← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

في دائرة الضوء نحو بناء إسلامي لمصطلح الأقلية بقلم:كمال السعيد حبيب يثير مصطلح الأقلية في بعده الأساس: الموقف من الآخر الذي يشاركك العيش في مجتمعك، أي: ما هو الموقف الأخلاقي والقانوني والحضاري الذي تقفه الأغلبية من الآخر. النموذج الإسلامي وغير الإسلامي في التعامل مع الآخر: هناك نموذجان لكيفية التعامل مع المخالفين: أحدهما: النموذج الإسلامي الذي يستمد مصادره من الكتاب والسنة وتطبيقات الخبرة الإسلامية في الفترتين النبوية والراشدة، وثانيهما: النموذج غير الإسلامي سواء أكان وضعيّاً مصدره العقل البشري أو دينيّاً مصدره أصول محرّفة اختلط فيها الوضع والتحريف بأثارة قليلة من الدين الصحيح. في النموذج الإسلامي: نلحظ أن قبول الآخر، والحفاظ عليه، وترتيب أوضاعه الحقوقية والإنسانية: هو جزء أساس من صُلب النموذج، فلا يوجد كتاب فقه لم تنتظم أبوابه وفصوله الإشارة إلى قواعد تنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين، سواء أكانوا أهل ذِمّة يربطهم بالدولة عقد مؤبد، أو كانوا كفاراً حربيين، أو مستأمنين، وقد وضع المسلمون لذلك علماً خاصّاً أسموه عِلم السِّيَر [١] ، وهذا العلم يجعل علاقة الدولة الإسلامية بمخالفيها في العقيدة حتى لو كانوا حربيين كفاراً جزءاً من القانون الداخلي للدولة، يحق لمخالفيها مقاضاتها لو خالفته؛ ففي الكامل لابن الأثير واقعة بالغة الدلالة، تبين إلى أي مدى بلغ رُقي وعظمة السلوك الإسلامي في التعامل مع المخالفين حتى لو كانوا أعداءً. كتب عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن أبي السري واليه على سمرقند: اعمل خانات في بلادك؛ فمن مَر بك من المسلمين فأقروه يوماً وليلة وتعهدوا دوابّهم، ومن كانت به عِلة فأقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعاً فأبلغه بلده، فلما أتاه كتاب عمر، قال له أهل سمرقند: قتيبة ظلمنا وغدر بنا؛ فأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فَاًذن لنا فليقدم منّا وفد على أمير المؤمنين، فأذن لهم، فوجهوا وفداً إلى عمر، فكتب لهم عمر: إلى سليمان: إن أهل سمرقند شكوا ظلماً وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي هذا: فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم، كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة، فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي، فقضى أن يخرج العرب من سمرقند إلى معسكرهم، وينابذهم على سواء، فيكون صُلحاً جديداً أو ظفر عنوة، فقال أهل الصفد: بلى نرضى بما كان ولا تحدث حرباً، وتراضوا بذلك [٢] . هذه الواقعة تؤكد أخلاقية الدولة الإسلامية في التعامل مع المخالفين - حتى لو كانوا أعداءً- وهو ما يعرف بوحدة القيم في الإسلام، أي: إن الحضارة الإسلامية لم تعرف الازدواجية في سلوكها؛ فهي تعامل الخصم بالقواعد نفسها، وهذه القواعد ليست على سبيل التطوع، ولا على سبيل التبادل، بل لها طابع إلزامي حتى ولو لم يلتزم بها الطرف الآخر، فقد نقض الروم عهدهم مع المسلمين زمن معاوية ﵁ وفي يده رهائن منهم، فامتنع المسلمون جميعاً عن قتلهم، وخلوا سبيلهم، وقالوا: وفاءٌ بغدر خير من غدر بغدر [٣] . وفي النماذج غير الإسلامية: نجد الحضارة الإغريقية في قمة ارتقائها، لم تكن تطبق نظمها الحقوقية والدولية إلا على رعاياها اليونانيين؛ حيث يشترك السكان في اللسان والدين والتقاليد والعادات (النموذج الغربي المعاصر في تطبيقه القومي) ، ولم تكن تلك النظم تطبق على من يطلقون عليهم: البرابرة (كل ما عدا الإغريق) ، وقال أرسطو: إن الفطرة هي التي أرادت أن يكون البرابرة لليونان عبيداً، فليتصرف القائد اليوناني في كل بربري بما يشاء. واليهود: قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل، واعتبروا الآخرين خدماً لهم، باعتبار أن اليهود في زعمهم شعب الله المختار. والهنود: قسموا الناس إلى أربع طبقات البراهمة: وهم أهل الدين، والكشترية: وهم أهل السيف، والريشة: وهم أهل الحِرَف والتجارة، والشودرة: وهم الخدم، وهذا التقسيم طبقي موروث، لا يمكن لاحد أن ينعتق منه، وينظر الهنود لطبقة الخدم على أنهم طبقة الأنجاس، وهم لا يعرفون لأحد من الأجانب حقّاً في حال السلم أو حال الحرب. والرومان في أوج مدنيتهم قالوا: ما في الأرض إلا أقوام ثلاثة: الرومان، والمعاهدون، وسائر العالمين، وكانوا يطلقون على الأجنبي (HOStes) أي: العدو المبين، أما المتنصرة الغربيون المتأثرون بالإغريق والرومان: فإنهم رأوا الآخرين برابرة لا تلزمهم أية قواعد قانونية أو أخلاقية، حتى قال هوكو خروتيوس (ت ١٦٤٥م ١٠٥٠هـ) وهو أبو القانون الدولي الحديث: إن المسيحيين في عصرنا يقدمون في حروبهم على أعمال تستحي منها الوحوش أنفسها، وقال البابا أربانوس السادس: إن الغدر إثم، ولكن الوفاء مع المسلمين أكبرُ إثماً، ويذكر آدم ميتز: أن الكنيسة الرسمية في الدولة الرومانية ذهبت في معاداتها للمسيحيين الذين يخالفون رجالها في الفكر أبعد مما ذهب إليه الإسلام بالنسبة لأهل الذمة. ولوقوع التشاجر والتخاصم بين المذاهب النصرانية المتعددة؛ فإن حاكم أنطاكية المسلم في القرن الثالث الهجري عين رجلاً نصرانيّاً يتقاضى ثلاثين ديناراً في الشهر، كان عمله منع المتخاصمين من قتل بعضهم بعضاً [٤] . ... ولما ظهر المذهب البروتستانتي في أوروبا في القرن السادس عشر، قاومته الكنيسة الكاثوليكية بكل قوتها، وعرف تاريخ الاضطهاد النصراني المذهبي مذابح بشرية رهيبة؛ أهمها مذبحة باريس عام ١٥٧٢م، التي استضاف فيها الكاثوليك البروتستانت لديهم، لتقريب وجهات النظر بينهم، لكنهم قتلوهم ليلاً وهم نيام، فلما طلع الصبح على باريس وكانت شوارعها تجري بدماء الضحايا؛ هنّأ البابا الكاثوليكي ملكَ فرنسا شارل التاسع الذي وقعت المذبحة في عهده [٥] . وفي إطار الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا: نظم المجلس النيابي لباريس لجنة خاصة عام ١٥٤٩م لقمع الخروج على الرأي، وإرسال المدانين إلى المحرقة، وأطلق على المحكمة الجديدة اسم (الغرفة المتأججة) ، وقضى مرسوم شاتو بريان عام ١٥٥١م: بأن طبع أو بيع أو حيازة كتب الهرطقة يعد جريمة عظمى، وأن الإعدام هو عقاب الإصرار على الآراء البروتستانتية، وخلال ثلاث سنوات أُرسل ستون بروتستانتيّاً إلى الغرفة المتأججة؛ حيث ماتوا حرقاً. وعن كراهية النصارى لليهود يذكر وول ديورانت: كانت نيران الحقد تضطرم في قلوب المسيحيين، وكان بنو إسرائيل في تلك الأيام يحبسون أنفسهم في أحيائهم وبيوتهم خشية أن تثور عواطف السذج من الناس؛ فتؤدي إلى مذابح. ولما خرجت الحملة الصليبية الأولى، أعلن قائدها أنه سيثأر لدم المسيح من اليهود، ولن يترك واحداً منهم حيّاً، وأنه لابد من قتل يهود أوروبا قبل الخروج لقتال الأتراك في أورشليم [٦] . مصطلح الأقلية في العلوم الاجتماعية: لأن المصطلحات انعكاس للحضارات التي أفرزتها، فإن النموذج الغربي المعاصر الذي يُعد استمراراً للتقاليد الصليبية ولكن في صيغة علمانية هو الذي أنتج مصطلح الأقلية (Minority) ، وترتبط بهذا المصطلح في الدراسات الاجتماعية الغربية قضايا تعكس الطابع العنصري، مثل: التحامل (Pregadce) وما يرتبط به من معاملات أخرى مثل: القلق (Anxiety) ، والجمود (Rigidity) ، وسوء الحكم (Misgudgment) ، والتعصب (Fanatism) ، والاضطهاد وعدم التسامح، وأيضاً: الصراع وما يرتبط به من عنف، وتوتر، وتفرقة (Descrimination) ، وعدوان، ثم هناك مفهوم الاضطهاد أو التمييز العنصري (Segregation) [٧] ، وهذه القضايا التي يثيرها الفكر السياسي والاجتماعي الغربي حين دراسته لقضية الأقليات تؤكد على أنه رغم دعاوى التسامح والمساواة وحقوق الإنسان؛ فإن العلاقة بين الأغلبية والأقلية تتضمن تفاعلات ذات طابع لا يقبل الآخر إلا مكرهاً أو في وضع أدنى؛ حيث: يتعرض للتحامل والتمييز والاضطهاد والعدوان والتفرقة، ولنتابع بعض تعريفات الأقلية في الفكر الغربي: الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية تعرّف الأقلية بأنها: جماعة من الأفراد يختلفون عن الآخرين في المجتمع نفسه بسبب: العرق، أو القومية، أو اللغة، أو الدين، وهم يتصورون أنفسهم كجماعة ذات مضامين سلبية، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم: يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التميزية المختلفة. والموسوعة الاجتماعية الأمريكية تعرف الأقليات بأنها: جماعة داخل المجتمع لها وضع اجتماعي أقل، وتمتلك قدراً أقل من القوة والنفوذ، وتمارس عدداً أقل من الحقوق مقارنة بالجماعة المسيطرة في المجتمع وهي عادة ما تعزل، وتخضع للاضطهاد في المواقف والسلوك بسبب اختلافات (فعلية أو مفترضة) : طبيعية، أو ثقافية، أو اجتماعية؛ باختصار: فإن أفراد الأقليات غالباً ما يحرمون من الاستمتاع الكافي بامتيازات مُواطن الدرجة الأولى [٨] . وهذه التعريفات تجعل من الأقلية موضوعاً غير فاعل؛ أي: إن الأغلبية هي التي تحدد وضع الأقلية في المجتمع، وتجعلها دائماً في مكانة المستلب أو المضطهد، ولذا: فقد عمد بعضهم إلى طرح مفهوم للأقلية يجعلها طرفاً فاعلاً في مجتمعها، بحيث تمكنها من ممارسة تكتيكات دفاعية متمايزة عن الأغلبية إذا لم تحصل على حقوقها بشكل متساوٍ مع الأغلبية، كما اتجه البعض للبحث عن مصطلحات بديلة لمفهوم الأقلية لاستبطانه دلالات عنصرية، ويمكن افتراض أن الاتجاهين في تعريف الأقلية يعبران عن استراتيجيتين غربيتين في التعامل مع الأقلية: أحدهما: تعرف ببوتقة الصهر (Melting - Pot) التي تحاول امتصاص الأقلية واستيعابها في الأغلبية: بحيث يصبح المجتمع موحداً في صيغة متماثلة بدعوى تحقيق التكامل (Integesation) . ثانيهما: تعترف بالتعدد، لكنها تضع حدوداً قصوى ودنيا يجب أن يمارس التنوع في إطارها، بحيث لا يؤدي إلى تفجير المجتمع من الداخل. ومارست الدولة القومية المعاصرة الاستراتيجية الأولى، التي تؤكد الطابع المهيمن والمركزي للحضارة الغربية في علاقتها بالآخر، لكنه ثبت فشل هذه الاستراتيجية؛ لأنه لا يمكن إلغاء الولاءات والانتماءات الأولية للجماعات الأخرى المكونة للمجتمع. المصطلحات التي استخدمتها الحضارة الإسلامية: لم تعرف الحضارة الإسلامية مصطلح الأقلية طوال تاريخها للتعبير عن غير المسلمين الذين يقيمون داخلها، وإنما عُرف هذا المصطلح لأول مرة في إطار صراع الدولة العثمانية مع القوى الأوروبية للإجهاز عليها فيما أطلق عليه المسألة الشرقية، وذلك باستخدام القوى الغربية للأقليات التي تعيش داخل الدولة العثمانية: كمخلب قط لتفتيتها بدعوى حماية هذه الأقليات والحفاظ عليها. فمصطلح الأقلية ظهر في العالم الإسلامي مرتبطاً بقوى خارجية تسعى لإثارة القلاقل وعدم الاستقرار داخل المجتمع المسلم، أما المسلمون: فقد استخدموا مصطلح الملة للتعبير عن الفئة غير المسلمة التي تعيش بينهم، وبينما كان نظام الملة العثماني المستمد من الخبرة الإسلامية للدولة النبوية يقيم العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين على قاعدة التسامح والاعتراف بالتنوع في إطار الوحدة وتحقيق العدل والحماية؛ فإن مصطلح الأقلية ارتبط بالتدخل الغربي وارتباط فئات داخلية من المجتمع الإسلامي به، وبالتالي: تأكيد تمايزها عن المجموع والغالبية، لتحقيق مآرب سياسية وتأسيس الطائفية. المصطلحات التي استخدمتها الحضارة الإسلامية للتعبير عن الآخر (غير المسلم) الذي يشارك المسلمين أوطانهم تؤكد مشروعيته. وأهم هذه المصطلحات: أهل الذمة: وهم المعاهدون من اليهود والنصارى وغيرهم ممن يقيمون في دار الإسلام على سبيل التأبيد، حيث يربطهم بالدولة الإسلامية عقد يكفل لهم الأمان والحماية والحرمة، ويصبحون من أهل دار الإسلام شرط أن يبذلوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة. أهل الملة: وهي الصيغة العثمانية لترتيب أوضاع غير المسلمين فيها، على أساس منحهم حق إدارة شؤونهم الخاصة والعامة تحت إشراف الدولة وعن طريق رؤسائهم. وهذه المصطلحات تجعل الدين فقط معيار التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، ولا تقيم للعِرق أو اللغة أو القومية أي أثر في ترتيب أوضاع البشر داخل مجتمعاتهم [٩] . نحو بناء إسلامي لمصطلح الأقلية: تضمنت مفردات اللغة كلمة الأقلية كتعبير عن الجزئية والاستثناء، أو مباينة الكثرة أو الغالب، وتشير معاجم اللغة إلى مادة قَلَلَ التي اشتقت منها كلمة الأقلية؛ فقد جاء في لسان العرب: قلل القلة خلاف الكثرة ... وفي حديث ابن مسعود: الربا وإن كثر فهو إلى قِل معناه: قِلة ... ويقول: قدم علينا قُلُلٌ من الناس إذا كانوا من قبائل شتى متفرقين، وقلة كل شيء رأسه، والقلة أعلى الجبل، وقلة كل شيء أعلاه. ويشير معجم القرآن الكريم إلى أن الكلمة في القرآن تشير إلى النقص، كما في قوله (تعالى) : [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ] [البقرة: ٢٤٩] وقوله (تعالى) عن فرعون: [إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ] [الشعراء: ٥٤] وبالتأمل في الدلالة اللغوية التي اشتقت منها كلمة أقلية نلاحظ: أولاً: استخدمت للتعبير عن دلالة كمية تقابل الأكثر [وَاذْكُرُوا إذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ] [الأعراف: ٨٦] . ثانياً: استخدمت للتعبير عن دلالة كيفية لا تجعل العدد معياراً لها؛ كما في حديث ابن مسعود: الربا وإن كثر فهو قُل، وكما في قول لبيد: كلّ بَنِي حُرّةٍ مَصِيرُهُمْ.. ... قُلّ وإن أكْثرتْ من العَدَدْ فالقلة هنا: تعبير عن حالة كيفية العدد المجرد وليست معياراً لها. ثالثاً: قد تعبّر عن حالة كيفية خالصة؛ كما في تفسير القلة بأعلى الشيء، وكما في التعبير القرآني [حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً] [الأعراف: ٥٧] أي: حملت وارتفعت. رابعاً: تشير الكلمة إلى تجمع الأشتات المتفرقين من أصول عرقية متعددة، وهو ما يعنيه المصطلح في العلوم الاجتماعية، وهو واضح جدّاً، كما في قوله: قدم علينا قُلُلٌ من الناس إذا كانوا من قبائل شتى. وإذا تأملنا السياق القرآني تفتحت لنا آفاقاً أوسع للفهم؛ ففي القرآن استخدمت الكلمة مرات عدة: أولاً: في مقابل كلمة ثُلّة لتدل على تعبير كمي في سياق كيفي؛ كما في قوله (تعالى) : [ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ] [الواقعة: ١٣، ١٤] فالقلة هنا لا تعني النقص، وإنما التمييز والسبق والارتقاء. ثانياً: أُلحِق بها ما يزيدها بياناً بحالة اجتماعية وسياسية تعبر عن الاستضعاف؛ كما في قوله (تعالى) : [وَاذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ ... ] [الأنفال: ٢٦] . ثالثاً: تقدم عليها ما يزيدها بياناً، وهي كلمة: شرذمة في إطار سياق اجتماعي وسياسي يعكس أكثر الحالات تعبيراً عن مفهوم الأقلية كما تذهب إليه العلوم الاجتماعية الحديثة وذلك في قوله (تعالى) حكاية عن فرعون في وصفه لقوم موسى بعد أن خرجوا من مصر: [إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ] [الشعراء: ٥٤، ٥٥] ، ويميل كاتب هذه السطور لافتراض أن كلمة شرذمة قليلون في هذا السياق تعكس الدلالة السياسية والاجتماعية لما يشير إليه مصطلح الأقلية من وجهة نظر الأغلبية والسلطة الحاكمة، حيث تسود بينهما علاقة صراعية استخدمت فيها أدوات القهر المعنوي والمادي بقصد استئصال الأقلية ومحوها من الوجود، وربما يدفعنا ذلك إلى أن نؤكد العلاقة بين طبيعة النظام السياسي وبين ممارساته تجاه الأقلية، حيث يميل النظام الفرعوني الاستبدادي إلى عدم التسامح مع الأقلية التي تقع تحت سلطانه، وقد يجنح إلى حد العمل على استئصالها، ويمكن لنا أن نقول: إن تطبيقات فرض التكامل القومي بمعنى سحق الولاءات الأولية لصالح الأيديولوجية الواحدة التي تفرضها الأنظمة الثورية في العالم الثالث هي تعبير عن ممارسة تدخل في إطار النموذج الفرعوني. رابعاً: إن تعبير الاستضعاف مصطلح قرآني أكثر تعبيراً عن مصطلح الأقلية، ... ولكن من حيث رؤية هذه الأقلية لذاتها تجاه الجماعة الحاكمة التي توصف عادة في القرآن الكريم بالاستكبار، حين يكون الصراع بين الأقلية والأغلبية حول المبدأ [*] . خامساً: التعبير القرآني يستخدم القلة للتعبير عن النقص العددي، لكنه لا يجعل مجرد النقص العددي مثاراً للاحتقار أو مبرراً للتقليل من الشأن، بل الغالب أن القلة تستخدم في السياق القرآني للتعبير عن المدح والتقدير، وهو ما يؤكد أن الإطار القرآني لا يجعل من المعيار العددي المجرد مقياساً لترتيب أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية متميزة، فتعبير القلة أو الكثرة هو تعبير محايد حتى يأتي وصف يحدد طبيعة هذه الكثرة أو القلة، وهو ما يطلق عليه: التعبير الوظيفي للعدد. ويمكن استخدام مصطلح الأقلية للتعبير عن التعدد الثقافي أو العِرقي لجماعة من البشر في مواجهة جماعة أخرى تعبر عن الأكثرية أو التميز في سلم التدرج الاجتماعي والسياسي، لكنه يحتاج إلى تحديد وضبط ليعبر عن الخصوصية الحضارية الإسلامية. وتعرّف هذه الدراسة الأقلية من منظور إسلامي على النحو التالي [١٠] : الجماعة التي تعيش داخل المجتمع الإسلامي على سبيل الاستقرار (الدوام) ولها حكم شرعي مختلف عن أحكام الجماعة المسلمة، أو التي فارقت الجماعة المسلمة بتأويل ديني لا يسوغ. فلا يعد أقلية من وجهة النظر الإسلامية: المستأمنون الذين يدخلون دار الإسلام لضرورات تفرضها طبيعة العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب. كما ينظم العلاقة بين الجماعة المسلمة والأقلية الحكم الشرعي لا معيار الكثرة أو القلة العددية، ونقصد بالحكم الشرعي: اجتهاد ولي الأمر في تحديد الأوضاع المنظمة لتواجد غير المسلمين في المجتمع الإسلامي بما لا يتعارض مع المقاصد العامة للشريعة أو نصوصها القطعية. ويعد أقلية: من فارق إجماع المسلمين بتأويل ديني لا يسوغ، أي: لا تجيزه قواعد اللغة والشرع أي الجماعات المخالفة لإجماع الأمة ويدخل ضمن هؤلاء: البهائيون، الإسماعيليون، الدروز، العلويون، بعقائدهم الباطنية المصادمة للإسلام، فهم ينتسبون للإسلام، ولكنهم ليسوا منه، فهم أحق بوصف الردة بتعبير عبد القاهر الجرجاني وغيره. ولا يدخل ضمن الأقلية من وجهة النظر هذه: الأكراد، البربر، الأتراك.. وغيرهم ممن تعتبرهم الدراسات الحديثة أقلية، وكما يقول فاضل رسول: إن طرح علاقة الشعوب الإسلامية ببعضها ضمن مفهوم الأقلية والأكثرية هو أمر خاطئ؛ فالإطار الإسلامي من المفترض أن يجمع المسلمين من أي شعب وقوم، فلا توجد هنا أغلبية وأقلية، وإذا اعترفنا بوجود انتماءات قومية مختلفة: فيمكن الكلام ربما عن شعب صغير وآخر أكبر، ولكن ليس عن أكثرية وأقلية. إن العلاقة بين الشعوب المسلمة ضمن البلد الواحد لا يمكن فهمها على أساس علاقة الداخل بالخارج؛ فتاريخيّاً: كانت علاقة الشعوب الإسلامية ببعضها علاقات مركز بأطراف، وليست علاقة داخل بخارج، وكانت علاقة المركز بالأطراف قابلة للتداول، ولا تعتمد على القهر، أما الحالة التي نعيشها فهناك ضغط دائم من الأطراف على المركز، ربما لصالح أطراف خارجية.. [١١] . إن معيار الحكم الشرعي الذي تتبناه هذه الدراسة لإعادة التعريف بمصطلح الأقلية من وجهة النظر الإسلامية يتميز بالآتي: أولاً: أن الحكم الشرعي معيار فوقي؛ بمعنى: أن الله هو الذي أمر المسلمين بقبول غير المسلمين في إطار البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية الإسلامية، وأمر بالإحسان إليهم وحمايتهم إذا دفعوا الجزية وقبلوا التزام أحكام الملة، وعقد الذمة بهذا المعنى، ورغم أن الذين يوقعونه بشر، إلا أن مصدره الله والرسول، وهو بهذا واجب شرعي وتكليف إلهي لا يمكن مخالفته. ثانياً: أنه معيار ثابت لا تعتريه التغيرات، ولا تكيفه أهواء البشر، وهو منضبط، بمعنى أن استخلاص الحكم الشرعي محكوم بقواعد علمية صارمة يتم الاجتهاد في ضوئها. ثالثاً: أنه صريح؛ فهو لا يتتبنى خطاباً مراوغاً يحاول أن يلغي فيه خصوصية غير المسلمين.

стр. 1997

مقال استثمار المواقف بقلم: خالد السبيعي أورد ابن حجر في (لسان الميزان) قصة عجيبة، ذكرها أبو محمد ابن حزم لعبد الله بن محمد بن العربي والد القاضي أبي بكر أنه أي: ابن حزم شهد جنازة، فدخل المسجد فجلس قبل أن يصلي، فقيل له: قم فصلِ تحية المسجد، ففعل، ثم حضر أخرى فبدأ بالصلاة، فقيل له: اجلس ليس هذا وقت صلاة وكان بعد العصر فحصل له خزي، فقال للذي ربّاه: دُلني على دار الفقيه، فقصده وقرأ عليه الموطأ، ثم جدّ في طلب العلم بعد ذلك. لقد أجاد أبو محمد كما رأينا في التعامل مع هذا الموقف، وحوّله من خسارة إلى مكسب، إن هذه القصة نموذج ساطع لفن التعامل مع المواقف واستثمارها. ولا نستطيع في الواقع الاستمرار في الحديث عن الموقف واستثماره دون وضع تعريف محدد للمقصود به هنا، فالموقف إذاً: هو كل ما يتعرض له الفرد من أحداث ويتطلب منه اتخاذ قرار - إيجابي أو سلبي- تجاه هذه الأحداث، ويكون له القدرة على اتخاذه، وبعبارة أخرى: فالحياة: مجموعة من المواقف. إن استثمار المواقف يحتاج إلى منهج واضح، لعلنا في هذه العجالة نلقي ضوءاً على بعض أسسه. إن المبادئ التي يحملها الفرد، والقيم التي تحكم تصرفاته، والطباع الشخصية المحركة لدوافعه، تمثل الأسس الداخلية التي يقوم عليها منهج الاستثمار المتوازن للمواقف، فضعف الإيمان بالمبدأ مثلاً أو قوته ومدى سلبيته أو إيجابيته ونتائج التخلي عنه تحدد مدى قوة تأثير العامل. كما إن هناك مؤثرات أخرى (خارجية) ، كالبيئة التي يعيش فيها الفرد والأصدقاء المقربين له، والضغوط التي يتعرض لها سواء أكانت اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية أو غير ذلك، وسيكون استعراضي هنا لأثر الأسس أو العوامل الداخلية (الفردية) ، وذلك لأنها المحدد النهائي لمدى الاستجابة (الاستثمار) وكيفيتها. فالأنَفَة على سبيل المثال طبع شخصي عند ابن حزم، دفعته إلى تصحيح وضع خاطئ (جهل المرء بدينه) بإيجابية ملهمة كما رأينا سابقاً وجعلته فيما بعد علماً من أعلام الفقه الإسلامي. والتعصّب الأعمى للقبيلة وكل تعصّب أعمى من القيم الجاهلية المعروفة، إلا أن أثرها كما سيظهر في القصة التالية خطير وجد خطير. فقد أورد ابن كثير في (البداية والنهاية) رواية للبيهقي، جاء فيها: أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع منه، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفوسهم شيئاً، ثم انصرفوا، وتكرر هذا الأمر ثلاث ليال، حتى قالوا: لا نبرح حتى نتعاهد على ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته وسأله عن رأيه فيما سمع، فأجابه أبو سفيان بأن ما سمعه لم يكن كلاماً منكراً أو لا يعقل، وكذلك كان رأي الأخنس، ثم أتى الأخنس إلى أبي جهل وسأله عن رأيه فيما سمع، فقال أبو جهل: ماذا سمعت؟ ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمع له ولا نصدقه! . انظر إلى أثر هذه القيم، وما تفعله بالبشر! . أما عن أثر المبادئ وهو الأهم على استثمار المواقف فالشواهد عليه لا تحصى، وسنعرض لموقف فريد منها، لم يتكرر في القرآن الكريم، ولم يذكر صاحبه إلا في هذه السورة التي حملت اسمه، إنه نبي الله يوسف (عليه الصلاة والسلام) . وسنتوقف قليلاً عند هذا الموقف ونتأمله، كما وصفه الله في محكم تنزيله. رزق يوسف ﵇ بجمال أخّاذ في الخلقة، وعقل راجح، وفصاحة في البيان، مما جعله محط أنظار الناس. وسكن في بيت العزيز (حاكم مصر) بعد أن اشتراه بثمن بخس! ! ، وأعجبت به امرأة العزيز [وَرَاوَدَتْهُ الَتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [يوسف: ٢٣- ٢٥] . كانت الظروف كلها مهيأة تقريباً لحدوث ما لا تحمد عقباه، إن حب الشهوات طبع بشري عالجه يوسف ﵊ وأزاله بالمبدأ السامي (طاعة الله) ، الذي هو عقيدة كل مسلم. وختاماً: فإن الفرد منا بحاجة إلى مبادئ صحيحة يعتقدها وتنير دربه، وقيم صالحة ينتقيها، وطباع بشرية يهذبها، ليكون الاستثمار الأمثل للحياة.

стр. 1998

منتدى القراء ضغط الواقع بقلم:خالد محمد الذواد يتخذ الأفراد والجماعات والأمم في أحيان كثيرة مواقف معينة، ما كانت لتتخذ لولا وجود عوامل ضاغطة، أدى تراكمها إلى اتخاذ هذه المواقف، المغايرة لما كان ينبغي اتخاذه. وهذه العوامل نطلق عليها: ضغط الواقع، وهو: تلك العوامل الضاغطة المجتمعة، التي تؤثر في اتخاذ موقف ما. ومقاومة ضغط الواقع تنعدم حتماً بانعدام القدرة على المقاومة وانعدام إرادة المقاومة، وبالنسبة لنا نحن المسلمين فالقدرة هي قوتنا الذاتية بكافة أشكالها، والإرادة نستمدها من إيماننا وعقيدتنا، وما موقفا معتّب بن قشير (المنافق) وسعد ابن معاذ (الصحابي) إلا تصوير لذلك الخيط الدقيق لما بين المؤمن والمنافق من فروق. فعندما تحزبت الأحزاب على المسلمين زاعمة استئصال شأفتهم في شوال من السنة الخامسة للهجرة قبائل العرب من الخارج، واليهود من الداخل عظم البلاء واشتد الخوف، وظن المؤمنون بالله الظنون، في تلك اللحظة قال معتب: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط [١] . لم يستطع معتب مقاومة ضغط الواقع الذي عاشه في تلك اللحظة، بسبب انعدام القدرة والإرادة، فقال من كلمات الكفر ما قال، وفي مقابل هذا اتخذ سعد بن معاذ موقفه الرائع، فقد بعث الرسول ﷺ عندما اشتد خطر الأحزاب إلى عيينه بن حصن والحارث بن عوف قائدي غطفان ليعطيهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، وقبل أن يتم الصلح على هذا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عباده، فلما علما أنه يفعل ذلك من أجلهم ولحمايتهم والتخفيف عنهم، قال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! والله مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم [٢] . لم يؤثر ضغط الواقع الذي عايشه سعد على موقفه، بل تحرر منه بإيمانه وعزته وشجاعته، فسجل له التاريخ موقفاً لا يمكن أن ننساه. أما عن المواقف المعاصرة: ففي كل بيئة، في كل بيت، بل وعند كل فرد، فالعالم والمفكر والقائد وكل فرد معرض لضغط الواقع، وقليل فقط من يستطيع مقاومة كل الضغوط، ومن ثم: التحرر التام منها. وقد يتخذ الفرد موقفاً ما تحت ضغوط معينة، لا يشعر هو بوجودها، وعدم شعوره لا يعني بالطبع عدم وجودها حقيقة، وينبغي على الفرد أيّاً كان أن يتخذ مواقفة بمعزل عن تأثير الضغوط المختلفة مهما بلغت قوة هذه الضغوط، لكي تكون حياته في النهاية والتي هي مجموعة المواقف التي يتخذها كما يريد هو وكما يعتقد، لا كما تفرضها عليه ظروفه.

стр. 1999

منتدى القراء دعوة إلى اكتشاف الطاقات الكامنة بقلم: عبد الله بن ناصر الحمد لاشك أن ساحة العمل الإسلامي المعاصر تشتكي من النقص الكبير في كوادرها العلمية والعملية، ومع وجود هذه المشكلة فإنه يندر أن ننتبه إلى عدم صلاحية أحد الأشخاص في مكانه الذي يشغله، وذلك للحاجة الشديدة التي تستدعي أي شخص لشغل هذه الأماكن الشاغرة، لذلك نلمس في العمل الدعوي أن إنتاجية عدد كبير من الدعاة تصبح دون المستوى المطلوب نظراً لوجودهم في غير الأماكن المناسبة لقدراتهم. وإذا أدركنا حجم هذه المشكلة فإن علاجها يسهل كثيراً، إذ إن إدراك المرض أول خطوات العلاج، ولا أزعم أني سوف أستوعب علاج هذه المشكلة، لكن حسبي فتح الباب أمام المختصين حتى يدلوا بدلوهم لوضع الحلول لهذه المشكلة الخطيرة. وفي البداية: أؤكد على أهمية الإحساس بالمشكلة، ونشر الوعي بخطورتها بين الأوساط الدعوية، حتى تتفتق الأذهان، ثم تبحث عن علاجات لهذه المشكلة، فأهل الخبرة لهم القِدْح المعلّى في مثل هذه المشكلات. وثانياً: لابد أن يعي الدعاة وسائل استغلال الطاقات وتوجيهها، فلا يعامل جميع الأشخاص معاملة واحدة، بل لابد من توجيه كل شخص إلى ما يمكن أن يبدع فيه، وهذا أمر يدركه أصحاب النظر والعاملون على إعداد العاملين في سلك الدعوة. أما إذا لم يوفق الشخص إلى من يوجهه إلى ما ينفعه وإلى الوجهة التي يصلح لها، فالأمر حينئذ أصعب، وفي هذه الحالة فإني أقترح أن يقوم الشخص بفحص مهاراته ومحاولة استخراج أجدى الاتجاهات التي يمكن أن ينتج ويفيد من خلالها، مع الحرص على استشارة الآخرين ودراسة تجارب من سبقه. وفي الختام أدعو قراء مجلتنا البيان إلى طرح حلول جادة لهذه المشكلة، فإنها والله مشكلة مهمة تستحق أن يتوقف عندها كل مخلص وكل داعية إلى هذا الدين. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 2000

الورقة الأخيرة الشهوة الخفية ! أحمد بن عبد الرحمن الصويان أواخر الخلافة العثمانية كثر صراع السلاطين على الزعامة والنفوذ، وانتشر السجن والقتل بينهم، حتى إنّ أحد الخلفاء قتل تسعة من إخوانه لتثبيت حكمه وحكم ولده من بعده..! أليست هذه الحادثة جديرة بالتأمل والنظر..؟ ! غريب هذا الإنسان.. ألهذا الحدّ يبلغ به بريق الزعامة..؟ ! ألهذا الحد يطغى ويتجبر من أجل الوصول إلى القمة..؟ ! وليس هذا المثال نشازاً لا نظير له؛ فكتب التاريخ في قديم الدهر وحديثه طافحة بنظائره، بل إنّ التاريخ الحديث يُرينا إبادة وإذلال شعوب بأكملها، فحبّ الزعامة والظهور يُعمي ويصم، ويجعل الإنسان يبيع كل شيء من أجل الوصول إليها..! وليس عجيباً أن تتواتر النصوص النبوية في التحذير من السعي إلى الإمارة،، فهي فتنة تتساقط تحتها كرامة الرجال، وتنكشف أمامها كمائن القلوب..! لقد اعتدنا ذلك من الساسة وطلاب الدنيا وأصحاب المغانم الفانية.. ولكن الغريب كل الغرابة أن ينتقل الداء داخل بعض التجمعات الدعوية، ويسيطر على بعض النفوس المريضة، من حيث تشعر حيناً، ومن حيث لا تشعر أحياناً أخرى! حتى يصبح همّ المرء أن يسوّد على خمسة أو عشرة أو أقل أو أكثر دون أن يُفكر بورع صادق في تبعات ذلك في الدنيا والآخرة، فهي أمانة.. وإنها يوم القيامة خزي وندامة..! إنّ ضباباً كثيفاً يطغى على بصر الإنسان حينما يرى لمعان القيادة يطل عليه من بعيد، وتظل نفسه تحدّثه ويُمنيه هواه بالوصول إليها، فتراه ينسى نفسه ويلهث من أجل الوصول إليها والعض عليها بالنواجذ، ثم تجد التسابق والتنافس، بل الكيد والكذب أحياناً للوصول إلى المطلوب، فالغاية تبرّر الوسيلة! وصدق الفضيل بن عياض عندما قال: ما من أحد أحبّ الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير [١] . بئست الدعوة حينما تكون مغنماً وجاهاً وشرفاً، ينتفخ فيها المرء ويتيه ويتبختر..! وبئس الداعية حينما يسعى لاهثاً وراء زخرف عاجل وعرض قريب..! إنّ حبّ الظهور والعلو بداية السقوط والانحراف والفشل، وما أحكم رسول الله حينما يقول: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه [٢] . قال شدّاد بن أوس ﵁ : يا بقايا العرب.. يا بقايا العرب! إنّ أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، والشهوة الخفية، قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة! [٣] . وإنّ نصر الله وتأييده لا يتنزل إلا على عباده المخلصين، الأخفياء الأتقياء، الذين تشرئب أعناقهم وتتطلع قلوبهم إلى النعيم المقيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ قال الله (تعالى) : [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] .

