مقال
بين العصمة والوصمة
سليمان بن عبد العزيز الربعي
ينتابُ المرء في أحايين كثيرة قلق غريب إزاء مستقبليات الدعوة إلى الله (جل
وعلا) ، مصحوباً بشعور متنامٍ بأنها لازالت بحاجة ماسة إلى ترشيد جانبها العميق
الملاصق لحال العاملين في حقلها.
وقد كان ثم جهود خيّرة أريد لها ملء هذا الفراغ والقيام بواجبه المهم، غير
أن القوالب الرئيسة في العمل الآني استحوذت على الاهتمام نظراً لبعدها الخطابي
من جهة، وروحها المتوثبة من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى سد المنافذ
لتطويرها وصرف نظر الدعاة عنها في وقت دعت الحاجة فيه إلى تربية شمولية.
وإن من جوانب التكامل في العمل الدعوي بخاصة إيضاح الرؤية وفق أطر
من الموضوعية والتجرد وإخلاص النية والقصد فيه لله ، مما
يساعد بإذن الله على تلافي الأخطاء وإيجاد البدائل المناسبة للوضع المراد إزالته،
سواء أكان في جانبها النظري غير المرتبط بتشريع أو في جانبها التطبيقي الذي
يمارس من خلال اجتهادات قابلة للصواب والخطأ، ولعل من قبيل تلك الأخطاء
الملاصقة لحال العاملين في نظري ما يحيطه الظرف المكاني والزماني، إضافة إلى
عامل المساندة الجماهيرية بتكويناتها المتعددة لأولئك الدعاة الأخيار من جوٍ مأهول
بكل ذرة من ذراته بالإشعار المكرور بمنزلتهم ومكانتهم وفضلهم.. إلخ، مجاوزاً
حدوده الشرعية إلى مرادات بعيدة عن هدي سلفنا الصالح، قريباً من نزغات
الغالين المجاوزين.. وبمجموع ذلك كله يخشى السابر لمجريات الأمور وجود
عينات ترفض محض النصح، وترد ملحوظات المعنيين، وصولاً إلى تأهيل
رموزهم إلى درجة من العصمة! لا تنبغي إلا لرسل الله (صلوات الله وسلامه
عليهم) قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، مبدين مفارقة عجيبة في واقعهم حين تبرز لديهم
روح الرفض لمبدأ العصمة في أولئك الدعاة في الوقت الذي يرفضون فيه إبداء النقد
المباين المتحرر! بل إنهم يتجاوزن ذلك بفرض تصنيف معين لذلك الناقد الملاحظ، من مثل: المثبط البعيد عن الساحة الراجم بالغيب المتصيد للأخطاء الناقد بلا
عمل الشانئ الحاسد وما شئت من هذه المنظومة، ويقيننا جميعاً: أن الدعاة إلى الله
(سبحانه) يرفضون هذا التوجه المؤسف، لكن بعضهم مقصر في البيان، والبعض
الآخر مقتصرعلى جانب واحد فقط في تربية الجمهور، على أن إبداء الخطأ للعالم
أو للداعية ومواجهته به بنية طيبة صافية ينال نصيباً من فرض العين!
إنّ الداعية المخلص يجب أن يكون ذا روح كريمة تعمل على تطبيق قناعتها
الراسخة: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا، ووجود مثل تلك العينات حول الداعية
ونحوها المطرد في الحقل بعموم: كفيل بإيجاد فجوة كبيرة تفصل الجمهور عن
الدعاة، بل إنه شعور موجود يبثه كثيرون عند الحديث عن مشكلات التواصل
الدعوي، وإذا كنا نسمع عن حرية التعبير التي يرددها خلق كبير من الدعاة
ويدعون إلى لون منها، فإنهم مطالبون أولاً بحمل القريبين منهم على هذا المفهوم،
من أجل تعامل أحسن في قابل الأيام والأعمال، وحتى يتيحوا الفرصة لكل حادب
ناصح مشفق ليقول ما تبرأ به الذمة.
اليوم يغيب هذا الوعي عن الكثيرين بدرجة متنامية، فلكل داعية جمهور من
المريدين يقابلون الملاحظ بعاصفة من السخريات الشامتة على موقعه الذي لا يحسد
عليه بين يدي ذلك العالم الداعية لمجرد تفوهه بملحوظة سيقت بقالب مهذب مؤدب،
بل يُلاحَق في حله وترحاله بوصمة المباينة عن المسار الرشيد الذي يتزكى به
الواصمون، وحين لا يكون النقد موجهاً لعَلَمهم تنثال عبارات المديح لقوة الملاحظة
وجودتها عند هذا الأخ الكريم والشيخ المبجل الحكيم! ! وبقدرة عزيز حكيم تندرس
تلك الوصمات، وتغيب هاتيك المعايب، بل وينسون ابن عساكر برمته وماذا قال!.
إن بين الموقف الأول والآخر المباين لحمة قوية من الجهل وضيق الأفق تكاد
تنسحب إلى توصيف عمومي.
وبين هذا وذاك ينشغل الحقل الدعوي كله إلا من رحم ربك منهم عن إيجاد
حل لهذا المزلق المتعاظم بحجة الرد على ملاحظ لبق، هم في نقاشهم المحتدم معه
ينفون عن ذاك الداعية قداسة العصمة، غير أنهم لا ينسون أبداً رد كيد هذا الشانئ
في نحره وإلغاء باطله بالوصمة! !
стр. 1927
نص شعري
قبيل الفجر
محمد بن ظافر الشهري
إيه.. يا أنجماً..
لم تزل تتفيأ جنحَ الظلامْ
يا زينةً.. ومصابيحَ
أطفأها الغيمُ.. أو كادَ..
بُعداً لهذا القتامْ!
آه.. لو تسمقين على الطقسِ
.. لو ترجمين هواكْ! !
إذن.. لتألقتِ
في عين سّيارة الفجرِ..
لن يجد الركبُ بُداً
من الاهتداء إذا ما رآكْ
فغايتهُ..
جسدٌ كاملٌ في ترابٍ حرامْ
وولوجٌ إلى السّلمِ.. لا في السلامْ
...
حاول البومُ أن يمتطيكَ
بنصف جناحْ!
أي شيء عراه؟ !
حين عاد يسبّ الصباحْ! !
شاهداً
أن مكثَ السديمْ
قد يطول.. ولكنه لا يدومْ
حَدّثينا..
فلسنا نملّ حديثَ النجومْ
حدثينا..
فإن علينا السماعْ
وعليكِ الكلامْ!
стр. 1928
من قضايا المنهج
لمحات في فن الحوار.. الحلقة الأولى..
[ضوابط الحوار]
محمد محمد بدري
قد نرى بعض الفرقاء كلما أرادوا ائتلافاً تفرقوا.. وحيثما جلسوا لتسوية
خلاف تشتتوا وتنازعوا! !
ولا يرجع ذلك إلى نوعية الأخلاق المتردية لهذا الفريق أو ذاك فقط.. وإنما
يرجع قبل ذلك وبعده إلى الجهل بعلم الحوار وفن المحاورة الذي يجعل المتقاربين
في الأهداف والأفكار في خلافٍ دائم، ونزاع مستمر، وفُرقة مقيتة! !
ولكي لا نسقط في فتنة الفُرقة لابد أن نرتفع بحواراتنا إلى مستوى أن تصبح
علماً نتلقاه، وفناً نتدرب على أساليبه ونمارسه للوصول إلى أهدافنا النافعة، بعيداً
عن الارتجال وتغييب الخيال!
وهذه المقالة، دعوة لتعلم ضوابط الحوار التي تحكمه، والتدرب على أساليبه
التي تخدمه، والتعرف على عوائقه التي توقفه.. حتى يكون كلامنا باعتدال،
وجدالنا بمنطق، وحوارنا باتزان، سائلاً الله التوفيق والسداد.
لكل حوار ضوابط تحكم مساراته، وتوجه تلاقح الأفكار خلاله.. وضوابط
الحوار فضلاً عن كونها آداباً وأخلاقاً هي جزء رئيس ومؤثر في فعالية أي عمل
يُبْنى على الحوار.. ذلك: أن أي عمل في بدايته هو مشروع في محتوى بعض
الكلمات والأفكار التي ينميها الحوار ويخصبها، ويبعث فيها روح العمل.
ولا شك أن ضوابط الحوار إنما تقوم على أصول سلفنا الصالح أهل السنة
والجماعة في تمحيص الآراء المتباينة، وتجلية الإشكالات المتوقعة، دون تَحَول
الحوار إلى مهاترات يضيع معها الود لتحل محله الجفوة والقطيعة.
ومن هذه الضوابط:
١- السماع الكامل:
الحوار هو: فن السماع للآخر، وعدم الطمع في الكلام بدلاً منه، لأن هذا
الطمع يزهدنا فيما يقوله مَن نتحاور معه، ويحرمنا من تَدبّر قوله الذي لا يتحقق إلا
بالسماع الكامل لهذا القول حتى دُبرَه أي: آخره.
كما أن السماع الكامل للآخر يُشْعره باهتمامنا بما يقول، وجديتنا في التحاور
معه، وثقتنا في الوقت ذاته فيما عندنا.
وتأمل معي هذا الحوار بين عتبة بن ربيعة والنبي ﷺ ،
لقد أتى عتبة إلى النبي ﷺ حتى جلس إليه، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك قد أتيت
قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم، وسفّهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم،
وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك
تقبل منها بعضها، قال رسول الله ص: قل يا أبا الوليد، أسمَع. قال: يا ابن أخي
إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون
أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن
كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده
عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب
التابع على الرجل حتى يداوى منه.. أو كما قال، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله
ﷺ يستمع منه، قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال
رسول الله ﷺ : فاستمع مني. قال: أفعل. قال النبي -صلى
الله عليه وسلم-: بسم الله الرحمن الرحيم [حم * تنزيل من الرحمن
الرحيم ... ] (فصلت: ١٢) [١] .
فانظر رحمك الله إلى النبي ﷺ كيف يستمع إلى عتبة
وهو يعرض عليه هذه الخواطر التي تثير الاشمئزاز مقارنة بما يشغل النبي من
عظائم الأمور، ومع ذلك يتلقاها النبي حليماً، ويستمع إليه دون مقاطعة عتبة ويردد
في نهايتها: أفرغت يا أبا الوليد؟ . فيقول: نعم، فيقول الرسول الكريم: فاستمع
مني، بل لا يبدأ النبي ﷺ كلامه حتى يقول له عتبة: افعل..
فيبدأ النبي ﷺ في تلاوة قول ربه في ثقة وطمأنينة! !
إن السماع الكامل للآخر، وإعطاءه الفرصة حتى يُتم كلامه، مع استوضاح
أي غموض فيما يعرضه من أفكار.. إن كل ذلك لا بد أن يكون هو السمة المميزة
لكل حواراتنا، فإذا تبين لنا خطأ الآخر، فإن السماع الكامل له وعدم مقاطعته هو
المقدمة الصحيحة لرجوعه عن الخطأ مهما كان عناده وغلظته؛ فإن أشد الناس
جفافاً في الطبع وغلظة في القول لا يملك إلا أن يلين وأن يتأثر إزاء مستمع صبور
عطوف يلوذ بالصمت إذا أخذ محدثه الغضب [٢] .
٢- تجريد الأفكار:
هدف الحوار هو الاستفادة من الأفكار وليس تدمير الأشخاص، ولذلك؛ فإن
من أهم ضوابط الحوار: التركيز على فض الاشتباكات الفكرية دون التعرض
السلبي للأشخاص بتشويه أو تجهيل، فلا خلاف مطلقاً بين أشخاص المتحاورين،
وإنما بين أفكارهم، والفكرة الحسنة تُمْتدح بغض النظر عن قائلها، والفكرة الخطأ
تُرَاجع دون تسفيه قائلها أو التهكم منه، فالنظر دائماً إلى الآخر من خلال ما قيل،
لا من قال [٣] ، مع احترام أهل العلم، وحفظ مكانتهم ومراتبهم، فلا نؤثمهم مطلقاً
ولا نعصمهم مطلقاً، ولا نقبل كل أقوالهم ولا نُهْدرها كلها، وإنما ننتفع بأفكارهم ما
دامت حقاً، ولا نعتقد فيهم العصمة من الخطأ، ونرى أن الآخر قد يمتلك الحق أو
أنه يكون هو الراجح عنده، وأن ما عندنا يحتمل الخطأ أو أن يكون هو المرجوح.
ولا شك أن التحاور ضمن هذا المبدأ مبدأ افتراض المخالفة هو المدخل الذي
يضع الآخر في أول الطريق الصحيح للتفكير، لأنه يرى أن من يحاوره يضع نفسه
معه في موضع المجادلة المشتركة لمعرفة الحق؛ [وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في
ضلال مبين] [سبأ: ٢٤] .. هكذا في هدوء من يبتغي للآخر الإرشاد وليس
الإفحام والإذلال، وفي ثقة من أخلص للحق المجرد فصح انقياده له، ولم يهتم بمن
قاله من البشر، وإنما كان جُل اهتمامه بالقول في ذاته وتمييز الحسن منه والأحسن، ثم اتباع الأحسن، فكان من أصحاب البشرى بالنجاح وتحقيق الأهداف في الدنيا،
والنعيم في الآخرة؛ [فبشر عبادٌ * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك
الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب] [الزمر: ١٧، ١٨] .
٣- ترك المراء:
قد يُخْفِي الحوار في نفس من يمارسه حباً خفياً للتميز على الآخر، ولا يمكن
اكتشاف هذه العورة النفسية إلا بأن يترك المحاور المراء والجدل، ويلتزم بيان
الحق بالحجج والبراهين.
ومن هنا: فقد وعد النبي ﷺ تارك المراء ببيت في
الجنة.. قال ﷺ : أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً [٤] .. فرغم الاعتقاد بملكية الحق لا يكون إثباته عن طريق المراء والجدل، وإنما عبر الطرق والمسارات الشرعية التي تصل بسالكها إلى بيان الحق، وعدم الانتقال بأي حال من الأحوال من شواهد الأدلة إلى دوافع الآخر، أو من إقامة الحجج للتدليل على صحة ما نراه ونعتقده إلى إثارة الجدل للتدليل على خطأ الآخر وخبث بواعثه.. فيدور حوارنا في حلقة مفرغة، ويتفرع إلى ... مضايق ومتاهات تتمزق فيها الأفكار ويُقْتل التفكر والتدبر على مذابح المراء والجدل العقيم! !
إن المراء يغلق باب الحوار ويلغيه، لأنه يدفع طرفي الحوار إلى التصور
الخاطئ: بأن حوارهما هو مباراة لا تكون نتيجتها إلا قاتل أو مقتول، فلا يبحث
كل منهما عن حقائق أو أدلة، وإنما يكون بحثه وجهده في محاولة إغراق الآخر في
طوفان من الكلام الذي يُضيع الوقت والجهد في غير فائدة، ويوغر الصدور،
ويكرس الفرقة.
٤- تغافر لا تنافر:
الحوار هو لون من ألوان التشاور حول بعض الموضوعات والأفكار، ومن
ثم: فهو جلسة تناصح وتغافر وليس جلسة تصارع وتنافر، فمع قبول رأي الآخر
أو رفضه تبقى طهارة القلب وصفاء السريرة نحوه، مع قبول معذرته والتغافر عن
خطئه إن وقع، بل والحرص على أن يخرج الحق على لسانه، فقد رُوي أن الإمام
أبا حنيفة ﵁ رأى ولده حماداً يناظر في المسجد فنهاه، فقال له ولده:
أما كنت تناظر؟ قال: بلى، ولكن كنا كأن على رؤوسنا الطير من أن يخرج
الباطل على لسان الخصم، بل كنا نود أن يخرج الحق على لسانه فنتبعه، فإذا كنتم
كذلك فافعلوا! ! [٥] .
وهذه هي سيماء سلفنا الصالح في حواراتهم، فقد ذُكِر عن حاتم الأصم أنه
قال: معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرح إذا
أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه، فبلغ ذلك الإمام
أحمد بن حنبل ﵀ فقال: سبحان الله! ما كان أعقله من رجل [٦] .
.. نعم، ما أعقله من رجل يحب أن يُظْهر الله الحق على لسان أخيه،
ويحاول رؤية الحق من أي وعاء خرج، ومن أي جهة سطع.
إن من طلب الحق فأخطأه لا يمكن تسويته بمن طلب الباطل فأدركه، فطالب
الحق وإن أخطأ نتجاوز عن خطئه، ونغفر له تجاوزه، وإن كان ثمة عتاب
فبالمودة والإخاء والقول الحسن.
وتأمل معي ما جاء في سيرة علي بن الحسين ﵁ : لقد كان بينه
وبين ابن عمه حسن شيء، فما ترك حسن شيئاً إلا قاله، وعلي ساكت، فذهب
حسن، فلما كان الليل، أتاه علي فقال: يا ابن عمي إن كنت صادقاً فغفر الله لي،
وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، والسلام عليكم. فالتزمه حسن، وبكى حتى رثي
له [٧] .
إن الحوار جلسة بدء علاقة يظللها الحب والتغافر، ولسان حال المتحاورين:
من اليوم تعارفنا ونطوي ما جرى منا
فلا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا
٥- الصدق والوضوح:
الصدق مع كونه ضابطاً من ضوابط الحوار هو خلق نبيل لا خيار للمسلم في
التحلي به،.. والوضوح في الفكرة هو وسيلة قبولها من الطرف الآخر..
والوضوح في المواقف له أكبر الأثر في تصفية القلوب وإعادة الود.
ومن هنا كان الصدق والوضوح هما طريق التآلف وحصول البركة، قال
رسول الله ص: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما [٨] .
وكما أن البيع المبني على الصدق والوضوح هو بيع مليء بالبركة، كذلك
الحوار القائم على الصدق والوضوح هو حوار مبارك ييسر الله تعاون أطرافه على
البر والتقوى، ويبارك جهودهم المتعاونة على نصرة الحق.
ومن هنا وجب علينا في كل حواراتنا أن نتجنب الكلمات الغامضة التي تؤدي
إلى سوء الفهم، ونتجنب أساليب المغالطات والدفاع عن الأوضاع الخاطئة التي
تؤدي إلى إثارة الحقد، وإيغار الصدور والقلوب، وذهاب الود بين طرفي الحوار،
ومن ثم تكون النتيجة هي فشل الحوار في تحقيق أهدافه.
٦- العلم والعدل:
الحوار الناجح هو حوار يضبط العلم مساره، ويوجه العدل موقف كل طرف
فيه تجاه الآخر.
فأما العلم، فإنه لا يستقيم حوار بدونه، بل في غيابه يصبح ضرر الحوار
أكثر من نفعه، لأن جهود المتحاورين في هذه الحال تذهب سدى وتضيع بلا ثمرة
تذكر.. روى الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن
نفراً كانوا جلوساً بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا
وكذا؟ قال: فسمعهم رسول الله ﷺ فخرج، فكأنما فُقئ في
وجهه حب الرمان، فقال: بهذا أمرتم؟ ! ، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا القرآن
بعضه ببعض؟ ! إنما هلكت الأمم قبلكم في مثل هذا، فانظروا الذي أمرتم به
فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه [٩] ، يقول ابن تيمية ﵀
في التعليق على هذا الحديث: وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء قبل
إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه [١٠] .
وأما العدل فهو الطريق إلى اعتدال أخلاق المتحاورين بين طرفي الإفراط
والتفريط، وهو الحامل لهم على قبول الحق من الخصم، بل من العدو المبين! !
لقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ وكله بحفظ زكاة
رمضان، فأتاه آت فجعل يحثو من الطعام، فأمسك به ثم خلى سبيله، ثم عاد
الثانية والثالثة، إلى أن قال في الثالثة: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قال:
قلت: ما هن؟ ، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية [الله لا إله إلا هو الحي
القيوم] [البقرة: ٢٥٥] حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا
يقربنك شيطان حتى تصبح. فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال
له: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟، قال: لا، قال: ذاك شيطان [١١] .
فهذا رسول الله ﷺ لا يمتنع من قبول الحق من أعدى
أعدائه، بل ممن يعلم أنه كثير الكذب.. وذاك غاية العدل.
إن طريق الوصول إلى الحق عبر الحوار هو الاتصاف بالعدل والعلم وحسن
القصد، وأما الجهل والظلم وسوء القصد فهو الطريق إلى التنازع والفرقة والقطيعة
بين أهل المنهج الواحد، بل بين ذوي الرحم.
ولا تزال قلة الإنصاف قاطعةً بين الأنام وإن كانوا ذوي رحم
٧- التحاور العملي:
المتأمل في حواراتنا يجد أنها تحوي في أكثرها هوة كبيرة بين ما نتحاور له
وما يترتب عليه من أعمال في الواقع.. وهذه كارثة.. لأن الحوار يجب أن يكون
حول ما ينبني عليه عمل وفيما ترجى من ورائه مصلحة أو منفعة، أما عدا ذلك:
فالخوض فيه: خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي في الكتاب أوالسنة
أو عمل سلف الأمة.
فأما الكتاب فآيات كثيرة؛ منها: قوله (تعالى) : [يسألونك عن الأهلة قل
هي مواقيت للناس والحج] [البقرة: ١٨٩] حيث جاء الجواب بما تعلق به العمل،
مع الإعراض التام عما قصده السائل من السؤال عن الهلال من كونه يبدو في أول
الشهر دقيقاً كالخيط، ثم يمتلئ حتى يصير بدراً، ثم يعود إلى حالته الأولى.
وأما السنة فأحاديث كثيرة؛ منها: (أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه
وسلم-: متى الساعة؟ فقال النبي ﷺ : وما أعددت لها؟ فكأن
الرجل استكان ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كبير صيام ولا صلاة ولا
صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال ﷺ : أنت مع من
أحببت [١٢] ) [١٣] .
وأما عمل السلف الصالح فكثير أيضاً، نذكر منه: خبر عمر بن الخطاب
مع صبيغ بن عسل الذي كان يسأل عن متشابه القرآن، فقال عمر: سبيل محدثة
أي: بدعة جديدة ثم أرسل إلى رطائب من جريدة نخل فضربه بها حتى ترك ظهره
دبرة أي: قرحة ثم تركه حتى برئ ثم عاد له، ثم تركه حتى برئ فدعا به ليعود،
فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني،
فقد والله برئت، فأذن له عمر أن يذهب إلى أرضه.
إن تحاورنا يجب أن يكون هو الخطوة التمهيدية الأولى في طريق أعمالنا
المشتركة التي نتعاون على إتمامها.. ولذلك: فإنه من الضروري أن نتعرف قبل
التحاور على الأهداف العملية للحوار، ونتبين ما هي الدوّامات الفكرية الطارئة
والمنعطفات النظرية العارضة التي قد تلفتنا عن أهدافنا العملية لتنحرف بحواراتنا
إلى أمور نظرية شكلية ليس لها أدنى تأثير في مسيرة العمل، ولا يترتب عليها إلا
استنفاذ طاقاتنا في غير طائل وبغير ثمرة.
وثمة ضوابط أخرى للحوار لا يسعنا الوقوف عندها تفصيلاً حتى لا نخل بأحد
ضوابط الحوار وقواعده الضرورية، وهي:
٨- الحجة الرأسية:
الحوار الناجح هو حوار يخلو من الإطالة الزائدة عن الحد، التي تُحَوّل
الحوار إلى خطبة يتشدق فيها كل طرف من أطراف الحوار ويتفاصح بكثرة الكلام،
بل وغرابته أحياناً! ! ، وهو ما كرهه رسول الله ﷺ
بقوله:.. إن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ ، قال: المتكبرون، والثرثار: كثير الكلام تكلفاً، والمتشدق: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه، والمتفيهق: أصله من الفهق، وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فيه بالكلام، ويتوسع فيه، ويغرب به تكبراً وارتفاعاً، وإظهاراً للفضيلة على غيره [١٤] .
إن الإطالة والتكرار والإسهاب وهو ما نطلق عليه الحجة الأفقية لا ينتج عنه
إلا دفن الفكرة الرئيسة للحوار وسط هذا الكم الكبير من الكلام، ومن ثم: عدم قدرة
الآخر على اكتشاف ما نقصد فضلاً عن فهمه وتدبره؟ !
وإذن: فالمحاور العاقل هو من يحاول الوصول إلى هدف الحوار من أقرب
طريق، ولا يضيع وقته ووقت الآخر في تكرار الكلام والإسهاب في المقدمات التي
لا فائدة فيها، بل يقتصر في الألفاظ والكلمات على قدر الحاجة ويوضح فكرته
بأقرب عبارة وأوجز لفظ، وهو ما نطلق عليه الحجة الرأسية حيث يذكر المحاور
فكرته الرئيسة، ثم ينتقل بعد ذلك لتدعيمها بالأدلة، في إجمال غير مخل، وتفصيل
غير ممل.
إن من فقه الحوار وذكاء المتحاورين: أن يتحرزا عن إطالة الكلام في غير
فائدة، وعن اختصاره اختصاراً يخل بفهم المقصود منه [١٥] ، وأن يحققا التوازن
الدقيق بين جفاف الحوار بسبب قلة الأدلة أو غموضها، وبين غرق الحوار بسبب
الإسهاب والتكرار غير المفيد.. وللحديث بقية، والله من وراء القصد.
стр. 1929
من حصاد التجربة
من تجربتي مع النصرانية
اكتشفت تناقضاتها وزيفها
مسعود النرواجو أديوجو
الكاتب كان قسيساً نصرانياً في نيجيريا، ولما أراد الله له الهداية اطلع على
بعض الكتب الإسلامية التي رأى فيها معالم دين الإسلام الحق فعاد إلى دينه الأساس، وها هو ذا يوضح تجربته مع النصرانية وكيف اكتشف تناقضاتها وزيفها فأعلن
إسلامه بكل جرأة متحدياً النصارى كلهم لو أرادوا مناقشته.
- البيان -
أرى من الحق عليّ في البداية أن أقرر حقيقة مهمة؛ هي أنني وُلدت مسلماً،
ولكني تنصرت فيما بعد معتقداً أن النصرانية هي الدين الحق كما يزعم المروجون
الغربيون من أصحاب الدعاية التنصيرية، ولكني بعد اعتناقي لذلك الدين اكتشفت
بعد مضي اثني عشر عاماً أنني قد انضممت إلى مجموعة من المزيفين والمشوشين، والعابدين للأصنام من الدرجة الأولى.
وبعد التعثر في الظلام لسنوات عديدة للبحث عن الحقيقة هنا وهناك عبر
الاطلاع على كل العلوم السرية، علوم السحر والتنجيم، التصوف، علوم الأسرار
وما يسمى بالـ كابالا، بعد هذا كله قد قررت أن أقوم ببحث مستقل عن الإسلام
والمسيحية، ولقد قررت بتصميم عميق أن أتحرى الصدق، وأن يكون رائدي هو
الحق والحق فقط.
ولقد تجشمت الصعاب في دراسة ما يسمونه (الكتاب المقدس) ! صفحة صفحة، ولقد كانت دهشتي عظيمة عندما اكتشفت وعرفت أن فيه آثاراً من الإسلام أكثر
مما فيه من النصرانية، ولقد اكتشفت أيضاً مما زاد حنقي وغضبي أن ما يُدعى
بالكتاب المقدس من سفر التكوين إلى آخر سفر يحوي عدداً من التناقضات الفاضحة
وأسساً تحمل على اقتراف كثير من أنواع الجرائم، ولذلك أرى أنه من السخف
تسميته كتاباً مقدساً في شكله الحالي.
أطفئ مصباح عقلك واعتقد:
هذا هو حال النصارى، فالمعضلة والمشكلة الأساسية مع النصراني المعاصر
أنه لا يكترث بالاطلاع على كتابه المقدس! وأنه لا يدرسه كما فعلتُ لكي يصل إلى
الحقيقة، ولو أنه قد فعل ذلك أعني لو قام أي نصراني ممن ولد وعاش في هذا
الدين بقراءة كتابه المقدس قراءة خالصة لمعرفة الحق، قراءة ناقدة ببصيرة فسوف
يكتشف ويا لحزنه وشجنه أن دينه بحاجة إلى أن يعيد التفكير فيه كثيراً؛ فالمسيح
﵇ لا علاقة له بما آلت إليه النصرانية، وسيكتشف أنه حتى اسم الكتاب
المقدس نفسه (Bible) لا ذكر له في الكتاب المقدس، فهي كلمة مخترعة.. كما أن
أساس الاحتفال بميلاد المسيح المسمى بـ (عيد الكرسماس) وعيد الفصح والتثليث
(Trinity) لا وجود لكل ذلك في كتابهم المقدس.
موقف لا ينسى:
وعندما كنت أقوم بالبحث طلباً للحقيقة قمت ذات مرة بزيارة إحدى المكتبات
الإسلامية في فينسبري بارك في لندن وكان ذلك في عام ١٩٨٥م حيث اشتريت
كتاباً يسمى حياة محمد [*] لمؤلفه د. محمد حسين هيكل، وعند قراءتي للكتاب
واستيعابه وتفهم معانيه برز توجهي نحو الإسلام، وأصبحت أقرأ الكتب الإسلامية
الأخرى لعلماء المسلمين من أمثال: سيد قطب، وأبي الأعلى المودودي، وأحمد
ديدات.
ولقد وجدتني والحمد لله مؤمناً برسالة محمد ﷺ عندما
قرأت نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم بالإنجليزية لعبد الله يوسف علي،
وعند قراءتي للقرآن وجدت نفسي مغموراً بالنور التام نور الإسلام، ولم أضِع وقتاً
في حث الخطى نحو الرجوع إلى الإسلام، لأبدأ حياتي الإسلامية بنظافة روحية،
أنا وكل أفراد أسرتي، ومنذ ذلك الوقت كنت أقول وبصوت جهوري وعلى رؤوس
الأشهاد علناً: إن القرآن هو الوثيقة الوحيدة التي تشتمل على الحق المنزل من عند
الله التي مازالت صافية طاهرة باقية على أصلها وصفائها منذ أن أوحى الله (تعالى)
إلى الرسول ﷺ حتى يومنا هذا، وسيظل كذلك إلى يوم الدين.
والقرآن في ذلك لا يشبه الكتاب المقدس عند النصارى الذي كان عرضة
لتباين وجهات النظر والتنقيح الدوري وتلاعب رجال الكنيسة به.
آلاف الأخطاء في كتابهم المقدس:
وكما أشرت سابقاً فإن في الكتاب المقدس آلاف الأخطاء التي تشوش على
النصارى واليهود على السواء عقيدتهم، ومع ذلك فهم أي: النصارى يروجون
وينشرون الأكاذيب ويشيعون المتناقضات الفاسدة ليضللوا البسطاء ويبعدوهم عن
الرسالة الحقة رسالة الله القرآن العظيم؛ فلا عجب أن يقول الله ﵎ :
[وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على
شيء وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم
يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون] [البقرة: ١١٣] .
أريد أن أذكر هنا دون أدنى تناقض: أن الإسلام دين العدل والسلام والحق،
هذا هو ما جاء به هذا الدين، فالإسلام لا يوازيه ولا يساويه أي دين آخر.
تسبيح الله بين النصرانية والإسلام:
ويمكن أن يظهر الانتظام والاتساق في الإسلام في مثال واحد: في كلمة الله
أكبر، ليست هذه عبارة تقال في أثناء العبادة في الصلاة، وإنما لكل نعمة من النعم، وفي كل حادثة أو أمر سواءً أكان ذلك الأمر خيراً أم شراً توجد له آثار مروية
يستطيع المسلم أن يثني بها على عظمة الله (تعالى) ويذكر قدرته ورحمته في
عبارات مثل: لا إله إلا الله، الله أكبر، سبحان الله، وفي كل موقف يجد المسلم
أمامه من الأذكار ما يرجع إليه يعظم الله بها ويسبحه، وهناك أذكار كثيرة منها:
الحمد لله، ما شاء الله، أستغفر الله وكل هذا من العبارات الجميلة المشتركة بين
جميع المسلمين لتمجيد الله وتسبيحه وتحميده في جميع الظروف والأحوال.
أما في النصرانية، فإنني يمكنني القول بكل وضوح على ضوء الأدلة الواضحة، على الرغم من أنهم جميعاً يدّعون تسبيح الله وتحميده بطريقة أو بأخرى: إنه لا توجد طريقة واحدة مشتركة منظمة أو أنموذج يحتذى كما هو الحال في
الإسلام سواءً أكان ذلك من حيث العبارات التي تقال لكل ظرف وحالة، أو من
حيث المناسبات نفسها، إلا عبارة واحدة هي: هلولويا أو عبارة آمين، ولذلك فإن
ممارستهم للشعائر تختلف وتأخذ مناحي مختلفة، فمن التصفيق إلى ذرف الدموع
إلى الضرب على الطبول والرقص..! !
ومن المهم أن نذكر هنا أن أغلبية النصارى يفضلون أن يحمدوا المسيح! بدلاً
من أن يحمدوا الله بالإضافة إلى الإكثار من حمد الثالوث المتوهم؛ أي: ادعاء أن
الثلاثة في واحد تساوي إلهاً واحداً؛ حيث يقولون: المجد للآب والابن وروح
القدس! ولا شك فإن مبدأ التثليث يمثل قمة الغباء والتشويش الروحي والاضطراب
في المسيحية.
أما بالنسبة لأسلوب العبادة: فإني أقول بكل وضوح وعلناً: إن الإسلام فقط
هو الدين الذي يعترف بأن العبادة هي المظهر الأساس للدين؛ لذا: فإن هناك أركاناً
خمسة للإسلام، فالصلاة مثلاً قد ذكرت بكل تفصيل؛ متى تقام في أوقاتها يومياً،
حيث يقف المسلمون بكل تواضع وانكسار لله، وكيف يؤدونها على هيئة يلزم منها
الاستسلام لله (تعالى) .
وقد ذكر القرآن الوضوء شرطاً للصلاة حيث جعل الصلاة نفسها فرضاً على
جميع المسلمين، بالإضافة إلى ذلك: فإن صلاة الجماعة ميزة أخرى إضافة على
العبادة الفردية.
فلا يوجد في جميع أنحاء العالم أي صوت يخرج على إجماع المسلمين على
العبادة بالشكل المذكور.
وهذا عكس النصرانية تماماً، إذ إنه لا دليل في كتابهم المقدس يصف شكلاً
معيناً من العبادات يكون نموذجاً يتبعه جميع النصارى، ولا ينبغي أن يدهش القارئ
هذا الأمر إذ إن المسيح ﵇ نفسه لم يدع إلى هذه النصرانية المحرفة (في
كل سني دعوته) . بل ومن السهل أن نثبت أن رسل الله جميعاً الذين أرسلوا قبل
الرسول محمد ﷺ بما فيهم المسيح ﵇ كانوا مسلمين
كما وصفهم القرآن الكريم [البقرة: ١٣٢، ١٣٣ آل عمران: ١٩، ٨٥ المائدة:
١١١، ... ] ، بل إن هناك حالات ذكر فيها القرآن أن هؤلاء الرسل قد سجدوا لله
في ذل وخضوع.
وما أريد ذكره هو أن الإسلام يلزم معتنقيه بالإيمان بكلمة التوحيد لا إله إلا الله، وبالإحساس بالمسؤولية والقيام بالواجبات مثل: الصلاة خمس مرات في اليوم
والليلة، والصوم في شهر رمضان، وإعطاء الزكاة عندما يحين وقتها في كل عام،
والحج إلى بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا.
أما النصرانية فهي اعتناق هش، فلما كان اتصالها بالله (تعالى) فضفاضاً فقد
أصبحت ممارسة لبعض من يمكن أن نصفهم بأنهم إما كسالى جداً فلا يقومون
بالعبادة الجادة والصلاة الجادة في أمورالدين، أو أن يكونوا من أولئك المتكبرين
الذين يعتقدون أنهم أكبر من أن يعبدوا الله ولكنهم في نفس الوقت يخجلون أن ينسبوا
إلى الإلحاد، ولذلك فإن أسهل الأمور أن ينتسبوا إلى النصرانية، لأننا نرى أن مثل
هذا الانتساب لا يكلفهم أي مسؤولية، وحتى الذهاب إلى الكنيسة ليس عملاً إلزامياً
للمسيحيين.
من واقع تجربتي
استطيع أن أدعي أن ٩٠% من المسلمين الذين يتحولون إلى المسيحية هم من
أولئك المشوشين الذين يرون في الانضباط بالشعائر التعبدية والنظام الإسلامي عبئاً
عليهم ولذلك فهم يتخفون تحت ظل النصرانية التي لا تطلب منهم أي شيء بالمقابل.
وعلى الرغم من تعاليم الكتاب المقدس فإن النصارى في جميع أنحاء العالم
غير مجمعين على موقف موحد تجاه الخمر شرب المسكرات، وكذلك القمار لعب
الميسر، والفوضى الجنسية، والربا.. الخ.
وأستطيع أن أقول دون تردد إن ما يعانيه هؤلاء القوم هو نقص الإيمان بالله،
لأنهم لو كانوا مؤمنين حقاً لعلموا أنه ما من تضحية تعظم في عين المؤمن إزاء
رضوان الله.
أستطيع أن أقول بثقة: إن النصرانية دين تشويش وإرباك عقدي، فيمكن أن
نقول: إن موقف النصارى من المسلمين يتلخص في أنه: إذا لم تستطع أن تقنع
المسلم بالردة عن الإسلام فشوش عليه عقيدته، ولذلك: فهم ينشرون الأضاليل
والأكاذيب، وذلك إصراراً منهم في التمرد على الحق المطلق الخالد في رسالة الله،
فلا عجب أن يقول الله (تعالى) بشأنهم: [ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات
والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون] [المؤمنون:
٧١] .
стр. 1930
نص شعري
صرخة جروزني
د. عدنان علي رضا النحوي
شِيشَانُ! صُبّي دَماً فِي الأضِ واغْتَسِلي ... النُّورِ مِنْه، وضمّي زَهْوةَ الأمَلِ
ورجّعي مِنً رُبَى جروزني مَلاحِمَها ... فوّارةً بِدَمٍ لِله مُشْتَعِلِ
مِنً كُلّ أرْوعَ سَبّاق بوثبتهِ ... إلى الشهادة خَطّافٍ على عَجَلِ
تطلّعتً كُلّ دَارٍ مِنً مَشَارقِها ... إِليْكِ بيْنَ دَواعِي الشّوْقِ والوَجَلِ
مَاذا رَأوا؟ ! عَجَباً! هوْلاً تُفَجّرُهُ ... عِصَابةٌ مِنً وُحُوشِ الأرْضِ الهَمَلِ
هَبّوا إليْكِ بأرتالٍ مُدَعّمَةٍ ... مِثْلِ الجراد إذا أَوْفَى على أسَلِ [١]
جُنّوا فَهَبّوا بأحْقَادٍ مُرَوّعةٍ، ... بالمكرِ بالكيدِ مِنً غَدْرٍ ومِنً خَتلِ
وأطْبَقُوا وَليَالي الموْتِ فاغِرةٌ ... فَاها على ومضاتِ البرْقِ والشّعَل
وأقبلوا وجُيُوشٌ مِنْهُمُ فَزِعتْ ... لمّا رأوا عَزْمَة الإيمَانِ لم تَزُلِ
رَامُوا الفِرَارَ فما أنْجاهُمُ أملٌ ... وخَلْفَهُمً صَرَخَاتُ القَهْر والعَذَل
مِنً مُجْرِمٍ ظالمٍ عَاتٍ تَمُدّ لهُ ... أهواؤه ظُلُماتِ الشّرّ والزّللِ
يُمدّهم كلما ارتَدّوا على جَزَعٍ ... بِعُصْبَةٍ مِنً قَطِيعِ الأعْبُدِ الذّللِ
ظَنّوا القِتالَ سُوَيْعَاتٍ فَهالَهُمُ ... أن القِتالَ طويلُ العَهْدِ والأمَلِ
طَارَتً مِنَ الهَلَعِ القتّال أفْئدَةٌ ... وفُزّعَتً مِنً دنوّ الموتِ والأجلِ
فَلمً تَعُدً غيرَ آلاتٍ تُحَرّكُها ... هُوجُ العَواصِف مِنً مَكْرٍ ومِنً دَغَلِ
مِنً كُلّ دَبّابَة تَرْمي بَوارِجُها ... نَاراً تأجّجُ في قَصْرٍ وفي نُزُلِ
تَظَلّ تَزْحَفُ لا تَلْقَى سِوَى جُدُرٍ أو مَسْكَنٍ فَرَمَتً بالوابِل الهَطِل
حَتّى إذا انْطَلَقَتً في زَهْوِها انْفَجَرتْ ... بِرَمْيةٍ مِنً شَدِيد البَأس مُشْتَمِل
كَأنّما الأرْضُ شُقّتً عَنً فَوارِسها فَغَيّبُوها بِلَفْحِ النّارِ والظُلَلِ
يَهْوِي الجِدَارُ وأبْطالُ الحِمَى صَعدُوا ... نُوراً تَلألأ في أفْقٍ وفي سُبُل
يا للنداء عَلا! دوّى بِسَاحَتِهِمْ ... الله أكْبَرُ، مِنً سَهْلٍ ومن قُلَلِ
لِله دَرّ رِجَالٍ يَنْسُجُونَ دَماً ... أكْفانَهُمً بِحَنِينِ البِشْرِ والجذَلِ
يَسْتَقْبِلُونَ جِنَانَ الخُلْدِ فَانْفَرَجَتْ ... أبوابُها فَرَحاً بالمؤمِن البَطَلِ
أوً كُلّ حَوّامةٍ في الجوّ قَاصِفَةٍ ... تَنْقَضّ بِالموْتِ أو بالحادِثِ الجَللِ
جُنّتً قَذائِفها أو جُنّ قاذِفُها ... مَوّارةً بيْنَ وَادٍ أو على جَبَل
تُلقِي اللهيبَ جَحِيماً أو تَدُكّ بِهِ ... عَمائِراً أو تُسوّي شَاهِقَ القُلَلِ
وتَتْرُك المؤمنين الصّابرين على ... دَمٍ تَوهّج فِي السّاحَاتِ مُنْهمِلِ
كَأنّما الأرْضُ كَانَتً قَبْلُ عَاطِلةً ... فوُشّيَت بِدِمَاء الفَارِسِ البَطَلِ
كأنّهمً وبِسَاطُ الأرْضِ مُنْتَشِرٌ ... لآلِئ زَيّنَتً مَوْشِيّةَ الحُلَلِ
قَصْرَ الرئاسَةِ! فاهْزأ من صَواعِقهمْ ... ورُدّها فَوْقَهُمً مَوْصُولَةُ الوَهَلِ
نَهضْتَ كالقَلْعَةِ الشّماءَ فانْقَلبُوا ... بِخِزْيِهِمً وجُذُورُ الحَقّ لَمً تُنَل
هُنَا الحَضَارَةُ أعْمَاقُ الحَيَاةِ بِهَا ... بَيْنَ الجَماجِمِ والأشْلاَءِ والطّلَلِ
هَذي حَضَارَةً إنْسانٍ رِسَالتُه ... إلى الدّنا عَزْمَةُ التَوْحِيد والرسُلِ
وخَاتمِ الأنْبيَاءِ المرسَلين دَعا ... إلى هُدًى صَادقٍ بالوحي مكتملِ
يُزْوَى الفَسادُ بِعَزْمٍ غَيرِ مُنْهَزِمٍ ... ويُرْتَقى لِعُلاً بالحق مُتّصِلِ
رِسالة اللهِ للإنْسَانِ يَحْمِلُها ... رِجالُها صُدُقاً فالحَقً أو اعْتَزِلِ
تبيّن الرّشْدُ! منً يَتْركْهُ يُلقَ به ... على لهيبٍ تلظّى أو على شُعَلِ
أولئك المجرِمُونَ الظّالمون بَغَوا ... وأفْسَدُوا الأرض في ظلمٍ وفي نَكَلِ [٢]
أولئك المجْرمون استكبروا وعَتَوا ... صَاغوا الحضارة من زَيْعٍ ومن مِيَلِ
أيْنَ الحَضَارةُ؟ ! لا عَدْلٌ ولا شَرفٌ ... مِنً فَاجِرٍ ساقِطٍ أو فَاجرٍ ثَمِلِ
يُورون في الأرض من أهوائهم شعلاً ... ومن جرائمهم وقداً من الدّخل [٣]
стр. 1931
خبر
نمى إلى علم المجلة وهي تحت الطبع وفاة الأديب والروائي الإسلامي المعروف / نجيب الكيلاني بعد معاناة مع المرض نسأل الله أن يغفر له وأن يعفو عنه، وأنيسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والاحتساب.
- البيان -
стр. 1932
من فقه الدعوة
التربية بالحدث
عبد العزيز الحويطان
إن التربية بالحدث تفعل فعلها أكثر مما لو كانت كلاماً منمقاً مرصوصاً
بأسلوب بديع، والمتأمل لسير الأوائل من هذه الأمة يتعجب من هذه النفسية العجيبة
المعطاءة لأبناء هذا الدين التي لا تكل ولا تمل مهما كانت الظروف والأحوال،
سواء أكانت أيام مكة أو بعد الهجرة تقدم وتبذل، وقد تكون محاولات ينجح بعضها
ولا يحالف التوفيق البعض الآخر، ولكنها عطاء لله: [وقل اعملوا فسيرى الله
عملكم ورسوله والمؤمنون] ، [وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه] .
من أولئك النفر الذين بذلوا أنفسهم: عمر بن الخطاب ﵁ ، فهو
عمر الحريص على دخول الناس في الإسلام والتمسك به، وتثبيت المؤمنين
المستضعفين حدثاء العهد بالإسلام، وهو عمر لا ينتظر الأوامر ولا يقف عند
مرحلة التفكير، بل يسارع إلى التنفيذ مباشرة، فما كان يعرف التردد في مثل هذه
الأمور، ... لننظر ماذا فعل أثناء هجرته وبعدها داعياً إلى الله ،
متبعاً عدة طرق ووسائل، كان همّه فيها هو هداية الناس إلى الإسلام وثباتهم عليه.
تذكر كتب السير بإسناد حسن [١] قصة هجرة عمر بن الخطاب (رضي الله
عنه) ، أنه قال: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش ابن أبي ربيعة
وهشام بن العاصي بن وائل السهمي التَنَاضُبَ [٢] من أضَاةِ بني غفار فوق سَرِف،
وقلنا: أينا لا يصبح عندها فقد حُبس، فليمض صاحباه.
قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتتن.
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل ابن
هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما
حتى قدما علينا المدينة ورسول الله ﷺ بمكة فكلماه، وقالا: إن
أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرقّ لها.
فقلت له: يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم..
فقال: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه.
فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي ولا تذهب
معهما.
فأبى عليّ إلا أن يخرج معهما.
فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذا قد فعلت ما فعلت؛ فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة
نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها
معهما.
حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت
بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟
قال: بلى.
قال: فأناخ وأناخ ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه
وربطاه، ثم دخلا به مكة وفَتنَاه فافتتن.
قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم
عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.
قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- المدينة أنزل الله (تعالى) فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: [قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا
تُنْصَرُونَ] [الزمر: ٥٣-٥٤] .
قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام ابن
العاصي.
قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه
وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها.
قال: فألقى الله (تعالى) في قلبي أنها إنما أنزلت فيما كنا نقول لأنفسنا ويقال
فينا.
قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله -صلى الله عليه
وسلم-. أ. هـ.
هذه هي القصة، وهذه هي جهود الفاروق ﵁ في ذلك الوقت،
وإن المرء وهو يمر عليها ليتعجب أشد العجب من أمرين: أحدهما: حرص أبي
جهل، ذلك الذي يسافر، ويقدم ويؤخر، ويبذل، ويستخدم الأساليب الملتوية باسم
البر بالوالدين وباسم الرحم كونه قريباً لعياش بن أبي ربيعة، بل ويصطحب
الحارث بن هشام إمعاناً في القربى، غير مكترث بنجاح النتائج من عدمها، كل
ذلك في سبيل الشيطان والصد عن دين الله، ثم لا يقتصر على ذلك، وبدلاً من
دخول عياش إلى مكة على ناقته مكرماً معززاً نظراً لبره بأمه، فإنهما استخدما
خدعة ماكرة؛ حيث أوثقاه وقيداه حتى يدخل مكة ذليلاً حقيراً كناية عن ذلة من اتبع
محمداً، وإنذاراً لمن سولت له نفسه من قريش سلوك طريق عياش، تماماً كما
تُستخدم بعض الأساليب الشبيهة بذلك ضد الدعاة إلى الله اليوم.
