كلمة صغيرة
معاً على الطريق
إنّ معايير قياس نجاح أي مطبوعة إعلامية متعددة، ولعل من أبرزها:
قدرتها على الوصول إلى قلب القارئ وعقله بمعالجتها لهمومه وقضاياه بمنهجية
علمية رزينة، ونحسب أننا في (البيان) نحرص على ذلك حرصاً شديداً، وقد نوفق
حيناً، ونقصر حيناً.. ويسعدنا في هذا العدد التطويري أن نواصل تقديم العديد من
الأبواب المتنوعة، فتجد: الدراسات الشرعية، والبحوث التربوية، والدراسات
الاقتصادية، وواقع المسلمين، والدراسات الدعوية، والكتابات الأدبية، والهموم
الثقافية ... وليس ذلك لإشباع ميول ورغبات جميع القراء فقط، ولكن: لبناء
المسلم الصحيحة عقيدته، المتكامل فكره، الواعي لواقعه، الفاهم لرسالته،
المنطلق من التأصيل الشرعي في مواقفه..
نقدم كل ذلك في إخراج جديد نحسبه متناسباً مع الحس الجمالي للمسلم. إننا
إذ نضع بين أيديكم باكورة هذا الإخراج نؤكد على أن نجاحنا مسؤوليتكم ومسؤوليتنا
جميعاً، فتواصلكم معنا يسمعنا صدى نبضنا، كما أن تواصل إخواننا الكتاب كل في
تخصصه يشعرنا بتكاتف الجهود من أجل أداء رسالة الدعوة والتوجيه والتبصير من
خلال نافذة (البيان) .. والله من وراء القصد..
стр. 1963
افتتاحية العدد
هل للإرهاب ملة ؟ !
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..
فلقد عاشت كثير من المجتمعات العربية والإسلامية بعد الاستقلال تحت حكم
بعض الزمر العسكرية أو تحت إمرة بعض الأحزاب ذات الأيديولوجيات المشبوهة
ممن هم ثمرة مرة لمرحلة الاستعمار البغيض، فحكموا دولهم بالحديد والنار،
وكانوا نماذج رديئة لوأد الفكر النزيه وللعداء للدين وتغريب المجتمعات. وحينما
قيض الله للأمة الإسلامية الصحوة التي أعادت الناس إلى ربهم وجددت إيمانهم
برسالتهم الخاتمة واستجيشت الروح الإيمانية في الشعوب؛ فأعطت خيارها
لأصحاب المبادئ الإسلامية، نتج عن ذلك أن زلزلت قواعد العملاء، وأقض
مضاجع سادتهم، حتى هدد الرئيس الفرنسي السابق متران بالتدخل العسكري في
حالة تسلم الإسلاميين للحكم في الجزائر، مما هو معروف للجميع وكان الأتباع
الفرانكفون أوفياء لسادتهم؛ فأجهضوا واحدة من أنزه الانتخابات المعدودة في العالم
العربي، وما زال المجتمع الجزائري يعيش في دوامة العنف والعنف المضاد نتيجة
سرقة خيار ذلك الشعب المجاهد، ويبدو أن موقف تلك الطغمة العسكرية صار ديدنا
لكل سلطة حاكمة بأمرها حيال أي عمل نزيه، والوقوف بكل صفاقة ضد كل توجه
إسلامي، مع اختراعهم لإيقافه مؤامرات موهومة ودعاوى ما أنزل الله بها من
سلطان؛ لإيقاف المد الإيماني وإسقاط مشروعيته بدعاوى الإرهاب والتطرف وما
شابهها، وهذا في نظرنا أمر طبيعي ما دامت شريعة الله معطلة وأحكامها غير نافذة، والقضاة يحكمون بقوانين أجنبية مستوردة في محاكم استثنائية عسكرية تصدر
أحكاماً نهائية مفصلة حسب رغبة القوم وتوجهاتهم المعروفة، ولهذا: شن الإعلام
المؤمم والأقلام المشتراة وكتّاب الفنادق ما يثير المطاعن بدون وجه حق ضد
الإسلاميين، ويشكك حتى في نواياهم.
وما ذلك إلا ترديد أبله وتقليد أعمى إن لم نقل منقول عما تردده وسائل الإعلام
الأجنبية ضد الإسلام حيث يقولون: إنه العدو الوحيد بعد سقوط الشيوعية البائدة.
لقد أثار الغربيون بوسائل شتى ذلك الموقف ضد الإسلام، وأعدوا الخطط
ليجعلوا من الإسلاميين دعاة الإرهاب في العالم كما حصل في تفجير (مركز التجارة
الدولية) ، ولا يزال يتذكر المتابعون لذلك الحدث الجلل أن المحامين بينوا أن وراء
تلك الجريمة أيد خفية من ضمنها شخصية يهودية عُتّم عليها، ولم يعد لها ذكر،
ويبدو أن ذلك يثير شبهات تواطؤ المخابرات الأمريكية باستعمال أيادٍ مشبوهة
للشهادة ضد المتهمين.
وهذا ما أعلنه أحد هؤلاء العملاء الذي أعلن فيما بعد: أنه كان كاذباً في معظم
شهادته، ولا شك أن ما بني على باطل، فهو باطل، ومع كل ذلك فقد شوهت
سيرة كثير من الإسلاميين الذين زج بأسمائهم بشهادة عميل ضائع المروءة فاقد
الضمير.
أما الحادث الأخير وهو تفجير المبنى الفيدرالي في (أوكلاهوما) ، فقد كانت
ردود الأفعال المتعجلة حياله نتيجة طبيعية للحرب المجنونة ضد الإسلام وأهله
ووصمهم كذباً وزوراً بالتطرف والإرهاب، فقد اتهم الإسلاميون بأنهم وراءه - بعد
حدوثه بساعات معدودة - ولم يكن صدر بعد أي بيان رسمي بالإدانة، فوجدنا مثل
نائب أوكلاهوما السابق، والنائب الديموقراطي الحالي ديف مكيروي يصرح في
حديث لقناة ال (سي إن إن) الإخبارية: أن الاحتمال الأكبر هو أن المشتبه بهم من
الراديكاليين الإسلاميين! وضربت على هذا الوتر فعاليات أمنية وإعلامية أمريكية،
مما أدى إلى حرب قذرة ضد المسلمين في أمريكا، جعلتهم يعيشون أياماً قلقة حزينة
نالوا فيها من المضايقة والإرهاب الكثير وبخاصة في المدارس والمراكز الإسلامية
والتهديدات بالهواتف، الأمر الذي جعل الكثيرين يقبعون في بيوتهم خوفاً من ردود
الأفعال التي صنعها الإعلام المعادي.. ثم يأبى الله إلا أن تظهر الحقيقة بعد أيام
معدودات، فإذا بالمجرم الحقيقي إنما هو أصولي نصراني أمريكي، فجّر ذلك
المبنى في ذكرى إحراق جماعة (ديفيد قورش) الأصولية المتطرفة، التي انتحرت
مع زعيمها حرقاً حينما حاصرهم البوليس الفيدرالي في العام قبل الماضي، هذه
الجماعة وغيرها كثير: هي عينات من التطرف والإرهاب الموجود في الغرب،
وهي محسوبة سياسيّاً على اليمين الأمريكي العنصري. والتي لها ميلشياتها
العسكرية، والتي تعلن نازيتها وعنصريتها على رؤوس الأشهاد.
وهناك أيضاً تطرف شرقي، هو ما فعلته جماعة (أوم) اليابانية، الذين ثبت
تواطؤهم بإلقاء غاز السارين السام في أنفاق مترو طوكيو، وأدى إلى وفاة واختناق
الكثيرين، وتداعياته اللاحقة ما تزال حديث الساعة، فما بالك بتطرف وإرهاب
الصرب في حربهم الضروس ضد مسلمي البوسنة، وتطرف وإرهاب السيخ
والهندوس ضد مسلمي الهند وكشمير، وتطرف وإرهاب أعداء المسلمين في كل من
(طاجيكستان) و (الفلبين) و (الشيشان) و (بورما) والتطرف الصهيوني في فلسطين
المحتلة المدعوم من الغرب والشرق معاً. وغير ذلك كثير.
لم يكن الإسلام في يوم من الأيام لا قديماً ولا حديثاً دين إرهاب، بل حتى في
الحروب: كان يأمر بالرفق وعدم قتل النساء والشيوخ والأطفال والرهبان ممن لا
يد له في قتال المسلمين وإيذائهم، وهذا ما تطرقت له باستفاضة كتب الحديث والفقه
في أبواب الجهاد مع حث الإسلام على العدالة مع الناس حتى عند الاختلاف معهم
في الدين [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ
أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [الممتحنة: ٨] ؛ يقول العلامة
ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية: أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة
بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم حيث كانوا بحال: لم ينصبوا
لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم
في هذه الحال لا محذور فيها ولا تبعة.
فكيف يُزْعَمُ أن الإسلام يدعو إلى مثل تلك الأعمال الإرهابية التي تتنافى
والروح الإسلامية المشبعة بالقسط والعدل والرحمة.
وبمناسبة عقد (مؤتمر الأمم المتحدة التاسع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين)
الأخير؛ يحق لنا في هذا المقام أن نتساءل: ترى ماذا سيناقش هذا المؤتمر؟ ، وما
هي توصياته [*] ؟ وهل سيبحث حقيقة الإجرام والمجرمين فعلاً، ومنهم المجرمون
الحقيقيون الذين لم تأخذهم بالمؤمنين أي رحمة؟ أين محاكمة قادة الإجرام العالمي
الذين أرهبوا ونكلوا بالشعوب الإسلامية في فلسطين والبوسنة والهرسك والشيشان
مثلاً وانتهكوا الدين والحرمات، وضربوا بقرارات الأمم المتحدة عرض
الحائط؟ .. هل سيدانون ويحاكمون على الملأ ليعرف الجميع جرائمهم، كما حوكم وأدين مجرمو الحرب العالمية الثانية، ويكلف البوليس الدولي بالقبض عليهم في أقرب فرصة. أم إن المسألة ليست سوى مجرد جعجعات معروفة، وستوظف لمصالح معينة، وسيكون الضحية والمدانون دائماً هم المسلمين وبخاصة الدعاة منهم الذين يطاردون تحت ستار محاربة الإرهاب والتطرف؟ ، وهذا هو المتوقع، وما علمنا في مؤتمرات هيئة الأمم إلا تأكيداً لهيمنة الدول الكبرى على دول العالم الإسلامي، وإطلاقاً لأيدي الدول البوليسية في محاربة شعوبها مما نلمسه في واقع كثير من الدول العربية.
إن مما ينبغي أن يفطن له وأن يعيه كل الناس: أن الإرهاب الحقيقي إنما هو
إرهاب الشعوب في أن تدين لربها، وإرهابها من أن تدعو لتحكيم شريعته،
وإرهابها من أن تدلي برأيها فيما يراد لها من تغريب لمجتمعاتها، ومحاولة تركيعها
قسراً لأعدائها، وإرهابها في أن تعلن هويتها الإسلامية، بل وحتى التدخل
الخارجي في كثير من دول العالم الثالث كما حصل من قبل بعض الدول الكبرى هو
إرهاب بمعنى الكلمة. فإلى متى يلمز الإسلاميون بالإرهاب، والإرهابيون حقّاً
غيرهم؟ !
[وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ]
стр. 1964
دراسات تربوية قرآنية
الأسباب الواقية من لبس الحق
الحلقة الأخيرة
بقلم:عبد العزيز بن ناصر الجليل
بعد أن تبين لنا خطورة لبس الحق بالباطل من خلال الصور التي أوردناها
في السابق، وما ينتج عنها من الضلال والانحراف الذي يورث العواقب الوخيمة
في الدنيا والآخرة، بعد ذلك: يحق لنا بل يجب علينا أن نسأل: كيف النجاة من
ذلك الخطر؟ وما هي الأسباب الواقية منه؟ وللإجابة على ذلك: نستعرض أسباب
التباس الحق بالباطل؛ فمنها ينطلق العلاج، وبضدها تتميز الأشياء.
فقد مر بنا أن تلك الأسباب لا تخرج عن ثلاثة أمور:
١- شبهة تسببت في أخذ الباطل على أنه الحق، وأصل هذا: الجهل.
٢- شهوة تسببت في أخذ الباطل وترك الحق عن شهوة وضعف واعتراف
بالخطأ.
٣- شهوة وشبهة نتج عنهما أخذ الباطل وإظهاره في صورة حق عن هوى
ومغالطة استناداً إلى شبهة يعلم صاحبها أنها لا تصلح للاستدلال.
وبعد هذه المقدمة التي لابد منها بين يدي الأسباب الواقية من اللبس والتلبيس. يمكن تفصيل وبيان الأسباب الواقية من لبس الحق بالباطل فيما يلي:
١- علم وبصيرة بدين الله وشرعه، وعلم وبصيرة بما يضاد دين
الله (سبحانه) وشرعه؛ فإذا تحقق هذا الأمر: فإن الاستبانة لسبيل المؤمنين وسبيل
المجرمين قد تحققت، وبهذا: فلا مجال للشبهة هنا أبداً؛ لانتفاء الجهل الذي منه
تنتج الشبهات المؤدية إلى اللبس والتلبيس، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم (رحمه
الله تعالى) : فتنة الشبهات تُدفع باليقين، وفتنة الشهوات تُدفعُ بالصبر، ولذلك جعل
(سبحانه) إمامة الدّين مَنوطةً بهذين الأمرين، فقال: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] ، فدلّ على أنه بالصبر
واليقين تُنالُ الإمامة في الدين، وجمع بينهما أيضاً في قوله: [إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ٣] ، فتواصوا
بالحق الذي يَدْفَعُ الشبهات، وبالصبر الذي يَكُفّ عن الشهوات [١] .
٢- الصبر وتقوى الله :
فبالصبر وتقوى الله (سبحانه) تدفع الشهوة وينتصر الإنسان على هواه؛ لأنه
قد يحصل للإنسان البصيرة والعلم بدين الله ، ويتبين له الحق من
الباطل، ولكن إذا لم يكن لديه الصبر عن شهوات النفس، والتقوى التي تحجزه
عن مخالفة الصواب: فإنه يضعف ويقع في المخالفة مع علمه بذلك، أما إذا اجتمع
العلم والبصيرة مع التقوى والديانة فإنه إذا بان الحق ولاح: لم يكن أمام من هذه
صفته إلا الإذعان والتسليم والانقياد، وذلك لانتفاء الشبهة والشهوة في حقه، وإلى
هذا أشار ابن القيم في النقل السابق بقوله: إن فتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة
الشهوات تدفع بالصبر ولكن إذا ضعف الصبر والتقوى، ووجدت الغفلة عن الآخرة، وتنوسِيَ الوقوف بين يدي الله ، وصاحب ذلك شيطان يزين، ودنيا
تتعرض بفتنها: فالغالب عدم السلامة. ولكن المخالف للحق هنا: إما أن يكون لديه
بقية تقوى وخوف من الله فيعترف بذنبه، ويستغفر منه ويتوب، أو
يكون (عياذاً بالله) قد رقّ دينه وسيطر عليه هواه فأخذ يلتمس مبرراً لباطله،
ويبحث هنا وهناك عن شبهة يظهر بها باطله ومخالفته في قالب الحق والموافقة
لدين الله، وهذا هو الخداع والتلبيس، ولا علاج له إلا بتقوى الله (سبحانه) ،
واليقين بالرجوع إليه.
نعم.. إنه لا يمنع من الوقوع في الباطل بعد العلم والبصيرة، ولا يمنع من
تلبيسه على الناس إلا الإيمان باليوم الآخر إيماناً جازماً ويقيناً صادقاً، وإن لم يتذكر
العبد هذا اليوم ويحسب له حسابه: فلن يفيده في ذلك العلم والبصيرة؛ فكم من عالم
بالحق تنكب عنه وخالفه، أما إذا انضم إلى العلم والبصيرة: الصبر والتقوى
والخوف من الحساب يوم القيامة، فإن الشهوة ستنقمع وإن الهوى سيُغلب، وعندها: يختفي اللبس والتلبيس والخداع والمغالطة في دين الله ؛ يقول الإمام
ابن القيم ﵀ في معرض رده على المحتالين على شرع الله بالحيل الباطلة:
فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكَاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر
والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكراً وخديعة من الأقوال
والأفعال. [٢] .
ويقول سيد قطب ﵀ في ظلال قوله (تعالى) : [وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ
لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [الأعراف: ١٦٩] :
نعم.. إنها الدار الآخرة! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي
يرجح الكفة، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العَرَض الأدنى القريب في هذه
الدنيا.. نعم، إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها [٣] .
أسباب أخرى مساعدة:
وبعد ذكر السببين الرئيسين للوقاية من اللبس والتلبيس، وهما: البصيرة في
الدين الذي تدفع به الشبهة، والصبر والتقوى اللذان تدفع بهما الشهوة: نذكر فيما
يلي بعض الأسباب المساعدة لتثبيت السببين السابقين:
٣- محاسبة النفس ومجاهدتها وتحصينها بالذكر والدعاء والعمل الصالح:
حيث لابد للمسلم من محاسبة دائمة للنفس، ومجاهدة لها في تطويعها لشرع
الله والحذر من الشيطان الذي لا يفتأ يوسوس ويزين لها الباطل، فإن لم
يتفقد كل منا نفسه، ويسد على الشيطان مداخله المتعددة؛ فإن النفس تكون على
خطر أن تنساق مع شهواتها وهواها، فيحصل من جراء ذلك: اللبس والتلبيس
والتضليل والمغالطة، إما بعلم أو بجهل، وإن مما يؤكد أهمية المحاسبة الدائمة
واليقظة الشديدة للنفس ما يحصل من كثير منا في يومه أو غده من المغالطات
والمعاذير الكاذبة والتبريرات الغامضة، سواء أكان ذلك مع النفس أو مع الناس،
ولكنها تكثر وتقل حسب التقوى وقوتها أو ضعفها في القلب، مع أنه يوجد من
الدعاة والمصلحين نماذج فريدة في إخلاصها وصدقها وبعدها عن المداهنة والمغالطة
والتلبيس، نسأل الله لهم الثبات، ونسأله (سبحانه) للجميع الصدق في المقاصد
والأقوال والأعمال.
ومن الأسباب القوية التي يُتحصن بها من الشيطان ووساوسه: ذكر الله (عز
وجل) في أحوال اليوم والليلة؛ فكلما كان اللسان رطباً بذكر الله (تعالى) والقلب
يواطؤه في ذلك: كلما كان الشيطان بعيداً ولا يستطيع اقتحام الحصن؛ لأن ذكر الله
(سبحانه) يحرقه ويمنعه من الدخول، ولكن ما إن يغفل العبد عن ذكر الله (تعالى)
حتى يكر مرة أخرى للوسوسة، فهذا دأب الشيطان في كره وفره على القلب، فكلما
ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل وسوس.
ومن الأسباب الواقية من التباس الحق بالباطل: مجاهدة النفس في عمل
الصالحات والإكثار منها من غير إفراط ولا تفريط، كما جاء في الحديث القدسي
الذي منه: وما تقرب إليّ عبدي بأحب مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب
إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر
به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها.. الحديث [٤] فمن كان يسمع
ويبصر ويمشي ويبطش بنور الله وهداه: فإنه لن يخطئ أبداً؛ قال (تعالى) :
[وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩]
وبالضد من ذلك فإن كثرة الذنوب من أسباب الضلال والزيغ؛ قال (تعالى) :
[ ... فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ... ] [الصف: ٥]
٤- مصاحبة أهل العلم والورع:
إن الجليس يتأثر بجليسه وصاحبه، سواءً أكان ذلك في الخير أو الشر، وذلك
عن طريق المؤانسة والمشابهة والقدوة، وعليه: فإن من الأسباب المانعة من
الانحراف ولبس الحق بالباطل: الجلوس مع أهل العلم والتقوى ومصاحبتهم
ومشاورتهم، لأنه بالعلم الذي عندهم تحترق الشبهات، وبالتقوى والورع لديهم
تحترق الشهوات، وبذلك يُسد على الشيطان البابان الرئيسان اللذان يدخل منهما
ليلبس على النفس ويزين لها التلبيس، والعكس بالعكس: ما إن يصاحب المرء
أهل الجهل والجدال ومن لم يؤتوا حظّاً من التقوى والورع إلا ويتأثر بهم وينطبع
بأخلاقهم وتشتبه عليه الأمور لضعف العلم والبصيرة، أو يتعمد ترك الحق وتعميته
على الناس لضعف التقوى والصبر عن الشهوات، وقد روي عن عمر بن الخطاب
﵁ قوله: لولا ثلاث لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد
الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى
أطايب الثمر.
ولعل مما يدخل في هذا السبب: الإكثار من قراءة أخبار أهل العلم والتقوى
والجهاد من أنبياء الله الكرام وصحبهم الأجلاء والتابعين لهم بإحسان؛ ففيهم الأسوة
والقدوة والخير كله.
٥- الحذر من الدنيا، وعدم الركون إليها:
إن من أعظم أسباب الانحراف عن الحق والوقوع في الانحراف والمخالفات:
هذه الدنيا الغرارة؛ فكلما انفتحت على العبد كثرت شبهاتها وانساق مع شهواتها
المختلفة، وعندما يرد ذكر الدنيا فإنه يقصد بها كل ما أشغل عن الآخرة من متعها
المختلفة التي أجملها الله في قوله (سبحانه) [قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ
تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاًتِيَ اللَّهُ
بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] [التوبة: ٢٤] .
والانغماس في الدنيا وترفها وملذاتها ينتج عنه: غفلة عن الآخرة، وتشتت
للذهن والقلب، وإعمال الفكر في الاستزادة منها، والخوف على فواتها.. وهذا
يؤدي إلى قسوة القلب ورقة الدين، ومن هنا: تبدأ النفس في الاستجابة لتزيين
الشيطان، وتثور الشبهات والشهوات في القلب، والذي ينشأ منهما: الكذب،
والتدليس، والتلبيس، والطمع، والجشع.. وبخاصة في مثل عصرنا الذي نعيش
فيه، والذي كثرت فيه المعاملات المحرمة والشبهات، ولا عاصم من أمر الله إلا
من رحم، ولذا: كان الأولى لمن أراد لنفسه السلامة من الدنيا وشبهاتها وشهواتها:
أن يتخفف منها قدر الاستطاعة وأن يرضى منها بالقليل؛ لأن هناك تناسب طردي
وخاصة في زماننا هذا بين كثرة الدنيا وكثرة الوقوع في الشبهات والشهوات
المؤديات إلى التدليس والتلبيس.
٦- النصح للأمة والحذر من عاقبة التلبيس والتدليس عليها:
إن الشعور بواجب النصح للأمة يقتضي من المسلم وبخاصة الداعية إلى الله
أن يبين الحق لأمته، ويعري الباطل ويكشفه لها، ولا يجعله ملتبساً
عليها فتضل؛ لأن الذي يرى أمته تُضلل ويُلَبّس عليها دينها فتعيش في عماية من
أمرها، ثم يتركها وهو يعلم الحق من الباطل إن مَن هذا شأنه: يعتبر خائناً لله
ورسوله وللمؤمنين، وإن الله سائله يوم القيامة عن علمه: فيم عمل به؟، وهذا فيمن رأى التضليل والتلبيس فلم يُحذّر منه ولم يكشفه للناس، فكيف بمن
باشر التلبيس والتضليل بنفسه (عياذاً بالله) ؟ إن هذا بلا شك أكثر خيانة من سابقه،
وإن وزر وضلال من ضلله بتلبيسه هذا سيحمله فوق ظهره يوم القيامة من غير أن
ينقص من أوزار من ضللهم شيء. والحاصل: أن شعور المسلم بإثم وعاقبة
التلبيس أو السكوت عليه: من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع فيه إن كان في
القلب حياة وخوف من الله (سبحانه) والدار الآخرة، لأن من كان في قلبه المحبة
الحقيقية لهذا الدين وأهله: لا يمكن أن يرى التضليل والتلبيس من المفسدين
المنافقين ثم يرضى لنفسه السكوت والوقوف موقف المتفرج، بل لن يقر له قرار
ويهدأ له بال حتى يساهم قدر استطاعته في إبانة سبيل المؤمنين وإسقاط اللافتات
الزائفة عن سبيل المجرمين وتعرية باطلهم وخداعهم كما مر بنا في صور التلبيس،
وعندها: تعرف الأمة من توالي ومن تعادي، وعندها: تتميز الصفوف ويتميز
المؤمن من المنافق، وكل هذا يحتاج إلى تضحيات باهظة، لكنها رخيصة في
سبيل الله لأن نصر الله (جل وعلا) الموعود لا يتم بدونها.
وبعد:
فهذا ما يسره الله في هذه العجالة حول هذا الموضوع المهم الذي
يمس المسلم في عقيدته وأخلاقه ومجتمعه، ولا أزعم أنني أحطت بجوانبه كلها،
ولكن حسبي إثارة هذا الموضوع والتذكير به لعل فضيلة العلماء الكرام والإخوة
الدعاة يكملون ما نقص منه، ويقوّمون ما اعوج منه. وأحب أن أنبه: أن ما ذكرته
من صور التلبيس ذكرته على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، فالصور كثيرة
وكثيرة وبخاصة في زماننا هذا الذي قلّ فيه العلم والورع ونجم فيه الجهل والنفاق.
وفي خاتمة هذه المقالات: أوصي نفسي الأمارة وأوصي إخواني المسلمين:
بأن يتفقد كل منا نفسه، ويبحث عن هذا المرض الخطير فيها فإذا وجدنا شيئاً من
ذلك وسنجد فعلينا التوبة الصادقة من هذا المرض، ولنبادر بقطع جذوره قبل أن
يستفحل، ولا نُسوّف في ذلك أبداً؛ لأن التسويف وطول الأمل من عمل الشيطان
وتلبيسه.
والله أعلم، وصلّ الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1965
مقال
العلاقة بين العلم والخلق
في الفكر التربوي الإسلامي
بقلم: د.محمد عز الدين توفيق
هذا الموضوع من الموضوعات المرتبطة بالتراث التربوي والتعليمي عند
المسلمين، وفي أي تراث لابد أن نجد الجوانب المشتركة ونجد الخصوصيات،
وفي التراث النفسي عند المسلمين وفي تطبيقاته في علم التربية هناك أمور تقنية
ومنهجية تُدرس في إطار علمي محايد، وأمور أخرى تختص بها الحضارة
الإسلامية وتُدرس في إطار المرجعية الفكرية والعقدية لهذه الحضارة وهي الإسلام.
هذه الأمور المشتركة هي الأفكار والآراء التربوية ذات الطابع التقني
والإجرائي، وهذه تخضع للاختبار العلمي التجريبي، فلا يمكن أن نرجع إلى
الوراء؛ فنجمد على آراء تربوية تم تجاوزها علميّاً، ونكون في تمسكنا بها
معتمدين على مجرد انتسابها إلى التراث، فاعتماد المنهج التجريبي لأجل الوصول
إلى أحسن الطرائق وأفضل الأساليب التعليمية منهج إسلامي أصيل، والتخمينات
الذاتية إذا لم تمر بمرحلة التجربة تبقى فروضاً قابلة للصواب والخطأ معاً، وفي
التراث أمثلة لهذه الآراء التربوية التي أصبحت تتمتع بقيمة تاريخية فقط لكنها
متجاوَزة من الناحية العلمية.
لكن الذي يجد امتداده في الحاضر واستمراره في المستقبل: هو تلك القيم التي
تميز حضارتنا رغم التطور الذي عرفته النظريات التربوية في العصر الحاضر،
وهذه القيم يجب التعامل معها بشكل مختلف، فإذا كنا في مجال النظريات نحتكم إلى
المنهج العلمي القائم على وضع الفروض والتحقق منها وفق مراحل مشتركة بين
الباحثين، فإننا في مجال القيم والأخلاق نستلهم مبادئ ديننا ونحتكم إلى العلم الثابت
الذي جاءنا من عند الله.
والعلاقة بين العلم والخلق هي من هذا المجال الثاني، فأخلاقنا متميزة داخل
قاعة الدرس، وفي الشارع، وفي المحكمة، وفي المصنع، وفي الحافلة، وفي كل
مؤسسة من مؤسسات المجتمع.
غير أن استلهام التراث في تحديد العلاقة بين العلم والخلق لا يعني التسليم
بكل ما جاء فيه عنها، فالتراث يُذكر ويُقصد به: كل ما وصل إلينا من الآباء
والأجداد، وهذا معنى عام يشمل الكتاب والسنة، كما يشمل الكتب والمخطوطات
التي ضمت علم المتقدمين وأدبهم وتاريخهم، فإذا استعملنا هذا المعنى العام للتراث
فيجب أن نميز فيه بين الجانب الإلهي والجانب البشري، وذلك حتى تختلف طريقة
تعاملنا مع ما ورد في هذا التراث عن العلاقة التي نحن بصدد دراستها، ففي الوقت
الذي سيكون الوحي أو الكتاب والسنة معياراً ثابتاً تعرض عليه كافة الأخلاق التي
ألح عليها العلماء في مجال العلم والتربية، ستكون اجتهاداتهم في تنزيل هذه
الأخلاق على الواقع محل استفادة واستئناس لاختلاف الظروف والعصور.
إن الحديث عن العلاقة بين العلم والخلق في ظل الحضارة الإسلامية وثيق
الصلة بمشروع التأصيل الإسلامي للعلوم الإنسانية بعامة، هذه العلوم التي ليست
لها صبغة إسلامية، وتحتاج في البيئة الإسلامية إلى وجهة تميزها عن وجهتها
السائدة حالياً في الغرب.
نحن بحاجة إلى ربط الصلة بين آخر ما توصل إليه البحث العلمي في علم
النفس وتطبيقاته في التربية وبين ما يزخر به تراثنا النفسي والتربوي.
إن الإنجازات التي حققها علم التربية الحديث إنجازات لا تنكر، ويكفي أنه
أسس الأساليب التربوية على الدراسة التجريبية والبحوث الميدانية، بعيداً عن
التخمينات النظرية والمعلومات المكتبية، لكن هذه الإنجازات لم تملأ الفراغ الخاص
بالقيم، لأن العلم التجريبي لا يستطيع أن يملأه، وإنما يملؤه الدين أو ما يقوم مقامه
من فلسفات وضعية بالنسبة للعلمانيين.
ولقد تعرضت العلاقة بين العلم والخلق للاضطراب في ظل النظريات
التربوية الغربية، وأحدثت ثنائية التعليم وعلمانيته قطيعة بينهما في الحضارات
الغربية، فأصبحت الأخلاق موضوعاً من موضوعات الدراسة، بينما صارت بقية
العلوم تدرس دراسة تخصصية محضة، واعتبرت الأخلاق مسألة شخصية، وتم
فصل الجوانب المعرفية عن الجوانب الأخلاقية، وأصبحت السياسات التعليمية تهتم
بالجانب التقني والإداري، فالمهم هو تكوين أطر متخصصة لسد حاجات البلد، ولا
يهم الجانب الأخلاقي في هذا التكوين، ونحن نريد أن تعود إلى هذه العلاقة حيويتها، كما كانت في ظل الحضارة الإسلامية، لأن التكوين التقني أو التخصصي العلمي
المعزول عن التربية الأخلاقية لن يعطي الشخصية المنشودة لبناء الأمة وخدمة
أهدافها.
لقد تعلم المسلمون من دينهم: أنه لتحقيق الشخصية الإسلامية المنشودة لابد
من الاهتمام أثناء التربية بالجسم والعقل والروح، ولأجل هذه النظرة المتكاملة لم
يكن العلم نظريّاً فحسب، ومهما تكن قيمة المعلومات التي يحصلها الإنسان فلابد
لصاحب العلم كيفما كان اختصاصه أن يلتزم بالقيم الخلقية التي يفرضها العلم على
أهله.
ونقصد بالعلم هنا: جميع العلوم التي يدرسها الإنسان سواء أكانت دينية
مصدرها الوحي أو دنيوية مصدرها العقل، كما نقصد بالخلق: الجانب الذي يقابل
العلم، وهو يرادف العمل أو التطبيق.
وفي المجال الذي نتحدث عنه هناك ثلاثة أنواع من الأخلاق يُطالبُ بها أهل
العلم:
- أخلاق علمية: يتخلق بها المرء في فترة التعلم والدراسة.
- أخلاق مهنية: يتخلق بها عندما يمارس اختصاصه سواء أكان تعليماً أو
غيره.
- أخلاق اجتماعية: يتخلق بها في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
أمثلة تؤكد العلاقة بين العلم والخلق
في الفكر التربوي الإسلامي:
تكثر الأمثلة التي تجسد اهتمام المسلمين بهذه العلاقة، نذكر بعضها:
* المثال الأول: الوصية التي يوصي بها الأستاذ تلميذه قبل عودته إلى بلده
وجلوسه للتدريس والفتيا، أو ما يمكن تسميته بالتوجيهات التربوية عند التخرج،
وكلها كانت وصايا أخلاقية تحث على الأمانة والتواضع وفعل الخير ونشر العلم
والإخلاص لله، ومما ورد في وصية أبي حنيفة لتلميذه يوسف بن خالد السمتي: إذا
دخلت البصرة واستقبلك الناس وزاروك وعرفوا حقك، فأنزل كل رجل منهم منزلته: أكرم أهل الشرف، وعظم أهل العلم، ووقر الشيوخ، ولاطف الأحداث، وتقرب
من العامة، ودارِ التجار، واصطحب الأخيار، ولا تتهاون بالسلطان، ولا تقولن
من الكلام ما ينكر عليك في ظاهره.. [١] .
* المثال الثاني: الإجازات التي كان يجيز بها العلماء تلاميذهم، وما كانت
تتضمنه من الأمر بتقوى الله ولزوم طاعته والقيام بحق العلم عملاً ونشراً، فمن
العلماء من كان يفصل شروطه التي يجيز على أساسها طلابه ومن سأله الإجازة من
أهل العلم، ومنهم من كان يحيل على شروط العلماء المتعارف عليها، كما أجاز
ابن خلدون لجماعة من علماء مصر أثناء مقامه بها وفيهم الإمام ابن حجر العسقلاني
فكتب في إجازته: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أجزت لهؤلاء
السادة، والعلماء القادة، أهل التحصيل والإفادة والفضل والإجادة، والإبداء في
الكمال والإعادة، جميع ما سألوه ورجوه من الإجازة وأملوه، على شروطه المعتبرة
عند العلماء، وأخبرهم أن مولدي عام اثنين وثلاثين وسبعمئة، والله (تعالى) ينفعنا
وإياهم بالعلم وأهله، ويجعلنا من سالكي سبله، وكتب بذلك عبد الرحمن بن محمد
بن خلدون، منتصف شعبان عام سبعة وتسعين وسبعمئة [٢] .
لقد كان الانتقال من مرحلة التلقي والتلمذة إلى مرحلة التدريس والمشيخة
مرحلة حاسمة لها هيبتها، ولذلك: حفها العلماء بشروط علمية وأخلاقية صارمة.
ورغم أن الإجازات لم تكن في أول الإسلام لقرب العهد بالنبوة، ولشيوع
الأمانة، لكنها ظهرت بعد الابتعاد عن عصر النبوة، وطالت سلسلة الإسناد لضبط
الرواية، والأخذ عن الثقات، والإجازة: عبارة عن إذن يمنحه المجيز لشخص
آخر يسمى مُجازاً، يأذن له فيه أن يروي عنه رواية قرآنية أو أحاديث نبوية أو
أشعاراً أو فقهاً أو لغةً أو غير ذلك، وقد يكون المستجيز طالباً دَرَسَ عند الشيخ
المجيز، وقد لا يكون، لكن يشترط في الإجازة أن يكون المجيز عالماً بما يجيز به، ثقة في دينه وروايته، معروفاً بالعلم، وأن يكون المستجيز من أهل العلم وطلابه
حتى لا يوضع العلم في غير أهله.
* المثال الثالث: موقف الأسرة والآباء من هذه العلاقة، وحرصهم على
استفادة أبنائهم من التعليم: العلم والخلق جميعاً، ويظهر هذا في وصاياهم للمعلم
عند تسليمه الولد، وقد أوصى عبد الملك بن مروان معلم ولده فقال له [٣] : علّمهم
الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم السفلة؛ فإنهم أسوء الناس بدعة، وأقلهم أدباً،
وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا، ويمصوا الماء مصّاً
ولا يعبوه عبّاً، وإذا احتجت أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر، لا يعلم به أحد
من الحاشية فيهونوا عليه.
فهذه الوصية اشتملت على توجيهات صحية وأخرى علمية وأخرى أخلاقية
تبعاً لنظرة الإسلام إلى المكونات الثلاثة: الجسم، والعقل، والروح.
* المثال الرابع: حضور الثقافة الدينية بقوة في المراحل الأساسية للتعليم،
ثم في المراحل التالية، وشعار ذلك: البداية التي كان سيبدأ بها الطفل بعد تعلم
القراءة والكتابة، وهي حفظ القرآن الكريم، يقول ابن خلدون: تعليم الولدان القرآن
الكريم شعار من شعائر الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أقطارهم،
لِمَا يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده بسبب آيات القرآن ومتون
الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من
الملكات [٤] .
ورغم أن العلوم التي كانت تدرس في المدارس والجامعات الإسلامية لم تكن
جميعاً علوماً دينية، ولكن المبدأ السائد كان هو البدء بهذه العلوم الدينية وإتقانها قبل
التخصص في غيرها، لأنها قاسم مشترك يحتاج إليها كل طالب كيفما كان
التخصص الذي سيختاره فيما بعد؛ يقول عمر بن عتبة لمعلم ولده: ليكن أول
إصلاحك لولدي إصلاحُك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بك، فالحسن عندهم ما
صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علمهم كتاب الله، ولا تُمِلّهم فيه فيتركوه، ولا
تتركهم منه فيهجروه، وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم
من علم إلى علم حتى يُحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم، وعلمهم
سنن الحكماء وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني فقد اتكلتُ على كفاية
منك [٥] .
* المثال الخامس: هو ارتباط العلم بالمسجد، وما يرمز إليه المسجد من
علاقة بين العلم والعمل، والإيمان والطاعة، ورغم أن الكتاتيب والمدارس قد
أنشئت فيما بعد مستقلة عن المساجد، ولكن المسجد بقي محور الدراسة، فكانت
المدارس ملحقة به، وإذا كانت كبيرة كانت تضم المسجد ضمن مرافقها، وكان
جزءٌ من وقت العالِم وطلابه يمضى في المسجد.
* المثال السادس: هو الرحلة في طلب العلم [٦] ، فقد كانت الرحلة بدوافعها
وآدابها تأكيداً للعلاقة بين العلم والخلق، وذلك لأن الطلاب لم يكونوا يَقنعون بأخذ
العلم من الكتب والصحف، فكانوا يرحلون لملاقاة الشيوخ، حتى يأخذوا عنهم العلم
والخلق، ويستفيدوا منهم العلوم النظرية بالقراءة عليهم، والأخلاق العملية
بالاحتكاك بهم ومجالستهم والاستماع إلى نصائحهم وتوجيهاتهم، كما كان العلماء
يدركون هذه المهمة المزدوجة، ولم يكونوا يرون أنفسهم حملة أسفار وعلوم فقط.
هذه أمثلة لقوة العلاقة التي كانت تصل بين العلم والخلق في الفكر التربوي
للمسلمين.
وبما أن طرفي العلاقة هما الأستاذ والتلميذ؛ سنأخذ كلاً منهما نموذجاً نرى من
خلاله كم كان حجم هذه العلاقة بارزاً عند علماء المسلمين.
الأستاذ:
١- النية التي تقف وراء طلب العلم والاشتغال بالتدريس: لقد كثر التأكيد
على الإخلاص لله (تعالى) عند تحصيل العلم وتبليغه حتى لا يفقد الأخلاق التي
تكون معه ومنها: العزة، والاستعلاء بالإيمان، وقول الحق، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وحتى يكون طلب العلم لله وتبليغه لله: لابد أن يتخلق العالم
بالزهد والقناعة والأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، فالعالم إذا استولت عليه الأفكار
المادية انعكس ذلك على عطائه العلمي، وانصرف عقله إلى التملك والاستهلاك،
وصار اشتغاله بالعلم حرفة جافة هدفها الأجرة التي يحصل عليها آخر الشهر، ولم
يكن المقصود عندهم بالإخلاص لله عند تحصيل العلم وعند التصدر لتدريسه ألا
يأخذ شيئاً يستعين به على الدراسة أثناء الطلب أو يأخذ كفايته وكفاية عياله أثناء
التدريس، بل كانت المنح وكانت الأجور، ولكنها لم تكن هي الدافع الأول وراء
الحركة العلمية، ولم تكن هي سبب تلك التضحيات التي بذلها الطلاب في دراستهم
وذلك الإخلاص الذي عرف به الشيوخ في عملهم.
٢- الأخلاق العامة التي يمشي بها الأستاذ بين الناس: يقول بدر الدين بن
جماعة: أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام: كإقامة الصلاة في
المساجد، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والصبر على الأذى بسبب ذلك..، ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز
منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها، فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في
الأحكام، وهم حجة الله على العوام، وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا يُنظرون،
ويقتدي بهم من لا يعلمون، وإذا لم ينتفع العالم بعلمه، فغيره أبعد عن الانتفاع به.
وأن يعامل الناس بمكارم الأخلاق من: طلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وكظم
الغيظ، وكف الأذى عن الناس واحتماله منهم.. [٧] .
٣- الأخلاق الخاصة بمعاملة الطلاب والتلاميذ: يقول الغزالي عن هذه
المعاملة: ثم على المعلم أن يشفق على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، وألا
يدع من نصح المتعلم شيئاً، وأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها، ثم ينبهه
أن الغرض من طلبه العلم الثقافة والقرب من الله دون الرياسة والمباهاة والمنافسة
وأن يهتم بأخلاق التلاميذ اهتمامه بعقولهم، وأن يزجرهم عن سوء الأخلاق بطريق
التعريض ما أمكن، وألا يصرح بالزجر إلا عند الضرورة.
وعلى المدرس أن يربي في تلميذه ملكة الاجتهاد والنظر لا مجرد التقليد
والتسليم حتى ينشأ مستقلاً لا نسخة من معلمه [٨] .
ومن الأخلاق التي تضبط هذه العلاقة إذا كان التلاميذ كثرة: العدل بينهم؛
والعدل من أصول الأخلاق، وبه جاءت الشريعة الإسلامية، ولذلك نهت عن كل
صور الظلم، فتعميم التعليم من العدل ولكن منعه ممن لا يستحقه كبذله لمن يستحقه، والمساواة بين التلاميذ عند تعليمه وعدم التفريق بينهم في ذلك من العدل، وإذا
منح الأستاذ لأحد الطلاب عناية خاصة فلأجل تفوقه ونبوغه لا لماله وقرابته.
٤- الأخلاق المتعلقة بالهيئة عند التدريس: وقبل أن يلتفت علماء التربية إلى
أهمية الهندام في العمل التربوي ذكره علماؤنا ضمن أخلاق العالم عند التدريس؛
يقول ابن جماعة: إذا عزم العالم على مجلس التدريس تطهر من الحدث والخبث،
وتنظف وتطيب، ولبس من أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه، قاصداً بذلك
تعظيم العلم وتبجيل الشريعة [٩] .
ونلاحظ في هذا النص المرونة في أمر اللباس تبعاً لاختلاف العصور والبلدان، لكن الهيبة والنظافة والجمال تبقى مميزات ثلاث لأنواع اللباس التي لبسها العلماء
في مجالسهم التعليمية.
ولا يخفى أن أنظار التلاميذ تتجه إلى الأستاذ ساعة أو أكثر، فيجب أن تقع
أنظارهم على شيء مستحسن، فإن ذلك أيضاً من الخلق الذي يأخذونه عنه.
وأما هيئة التدريس: فقد عددوا لها أخلاقاً، منها: السكينة، والوقار،
والتواضع، والافتتاح بالحمد لله والختم بذكره، وتفويض العلم له بأن يقول: هذا،
والله أعلم.
وأما الكلام الذي يتكلم به أثناء الدرس: فقالوا: عليه أن ينزه لسانه عن كثرة
المزاح والضحك فإن من مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عُرف به، وأن
يتجنب الكلام الفاحش، فإن اضطر لاستعمال كلمة يُسْتَحْيى منها ففي الكناية ما يغني
عن التصريح إلا أن يكون التصريح لازماً للتوضيح.
ومن الأخلاق العلمية التي سبق علماؤنا إلى التأكيد عليها: الالتزام بموضوع
الدرس، واستيفاؤه شرحاً، وقد اتخذوا موقفاً وسطاً بين من لا يقبل أي استطراد
وبين من لا يتقيد بموضوع أو مقرر؛ يقول ابن جماعة: وكان بعض العلماء
والزهاد يختم الدروس بدرس رقائق يفيد به الحاضرين تطهير الباطن، ونحو ذلك
من: عظة، ورقة، وزهد، وصبر [١٠] .
ومعنى هذا: أن الأستاذ إذا استوفى الدرس حقه لا بأس أن يفيد الطلاب
بفوائد أخرى يرى أن غيره لا يفيدهم بها خصوصاً في هذا المجال الأخلاقي،
ويزيد ابن جماعة شرطاً آخر فيقول: فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدروس
شرط اتبعه، ولا يُخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البناية، ووقفت من أجله وهذا
بتعبيرنا المعاصر هو احترام المقررات العامة للمؤسسة.
٥- أخلاق السؤال والإجابة: وكلام علمائنا في هذه النقطة يدور حول الرفق
والتلطف: فإذا فرغ الشيخ من شرح درس، فلا بأس أن يطرح مسائل تتعلق به
على الطلبة؛ يمتحن بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم، فمن ظهر استحكام فهمه له
بتكرار الإجابة في جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف له في إعادته له [١١] .
هذا الخلق هو الذي يحبب للطلاب المراجعة؛ لأنه يسألهم ويمتحن استيعابهم
برفق ودون إحراج، وإذا سألوه أجاب بما يعلم، وقال فيما لا يعلم: لا أعلم، بل
إن كلام علمائنا عن الرفق يمتد إلى العقوبة الحسية والمعنوية التي قد يلجأ إليها
الأستاذ لتنفير الطلاب من التهاون والتقصير.
والملاحظ أن علماءنا كانوا يفضلون التعزيز الإيجابي على التعزيز
السلبي [١٢] قبل أن تقول به المدارس المعاصرة؛ فهم يفضلون الثناء على الطالب المجد بين أقرانه ليكون لهم قدوة، على معاقبة المقصر ليكون لهم عبرة، وإذا أُلْجِئوا إلى العقوبة يجعلونها آخر الدواء، ولذلك ذكروا مراتب ستّاً للتعزيز السلبي:
الأولى: عفو الأستاذ إذا كان الخطأ أول مرة.
الثانية: النصح.
الثالثة: العقاب الخفيف.
الرابعة: العقاب الشديد.
الخامسة: العقوبة البدنية من غير شدة بعيداً عن التشفي والانتقام.
٦- الأخلاق المتعلقة بالموضوع المدروس: على العالم أن يحفظ درسه من
الموضوعات التي تخدش الحياء، وتشجع على المجون والخلاعة؛ ولذلك كانت
مدارس المسلمين خالية من دراسة الأدب المكشوف والفن الهابط، وكانت
موضوعات الدراسة نظيفة، لأنها منتقاة، وهذا ما يسمى اليوم بتطهير المعلومات،
وهو إحدى المهام الثلاثة للمدرسة، أما الثانية: فهي تنظيم هذه المعلومات، والثالثة: تبسيطها.
التلميذ:
١- يعتبر علماؤنا أن حسن الخلق أساس النبوغ في العلم، ولذلك: فإنهم
عندما يلحون على ربط العلم بالأخلاق لا يقصدون آثارها في حياة الطالب بعد
الدراسة فقط، بل يقصدون آثارها في حياته أثناء الدراسة نفسها، وفي المجال
العلمي الذي هو بصدده، ورغم أن العلاقة بين جودة التحصيل وقوة الذاكرة وبين
الاستقامة على الدين والتمسك بمكارم الأخلاق: علاقة خفية، فإن العلماء والمربين
المسلمين تنبهوا إليها؛ يقول أبو حامد الغزالي: على الطالب أن يكون طاهر النفس
عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، فطهارة النفس وحسن الأخلاق أساس النبوغ
في العلم، وربما حصل سيئ الأخلاق على العلم، غير أنه لن ينتفع به ولن ينفع به، فكأنه لم يحصله [١٣] .
٢- وبعد أن أكدوا على علاقة الأخلاق بحسن الاستفادة والانتفاع بالعلم،
جعلوا طلب العلم نفسه خُلقاً، وتكلموا عن الهمة العالية وعن الجد في الطلب حتى
يصير العلم هواية وسلوة، وعندما يصير كذلك يصعب التحول عنه إلى غيره.
٣- ويعينه على بلوغ هذه المرتبة خلق آخر هو التواضع، فمهما بلغ علمه لا
يغتر به ولا يخرجه إلى ساحة الإعجاب بالنفس، فلا زال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
٤- كما يعينه أيضاً انشغاله عن عيوب الناس، وانصرافه إلى عيب نفسه وما
تعانيه من نقص في العلم وتقصير في العمل، وإذا ترك الناس وأقبل على نفسه
يُكملها بالعلم والخلق تعود على استغلال الوقت وحسن استثماره.
٥- وبما أن الطالب في السابق كان هو الذي يختار شيوخه: كثرت الوصية
باختيار أهل العلم والورع، فإذا اختار الأعلم والأتقى فليلازمه بالصبر والتواضع
والاحترام.
٦- أما علاقة التلميذ بالتلميذ: فكانت تحكمها أخلاق الأخوة في الإسلام من
المحبة في الباطن والتعاون في الظاهر، يصاحب المجد التقي ويجتنب الكسلان
والشرير، وإذا ابتلي برفيق سوء تلطف حتى يتخلص منه.
стр. 1966
خواطر في الدعوة
الفرصة السانحة
محمد العبدة
إذا كان الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون يرى في سقوط الشيوعية
والاتحاد السوفييتي فرصة سانحة للغرب وبزعامة أمريكا لفرض حضارته وقيمه
وثقافته على الآخرين، فإن المسلمين يرون أنها فرصة سانحة لهم: لنشر إسلامهم
وثقافتهم بين الشعوب التي عانت وتعاني من عجرفة الحضارة الغربية، كما عانت
من كثرة التحولات الفكرية التي أخذتهم يميناً وشمالاً، ولم توفر لهم فرص السعادة
والاطمئنان.
إن الفساد المستشري في الأرض يشبه ما جاء في الحديث: إن الله نظر إلى
أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم [١] .. وإن الإنسانية بحاجة إلى من ينقذها من
أوبائها الاقتصادية، حين أصبح تاريخها كأنما هو تاريخ الأسنان والأضراس [٢]
وإذا كان الرئيس نيكسون بدا منتشياً بسقوط الاتحاد السوفييتي إلا أنه لم تمض
سنوات قليلة حتى ظهر في الغرب من يقول ب (صدام الحضارات) وليس بزعامة
الغرب المطلقة، وظهر من يكتب عن (الهيصة الديموقراطية) [٣] ، وتكلم بعض
الباحثين عن خيانة الرأسمالية الغربية لمبادئها الأولى وكيف تحولت إلى (بورصة) .
إن ما يجري في العالم فرصة للمسلمين لإعادة الشعوب التي خرجت من مظلة
الاتحاد السوفييتي إلى دينها، ونشر الإسلام الصحيح بين صفوفها، وهي شعوب
اشتهرت بقوة الشكيمة، وشدة البأس، وتحتل موقعاً عريضاً من الأرض (من حدود
اليونان إلى بخارى وسمرقند) ، كما أنها فرصة لنشر الإسلام الصحيح بين شعوب
جنوب شرقي آسيا، وهي الآخذة اليوم بأسباب القوة والتقدم الصناعي، وإن
الشعوب الإسلامية على اختلاف أماكنها وألوانها تحمل في داخلها من الصفات
القويمة ما يؤهلها للنهوض، وإن حُرمت من كثير من أسباب العلم والعمل، وكل
هذا بحاجة لجهود جمعيات ومؤسسات، وبحاجة إلى تجديد في وسائل الدعوة سواء
أكان ذلك عن طريق الكتاب، أو المحاضرة، أو الإعلام المرئي والمسموع، وإن
في المسلمين من العلماء والمفكرين من هو قادر على هذا التجديد في وسائل الدعوة، وعرض الإسلام عرضاً بسيطاً واضحاً وقويّاً.
ولعلّ انهيار المذاهب الفكرية المعاصرة يكون تقدمة وتوطئة لانتشار الإسلام
إلى كل حَجَر ومدر، بل هو في الواقع آخذ في الازدياد بكيفية تسترعي النظر،
وقد سمعنا أن مسؤولي السجون في أمريكا يتمنون أن يتحول السجناء إلى الإسلام
ليرتاحوا من المشاكل والمشاغبات، ويسمحون للدعاة في الدخول على السجناء
وإلقاء الدروس والعظات.
أما عن خبر هذه الحملة التي يتولى كبرها الإعلام العالمي والمحلي، وعن
هذا التهويش والتهويل عن خطر الإسلام، ووجوب التصدي له، فإن كل هذا لا
يرعبنا ولا يخيفنا وقد نهى الله المؤمنين عن الوهن لما أصابهم بأحد،
وعن الحزن على مَنْ فُقد، وعلى مذمة الهزيمة، وأنّسهم بأنهم الأعلون أصحاب
العاقبة، والهون: الضعف واللين، ومن كرم الخلق ألا يهين الإنسان في حربه
وخصامه، لا يلين إذا كان محقّاً، وأن يتقصّى جميع مقدرته، ولا يضرع ولو مات، وإنما يحسن اللين في السلم والرضى.. [٤] .
стр. 1967
دراسات دعوية
نحو وعي سُنني
خالد أبو الفتوح
من المآثر المهمة للصحوة الإسلامية المعاصرة: التنبه إلى أهمية الكشف عن
سنن التغيير واستخدامها في الأنفس والمجتمعات؛ فمعرفة هذه السنن (القوانين)
والعمل بها: أمر ضروري لإحداث أي حراك اجتماعي طبيعي في أي مجتمع يعاني
من التخلف أو الركود الحضاري، أو يُراد له تصحيح مسار حركته.
وقد كانت هذه السنن معلومة ومعمولاً بها منذ عهد خير القرون، ثم أخذ
الضمور يصيب الوعي بها شيئاً فشيئاً حتى انتهى الأمر إلى التسليم عمليّاً على
الأقل بأنه ليس ثمة نظام يوجه حركة التاريخ، وفي النهاية وفي غيبة منهج أهل
السنة: ألقي هذا الوعي في سلة عقيدة الجبرية، حيث لا مكان لعمل الأسباب،
وأصبحت هذه الأمة هي أكبر أمة تُتخطف حتى من أحقر الأمم، ولكن.. بوعي
وتخطيط مدروس وفقاً لهذه السنن.
نعم.. كان العلم والعمل بهذه السنن مركوزاً في حركة المجتمع الإسلامي منذ
عهد النبوة، ولكنه كان كبقية العلوم الإسلامية غير مقنن وغير مدون، تماماً كما
كانت أصول فقه الأحكام الشرعية موجودة قبل ظهور أول كتاب مدون في هذا العلم
(الرسالة، للإمام الشافعي) ؛ يظهر ذلك جليّاً لمن تدبر كتاب الله وبخاصة قصص
الأمم السابقة: [أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ ... ] [الروم: ٩] ، وفي قصص الأنبياء؛ فهي لم تذكر لمجرد التلاوة أو السرد القصصي، بل: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ... ] [يوسف: ١١١] ، ويظهر أيضاً في سيرة الرسول ﷺ ومنهجه الرشيد تجاه الأفراد، ثم الطوائف والجماعات، ثم التكتلات والدول، ويظهر كذلك في سلوك الصحابة والسلف الصالح (رضوان الله عليهم) تجاه الأفراد، وفي جهادهم الواعي للأمم الأخرى.
لقد كان الجهاد بمفهومه الشامل باباً واسعاً لفتح آفاق فهم وتطبيق سنن التغيير، ومع البعد عن زمن النبوة: كان هذا الباب ينكمش رويداً رويداً في الفهم، وفي
التطبيق، فرأينا انكماش مفهوم الجهاد إلى القتال، ثم انكماش القتال إلى الدفاع، ثم
تحول الدفاع إلى تعايش سلمي وعلاقات قائمة على مصالح مشتركة مع تغييب قيم
الأمة ومبادئها.. وفي منحى آخر: أصبح مفهوم الجهاد مرادفاً للعنف والاغتيال
السياسي. وصاحب ذلك بالتدرج نفسه غفلة الأمة عن دورها الرائد بين الأمم
باعتبارها أمة شهادة على الناس، وغفلتها عن دورها الرقابي الإصلاحي باعتبارها
خير أمة أخرجت للناس.
أي إننا نستطيع القول: إن المفهوم الصحيح للجهاد شاملاً الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر كان يمثل آلية عفوية للتحرك من خلال سنن التغيير، ولكن
كانت هذه الآلية مركوزة في الوعي الباطن، ولم تظهر في بؤرة الوعي المنظور
كبقية العلوم، إما للانشغال بالعمل بها كما كان في القرون المتقدمة وإما لعدم الانتباه
لأهميتها، كما كان يظهر في عهود الانحدار والانحطاط.
وتأتي مقدمة ابن خلدون كأول محاولة لوضع أسباب رقي وانحطاط الأمم في
بؤرة هذا الوعي المنظور، فجاءت هذه المقدمة لتكون بداية تقنين وتدوين (أصول
فقه التاريخ) ، ولكن.. لماذا لم تستمر هذه البداية لتكون دفعة لتأصيل ونشر الوعي
بهذا العلم؟ لقد كان ابن خلدون نفسه يأمل أن يأتي مِن بعده مَن يتم ما بدأه [١] ،
ولكن لم يتحقق أمل ابن خلدون بالرغم من أن الحركة العلمية بين المسلمين في هذا
الوقت لم تكن سيئة في فروع أخرى من العلم.
كان ابن خلدون عالماً لم يجد أصحاباً يقومون بنشر خلاصة علمه وعصارة
تجربته، ولم يكن هذا الحدث هو الأول من نوعه في تاريخ الحركة العلمية عند
المسلمين، بل سبق أن حدث أكثر من مرة أن ضاعت اجتهادات علماء أفذاذ بسبب
عدم قيام تلاميذهم بالنشاط الكافي لنشر علمهم واجتهاداتهم، ومنهم الإمام الليث الذي
قال عنه الشافعي (رحمهما الله) : الليث أفقه من مالك، ولكن أصحابه لم يقوموا
به [٢] ، ولكن الخطورة في حالة ابن خلدون هي: ارتباط العلم الذي وضع قواعده به، فإنه في حالة الإمام الليث أو غيره كان هناك فقهاء آخرون يقومون بإثراء الاجتهاد في فقه الأحكام الشرعية إذا لم يقم هؤلاء الأصحاب بواجبهم، أما في حالة علم (أصول فقه التاريخ) : فإن تقنينه وتدوينه بدأ وانتهى عند ابن خلدون. والذي يظهر: أن هذا العلم باعتباره يمس أمر الدول والمجتمعات بصفتها التكتلية والتفاعلية كان في حاجة إلى عقل جماعي متحرك للكشف عنه ثم نشره، وإلى وعي اجتماعي للسير وفق سننه وقوانينه ومن ثم: إثراء الاجتهاد فيه [*] ، وإلى قيادة مدركة لأهمية هذه الحركة العلمية وهذا الاتجاه المجتمعي فتقوم بالدعم، وليس بالعرقلة خوفاً من ضياع سلطانها المزيف إذا انتشر الوعي بهذه السنن! ! .
ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وبقيت مقدمة ابن خلدون كلؤلؤة علمية مستقرة
في قاع التراث، يعلم الناس بوجودها، ولكنهم لا يدركون أهميتها فلا يكلفون
أنفسهم عناء الكشف عنها.. إلى أن لمع بريقها بعد قرون من الزمن لرجال من
المشرق، اختلفت مقاصدهم من صيدها، ولكنهم في النهاية أخرجوها وصقولها ثم
عرضوها، لكن.. في إطار مخملي خلف ستار زجاجي، لا يطلع عليها إلا نخبة
المفكرين وصفوة المثقفين! ! فتحولت المقدمة إلى ثقافة باردة ليس لها صدى في
حركة المجتمعات التي هي تستهدفها في الأساس.
