاتْ لو شكا من ضياعه ... بات في قبضة الشّكاةْ إن تحقّق صغيرةً ... فالبساتين من نواةْ ثم تُضحي فسائلاً ... زاهياتٍ ورائعاتْ ثم.. تُمسي خمائلاً ... والعناقيد مثمراتْ عثرة الممرء دُربةٌ ... ربنا كامل الصفاتْ ما التفاتٌ إلى الورا ... بالذي يوصل السّعاةْ ما ارتماءٌ على الثرى ... بالذي يُنقذ الحُفاةْ نشوة اللحن رقصة ... في قلوب بها حياةْ وفق معيار عازفٍ ... ينحت الحرف أغنياتْ ينسج الوزن مبدعا ... محدثاً روعة الأداةْ وهو إن خالف الألى ... ليس يخشى تفلّتاتْ فهو يبنى على هُدى ... دون إهمال سابقاتْ فالإطار الذي به ... أعذب الشعر كالمهاةْ.. لم يلوّثهُ جاعلاً ... نغمة الفن تُرّهاتْ! من يكن قصدهُ الخنى ... يلتمس ناديَ العراةْ من يخُن وجهه السّنا ... ما له في الحيا سماتْ إن دفنّا تراثنا ... سوف نفنى مع الغداةْ يرفع الشهمُ قدرَه ... إن يكن شادي الهداةْ ثم يبني كيانه ... راعياً يوقظ الرّعاةْ ليس في الشعر جذوة ... إن دعا الناسَ للسّباتْ! أو تبدّى متاهة ... صبحُها الليلُ والشتاتْ! أو تراءى (عريضةً) ... تشتري الزيف والهباتْ!

стр. 1910

المسلمون والعالم الأحداث في القوقاز ... حرب لم يكسبها الروس ، ولم يخسرها الشيشان د/عبد العزيز كامل بعد أن وطئ الروس بأقدامهم الثقيلة أرض العاصمة الشيشانية (جروزني) وسط تواطؤ دولي مكشوف، هناك أسئلة تتوارد على الأذهان حول هذه الحرب وانعكاساتها المحتملة على الصراع المحتدم الآن بين قوى الكفر والإسلام في الشرق والغرب. لعلي في هذه السطور أتناول بعض هذه الأسئلة المطروحة، ولنجعل الوقائع تجيب عليها: أولاً: هل انتهت الحرب باستيلاء القوات الروسية على قصر الرئاسة؟ : التاريخ يجيبنا أن لا، بل إن تلك الحرب يمكن اعتبارها قد بدأت بالفعل، وبخاصة بعد أن انحاز إلى الجبال المقاتلون الشيشان الذين يشتهرون بالتمرس في معاركها عبر التاريخ، فروسيا لم تستطع طمس هوية هذا الشعب عبر مائة وخمسين عاماً من الصراع في شمال القوقاز، ذلك الصراع الذي بدأه القياصرة (البيض) النصارى، ثم تبعهم القياصرة (الحمر) الشيوعيون، ثم هاهم أدعياء الليبرالية الروسية (الغبراء) يحاولون إعادة الكرّة عن طريق المخالب والأنياب (الديموقراطية) . لقد خاض الإمام شامل حرب عصابات في جبال القوقاز لأكثر من ثلاثين سنة، وحتى بعد أن سقط في (ميدان الكرامة) عام ١٨٥٩م فإن الحرب استمرت حتى عام ١٨٦٤م. وأهل الشيشان يقولون: إن الحرب التي بدأت فعلياً كحرب عصابات لن تنتهي إلا في حالتين: إما أن تستقل الشيشان عن روسيا الاتحادية ويرحل المحتل الروسي عنها، وإما أن يفنى ذلك الشعب مفضلاً الشهادة على الحياة تحت سيطرة عدو حاقد يضع الشعب الشيشاني في مرتبة أدنى من مستوى الآدمية. ثانياً: ما الذي دفع شعباً صغيراً كشعب الشيشان (مليون و٢٠٠ ألف نسمة) أن يقدم على تحدي قوة من أكبر قوى العالم العسكرية لينازلها إلى النهاية؟ وهل يعد هذا ضرباً من الانتحار الجماعي أو المغامرة بحياة الشعوب؟ لك أيها القارئ أن تتصور حال شعب يتوارث إذلاله أعداؤه جيلاً بعد جيل محاولين إقصاءه عن دينه وهويته خلال مائة وخمسين عاماً من الحروب، مرة لتنصيره، ومرة لإجباره على الردة والدخول في دين من لا دين لهم من الملحدين الشيوعيين، ومرة لإكراهه على الاندماج القسري مع عدوه الروسي فيما يسمى بـ الاتحاد الروسي.. ماذا ينتظر من الشعب الشيشاني الغني بموارده النفطية وغيرها عندما يرى ٩٨% من موارده تتحول كل سنة إلى موسكو بينما لا يبقى له غير ٢% منها؟ .. ماذا ينتظر من شعب لم يكن يوماً (أرثوذكسياً) في ملته أو (سلافياً) في عرقه وسلالته، ومع ذلك يُكره على أن يكون جزءاً لا يتجزأ من جسم روسيا الأرثوذكسية السلافية؟ ! .. ماذا ينتظر من شعب يُنظر إليه باحتقار لدرجة أن يقرر الزعيم المتجبر ستالين أن ينفيه بأكمله إلى مجاهل سيبريا، ويسلم أرضه لأهل (جورجيا) بدعوى أنه تعاون مع النازيين أعداء روسيا، ثم يُكتشف بعد ذلك بسنوات طويلة أن هذا الاتهام كان مجرد (غلطة) ! ! .. وماذا ينتظر من شعب يتوعده الزعيم القومي المتطرف متنامي الشعبية جيرنوفسكي بسلب حقوقه المدنية و (إخصاء كل رجل فيه) ! ! .. وماذا ينتظر من شعب يتخذ لكل هذه الأسباب قراراً جماعياً بالانفصال عن هذا الاتحاد الروسي الإجباري، ظناً منه أن الدنيا قد تغيرت وأن العالم الحر المنادي بحق الشعوب في تقرير مصيرها سيناصره ويؤازره، فإذا بهذا العالم يقف مع عدوه ضده؟ ! .. ثم ماذا ينتظر من شعب اختار زعيماً له عن طريق الانتخاب، ثم يراد إكراهه على الخضوع لزعامات مصنعة في الخارج من عملاء مأجورين ومعينين من قبل العدو وقادمين من الخارج فوق الدبابات؟ ! إن هذه الأسباب وغيرها تفسر لنا: لماذا أجمع هذا الشعب على الوقوف خلف زعامة تقوده لمحاولة الخروج من هذا الهوان. ثالثا: لماذا أقدم يلتسين على خوض غمار هذه الحرب بهذا الإصرار؟ : من الناحية الاقتصادية التي لها الأولوية في قرارات عُبّاد المادة أراد الروس أن يحافظوا على احتكار مصادر النفط الشيشاني الغنية، ويُؤَمنوا مرور أنابيب النفط عبر هذه الأراضي التي يطلق عليها (بوابة آسيا) ، ثم هم يريدون استمرار تحويل نسبة الـ ٩٨% من الموارد الشيشانية إلى جوف الدب الروسي المتخم بالشر والشره. أما الناحية السياسية، فلا شك أن التسليم بخروج الشيشان من تحت المظلة الروسية، سيؤدي حتماً إلى تفكك الاتحاد الروسي الجديد، ليلحق بالاتحاد السوفيتي الفقيد، الأمر الذي سيعده الروس نذير شؤم يهدد أحلامهم بقيام إمبراطورية روسية تكون وريثة للشريك السابق في قيادة العالم، وستتضاعف الكارثة إذا تتابع خروج الجمهوريات الإسلامية الأخرى في منطقة القوقاز التي تتشكل من نحو ٤٠ أقلية عرقية وقد يكون انفصال الشيشان أول مسمار في نعش الاتحاد الروسي كما كان استقلال دول البلطيق أول سهم في صدر الاتحاد السوفيتي البائد. رابعاً: هل حقق الروس أهدافهم من حرب الشيشان؟ : يستطيع المرء أن يجزم بأن هدف الروس المعلن من هذه الحرب وهو إعادة النظام وفرض احترام الدستور لم يتحقق؛ فالأرض الشيشانية مازالت تغلي تحت أقدام الروس، وعندما وضعت روسيا قواتها في حالة تأهب في ١٤/١٢/١٩٩٤، ثم بدأت القتال بعد ذلك: كان مقرراً لهذه الحرب ألا تستغرق وقتاً طويلاً، حتى إن وزير الخارجية الروسي قد صرح بأن المهمة العسكرية في الشيشان لن تستغرق أكثر من ساعات معدودة، ومما يدل على أن الروس كانوا جادين في إنهاء هذه الحرب بسرعة: أنهم حشدوا لغزو الشيشان ١٥٠ ألف مقاتل، بينما لم يحشدوا لغزو أفغانستان إلا نصف هذا العدد، ولكن الذي حدث أن المعركة طالت وزادت أعباؤها مما أوقع يلتسين في ورطة، ووجد الروس أنفسهم غارقين في مستنقع حرب عصابات يبدو أنها ستكون طويلة ومرهقة ومذلة للروس ومما زاد من ورطة الرئيس الروسي وعده بتخفيض عجز الميزانية الروسية بنسبة كبيرة لعام ١٩٩٥، ولكن تلك الحرب عرقلت برامجه من أجل الوفاء بهذا الوعد، وأصبح حصوله على مساعدات آتية من الغرب محل شك، نظراً لأن صندوق النقد الدولي له حساسيات خاصة به فيما يتعلق بالأزمات الداخلية في الدول التي تتعامل معه. ومما يدل على شدة اضطراب يلتسين من عدم انتهاء هذه الحرب بسرعة: أن قواته ظلت تقصف العاصمة الشيشانية بشراسة وجنون غير عابئة بالأصوات التي تنبعث من هنا وهناك منادية بوقف القتال ووصلت به العجلة إلى حد اعتبار الحرب منتهية بمجرد الاستيلاء على قصر الرئاسة الذي تسلمه الروس مدمراً تماماً وخالياً، ثم أعلن بوقاحة أن مهمة الجيش قد انتهت وأن الشرطة تتولى فرض النظام، ولكن ظهر بعد ذلك أن المقاتلين الشيشان لايزالون يقاومون الجيش الروسي حتى كتابة هذه السطور في مناطق مختلفة من العاصمة (جروزني) . وقد أدى استمرار القتال، وبالتالي استمرار الانقسامات في المواقف داخل الحكومة والجيش الروسي إلى المزيد من الإرباك لـ يلتسين، مما قد يضطره إلى التضحية ببعض معارضيه ككباش فداء، وهنا لن يكون في مقدوره أن يحكم قبضته على منصب الرئاسة، ولاتزال تفاعلات هذه الحرب مستمرة على الساحة الروسية نظراً لتزايد عدد القتلى والأسرى والجرحى الروس في الحرب، أما على الساحة الدولية: فإن ديمقراطية يلتسين المدّعاة قد أصبحت نوعاً من المزاح الثقيل الذي لا يضحك أحداً! ، وإلا فكيف تقرر روسيا الديمقراطية إزاحة رئيس منتخب من شعبه من على كرسي الرئاسة بواسطة الدبابات والطائرات؟ ! أما من الناحية الإعلامية: فقد خسرت موسكو الحرب دعائياً، واهتزت صورتها وهي تحشد قواتها وتكشر عن أنيابها بكل شراسة في مواجهة شعب أعزل يدافع عن أبسط حقوقه، كما ظهر زيف وكذب إعلامها في تغطية أنباء الحرب، وقد اعترف بهذه الخسارة الإعلامية سيرغي ستيباشين رئيس جهاز مكافحة التجسس في موسكو. خامساً: ما هي انعكاسات أحداث الشيشان على ما يسمى الشرعية الدولية؟ ، وما هو تقييم موقف الغرب من هذه الحرب؟ : مثلما سقطت مصداقية الديمقراطية الروسية مع كل صاروخ كان يسقط على (جروزني) ، فإن مصداقية الديمقراطية الغربية أيضاً كانت تسقط مع كل قتيل أو جريح يسقط من أهل الشيشان، ذلك لأن الغرب هو الذي أعطى يلتسين الضوء الأخضر، لكي يبدأ تلك الحرب الجائرة، فهو لم يكتف هذه المرة بمواقفه السلبية الباردة فيما يتعلق بقضايا المسلمين، بل إن موقفه اتسم في معظمه بمباركة هذا الغزو مبرراً إياه بأن جمهورية الشيشان تعتبر من الناحيةالقانونية جزءاً من الاتحاد الروسي، وبالتالي: فإن مسألة تدمير العاصمة فوق رؤوس سكانها يعد مسألة داخلية في مفهوم دعاة حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها! إن هذه الدول التي وقفت موقفاً صارماً من الاتحاد السوفيتي السابق من أجل إطلاق عدة آلاف من اليهود السوفيت ليهاجروا بحرية إلى الأرض المغتصبة في فلسطين بدعوى حق الإنسان في العيش حيث يريد: هي الدول نفسها التي تتنكر الآن لمجرد حق الحياة الآمنة للشعوب المسلمة المستضعفة في الشيشان والأنجوش والبوسنة وفلسطين وغيرها، وتلك الدول التي ساندت بحزم المفكر الروسي أندريه سخاروف ضد الرئيس السوفيتي الأسبق ليونيد بريجنيف بدعوى حق الإنسان في أن يفكر كما يريد، هي نفسها التي لا تريد أن تقر الآن لشعوب بأكملها أن تشق طريقها في الحياة حسب ما تمليه عليها قيمها ومعتقداتها، وهذا الموقف المتنكر لحرية الشعوب في تقرير مصيرها جعله الغرب وقفاً على الشعوب الإسلامية فقط، أما حينما قررت جمهورية (ليتوانيا) في عهد جورباتشوف الانفصال والاستقلال، فإن تلك الدول قد وقفت خلفها بكل قوة، مما عجل بانفراط عقد الاتحاد السوفيتي البائد، فحقوق الإنسان المسلم مستباحة لكل من أراد الغزو أو التطهير العرقي أو فرض النظام واحترام الدستور! ، أما حقوق الإنسان في مثل (هايتي) و (بنما) فمن أجلها يُعد الغزو وتجييش الجيوش أمراً واجباً حتى لا تضيع القيم الديمقراطية! . سادساً: ما مدى إسلامية المعركة التي يخوضها الشيشان ضد الروس؟ : هذا السؤال يتكرر كلما نشب صراع بين قوى الكفر وبين طوائف أو شعوب من المسلمين المستضعفين المنسيين! ، وربما كان هذا السؤال بريئاً للتأكد من شرعية دعم المقاتلين في هذا الصراع، وربما يكون مغرضاً: الهدف منه التثبيط وصرف أنظار المسلمين عن قضايا إخوانهم في الدين والعقيدة الذين يستنصرون بهم فيوجبون عليهم النصرة. والذي يتضح من تاريخ هذا الشعب في الجهاد وصموده ضد رياح التغيير التي هبت عليه من كل جانب: أنه شعب يريد الحق على أقل تقدير وإن لم يكن مستقيماً كل الاستقامة على منهاجه، وأحاديث القادة هناك وإن كانت مما ينبغي أن تؤخذ على حذر إلا أنه لا ينبغي أيضاً أن تتجاهل فيها العاطفة الإسلامية! ؛ فالشيشان أصحاب قضية وإن انتشرت بينهم الخرافة والبدعة! ، ولكن الأصل المعمول به عند علماء أهل السنة كما قرر ذلك الإمام ابن تيمية أنه يجاهد مع الأمير الفاجر الأمير الكافر، فإذا أضفنا إلى ذلك أنهم مستضعفون غاية الاستضعاف بالنسبة لعدوهم كان الأمر آكد؛ فالنسبة العددية بين الروس والشيشان هي ١٠٠: ١، أما القوة العسكرية: فجيش الشيشان لا يتعدى الـ (٤٠) ألف مقاتل بينما الجيش الروسي يتألف من أكثر من مليوني جندي، وأما عن ناحية العتاد: فسلاح الشيشان: معظمه من السلاح الخفيف، وحتى الثقيل منه فمحدود وقديم، أما الروس: فيملكون أكبر وأقوى ترسانة للأسلحة في العالم. وهذه المقارنة علي كل حال لا تعني صرف النظر عن نصرة هؤلاء المظلومين المستضعفين في حرب الإبادة التي شنت عليهم، ولكنها مما يؤكد وجوب نصرتهم بالمستطاع في معركتهم المصيرية؛ فنحن أمة نؤمن بالغيب، وبأن الله (تعالى) قد أحكم في الكتاب آية تنبيء عن سنة كونية ثابتة لا تتغير وهي قوله (تعالى) : [كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين] [البقرة: ٢٤٩] . لقد أعلن الرئيس جوهر دوداييف أن خسائر الروس في تلك الحرب قد بلغت ١٢ ألف روسي. ومن يدري، فلعل الله (تعالى) قد شاء أن ينزل زعامة الاتحاد الروسي من علياء كبريائها على يد المستضعفين الشيشان، كما أسقط من قبل بنيان الاتحاد السوفييتي ركاماً على يد المستضعفين الأفغان. وصدق الله العظيم في قوله: [ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله] [الحج: ٦٠] . اللهم انصر إخواننا وثبت أقدامهم، وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم.. آمين.

стр. 1911

حزب الله ... الأمريكي ! أمريكا تنتخب الإنجيل د. عبد الله عمر سلطان أمريكا اختارت الإنجيل ... أمريكا أثبتت للعالم مرة أخرى أنها أكبر قوة متدينة في الغرب؛ هذه هي خاتمة برنامج وثائقي أنتجته إحدى أكبر محطات البث التلفزيوني في الولايات المتحدة، وكان متزامناً مع تغطية صحفية واسعة النطاق عن الصحوة الدينية التي تجتاح أمريكا من المحيط الأطلسي حتى المحيط الهادي كالموجة الهادرة. البعض يجب أن يفسر هذه الظاهرة العامة بمنظار المجهر السياسي فيتحدث بإسهاب عن نتائج الكونجرس الأخيرة ومكاسب المتدينين وممثليهم، ويسرف في التحليل ويبالغ في إبراز الأرقام والتركيز على شخصيات اليمين الديني الجامحة ... لا بأس من هذا، لكن الظاهرة الدينية في الولايات المتحدة تتعدى البعد السياسي لتشمل العنصر الأخلاقي والعقدي بصورة صارخة، ولعل الظاهرة السياسية أحد إفرازات هذه الصحوة الدينية.. هكذا تحدث كليم ميلر الباحث الأمريكي، ويضيف: يكفي أن ندلل على عمق تأثير الموجة الدينية أن الكونجرس الجديد وزعامته الجمهورية (المتنطعة) قد جعلت من قضية الصلاة في المدارس والأماكن العامة قضيتها الأولى كما يصرح نيوت جيجريتش زعيم الأغلبية الجمهورية.... مراسل مجلة الإيكونمست لخص وضع الحزب الجمهوري في هذه اللحظة بالقول: إنه حزب الله الأمريكي وأضاف: ألين كويست مثال للموجة الدينية السياسية القادمة، إنه من زعماء الحزب في ولاية (مانيسوتا) ، في حياته الخاصة هو متدين ولديه عشرة أطفال! ، ويصرح باستمرار: أن على أمريكا أن تتطهر من الشواذ وأن تشن الحرب على مؤسساتهم، وأن المرأة ليست مهيأة لقيادة الأمة ... وهذه الدعوة تلقى قبولاً وترحيباً، هذه الظاهرة لم تعد محصورة في الجنوب الأمريكي المتدين تاريخياً، إنها بدأت تطفح حتى في المدن المشهورة بالتحرر الشديد ... لقد أصبح للمتدينين قصب السبق في أماكن لم يتصور أن يصلوا إليها ك (نيويورك) و (كاليفورنيا) ، وفي هاتين المنطقتين أصبح الآباء المتدينون هم القوة الأولى في مجالس المدارس المحلية، وبالرغم من الكر المتبادل بين المدارس الحكومية العامة والتيار الديني فقد استطاع التيار الديني أن يسيطر على ١٥% من مجموع المجالس في الولايات كلها والتي يبلغ مقدارها ٢٢٥٠ مدرسة ... يقول الشريط التلفزيوني: حتى في (هوليود) عاصمة السينما بدأ الزحف الديني يدق أبوابها، وأصبحت عاصمة الفن الأمريكي تشعر أنها محاصرة من جهتين الأولي خارجية والثانية داخلية، لقد بدأ زعماء التيار اليميني مثل نيوت جينجريتش يهزأون بالقيم المنحطة التي تشيعها صناعة السينما الرديئة، وقبل سنتين استهدف نائب الرئيس الأمريكي دان كويل هذه الماكينة الإعلامية خلال الحملة الانتخابية ووصفها بالانحطاط، لقد قوبل كويل بعاصفة من الاحتجاج آنذاك، أما اليوم وفي ظل الشعور بالضياع والحيرة والرغبة في التدين فإن الملحوظات نفسها ستلقى الترحيب بدل الهجوم، ويضيف التقرير المرئي: كانت أمريكا تلمس بيديها إفراز الثقافة المتحررة من كل قيد ... هناك أربعون بالمائة من الأطفال اليوم يعيشون من دون رعاية أحد الوالدين، بينما يولد ٢٨% من الأولاد خارج نطاق العلاقة الزوجية، في الوقت الذي تنتهي نصف الزيجات تقريباً بالطلاق، بينما يبلغ عدد الشاذين والشاذات أكثر من عشرة ملايين شخص. هذه الصور المأساوية للمجتمع تجعل حتى من هذه الفئات السالفة تنظر إلى القيم الدينية نموذجاً وحيداً قادراً على انتشالها من ورطتها. هذه الورطة جعلت من التفكير بوسائل جديدة لكبح جماح الشهوة التي عربدت دهراً من الزمن أمراً ملحاً، ففي تحقيق مطول عن الخجل ورد فيه: أن الأمريكي المتوسط كان يفتخر بأنه لا يهتم بشيء من حوله، وأن إشباع رغباته وشهواته وحريته أمر مقدس، أما اليوم: فهناك إجماع على أن فقدان الخجل أدى بهذه الأمة أن تصبح محاطة بالإيدز والمخدرات ورعب عصابات الأطفال والمتاجرين بأعراضهم، وخلال هذا الخضم يتجه الناس إلى الدين فأمريكا اليوم تشهد صحوة دينية على مختلف الأصعدة حتى المتحررين الديمقراطيين كالرئيس كلينتون الذي يجد نفسه مضطراً إلى الظهور بصورة الرجل المتردد على الكنيسة والحريص على مبدأ العائلة المقدس ومفهومها رغم رواج الشائعات الكثيرة عن سلوكه المثير للجدل. لقد رافق هذه الحمى الدينية انتشار واسع لجماعات أكثر تشدداً، وفي بداية عام ١٩٩٥ فجعت أمريكا بهجومين مسلحين على عيادتين للإجهاض من تدبير اليمين الديني، الذي ينظر إلى ذلك العمل بوصفه جريمة بحق الدين والإنسان، والذي يدافع عن برنامجه في حرب الإجهاض قادة الكونجرس الجدد، ومع مرور الوقت بدأت بعض عيادات الإجهاض في التلاشي والمغادرة بعد تكرار حوادث العنف والهجوم الذي تجاوز مرحلة التنديد السلمي إلى استخدام القوة بل السلاح. وربما رجع المرء إلى الوراء قليلاً حين انتعش اليمين الديني في الثمانينات ولا سيما أيام حكم الرئيس ريجان حيث كانت العقيدة السياسية الداخلية والخارجية مصبوغة بلون ديني قوي وبظهور جماعات الأصولية الإنجيلية كبات روبتسون وجيمي فارويل وجيمي بيكر وجيمي سويجارت.. لقد شن الليبراليون حملة مضادة لقص أظافر الحركات الإنجيلية وتشويه سمعتها لا سيما وأن قادة الإنجيليين كانوا منغمسين في ممارسات تتناقض مع مبادئهم ورسالتهم.. أما الموجه الحالية: فإن قاعدتها تتألف من القطاع المتدين المتوسط دخله وتتشكل من أولئك المترددين على الكنائس المتعددة، وفي حين تحظى موجة الأصولية الحالية بوجوه بعض القادة المتشددين ك روبرتسون وفارويل فإنها تظل بعيدة عن السيطرة الكاملة لرجال الدين حيث تظهر زعامات سياسية متدينة تحمل رسالة الإنجيل وتمارسها بأسلوب سياسي ماكر كما يفعل نيوت جينجريتش. لقد أفردت مجلة النيوزويك تحقيق غلافها قبل شهور عدة لرصد ظاهرة العودة إلى الدين بوصفها قوة وحيدة قادرة على حماية الكائن الإنساني من التمزق، وركزت على العودة إلى الكنيسة أو الكنيس دون التطرق إلى ظاهرة بروز الإسلام على الساحة الأمريكية الذي هو أسرع الأديان انتشاراً، وهذه الموجه الدينية العامة هي التي تُستخدم وقوداً لبرنامج الجمهوريين المسمى عقد مع أمريكا وهو تصور وضعه مركزا أبحاث هريتج وأمريكان إنيتر بريز لكي يحصدا نتاج هذه الصحوة الأمريكية الرافضة لنمط الحياة البائسة السائدة هناك، التي ربما استعرضنا بعض جوانبها في مقال قادم إن شاء الله