وننتقل إلى الجانب الآخر لننظر إلى ذلك المؤمن الذي يأبى أن يهاجر كما
يهاجر غيره، فنراه يختار صحبة رجلين، قد يكون اختارهما على غيرهما لأمر
أراده من تقوية عزيمتهما وإنقاذهما مما هما فيه من الفتنة، وحيث قد وفق عياش
نجد أن هشاماً لم يستطع اللحاق بهما، ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل نجد فصلاً
آخر يقدمه عمر؛ ألا وهو محاولته إقناع عياش بن أبي ربيعة بعدم الذهاب مع أبي
جهل وكأنه عرف نية أبي جهل المبيتة، فهو هنا يعرض عليه نصف ماله، لا
سلفة وإنما عطاء، كل ذلك ليثبته على الإسلام، وعندما لم تنجح هذه المحاولات
عرض عليه ناقته وهي ذلول نجيبة من أطايب النوق آنذاك حتى ينجو لو رابه أمر، ولكن ابن أبي ربيعة لم يعِ هذه المحاولات.
وهل توقف الأمر عند هذا الحد؟ ، لا؛ بل تعدى إلى الدعوة بالمراسلة، فهو
لم ينس صاحبه الذي حبس ليفتن في دينه، فنجد أن عمراً يسلك طريقة قد غفل
عنها الكثير من الدعاة في هذا الزمن زمن التقدم المادي والاتصال السريع ألا وهي
المراسلة، فأخذ صحيفة كتب فيها هذه الآيات.. ولعل السؤال يبرز هنا: لماذا
يرسل عمر هذه الصحيفة لشخص ربما فتن في دينه؟ وهل سيفهم هشام بن
العاصي الصحيفة؟ وعلى فرض فهمها، هل سيرجع إلى الإسلام كما كان؟ وعلى
فرض ذلك، هل سيهاجر إلى محمد ﷺ وصحبه؟ هذه
استفهامات العاجزين القاعدين، الذين يديرون أمورهم بالنيات فقط.. وبالقول لا
بالعمل، ولكن عمر يلقن هؤلاء هذا الدرس العظيم [وما على الرسول إلا البلاغ]
وقد نجح البلاغ هنا بإذن الله وتحققت جميع هذه الاستفهامات، ونفع الله بهذه
الصحيفة، وهاجر هشام بن العاصي إلى المدينة على يدي عمر ﵁ .
إن جيلاً فيه أناس بنفسية عمر لهو جيل عامل نشيط، وهكذا فلنكن مثل عمر
وبمثل عزمه وحرصه على هذا الدين، إننا إذا كنا كذلك فسنفلح بإذن الله، وسيفتح
الله على أيدينا ما هو مغلق، وينفع الله بنا البلاد والعباد، وقبل ذلك أنفسنا قبل
غيرنا.
стр. 1933
المسلمون والعالم
تطبيع.. ضد الطبع والتطبع ! !
قراءة في نموذج تطبيعي
د.عبد الله عمر سلطان
الصخب الإعلامي والضجيج الصحفي الذي رافق توقيع اتفاق أوسلو قبل أقل
من عامين أصبح من الماضي البعيد، أما الوعود المنهمرة بتحويل غزة وأريحا إلى
سنغافورة أخرى وهونج كونج الشرق الأوسط فقد صارت من النكات السمجةوالمُلح
الباردة.
ليس السؤال لماذا تبخر اتفاق السلام المزعوم؟ ! ولماذا ثبت للمرة الألف أن
الموقعين قد خُدعوا من قِبَل قوم لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة؟ .. وليس الغريب أن
تتوالى الأحداث كقطع الليل الكالح الذي ينشر بؤسه منذ أن وُقع الاتفاق حتى هذه
اللحظة، إنما الاستغراب في سرعة الانهيار وانتشار الحقيقة المرعبة بين المتابعين
لهذا المسلسل البائس.
لقد ولّد الاتفاق منذ اللحظة الأولى إحساساً جماعياً بالكارثة، لا سيما بين الذين
كانوا ولا زالوا يزنون الأحداث بميزان القرآن والسنة، ويستندون إلى التجربة
التاريخية التي تدعم هذه النظرة التي تطل على الواقع من علٍ بينما المتاجرون
بمبادئهم وأوطانهم يصرون على أن هذا الاتفاق هو الخطوة الأولى لعهدالاستقرار
والرفاهية! ! التي لم تطل أبداً.
لقد كان الصوت المعارض للتطبيع والتلميع لأعداء الأمس خافتاً في ذلك اليوم
الأسود.. بينما كان الحِرباويون وسماسرة تسويق المرارة والهزيمة يعيشون أحلى
ساعاتهم وأزهى عصورهم، لقد زال الصراع بين اليهود والعرب واكتشفوا فجأة
أنهم أصدقاء يرعاهم راعي البقر ويوردهم المواضع التي كان واضحاً أن فيها هلاك
البعير العربي ونماء الخنزير الصهيوني..، خرج وقتها من يقول: لسنا
فلسطينيين أكثر من أهل فلسطين، وليس أمام العرب سوى المتاح من فتات الحلول
المتعفنة.. وكأن المسألة مزايدة سياسية اعتادها أولئك الذين لبسوا مسوح القومية
حيناً والناصرية دهراً ثم أصبحوا كيسنجريين أكثر من كيسنجرنفسه في النهاية.
الحقائق هكذا كانت ولا زالت لا تثبت أمامها الأباطيل، والبصيرة الراشدة
حتماً تنتصر على أهازيج المتصهينة، حتى ولو كانت الأولى تقطن بين دفتي كتاب
أصفر قديم بينما الثانية تبث على موجات الأثير أو تلوث الفضاء بدعايتها وكذبها.
هذا بالضبط ما حدث مع اتفاق السلام المزعوم، هذا الاتفاق كان أكثر من
مغالطة.. لقدكان فضيحة وطنية وجرفاً عقدياً سقط فيه أولئك المتعبون البائسون
الذين أصروا على أن يئدوا القضية للتخلص من حملها، بدلاً من تركها تعيش
وتكبر وتجاهد رغم الآلام والصعاب والشوك المنثور..
لقد كانت معارضة اتفاق السلام مبنية على خلفيات شتى، لكن الصوت المسلم
كان أنقى وأوضح وأشجى تلك الأصوات، فإن عارض القوميون الاتفاق ... فلقد
عارضوا التفاصيل وأيدوا جوهر الصلح والتطبيع بل والاندماج بالآخر:
الصهيوني.. ولئن حذّر بعض رفاق الزعيم فلأنهم رأوه وهو يصر على إلقاء نفسه وشعبه في حمى النار الإسرائيلية حيناً، أو لأن الكرسي لم يتسع لهم وله.. ولئن زايدتً طهران وضجت فلأن الاتفاق ومعارضته مكسب للذين لم تجف أيديهم بعد من حبر اتفاق إيران كونترا..
وكعادة العرب بدأ سباق الهرولة المريع نحو اليهود المغتصبين بشكل جماعي
ما عدا بعض الاستثناءات ويلفت نظر المراقب نموذجان، فالأول بلغ شأنه،
وانحصر دوره حالياً في ملاحقة المؤمنين من أبناء شعبه، والتبجح بهذه البطولات
الإسرائيلية مع أنه يُذل ويُهان من قبل اليهود، حتى كأن الذي لا يعرف معنى
العمالة والعبودية لا يحتاج إلا إلى رؤية هذا الزعيم! وهو يلاحق أسياده من
عاصمة إلى أخرى ومن معبر إلى مخبأ يخفي فيه وجهه وجرمه..
أما اتفاق وادي عربة المخجل: فقد أصبح نموذجاً للتطبيع المفروض على
الرقاب والإرهاب المبرمج لقبول الجرثومة الإسرائيلية بوصفها كائناً صحياً ومغذياً
للجسد العربي البادي المرض والهزال.
إن كلمة تطبيع تأتي من كلمة طبيعي أو ما يعني بالإنجليزية Normal التي
معناها: طبيعي، أما جعل الوضع الشاذ طبيعياً فهو ما يعني بالإنجليزية
Normalization؛ فهل يعقل أن يصبح الطبيعي الفطري مفروضاً على الرقاب؟ ! أو هل يمكن أن ينقلب الغاصب إلى صديق حميم والقاتل إلى أستاذ في علم
الفضيلة؟ ! أو اليهودي إلى أخ في العقيدة؟ ! .
لقد كان من عوامل نجاح كشف عوار هذا التطبيع الأعرج أن الصوت المسلم
قد خاطب الناس بما آمنوا به وصدقوه ووعوه؛ خاطبهم بلغة سورة البقرة وآل
عمران، وأشار إلى أن يهود اليوم إنما هم إخوان القردة والخنازير في الأمس، وأن
القدس خير مثال على حقيقة الصراع وأفضل تلخيص للقضية المكلومة.
التطبيع في نموذجه الثالث كان الأسرع، فبعد أن أفطر رابين على المائدة
الرمضانية الرباعية، وطمأنتنا إذاعات وصحف الزحف التطبيعي على أن شهيتة
كانت ممتازة [١] ! ! ! جاء دور إخوانهم البرلمانيين الصهاينة؛ فقد قامت طائرة
خاصة بجلب ٢٩ من النواب اليهود في ليلة رمضانية، وقد وعدوا بأن يكون السلام
مع دولة اليهود نموذجياً! وقبلها بيوم: ألغي قانون أردني سابق يلغي عقوبة
التجسس لحساب إسرائيل! كما يلغي قانون حظر بيع العقارات للإسرائيليين، ثم
تلا ذلك تسريح ربع الجيش، لأن إسرائيل أصبحت دولة غاية في التهذيب واللطف، وهي استراتيجياً لا تمثل خطراً! ! ، فهي لاتفكر في امتلاك أسلحة نووية
وكيماوية وجرثومية! ! إنما همها الأوحد تنظيف الجو من خطر التلوث الأصولي
الذي أعياهم جميعاً وأقض مضجعهم بلا استثناء! !
لقد وصل شهر العسل هنا إلى حد أن يتصل رابين بكلنتون شخصياً حتى
يلغي قرار تخفيض المساعدة الأمريكية للأردن من ٤٠٠ مليون إلى ٥٠ مليون
دولار.
إن التطبيع الحكومي هوتطبيع فوقي بين حكومات لا تتمتع حتى في حالة
اليهود بشعبية كاملة، أما الخطر الحقيقي فهو التطبيع بين الشعوب والذي يُشهر
هجمةً لابد للصوت المسلم أن يتصدى لها كما تصدى للاتفاقات الرسمية التي تعيش
الآن في غرفة الإنعاش بالرغم من الكمية الهائلة من المغذيات والأدوية التي تحقن
بها صباح مساء.
إن التطبيع الثقافي يرمي إلى زعزعة الثوابت العقدية، وإلى إشاعة الفاحشة
والتحلل والتعلق بالرموز اليهودية والنماذج الصهيونية أو تلك التي تسير في
ركابها.. لقد قامت إذاعة أردنية ببث بعض أغاني اليهود ثم تلا ذلك زيارة لفرقة أردنية مشبوهة ل (حيفا) من أجل إثبات تطور واندماج الشعب الأردني المسلم باليهود كما زعموا.. لكن في المقابل قامت ردود فعل شعبية مضادة لهذه الشذوذات من ضمنها قيام سيدتين بتقديم قضايا إلى المحكمة ضد التطبيع وسماسرته.. فالشعوب تدرك أن لها دوراً في وقف نزيف الكرامة، والمنطق الذي جرى بتسارع ملفت للنظر منذ المبادرة الساداتية، وحتى الولائم الأخيرة، ولذلك صرح الملك حسين بأن هذا السلام هو تكملة لما بدأه القادة العرب التاريخيون.. إن أولئك أنجبوا تطبيعاً بارداً، إلا أن التوجه الأخير يكرس للتطبيع الذي يخالف الطبيعة والطبع والتطبع! .
стр. 1934
المسلمون والعالم
الصهيونية واليهودية
د. محمد آمحزون
استقر تعريف الصهيونية في المصطلح السياسي على أنها: حركة يهودية
دينية سياسية تهدف إلى إعادة مجد إسرائيل بإقامة دولة يهودية في فلسطين، وهي
تمزج بين السياسة والدين وتتخذ الدين ركيزة تقوم عليها الدعوة السياسية [١] .
كما جاء تعريفها بأنها: دعوة وحركة عنصرية دينية استيطانية تطالب بإعادة
توطين اليهود وتجميعهم، وإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين بواسطة الهجرة
والغزو والعنف كحل للمسألة اليهودية [٢] .
لقد تأثر العديد من المفكرين اليهود بالنزعة القومية العنصرية التوسعية التي
سادت أوروبا في القرن التاسع عشر، مثل هيرش كاليشر (١٧٩٥-١٨٧٤م) في
كتابه البحث عن صهيون، وموشي هس (١٨١٢-١٨٧٥م) في كتابه روما والقدس، وليوبينسكر (١٨٢١-١٨٩١م) في كتابه التحرير الذاتي.
ثم بدأت الصهيونية تتغلغل وتنتشر أكثر بين اليهود منذ عام ١٨٨١م عندما
اضطرت أعداد ضخمة منهم إلى النزوح عن روسيا على إثر المجازر التي تعرضوا
لها بعد اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني، وإلى قيام جمعيات أحباء صهيون
التي طرحت مسألة استيطان اليهود لفلسطين وغزوها عن طريق الهجرة كاحتمال
عملي، كما درست إحياء اللغة العبرية لتصبح لغة غالبية اليهود عوضاً عن
اليديشية، وقد تمكنت حركة البيلو من إيصال عشرين مستعمراً يهودياً عام ١٨٨٢م
كانوا طلائع الهجرة الأولى إلى فلسطين؛ وأوجدوا عدة مستعمرات صهيونية شكلت
المراكز الأساسية للاستعمار الزراعي الصهيوني في المراحل اللاحقة [٣] .
إلا أن أحد أعضاء جمعيات أحباء صهيون البارزين وهو آحاد هاعام ذهب
إلى إعادة النظر في فكرة إقامة المستعمرات، وأخذ يركز على ضرورة الحفاظ على
القيم الروحية اليهودية، وأكد بأن طريق وقف الانحلال الروحي اليهودي في نظره
هو إقامة مركز روحي لليهودية في فلسطين يعيد لليهود حيويتهم ووحدتهم ويؤدي
في النتيجة إلى تحقيق الحلم القومي اليهودي، وسُميت صهيونيته بالصهيونية
الروحية [٤] .
وبادر أنصار آحاد هاعام لأجل هذا الغرض إلى تشكيل جمعية بني موسى،
وتتلمذ على يده عدد من المثقفين اليهود [٥] .
وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر: اعتنق صحفي يهودي من فيينا هو
تيودور هرتزل الفكرة الصهيونية على أثر موجة من العداء لليهود في أوروبا، وقام
بتأليف كتاب حول المسألة اليهودية شرح فيه تصوره ووجهة نظره لحل المسألة
اليهودية بعنوان الدولة اليهودية في عام ١٨٩٥م [٦] .
وبعد عامين من هذا التاريخ تمكن هرتزل من عقد المؤتمر الصهيوني الأول
بحضور (٢٠٤) من المندوبين اليهود يمثلون جمعيات صهيونية متناثرة في أرجاء
مختلفة من العالم، وتمخض هذا المؤتمر عن تحديد أهداف الحركة الصهيونية فيما
عرف ببرنامج (بال) ، وإنشاء الأداة التنظيمية لتنفيذ هذا البرنامج، وهي: المنظمة
الصهيونية العالمية، وقد حدد المؤتمر هدف الصهيونية على أنه خلق وطن لليهود
في فلسطين بواسطة الهجرة وربط يهود العالم بهذا البرنامج [٧] .
وتعتبر صهيونية هرتزل صهيونية سياسية لأنها حولت المشكلة اليهودية إلى
مشكلة سياسية وأوجدت حركة منظمة محددة الأهداف والوسائل [٨] .
أما الصهيونية الدينية فقد اتخذت شكلاً تنظيمياً عام ١٩٠٢م بقيام حركة
مزراحي تحت شعار أرض إسرائيل لشعب إسرائيل حسب شريعة توراة إسرائيل،
وتحت شعار آخر التوراة والعمل، ويرى هؤلاء أن اليهود أمة متميزة عن غيرها،
لأن الله في زعمهم هو الذي أسسها بنفسه، وأن وحدة الوجود اليهودي تتمثل بالتحام
اليهود والتوراة وفلسطين، ذلك الالتحام الذي يفجر عبقرية اليهود، ولحركة
مزراحي هذه فروع في كل العالم، ويتبعها الحزب الديني القومي والعديد من مزارع
الكيبوتز والموشاف والكثير من المدارس التلمودية [٩] .
وظهرت تيارات صهيونية أخرى مثل الصهيونية التنقيحية، ومن روادها:
جابو تنسكي الذي عرف هو وأتباعه بالتشديد على أهمية بناء قوة عسكرية صهيونية
كبيرة لغزو فلسطين وبناء الدولة اليهودية بالقوة، ويمثل حزب (حيروت) اليميني
بقيادة بيغن وشارون التيار التنقيحي داخل إسرائيل [١٠] .
ومن هذه التيارات: الصهيونية العملية التي كانت تطالب بالاعتماد على
الجهود الذاتية اليهودية والمباشَرة ببناء الوطن القومي لليهود. وكان وايزمان وابن
غوريون أهم دعاة هذا الأسلوب [١١] .
ومنها: الصهيونية العمومية التي تستند إلى المطالبة بالمصلحة القومية
بصرف النظر عن الانتماء الطبقي، وقد نشط أصحاب هذا الاتجاه في تجميع المال
لتثبيت جهود الاستيطان اليهودي في فلسطين [١٢] .
ومنها كذلك: صهيونية الدياسبورا (الشتات) التي تتبنى الصهيونية الثقافية
فيما يتعلق بالنظرة إلى إسرائيل على أساس أنها مركز اليهودية الثقافي أو
الروحي [١٣] .
ومن هذه المدارس أيضاً: الصهيونية العمالية، أو الاشتراكية، ولعل أهم
تيارات هذه المدرسة هي مدرسة جوردون التي ركزت على فكرة اقتحام فلسطين،
وركزت أيضاً على العمل باعتباره وسيلة من وسائل التخلص من عقد المنفى
وصهر القومية اليهودية الجديدة [١٤] .
وجدير بالإشارة إلى أن العقيدة الصهيونية وأبعادها الدينية والتاريخية تشكل
الخلفية النظرية وقاعدة الارتكاز اليهودي في إسرائيل، بدءاً من الناحية التشريعية؛
كقانون العودة (١٩٥٠م) الذي يقضي بحق كل يهودي في الجنسية الإسرائيلية،
مروراً بالقول: إن فلسطين هي موطن يهود العالم باعتبار الأقدمية والاستمرارية
التاريخية لمدة ألفي سنة، وإن يهود اليوم يشكلون على هذا النحو قومية تمتد إلى
آلاف السنين من التاريخ.
يقول الزعيم الصهيوني ديفيد بن جوريون: إن إسرائيل قد تكون أحدث دول
العالم، ولكن الشعب اليهودي له وجود عمره أربعة آلاف عام متتالية [١٥] .
ومن هنا: فإن توسع الكيان الإسرائيلي يجد تبريره الجاهز في مفهوم إسرائيل
الكبرى أو إسرائيل التاريخية في شعار من الفرات إلى النيل.
ومما لا شك فيه أن التيارات والمدارس الصهيونية المختلفة وإن تنوعت
أساليبها واختلفت وسائلها فهي تتفق في الجوهر، وتتبنى كلها نسقاً أيديولوجياً واحداً، وتتحد حول الهدف المرسوم، ألا وهو: حل مشكلة اليهود عن طريق استيطان
فلسطين بطريقة جماعية وإقامة دولة يهودية صهيونية.
فهذه المدارس كلها تبرر نقل اليهود إلى فلسطين بمعاذير مختلفة، لكنها تصبّ
في اتجاه واحد هو: تهجير الفلسطينيين بالقوة وإبعادهم عن طريق طردهم
ومصادرة أراضيهم، فنقل اليهود من المفهوم الماركسي يتم لأسباب أممية اشتراكية، وأما من المنظور الليبرالي فيتمّ لأسباب ديمقراطية وتاريخية، ولكن يظل الإجماع
قائماً رغم اختلاف القناعات الفكرية حول الفكرة الصهيونية ذاتها.
إن علاقة الصهيونية باليهودية علاقة عضوية حيث لا تنفك إحداهما عن
الأخرى، وبالتالي يمكن القول: إن الصهيونية واليهودية وجهان لعملة واحدة؛ وما
الماركسية والليبرالية إلا قناعان يستعملهما اليهود لتمرير مخططاتهم وخدمة أهداف
الصهيونية القريبة والبعيدة.
والدارس عبر التاريخ لليهود بوصفهم شعباً له صفاته وخصائصه المميزة يجده
شعباً شريراً، خائناً، ملتوياً، خبيث الطوية، ماجن السلوك، عنصرياً، مغروراً،
جشعاً، يستغل الآخرين، يثير الفتن، ويبيت المؤامرات ضد الأمم والشعوب
الأخرى [١٦] .
وهكذا: فالناظر في عقلية ونفسية القوم لا يجد على الإطلاق اختلافاً في
الصفات والخصائص بين اليهودية والصهيونية بوصفهما توأمين يتفقان في الأسس
والمبادئ والأهداف، وهي:
-المحافظة على تميز العنصر اليهودي.
-العمل من أجل العودة إلى أرض الميعاد.
-السيطرة على جميع شعوب الأرض وتسخيرها لخدمة الجنس اليهودي.
وعلى الرغم من الدعاية الواسعة التي نشرتها بعض الحركات الصهيونية في
أوساط الرأي العام العالمي حول اشتراكيتها وماركسيتها، فالحقيقة تبقى أن الشيوعية
بصفة عامة والمؤسسات الصهيونية العمالية أو الاشتراكية بصفة خاصة هي في
جوهرها العملي أدوات ومؤسسات لخدمة مصالح إسرائيل قبل قيام الدولة وبعدها.
ولعل ما يعكس بوضوح هذه الرؤية تيار اليهودي الصهيوني بورخوف الذي
حاول توظيف المنهج الماركسي في خدمة رؤيته الصهيونية، فأكّد الأساس الطبقي
والاقتصادي للصهيونية، وخلُص من تحليله إلى حتمية الحل الصهيوني وسيلةً
لتزويد كل الطبقات اليهودية الهامشية بقاعدة الإنتاج أو الأرض المقدسة في
المصطلح التقليدي [١٧] .
وليس البناء الاقتصادي في إسرائيل إلا نتاجاً لنشاطات الصهيونية العمالية
الاشتراكية بالدرجة الأولى، فالهستدروت (اتحاد نقابات عمال إسرائيل) والكيبوتس
(المزارع الجماعية) والهاجاناه والبالماخ (منظمات عسكرية صهيونية) هي الأدوات
التي استخدمها الصهاينة الماركسيون في تحويل جزء من فلسطين إلى دولة
صهيونية، وهذه المؤسسات أوجدتها الصهيونية العمالية المرشحة منذ البداية لهذا
الدور، لأنها هي التي استقطبت يهود شرق أوروبا الذين تمّ تهجير بضعة آلاف
منهم وزرعهم في فلسطين، الأمر الذي عجز عنه تماماً الصهاينة السياسيون
والثقافيون والدينيون [١٨] .
ومن الواضح جداً أن اليهودي سواء أكان ماركسياً أم رأسمالياً إنما يؤمن بفكرة
رئيسة وهي العودة لأرض الميعاد لتأسيس دولة يهودية تعبّر عن الروح الخالدة
للشعب اليهودي، وهذه هي نقطة البداية والنهاية بالنسبة لجميع اليهود بغض النظر
عن انتماءاتهم الحزبية أو المذهبية التي ينبغي أن تكون في خدمة الأمة اليهودية أولاً
وأخيراً.
وقد تنبه كثير من اليهود لهذا الجانب في الأيديولوجية الصهيونية؛ فالحاخام
لانجلو يشير إلى أن البرنامج الصهيوني يدور حول فكرة واحدة، وكل القيم الأخرى
إن هي إلا أداة في يد هذا المطلق (الأمة) [١٩] .
ويقول موشي ليلينبلوم: إن الأمة كلها هي أعزّ علينا من كل التقسيمات
المتصلة المتعلقة بالأمور الأرثوذكسية أو الليبرالية في الدين، فعندما يتعلق الأمر
بالأمة يجب أن تختفي الطائفية.. فلا مؤمنون ولا كفار، بل الجميع أبناء إبراهيم
وإسحاق ويعقوب.. لأننا كلنا مقدسون، كل واحد منا، سواء أكنا غير مؤمنين أو
أرثوذكسيين [٢٠] .
ولذلك فلا الماركسيون اليهود يصرون على ماركسيتهم؛ فحزب المابام
اليسارى مثلاً أيّد التدخل الأمريكي في فيتنام، ولم يعارض الاستثمارات الأجنبية
والخاصة في إسرائيل، ولا الليبراليون الرأسماليون يصرون على ليبراليتهم
ورأسماليتهم؛ فحزب الماباي يدخل في تحالف مع الأحزاب الدينية مطلقاً يدها في
كثير من جوانب الحياة في إسرائيل العلمانية! ! ، كما أن الأحزاب اليمينية لا
ترفض التحالف مع الأحزاب اليسارية، وتقبل بعض السمات الاشتراكية أو
الجماعية التي تتسم بها الحياة في إسرائيل، والجميع في حالة الحرب يقفون صفاً
واحداً إذا كان الأمر يتعلق بإبادة الفلسطينيين [٢١] أو شن حرب ضد الإسلام
والمسلمين.
كما أن التنسيق بين يهود الشتات يسير في الاتجاه نفسه نحو التكامل للسهر
على مصالح الدولة العبرية، فنشاطهم يمارس من خلال المساعدات المالية الضخمة
والأعداد البشرية الموجهة لدعم الدولة الصهيونية في إسرائيل؛ فوفق خطة محكمة
يقدم يهود أوروبا الشرقية وروسيا الدعم البشري، ويقدم يهود أوروبا الغربية
والولايات المتحدة الأموال والضغط الدبلوماسي من أجل مصلحة إسرائيل.
إن الخلاف بين العلمانيين والمتدينين الصهاينة هو خلاف أسلوب لا مضمون، إذ لا يختلفون في الأسس والمبادئ، كما يتفقون حول الغايات والأهداف لخدمة
إسرائيل وأمنها ومستقبلها.
ويمكن أن يتساءل المرء: لمن ولاء اليهود؟ ، إن الإجابة على هذا السؤال
نجدها في ثنايا كتابات وتصريحات اليهود أنفسهم؛ يقول وايزمان: إن في أعماق
كل يهودي صهيونياً كامناً [٢٢] ، ورسم ابن جوريون صورة للمحامي اليهودي ...
الخالص الذي يلعب دوراً تخريبياً خارج وطنه القومي، ويعارض الدولة ...
وقوانينها.. أما داخل الوطن القومي فإنه سيلزم نفسه بغرس غريزة توقير الدولة ... والقانون واحترامهما [٢٣] . ...
ويعتقد فيلسوف الصهيونية موشي هس أن اليهودي لا يمكن أن يفرّ من تميزه
وانتمائه للشعب المختار والمضطهد بقوله: عبثاً يختبئ هؤلاء اليهود العصريون من
مسرح جريمتهم وراء مواقعهم الجغرافية أو وراء آرائهم الفلسفية ... قد تقنّع نفسك
تحت ألف قناع، وقد تغير اسمك ودينك وطباعك، وقد تسافر حول العالم متخفياً
كي لا يكتشف الناس أنك يهودي، لكن أي إهانة موجهة للاسم اليهودي ستؤلمك
بحدة يفوق إيلامها ذلك الرجل المخلص ليهوديته المدافع عن شرف الاسم
اليهودي! [٢٤] ، وهذه الرؤية للبعد الديني أو اليهودي في الصهيونية تنعكس في موقف مفكرين صهاينة آخرين مثل الأديب الإسرائيلي آهارون ميجد عضو حركة العمل الذي يعلق على هذه الظاهرة بقوله: ... لقد ذهبت نظرية (دين العمل) إلى سبيلها، وجاء دين آبائنا ليملأ المكان الخالي، هل هذا سيء للغاية؟ هل هذا أسوأ من الفراغ المطلق؟ ففي ليلة عيد الغفران على الرغم من كل هذا ستكون الشوارع هادئة ونظيفة، والسيارات لن تصرخ، وتغلق المطاعم أبوابها، ولن يدوي التلفزيون من كل نافذة، وسيسود الإحساس بالعيد كل شيء، وبدلاً من أن تتجول العصابات في المدينة، فإنه سيكون من الأفضل لها أن تدخل إلى المعابد لتستمع إلى الصلاة [٢٥] . ...
ومن الملاحظ أن الرؤية الصهيونية للتاريخ تأثرت بالرؤية اليهودية القديمة
تأثراً كبيراً، حتى إنهما يتشابهان في البنية، فبوبر يرى أن تاريخ اليهود هو تاريخ
يتدخل فيه الرب، ويفرق بوبر بين التاريخ: التجربة التي تعيشها الأمم، والوحي: وهو التجارب المهمة الخالصة التي يعيشها الأفراد، ويرى أنه حينما يتحول
الوحي إلى أفكار يفهمها جمهور الناس ويؤمنون بها، فإنها تصبح عقائد، هذا هو
الوضع بالنسبة لسائر الأمم، أما بالنسبة لإسرائيل فالأمر جد مختلف؛ إذ إن ثمة
تطابقاً كاملاً بين الوحي والعقيدة والتاريخ، إن إسرائيل تتلقى تجربتها الدينية
الحاسمة كشعب؛ فليس النبي وحده هو الذي تشمله عملية الوحي، بل المجتمع كله
على حد زعمه وإن مجتمع إسرائيل يعيش التاريخ والوحي ظاهرة واحدة التاريخ
وحي والوحي تاريخ [٢٦] .
وهكذا يتحول اليهود في منظور الصهاينة كما هو الحال تماماً مع الرؤى
الدينية الإسرائيلية القديمة إلى شعب من الأنبياء، ويتحول تاريخهم إلى وحي
مستمر، ولذا: فاليهود بحسب تصور بوبر: أمة تحمل وحياً إلهياً عبر تاريخها
المقدس [٢٧] .
ويقول نحمان سيركين الزعيم الصهيوني العمالي: إن الفيلسوف المتصوف
والمفكر الاشتراكي يتفقان على خصوصية التاريخ اليهودي وقدسيته كما يتفقان على
تداخل التاريخ المقدس والتاريخ الإنساني [٢٨] .
وكما كان اليهود القدامى يرون أن تاريخ الشعب اليهودي محطّ اهتمام الرب،
وأنه مركز الحركة التاريخية، خلع الصهاينة المركزية والإطلاق نفسيهما على
تاريخ الشعب اليهودي؛ فالتاريخ الإنساني كله يدورحول الأمة اليهودية التي تقف
في وسطه لتجسد فكرة وجود الله التي تمثل حجر الزاوية في حركة التاريخ نحو
الخلاص كما يقول بوبر [٢٩] .
وكما أن وجود الماشيح المنتظر أساسي لإضفاء معنى على التاريخ اليهودي:
فوجود اليهود في التاريخ الإنساني أساسي لإضفاء معنى على هذا التاريخ في الرؤية
الصهيونية؛ إن تأمين نظام العالم الذي يترنح بين عواصف الحروب الدموية
يتطلب بناء الدولة اليهودية، وبناءُ كيان الشعب وإظهار روحه هما عملية واحدة لا
يمكن الاستغناء عنها لإعادة بناء العالم المهتز الذي ينتظر القوة العليا الموحدة
الموجودة في تجمع إسرائيل المقدس [٣٠] .
وهس العلماني له رأي مماثل شرحه في كتابه روما والقدس: إن تاريخ
الإنسانية أصبح مقدساً من خلال اليهودية [٣١] .
وخلاصة القول: إن الصهيونية واليهودية إنما تعبران عن فلسفة واحدة
متكاملة، وهي تتخطى الخلافات السطحية بين اليهود لتصل إلى البنية الفكرية
الكامنة وإلى النسق الأيديولوجي الواحد بغض النظر عن التنوع والاختلافات، وإن
العلاقة بينهما مركبة إلى حد بعيد، إذ إن الأفكار الأساسية للأيديولوجية الصهيونية
مستقاة من العقيدة اليهودية، وليس أدل على البعد اليهودي لدولة الصهاينة من اسم
دولتهم، وشعار حكومتهم، وشكل علمهم ذي اللونين الأبيض والأزرق لون الطاليت
(شال الصلاة اليهودي) تتوسطه نجمة داود، ويتحدث نشيده القومي عن عودة إلى
وطنه تذكّر المرء بالعودة إلى العصر الماشيحاني، واسم الدولة (إسرائيل) ، واسم
البرلمان الذي يجتمع فيه ممثلو الشعب اليهودي (الكنيست) أي: المعبد، والدستور
غير المدون عندهم الذي يعتبر التوراة هي الدستور الأعلى في إسرائيل، إضافة
إلى عشرات الرموز والشعارات الدينية التي استقاها الإسرائيليون الصهاينة من
تراثهم الديني في ميادين الحرب والسلام ومراحلها وأدواتها وعملياتها وآلياتها.
فإسرائيل بالمعنى الديني هي نفسها إسرائيل الشعب بالمعنى العرقي، وهي
نفسها إسرائيل الدولة بالمعنى الصهيوني، وكلها تجليات للجوهر نفسه.
وهذه الفكرة جديرة بالإشارة إليها وبخاصة بالنسبة لأولئك الذين لا يدركون
المقومات التي تربط بين هذه المفاهيم الثلاثة، فيظنون أن ليس ثمة علاقة عضوية
بين الصهيونية واليهودية [٣٢] .
إن ممتلكات إسرائيل القومية العزيزة على قلوب اليهود وهي الأرض واللغة
والتاريخ والعادات هي القاسم المشترك بين اليهودية والصهيونية، بصرف النظر
عن انتماء اليهود الحزبي أو الطائفي أو الأيديولوجي؛ ولذلك: فإن محاولة
الماركسيين العرب تجريد اليهود الماركسيين من خلفيتهم الصهيونية إنما هي محاولة
لتزييف الحقيقة، والغرض منها إبعاد كل شبهة عن المذهب الماركسي الشيوعي! ! .
стр. 1935
المسلمون والعالم
الصومال
بين أسياد الحرب وأسياد الفقر
محمد عثمان
بعد مرور أسبوعين من انسحاب قوات الأمم المتحدة من الصومال مازال
وضع هذا البلد المنكوب في حالة من الفوضى، حيث لا يوجد حتى الآن حكومة
مركزية فضلاً عن مصالح عامة تقيم للناس شؤونهم اليومية.
وبعد انسحاب الأمم المتحدة ساد الخوف مجدداً من اندلاع حرب قبلية جديدة
في العاصمة، وبالتالي حرب شاملة في المناطق الأخرى.
الوضع الحالي في البلاد:
مازال كل من الجنرال محمد فارح عيديد والرئيس علي مهدي محمد يسيطر
كل منهما على شطر من المدينة التي دمرتها حرب ٩١-١٩٩٢م؛ فبينما يحاول
عيديد فرض سيطرته على المطار والميناء يحاول علي مهدي إقناع حلفائه بعدم
السماح لـ عيديد تولي رئاسة البلاد، إذ إن عيديد هو الأقوى عسكرياً والأكثر كفاءة
وتنظيماً، إلا أن علي مهدي يعتمد على الكثافة القبلية بجوار العاصمة.
وفي (كسمايو) عاصمة (جوبالاند) يتصارع كل من الجنرال محمد سعيد
حرسي مورجان صهر الرئيس السابق والعقيد أحمد عمر جيس، والأول يسيطر
على (كسمايو) حتى الآن، وتوقُع اندلاع حرب بينهما محتمل في أي وقت، وتعتبر
منطقة (جوبالاند) من المناطق الخصبة وذلك لمواردها السمكية والزراعية ووجود
الميناء الرئيس في المنطقة بها.
وفي شمال شرق البلد يتصارع على السُلطة هناك كل من الجنرال محمد أبشر
موسى والعقيد عبد الله يوسف ونتج من هذا الصراع تدهور أحوال المعيشة في
المنطقة وإغلاق ميناء (يوصاصوا) المصدر الرئيس للمعيشة في المنطقة.
وفي شمال غرب البلاد (جمهورية أرض الصومال) التي أعلنت الانفصال:
فإن الوضع في غاية الخطورة وبخاصة بعد اندلاع الحرب في شهر نوفمبر ١٩٩٤م
في مدينة (هرجيسا) ثاني أكبر المدن بين أنصار أحمد محمد علي (تور) والرئيس
محمد إبراهيم عجال، ونتج من هذا قتل أكثر من مائة شخص ولجوء آلاف منهم
إلى مخيمات داخل أثيوبيا.
وبالإمكان رسم خارطة التحالف الحالي كما يلي:
الجنرال محمد فارح عيديد الرئيس علي مهدي محمد
(جنوب مقديشو) ... ... ... (شمال مقديشو)
العقيد عبد الله يوسف ... ... الجنرال محمد أبشر موسى
العقيد أحمد عمر جيس ... الجنرال محمد سعيد حرسي
عبد الرحمن أحمد علي (الأحدب) الرئيس محمد إبراهيم عجال
والسؤال هنا: من هو الذي ترجح كفته ضد خصمه، ومن هو الأقرب
للرئاسة؟
قبل الإجابة لابد من معرفة مواقف القوى الفاعلة التي يمكن أن ترجح كفة
طرف دون آخر، وهناك أربع قوى رئيسة لها أثر في المنطقة:
١- الدول العربية: فبعد انهيار الشيوعية لم يبق للصومال أهمية استراتيجية
لمنطقة الخليج العربي، وبالتالي: فإنه لا يوجد أي حل عربي حتى الآن، وليس
للدول العربية مَيْلٌ لتأييد مجموعة ضد أخرى، عدا السودان الذي أيد فارح عيديد
في البداية وسانده بمساعدات محدودة.
٢- موقف دول السوق الأوربية المشتركة (EEC) : وهو حتى الآن غير
واضح وبخاصة في تعاملهم مع أمراء الحرب، إلا أن الذي يظهر أن إيطاليا هي
صاحبة القرار في شؤون الصومال، وموقفها معروف بميولها إلى الرئيس المؤقت
علي مهدي محمد ومعروف أن إيطاليا تريد حلاً سريعاً للأزمة حتى تتمكن من
الاستفادة باستثمارها الزراعي (الموز) في القسم الجنوبي من البلاد.
٣- الدول الإفريقية المجاورة (الحبشة إرتريا كينيا أوغندا السودان) : وجميعها
تؤيد عيديد نظراً لتوجه جل زعماء العالم الثالث بالوقوف مع الأقوى عسكرياً، إلا
أن هذه الدول نفسها تعاني من حروب داخلية وبالتالي فإنه من المستبعد أن يتقدموا
بحل لأزمة الصومال.
٤- أمريكا وموقفها المتردد في تأييد طرف دون آخر: فتأييدها لعيديد يجعلها
تشعر بالحرج أمام أصدقائها في العالم الثالث، ويحيي هذا آلاماً وسط الشعب
الأمريكي الذي مازال يتذكر قتلى قوات المارينز هناك، لذا: فإن إمريكا لا يمكن
أن تختار عيديد رئيساً، ويمكن أن تأتي ببديل من قبيلة عيديد نفسها، ولعل عثمان
عاتو وهو تاجر كبير ربما يتمتع بتأييد أمريكي (١) على أن يقنع عاتو الجنرالَ
عيديد بعدم استخدام القوة ضد خصمه مهدي محمد، وأن يوضع المطار والمرفأ
تحت إدارة مكونة من الطرفين، ويؤيد هذا الرأي التجار وبعض الضباط الكبار
أمثال محمد نور جلال.
خيبة إعادة الأمل:
إن تجربة أمريكا والأمم المتحدة في الصومال والتي سميت بإعادة الأمل لم
يكن لها من اسمها نصيب؛ حيث كانت تجربة قاسية وتعتبر مهمة فاشلة حيث
خرجت قواتها ولم يتغير من الوضع شيئاً، ولم تخلف الأمم المتحدة أي مرفق حيوي
سواء أكان ذلك مدرسة أو مستشفى، كما أنها لم تكوّن إدارة مناسبة رغم أن تكلفة
وجودها الذي يقدر بثلاثة بلايين دولار وخسارة أكثر من ١٤٠ فرد من ذوي القبعات
الزرقاء. والمستفيدون من هذا الوضع هم أمراء الحرب (الجنرالات المعروفون)
وأمراء الفقر (أي: هيئات الإغاثة النصرانية) التي تتاجر باسم الإغاثة لتنصر
وتنهب خيرات هذا الشعب المنكوب.
الحل الإسلامي:
يرى المتابع أن الحل الإسلامي غائب، حيث لم يتسن تبني الطرح الإسلامي
من الأساس من أطراف النزاع، بل كانت المسألة فيما بينهم هي حرصهم على
الحصول على مصالح شخصية ليس إلا، وذلك يعود لأسباب كثيرة من أبرزها:
التركيبة القبلية للشعب الصومالي، بالإضافة إلى العوامل الداخلية وهي اختلاف في
تشخيص الازمة وإيجاد حل لها.
ولعل الأصوب تكوين مجلس للعلماء والمشايخ والدعاة البارزين كالشيخ
شريف عبد النور والشيخ محمد نور قوي والشيخ محمد معلم حسن والشيخ علي
ورسمه والشيخ عمر الفاروق وغيرهم، يقوم بدور القيادة وطرح الحلول للأزمة
وفصل القبائل المتصارعة ومحاولة الصلح بينها.. إلى غير ذلك من المحاولات
التي تجمع كل الفعاليات القائمة في الساحة على كلمة سواء لمحاولة انتشال البلاد
من ويلات الحرب وليعود للشعب الصومالي دوره المأمول في حياة مستقرة ومعيشة
كريمة.
وللمقال بقية ...
стр. 1936
المسلمون والعالم
جهود المنصرين في كينيا ..
أضواء على الخطط القائمة لاستئصال المسلمين
خلفان خميس إسماعيل
إن المسلمين في العالم العربي والإسلامي بعد سقوط الأندلس ضعفت قواهم
فأصبحوا كالصيد الجريح يحمل الموت والحياة معاً.
أما النصارى فلما دانت لهم بلاد المسلمين في الأندلس، لم يكتفوا بإعمال
السيوف في رقاب المسلمين يقتلونهم دون رحمة ولا شفقة فحسب، بل ازدادت
قلوبهم عطشاً لدمائهم؛ فكشروا عن أنيابهم وشرعوا يلاحقون المسلمين أينما وجدوا، فنزلت سفنهم تضرب البحار فيما سُمّيت زوراً وبهتاناً بالكشوف الجغرافية بحثاً
عن المسلمين، ومحاولة تطويق العالم الإسلامي.
فتحركوا نحو الجنوب مروراً برأس الرجاء الصالح، وكانوا لا يمرون بمدينة
إلا وأنزلوا فيها بأسهم وبطشهم ينشرون الرعب بين المواطنين قتلاً وتشريداً.
ولما وصلوا إلى (مُمباسا) المدينة الإسلامية على الساحل الكيني قتلوا أهلها
المسلمين في مذابح جماعية، ثم حرقوها خمس مرات! ، وفعلوا مثل ذلك في مدينة
(غيدي) و (لامو) وغيرها، باستثناء مدينة (ماليندي) حيث صالحهم أميرها، وقدم
لهم المساعدات ليواصلوا رحلتهم الاستكشافية! ! المزورة على التاريخ.. والذي
يثير الأسف: أنه أثناء تواجد البرتغاليين في (مُمباسا) بنوا قلعة يسوع لنشر
المسيحية، كما بنى فاسكو دي جاما منارة في مدينة (ماليندي) ، وكل ذلك مما يدل
على أن الكشوف الجغرافية عندهم تعني تعذيب المسلمين ونشر المسيحية.
هذه الرحلات كانت واضحة الأهداف والوسائل، ومثلها مثل كل الرحلات
التي يقوم بها الصليبيون في العالم الإسلامي؛ يدرسون مداخله ومخارجه، ثم
يرجعون إلى حكوماتهم ليدلوها على منافذ التسلل إلى بلاد المسلمين، وإلا.. فهل
كانت هذه البلاد المكتشفة! خالية من السكان؟ أولم يكن يعرفها أحد على
الإطلاق؟ ! .
من المعروف أن الأوربيين لما وصلوا إلى ما يسمى (بالعالم الجديد) ولم يكن
جديداً أبادوا السكان الأصليين وهم (الهنود الحمر) .
وهذا يعني: أن هذه البلاد كانت آهلة بالسكان قبل مقدم المكتشفين، وكذلك
كان الحال في إفريقيا شرقها وغربها، إذن: تسمية هذه الرحلات استكشافية افتراء
وتزوير على التاريخ، لقد كانت تلك الرحلات تنصيرية بكل معاني الكلمة، سواء
أكان ذلك من حيث الدافع أو من حيث الهدف والوسيلة.
وماذا بعد اللعبة الخبيثة؟ :
وبهذه اللعبة الخبيثة تعتبر الكاثوليكية هي الطائفة الأولى وصولاً إلى شرق
إفريقيا وذلك في الموجة الأولى تحت ستار (الكشوف الجغرافية) التي قام بها فاسكو
دي جاما وأعوانه في القرن الخامس عشر، إلا أن هذه الموجه لم تؤت أكلها لعدم
اعتناق النصرانية إلا من قِبَلِ نفر قليل، وقد تغلب العُمانيون عليهم بعد حروب
دامت قرنين من الزمن، وفي القرن التاسع عشر: هبت الموجة النصرانية الثانية
على بلاد شرق إفريقيا، وعاودت الكرّة من جديد، وكانت البروتستانتية هي الرائدة
في هذه الموجة وبأسلوب يختلف عن أسلوب الموجة الأولى، ولما جاء الاستعمار
البريطاني عام ١٨٨٤م أخذ العمل التنصيري طابعاً رسمياً؛ وذلك بوقوف الحكومة
البريطانية مع رجال التبشير، وتقديم الدعم السخي في سبيل نشر النصرانية
بمختلف الوسائل. ومما يلاحظ: أن النشاط التنصيري آنذاك كان قاصراً على
المناطق الساحلية ذات الأغلبية المسلمة في الموجة الأولى، لكن في بداية الموجة
الثانية أي: من القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين بدأ التسلل إلى عمق
الأراضي الكينية، وبدأت الإرساليات التنصيرية الأجنبية المتمركزة في المنطقة
الساحلية تنتقل إلى الداخل، عملاً بنصيحة المؤتمرات التنصيرية بأن يسبقوا
المسلمين إلى الوثنيين.
وفعلاً أسسوا مراكزهم من: مدارس، ومستشفيات، وكنائس، وغيرها في
مختلف المناطق الداخلية الوسطى والغربية مثل: (فوي) و (ليمورو) و (كيسومو)
وغيرها.
وبعد الحرب العالمية الأولى شهدت النصرانية في هذه المناطق نمواً كبيراً
وازدادت أنشطتها؛ فترجموا الإنجيل إلى مختلف اللغات القبلية وإلى اللغة
السواحيلية، فنتج عن تلك الحركة وأنشطتها أن تنصر آلاف من الوثنيين، وفي
بداية الأربعينات انقسمت الكنيسة البروتستانتية، وأنشأ المنشقون عنها كنائس
مستقلة، وفي محاولة لرأب الصدع أنشيء (المجلس المسيحي في كينيا) ، وفي عام
١٩٥٩م عقد مؤتمر كنسي بين الكاثوليك والبروتستانت، وكانت مهمته التنسيق بين
جهود الكنيستين والقضاء على تبديد الطاقات وتضارب سبل العمل، وكوّنوا
(المجلس الوطني المسيحي في كينيا) .