стр. 2001

ربيع الأول - ١٤١٦هـ أغسطس - ١٩٩٥م (السنة: ١٠)

стр. 2002

كلمة صغيرة حتى متى ؟ ! يحز في نفس كل مسلم مخلص الواقع المأساوي للعلاقات المتوترة بين كثير من أقطار العالم الإسلامي، فلا تكاد تَسلم دولتان من نزاعٍ بينهما يشتد فيه الخلاف، وقد تراق فيه الدماء.. على ماذا؟ ! على أمتار من الأرض، ربما ساهم في تخطيطها رجال أجانب سبق لهم احتلال تلك البلدان، وعملوا عن سابق إصرار لتكون الحدود بؤراً قابلة للاشتعال في أي فرصة، وهذا ما يحصل مع الأسف الشديد لأدنى سبب. وتقوم (الرويبضات) بصب الوقود على النار بعيداً عن كل عقلانية يدّعونها، ويساعد الإعلام (الرخيص) بصحفه الصفراء (الحمراء سابقاً!) في إيقاد النار ليزداد اشتعالها، لا لشيء وإنما لنزاعات إقليمية ضيقة ولنعرات جاهلية سخيفة. أين ما يجب أن يدين به أولئك من دين يجعل الجميع أمة واحدة؟ ! بل أين الرابطة (القومية) التي طالما تغنوا بها؟ ! إنها لمأساة تضحك الثكالى حينما تُمد الأيادي إلى الأعداء الألداء الذين حذرنا الله من الركون إليهم، وفي الوقت نفسه تُدفع شعوبنا إلى معاداة نهى إسلامنا عنها، وأمرنا الباري (جل وعلا) بأن نكون سويّاً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. فحتى متى نتداعى في أحضان الأعداء كالفراش على النار، بينما تتوتر النفوس وتثار أعصاب الشعوب حتى لم يبق على إشعال الحرب إلا تصرف أرعن؟ ! ثم: نحن بحاجة إلى بناء الأمة وإثارة روح المجد والتعاون والتضامن، بعيداً عن النزعات الجاهلية والتصرفات الغوغائية.

стр. 2003

افتتاحية العدد مُسَعّرُ حرب لو كان معه أحد تمر الأمة الإسلامية في هذه الفترة بمرحلة دقيقة قد تحدد وضعها لسنوات طويلة قادمة، فهناك مظاهر انبعاث إسلامي في كل أنحاء المعمورة، وهناك محاولات وأد لهذا الانبعاث، ولهذا فإنه مما لا يدعو للاستغراب كون المسلمين طرفاً مستهدفاً في معظم بؤر التوتر في العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لأن أعداء الله في سباق مع الزمن؛ ولهذا نجد معظم أعمالهم ضد المسلمين تبدو وكأنها تستبق شيئاً، وعند استعراض كثير من الأعمال نجد فيها الاستعجال والتوتر، وإليك بعض الأمثلة: ١- ما يسمى بالعملية السلمية في الشرق الأوسط: لقد حاول اليهود في فترة احتلالهم تذويب الفلسطينيين وجعلهم جزءاً من مجتمع الكيان الصهيوني يمثلون مصدر العمالة الرخيصة، عماله تعمل وتكدح لتعيش عيشة الكفاف، ليس لها هدف ولا يحدوها أمل، تبني المجمعات السكنية ليقيم فيها يهود الشتات، تزرع الأرض ليُصَدّرَ الإنتاج ويلصق عليه (أنتج في إسرائيل) ، جموع تذهب وتجيء هدفها فقط هو الحياة، نعم ... مجرد الحياة! ، ولهذا: فقد حاول اليهود حرمانها حتى من الزعامة المصنوعة المتمثلة في منظمة التحرير. ولكن حصل ما لم يكن بالحسبان، لقد أصبح للجماهير هدف وأصبح لها زعامة نابعة من ذاتها، لها مبادئ غير مستوردة أو مفصلة في بلاد الأعداء، وكانت الانتفاضة ميدان التنافس بين الزعامتين والتوجهين؛ وهنا حصل الانقلاب وأصبح الرخيص غالياً، وبدا أن ياسر عرفات هو السلعة الوحيدة التي أنتجتها الدول العربية واستوردتها إسرائيل، وهذه أولى خطوات التطبيع. ٢- لقد كان الغرب أثناء تهاوي المنظومة الاشتراكية يبشر العالم بعصر جديد شعاره: حرية الاقتصاد، وتعددية الأحزاب، ونهاية عهد حكومات الحزب الواحد الذي كان شاملاً في دول ما يسمى بالعالم الثالث، وكانوا يضغطون على الدول للسماح بالتعددية، ولكن اكتشفوا أن هذا التوجه سيؤدي حتماً إلى قيام دول إسلامية التوجه، فسرعان ما تغيرت المواقف وتم استثناء العالم الإسلامي، وأصبح الموقف الجديد هو دعم الأنظمة القائمة بشرط واحد وهو: المشاركة في التصدي للعدو رقم واحد للغرب حسب نظرية (صدام الحضارات) ألا وهو الإسلام، وقد اتخذ هذا أشكالاً متعددة: فهناك دعم لنظام علماني صريح حساس تجاه أي شعار أو مظهر إسلامي كما في تركيا. وأيضاً احتواء أحزاب شيوعية كانت تحكم المسلمين في الجمهوريات باسم الحزب الشيوعي الروسي والسماح لها بممارسة السلطة بشروط منها: التصدي للصحوة، وفتح البلاد للنفوذ الغربي، حتى إن أمريكا تحدد لأذربيجان الخط الذي يمكن أن يمر معه خط أنابيب البترول الخاص بها. أما في كثير من البلاد العربية فإن المواجهة أشد قسوة بسبب: أن تنامي المد الإسلامي يمثل خطورة مباشرة على كيان اليهود في فلسطين، وأصبحت مواجهة التطرف والأصولية بزعمهم هي عربون الولاء للغرب والحرص على مصالحه، ويكفي أي نظام أن يعلن أنه قتل عدداً ممن يشتبه أنهم من المتطرفين (لاحظ من المشتبه) حتى ينكس الغرب رايات حقوق الإنسان، بل وتنهال عليه الهبات والقروض ويحصل على إطراء البنك الدولي أيضاً، بل إنه عندما تشكو دولة اليهود أن الإسلاميين يحصلون على أموال من تبرعات المسلمين في أمريكا وأوروبا وغيرها: يتصدى كلينتون للقضية ويصدر قراراته السريعة ويمارس ضغوطه على الذين لديهم القابلية للانضغاط. ٣- مطاردة العناصر الإسلامية البارزة المشردة في كل مكان تأوي إليه، وتكثيف المتابعة لأي مشروع إسلامي ثقافي محض حتى لو كان مسجداً أو مدرسة، ومحاولة إلصاق التهم الجاهزة التي لا يُقبل أن يعتذر عنها رغم ثبوت بطلانها، بل وتنازلت أمريكا عن حقوق مواطنيها إذا كانت أصولهم إسلامية؛ فبينما يصل اليهودي الذي لم يحصل على الجنسية إلا منذ سنتين على أعلى المناصب في البيت الأبيض تبادر مخابرات بلد غربي إلى التقرب من أمريكا عن طريق اعتقال مسلم يحمل الجنسية الأمريكية بدون أدلة تدينه إلا سحنته العربية و (سَمْتَه الإسلامي) . ٤- مقاومة بروز أي كيان إسلامي جديد، وهذا واضح بيّن في حالة البوسنة وكشمير والشيشان، ولن نسهب في مواقف الغرب ولكن لابد للمراقب أن يلاحظ التناقض في المواقف؛ فمثلاً في حالة البوسنة كانت الأمم المتحدة والغرب يعلمون بوجود معسكرات الاعتقال والتعذيب الصربية، وحرصوا على التكتم عليها حتى تم كشفها عن طريق الصحافة، أما في الفترة الأخيرة: وبينما كان المسلمون يعدون إمكاناتهم المتواضعة من أجل محاولة فك الحصار عن سراييفو، فقد بادر الغرب بالإعلان عن الحشود المسلمة، بل وتبرعت أمريكا بإعلان عدد القوات المحتشدة، أما الرئيس الفرنسي الجديد فإنه حذر المسلمين من الهجوم، هذا في الوقت الذي لم نسمع فيه أي تحذير غربي من أي هجوم صربي، بل ولم تتفضل أمريكا بإعلان حجم التعزيزات الضخمة القادمة من صربيا نجدة لصرب البوسنة في خرق صريح للحظر الدولي الذي يبدو أنه مطبق بحزم فقط على جانب واحد: هو المسلمين. كلمة أخيرة لابد منها، وهي: إن كل هذه الأعمال لن توقف المد الإسلامي الذي هو قدر الله لهذا العالم، فكل أعمالهم وبذلهم سيكون عليهم حسرة في الدنيا وندامة في الآخرة؛ قال (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] [الأنفال: ٣٦] . لقد حاول الصرب القضاء على الإسلام في البوسنة، فتقدمت الصحوة الإسلامية في البوسنة تقدماً هائلاً، وكانت أفعال الصرب عاملاً مهمّاً فيها. وأيضاً لقد حاولت فرنسا وأذنابها وقف تقدم الإسلام في الجزائر؛ فحدث أن قامت الطغمة الحاكمة بقتل آلاف الأشخاص وضاقت السجون على سعتها؛ فأقاموا المعسكرات في الصحراء وملؤوها بالشباب المسلم، فماذا حصل؟ لقد دفع الشعب الجزائري ٠٠٠ ر٤٠ قتيل حتى تقتنع الحكومة بالحوار مع جبهة الإنقاذ وتعود إلى نقطة الصفر! ! . إلى كل المجاهدين إلى كل الدعاة المطاردين: اثبتوا فإن الله ناصر عباده الصالحين، لا يفت في عضدكم قلة المعين وضعف الناصر، ولا يرهبنكم محاولات التضييق والمحاصرة، فإن بعد كل عسر يسراً، وبعد كل ضيق فرجاً، ومن كان الله معه كفاه، وسيرتد بإذن الله كيد الكائدين إلى نحورهم، وما أحرى بكل مسلم وكل كيان إسلامي تكالبت عليه الأعداء وضاقت به السبل أن يستلهم العبرة من خبر صحابي جليل لم يكن من قبله مشهوراً: إنه خبر أبي بصير ﵁ الذي عمل ما عمل من جهود لمضايقة قريش، وأفلح في أن يؤدي دوره بكل جدارة كانت محل إعجاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ما أحوجنا إلى تأمل قصص الأنبياء والصالحين كما وردت في القرآن والسنة؛ ففيها عبر ودروس تهون معها ما يلاقيه الدعاة والعاملون للإسلام من مضايقات وعوائق في الطريق، وصدق الله العظيم: [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] [المجادلة: ٢١] .

стр. 2004

دراسات شرعية اتباع النبي ﷺ في ضوء الوحيين حقيقته، منزلته، مظاهره، عوائقه (١) بقلم: فيصل بن علي البعداني اتباع النبي أحد أساسيات دين الإسلام ومسلماته، وقد تواترت النصوص الشرعية الصحيحة في بيانه، إلا أن ذلك لم يمنع انحراف طوائف من المسلمين عن سلوك الجادة فيه، حيث اضطربت فيه أفهام وزلت أقدام؛ مما جعل الحاجة لإيضاحه تعظم، والبيان يتوجب، ولذا: فسأحاول في هذه الدراسة التعريج عليه لبيان بعض جوانبه، راجياً الله (تعالى) أن يوفق للخير ويصلح القصد. الاتباع في اللغة: مصدر اتبع الشيء إذا سار في أثره وتلاه، والكلمة تدور حول معاني اللحاق والتطلب والاقتفاء والاقتداء والتأسي. يقال: اتبع القرآن: ائتم به وعمل بما فيه، واتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم-: اقتدى به واقتفى أثره وتأسى به [١] . الاتباع في الشرع: هو الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ في الاعتقادات والأقوال والأفعال والتروك، بعمل مثل عمله على الوجه الذي عمله ﷺ من إيجاب أو ندب أو إباحة أو كراهة، مع توفر القصد والإرادة في ذلك. ويكون الاتباع للنبي ﷺ في الاعتقادات: بأن يعتقد العبد ما اعتقده النبي ﷺ على الوجه الذي اعتقده من ناحية الوجوب أو البدعية، أو لكونه من أسس الدين أو ناقضاً لأصله أو قادحاً لكماله ... إلخ من أجل أنه اعتقده ﷺ ، ويشمل الاعتقاد هنا: قول القلب وهو التصديق، وعمل القلب وهو الإخلاص والمحبة والتوكل والخوف والرجاء.. إلخ. ويكون الاتباع للنبي ﷺ في الأقوال: بامتثال مدلولها، وما جاءت به من معانٍ، لا أن تكرر ألفاظها وتردد نصوصها فحسب، فمثلاً: الاتباع لقوله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي [٢] يكون بالصلاة كصلاته. كما يكون الاتباع للنبي ﷺ في الأفعال: بأن نفعل مثل فعله على الوجه الذي فعله من أجل أنه فعله. فقولنا (مثل فعله) : لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل وكيفيته. وقولنا (على الوجه الذي فعله) : معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته (إخلاصاً، وتحديداً للفعل من حيث كونه واجباً أو مندوباً) لأنه لا تأسي مع اختلاف الغرض والنية وإن اتحدت صورة الفعل. وقولنا (من أجل أنه فعله) : لأنه لو اتحدت الصورة والقصد ولم يكن المراد التأسي والاقتداء فإنه لا يكون اتباعاً. ويكون الاتباع للنبي ﷺ في التروك: بأن نترك ما ترك على الصفة والوجه الذي ترك من أجل أنه ترك، وهي القيود نفسها في الاتباع في الأفعال. والمراد باتباع الرسول ﷺ اتباعه في كل ما جاء به من أوامر ونواهٍ في القرآن والسنة لقوله ﷺ : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه [٣] ، قال عطاء: طاعة الرسول- ﷺ : اتباع الكتاب والسنة [٤] . المخالفة ضد الاتباع: وتكون المخالفة في الاعتقاد والقول والفعل والترك، فأما المخالفة في الاعتقاد تكون بأن يعتقد العبد خلاف ما اعتقده النبي ﷺ كأن يُحِلّ إنسان ما عُلم بالضرورة تحريمه من دين الإسلام، أو يحرم ما علم بالضرورة حله من دين الإسلام، ومثل أن يبتدع في دين الله (تعالى) ما ليس منه كالاحتفالات البدعية التي لم يفعلها النبي ﷺ ولا صحابته ﵃ ، ومثل أن يعتقد أحد بأن المخالفين لشرع الله (تعالى) وما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- هم أولياء الله وأحباؤه. والمخالفة في القول تكون بترك امتثال ما اقتضاه القول ودل عليه من وجوب أو حظر، والمخالفة في الفعل تكون بالعدول عن فعل مثله مع كونه واجباً، والمخالفة في الترك تكون بفعل ما ترك مع كونه محرماً. ولا تكون المخالفة في ترك المندوب وفعل المكروه، بل لا تكون إلا في ترك الواجب وفعل المحرم. علاقة الاتباع بالزمان والمكان: لا علاقة للزمان المخصص أو المكان المخصص بالفعل لمجرد وقوعه فيه إلا بدليل خارجي عن ذلك الفعل، فإن خصص المصطفى ﷺ لنا بذلك الدليل الخارجي لذلك الفعل زماناً أو مكاناً خصصناه به كتخصيص الطواف حول الكعبة والاستلام بالحجر الأسود والركن اليماني (مع اختلاف في الصفة) والصيام الواجب بشهر رمضان، والوقوف بعرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة، وعيدي الفطر والأضحى بوقتهما المعروف، وأما ما فعله بحكم الاتفاق والمصادفة ولم يقصده لذاته -ولو تكرر ذلك- مثل: أن ينزل بمكان ويصلي فيه، لكونه نزل لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين على الأصوب بل مبتدعين، وقد ورد نهي الفاروق عمر ﵁ في قوله الثابت: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة [أي: في موضع صلاته ﷺ ] فليصل أو فليمض [٥] ، وتؤكد هذا المعنى أم المؤمنين عائشة ﵂ فتقول: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج [٦] ، ولقد قرر كثير من أهل العلم هذا المعنى: كابن تيمية في الفتاوى [٧] ، والآمدي في أحكامه حيث قال: ... فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان [٨] . الأفعال النبوية من حيث الاتباع والتأسي: تنقسم أفعال النبي ﷺ من حيث الاتباع والتأسي إلى ثلاثة أقسام هي: ١- الأفعال الجبلية: كالقيام والقعود والشرب والنوم وغير ذلك، وهي نوعان من جهة التأسي والاتباع: * نوع جاء النص الخارج عن الفعل بإيجابه أو ندبه، كالأكل باليمين، والشرب ثلاثاً وقاعداً، والنوم على الشق الأيمن فهذا يشرع التأسي والاقتداء به في ذلك. * نوع لم يأت نص دال على مشروعيته، وهو باق على الأصل من حيث الإباحة للجميع؛ وذلك لأن الأوصاف التي يطبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب برفعها ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها [٩] . وهذا النوع محل خلاف بين أهل العلم في مشروعية التأسي والاقتداء به ﷺ فيه على جهة الندب على قولين: أ- أن التأسي والاقتداء بالنبي ﷺ في هذا النوع مندوب، وقد كان ابن عمر ﵁ يفعل مثل ذلك وإن كان قد فعله -صلى الله عليه وسلم- اتفاقاً ولم يقصده. ب- أنه لا يشرع التأسي والاقتداء بالنبي ﷺ وهذا قول وفعل جمهور الصحابة ﵃ ، ومنهم الفاروق وعائشة (رضي الله عنهما) كما في كلامهما المتقدم [١٠] . ويلحق بالأفعال الجبلية: الأفعال التي فعلها النبي ﷺ بمقتضى العرف والعادة كلبس الجبة والعمامة وإطالة الشعر ونحو ذلك، إذ لا تدل على غير الإباحة إلا إذا ورد دليل على مشروعيتها [١١] . ٢- الأفعال التي علم أنها من خصائصه ﷺ : ذكر أهل العلم في باب خصائصه ﷺ أموراً من المباحات والواجبات والمحرمات بعضها متفق على حكمه بالنسبة له ﷺ وبعضها الآخر فيه خلاف، فمن المباح له: الزيادة على أربع نسوة في النكاح، والنكاح بلا مهر، ونكاح الموهوبة، ومن الواجب عليه: وجوب التهجد وقيام الليل، ومن المحرم عليه: الأكل من الصدقة، وأكل ذي الرائحة الخبيثة كالثوم والبصل. فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد ولا يقتدى ويتأسى به فيها [١٢] ؛ قال الشوكاني: والحق أنه لا يقتدى به ﷺ فيما صرح لنا بأنه خاص به كائناً ما كان إلا بشرع يخصنا [١٣] . ويلحق بهذا ويرجع إليه: ما خص به رسول الله ﷺ بعض أصحابه دون بعض؛ كشهادة خزيمة وأضحية أبي بردة [١٤] ، كما يلحق به ما خص به ﷺ أهل بيته ﵃ كالمنع من أكل الصدقة. ٣- الأفعال التعبدية: وهي الأفعال غير الجبلية وغير الخاصة التي يقصد بها التشريع، فهذه مطلوب الاقتداء والتأسي به ﷺ فيها، وهي الأصل في أفعال النبي ﷺ لقوله (تعالى) : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ] [الأحزاب: ٢١] إلا أن صفتها الشرعية تختلف من حيث الإيجاب أو الندب بحسب القرائن. قواعد مهمة في الاتباع: لتقرير ما سبق حول حقيقة الاتباع أذكر القواعد التالية: أ- مبنى دين الإسلام على الوحي والنقل الصحيح لا العقل والاستنباط، فما جاءنا من أمر ونهي في كتاب الله (تعالى) أو سنة رسوله ﷺ وجب علينا قبوله والمبادرة إلى امتثاله فعلاً أو تركاً. ب- يتعين على المسلم البحث عن الحكم الشرعي والتثبت فيه قبل إتيان العمل في جميع شؤون حياته، وتطبيق ذلك هو حقيقة الاتباع والتأسي برسول الله ﷺ ؛ يقول الشاطبي حول ذلك: كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل [١٥] . ج- ما تركه النبي ﷺ من جنس العبادات ولم يفعله مع وجود المقتضي لفعله على عهده ﷺ ففعله بدعة وتركه سنة، كالاحتفال بالمولد النبوي والإسراء والمعراج والهجرة ورأس السنة ونحوها، قال رسول الله ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد [١٦] . يقول الإمام مالك ﵀ : فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً [١٧] . د- كل ما يحتاجه الناس في أصول الدين وفروعه، في أمور الدنيا والآخرة من العبادات والمعاملات في السلم أو الحرب، في السياسة أو الاقتصاد ... إلخ جاءت الشريعة ببيانه وإيضاحه؛ قال الله (تعالى) : [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [النحل: ٨٩] ، وقال (سبحانه) : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] . هـ - أن الاتباع لا يتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشرع في ستة أمور، هي: ١- السبب: فإذا تعبد الإنسان لله (تعالى) بعبادة مقرونة بسبب غير شرعي فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثل إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد بحجة أنها ليلة الإسراء والمعراج، فالتهجد عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لكونه بني على سبب لم يثبت شرعاً. ٢- الجنس: فإذا تعبد الإنسان لله (تعالى) بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة؛ كالتضحية بفرس لأن الأضاحي لا تكون إلا من جنس بهيمة الأنعام (الإبل البقر الغنم) . ٣- القدر أو العدد: فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة أو ركعة في فريضة، فعمله ذلك بدعة مردودة لأنها مخالفة للشرع في القدر أو العدد. ٤- الكيفية: فلو نكس إنسان الوضوء أو الصلاة لما صح وضوؤه أو صلاته؛ لأن عمله مخالف للشرع في الكيفية. ٥- الزمان: فلو ضحى إنسان في رجب أو وقف بعرفات في التاسع من ذي القعدة لما صح ذلك منه لمخالفته للشرع في الزمان. ٦- المكان: فلو اعتكف إنسان في منزله لا في المسجد، أو وقف بمزدلفة لا عرفات لما صح ذلك منه لمخالفته للشرع في المكان [١٨] . والأصل في العبادات بالنسبة للمكلف التعبد والامتثال دون الالتفات إلى الحِكَم والمعاني وإن كانت ظاهرة في كثير منها، ولا يفهم من ذلك أن البحث عن الحِكَم والمعاني في العبادات التي دلت عليها القرائن ليس بمطلوب، كيف لا وقد ذكر الله (تعالى) شيئاً من ذلك مثل قوله: [لعلكم تعقلون] [لعلكم تفلحون] [لعلكم تتقون] ، ولكن المراد: التحذير من التنطع في استخراجها أو ربط القيام بالتنفيذ والعمل بمعرفتها والأصل في العادات والمعاملات الالتفات إلى المعاني والبحث عن الحكم وإن كانت قد لا تظهر في أشياء منها [١٩] . ز- المشقة ليست مقصودة في الشريعة، ولذا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للشيخ الذي نذر أن يمشي وكان يهادى بين ابنيه: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب [٢٠] ، قال العز ابن عبد السلام مقرراً ذلك: لا يصح التقرب بالمشاق، لأن القرب كلها تعظيم للرب ، وليس عين المشاق تعظيماً ولا توقيراً [٢١] . منزلة الاتباع في الشريعة: للاتباع منزلة عظيمة في الشريعة الإسلامية، ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية: ١- الاتباع شرط لقبول العبادات: لا قبول لعمل من الأعمال العبادية إلا بالاتباع والموافقة لما جاء به محمد - ﷺ ، بل إن الأعمال التي تعمل بلا اتباع وتأسّ لا تزيد عاملها من الله إلا بعداً؛ وذلك لأن الله (تعالى) إنما يعبد بأمره الذي بعث به رسوله -صلى الله عليه وسلم- لا بالآراء والأهواء؛ قال رسول الله ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد [٢٢] ، قال الحسن البصري: لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة [٢٣] . ٢- هو أحد أصلي الإسلام الأساسين: الإخلاص وإفراد الله بالعبادة هو حقيقة إيمان العبد وشهادته بأن لا إله إلا الله، والاتباع والتأسي برسول الله ﷺ هو حقيقة إيمان العبد وشهادته بأن محمداً رسول الله، فلا يتحقق إسلام عبد ولا يقبل منه قول ولا عمل ولا اعتقاد إلا إذا حقق هذين الأصلين (الإخلاص الاتباع) وأتى بمقتضاهما؛ قال الله (تعالى) : [فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] [الكهف: ١١٠] ، يقول ابن تيمية: وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان، أحدهما: ألا نعبد إلا الله، والثاني: ألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة، وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله [٢٤] ، ويقول ابن القيم: فلا يكون العبد متحققاً ب (إياك نعبد) إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول ﷺ ، والثاني: الإخلاص للمعبود [٢٥] . ٣- هو سبب لدخول الجنة: ويدل لذلك قوله ﷺ : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى [٢٦] ، وقال الزهري (رحمه الله تعالى) : الاعتصام بالسنة نجاة [٢٧] . ٤- هو دليل محبة الله (تعالى) : ويدل لذلك قول الله (تعالى) : [قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [ال عمران: ٣١] ؛ يقول ابن كثير: هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين المحمدي في جميع أقواله وأفعاله [٢٨] . ٥- طريق تحصيل محبة رسول الله ﷺ على الحقيقة: أوجب الله (تعالى) على عباده محبة رسوله ﷺ ، وتقديم ذلك على محبة النفس والمال والولد والوالد والناس أجمعين؛ كما في الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؛ [٢٩] وقوله - ﷺ لعمر بن الخطاب، حين قال: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال ﷺ : الآن يا عمر [٣٠] . ولا سبيل لتحصيل تلك المحبة للنبي ﷺ وتحقيقها إلا عن طريق الاتباع والحرص على الكمال فيه؛ يقول الخطابي حول هذا المعنى: لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار، لأن حب الإنسان لنفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه: لا تصدق في حبي حتى تفني في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك [٣١] . ٦- الاتباع سبيل امتثال الأوامر بطاعة الرسول ﷺ وتجنب الوعيد المترتب على ذلك: أمر الله عباده بطاعة نبيه في آيات كثيرة منها قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... ] [النساء: ٥٩] ورتب الوعيد الشديد على مخالفته، كما في قوله (تعالى) : [قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكَافِرِينَ] [آل عمران: ٣٢] . ولا سبيل للعبد إلى امتثال تلك الأوامر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والاستجابة له وتجنب الوعيد الشديد على ذلك دنياً وآخرة إلا بالاتباع والتأسي. ٧- الاتباع من صفات المؤمنين اللازمة لهم: ويدل لذلك قوله (تعالى) : [وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ] [النور: ٥٢] ، وقد نفى الله الإيمان عن من أعرض عن طاعة الرسول ﷺ ولم يرض بحكمه؛ قال الله (تعالى) : [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . ٨- الاتباع علامة من علامات التقوى: اتباع النبي ﷺ من علامات ودلائل تقوى القلب وصحة إيمانه؛ قال الله (تعالى) : [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] [الحج: ٣٢] وشعائر الله: أوامره وأعلام دينه الظاهرة، ومن أبرزها وأعلاها طاعة النبي ﷺ واتباع شرعه [٣٢] . من مظاهر الاتباع: للاتباع مظاهر كثيرة من أهمها وأبرزها: ١- تعظيم النصوص الشرعية: ويكون تعظيم النصوص الشرعية بتقديرها وإجلالها، وتقديمها وعدم هجرها، واعتقاد أن الهدى فيها لا في غيرها، وتعلمها وفهمها وتدبرها والعمل بها والتحاكم إليها وعدم معارضتها، وقد كان هذا هو هدي أئمة الاتباع وسادته من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، وحدث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ قال: إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها فقال أحد بنيه: إذن والله أمنعها، فأقبل عليه ابن عمر فشتمه شتمة لم يشتمها أحداً قبله قط، ثم قال: أحدث عن رسول الله ﷺ وتقول: إذن والله أمنعها [٣٣] . وحدث ابن سيرين رجلاً بحديث عن النبي ﷺ فقال رجل: قال فلان وفلان كذا، فقال ابن سيرين أحدثك عن النبي ﷺ وتقول قال: فلان وفلان كذا وكذا؟ والله لا أكلمك أبداً [٣٤] . ٢- الخوف من الزيغ والانحراف عن الحق: وقد كان ذلك واضحاً جليّاً لدى الصحابة (رضوان الله عليهم) بل إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها (أبا بكر الصديق) كان يقول: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله - ﷺ يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، وقد عقب ابن بطة على كلمة الصديق تلك فقال: هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه من الزيغ إن هو خالف شيئاً من أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وأوامره ويتباهون بمخالفته ويسخرون بسنته؟ ! نسأل الله عصمةً من الزلل ونجاةً من سوء العمل [٣٥] . ٣- الاقتداء بالنبي ﷺ والتأسي به ظاهراً وباطناً: بحيث يجرد العبد متابعته لرسول الله ﷺ ويكتفي بالتلقي عنه؛ فلا اعتقاد ولا عبادة ولا معاملة ولا خلق ولا أدب ولا نظام اجتماعي ولا اقتصادي أو سياسي ... إلخ، إلا عن طريقه وعلى وفق ما جاء به من أحكام وتعاليم في الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، بحيث تكون شريعته هي المهيمنة والرائدة. ٤- تحكيم العبد للشرع وتحاكمه إليه: بحيث يُحَكّم ما جاء به الرسول ﷺ في الكتاب والسنة ويتحاكم إليهما، ويجعل ذلك هو الميزان الذي يزن بواسطته الأقوال والأفعال والأحكام، فما وافقها قبله وعمل بما فيه، وما خالفه رده وإن قاله من قاله؛ قال الله (تعالى) : [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّي يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ] [النساء: ٦٥] ، وتحكيم العبد وتحاكمه إلى الشريعة وحرصه على أن تكون جميع شؤونه خاضعة لها هو السمة البارزة والعلامة الفارقة بين المسلم الحريص على الاتباع للحق ومن اتبع هواه بغير هدى من الله فضل وأضل، سواء أسمّي ذلك الهوى عقلاً أو ذوقاً أو مصلحة أو إماماً أو حزباً أو نظاماً.. إلخ. ٤- الرضا بحكم رسول الله ﷺ وشرعه: عن العباس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً [٣٦] . فإذا رضي المسلم بمحمد ﷺ نبيّاً ورسولاً: لم يلتفت إلى غير هديه ولم يعول في سلوكه على غير سنته، وحَكّمَه وحاكم إليه، وقبل حكمه وانقاد له وتابعه واتّبَعَه ورضي بكل ما جاء به من عند ربه، فيسكن قلبه لذلك، وتطمئن نفسه، وينشرح صدره، ويرى نعمة الله عليه وعلى الخلق بهذا النبي - ﷺ وبدينه أيما نعمة، فيفرح بفضل ربه عليه ورحمته له بذلك؛ حيث جعله من أتباع خير المرسلين وحزبه المفلحين؛ قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] [يونس: ٥٧، ٥٨] والرضا كلمة تجمع القبول والانقياد؛ فلا يكون الرضا إلا حيث يكون التسليم المطلق والانقياد الكامل ظاهراً وباطناً لما جاء به الرسول ﷺ من ربه [٣٧] .

стр. 2005

دراسات تربوية قرآنية لا تحسبوه شراً لكم بقلم:عبد العزيز بن ناصر الجليل مدخل: يواصل الكاتب (وفقه الله) وقفاته التربوية القرآنية مع بعض الآيات القرآنية، فقد سبق أن تطرق لوقفات مع قوله (تعالى) : [وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأََنتُمْ تَعْلَمُونَ] [البقرة: ٤٢] ويواصل مجدداً وقفات إيمانية أخرى مع قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم] [النور: ١١] . - البيان - الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. إن الله ، بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا، كتب النصر والغلبة لأهل الحق من أوليائه الصالحين والمصلحين، وكتب المهانة والذلة على أعدائه من الكافرين والمنافقين، وهذه سنة لا تتخلف إلا إذا تخلفت أسبابها، حيث يديل الله (سبحانه) أعداءه الكفرة على عباده المؤمنين، ويسلطهم عليهم ويظهرهم، فتظهر من ذلك الشرور والمصائب كما هو الحاصل في واقعنا المعاصر حيث الاستضعاف والذلة لجل المسلمين، والغلبة والقهر للكافرين، وما كان لسنة الله (سبحانه) أن تتبدل ولا أن تتحول، [فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] [فاطر: ٤٣] ولكن أسباب تحقيق سنة الله (سبحانه) في نصر عباده المؤمنين قد تخلفت؛ فحقت علينا سنة الله (سبحانه) في التغيير [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] وسنة الله (سبحانه) لا تحابي أحداً. ومع وضوح هذه السنة وجلائها من القرآن، وبمقتضى العقل والحس، إلا أننا نجد من هو في غفلة عنها وعن مقتضى أسمائه (سبحانه) وصفاته العلا؛ حيث أدت هذه الغفلة عند بعضنا إلى شيء من اليأس والإحباط، أو إلى شيء من العجلة والتسرع أمام ضغط الواقع، وتسلط الأعداء، وعند انتشار الظلم والفساد. ولن يكون الكلام هنا عن تلك السنة، وإنما سينصب الاهتمام على سنة عظيمة تنبثق عنها السنة السابقة، والله (سبحانه) يبينها لنا من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلا، حيث إن الجهل بها أو الغفلة عنها بعد معرفتها يسهم أيضاً في مزيد من اليأس والقنوط، أو الجزع والتسخط، أو الاندفاع والعجلة والتهور، وهذه وقفات مع قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم] [النور: ١١] . هذه الآية توجيه رباني في إحسان الظن بالله ، والثقة بحكمته ورحمته، وأنه (سبحانه) لا يريد بعباده المؤمنين إلا الخير [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] [البقرة: ١٨٥] وهذا بدوره يبث الأمل في النفوس إزاء المصائب، ويبث الأمل في الأمة بأن المستقبل لهذا الدين مهما تسلط أعداؤه عليه، وكادوا له كيداً [إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] [الطارق: ١٥ ١٧] ، وهو ضروري كذلك لإدراك أن رحمة الله (عز وجل) سبقت غضبه في كل ما يقدره على عباده المؤمنين [كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ] [الأنعام: ٥٤] وما أجمل ما قاله الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) حول هذا المعنى، ومما ذكره: قد شهدت الفطر والعقول بأن للعالم ربّاً قادراً، حليماً، عليماً، رحيماً، كاملاً في ذاته وصفاته، لا يكون إلا مريداً للخير لعباده، مجرياً لهم على الشريعة والسنة الفاضلة العائدة باستصلاحهم، الموافقة لما ركب في عقولهم من استحسان الحسن، واستقباح القبيح [١] . وسيأتي إن شاء الله في ثنايا البحث من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواقف العملية التي تظهر لنا منها ثمار هذه السنة الكريمة، وبخاصة في واقعنا المعاصر المليء بالشبهات، والشهوات، والمتناقضات، والمكائد، والمؤامرات.. ما يزيد الموضوع بياناً. أهمية الموضوع: تتضح أهمية الموضوع في الأمور التالية: أولاً: علاقة هذه السنة بالعقيدة قوة وضعفاً؛ فكلما قوي الإيمان بالله (سبحانه) في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته: كلما قوي الفهم لهذه السنة، وأثمرت في القلب ثمارها الطيبة. والإيمان بهذه السنة والاصطباغ بها هو مقتضى الرضا بالله ربّاً ومعبوداً، ومقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلا؛ حيث إن هذه السنة من ثمرات أسمائه (سبحانه) الحسنى، التي منها: الحكيم، والعليم، والكريم، واللطيف، والبر الرحيم.. وغيرها من الأسماء والصفات التي يجب التعبد لله (سبحانه) بها. كما يظهر الارتباط بين هذه السنة وبين التوحيد في: أثرها على صدق التوكل على الله ، وتفويض الأمور إليه، واليقين والثقة بوعده، وإحسان الظن به (جل وعلا) ، وأنه (سبحانه) لا يريد بعباده المؤمنين إلا الخير والإصلاح، فمهما ظهر من الشرور والمصائب، فله (سبحانه) الحكمة البالغة [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [آل عمران: ٦٦] وأما ارتباطها بالأصل الخامس من أصول الإيمان ألا وهو الإيمان باليوم الآخر فهذا واضح؛ لأن اليقين باليوم الآخر ورجاء الأجر من الله يقويان الارتباط بهذه السنة في أن الآخرة خير وأبقى، مهما فات من هذه الدنيا. وأما علاقتها بالأصل السادس من أصول الإيمان وهو الإيمان بالقدر خيره وشره فهذا ظاهر لا يحتاج إلى تعليق. ثانياً: ما نراه اليوم في واقعنا المعاصر من الضغوط الشديدة والحرب الشرسة من أعداء هذا الدين من اليهود والنصارى والمنافقين والمفسدين، وما يكيدون به لهذا الدين وأهله من المكر والتشويه والابتلاء؛ مما أدى ويؤدي إلى ظهور حالات اليأس والإحباط من تغير الحال، أو الشعور بالهزيمة النفسية والهوان والاستكانة، فكان لابد من التذكير بهذه السنة العظيمة التي تقوي اليقين بوعد الله (سبحانه) ، والثقة بنصره، والاطمئنان إلى قضائه وتدبيره، وأنه (سبحانه) الحكيم العليم فيما يقضي ويقدر، ولابد أن يأتي الخير بعد الشر عندما يأذن الله (سبحانه) في ذلك وفق علمه الشامل، وحكمته البالغة، وسننه التي لا تتبدل ولا تتحول. ثالثاً: الجهل الحاصل عند بعض المسلمين بسنن الله (سبحانه) في التغيير، أو التغافل عنها بعد معرفتها، لا سيما وأن في فهم قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم] [النور: ١١] خير معين لتفهم سنن الله الأخرى: كما في قوله (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] وفي هذه المعرفة فتح باب للمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله (سبحانه) ، كما أن فيها وقاية من التخبط والاضطراب في المنهاج والاجتهادات، كما أن في دراسة هذه السنة وربط الأحداث والوقائع بها أكبر ضمانة للعقل المسلم من أن يتأثر بالتصورات الجاهلية، والتفسيرات المادية للتاريخ والأحداث التي سيطرت اليوم على كثير من عقول المسلمين المتأثرين بوسائل الإعلام المادية وبالثقافات التي لا تؤمن بالله، ولا باليوم الآخر، ولا بالقدر خيره وشره. رابعاً: التنبيه إلى طلب الخِيَرة من الله (سبحانه) في كل الأمور، وتفويض الأمور إلى حسن تدبيره واختياره؛ لأنه (سبحانه) يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم أين يكون الخير، وأين يكمن الشر؛ ولذلك جاء التوجيه إلى دعاء الاستخارة في الأمور كلها. خامساً: كثرة المشاكل والمصائب في زماننا هذا، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، التي أدت إلى ظهور كثير من الأمراض النفسية المعقدة: كالقلق، والاكتئاب، والفصام.. وغيرها، حتى أصبحت سمة لواقعنا المعاصر، ومعرفة الله (سبحانه) بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته التي تزرع في القلب الاطمئنان والرضا، وتفويض الأمور إليه (سبحانه) ، وحسن الظن به ، وأن اختيار الله لعبده أحسن من اختيار العبد لنفسه، ولو ظهر ما يكرهه العبد ويؤذيه: إن في تفهم قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم] [النور: ١١] أحسن علاج لهذه الأمراض وغيرها. سادساً: إن في هذه السنة وفهمها طريقاً موصلاً إلى الفقه بقاعدة الشرع العظيمة، التي بنيت عليها أحكام الشرع؛ ألا وهي: اليسر ورفع الحرج والمشقة، وأن الله لا يريد بعباده إلا اليسر والرحمة، سواء أكان في أحكامه الكونية القدرية، أو الدينية الشرعية.