стр. 1912

آمال المسلمين.. والمنظمات الدولية [كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه] عثمان جمعة ضميرية مدخل: موقف الغرب والشرق من قضايا المسلمين موقف واضح للعيان: إهمال واستهتار وسلبية مطلقة، وسبق أن تطرقت المجلة لمواقف العالم ممثلاً في هيئة الأمم من قضايا المسلمين بشكل مفصل في مقال سابق، وفي تناول المجلة لأحوال وقضايا بلاد المسلمين بعامة. وهذا المقال رؤية تاريخية قريبة لمنطلقات هيئة الأمم وسابقتها عصبة الأمم، وأنهما إنما أنشئتا للسيطرة واستعباد الدول الكبرى لغيرهم وتمرير ما يريدونه من مواقف وقرارات كما أشار إلى ذلك كثير من الباحثين والمتخصصين كما سنرى. -البيان- ١- عندما خلق الله (تعالى) الإنسان جعله ينزع إلى الحياة مع الآخرين والالتقاء بهم، إذ إنه لا يستطيع أن يعيش منعزلاً بمفرده عن بني جنسه، يستوي في ذلك الأفراد والجماعات والأمم والدول، ومن هنا نشأت العلاقات بين الأمم البشرية. وقد جعل الله (تعالى) الناس شعوباً وقبائل وميّز بينهم ليكون هذا التمايز سبباً للتعارف والتعاون، فقال (سبحانه) : [وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا] [الحجرات: ١٣] . ومن هنا كان للأمم في علاقاتها مع غيرها قواعد مرعيّة ومبادئ تعارفت عليها منذ العصور الغابرة، وعليها بنت أساس العلاقات في حالي السلم والحرب، حتى قال مونتسكيو: ما من أمة من الأمم إلا ولها في حقوق الدول نظام، حتى قبائل (إركوا) الذين يأكلون أسراهم لهم نظام من هذا القبيل؛ فإنهم يرسلون رسلهم ويستقبلون رسل غيرهم ويعرفون أحكام السلم والحرب، ولكن من سوء أمرهم أن نظام حقوقهم غير مبني على الصحيح من الأصول [١] . ٢- وجدت هذه القواعد بوجود الجماعات الإنسانية ذاتها، وقبل أن تكتسب صفة الدولة كما يعرفها القانون أو النظام الدولي الحديث فكان ذلك بداية لنشأة القانون الدولي على تسامح وتجاوز في التعبير لأن القانون الدولي بمعناه الحديث لا يتجاوز عمره ثلاثة قرون؛ منذ أواسط القرن السابع عشر الميلادي، على إثر المنازعات الأوربية التي انتهت بإبرام معاهدة وستفاليا سنة ١٦٤٨م التي تعتبر فاتحة عهد جديد للعلاقات الدولية، والنقطة التي يبدأ عندها تاريخ القانون الدولي في وضعه الحالي حيث نشأ القانون الدولي الحديث أصلاً في أوروبا ثم امتد سلطانه خارجها إلى الدول التي تأثرت بالمدنية الأوروبية، ويؤكد علماء القانون الوضعي النشأة الكاثوليكية للقانون الدولي، وأن حركة التأليف والبحث والنشر في القانون الدولي كانت مطبوعة منذ نشأتها بالطائفية والانحياز، وسادتها المصالح الرئيسة للدول النصرانية، فبدت أحكام هذا القانون مسُودة لا سائدة، ومسوّغة لتصرفات الدول الاستعمارية، مصبوغة بالإقليمية والطائفية والعنصرية [٢] . وكانت هذه النشأة للقانون الدولي مرتبطة بنشأة الدول الأوروبية واستقلالها عن سلطة البابا الدينية، وبالتحولات الاقتصادية والسياسية التي واكبتها حيث ظهرت فكرة العائلة الدولية وهي تعني مجموع الوحدات الدولية، وأهمها الدول ذات السيادة التي يقع عليها إلزام القانون الدولي، وليست هذه الجماعة من الوجهة القانونية مستقلة عن الدول الأعضاء فيها، وإنما هي تعبير عن صلاتٍ يربط بينها أنواع من الترابط. وسبب نشوء هذه العائلة الدولية هو تمكين الدول النصرانية وحدها من أن تمتلك أراضي الجماعات غير النصرانية وأن تبطش بها وتستنزف خيراتها، فلذلك كوّنت فيما بينها عائلة دولية أوروبية مسيحية [٣] . ٣- وفي هذه المرحلة كانت النصرانية هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، ولذلك أعلن التحالف الديني في المؤتمر الأوروبي المقدس! عام ١٨١٥م عزم المتعاقدين القوي على ألا يتخذوا لسياستهم وتسيير شؤونهم إلا قواعد النصرانية؛ لأنهم يعتبرون أنفسهم مندوبين عن العناية الإلهية لمباشرة الحكم وأنهم أسرة واحدة، رغم أنهم يحكمون بلداناً متعددة ويتبوّءون عروشاً متفرقة، ومن هنا قال المعتمد البريطاني في مصر أيام الاحتلال الإنجليزي: إن واجب الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية (!) على رأس هذه البلاد مصر هو تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن، وإن كان من الواجب منعاً لإثارة الشكوك ألا نعمل رسمياً على تنصير المسلمين، وأن نرعى المظاهر الزائفة (!) للدين الإسلامي كالاحتفالات الدينية وما شابه ذلك. وفي هذه المرحلة أعطى البابا بركاته! لكل نصراني يحاول أن ينتقم من الكفرة المسلمين! ، واستهدفت حركة الكشوف الجغرافية تفريق العالم الإسلامي واكتشاف طرق للتجارة مع الشرق لا تمرّ بالعالم الإسلامي، وهكذا برّر رجال الدين النصراني المد الاستعماري بهدف ديني هو القضاء على الإسلام، ولم يكن عندهم أي حرج من توجيه أي ضربة للأنظمة الاقتصادية والاجتماعية للدول الإسلامية والاستيلاء على أراضي الدول غير النصرانية واستعباد أهلها، لأن الأوروبي يشعر أنه سيد العالم. ومن ناحية أخرى كان التحالف المقدس! امتداداً للحروب الصليبية، إذ إن التحالف نصّ على تثبيت قواعد الأخلاق النصرانية، وقام عمل الدول النصرانية شاهداً على ذلك، حيث تدخلت الدول النصرانية لمساعدة اليونان في ثورتها على الدولة العثمانية، كما ساعدت وساندت حركات الانفصال التي قامت بها أيضاً: رومانيا، والصرب، وبلغاريا وكانت ولايات في الدولة العثمانية. ومن أقوى الأدلة على ذلك أيضاً: ما كتبه أحد ساسة فرنسا في عهد لويس الرابع عشر حيث قال: إن على فرنسا أن تنتهز فرصة السلام الذي تنعم به أوروبا بعد حرب السنوات السبع، وتنقضّ على الإمبراطورية العثمانية لتقيم صرح المسيحية وتستخلص الأراضي المقدسة، وإن مشروع قناة السويس مشروع صليبي، ويجب أن تكون ملكاً مشتركاً للعالم المسيحي [٤] . ٤- ثم في مرحلة تالية اتخذت الدول الأوروبية أساساً جديداً للعلاقات الدولية، وهو المدنية، بمعنى أن الدول المتمدّنة يصح أن يعترف لها بالشخصية الدولية وأن يكون لها حق التملك وأن تكون عضواً في العائلة الدولية، وذلك لأنها اضطرت لاعتبارات تتعلق بالتوازن الدولي إلى قبول الدولة العثمانية في معاهدة باريس (١٨٥٦م) عضواً في العائلة الدولية، فتشارك الدول النصرانية في الحقوق والواجبات الدولية على أساس المساواة، غير أن هذه العضوية ظلت ضعيفة بالنظر إلى استمرار نظام الامتيازات الأجنبية فيها، وبعد نصف قرن من الزمان سنحت الفرصة أيضاً لليابان، ويومها قال دبلوماسي ياباني مخاطباً العالم الغربي بتهكم: حينما تحقق لكم أننا على الأقل نتساوى معكم في علوم الدمار سمحتم لنا بالجلوس على موائدكم باعتبارنا متحضرين! وكان ذلك عقب انتصار اليابان على روسيا القيصرية [٥] . ولكن لم يكن يبلغ هذا الضرب من المشاركة على الصعيد الدولي أن يكون حقاً للدول غير النصرانية، بل كان منتهى أمره أنه عطاء تمنحه الدول النصرانية لغيرها بشروط، أهمها: أن تكون الدولة التي لا تدين بالنصرانية ذات حضارة ومدنية بمفهومها النصراني؛ فما زال الفكر الأوروبي أسير الرواسب الاستعلائية التي ورثها عن الأجداد (الإغريق والرومان) التي ظلت عميقة تحت التربة الأوروبية تكشفها عوامل التعرية من حين إلى حين، كما في تصريح رئيس الحكومة الهولندية حيث يقول عام ١٩٥٦م: إن الدول المسيحية وحدها هي التي تستطيع أن تميز بين العدل وغير العدل، وبين الحرب المشروعة وغير المشروعة وتساءل عما إذا كان المسلم أو الهندي يستطيع أن يعي معنى العدوان، لأن إدراك مثل هذا المعنى قاصر على الدول ذات الثقافة المسيحية! [٦] . واستغلت الدول النصرانية الأوروبية شعار المدنية لترتكب به أفظع الجرائم على البشرية، فاحتلت أقاليم الدول الأخرى، وراحت تستغلها أبشع استغلال، فتفسد عقائدها وأخلاقها، وتستنزف خيراتها ومواردها، وتسخر أبناءها في العمل والصناعة. وكانت هذه الدول تتسابق فيما بينها على التسلط لتحصل الدولة الكبرى منها على أوسم قطعة في الفريسة الصريعة (من بلدان الشرق الأدنى والأوسط والأقصى) وأذكى ذلك نيران الأخذ بالثأر، فاندلعت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤م) التي تعرضت فيها البشرية لأهوال قاسية، ولما هدأت العاصفة واجتمعت الدول الأوربية في مؤتمر باريس (١٩١٩م) ، لإعادة بنيان الدول الذي كان على وشك الانهيار، عندئذ أصبحت النغمة الجديدة هي السلام الذي يخفي وراءه ما يخفي، حيث جاء نظام الانتداب ليُطْلَى به نظام الاستعمار القديم وليخاتل الأمم والشعوب التي وُعدت بالحرية والاستقلال، فمصر تحت الانتداب الإنجليزي، وكذلك فلسطين.. وسورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي ... ٥- وكان من نتائج مؤتمر باريس السابق النص على إنشاء عصبة الأمم المتحدة لتكون أداة لحفظ السلام العام ولتوطيد العلاقات بين الدول، وتعود الجذور التاريخية لنشوء عصبة الأمم إلى المدرسة الكاثوليكية في الفكر الأوروبي، التي تعكس الروح أو الطبيعة الرومانية القائمة على العنف وعبادة القوة المادية والتعصب العقدي والروح الصليبية ضد العالم الإسلامي، ومن دعاة هذه المدرسة بيير ديبو من رجال القانون الفرنسي، ففي كتابه استرداد الأرض المقدسة يدعو إلى تكوين عصبة أمم تكون قاصرة على الدول الأوروبية وقادرة على محاربة العالم الإسلامي لاسترداد فلسطين من أيدي المسلمين لتكون في يد الأوروبيين. ثم جاء الوزير الفرنسي سالي سنة ١٦٠٣م بمشروعه لإنشاء جمهورية مسيحية كبرى تضم شعوب أوروبا المسيحية ما عدا الأرثوذكسية، ثم جاء مشروع الفيلسوف الألماني ليبتي لتكوين اتحاد بين الدول الأوروبية حتى تتمكن من محاربة الدولة العثمانية واقتسام ممتلكاتها بين الدول الأعضاء [٧] . ٦- ولئن فشلت عصبة الأمم فيما زعمته من حفظ السلام الدولي، وعصفت بها الأعاصير السياسية الدولية، فإن التركة آلت إلى هيئة جديدة بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية حين منحت دول مؤتمر سان فرانسيسكو عام ١٩٤٥م شهادة ميلاد هيئة الأمم المتحدة لتكون محط آمال العالم أجمع، يتطلع إليها راجياً أن تحقق للمستقبل ما أخفقت عصبة الأمم في تحقيقه في الماضي، ولكن الهيئة الدولية الجديدة جاءت لتكوين ديكتاتورية من الدول الكبرى لتسيير السياسة العالمية، ويشهد لهذا: أن الدول الخمس ذات التمثيل الدائم في مجلس الأمن (وهي: الصين وفرنسا وبريطانيا وأمريكا وروسيا) لكل منها حق الاعتراض على أي قرار يصوت عليه في مجلس الأمن، وعندئذ يمتنع المجلس من إصداره، ويصير القرار كأن لم يكن، مهما تكن أغلبية الأصوات التي وافقت عليه في الأصل، وواقع الحال كما هو مشاهد منذ نشأتها يؤيد هذا، فكم من المشاريع والقرارات التي اتخذت من أجل بعض قضايا المسلمين في العالم وما أكثر هذه القضايا! أو صوت عليها، فكان أن أخرج أحد الأعضاء الكبار لسانه لذلك القرار فأصبح كأنه لم يكن! وكم تواطأ الجميع على قضايا المسلمين وتآمروا ضدهم بصورة من الصور، بل بكل الصور، أبَعد هذا كله وبعد معرفة أصل ونشأة هذه المنظمات الدولية وجذورها التاريخية والفكرية والسياسية يمكن أن يعلق المسلمون عليها الآمال لتحل مشكلاتهم أو لتنصفهم من المعتدين عليهم؟ ! وهذه قضية فلسطين، وقضية البوسنة والهرسك التي يصورون فيها القضية أنها صراع بين المسلمين والصرب (هكذا.. الصرب وليس النصارى! وحتى في وسائل الإعلام العربية والإسلامية) ، فهذه القضية شاهد ناطق على تآمر الجميع على قضايانا تحت مظلة الأمم المتحدة والقانون الدولي والشرعية الدولية وحفظ السلام، ونحن مساكين كم نتهافت على هذا السلام الذليل الرخيص؟ ، وتلتقي قمة الإمبريالية مع ذروة الشيوعية في هذا التآمر، فيكتب الرئيس الأمريكي السابق نيكسون في مجلة الشؤون الخارجية قائلاً: روسيا وأمريكا يجب أن تعقدا تعاوناً حاسماً لضرب الصحوة الإسلامية [٨] . ٧- ولكن متى يمكن للمسلمين أن يكون لهم كلمتهم ودورهم في هذه المنظمات الدولية؟ ومتى يحملون الآخرين على احترامهم وهيبتهم؟ .. إن ذلك لا يكون إلا عندما يعود المسلمون عودة صادقة إلى مصدر قوتهم وعزتهم، وهو دينهم الذي يأمرهم بإعداد القوة بكل معانيها العقدية والأخلاقية والمادية، عندئذ يُرهبون عدو الله وعدوهم وآخرين من دونهم، ويقولون كلمتهم المسموعة جهاداً مباركاً في سبيل الله لتحرير البشرية كلها، مع جهادهم بقتال أعداء الله، وأظنهم يدركون ذلك كما يدركه غيرهم من الأوروبيين على ما يرويه بعض الكتاب المسلمين الذين التقوهم في مؤتمر دولي سنة ١٩٥٦م حيث قال مسؤول أوروبي كبير وكان جرح فلسطين حاراً جداً قال: يا سيدي! أنتم العرب أذكياء، ولكنكم قوم لا تُخيفون، حينما يوجد عندكم علماء قادرون على تدمير الأرض في (٥٩) دقيقة كما ادعى الإنجليز بدلاً من (٦٠) دقيقة كما ادعى الأمريكان، عندئذ يحسب لكم حساب، أما إذا كنتم بحاجة إلى ألف بندقية لتوزيعها على رجال الشرطة وكنتم مضطرين لشرائها من بلجيكا ثم تَنكُل بلجيكا عن الصفقة وتبقى شرطتكم بلا بندقيات، فليس من حقكم أن تسألوا العالم أن يعيد إليكم فلسطين! ! . وصدق الله العظيم: [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..] [الأنفال: ٦٠] [والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه] [الرعد: ١٤] .

стр. 1913

المجاهدون.. هل ينقذون إرتريا؟ ! [*] قال (تعالى) : [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير] [الأنفال: ٣٩] ، لقد شهدت الساحة الإرترية في هذا العام تحولاً كبيراً لصالح المجاهدين بفضل الله، حيث منيت الجبهة الشعبية بهزائم متتالية إثر ضربات المجاهدين المتوالية التي أسفرت عن استيلاء المجاهدين على الكثير من معسكراتها، كما اضطرتها إلى الانسحاب من معظم الريف الإرتري، وقد اتسع نطاق تحرك المجاهدين ليشمل معظم أقاليم إرتريا بما في ذلك إقليم (سراي) ، وصارت المبادرة بيد المجاهدين، وأصبحت أخبار الجهاد وانتصارات المجاهدين حديث الناس في كل بقاع إرتريا. وبعد أن سجلت حكومة أفورقي إخفاقاً وفشلاً ذريعاً في شتى المجالات العسكرية والسياسية وغيرها: لجأت إلى وسائل العجز والخور، وكان آخرها حملة الاعتقالات الواسعة التي شملت العاصمة (أسمرا) وكلاً من مدينتي (كرن) و (قندع) ومناطق أخرى. وكانت تلك العملية أشبه بعمليات الاختطاف، حيث نفذت في جنح الظلام من قِبَل كوماندوز صرب إرتريا وفي حالة من التنكر والتستر التام، وما زال مصير المعتقلين مجهولاً ويكتنفه الكثير من الغموض، وتفيد المعلومات أن الذين تم اختطافهم أكثر من مائة معتقل، معظمهم من الدعاة والمعلمين وأعيان ووجهاء المسلمين في تلك المدن. يا جماهير شعبنا المسلم.. ويا أنصار الجهاد المبارك.. إن هذه الأحداث ما هي إلا حلقة من حلقات ذلك المخطط الصليبي الذي انتهجته الجبهة الشعبية في حرب الإسلام والمسلمين منذ قيامها، وحتى تتضح الأمور وينكشف ذلك المخطط لابد من ذكر بعض ممارسات الجبهة الصليبية الحاكمة في إرتريا: فعلى الصعيد الداخلي: ١- حاربت اللغة العربية وأقصتها عن مناهج التعليم وعن المعاملات الرسمية، واعتبرتها لغة أجنبية. ٢- حاربت الدعوة والدعاة، وأغلقت المعاهد الإسلامية وسعت في تحويلها إلى مدارس علمانية، واستخدمت في تنفيذ ذلك شتى وسائل الإرهاب من الاقتحام العسكري لتلك المعاهد واعتقال الدعاة والمعلمين وقتل بعضهم ... إلخ. ٣- تشجيع النصارى للعودة إلى إرتريا، وتمليكهم أراضي المسلمين السكنية والزراعية، في الوقت الذي تسعى فيه للحيلولة دون عودة المسلمين من أرض المهجر. ٤- انتهاك أعراض المسلمين وإفساد المجتمع، وقد مارست ذلك بالأمس تحت مظلة التجنيد الإجباري، وتمارسه اليوم حكومة أفورقي بحجة الخدمة الوطنية، مما اضطر بعض الأسر المسلمة إلى الهجرة من جديد. ٥- القيام بالتحريش بين القبائل المسلمة وإثارة الفتنة بينها، ومحاولة الإيقاع بين القبائل الحدودية، وممارسة سياسة فرق تسد بين المسلمين. هذه بعض ممارسات الجبهة الصليبية في الداخل، وأما على الصعيد الخارجي: ١- فقد قامت بتوطيد علاقاتها مع إسرائيل والدول النصرانية والسماح لها بإقامة المشروعات الاستثمارية، والقواعد التجسّسية، وفتحت المجال على مصراعيه للمنظمات التنصيرية. ٢- تنكرت للدور العربي في القضية الإرترية، وعملت على سدّ كل أبواب التعاون معها، ورفض جميع مبادرات الجمعيات والمنظمات الخيرية للإسهام في تقديم الخدمات للمجتمع الإرتري، واتهامها بأنها مصدر للفتن، وكان من تصريحات أفورقي أن قال: لسنا عرباً، ولسنا بحاجة إلى دعم العرب، وستأتينا أموالهم عن طريق الغرب! ! . ٣- وأخيراً: توج أفورقي الصليبي مواقفه تلك بقطع العلاقات الدبلوماسية مع السودان الشقيق، ذلك البلد الذي آوى الشعب الإرتري وثورته خلال الثلاثين عاماً السابقة، وقاسمه لقمة العيش، وناصر قضيته حتى الاستقلال، فجاء أفورقي ليكافئه بقطع العلاقات الدبلوماسية واحتضان المعارضة السودانية، حيث جعل من (أسمرا) مقراً لاجتماعاتهم، وأصبح يهدد أمن السودان من خلال التلويح بدعم تمرد قبائل البجة تارة [**] ، وباستعداء أسياده الصليبيين تارة أخرى. قال (تعالى) : [وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون] [التوبة: ١٢] . لقد بات جلياً من خلال تلك الممارسات والمواقف التي أجملناها في هذا البيان بأن ما يحدث إنما هو جزء من المخطط الصليبي العالمي الذي يستهدف استئصال شأفة الإسلام والمسلمين؛ فصرب في البوسنة، وصرب في الشيشان، وصرب في إرتريا، وصرب في كشمير، وصرب في جنوب السودان.. وكلهم منطلقون من خندق واحد، ومن منطلقات حاقدة. ومن هنا نوجه نداءنا إلى كافة الشعوب المسلمة أن استجيبوا لداعي الجهاد وحماية بيضة الإسلام؛ قال (تعالى) : [ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراْ] [النساء: ٧٥] . وهكذا، فإن أعداء الإسلام يرموننا عن قوس واحدة، فلنرمهم عن قوس واحدة، قال (تعالى) : [وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين] [التوبة: ٣٦] . وليعلم أفورقي وعملاؤه أن الشعوب المسلمة لا يحدها حدود، وأن بيضة المسلمين واحدة، وأن المجاهدين في إرتريا له بالمرصاد، [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] . وفي الختام: نهيب بكافة جماهيرنا المسلمة، وبأنصار جهادنا المبارك في كل مكان: أن يناصروا حركة الجهاد الإسلامي الإرتري دعماً وتأييداً حتى نتمكن من صد تلك الهجمة الصليبية المدعومة، ونرد كيد أعدائنا ونحمي بيضة الإسلام في المنطقة، [ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز] .