وفي بداية النصف الثاني من القرن العشرين واصلت حركة التنصير عملها،
وكثفت جهودها وأنشطتها بمزيد من نشر ترجمة الأناجيل والكتب الدينية الأخرى،
وفتحت كليات اللاهوت في (نيروبي) ، وفي (ليمورو) ، وفي (مجاكوس) ، وفي
(تاناريفان) ، وأسسوا محطة إذاعية في (كيجابي) ، وكذلك شهدت هذه الفترة ما
يسمى ب (حركات الإصلاح) المختلفة وإنشاء المنظمات والجمعيات التنصيرية
المتنوعة، ولما بدأ البث التلفزيوني عام ١٩٦٢م؛ تضمن برنامجه بث النصرانية
بشكل كبير، وافتتحت أيضاً (إذاعة صوت كينيا) في عام ١٩٦٣م، ولازالت
تواصل إرسالها حتى الآن، واسمها الجديد (Kenya Broadcasting Co-
Operation K. B. C.) ، وفي عام ١٩٦٤م أصدر المجلس المسيحي في
كينيا صحيفة باسم الهدف Target/Lengo باللغتين الإنجليزية والسواحيلية،
بالإضافة إلى صحيفة الشعب باللغة الإنجليزية.
نصرانية كينيا بعد الاستقلال:
وفي عام ١٩٦٣م رحل الاستعمار عن كينيا، لتصبح مستقلة سياسياً ككثير
من الدول المستقلة آنذاك، بعد أن تأكد المستعمرون من أنهم خلّفوا جيلاً نصرانياً
عريضاً وفياً، فأسندوا إليه قيادة الجمهورية الجديدة من الكوادر المدربة المخلصة
للنصرانية والموالية للسياسة الغربية.
وأبعدوا العناصر الإسلامية التي همشها المستعمر الغربي عن المؤسسات
السياسية ومراكز التأثير، وتجاهلوا الوجود الإسلامي، وفرضوا تعتيماً إعلامياً
على الإسلام والمسلمين، واعتمدت الحكومة سياسة التهجير والتوطين، فأصبحوا
يقومون بتهجير كثير من النصارى وتوطينهم في مناطق المسلمين بحجة استصلاح
الأراضي الزراعية كما حدث في مدينة (مبكيتوني) التي تقع في المنطقة الساحلية،
كل ذلك لضمان سيطرة النصارى على مقاليد الأمور في البلاد ولضمان انتشار
الحركة التنصيرية حتى يتم تنصير كينيا كلها، ولتصبح دولة نصرانية تماماً بحلول
عام ٢٠٠٠م حسب الخطة المرسومة من قِبَل الفاتيكان.
ولما كانت نتائج حركة التنصير المكثفة الأولى مثمرة، فقد ازداد اهتمام
أمريكا بهذه الدولة الوليدة؛ ترعاها وتكفلها وتُوفد إليها المنصرين من حين لآخر.
وحقاً كانت نتائج هذه الحركة في الستينات مذهلة ورهيبة، ولذلك اُعتبرت
كينيا بمثابة الفاتيكان في إفريقيا، وهي المسؤولة عن تصدير النصرانية إلى باقي
دول إفريقيا، فحظيت كينيا بهذه الاعتبارات برعاية خاصة ومركزة من قبل العالم
النصراني، واستبشروا خيراً بهذه النتائج، وتوقعوا أن تصبح نصرانية تماماً مع
طلوع فجر عام ٢٠٠٠ م إن استمر الحال على هذا الوضع.
وفي عام ١٩٧٥م عقد المؤتمر الخامس لمجلس الكنائس العالمي في (نيروبي)
وكان من أهم الموضوعات المدرجة على جدول أعماله مشكلة الميزانية، حيث
بُحثت هذه المشكلة بغية إيجاد حل مناسب لها ليتمكن المجلس من القيام ببرامجه
الكثيرة لنشر النصرانية، وتم تحديد مصادر الدخل من (١٣) دولة أوربية وأمريكية
والتي ستساهم بـ ٩٨% من ميزانية المجلس، والباقي من الكنائس الأعضاء
والمؤسسات الكنسية الأخرى، وقد تمخض عن هذا المؤتمر انضمام معظم
الجمعيات الكنسية المحلية لعضوية المجلس في نفس العام.
وفي عام ١٩٨٩م عقد زعماء النصارى في كينيا اجتماعاً سرياً في (نيروبي) ، وقد استطاع أحد المسلمين التسلل إلى قاعة الاجتماع، فأفشى هذا الخبر، كما
نُشرت هذه الأخبار في: جريدة الرسالة (The Message) لجمعية الشبان
الأنصار في (مُمباسا) ، وفي مجلة المجتمع الكويتية، ومجلة المركز السودانية،
وعشرات من الصحف الإسلامية.
وأهم ما نوقش في هذا الاجتماع:
١- وضع السبل والوسائل الكفيلة لضمان تنصير المسلمين.
٢- وضع حد لمنع تدفق السيل النصراني نحو الإسلام، ومحاولة إرجاع من
أسلم إلى النصرانية من جديد.
٣- تبني خطوات جديدة في عملية التنصير، مثل:
أ) نشر الإنجيل داخل بيوت المسلمين.
ب) استخدام آيات من العهد القديم، واستخدم اسم عيسى بدل يسوع عند
مخاطبة المسلمين.
ج) بناءالمراكز الصحية ذات الأهداف التنصيرية في أماكن تجمع المسلمين.
٤- دراسة الإسلام ومذاهبه وفرقه للوقوف على نقاط الضعف والاختلاف
وكيفية إثارة هذه النقاط لإيجاد الخصومات بين الفرق الإسلامية! !
٥- دراسة المنظمات والجمعيات الإسلامية وأنشطتها ومصادر تمويلها
وميزانياتها.
٦- مساعدة المتنصرين الجدد مادياً وثقافياً، وذلك بتعليمهم المهن والحرف
المختلفة مع تقديم رأس مال لمن له خبرة في شؤون التجارة منهم، وتعليم أبنائهم
وإرسالهم إلى الخارج للدراسات العليا.
وقد علم في نهاية هذا الاجتماع أن إحدى المؤسسات الكنسية المتمركزة في
الولايات المتحدة قد تعهدت بتقديم ما يقارب المليارين من الشلن الكيني لاستخدامها
في المشاريع التنصيرية المختلفة، وفي الختام أوصى الاجتماع بعقد اجتماع آخر
بعد أربعة أشهر لمعرفة ثمرات جهودهم وتدقيق حساباتهم، وفي عام ١٩٩٣م جعل
الفاتيكان وكيلاً له في مدينة (هومابي) الواقعة على بحيرة فيكتوريا حيث درسوا
استراتيجية المنطقة، ورأوا أنها صالحة للقيام بنشاطاتهم، إذ يمكنهم استقبال الذين
يأتون من: تنزانيا، وأوغندا، وبوروندي، ورواندا، بسهولة.
هذه جهود القوم في أداء رسالتهم في تنصير المسلمين أو على الأقل إخراجهم
عن دينهم، وهذا ما صرحوا به في كثير من لقاءاتهم ومؤتمراتهم، فإلى متى تكون
جهود المسلمين قليلة وأعمالهم أقل؟ ! .
دعوة لأغنياء المسلمين:
إننا نذكر الموسرين وأصحاب الفكر ودعاة الحق إلى أهمية الوقوف ضد أولئك
المنصرين بمشاريع دعوية يكون عائدها دعماً للمسلمين ورفعاً من مستواهم
الاجتماعي، وليقابلوا تلك الجهود الماكرة بالعض على عقيدتهم بالنواجذ، والله من
وراء القصد.
стр. 1937
في دائرة الضوء
نهاية الاستشراق القديم وبداية عهد جديد
محمد حامد الأحمري
هناك من يحبون استدبار الحوادث إذا استقبلتهم، فيقررون الغياب عن الزمان
والناس والأفكار مرعوبين من الجديد، ليعيشوا في زمن معروف، ومع أقوام
معروفين، وأفكار معروفة، وهم إن عادوا إلى تلك المدارس والأشخاص وجاؤوا
بجديد فلا تثريب عليهم، ولكن اللوم على أولئك الذين يعيدون الهجرة إلى الماضي
القريب ويريدون أن نذهب معهم مرة أخرى إلى عوالم معروفة لنا ولهم، مدروسة،
مكرورة، مملولة، ثم هم لا يبدعون في رؤيتهم جديداً، ولا يمتعون عقولنا وأذواقنا
بشيء، يزعمون أن جهدهم الجهد وقولهم الفصل وإن كان قد دُرِسَ حتى دَرس.
إن تكن طالت عليك المقدمة، فقد أودعتها جزءاً من القضية؛ لأن جمعاً من
قومنا لفتوا الانتباه هذه الأيام إلى العودة لأعمال الحركة الاستشراقية فيما قبل قرن
يزيد أو ينقص قليلاً، ويعيدون الحديث عن الأسماء نفسها، والكتب ذاتها،
ويختصرون أو يشرحون كلام المعقّبين على الحركة تلك، ويقولون ما قاله عمر
فروخ أو الخالدي أو العقاد أو الجندي، بل وللأسف ليس لبعض هؤلاء المتحدثين
اليوم اطلاع الناقدين السابقين، ولا يملكون الوسائل اللازمة لدراسة الاستشراق،
وأولها لغاته ومناهجه.
وتكتب كتب، وتعقد دراسات، وتقام ندوات ... بلا جديد، ويشتغل طلاب
الجامعات العربية الإسلامية في اجترار الماضي بلا زيادة.
ولم لا يسأل هؤلاء المستغرقون في الأبحاث القديمة.. لم لا يسألون أو
يهتمون بحركة الاستشراق الجارية الآن، هل هناك استشراق اليوم؟ ! ما هو؟
وماذا فيه؟ ما قديمه وما جديده؟ ومن هم رواده؟ وماذا يريدون؟ ! .
وهذه هي المحاولة أو المغامرة العسيرة على عقول ومعارف كُتّابنا، بعضهم
ليسوا كتاباً ولا باحثين.. إنهم قُراء قديم بلا مواهب، أفلا يكتفون بأن يكونوا قراءً
وكفى! ، ونعْم العمل، أمّا أن يقنعونا أنهم عرفوا ما كتب قبل خمسين عاماً أو تزيد، عرفوا الاستشراق ودرسوه، فهذا لا جديد فيه، ولا يستحق أن يقنعونا به أو
يقولوا لنا إن بعض قومنا قديماً تأثروا بالاستشراق أو لم يتأثروا ويعيدوا علينا
الاعتراضات نفسها والسياقات القديمة عينها.
كان الأولى بنا أن ندرس ظاهرة الاستشراق المعاصر، ونحددها في
مستجداتها، وندرس أعمالها مباشرة، وأعمالها اليوم بخاصة دون إغراق في قديمها
وألا نخشى من التحول إلى دراسة ما جد عندهم كما درسوا هم ما جد عندنا.
الجديد في الاستشراق:
والذي طرأ على تلك المدرسة في العقود الأخيرة تطور مهم، فإن ما يسمى
استشراقاً أو مدرسة استشراقية ذات اهتمام علمي ثقافي في غالبه، وسياسي
اجتماعي في بعض جوانبه كما عهدناه، قد انتهت كثير من تلك الجوانب ولم تعد
أولوية في الاستشراق الحديث، بل تحول اليوم إلى عمل سياسي اجتماعي
متخصص يهتم بمراقبة ودراسة الأوضاع السياسية والأشخاص والأحزاب والأفكار
السياسية والعوامل الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية دراسة وافية، ووضع حلول
لها! ! .
فقد قرر المستشرقون منذ قرابة عشرين عاماً أنّ العمل العلمي الثقافي في بلاد
المسلمين وتراثهم ليس بذي جدوى ولا أهمية، بل هو ضياعٌ للوقت والجهد، فليس
لدى العرب والمسلمين أفكار ولا كتب ولا آداب تستحق الدراسة والجهد، والقليل
الذي يحتاجون له نقلوه إلى لغاتهم وبخاصة الإنجليزية كتاريخ الطبري، ومقدمة ابن
خلدون، ورسالة الشافعي وأعمال المتصوفة! والفلاسفة والشعراء الكبار.. ونحوها، والكتاب المعاصرون العرب ليس لديهم ما يستحق القراءة، وإذا حدث فسوف
يكون عمله مترجماً بلغة غربية في زمن قياسي، والمؤلف العربي يحرص على
ترجمة أعماله إلى لغات غير العربية، وهذا يسهل عمل من يتابع أفكارنا منهم،
وهم يترجمون ما يحتاجونه حتى بعض الأشرطة السمعية، فلماذا يضيعون وقتاً
طويلاً في دراسة الكتب الإسلامية القديمة مع معاناة مشكلة اللغة العربية؟ .
لذا: اتجهوا اتجاهاً سياسياً عارماً، وقطعوا الاهتمام أو أغلبهم بالقضايا
العلمية والفكرية إلا بمقدار ما تحقق أثراً سياسياً مباشراً.
واليوم: شخص مثل برنارو لويس اليهودي المؤرخ الشهير الذي كتب عن
الشرق الأوسط، والحشاشين، والأتراك، وترجم عن العربية مقتطفات تاريخية
وأعمالاً عديدة ذات طابع علمي، ولّى وجهه منذ زمن نحو السياسة، وأشرف على
معهد الدراسات اليهودية في جامعة (برنستون) ، ثم تفرغ للكتابة السياسية، ويكتب
عن: العرب والإسلام، واللغة السياسية في الإسلام، والإسلام والغرب، وصياغة
المشرق الإسلامي الجديد، ويعمل لإعداد جيل من السياسيين اليهود الأمريكيين
ليُخترق العالم العربي بشكل أكبر، ويقدم محاضرات سياسية واستشارات في الهدف
نفسه متخذاً من قضية أمته وقومه اليهود قضيته، ورمى بالتاريخ إلى الوراء، ولا
قيمة للتاريخ عنده إلا دوره في الحاضر والمستقبل وهذه أهم مهمة للتاريخ حقاً،
وهو من أصحاب النظرية المركزية اليهودية في غرب آسيا، حيث يرى أن على
إسرائيل أن تحكم منطقة وسط وغرب آسيا، من الجمهوريات الإسلامية إلى
النصف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، وأن على الغرب أن يترك هذه
المنطقة لها وحدها؛ فإسرائيل هي القادرة عقلياً وسياسياً ومالياً وعسكرياً على القيام
بذلك في إدارة يسندها تحالف أمريكي مباشر ويربط هذا باستراليا كما شرح في مقال
له شهير عن مستقبل المنطقة، ونشره في مجلة الشؤون الخارجية.
ومثل آخر هو: جون إسبوزيتو، يتجه لدراسة الإسلام المعاصر والحركات
الإسلامية المعاصرة، ويقيم علاقات مباشرة مع الإسلاميين وجمعياتهم وزعاماتهم
ليدرسها عن قرب، ويقدم الكتب من أمثال التهديد الإسلامي، أسطورة أو حقيقة،
وبدأت أعداد كبيرة من الشباب تهتم بهذه الموضوعات. ويقدم هؤلاء الاستشارات
والتوجيهات للحكومات الغربية كما كان يفعل السابقون في زمانهم.
ولعل أعمالاً سابقة كعمل مالك بن نبي وحديثه عن المستشرقين من معاصريه، أو عملاً كعمل السباعي عن مستشرقي زمانه ومقابلاته لهم: كانت أعمالاً حية
مواكبة للحركة في وقتها، مؤثرة في قرائها آنذاك ولم تزل، ولكنها لا تصلح لتكون
مادة دراسة الحركة في زماننا هذا ولا القادم لأنها أصبحت في معظم مادتها تاريخاً
فكرياً لا فكراً معاصراً جارياً.
اليوم يطلب الأساتذة في الجامعات الغربية أن تكون الأبحاث في الجامعات عن
الحركة الإسلامية المعاصرة! ، عن الأفكار الجديدة والمؤثرة على الشباب في العالم
الإسلامي وتطلعاته، ولعل من اطلع على كتاب انتقام الله الذي ترجم بعنوان يوم الله
للكاتب الفرنسي جيل كيبل وكتابه النبي والفرعون يلاحظ مدى المتابعة للوعي
الإسلامي في بلادنا، والكتب التي يقرؤها الشباب المسلم، والأشرطة التي
يستمعونها، عن الرجال المؤثرين فيهم، المواقف التي تستفز الشباب المسلم! ! ،
وكيف يمكن أن يواجه ويُغوى عن هدفه ويُشغل بمعارك هامشية جانبية تؤكد غياب
الأمة عن دورها وعن قضاياها وتغرق فيما يتمنى لها عدوها، وللأسف يقع بعض
المسلمين عن قناعة أو جهل في شباك الإغواء أو النقاش البيزنطي الذي غدا مثلاً،
ليس لأنه في ذاته خطأ فقط، وإنما لأنه أيضاً زمنياً خطأ أكبر، كان ملهاة عن
الجيوش الغازية على الأبواب، كان مشغلة عن المعركة، ونحن نختار أحياناً إحياء
الطريقة البيزنطية نفسها ولكن لا نسميها جدلاً بيزنطياً أو جدلاً لا فائدة منه مع أننا
منهيون عنه، ولأنه هو البديل عن العمل: فقد نضفي على جدلنا هالات من
الأهمية والخطورة والمنهجية، فتكسب نقاشاتنا أهميتها من الألقاب التي نلقيها عليها، وليس من حقيقتها ولا من مكانتها في الدين أو السياسة أو المجتمع أو التاريخ،
وهذه مضيعة للوقت والجهد، وسبب في صرف اهتماماتنا عن معرفة حال المسلمين
الذين هم بأشد الحاجة إلى الالتفات لمصائبهم ولأعدائهم المحدقين بهم، ولتصحيح
أفهامهم وأفكارهم وعقائدهم، فهم لا يدرسون حياة الشعوب المجاورة لهم، ودورها
في حياتهم، ولا يدرسون الإسلام بالطريقة التي بعثت الحياة في قلوب السابقين من
الأمة، إذ كان الإسلام لأتباعه: طريق عزة وكرامة للفرد وللأمة، واستقلالاً عن
ضغط الأعداء، وعدالة في الداخل، ووحدة في التوجه، وتكاملاً في التخصصات،
وحيوية غامرة، وتطلعاً لمعالي الأمور وذروة سنامها.
التفكير عند سلف الأمة ليس إغراقاً في تاريخ كسرى وقيصر ولا في جاهلية
العرب وأقوالهم، وليس تمحكاً وتحكيكاً وافتعالاً للخلاف الداخلي بين المسلمين
أشخاصاً وأفكاراً، وكتب الملل والنِحَل لم تكن همّ المسلمين وهدفهم، بل كان عملهم
دعوة الناس وهدايتهم، عملهم هداية من ترون من أعماق الصين إلى نهاية الغرب،
وليس لكلام زال وزال تأثيره ماضياً كان أو معاصراً، بل معرفة بالدين، ثم معرفة
بالحال الحالّة بأنفسهم وعدوهم وكيف يواجهونها، وبذل الطاقة والجهد لهذا، لا
لعلاج مشكلة ماضية، ولا لتوهم أو افتراض مشكلة في داخل الأمة.. ثم البحث
عن حل مفترض كذلك. هذه السلبية في الهروب من مواجهة الحياة والعدو طريق
العاجزين ومنحى الجاهلين، لأن كل شيء منها سهل ممكن النقاش مدروس سابقاً،
أو هو طعن للأمة من الخلف لا يكلف سوى استثارة وإيهام بشبهة أو ترويع مروع،
فيجن خوفاً وهلعاً ويضحي بأهل داره خوفاً من عدو متخيل من الداخل، وإذا كان
قد ولى أولئك أو تركوا ما كان يسمى استشراقاً في عمومه واختصوا بعمل محدد
عمل سياسي مجرد، فإن مواقعهم الآن احتلها مجموعة من العرب الذين نشؤوا عرباً
في بلاد عربية بغض النظر عن أصلهم، ولكونهم غرباء في المجتمع العربي، لن
يجدوا موقعاً سياسياً يتناسب مع معرفتهم بالعرب، فقد قاموا بالعمل التشويهي نفسه، بل أسوأ بكثير مما كان يعمله المستشرقون؛ فها قد رأينا مستشرقين أمثال عزيز
العظمة وأركون، وهؤلاء المستشرقون العرب توفرت لهم إمكانات لم تتوفر للطبقة
الاستشراقية الغربية المعاصرة؛ فمهارتهم في العربية التي كانت تقف عائقاً لكثير
من الغربيين لم تعد اليوم عند هؤلاء مشكلة، ثم: أزمة عقدتهم الفكرية والسياسية
حيث لا يجدون من يحترم كتاباتهم في العالم الغربي تزيد من حقدهم على الإسلام
والمسلمين والسخط على الأمة وتشويه تاريخها واحتقار تفكيرها وقراءته بعين
غربية حاقدة، وثم: عقدة كونهم مستغربين على هامش الغرب يزيدهم محاولة
إثبات أنهم غربيون أكثر من الغرب، فتجعلهم عقدة النقص هذه أشد ضرراً على
المسلمين من المستشرقين الغربيين.
والأولى بنا أن نعلم أن الاستشراق ليس تاريخاً ماضياً، ولكنه أيضاً سياسة
قائمة يومية متجددة.. نجد أنفسنا وثقافتنا فيها من خلال لغاتها مباشرة، وأعمالها
ومؤتمراتها وأبحاثها وقرارات الحكومات المبنية عليها.
ونحن لو اتجهنا نحو هذه المدرسة بهذه القناعة، أو على الأقل واجهناها
بهدف معرفتها ومتابعتها عن قرب متابعة مؤلفاتها ومقالاتها ودراساتها وتقاريرها،
لوجدنا في الحاضر ما يغني عن كثير مما قيل في الماضي، ولساعدنا ذلك على فهم
العالم الذي نعيش فيه، ولساهمت هذه الدراسة الواعية والمراقَبة الجادة في تطوير
العقول والعلوم والأفهام وإنضاج مجتمعنا سياسياً، وإنضاج أساتذة الجامعات لدينا
والشباب المسلم ليخرج واعياً لعصره، فاهماً لصديقه وعدوه، يعرف كيف يتعامل
مع مفكري عصره وعالَمهم، لأن تدريس الاستشراق بالطريقة الفكرية التاريخية
الموجودة الآن قد تساهم في عمل تغفيلي غير مقصود، ولكنه يساعد في عملية
تركيز الجهل بالحاضر والإغراق في الماضي، وإقرار الخروج عن مسار العمل
والفكر المعاصر، والعودة إلى عهد المِلَل والفرق الهالكة، يجعله يناقشهم وكأنهم
فرقة إسلامية انتهت منذ العصر العباسي، ولا يتعامل معهم كبشر وفكر يعمل
ويعيش معه في نفس الزمن، يناقشه ويكيد له ويحاربه ويصالحه ويخادعه في نفس
الوقت.
لا بأس من دراسة تمهيدية للاستشراق مثل دراسة محمود حمدي زقزوق
الجيدة، أو دراسة قاسم السامرائي تكون البداية منها، ثم بعد ذلك تكون المتابعة لما
يحدث الآن.
طريقة المواجهة:
وهل يمكن أن تقوم محاولة جادة لاختراق وعي الحاضر الغربي والصورة
الموجودة للإسلام والمجتمعات الإسلامية هناك؟ ، وهل يمكن أن تعطي أعمالنا
وكتبنا تصوراً عنا نحدده نحن ولا يُحَدد لنا وحسب ما نريد؟ ، على فهمنا: فليسوا
كلهم حاقدين، وليسوا كلهم صليبيين مغرضين، بل منهم من يريد الحقيقة كما أن
منهم من أسلم في الماضي، ولكن.. هل نملك القدرة أيضاً على صرف النظر عن
التفكير من خلال التهم والدفاع عن ذاتنا! بطرق مباشرة أو غير مباشرة؟ .
وإذا كان المقصود الهداية هداية مجتمعاتهم فهل بإمكاننا غزو المكتبة الغربية
بكتب جديدة مترجمة أو مؤلفة يقرؤها هؤلاء المستشرقون ويقرؤها المجتمع الغربي
عموماً؟ ، وسوف تعين هذه الكتب بالدرجة الأولى هذه الجماهير المسلمة التي
تعيش وتفكر من خلال مكتبة غربية حاقدة ومضادة، ونحن نملك بعض! المعرفة
الجيدة في الإسلام، فلم لا نحولها إلى عمل جاد في اللغات الأخرى، يحيي صورة
الإسلام الحقيقي، وينشر الوعي به، ويقلل من تيار الهجوم العنيف ضده وضد
أهله؟ ونتخلص من عقدة ماذا قالوا عنا قبل قرن أو قرنين؟ ! ولنجعلهم يسمعوا لنا الآن، ثم: ألا نقوم بدراسة جادة للفكر الغربي مباشرة بلا وسائط ونجعله مادة
دراسة؟ ، لم لا نفكر في قلب الموضوع وتغيير الاتجاه؟ ، لماذا نحن خائفون فزعون من دراسة ما عندهم وبخاصة النخبة منا؟ ، لم لا نتحدث عما لديهم عن خرافات وأكاذيب.. وإيجابيات قد تكون مفيدة؟ وبخاصة أن الإغراق في الاستشراق لا يقدم فائدة، فهؤلاء المستشرقون غالباً نكرات في بلادهم وفي ثقافتهم، ميزتهم كتابة تقارير عنا.. وماذا تصنع تجاه كاتب التقارير؟ ! ، هل تصرف جهدك لكتابة تقرير عنه، أم تنصرف لعملك وهمك؟ وإذا فهمت ماذا كتب عنك، فهذا كل الذي تريد حتى تعرف ما هو موقع قدمك في عمل دائم جاد ومؤثر ومهم. فمعرفة الاستشراق أداة وليست غاية.
إن علماء الإسلام عبر القرون درسوا التوراة والإنجيل وعقائد الفرق الأخرى، وحاجّوا علماءهم، بل أسلم بعضهم بعد نقاشات ودراسات ومجادلات أدت بأن
يؤلف بعضهم الذين أسلموا كتباً في نقد ديانة قومهم، لماذا ألجأنا الخوف والضعف
الفكري إلى الانكماش وضرب أسوار الحديد حتى على القادرين! !
دراسة الاستشراق بالطريقة الموجودة طريقة عقيمة لا فائدة منها، فنحن في
حاجة إلى متابعة جادة للجديد ومواجهته بموقف من جنسه، وهذه الدراسة غير
مسموح بها في أكثر مناطق العالم الإسلامي، فأين الدولة التي تسمح لجامعاتها
بدراسة السياسة والمجتمع الغربي، ثم بناء سياسة ذلك البلد الإسلامي مع الآخر بناءً
على معرفة علمية وسياسية صادرة عن جامعة عربية أو مركز للدراسات
المستقبلية؟ ! ، وما دام هذا الأسلوب العلمي غير مسموح به في بلاد العالم الإسلامي فقد يكون الحل هو دراسة فكر الغرب ودياناته ونقدها بلغتنا، وهذا هو الرد العملي الموازي للاستشراق؛ إن كتاب الدكتور حسن حنفي عن الاستغراب والذي هدف إلى نقل المواجهة إلى ساحتهم قد يكون مثالاً لجانب من جوانب المعرفة بالفلسفة الغربية، ولكنه لم يَخْلُ من شطحات فلسفية وتلمذة لمدارسهم، وليس عندنا إلى الآن أعمال نقدية للفكر الغربي مشابهة لما يخرج عندهم ينقد أفكارهم، أما ضياع الجهد في اتهام المستشرقين وتلاميذهم وإثبات انحرافهم وخداعهم فحسب فلا فائدة منه، إن علينا أن نتخلص من عقدة الخوف من فكرهم ومن ثقافتهم، وأن نواجه ثقافتهم بتنمية ثقافة جادة لنا، وناقدة لخصومنا، وننقل ميدان النقاش إلى هناك، ونتخلى عن عقدة النقص حين نضع دائماً ديننا وأمتنا مادة للنقاش والاتهامات، ولا يعني هذا أن نكتب هجاءً سطحياً لهم كما فعل كثير من المستشرقين تجاهنا، بل ليكن عملنا علمياً، مفيداً لنا ولهم، ومنقذاً لهم من الضلال..، وكل هذا لا يعني عدم معرفة الاستشراق، بل نريد المعرفة التي تسوق وتدفع إلى مواجهة ثقافة بثقافة وعلم بعلم.
стр. 1938
منتدى القراء
إلى الكاتب الأمل
عبد الله بن يوسف اللاحم
إن منهج الإسلام يمتاز بالوضوح والبيان، بعيداً عن الغموض والتعقيد،
سواء أكان ذلك في عقيدته أو في تشريعاته أو في منهجه في الدعوة إلى الله (تعالى)
المتمثل في منهج القرآن الكريم والسنة النبوية، الذي هو منهج واضح قريب الفهم
لكل أحد ...
إن من واجب الداعية والكاتب الموضوعي أن ينطلق في منهج الكتابة من
ركيزتين:
أولهما: الاختصار البليغ.
وثانيهما: الجلاء والوضوح.
فبالاختصار تحفظ الفكرة وتحصل الرغبة، وبالبلاغة تسمو المعاني لتتوافق
مع اختلاف المدارك والأفهام، وبالوضوح تتم الفائدة لكل قارئ.
ومن هذين المصدرين الكتاب والسنة استفادت الأمة بعامة علماً بالله، وإيماناً
به، وازداد العلماء حكمةً وفقهاً في دين الله، ولذلك: فالرسول -صلى الله عليه
وسلم- يوجه أهل الدعوة إلى ذلك المنهج بقوله: إن طول صلاة الرجل وقصر
خطبته مئنة فقهه [١] .
إننا نرى بعض إخواننا الكتاب والمتابعين في الصحف الإسلامية يدخلون في
دوامة الإطالة والغموض الذي لا يخدم الدعوة الإسلامية ولا يزيد القراء وعياً
بواقعهم المعاصر، وذلك لعدة أسباب:
١- إن هذه المقالات والتحقيقات قد تطول جداً مع دقة الكتابة، فتحتاج إلى
وقت وجهد لا يمكن توفره لكل قارئ، مما يدعوه إلى الإحجام عن قراءتها.
٢- ما قد يوجد في تلك الكتابات من: غموض، ومصطلحات، وتطويل
للفكرة، مما لا يساعد كثيراً من القراء على الاستفادة الكاملة.
٣- ليس المقصود من الكتابة أن يبرز الكاتب علمه وثقافته، وليس هو في
سباق فيصول ويجول في بحار التطويل والغموض والفلسفة، بقدر ما يكون
المقصود إيصال الفكرة من أقرب طريق لمن يحتاجها من عامة طلبة العلم.
стр. 1939
الورقة الأخيرة
هيئة الأمم المتحدة بين التنظير والتطبيق
أحمد العويمر
أسست هيئة الأمم المتحدة على أنقاض (عصبة الأمم) لحفظ السلم العالمي،
وحل مشكلات الشعوب والأخذ بيدها إلى ما فيه صلاحها ونموها واستقرارها، وإن
نجحت هذه الهيئة في حل بعض المشكلات، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في حل
قضايا العالم العربي والإسلامي وعلى رأسها قضية فلسطين، بل ساهمت في إقرار
قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المغتصبة.
أما ما يحدث في (البوسنة والهرسك) من عار يندى له جبين كل إنسان: إنما
هو سبة على المتنفذين في الهيئة من القمة إلى القاعدة، فهذه المنظمة قد فشلت فشلاً
ذريعاً في أداء الرسالة المنوطة بها، كما أنها تهاونت حيال قضايا أمتنا بشكل يكاد
يكون مقصوداً، ولقد خالف أمينها العام مسلماته الفكرية التي كان يدعو إليها، كما
في كتابه (الحكومة العالمية) ، بل قد تنازل عن مرئياته السياسية المعروفة مثل:
رأيه السابق في إلزامية القرار (٢٤٢) الذي تراجع عنه تراجعاً عكسياً تماماً، بل
زاد الطين بلة أن صار أكثر همه عقد المؤتمرات العالمية التي تزيد تكاليفها عن
الآثار المتوقعة لها، حتى وكأنه يريد أن يضرب الرقم القياسي في عقد مثل تلك
المؤتمرات في عهده؛ إذ عقد مؤتمر (ريودي جانيرو) عام ١٩٩٢م، ومؤتمر حقوق
الإنسان عام ١٩٩٣م، ومؤتمر السكان عام ١٩٩٤م، ومؤتمر (كوبن هاجن) الأخير
هذا العام.
ولقد تحدث الكاتب بيتر مانسفيلد ساخراً من تبديد الأموال في هذه المؤتمرات
بدون جدوى، ومن الطريف أن رئيس (ملاوي) قال: إن كلفة حضوره إلى مؤتمر
هيئة الأمم الأخير تبلغ ١٢٥ الف جنيه استرليني، وأن إنفاقها في حاجيات بلاده
أولى، وما قيل في المؤتمر من دفع الغرب ٤. ١ تريليون دولار لمساعدة الدول
الفقيرة، إنما سحبته الدول الغنية من جانب آخر عن طريق القيود التجارية
وبمهازل اضطراب العملات وتسديد الديون المستحقة لهم.
هذه المؤتمرات وما أحدثته وتحدثه من ردود أفعال متباينة لم تعد على العالم
سوى بالكلام وضياع الجهود والأوقات ليس إلا، وتقرير أمور بدهية هي تحصيل
حاصل. وهذا هو المتوقع مادام أن العقلية (الاستعمارية) و (العنصرية) تجعل حق
النقض مكفولاً لأعضاء مجلس الأمن الدائمين ضد أي قرار لا يوافق هواهم، الأمر
الذي يجعل الحقوق تحت رحمتهم، وبإمكانهم إجهاض أي مشروع مهما كان بإشارة
يد فقط، وتمخض الجبل فولد فأراً حيث لم يقبل الكبار إسقاط ديون العالم الثالث،
واختتم المؤتمر بقرارات غير إلزامية! ! .
إن على أمتنا الإسلامية الوقوف جبهة واحدة، وأن يكون لها دور بحكم
مكانتها وعددها وأهميتها، حتى تُحترم قضاياها، وإلا كانت كمّاً مهملاً كما يراد لها.
فهل نفعل.. عسى ولعل.
стр. 1940
ذو الحجة - ١٤١٥هـ
مايو - ١٩٩٥م
(السنة: ٩)
стр. 1941
كلمة صغيرة
تطبيع وتطبيع
منذ نحيت شريعة الله وأمتنا تسير من شيء إلى أسوأ، وكانت عاقبة ذلك
الكوارث والهزائم والنكبات أم حكومتنا الديموقراطية حتى في عصور ثورياتها
وعنترياتها التي أعلنت توجهاتها القومية وأن وحدتها لا يغلبها توجهاتها القومية وأن
وحدتها لا يغلبها غلاب، لم تحقق شيئاً مما تشدقت به، والحال ما نراه.!
وهل انكسارات أمتنا جعلتها تعلن العودة لشريعة الله أم إن ذلك ما زادها إلا
سقوطاً وتداعياً في أحضان العدو؟ ، إن الأمم العاقلة تطبع علاقتها بين شعوبها
وليس مع أعدائها وتزيل كل معوقات تقاربها واتحادها، وتخفف من بير وقراطيتها
كما حصل مؤخراً في (شينجين) بتطبيق حرية الانتقال لمواطني سبع دول أوروبية
دون أي قيد حدودي.
أين أمتنا من مثل هذه القرارات، أم إنها لا تجيد سوى المؤامرات ضد بعضها
بعضاً، وتغريب المجتمعات، ومصادرة الحياة لمجرد الاشتباه! .
متى تسود شريعة الله بعيداً عن المزايدات الانتخابية ودعاوى التقنين،
فنضمن ما هو أحسن وأرأف بالبلاد والعباد، وحتى نكون حقً (خير أمة أخرجت
للناس) أم على قلوب أقفالها؟ ! .
стр. 1942
الافتتاحية
العقيدة أولاً.. ولكن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه، وبعد..
كثيراً ما تحدث العلماء والمفكرون المسلمون داعين إلى الرجوع إلى منهج
الأنبياء في الدعوة، في خضم الكثير من المناهج الدعوية الجديدة، التي ينأى
بعضها قليلاً أو كثيراً عن ذلك المنهج، مما أدى بتلك الدعوات إلى الإخفاق في
الوصول إلى تحقيق غاياتها المعلنة بتحكيم شريعة الله وحده دون غيره، ودعوة
الناس كافة إلى صراط الله المستقيم، وحينما نؤكد على أهمية الدعوة إلى منهج
الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، إنما نعني أن يكون البدء بأي إصلاح منطلقاً من
إصلاح العقيدة فهي الأساس الذي يجب أن تنطلق منه الدعوات بعيداً عن التقليد
والمجاملات، وعدم البدء بجزئيات مهما كانت؛ فهي لا تصل إلى أهمية إصلاح
العقيدة. لقد بدأ بعضهم بالإصلاح الفكري، ومنهم من دعا إلى الإصلاح الخلقي
والروحي، ومنهم من دعا إلى الإصلاح السياسي، ومنهم من دعا إلى غير ذلك.
إن تلك الجهود الجزئية مع ما قدمته من أعمال، ومن مساهمة في التأثير على مسار
الصحوة الإسلامية المعاصرة، قد توقفت عند مدًى معين لم تتجاوزه، فولّد ذلك
إخفاقات في مجال الدعوة مازلنا نلمس آثارها في كثير من الأحيان من الخلافات
المستمرة والصراع المرير بين رفاق الدعوة والجهاد، فضلاً عن العجز عن قطف
الثمار التي طال انتظارها.
فحتى متى تبقى الدعوة الإسلامية حقلاً للتجارب. إنه من المحتم على أولي
الشأن من العلماء والعاملين في سلك الدعوة إلى الله التوقف كثيراً أمام بعض ما
حصل من الوقائع والفجائع، ودراسة هذه الظواهر المقلقة، وما تنطوي عليه
نفسيات بعض المنتسبين للدعوة من: حزبية، وتعصب أعمى، وتقديس للرجال.
وسنجد أن وراء تلك السلبيات والمشكلات في طريق الدعوة
أسباب، منها:
١- أن كثيراً من الاتجاهات الدعوية لا تنطلق من تأصيل شرعي صحيح في
مناهجها، مما أدخل في بعض الدعوات أفراداً من الشباب المتحمسين الذين ينقصهم
العلم الشرعي، مع الأنفة من الرجوع إلى العلماء الموثوقين لاستشارتهم.
٢- ولقد نتج عن السبب الأول: أن تسيد في بعض الحركات الإسلامية
أصحاب الفكر البدعي، وأصبحوا منظرين لتلك الحركات، مما أدى أحياناً إلى
وجود سلوكيات لا تمت إلى الإسلام بصلة.
٣- الفهم الجزئي لديننا الحنيف، والانطلاق من جزئيات معينة كما ذكرنا
والبناء عليها، وتناسي الأصول التي يجب البدء بها والبناء على أسسها.
٤- التوجه الحزبي الضيق لبعض الدعوات الذي جعلها تتقوقع على نفسها،
وربما رأت أنها هي التي على الحق وحدها، وهذا نظر قاصر وتزكية للنفوس
تخالف الأصول الشرعية، وغمط لحقوق الدعاة العاملين.
٥- البعد عن الحوار البناء لإيجاد أرضية مشتركة بدءاً من إصلاح العقيدة،
مما ولد صراعاً عنيفاً حتى بين بعض فئات الجماعة الواحدة والمنهج الواحد، مما
جعل أعداء الدعوة من العلمانيين وغيرهم يشعرون بالغبطة، وهم يعملون لتأجيج
مثل تلك الخلافات ليستمر الصراع المؤسف بين الأخوة والأشقاء.
ماذا نعني بإصلاح العقيدة:
الذي نعنيه بإصلاح العقيدة هو: نهج الطريق الذي سلكه الأنبياء (عليهم
الصلاة السلام) وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ في دعواتهم لأممهم
التي أرسلهم الله (تعالى) إليها، فهذا هو الطريق الأمثل الموصل إلى الغاية المرجوة
ومحورها الأصيل، العبودية المطلقة لله وحده، وتحقيق الألوهية له ﷻ
ودعوة الناس إليها، وتربيتهم عليها قبل أي شيء آخر، فمفتاح دعوة الرسل:
معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتحقيق الحاكمية في التشريع لله ،
والولاء والبراء على ذلك. وينبني على هذه المعرفة مطالب الرسالة كلها.
إن كل داعية مخلص يجب أن ينطلق في دعوته من أصول أهل السنة
والجماعة المعتبرة، بعيداً عن المناهج البدعية من: صوفية، وكلامية، وعقلانية
بحتة، فهي التي أدت بالأمة إلى التشرذم والتفرق.
وما ننصح به إخواننا الدعاة جميعا عدم الاستعجال في قطف الثمار، فذلك آفة
تؤدي إلى سلوك الأساليب البعيدة عن الحكمة.
إننا حقاً بحاجة ماسة إلى العودة إلى سنن الأنبياء في الدعوة، وقد وضحت لنا
السيرة النبوية المنهاج لبناء مجتمع إسلامي، فمتى يتعاون الدعاة فيما بينهم؟ !
ومتى يصل الدعاة والعلماء العدول إلى كلمة سواء بدلاً مما هو حاصل في أحيان
كثيرة من جفاء وعدم مودة، لمسنا آثارها السيئة على واقعنا الدعوي، مما جعل
الأعداء يشمتون بنا، وجعل الأصدقاء لا يملكون سوى الدموع حيال ما حصل
ويحصل، إننا بحاجة حقاً إلى التوقف والمراجعة والعودة إلى المنهاج النبوي كما
رسمته لنا السيرة الصحيحة.
فحسن النية والإخلاص وحده لا يكفي في توصيل الدعوة إلى الناس وقبولهم
لها، نعم العقيدة أولاً، ولكن لابد من التزام الأساليب الدعوية الحكيمة، واقتفاء آثار
الوحيين، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ .
لقد جربنا كثيراً من المناهج الجديدة التي ألمحنا إلى بعضها، غير أن حالنا لا
يسر، ولم يبق لنا سوى منهج الأنبياء في الدعوة كما فصله بأوضح بيان نبينا
وأسوتنا وقائدنا محمد ﷺ في سيرته وسنته ونقَلَهُ عنه أصحابه
والتابعون لهم بإحسان [أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ... ] [الأنعام٩٠] ،
وهذه عبودية كان يلزم الأخذ بها من أول الطريق.
إننا نريد أن تكون أساليب الدعوة المحسوبة على أهل السنة والجماعة (أهل
الحديث) هي الأساليب النبوية الصحيحة، كما هو معهود عنهم قديماً وحديثاً، وكما
فصلها كثير من العلماء والدعاة العدول.
والله نسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يلهمنا حسن القصد في
القول والعمل.. والله المستعان..
стр. 1943
دراسات شرعية
معاني العقيدة من خلال فريضة الحج
د.عبد العزيز آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: ففي الحج معان عظيمة، وحكم بالغة، ومنافع كثيرة، كما قال
سبحانه: [ليشهدوا منافع لهم] [الحج: ٢٨] ، وفي هذه الصفحات نورد جملة من
معاني العقيدة ومسائل أصول الدين من خلال هذه الفريضة:
أولاً: التسليم والانقياد لشرع الله تعالى:
كم نحتاج أخي القارئ إلى ترويض عقولنا ونفوسنا كي تنقاد لشرع الله
(تعالى) بكل تسليم وخضوع، كما قال (سبحانه) : [فلا وربك لا يؤمنون حتى
يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما]
[النساء: ٦٥] .
فالحج خير مثال لتحقيق هذا التسليم، فإنّ تنقل الحجاج بين المشاعر،
وطوافهم حول البيت العتيق، وتقبيلهم للحجر الأسود، ورمي الجمار ... وغيره
كثير: كل ذلك أمثلة حية لتحقيق هذا الانقياد لشرع الله (تعالى) ، وقبول حكم الله
بكل انشراح صدر، وطمأنينة قلب.
لقد دعا إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل (عليهما الصلاة والسلام) فقالا: [ربنا
واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت
التواب الرحيم] [البقرة: ١٢٨] .
لقد دعوا لنفسيهما، وذريتهما بالإسلام، الأذي حقيقته خضوع القلب وانقياده
لربه المتضمن لانقياد الجوارح.
ورضي الله عن الفاروق عمر إذ يقول عن الحجر الأسود: «إني أعلم أنك
حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك
ما قبلتك» [١] .
يقول الحافظ ابن حجر: «وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي -
ﷺ فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه» [٢] .
ويقول قوام السنة إسماعيل الأصفهاني ﵀ : «ومن مذهب أهل السنة: أن كل ما سمعه المرء من الآثار [٣] مما لم يبلغه عقله، فعليه التسليم والتصديق
والتفويض والرضا، لا يتصرف في شيء منها برأيه وهواه» [٤] .
ويقول ابن القيم ﵀ : «إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله
على التسليم، وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامروالنواهي والشرائع،
ولهذا لم يحك الله (سبحانه) عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء، أنها سألته
عن تفاصيل الحكمة فيما، ونهاها عنه، وبلغها عن ربها، بل انقادتْ، وسلمتْ،
وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها
وإيمانها واستسلامها بسبب عدم معرفته، وقد كانت هذه الأمة التي هي أكمل الأمم
عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها لِمَ أمر الله بذلك؟ ولِمَ نهى عن ذلك؟ ولِمَ فعل
ذلك؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام» [٥] .
ثانياً: إقامة التوحيد:
إن هذه الشعيرة العظيمة قائمة على تجريد التوحيد لله وحده لا شريك له؛ قال
(سبحانه) : [وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي
للطائفين والقائمين والركع السجود] [الحج: ٢٦] .
وحذر (سبحانه) من الشرك ونجاسته، فقال : [فاجتنبوا الرجس
من الأوثان واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به] [الحج: ٣٠٣١] .
بل من أجل تحقيق التوحيد لله وحده، والكفر بالطاغوت، شُرع للحاج أن
يستهل حجه بالتلبية قائلاً: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد
والنعمة لك والملك، لا شريك لك» .
ومن أجل تحقيق التوحيد شُرع للحاج أن يقرأ في ركعتي الطواف بعد الفاتحة
بسورتي الإخلاص (قل هو الله أحد) ، و (قل يا أيها الكافرون) ، كما كان يفعل
الرسول ﷺ .
كما شَرعَ الله (تعالى) التهليل عند صعود الصفا والمروة، فيستحب للحاج
والمعتمر أن يستقبل القبلة عند صعوده الصفا والمروة ويحمد الله ويكبره ويقول: «
لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد،
يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر
عبده، وهزم الأحزاب وحده» .
ومن أجل تحقيق التوحيد أيضاً كان خير دعاء يوم عرفة أن يقال: «لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل
شيء قدير» .
وفي مناسك الحج وشعائره تربيةٌ للأمة على إفراد الله (سبحانه) بالدعاء
والسؤال والطلب، والرغبةإليه، والاعتماد عليه، والاستغناء عن الناس، والتعفف
عن سؤالهم، والافتقار إليهم؛ فالدعاء مشروع في الطواف والسعي، وأثناء الوقوف
بعرفة، وعند المشعر الحرام، وفي مزدلفة، كما يشرع الدعاءوإطالته بعد الفراغ
من رمي الجمرة الصغرى والوسطى في أيام التشريق.
ثالثاً: تعظيم شعائر الله (تعالى) وحرماته:
قال الله (تعالى) بعد أن ذكر أحكاماً عن الحج: [ذلك ومن يعظم حرمات الله
فهو خير له عند ربه] [الحج: ٣٠] .
والحرمات المقصودة هاهنا أعمال الحج المشار إليها في قوله (تعالى) : [ثم
ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم] [الحج: ٢٩] [٦] .
وقال (سبحانه) : [ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب]
[الحج: ٣٢] ، فتعظيم مناسك الحج عموماً من تقوى القلوب [٧] .
وتعظيم شعائر الله (تعالى) يكون بإجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميل العبودية
فيها؛ يقول ابن القيم ﵀ : «وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا
تخلى أحدهما عن الآخر فسدت» [٨] .
ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال هذه
الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة [يعني: الكعبة] حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك
هلكوا» [٩] .
رابعاً: محبة الرسول ﷺ :
إن محبة الرسول ﷺ من أجل أعمال القلوب، وأفضل
شعب الإيمان، ومحبة الرسول صتوجب متابعته والتزام هديه، وإن التأسي برسول
الله ﷺ أثناء القيام بمناسك الحج سبب في نيل محبته، حيث
قال ﷺ : «خذوا عني مناسككم» ، وفي اتباع النبي -صلى
الله عليه وسلم- تحقيق لمحبة الله (تعالى) ؛ كما قال (سبحانه) : [قل إن كنتم
تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] [آل عمران: ٣١] .