ولم يهتم الإسلاميون في بداية أمرهم اهتماماً ذا بال بالمقدمة، إما لانشغالهم
ببيان صحيح الإسلام ومدى المخالفات الحادثة في الواقع، مع عدم إدراكهم إدراكاً
كافياً لسبل تغيير هذا الواقع، وبالتالي: عدم البحث عما يرشد إلى هذه السبل،
فاستقرت جهود معظمهم عند حدود الحركة الوعظية المجردة، وإما الانصراف عنها
نتيجة الانصراف عن صاحبها بسبب كلام عالم مشهور عن بعض تصرفات ابن
خلدون الشخصية، أو نتيجة بعض الثغرات والاجتهادات التي لا يُوافق عليها؛
وهذا الموقف من ابن خلدون ومقدمته: خطأ منهجي؛ فالمقدمة فيها فوائد كثيرة؛
فيجب ألا تهمل من أجل أخطاء أو أقوال غير صحيحة [٣] .
ومن المنطقة نفسها التي خرج منها ابن خلدون، وبعد خمسة قرون، خرج
مفكر منهجي يبين أسباب التخلف الحضاري الذي قبعت الأمة بسببه في ذيل الأمم،
ورضيت بجُثُوم الاستعمار فوق صدرها.
ظهر مالك بن نبي وكأنه صدًى لعلم ابن خلدون يهمس في وعي الأمة بلغة
القرن العشرين، فأظهر أمراض الأمة مع وصف أسباب نهضة المجتمعات،
ووضع الاستعمار تحت المجهر؛ فحلل نفسيته، ورصد أساليبه الخبيثة في السيطرة
على الأمم المستضعفة وبخاصة المسلمين ووضع لهم معادلات وقوانين الإقلاع
الحضاري.. ولكن الأمة لم تقلع حضاريّاً؛ وذلك إما لثقل حجم التخلف بين أفرادها
ومؤسساتها، وإما لضعف المحرّك المقرر أن يقلع بها، وإما لاجتماع السببين
معاً.. ومع ذلك فقد بقيت هذه المعادلات والقوانين نظريات مفيدة للمحرّكِين الذين يهتمون بانطلاق المشروع الحضاري للأمة.
ومع أهمية ما تركه مالك من فكر إلا أنه ظل في أذهان كثير من شباب
الصحوة فكراً مَتْحفيّاً، لا يهتم به إلا المتخصصون من روّاد الفكر الساكن على
الرغم من أنه (نموذج لنظريات الحركة الاجتماعية) ، ولعل من أسباب هذه الفجوة
ما يلي:
١- جفاف أسلوب مالك نظراً لأن معظم كتبه مترجمة عن الفرنسية.
٢- افتقاد كلامه للبعد الشرعي، بل جل فكرة استقاه من النظر والتأمل في
الواقع، والاطلاع على أطروحات بعض المفكرين الغربيين، وذلك نتيجة اختلاط
منابع فكره؛ فظهر فيها بعض الكدر.
٣- وقوعه في بعض الأخطاء الاجتهادية والسقطات السياسية؛ نتيجة السبب
السابق.
٤- وقوع بعض خلاف في وجهات النظر بينه وبين أحد رموز الصحوة.
ومع كل ذلك: فإنه لا سبيل لمنصف إلا أن يضع فكر مالك بن نبي بأسلوبه
الصعب وأخطائه الاجتهادية وسقطاته السياسية كدواء مهم ينبغي على المريض
تناوله رغم مرارة طعمه ورغم آثاره الجانبية [٤] .
ونلاحظ أن أسباب التجافي عن كتابات مالك تقترب من أسباب إهمال علم ابن
خلدون وبخاصة آخر سببين، ولكن مالك كان أوفر حظّاً من ابن خلدون حيث تهيّأ
له أصحاب من المشرق أيضاً يقومون به عنايةً بفكره ونشراً له وتوضيحاً،
فأخرجوا أفكاره في طبعة جديدة مزيدة ومنقحة، احتوت على مستحضرات فكرية
مشتقة من تركيبة مالك الحضارية، ولكن راعوا فيها تحسين طعمها وتخفيف آثارها
الجانبية.
ومع ذلك فقد كان من الملاحظ وجود هوّة بين الأعمال الفكرية التي تهتم
بكشف سنن التغيير وبين النبع الصافي لهذه السنن أعني: القرآن الكريم، ومعه
السنة النبوية الصحيحة واختلفت علاقات هؤلاء الكتّاب بهذا النبع:
١- فمنهم: من حاول الاجتهاد في الاستنباط من هذه النصوص قدر طاقته،
ولكنه اجتهاد غير أصيل؛ لاختلاط روافد فكره، ونتج عن ذلك: عدم كفاية الإقبال
الذي يستحق صاحبه أن تفتح عليه كنوز القرآن والسنة، فندعو الله أن يثيب من
ذلك شأنه على اجتهاده.
٢- ومنهم: من استدل بنصوص الوحي كشواهد لصحة أفكاره الاجتماعية؛
فهذه الأفكار لم تكن بنت الأدلة، ولكن كانت الأفكار سابقة عليها ثم أُتي بالأدلة
معضدة لها.
٣- ومنهم: من أورد أدلة الوحي للالتفاف حول بعض الطيبين لإقناعهم بهذا
الخير من الباب المحبب إليهم المقنع لهم.
٤- ومنهم: من أوردها لمجرد ذر الرماد في العيون حتى لا يتهم بأن هذه
الأفكار اجتهاد شخصي.
٥- ومنهم: من أهمل نصوص الوحي إهمالاً شبه كلي اعتماداً على النظر في
علم الاجتماع، وتدبر تجارب الحركات والأمم، واستنطاق أحداث التاريخ، بل:
والنظر في العلوم الطبيعية والتجريبية لاستخراج سنن التغيير في الأنفس
والمجتمعات.
ولا شك أن هناك مندوحة للنظر في مثل هذه العلوم لاستخراج السنن
والقوانين التي تحكم تغيير النفوس والمجتمعات، بل نرى أن النظر في مثل ما
سبق وبخاصة أحداث التاريخ هو من مقتضى قوله (تعالى) : [ ... أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا
تَعْقِلُونَ] [يوسف: ١٠٩] ،.. وغير ذلك من الآيات التي تحث على دراسة عاقبة
أي: نتائج ومآل أفعال الذين من قبلنا الذين سبقونا تاريخيّاً، بل في الآيات حث
على السير وهو دعوة للدراسة العملية للتاريخ فضلاً عن تذاكر الأخبار.. والحكمة
ضالة المؤمن.
وعندما نستخرج سنن التغيير من النصوص الشرعية، فقد نجد التقاءً في نقاط
تقاطع مع بعض ما يُذكر في هذه العلوم أو غيرها:
فمثلاً: يقول بعض علماء الحضارات: إن شيوع الترف وتفشي الانحراف
الجنسي والتحلل الخلقي سبب لانهيار الحضارات، ونجد ذلك في السنة المستخرجة
من قوله (تعالى) : [وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا
القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] [الإسراء: ١٦] ، فنستطيع أن نضع هذه السنة كالآتي:
ترف + فسق (استفاضة بلاغ+ وعدم استجابة) --< = تدمير وانهيار.
وعند إعمال هذه السنة في أمة المصطفى ﷺ ؛ نجد حديثاً
يبين نوع العقوبة التي يمكن أن تقع على الأمة، وذلك في قوله -صلى الله عليه
وسلم-: سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي
بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل
بأسهم بينهم فمنعنيها [٥] .
وكذلك المبدأ الشهير في السياسة فرّق تَسُدْ: يستخدمه حزب الشيطان لنصرة
الباطل وإضعاف أهل الحق، ويستخدمه حزب الله لنصرة الحق وإضعاف أهل
الباطل، والمتتبع لغزوات الرسول ﷺ وسيرته في مواجهة
قوى الكفر يجد أنه استخدم هذا المبدأ غير مرة، ولكن لنصرة وسيادة دين الله.
وكما أننا نجد نقاط التقاء بين هذه العلوم المستخرجة من نصوص الوحي،
نجد أيضاً نقاط افتراق؛ كما في السنة المستخرجة من قوله (تعالى) : [فَلَمَّا
اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ..] [مريم: ٤٩] ،
وقوله (تعالى) : [وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلاَّ اللَّهَ فَاًوُوا إلَى الكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ
رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً] [الكهف: ١٦] ؛ فاعتزال الشرك
واعتزال أهله بعد البلاغ المبين يترتب عليه هبة وزيادة فضل إلهي.. بينما لا فرق
عند الناظرين في العلوم السابقة نظرةً عقلانية بحتة بين اعتزال الشرك واعتزال
التوحيد! !
فالمقصود: أن هذه العلوم المذكورة وغيرها من العلوم والمعارف: كفقه
الواقع، وفقه الحركة، ومعرفة مقاصد الشريعة، بجوار فقه التاريخ لمعرفة أسباب
قيام وسقوط الدول والحضارات، ودراسة أسباب نجاح وفشل الحركات الاجتماعية
القديمة والحديثة ... كل ذلك يمثل منظومة واحدة يمكن الاستفادة بها في التغيير إذا
أُحسن الاستفادة والتنسيق بينها.
ولكن.. هل مجرد التغيير هو كل ما يهم المسلم؟ ... إن معرفة كل ما سبق
قد يعطي تمكنّاً في قوانين التغيير، وعند استعمال هذه القوانين فقد يتحقق التغيير
والتمكين، ولكنه لا يؤدي وحده إلى تمكين الرضا والاستخلاف في الأرض،
فمعرفة هذه القوانين قد يُنتج مسلماً صاحب وعي حضاري، ولكنها وحدها لا تنتج
مؤمنين يستحقون معيّة الله الخاصة واستخلاف الله لهم في أرضه.
* وهذا هو أول المعالم المميزة والفوائد العديدة للإقبال على نصوص الوحي
لأخذ سنن التغيير، فالتوجه الأول يساعد على معرفة أسباب التمكين المجرد،
والتوجه إلى نصوص الوحي يدلنا على أسباب تمكين الرضا الذي من أهم أركانه:
تحقق صفات (التوحيد) ، و (التقوى) ، و (الصلاح) فيمن يستحقونه، وهذا ما تدل
عليه آيات من كتاب الله؛ كقوله (تعالى) : [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ... ]
[النور: ٥٥] وقوله (تعالى) : [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم
بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ... ] [الأعراف: ٩٦] وقوله (تعالى) : [وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ]
[الأنبياء: ١٠٥] ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على هذا المعنى، والتي تفتح لنا المجال للبحث في هذه المعاني من وجهة أخرى غير الوجهة الفردية.
وهذه المعاني قد يعتبرها بعض أصحاب التوجه الأول من أصحاب الفكر
الناضج! والتقدمي أنها مجرد دروشة لا تقدم ولا تؤخر في التغيير.
* وثانياً: أننا عندما نقبل على نصوص الوحي لننهل منها منهج التغيير
يتضح لنا جوهر الصراع وأطرافه، إضافة إلى معادلاته، فسنن التغيير ما هي إلا
مجرد معادلات وقوانين إدارة الصراع، أما جوهره فقائم على عداوة الشيطان
للإنسان (وليس للمسلم فقط) ، والله يؤكد على هذه العداوة، فيقول:
[ ... وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [البقرة: ١٦٨] ويقول على
لسان يعقوب: [ ... إنَّ الشَّيْطَانَ لِلإنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [يوسف: ٥] ، بل ويحثنا
ويحرضنا على عداوته، فيقول: [إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً ... ]
(فاطر: ٦) ... فكيف يمكننا بعد كل ذلك تهميش الحضور الشيطاني في المعركة، والاقتصار على الإيمان الغيبي بوجوده؟ ! فلابد للمسلم من استحضار هذه العداوة ليستطيع المواجهة [٦] . وطرفا الصراع هما: حزب الله وحزب الشيطان، ويمثل المتقون حزب الله، بينما يمثل قوى حزب الشيطان: أهل الكتاب، والمشركون، والمنافقون. فلابد من معرفة صفات المتقين كما أسلفنا التي بها يستحق أفراد حزب الله الفوز بمعية الله الخاصة، فيكونون مؤمنين حقّاً ينصرون الله فينصرهم [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ] [الحج: ٤٠] ولا شك أن من مقتضيات التقوى عدم التخلف عن المنهج الرباني في التحويل والتغيير؛ فحزب الله يستخدم السنن الربانية في التغيير في الأنفس والمجتمعات استخداماً صحيحاً لمواجهة الشيطان وحزبه في معركة العداوة بينهما.
وأيضاً: لابد من معرفة العدو وكل فصيل من تكتله (على أرض الواقع) :
معرفة صفاته الخلقية، ودواخله النفسية، وطريقة تفكيره، ودوافعه، ونقاط
الضعف فيه، ومراكز القوة ...
وكذلك لن يستغني حزب الله عن الوعي بالخطة المضادة للعدو أي: المنهج
الحركي للشيطان (أو ديناميكية الشيطنة) لمعرفة أساليبه في التغيير والتأثير، فالله
لا يكتفي بالتأكيد على عداوة الشيطان للإنسان، بل يوضح أساليبه
وطرقه في المواجهة؛ [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ... ] [النساء: ٤٥] .
فعناصر حزب الشيطان أولياءٌ للشيطان، أي: إن الشيطان رائدهم وقدوتهم،
وهناك إيحاء متبادل بين شياطين الجن وشياطين الإنس: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ
عَدُواً شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً ... ]
[الأنعام: ١١٢] ، وهذا ما يجعل أسس مناورات المعسكر الشيطاني واحدة مع
اختلاف الزمان والمكان [أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ] [الذاريات: ٥٣] .
* وثالثاً: أن الاعتصام بحبل الله يعطينا رؤية متكاملة تعصمنا بحول الله من
الانزلاق إلى دعوات مخادعة أو سقطات سياسية ساذجة؛ فبها نعرف أن الدعوة إلى
الإنسانية وذوبان الحضارات: سراب كبير يكشفه قوله (تعالى) : [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ] (هود: ١١٨) وأن الدعوة إلى السلام
العالمي وهمٌ يجليه قوله (تعالى) : [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] [البقرة: ٢٥١] وكذلك تعارضها عقيدة
الولاء والبراء.
وأن تبني اللاعنف خدعة كبرى كذبها الواقع فضلاً عن أنها تصطدم بدعوة
القرآن للأمة بالإعداد واليقظة والتحفز لمواجهة أعدائها ... إلى غير ذلك من
اجتهادات وسقطات.
* رابعاً: أن نصوص الوحي تشمل سنن التغيير في الأنفس وسنن التغيير في
المجتمعات، ففيها مجال فهم قوانين تغيير الأفراد بجوار ما تكسبه من الوعي
باتجاهات وقوانين تغيير المجتمعات، فيكون الناهل منها متكامل الإدراك شامل
الوعي؛ حيث نرى فيها مثل قوله (تعالى) : [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنصُرُهُ] [الحج: ٤٠] (سنة المدافعة) ، كما نجد قوله (تعالى) : [ ... ادْفَعْ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] [فصلت: ٣٤] وتكون
سنة تحويل العداوة كالآتي:
عداوة (دفع بالإحسان) --< ولاية
كما نرى فيها قوله - ﷺ -: يا عائشة لولا أن قومك
حديث عهدهم قال ابن الزبير: بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل
الناس، وباب يخرجون بوّب له البخاري ﵀ بعنوان: من ترك بعض
الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه [٧] . وهكذا
يعرف الفرد المسلم كيف يكتسب ويحتوي الآخرين، كما يعرف كيف يواجههم.
* وخامساً: أنه ثمّة خصائص متميزة في الإقبال على القرآن الكريم لا تجدها
في غيره:
١- فثمرة الاجتهاد فيه أقرب إلى الثبات واليقين، ولكن يبقى جهد المتلقي في
التجرد والإخلاص والصلة بالله ليصل إلى المستوى الذي يليق بمن تفتح عليه كنوز
القرآن؛ [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] [العنكبوت: ٦٩] [وَنُنَزِّلُ مِنَ
القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً] [الإسراء: ٨٢] .
٢- كون الانتهال منه عبودية يؤجر عليها المسلم (تدبر تفكر تعقل) ، وكذلك
العمل وفق منهجه.
٣- والقرآن يخاطب الإنسان بما فيه من عقل وقلب ونفس، بخلاف المصادر
الأخرى.
٤- وهو أقرب إلى الحس وبداهة العقل وثقافة المسلم، فينتفع منه كل مسلم
مقبل مهما بلغ مستواه العلمي.
٥- وللقرآن سلطان على النفوس وسيطرة على الشعور لا يصلها أي مصدر
آخر.
وبعد.. فقد يثار تساؤل، وهو: هل من المصلحة الكشف عن هذه السنن
والقوانين؟ وأليس من الحكمة ألا يطلع الأعداء على هذه السنن؟
وعند مناقشة هذا السؤال يجب أن ندرك:
١- أنه لا تقدم إلا بوجود وعي عام بهذه السنن، بحيث يصل مفهوم هذه
السنن إلى العوام في صورة يقينيات بدهية ولو أخذت صورة عبارات مختصرة
تحمل معاني مكثفة، فإنه لابد أن يعي كل شخص دوره في التغيير بحيث لا يعرقل
تصرف منه جهود بقية المجموع، وبحيث تستثمر وتحشد كل الطاقات في اتجاه
التغيير إلى الأفضل.
٢- أنه عند تساوي إمكانات حزب الله وحزب الشيطان، أو عند وصول
حزب الله إلى بذل غاية الجهد: فإن معية الله الخاصة تتدخل لنصرة جنده؛ [يَا
أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] [محمد: ٧] [وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] ، [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ... ] [التغابن: ١٦] .
٣- أن الأعداء يعرفون هذه السنن والقوانين بالفعل ولكن حسب توجههم
ومناهجهم ويبنون عليها حركتهم السياسية في مواجهتهم لنا.
وأخيراً: فهذه دعوة لكل مسلم للعمل على تكوين وإشاعة إطار وعي سنني مع
الحرص على ربانية المسلم، ودعوة لعلمائنا ومفكرينا لبيان منهج رباني واقعي
للتغيير.
وتنبيه للعاملين في حقل الدعوة إلى الله وإلى سبيل الله: أن التفلت من هذه
السنن بدعوى أن علينا العمل وليس علينا النتائج على نحو إهمال إحكام الأسباب
يعتبر تسللاً خفيّاً نحو عقيدة الجبر. وإن أي حركة لن تستطيع الوصول إلى تغيير
صحيح بغير الوعي والتمكن من سنن التغيير، لن تبلغ التغيير المنشود مهما أُحكم
تنظيمها، ومهما بلغ علم وذكاء منظريها، أو ألمعية وحكمة كوادرها، أو إخلاص
وتفاني أفرادها، ولن تكفي مجرد إرادتهم للتغيير، وبغير هذه السنن والقوانين
سيكون نصيبها من النجاح هو ما كان لـ عباس بن فرناس عندما أراد أن يطير في
الهواء جاهلاً قوانين الجاذبية، فكان نصيبه من الطيران: تسجيل اسمه في التاريخ
باعتباره أول هالك في سبيل التحليق في الفضاء.
стр. 1968
دراسات اقتصادية
(الخصخصة) من المنظور الإسلامي
نظرات في موضوع بيع القطاع العام للأفراد
د.محمد بن عبد الله الشباني
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي باعتباره نظاماً اقتصاديّاً وقوة عالمية، وسَعْي
الدول المكونة والتابعة له إلى التحول إلى نظام السوق، وتبني الفكر الرأسمالي في
تنظيم اقتصاديات تلك الدول، وتفرد النظام الرأسمالي بتوجيه الاقتصاد العالمي
والترويج لهذا الفكر: بأن يكون وحده الفكر الموجه للسياسات الاقتصادية للدول
النامية، بما يمتلكه هذا الفكر من مؤسسات اقتصادية عالمية تتحكم في الحركة
الاقتصادية العالمية من خلال: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات
المالية الأخرى المنتشرة في الدول الصناعية الرأسمالية.
لقد أخذت الدول الإسلامية التي كانت تتبع منظومة الاتحاد السوفييتي باعتباره
نظاماً اقتصاديّاً يتبنى الفكر الاشتراكي القائم على تملك الدولة لمختلف الأنشطة
الاقتصادية بتغيير سياستها الاقتصادية بعد سقوط هذا النظام، والتحول إلى اقتصاد
السوق القائم على الفكر الرأسمالي المتهود بدون دراسة للواقع التنظيمي
للاقتصاديات الاجتماعية للدول الصناعية الرأسمالية، وإنما اتجهت إلى تبني ما
يمليه صندوق النقد الدولي من سياسات اقتصادية منزوعة من إطارها الذي قامت
عليه تلك المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، وبدون النظر إلى المسيرة التاريخية
للفكر الرأسمالي من ناحية التشريعات التطبيقية.
إن مفهوم (الخصخصة) كما يتم تداوله في الإعلام هو: تحويل الملكية العامة
للأنشطة الاقتصادية المملوكة للدولة إلى الأفراد والقطاع الخاص، وطرح هذه
الأنشطة حتى لرؤوس الأموال الأجنبية، بل إنه يتم تشجيع رؤوس الأموال
الأجنبية على القدوم للتجارة في هذه الأنشطة؛ ويعود ذلك إلى أن معظم أفراد
شعوب الدول الإسلامية لا يتوفر لديهم رأس المال المدخر الذي يستطيعون به تملك
هذه الأنشطة؛ ولهذا قامت الدول الإسلامية بتقرير سياسات استقطاب رؤوس
الأموال الأجنبية، لشراء هذه الأنشطة الاقتصادية وإدارتها وبيعها إلى مواطني تلك
الدول. إن هذا التوجه سيكون له أثار سياسية متمثلة في تدخل الدول الصناعية في
السياسات الإدارية والإنتاجية لهذه الأنشطة: من خلال حماية رؤوس أمواله
المستثمرة في هذه المشروعات المباعة إلى القطاع الخاص الأجنبي.
وتدور المبررات المطروحة من قبل الأنظمة السياسية التي ترغب في تحويل
أنشطتها الاقتصادية المملوكة للقطاع العام إلى القطاع الخاص والانفتاح على اقتصاد
السوق ضمن إطار فكرة تفعيل الاقتصاد والتخلص من الأنشطة المسببة لخسارة
الاقتصاد الوطني؛ نتيجة لتدني الكفاءة التشغيلية، وغياب الحافز لدى الإدارة وغير
ذلك من المبررات، بجانب الرغبة في الحصول على التمويل من قبل المؤسسات
المالية الدولية والمؤسسات المالية الرأسمالية في الدول الصناعية.
إن تبني مفهوم (الخصخصة) لم يقتصر على الدول الإسلامية التي كانت تأخذ
بنظام الاقتصاد المخطط، الذي يقوم على تملك الدولة لمصادر الإنتاج وتقليص دور
القطاع الخاص، بل شمل الأمر تلك الدول التي كانت تُحسب ضمن معسكر اقتصاد
السوق، وتسمح للأفراد بتملك مختلف الأنشطة الاقتصادية، ولكنها تولت إدارة
وتملك أنشطة اقتصاديات المنافع العامة أو أنشطة اقتصاديات تنمية واستغلال
الموارد الطبيعية، لهذا: فإن من الضروري مناقشة هذا التوجه وإبراز الرؤية
الإسلامية، وهل يمكننا استخلاص تصور من خلال منهج الإسلام لكيفية إدارة
الاقتصاد بحيث يتم تحقيق الكفاية والفاعلية للاقتصاد مع احتفاظه بإطار حقوق الفرد
في تملك المال؟ .
كما سبق أن أوضحت في مقالات سابقة: فإن الإسلام يعطي أهمية خاصة
للمال وحق الفرد في التملك بدون حدود من حيث الكمية وفق ضوابط الحلال
والحرام ومراعاة مقاصد الشريعة الأخرى.
إن حماية الناس من الاستغلال والاحتكار فيما يتعلق بالحصول على المنافع
العامة سواء أكانت منافع خدمية مثل الماء والكهرباء، أو منافع مادية من الأمور
التي أولاها الإسلام عناية خاصة.
إن من أهم الملامح والركائز التي يتميز بها النظام الاقتصادي الإسلامي:
حماية أفراد المجتمع من وقوع القطاعات الاقتصادية التي يحتاجها الناس في مجملهم
في قبضة القوى المالية الفردية أو الجماعية، لقد وردت جملة أحاديث وضعت
الإطار العام لهذا التوجه، فمن ذلك: ما رواه أبيض بن حمال: أنه استقطع الملح
الذي يقال له ملح سدّ مأرب، فأقطعه له، ثم إن الأقرع بن حابس التميمي أتى
رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني قد وردت الملح في
الجاهلية، وهو بأرض ليس بها ماء، ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء العِدّ،
فاستقال رسول الله ﷺ أبيض بن حمال في قطيعته في الملح،
فقال قد أقلتُك منه على أن تجعله مني صدقة، فقال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- هو منك صدقة، وهو مثل الماء العِدّ، من ورده أخذه [١] فهذا الحديث
يضع قاعدة عامة تتمثل في: أنه لا يجوز منح امتياز أو تمليك فرد أو جماعة من
الأفراد لأي منتج خدمي أو سلعي إذا كان هذا المنتج يحتاج إليه عامة الناس إلا
ضمن شروط معينة تحفظ للناس حقوقهم، وتمنع عنهم الاستغلال، وتحقق منفعة
لاقتصاد المجتمع.
ويدل على ذلك ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار، وثمنه حرام [٢] ،
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة: ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ، والنار [٣]
وهذه الأحاديث في مجملها تؤكد: ضرورة أن يكون استغلال المنافع العامة التي
يحتاج إليها الناس؛ سواء أكانت استغلال موارد طبيعية أو بيع منافع عامة مثل:
منفعة الكهرباء، أو المواصلات، أو التعليم، أو غيرها ضمن نطاق العدل، بحيث
لا يؤدي منح بيع هذه المنافع إلى التحكم في المادة المنتجة أو المنفعة أو الخدمة
المقدمة، وأن على ولي الأمر وضع القواعد والأسس التي تحفظ حق الأمة بدون أن
يؤدي ذلك إلى تعطيل استغلالها وحرمان اقتصاد المجتمع المسلم منها، وفي الوقت
نفسه الالتزام بالتوجيه النبوي الذي أشرت إليه والذي يؤكده أيضاً ما رواه أبو داود
والطبراني في الكبير، عن قيلة بنت مخرمة، قالت: قدمنا على رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، قالت فقدم صاحبي، تعني: حريث بن حسان وافد بكر بن وائل، فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين
بني تميم بالدهناء: ألا يجاوزها إلينا منهم أحد إلا مسافر أو مجاور، فقال: اكتب
له يا غلام بالدهناء، فلما رأيته قد أمر له بها شخص بي وهي وطني وداري،
فقلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك، إنما هي هذه
الدهناء عندك مُقَيّدُ الجمل، ومرعى الغنم، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك، قال:
أمسك يا غلام، صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر،
ويتعاونان على الفتان [٤] ، إن هذا الحديث يضع قاعدة عامة في التنظيم
الاقتصادي، وذلك: بأنه لا يجوز تخصيص مورد أو منفعة عامة لفئة من الناس
دون أخرى إذا كان هذا التخصيص سوف يؤدي إلى الإضرار بالآخرين، وإن مثل
هذه الإجراءات تثير الفتن والمشاكل في المجتمع.
على ضوء الأدلة السابقة التي تحد من تملك الموارد الطبيعية ذات النفع العام، وكذلك تملك استغلال المنافع العامة ومنع إقطاعها سواء أكان إقطاع تملك أو
إقطاع استغلال منفعة، يثور هنا تساؤل: ما هو التصور الذي يطرحه الإسلام لحل
مشكلة استغلال الموارد المتاحة للمجتمع وإدارة أنشطة اقتصاديات المنافع العامة،
وفق إطار تشجيع تملك هذه الأشياء، أو تمليك استغلال منافع الخدمات العامة،
التي يحتاج الناس إليها مثل: الكهرباء، والهاتف، والمواصلات.. وغير ذلك من
المنافع الخدمية التي يحتاج إليها الناس؟
إن النظرة التكاملية الشمولية التي يتميز بها النظام الإسلامي عن بقية الأنظمة
البشرية تمد الدارس لشريعة الإسلام بالحلول، وذلك من خلال الدراسة المباشرة
لمصدري التشريع (القرآن والسنة) ، فيجد فيهما المخارج العملية لأي إشكال قد
يعترضه، سواء أكان ذلك في المجال التنظيري أو العملي.
إن الإشكالية التي قد تواجهنا هي: كيف يتم التوفيق بين الرغبة في استغلال
الموارد المتاحة، وإشباع حاجات الناس، وتحقيق الكفاءة والفعالية في إدارة
الأنشطة الاقتصادية؟ .
إن معالجة هذه الإشكالية يتمثل في اتباع الآتي:
إبقاء أصل ملكية الموارد الطبيعية بيد الدولة، ومشاركة الدولة في استثمار
هذه الموارد، مع إتاحة الفرصة للأفراد باعتبارهم عنصراً من عناصر الإنتاج
(وهو عنصر العمل) بالمشاركة في استغلال هذه الموارد، مع إشراك رأس المال
من خلال استغلال رؤوس الأموال عن طريق: قيام الدولة بتوفير الأصول الثابتة
التي تساعد قوة العمل على ممارسة النشاط بواسطة المشاركة في العملية الإنتاجية
بالعمل، ومشاركة أصحاب رؤوس الأموال من خلال: توفير رؤوس الأموال
التشغيلية، يُستدل على ذلك بدليلين: الأول ما رواه البخاري مرسلاً، عن قيس بن
مسلم عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث
والربع، وزارع علي وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين، وقال
عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع، وعامل
عمر الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم
كذا [٥] ، وأشار البيهقي في سننه: أن عمر بن الخطاب أجلى أهل نجران واشترى
عقرهم وأموالهم، وأجلى أهل ضمك وتيماء وأهل خيبر واستعمل يعلى بن منبه،
فأعطى البياض على: إن كان البذر والبقر والحديد من عمر، فلعمر الثلثان ولهم
الثلث، وإن كان منهم فلهم الشطر، وأعطى النخل والعنب على أن لعمر الثلثين
ولهم الثلث.
إن عمل عمر ﵁ مستمد من فعل رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-؛ فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ : أن رسول
الله ﷺ أعطى خيبر لليهود؛ على أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها [٦] إن هذا المنهج الذي فعله رسول الله -صلى الله ... عليه وسلم-؛ وتبعه في ذلك عمر بن الخطاب ﵁ تطبيقاً لعمل رسول الله ﷺ قاعدة مهمة في إدارة الاقتصاد الإسلامي فيما يتعلق بكيفية استثمار واستغلال عناصر الإنتاج مع الإبقاء على روح المبادأة الفردية والبعد عن البيروقراطية، فَفِعْلُ عمر ﵁ يحدد لنا منهجاً يمكن ممارسته في هذا العصر، بل إن ممارسته سوف تحل كثيراً من المشاكل فيما يتعلق منها بإيجاد الموارد المالية للدولة بدون اللجوء إلى فرض الضرائب؛ وذلك من خلال قيام الدولة بتوفير مستلزمات الإنتاج بتوفير ما يعرف محاسبياً بالأصول الثابتة، وتفويض استغلال هذه الموارد الطبيعية إلى أفراد الأمة من خلال إعطائهم حق
الاستغلال بدون تدخل في كيفية الإدارة، على أن يكون نصيب الدولة مربوطاً
بالإنتاج وليس بالربح، فالدولة في هذه الحالة لا تتدخل في كيفية إدارة النشاط،
ولكنها تتحصل على نسبة من الدخل يكون مصدراً من مصادر الواردات العامة،
وبهذا الأسلوب نكون قد حققنا الاستغلال لهذه الموارد بالأسلوب الذي يحقق الكفاية
والفعالية الإدارية بعيداً عن تدخل الدولة في إدارة النشاط، والشيء نفسه يمكن
تطبيقه على أنشطة خدمات المنافع العامة، فمثلاً: حق النقل الجوي أو البري،
يمكن للدولة أن تجعله مورداً ماليّاً لها، وفي الوقت نفسه تتحقق الكفاءة في الإدارة،
من خلال ما يمكن أن نطلق عليه تمليك إدارة النشاط، فتقوم الدولة مثلاً: بإنشاء
السكك الحديدية وتوفير العربات سواء أكان ذلك لنقل البضائع أو الركاب، أي:
توفير الأصول الثابتة، ثم عرض إدارة تشغيل هذه المنفعة على الأفراد أو الشركات، مقابل جزء من الدخل العام يتناسب مع ما صرف من أصول ثابتة، أي: أن
يكون نصيب الدولة من الدخل يعادل قيمة الأصول الثابتة المستثمرة في هذ النشاط
ونسبة إضافية تكون عائداً لاستثمار مال الدولة؛ ليكون مورداً من موارد الخزينة
العامة، بهذا الأسلوب: فإن الدولة تحقق أمرين: الأول: توفير الخدمة التي يحتاج
إليها الناس واستغلال الموارد الطبيعية، وتحقيق عائد مالي يكون رافداً من روافد
الإيرادات العامة.
الثاني: تحقيق الفعالية الاقتصادية والبعد عن البيروقراطية الحكومية في إدارة
الأنشطة الاقتصادية من خلال: تحفيز القوى البشرية ورأس المال المتاح من قبَل
أفراد الأمة، لتحقيق الفعالية للنشاط الاقتصادي الذي هو ميزة النظام الرأسمالي.
الدليل الثاني: ما رواه بطرق عدة وروايات متعددة الحافظ أبو عبيد القاسم بن
سلام في كتابه الأموال، فقد أورد عدداً من النصوص حول ما ارتآه عمر بن
الخطاب ﵁ ووافقه عليه الصحابة فيما يتعلق بالأراضي المفتوحة من
إبقائها ملكاً عامّاً للمسلمين، ووضع الخراج عليها؛ فقد روى عن إبراهيم التميمي
أنه قال: لما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا، فإنا افتتحناه عنوة،
قال: فأبى وقال: فمن لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا
بينكم في المياه، قال: فأقر أهل السواد في أراضيهم، وضرب على رؤوسهم
الجزية وعلى أراضيهم الخراج، ولم يقسمها بينهم [٧] . إن تصرف عمر (رضي
الله عنه) بإبقاء الأرض للمسلمين وتحصيل خراج عليها، إنما هدف منه توفير
الموارد المالية للدولة، بدليل ما أخرجه البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:
سمعت عمر قال: لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله -
ﷺ خيبر [٨] ، فالعلة التي بنى عليها عمر ﵁
اجتهاده واتخاذه قراراً بوقف الأرض بجعلها ملكاً للمسلمين عامة: هو العمل على
توفير مصدر دائم لدخل الدولة، حتى يتم الصرف منه على شؤون المجتمع، هذا
الاجتهاد الذي بنى عليه عمر ﵁ حكمه، إنما كان بناءً على استشارة
الفقهاء وعلماء الصحابة، فقد أورد الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام رواية أخرى
عن هذا الموضوع بسنده، قال: أخبرني عبد الله بن أبي قيس، قال: قدم عمر
الجابيه فأراد قسم الأرض بين المسلمين، فقال له معاذ: والله إذاً ليكونن ما تكره! ؛ إنك إن قسمتها صار الربع العظيم في أيدي القوم مم يبدون، فيصير ذلك إلى
الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام سدّاً، وهم لا
يجدون شيئاً، فانظر أمراً ليسع أولهم وآخرهم [٩] .
ووفقاً لذلك التعليل وتلك النظرة الثاقبة للصحابي الجليل معاذ بن جبل (رضي
الله عنه) : اتخذ عمر قراره بإبقاء الأرض، فأبقى الأرض يجبي ريعها لبيت مال
المسلمين، فهل يمكن الأخذ بهذا الإجراء فيما يتعلق بالأراضي البور التي تحتاج
إلى إصلاح، فتقوم الدولة بذلك، وتهيئها للمستغلين، وتنال جزءاً من إنتاجها، مع
إبقاء الأرض لصالح الأجيال القادمة، وعدم إقطاعها، وكذا: ما يختص بتمليك
استغلال المنافع العامة؟ . لكن السؤال الذي يثور هنا هو: كيف يمكن التوفيق بين
هذا والنصوص التي أشارت إلى جواز إقطاع ولي أمر المسلمين تمليك الأرض قبل
إحيائها، حسب ما جاء في الحديث: الذي رواه هاشم بن عروة عن أبيه أن رسول
الله ﷺ قال: من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم
حق [١٠] ، وقوله ﷺ : من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق [١١] ، وما رواه عبد الله بن أبي بكر قال: جاء بلال بن الحارث المزني إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه أرضاً فقطعها له طويلة عريضة، فلما ولي عمر قال له: يا بلال، إنك استقطعت رسول الله ﷺ أرضاً طويلة عريضة قطعها لك، وإن رسول الله ﷺ لم يكن ليمنع شيئاً يسأله، وإنك لا تطيق ما في يديك، فقال: أجل، قال: انظر ما قويت عليه منها فأمسكه، ومالم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله؛ شيء اقتطعنيه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لتفعلن، فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين [١٢] .
إن الأخذ بفكرة إبقاء ملكية الأراضي وحق إبقاء استغلال أنشطة خدمات
المنافع للدولة قياساً على ما عمله عمر مع أراضي البلاد المفتوحة، يحقق مصلحة
عامة؛ حيث: محدودية الأراضي البور سواء أكانت قد مُلكت في الماضي وهجرت
ولا يعرف مالكها، أو لم يتم تملكها وإحياؤها، على أن يقتصر الإقطاع على ما يتم
إقطاعه لأغراض السكنى، وأن يكون الإقطاع إقطاع استئجار، أي: إنه إقطاع
مشروط بالاستغلال، وإن للمُستَقْطَع له أن يتملك ويتصرف، لكن بشرط قدرته
على الاستغلال واستمراريته واستثماره في مجاله الذي من أجله منح، أما في حالة
عجز من أقطع له أو من تملكه بعد من استقطعه وعجز عن استغلاله: فترجع ملكية
الأصل إلى الدولة، وذلك في حالة عدم وجود أصول استثمارية موضوعة على
الأرض المقطوعة، وأما في حالة وجود أصول موضوعة لغرض الاستفادة من
الأرض: فتمنح لمن يقدر على استغلالها على أن يعطى المالك غير القادر على
الاستغلال جزءاً من الإنتاج لقاء هذه الأصول الموضوعة وفق القاعدة الشرعية
لاضرر ولا ضرار، وبهذا نبقي على سريان نصوص أحاديث الإقطاع، وفي
الوقت نفسه عدم تعطيل الأرض بحجة إقطاعها، والأخذ بهذا الرأي قد استند فهمه
إلى ما رواه الدارقطني وأبو داود عن عبيد الله بن حميد عن عبد الرحمن الحميدي
أن عامر الشعبي حدثه أن رسول الله ﷺ قال: من وجد دابة قد
عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها الرجل فأحياها فهي له [١٣] ، ويمكن
أن يقاس على هذا الحديث الأراضي المستقطعة وغير المستغلة وأي أصل مملوك لا
يستغل لعجز مالكه عن استغلاله، بأن تقوم الدولة بمنحه لمن يقدر على استغلاله؛
وفق إجراءات تنظيمية تحقق العدالة والمصلحة العامة للمجتمع المسلم.
ثانياً: الرقابة على أسعار بيع المنتجات السلعية للموارد الطبيعية والمنافع
الخدمية، التي مُنح الأفراد تملك منافعها من خلال تشغيل هذه الأنشطة بوساطة
العمل أو بالعمل ورأس المال، بحيث تُراعي هذه الأسعار مصلحة المنتفعين بهذه
السلع والخدمات من ناحية، وتحقيق عائد مجز لمن يقوم بالاستثمار، سواء أكان
ذلك من خلال تقديم المال، أو الجهد، لإدارة تشغيل هذه الأنشطة الاقتصادية من
ناحية أخرى.
والسؤال الذي يبرز هنا: هل يجوز التدخل في تحديد الأسعار، أي: تسعير
المنتجات والخدمات؟ وما هي حدود هذا التدخل في حالة جوازه؟ ، وما هي
الوسائل التي هي أكثر فعالية لتحقيق التوازن لحماية مصالح المستهلكين من ناحية،
وعدم الإضرار بمصالح المنتجين وبائعي منافع الأنشطة الخدمية من ناحية أخرى؟ .
تتطلب عملية حماية المستهلكين التدخل في تحديد أسعار المنتجات السلعية أو
الخدمية، وعملية التدخل في التسعير سوف تؤدي إلى تعطيل فعالية قانون العرض
والطلب، وبالتالي: حصول الخلل في الأنشطة الاقتصادية، لما للتدخل في تحديد
الأسعار من أثار سلبية على فعالية وكفاءة النشاط الاقتصادي، كما أن ترك
المستهلكين تحت رحمة المنتجين وبخاصة تلك السلع والخدمات التي يحتاج إليها
الناس في غالبيتهم فيه ظلم لهم وفتح لباب الاحتكار، لقد وردت أحاديث تمنع
التدخل في التسعير؛ من ذلك: ما رواه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة: أن
رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، سعّر،
قال: بل أدع، ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول الله سعّر، قال: بل الله يرفع
ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة [١٤] ، كما روى
ابن ماجة عن أنس بن مالك، قال: غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله، قد غلا السعر فسعّر لنا، فقال: إن الله هو
المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحدٌ يطلبني
بمظلمة في دم ولا مال [١٥] .
إن هذه الأحاديث تؤكد أن الإسلام لا يحبذ التدخل في التسعير، بل يترك
الأمر لقوى السوق، وهي التي تصحح الاختلال ما بين العرض والطلب، لكن
هناك آثاراً ذكرت تصرفات صدرت عن عمر بن الخطاب ﵁ قد يفهم
منها معارضة هذه الأحاديث، ومن ذلك: ما رواه الإمام مالك والبيهقي عن سعيد بن
المسيب: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيب له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا وفي
رواية للبيهقي: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه
غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فسعر له مدين لكل درهم، فقال له
عمر ﵁ حُدّثنا بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً، وهم يعتبرون
بسعرك، فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت،
كما روى الإمام مالك عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن عمر بن الخطاب (رضي
الله عنه) يأخذ من النبط من الحنطة والزبيب نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر
الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر، كما روى البخاري: أنهم كانوا
يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث
عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه، حتى ينقلوه حيث يباع الطعام [١٦] ،
وذكر البيهقي في رواية: أن الغاية من منع البيع: حتى ينقلوه إلى سوقه؛ لئلا
يغلو الطعام هناك على من يفد، وأنه في ذلك الموقع أرخص، يتضح من هذه
الأحاديث أن هناك نوعاً من التدخل في التأثير على التسعير، بل إن ما طلبه عمر
﵁ من حاطب ابن أبي بلتعة ﵁ يوحي بالتسعير؛ حيث: طالبه برفع السعر أو رفع بضاعته من السوق، وأن هذا قد يعارض ما جاء عن
الرسول ﷺ في عدم استجابته لطلب الناس بالتسعير للوهلة
الأولى.
ولكن واقع الأمر: أن عمر ﵁ في جميع ما ورد عنه لم يقم
بالتسعير وتحديد السعر، وهو الذي رفضه الرسول ﷺ ، وإنما
اتبع أساليب تنظيمية مراعاة للمصحلة العامة، فهو لم يحدد سعراً معيناً ألزم به
حاطب بن أبي بلتعة، ولكنه حينما علم أن سعره سوف يضر بجلب السلعة في
المستقبل؛ لأن عدم تحقق سعر مجز للجالب للسلعة سوف يؤدي ولابد إلى الامتناع
عن الجلب في المستقبل؛ وهذا فيه ضرر على توفير الكميات المعروضة، مما
سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لهذا: أمره بأن يرفع بضاعته من السوق أو يرفع
سعره، وهذا ليس من باب التدخل في السعر، وإنما هو أسلوب من أساليب الرقابة
السعرية، وهذا أمر يختلف عن التسعير وتحديد السعر، وقد مارس هذا الفعل
الرسول ﷺ ، كما جاء في حديث البخاري: حينما منع الناس
من تلقي الجلب، ومن شراء الطعام قبل أن يجلب في مكان البيع حتى يتحقق
التنافس الكامل بين المشترين والبائعين، فلا يُحْمَلُ غبن لأي طرف.
لهذا: نجد أن الإسلام لا يتدخل في التسعير، ولكنه يتدخل في التأثير على
العوامل المؤثرة في جانبي العرض والطلب.
إن السؤال الذي يمكن طرحه هو: إذا اتّبعَ المنهج الإسلامي كما أشرنا إليه
فيما سبق من حيث: مشاركة الدولة استغلال الموارد الطبيعية، وممارسة بيع
المنافع الخدمية، مع إعطاء عنصري العمل ورأس المال حق مشاركة الدولة وتوفير
المرونة للقطاع الخاص لممارسة دوره الفعال في إدارة الأنشطة الاقتصادية، مع
الإبقاء على دور الدولة فاعلاً ومؤثراً سواء في الإبقاء على التملك، أو التدخل في
الرقابة على الأسعار بدون التسبب في إضعاف المبادأة الفردية.. فكيف يتم
المحافظة على توفير الاحتياجات الأساسية للأفراد ذوي الدخول الضعيفة مع
الارتكاز على توفير الظروف الملائمة لتحقيق العائد المجزئ لمن فُتح لهم مجال
العمل في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية وبيع المنافع الخدمية؟ .
إن الإسلام حينما وضع منهجيته لتشجيع القوى الفاعلة من القوى العاملة
وأصحاب رؤوس الأموال مع اتباع سياسة التحفيز كما أوضحناه فيما سبق لم يترك
معالجة أوضاع كثير من الفئات التي تحتاج إلى هذه المنتجات والخدمات مع كونها
لا تستطيع شراء هذه السلع والمنافع لقلة مواردها، فقد وضع منهجاً ماليّاً من خلال
أساليب الإنفاق من الموارد العامة للدولة.
يتميز الإسلام في منهجيته في توزيع موارد الدولة بتقسيم الموارد المالية
للدولة إلى قسمين: القسم الأول: ما يتعلق بالزكاة، فقد خصصها للإنفاق على
أفراد المجتمع بقصد تحقيق الرفاه الاجتماعي بحيث: لا تنفق موارد الزكاة إلا
للأصناف الثمانية التي حددها القرآن، أما المصالح العامة وهي القسم الثاني: فيتم
الإنفاق عليها من الموارد العامة للدولة، ومن ضمن هذه الموارد العائد من مشاركات
الدولة في استغلال الموارد الطبيعية والعائد من تأجير الأصول الثابتة الخاصة ببيع
المنافع العامة [١٧] .
стр. 1969
نص شعري
يارب
مروان كجك
لَكَ العُتْبَى [١] لَقْد صِرْنَا ... وإلى ضَعْفٍ وإعْياءِ
وأصْفادٍ تَدُورُ بنا ... على أعتَابِ أعداءِ
نَرُومُ العِزّ عندَهُمُ ... وهُمْ بَوّابةُ الداءِ
نَظُنّ النّصْرَ بالإغضا ... ء عن كُفْرٍ وأخْطاءِ
وعُدْوانٍ يَلُفّ النا ... سَ مِنْ دانٍ إلى نائي
ونَخْطُبُ [٢] وُدّ من كانوا ... بني حِقْدٍ وَبَغْضاءِ
فَتأخُذُنَا خَطَايَانَا ... إلى ذُلّ ولأوَاءِ [٣]
وننسَى أننا كُنّا ... شِفَا مِنْ كُلّ بأساءِ
وأنّا أمْةٌ التّحْرِي ... رِ من ألِفٍ إلى ياءِ
* * *
لكَ العُتبى، لَقَدْ حِرْنا ... لِمَيْنٍ [٤] رائحٍ جائي!
يُقامرُنا على الأحلا ... مِ في خُبْثٍ وإلْهاءِ
يقولُ: غَداً، وأي غَدٍ ... نقَدّمْهُ لأبناءِ؟
وهذا الحاضِرُ المنكُو ... د يَعْطِبُ كلّ أشيائي
يُبَعْثِرُها يُشَتّتُها ... يُقَيّدْها لأعدائي
***
لكَ العُتْبَى سُنُونَ ال ... قَحْطِ قَدْ عَاثَتْ بأرجائي
تَلُفّ الناسَ بالآثا ... مِ مِنْ ذَلْقٍ [٥] لِتأتاءِ
ولمْ تَبْخَلْ على أحَدٍ ... بإعْنات وإزْراءِ [٦]
فكُلّ القَوْمِ طُعْمَتُها ... ولوْ جَنَحُوا لإغْماءِ
وتخشى صَحْوَهُم يَوْماً ... على إيقاع حَدّاءِ [٧]
يَسُوسُ الناسَ بالحُسْنى ... ويأتيهمْ بأنباءِ
***
لكَ العُتْبَى ولوْ عَصَفَتْ ... أعاصيرٌ ببَيْدائي
أو ازْدَحَمَتْ على بابي ... جِنَاياتي وأرزائي
أو اقْتَحَمَتْ جُنُودُ البَغْ ... يِ أوطاني وأحيائي
أو اختَبَأتْ لِيَ الأهْوا ... لُ في نفسي وأهوائي
وأقْبَلَ كُلّ جبارٍ ... بأوْشابٍ وغَوْغَاءِ [٨]
وسارَ بهم إلى قتلي ... وتمزيقي وإفنائي
ولو مَلَكُوا نواصِي الأرْ ... ضِ أو صَعِدوا لجَوْزاءِ
فَلَنْ أرتَدّ عن ديني ... ولا أهلي وأنحائي
ولن أرضَى سِوى الإسلا ... مِ مِنْهاجاً لأبنائي
فَلَيلُ الظلمِ، مهما طا ... لَ، لنْ يَرْقى لعْليائي
ولَنْ يَحْظى بما يَبْغِي ... هِ من قَهْرِي وإحْنَائي
стр. 1970
من قضايا المنهج
لمحات في فن الحوار
الحلقة الثالثة
[معوقات الحوار]
محمد محمد بدري
المتأمل في أكثر حواراتنا الإسلامية يجد أن بعضنا يحمل في كيانه جراثيم
تمنع الحوار الصحي، وتعوق تنمية أفكارنا وتلاقحها خلال الحوار! !
ومن هنا: فإن كل خلاف في حواراتنا لا يُنتج إلا حرق جسور التواصل بيننا، لنصل إلى حالة اللا حوار.. ومن ثم: الفرقة والتناحر..
ومن هذه الجراثيم أعني المعوقات ما يلي:
التعصب والحزبية:
جناحا التعصب هما: ضعف النفس وجهل العقل.. ومن ثم: يؤدي التعصب
إلى الحزبية التي يبتلى بها كثير من المنتسبين إلى طائفة في العلم أو الدين أو إلى
رئيس معظّم عندهم، فإنهم لا يقبلون من الدين لا فقهاً ولا رواية إلا ما جاءت به
طائفتهم. [١] ولا يميلون إلا إلى الاجتماع برفقائهم في الطائفة نفسها أو الحزب
الذين يحملون أفكارهم نفسها، فإذا اجتمعوا بمن يخالفونهم في بعض الآراء؛ فهم
معزولون عنهم بحاجز نفسي هو اهتمامهم بسحق المخالف وإفحامه، بل وإذلاله! !
وهم لا يرون الوجود حولهم إلا من خلال هذا اللون الحزبي الذي يوقعهم في الكثير
من الأخطاء.. فهم مثلاً: يرون أن ما عندهم هو الحق المطلق، وأن ما عند
الآخرين هو الخطأ المطلق.. وهذا يدفعهم إلى التعصب ضد الآخرين والتحامل
عليهم، لأن هؤلاء الآخرين لا يمكن عندهم إلا أن يكونوا خبيثين، ليس ما عندهم
إلا خطأ لا يحتمل الصواب! ! ومن ثم: فهم لا يرون الاستماع إلى هؤلاء الخبثاء
الجهلاء! فضلاً عن مناقشة آرائهم وعرضها على بساط البحث والنظر.. بل كل
جهد الحزبيين إنما يوجهونه للدفاع عن آرائهم، واستحضار الأدلة والبراهين
للاحتفاظ بها.
وهكذا يتحول الحوار بينهم وبين الآخرين إلى سباق يحاولون فيه إسماع
الآخرين ما يستطيعون من الأفكار التي يحملونها، في جو من النزال والمصارعة
الحوارية التي تواجه فيها كل كلمة بضدها، وكل فكرة بما يقابلها، ويقترن فيها
رفع الصوت مع ضعف الحجة، بل إن بعضنا قد يلجأ إلى تخانة الأحبال الصوتية
تعويضاً عن عمق الحجة، وكما قيل بحق الماء العميق أهدأ إذ تجد الصخب
والضجيج على الشاطئ حيث الماءالضحل ولا جواهر ولا درر، وتجد الهدوء
والسكون لدى الماء الأعمق حيث النفائس والكنوز [٢] .
إن الضحالة الفكرية وغياب نفائس الأدلة لدى الحزبيين مع التعصب
المذموم.. كل ذلك: من أكبر معوقات الحوار، ومن أهم أسباب تعكير صفو المتحاورين وترسيخ الجهالة في قلوب العوام والمقلدين، بل أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها [٣] . ...
إننا نرى في جلسات الحوار بين الحزبيين كيف تتزاوج الأفكار دون أن
تنجب أفكاراً جديدة.. وما ذلك إلا لأن الحزبية تؤدي إلى العقم الفكري الذي لا يرى
في الحوار إلا لوناً من ألوان النزاع الذي يجب تجنبه إذا أردنا أن تبقى علاقاتنا
وصلاتنا.. وهذا من عجائب التفكير الحزبي، وأعجب منه: أن الحزبيين إذا
وجدوا آية من كتاب الله توافق رأيهم أظهروا أنهم يأخذون بها، وإذا وجدوا آية
نظيرها تخالف قولهم لم يأخذوا بها، وطلبوا لها وجوه التأويل وإخراجها عن
ظاهرها حيث توافق رأيهم، وهكذا يفعلون في نصوص السنة سواء: إذا وجدوا
حديثاً صحيحاً يوافق قولهم، أخذوا به، وقالوا: لنا قول رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- كيت وكيت، وإذا وجدوا مئة حديث صحيح بل وأكثر تخالف قولهم،
لم يلتفتوا إلى حديث منها [٤] .
إن من يدخل ساحة الحوار بقوالب فكرية معدة مسبقاً وانتماءات حزبية مقررة
سلفاً: إنما يدخل الحوار لتقرير رأيه، والمدافعة عنه، والتعصب له، وليس عنده
الاستعداد أبداً أن يتنازل عن رأيه، حتى وإن تبين له خطؤه.. ومن هنا: تتصدع
جسور التواصل بين المتحاورين، ولا يصل الحوار إلى أي نتيجة بحال.
إن الحوار الفعال يحتاج دائماً إلى طاقة عالية من الحب، تحرر العقل من
الخوف، وتوفر الأمان الفكري الذي يسمح بتبادل الأفكار على أساس من رؤية
واضحة ومتحررة من القيود الفكرية، وفي مقدمتها قيدا التعصب والحزبية.
التصنيف المتعسف:
يمثل هذا المرض الحواري (التصنيف المتعسف) لوناً من ألوان الإعاقة الذاتية
لسير الحوار في طريقه الواضحة المستقيمة.. ذلك أن أصحاب هذه الطريقة في
التفكير يسيطر عليهم التصنيف المتعسف وغير الحقيقي للآخر، ويجعلون من هذا
التصنيف الخاطئ ما يمكن أن نطلق عليه الفلتر الذي يتلقون من خلاله ما يعرضه
عليهم الآخر من أفكار، بل ليس عندهم أدنى استعداد لتغيير هذا الفلتر مهما أتى
الآخر من أقوال أو أفعال تدل على تغير أفكاره! ! فالحوار يبدأ بالتصنيف وتُفسر
الأقوال والأفعال بناءً على هذا التصنيف حتى ولو كانت لا تدل عليه! !
ومثل هذه الحال يشبه تماماً ما حكاه الإمام الشاطبي ﵀ عن الإمام
الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه، إذ حكى عن نفسه فقال:
عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين
والمنكرين.. إن صدقت من دعاني لموافقته سمّاني موافقاً، وإن وقفت في حرف
من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفاً، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب
والسنة بخلاف ذلك وارد سمّاني خارجيّاً، وإن قرأت عليه حديثاً في التوحيد سماني
مشبهاً، وإن كان في الرؤية سماني سالميّاً، وإن كان في الإيمان سماني مرجئيّاً،
وإن كان في الأعمال سماني قدريّاً، وإن كان في المعرفة، سماني كراميّاً، وإن
كان في فضائل أبي بكر وعمر، سماني ناصبيّاً، وإن كان في فضائل أهل البيت،
سماني رافضيّاً، وإن سكت عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما،
سماني ظاهريّاً، وإن أجبت بغيرهما، سماني باطنيّاً، وإن أجبت بتأويل، سماني
أشعريّاً وإن جحدتهما، سماني معتزليّاً، وإن كان في السنن مثل القراءة، سماني
شافعيّاً، وإن كان في القنوت، سماني حنفيّاً، وإن كان في القرآن، سماني حنبليّاً،
وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخيار إذ ليس في الحكم والحديث
محاباة قالوا: طعن في تزكيتهم..
ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون عليّ من أحاديث رسول الله -
ﷺ ما يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم عاداني
غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله ﵎ ، ولن يغنوا عني من الله
شيئاً [٥] .
فانظر (رحمك الله) إلى تلك الحال التي حكاها الإمام ابن بطة، وقارنها
بواقعنا.. هل تجد فرقاً؟
إن الكثيرين منا يدخلون الحوار مع الآخر وقد صنفوا هذا الآخر على أنه من
معسكرات الخصوم.. ومن ثم: يبدؤون في مصارعته عبر حوار شعاره: قاتل أو
مقتول، تستخدم فيه الأدلة لتشويه الآخر واتهام نواياه والطعن في مقاصده، ثم
يحشد المحاور مع الأدلة الأتباع المقربين عبر تعبئة عامة مفادها أن من ليس منا
فهوعلينا وأنه لا يمكن بناء كياننا إلا عبر تدمير كيانات الآخرين! ! .
ويبدأ الأسلوب العجيب في التصنيف؛ فيدان الفرد عبر تصنيف خاطئ
متعسف، ثم يدان كل شخص ينتسب إليه مجرد انتساب.. فتكون النتيجة الحتمية
هي ضمور الحوار الإيجابي، ثم يتطور الأمر عبر الروح الانفعالية ليصل إلى
موت الحوار تماماً.. ومن ثم: تحدث الفرقة المقيتة والتصارع المخزي.. تلك
الفرقة وذلك التصارع اللذان ينتجهما الزهد في سماع الآخر، فضلاً عن الرغبة في
التعاون معه بسبب من أخطر أمراضنا الحوارية وهو: التصنيف المتعسف.
الذوات المتورمة:
الإحساس بالذات في إطار إنجاز حقيقي، قد يكون أمراً مقبولاً.. أمّا الشعور
بتضخم الذات مع العجز والفشل فهو ما نقصده بمرض الذوات المتورمة؛ يرمونهم
بالسطحية، وضيق الأفق، والخلو من عمق الفهم.. بل إنهم يرون الآخرين
قاصرين في تفكيرهم، لم يصلوا بعد إلى النضج الذي وصلوا هم إليه! ! .
إنهم يرون أنفسهم الأساتذة الذين يفهمون كل شيء، ويعرفون كل الأمور! !
إنهم يرون أنفسهم أساتذة يجب أن يُعَلِّموا ولا يتعلّموا، ومن ثم: لا يقبلون
الاستماع إلى الآخر أيّاً كان هذا الآخر وإذا جلس أحدهم في حوار مضطرّاً، فهو
يحس في أعماق نفسه أنه أعلى من المكان الذي يجلس فيه، وأنه لا حاجة له في
سماع ما يقوله الآخر! !