стр. 1914

في دائرة الضوء فن إدارة الوقت أعمارنا.. كم نستغل منها؟ وكم نضيع؟ عبد الله آل سيف هذا الموضوع يهم طائفة من الناس، وهم الذين يشعرون أن الوقت المتاح لا يكفي لقضاء كل الأعمال والطموحات التي يريدونها، وبالتالي: فهم بحاجة ماسة إلى قواعد في فن إدارة الوقت، إذن ... فهذا الموضوع يهم أصحاب الطموحات والمشاريع والهمم العالية، أصحاب الإبداع والابتكار. وفي الحقيقة فإن أصحاب الهمم العالية يشكون من ضيق الوقت، وهذه الشكوى، وإن كانت صحيحة من جانب لقصر أعمار بني البشر، إلا أنها ليست صحيحة من جانب آخر. ووجه ذلك: أن المشكلة ليست في الوقت فحسب، ولكن المشكلة تكمن أيضاً في طريقة إدارة الوقت بفعالية ونجاح، ولذا: تجد من الناس من يستطيع بحسن إدارته لوقته أن يعمل الشيء الكثير. ولسنا بصدد الحديث عن أهمية الوقت؛ لأن هذا موضوع آخر وفيه من النصوص الشرعية وكلام السلف والعلماء والحكماء ما يضيق عنه المقام [١] . لكن سنعرض إحصائية دقيقة تبين أهمية العمر والحرص عليه بما يثير الغيرة لدى الإنسان المسلم. لنفرض أن الإنسان يعيش عمراً افتراضياً مدته سبعون سنة، فإذا ضيع الإنسان خمس دقائق يومياً فإن هذا يعني أنه أضاع من مجموع العمر كله ثلاثة أشهر تقريباً (٨٨ يوماً) ، وهذا الجدول يوضح المسألة أكثر فأكثر. ------------------------------------------------------- الوقت من اليوم مجموع الوقت من العمر الافتراضي النسبة المئوية ------------------------------------------------------- - خمس دقائق ثلاثة أشهر ٠.٣٥% - عشر دقائق ستة أشهر ٠.٧١% - عشرون دقائق سنة كاملة ١.٤٢% - ساعة كاملة ثلاث سنوات ٤.٢٨% - عشر ساعات ثلاثون سنة ٤٢.٨٥% ------------------------------------------------------- ... ثم إذا نظرت إلى مجموع الأنشطة التي تستهلك الوقت تجد أنها كثيرة جداً، وهي وإن كان بعضها ضرورياً لكن بعضها الآخر غير مفيد وغير فعال. وهذا يتضح في الجدول التالي: ------------------------------------------------------------ نوع النشاط ما يستغرقه بالسنوات النسبة المئوية من العمر كله ------------------------------------------------------------- النوم، بمعدل ثمان ساعات يومياً ٢٣ ٣٢% العمل، (من ٧-٢.٥) يومياً ٢١.٥ ٣٠.٧% الأكل والشرب، بمعدل ساعة ونصف يومياً ٤.٥ ٦.٤% ------------------------------------------------ نوع النشاط ما يستغرقه بالسنوات النسبة المئوية من العمر كله ------------------------------------------------------------- - الأعمال المعتادة والمراجعات الحكومية (بمعدل نصف ساعة) ... ... ١.٥ ٢.١٤% - الأعمال المنزلية والرحلات والتنزه (بمعدل ساعة واحدة يومياً) . ... ٣ ٤.٢٨% - اللقاءات الاجتماعية والودية بين الأصدقاء (بمعدل نصف ساعة يومياً) . ١.٥ ٢.١٤% - التنقل من مكان لآخر (بمعدل نصف ساعة يومياً) . ١.٥ ٢.١٤% - الاتصالات الهاتفية (بمعدل نصف ساعة يومياً) . ١.٥ ٢.١٤% ----------------------------------------------------------------- المجموع ٦١ سنة ٨٧% الباقي ٩ سنوات ١٢.٨٥% فإذا حذفت من ذلك فترة المراهقة وزمن الطفولة فكم يا ترى يبقى من الوقت للمشاريع الطموحة والأعمال الكبيرة، والأهداف النبيلة. ولا ننسَ أن هذه التقديرات هي متوسط الوقت الذي يقضيه عامة الناس مع إمكانية أن يكون هناك إنسان يزيد على هذا المتوسط من الوقت المبذول لكل نشاط، كما أن هناك مَن ينقص من هذا ويكون شحيحاً بوقته إلى درجة الاقتصار على أقل قدر ممكن مما يستحقه كل نشاط. أقسام الوقت: ١- الوقت المادي الميكانيكي: وهو مقياس لحركة جسم مادي بالنسبة لجسم مادي آخر، كالفترة التي تستغرقها الأرض في الدوران حول الشمس، ووحدات هذا القسم: الثانية، والدقيقة، والساعة، واليوم. ٢- الوقت البيولوجي: وهو الوقت الذي يقاس فيه تطور الظواهر البيولوجية ونموها ونضجها وكمالها، ووحدته هي الجسم نفسه، فقد يكون لطفلين عمر زمني واحد كتسع سنوات مثلاً، لكن أحدهما أكثر نضجاً من الآخر من حيث الطول وكمال الجسم وتناسقه. ٣- الوقت النفسي: وهو نوع آخر من أنواع الشعور الداخلي بقيمة الوقت، حيث يؤثر الحدث النفسي في ذلك إذا كان سعيداً أو سيئاً أو خطراً أو مهماً، فتبدو الدقائق في الحدث السيء كأنها ساعات، وتبدو الساعات في الحدث السعيد كأنها دقائق. ٤- الوقت الاجتماعي: وهو الوقت الذي يربط فيه تقدير الوقت بأحداث اجتماعية مهمة إما عالمية أو محلية، ولذا: نسمع كبارالسن يؤرخون بحياة فلان وفلان [٢] . قواعد إدراة الوقت: * القاعدة الأولى: تحديد الأهداف والأولويات: هناك مثل قديم ساخر يقول: عندما لا تعرف أين تتجه فإن كل الطرق توصلك، وتحديد الهدف أمر على قدر كبير من الأهمية. وللأسف فإن من التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة ما يمكن أن نسميه بأزمة الهدف أو غياب الأهداف وخاصة الأهداف الوسطى التي تخدم الهدف الأعظم [٣] . - أقسام الأهداف: يمكن أن تقسم الأهداف إلى ثلاثة أقسام: ١- الهدف الأكبر: وهو أهم هدف يسعى له الإنسان ونجد ما عداه من الأهداف تخدم هذا الهدف، وهو بالنسبة للإنسان المسلم: تحقيق العبودية لله (عز وجل) ، وبالنسبة للماديين: تحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة والمصلحة والمتعة. ٢- الأهداف الوسطى: وهي مجموعة من الأهداف تخدم الهدف الأكبر؛ مثالها بالنسبة للإنسان المسلم: الدعوة إلى الله، الصلاة، طلب العلم، بر الوالدين.... الخ. ٣- الأهداف الصغيرة: وهي ما يمكن أن يعبر عنها بأنها مجموعة من الوسائل التي تخدم الأهداف الوسطى؛ مثالها: طلب العلم هدف أوسط وهناك مجموعة من الوسائل والطرق والوسائل لتحقيقه. علماً بأن كل هدف هو بالنسبة لما فوقه وسيلة وبالنسبة لما تحته هدف. وبناء على هذا التقسيم: تكون هذه الأهداف على شكل هرم، حيث يتبوأ الهدف الأعظم القمة وتليه الأهداف الوسطى الخادمة له، ثم تمثل الأهداف الصغيرة قاعدة الهرم. - تدوين الأهداف: ١- دون أهدافك بنفسك أو بالتعاون مع المجموعة التي تعمل معك في نفس القطاع أو المؤسسة. ٢- احرص على كتابتها؛ فهذا أدعى لعدم نسيانها. ٣- لاحظ أن تكون الأهداف ذات معنى سامٍ قابل للنمو والتطور، وينم عن همة عالية. ٤- الاهتمام في سبيل تحقيق الهدف بالكيف لا بالكم. ٥- الوضوح في صياغة الأهداف. ٦- أن تكون الأهداف واقعية وممكنة التحقيق [٤] . - معايير خاطئة لتحديد أولويات العمل: ١- إذا كنت تقدم العمل الذي تحبه على العمل الذي تكرهه. ٢- إذا كنت تقدم العمل الذي تتقنه على الذي لا تتقنه. ٣- إذا كنت تقدم العمل السهل على العمل الصعب. ٤- إذا كنت تقدم الأعمال ذات الوقت القصير على ذات الوقت الطويل. ٥- إذا كنت تقدم الأعمال العاجلة على غير العاجلة وإن كانت مهمة [٥] . * القاعدة الثانية: تسجيل الوقت وتحليله: الكثير من الناس يجهلون كيف يقضون أوقاتهم، ولذا: نجد البون شاسعاً بين ما يفعلونه في الواقع وبين ما يريدون أن يفعلوه، فإذا كان ما يريد أن يفعله الواحد منهم من الأنشطة يستغرق ٩٠ (نقطة) يجد أن ما يفعله في الواقع لم يتجاوز ١٠ (نقاط) مما يريد أن يفعله، وهذا يعني التقصير في أداء بعض الأنشطة أو عدم فعلها نهائياً. المعلومة الدقيقة في تحليل الوقت وتسجيله تقود إلى تعريف دقيق للمشكلات ومضيعات الأوقات، ومن ثم: تساعد على التخطيط السليم لقضاء الوقت [٦] . - أنواع تسجيل الوقت: ١- السجل اليومي للوقت: يركز فيه على الوقت تحديداً، والمكان، ونوع النشاط، وترتيب الأنشطة في الأهمية. ٢- السجل الشهري: يركز فيه على الوقت ابتداءً وانتهاءً، والتاريخ، وكيفية قضاء النشاط، منفرداً أو في اجتماع، ومكان النشاط وأهميته. ٣- سجل ملخص الوقت: يركز فيه نوع الأنشطة، مجموع الوقت المخصص لكل نشاط في السنة كلها بالنسبة المئوية، ومن ثم المقارنة بين الأهمية والنسبة المئوية المخصصة له [٧] . * القاعدة الثالثة: التخطيط لقضاء الوقت: كثير من الناس يحب أن يعمل أكثر من محبته أن يفكر، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه صواب. والسر في ذلك أن الإنسان فيه غريزة حب الإنجاز والعجلة ومحبة رؤية ثمرة العمل مبكراً، والعمل يشبع هذه الغريزة، بخلاف التخطيط والتفكير فنتائجه ليست مباشرة ولا تظهر إلا بعد فترة من الزمن. والعمل بدون تخطيط يأخذ وقتاً أطول مما يستحق، بخلاف العمل المخطط له فهو يأخذ أقل قدر ممكن من الوقت لهذا العمل. ولذا: فإن مضيعات الوقت تعترض بكثرة من لا يخطط لوقته، ومن ثم: فهو لم يخطط لإيجاد حلول لها، ولذا يضيع وقته. ومن يعمل العمل بدون تخطيط تقنعه أقل النتائج الحاصلة، بخلاف من يخطط فإنه لا يرضى إلا بأكبر قدر ممكن من النجاح [٨] . -كيف نخطط؟ : ١- حدد الأهداف ورتبها حسب الأهمية والأولوية. ٢- فكر في الخيارات المطروحة لتحقيق الأهداف واختر أحسنها ثم حدد الوقت بالدقة لتنفيذ الطريقة. ٣- حدد المكان المناسب للجميع لتنفيذ العمل. ٤- فكر فيمن يقوم بالعمل أنت أو غيرك ومن هو الأصلح في ذلك. ٥- افترض حدوث مضيعات للوقت، ومن ثم ابحث لها عن حلول. ٦- تجنب الارتجالية في وضع الخطة. ٧- لا تعط أي نشاط أكثر من الوقت الذي يستحقه، إذ إن إعطاءه ذلك يعني أن العمل الصغير سوف يتمدد ليملأ الوقت المتاح مع إمكانية الاختصار في الوقت. ٨- ضع احتياطات عند فشل النشاط لاستثمار الوقت، فمثلاً عندما يتخلف الطرف الآخر عن الموعد، يفترض أن تستفيد من الوقت وتستثمره في شيء آخر. ٩- حاول أن تجمع الأعمال المتشابهة لتقوم بها دفعة واحدة، مثل: إجراء عدة اتصالات هاتفية. ١٠- تذكر أن بضع دقائق من التفكير توفر بضع ساعات من العمل الشاق، وكما تقول بعض النظريات: إن ٨٠% من الإنتاج تنبع من ٢٠% من العناصر [٩] . * القاعدة الرابعة: التفويض والتوكيل: يعتبر التوكيل الجيد من الأساليب الناجحة لحفظ الوقت، وذلك لأنك تضيف بأوقات الآخرين وقتاً جديداً إليك، وتكسب عمراً إلى عمرك المعنوي. - أسباب الإعراض عن التفويض: ١- المركزية التي يتشبع بها بعض الأشخاص، حيث لا يثق الشخص بأحد البتة، وأضرار هذه المركزية تظهر عندما يصيب الشخص مرض قاهر أوظرف طارئ حيث يتعطل العمل بدونه. ٢- الرغبة في تحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح. وهذه نظرة قاصرة، لأن النظرة البعيدة تقضي بأن التفويض وسيلة ناجحة لاحتمال أن يكون المتدرب فيما بعد مثلك في الأداء أو أحسن منك أحياناً، وبالتالي تحافظ على وقتك وتنجز أكثر [١٠] . * القاعدة الخامسة: مضيعات الوقت: مضيعات الوقت داء عضال يشكو منه كل حريص على وقته، وهي قسمان: ١- داخلي من الإنسان نفسه، وينبع هذا غالباً من عدم التخطيط السليم. ٢- خارجي من الآخرين: الأسرة والمجتمع. ومضيعات الوقت قد تكون أموراً نسبية، فمثلاً: قد يأتيك زائر ثقيل الظل بدون ميعاد، ويقتطع جزءاً ثميناً من وقتك، فبينما تشعر أنك على جمر تتلظى، يشعر هو في المقابل بسعادة غامرة وانطباع جيد عن هذا اللقاء. -مضيعات الأوقات: ١- اللقاءات والاجتماعات غير المفيدة سواءً أكانت عائلية أو غيرها. ٢- الزيارات المفاجئة من الفارغين. ٣- التردد في اتخاذ القرار. ٤- توكيل غير الكفء في القيام بالأعمال، وهو ما يسمى بالتفويض غير الفعال. ٥- الاتصالات الهاتفية غير المفيدة. ٦- المراسلات الزائدة عن الحد. ٧- القراءة غير المفيدة، ويدخل فيها فضول العلم عند تقديمها على الفاضل. ٨- بدء العمل بصورة ارتجالية بدون تخطيط ولا تفكير. ٩- الاهتمام بالمسائل الروتينية قليلة الأهمية. ١٠- تراكم الأوراق وكثرتها وعدم ترتيبها. ١١- عدم القدرة على قول لا، أو ما يمكن أن نسميه بالمجاملة في إهداء الوقت لكل من هب ودب. ١٢- التسويف والتأجيل [١١] . - كيفية السيطرة على مضيعات الوقت: ١- اجمع البيانات اللازمة عن مضيعات الوقت. ٢- حدد سبب تضييع الوقت بدقة. ٣- ضع عدداً من الحلول لكل مضيع للوقت ثم اختر أنسبها. علماً بأن السيطرة على مضيعات الوقت لا يعني بالضرورة إزالتها بالكلية لأن بعض هذه المضيعات ضروري ومهم، ولكن لابد من السيطرة عليه بدلاً من السيطرة علينا. وقد ذكر المصنفون في هذا الباب حلولاً مستقلة لكل مضيع من المضيعات لم نر متسعاً لذكرها هنا لكثرتها. إلماحات مهمة: ١- إدارة الوقت الناجحة لا تعني بالضرورة تخفيض الوقت اللازم لتنفيذ كل نشاط معين، بل تعني قضاء الكمية المناسبة منه لكل نشاط. ٢- يستحيل أن تكون جميع الأعمال في درجة واحدة من الأهمية، وهذا يعني أنه لابد من ترتيب الأولويات. ٣- عالج مضيعات الوقت بحلول جذرية لا وقتية. ٤- تحكم في الوقت المتاح ولا تترك الوقت هو الذي يتحكم فيك، فبادر بالأعمال وانتهز الفرص. ٥- إنما تكمل العقول بترك الفضول؛ الفضول في القول أو الفعل [١٢] . ٦- ساعة وساعة: ينبغي للإنسان أن يجعل جزءاً من وقته للترويح عن نفسه لأن القلب إذا كلّ عمي، وينبغي أن يكون الترويح بشيء مفيد كقراءة الأدب والشعر والتاريخ، أو الرياضة المفيدة للجسم كالسباحة؛ قال أبو الدرداء: إني لأستجم قلبي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق [١٣] . ٧- وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام [١٤] أصحاب الهمم العالية والمشاريع الطموحة يتعبون أجسامهم ولا تكفيهم الأوقات المتاحة لتحقيق كل طموحاتهم. ٨- لكل وقت ما يملؤه من العمل؛ بمعنى أن لكل وقت واجباته، فإذا فُعلت في غير وقتها ضاعت [١٢] . ٩- الوقت قطار عابر لا ينتظر أحداً، فإن لم تركبه فاتك. ١٠- تذكر أن أهم قاعدة في إدارة الوقت هي الانضباط الذاتي النابع من إرادة جبارة عازمة على الحفاظ على وقتها متخطية كل العقبات التي تعترض طريقها. ١١- اعمل بطريقة أذكى لا بمشقة أكثر كانت هذه العبارة هي شعار الجمعية الأمريكية لتقويم المهندسين كمحاولة منها للتمييز بين الشغل والانشغال، وهي تشير إلى التخطيط السليم لكل عمل تعمله [١٥] . وختاماً أقول: إن من نعمة الله (تعالى) علينا أيضاً أن نوّع لنا العبادات كي نختار منها ما تقوى عليه نفوسنا، فإذا مللنا نوعاً انتقلنا إلى آخر، فلله الحمد والشكر على ذلك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

стр. 1915

مساحة للحوار بين أهل الفكر وأهل الإدارة جمال سلطان هل أصبحت المشكلة مزمنة إلى هذا الحد، الذي يضطرنا إلى بسطها عبر صفحات منابرنا الإعلامية؛ من جانبي وعلى مسؤوليتي الشخصية أجيب بالإيجاب: نعم؛ إن هناك مشكلة داخل إطار العمل الإسلامي، سواء أكان هذا الإطار جماعات أو حركات أو أحزاباً أو مؤسسات، وتجاهل هذه المشكلة في تقديري أمر غير صحي وغير مفيد، وإن كان يخفي ضجيج المشكلة حيناً من الوقت إلا أنه لن يستطيع أن يخفيها طول الوقت، كما أن هذا التجاهل يراكم من آثار المشكلة ويعزز من خنادق كل فريق من فرقائها. وبداية، أود التمهيد المختصر للمشكلة: بتحرير مفرداتها، ووجه الخلاف بين أطرافها، فالمقصود بأهل الفكر: القطاع الإسلامي المشتغل بقضايا الفكر الدعوي: مفكرون، ودعاة، وكتاب، وصحفيون، وأكاديميون، وعلماء، والمقصود بأهل الإدارة: أولئك المتميزون بمهارات التنظيم والإدارة والإشراف على خطط الأداء الوظيفي في المؤسسات أو الجماعات أو الأحزاب أو نحوها. ووجه الخلاف يمكن تبسيطه في أن بعض أهل الفكر دائمو الشكوى مما قد يبدو لهم كجبروت وسوء تقدير يلقونه من أهل الإدارة، ونزعات هيمنة تعوق انطلاقة الجهد الفكري، وتجتهد لتقنينه وضغطه في قوالب معينة، ويصل الاتهام أحياناً إلى حد القول بتحقير الجهود الفكرية إلى جانب الجهود الإدارية، والنظر إلى المفكر أو الداعية كموظف في جهاز إدارة، الأمر الذي يمس كرامة النشاط الفكري والدعوي وأصحابه، ويطفئ جذوة التأمل والتفكير ووهج النشاط والتجدد في نفس الداعية والمفكر، ويحبط بالتالي أي معنى للعطاء الفعال الرائد في هذا المجال. على الجانب الآخر قد ينظر أهل الإدارة بشيء من القلق والضجر أيضاً إلى أهل الفكر، ويرون أنهم يغالون في شعورهم بالتميز، ويبالغون في حساسيتهم من الانضباط والتأطير ويزدرون العمل الإداري. ولاشك أن الجهود الفكرية والجهود الإدارية، هما بمثابة جناحي الطائر طائر العمل الإسلامي العام الذي إذا أصاب الخلل أحد جناحيه، فقد أصابه في صميمه. ولاشك أيضاً، في أن كلا الطرفين في حاجة ماسة إلى وجود الطرف الآخر، بل وإلى تعزيز دوره، ومساعدته بكل سبيل من أجل تحقيق الخير العام للعمل الإسلامي، فالمفكر بدون القاعدة الإدارية أشبه بالطائرة التي فقدت الاتصال بمحطتها الأرضية، كما أن الإدارة في مجال العمل الإسلامي بدون المفكر الداعية، تنتهي إلى آلية منغلقة ورقابة وظيفية مملة، تعجز عن ريادة الواقع، واستشراف آفاق العمل ومستقبله. وهذه المشكلة في الحقيقة ليست خاصة بالمجال الإسلامي وحده، بل هي شائعة في المجتمع الإنساني بوجه عام، وإذا كان الغرب قد استطاع إلى حد كبير حل هذه المشكلة في إطار منظومته الحضارية فإن الشرق بوجه عام مازال عاجزاً عن إيجاد الحلول الواقعية والجادة لهذه المشكلة، كما أن هذه المشكلة، بارتباطها المباشر وغير المباشر بمنظومة القيم والشرائع والمرجعية العليا للمجتمع، هي غير قابلة لمبدأ استيراد الحلول، فالحل الذي نجح في الغرب وهو حل يطول شرحه ولا يناسب المقام بسطه لا يصلح بتمامه وكماله في مجال العمل الإسلامي، ويصبح من المحتم علينا بسط المسألة للحوار الهادف البنّاء الصريح، وبذل الجهود الجادة من أجل ضبط العلاقة المتوترة بين الجهتين، لوقف نزيف الطاقات الإسلامية، وبناء منظومة إسلامية تكاملية متضامنة. وحتى يتم هذا الحوار، أرى أن أهم أسباب الجمود الذي تشهده قطاعات كبيرة من العمل الإسلامي، إنما يعود إلى إهمال الجانب الفكري، ووضع أصحاب الفكر والدعوة في الصفوف الخلفية من مسيرة العمل، وضعف الإحساس لدى بعض العاملين بأهمية هذه الجهود الفكرية والدعوية وقيمتها في تجديد نشاط الدعوة وفتح آفاق جديدة أمام طاقاتها فضلاً عن الدفاع عن مكتسباتها وصد الغارات الفكرية والإعلامية والثقافية العديدة التي تنهش في جسد الصحوة ومؤسساتها وتياراتها فضلاً عن ترشيد الصحوة ذاتها من خلال رصد وتحليل فعلها في الواقع، وتقويمه، وطرح الأفكار الجديدة التي تحرك النشاط نحو الأفضل والأكثر رشداً وإنجازاً. إن قيمة الداعية أو المفكر، والنشاط الذي يصدر عنهما، يرتبط ارتباطاً حميماً بوضعهم في مسيرة العمل كرواد للطريق، يستطلعون ما وراء الأكمة، وينذرون القافلة، ويحدون الركب، فإذا ما أهملتهم القافلة، أو وضعتهم في مؤخرة الركب، فلاشك أن الخسارة تكون فادحة، والمسيرة تصبح مغامرة في متاهة، ووراء ذلك كله يصبح النشاط الفكري والدعوي عديم القيمة، وعديم الفاعلية، ويتحول وجوده في المسيرة إلى مجرد تحفة فنية تكمل جمال الديكور! .