خامساً: تحقيق الولاء بين المؤمنين والبراءة من المشركين:
كم هو محزن حقاً تفرق المسلمين شيعاً وأحزاباً.. وتمزقهم إلى دول متعددة
ومتناحرة.. وقد غلبتْ عليهم النعرات الجاهلية المختلفة، وإن فريضة الحج أعظم
علاج لهذا التفرق والتشرذم، فالحج يجمع الشمل، وينمي الولاء والحب والنصرة
بين المؤمنين، وإذا كان المسلمون يجمعهم مصدر واحد في التلقي الكتاب والسنة
وقبلتهم واحدة، فهم في الحج يزدادون صلة واقتراباً، حيث يجمعهم لباس واحد،
ومكان واحد، وزمان واحد، ويؤدون جميعاً مناسك واحدة.
كما أن في الحج أنواعاً من صور الولاء للمؤمنين: حيث الحج مدرسة لتعليم
السخاء والإنفاق، وبذل المعروف أياً كان، سواء أكان تعليم جاهل، أو هداية تائه، أو إطعام جائع، أو إرواء غليل، أو مساعدة ملهوف.
وفي المقابل: ففي الحج ترسيخ لعقيدة البراء من المشركين ومخالفتهم؛ يقول
ابن القيم: «استقرت الشريعة على قصد مخالفة المشركين لا سيما في
المناسك» [١٠] .
لقد لبى النبي ﷺ بالتوحيد، خلافاً للمشركين في تلبيتهم
الشركية، وأفاض من عرفات مخالفاً لقريش حيث كانوا يفيضون من طرف الحرم، كما أفاض من عرفات بعد غروب الشمس مخالفاً أهل الشرك الذين يدفعون قبل
غروبها.
ولما كان أهل الشرك يدفعون من المشعر الحرام (مزدلفة) بعد طلوع الشمس،
فخالفهم الرسول ﷺ ، فدفع قبل أن تطلع الشمس.
وأبطل النبي ﷺ عوائد الجاهلية ورسومها كما في خطبته
في حجة الوداع، حيث قال: «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي
موضوع» [١١] ؛ يقول ابن تيمية: «وهذا يدخل فيه ما كانوا عليه من العادات والعبادات، مثل: دعواهم يا لفلان، ويا لفلان، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أمورهم» [١٢] .
سادساً: تذكر اليوم الآخر واستحضاره:
فإن الحاج إذا فارق وطنه وتحمل عناء السفر: فعليه أن يتذكر خروجه من
الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وأهوالها.
وإذا لبس المحرم ملابس الإحرام: فعليه أن يتذكر لبس كفنه، وأنه سيلقى
ربه على زي مخالف لزي أهل الدنيا.
وإذا وقف بعرفة: فليتذكر ما يشاهده من ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم
واختلاف لغاتهم، موقف القيامة واجتماع الأمم في ذلك الموطن [١٣] ؛ قال ابن
القيم: فلله ذاك الموقف الأعظم الذي ... كموقف يوم العرض، بل ذاك أعظم
نسأل الله (تعالى) أن يتقبل منا ومن المسلمين صالح الأعمال، وبالله التوفيق.
стр. 1944
دراسات شرعية
مفاهيم ودروس من صلح الحديبية
(الحلقة الثانية)
د.محمد بن عبد الله الشباني
تطرق الكاتب في الحلقة السابقة إلى أحوال ما قبل صلح الحديبية، وبيّن كيف
استفاد رسول الله- ﷺ من هذه الأحوال موضحاً الأسس والمبادئ
التي ركز عليها، وخطواته التي اتبعها، وأسلوب مفاوضاته، ومحاولات قريش
المضادة، وذكر الكاتب أن قريشاً رضيت من الصلح بهيبة زائفة ومكاسب شكلية،
وهذا ما يلاحظه المتابع للمعاهدات المعاصرة مع اليهود، ويواصل الأخ الكاتب
عرض مزيد من المفاهيم والدروس حول الموضوع.
- البيان -
دروس من شروط صلح الحديبية:
الدراسة المتأنية في شروط الصلح الذي تم بين رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وقريش ترشد إلى أمور ينبغي الأخذ بها عندما يواجه المسلمون حالات من
عقد صلح أو معاهدات مع أعداء الأمة، وتتمثل هذه الأمور فيما يلي:
أولاً: التركيز على الغاية والهدف القريب والبعيد من الهدنة، وعدم إعطاء
أهمية قصوى للأمور الشكلية على حساب المصلحة الجوهرية للطرف المسلم، ومن
أمثلة ذلك: إصرار قريش على عدم البدء في الكتابة بذكر صيغة البسملة
والاستعاضة عنها بلفظ ذي دلالة للمعنى نفسه وهو باسمك اللهم، وكذلك عدم ذكر
صفة الرسول ﷺ مقرونة باسمه، إن هذه الأمور الشكلية يمكن
المماحكة فيها لإبعاد الخصم عن جوهر هدف الصلح، ومن ثم: استنزاف قواه
ومهاراته التفاوضية في معالجة هذه الأمور الشكلية، وكان واضحاً أن الرسول -
ﷺ فوّت عليهم هذه الغاية بالرغم من عدم انتباه بعض الصحابة
لذلك.
ثانياً: أن الصلح لم يكن مانعاً أو عائقاً لحركة الرسول -صلى الله عليه
وسلم-، فلم يرد في الصلح الحد من حرية حركة الرسول، بل إن أهم نقطة في
هذا الصلح هو توفير المجال لرسول الله ﷺ في الحركة في
الجزيرة العربية، وتحييد العدو الرئيس وهو قريش، ولهذا: فقد ذُكر أن عقد
الاتفاقية هو هدنة ومهادنة يُقصد منه وقف الحرب عشر سنين، يأمن فيه الناس
ويكف بعضهم عن بعض، وعدم إظهار العداء أو ما يعرف في الوقت الحاضر
وقف الحملات الإعلامية؛ وهذا الشرط هو محور وغاية الصلح؛ فإن منع إظهار
العداء يسمح للمسلمين بالحركة والدعوة للأفكار التي يحاربون من أجلها، كما أن
إيقاف الحرب بين قريش وبين الرسول ﷺ سوف يهيئ
الظروف للمسلمين للانتشار مع تحييد قوة قريش ونفوذها المعنوي من التأثير في
بقية العرب.
إن من المفارقات التاريخية العجيبة في هذا العصر أن يتبع اليهود المقاصد
نفسها التي اتبعها الرسول ﷺ مع قريش، وذلك حينما
استطاعوا عند توقيع معاهدة كامب ديفيد إخراج مصر (القوة العربية الكبيرة) من
الصراع واستخدامها أداة لتفتيت القوة العربية والإسلامية، ثم استخدامها أداة لتنفيذ
وتحقيق المصالح اليهودية، وذلك باستغلال هذه المعاهدة لإلغاء أو تخفيف الحصار
السياسي والاقتصادي والإعلامي مع بقية العالم، وقد تمكنوا من الحصول على
الاعتراف من قِبَل كثير من الدول وتنمية علاقاتهم الاقتصادية معها بسبب تلك
المعاهدة، بل لقد حققت معاهدة كامب ديفيد غايتها باعتراف الزعامة الفلسطينية
بشرعية دولة اليهود، ثم سقطت آخر أوراق التوت عندما وقّعت منظمة التحرير
الفلسطينية قبولها بما عرف بالحكم الذاتي الجزئي! لغزة وأريحا.
وقد كان من النتائج المباشرة لصلح الحديبية أن تفرغ رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- لحلفاء قريش في غزوة الخندق (اليهود) ، فبعد عودة الرسول من
الحديبية بشهر أو أقل استنفر من شهد الحديبية، ومنع من لم يشهدها من الغزو معه، فالله الذي يعلم خفايا النفوس منح أولئك الذين اختاروا الآخرة على الدنيا حسن
ثواب الدنيا والآخرة، وفي هذا عبرة أن من يتجرد في عطائه لله قد يعطيه الله ما
يشتهي في دنياه قبل آخرته بجانب ما يدخره له في آخرته.
ثالثاً: أشارت وثيقة الصلح إلى أمر يثير التساؤل ويهز النفوس، لقد حدث
ذلك للمسلمين المصاحبين لرسول الله ﷺ ، حيث أشارت وثيقة
الصلح إلى أن مَن أتاه من قريش ممن هو على دينه بغير إذن وليه رده محمد -
ﷺ إليه، ومن أتى قريشاً ممن كان مع محمد لم يردوه إليه، إن
ظاهر هذا الشرط غبن على المسلمين، فكيف يتخلى المجتمع المسلم عن أفراده
المستضعفين فيردهم إلى أعدائهم، وفي الوقت نفسه لا يرد من نكص على عقبيه
وهرب مرتداً من المجتمع المسلم؟ ، ولكن المتأمل لهذا الشرط يجد أن قبوله في
غاية الحكمة؛ فلا شك أن المجتمع المسلم لا يرغب في ضم الأفراد ضعيفي العقيدة
أو المهزومين، فمن يرتد ويهرب من المجتمع المسلم فهو شر تخلص منه المجتمع، فوجوده يشكل الطابور الخامس، ولهذا: فإن الحرص على ضم أولئك الذين في
قلوبهم مرض حيث فضلوا النكوص لا فائدة منه، أما أولئك المؤمنون بالعقيدة من
المعسكر الآخر الذين اشترطت المعاهدة إعادة من يهرب منهم إلى المجتمع المسلم
فقد كان في بقائهم مصلحة ظاهرة، إذ إن قبول مثل هذا الشرط سوف يفتح
للمسلمين مصالح كثيرة، مثل أن يجعل هذا المعسكر على الحياد والتفرغ
لمعسكرات أخرى، بحيث يمكن أن يتم القضاء على تلك المعسكرات بإضعاف
التحالف بينها، فقبول ذلك الشرط ممكن من قِبَل الدولة المسلمة تشجيعاً لتلك الفئات
على القيام بالمقاومة؛ أي: بوجود تشكيلات عسكرية حرة الحركة تقلق العدو
وتجعل هذا الشرط عبئاً عليه بدلاً من أن يكون معيناً له، وهذا ما حدث بعد
ذلك [١] ، فقد تكونت خلية تعلن الحرب ضد قريش عندما قاد أبو بصير المسلمين المستضعفين الهاربين من مكة للتصدي لرحلات قريش الاقتصادية على طريق الشام الحيوي، مما دفع قريشاً للكتابة إلى رسول الله ﷺ يطلبون إليه إلغاء هذا الشرط.
رابعاً: أعطت وثيقة الصلح الحق لأي قبيلة من قبائل العرب أن تتحالف مع
أي طرف من أطراف الصلح؛ فدخلت (خزاعة) في عهد الرسول وعقده، ودخلت
(بنو بكر) في عهد قريش وعقدهم، وقد كان لهذا التحالف دوره في نقض العهد
وفتح مكة فيما بعد.
ومن هذه الجزئية في شروط عقد الصلح يمكن إدراك أهمية وضرورة أن لا
يَحُدّ الصلح مع العدو من إمكانية تكوين الأحلاف؛ لأن ذلك من أساسيات الاستقلال
السياسي، فإن أي صلح ينقص من هذا الحق أو يمنعه أي: يمنع حرية التصرف
من عقد المعاهدات مع الآخرين أو تحديد إطار من التعامل يحدده العدو إنما هو
انتقاص لحرية وكرامة الأمة، ويعتبر استسلاماً وتسليماً للعدو، فهذا صلح لا يجوز
في عرف وقواعد الإسلام؛ فعندما تحتوي بنود المعاهدات على فقرات تمس حرية
الحركة والتصرف، أو الحد من السيادة، كما حدث في اتفاقيات المصالحة في
(كامب ديفيد) و (غزة وأريحا) والصلح مع الأردن التي سعت إلى تقليص وإضعاف
سيادة الدول والجماعات التي وقع اليهود معها الصلح.
ولقد بليت الأمة في هذا الزمن برجال مهمتهم قلب الحقائق وتفسير التاريخ
وأحداثه ليواكب الرغبات والأهواء، فبرز رجال يَدّعون العلم والمعرفة أخذوا
يفسرون أحداث السيرة النبوية لتتناسب ورغبات القادة الذين أسلموا أمورهم إلى
أعدائهم، وتولوا تطبيع الأمة وفق ما يشتهي أعداؤها.
لقد استدل بعض الناس على مشروعية الصلح مع اليهود المغتصبين لأرض
فلسطين، بأن هذا الصلح مع اليهود سوف يقلل ويخفف من الأذى الذي يقع من
أعدائهم اليهود والنصارى بحقن دماء المسلمين في فلسطين، وحفظاً لدماء المسلمين
في بقية الدول العربية، لأن واقع الأمة لا يسمح لها بالمقاومة واستعادة حقوقها! !، وأن إدراك بعض الشيء أفضل من فقدان الكل، وتجربة العرب في عدم الصلح
مع العدو منذ قيام دولة اليهود في فلسطين لم تسفر إلا عن مزيد من الهزائم وفقدان
السيادة على كل فلسطين، وأن المقاومة لم تجد، بل أدت إلى قتل وتشريد مئات
الآلاف من العرب المسلمين، وأن الصلح مع اليهود سوف يوقف هذا الضرر، وأن
صلح الرسول ﷺ مع مشركي مكة يقدم السند الشرعي! ! الذي
يجيز التصالح مع العدو ...
وتنبع هذا المقولة من الهزيمة النفسية التي أصيبت بها الأمة والتشرذم الذي
قسّم بلاد العرب والمسلمين إلى دويلات تبنت أفكاراً ومنهاج وسياسات ومبادئ
عقائدية تصادم الأصول الإسلامية، بل وتحاربها، وما تلى ذلك من إعلام رسّخ في
عقل الأمة الخوف وحب الحياة مع قلب الحقائق والعمل على مسخ الفكر وغرس
الاستكانة والرعب في القلوب بدلاً من غرس حب الشهادة والاستشهاد وتحمل
الشدائد والتضحية والفداء في سبيل نصرة الإسلام بدعوة الناس إليه والعمل على
تطبيقه في واقع الناس.
صلح الحديبية بين الاستدلال والانتحال:
إن الاستدلال بـ (صلح الحديبية) على جواز الصلح مع اليهود والتسليم
بشرعية وجود دولتهم على أرض المسلمين والتمكين لهم بالغزو الثقافي والاقتصادي: أمر لا يتفق مع حقيقة صلح الحديبية، ولا الغايات التي هدف إليها كما أثبت ذلك
التاريخ، بجانب أن الواقع العسكري والتفاوضي يغاير جميع المقاييس للواقع
المعاصر الذي يستدل بصلح الحديبية بوصفه دليلاً شرعياً لإجازة الصلح مع أعداء
الله اليهود، وذلك للأمور التالية:
أولاً: أن واقع الصلح مع مشركي قريش يختلف عن واقع الصلح مع اليهود،
فالنبي قد خرج من مكة إلى المدينة من أجل إيجاد الكينونة للمجتمع المسلم، لينطلق
منها إلى بقية جزيرة العرب، وذلك من أجل العمل على إعادة العرب إلى دين
إبراهيم ﵊ وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وكان -
ﷺ بعد فترة قصيرة من استقراره في المدينة استطاع أن يفرض
وجود المجتمع المسلم، فقد مكّن الله له في جزيرة العرب، وألحق بقريش هزائم
متعددة، وانتصر على التحالف بين مشركي قريش والعرب واليهود الذين أوقدوا
حرب الأحزاب، التي انتهت بهزيمة قريش وبقية القبائل العربية المتحالفة معها من
جهة، والقضاء على يهود المدينة قضاءً مبرماً من جهة أخرى، فالصلح تم بعد
انتصار المسلمين والاعتراف بهم باعتبارهم قوة كبرى في الجزيرة العربية.
ثانياً: لقد أوضح الرسول ﷺ النتائج العملية للصلح مع
مشركي قريش، وأن هذا الصلح كان فتحاً للمسلمين بعد أن توهم بعض المسلمين
أن صلح الحديبية لم يكن فتحاً لعدم تحقق الغاية المعلنة وهي الطواف بالكعبة وذبح
الهدي في مكة، ثم نزلت سورة الفتح وهم في طريق العودة [إنا فتحنا لك فتحا
مبينا] [الفتح: ١] وقال عنها الرسول ﷺ : لقد أنزلت عليّ
الليلة سورة لهيَ أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، وقال رجل: يا رسول الله،
أفتح هو؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح [٢] ، فانقلبت كآبة المسلمين
وحزنهم إلى فرح ورضا، وطابت نفوسهم بذلك.
إن مما يحز في النفس أن واقع ما أشار إليه الرسول ﷺ
من الفتح للمسلمين هو ما حصل لليهود في هذا العصر، فالعرب المسلمون هم الذين
يسعون إلى الصلح خوفاً من الحرب، ويعلنون في وسائل إعلامهم تلك الخدعة
الكبرى دعوى الأرض مقابل السلام! ! هذه الكلمة التي تحمل معاني كثيرة، ومن
تلك المعاني: إعطاء الأرض مقابل الأمان، أي: التسليم لليهود بفلسطين أو بجزء
منها مقابل أن يترك اليهود العرب في أمان! ؛ يأكلون كما تأكل الأنعام بعد أن
هزموا في جميع معاركهم التي أشعلت مع اليهود مباشرة أو غير مباشرة بقيادة
رجال يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة.
ثالثاً: من عجيب الأمر أن يتم الاستدلال بصلح كان غايته التمكين للمسلمين
بصورة أو بأخرى من دخول دار المشركين (مكة حينئذ) ، على شرعية معاهدات
غايتها التمكين لليهود بكل الصور في ديار المسلمين.
إن صلح الحديبية تم بدون تفريط في الأرض المسلمة وبدون إعطاء حق
للمشركين في أرض المسلمين، وإنما هو توقيف للحرب فترة معينة، أما الصلح
الذي تم مع اليهود فهو صلح أعطى لليهود الشرعية باغتصاب أرض المسلمين
والسماح ليهود العالم بالتجمع فيها، فهو صلح يبيع المقدسات والأرض مقابل وقف
الحرب؛ لينعم أولئك الذين يرغبون في الحياة الدنيا وزينتها في ظل السيطرة
اليهودية النصرانية، بل إن هذا الصلح فرض على العرب المسلمين المساهمة في
تنمية القدرة الاقتصادية اليهودية والتمكين لدولة اليهود بتوسيع رقعتها الاقتصادية:
من خلال فرض الإتاوة اليهودية بالمساهمة فيما يعرف بتنمية الأراضي المحتلة من
خلال ميزانية الدولة اليهودية، والمساهمة في إنشاء بنك للتنمية للشرق الأوسط
تحت زعامة وقيادة اليهود على أن يشارك في أمواله العرب أغنياؤهم وفقراؤهم.
رابعاً: أن صلح الرسول ﷺ لم يمنع المسلمين من
التحرك العسكري وبسط النفوذ، بل إن الصلح كان وسيلة للقضاء على التحالفات
السابقة مع قريش حتى يمكن إضعاف قدرة قريش على المقاومة، ولهذا: فإنه في
أقل من شهر من عودة الرسول ﷺ إلى المدينة شن حربه على
اليهود في خيبر (حلفاء قريش في معركة الخندق الأحزاب) ، وقد كانت نتيجة
معركته مع اليهود أن حقق الرسول ﷺ السيطرة الكاملة على
المناطق الشمالية للمدينة، وبالتالي: حقق الأمان للمدينة.
أما الصلح مع اليهود: فقد قيد العرب من العمل على تحقيق القوة العسكرية
بمنع التطوير العسكري؛ وذلك بالعمل على حظر بيع الأسلحة للدول الإسلامية،
وإذا تم بيع معدات حربية فهي ضمن حدود السيطرة النصرانية، ومن ثم: فإن
الأجنبي هو المتحكم في تشغيلها وصيانتها وتأمين قطع الغيار لها، ولا يسمح بوجود
صناعات محلية تؤمن حتى الذخائر وقطع الغيار لهذه الأسلحة، وبالتالي: فإن بيع
الأسلحة للدول العربية والإسلامية ينحصر في نوع الأسلحة الدفاعية المتخلفة بدون
تحقيق تقدم صناعي حربي لهذه الدول، بل إن اقتناءها يُحَمّل الاقتصاد الإسلامي
والعربي أعباءً كبيرة وإهداراً للقدرات المالية المسلمة، بدلاً من أن يكون تنمية
للقدرات الدفاعية المسلمة مرتبطاً بالتنمية الصناعية وبالاستغناء عن الدول
النصرانية، وفي الجهة المقابلة: فإن اليهود يحصلون على جميع أسلحة الدمار
الشامل ووسائل التقدم التقني؛ فعقود التطوير للأسلحة بمختلف أنواعها قائمة، بل
إن دولة العدو اليهودي أصبحت من الدول المصدرة للتقنية العسكرية المتقدمة،
بجانب ذلك: فإن الصلح أعطى لليهود حرية جلب اليهود من مختلف أنحاء العالم
وتقوية الروابط السياسية والاقتصادية مع مختلف الدول، مما سوف يوسع قاعدة
نفوذ العدو اليهودي، ويقلل من قدرة العرب والمسلمين على اختراق النفوذ اليهودي.
خامساً: أن صلح الحديبية لم يقيد الأمة بشن الحرب على قريش من أولئك
المستضعفين الذين كانت قريش تحول دون إظهارهم للإسلام؛ فقد كان من شروط
الصلح أن المسلمين يردون من قدم عليهم مسلماً ولا ترد قريش من جاءها مرتداً،
وقد كان تعليل رسول الله ﷺ بقبول هذا الشرط: أن من ذهب
منا إليهم: فأبعده الله، وليس منا بل هو أولى بهم، ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم:
فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً، فلم يكن هذا الشرط مانعاً للمسلمين من البحث عن
مخرج، وبالتالي: منع القوى المعارضة لهذا الشرط من نقضه، فقد بدأت المقاومة
لهذا الشرط حينما قدم أبو بصير إلى المدينة هارباً من قريش، ووفق شروط الصلح
رده الرسول ﷺ إلى قريش، لكنه استخلص نفسه منهم بقتل
أحد الحارسين له خلال أخذهم له إلى مكة، وكوّن مجموعة أخذت تقطع طرق عير
قريش، بل إن رسول الله ﷺ حينما استخلص أبو بصير نفسه
منهم وخرج من المدينة بموجب توجيه رسول الله ﷺ قال تلك
العبارة المشجعة: ويل أمه! مسعر حرب لو كان له أحد [٣] وهي كناية عن قوة
هذا الرجل وإشعار للمسلمين بضرورة مساعدته واللحاق به، مما اضطر قريشاً إلى
الطلب من الرسول إلغاء هذا الشرط.
أما الصلح الحالي؛ فإن من أهم شروطه: العمل على تأمين وتحقيق الأمان
لليهود ومحاربة كل من يسعى إلى حرب اليهود، وبالأخص من يسعى إلى إعلان
الجهاد ومحاربة اليهود على أساس عقدي.
стр. 1945
دراسات تربوية قرآنية
صور من لبس الحق بالباطل
(٣)
عبد العزيز بن ناصر الجليل
مدخل:
بعد بيان معنى اللبس والتلبيس وأنه إلباس الهوى والشهوة لبوساً شرعياً
بتحريف الأدلة أو كتا، ثم بيان الأسباب التي تؤدي إلى لبس الحق بالباطل والمؤدية
بدورها إلى الضلال والإضلال، نذكر هنا بعضاً من صور اللبس والتضليل، وذلك
لنحذر من الوقوع فيها بأنفسنا، ونحذر إخواننا المسلمين من الوقوع فيها والانخداع
بها، ولم أراع في ترتيبها الأهمية، لكن حسب ما عنّ في الخاطر، أسأله (سبحانه)
التوفيق والسداد في القول والعمل، ومن هذه الصور ما يلي:
١- الاحتجاج على شرعية الأنظمة المبدلة لشرع الله والمستحلة لما حرم الله بآثار عن السلف ﵃ أنه: كفر دون كفر:
وهذا، والله تحريف للأدلة عن مواضعها، وإنزال الحكم في غير محله، وافتراء وتجن على سلفنا الصالح وخير القرون في هذه الأمة، فما كانوا عن عصرنا يتحدثون ولا أنظمته المبدلة لشرع الله يقصدون، فالله المستعان، ومن أحسن ما رأيت من الردود على هذا التلبيس ما كتبه الشيخ أحمد شاكر ﵀ ، ومما قاله: وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره مما يلعب به المضللون في عصرنا من المنتسبين للعلم ومن غيرهم من الجرآء على الدين، يجعلونها عذراً أو إباحة للقوانين الوثنية الوضعية التي ضربت على بلاد المسلمين [١] .
فاللهم إنا نبرأ من هذا اللبس ونبرئ صحابة رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- والتابعين لهم بإحسان من هذا التلبيس وهذه المغالطات، وإنه لا أحد ينزل
قول ابن عباس ﵁ أو غيره من السلف على المبدلين لشرع الله في
زماننا هذا إلا رجل سيطر عليه الجهل بالواقع فلا يعلم ما يدور من حوله، أو رجل
منافق ملبس يعلم واقعه وعدم مشابهته للواقع الذي كان يتحدث عنه ابن عباس
﵁ ، ولكنه يغالط ويخلط الحق بالباطل اتباعاً للهوى وطمعاً في دنيا
يصيبها؛ فإنه لم يحدث قط في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكماً وجعله شريعة
يتحاكم إليها الناس.
٢- الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، والرضى بالذل والمهانة:
وهذه الصورة من صور اللبس والمغالطة ليس القصد من إيرادها هنا الرد على المحتجين بالقدر على ضلالهم ومعاصيهم، وإنما المقصود التنبيه على أن من يحتج بالقضاء والقدر ليبرر به انحرافه وكسله وضعفه إنما هو مغالط وملبس ومدلس، وموضوع الرد على المحتجين بالقدر موجود في مظانّه من كتب العقيدة الصحيحة لدى سلفنا (أهل السنة والجماعة) ، مثل: العقيدة الواسطية، ومعارج القبول، والعقيدة الطحاوية.. إلخ، والمراد هنا: كشف اللبس الحاصل بين الحق والباطل في هذه المسألة، حيث إن المحتج بالقدر على فعل المعاصي والإصرار عليها قد وقع في لبس عظيم، ويعلم هو بنفسه أن احتجاجه ليس في محله، وإنما أورده لتبرير شهوته وضعفه بدليل أنه في أمور الدنيا وكسبها لا نجده يقعد محتجاً بالقدر، وأن الله (سبحانه) كتب عليه الفقر أو الجوع أو عدم الزواج، بل إنا نجده يسعى ويفعل الأسباب الممكنة لدفع كل ذلك، فلماذا لا يوجد هذا الدفع أيضاً في أمور الدين وأمور الآخرة فيسعى للآخرة سعيها، ويأخذ بأسباب الهداية وأسباب النجاة من النار، وهي ميسرة لمن أرادها؟ ! ، لماذا هو جبري في أمور الدين والآخرة، وقدري في أمور الدنيا؟ .
وقريب من الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي والرضى بالواقع أولئك
الذين يتجرؤون على فعل المعاصي اعتماداً على رحمة الله (سبحانه) ، نعم إن الله
غفور رحيم، ولكن ليس مقتضى هذه الرحمة أن يتجرأ هذا الملبس على المعصية،
وإنما المقصود منها: فتح باب التوبة والرحمة لمن وقع فيها وانتهى وندم، فيقال له: لا تيأس؛ فإن الله غفور رحيم.
٣- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله
خوف الابتلاء وتعريض النفس للفتن:
هناك من يترك الأمر والنهي عجزاً وكسلاً وجبناً وبخلاً، لكن لا يريد أن يعترف بهذه الصفات الذميمة، فبدلاً من الاعتراف بها والسعي للتخلص منها فإنه يحاول جاهداً في تغطية ضعفه هذا بمبررات شرعية، منها: الخوف من الفتن واعتزال كل ما يعرض النفس للابتلاء والفتنة والهلكة ودرء المفاسد، معتمداً على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح والضوابط الشرعية في ذلك، فمقصودنا هو كشف اللبس والتدليس والمغالطة على النفس وعلى الناس في أن النكول عن الأمر والنهي قد تم من منطلق شرعي وضوابط شرعية، والأمر في حقيقته ليس كذلك، وإنما هو الخوف والجبن وإيثار السلامة وعدم تحمل أي أذى أو مكروه في سبيل الله ؛ يقول الإمام ابن تيمية ﵀ : ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة: صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كما قال [تعالى] عن المنافقين: [ومنهم من يقول: ائذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا] [التوبة: ٤٩] [٢] . ...
فلا يصح لقائل أن يقول أنه يجب الابتعاد في الدعوة إلى الله (سبحانه) عن
كل ما من شأنه أن يجر على الداعية الأذى والمحن! ، إن صاحب هذا القول قد
نسي أو تناسى سنة الله في الصراع بين الحق والباطل، وسنته
(سبحانه) في الابتلاء والتمحيص؛ قال (تعالى) : [ومن الناس من يقول آمنا بالله
فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا
كنا معكم، أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين* وليعلمن الله الذين آمنوا
وليعلمن المنافقين] [العنكبوت: ١٠، ١١] .
نعم إن من بيننا من يريد المغنم من الدعوة ولا يريد المغرم، بدليل عدم
الإعداد والاستعداد لأي أذى يعترضه في الطريق ولو كان قليلاً، وإنما مادام الأمن
والسلامة والراحة فهو نشيط ومتحرك، فإذا ظهرت المحن وبدايات الابتلاء
والتمحيص آثر السلامة والراحة، وعلل ذلك بالابتعاد عن الفتن ودرء المفاسد.
ولا يعني ما سبق من الكلام أن يبحث الداعية عن الأذى والابتلاء، كلا،
فالمطلوب سؤال الله العافية وعدم تمني البلاء، كما لا يفهم منه أيضاً الدعوة إلى
التهور والطيش معاذ الله، فلابد من وجود المنطلقات الشرعية في كل التصرفات،
لكن المراد أن لا نغفل عن سنة الله (سبحانه) في ابتلاء المؤمنين، وأن نوطن
أنفسنا على هذه الأمور، لأنه لابد منها لكل من ادعى الإيمان وتصدّر للدعوة
والجهاد، ولابد منها ليتميز الخبيث من الطيب، ولابد منها لتمحيص القلوب
والصفوف، ولو قلبنا تاريخ الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وتاريخ الدعاة
والمصلحين لرأينا ذلك المعلَم ظاهراً وقاسماً مشتركاً عندهم جميعاً.
وقريب من هؤلاء أولئك الذين يبررون كسلهم وحبهم للراحة وضعف همتهم
بالتواضع البارد والزهد في المسؤولية، لأنه يعرف أن الدعوة إلى الله (سبحانه) لا
يعرف صاحبها الراحة، وتحتاج إلى همة عالية، لكنه عوضاً من أن يعترف
بضعفه هذا، فإنه يغالط نفسه وغيره، ويسعى إلى ترقيعه بإلقاء هذا الضعف على
الخوف من المسؤولية واحتقار النفس، وأن هناك من هو أولى وأتقى وأفضل..
إلخ.
٤- المداهنة وضعف الولاء والبراء بحجة المداراة
والتسامح ومصلحة الأمة:
إن الخلط بين المداراة والمداهنة، والتميع في الولاء والبراء بحجة التسامح، كل ذلك ينتج عنه آثار خطيرة على الدين وأهله، وذلك بما يفرزه هذا الخلط واللبس من المغالطة والتضليل على الأمة في أن ما يقع من الملبسين من مداهنة وموالاة لأعداء هذا الدين إنما هو مداراة.
وإيضاحاً لهذا الأمر: أنقل كلاماً لأهل العلم يزيل اللبس في مسألة المداراة
والمداهنة ومسألة الولاء والتسامح.
قال البخاري ﵀ في باب المداراة مع الناس: ويذكر عن أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم، وعن عائشة ﵂ أنه
استأذن على النبي ﷺ رجل فقال: ائذنوا له فبئس ابن العشيرة
أو بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله، قلت ثم
ألنت له في القول، فقال: أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله مَن تَركه أو
ودعه الناس اتقاء فحشه [٣] .
ويعلق ابن حجر ﵀ على حديث عائشة بقوله: قال ابن بطال:
المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ
في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة
فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من
الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة
الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق
بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه، حيث لا
يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، لا سيما إذا احتيج إلى تألفه، ونحو ذلك [٤] .
ومن هذا يتبين ما هي المداراة وما هي المداهنة، وأنهما ضدان لا يجتمعان،
إذ إن المداراة صفة مدح وهي لأهل الإيمان، بينما المداهنة صفة ذم وهي لأهل
النفاق، فهل بقي بعد هذا البيان مجال للالتباس في هذا الأمر؟ ! .
ثم إن مكمن الخطر في هذا الخلط ليس في مداهنة الفساق وأهل المعاصي من
المسلمين فحسب، وإنما الأخطر من ذلك هو: مداهنة الكفار بمشاربهم المختلفة
تحت غطاء المداراة ومصلحة الأمة، حتى اهتز جانب الولاء والبراء الذي هو
الركن الركين في عقيدة التوحيد وبدأ حاجز البغض للكفر وأهله يضعف، بل اهتز
عند بعضهم، والسبب في ذلك: الجهل بحقيقة المداراة والمداهنة، أو المغالطة
فيهما عن علم وهوى.
٥- الانفتاح على الدنيا والركون إليها، بحجة التعفف عن الناس وإنفاق المال في وجوه الخير:
وفي هذه الصورة مدخل خفي للشيطان يتسرب منه إلى نفس الإنسان، يبلغ اللبس في هذا الأمر من الخفاء بحيث لا يفطن له إلا المجاهد لنفسه، المفتش لقلبه، الحذر الخائف من الدنيا وغرورها، ومكمن اللبس هنا في أن التعفف عن الناس أمر مطلوب، ويحث عليه الشرع في أكثرمن آية وحديث، وكذلك الإنفاق في سبيل الله وبذل المال في أوجه البر المختلفة، كل هذا حق لا ريب فيه، لكن الشيطان لا يألو جهداً في إغواء بني آدم وجرهم إلى حزبه خطوة خطوة، ولهذا: فهو يبدأ مع الإنسان ليجره إلى الدنيا وغرورها من باب التعفف عن الناس، ومساعدة المحتاج، وإغاثة الملهوف.. إلخ، ثم بعد ذلك، وبعد إشغاله بالمال وطرق جمعه ومشاكله وشبهاته نبحث عن صاحبنا الذي كنا نراه في لقاءات الخير والدعوة إلى الله (سبحانه) فلا نراه إلا قليلاً، وهكذا، حتى ينفتح على الدنيا، ويركن إليها، ويضع له الشيطان في كل وادٍ من أوديتها شغلاً وهماً يتشعب فيهما الفكر، ويتشتت فيهما الذهن ويتحول المال المكتسب إلى استثمارات جديدة وتوسع في المباحات وإسراف في المآكل والمراكب والمساكن، وقد كان الهدف في البداية هو التعفف والإسهام في وجوه الخير والبر، والغريب في الأمر أن هذا المغالط عندما يذكّر بالآيات التي تحذّر من الدنيا، وسرعة زوالها، وخطر الركون إليها، فإنه بدلاً من أن يشعر بالخطر ويسعى لتدارك الأمر؛ فإنا نجده يصر على المغالطة واللبس، ويقول: إن التعفف عن الناس مطلوب، ولابد للداعية أن يكون له مصدر يستغني به عن الناس وينفع به دعوته، ويساهم في الخير، وهو يعلم أن ليس هذا قصده، وإنما أراد تغطية حبه للدنيا والركون إليها بهذا الغطاء الشرعي الذي لم يراع الضوابط الشرعية فيه.
وقد يقول قائل: إذن، ما العمل في مثل هذه الحالة وبخاصة لمن أراد صادقاً
أن يتعفف عن الناس وأن ينفع دعوته بالمال؟
والجواب لا أملكه، لأنها معادلة صعبة يختلف حلها من شخص لآخر، ويكفي
في حلها أن يعلم الله (سبحانه) من أنفسنا أننا نريد التعفف والبذل بصدق في سبيل
الله (سبحانه) ، فعندئذ يحمينا برحمته من الدنيا وزخرفها، ويخرجها من قلوبنا لتبقى
في أيدينا، وكل إنسان على نفسه بصيرة.
٦- الاحتجاج بيسر الشريعة وضغط الواقع:
إن القول بيسر الشريعة وسماحتها حق لا شك فيه، ولكن الاحتجاج بهذا التيسير للتفلت من أحكام الشريعة والتحايل عليها، واتباع الهوى في الأخذ بالرخص والشذوذات الفقهية، كل هذا باطل وتلبيس وتضليل، يتبنى ذلك أهل الأهواء الذين يتبعون الشهوات، يريدون بذلك تحلل المجتمع المسلم من أحكام الشريعة باسم التيسير وترك التشديد، وصدق الله العظيم: [ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاْ عظيماً] [النساء: ٢٧] . ...
ومن رحمة الله أنه لم يكل مصالح العباد إلى أهواء البشر
وشهواتهم، بل وضع (سبحانه) شريعة كاملة مبرأة من الجهل والهوى، ومبرأة من
النقص والقصور، لأن مصدرها منه (سبحانه) الذي له الأسماء الحسنى والصفات
العلا، ولو أن تقرير مصالح العباد كان في أيدي البشر لحصل من ذلك شر وفساد
كبير، وذلك لما عليه البشر من الجهل والنقص والهوى والشهوة، وهذا مشاهد في
الواقع؛ فالمجتمعات التي لا يحكمها شرع الله (سبحانه) وتحكمها أنظمة البشر
وقوانينهم نرى فيها من الفساد والشرور والظلم والاستعباد والضنك والضيق ما تعج
منه الأرض والسماوات، وتبرأ منه الوحوش في البريات، وصدق الله العظيم:
[ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم
فهم عن ذكرهم معرضون] [المؤمنون: ٧١]
إن الذين يتشدقون بالتيسير ويغالطون به بغير علم ولا هدى من الله (سبحانه) ، لو كان الأمر بأهوائهم لعطلوا كثيراً من أحكام الشريعة التي قد يُظَن فيها المشقة
والضيق مع أن مآلها اليسر والسعادة في الدارين، فالله (سبحانه) الرحيم بعباده، هو
الذي يعلم ما يصلح شؤونهم، وييسر أمورهم، ويعلم ما يشق عليهم وما لا يشق،
إنه حكيم عليم.
٧- التشهير بالدعاة والمصلحين واغتيابهم بحجة النصيحة
والتحذير من الأخطاء:
عن أبي برزة الأسلمي، والبراء بن عازب ﵄ ، قالا:
قال رسول الله ﷺ : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان
قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم،
تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته [٥] .
والمقصود من إيراد هذه الصورة هو الحذر من تزيين الشيطان وتلبيسه في
إظهار الغيبة أو النميمة أو التشهير في قالب النصيحة، والتحذير من الأخطاء
والغيرة على دين الله وتعظيم حرمات الله ، إن هذا هو الخطير في الأمر: إذ لو أن الواقع في الغيبة أو النميمة أقر بذنبه، واعترف بتقصيره، واستغفر
ذنبه لكان الأمر أهون، أما أن يكابر ويلبس على نفسه وعلى الناس بأن قصده
النصيحة للأمة وتحذيرها من الأخطاء، وهو يعلم من نفسه غير ذلك من التشفي أو
الحسد أو التهوين من شأن من وقع منه الخطأ وتنفير الناس عنه، فكل ذلك من
المغالطة وتلبيس الشيطان وتزيينه؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ :
ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول:
ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم
بأحواله، ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت، وربما
يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه، وهضماً لجنابه،
ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك، كما يخادعون
مخلوقاً، وقد رأينا فيهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه، إلى أن قال: وربما يذكره
عند أعدائه ليتشفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله
ولخلقه، ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيظهر في هذا
الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر، والله المستعان [٦] .
فلا مدخل لملبّس ومغالط في إظهار حقده وتشفيه وحميته لنفسه في قالب
النصح والديانة، وكل إنسان أدرى بنفسه وقصده.
ولكن يبقى هناك بعض القرائن التي تكشف هذا اللبس والخداع في نفس
المدعي للنصح والديانة، منها:
١- التشهير والتعيير بالمنصوح، خاصة إذا كان من المصلحين وأهل العلم.
٢- الظلم، وعدم الإنصاف مع المنصوح، وبخسه حقه، وإخفاء خيره
وحسناته.
٣- عدم التثبت، والأخذ بالشائعات، وتصيد الأخطاء والفرح بها.
٤- تغليب سوء الظن، وتفسير المقاصد بدون دليل وبرهان.
٥- أن يكون قد عرف عنه الكذب وقلة الورع.
٦- المداهنة للظالمين والركون إليهم.
٨- التلبيس على الناس برفع لافتات إسلامية تخفي وراءها
الكيد للدين وأهله:
إن من أخطر ما يهدد الأمة في عقيدتها وأخلاقها أن تعيش في جو من اللبس والتضليل والخداع، فلا ترى الحق بصورته المضيئةولا الباطل بصورته القاتمة المظلمة، بل قد يصل بها المكر والخداع إلى أن ترى الحق باطلاً والباطل حقاً، ويلتبس سبيل المجرمين بسبيل المؤمنين، ومن أعظم الالتباس بين السبيلين أن يقوم المجرمون من أعداء المسلمين سواء من الكفار الصرحاء أو المنافقين الدخلاء برفع لافتات، ظاهرها الإسلام ومحبة الدين والدعوة إليه، وباطنها الكيد والمكر والخداع، ويحصل من جراء ذلك: أن يُخدع كثير من ... المسلمين بهذه اللافتات فينشغلون بها، ويثنون على أهلها بدلاً من فضحها وكشف ... عوارها وتعرية باطلها، وعن خطورة التباس سبيل المجرمين بسبيل المؤمنين، يقول ابن القيم ﵀ : فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو ... أحدهما؛ كما قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ ... في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا من كمال علم عمر ﵁ ، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول ﷺ ، فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل، فمن لم يعرف سبيل المجرمين، ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها وكفر من خالفها واستحل منه ما حرمه الله ورسوله [٧] .
وقد قص الله (سبحانه) علينا في كتابه الكريم قصة قوم من المنافقين أرادوا
خداع الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين برفع لافتة إسلامية
على صرح من صروح النفاق، لكن الله فضحهم وفضح لافتتهم وعرّى
باطلهم، ليكونوا عبرة للمسلمين في وقتهم، وعبر التاريخ الطويل لمن يأتي بعدهم
ممن يرفع لافتة إسلامية يخفي وراءها خبثه ومكره، ويكيد بها المسلمين في أي
زمان ومكان، وهذه القصة ذكرها الله (سبحانه) في سورة التوبة بما يعرف بمسجد
الضرار، حيث أنزل فيها قرآناً يتلى إلى قيام الساعة، قال (سبحانه) : [والذين
اتخذوا مسجداْ ضراراْ وكفراْ وتفريقاْ بين المؤمنين وإرصاداْ لمن حارب الله ورسوله
من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبداْ.
لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن
يتطهروا، والله يحب المطهرين] [التوبة: ١٠٧١٠٨] ، واللافتات المرفوعة اليوم
كثيرة وماكرة، أقتصر منها على بعض الأمثلة:
ما يرفعه الذين بدلوا شرع الله ورفضوا التحاكم إليه في بلادهم
من لافتات يخدعون بها شعوبهم المسلمة، مثل إقامة الذكرى السنوية لإحراق
المسجد الأقصى المبارك، فترى هؤلاء المجرمين الخائنين لله (سبحانه) ورسوله -
ﷺ يخدعون المسلمين بإحياء ذكرى حرق المسجد الأقصى كأنهم
يهتمون بالمسلمين ومقدساتهم، وهم قد خانوا الله (سبحانه) من قبل بتنحية شريعته
واستحلال محرماته، وخانوا أمتهم بعد ذلك بالتذلل لليهود والنصارى، وما أصدق
ما قاله الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ في محاضرة له مسجلة: إن
إحراق المسجد الأقصى بل إحراق مساجد الدنيا كلها ليس أعظم جرماً من الاعتداء
على شرع الله وحكمه وسلطانه في الأرض من قبل الأنظمة التي تتباكى على
الأقصى وإحراقه.
стр. 1946
خواطر في الدعوة
وإخوانهم يمدونهم في الغي
(٢)
محمد العبدة
ماذا نسمي الذين يريدون إبعاد الأمة عن هويتها وحضارتها، وعن عزها
ومقوماتها، بل الذين يريدون اقتلاعها من جذورها لتقع فريسة لأعدائها، أو لأمشاج
مختلطة من الزيف والانحطاط الفكري والأخلاقي، إنهم يسمون أنفسهم بأسماء شتى: الحداثيين، التنويريين، العلمانيين ولكن اسمهم الحقيقي المنافقون؛ لأنهم
يتظاهرون بالإصلاح وهم مفسدون (ولكن لا يشعرون) ويتظاهرون بالثقافة (ولكنهم
لا يعلمون) ، هؤلاءالذين يبصبصون عندما يرون أسيادهم، فيقولون مثل قولهم،
فإذا قال أسيادهم: إن الصحوة الإسلامية سببها المشاكل الاجتماعية والاقتصادية
التي تعاني منها بعض الدول: رددوا أقوالهم، وطالبوا بدعم الدول المحاربة للإسلام
حتى ينحسر التدين أو ما يسمونه (الأصولية) وهذه شنشنة معروفة عند المستشرقين
الذين عاشوا في القرن الماضي، والذين يقولون (بسماجة عجيبة) : إن محمداً اتبعه
الفقراء، لأنه نادى بالإصلاح الاجتماعي، أي إنه استغل الظروف الاقتصادية
والاجتماعية ليجمع الناس على هذا الدين، ثم جاءت صحافة الغرب ليدندن كتابها
حول هذا الموضوع، وكثير منهم يتميز بالسطحية والخبث في معالجة شؤون
الإسلام، فيأتي المنافقون من بني جلدتنا ليرددوا أقوالهم، ولو أن فيهم مسكة من
عقل أو ذرة من إنصاف لعلموا أن الذين أسلموا مع محمد ﷺ
كان فيهم التجار الأغنياء كأبي بكر، وعبد الرحمن ابن عوف، وعثمان بن عفان،
وفيهم الفقراء، وفيهم الأشراف والموالي، ولكن أنّي لمن لم يذق طعم الإيمان أن
يحس برابطة الدين، وفي هذا العصر نجد الذين أقبلوا على الالتزام بالإسلام
وحمايته ونصرته، فيهم التجار الأغنياء، والشباب الذين عاشوا في النعيم، وفيهم
أساتذة الجامعات، وكبار الموظفين، وفيهم القضاة، والكتاب، فهل كل هؤلاء
(صعاليك) عندهم مشاكل اقتصادية؟ ! .
إن هوية هذه الأمة: الإسلام، ولسانها: العربية، فمن يحارب هذا فلابد أن
يسمى باسمه الحقيقي؛ إنهم يخونون أمتهم وحضارتهم، يقول الصحابي الجليل
حذيفة بن اليمان: المنافقون الذين فيكم اليوم شرّ من المنافقين على عهد رسول
الله ﷺ ، قلنا: وكيف؟ ، قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه [١] .
إننا لم نر أو نسمع في أمة معاصرة أن قام نفر من أهلها يطالبون بالانسلاخ
عن حضارتها ودينها وتقاليدها، ويحاربون ثقافة بلدهم أشد المحاربة، كما يفعل
هؤلاء الذين يعيشون بين أظهرنا؛ روى البخاري [٢] عن ابن عباس قال: يا
معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب؟ ! ... ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قط
يسألكم عن الذي أنزل إليكم، وإن في الغرب اليوم وبخاصة في أمريكا من يدعو
للعودة إلى الدين، يقول أحدهم: أرى أن تربية الأطفال اليوم لا تتم بشكل جيد،
أحبذ إدخال التربية الدينية إلى المناهج، ولكن يبدو أن علمانيينا (المنافقين) مازالوا
يعيشون في أجواء القرن التاسع عشر الأوروبي، حيث كانت موجة الإلحاد
والماركسية والوجودية، ولم يسمعوا بما يجري في نهاية القرن العشرين، أو لا
يحبون أن يسمعوا.
стр. 1947
مقال
مسلماتنا بين الثابت والمتحول
عبد العزيز كامل
من تناقضاتنا التي نعيشها اليوم نحن المسلمين أننا أصبحنا من حين لآخر
نفاجأ بمقولات أو آراء، أو مواقف تهجم علينا كالصاعقة أو الصدمة المذهلة
المحيّرة، التي تحتاج لمجرد الإفاقة من وقعها وقتاً للعودة إلى التوازن، وما ذلك إلا
لأنها تضرب فينا عصباً مكشوفاً، أو وتراً حساساً، أو شعوراً مستقراً.