إن الواحد من هؤلاء يمارس ما لا يصلح له من العلوم دون تأهل اغتراراً
بقدرته وذهولاً عن حقيقة علمه ومجاله، وتسمعه يتكلم فيما لا يحسنه، ولم يبلغ
الدرجة التي تؤهله للخوض فيه وإبداء الرأي في مسائله، فيضع الأمور في غير
موضعها فيضل ويضل [٦] . ويدفعه تورم ذاته إلى ترك الحق الذي عليه الآخر،
كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ : الكبر: مَنْ بَطِرَ الحق
وغَمَطَ الناس [٧] ، ولا شك أن هذا الصنف من المحاورين لا يمكن أن يكون
حوارهم إلا فرصة لتورم ذواتهم، وليس لحل المشكلات أو الاختلافات المعروضة
للحوار، ولذلك تراهم يستبدون بآرائهم، ويسرقون الأدلة والبراهين لتسفيه الآخر
والتهكم منه والاستخفاف به، مع اعتقاد خفي بأن ما يصدر عنهم سداد لا خطأ فيه،
وأن ما يصدر عن الآخرين خطأ لا سداد فيه، ومن ثم: يعز عليهم الرجوع عما هم
عليه، فيبقون على أخطائهم لا يجدي معهم تفهيم ولا محاورة! !
إن المحاور أجدر الناس بالبعد عن الكبر بشتى صوره، فإن الطرف الآخر إذا
رأى منه ازدراءً له واحتقاراً بالقول أو الفعل فإن ذلك ينفره منه، ويؤدي إلى
كراهته وكراهة ما عنده من الحق، لأن الناس جبلوا على محبة المتواضعين
وكراهية المتكبرين [٨] ، وما أفسد علينا أكثر حواراتنا إلا التعالي على الآخرين
وتجاهلهم والزهد فيما عندهم بسبب أحد أمراضنا الحوارية، وهو مرض تورم
الذات.
النظرة الأحادية:
النظرة الأحادية هي لون من ألوان الأمراض الحوارية التي يمكننا أن نطلق
عليه: عمى الألوان، حيث تسيطر على صاحبه فكرة واحدة، يرفض ما عداها من
الأفكار.. ففكرته في حقيقتها سجن يمنعه من الاطلاع على أفكار الآخرين،
ونظرته عمى يحول بينه وبين رؤية البدائل المطروحة من الآخرين، فضلاً عن
الإفادة منها.
إن أصحاب النظرة الأحادية يرون أنهم يملكون كل المعرفة، بينما لا يرون
أن الآخرين يمكن أن يملكوا ولو جزءاً من هذه المعرفة.. وحالهم في ذلك يشبه حال
من ذكرهم الإمام الغزالي في الإحياء في قصة رمزية تستحق التأمل مفادها: أن
ثلاثة من العميان أُدخلوا على فيل ولم يكونوا عرفوه من قبل فوضع أحدهم يده على
رجله، ووضع الآخر يده على ذيله، ووضع الثالث يده على بطنه، فلما خرجوا
سألوهم: ما الفيل؟ فقال الأول: الفيل: كسارية المسجد، وقال الآخر: الفيل:
كخرطوم طويل به شعر كثيف، وقال الثالث: الفيل: الجبل العظيم الأملس..
فأدخلوا مرة أخرى على الفيل، وأمسكوا بجميع أجزائه، وعندها ضحكوا من
تعريفاتهم السابقة للفيل، واستطاعوا أن يصفوه على حقيقته.
وهكذا أصحاب النظرة الأحادية، يرى الواحد منهم جزءاً من الحقيقة، ويظن
أنه يرى كل الحقيقة؛ فيصف الأمور بغير أوصافها.. فإن حدّثه الآخر عن بقية
الحقيقة التي يجهلها، لم يكلف نفسه مجرد محاولة التعرف على ما يريد الآخر قوله، بل يَنْقَض عليه متهماً إياه بالضلال والانحراف والجهل.. ولا يترك له فرصة
الحوار، بل يسعى لمصادرة آرائه والحجر عليه، فيصم أذنيه ويغلق عينيه، فلا
يسمع له رأياً ولا يقبل له طرحاً.. هكذا.. مهما بلغ الآخر من الفهم والتخصص
فيما يحدثه فيه ويعرضه عليه! !
إن النظرة الأحادية هي نظرة تفتقد إلى الشمولية والتوازن وضبط النسب،
ولذلك: فهي من المعوقات الكبيرة في طريق نجاح حواراتنا، فهل نتخلص منها؟
الحجة الدائرية:
إذا كانت الحجة الرأسية هي إحدى ميزات الحوار.. وكانت الحجة الأفقية
هي من عيوب الحوار [٩] ، فإن من معوقات الحوار ما يمكن أن نطلق عليه:
الحجة الدائرية.. فما هي تلك الحجة؟
إن الحوار مثلاً يكون حول المستوى التربوي لأفراد الحركة الإسلامية،
فيطلق أحد المتحاورين حكماً عامّاً بأن المعاصرين منهم ليسوا على مستوى
القدامى.. فيعترض الثاني ويسمي اثنين أو ثلاثة من أفراد الحركة الإسلامية المعاصرين.. وهنا يقول الأول: نعم.. ولكني لا أرى أن من ذكرتهم من المعاصرين بالمعنى الصحيح.. فيجيبه الثاني: وكيف تميز المعاصرين من القدامى؟ فيرد الأول: باستطاعتك أن تعرفهم بمستواهم التربوي الفائق!
وهكذا.. يعود الحوار إلى المكان نفسه الذي بدأ منه وكأنه يسير في دائرة! ! .
ولا شك أن أصحاب هذه الحجة الدائرية يغلب عليهم التنظير والسفسطة، مع
قلة من طرق مسدودة.
ومن هذه المغالطات الحوارية: أن يعمد أحدهم إلى فكرة الآخر فيقطعها أجزاءً
صغيرة، ثم يخضع كل جزء لامتحان دقيق ليظهره بلا قيمة وبلا فائدة، فإذا انتهى
من جميع أجزاء الفكرة خلص إلى تفاهة فكرة الآخر على الجملة! !
ومن مغالطات أصحاب الحجة الدائرية: أنهم يحاولون إحراق الجزئيات
بعرض الكليات.. فإذا تحدث المحاور عن ضرورة الحجاب مثلاً، تأوه هؤلاء
وبدؤوا في عرض آلام الأمة وأحزانها ليحيدوا عن مواجهة الموضوع الأساس
للحوار [١٠] .
ومن مغالطاتهم أيضاً: أن يستدل الواحد منهم على ما يراه بمؤهلاته العلمية،
أو قناعته الشخصية، أو يمينه المغلظة.. هكذا، وكأن مؤهلاته تصلح بديلاً عن
الحجة الواضحة.. أو أن قناعته الشخصية يمكن أن تحل محل الفكرة المقنعة.. أو
أن يمينه المغلظة يمكن أن تكون دليلاً؟ !
وهكذا تتعدد المغالطات الحوارية من الاحتجاج بالواهيات من الأدلة إلى
الاحتجاج بالكثرة من الدهماء على الباطل لمجرد كثرتهم.. إلى غير ذلك.
ومن طرائف هذا الصنف من المحاورين: ما حكاه الماوردي ﵀ قال: رأيت رجلاً يناظر في مجلس حفل، وقد استدل عليه خصمه بدلالة صحيحة،
فكان جوابه أن قال: إن هذه دلالة فاسدة؛ ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما
لم يذكره الشيخ لا خير فيه! ! [١١] .
فتأمل (رحمك الله) هذه الحجة وأمثالها مما لا يفيد معها منطق ولا يجدي معها
برهان.. ألا ترى أن الحوار لا يمكن معها الاستمرار فيه؟ وأن النتيجة البدهية لها
هي دوران الحوار في حلقة مفرغة بسبب من ترك محكمات الأدلة إلى متشابهاتها،
بل إلى ما ليس من الأدلة، وإنما هو حجة وهمية نطلق عليها جدلاً الحجة
الدائرية ...
*وثمة معوقات أخرى لا توقف الحوار فقط، بل يصبح الحوار معها أمراً
مستحيلاً، نذكر منها أحدها لكي ندرك أنه مع التزامنا بضوابط الحوار، وإتقاننا
لأساليبه، ومعرفتنا بمعوقاته.. فإن كل هذا لا يعني بالضرورة قبول الآخر لما
نقول من أفكار أو نعرض من آراء..
وهذا العائق هو..
كراهية الآخر:
في بعض الحوارات يظهر الحق جليّاً، ولكن يبقى صراع الآخر قائماً بتأثير
عوامل نفسية لا يجدي معها دليل ولا منطق.. ومن هذه العوامل النفسية: كره
المحاور لمن يحاوره، ذلك الكره الذي يدفعه إلى رفض ما عنده وإن كان صواباً..
وذلك كحال اليهود مع النبي ﷺ ؛ فقد كانوا يعرفون الحق قبل
ظهوره ﷺ ، فلما جاءهم هو به لم ينقادوا له حسداً وكرهاً.
إن من يدخل الحوار وقد انطوت نفسه على كره الآخر تراه يشتد في الحوار
حول ما يعرضه الآخر عليه من أمور لو أتته من غير هذا المحاور لقبلها بلا
جدال.. ومن هنا: فإن أمثال هذه الحوارات تفتقد الاعتماد على الحجة، بل هي في الحقيقة حوارات (طرشان) لا يسمع طرفٌ فيها الآخر، وإنما يتفنن كل طرف في أساليب العداء تجاه الآخر، تلك الأساليب التي تبدأ بوصم المخالف بأقبح الألقاب وأحط الأسماء، ثم تنتقل خطوة أخرى في العداء: فيبدأ المكر والكيد والتربص بأمر السوء حتى يصل العداء إلى أسلوب لأقتلنك حيث يرى الآخر أن قتل محاوره هو البديل للحجة والبيان، فيحل السيف والسنان محل القلم واللسان، ... وتصبح المواجهة الوحشية والإرهاب والعدوان هي وسائل التحاور.. أو إن شئت قلت: وسائل فرض الرأي على الآخر..
وهكذا يعود الحوار إلى جاهلية الفكر التي واجهها رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- بالدعوة لتدبر الأمور والتفكر فيها، بينما يريد من يتربص بنا السوء من بني
جلدتنا أن يرجعونا إلى التحاور وفق ضوابطها في الصراع والتناحر، وعبر
أساليبها التي تحرق جسور التواصل بين المتحاورين لتصل بهم إلى الفرقة والتشرذم
والشتات والعار..
وبعد..
فهذه المقالة ليست رأياً لي أسجله، وإنما هي محاولة للمشاركة في تغيير واقع
حواراتنا عن طريق الكلمة المكتوبة.. ولست أدعي لهذه المحاولة الكمال، وإنما
هي خطوة على الطريق يعوزها التواصل المستمر.
فلتكن هذه المقالة دعوة للكتابة المستمرة والتذكير الدائم بقواعد الحوار وفنون
التحاور.
ولتكن هذه المقالة وصية لي ولإخواني بعدم الانقطاع عن الكتابة في هذا
الموضوع المهم تحت دعوى أننا عذرنا أنفسنا، وأدينا أمانة الكلمة بما كتبناه ذات
مرة حول لمحات في فن الحوار.
стр. 1971
سياسة شرعية
العلاقات والحصانات الدبلوماسية
في الفقة الإسلامي والقانون الدولي
(١)
بقلم: علي مقبول
نبذة تاريخية عن أهمية التمثيل الدبلوماسي:
قبل البدء في أخذ فكرة تاريخية مختصرة عن التمثيلالدبلوماسي، لابد لنا من وقفة لتعريف الدبلوماسية:
- ما أصل تسميتها؟ ، وما حدها؟ .
- وما موضوعها؟ .
* أصل تسمية الدبلوماسية:
إن هذه الكلمة مشتقة من الفعل اليوناني (Diploma) ومعناه (طوى) ، وكانت تطلق في العهد الروماني على الوثائق التي
كانت تطوى (طيتين) ، كجوازات السفر، وتذاكر المرور، أو الوثائق والصكوك
الصادرة عن الملوك والأمراء، والمتضمنة منح شخص ما توصية خاصة، أو
امتيازات استثنائية.
ثم أصبحت هذه الكلمة تطلق على الأوراق والوثائق الرسمية، أو تلك التي
تتضمن نص الاتفاقات أو المعاهدات المعقودة [١] .
وقد دخلت هذه الكلمة المعجم الدولي منذ أواسط القرن السابع عشر حين حلت
محل كلمة المفاوضة (Negotiation) ، وقد تطور مدلول الدبلوماسية مع الزمن
وأصبح يشير إلى معانٍ شتى [٢] .
* المفاهيم المختلفة لكلمة الدبلوماسية:
لقد اختلف أساتذة القانون الدولي خاصة منهم الذي اهتم بدراسة العلاقات الدبلوماسية في تحديد معنى الدبلوماسية، وسنشير إلى أهم الآراء في تعريف هذه الكلمة:
١- الدبلوماسية هي: علم علاقات الدول ومصالح كل منها، أو: فن التوفيق
بين مصالح الشعوب، وبشكل أدق: علم وفن المفاوضات [٣] .
٢- وقيل: فن وعلم معالجة الشؤون الخارجية الدولية [٤] .
وخلاصة القول: إن بعض الكُتّاب يستعمل الدبلوماسية بمعنى توجيه العلاقات
الدولية، وآخرون يقصدون بها: الأشخاص الذين يتولون الإشراف على العلاقات
الدولية في كل دولة، وقد استخدم المسلمون معاني هذه الكلمة في أول الأمر وسيلة
لنشر الدعوة الإسلامية، فقد بادر الرسول ﷺ إلى إرسال
الرسل، داعياً ملوك وأمراء زمنه للإسلام [٥] .
* تحديد موضوع الدبلوماسية:
يشتمل موضوع الدبلوماسية على دراسة المبادئ العامة والأساليب والأصول التي تتعلق بتمثيل الدول والعلاقات المتبادلة بينها.
والمسؤولون عن هذا التمثيل هم عادة رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات،
ووزراء الخارجية، والممثلون الدبلوماسيون، ومع أن الذين يقومون بالتمثيل فعلاً
هم المبعوثون الدبلوماسيون؛ إلا إن لكل من رئيس الدولة، ورئيس الحكومة،
ووزير الخارجية دوره في التوجيه حسب أهمية مركزه [٦] .
* نبذة تاريخية عن مراحل تطور الدبلوماسية:
يدل استقراء التاريخ أن المجتمعات السياسية تبادلت فيما بينها البعثات الدبلوماسية منذ أقدم العصور.
ففي سنة ٢٣٥٣ (ق. م) كان الإمبراطور ياو إمبراطور الصين يستقبل
مبعوثي البلاد المجاورة وفقاً لقواعد دقيقة ومراسيم مختلفة.
وعند الإغريق كانت المدينة هي الوحدة السياسية، وكان من الضروري أن
تدخل هذه المدن في مفاوضات وعلاقات فيما بينها، فكانت هذه المدن تحرص على
أن ترسل أبناءها الصالحين للتفاوض مع الآخرين.
أما الإمبراطورية الرومانية، فقد كان إرسال الرسل والسفراء عندها أمراً
شائعاً وطبيعياً، كما ساعد نشوء قانون الشعوب؛ وما احتواه هذا القانون من قواعد
تحكم علاقات الرومان بغيرهم على استقرار القواعد المتعلقة بالتمثيل
الدبلوماسي [٧] .
أما العصور الأوروبية الوسطى فإنها امتازت عن سابقتها العصور القديمة
بأنها عصور تدهور وتأخر.
ولا شك أن النظام الإقطاعي الأوروبي قد لعب الدور الأكبر في هذا التدهور
والتأخر في العصور الوسطى، ومن البدهي أن نظاماً كنظام الإقطاع يستند على
الحروب والانعزالية والجهل لا يكون فيه أي مكان لتبادل الممثلين وعقد المعاهدات
وإجراء المفاوضات [٨] .
أما عن الدبلوماسية في العصر الحديث التمثيل الدبلوماسي الدائم: فإن مؤتمر
(فيينا) لعام ١٨١٥م، وما أقره من قواعد دولية ثابتة يعتبر حجر الأساس في بناء
الدبلوماسية الحديثة، فقد اكتسبت بعده الخدمة الدبلوماسية أبعادها الخاصة بوصفها
مهنة مميزة عن حرفة السياسي، أو رجل الحكم، وأصبحت لها قواعدها،
وإجراءاتها، ومراسمها الخاصة بها.
ولم يكن من باب الصدفة اختيار (فيينا) بالذات لاجتماع مؤتمر الأمم المتحدة
للعلاقات والحصانات الدبلوماسية الذي بدأ أعماله في شهر مارس ١٩٦١م ففي
(فيينا) تم التصديق على أول اتفاق لتحديد الوضع القانوني للممثلين الدبلوماسيين
ومراتبهم [٩] .
- صورة التمثيل الدبلوماسي في عصر صدر الإسلام:
يعطي الإسلام أهمية عظمى للتمثيل السياسي وتأمين السفراء؛ لأنه عن
طريقهم يمكن أن تتعرف سائر الشعوب على تعاليم الإسلام، ومبادئه، ويسهل
تبادل المعرفة والتعرف على الحضارات، والصناعات، وسائر التحركات الموالية
أو المعادية [١٠] .
والسنة النبوية مليئة بالتصرفات النبوية التي تدل على اهتمام النبي -صلى
الله عليه وسلم- بالسفارات؛ ومن ذلك: الكتب والرسائل التي حملها رسُلهُ -صلى
الله عليه وسلم- إلى الملوك، والرؤساء، والأمراء، داخل الجزيرة العربية
وخارجها.
وأيضاً مما يدل على اهتمام النبي ﷺ بالسفارات:
استقباله لرسل أعدائه، ومعاملته لهم؛ وإكرام وفادتهم؛ وهذا دليل على مشروعية
السفارة؛ ومما يؤكد ذلك قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... ]
[المائدة: ١]
وقد جاء في تفسير العقود أنها ستة، منها: عقد الحلف [١١] ؛ ويراد به:
المحالفات، والمعاهدات؛ ولا شك أن عقدها يتم بوساطة السفارات التي يقوم بها
الرسل، ولما أفادت هذه الآية جواز المعاهدات، ومشروعية عقدها، فإن ما
يتوصل به إلى عقدها يكون مشروعاً وجائزاً [١٢] .
ومعروفة قصة أبي رافع وسفارته إلى النبي ﷺ ، وكذلك
قصة سفارة رسولي مسيلمة إلى النبي ﷺ .
ولقد اتسعت السفارة في عهد الدولة الأموية، وكان لها دور كبير في تثبيت
أركان الدولة وتعاليم الإسلام، وفي الفترات المحدودة التي ساد فيها السلام بين
الدولة الإسلامية والدولة الرومانية: كان هناك شيء من المراسلات، والسفارات،
ذات الطابع الثقافي، أو غيره؛ ومن ذلك: رسالة وردت من قيصر إلى معاوية
﵁ خليفة المسلمين يسأله عن أشياء، وقد أجابه معاوية عن ذلك [١٣] .
وقد بعث عبد الملك رسالة مع سفيره الشعبي إلى قيصر الروم، فأعجب
قيصر الروم أشد الإعجاب بعقلية الشعبي، فكتب رسالة خاصة إلى عبد الملك جاء
فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا الرجل كيف ملّكوا غيره [١٤] .
- الدبلوماسية في الدولة العباسية:
قامت الدولة العباسية عام ٧٥٠م، وقد تطورت العلاقات الدبلوماسية في ظل
الدولة العباسية تطوراً كبيراً، حيث أقيمت علاقات متطورة مع جميع الدول،
وبخاصة النصرانية في أوروبا، وكان أساس هذه السفارات تبادل السفراء،
كالسفارات بين الخليفة المنصور وكل من الملك بين ملك الإفرنج، وبين الخليفة
هارون الرشيد وشارلمان ملك الإفرنج عامي ٧٩٧ - ٨٠٢م، وبين الخليفة
المأمون والبيزنطيين.
والسفارة بين عضد الدولة وبين الإمبراطور باسيل، وقد تبودلت السفارات
في مناسبات مختلفة في عهد الخليفة المقتدر مع بيزنطة سنة ٩١٨ م، حيث أرسلت
بيزنطة سفارة تتكون من عشرين شخصاً، وقد احتفوا بهم وأطلعوهم على مباهج
العاصمة بغداد، وقصورها، والأماكن المهمة فيها.
وقد أرسل البلغار وفداً إلى الخليفة المقتدر سنة ٣٠٩هـ - ٩٢١م، للتفاوض
حول إرسال خبراء في بناء الحصون، وفقهاء الدين الإسلامي، وقد أرسل الخليفة
إليهم ذلك [١٥] .
الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في القانون الدولي:
تمهيد: المقصود بالحصانة الدبلوماسية، هو ما يتمتع به المبعوث الأجنبي
من حقوق وامتيازات في الدولة المرسل إليها، ويعتبر هذا الموضوع من أهم
مقومات الدبلوماسية [١٦] .
ولذلك: فالحصانات والامتيازات ليست في حقيقتها سوى استثناء يرد على
اختصاص الدولة، لأنه من المسلّم به طبقاً لنظرية السيادة للدولة الحق في أن
تمارس اختصاصها على كافة الأفراد الذين يقيمون على إقليمها، والهدف من
الحصانات والامتيازات الدبلوماسية هو إعفاء بعض الأشخاص من سلطات الدولة
واختصاصها القضائي [١٧] .
* التكييف القانوني للحصانات والامتيازات الدبلوماسية:
يتمتع الممثلون الدبلوماسيون بحصانات وإعفاءات متنوعة في الدول التي يباشرون فيها وظائفهم، وقد تضاربت النظريات حول المبنى القانوني لهذه الحصانات إلى ما يلي:
١- نظرية امتداد الإقليم: وهي تقرر أن رجل السلك الدبلوماسي حينما يوجد
في إقليم دولة أخرى يعتبر كأنه لا يزال في إقليم دولته، ومن ثم: لا يكون خاضعاً
لما يسري في إقليم الدولة التي يعمل فيها من قوانين.
ويعيب هذه النظرية: أنها قائمة على افتراض لا أساس له من الحقيقة،
ويؤدي إلى نتائج غير مقبولة، فقد استند إليها بعض السفراء في القديم للمطالبة
بإعفاءات تتناول الحي أو المنطقة التي توجد فيها السفارات أو المفوضيات.
٢- نظرية النيابة: ومقتضاها أن الممثل الدبلوماسي حين يباشر وظيفته إنما
ينوب عن رئيس دولته صاحب السيادة، ومن ثم: يتمتع بنفس الإعفاءات المقررة
لرئيس الدولة.
ويؤخذ على هذه النظرية: أنها تضيق عن تفسير ما يتمتع به الممثل
الدبلوماسي من حصانات خارج نطاق عمله الرسمي من جهة، ومن جهة أخرى:
فإن المسلّم به أن الممثل الدبلوماسي لا يتمتع بالمركز نفسه من حيث الإعفاءات
كرئيس الدولة الذي تقضي المبادئ العامة بأنه غير معصوم من الخطأ وتمتنع
مساءلته على أي وجه من الوجوه.
٣- نظرية الوظيفة: وهو الرأي الذي أيده كثير من المتخصصين في القانون
الدولي، وهو الذي يربط بين الحصانات وبين وظيفة الممثل الدبلوماسي، ويقرر
أن أساس الحصانة هو تمكين الممثل الدبلوماسي من مباشرة وظيفته التمثيلية وأداء
عمله دون عائق، وأن الحصانات مقررة للوظيفة ذاتها وليست لفائدة الممثل
الشخصية.
ولقد أخذت اتفاقية (فيينا) سنة ١٩٦١م، بنظرية الوظيفة؛ حيث قررت في
الديباجة أن الغرض من الحصانات ليس تحقيق فائدة الأفراد، بل ضمان الأداء
الفعال لوظائف البعثات الدبلوماسية باعتبارها ممثلة للدول.
على أن الإشارة إلى الصفة التمثيلية تفيد ضرورة مراعاة الصفة في تقرير
الحصانات الدبلوماسية.
ولما كانت الحصانات مرتبطة بالوظيفة وملازمة لها ولم تقرر لفائدة الممثل
الشخصية: فإنه يتفرع من ذلك أن الممثل الدبلوماسي لا يعفى من أحكام القانون
كلية بل هو يخضع لها بوجه عام، وإنما يمتنع فقط اتخاذ أية إجراءات إدارية أو
قضائية في مواجهته أمام السلطات الإقليمية، ويترك الأمر في هذا الشأن لسلطات
الدولة التي يتبعها، وذلك حتى لا يكون في اتخاذ هذه الإجراءات بواسطة الدولة
التي يباشر فيها وظيفته ما يعوق الممثل الدبلوماسي عن أداء عمله بحرية واطمئنان، ومن هذا أيضاً: أنه إذا ارتكب جريمة أو أمعن في انتهاك القانون الوطني،
فللدولة أن تطالب من دولة المبعوث الدبلوماسي استدعاءه، بل يجوز لها أن تطرده
من الإقليم [١٨] .
* ماهية الحصانات والامتيازات الدبلوماسية:
تمهيد: جرى العرف الدولي على تمتع الممثلين الدبلوماسيين بامتيازات عديدة
بعضها خاص بأشخاصهم، وبعضها خاص بأملاكهم وبدور الوكالات السياسية.
وقد تقررت لهم هذه الامتيازات تحقيقاً لاستقلالهم، وحتى لا تمنعهم من القيام
بمهمتهم على أتم وجه.
مع أنه يجب أن يلاحظ فيما يتعلق بهذه الامتيازات، التي سنشرحها تفصيلاً
إن شاء الله أن التمتع بها قاصر على الممثلين الدبلوماسيين الدائمين، تمييزاً لهم عن
الذين يُنتدبون لأداء مهمة خاصة أو لتمثيل دولتهم في مفاوضة أو ما أشبه ذلك،
فهؤلاء الأخيرون لا يتمتعون قانوناً بأي إعفاء.
وسنبين هذه الامتيازات إجمالاً، ثم نتحدث عنها بعد ذلك بشيء من التفصيل، ثم نتحدث عن موقف الشريعة الإسلامية من هذه الحصانات والامتيازات.
وهذه الحصانات والامتيازات بالنسبة للممثلين الدبلوماسيين التي قررها
القانون الدولي يمكن ذكرها إجمالاً فيما يلي:
١- واجب عدم التعرض لشخص الممثل الدبلوماسي، أو الحصانة الشخصية.
٢- عدم خضوع الممثل الدبلوماسي لقضاء الدولة المبعوث لديها، أو
الحصانة القضائية.
٣- عدم خضوع دار الوكالة ومحتوياتها للقضاء الإقليمي.
٤- الحصانة المالية، أو الإعفاء من الضرائب.
أولاً: الحصانة الشخصية للممثل الدبلوماسي:
تؤكد المادة (٢٩) من اتفاقية (فيينا) حصانة المبعوث الدبلوماسي، وتفصله
بقولها: تكون للممثل الدبلوماسي حصانة، ولا يجوز القبض عليه أو حجزه بأي
شكل من الأشكال، وتعامله الدولة المستقبلة بالاحترام الواجب، وتتخذ جميع
الإجراءات المعقولة لتمنع أي اعتداء على شخصه أو حريته أو كرامته.
ويفهم من هذه المادة: أن على الدولة المعتمد لديها المبعوث واجباً ذا شقين:
الشق الأول: أن تحرص من ناحيتها على عدم المساس بمكانة المبعوث بأي
صورة من الصور، فيتعين عليها معاملته بالاحترام الواجب لمركزه، وتجنب أي
فعل أو تصرف يكون فيه إخلال بهيبته أو امتهان لكرامته أو ازدراء لشخصه أو
تقييد لحريته، وبالأخص القبض عليه أو حجزه لأي سبب من الأسباب.
الشق الثاني: أن تكفل له الحماية اللازمة ضد أي اعتداء يمكن أن يوجه إليه
من الغير، أو أي فعل يكون فيه مساس بذاته أو بصفته.
وفي حالة وقوع اعتداء على المبعوث: يجب على الدولة المعتمد لديها أن
تجري ما يلزم لمؤاخذة أو معاقبة المسؤولين، وتعويض الضرر الذي يكون قد حدث.
ومراعاة مكانة ذات المبعوث الدبلوماسي واجبة ولو لم يتمسك بها فمكانته
تحميه على حد قول فوشي بالرغم منه، إذ هي مقررة لصالح دولته ضماناً لاستقلاله
في أداء مهمته المكلف بها من قبلها أكثر منها لصالحه الخاص.
وعلى رئيس البعثة الدبلوماسية إذا ما وقع عليه أو على أحد أعضائها اعتداء
أن يبلغ ذلك إلى الدولة المعتمد لديها، وعلى الدولة المعتمد لديها إجراء التحقيق
اللازم لذلك، ومجازاة المعتدي، وتقديم الترضية المناسبة، فإذا لم تهتم الدولة
المعتمد لديها بشكواه فإنه يبلغ ذلك لدولته لإجراء اللازم، وقد يطلب من الدولة
المعتمد لديها المغادرة على سبيل الاحتجاج.
ولكن ما الحكم إذا قام المبعوث الدبلوماسي برد الاعتداء الواقع عليه مباشرة؟
مما لا شك فيه أن الممثل الدبلوماسي يتمتع بحق الدفاع الشرعي عن النفس،
وعلى المبعوث هنا ألا ينسى طبيعة مهنته، وعليه أن لا يلجأ إلى الانتقام المباشر
إلا إذا كان في حالة دفاع شرعي عن النفس فعلاً [١٩] .
وأيضاً على الدولة الموفد إليها أن تمنع إهانة رجال السلك الدبلوماسي أو سبهم
أو التشهير بهم، ويذكر الشراح عادة أن حرية الصحافة تتقيد بهذا الشأن احتراماً
للقانون الدولي العام، ومع ذلك يجوز ممارسة حق النقد العادي في الصحف أو
الخطب [٢٠] .
ويتبع حرمة المبعوث الدبلوماسي، حرمة مسكنه وأمواله، ويكون مسكنه
بمنأى عن التعرض من جانب سلطات الدولة أو من جانب الغير، وعلى الدولة
المعتمد لديها أن توفر الحماية الكافية لمسكن المبعوث الدبلوماسي، وتمشياً مع هذا
الاعتبار تنص المادة (٣٠) من اتفاقية (فيينا) على أنه: يتمتع المسكن الخاص
للممثل الدبلوماسي بنفس الحصانة والحماية المقررة لمباني البعثة.
وتتمتع أيضاً وثائقه ومراسلاته، وكذلك ممتلكاته، باستثناء ما ورد في
الفقرة (٣) من المادة (٣١) بنفس الحصانة، وسيأتي ذلك مفصلاً إن شاء الله عند الحديث عن الحصانة عن دار الوكالة السياسية [٢١] .
ثانياً: الحصانة القضائية:
تحدثت المادة (٣١) من اتفاقية (فيينا) عن الحصانة القضائية فقالت:
١- يتمتع الممثل الدبلوماسي بالحصانة إزاء القضاء الجنائي للدولة المستقبِلة، كما يتمتع بالحصانة إزاء القضاء المدني والإداري لنفس الدولة، فيما عدا الأحوال
الآتية:
أ- دعوى عينية متعلقة بعقار خاص واقع في الدولة المستقبلة، إلا إذا كان
الممثل الدبلوماسي يتمتع بحق ملكيته لحساب حكومته من أجل أغراض البعثة.
ب- دعوى متعلقة بتركة يكون الممثل الدبلوماسي قد عين منفذاً أو مديراً لها،
أو يكون وارثاً أو موصى له بصفته الشخصية وليس باسم الدولة المرسلة.
ج- دعوى متعلقة بمهنة حرة أو نشاط تجاري أيّاً كان نوعه، حين مزاولة
الممثل الدبلوماسي في الدولة المستقبلة له خارج نطاق مهامه الرسمية.
٢- لا يلزم الممثل الدبلوماسي بأداء الشهادة.
٣- لا يجوز اتخاذ أي إجراء تنفيذي حيال الممثل الدبلوماسي، إلا في
الحالات الواردة تحت البنود أ، ب، ج من الفقرة (١) من هذه المادة، وبشرط ألا
تمس هذه الإجراءات مكانة شخصه أو سكنه.
٤- حصانة الممثل الدبلوماسي بالنسبة لقضاء الدولة المستقبلة لا تعفيه من
الخضوع لقضاء الدولة المرسلة [٢٢] .
ومن هذه المادة نرى أنه لم يرد في اتفاقية (فيينا) تعريف محدد للحصانة
القضائية، ولهذا: فقد ذهب القانون إلى أن المقصود بالحصانة القضائية هو:
إعفاء أو استثناء أو عدم خضوع المبعوث الدبلوماسي للاختصاص القضائي المحلي.
ولكن قد يستدرك سائل فيقول: إن الأخذ بالتعريف السابق ينطوي على نقص
في سيادة الدولة المبعوث لديها الممثل الدبلوماسي!
وأجيب عن هذا التساؤل: أن المقصود بالحصانة القضائية هو الحصانة من
ممارسة الاختصاص، أي: إن عدم خضوع المبعوث الدبلوماسي لاختصاص محاكم
الدولة المستقبلة، لا تجعله فوق قوانين تلك الدولة، فالحصانة من الاختصاص
القضائي لا تعني الحصانة من المسؤولية، إذ تبقى مسؤوليته قائمة، وإن ما يترتب
على الدفع بالحصانة هو اختلاف المحاكم التي تتولى الفصل في الدعوى، إذ ينقل
هذا الاختصاص من محاكم الدولة المستقبلة إلى محاكم الدولة المرسلة.
وعلى ذلك يمكن القول إن المقصود بالحصانة القضائية: نقل الاختصاص
القضائي من محاكم الدولة المستقبلة إلى محاكم الدولة المرسلة في الدعوى التي
يكون أحد أطرافها مبعوثاً دبلوماسياً.
ويتحدد نقل الاختصاص في الدعاوى المدنية المقامة على المبعوث الدبلوماسي
وفقاً لأحكام القانون الدولي الخاص، باعتبار أن المبعوث الدبلوماسي شخص أجنبي
يخضع لأحكام تحديد الاختصاص الواردة فيه.
ويتحدد نقل الاختصاص في الدعاوى الجزائية وفقاً لقاعدة: شخصية القانون
الجزائي، التي تقضي بخضوع أفراد الدولة لأحكام قوانينها بغض النظر عن مكان
وقوع الجريمة [٢٣] .
ومما سبق يتبين لنا: أن رجال السلك الدبلوماسي لا يخضعون لولاية الحاكم
في الدولة الموفد إليها بالنسبة لما يرتكبونه من جرائم على اختلاف أنواعها سواء
أكانت: جنايات، أو جنح، أو مخالفات.
ولا يجوز اتخاذ أي إجراء قضائي من قبض وتحقيق وتوجيه اتهام ومحاكمة
ضد أحد رجال السلك الدبلوماسي.
ولكن يحق للدولة الموفد إليها في القضايا الجنائية أن تبلغ دولة المبعوث
المخطئ طالبة سحبه ومحاكمته، وكذلك بإمكان المجني عليهم في الدولة الموفد إليها
التقدم بالشكاوى لوزارة الخارجية للدولة المستقبلة حتى تتخذ الإجراءات الدبلوماسية
اللازمة، وقد تطالب الأخيرة برفع الحصانة عنهم حتى تتمكن من تحقيق العدالة.
أما القضاء المدني: فيذهب الرأي الراجح في القانون إلى تقييد الإعفاء من
القضاء المدني، وذلك بالاستثناءات الواردة في المادة (٣١) في الفقرة (١)
وتشمل: أ، ب، ج [٢٤] .
стр. 1972
المسلمون والعالم
نعم..
قامت الجامعة العربية بدورها !
بقلم: عبد العزيز كامل
بعد أن انفض سامر الاحتفال بذكرى مرور خمسين عاماً على إنشاء جامعة
الدول العربية، وبعد أن أفرغ المتحدثون ما في جعبتهم من مدحٍ أو قدح، ومن ثناء
أو هجاء، ها نحن ندلي بما نراه في هذا الشأن، لا احتفالاً بهذه الذكرى، ولا
احتفاءً بيوبيلها الذهبي، ولكن إحقاقاً لحق ينبغي قوله، وتسجيلاً لشهادة لابد منها.
ولابد لنا من استحضار مشاهد سريعة من التاريخ الحديث، لاستظهار شواهد
من واقع مرحلة البدء التي تمخضت عن ميلاد فكرة الجامعة العربية، ذلك أنه في
أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر، بدا أن دولة الخلافة
العثمانية قد أصبحت مرشحة للسقوط، بسبب ما اعتراها من خلل في البنيان ودَخَل
في المنهج، هذا في الوقت الذي كانت فيه دول العالم النصراني تتطلع إلى سقوطها
وإلى موت (الرجل المريض) لاقتسام تركته، وكان اليهود أيضاً يتشوقون للحدث،
ويرمقون الأحوال بشغف، عسى أن ينالهم نصيب من قسمة الميراث.
وفي أواخر حياته، سمع تيودور هرتزل (مؤسس فكرة الدولة اليهودية)
بحركة تدعو إلى تجديد شباب الخلافة الإسلامية، وأطلقت هذه الحركة على نفسها
(حركة الجامعة الإسلامية) ، وكان من دعاتها الشيخ محمد رشيد رضا، فاغتم لهذه
الحركة، وسرعان ما حركه حسه اليهودي الماكر من الاغتمام بالخبر إلى السعي
إلى اغتنامه، وخطر له أن يجري اتصالاته لإقحام النصارى في المناداة بتحرير
العرب من (استعمار) الترك، ولينادوا ب (القومية العربية) في مقابلة (القومية
التركية الطورانية) التي رفع يهود تركيا عقيرتهم بها، وكان أن اتصل هرتزل
بنجيب عازوري لمحاولة دمج حركته المسماة (اليقظة العربية) مع حركة (الجامعة
الإسلامية) ، ثم حدث أن قامت الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤م، ليكون من أهم
نتائجها: هزيمة تركيا، والقضاء على دولة الخلافة العثمانية، وما هي إلا أعوام
ثلاثة حتى صدر وعد بلفور (وزير خارجية بريطانيا) بمنح اليهود وطناً قوميّاً في
فلسطين، ثم تقوم الحرب العالمية الثانية، التي كان من أهم نتائجها، تقسيم بلاد
العرب بين انجلترا وفرنسا، بمقتضى اتفاقية (سايكس بيكو) وزيري خارجية
البلدين، وهكذا انفرط العقد الذي كان يجمع البلدان العربية والإسلامية برباط
الإسلام، وأصرّ الأعداء على إيجاد رابطة بديلة لرابطة الانتماء للإسلام، وراج
الكلام وزاد الضجيج حول (رابطة العروبة) بدلاً من (رابطة الإسلام) ، و (الجامعة
العربية) بدلاً من (الجامعة الإسلامية) .
وفي ٢٩ مايو عام ١٩٤١م، أدلى السياسي البريطاني المخضرم إيدن
بتصريح في مجلس العموم البريطاني، عبّر فيه عن استعداد بريطانيا لاحتضان
الدعوة لإنشاء الجامعة العربية، وقال: إن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم
لتحقيق فكرة (جامعة عربية) وقال: إنه سيكون لبريطانيا شرف السبق إلى تحقيق
هذا المطلب! .
وفي مصر، ندب حزب الوفد المصري (أعرق الأحزاب العلمانية) نفسه
لتنفيذ الفكرة، فدعا زعيم الوفد مصطفى النحاس إلى إنشاء مؤتمر يبحث فكرة
التنسيق بين الدول العربية، لترسيخ المبدأ القومي ثم الوطني على أساس الانتماء
للعروبة، واقترح تشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر لهذا الشأن.
وبالفعل: جاء اليوم الذي أعلن فيه عن تأسيس (الجامعة العربية) بعد أن
أجهض اليهود والنصارى والعلمانيون مشروع (الجامعة الإسلامية) وأعلن في ٢٢
مارس عام ١٩٤٥م، عن تأسيس الجامعة لتكون (القاهرة) مقرّاً لها، في وقت كانت
مصر فيه لا تزال تحت الاحتلال الإنجليزي الذي أعطى الضوء الأخضر لقيام
الجامعة التي تستطيع التعامل من خلالها مع العرب بأنها ليست ضد أماني العرب
في (الوحدة) ، وأدركت أنها من خلال سيطرتها على مصر، وسيطرة مصر على
الجامعة، ستستطيع تمرير ما تتطلبه المرحلة من مناورات ومؤامرات.
لقد ولدت الجامعة إذن لغرض واضح من البداية: سلخ العرب المسلمين عن
المسلمين غير العرب، لا لإعزاز العرب بغير الدين، ولكن طمعاً في إذلال الدين
بذُل العرب. لهذا: فقد كان مرسوماً منذ البداية أن تكون الجامعة تجسيداً للذل
العربي، فهل نجح البريطان - ومن بعدهم الأمريكان - في إنجاح الجامعة في هذه
المهمة؟ !
لنتأمل معاً ... ماذا أعلنت الجامعة من أهداف؟ وماذا تحقق منها في عالم
الواقع؟ ما الذي تحقق لمصلحة العرب؟ وما الذي تحقق لمصلحة أعداء العرب؟ .
لقد نص ميثاق الجامعة على عدد من الأهداف الكبيرة، فلنراجعها، ولنراجع
نتائجها بعد خمسين عاماً من إنشاء الجامعة وتوقيع ميثاقها:
أولاً: استكمال تحرير البلاد والشعوب العربية من الاحتلال الأجنبي:
لاحظ التعبير: الشعوب (العربية) والعربية فقط! وماذا إذن عن الشعوب
الإسلامية؟ ! لا ضير من احتلالها ما سلمت بلاد العرب، ومع هذا، هل سلمت
بلاد العرب وتحررت شعوب العرب من الاحتلال الأجنبي؟ نسأل بعد خمسين عاماً
من إعلان الميثاق ونترك الجواب للشعوب التي لا يزال يسيطر عليها الأجنبي
ويخضعها لمعسكره، بعد أن كانت خاضعة فقط لعسكره، نعم، لقد انتهى عصر
سيطرة العسكر، وبدأ منذ زمان عصر سيطرة المعسكر، ومع هذا أيضاً: فلا يزال
من بلاد (العرب) في ظل جامعة العرب، مَنْ لا يزال باقياً تحت سيطرة أذل
العسكر (اليهود) ، وأسألوا فلسطين التي وضعت الجامعة بصمتها على صك بيعها
في المعاهدات السلمية، بعد خمسة حروب، هُزمت جيوش العرب في أولاها سنة
١٩٤٨ وغابت في الثانية عام ١٩٥٦، وسحقت ونكست في الثالثة عام ١٩٦٧،
وسحبت منها الثمرة في الرابعة ١٩٧٣م، بينما تفرج عليها العالم وهي ساكتة
صامتة في الخامسة عام ١٩٨٢م، حيث اجتاح اليهود جنوب لبنان في حرب من
طرف واحد! .
ثانياً: كان من أهداف الجامعة العربية المعلنة، تحقيق فكرة الدفاع العربي
المشترك , وهذا يعني في أبسط معانيه: وجود جيش عربي قوي موحد، أو على الأقل: جيوش عربية قوية بينها تنسيق لرد أي أطماع من الغير، فهل هذا حاصل الآن بعد خمسين عاماً؟ ! لقد تم في عام ١٩٥٠م توقيع معاهدة: الدفاع العربي ... المشترك، وتم تشكيل مجلس للدفاع المشترك، ولكن هذه المعاهدة تم إيقاف العمل بها منذ ست عشرة سنة، كما تم إلغاء مشروع الإنتاج الحربي بدعم من الدول العربية مجتمعة، ولكن بعض لجان مجلس الدفاع المشترك لم تُلغَ، وإنما ... أُبقيت كرمز، وسمح لها باستئناف نشاطات من قبيل: رعاية الدورات الرياضية، وإصدار المعاجم العسكرية التاريخية والجغرافية! ونحو ذلك.
ثالثاً: كان من الأهداف المعلنة: تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية، وإقامة
سوق عربية مشتركة.
هل تحققت للعرب وحدة اقتصادية تحت مظلة الجامعة العربية؟
لقد أعلن في عام ١٩٦٢م، عن مشروع (الوحدة العربية الاقتصادية) ونص
المشروع على أن لرعايا الدول الموقعة حرية انتقال الأشخاص، ورؤوس الأموال،
وتبادل البضائع، والإقامة، والعمل، والترانزيت ... إلخ، وبعد عشر سنوات
كاملة من إعلان الاتفاقية، أُلغيت بعد تقويمها ومراجعتها ثم الحكم بفشلها. وأُرجع
سبب الفشل في حينه إلى أن: الأهداف كانت طموحة جداً..! !
أما السوق العربية المشتركة، فنسمع عنها فقط في إذاعة بلاد (واق الواق)
والصحف التي تتحدث عن الغول والعنقاء والخل الوفي! .
رابعاً: إحكام المقاطعة العربية ضد إسرائيل:
وهو هدف، استمرت الجامعة في المحافظة على إعلانه، وظلت المقاطعة
قائمة في العلن، حتى قوطعت من بعض أعضاء الجامعة العربية، وبدون إذنها،
وصدرت القرارات برفع المقاطعة كلياً أو جزئياً، وبرز مصطلح التطبيع بدلاً منها، ولا نكاد نسمع الآن بعد خمسين عاماً أن هناك من يتعاطف مع قطع العلاقات
السياسية فضلاً عن الاقتصادية، بل صار الرائج والسائد (المسارعة) بدل
(المقاطعة) ! فالكل يتلهف على فتح الأسواق أمام بضائع اليهود.
خامساً: ومما تم إعلانه من الأهداف قديماً:
إنشاء محكمة عدل عربية للنظر في فض المشكلات التي (ربما) تنشأ بين
الدول الشقيقة، فتكون المحكمة موئلاً لفض المنازعات بدلاً من اللجوء إلى المحاكم
الدولية، وقد نصت المادة (١٩) على ضرورة إنشاء تلك المحكمة.
ولكننا لم نسمع حتى الآن عن مشكلة واحدة عرضت على تلك المحكمة، لا
لأن العرب لم تنشأ بينهم خلال خمسين عاماً (لا قدر الله) أي مشكلة (! !) ، ولكن
لأن هذه المحكمة لم تعقد أي جلسة، ولسبب بسيط، وهو أن هذه المحكمة لم تُشكل
أصلاً.
سادساً: أعلنت الجامعة في ميثاقها عن أهمية ضمان حقوق الإنسان العربي:
لم يختلف العرب في أمر مثل اختلافهم في هذه القضية، حيث ظهر أن لكل
طرف عربي فهماً خاصاً لحقوق الإنسان، وقد جاءت الإشارة إلى حقوق الإنسان
في ميثاق الجامعة مجملة ومبهمة، ومع هذا: لم تجتمع الآراء في هذه القضية،
حتى إنه قد تشكلت في عام ١٩٦١م، لجنة للنظر في تعديل ميثاق الجامعة فيما
يتعلق بحقوق الإنسان العربي، إذ اختلفت بعض الدول في مجرد تبني الجامعة
(حقوق الإنسان) في بلد عربي كهدف من أهدافها! واعتبرت دول أخرى هذا الأمر
من حقوق السيادة، وأنه من الأمور الخاصة بكل دولة، حيث لها الحق في معاملة
رعاياها بما تراه ملائماً، وبعد أخذ ورد، انتهت المداولات إلى إعلان وثيقة
(وعظية) تدعو إلى احترام حقوق الإنسان (العربي) وصدر ما يسمى ب (إعلان
حقوق الإنسان العربي) كصدىً خافت ونقع باهت لـ (إعلان حقوق الإنسان) في
الأمم المتحدة، ومع هذا: تناقضت وجهات النظر حيال الإعلان العربي، ووجهت
إليه سهام النقد، حتى انتهت إلى الإلغاء والنقض! .
وإذا كان هذا هو شأن الجامعة مع أهدافها الكبرى، فماذا يا ترى سيكون حالها
مع الأهداف الأدنى منها؟ إن نظرة واحدة على المشروعات والاتفاقيات
والطروحات التي أعلنت عنها الجامعة دون أن تحقق منها شيئاً، لتصيب الإنسان
بالدهشة، وتدفعه للتساؤل: لماذا هذا الإصرار على الفشل؟ ! ولماذا يقترن الفشل
دائماً ب (العروبة) في مشروعات (بيت العروبة) كما يحلو لهم أن يسموه؟ !
اتفاقيات فاشلة، مشروعات فاشلة، أطروحات فاشلة ...
ففي عام ١٩٥٨م أُعلن عن مشروع لإنشاء مصرف للتنمية العربية.
وفي عام ١٩٦٠م أُعلن عن تشكيل المجلس الاقتصادي العربي.
وفي عام ١٩٦٢م أُعلن عن توقيع اتفاقية للوحدة العربية.
وهذه الاتفاقيات كانت حبراً على ورق، حيث لم يُر لها أي أثر في الواقع،
وهناك اتفاقيات أخرى أو مشاريع لم تر النور أصلاً، ولم تخرج من أدراجها ولو
لالتقاط الصور التذكارية بجانبها، من ذلك: إنشاء مجلس عربي للبحوث الذرية في
الأغراض السلمية، والاتفاقية العربية للتبادل التجاري وتنظيم التجارة لعام ١٩٥٣م، واتفاقية تسديد مدخرات المعاملات التجارية وانتقال رؤوس الأموال لعام ١٩٥٦م، واتفاقية توحيد التعرفة الجمركية ١٩٥٦م.
هذه أحوال الجامعة مع مشروعاتها وأهدافها النابعة من داخلها، فماذا عساها
أن تفعل مع مشاكلها المنبعثة من خارجها؟ إننا سنشير فقط مجرد إشارات لأبرز
التحديات التي واجهتها الجامعة، لا عبر سنيها الخمسين فهذا أمر يطول ولكن عبر
عقودها الخمسة.
ففي الأربعينات: وبعد ميلاد الجامعة بثلاثة أعوام، كانت نكبة فلسطين،
واحتلال عصابات اليهود لها، وفشل العرب من خلال الجامعة في الترتيب لمعركة
جادة مع اليهود، في الوقت الذي كانت كل الشواهد تدل على استعداد اليهود لتلك
الحرب، فلما قامت الحرب سنة ١٩٤٨م، اندحرت جيوش العرب المقاتلة تحت
لواء (العروبة) أمام جيش اليهود المقاتل تحت لواء (التوراة) ! .
وفي الخمسينات: حدث خلاف بين مصر والأردن، عجزت الجامعة عن حله
داخل أروقتها، فسجلت بذلك أول نقطة ضعف في السيطرة الداخلية بين أعضائها،
مما حدا بالأردن إلى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي في ١٣/٧/١٩٥٨م، ولم
يكن للعرب من خلال الجامعة ذلك الموقف الذي يتناسب مع ضخامة الحدث.
وفي الستينات: كانت الهزيمة المهينة مرة أخرى لجيوش سبع دول عربية
أمام جيش اليهود ١٩٦٧م، وأصبحت العروبة أمثولة وأضحوكة أمام العالم الذي
طالما سمع التهديد بإلقاء (إسرائيل) في البحر، وأصيبت الجامعة العربية بالصفعة
الكبرى من جرائها، لأنه تأكد أنه بعد عشرة أعوام من وعودها بحشد العرب
لمعركة المصير والتحرير، كان العرب في ظلها منصرفين فقط لمعاركهم الداخلية،
وخلافاتهم المزمنة.
وفي السبعينات: تُوّجت حرب (التحريك) سنة ١٩٧٣م، بسلسلة من عمليات
الإجهاض للنصر الجزئي الذي تحقق، حتى انتهت إلى توقيع اتفاقية سلام (منفرد)
قامت به الدولة المحتضنة للجامعة، دون مشورة بقية الدول العربية، مما دفع تلك
الدول وقتها إلى سحب الجامعة نفسها من مقرها بالقاهرة إلى مقر مؤقت في تونس،
وبعد أول مؤتمر عقد في (بغداد) تقرر عزل مصر ومقاطعتها، وسخر الرئيس
المصري - آنذاك - من مقاطعة العرب وسحب الجامعة، وقرر إنشاء جامعة أخرى
في مصر! ، وسماها جامعة (الشعوب) العربية، بدلاً من جامعة (الدول) العربية! .
وفي الثمانينات: أُعيدت مصر إلى الجامعة العربية، وعادت إلى مقرها،
دون أن تتغير الأسباب التي من أجلها قوطعت مصر ونُقلت الجامعة! .
وكان هذا من علامات الاستفهام والتعجب التي أُثيرت حول كيفية إدارة
المواقف داخل تلك الجامعة، حيث تبين للجميع أنه لا ثوابت تحكمها ولا مبادئ
تسيّرها، ولا تأثير فيها ولا بها ولا منها، وقد تُرجم هذا الشعور إلى انصراف
العرب إلى إنشاء مجموعات إقليمية، ظهرت على شكل مجالس منفصلة مثل:
مجلس التعاون الخليجي، ومجلس التعاون العربي، ومجلس الاتحاد المغاربي،
وبقيت الجامعة مجلساً لمن لا مجلس له! .
وفي التسعينات: توالت الكوارث على الجامعة، لتهدم ما تبقى في بنيانها من
قواعد، وليكون هذا العقد الذي لم ينته بعد هو العقد الفاصل في عمر الجامعة،
وكان أهم ما حدث فيه من الأحداث:
١- غزو الكويت من قبل الجيش العراقي، حيث سجل ذلك أول سابقة
اجتياح من دولة عربية لأراضي دولة عربية أخرى، وكلاهما عضو في الجامعة
العربية، وتعجز الجامعة في مؤتمرها للقمة أن تفعل شيئاً، فتتفاقم الأزمة عربياً،
وتتفاعل دولياً، مما مهد لتدويل الأزمة، كما هو معروف.
٢- كان فشل الجامعة في تقديم أي حلول في أزمة الخليج مما أطاح بما تبقى
من مصداقيتها، وكان هذا من أسباب تسريع عملية السلام مع اليهود، حيث بدا
لبعض العرب، أنه لا جدوى من التعايش مع وهم (الوحدة العربية) ، وبالتالي: لا
جدوى من الاستمرار في إدارة (الصراع العربي الإسرائيلي) ، فكان مؤتمر مدريد،
وكانت الصفعة الجديدة للجامعة، لأنها استبعدت من التمثيل في المؤتمر، حيث
تقرر التعامل مع الدول العربية كلاً على حدة، وهذا ما حدث في خطوات عمليات
السلام بعد ذلك، حيث جعل لكل دولة مشاركة في المفاوضات مساراً خاصاً بها.
ثم بدأ مسلسل التسارع العربي للارتماء في أحضان العدو المسالم، أو الحبيب
المحارب، دون أدنى تنسيق بين الدول العربية، ولا تملك أمانة الجامعة سوى إبداء
امتعاضها ودهشتها من سرعة إيقاع عمليات (الصلح المنفرد) الذي حدث من أجله
فيما مضى أشياء وأشياء.
٣- ثم جاءت الطامة الداهية، لتسقط على رأس الجامعة وهي ساهية لاهية،
إذ جاءها نعيها بلسان فصيح على لسان شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي
عندما أعلن في مؤتمر الدار البيضاء لتنمية الشرق الأوسط: إن إسرائيل يمكن أن
تنضم إلى جامعة الدول العربية مستقبلاً، بشرط أن تغير اسمها ليكون (منظمة
الشرق الأوسط) ! !
وأذاع التلفزيون الإسرائيلي بعد ذلك: أن إسحاق رابين رئيس الوزراء
الإسرائيلي قد طرح على العاهل المغربي مضيف المؤتمر فكرة البدء في خطوات
النظام الشرق أوسطي، وقال له: إن أسباب ومبررات وجود الجامعة العربية،
تعتبر لاغية الآن بعد الخطوات التي قطعت على طريق السلام، وأصبح الأمر
يتطلب استحداث مؤسسة شرق أوسطية جديدة تقبل بانضمام إسرائيل! .
وهكذا أُعلنت نتيجة المصارعة لجولة استمرت خمسين سنة في حلبة
(الصراع العربي الإسرائيلي) ، حيث رفع المصارع المتدين (اليهودي) ذراع نفسه،
فوق جثة المصارع العلماني (العربي) .
إن شيئاً واحداً نجحت فيه العلمانية العربية بعد خمسين عاماً من العمل
المؤسسي، وهو: الانتصار لكل المصالح، عدا مصلحة الأمة، وما أصدق كلمة
أحمد الشقيري الرئيس السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية في كتابه (الجامعة
العربية) عندما وصف الجامعة بأنها: منظمة إقليمية، أنشئت لخدمة السياسة
الغربية.
ونشهد مع أحمد الشقيري بأنها كذلك، ونزيد: وكذلك خدمة المصلحة اليهودية، ولهذا نقول بكل ثقة بعد خمسين عاماً من إنشائها:
نعم، قامت الجامعة بدورها.!
стр. 1973
تأملات
في مسيرة الحركة الإسلامية في اليمن
بقلم:عبد الله أحمد ناصر
الحلقة الأولى
وصلنا هذا المقال من الأخ الكاتب، وهو نقد موضوعي فيما نحسب فضلاً
عن أنه من أساليب النقد الذاتي للحركة الإسلامية الذي نحرص عليه، وفي الوقت
نفسه: نرحب بأي تعقيب موضوعي يلتزم بأدب الحوار ممن يهمه الأمر.. والله
نسأل للجميع التوفيق والسداد..
- البيان -
بين آونة وأخرى يدعو قادة الحركة الإسلامية في اليمن إلى دراسة تجربتهم،
والتأمل فيها، واستلهام ما فيها من جوانب مضيئة ومشرقة، واستجابة لتلك
الدعوات المتكررة: أسلط في هذه المقالة الضوء على مسيرة الحركة الإسلامية في
اليمن منذ قيام الوحدة اليمنية إلى اليوم، وسأكتفي ابتداءً بالتأمل في مسيرة الإخوة
المنضوين تحت لواء التجمع اليمني للإصلاح، نظراً لكونهم الأكثر عدداً وقدرة
والأقدم تنظيماً في الساحة اليمنية المعاصرة على أمل أن تتبعها مقالة أخرى عن
مسيرة الإخوة الذين لم ينضووا تحته، على أنى لا أعتبر اليقظة الرافضية في اليمن
والمدعومة من إيران وأنصارها، والتحرك الصوفي النشط والمدعوم من بعض
رجال المال والأعمال في الداخل والخارج جزءاً من الحركة الإسلامية في اليمن،
نظراً للانحراف الكبير والبعد الشديد لأصول الرافضة ومبادئ الصوفية ومجانبتهما
لما كان عليه سلف هذه الأمة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، بل أعتقد أن
الرافضة والصوفية خطران من الأخطار المحدقة باليمن، وأن الواجب على كل
غيور محاربتهما بقدر المستطاع.
وأعتقد أن حركة عريقة التاريخ، واسعة الانتشار، متعددة الإنجازات،
يصعب دراستها وتقويمها من شخص واحد، وخلال مدة قصيرة، وفي مقالة
صحفية، بل يتطلب ذلك توافر جهود عديدة ونظرات كثيرة يكمّلُ ويسدد بعضها
بعضاً، ولكني خشيت أن لا يتحقق مثل ذلك، فرأيت أن أطرح ما لدي مستعيناً بالله
(تعالى) ، فما لا يدرك كله لا يترك جله.
وليس لي ابتداءً من هدف إلى إبراز الجوانب الإيجابية في مسيرة الحركة
الإسلامية في اليمن إلا دعوة العاملين في الساحة الإسلامية إلى الاستفادة منها
واستثمارها، كما أنه ليس لي من هدف من إبراز سلبياتها إلا دعوة الأحبة
المقصودين بالأمر أن يعملوا على تجاوزها وتلافيها، على أن ما سيتم طرحه من
آراء سواء أكانت حول الإيجابيات أم السلبيات مما لاعلاقة له بالثوابت الإسلامية:
صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب، وليس من هدفي
وعلام الغيوب ذكر العيوب للتشفي والتجريح والانتقاص لحبيب من الأحباب أيّاً كان
وضعه، وأيّاً كان انتماؤه، وكل ما في الأمر: الاقتناع بأن خير وسيلة لتصحيح
مسيرة العمل الإسلامي هى: النقد من الداخل، والنقد البناء لا الهدام، لأن أي فئة
إسلامية مهما كان فضلها، ومهما علت رتبتها لاتسلم من النقص والخطأ، وليست
الإشكالية في الوقوع في الخطأ، ولكن في الاستمرار عليه؛ قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون [١] ومتى تصورت
أي فئة إسلامية نفسها فوق مستوى الخطأ والنقد فذاك الخطل كله، بل هو دليل
العجب والكبر، وعلامة اغترار النفس وخيلائها وشعورها بالكمال ولاكمال، (نسأل
الله (تعالى) لأنفسنا ولإخواننا العافية والسلامة) ومتى وصل الحال بمجموعة تعمل
للإسلام إلى ذلك، فعليها وعلى دعوتها السلام.
وسأعتمد في الطرح على المصارحة ووضوح الفكرة والعبارة، ولن أحرص
على التنميق والمجاملة لعلمي المسبق بسعة صدور إخواني وإحسانهم للظن فيما
أحسب وحملهم للكلام على سلامة القصد وحب الخير.