стр. 1916

منتدى القراء اليهود المسالمون! ! وأطماعهم فهد سعود المحمود الحقيقة التاريخية الثابتة، الواضحة وضوح الشمس، هي الحقد اليهودي الدفين على الإسلام والمسلمين، وقد كان لليهود مواقف عدائية كثيرة مع المسلمين ابتدؤوها مع الرسول الكريم على الرغم من صدق نبوته ﷺ عندهم [١] ، ولما تكررت محاولات اليهود الغادرة أيام الرسول، أمر -صلى الله عليه وسلم- بإجلائهم خارج المدينة، وأجلوا عن مساكنهم إلى مدينتي تيماء ... وخيبر [٢] في عهد عمر بن الخطاب ﵁ . لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل نسي اليهود في العصر الحديث ذكرى سكن أجدادهم في يثرب المدينة المنورة وخيبر؟ للإجابة على هذا السؤال نقول: ... عندما سقطت القدس القديمة بأيديهم عام ١٩٦٧ م، دخلها وزير دفاعهم موشيه دايان في صحبة الحاخام الأكبر شلومو غورين، وبعد أدائهم صلاة الشكر عند حائط البُراق قال فيهم: اليوم فُتح الطريق إلى بابل ويثرب، وتعالت هتافات النصر التي رددها يهود المنتصرون يا لثارات خيبر. وتقول رئيسة الوزراء آنذاك جولدا مائير - وهي في (إيلات) على خليج العقبة -: إني أشم رائحة أجدادي في خيبر [٣] . ومن المؤلم حقاً أنهم بعد احتلال القدس بدؤوا خطة ماكرة، فلم يتركوا أسلوباً إلا واتبعوه (وعد ووعيد - إغراء وتهديد) ، حاولوا انتزاع الزاوية الفخرية دار أبي السعود في القدس وهي ملاصقة للجهة الغربية لسور المسجد الأقصى لكي يهدموها للبحث عن أساس هيكلهم - المزعوم - وطلبوا إلى أرملة الشيخ حسن أبو السعود ﵀ أن تبيعهم الدار بالثمن الذي تريد أو أن تختار داراً سواها في أي مكان آخر تحدده، فرفضت وأصرت على الرفض، فأخرجت منها بالقوة، وقامت الجرافات بهدم الدار ... لم تقبل هذه العجوز العروض حفاظاً على الأرض الإسلامية التي فرط فيها الأبناء مقابل حكم ذاتي محدود وهزيل! ! . قطوف حذر الرسول ﷺ من الجدال والخصومات في الدين فقال في ذلك: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم قرأ هذه الآية [ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون] ، وروى الإمام مالك: ذروا المراء، فإن المراء لا تؤمن فتنته، ذروا المراء، فإن المراء يورث الشك ويحبط العمل ... عن كتيب الجدال في الدين، د/ أحمد خضر، من سلسلة (من التراث) .

стр. 1917

الورقة الأخيرة غزو.. وثلاث حقائق د.محمد بن ظافر الشهري لم يعد التنكيل بالمسلمين مقصوراً على دول أو عقائد بعينها، بل لم يعد مقصوراً على الكافرين كفراً أصلياً، ولهذا فقد أصبح الحديث عن الطعنات المتتالية في جسد أمتنا أمراً لا يدعو إلى العجب.. وإن كان يحمل معه الكثير من المرارة والحرقة. إن من نافلة القول أن أتحدث عن وحشية الروس وهمجيتهم فإن لهم القدح المعلى في تلكم الرذائل وليس في هذا تنقص للمنافقين وصنوف الكافرين؛ فهم في حربهم للمسلمين كأفراس الرهان.. كل أمة منهم تلعن أختها..! ! ولكنني أذكر هنا بثلاث حقائق ينطلق بها هذا الغزو الهمجي. أيها المسلمون.. لقد آن لكم أن تعوا أن القوى العظمى ما هي إلا أصنام صاغها خيال الجبناء الذين أصابهم الوهن فاختل إيمانهم بالغيب ويئسوا من نصر الله.. فجمع الله لهم هزيمتين: ظاهرة وباطنة. إن شعباً قليل العدد والعدة، محاصراً من كل جانب، قد خذله أهله قبل أعدائه.. لَيُقَدم أوضح البراهين على شدة بأس المؤمن، حين يُبْلِي هذا البلاء في وجه قوة من أعتى قوى الكفر في هذا الزمن! ! وحقيقة أخرى.. أهديها إلى دول الكفر بهذه المناسبة.. أيتها الدول المتحظرة.. لن تكوني أحسن حالاً من فارس والروم، فقد حاولت الأوعال قبلك أن تنطح صخرة الإسلام، فسجلت كتب التاريخ نتائج تلكم المحاولات، فراجعيها إن شئت. أما الحقيقة الثالثة.. فهي من نصيب أصحاب الدرك الأسفل من النار، الذين لم يأخذوا العبرة من البوسنة ولا من طاجكستان، و..، فليت شعري هل يدركون الآن أن تجفيف المنابع سياسة منيت بالفشل الذريع عند الذين ابتدعوها ومارسوها على أكمل وجه، فكيف بها عند من لا يجيدون سوى المحاكاة؟ ! لقد صدرت آلاف من أحكام الإعدام في حق هذا الدين.. ولكنه لا يزال حياً.. كم هو مثير للضحك والشفقة في آن، أن يستجمع الرجل قواه ثم ينفخ باتجاه الشمس لعله يطفئها.. أو يحثو بالتراب في البحر يريد ليدفنه ... [يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون] [التوبة: ٣٢] . قطوف فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة: لم يكن عياً ولا جهلاً ولا قصوراً، وإنما كان ورعاً وخشية لله واشتغالاً عما لا ينفع بما ينفع.. ... من كتاب بيان فضل علم السلف على علم الخلف، للحافظ ابن رجب، تحقيق محمد العجمي.

стр. 1918

ذو القعدة - ١٤١٥هـ أبريل - ١٩٩٥م (السنة: ٩)

стр. 1919

كلمة صغيرة كفى أيها الأفغان أربعة عشر عاماً من الجهاد الأفغاني كانت حافلة بكل ألوان الانتصارات والبطولات الجهادية، ومع تساقط الشهداء وتناثر الأشلاء وتتابع المهاجرين.. كانت تكبيرات المجاهدين تقوي العزائم وتشحذ الهمم لمواصلة الطريق مهما كان شاقاً وطويلاً. وبعد أن سقط الشيوعيون كانت النفوس تتطلع إلى حكومة المجاهدين الإسلامية.. ولكن -مع الأسف الشديد- سقط المتقاتلون في دوامة الصراع الحزبي والقبلي، وتناثرت الأشلاء ثانية، ولكن هذه المرة في سبيل..! كم هو مؤسف أن تُقطف هذه الثمرة وتصبح ألعوبة تعبث بها القوى النفعية. ولن نحمل المسؤولية القوى الخارجية أو الأصابع الخفية - وإن كنا لا ننكر دورها - ولكن نؤكد أن المسؤولية -كل المسؤولية- إنما هي على قادة الجهاد الأفغاني.. فماذا سوف يجنون وقد دكت كابل وضاقت بقبورها..؟ !

стр. 1920

الافتتاحية وأملي لهم ... إن كيدي متين ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... [١] إن تاريخ الحكومات الثورية ثم الديمقراطية! مع الصحوة الإسلامية المعاصرة تاريخ قديم حافل بكل ألوان الصراع والملاحقة والكبت وإحصاء الزفرات.. ولكن العجيب أنّ الأيام والمحن لا تزيد الصحوة الإسلامية إلا ثباتاً ورسوخاً وتجذراً، وفي كل يوم تمتد تلك الأغصان الكريمة وتتنامى بصورة مدهشة جداً.. لقد جن جنون الساسة والعلمانيين وفقدوا القدرة على التركيز والتفكير، وظنوا أن الحل الوحيد الذي يُخرجهم من هذا المأزق هو العصا الغليظة التي تلهب الظهور وتدمي الجباه..! ظنوا أن الخيار الأمثل هو بناء السجون والمعتقلات في الصحاري اللاهبة التي تنتهك فيها آدمية الإنسان، ويُمارس فيها شتى ألوان القهر والجبروت..! ومع ذلك كله لم يتوقف المد المبارك؛ فالشارع الإسلامي على الرغم من سياسة التجهيل وإعلام المرتزقة وسماسرة الصحافة يزداد التفافاً حول علمائه ودعاته المخلصين. ولكن.. ماذا بعد؟ ! وإلى متى تستمر الأنظمة (الديمقراطية!) في عدائها الصارخ المتطرف للصحوة الإسلامية ورجالاتها؟ ! إلى متى يستمر الجري اللاهث إلى هذا النفق المظلم..؟ ! مع الأسف الشديد لم تستفد هذه الأنظمة من خبراتها السابقة، بل استمرت لغة السجون والعصي هي الأسلوب الوحيد الذي تجيده بكل إتقان وجدارة، فهل انحلت المشكلة ووصلوا إلى مطلوبهم..؟ ! لقد ولّد العنف الرسمي عنفاً مضاداً، وأثمر التطرف تطرفاً مقابلاً، وأصبحت القضية تدور في حلقة مفرغة تماماً، فالأدوات البوليسية التي تستخدمها السلطة أصبحت وقوداً مستمراً للعنف والعنف المضاد! ! كم هو مؤسف أن تبقى تلك العقول الصغيرة المتخثرة تجتر السياسة نفسها..؟ ! حقاً إنه الإفلاس المفرط الذي أدخلها في دوّامة العنف والقمع والتغطرس.! [أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا] [الفرقان: ٤٤] . لقد نجحت الأنظمة الثورية في وأد بعض الأحزاب العروبية المتهرئة، لأنها وجدت رموزاً نخرة يمكن أن تباع وتشترى بثمن بخس دراهم معدودة، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً في ترويض تلك الجياد الأصيلة التي اشترت ما عند الله والدار الآخرة. إن ثمة حقيقة كبرى يغفل عنها أولئك الملأ الذين غرّتهم عساكرهم، وهي أن حرب الصحوة الإسلامية ليست حرباً لأشخاص بأعيانهم تنتهي قضيتهم بتصفيتهم أو خنق أصواتهم، ولكنها حربٌ مع السنة الكونية، فالله أنزل هذا الدين لكي يبقى إلى قيام الساعة، [يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمَ نوره ولو كره الكافرون] [الصف: ٨] . كما أنها حرب مع الله (تعالى) ؛ فقد جاء في الحديث القدسي: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب» [١] . ومن ثم: فإن أي محاولة لاستئصال الصحوة الإسلامية وتجفيف منابعها تعد محاولة خاسرة يائسة، مآلها بحول الله (تعالى) إلى التآكل والموت؛ قال الله (تعالى) : [إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون] [الأنفال: ٣٦] . إن العقيدة الإسلامية لا يمكن أن تحارب بقوة السلاح وطغيان السلطة، وإن استطاع السلاح في يومٍ من الأيام أن يؤذي رجال هذه العقيدة أو يعطل مسيرتهم لبعض الوقت، فإنها تبقى راسخة حية تعمر قلوب المؤمنين، ولابد أن يظهر نورها، فكيف يعرف الخوف أو الإحباط طريقاً إلى صدور المؤمنين وهم يقرؤون الأنفال والتوبة وآل عمران..؟ ! ! [٢] قال الله (تعالى) : [وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين * واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين] [القصص: ٣٨-٤٢] . إنها قصة موسى (عليه أفضل الصلاة والسلام) مع فرعون بني إسرائيل، ولكنها قصة حية تتجدد بتجدد الفراعنة والطواغيت، فهم كثيرون تجمعهم عقلية الاستعلاء والاستكبار والاغترار بالجند؛ قال الله (تعالى) : [أمَّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور] [الملك: ٢٠] ... شعارهم واحد لا يختلف: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) ! . ولكن سنة الله (تعالى) تتجدد مع تجدد الفراعنة، فإن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته؛ قال الله (تعالى) : [والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين] [الأعراف: ١٨٢-١٨٣] . وبعد هذا الصراع كله: [فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون] ؟ ! ! أهم أولئك الجبابرة الذين ملكوا العبيد! وفتحوا السجون، يأمرون وينهون بلا رقيب ولا حسيب؟ ! أم هم أولئك المخبتون الصادقون؟ ! قال الله (تعالى) : [الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون] [الأنعام: ٨١، ٨٢] . الأمن الذي يعمر قلوب الدعاة.. حتى وهم مسلسلون في ظلمات السجون..! الأمن الذي ملأ نفوسهم.. حتى وهم يجلدون وتسيل الدماء على وجوههم..! الأمن الذي سكنت به جوارحهم.. حتى وهم معلقون على أعواد المشانق..! فصبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة.