стр. 2006

مقال المأجور والمأزور من المجتهدين بقلم: عادل الماجد كثير من قضايانا تحتاج إلى اجتهاد ببذل الوسع في معرفة المصالح والمفاسد، ومن ثم نقرر قراراً وننفذ ما قررناه وننتهي. وبغض النظر عن صواب القرار من خطئه أو التنفيذ نقول: فلان مجتهد! ونقطع بهذه الكلمة كل حوار حول النتائج، وإن كانت أفسدت مصالح وجلبت مفاسد، فيكفي أنه اجتهد! ! بل نهديه أجراً لا نتيقنه عندما نقول: فلان اجتهد وهو مأجور! ! فهل هو مأجور أم آثم؟ وهل يحق لأي مسلم أن يبذل وسعاً في أي قضية ويقرر وينفذ ولو كان غير مؤهل لذلك؟ ! وهل الإخلاص والصدق يخولان للمرء أن يجتهد في مسائل لا يعلم مناطها أو يعلم المناط ولكن يجهل فقه تحقيقه؟ ! إن بذل الوسع يكون من مجتهد جمع بين فقهين: العلم، والواقعة؛ يقول صاحب أضواء البيان ﵀ : فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينعقد حكمه سواء وافق الحق أم لا [١] ، ويقول الشاطبي في الموافقات: الاجتهاد الواقع في الشريعة ضربان.... والثاني: غير المعتبر، وهو الصادر عن من ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه، لأن حقيقته: أنه رأي بمجرد التشهي، وخبط في عماية واتباع للهوى، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره؛ لأنه ضد الحق الذي أنزل الله [٢] . فالاجتهاد حق خاص لا يتعدى عليه الآخرون، وهم مأزورون غير مأجورين إذا لم يكونوا من أهله إلا أن يعفو الله ولا يمكن حمل التقصير على حسن النية وسلامة المقصد. وحتى صاحب الحق في الاجتهاد لا يسلم له اجتهاده؛ إذ إنه لا يعدو الظنية في الحق، وقد يجتهد اجتهاداً لا يقر عليه ولا يعذر في خطئه، فلا يؤخذ رأيه بل يرد؛ يقول الشاطبي: منها: أن زلة العالم لا يصح اعتمادها ولا الأخذ بها تقليداً، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة [٣] ثم يقول: ومنها: أنه لا يصح اعتمادها خلافاً في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد، فهو لم يصادف فيها محلاً، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهدين [٤] ... وسبب هذه الزلة تقصير من المجتهد في بذل الوسع؛ يقول الشاطبي: فيعرض فيه الخطأ في الاجتهاد، إما بخفاء بعض الأدلة حتى يتوهم فيه ما لم يقصد منه، وإما بعدم الاطلاع عليه [الدليل] جملة [٥] ويعلق الشيخ عبد الله دراز على ذلك: وقد يكون هذان من عدم بذل الوسع، ومن التقصير فيما هو واجب على المجتهد. لذا: كان الوقوف أمام الاجتهاد من أهم أسباب حفظ الحق ودفع الخطأ، وما أدخلنا في التخبط والعماية إلا اجتهاد خاطئ في غير محله؛ إما أنه صادر ممن يفتقر إلى العلم، أو ممن يفتقر إلى فقه الواقعة، ومع ذلك يجد منا اتباعاً وتبريراً، لأن قائله فلان المعروف أو فلان الصادق العابد! ! ومن المعلوم الثابت: أن المجتهد لا ينفرد بالوسائل، بل هو محتاج إلى غيره من أهل التجارب والصنائع والتخصصات، وإن اجتهد دون التحقق من أهل الوسائل فهو مقصّر في واجب بذل الوسع ملام غير مشكور؛ يقول الشاطبي: لا يلزم أن يكون مجتهداً في كل علم يتعلق به الاجتهاد على الجملة؛ فالدليل عليه أمور: أحدها: أنه لو كان كذلك لم يوجد مجتهد إلا في الندرة مما سوى الصحابة، ونحن نمثل بالأئمة الأربعة، فالشافعي عندهم مقلد في الحديث لم يبلغ درجة الاجتهاد في انتقاده ومعرفته ثم يقول وتراه في الأحكام يحيل على غيره كأهل التجارب والطب الحيض وغير ذلك، ويبني الحكم على ذلك، والحكم لا يستقل دون ذلك الاجتهاد [٦] . إنه بدون تلك العناية بالتعامل مع الاجتهادات سترتفع مصالح وتجلب مفاسد باسم الاجتهاد وإرادة وجه الله في العمل! ! وننسى هذا المنهج العظيم الذي مراده الحق ممن كان ورد الباطل عمن كان، ومن الأمور المشتهرة في السلف ومن بعدهم: تخطئة المجتهد والرد على من تطاول إلى الاجتهاد وهو دونه، فكم وقع في خطأ مجتهد عظيم مثل الأئمة الأربعة ومن سبقهم وممن بعدهم، ونص على ذلك في كتب الفتيا والفقه وغيره، من غير اكتراث: مَنْ صاحب الخطأ، فهل نقف تلك الوقفات أمام الاجتهادات الخاطئة التي أودت بمصالح وأفسدت أكثر مما أصلحت، وهل نقول: قف! ! لا يحق لك الاجتهاد؟ ولا يشترط أن يكون المخطئ رجلاً خبيث النية، سيء المقصد، يتربص بنا الدوائر! ! بل قد يصدر من المخلص والصادق النصوح، ولكنه يقع لأسباب كثيرة، منها: أولاً: الهوى: وهو الميل عن الحق، وأصعبه: الهوى الخفي الذي يعتقد صاحبه أنه متجرد من هواه وهو واقع فيه من حيث لا يشعر؛ قال الماوردي:.. وأما الوجه الثاني: فهو أن يخفي الهوى مكره، حتى تموه أفعاله على العقل، فيتصور القبيح حسناً والضرر نافعاً، وهذا يدعو إليه أحد شيئين: إما أن يكون للنفس ميلاً إلى ذلك الشيء، فيخفى عنها القبيح لحسن ظنها، وأما السبب الثاني: فهو استثقال الفكر في تمييز ما اشتبه وطلب الراحة في اتباع ما يسهل حتى يظن أن ذلك أوفق أمريه وأحمد حاليه، واغتراراً بأن الأسهل محمود والأعسر مذموم فلن يعدم أن يتوسط بخدع الهوى [٧] . ثانياً: الغفلة: هو اصطلاح للشاطبي في الموافقات يعبر به عن أحد أسباب خطأ المجتهد [٨] ، وهذه الغفلة تحدث للصغير والكبير والبر والفاجر ولا يسلم منها أحد؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول بعدما سمع أبا بكر (رضي الله عنه) يتلو [وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] : فكأني لم أسمع بهذه الآية من قبل. فكم من عالم تقي ورع قال رأياً خالف نصّاً صحيحاً صريحاً لا يخفى على صغار طلاب العلم بسبب غفلة. وآخر من الدعاة العاملين اتخذ رأياً أو عمل عملاً جليّاً خطؤه ظاهراً فساده، وذلك لغفلة منه، وهو وإن كان غير ملومٍ على غفلته، فإنه يلام إن مضى بعد بيان الحق على اعتبار أنه اجتهاد منه! ! ثالثاً: التقصير: ومن التقصير: الكسل عن بذل الوسع في الحكم، فيكسل عن تقصي المسألة أو التثبت من الواقعة أو الدليل، وقد يعجل فيقصر به الوسع؛ يقول ابن تيمية في أقسام من ترك الحديث من المجتهدين: لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء أن يكون الرجل قاصراً في درك تلك المسألة، فيقول مع عدم أسباب القول وإن كان له فيه نظر واجتهاد، أو يقصر في الاستدلال، فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته [٩] . ومثل ذلك لا يكون اجتهاداً لأنه صدر من مجتهد قصرت به وسائل الاجتهاد المعتبرة في هذه المسألة، بل يقطع الشيخ عبد الله دراز بأن ذلك المجتهد ملوم قطعاً في تقصيره، فيقول: يصح أن يقال: إنه [المجتهد المقصر] لم يبذل غاية الوسع، والاجتهاد يتوقف عليه، فإذا لم يقم ببذل أقصى الوسع والوقوف عند حد كان يمكنه تجاوزه في البحث يكون مقصراً وغير آتٍ بحقيقة الاجتهاد، فيكون ملوماً قطعاً [١٠] . وتتعجب اليوم من فتاوى واجتهادات تطلق سريعاً دون تروٍ أو دراية، فلا تعجب أنه يُفتى في قضية ربما جمع عمر ﵁ أهل بدر للإفتاء فيها [*] !! فالله المستعان.

стр. 2007

خواطر في الدعوة تربية قرآنية محمد العبدة لم تكن تربية الأصحاب داخل قاعات المحاضرات، يتلقون الدوس النظرية للحفظ والترديد، ولكنها كانت تربية من خلال الأحداث والجهد والجهاد والتعب والنصب، كانت الآيات تتنزل وهم في أتون المعركة، تحدثهم عن خلجات نفوسهم وترشدهم وتصوبهم وتبين لهم قوانين النصر والهزيمة وسنن الله في الأمم والجماعات. نزلت آيات سورة الأنفال معاتبة للمسلمين الذين شهدوا بدراً لاختلافهم حول الغنائم: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ] [الأنفال: ١] ، ونزلت معاتبة لهم حرصهم على القافلة: [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ] [الأنفال: ٧] ، ومع أن الخلاف على الغنائم لم يقع من الكل، إلا أن الآيات خاطبت الجميع وكأنهم جسم واحد، إبرازاً لأهمية الجماعة وتماسكها، ودورها في حماية الفرد، ومسؤوليتها عما يقع داخل الصف، وعندما أخطأ بعض الصحابة في أحد، وعصوا أوامر الرسول ﷺ جاء الخطاب أيضاً للجميع: [حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ] [آل عمران: ١٥٢] ، [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] [آل عمران: ١٦٥] وهذه أعظم تربية وأكملها لترسيخ تضامن المجتمع الإسلامي؛ يقول ابن عطية في تفسيره: جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي عاتبهم الله (تعالى) عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة، منها: وعظ الجميع وزجره ... ومنها: الستر والإبقاء على من فعل.. [١] . ومن التربية القرآنية: أن العتاب جاء شديداً بعد بدر، مع أنهم خرجوا منتصرين، وقد بذلوا أرواحهم في سبيل الله، والبدريون هم الطبقة الأولى من الصحابة، قيل لهم: [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ] [الأنفال: ١] ، ويصور حالهم قبل المعركة: [يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ] [الأنفال: ٦] وكل ذلك حتى لا يصيبهم غوائل الظفر التي تصيب الإنسان عادة في مثل هذه الأحوال، وحتى لا يصيبهم الغرور في الدين؛ فيظنوا أنه لابد من النصر في كل موقف لأنهم مسلمون، ولذلك قال لهم: [وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] [الأنفال: ١٧] ، [وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ] [آل عمران: ١٢٦] ، وكأنه يريد منهم الاستمرار على هذا المستوى الإيماني ليكونوا أصحاب رسالة للعالم أجمع. كان الموقف في أُحد مغايراً لما حدث في بدر، فقد تحول سير المعركة لغير صالح المسلمين بعد عصيان الرماة، وكانت النتائج مؤلمة، وقد ترك بعضهم أرض المعركة، ومع ذلك فقد جاءت الآيات لتعفو عنهم، ولتمس ما حدث مسّاً رقيقاً، وكأنها يد حانية تمسح جراحاتهم، وتزيل عنهم آثار الغم الذي أصابهم، قال (تعالى) : [إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ] [آل عمران: ١٤٠] ، [وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] [آل عمران: ١٥٢] ، [إنَّ الَذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ] ... [آل عمران: ١٥٥] ، [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] [آل عمران: ١٥٩] . أي دُمْ على مشاورتك لهم، وإن وقع منهم ما وقع، ولو أن الآيات جاءت مقرعة وموبخة لهم أشد التوبيخ، بعد أن أصيبوا في أنفسهم، ورأوا ما حل برسول الله ﷺ ، لأصابهم من الفشل والإحباط الشيء الكثير، وأما الدرس فقد تعلموه، وما نسوه أبداً بعد أُحد، وهذه هي التربية القرآنية.

стр. 2008

دراسات اقتصادية وقفات متأنية مع.. عمليات التمويل في البنوك الإسلامية (١) د. محمد بن عبد الله الشباني مدخل: البنوك الإسلامية مظهر من مظاهر الصحوة الإسلامية المعاصرة، بُذلت الجهود والأموال في سبيل قيامها لتؤدي دورها في أسلمة الاقتصاد، ولم يسلم هذا التوجه من نقد فريقين: الأول: العلماء المخلصون الذين يطالبون بالتصحيح واستقامة العمل على الطريق الشرعي، وألا يكون البنك الإسلامي مجرد شعار استهلاكي فقط. والثاني: العلمانيون المغرضون الذين يهاجمون تجربة البنوك الإسلامية لأسباب مشبوهة لا تخفى. وكاتب هذه الدراسة ليس غريباً على هذا التخصص، فله دراسات وأبحاث علمية من أشهرها كتاب: (بنوك تجارية بدون ربا) .. ويهدف بهذه الدراسة إلى النصح والعمل الجاد لإنجاح هذه التجربة التي لم تعد تمثل أصحابها بقدر ما تمثل الاقتصاد الإسلامي ومنطلقاته الشرعية. ومجلة البيان ترحب بالتعقيبات التي تثري البحث وتعالجه من زوايا مختلفة. - البيان - تمثل البنوك الإسلامية الأمل الذي يتطلع إليه المسلم لتنظيم نشاطاته الاقتصادية على ضوء ما يأمر به القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ فيجد المؤسسة التمويلية التي تلبي احتياجاته المالية ضمن إطار الشريعة الإسلامية. والواقع المأساوي للعالم الإسلامي يتمثل في الانفصام النكد بين العقيدة وما توجبه من أحكام تشريعية تنظم حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية، وبين التنظيمات والتشريعات التي فُرضت على الشعوب الإسلامية نتيجة الاحتلال النصراني للبلاد الإسلامية وسقوط رمز الدولة الإسلامية الموحدة للعالم الإسلامي على يد كمال أتاتورك وبروز قيادات سياسية قامت بتبني النموذج الغربي في التشريع والتنظيم، ومن ذلك: قيام النظام الاقتصادي على الفلسفة الربوية التي يقوم عليها نظام الاقتصاد العالمي. إن بداية الرغبة في الخروج عن الربا وتأسيس بنوك إسلامية تعمل على الابتعاد في تعاملها عن الربا بدأ في الستينات من هذا القرن، ولا زالت التجربة البنكية الإسلامية تعاني كثيراً من القصور والمحدودية، ويبرز كثير من التساؤلات حول مدى شرعية كثير من العمليات التمويلية التي تمارسها البنوك الإسلامية. في هذه الحلقة سوف أوضح الظروف التي تمارس البنوك الإسلامية فيها أنشطتها البنكية والمعوقات التي تحول بين قيام نظام بنكي إسلامي سليم يمثل في منطلقاته النظرية والتطبيقية روح الشريعة الإسلامية، وفي الحلقات القادمة سوف أتطرق إلى بعض العمليات التمويلية التي تمارس من قِبَل البنوك الإسلامية أو غيرها من البنوك الربوية التي امتطت صهوة الرغبة لدى جمهور المسلمين بالابتعاد باستثماراتهم ومدخراتهم عن الربا، فأوجدت ما أطلق عليه صناديق التجارة حيث اسْتُقْطِعَ جزءٌ من المدخرات لما تدعيه من قيام هذه الصناديق بالاتجار بالأموال المشتركة فيها بعيداً عن الربا المحرم. إن مناقشة الظروف وبعض المعوقات التي تحد من نشاط البنوك الإسلامية ومن قدرتها على ممارسة العمليات البنكية من منطلقات إسلامية: سوف تساعد القارئ على معرفة الأسباب التي تحد من انطلاقة هذه البنوك لخدمة المجتمعات الإسلامية، وإبعادها عن محق الربا الذي تعيشه هذه المجتمعات في واقعنا الراهن، ويمكن تحديد أهم المعوقات التي تحد من نشاط البنوك الإسلامية وتحرفها عن ممارسة العمل البنكي السليم المنضبط بضوابط الشريعة في الأمور التالية: أولاً: النشاط البنكي يمثل الجانب التطبيقي لجانب من جوانب النظام الاقتصادي، وبالتالي: فالنشاط البنكي يتأثر بالمنهج الذي يقوم عليه البناء الاقتصادي، وعلى هذا: لا يمكن عزل أعمال البنوك عن أن تسير وفق ما يستلزمه النظام الاقتصادي؛ من ضرورة أن تمارس البنوك ميكانيكية السياسات النقدية والمالية التي ترسم من قِبَل الأجهزة الإدارية القائمة على تنفيذ النظام الاقتصادي، ومن المعروف أن الفائدة (الربا) تمثل الأساس الذي يقوم عليه النظام الاقتصادي العالمي المعاصر، وبالتالي: فإن البنك الإسلامي الذي يمارس نشاطه ضمن إطار هذا النظام الاقتصادي في دول يقوم نظامها الاقتصادي على جواز أخذ الفائدة الربوية واستخدامها أداةً لتوجيه حركة الأموال (السياسة النقدية) ، لتنفيذ السياسة المالية المرسومة من قبل الأجهزة الاقتصادية للدولة: سوف يعاني من مشكلة المواءمة بين سياساته البنكية التمويلية التي يمارس من خلالها نشاطه البنكي القائم على أساس منع أخذ الفائدة وإعطائها والسياسة البنكية المرسومة من قبل البنك المركزي الذي يشرف على أعمال البنوك ويوجهها وفق السياسات النقدية والمالية التي ترسمها الأجهزة الاقتصادية للدولة التي يمارس البنك الإسلامي نشاطه فيها. إن هذا الواقع يدفع البنك الإسلامي إلى اتباع مناهج تطبيقية في التمويل تتوافق مع أسلوب الفائدة في عمليات الإقراض البنكية. ثانياً: البيئة التنظيمية التي أشرنا إليها في الفقرة الأولى والتي يمارس البنك الإسلامي نشاطه التمويلي ضمن إطارها تدفع البنك الإسلامي إلى استخدام وسائل وطرق تمويلية تكون أقرب إلى وسائل الربا من ناحية ضمان العائد، وذلك باستخدام الحيل الشرعية لإجازة كثير من صور المعاملات التي يدور حولها الخلاف والبحث عن مخارج فقهية لها، وإن كانت في واقعها وحقيقتها ومقاصدها أقرب إلى الربا من البيوع والمعاملات الشرعية، إن النظام البنكي المعاصر يحد من قيام البنوك بالعمليات الاستثمارية من خلال المشاركات التمويلية، بل يقصر عمل الاستثمار على وسيلة الإقراض حيث إن عملية المشاركات تقوم على عنصر المخاطرة بخلاف عمليات الإقراض لتوافر العائد بخلاف التمويل القائم على فقة المعاملات الشرعية الذي يرتكز على البيع والمشاركة في المخاطر. ثالثاً: المنافسة لجذب الإيداعات وراغبي التمويل بين البنوك الإسلامية منها وغير الإسلامية التي تمارس عملها في الوسط الربوي؛ مما يدفع البنوك الإسلامية لتجاوز الكثير من القواعد الشرعية في معاملاتها الشرعية والعمل على اختيار صيغ للتعامل تتفق في مضمونها وغايتها مع الأساليب البنكية الربوية، بقصد جذب المودعين والراغبين في التمويل للتعامل مع البنك الإسلامي بالشكل الذي يجنب البنك الإسلامي مخاطر التعامل وفق الصيغ الإسلامية القائمة على عناصر المخاطرة وعدم ضمان الربح، ولضمان نسب العائد الذي يمكن منحه للمودعين الذين فوضوا البنك في الاستفادة من هذه الودائع. رابعاً: تطلع الجماهير الإسلامية إلى التخلص من الربا وتوسيع الأنشطة البنكية في العالم الإسلامي التي لا تقوم على الربا: دفع كثيراً من ذوي الغيرة إلى المطالبة بالبحث عن مخارج شرعية لكيفية توفير التمويل بدون اللجوء إلى الربا، وصاحب هذا التطلع انتشار الوعي الديني والرغبة في تجنب الوقوع في الحرام مع بروز حقيقة: أن النظام البنكي ضرورة لتيسير التبادل النقدي وتسهيل حركة التجارة الدولية، أدى ذلك التطلع إلى المطالبة بإيجاد بنوك تلتزم بالشريعة، ولكن ضمن المبادرات الفردية بحيث لم يتم تبني نظام بنكي كامل مرتبط بالنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إن ضرورة توفر بيئة اقتصادية وتشريعية تلتزم بالشريعة الإسلامية يساهم في معالجة المشاكل التطبيقية من خلال إبراز تصور شمولي لمختلف العلاقات البنكية سواء ما يتعلق بكيفية تمويل الاستثمارات الداخلية أو العلاقات التبادلية الخارجية ضمن إطار يحكم العمل الاقتصادي للدولة، بحيث يتم تجنب الازدواجية بين فلسفة النظام الاقتصادي السائد القائم على الربا الذي يمارس البنك الإسلامي نشاطاته ضمنه وبين ما ينبيء من وجود بيئة تنظيمية يقوم نظامها على ممارسة الشريعة الإسلامية بكل جوانبها. إن عدم وجود مجتمع تقوم أنظمته المختلفة على الإسلام يحد من قدرة البنك الإسلامي على الانطلاق والابتعاد عن البحث عن الحيل الشرعية عند ممارسته لنشاطه التمويلي. خامساً: الظاهرة المشتركة بين البنوك الإسلامية التي تمارس الأعمال البنكية تتمثل في أن نشاطها في الأغلب يتركز على الاستثمار المتوسط الأجل والطويل مثل تكوين الشركات المساهمة في تمويل الأعمال الاستثمارية، إلا أن مساهمتها في حل مشكلة التمويل قصير الأجل الذي يمثل المشكلة الرئيسة التي يعاني منها الناس في المجتمع المعاصر محدودة، وتأخذ الشكل الذي تمارسه البنوك في التمويل قصير الأجل صوراً من أنواع البيوع التي دجنت من خلال البحث عن المخارج الفقهية حتى يتم تلاؤمها مع واقع التمويل قصير الأجل القائم على الفائدة الربوية وبين الرغبة في الابتعاد عن الربا مما أفقد البنوك الإسلامية قدرتها على أن تمارس دور الريادة في تغيير الاتجاه الربوي القائم في النظام البنكي السائد في العالم الإسلامي، وهو ما سوف نحاول مناقشته في الحلقات القادمة بدراسة صور التمويل قصير الأجل الممارس من قبل البنوك الإسلامية، وذلك بسبر غور صحة وسلامة المنطلقات الشرعية بقصد تقويم هذه الصور من الممارسات، مع الإشارة إلى البدائل الممكن ممارستها. سادساً: ضعف دور الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية وهامشيتها؛ فالرقابة الشرعية يقتصر دورها على الإفتاء والبحث عن مخارج فقهية لما يقترحه الممارسون، مع قصور في التصور العملي التطبيقي؛ فالرقابة الشرعية لا تمارس عملية الفحص والاطلاع على مراحل عمليات إقرار التمويل والتأكد من أن الإجراءات التي تُمارس تتفق مع الشريعة، بجانب أن أجهزة الرقابة الشرعية لا تمتلك الخبرة البنكية التي تساعدها على إيجاد البدائل السليمة، وإنما يقتصر دورها في الإفتاء إذا طلب المديرون منها ذلك! . إن هذا الدور يفقد أجهزة الرقابة الشرعية فاعلية التأثير على تطوير البنك لأساليب ممارساته، كما لا يتيح لها اكتشاف الخلل الشرعي عند التطبيق، إن أعضاء الهيئات الشرعية في الأغلب غير متفرغين للعمل البنكي، وبالتالي: يتصف عملهم بالصفة الاستشارية. إن مناقشة واقع التعامل وفق ما أتيح لنا من معلومات عن كيفية ممارسة البنوك الإسلامية لنشاطها التمويلي لا يعني جحد أهمية وجود هذه البنوك ولا غمط حق من قام على تأسيسها وبذل الجهد والمال في سبيل ظهورها، ولكن مناقشة هذا الواقع إنما قُصد به النصح، فتجربة البنوك الإسلامية لا تنسب إلى أصحابها، وإنما تنسب إلى الإسلام، وبالتالي: فالتأثير السلبي سوف ينعكس على إمكانية توسيع القاعدة البنكية الإسلامية، وبالتالي: إضعاف المطالبة بتحويل النظام البنكي القائم على الربا إلى نظام يُنتفى فيه الربا، فالممارسة الخاطئة للعقود الشرعية التي لويت أعناقها من خلال البحث عن مخارج شرعية: لا تختلف في النتيجة عما يتم من ممارسته في البنوك الربوية، لهذا: نجد في الآونة الأخيرة اتجاه بعض البنوك الربوية إلى إيجاد أقسام للمعاملات الإسلامية ضمن الصيغ التي تمارسها البنوك الإسلامية؛ لكون هذه الصيغ لا تختلف في النتيجة عن الصيغ التي تمارس من قبل البنوك الربوية، غير أنها أُلبست باللبوس الإسلامي، كما سوف نناقشه في حالات من الصيغ المطروحة من قبل البنوك الربوية بقصد جذب مدخرات بعض الفئات الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية التي تشعر بالجزع من أكل الربا، وفي الوقت نفسه: ترغب في الحصول على عائد مضمون بدون مخاطرة.

стр. 2009

هموم ثقافية كيف نحمي ثوابتنا ..؟ عبد العزيز كامل كان الحديث في لقاء سابق؛ عن ظاهرة باتت شبحاً مهدّداً بالانفصال روابطنا، وبالانفصام عرانا، ألا وهي: التزحزح عن ثوابتنا أو بعض ثوابتنا في قضايانا المعاصرة الكبرى، حيث لا تكاد تبقى لنا قضية إلا وقد استهدفت بالاختلاف أو استهلكت بالمزايدة من بعض من يتتبع اختلافات العلماء والدعاة في عالمنا الإسلامي ليبرز منها عند الطلب ما يوافق غرضه وهواه. إن هذا يهدد الهدف المنهجي الصادق لكل مسلم مشفق ناصح، ألا وهو: اتفاق فصائل العاملين للإسلام على حدودٍ دنيا من الأهداف، يتبناها الجميع، ويسيرون نحو تحقيقها بخطًى ثابتة، وإلا فعلى أي شيء نجتمع في العمل للدين إذا تميعت عقيدة الولاء والبراء، وتراجعت قضية تحكيم الشريعة في بلاد المسلمين، وبهتت صورة الكفاح الصادق لنصرة الإسلام، وبردت العواطف تجاه المستضعفين، وخفقت الأصوات عن إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأُطفئت في داخلنا جذوة التحرق لانتصار التوحيد، وخمدت فورة التوثب لعبور الهزيمة والتخلف؟ ! . من المستفيد إذا قعدنا وقام غيرنا، وكسلنا ونشط سوانا من: أتباع الديانات الباطلة، والمذاهب المنحرفة، والأفكار الضالة؟ ! إن الكثيرين من المرجفين والمبطلين قد انطلقوا يبشرون بأفول نجم التدين، وذهاب بريق الصحوة، وانحسار مَدّ الدعوة، فهل نعيب عليهم أن أقررنا أعينهم بما يشتهون؟ ! إننا لن نستطيع هذه المرة أن نعلق مسؤولية عدم تحقيق الأهداف على مشجب ضخامة التحدي ومؤامرات الأعداء، بل الأمر فينا ومنا، وعقباه إلينا وعلينا، حيث بتنا نفض جموعنا عن قضايانا المحورية، ونصرف وجوهنا عن همومنا الجادة. والخطر كل الخطر، أن تتم عمليات الإشغال والانشغال عن هموم الإسلام باسم الإسلام، ويتم الصرف عن العمل باسم العلم. ولكل هذا فإن إعمال الفكر، وكد الذهن من أَجْلِ استجماع أسباب حماية الثوابت يطرح نفسه أمراً مهمّاً، ولن يكون ذلك إلا باستلهام روح النصيحة لله ولرسوله ولخاصة المسلمين وعامتهم، واستشعار أهمية تغليب المصالح على المواقف الخاصة، واستبعاد تعرض ثوابت الدين للمخاطر من أجل الحفاظ على الخواطر. ويظهر لنا من خلال تتبع أحوال السلف مع أمانة المحافظة على العلم والدين، أن هناك أسباباً تُعين مراعاتها على حماية الثوابت، منها: ١- لا مجاملة في الحق: فالحق قديم، وهو يعلو ولا يُعلى عليه، ومن نوقره من أجل الدين لا ينبغي أن يرتفع فوق حقائق الدين، ومن الضوابط في ذلك عدم الخلط بين الصلاح الشخصي والخطأ العلمي، فكل إنسان بل كل إمام يؤخذ منه ويرد إلا صاحب الحجرة كما قال الإمام مالك والزلة من العالم أمر وارد، وهو قبلها وبعدها: عالم، وبمقتضى علمه لابد أن يعذر الناس في رد زلاته، وإلا فالأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁ : يفسد الناس ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال منافق بالقرآن، وزلة العالم [١] ، فالمجادلة في الزلات والأخطاء إفساد للعلم، ومحاباة على حساب الدين، وقد قال الإمام أحمد: ليس في الدين محاباة [٢] . ٢- من احترام العالم ألا يُسأل إلا فيما يعلم: ذلك أنه لا ينبغي في الأصل أن توجه للعالم الأسئلة في غير تخصصه، خاصة إذا كانت مبتورة أو ملتوية، أو موجهة لتحصيل غرض مبيت، فهذا من التغرير بالعالم والتوريط له، وهذه هي (الغَلُوطات) التي نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها، في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن معاوية (رضي الله عنه) أنه ﷺ نهى عن الغلوطات [*] . قال الخطابي: الغلوطات: هي شرار المسائل، والمعنى: أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا بها، ويستسقط رأيهم فيها [٣] ، وإن كان لابد من تلك المسألة، فلتطرح على المجامع العلمية، التي تقلبها من جميع جوانبها التخصصية، فهذا أدعى إلى الاحتياط للدين، وأسلم للفتوى. ٣- من الاحترام للعلم ألا يُجاب في شيء إلا بعلم: فمن الآفات التي قل التحفظ منها في زماننا: المبادرة إلى إعطاء الجواب على سؤال مباغت، دون مراجعة للنصوص والأقوال، وقد كان شأن الصحابة أن يجمعوا كبار فقهائهم لكبار المسائل، فهذه سنة من سنن الخلفاء الراشدين التي ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ؛ قال عثمان بن عاصم، التابعي الجليل: إن أحدهم ليفتي في المسألة، لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، فينبغي لمن يستفتى أن يتحصن ب (لا أدري) حتى يدري؛ قال ابن عباس ﵁ : إذا ترك العالم (لا أدري) أصيبت مَقَاتِلُه [٤] . وقال الإمام مالك: ذل وإهانة للعلم أن تجيب كل من سألك [٥] . ٤- احترام لا تقديس: فإذا كان احترام أهل العلم ديناً وتقوى، فحفظ العلم نفسه للعمل هو الدين والتقوى، فعلماء أهل السنة درجوا على استبعاد وساوس العصمة لغير الأنبياء، وتناقلوا تلك المقولة النفيسة: اقتدوا بالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتن وقد كان سعيد بن المسيب ﵀ لا يكاد يفتي فتوى أو يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني [٦] ؛ ولهذا ينبغي أن يكون ربط الناس دائماً بمنهاج السلف، لا بنسبة الأشخاص إليهم. ٥- كلما عظم الأثر عظمت المسألة: ذلك أن القضية، كلما كان لها ارتباط بقطاع أكبر من الأمة: كلما عظمت المسؤولية في الكلام فيها، أو نقل الكلام فيها.. وفي عصرنا: لا تصلح الاجتهادات الفردية في القضايا المصيرية، ولا يصح السكوت عن خطأ علمي من بقية أهل العلم، فهذا أيضاً من مسؤولية العلم، فكما أن كتمان العلم ابتداءً لا يجوز: فإن السكوت عن بيان الخطأ فيه أيضاً لا يجوز، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه: من سُئل عن علم فكتمه: ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة [٧] ، قال الشارح: وكلما كان العلم المسؤول عنه مما يترتب عليه العمل والمسؤولية، كانت الضرورة أشد لبذل العلم، قال الخطابي: هذا في العلم الذي تترتب عليه الفروض [٨] أما السكوت عن إظهار الحق أو استظهاره من مفت أو مستفت فإنه هلكة كما وصفه قتادة، وحرام كما قال عنه محمد بن كعب القرطبي: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل أن يسكت على جهله [٩] . ٦- الاحتياط عند النظر في القول المتفرد أو الجديد: وخاصة إذا لمحت فيه آثار الخلط بين مواطن الاجتهاد وموارد النص، أو تنزيل الأصول منزلة الفروع، أو إيقاع الأحكام على غير الوقائع، ولا ينبغي للجديد المتفرد من القول أن يأخذنا ببريقه، حتى ننظر من أين أتت تلك الجدة، ومم استمد ذلك التفرد، ولا نعلم مسألة من القضايا الكبار التي سبقت الإشارة إلى بعضها إلا ولأهل العلم قديماً وحديثاً كلام فيها، يفرض على من تكلم فيها لاحقاً ألا يهمله أو يلغيه؛ قال الإمام أحمد ﵀ : من تكلم في شيء ليس له فيه إمام، أخاف عليه الخطأ، وقال: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي [١٠] . ٧- الاحتياط عند تنزيل الأحكام على الوقائع: فكم من قضية تحشد فيها نصوص وأقوال موضوعة لقضية أخرى، فلهذا: يبدو عند التمحيص والنظر أن حكمها غير حكمها، لأن واقعها غير واقعها، ولهذا: فإن ابن القيم ﵀ عندما اشترط في المفتي أن يكون فقيهاً بالواقع المحيط بالمسألة (في كتابه إعلام الموقعين) فإنه لم يكن فقط محتاطاً بهذا للفتوى، بل كان حامياً ومراعياً لحرمة النصوص أن تستخدم في غير محلها، وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: يا أيها الناس اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني (يوم أبي جندل) ، ولو استطعت لرددت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره [١١] . ٨- دقة السؤال وأمانة السائل: فليست الأمانة مطلوبة فقط من المسؤول، بل من السائل أيضاً، فمن أمانته أن يحسن صياغة السؤال، ويجرده من الإيهام والإبهام، وقد عد العلماء حسن السؤال في أول مراتب العلم. ومن أمانة السائل أيضاً: أن يتحرى أمانة المسؤول وصدقه وأهليته، قيل لعبد الله بن المبارك: كيف نعرف العالم الصادق؟ قال: الذي يزهد في الدنيا ويقبل على الآخرة. ٩- دقة الجواب وأمانة المسؤول: فالعالم الأمين لا يجيب على السؤال مجرداً، بل ينظر في القرائن المحيطة بالسائل، فلعله يستعين بالعلم على البطالة، أو يستخدم الفتوى في ضلالة، أو يبتغي الرفعة على صنعة الدين، أو يريد تسخيره لهدف دفين. ولهذا كان ديدن العلماء والمصلحين أن يتأسوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في النظر إلى حال السائل قبل إعطائه الجواب، وفي عدم التمكين كمن يريد أن يختل الدنيا بالدين، قال ابن مسعود ﵁ : لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله: لسادوا أهل زمانهم، ولكنهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا عليهم [١٢] وقال الإمام أحمد: ليتق الله عبد ولينظر ما يقول وما يتكلم، فإنه مسؤول [١٣] . ١٠- التماس العذر لا يكفي عن أخذ الحذر: وذلك فيما قد يكون من مؤامرات خارجية في الفتوى، فالعذر من الدين، ولكن الحذر أيضاً من الدين، فليحذر السائل وليحذر قبل ذلك المسؤول من التفريط في متابعة الرسول ﷺ [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النور: ٦٣] ، قال سفيان الثوري: لقد كان الرجل يستفتى فيفتي وهو يرعد [١٤] . وأخيراً نقول: لا، لإسقاط الرموز: وقد يسأل سائل، وما علاقة هذا بحماية الثوابت؟ ، والجواب: إن هناك أشخاصاً اعتباريين، يقفون بمجموعهم خلف ثوابتنا يحمونها ويذودون عنها، وهم مجموعة العلماء والعاملين والدعاة المخلصين في مختلف بلدان العالم الإسلامي، أولئك رضيتهم الأمة الواعية والْتفّت حولهم الشعوب المدركة، وحازوا احترامها فصاروا رموزاً عندها للدعوة والدين، فهؤلاء لا ينبغي أن نسقط كل يوم منهم واحداً من أعين الناس لصواب تخطاه، أو خطأ تغشاه، فالخطأ من العالم أو الداعية لا ينبغي أن يصير خطيئة، يستباح من أجلها عرضه، ويُنهش بسببها لحمه، ذلك أن من تركنا رأيه اليوم في مسألة، سنحتاج إلى رأيه غداً في مسائل، ومن لم يكن اليوم في قضية موفقاً لعله سيكون غداً في غيرها متفوقاً، فنحن إذا هدمنا هذا الرمز من مصر اليوم، وذلك الرمز من الشام غداً، وذاك الثالث من اليمن أو غيرها بعد غدٍ، من يبقى لنا؟ ومن يتحدث في الناس باسمنا ويذود عن ديننا؟ إن ثوابتنا ستظل تتساقط بقاياها كل يوم، مع كل رمز نسقطه، لأن المصداقية عند عموم الناس وللأسف لا تتجزأ. حقّاً إنها مهمة صعبة ... أن نحمي ثوابتنا وأن نُبقي في الوقت نفسه على تماسكنا، ولكنها يسيرة على من اتقى الله وعدل.