أولاً: من إيجابيات الحركة الإسلامية في اليمن
منذ قيام الوحدة إلى اليوم:
الإيجابيات (ولله الحمد والمنة) كثيرة وكبيرة، يطول المقام باستعراضها
وتفصيلها، ولا ينكرها إلا جاحد، ولا يماري فيها إلا معاند، ولذا: سأكتفي بذكر
أبرزها، ومن ذلك:
* الانتشار الأفقي الكبير للعمل الإسلامي داخل الشعب اليمني سواء أكان ذلك
في المدن والأرياف من جهة، أوبين سائر طبقات المجتمع اليمني المختلفة مهنية
وقبلية من جهة أخرى، ويبرز هذا الانتشار للمنضوين تحت لواء التجمع اليمني
للإصلاح فيما كان يعرف سابقاً باليمن الشمالي، وفي بعض مديريات محافظتي
(أبين) و (شبوة) فيما كان يعرف باليمن الجنوبي.
* الانتشار الرأسي المتين داخل المؤسسات الرسمية للدولة، مما أدى إلى
الوصول إلى بعض مواقع المسؤولية ومراكز اتخاذ القرار، ومحاولة إفادة العمل
الإسلامي من خلالها تأييداً أو حماية سواء أكان ذلك من خلال مجلس الرئاسة سابقاً، أو على مستوى الوزراء ونوابهم، أو محافظي المحافظات، أو مدراء العموم
والنواحي ... وغير ذلك.
* حماية شباب الصحوة وإلجام غضبهم وكبح جماحهم من الدخول في صراع
مسلح مع أعداء الصحوة الإسلامية من علمانيين بشتى فئاتهم ورافضة وصوفية
وباطنية ومن يسير في ركابهم من أصحاب المصالح والشهوات مع توفر السلاح في
الشارع اليمني ووجود استفزاز شديد وتهييج قوي وبخاصة في بداية الوحدة اليمنية
سواء أكان ذلك على لسان كبار المسؤولين، أو عبر كثير من العلمانيين وعلماء
السوء في وسائل الإعلام المختلفة من: تلفاز، وإذاعة، وصحافة، ومنابر الجمعة، والمنتديات الثقافية والاجتماعية المختلفة.
* إنكار بعض المنكرات الضخمة مع إعطائها بعداً عقدياً، وبخاصة في بداية
الوحدة، كالدستور العلماني الذي قامت على أساسه الوحدة بين الرئيس اليمني وقادة
الحزب الاشتراكي، ومقاطعة الاستفتاء حوله، والمنافحة من أجل إغلاق مصنع
الخمر حتى تم تدميره على أيدي بعض الغيورين أثناء دخول جيش الحكومة مدينة
عدن، وتغلبه على فلول الاشتراكيين والصوفيين ومن سار في ركابهم داخلها.
* حماية وتنمية كثير من مكتسبات الصحوة الإسلامية ومنابرها كالمعاهد
العلمية، ومناهج التربية الإسلامية في التعليم العام، وجمعيات النفع العام والخدمات
الاجتماعية، ومنابر الجمعة، وحرية الدعوة في المساجد والصحف والمجلات
الإسلامية من محاولات السطو عليها أو تحويرها من قبل العلمانيين والرافضة
والصوفية.
* العمل على الوقوف في وجه التغريب والعلمنة في اليمن، ومحاولة
التخفيف من آثار الحملة التي يقوم بها سدنة العلمانية والتغريب في البلاد، سواء
من داخل الحكومة ومراكز التخطيط والتوجيه والإعلام، أو من خلال الأحزاب
السياسية والنقابات المهنية والمؤسسات الصحفية والشبابية والفنية، أو من خلال
مواقعهم داخل جامعتي صنعاء وعدن وكليات التربية ومعاهد المعلمين، أو في
المراكز التنفيذية داخل المحافظات اليمنية المختلفة.
* سبق التيارات العلمانية في الطرح والنزول إلى الشارع اليمني بشرائحه
الاجتماعية والمهنية المختلفة، وبالتالي: حجبها عن احتواء كثير من عامة الناس،
وكسب ولائهم العام للإسلام، وحمايتهم من الوقوف في وجه الإسلام ودعاته، بل
إن الحركة من خلال ذلك السبق في النزول والكسب لكثير من الجماهير:
استطاعت أن تكوّن رأياً عامّاً إسلاميّاً في الشارع اليمني يناصر الإسلام ويحب
دعوته، ويظهر الولاء لشريعته، وينكر الإلحاد والعلمانية بشتى صورها، وقد
ظهر ذلك في التنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، وضرورة الرجوع إلى أحكامها،
ومحاربة كفريات الدستور الذي قامت على أساسه الوحدة اليمنية.
كما أنها من خلال ذلك النزول وذلك الكسب: استطاعت أن تقوي الشعور
بالذاتية الإسلامية والانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس لدى كثير من أفراد الشعب
اليمني، بعد أن حجب بعضهم عن ذلك الجهلُ الشديد بأحكام الدين والتشاغل بالحياة
الدنيا وزخرفها، أو التأثر بأفكار منحرفة قادته من هنا أو هناك.
كما أنها استطاعت من خلال ذلك أن تزرع الأمل في قلوب كثير من أفراد
الشعب اليمني بغد مشرق للإسلام لما يحمل من مبادئ العدل والخير ومحاربة
الباطل والفساد بشتى صوره المختلفة.
* الوقوف في وجه بعض الحملات التنصيرية في اليمن، ولفت أنظار
الشارع اليمني إليها، وإلهاب حماسهم ضدها، مثل: سب الذات الإلهية، وتمزيق
المصحف وإلقائه في أماكن لا تليق، وتنصر شواذ من اليمنيين، وإيصال ذلك إلى
أبواب القضاء واستصدار أحكام فيها، مثل: إغلاق بعض المستشفيات، وطرد
البعثات التنصيرية المتواجدة فيها (لم ينفذ الحكم إلى الآن، ويبدو أنه لن ينفذ) .
* التمكن من توظيف كثير من العامة في بعض الأعمال الدعوية وأعمال النفع
العام، مما خفف بعض العبء على الدعاة من جهة، واستغل بعض طاقات هؤلاء
من جهة أخرى، بالإضافة إلى التمكن من تربية كثير من الشباب على الجرأة في
الحديث وتعويدهم على المواجهة والخطابة.
* محاولة التخفيف من معاناة عامة الشعب من الأوضاع الاقتصادية المتردية
عن طريق ما تقدمه الجمعيات الخيرية التابعة للحركة من مساعدة للفقراء والشباب
على الزواج، وكفالة للأيتام والأرامل، وإقامة لمشاريع المياه، وإفطار الصائمين،
وذبح الأضاحي ... ونحو ذلك، بالإضافة إلى محاولة تخفيف اندفاع الشريك الأقوى
داخل الائتلاف الحكومي في تنفيذ متطلبات صندوق النقد الدولي، وقيامهم من داخل
الائتلاف بمعارضة رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية ورفع أسعار المشتقات
النفطية والكهرباء فوق نسبة ١٠٠%، ومطالبتهم بتغيير أعمدة الفساد الإداري
والاقتصادي داخل الحكومة من أجل الوصول إلى إصلاح إداري واقتصادي حقيقي.
* الجهد الكبير المبذول من بعض الدعاة الذين نحسبهم، والله حسيبهم:
صادقين مخلصين مع قلة في ذات أيديهم، وضعف في الإمكانات المتوافرة لهم.
وبذلك كله أنجزت الحركة الإسلامية في اليمن انجازات متميزة متعددة
المجالات، وأصبح حضورها في الشارع اليمني حضوراً فاعلاً، رفع الصوت
الإسلامي الصادق، بعيداً عن المزايدة والتهريج والشعارات التي اعتادها الناس من
الأحزاب العلمانية بمختلف فصائلها، مما جعل كثيراً من العامة والخاصة يلتفون
حول راية الحركة وينصرونها.
ثانياً: من سلبيات الحركة الإسلامية في اليمن
منذ قيام الوحدة إلى اليوم:
إذا كان ما سبق جزءاً مهماً من الإيجابيات التي تحسب للحركة الإسلامية في
اليمن، وهي محل إعجاب وتقدير كل مسلم مخلص مطلع على جهود الإخوة هناك،
إلا أن أي عمل أيّاً كان لابد من وجود بعض السلبيات والعثرات فيه، التي تكون
نتيجة الانشغال بالعمل، وبالتالي: ضعف التخطيط والمتابعة، أو نتيجة وجود
بعض الأخطاء والتوجهات المعينة داخله، وسأحاول الاستطراد فيها قليلاً على
خلاف ما فعلت في الإيجابيات لأهميتها، وحاجة أصحاب الشأن إلى التعرف عليها
لتلافيها، ولعل من أبرز ذلك ما يلي:
* عدم الوضوح في تبني الحركة لمنهج أهل السنة والجماعة:
من الأمور المحمودة في الحركة الإسلامية في اليمن تميزها بنخبة جليلة من
العلماء والأفاضل الذين جمع بعضهم بين الاطلاع الشرعي الجيد، والإدراك العميق
لمقتضيات العصر وضروراته، ولكن بسبب ملابسات اجتماعية معينة، واتساع
الحركة، وكثرة أنصارها، وتنامي اهتماماتها: ضعف اهتمامها بطرح منهج أهل
السنة والجماعة والدعوة إليه، واكتفت برفع شعارات مجملة الكتاب والسنة، ونحن
وإن كنا نقدر هذا الطرح ونعتبره صالحاً للولوج في أوساط الشيعة الزيدية في
الخمسينات والستينات نظراً لقوة شوكتهم في ذلك الوقت، إلا أن الاستمرار عليه
واتخاذه منهجاً وسياسة للحركة إلى هذا الوقت وبالأخص منذ قيام الوحدة إلى الآن
أمر أحسب أنه خاطئ ومرفوض، لأمور من أهمها:
١- سلبياته العديدة، ومنها: عدم تصور كثير من شباب الصحوة لأبعاد
وأصول منهج أهل السنة وإدراكهم له، حتى عند كثير من أولئك الذين ينحدرون
من مناطق سنية، ومايدركه بعض الشباب منه ناتج عن الفطرة التي نشؤوا عليها،
لكن بدون العلم بأن هذا هو منهج أهل السنة والجماعة، مما سهل على كثير من
أصحاب البدع كالأشاعرة إيهام أولئك الشباب أن ماهم عليه هو معتقد أهل السنة
والجماعة.
٢- أن المبتدعة من رافضة وصوفية في كثير من مناطق اليمن المختلفة قد
شمروا عن سواعدهم لتدريس بعض الشباب المنتسبين إليهم انحرافاتهم وبدعهم
بالتفصيل، بل إن بعضهم جارٍ في بناء بعض المراكز العلمية التي تحتوي على
سكن داخلي من أجل تدريس مجموعة من الشباب المحسوبين عليهم، كما أن
آخرين ساعون على قدم وساق لتجديد الأربطة وإحياء المزارات التي يقع فيها من
الفساد والشرك والباطل ما الله به عليم، بينما لاحظت وقد أكون مخطئاً ندرة
تدريس منهج أهل السنة والجماعة لشباب الحركة من خلال كتب أئمة السلف المتفق
على جلالتهم ومن تابعهم في القديم والحديث، ولا أقل من أن تقوم الحركة بتبني
تدريس كتابات أئمة الدعوة الإصلاحية في اليمن في الجوانب العقدية كابن الوزير،
والحسن الجلال، وحسين النعمي، والصنعاني، والشوكاني ... ونحوهم، وتعتبر
نفسها امتداداً لمدرستهم.
٣- أن عدم الوضوح في طرح منهج أهل السنة والجماعة أفسح المجال
لبعض الوافدين إلى اليمن والمحسوبين على الحركة الإسلامية في بلدانهم والذين
تتلمذوا على أيدي بعض قيادات التيار العقلاني المعاصر، أو الذين تلقوا العقيدة
على المذهب الأشعري، أو الذين يوجد لديهم بعض الانحرافات العقدية في مسائل
التوسل والاستغاثة والقبور والاحتفالات البدعية المختلفة، من تدريس شباب
الصحوة في المعاهد العلمية وبعض مدارس وزارة التربية، من دون نكير واضح أو
ملاحظة جلية من علماء الصحوة وقادتها.
٤- أن عدم الوضوح في طرح منهج أهل السنة والجماعة من قبل الحركة
الإسلامية، وجهل كثير من شباب الصحوة به: أوهم كثيراً منهم أن منهج أهل
السنة هو ماعليه بعض الأفراد والفئات المنتسبة إلى منهج أهل السنة، والتي لاقت
كثيراً من حملات التشويه من قبل كثير من قيادات الحركة، نظراً لاختلافهم مع
أولئك منهجياً أو شخصياً مما سبب لدى كثير من شباب الحركة نفسية رافضة لمنهج
أهل السنة نظراً لربطهم منهج أهل السنة بأولئك الأشخاص المشوهين في أذهانهم،
كما أدى ذلك إلى اعتقاد بعض الشباب أن منهج أهل السنة محصور في الحديث عن
بعض صفات الرب جل وعلا وأنه لا يعني الدين الخالص النقي الذي بعث الله به
محمداً ﷺ بشموله وعمومه.
٥- أن في عدم وضوح الحركة في طرحها لمنهج أهل السنة واكتفائها بدلاً من
ذلك بالطرح المجمل مراعاةً لأهل البدع من الرافضة والصوفية وهم حفنة قليلة،
ولم تغير تلك المراعاة من موقفهم تجاه الحركة شيء، وسيستمرون في عدائهم لها
حتى تتبنى ما هم عليه من معتقدات وأفكار منحرفة، ولقد كان من الواجب على
الحركة أن تبين لهم ولعامة الشعب ضلالهم وانحرافهم، هذا من جهة، من جهة
أخرى: فقد خسرت الحركة مئات من الدعاة وطلبة العلم وأعداداً كبيرة من
المتحمسين لمنهج أهل السنة والجماعة في طول البلاد وعرضها، وهي في أمسّ
الحاجة إلى جهودهم وخدماتهم، مما يعني أنها بهذا التوجه قد عملت وبأسلوب عملي
يخالف دعوات قيادتها الشفهية المتكررة على شق صف الدعوة وانقسام الدعاة وطلبة
العلم إلى قسمين أو أكثر.
ولا يعني هذا أنني أدعو إلى المواجهة والصراع المتشنج مع المخالفين، مما
يؤدي إلى فتح جبهات متعددة في الساحة ليس في مقدور الحركة مواجهتها جميعاً في
وقت واحد، ولكن أرى أنه لابد من الوضوح الهادئ في التعامل معهم، والدعوة
الجادة لهم إلى تصحيح مناهجهم بالحكمة والموعظة الحسنة (وما كان الرفق في
شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) وحماية أبناء الحركة بكافة الوسائل
والسبل من التأثر بهم، أو عدم النضج في فهم منهج أهل السنة نتيجة عدم الوضوح
في طرحه.
٦- أن عدم وضوح الحركة في طرحها لمنهج أهل السنة، ورفعها للشعارات
المجملة أدى إلى عدم إعطائها للجانب الاعتقادي ما يستحقه من مكانة واهتمام كما
أعطاه إياه الشارع الحكيم، واستمر النبي ﷺ في بنائه في
نفوس أصحابه ثلاث عشرة سنة هي مدة العهد المكي بالإضافة إلى استمرار
الاعتناء به أثناء تنزل التشريع في العهد المدني.
٧- أن عدم وضوح الحركة في طرحها لمنهج أهل السنة والجماعة سوّغ
لبعض المهتمين أن يقول بأن الحركة الإسلامية في اليمن المنضوية تحت لواء
التجمع اليمني للاصلاح لا تعمل على نشر الفكر الصحيح، وإنما تحرص على
التوفيق بين الفئات المتواجدة في الساحة اليمنية ذات الأفكار المختلفة، وتحرص
على عدم حدوث صدام بينها لاغير، سواء أكانت تلك الفئات هي السلفية والصوفية
الغالية في الجنوب، أو السلفية والمذهب الزيدي الذي بدأ يميل بقوة إلى الرفض في
الشمال.
هذا، ولعدم وضوح الحركة في تبنيها لمنهج أهل السنة والجماعة سلبيات
كثيرة، إلا أن ذلك لايعني بحال أن الحركة الإسلامية المنضوية تحت التجمع اليمني
للإصلاح ليس فيها أحد من المنتمين إلى أهل السنة والجماعة، أو أن جميع
أطروحاتها الدعوية لا تتوافق مع منهج أهل السنة، بل إنني أؤكد على وجود نخبة
جليلة من العلماء السلفيين الذين نحبهم ونفخر بهم، وقد رأيناهم ينافحون عن منهج
أهل السنة بكل صدق وإخلاص في بعض المواطن، ولكنني أردت حثهم على مزيد
من الاهتمام والعطاء ودعوتهم إلى الحرص على نشر منهج أهل السنة، وتربية
أبناء الحركة وعامة الشعب عليه، مع الوضوح في طرحه وتبنيه والدعوة إليه،
لأن مجرد الطرح العام لا يكفي في كل حال.
* وجود التباس وعدم تميز في صفوف قيادة الحركة:
من غير المستغرب أن ينتسب إلى صفوف الحركة وهي التي دعت الجميع
إلى الانضواء تحت لوائها في التجمع اليمني للإصلاح أهل معاصٍ وفسوق، أو
أهل بدع وانحرافات فكرية، وإن كان الواجب على الحركة تجاه أولئك بيان الحق
لهم والاجتهاد في دعوتهم إلى ترك ما هم عليه من انحراف سلوكي أو فكري.
لكن الأمر الذي ينكر على الحركة الإسلامية في اليمن: أن يكون من قادتها
ومن علمائها بعض أهل البدع من معتزلة وزيدية هم أقرب إلى الرافضة بالإضافة
إلى بعض المتجاوزين لتحكيم النص الصحيح، والداعين إلى تحكيم عقولهم وما
تشتهيه أهواؤهم باسم ما يسمى بمصلحة الدعوة، حتى إنه ليتراءى للمراقب من
خارج الحركة أن زمامها في المستقبل القريب آيل إليهم (نسأل الله ألا يكون الأمر
كذلك) ، ولست أدري كيف يحتمل أهل السنة داخل الحركة الإسلامية في اليمن
وعلماؤهم خصوصاً التعايش مع أولئك من دون أن تكون لهم خطة واضحة على
المدى القريب والبعيد لنصحهم وتعديل مسارهم وبيان انحراف منهجهم لشباب
الصحوة وعامة الأمة حتى لا يغتروا به؟ ! .
ولست أنكر مشروعية الدعوة لأولئك، لكن دعوتهم شيء وتسليمهم كثيراً من
زمام الحركة الإسلامية، واتخاذ القرار فيها، والسكوت على ما هم عليه من منهج
منحرف مغاير لمعتقد أهل السنة والجماعة ومنهجهم شيء آخر.
* تحول قيادة الحركة في الفترة الأخيرة من العلماء إلى الساسة
وبعض مشايخ القبائل:
في بداية إعلان الحركة الإسلامية لقيام التجمع اليمني للإصلاح بعد قيام
الوحدة اليمنية كان المتابع لأطروحات التجمع مثل: كفر الدستور، تحريم الخمر
والدعوة إلى إغلاق مصنعه في عدن، تحريم الربا والدعوة إلى تحويل بنوك الربا
إلى مصارف إسلامية، محاربة إدارة الاقتصاد اليمني بأسس اشتراكية كما نص
على ذلك الدستور، محاربة مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات بالمفهوم
العلماني الساعي إلى هتك القيم والضوابط الاجتماعية في المجتمع اليمني وتلاشيها،
محاربة إلغاء الحدود الشرعية والزكاة، محاربة الرشوة والفساد المستشري في
أوساط الدولة، الدعوة إلى تحكيم نصوص الكتاب والسنة والاستدلال بها، محاولة
جمع الدعاة على كلمة سواء ... وغير ذلك كثير: يحس أن خلفها علماء شرع، بل
إن الرموز التي كان لها صولة وجولة باسم التجمع في البداية هم علماء أجلاء
وطلبة علم فضلاء، يعرفهم العامة والخاصة.
إلا أن الملاحظ في الآونة الأخيرة أن الأطروحات قد أصابها بعض الخلل،
وأن أسهم ما يسمى بالمصلحة قد ارتفعت على حساب النص، فمن تلميع وتزكية
بعض الزعماء السيئين المعروفين بمواقفهم المعادية للحركة الإسلامية ودعاتها،
الذين تتقلب مواقفهم في التعامل مع الحركة الإسلامية حسب قوة وضعف حاجتهم
إليها، إلى وصف بعضهم بالدهاء والفطنة والصدق والشجاعة والشهامة والثبات
على المواقف، متناسين بأنه لو كان الأمر كذلك: لأعلنوا توبتهم من تاريخهم
الأسود، ولقاموا بترك ما هم عليه من علمانية وولاء لأعداء الإسلام في الشرق
والغرب، إلى ضعف إنكار المنكرات المستطاع إنكارها يوماً بعد آخر، إلى ادعاء
أن عبادة القبور والاستغاثة بها من المسائل الخلافية ومن قشور الدين! التي لايجوز
التشاغل بها على حساب الأصول والقضايا الكبرى [٢] ، إلى تكرار الاتهام لبعض
الدعاة غير المنضوين تحت راية التجمع بين آونة وأخرى بآيات النفاق وخدمة
الأعداء، ونسبتهم إلى جهات علمانية كالحزب الاشتراكي، أو اتهامهم بالعمالة
لجهات خارجية! ! إلى الزعم بأنه لا توجد أحزاب علمانية في اليمن، لأن قانون
الأحزاب يلزم كافة الأحزاب بأن تعترف بأن الإسلام عقيدة وشريعة، وأن كافة
الأحزاب بما فيها الحزب الاشتراكي وأحزاب البعث والأحزاب الناصرية قد وافقت
على ذلك، إلى حضور بعض زعماء الحركة لبعض المنكرات العامة دون
إنكار [٣] ... وغير ذلك كثير.
صحيح أن هذا قد يصدر أحياناً من بعض القيادات باجتهادات فردية قد لا
تمثل الحركة أو مجلس الشورى فيها، لكنها حينما تكون من بعض القيادات الرئيسة
البارزة، وتتكرر في أكثر من مناسبة، فإنها في تقديري لن تفهم إلا بصفتها
الرسمية لا الشخصية.
وبعضهم قد يفعلها من باب التكتيك السياسي ... وهذا قد يقبل بحدود مقبولة،
ولكن الإسراف فيه حتى يصل إلى حد قلب الحقائق تجاوز غير مقبول، وسيكون له
بالتأكيد نصيب كبير في تضليل كثير من الناس داخل الحركة وخارجها.
كما أن الشخصيات التي بدأت تبرز في قيادة التجمع وتتحدث باسمه في الآونة
الأخيرة هم بعض الشخصيات في أمانة المؤتمر، ولجنة الحوار السياسي، وبعض
مشايخ القبائل، بينما بدأ يتضاءل دور العلماء وطلبة العلم، ويضعف صوتهم شيئاً فشيئاً.
وكلنا أمل بأن يسعى علماء اليمن وطلبة العلم الشرعي في الحركة، إلى أن
يستعيدوا دورهم البارز في قيادة الحركة الإسلامية عموماً والتجمع اليمني للإصلاح
بوجه أخص، حتى لا تغرق السفينة، وينفلت العقد، وتقاد الحركة الإسلامية في
اليمن إلى انحرافات عقدية وفكرية لا تحمد.
.. (يتبع)
стр. 1974
من تاريخ الأحزاب الشيوعية العربية
وموقفها من قضية فلسطين
بقلم: د.محمد آمحزون
إن تاريخ الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية يشير إلى ظاهرة مهمة جدّاً في
نشأة هذه الأحزاب، وفي مواقفها من النزاع العربي الإسرائيلي، وفي تأثرها
بالعناصر اليهودية التي حرّكتها الصهيونية العالمية لإقامة دولة إسرائيل.
ويمكن القول بكل يقين: بأن الحركة الشيوعية في العالم العربي إنما أنشأها
اليهود الذين كانوا أنشط العناصر داخل هذه الحركة، وفي تلك الفترة بالذات من
تاريخ قيام الأحزاب الشيوعية في العالم العربي، أخذت بعض الدعاوى تنتشر في
الأجواء السياسية حول شرعية حق اليهود القومي في فلسطين، لتلتقي هذه النظرة
التي عمل الشيوعيون على ترويجها مع النظرة الصهيونية والأهداف التي تعمل لها.
إن تأثر الماركسيين العرب بالعناصر اليهودية على مستوى القيادة والتنظيم
السياسي، كان له بالغ الأثر في جعل الماركسيين يعمون عن واقع وطنهم،
ويتغاضون عن تمزيق بلادهم، إذ كانوا لا يفكرون من خلال عقولهم، وإنما من
خلال المخططات التي تضعها الشيوعية الدولية والصهيونية العالمية، ويعملون هم
على تنفيذها بشكل تلقائي دون أن يجهدوا أنفسهم في تحري المواقف، ليروا ما إذا
كانت تلك المخططات الموضوعة تصلح للعالم العربي الإسلامي وتتفق مع حقه في
الوجود أم لا.
كان الحزب الشيوعي الفلسطيني أول حزب شيوعي تأسس في المنطقة عام
(١٩١٩م) ، وكان جميع عناصره من اليهود الروس الذين حملوا بذور الفكرة الأولى
إلى فلسطين. وفي عام ١٩٢٤م تأسس الحزب الشيوعي في لبنان، حيث ساهم
بعض العناصر اليهودية الوافدة من فلسطين في إنشائه، وهي التي أوكلت إليها
مهمة نشر الفكرة الشيوعية والإشراف على تنظيم خلاياها في منطقة الشرق
الأوسط [١] .
وفي نهاية عام ١٩٢٥م كانون الأول (ديسمبر) انعقد المؤتمر الوطني الأول
للحزب الشيوعي، وانتخب لجنته المركزية من سبعة أعضاء، وظل تيبر اليهودي
الروسي محتفظاً بأمانة الحزب العامة، وكان يعرف عادة باسم شامي، حيث درج
معظم الأعضاء القياديين في الحركات الشيوعية على استعارة أسماء أخرى، وهو
تقليد يهودي [٢] .
وقد ظل الصراع محتدماً في الحزب منذ عام ١٩٢٨م حتى عام ١٩٣٢م،
حين تمكن خالد بكداش من أن يبلغ مركز زعامة الحزب بترشيح جاكوب تيبر
المبعد إلى فلسطين وتزكيته، وتقدم معه وجوه ثلاثة جديدة هم: نقولا شاوي وفرج
الله الحلو ورفيق رضا الذي قدر له أن يلعب بعد ثلاثين عاماً دوراً كبيراً في فضح
أسرار الحزب واتصالاته [٣] .
ففي عام ١٩٥٩م خرج رفيق رضا على الحزب وكان عضواً في قيادته
المركزية ليروي بعض تاريخه، ويسلط الضوء على الجوانب المظلمة فيه، وقد
كتب في ذلك الحين بياناً نشرته جريدة (الجماهير) السورية، جاء فيه: في عام
١٩٣٢م وفد إلى بيروت عدة مندوبين شيوعيين يهود حملوا مبالغ وافرة من المال
إلى قيادة الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، وأذكر منهم أميل وأوسكا ومولر،
وقد أبدلت لهم شخصياً قسماً من الأموال التي حملوها بالعملة المحلية آنذاك، وفي
عام ١٩٣٨م حملت إلى الحزب مبلغ خمسة وعشرين ألف فرنك، كان الحزب
الشيوعي الفرنسي قد قرر آنذاك وضعها تحت تصرف الحزب الشيوعي السوري؛
لتوسيع حملته من أجل إقرار المعاهدة الفرنسية البغيضة، ومحاربة الاتجاه الوطني
في ذلك التاريخ، هذا مع العلم أن خالد بكداش قد نقل بنفسه مبلغاً آخر حين كان في
باريس مشتركاً في مؤتمر (آرل) الشيوعي الفرنسي [٤] .
ولم يكتف (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) بذلك، ولم يقف ارتباطه
الفكري والمالي بالعناصر اليهودية عند هذا الحد، فقد استعار أسماء صحفه التي
أصدرها من أسماء الصحف التي أصدرتها الحركة الشيوعية اليهودية في فلسطين؛
فاسم (صوت الشعب) وهي الصحيفة السرية للحزب الشيوعي في سورية ولبنان
ترجمة حرفية لاسم الجريدة العبرية للحزب الشيوعي اليهودي (كول عاهام) ، واسم
(النور) وهي الصحيفة العلنية للحزب التي أصدرها في دمشق عام ١٩٥٦م منقول
حرفياً عن اسم صحيفة (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) التي أصدرها في فلسطين
عام ١٩٣٤م [٥] .
وقد سار (الحزب الشيوعي العراقي) في الخطة نفسها في تعريب الأسماء
اليهودية في الصحف التي أصدرها، إذ حملت صحيفته السرية أيضاً عام ١٩٥٩م
اسم (صوت الشعب) أسوة بالصحيفة اليهودية (كول عاهام) [٦] .
ولذلك: لم يكن غريباً حين جاءت القضية الفلسطينية أن نجد (الحزب
الشيوعي السوري اللبناني) وبقية الأحزاب الشيوعية في العالم العربي تتخذ موقفاً
معادياً للحق الفلسطيني المغتصب؛ مرتبطة في ذلك وملتقية بالاتحاد السوفييتي،
ومع الصهيونية العالمية، ولا غرابة في ذلك؛ إذ أحسنت العناصر اليهودية تنشئتها
وتوجيهها واصطفاء قياداتها.
فبشأن حقيقة موقف (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) من قضية فلسطين
يقول رفيق رضا عضو اللجنة المركزية المنشق: ... وكانت قيادة الحزب الشيوعي
بمثل حماس ابن جوريون على بعث الدولة اليهودية في فلسطين؛ فإسرائيل في
نظرها واحة من واحات الديموقراطية في الشرق الأدنى، والشعب الإسرائيلي
المشرد لابد وأن يلتقي في أرض الميعاد، وأن واجب التضامن الأممي في عرف
القيادة المذكورة هو من صلب المبادئ الماركسية، ولذا: فوجود إسرائيل له في
عرفها مبرراته الإنسانية التي تتخطى المبررات والوقائع القومية، ومنذ اليوم الأول
لكارثة فلسطين أو منذ اليوم الأول لإعلان التقسيم ووقوف الدول الكبرى إلى جانب
الصهيونية بما فيها الاتحاد السوفييتي، منذ ذلك اليوم المشؤوم: انحازت قيادة
الحزب الشيوعي إلى جانب الرأي الاستعماري الصهيوني، ونادت بعدالة التقسيم،
ودعت إليه؛ كما لو كانت قيادة تجري في عروقها دماء إسرائيل، وهي قد التزمت
جانب الاستعمار والصهيونية علناً وصراحة على لسان دعاتها وفي بياناتها وصحفها، ... وقد قوبلت خيانتها هذه بسخط عربي عارم زلزل الأرض تحت أقدامها، وانهالت
لعنات العرب عليها حتى لم يعد بوسع شيوعي في سورية ولبنان أن يعلن
شيوعيته [٧] .
وقد تبنى الحزب فيما بعد دعوة الصلح مع إسرائيل صراحة، وكان يوزعُ في
سورية سرّاً مقالات صموئيل ميكونيس أمين عام (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)
المنشورة في جريدة (الكومنجورم) : في سبيل سلم دائم، الداعية إلى الصلح حلاً
وحيداً لمشكلة الخلاف، ولقيت مقالات ميكونيس تأييد قيادات الأحزاب الشيوعية في
المنطقة العربية جميعاً، تلك التي ظلت تنظر إلى النزاع العربي الإسرائيلي من
زاوية الحكام في إسرائيل، لا من مبدأ وجودها [٨] .
لقد ظلت الأحزاب الشيوعية العربية تتهم حكام إسرائيل اليمينيين بأنهم عملاء
للاستعمار دون المساس بكيان إسرائيل أصل المشكلة، ولا بموضوع الدولة اليهودية
في فلسطين، وهو أصل الخلاف.
ويعد هذا الموقف في حد ذاته تحريفاً للنظرة إلى القضية الفلسطينية،
وإغراقها في المفهوم الشيوعي الجديد الذي يهاجم حكام تل أبيب ويسكت عن دولة
إسرائيل، وذلك يعني: أن ارتباط إسرائيل بالغرب هو ما يغيظ الشيوعيين ولا
يرضيهم، فإذا ارتبطت إسرائيل بموسكو غدت شيئاً آخر: (دولة صديقة محبة
للسلام) ، يدعو لها الشيوعيون العرب بالسلامة وطول البقاء! !
أين إذن جوهر المشكلة؟ أليس هو إسرائيل ذاتها، الكيان الذي اغتصب حق
الفلسطينيين وأرضهم ووجودهم، واضطهد شعباً بأكمله بين أسير وقتيل وشريد؟ !
أين حمامات الدماء التي اقترفتها أيدي الإرهابيين الصهاينة في فلسطين،
وراح ضحيتها آلاف النساء والشيوخ والأطفال والشباب؟ !
أين مذابح قطاع غزة والضفة الغربية، وصبرا وشاتيلا، ودير ياسين.. التي
كان على رأسها مثل السفاح بيجن الحائز على جائزة نوبل للسلام؟ ! !
فليست فلسطين، ولا القضية الفلسطينية، ولا الحق العربي الإسلامي هو
المهم بالنسبة للأحزاب الشيوعية العربية، بل كان المهم لديهم أن تتعاظم القوة
السوفييتية الأم في المنطقة، وينمو نفوذها ويبسط سلطانها، مادامت هذه القوة تجسد
أحلامهم في الحكم، وتطلعهم يوماً ما إلى ذروة السلطة، ومادامت هي التي ترفدهم
بالمال، وتوفر لهم في بلادها وفي البلاد الأخرى لذائذ الحياة في فنادقها ونواديها
تحت غطاء عقد المؤتمرات والمهرجانات.
وعلى الرغم من أن قضية فلسطين كانت تطرحها الأحداث كل يوم، وبشكل
أحدّ وأعنف مع تعاظم الخطر الإسرائيلي، فقد ظل الشيوعيون على موقفهم الأول
منها، وظلت سياستهم ومواقفهم تدفع بالقضية الفلسطينية إلى الجوانب والهوامش،
بالاعتراض على اتجاه الحكم الإسرائيلي دون المساس بالجوهر الأصل وهو أصلاً
اغتصاب أرض فلسطين.
فدعوتهم كان هدفها ربط إسرائيل بالمعسكر الشيوعي كما هو هدفها ربط
العرب إلى هذا المعسكر، وفي إطار التبعية هذه تجد المشكلة الفلسطينية حلها في
الإخاء اليهودي العربي.
ومن الملاحظ أن (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) لم يكن وحده الحزب
الذي أسسه اليهود ثم اختاروا لقيادته عناصر معادية لكل اتجاه عربي فضلاً عن
الاتجاه الإسلامي؛ فالحزب الشيوعي المغربي: قد أسسه اليهود أيضاً تحت قيادة
ليون سلطان في عام ١٩٤٣م، وهو يهودي مغربي كان يعمل في سلك المحاماة [٩] .
وقد ظل الحزب الشيوعي المغربي (حزب التقدم والاشتراكية حالياً) ذيلاً
للحزب الشيوعي الفرنسي، واستمر ذلك بعد الاستقلال مع التبعية المطلقة للاتحاد
السوفييتي [١٠] .
ومن الملاحظ أن علي يعتة (زعيم الحزب حالياً) قد تسلم مهام الأمين العام
للحزب المذكور بعد وفاة ليون سلطان وهو من أصل جزائري، وقبل مجيئه إلى
المغرب واتصاله بليون سلطان في الدار البيضاء كان عاملاً في فرنسا، وهناك
حصل على الجنسية الفرنسية [١١] .
ولا يخفى الاتصال الوثيق بين علي يعتة والجالية اليهودية في المغرب؛ فقد
ظهر بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية لعام ١٩٩٤م في معبد يهودي مرتدياً طاقية
اليهود التقليدية، وهو يستمع إلى الحَبر الكبير الحزّان داخل السنياغوغ [١٢] .
ونسبة المنخرطين اليهود في الحزب الشيوعي المغربي لم تبلغها أي نسبة
أخرى من انخراطاتهم في التكتلات اليسارية والتجمعات النقابية الأخرى كالاتحاد
الوطني لطلبة المغرب والاتحاد المغربي للشغل رغم أنها كانت فيها نسبة غير قليلة
من المسؤولين اليهود [١٣] .
كما أن الذين كانوا يشرفون على تعذيب المقاومين المغاربة في السجون في
عهد الحماية كان من بينهم اليهود، وكانوا أكثر نشاطاً في التعذيب، وأشد حقداً
عليهم من غيرهم [١٤] . بل إن من اليهود المغاربة من يعترف بذلك الموقف
المشين؛ يقول إسحاق ليفي في مقال له في صحيفة (العلم) المغربية: إن الحقيقة
التي لا تخفى على أحد هي أن الأقلية اليهودية بالمغرب عُزلت واعتزلت كثيراً عن
الروح الوطنية، وذلك بفضل جهود الاستعمار من جهة، ومن جهة أخرى بواسطة
التعاليم المعطاة لهم من طرف (الميثاق الإسرائيلي العالمي) [١٥] ومن بين
الشيوعيين المغاربة اليهود البارزين: إبراهام السرفاتي أبرز قيادات منظمة (إلى
الأمام) الماركسية، والكاتب في مجلة (أنفاس) سابقاً.
وكذلك نبتت الأحزاب الشيوعية العربية الأخرى بغرس ورعاية اليهود في
مصر والعراق [*] غير أن المهم في هذا المجال بالذات مواقف الشيوعيين العرب من
القضية الفلسطينية، أي: موقفهم من قضية الأمة الإسلامية في معركتها المصيرية، وإذا كان يحق للاتحاد السوفييتي أن يتصرف كدولة، وأن يعمل وفق مصالحه
وإن خالفت مصالح الآخرين فكيف يحق لمواطنين عرب أن يصروا على التعامل
معه والتبعية له باعتبار أنه عقيدة لا دولة، وأنه يعمل وفق المبادئ لا المصالح،
وأن يتبنوا بالتالي مواقف تلك الدولة التي لا تأبه إلا لمصالحها، ولا تعمل إلا لتنفيذ
مخططاتها القريبة والبعيدة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأحزاب الشيوعية العربية اشتركت في تأييد تقسيم
فلسطين، وفي الدفاع عن مبدأ دولة إسرائتيل، وفي الهجوم على الرجعية العربية
بوصفها مسعرة نار الخصام بين الشعبين العربي واليهودي! ، وعدوة الحق!
اليهودي في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، وبلغ بالشيوعيين العرب التحدي
لمشاعر الأمة العربية الإسلامية أن يطالبوا الحكومات في البلاد العربية بالاعتراف
بدولة إسرائيل، وأن ينظموا في كل من سورية والعراق وفلسطين ومصر
مظاهرات شيوعية هزيلة تؤيد حق الشعب اليهودي في إقامة دولة إسرائيل بعد أن
أقرت هيئة الأمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني (نوفمبر) عام ١٩٤٧م مشروع تقسيم
فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية [١٦] .
فهذا (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) يعتبر حرب ١٩٤٨ ضد إسرائيل:
مؤامرة رجعية دنيئة استعمارية، هدفها بذر الخصومة والعداء بين الشعبين العربي
واليهودي، ورفع شعار (إلى الاتحاد في سبيل سحب الجيوش من فلسطين) [١٧] .
ودعا (الحزب الشيوعي العراقي) الحكومات العربية الخائنة على حد قوله إلى
الاعتراف بإسرائيل منادياً: فلتسقط الحرب بين الوطنيين والديموقراطيين العرب
واليهود لإحباط خطط الاستعمار والرجعية، ولتحيى الصداقة العربية
اليهودية! [١٨] . ...
وكتب في صحيفته السرية (القاعدة) : إن الشعب العراقي يرفض بإباء أن
يحارب الشعب الإسرائيلي الشقيق [١٩] .
أما الشيوعيون العرب في فلسطين: فقد وقفوا منذ اللحظة الأولى إلى جانب
إخوانهم الشيوعيين اليهود مطالبين بحق اليهود في إقامة دولة إسرائيل واستقلالها
عن العرب، وطالبوا بإجراء مفاوضات مباشرة ما بين إسرائيل والحكومات العربية، وشددوا على ضرورة سحب القوات العربية المعتدية من إسرائيل [٢٠] .
على أن الحزب الشيوعي المصري قد بلغ نهاية المطاف انغماساً في حمأة
التآمر والخيانة الصريحة؛ فجاء في بيان له: لقد عانى الشعب اليهودي في فلسطين
اضطهاداً لمدة طويلة، إن الشعب اليهودي يريد أن يحصل على استقلاله الذاتي،
وإن فرض الوحدة مع العرب تلك الوحدة التي يرفضها الشعب اليهودي معناه أولاً:
أننا نناقض مبدأ حق تقرير المصير [٢١] .
وعاد الحزب نفسه ليكتب في بيان آخر له: إن اليهود يكوّنون اليوم شعباً
ديموقراطيّاً! وتزداد سيطرتهم على حكومتهم يوماً بعد يوم، في حين أن الحكومة
العربية في فلسطين حكومة فاشية! ! ... وإن القضاء على الدولة اليهودية وإخضاع
اليهود لهذه الحكومة العربية معناه القضاء على واحة الديموقراطية التي يمكن أن
تكون ذات تأثير حسن على الجزء العربي في فلسطين، وتلعب دوراً إيجابيّاً في
الشرق الأوسط [٢٢] .
أما (المنظمة الشيوعية) فقد عالجت في أواخر عام ١٩٤٨م النزاع العربي
الإسرائيلي في مقال افتتاحي نشرته صحيفة (صوت البروليتاريا) في عددها الثالث، فقالت: في ١٥ مايو (أيار) ١٩٤٨م غزت! جيوش البلاد العربية فلسطين،
هناك حرب قائمة في الشرق الأوسط منذ ستبعة شهور، ولكننا إذا درسنا هذه
الحرب بتعمق لوجدنا أنها ليست سوى حرب عنصرية، لقد أملى الاستعمار
البريطاني هذه الحرب وأعد لها منذ سنين طويلة ليدافع عن مركزه في الشرق
الأوسط، إن هذه الحرب هي واحدة من مصادر الحرائق الكثيرة التي تشعلها
الرجعية العالمية، وذلك بهدف خلق ترسانات من بعض المناطق التي يريدون
استخدامها كنقط للهجوم ضد الاتحاد السوفييتي، وأخيراً فإن هذه الحرب موجهة
اليوم ضد الخطر الذي تمثله البروليتاريا الثورية في فلسطين (تعني إسرائيل) [٢٣] .
إن في هذه العبارات من التمويه والمغالطة ما لا تخفى؛ فالاستعمار البريطاني
لم يتدخل في الشرق الأوسط إلا لمصلحة إسرائيل، فهو الذي أصدر وعد بلفور،
وفتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وخطط بكل ما يملك من وسائل بتنسيق
مع الصهيونية العالمية لإقامة الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة، ولسنا ندري أي
رجعية عالمية يعني هؤلاء، وقوى الغرب والشرق، اليمين واليسار، أمريكا
والاتحاد السوفييتي وأوروبا جمعاء كانت في صف إسرائيل في مؤامرة عالمية
استهدفت الوجود العربي الإسلامي في فلسطين.
ذلك كان مجمل مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من موضوع فلسطين
وإسرائيل، وقد حرصت هذه الأحزاب أن تظل منسجمة مع مواقف الاتحاد
السوفييتي في الأمم المتحدة وموافقته على قرار التقسيم.
فكيف يرجى أن تحرر هذه الأحزاب المجتمعات العربية الإسلامية من تركة
الجهل والذلة اللذين ورثتهما من الاستعمار الصليبي، وكرسهما شرذمة من الحكام
المستبدين الذين بذلوا ولاءهم ومنحوا تأييدهم للغرب؟ ! .
وكيف يؤمل أن تنهض هذه الأحزاب بالأمة، وهي التي ارتمت في أحضان
يهود الشرق، وسلمت لهم مقاليد أمورها بتنفيذ تعليماتهم وخططهم الموجهة لمناصرة
إسرائيل؟ ! ، وصدق الشاعر العربي في هذا الصنف من الناس:
ونشحذ من يهود الشرق عدلاً ... كمن تَخِذَ الغراب له دليلا
أليس من المخجل زرع استعمار جديد في قلب العالم الإسلامي، وهو
الاستعمار الصهيوني العدو اللدود للمسلمين الذي ما فتئ يضع بتنسيق مع الصليبيين
كل العراقيل والعقبات التي تحول دون تقدم البلاد الإسلامية ونهضتها.
إن السياسة الشيوعية والسياسة الصهيونية في الساحة العربية، وما يحدث من
تنسيق بينهما: تعتبران من أشد أنواع السياسات مكراً وتآمراً، وإن الاتحاد
السوفييتي بمنظومته الحزبية العربية كان طرفاً في تلك المؤامرة الدنيئة التي أتاحت
للمتاجرين بالقضية الفلسطينية أن يتقدموا للزعامة والقيادة، وفي الثورة الفلسطينية
أوضح مثال على هذا؛ فعندما تراجع المسلمون وتخاذلوا دُفعت بعض القيادات
العلمانية إلى السطح، وانضوى تحت ألويتهم أبناء المسلمين المخدوعين، وتاجر
عرفات وجورج حبش ونايف حواتمه ... وغيرهم بدمائهم وبنوا على جماجمهم
مجداً أثيلاً.
إن اليهود بدؤوا منذ القرن التاسع عشر على الخصوص في التطلع والتخطيط
لإقامة كيان صهيوني في فلسطين، وقد كانوا يعلمون جيداً أن ليس بإمكانهم أن
يطؤوا أرض فلسطين بأقدامهم وأن يقر لهم قرار فيها إلا في حالة ضعف المسلمين
وتخلفهم، كما كانوا يدركون أن الإسلام هو السر الحقيقي لقوة المسلمين ونهوضهم؛
ولذلك أقدموا بما لديهم من مكر وخداع وهيمنة على وسائل الإعلام المختلفة على
نشر الفكر الشيوعي، وتمويل الأحزاب الشيوعية وتأسيسها في البلاد العربية،
ونشر الإلحاد.. وغير ذلك من المفاهيم العلمانية المادية التي تدعو المسلمين إلى
فصل الدين عن الدولة وعن الحياة، والتحلل من الأخلاق والقيم الإنسانية.
وقد كان ذلك تحت ستار الشعارات الخادعة المضللة؛ فتغلغلت تلك الأفكار في
عقول كثير من الشباب المضللين الذين فقدوا التوجيه الصحيح والفهم العميق للإسلام
لأسباب داخلية أهمها: غياب الإسلام عن الساحة كنظام حضاري ومنهج حياة شامل، ولأسباب خارجية أهمها: الغزو الشيوعي الصهيوني والصليبي للعالم الإسلامي،
واستيراد أساليب وأنظمة ظاهرها التقدم والتحرر، وباطنها الاستلاب والاحتواء
والجمود، فقد جرب المنتسبون إلى الإسلام مختلف الأنظمة الوضعية من ليبرالية
واشتراكية فلم تزدهم إلا ذلة وجموداً وتأخراً وتبعية للغير، علماً بأن الظروف التي
مرّت بها أوروبا وجعلتها تكره الدين بمفهومه الكنسي المحرف الضيق هي ظروف
ليست موجودة في الإسلام (ولله الحمد) .
وقد استغل الشيوعيون اليهودُ وعلى رأسهم ماركس معركةَ الدين والعلم،
والدين والدولة في أوروبا للتمويه والمغالطة وتعميم الأحكام بالقول: إن الدين أفيون
الشعوب أي: الدين عامةّ وأنه يتعارض مع النظر العقلي، وهي شبهة لها مجالها
الحقيقي في واقع الكنيسة والفكر الغربي، بينما لا نجد لها أي أثر في الإسلام
والفكر الإسلامي، ومن الملاحظ إذن: أن الحملات التي توجه ضد الدين الحق
وهو الإسلام إنما توجه من قِبَل دعاة المذاهب المادية وعلى رأسهم اليهود ضمن
مخطط رهيب يتبلور من خلال الغزو الفكري الذي حاول بمختلف الأساليب تهميش
أثر الإسلام في عقر داره، وإيهام المخدوعين من أبناء هذه الأمة أن لا سبيل للتقدم
إلا بإبعاد الإسلام عن مجالات الحياة المختلفة، هذا كسلاح لتركيز السيطرة اليهودية
والتمكين لها في البلاد العربية الإسلامية، إذ يدرك اليهود جيداً أن الإسلام يقف سدّاً
منيعاً في وجه أي احتواء أو تبعية أو تنازلات، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بأرض
إسلامية كفلسطين، وتهجير شعب مسلم بأكمله وتشريده.
стр. 1975
نص شعري
نجمان وعتمة ليل
بقلم: تركي المالكي
قصة مستعادة:
جاءني في كفه خيط وإبرة!
والرجالُ الجوفُ سورٌ حولَهُ..
تحرُسُ غَدْرَهْ!
ها جبينٌ غائرٌ يقتربُ الآنَ..
وطرفٌ مدّهُ إذ مدّ ذُعْرَهْ!
خاطَ لي عينَيّ.. ثم احتدّ..
يطوي شفتيّ!
وهو لا يكظم.. فُجْرَهْ!
والهدى يغزِل فَجْرَه!
............
.......... .؟
عاد يطوي خلفه الليلَ..
وخيطٌ.. من دماءْ..
رشّ أرضي فابتدتْ رحلتَها..
نحو الضياءْ!
آه.. ما أحلى الدماءْ!
آه.. ما أروع أن تسكب ناراً..
فوق فحمٍ.. جفّ نسغُ الجمر فيهِ
حين أغفى بين أسفار الشتاءْ! !
تحفِرُ الذاكرةَ العطشى..
فتخضلّ شراراً.. وانتماءْ! !
ريادة:
نجمان يشقان.. إزارَ الليلْ..
يرشان على نخل الأرض رحيقَ الضوءِ..
حريقَ شياطين الكاهن إذ يُرسلُهمْ..
يسترقون السمعَ! فيُؤذَنُ بالويلْ!
هو يخلِطُ قطرةَ نبعٍ عذب جارٍ..
ببحارٍ راكدةٍ من ملح
(الكذب / الكفر) العَريانْ!
تكتشف النخلُ شموخَ أعاليها..
تمحو أشواقُ الثمر لياليها..
تسري فيها.. عدوى الخصبِ
فتخضرّ أمانيها! ! ( ... )
فتح:
إنسانْ..
مزّقَ قطنَ الآذانْ..
فضّ غشاوةَ عينيه النجمانْ!
إنسانٌ.. إنسانانِ.. أناسٌ.. الإنسانْ! !
تنداحُ خيوطُ النجمين غيوثاً
ترتحلُ النوءْ
تتمدّدُ.. بُسُطاً من ضوءْ..
تفترشُ الأرضَ المنكوبةَ بالسحر وبـ العُمْيانْ! !
احتضار:
الغبارْ ...
أزّ إعصارَهُ.. ثم ثارْ!
ساقَ أعوانَهُ.. واستشارْ (؟ !)
وابتدا رحلةَ الإنهيارْ! ..
حينما مدّ لـ النجم طغيانَهُ..
واحتوى في السراديب بركانَهُ..
أتغُلّ السراديبُ.. نوراً.. ونارْ؟ !
استشراف:
أسافرُ عبرَ العقودِ..
إلى القابِل!
يحدثُني زمَنُ الخصب عن طللٍ خاملِ!
وعن غرقدٍ ذابلِ! !
قيل لي:
كان يوماً يؤُزّ الأعاصيرَ..
كانت تُطيعُ..
وتجلدُ نخلي بسوط الغبارْ..
قيل لي:
كانت الخاتِمة..
أن تطاولَ عُنْقُ الأعاصيرِ..
واحتبسَ النخلَ..
لفّ الخناقَ عليها..
وكبّل نجمين بين يديها! ..
وأدخلها بين أسوارهِ..
كي يحُدّ امتدادَ الهُدى في المدى..
فلما اعتدى ارتدّ واشتدّ.. حبلُ الردى..
على عُنُق الكاهنِ! !
وما إنْ.........
حتى هوى وانسحقْ! ..
تحت ضوء النجوم.. احترقْ! !
إنه الغيثُ جاءَ..
الغبارُ زهقْ!
وأمِتْ عزفُ قطرِ السماء تجمّعَ..
بين النخيل اصطفقْ! !
والنجومُارتدتْ ضوءها..
دفقَها ال (كان) ! ما بين سور الغبارْ؟
كذّب الآن عينُ اليقين أحاديثَ قبلُ ادّعتْ..
أن ضوءَ النجوم اختنقْ! !
آهِ.. كلا ورب الفلقْ!
آهِ.. كلا ورب الفلقْ!
والوجودُ الشهودُ القيودُ..
تَضِجّ وحتى العبيدِ: صدقْ..
وصدقْ.. وصدقْ.. وصدقْ ...
стр. 1976
في دائرة الضوء
ماذا نعرف عن أمريكا ؟ !
بقلم: د.أحمد بن محمد العيسى
سؤال بمثل هذا العنوان يبدو ساذجاً.. أليس كذلك؟ ! أمريكا بهذا الحضور
السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي على المسرح العالمي لا يمكن أن
يجهلها أو يشكك في تفوقها أحد، فالولايات المتحدة الأمريكية تمثل اليوم عنفوان
حضارة الغرب وتألقها، فهي وريثة الاستعمار الأوروبي، والمحافِظة على المصالح
الغربية في بقاع الأرض، وبدلاً من الاستعمار العسكري المباشر، جاء الاستعمار
الأمريكي بثوبه الجديد، ثوب حقوق الإنسان وصندوق النقد الدولي وما يسمى
بالشرعية الدولية وقوانين الإرهاب وشبكة سي إن إن وجوائز أوسكار ومشروب
الكوكاكولا ووجبات ماكدونالدز السريعة وشبكات إنترنت للمعلومات ...
ولكن.. هل هذه الصورة التي تبدو شديدة الوضوح من الخارج تكفي لأن
تعطينا رؤية صحيحة عن الداخل؟ هل يكفي أن نعرف ما يدور في داخل الدار من
خلال معرفة عنوانه، أو من خلال معرفة ملابس الخارجين من ذلك الدار؟
وللإجابة السريعة على هذا السؤال، أقول: إن الصورة الحقيقية التي نملكها نحن
أبناء الصحوة الإسلامية عن أمريكا من الداخل، تظل غير واضحة المعالم، ضعيفة
التركيب، مليئة بالتناقض، لا تستطيع أن تستوعب التناقض الظاهر بين التفوق
والانحطاط، بين التنظيم المؤسساتي والاضطراب الاجتماعي، بين القدرة السياسية
على المسرح العالمي والسذاجة السياسية على المستوى الفردي.
وقبل أن نسترسل في توضيح مسارات الموضوع، قد يقول قائل: وهل نحن
في حاجة إلى معرفة أمريكا من الداخل؟ ! ألم تؤد ممارسات الفكر العربي خلال
قرن من الزمان في دارسة إلى الإغراق في التعلق بالنموذج الغربي، وأخرجت لنا
مسوخاً فكرية وثقافية بعيدة عن عقيدة الأمة وآمالها ومصالحها؟ ! .
نقول: إن الجهل باللاعب الأساس لا يؤدي إلا إلى الهزيمة أمامه، فإما أن
تكون هزيمة مادية (عسكرية واقتصادية وسياسية) أو هزيمة فكرية ونفسية، وذلك
عندما تتغلغل ثقافته وقيمه وأخلاقه عبر العديد من القنوات إلى عقولنا وبيوتنا،
ونحن نحسب أنها من متطلبات التقدم الحضاري، لقد رفع الفكر الإسلامي منذ
بدايات التحدي الغربي الكاسح للعالم الإسلامي شعار أن نستفيد من الحضارة
المعاصرة بما يتلاءم مع معتقداتنا وأخلاقنا ومبادئنا، وأن نرفض ما يخالفها، ولكن
هذا الفكر لم يستطع أن ينتقل خطوة أخرى لتجسيد هذا الشعار في أرض الواقع،
لأننا لم نعرف الحضارة المعاصرة التي هي حضارة غربية بكل المقاييس بتفاصيلها
لكي نعرف ما يتلاءم وما يخالف، وقد أدى ذلك إما إلى اقتحام هذا الحضارة من
قبل أناس لم يعرفوا أولاً معتقداتهم وشريعتهم، فانتقلوا إلى البحث والتنظير في ما
يصلح وما لا يصلح، أو إلى التوقف عند بعض مظاهر هذه الحضارة وإعطاء
أحكام ناقصة أو متحيزة.
إن تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين، ورؤيتنا لما يجري في هذا العالم،
ومعرفة القرارات المصيرية التي تتخذ على أكثر من مستوى: سوف تتأثر بشكل
أو بآخر بمستوى معرفتنا بمن يحرك السياسات وينفذها سواء أكانت مباشرة أو من
خلف الكواليس.
إذن: فمعرفتنا بأمريكا ضرورية لكي نستطيع أن نفهم ما يجري حولنا، ليس
في تعاملاتنا الخارجية فحسب، ولكن أيضاً داخل حصوننا المشرعة للرياح؛ ولهذا: فإننا نتوقع أن دراسة واحدة عن أمريكا أو اثنتين أو مجموعة من الدراسات لا
تكفي لتمنحنا القدرة على المعرفة، بل نحتاج إلى جهود علمية كبيرة تكون جزءاً
من دراسة للحضارة المعاصرة بكل تفاصيلها وتبدأ من نقد مفهوم الحضارة ومفهوم
التقدم من منظور إسلامي، ثم تنطلق لتجيب على أسئلة تتجاوز مجرد تحديد الواقع
إلى معرفة أسبابه وخفاياه، بمعنى أن تتجاوز المعرفة مجرد ما هو موجود في
الواقع إلى طرح أسئلة: كيف؟ ولماذا؟ .. كيف وصلت أمريكا إلى ما وصلت إليه؟ ولماذا تأخر الآخرون؟ فلا يكفي أن نقول مثلاً: إن أمريكا تمثل القوة العسكرية
الأولى في العالم، ونبدأ نعدد في ترسانتها من الأسلحة النووية والتقليدية، بل نبحث
في: كيف وصلت إلى هذه المكانة؟ ولا يكفي أن نقول: إن الجريمة والعنف
والانحلال الأخلاقي تضرب أطنابها في المجتمع الأمريكي، بل نسأل: لماذا وقع
هذا؟ وكيف؟
الأسئلة كثيرة عن أمريكا، وأحسب أن إجاباتنا عنها ستكون كما ذكرت مغرقة
في الضحالة، وهذه ليست خاصية لمن يتعامل مع أمريكا عن بعد، مثل بعض
رموز الصحوة الإسلامية ومفكريها فحسب، بل وحتى لأولئك الذين اقتربوا من
المسرح الأمريكي، إذ إن معظم الذين تعاملوا بشكل أو بآخر مع المجتمع الأمريكي
من الدعاة والمفكرين والدارسين، لم يستطيعوا أن يَنفذوا من حواجز كثيرة وضعوا
أنفسهم فيها أو وضعت لهم إلى التعمق في فهم المجتمع الأمريكي، ومعرفة
خصائص تفوقه وخصائص انحطاطه.
فلو تأملنا في مظاهر شتى للحياة الأمريكية من الداخل وذلك من خلال رسم
سيناريو لبعض الأحداث التي قد تقع للمتعاملين مع المجتمع الأمريكي من دعاة
المسلمين وشبابها لاستطعنا أن نعرض لبعض الأسئلة التي لا يزال كثير منها دون
إجابة في أوساط الفكر الإسلامي المعاصر.