стр. 1921

دراسات شرعية مفاهيم ودروس من صلح الحديبية د. محمد بن عبد الله الشباني مدخل: تمثل السيرة النبوية والسنة القولية والفعلية للرسول ﷺ مصدراً مهماً لفهم التشريع الإسلامي على مستوى العلاقات الاجتماعية والسياسية، وبخاصة عند تحديد كيفية التعامل مع الأعداء. وفي هذا العصر الذي بلغت فيه الهزيمة النفسية مدًى واسعاً يستدل بعض من يدافع عن واقع الهزيمة التي تجذرت في نفوس بعض من يتولى توجيه الأمة سياسياً وفكرياً بـ (صلح الحديبية) دليلاً شرعياً يُسَوّغُ به تسليم أرض المسلمين في فلسطين إلى اليهود والتمكين لهم فيها، وبذل مال المسلمين لتقويتهم. إن غزوة الحديبية وما تم فيها من صلح بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أعدائه من مشركي العرب تحتاج إلى وقفة متأنية ودراسة منهجية حتى لا يُعمَد بحسن نية أو بسوء نية إلى تزيين التخاذل والاستخذاء والاستسلام لأعداء الأمة. إن تلك الغزوة وما حصل فيها من مواقف متعددة في التعامل مع المشركين لَدروسٌ ينبغي فهمها واستيعابها من قبل أفراد الأمة، لما في ذلك من أهمية في مكافحة الغزو الثقافي وما يتبعه من هزيمة نفسية هي أشد ألماً وتأثيراً في كينونة الأمة من الاحتلال العسكري ولما لذلك من تأثير على استمرار قدرتها على المجابهة إلى أن يأذن الله لها بالفرج، وتتوفر لها أسباب عدم الاندثار والزوال والذوبان في الأمم والثقافات الأخرى. ويرتبط فهم المواقف التي حدثت في غزوة الحديبية ومعرفة مدلولاتها بفهم الظروف التي صاحبت هذه الغزوة التي قاد فيها الرسول ﷺ طلائع الجيوش المسلمة، آملاً أن يكون فيما سأتطرق إليه من مفاهيم ودروس لهذه الغزوة ما يوضح الحقيقة التي يراد نسيانها أو تناسيها. أحوال ما قبل الصلح: *مكانة (مكة) في قلوب المسلمين: إن مكانة مكة في قلوب العرب تمثل بقايا قيم وتعاليم نبي الله إبراهيم (عليه السلام) ، ولهذا: فقد كان العرب يفدون إلى مكة لأداء النسك في شهر ذي الحجة، وقد حرّموا بينهم شهور ذي القعدة وذي الحجة والمحرم، فلم يبيحوا القتال في تلك الأشهر، لكي تتمكن القبائل العربية من الوفود إلى مكة لأداء مناسك الحج، ولذا: فقد كانت مكة محط أنظاره ﷺ هو وصحابته الكرام الذين تهوي دائماً أفئدتهم إليها. *تضعضع مكانة قريش: وإن من أهم الظروف التي سبقت صلح الحديبية والتي تساهم في فهم معطيات وأسس الصلح الذي تم بين الرسول ﷺ وقريش: تضعضع مكانة قريش العسكرية بعد غزوة الخندق، التي انتصر فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مما أدى إلى تفكك التجمع المناهض للدولة الإسلامية، وقيامه -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء على اليهود الذين كان لهم دور فاعل ومؤثر في تأليب العرب المشركين على رسول الله ﷺ ، وكان لهذا الواقع أثره في بروز القوة الإسلامية في المدينة وظهورها قوةً جديدة قادرة على مجابهة جميع القوى في الجزيرة العربية آنذاك. *فرض واقع جديد: ويتضح من الأسلوب الذي اتبعه الرسول ﷺ في خروجه إلى مكة معتمراً رغبته ﷺ في الحصول على الاعتراف من قريش بالمجتمع الجديد الذي قام في المدينة، وأن له الحق كبقية القبائل العربية في زيارة مكة، مما يساعد القوة الإسلامية الجديدة على الامتداد والانتشار في الجزيرة العربية، وبالتالي: إضعاف مركز قريش، وقد أعلن ﷺ للناس أنه لا يريد الحرب ولا يسعى إليها [١] ، بل خرج مُحرِماً سائقاً للهدي معظماً لشعائر الله، فلم يأخذ معه سلاحاً إلا السيوف مغمدة. فلم يخرج ﷺ من أجل الجهاد وتأديب أعداء الله، وإنما خرج لأداء شعيرة من شعائر الله، ولكن هذه الخطوة وضعت قريشاً أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما أن يمنعوه ص؛ فتهتز مكانتهم الأدبية والاجتماعية بين العرب لكونهم يصدون عن بيت الله الحرام، وإما أن يقبلوا دخوله ﷺ ، فتهتز مكانتهم السياسية وهيبتهم العسكرية بين العرب؛ لأنه سيقال: إن قريشاً سمحت للمسلمين بدخول مكة لعدم قدرتها على مواجهتهم ومنعهم. بين صلح الحديبية ومعاهدات السلام! : يمثل صلح الحديبية الأساس الشرعي لكيفية التعامل مع الأعداء، وكيف يتم التهادن معهم، والقواعد التي ينبغي مراعاتها؛ أخذاً بالظروف العسكرية التي تم على ضوئها الصلح، وفهماً لما احتوت عليه نصوص الصلح من قواعد يجب فهمها على ضوء قوة المسلمين، وليس على ضوء الضعف والاستخذاء واللجوء إلى العدو للحماية وطلب النصرة. إن المعطيات والأحداث المصاحبة والسابقة واللاحقة لصلح الحديبية توضح القواعد التي تحكم سلوك المسلمين مع الأعداء، وتحدد الإطار الذي يمكن على ضوئه أن يتم التعامل معهم سلماً أو حرباً، لهذا: فلابد من استعراض أهم الأحداث والمواقف التي سبقت التوصل إلى عقد الهدنة وليس الصلح، فهناك فرق كبير بين الهدنة التي تمت مع الرسول ﷺ والصلح كما هو حادث الآن مع اليهود المغتصبين لأرض المسلمين؛ فالصلح الذي تم مع بعض قادة الدول العربية إنما هو استسلام كامل وإقرار للمغتصب باغتصابه، بل ومكافأة للعدو بفتح البلاد العربية والإسلامية ليغزوها وينهب خيراتها من خلال: التمكين له اقتصادياً، والتطبيع السياسي الكامل معه، مع العمل على مسخ العقل المسلم وسلبه مقومات وجوده الثقافي والفكري فيما يعرف بـ «التطبيع الثقافي» ، هذا الصلح الذي يتم ويطلق عليه اسم (عملية السلام) ، وترتفع عقيرة الداعين و (المطبلين) له بزعم أن ما يتم الآن من صلح إنما هو تطبيق لما فعله الرسول ﷺ واتباع لمنهجه! ، بل إن من المضحكات المبكيات أن يستشهد حاملو لوائه بقوله (تعالى) : [وإن جنحوا للسلم فاجنح لها] بعد نزعها من سياقها في الآية وفقاً لقاعدة: (لا تقربوا الصلاة..) . كيف نفهم صلح الحديبية؟ : إن الأحداث السابقة لتوقيع الصلح مع قريش التي توضح الظروف المساعدة لحصول الصلح تمثلت في الأمور التالية: أولاً: حينما علمت قريش بمقدم الرسول ﷺ أثار ذلك حميتها؛ فجمعت قواها من أجل محاربته ﷺ ؛ فاستعانت بحلفائها من الأحابيش وثقيف، فتدافعوا خارج مكة لملاقاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي مقدمتهم الفرسان بقيادة «خالد بن الوليد» بمئتي فرس، وقد عمد «خالد» بأن وقف أمام المسلمين في قبلتهم لغرض الانقضاض عليهم عند قيامهم بأداء الصلاة، ولهذا: فقد أمر رسول الله ﷺ قائد فرسانه « عباد بن بشر» ﵁ فتقدم ووقف إزاء «خالد» وَصفّ أصحابه خلف المسلمين لابسين الإحرامَ، وبعد أن حان وقت صلاة الظهر أذن «بلال» (رضي الله عنه) وأقام الصلاة، فصلى رسول الله ﷺ بهم، ولهذا: فقد وضع المشركون خطتهم في الصلاة الثانية على أن يهجموا على المسلمين أثناء صلاتهم للعصر، ولكن الله أمر نبيه وشرع له صلاة الخوف، فأفسد ذلك على قريش خطتها [٢] ، إذ كان من أهم الدروس التي حصلت من تشريع صلاة الخوف توجيه الانتباه إلى (العنصر العقدي في الصراع مع العدو) الذي يراد إبعاده بالصلح مع العدو في عصرنا الحاضر، فإبراز شعيرة الصلاة خلال المواجهة مع العدو والإصرار على أدائها إنما هو توجيه للأمة بعد رسولها بعدم التهاون في أي مبدأ، حتى في أحلك الظروف المواجهة العسكرية فما بالنا في عقد هدنة أو معاهدة؟ ! ؛، فأي صلح أو معاهدة تبرم مع الأعداء تتضمن في أبعادها وشروطها تنازلاً ولو ضمناً عن القيم والمبادئ الإسلامية، تعتبر هذه المعاهدة أو الصلح اتجاهاً فاسداً، مثل شرط ضرورة (التطبيع الثقافي) الذي يصر اليهود والنصارى على مطالبة المسلمين بتنفيذه؛ وذلك من خلال محاربة (مفهوم الولاء والبراء) بطمس الشخصية الإسلامية، وفصل الدين عن الدولة، ومحاربة أي توجه لتثبيت ركائز التميز الإسلامي. ثانياً: استشارة رسول الله ﷺ من معه من المسلمين: ماذا يفعل بعد أن خرجت قريش لمنعه من أداء شعيرة العمرة؟ ، فأشار عليه الصديق ﵁ قائلاً: «يا رسول الله، خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه» ، لقد أخذ الرسول - ﷺ بهذا الرأي فقال: «امضوا على أمر الله» [٣] ، فساروا، وتجنب ﷺ المواجهة مع قريش كما تحكي تفاصيل ذلك كتب السيرة لا لضعف وعجز حيث لم يخرج من المدينة بقصد فتح مكة وانتزاع الزعامة من قريش بل ليظهر للناس أن ما يدعو إليه إنما هو امتداد للدين الذي كان عليه العرب منذ «إسماعيل» ﵇ ، والذي من أهم شعائره تعظيم مكة حيث بيت الله الحرام، وهذا الأسلوب الذي عمد إليه رسول الله ﷺ سيدفع كثيراً من العرب إلى إعادة النظر في العداء تجاه هذا الدين؛ لهذا: ندرك سر قَسَم رسول الله ﷺ بأنه سيقبل بأي صلح يضمن حقن الدماء وتحقيق تعظيم الحرمات [٤] ؛ ولهذا: لا يجوز الصلح مع الأعداء إذا لم يكن فيه تطلع إلى وضع أفضل للدعوة أو الأمة. ثالثاً: أسلوب المفاوضات الذي اتبعه الرسول ﷺ مع قريش، وكيفية التعامل مع العدو لتحقيق ما يصبو إليه المفاوض المسلم: فمن الأمور التي أبان عنها أسلوب المفاوضات الذي اتبعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي ينبغي اتباعه: تحديد الغاية والهدف من الصلح على أن يرتبط الهدف بخدمة المنهج الاعتقادي لدولة الإسلام والمسلمين؛ فلو نظرنا إلى غاية الصلح الذي عقده الرسول ﷺ مع قريش نجد أنه قد حقق غاية وهدف الصلح، وهو: اعتراف قريش لرسول الله بحق المسلمين في تعظيم البيت وزيارته، وقبول قريش لأن يعظم رسول الله ﷺ البيت، وذلك اعتراف بالدعوة التي ينادي بها الرسول ﷺ بالعودة إلى أصل دين « إبراهيم» و «إسماعيل» ﵉ ، وإزالة ما علق به من شرك وعبادة للأوثان، ولكن خوف قريش على مكانتها الدينية جعلها تتعصب ضد السماح للرسول ﷺ بدخول مكة لأنها في حرب معه، وسبب هذه الحرب معروف لدى العرب؛ فالسماح له يعني بالضرورة الاعتراف بقوة الدين الجديد؛ لهذا: حاولت قريش إيجاد المخرج فيما أوقعها فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخذت تبعث الرسل من حلفائها، فبعثت «الحليس بن علقمة» سيد الأحابيش، وقد كانت هذه القبيلة في حلف مع قريش، وهم معروفون بشدة تعظيمهم للبيت، ولهذا: فقد عمد رسول الله ﷺ حينما علم بقدومه إلى ممارسة سياسة إضعاف ارتباطه بقريش، وذلك بهز مشاعر التأله لديه؛ فقد قال - ﷺ حينما رآه: «إن هذا من قوم يتألهون وفي لفظ: يعظمون الهدي، ابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه» [٥] ، فلما رأى «الحليس» الهدي يسيل عليه بقلائده من عرض الوادي، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، واستقبله الناس يلبون قد شعثوا، صاح وقال: «سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، وأن يحج لخم وجذام ونهد وحَمْير ويمنع» ابن عبد المطلب «!! هلكت قريش ورب الكعبة، إنما القوم أتوا عُمّاراً» [٦] ، وبمجرد أن رأى هذا المشهد رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى، ورجع إلى قريش يدعوها إلى السماح للمسلمين بالاعتمار ومهدداً لها بالخروج من الحلف معها. لقد كان لهذا الموقف تأثير في زعزعة التحالف بين قريش والأحابيش، وإن ما قام به رسول الله ﷺ تجاه «الحليس» يمثل منهجاً لقادة الأمة عند عقد الصلح والهدنة مع الأعداء بالاستفادة من التناقضات الاجتماعية والثقافية في معسكر الأعداء لتحقيق الغاية من الهدنة. ثم عمدت قريش إلى بعث عدة رجال، منهم: «عروة بن مسعود الثقفي» زعيم ثقيف و «سهيل بن عمرو» الذي تم على يديه الصلح، ومن جانب الرسول ﷺ فقد بعث عدداً من الرسل، ومن أهمهم: ... «عثمان بن عفان» ﵁ الذي اختاره ﷺ لمكانته في قريش، وبعث معه كتاباً إلى أشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتِ لحرب وإنما جاء معتمراً، وقد بقي «عثمان» في مكة وشاع لدى المسلمين بأنه قُتل، ولهذا: اتخذ الرسول القائد قراره بالقتال، وحتى يضمن رسول الله ﷺ تماسك الصف المسلم، وحتى لا يدخل حرباً مع قريش إلا بعد أن يضمن قبول صحابته بدخول الحرب، طلب صالبيعة من المسلمين على الموت. رابعاً: محاولة قريش التحرش بالمسلمين بهدف إثارة الحرب، وذلك من خلال إرسال مجموعات من الرجال لمهاجمة المسلمين، وكان موقف الرسول - ﷺ التأني والمصابرة؛ لتحقيق الهدف الذي جاء من أجله، وإفشال هدف قريش من دعواهم أن الرسول ﷺ إنما جاء محارباً؛ وقد وضع رسول الله ﷺ مجموعة من أتباعه بقيادة « محمد بن مسلمة» ﵁ لحراسة المسلمين، وكان من يقظته أن تمكن من إفساد خطة قريش؛ حيث تمكن ﵁ من القبض على من أرسلتهم قريش إلا «مِكْرَز» الذي أفلت، وقد حبسهم رسول الله صحيثُ ثارت ثائرة قريش، فجاء جمع منهم ورشقوا المسلمين بالنبل والحجارة، وقد كانت غاية قريش من هذه المحاولات سبر قوة المسلمين وتحديد مدى استعدادهم. ولهذا: فإن من أهم الأمور التي ينبغي الانتباه إليها عند الرغبة في تحقيق هدنة أو صلح لخدمة الأهداف الاستراتيجية للأمة: إشعار الخصم بالقوة والاستعداد والحيطة بقصد إضعاف الجانب النفسي لدى العدو، فشعور العدو بالتفوق والقدرة على تملك زمام الأمور يجعل الصلح يخدم مصلحته. وكذلك فإن الهدف الذي يمكن فهمه من أخذ الرسول ﷺ البيعة من أصحابه على الموت وليس على مجرد القتال هو: إدخال الوهن في قلوب قريش، حيث أوضح ذلك لهم أن الرسول صلن يرجع إلا وقد ناجزهم وأن أتباعه الذين بايعوه بيعة الموت لن يتراجعوا؛ لأنه لا يمكن أن يُهزم قوم استحبوا الموت على الحياة. إن قرار الرسول ﷺ بالحرب عندما ظهرت من قريش بوادر خيانة لدرس عملي ينبغي فهم مراميه وغاياته، فالهدنة أو الصلح مع العدو إذا لم يكن من مركز القوة فإن حقوق الأمة ومقدراتها تصبح هدراً، ومن هذا: ما فعله الرسول ﷺ بإعلان الحرب على العدو حينما شاع أن «عثمان» ﵁ ومن استأذنه من الصحابة في الذهاب إلى مكة قد قتلوا، فهو لم يتردد في إعلان الحرب، لكن في زمن الانهزام يقوم العدو بالقتل الجماعي والتشريد والهدم للمنازل بعد توقيع الصلح أو ما يعرف بالسلام! ! فتمتد الأيدي الذليلة التي بعدت عن منهج الله إلى العدو الذي تقطر أياديه بدماء الرجال والنساء والأطفال، ويستمر في سرقة الأرض والقيم بدون أن ... تثور الكرامة في النفوس، فتجابه العدو بما يستحقه، ولكن بدلاً من ذلك تتوجه إلى سفك دماء شعبها وبالأخص الوجوه المتوضئة التي تعلن أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنحرفين والخائنين ممن يتكلمون بلغتنا وهم من جلدتنا يمارسون النفاق بدون حياء! ! . إن الصلح مع العدو إن لم يقترن بالقوة الحامية له ويخدم مصالح الأمة القريبة والبعيدة فإنه صلح محرم شرعاً، وليس له إلزام، ولا يمكن الاستشهاد بأي وجه بصلح الحديبية والادعاء بأن في الاستسلام أسوة برسول الله ﷺ ، فمثل هذا الرأي فيه مساهمة في إذلال الأمة ووضع القيود عليها، وإضعاف روح المقاومة لديها، وممارسة التحريف المتعمد لعناصر تكوين شخصيتها المسلمة. خامساً: لقد كان من نتيجة البيعة أن أرسلت قريش جمعاً من زعمائها بقيادة « سهيل بن عمرو» أتوا إلى رسول الله ﷺ يعتذرون له ويوضحون حقيقة الأمر، ويطلبون إرسال من أسرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فأصر ﷺ على فك أصحابه أولاً، فبعثوا بمن كان عندهم، فأطلق رسول الله ﷺ سراح من أسرهم. في هذه الواقعة إشارة وتأكيد إلى الحزم والقدرة على تحديد مسار الصلح ليكون لصالحه، وليس كما فعله الذين يصالحون اليهود مع بقاء الآلاف من المعتقلين في سجون العدو، واستمرار المداهمات والقتل ونسف بيوت المرتهنين في فلسطين؛ فتُهدم عليهم وتصادر أملاكهم، ومع ذلك يتم التوقيع على الصلح الذي تصرح كل كلمة فيه بأن ما يجري ليس صلحاً ولكن استسلاماً وخيانة وتفريطاً في حق الأمة. سادساً: لقد كانت أجواء محادثات الصلح وما تم فيها من مناقشات وردود الأفعال في معسكر المسلمين على ما تم التوصل إليه، توضح أمرين: الأول: أن الصلح يخدم الاستراتيجية الخاصة بتحقيق الأهداف التي ترغب الأمة في تحقيقها، وأن شروط الصلح غير متضاربة مع الأهداف والغايات العليا للسياسة العامة للدولة المسلمة، بحيث يستخدم الصلح للتمكين للأمة. الثاني: أن التنازلات التي تُمنح لا تتعارض ولا تتناقض مع مصلحة الأمة على أن تكون هذه التنازلات شكلية أكثر منها فعلية وإن ظهرت في بادئ الأمر أن فيها تنازلات كما سنوضحه عند الحديث عن محتويات الصلح. وإن من المبكيات أن اليهود في هذا العصر عندما وقعوا «الصلح» ! ! مع العرب فيما عرف بـ «كامب ديفيد» ، أو ما عرف بـ «الحكم الذاتي» ، أو « الصلح مع الأردن» ، قد انتهجوا في استراتيجيتهم في وثائق الصلح ما استخدمه الرسول ﷺ مع قريش، حيث حققوا مكاسب أمنية استراتيجية مع عدم تقديم تنازلات تؤثّر على أمنهم أو هويتهم. إن قراءة مكونات الصلح مع أي طرف من الأطراف العربية لتبدي مدى بُعْد النظر والدهاء اليهودي الذي قابله استهتار واستخذاء من قِبَل الطرف العربي. ومما يلاحظ: أن من أهم الأمور التي ركزت عليها قريش: إبقاء نوع من الهيبة الزائفة لواقعها؛ فقد طلبت أن لا يدخل المسلمون مكة هذا العام على أن يعود المسلمون العام القادم لأداء العمرة، وهذا ما فعله اليهود مع العرب بإعطائهم مكاسب شكلية، مثل: انسحاب عن أراضٍ مجردة من السلاح وتقع تحت مراقبة قُوى تحت السيطرة والنفوذ اليهودي، أو سلطة شكلية يتحكم فيها اليهود، أو استئجار لأرض وبقاء اليهود مستغلين لها. وللحديث بقية ...

стр. 1922

دراسات حديثية اجتماع الجرح والتعديل في راوٍ واحد محمد بن عبد الله الأحمد من المحاسن الواضحة لهذه الصحوة المباركة، ومن سماتها الظاهرة: حرصها على صفاء المورد وسلامة الطريق، مما أثمر اهتماماً بالسنة النبوية تحقيقاً ونشراً، ودراسة وفقهاً، وقبل ذلك وبعده، التزاماً ودعوة ومشاركة في هذه المسيرة الراشدة. وهذه الأسطر تعرض موضوعاً مهماً للمشتغلين بدراسة الأسانيد، وهو: العمل عند اجتماع الجرح والتعديل في الراوي الواحد، وهو موضوع أغفله عدد من الباحثين - خصوصاً المعتمدين على كتاب «تقريب التقريب» . وأتمنى أن يكون في هذه الأسطر بيان لأهمية هذا المبحث في الحكم على الرجال وتصحيح الأحاديث وتضعيفها، فهو مع علم العلل أساس الحكم على الأحاديث. وفي ثنايا هذه الأسطر تذكير بمنهج أسلافنا في التعامل مع أهل العلم وآرائهم، وإنزالهم المنازل التي يستحقونها، دون إفراط أو تفريط، فلا عصمة لعالم، وليس أخو علم كمن هو جاهل، عسى أن نعي منهجهم فنسير على دربهم. وقد سلك العلماء في هذا الموضوع ثلاثة طرق: ١- الجمع بين الأقوال ما أمكن: وذلك بتنزيل كل قول على أمر خاص، وأوجه الجمع كثيرة يصعب حصرها، منها ما يتعلق بأحوال الراوي في شبابه وكهولته، سفره وإقامته، ضبط صدره وضبط كتابه، بالنسبة لشيوخه وتلاميذه ... وهكذا، وقد ذكر الإمام الحافظ ابن رجب في آخر شرحه «لعلل الترمذي» فصولاً نافعة في هذا الباب. ٢- الترجيح: وهو اعتماد أحد الأقوال جرحاً أو تعديلاً وطرح ما عداه، واعتماد أحد الأقوال لا يكون جزافاً أو هوى، بل بناءً على أسس وقواعد، منها: (أ) التثبت من النقل عن الناقد، والتأكد من عبارته: قال الحافظ ابن حجر: ونقل ابن الجوزي من طريق الكديمي عن ابن المديني عن القطان أنه قال: لا أروي عنه يعني أبان العطار، وهذا مردود؛ لأن الكديمي ضعيف. وقال في ترجمة بشر بن شعيب الحمصي: قال ابن حبان: كان متقناً ثم غفل غفلة شديدة؛ فذكره في الضعفاء، وروى عن البخاري أنه قال: تركناه. وهذا خطأ من ابن حبان نشأ عن حذف؛ وذلك أن البخاري إنما قال في تاريخه: تركناه حياً سنة اثنتي عشرة، فسقط من نسخة ابن حبان لفظ حياً، فتغير المعنى. (ب) النظر في حال الناقد: من وجوه: تشدداً وتساهلاً، مرتبته في هذا العلم، ومعرفته به، معاصرته للمتكلم فيه زماناً أو مكاناً، مصادره في هذا النقد، مذهبه الاعتقادي، اصطلاحاته النقدية.. إلخ. ومن الأمثلة: قول الحافظ في ترجمة أحمد بن شبيب الحبطي: ولا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟ ! . وقال في ترجمة خثيم بن عراك: وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي وأفرط، فقال: لا تجوز الرواية عنه، ومادرى أن الأزدي ضعيف فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟ ! . وقال في ترجمة محارب بن دثار: وقال ابن سعد لا يحتجون به، قلت: ... ولكن ابن سعد يقلد الواقدي، والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق. ومما يتعلق باصطلاح الناقد: ما قاله الحافظ في ترجمة يزيد بن عبد الله الكندي، قال: عن أحمد أنه قال: منكر الحديث، قلت: هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه؛ عرف ذلك بالاستقراء من حاله. أ. هـ. ومن ذلك اصطلاح البخاري في عبارة: منكر الحديث وفي إسناده نظر. ومما يتعلق بمعرفة المتكلم بالراوي ما نقله الحافظ في تهذيبه عن أبي أحمد الحاكم أنه قال: وربما يقع له الغلط يعني البخاري لا سيما في الشاميين، ونقله مسلم من كتابه فتابعه على خطئه. [ترجمة أبي عمران الأنصاري] . (ج) معرفة سبب الكلام جرحاً أو تعديلاً: وهذا عنصر مهم في الترجيح؛ فقد ردت أقوال أئمة كبار لما عرف سبب كلامهم، فقد يكون السبب اختلاف المذهب بين الناقد والمتكلّم فيه وهذا باب واسع ينبغي تأمله، أو ما يكون بين الأقران من المنافسة التي تؤدي إلى نوع من الميل على الآخر، أو وقوفه على نص أو فعل للمتكلم فيه ولم يفهمه الناقد على وجهه الصحيح، أو يكون كلامه نتيجة ظن مرجوح ... إلى أسباب كثيرة. وهاك جملة من الأمثلة وهي من مقدمة الفتح أيضاً: حميد بن هلال العدوي، قال يحيى القطان: كان ابن سيرين لايرضاه. قال الحافظ: بيّن أبو حاتم الرازي أن ذلك بسبب دخوله في شيء من عمل السلطان وقد احتج به الجماعة. وهذا إسماعيل بن إبراهيم القطيعي، وثقة ابن معين وأخرج له الشيخان، قال الحافظ: وغمزه أحمد لأنه أجاب في المحنة. وهذا إمام الصنعة شعبة بن الحجاج يترك المنهال بن عمرو الأسدي، ومع ذلك يوثقه عدد من الأئمة ويخرج له البخاري، ذلك لأن شعبة لما سُئل عن سبب تركه له قال: أتيت منزل المنهال فسمعت منه صوت طنبور فرجعت ولم أسأله، قال وهب بن جرير: فهلا سألته عسى كان لا يعلم. وهذا الإمام مالك بن أنس وهو أشهر من عرف بانتقائه للرجال، فإذا حدث عن رجل فهو ثقة لم يقبل أهل العلم توثيقه لعبد الكريم ابن أبي المخارق. قال ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه، غرّ مالك سَمته ولم يكن من أهل بلده. وقد أعتذر مالك عن روايته عنه، فقال: غرني بكثرة بكائه في المسجد [الميزان٢/٦٤٦، ٦٤٧] . أما رد كلام الناقد نتيجة لأنه لم يفهم فعل أو قول الراوي على وجهه الصحيح، فالأمثلة كثيرة، منها: الحسن بن مدرك السدوسي، قال أبو داود: كان كذاباً يأخذ أحاديث فهد بن عوف فيقلبها على يحيى بن حماد. قال الحافظ: إن كان مستند أبي داود في تكذيبه: هذا الفعل، فهو لا يوجب كذباً، لأن يحيى بن حماد وفهد بن عوف جميعاً من أصحاب أبي عوانه، فإذا سأل الطالب شيخه عن حديث رفيقه ليعرف إن كان من جملة مسموعه، فحدثه به أولاً، فكيف يكون بذلك كذاباً، وهذا الراوي خرّج له البخاري وحدّث عنه أبو زرعة وأبو حاتم ووثقه النسائي. وهذا زيد بن وهب الجهني، وثقة الجمهور، وقال الحافظ: وشذ يعقوب ابن سفيان الفسوي، فقال: في حديثه خلل كثير، ثم ساق من روايته قول عمر في حديثه: «يا حذيفة، بالله أنا من المنافقين؟ !» ، قال الفسوي: وهذا محال. قلت [الحافظ] : هذا تعنت زائد، وما بمثل هذا تُضعف الأثبات، ولا ترد الأحاديث الصحيحة، فهذا صدر من عمر عند غلبة الخوف وعدم أمن المكر، فلا يلتفت إلى هذه الوساوس الفاسدة في تضعيف الثقات. ومن ذلك: تكذيب هشام بن عروة لمحمد بن إسحاق، ولما سئل عن السبب قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر وأدخلت علي وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيَت الله (تعالى) . وقد رد هذا التضعيف عدد من الأئمة منهم أحمد بن حنبل؛ قال: فلعله سمع منها في المسجد أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ ! [الميزان ٣/٤٧٠، ٤٧١] . ولذلك ذهب المحققون من أهل الحديث إلى تقديم الجرح المفسّر عند تعارض الجرح والتعديل في الراوي، وشرطه: كون التفسير يُعتدّ به ومعتبراً وخفي على المعدّل، لأن مع الجارح في هذه الحالة زيادة علم، والله أعلم. ٣- التوقف حتى يأتي مرجح: وقد ذهب إلى هذا المسلك عدد من النقاد، منهم: الحافظ أبو حفص عمر بن شاهين في الجزء المطبوع من كتابه «ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه ... » ، وهو مطبوع في آخر «تاريخ جرجان» للسهمي. فهو يتوقف حينما يتكافأ النقاد عدداً أو مكانة، كما في ترجمة أبي الأشهب جعفر بن الحارث وترجمة حميد بن زياد وزكريا بن منظور، وقد توقف في خالد بن أبي مالك، مع أنه ذكر عن أحمد بن حنبل وأحمد ابن صالح توثيقه، ونقل عن يحيى بن معين تضعيفه. وقال في الخليل بن مرة: وهذا الخلاف في الخليل بن مرة يوجب الوقف فيه، لأن الخليل بن مرة روى أحاديث صحاحاً وروى أحاديث منكرة، وهو عندي إلى الثقة أقرب. وبعد هذا الاستعراض الموجز الذي لم أقصد به الاستقصاء والدراسة العلمية أرجو أن يكون قد تحقق ما قصدته من التذكير بهذا الموضوع وإثارة الاهتمام به، حتى يحظى من الإخوة الباحثين بمزيد عناية نظرية، وممارسة عملية، ليستفيدوا من هذا المنهج في نقد وتقويم واقعهم الدعوي ورموزه ... والحمد لله رب العالمين.