стр. 2010

نص شعري مَعْرِض الهزيمة شعر: عبد الله بن عبد الكريم الخميس سئمتُ وقد شابهَ اليومُ أمسا ... طِبتُ لدى الجُرحِ بالموتِ نفسا وما بي قُنُوطٌ ولكنّ عصري ... يُسَامُ به الشتّمّ خنقاً ودهسا ألم يأنِ أن نحتوي عِزّةَ الدينِ ... نُحْيي لإسلامِنا الحُرّ عُرسا شرِبنا من الذّلِ حتى ارتوينا ... كَرَعنا على الكُرهِ كأساً فكأسا كِنانتُنا أُتخِمَتْ بالسهامِ ... ولم نَحْتَمِلْ طيلةَ الحَربِ قوسا تناحُرُ فُرسانِنَا مَنْبَعُ الذّلّ ... في الخَالِياتِ لنا كان درسا شتَاتٌ عِصَابتُنا واختِلافٌ ... وشرٌ يَدِبّ إذا الليلُ أمسى وغَابٌ تمن الشوكِ تُدمي الحيارى ... ثِمَارٌ خبيثٌ لما كان غرسا وبين جوانِحِنا خَافِقَاتٌ ... قُلُوبٌ هي الصّخرُ بل هي أقسى فهلاّ نُجَدّدُ عَهْدَ التّآخي ... ونقتُلُ (ذُبْيَان) فينا و (عبسَا) ونتركُ ما فيه كُنّا افترقنا ... ونخلِطُ ب (الخَزْرَجِيّةِ) (أوسَا) و (داحِسَ) ما حازتِ السّبقَ حازتهُ ... (غبراءُ) والحَادِثُ الشُؤمُ يُنْسَى لِنُصبِحَ للعِز أهلاً وكُفْئاً ... ونبعَث للنُورِ والدفءِ شمسا وننعَم بالحُبّ حتى كأنّا ... لنسمع للحُبّ قرعاً وجرسا إذا ما افترقنا كأفلاكِ بَحرٍ ... فإنّ العقيدة يا قومُ مَرسَى

стр. 2011

من قضايا المنهج المنطق التبريري بقلم: محمد محمد بدري حين نعاني مرضاً فكريّاً فرديّاً: قد يرى بعضهم الصمت حياله هو الواجب.. أمّا حين يكون المرض الفكري وباءً يشل فعالياتنا ويضيّع جهودنا: فلا تعطي ثماراً بقدر الثمن المدفوع، فإن الكلام هنا يكون هو الواجب.. وهذا المقال محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام في علاج وباء المنطق التبريري في عملنا الإسلامي، ليحل محله المنطق العملي الذي يدفعنا إلى إتقان العمل بدلاً من تبرير الفشل.. ويعلّمنا ممارسة عبودية الأخذ بالأسباب التي هي أحد مفردات عبودية التوكل. لقد شاءت إرادة الله أن تحكم الكون سنن في غاية الدقة والعدل والثبات، لا يجدي معها تعجل الأذكياء ولا أوهام الأصفياء، فهي لا تحابي أحداً من الخلق مهما زعم لنفسه من مسوغات المحاباة.. ومن سنن الله الثابتة: أن لكل حادث سبباً، ومن وراء الأسباب تدبير اللطيف الخبير.. فالنجاح في الوصول إلى الأهداف يرتبط بالوسائل الموصلة إليها، وليس بأمور سحرية غامضة الأسباب، والمنتصر في أمور الدنيا هو من يأخذ بأسباب النجاح سواء أكانت أهدافه سليمه أم لا [كُلاً نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً] [الإسراء: ٢٠] . وقد كانت انتصارات المسلمين في (اليرموك) و (القادسية) و (عين جالوت) وفق تلك السنن الثابتة.. وحين طرأ الخلل على سنن النصر الثابتة، كانت هزائم المسلمين في أحد وحُنين والجسر. بل إن ذاكرة تاريخ المسلمين تحفظ أن هزيمتي أحد وحنين كانتا والنبي-صلى الله عليه وسلم-بين صفوف المسلمين يقودهم، ليعلم من سيرث الأرض من المؤمنين: أن الخلل حين يقع في صفوف المسلمين تنطبق عليهم سنن الله. ونحن نجزم أن النبي ﷺ لم ينهزم قط: في أحد: رتّب رسول الله- ﷺ -الأمور، ورسم الخطة العسكرية التي حقق الله بها النصر، ولكن الرماة الذين اجتهدوا فأخطؤوا هم الذين أضاعوا النصر.. فكانت الهزيمة التي تعلمنا منها أن صلاح العقيدة أهم أسباب النصر، وأن من صلاح العقيدة الأخذ بالأسباب وطاعة القائد. وفي حُنين: لم ينهزم النبي- ﷺ ، وإنما الذين انهزموا هم حديثو العهد بالإسلام الذين أُعجبوا بكثرة العدد ورأوا فيه سبب النصر، وغفلوا عن مُسبب النصر.. ومع ذلك: نصر الله نبيه ببقية من أصحابه المخلصين، لتعلم هذه الأمة أن النصر لا يكون إلا بالصفوة المختارة التي بلغت قمة التجرد لله وغاية الإخلاص لدينه. وأمّا موقعة الجسر: فهي درس عظيم جدير بالتأمل والتدبر.. لقد خرج أبو عبيد بن مسعود الثقفي ﵁ على رأس جيش لقتال الفرس، فأرسل رستم إليه بهمن بن جازويه برسالة يقول فيها: إمّا أن تعبر النهر (نهر الفرات) إلينا وندعكم والعبور، وإمّا أن تَدَعُونا نعبر إليكم،.. فنهى الناسُ أبا عبيد عن العبور.. فلجّ وترك الرأي والمشورة، وقال: لا يكونون أجرأ منا على الموت.. فعبر إليهم فضاقت الأرض بأهلها.. واشتد الأمر على المسلمين.. حتى إن أحد فيلة الفرس وطئ أبا عبيد فقُتل شهيداً.. وتتابع على أخذ اللواء سبعة أنفس من ثقيف فقاتلوا حتى الشهادة، وذهبت ريح المسلمين وانكشف أمرهم، وخسروا في هذه المعركة أربعة آلاف مقاتل.. وكانت خسارة كبيرة للمسلمين كلهم، أحس بعظمها خليفة المسلمين عمر بن الخطاب فقال: اللهم إن كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم، يرحم الله أبا عبيد لو كان عبر فاعتصم بالخيف، أو تحيز إلينا، ولم يستقل (يعني برأيه) لكنا له فئة. .. نعم لقد عبر أبو عبيد الجسر بشجاعة وإقدام وإيمان وحب للشهادة، لكنه لم يحسب للمعركة حسابها، ولم يدرس أرض المعركة بشكل كاف، وزاد على ذلك بمخالفته لمن معه من أركان الجيش الذين نهوه عن العبور، فلم ينته واستقل برأيه، فكانت هزيمة الجسر التي علمتنا أن النصر مع الإقدام يرافقه، ولكن مع التبصر والأناة، وبعيداً عن الاندفاع الذي يهلك الجند ويأتي بالهزيمة، ذلك أن الحماس لشيء ما لن يخدمه، ما لم يكن مشفوعاً بأسلوبه الفني الذي يحققه. تلك بعض هزائم المسلمين، وهذه بعض أسبابها.. ونحن لا نريد هنا أن نعرض لهزائم المسلمين بكلياتها وجزئياتها، فذلك موجود في مظانه من كتب السير والمغازي، وإنما هي مواقف مختارة أردنا منها التأكيد على أن سنن الله التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، وأن الأمور لا تمضي جزافاً، وإنما تخضع لعلاقة تلازم بين الأسباب والنتائج، ولذلك فإن تخلف النتائج في أي أمر نُقدم عليه لابد أن يدفعنا إلى خطوتين: الأولى: هو أن نفترض حدوث خطأ في عملنا.. والثانية: هو أن نبحث بجد عن هذا الخطأ في أعمالنا لنصوبه. تساؤل مهم وجوابه: وفي ظلال هذا الفهم لطبيعة العلاقة بين الأسباب والنتائج، نخطو في مقالنا هذا خطوة أخرى فنتساءل: ما هي الأسباب وراء انحسار عملنا الإسلامي، وعجزه عن بلوغ أهدافه من عودة الإسلام إلى المجتمع وصبغه بصبغة الإسلام، ثم تتويج ذلك بقيام النظام السياسي الإسلامي؟ سيرد البعض على الفور: علينا العمل، وليس علينا إدراك النتائج! ! وسيؤكد آخرون: لقد قمنا بكل ما نقدر عليه ولكن الظروف الاجتماعية والسياسية والدولية لم تسمح بتحقيق النتائج! ! وأمّا الذين يدينون بالجبرية السياسية فيرددون القوت الذي يقتاتون به عند كل فشل: إن مكر أعدائنا من القوى المحاربة للإسلام وأذنابهم من العملاء الذين تحركهم الأيدي الخفية.. إن مكر هؤلاء قدر غالب ليس لنا وسائل لدفعه ولا أسباب لرده! . وأمّا الصنف الأخير فسيصحح بزعمه كلام هؤلاء كلهم: لا بل نحن في آخر الزمان وهذه علاماته، فلا يمر يوم إلا والذي بعده أسوأ منه..! ! وهكذا يظل القوم يلهثون في البحث عن كبش الفداء لتبرير الفشل والانحسار ويتفنون في اختراع الأسباب لزحزحة المسؤولية عن عواتقهم وإلقائها على عاتق الغير من أعداء وظروف وغيرها، وهؤلاء هم الذين أصابهم وباء (المنطق التبريري) . لقد ضرب الله لنا مثلاً في القرآن لأناس أصابهم هذا المرض (المنطق التبريري) ثم عافاهم الله منه بتوفيق أرشدهم وأعقلهم إلى الطريقة الصحيحة لعلاجه؛ فقال : [إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ] [القلم: ١٧ ١٨] .. لقد عزم هؤلاء على حرمان المساكين من حقهم بقطف ثمار بستانهم في الصباح قبل أن يراهم أحد، فعاقبهم الله: [فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ] [القلم: ١٩، ٢٠] .. وفي الصبح: ذهب أصحاب البستان ليتموا ما اتفقوا عليه، وفوجئوا بالمأساة.. مأساة استحالة النضارة في القطوف الدانية والثمار الزكية الشهية إلى سواد مُدْلَهِم لا ينتفع بشيء منه، بل هو صورة غضب الله ومؤاخذته لهم على كفران النعمة بما أقسموا على منع الخير وقبض أيديهم عن عطاء من هم أهل للعطاء.. فماذا فعل أصحاب البستان؟ لقد كان بعضهم مصاباً بالمنطق التبريري فأخذوا في تصيد كبش الفداء والبحث عن أمر خارج عنهم كان هو السبب في بلائهم، فطمأنوا أنفسهم اطمئناناً خادعاً بأنه لم يحصل شيء، فليست هذه جنتنا وإنما نحن ضللنا الطريق.. [فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إنَّا لَضَالُّونَ] .. وحينما تأكدوا أنها هي وليست غيرها، كان التبرير الآخر الذي يقوم على تنزيه النفس وإلقاء التبعة على الظروف والقدر [بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ] .. وهنا بدأ أوسطهم وأعقلهم وأرشدهم في تعريفهم بالسبب الحقيقي لما هم فيه، والطريقة الصحيحة في النظر إلى المحن والمصائب.. [أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ?] ، إن المشكلة فيكم وليست خارجكم، وأنتم الذين أخطأتم.. هذا هو الطريق: ولم يرتكب أصحاب الجنة حماقة التبرير للبقاء على الخطأ، بل بدؤوا في عملية التصحيح على الفور.. [إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ] .. [إنَّا كُنَّا طَاغِينَ] إن الخطأ عندنا، والمشكلة بدأت من عندنا وليس من عند غيرنا.. .. هذه الطريقة التي اتبعها أوسطهم هي ما يجب أن نسلكه في علاج تبريرنا لعجزنا وانحسار عملنا الإسلامي، فنقول: إن التبريرات التي نسوقها لتبرير فشلنا وعجزنا عن تحقيق أهدافنا ما هي في حقيقتها إلا نتائج للأسباب الحقيقية التي يغفلها عمداً أو جهلاً من أصيبوا منا بوباء المنطق التبريري.. ذلك المنطق الذي يعفينا من أدنى مسؤولية أو تقصير، ويفترض دائماً عدم وقوع أخطاء منا، كانت هي السبب في تأخر قطفنا لثمار أعمالنا؟ ! . .. ونحن نذكّر أنفسنا، ونذكّر من أصابهم المرض منا، فنقول: إذا كانت الظروف هي سبب فشلنا في تحقيق أهدافنا، فإن معنى ذلك أن أعمالنا دون مستوى عصرنا، لأننا لم نستعد لمواجهة تلك الظروف. وإذا كانت خطط أعدائنا هي سبب فشلنا، فما الذي يجعلها تنجح؟ وإذا كان أذناب هؤلاء من العملاء الذين تحركهم الأيدي الخفية هم سبب فشلنا، فمن الذي تسبب في وجود الأذناب، وغطى الأيدي الخفية؟ .. وإذا كان وجودنا في آخر الزمان هو سبب فشلنا لأن كل يوم يكون أسوأ مما قبله فهل يعني هذا أن محاولات المصلحين وجهودهم لابد أن تضيع سدى؟ . إن الحقيقة التي يجب أن ندين بها جميعاً: أننا نحن شئنا أم أبينا المسؤولون عن فشلنا وهزائمنا، وكل من يحاول أن يزحزح هذه المسؤولية عن عاتقنا ليلقيها على عاتق الغير، هو في الحقيقة يلحق بنا الضرر ويؤخر خروجنا مما نحن فيه. إن من يعتقد أن مكر أعدائه هو القدر الغالب، أو أن الظروف فوق طاقته: سيتحرك بنفسية المهزوم الذي يرى أنه لن يستطيع فعل شيء، وربما أسلمه ذلك إلى الاستسلام للواقع على أنه التصرف الواقعي، فيتقوقع على نفسه وينسحب من ميادين العمل ليشغل نفسه بقضايا هامشية، وإذا حاولت أن تشحذ همته للعمل على التغيير، رد عليك بقوله: كنت أقوى عزيمة منك، كنت أحاول وأعمل وأجاهد، وتبين لي بعد سنين من التجارب المرة أن الأمور ليست بهذه البساطة، وأن محاولتي هذه كانت نوعاً من السذاجة والغفلة! . ولا يقل هزيمة عن هذا من يرى أن التغيير لا يخضع لسنة ارتباط النتائج بأسبابها، أو يرى أننا في آخر الزمان فيظل ساكناً في انتظار ظهور المهدي الذي يصلح الدنيا دون جهود من أهلها، وكلما دعاه أحد إلى العمل والتضحية من أجل الإصلاح أجاب لسان حاله: [فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] ، ومهما كانت مرارة الفساد الذي يحيط به، فإنه يبقى في انتظار ظهور المهدي الذي قد يمر ألف عام أو أقل من ذلك أو أكثر دون أن يظهر، بينما لو أخذ هذا وغيره بالأسباب الموصلة إلى النصر وتغيير الواقع الفاسد لغيّر الله بهم هذا الواقع. إن من يحاول التستر على أخطائنا وعدم الكشف عنها هو من يُسْلمنا إلى المأساة الحقيقية تحت دعوى عدم التشهير بأنفسنا، أو كشف عيوبنا أمام أعدائنا.. ذلك أن هؤلاء يضعوننا في مرتبة أعلى من مرتبة أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-الذين بيّن الله في قرآنه أن ما وقعوا فيه من أخطاء كانت سبباً في هزائمهم في أحد وحُنين. قد يرد بعضهم بقوله: إن الابتلاء من سنن الدعوات، وقد جرت حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم أن يُدال لهم مرة، وأن يُدال عليهم مرة أخرى، ليتميز الصادق من غيره. ونحن نقول: إن هذا الكلام حق وصدق لا مرية فيه، ونحن لا ننكر أن الابتلاءات والمحن من سنن الدعوات.. بل هي طريق الرسل وأولياء الله.. وواجب الذين يصابون بها هو الثبات على ما هم عليه. ولكن ما نريده: أن يكون لدينا ملكة الفرقان بين الابتلاء والفشل بسبب الخطأ في العمل.. ذلك أن الموقف الصحيح في الأول هو الثبات والبقاء على ما نحن عليه، أما الموقف الصحيح في الثاني فهو مراجعة الخطأ والتخلي عنه والبدء في تدراكه بالسير في الطريق الصحيح. إن التفكير بطريقة المنطق التبريري الذي يفصل النتائج عن أسبابها تحت دعوى أن علينا أن نعمل، وليس علينا تحقيق النتائج هو في حقيقته مصيبة كبرى؛ لأن ذلك يعني مثلاً أن المهندس الذي يشيد عمارة فتنهار لا يحاسب! ! أو أن الطبيب الذي يهمل في علاج مريض فيموت لا يكون مسؤولاً ومحاسباً! ! إن الذين يرددون: علينا أن نعمل وليس علينا تحقيق نتائج.. هؤلاء يغيب عنهم أن الصواب في الأعمال أصل قبولها في الآخرة وشرط نجاحها في الدنيا.. وأن صواب الأعمال لا يتحقق إلا أن تكون أعمالنا وفق شروط الزمان والمكان، فالقيام بالأعمال خارج وقتها غيرمقبول، كما أن إتيان النوافل بترك الواجبات من ضعف الفقه. إن أعمالنا من أجل التغيير لابد أن تكون في إطار أعظم أصل من أصول التغيير وأصدقه في عالم الأنفس والمجتمعات، وهو قول ربنا : [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] طبقاً لفهمها الصحيح حسب سنن الله في الكون، وطبقاً للعلاقة بين ما هو في النفس وما هو خارج النفس من أوضاع يطلب تغييرها، بمعنى أن كل شيء يتوصل إليه بأسبابه المؤدية إليه، فإذا كنا نريد تغيير واقع منحرف، فإن طريقنا إلى ذلك أمران: الأول: إثارة السخط على الواقع المنحرف، وإثارة الاهتمام بتغييره، وزيادة الوعي بالبديل، والالتزام بهذا البديل. الثاني: الإيمان بضرورة توفير القوة المؤيدة للتغيير التي تكفي لإزاحة القوة الباغية المؤيدة للواقع المنحرف. فإذا اقتصرنا على الأمر الأول من التغيير لما في النفس، وهو: تغيير الرضا بالواقع إلى السخط عليه، والتطلع إلى إحلال بديله: سيحصل بإذن الله ما قابله فقط من التغيير في الواقع.. أي سيحصل التغيير في الآراء والمطالب وسيلتزم الأفراد بوصفهم أفراداً بما يمكنهم التزامه من الواقع المنشود. فإذا ما حدث الأمر الثاني من التغيير لما في النفس، وهو الإيمان بضرورة توفير القوة المؤيدة للتغيير الكافية لإزاحة القوة المعادية عن طريقها، وتوفرت بالفعل تلك القوة.. حينئذ سيحصل التغيير الآخر.. وذلك: إمّا بتخلي القوة المعادية عن المجابهة خوفاً من القوة الجديدة. وإمّا أن تحصل المواجهة فيحكم الله بين الفريقين حسبما تقتضي حكمته .. فإن كانت النتيجة نصراً لأصحاب الحق، فبحول الله وتوفيقه واتباع ما أمر به: كتب الله لهم هذا النصر. وإن كانت الأخرى، فلأمر يريده الله كان تأخير النصر.. ومن لحق من أهل الحق بربه فهو بالشهادة أسعد.. وعلى الباقين استئناف السير على الطريق المشروع المبرور حتى يأذن الله بالنصر، ولكل أجل كتاب. ... تلك هي الطريقة الصحيحة في محاولة الخروج من الانحسار والفشل. ... وهذه هي الطريقة الصحيحة في تفسير الهزيمة بعد إتقان العمل.. وبعد.. فإن (المنطق التبريري) يمثل أخطبوطاً يمد سيقانه إلى جل مجالات أعمالنا الإسلامية، ويشكل قيوداً وأغلالاً تنمو في ظلالها قابليتنا للهزيمة، وتُقْتل بسببها همتنا للتغيير ... ونحن ندرك أننا لن نقدر على علاج وباء المنطق التبريري بمقالة تكتب عنه، فذلك نوع من تسطيح الأمور والتفاؤل المفرط الذي يفقدنا الرؤية الصحيحة. ولكننا في الوقت ذاته لا نعتقد أنه لا علاج لهذا الوباء، أو نقول كما يقول لسان حال بعضهم: أقام العباد فيما أراد.. لن يكون إلا ما قد كان.. رفعت الأقلام وجفت الصحف ... وغيرها من الأدلة السائرة التي يسوقها في غير موضعها أصحاب (المنطق التبريري) . وفقنا الله جميعاً للعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2012

سياسة شرعية العلاقات والحصانات الدبلوماسية في الفقة الإسلامي والقانون الدولي (٣) علي مقبول تطرق الكاتب في الحلقتين الماضيتين إلى مفهوم التمثيل الدبلوماسي ومراحل تطوره، ووضّح موقف القانون الدولي من الحصانات والامتيازات الدبلوماسية ذاكراً: الحصانات الشخصية والقضائية، والمالية، وعدم خضوع دار الوكالة للقضاء الإقليمي.. وفي هذه الحلقة يذكر الكاتب موقف الشريعة الإسلامية من هذه الحصانات. - البيان - موقف الشريعة الإسلامية من الحصانات والامتيازات في القانون الدولي: تمهيد: الدعوة إلى السلام العالمي والتعايش السلمي من خلال العلاقات الدبلوماسية تكاد تصم الآذان بضجيجها في هذا الزمان، بل لقد أصبحت لكثرة القائلين بها كأنها الحق الصراح وما عداها هو الباطل بادي الرأي للذي لا يعرف الأحكام الشرعية. أما من يفهم الكتاب والسنة ويتمسك بهما: فلا تزيده كثرة النداء بتلك الشعارات إلا مقتاً لها ولأصحابها، لأنها دعوة مائلة عن نهج الحق. وهذه الدعوة التي تنتشر اليوم إنما تنتشر وفقاً لمبادئ قانونية وضعية ما أنزل الله بها من سلطان. فالقانون الدولي العام الذي يتفرع عنه القانون الدبلوماسي، ويعتبر جزءاً منه، الذي أكدته اتفاقية (فيينا) ١٩٦٠م، والذي وضعته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة: يوجب أول ما يوجب على كل دولة: مراعاة أحكامه؛ كما أكدت ذلك المادة الأولى منه. وهذا غير جائز؛ فإن الواجب على الدولة المسلمة أن تراعي أحكام القرآن لا أحكام القوانين الموضوعة من البشر [١] . أولاً: الحصانة الشخصية: اعترف العرب بأحقية السفير واحترامه وعدم إهانته؛ لأنه مبعوث من أمم أخرى، ولما جاء الإسلام شملت الدولة الإسلامية السفراء الوافدين إليها بالأمان والسلام مدة بقائهم في بلادها حتى يعودوا إلى أوطانهم، وعُرف عن الدولة الإسلامية منذ نشأتها الحرص التام على تمتع السفراء بما يعرف في الاصطلاح الحديث المعاصر للقانون الدولي العام بقاعدة الحصانة الشخصية. ثم إنه من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية [٢] قاعدة تأمين المبعوثين على أنفسهم حتى يعودوا سالمين إلى من بعثهم من أمرائهم ودولهم. واحترام حرية السفراء سبق الإسلام بها القانون الدولي الحديث [٣] ؛ يقول الله (تعالى) : [وَإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَاًمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ] [التوبة: ٦] . قال القرطبي: (وإن أحد من المشركين) أي: من الذين أمرتك بقتالهم، (استجارك) أي: سأل جوارك، أي: أمانك وذمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي: يفهم أحكامه وأوامره، فإن قبل أمراً فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه، وهذا مالا خلاف فيه [٤] . والممثلون الدبلوماسيون هم الذين يقومون بتمثيل دولهم، وقد يريدون أن يتعرفوا على تعاليم الدين أو عقد معاهدة ونحوه، ولذلك ضمن الإسلام سلامتهم حتى يعودوا إلى أوطانهم سالمين، ومعروف منذ القدم أن هؤلاء الرسل يعطون مزايا لا تتوفر لغيرهم. ثم إنه يثبت الأمان للرسول الموفد من قومه، أو دولته إلى الدولة الإسلامية بمجرد أن يطأ أراضي الدولة الإسلامية. قال السرخسي (رحمه الله تعالى) : وإذا وجد حربي في دار الإسلام، فقال: أنا رسول، فإن أخرج كتاباً عرف أنه كتاب ملكهم: كان آمنا حتى يبلغ رسالته ويرجع، لأن الرسل آمنة في الجاهلية والإسلام، وهذا لأن أمر القتال والصلح لا يتم إلا بالرسل، فلابد من أمان الرسل ليتوصل إلى المقصود، ثم إن الرسول لا يكلف بإقامة البينة على أنه رسول وإنما يكتفي بالعلامة، والعلامة أن يكون معه كتاب يعرف أنه كتاب ملكهم، فإذا أخرج ذلك فالظاهر أنه صادق، والبناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته ... وإن لم يخرج كتاباً أو أخرج ولم يعلم أنه كتاب ملكهم فهو وما معه فيء، لأن الكتاب قد يفتعل وإذا لم يعلم أنه كتاب ملكهم بختم وتوقيع معروف فالظاهر أنه افتعل ذلك [٥] . وقد ذكر أبو يوسف ﵀ في كتاب الخراج: إن الحربي إذا قال: أنا رسول الملك بعثني إلى ملك العرب، وهذا كتاب معي، وما معي من الدواب والمتاع والرقيق فهدية إليه، فإنه يصدق ويقبل قوله إذا كان معروفاً، فإن مثل ما معه لا يكون إلا على مثل ما ذكر من قوله إنها هدية من الملك إلى ملك العرب، ولا سبيل عليه ولا يتعرض له ولا لما معه من المتاع والسلاح والرقيق والمال، إلا أن يكون معه شيء له خاصة حَمَله للتجارة، فإنه إذا مر به فعليه العشور [٦] . وهناك كثير من الأدلة الواضحة على عصمة المبعوث أو الرسول واحترام شخصه، وقد نص الفقهاء ﵏ في كتبهم على أن الرسل لا تقتل. قال الأوزاعي: ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن لأن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان يؤمن رسل المشركين، ولما جاءه رسولا مسيلمة قال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما [٧] ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة [٨] . وخلاصة القول: أن السفراء منذ القدم لا يتعرض لشخصهم بالإهانة أو التضييق، وقد يحصل أن يمد السفير دولته ببعض المعلومات، وكذلك أيضاً يفعل سفراء الدولة الإسلامية، إلا أن الفقهاء قرروا ألا يكون محض عمل السفير هو التجسس أو الإفساد، فإن كان كذلك فإنه يُنبَذ إليه، أي: يبعد من البلاد ولولي الأمر بما له من حق الرقابة على المستأمنين والرسل أن يلاحظ تحركاتهم ويراقب نشاطهم وليس من الحكمة أن يركن إليهم، فإذا أحس منهم خطراً أبعدهم [٩] . ثانياً: الحصانة القضائية: أما الحصانة القضائية التي تقضي بعدم خضوع رجال السلك الدبلوماسي للولاية القضائية للدولة الموفد إليها، سواء في المسائل الجنائية أو المدنية أو الإدارية، أما هذه الحصانة فإن التشريع الإسلامي يختلف فيها عن القانون الدولي، فالمستأمن والسفير يسأل كل منهما مدنيّاً وجنائيّاً عما يرتكبانه من أعمال في بلاد الإسلام [١٠] ، على أساس أن السفير أو الرسول يعتبر مستأمناً لدى الدولة الإسلامية بأمان منحه الإمام، وهذا المستأمن بدخوله أرض الإسلام بعد إعطائه الأمان يعتبر ملتزماً بأحكام الشريعة الإسلامية، ويسري عليه ما يسري على الذمي من أحكام، فيعاقب الجميع في دار الإسلام دفعاً للفساد، ودفع الفساد واجب ملزم لكل من يقيم بين المسلمين ولو مؤقتاً، والمجرم خاصة إذا كان إجراماً متعدّياً لا يستحق الحماية، ولا يصلح لأداء وظيفته. والحاصل: أن الأحكام الإسلامية تطبق على المستأمن فيما يتعلق بالمعاملات المالية بالاتفاق، فإنه يمنع من التعامل بالربا، لأن ذلك محرم في الشريعة الإسلامية، وكل بيوعه ومعاملاته يطبق عليها النظام الإسلامي لأنه يتعامل مع المسلمين، فلا يطبق عليه إلا شرع المسلمين، وذلك أمر بدهي، ولو كان التعامل بينه وبين ذمي أو مستأمن فإنه خاضع للأحكام الإسلامية لا يحكم بغيرها، لأن السيادة للدولة الإسلامية مفروضة على كل رعاياها. وبالنسبة للعقوبات: فقد قرر الفقهاء أنه إذا ارتكب أمراً فيه اعتداء على حق مسلم نزل به العقاب المقرر في الشريعة الإسلامية وطبقه الحاكم، وهو خاضع له، وكذلك إذا كان الاعتداء على ذمي أو مستأمن مثله، لأنه يجب إقامة العدل وإنصاف المظلوم من الظالم مادام مقيماً في دار الإسلام. وإن كان الاعتداء على حق من حقوق الله (تعالى) كالزنا، فإن جمهور الفقهاء قرروا أخذه بالعقاب المقرر، إذ هو لم يجئ إلى ديار المسلمين ليسعى فيها بالفساد. وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال: إن العقوبات التي تكون حقّاً لله وهي ما تكون حماية خالصة للفضيلة أو يكون حق الله فيها غالباً كالسرقة لا يقام الحد فيها على المستأمن، وإن كان يضمن السرقة؛ لأن الحاكم المسلم هنا ليس له عليه ولاية كاملة، إذ إن إقامته مدة معلومة، كما أنه قد يكون رسولاً لدولة، والرسل لا تقتل [١١] . إذن: الحصانة القضائية التي يخلعها القانون الدولي على الممثلين الدبلوماسيين لا يعترف بها الإسلام، ولهذا فإنّ فقهاءنا ﵏ لا يعطون السفراء امتيازاً زائداً يفضلون به المستأمنين الدبلوماسيين على المستأمنين العاديين، والقاعدة العامة: أن المسلمين والمستأمنين عامة: سفراءهم، وتجارهم، وسياحهم، وجميع فئاتهم خاضعون للأحكام والأنظمة الجنائية والمدنية التي تفرضها الشريعة في بلاد المسلمين، ولا يعفى غير المسلمين إلا من العقوبة المتعلقة بحق الله (تعالى) في قول بعض الفقهاء كما سبق ذكره. والرأي المختار في تطبيق الحدود على السفير أو الرسول الممثل الدبلوماسي الذي يتفق مع أدلة الشريعة أن السفير أو المبعوث أو الدبلوماسيين عامة يجب أن يلتزموا بأحكام الإسلام ماداموا مقيمين في الدولة الإسلامية؛ لأن الموافقة على إعطائهم الأمان لم يتضمن قبول مخالفتهم لأحكام الشريعة. ولا يُسوّغ مبدأ المعاملة بالمثل أو الحصانة التي تمنحها بعض الدول للسفراء أو المبعوثين أن يخالفوا أحكام الشريعة الإسلامية في أرض الإسلام، وهذا ما لا يجوز شرعاً، ولذا: يجب تطبيق الحدود والقصاص على كل مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية سواء أكان سفيراً أو غيره؛ نظراً للمفسدة التي قد تحدث من تعطيل هذه الحدود. ورب قائل يقول: كيف يتم هذا والدول قد اتفقت على إعطاء الحصانة القضائية للدبلوماسيين؟ والجواب: أن اتفاق الدول لا يعطل أمراً شرعيّاً ولا حدّاً من حدود الله، لأن المسلمين يجب أن يلتزموا بشرع الله ولا يعقدوا أي اتفاق فيه تعطيل لأحكام الإسلام، وقد نهى الرسول- ﷺ -عن ذلك فقال: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل [١٢] وقول النبي ﷺ الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالا أو أحل حراماً [١٣] . ولذا: فإن أي اتفاقية معاهدة لتبادل السفراء والمبعوثين أو للحصانة الدبلوماسية تخالف شرع الله لا ينبغي أن يوافق عليها المسلمون، بل يجب أن يعدلوها بما يتفق وشرع الله. لذا: يمكن للدولة الإسلامية أن تعقد الاتفاقيات بشأن التبادل الدبلوماسي بينها وبين الدول الأخرى، وتشترط في هذه الاتفاقيات أن تتم المعاملة بالمثل بحيث تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، مقابل تطبيق قوانين الدول على السفراء المسلمين بما لا يحل حراماً أو يحرم حلالا. وفي هذا زجر ومنع للدبلوماسيين من ارتكاب الجريمة أو الإفساد في الأرض، ومدعاة لالتزامهم بأحكام الإسلام في الدولة الإسلامية [١٤] . ثالثاً: حصانة عدم خضوع دار الوكالة ومحتوياتها للقضاء الإقليمي: لم تكن في فجر الإسلام بعثات دبلوماسية دائمة، وإنما كانت بعثات دبلوماسية مؤقتة للقيام بعمل معين يغادر بعده المبعوث أرض الإسلام إلى مأمنه بعد انقضاء أجل الأمان. ثم إن الإسلام لا يعرف حرماً آمناً إلا الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، فليس لدور الوكالات السياسية عنده هذه الحرمة الغالية التي تمس سيادة بلاده. بيد أن الدولة الإسلامية كانت تستقبل السفراء في منازل خاصة تستضيفهم فيها، مثل منزل رملة بنت الحارث بن سعد في المدينة على عهد الرسول-صلى الله عليه وسلم-، والمنزل الذي كان يعرف باسم دار الضيفان ودار صاعد في بغداد حيث كانت بمثابة دار للضيافة، وفي أواخر أيام العباسيين كانوا يعطون داراً يسكنون فيها، أو ينزلون في مدرسة من المدارس، أما في دمشق فكانوا ينزلون في دار الضيافة، وكذلك في القاهرة. وكانت الدولة الإسلامية مع ذلك تسمح للسفراء بممارسة حريتهم الكاملة في إقامة شعائر دينهم، حتى إن الرسول- ﷺ -سمح لوفد نجران النصراني بأن يؤدي شعائره الدينية في المسجد؛ قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر قصة وفد نجران: ومن فقه هذه القصة: ١- جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين. ٢- تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم [١٥] ... وذلك إذا كان هذا عارضاً، فلا يمكنون من اعتياد ذلك بإقامة الكنائس والمعابد الدائمة. هل يجوز للمبعوث الدبلوماسي إلى دار الإسلام منح الملجأ لغيره؟ سبق معنا أن هناك خلافاً في القانون الدولي في جواز إعطاء حق اللجوء السياسي للفارين، وأن هذا الخلاف غير موجودفي دول أمريكا اللاتينية [١٦] ، أما بالنسبة إلى الدول الأخرى فهناك نزاع بينهم، ولكن على فرض صحته، هل يجوز للمبعوث الدبلوماسي في دار الإسلام أن يعطي الأمان لغيره من المستأمنين؟ الواقع أن ما يعطى للمبعوث الدبلوماسي من مزايا هي لتسهيل مهامه ومباشرتها بكل حرية ومن باب المعاملة بالمثل، ومنح الأمان من الممثل الدبلوماسي ليس من الأمور التي تدخل في اختصاصه، ولذلك نجد ابن قدامة ﵀ يقول: ولا يصح أمان كافر وإن كان ذميّاً؛ لأن النبي- ﷺ -قال: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم [١٧] ، فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، ولأنه متهم على الإسلام وأهله فأشبه الحربي [١٨] . وقال ابن حجر في الفتح: وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر [١٩] ، ومعنى ذلك: أن الفقهاء اتفقوا على أن الذمي لا يعطي الأمان لغيره من المستأمنين، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال: إن غزا الذمي مع المسلمين فَأمّن أحداً، فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه [٢٠] . ولأن من شروط الأمان: أن يكون المؤمّن مسلماً كما تبين من الحديث السابق، فلا يصح أمان غير المسلم، فإذا كان الأمان من الذمي لا يصح: فمن باب أولى ألا يصح أمان الرسول الذي يدخل دار الإسلام لمهمة خاصة ثم يعود إلى بلده، ولأن الأمان إنما أعطي له من أجل تيسير مهمته، ولأن الأمان ولاية ولا ولاية للكافر على المسلمين. رابعاً: الحصانة المالية للممثل الدبلوماسي وموقف الشريعة من ذلك: الحصانة المالية أساسها في القانون الدولي المعاملة بالمثل، أما في الإسلام فإن الفقهاء قرروا إعفاء المستأمن الرسول من العشور التي كانت معروفة عندهم؛ قال أبو يوسف (رحمه الله تعالى) : ولا يؤخذ من الرسول الذي بعث به ملك الروم ولا من الذي أعطي أماناً العشر إلا ما كان معهما من متاع التجارة، فأما غير ذلك فلا عشر عليهم فيه [٢١] . فالمقصود بالإعفاء من العشور هو ما يشبه الإعفاء من الضرائب [٢٢] بالنسبة لهؤلاء الرسل، وهذا موجود في كلام فقهائنا (رحمهم الله تعالى) : قال الشافعية: ولا يؤخذ شيء من حربي دخل دارنا رسولاً. وقال الحنفية: إنه لا يؤخذ من الرسول الذي بعث به ملك الكفار عشر. وقال كثير من الفقهاء: وإذا كانوا لم يأخذوا من تجار المسلمين ولا من رسلهم شيئاً لم يأخذ المسلمين شيئاً منهم أيضاً. وإذا اشتُرِطَ ذلك للرسل فينبغي للمسلمين أن يوفوا لهم بشرطهم [٢٣] . وقبل أن ننتهي من موضوع التمثيل الدبلوماسي يتبادر إلى الذهن سؤال مهم هو: ما حكم التمثيل الدبلوماسي الدائم في وقتنا الحاضر؟ نستطيع أن نقول أنه بناءً على ما قرره الفقهاء من وجوب تأمين الرسل أو السفراء القادمين إلى الدولة الإسلامية فإنه لا مانع من إقامة علاقة سياسية دائمة بين الدولة الإسلامية وغيرها، فمثلاً نجد ابن قدامة ﵀ قد بيّن أنه: يجوز إعطاء الرسول أو السفير الأمان وحق الإقامة دون تحديد ذلك بمدة معينة، فقال: ويجوز عقد الأمان لكل منهما (الرسول والمستأمن) مطلقاً ومقيداً بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة [٢٤] . فابن قدامة يرى جواز إقامة السفير أو الرسول في الدولة الإسلامية بصفة دائمة أو لمدة محدودة بزمن طويل أو قصير، وهو ما يشبه الآن ما يسمى بالتمثيل الدبلوماسي الدائم. إلا أنه من الخير أن يفطن المسلمون اليوم لكثير من التسهيلات والامتيازات التي تمنح للأجانب، فإنه من المُسلّم به أن أمن الدولة هو مجموع مصالحها الحيوية والواجب على ولي أمر المسلمين أن يهتم بهذه المصالح، سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو معنوية أو أدبية، كما يعمل على مقاومة كل من يعمل أو يحاول الحصول على المعلومات من الدولة الإسلامية عن تلك الأشياء، أو القيام بمحاولات تهدد الأمة الإسلامية في كيانها أو أهدافها الحيوية أو التأثير على معنويات شعوبها أو التشكيك في مبادئها وقيمها، خاصة بعض الدبلوماسيين الذين يستغلون حصانتهم الدبلوماسية في تحقيق بعض الأغراض التي تمس أمن وسلامة الدولة الإسلامية. هذا وإن كان بعض فقهائنا (رحمهم الله تعالى) أجازوا عقد الأمان للرسول أو السفير بصفة مطلقة وبدون تحديد مدة معينة، إلا أن ذلك مربوط بشرط مهم وهو: أن عقد مثل هذه العلاقات الدبلوماسية الدائمة تخضع لتقدير ولاة الأمر وأهل الحل والعقد، وأن يكون محققاً لمصلحة الدولة الإسلامية. ومعروف لدى القارئ الكريم القاعدة الفقهية المشهورة القائلة: إن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة وقد نص الشافعي ﵀ على هذه القاعدة بقوله: منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم [٢٥] . الخاتمة: وبعد هذا التطواف بين الحصانات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، نريد أن نوضح الأمور التالية: أولاً: في العلاقات الخارجية (التمثيل الدبلوماسي) : يهتم النظام الإسلامي بالغايات الشرعية لهذه العلاقات، بينما نجد النظام الوضعي يهتم بتحقيق مصالح بشرية متقلبة، وكما قال أحدهم: ليست هناك صداقات دائمة وإنما هناك مصالح دائمة ولذلك تتأثر هذه العلاقات في الأنظمة الوضعية بتحقيق مصالحها فقط. ثانياً: إن صياغة أهداف العلاقات الخارجية، يجب أن تتم في ضوء المنهج الإسلامي، الذي حددته الأحكام الشرعية؛ فلا ينبغي لأي دولة إسلامية أن تضع برامجها وأهدافها في غياب هذه العلاقات، بحيث تصبح كالأهداف التي تضعها أي دولة أخرى، فالله قد أكرمنا بالإسلام وجعله منهجاً لنا، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. ثالثاً: يجب إظهار التميز الإسلامي في علاقتنا مع غيرنا؛ لأن تميزنا هو الذي يميزنا عن بقية الدول الأخرى، وإذا لم نتميز بما لدينا من عقيدة إسلامية أصبحنا والدول الأخرى سواء. أخيراً: إن المصالح المشتركة لا تبرر التنازل عن حكم من أحكام الإسلام الواضحة، إذ إن هذه المصالح يجب أن تخضع لحكم الإسلام، ولذلك لا يقول قائل: إن المصالح تجعل المسلمين يتنازلون عن مبادئهم، فالمبادئ أسمى وأعلى من كل مصلحة، ومصلحة الدين فوق كل مصلحة [٢٦] .