إنها كالماء الشديد البرودة الذي ينهمر على جسدك في زمهرير الشتاء، إذا
فتحت خطأ صنبور الماء البارد بعد أن استكان الجسم واستروح لذة الدفء.
لسنا نقصد هنا صدمات ومفاجآت المتلونين من العلمانيين على اختلاف
توجهاتهم وتقلباتهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فهؤلاء لا يستغرب منهم
ذلك، لأنهم لا ثوابت لديهم! ، ولا أصول ولا عقائد مستقرة لهم، وإنما همنا
وحديثنا عن تلك الظاهرة الطارئة الدخيلة علينا نحن الإسلاميين، التي سببتها كثرة
التناقضات الفكرية، والمشاحنات الحزبية، وكذلك ما انبنى عليها من آراء
استفزازية وردود كيدية، وأيضاً ما كثر أخيراً من الآراء السياسية، انتهازية كانت
أو اضطرارية أو إرضائية.
لن نقف طويلاً للإسهاب في استعراض بعض هذه الصدمات والصعقات
والكدمات، ولكن تكفينا إطلالة سريعة على العديد من قضايانا الأساسية والمحورية
لنتفقد ما أصاب ثوابتها من دخن، وما اعتراها من دخل، اهتزت له قناعات،
وخفقت وخمدت بسببه أصوات وحركات.
* خذ مثلاً: قضية الصراع مع العدو اليهودي، أو ما أطلق عليه إعلامياً:
(الصراع العربي الإسرائيلي) ، تلك القضية التي لن نلوم على التفريط فيها
عصابات العلمانيين بعد أن رفعوها ثم أنزلوها ثم دفنوها، لن نلومهم لأنهم ليسوا لها
ولا أهلها، إنما نتحير من ذلك التغير الذي بدأ يعتري ثوابتها لدينا نحن الإسلاميين!، كم هي الثوابت التي كانت حتى عهد قريب مستقرة لدينا، مستعصية على أي
محاولة للالتفاف أو الالتفات أو التزييف، استعرض بذاكرتك هذه الثوابت فهي
معروفة وتأمل فيما طرأ عليها وهو معروف أيضاً فستجد أن كل قائم ثابت من تلك
الثوابت قد أصيب بسهم غرر من إحدى كناناتنا، أو بصاروخ من إحدى قواعدنا.
أين نحن الآن من وضع اليهود على رأس قائمة الأعداء، واعتبارهم أهل
حرب دائمة وشاملة، وتحريم السلام الدائم الشامل معهم، وعدم إقرارهم على أي
جزء من أرض المسلمين، ووجوب نصرة المجاهدين الفلسطينيين ضدهم، وتحريم
الهجرة الجماعية لإخلاء الأرض أمامهم، أين نحن من تحريم وتجريم الاعتراف
بدولتهم وتخوين الاتصال بقادتهم.. دقق النظر في كل تلك الثوابت، تجد أنها كلها
أو جلها قد قيل فيها قولان! ! ، أو انتطح فيها عنزان، أو اختلف فيها نظران.
* وإذا أردت مثالاً آخر لقضية ما كان لنا أن نُخضع ثوابتها لرياح الاختلاف؛ فأمامك قضية تحكيم الشريعة في حياة المسلمين، والموقف من المناوئين لها،
المحاربين لأهلها، والمصرين على الحكم بغيرها.. انظر كيف تطرق الاختلاف
إلى ثوابت كثيرة فيها ابتداء من اعتبارها قضية من قضايا الأصول المرتبطة
بالاعتقاد، ومروراً بضرورة جمع الجهود والقلوب حولها ومعاداة من يجاهر بحربها، بقوله أو فعله.
أليس من العجيب والغريب أن تصدر العديد من الإصدارات لتقرير شرعية
الأنظمة المبدلة للشريعة.
ماذا بقي من الثوابت لدينا في هذه القضية، بعد أن أصبح منا من يردد
دعاوى الإرجاف الإعلامي العلماني، ولا يتورع عن ترديد الأوصاف التي ابتكرها
لازدراء العاملين لنصرة دين الله من قبيل: (التعصب التطرف الارهاب التشدد) ؟!.
* سأعطيك مثالاً ثالثاً: كان من الثوابت حتى عهد قريب، ما يشبه الإجماع
بين فصائل الإسلاميين على أن نصرة المستضعفين من المسلمين في كل مكان
واجب بالنفس والمال، وأن تبني قضاياهم ومراقبتها وطرحها وكسب الأنصار لها
من أعظم واجبات الدين وأوثق عرى الإيمان.
انظر الآن، كيف أصبح هذا في نظر بعضهم، نوعاً من الاشتغال المحرم
بالسياسة، وضرباً من ضروب إلهاء الأمة، ولوناً من ألوان تدخل المرء فيما لا
يعنيه، والكلام عما يؤذيه، أو هو شكل من أشكال الشغب على الحكومات والهيئات
والمنظمات..!
بل أصبح من بعضهم من يصف كل جهاد مشروع للذود عن النفس والدين
والعرض، بأنه افتتاح للمزيد من المحارق، افتعالاً للمعارك، وإشعالاً للمهالك! !
سبحان الله! هل غدا الجهاد فريضة منسوخة أو منسوءة في كل البقاع، أو
سقطت فريضته مع سقوط الخلافة، فلا يقوم إلا معها؟ !
إنك إن أردت أن تعدد معي قضايا أخر كثيرة تعرضَتْ لمثل ما تعرضت له
أخواتها تلك لما عدمت الحيلة، ولا أعوزتك الوسيلة ... ويكفيك استعراض العناوين
الكبيرة لقضايانا مثل: (الولاء والبراء، وفرضية اجتماع المسلمين، والسعي لإعادة
كيانهم، وفرضية العمل لذلك فردياً، ومشروعيته جماعياً، وضرورة إنكار المنكر، والصدع بكلمة الحق ... إلخ) .
يكفيك استعراض تلك العناوين وغيرها، وتأمل ما شاب ثوابتها من اهتزاز،
لتشعر بحجم المشكلة وخطورة المسألة.
إنه لابد لنا من حماية ثوابتنا، والتنادي لإحكام السياج الواقي حولها حتى لا
نتيه مع الاختلافات أو نضيع في مفترق التناقضات، ولا مفر أمام العاملين في
الساحة الإسلامية من ضرورة وضع الأطر العامة في برامجهم التربوية لضمان الحد
الأدنى من الاتفاق عليها وتأمينها من عوادي التغيير والتحوير والتأويل.. ولعله
يتسنى في عدد قادم استعراض بعض الوسائل المعينة على ذلك (إن شاء الله) .
стр. 1948
من قضايا المنهج
لمحات في فن الحوار
الحلقة الثانية
[أساليب الحوار]
محمد محمد بدري
مدخل:
ذكر الأخ الكاتب في الحلقة الأولى أهمية وجود ضوابط للحوار، وذكر منها: السماع الكامل، وتجريد الأفكار، وترك المراء، والتغافر بين
المتحاورين، والصدق والوضوح في الفكرة والأسلوب، وضبط مسار الحوار
بالعلم والعدل، والمنطق العملي في الحوار، والوصول إلى هدف الحوار من
أقصر طريق وهو ما أطلق عليه: (الحجة الرأسية) .
وفي هذه الحلقة يتطرق الكاتب إلى أمر آخر في الموضوع، وهو (أساليب
الحوار) .
- البيان -
أساليب الحوار:
إذا كانت ضوابط الحوار تقرر الآداب والأخلاق التي يجب أن نلتزم بها في
كل حواراتنا، وتؤكد على هذه الآداب بإن.. فأساليب الحوار ترشدنا إلى كيف
نحقق ضوابط الحوار عبر مهارات نتدرب عليها وتكتيكات نمارسها في واقع
حواراتنا حتى لا تصل هذه الحوارات إلى طرق مسدودة أو تكون نتيجتها الوحيدة
هي زيادة الفرقة والتناحر..
ومن هذه الأساليب [١] :
(أ) الإعداد الجيد:
الإعداد الجيد للحوار: هو المقدمة العلمية لتمهيد الأرضيات الفكرية المشتركة
بين طرفي الحوار حتى تمر أفكارهم في اتجاهي الأخذ والعطاء دون اصطدامات
فكرية، أو كوارث عملية.
والإعداد الجيد يعني: إعداد المناخ العام للحوار، والإطار الواضح للتحاور،
من حيث: هدف الحوار، ونفسية المتحاورين، ونقاط التحاور.. ثم مراعاة ذلك
كله بدقة وحكمة قبل وأثناء وبعد الحوار:
١- هدف الحوار:
ربما لا يعرف بعضنا في أكثر حواراته إلا هدفاً واحداً هو سحق الآخر
وإفحامه بل وإذلاله وتلك كارثة حقيقة، فللحوار أهداف أخرى أهم وأنفع، منها:
- الحوار الاستكشافي: وهو يهدف إلى التعرف على أفكار الآخرين عن قرب، ومعرفة بواعث أعمالهم وحركاتهم، وهذا يتطلب إشعارهم بأن حوارنا معهم هو
تعبير عن حبنا لهم ورغبتنا في الانتفاع بخبراتهم والتفاعل معها والعمل من خلالها.
- الحوار التسكيني: وهو يهدف إلى تقليل هوة الخلاف مع الآخرين.. وهذا
يستوجب منا الصبر والتريث وتجاهل استفزازاتهم، بل والسماح باستفراغ كل
شحناتهم العاطفية دون ردود أفعال منا أثناء هذا التفريغ.. ثم إرساء بعض مبادئ
الحوار، وفي مقدمتها: أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
- الحوار التعاوني: وهو يهدف إلى الوصول لحلول لقضايا الخلاف بين
طرفي الخلاف، لتكون هذه الحلول مقدمة لتطوير علاقات التعاون بينهما، وتعميق
وتوسيع نطاق هذه العلاقات في مجالات جديدة.. وهذا يستلزم محاولة الوصول إلى
صيغة ترضي الآخرين عبر استقراء الخلفيات الفكرية والنفسية لهم.
- الحوار الحاسم: وهو يهدف إلى حسم الخلاف في الرأي بين طرفي الحوار
حول بعض القضايا، وتقريب خطوط الفكر بينهما إلى خط فكري واحد.. وهذا
يقتضي من المحاور عزةً في تواضع، وثباتاً على المبدأ في رفعه ولين، واستعلاء
بما يحمل من حق مع رحمة وشفقة بالآخرين.
٢- نفسية المحاورين:
ترجع نسبة كبيرة من الحوارات الفاشلة إلى عدم معرفة المحاور للطرف
الآخر المقابل له معرفة دقيقة، لأن هذا الجهل يؤدي إلى سوء الفهم بكل تأثيراته
السلبية التي تصل إلى حد الانشقاق والفرقة! !
ومن هنا كانت المعرفة الدقيقة لنفسية الآخر وظروفه وبيئته واهتماماته
ومبرراته في التمسك بما يقول.. كل ذلك هو الطريق إلى تحديد الأسلوب المناسب
للتحاور معه، والمفتاح الصحيح لفتح قلبه والقرب منه وضبط أعصابه.
- النفسية اليائسة: وهي نفسية من تعرضوا لإحباطات مستمرة على طريق
العمل الإسلامي.. وأسلمتهم هذه الإحباطات إلى يأس مطلق من أي عمل، وهؤلاء
لا يتصورون عملاً يمكنه الوصول إلى التغيير للأفضل، بل ويكرهون من يحاول
القيام بأية محاولة إيجابية للتغيير، ويجدون متعتهم الحقيقية في رصد تجارب الفشل!!
ولا شك أن الحوار مع هؤلاء يتطلب الحذر الشديد لكي لا يضيع وقت الحوار
فيما لا ينفع، أو يدور التحاور دون الوصول إلى أعمال محددة تبنى على الحوار..
ومن هنا وجب على من يتحاور مع هذا الصنف من النفسيات أن يتحرى عدم
الخوض في أي أمر أو موقف من الأمور والمواقف التي سببت لهؤلاء إحباطاً في
يوم من الأيام، لأن هذه الأمور تستثير شهيتهم لترسيخ الإحباط واليأس.. وإنما
يكون التركيز في الحوار على ترسيخ اليقين بأن هناك دائماً ما يمكن عمله، وأن
كل عمل مفيد.
- النفسية المُصَنّفة: وهي النفسية التي تميل دائماً إلى تصنيف الآخر وتأطيره
بجهالة ودون تروٍ، بل وتعتبر الآخر عند أدنى مخالفة من معسكر الأعداء الذين
يجب التصارع معهم وسحقهم! ! ولا شك أن التحاور مع أصحاب هذه النفسية
يتطلب قدراً من الذكاء والحذر، ويقتضي إبراز أكبر قدر من مواطن الاتفاق بين
الطرفين في بداية التحاور، لأن ذلك يقلل فجوة الخلاف.. ثم استثمار الفرص
للتأكيد على خطأ تصنيفهم عبر إرسال رسالة فكرية تثبت حسن النية والحب للآخر، لأن ذلك يقلل الكراهية.. فإذا ضاقت فجوة الخلاف، وانحسرت حدة الكراهية من
الآخر، فلابد من الالتزام خلال الحوار بترك الفرصة الدائمة للمخالف ليرجع عن
أفكاره مع حفظ ماء الوجه.
إن من نحاوره ونخالفه في الرأي بطريقة صحيحة للحوار والخلاف لا يشعر
بالانهزام والإرغام، بل يشعر بفضيلة انكشاف الحق والرضوخ له دون إرغام من
أحد.
والحوار الناجح هو الحوار الذي لا يشعر فيه المتراجع عن الخطأ بالذل، كما
لا يشعر فيه الداعي إلى الحق بالغرور.
- النفسية المتصيدة: وهي التي يقوم صاحبها بتصيد الحروف والألفاظ دون
الاهتمام بمقاصدها أو إحسان الظن بقائلها.. وهذه النفسية وليس لنا مثل السوء
كنفسية الخنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمته.
وهكذا صاحب النفسية المتصيدة، يسمع منك ويرى المحاسن أضعاف أضعاف
المساوئ، فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه، فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد
بغيته وما يناسبها، فجعلها فاكهته ونقله [٢] .
ولا شك أن التحاور مع أصحاب هذه النفسية يحتاج إلى التذكير الدائم بأنه
ليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله
وتُجْتَنب [٣] . مع التخلق بأدب الاعتراف بالخطأ إن وقع منا، وعدم الدفاع عن الأخطاء أو تبريرها، لأن ذلك هو السبيل إلى إقامة جسور التواصل مع أصحاب النفسية المتصيدة التي يجب أن يكون شعار الحوار معهم:
من الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
- النفسية الهروبية: وهي التي يسيطر على أصحابها فكرة أنهم لا يملكون
فعل شيء في مواجهة المتآمرين عليهم، فيدفعهم ذلك إلى الهروب من مواجهة
تجاربهم الفاشلة ومحاولة معرفة الأخطاء التي تسببت في الفشل، إلى تبرير هذه
التجارب بما يبرئ ساحتهم، ويضع المسؤولية على الآخرين الذين لا يكفون عن
التآمر ضدهم!
ولا شك أن التحاور مع هؤلاء يحتاج إلى دوام التذكير بأن العوامل الداخلية
في أي عمل هي التي تعطي العوامل الخارجية تأشيرة العمل والتأثير، وأن علينا
أن نتقن العمل بدلاً من أن نبرر الفشل، ونمارس عبودية الأخذ بالأسباب ضمن
ممارسة عبودية التوكل.. ونعلم علم اليقين أن أول خطوة في طريق ضرب تآمر
الآخرين هي التحرك بفاعلية وإيجابية في حدود الاستطاعة مع الحذر الواجب وعدم
اليأس.
وهكذا تحتاج كل نفسية إلى طريقة في الحوار تختلف قليلاً أوكثيراً عن
الأخرى، ومن هنا يصبح من الأهمية بمكان معرفة نفسيات الآخرين الذين نتحاور
معهم.. فإذا جهلنا من نتحاور معهم لأي سبب، فإن أسلوب جس النبض عبر أسئلة
عن أمر عام ليس لها علاقة مباشرة بموضوع الحوار قد تكسبنا بعض الخبرة عن
الآخرين، وتعطينا فرصة التعرف على أفكارهم ونفسياتهم من خلال ميولهم
وطريقتهم في الإجابة، بل وحتى من خلال نبرات أصواتهم في الرد وإشارات
أيديهم المصاحبة لها.
٣- نقاط التحاور:
في غياب التحديد الدقيق لنقاط التحاور تتحول أكثر حواراتنا جدلاً عقيماً
سائباً ليس له نقطة ينتهي إليها.. لذلك فإنه من أهم خطوات الإعداد الجيد للحوار
معرفة نقاط التحاور، والبدء بالأهم منها، وترك غير المهم من فضول العلم والكلام
وغيره من الأمور التي تفرق بنا سبلها عن أصل الموضوع وأساس القضايا،
فيتبعثر الجهد ويضيع الوقت..
ولكي نحفظ جهدنا ووقتنا فإننا قبل كل حوار نقوم بإعداد نقاط التحاور إعداداً
جيداً، ونعمل في الوقت ذاته على تقليل المفاجآت الفكرية غير المتوقعة.. تلك
المفاجآت التي يكون لها آثار سلبية عميقة في سير الحوار، بدفعه إلى التشعبات
والتفريعات التي تمزق معها الموضوع الأساس ويضيق وقت الحوار عن مناقشته.
ولا شك أن الإعداد الجيد لنقاط التحاور يستوجب أن تكون لدينا القدرة قبل
الحوار أن نجيب على أسئلة من أمثال: هل هذه النقطة مهمة؟ وما مدى أهميتها؟
وهل يمكن التحوار حولها أو وتهميشها؟ وما موقفنا إذا رفض الآخرون قبولها..
إلى غير ذلك من الأسئلة التي تمثل الإجابة عنها الطريق إلى الحوار المثمر، ولا
يصل الحوار في غيبتها إلا إلى الطريق المسدود.
(ب) الصمت الواعي:
إذا كان السماع الكامل للآخر من أهم ضوابط الحوار، فإن الصمت الواعي
هو وسيلة هذا السماع التي تحقق منه الفائدة القصوى..
إن الصمت الواعي يستلزم قدرات خاصة لاستيعاب ما يقوله الطرف الآخر
وتخزينه في الذاكرة بصورة منظمة لاسترجاعه في الوقت المناسب للحوار.. وهذا
يعني أن نعرف أثناء صمتنا: حتى متى يجب أن نسمع؟ ومتى يجب أن نتكلم؟
وماذا نقول إذا تكلمنا؟ .. فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال يقال في كل
وقت، وليس كل ما يقال في كل وقت يقال لأي أحد.. بل كما يقول الشاطبي
﵀ : ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره وإن كان من علم الشريعة،
ومما يفيد علماً بالأحكام بل ذلك ينقسم: منه ما هو مطلوب النشر وهو غالب علم
الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لايطلب نشره بالنسبة إلى حال أو
وقت أو شخص [٤] .
وإذن: ففي بعض الأمور يكون الصمت هو الواجب، وفي أمور أخرى يكون
الكلام هو الواجب.. والصمت الواعي هو فن التوفيق بين واجب الصمت وواجب
الكلام.. وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها،
فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة،
فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن
كانت مما تقبله العقول، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم
يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري وفق المصلحة الشرعية
والعقلية [٤] .
إن للصمت وظائف حوارية ضخمة حين يحسن استخدامه، أما حين يُساء
استخدام الصمت فيلتزمه المحاور دائماً وفي كل الأحوال، فإنه يعطي الآخر إحساساً
بعدم جديته، بل قد يحسب الآخر أن هذا الصمت لون من ألوان عدم الترحيب
وعدم التجاوب معه! !
وإذن: فلابد من اكتساب القدرة على الصمت الواعي الذي يحقق الوسطية بين
رد الفعل السريع الذي لا يُنْتِج إلا الخسائر الحوارية، وبين رد الفعل المتأخر الذي
يبدد الوقت والجهد دون فائدة.
(ج) التسلسل المنطقي:
في كل حوار ناجح يمثل التسلسل المنطقي المقدمة الأولى لهذا النجاح، ومن
هنا فإن من فقه المحاور الذكي أن يتسلسل فيما يقدمه للآخر تسلسلاً منطقياً يقدم فيه
الأسباب والحيثيات التي تؤدي إلى نتائجها في غاية اليسر والهدوء.. ولا يعني ذلك
أن يتسلحف المحاور بأفكاره أو يُبقي عليها في بيات شتوي متوقفة عن الحركة،
وإنما يعني أن يتلطف في تقديمها للآخر، فإن كان ثمة أفكار غريبة على نفس
الآخر وعقله فلا يفاجئه بها، بل يقدم بين يديها مقدمات تؤنس بها وتدل عليها حتى
لا تكون فتنة له؛ كما قال عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه
عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة. وقال عروة بن الزبير: ما حدثت أحداً بشيء من
العلم قط لا يبلغه عقله، إلا كان ضلالة عليه.
فليس الناس طرازاً واحداً، والعقول تتفاوت، والأفهام تتباين، ولابد من
مراعاة هذا التباين وذلك التفاوت.
وتأمل ذكره قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر
التشبيه وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصته بين يدي قصة
المسيح وولادته من غير أب، فإن النفوس لما آنست بولد بين شيخين كبيرين لا
يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب [٥] .
وقد راعى النبي ﷺ أحوال الناس وأفهامهم، فترك بعض
الأمور التي لا يدركها فهم الناس أو فهم بعضهم، فقال لعائشة ﵂ : يا
عائشة لولا أن قومك حديثٌ عهدهم قال ابن الزبير: بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها
بابين: باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون [٦] .
وإذن: فإنه لابد للمحاور من الاقتصار فيما يقول على قدر فهم الآخر، فقد
قيل بحق: كِلْ لكل عبد بمعيار عقله، وزنْ له بميزان فهمه، حتى تسلم منه وينتفع
بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار [٧] .
ولا شك أن مما يفيد في ذلك، ويسهل الطريق أمام المحاور لإقناع محاوره،
أن يضع المحاور نفسه مكان محاوره، ويحاول التفكير في القضية المعروضة
للحوار بمثل عقلية محاوره، والنظر فيها من نفس الزاوية التي ينظر منها.
فإذا فعل ذلك تحقق له بإذن الله الدخول إلى قلب محاوره بما يريد من أفكار،
وأدى حق العلم عليه، كما قال كثير بن عروة: إن عليك في علمك حقاً، كما عليك
في مالك حقاً، لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا
تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك.
(د) التساؤل الهادف:
الأسئلة هي وسيلتنا لأهداف متعددة، فهي وسيلتنا للتعرف على الآخر ومنزلته
وعلمه، كما في سؤال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: من القوم؟، وهي وسيلتنا للوصول إلى معلومة نافعة لترتيب أفكارنا أثناء الحوار، كما وقع
من ضمام بن ثعلبة حين سأل النبي ﷺ : من خلق السماء؟
ومن خلق الأرض؟ .. ثم استحلف بخالق هؤلاء على ما يريد التثبت منه.
والأسئلة هي وسيلتنا لتحويل موضوع الحوار إذا أردنا، وهي وسيلتنا لتنشيط
عملية التحاور، أو اختبار صحة بعض المعلومات، وإثارة تفكير الآخر.. إلى
غيرها من الأهداف.
ولأن الأسئلة بهذا القدر من الأهمية في عملية التحاور، فإنه من الضروري
جداً أن نعرف كيف نصوغ الأسئلة؟ ومتى نثيرها؟ وما هي أولوياتها؟ وما هو
النوع المناسب منها لما نريده من الحوار؟ ..
- أساليب التساؤل: للتساؤل أساليب متنوعة، فمنها أسلوب الأسئلة المغلقة،
ومنها أسلوب الأسئلة المفتوحة، ومنها أسلوب تتابع الأسئلة الذي يبدأ بالأسئلة
المفتوحة ليصل إلى الأسئلة المغلقة تماماً.
- فأما الأسئلة المفتوحة: فهي الأسئلة التي تسمح للآخر بالإجابة عن السؤال
من أي زاوية يريدها، وبكم المعلومات التي يحب ذكرها، مثل أن نقول: ما رأيك
في كذا؟ أو ما هي الوسائل التي تقترحها للإفادة من كذا؟ .
ومزايا هذا النوع من الأسئلة أنه يجعل الآخر يتكلم ونحن ننصت فقط،
فنحصل منه على أكبر قدر من المعلومات ونتعرف على الطريقة التي يفكر بها..
كما أن لهذا النوع من الأسئلة ميزة كبيرة، وهي أن الآخر لا يشعر معها بأي رهبة
أو صراع [٨] ، ومن ثم: فإن هذا النوع من الأسئلة هو المناسب لبدء الحوار
وتحقيق الانسجام المبدئي بين طرفي الحوار.. والمحاور الجيد هو من يبدأ حواره
مع الآخر بمجموعة من الأسئلة المفتوحة والمحايدة والتي توحي للآخر أن درجة
قناعته بطرفيها متساوية، وبذلك يحقق هدفي التعرف على الآخر دون استنفاره،
وبالتالي: تحقيق الانسجام معه بصورة طيبة وتلقائية..
- وأما الأسئلة المغلقة: وهي الأسئلة التي تقيد الآخر بوضع الإجابة في إطار
محدد.. مثل أن نسأل: هل توافق هذا الأمر أو تخالفه؟ .. ما دليلك على
قولك؟ .. من قال بذلك؟ .. إلى غيرها من الأسئلة التي تميز بسيطرة السائل على الأسئلة
والأجوبة معاً، وبطريقة تمكنه من الوصول إلى هدفه من أقرب طريق.
وأما الأسئلة المتتابعة من الانفتاح إلى الانغلاق التام: فهي أسئلة متدرجة
يحاول بها السائل الوصول إلى أهداف تتفق مع ما يتبنى من الأفكار عبر الانغلاق
المتدرج الذي لا يسمح للآخر بالتفصيل في المواضع التي لا يريد فيها السائل إلا
الفكرة المجملة! !
ولا شك أننا لابد أن نتدرب على عدم الخضوع لهذا الأسلوب في الأسئلة،
ونتعلم كيف نتدخل أحياناً لصياغة السؤال أو التعليق عليه بصورة أو بأخرى حتى
يفهم الآخرين ما نقصد من الإجمال الذي نجيب به على الأسئلة المغلقة تماماً.
إنه من الضروري لنا في كل حواراتنا أن نسأل ونستوضح قبل أن نصدر
حكماً أو نرفض رأياً، ولا بأس بتنوع الأسئلة حسب الحاجة حتى يتضح لنا الأمر
جلياً.. ذلك أن العلم سؤال وجواب، ومن ثم قيل: حسن السؤال نصف العلم [٩] . (هـ) فن الممكن:
في بعض حواراتنا قد تختلط لدينا الأمنيات بالإمكانيات، فندور في أحلام
أمانينا بدلاً من التقدم إلى معطيات واقعنا، وتضيع جهودنا الحوارية دون تحقيق
الممكن.. ولكي نتخلص من هذا المرض الحواري الخطير، لابد لنا أن نتعرف قبل
كل حوار على عدة بدائل للحوار، لنختار الممكن منها إذا فشلنا في تحقيقها جميعاً،
فإذا بدأ الحوار فليكن شعارنا: فن الممكن في حوار مستحيل.. لا نترك فرصة
تحقيق هدف صغير ممكن جرياً وراء محاولة تحقيق حلم كبير مستحيل! !
فإذا كنا نهدف من حوارنا إلى إقامة علاقات تعاون مع الآخرين، ولم نقدر
على تحقيق هذا الهدف لعلامات ظهرت في الآخرين من الانتصار للنفس، وحب
الغلبة والميل للمنازعة والمخاصمة.. فلنستثمر حوارنا في محاولة إيجاد علاقة طيبة
أو التعرف على مدى استعدادهم لإقامة علاقات التعاون في المستقبل.
فإذا فشلنا في ذلك أيضاً، ولم نقدر على اجتثاث جذور الخلاف بيننا وبينهم،
فلنحاول أن يكون هذا الخلاف في أضيق الحدود، ولنضع بيننا وبينهم قاعدة: إن
الخلاف في الآراء لا يصنع لقاء القلوب.
وهكذا نبقى حريصين على الإفادة من الحوار بقدر الممكن، ولا نطمع فيما
يستحيل.. فمن مشى من محاورينا معنا إلى نهاية الشوط فهو أخ لنا نسعد به، ومن
مشى قدراً يسيراً نقبل منه ذلك وندعو له بالجزاء الأوفى من الله.. بل كل من
أعطانا أي قدر من التعاون فنحن لا نستغني عنه.. ومن استطعنا تعديل مساره إلى
الأفضل فنحن لا نزهد فيه.
إن الناس تتفاوت أقدارهم وقدراتهم، ولا يستطيع إنسان تحقيق الفائدة من
جميعهم إلا أن يكون عمله في إطار فن الممكن.
стр. 1949
نصوص شعرية
لب الصراع
صالح أحمد البوريني
ظَهرَ العَداء وصَرّح الإعلامُ ... في الغرب أّن عدوّه الإسلامُ
والغرب يَطوي بين أضلع صدره ... حقداً تَشُبّ أوارَه الأيامُ
ما زال يحمل في النفوس ضغينة ... يَسقي ترابَ غِراسها الإجرامُ
يَقْتاتُ من تاريخه أحقاده ... فَتَشِبّ منه عداوة وخصامُ
يَرمي بنار عَدائه مَنْ أسلَموا ... سِيّانِ فيه العُرْبُ والأعجامُ
ولقد أباح دماءَنا في بوسْنَة ... أما دماءُ الصربِ فهي حرَامُ
حَظْرُ التسلح لعبة دوليّة ... للغرب فيها الحَلّ والإبْرامُ
للصرب عُدوان على إخواننا ... ضجّت له الغبراء والآكامُ
لا العِرْقُ سرّ للعداوة بينهم ... كلا ولا الألوانُ والأجسامُ
سِرّ العَداء هو الديانةُ وحدَها ... لُبّ الصراع الكفرُ والإسلامُ
والصرب يعلن سِلْمَه بشروطه ... وشروطه الإذلال والإعدامُ
والغرب يعلن كل يوم خُطّةً ... نحو السلام وليس ثَمّ سلامُ
يُبدون سعياً للسلام تسَتّرا ... دعوى السلام تَظاهُرٌ وكلامُ
في كل جُرح نازف من أمتي ... للغرب نصلٌ حاقدٌ ومرامُ
في كل جهد للتحرر نكسة ... يَصْلى لهيبَ جراحها الأيتامُ
في كل سعي للخلاص مخاطر ... ومزالق ومهالك وحطامُ
يا ويحَ أمةِ يعربٍ كما نالها ... مِنْ شرّه الإيذاء والإيلامُ
في كل شَعبٍ فتنة من كيده ... عَظُمت بها الآفات والآثامُ
في كل شأن من شؤون حياتنا ... رأي له ودعاية وكلامُ
وتدَخّل ونصيحة مزعومة ... ومشورة ضَلّت بها الأفهامُ
في كل درْبٍ للتقدم عثرة ... مِنْ صُنْعه وحجارة وركامُ
وبِرَغْم كل عدائه لشعوبنا ... فَلَه حضور بيننا ومُقامُ
وبكل رابية له في أرضنا ... دار ترفرف فوقها الأعلامُ
стр. 1950
نواميس
د. محمد بن ظافر الشهري
في ربيع الحروفْ
يتفتق زهر القريض بعَرفِ الشبابْ
وعلى مر كل الفصولْ
وبرغم الكوارثِ
في موسم القحط.
ذاك المهدد بالإستلابْ
يرفض الحرفُ
أن يتقمص دور العجوزْ
أن يُلقّن ماذا يحلّ..
وما لا يجوزْ..
لا عجابْ..
رُب حرف تعشّق درب الحياةِ
وعاف دروب الحتوفْ! !
* * *
هل يطول انتظار صباح العربْ؟ !
ربما..
غير أني على ثِقَةٍ أنه يقتربْ؟ !
من يكون؟
وما لون عينيهِ؟
هل يعتريه الأفولْ؟
هو من تعرفون..
وألوان عينيه مختلفٌ..
هو يسلك درب الرسولْ
فحيّهلا بالتعبْ! !
* * *
عجباً.. للجنينْ
دونما ضجةٍ
يتجرع عيش السجينْ
وإذا فارق الحبسَ..
يبكي بكاء الحزينْ! !
عجباً.. للرياحْ
تلزم الصمتَ ما ضعفت
فإذا عصفتْ..
جهرت بالصياحْ! !
لا عجابْ..
أيما قصةٍ لسراج يبثّ الضياءْ
سبقتها ولا بدّ
قصةُ كيّ الفتيلْ..
إنها سنة الأولين
ولا ريب في أنها
سنة الآخرين..
стр. 1951
قصة قصيرة
عبد الإله وحبات الرمل
علي محمد
لم يكن للمساءات نكهة حاذقة المرارة في حلق عبد الإله مثلما كان ذلك المساء، فقد اقتحمته المرارة من أذنيه وكل حواسه طوال النهار، فانسكبت في قلبه، ومن
ثم: إلى كل جسمه، حتى إنه عندما وضع طرف إصبعه في فمه كالعادة ليشعر
بالمرارة أكثر، وجد أن لسانه أشد مرارة من إصبعه.
التفت وراءه ليرى بقايا أضواء الشارع الأخير وهو يتجه إلى الصحراء لعله
يبوح لها بآلامه، وانتابه شعور بالمرارة طالما راوده وهو يتأمل ذلك الشارع
الأصفر الذي يحيط بالمدينة من كل جانب.
إنه بالنسبة له ولأمثاله لا يعدو كونه قيداً من نار يقيد المدينة ومن بداخلها،
ويمنع في ذات الوقت خروج آهاتهم أو دخول الفرح إليهم، فكان حاجزاً من النار
يخنق أنفاس المدينة وأسرارها، وتذكر وهو يلقي عليه النظرة الأخيرة أنه قرأ ذات
مرة عن ذلك الشارع أنه الحزام الذهبي الذي يزين خصر المدينة النائمة على تلال
الرمال الناعمة، فتفجر في رأسه سؤال عاصف: لماذا يرونه كذلك وهو لا يراه؟
حاول تناسي ذلك السؤال، وأدار رأسه تجاه الصحراء، واستنشق كمية كبيرة
من هوائها الذي ظن أنه نقياً لعله يزيل ما بداخله من أتربة المدينة الممتزجة برائحة
عرق المسحوقين وبعض الدم الذي يقطر من قلبه، ولعله يقتلع في طريقه أشجار
القهر التي نمت بداخله، ليقذف بها على تلك الوجوه المتأنقة رغم بشاعتها الفاضحة.
واستنشق مرة أخرى، لكن كل ذلك لم يحقق له ما كان يحلم به، فتمتم
بكلمات لم يفهمها هو نفسه.
وتساءل مرة أخرى: لماذا اختار الصحراء بالذات لتكون مستقر أسراره
وراحة نفسه؟ ، وسرعان ما تذكر كلام جاره سعيد؛ بأنها مليئة بالأسرار، وتَمثل
أمام ناظريه في تلك اللحظة ظهر جاره المنحني انحناءته العجيبة التي حيرته، فهي
لم تكن بسبب كبر سنه، وليست لمرضه، وكثيراً ما يهرب جاره من الأسئلة حولها، لابد أن خلفها ما يخشى أن يتحدث عنه ذلك الرجل.
ابتسم عبد الإله في مرارة، وقال محدثاً نفسه: لعلها من ذلك السور الناري
الذي حبس أهل المدينة.
لكن عبد الإله لم يكن ليقتنع أن الصحراء لا تملك إلا الأسرار فقط، بل
وداخلها دُفِن الكثير من الأكاذيب التي خبّأها أصحابها واستعاروا ماضٍ يرون أنه
يناسبهم.
آهٍ أيتها الصحراء، كم أنت أمينة على أسرار الجميع، وكم أنت مصغية لكل
ثرثرات الموجوعين وأباطيل المخادعين.
واصل عبد الإله حديثه مع الصحراء وهو يتأمل وجهها الكبير الناصع
البياض في هذه الليلة المقمرة.
كم أتمنى أيتها الرمال أن تكشفي لأهل المدينة زيف البطولات التي يدعيها
المزيفون القادمون منك، أولئك الذين يتلبسون بمظاهر المدينة، ونسوا أن يزيلوا
ملامح الصعاليك التي لم تزل تفترش وجوههم، وعلى ظهورهم آثار نعل كبيرة لا
تصنع في مدينتهم، لأنها تحمل علامة غريبة عن الصحراء والمدينة التي تنام على
أطرافها.
واصل عبد الإله رحلته إلى قلب الصحراء في ضوء القمر الساطع، وأكوام
الرمال تبدو كالجمال الرابضة، وعلى قممها كانت تتراءى له تلك الرؤوس المقززة
وكأنها مغروسة عليها، ولم يدر لماذا بدأ يشعر كأنه إنما دخل إلى مقبرة، وإذا
بالهدوء الذي كان ينشده قبل قليل قد أصبح موحشاً مخيفاً، وإذا به يحس أن هناك
من يتعقبه ويقترب منه حتى كأنه يشعر بأطراف أصابع من خلفه تلامس كتفيه،
وإذا بحبات الرمل تُصَبّ على ظهره، وخالجه شعور بهلع شديد.. هل تراهم
سمعوا حديثه للصحراء؟ .. وبدأ يفتش في جسمه لعله يجد شيئاً ليس منه.
ازداد خوفه، وكذلك سيره، حتى إنه لم يعد يعرف مصدر تلك الأنفاس
اللاهثة: هل هي أنفاسه أم أنفاس الذي يتعقبه من خلفه، وكلما زادت سرعته كلما
زادت كمية الرمل على ظهره، ولم يعد يملك من الأعصاب ما يمنعه من الركض،
فأطلق ساقيه للريح وهو لا يرفع بصره عن الأرض، ولا يستطيع في الوقت ذاته
الالتفات إلى الخلف، وبينما هو منطلق بأقصى ما يملك من قوة أحس بضربة قوية
على رأسه، فسقط على وجهه، وأدرك أنه هلك لا محالة، فانقلب على ظهره في
محاولة بائسة لتفادي الضربة الثانية، لكنها لم تصبه، لأنه لم يكن هناك من يقوم
بها، وأغمض عينيه مستسلماً، لكنه لم يعد يسمع وقع تلك الأقدام.. وبعد لحظات
من الانتظار القاتل فتح عينيه بقوة حتى لا يتردد فلا يستطيع فتحها بعد ذلك، فلم
يجد أحداً، ووضع يده على رأسه ليتلمس الدم الذي بدأ يسيل، وتلفت يميناً وشمالاً
فلم تقع عيناه على أحد، فزاد خوفه، هل يملكون هذه القدرة على ضربه دون أن
يراهم؟ ! وتذكر على الفور كلام جاره صاحب الانحناء، فتفقد ظهره فوجده كما
هو، لم ينحن بعد، فاستلقى على الأرض، فإذا هو تحت شجرة كبيرة يتخلل
أغصانها ضوء القمر، وإذا بها قد أهملت أحد أغصانها اليابسة، ونظر إلى رجليه
فإذا بنعلي أخيه الأكبر صاحب الأرجل الطويلة فيهما، ولفرحته لم يتمالك نفسه
حيث انفجر ضاحكاً ودموعه تتساقط، حيث اكتشف أن ذلك الصوت خلفه لم يكن
سوى صوت النعلين الطويلتين اللتين كانتا تقذفانه بالرمل على ظهره! ، وتلمس
رأسه في ألم وهو ينظر مبتسماً إلى غصن الشجرة المتدلي، الذي كان صاحب
الضربة التي على رأسه.
ألقى نظرة على تلال الرمل، فإذا بتلك الرؤوس لا تزال عليها، إنها وجوه
أولئك الصعاليك، لابد أنهم هربوا من هذه الصحراء خوفاً من حبات الرمل،
وتركوا وجوههم الحقيقية هنا، وتذكر مرة أخرى العلامات التي على ظهورهم،
وتلمس ظهره فلم يجد عليه تلك العلامة، فحمد الله على ذلك، ونظر إلى غصن
الشجرة اليابس فدنا منه وخاطبه قائلاً: يالجهل الناس عندما يظنون أن غصن
الشجرة عندما ييبس أنه مات، وهو في الواقع إنما وصل إلى مرحلة النضج،
فيكون أكثر فائدة من الأغصان اللينة.
استنشق من هواء الصحراء، فإذا به يشعر بحيوية ونشاط ورغبة عارمة في
العودة إلى المدينة، فانطلق مسرعاً والرمل يتساقط على رأسه وكتفيه، لكنه لم يكن
خائفاً؛ فهو عرف بعض الأسرار، وعندما غاب القمر لم يكن عبد الإله قد وصل
إلى المدينة، فلم يفقده أحد من أهلها، وعندما أطل الليل مرة أخرى بوجهه الأسود
القاتم ابتسم الشارع الأصفر ابتسامة صفراء، والصحراء لم تزل تحفظ الكثير من
الأسرار.. ومنها سر عبد الإله الذي لم يصل بعد ...
стр. 1952
مراجعات نقدية
هذه (الخطيئة) .. فمتى (التفكير) ؟ !
عبد الوهاب الزميلي
في غشاء النبال التي أحاطت بصدر الأمة تندس سهام راشها العدو الكاشح
وغرزها (عربي الوجه واللسان) ، وانفرجت لها منافذ إلى عقل الأمة ووجدانها،
تفضي إلى (مقتل) .. وكان من تلك المنافذ مدرج طاوعها ولان.. فعكفت عليه
تدقيقاً وتذويباً حتى ارتخى.. فانزلقت منه إلى الغور..! إنه منفذ الكلمة
الشاعرة.. التنغيم الآسر.. والقوافل إن لم يغرد حداتها فربما استاقها تنغيم (ناعم) أو ترديد (ناهق) ، ثم ترى تلك السهام وقد أسدل عليها سدنتها ما حسبوه ستراً لا ترى العينُ ما وراءه! ! من مسخ للعقل والقلب، وهدم للدين والفطرة، ومن تأمّله ولو قليلاً.. رآه منهتك الأستار.
وربما تترس أولئك برفع (قبعة) العلم، ودعوى إثراء العقل المسلم بجلب ما
يسوّقه الآخر من مناهج أدبية وافدة تحوط نتاج مريديها بسور شائك، ثم تفلسف ذلك
النتاج ليملأ أحداق المغفلين، وينزوي بهم ليستدبروا أمتهم.
ولعلها من (أدق) المعاول و (أشدها) :
فهي دقيقة لأنها تنسرب إلى حياة الأمة بخفية وخطو بطيء حتى تخالط فكرها
وحسها.. هابطةً بهما إلى المادة أو إلى العبث والحيرة! .. مارّة بمسلمات الأمة
لتلقيها للريح، وهي شديدة شدة البلاء العام والنوايا الكالحة والخداع المخَمّر العفن.
نعم.. لا ضير من تلقي الخير من (شيطان زكاة أبي هريرة!) ، إنما يتوقف
تمثل ذلك المتلقى على (صَدَقَك) .. ولا نبالي به وإن كان كذوباً.
والمسلم بفطرته ومنهجه لا يأبى التوقد العلمي فحينما يجيل بصره في الثقافات
من حوله: فقد يلمح بين الركام قبساً يلتهب، فيعرضه على فطرته ومنهجه فيتقي
(نقاط) الإحراق.. ويتلقط (نقاط) الضوء فيطويها تحت جناحه، وذلك الجهد
الفاحص المميز لا بد أن يكون مشتبكاً مع كل العطاء البشري لأن منهج المسلم
يتناول جوانب الحياة كلها، فلا يكون مقبولاً فيها إلا ما أمدّه ذلك المنهج بالقبول.
ولكن يأخذ العجبُ مداه..! حين نرى بعض المناهج الوافدة تلمّع وتزركش،
ثم تمرر لتكون ميزان الكلمة.. دون أن توزن هي! ! ، ثم تسعى إلى التمدد
(الناعم) في تلافيف حياتنا، وتجهد لتخط على رمال الجزيرة حرفها.. ولتجعل تلك
الرمال ملحاً تذيبه غضبة موج..! فإذا لم تفعلوا ولن تفعلوا.. والله متم نوره.
ومنها: (المنهج التشريحي) الذي يقوم على الألسنية كأساس نقدي له، [
الخطيئة والتكفير، ص٢٩] .
وقد حرث له أهله في بعض أرضنا، فأخرج شوكه (النكد) ، فكانت وخزاً
يستنزف الدماء، ولكن.. قطرة.. قطرة..، وكان من نتاجه كتاب (الخطيئة
والتكفير) للدكتور عبد الله الغذامي، وقد أتبعه بعدة كتب صغيرة كلها تحوم حول ما
كتبه في كتابه هذا، وقد أخذ الغذامي بالمنهج التشريحي؛ حيث يراه أفضل ما قدمه
العصر من إنجاز أدبي نقدي [الخطيئة، ص٨٣] ، وعرّف التشريح بأنه: تفكيك
النص من أجل إعادة بنائه [الخطيئة، ص٥٠] .
وسنجري الحديث موجزاً عن بعض ما طرحه في بعض كتبه وبخاصة كتابه
(الخطيئة) وذلك لنلمس ما ظهر ناتئاً.. بل وحاداً في بعض الأحيان، وسنعرضه
عبر ثلاثة عشر سؤالاً (كاشفاً) ، وكل سؤال منها فجوابه (نص) من أحد كتب
الرجل، يدل دلالة (محددة) على موضوع السؤال بالذات، وذلك لنصل إلى جواب
السؤال الأهم: ماذا يريد هؤلاء؟ آلبناء أم الهدم؟ .
وقبل الولوج من مدخل الأسئلة أمهد الطريق إليها بثمان (نقاط) :
الأولى: (موت المؤلف) : الذي يلح عليه الغذامي في مواضع متعددة من
كتبه.. وهو في هذا يتحسس مقتفياً خطى الفيلسوف الفرنسي رولان بارت حذو القذة بالقذة.. ومن كَلَف الغذامي بهذه القضية أن أفرد لها عدة مقالات.. وبذلك العنوان نفسه: (موت المؤلف) [انظر كتابه (ثقافة الأسئلة) وكتابه (الموقف من الحداثة) ] . فلم هذا اللهاث خلف هذه القضية؟ ! ، ولم هذا الحرص (الحار) على غرسها في الأذهان؟ ! .. قد (ينجلي الغبار) إذا علمنا أن بارت وهو صاحب تلك المقولة أصالة.. وهؤلاء خلفه يسيرون يعلن صراحة أن مقولة (موت المؤلف)
تعني: (موت الإله) ! ! ، والغذامي حين عرض لمقولة بارت التي أعلن فيها موت المؤلف.. يذكر أن بارت أكد فيها على أن الكتابة هي في واقعها نقض لكل صوت كما أنها نقض لكل نقطة بداية (أصل) [الخطيئة، ص٧١] .
ونجد الغذامي يفرح بهذا النقض والهدم ويطرب له، بل يراه فروسية متميزة
من إمامه بارت؛ حيث يقفز جواد فارسنا قفزات واسعة المدى لتحرير النص مثلما
حرر الكلمة [الخطيئة، ص٧١] .
بل ويرى أن بارت حسم الصراع حين قتل منافسه (؟) وبذا يحسم بارت
الصراع بين العاشقين المتنافسين على محبوب واحد، فيقتل رولان بارت منافسه
ليستأثر هو بحب معشوقه (النص) [الخطيئة، ص٧١] .
وفي كتابه (الموقف من الحداثة) في مقالة بعنوان (موت المؤلف) يذكر أن:
علاقة المؤلف بالنص تشبه علاقة الأم بجنينها، فحين يصبح إنساناً حياً مستقلاً لا
يجوز أن نجعلها هوية له، بل ذكرها يرد بسبب ابنها، أي: إنها صارت عالة
عليه، وهذه حالة النص مع كاتبه، فالنص بعد إنشائه يستقل بوجود خاص. أ.
هـ. [ص٨٤، ٨٥] .
والنص عند الغذامي: وجود لغوي يقوم على وظيفة جمالية احتكارها لغوي،
أي: ليس باجتماعي أو نفسي أو تاريخي، وهذه كلها تعزل بعيداً عن النص وإن
وجدت فيه [الموقف من الحداثة، ص٨٤] . وذلك النص أعلى نماذجه عنده هو
القرآن الكريم؛ [الموقف من الحداثة، ص٨٥] ، فهل يريد سحب مقولة (موت
المؤلف) على (نصوص) القرآن ليتحقق ذلك النقض الموعود؟ ! ! .