стр. 1923

دراسات دعوية رصيد الداعية خالد أبو الفتوح يعتقد بعض الشباب المتحمسين أنه يكفي لإقناع الآخرين بصحة دعوتهم أن تكون الحجة جليّة واضحة وأن يكون البيان فصيحاً بليغاً، ولكنهم مع حرصهم على إتقان ذلك قد يُفاجؤون بعدم استجابة مدعويهم، فيلقون التبعة من على أكتافهم ظانين أنهم أدوا ما عليهم [وما على الرسول إلا البلاغ] و [ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء] ، ثم يحمّلون من كانوا محلاً لدعوتهم المسؤولية كاملة لعدم استجابتهم للهدى؛ [بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم، فمن يهدي من أضل الله؟] ، أو يسندون سبب إخفاقهم إلى محض المشيئة الإلهية [ولو شاء الله لجمعهم على الهدى] [ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً] . ولا شك أنه لا يخرج شيء عن المشيئة الإلهية، وأن الذين لم يستجيبوا لوضوح الحجة وبلاغة البيان ليسوا بمنجى عن المحاسبة والسؤال، ولكن لا شك أيضاً أن هؤلاء المتحمسين الطيبين لم يلتفتوا إلى غاية الدعوة التي لا تقتصر فقط على إقامة الحجة لاستحقاق الجزاء، بل تهدف بالمقام الأول إلى إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وإنقاذهم من غضب الله (تعالى) وناره إلى رضاه وجنته؛ قال ﷺ : إن مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاء ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها [١] ، وهذا المعنى هو ما وصف به الله (سبحانه) رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث يقول : [لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم] [التوبة: ١٢٨] . وغالباً ما يكون دافع هؤلاء المتحمسين هو الإخلاص ومحبة رؤية الخير منتشراً بين الناس، ولكن.. هل يكفي هذا الدافع للتنصل من المشاركة في مسؤولية الإخفاق؟ إن المدقق في عناصر (عملية الدعوة) يخرج ولابد بأن قيام أمر الدعوة لا يقتصر على إيضاح حجة وبلاغة بيان، فهما بالرغم من أهميتهما يشتركان جنباً إلى جنب مع عناصر أخرى عديدة لإنجاح حجية البلاغ من قِبَل الداعي. ومن هذه العناصر ما يمكن أن نطلق عليه: (رصيد الداعي) لدى المدعو، ونعني بذلك: رصيده من الثقة في أمانته وعلمه والطمأنينة إليه، ليكون هذا الرصيد مُوَطّئاً لاستجابة المدعو إذا أراد الله له الهداية، أو أبلغ في استحقاق النقمة إذا انتكس وأبى إلا الغواية. وهناك إشارات عديدة في الكتاب والسنة إلى هذا العنصر الهام في (عملية الدعوة) ؛ فمن ذلك: *ما جاء في قصة نبي الله يوسف: [ودخل معه السجن فتيان، قال أحدهما: إني أراني أعصر خمرا، وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين* قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي، إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون] [يوسف: ٣٦٣٧] ، فالملاحظ في الآية الأولى: أن الفتيين أقبلا على يوسف ﵇ وهما في حالة تسليم بأمانته وإذعان لعلمه، ولكن هذا التسليم وذلك الإذعان لم ينشأ من العدم، بل كانا نتيجة ما رأوه من إحسان يوسف عليهم؛ [إنا نراك من المحسنين] ، وإذا تنبهنا إلى أن هذين الفتيين كانا على ملة الكفر لأدركنا أن الإحسان المقصود عندهم ليس هو الإحسان بالمصطلح الشرعي، ولكنه إحسان بالمعنى الذي تعارف عليه جميع الناس وهو فعل ما اتفقت العقول السديدة والفطر السليمة أنه حسن، ويلزم لنا أن نتخيل ما هي حياة السجون حتى نعرف قيمة الإحسان إلى الآخرين فيها، سواءً أكان إسداء جميل، أو بذل نصيحة، أو اهتمام عام بأمر الآخرين في مثل هذه المحنة [٢] . وبعبارة أخرى نستطيع القول: إنه للوصول إلى هذه الثقة وهذا التسليم والإذعان، فقد حدثت (عملية تفاعل اجتماعي إيجابي) بين يوسف ﵇ والمسجونين الآخرين، وذلك من خلال شبكة اجتماعية مصغرة كونها يوسف (عليه السلام) مستغلاً قنوات الاتصال المتاحة والرابطة الاجتماعية الواقعية رابطة إحساس السجين بالقهر. وفي الآية الثانية: نلاحظ أن يوسف ﵇ استثمر الموقف استثماراً كاملاً، وقطف الثمرة في أوانها؛ فإنه لما رأى إتيانهما إليه واثقين فيه مسلّمين بأمانته مذعنين لعلمه، أكد عليهما ما وقر في نفوسهما بأنه أهل لهذه الثقة ومحل لهذا العلم مما يؤكد أهمية هذا العنصر في الدعوة، ثم أسند كل هذا الفضل إلى ربه، وبدأ عرض دعوته في وضوح وجلاء ويسر وسهولة. *وما جاء في قصة موسى ﵇ مع القبطي والإسرائيلي: حيث يقول الله : [فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما، قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ ، إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين.] [القصص: ١٩] ، فاحتجاج القبطي بعدم ملاءمة هذا السلوك من موسى ﵇ مع دعوى الإصلاح يدل على أن موسى ﵇ كان معروفاً عنه أنه صاحب دعوة إصلاحية قبل نبوته؛ يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ : أما بقية عبارته [إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين] .. فتلهم أن موسى كان قد اتخذ له في الحياة مسلكاً يُعرف به أنه رجل صالح مصلح، لا يحب البغي والتجبر، فهذا القبطي يذكره بهذا ويورّي به، ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه، يريد أن يكون جباراً لا مصلحاً، يقتل الناس بدلاً من إصلاح ذات البين وتهدئة ثائرة الشر [٣] ولعل هذا المسلك كان تمهيداً للدعوة الكبرى التي جاء بها موسى ﵇ بعد إرساله بالنبوة. *وفي قصة نبي الله صالح ﵊ : يقول الله (سبحانه) حاكياً عن قوم صالح: [قالوا: يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا ... ] (هود: ٦٢) ، جاء في محاسن التأويل: ... أي: كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد، فكنا نرجوك لننتفع بك وتكون مشاوَراً في الأمور، ومسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك [٤] . وهذا من أبلغ التناقض في منطق الكافرين، إذ إن اعترافهم بأن صاحب الدعوة هو الذي كان يُعد للخير والرشد فيهم لما ظهر عليه من أمارات ذلك كان يقتضي تسليم قيادهم له وإذعانهم لدعوته، ولكنهم ارتكسوا وكفروا به وبدعوته. *وفي سيرة المصطفى ﷺ أوضح الدلالات على أهمية (رصيد الداعية) : حيث يقول الله (سبحانه) : [قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمراً من قبله، أفلا تعقلون؟ !] [يونس: ١٦] ، ففي قوله [أفلا تعقلون] توبيخ شديد لهم وتسفيه لعقولهم؛ لأنهم لم يلتفتوا إلى قوة الحجة الملزمة لهم، وذلك أنهم شهدوا لرسول الله ﷺ بما يوجب تصديقه والإيمان به، ولم يكن ذلك عن موقف واحد أو أكثر، بل كان على امتداد عمره - ﷺ مما يكون أبلغ وأوكد في الإلزام بالحجة؛ يقول ابن القيم ﵀ : ... الحجة الثانية [في الآية] : أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به، وأنتم تشاهدونني، وتعرفون حالي، وتصحبونني حضراً وسفراً، وتعرفون دقيق أمري وجليله، وتتحققون سيرتي ... ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل، فأي برهان أوضح من هذا؟ ! [٥] . وقد استعمل رسول الله ﷺ هذا الرصيد لديهم، وأكد عليه، بل استنطقهم به، وذلك عندما جهر بالدعوة إليهم كافة، فقد قال لهم -صلى الله عليه وسلم- بعد أن اجتمعت بطون قريش على جبل الصفا إثر دعوته لهم بالحضور: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد [٦] ، فقد أبى ﷺ أن يدعوهم إلى الدعوة الجديدة عليهم قبل أن يستخرج منهم رصيد الثقة فيه. وهذا الهدي النبوي من نور الوحي القرآني؛ حيث كان إيذان التحرك العلني بالدعوة هو قوله (تعالى) : [وأنذر عشيرتك الأقربين] [الشعراء: ٢١٤] ، فإن (العشيرة الأقربين) أدعى إلى الثقة فيمن هم يعرفون سيرته ويخبرون طويته لما بينه وبينهم من صلة القربى والنسب، ولا شك أنه لابد لبناء هذا الرصيد من كمال في المحاسن وسلامة من النقائص وحضور ومتابعة في الواقع، وتتراكم آثار كل ذلك لصنع هذا الرصيد لدى المدعوين، وهذا ما تشهد به سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. *وهذا ما نشاهده في قصة الصحابي نعيم ابن النحام: حيث رُوي أنه حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي، فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك، ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا وكان يقوم بأيتام بني عدي وأراملهم، فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد ذلك [٧] ، فنعيم ﵁ كان له من أعمال الخير لدى قومه ما جعله أحد المكونات الرئيسة لنسيج مجتمعه، بحيث يتهتك هذا النسيج إذا تخلى عن أفراد مجتمعه، فلا يستطيع هؤلاء الاستغناء عنه، مع استطاعته هو تركهم والهجرة عنهم، أو استغلال هذه المكانة وهذا الرصيد في الدعوة لما يؤمن به دون أن يكون عنصراً بنّاءً لدعوى الجاهلية في المجتمع الذي يعيش فيه. *معالم أخرى: هذا.. وقد يستدعي الداعية ما تركه دعاة آخرون من رصيد محفور في أذهان المدعوين الجدد مستفيداً من ظلال المواقف الناصعة والدعوة الواضحة لهؤلاء الدعاة، معتبراً نفسه امتداداً طبيعيّاً لهم وإن باعدت بينهم السنون والأيام؛ وذلك كما فعل ونطق مؤمن آل فرعون: [ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات، فما زلتم في شك مما جاءكم به، حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا، كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب] [غافر: ٣٤] ، فلقد اقتبس مؤمن آل فرعون الذكرى الطيبة ليوسف ﵇ ؛ ذكرى العفة والعلم والأمانة والكفاءة، مذكّراً إياهم بوضوح سابق دعوته، فلقد جاءهم (بالبينات) ليربط بينه وبين صاحب الدعوة المعاصر لهم موسى ﵇ الذي [جاءكم بالبينات من ربكم] [غافر: ٢٨] ، كما أوضح المؤمن لهم من قبل، فهو يربط بين الداعيين نسباً ودعوة لتكون محصلة الدفع النهائية في أقوى صورها. فعلى ذلك يستطيع المسلم توظيف (الرصيد الإيجابي الجمعي للدعوة) في دعوته الآخرين، كما يحسن له أن يشارك في بناء رصيد الثقة لدى آخرين قد لا يستطيع دعوتهم ليأتي مسلم آخر فيستثمر هذا الرصيد مباشرة حين تحين فرصة الدعوة. وكما أنه قد يُستدعى رصيد الدعوة لصالح داعية ما، فإنه قد يبدده أفراد منتسبون إلى الدعوة، وذلك بسوء سلوكهم الشخصي أو الدعوي أو عدم اتباعهم للحكمة في الدعوة، كما يحدث أحياناً في واقعنا المعاصر، فعلى المسلم الواعي أن يحرص ألا يكون معول هدم لما شيده الآخرون إذا لم يستطع أن يكون لبنة في صرح الدعوة المباركة.

стр. 1924

خواطر في الدعوة أنماط التفكير [٣] محمد العبدة جاء الإسلام والإنسان العربي يملك صفات إيجابية فطرية تساعده على حمل الرسالة، كما أن فيه صفات سلبية تحول دون ذلك، فكانت آيات القرآن تتنزل لتصوغ شخصية المسلم صياغة أخرى تذهب عنه أوضار الجاهلية ومفاهيمها، وعاداتها وتقاليدها. جاء الإسلام والعربي يغضب لكلمة، ويثور لحادثة بسيطة، فيكون من ورائها القتال والدمار، وكانت الآيات القرآنية تطلب من المسلمين الصبر وعدم رد العدوان حتى يأذن الله وحتى يتمكن المسلمون في الأرض، وتحول العربي المسلم إلى شخصية متماسكة متوازنة يغضب في محل الغضب، ويرضى في محل الرضا، ولا يتصرف ضمن دائرة الفعل ورد الفعل، ولا يستطيع أعداؤه التلاعب به بالضغط على مكامن الضعف فيه. انتشر الإسلام في الآفاق، وكانت هذه التوجيهات تؤثر في شخصية المسلم من كل جنس ولون بعد أن صاغت شخصية العربي، ولكن الناس لم يثبتوا طويلاً على هذا المنهج الرباني، فعاد فريق منهم لطبيعته أو لبيئته الثقافية التي تربى فيها على ردود الأفعال وعلى التعصب لما ألفه، فعندما ظهرت فرقة الخوارج بغلوها وضلالها وتشددها كانت ردة الفعل أن ظهر الإرجاء والتساهل في أمر الدين، وأصبحت الأوامر والنواهي التي طالب الله بها عباده وكأنها لعالم آخر، وعندما ظهر الاعتزال والانحراف عن المنهج الوسط، وحكّموا العقل في النص الموحى به، كانت ردة الفعل أن وُجد من لا يريد للعقل أن يمارس دوره الطبيعي، ووجد من ينفي الحكمة عن نصوص الشرع ويبتعد عن التفكر في أمر الله الكوني والشرعي، بل ظهر من يلغي العقل تماماً ويعتبر أن مصدر المعرفة هو الرؤى والذوق والإشراق، وعندما تفشى الترف والإسراف وحب الدنيا في المجتمع الإسلامي كان رد الفعل: الزهد البارد والزهد السلبي الذي أضر بالمسلمين ضرراً بالغاً. وهكذا أصبحنا نعيش علمياً وثقافياً بل وسياسياً على ردود الأفعال، ولا نفكر فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا تفكيراً هادئاً مستقلاً، ولقد نشأت في هذا العصر تجمعات إسلامية تدعو إلى الله، قد تصيب وقد تخطأ، ولكن بعض المسلمين مازال يتصرف ضمن دائرة ردود الأفعال، فإذا وجد خطأ عند إحدى هذه الفصائل فيجب أن يخالفها في كل صغيرة وكبيرة، ويعمل بعكس ما تعمل ولو كان عملها صواباً، وتجده دائماً في حالة تشنج وضيق صدر، فيقع منه الظلم والغبن لإخوانه، وتقوم المعارك الكلامية التي لا فائدة منها، فإلى متى تبقى شخصية المسلم شخصية انفعالية مزاجية سريعة التقلب، لا يعرف إلا طَرَفَي القضية، فإذا لم تكن معه فأنت ضده، وإني لأظن أن من أسباب هذا التمزق في الشخصية عدم وضوح أو تحديد الغاية والهدف من الأعمال التي نريدها، وبالتالي: عدم وضوح الأسباب المؤدية إلى هذه الغاية. إن أعداءنا يعلمون هذا منا، فيقومون ببعض الأفعال ليكون رد الفعل مناسباً لهم، وإذا لم نتمكن من وحدة التفكير ووحدة الهدف، فسيكون الأمر كما قيل: كلٌ يغني على ليلاه.

стр. 1925

هموم ثقافية التنمية بين المشروع الحضاري الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي (٢) أ. د. نبيل السمالوطي تحدث الكاتب الكريم في الحلقة السابقة عن الفرق بين منطلقات المشروع الحضاري الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي، وبيّن مفهوم الحضارة وفضل المسلمين فيها، ثم بيّن أهم جوانب الاختلاف بين المشروعين، وأوضح من هذه الجوانب: الموقف من الكون والحياة، والنظرة إلى الطبيعة الإنسانية، والموقف من مصادر المعرفة ومصادر التوجيه.. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة بيان جوانب أخرى من الموضوع. الجانب الرابع: من جوانب الصراع بين المشروع الحضاري الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي يتمثل في الموقف من العلم والعالم [١] ؛ فالعلم المادي التجريبي في المشروع الغربي هو المصدر الأساس والوحيد للسيطرة على البيئة، وهو المصدر الوحيد للرفاهية والرزق والتقدم، فالإمكانات في العالم هي الإمكانات المادية التي يمكن حسابها ومشاهدتها وإخضاعها للبحث العلمي الواقعي من خلال الحاسبات الآلية، والعلم هو السبيل الوحيد للتنمية والتقدم، ولا شيء خارج العلم والعالم المحسوس، وهذا يعني: أن منطلقات العلم وآلياته وأهدافه تدور في دائرة المادية والعلمانية والنفعية والقدرة البشرية لاغير. وفي المقابل نجد أن المشروع الإسلامي يرفع من مكانة العلوم الشرعية والتجريبية ويعدها جميعاً علوماً إسلامية، طالما أن المسلم مكلف بالنظر والبحث والتجريب، وطالما أنها تصدر عن عقل بشري مخلوق لله (تعالى) ، وطالما أنها تبتغي الوصول إلى الحقائق (العلوم الشرعية) أو إلى القوانين أو السنن التي تحكم ظواهر وحركات الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، وهي في النهاية سنن الله في خلقه. وهذا يعني: أن الاهتمام بالعلوم الشرعية والتجريبية في المشروع الإسلامي يعد مطلباً دينياً يتصل بالعقيدة ذاتها، فطلب العلم فريضة، ويجب أن يكون المجتمع المسلم هو الأقوى مادياً لإنفاذ رسالة الإنسان على الأرض، وهذا لن يتأتى إلا بالتقدم العلمي والتقني، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، غير أن العلم التجريبي في نظر الإسلام ليس قادراً على كشف وتفسير كل أسرارالكون والإنسان، وهذا العلم يجب أن يوضع في حجمه الحقيقي وأن يوجه لنفع الإنسان، وهذا يعني: أن هناك ضوابط عقدية وأخلاقية تحدد منطلقات العلم التجريبي وآلياته وأساليب الاستفادة منه وتوجيه نتائجه. والمشروع الإسلامي لا يعد العلم هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة على البيئة أو استثمارها، ولا يعد الإمكانات المنظورة التي يكشف عنها العلم هي الإمكانات الوحيدة المتاحة للإنسان وللعالم، فهناك سنن الله التي لا تتخلف، وهناك عنصر البركة الإلهية والفتوحات الربانية والرزق الإلهي والأرزاق المخبوءة التي لا ندركها، والتي ترتبط بالإيمان والتقوى؛ قال (تعالى) : [ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض] [الأعراف: ٩٦] وإلى جانب عامل البركة هناك عامل فضل الله وتنزيله الرزق على العباد؛ [والله يرزق من يشاء بغير حساب] [البقرة: ٢١٢] وهناك عامل الطمأنينة وهي نعمة لا يمكن للعلم وحده أن يحققها قال (تعالى) : [الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب] [الرعد: ٣٨] . وهذا يعني أن المشروع الغربي بركونه إلى العلم المادي البشري أسقط عدة أمور؛ أهمها أنه أسقط السنن الإلهية الماضية في المخلوقات، وأسقط قدرة الله وقدره، وأسقط عاملي الاطمئنان والبركة الإلهية، وأسقط التوجيه الأخلاقي لنتائج العلم ولمساراته ومضامينه وفق المنهج الإلهي، وهذه الإسقاطات أدت إلى شقاء الإنسان في ظل مجتمع الوفرة والتقدم العلمي والتقني، وكأن وظيفة العلم هي زيادة كمية المتعة والرفاهية المادية فقط، وهنا ينطبق على المؤمن بهذه الفلسفة قوله (تعالى) : [والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم] [محمد: ١٢] . والعلم في المشروع الحضاري الإسلامي يرتبط بالمسخرات الكونية من جهة، ويرتبط بقدرات الإنسان وفعالياته من جهة أخرى، ويرتبط بأساليب الانتفاع بهذه المسخرات من جهة ثالثة، فإذا كانت علاقة الإنسان بالبيئة هي علاقة تسخير وليست علاقة صراع كما صورها الغرب، فإن المسخرات الإلهية التي هيأها الله للإنسان على قسمين: الأول: مسخرات يحصل عليها الناس في كل زمان ومكان دون جهد كالماء والهواء. الثاني: مسخرات تتطلب جهداً بشرياً للانتفاع بها وفهم قوانينها وتوظيفها في خدمة الإنسان والمجتمع، وهذه يتطلب الانتفاع بها: التعليم والبحث العلمي والعمل والتطبيقات التقنية والصناعية، وهذه المسخرات الكونية أتاحها الله لجميع خلقه مؤمنين وكافرين، فالكون ليس متحيزاً للمسلم وليس موجهاً ضد الكافر، فعطاء الله في المجال المادي للجميع؛ [كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا] [الإسراء: ٢٠] ، فالله يمكّن للجميع، وهناك فرق كبير بين تمكين الله للمؤمنين وتمكينه للكافرين، فالأول تمكين رضاً وقبول في الدنيا والآخرة، والثاني تمكين استدراج ولا يكون إلا في الدنيا فقط، وكل أنواع التمكين يتطلب جهداً فاعلاً ومؤثراً من جانب الإنسان [٢] . الجانب الخامس: من جوانب الخلاف بين المشروع الحضاري الغربي والمشروع الحضاري الإسلامي يتمثل في تحديد محركات الحياة البشرية والاجتماعية؛ فالمشروع الغربي يؤكد على المجتمع التنافسي وعلى الديموقراطية والحرية الفردية، أو على تعددية الصراع في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتربية، وهم في هذا ينطلقون من أن الموارد نادرة وقد تم إحصاؤها في العالم من خلال العلم، وأن زيادة السكان عقبة تواجه باستمرار عمليات التنمية والتطوير، وأن البقاء للأقوى مادياً، ويجب استمرار التنافس والصراع كآليات لتحقيق التقدم. وهذا التنافس الصراعي ملاحظ على مستوى الأسرة والمجتمع في الغرب، كما أنه ملاحظ على مستوى العلاقات الدولية بين دول الشمال والجنوب أو الدول الغنية والفقيرة (محاولات السيطرة وفرض سياسات وثقافة الغرب على الدول النامية، وافتعال الأزمات لترويج تجارة الأسلحة، ومحاولة الضغط لتوجيه معدلات التبادل التجاري العالمي لصالحهم، والحصول على المواد الخام بأبخس الأسعار، واستخدام آليات الديون والقروض والتسليح والخبرات العلمية ونقل التقنية والإعلام.. لخدمة أهداف الغرب المادية..) . وفي المقابل فإن المشروع الإسلامي يؤكد على المجتمع التراحمي الذي ينطلق من قوله (تعالى) : [إنما المؤمنون إخوة] [الحجرات: ١٠] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه [٣] ، مجتمع الشورى والعدل والمساواة والتنافس الشريف في كل مجالات الخير والعطاء والإنتاج، والمشروع الإسلامي يؤمن بالأسباب وبالعلم وبقدرة العقل على الفهم والتفسير والإحصاء والتحليل والتركيب، لكنه يؤكد أن العقل والقدرة البشرية محدودان، فهما لا يستطيعان حصر كل خيرات الأرض، فهناك مصادر أخرى للطاقة وللغذاء سوف يتم اكتشافها، والأرض لا يمكن أن تضيق بسكانها لأن الله هو الرزاق ولأنه هو (سبحانه) الذي بارك فيها وقدر فيها أقواتها، قال (تعالى) : [.. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين] [الذاريات: ٥٨] ، وقال (تعالى) : [.. وبارك فيها وقدر فيها أقواتها] (فصلت: ١٠) وهذا يعني أن افتراض المشروع الغربي أن الإنسان قادر على اكتشاف كل إمكانات الأرض، فرض لم يثبت صحته على المستوى الديني، وأيضاً على المستوى العلمي التجريبي فكل يوم تكتشف مصادر جديدة للغذاء والطاقة، وكل يوم يتم اكتشاف حقائق علمية وتطبيقات تقنية تسهم في زيادة استفادة الإنسان من البيئة واستثمار معطياتها بشكل أفضل، الأمر الذي يزيد مصادر الغذاء والكساء والطاقة ومختلف الموارد، وفوق هذا كله: العطاء الإلهي والبركة وتوفيق الله، وهي عوامل لا يمكن حسابها من خلال الآليات البشرية كالكمبيوتر، وعلى عكس المشروع الغربي: فإن المشروع الإسلامي لا يربط التخلف بزيادة السكان، ولا يرى في هذه الزيادة معوّقاً حتمياً للتنمية، فالقضية يتم النظر إليها من مناظير متعددة؛ فالسكان هم طاقة اقتصادية ومورد أساسي من الموارد النادرة، وعامل رئيس من عوامل الإنتاج، بشرط حسن استثمارها وتوجيهها وتوظيفها من خلال برامج التعليم والتربية والتدريب والإعلام، وما تزال المناطق الصحراوية ومناطق الغابات والأراضي القابلة للزراعة تمثل غالبية أراضي الدول التي تعاني مما يطلق عليه الانفجار السكاني، وما تزال في هذه الدول طاقات وإمكانات وموارد يمكن استثمارها إذا أحسن استثمار وتوجيه الطاقات البشرية، وهناك الإمكانات غير المحدودة للبحار والموارد المائية وهناك العجز في استيعاب التقنية، والعجز الأكبر في استنباتها وتطويعها للبيئات المحلية، وهذا يعني أن العديد من الدول تخلق مشاكل سكانية لنفسها (بطالة جرائم تضخم زيادة نسبة الإعالة زيادة استهلاك إجهاض برامج التنمية ... إلخ) لا بسبب كثرة السكان ولكن بسبب سوء التخطيط في الموارد البشرية وهجرة العديد من الكفاءات العلمية والفكرية بسبب عدم تقديرها واستثمارها بشكل علمي مخطط، وعدم كفاية النظريات التعليمية والتدريب، يضاف إلى هذا: أن هناك دولاً تعاني من نقص الموارد البشرية وتقبل الهجرات وتضع عليها العديد من القيود، وهنا لا تصبح المشكلة مشكلة زيادة في السكان، وإنما مشكلة توزيع وتنظيم للهجرة سواء الداخلية أو الخارجية أو العالمية، وهذه ترتبط باعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية، وحتى على مستوى الدول الإسلامية والعربية، فأغلب الدول باستثناءات قليلة مثل مصر والجزائر.. تعاني من قلة سكان، وحتى هذه الدول المستثناة فإن الإشكالية فيها في نظر بعض الباحثين هي تراجع معدلات التنمية وعدم كفاءة الاستثمارات المادية والبشرية، وهناك تجارب تثبت أن أكبر الدول سكاناً هي أعلى الدول في معدلات التنمية، والدليل على هذا أن معدل التنمية في الصين يصل إلى ١٣% وهو أعل من معدلات التنمية في الكثير من دول الغرب. وقد عالج بعض الكتاب هذه القضايا بشكل جيد مثل فهمي هويدي في مقالاته بالأهرام القاهرية [٤] التي أورد فيها تأكيد الأكاديمية الإفريقية للعلوم في بيانها بمناسبة الدعوة إلى المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الثالث في القاهرة في أغسطس الماضي، أن السكان من أهم عناصر التنمية في إفريقيا، وأن محاولة تخفيض معدلات نموهم يؤدي إلى إهمال موارد القارة وعدم الانتفاع بها. وإذا ما انتقلنا إلى الديموقراطية في المشروع الغربي والشورى في المشروع الإسلامي، نجد فروقاً جوهرية في العديد من الأمور، منها: حدود الديموقراطية، والضوابط والمعايير أو الثوابت التي يجب الالتزام بها، وآليات تحققها، ونوعية الأشخاص الذين لهم حق إبداء الرأي، فإذا كان الاثنان يتفقان في بعض الأهداف مثل المشاركة وتجنب الاستبداد وتحقيق المصالح العامة، فإن المجتمع الغربي في غيبة الثوابت الأخلاقية الفطرية يضل الطريق ويقنن الانحراف والفساد والضلال في بعض المجالات الحياتية. *ملاحظات ختامية: وفي نهاية هذا العرض الاجتهادي أود أن أطرح بعض الملاحظات الختامية، وهي: أولاً: يجب التمييز بين معطيات المشروع الحضاري، وبين معطيات الواقع الممارس، فالمشروع الحضاري الإسلامي كما عرضت له يُستمد في جانب الثوابت من المصادر الشرعية، وفي جانب الاجتهاد من رؤية كل مجتهد، وهناك فرق بين هذا المشروع الذي طبق فعلاً في بعض العصور مثل العصر النبوي وعصر الخلافة الراشدة وبعض العصور الأخرى، وبين واقع المسلمين كما نراه اليوم، وبالمثل: فإن هناك فروقاً كبيرة بين القيم الإنسانية المهمة المعلنة للمشروع الغربي مثل تحرير الإنسان، وتحقيق المساواة بين البشر بغض النظر عن الاختلافات العرقية واللونية والطبقية والمجتمعية، والمناداة بحقوق الإنسان، وضرورة المشاركة في المسؤولية والقرار، وتداول السلطة ... إلخ، وبين واقع التطبيق سواء أكان ذلك داخل مجتمعات الغرب أو في علاقاتها مع مجتمعات العالم الثالث، أو حتى في علاقاتها مع بعضها البعض. ثانياً: أن كل جوانب التقدم العلمي والتقني، والتقدم في بعض مجالات التقنية الاجتماعية كالتخطيط والتنظيم والإدارة والتسويق ... في الحضارة الغربية، تنطلق من الأخذ ببعض القيم الإلهية الداعية إلى العلم والتعليم والعمل والإنتاج والاستثمار وتعمير الأرض ... إلخ، وهذه القيم سبق إليها الإسلام وطبقها المسلمون في بعض العصور، فسادوا العالم وفتحوا آفاقاً واسعة في كل مجالات الفكر والعلم، وهي ذاتها القيم التي عندما تركها المسلمون وقعوا في أسر التخلف والسيطرة الأجنبية والتبعية للغرب. ثالثاً: هناك أوجه إيجابية وأخرى سلبية في المشروع الغربي، وهناك أوجه التقاء وأوجه اختلاف مع المشروع الإسلامي؛ وعلى سبيل المثال: هناك بعض جوانب الاتفاق والاختلاف في الموقف من العلم والإنتاج والتقنية والمشاركة والوقت ... بين المشروعين الحضاريين المذكورين، وهناك أيضاً تفاعل إيجابي بين المشروعات الحضارية، وقد كانت الحضارة الإسلامية أكثر الحضارات انفتاحاً وتفاعلاً مع الحضارات الأخرى المختلفة، ابتداءً من قبول الرسول ﷺ لتقنية حفر الخندق، وقيام عمر بن الخطاب ﵁ بتدوين الدواوين، ومروراً بعصر النهضة العلمية في العصور الإسلامية المتعاقبة وحتى اليوم، فتقبل كل ما يتلاءم مع مقاصد الإسلام. رابعاً: كل الأفكار والنظريات والمداخل والمدارس المطروحة في مجال التنمية تنبثق بشكل أو بآخر من خلفيات معينة هي التي تشكل أساسيات مشروع حضاري معين أو آخر، ولهذا تتباين النظريات والمداخل والمدارس.