стр. 2013

المسلمون والعالم جهود الرافضة في السنغال بين النجاح والفشل بقلم: عبد المهيمن كريم كاتب هذه المقالة داعية سنغالي، كانت له صلة قريبة بنشاط الشيعة في السنغال، سافر للدراسة في إيران، واطلع على أحوالهم عن قرب.. ثم كانت هذه المقالة للتعريف بنشاط الشيعة في السنغال. - البيان - السنغال دولة تقع في غرب إفريقيا مساحتها ٤٠٠. ٢٠١ كم٢، تحدها موريتانيا شمالاً، وغينيا بيساو وغينيا كوناكري غرباً، وساحل العاج ومالي شرقاً وجنوباً، ويبلغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، يشكل المسلمون نسبة ٩٥ % منهم. ويمكن إرجاع دخول الرافضة في السنغال إلى ما بعد قيام الثورة الإيرانية؛ لأن اللبنانيين الذين يعتنقون المذهب الشيعي مكثوا في البلاد أكثر من أربعين سنة دون أن يعرف السنغاليون مذهبهم الشيعي فضلاً عن الدخول فيه. أما بعد الثورة الإيرانية التي حملت شعار تصدير الثورة إلى العالم كما هو معروف بعد ذلك سمعنا ولأول مرة في تاريخ السنغال الكلام عن الشيعة والتشيع! ! كيف دخل الرافضة في السنغال؟ تزامن قيام الثورة الإيرانية مع تنامي الصحوة الإسلامية في السنغال ودخول الصحوة في جامعة دكار، وأوساط التلاميذ في الثانويات والمعاهد العربية والفرنسية، وبدأت الصحف والمطبوعات الإيرانية الشيعية تدخل البلاد، وترفع شعار الوحدة الإسلامية بعناوين كبيرة على أغلفة المطبوعات والصفحات الأولى منها، وفي داخلها تعالج موضوعات الثورة، وتركز على أن سر نجاحها كامن في العامل العقائدي المتمثل في نظرية الإمامية الاثني عشرية، لذلك كان أول من تشيّع هم بعض المثقفين من الطلبة السنغاليين من ضعيفي الثقافة الإسلامية الصحيحة. دور السفارة الإيرانية في العمل الدعوي: يرجع دخول التشيع وانتشاره إلى جهود السفارة الإيرانية، فهي التي كانت ولاتزال تتولى مهمة نشر الصحف والكتب واختيار العناصر المؤيدة لإيران لتقديم الدعوات إليها لزيارتها في أعياد الثورة! ، ولما تشيعت مجموعة من الناس بواسطة هذه الدعايات، لعبت السفارة دوراً كبيراً في دعمهم ماديّاً وتقديم المعلومات لهم من الكتب والصحف، بل ذهب بعض الناس إلى أنهم كانوا يجتمعون في أول الأمر داخل السفارة، ويتلقون فيها الدروس التكوينية حتى أسسوا أخيراً حركة باسم حلقة المثقفين. دور اللبنانيين حجمهم، نشاطهم الاقتصادي، جمعياتهم: المصادر التي تتكلم عن تاريخ الهجرة اللبنانية تقول: إن هجرتهم إلى إفريقيا تزامنت مع مجيء الاستعمار [١] ، ولكن اللبنانيين بحكم طبيعتهم وغرابة توجهاتهم الشيعية، اعتزلوا المجتمع السنغالي ثقافيّاً، وبقوا يمارسون شعائرهم التعبدية في معابدهم الخاصة، إلى أن ظهر الإمام موسى الصدر بجولاته الإفريقية المشهورة في سنة ١٩٦٤م وما بعدها، حاملاً مشروع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان. وذهب موسى الصدر إلى كل بلد إفريقي فيه وجود لبناني، فجمع الجالية اللبنانية ونصب لهم إماماً ومرشداً دينيّاً براتب يتحمله المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فنصب للجالية اللبنانية في السنغال عبد المنعم الزين، وبنى له بعض اللبنانيين مركزاً فخماً في دكار قرب وزارة المالية سَمّوه (المركز الاجتماعي الإسلامي) ، وتمت البناية سنة ١٤٠١ هـ في الحادي عشر من شهر رجب الموافق ١٤/٥/١٩٨١ م. والبناية تحتوي على أربعة طوابق: - الطابق الأرضي نادي الرسول. - الطابق الأول مسجد الإمام علي المستوصف الإسلامي. - الطابق الثاني جمعية الهدى الخيرية. - الطابق الثالث الإدارة العامة. ويعالج المرضى في المستوصف بأجور زهيدة، وتوجد في المركز مدرسة تسمى مدرسة الزهراء، حيث يقوم فيها شيخهم عبد المنعم بتدريس بعض الأفارقة، وإذا وثق بهم يرسلهم إلى لبنان أو إيران ليواصلوا دراستهم، وقد وجدت خلال وجودي في إيران خمسة سنغاليين مرسلين عن طريقه. كما أنشأ اللبنانيون تحت إشراف عبد المنعم الزين مسجداً كبيراً في محطة السيارات أسموه مسجد الدرويش، ونصب له أماماً سنغاليّاً اسمه، كان قد تخرج على يدي عبد المنعم، وهو يصلي بالناس الجمعة والجماعة تقية، وذلك بالصلاة كأهل السنة مع إدخال بعض الشعائر الشيعية دون أن يعرفها المأمومون الذين لا يعرفون من الدين شيئاً! ولقد كُلّف الإمام من قبل عبد المنعم بتدريس السنغاليين الذين اعتنقوا المذهب الرافضي، ومن أنشطة عبد المنعم أنه موّل رجلاً في (كيجواي) ، ففتح مدرسة ابتدائية عربية يدرس فيها الأطفال السنغاليين، ويبث فيهم سموم الشيعة خُفْيَةً، كما مول رجلاً آخر، ففتح مدرسة في كرمدارو وهي قرية تقع على بعد خمسة عشر كيلومتراً عن تياس والمدرسة سميت دار القرآن. واللبنانيون كانوا يسيطرون على الحياة الاقتصادية في البلاد، وبخاصة التجارية منها، إلا أن دورهم تقلص بسبب التدهور الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد ودخول السنغاليين في الحقل التجاري بشكل كبير، فنزح كثير من اللبنانيين إلى ساحل العاج أو إلى أوروبا. وليس للبنانيين جمعيات مختلفة ذات طابع ديني، وإنما التفافهم حول عبد المنعم الزين، أما بعض ليبرالييهم فقد توزعوا في النوادي الماسونية والرياضية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى. مجالات عمل الرافضة في السنغال: الروافض السنغاليون لقلة عددهم ليس لهم إلا مدرسة واحدة قائمة فعلاً، وهي مشروع مدرسة عربية فرنسية تحتوي على روضة أطفال، ومركز اجتماعي صحي يشرف عليه إمام جامعة دكار سابقاً، والمدرسة فتحت منذ أكثر من سنة، ولا يعمل فيها حالياً إلا فصل واحد لعدم تحمس السنغاليين ولشكهم في أمثال هذه المدراس أولاً، أو ربما لحداثتها ثانياً. ويبدو أن لهم مشاريع لإنشاء الكليات والمعاهد والمكتبات والأنشطة الاجتماعية، ... لكنهم لم يقوموا بأي شيء منها بعد. أما الصحف والمجلات فيعتمد الروافض السنغاليون على مطبوعات إيران التي ينشر منها كيهان العربي وهي يومية في إيران أسبوعية خارجها، وكذلك الوحدة الإسلامية وهي عربية شهرية، صوت الثورة الإسلامية في العراق أسبوعية، بالإضافة إلى الرسالة وهي أسبوعية ناطقة بالفرنسية وتصدر شهريّاً، وتؤخذ كل هذه المطبوعات من السفارة الإيرانية كما يأخذون منها كتباً مثل: ١- (ثم اهتديت) و (لأكون مع الصادقين) و (فاسألوا أهل الذكر) لالتيجاني السماوي الصوفي المتشيع [٢] . ٢- بحث حول الولاية، بحث حول المهدي، في التاريخ، لمحمد باقر الصدر، عقائد الإمامية، السقيفة، لـ محمد رضا المظفر. ٣- الحكومة الإسلامية، كشف الأسرار، لالخميني. ٤- المراجعات، النص والاجتهاد، أجوبة مسائل جار الله، للمدعو عبد الحسين! شرف الدين. ٥- معالم المدرستين، خمسمئة صحابي مختلف، لمرتضى العسكري، والكتب مترجمة إلى الفرنسية والإنكليزية. ٦- الجمعيات: لا أعرف للرافضة السنغاليين إلا جمعية واحدة في هذا الوقت بالذات [٣] ، وهي باسم حلقة المثقفين ولها طابع سري لذلك من الصعب أن يعرف الناس عنها الكثير وبخاصة من هم مثلي لكوني معروفاً لديهم. زياراتهم إلى مكة المكرمة وإيران: أما زياراتهم لإيران فهي كثيرة؛ لأنني خلال وجودي في إيران كنت ألتقي كل سنة مع وفد من السنغال في المناسبات: منهم مؤسس جماعة العمل الإسلامي.. وغيره [٤] . تقويم نشاطات الرافضة في الساحة السنغالية: في البداية كان النشاط الرافضي مؤثراً تأثيراً سلبيّاً على العمل الإسلامي لما للرافضة السنغاليين من معرفة بأحوال أهل السنة لأنهم تربوا في محيطهم، إضافة إلى مطالعاتهم الكثيرة في المذهب الرافضي، ولأن المسألة كانت جديدة على السنغاليين، لذا: حدث اضطراب عقائدي في أوساط شباب الحركة الإسلامية، والذين تشيعوا كانوا ضحايا ذلك الاضطراب، ولكن لم يمكث الاضطراب مدة طويلة، فقد بدأ الشباب يرجعون عن أفكار الرافضة بسبب الجهود التي بذلها العلماء الأفاضل من أهل السنة، الذين قاموا بإلقاء محاضرات وبحوث توضح حقيقة عقائد أولئك وخطرهم على الأمة. مدى تعاون الطرق الصوفية مع الرافضة: زعماء الطرق الصوفية ليس لهم وعي عقائدي؛ لذلك لا يعرفون مدى الخطر الذي يمثله الرافضة، فضلاً عن اشتراكهم مع الرافضة في بدع كثيرة، وتكسب إيران ودهم بتقديم دعوات لمشايخهم لزيارة إيران، إلا أن خوف الشيوخ من الصحوة الإسلامية التي تُتهم إيران بزعامتها حال دون ذلك، فمثلاً: الشيخ مرتضى إمباكي نائب الخليفة العام للطائفة المريدية قُدمت إليه دعوات مرات ولكنه كان يرسل في كل مرة: إما مرتضى إمباكي مدير الأزهر في (تياس) سابقاً أو مصطفى جترا مفتش الأزهر في (طوبي) . هل تشيع أحد من أهل السنة، وما السبب؟ تشيع بعض الشباب بسبب الدعايات التي قامت بها إيران في إفريقيا بواسطة الصحف والمجلات والكتب التي وزعت من قبل سفارتها، والزيارات التي قام بها الشباب إلى إيران وعددهم لا يبلغ عشرين حسب معرفتي، ومعظمهم يتركزون في العاصمة دكار، ويعملون على نشر التشيع. العلاقة السياسية بين إيران والسنغال: كانت العلاقة بين إيران والسنغال متوترة في البداية لظن الحكومة السنغالية أن إيران تدعم الحركة الإسلامية، فأغلقت سفارتها واستدعت سفيرها من طهران، ولما عرفت أن إيران لا تريد دعم الحركة، وإنما تريد دعم التشيع وهو يضعف الحركة، تصالحت الحكومة السنغالية مع إيران، ففتحت إيران سفارتها من جديد، وفتحت الحكومة سفارتها في إيران، وجعلت مستشار السفير هناك أحد أبناء السنغال الذي كنا نترقب له دوراً كبيراً في مستقبل الحركة الإسلامية. فالعلاقة بين الحكومتين الآن جيدة، وأعتقد أنها ستستمر مادامت الحكومة السنغالية تؤمن أن إيران تضعف الحركة الإسلامية الرئيسة في السنغال، وذلك بمحاولة إحداث الانشقاق داخل صف الحركة الإسلامية السنية، وكسب بعض عناصرها المتشددة إلى التشيع أو تأييد سياساتها. المستقبل المتوقع لنشاط الرافضة في السنغال: لا أرى للرافضة مستقبلاً في السنغال -على الرغم من الجهود الكبيرة التي يقومون بها -، وذلك لسببين: الأول: زيادة كشف وجه إيران في العالم الإسلامي شيئاً فشيئاً وخيبة أمل كثيرين من مؤيديها. الثاني: بروز نجم الحركة الإسلامية السنية في العالم كقوة رئيسة يخشاها الغرب، وانتشار وسائلها في الساحة السنغالية من صحف ومجلات وكتب ونشرات ومراكز صحية واجتماعية، وسلامة عقيدتها مع قوة أدلتها ورصانة حجتها. وختاماً: فإن قضية الشيعة في السنغال بخاصة وفي إفريقيا بعامة مقلقة، وتتطلب يقظة وانتباهاً؛ لأن عامة الشعب السنغالي لا يعرفون عنهم شيئاً رغم الجهود التي بذلوها، وعلى العلماء والدعاة مسؤولية كبيرة في بيان الحق ونشر السنة، وتنشيط الدعوة إلى الكتاب والسنة على منهاج أهل السنة والجماعة.

стр. 2014

المسلمون والعالم المسلمون في الفلبين وصراع الهوية بقلم: محمد بن عبد الله تعيش الأقلية المسلمة في الفلبين في ظل ظروف غاية في الشدة والصعوبة نتيجة للظلم الفاحش والتمييز العنصري الديني الواقع عليها من قِبَل حكومة البلاد الصليبية، التي تعمل ليلاً ونهاراً على طمس هويتها الإسلامية وتذويبها في المجتمع النصراني المحيط بها، ومن جهتهم: يسعى المسلمون جاهدين لمقاومة مؤامرات الاحتواء، والتصدي لخطط أعدائهم، والدفاع عن دينهم وهويتهم وثقافتهم المستهدفة، مما أدخلهم في صراع طويل ومرير مع تلك الحكومة، الأمر الذي ترك آثاراً واضحة على ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن خلال هذا المقال: سنحاول إلقاء الضوء على خلفيات وأبعاد هذا الصراع، واستشراف مستقبل المسلمين في الفلبين في هذه البقعة من عالمنا الإسلامي. الخلفية التاريخية للمسلمين في الفلبين: من المعروف تاريخيّاً أن المسلمين في الفلبين هم أصحاب البلاد الأصليين، حيث إن جزر الفلبين كانت قبل أربعة قرون مضت: عبارة عن مجموعة من الولايات الإسلامية تُحْكَمُ بالإسلام الذي دخلها في نهاية القرن الثامن الهجري على يد التجار والدعاة العرب، ولم يكن هناك في ذلك الوقت أي أثر للديانة النصرانية أو معتنقيها، وبقيت كذلك حتى غزاها الأسبان عام ١٥٢١م، بهدف القضاء على الإسلام الذي كان قد فرض سلطانه على تلك المنطقة من العالم، وتحويل أبنائه عن دينهم، وامتصاص خيراتهم، وكان هذا استكمالاً للدور الذي لعبه الأسبان في تلك العصور في محاربة الإسلام واضطهاد المسلمين (كما حدث في الأندلس) ، إلا أنهم في الفلبين لم ينجحوا في تحقيق النتيجة نفسها التي وصلوا إليها في الأندلس؛ نظراً للمقاومة العنيفة والشرسة التي واجهوها من مسلمي هذه البلاد، بَيْد أنهم تمكنوا من إخضاع شمال ووسط البلاد (جزيرتي لوزون وبيسايس) لسيطرتهم، وفشلوا على مدى (٣٧٧) سنة (هي مدة الاحتلال الأسباني للفلبين) في السيطرة على جنوب البلاد (جزيرة مينداناو) ، وذلك لتأصل الإسلام في تلك المنطقة منذ زمن بعيد واستماتة أهلها في الدفاع عنها، وبعد أن احتل الأسبان (جزيرة لوزون) وبها العاصمة (مانيلا) سارعوا بإرسال حاكم نصراني لها، وتوافدت البعثات التنصيرية ورجال الدين النصراني على الفلبين لنشر ديانتهم بها، فدخلت في النصرانية أعداد كبيرة خاصة من الوثنيين الذين كانوا يسكنون هذه المناطق خوفاً من بطش الأسبان الذين أعملوا القتل والتعذيب في كل من خالف ديانتهم أو لم يستجب لدعوتهم. بعد رحيل الأسبان احتل الأمريكان جزر الفلبين عام ١٨٩٩ م فساروا على نهج أسلافهم في صبغ البلاد بالصبغة النصرانية ومواصلة قتال المسلمين واضطهادهم للحيولة بينهم وبين دينهم، إلا أنهم واجهوا الفشل نفسه الذي واجهه الأسبان من قبلهم في القضاء على الإسلام، الذي كان قد آوى إلى جزيرة (مينداناو) وتترس بها، ومضت حقبة الاحتلال الأمريكي، وقررت أمريكا الانسحاب من جزر الفلبين ومنح الاستقلال لحكومة وطنية من النصارى الكاثوليك، وكان ذلك في عام ١٩٤٦م، فقرر قادة وزعماء المسلمين عدم الانضمام لتلك الدولة الوليدة، وأعلنوا أن بلادهم ليست جزءاً من دولة الفلبين الكاثوليكية وطالبوا باستقلال ما تبقى من بلادهم، إلا أنه غُض الطرف عن رغبتهم، ولم يُسمع لصوتهم، وساعدت أمريكا حكومة الاستقلال على ضم بلاد المسلمين إليها عنوة، واعترفت بحدود الفلبين متضمنة مناطق المسلمين الجنوبية، ووجد المسلمون أنفسهم بين عشية وضحاها جزءاً مما يعرف اليوم بجمهورية الفلبين. واقع المسلمين الحالي: الواقع أن جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم الفلبين منذ الاستقلال وحتى الحكومة الحالية لم تتبدل نظرتها للمسلمين، فهي النظرة الاستعمارية القديمة نفسها، ولا عجب في ذلك؛ فتلك الحكومات ما هي إلا صنيعة الاستعمار ووريثته. وعلى الرغم من أنه يطيب للحكومة الفلبينية أن تردد دوماً أن بلاد المسلمين جزء لا يتجزأ من دولتها، إلا أنها لا تتعامل بالنظرة نفسها مع سكانها المسلمين الذين تعتبرهم مواطنين من الدرجة الثالثة، ليس لهم أي حقوق وعليهم كل الواجبات، ولا تهتم بمناطقهم وأحيائهم السكنية ومدها بأسباب الحياة من مرافق وخدمات ومشروعات تنموية كالتي توفرها للمناطق النصرانية، وعلى الرغم من أن المسلمين في الفلبين يشكلون نسبة (١٠%) من مجموع السكان إلا أن الزائر للفلبين لا يكاد يشعر بأي تواجد للمسلمين في هذه الدولة، فهم محرومون بشكل عام من تولي أية مناصب عليا في الحكومة أو الجيش أو الشرطة، وقد أوصدت في وجوههم أبواب التوظف سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص الذي يُسيطر عليه النصارى، وحتى التجارة لا يتمكنون من ممارستها بحرية تامة لتضييق الحكومة الخناق عليهم في هذا المجال، كل ذلك ضمن خطة مدروسة لتجويع المسلمين وإضعافهم حتى لا تقوم لهم قائمة أو تقوى لهم شوكة فيفرضوا أنفسهم على المجتمع النصراني المتعصب المحيط بهم، كما أنهم محرومون تماماً من حرية التعبير، وليست لهم وسائل إعلام تتحدث باسمهم وتبحث قضاياهم، هذا بعد أن عمدت الدولة إلى تحريف وتزوير تاريخ البلاد الحقيقي، وأهالت التراب على بطولات القادة المسلمين التاريخيين؛ في محاولة لغمط أي حق يمكن أن يطالب به المسلمون في بلادهم المغتصبة، كما سخّرت الحكومة وسائل إعلامها لتشويه الإسلام والنيل من المسلمين بشكل قد لا يجده المرء في كثير من الدول الأخرى التي تعيش بها أقليات مسلمة، ولم تتوقف المؤامرة عند هذا الحد، بل اعتمدت الحكومة النصرانية خطة لتذويب المسلمين ومحوهم من الوجود. وقد تركزت هذه الخطة على محورين رئيسين، وهما: ١- توطين النصارى في بلاد المسلمين: ويعتمد هذا المحور على تهجير السكان النصارى من شمال ووسط البلاد وحشدهم في جزيرة (مينداناو) بين المسلمين، بعد الاستيلاء على أراضيهم وتسكين أولئك المستوطنين فيها، وتهدف الحكومة من وراء اتباع هذه السياسة إلى تحقيق الأهداف التالية: أ- رفع الكثافة السكانية للنصارى في المناطق التي يُشكل المسلمون فيها أغلبية، حتى يصبحوا مع الوقت أقلية لا قيمة لها، وتزول معالمهم وآثارهم من هذه المناطق. ب- اختراق المجتمع المسلم ونشر الفساد فيه، حيث إن السواد الأعظم من أولئك المستوطنين من العناصر الإرهابية ومرتكبي الجرائم التي تشكل خطراً على المجتمع النصراني نفسه، وبالفعل فإن هؤلاء المستوطنين لا يتوانون عن إشاعة الإرهاب في مناطق المسلمين وإعمال القتل والاغتصاب والسرقات وتحريق بيوت المسلمين وقراهم، بهدف إجبارهم على مغادرتها وهجر أراضيهم ومزارعهم -التي ورثوها عن أجدادهم - وتركها لأولئك المعتدين، وقامت الدولة بتسليح وحماية هؤلاء المستوطنين بجيشها وميلشياتها، وتقدم لهم جميع التسهيلات اللازمة، وتقوم بتسجيل الأراضي التي استولوا عليها بأسمائهم. ج- قطع الترابط والتلاحم بين قرى المسلمين وتجمعاتهم؛ حيث تقوم الحكومة بتوطين هؤلاء في مستوطنات تختار أماكنها بدقة بحيث تقع في نقاط اتصال هذه التجمعات بعضها ببعض. ٢- العمل على تنصير المسلمين: تلك السياسة التي لم تتخل عنها يوماً أيّ من الحكومات التي حكمت الفلبين امتداداً لخطة المستعمر القديم، ولتوضيح أبعاد هذه السياسة يجدر هنا أن نورد ما صرح به القس الفلبيني السابق الذي اعتنق الإسلام وكان يعمل في مجال التنصير في (مينداناو) و (نجيب رسول) حيث قال حول هذه القضية: إن الخطوة التي وضعتها الحكومة الفلبينية، ويشرف عليها الفاتيكان، وتدعمها كل من الكنيسة الإنجليزية والأمريكية، تقضي بتحويل (مينداناو) إلى منطقة نصرانية أو ذات أغلبية نصرانية بحلول عام ٢٠٠٠م، لذا: فإن البعثات التنصيرية تعمل في سباق مع الزمن، ووضعت تلك الجهات المذكورة بين يديها أموالاً طائلة لتحقيق أهدافها في الزمن المحدد له.. [*] وهذا ما يُفسر النشاط المحموم لتلك البعثات، والحضور البارز للعنصريين والقساوسة والراهبات الموفدين من الدول الكاثوليكية المختلفة في مناطق المسلمين في (مينداناو) ، والانتشار الواسع لمشروعاتهم المتعددة في تلك المناطق حتى القرى النائية منها من: مدارس، ودور أيتام، وخدمات طبية.. وغير ذلك، في محاولة للتأثير على المسلمين وجذبهم بهذه الطرق، هذا بالإضافة للعديد من البرامج الموجهة بالراديو، التي تغطي مناطق المسلمين الجنوبية بشكل كامل، وتوزيع النشرات والمطبوعات المترجمة باللغة المحلية، ولقد أثبت الواقع أن المؤامرات التي تحاك ضد مسلمي الفلبين، وتستهدف دينهم وهويتهم، لم تنجح في زعزعة الإسلام في نفوسهم بعكس ما حدث في دول أخرى بل يمكن القول: بأنها قد زادتهم حرصاً على دينهم وتمسكاً بثقافتهم الإسلامية، ويلاحظ المراقبون أن وجه المجتمع المسلم في الفلبين قد تغير إلى الأفضل، بشكل كبير عن ذي قبل، وبدت آثار الصحوة الإسلامية التي عمّت العالم الإسلامي وامتدت لتطول المجتمع المسلم الفلبيني، وقد لعب العلماء والدعاة دوراً كبيراً في نشر الوعي الإسلامي بين المسلمين، وهو الأمر الذي أزعج الحكومة بشكل كبير، فبدأت بوصف أولئك الدعاة بالتطرف والإرهاب وتبني أفكار الجماعات الإسلامية المنتشرة في منطقة (الشرق الأوسط) ! ! . هذا، وكلما يأست الحكومة الفلبينية من تحقيق أهدافها، وعجزت عن تطبيق برامجها، واصطدمت بصلابة المسلمين في الذود عن دينهم: لجأت إلى أسلوب الترهيب، وشن الحروب الغاشمة عليهم، وإعمال القتل والتشريد والتدمير بين صفوفهم، وعملت على إيقاع الفتن بينهم لإشغالهم بأنفسهم والغفلة عن مواجهة تآمرها. وقد شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً على صعيد المواجهات بين المسلمين وقوات الحكومة العسكرية التي فشلت في حسم المواجهة لصالحها والتمكن من السيطرة الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها المجاهدون المسلمون على الرغم من الفرق الشاسع بين إمكانات واستعدادات الطرفين وهو الأمر الذي أثر على هيبتها على الصعيدين الداخلي والخارجي، فلجأت إلى أسلوب المكر والخداع، وأعلنت عن استعدادها للدخول في مفاوضات مع (الجبهة القومية العلمانية) ، لتمنحها بموجبها حكماً إداريّاً في المناطق التي فشلت في إحكام السيطرة عليها، التي ينتشر بها المجاهدون المسلمون، بهدف توكيل الجبهة العلمانية في المواجهة نيابة عنها، ولتوفر على نفسها الدماء والأموال التي تستنزف خلال المواجهات التي تقع بين قواتها والمجاهدين. وبالفعل عقد الطرفان بعض المباحثات، إلا أنهما لم يتوصلا إلى اتفاق بعد، ولم تتضح النتيجة النهائية لهذه المفاوضات التي ترفضها أغلبية المسلمين ولا يعلقون عليها أي آمال. استشراف مستقبلي: إن قضية مسلمي الفلبين تمر هذه الأيام بمرحلة من أدق مراحلها، حيث تمثل المرحلة الحالية مفترق الطرق بالنسبة لخط القضية، لذا: يمكن اعتبار أن ما ستسفر عنه الأيام القادمة سيساهم بشكل كبير في تحديد معالم مستقبل هذه القضية. ومن خلال المعطيات المتوفرة إلى الآن، يمكننا استشراف التالي: أولاً: اتفاقية (الحكم الإداري) الذي قد يمنح للجبهة العلمانية لن تحل مشاكل المسلمين، ولن تحقق آمالهم في نيل حريتهم وتحكيم دينهم والعيش في أمان، بل الظاهر أن الدولة تستخدم العلمانيين في محاولة لتصفية المجاهدين أو رصد أنشطتهم وتحركاتهم على الأقل وهو ما فشلت الحكومة في تحقيقه إلى الآن بكامل أجهزتها، وربما أدت هذه (الصفقة) إلى انقسام في الصف الإسلامي الذي قد ينخدع جانب منه بالوعود الزائفة. ثانياً: ستتميز الصفوف وتتبلور المواقف في المرحلة القادمة بشكل أكثر وضوحاً، وستلتف جموع الشعب المسلم حول الاتجاه الإسلامي إن شاء الله، مما سيمكن اعتباره استفتاءً حقيقيّاً صادقاً يعبر عن رغبة الشعب وطموحاته، وهو الأمر الذي ظهرت بوادره من الآن. ثالثاً: إن لم تنجح التنظيمات الإسلامية المجاهدة في توحيد صفوفها والعمل في إطار خطة واحدة مشتركة: فلن تتمكن من تحقيق أهدافها التي تسعى إليها كاملة، ولن توفق في سد الثغرات التي ينفذ منها أعداؤها إلى الصف الإسلامي.. رابعاً: ضرورة توعية الشعب المسلم بحجم وطبيعة المؤامرات التي تستهدفه، وتحذيره من الانخداع بالدعاوى الزائفة التي يروج لها أعداؤه على اختلاف مشاربهم، وهذه المهمة تقع على عاتق العلماء والدعاة الذين يجب عليهم مواصلة أداء دورهم بهمة عالية وإخلاص ووعي، لأن المرحلة المقبلة تتطلب عملاً دؤوباً ومدروساً ومنظماً حتى لا يفلت زمام التوجيه من بين أيديهم ويستلمه العلمانيون والمنحرفون. وإن المؤشرات والله أعلم لتوحي بأن مسلمي الفلبين الذين دافعوا جيلاً بعد جيل عن الإسلام في هذه البلاد على مدى سبعة قرون مضت، وقدموا في سبيل ذلك التضحيات الجسام: لقادرون بعون الله على مواصلة مسيرتهم في الذود عن حياض الإسلام والدفاع عن هويتهم، إلى أن يمكن الله (تعالى) لهم، ويتحقق حلمهم في الاستقلال ببلادهم، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2015