دعوة للتأمل:
فتأمل الأحداث التالية:
داعية يسافر إلى الولايات المتحدة لزيارة قصيرة، يلتقي فيها بعض إخوانه
من المسلمين، ويشارك في بعض الأنشطة الإسلامية هناك، ماذا ستكون رؤيته عن
البلد الجديد؟ ما هي مصادر معرفته عن ذلك المجتمع؟ ، كيف سينتقل من مكان
إلى مكان؟ ، ومع من سيتحدث؟ هل ستتاح له الفرصة للحديث مع أبناء هذه البلاد، ليبلغهم برسالة الإسلام؟ ... وتزدحم الأسئلة في رأسه: لابد أن في أهل هذه
البلاد من إذا سمع الحق اتبعه.. لابد أن فيهم جماعات قد أنهكتها حياة الآلة التي
يعيشون فيها.. كيف يصل إليهم؟ ما هي أفضل السبل للدخول معهم في حديث
ودي؟ كيف يفكرون في المسلم الملتزم؟ لابد أن وسائل الإعلام قد أفسدت نظرتهم
للإسلام.. ولكن، هل يمكن لوسائل الإعلام أن تؤثر هذا التأثير على مئتي مليون
من البشر أو يزيدون؟ ! كيف تأسست هذه الوسائل؟ ، ومن يديرها ويوجهها؟ هل
هي موجهة بالفعل؟ أين حرية الإعلام وحرية الصحافة؟ من يعطيها الضمانات
لكي تكون حرة؟ ! كيف تتشكل العلاقة بين الهيئات القضائية والتشريعية والتنفيذية؟ ألا يوجد عندهم كما هو الحال في واقع كثير من بلاد المسلمين أن يكون الذي بيده
الحل والعقد هو الخصم والحكم؟ ! من يقدم له المعرفة؟ من يملكها؟ ..
شاب مسلم مهاجر اضطرته ظروف العيش والاضطهاد إلى الهرب إلى العالم
الجديد بحثاً عن الرزق والاستقرار، ولكنه يحمل بين جنبيه هذا الكنز الثمين:
عقيدة التوحيد، لا يريد أن يتأثر بما يسمع عنه من مظاهر التفسخ والانحلال في
ذلك المجتمع، عند وصوله إلى ذلك البلد يصدمه احترام العاملين في المطار في
محطات القطار، في الفنادق، في الشركات للإنسان، تعاملهم معه بلطف ونظام،
بينما هو ربما ترك كثيراً من مظاهر الاستهانة بكرامة الإنسان، والتعامل الفج مع
طلباته وحقوقه في بلده، ولكنه بعد أن عاش بعض الوقت بدأ يشعر بثقل الغربة،
لا يفهم التناقض الكبير في المجتمع الذي يعيش فيه؛ التقدم التقني والمعلوماتي،
والنظام المحكم في مجالات العمل، والعلاقات التي لا مجاملة فيها بين الرئيس
والموظف؛ لا تحيز في المعاملة لقرابة أو صداقة أو مكانة اجتماعية.. وفي نفس
الوقت الفراغ الكبير بعد ذلك، عندما يحل المساء، وينتهي يوم العمل: يشعر
بالضياع! فهو لا يستطيع أن ينخرط كما يفعل الأمريكيون في صخب الحياة الليلية
وتفسخها، يتجه إلى التلفاز ليسلي نفسه، ويقضي بعض ذلك الليل الكئيب،
عشرات القنوات التلفازية: قنوات للأفلام، وقنوات للرياضة، وقنوات للأخبار،
وغيرها كثير، تنبعث في نفسه العشرات من الأسئلة: كيف استطاعت هذه البلاد
أن تفرض نفسها على العالم؟ ! .. كيف استطاعت أن تتحكم في مصير كثير من
بلاد المسلمين، تستنزف ثرواتهم بالسعر الذي تريد، وتصدر لهم ما تشاء بالسعر
الذي تريد؟ كيف يعيش هؤلاء الناس؟ ! ... يركضون ويركضون في النهار وفي
الليل ... كيف تستقيم أمورهم؟ ! ، وكيف ينظمون حياتهم؟ ! .. وكيف ...
وكيف؟ ؟ ؟ ... لماذا كل هذا العنف والحب والرياضة والغناء في قنوات
التلفاز؟ ! ما هذا السخف في عرض برامج تتحدث عن قضايا اجتماعية مقززة: الإجهاض، الشذوذ الجنسي، علاقات الأسرة المتفككة..؟ لماذا تشعر وأنت تتحدث مع الأمريكي أنه لا يفقه شيئاً خارج حدود دولته.. لا يهتم إلا إذا قُتل أمريكي واحد، بينما يقتل العشرات والمئات يوميّاً في بلاد العالم الثالث ولا تجد من يخبره بها! لماذا نتابع ونحن هناك في بلداننا إذاعات لندن ومونت كارلو وصوت أمريكا، ونشاهد العشرات من قنوات التلفاز الغربية، بينما لا يسمع الأمريكي هنا أي إذاعة أو تلفزيون من خارج أمريكا.. حتى من أوروبا؟ ! من يحرك هذا المجتمع؟ من يوجهه؟ ! هل حقّاً أنه يُوجه أو يُحرك؟ من يملك المعرفة؟
رجل أعمال جذبته الإعلانات التي تبعثها وكالات الإعلام المتخصصة في
السفارة الأمريكية، رحل يبحث عن فرص للتجارة.. دخل في علاقات مع بعض
الشركات للتصدير.. أخذته الشركة في رحلة للاطلاع على بعض منشآتها ومجالات
عملها.. لاحظ في البداية أن ترتيب الزيارة كان مخططاً بدقة في كل تفاصيله:
متى سيصل.. ومن سيستقبله.. ماذا سيفعل في اليوم الأول.. وماذا سيفعل في
اليوم الثاني.. وهكذا. وصل إلى هناك وأخذ يتحدث بلباقة ويتصرف وكأنه يدرك
كل ما حوله.. اطلع على بعض مصانع الشركة من الأجهزة الألكترونية، وذهل
من حجم الإنجاز، ودقة العمل، وانضباط العاملين.. الجميع يعملون في هدوء
وسكينة.. لا يتحدث بعضهم إلى بعض إلا همساً، لا تجد الأوراق على الأرض،
ولا تجد أعقاب السجائر في كل مكان.. قسم المتابعة يراقب خطوط الإنتاج من
جهاز حاسب آلي كبير، والشاشات تملأ القاعة.. اليوم الثاني: يدعونه إلى حفلة
ساهرة في فندق ضخم.. الجميع يلبسون ملابس أخرى غير تلك التي رآها في
الشركة.. وتدور أسطوانات الموسيقى، وتدور كؤوس الخمر.. هل يجاملهم
ويجلس في هذا المكان الموبوء؟ .. لماذا تغيروا هكذا؟ ! لماذا أصبحوا بهذا
الصخب وهذه القذارة؟ هل هذا تعويض عن يوم العمل حيث الجميع ملتزم
بواجباته؟ .. يسير في اليوم الثالث في شوارع المدينة وحيداً.. يريد أن يتعرف
على المجتمع في هذه المدينة الكبيرة.. ولكن، هل بوسعه التعرف على الناس من
خلال السير في الشوارع؟ أخذته رجلاه إلى قلب المدينة.. ذهل من حجم
المتسكعين والفقراء! .. كيف يعيش الناس هنا؟ ، وكيف تصلهم الخدمات الأساسية؟ الأزقة ضيقة ووسخة، والأطفال يلعبون في أطراف الشوارع.. هل صحيح أن
تجار المخدرات يجدون في هذه الأماكن ثروتهم الحقيقية؟ .. هل صحيح أن رجال
الأمن لا يدخلون هذه المناطق بعد منتصف الليل؟ يذهب إلى ضواحي المدينة،
فيجد التناقض الصارخ.. الجميع هنا يعيشون في بذخ واضح.. الفلل جميلة
والحدائق متناثرة.. والأطفال يلعبون في ساحات مصممة بشكل متناسق.. تبدو
المدارس نظيفة وحافلاتها جديدة.. المدرسون يخرجون في آخر اليوم الدراسي
لترتيب خروج الأطفال، ولتأمين ركوبهم في الحافلات.. يصيبه الدوار فيعود إلى
الفندق ليلاً، وقد أرهقه التجوال، هل يستطيع أن يفهم هذه البلاد؟ .. من يقدم له
المعرفة؟ ! .
وتتعدد الأسئلة التي يمكن أن يطرحها المرء الذي يقدر له الله أن يعيش لوقت
من الزمن في أمريكا، أما أولئك الذين يتعاملون مع أمريكا من الخارج، مع الوهج
الإعلامي، والسيطرة الاقتصادية والسياسية، فلا شك أن الأسئلة ستكون مباشرة،
وستبحث الأفئدة عن إجابات موثوق بها وغير متأثرة بذلك الوهج، ستتسائل عن
القوى السياسية وغير السياسية في المجتمع الأمريكي.. كيف تشكلت؟ ولماذا
برزت؟ وكيف تم تحجيم القوى الشعبية الأخرى؟ لماذا يتنافس حزبان فقط في
انتخابات الرئاسة وانتخابات مجلس الشيوخ؟ كيف يسير النظام الانتخابي؟ وما
هي القوى المسيطرة على صنع القرار؟ ما هو دور الإعلام، وما هي القوى
المسيطرة عليه؟ وكيف وصلت إلى هذا المستوى؟ ما هي القوى المهمشة في
المجتمع الأمريكي؟ ولماذا أصبحت كذلك؟ ما هو دور الجامعات ومراكز البحث
العلمي ومراكز الدراسات الاستراتيجية في صناعة التفوق العلمي والتقني؟ وكيف
تتشكل تلك المراكز وكيف تمول، وكيف تقوم بأعمال التخطيط والتنفيذ؟ ما هو
دور الشركات الرأسمالية الكبرى؟ ومن يمتلكها؟ وكيف يكون نظامها؟ وما
علاقتها بصانعي القرار على المستوى السياسي والاقتصادي؟ كيف يتشكل النظام
القضائي، والنظام التعليمي، والنظام الإداري؟ ما هو المستوى الثقافي لغالبية
الشعب الأمريكي، وما هي اهتماماته، وما هي وسائل الثقافة الاجتماعية؟ من أين
جاء التفوق الأمريكي؟ .. هل جاء من الثروة الاقتصادية؟ أو من الثروة البشرية؟
هل جاء بسبب كفاءة النظام السياسي، أم كفاءة النظام التعليمي، أم كفاءة النظام
الإداري؟ وأخيراً.. ما هو مستقبل أمريكا في ضوء الحقائق الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية؟ وفي الوقت نفسه: ما هو مستقبل
الإسلام في أمريكا بعيداً عن التمنيات والتهويشات الإعلامية؟ هل يعتبر الإسلام
حقّاً من أكثر الأديان انتشاراً هناك؟ ما هي الفرص المتاحة ولم تستغل؟ وما هي
المعوقات؟ وكيف يمكن تجاوزها؟ ... وتستمر الأسئلة.. فمن يملك المعرفة؟ !
وبعد هذه الأسئلة كلها، لا نملك إلا أن نؤكد مرة أخرى على أن الجهل بما
يحدث في أمريكا سيقودنا إلى مزيد من الجهل بما تقوم به أمريكا من اندفاع لترتيب
وضع العالم بعد اختفاء القطب الدولي الآخر الشيوعية ويصبح المسلمون هم
الضحية مرة أخرى، بعد أن كانوا ضحايا الاستعمار الأوروبي في بدايات القرن
بسبب الجهل بما يجري في هذا العالم من تطورات وأحداث.. ولو أعدنا قراءة
التاريخ الحديث لوجدنا أن المسلمين كانوا يُستخدمون بالآلاف لتنفيذ سياسات
الاستعمار دون أن يدركوا دورهم ومكانتهم من الأحداث، فمن تجييش المسلمين
الهنود للحرب في العراق والشام، ومن استخدام عرب الجزيرة للحرب ضد الخلافة
العثمانية فيما سمى بالثورة العربية، ومن استخدام المسلمين من شمال إفريقيا
للحرب ضد الألمان في قلب أوروبا.. وهكذا.. وقارن بين ذلك كله وبين استخدام
أمريكا المسلمين اليوم للقتال معها في بقاع عديدة مثل: الصومال وهاييتي، وفي
البوسنة والهرسك.. وغيرها.. كل ذلك يجري بسبب الجهل.. قاتله الله.
[قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ] .
стр. 1977
متابعات
منشأ النفاق ..
صالح السالم
كتب الدكتور محمد الوهيبي عن النفاق في عددين من مجلة (البيان) هما
(٨١ - ٨٢) فأجاد وأفاد، فجزاه الله خيراً.
ومشاركة في بيان منشأ النفاق وأصله، أقول:
لم يكن للنفاق ذكر في مكة قبل الهجرة، ولم ينزل فيه شيء فيما أعلم من
القرآن المكي؛ فقد كان المسلمون مستضعفين لا شوكة لهم فلم يوجد المسوّغ لأن
ينافقهم أهل مكة، بل يمكننا القول: إن النفاق لم يكن من أخلاق العرب، وإن الذي
وجد في مكة هو خلاف النفاق ممن كان يظهر الكفر مستكرها وهو في الباطن مؤمن، وحينما قربت وفاة أبي طالب طلب منه رسول الله ﷺ أن يقرّ
بكلمة التوحيد ليحاج له بها عند ربه، فلم يقلها ولو في الظاهر مجاملة لابن أخيه.
ولما حدثت الهجرة ودخل الإسلام في بيوت أهل المدينة بقي منهم أناس لم يرد
الله أن يطهر قلوبهم، فشرقوا بالإسلام ووجدوا بعد بدر أنه لا مناص من إعلان
الإسلام في الظاهر ليسلموا وليبقوا على مراكزهم في قومهم، وفي سيرة ابن هشام
قال: وانضاف إليهم [أي: اليهود] رجال من الأوس والخزرج ممن كان على
جاهليته، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك بالإسلام واتخذوه جنة عن
القتل، ونافقوا في السر، وكان هواهم مع يهود [١] .
فعلى هذا: كان نفاقهم مجاراة لإخوانهم من اليهود [وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ
الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ ... ] [آل
عمران: ٧٢] أي: قال اليهود بعضهم لبعض: آمنوا أول النهار نفاقاً ومكراً
وتلبيساً على الضعفاء من الناس، فإذا كان آخر النهار فارجعوا إلى حقيقة أمركم من
الكفر والتهود، فتبعهم على ذلك ضعاف النفوس فنافقوا مثلهم، وتعلموا منهم التقلب
والتلون، وسلكوا مسلكهم وصاروا [وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خلَوْا إلَى
شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ] [البقرة: ١٤] .
فعلى هذا: فالنفاق من تعليم اليهود ومكائدهم، ومنشأه منهم؛ فهم الذين كانوا
قبل ذلك يظهرون متابعتهم لموسى وتمسكهم بالتوراة مع أنهم يبدلون كلام الله
ويغيرون الأحكام ويكتمون الحق ويحرفون الكلم عن مواضعه. فصلة المنافقين بهم
صلة قوية، صلة الحميم بحميمه والأخ بأخيه، صلة الدفاع والحماية والمشاركة في
السراء والضراء [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ
الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإن قُوتِلْتُمْ
لَنَنصُرَنَّكُمْ ... ] [الحشر: ١١] مع أنهم ليسوا من اليهود في ديانتهم ولا منهم في أصولهم، وإنما يجمعهم الهدف المشترك وهو الكيد للإسلام فيتوالون عليه [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [المجادلة: ١٤] .. وبعد ذلك انتشر النفاق في المدينة وما حولها من الأعراب، وجاءت التحذيرات منه، وتوالت فضائح المنافقين في القرآن الكريم.
وذكر الكاتب في آخر المقال بأن الرافضة صنف من المنافقين لا يزالون عبر
التاريخ يظهرون العداوة للأمة.
فأقول: نعم، هذا دليل من الواقع على نفاقهم، ودليل آخر هو: ما ذكره
شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث قال ﵀ : فإن أساس النفاق الذي بني عليه
هو الكذب، وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه، كما أخبر الله عن المنافقين
أنهم: [يَقُولُونَ بَأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ..] [آل عمران: ١٦٧] ،
والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية، وتحكي هذا عن أئمة أهل
البيت الذين برأهم الله من ذلك [٢] ، وقد ذكر في مواضع كثيرة من كتابه منهاج
السنة أن الرافضة أكذب الأمة؛ من ذلك قوله: وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية
والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف [٣] ، وقوله: والمقصود هنا: أن
العلماء كلهم متفقون على أن الكذب في الرافضة أظهر منه في سائر طوائف أهل
القبلة [٤] .
فأصل النفاق من اليهود وأصل الرفض من اليهود؛ فمؤسس مذهب الرافضة
هو ابن سبأ [*] اليهودي المنافق الذي دخل في الإسلام ظاهراً وبقي على يهوديته في
الباطن، لذلك ذكر الشيخ مشابهة الرافضة لليهود من وجوه عديدة، فقال: قالت
اليهود لا يصلح الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في
ولد علي، وقالت اليهود: لا جهاد حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سيف من
السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد
وينادي مناد من السماء اتبعوه.. واليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم
وكذلك الرافضة ... [٥] .
وذكر كثيراً من أوجه الشبه بينهم، بل إن أكثر الأمور التي خالفوا فيها أهل
السنة هي من تعاليم اليهود، ونحن نسمع أدعيتهم في المطاف وغيره يثنون على
الله بما أكرم به موسى أكثر من ثنائهم على الله بما أكرم به محمداً؛ وذلك لأن هذه
الأدعية أخذت من أدعية اليهود، ومع ذلك فهم يتشدقون بإعلان البراءة في موسم
الحج من أمريكا وإسرائيل كذباً وزوراً وتضليلاً للناس، وإلا فهم إخوانهم وتلاميذهم.
ومن هنا: يتضح أن الثلاث الأثافي اليهود والنفاق والرفض تحمل قِدراً واحداً
يغلي حقداً وعداوة وبغضاً وكيداً للإسلام والمسلمين، فهل يتنبه المسلمون لذلك؟ ! .
تتمة:
قد ذكر الكاتب أن النفاق الأصغر (العملي) قسيم النفاق الأكبر (الاعتقادي) .
لكنني أذكر بألا ننسى أن النفاق العملي إذا استحكم في الإنسان أدى به إلى النفاق في
القلب، فعلى هذا: فهو سبب من أسبابه وليس قسيمه فقط؛ يقول (جل وعلا) :
[فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ]
[التوبة: ٧٧] .
فلنحذر جميعاً من النفاق والمنافقين حتى لا نقع في أحابيلهم.. والله من وراء
القصد.
стр. 1978
منتدى القراء
خطر تضخيم الذات الأجنبية
زهرة الإبراهيمي
يحرص بعض الآباء والأمهات على متابعة التلفاز مع أبنائهم للإشراف على
كل صغيرة وكبيرة تتعلق بمشاهدتهم لهذا الجهاز.
ولا يتساهل الوالدان في أحيانٍ كثيرة في مشاهدة أبنائهم لما فيه إخلال
بالأخلاق والقيم الإسلامية، وهذا في حد ذاته حسن. ولكن هذه المتابعة تخف
درجتها بالنسبة للأفلام الحربية، باعتبار أن أكثر عناصرها من الرجال، وبالتالي:
فهي تخلو من المشاهد الفاضحة أو المخلة بالآداب.
وما أريد التنبيه عليه هو: أن الخطورة لا تكمن في تلك المشاهد فقط، فهذه
الأفلام لها تأثيرها السلبي على شخصية النشء المسلم.. ويمكن أن نلخص هذه
المخاطر في جوانب عدة:
أولاً: عدد كبير من هذه الأفلام هي أفلام أمريكية تصور الحرب في فيتنام أو
في اليابان، ويحرص المخرج خلالها على إبراز شخصية المجند الأمريكي الشجاع
الذكي! ، الذي لا يقف أمامه شيء، ويبيد برصاصة واحدة آلاف الجنود الفيتناميين
البلهاء كما يصورهم الفيلم! ! مما يغرس الروح الانهزامية الخائفة التي ترى
الأمريكي شخصاً لا يقهر، وهذا خلاف الواقع المعروف؛ لأن فيتنام كانت مقبرة
حقيقية للأمريكان.
ثانياً: الطابع العام للأفلام الحربية يعكس حسن خلق المجند، وكيف أنه يجمع
القوة والرأفة! ، ويعرض نفسه للموت في سبيل إنقاذ طفل أو عجوز.. وهذا بلا
شك ينافي الواقع، إضافة إلى أنه سيغرس علامة استفهام لا يستهان بحجمها في
نفس الطفل.. فما دام هذا الشخص بهذا النبل وهذه القيم والأخلاقيات، فلماذا
نكرهه؟ ! إنه أفضل من كثير من المسلمين.. وهذا بلا شك يزعزع مبادئ الولاء
والبراء في نفوس الصغار.
ثالثاً: الترجمة العربية الحرفية لهذه الأفلام تحمل ألفاظاً سيئة وعبارات نابية
من قبيل: (أيها اللقيط.. اذهب إلى الجحيم.. عليك اللعنة ... ) .. وبمرور الأيام
يصبح سماع هذه الألفاظ معتاداً لدى المشاهدين الصغار أو الكبار.
رابعاً: التأثر ببطل الفيلم، وربما سمع البعض منا ابنه يقول له: أريد أن
أصبح مثل رامبو! وهذا يقتل الاقتداء بالنماذج الإسلامية في نفوس الصغار.
خامساً: في حالة وجود امرأة في الفيلم، نرى كيف أنها تصارع الرجال
وتقتل وتنسف، والملاحظ دائماً وجود امرأة واحدة في فريق عمل رجالي كأن
النصر لن يتم إلا بها وهذه المرأة تحاكي الرجال وتماشيهم، ولا شك أن هذا له
تأثيره السيء وبالذات على الفتاة المسلمة في سن المراهقة.
سادساً: إلف الأطفال لسماع الموسيقى المصاحبة لأحداث الفيلم، وهذه
الموسيقى محرمة في ديننا كما نعلم.
هذا غيض من فيض.. وقليل من كثير من سلبيات هذه الأفلام، فاتقوا الله
أيها الآباء والأمهات، فهؤلاء هم أبناؤنا.. (أكبادنا التي تمشي على الأرض) .
стр. 1979
الورقة الأخيرة
وظلم ذوي القربى إلى متى ؟ !
أحمد العويمر
أن تشن الهجمات الظالمة، والاتهامات المعلبة، والنقد غير النزيه علِى الدعاة
إلى الله بعامة، والجماعات الإسلامية بخاصة من قبل اليهود والنصارى
والماركسيين وأذنابهم الموتورين (اليسار العربي بشتى فئاته) ، والقول في الدعاة
إلى الله من التجني والكذب والافتراء ما هو معروف مما يتقيؤونه ويسودون به
الصفحات كل يوم، كل ذلك معلوم ومنتظر؛ والشيء من معدنه لا يستغرب.
أما أن يتطرق التشكيك في كثير من الدعاة إلى الله من قبل نفر من أهل
الإسلام وممن يشار إليهم بالبنان، فهذا ما لا يتوقع ولا يخطر على بال أحد لأسباب، منها:
* أن الإسلام يدعو إلى التعاون على البر والتقوى، وينهى عن التعاون على
الإثم والعدوان.
* التعميم في الأحكام غير مقبول مع آحاد الناس، فكيف مع الدعاة إلى الله؟ !
* وهل خطر ببال أولئك الشانئين أنهم في خندق واحد مع المتربصين بالدعوة
بنقدهم هذا غير الموضوعي؟
* الإسلام يدعو إلى الإنصاف حتى مع الأعداء، فكيف مع العلماء والدعاة
[وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [المائدة: ٨]
*وأخيراً، فإن المطلع على نماذج من النقد المطروح يلحظ نقداً جيداً متميزاً
ولكنه قليل، كما يلحظ الكثير من المبالغات والاجتهادات غير الموفقة التي لا تقوم
على أساس علمي، وبعضها مما يسعه الخلاف، ولا تستحق المعاداة والمفاصلة
بسببه.
وظلم ذوي القربي أشد مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند
لا شك أن حقل الدعوة إلى الله والعاملين فيه لا يخلو من أخطاء وسلبيات
وملحوظات في العقيدة والمنهج والسلوك، غير أن حل تلك المشكلات وعلاجها ليس
بالفضح والتشهير، وإنما بالرغبة الصادقة في الإصلاح والصدق في التناصح ثم
بعقد الندوات العلمية التي يجتمع فيها الدعاة للتدارس والتشاور بعيداً عن الحزبيات
والأنانيات والتعالم، ليكون الهدف هو مصلحة الدعوة التي مبناها على أصول
الكتاب والسنة والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والاعتصام بحبل الله وعدم التفرق.
الغريب أن يكون بعض أعداء الله أكثر موضوعية من بعض المنتسبين إلى
الدعوة، فأولئك حسب ما ورد في الأخبار يراجعون خططهم في التعامل مع
الإسلاميين لأن مناهجهم القائمة على التعميم في الحكم غير صائبة، فقد دعوا إلى
إعادة النظر فيها لأن العداوة للإسلاميين لم تنتج سوى نتائج سلبية كبرى عليهم
وعلى عملائهم.
فهل يكون النقد الموضوعي منا معشر الدعاة إلى الله لمصلحة دعوتنا وحسب
ما يمليه علينا ديننا؟ أم تأخذ بعضنا العزة بالإثم بالإصرار على منهجه إياه مما
يشتت الصفوف ويوغر النفوس، ويسهم في إضعاف آثار الدعوة؟ !
إن كان الأول: فهذا هو المطلوب، وإن كان الآخر: فوالله إن ذلك علامة
سوء وظاهرة مرض كبرى، نسأل الله السلامة والعافية.
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ !
стр. 1980
صفر - ١٤١٦هـ
يوليو - ١٩٩٥م
(السنة: ١٠)
стр. 1981
كلمة صغيرة
خداع العناوين
كتب بعض الكتاب والعلماء عن خداع العناوين ووضحوا كيف تكون بعض
العناوين أحياناً بعكس ما تحويه تماماً.
ومن هذا القبيل: مجلة تسمى (منار الهدى) وهي حَريّة أن يكون اسمها:
(منار الردى) ؛ فهي لسان حال ما يسمى ب (جمعية المشاريع الخيرية) بلبنان، أو
بمعنى أوضح: (جماعة الأحباش) أتباع عبد الله الحبشي، وحين تتصفحها تصطدم
بالكذب والافتراء والخداع، فشيخهم يزعم أنه خادم السنة وهو يذبحها من الوريد
إلى الوريد، لما يشيعه بين أتباعه من شركيات وبدعيات، ومما تنشره مجلتهم تلك:
١- التحذير من العقيدة السلفية وعلمائها بدعوى كونهم وهابيين.
٢- تلميع رجال البدعة المنحرفين قديماً وحديثاً ونشر تراثهم المقبور.
٣- الهجوم على علماء الإسلام المعروفين وتلويث سمعتهم بكل كذب وزور.
٤- موالاتهم للرافضة والباطنيين وأهل الزيغ والضلال، ومعاداتهم لأهل
السنة الحقة.
وقد حذر من انحرافهم الكثير من العلماء كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز،
والعلامة الألباني، والشيخ عثمان الصافي، ود. عوض منصور، وعبد الرحمن
دمشقية.. وغيرهم.
ومع وضوح ضلالاتهم فما زال يغتر بهم بعض السذج والبسطاء بعد أن
استغلوا ولبّسوا على بعض الرموز البارزة في تزكية أنفسهم.
ولعله يتسنى للمجلة بيان المزيد من ضلالهم وانحرافهم في مناسبة قادمة -إن
شاء الله (تعالى) -والله المستعان.
стр. 1982
افتتاحية العدد
دروسٌ من الأحداث
الناظر في أحوال الأمة الإسلامية يجد أنّ المآسي والنكبات قد اتسع نطاقها
وبدأت تتناثر هنا وهناك، فلا تكاد تخف وطأة الكفر أو الظلم على المسلمين في بلد
من البلدان حتى تفاجأ الأمّة بنكبة أو نكبات جديدة ترقق ما كان قبلها!
وعلى الرغم من الآلام والأحزان التي تملأ قلوب المخلصين، إلا أنّ هذه
المآسي تحمل في ثناياها دروساً عظيمة جديرة بالتأمل والدرس، فبشائر النصر
والتمكين تلوح في الأفق، ومن هذه الدروس:
أولاً: أنّ الأمم والحضارات تمرّ بسنوات قوة وانتشار وتمكين، ثم تنتكس
وتتلاشى تدريجيّاً حتى تموت وتصبح حدثاً تاريخيّاً تطويه السنون، فكم من حضارة
سادت وطغت ولكن الله أخذها أخذ عزيز مقتدر، قال الله (تعالى) :
[أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ *
وَثَمُودَ الَذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ *
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ]
[الفجر: ٦ -١٤] .
ولكنّ الأمة الإسلامية على الرغم من تتابع القرون، وتكاثر العقبات والهزائم
المتلاحقة التي مرّت بها، إلا أنها بفضل الله وقوته لم تمت وإن ضعفت أو تمزق
بعض أطرافها؛ فهي تملك أعظم مقومات البقاء والثبات.
ثانياً: أنّ الشعوب الإسلامية المعاصرة جرّبت كل ألوان الشعارات الجاهلية،
وظلت تتقلب فيها سنين متتابعة، ولكنها سرعان ما استيقظت من غفلتها، وعرفت
إفلاس تلك الشعارات وزيفها وقصورها، فعادت ثانية إلى هويتها وجذورها
التاريخية، وعرفت طريق العز والتمكين.
وإن الأمة الإسلامية من أدناها إلى أقصاها متعطشة عطشاً شديداً لهذا الدين
الحنيف، فقد ملّت العبث بها وخداعها وسرقة عقولها ومقدراتها، وأيقنت أنّ
خلاصها الحقيقي إنّما هو باعتصامها بحبل الله المتين.
والأمة المريضة الهزيلة لا يعبأ بها أحد على الإطلاق، ولا يُلقي لها الناس
بالاً، ولا تستحق أن تُقدر أو تهاب، أو حتى يُنظر إليها، ولكنّ الأمّة الحية
المعطاءة حينما تبدأ بالحركة والتململ يهابها الناس، ويحسبون لها حساباً جديداً،
لأنها عادت إلى هويتها الحقيقية معتزة بها، ولذا: فهم يحاولون كبتها وقطع
جذورها ووأدها في مهدها، ويتعاملون معها بكل صلف وظلم وجبروت.
ثالثاً: أنّ ما يصيب الأمة من محن ومآسٍ إنّما هو بسبب خورها وضعفها؛
قال الله (تعالى) : [لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا
يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِياً وَلا نَصِيراً] [النساء: ١٢٣] ، وقال الله (تعالى) : [أَوَ
لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] .
والنياحة والتباكي على حال المسلمين لن يُغيّر شيئاً من الواقع، فهي حيلة
العجزة القاعدين الذين يرضون الدنيّة في دينهم.. وليست النائحة الثكلى كالنائحة
المستأجرة..!
وإنّ طريق التغيير والتمكين طريق طويلة متعددة الدروب وعرة المسالك،
يمتحن الله بها أولياءه، ونصر الله وفضله إنّما يتنزل على
الصادقين المخلصين؛ قال الله (تعالى) : [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَاًتِكُم
مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَاًسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [البقرة: ٢١٤] .
وإمامة الشعوب وقيادتها ليست أماني وأحلاماً وشعارات؛ وإنّما تكون ببذل
الأسباب الشرعية المأمور بها في كتاب الله وسنة نبيه محمد؛ قال الله
(تعالى) : [قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ] [البقرة: ١٢٤] ، وقال الله (تعالى) : [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] .
رابعاً: أنّ الظهور والغلبة في النهاية إن شاء الله (تعالى) مهما طال الطريق
وكثرت العقبات وزادت المكائد لأولياء الله المؤمنين، وهذا وعد قاطع لا شك فيه؛
قال الله : [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ
* وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] [الصافات: ١٧١-١٧٣] .
وإن هذه الغلبة والمنعة لا تأتي من ضياع الهوية والذوبان في الغرب أو
الشرق، ولكنها تأتي بعظيم الثقة بالله (تعالى) والاعتماد عليه وحده لا شريك له؛
قال الله (تعالى) : [أَمَّنْ هَذَا الَذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ
الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ
وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِباً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ]
[الملك: ٢٠-٢٢]
خامساً: أنّ مكائد الأعداء تتلون وتتغير بتغير المواقف والأحداث، والفطنة
والذكاء يجب ألا تكون مقصورة عليهم، فالمسلم يجب أن يكون متوقد الإحساس،
يقظاً لا تنطلي عليه الأحابيل والدسائس؛ قال الله (تعالى) : [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] [الأنعام: ٥٥] .
لقد كانت الحكومات العلمانية تعلن الحرب الصراح على الإسلام وأهله،
وتفتح السجون والمعتقلات لمجرّد الانتساب إلى الإسلام والمحافظة على الصلوات،
وجرّبت كل ألوان القمع والتنكيل لإيقاف هذا المدّ المبارك، ولكنها أدركت وبعد
طول تجربة أنها لا تستطيع أن تقف أمام رجالات هذا الدين؛ فالمحن لا تزيدهم إلا
قوة ورسوخاً..! ولهذا: لجأت إلى ألعوبة ماكرة أرادت أن تخدع بها السذج
والبسطاء، ألا وهي التترس بالإسلام ورفع شعاره بين الناس..! !
ولكنه الإسلام المعدّل (المرمّم!) الذي قصت أجنحته، ومُسخت معالمه
وضاعت هويته.. ليتلاءم في النهاية مع الأطروحات العلمانية، ويقف معها في
خندق واحد..!
إنه إسلام الدروشة والطرقية.. إسلام الأضرحة والمزارات والأهازيج
الدينية..!
إسلام الأحوال الشخصية وحسب..! !
قال الله (تعالى) : [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم
بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُُمْ عَذَابٌ أََلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون] [البقرة: ٨،١٠]
وقال الله (تعالى) : [وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ
خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ]
[المنافقون: ٤] .
فالله نسأل أن يعز دينه ويعلي كلمته، وأن يرينا في أعداء هذا الدين ما تسر
به نفوس المؤمنين، حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر..
والله من وراء القصد..
стр. 1983
دراسات شرعية
كلمات في فقه الصحابة ﵃
د. عبد العزيز آل عبد اللطيف
الحمد لله (تعالى) وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد..
من أصول أهل السنة والجماعة: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله
والاقتداء بهم كما قرر ذلك الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله تعالى) [١] .
لقد كان الصحابة ﵃ خير قرون هذه الأمة وأفضلها؛ كما أخبر
الصادق المصدوق ﷺ في قوله: خير الناس قرني، ثم الذين
يلونهم، ثم الذين يلونهم ... [٢] .
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ : من كان مستنّاً فليستن بمن قد
مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً،
قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم [٣] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) معلقاً على هذا الأثر: وقول
عبد الله بن مسعود: كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً كلام
جامع؛ بيّن فيه حسن مقصدهم ونياتهم ببر القلوب، وبيّن فيه كمال المعرفة ودقتها
بعمق العلم، وبيّن فيه تيسير ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة
التكلف [٤] .
وقال بعضهم للحسن البصري ﵀ : أخبرنا صفة أصحاب رسول
الله ﷺ ، فبكى الحسن ثم قال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدي والصدق، وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم (تعالى) ، واستقادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين في رضى الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا ولم يجاوزوا حكم الله في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم [٥] .
* لقد أدرك سلفنا الصالح قدر الصحابة ﵃ ، فقاموا بحقوق
الصحابة علماً وعملاً، اعتقاداً وسلوكاً، فهداهم الله (تعالى) إلى الصراط المستقيم،
وخالف المبتدعةُ سبيل أهل السنة، فطعنوا في الصحابة ﵃ ،
وشتموهم، ومن ثم: فقد ضلوا ضلالاً بعيداً، وكلما زاد سبّ المبتدعة للصحابة
﵃ : زادوا ضلالاً وغيّاً، كما هو ظاهر في طائفة الرافضة وإخوانهم
الباطنية، ويليهم في الضلال: الخوارج والمعتزلة، فلما كان عداء الخوارج
والمعتزلة للصحابة دون عداء الباطنية، فإن ضلالهم أقل، وانحرافهم أدنى من
الباطنية، وكان الأشاعرة قريبين من أهل السنة في باب الصحابة، ولذا: كانوا
أقرب من غيرهم، مع أنهم لم ينفكوا عن شعبة من الرفض عندما زعموا أن مذهب
السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم [٦] . [*]
كان الصحابة ﵃ على عقيدة واحدة، فهم خير القرون، قد
تلقوا الدين عن النبي ﷺ بلا واسطة، ففهموا من مقاصده -
ﷺ ، وعاينوا من أفعاله، وسمعوا منه شفاهاً ما لم يحصل لمن
بعدهم [٧] .
لقد تلقوا النصوص بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا
الأمر فيها أمراً واحداً، وأجروها على سَنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء
والبدع، حيث جعلوها عضين؛ فآمنوا ببعضها، وأنكروا بعضها من غير فرقان
مبين [٨] .
قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀ : قف حيث وقف القوم،
فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وَلَهُمْ على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل
لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم،
ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم
محسّر، وما دونهم مقصّر، لقد قصّر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا،
وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم [٩] .
وأوصى الإمام الأوزاعي ﵀ من سأله عن القَدَر بهذه الوصية: وأنا
أوصيك بواحدة، فإنها تجلو الشك عنك، وتصيب بالاعتصام بها سبيل الرشد إن
شاء الله (تعالى) : تنظر إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- من هذا الأمر؛ فإن كانوا اختلفوا فيه، فخذ بما وافقك من أقاويلهم، فإنك
حينئذ منه في سعة، وإن كانوا اجتمعوا منه على أمر واحد لم يشذ عنه منهم أحد،
فأين المذهب عنهم، فإن الهلكة في خلافهم، وإنهم لم يجتمعوا على شيء قط فكان
الهدى في غيره، وقد أثنى الله على أهل القدوة بهم فقال: [وَالَّذِينَ
اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ ... ] [التوبة: ١٠٠] واحذر كل متأول للقرآن على خلاف ما
كانوا عليه.. [١٠] .
وكان اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه والفروع أكمل من اجتهادات من بعدهم، وصوابهم أكمل من صواب المتأخرين، وخطؤهم أخف من خطأ المتأخرين [١١] ، ولذا: قال الإمام الشافعي ﵀ : هم فوقنا في كل علم وفقه ودين وهدى،
ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا [١٢] .
يقول ابن القيم معلقاً على كلام الشافعي: قد كان أحدهم يرى الرأي فينزل
القرآن بموافقته ... وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة: أن يكون رأيهم لنا
خيراً من رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نوراً وإيماناً
وحكمة وعلماً ومعرفة وفهماً عن الله ورسوله ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب
نبيهم، ولا وساطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضّاً
طريّاً لم يَشُبْه إشكال، ولم يَشُبْه خلاف [١٣] .
وفي باب التعبد والسلوك كان الصحابة ﵃ أرباب النسك
الشرعي الكامل كما سبق وصفهم في مقالة الحسن البصري يقول ابن تيمية: فالعلم
المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وأما ما جاء عن من بعدهم فلا ينبغي أن يجعل أصلاً ... فمن بنى الإرادة
والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية
والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد -صلى الله عليه
وسلم- وأصحابه: فقد أصاب طريق النبوة، وهذه طريق أئمة الهدى [١٤] .
* لقد خلّف الصحابة ﵃ ثروة نفيسة من الأقوال المأثورة،
والمواقف العملية المسطورة في سائر المجالات من: عقيدة، أو فقه، أو سلوك،
أو دعوة ... إلخ، وكم نحتاج إلى النظر في تلك الآثار، والانتفاع بها، خاصة في
هذا الزمان الذي كثر فيه ولله الحمد من يطالب بالأخذ بالكتاب والسنة.
أهمية متابعة منهج الصحابة:
إن الرجوع إلى كلام الصحابة ﵃ في فهمهم للنصوص
الشرعية من القواعد الجليلة والقضايا الكبيرة التي تحقق سلامة في المنهج، ونجاة
من الشبهات والشهوات والضلال والغي.
وأقدم لك أخي القارئ جملة من أقوال الصحابة ﵃ وما تضمنته
من المعاني المهمة والمسائل المفيدة، راجياً من الله (تعالى) أن تكون باعثاً إلى
الاستفادة من فقههم والانتفاع بعلومهم ﵃ :
* يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ : لولا ثلاث
لأحببت أن أكون قد لحقت بالله، لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في
التراب ساجداً، أو أجالس قوماً يلتقطون طيب الكلام كما يُلتقط طيب الثمر [١٥] .
يقول ابن تيمية في بيان عظم هذه المقالة الرائعة: وكلام عمر (رضي الله
عنه) من أجمع الكلام وأكمله، فإنه ملهم محَدّث، كل كلمة من كلامه تجمع علماً
كثيراً، مثل هؤلاء الثلاث التي ذكرهن؛ فإنه ذكر الصلاة، والجهاد، والعلم،
وهذه الثلاث هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة؛ قال أحمد بن حنبل: أفضل ما
تطوع به الإنسان: الجهاد، وقال الشافعي: أفضل ما تطوع به: الصلاة، وقال
أبو حنيفة ومالك: العلم.
والتحقيق أن كلاّ من الثلاثة لابد له من الآخرَيْن، وقد يكون هذا أفضل في
حال، وهذا أفضل في حال، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يفعلون
هذا وهذا وهذا، كلّ في موضعه بحسب الحاجة والمصلحة، وعمر جمع
الثلاث [١٦] .
* وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: لا يَرْجُوَنّ
عبد إلا ربه، ولا يخافَنّ إلا ذنبه [١٧] .
وقد سئل ابن تيمية عن معنى هذه العبارة، فكان مما قاله ﵀ : هذا
من أحسن الكلام وأبلغه وأتمه، فإن الرجاء يكون للخير، والخوف يكون من الشر،
والعبد إنما يصيبه الشر بذنوبه، كما قال (تعالى) : [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ، وقال (تعالى) : [فَأخَذْنَاهُم
بِالْبَاًسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَاًسُنَا تَضَرَّعُوا]
[الأنعام: ٤٢، ٤٣] أي: فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، فحقهم عند مجيء البأس: التضرع؛ قال عمر بن عبد العزيز: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، ولهذا قال (تعالى) : [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَاناً] إلى أن قال (تعالى) : [إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [آل عمران: ١٧٣- ١٧٥] فنهى المؤمنين عن خوف أولياء الشيطان وأمرهم بخوفه، وخوفه يوجب فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والاستغفار من الذنوب، وحينئذ يندفع البلاء، ويُنتصر على الأعداء، فلهذا قال علي ﵁ : لا يَخَاَفَنّ عبد إلا ذنبه، وإن سلط عليه مخلوق، فما سلط عليه إلا بذنوبه؛ فليخف الله، وليتب من ذنوبه التي ناله بها ما ناله.
وأما قوله: لا يَرْجُونّ عبد إلا ربه، فإن الراجي يطلب حصول الخير ودفع
الشر، ولا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يذهب السيئات إلا الله، [وَإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ
بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ وَإن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]
[الأنعام: ١٧] والرجاء مقرون بالتوكل، فإن المتوكل يطلب ما رجاه من حصول المنفعة ودفع المضرة، والتوكل لا يجوز إلا على الله، كما قال (تعالى) :
[وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [المائدة: ٢٣] فكل خير ونعمة تنال العبد فإنما هي من الله، فالرجاء يجب أن يكون كله للرب، والتوكل عليه، والدعاء له، فإنه إن شاء ذلك ويسره: كان وتيسر - ولو لم يشأ الناس -[١٨] .
* وقال عمار بن ياسر ﵁ : ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار [١٩] .
قال العلامة ابن القيم في شرح هذه الكلمات: وقد تضمنت هذه الكلمات أصول
الخير وفروعه؛ فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفّرة، وأداء
حقوق الناس كذلك، وألا يطالبهم بما ليس له، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوا به،
ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا: إنصافه نفسه من
نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ويُنميها ويرفعها بطاعة الله (تعالى) وتوحيده،
وحبّه وخوفه.
وبذل السلام للعالم: يتضمن تواضعه وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل
السلام للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه ...
وأما الإنفاق مع الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وأن الله يُخلفه ما
أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكل، ورحمة، وزهد في الدنيا، ووثوق بوعد مَنْ وعده
مغفرة منه وفضلاً، وتكذيباً بوعد من يعده الفقر ويأمره بالفحشاء [٢٠] .
وجاء في فتح الباري: قال أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كان من جمع
الثلاث مستكملاً للإيمان؛ لأن مداره عليها، لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم
يترك لمولاه حقّاً واجباً عليه إلا أداه، ولم يترك شيئاً مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا
يجمع أركان الإيمان. وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الاحتقار، ... ويحصل به التآلف والتحابب. والإنفاق من الإقتار يتضمن غاية الكرم لأنه إذا
أنفق مع الإقتار كان مع التوسع أكثر إنفاقاً، وكونه مع الإقتار يستلزم الوثوق بالله
والزهد في الدنيا وقصر الأمل وغير ذلك من مهمات الآخرة [٢١] .
* وقال أبو الدرداء ﵁ : يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف
يغبنون به قيام الحمقى وصومهم، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال
عبادةً من المغترين [٢٢] .
قال ابن القيم معلقاً على تلك العبارة: وهذا من جواهر الكلام وأدله على كمال
فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير ﵃ .
فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه، والتقوى
في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح، قال (تعالى) : [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ
اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] [الحج: ٣٢] وقال النبي ﷺ :
التقوى ههنا وأشار إلى صدره، فالكيّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو
الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه
الفارغ من ذلك التعب الكثير ... إلخ [٢٣] .
* وكان معاذ بن جبل ﵁ لا يجلس مجلساً للذكر إلا قال حين
يجلس: الله حكم قسط، تبارك اسمه، هلك المرتابون، إن وراءكم فتناً يكثر فيها
المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير
والكبير، والحر والعبد، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت
القرآن، ما هم بمتبعيّ حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع
ضلالة، واحذروا زيغة الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فاقبلوا الحق فإن
على الحق نوراً، فقالوا: وما يدرينا (رحمك الله) أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال: هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه، فلا يثنيكم فإنه يوشك أن يفيء
ويراجع بعض ما تعرفون [٢٤] .
بهذه الكلمات النافعات لمعاذ بن جبل ﵁ أختم هذه المقالة، ولعل
القارئ الحصيف يُعمل فكره وتأمله في تلك العبارات، والله المستعان.
стр. 1984
دراسات تربوية
الترويح عن النفس في الإسلام.. مفاهيم وضوابط
بقلم: فيصل البعداني
يعتبر الترويح عن النفس من الأمور المهمة التي قد يحتاجها المربون والدعاة
أثناء مخالطتهم للناس ودعوتهم إياهم، إلا أن استخدام كثير من المشتغلين بالدعوة
والتربية له لا يتم بالصورة المطلوبة، إذ يقعون أثناء ممارسته بين إفراط أو تفريط؛ فمنهم من غلا فيه، وصار جل همه مجرد الترويح عن من يدعوهم بدعوى
كسبهم وتحبيبهم في الخير الذي يدلهم عليه، ومنهم من يرى أنه لا فائدة فيه بل هو
مضيعة للوقت مفسدة للعمر.
ولذا: فسأحاول هنا تبيان مفهوم الترويح في ضوء القيم والمبادئ الإسلامية
مع بيان أهميته وتقديم شيء من أدلته وخصائصه، وإبراز ما يوفق الله له من
ضوابط وقواعد شرعية علّ ذلك أن يدفع إلى استخدام صحيح للترويح، وممارسة
له منضبطة بالشرع الحنيف.
تعريف الترويح:
تدور مادة (روح) في اللغة حول معاني: السعة، والفسحة، والانبساط،
وإزالة التعب والمشقة، وإدخال السرور على النفس، والانتقال من حال إلى آخر
أكثر تشويقاً منه [١] ، وتختلف تعريفات الترويح في اصطلاحات الباحثين نظراً
لاختلافهم في الاتجاهات التي ينطلقون منها لتحديد ماهيته، فمنهم:
١- من يربط الترويح بالغرض الذي يؤديه، وعليه: فالترويح هو: التسرية
والتنفيس عن النفس [٢] ويسمي بعضهم هذا الاتجاه بنظرية التعبير الذاتي [٣] .
٢- من يربط الترويح بالوقت، وعليه: فالترويح هو: التعبير المضاد للعمل
على أساس أن الإنسان قليلاً ما يجد في عمله نوعاً من الترويح [٤] .
٣- من يربط الترويح بالغرض الذي يؤديه والوقت معاً، وعليه: فالترويح
هو: أوجه النشاط التي يمارسها الفرد في أوقات فراغه والتي يكون من نتائجها
الاسترخاء والرضى النفسي [٥] .
٤- وذهب بعض المختصين في الأعمال الترويحية إلى اشتراط النفع في
العمل الترويحي سواء أكان نفعاً فرديّاً أم جماعيّاً، نفسيّاً أم بدنيّاً أم عقليّاً [٦] .
ولن أطيل في هذا المقام باستعراض نصوص الباحثين في تعريف الترويح،
بل سأقتصر على تعريف واحد آراه الأنسب، وهو: أن الترويح عن النفس في
الإسلام عبارة عن: أوجه النشاط غير الضارة التي يمكن أن يقوم بها الفرد أو
الجماعة طوعاً في أوقات الفراغ بغرض تحقيق التوازن أو الاسترخاء للنفس
الإنسانية في ضوء القيم والمبادئ الإسلامية.
وفي ظل هذا التعريف؛ فإنه من الممكن أن تكون تلك الأنشطة وجدانية، أو
عقلية، أو بدنية، أو مركبة من كل ذلك أو بعضه.
أهمية الترويح:
تبرز أهمية الترويح عن النفس في جوانب كثيرة، منها:
* تحقيق التوازن بين متطلبات الكائن البشري (روحية، عقلية، بدنية) ففي
الوقت الذي تكون فيه الغلبة لجانب من جوانب الإنسان يأتي الترويح ليحقق التوازن
بين ذلك الجانب الغالب وبقية الجوانب الأخرى المتغلب عليها.
* يساهم النشاط الترويحي في إكساب الفرد لخبرات ومهارات وأنماط معرفية، كما يساهم في تنمية التذوق والموهبة، ويهيء للإبداع والابتكار [٧] .
* يساعد الاشتغال بالأنشطة الترويحية في إبعاد أفراد المجتمع عن التفكير أو
الوقوع في الجريمة، وبخاصة في عصرنا (عصر التقنية) الذي ظهرت فيه البطالة
حتى أصبحت مشكلة وقلت فيه ساعات العمل والدراسة بشكل ملحوظ جدّاً، وأصبح
وقت الفراغ أحد سمات هذا العصر [٨] .
* من أبرز المسميات التي أطلقت على عصرنا: عصر التقنية، وعصر
القلق، وعصر الترويح.. وترتبط هذه المسميات بعلاقة وثيقة فيما بينها؛ فالتقنية
تولد عنها القلق، وأصبح الترويح أحد أهم متطلبات عصر التقنية والقلق؛ لما له
من تأثير في الحد من المشاكل المترتبة عن ذلك [٩] .
أدلة جواز الترويح:
لا يقدر بعض الدعاة أهمية الترويح، وينظرون إليه على أنه مضيعة للوقت
مفسدة للعمر، وفي هذا الأمر نظر، إذ قد دلت النصوص الشرعية إجمالاً وتفصيلاً
على جواز الترويح، بل إن منها ما دعت إليه وحثت عليه، وسأكتفي هنا لعدم
مناسبة التوسع في الطرح ببعض الأدلة الإجمالية والتفصيلية، فمن الأدلة الإجمالية:
* حديث حنظلة ﵁ وفيه:.. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك، قلت: يا رسول الله نكون
عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا
الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم
الملائكة على فرشكم وفي الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة [١٠] .
* حديث أبي جحيفة في الصحيح، وفيه:.. فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى
أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في
الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كل، قال: فإني صائم، قال:
ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال: نم
فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن،
فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال
له النبي ﷺ : صدق سلمان [١١] .
* حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وفيه: أن
الرسول ﷺ قال: صُم وأفطر وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقّاً، وإن لعينك عليك حقّاً، وإن لزوجك عليك حقّاً، وإن لزورك عليك حقّاً [١٢] وفي رواية: قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الله بن عمرو: إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل، وإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونهكت، لا صام من صام الأبد [١٣] .
ومن الأدلة التفصيلية:
١- عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ -قال له: يا ذا الأذنين
قال أبو أسامة - أحد رواة الحديث -: يعني يمازحه [١٤] .
٢- عن عائشة ﵂ قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي وكان
لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل يتقمعن [*] منه فيسر بهن
إليّ [١٥] .
٣- قال محمود بن الربيع: إني لأعقل مجة مجها رسول الله في وجهي وأنا
ابن خمس سنين من دلو [١٦] .
٤- عن عائشة ﵂ أنها كانت مع النبي- ﷺ في
سفر، قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال:
هذه بتلك [١٧] .
٥- وعن عائشة ﵂ قالت: والله لقد رأيت رسول الله-صلى الله
عليه وسلم-، يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول
الله، سترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي
أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصةً على اللهو [١٨] .
خصائص الترويح عن النفس في الإسلام:
يمثل الإسلام نظام حياة متكامل عقيدة وشريعة يجب أن تنبثق عنه جميع
تصورات ومبادئ وقيم وسلوكيات الإنسان المسلم، وعلى ذلك: ينبغي أن ننظر إلى
الموضوع الذي نحن بصدده (الترويح) من خلال الخصائص التي أعطاها له
الإسلام، ومنها أنه:
١- عبودية لله (تعالى) :
قال الله (تعالى) : [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ...
العَالَمِينَ] [الأنعام: ١٦٢] والترويح هو جانب من المحيا في حياة المسلم، وبالتالي: فهو (لله رب العالمين لا شريك له) في حال إصلاح العبد لنيته في ممارسته بشروط حلّه، واتخاذه وسيلة لتحقيق عمل صالح أو لتجديد نشاط المسلم في الأعمال الجادة؛ روي عن أبي الدرداء أنه قال: إني لأستجم قلبي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق [١٩] .
٢- ثابت المعالم متجدد الوسائل:
ليس للمسلم أثناء قيامه بنشاط ترويحي أن يتجاوز جوانب يوجب الإسلام
تركها لحرمتها أو ضررها بل عليه أن ينضبط بضوابط الإسلام ويحتكم بأحكامه،
وهذا هو الجانب الثابت في الترويح، وما سوى ذلك فللإنسان أن يبدع ويجدد فيه ما
شاء من كيفيات ووسائل، وذلك الثبات في الترويح من جهة والإفساح وفتح المجال
للتجديد من جهة أخرى: هو أحد الخصائص المهمة للترويح في الإسلام.
٣- يراعي طبيعة الفطرة الإنسانية:
عند التأمل في أنواع الترويح المشروع والمباح: نجده شاملاً لجميع حاجات
ودوافع الإنسان التي تتطلبها جوانبه المختلفة (الروح، العقل، الجسد) مما يدل على
أن من خصائصه العموم والشمول لجميع مكونات وخصائص الكائن البشري
ومراعاة الفطرة التي خلقه الله (تعالى) عليها.
٤- يحقق التوازن بين جوانب الإنسان المختلفة:
للإنسان جوانب مختلفة (روح، عقل، جسد) ، وله ميول متنوعة، قد تدفعه
إلى تغليب جانب أو أكثر على بقية الجوانب الأخرى، ولكن نتيجة للترابط بين
جوانب الإنسان المختلفة نجده يكلّ ويملّ، ويصعب عليه مواصلة المسير، بل قد
يمتنع من ذلك، وهنا يأتي دور الترويح لتحقيق التوازن بين تلك الجوانب، لكي
يبتعد الإنسان عن الكلل والملل، ويعاود المسير براحة وطمأنينة.
٥- انطلاقة من دافِعِيّة وممارسة بانتقائية:
يتم الإقبال على ممارسة النشاط الترويحي وفقاً لرغبة الممارس ودافعيّته
الذاتية حسب حاله من الكلل والملل أو النشاط والهمة، كما أن الإقبال يتم أيضاً وفقاً
لاختياره لأي نوع من أنواع الأنشطة الترويحية التي تناسبه وتحقق ميوله ورغبته
واحتياجاته.
٦- لا يزحف على عمل جاد:
يتم النشاط الترويحي في وقت الفراغ، والمراد به: الوقت الخالي عن
الأعمال الجادة كأوقات الشعائر التعبدية الواجبة، وأوقات العمل، وأوقات القيام
بواجبات ومستلزمات الحياة الأخرى، كالأكل والنوم، وما توجبه طبيعة الحياة
الاجتماعية من آداب مرعية كزيارة الأقارب، وإكرام الضيف، وعيادة المريض..
ونحو ذلك.
ضوابط للترويح عن النفس في الإسلام:
١- الأصل في الترويح الإباحة:
ويدل لذلك حديث أبي الدرداء ﵁ أن الرسول -صلى الله عليه
وسلم- قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه
فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نَسيّاً، ثم قرأ هذه الآية [وَمَا
كَانَ رَبُّكَ نَسِياً] [٢٠] .
ومن القواعد المتقررة في الشرع أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل
الدليل على التحريم [٢١] .
٢- الترويح وسيلة لا غاية:
الترويح وسيلة من الوسائل التي يستطيع بها الإنسان تحقيق التوازن بين
جوانبه المختلفة، في حالة وجود اختلال بالإفراط في جانب على حساب بقية
الجوانب الأخرى، وإذا تجاوز النشاط الترويحي هذا الحد وأصبح هدفاً وغاية في
ذاته، فإنه يخرج من دائرة المستحب أو المباح إلى دائرة الكراهية أو الحرمة.
وبهذا الضابط يخرج الاحتراف لبعض الأنشطة الترويحية عن دائرة المباح أو
المشروع لأن فيه إخلالاً ببنية وهيكل النظام الاجتماعي القائم على تعاليم الإسلام،
وفيه قيادة أفراد الأمة إلى الميوعة والترف والانحلال، أضف إلى ذلك: تحقيق
ذلك لرغبات أعداء الأمة في إلهاء أفرادها وإشغالهم عن جوهر الصراع الحضاري
الذي يمارسونه ضدها.
وأدلة هذا الضابط ظاهرة في الشريعة، ومنها:
أن الإسلام رفض الإفراط في كمية العبادات الشرعية التي جاء آمراً بنوعها
أمر وجوب أو استحباب، إذا أُخرجت عن حد المألوف المستطاع، ومن النصوص
الدالة على ذلك - بالإضافة إلى ما سبق -:
* عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي -صلى الله عليه
وسلم- فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب
فإذا فترت تعلقت، فقال النبي ﷺ : لا، حلوه، ليصل أحدكم
نشاطه، فإذا فتر فليقعد [٢٢] .
* عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول
فليضطجع [٢٣] .
وإذا كان هذا النهي عن أمر مشروع، فما الحال بأمر مباح لم يأمر الشارع
بنوعه، يُزاد في كميته زيادة مفرطة، تسبب ضياع المأمور به، وتجحف بالتوازن
بين جوانب الإنسان المختلفة، وتغير هيكل النظام الاجتماعي الإسلامي، وتحقق
مكائد ومخططات أعداء الأمة الساعين إلى إلهائها وتقويض بنيانها؟ ! .
٣- الجد هو الأصل، والترويح فرع:
سبق ذِكْرُ أن النشاط الترويحي في التصور الإسلامي ما هو إلا حالة علاجية، لحصول الاختلال في إعطاء كل جانب من جوانب الكائن البشري ما يستحقه من
النشاط والقوة، ليعود الإنسان بكافة جوانبه لمواصلة السير في طريقه إلى الله (عز
وجل) بجد ونشاط ومثابرة، وسأحاول تأصيل ذلك والتأكيد على أن الجد صاحب
التقدمة والسبق، وأن الترويح تابع له، وفرع عنه، من خلال الأمرين التاليين:
أ- الأولوية للجد في حال التعارض:
يقدم الإسلام الجد على الترويح، ويَظْهَر هذا جليّاً في سلوكياته -صلى الله
عليه وسلم- وأقواله، ومن ذلك: ما رواه أبو برزة الأسلمي ﵁ أنه -
ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها [٢٤] .
قال الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لهذا الحديث: قوله: وكان يكره النوم قبلها
والحديث بعدها لأن النوم قبلها قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها مطلقاً، أو عن
الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم عن الصبح أو عن وقتها
المختار [٢٥] .
والقارئ الكريم يلاحظ أن الشارع لم يكره الترويح المتمثل في النوم لراحة
البدن أو السمر لكونه سيؤدي إلى تضييع الواجب يقيناً، بل لاحتمال أن يكون
ذريعة إلى الوقوع في ذلك.
* ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال: ولا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب [٢٦] .
* عن سماك قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله -صلى الله
عليه وسلم، قال: نعم، فكان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه
يذكرون عنده الشعر وشيئاً من أمورهم فيضحكون، وربما تبسم [٢٧] .