стр. 1926

مقال بين العصمة والوصمة سليمان بن عبد العزيز الربعي ينتابُ المرء في أحايين كثيرة قلق غريب إزاء مستقبليات الدعوة إلى الله (جل وعلا) ، مصحوباً بشعور متنامٍ بأنها لازالت بحاجة ماسة إلى ترشيد جانبها العميق الملاصق لحال العاملين في حقلها. وقد كان ثم جهود خيّرة أريد لها ملء هذا الفراغ والقيام بواجبه المهم، غير أن القوالب الرئيسة في العمل الآني استحوذت على الاهتمام نظراً لبعدها الخطابي من جهة، وروحها المتوثبة من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى سد المنافذ لتطويرها وصرف نظر الدعاة عنها في وقت دعت الحاجة فيه إلى تربية شمولية. وإن من جوانب التكامل في العمل الدعوي بخاصة إيضاح الرؤية وفق أطر من الموضوعية والتجرد وإخلاص النية والقصد فيه لله ، مما يساعد بإذن الله على تلافي الأخطاء وإيجاد البدائل المناسبة للوضع المراد إزالته، سواء أكان في جانبها النظري غير المرتبط بتشريع أو في جانبها التطبيقي الذي يمارس من خلال اجتهادات قابلة للصواب والخطأ، ولعل من قبيل تلك الأخطاء الملاصقة لحال العاملين في نظري ما يحيطه الظرف المكاني والزماني، إضافة إلى عامل المساندة الجماهيرية بتكويناتها المتعددة لأولئك الدعاة الأخيار من جوٍ مأهول بكل ذرة من ذراته بالإشعار المكرور بمنزلتهم ومكانتهم وفضلهم.. إلخ، مجاوزاً حدوده الشرعية إلى مرادات بعيدة عن هدي سلفنا الصالح، قريباً من نزغات الغالين المجاوزين.. وبمجموع ذلك كله يخشى السابر لمجريات الأمور وجود عينات ترفض محض النصح، وترد ملحوظات المعنيين، وصولاً إلى تأهيل رموزهم إلى درجة من العصمة! لا تنبغي إلا لرسل الله (صلوات الله وسلامه عليهم) قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، مبدين مفارقة عجيبة في واقعهم حين تبرز لديهم روح الرفض لمبدأ العصمة في أولئك الدعاة في الوقت الذي يرفضون فيه إبداء النقد المباين المتحرر! بل إنهم يتجاوزن ذلك بفرض تصنيف معين لذلك الناقد الملاحظ، من مثل: المثبط البعيد عن الساحة الراجم بالغيب المتصيد للأخطاء الناقد بلا عمل الشانئ الحاسد وما شئت من هذه المنظومة، ويقيننا جميعاً: أن الدعاة إلى الله (سبحانه) يرفضون هذا التوجه المؤسف، لكن بعضهم مقصر في البيان، والبعض الآخر مقتصرعلى جانب واحد فقط في تربية الجمهور، على أن إبداء الخطأ للعالم أو للداعية ومواجهته به بنية طيبة صافية ينال نصيباً من فرض العين! إنّ الداعية المخلص يجب أن يكون ذا روح كريمة تعمل على تطبيق قناعتها الراسخة: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا، ووجود مثل تلك العينات حول الداعية ونحوها المطرد في الحقل بعموم: كفيل بإيجاد فجوة كبيرة تفصل الجمهور عن الدعاة، بل إنه شعور موجود يبثه كثيرون عند الحديث عن مشكلات التواصل الدعوي، وإذا كنا نسمع عن حرية التعبير التي يرددها خلق كبير من الدعاة ويدعون إلى لون منها، فإنهم مطالبون أولاً بحمل القريبين منهم على هذا المفهوم، من أجل تعامل أحسن في قابل الأيام والأعمال، وحتى يتيحوا الفرصة لكل حادب ناصح مشفق ليقول ما تبرأ به الذمة. اليوم يغيب هذا الوعي عن الكثيرين بدرجة متنامية، فلكل داعية جمهور من المريدين يقابلون الملاحظ بعاصفة من السخريات الشامتة على موقعه الذي لا يحسد عليه بين يدي ذلك العالم الداعية لمجرد تفوهه بملحوظة سيقت بقالب مهذب مؤدب، بل يُلاحَق في حله وترحاله بوصمة المباينة عن المسار الرشيد الذي يتزكى به الواصمون، وحين لا يكون النقد موجهاً لعَلَمهم تنثال عبارات المديح لقوة الملاحظة وجودتها عند هذا الأخ الكريم والشيخ المبجل الحكيم! ! وبقدرة عزيز حكيم تندرس تلك الوصمات، وتغيب هاتيك المعايب، بل وينسون ابن عساكر برمته وماذا قال!. إن بين الموقف الأول والآخر المباين لحمة قوية من الجهل وضيق الأفق تكاد تنسحب إلى توصيف عمومي. وبين هذا وذاك ينشغل الحقل الدعوي كله إلا من رحم ربك منهم عن إيجاد حل لهذا المزلق المتعاظم بحجة الرد على ملاحظ لبق، هم في نقاشهم المحتدم معه ينفون عن ذاك الداعية قداسة العصمة، غير أنهم لا ينسون أبداً رد كيد هذا الشانئ في نحره وإلغاء باطله بالوصمة! !

стр. 1927

نص شعري قبيل الفجر محمد بن ظافر الشهري إيه.. يا أنجماً.. لم تزل تتفيأ جنحَ الظلامْ يا زينةً.. ومصابيحَ أطفأها الغيمُ.. أو كادَ.. بُعداً لهذا القتامْ! آه.. لو تسمقين على الطقسِ .. لو ترجمين هواكْ! ! إذن.. لتألقتِ في عين سّيارة الفجرِ.. لن يجد الركبُ بُداً من الاهتداء إذا ما رآكْ فغايتهُ.. جسدٌ كاملٌ في ترابٍ حرامْ وولوجٌ إلى السّلمِ.. لا في السلامْ ... حاول البومُ أن يمتطيكَ بنصف جناحْ! أي شيء عراه؟ ! حين عاد يسبّ الصباحْ! ! شاهداً أن مكثَ السديمْ قد يطول.. ولكنه لا يدومْ حَدّثينا.. فلسنا نملّ حديثَ النجومْ حدثينا.. فإن علينا السماعْ وعليكِ الكلامْ!

стр. 1928

من قضايا المنهج لمحات في فن الحوار.. الحلقة الأولى.. [ضوابط الحوار] محمد محمد بدري قد نرى بعض الفرقاء كلما أرادوا ائتلافاً تفرقوا.. وحيثما جلسوا لتسوية خلاف تشتتوا وتنازعوا! ! ولا يرجع ذلك إلى نوعية الأخلاق المتردية لهذا الفريق أو ذاك فقط.. وإنما يرجع قبل ذلك وبعده إلى الجهل بعلم الحوار وفن المحاورة الذي يجعل المتقاربين في الأهداف والأفكار في خلافٍ دائم، ونزاع مستمر، وفُرقة مقيتة! ! ولكي لا نسقط في فتنة الفُرقة لابد أن نرتفع بحواراتنا إلى مستوى أن تصبح علماً نتلقاه، وفناً نتدرب على أساليبه ونمارسه للوصول إلى أهدافنا النافعة، بعيداً عن الارتجال وتغييب الخيال! وهذه المقالة، دعوة لتعلم ضوابط الحوار التي تحكمه، والتدرب على أساليبه التي تخدمه، والتعرف على عوائقه التي توقفه.. حتى يكون كلامنا باعتدال، وجدالنا بمنطق، وحوارنا باتزان، سائلاً الله التوفيق والسداد. لكل حوار ضوابط تحكم مساراته، وتوجه تلاقح الأفكار خلاله.. وضوابط الحوار فضلاً عن كونها آداباً وأخلاقاً هي جزء رئيس ومؤثر في فعالية أي عمل يُبْنى على الحوار.. ذلك: أن أي عمل في بدايته هو مشروع في محتوى بعض الكلمات والأفكار التي ينميها الحوار ويخصبها، ويبعث فيها روح العمل. ولا شك أن ضوابط الحوار إنما تقوم على أصول سلفنا الصالح أهل السنة والجماعة في تمحيص الآراء المتباينة، وتجلية الإشكالات المتوقعة، دون تَحَول الحوار إلى مهاترات يضيع معها الود لتحل محله الجفوة والقطيعة. ومن هذه الضوابط: ١- السماع الكامل: الحوار هو: فن السماع للآخر، وعدم الطمع في الكلام بدلاً منه، لأن هذا الطمع يزهدنا فيما يقوله مَن نتحاور معه، ويحرمنا من تَدبّر قوله الذي لا يتحقق إلا بالسماع الكامل لهذا القول حتى دُبرَه أي: آخره. كما أن السماع الكامل للآخر يُشْعره باهتمامنا بما يقول، وجديتنا في التحاور معه، وثقتنا في الوقت ذاته فيما عندنا. وتأمل معي هذا الحوار بين عتبة بن ربيعة والنبي ﷺ ، لقد أتى عتبة إلى النبي ﷺ حتى جلس إليه، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم، وسفّهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها، قال رسول الله ص: قل يا أبا الوليد، أسمَع. قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.. أو كما قال، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : فاستمع مني. قال: أفعل. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بسم الله الرحمن الرحيم [حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ... ] (فصلت: ١٢) [١] . فانظر رحمك الله إلى النبي ﷺ كيف يستمع إلى عتبة وهو يعرض عليه هذه الخواطر التي تثير الاشمئزاز مقارنة بما يشغل النبي من عظائم الأمور، ومع ذلك يتلقاها النبي حليماً، ويستمع إليه دون مقاطعة عتبة ويردد في نهايتها: أفرغت يا أبا الوليد؟ . فيقول: نعم، فيقول الرسول الكريم: فاستمع مني، بل لا يبدأ النبي ﷺ كلامه حتى يقول له عتبة: افعل.. فيبدأ النبي ﷺ في تلاوة قول ربه في ثقة وطمأنينة! ! إن السماع الكامل للآخر، وإعطاءه الفرصة حتى يُتم كلامه، مع استوضاح أي غموض فيما يعرضه من أفكار.. إن كل ذلك لا بد أن يكون هو السمة المميزة لكل حواراتنا، فإذا تبين لنا خطأ الآخر، فإن السماع الكامل له وعدم مقاطعته هو المقدمة الصحيحة لرجوعه عن الخطأ مهما كان عناده وغلظته؛ فإن أشد الناس جفافاً في الطبع وغلظة في القول لا يملك إلا أن يلين وأن يتأثر إزاء مستمع صبور عطوف يلوذ بالصمت إذا أخذ محدثه الغضب [٢] . ٢- تجريد الأفكار: هدف الحوار هو الاستفادة من الأفكار وليس تدمير الأشخاص، ولذلك؛ فإن من أهم ضوابط الحوار: التركيز على فض الاشتباكات الفكرية دون التعرض السلبي للأشخاص بتشويه أو تجهيل، فلا خلاف مطلقاً بين أشخاص المتحاورين، وإنما بين أفكارهم، والفكرة الحسنة تُمْتدح بغض النظر عن قائلها، والفكرة الخطأ تُرَاجع دون تسفيه قائلها أو التهكم منه، فالنظر دائماً إلى الآخر من خلال ما قيل، لا من قال [٣] ، مع احترام أهل العلم، وحفظ مكانتهم ومراتبهم، فلا نؤثمهم مطلقاً ولا نعصمهم مطلقاً، ولا نقبل كل أقوالهم ولا نُهْدرها كلها، وإنما ننتفع بأفكارهم ما دامت حقاً، ولا نعتقد فيهم العصمة من الخطأ، ونرى أن الآخر قد يمتلك الحق أو أنه يكون هو الراجح عنده، وأن ما عندنا يحتمل الخطأ أو أن يكون هو المرجوح. ولا شك أن التحاور ضمن هذا المبدأ مبدأ افتراض المخالفة هو المدخل الذي يضع الآخر في أول الطريق الصحيح للتفكير، لأنه يرى أن من يحاوره يضع نفسه معه في موضع المجادلة المشتركة لمعرفة الحق؛ [وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين] [سبأ: ٢٤] .. هكذا في هدوء من يبتغي للآخر الإرشاد وليس الإفحام والإذلال، وفي ثقة من أخلص للحق المجرد فصح انقياده له، ولم يهتم بمن قاله من البشر، وإنما كان جُل اهتمامه بالقول في ذاته وتمييز الحسن منه والأحسن، ثم اتباع الأحسن، فكان من أصحاب البشرى بالنجاح وتحقيق الأهداف في الدنيا، والنعيم في الآخرة؛ [فبشر عبادٌ * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب] [الزمر: ١٧، ١٨] . ٣- ترك المراء: قد يُخْفِي الحوار في نفس من يمارسه حباً خفياً للتميز على الآخر، ولا يمكن اكتشاف هذه العورة النفسية إلا بأن يترك المحاور المراء والجدل، ويلتزم بيان الحق بالحجج والبراهين. ومن هنا: فقد وعد النبي ﷺ تارك المراء ببيت في الجنة.. قال ﷺ : أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً [٤] .. فرغم الاعتقاد بملكية الحق لا يكون إثباته عن طريق المراء والجدل، وإنما عبر الطرق والمسارات الشرعية التي تصل بسالكها إلى بيان الحق، وعدم الانتقال بأي حال من الأحوال من شواهد الأدلة إلى دوافع الآخر، أو من إقامة الحجج للتدليل على صحة ما نراه ونعتقده إلى إثارة الجدل للتدليل على خطأ الآخر وخبث بواعثه.. فيدور حوارنا في حلقة مفرغة، ويتفرع إلى ... مضايق ومتاهات تتمزق فيها الأفكار ويُقْتل التفكر والتدبر على مذابح المراء والجدل العقيم! ! إن المراء يغلق باب الحوار ويلغيه، لأنه يدفع طرفي الحوار إلى التصور الخاطئ: بأن حوارهما هو مباراة لا تكون نتيجتها إلا قاتل أو مقتول، فلا يبحث كل منهما عن حقائق أو أدلة، وإنما يكون بحثه وجهده في محاولة إغراق الآخر في طوفان من الكلام الذي يُضيع الوقت والجهد في غير فائدة، ويوغر الصدور، ويكرس الفرقة. ٤- تغافر لا تنافر: الحوار هو لون من ألوان التشاور حول بعض الموضوعات والأفكار، ومن ثم: فهو جلسة تناصح وتغافر وليس جلسة تصارع وتنافر، فمع قبول رأي الآخر أو رفضه تبقى طهارة القلب وصفاء السريرة نحوه، مع قبول معذرته والتغافر عن خطئه إن وقع، بل والحرص على أن يخرج الحق على لسانه، فقد رُوي أن الإمام أبا حنيفة ﵁ رأى ولده حماداً يناظر في المسجد فنهاه، فقال له ولده: أما كنت تناظر؟ قال: بلى، ولكن كنا كأن على رؤوسنا الطير من أن يخرج الباطل على لسان الخصم، بل كنا نود أن يخرج الحق على لسانه فنتبعه، فإذا كنتم كذلك فافعلوا! ! [٥] . وهذه هي سيماء سلفنا الصالح في حواراتهم، فقد ذُكِر عن حاتم الأصم أنه قال: معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه، فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل ﵀ فقال: سبحان الله! ما كان أعقله من رجل [٦] . .. نعم، ما أعقله من رجل يحب أن يُظْهر الله الحق على لسان أخيه، ويحاول رؤية الحق من أي وعاء خرج، ومن أي جهة سطع. إن من طلب الحق فأخطأه لا يمكن تسويته بمن طلب الباطل فأدركه، فطالب الحق وإن أخطأ نتجاوز عن خطئه، ونغفر له تجاوزه، وإن كان ثمة عتاب فبالمودة والإخاء والقول الحسن. وتأمل معي ما جاء في سيرة علي بن الحسين ﵁ : لقد كان بينه وبين ابن عمه حسن شيء، فما ترك حسن شيئاً إلا قاله، وعلي ساكت، فذهب حسن، فلما كان الليل، أتاه علي فقال: يا ابن عمي إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، والسلام عليكم. فالتزمه حسن، وبكى حتى رثي له [٧] . إن الحوار جلسة بدء علاقة يظللها الحب والتغافر، ولسان حال المتحاورين: من اليوم تعارفنا ونطوي ما جرى منا فلا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا ٥- الصدق والوضوح: الصدق مع كونه ضابطاً من ضوابط الحوار هو خلق نبيل لا خيار للمسلم في التحلي به،.. والوضوح في الفكرة هو وسيلة قبولها من الطرف الآخر.. والوضوح في المواقف له أكبر الأثر في تصفية القلوب وإعادة الود. ومن هنا كان الصدق والوضوح هما طريق التآلف وحصول البركة، قال رسول الله ص: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما [٨] . وكما أن البيع المبني على الصدق والوضوح هو بيع مليء بالبركة، كذلك الحوار القائم على الصدق والوضوح هو حوار مبارك ييسر الله تعاون أطرافه على البر والتقوى، ويبارك جهودهم المتعاونة على نصرة الحق. ومن هنا وجب علينا في كل حواراتنا أن نتجنب الكلمات الغامضة التي تؤدي إلى سوء الفهم، ونتجنب أساليب المغالطات والدفاع عن الأوضاع الخاطئة التي تؤدي إلى إثارة الحقد، وإيغار الصدور والقلوب، وذهاب الود بين طرفي الحوار، ومن ثم تكون النتيجة هي فشل الحوار في تحقيق أهدافه. ٦- العلم والعدل: الحوار الناجح هو حوار يضبط العلم مساره، ويوجه العدل موقف كل طرف فيه تجاه الآخر. فأما العلم، فإنه لا يستقيم حوار بدونه، بل في غيابه يصبح ضرر الحوار أكثر من نفعه، لأن جهود المتحاورين في هذه الحال تذهب سدى وتضيع بلا ثمرة تذكر.. روى الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن نفراً كانوا جلوساً بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ قال: فسمعهم رسول الله ﷺ فخرج، فكأنما فُقئ في وجهه حب الرمان، فقال: بهذا أمرتم؟ ! ، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا القرآن بعضه ببعض؟ ! إنما هلكت الأمم قبلكم في مثل هذا، فانظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه [٩] ، يقول ابن تيمية ﵀ في التعليق على هذا الحديث: وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه [١٠] . وأما العدل فهو الطريق إلى اعتدال أخلاق المتحاورين بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو الحامل لهم على قبول الحق من الخصم، بل من العدو المبين! ! لقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ وكله بحفظ زكاة رمضان، فأتاه آت فجعل يحثو من الطعام، فأمسك به ثم خلى سبيله، ثم عاد الثانية والثالثة، إلى أن قال في الثالثة: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قال: قلت: ما هن؟ ، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية [الله لا إله إلا هو الحي القيوم] [البقرة: ٢٥٥] حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح. فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال له: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟، قال: لا، قال: ذاك شيطان [١١] . فهذا رسول الله ﷺ لا يمتنع من قبول الحق من أعدى أعدائه، بل ممن يعلم أنه كثير الكذب.. وذاك غاية العدل. إن طريق الوصول إلى الحق عبر الحوار هو الاتصاف بالعدل والعلم وحسن القصد، وأما الجهل والظلم وسوء القصد فهو الطريق إلى التنازع والفرقة والقطيعة بين أهل المنهج الواحد، بل بين ذوي الرحم. ولا تزال قلة الإنصاف قاطعةً بين الأنام وإن كانوا ذوي رحم ٧- التحاور العملي: المتأمل في حواراتنا يجد أنها تحوي في أكثرها هوة كبيرة بين ما نتحاور له وما يترتب عليه من أعمال في الواقع.. وهذه كارثة.. لأن الحوار يجب أن يكون حول ما ينبني عليه عمل وفيما ترجى من ورائه مصلحة أو منفعة، أما عدا ذلك: فالخوض فيه: خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي في الكتاب أوالسنة أو عمل سلف الأمة. فأما الكتاب فآيات كثيرة؛ منها: قوله (تعالى) : [يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] [البقرة: ١٨٩] حيث جاء الجواب بما تعلق به العمل، مع الإعراض التام عما قصده السائل من السؤال عن الهلال من كونه يبدو في أول الشهر دقيقاً كالخيط، ثم يمتلئ حتى يصير بدراً، ثم يعود إلى حالته الأولى. وأما السنة فأحاديث كثيرة؛ منها: (أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: متى الساعة؟ فقال النبي ﷺ : وما أعددت لها؟ فكأن الرجل استكان ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال ﷺ : أنت مع من أحببت [١٢] ) [١٣] . وأما عمل السلف الصالح فكثير أيضاً، نذكر منه: خبر عمر بن الخطاب مع صبيغ بن عسل الذي كان يسأل عن متشابه القرآن، فقال عمر: سبيل محدثة أي: بدعة جديدة ثم أرسل إلى رطائب من جريدة نخل فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة أي: قرحة ثم تركه حتى برئ ثم عاد له، ثم تركه حتى برئ فدعا به ليعود، فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني، فقد والله برئت، فأذن له عمر أن يذهب إلى أرضه. إن تحاورنا يجب أن يكون هو الخطوة التمهيدية الأولى في طريق أعمالنا المشتركة التي نتعاون على إتمامها.. ولذلك: فإنه من الضروري أن نتعرف قبل التحاور على الأهداف العملية للحوار، ونتبين ما هي الدوّامات الفكرية الطارئة والمنعطفات النظرية العارضة التي قد تلفتنا عن أهدافنا العملية لتنحرف بحواراتنا إلى أمور نظرية شكلية ليس لها أدنى تأثير في مسيرة العمل، ولا يترتب عليها إلا استنفاذ طاقاتنا في غير طائل وبغير ثمرة. وثمة ضوابط أخرى للحوار لا يسعنا الوقوف عندها تفصيلاً حتى لا نخل بأحد ضوابط الحوار وقواعده الضرورية، وهي: ٨- الحجة الرأسية: الحوار الناجح هو حوار يخلو من الإطالة الزائدة عن الحد، التي تُحَوّل الحوار إلى خطبة يتشدق فيها كل طرف من أطراف الحوار ويتفاصح بكثرة الكلام، بل وغرابته أحياناً! ! ، وهو ما كرهه رسول الله ﷺ بقوله:.. إن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ ، قال: المتكبرون، والثرثار: كثير الكلام تكلفاً، والمتشدق: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه، والمتفيهق: أصله من الفهق، وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فيه بالكلام، ويتوسع فيه، ويغرب به تكبراً وارتفاعاً، وإظهاراً للفضيلة على غيره [١٤] . إن الإطالة والتكرار والإسهاب وهو ما نطلق عليه الحجة الأفقية لا ينتج عنه إلا دفن الفكرة الرئيسة للحوار وسط هذا الكم الكبير من الكلام، ومن ثم: عدم قدرة الآخر على اكتشاف ما نقصد فضلاً عن فهمه وتدبره؟ ! وإذن: فالمحاور العاقل هو من يحاول الوصول إلى هدف الحوار من أقرب طريق، ولا يضيع وقته ووقت الآخر في تكرار الكلام والإسهاب في المقدمات التي لا فائدة فيها، بل يقتصر في الألفاظ والكلمات على قدر الحاجة ويوضح فكرته بأقرب عبارة وأوجز لفظ، وهو ما نطلق عليه الحجة الرأسية حيث يذكر المحاور فكرته الرئيسة، ثم ينتقل بعد ذلك لتدعيمها بالأدلة، في إجمال غير مخل، وتفصيل غير ممل. إن من فقه الحوار وذكاء المتحاورين: أن يتحرزا عن إطالة الكلام في غير فائدة، وعن اختصاره اختصاراً يخل بفهم المقصود منه [١٥] ، وأن يحققا التوازن الدقيق بين جفاف الحوار بسبب قلة الأدلة أو غموضها، وبين غرق الحوار بسبب الإسهاب والتكرار غير المفيد.. وللحديث بقية، والله من وراء القصد.