المسلمون والعالم الأصولية الغربية (٢) المنظمات الإنجيلية وصناعة السياسة الخارجية بقلم: ياسر قارئ تحدثت الحلقة الماضية عن نشأة ومضمون المذهب البروتستانتي الذي تدين به الغالبية الحاكمة في أمريكا، وشرحت آثار ذلك على السياسة وصنّاعها، ثم تطرقت إلى الحديث عن بدايات العمل السياسي النصراني المنظم، وفي هذا الجزء من البحث سوف أعرض إلى أهم المنظمات الإنجيلية المعاصرة وأهدافها وعوامل انتشارها ودورها في صناعة السياسة الخارجية. يقول إدوارد تيفنن في كتابه (اللوبي) : إن إسرائيل قبل أن توجد كدولة وجدت كلوبي سياسي أولاً في عواصم أوروبا ثم واشنطن، وهذا التعبير يشخص حقيقة وجود الكيان الصهيوني وسر بقائه وهيمنته على المنطقة، وكذلك يفسر السياسة الأمريكية المنحازة فيما يتعلق بقضية المسلمين الأولى في فلسطين السليبة، ولئن كان دور اللوبي اليهودي في توجيه السياسة الخارجية حقيقة ماثلة للعيان، فإن هناك جهات أخرى أكبر أثراً لما تملكه من إمكانات روحية ومادية وأقل شهرة تعمل لمصلحة إسرائيل (أرادت أم لم ترد) ليلاً ونهاراً، متخفية تحت عناوين مضللة، وقد أصاب أوبرين عندما أشار إلى أن لجان العمل السياسي الثلاثة والثلاثين المعروفة بتأييدها لإسرائيل لا تحمل في مسمياتها ما يشير إلى إسرائيل أو الشرق الأوسط أو السياسة الخارجية ولو بصورة غير مباشرة منعاً لإثارة التلميحات إلى المال اليهودي وشراء السياسيين [١] فيا ترى من يقف وراءها؟ وما هي أهدافها؟ إن البحث عن هوية تلك المنظمات يعيدنا إلى المذهب البروتستانتي والفرق التي تشعبت عنه بسبب التزامها الحرفي بنصوص العهدين القديم والجديد للكتاب المقدس، والمؤمنة بالعصمة الحرفية لهما، ولتشددها المفرط في مسائل العقيدة والأخلاق، واقتناعها بأن الكتاب المقدس يحوي توجيهات ونبوءات سياسية تشير إلى استعادة إسرائيل وعودة المسيح ﵇ إلى الأرض ثانية، ولقد أطلق على هذه الفرق مصطلح الأصولية [٢] . وبالنظر إلى الكنيسة في أمريكا نجد أن طائفة البروتستانت الأنجلوسكسن البيض التي تعود في جذورها إلى التطهيريين الأصوليين تمثل الخط العام، وإليها تنتسب النخبة الحاكمة والطبقة الأولى في المجتمع، وتضم كذلك: صلب التيار الصهيوني النصراني الأصولي [٣] ويشاركهم في هذا الشعور والحماس الديني بضعة ملايين من الكاثوليك ضاربين بالموقف البابوي الرسمي من إسرائيل عرض الحائط! ويستعمل زعماء تلك الكنائس سلطانهم الروحي في جمع الأموال وإقامة الإمبراطوريات الإعلامية والتعليمية الضخمة من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور، ولحشد الرأي العام العالمي وليس المحلي فقط لتأييد إسرائيل، بالإضافة إلى ذلك فقد استفادوا من قوانين تمويل الانتخابات المرنة جدّاً، ليفرضوا أنفسهم وعقائدهم على البرامج السياسية للمرشحين بالمال تارة، وبإثارة الناخبين عن طريق وسائل التأثير المختلفة كالرسائل والنشرات، بل والتهديد بغضب الرب تارة أخرى، حتى غدى الأصوليون النصارى من أبرز المجموعات السياسية في العقود الأخيرة وبالذات الثمانينات [٤] ، بل إن الإحصاءات الرسمية لمركز البحث للرأي العام في أمريكا لسنة ١٩٨٨م تشير إلى أن ٣٤% أي ثلث الشعب الأمريكي ينتمي إلى مجموعات ذات صلة بالكنيسة وأنشطتها [٥] . وبترجمة هذه الدلائل إلى واقع ملموس: نجد أن سبعاً من أصل أكبر عشر لجان عمل سياسي (لوبي) نشطة في جمع المال تعمل بدوافع عقائدية، وسوف يستمر هذا النمط حتى يدرك الشعب مكاسب تلك اللجان، فإذا كانت هذه هي دوافع اللجان السياسية والتي على رأسها الدعم المطلق لإسرائيل: فإننا نوقن أن العقيدة المهيمنة على السياسة الأمريكية الخارجية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية هي الأصولية النصرانية، ولمزيد من الإيضاح حول هذا التسلط الديني على النظام الجمهوري العلماني فإن الإشارة إلى كيفية صناعة القرار داخل أروقة الكونجرس ضرورة ملحة. إن اللجان الفرعية التي تحال إليها الاقتراحات للنظر في جدواها تستفتي أصحاب الخبرة والشأن وتفسح لهم المجال للإدلاء بآرائهم، وتستغل لجان العمل السياسي هذه المدلولات لتفرض وجهة نظرها الوحيدة والمنفعية عن طريق تزويد الشهود والإدارة الحكومية ذات العلاقة بالاقتراح بالمعلومات، وفي المقابل: فإن اللجان تستخدم عملية تمويل الانتخابات لضمان وصول مؤيديها إلى الكونجرس أولاً، ثم إلى اللجان المرتبطة بمصالحهم ثانياً، وفي حالة الأصوليين فإن لجنة الشؤون الخارجية هي الهدف الذي يسعون إلى الوصول إليه عن طريق مرشحيهم، وبهذه الطريقة تصبح لجان العمل السياسي تتحكم في المعلومات والشهود والمقررين، وينشأ عن ذلك ما يعرف في عالم السياسة الأمريكية بالمثلث الحديدي أو الحكومة الفرعية، من أجل ذلك: فإنه لا يستغرب أبداً الزيادة الهائلة في تبرعات اللجان السياسية للمرشحين من ٣٤ مليون دولار في سنة ١٩٧٨م إلى ١٣٤ مليون دولار في سنة ١٩٨٥م [٦] فإذا علمنا أن المحرك لغالبية اللجان السياسية هو العقيدة، وأن تبرعاتها المالية للمرشحين في ازدياد مضطرد: فإن أهدافها لا تحتاج إلى كثير بيان. فمن ذلك: ما صرح به أحد الفقهاء السياسيين! بأن الوقت قد حان ليأخذ الإنجيليون المبادرة ويحددوا مسار الولايات المتحدة، فإن لديهم الموارد المادية التي يؤثّرون بها على البلاد، فهذا هو العقد الأخير من هذا القرن، وسيكون عقد أمريكا كما قال الصوت المألوف بيلي جراهام [٧] ، وقد حدد هذا المرشد الروحي هدفين رئيسين يجب على الإنجيليين تحقيقهما: أولاً: وهو قصير المدى، ويتعلق بتغيير تفكير السياسيين عن طريق الإلمام والإمداد بالمعلومات لتثقيفهم، أما الثاني: فهو طويل المدى، ويركز على التخلص من السياسيين أنفسهم بناءً على مواقفهم من قضايانا المسجلة في أرشيف الكونجرس [٨] . ثم إن الأحداث التاريخية القريبة وبالذات احتلال فلسطين ثم القدس زادت من قناعة الإنجيليين بالإرهاصات السابقة لظهور المسيح مرة أخرى [٩] ، بالإضافة إلى إشعال الحماس في قلوب الملايين من عامة النصارى بمختلف طوائفهم ولم يطيقوا كتمان تلك العاطفة الجياشة تجاه موطن المسيح ﵇ فأجبروا مجلس الشيوخ في سنة ١٩٩٠م على الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وما المزايدات الأخيرة في مؤتمر (إيباك) إلا دليل جديد يضاف إلى قائمة طويلة من البراهين على نفوذ الإنجيليين واختراقهم للمؤسسات الوطنية! ولم يقف الحماس الديني عند هذا، بل تعداه إلى التصاريح الرسمية والعمل المنظم لإرضاء شعب اليهود؛ ففي سنة ١٩٧٢م أعلن المؤتمر الأول للمعمدانيين الجنوبيين (نخبة أمريكا الدينية والسياسية) أن اللاسامية معادية للنصرانية [١٠] ، وبعد ذلك بعقد من الزمان وفي مدينة (استوكهولم) بالسويد: تبرأ الاتحاد العالمي للوثريين من آراء مارتن لوثر التي أصدرها في آخر حياته بعد أن فشل في تنصيرهم، وقد تابعه في ذلك مؤتمر رؤساء الكنائس اللوثرية الأمريكية وأنكر المجتمعون صلتهم بالملاحظات المتطرفة للوثر عن اليهود [١١] ، وفي بداية عقد التسعينات: أصدر المجلس القومي لكنائس المسيح في الولايات المتحدة بيانه حول سياسة الشرق الأوسط، مطالباً فيه جميع الدول العربية بالاعتراف بإسرائيل وحدودها الآمنة والاتفاق على ضمانات دولية لحماية إسرائيل، وعلى أن يحدد مستقبل وضع مدينة القدس حسب التركيبة السكانية لا على اعتبار الأماكن الدينية [١٢] ، وهذا التنازل الذي يقدمه النصارى عن كنائسهم العتيقة ومولد المسيح يفسر لنا موقف أمريكا من سياسة الاستيطان التي تمارسها إسرائيل والسرعة المذهلة في تغيير هوية السكان في المدينة المقدسة. بعد كل هذه المقدمة الطويلة الضرورية في نظري عن أسباب ووسائل نشأة المنظمات الأصولية وأهدافها، أقدم فيما تبقى من هذا الجزء عرضاً لأهم وأخطر تلك المنظمات وأثرها الفعال على قرارات الكونجرس والحكومة، ويكفي أن يشهد أحد هؤلاء القائمين على الأنشطة السياسية الأصولية على أهميتها وجدواها، إذ يقول روبرت دوجان: إنه بعد فشله في الانتخابات البرلمانية عُين مديراً لمكتب رابطة الإنجيليين الوطنية للشؤون العامة، وبعد فترة في عمله الجديد: أخبره اثنان من أعضاء الكونجرس بأن تأثيره على الدولة بواسطة مكتبه أكبر من كونه عضواً في المجلس نفسه، وقد كان يظن دوجان أنهما يواسيانه بذلك إلا أنه أصبح يشاركهما الرأي تماماً [١٣] . لعل من أبرز الشخصيات التي تولت كبر الدعوة إلى دعم ومساندة إسرائيل القس جيري فولويل زعيم الأغلبية الأخلاقية ورئيس جامعة الحرية التي يدرس بها حوالي سبعة آلاف طالب اللاهوت من وجهة النظر اليهودية مكرساً بذلك عقيدة المهاجرين الأوائل ومؤسسي الجمهورية، كما يشرف على جماعة سياسية نشطة تضم حوالي ستة ملايين عضو، وله برنامج مشهور يذاع أسبوعيّاً من خلال تسعمئة محطة إذاعية ومرئية، بالإضافة إلى ذلك الانتشار الشعبي: فإن مجموعته تصدر تقريراً شهريّاً باسمها يرسل إلى الرئيس وأعضاء الكونجرس وحكام الولايات وكبار الصحفيين ووكالات الأنباء والمحطات، ولقد ساهمت المنظمة في ترجيح كفة مرشحين كُثُر، من أشهرهم: السناتور الجمهوري جيسي هلمز (وهو متعصب حاقد يشغل الآن منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ) . ولقد بلغ مجمل ما أنفقته المنظمة على الدعاية والانتخابات في حملة سنة ١٩٨٤م مائة مليون دولار متفوقة بذلك على المرشحين الرئاسيين مجتمعين، ونظراً لما يتمتع به من نفوذ وشهرة؛ فقد استعان به رئيس وزراء إسرائيل الهالك بيجنلحشد الرأي العام لمصلحة بلاده بعد ضربها المفاعل النووي العراقي. والذي حمل فولويل على كل هذا: هو ما صرح به من أن مصلحة أمريكا تقتضي دعم إسرائيل لأنها تمثل رغبة الرب! ، وهذا يعني فتح المستودعات العسكرية الأمريكية وبنوك المعلومات والمال لها [١٤] . ويعاصر فولويل قسيس آخر يصرح بالعداء للإسلام وأهله ألا وهو بات روبرتسون المرشح الرئاسي السابق ومدير شبكة الإعلام النصرانية الضخمة والجامعة التي تحمل الاسم نفسه، ويصدر عنهما مجلات ونشرات دورية وبرامج إذاعية ومرئية تصل إلى الملايين [١٥] ، ولشدة نفوذه وكذلك تحمس الساسة لأفكاره: كان يشترك في كل اجتماع يعقد في المكتب البيضاوي بخصوص الشرق الأوسط، فيوجه عملية اتخاذ القرار بما يتناسب مع النبوءات التوراتية والإنجيلية [١٦] ، وهذا يفسر لنا سبب حثة المشاهدين على الكتابة للرئيس والنواب كي يشجعوا إسرائيل في غزوها لجنوب لبنان حسب ما تراه ضروريّاً، وقد رافق نائبَ الرئيس ريجان في رحلته إلى السودان لإبرام صفقة ترحيل يهود الفلاشا [١٧] ، وقيل: إن الرئيس الأمريكي نفسه هو الذي طلب منه الانضمام إلى الوفد [١٨] ، ويبدو أن القس روبرتسون متفائل جدّاً بمستقبل دعوته وأنشطته حيث يقول في كتابه الأخير (الألفية الجديدة) بأن الصراع بين الإيمان والعلمانية في أمريكا سوف ينتهي في هذا العقد (أي الأخير من القرن العشرين) بالنصر للأول، والسبب في هذا التفاؤل المفرط هو بالإضافة إلى إرهاصات عودة المسيح المذكورة آنفاً: وجود رجل في المكتب البيضاوي يعلن ولادته ثانية كنصراني مؤمن، ومساهمة الإنجيليين في إيصال خليفته الذي يشاركهم اعتقادهم إلى المكتب ذاته [١٩] . أما ثالث أهم المجموعات السياسية المؤثرة في العلاقات الخارجية: هي مؤسسة التراث التي أنشأت سنة ١٩٧٣م للتأثير على الرأي العام والسماح للفكر اليميني بالانتشار والسيطرة على السياسة العامة للدولة، وبفضل دعمها للمرشح الرئاسي سنة ١٩٨٠م تمكن (٣٦) من أعضائها من تبوّؤ مناصب قيادية في إدارة الرئيس، واختير رئيسها ديفيد فويلنز ليرأس اللجنة الاستشارية لتقويم الدبلوماسية الأمريكية، وتجاوز دعم المنظمة المحيط الأطلسي ليشمل إنجلترا ودول غرب أوروبا، والتعاون مع مئتي مؤسسة ومنظمة ومركز أبحاث ومؤسسات إعلامية لتطوير برنامج عمل دولي لليمين تحت مسمى الاتحاد الديمقراطي العالمي الذي يضم رؤساء أحزاب سياسية محافظة من ثلاثين دولة، ولقد ردّت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة الجميل للمؤسسة لدعمها لها بأن عينت أحد أعضائها مستشاراً سياسيّاً لحكومتها، وهو الذي وضع البرنامج الانتخابي لحزب المحافظين في الوقت الذي تزود المؤسسة جميع مساعدي أعضاء الكونجرس وحوالي أربعة آلاف صحفي بملخص لجميع الدراسات الصادرة عنها [٢٠] . هذه النبذة الموجزة عن أهم المنظمات السياسية الأصولية وأنشطتها تجد لها تصديقاً في الواقع الفردي، إذ تشير الإحصاءات إلى أن حوالي ٤٠% من الأمريكيين يحضرون إلى الكنيسة أسبوعيّاً مقابل ١٤% و١٢% في كل من بريطانيا وفرنسا، وأن قرابة ٧٠% يؤمنون بالرب واليوم الآخر والبعث [٢١] ، كذلك: فإن المعاهد الكنسية قد زاد عدد طلابها من ١٨ ألف في سنة ١٩٥٤م إلى حوالي مليونين سنة ١٩٨٠م، وزاد عدد المحطات الإذاعية الدينية من ٤٩ محطة إلى ١٤٠٠ محطة للفترة نفسها، وقد بلغ الإنفاق الإعلاني للكنيسة ٣٢ مليون دولار، بينما وصلتها تبرعات تجاوزت الستين مليار دولار لسنة ١٩٨٢م [٢٢] ، ولنا أن نتخيل ما وصلت إليه الكنيسة ومواردها ومؤسساتها بعد عقد من الزمن! كيف وقد اقترب القرن من نهايته وحملت صناديق الاقتراع منذ الرئيس الهالك نيكسون رؤساء يعلنون على الملأ ولادتهم الثانية بكل فخر رغم علمانية الدولة وانتفاء الصلة بين الاثنين نظريّاً لأن الصوت الديني أصبح بازدياد صوتاً إنجيليّا خالصاً [٢٣] ، ولعل السبب الرئيس في فشل حملة المرشح الرئاسي مايكل ... دوكاكس سنة ١٩٨٨م هو غياب (كلمة الرب) من قاموسه السياسي ظنّاً منه أنها لا تتصل بالانتخابات [٢٤] . بالرغم من كل تلك الجهود التي يبذلها الأصوليون النصارى، إلا أننا نجد أن قطاعاً كبيراً من اليهود غير راض عن سياستهم لدرجة أن أحد الحاخامات ألّف رسالة ينذر فيها بخطر منظمة الأغلبية الأخلاقية [٢٥] ، كما علق المدير السابق للمؤتمر اليهودي الأمريكي على اقتراح رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ والمرشح الرئاسي للحزب الجمهوري بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بأن المجتمع اليهودي يشعر بعدم ارتياح كبير إزاء الجمهوريين الذين يفعلون كل ما في وسعهم للتقرب إلى الطوائف المحافظة والمتشددة [٢٦] . ومن ناحية أخرى: نجد أن بنجامين فرانكلين وهو أحد رؤساء ومؤسسي الجمهورية الأمريكية يحذر قومه من اليهود قائلاً: إنهم في كل أرض حلّوا بها أطاحوا بالمستوى الأخلاقي وأفسدوا التجارة، من أجل ذلك يجب إبعادهم عن البلاد وبنص الدستور وإلا سيلعنكم [أي: واضعو الدستور] أحفادُكم في قبوركم، لأن اليهود سيقضون على مؤسسات الدولة بالطرق الملتوية ويسيطرون على الحكومة في النهاية، وسوف يدمرون شعبنا ويغيرون شكل الحكم الذي فديناه بأرواحنا وحرياتنا الفردية، وإنه خلال مئة عام سيعمل أبناؤنا في الحقول لإطعام اليهود في مكاتبهم وبيوتهم المالية وهم يفركون أيديهم مغتبطين [٢٧] . ثم إذا أضفنا إلى هذا العداء والنفرة بين اليهود والنصارى مواقف التلمود من قدْح في نسب عيسى ﵇ وتكذيب تعاليمه ونعتها بالهرطقة والوثنية، واتهام النصارى بالزنا والفواحش والجنس، والنهي عن التعامل معهم أو إفادتهم، والحض على الاحتيال عليهم وقتلهم، والسعي إلى تحطيم الدين ذاته.. يتضح من كل ذلك العرض: أن الأصوليين النصارى في الوقت الذي يقومون فيه بدور الحمير لليهود، إلا أنهم يسعون لأهدافهم الخاصة بهم التي وضعها لهم القس المصلح مارتن لوثر، وهي بمثابة الأحلام التي يعيشون عليها، فإنهم وإن كانوا يقدمون خدمة مجانية لإسرائيل إلا أن المحرك الرئيس لهم هو عقيدة العودة الثانية للمسيح ﵇ ، وقد صرح كبار الساسة بذلك، فلم يبق عليهم إلا تحقيق تلك النبوءة على الخريطة السياسية للمنطقة.

стр. 2016

في دائرة الضوء البث المباشر والهوية الثقافية أدبيات القضية ومحاولات التفسير بقلم: د.نبيل السمالوطي واجه العالم تطوراً علميّاً هائلاً منذ سنة ١٩٧١م يتمثل في توظيف الأقمار الصناعية في خدمة الإرسال التلفزيوني المباشر [١] ، دون حاجة إلى محطات أرضية. وأصبح الإرسال يصل إلى المنازل مباشرة دون إمكان تدخل الأجهزة الرقابية في الدول، وأصبح هذا التطور يمثل إيجابيات وسلبيات تعاني منها الدول دون إمكان وقف البث أو السيطرة عليه، وقد استخدمت هذه القنوات من جانب دول الغرب، سواء من خلال قنواتها المباشرة، أو من خلال إنتاجها الذي يمثل حوالي ٥٠% من الإنتاج الذي تبثه قنوات العالم الثالث في خدمة تسويق قيمهم وأساليب حياتهم وطرق التفكير والعلاقات السائدة في المجتمعات الغربية، هذا إلي جانب تسويق منتجاتهم الاقتصادية [٢] ، والسيطرة على عقول أبناء المجتمعات النامية، وتحقيق ما يطلق عليه: الاختراق الإعلامي للدول، الذي هو مدخل لكل الاختراقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ. أدبيات القضية: ويشير استعراض التراث أو أدبيات الاتصال إلى تعدد الآراء والمنظومات والاستنتاجات والتحليلات، ونستطيع إيجاز أهمها فيما يلي: أولاً: يرتبط البث المباشر وتزايد القنوات الفضائية بالتقدم الضخم الذي تم إنجازه في مجال تقنية الاتصالات الفضائية، وبخاصة فيما يتصل بتنامي قوة الأقمار الصناعية وصغر حجم الهوائيات ورخص ثمنها [٣] . ثانياً: يصعب جدّاً إن لم يكن مستحيلاً السيطرة على هذا البث من خلال التشويش أو الإلغاء، فضلاً عن تكاليف ذلك التي لا تستطيع الدول النامية تحملها. ثالثاً: هناك من يرى أن الدول الغربية تحاول توظيف البث المباشر لتحقيق الهيمنة الاتصالية Media Imperialism? وهي أحد أبعاد الهيمنة الثقافية التي هي بدورها أحد مظاهر أو مداخل الهيمنة الشاملة على الدول النامية، ويشار بشكل خاص إلى الإنتاج الإعلامي الأمريكي بوصفه هو الإنتاج الأكثر انتشاراً على مستوى العالم. رابعاً: بذلت عدة محاولات خلال عقود الستينات والثمانينات لإيجاد حلول جادة لمشكلات اختلال نظام الاتصال الدولي، ومنها لجنة شون ماكبرايد [٤] ، وقد باءت هذه المحاولات بالفشل، فبقي القوي قويّاً وازداد الضعيف ضعفاً. خامساً: هناك مواثيق واتفاقيات ومبادئ دولية صادرة في إطار الأمم المتحدة واليونسكو واتحادات الإذاعات الإقليمية تنظم استخدام الاتصالات الفضائية والتداول الحر للأخبار والمعلومات والبرامج، لها قوة ملزمة لجميع الدول، وهي في بعض جوانبها في غير صالح الدول النامية. سادساً: ساهم موقع الدول العربية الجغرافي في استقبال المشاهدين العديد من قنوات البث المباشر من آسيا وأوروبا وأمريكا والدول العربية الأخرى دون حاجة إلى هوائيات إضافية. سابعاً: يذهب بعض الباحثين إلى رفض التفسير التآمري للبث المباشر، ويقولون: إن البث نتيجة منطقية وطبيعية للتقدم العلمي والتقني، ولابد من مواجهة إشكالياته من خلال التخطيط العلمي [٥] ، وتخيل التآمر على الإسلام والمسلمين ليس في تطوير التقنيات ولكن في توظيف البرامج وما يتم بثه خلال القنوات. ثامناً: ينظر بعض الدارسين إلى البث المباشر بشكل إيجابي على أنه يسهم في إثراء المعرفة ونشر الثقافات، وتعزيز التفاهم والتقارب والتفاعل بين الشعوب والثقافات، وتوسيع نطاق التعليم والوعي، واحترام حقوق الإنسان في نشر المعلومات والأخبار والحصول عليها [٣] ، في حين ينظر بعض الدارسين إلى هذا البث على أنه هيمنة ثقافية وتسلط على عقول العالم الثالث [٦] ، أو على أنه إيدز العصر [٧] ، وأنه أخطر تحدي للأمة المسلمة لا يقتصر على الاختراق السياسي بل يمتد إلى اختراق عقول الأمة [٨] ، فالغرب يحاولون تفريغ شباب المسلمين من إمكاناتهم وقدراتهم وطاقاتهم من خلال المخدرات والجنس، وإهدار القيم والسلوكيات من خلال البث المباشر، وبعض الباحثين الغربيين (وبستر) يرى أن البث المباشر يؤدي إلى إشكالية قيمية تتمثل في سيطرة الدول ذات الأنظمة الاتصالية القوية والمتمرسة على الدول الجديدة الغضة [٩] . تاسعاً: يذهب بعض الباحثين إلى أن الخطورة والإسفاف تتمثل في بعض القنوات التجارية التي تتجه للتركيز على العنف والإثارة الجنسية والإباحية، مما يتصادم مع ثقافة الإسلام وثقافة العديد من دول العالم [٣] . عاشراً: إذا كانت غالبية الدارسين الموضوعيين يرفضون التفسير التآمري للبث المباشر، فإنهم يؤكدون توظيفه من قبل الدول غير الإسلامية وبخاصة الغربية لهدم القيم الإسلامية لدى المشاهدين المسلمين، وتشارك في هذا قوى صهيونية ونصرانية واقتصادية. حادي عشر: على الرغم من اتجاه دول أوروبا إلى التقارب السياسي والاقتصادي والإعلامي.. إلا أن كل دولة تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على هويتها الثقافية المتميزة، وتحاول الوقوف في مواجهة الغزو الثقافي القادم مع البث المباشر من دول أخرى في القارة نفسها أو من خارجها، هذا ما فعلته اليابان حفاظاً على ثقافتها وفكر وسلوكيات أبنائها [١٠] ، وهذا ما فعلته فرنسا وكندا اللتان ضاقتا بالغزو الثقافي الأمريكي في وسائل الاتصال [١١] ، وإذا كان ذلك التخوف وتلك الإجراءات تتخذ من جانب دول ذات قوة اقتصادية وإعلامية، فالحاجة أشد في دولنا الإسلامية، وبخاصة وأن التأثير في هذه الحالة الأخيرة أحادي الاتجاه في غيبة التخطيط العلمي لتحديث الاتصالات الإسلامية. ثاني عشر: تتمثل المشكلة في تعاظم تأثير التلفزيون في حياة البشر في كل مكان، لدرجة أطلق عليها بعض الدارسين مصطلح الإدمان التلفزيوني، ويقاس هذا الأثر بعدد ساعات المشاهدة اليومية بالنسبة للأطفال والشباب والنساء والرجال.. إلخ، ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة واليابان والنمسا وكندا: أكدت أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من ٩-١٠ سنوات، يشاهدون التلفزيون بمتوسط ٣ ساعات يوميّاً [١٢] ، ويشاهد الأكبر سنّاً عدداً أكبر من الساعات اليومية، وكما يشير بعض الدارسين: يقضي الطفل أمام التلفزيون وقتاً يماثل أو يزيد عن الوقت الذي يقضيه في الفصل الدراسي [١٥] ، وكشفت دراسة ريبيل ومونتويا ١٩٨١ التي أجريت على الطلاب بين ١٢-١٦ سنة لمعرفة أثر التلفزيون عليهم مقارناً بأثر المناهج الدراسية عن: أن هؤلاء الطلبة يقضون ٦. ٣ ساعة يوميّاً في المتوسط أمام التلفزيون غير ساعات البرامج التعليمية، وأنهم يفضلون محتويات التلفزيون التجاري على المناهج والبرامج التعليمية، وأنهم يحسون بالملل أمام البرامج التعليمية، ولا يحدث ذلك بالنسبة للبرامج التجارية [١٦] . محاولات التفسير: تعددت الآراء والرؤى حول قضية البث المباشر وانتشار البرامج والأفلام والمسلسلات الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص داخل الدول النامية والدول الإسلامية، سواء من خلال القنوات الفضائية الأجنبية، أو من خلال القنوات الوطنية، ولا يقتصر الأمر على انتشار هذه البرامج والمسلسلات والأفلام، وإنما هناك مصادر صناعة الأخبار وصياغة الأنباء وعرض المعلومات وصناعة الإعلانات.. إلخ، كل هذه المكونات الاتصالية المؤثرة في صياغة فكر الناس وقيمهم وتفضيلاتهم وأحكامهم وطموحاتهم وسلوكياتهم ومواقفهم.. كل هذه المكونات يتم صناعتها وصياغتها في بيوت الخبرة الغربية ومن خلال أحدث التقنيات العالمية التي تمتلك ناصيتها دول الغرب بعامة، والولايات المتحدة بشكل خاص [٩] . وقد انصبت الآراء والنظريات والأفكار المطروحة حول تأثير هذه البرامج الغربية واسعة الانتشار على الهوية الثقافية للدول المستقبلة لهذه البرامج، وعلى مستقبلها الاقتصادي والثقافي والسياسي، وعلى نوعية الاتجاهات والقيم والسلوكيات والأفكار التي يمكن أن يتبناها الأطفال والشباب في تلك الدول نتيجة لتعرضهم ساعات طويلة يوميّاً لمشاهدة هذه المواد الاتصالية المصاغة في الغرب، التي تستهدف ليس فقط ترويج البضاعة والسلع الغربية ومنها السلع الثقافية بما فيها البرامج والأفلام والمسلسلات والتقنية الاتصالية، وإنما أيضاً تسويق القيم والاتجاهات والسلوكيات والأخلاقيات الغربية، خاصة الأمريكية. ولم يقتصر الحوار والجدل والاهتمام بهذه القضايا التي تمس الهوية الاقتصادية والثقافية والسياسية والفكرية والدينية والوطنية على مثقفي الدول النامية ومنها الدول الإسلامية والعربية، وإنما دار هذا الحوار والاهتمام أيضاً بين مثقفي الدول الصناعية الكبرى سواء في الغرب مثل فرنسا وكندا أو خارج الغرب مثل اليابان [١١] . وكما يشير وبستر فإن البرامج والمادة التلفزيونية تعكس بالضرورة قيم البلاد التي تنتجها، وحتى عندما لا تكون لهذه البرامج سمات سياسية، فإنها لا تخلو من قيم اقتصادية أو ثقافية أو دينية أو أخلاقية، ولكل أمة هويتها الثقافية والقيمية، وقد تتصادم هذه القيم المحملة في برامج الإعلام والاتصال الوافدة مع القيم والهوية الثقافية للدول المستوردة أو المستقبلة [٩] . وقد طرح على ساحة أدبيات الاتصال العديد من التفسيرات والنظريات لتفسير ظاهرة سيطرة الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص على المادة التلفزيونية، سواء في شكل أخبار أو معلومات أو إعلانات أو مسلسلات أو أفلام أو برامج متنوعة.. - اتجاهان لتفسير الظاهرة: الاتجاه الأول وهو: الاتجاه الذي يركز على نظرية التبعية Dependency Theory الاتجاه الثاني وهو: الاتجاه الذي يركز على نظرية الانتشار Diffusion Theory أ -الاتجاه الأول لتفسير الظاهرة: والاتجاه الأول يعود إلى عدة رواد مثل فرانك [١٣] ، ومن أنصاره المحدثين: ولرشتاين في دراسته عن (النسق العالمي الجديد) [١٤] . وتقوم نظرية التبعية بأشكالها المختلفة على تقسيم العالم إلى مراكز وأطراف، فالقوى والدول الصناعية الكبرى هي المراكز، تتخذ من الدول الفقيرة والنامية (الأطراف) ميداناً لزيادة ثرائها، وهذا يعني استغلال المراكز للأطراف اقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً، وتهيمن دول المركز على الأطراف لإلغاء هويتها، ومن مظاهر هذه الهيمنة أو السيطرة: الهيمنة الاقتصادية والسياسية والاتصالية أو الإعلامية، وهنا تصبح الهيمنة الاتصالية أحد أشكال الهيمنة الشاملة، وهي أخطر هذه الأشكال لأنها تمهد السبيل لكل الأشكال الأخرى من الهيمنة، ولأنها تستهدف عقول الناس وقيمهم وشخصياتهم، تماماً كما تستهدف ثرواتهم وسياساتهم. فدول المركز تستهدف في نظر أصحاب نظرية التبعية إلغاء الهوية الثقافية للدول الطرفية، وتشكيل ثقافة عالمية متجانسة هي الثقافة الاستهلاكية التحررية، وتوظيف إمكانات الدول الطرفية في خدمة الرأسمالية العالمية، وهذا يعني تحويل هذه الدول إلى سوق يتم فيه تسويق: ١- المنتجات الثقافية الغربية (القيم والعادات، والسلوكيات، والتفضيلات، وأساليب الفهم والفكر، والتحليل والتفسير، ورؤية العالم) . ٢- المنتجات الاقتصادية الغربية. ٣- الانتماء الفكري للغرب بكل نظمه وأيديولوجياته ومبادئه. وقد أفاض كل من فيجيس وشيلر ونورد نسترونج وفارس وأرجيومندو في عرض هذا الاتجاه [١٥] . وهذا يعني أن الهيمنة الثقافية من خلال وسائل الاتصال تدعم حالة عدم التوازن وعدم العدالة والانقسام الدولي الراهن إلى دول مركز مسيطرة، ودول تابعة خاضعة مستنزفة ومستغلة لصالح دول المركز. والواقع أن السيطرة على المعلومات وعلى التكنولوجيا وعلى البرامج في مجال الاتصالات، تؤدي إلى تزايد القدرة على السيطرة على أذواق الناس وفكرهم وسلوكهم الاستهلاكي، والتكنولوجيا المتقدمة تعني مزيداً من القدرة على الوصول بالرسائل إلى دول أكثر وجمهور أكبر، وبشكل أكثر إغراءً وجاذبية، وبالتالي: تعني فتح أسواق أوسع أمام القيم وأمام السلع الغربية في آنٍ واحد، وكل هذا يعني مزيداً من السيطرة الاقتصادية والفكرية والثقافية [١] ، فالغرب هو الذي يسيطر على الأجهزة والمعدات المتصلة بالاتصالات، وهو المسيطر على صناعة الرسائل والمواد الاتصالية، وهو الذي يسيطر على صناعة الأخبار وصياغة الأنباء وتوظيف الأخبار بما يخدم أهدافهم، فأهم وكالات الأنباء المسيطرة على توزيع الأخبار على تلفزيونات وصحافة العالم هي الوكالات الغربية (الأسوشيتدبرس) ، و (اليونيتيدبرس) ، و (رويتر) ، ووكالة الصحافة الفرنسية، وكذلك وكالات الأنباء التلفزيونية المصورة في أنحاء العالم المختلفة [١] . وأغلب الدول النامية لديها قناتان تلفزيونيتان، تبث خلالهما ساعات إرسال طويلة على مدى النهار والليل، بينما لا تملك برامج ومواد وطنية تغطي أكثر من عشر ساعات على الأكثر، ولهذا تضطر للاعتماد على استيراد المواد الاتصالية وغالبيتها من الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وجد أن أكثر من نصف البرامج المستوردة التي تبثها الدول الآسيوية هي برامج أمريكية، و٢٥% من البرامج الإنجليزية، وأغلب دول أمريكا اللاتينية تستورد ٥٠% من البرامج التي تبثها، وتصل النسبة في بعض الدول أكثر من ذلك، فهي في (أورجواي) ٦٢% وفي (جواتيمالا) ٤٨% وأغلب هذه البرامج تستورد من الولايات المتحدة الأمريكية، ويقدر مجموع مبيعات المواد الاتصالية (برامج ومسلسلات وأفلام سينمائية) في أمريكا سنة ١٩٨٥ إلى ما يقرب من ٢٩٠ مليون دولار [١] . كل هذا يشير إلى الهيمنة الثقافية والاتصالية، وإلى تبعية دول العالم الثالث أو النامي للدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، ومع تقدم تقنية القنوات الفضائية: يكون العالم الثالث قد سلّم آخر ما لديه من أسلحة لمقاومة الغزو الفكري، وهو سلاح التحكم أو السيطرة النسبية أو الرقابة، التي ما يزال يستخدمها بقدرٍ ما من الفاعلية إزاء المطبوعات وإزاء المادة التلفزيونية المستوردة [١٥] . كل هذا يثير قضية الهوية الدينية والثقافية والقيمية والوطنية، كما يثير قضية السلوك الاستهلاكي والتنمية الاقتصادية، ويثير أيضاً قضية السيطرة السياسية والتنشئة الاجتماعية والسياسية والدينية، ويثير قضية اختراق العقل الوطني، أو تغريب عقول أبناء الدول النامية.. إلخ داخل الدول التي يطلق عليها الأطراف، الأمر الذي يتطلب حلولاً فعالة لمواجهة هذه الأزمة، على أن تتسم هذه الحلول بالحكمة والتخطيط والتعقل، هذا عن الاتجاه الأول، وهو اتجاه نظرية التبعية التي تتحدث عن الهيمنة الثقافية، التي يعرفها شيلر بأنها: جهود واعية ومنظمة تقوم بها الاحتكارات الأمريكية في المجالين العسكري والاتصالي للحفاظ على تقدمها، وبالتالي: على نفوذها في المجالات المختلفة [١٥] . ويؤكد شيلر أن هذه الجهود تنبثق عن وزارة الدفاع الأمريكية التي تسهم في وضع السياسة الأمريكية في مجال الاتصالات، وهذا هو الشكل المباشر للجهود، كذلك تنبثق عن الشركات الأمريكية الخاصة (RCA-NBA) وهي من أكبر الشركات المرتبطة بعقود مع الوزارة المذكورة [١٥] ، وإذا كانت وسائل الاتصال الأمريكية مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والخارجية والدفاعية الأمريكية، فإن هذا يعني أنها أداة من أدوات الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية الأمريكية على العالم من جهة، وأداة من أدوات استمرار التخلف والتبعية الشاملة للدول النامية استمراراً للمصالح الغربية والأمريكية من جهة أخرى [١٥] . ب - الاتجاه الثاني لتفسير الظاهرة: وهو تفسير أنصار نظريات الانتشار والتحديث الثقافي [١٦] ، ويرى أنصار هذا الاتجاه وجوب عدم إطلاق أحكام فضفاضة مثل (الهيمنة الثقافية) أو (الاستعمار الاتصالي) ، فهذه أحكام لا أساس لها من الصحة، فانتشار وسائل الإعلام الغربي والمواد الاتصالية الغربية داخل الدول النامية، سواء من خلال محطات التلفزة الوطنية أو الأقمار الصناعية: لا يشير إلى أي شكل من الهيمنة أو الاستعمار أو السيطرة، ولكنها عملية احتكاك ثقافي ضروري من أجل التنمية والانتقال من حالة التخلف إلى حالة التنمية، وهم يفسرون قضية انتشار الإنتاج الغربي في ضوء مفاهيم تجارية اقتصادية وهي رغبة الدول الغربية في تحقيق أرباح، كما أنهم يفسرونها في ضوء حاجات الدول النامية إلى الأخذ بالنظم السائدة في الدول المتقدمة اقتصاديّاً للانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتى تصل إلى المستوى نفسه للدول الغربية المتقدمة اقتصاديّاً، وإلى جانب هذا: فإن أنصار نظرية الانتشار يميلون إلى تفسير انتشار المواد والإنتاج الاتصالي الغربي في ضوء طبيعة المنتجات الغربية (المعلومات، الأخبار، البرامج، الأفلام، الإعلانات، المسلسلات..) من حيث الجاذبية والتقنية العالية وانخفاض السعر.. إلخ [١٦] . ويؤكد أنصار نظرية الانتشار على خطأ إهمال أنصار نظرية التبعية للعوامل التي تؤثر في حركة انسياب المواد الاتصالية بين الدول المتقدمة والدول النامية، كما أنهم يخطئون عندما يتجاهلون علاقة التأثير والتأثر المتبادلة في هذا المجال وذلك نتيجة لتركيزهم على آحادية اتجاه حركة المواد الاتصالية. وهم يخطئون ثالثا عندما يتجاهلون الآثار الإيجابية للمواد الاتصالية الغربية داخل الدول النامية. جوانب الاختلاف بين الاتجاهين: ويمكن إبراز أهم جوانب الاختلاف بين أنصار نظرية التبعية، وأنصار نظرية الانتشار والتحديث في ظاهرة عدم التوازن في مجال الاتصال والإعلام والغزو الثقافي فيما يلي: أولاً: منطلقات الدراسة: فأنصار الانتشار ينطلقون من عملية التنمية الوطنية لنظم الاتصال، ومن الدور الذي تلعبه القيم والمعايير الاجتماعية في تنمية هذه النظم، أما أنصار نظرية التبعية فينطلقون في تحليل ظاهرة الهيمنة الاتصالية من تحليل علاقات القوى الدولية وتصنيف الدول إلى تابعة أو هامشية، ودول مركز. ثانياً: النظر إلى حالة التبعية: أنصار نظرية الانتشار ينظرون إليها على أنها حالة مؤقتة، يمكن زوالها من خلال استيعاب التقنيات والعلوم الغربية وتطويرها وتوظيفها في خدمة التنمية الوطنية الشاملة، ومن خلال تنمية القدرة على استنبات آليات وتقنيات وطنية، أما أنصار نظرية التبعية فينظرون إلى الهيمنة الاتصالية على أنها حالة دائمة ترتبط بسيادة الرأسمالية والنظم العالمية الحالية (الليبرالية) . ثالثاً: النظرة إلى الدور الذي يلعبه النظام الاتصالي: فأنصار نظرية التبعية يرون أن هذا النظام يكرس قوة القوي، وضعف الضعيف وإبقاء (عدم التوازن) على ما هو عليه، أما أنصار نظرية الانتشار فينظرون إلى النظم الاتصالية على أنها وسائل تخدم عملية التنمية الوطنية وتنمي حوافز الإنجاز والإنتاج وتسهم في التنمية البشرية بشكل عام، فالتعرض للمواد الاتصالية التي أفرزتها الدول المتقدمة صناعيّاً تستثير الدافعية للإنجاز عند أبناء الدول النامية، وتزيد طموحاتهم، وتطلعهم على أنماط ثقافية جديدة ومعلومات جديدة تفيدهم في النمو. رابعاً: يسعى أنصار نظرية الانتشار إلى الحفاظ على الوضع العالمي على ما هو عليه، مع إجراء بعض التعديلات الوظيفية أو غير الجوهرية عليه، أما أنصار نظرية التبعية فيذهبون إلى ضرورة تغيير النظام العالمي القائم على الرأسمالية وانعدام التوازن والهيمنة الغربية الشاملة على مقدرات العالم، وهذا يعني إحداث تغييرات بنائية في النظم الداخلية والدولية على كل المستويات. خامساً: يرى أنصار نظرية الانتشار أن التغيير يبدأ من الداخل وبجهود وطنية، وتتسع لتصبح جهوداً إقليمية، وتركز هذه الجهود على التنمية وإزالة الحاجة إلى دول الغرب، وهم يرون أن مطالبة العالم الغربي بالتخلي عن مصالحه وإلغاء النظم الرأسمالية، مطلب مستحيل وغير قابل للتحقق، وهذا ما توصلت إليه لجنة ماكبرايد (رئيس اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال في العالم) [٤] . هذه هي أهم التوجهات النظرية بشأن تفسير ظاهرة السيطرة أو الهيمنة الثقافية والإعلامية. تقويم الاتجاهين إسلاميّاً: وعند محاولة تقويم هذين الاتجاهين فإن النظرة الإسلامية الموضوعية والمتوازنة ترفض الأساس أو المنطلقات الراديكالية التي تقف وراء نظرية التبعية، كما ترفض المنطلقات الليبرالية والمصالح الغربية التي تقف وراء نظرية الانتشار والتحديث الحضاري، فهناك النموذج والمشروع الحضاري الإسلامي بمنطلقاته وأسسه وثوابته المستمدة من المنهج الإلهي المبني على وحي السماء، غير أن هذا الرفض لا يعني الاتفاق مع هاتين النظريتين في بعض الأمور، وفيما يلي بعض الملحوظات العامة بصدد الظاهرة المدروسة: أولاً: يكشف الواقع عن ظاهرة التسلط الثقافي الغربي على أجهزة التلفاز الوطنية والقنوات الفضائية التابعة للدول النامية والمتقدمة صناعيّاً في الوقت نفسه. ثانياً: أن هذه السيطرة أمر مهدد للهوية الثقافية للدول النامية، ومن بينها الدول الإسلامية والعربية. ثالثاً: هناك العديد من المخاطر التي تهدد الدول المستقبلة للبرامج الغربية للاتصالات، منها مخاطر اقتصادية وسياسية ودينية وثقافية، ومخاطر تتهدد برامج التنمية داخلها، ولعل أكبر هذه المخاطر هي المخاطر الدينية والثقافية والتربوية لأنها تؤدي إلى محاولة تغريب العقل العربي وعقول الناس في الدول الإسلامية، الأمر الذي يفصلهم عن مصدر قوتهم وسموهم ورفعتهم وهو الإسلام وأسس الشخصية الإسلامية. رابعاً: توظف الدول الغربية المتقدمة صناعيّاً هذه البرامج بشكل مدروس لضرب الفكر الإسلامي والشخصية الإسلامية، حفاظاً على الاحتكارات والمصالح الغربية. خامساً: لا شك أن العوامل الداخلية التي تحدث عنها أنصار نظرية الانتشار لها أهميتها الكبرى في تفسير هذه الظاهرة، ولا شك أيضاً أن البث المباشر له بعض إيجابياته المتصلة بالتفاهم بين الشعوب والاحتكاك الثقافي ونشر المعلومات ونشر العلوم والتقنية.. لكن سلبيات هذه الظاهرة (سيطرة الغرب على الاتصالات) تفوق بكثير هذه الإيجابيات، ومن هنا يثار التساؤل حول مدى إمكان الإبقاء على الإيجابيات والتخطيط لتجنب السلبيات الخطيرة التي تحدثها هذه الظاهرة، أو بقول آخر: ما الحل أو الحلول المدروسة المخططة التي يجب أن تتبناها الدول الإسلامية والعربية للقضاء على سلبيات هذه الظاهرة؟ هذا ما يحتاج لدراسات أخرى قادمة إن شاء الله تعالى.