٤- ألا يكون في النشاط الترويحي مخالفة شرعية:
يعتبر هذا الضابط الأهم من ضوابط النشاط الترويحي، ولتطبيقه صور
مختلفة، منها:
* ألا يكون في النشاط الترويحي أذية للآخرين من سخرية، أو لمز، ونبز،
أو ترويع، أو غيبة، أو اعتداء على ممتلكاتهم بإتلاف أو استخدام ... ونحو ذلك؛
قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً
مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا
بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا
أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب
بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاًكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ
تَوَّابٌ رَّحِيمٌ] [الحجرات: ١١، ١٢] ، وقال ﷺ : لا يأخذن
أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً.. [٢٨] .
* ألا يكون في النشاط الترويحي كذب وافتراء؛ قال ﷺ : ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب، ويل له، ويل له [٢٩] .
* ألا يكون في النشاط الترويحي تبذير للمال واستهلاك باذخ؛ قال الله
(تعالى) : [وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إنَّ
المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً] ...
[الإسراء: ٢٦، ٢٧] ، وسياق الآية في الإنفاق على ذي القربى والمسكين وابن السبيل، فكيف الحال في الترويح [٣٠] ؟ ! .
* ألا يكون في النشاط الترويحي اختلاط بين الرجال والنساء لما يفضي إليه
ذلك من النظر المحرم، والخلوة المحرمة، بالإضافة إلى أنه قد يكون ذريعة
لمخالفات شرعية أكبر؛ قال الله (تعالى) : [وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن
وَرَاءِ حِجَابٍ] [الأحزاب: ٥٣] ، وقال رسول الله: إياكم والدخول على النساء،
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله: أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت [٣١] .
وعن جرير ﵁ قال: سألت رسول الله عن نظر الفجاءة فأمرني
أن أصرف بصري [٣٢] .
* ألا يكون في النشاط الترويحي نص على الحرمة.
ولقد جاءت بعض النصوص بتحريم بعض أنواع ووسائل الترويح، ومن ذلك:
أ -المعازف؛ ورد في تحريمها نصوص، منها قوله ﷺ : ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف [٣٣] .
ب -النرد؛ قال ضص: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم
الخنزير [٣٤] .
ج -الميسر؛ قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ
وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]
[المائدة: ٩٠] .
د -التحريش بين البهائم؛ قال ابن عباس ﵄ : نهى رسول
الله ﷺ عن التحريش بين البهائم [٣٥] [**] .
هـ -اتخاذ ما له روح غرضاً؛ قال رسول الله ﷺ : لا
تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً [٣٦] .
وتصوير ما له روح؛ قال رسول الله ﷺ : من صور
صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ [٣٧] .
ز -كثرة الضحك، قال رسول الله ﷺ : ولا تكثر
الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب [٣٨] .
ح -النظر إلى ما حرم الله (تعالى) ؛ ورد في ذلك نصوص كثيرة، منها قوله
(تعالى) : [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ
فَرُوجَهُنَّ] [النور: ٣٠، ٣١] .
٥- ألا يشغل النشاط الترويحي عن واجب شرعي أو اجتماعي:
الطابع العام لحياة المسلم: الجدية، وما الترويح إلا عامل مساعد للحياة الجادة، والاستمرار فيها، فإذا تجاوز الترويح هذا الحد فشغل عن الجد: فإنه يخرج إلى
دائرة المكروه أو المحرم بحسب نوع الجد الذي يشغل عنه، فإذا كان شاغلاً عن
أداء واجب أو ترك محرم فإنه محرم، وإن كان شاغلاً عن أداء مستحب أو ترك
مكروه فإنه مكروه، لأنه أصبح ذريعة إلى الحرام أو المكروه، وما كان ذريعة
إليهما أعطى حكمهما، يقول أبو زهرة في بيان قاعدة سد الذرائع:
... وذلك لأن الشارع إذا كلف العباد أمراً فكل ما يتعين وسيلة إليه مطلوب،
وإذا نهى الناس عن أمر فكل ما يؤدي إلى الوقوع فيه حرام أيضاً، وقد ثبت هذا
بالاستقراء للتكليفات الشرعية طلباً ومنعاً. [٣٩]
٦- ألا يكون النشاط الترويحي ضارّاً على ممارسه:
إذا كان في النشاط الترويحي ضرر على ممارسه أيّاً كان نوع الضرر ولم
يوجد فيه نفع يفوق ذلك الضرر فإنه يحرم على ذلك الممارس مزاولته؛ لقوله -
ﷺ : لا ضرر ولا ضرار [٤٠] ، ولما قد تقرر في الشرع من
قواعد مثل قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غُلّب الحرام [٤١] ، وقاعدة: درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح [٤٢] ، وبهذا تظهر حرمة أنواع من الرياضة في
عصرنا كالملاكمة والمصارعة بوضعها الحالي والله أعلم لما تؤدي إليه من أضرار
في الجسم، بل وربما أدى بعضها إلى الوفاة أو الإعاقة كما هو مشاهد.
стр. 1985
خواطر في الدعوة
جمال الكون
محمد العبدة
إن ما كتبه ابن تيمية في سفره الكبير (درء تعارض العقل والنقل) كان لحل ...
مشكلة كبيرة في تربية وتكوين شخصية المسلم، لأن الفصل بين العقل والنقل
يحدث شروخاً وتشوهات في طبيعة التفكير، فإن الوحي للعقل كالنور للبصر، فما
فائدة أن يكون الإنسان مبصراً والظلام من حوله يلف الكون؟ ! ، وشبيه بهذا أيضاً: مَنْ يفصل بين آيات الكون المنظور وآيات الكتاب المسطور، فإذا كانت غاية
الخلق العبودية التامة لله (تعالى) ، فإن من كمال التربية انسجام الوسائل والغايات،
فقيام العقل بوظيفته المقدرة له وسيلة، والتناغم مع الطبيعة المُسخّرة للإنسان وما
فيها من إبداع وجمال وسيلة أيضاً، وقد أمر الله (تعالى) في كتابه بالنظر في آيات
الأنفس والآفاق [فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ] [الطارق: ٥] ، كما نبه القرآن إلى
هذا الكون وما فيه من جمال [وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ]
[الحجر: ١٦] ، [وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاًكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا
جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ] [النحل: ٥، ٦] ، [وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ
وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ] [النحل: ٨] .
ثم جاءت السنة لتربي المسلم على الانسجام مع هذا الكون، فعندما سئل
رسول الله عن الرجل يعجبه أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً قال: إن الله يحب
الجمال.. [١] وكان يغير الاسم القبيح والمنظر القبيح.
وجاء العلم الحديث ليكشف أن الجمال من تركيبة هذا الكون، وأن ما قاله
علماء القرن التاسع عشر من أن المادة ليس لها إلا خواص كمية كالوزن والحجم
والعدد ليس صحيحاً، وجاء العلم الحديث ليقول: إن أي نظرية أو فرضية نرى
فيها الجمال فإننا نتأكد أنها أقرب للصواب لأنها جزء من الكون. فالجمال في
النظرة الجديدة: وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلمية [٢] ويتساءل العلم
الحديث مستنكراً على العلم المادي الإلحادي: هل تستطيع آليات الطبيعة أن تفسر
جمال النُدف الثلجية، أو زبد البحر، أو غروب الشمس، أو زخرفة ريش
الطيور؟ [٣] ، إن الجمال في الفيزياء هو السمة الغالبة، فالتجربة تخطئ في الغالب والجمال قلما يخطئ، وقد كان الرياضي والفيزيائي هرمان فيل مقتنعاً بأن نظريته في القياس لا تنطبق على الجاذبية، ولكن نظراً لكمالها الفني، لم يرد التخلي عنها، وقد تبين بعد ذلك بوقت طويل أن نظريته تلقي ضوءاً على ... ديناميكا الكم الكهربائية، فجاء ذلك مصداقاً لحسه الجمالي [٤] ويقول عالم الرياضيات والفيزياء هنري بوانكاريه: لأن في البساطة والضخامة كلتيهما جمالاً؛ فنحن نؤثر البحث عن حقائق بسيطة وعن حقائق كبيرة [٥] ، ويعلن أينشتاين أنه: ... لا علم من غير الاعتقاد بوجود تناسق داخلي في الكون [٦] . وأكتفي بهذه النقول من الفصل الممتع (الجمال) ، وأتمنى أن يقرأ العلم الجديد مَنْ في قلبه مرض من الذين يتابعون إلحاد العلم القديم، [أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] ؟ ! .
стр. 1986
سياسة شرعية
العلاقات والحصانات الدبلوماسية..
في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
(٢)
بقلم: علي مقبول
في الحلقة الماضية ذكر الكاتب نبذة عن تاريخ التمثيل الدبلوماسيومفهومه ومراحل تطوره، وذكر صورة التمثيل الدبلوماسي في صدرالإسلام، ثم شرع في إيضاح الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في القانون الدولي، فذكر منها: الحصانة الشخصية للممثل الدبلوماسي، والحصانة القضائية، ويواصل الكاتب ذكر جوانب أخرى من الموضوع.
- البيان -
ثالثاً: عدم خضوع دار الوكالة ومحتوياتها للقضاء الإقليمي:
يقصد بدار الوكالة السياسية ومحتوياتها: مقر البعثة والمساكن التي تخصصها
الدولة الموفدة لاستعمال البعثة.
ويلحق العديد من القانونيين بها: وسائل النقل التي تملكها أو تستأجرها البعثة، فضلاً عن الحديقة وموقف السيارات.
وتتمتع كل هذه الأشياء بالحصانة، وهذه الحصانة ذات شقين:
الشق الأول: خاص بحظر دخول السلطات العامة مقر البعثة، وكذا: منع
اتخاذ أي إجراء قضائي أو إداري داخلها، ويشمل ذلك: القبض أو التفتيش، أو
الاقتحام، أو الحجز ... ونحوها.
الشق الثاني: خاص بضرورة توفير كافة الإجراءات الملائمة لحراسة البعثة، لمنع الجمهور من اقتحامها، أو الإضرار بها، أو الإخلال بأمنها، أو الانتقاص
من هيبتها، بل تلتزم الدولة بأن تتخذ إجراءات أمن مشددة في أوقات الهياج أو
الفتنة أو الاضطرابات الشعبية، ومنع التظاهر أمام مقر البعثة حتى لا يؤدي إلى
عدم الاطمئنان الذي قد يعوق قيام البعثة بواجباتها على النحو الأكمل [١] .
وقد أشارت المادة (٢٢) من اتفاقية (فيينا)
إلى هذه النقاط، فنجد المادة تقول:
١- تكون مكانة مباني البعثة مصونة، ولا يجوز لوكلاء الدولة المستقبلة
دخولها دون موافقة رئيس البعثة.
٢- على الدولة المستقبلة واجب اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة لحماية مباني
البعثة ضد أي تدخل أو ضرر عليها، وأن تمنع أي إخلال بأمن البعثة أو النيل من
كرامتها.
٣- لا يجوز أن تكون مباني البعثة، وأثاثها، والأشياء الأخرى الموجودة فيها، وكذلك وسائل النقل الخاصة بالبعثة.. محل تفتيش أو استيلاء أو حجز، أو
إجراء تنفيذي.
وأيضاً مما يلحق بدار الوكالة: محتوياتها، ووثقائها، وتتمتع أيضاً كافة
محفوظات ووثائق البعثة الدبلوماسية بالحصانة، أي: إنه لا يجوز التعرض لهذه
المحفوظات أو الوثائق أو كشف سريتها، وطبيعي أن هذه الحصانة مكفولة
للمحفوظات والوثائق الموجودة في المقر في إطار الحصانة المقررة لهذا المقر،
وتمتد تلك الحصانة كذلك إلى وثائق ومحفوظات البعثة الموجودة خارج المقر، وقد
ورد النص على هذه الحصانة في المادة (٢٤) من اتفاقية (فيينا) بقولها: تكون
حرمة المحفوظات والمستندات الخاصة بالبعثة مصونة دائماً أيّاً كان مكانها.
وهذه الحصانة مطلقة، ولا يجوز التنازل عنها لأي سبب، وتظل سارية في
حالة قطع العلاقات الدبلوماسية [٢] .
حق الملجأ: تثير حصانة مقر البعثة مشاكل واسعة حول حق البعثة في إيواء
الفارين من العدالة، أو السماح باللجوء السياسي أو احتجاز بعض الأشخاص فيها.
فبالنسبة لحق البعثة في إيواء الفارين من العدالة، نجد أن القانون والقضاء
الدوليين يرفضان الإقرار للبعثة بهذا الحق، وذلك على أساس أن الحصانة لا تمتد
إلى أبعد مما تطلبه حماية العمل الدبلوماسي، ويجب على رئيس البعثة أن يسلمهم
إلى سلطات الدولة، وإن كان يمتنع على هذه السلطات أن تقتحم مبنى السفارة
للقبض على الفارين من العدالة، وأقصى ما كانت تعمله الدول في مثل هذه الأحوال
هي أن تحاصر السفارة وتطلب تسليم المجرم.
ويوجد خلاف في القانون في جواز إعطاء حق اللجوء السياسي من جانب
البعثة، ولا نجد خلافاً في هذا الشأن في نطاق دول أمريكا اللاتينية، فهي تعترف
للبعثات السياسية بحق إيواء السياسيين، كما تؤيد هذا الحق بالنص عليه أيضاً في
اتفاقية (مونتفديو) المبرمة بينهم عام ١٩٣٣م [٣] .
أما بالنسبة للدول الأخرى: فقد نازع الكثيرون في شرعية فكرة الملجأ
الدبلوماسي، معللين رأيهم بمخالفته لمبدأ السيادة الأقليمية، ولكن رغم هذا حصلت
له تطبيقات عديدة أثناء الحرب الأهلية الأسبانية، وكذلك بعد الحرب العالمية
الأخيرة، فقد لجأ رئيس وزراء هنجاريا السابق كيلاي إلى السفارة التركية في
(بودابست) في إبريل سنة ١٩٤٤م، وكذلك لجأ رئيس وزراء رومانيا السابق
روداسكو إلى السفارة الإنجليزية في (بوخارست) في السنة نفسها.
ومع غموض القواعد المتعلقة بالملجأ الدبلوماسي، نجد أن اتفاقية (فيينا)
سنة ١٩٦١م، لم تتناوله بالتنظيم، واكتفت بالنص في المادة (٤١) على عدم جواز استعمال مقر البعثة الدبلوماسية بطريقة تتنافى مع وظيفة البعثة، ونص المادة - كما في الفقرة (٣) -: لا يجوز استخدام مباني البعثة على وجه لا يتفق مع وظائفها المقررة في هذه الاتفاقية، والمفهوم أن هذا النص يمنع بطريقة ضمنية منح الملجأ الدبلوماسي [٤] .
ومع ذلك يرى العديد من القانونيين، وتدل السوابق القضائية على إعطاء حق
اللجوء إلى السفارة لأغراض إنسانية، وذلك إذا ما خيف على المجرم السياسي من
اعتداء العناصر غير المسؤولة، وإن كان ذلك لا يتضمن بحال منع الاختصاص
المحلي لسلطات الدولة، وقد أقرت هذا الاتجاه محكمة العدل الدولية في حكم لها
صدر عام ١٩٥٠م [٥] .
وقبل أن أختم هذه النقطة أشير بلمحة موجزة عن حصانة الحقائب الدبلوماسية، وذلك لتعلقها بموضوعنا (الحصانات) خاصة وأن اتفاقية (فيينا) قد أفردت لها
أحكاماً خاصة بها ذات فائدة في هذا النطاق:
- الحقائب الدبلوماسية:
للبعثة الدبلوماسية أن تستخدم حقيبة دبلوماسية للبريد السياسي بينها وبين
الدولة الموفدة، وقد دل العرف على تنظيم استخدامها، وذكرتها اتفاقية (فيينا) في
موادها.
- مدلول الحقيبة الدبلوماسية:
تحتوي الحقيبة الدبلوماسية في العادة على المستندات والأوراق والأشياء المعدة
للأعمال الرسمية، ويلحق بالحقيبة في الحكم: الطرود المغلقة والمختومة التي
ترسل من الدولة إلى البعثة والعكس، ويجب أن يوضع على الطرود أو الحقيبة
علامات خارجية تدل على صفتها (المادة ٢٧/٤) .
- حصانة الحقيبة:
قررت اتفاقية (فيينا) حصانة الحقيبة، ومنعت فتحها أو حجزها
(المادة ٢٧/ ٢) ، على أنه من الملاحظ أن هذه الحصانة قد يساء استخدامها، فقد تستخدم في التهريب، أو حمل مواد ممنوعة ... ونحوها، فما هو الحكم في هذه الحالة؟ وما الوسيلة الواجب اتباعها لو اشتبهت الدولة المُوفَد إليها في أمر من هذه الأمور؟ هل يجوز فتحها؟
رفضت اتفاقية (فيينا) إقرار نص يفيد هذا المعنى رغم جهود العديد من
القانونيين في ذلك.
وللدولة التي تشك في أمر الحقيبة أمران:
١- إما منع دخول الحقيبة أصلاً.
٢- أو فتحها بعد استئذان وزارة الخارجية، وفي حضور رئيس البعثة
الدبلوماسية.
- حامل الحقيبة:
أطلقت عليه اتفاقية (فيينا) اسم الرسول الدبلوماسي، وأضفت عليه حصانة
كاملة، بشرط أن يكون حاملاً لمستند رسمي يدل على صنعته، ويحدد فيه عدد
العبوات المكونة للحقيبة الدبلوماسية، وقد ذكرت اتفاقية (فيينا) ذلك في
(المادة ٢٧/ ٥) بقولها:
إنه [حامل الحقيبة] أثناء قيامه بمهامه في حماية الدولة المعتمد لديها، يتمتع
بالحصانة في شخصه.
ثم ذكرت المادة نفسها أيضاً أنه: لا يخضع لأي شكل من أشكال القبض أو
الحجز وتنتهي الحصانة الشخصية لحامل الحقيبة بمجرد تسليمها إلى المرسل إليه
(المادة ٢٧/٦) .
وأجازت الاتفاقية إرسال الحقيبة مع قائد طائرة تجارية، ونجد المادة (٢٧/٧)
توضح ذلك: يجوز أن تسلم الحقيبة الدبلوماسية إلى قائد طائرة تجارية، ويجب أن
يهبط عند نقطة دخول مصرح بها، كما يجب عليه أن يحمل وثيقة رسمية تبين عدد
الطرود التي تتألف منها الحقيبة، غير أنه لا يكتسب صفة حامل الحقيبة، ويجوز
للبعثة أن ترسل أحد أعضائها لاستلام الحقيبة الدبلوماسية من يد قائد الطائرة بطريقة
مباشرة وحرة [٦] .
رابعاً: الحصانة المالية أو الإعفاء من الضرائب:
جرت عادة الدول إعفاء رجال السلك الدبلوماسي من الضرائب الشخصية
المباشرة، وكذلك من دفع رسوم إلا ما كان منها مقابل خدمات فعلية كالإنارة والمياه، كما يعفى الممثلون الدبلوماسيون على سبيل المجاملة بشرط معاملة المثل من
الرسوم الجمركية.
ولقد احتوت اتفاقية (فيينا) سنة ١٩٦١م على تنظيم مفصل للإعفاءات المالية، وذلك على النحو التالي:
قررت المادة (٣٤) على أنه: يعفى الممثل الدبلوماسي من جميع الضرائب
والرسوم، شخصية كانت أو عينية، عامة، أو إقليمية، أو بلدية، فيما عدا:
أ- ذلك النوع من الضرائب غير المباشرة التي تكون عادة في سعر البضائع
والخدمات.
ب- الضرائب والرسوم المفروضة على العقارات الخاصة الواقعة في إقليم
الدولة المستقبلة، إلا إذا كان الممثل الدبلوماسي يضع يده عليها نيابة عن الدولة
المستقبلة من أجل أغراض البعثة.
ج- ضرائب التركات ورسوم الأيلولة التي تجبيها الدولة المستقبلة، وذلك مع
مراعاة الفقرة الرابعة للمادة (٣٩) .
د- الضرائب والرسوم على الدخل الخاص التي يكون مصدرها في الدولة
المستقبلة، والضرائب التي تجبى من رأس المال الخاص بالتمويل للمشروعات
التجارية الواقعة في الدولة المستقبلة.
هـ- الضرائب والرسوم التي تجبى مقابل خدمات خاصة.
ورسوم التسجيل، والقيد، والرهن، والدمغة الخاصة بالأملاك الثابتة مع
مراعاة أحكام المادة (٢٣) .
الإعفاءات الجمركية:
١- نصت اتفاقية (فيينا) أيضاً على أن تقوم الدولة الموفد إليها وفقاً لما قد
تضعه من قوانين وأنظمة بالسماح بدخول المواد الآتي ذكرها، وبإعفائها من جميع
الرسوم الجمركية والضرائب والتكاليف الأخرى غير تكاليف التخزين والنقل
والخدمات المماثلة (المادة ٣٦) :
أ- الأشياء المعدة للاستعمال.
ب- الأشياء الخاصة بالاستعمال الشخصي للممثل الدبلوماسي وأفراد أسرته
الذين يعيشون في كنفه، بما في ذلك الأشياء اللازمة لإقامته.
٢- تعفى الأمتعة الشخصية للممثل الدبلوماسي من التفتيش، مالم توجد قرائن
جدية تبرر إمكانية احتوائها على أشياء لا تشملها الإعفاءات المقررة في الفقرة
الأولى من هذه المادة، أو أشياء يحظر قانون الدولة المستقبلة استيرادها أو
تصديرها، أو تخضع لأنظمة الحجر الصحي، ويجري مثل هذا التفتيش في
حضور الممثل الدبلوماسي أو مندوبه الرسمي [٧] .
وهكذا حددت اتفاقية (فيينا) حدود هذه الإعفاءات المالية، ولكن السؤال المهم
في هذا المجال هو: هل التزم الممثلون الدبلوماسيون بهذه الحدود؟
الواقع أن ما يسمع به الناس اليوم، وما يرونه من إساءة استخدام المبعوثين
الدبلوماسيين لهذه الإعفاءات بلغ من الكثرة بحيث أصبحت تتزايد خطورتها يوماً
بعد يوم.
فالحقيقة: أن كثيراً من المبعوثين الدبلوماسيين أساؤوا استعمال حقهم في
الامتيازات المالية، وظهر على المسرح الدولي كثير من عمليات التهريب التي
نفذت بمعرفة هؤلاء الدبلوماسيين، كما أن بعضهم أساء استغلال الإعفاءات
الجمركية [٨] وعدم تفتيش أمتعتهم، واستغلوا هذه الحصانات في إدخال أشياء
ممنوعة، وهناك الكثير من قضايا تهريب المخدرات وغيرها من أفلام ومجلات
هابطة ضبطت في حوزة هؤلاء الممثلين الدبلوماسيين، ولا نطيل بذكرها
لشهرتها [٩] .
стр. 1987
هموم ثقافية
رؤية إسلامية لـ: إشكاليات مفهوم الديمقراطية
بقلم: سامي محمد صالح الدلال
الديمقراطية كلمة أجنبية، جرى عليها قلم التعريب؛ فهي في لغة قومها
Democracy ومعناها: السيادة للشعب، وتطبيقها العملي يعني: أن يحكم
الشعب نفسه بنفسه عن طريق ممثلين له في مجلس ينتخبه يطلق عليه: (مجلس
الشعب) أو (مجلس الأمة) أو (المجلس النيابي) أو غير ذلك من الأسماء المعبرة عنه.
ولا أريد أن أتكلم هنا عن الغور التاريخي الذي تبلورت من خلاله الديمقراطية
المعاصرة، كما إنني لا أريد أن أفصّل في أنواع الديمقراطية، سواء أكانت سياسية
أو غير سياسية، ولكن أريد أن أشير إلى أهم المعاني التي ينطوي عليها مفهوم
الديمقراطية، وذلك من خلال الإشكاليات التي تغلف أزمة تبعثر ذلك المفهوم في
أوساط الداعين إليها.
وسيكون حديثي من خلال الإشارة إلى ست إشكاليات، تتضمن كل منها عناصر متعددة:
الإشكالية الأولى:
مبادئ الديمقراطية:
طالما أن المحصلة النهائية للإيقاع الديمقراطي هي حكم الشعب بالشعب، فإن متطلبات ذلك تدفع إلى السطح بأربعة عناصر رئيسة تؤلف فيما بينها النغم الأخير.
- العنصر الأول (الحرية) :
إن الحرية في المجتمع الديمقراطي تتعدى كثيراً ذلك التقييد الذي ذكره الدكتور
علي الدين هلال في بحثه المعنون (مقدمة الديمقراطية وهم الإنسان العربي
المعاصر) عندما حصرها بقوله: الحرية، أي: احترام الحريات المدنية والسياسية
للمواطنين؛ الحريات المدنية مثل: الحريات الشخصية، وحرية الانتقال،
والزواج.. والحريات السياسية مثل: حرية التعبير والرأي والحق في الاجتماع والتنظيم.. [١] .
إن جميع ما ذكره منطو في مفهوم الحرية في المجتمعات الديمقراطية، لكن
المفهوم الشامل عند أصحابها أعمّ من ذلك؛ فهي حرية مطلقة، لا يقيدها دين
سماوي، بل تسورها قوانين أرضية غير متفق على نصوصها، فهي أسوار
متحركة، لها مسارات متعرجة بحسب البلاد والمجتمعات.
وعندما تكون الحرية مبتوتة التحديد عن دين الله الذي هو الإسلام، فإن تقييد
إطلاقها سيكون خاضعاً لعقول البشر وأهوائهم، ومن هنا: ستختلف معاني الحرية
بحسب ذلك، وبناء عليه: فإن مفهوم الحرية في النظام الاشتراكي مغاير لمفهومها
في النظام الرأسمالي، وفي داخل المنظومة الاشتراكية: فإن مفهومها في الصين
مثلاً قد تراه مغايراً لمفهومها في كوبا، ومثل ذلك يقال في إطار النظام الرأسمالي،
فإن مفهوم الحرية في فرنسا مثلاً قد تراه مغايراً لمفهومها لدى ألمانيا، ويعود سبب
اختلاف المفاهيم إلى تراكم ظروف حياتية وموضوعية أدت في النهاية إلى صياغة
قوانين متغايرة، سواء في إطار المنظومات العقدية (كالاشتراكية والرأسمالية) ، أو
في إطار مكوناتها (أي: الدول التي تنتظمها) .
وبسبب ذلك: فإن ممارسة الحرية في تلك الدول أو المجتمعات لن تكون
بالقدر نفسه.
إلا أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو انبتاتها عن التقييد الرباني، فالحرية
الجنسية والحرية الاقتصادية والحرية السياسية والحرية الثقافية والحرية الاجتماعية
والحرية الفكرية والعقدية: جميع تلك الحريات وغيرها هي حريات يطلق للشعب
أسلوب التعبير عنها، كل بطريقته وذلك من خلال الأطر التي يضعها ممثلوه
المنتخبون.
إن مهمة المجلس النيابي في الظاهر هي إيجاد الأوضاع التشريعية التي من
خلالها تُمارس الحرية المنوه عنها بما يكفل المصلحة لأفراد الشعب، وبما أن مفهوم
الحرية ليس محدداً وموحّداً لدى أولئك الممثلين للشعب، فإن الصيغة النهائية ستكون
محصلة تغلّب أصوات أصحاب مفهوم معين على أصوات أصحاب مفهوم آخر،
وحتى تلك الصيغة النهائية لن تكون سوى حلول وسط لدى أصحاب المفهومين،
وكل ذلك ليس بالضرورة أن يكون معبراً عن وجهة نظر الشعب.
ولما كان الأمر يغذ السير في هذا الاتجاه؛ فإن مفهوم الحرية لن يبقى ثابتاً،
سواء لدى الأفراد، أو المجتمعات، ومع تطور أو تغير مفهوم الحرية تتطور أو
تتغير المفاهيم الديمقراطية، ومثال ذلك: ما ذكره الدكتور إسماعيل صبري عبد الله
في بحثه المعنون (المقومات الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية في الوطن العربي) ، إذ قال عن تطور مفهوم الديمقراطية الغربية: كانت أولى خطواته: هي حق
تكوين النقابات، ثم الأحزاب، وظل هذا الحق مرفوضاً في فرنسا بالذات إلى ما
قبل مائة عام. الخطوة الثانية كانت: حق الاقتراع العام، وهذا المبدأ لم يسر
بصفة عامة إلا في نهاية القرن الماضي وأوائل القرن الحالي. الخطوة الثالثة في
ذلك كانت: الاعتراف بالحقوق السياسية للمرأة، وهذا حدث قريباً جداً؛ في فرنسا
لم تنل المرأة الحقوق السياسية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، سويسرا ما زالت لا
تعطي للمرأة الحقوق السياسية حتى الآن. الخطوة الرابعة كانت: الاعتراف بحق
الأحزاب وبحق العمال في التأمينات الاجتماعية، وبالذات التأمين ضد البطالة [٢] .
وكما أن الحرية الفردية المبتوتة عن الإطار الإسلامي غير متفق على تحديد
أبعادها لدى الديمقراطيين، مما أعطاها صفة الإطلاق عند النظر إليها من حيث
العموم، فإن الحرية بمعناها الأشمل تتوفر لها هذه الخصائص نفسها [٣] في
المساحة الجماعية التي تمثل الحرية الفئوية.
ففئة العمال لهم فهم للحرية ليس بالضرورة أن يتطابق مع فهم فئة الموظفين
لها، ومثل ذلك يمكن أن يقال عن فئة الفلاحين، وعن فئة المثقفين، وعن فئة
السياسيين.. وهكذا.
ومن هنا: تتبنى كل فئة إطاراً يُعبّر عن فهمها للحرية تتحرك من خلاله،
فانبثقت من مضامين هذا التصور مسميات منوعة هي عناوين معروفة لتلك الفئات، مثل: النقابات، والأحزاب، والهيئات، واللجان ... وسواها، تتوسّم كل فئة أن
تمارس فهمها للحرية تحت شعار عنوانها.
ونظراً لأن هذه الحرية لها صفة الإطلاق: فإن كل فئة تنزع إلى توسيع دائرة
حركتها في تلافيف تلك الصفة المطلقة لمفهوم الحرية بما يجعلها تتجاوز مساحاتها
إلى مساحات الفئات الأخرى، فيقع الصدام الذي تنشأ عنه طاقات شعورية وعاطفية
لها منحى الدفع باتجاه التوسع على حساب الآخرين مما يسبب ضحايا بشرية ومادية، والتي مهما عظمت فإنها تبقى دون الآثار السلبية المترتبة على الشقاق والافتراق،
مما يؤدي إلى بعثرة الأمة وإضعافها باسم ممارسة الحرية! ! .
ومن هنا: فإن عنصر الحرية الذي هو المبدأ الأول في الديمقراطية، عندما
ننظر إليه من خارج المنظور الإسلامي نراه متردّياً في إشكاليتين رئيستين:
إشكالية تحديد مفهومه في مجالاته الفردية.
إشكالية تحديد مفهومه في مجالاته الجماعية.
إن مجرد وجود هاتين الإشكاليتين كاف لجعل الريح تهوي بالديمقراطية إلى
مكان سحيق! ! .
- العنصر الثاني (المساواة) :
ولها وجهان (إفرازي) و (تنفيذي) ، ولكل وجه ما يناسبه من المناقشة
والتحليل.
الوجه الإفرازي: وهو الوجه الذي من خلاله يُفرَز النواب الناجحون في
الانتخابات فيدلفون المجلس، وبموجب المساواة: فإن جميع الناخبين بغض النظر
عن مستوياتهم الثقافية وخبراتهم الحياتية لهم وضع متساوٍ في الإدلاء بأصواتهم
لصالح مرشحيهم، ولكل فرد صوت واحد فقط، إما لصالح مرشح واحد أو لصالح
قائمة من المرشحين. وفي هذه الحالة يتساوى صاحب شهادة الدكتوراة العلمية مع
العامي الجاهل الذي لا يعرف كيف يتوضأ، في إدلاء كل منهما بصوته لصالح
مرشح أو قائمة مرشحين! ! ويتساوى العالم الفاضل التقي مربي الأجيال في الإدلاء
بصوته مع بنت الهوى التي تعرض مفاتنها في الملاهي الحمراء، ويتساوى
الإداري صاحب العقل المنظم وواضع برامج التعليم أو التنمية في الإدلاء بصوته
مع جامع القمامة الأمي، ويتساوى مدير المدرسة أو رئيس الجامعة في الإدلاء
بصوته مع الطالب الناشيء الذي يدرّسه. وعندما تفرز الأصوات ربما يفوز مرشح
بسبب صوت أدلى به الأمي على مرشح آخر جلّ أصوات ناخبيه من المثقفين.
ففي هذه الإشكالية أطاحت مساواة الأصوات بأهمية ثقل الكفاءات.
ثم نُيمّم وجوهنا شطر ناحية أخرى، وهي انعدام المساواة في قدرات
المرشحين في دعاياتهم الانتخابية، فربّ صافق في الأسواق لا يكاد يخط اسمه
يفوز بعضوية المجلس على حساب مربّ عريق بسبب تفاوت القدرات المالية،
وأحياناً ربما بسبب الانتماءات الحزبية أو التعصبات القبلية، فهذه إشكالية أخرى
إزاء دعوى المساواة! ! .
الوجه التنفيذي: وهو الوجه الذي يكتسب من خلاله النواب واجهات اجتماعية
ومواقع نفوذية بحكم موقعهم، لا بحكم القانون، ففي الواجهة الاجتماعية قد يلقى
النائب الأمي من الترحاب في المجالس والدوائر الحكومية والمؤسسة الشعبية ما لا
يلقاه العالم الجليل المجتهد أو صاحب رسالة الدكتوراة المتفوق صاحب الأبحاث
والدراسات، لا لشيء سوى لأن الأول نائب في مجلس الشعب والآخر ليس كذلك،
بل الأنكى من ذلك: اندفاع الناس لتنفيذ أوامر ذلك النائب الأمي، وأحياناً لا تكون
أوامر بل إشارات، بمقابل عدم اكتراث أولئك الناس بحضور العالم مجلسهم،
فضلاً عن أن يصدروا عن أمره! ! .
وأما من ناحية النفوذ: فإن أتباع النائب وأنصاره يحظون بالمكاسب المادية
الناشئة من توليهم الإدارات ومراكز متقدمة سواء في الحكومة أو الشركات، أو
الناشئة من استلالهم لأحقية تنفيذ المناقصات ذات الأرقام الفلكية، أو من تمكنهم من
اصطناع أفكار وهمية يجسدونها بمؤسسات اقتصادية يجعلونها غطاءً لابتزازاتهم
المالية ... وهكذا.
إن جميع ذلك مقتصر على حضرات النواب أو من كان في حكمهم كالوزراء، دون غيرهم ولو كانوا علماء فضلاء أو عاملين نجباء.
إن الديمقراطية تقف عاجزة إزاء حل إشكالية لعنصر من أهم عناصرها،
وهو عنصر المساواة.
- العنصر الثالث (التمثيل النيابي) :
على أعتاب التمثيل النيابي تتصارع الأهواء، تارة لابسة لبوس الحق أو
ملتبسة به، وتارة متدرعة بالأفكار الزائفة والآراء الباطلة، التي يخيل لمستمعيها
من سحر بهرجة إعلام الداعين إليها، أنها نور يتلألأ يضيء الظُلمة، أو ماء
رقراق يروي غليل العطشان! ! إلا أنّ انبلاج الأمر يسفر عن زيف هذا وذاك
معاً! ! . وهذا لا يقحمنا في إشكالية واحدة، بل يزجّ بنا في حقل إشكاليات، هذه بعض مظاهرها وأنواعها:
١- ممارسة الحق الإلهي: إن نواب المجلس النيابي يمارسون التشريع على
وجه الاستقلال عن أي قيد يحدّ من ذلك، وهم يفعلون هذا ضمن صلاحياتهم
الممنوحة لهم من الدستور، والتي بموجبها يُحِلّون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون، مما ليس فيه حق للبشر، إذ إن التحليل والتحريم حق خاص لله (تعالى) ، ففعلهم
ذاك هو ممارسة لحق إلهي ينقض عقيدة لا إله إلا الله، ويحل محلها عقيدة: لا إله
إلا المجلس النيابي! !
٢- الأقلية والأغلبية: وينظر إليها من زاويتين: (عامة) و (خاصة) .
فأما العامة: فإن نواب المجلس عند التحقيق لا يمثلون أغلبية الأمة بل يمثلون
أقليتها؛ فالمجلس لا يصل إلى عضويته إلا من كان غنيّاً، بنفسه أو بقومه، ولو
كان جاهلاً أو سفيهاً، أو كان وجيهاً بنسبه أو بصدارته قبيلته أو عشيرته أو طبقته
أو فئته، ولو كان صاحب هوى أو فكر منحرف، أما المتوسطون من الشعب وهم
الأغلبية الحقيقية فلا ممثل لهم.
وأما الخاصة: فإن تشريعات المجلس تصدر بالأغلبية النيابية، وعند إعمال
النظر النزيه يتضح جليّاً أن النجاح سيكون حليف القضية المعروضة إذا كانت
مكرسة لمصالح الأغلبية المجلسية، ومشتتة أو ملغية لمصالح المعارضين.
٣- الاستمرار والحل: قرار استمرار عمل المجلس النيابي أو حَلّه يقبض
على مفتاحه رئيس البلاد، الذي هو في الواقع رأس هرم مراكز القوى فيها، إن
لعبة شد الحبل بين المجلس والحكومة (وهي التي تمثل مراكز القوى إما بأشخاصها
أو برئيسها) تتم غالباً من جانب واحد. وعندما يشد المجلس الحبل في اتجاهه
فيصوبه إلى الخط الأحمر يصدر فوراً قرار الحل.
وتعاد اللعبة من جديد! ! وفي الدول الإسلامية ذات النظام الديمقراطي فإن
الخط الأحمر غالباً ما يتمثل باختلال توازن تشكيلة المجلس بما يمكّن من تمرير
المطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية! ، إن هذه الإشكالية واحدة من الصخور الصلداء
التي تتهشم على نتوءاتها جهود الإسلاميين النيابيين التي يهدرون زمناً طويلاً في
حشدها بغية تحقيق الحلم المتمثل في الوصول إلى تحكيم شرع الله من خلال
المجلس النيابي! ، ومن المؤسف أن نقرر أن الإشكالية البارزة هنا هي: أن أولئك
الإسلاميين لم يدركوا بعد أنهم يحرثون في الهواء ويزرعون بذور الوهم، فهل
سيحصدون سوى الخواء! !
٤- الجزئية الكلية: إن مسحاً شاملاً لمكونات شعب من الشعوب سيظهر فيه
عدداً من الأديان والطوائف والقبائل والمهن والطبقات والأجناس وغيرها، وكل
واحدة من هذه المكونات تتألف من شعب وبطون وأفخاذ واختصاصات وأعراق،
منها كلها أو من بعضها، وإن المجلس النيابي مهما كان الإعداد له دقيقاً فإنه يقصر
عن إيجاد الصيغة العادلة للتمثيل الكلي لتلك المكونات، ولذلك: فإن حقيقة ذلك
المجلس لا تتجاوز تمثيل أجزاء من تلك المكونات من استيفاء دعوى الكلية، مما
يحمل في طياتها معنى البهتان، ويُلحق بها وزر الافتئات.
٥- قصور التخصصات: ما إن ينعقد المجلس النيابي حتى يشرع في تكوين
لجانه المختلفة، ولكل لجنة تخصص محدد، ويخضع تعيين أعضاء كل لجنة في
الغالب إلى مزايدات الأحزاب والفئات التي يتشكل منها المجلس، وقد يحدث أحياناً
أن يكون جميع أعضاء اللجنة ليس بينهم نائب واحد يحمل التخصص الموكول لتلك
اللجنة تمثيله! ! مما يؤدي إلى استعانة اللجنة برجال متخصصين من خارجها! ! .
٦- انخفاض المستويات: بما أن المجلس النيابي يضطلع بمسؤوليتي الرقابة
والتشريع، فإنه بحاجة إلى مستويات ثقافية ذات ارتقاء تخصصي وخبرة تنفيذية
تمكنه من أداء دوره، إلا أن الانتخابات النيابية بأساليبها الالتفافية تدفع إلى كراسي
المجلس بتشكيلة عجيبة، بينهم من لا يعرف كيف يكتب اسمه ومن لا يحسن سوى
بيع بعض الخضروات، فما هو دور هؤلاء البسطاء في الرقابة والتشريع؟ ! ،
وإذا ادعى بعض الإسلاميين أنهم سينجحون في تمرير التشريعات الإسلامية من
خلال: المجلس فكيف يكون هذا ومعظم إن لم يكن كل تخصصات النواب لا علاقة
لها بالشريعة ولا يعلمون شيئاً عن أصول التشريع الإسلامي؟ ! .
٧- العام والخاص: رغم أن عضوية المجلس النيابي تكليف لأداء العمل العام، فإن كثيراً من أعضائه يبتزونه لصالح النفع الخاص، إما لهم أو لأقاربهم أو
لقبائلهم أو لمعارفهم، ويتم ذلك كله في إطار القانون والحصانة البرلمانية، وبالتالي: يتحول أداء كثير من النواب من الخدمة المؤسسية إلى المصلحة الشخصية.
٨- ضياع مصالح الأمة: ما إن يسند أعضاء المجلس النيابي المنتخب
ظهورهم إلى كراسيهم المجلسية الوثيرة، حتى يبدأ تشكيل الدوائر الشللية، سواء
حزبية أو قبلية أو مصلحية، وكثيراً ما يرتفع صراخ المهاترات ويتراشق الجميع
بالاتهامات، وتحتدم المعارك الصوتية وتعلو النبرات وتنتفخ الأوداج، وكأن قاعة
المجلس ساحة حرب، (صبّحكم مسّاكم) فإذا حمي الوطيس رأيت كراسي تطير في
الهواء وقبضات تتوجه نحو الوجوه، وأخذاً بالتلابيب ورشقاً بالأحذية (كرمكم الله)
مما يستدعي تدخل الآخرين لفك الاشتباك بعد أن استبد بالجميع الإنهاك! ! فكيف لا
تضيع مصالح الأمة في خضم أمواج تلك الخزعبلات؟ ، وقد شاء الله أن أرى
واحدة من تلك المسرحيات، أقصد الجلسات، منقولة على الهواء مباشرة عبر
قنوات التلفزيون في إحدى البلاد الإسلامية.
٩- التسرّب والتسريب: تعتبر المجالس النيابية فرصة لا تعوض يستغلها
أعداء الأمة لتسريب عملائهم بشكل قانوني، ومن خلال انتخابات معترف بها محليّاً
ودوليّاً إلى تلك المجالس، ومن خلال أولئك النواب المسرّبون تتسرب جميع أسرار
الدولة إلى أعدائها دون أن يتجرأ أحد على اختراق الحصانة البرلمانية لإيقاف تلك
المهزلة! ! بل يستطيع أولئك المسرّبون أن يؤثروا على قرارات الدولة لصالح
أسيادهم! ! .
١٠- استغلال المنبر المجلسي: يتخذ أصحاب الأديان والطوائف من المجلس
النيابي منبراً يدعون من على أعواده لأديانهم وطوائفهم ويستعملونه ستاراً لتمرير
ودعم أتباعهم وأنصارهم، وكل حزب بما لديهم فرحون، وهكذا تتمكن مؤسسات
تلك الأديان والطوائف من الاستفادة من مؤسسات الدولة والقطاع الخاص بما تلاقيه
من تغطية نيابية محصنة.
١١- الهاجس! ! : إن تحليلاً دقيقاً لتصرفات معظم نواب المجالس النيابية
سيشير بما لا يدع مجالاً للشك أن هؤلاء النواب يباشرون أعمالهم المجلسية وفي
نفوسهم هاجس الترشيح للانتخابات القادمة، ولذلك فإنهم يدرسون تصرفاتهم
ويوجّهونها بما لا يؤدي إلى وقوفها عائقاً دون آمالهم النيابية المستقبلية، إن هذا
الهاجس قد يجعل بعض النواب يقفون حجر عثرة أمام مشاريع القرارات التي يعيق
تأييدها احتمال فوزهم في المجلس المقبل، حتى وإن كانت تلك المشاريع
المعروضة على المجلس فيها مصلحة للأمة وتوطيد لكيانها.
١٢- الانتهازية: تسعى بعض الأنظمة إلى عرض الوزارة على بعض
الفائزين في الانتخابات، وهنا ينتهز النائب الذي تعرض عليه الوزارة الفرصة
للمفاضلة بين أيهما ألمع جاهاً وأوسع كسباً، آلوزارة أم النيابة؟ ، فأيهما رجحت
في ذهنه كفتها بادر باختيارها، وأحياناً تكون الانتهازية حزبية وليست شخصية؛
فيبادر الحزب الممثل في المجلس إلى دفع أحد أعضائه للمشاركة الوزارية أو
النيابية حسب ما تقتضيه مصلحته الحزبية.
١٣- التلوّن والبرمجة: إن كثيراً من المرشحين النيابيين يلوّنون أفكارهم
ويبرمجون تصرفاتهم بحسب ما يودّه منهم ناخبوهم، فإن كان ذلك يقتضي منهم
الصلاة صلوّا! ! ، أو الزكاة زكوّا، أو العربدة عربدوا! ! . إنهم يلبسون لباس
الجماهير ويكتحلون بلون كحلهم! ! .
تلك كانت ثلاث عشرة إشكالية فرعية في موضوع التمثيل النيابي في المفهوم
الديمقراطي، وكل واحدة منها كافية لهدم الهيكل وتقويض البناء، فكيف لو أضفنا
إليها إشكالية الصراع بين النواب وبين الحكومة (التي تمثل مراكز القوى الحاكمة
والمسيطرة) ، وإشكالية دور الإعلام المحلي والوافد في صياغة توجهات الناخبين
وأفكارهم، وإشكالية الدعم المالي والمعنوي الموجود والموعود الذي يدفع ببعض
المرشحين نحو الصدارة، وغير ذلك من الإشكاليات الفرعية الأخرى ... لا شك أن
ذلك سيزيد الصورة قتامة ويكسي الواقع سواداً.
- العنصر الرابع (الواقع الدستوري) :
لم أقل الدستور، بل قلت الواقع الدستوري، وأقصد به الدستور وما يكتنفه
من ملابسات، وتلفه من ظروف، وتنجم عنه من إفرازات، ومن أهمها:
١- مصلحة الزعيم: سواء أكان رئيساً أو غير رئيس.
فالدستور لابد أن يلبي مصلحة الزعامة، وعلى الديمقراطية أن تكيّف أحوالها
لأداء خدمة تلك المصلحة، وينبغي أن تصاغ بنود الدستور في ذلك الإطار، فإذا
اقتضت مصلحة الزعامة حل المجلس يُحلّ، وينبغي أن تلبي مواد الدستور تلك
الرغبة الزعامية، وإذا اقتضت تجميده يجمّد، أو إلغاءه يُلغى، وكل ذلك بتغطية
دستورية. وإذا عجزت صيغ الجمل الدستورية عن القيام بتلك التغطية فإن الدستور
يُعدّل وينقح خدمة لعين الزعيم.
وفي بعض الأحيان لا يحتاج الزعيم لأي من هذا كُلّه؛ فيدوس فوق الدستور
ويمضي قُدماً لتحقيق مصلحته، دون أن ينسى القول: إن الذي فعله ليس إلا
لمصلحة البلاد وسعادة العباد! ! .
[مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] [غافر: ٢٩] .
٢- مزاج الزعيم: نعم مزاجه! ! فالواقع الدستوري يخضع أحياناً لأمزجة
الزعماء وأهوائهم، والزعيم ليس مطالباً بتبرير قراراته، فقد جعله بعضهم في مقام
من لا يُسأل عمّا يفعل! ! .
وإن استفسرت عن ألوان أمزجة أولئك الزعماء: فما عليك إلا النظر إلى
ألوان الطيف الضوئي وما يمكن أن يستجد من ألوان أخرى بخلط بعضها ببعض،
فأمزجة الزعماء قد تبدأ باللجان الشعبية، وتمر بمناجل الفلاحين، واتحاد القوى
العاملة، وأصناف النقابات، وشعارات الأحزاب، وكراسي مجلس الشعب.. وقد
تنتهي عند إشارات الدستور ومقتضياته ومفهوماته بل ونكهاته، وقد لا تنتهي.
٣- إرادة الدول الأجنبية: إن كثيراً من الدول الديمقراطية هي في الواقع في
إطار النفوذ الأجنبي رغم علم الاستقلال الذي يرفرف فوق مؤسساتها الرسمية،
ويبقى موضوع استمرار الديمقراطية فيها أو إيقاف عجلاتها منوطاً بإرادة تلك الدول
صاحبة النفوذ، الذي له أوجه متعددة، منها: النفوذ الاقتصادي، والنفوذ العسكري، والنفوذ السياسي.. وغيره من ألوان النفوذ، وكل لون من تلك الألوان له حظه
في التأثير على الصيغة النهائية للواقع الدستوري، بما في ذلك القرار السياسي
المتعلق بالعلاقات الخارجية، أو القرار الداخلي المتعلق بالإجراءات الأمنية، أو
القرار الاقتصادي المتعلق بالميزانية العامة للدولة أو ...
٤- تعليق الحريات: إن بعض الأنظمة عندما تريد بلورة الواقع الدستوري
حسب رغباتها ومقتضيات مصالحها تلجأ إلى اعتقال المناوئين ومصادرة حرية
كلمتهم أو تعليقها بما لا يسمح لهم بالمشاركة في الانتخابات الدستورية، وبالتالي
يفقدون فرصتهم المتاحة للوصول إلى المجلس النيابي ويتم تعليق الحريات
المعارضة للنظام في إطار الدستور الذي ينص على أن الحريات الشخصية مكفولة
في إطار القانون، وهؤلاء المعتقلون قد خالفوا القانون، أي النظام، فلابد من تكميم
أفواههم ووضع الأغلال في أيديهم، ليهنأ الزعيم وينام على فراشه الوثير! ! .
٥- مراكز القوى: وهي جماعات الضغط التي ترى أن يُفصّل الدستور بما
يحقق مصالحها ويُدعّم نفوذها، كما أنها تتخذ من مظلة الدستور مواقع انطلاق في
داخل المجلس النيابي وفي خارجه لحماية مكاسبها الذاتية؛ ولذلك تراها تضع
العراقيل أمام أي مشروع قرار يحول بينها وبين أهوائها ومطامحها الابتزازية، وإذا
فشلت نصوص الدستور في توفير تلك المظلة سعت جماعات الضغط إلى تنقيحه
واستبدال بعض فقراته لتناسب تحقيق آمال وأهداف مراكز القوى التي تشمل
فعاليات سياسية واقتصادية وعسكرية.
٦- المحاباة: تلجأ بعض الفئات، بصفتها الحزبية أو الشخصية إلى محاباة
وتملق النظام الحاكم، إما بالدفاع عن دستوره أو بمؤازرة رموزه، رغم أن ما
ترفعه من شعارات لا يسمح لها بهذا ولا بذاك. وللأسف إن هذا الوصف ينطبق
على بعض الجماعات الإسلامية أو الأفراد الإسلاميين المتورطين في حمأة المجالس
النيابية؛ فرغم أن دستور بلادهم علماني، مجافٍ للشريعة، بل مضاد لها، فإنهم
يدعون إلى احترام ذلك الدستور المضاد لتنزيل رب العالمين ولسنة خاتم المرسلين،
محاباة للنظام، ويتسامرون مع رموزه تملقاً لهم، أو انتهازية منهم. وإذا أردنا
دراسة الواقع الدستوري والمؤثرات التي تحيط به وتبلور توجهات فهم نصوصه أو
تنقيحها فإنه لا يسعنا أن نغض الطرف عن إحصاء أصوات النواب المحابين
والمتملقين! !
стр. 1988
البيان الأدبي
فاصلة أدبية
التحرير
لم يكن بدّ من البيان.. بعد أن عبّر مدادكم معشر القراء عن استقبالين متقابلين؛ ... فمنكم من أثنى على ارتفاع المستوى الفني للنصوص المنشورة في المجلة،
وأبهجه ثمار البيان الأدبي الذي يختبئ شهراً إلا كمرور الكرام كي يجمع لؤلؤة من
عطاياكم، ثم ينظمها في عقد ملفاته التي تبزغ عليكم شمسُها كلّ شهرين.. ومنكم
من يعتب على نشر شعر التفعيلة وتوظيف عدد من الشعراء للرمز في النص
الشعري، ويرى أن في ذلك انحرافاً عن مسار البيان في البيان! .. ونحن نقدركم
جميعاً، ونحتفي بكم لا باعتباركم مرآةً تعكس، ولكن بتمثلكم عقلاً مؤمناً يقبل
ويرفض ويوازن وينقد، وذوقاً رفيعاً يتقرّى الجمالَ وهو أدرى به، وأرضاً معطاءة
تحتضن بذرتَنا التي لوحتها الشمس والريح حتى اختزنتْ خصبها! فتفضّ مغاليقها، وتحيلها شجرةً باسقة الجذع ريانة الثمر.. ونقول لكم مصارحين:
إننا لا نضيق بالأشكال الأدبية المعبرة عن نبض العصر مادامت ملتزمةً
بالفصحى، قادرةً على منح المعنى والرؤية ولو بعد مرات من القراءة خصوصاً
حين تكشف كل قراءة منها عن عمق جديد محتشد باللآلئ..
فقط نرفض العبثية والشكلية المحضة، ونرفض الرؤى والرؤيا المعوّقة
والمعوّقة.. نقبل التجديد الذي لا يعترضه نص شرعي صريح، أو رأي فقهي
صحيح، وإننا لنطمح أن نجد نبض الأدب في جيل الصحوة سهاماً مجلية، تكون
امتداداً لنبل حسان ﵁ وتمتلك مع ذلك أدواتِ عصرها الفنية دون أن
تستأنسها فتنُهُ، وتروضّها آلهتُهُ المزيفة.
إننا نؤمن أن جيل الصحوة وهو يغسل درن الجاهليات عن الأرض يقدم البناء
الحضاري الشامل.. إنه لا يهدم أبنية الزيف وبيوت العنكبوت فحسب، ولكنه
ينشيء خلايا النحل، ويعطي للناس عسلاً حلالاً، وشفاءً من سقام الجاهليات.. كما
أنه لا يقتلع شجر الغرقد، ثم يسترخي على الرمال الخاوية! ! بل يملؤها حَبّاً
وزيتوناً ونخلاً، وحدائق غلباً، وفاكهة وأبّا، ويجعل من كل ذلك مصاعد للطاعة،
وسبلاً مذللة لعبادة الله.
هذا هو الميناء الذي نطمح أن تنزل فيه مراكبنا الأدبية، ولكننا ما زلنا نتراآه
كالنجم الغائر؛ ولذا: فنحن نقبل أحياناً ما يقل فنياً عن مستوى طموحنا دون أن
نُسفّ هابطين! ونحن نأمل أن نسلك درباً صعداً، يزداد مع الزمن تألقاً وعمقاً.
وأقلامكم أولاً وآخراً مصبّ السقيا لأحواض البيان الأدبي فهل تفيض جوانحكم
بالينابيع؟ !
ذاك أملنا الذي منحتمونا منه أول الغيث، فلا كان غيثكم وسميّاً إلا في نفعه..
стр. 1989
نص شعري
جغرافيا الّرقاب
د. صالح سعيد الزهراني
إلى صُنّاع الحياة، وإلى الأغبياء بدرجة كافية جدّاً:
باسمِ تحرير مواليكَ، يجيئون إليكْ!
في زُجاج العطر، يأتون إليكْ..
في نديف القطن، في علبة ديتولٍ
وفي خلطة كيكْ!
تجد العاشق مجذوباً، يغنّيكَ..
مواويل السّليكْ
يخطف البسمة من عينيك، يدعوكَ..
بأحلى ما لديكْ،
من تراتيل الهوى العذب، يناديكَ:
أنا بين يديكْ
أنا أحنى منك يا قلبي عليكْ
باسم كشف السرّ عن خارطة الأموات دي جاما
وماجلان، مدّا شهقة العاشقِ..
فافتح ساعديكْ!
وعلى الأشرعة البيضاء رأس السندبادْ
وابن ماجدْ..
يرسم الدائرة الأولى لبيت العنكبوتْ..
يرسمْ: المدخل، والمخرجَ، والأبعادَ، صوتَ الرّيِح، هزّاتِ المداراتِ،
المضيقاتِ، مراسي الحزنِ، وجهَ البحر، أمواجَ السكوتْ.
يقذفُ الحبلَ على هامة صيادٍ فقيرْ
فينادي: يا ابن ماجدْ..
كلّ ما أبغيه قوتْ!
فيُجيبُ البحر صمتاً ... لن تموتْ ...
يرتمي الموجُ سيوفاً، يستدير البحرُ في عين ابن ماجدْ..
أيها البّحارُ.. دوزن ناظريك
قف كما أنتَ ... / إليكْ
أيها الرّائد: أدرك قاتليكْ
قالها البّحارُ للبحر غناءً: لا عليكْ
قالها البحر، ودي جاما يغنّي هاشمياتِ الكُميتْ
أتيت إليك مِلءُ فمي سُؤالٌ ... وبين جوانحي كُتبَ الجوابُ
تضيق الأرض في نظر الحُبارى ... ويأبى أن تضيق به العُقابُ
مددتُ يديّ، مِلؤهُما اشتياقٌ ... ومن كفّيّ ينهمرُ السّحابُ
وتنكسر الرّياح على جبيني ... وتُنكر ضبَحها الخيلُ العِرابُ
هنا فوق الخريطة لُفّ حبلي ... وطُوّقت المآذن والرّقابُ
كشفت رؤى الفجيعة عن فتوحي ... وعن تشكيلتي كُشف النّقابُ
إذا لم يكتب العلماءُ مجداً ... لأمتهم، فعلمُهمُ سرابُُ
стр. 1990
سباعيات
أعمال.. ونيات ! ! !
شعر: د.محمد ظافر الشهري
لَكَ اللهُ يا أيها المسجدُ ... إذا سرّ شانئكَ المَشْهدُ
إذا داسَ رابينُ مستكبراً ... بأخفافه حيثما نَسجدُ
إذا ما سألنا بني جلدنا ... لماذا يبوسون رجل العتدو
لماذا أعانوه في حربه ... علينا، فقالوا: لنا مقصد
فإنا نَبَرّهُمُ عَلّهُمْ ... إذا رأوا البِرّ أن يهتدوا
فلم أر أن اليهود اهتدوا ... ولكن أرى عرباً هُوّدوا
نلوم اليهود على ظلمهم ... ولوم بني جلدنا آكد
стр. 1991
نص شعري
قراءة جديدة في دفتر ليلى
طاهر العتباني
كانت ليلى في تراث العرب الشعري: رمزاً للحب والعشق، ... والآن:
أصبح للبعض عشق جديد وهمّ جديد، يملأ عليهم قلوبهم، ويأخذ بمجامع
أرواحهم ... وفي هذه القصيدة قراءة جديدة لدفتر ليلى.
لـ ليلى بساتينها والجنانْ
ولي وَحْدي السُهْدُ..
لي وَحْدي الوَجْدُ ...
والافتتانْ
وفي وجهها ...
حين يطلع من كل صوبٍ ...
على خاطري
دمعتانْ
وفي مقلتيّ اشتياقٌ ولفحٌ ...
وفي كلماتي حروفٌ ...
لها وَلَهٌ مُسْتَبِد ... وأنشودتانْ
لليلى الحَنَانْ
ولي سَهَرُ العاشقينَ ...
ولي ليلها ...
بَحْرُها ...
وليَ الشاطئانْ
لليلى المعاني الحِسانْ
لليلى القصيدةُ ...
حين يحاصرني شوكها ...
وليَ الطَلَلُ المشرئبّ ...
يخاطبني من بعيد الزَمانْ
لليلى الرحيلُ ...
ولي أن أوقّفَ كل الصحابِ ...
علي رَبْعِها ...
أغزل الدَمْعَ من مُقْلتيها ...
فَيَبْكي الحصانْ لليلى ...
ولي ... أن نموتَ ونحيا ...