стр. 1929

من حصاد التجربة من تجربتي مع النصرانية اكتشفت تناقضاتها وزيفها مسعود النرواجو أديوجو الكاتب كان قسيساً نصرانياً في نيجيريا، ولما أراد الله له الهداية اطلع على بعض الكتب الإسلامية التي رأى فيها معالم دين الإسلام الحق فعاد إلى دينه الأساس، وها هو ذا يوضح تجربته مع النصرانية وكيف اكتشف تناقضاتها وزيفها فأعلن إسلامه بكل جرأة متحدياً النصارى كلهم لو أرادوا مناقشته. - البيان - أرى من الحق عليّ في البداية أن أقرر حقيقة مهمة؛ هي أنني وُلدت مسلماً، ولكني تنصرت فيما بعد معتقداً أن النصرانية هي الدين الحق كما يزعم المروجون الغربيون من أصحاب الدعاية التنصيرية، ولكني بعد اعتناقي لذلك الدين اكتشفت بعد مضي اثني عشر عاماً أنني قد انضممت إلى مجموعة من المزيفين والمشوشين، والعابدين للأصنام من الدرجة الأولى. وبعد التعثر في الظلام لسنوات عديدة للبحث عن الحقيقة هنا وهناك عبر الاطلاع على كل العلوم السرية، علوم السحر والتنجيم، التصوف، علوم الأسرار وما يسمى بالـ كابالا، بعد هذا كله قد قررت أن أقوم ببحث مستقل عن الإسلام والمسيحية، ولقد قررت بتصميم عميق أن أتحرى الصدق، وأن يكون رائدي هو الحق والحق فقط. ولقد تجشمت الصعاب في دراسة ما يسمونه (الكتاب المقدس) ! صفحة صفحة، ولقد كانت دهشتي عظيمة عندما اكتشفت وعرفت أن فيه آثاراً من الإسلام أكثر مما فيه من النصرانية، ولقد اكتشفت أيضاً مما زاد حنقي وغضبي أن ما يُدعى بالكتاب المقدس من سفر التكوين إلى آخر سفر يحوي عدداً من التناقضات الفاضحة وأسساً تحمل على اقتراف كثير من أنواع الجرائم، ولذلك أرى أنه من السخف تسميته كتاباً مقدساً في شكله الحالي. أطفئ مصباح عقلك واعتقد: هذا هو حال النصارى، فالمعضلة والمشكلة الأساسية مع النصراني المعاصر أنه لا يكترث بالاطلاع على كتابه المقدس! وأنه لا يدرسه كما فعلتُ لكي يصل إلى الحقيقة، ولو أنه قد فعل ذلك أعني لو قام أي نصراني ممن ولد وعاش في هذا الدين بقراءة كتابه المقدس قراءة خالصة لمعرفة الحق، قراءة ناقدة ببصيرة فسوف يكتشف ويا لحزنه وشجنه أن دينه بحاجة إلى أن يعيد التفكير فيه كثيراً؛ فالمسيح ﵇ لا علاقة له بما آلت إليه النصرانية، وسيكتشف أنه حتى اسم الكتاب المقدس نفسه (Bible) لا ذكر له في الكتاب المقدس، فهي كلمة مخترعة.. كما أن أساس الاحتفال بميلاد المسيح المسمى بـ (عيد الكرسماس) وعيد الفصح والتثليث (Trinity) لا وجود لكل ذلك في كتابهم المقدس. موقف لا ينسى: وعندما كنت أقوم بالبحث طلباً للحقيقة قمت ذات مرة بزيارة إحدى المكتبات الإسلامية في فينسبري بارك في لندن وكان ذلك في عام ١٩٨٥م حيث اشتريت كتاباً يسمى حياة محمد [*] لمؤلفه د. محمد حسين هيكل، وعند قراءتي للكتاب واستيعابه وتفهم معانيه برز توجهي نحو الإسلام، وأصبحت أقرأ الكتب الإسلامية الأخرى لعلماء المسلمين من أمثال: سيد قطب، وأبي الأعلى المودودي، وأحمد ديدات. ولقد وجدتني والحمد لله مؤمناً برسالة محمد ﷺ عندما قرأت نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم بالإنجليزية لعبد الله يوسف علي، وعند قراءتي للقرآن وجدت نفسي مغموراً بالنور التام نور الإسلام، ولم أضِع وقتاً في حث الخطى نحو الرجوع إلى الإسلام، لأبدأ حياتي الإسلامية بنظافة روحية، أنا وكل أفراد أسرتي، ومنذ ذلك الوقت كنت أقول وبصوت جهوري وعلى رؤوس الأشهاد علناً: إن القرآن هو الوثيقة الوحيدة التي تشتمل على الحق المنزل من عند الله التي مازالت صافية طاهرة باقية على أصلها وصفائها منذ أن أوحى الله (تعالى) إلى الرسول ﷺ حتى يومنا هذا، وسيظل كذلك إلى يوم الدين. والقرآن في ذلك لا يشبه الكتاب المقدس عند النصارى الذي كان عرضة لتباين وجهات النظر والتنقيح الدوري وتلاعب رجال الكنيسة به. آلاف الأخطاء في كتابهم المقدس: وكما أشرت سابقاً فإن في الكتاب المقدس آلاف الأخطاء التي تشوش على النصارى واليهود على السواء عقيدتهم، ومع ذلك فهم أي: النصارى يروجون وينشرون الأكاذيب ويشيعون المتناقضات الفاسدة ليضللوا البسطاء ويبعدوهم عن الرسالة الحقة رسالة الله القرآن العظيم؛ فلا عجب أن يقول الله ﵎ : [وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون] [البقرة: ١١٣] . أريد أن أذكر هنا دون أدنى تناقض: أن الإسلام دين العدل والسلام والحق، هذا هو ما جاء به هذا الدين، فالإسلام لا يوازيه ولا يساويه أي دين آخر. تسبيح الله بين النصرانية والإسلام: ويمكن أن يظهر الانتظام والاتساق في الإسلام في مثال واحد: في كلمة الله أكبر، ليست هذه عبارة تقال في أثناء العبادة في الصلاة، وإنما لكل نعمة من النعم، وفي كل حادثة أو أمر سواءً أكان ذلك الأمر خيراً أم شراً توجد له آثار مروية يستطيع المسلم أن يثني بها على عظمة الله (تعالى) ويذكر قدرته ورحمته في عبارات مثل: لا إله إلا الله، الله أكبر، سبحان الله، وفي كل موقف يجد المسلم أمامه من الأذكار ما يرجع إليه يعظم الله بها ويسبحه، وهناك أذكار كثيرة منها: الحمد لله، ما شاء الله، أستغفر الله وكل هذا من العبارات الجميلة المشتركة بين جميع المسلمين لتمجيد الله وتسبيحه وتحميده في جميع الظروف والأحوال. أما في النصرانية، فإنني يمكنني القول بكل وضوح على ضوء الأدلة الواضحة، على الرغم من أنهم جميعاً يدّعون تسبيح الله وتحميده بطريقة أو بأخرى: إنه لا توجد طريقة واحدة مشتركة منظمة أو أنموذج يحتذى كما هو الحال في الإسلام سواءً أكان ذلك من حيث العبارات التي تقال لكل ظرف وحالة، أو من حيث المناسبات نفسها، إلا عبارة واحدة هي: هلولويا أو عبارة آمين، ولذلك فإن ممارستهم للشعائر تختلف وتأخذ مناحي مختلفة، فمن التصفيق إلى ذرف الدموع إلى الضرب على الطبول والرقص..! ! ومن المهم أن نذكر هنا أن أغلبية النصارى يفضلون أن يحمدوا المسيح! بدلاً من أن يحمدوا الله بالإضافة إلى الإكثار من حمد الثالوث المتوهم؛ أي: ادعاء أن الثلاثة في واحد تساوي إلهاً واحداً؛ حيث يقولون: المجد للآب والابن وروح القدس! ولا شك فإن مبدأ التثليث يمثل قمة الغباء والتشويش الروحي والاضطراب في المسيحية. أما بالنسبة لأسلوب العبادة: فإني أقول بكل وضوح وعلناً: إن الإسلام فقط هو الدين الذي يعترف بأن العبادة هي المظهر الأساس للدين؛ لذا: فإن هناك أركاناً خمسة للإسلام، فالصلاة مثلاً قد ذكرت بكل تفصيل؛ متى تقام في أوقاتها يومياً، حيث يقف المسلمون بكل تواضع وانكسار لله، وكيف يؤدونها على هيئة يلزم منها الاستسلام لله (تعالى) . وقد ذكر القرآن الوضوء شرطاً للصلاة حيث جعل الصلاة نفسها فرضاً على جميع المسلمين، بالإضافة إلى ذلك: فإن صلاة الجماعة ميزة أخرى إضافة على العبادة الفردية. فلا يوجد في جميع أنحاء العالم أي صوت يخرج على إجماع المسلمين على العبادة بالشكل المذكور. وهذا عكس النصرانية تماماً، إذ إنه لا دليل في كتابهم المقدس يصف شكلاً معيناً من العبادات يكون نموذجاً يتبعه جميع النصارى، ولا ينبغي أن يدهش القارئ هذا الأمر إذ إن المسيح ﵇ نفسه لم يدع إلى هذه النصرانية المحرفة (في كل سني دعوته) . بل ومن السهل أن نثبت أن رسل الله جميعاً الذين أرسلوا قبل الرسول محمد ﷺ بما فيهم المسيح ﵇ كانوا مسلمين كما وصفهم القرآن الكريم [البقرة: ١٣٢، ١٣٣ آل عمران: ١٩، ٨٥ المائدة: ١١١، ... ] ، بل إن هناك حالات ذكر فيها القرآن أن هؤلاء الرسل قد سجدوا لله في ذل وخضوع. وما أريد ذكره هو أن الإسلام يلزم معتنقيه بالإيمان بكلمة التوحيد لا إله إلا الله، وبالإحساس بالمسؤولية والقيام بالواجبات مثل: الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، والصوم في شهر رمضان، وإعطاء الزكاة عندما يحين وقتها في كل عام، والحج إلى بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا. أما النصرانية فهي اعتناق هش، فلما كان اتصالها بالله (تعالى) فضفاضاً فقد أصبحت ممارسة لبعض من يمكن أن نصفهم بأنهم إما كسالى جداً فلا يقومون بالعبادة الجادة والصلاة الجادة في أمورالدين، أو أن يكونوا من أولئك المتكبرين الذين يعتقدون أنهم أكبر من أن يعبدوا الله ولكنهم في نفس الوقت يخجلون أن ينسبوا إلى الإلحاد، ولذلك فإن أسهل الأمور أن ينتسبوا إلى النصرانية، لأننا نرى أن مثل هذا الانتساب لا يكلفهم أي مسؤولية، وحتى الذهاب إلى الكنيسة ليس عملاً إلزامياً للمسيحيين. من واقع تجربتي استطيع أن أدعي أن ٩٠% من المسلمين الذين يتحولون إلى المسيحية هم من أولئك المشوشين الذين يرون في الانضباط بالشعائر التعبدية والنظام الإسلامي عبئاً عليهم ولذلك فهم يتخفون تحت ظل النصرانية التي لا تطلب منهم أي شيء بالمقابل. وعلى الرغم من تعاليم الكتاب المقدس فإن النصارى في جميع أنحاء العالم غير مجمعين على موقف موحد تجاه الخمر شرب المسكرات، وكذلك القمار لعب الميسر، والفوضى الجنسية، والربا.. الخ. وأستطيع أن أقول دون تردد إن ما يعانيه هؤلاء القوم هو نقص الإيمان بالله، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقاً لعلموا أنه ما من تضحية تعظم في عين المؤمن إزاء رضوان الله. أستطيع أن أقول بثقة: إن النصرانية دين تشويش وإرباك عقدي، فيمكن أن نقول: إن موقف النصارى من المسلمين يتلخص في أنه: إذا لم تستطع أن تقنع المسلم بالردة عن الإسلام فشوش عليه عقيدته، ولذلك: فهم ينشرون الأضاليل والأكاذيب، وذلك إصراراً منهم في التمرد على الحق المطلق الخالد في رسالة الله، فلا عجب أن يقول الله (تعالى) بشأنهم: [ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون] [المؤمنون: ٧١] .

стр. 1930

نص شعري صرخة جروزني د. عدنان علي رضا النحوي شِيشَانُ! صُبّي دَماً فِي الأضِ واغْتَسِلي ... النُّورِ مِنْه، وضمّي زَهْوةَ الأمَلِ ورجّعي مِنً رُبَى جروزني مَلاحِمَها ... فوّارةً بِدَمٍ لِله مُشْتَعِلِ مِنً كُلّ أرْوعَ سَبّاق بوثبتهِ ... إلى الشهادة خَطّافٍ على عَجَلِ تطلّعتً كُلّ دَارٍ مِنً مَشَارقِها ... إِليْكِ بيْنَ دَواعِي الشّوْقِ والوَجَلِ مَاذا رَأوا؟ ! عَجَباً! هوْلاً تُفَجّرُهُ ... عِصَابةٌ مِنً وُحُوشِ الأرْضِ الهَمَلِ هَبّوا إليْكِ بأرتالٍ مُدَعّمَةٍ ... مِثْلِ الجراد إذا أَوْفَى على أسَلِ [١] جُنّوا فَهَبّوا بأحْقَادٍ مُرَوّعةٍ، ... بالمكرِ بالكيدِ مِنً غَدْرٍ ومِنً خَتلِ وأطْبَقُوا وَليَالي الموْتِ فاغِرةٌ ... فَاها على ومضاتِ البرْقِ والشّعَل وأقبلوا وجُيُوشٌ مِنْهُمُ فَزِعتْ ... لمّا رأوا عَزْمَة الإيمَانِ لم تَزُلِ رَامُوا الفِرَارَ فما أنْجاهُمُ أملٌ ... وخَلْفَهُمً صَرَخَاتُ القَهْر والعَذَل مِنً مُجْرِمٍ ظالمٍ عَاتٍ تَمُدّ لهُ ... أهواؤه ظُلُماتِ الشّرّ والزّللِ يُمدّهم كلما ارتَدّوا على جَزَعٍ ... بِعُصْبَةٍ مِنً قَطِيعِ الأعْبُدِ الذّللِ ظَنّوا القِتالَ سُوَيْعَاتٍ فَهالَهُمُ ... أن القِتالَ طويلُ العَهْدِ والأمَلِ طَارَتً مِنَ الهَلَعِ القتّال أفْئدَةٌ ... وفُزّعَتً مِنً دنوّ الموتِ والأجلِ فَلمً تَعُدً غيرَ آلاتٍ تُحَرّكُها ... هُوجُ العَواصِف مِنً مَكْرٍ ومِنً دَغَلِ مِنً كُلّ دَبّابَة تَرْمي بَوارِجُها ... نَاراً تأجّجُ في قَصْرٍ وفي نُزُلِ تَظَلّ تَزْحَفُ لا تَلْقَى سِوَى جُدُرٍ أو مَسْكَنٍ فَرَمَتً بالوابِل الهَطِل حَتّى إذا انْطَلَقَتً في زَهْوِها انْفَجَرتْ ... بِرَمْيةٍ مِنً شَدِيد البَأس مُشْتَمِل كَأنّما الأرْضُ شُقّتً عَنً فَوارِسها فَغَيّبُوها بِلَفْحِ النّارِ والظُلَلِ يَهْوِي الجِدَارُ وأبْطالُ الحِمَى صَعدُوا ... نُوراً تَلألأ في أفْقٍ وفي سُبُل يا للنداء عَلا! دوّى بِسَاحَتِهِمْ ... الله أكْبَرُ، مِنً سَهْلٍ ومن قُلَلِ لِله دَرّ رِجَالٍ يَنْسُجُونَ دَماً ... أكْفانَهُمً بِحَنِينِ البِشْرِ والجذَلِ يَسْتَقْبِلُونَ جِنَانَ الخُلْدِ فَانْفَرَجَتْ ... أبوابُها فَرَحاً بالمؤمِن البَطَلِ أوً كُلّ حَوّامةٍ في الجوّ قَاصِفَةٍ ... تَنْقَضّ بِالموْتِ أو بالحادِثِ الجَللِ جُنّتً قَذائِفها أو جُنّ قاذِفُها ... مَوّارةً بيْنَ وَادٍ أو على جَبَل تُلقِي اللهيبَ جَحِيماً أو تَدُكّ بِهِ ... عَمائِراً أو تُسوّي شَاهِقَ القُلَلِ وتَتْرُك المؤمنين الصّابرين على ... دَمٍ تَوهّج فِي السّاحَاتِ مُنْهمِلِ كَأنّما الأرْضُ كَانَتً قَبْلُ عَاطِلةً ... فوُشّيَت بِدِمَاء الفَارِسِ البَطَلِ كأنّهمً وبِسَاطُ الأرْضِ مُنْتَشِرٌ ... لآلِئ زَيّنَتً مَوْشِيّةَ الحُلَلِ قَصْرَ الرئاسَةِ! فاهْزأ من صَواعِقهمْ ... ورُدّها فَوْقَهُمً مَوْصُولَةُ الوَهَلِ نَهضْتَ كالقَلْعَةِ الشّماءَ فانْقَلبُوا ... بِخِزْيِهِمً وجُذُورُ الحَقّ لَمً تُنَل هُنَا الحَضَارَةُ أعْمَاقُ الحَيَاةِ بِهَا ... بَيْنَ الجَماجِمِ والأشْلاَءِ والطّلَلِ هَذي حَضَارَةً إنْسانٍ رِسَالتُه ... إلى الدّنا عَزْمَةُ التَوْحِيد والرسُلِ وخَاتمِ الأنْبيَاءِ المرسَلين دَعا ... إلى هُدًى صَادقٍ بالوحي مكتملِ يُزْوَى الفَسادُ بِعَزْمٍ غَيرِ مُنْهَزِمٍ ... ويُرْتَقى لِعُلاً بالحق مُتّصِلِ رِسالة اللهِ للإنْسَانِ يَحْمِلُها ... رِجالُها صُدُقاً فالحَقً أو اعْتَزِلِ تبيّن الرّشْدُ! منً يَتْركْهُ يُلقَ به ... على لهيبٍ تلظّى أو على شُعَلِ أولئك المجرِمُونَ الظّالمون بَغَوا ... وأفْسَدُوا الأرض في ظلمٍ وفي نَكَلِ [٢] أولئك المجْرمون استكبروا وعَتَوا ... صَاغوا الحضارة من زَيْعٍ ومن مِيَلِ أيْنَ الحَضَارةُ؟ ! لا عَدْلٌ ولا شَرفٌ ... مِنً فَاجِرٍ ساقِطٍ أو فَاجرٍ ثَمِلِ يُورون في الأرض من أهوائهم شعلاً ... ومن جرائمهم وقداً من الدّخل [٣]
следующие страницы →