стр. 2017

حوار مع فضيلة الشيخ محمد هاشم الهدية حول شؤون الدعوة والدعاة التحرير الشيخ محمد هاشم الهدية (رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان) علم من أعلام الدعوة المبرزين، له سابقة خير وبركة، أسهم مع إخوانه في أنصار السنة إسهاماً فاعلاً في نشر العقيدة السلفية في السودان. تجلس معه فتستأنس بحديثه وبهدوئه ورزانته، له تجربة دعوية طويلة متعددة المجالات. ويسر مجلة البيان أن تجري مع فضيلته هذا الحوار. شاكرين له تجاوبه معنا.. - البيان - للدعوة السلفية في السودان عمر طويل مبارك (ولله الحمد) ، فما أبرز المراحل التي مرت بها هذه الدعوة من وجهة نظركم؟ * بدأت الدعوة بجهود فردية، ثم جماعة صغيرة تركز على الحلقات العلمية، وتدعو للتوحيد ونبذ الشرك، ولم يكن لها تنظيم محدد ولا رئيس، ثم انتقلت إلى جماعة منظمة لها رئيس وتنظيم، لكن كان عملها مقتصراً على العاصمة، وكانت هناك مجموعات أخرى داخل السودان على منهج الدعوة نفسه، ثم انصهرت هذه المجموعات كلها على مستوى السودان تحت مظلة جماعة أنصار السنة المحمدية، وأصبح لها تنظيم ورئيس ومركز عام يشرف على إدارة الدعوة، ثم تلتها مراحل أخرى أبرزها دخول الجماعة في العمل العام؛ كالدعوة إلى تطبيق الدستور الإسلامي، وتلا ذلك: دخول الجماعة المؤسسات التعليمية والجامعات والدعوة من خلال المؤسسات الإعلامية المختلفة كالإذاعة والتلفاز وغيرهما، وأخيراً: تولي ولايات عامة في الدولة بهدف تمكين الدين وإصلاح حال البلاد والعباد، وباختصار بحمد الله بعد أن كانت الدعوة ضعيفة ومحاربة أصبحت اليوم رائدة وملء السمع والبصر. يعد السودان أحد معاقل الحركات الصوفية بطرقها المختلفة، فهل واجهت الدعوة السلفية عقبات من شيوخ هذه الطرق وعامتهم؟ وكيف تعاملكم معهم؟ * نعم واجهت الدعوة عقبات متعددة وبعضها أكبر من بعض، مثل: السب، والشتم، والتكفير، والضرب، وقد بلغ هذا العداء أشده حينما كان للصوفية نفوذ واسع في بعض الحكومات السابقة، حيث استغلوا هذا النفوذ في: سجن مشايخ الدعوة، وهدم بعض مساجدها، والتضييق عليها حتى لا يتمكن دعاتها من نشر الدعوة في الأماكن العامة ومجامع الناس، ولكن بتوفيق من الله وفضله أمكن دفع كل ذلك بشيء من الصبر والعفو والصفح، قال (تعالى) : [خُذِ العَفْوَ وَاًمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ] [الأعراف: ١٩٩] ، وهذا الابتلاء هو سنة الله (تعالى) مع الرسل والدعاة، كما حدث لشيخ الإسلام ابن تيمية حين وشى به أهل البدع لدى ولاة الأمر، وسجن وعذب ومات بالسجن، ولكن دعوته ملأت الآفاق وانتشرت، وعلا صوتها. انتشرت الدعوة الإسلامية في مختلف المجالات والآفاق، وأصبحت حدثاً بارزاً من الأحداث العالمية المعاصرة، فأين يضع فضيلتكم الدعوة السلفية داخل الصحوة؟ ، وما تقويمكم لمسارها؟ * الدعوة السلفية هي رائدة الصحوة الإسلامية؛ لكونها تبرز الإسلام بمنهجه الصحيح المتكامل الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فقد قامت بفضل الله (تعالى) ببيان التوحيد واعتقاد السلف الصالح، وتنقية العبادة مما علق بها من البدع، وتزكية النفوس، وإيضاح الطريقة المثلى لتمكين الدين في الأرض، قال (تعالى) : [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] . بعد تصحيح العقيدة، ما أولويات العمل الدعوي في واقعنا الحاضر من وجهة نظركم؟ . * أولويات الدعوة وضحها النبي ﷺ في حديث معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن، بأن يدعوهم إلى العقيدة الصحيحة ثم إقامة شعائر وشرائع الإسلام، والاعتناء بأمر العقيدة يكون مستمرّاً في كل مراحل الدعوة، كما ثبت أن النبي ﷺ في آخر حياته كان يحذر من اتخاذ القبور مساجد حسماً لمادة الشرك، قال (تعالى) : [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] [الأنعام: ١٦٢] والعمل على إيجاد الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، ثم مراقبة هذا المجتمع؛ حتى لا ينحرف عن العقيدة السليمة، ونشر الوعي الإسلامي الذي يعصم المجتمع من الانحراف بعون الله. الاختلاف والتنابذ من الأمراض المنتشرة بين صفوف بعض الدعاة، ويكون أحياناً بسبب، وأحياناً أخرى بدون سبب، فما أبرز الأسباب؟ وكيف ترون علاجها؟ * بيّن شيخ الإسلام (رحمة الله عليه) في تفسير قوله (تعالى) : [وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] [الأحزاب: ٧٢] أن سبب الاختلاف والتفرق هو الظلم واتباع الهوى والجهل، وأعتقد أن أعظم أسباب ذلك الخلاف: الجهل بفقه الخلاف وفقه الدعوة، وعدم مراعاة أحوال المدعويين، وكذلك: حب الذات، والأنانية، والغرور، وعدم الشورى والتطاوع، والإصغاء للشائعات ولمروجي الفتن بدون تثبت وتروّ. وعلاج ذلك: بإخلاص العمل لله، وتعلم وتعليم الفقه في الدين وحكم الإسلام في المسائل الخلافية، كل ذلك مع الصبر والعفو والرفق؛ قال (تعالى) : [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] . العلم الشرعي ركيزة رئيسة من ركائز الدعوة، فهل ترون أن الصحوة الإسلامية المعاصرة أخذت منه بنصيب جيد؟ وما الوسائل المناسبة فيما ترون لتنمية القدرات العلمية لدى أبناء الصحوة ودعاتها؟ . * لا شك أن العلم الشرعي أساس في استقامة الأعمال الدنيوية والأخروية، ولا يستفيد من هذا العلم إلا من فَقِهَ وعمل وفق هذا الفقه وهو حقيقة العلم وكيف يطبق في المجتمع، فإن كثيراً من حملة هذا العلم لا يكادون يهتدون إلى معرفة كيفية تطبيقه في واقع المجتمع الذي يعيشون فيه، فإن سلف الأمة فقهوا وطبقوا وعمروا الأرض، وتركوا لنا تراثاً علميّاً ممتازاً أهمه وأعظمه: الموازنات الشرعية، فقد بسّطها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم تبسيطاً جعلها سهلة التناول، ثم التدرج في معالجة المشكلات التي تتجدد من جيل إلى جيل. تواجه الأمة الإسلامية هجمة شرسة متعددة المشارب من الاتجاهات العلمانية المختلفة، فما هو دور العلماء والدعاة والحركات الإسلامية إزاء ذلك؟ وكيف تواجه هذه الهجمة؟ * العلمانية نشأت أساساً في أوروبا منذ عهد طغيان الكنيسة وفكرها المنحرف وعقائدها الخرافية، وتبرماً من هذا نشأت العلمانية، وهي فصل الدين عن الحياة، أي: عدم التحاكم إليه في أي شأن من شؤون الحياة، ثم انتشرت إلى بقية أنحاء العالم، ولا يوجد ما يبرر وجود العلمانية في عالمنا الإسلامي، إذ إن الإسلام منهج متكامل للحياة، ولا يوجد نقص في أي جانب من جوانبه يحتاج منا لتعديل أو إضافة، إذ هو منهج الله وحكمه [وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] [المائدة: ٥٠] ، ودور العلماء والدعاة هو تعليم الناس العقيدة الصحيحة التي تكون صماماً لمنع انتشار الأفكار الضالة، وتعليمهم الدين القيم وتنقيته مما علق به من شوائب وخرافات، مع بيان مثالب العلمانية ومنافاتها للدين، أما الدعوات الإسلامية المنظمة فيرجى منها إضافة لما سبق إقامة المجتمعات المسلمة المثالية، حتى تكون واقعاً علميّاً يحتذى به، ومنهجية كل ذلك بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الطيبة، وإقامة المجتمع الإسلامي الذي يفهم واقعه ويتعامل معه تعاملاً شرعيّاً، مع تعلم العلوم الدنيوية حتى تقوى الأمة الإسلامية بنفسها وتستغني عن دنيا غيرها من الأمم فضلاً عن دينها، ومن باب إعداد القوة. يعد السودان البوابة العربية للوصول إلى القارة الإفريقية، فكيف تقومون النشاط الدعوى بعامة والسلفي بخاصة في هذه القارة؟ * صحيح، السودان هو البوابة العربية للوصول إلى عمق القارة الإفريقية، والسلفية دخلت السودان عن طريق شيخ إفريقي قدم من موريتانيا سنة ١٩١٧م، وقد قمنا بحمد الله بالمساهمة في إنشاء المركز الإسلامي الإفريقي في الخرطوم، وسافرنا لشرق إفريقيا وأحضرنا الطلاب، وقد ساهمت مدارس ومعاهد الجماعة في شرق السودان في تعليم إخواننا الإرتريين العقيدة الصحيحة، ولنا الآن معهد متخصص في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، طلابه من مختلف الدول الإفريقية، ولنا مبعوثون يساهمون في نشر الإسلام وتعليم العقيدة الصحيحة ضمن جهود الجمعيات الخيرية، وتقويمنا هو: أن هذا النشاط الناشيء ما يزال في طور البداية إذا قورن بعمل الجمعيات التنصيرية والرافضة والبهائية، مما يتطلب تضافر جهود جمعيات الدعوة والتنسيق بينها للحفاظ على وحدة المسلمين ولمزاحمة الجمعيات التنصيرية وغيرها، وتقليل شرها. الأصولية، التطرف، الإرهاب، مصطلحات إعلامية كثر تداولها وانتشارها في الآونة الأخيرة عند الحديث عن الصحوة، فما هو تقويمكم لهذه المظاهر؟ وكيف ترون التعامل مع وسائل الإعلام العالمية؟ . * هذه المصطلحات روجها أعداء الإسلام لتشويه صورة الإسلام لدى الناس وصدهم عنه، خاصة وأن الإسلام أصبح يهدد كيان أعدائه، وللأسف فإن بعض من ينتسبون إلى الإسلام صاروا أبواقاً تردد هذه المصطلحات الجائرة، محاولين صد الشباب عن الإسلام وإيقاف عودة وانتشار الإسلام من جديد، وساهم في هذا أيضاً بعض شباب الصحوة الذين لم يستطيعوا الصبر على الأذى والتعامل معه بضوابط الشرع، حيث قاموا ببعض الأعمال لتغيير أوضاعهم بالعنف، وحُسب كل ذلك مع الأسف على الإسلام. والواجب على علماء الإسلام والدول الإسلامية مقاومة هذه الهجمة الإعلامية العالمية بالوقوف ضدها ومقاطعة وسائل الإعلام التي تبث هذه الحملات وإيجاد إعلام إسلامي مضاد للإعلام المُعادي وموجه للصحوة الإسلامية وشبابها بالمنهج الإسلامي السليم. العجز والفتور من الأمراض المنتشرة مما قد يوجد بين خاصة الدعاة فضلاً عن عامتهم، فما أسبابه الرئيسة؟ وكيف ترون علاجها؟ * من أسباب ذلك الفتور: اليأس من استجابة الناس، وهو شعور خاطئ؛ إذ نحن مأمورون بالتبليغ وبالإخلاص وبذل الوسع والتزام الصراط المستقيم، والنتائج بيد الله [إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ] [القصص: ٥٦] . ومن الأسباب أيضاً: تقصير الداعية في بعض الأمور أو وقوعه في بعض المحظورات؛ فيرى أنه غير أهل للدعوة، أو أنه منافق بذلك، وهذا من تلبيس إبليس، ومن الأسباب: الابتعاد عن مخالطة الصالحين وأهل الخير، وإهمال الأمور التي تزيد الإيمان، والعلاج: هو تدبر القرآن ومطالعة سير الأنبياء والرسل وسيرة الرسول ﷺ وصحابته في ذلك، مع الإكثار من فعل الطاعات. مشكلة جنوب السودان من المشكلات القديمة التي تزامن ظهورها منذ البداية الأولى لاستقلال السودان، فما هي في نظركم أسباب هذه المشكلة؟ وهل أحسنت الحكومات السودانية المتوالية في علاجها؟ * هذه المشكلة أوجدها المحتل البريطاني بنظام المناطق المقفولة الذي عمل بموجبه على عزل الجنوب عن الشمال لإقامة دولة نصرانية هناك، وذلك لزعزعة استقرار السودان، وعملوا على منع التداخل بين الجنوب والشمال، مع تشويه صورة الإسلام والمسلمين والعرب لدى أبناء الجنوب، وعملوا على بث النصرانية وإقامة الكنائس والمدارس العلمانية، مع منع نشر اللغة العربية والدين الإسلامي وإقامة المساجد، وكان للتصرفات الخاطئة من بعض تجار الشمال دور في ذلك؛ إذ استغل المحتل البريطاني تلك التصرفات لإظهار العرب في صورة المستعبد والمستغل لشعب الجنوب، ولم تحسن الحكومات السابقة حل المشكلة؛ حيث حُصرت الحلول في الحسم العسكري والحلول السياسية، والعلاج هو: كسر الحاجز وفك العزلة الاجتماعية وإقامة المساجد والمؤسسات الإسلامية وتعليم اللغة العربية؛ حتى يتمكن المواطن الجنوبي من معرفة الإسلام الصحيح، ولنا تجربة عملية في ذلك تمثلت في بناء مركز إسلامي في الجنوب، ساهم في إدخال الكثير من أبناء الجنوب في دين الله، والحمد لله. والله نسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يرد كيد الكائدين إلى نحورهم، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2018

منتدى القراء استراحة مجاهد بقلم:سالم فرج سعد أرأيت إلى رجلٍ يستجمع قواه ليطفئ نور الشمس؟ أو يجمع حفنة تراب ليدفن ماء البحر؟ ! كذلك هو حال أعداء هذا الدين: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] [الصف: ٨] . إنهم وإن كبتوا وكمموا الأفواه، وأسروا الأقلام، فكل ذلك يستثمر لصالح الدعوة، وهي فرصة الدعاة لحشد الطاقات، واستعلاء الهمم، وإخراج المواهب، ومواصلة المسير في تؤدة وتأن، واستمرار العمل بجد واتزان.. فهم في استراحة، لكنها استراحة مجاهد الذي نومه ونبهه أجرٌ كله.. لله درّ مجاهدٍ لا يفترْ يحيي الليالي في الجهاد ويسهرْ وأعداؤنا هم هم في كل مكان وزمان.. مهما تغيرت أساليبهم، وتنوعت أشكالهم.. فلا تخدعنا استعطافات الدهاة، ولا ترجفنا أقاويل المبطلين، آخذين من قوله (تعالى) لنبيه لوط ﵇ : [فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ] [الحجر: ٦٥] ، شعاراً نهتدي به، ونبراساً نستنير بنوره، إذا تعالت أصوات المرجفين، وصيحات المخذّلين.. سيلاحِقون ويطارِدون.. لكن إلى متى؟ فإن لكل ظالم نهاية. فهذه طاقاتهم قد استفرغت، وجهودهم قد نفدت، وأساليبهم قد عُرفت، فهم في الحقيقة يجازفون بحياتهم وأفكارهم وحتى مناصبهم. فمهما عربدوا وأزبدوا، وحاربوا وطردوا، واضطهدوا، فإن: (الدعوة لن تموت.. والشهداء خالدون.. والتاريخ لا يرحم..) وأحداث الأمم وعظت، وتجارب العاملين للخير نبهت وأيقظت، فلا ندري متى يكون الاتعاظ؟ ولا متى نصحو من نومنا العميق؟ وكما قال بعض الحكماء: (كفى بالتجارب تأديباً.. وبتقلب الأيام عظة) .

стр. 2019

الورقة الأخيرة هيئة التناقض ! ! د. محمد بن ظافر الشهري هناك من يقف مشدوهاً أمام ممارسات الأمم المتحدة التي تبدو متناقضة لأول وهلة، فهي تارة تضرب على يد المجرمين بيد من حديد، وقد تعمد في سبيل هذا الهدف النبيل إلى حصار الشعوب المغلوبة على أمرها، وذلك لأمور، منها: أن موت بعض الشعوب رحمة، وأن النظام المجرم سيسقط لا محالة إذا مات الشعب عن بكرة أبيه، وقبل هذا وذاك: يعد هذا العمل الإنساني مبرراً بقاعدة الشر يعم والخير يخص..! وتارة أخرى تبدو الأمم المتحدة مطية للمجرمين وسوطاً في أيديهم، فهؤلاء الصرب يأسرون جنود بطرس، ويسرقون منهم المدفعية والمدرعات! ! ، ويقتحمون سراييفو في زي الجنود الفرنسيين المسروق بالطبع! ! ، وينهبون قوافل الإغاثة التي كانت الأمم المتحدة تنوي إيصالها إلى المسلمين.. إلى غير ذلك من الأعمال التي وصفها المسؤولون في الأمم المتحدة بأنها استفزازية.. وقد تحلت الأمم المتحدة حيال ذلك كله بضبط نفس لم يعهد له مثيل إلا في مواقفها المشرفة في فلسطين والشيشان وطاجكستان وكشمير والفلبين و.. إن ما يوهم التناقض في مواقف الأمم المتحدة هو الذي حدا بكثير من البسطاء إلى اتهام هذه الهيئة بأنها غير ذات مبدأ.. وقد يشط بعضهم فيستشهد بما قيل للحجاج بن يوسف حين فر من وجه غزالة الخارجية: أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... أم كان قلبك في جناحي طائر؟! والحق الذي لا ريب: فيه أن هذه الهيئة ذات مبدأ ثابت منذ تأسيسها، وما هذه المفارقات في المواقف من جرأة الأسد وقوته إلى جبن الأرنب وضعفه إلا دلائل على اطراد منهجها ورسوخه. وإذ كان الدور الذي تمثله الأمم المتحدة على مسرح البوسنة قد وصل إلى حد الابتذال والإسفاف، فذلك لأنها عرفت حال النظارة وأمنت من قدرتهم على النقد. ويبدو أن النظارة لن يغيروا ما بأنفسهم قريباً.. ولكن الآمال تتزايد في أن تهتز خشبة المسرح ذاتها لتجهض هذه المسرحية المسخ.. نسأل الله أن يحقق عاجلاً هذه الآمال.. إنه سميع مجيب..

стр. 2020

ربيع الآخر - ١٤١٦هـ سبتمبر - ١٩٩٥م (السنة: ١٠)

стр. 2021

كلمة صغيرة خمسون عاماً من الغم هيئة الأمم المتحدة هيئة عالمية، يفترض أن تكون لخدمة السلام العالمي ونصرة المظلومين وإغاثة الملهوفين، غير أن خمسين عاماً مرت منذ قيامها لم يكن للمسلمين من خدماتها أي نصيب؛ فقد فشلت في حل المشكلة الفلسطينية، وخذلت المسلمين في كل القضايا الإسلامية وعلى رأسها (البوسنة والهرسك) و (الشيشان) و (كشمير) و (بورما) .. وغيرها وغيرها، حيث تتحول تلك القضايا بمباركة أكابرها إلى (قضايا داخلية) حتى وإن دُكّت المدن، أو شُرّد الأهالي، ومات الناس جوعاً، بل حتى لو انتهكت ما يسمونه بالمناطق (الآمنة) ، بينما في القضايا الأخرى تعد العدة للتدخل لحسمها بشكل عجيب، كما حصل في (هايتي) ، و (رواندا) ... ستبقى هذه الهيئة العتيدة سلبية في مواقفها مع المسلمين وقضاياهم وبخاصة عندما تولى دفتها «بطرس» الذي يبدو أن (أرثوذكسيته!) تغلبت على (إنسانيته!) بشكل مقزز يبعث على الغثيان. إن الهيئة العالمية بدأت في الآونة الأخيرة تبحث في قضايا ثقافية وفكرية حول السكان والتنمية والمرأة.. وغيرها، وكأنها بصدد مشروع علماني (كبير) ضد الثوابت الدينية الإسلامية، وليتها واجهت مخازي (التطهير العرقي) وقامت بمحاكمة (مجرمي الحروب) وناصرت (حق الشعوب في تقرير مصيرها) كما تدعي! فحتى متى يصبر المسلمون على تواطئها وعدم مبالاتها بقضاياهم؟ أم على قلوب أقفالها..؟ !

стр. 2022

افتتاحية العدد من الأندلس.. إلى البوسنة سقطت البوسنة الشرقية، وسقطت معها مسلّمات كثيرة، وارتفعت على دماء ... وأشلاء الضحايا وبقايا (سربنتسا) و (جيبا) لافتات ضخمة، يهون أمامها ذعر عيون الأطفال وأنهار الدموع المتساقطة من العفيفات المغتصبات وأرواح الشهداء الذين سقطوا وهم يدافعون عن دينهم وعرضهم ومالهم، وظهورهم مكشوفة، وأجسادهم عارية، يكفي أن هذه الظهور المكشوفة والسواعد المقاتلة حتى آخر طلقة قد كشفت للجميع حقائق مهمة: الأولى: أن المهانة والعجز الذي يلف العالم الإسلامي حيال قضاياه قد أصبح القاعدة التي لا شذوذ عنها، وصدق الشاعر: كم حرة صرخت من تحت غاصبها ... فجاءها المنقذان العي والصمم لقد قبلت الأمة الإسلامية من أدناها إلى أقصاها عيشة الذلّ والهوان، ورضيت بالدّنيّة، واستسلمت لجلادها وغاصبها، وركعت تحت قدميه، وكأنّها تستحثه لمزيد من الاستبداد والتسلط. قطيع يساق إلى حتفه ... ويمضي ويهتف للسائقين والثانية: أن ترسانة الغرب الوحشية وجيوشه العابرة للقارات تختار ضحاياها بعناية فائقة، فهي تصل إلى أقصى البراري، وتتغاضى عن الجار البوسني (المسلم) القاطن بين ظهرانيها. والثالثة: أن ثورة الاتصالات الإعلامية والفضائية في قمتها اليوم نجحت في امتصاص المأساة، وتقديمها لجمهور المشاهدين والقراء كمسلسل شيق يثير الانتباه، ينتصر فيه الشر على الخير دوماً. وأخيراً: أن حرب التخوم والأطراف التي يشنها الغرب على نقاط التماس مع العالم الإسلامي مرشحة للتصاعد في ظل تآمر الغرب والشرق، وبمباركة من الأمم المتحدة التي يأبى البابا «بطرس» إلا أن تكون (فاتيكان!) القرن المقبل حين يخوض قداسته حرب الصليب القادمة! ! «بطرس غالي» لم يسمع حتماً بـ «بشير إيماموفيش» .. فبشير كهل بوسني، غادر (جيبا) بعد سقوطها في يد الصرب، ونقل للعالم ما قاله الجنرال الأرثوذكسي «راتكو ملاديتش» لجموع المسلمين فيها ... لقد قال لهم: «لن يستطيع الله ... ولا الأمم المتحدة أن ينقذوكم ... إنني أنا ربكم! !» [*] تعالى الله وتقدست أسماؤه. أيها الـ «بطرس» ... جدك أرادها مذبحة للأحرار من أبناء الكنانة، وركب خيل المستعمر الإنجليزي ... وأنت تركب خيل الملاحدة الصرب، الذين رسمت لهم منظمتك ومبعوثوك خط السير نحو (جيبا) التي أحرقوها، كما هو دأب البرابرة من أبناء الصليب ... جدك نال جزاءه ... وأنت، وإن هربت من واجهة الأحداث وخفتت عنك الأضواء التي تعشقها، فإن دعاء المسلمين في كل مكان سيظل يلاحقك حتى تلاقي ركاب جدك الخائن، فدعوات المظلومين هي الجند الذي لا يغلب، وليس بينها وبين الله حجاب! «بشير إيماموفيش» لن يجد من المسلمين سوى الهمهمات والحوقلة الباردة، فإخوانه غارقون في لهوهم وعبثهم وخلافاتهم الصغيرة ومعاركهم المفتعلة يعيدون كتابة تاريخ الأندلس، ويساهمون في احتلال الفرنجة ل (سربنتسا) بعد (طليطلة) و (الحمراء) و (قرطبة) و (غرناطة) ... عالم من بليون مسلم، وخمسين دولة، وجيوش جرارة، وموارد هائلة.. يعتذر بالعجز، ويتدثر بقلة الحيلة وضعف الهمة، حتى تدق الحملة القادمة أبوابه في ناحية أخرى ونقطة تماس جديدة ... أي خزي وأي مهانة هذه..؟ ! المعلقون الألمان يربطون بين حرب (البوسنة) ومجزرة (الشيشان) وما يتم طبخه للمسلمين في (تتارستان) ... ويطلقون عليها حرب التخوم؛ حيث عالم غربي متفوق ومنتشٍ بانتصاره، أمام مسلمين ضعفاء متخاذلين، يصورهم عدوهم على أنهم الخطر العالمي الأول ... نعم.. المناطق الآمنة كانت من صنع الدول الغربية وبرعاية الأمم المتحدة، والدور القادم على «ملاذات آمنة» أخرى في حالة نجاح الخطة الحالية وهي ناجحة بكل المقاييس وهنا: لن تكون حرب تخوم وأطراف؛ فالتجربة الصليبية القديمة والصهيونية الحالية تجعلنا نوقن أنها ستكون موجهة إلى العمق ... ! أيها المجاهدون البوسنيون.. أيها الشيوخ والأطفال.. أيتها النساء المسلمات.. لا تعلقوا قلوبكم بألف مليون غثاء، ولكن توجهوا إلى من بيده ملكوت السموات والأرض، تقربوا إلى الله شبراً يتقرب إليكم ذراعاً، انصروه ينصركم [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] . أيها البليون عاجز ... ومتعاجز ... لقد ظللتم أعواماً عديدة تنتظرون الفرج من عدوكم والنصر المستجلب من البيت الأبيض، فهلا أفقتم على تصريحات قيادته التي قالت بالصوت العالي: إنها ستصوت «بالفيتو» ضد مشروع حق الضحية في قتال الجلاد؛ لأن دماء ومدن وحضارات ومساجد البوسنة الشهيدة لا تساوي شيئاً أمام احتمال تعكير أجواء التحالف الدولي (الصليبي) ! أيها البليون عاجز.. ومتعاجز.. لقد بحّت أصواتكم، وجفّت أقلامكم، من الشجب والاستنكار في المحافل الدولية.. أفلم تدركوا بعد أنّ القبعات الزرقاء (الأممية!) التي تستظلون بظلها، وتحتمون بحماها، هي أحد أسباب المأساة، بعد أن ثبت للجميع خيانتها وتواطؤها مع إخوانهم الصرب..؟ ! لقد عبر رئيس وزراء البوسنة عن خيبة أمله في الدور الذي لعبته الأمم المتحدة خلال الأزمة، قائلاً: «إنّ منظمة الأمم المتحدة عار على مجتمعنا العصري.. لقد سلبت منّا الحق الأساسي في الحياة، وحق الدفاع عن أنفسنا..!» . وصدق الشاعر بقوله: أبلغ شهاباً وخير القول أصدقه ... إن الكتائب لا يهزمن بالكتب عندما يصل العجز إلى هذه الدرجة.. لابد للإيمان الصادق من هبّة تمحو وصمة العار وبصمات الخذلان التي يصنعها بعض المرجفين بأيديهم.. وصدق الملك الحق حينما قال: [أَمَّنْ هَذَا الَذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ] [الملك: ٢٠] .