وعندما تعرّض لقراءة بارت التشريحية لقصة (ساراسين) لبلزاك، وأن
صفحات القصة في حدود عشرين صفحة، ومع ذلك كتب عنها بارت كتاباً يزيد
على مئتي صفحة، مما جعل بعض النقاد يعجبون والبعض الآخر يهزؤون، قال:
ولكن القارئ العربي لا يجد ذلك عجيباً ولا غريباً، ويكفي أن نتذكر كتاب (مدارج
السالكين) لابن القيم [الخطيئة، ص٦٧] ، وهو في هذا يغافل القارئ ليسقط في
ذهنه أن ابن القيم حين يتحدث عن قوله (تعالى) : [إياك نعبد وإياك نستعين] في
ثلاثة مجلدات، أن ذلك مسوغ لقبول ما نفث في عقده هو! ! ، ثم في مقولته تلك
لَمْسٌ ولكن (بخفة) لإمكانية الربط بين قراءة بارت ل (ساراسين) ، وقراءة ابن القيم
لـ[إياك نعبد وإياك نستعين] .
الثانية: التحول عنده يتسع ليشمل كل حركة يصنعها الإنسان أو يقع في
وجهها (؟) فالتحول النفسي والتحول الثقافي والتحول العلمي كلها نتاج سعيد
للإنسان [الخطيئة، ص٢٢١] . فالتحول عنده شامل وفيه الحياة والسعادة.
أما الثبات: فهو تنازل عن الحياة، وبانتصار قيود الثبات تحدث الطامة
[الخطيئة، ص٢٢٦، ٢٢٧] .
هذا موقفه من الثبات والتحول أو إن شئت فقل: من (الثابت والمتحول) .
الثالثة: ليس هناك غاية ثابتة (في نظره) ، بل يمكن للإنسان أن يحدد أي
غاية يسوقه إليها هواه.. ثم ما عليه إلا أن يسعى إليها ليصل إلى السعادة؛ يقول:
وما على الإنسان إلا أن يقرر في خياله أي طوبى (؟ !) تهفو إليها نفسه، ثم يأخذ
بالسعي نحوها، وستتحقق له السعادة في دأبه إليها [الخطيئة، ص٢٣٠] .
وبهذا انتهيت من النقطة الثالثة، وما بقي من النقاط الثمان فسأسرده سرداً،
وسيرد ما يدل عليه من كلامه في أجوبة الأسئلة:
الرابعة: لا يرى للنص معنى ثابتاً.
الخامسة: يرى أن تفسير (النص) يعتمد على الذائقة الشخصية.
السادسة: لا يرى أن هناك من يمكنه أن يحكم على معنى (نص) من
النصوص بالصحة أو عدمها.
السابعة: المنشيء في (نظره) لا يتحمل تبعة ما كتب، ولا يقال عما كتبه:
هذا حلال وهذا حرام! ! .
الثامنة: ليس للمنشيء في (نظره) أن يحدد معنى ما كتبه.
ذاك بعض ما قرره الغذامي في كتبه.. إلا إذا كان يعد كلامه كله إشارات حرة
لا تقيد بمعنى، وأنه (هو الآخر) إشارة حرة لا ينبغي الاعتداء عليها بالتقييد..
(المعنوي) ..! ، فمعناها لا يصح تحديده! .
هل يرى ذلك؟ .. ربما..! ، ويكون ذلك من تمام التأسي بإمامه بارت الذي
وصفه بأنه: جعل ذاته إشارة حرة فخلاها دالاً عائماً لا يحد بمدلول [الخطيئة،
ص ٦٤] .
والغذامي قد شغفه ذلك البارت حباً.. ولعل هذا الحب هو الذي دفعه لينزلق
إليه في جحر الضب (والصب بالمهملة! ! تفضحه عيونه) ، وقد خصه بمبحث في
كتابه (الخطيئة) عنوانه: (فارس النص) ، ختمه بصفحة يعتذر فيها عن
(التقصير..!) ، ومما قاله في مبحثه عن إمامه: وما زالت الكلمة تعاني من القيد (؟)
حتى جاء فارسها وحررها من قيدها [الخطيئة، ص٧١] .
عود على بدء للأسئلة الثلاثة عشر:
س١: كيف أصبحت الكلمة بعد هذا التحرير؟
يقول: حرة مطلقة من كل ما يقيدها، فهي لا تعني شيئاً (؟) ، وهي إشارة
حرة، ولذا: فهي قادرة على أن تعني كل شيء [الخطيئة، ص٧٠] .
س٢: ولكن.. ألا يمكن أن تكون دالة على معنى بيّن؟
يقول: لا مكان للظن بأن النص الأدبي يحمل معنى محدداً أو أنه ذو معنى
على الإطلاق [الخطيئة، ص١٤٢] .
س٣: ألا ترى أنه قد يؤدي هذا إلى العبثية في تفسير النصوص؟
يقول: سيظل النص يقبل تفسيرات مختلفة ومتعددة بعدد مرات قراءته
[الخطيئة، ص٨٣] .
ماذا؟ !
يقول: فالبيت الشعري يحمل لألف قارئ من قرائه ألف معنى، أي: إنه
بيت بلا معنى محدد (؟) ، والقارئ هو الذي يفسره حسب ما تمليه عليه نفسه
(! !) [الخطيئة، ص٢٦٩] .
س٤: دكتور عبد الله..! هل يحق لكاتب النص أن يحدد معنى النص الذي
كتبه؟
يقول: ليس للكاتب أي حق على النص، لأن الكاتب إذا فرغ من كتابة نصه
يتحول إلى قارئ لما كتب.. وبذا: يدخل الكاتب نفسه كواحد من جمهور النص
يتلقاه مثل سواه من الناس، ومعانيه عنده لابد تختلف (؟) عن معاني الآخرين
[الخطيئة، ص٩٥] .
س٥: ولكن.. إذا كان كاتب النص لا يستطيع أن يحدد معناه ولا القارئ
كذلك في (نظركم) يا دكتور عبد الله.. فهل من سبيل إلى الوصول إلى المعنى
الصحيح؟
يقول: مادام أنه لا وجود للمعنى الثابت أو الجوهري، فإنه لن يكون هناك
مجال لحكم أو لحاكم على الصحة من عدمها [الخطيئة، ص٨٠٨١] .
(عجيب! !) ..
س٦: ولكن لماذا تخشى تحكيم المعنى؟
يقول: لو حكمنا المعنى فعندئذ نوقع المنشيء في إشكالات عديدة، قد نقول
بأنه قال ما لا يجوز له أن يقوله [الموقف من الحداثة، ص٧٦] .
(هو هذا..! !)
س٧: نعم قد يفعل ذلك.. فلو قلت شعراً (مثلاً) فيه سخرية بالدين وبرب
العالمين، فعند ذلك تستتاب، فإن لم تتب أقيم عليك حد الردة..، فماذا ترى؟
يقول:.. إن الشاعر لا يقع عليه الحد فيما قال في شعره [ثقافة الأسئلة،
ص ٦٢] .
(لا إله إلا الله..)
س٨: قد ورد عن الشعراء قوله (تعالى) : [والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم
تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وذكروا الله..] .. فمن هم هؤلاء الغاوون، الذين في كل وادٍ
يهيمون؟ .. من هم في (نظركم) ؟
يقول: هم شعراء النص الجميل فحسب [ثقافة، الأسئلة ص٤٠] .
س٩: مثل من؟
يقول: كعب بن زهير (..) [الموقف من الحداثة، ص٦٧] .
س١٠: فمن شاعر الفئة المستثناه (إلا الذين آمنوا..) ؟
يقول: الشاعر الذي يعيد للكلمة قداستها من خلال إعادة الفعل إليها [ثقافة
الأسئلة، ص٤٠] .
س١١: مثل من؟
يقول: محمود درويش (..) [ثقافة الأسئلة، ص٤٠] .
س١٢: دكتور عبد الله.. ما هو منهج المسلمين..؟ عفواً! !
أعني: هل تعلم لهم منهجاً؟
يقول: نمرّ بفترة تاريخية ضائعة الهوية الفكرية، وليس لعرب اليوم (فلسفة)
تميز ثقافتهم وتطلقها (بادئة) (؟) وتوجهها (غاية) (؟) [الموقف من الحداثة،
ص ١٥٣] .
س١٣: أخيراً.. نعلم أنك (تشريحي) المنهج، فكيف تفعل وأنت ترتدي
(ثوب الإسلام) حين تطبق منهجك على قصيدة لحمزة شحاته مثلاً؟
يقول: حينما أقرأ قصيدة شحاته لست عبد الله الغذامي الرجل العادي،
ولكنني عبد الله آخر انسلخ من نفسه مثلما تنسلخ الحية من جلدها.. [الخطيئة،
ص ٢٦٢] .
عياذاً بالله..! !
وأختم تلك الأسئلة بما بدأتكم به:
فماذا يريد هؤلاء؟
كَشيشُ أفعى أجمعتْ لعض ... فهي تحكّ بعضها ببعض
وبعد الختام أقول لكم:
قد يكون الحديث دافئاً وعذباً لو كان عن (مجنون ليلى) ، أو (مجنون لبنى) ،
أو (مجنون عزة) .. بل ويكون واثباً حينما يكون عن (مجنون التراب) ..
فكيف يكون حينما يصبح عن (مجنون رولان بارت) ؟ !
стр. 1953
نصوص شعرية
أبحث عن ذاتي
محمد العتيق
أتملى في شعري حيناً ... أراني خلف الكلماتْ
أبحث عن ذاتي فكأني ... أبحث في أشتات رفاتْ
فيناديني الكلم عذولا ... من خلف حدود الأصوات
يا راصدَ نجمٍ لا يطلع ... طال مُقامك في الأمواتْ
فإلام تركّضُ أشعارك ... في ميدان هوى قد فاتْ
وإلامَ تسافر في الماضي ... تبحث في ذاتك عن ذات
دع عنك نياحك كالثكلى ... وتلمسْ درب الساداتْ
أسرج خيل مديحك فيهم ... قبّل هاتيك العتباتْ
واستنشق عبق مواطئهم ... وتسقّط منها البركاتْ
ويناديني الكلم: تأملْ ... هذا سعدك خذه وهاتْ
هات بقايا حُلُمٍ غالك ... وارهن شعرك كي تقتاتْ
دعْ عذلك عني يا كلمي ... هيهات أطيعك هيهاتْ
ما كنتُ لأحيا مملوكاً ... وأراني مِنْ عَبَدِ اللاتْ
أنا أعبدُ ربي في شعري ... أفأمنحه عَبْدَ الذاتْ؟ ؟
стр. 1954
المسلمون والعالم
بدعة جديدة
تفسير التاريخ أصولياً !
د. عبد الله عمر سلطان
العلاقة بين الغرب والإسلام تطرح نفسها هذه الأيام في صيغ تساؤلية متنوعة، وتكاد تكون هي أكثر المواضيع إلحاحاً وأبرز علامات الاستفهام انتشاراً، بل
وبحثاً عن الإجابة والشرح.
لم يعد الحديث عن الإسلام وعلاقته بالغرب اليوم موضوع بحث أكاديمي أو
دراسة استشراقية، لأن تتابع الأحداث وتشابكها يفرضان الدخول إلى الموضوع
عبر أكثر من بوابة وفوق جسور متعددة تصوغ واقع الحياة المعاصرة، وإن صح
ما قاله مراقب فرنسي اليوم من أن: أكثر من ٨٠% من الأخبار التي تتعلق بالغرب
والعالم الثالث تصب في خانة الإسلام وعلاقته بالدول الصناعية، فإن الحديث عن
الإسلام كبؤرة اهتمام وملاحقة لا تحتاج إلى مزيد من البرهنة أو حشد الأدلة.
تهتم الدوائر الدولية والأمريكية خصوصاً بالحديث عن باكستان في هذه
المرحلة المهمة التي تتناول العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي، وهذا الاهتمام
قديم ومعروف، وقد بلغ ذروته إبان الحرب الأفغانية حينما ظهر واضحاً الشق
الإقليمي لهذه الدولة في الصراع الدولي، كما أن شعور الغرب القديم بأن باكستان
دولة إسلامية أصلاً؛ جعلها دوماً موضوعة تحت المجهر السياسي، لا سيما في
أوقات توجه الحكومة الباكستانية إلى إلغاء الفجوة بين شعار الإسلام وواقع الشارع
الباكستاني والقوانين والتشريعات المنظمة له.
وخلال السنتين الأخيرتين انكب بعض المراقبين والمحللين على دراسة
ظاهرة انتشار المد الإسلامي في باكستان، ومحاولة فهمه انطلاقاً من المقولة
الشهيرة: إن قوة الإسلام تكمن في بساطته وتعدد نشاطاته ومظاهره بين فئات
المجتمع، ويمكن أن يقال: إن أبرز نقاط قوة الظاهرة الإسلامية في باكستان ترجع
في نظر المراقبين الغربيين إلى عوامل مهمة، منها:
*تدين الشعب الباكستاني الفطري، وترسخ دور العلماء والمثقفين الإسلاميين
البارز في رسم التوجهات، وامتداد الشعور الإسلامي إلى المؤسسات المهمة من
خلال أفراد، لا سيما في الجيش الباكستاني، حيث ثبت لقادته أن باكستان تعامل
من كونها دولة مسلمة، وتحارب أو توظف من هذا المنطلق.
*التجربة التاريخية التي أثبتت أن باكستان مستهدفة لإسلامها؛ وذلك من
خلال: حروبها مع الهند، أو القضية الكشميرية التي ظُلِمت فيها باكستان بصورة
مجحفة، أو من خلال حرب أفغانستان ... وأخيراً: موضوع القنبلة النووية التي
حرمت البلاد من المساعدات الخارجية بسببها، بالرغم من مباركة الدول الغربية
لامتلاك الهند القنبلة النووية.
*التصريحات المتتالية لقادة الغرب المنادية بحرب الإسلام دون هوادة، ابتداءً
من طرح هنتجون الأكاديمي، ووصولاً إلى ترجمته السياسية الواقعية على لسان
ويلي كلاس أمين عام حلف الأطلسي، أو نيوت جنجرتش زعيم الكونجرس
الأمريكي.. عبارات من طراز: إن الأصولية الإسلامية لا يمكن وصفها إلا أنها
أخطر من الشيوعية كما ورد على لسان كلاس، أو: إن على أمريكا رسم سياسة
واستراتيجية شاملة لمواجهة الخطر الإسلامي كما صرح جنجرتش، هي التي تغذي
الكره للغرب وأدواته المحلية من رموز وأحزاب، وتشعر الباكستانيين أن ما يوحد
العالم ضدهم هو الإسلام.
*ضعف المؤسسات والشخصيات العلمانية، وارتباطها بطبقة من السياسيين
الفاسدين، واستجداء هذه الفئة من المعادين للمشروع الإسلامي لرجل الشارع من
خلال تقديم صورة (إسلامية) مقبولة، كما في نموذج بنازير بوتو التي اضطرت
إلى وضع (نصف حجاب) بدلاً من السفور التي كانت معروفة به، أو توقفها عن
مصافحة الرجال علناً! ، أو مشاركتها في مناسبات دينية، أو إصدارها تصريحات
قوية لمساندة قضايا إسلامية في البوسنة وكشمير، أو إخفائها لانتمائها الرافضي أمام
الجمهور السني العريض.
وإذا كان هذا وضع بنازير بوتو التي تعتبر ألمع الرموز العلمانية في باكستان، والمستندة على رصيد عائلي ودعم شعبي عريض نسبياً، فإن واقع الرموز
العلمانية الأخرى أضعف كثيراً، بل تعرض إلى مزيد من التراجع خلال العقد
الأخير.
*انكشاف واقع السياسيين الباكستانيين المغرق في الفساد والمحسوبية
واستغلال النفوذ سواءً أكان ذلك متمثلاً في حزب الشعب الحاكم برئاسة بوتو، أو
المعارضة برئاسة نواز شريف، وتلاحظ (الإيكونومست) أن الباكستانيين مجمعون
على أن طبقة السياسيين هم من محترفي الفساد ورعاية المصالح الخاصة، وأن
الأحزاب الكبيرة هي عبارة عن عوائل إقطاعية تملك المال وتستثمره في الحياة
السياسية لجلب مزيد من المكاسب، ولذا: فهم مستعدون لانتهاك مصالح البلاد في
سبيل مصالحهم الشخصية! ، وفي هذا السياق تتخذ الديموقراطية وسيلة لحفظ
نفوذهم، من هنا: يبرز الإسلام ورموزه كخلاص للملايين من الشباب والمثقفين
ورجال الأعمال، حيث تبرز من خلاله أخلاقيات ومُثُل يفتقدها أولئك الذين
يتاجرون به فقط، ولا يتبنونه ديناً شاملاً..
*تخلي الغرب وأمريكا خصوصاً عن باكستان بعد انتهاء الحرب الباردة
واندحار السوفييت في أفغانستان، وهناك شعور بين جميع الباكستانيين على مختلف
مشاربهم يدين هذا السلوك الانتهازي، الذي يوصف بالنفاق وحب الذات ويحرق
أوراق كل من يعتقد أن خلاص باكستان يكمن في علاقات متميزة مع (واشنطن) ،
وهو الشعار الذي ترفعه بوتو هذه الأيام بالتحديد.
أحداث كراتشي.. والقطيعة مع الذات:
على الرغم من أن أحداث (كراتشي) لم تنقطع منذ عام ١٩٩٢م، إلا أن
الصحافة الغربية أبدت اهتماماً متزايداً منذ أن قتل دبلوماسيين أمريكيين يعملان في
القنصلية الأمريكية في (كراتشي) ، وعلى الرغم من أن حصيلة العنف جاوزت
(١٢٠٠) شخص خلال عام ١٩٩٢م، إلا أن تعامل حكومة بنازير بوتو معها كان
يمثل قطيعة كاملة مع المعنيين بالقضية، والتوجه مباشرة إلى واشنطن لتعزيز
مواقعها في الداخل عبر الدعم الخارجي.
فأحداث كراتشي تصلح نموذجاً لعرض الكيفية التي قررت بعض الحكومات
أن تتخذه لتضخيم المخاوف من الخطر الأصولي (حتى لو لم يكن هناك علاقة) الذي
يستهدف الغرب وفريقه المرتبط به محلياً.
المشكلة كما يقول دايفيد أولبرين أن (حزب المهاجرين) الذي يمثل ٨٠% من
سكان المدينة لا يشعر إلا بالملاحقة والمطاردة ومحاولة فرض سيطرة حزب بوتو
على أكبر مدينة باكستانية، و (حزب المهاجرين) لا يمكن وصفه بأنه حزب
أصولي ألبتة، فهو يمثل المهاجرين إلى باكستان من الهند وقت التقسيم، وبحكم
كون (كراتشي) عاصمة ولاية السند التي كانت دوماً معقل عائلة بوتو، فإن بنازير
ظلت غير مكترثة بكراتشي وسكانها خصوصاً أن حزبها لم يكن يحظى بثقل
انتخابي في المدينة.. إنها مشكلة سياسية محلية ... بل مغرقة في محليتها
وأطرافها ... فماذا فعلت بوتو لحلها؟ .. تقول مراسلة مجلة (الإيكونومست) : إن بوتو ظلت تنظر إلى (كراتشي) نظرة الانتقام، وحينما كان يسقط عشرة قتلى في الأسبوع كانت تردد: إن سقوط عدة قتلى في اليوم أمر طبيعي، بل يجب أن ينظر إليه ببرود في مدينة بحجم (كراتشي) ..! !
سقوط عشرة قتلى في الأسبوع معناه أكثر من (٥٠٠) قتيل في العام هو أمر
طبيعي جداً! ! ، لكن سقوط قتيلين أمريكيين قلب المعادلة.
اهتمت بوتو بالأمر أيما اهتمام، وبدأت تتحدث عن الفوضى العارمة التي
تجتاح المدينة، ولأن (الدم أمريكاني) فلابد هنا من بهارات ونكهات أصولية حتى
تكتمل الطبخة.. لقد اكتشفت بوتو أن (الأصولية) هي السبب، وأن أصابعها هي
التي تقف وراء أعمال العنف والشغب القبلية والقديمة، لذا: ناشدت أمريكا قائلة:
إنني مستهدفة وإياكم من الأصوليين، علينا أن نضع أيدينا بأيدي بعضنا البعض
لمحاربة هذا الخطر.. أنا بحاجة إلى مساعدتكم.
لكن الرد أتى سريعاً من أحد النواب الأمريكيين الذي علق قائلاً: ما دخل
أمريكا في لعبة (حزب الشعب) و (المهاجرين) ؟ ! صحيح أننا نحارب الأصولية،
لكننا لسنا أغبياء إلى درجة الاستغلال الممقوت أو تجيير حوادث مروعة لمصالح
أشخاص بعينهم، إن هذا الموقف لا يساند مواقف بوتو كما يقول مراقب بريطاني:
إن بوتو خلال زيارتها إلى أمريكا سمعت كلاماً معناه: أن كلينتون وإدارته لا
يمكنهم الاعتماد على حكومة ضعيفة لا تستطيع حفظ الأمن في شوارع أكبر مدينة
فيها ...
وهكذا لم تؤت الزيارة التاسعة والعشرون لبوتو ثمارها..، لقد سأل مراسل
(النيوزويك) بوتو عن سبب تجاوزها للرقم القياسي في عدد الزيارات الخارجية،
حيث قامت بثمان وعشرين زيارة رسمية خلال أقل من (١٨) شهراً، فردت بوتو:
إنني أسوّق باكستان للعالمية..، نعم تسوّق، أي: تعرضها للبيع، وتعرض دورها
كسمسار أو دلال متكأة على الخطر الأصولي، وتزايد عليه وتخلطه بكل حادث أو
فاجعة، بحيث يصبح التفسير الأصولي للأحداث نظرية جديدة تنافس نظرية
التفسير المادي للتاريخ لماركس، أو الجنسي لفرويد، بالرغم من أن الفشل
والانهيار هو مصير كل تفسير متعسف وظالم ومحارب لأبسط أبجديات المنطق،
فضلاً عن مصادمته لشرع الله.
في اليوم نفسه الذي كانت تفسر بوتو لأباطرة البيت الأبيض نظريتها، كانت
هناك تصريحات مشابهة تتحدث على لسان دكتاتور صغير أو كبير عن أهمية
الحرية والاستقرار وبشاعة الأصولية والتطرف، وتسوّق واقع شعوبها التعس من
خلال الأسلوب نفسه والمخطط ذاته: نحن نحميكم من التطرف، إذن: نحن وإياكم
في الخندق معاً.
فَهِمْنا إذن لماذا تكثر هذه الأيام الزيارات التسويقية إلى ضفتي الأطلنطي،
وعرفنا مصطلحاً جديداً في السياسة الدولية اسمه: تسويق الخوف من الإسلام
ورهن الشعوب والبلاد في مزاد صاخب مجنون، يرتجف من سماع الإسلام
باعتباره ديناً ومنهج حياة.
بنازير ليست الوحيدة التي تتاجر بهذه البضاعة الفاسدة.. لحظة تأمل قصيرة
أو التفاتة هنا أو هناك، تكشف أن المنافسة في هذه السوق مشتعلة في هذه الأيام!
стр. 1955
المسلمون والعالم
الصومال
بين أسياد الحرب وأسياد الفقر
-٢ -
محمد عثمان
رسم الكاتب في الجزء الأول من المقال صورة للوضع الحالي الذي يعيشه
الصومال، ورصد واقع الفصائل الصومالية المختلفة، ثم حلل مواقف الدول
العربية والغربية ودول الجوار، مبيناً مدى تأثير تلك المواقف على تفاعلات الوضع، ثم نوه بملامح حل إسلامي للموقف، وها هو يواصل معالجته للموضوع ببيان
موقف (أسياد الفقر) .
- البيان -
كان من نتائج الحرب الأهلية في الصومال نزوح أكثر من مليون صومالي
إلى الدول الغربية النصرانية وإلى الدول النصرانية المجاورة وبخاصة كينيا
والحبشة، وكان في انتظارهم في هذه المخيمات أسياد الفقر (هيئات التنصير)
ليجدوا مزيداً من المعاناة والإذلال.
بدأت حركة التنصير في القرن الإفريقي في العصور المتوسطة، عندما
قررت الكنيسة الحبشية إجبار المسلمين على التخلي عن دينهم، فقاومهم المجاهد
أحمد بن إبراهيم الملقب بالأيسر، وهزم جيوش النصارى وأقام حكومة إسلامية في
مدينة (هرر) إلى أن استنجدت الحبشة بالبرتغال، ووصول الأسطول البرتغالي إلى
شواطئ إفريقيا الشرقية، ومن العجائب: أن الأسطول العماني هزم الأسطول
الصليبي القوي وأجبره على الرجوع ... استمرت المقاومة باسم الإسلام، فكانت
ثورة محمد عبد الله حسن الذي قاوم الاستعمار الإنجليزي وحاربه أكثر من ٢٠ سنة، ومع أن حركة محمد عبد الله عليها مآخذ كثيرة، إلا أنها كانت ذات أثر طيب في
محاربة الاستعمار ومخططاته الصليبية، فقد كتب البرلمان الإنجليزي إلى السيد
محمد عبد الله حسن وطلب منه توضيح مغزى جهاده، فأجاب: جهادي ضد
الأسقف الذي وضعتموه في بلدة (ديمولي) .
وفي عهد سياد بري نشطت حركة التنصير؛ حيث تلبست بثوب الإغاثة
والمساعدة الإنسانية، ففتحت الكنيسة في مقديشو أبوابها للمحتاجين والراغبين في
مِنَحٍ دراسية في الدول الغربية.
وقد بلغ العدد المسجل لدى الكنيسة أكثر من (٠٠٠ر٤٣٠) اسم حسب
ادعاءاتهم، وكان من توقعاتهم أن العدد سيصل إلى (٠٠٠ر٥٠٠) نصراني عام
٢٠٠٠م، وهذا في وجود حكومة ولو ضعيفة، ومن البدهي أن العدد سيتضاعف
مع الظروف الأخيرة.
إن الهيئات الإغاثية هدفها هو المتاجرة باسم الإغاثة، وإلا فأين نتائجهم، مع أن عددهم أكثر من (٧٦) هيئة؟ ! ، ولقد ذكر مؤلف كتاب (Lords Of Poverty) : أن ما يصل إلى اللاجئين أقل من ٢٠% مما يجمعه هؤلاء باسم
الإغاثة الإنسانية، والحقيقة: أن هدف الهيئات الحقيقي هو المتاجرة باسم المجاعة
والكارثة، ومحاولة تنصير الشعوب المسلمة.
لقد كان للإغاثة الإسلامية أثرها الطيب في إغاثة المسلمين في الصومال سواء
في الداخل أو في مخيمات اللاجئين حيث توجد بعض هذه الهيئات مثل:
١- المنتدى الإسلامي
٢- مؤسسة الحرمين.
٣- لجنة مسلمي إفريقيا.
٤- جمعية إحياء التراث الإسلامي.
٥- مؤسسة الإبراهيم الخيرية.
٦- وكالة الرحمة.
٧- الهيئة العليا ... وغيرها.
ولقد قامت هذه الهيئات بأعمال جليلة، حيث: أنشأت مخيمات للاجئين،
وقامت بتوفير المواد الغذائية والصحية والمستلزمات الأخرى الضرورية، ومن
أعمالهم الطيبة قيامهم بإنشاء مطابخ جماعية في المناطق المنكوبة.
ورغم أن الهيئات الإسلامية قامت بأعمال جليلة ألا أنه كان ينقصها الإعلام
القوي والتخطيط والتنظيم الرفيع والترتيب العملي فيما بينها.
إن ما تقوم به الهيئات النصرانية في الصومال يجب إيقافه، وبالتالي إحلال
هيئات إسلامية محلها، وإلا فالنتيجة المتوقعة سيكون لها عواقب وخيمة.
ومن أنشط الهيئات النصرانية: الكنيسة السويدية المتعصبة، ولها أكثر من
هيئة في الصومال الآن، منها:
١- الكنيسة السويدية للإغاثة (SCR) .
٢- وهيئة ديكونيا (DEKONIA) .
وقد فتحت الأخيرة صالة لتجميل النساء! ! في إحدى مدن شمال شرق
الصومال.
ومن الهيئات النشطة: (الصليب الأحمر) ، الذي وضع علامة الصليب على
المباني، وكذلك كونسورن العالمية، وكونسورن الأيرلندية (Concern) .
وصندوق إنقاذ الأطفال البريطانية (Savethe Children Fund) .
والعون المسيحي (The christin Relief) .
واللجنة الكاثوليكية للإغاثة (The christin Relief) .
وأطباء بلا حدود الفرنسية ... وغيرها.
لقد قام الإخوة الدعاة داخل الصومال وخارجها بمحاربة التنصير بين الأفراد
ومتابعة نشاط المنصرين وأساليبهم، ولقد كان للإخوة الدعاة جهود مشكورة، حيث
فتحوا خلاوي (مدارس تحفيظ القرآن) ومدارس داخل المخيمات، وكذلك مراكز
للجاليات في الخارج، كما قامت (الجمعية الإسلامية لمكافحة الحملات التنصيرية)
في الصومال ومقرها مقديشو بأعمال جليلة، مثل: جمع معلومات عن الهيئات
التنصيرية وعدد المنصرين من الصوماليين، وحصر مخططاتهم وكشفها للشعب
الذي تذمر لما يقوم به هؤلاء من عمليات تنصيرية وغار لدينه، فقام بقتل عدد كبير
من أساقفة الكنيسة الكاثوليكية (Colonbo Salvadore) في مقديشو عام ١٩٩٠م.
بيان بأسماء الهيئات التنصيرية العاملة في الصومال:
١- الصليب الأحمر الدولي السويدي. ٢٦- الإغاثة السويدية.
٢- وكالة الإغاثة والتطوير اليهودية. ... ٢٧- الحركة العالمية ضد الجوع
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (فرنسا) .
٣- مجلس التضامن العالمي. ... ٢٨- وكالة البحوث والتعاون في
... ... ... ... ... ... ... ... التطوير (بريطانيا) .
٤- أوكسرم (البريطانية) . ٢٩- الجمعية الأمريكية للصداقة.
٥- كونسورن (الأيرلندية) . ٣٠- شيفا (الإيطالية) .
٦- جول (الأيرلندية) . ٣١- ميسان (الكوري) .
٧- تروكير (الأمريكية) . ٣٢- التعاون (الإيطالي) .
٨- اتحاد إنقاذ الأطفال (الأمريكية) . ٣٣- المجلس العالمي للإغاثة
والتطوير (بريطانيا) .
٩- صندوق إنقاذ الأطفال (البريطانية) . ٣٤- أوكسفورم (كوبيك - كندا) .
١٠- الكنيسة السويدية للإغاثة. ٣٥- الصيدلة بلا حدود (فرنسا) .
١١- كونسورن العالمية. ... ٣٦- سمير تانس بورص (أمريكي)
١٢- كاريتاس الصومالية (إيطالية) . ... ٣٧- العون المسيحي (بريطانية) .
١٣- اللجنة العالمية لتطوير الشعوب. ٣٨- سوس (الإيطالية) .
١٤- هوم ريد. ... ٣٩- سوس العالمية (أمريكية) .
١٥- المؤسسة الإفريقية للبحوث الطبية. ٤٠- سوس للأطفال (نمساوية) .
١٦- اللجنة الأمريكية للاجئين. ٤١- فيشن العالمية (أمريكية) .
١٧- اللجنة الكاثوليكية للإغاثة. ٤٢- المعونة للعمل الفني (ألمانية) .
١٨- اللجنة العالمية للإنقاذ. ٤٣- هاند كوب العالمية.
١٩-\ الطب العالمي. ... ٤٤- الصداقة (الأمريكية) .
٢٠- أطباء بلا حدود (بلجيكا) . ٤٥- الخطوط العالمية (أمريكية) .
٢١- أطباء بلا حدود (فرنسا) . ٤٦- كاندي (أمريكي) .
٢٢- أطباء بلا حدود (هولندا) . ٤٧- المؤسسة الخارجية لإغاثة
المنكوبين (أمريكي) .
٢٣- أطباء بلا حدود (أسبانيا) . ٤٨- دارت (أمريكي) .
٢٤- حركة العون (بريطانية) . ٤٩- كير (الأسترالية) .
٢٥- مجمع الطب العالمي (أمريكي) . ٥٠- اللجنة الأوربية للإغاثة.
وأخيراً:
فتلك أوكار التنصير العاملة بين أفراد الشعب المسلم في الصومال، والغريب
أنه لا يوجد حضور للهيئات الخيرية الإسلامية إلا القليل مما ذكر سابقاً، ألسنا
مقصرين في حق أحبتنا هناك؟ ! ثم: كيف نتعجب بعد ذلك مِن تنصر أعداد غير
قليلة من الصوماليين، باستغلال فقرهم وجهلهم ومرضهم؟ ! .. إننا بحاجة إلى
مزيد من الدعم والمساعدة لهم وجمع كلمة ذوي الشأن هناك على كلمة سواء، حتى
تستقر أوضاعهم، وتستقيم أحوالهم، ومن ثم: العودة صفاً واحداً لبناء بلدهم الجديد، بعيداً عن كل التوجهات الحزبية والقبلية التي أوردتهم المهالك، ولن يجمعهم سوى
الإسلام، وهو ما يعلنون جميعاً الإيمان به..
والله من وراء القصد..
стр. 1956
المسلمون والعالم
الأزمة الشيشانية إلى أين ؟
مدخل لفهم المسألة الشيشانية
محمد أمين
تمهيد:
دخل المسلمون في القرون الأخيرة نفقاً مظلماً بسبب تفريطهم في أمور دينهم
وابتعادهم عن أوامره واقترافهم نواهيه، ولن يخرجوا من هذا النفق إلا بالرجوع
إلى كتاب الله وسنة رسوله وأن يبدؤوا التغيير وفق السنن الشرعية والكونية؛ قال
رسول الله ﷺ : إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وتركتم
الجهاد: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تعودوا لما تركتم من دينكم [رواه
أبو داود، ح/٣٤٦٢] .
وليُعلمَ أن غاية إصلاح المصلحين وغاية تغيير هذا الواقع المر يجب ألا تكون
تكثير الأرزاق أو استقلال الشعوب والقرارات أو تحرر الاقتصاد أو ما شابه ذلك،
كلا، بل يجب أن تكون غاية التغيير هي تعبيد الناس لرب العالمين؛ [وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون] [الذاريات: ٥٦] ، وما سوى ذلك فهو تبع.
لذلك: فإن كل الحلول العجلى من المخلصين والغيورين على الدين التي تقع
منهم بدون فهم كامل لسنن التغيير مصيرها الفشل وجر الأمة إلى مزيد من التخبط
والتجارب الفاشلة.
ولعل مما يؤلم: أن نجد من إخواننا الدعاة إلى الله ممن نالوا نصيباً من الفهم
لكتاب الله وسنة رسوله ومنهج الرسول ﷺ في الدعوة والجهاد، ينساقون وراء المتعجلين والمتسرعين والمزايدين، ويحسنون الظن بمن هو ليس
أهلاً لذلك، ويستحسنون تلك الدعوات، ويعجبون بتلك الشعارات البراقة دون
تأمل في حقيقتها وخلفيتها ومآلاتها.
لقد آن أوان أن نقول لكل صاحب دعوة جهادية: قف وتأمل فيما تقول وتعمل، وعرّف الراية التي ترفعها وبرهن عليها، واعرض ما تقول على أولي العلم
والبصيرة حتى تستحق رايتك أن يوالى عليها، ويدعى الناس إليها.
وهذا كله حتى لا تصاب الأمة وشباب الصحوة بالذات بالإحباط والزهد في
نصرة الدعوات الصادقة.
ويؤلمني أن أمثل لقولي هذا بقضية مسلمي الشيشان، ففي الوقت الذي تعاني
فيه الأمة من الجراح التي تنزف ألماً ودماً في فلسطين وأفغانستان والبوسنة..
ينفجر جرح جديد في مكان آخر عزيز علينا في بلاد الشيشان في القفقاس، فما أن
أعلن الرئيس الجنرال جوهر دوداييف (القائد السابق لفرقة القاذفات الاستراتيجية في
الجيش الروسي) قيام جمهورية الشيشان الإسلامية واستقلالها عن روسيا الاتحادية
في نوفمبر (١٩٩١م) حتى بدأت المؤامرة من قِبَل روسيا لإفشال هذا الاستقلال
(وليس إسقاط دوداييف) والعودة بالشيشان إلى الحظيرة الروسية النتنة.
وتتسلسل الأحداث حتى تنتهي باجتياح روسي وحشي وبربري للعاصمة
(جروزني) ومدن (شالي) و (أرجون) ، وما زالت المعارك مستمرة.
وتنزف الدماء الغزيرة، وتبكي البواكي على أطلال (جروزني) ، وتزداد آلام
المسلمين وحسرتهم، ولكن صمود رجال الشيشان الأشاوس أمام الجيش الروسي
خفف من آلام المسلمين والمحبين، لأنه حط من كبرياء الجيش الروسي، وأنزله
من عليائه، وحد من غطرسته؛ فتنادى بعض المسلمين للجهاد، وتعالت أصوات
بأن هنالك هجمة صليبية جديدة ضد المسلمين قد بدأت في بلاد الشيشان، وأبرز
الإعلام المحلي والعالمي هذه الحرب وبيّن حجم الدمار والقتل الذي حل بالبلاد
والعباد.. وكلٌ له مقصد، والله يعلم هدفه.
والمسلمون والدعاة مستبشرون خيراً بقرب أوان بزوغ فجر جديد للإسلام في
تلك البلاد، وقيام دول إسلامية مستقلة بعد ما يزيد عن قرنين من الاستعمار
الروسي الكريه، وبنوا استنتاجهم على فرضيات ظنوها حقائق وحسابات حسبوها
قواطع، وهي:
١- أن القفقاس بأكمله سيهب للمناداة باستقلاله بعد أن شاهد الصمود البطولي
للجيش الشيشاني والمتعاونين معه.
٢- أن المتاعب الاقتصادية التي تعاني منها روسيا وتكاليف الحرب الباهظة:
كفيلة بإنهاكها وإفقارها.
٣- تزايد أعداد القتلى والمصابين خاصة بعد أن تقوم حروب العصابات
الكفيلة باستنزاف الجيش الروسي.
٤- إمكانية ظهور معارضة قوية ضد يلتسين، تزيله من حكم البلاد،
وتعترف بحق الشعوب القفقاسية في الاستقلال.
٥- وجود نزعة دينية في تلك الشعوب كفيلة بتوحيدها وإثارة روح الجهاد
فيها ضد المستعمر الروسي.
لكل هذه الأمور والأسباب يظن الظانون بأن هذه الحرب ستسفر بإذن الله عن
قيام دول إسلامية في تلك المنطقة، لذلك لابد أن تدعم هذه الحرب ويستنزف
الجيش الروسي فيها، وترفع راية الجهاد، وتتحمل كافة تبعات هذا الموقف.
ودللوا على إسلامية المعركة الدائرة بما يلي:
١- إعلان الاستقلال عن روسيا الكافرة وتكوين جمهورية الشيشان الإسلامية.
٢- أن جوهر دوداييف نادى بالإسلام، وبالحل الإسلامي، وبالانفصال عن
روسيا، ومنع الخمور أخيراً..!
٣- إحسان الظن بالقيادات على اعتبار أنها إسلامية الأصل، وأنها راجعة
إلى الله بعد الجهل والضلال الذي كانت فيه، ويجب أن لا نطالبها بما لا تستطيعه
الآن..!
٤- أن لهذه الشعوب تاريخاً عريقاً في مقاومة الروس وجهادهم، وهي لن
تهدأ حتى تحقق غايتها في إخراج الروس والانفصال عنهم.
٥- يكفي في هذه الحرب أنها ضد روسيا التي أذاقت المسلمين مر العذاب،
وتآمرت عليهم في (البوسنة) .
دعوة للتأمل! :
وفي ظني أنه قبل مناقشة هذه الفرضيات والحيثيات وأنا لن أناقشها أحب أن
ألفت النظر إلى بعض النقاط التي أحسبها مهمة جداً ومعينة إلى حد كبير في إصدار
الحكم على مثل هذه القضية، لذلك سأورد بعض الوقائع على هيئة نقاط وأترك
تحليلها للقارئ الكريم، وهي أنه لابد لنا من:
١- معرفة الواقع السياسي الموجود على الساحة السياسية الروسية، ووجود
قطبين مهمين، وهما: يلتسين ووزير دفاعه من ناحية، والمعارضة بقيادة إيجور
جيدار (رئيس الوزراء السابق) وأعوانه من ناحية أخرى، وكل قطبٍ له أعوانه
وأنصاره النافذين في الدولة، وليس من السهولة القضاء على أي واحد منهما، مع
أن كل واحد منهما يسعى للسيطرة على مقاليد الحكم وخدمة أهدافه.
٢- أيضاً لابد لنا أن نعرف ونحدد دوافع حرب روسيا على الشيشان، وهل
هي بسبب:
أ- الدافع الأمني الروسي: لكي تحمي روسيا حدودها الجنوبية التي تشهد
القلاقل والنزاعات، وأيضاً لما تمثله الشيشان من ثقل استراتيجي في المنطقة نتيجة
الموقع والكثافة السكانية (٢. ١ مليون نسمة) .
ب- الدافع العسكري الروسي الداخلي: حيث إن القيادة العسكرية الروسية
الممثلة في بافل جراتشوف وزير الدفاع تعاني من فساد مالي كبير وتواجه اتهامات
بذلك، إضافة إلى فقدان الانضباط في الجيش الروسي، وتدني كفاءته القتالية،
فجاءت هذه الحرب لإخفاء هذه العيوب وصرف النظر عنها.
ج- الدافع الاقتصادي الخارجي: حيث إن أذربيجان وقعت اتفاقية تعاون مع
مجموعة من شركات النفط العالمية المتعددة الأجناس بقيادة (بريتيش بتروليم)
(صفقة القرن) ، وذلك لاستخراج ونقل (٥١١) مليون طن من النفط من أذربيجان
إلى أوروبا، فأرادت روسيا الاستفادة من عوائد هذه الاتفاقية الكبرى، لأن طريق
النقل المرشح يمر عبر أنابيب نفط الشيشان.
د- دافع استغلال النفط الشيشاني: حيث إن الشيشان من المناطق الغنية
بالنفط في روسيا، فلم ترد روسيا التفريط فيها، ولكن لو نظرنا إلى إنتاج الشيشان
من النفط في عام ١٩٩٣م لوجدنا أنه (٦. ٢) مليون طن، وإنتاج روسيا للفترة
نفسها (٣٥٤) مليون طن، لعلمنا أن ما يمثله إنتاج الشيشان للنفط ليس بالإنتاج
المغري لروسيا.
هـ- الدافع السياسي الداخلي ليلتسين: أراد أقطاب السياسة في روسيا أن تكون أزمة الشيشان وأرضه ميدان المعركة الحقيقي بينهم؛ فالذي ينتصر فيه سيملك كثيراً من أوراق اللعبة السياسية في روسيا، ولعل مما يؤكد ذلك: التناقض الكبير في مواقف السياسيين والعسكريين الروس من هذه الحرب، أضف إلى ذلك: انتشار فضائح الجيش الروسي في التلفاز المستقل والصحافة الروسية.
و الدافع الديني (الصليبي) : شنت روسيا هذه الحرب، لأنها تتخوف من المد الإسلامي الذي بدأ يصحو في روسيا، ولكننا بنظرة سريعة متأملة نجد أن عدد المسلمين في روسيا الاتحادية حوالي عشرين مليوناً من أصل (١٥٠) مليون روسي، أي: بنسبة ٧% من عدد السكان، وهي نسبة غير مؤثرة ولا فعالة خاصة إذا عرفنا مدى الجهل الذي يعيشه المسلمون هنالك وقلة الجهود بل ندرتها ... التي تركز على تعليمهم وتشغيلهم.
٣- لابد من معرفة مدى تأثير سبعين سنة من الحكم الشيوعي التسلطي على
الشعوب الإسلامية، وحجم التضليل الذي سلط عليهم عبر البرامج الإلحادية
والحزبية، وما أسفر عن ذلك من تكوين جيل من تلك الشعوب تتبنى قيم ومبادئ
الاشتراكية والعلمانية التي تخالف أصول دينه ومعتقداته.
٤- لابد لنا من معرفةٍ أكثر تفصيلاً بالشعب الشيشاني وقياداته:
أ- معرفة الخلفيات السياسية والثقافية للقيادات الشيشانية المؤثرة الآن على
الساحة، ومعرفة صدق توجهاتها وإخلاصها لمبادئها.
ب- معرفة التركيبة القبلية الموجودة في المجتمع الشيشاني، وهو نظام
التايبات وهو القبيلة المكون من غارات أي: جماعات وتوجد في الشيشان (١٧٠)
تايب، (١٠٠) من التايبات الجبلية، و (٧٠) من السهلية، ويجب أن نحدد أساس
ولاء تلك التايبات للقادة، هل هو على أساس ديني أو قومي، سياسي أو مادي.
ج- معرفة الخلفية الدينية لتلك الشعوب ومدى تغلغل الإسلام الصحيح الخالي
من الشرك في نفوسهم وواقعهم، ومدى فهمهم للإسلام، وهل الموجود لديهم الآن
هو الحد الأدنى المقبول الذي يعتمد عليه في حرب جهادية نأمل من ورائها نصر الله
وفتحه.
٥- لابد من معرفة أوضاع شعوب القفقاس الأخرى، وما هو موقفها من هذه
الحرب، كذلك حقيقة أوضاعها الدينية والاقتصادية والتركيبة الاجتماعية وولاءاتها
السياسية.
٦- موقف الدول الغربية وبالذات أمريكا من إشعال هذه الحرب، ومدى
الإفادة التي سيحققها الأمريكان والغرب من هذه الحرب وتطوراتها، مع الأخذ في
الاعتبار الأمور الآتية:
أ- مازالت روسيا في نظر الغرب قوة عظمى يحسب لها حساب، وهناك قلق
ومخاوف من أن تعود روسيا للحكم العسكري المخابراتي التسلطي.
ب- الإمكانات العسكرية والبشرية الضخمة التي لدى روسيا، وبالذات في
القدرات النووية والصواريخ والأسلحة التقليدية، أضف إلى ذلك عدد السكان الذي
يبلغ (١٥٠) مليوناً.
ج- البنية التحتية الضخمة التي تملكها روسيا التي وإن كانت تفتقد إلى
الحداثة، ولكنها قادرة على تلبية احتياجات روسيا الضرورية، وبالذات في أوقات
الأزمات.
د- الموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها روسيا الاتحادية.
هـ- المساحة الشاسعة من الأراضي التي تحقق لروسيا عمقاً استراتيجياً ليس من السهولة إغفاله.
٦- موقف القوى الإقليمية المحيطة بالقفقاس، ومدى إفادتها من هذا النزاع
(إيران، أذربيجان، تركيا) .
٧- لابد لنا من أن نعرف تسلسل الأحداث في جمهورية الشيشان منذ عام
١٩٩١م وحتى الاجتياح البربري الروسي في ١١/١٢/١٩٩٤م، حتى نحدد صدق
دعوى كل فريق، وصدق الراية التي يرفعها. والأحداث باختصار هي:
أ- عقد المؤتمر العام للشعب الشيشاني في ٢٥ نوفمبر ١٩٩٠م، وحضرته
مجموعات متنافسة، أهمها: مجموعتان، لكل مجموعة أنصار من القبائل
الشيشانية، وهما:
١- التقليديون برئاسة ليتشا أمخاييف وتدعمه حركة (دايمو كخ) التي تتزعمها
واحدة من أكبر قبائل الشيشان، والتحق به سلام بيك نائب البرلمان الروسي في
الاتحاد السوفيتي السابق، ووزير صناعة الكيمياء البترولية في روسيا ... وغيرهم.
٢- القوميون: وتمثل هذه المجموعة (الحزب الديموقراطي الفيناخي) برئاسة
زيليمخان ياندارييف، وحركة (غولام) ، و (حزب الطريق الإسلامي) برئاسة
جانتيمروف، وتزّعم القوميين آنذاك كل من بيسلان جانتيميروف وياراجي
مماداييف الذي أصبح فيما بعد مسؤولاً عن النفط الشيشاني، وهما اللذان تزعما
المؤتمر وطالبا بتقسيم السلطة في الجمهورية بصورة عادلة وقاطعة.