على كل مفترقٍ في طريق الجِنانْ
الدَمْعُ يعزفني على أطلالها
فتروغ من أضلاعي الكلماتُ
والوَجْد يَسْهَرُ في شعاب جوانحي
فتهيمُ في وُجْداني الكلماتُ
والليل يتركني وحيداً في المدى
وتهدّني بحصارها الظلماتُ
والصُبْحُ يشرق بَعْد ليلٍ تائهٍ
فكأنما في ضوئِهِ عَزَماتُ
وإذا الضحى غمر الدروبَ ضياؤهُ
وانساب في أصدائه الصَدَحاتُ
فلقلبي المحبوسُ وَقْع قصيدةٍ
وبوجهها تتشكل الأبياتُ
لليلى انهمار الدموعِ ... على وجنتي
ولي مِحْنتي
ولي وقفتي.. بين هذي الطلولِ..
ولي أنّتي
ولي في انبعاثِ النشيجِ ...
بأضلاعيَ الحرّةِ
نزيفٌ من القلق المستبدّ ...
وأنّةُ ليلٍ بقيثارتي
لليلى بكائي وأنشودَتي
لليلى التي.. وجهها في الفؤادِ..
طريقٌ طويلٌ..
وهذي الصفوفُ من الشهداء الأُلى أشعلوا عَزْمتي
لليلى.. مَرَرْتُ على كل بيتٍ..
وَقَفْتُ على كل صَحْبٍ ...
هتفتُ على كل قلبٍ ...
وأترعْتُ من لهفتي
لليلى رحيلي ...
صهيلُ الحصانِ بصدري
ولي رَجفتي
ولي أن أسافِرَ ...
لا البيد يعرف وَجْهي
ولا الليلُ يُدْرك: ما غايتي
لليلى غيابي طويلاً ...
وراء الكهوفِ التي نُثرتْ ...
في مدى خطوتي
ولي مِنْحَةُ السائرينَ على الدربِ..
لي خطوةُ الراحلينَ ...
إلى الجنّةِ
***
سيسألني الدربُ ... عند المسيرِ
لمن وِجْهتي
ويسألني الطيرُ ...
حين يحطّ على شجر الروحِ ...
حين يرفرف في مُقلتي
ويسألني البَحْرُ ...
حين أحطّ الرحالَ على شاطئيهِ ...
وحين أمدّ المجاديفَ ...
في عَرْضِهِ شامخ الهِمّةِ
لمن وجهتي؟ !
لمن غنوتي؟ !
لمن يتلظى اللهيبُ بقلبي؟ !
لمن حرقتي؟
لمن دَمعتي؟
لمن سَهِرتْ كل هذي النجومِ.؟ !
بصدري؟
وطال ارتقاب الضياء ...
الذي سوف يشرق في حالكِ ...
الظلمةِ
سيسألني ...
كل ريعٍ وقفتُ عليه ...
وساءلتُ حصباءَهُ ...
رَمَلهُ
وهذي الظباء التي ترتع الآنَ ...
في مُهْجتي
لمن وقْفتي؟ !
لمن كل هذي الطلولِ ...
التي تبعث الشَجْوَ في رحلتي؟
لمن كل هذي الأثافيّ
في العرصات التي
أمر عليها ... ؟
لمن صمتي المتلظى بصدري
كنار السكينةِ ...
حين تعاودني شِدّتي
ستسألني السُحْبُ ...
حين تمرّ على صحراءِ القلوبِ..
لتوقِظَ فيها صدى كلمتي
ستسألني كل هذي الخرائطِ ...
أينَ الخيول التي؟ !
وأين الفتوح التي؟ !
وأينَ الفوارسُ من كل فجّ ...
على صَهْوةِ؟ !
سيسألني الشهداءُ الذينَ ...
أُلملِمُ أشواقهمْ ...
كل ليلٍ ...
يحاصرني دَمُهُمْ كل فَجْرٍ ...
ويوقفني فوق هذي الروابي،!
لمن وجهتي؟
لمن غنوتي؟
لليلى التي؟
لليلى التي ...
حاصرتها السهام الخئونةُ ...
في كل وادٍ ...
ونادٍ..
دَفَعَتْها السهامُ ... إلى القمّةِ
لمن وَجْهُ ليلى التي؟
لمن وَجْه ليلى التي؟
- إنها دعوتي
- إنها دعوتي
стр. 1992
دراسات أدبية
أدونيس ... علامات التراجع! !
إبراهيم بن منصور التركي
بعد أن أوْهَت الحداثة اللبنانية قرنها بالنطح في صخرٍ صلد، لم يجد كبيرها
الذي علمها الشعر بدّاً من أن يعيد النظر في أقوال البدايات. فأدونيس الشاعر
الشهير الذي نفخ في تلك الحداثة من روحه تنبه بعد طول زمان إلى خطورة آرائه
الأولى الجريئة، فعاد يوائم بين ماكان وما يجب أن يكون. لقد كان أدونيس يمثل
في السابق حالة الرفض المطلق للانخراط في ترس المنظومة الجماعية،
والاستنكاف عن مجاراة المشروع السائد، وفي مقابل ذلك كان ينتهج نهجاً هروبيّاً
ينسحب وفقاً له إلى عالم أسطوري لا يمكن أن يوجد إلا في ذهنه.
بين أدونيس اليوم وأدونيس الأمس تبادر إلى ذهني عقد مقارنة مصغرة
تكشف مدى التطور والتغير الذي آلت إليها آراؤه اليوم، وكيف انسلخت عن بعض
أثواب أدونيس الأمس. ما الطريق الجديد الذي اختاره للتغيير؟ . وكيف كان ذلك؟ هذا ما ستقوله المقالة وتوضحه في السطور التالية، عن طريق استعراض موقف
أدونيس من: الدين، والقرآن، والتراث.
أولاً: الدين:
يقول أدونيس في ديوانه الصادر عام ١٩٦١م:
(لا الله أختار ولا الشيطان..
كلاهما جدارْ
كلاهما يغلق لي عيني..
هل أبدل الجدار بالجدار؟ ! !) [١] .
اصطدم الشعر الحداثي بصلابة التدين الشعبي الذي هاله أن يرى الألفاظ ذات
القداسة تمتهنها أبيات الشاعر الحديث، ومن ثم: لازم الشعر الحديث نعت الكفر
والتزندق والإلحاد. ويحاول أدونيس في أحد كتبه الجديدة الصادرة في ١٩٩٣م أن
يقف عند مثل هذه الظاهرة عبر قصاصة ينقلها عن المجلة العربية (العدد ٩١، أيار
مايو ١٩٨٥م) فهذه المجلة تصدر حكماً بالكفر والإلحاد على الشاعر الصديق الدكتور
عبد العزيز المقالح [٢] هكذا يقول أدونيس وهو يحاول أن يبين طبيعة اللغة
الشعرية وأنها مجازية، فحين يقول الشاعر مثلاً: (صار الله رماد) ، لا يقصد
المدلول الحرفي المباشر الظاهر، أي: لا يقصد أن الله نفسه الذي يؤمن به المسلم
هو في ذاته صار رماداً ... الشاعر هنا يرمز بقوله هذا إلى حالة عامة من تراجع
أو غياب فكرة الله الواحد، وما تنطوي عليه من قيم وما تفترضه من سلوك، إنه
على العكس ينتقد هذه الحالة التي تتمثل في كون الممارسة الدينية السائدة تبتذل فكرة
الله المتعالية وتشوهها بحيث يبدو الله عبر هذه الممارسة كأنه أصبح رماداً،
والشاعر هنا مؤمن بالله كأبهى ما يكون الإيمان [٣] ، وكذلك يحاول أدونيس تبرير
عبارة مماثلة وردت في شعره هو، إذ صرخ الجمهور لما سمع أدونيس يلقيها في
إحدى الأمسيات: لقد كفر [٤] .
ليس الشاعر الجديد كافراً -كما يقول أدونيس- بل هو مؤمن بالله كأبهى ما
يكون الإيمان! ! . إن الشاعر الجديد وفقاً لرأي أدونيس السابق يرسخ مبدأ الإيمان
وينميه، كل غرضه أن (ينظّف) الممارسة الدينية السائدة من كل شوائبها
وتشوهاتها،، ولن أقف لأخالف أدونيس في فهمه (الجديد) لشعر المقالح، فهو فهم محتمل على أية حال على ما فيه من امتهان لفظ الجلالة.
ولكن هل يمكن أن يفهم شعر أدونيس الذي تصدّر هذه الفقرة فهماً مماثلاً؟ ! .
وهل يمكن أن يتبادر الفهم نفسه في قوله الآخر:
أعبر فوق الله والشيطان
دربي أنا أبعد من دروب
الإله والشيطان [٥] .
إن أدونيس يؤكد في هذين المقطعين على فكرة الانعتاق من كل تشكل
أيديولوجي سابق إلهيّاً كان أم شيطانيّاً. إنه يختلق لنفسه أيديولوجيا خاصة تؤكد
فكرة الخصوصية والتفرد التي دندن حولها كثيراً. إنه رفض للدين والأيديولوجيا
برمتهما، هكذا كان أدونيس ١٩٦١، أما أدونيس ١٩٩٣ ففي تعليقه على شعر
المقالح يظهر كيف أنه يحاول جاهداً سحب النص الشعري الجديد من براثن الكفر
والإلحاد، وحلحلته ليكون لبنة جديدة في جدار الإيمان، إنهما موقفان متباينان،
موقفان يعكسان تحولاً في الرؤية، وتراجعاً عن النهج التصادمي إلى محاولة
التقريب والتوفيق.
ثانياً: القرآن:
يؤلف أدونيس كتاباً جديداً يحمل في عنوانه إشارة الحديث عن النص القرآني، يأتي هذا الحديث في دراستين مطولتين كتبهما في ذلك الكتاب عن النص القرآني، بالإضافة إلى مقالات أخر لا تمت للعنوان بصلة، وهو يؤكد فيه على أن هذا
النص مفتاح لفهم العالم الإسلامي، ولن يفهم أحد المسلمين وتاريخهم إذا كان يريد
هذا الفهم إلا بدءاً من استيعاب هذا النص، والإحاطة بمستوى العلاقة القائمة بينه
وبين المسلم [٦] . وبعد ثناء مطول يتحدث فيه أدونيس عن روعة البيان القرآني
وجماله البلاغي، يتحدث بعد ذلك فيما يزيد على أربع صفحات عن ترتيب الآيات، وجمع القرآن، ومراجعة جبريل للرسول مرة في كل سنة ومرتين قبل وفاة
الرسول، ويتحدث كذلك عن كتابة القرآن في عهد النبوة من قِبَل كتاب الوحي،
وجمعه في عهد عثمان.. إلخ، ويشعر أدونيس بأنه يعيد البدهيات المعروفة فيقول
من ثم معلقاً على ذلك: ربما اندفع بعض القراء بعد قراءة هذا كله وسأل: تلك
بدهيات، فلماذا تكررها علينا؟ ، وجوابي هو: أن كونها بدهيات هو بالضبط ما
يدفعني إلى أن أكررها، وليسمح لي أن أتابع فأقول: إن من البداهة لاستغلاقاً [٧] .
ولا أحد يملك منع أدونيس من أن يتابع، ولكن قبل ذلك ليسمح هو بالقول:
إنه يلطّف آراءه الأولى ويبغي قتل احتقانها السابق عبر تكريس البدهي المعروف.
بغيته: محو تلك الصورة الشائهة التي ارتسمت لموقف ذاته من تلك البدهيات.
ثالثاً: التراث:
يقول أدونيس عن تشاؤم ديوانه (أغاني مهيار) المنشور ١٩٦١م: هو تشاؤم
رجل ينشد حلاً جذريّاً للمعضلات الاجتماعية والثقافية في العالم العربي التي تحجب
كل آفاق جديدة، فمهيار، يدعو إلى ما أسميته في مكان آخر الهدم الجميل، الهدم
الكامل لإعادة البناء [٨] . تلك هي الرؤية الأولى التي حكمت تصوره للتراث، لقد
كان يرى حتمية الهدم من أجل إعادة البناء، كانت دعوته الأولى: حرق التراث
قبل محاولة البدء بإنشاء مشروعه المعاصر؛ لقد قالها شعراً:
أحرق ميراثي، أقول أرضي
بكرُ، ولا قبور في شبابي.. [٩] .
أما أدونيس الجديد ١٩٩٤ فيحاول أن يتملص من دعوى التخريب التي
تضمنتها آراؤه أيام الشباب، يحاول التبرير في سيرته الثقافية التي كتبها، إذ يقول
عن دعوته إلى رفض التراث أو تجاوزه وتخطيه: وحين كنا نقول بالرفض أو
التجاوز أو التخطي كنا نعني على الأخص: رفض القراءات التي فهمت الأصول
بطرق لم تؤدّ إلى الكشف عن حيويتها وغناها، بقدر ما أدت إلى قولبتها
وتجميدها ... نعرف جميعاً أن معظم الذين تصدوا لقراءة التراث بدءاً من عصر النهضة قرؤوا القراءات ولم يقرؤوا الأصول، ومن هنا فشلها في تقديم فكر جديد أو فتح أفق جديد للبحث ... كنا في مجلة (شعر) لا نحلم بمثل هذه القراءة، قراءة الأصول نفسها برؤية جديدة، وإنما كنا نعمل لها ونمارسها [١٠] .
هكذا استبدل أدونيس بمنهجه النقضي (المثالي) منهجاً تلفيقيّاً (واقعيّاً) عماده
إعادة الترتيب، أدونيس ١٩٦١ الذي سعى إلى نسف الكل وتقويض التراثي القديم
ليقيم على أنقاضه الجديد، انتقل في ١٩٩٣ إلى محاولة إبقاء القديم والدعوة إلى
عصرنته، عبر تطهير القديم من ترسباته العالقة وتكريره بصورة عصرانية جديدة
على حد قوله. لقد رأى ضرورة الاحتفاظ بشرعية الغطاء التراثي دون النفاذ إلى
عمائقه الباطنة، أي أن يستلّ من التراث نفسه ما يسوّغ مرئياته الجديدة، كل ما
يفعله هو القيام بصهر المعطيات التراثية في قوالب فكرية معدّة سلفاً، فيكون
التراث -من ثم- خَدَماً لتلك الأفكار الجديدة.
ولكن هل يعني هذا تراجعاً فعليّاً عن كل آرائه السابقة؟ .
يشير أدونيس إلى أنه انضم في مقتبل عمره إلى الحزب القومي
السوري [١١] ، وأنه قرأ كتاب (الصراع الفكري في الأدب السوري) لأنطون سعادة (مؤسس الحزب) ، وأن هذا الكتاب كان صاحب الأثر الأول في أفكاره وتوجهاته [١٢] ، وهذا يعني أن أدونيس قد اعتنق أفكار هذا الحزب وآمن بها، فما الذي يدعو إليه الحزب القومي السوري؟ .. من أهم مبادئه:
القوميون السوريون يتميزون بالماضي السحيق الذي يمثله الفينيقيون،
بوثنيتهم وخمرهم وآلهتهم وعاداتهم وتقاليدهم ولذاتهم ...
أزهى العصور في تاريخ سورية هو العصر الفينيقي.
عندما يتحدثون عن سورية فإنما يقصدون بذلك سورية الكبرى والتي تضم
سورية الحالية ولبنان والأردن وفلسطين.
فكرة الألوهية اخترعها الإنسان يوم كان رازحاً تحت سلطان الخوف والوهم
والخرافة.
نظرتهم.. مادية تنكر وجود الله والبعث والرسالات واليوم الآخر [١٣] .
إلا أن أدونيس لا يستمر على وئام تام مع الحزب، حيث اضطر في إحدى
مراحل حياته إلى أن يقول وبصراحة: (أنا أكبر من الحزب) ، وقد جرّت عليه هذه
المقولة لوماً عنيفاً ونقداً جارحاً جعلته لا ينساها [١٤] ، وكأن أدونيس في مقولته
هذه يتنصل من التطابق الفكري الكلي بينه وبين الحزب، متذرعاً بأن الحزب قد
توقف وجمد ولم يسع إلى تحقيق أهدافه.
ومثل هذا التحول في الانتماء قد يفسر سبب انحلاله من ربقة آرائه السابقة،
إذ يبدو أن انتماءه الحزبي السابق كان أحد الأسباب المؤثرة في آرائه الأولى، إلا
أنه بعد انسلاله من الحزب عاود النظر في تلك الآراء، وأحس بزيادة جرعتها
(التطويرية) عما يحتمله الواقع، ومن ثم: كان شروعه في التعذير والتبرير،
وهكذا إشارة تفيد أن أدونيس لا يتحول عن آرائه السابقة كنوع من التراجع
الانقلابي أو التوبة الفكرية، بقدر ما هو تغيّر في التكتيك والاستراتيجية التي تمكنه
من الإصابة الأمثل للهدف، إنه يبرم عقد مصالحة مع الواقع بعد أن تورط بآرائه
الثورية الأولى، يعقد تصالحاً مع الدين، تصالحاً مع التراث، تصالحاً مع الجمهور، تصالحاً مع النقاد، باختصار: الوصول إلى صياغة تصالحية بينه وبين النمطي
والسائد هو الهدف غير المعلن! ! . هكذا يضطر أدونيس أخيراً إلى الإذعان لضغط
الواقع واجداً أن ركوب ظهر السائد واستخدام آلياته هي الطريقة الأمثل لنقض
السائد وتغييره.
لقد تفاجأ أدونيس وبحركة ارتدادية عنيفة باستحالة اقتلاع الجذور المتعلقة
بالقرآن والدين والتراث، فهي ضاربة في عمق العقل العربي، وإزالتها تعني
ببساطة إزالة الخصوصية التي جعلت العرب عرباً والإسلام إسلاماً، لذا: كان
أدونيس على درجة من الوعي أفهمته ضرورة احتواء آرائه السابقة وتفريغها من
حمولتها الضدية، فهل إن أدونيس اختار التوقيت إذ بدا وهجه يخبو ويؤذن
بالانطفاء؟ . وهل إن هذا التحول سيكون وقوداً يذكي الوهج ثانية، ويعيد إليه
الوميض؟ . وإنْ، فإلى متى؟ ! ! .
стр. 1993
المسلمون والعالم
حرب البوسنة: لا مكان للضعفاء !
بقلم `د. عبد الله عمر سلطان
ربما يجد الكاتب صعوبة بالغة في الحديث عن البوسنة وأحداثها، فالواقع أن
نهر الدم والقهر الجاري قد أصبح مثالاً واقعاً، يحمل بين ثناياه مزيداً من التعاسة
والحسرة، ولذا: فإن أي مأساة بوسنية جديدة لا تثير في النفوس إلا مشاعر أو
زفرات قصيرة العمر؛ ذلك أن المأساة نفسها قد طالت وحفلت بشتى ألوان الظلم
والعسف والوحشية، حتى أصبح الرأي العام المحلي والدولي مهيأً دوماً لاستقبال
المزيد من الكوارث والرزايا، بل ربما وصل الأمر ببلادة الحس وموت المشاعر
أن يُستغرب مرور أسبوع أو شهر دون حصول مأساة جديدة ضحاياها هم المسلمون
الضعفاء هناك..!
وابتداءً: فإن عجز الدول والشعوب الإسلامية تجاه مأساة البوسنة بأطوارها
المتلاحقة لا يحتاج إلى تدليل أو بيان، ولا أجد هنا من شاهد سوى أن أحداث
البوسنة الأخيرة قد خنقت حتى أزير الشجب المبحوح أو صور الاستنكار الفلكلوري
المعتاد، فحتى هذا أختفى ووُئِد وتلاشى الآن؛ فالجميع مشغولون بما هو أهم: من
محاربة الأصولية والتطرف ... وربما كان الحفاظ على الهوية المسلمة في قلب
أوروبا جرحاً لمشاعر القارة المتحضرة أو استفزازاً للرجل الأبيض، كما يفتي بذلك
خبراء الإرهاب ومفكرو الحملة القمعية ضد كل نَفَس أو صوت إسلامي في قلب
أوروبا أو في بلاد الإسلام ذاته.
هذا الخور الذي يلف العالم الإسلامي تجاه متحف البربرية الصربية الراهنة،
يجعلنا نلتفت قليلاً إلى أصحاب القرار الحقيقيين الذين ثارت حميتهم، وارتفعت
أصواتهم حينما مُس الدم النصراني المتمثل في تصفية جنود الأمم المتحدة،
فسارعوا إلى الحديث عن بربرية الصرب ووحشيةٍ تذكرهم بالقرون الوسطى!
الفتيل:
بدأت موجة التوتر في البوسنة في التصاعد بعدما شهد صرب البوسنة هزيمة
منكرة على أيدي القوات الكرواتية، التي دحرتهم من أقليم سلوفينيا الغربي الذي
يشكل ثلث الأراضي الكرواتية المحتلة من قِبَل صرب البوسنة التي أطلقوا عليها
اسم (جمهورية كارايينا) بعد أن نجحوا في احتلالها عام ١٩٩١م، ومع الزمن: بدا
أن حلم صربيا الكبرى القائم على تحالف جمهورية صربيا والجبل الأسود مع
جيوب الصرب في كرواتيا والبوسنة يشهد مزيداً من التصدع؛ فالمسلمون
والكروات اليوم أقوى من ذي قبل، بينما يشهد الجانب الصربي تراجعاً في وحدته
وقوته، ففي المعركة التي جرت في شهر ذي الحجة من عام ١٤١٥هـ
(مايو ٩٥ م) تراجعت الوحدات الصربية بسبب ظهور خيانات واسعة في الجيش الصربي الذي يقوده ميلان جيلكتش الذي وجه اللوم مباشرة إلى زعيم صربيا سلوبدان ميليفتش متهماً إياه بالتخاذل عن نصرة إخوانهم الصرب في حربهم الخاسرة أمام كرواتيا.
لقد وضح بالدليل القاطع أن الصرب استطاعوا من خلال حلفهم القوي أن
يجتاحوا مناطق واسعة من البوسنة وكرواتيا، لا سيما وأن الشعار المرفوع كان:
الوحدة فقط تنقذ الصرب.. وبعد ثلاثة أعوام من قيام دويلات الصرب الهمجية في
مناطق أعدائهم ظهر أن هذه الوحدة الظاهرية مهددة بالفعل، لا سيما وأن القادة
العسكريين والسياسيين انخرطوا في تجارة تهريب المواد الممنوعة والسجائر
والوقود، مما دفع العديد من الطواقم المهنية المدربة إلى الهجرة خارج حدود هذه
الدويلات، حيث يتندر هؤلاء الهاربون بالفساد والمحسوبية التي وصلت إلى حد أن
زعماء سلوفينيا الغربية كانوا مشغولين عن مواجهة الكروات بتجارة بيع الوقود إلى
القوات الحكومية المسلمة بعد استيراده من كرواتيا! !
ولا يخفي الصرب أن محاولة شق صفوفهم عبر إصدار تصريحات علنية
تنتقد فيها قيادةٌ صربية قيادةً صربية أخرى: تمثل محاولة استصدار وفاة للحلم
الصربي كما أن تقاعس صربيا الكبرى وقيادتها عن دعم صرب كرواتيا ربما ينتقل
بدوره إلى وقف المساعدة عن صرب البوسنة الذين يشكلون أقدر قيادة صربية حالية، وربما كان الوصف الصحيح لها أن تضاف نقطة لحرف الدال لا سيما بعد الجرائم
الأخيرة! .
لقد هاجم سلوبودان ميلوسيفيتش الصرب الكروات لقصفهم زغرب خلال
حرب سلوفينيا الغربية، وكان هذا دليلاً كافياً على خطورة حالة الوحدة الصربية،
ثم ما لبث أن ذاع نبأ المحادثات الصربية الأمريكية لرفع الحظر عن بلجراد مقابل
اعتراف شكلي بجمهورية البوسنة والهرسك (دون الاعتراف بحكومتها) ، وهذا
الاعتراف يوازي جريمة الخيانة العظمى من وجهة نظر جزاري صرب البوسنة ...
ما العمل إذن ... ؟
ما يجري بين واشنطن وبلجراد من محادثات رفيعة المستوى يمكن أن يلغى
من خلال القذائف على الأرض، صحيح أن ميلوسيفيتش قد تراجع عن إتمام
الصفقة، إلا أن صرب البوسنة رأوا فيها تخلياً عنهم، كما يقول مايكل إليوث ومع
بروز خطر الانشقاق الصربي: كان هناك حديث على مستوى عالٍ يرعاه البطرس
الحاقد لإعادة تحديد دور الأمم المتحدة في البوسنة، وما يعنيه الأمين الخائن لأمانته: هو قصر مهام الأمم المتحدة بحيث يمارس القناص الصربي هوايته المعتادة في
حصد أرواح المسلمين، وهذا الانسحاب المقرر للأمم المتحدة في هذا الوقت يعني
أن معظم الجيوب المحمية حسب قرارات الأمم المتحدة ستكون مكشوفة لمجرمي
وطغاة الصرب، وهنا أراد الصرب أن يبادروا إلى احتلال هذه المواقع التي
تحرسها الأمم المتحدة قبل انسحاب قواتها.
لقد بدأ الصرب في تحديهم الأرعن: بأن تجاوزوا حدود المنطقة المنزوعة
السلاح، واستولوا على دبابات قوات بطرس غالي، ثم أداروها إلى صدور العزل
في سراييفو فقتلوا أحد عشر بريئاً ... وحينما أصدر مبعوث البطرس التعيس
ياسوتشي أكاشي تصريحاته: بأن هذا أمر لا يحتمل، وطلب من قوات حلف
الأطلسي أن تضرب بعض الأهداف الصربية حول عاصمتهم مدينة بالي، قامت
القوات بقصف مواقع عسكرية مهمة، مما دفع صرب البوسنة إلى الانتقام من قوات
الأمم المتحدة والإغارة على مواقعها وأخذ جنودها رهائن، ضاربين بأبسط معاني
الشرعية الدولية المزعومة عرض الحائط!
الإشارات التي يجب أن نفهمها:
ظلت القوات الصربية تمارس وحشيتها وقسوتها وفظائعها لمدة أربعة أعوام
تجاه المسلمين في البوسنة دون أن تتدخل الأمم المتحدة وأوروبا وأمريكا بهذه
السرعة والغضب، بل إن حلفاء الحرب العالمية كانوا يحتفلون بعيد النصر في
موسكو - الوجه الآخر للنازية المعاصرة - بينما يموت الشعب المسلم أمام أنظار
كلينتون في البوسنة والشيشان.
ولكن حينما يحتجز بضع مئات من البريطانيين والفرنسيين تصبح هناك
مشكلة خطيرة ومعضلة تستدعي أن ترسل فرنسا وبريطانيا من أجلها آلاف الجنود
لحفظ السلام.
هل السلام انتقائي إلى هذه الدرجة؟ ! أم إن مسألة قتل واغتصاب واحتجاز
شعب كامل تحت سمع ونظر العالم المتحضر لا تستحق العناية والشفقة ... ؟
لقد قال العالَم النصراني المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية: إن المجازر
الجماعية العرقية والدينية، كمجازر النازية لن تحدث للأبد Never Again..
لكنها تحدث اليوم وكل يوم، ويكون ثمن الدم المسلم الرخيص أو إبادة شعب بأكمله: مقاطعة الرئيس الأمريكي لاستعراض عسكري روسي في موسكو ... وما أرخصه
من ثمن! ..
لقد لخص أحد المعلقين الأمريكيين مأساة البوسنة بأنها حرب الإشارات..
ولابد للمسلمين أن يفهموا هذه الإشارات.. أو بعضها.
من هذه الإشارات: أن الغرب قد أعلنها بلسان المقال والحال: أن الدم المسلم
على التخوم النصرانية الأوروبية لابد أن يحرق لكي تكتمل طقوس التعميد
النصراني المبشر بعالم ونظام دولي جديد، يحدث هذا في البوسنة لأعوام وفي
الشيشان لأشهر، مع التذكير بأن دموع التماسيح لابد أن تذرف مع كل ضحية أو
مجزرة؛ لإثبات فحولة حقوق الإنسان وحرية الصحافة في المجتمعات الغربية.
ومن هذه الإشارات: أن الصرب قد عرفوا تماماً أن الغرب قد أطلق يدهم في
أدغال وتلال البوسنة، وأن التهويشات السابقة ضرورية من أجل استمرار
المسرحية، وأن حلف الأطلسي وقوات الأمم المتحدة وقوات التدخل السريع وقوات
مكافحة الجراد سوف ترفع صوتها في كل مرة مهددة متوعدة ... ثم تنتهي قصة
التهديد والخلاف كما تنتهي أي رواية أو شريط سينمائي هزلي ... يفوز البطل
الأجش وتنتهي القصة نهاية سعيدة! !
ومن الإشارات المهمة: أن وسائل الإعلام الغربية قد جندت كل طاقتها من
أجل مئات من جنود مختطفين، بينما حفل اليوم نفسه بأحداث مهمة وقاسية:
كسقوط سبعين شابّاً مسلماً في (توزلا) ، وإسقاط طائرة وزير خارجية البوسنة
ووفاته مع مساعديه، ومع ذلك أتت هذه الأخبار ضمن تفاصيل الاختطاف للدلالة
عن ارتفاع ثمن المخطوفين وهوان شأن القتلى والمسؤولين المسلمين.
ومن الإشارات المهمة: أن صرب البوسنة قد فهموا الدرس جيداً؛ فالعالم لا
يخاف إلا من القوي، والحضارة الغربية عموماً تقدس القوة وتعبدها حتى لو كان
هذا على حساب المبادئ والمثل المعدة للاستهلاك الإعلامي، وقد فهموا أيضاً أن
المواجهة مع المسلمين تسمح لهم أن يغفر لهم الغرب الأفعال الإجرامية المثيرة
المتمثلة في ربط جنود الأمم المتحدة إلى الأعمدة والأبواب في صورة مذلة ... ولابد
أن القادة الصرب قد أمنوا العقوبة فأساءوا الأدب، ولكم أن تتصوروا دولة أو
عصابة عربية تقوم بخمس ما قام به الصرب، فماذا سيكون رد الفعل الغربي
والدولي..؟ !
من الإشارات كذلك: أن الناطق باسم الأمم المتحدة قد وصف الإرهاب
الصربي والجرائم المتتالية بأنه: عمل أشبه ما يكون بالعمل الإرهابي أما قتل ٧٠
مسلماً في (توزلا) فقد وصف بأنه مأساة عميقة.. إن هذا العمل المخزي والمهين
لكل الأعراف الدولية يوصف بأنه: أشبه ما يكون بالعمل الإرهابي فما حقيقة
الإرهاب يا سدنة الشرعية الدولية؟ ! .
ومن الإشارات أيضاً: النقد الجارح لبطرس الحاقد من قبل المعلقين الغربيين
بعد طرحه مشروع قرار سحب قواته من البوسنة أو تعديل مهامها؛ حتى بعد مهزلة
الخطف وتناثر أشلاء المسلمين في جيوب الأمن الكاذب ... لقد وصفه معلق
بريطاني بأنه: رجل غير معقول في المواقف التي لا تحتمل رأيين ووصفه آخر:
بأنه ربّى في صدور الصرب كل أنواع التعنت والغطرسة بتغاضيه عن جرائمهم
وتعامله اللين معهم بينما لا تزال الصحافة العربية المهاجرة بفكرها ومقراتها تناقش
السؤال الملح والصعب منذ سنوات: هل بطرس غالي يتحامل على المسلمين؟ ! !
لقد أشار الرئيس البوسني إلى أن العالم يحاول أن يغطي على جريمته
الأصلية؛ حينما منع الضحية من مقاومة الجلاد، وحرم المسلمين من امتلاك
السلاح الذي يخولهم أن يدافعوا عن وجودهم أمام الأمة الصربية الحاقدة ... إن دور
الأمم المتحدة قد بدا عارياً، أما حلف الأطلسي فيقدم رجلاً ويؤخر اثنتين، وطالما
أن المسلمين عاجزون حتى عن الاستنكار: فإن المعركة هناك قد انتقلت إلى طور
الحرب الداخلية التي تجري بين أقطاب أوربيين، تجمعهم عقيدة واحدة وثقافة
مشتركة ورؤية عامة تدفعهم إلى الاستعانة بالأجساد المسلمة المستسلمة: وقوداً
للخلاف، ورصيداً للانتقام وأسلوباً لغش الخلق كلما حدث خلاف بين الأشقاء
الحلفاء!
الحرب الدائرة في البوسنة اليوم وهذه التغطية الملتهبة هي حرب أوروبية
داخلية، ووجودنا الهامشي يحتم علينا أن نتعامل معها على هذا الأساس حتى تنتقل
الأمة من خانة الهامش إلى خانة الأصل، ومن موقع المستضعف إلى موقع الفاعل
المدافع عن الإنسانية التي تعاني من الظلم والعسف والموت المجاني.
وحسبنا الله ونعم الوكيل..
стр. 1994
المسلمون والعالم
تأملات في مسيرة الحركة الإسلامية في اليمن
الحلقة الثانية
بقلم:عبد الله أحمد ناصر
تناول الكاتب في المقال السابق إيجابيات الحركة الإسلامية في اليمن منذ قيام
الوحدة، فكان مما ذكره: انتشارها الواسع، وحماية شباب الصحوة، وإنكار بعض
المنكرات، والوقوف في وجه التغريب والعلمنة والحملات الصليبية، ثم ثنى
الكاتب بذكر السلبيات، فكان منها: عدم وضوح تبني منهج أهل السنة، وعدم
تميز صفوف القيادة، مع اعتلاء سدتها من ليسوا أهلاً لها.. ويتابع الكاتب في هذه
الحلقة ذكر ملحوظات أخرى.
- البيان -
اعتماد سياسة: إما الاحتواء وإما الإلغاء في التعامل
مع الإسلاميين الآخرين في الساحة:
الحقيقة أن تعامل كثير من قيادات وكوادر الحركة الإسلامية المنضوية تحت
لواء التجمع اليمني للإصلاح مع الإسلاميين الآخرين في الساحة محل استغراب
وتساؤل! ؛ إذ ليس أمام الآخرين إلا أن ينضووا تحت لواء التجمع، ويباركوا
المواقف التي تتخذها قيادته، ويسكتوا عن المنكرات والمخالفات الصادرة عنها ...
لينالوا رضاها، وبالتالي: التزكية والمديح من كوادرها، والمساعدة في الوصول
إلى بعض المواقع التي يمكن خدمة الدعوة من خلالها، وإلا فإن التهميش والذم
ومحاولة الإلغاء وتحذير شباب الصحوة من المنهج الذي يسير عليه أولئك،
ومحاولة التضييق عليهم في الوظائف لكي يتركوها، ومحاولة حرمانهم من إمامة
المصلين في الجمع والجماعات، والفصل لمن يقوم بالدعوة إلى الله (تعالى) من
الطلبة داخل المعاهد العلمية وبعض المدارس والكليات ... إلخ: هو الذي ينتظرهم.
ونحن نتساءل: لماذا يحتمل الإخوة في الحركة من العلمانيين والرافضة
والصوفية في الأحزاب والنقابات المختلفة ما هو كذب وافتراء وبدوافع ونوايا سيئة، وتقوم قيادة الحركة بدعوة أولئك إلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن،
ولايُحتَمل من الإسلاميين الآخرين في الساحة ما هو أقل من ذلك مع إقراري بأن في
بعض ما يطرحونه تعد وظلم مع أن لهم حق المحبة والنصرة، وغالب ما يطرحونه
يكون في الجملة بدافع الغيرة على دين الله (تعالى) ، وبهدف النصرة له؟ ! ! .
لماذا تبقى الابتسامات متبادلة والصدور والأبواب مشرعة أمام بعض
العلمانيين والمبتدعة، وتعمد الحركة إلى محاولة الإلغاء والتهميش لكل ما هو
إسلامي ليس منضوياً تحت رايتها؟ ! ! لماذا لا يدعى هؤلاء إلى الله (تعالى) إن
كانوا على خطأ وهم أقرب؟ ولماذا لايصبر عليهم، ويحتمل منهم كما يحتمل من
غيرهم وهم أولى؟
لماذا لا تغير الحركة سياسة (إما الاحتواء وإما الإلغاء) إلى التنسيق ومحاولة
توظيف الجهود لخدمة الإسلام، مع القبول بالخلاف والتعايش معه مادام لايتعارض
مع ثوابت الإسلام وأسسه؟
وأخيراً: لماذا نخاف من النقد إذا صدر من الإسلاميين الآخرين في الساحة،
ونضيق به ذرعاً، ونعتبره أمراً طبيعيّاً وحقّاً من حقوق التعبير عن الرأي إذا صدر
من غيرهم؟ !
إن الحركة الإسلامية في اليمن بحاجة بحق إلى أن تعيد النظر في تعاملها مع
الإسلاميين الآخرين، وكلنا أمل بأن يتداعى الغيورون من علماء وطلبة علم وسائر
المخلصين داخلها إلى ذلك.
ولا شك بأن لبعض الإسلاميين من خارج الحركة دوراً في هذه الجفوة التي قد
تصل إلى حد القطيعة أحياناً، ولكن العتب يكون أكثر على الحركة الإسلامية،
لأنها الآن في منزلة القيادة والظهور، فهي الأخ الأكبر وعليها أن تحتمل ما لا
يحتمل غيرها، وبقدر تراجع الآخرين وجفائهم ينبغي أن تتقدم هي وتحلُم،
فخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام، وينبغي أن يدرك الجميع أن قوتهم الحقيقية في
اجتماعهم وتآزرهم، فالمسلم أخو المسلم؛ لا يسلمه ولا يخذله، والبديل الذي يعرفه
الجميع هو الاتجاه العلماني الذي أذاق الشعب اليمني ألواناً من التغريب والإفساد؛
فليست القضية أسماءً وأحزاباً ... إصلاحاً وسلفيين و ... و ... ولكن: إما إسلام
وإما علمانية.
تعويل الحركة كثيراً على القبائل:
دخلت الحركة الإسلامية في اليمن في أوساط القبائل وعملت على أن يكون
شعار القبائل الذي ترفعه هو الإسلام، وحسناً فعلت، إلا أنه من المفترض أن يكون
هدف ذلك الدخول: هو تيسير دعوتهم ومحاكمتهم إلى شعارهم متى خالفوه، أما أن
نكتفي كما هو الواقع في كثير من الأحيان برفع تلك القبائل لشعار الإسلام فقط دون
أن يصاحب ذلك برامج دعوية وتعليمية مكثفة لها، فأمر أظنه خاطئاً وخطيراً.
وكل ما أخشاه أن يدعي بعض أعداء الصحوة الإسلامية بأن هدف الحركة من
الدخول في أوساط القبائل بل وفي أوساط الجماهير اليمنية عموماً هو كسب ولائها
للحركة، وضمان مناصرتها لتوجهها السياسي وكل ما يخدم ذلك الهدف لا غير.
وأحسب أن القيادات المخلصة في الحركة الإسلامية لا ترضى أن يكون
التوجه إلى تلك القبائل والجماهير لمجرد الاعتماد عليها في الدفاع عن الحركة
ومنجزاتها، عن طريق كيل المديح والتمجيد لشيوخ تلك القبائل، فإن معظم هؤلاء
في الغالب أتباع كل ذي مال ومنصب. ولا يرضي مخلص واعٍ رَبْط حماية الحركة
وشبابها بهم وإعطاءهم مكانة بارزة وثقلاً كبيراً في التأثير على توجه الحركة
وقراراتها، وأظن أن ذلك يحتاج من كل مخلص داخل الحركة من علماء وطلبة علم
وغيرهم إلى إعادة النظر فيه، والعمل على تلافيه.
ظاهرة ضعف الموارد المالية:
مع أن عمر الحركة الإسلامية في اليمن طويل نسبيّاً إلا أن الملاحظ ضعف
إمكاناتها المادية وشح مواردها، وهاتان في نظري ظاهرتان متناقضتان: حيث إن
المفترض أن تكون هناك علاقة طردية لا عكسية بين عمر الحركة ومواردها،
ولكن للأسف: إن الأمر ليس كذلك، وجل موارد الحركة تأتي في الوقت الحاضر
كما هو ملحوظ من توظيف بعض أفرادها في طلب التبرعات وجمعها، وهذا مورد
مهم ولاشك، ولكنه ليس مورداً ثابتاً ومستقرّاً، بل هو مرتبط بمدى شعبية الحركة
ودعاتها واقتناع الناس بهم، وهذا الأمر مرتبط بعوامل كثيرة ليس هذا موضع
الحديث عنها، بحيث تزيد في الموارد تارة وتنقصها أخرى، مما يعني إمكانية
تعريض الدعوة ومشاريعها للخطر وربط استمرارية تلك المشاريع برحمة المتبرعين، ... ولو سلمنا جدلاً بثبات هذا المصدر واستمراره، فإنه ليس بمورد كاف بالتأكيد
والواقع خير شاهد مما يحتم على قيادة الحركة إعطاء هذا الجانب ما يستحقه من
تفكير واهتمام.
وهذه الإشكالية ليست خاصة باليمن، ولكنها مع الأسف الشديد عامة في أكثر
دول العالم الإسلامي، وعند مختلف فصائل العمل الدعوي، والذي نأمله من
الحركة الإسلامية في اليمن أن تعمل على الوصول إلى النضج الاقتصادي
والاستثماري بمثل سعيها إلى الوصول إلى النضج السياسي، وهما قرينان يدعم
أحدهما الآخر.
ملحوظات دعوية وتربوية متفرقة:
لكي لا يتشعب الحديث ولا أخرج عما يناسب مجلتنا الغراء [البيان] سأوجز
بعض المآخذ الدعوية والملحوظات التربوية على الحركة في النقاط التالية:
١- ضعف العلم الشرعي:
ضعف العلم الشرعي داخل صفوف الحركة أمر تجاوز حد الظاهرة إلى
المشكلة، ويبدو أن انشغال الحركة بالعمل السياسي وغلبة خطاب علمائها ودعاتها
في هذا الموضوع وما يخدمه في أغلب الملتقيات وخطب الجمعة قد ساعد على
الوصول إلى تلك النتيجة، هذا بالإضافة إلى ضعف التوجيه لشباب الحركة إلى
طلب العلم الشرعي، والقلة النسبية في أعداد طلبة العلم، وعدم قيام الموجود منهم
بدوره، والانفصام بين قيادة الحركة وبعض الإسلاميين الآخرين غير التابعين لها،
الذين يوجد لديهم علم شرعي لابأس به، مما جعل كل تلك الأسباب وغيرها
تتضافر للوصول بالحال إلى ما وصل إليه، وليس المراد بالطبع أن يكون جميع
شباب الحركة في مستوى رفيع من العلم الشرعي، ولكن المراد: أن تتوجه قيادة
الحركة الإسلامية في اليمن إلى العمل على إيجاد الحد الأدنى من العلم الشرعي الذي
لايعذر المسلم بالجهل به لدى أولئك الشباب، بالإضافة إلى السعي إلى إيجاد طبقة
من الشباب متفقهة في أمور دينها تتولى زمام تعليم بقية شباب الحركة الحد الأدنى
من العلم الشرعي وتكون متفرغة لذلك.
صحيح أن الحركة قد أنشأت مئات المعاهد العلمية، ومدارس تحفيظ القرآن،
وكلية القرآن الكريم، وجامعة الإيمان، وهي ساعية عن طريق تلك المعاهد
والكليات لأداء نوع من الواجب في معالجة ضعف العلم الشرعي لكنها مع حداثة
إنشاء الكلية والجامعة من وجهة نظري غير كافية بسب اقتصارها على فئة محدودة
من أبناء الحركة، ولابد من توجه علماء الحركة وطلبة العلم الشرعي في كافة
أنحاء البلاد إلى المساجد بكثافة، لإقامة الدروس العلمية والمحاضرات الشرعية
لأبناء الحركة وعامة الأمة، وأن يتم التركيز على إقامة تلك الدروس والمحاضرات، وبكثافة أيضاً في جميع المحاضن التربوية وبخاصة في هذه الفترة التي لا توجد
فيها أمور تشغل كافة كوادر وأنصار الحركة كالانتخابات وغيرها.
٢- ظاهرة ضعف الالتزام بالأحكام الشرعية داخل صفوف الحركة:
من الأمور المحزنة الموجودة داخل صفوف بعض قيادة الحركة وشبابها:
ظاهرة ضعف الالتزام بالأحكام الشرعية وعدم أخذ الإسلام بقوة، وذلك بسبب عدم
الاعتناء بترك الذنوب الصغير منها والكبير، وسلوك مسلك انتقائي في التحذير من
بعضها، والبعض الآخر بسلوك مسلك التبرير معها، ومن تلك الذنوب: حلق
اللحية، ومصافحة النساء، وشرب الدخان والشيشة، ومضغ القات، ومشاهدة
التلفاز بما فيه من مخالفات شرعية، والتخلف عن صلاة الجماعة، وضعف الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء الاختلاط بالعامة ... إلخ.
وليس المراد بالطبع الحديث عن معاصٍ بعينها، وإنما المراد الحديث عن
نفسية معينة في الاتباع لنصوص الشريعة، والتنبيه إلى أهمية تربية الشباب على
ضرورة التسليم والانقياد الخالص لكتاب الله (تعالى) وسنة نبيه -صلى الله عليه
وسلم- بحيث يصبح الحال متى سمع شاب من شباب الحركة أمراً لله (تعالى) أو
الرسول ﷺ فعلاً أو تركاً هو المبادرة إلى تنفيذ الأمر سواء
أكان ذلك على سبيل الوجوب أو الندب أو الحرمة أو الكراهية، فإن لم يفعل شعر
في نفسه بحزن وتأنيب ضمير على وقوعه في ذلك، أي: أن نربي الشباب على
تحقيق محبوب الله (تعالى) وتعظيمه بدلاً من أن نجعلهم ينظرون إلى ذات الفعل،
فإن كان مندوباً فكأنه لاداعي لفعله، وإن كان مكروهاً فكأنه لاداعي لتركه،
بالإضافة إلى الضرب على وتر: هذا مختلف في حله أو حرمته أو وجوبه أو ندبه، وكأن الاختلاف فيه بين أهل العلم مسوغ للعبد أن يختار من أقوالهم ما شاء،
وسلوك مسلك التبرير لترك واجب أو فعل محرم من قبل إخوان الفاعل لذلك، بدلاً
من المبادرة إلى نصحه وتنبيهه.
إن وجود هذه الظاهرة داخل أوساط الحركة يوجب على علمائها وطلبة العلم
الشرعي فيها تدارسها والخروج بحلول عملية لتجاوزها قبل أن تنتشر وتستشري
فيتم الندم ولكن بعد فوات الأوان ولله در رسول الله ﷺ الذي
حذرنا من تلك الظاهرة؛ فقال فيما رواه سهل بن سعد في مسند الإمام أحمد وغيره
بسند صحيح: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا
بطن واد فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن
محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه.
٣- ظاهرة تربية الفرد من أجل المجموع:
يجد المتابع ظاهرة تربية الفرد من أجل المجموع جلية في أوساط الحركة حين
يلاحظ الجوانب الإيمانية (الروحية) والعلمية لدى شباب الحركة ويقارنها بالحرص
على العمل الدعوي، ولقد سمعت محاضرة لأحد مشاهير الدعوة الإسلامية
والمنضوين تحت لواء الحركة، وطرح فيها السؤال التالي: لماذا خلقنا؟ ، وكان
جوابه: لدعوة الناس إلى الإسلام! ! ! وأنا لا أنكر أهمية الروح الجماعية
وضرورتها، لكن هذا جانب، وهناك جانب آخر أهم وهو الاعتناء بالفرد عقديّاً
وسلوكيّاً، لأن مدار النجاة يوم القيامة على ذلك كما لايخفى، ولعل اتساع قواعد
الحركة، وانشغالها في المرحلة الماضية بالخطاب السياسي لضرورات آنية أدى
إلى التقصير في بعض الجوانب التربوية، فإذا عذرت الحركة نسبيّاً في السابق
فينبغي أن تتنبه في هذه المرحلة المستقرة نسبيّاً، وتسعى إلى جعل التربية بجوانبها
المختلفة من أولى الأولويات التي يجب الاعتناء بها والتركيز عليها.
ومن البدهي أن العناصر الكريمة والمعادن الثمينة التي تربت ونضجت واتقت
الله هي الذخر الحقيقي للعمل الإسلامي، وهي الجذور القوية التي
ترسخ من عمق الحركة وثباتها.
كما عليها أن تحرص مستقبلاً على أن تسير برامجها التربوية وفق جداول
مرسومة لا تتأثر بالأحداث الجارية وما يصنعه أعداء الصحوة من قضايا وأحداث
لإشغال الحركة بها، ولفت أنظار كوادرها وتفريع جهودهم وطاقاتهم فيها وألا يكون
الأمر جارياً على التعايش مع الأحداث الواقعة لا غير، بل ينبغي أن يبقى تنفيذ
البرامج التربوية وفق الجداول الزمنية المرسومة لها على أن يكون في البرامج
المطروحة مرونة نسبية مع ما يستجد من أحداث؛ حتى لا تضطر الحركة نتيجة
أمور طارئة إلى تعليق برامجها وعدم تطبيقها.
٤- ظاهرة وجود دعاة غير مؤهلين للدعوة:
يبدو أن الانتشار الأفقي الكبير للدعوة أجبر المسؤولين عن الحركة على
الاستفادة من كل من ينتسب إليها وإن لم يكن أهلاً لذلك وهذه ظاهرة ذات شقين:
شق إيجابي: سبق الحديث عنه، حيث يتم توظيف مختلف الطاقات والاستفادة من
كل الإمكانات، بشرط أن يكون ذلك بحدود معينة، وبدوائر محددة، وتحت متابعة
وإدارة واعية لا تعتني بالكم فقط على حساب الكيف.
وشق سلبي: حينما يقدم أولئك إلى ما لا يحسنون، ويعملون فيما لا يتقنون،
وتزداد الخطورة حينما يؤدي ذلك إلى ترقي هؤلاء في سلم القيادة حتى نفاجأ في يوم
من الأيام بقيادات هشة هزيلة لا تملك مؤهلات الدعوة والقيادة.
٥- ظاهرة ضعف التربية الرأسية لشباب الحركة:
من الظواهر الخطيرة في مسيرة الحركة ضعف التربية الرأسية لكوادرها
وعدم وجود متابعة كافية للفرد خلال تلقيه العمل التربوي، فمثلاً: نحن لا نعلم عن
هذا الفرد المستمر معنا خمس سنوات ما البرامج العلمية التي أخذها، ولا جوانب
الضعف لديه في النواحي الإيمانية وغيرها، ولا الوسائل التي عولجت بها بعض
نقاط ضعفه في مراحل سابقة، ولا البرامج العلمية والإيمانية والدعوية المفترض
أخذه لها في المستقبل، كما أننا لا نملك تقويماً لمدى استفادته من البرامج التي
شارك فيها.
والتسليم بذلك من قِبَل قيادة الحركة يعني أن دعوتها متجهة اتجاهاً جماهيريّاً
فقط، وأنه من الممكن اختراقها بسهولة من بعض من لاخلاق لهم وما أكثرهم
وبخاصة إذا أجاد أحدهم فن تبني بعض القضايا التي هي محل اهتمام كبير لدى
الحركة كالانتخابات وغيرها من القضايا التي يوالي عليها بعض الناس ويعادي.
والمفترض وجود حد أدنى من المميزات والخصائص لمن يتربى من الشباب
في المحاضن التربوية للحركة كالمعاهد العلمية والمراكز الصيفية والمخيمات
وغيرها، بحيث تصبح لدى الشاب من المسلّمات التي لابد من تحصيله لها حتى
يستمر مع إخوانه، وبالتالي: لايحتاج المربي إلى صرف جهد ووقت لغرسها في
نفوس من حوله، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: تضمن الحركة بذلك وجود حد
أدنى من الالتزام لدى شبابها يتميزون به عن من لم يتربّ من الأشخاص في
صفوفها، ومن الممكن أن تكون تلك الخصائص والمميزات: أداء الفرائض،
واجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، والحرص على إتيان المستحبات
وترك المكروهات، وحفظ شيء من القرآن الكريم، والمحافظة على صلاة الجماعة
وأداء السنن الرواتب، والمحافظة على الأذكار المأثورة، وترك مضغ القات،
وبعض الظواهر الاجتماعية المخالفة للشرع ... ونحو ذلك.
وقبل أن أنهي الحديث حول هذه الظاهرة أشير إلى أن الضعف فيها بل وفي
الناحية التربوية عموماً ليس خاصّاً بالحركة اليمنية، بل هو عام في مختلف
الحركات والاتجاهات الدعوية في العالم الإسلامي، وينبغي للأخوة اليمنيين كما
ينبغي لغيرهم الاستفادة من أخطاء وتجارب الآخرين.
٦- ظاهرة تربية الشباب على الاكتفاء بالولاء للحركة ورموزها:
من الظواهر المحزنة والموجودة ظاهرة تربية كثير من شباب الحركة على
الولاء للجماعة ورموزها لا على القيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام، وإذا أراد
شخص أن يعرف مصداقية هذا القول فعليه أن ينظر: كم من الأخيار ليس له
نصيب من الولاء في نفوس الكثير من شباب الحركة، وذلك بسبب عدم انضمامهم
للحركة، أوبسبب قيامهم بنقد بعض مواقفها، وكم عظمة المحبة لأشخاص لا التزام
لديهم في المظهر، وتوجد لديهم الكثير من المعاصي الظاهرة سواء في المعتقد
والفكر أو الممارسة والسلوك، وكل ما عملوه هو إظهار الانتماء للحركة والتأييد لها
في مواقفها وممارساتها.
كما عليه أن ينظر إلى روح التبرير القوية جدّاً لأخطاء وممارسات المنتمين
للحركة وبالأخص قيادتها من كثير من كوادرها، وحين تنقطع الحجة تأتيك القاعدة
المحكمة: هم أعلم وأفهم! ! .
ولكن روح التبرير تنقلب إلى روح لتجريح الأشخاص غير المنتمين للحركة،
وحينما تحاور أحدهم وتذكر له حسنة تُفْرِح عند أحد أولئك، يذكر لك سيئة تُحْزِن،
وكأن كل شغله الشاغل هو إثبات الخطأ للمتحدث عنه، ونسبة النقص إليه لا غير،
مهما علت رتبته وبلغ فضله.. نسأل الله (تعالى) للجميع السلامة والعافية.
٧- الحساسية الشديدة من النقد:
توجد لدى بعض قيادات الحركة وكثير من كوادرها حساسية كبيرة من النقد
تجعلهم يقفون موقفاً معادياً من كل من ينبه الحركة إلى أخطاء أو منكرات وقعت
فيها، وقد جر ذلك إلى تربية شباب الحركة على التبرير للأعمال المطروحة من
قِبَل قيادة الحركة وعدم نقدها، ونتج عنه: عدم تربية الحركة لوجوه قيادية شابة
مبتكرة، بل لنسخ مكررة من المربين، ولكن ليس بنفس الجودة بل بمستوى أقل،
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: عدم نضج الأفكار المطروحة داخل الحركة بنار
النقد، وصقلها بمطرقة النصح، وكان من نتائج تلك الحساسية والغياب الملحوظ
للنقد الذاتي داخل الحركة: المبالغة والتهويل في الحديث عن الآخرين ذمّاً أو مدحاً، وتضخيم الإنجازات والاعتزاز الكبير بها، وليست الإشكالية في اعتزاز الحركة
بفعلها الصواب وحديثها عن ذلك، فذاك حق لها (وأما بنعمة ربك فحدث) ، لكن
الخطر: هو أن يتحول ذلك الاعتزاز إلى عُجْبٍ وغرور يعمي ويصم، وقد قال
بعض السلف: إنما الهلاك في اثنين: العجب والقنوط..، ولست أدري لماذا
نخاف من النقد إذا كان لدينا نكران للذات وحرص على الوصول للأفضل؟ .
وأخيراً: فنصيحة من محب؛ فإني أرى أن الواجب على الحركة الإسلامية
في اليمن أن تسعى إلى امتلاك نظرة مستقرة لتغيير المنكرات المتواجدة في الساحة
اليمنية بحيث تسير كافة جوانب العمل الإسلامي على وفقها ومن أجل خدمتها، بل
وعليها أن تُضَمّن في خدمة تلك النظرة جهود الإخوة الدعاة العاملين في الساحة من
خارجها، وأن تعمل على توظيف ما يقومون به لخدمتها، كما عليها أن تحذر من
القيادة العلمانية في الساحة اليمنية وتدرك ألاعيبهم بشكل أعمق، وتحذر من الدخول
في الشراك السياسية التي يقيمونها للحركة، وأن تعلم بأنهم ما وافقوا على دخولها
للحكومة في هذه المرحلة إلا لحاجتهم الماسة إليها، وإلى قادتها وجماهيرها، وأن
الظروف متى تحسنت بالنسبة لهم فإنهم قد يقلبون ظهر المجن للحركة في أي لحظة
كما قلبوه في السابق والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وبخاصة في ظل الحملة
الدولية المنظمة عالميّاً وعربيّاً على ما يسمى بالحركات الأصولية لمنعها من تجاوز
ما يضعونه من دوائر حمراء، سواء أكان عن طريق العمل السياسي أو غيره.
أعزائي القراء: كانت تلك بعض الإيجابيات التي لدى الحركة الإسلامية في
اليمن، والتي أدعو العاملين في الساحة الإسلامية إلى الاستفادة منها، وهذه بعض
السلبيات التي أدعو الحركة الإسلامية في اليمن والمنضوية تحت راية التجمع
اليمني للإصلاح إلى النظر والتأمل فيها بروية وإحسان ظن، خاصة أنها كتبت
بمداد الحب وبدافع النصح وإرادة الخير، على أن ما فيها من صواب هو من الله
(تعالى) وحده، وما فيها من خطأ فهو من نفسي الأمارة بالسوء ومن الشيطان،
وأستغفر الله، والله ولي التوفيق والسداد؛ قال الله (تعالى) : [إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ
مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ] .
стр. 1995
المسلمون والعالم
الأصولية الغربية.. المنشأ والواقع والمستقبل
(١)
بقلم:ياسر قارئ
تمهيد:
كثرت في الآونة الأخيرة الكتابات والتصريحات حول الأصولية الإسلامية
والتنديد بخطرها حتى أصبحت قرباناً يَقْدُمُ الحجاج إلى عواصم الدول الغربية
المتسلطة، وعربوناً للمزيد من الصفقات المالية والعسكرية. وخشية من ضياع
الحقيقة وسط ضجيج الباطل أقدمت على كتابة هذا الموضوع، لنستكشف سويّاً
حقيقة الأصولية المتسترة تحت أخلاق الديمقراطية العلمانية، وفي الوقت نفسه نعي
حجم الدور الذي تلعبه تلك القوة الشريرة في تسيير دفة الأمور في عواصم القرارات، ولعل في هذه المحاولة عبرة وعظة للمنخدعين بسعة صدر الديمقراطية وجاذبيتها
الخلابة ممن صُنعوا على أعين أجنبية في المناطق الثلجية، أيضاً لعله يستفيد منها
إخوة لنا في الدين غفلوا أو جهلوا حقيقة المسرحية الدرامية التي يتم من خلالها
احتكار القرارات الخارجية المتعلقة بالشعوب الإسلامية في ردهات البرلمانات
الغربية، إذ ليست العبرة بتكوين مجموعة عمل مؤثرة تلقي بثقلها الانتخابي على
أصوات النواب؛ ليحصل المسلمون على بعض حقوقهم، وإنما بمعرفة طبيعة
العلاقة الدينية العقدية التي تربط صُنّاع القرار بتلك المنظمات؛ إذ التقوا على موجة
واحدة أصبحت لا تفرق فيها بين الرئيس والقسيس ولا بين النائب والراهب،
يعملون جميعاً لتهيأة الظروف التي نص عليها الكتاب المقدس لاستقبال أمير السلام
المسيح عيسى ابن مريم ﵊ .
وليسهل تناول الموضوع قسمته إلى ثلاث حلقات: أعرض في الأولى منها
الأسس التي قام عليها المذهب البروتستانتي النصراني وصلة ذلك بالمهاجرين
الأوائل إلى العالم الجديد، أما الحلقة الثانية فسيكون الحديث فيها عن المنظمات
الإنجيلية الأصولية التي استمدت منهجها من ذلك المذهب ودورها على المسرح
السياسي، ثم أتطرق في الختام إلى نتائج ذلك الدور من خلال صناديق الاقتراع،
مع تسليط الضوء على مواقف لبعض قادة اليمين الديني في بلاد (العم سام) !
إن الصراع الأزلي بين الحق والباطل هو الذي أدى إلى قيام ما يعرف
بالولايات المتحدة الأمريكية، فالمعروف عندنا ب (الكشوف الجغرافية) كان بمثابة
محاولة للالتفاف حول العالم الإسلامي، ومن ثم سهولة القضاء عليه؛ وذلك لفشل
أوروبا في الغزو المباشر نظراً لوجود الدولة العثمانية التي وقفت ولقرون عديدة سدّاً
حائلاً بين الصليبيين والعالم الإسلامي، فكانت رحلة كريستوفر كولمبوس التي
ادّعى فيها اكتشافه للعالم الجديد، ثم ساهم الصراع الديني بين الكاثوليك
والبروتستانت في الهجرة والاستيطان في الأرض الجديدة التي اغتصبوها من
سكانها الأصليين، وأدى تشاغل بريطانيا العظمى (سابقاً) بالمشاكل القريبة منها (أو
لعله إيثارها التركيز على المناطق الإسلامية) إلى غض الطرف عن الدولة الناشئة
على الضفة الغربية للمحيط الأطلسي؛ هذه العوامل مجتمعة أوجدت القوة العظمى
اليوم، إلا أن الدين ينفرد بدور خاص في إحداث هذا المخاض؛ حيث عبّر إليكس
دي تاكفيل عن ذلك بقوله: إننا يجب ألا ننسى: أن الدين هو الذي أوجد المجتمع
الأمريكي؛ فهو يتدخل في كل عادات المجتمع ومشاعره الوطنية، مما يشكل قوة
فريدة ومتميزة، ولا تزال النصرانية تتمتع بالهيمنة على الرأي العام الأمريكي،
وهذا مسلم به [١] ، لقد وصف دي تاكفيل أمريكا في القرن التاسع عشر تقريباً أثناء
زيارته لها، فيا ترى ما هو هذا الدين الذي أوجد هذه الإمبراطورية؟ وهل لهذا
الدين انعكاسات على صناعة القرار السياسي أم إن أمريكا دولة علمانية؟ .
لكي تتضح الصورة، سوف أستعرض واقع
المهاجرين الأوائل ومعتقداتهم:
منذ القرن السادس عشر الميلادي: أصبح الكتاب المقدس للنصارى يشتمل
على العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل) ، وكان للقس مارتن لوثر الدور
الأكبر في هذا التحول الخطير والمهم، لما له من آثار مستقبلية، ولقد سميت
حركته هذه ومن سار على نهجها فيما بعد ب (البروتستانت) أي: المعترضين الذين
خرجوا على سلطان الكنيسة الكاثوليكية في روما، ويطلق عليه النصارى لقب
المصلح ظناً منهم بأنه قد حسّن أوضاع الكنيسة وصلاتها بالمجتمع، وبغض النظر
عن الأسباب التي دفعت لوثر إلى ذلك فإن المهم في الأمر هو دمج الكتابين وتقبل
النصارى لذلك، وماذاك إلا لأن العهد القديم قد أصبح في ذلك الوقت كتاباً سياسيّاً
يقوم على قاعدة الحق الإلهي في الأرض المقدسة للشعب اليهودي [٢] ، ونتيجة
لذلك الاندماج تسربت إلى العقيدة النصرانية ثلاثة أمور رئيسة هي: أولاً: زعم
اختيار الله لليهود وتفضيلهم على سائر الأمم، ثانياً: ما يدعى بالحق الإلهي لليهود
في الأرض المقدسة في فلسطين، ثالثاً: ربط الإيمان عند النصارى بعودة المسيح
﵊ ثانية بقيام دولة صهيون [٣] .. وعلى هذه الأسس قامت
المنظمات الأصولية أو الإنجيلية النصرانية التي أخذت على عاتقها عبء تطويع
القرارات السياسية الخارجية للولايات المتحدة وتجييرها لصالح إسرائيل -كما
سنرى فيما بعد-.
انبثقت عن هذا الفكر في أوروبا طائفة تسمى البيورتانتس أو المتطهرين،
وقد غالت هذه الفرقة في تعظيم الكتاب المقدس مع إعطاء الأولوية للعهد القديم،
وبالتالي: ساهمت في نشر الثقافة العبرية على المستوى الشعبي، فرضع الإنجليز
النصارى مفهوم الأرض المقدسة التي حارب أجدادهم الصليبيون خلال حملاتهم
المعروفة من أجل السيطرة عليها؛ ليجتمع فيها اليهود فيكون ذلك حسبما يرون
مقدمة لعودة المسيح ﵇ ، فوصلت النهضة العبرية بأفكارها المتداخلة
المؤيدة للصهيونية ذروتها في عهد الثورة البيورتانية في بريطانيا في القرن السابع
عشر [٤] ، وتعدى التطرف النصراني إلى مطالبة مجموعة تطهيرية تدعى لفلرز
الحكومة الإنجليزية بإعلان التوراة (العهد القديم) دستوراً للبلاد [٥] ، وربما لا
يستغرب أمر كهذا خاصة إذا سبقه تمهيد على مستوى المجتمع؛ إذ كانت تقام
الصلاة في الكنائس باللغة العبرية، وكذلك كانت تلاوة الكتاب المقدس بالعبرية بدلاً
من اللغة اللاتينية، وأصبح الأطفال يعمّدون بأسماء عبرية بدلاً من أسماء القديسين
النصارى، وتوجت هذه الهيمنة اليهودية على الدين النصراني بشقه البروتستانتي
بنقل يوم الاحتفال الديني ببعث المسيح (عليه الصلاة السلام) إلى يوم السبت
اليهودي [٦] . وفي سنة ١٨٠٧م تم تأسيس جمعية لندن لتعزيز النصرانية بين
اليهود، ولقد تبنى وزير الخارجية اللورد بالمرستون تسهيل عودة اليهود الغرباء
إلى فلسطين رغم أنه لم يكن من أتباع الحركة الصهيونية، وتابعه في ذلك اللورد
جلادستون ودوق كنت [٧] .. نخلص مما سبق إلى أن حركة الإصلاح الديني في
أوروبا التي نشأت عنها طائفة البروتستانت قد غيرت كثيراً من المواقف السياسية
فضلاً عن الاجتماعية والدينية، على الرغم من أن أوروبا كانت ولا تزال ترفع
شعار العلمانية وتُسَوّقُه لدول العالم وبالذات مستعمراتها السابقة.
من تلك الطائفة البروتستانية التي تُدعى (التطهيرية) جاء جُلّ المهاجرين
الأوائل إلى الولايات المتحدة، فحملوا معهم التقاليد والقناعات التوارتية وتفسيرات
العهد القديم التي انتشرت في أوروبا وإنجلترا بالذات في القرنين السادس عشر
والسابع عشر، فسّموا أنفسهم (أبناء إسرائيل) واحتفلوا بيوم السبت راحة لهم،
وأدخلوا اللغة العبرية إلى جامعة (هارفرد) الشهيرة، وألزموا الطلاب بها، وجعلوا
ترجمة التوراة من العبرية إلى اللاتينية أساساً لاجتياز الدراسة [٨] .
ويقول الرحالة الفرنسي دي تاكفيل في وصفهم: إنهم أحبوا أن يطلق عليهم
وصف الحجاج (أسوة بمن يزور موطن ولادة المسيح ﵊ وطبقوا
القوانين وكأن ولاءهم للرب فقط، فلم يعد هناك ذنب إلا وأقيم عليه الحد (بمفهومهم)
من زنى أو اغتصاب أو علاقة محرمة، بل وصل الأمر بهم إلى القيام بجولات
على المنازل لمعاقبة المتخلفين عن حضور القداس الذي جعلوه فرضاً على الناس
وأنزلوا أشد العقوبة بهم [٩] .
وظنوا أن العالم الجديد هو الأرض الموعودة فسمّوا مدناً كثيرة بأسماء عبرية
قديمة، كما ظنوا أن الهنود الحمر هم القبائل اليهودية العشر المفقودة فحاولوا ردّهم
إلى اليهودية؛ ليعجلوا بالعودة الثانية للمسيح ﵊ ، وقد سمحوا
لليهود ببناء محافلهم الدينية في وقت مبكر جدّاً بعد هجرتهم وقبل السماح للطائفة
الكاثوليكية بذلك [١٠] ، الأمر الذي حدا بأحد الوزراء (رئيس المحكمة العليا فيما
بعد) واسمه روجر تاني إلى القول: إنه لو وصل إلى أمريكا أي شخص يخالف
المستوطنين البيض النصارى لما اعترف بأنه مساوٍ لهم أو مستحق لمشاركتهم في
المزايا التي يمتعون بها، فالأمم الوحيدة المتمدنة على الأرض هي الشعوب
النصرانية البيضاء التي تقطن أوروبا، وأولئك المهاجرين يمكن قبولهم [١١] ،
ومن هذه التركيبة الاجتماعية والعقدية انحدر المؤسسون الأوائل لنظام الحكم
والدستور الأمريكي، فتومس جيفرسون على سبيل المثال (وهو متهم من قبل
بعضهم بعدائه للدين) قد حاول من خلال وضعه للائحة الحرية الدينية سنة ١٧٧٩م
الحفاظ على انتشار النصرانية بفصلها عن الدولة، وعذره في ذلك (أي الفصل) :
هو أن النصرانية ازدهرت خلال السنين الثلاثمئة الأولى دون الحاجة إلى مؤسسة
تدعمها، وعندما تبناها الإمبراطور قسطنطين بدأ صفاؤها في الزوال [١٢] ، ولعل
هذا الموقف لا يبدو غريباً منه وهو الذي صنّف كتاباً عنوانه: (حياة وأخلاق يسوع
الناصري) وذلك في عصور التنوير! وبالرغم من إيمانه ب (إله الطبيعة) (وهو
عكس إله الوحي) إلا أنه أوجب على الحكومة الحث على الدين ورفض (اللادين) ،
بل وأيد رفض المحكمة لشهادة الملحد، وقال: لتكن وصمة عار عليه [١٣] ، وقد
أبدى اهتماماً بالغاً بالدين، وأشعر بأهميته للناس: فجعله بمثابة الدستور لهم
لحاجتهم إلى مصدر فوق البشر يدفعهم لمنح الحقوق الطبيعية للآخرين؛ مثل
الحكومة التي تحتاج إلى دستور لكبح جماحها [١٤] ، أما أغرب ما صدر عنه: هو
اقتراحه بأن يكون شعار الولايات المتحدة على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار
غيمة وفي الليل عمود من النار، بدلاً من النسر أسوة بحال اليهود في فترة
التيه [١٥] ، فلا عجب إذاً في أن ينتخب للرئاسة في سنة ١٨٠٠م، كيف لا وهو يعبر عن آراء وعقائد القطاع الأكبر من الشعب.
أما صنوه في التوجس من الدين جيمس ماديسون: فإنه يؤكد رأي جيفرسون
ويرى أن المؤسسة النظامية سوف تحد من التبشير بالنصرانية، وبالتالي: سوف
تؤذيها ولا تنفعها، وهذا يتطلب فصل الكنيسة عن الدولة [١٦] ، فالدين حسب
وجهة نظره ينتشر في أطهر صوره بدون مساندة الحكومة لا في ظلها، ولهذا: فلم
يعارض ماديسون وجود القساوسة وأماكن الصلاة في الجيش الأمريكي على الرغم
من كونه مؤسسة حكومية، إلا أنه طالب باستقلالهم عن الإدارة العسكرية [١٧] .
وفي دراسة قام بها أحد الباحثين ويدعى جون داسمو بعنوان (النصرانية
والدستور) دحض فكرة إلحاد الآباء المؤسسين للدستور الأمريكي، وبالنظر إلى أهم
ثلاث عشرة شخصية ممن شاركوا في مؤتمر (فيلادلفيا) : فإن ثمانية منهم يمكن
وصفهم بأنهم إنجيليون (أي أصوليون حسب التعبير المعاصر) ، وثلاثة من عامة
النصارى، واثنان موحدان هما جيفرسون، وماديسون إلا أنهما قد تحولا إلى
التعاطف مع النصرانية كما يتضح ذلك في كتاباتهم ومحاضراتهم، ولنا أن نتصور
بعد هذا حال البقية من المشاركين في المؤتمر وتأثرهم بالفكر التطهيري وانعكاس
ذلك على: سياسة الحكومة الداخلية المتعلقة بأتباع هذا الفكر، والخارجية التي
تطالب بتطبيق تعاليم الكتاب المقدس في أرض الواقع خاصة إذا ما تذكرنا ضعف
الخلافة العثمانية البيّن واحتلال الصليبيين لمواقع متقدمة في البلاد الإسلامية،
فأصبحت قضية فلسطين مسألة وقت لا أقل ولا أكثر؛ لأن القرار الشعبي والسياسي
قد اتخذ منذ زمن مبكر جدّاً؛ منذ أن قامت حركة الإصلاح اللوثرية في أوروبا،
وكانت الهجرة إلى أمريكا وقيام ذلك الكيان إرهاصات للتوجه نحو احتلال فلسطين.
لقد قام القس النصراني الأمريكي وليام بلاكستون بتكوين البعثة العبرية من
أجل إسرائيل (لاحظ الصراحة في الأسماء فهي ليست نصرانية أو كنسية) والهدف
منها هو: تسريع عودة اليهود إلى فلسطين، وقد ألّف كتاباً اسمه (المسيح آت)
يربط فيه بين العودتين، ولا تزال هذه البعثة تعمل حتى يومنا هذا ولكن تحت اسم
(الزمالة اليسوعية الأمريكية) ، وظني أن التغيير قد تم بسبب قيام الكيان الصهيوني
من جهة، وكذلك عدم إثارة الشكوك، خاصة وأن بعض المسلمين القلائل قد أخذوا
ينتبهون إلى هذه المنظمات وأدوارها المشبوهة، وتعتبر المنظمة اليوم قلب جهاز
التأثير (اللوبي) الصهيوني في أمريكا.
وشارك المنصّرون الرحالة والحجاج وعلماء الآثار في هذه المهمة، فأيقظوا
مشاعر الأمريكيين العاديين نحو العهد القديم والتاريخ اليهودي ليشجعوا الهجرة إلى
فلسطين وإقامة المستوطنات، وقامت زوجة أحد كبار التجار في (فيلادلفيا) في
سنة ١٨٥٠م بشراء أراضٍ كثيرة في فلسطين، ووهبتها لإقامة مستوطنات يهودية هناك [١٨] ، ولا يملك المرء أمام هذا إلا ترديد قول الشاعر:
ولو كان النساء كمثل هَذِهْ ... لفضلت النساء على الرجال
مع فارق المناسبة والأشخاص بالطبع! إننا لا نستغرب أن تقوم امرأة ثرية
بالتبرع من أجل عقيدتها خاصة إذا كانت تلك هي رغبة الرئيس الأمريكي في ذلك
الوقت؛ فقد صرح جون آدامز لأحد الصحفيين اليهود بأنه يتمنى رؤية أمة يهودية
مرة ثانية في يهودا [١٩] .
كذلك كان للسفراء دور في هذه المهمة الدينية، إذ رفع القنصل الأمريكي في
استانبول يوم كانت حاضرة الخلافة العثمانية مقترحاته إلى وزارة الخارجية التي
تقضي بأن تكون فلسطين وليست أمريكا وطناً لليهود، فما معنى تصريح كهذا
لدبلوماسي يقيم في بلد أو دولة تتبع لها تلك المنطقة؟ .. في عرف السياسة يعتبر
هذا تدخلاً صارخاً في الشؤون الداخلية للدولة، بل والدعوة إلى النيل من سيادتها
الوطنية، وظني كما أشرت سابقاً أن القضية قد حسمت في أذهان الساسة
الأمريكيين منذ زمن بعيد، وأصبح التصريح بالدعوة إليها عن طريق الدبلوماسيين: كالدعوة التي رأيناها إلى استقلال جمهوريات البلطيق عن الاتحاد السوفييتي البائد
أيام حكم جورباتشوف، أما القنصل الأمريكي في القدس: فيبدو أنه حاول تلطيف
الأجواء، فقال في مذكراته: متوقعاً أن موضوع استعادة إسرائيل على الرغم من
عدم شعبيته الآن سيكون مقبولاً في العالم غداً، وهذا الغد هو الذي عبر عنه
الرئيس وورد ولسن قائلاً: إن على ابن راعي الكنيسة (يقصد نفسه) وقد أُعْطِيَ
الفرصة التاريخية لخدمة رغبة الرب بتحقيق البرنامج الصهيوني المساعدة على
إعادة الأرض المقدسة إلى شعبها اليهودي [٢٠] ، فبعد تيقنه من هزيمة العثمانيين
في الحرب العالمية الأولى أكد تأييد بلاده لقرار الدول الحليفة بوضع حجر الأساس
للدولة اليهودية في فلسطين، وأيده مجلس النواب الأمريكي، وبالتالي: صادقت
أمريكا على وعد بلفور، وقد لوحظ من خلال سجلات الكونجرس تشابه مواقف
أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي واستشهاد كثير منهم بالعهد القديم
والنبوءات التوراتية أثناء المداولات [٢١] .
إن تربية الرئيس ولسن الدينية قد أثرت فيه وفي سياسته؛ فقد بعث بمذكرة
إلى الحاخام اليهودي استيفن وايز يشعره فيها باهتمامه البالغ والعميق بالعمل البناء
الذي قامت به (لجنة وايزمان) في فلسطين، وعبر فيها عن ارتياحه للتقدم الذي
تسير عليه الحركة الصهيونية في أمريكا وأوروبا [٢٢] ، كما أن الرئيس إبراهام
ترومان وبسبب دراسته التوراة، مثل سلفه الرئيس إبراهام لنكولن كان يؤمن
بالتبرير التاريخي للوطن القومي لليهود، وأنه كمعمداني (إنجيلي أصولي) يحس
بشيء عميق له مغزاه في فكرة البعث اليهودي، وأن موسى (عليه الصلاة السلام)
هو الذي أتى بالمبدأ الأساس لقانون هذه الأمة من على جبل سيناء [٢٣] ، فالشيء
العميق الذي لم يذكره هو: العودة الثانية للمسيح التي يؤمن بها المعمدانيون
النصارى، التي من شروطها كما بينا: إقامة دولة صهيون كمقدمة للعودة! أما
الغريب في الأمر هو: ما يقصده بالأمة، فهل هي أمريكا؟ أم النصارى عموماً؟
أم اليهود والنصارى؟ إن واقع الحال يدل على أنهم اليهود الذين قدمهم النصارى
على أنفسهم بسبب العقائد المتسربة إليهم من العهد القديم الذي لُقّنوه منذ قرون خلت، ولم يتوقف دعم الساسة الأمريكيين على البوح بالمشاعر الفياضة والدافئة تجاه
إسرائيل وشعبها، بل تعدى ذلك إلى الانخراط في الجماعات التي تؤيد النشاط
الصهيوني في فلسطين والغرب على حد سواء، ومن ذلك: انضمام ثمانية وستين
عضواً من مجلس الشيوخ (مجموع أعضائه: مئة، يمثل كل ولاية فيه نائبان) الذي
من صلاحياته التصديق، بل واقتراح القرارات السياسية الخارجية للدول، ومئتي
عضو من مجلس النواب (مجموع أعضائه قرابة أربعمئة) : إلى اللجنة الفلسطينية
الأمريكية (لاحظ تضليل الاسم) ، التي أسست في الثلاثينيات لتوعية الرأي العام
الأمريكي حول أهداف وإنجازات الصهيونية، وقد ردّ أحد أعضاء هذه اللجنة من
النواب على رسالة الرئيس روزفلت عندما كان متوجهاً إلى (يالطا) لحضور المؤتمر
الشهير هناك قائلاً: إن ناخبيّ ينظرون إليك كأنك موسى [معاذ الله] المعاصر،
وينتظرون منك نتائج تتعلق بدولة اليهود في فلسطين [٢٤] .
وبمرور الأيام وتسارع الأحداث: ازداد نفوذ الأصوليين النصارى في أروقة
الكونجرس والمكتب البيضاوي، وكما سيأتي معنا بإذن الله كيف أن سقوط القدس
في سنة ١٣٨٧هـ ١٩٦٧م واقتراب الألف الثانية من نهايتها قد ضاعفا من جهود
الإنجيليين لدرجة أنهم أصبحوا يتحكمون في الانتخابات الرئاسية والنيابية وبالذات
العقد الأخير - كما سيأتي معنا لاحقاً-، لأن هؤلاء المتطرفين ينطلقون من عقائد
ورثوها عن التطهيريين الأوائل الذين نزلوا الأرض الجديدة، وتشبعوا بمحتويات
التوراة التي أصبحت مصدراً للقرارات السياسية العالمية؛ فانطلقوا بكل إمكاناتهم
ليقيموا الكيان الصهيوني، وقد شاركهم بل سابقهم في ذلك الرؤساء والنواب
الأمريكيون، ليس بدافع الحاجة إلى المال اليهودي لتمويل الانتخابات كما يظن،
فهذه ظاهرة متأخرة في النصف الثاني من القرن العشرين، وإنما إنطلاقاً من عقيدة
راسخة درسوها صغاراً وحاولوا فرضها على الواقع من مراكز نفوذهم كباراً، ولا
يستثنى من ذلك أحد حتى واضعو الدستور الأمريكي الذي يفترض فيه وجود الأثر
العلماني، إلا أنه كما بينا أن الدستور نفسه قد وضع بطريقة تضمن انتشار
النصرانية أو البروتستانية بالذات التي صاغت توجهات الساسة، ولا تزال حتى
عصرنا هذا، لدرجة وجود مراكز أبحاث في أمريكا مهمتها دراسة أثر (اليمين
الديني) ومنظماته على السياسة الأمريكية [*] .
стр. 1996
في دائرة الضوء
نحو بناء إسلامي لمصطلح الأقلية
بقلم:كمال السعيد حبيب
يثير مصطلح الأقلية في بعده الأساس: الموقف من الآخر الذي يشاركك
العيش في مجتمعك، أي: ما هو الموقف الأخلاقي والقانوني والحضاري الذي تقفه
الأغلبية من الآخر.
النموذج الإسلامي وغير الإسلامي في التعامل مع الآخر:
هناك نموذجان لكيفية التعامل مع المخالفين: أحدهما: النموذج الإسلامي الذي
يستمد مصادره من الكتاب والسنة وتطبيقات الخبرة الإسلامية في الفترتين النبوية
والراشدة، وثانيهما: النموذج غير الإسلامي سواء أكان وضعيّاً مصدره العقل
البشري أو دينيّاً مصدره أصول محرّفة اختلط فيها الوضع والتحريف بأثارة قليلة
من الدين الصحيح.
في النموذج الإسلامي: نلحظ أن قبول الآخر، والحفاظ عليه، وترتيب
أوضاعه الحقوقية والإنسانية: هو جزء أساس من صُلب النموذج، فلا يوجد كتاب
فقه لم تنتظم أبوابه وفصوله الإشارة إلى قواعد تنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغير
المسلمين، سواء أكانوا أهل ذِمّة يربطهم بالدولة عقد مؤبد، أو كانوا كفاراً حربيين، أو مستأمنين، وقد وضع المسلمون لذلك علماً خاصّاً أسموه عِلم السِّيَر [١] ، وهذا
العلم يجعل علاقة الدولة الإسلامية بمخالفيها في العقيدة حتى لو كانوا حربيين كفاراً
جزءاً من القانون الداخلي للدولة، يحق لمخالفيها مقاضاتها لو خالفته؛ ففي الكامل
لابن الأثير واقعة بالغة الدلالة، تبين إلى أي مدى بلغ رُقي وعظمة السلوك
الإسلامي في التعامل مع المخالفين حتى لو كانوا أعداءً.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن أبي السري واليه على سمرقند:
اعمل خانات في بلادك؛ فمن مَر بك من المسلمين فأقروه يوماً وليلة وتعهدوا دوابّهم، ومن كانت به عِلة فأقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعاً فأبلغه بلده، فلما أتاه
كتاب عمر، قال له أهل سمرقند: قتيبة ظلمنا وغدر بنا؛ فأخذ بلادنا، وقد أظهر
الله العدل والإنصاف، فَاًذن لنا فليقدم منّا وفد على أمير المؤمنين، فأذن لهم،
فوجهوا وفداً إلى عمر، فكتب لهم عمر: إلى سليمان: إن أهل سمرقند شكوا ظلماً
وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي هذا: فأجلس
لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم، كما
كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة، فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي،
فقضى أن يخرج العرب من سمرقند إلى معسكرهم، وينابذهم على سواء، فيكون
صُلحاً جديداً أو ظفر عنوة، فقال أهل الصفد: بلى نرضى بما كان ولا تحدث
حرباً، وتراضوا بذلك [٢] .
هذه الواقعة تؤكد أخلاقية الدولة الإسلامية في التعامل مع المخالفين - حتى لو
كانوا أعداءً- وهو ما يعرف بوحدة القيم في الإسلام، أي: إن الحضارة الإسلامية
لم تعرف الازدواجية في سلوكها؛ فهي تعامل الخصم بالقواعد نفسها، وهذه القواعد
ليست على سبيل التطوع، ولا على سبيل التبادل، بل لها طابع إلزامي حتى ولو
لم يلتزم بها الطرف الآخر، فقد نقض الروم عهدهم مع المسلمين زمن معاوية
﵁ وفي يده رهائن منهم، فامتنع المسلمون جميعاً عن قتلهم، وخلوا
سبيلهم، وقالوا: وفاءٌ بغدر خير من غدر بغدر [٣] .
وفي النماذج غير الإسلامية: نجد الحضارة الإغريقية في قمة ارتقائها، لم
تكن تطبق نظمها الحقوقية والدولية إلا على رعاياها اليونانيين؛ حيث يشترك
السكان في اللسان والدين والتقاليد والعادات (النموذج الغربي المعاصر في تطبيقه
القومي) ، ولم تكن تلك النظم تطبق على من يطلقون عليهم: البرابرة (كل ما عدا
الإغريق) ، وقال أرسطو: إن الفطرة هي التي أرادت أن يكون البرابرة لليونان
عبيداً، فليتصرف القائد اليوناني في كل بربري بما يشاء. واليهود: قالوا: ليس
علينا في الأميين سبيل، واعتبروا الآخرين خدماً لهم، باعتبار أن اليهود في
زعمهم شعب الله المختار. والهنود: قسموا الناس إلى أربع طبقات البراهمة: وهم
أهل الدين، والكشترية: وهم أهل السيف، والريشة: وهم أهل الحِرَف والتجارة،
والشودرة: وهم الخدم، وهذا التقسيم طبقي موروث، لا يمكن لاحد أن ينعتق منه، وينظر الهنود لطبقة الخدم على أنهم طبقة الأنجاس، وهم لا يعرفون لأحد من
الأجانب حقّاً في حال السلم أو حال الحرب.
والرومان في أوج مدنيتهم قالوا: ما في الأرض إلا أقوام ثلاثة: الرومان،
والمعاهدون، وسائر العالمين، وكانوا يطلقون على الأجنبي (HOStes) أي: العدو المبين، أما المتنصرة الغربيون المتأثرون بالإغريق والرومان: فإنهم رأوا الآخرين برابرة لا تلزمهم أية قواعد قانونية أو أخلاقية، حتى قال هوكو خروتيوس (ت ١٦٤٥م ١٠٥٠هـ) وهو أبو القانون الدولي الحديث: إن المسيحيين في عصرنا يقدمون في حروبهم على أعمال تستحي منها الوحوش أنفسها، وقال البابا أربانوس السادس: إن الغدر إثم، ولكن الوفاء مع المسلمين أكبرُ إثماً، ويذكر آدم ميتز: أن الكنيسة الرسمية في الدولة الرومانية ذهبت في معاداتها للمسيحيين الذين يخالفون رجالها في الفكر أبعد مما ذهب إليه الإسلام بالنسبة لأهل الذمة. ولوقوع التشاجر والتخاصم بين المذاهب النصرانية المتعددة؛ فإن حاكم أنطاكية المسلم في القرن الثالث الهجري عين رجلاً نصرانيّاً يتقاضى ثلاثين ديناراً في الشهر، كان عمله منع المتخاصمين من قتل بعضهم بعضاً [٤] . ...
ولما ظهر المذهب البروتستانتي في أوروبا في القرن السادس عشر، قاومته
الكنيسة الكاثوليكية بكل قوتها، وعرف تاريخ الاضطهاد النصراني المذهبي مذابح
بشرية رهيبة؛ أهمها مذبحة باريس عام ١٥٧٢م، التي استضاف فيها الكاثوليك
البروتستانت لديهم، لتقريب وجهات النظر بينهم، لكنهم قتلوهم ليلاً وهم نيام، فلما
طلع الصبح على باريس وكانت شوارعها تجري بدماء الضحايا؛ هنّأ البابا
الكاثوليكي ملكَ فرنسا شارل التاسع الذي وقعت المذبحة في عهده [٥] .
وفي إطار الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا: نظم المجلس
النيابي لباريس لجنة خاصة عام ١٥٤٩م لقمع الخروج على الرأي، وإرسال
المدانين إلى المحرقة، وأطلق على المحكمة الجديدة اسم (الغرفة المتأججة) ،
وقضى مرسوم شاتو بريان عام ١٥٥١م: بأن طبع أو بيع أو حيازة كتب الهرطقة
يعد جريمة عظمى، وأن الإعدام هو عقاب الإصرار على الآراء البروتستانتية،
وخلال ثلاث سنوات أُرسل ستون بروتستانتيّاً إلى الغرفة المتأججة؛ حيث ماتوا
حرقاً.
وعن كراهية النصارى لليهود يذكر وول ديورانت: كانت نيران الحقد
تضطرم في قلوب المسيحيين، وكان بنو إسرائيل في تلك الأيام يحبسون أنفسهم في
أحيائهم وبيوتهم خشية أن تثور عواطف السذج من الناس؛ فتؤدي إلى مذابح.
ولما خرجت الحملة الصليبية الأولى، أعلن قائدها أنه سيثأر لدم المسيح من
اليهود، ولن يترك واحداً منهم حيّاً، وأنه لابد من قتل يهود أوروبا قبل الخروج
لقتال الأتراك في أورشليم [٦] .
مصطلح الأقلية في العلوم الاجتماعية:
لأن المصطلحات انعكاس للحضارات التي أفرزتها، فإن النموذج الغربي
المعاصر الذي يُعد استمراراً للتقاليد الصليبية ولكن في صيغة علمانية هو الذي أنتج
مصطلح الأقلية (Minority) ، وترتبط بهذا المصطلح في الدراسات الاجتماعية
الغربية قضايا تعكس الطابع العنصري، مثل: التحامل (Pregadce) وما يرتبط
به من معاملات أخرى مثل: القلق (Anxiety) ، والجمود (Rigidity) ، وسوء
الحكم (Misgudgment) ، والتعصب (Fanatism) ، والاضطهاد وعدم
التسامح، وأيضاً: الصراع وما يرتبط به من عنف، وتوتر، وتفرقة
(Descrimination) ، وعدوان، ثم هناك مفهوم الاضطهاد أو التمييز العنصري
(Segregation) [٧] ، وهذه القضايا التي يثيرها الفكر السياسي والاجتماعي الغربي حين دراسته لقضية الأقليات تؤكد على أنه رغم دعاوى التسامح والمساواة وحقوق الإنسان؛ فإن العلاقة بين الأغلبية والأقلية تتضمن تفاعلات ذات طابع لا يقبل الآخر إلا مكرهاً أو في وضع أدنى؛ حيث: يتعرض للتحامل والتمييز والاضطهاد والعدوان والتفرقة، ولنتابع بعض تعريفات الأقلية في الفكر الغربي:
الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية تعرّف الأقلية بأنها: جماعة من الأفراد
يختلفون عن الآخرين في المجتمع نفسه بسبب: العرق، أو القومية، أو اللغة، أو
الدين، وهم يتصورون أنفسهم كجماعة ذات مضامين سلبية، وهم يعانون من نقص
نسبي في القوة، ومن ثم: يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة
التميزية المختلفة.
والموسوعة الاجتماعية الأمريكية تعرف الأقليات بأنها: جماعة داخل
المجتمع لها وضع اجتماعي أقل، وتمتلك قدراً أقل من القوة والنفوذ، وتمارس
عدداً أقل من الحقوق مقارنة بالجماعة المسيطرة في المجتمع وهي عادة ما تعزل،
وتخضع للاضطهاد في المواقف والسلوك بسبب اختلافات (فعلية أو مفترضة) :
طبيعية، أو ثقافية، أو اجتماعية؛ باختصار: فإن أفراد الأقليات غالباً ما يحرمون
من الاستمتاع الكافي بامتيازات مُواطن الدرجة الأولى [٨] .
وهذه التعريفات تجعل من الأقلية موضوعاً غير فاعل؛ أي: إن الأغلبية هي
التي تحدد وضع الأقلية في المجتمع، وتجعلها دائماً في مكانة المستلب أو المضطهد، ولذا: فقد عمد بعضهم إلى طرح مفهوم للأقلية يجعلها طرفاً فاعلاً في مجتمعها،
بحيث تمكنها من ممارسة تكتيكات دفاعية متمايزة عن الأغلبية إذا لم تحصل على
حقوقها بشكل متساوٍ مع الأغلبية، كما اتجه البعض للبحث عن مصطلحات بديلة
لمفهوم الأقلية لاستبطانه دلالات عنصرية، ويمكن افتراض أن الاتجاهين في
تعريف الأقلية يعبران عن استراتيجيتين غربيتين في التعامل مع الأقلية:
أحدهما: تعرف ببوتقة الصهر (Melting - Pot) التي تحاول امتصاص
الأقلية واستيعابها في الأغلبية: بحيث يصبح المجتمع موحداً في صيغة متماثلة
بدعوى تحقيق التكامل (Integesation) .
ثانيهما: تعترف بالتعدد، لكنها تضع حدوداً قصوى ودنيا يجب أن يمارس
التنوع في إطارها، بحيث لا يؤدي إلى تفجير المجتمع من الداخل. ومارست
الدولة القومية المعاصرة الاستراتيجية الأولى، التي تؤكد الطابع المهيمن والمركزي
للحضارة الغربية في علاقتها بالآخر، لكنه ثبت فشل هذه الاستراتيجية؛ لأنه لا
يمكن إلغاء الولاءات والانتماءات الأولية للجماعات الأخرى المكونة للمجتمع.
المصطلحات التي استخدمتها الحضارة الإسلامية:
لم تعرف الحضارة الإسلامية مصطلح الأقلية طوال تاريخها للتعبير عن غير
المسلمين الذين يقيمون داخلها، وإنما عُرف هذا المصطلح لأول مرة في إطار
صراع الدولة العثمانية مع القوى الأوروبية للإجهاز عليها فيما أطلق عليه المسألة
الشرقية، وذلك باستخدام القوى الغربية للأقليات التي تعيش داخل الدولة العثمانية:
كمخلب قط لتفتيتها بدعوى حماية هذه الأقليات والحفاظ عليها.
فمصطلح الأقلية ظهر في العالم الإسلامي مرتبطاً بقوى خارجية تسعى لإثارة
القلاقل وعدم الاستقرار داخل المجتمع المسلم، أما المسلمون: فقد استخدموا
مصطلح الملة للتعبير عن الفئة غير المسلمة التي تعيش بينهم، وبينما كان نظام
الملة العثماني المستمد من الخبرة الإسلامية للدولة النبوية يقيم العلاقات بين
المسلمين وغير المسلمين على قاعدة التسامح والاعتراف بالتنوع في إطار الوحدة
وتحقيق العدل والحماية؛ فإن مصطلح الأقلية ارتبط بالتدخل الغربي وارتباط فئات
داخلية من المجتمع الإسلامي به، وبالتالي: تأكيد تمايزها عن المجموع والغالبية،
لتحقيق مآرب سياسية وتأسيس الطائفية.
المصطلحات التي استخدمتها الحضارة الإسلامية للتعبير عن الآخر (غير
المسلم) الذي يشارك المسلمين أوطانهم تؤكد مشروعيته.
وأهم هذه المصطلحات:
أهل الذمة: وهم المعاهدون من اليهود والنصارى وغيرهم ممن يقيمون في
دار الإسلام على سبيل التأبيد، حيث يربطهم بالدولة الإسلامية عقد يكفل لهم الأمان
والحماية والحرمة، ويصبحون من أهل دار الإسلام شرط أن يبذلوا الجزية
ويلتزموا أحكام الملة.
أهل الملة: وهي الصيغة العثمانية لترتيب أوضاع غير المسلمين فيها، على
أساس منحهم حق إدارة شؤونهم الخاصة والعامة تحت إشراف الدولة وعن طريق
رؤسائهم.
وهذه المصطلحات تجعل الدين فقط معيار التمييز بين المسلمين وغير
المسلمين، ولا تقيم للعِرق أو اللغة أو القومية أي أثر في ترتيب أوضاع البشر
داخل مجتمعاتهم [٩] .
نحو بناء إسلامي لمصطلح الأقلية:
تضمنت مفردات اللغة كلمة الأقلية كتعبير عن الجزئية والاستثناء، أو مباينة
الكثرة أو الغالب، وتشير معاجم اللغة إلى مادة قَلَلَ التي اشتقت منها كلمة الأقلية؛
فقد جاء في لسان العرب: قلل القلة خلاف الكثرة ... وفي حديث ابن مسعود:
الربا وإن كثر فهو إلى قِل معناه: قِلة ... ويقول: قدم علينا قُلُلٌ من الناس إذا كانوا
من قبائل شتى متفرقين، وقلة كل شيء رأسه، والقلة أعلى الجبل، وقلة كل شيء
أعلاه.
ويشير معجم القرآن الكريم إلى أن الكلمة في القرآن تشير إلى النقص، كما
في قوله (تعالى) : [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ] [البقرة: ٢٤٩]
وقوله (تعالى) عن فرعون: [إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ] [الشعراء: ٥٤]
وبالتأمل في الدلالة اللغوية التي اشتقت منها كلمة أقلية نلاحظ:
أولاً: استخدمت للتعبير عن دلالة كمية تقابل الأكثر [وَاذْكُرُوا إذْ كُنتُمْ قَلِيلاً
فَكَثَّرَكُمْ] [الأعراف: ٨٦] .
ثانياً: استخدمت للتعبير عن دلالة كيفية لا تجعل العدد معياراً لها؛ كما في
حديث ابن مسعود: الربا وإن كثر فهو قُل، وكما في قول لبيد:
كلّ بَنِي حُرّةٍ مَصِيرُهُمْ.. ... قُلّ وإن أكْثرتْ من العَدَدْ
فالقلة هنا: تعبير عن حالة كيفية العدد المجرد وليست معياراً لها.
ثالثاً: قد تعبّر عن حالة كيفية خالصة؛ كما في تفسير القلة بأعلى الشيء،
وكما في التعبير القرآني [حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً] [الأعراف: ٥٧] أي:
حملت وارتفعت.
رابعاً: تشير الكلمة إلى تجمع الأشتات المتفرقين من أصول عرقية متعددة،
وهو ما يعنيه المصطلح في العلوم الاجتماعية، وهو واضح جدّاً، كما في قوله:
قدم علينا قُلُلٌ من الناس إذا كانوا من قبائل شتى.
وإذا تأملنا السياق القرآني تفتحت لنا آفاقاً أوسع للفهم؛ ففي القرآن استخدمت
الكلمة مرات عدة:
أولاً: في مقابل كلمة ثُلّة لتدل على تعبير كمي في سياق كيفي؛ كما في قوله
(تعالى) : [ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ] [الواقعة: ١٣، ١٤] فالقلة
هنا لا تعني النقص، وإنما التمييز والسبق والارتقاء.
ثانياً: أُلحِق بها ما يزيدها بياناً بحالة اجتماعية وسياسية تعبر عن
الاستضعاف؛ كما في قوله (تعالى) : [وَاذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي
الأَرْضِ تَخَافُونَ ... ] [الأنفال: ٢٦] .
ثالثاً: تقدم عليها ما يزيدها بياناً، وهي كلمة: شرذمة في إطار سياق
اجتماعي وسياسي يعكس أكثر الحالات تعبيراً عن مفهوم الأقلية كما تذهب إليه
العلوم الاجتماعية الحديثة وذلك في قوله (تعالى) حكاية عن فرعون في وصفه لقوم
موسى بعد أن خرجوا من مصر: [إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإنَّهُمْ لَنَا
لَغَائِظُونَ] [الشعراء: ٥٤، ٥٥] ، ويميل كاتب هذه السطور لافتراض أن كلمة
شرذمة قليلون في هذا السياق تعكس الدلالة السياسية والاجتماعية لما يشير إليه
مصطلح الأقلية من وجهة نظر الأغلبية والسلطة الحاكمة، حيث تسود بينهما علاقة
صراعية استخدمت فيها أدوات القهر المعنوي والمادي بقصد استئصال الأقلية
ومحوها من الوجود، وربما يدفعنا ذلك إلى أن نؤكد العلاقة بين طبيعة النظام
السياسي وبين ممارساته تجاه الأقلية، حيث يميل النظام الفرعوني الاستبدادي إلى
عدم التسامح مع الأقلية التي تقع تحت سلطانه، وقد يجنح إلى حد العمل على
استئصالها، ويمكن لنا أن نقول: إن تطبيقات فرض التكامل القومي بمعنى سحق
الولاءات الأولية لصالح الأيديولوجية الواحدة التي تفرضها الأنظمة الثورية في
العالم الثالث هي تعبير عن ممارسة تدخل في إطار النموذج الفرعوني.
رابعاً: إن تعبير الاستضعاف مصطلح قرآني أكثر تعبيراً عن مصطلح الأقلية، ... ولكن من حيث رؤية هذه الأقلية لذاتها تجاه الجماعة الحاكمة التي توصف عادة
في القرآن الكريم بالاستكبار، حين يكون الصراع بين الأقلية والأغلبية حول
المبدأ [*] .
خامساً: التعبير القرآني يستخدم القلة للتعبير عن النقص العددي، لكنه لا
يجعل مجرد النقص العددي مثاراً للاحتقار أو مبرراً للتقليل من الشأن، بل الغالب
أن القلة تستخدم في السياق القرآني للتعبير عن المدح والتقدير، وهو ما يؤكد أن
الإطار القرآني لا يجعل من المعيار العددي المجرد مقياساً لترتيب أوضاع اجتماعية
وسياسية واقتصادية متميزة، فتعبير القلة أو الكثرة هو تعبير محايد حتى يأتي
وصف يحدد طبيعة هذه الكثرة أو القلة، وهو ما يطلق عليه: التعبير الوظيفي للعدد.
ويمكن استخدام مصطلح الأقلية للتعبير عن التعدد الثقافي أو العِرقي لجماعة
من البشر في مواجهة جماعة أخرى تعبر عن الأكثرية أو التميز في سلم التدرج
الاجتماعي والسياسي، لكنه يحتاج إلى تحديد وضبط ليعبر عن الخصوصية
الحضارية الإسلامية.
وتعرّف هذه الدراسة الأقلية من منظور إسلامي
على النحو التالي [١٠] :
الجماعة التي تعيش داخل المجتمع الإسلامي على سبيل الاستقرار (الدوام)
ولها حكم شرعي مختلف عن أحكام الجماعة المسلمة، أو التي فارقت الجماعة
المسلمة بتأويل ديني لا يسوغ.
فلا يعد أقلية من وجهة النظر الإسلامية: المستأمنون الذين يدخلون دار
الإسلام لضرورات تفرضها طبيعة العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب.
كما ينظم العلاقة بين الجماعة المسلمة والأقلية الحكم الشرعي لا معيار الكثرة
أو القلة العددية، ونقصد بالحكم الشرعي: اجتهاد ولي الأمر في تحديد الأوضاع
المنظمة لتواجد غير المسلمين في المجتمع الإسلامي بما لا يتعارض مع المقاصد
العامة للشريعة أو نصوصها القطعية.
ويعد أقلية: من فارق إجماع المسلمين بتأويل ديني لا يسوغ، أي: لا تجيزه
قواعد اللغة والشرع أي الجماعات المخالفة لإجماع الأمة ويدخل ضمن هؤلاء:
البهائيون، الإسماعيليون، الدروز، العلويون، بعقائدهم الباطنية المصادمة للإسلام، فهم ينتسبون للإسلام، ولكنهم ليسوا منه، فهم أحق بوصف الردة بتعبير عبد
القاهر الجرجاني وغيره.
ولا يدخل ضمن الأقلية من وجهة النظر هذه: الأكراد، البربر، الأتراك..
وغيرهم ممن تعتبرهم الدراسات الحديثة أقلية، وكما يقول فاضل رسول: إن طرح
علاقة الشعوب الإسلامية ببعضها ضمن مفهوم الأقلية والأكثرية هو أمر خاطئ؛
فالإطار الإسلامي من المفترض أن يجمع المسلمين من أي شعب وقوم، فلا توجد
هنا أغلبية وأقلية، وإذا اعترفنا بوجود انتماءات قومية مختلفة: فيمكن الكلام ربما
عن شعب صغير وآخر أكبر، ولكن ليس عن أكثرية وأقلية.
إن العلاقة بين الشعوب المسلمة ضمن البلد الواحد لا يمكن فهمها على أساس
علاقة الداخل بالخارج؛ فتاريخيّاً: كانت علاقة الشعوب الإسلامية ببعضها علاقات
مركز بأطراف، وليست علاقة داخل بخارج، وكانت علاقة المركز بالأطراف
قابلة للتداول، ولا تعتمد على القهر، أما الحالة التي نعيشها فهناك ضغط دائم من
الأطراف على المركز، ربما لصالح أطراف خارجية.. [١١] .
إن معيار الحكم الشرعي الذي تتبناه هذه الدراسة لإعادة التعريف بمصطلح
الأقلية من وجهة النظر الإسلامية يتميز بالآتي:
أولاً: أن الحكم الشرعي معيار فوقي؛ بمعنى: أن الله هو الذي أمر المسلمين
بقبول غير المسلمين في إطار البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية الإسلامية،
وأمر بالإحسان إليهم وحمايتهم إذا دفعوا الجزية وقبلوا التزام أحكام الملة، وعقد
الذمة بهذا المعنى، ورغم أن الذين يوقعونه بشر، إلا أن مصدره الله والرسول،
وهو بهذا واجب شرعي وتكليف إلهي لا يمكن مخالفته.
ثانياً: أنه معيار ثابت لا تعتريه التغيرات، ولا تكيفه أهواء البشر، وهو
منضبط، بمعنى أن استخلاص الحكم الشرعي محكوم بقواعد علمية صارمة يتم
الاجتهاد في ضوئها.
ثالثاً: أنه صريح؛ فهو لا يتتبنى خطاباً مراوغاً يحاول أن يلغي فيه
خصوصية غير المسلمين.
стр. 1997
مقال
استثمار المواقف
بقلم: خالد السبيعي
أورد ابن حجر في (لسان الميزان) قصة عجيبة، ذكرها أبو محمد ابن حزم
لعبد الله بن محمد بن العربي والد القاضي أبي بكر أنه أي: ابن حزم شهد جنازة،
فدخل المسجد فجلس قبل أن يصلي، فقيل له: قم فصلِ تحية المسجد، ففعل، ثم
حضر أخرى فبدأ بالصلاة، فقيل له: اجلس ليس هذا وقت صلاة وكان بعد العصر
فحصل له خزي، فقال للذي ربّاه: دُلني على دار الفقيه، فقصده وقرأ عليه الموطأ، ثم جدّ في طلب العلم بعد ذلك.
لقد أجاد أبو محمد كما رأينا في التعامل مع هذا الموقف، وحوّله من خسارة
إلى مكسب، إن هذه القصة نموذج ساطع لفن التعامل مع المواقف واستثمارها.
ولا نستطيع في الواقع الاستمرار في الحديث عن الموقف واستثماره دون
وضع تعريف محدد للمقصود به هنا، فالموقف إذاً: هو كل ما يتعرض له الفرد
من أحداث ويتطلب منه اتخاذ قرار - إيجابي أو سلبي- تجاه هذه الأحداث، ويكون
له القدرة على اتخاذه، وبعبارة أخرى: فالحياة: مجموعة من المواقف.
إن استثمار المواقف يحتاج إلى منهج واضح، لعلنا في هذه العجالة نلقي
ضوءاً على بعض أسسه.
إن المبادئ التي يحملها الفرد، والقيم التي تحكم تصرفاته، والطباع
الشخصية المحركة لدوافعه، تمثل الأسس الداخلية التي يقوم عليها منهج الاستثمار
المتوازن للمواقف، فضعف الإيمان بالمبدأ مثلاً أو قوته ومدى سلبيته أو إيجابيته
ونتائج التخلي عنه تحدد مدى قوة تأثير العامل.
كما إن هناك مؤثرات أخرى (خارجية) ، كالبيئة التي يعيش فيها الفرد
والأصدقاء المقربين له، والضغوط التي يتعرض لها سواء أكانت اجتماعية أو
اقتصادية أو فكرية أو غير ذلك، وسيكون استعراضي هنا لأثر الأسس أو العوامل
الداخلية (الفردية) ، وذلك لأنها المحدد النهائي لمدى الاستجابة (الاستثمار) وكيفيتها.
فالأنَفَة على سبيل المثال طبع شخصي عند ابن حزم، دفعته إلى تصحيح
وضع خاطئ (جهل المرء بدينه) بإيجابية ملهمة كما رأينا سابقاً وجعلته فيما بعد
علماً من أعلام الفقه الإسلامي.
والتعصّب الأعمى للقبيلة وكل تعصّب أعمى من القيم الجاهلية المعروفة، إلا
أن أثرها كما سيظهر في القصة التالية خطير وجد خطير.
فقد أورد ابن كثير في (البداية والنهاية) رواية للبيهقي، جاء فيها: أن أبا
جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع منه،
وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر
تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم
بعض سفهائكم لأوقعتم في نفوسهم شيئاً، ثم انصرفوا، وتكرر هذا الأمر ثلاث ليال، حتى قالوا: لا نبرح حتى نتعاهد على ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا،
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته
وسأله عن رأيه فيما سمع، فأجابه أبو سفيان بأن ما سمعه لم يكن كلاماً منكراً أو لا
يعقل، وكذلك كان رأي الأخنس، ثم أتى الأخنس إلى أبي جهل وسأله عن رأيه
فيما سمع، فقال أبو جهل: ماذا سمعت؟ ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف،
أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب،
وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟
والله لا نسمع له ولا نصدقه! .
انظر إلى أثر هذه القيم، وما تفعله بالبشر! .
أما عن أثر المبادئ وهو الأهم على استثمار المواقف فالشواهد عليه لا
تحصى، وسنعرض لموقف فريد منها، لم يتكرر في القرآن الكريم، ولم يذكر
صاحبه إلا في هذه السورة التي حملت اسمه، إنه نبي الله يوسف (عليه الصلاة
والسلام) .
وسنتوقف قليلاً عند هذا الموقف ونتأمله، كما وصفه الله في محكم
تنزيله.
رزق يوسف ﵇ بجمال أخّاذ في الخلقة، وعقل راجح، وفصاحة
في البيان، مما جعله محط أنظار الناس.
وسكن في بيت العزيز (حاكم مصر) بعد أن اشتراه بثمن بخس! ! ، وأعجبت
به امرأة العزيز [وَرَاوَدَتْهُ الَتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ
لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ
وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
المُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ قَالَتْ مَا
جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [يوسف: ٢٣- ٢٥] .
كانت الظروف كلها مهيأة تقريباً لحدوث ما لا تحمد عقباه، إن حب الشهوات
طبع بشري عالجه يوسف ﵊ وأزاله بالمبدأ السامي (طاعة الله) ، الذي هو عقيدة كل مسلم.
وختاماً: فإن الفرد منا بحاجة إلى مبادئ صحيحة يعتقدها وتنير دربه، وقيم
صالحة ينتقيها، وطباع بشرية يهذبها، ليكون الاستثمار الأمثل للحياة.
стр. 1998
منتدى القراء
ضغط الواقع
بقلم:خالد محمد الذواد
يتخذ الأفراد والجماعات والأمم في أحيان كثيرة مواقف معينة، ما كانت لتتخذ
لولا وجود عوامل ضاغطة، أدى تراكمها إلى اتخاذ هذه المواقف، المغايرة لما كان
ينبغي اتخاذه.
وهذه العوامل نطلق عليها: ضغط الواقع، وهو: تلك العوامل الضاغطة
المجتمعة، التي تؤثر في اتخاذ موقف ما.
ومقاومة ضغط الواقع تنعدم حتماً بانعدام القدرة على المقاومة وانعدام إرادة
المقاومة، وبالنسبة لنا نحن المسلمين فالقدرة هي قوتنا الذاتية بكافة أشكالها،
والإرادة نستمدها من إيماننا وعقيدتنا، وما موقفا معتّب بن قشير (المنافق) وسعد
ابن معاذ (الصحابي) إلا تصوير لذلك الخيط الدقيق لما بين المؤمن والمنافق من
فروق.
فعندما تحزبت الأحزاب على المسلمين زاعمة استئصال شأفتهم في شوال من
السنة الخامسة للهجرة قبائل العرب من الخارج، واليهود من الداخل عظم البلاء
واشتد الخوف، وظن المؤمنون بالله الظنون، في تلك اللحظة قال معتب: كان
محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن
يذهب إلى الغائط [١] .
لم يستطع معتب مقاومة ضغط الواقع الذي عاشه في تلك اللحظة، بسبب
انعدام القدرة والإرادة، فقال من كلمات الكفر ما قال، وفي مقابل هذا اتخذ سعد بن
معاذ موقفه الرائع، فقد بعث الرسول ﷺ عندما اشتد خطر
الأحزاب إلى عيينه بن حصن والحارث بن عوف قائدي غطفان ليعطيهما ثلث ثمار
المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، وقبل أن يتم الصلح على هذا
استشار سعد بن معاذ وسعد بن عباده، فلما علما أنه يفعل ذلك من أجلهم ولحمايتهم
والتخفيف عنهم، قال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على
الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها
تمرة، إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه، وأعزنا بك وبه،
نعطيهم أموالنا! والله مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله
بيننا وبينهم [٢] .
لم يؤثر ضغط الواقع الذي عايشه سعد على موقفه، بل تحرر منه بإيمانه
وعزته وشجاعته، فسجل له التاريخ موقفاً لا يمكن أن ننساه.
أما عن المواقف المعاصرة: ففي كل بيئة، في كل بيت، بل وعند كل فرد،
فالعالم والمفكر والقائد وكل فرد معرض لضغط الواقع، وقليل فقط من يستطيع
مقاومة كل الضغوط، ومن ثم: التحرر التام منها.
وقد يتخذ الفرد موقفاً ما تحت ضغوط معينة، لا يشعر هو بوجودها، وعدم
شعوره لا يعني بالطبع عدم وجودها حقيقة، وينبغي على الفرد أيّاً كان أن يتخذ
مواقفة بمعزل عن تأثير الضغوط المختلفة مهما بلغت قوة هذه الضغوط، لكي تكون
حياته في النهاية والتي هي مجموعة المواقف التي يتخذها كما يريد هو وكما يعتقد،
لا كما تفرضها عليه ظروفه.
стр. 1999
منتدى القراء
دعوة إلى اكتشاف الطاقات الكامنة
بقلم: عبد الله بن ناصر الحمد
لاشك أن ساحة العمل الإسلامي المعاصر تشتكي من النقص الكبير في
كوادرها العلمية والعملية، ومع وجود هذه المشكلة فإنه يندر أن ننتبه إلى عدم
صلاحية أحد الأشخاص في مكانه الذي يشغله، وذلك للحاجة الشديدة التي تستدعي
أي شخص لشغل هذه الأماكن الشاغرة، لذلك نلمس في العمل الدعوي أن إنتاجية
عدد كبير من الدعاة تصبح دون المستوى المطلوب نظراً لوجودهم في غير الأماكن
المناسبة لقدراتهم.
وإذا أدركنا حجم هذه المشكلة فإن علاجها يسهل كثيراً، إذ إن إدراك المرض
أول خطوات العلاج، ولا أزعم أني سوف أستوعب علاج هذه المشكلة، لكن
حسبي فتح الباب أمام المختصين حتى يدلوا بدلوهم لوضع الحلول لهذه المشكلة
الخطيرة.
وفي البداية: أؤكد على أهمية الإحساس بالمشكلة، ونشر الوعي بخطورتها
بين الأوساط الدعوية، حتى تتفتق الأذهان، ثم تبحث عن علاجات لهذه المشكلة،
فأهل الخبرة لهم القِدْح المعلّى في مثل هذه المشكلات.
وثانياً: لابد أن يعي الدعاة وسائل استغلال الطاقات وتوجيهها، فلا يعامل
جميع الأشخاص معاملة واحدة، بل لابد من توجيه كل شخص إلى ما يمكن أن يبدع
فيه، وهذا أمر يدركه أصحاب النظر والعاملون على إعداد العاملين في سلك الدعوة.
أما إذا لم يوفق الشخص إلى من يوجهه إلى ما ينفعه وإلى الوجهة التي يصلح
لها، فالأمر حينئذ أصعب، وفي هذه الحالة فإني أقترح أن يقوم الشخص بفحص
مهاراته ومحاولة استخراج أجدى الاتجاهات التي يمكن أن ينتج ويفيد من خلالها،
مع الحرص على استشارة الآخرين ودراسة تجارب من سبقه.
وفي الختام أدعو قراء مجلتنا البيان إلى طرح حلول جادة لهذه المشكلة، فإنها
والله مشكلة مهمة تستحق أن يتوقف عندها كل مخلص وكل داعية إلى هذا الدين.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2000
الورقة الأخيرة
الشهوة الخفية !
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
أواخر الخلافة العثمانية كثر صراع السلاطين على الزعامة والنفوذ، وانتشر
السجن والقتل بينهم، حتى إنّ أحد الخلفاء قتل تسعة من إخوانه لتثبيت حكمه وحكم
ولده من بعده..!
أليست هذه الحادثة جديرة بالتأمل والنظر..؟ !
غريب هذا الإنسان.. ألهذا الحدّ يبلغ به بريق الزعامة..؟ !
ألهذا الحد يطغى ويتجبر من أجل الوصول إلى القمة..؟ !
وليس هذا المثال نشازاً لا نظير له؛ فكتب التاريخ في قديم الدهر وحديثه
طافحة بنظائره، بل إنّ التاريخ الحديث يُرينا إبادة وإذلال شعوب بأكملها، فحبّ
الزعامة والظهور يُعمي ويصم، ويجعل الإنسان يبيع كل شيء من أجل الوصول
إليها..!
وليس عجيباً أن تتواتر النصوص النبوية في التحذير من السعي إلى الإمارة،، فهي فتنة تتساقط تحتها كرامة الرجال، وتنكشف أمامها كمائن القلوب..!
لقد اعتدنا ذلك من الساسة وطلاب الدنيا وأصحاب المغانم الفانية.. ولكن
الغريب كل الغرابة أن ينتقل الداء داخل بعض التجمعات الدعوية، ويسيطر على
بعض النفوس المريضة، من حيث تشعر حيناً، ومن حيث لا تشعر أحياناً أخرى!
حتى يصبح همّ المرء أن يسوّد على خمسة أو عشرة أو أقل أو أكثر دون أن يُفكر
بورع صادق في تبعات ذلك في الدنيا والآخرة، فهي أمانة.. وإنها يوم القيامة
خزي وندامة..!
إنّ ضباباً كثيفاً يطغى على بصر الإنسان حينما يرى لمعان القيادة يطل عليه
من بعيد، وتظل نفسه تحدّثه ويُمنيه هواه بالوصول إليها، فتراه ينسى نفسه ويلهث
من أجل الوصول إليها والعض عليها بالنواجذ، ثم تجد التسابق والتنافس، بل الكيد
والكذب أحياناً للوصول إلى المطلوب، فالغاية تبرّر الوسيلة! وصدق الفضيل بن
عياض عندما قال: ما من أحد أحبّ الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس،
وكره أن يُذكر أحد بخير [١] .
بئست الدعوة حينما تكون مغنماً وجاهاً وشرفاً، ينتفخ فيها المرء ويتيه
ويتبختر..!
وبئس الداعية حينما يسعى لاهثاً وراء زخرف عاجل وعرض قريب..!
إنّ حبّ الظهور والعلو بداية السقوط والانحراف والفشل، وما أحكم رسول
الله حينما يقول: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على
المال والشرف لدينه [٢] .
قال شدّاد بن أوس ﵁ : يا بقايا العرب.. يا بقايا العرب! إنّ
أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، والشهوة الخفية، قيل لأبي داود السجستاني: ما
الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة! [٣] .
وإنّ نصر الله وتأييده لا يتنزل إلا على عباده المخلصين،
الأخفياء الأتقياء، الذين تشرئب أعناقهم وتتطلع قلوبهم إلى النعيم المقيم، في مقعد
صدق عند مليك مقتدر؛ قال الله (تعالى) : [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا
يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] .