ب- تم في مايو ١٩٩١م عقد المؤتمر الثاني للشعب الشيشاني، وقد أحرز
القوميون فيه انتصاراً ساحقاً بقيادة ياراجي مماداييف، ورئيس (الحزب
الديموقراطي الفيناخي) زيليمخان ياندارييف على التقليديين، وانتخب دوداييف
رئيساً للّجنة التنفيذية للمؤتمر، الأمر الذي أدى إلى الانشقاق، وترك المؤتمر كلّ
المثقفين برئاسة ليتشا أمخاييف وسلام بيك حاجيف.
ج- بدأت ثورة (فيناخ) في ٦ سبتمبر ١٩٩١، ولعب فيها أتباع مماداييف
ودعمه المالي دوراً مهماً في الانتصار، وتقاسم الظافرون مقاعد القيادة مؤقتاً فيما
بينهم.
د- في ٢٧ أكتوبر ١٩٩١ عين دوداييف رئيساً، وترأس جانتيمروف الحرس
القومي، وعين مماداييف وزيراً للنفط، وهو أهم منصب على الإطلاق في الدولة،
وهو السبب فيما حدث بعد ذلك.
هـ- في نوفمبر ١٩٩١ أعلن استقلال الشيشان عن روسيا الاتحادية.
و في أوائل ١٩٩٢ غادرت القوات الروسية الشيشان، وتركت باختيارها
الأسلحة والمعدات الحديثة والطائرات في الشيشان.
ز- في مارس ١٩٩٢ خططت المعارضة وقامت بهجوم فاشل على العاصمة
(جروزني) ، وفي أثنائه جاء دعم سريع من (موسكو) للحكومة مقداره (١٥٠)
مليون روبل، تبعه في أغسطس ١٩٩٢ دعم آخر مقداره (٥٠٠) مليون روبل،
وفي أواخر عام ١٩٩٢ وصل (موسكو) مماداييف، وطلب مبلغ (٢. ٥) مليار
روبل للحكومة، واستجيب لطلبه.
ح- وقع نزاع بين أقطاب السلطة على البترول: مماداييف وأتباعه من جهة، ودوداييف وأتباعه من جهة أخرى خاصة إذا عرفنا أن إجمالي الدخل من النفط
خلال سنتي الحكم بلغ (٥. ٢) مليار دولار ذهبت لأقطاب السلطة من الطرفين،
وبدأ كل طرف يبحث عن فضائح الآخر، وحصلت اغتيالات في كل من
(جروزني) و (لندن) بسبب هذه الأمور، وبدأت القبائل (التايبات) تميل إلى أحد
الطرفين بحسب مصالحها.
ط- انقسم البرلمان نتيجة لهذا الصراع إلى قسمين: قسم مع دوداييف وعدده
(١٢) برلمانياً، و (٢٩) مع المعارضة.
ي- خطط البرلمان لإجراء استفتاء على الثقة في دوداييف والبرلمان في ٥
يونيو ١٩٩٣، وليس على الاستقلال.
ك- في ٤ يونيو تم تحطيم اللجنة الانتخابية من قِبَل أنصار دوداييف، وفي ٥
يونيو وقعت الاصطدامات بين القوى المعارضة والحكومة، وفرّق دوداييف بواسطة
المصفحات اجتماعاً لأنصار إجراء الاستفتاء، وألغيت بطاقات الاقتراع.
ل- أصبح جانتيمروف الذي كان رئيساً للحرس وعين بعد ذلك وزيراً عدواً
لدوداييف، وانحازت معه تشكيلات مسلحة من الجيش، وأعلنت منطقة (نادتير
يتشيني) استقلالها وتكوين (الجمهورية الشيشانية) على التيرك، وأصبح زعيمها
المحافظ السابق للمدينة عمر أفترخانووف.
م- نتيجة لهذه الصراعات، وبعد الفضائح التي لحقت بمماداييف، فقد هرب
إلى (موسكو) ، وأصبح رئيساً لحكومة الثقة الوطنية، واستقر الوضع إلى حدّ ما
لدوداييف.
ن- كانت القوى السياسية في (موسكو) ترقب الوضع في الشيشان عن بعد،
ويحاول كل طرف أن يلعب بالأوراق التي في يده لإضعاف الطرف الأخر (أنصار
السلام، وأنصار الحرب) .
س- في أكتوبر عام ١٩٩٣م حينما رفض دوداييف التوقيع والمشاركة في
الاستفتاء الخاص بدستور روسيا الاتحادية، قوي اتجاه أنصار الحرب وبدأت عجلة
الحل العسكري بالظهور، وتبع ذلك تبني أنصارُ الحرب المعارضةَ الشيشانية
وتسليحها ودعمها ضد دوداييف، وانتهت بالاجتياح الروسي للعاصمة (جروزني)
ومدن (شالي) و (أرجون) ، وما زالت المعارك مستمرة.
٨- لابد من معرفة أن مع الجيش الروسي قطاعاً كبيراً من المعارضة
الشيشانية، وهم وإن كانوا يؤيدون الاستقلال، ولكن ليس بمفهوم دوداييف،
ويرون في هذه الحرب أنها حرب سياسية وليست دينية، وفي الجانب الآخر:
يقاتل في صفوف دوداييف جماعات من (جورجيا) و (أوكرانيا) ومن دول البلطيق.
نحو نظرة أكثر موضوعية لتحليل الأحداث:
لذلك: فإني أحسب أن إيراد مثل هذه النقاط، التي تعبر عن وقائع ملموسة
غير خافية على أحد، كفيلة بإعطاء تصور شبه واضح عن حقيقة هذه الحرب
ودوافعها ومآلاتها ونتائجها المتوقعة على المسلمين على المديَين المتوسط والبعيد
وعلى التوازنات الإقليمية والدولية.
إنني أرجو بهذا العرض السريع لواقع الأزمة الشيشانية أن أكون قد لفتّ نظر
الأخوة إلى جانب آخر من القضية جدير باهتمامهم وعنايتهم، تاركاً لهم استنتاج
النتائج، وأرجو مع ذلك أن نخرج على الأقل بتصور عام واضح عن هذه القضية
وإن لم نتفق على كل تفصيلاتها، على أن نضبط جميع مواقفنا وقراراتنا ورؤانا
بضابط الشرع (من كتاب وسنة) على فهم السلف الصالح، وأن لا ننساق وراء
المكاسب الوقتية والأهداف القريبة، وننسى المكاسب الدائمة والأهداف الاستراتيجية
وتحقيق الغاية العظمى، ألا وهي: تعبيد الناس لرب العالمين.
وما سبق ذكره أجمله فيما يلي:
أولاً: الحرص على فهم كتاب الله وسنة رسوله فهماً صحيحاً وفق منهج
السلف الصالح (رضوان الله عليهم) ، وأن نستخلص من ذلك منهج التغيير الشرعي
وفق السنن الشرعية والكونية.
ثانياً: الحرص على النظرة البعيدة للوقائع والأحداث، وأن لا نتنازل عن
الأهداف الاستراتيجية والغاية العظمى لمكاسب وقتية وأهداف مرحلية.
ثالثاً: أن لا ننخدع بوسائل الإعلام العالمية والمحلية، وأن ننظر في الأخبار
نظرة فاحص ومدقق ومتثبت، وأن لا نخدع بالعبارات المنمقة والتهويشات
والمبالغات الإعلامية أو التحقيقات السطحية العاطفية.
رابعاً: أن لا نتخذ مواقف في القضايا الحاسمة إلا بعد عرضها على أولي
العلم والبصيرة، بعد عرض الوقائع والخلفيات للحدث والمؤثرات التي تؤثر فيه،
والنتائج المترتبة عليه.
خامساً: أن لا ننسى ونحن نواجه هذا النظام العالمي الجديد قول الله (تعالى) :
[وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال]
[ابراهيم: ٤٦] فأولياء الشيطان من اليهود والنصارى يخططون ويعملون ويستحمرون من يحقق لهم أهدافهم بغض النظر عن دينه ومعتقده وسلوكه، فالحذر الحذر من أمثال هؤلاء ودعواتهم.
سادساً: يجب على الدعاة تحديد الأولويات، وأن تكون أولى الأولويات نشر
التوحيد ومحاربة الشرك الأكبر، وهذا لا يتحقق إلا بنشر العلم، وتوفير وسائله
ومصادره، فلا نصر ولا تمكين إلا للموحدين؛ [كتب الله لأغلبن أنا
ورسلي..] [المجادلة: ٢١] .
سابعاً: أن القيادة السياسية في الشيشان هي قيادة عليها كثير من الملاحظات:
من حيث تاريخها السياسي، وخلفيتها السابقة في الحزب الشيوعي، ودوافعها في
الإعلان عن هذه الراية الإسلامية مع عدم الفهم الحقيقي لها ولما تعنيه من التزامات
وتبعات وولاءات، ثم عدم توفر أسباب النصر الشرعية والكونية.
ثامناً: إن هذه الحرب هي حرب سياسية قمعية من روسيا، لها دوافع كثيرة
في إشعالها، منها:
١- حسم الخلافات السياسية في (موسكو) بين أقطاب الحكم، وتقوية موقف
الرئيس يلتسين ووزير دفاعه أمام المعارضة.
٢- إثبات هيبة الحكومة الروسية في المجالين الداخلي والخارجي بوصفها قوة
عظمى مازالت تمسك بزمام الأمور وتتحكم في مساراتها.
٣- تريد الحكومة أن تعطي درساً قاسياً للشعوب الأخرى التي تطمع في طلب
الاستقلال عن روسيا، وذلك بواسطة تدمير الشيشان.
٤- الدافع الاقتصادي ورغبة روسيا بأن لا تفلت من يدها الفرصة الاقتصادية
النفطية التي حدثت في أذربيجان، وكذلك إثبات حضورها القوي في المنطقة.
تاسعاً: إنني أستحث الأخوة الغيورين على دينهم وأمتهم بأن يمدوا يد
المساعدة العلمية الدعوية أولاً والإغاثية ثانياً، فهذا أهم ما يحتاجونه الآن، والمجال
متاح لمن أراد ذلك، وبالذات من خلال المناطق المجاوره بإذن الله (تعالى) .
عاشراً: أن الوضع السياسي الداخلي في روسيا المعقد بدرجة كبيرة والتدهور
الاقتصادي يجعلان من الصعب إصدار أحكام قاطعة ونتائج نهائية لأي تحرك
سياسي أو عسكري.
وختاماً: فإنني لا أدعي الإحاطة بكامل الموضوع، ولكنني أفتح باباً للتأمل
ولتأصيل منهج في اتخاذ المواقف، أرجو من الإخوة أن يتأملوه ويتفكروا فيه،
داعياً الله أن يعلي كلمته ويعز أولياءه.. والله غالب على أمره..
стр. 1957
متابعات
هذا هو واقع المسلمين في الفلبين
(نقد لما نشر سابقاً حول الموضوع)
بعد صدور العدد (٨٥) من البيان الذي تضمن مقالة عن مسلمي الفلبين تحت
عنوان: (نظرات في واقع المسلمين في الفلبين) للأخ الفاضل الحافظ يوسف موسى، ومع ما أجريناه على أصل المقالة من تعديل وتقييد لإطلاقاتها وتهذيب لأسلوبها
وتعليق: فإنها مع ذلك واجهت نقداً ساخناً من بعض الأخوة الأحبة الذين عتبوا على
البيان نشرها تلك المقالة التي هضمت الجهود الكبيرة للعاملين في الدعوة إلى الله
بين مسلمي الفلبين، ولقد وصلنا أكثر من رد وعتاب، من أوسعها تناولاً مقالتان:
الأولى: للشيخ سعود العوشن، والأخرى: لأخينا المستشار عبد الرحمن
السنيدي، ونظراً لطولهما فقد اضطررنا لاختصارهما لضيق المساحة، شاكرين
لهما إيضاحهما وما أبدياه من تعليق موضوعي، وفق الله الجميع.
- البيان -
تعليق الشيخ سعود العوشن، ويمكن تلخيصه فيما يلي:
١- إن مقالة الأخ الحافظ يوسف موسى كالت التهم بما يغاير الحقيقة والواقع، ولو أنه اقتصر في مقالته على مشاهداته ومعاناته في رحلته لكان هذا هيناً، لكنه
عمم وأطلق بما يخالف الحق والحقيقة.
٢- نسي الكاتب أن من مسلمي الفلبين الكثيرين من خريجي الجامعات
الإسلامية وبخاصة في السعودية وغيرها.
٣- أن ادعاء عدم الرد على الرافضة غير صحيح، وذكر الشيخ سعود العديد
من الكتب والرسائل العلمية المترجمة إلى اللغة الفلبينية، مثل: (الخطوط
العريضة) لمحب الدين الخطيب، و (هذه نصيحتى لكل شيعي) للشيخ أبي بكر
الجزائري، و (بروتوكولات قُمْ) ، و (أبرهة القرن العشرين) ... وغيرها، وقد
وزعت على نطاق واسع بين مسلمي الفلبين ولاسيما طلبة العلم والدعاة من خلال
المؤسسات التعليمية والدعوية.
٤- أن جل المساجد في الفلبين ولا سيما ما أنشأته الجمعيات الخيرية هي
مساجد لأهل السنة والجماعة، وأنه لا يوجد بها أي تصوف أو تشيع، وجهود
الجمعيات الخيرية ولاسيما من دول الخليج لها دورها في توعية المسلمين وبخاصة
(جمعية التنمية الإسلامية، التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت) ،
و (جمعية الوقف الإسلامي) في (مراوي) ، وإدارة الدعوة ب (مركز ابن تيمية) في
(كوتاباتو) وغيرها.
٥- وضح الشيخ سعود الأنشطة الإسلامية التي ترعاها تلك الجهات موزعة
في جنوب الفلبين، وأن هناك خمسين معهد إسلامياً، يشتمل كل معهد على أربع
مراحل: الحضانة، والابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، وهناك الكليات الإسلامية
العشر، وحلقات القرآن الكريم، ويبلغ عددها ما يقارب الخمسمائة حلقة.
وساق الشيخ سعود المشاريع التي تقوم بها تلك الجهات، من إنشاء المدارس
والمعاهد والكليات والمساجد، وحفر الآبار، وبناء دور الأيتام ومدارس تحفيظ
القرآن، وما تقوم به من جهود إعلامية من استئجار للإذاعات لبث التوعية
الإسلامية للمسلمين هناك، وترجمة العديد من الكتب الإسلامية لنخبة من العلماء
المعروفين والمشهود لهم بالعلم والفضل والدعوة إلى الله، وبيّن المشاريع الخيرية
كمشروع إفطار الصائمين، وذبح الأضاحي، وتوزيع الصدقات، ومساعدة
المتضررين في الكوارث والحروب.
ثم ختم مقالته بالدعوة إلى تحري الصدق وعدم التعميم، وتجنب إطلاق الكلام
على عواهنه، لما في ذلك من أضرار ومن جحود لجهود العاملين في حقل الدعوة
هناك مما هو مشاهد وملموس، وتمنى لو أن الكاتب قصر انطباعاته على مشاهداته
الخاصة حتى يلتمس له العذر، أما وإنه عمم، فإنه قد جانب الصواب وتناسى
جهود العاملين هناك، وبإمكانه زيارة تلك الجمعيات والاطلاع على جهودها من
كثب.
ثانياً: مختصر مقالة المستشار عبد الرحمن السنيدي:
أما مقالة المستشار عبد الرحمن السنيدي فنعرضها مختصرة نظراً لطولها
وضيق حيز النشر:
... نظراً لأن لي بعض الأطلاع على العمل الخيري والدعوي وأحوال
المسلمين في الفلبين، لذلك فإنني سوف أبين أهم الملحوظات والمرئيات والأخطاء
التي وردت في مقالة الكاتب، ليكون هو وقراء مجلة البيان على علم بحقائق الواقع
بعيدين عن كيل التهم جزافاً والتعميم وإطلاق الكلام بلا دليل.
أولاً: اعتقد أن الكاتب لا يعرف بنفسه أحوال المسلمين وواقعهم في الفلبين
حقيقة، إذا أحسنا الظن به وقلنا: إنه لم يتعمد كيل التهم ومخالفة الحق والواقع
والرمي بالنقائص والمعائب، فهذه أعمال الجمعيات القائمة بالعمل الخيري هناك؛
وحتى يقف القارئ على وجه الحق: أبين ما يلي:
من الجمعيات العاملة هناك: (جمعية الوقف الإسلامي) التي تأسست قبل أكثر
من ١٠ سنوات، وتقوم بمعظم أنواع النشاط الإسلامي من دعوة وتعليم للدين
الإسلامي باللغة العربية من الروضة حتى الكليات الجامعية بنين وبنات، مع الفصل
بينهم والتزام الحجاب فلديها ٣ كليات يتبعها ١٢ معهداً، وعشرات المدارس،
و٢٠٠ مدرسة قرآنية، و٩ دور للأيتام، وتكفل ٥٧٠ داعية، وقامت ببناء أكثر
من ٢٤٠ مشروعاً إسلامياً بين مركز ومسجد ومدرسة، وحفرت أكثر من ١٤٥ بئراً للمسلمين هناك، ولديها مكتبة عامة للمسلمين، ومكتبة لبيع الكتاب والشريط الإسلامي بالتكلفة، ومركز للترجمة، ويتبعها إدارتان للدعوة وجمعية نسائية، وتدفع الرسوم الدراسية عن آلاف الطلبة والأيتام المسلمين، ودعمت أكثر من ٣٠٠ مسجد و٣٠٠ جمعية بمساعدات مقطوعة (ثابتة) ، وتقوم سنوياً بتوزيع آلاف المصاحف والكتب للمسلمين، وطبع وترجمة جزء منها حسب أهمية الحاجة ويجري العمل لديها بنظام محكم وإشراف ومتابعة وفاعلية، ولديها في هذا المجال عمل جيد يساعد العاملين في الميدان في العمل الإسلامي والقائمين عليه، ويختصر الوقت والجهود والمال والورق والروتين يتمثل في إعدادها ل (٨٦) نموذجاً للسير عليها في العمل الدعوي والخيري، مما يعطيه فاعلية ونشاطاً وسهولة إشراف ومتابعة وحسن أداء، وهناك جمعية إقامة الإسلام، وجامعة (مسلم مندناو) ويتبعها عدد من الكليات و (٧٨) معهداً ومدرسة وغير ذلك، وهناك جمعية (التنمية الإسلامية) وتركز على المشاريع الاستثمارية وتدعمها جمعية (إحياء التراث الإسلامي) ، ولها عدد من المدارس والمشاريع الإسلامية، وأنشأت إذاعة إسلامية كبيرة سوف تغطي (مندناو) كلها بالبث وهي ثلث الفلبين، وهناك (مركز الشباب العربي) و (جمعية النور الإسلامية) ... ، وغير ذلك كثير من الجمعيات والمراكز والمؤسسات الإسلامية، يدرس أغلبها علوم الإسلام باللغة العربية، ويتبعها مئات المعاهد والمدارس الإسلامية، وعشرات الكليات ودور الأيتام، والمئات من حلقات تعليم القرآن، وتوجه وتشرف على آلاف الدعاة بعضهم مكفول وآخرون متطوعون، ويقدر عدد الجامعيين منهم بأكثر من (٥٠٠) فرد، يهتدي على أيديهم كثيرون من العصاة، ويسلم مئات من النصارى ومن لا دين لهم في كل عام، بالإضافة إلى القيام بالنشاط الدعوي في مختلف الأوجه، وتنظم لهم وللأئمة والمدرسين دورات شرعية وتربوية من قِبَل الجمعيات الكبيرة تزيدهم فاعلية وعلماً واطلاعاً، وغير ذلك من أوجه النشاط الدعوي والعمل الخيري التي يطول بنا ذكرها.
ولذلك: فإن ما ورد في المقال من عبارات أريد بها التهوين من شأن
الجمعيات والمراكز الإسلامية العاملة هناك ووصفها بالوهن والهزال هو خلاف
الواقع، لأن أغلب أو عامة الذين يتولونها هم من المسلمين المعروفين بالعلم
والفضل والتفاني في الدعوة إلى الله، هذا ما نحسبهم والله حسيبهم.
ثانياً: المسلمون الأصليون: وهنا مربط الفرس وبيت القصيد، فكل ما ورد
من كلام في المقال عنهم من همز ولمز وذم: تهم عامة عارية من الدليل والحجة
والبرهان، ولم تراع فيها أمانة الكلمة ومسؤوليتها في الإسلام، ولذلك: فقد أثار
المقال بين شريحة من القراء الذين لا يعلمون عن واقع المسلمين هناك شيئاً
بالمشاهدة أو الزيارة أثار موجة من الحيرة والسخط، سوف أردها بعون الله
انتصاراً للحق وبياناً له ورفعاً للاتهام والظلم عن إخواننا هناك، من واقع اطلاعي
ومشاهداتي لأحوالهم فأقول:
* تحدث المقال عنهم بصفة اللمز والتنقص حيث وصفهم بالمسلمين بالوراثة
أو الميلاد أربع مرات، خلافاً للمتعارف عليه هناك من صفة المسلمين الأصليين.
* دعوى أن الدعم الذي يصلهم من بلاد المسلمين لا يوزع إلا على السلاطين
وقليلين من غيرهم، فأي سلاطين وأي قليلين؟ ! فليذكرهم إن كانت هناك حقيقة،
أما الرمي جزافاً فظلم وغير صحيح، فالذي أعرفه من مشاهداتي أن الجمعيات
الخيرية التي سبق ذكرها تنفذ مشاريعها التعليمية والدعوية وغير ذلك (في الغالب
في الجنوب) بمعرفتها عن طريق نخبة مختارة من خريجي الجامعات الإسلامية في
السعودية أو غيرها، أو في بلادهم من أبناء ودعاة وعلماء المسلمين هناك، وفي
المقابل لم يذكر حاجاتهم ومطالبهم كما ذكرها للفئة الأخرى.
* وصفهم عموماً بالكسل وأن عدداً منهم يبيع أرضه للنصارى ويهاجر إلى
المدينة في الشمال بخطة من الكنيسة، وهذا اتهام عام بلا تحديد، فليته ذكر منطقة
بعينها أو أشخاصاً أو فئة معينة، ليتم الاتصال بهم من قبل الجمعيات الخيرية
ونصحهم ومعالجة أمرهم، ولكن الذي نعرفه ويعرفه غيرنا أكثر ممن له صلة
بالعمل الإسلامي هناك: أنهم من أجود المسلمين تبرعاً بأراضيهم وقفاً في سبيل الله
للأعمال الخيرية وتعاوناً في ذلك، وآية ذلك: أن أغلب أراضي مشاريع الجمعيات
الخيرية الإسلامية من أوقافهم [*] ، وأعرف جمعية منها نفذت أكثر من ٢٣٥ مشروعاً
ما بين مسجد ومدرسة ودار أيتام ومركز إسلامي وبئر، تم بهذه الصفة، فكيف
تقلب حسنات هؤلاء الإخوة المسلمين في المقال إلى سيئات ويبخسون حقهم،
ويتهمون تهماً باطلة قد تنطلي على من لا علم له بحقائق الأمور؟ ! ،
والإحصائيات لدى العاملين والجمعيات تزخر بالشهادة بهذه الحقائق.
* ذكر أنه لا يوجد مسجد واحد باسم أهل السنة والجماعة في المدن الكبرى
نهائياً: وهذه من سقطات المقال الكبرى وشطحاته، ولعل هذا ما يؤكد أن كاتب
المقال لا يعرف شيئاً عن واقع المسلمين هناك إضافة إلى ما سبق، وإلا كيف يجرؤ
على مثل هذا القول والتعميم والحكم الذي سوف يكذبه ويرى عكسه كل زائر للفلبين، ومثل هذا القول البيّن بطلانه في ذاته لا يحتاج إلى دليل على ذلك، فكل المدن
التي يوجد بها المسلمون بها مساجد لأهل السنة والجماعة، وأطمئن القراء الكرام
والمشفقين على العمل الإسلامي هناك بالذات بأنها بحمد الله بالمئات، بل بالآلاف،
وأنه يوجد في مدينة (مراوي) وحدها أكثر من (٩٦) مسجداً، كلها بفضل الله لأهل
السنة والجماعة، وقد حضر (٨٠) إماماً من أئمتها دورة شرعية أقامتها لهم (جمعية
الوقف الإسلامي) مدتها (٦) أشهر، وقد كان لي شرف حضور حفل التخرج في
هذه الدورة يوم ٢٧ شعبان الماضي ١٤١٥هـ أثناء وجودي هناك، فكيف يجرؤ
أحد على إطلاق مثل هذه المقولة، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
* ذكر أن المسلمين بالميلاد لا يعرفون العقيدة الصحيحة، ولا يميزون بين
الحلال والحرام، وأن بعضهم صوفي، في حين يذكر أن المسلمين الجدد أوسع فهماً
ومعرفة بالأمور الشرعية وأكثر نشاطاً من المسلمين بالوراثة، وهذه والله واحدة من
العظائم والرزايا، وكل واحدة هي أكبر من أختها، فكيف يصدق هذا الزعم
الواضح بطلانه، فهل يعقل أن يكون من دخل في الإسلام جديداً وقد أمضى معظم
عمره في النصرانية محجوباً عن تعاليم الإسلام، ولم يعرف عنه إلا من خلال
مترجمات مختصره أو دعوة من مسلم، أن يكون أعلم بالأمور الشرعية وأوسع فهماً
من أولئك المسلمين الذين تعلموا العلوم الشرعية من صغرهم باللغة العربية،
وتخرج كثير منهم في جامعات ومعاهد إسلامية، واطلعوا على كثير من الكتب
والمراجع الشرعية، هذا لا يكون، ولكنها المغالطة والخلط.
* ومن ذلك رمي معظمهم بالتصوف زوراً وبهتاناً؛ فالذي أعرفه من زياراتي
لبعض البلاد الإسلامية في إفريقيا وآسيا أن أحوال المسلمين وعقيدتهم في جنوب
الفلبين خاصة، ومناطقهم التي زرتها في إقليم (مندناو) ومنها (كوتباتو) ومنطقة
(مغانوي) و (سلطان قدرات) وفي إقليم (لاناو) في (مراوي) وغيرها، أو في بعض
مساجد (مانيلا) تجدهم أكثر صفاءً في العقيدة من كثير من البلاد الإسلامية، حتى
المجاورة لهم، والبعد عن الصوفية والتصوف والفرق والطرق والمناهج الأخرى
سمة معروفة لهم، وإذا كان الكاتب يعرف مسجداً معيناً بين آلاف المساجد أو مقراً
تمارس فيه الطقوس الصوفية، أو يعرف شيخاً لطريقة صوفية معينة، فليذكره كي
يتوجه له أهل الخير لبيان الحق له ودعوته إليه، وفي ذلك تعاون منه على الخير،
أما أسلوب الاتهام جزافاً فلا داعي له ولا طائل من ورائه.
أما قوله: إنهم يعتبرون المسلمين حديثاً من الدرجة الثانية، ويظنون أن
الإسلام يخصهم وحدهم، وأنهم لا يحبون من يسلم حديثاً.. إلخ، فأنا وإن كُنتُ من
المسلمين العرب فالحق أحق أن يتبع، والفضل لأهله ينسب، فأقول: إن أكثر
المسلمين الجدد اهتدوا بدعوة إخواننا الفلبينيين هناك، ولا مقارنة في النسبة بين من
اهتدى على أيديهم ومن اهتدى على يد غيرهم من عرب أو غيرهم، والإحصائيات
تشهد بذلك.
ومثل مقولة: إنهم يجتمعون لضرب المسلم الجديد حينما ينكر منكراً، وقد
يصل الأمر إلى القتل ولو كان على الحق، ففيه من التهويل والتعميم والمبالغة
والظلم والتنفير والخلو من الدليل ما الله به عليم. ومن قوله: إن بعض مسؤولي
المراكز الإسلامية يطلبون مبلغاً من المال من معتنق الإسلام إمعاناً في التعقيد وتقليداً
للنصارى في طريقة التعميد والطقوس، فهذا على شاكلة ما سبق: رمي دون تحديد
ولا دليل، فليحدد مركزاً أو مسؤولاً ليكون لكلامه واقعاً، والذي عرفناه عنهم ومن
مخالطتهم: الحرص على دعوة غير المسلمين بالتي هي أحسن وبالحجة والبرهان
والمحاورة، ثم فرحهم بإسلامهم ومتابعتهم وتعليمهم بقدر ما يستطيعون وعدم التمييز
بينهم، بل قد يؤثرونهم ببعض المزايا والأمور ترغيباً لهم في الإسلام، أما ما ذكر
في المقال من دعاوى فهي توهمات يكذبها الواقع.
* أما القول بأن قبيلة (التاوسوق) هي أكثر القبائل غيرة على الإسلام، وهي
المقاتلة حقاً، وقد قامت ببناء المساجد في جميع أنحاء الفلبين: أقول: إنني لا
أعرف شيئاً عن هذه القبيلة، وإذا كان الكاتب يعلم شيئاً فليمدنا به على عنوان
المجلة مؤيداً قوله بالدليل، أما قوله: إنها أكثر غيرة ونشاطاً، فهذا غير دقيق،
فالمعروف هناك أن قبيلة (المرناو) مشتهرون بذلك أيضاً، وكذا قوله: إنها المكلفة
ببناء المساجد غير صحيح، وليته اكتفى بذلك، غير أنه زاد قوله: في جميع أنحاء
الفلبين، وما علم أن من القراء من لا يعرف الحقيقة، والذي أعرفه ويعرفه غيري
أن المساجد في جنوب الفلبين وهي منطقة النشاط والأكثرية بنيت غالبيتها من قِبَل
الجمعيات الإسلامية المشار إليها سابقاً وغيرها مما لم يذكر، وهذه المساجد تعد
بالآلاف ولا تختص بها قبائل معينة، إنما تتعاون هذه الجمعيات الخيرية فيما بينها
ومعها أهل الخير والمحسنين من العالم الإسلامي حسب إمكانياتها واحتياج مناطق
المسلمين، ومثل ذلك بقية المشاريع الإسلامية، ولا نعرف مسجداً منها صوفياً أو
شيعياً، وهذه المساجد موجودة إحصائياتها وأسماؤها لدى هذه الجمعيات المنفذة،
وهكذا بقية ما ورد من دعاوى وتهم لا تثبت على محك الحق:
والدعاوى ما لم يقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء
ثالثاً: تحدث المقال عن الصوفية ورمى بها أئمة المساجد والمسلمين الأصليين
وهم منها بريئون وقد ذكر خمس فرق من الصوفية، وأن الصوفيين نشروا كثيراً
من البدع والخرافات مثل إقامة المآتم ومراسم الدفن تقليداً للنصارى، كما ظهرت
بين المسلمين عقيدة تناسخ الأرواح.. إلى آخر هذه الدعاوى والتهم الباطلة، ونحن
نطالب الكاتب أو من نقل عنه هذه المعلومات أن يحدد ولو منطقة واحدة يجري فيها
ما ذكر، ومن هم القائمون على هذه الأعمال ليتم الاهتمام بذلك وتوجيه الدعاة
نحوهم.
أما هذا الأسلوب العجيب في كيل التهم بغير أدنى دليل: فهو غيبة عامة وظلم
وظلمات يتحمل وزرها قائلها، فعلى كل مسلم أن يتحرى الحق بدليله.
رابعاً: تحدث عن الرافضة ونشاطهم وكشف بعض مخططاتهم، وهو يشكر
على ذلك، إلا أن هناك ملحوظات يجب التنبيه عليها، منها:
١- أنه وردت في الحديث عنهم أخطاء ومبالغات غير صحيحة وتخالف
الواقع.
٢- أن نشاط الرافضة الذي ذكره لا يقتصر بهذا الشكل على الفلبين وحدها
في أيامنا هذه، من حيث: فتح فروع في البلاد الأخرى لمراكزهم العلمية، ودعمهم
مادياً ومعنوياً ودبلوماسياً من قبل سفارات دولتهم، والوقوف إلى جانبهم بكل
الإمكانات والمطبوعات لنشر مذهبهم، فكل هذا معروف عنهم وهو ليس في الفلبين
فقط، وإنما في كل بلاد يفتح لهم فيه المجال.
الخاتمة: مما سبق أقول: إن الواجب يفرض على كل مسلم انطلاقاً من
واجب الأخوة الإيمانية والحرص على جمع شمل المسلمين وعدم التوهين والفت في
عضد العاملين للدعوة ضرورة التبين والتثبت لئلا يصيب غيره بجهالة، ثم يصبح
على ما فعله من النادمين، وقد لا ينفع الندم وبخاصة في هذا العصر الذي تنتشر
فيه وسائل الإعلام بسرعتها بين ملايين الناس من ينشد الحق عند الحكم على
الآخرين أفراداً أو جماعات ما لهم وما عليهم واسترشاداً بقوله (تعالى) : [ولا
تبخسوا الناس أشياءهم] ، وما ورد في قول الرسول ﷺ :
) إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث (، وغير ذلك من النصوص الكثيرة،
والبعد عن الزلل والظلم والجور والعواقب الوخيمة، وما حاد المسلم أو الجماعة المسلمة في أمر عن منهج الله الحق إلا أصابهم من الخلل والفشل والوهن والاختلاف وسوء العاقبة بقدر ما فرطوا فيه.
رزقنا الله جميعاً صلاح النية والقصد والاهتداء بمنهج الله وصراطه المستقيم
في كل أمر، وثبتنا عليه، ورزقنا حسن التبصر والبصيرة والسعي لكل ما يعلي
شأن الإسلام والمسلمين.
стр. 1958
متابعات
نعم.. يموت المجتمع ويحيا
محمد العسيري
اطلعت على مقال د/ خالص جلبي، فوجدت أن فيه فكرة جديرة بالنظر
والتأمل، وتواصلاً وإسهاماً في هذا النظر أقدم هذه المشاركة المتواضعة:
نعلم علم اليقين أن كل مخلوق حي له جسد وروح، بناءٌ مادي خارجي وروح
تسري في أوصاله، والمجتمع كذلك له جسد وروح؛ ومن هنا كانت ميتة المجتمع
كما أرى إما ميتة مادية محسوسة بهلاك أفراده أو دمار بنيته، وإما معنوية روحية
بانهيار مبادئه وقيمه الحضارية.
فالميتة المادية المحسوسة:
هي الدمار الشامل أو الجزئي لمجتمعٍ ما بحيث تزول إمكاناته البشرية
ومكتسباته الحضارية، وأرى أن هناك طريقين لهذا الموت:
١- انحراف بعض الأفراد وسكوت الآخرين: كما في قوله (تعالى) : [وإذا
أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا]
[الإسراء: ١٦] ، وقوله (تعالى) عن قوم صالح: [وكان في المدينة تسعة رهط
يفسدون في الأرض ولا يصلحون] [النمل: ٤٨] عقروا الناقة وهموا بقتل صالح
﵇ فكان الجزاء والعقاب: [أنا دمرناهم وقومهم أجمعين]
[النمل: ٥١] .
٢- تواطؤ المجتمع على الانحراف: كما حدث في قوم لوط ﵇
وما كانوا يقيمون عليه من الفواحش والمعاصي التي استحقوا بها عذاب الله؛ فكان
عقابهم: [فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل] [الحجر: ٧٤]
وتلاشى ذلك المجتمع ودفن في مقبرة التاريخ.
والميتة الروحية المعنوية:
كما حدث لأمتنا في العصور المتأخرة حينما عانت من الإحباط النفسي
والهزيمة الداخلية عندما تسلطت عليها فئات من المستغربين عقدياً وثقافياً وقيميا،
وقدموا روح هذه الأمة عقيدتها وقيمها وثقافتها وفكرها قربان ولاء لأصنام الجاهلية
المعاصرة، ثم بقي جسد الأمة لينهشه كل طامع وحاقد ومتسلط، كما قال
النبي ﷺ : يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.. [*] .
ولكن كما أن الله يخرج الحي من الميت فقد أراد الله لهذه الأمة أن تبعث من
رقدتها، فتنبهت على نداءات صوت الصحوة الإسلامية يهتف بالرجوع إلى
الأصول وإحياء المبادئ الإسلامية.
من أسباب حياة المجتمعات:
١- الإيمان والتقوى: [ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات
من السماء والأرض..] [الأعراف: ٩٦] .
٢- الاستغفار والتوبة: [فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل
السماء عليكم مدراراً* ويمددكم بأموال وبنين..] [نوح: ١٠ - ١٢] .
٣- الإصلاح (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) : [وما كان ربك ليهلك
القرى بظلم وأهلها مصلحون..] (هود: ١١٧) .
من أسباب موت المجتمعات:
١- الظلم: [وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة..]
[هود: ١٠٢] .
٢- البطر وكفر النعمة: [وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها..]
[القصص: ٥٨] .
وبطرت: أي: أشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم الله به عليهم من الأرزاق؛
فحق الموت على هذا المجتمع واندثرت ديارهم.
هذا ما خطر لي عن موت المجتمع وحياته، نسأل الله (سبحانه) أن يوفقنا إلى
العمل بأسباب حياة مجتمعنا وتجنب أسباب موته، والله ولي التوفيق.
стр. 1959
هموم ثقافية
نكون.. أولا نكون..!
نظرات في مذكرات المرأة الصهيونية الرجل
أحمد عبد الرحمن الصوبان
الدارس لتاريخ الحركة الصهيونية الحديثة يجد عجائب وغرائب كثيرة جداً،
فمن شعب مهين مستضعف مشتت في كلّ أنحاء العالم، يتحول اليهود خلال سنوات
قلائل إلى أمّة قوية مهيبة، يتساقط تحت أقدامها قادة المشرق والمغرب.
جولدا مائير (رئيسة وزراء إسرائيل ١٩٦٩- ١٩٧٣م) إحدى النساء اللواتي
ساهمن مساهمة قوية في قيام دولة إسرائيل، قال عنها ابن غوريون أول رئيس
للوزراء عندما عادت من أمريكا محملة بخمسين مليون دولار بعد حملة تبرعات
واسعة: سيُقال عند كتابة التاريخ: إن امرأة يهودية أحضرت المال، وهي التي
صنعت الدولة [ص١٧١من مذكراتها] ، بل قال عنها ثانية: إنها الرجل الوحيد في
الدولة! [ص٩٧] ، عندما قرأت مذكراتها وجدت دروساً عملية جديرة بالتأمل
والنظر، منها:
الأول: ضرورة الإيمان الراسخ بالهدف الذي يدفع للبذل والعطاء، وتحويله
من حلم إلى حقيقة واقعة.
الثاني: أن آمال الإنسان لا تتحقق إلا بالإصرار والصبر وطول النفس،
واستسهال الصعاب..!
ودعونا الآن نقرأ بعض هذه المقاطع التي لا تحتاج إلى تعليق:
لقد شعرت أن الرد الوحيد على قتل اليهود في أوكرانيا هو أرض فلسطين،
يجب أن يكون لليهود أرض خاصة بهم، وعليّ أن أساعد في تحقيق هذا، لا
بالخطب والتبرعات، بل الحياة والعمل هناك معهم في أرض فلسطين [ص٥٤] .
لقد كانت مسألة العمل في حركة العمل الصهيوني تجبرني للإخلاص لها
ونسيان همومي كلها، وأعتقد أن هذا الوضع لم يتغير طيلة مجرى حياتي في الستة
عقود التالية [ص٥٦] .
لقد كانت (فلسطين) هي السبب، ولأجلها حضرنا جميعاً، ولأجلها تحملنا
المشاق! .. لقد كنت شغوفة في شرح طبيعة الحياة في إسرائيل لليهود القادمين،
وأوضح لهم كيف استطعت التغلب على الصعاب التي واجهتني عندما دخلت
(فلسطين) لأول مرة، ولكن حسب خبراتي المريرة التي مارستُها كنت أعتبر أنّ
الكلام عن الأوضاع وكيفية مجابهتها نوعاً من الوعظ أو الدعاية، وتبقى الحقيقة
المجردة هي وجوب إقامة المهاجرين وممارستهم للحياة عملياً. لم تكن الدولة
الإسرائيلية قد أنشئت بعد، ولم تكن هناك وزارة تعنى بشؤون المهاجرين الجدد،
ولا حتى من يقوم على مساعدتنا لتعلم اللغة العبرية، أو إيجاد مكان للسكن، لقد
كان علينا الاعتماد على أنفسنا، ومجابهة أي طارئ بروح بطولية مسؤولة!
[ص ٧١] .
كان الروّاد الأوائل من حركة العمل الصهيوني هم المؤمنون الوحيدون الذين
يستطيعون تحويل تلك المستنقعات أو السبخات (! !) إلى أرض مروية صالحة
للزراعة، فقد كانوا على استعداد دائم للتضحية والعمل مهما كان الثمن مادياً أو
معنوياً..! [ص٧٤] .
عندما أتذكر وضع (السوليل بونيه) [منظمة يهودية] منذ زمن أي: منذ
١٩٢٧م في مكتبها الصغير في القدس يوم كانت لا تستطيع دفع أجور العمال، ثم
أفكر في وضعها الحالي، والخمسين ألف موظف وموظفة، وبمدخولها الذي وصل
إلى ٥. ٢ مليون ليرة إسرائيلية، عندها أحتقر أي شخص يقول أو يُنكر على
الصهيونية تفاؤلها [ص ٩٥] .
إننا في اجتماعنا هذا لن نُعيد المسيح إلى الحياة (في زعمهم) ، ولكن لابد لنا
من القيام بمجهود لنقنع العالم بما نريده وبما نحن عليه! ! [ص٩٩] .
أعتقد أن هناك سببين فقط يمثلان المحنة القومية التي مررنا بها، أحدهما:
الانهيار والاستسلام، والقول: لا أستطيع أن أتابع. والثاني: أن تكشر عن أنيابك
وتحارب بكل ما أوتيت من قوة على كل الجبهات التي تواجهك مهما كانت المدة
صعبة وطويلة، وهذا بالضبط ما قمنا به في السابق، ونحن قائمون به الآن!
[ص ١٢٠] .
أدركت أنه لا يكفي لشعب ضعيف أن يثور لكي ينال عدلاً مطالبه، أما مبدأ
(نكون أو لا نكون) فعلى كل أمة أن تعمل به وبالتالي تقرر مصيرها بطرقها
الخاصة، وعلى اليهود ألا يعتمدوا على أحد من أجل تقرير مصيرهم [ص١٣٠] .
لم يقدم لنا الاستقلال على طبق من فضة، بل حصلنا عليه بعد سنين من
النزاع والمعارك، ويجب أن ندرك بأنفسنا ومن أخطائنا الثمن الغالي للتصميم
والعزيمة [ص٢٣٨] .
أخبرت اليهود في جميع أنحاء أمريكا أن الدولة الإسرائيلية لن تدوم
بالتصفيق ولا بالدموع ولا بالخطابات أو التصريحات! ، إنما يجب توفر عنصر
الوقت لبنائها، قلت في عشرات المقابلات: لن نستطيع الاستمرار دون مساعدتكم؛ فيجب أن تشاركونا بمسؤولياتكم في تحمل الصعاب والمشاكل والمشقات والأفراح، صمموا على المساعدة وأعطوني قراركم! لقد أجابوا بقلوبهم وأرواحهم بأنهم
سيضحون بكل شيء في سبيل إنقاذ الوطن! ! [ص١٨٥] .
[٢]
أرجو من القارئ الفطن أن يقرأ هذا المقطع بتمعن شديد، ثم يقارنه
بالشعارات الثورية التي ملأت الأمة بضجيجها وصخبها لعبد الناصر ومن بعده من
قادة التحرر العربي ... ! ! .
تردد الجموع بكل بلاهة:
من الخليج الثائر.. إلى المحيط الهادر.. لبيك عبد الناصر!
فتجاب بكل استهتار ومهانة: سنرمي إسرائيل في البحر!
والنتيجة هي تحطيم الطيران المصري كله على أرض المطار.. فالقادة
يعبثون ويشربون حتى الثمالة، ويتراقصون على أنغام الموسيقى، ولا يدركون ما
حدث إلا حينما انتهى كل شيء..! !
وبعد هذا الإحباط.. حتى تلك الشعارات الثورية سقطت.. وتحركت القلوب
الرحيمة تندد بالفدائية، وتنادي بالسلام وحقن الدماء.. فلابد أن نتفرغ للبناء، فقد
أنهكتنا الحروب..!
إنها حرب عقيدة، ولن تنتصر الأمّة بشعاراتها النفعية وإعلامها الرخيص،
فمتى يدرك الناس أننا قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله؟!. فإما نكون أو لا نكون..! ! [ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم
يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون] [النساء: ١٠٤] .
стр. 1960
الورقة الأخيرة
حالة جارودي
جمال سلطان
المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي، رجل أضنته السنون في معالجة
قضايا الفكر الفلسفي والفكر الحضاري، وعلى الرغم من رصانته وجديته في تأمل
قضايا الفكر المختلفة، إلا أن قضايا الفكر إجمالاً تختلف عن العلوم الشرعية
بضوابطها ومعالمها ومحدداتها العلمية، ولذلك: فكثيراً ما يخطئ جارودي أخطاءً
فاحشة عندما يتحدث في قضايا من هذا القبيل دفاعاً عن الإسلام بحكم عدم
التخصص. كذلك هناك عامل السن وضعف القدرة على التعمق في عالم جديد عليه
من الأفكار، والتاريخ، والحضارة، والدين، كعالم الإسلام، لاسيما وقد أسلم
جارودي في سن متأخرة بعدما أضنته التجارب والسياحات الفلسفية وأجهدت ذهنه،
ولكن حالة جارودي تختلف كثيراً عن حالات المفكرين المسلمين أبناء المجتمع
الإسلامي والتاريخ الإسلامي، مولداً ونشأة وتحضراً، فهؤلاء يؤخذ كلامهم على أنه
شهادة إسلامية من أصحابها، وهذا مكمن الفتنة، أما جاردوي: فلا أظن أحداً من
الغرب أو الشرق يأخذ كلامه باعتباره حجة من داعية إسلامي أو مفكر إسلامي أو
عالم مسلم، وإنما الجميع يأخذ كلامه في الإسلام كنوع من التصور والسياحة
الفكرية لرجل حديث عهد بإسلام، فالفتنة هنا ضعيفة بل معدومة، أقول هذا الكلام
بمناسبة صدور مقالات وكتابات تحمل بعنف شديد على آراء جارودي وشطحاته،
ففي الحقيقة: إن الأمر أهون من كل هذه القسوة وهذه الحماسة، بل إن كثرة
ردات الفعل هذه، وتوالي الحماسات المنتسبة إلى الإسلام في غير قضية بدعوى
الدفاع عنه وحمايته، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، تستخف بكتابات الإسلاميين،
وتضعهم في ركن أصحاب المعارك الوهمية، مما يخدش من جدية الطرح الإسلامي
وقيمته، عندما يخوض غمار المعارك الحقيقية والمصيرية.
стр. 1961
المحرم - ١٤١٦هـ
يونيو - ١٩٩٥م
(السنة: ١٠)
стр. 1962
كلمة صغيرة
معاً على الطريق
إنّ معايير قياس نجاح أي مطبوعة إعلامية متعددة، ولعل من أبرزها:
قدرتها على الوصول إلى قلب القارئ وعقله بمعالجتها لهمومه وقضاياه بمنهجية
علمية رزينة، ونحسب أننا في (البيان) نحرص على ذلك حرصاً شديداً، وقد نوفق
حيناً، ونقصر حيناً.. ويسعدنا في هذا العدد التطويري أن نواصل تقديم العديد من
الأبواب المتنوعة، فتجد: الدراسات الشرعية، والبحوث التربوية، والدراسات
الاقتصادية، وواقع المسلمين، والدراسات الدعوية، والكتابات الأدبية، والهموم
الثقافية ... وليس ذلك لإشباع ميول ورغبات جميع القراء فقط، ولكن: لبناء
المسلم الصحيحة عقيدته، المتكامل فكره، الواعي لواقعه، الفاهم لرسالته،
المنطلق من التأصيل الشرعي في مواقفه..
نقدم كل ذلك في إخراج جديد نحسبه متناسباً مع الحس الجمالي للمسلم. إننا
إذ نضع بين أيديكم باكورة هذا الإخراج نؤكد على أن نجاحنا مسؤوليتكم ومسؤوليتنا
جميعاً، فتواصلكم معنا يسمعنا صدى نبضنا، كما أن تواصل إخواننا الكتاب كل في
تخصصه يشعرنا بتكاتف الجهود من أجل أداء رسالة الدعوة والتوجيه والتبصير من
خلال نافذة (البيان) .. والله من وراء القصد..
стр. 1963
افتتاحية العدد
هل للإرهاب ملة ؟ !
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..
فلقد عاشت كثير من المجتمعات العربية والإسلامية بعد الاستقلال تحت حكم
بعض الزمر العسكرية أو تحت إمرة بعض الأحزاب ذات الأيديولوجيات المشبوهة
ممن هم ثمرة مرة لمرحلة الاستعمار البغيض، فحكموا دولهم بالحديد والنار،
وكانوا نماذج رديئة لوأد الفكر النزيه وللعداء للدين وتغريب المجتمعات. وحينما
قيض الله للأمة الإسلامية الصحوة التي أعادت الناس إلى ربهم وجددت إيمانهم
برسالتهم الخاتمة واستجيشت الروح الإيمانية في الشعوب؛ فأعطت خيارها
لأصحاب المبادئ الإسلامية، نتج عن ذلك أن زلزلت قواعد العملاء، وأقض
مضاجع سادتهم، حتى هدد الرئيس الفرنسي السابق متران بالتدخل العسكري في
حالة تسلم الإسلاميين للحكم في الجزائر، مما هو معروف للجميع وكان الأتباع
الفرانكفون أوفياء لسادتهم؛ فأجهضوا واحدة من أنزه الانتخابات المعدودة في العالم
العربي، وما زال المجتمع الجزائري يعيش في دوامة العنف والعنف المضاد نتيجة
سرقة خيار ذلك الشعب المجاهد، ويبدو أن موقف تلك الطغمة العسكرية صار ديدنا
لكل سلطة حاكمة بأمرها حيال أي عمل نزيه، والوقوف بكل صفاقة ضد كل توجه
إسلامي، مع اختراعهم لإيقافه مؤامرات موهومة ودعاوى ما أنزل الله بها من
سلطان؛ لإيقاف المد الإيماني وإسقاط مشروعيته بدعاوى الإرهاب والتطرف وما
شابهها، وهذا في نظرنا أمر طبيعي ما دامت شريعة الله معطلة وأحكامها غير نافذة، والقضاة يحكمون بقوانين أجنبية مستوردة في محاكم استثنائية عسكرية تصدر
أحكاماً نهائية مفصلة حسب رغبة القوم وتوجهاتهم المعروفة، ولهذا: شن الإعلام
المؤمم والأقلام المشتراة وكتّاب الفنادق ما يثير المطاعن بدون وجه حق ضد
الإسلاميين، ويشكك حتى في نواياهم.
وما ذلك إلا ترديد أبله وتقليد أعمى إن لم نقل منقول عما تردده وسائل الإعلام
الأجنبية ضد الإسلام حيث يقولون: إنه العدو الوحيد بعد سقوط الشيوعية البائدة.
لقد أثار الغربيون بوسائل شتى ذلك الموقف ضد الإسلام، وأعدوا الخطط
ليجعلوا من الإسلاميين دعاة الإرهاب في العالم كما حصل في تفجير (مركز التجارة
الدولية) ، ولا يزال يتذكر المتابعون لذلك الحدث الجلل أن المحامين بينوا أن وراء
تلك الجريمة أيد خفية من ضمنها شخصية يهودية عُتّم عليها، ولم يعد لها ذكر،
ويبدو أن ذلك يثير شبهات تواطؤ المخابرات الأمريكية باستعمال أيادٍ مشبوهة
للشهادة ضد المتهمين.
وهذا ما أعلنه أحد هؤلاء العملاء الذي أعلن فيما بعد: أنه كان كاذباً في معظم
شهادته، ولا شك أن ما بني على باطل، فهو باطل، ومع كل ذلك فقد شوهت
سيرة كثير من الإسلاميين الذين زج بأسمائهم بشهادة عميل ضائع المروءة فاقد
الضمير.
أما الحادث الأخير وهو تفجير المبنى الفيدرالي في (أوكلاهوما) ، فقد كانت
ردود الأفعال المتعجلة حياله نتيجة طبيعية للحرب المجنونة ضد الإسلام وأهله
ووصمهم كذباً وزوراً بالتطرف والإرهاب، فقد اتهم الإسلاميون بأنهم وراءه - بعد
حدوثه بساعات معدودة - ولم يكن صدر بعد أي بيان رسمي بالإدانة، فوجدنا مثل
نائب أوكلاهوما السابق، والنائب الديموقراطي الحالي ديف مكيروي يصرح في
حديث لقناة ال (سي إن إن) الإخبارية: أن الاحتمال الأكبر هو أن المشتبه بهم من
الراديكاليين الإسلاميين! وضربت على هذا الوتر فعاليات أمنية وإعلامية أمريكية،
مما أدى إلى حرب قذرة ضد المسلمين في أمريكا، جعلتهم يعيشون أياماً قلقة حزينة
نالوا فيها من المضايقة والإرهاب الكثير وبخاصة في المدارس والمراكز الإسلامية
والتهديدات بالهواتف، الأمر الذي جعل الكثيرين يقبعون في بيوتهم خوفاً من ردود
الأفعال التي صنعها الإعلام المعادي.. ثم يأبى الله إلا أن تظهر الحقيقة بعد أيام
معدودات، فإذا بالمجرم الحقيقي إنما هو أصولي نصراني أمريكي، فجّر ذلك
المبنى في ذكرى إحراق جماعة (ديفيد قورش) الأصولية المتطرفة، التي انتحرت
مع زعيمها حرقاً حينما حاصرهم البوليس الفيدرالي في العام قبل الماضي، هذه
الجماعة وغيرها كثير: هي عينات من التطرف والإرهاب الموجود في الغرب،
وهي محسوبة سياسيّاً على اليمين الأمريكي العنصري. والتي لها ميلشياتها
العسكرية، والتي تعلن نازيتها وعنصريتها على رؤوس الأشهاد.
وهناك أيضاً تطرف شرقي، هو ما فعلته جماعة (أوم) اليابانية، الذين ثبت
تواطؤهم بإلقاء غاز السارين السام في أنفاق مترو طوكيو، وأدى إلى وفاة واختناق
الكثيرين، وتداعياته اللاحقة ما تزال حديث الساعة، فما بالك بتطرف وإرهاب
الصرب في حربهم الضروس ضد مسلمي البوسنة، وتطرف وإرهاب السيخ
والهندوس ضد مسلمي الهند وكشمير، وتطرف وإرهاب أعداء المسلمين في كل من
(طاجيكستان) و (الفلبين) و (الشيشان) و (بورما) والتطرف الصهيوني في فلسطين
المحتلة المدعوم من الغرب والشرق معاً. وغير ذلك كثير.
لم يكن الإسلام في يوم من الأيام لا قديماً ولا حديثاً دين إرهاب، بل حتى في
الحروب: كان يأمر بالرفق وعدم قتل النساء والشيوخ والأطفال والرهبان ممن لا
يد له في قتال المسلمين وإيذائهم، وهذا ما تطرقت له باستفاضة كتب الحديث والفقه
في أبواب الجهاد مع حث الإسلام على العدالة مع الناس حتى عند الاختلاف معهم
في الدين [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ
أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [الممتحنة: ٨] ؛ يقول العلامة
ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية: أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة
بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم حيث كانوا بحال: لم ينصبوا
لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم
في هذه الحال لا محذور فيها ولا تبعة.
فكيف يُزْعَمُ أن الإسلام يدعو إلى مثل تلك الأعمال الإرهابية التي تتنافى
والروح الإسلامية المشبعة بالقسط والعدل والرحمة.
وبمناسبة عقد (مؤتمر الأمم المتحدة التاسع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين)
الأخير؛ يحق لنا في هذا المقام أن نتساءل: ترى ماذا سيناقش هذا المؤتمر؟ ، وما
هي توصياته [*] ؟ وهل سيبحث حقيقة الإجرام والمجرمين فعلاً، ومنهم المجرمون
الحقيقيون الذين لم تأخذهم بالمؤمنين أي رحمة؟ أين محاكمة قادة الإجرام العالمي
الذين أرهبوا ونكلوا بالشعوب الإسلامية في فلسطين والبوسنة والهرسك والشيشان
مثلاً وانتهكوا الدين والحرمات، وضربوا بقرارات الأمم المتحدة عرض
الحائط؟ .. هل سيدانون ويحاكمون على الملأ ليعرف الجميع جرائمهم، كما حوكم وأدين مجرمو الحرب العالمية الثانية، ويكلف البوليس الدولي بالقبض عليهم في أقرب فرصة. أم إن المسألة ليست سوى مجرد جعجعات معروفة، وستوظف لمصالح معينة، وسيكون الضحية والمدانون دائماً هم المسلمين وبخاصة الدعاة منهم الذين يطاردون تحت ستار محاربة الإرهاب والتطرف؟ ، وهذا هو المتوقع، وما علمنا في مؤتمرات هيئة الأمم إلا تأكيداً لهيمنة الدول الكبرى على دول العالم الإسلامي، وإطلاقاً لأيدي الدول البوليسية في محاربة شعوبها مما نلمسه في واقع كثير من الدول العربية.
إن مما ينبغي أن يفطن له وأن يعيه كل الناس: أن الإرهاب الحقيقي إنما هو
إرهاب الشعوب في أن تدين لربها، وإرهابها من أن تدعو لتحكيم شريعته،
وإرهابها من أن تدلي برأيها فيما يراد لها من تغريب لمجتمعاتها، ومحاولة تركيعها
قسراً لأعدائها، وإرهابها في أن تعلن هويتها الإسلامية، بل وحتى التدخل
الخارجي في كثير من دول العالم الثالث كما حصل من قبل بعض الدول الكبرى هو
إرهاب بمعنى الكلمة. فإلى متى يلمز الإسلاميون بالإرهاب، والإرهابيون حقّاً
غيرهم؟ !
[وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ]
стр. 1964
دراسات تربوية قرآنية
الأسباب الواقية من لبس الحق
الحلقة الأخيرة
بقلم:عبد العزيز بن ناصر الجليل
بعد أن تبين لنا خطورة لبس الحق بالباطل من خلال الصور التي أوردناها
في السابق، وما ينتج عنها من الضلال والانحراف الذي يورث العواقب الوخيمة
في الدنيا والآخرة، بعد ذلك: يحق لنا بل يجب علينا أن نسأل: كيف النجاة من
ذلك الخطر؟ وما هي الأسباب الواقية منه؟ وللإجابة على ذلك: نستعرض أسباب
التباس الحق بالباطل؛ فمنها ينطلق العلاج، وبضدها تتميز الأشياء.
فقد مر بنا أن تلك الأسباب لا تخرج عن ثلاثة أمور:
١- شبهة تسببت في أخذ الباطل على أنه الحق، وأصل هذا: الجهل.
٢- شهوة تسببت في أخذ الباطل وترك الحق عن شهوة وضعف واعتراف
بالخطأ.
٣- شهوة وشبهة نتج عنهما أخذ الباطل وإظهاره في صورة حق عن هوى
ومغالطة استناداً إلى شبهة يعلم صاحبها أنها لا تصلح للاستدلال.
وبعد هذه المقدمة التي لابد منها بين يدي الأسباب الواقية من اللبس والتلبيس. يمكن تفصيل وبيان الأسباب الواقية من لبس الحق بالباطل فيما يلي:
١- علم وبصيرة بدين الله وشرعه، وعلم وبصيرة بما يضاد دين
الله (سبحانه) وشرعه؛ فإذا تحقق هذا الأمر: فإن الاستبانة لسبيل المؤمنين وسبيل
المجرمين قد تحققت، وبهذا: فلا مجال للشبهة هنا أبداً؛ لانتفاء الجهل الذي منه
تنتج الشبهات المؤدية إلى اللبس والتلبيس، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم (رحمه
الله تعالى) : فتنة الشبهات تُدفع باليقين، وفتنة الشهوات تُدفعُ بالصبر، ولذلك جعل
(سبحانه) إمامة الدّين مَنوطةً بهذين الأمرين، فقال: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] ، فدلّ على أنه بالصبر
واليقين تُنالُ الإمامة في الدين، وجمع بينهما أيضاً في قوله: [إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ٣] ، فتواصوا
بالحق الذي يَدْفَعُ الشبهات، وبالصبر الذي يَكُفّ عن الشهوات [١] .
٢- الصبر وتقوى الله :
فبالصبر وتقوى الله (سبحانه) تدفع الشهوة وينتصر الإنسان على هواه؛ لأنه
قد يحصل للإنسان البصيرة والعلم بدين الله ، ويتبين له الحق من
الباطل، ولكن إذا لم يكن لديه الصبر عن شهوات النفس، والتقوى التي تحجزه
عن مخالفة الصواب: فإنه يضعف ويقع في المخالفة مع علمه بذلك، أما إذا اجتمع
العلم والبصيرة مع التقوى والديانة فإنه إذا بان الحق ولاح: لم يكن أمام من هذه
صفته إلا الإذعان والتسليم والانقياد، وذلك لانتفاء الشبهة والشهوة في حقه، وإلى
هذا أشار ابن القيم في النقل السابق بقوله: إن فتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة
الشهوات تدفع بالصبر ولكن إذا ضعف الصبر والتقوى، ووجدت الغفلة عن الآخرة، وتنوسِيَ الوقوف بين يدي الله ، وصاحب ذلك شيطان يزين، ودنيا
تتعرض بفتنها: فالغالب عدم السلامة. ولكن المخالف للحق هنا: إما أن يكون لديه
بقية تقوى وخوف من الله فيعترف بذنبه، ويستغفر منه ويتوب، أو
يكون (عياذاً بالله) قد رقّ دينه وسيطر عليه هواه فأخذ يلتمس مبرراً لباطله،
ويبحث هنا وهناك عن شبهة يظهر بها باطله ومخالفته في قالب الحق والموافقة
لدين الله، وهذا هو الخداع والتلبيس، ولا علاج له إلا بتقوى الله (سبحانه) ،
واليقين بالرجوع إليه.
نعم.. إنه لا يمنع من الوقوع في الباطل بعد العلم والبصيرة، ولا يمنع من
تلبيسه على الناس إلا الإيمان باليوم الآخر إيماناً جازماً ويقيناً صادقاً، وإن لم يتذكر
العبد هذا اليوم ويحسب له حسابه: فلن يفيده في ذلك العلم والبصيرة؛ فكم من عالم
بالحق تنكب عنه وخالفه، أما إذا انضم إلى العلم والبصيرة: الصبر والتقوى
والخوف من الحساب يوم القيامة، فإن الشهوة ستنقمع وإن الهوى سيُغلب، وعندها: يختفي اللبس والتلبيس والخداع والمغالطة في دين الله ؛ يقول الإمام
ابن القيم ﵀ في معرض رده على المحتالين على شرع الله بالحيل الباطلة:
فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكَاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر
والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكراً وخديعة من الأقوال
والأفعال. [٢] .
ويقول سيد قطب ﵀ في ظلال قوله (تعالى) : [وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ
لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [الأعراف: ١٦٩] :
نعم.. إنها الدار الآخرة! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي
يرجح الكفة، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العَرَض الأدنى القريب في هذه
الدنيا.. نعم، إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها [٣] .
أسباب أخرى مساعدة:
وبعد ذكر السببين الرئيسين للوقاية من اللبس والتلبيس، وهما: البصيرة في
الدين الذي تدفع به الشبهة، والصبر والتقوى اللذان تدفع بهما الشهوة: نذكر فيما
يلي بعض الأسباب المساعدة لتثبيت السببين السابقين:
٣- محاسبة النفس ومجاهدتها وتحصينها بالذكر والدعاء والعمل الصالح:
حيث لابد للمسلم من محاسبة دائمة للنفس، ومجاهدة لها في تطويعها لشرع
الله والحذر من الشيطان الذي لا يفتأ يوسوس ويزين لها الباطل، فإن لم
يتفقد كل منا نفسه، ويسد على الشيطان مداخله المتعددة؛ فإن النفس تكون على
خطر أن تنساق مع شهواتها وهواها، فيحصل من جراء ذلك: اللبس والتلبيس
والتضليل والمغالطة، إما بعلم أو بجهل، وإن مما يؤكد أهمية المحاسبة الدائمة
واليقظة الشديدة للنفس ما يحصل من كثير منا في يومه أو غده من المغالطات
والمعاذير الكاذبة والتبريرات الغامضة، سواء أكان ذلك مع النفس أو مع الناس،
ولكنها تكثر وتقل حسب التقوى وقوتها أو ضعفها في القلب، مع أنه يوجد من
الدعاة والمصلحين نماذج فريدة في إخلاصها وصدقها وبعدها عن المداهنة والمغالطة
والتلبيس، نسأل الله لهم الثبات، ونسأله (سبحانه) للجميع الصدق في المقاصد
والأقوال والأعمال.
ومن الأسباب القوية التي يُتحصن بها من الشيطان ووساوسه: ذكر الله (عز
وجل) في أحوال اليوم والليلة؛ فكلما كان اللسان رطباً بذكر الله (تعالى) والقلب
يواطؤه في ذلك: كلما كان الشيطان بعيداً ولا يستطيع اقتحام الحصن؛ لأن ذكر الله
(سبحانه) يحرقه ويمنعه من الدخول، ولكن ما إن يغفل العبد عن ذكر الله (تعالى)
حتى يكر مرة أخرى للوسوسة، فهذا دأب الشيطان في كره وفره على القلب، فكلما
ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل وسوس.
ومن الأسباب الواقية من التباس الحق بالباطل: مجاهدة النفس في عمل
الصالحات والإكثار منها من غير إفراط ولا تفريط، كما جاء في الحديث القدسي
الذي منه: وما تقرب إليّ عبدي بأحب مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب
إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر
به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها.. الحديث [٤] فمن كان يسمع
ويبصر ويمشي ويبطش بنور الله وهداه: فإنه لن يخطئ أبداً؛ قال (تعالى) :
[وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩]
وبالضد من ذلك فإن كثرة الذنوب من أسباب الضلال والزيغ؛ قال (تعالى) :
[ ... فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ... ] [الصف: ٥]
٤- مصاحبة أهل العلم والورع:
إن الجليس يتأثر بجليسه وصاحبه، سواءً أكان ذلك في الخير أو الشر، وذلك
عن طريق المؤانسة والمشابهة والقدوة، وعليه: فإن من الأسباب المانعة من
الانحراف ولبس الحق بالباطل: الجلوس مع أهل العلم والتقوى ومصاحبتهم
ومشاورتهم، لأنه بالعلم الذي عندهم تحترق الشبهات، وبالتقوى والورع لديهم
تحترق الشهوات، وبذلك يُسد على الشيطان البابان الرئيسان اللذان يدخل منهما
ليلبس على النفس ويزين لها التلبيس، والعكس بالعكس: ما إن يصاحب المرء
أهل الجهل والجدال ومن لم يؤتوا حظّاً من التقوى والورع إلا ويتأثر بهم وينطبع
بأخلاقهم وتشتبه عليه الأمور لضعف العلم والبصيرة، أو يتعمد ترك الحق وتعميته
على الناس لضعف التقوى والصبر عن الشهوات، وقد روي عن عمر بن الخطاب
﵁ قوله: لولا ثلاث لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد
الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى
أطايب الثمر.
ولعل مما يدخل في هذا السبب: الإكثار من قراءة أخبار أهل العلم والتقوى
والجهاد من أنبياء الله الكرام وصحبهم الأجلاء والتابعين لهم بإحسان؛ ففيهم الأسوة
والقدوة والخير كله.
٥- الحذر من الدنيا، وعدم الركون إليها:
إن من أعظم أسباب الانحراف عن الحق والوقوع في الانحراف والمخالفات:
هذه الدنيا الغرارة؛ فكلما انفتحت على العبد كثرت شبهاتها وانساق مع شهواتها
المختلفة، وعندما يرد ذكر الدنيا فإنه يقصد بها كل ما أشغل عن الآخرة من متعها
المختلفة التي أجملها الله في قوله (سبحانه) [قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ
تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاًتِيَ اللَّهُ
بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] [التوبة: ٢٤] .
والانغماس في الدنيا وترفها وملذاتها ينتج عنه: غفلة عن الآخرة، وتشتت
للذهن والقلب، وإعمال الفكر في الاستزادة منها، والخوف على فواتها.. وهذا
يؤدي إلى قسوة القلب ورقة الدين، ومن هنا: تبدأ النفس في الاستجابة لتزيين
الشيطان، وتثور الشبهات والشهوات في القلب، والذي ينشأ منهما: الكذب،
والتدليس، والتلبيس، والطمع، والجشع.. وبخاصة في مثل عصرنا الذي نعيش
فيه، والذي كثرت فيه المعاملات المحرمة والشبهات، ولا عاصم من أمر الله إلا
من رحم، ولذا: كان الأولى لمن أراد لنفسه السلامة من الدنيا وشبهاتها وشهواتها:
أن يتخفف منها قدر الاستطاعة وأن يرضى منها بالقليل؛ لأن هناك تناسب طردي
وخاصة في زماننا هذا بين كثرة الدنيا وكثرة الوقوع في الشبهات والشهوات
المؤديات إلى التدليس والتلبيس.
٦- النصح للأمة والحذر من عاقبة التلبيس والتدليس عليها:
إن الشعور بواجب النصح للأمة يقتضي من المسلم وبخاصة الداعية إلى الله
أن يبين الحق لأمته، ويعري الباطل ويكشفه لها، ولا يجعله ملتبساً
عليها فتضل؛ لأن الذي يرى أمته تُضلل ويُلَبّس عليها دينها فتعيش في عماية من
أمرها، ثم يتركها وهو يعلم الحق من الباطل إن مَن هذا شأنه: يعتبر خائناً لله
ورسوله وللمؤمنين، وإن الله سائله يوم القيامة عن علمه: فيم عمل به؟، وهذا فيمن رأى التضليل والتلبيس فلم يُحذّر منه ولم يكشفه للناس، فكيف بمن
باشر التلبيس والتضليل بنفسه (عياذاً بالله) ؟ إن هذا بلا شك أكثر خيانة من سابقه،
وإن وزر وضلال من ضلله بتلبيسه هذا سيحمله فوق ظهره يوم القيامة من غير أن
ينقص من أوزار من ضللهم شيء. والحاصل: أن شعور المسلم بإثم وعاقبة
التلبيس أو السكوت عليه: من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع فيه إن كان في
القلب حياة وخوف من الله (سبحانه) والدار الآخرة، لأن من كان في قلبه المحبة
الحقيقية لهذا الدين وأهله: لا يمكن أن يرى التضليل والتلبيس من المفسدين
المنافقين ثم يرضى لنفسه السكوت والوقوف موقف المتفرج، بل لن يقر له قرار
ويهدأ له بال حتى يساهم قدر استطاعته في إبانة سبيل المؤمنين وإسقاط اللافتات
الزائفة عن سبيل المجرمين وتعرية باطلهم وخداعهم كما مر بنا في صور التلبيس،
وعندها: تعرف الأمة من توالي ومن تعادي، وعندها: تتميز الصفوف ويتميز
المؤمن من المنافق، وكل هذا يحتاج إلى تضحيات باهظة، لكنها رخيصة في
سبيل الله لأن نصر الله (جل وعلا) الموعود لا يتم بدونها.
وبعد:
فهذا ما يسره الله في هذه العجالة حول هذا الموضوع المهم الذي
يمس المسلم في عقيدته وأخلاقه ومجتمعه، ولا أزعم أنني أحطت بجوانبه كلها،
ولكن حسبي إثارة هذا الموضوع والتذكير به لعل فضيلة العلماء الكرام والإخوة
الدعاة يكملون ما نقص منه، ويقوّمون ما اعوج منه. وأحب أن أنبه: أن ما ذكرته
من صور التلبيس ذكرته على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، فالصور كثيرة
وكثيرة وبخاصة في زماننا هذا الذي قلّ فيه العلم والورع ونجم فيه الجهل والنفاق.
وفي خاتمة هذه المقالات: أوصي نفسي الأمارة وأوصي إخواني المسلمين:
بأن يتفقد كل منا نفسه، ويبحث عن هذا المرض الخطير فيها فإذا وجدنا شيئاً من
ذلك وسنجد فعلينا التوبة الصادقة من هذا المرض، ولنبادر بقطع جذوره قبل أن
يستفحل، ولا نُسوّف في ذلك أبداً؛ لأن التسويف وطول الأمل من عمل الشيطان
وتلبيسه.
والله أعلم، وصلّ الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1965
مقال
العلاقة بين العلم والخلق
في الفكر التربوي الإسلامي
بقلم: د.محمد عز الدين توفيق
هذا الموضوع من الموضوعات المرتبطة بالتراث التربوي والتعليمي عند
المسلمين، وفي أي تراث لابد أن نجد الجوانب المشتركة ونجد الخصوصيات،
وفي التراث النفسي عند المسلمين وفي تطبيقاته في علم التربية هناك أمور تقنية
ومنهجية تُدرس في إطار علمي محايد، وأمور أخرى تختص بها الحضارة
الإسلامية وتُدرس في إطار المرجعية الفكرية والعقدية لهذه الحضارة وهي الإسلام.
هذه الأمور المشتركة هي الأفكار والآراء التربوية ذات الطابع التقني
والإجرائي، وهذه تخضع للاختبار العلمي التجريبي، فلا يمكن أن نرجع إلى
الوراء؛ فنجمد على آراء تربوية تم تجاوزها علميّاً، ونكون في تمسكنا بها
معتمدين على مجرد انتسابها إلى التراث، فاعتماد المنهج التجريبي لأجل الوصول
إلى أحسن الطرائق وأفضل الأساليب التعليمية منهج إسلامي أصيل، والتخمينات
الذاتية إذا لم تمر بمرحلة التجربة تبقى فروضاً قابلة للصواب والخطأ معاً، وفي
التراث أمثلة لهذه الآراء التربوية التي أصبحت تتمتع بقيمة تاريخية فقط لكنها
متجاوَزة من الناحية العلمية.
لكن الذي يجد امتداده في الحاضر واستمراره في المستقبل: هو تلك القيم التي
تميز حضارتنا رغم التطور الذي عرفته النظريات التربوية في العصر الحاضر،
وهذه القيم يجب التعامل معها بشكل مختلف، فإذا كنا في مجال النظريات نحتكم إلى
المنهج العلمي القائم على وضع الفروض والتحقق منها وفق مراحل مشتركة بين
الباحثين، فإننا في مجال القيم والأخلاق نستلهم مبادئ ديننا ونحتكم إلى العلم الثابت
الذي جاءنا من عند الله.
والعلاقة بين العلم والخلق هي من هذا المجال الثاني، فأخلاقنا متميزة داخل
قاعة الدرس، وفي الشارع، وفي المحكمة، وفي المصنع، وفي الحافلة، وفي كل
مؤسسة من مؤسسات المجتمع.
غير أن استلهام التراث في تحديد العلاقة بين العلم والخلق لا يعني التسليم
بكل ما جاء فيه عنها، فالتراث يُذكر ويُقصد به: كل ما وصل إلينا من الآباء
والأجداد، وهذا معنى عام يشمل الكتاب والسنة، كما يشمل الكتب والمخطوطات
التي ضمت علم المتقدمين وأدبهم وتاريخهم، فإذا استعملنا هذا المعنى العام للتراث
فيجب أن نميز فيه بين الجانب الإلهي والجانب البشري، وذلك حتى تختلف طريقة
تعاملنا مع ما ورد في هذا التراث عن العلاقة التي نحن بصدد دراستها، ففي الوقت
الذي سيكون الوحي أو الكتاب والسنة معياراً ثابتاً تعرض عليه كافة الأخلاق التي
ألح عليها العلماء في مجال العلم والتربية، ستكون اجتهاداتهم في تنزيل هذه
الأخلاق على الواقع محل استفادة واستئناس لاختلاف الظروف والعصور.
إن الحديث عن العلاقة بين العلم والخلق في ظل الحضارة الإسلامية وثيق
الصلة بمشروع التأصيل الإسلامي للعلوم الإنسانية بعامة، هذه العلوم التي ليست
لها صبغة إسلامية، وتحتاج في البيئة الإسلامية إلى وجهة تميزها عن وجهتها
السائدة حالياً في الغرب.
نحن بحاجة إلى ربط الصلة بين آخر ما توصل إليه البحث العلمي في علم
النفس وتطبيقاته في التربية وبين ما يزخر به تراثنا النفسي والتربوي.
إن الإنجازات التي حققها علم التربية الحديث إنجازات لا تنكر، ويكفي أنه
أسس الأساليب التربوية على الدراسة التجريبية والبحوث الميدانية، بعيداً عن
التخمينات النظرية والمعلومات المكتبية، لكن هذه الإنجازات لم تملأ الفراغ الخاص
بالقيم، لأن العلم التجريبي لا يستطيع أن يملأه، وإنما يملؤه الدين أو ما يقوم مقامه
من فلسفات وضعية بالنسبة للعلمانيين.
ولقد تعرضت العلاقة بين العلم والخلق للاضطراب في ظل النظريات
التربوية الغربية، وأحدثت ثنائية التعليم وعلمانيته قطيعة بينهما في الحضارات
الغربية، فأصبحت الأخلاق موضوعاً من موضوعات الدراسة، بينما صارت بقية
العلوم تدرس دراسة تخصصية محضة، واعتبرت الأخلاق مسألة شخصية، وتم
فصل الجوانب المعرفية عن الجوانب الأخلاقية، وأصبحت السياسات التعليمية تهتم
بالجانب التقني والإداري، فالمهم هو تكوين أطر متخصصة لسد حاجات البلد، ولا
يهم الجانب الأخلاقي في هذا التكوين، ونحن نريد أن تعود إلى هذه العلاقة حيويتها، كما كانت في ظل الحضارة الإسلامية، لأن التكوين التقني أو التخصصي العلمي
المعزول عن التربية الأخلاقية لن يعطي الشخصية المنشودة لبناء الأمة وخدمة
أهدافها.
لقد تعلم المسلمون من دينهم: أنه لتحقيق الشخصية الإسلامية المنشودة لابد
من الاهتمام أثناء التربية بالجسم والعقل والروح، ولأجل هذه النظرة المتكاملة لم
يكن العلم نظريّاً فحسب، ومهما تكن قيمة المعلومات التي يحصلها الإنسان فلابد
لصاحب العلم كيفما كان اختصاصه أن يلتزم بالقيم الخلقية التي يفرضها العلم على
أهله.
ونقصد بالعلم هنا: جميع العلوم التي يدرسها الإنسان سواء أكانت دينية
مصدرها الوحي أو دنيوية مصدرها العقل، كما نقصد بالخلق: الجانب الذي يقابل
العلم، وهو يرادف العمل أو التطبيق.
وفي المجال الذي نتحدث عنه هناك ثلاثة أنواع من الأخلاق يُطالبُ بها أهل
العلم:
- أخلاق علمية: يتخلق بها المرء في فترة التعلم والدراسة.
- أخلاق مهنية: يتخلق بها عندما يمارس اختصاصه سواء أكان تعليماً أو
غيره.
- أخلاق اجتماعية: يتخلق بها في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
أمثلة تؤكد العلاقة بين العلم والخلق
في الفكر التربوي الإسلامي:
تكثر الأمثلة التي تجسد اهتمام المسلمين بهذه العلاقة، نذكر بعضها:
* المثال الأول: الوصية التي يوصي بها الأستاذ تلميذه قبل عودته إلى بلده
وجلوسه للتدريس والفتيا، أو ما يمكن تسميته بالتوجيهات التربوية عند التخرج،
وكلها كانت وصايا أخلاقية تحث على الأمانة والتواضع وفعل الخير ونشر العلم
والإخلاص لله، ومما ورد في وصية أبي حنيفة لتلميذه يوسف بن خالد السمتي: إذا
دخلت البصرة واستقبلك الناس وزاروك وعرفوا حقك، فأنزل كل رجل منهم منزلته: أكرم أهل الشرف، وعظم أهل العلم، ووقر الشيوخ، ولاطف الأحداث، وتقرب
من العامة، ودارِ التجار، واصطحب الأخيار، ولا تتهاون بالسلطان، ولا تقولن
من الكلام ما ينكر عليك في ظاهره.. [١] .
* المثال الثاني: الإجازات التي كان يجيز بها العلماء تلاميذهم، وما كانت
تتضمنه من الأمر بتقوى الله ولزوم طاعته والقيام بحق العلم عملاً ونشراً، فمن
العلماء من كان يفصل شروطه التي يجيز على أساسها طلابه ومن سأله الإجازة من
أهل العلم، ومنهم من كان يحيل على شروط العلماء المتعارف عليها، كما أجاز
ابن خلدون لجماعة من علماء مصر أثناء مقامه بها وفيهم الإمام ابن حجر العسقلاني
فكتب في إجازته: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أجزت لهؤلاء
السادة، والعلماء القادة، أهل التحصيل والإفادة والفضل والإجادة، والإبداء في
الكمال والإعادة، جميع ما سألوه ورجوه من الإجازة وأملوه، على شروطه المعتبرة
عند العلماء، وأخبرهم أن مولدي عام اثنين وثلاثين وسبعمئة، والله (تعالى) ينفعنا
وإياهم بالعلم وأهله، ويجعلنا من سالكي سبله، وكتب بذلك عبد الرحمن بن محمد
بن خلدون، منتصف شعبان عام سبعة وتسعين وسبعمئة [٢] .
لقد كان الانتقال من مرحلة التلقي والتلمذة إلى مرحلة التدريس والمشيخة
مرحلة حاسمة لها هيبتها، ولذلك: حفها العلماء بشروط علمية وأخلاقية صارمة.
ورغم أن الإجازات لم تكن في أول الإسلام لقرب العهد بالنبوة، ولشيوع
الأمانة، لكنها ظهرت بعد الابتعاد عن عصر النبوة، وطالت سلسلة الإسناد لضبط
الرواية، والأخذ عن الثقات، والإجازة: عبارة عن إذن يمنحه المجيز لشخص
آخر يسمى مُجازاً، يأذن له فيه أن يروي عنه رواية قرآنية أو أحاديث نبوية أو
أشعاراً أو فقهاً أو لغةً أو غير ذلك، وقد يكون المستجيز طالباً دَرَسَ عند الشيخ
المجيز، وقد لا يكون، لكن يشترط في الإجازة أن يكون المجيز عالماً بما يجيز به، ثقة في دينه وروايته، معروفاً بالعلم، وأن يكون المستجيز من أهل العلم وطلابه
حتى لا يوضع العلم في غير أهله.
* المثال الثالث: موقف الأسرة والآباء من هذه العلاقة، وحرصهم على
استفادة أبنائهم من التعليم: العلم والخلق جميعاً، ويظهر هذا في وصاياهم للمعلم
عند تسليمه الولد، وقد أوصى عبد الملك بن مروان معلم ولده فقال له [٣] : علّمهم
الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم السفلة؛ فإنهم أسوء الناس بدعة، وأقلهم أدباً،
وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا، ويمصوا الماء مصّاً
ولا يعبوه عبّاً، وإذا احتجت أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر، لا يعلم به أحد
من الحاشية فيهونوا عليه.
فهذه الوصية اشتملت على توجيهات صحية وأخرى علمية وأخرى أخلاقية
تبعاً لنظرة الإسلام إلى المكونات الثلاثة: الجسم، والعقل، والروح.
* المثال الرابع: حضور الثقافة الدينية بقوة في المراحل الأساسية للتعليم،
ثم في المراحل التالية، وشعار ذلك: البداية التي كان سيبدأ بها الطفل بعد تعلم
القراءة والكتابة، وهي حفظ القرآن الكريم، يقول ابن خلدون: تعليم الولدان القرآن
الكريم شعار من شعائر الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أقطارهم،
لِمَا يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده بسبب آيات القرآن ومتون
الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من
الملكات [٤] .
ورغم أن العلوم التي كانت تدرس في المدارس والجامعات الإسلامية لم تكن
جميعاً علوماً دينية، ولكن المبدأ السائد كان هو البدء بهذه العلوم الدينية وإتقانها قبل
التخصص في غيرها، لأنها قاسم مشترك يحتاج إليها كل طالب كيفما كان
التخصص الذي سيختاره فيما بعد؛ يقول عمر بن عتبة لمعلم ولده: ليكن أول
إصلاحك لولدي إصلاحُك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بك، فالحسن عندهم ما
صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علمهم كتاب الله، ولا تُمِلّهم فيه فيتركوه، ولا
تتركهم منه فيهجروه، وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم
من علم إلى علم حتى يُحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم، وعلمهم
سنن الحكماء وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني فقد اتكلتُ على كفاية
منك [٥] .
* المثال الخامس: هو ارتباط العلم بالمسجد، وما يرمز إليه المسجد من
علاقة بين العلم والعمل، والإيمان والطاعة، ورغم أن الكتاتيب والمدارس قد
أنشئت فيما بعد مستقلة عن المساجد، ولكن المسجد بقي محور الدراسة، فكانت
المدارس ملحقة به، وإذا كانت كبيرة كانت تضم المسجد ضمن مرافقها، وكان
جزءٌ من وقت العالِم وطلابه يمضى في المسجد.
* المثال السادس: هو الرحلة في طلب العلم [٦] ، فقد كانت الرحلة بدوافعها
وآدابها تأكيداً للعلاقة بين العلم والخلق، وذلك لأن الطلاب لم يكونوا يَقنعون بأخذ
العلم من الكتب والصحف، فكانوا يرحلون لملاقاة الشيوخ، حتى يأخذوا عنهم العلم
والخلق، ويستفيدوا منهم العلوم النظرية بالقراءة عليهم، والأخلاق العملية
بالاحتكاك بهم ومجالستهم والاستماع إلى نصائحهم وتوجيهاتهم، كما كان العلماء
يدركون هذه المهمة المزدوجة، ولم يكونوا يرون أنفسهم حملة أسفار وعلوم فقط.
هذه أمثلة لقوة العلاقة التي كانت تصل بين العلم والخلق في الفكر التربوي
للمسلمين.
وبما أن طرفي العلاقة هما الأستاذ والتلميذ؛ سنأخذ كلاً منهما نموذجاً نرى من
خلاله كم كان حجم هذه العلاقة بارزاً عند علماء المسلمين.
الأستاذ:
١- النية التي تقف وراء طلب العلم والاشتغال بالتدريس: لقد كثر التأكيد
على الإخلاص لله (تعالى) عند تحصيل العلم وتبليغه حتى لا يفقد الأخلاق التي
تكون معه ومنها: العزة، والاستعلاء بالإيمان، وقول الحق، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وحتى يكون طلب العلم لله وتبليغه لله: لابد أن يتخلق العالم
بالزهد والقناعة والأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، فالعالم إذا استولت عليه الأفكار
المادية انعكس ذلك على عطائه العلمي، وانصرف عقله إلى التملك والاستهلاك،
وصار اشتغاله بالعلم حرفة جافة هدفها الأجرة التي يحصل عليها آخر الشهر، ولم
يكن المقصود عندهم بالإخلاص لله عند تحصيل العلم وعند التصدر لتدريسه ألا
يأخذ شيئاً يستعين به على الدراسة أثناء الطلب أو يأخذ كفايته وكفاية عياله أثناء
التدريس، بل كانت المنح وكانت الأجور، ولكنها لم تكن هي الدافع الأول وراء
الحركة العلمية، ولم تكن هي سبب تلك التضحيات التي بذلها الطلاب في دراستهم
وذلك الإخلاص الذي عرف به الشيوخ في عملهم.
٢- الأخلاق العامة التي يمشي بها الأستاذ بين الناس: يقول بدر الدين بن
جماعة: أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام: كإقامة الصلاة في
المساجد، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والصبر على الأذى بسبب ذلك..، ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز
منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها، فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في
الأحكام، وهم حجة الله على العوام، وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا يُنظرون،
ويقتدي بهم من لا يعلمون، وإذا لم ينتفع العالم بعلمه، فغيره أبعد عن الانتفاع به.
وأن يعامل الناس بمكارم الأخلاق من: طلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وكظم
الغيظ، وكف الأذى عن الناس واحتماله منهم.. [٧] .
٣- الأخلاق الخاصة بمعاملة الطلاب والتلاميذ: يقول الغزالي عن هذه
المعاملة: ثم على المعلم أن يشفق على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، وألا
يدع من نصح المتعلم شيئاً، وأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها، ثم ينبهه
أن الغرض من طلبه العلم الثقافة والقرب من الله دون الرياسة والمباهاة والمنافسة
وأن يهتم بأخلاق التلاميذ اهتمامه بعقولهم، وأن يزجرهم عن سوء الأخلاق بطريق
التعريض ما أمكن، وألا يصرح بالزجر إلا عند الضرورة.
وعلى المدرس أن يربي في تلميذه ملكة الاجتهاد والنظر لا مجرد التقليد
والتسليم حتى ينشأ مستقلاً لا نسخة من معلمه [٨] .
ومن الأخلاق التي تضبط هذه العلاقة إذا كان التلاميذ كثرة: العدل بينهم؛
والعدل من أصول الأخلاق، وبه جاءت الشريعة الإسلامية، ولذلك نهت عن كل
صور الظلم، فتعميم التعليم من العدل ولكن منعه ممن لا يستحقه كبذله لمن يستحقه، والمساواة بين التلاميذ عند تعليمه وعدم التفريق بينهم في ذلك من العدل، وإذا
منح الأستاذ لأحد الطلاب عناية خاصة فلأجل تفوقه ونبوغه لا لماله وقرابته.
٤- الأخلاق المتعلقة بالهيئة عند التدريس: وقبل أن يلتفت علماء التربية إلى
أهمية الهندام في العمل التربوي ذكره علماؤنا ضمن أخلاق العالم عند التدريس؛
يقول ابن جماعة: إذا عزم العالم على مجلس التدريس تطهر من الحدث والخبث،
وتنظف وتطيب، ولبس من أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه، قاصداً بذلك
تعظيم العلم وتبجيل الشريعة [٩] .
ونلاحظ في هذا النص المرونة في أمر اللباس تبعاً لاختلاف العصور والبلدان، لكن الهيبة والنظافة والجمال تبقى مميزات ثلاث لأنواع اللباس التي لبسها العلماء
في مجالسهم التعليمية.
ولا يخفى أن أنظار التلاميذ تتجه إلى الأستاذ ساعة أو أكثر، فيجب أن تقع
أنظارهم على شيء مستحسن، فإن ذلك أيضاً من الخلق الذي يأخذونه عنه.
وأما هيئة التدريس: فقد عددوا لها أخلاقاً، منها: السكينة، والوقار،
والتواضع، والافتتاح بالحمد لله والختم بذكره، وتفويض العلم له بأن يقول: هذا،
والله أعلم.
وأما الكلام الذي يتكلم به أثناء الدرس: فقالوا: عليه أن ينزه لسانه عن كثرة
المزاح والضحك فإن من مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عُرف به، وأن
يتجنب الكلام الفاحش، فإن اضطر لاستعمال كلمة يُسْتَحْيى منها ففي الكناية ما يغني
عن التصريح إلا أن يكون التصريح لازماً للتوضيح.
ومن الأخلاق العلمية التي سبق علماؤنا إلى التأكيد عليها: الالتزام بموضوع
الدرس، واستيفاؤه شرحاً، وقد اتخذوا موقفاً وسطاً بين من لا يقبل أي استطراد
وبين من لا يتقيد بموضوع أو مقرر؛ يقول ابن جماعة: وكان بعض العلماء
والزهاد يختم الدروس بدرس رقائق يفيد به الحاضرين تطهير الباطن، ونحو ذلك
من: عظة، ورقة، وزهد، وصبر [١٠] .
ومعنى هذا: أن الأستاذ إذا استوفى الدرس حقه لا بأس أن يفيد الطلاب
بفوائد أخرى يرى أن غيره لا يفيدهم بها خصوصاً في هذا المجال الأخلاقي،
ويزيد ابن جماعة شرطاً آخر فيقول: فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدروس
شرط اتبعه، ولا يُخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البناية، ووقفت من أجله وهذا
بتعبيرنا المعاصر هو احترام المقررات العامة للمؤسسة.
٥- أخلاق السؤال والإجابة: وكلام علمائنا في هذه النقطة يدور حول الرفق
والتلطف: فإذا فرغ الشيخ من شرح درس، فلا بأس أن يطرح مسائل تتعلق به
على الطلبة؛ يمتحن بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم، فمن ظهر استحكام فهمه له
بتكرار الإجابة في جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف له في إعادته له [١١] .
هذا الخلق هو الذي يحبب للطلاب المراجعة؛ لأنه يسألهم ويمتحن استيعابهم
برفق ودون إحراج، وإذا سألوه أجاب بما يعلم، وقال فيما لا يعلم: لا أعلم، بل
إن كلام علمائنا عن الرفق يمتد إلى العقوبة الحسية والمعنوية التي قد يلجأ إليها
الأستاذ لتنفير الطلاب من التهاون والتقصير.
والملاحظ أن علماءنا كانوا يفضلون التعزيز الإيجابي على التعزيز
السلبي [١٢] قبل أن تقول به المدارس المعاصرة؛ فهم يفضلون الثناء على الطالب المجد بين أقرانه ليكون لهم قدوة، على معاقبة المقصر ليكون لهم عبرة، وإذا أُلْجِئوا إلى العقوبة يجعلونها آخر الدواء، ولذلك ذكروا مراتب ستّاً للتعزيز السلبي:
الأولى: عفو الأستاذ إذا كان الخطأ أول مرة.
الثانية: النصح.
الثالثة: العقاب الخفيف.
الرابعة: العقاب الشديد.
الخامسة: العقوبة البدنية من غير شدة بعيداً عن التشفي والانتقام.
٦- الأخلاق المتعلقة بالموضوع المدروس: على العالم أن يحفظ درسه من
الموضوعات التي تخدش الحياء، وتشجع على المجون والخلاعة؛ ولذلك كانت
مدارس المسلمين خالية من دراسة الأدب المكشوف والفن الهابط، وكانت
موضوعات الدراسة نظيفة، لأنها منتقاة، وهذا ما يسمى اليوم بتطهير المعلومات،
وهو إحدى المهام الثلاثة للمدرسة، أما الثانية: فهي تنظيم هذه المعلومات، والثالثة: تبسيطها.
التلميذ:
١- يعتبر علماؤنا أن حسن الخلق أساس النبوغ في العلم، ولذلك: فإنهم
عندما يلحون على ربط العلم بالأخلاق لا يقصدون آثارها في حياة الطالب بعد
الدراسة فقط، بل يقصدون آثارها في حياته أثناء الدراسة نفسها، وفي المجال
العلمي الذي هو بصدده، ورغم أن العلاقة بين جودة التحصيل وقوة الذاكرة وبين
الاستقامة على الدين والتمسك بمكارم الأخلاق: علاقة خفية، فإن العلماء والمربين
المسلمين تنبهوا إليها؛ يقول أبو حامد الغزالي: على الطالب أن يكون طاهر النفس
عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، فطهارة النفس وحسن الأخلاق أساس النبوغ
في العلم، وربما حصل سيئ الأخلاق على العلم، غير أنه لن ينتفع به ولن ينفع به، فكأنه لم يحصله [١٣] .
٢- وبعد أن أكدوا على علاقة الأخلاق بحسن الاستفادة والانتفاع بالعلم،
جعلوا طلب العلم نفسه خُلقاً، وتكلموا عن الهمة العالية وعن الجد في الطلب حتى
يصير العلم هواية وسلوة، وعندما يصير كذلك يصعب التحول عنه إلى غيره.
٣- ويعينه على بلوغ هذه المرتبة خلق آخر هو التواضع، فمهما بلغ علمه لا
يغتر به ولا يخرجه إلى ساحة الإعجاب بالنفس، فلا زال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
٤- كما يعينه أيضاً انشغاله عن عيوب الناس، وانصرافه إلى عيب نفسه وما
تعانيه من نقص في العلم وتقصير في العمل، وإذا ترك الناس وأقبل على نفسه
يُكملها بالعلم والخلق تعود على استغلال الوقت وحسن استثماره.
٥- وبما أن الطالب في السابق كان هو الذي يختار شيوخه: كثرت الوصية
باختيار أهل العلم والورع، فإذا اختار الأعلم والأتقى فليلازمه بالصبر والتواضع
والاحترام.
٦- أما علاقة التلميذ بالتلميذ: فكانت تحكمها أخلاق الأخوة في الإسلام من
المحبة في الباطن والتعاون في الظاهر، يصاحب المجد التقي ويجتنب الكسلان
والشرير، وإذا ابتلي برفيق سوء تلطف حتى يتخلص منه.