стр. 2023

دراسات شرعية اتباع النبي ﷺ في ضوء الوحيين حقيقته، منزلته، مظاهره، عوائقه (٢) بقلم: فيصل بن علي البعداني بدأ الكاتب في الحلقة الأولى مقاله بتعريف الاتباع، ثم تحدث عن علاقة الاتباع بالزمان والمكان، وثنّى بالحديث عن أفعال النبي من حيث التأسي، ثم بين قواعد مهمة في الاتباع، وأنهى كلامه ببيان مظاهر الاتباع، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة إيضاح جوانب أخرى من الموضوع. - البيان - من الوسائل المعينة على الاتباع: الوسائل المعينة على الاتباع كثيرة، أهمها: ١- تقوى الله والخوف منه: وذلك لأن من اتقى الله وخافه: جعل له فرقاناً يميز به بين الحق والباطل وبين النور والظلمة؛ فكان ذلك سبب نجاته وسعادته في الدنيا والآخرة؛ قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ... ] [الأنفال: ٢٩] . ٢- الإخلاص لله، والتجرد في طلب الحق: لا يتوقف البحث عن الحق وتطلبه على الحرص على معرفته وإدراكه فقط، بل لابد مع ذلك من أمر قلبي هو التجرد، والحرص على سلامة القصد، والسلامة من الجهل والهوى والظلم، ولا يكون ذلك إلا بالإخلاص لله (تعالى) . وهذا الأمر له تعلق بتنقية النفوس من الأهواء والشوائب وتزكيتها؛ لأن العبد كلما سعى في تنقية نفسه وتزكيتها وإلزامها بطاعة الله (تعالى) وترك معصيته ظاهراً وباطناً، كلما ازداد قبوله للحق وإقباله عليه؛ يقول ابن تيمية: (وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعاً لهواه، فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمي قلبه عن الحق الواضح، كما قال (تعالى) : [فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] [الصف: ٥] ..) [١] ، والتجرد والإخلاص معينان للعبد على الرجوع عن البدع والأخطاء متى وقع فيها، وقد حصل ذلك من أعيان كبار في علم الكلام والفلسفة وغير ذلك، كأبي الحسن الأشعري، والجويني، والغزالي، والفخر الرازي ... وغيرهم كثير. ٣- اللجوء والتضرع إلى الله وإظهار الافتقار له: كان رسول الله كثيراً ما يدعو عند الصلاة من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) [٢] . وكان من دعائه أيضاً: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً) [٣] . وأيضاً: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضَل، أو أزل أو أُزل ... ) [٤] . وقد أمر الله (تعالى) عباده بدعائه والتضرع بين يديه، فقال : [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] (غافر: ٦٠) وأخبر النبي أن من لم يسأل الله (تعالى) ويظهر الافتقار والحاجة إليه فإنه يغضب عليه، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة (رضي الله عنه) قال: (قال رسول الله: من لم يسأل الله يغضب عليه) [٥] . ٤- تعلم الأحكام الشرعية: وذلك لأن الإسلام دين مبني على الوحي، والوحي لا يدرك إلا بالتعلم، وبالتالي: فلا وسيلة للعمل بأحكام الإسلام واتباع النبي إلا عن طريق التعلم، ولذا: قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله (تعالى) : [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ] ، فبدأ بالعلم) [٦] . وكان أول ما أُنْزِل من القرآن الكريم [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] [العلق: ١] والقراءة أداة للتعلم. ٥- اتباع طريقة السلف في العلم والعمل: بيّن النبي أن خير قرون هذه الأمة وأفضلها: أقربها إليه، فقال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..) [٧] وأوضح في حديث الافتراق أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي) [٨] . وما أحسن قول عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال: (من كان مستنّاً فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) [٩] . ٦- الصحبة الصالحة: صحبة أهل السنة والجماعة الملتزمين بما كان عليه رسول الله وصحابته من أعظم الأسباب التي تعين على الاتباع والاستمساك بالحق؛ قال رسول الله: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) [١٠] . وسبب ذلك: أن الخليل يحمل صاحبه على ما هو عليه، فإن كان صاحب سنة واتباع حمله على ذلك، وإن كان صاحب بدعة وفسوق حمله على ذلك، ولذا: قال رسول الله: (مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة) [١١] . ويقول أبو قلابة: (لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون) [١٢] . ٧- تدبّر النصوص الصحيحة: القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة هما مصدر تلقي الحق والهدى؛ قال الله (تعالى) : [إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] [الإسراء: ٩] وقال: (إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض) [١٣] ، ولقد تكفل الله (تعالى) بحفظ نصوص كتابه من أن يدخلها تحريف أو تبديل؛ قال الله (تعالى) : [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] ، ويتضمن ذلك حفظ سنة النبي التي على الرغم مما دخلها من أحاديث ضعيفة وموضوعة، إلا أن الله (تعالى) هيأ لها أئمة نذروا أنفسهم وأعمارهم في خدمتها وتمييز صحيحها من ضعيفها وموضوعها، ولذا: فإنه لابد للحريص على الاتباع الحق للنبي من الحرص على صحة النصوص التي يعمل بها، والقيام بفهمها وتدبرها، ومن ثم: العمل بموجبها فعلاً وتركاً. والعائد من تدبر النصوص النبوية الصحيحة كالعائد من تدبر النصوص القرآنية؛ لأن كلاً منهما مصدر للأحكام وطريق للاعتصام والأمن من الزيغ والضلال عن الحق. من عوائق الاتباع: هناك عوائق كثيرة تمنع العبد من الاتباع الصحيح للنبي، من أبرزها: ١- الجهل: الجهل هو أعظم عوائق الاتباع، بل هو أعظم أسباب الوقوع في المحرمات جميعها من كفر وبدع ومعاصٍ [١٤] سواء أكان الجهل جهلاً بالنصوص بعدم الاطلاع عليها، أو كان جهلاً بمنزلتها في الدين وكون التقدمة لها وبقية المصادر تبعاً لها، أو كان جهلاً بمقاصد الشريعة وقواعد العلوم وأصولها: كالمطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمبين [١٥] ، ونظراً لخطورة الجهل الكبيرة: نجد القرآن الكريم والسنة الصحيحة حافلين بالنصوص التي تحذر من الجهل وتبين خطورته، وتحث على العلم وتبين فضله، ومنها: قال الله (تعالى) : [قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٣٣] . وقال : [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] [الإسراء: ٣٦] يقول سيد قطب: (والعقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة، فلا يقوم شيء فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة ... [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] [الإسراء: ٣٦] ولا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين وما لم تتثبت من صحته: من قول يقال، أو رواية تروى، من ظاهرة تفسر، أو واقعة تعلل، ومن حكم شرعي، أو قضية اعتقادية) [١٦] . عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (اُغْدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً، ولا تكن الرابع فتهلك) [١٧] وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: (لا يزال الناس بخير ما بقي الأول، حتى يتعلم الآخِر، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس) [١٨] . ٢- اتباع الهوى: اتباع الهوى وما تشتهيه الأنفس من أعظم عوائق الاتباع وأسباب الانحراف عن الحق، بل إن جميع البدع والمعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على النص الصحيح، وذلك لأن من طبيعة النفس البشرية أنها تميل وترغب إلى ما تهوى وتحب، ويصعب على صاحبها صرفها عن ذلك وبخاصة إذا كانت قد تعودت عليه ما لم يقوَ إيمانه ويصلب يقينه، بل إن كل من لم يتابع الرسول ويستجب له فيما جاء به: فإنه لم يذهب إلى هدى، وإنما ذهب واتبع الهوى [١٩] ؛ ولذا: نجد النصوص قد توافرت في ذم اتباع الهوى والتحذير منه، ومن ذلك: قال الله (تعالى) : [فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [القصص: ٥٠] . وعن معاوية ﵁ قال: (قال رسول الله: ... وإنه سيخرج من أمتي أقوام تَجَارَى بهم تلك الأهواء كما يَتَجَارَى الكَلَبُ لصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) [٢٠] . وليس الأمر في وجود هوى في نفس العبد يدعوه إلى مخالفة الرسول، فإن ذلك ميدان للاختبار والامتحان، وقد لا يملكه العبد، وإنما الخطورة في اتباع العبد للهوى وأخذه لما يحب وتركه لما يبغض، وجعل ذلك هو الباعث والدافع إلى القول والفعل، سواء أوافق ذلك محبوب الله (تعالى) أو خالفه [٢١] . وقد يدخل الهوى على من له تعلق بالنصوص وارتباط بها، بحيث لا يدعوه هواه إلى ترك النصوص بالكلية والإعراض عنها، وإنما يجعله يقرر ما يريده أولاً ثم يذهب إلى النصوص ليأخذ ما وافق هواه منها. ٣- تقديم آراء الآباء والشيوخ والأكابر على النصوص الثابتة: من عوائق الاتباع الكبرى: تقديم آراء الآباء والشيوخ والأكابر على النصوص الصحيحة؛ يقول الله (تعالى) : [وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أََنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ] [المائدة: ١٠٤] ، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (أي: إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه: قالوا يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك؛ قال الله (تعالى) : [أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً] [المائدة: ١٠٤] أي: لا يفهمون حقّاً، ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ ! لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً) [٢٢] . وقد وردت آثار كثيرة عن السلف تحذر من ذلك، ومنها: قول ابن مسعود ﵁ : (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لابد مقتدين فبالميت؛ فإن الحي لا يُؤمَن عليه الفتنة) [٢٣] ، وفي رواية عنه: (لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر) [٢٤] . وقال عمر بن عبد العزيز: (لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله) [٢٥] . وقال الشافعي: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) ، وصح عنه أنه قال: (لا قول لأحد مع سنة رسول الله) [٢٦] . ولابن تيمية كلام نفيس حول ذلك، إذ يقول: (فدين الله مبني على اتباع كتاب الله، وسنة نبيه، وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي المعصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، يوالي عليها ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك السنة ويعادون) [٢٧] . ويدل على مبلغ الجناية التي يوصل إليها تقديم آراء الرجال أيّاً كانوا على النص الصحيح قولُ الكرخي (عفا الله عنه) : (كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤوّلة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فمؤول أو منسوخ) [٢٨] . قلت: وهذا هو ما عليه كثير من أبناء زماننا الذين قدموا رأي شيوخهم أو جماعاتهم أو أحزابهم على النصوص الصحيحة الثابتة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ٤- تقديم العقل على النقل الصحيح: كرم الله الإنسان وفضله بالعقل، وامتدح في كتابه ذوي الألباب والعقول المستنيرة، قال (تعالى) : [إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [الرعد: ١٩] وقال (سبحانه) : [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [ص: ٢٩] ولكن كثيراً من الناس لم يبقوا العقل في المكانة التي وضعه الله (تعالى) فيها، بل زلوا فيه على صنفين: * صنف عطله ولم يقم له وزناً. * وصنف بالغ فيه وجعله مصدراً للتشريع وقدمه على النقل الصحيح، حيث بنوا لأنفسهم ضلالات يسمونها تارة بالحقائق واليقينيات، وتارة بالمصالح والغايات التي تهدف النصوص إلى تحقيقها وإن لم تنص عليها، ثم يأخذون النصوص الثابتة والتي يسمونها بالظنيات، فيعرضونها على تلك الضلالات، فما وافقها قبلوه وما عارضها ردوه، اعتماداً منهم على قاعدة: اليقين لا يزول بالشك! ! ! ولم يعلم هؤلاء أن للعقول حدوداً تنتهي في الإدراك إليها، وأن الله (تعالى) لم يجعل لها سبيلاً إلى إدراك كل شيء [٢٩] ، كما لم يعلم أولئك أن الله حافظ دينه، وعاصم نبيه من الزلل والانحراف في تبليغ دينه، وبالتالي: فما جاء به حق لا مرية فيه، كما أن ما يسمونه حقائق ويقينيات هي عين الباطل؛ بدليل اختلاف العقول والأفهام في تعيين الحقائق والمصالح من إنسان لآخر، وبدليل أن الله (تعالى) أمرنا بالتسليم لحكمه وحكم رسوله، تسليماً مطلقاً، لا بمحاكمة النصوص إلى العقول قبل التسليم بها، كما في قوله : [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] ، وما أحسن كلام ابن أبي العز الحنفي حين شرح قول الطحاوي: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام) ، فقال: (أي: لا يثبت إسلام من لم يسلّم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها، ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه) [٣٠] . ٥- التعلق بالشبهات: دين الإسلام قائم على تسليم العبد المطلق بالوحي، ولكن كثيراً ممن قلّت معرفته بالوحي تعلق بالشبهات وبضروب الخيالات وتوهم المصالح، ظنّاً منهم أنها طريق معرفة الحق وسبيل الوصول إليه، ولذا: تجد مَن هذا حاله إذا جاءه من أخبره بالحق الثابت بالنص: تعلق قلبه بما سبق إلى قلبه من شبهات وضلالات، فلم يؤمن بالحق في ذات نفسه، وأخذ يلبس على الناس الحق بما في قلبه وذهنه من باطل، فضلّ وأضل، ونتيجة لهذا الأمر الخطير: فقد حذر النبي أمته من هذا الصنف، فقال فيما ترويه عائشة ﵂ : (.. فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم) [٣١] ، وقال: (سيكون في آخر أمتي ناس يحدثوكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) [٣٢] ، وتواترت أقاويل أئمة السلف في التحذير من الشبهات وأصحابها، ومن ذلك قول عمر: (إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) [٣٣] ، وقول أبي قلابة: (لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون) [٣٤] ، ويقول ابن سيرين محذراً: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) [٣٥] . ٦- سكوت العلماء: بسكوت العلماء عن نشر الحق والتحذير من الباطل يرتفع صوت الباطل، ويضعف صوت الحق، ويظن كثير من الناس أن أصحاب الباطل نتيجة كثرتهم وفشوهم هم أصحاب الحق؛ بدليل ظهورهم وبروزهم. حدّث أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: (من سُئل عن علم علِمَه ثم كتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار) [٣٦] . ٧- مجالسة أهل البدع والمعاصي: من أعظم عوائق الاتباع مجالسة العبد لأهل البدع والمعاصي، حيث يزين أصحاب السوء لجليسهم ما هم عليه من باطل، فإن لم يستطع أن يقلبوا الحق في ذهنه ويغيروا مفاهيمه: حاولوا إجباره على فعل باطلهم إما مجاملة لهم، أو خوفاً من استهزائهم ونقدهم فإن لم يستطيعوا ذلك فلا أقل من أن يداهنهم بترك الإنكار عليهم، أو بعدم القيام بعمل الحق الذي لا يتفق مع أهوائهم. ولذا: اشتد نكير السلف وعظم تحذيرهم لأهل السنة من مخالطة جلساء السوء، ففي قصة عمر مع صبيغ: قال أبو عثمان الراوي: (إن عمر كتب إلينا أن لا تجالسوه، قال: فلو جلس إلينا ونحن مئة لتفرقنا عنه) [٣٧] ، وقال ابن عباس ﵄ : (لا تجالس أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلب) . ٨- الاعتماد على النصوص الضعيفة والموضوعة: من أعظم عوائق الاتباع: الاعتماد على النصوص الضعيفة والموضوعة، وإثبات الأحكام بها، والقيام بمنافحة الحق الثابت بالنصوص الصحيحة من قبل كثير من الناس، سواء أكان ذلك بسبب جهلهم وعدم قدرتهم على التمييز بين الصحيح والضعيف والموضوع منها، أو بسبب الاغترار بمقولة بعض أهل العلم بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، متناسين أن لذلك شروطاً، أهمها: ألا يعتقد عند العمل ثبوت الحديث؛ لئلا ينسب إلى النبي ما لم يقله، وألا يكون الضعف شديداً، وأن يكون الحكم الذي يثبته الحديث الضعيف مندرج تحت أصل عام، ليخرج بذلك ما لا أصل له والذي يمتنع تأسيس الأحكام وإثباتها عن طريق ما كان كذلك [٣٨] . وختاماً: هذه نظرات في حقيقة الاتباع، أهديها لأحبتي في الله (تعالى) ، لتجريد المتابعة الحقة للحبيب المصطفى، ولتظهر حقيقة أدعياء المحبة من المبتدعة والطرقيين وغيرهم ومدى انحرافهم عن الجادة [إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ] [هود: ٨٨] .

стр. 2024

دراسات شرعية أصول الفقة.. والمنطق الأرسطي (١) بقلم: عثمان محمد إدريس لم يكن لـ (منطق أرسطو) مجال في (علم أصول الفقه) في العصور المتقدمة؛ فقد ألّف الإمام الشافعي ﵀ كتابه الأصولي الموسوم ب (الرسالة) بلسان عربي مبين خالٍ من لسان أهل (يونان) .. والمشهور لدى الباحثين [١] أن أول مؤلّف أصولي امتزجت مسائله ببعض المباحث المنطقية إنما كان في أواخر القرن الخامس الهجري [٢] ! ! وفي هذا المقال: يود الباحث تسليط الضوء على أحد المباحث الأصولية التي اشتهر استعمال بعض الأقيسة المنطقية فيها، وهو: (ترتيب مقدمات الحكم الشرعي) ملتزماً فيه المنهج العلمي في الاستدلال والمناقشة والترجيح، بعيداً عن التعصب والتقليد المذمومَين.. - البيان - الحكم الشرعي لأي فرع فقهي إنما يترتب على مقدمتين فأكثر [٣] ؛ تشمل الأولى: الدليل التفصيلي، وتشمل الأخرى: القاعدة الأصولية. ولما كانت غاية الأصوليين من وضع القواعد الأصولية هي: التوصل إلى حكم شرعي صحيح؛ فقد بحثوا أيضاً كيفية استعمالها للتوصل إلى ذلك. ولكنهم أثناء بحثهم لهذه المسألة اختلفوا في جواز استعمال (القياس المنطقي) والاستفادة منه في ترتيب تلك المقدمات. الأقيسة المنطقية المتعلقة بكيفية التخريج: يذكر بعض الأصوليين [٤] وهم الذين يرون جواز استعمال القياس المنطقي في عملية التخريج استعمال نوعين من الأقيسة المنطقية في هذا المجال، هما: القياس الاقتراني الحملي، والقياس الاستثنائي المتصل. أ- القياس الاقتراني الحملي: وهو ما تَكَوّنَ من قضايا حملية فقط [٥] ، ومثاله قولهم: كل جسم مؤلّف وكل مؤلف مُحدَث إذن، كل جسم مُحدَث. قال صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود ﵀ : (.. مثلاً إذا قلنا: الحج واجب؛ لأنه مأمور الشارع، وكل ما هو مأمور الشارع فهو واجب. فالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه، هي: القضايا الكليّة التي تقع (كبرى) ل (صغرى) سهلة الحصول عند الاستدلال على مسائل الفقه بالشكل الأول، كما في المثال المذكور، وضم القواعد الكلية إلى (الصغرى) السهلة الحصول، ليخرج المطلوب الفقهي من القوة إلى الفعل، وهو معنى التوصل بها إلى الفقه) [٦] . ويقول الدكتور يعقوب الباحسين: (أما كيفية استنباط الأحكام الشرعية الفرعية: فإن الفقيه المجتهد يأخذ القاعدة الكلية التي توصل إليها علماء الأصول، فيجعلها مقدّمة كبرى في القياس الحملي، أو ملازمة في القياس الاستثنائي، بعد أن يقدّم لها بمقدمة صغرى، موضوعها جزئي من جزئيات تلك القاعدة، ودليل تفصيلي يعرفه الفقيه بيسر وسهولة، كالأمر بالصلاة في قوله: [وَأََقِيمُوا الصَّلاةَ] ، فيكون بذلك قياساً منطقيّاً، هذه كيفيته: المقدمة الصغرى: (الصلاة مأمور بها) في قوله (تعالى) : [وَأََقِيمُوا الصَّلاةَ] ، وهذا دليل تفصيلي. المقدمة الكبرى: و (كل مأمور به واجب) ، وهذه قاعدة أصولية، أو دليل كلي إجمالي. النتيجة: (الصلاة واجبة) ؛ وهذه النتيجة حاصلة بإسقاط الحد الأوسط المكرر) [٧] . ب- القياس الاستثنائي المتصل: وهو الذي تكون مقدمته الكبرى: قضية شرطية متصلة، مركبة من قضيتين حمليتين قُرِنَ بهما صيغة شرط. ومقدمته الصغرى: قضية حمليّة، مذكورة في المقدمة الأولى بعينها أو نقيضها ويُقرن بها حرف الاستثناء (لكن) . ونتيجته: قضية حملية تنطوي عليها المقدمة الكبرى [٨] . ومثاله: إذا كانت الشمس طالعة فالكواكب خفية، لكن الشمس طالعة، إذن: فالكواكب خفية. واعلم أن القياس الاسثنائي المتصل لا ينتج إنتاجاً صحيحاً مطّرداً إلا إذا كانت القضية الشرطية المركب منها لزومية [٩] . يقول سعد الدين التفتازاني ﵀ : (وإذا استدللت على مسائل الفقه بالملازمات الكلية مع وجود الملزوم، فالملازمات الكلية هي تلك القضايا، كقولنا: هذا الحكم ثابت؛ لأنه كلما دل القياس على ثبوت هذا الحكم يكون هذا الحكم ثابتاً، لكن القياس دلّ على ثبوت هذا الحكم، فيكون ثابتاً) [١٠] . وإذا طُبق هذا القياس على مثال الأمر بالصلاة، فإنه يقال: إن كانت الصلاة مأموراً بها، فهي واجبة، لكن الصلاة مأمور بها، إذن، فالصلاة واجبة. كما أنها قد سبقت عبارة الدكتور يعقوب الباحسين في استعمال هذا النوع من القياس المنطقي [١١] . رابعاً: حكم استعمال الأقيسة المنطقية في كيفية التخريج: اختلف الأصوليون في حكم استعمال الأقيسة المنطقية (القياس الاقتراني الحملي، والقياس الاستثنائي المتصل) في عملية ترتيب مقدمات الحكم الشرعي، على قولين، هما: القول الأول: جواز استعمال هذين القياسين في عملية ترتيب مقدمات الحكم الشرعي. وممن ذهب إلى هذا القول: أبو حامد الغزالي [١٢] ، وصدر الشريعة [١٣] ، وسعد الدين التفتازاني [١٤] ، والبناني [١٥] ، والعطار [١٦] .. القول الثاني: عدم جواز استعمال هذه الأقيسة في عملية ترتيب مقدمات الحكم الشرعي، وإنما يُقتصر على الأساليب العربية فحسب. وممن ذهب إلى هذا القول: أبو الوليد الباجي [١٧] ، وابن الصلاح [١٨] ، وابن تيمية [١٩] ، وابن القيم [٢٠] ، والمازري [٢١] ، والشاطبي [٢٢] . * الأدلة: أدلة القول الأول: ١- أن القياس المنطقي ومنه هذان القسمان آلة قانونية، تعصم مراعاتُها الذهن أن يزل في فكره [٢٣] ، بمثابة علم الحساب والهندسة ونحوه.. مما لا يُعلم بها صحة الإسلام ولا فساده، ولا ثبوته ولا انتفاؤه.. فلا مانع من استعمالها والحالة هذه [٢٤] . ٢- أن صحة النظم أو الأسلوب العربي في ترتيب مقدمات الحكم الشرعي المؤدي إلى صحة الحكم الشرعي إنما تكون ممن يُجيد اللغة العربية، أما وقد أصبح أكثر المتأخرين لا يجيدونها، فالأَوْلى إلزامهم بهذه الأقيسة المنطقية. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة، أهمها: ١- أن استعمال (علم المنطق) بما فيه هذه الأقيسة المنطقية في المباحث الشرعية، والاشتغال به، بدعة محدثة في الدين؛ وذلك لأنه علم مستحدث في الأمة الإسلامية، لم يشتغل به السلف الصالح، وإنما ظهر في القرن الثاني الهجري أثناء حركة الترجمة [٢٥] . يعبر عن هذا الإمام ابن الصلاح ﵀ بقوله: (وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشرّ شرّ، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة، والتابعين، والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يُقتدى به من أعلام الأمة وساداتها) [٢٦] . وقال أيضاً: (وليس بالأحكام الشرعية والحمد لله افتقار إلى المنطق أصلاً، وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان [٢٧] فقعاقع [٢٨] ، قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن، لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماؤها حيث لا منطق، ولا فلسفة، ولا فلاسفة) [٢٩] . ولأن الاشتغال بهذا العلم يؤدي بصاحبه إلى الاضطراب في دينه فيجعله يكذب بالحق أو يعاند.. مما يؤول به إلى الكفر والزندقة [٣٠] بعد ذلك. ٢- أن في استعمال الأساليب، والعبارات، والتركيبات العربية.. غُنْيَة عن استعمال الأقيسة المنطقية الواردة بلسان أهل (يونان) ، بل إن استعمال هذه الأخيرة مدعاة للاضطراب والخطأ والاختلاف. وهذه بعض نصوص أهل العلم في هذا المعنى: أ- يقول الإمام الشافعي ﵀ : (ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطوطاليس..) [٣١] . ومراده ﵀ ب (لسان العرب) هو: (مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والمخاطبة والاحتجاج والاستدلال) [٣٢] ، وهو اللسان الذي جرت عليه نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية [٣٣] . وكأن الإمام الشافعي ﵀ يريد أن يقول: (إن اللسان العربي المبين متى استقامت به ألسنة الناس، وعرفوا طرق دلالة الألفاظ على معانيها، وأدركوا أسرار اللغة العربية، فإن هذا كله يغني عن دراسة المنطق) [٣٤] . ب- يقول الإمام ابن قتيبة ﵀ : (ولو أن مؤلف (حد المنطق) [٣٥] بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو، لعد نفسه من البكم، أو يسمع كلام رسول الله وصحابته ﵃ لأيقن أن للعرب الحكمة وفصل الخطاب..) [٣٦] . ج- ويقول الإمام الشاطبي ﵀ : (المسألة السادسة: فنقول: لَمّا انبنى الدليل على مقدمتين: إحداهما تحقق المناط، والأخرى تحكم عليه ... ) (واعلم أن المراد بالمقدمتين ههنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفق الأشكال المعروفة، ولا على اعتبار التناقض والعكس وغير ذلك، وإن جرى الأمرعلى وفقها في الحقيقة، فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح؛ لأن المراد تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون، وعلى وفق ما جاء في الشريعة، وأقرب الأشكال إلى هذا التقرير: ما كان بديهياً في الإنتاج، أو ما أشبهه من اقتراني أو استثنائي، إلا أن المتحري فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها، ومعهود كلامها؛ إذ هو أقرب إلى حصول المطلوب على أقرب ما يكون..) [٣٧] . ٣- أنه قد تبين بالنظر في القياس المنطقي فساده، وبالتالي: فساد ما يترتب عليه. كما تبين بالاستقراء والتتبع: عدم تحصيل أي فائدة منه؛ وذلك لعدم التفات أهل العلوم والصناعات إليه، سواء من المسلمين أو غيرهم، بل من أهله أحياناً. وسيأتي تفصيل هذا الدليل في الرد على الدليل الأول للقائلين بالجواز [٣٨] . * مناقشة الأدلة: أ- مناقشة أدلة القول الأول: ١- مناقشة الدليل الأول: لا يسلم أصحاب القول الثاني (وهم القائلون بعدم الجواز) بكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره. وكلامهم في الرد على هذه الدعوى منصب على جهتين، هما: جهة كون المنطق بما فيه القياس المنطقي فاسداً في نفسه. والجهة الثانية: على التسليم بصحته أو بصحة بعض الأقيسة المنطقية، فإنه لا فائدة منه، وإليك بيان هاتين الجهتين: الجهة الأولى: كون القياس المنطقي فاسداً في نفسه: أظهر جملة من العلماء المسلمين ومن غير المسلمين في القديم والحديث فساد القياس المنطقي، بعد ما نظروا فيه نظرة علمية فاحصة. وإليك نصوص بعض علماء الإسلام في فساد القياس المنطقي: أ- قال ابن قتيبة ﵀ لمن يحاول الانتفاع بهذه المصطلحات المنطقية: (فإذا ما حاول الانتفاع بها؛ وذلك باستعمالها في كلامه، لم تكن إلا وبالاً على لفظه، وقيداً للسانه، وعيّاً في المحافل، وعقلة عند المتناظرين) [٣٩] . ... ب- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (والكلام في المنطق إنما وقع لمّا زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره، فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة، هل هي كما قالوا، أو ليس الأمر كذلك؟) [٤٠] . ومن كلامه في إبطال هذه الدعوى: قوله: (الواقع قديماً وحديثاً أنك لا تجد من يُلزم نفسه أن ينظر في علومه به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة، كثير العجز عن تحقيق علم وبيانه) [٤١] . وقوله أيضاً: (الذي وجدناه بالاستقراء: أن الخائضين في العلوم من أهل هذه الصناعة أكثر الناس شكّاً واضطراباً، وأقلهم علماً وتحقيقاً، وأبعدهم عن تحقيق علم موزون. وإن كان فيهم من قد يحقق شيئاً من العلم: فذلك لصحة المادة والأدلة التي ينظر فيها، وصحة ذهنه وإدراكه، لا لأجل المنطق) [٤٢] . بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من أهل المنطق الحُذّاق منهم خاصة من لا يلتزمونه في كلّ علومهم، فقال: (.. ونفس الحُذّاق منهم لا يلتزمون قوانينه في كلّ علومهم، بل يعرضون عنها؛ إما لطولها، وإما لعدم فائدتها، وإما لفسادها، وإما لعدم تميّزها، وما فيها من الإجمال والاشتباه) [٤٣] . كما استشهد ﵀ في هذا المقام برجوع الكثيرين ممن اشتغلوا به، وقضوا أغلب أعمارهم في اعتماده، بل ممن أوجبوا تعلمه وحكموا على من يجهله بعدم الوثوق في علمه عن استعماله والاشتغال به، بعد أن اعترفوا بفساده، وما يؤدي إليه من الخطأ والضلال.. فقال ﵀ عن أبي حامد الغزالي (رحمه الله) : (وبيّن في آخر كتبه أن طريقهم [٤٤] فاسدة لا توصل إلى يقين، وذمّها أكثر مما ذم طريقة المتكلمين.. فهو في آخر أمره يبالغ في ذمهم، ويُبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريقة المتكلمين، ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم) [٤٥] . كما نقل ﵀ عن الفخر الرازي ﵀ قوله: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن.. ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) [٤٦] . ج- وقال ابن القيم ﵀ : (وأما المنطق: فلو كان علماً صحيحاً؛ كان غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوها، فكيف وباطله أضعاف حقّه! وفساده، وتناقض أصوله، واختلاف مبانيه: توجب مراعاتها للذهن أن يزيغ في فكره! ولا يؤمن بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح) [٤٧] . وقال في موضع آخر: (وأخبر بعض من كان قد قرأه، وعني به، أنه لم يزل متعجباً في فساد أصوله وقواعده ومباينته لصريح المعقول، وتضمنها لدعاوٍ محضة غير مدلولٍ عليها! وتفريقه بين متساويين، وجمعه بين مختلفين؛ فيحكم على الشيء بحكم، وعلى نظيره بضدّ ذلك الحكم! أو يحكم على الشيء بحكم، ثم يحكم على مضاده أو مناقضه به) [٤٨] . وقوله أيضاً: (وقد زعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعاني، كما أن العروض ميزان الشعر. وقد بيّن نظار الإسلام فساد هذا الميزان وعوجه وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان، وصنّفوا في رده وتهافته كثيراً..) [٤٩] . وقوله ﵀ : (وما دَخَل المنطق على علم إلا أفسده، وغيّر أوضاعه، وشوش قواعده) [٥٠] . الجهة الثانية: عدم الفائدة منه: على التسليم بصحة المنطق بما فيه الأقيسة المنطقية وما يترتب عليه: فإنّ العلماء ذكروا أنه لا فائدة منه، وأنه يمكن الاستغناء عنه، ومن ذلك قولهم: أ- قال ابن الصلاح ﵀ : (.. ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماؤها؛ حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة) [٥١] . ب- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (لا تجد أحداً من أهل الأرض حقق من العلوم، وصار إماماً فيه مستعيناً بصناعة المنطق؛ لا من العلوم الدينية ولا غيرها. فالأطباء والحُسّاب والكُتاب ونحوهم يُحققون ما يُحقّقون من علومهم وصناعتهم بغير صناعة المنطق. وقد صُنّف في الإسلام علوم النحو، واللغة، والعروض، والفقه، وأصوله، والكلام.. وغير ذلك، وليس في أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق، بل عامتهم كانوا قبل أن يُعرّب هذا المنطق اليوناني. وأما العلوم الموروثة عن الأنبياء صرفاً وإن كان الفقه وأصوله متصلاً بذلك فهي أجلّ وأعظم من أن يُظن لأهلها التفاتاً إلى المنطق؛ إذ ليس في القرون الثلاثة من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، وأفضلها القرون الثلاثة من كان يلتفت إلى المنطق أو يعرّج عليه، مع أنهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يدرك أحد شأوها، كانوا أعمق الناس علماً، وأقلهم تكلّفاً، وأبرهم قلوباً، ولا يوجد لغيرهم كلام فيما تكلموا فيه إلا وجدت بين الكلامين من الفرق أعظم ما بين القَدَم والمِفْرَق [٥٢] , [٥٣] . وقال ﵀ : (أما بعد، فإني كنتُ دائماً أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد) [٥٤] .. وقال أيضاً: (ومعلوم أن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، عرفوا ما يجب عليهم، وكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يُعرف منطق اليونان..) [٥٥] . وقال أيضاً ﵀ : (.. ونفس الحذّاق منهم [٥٦] لا يلتزمون قوانينه في كلّ علومهم، بل يعرضون عنها؛ إما لطولها، وإما لعدم فائدتها..) [٥٧] . د- وقال ابن القيم ﵀ : (وهذا الشافعي، وأحمد، وسائر أئمة الإسلام وتصانيفهم، وسائر أئمة العربية وتصانيفهم، وأئمة التفسير وتصانيفهم، لمن نظر فيها، هل راعوا فيها حدود المنطق وأوضاعه؟ ولو صح، لهم علمهم بدونه أم لا؟ بل هم كانوا أجلّ قدراً، وأعظم عقولاً من أن يشغلوا أفكارهم بهذيان المنطقيين) [٥٨] . ٢- مناقشة الدليل الثاني: يمكن مناقشة هذا الدليل بالقول: إنه يُشترط في المستنبِط أن يكون عارفاً بقدر من اللغة العربية [٥٩] يمكنه من النظر في الأدلة الشرعية، ولا شك أن من توفر لديه هذا القدر من علوم اللغة العربية فإنه يعتبر مجيداً للغة العربية، وبالتالي: فهو قادر على استعمال الأساليب والتركيبات اللغوية الصحيحة التي يراها مناسبة لترتيب مقدمات الحكم الشرعي. ٣- مناقشة الدليل الثالث: يمكن مناقشة هذا الدليل بالقول: إن اعتبار المنطق كالحساب والهندسة ونحوها مما لا يُعلم به صحة الإسلام ولا فساده ولا ثبوته ولا انتفاؤه، غير مسلّم؛ إذ التحقيق أنه مشتمل على أمور فاسدة، ودعاوى باطلة كثيرة [٦٠] .

стр. 2025

دراسات تربوية قرآنية لا تحسبوه شراً لكم (٢) بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل في الحلقة الماضية: أوضح الكاتب أهمية فهم قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] ، وبيّن ارتباط هذا الفهم بسنن الله (سبحانه) في التغيير، ثم نوّه بأهمية هذا الموضوع، فكان مما تناوله: علاقة هذه السنة بالعقيدة، ودورها في علاج اليأس والإحباط، والرضى بقضاء الله ... وفي هذه الحلقة يوضح الكاتب هذه السنة. - البيان - من ثمرات هذه السنة: إن لتَفَهّم هذه السنة الكريمة وتذكرها دائماً أثراً كبيراً في القلب، يظهر جليّاً في المواقف، وبالذات في مواقف الشدة والبلاء؛ فكان لزاماً على المسلم، وبخاصة الداعية المجاهد، ألا يغفل عن هذه الثمرات المنبثقة من قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] ، وثمار الإيمان بهذه السنة واليقين بها كثيرة، أذكر منها ما يلي: ١- حقيق العبودية لله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا: إن الله لم يعرفنا على أسمائه وصفاته لنحفظها ونعدها فقط، وإنما المقصود الأسنى من معرفة أسمائه وصفاته: أن ندعوه بها، وأن نتعبد له (سبحانه) بها؛ قال الله (تعالى) : [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] [الأعراف: ١٨٠] إن في كل اسم من أسمائه (سبحانه) عبودية على العبد، يجب أن تظهر آثارها في القلب، وعلى الجوارح، وفي المواقف. فمن الأسماء الحسنى التي يتعبد لله بها من خلال معرفة هذه السنة: الحكيم، العليم، البر، الرحيم، الودود، اللطيف.. وغيرها. فعندما يؤمن العبد المسلم بهذه الأسماء فإنها تثمر الإيمان بحكمة الله في كل أحكامه الكونية والشرعية، وتضفي على القلب الأنس، وإحسان الظن بالله ، والرضا بقضائه، وأنه بر رحيم، لا يريد بعباده إلا الخير والتيسير والرحمة، وأن من لطفه (سبحانه) أن يأتي بالخير لعبده المؤمن من حيث يظن أنه شر ومكروه، وهذا من معاني اسمه سبحانه (اللطيف) . يقول الشيخ السعدي ﵀ : (ومن معاني اللطيف: أنّه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر من حيث لا يحتسب، ويرقّيه إلى أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من العبد على بال، حتى إنّه يذيقه المكاره، ليوصله إلى المحاب الجليلة، والمطالب النبيلة) [١] . إن اليقين بلطف الله (تعالى) ينفي الشعور باليأس والقنوط من مجيء فرج الله ونصره، وينشيء مكانه الأمل والثقة بوعد الله ونصره، كما أنه ينشيء في القلب الافتقار إلى الله وتفويض الأمور إليه، وسؤاله دائماً حُسْنَ العاقبة والاختيار. وبقيت كلمة أخيرة في هذه الثمرة أنصح بها نفسي وإخواني طلاب العلم؛ وذلك بأن نحرص أشد الحرص ونحن ندْرس أو نُدَرّس أبواب التوحيد المختلفة على ألا نكتفي بالدراسة العلمية الذهنية المجردة فقط، وإنما نسعى جاهدين في ربطها بأعمال القلوب، وما تثمره فيها من أنواع العبوديات المختلفة التي يجب أن يظهر أثرها في المواقف والسلوك وجميع التصرفات، والله المستعان. ٢- الصبر على البلايا والمصائب وقوة الاحتمال: وهذه الثمرة لها علاقة بما قبلها؛ فعندما يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته ويتعبده بها، فإنها تثمر في القلب ثباتاً، ورباطة جأش، وصبراً أمام الابتلاءات والمصائب؛ فلا يضعف ولايخور وهو يعلم أن ربه الرحيم الحكيم، اللطيف الخبير، الودود الغفور: هو الذي قدرها عليه، وأنه لم يقدرها ليعذبه ويشقيه، ولكن ليرحمه ويرده إليه.. عند ذلك يفوض أمره إلى ربه، ويرضى بما يختار له مولاه (سبحانه) ، ويعلم أنه هو الذي يمده بالقوة والعزيمة، والصبر وحسن العاقبة. إن هذا الشعور يملأ القلب قوة وصبراً واحتمالاً أمام الشدائد؛ لقوة الرجاء في الله (عز وجل) ، واليقين بفرجه ونصره، واليقين بحسن العاقبة من الله فيما أعده للصابرين؛ قال (تعالى) : [إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ كَمَا تَاًلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] [النساء: ١٠٤] . وإن مما يقوي الصبر على الشدائد يقين العبد أن ما أصابه إما أن يكون تكفيراً لذنوبه، أو سبباً لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه. فإذا أيقن العبد المبتلى أن العاقبة الحميدة من النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة لا يوصل إليهما إلا على جسر التعب والمشقة: فإنه بذلك يقوى صبره، واحتماله، وبذله وتضحيته في سبيل الله ، مع تفقد النفس من الذنوب، وتنقية الصف من المنافقين، فذلك من أسباب النصر. ٣- سعادة القلب وطمأنينته وسكينته: عندما يعلم العبد المؤمن أن كل ما يقضيه الله هو عين الحكمة والرحمة، والخير، سواء في العاجل أو الآجل، فإن هذه المعرفة تضفي على القلب شعوراً بالأنس والسعادة والطمأنينة والسكينة، مهما اشتدت المصائب، وتوالت المحن؛ وبذلك يسلم صاحب هذا القلب من تلك الأمراض والوساوس التي تفتك بكثير من الناس الذين حرموا مثل هذه المعرفة العظيمة بربهم، نعم سوف لا يخيم على نفسه ما يخيم على النفوس اليائسة، من الشعور بالقلق والاكتئاب وانكساف البال، تلك الأشياء التي تجر وراءها من مصائب الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا الله . وسوف يريحه هذا الشعور من الأفكار المتعبة التي تنشأ من كثرة الاختيارات والترددات، التي هي منشأ القلق والهم والغم. إن التسخط وعدم الرضى بما قضاه الله باب إلى الهم، والغم، والحزن، وشتات القلب، وسوء الحال، والظن بالله ظن السوء، ولا يدفع ذلك كله إلا معرفة الرب بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، والتعبد له (سبحانه) بها، والعمل بمقتضاها، والذي يولد في النفس الرضى بما يختاره الله ، وأنه أرحم بعبده من نفسه [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [آل عمران: ٦٦] . ٤- سلامة القلب: عندما يمتلئ القلب بتوحيد الله ومعرفته (سبحانه) بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ويمتلئ باليقين بوعده، والثقة بحكمته، وانتظار رحمته؛ فإن كل ذلك يضفي على القلب صفاءً ونوراً وطهارة تُسل بها من القلب أمراض كثيرة؛ فيصبح القلب بعدها سليماً صحيحاً، وينعم به صاحبه في الدنيا والآخرة؛ قال (تعالى) في وصف إمام الحنفاء ﵊ : [إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] [الصافات: ٨٤] وقال (تعالى) حكاية لدعاء إبراهيم ﵊ : [وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] [الشعراء: ٨٧ ٨٩] . ومن أهم مظاهر سلامة القلب التي تحصل بهذه المعرفة ما يلي: أ- السلامة من أمراض الحقد والحسد والشحناء: وذلك لأن الذي يوقن بحكمة الله ورحمته في كل ما يقضيه من أقضية كونية وشرعية: يعلم علم اليقين أن لله الحكمة البالغة في إعطاء من يشاء، ومنع من يشاء، وإعزاز من يشاء، وإذلال من يشاء. وهذا العلم لابد أن يثمر الرضى بما يقدره الله ويقضيه على الناس؛ وبذلك تزول الشحناء والأحقاد المتولدة عن الحسد المتولد أصلاً من معارضة أقدار الله والتسخط لها. ب- لسلامة من أمراض الخوف والطمع: إن المؤمن الراضي بربه والموقن بحكمته وبره ولطفه لا تجده إلا قانعاً بما آتاه الله ، مطمئناً إلى اختيار الله (سبحانه) له؛ لأنه أعلم بما يصلح للعبد من نفسه، وهذه الثمرة تقضي على هذا الداء الخطير (داء الطمع والحرص والتهالك على الدنيا وزينتها) ؛ لأن القلب الراضي المفوض أمره إلى الله قد امتلأ غنى وقناعة ومحبة وتوكلاً على الله (سبحانه) ؛ فحري بقلب هذه صفته ألا يكون فيه محل لمحبة غير الله، وهذه الثمرة يتولد عنها ثمار طيبة، منها: عدم الأسى على ما فات، وعدم الفرح بما هو آت؛ قال (تعالى) : [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَاًسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] [الحديد: ٢٢، ٢٣] ، والعبد المؤمن لا يدري أين يكون الخير، أهو في الفائت أم الآتي؟ ولكن الله وحده هو الذي يعلم، وهو علام الغيوب. كما أنها تثمر أيضاً: الزهد في الدنيا، والحذر منها، فكم فرح بالدنيا أناس فكانت سبب هلاكهم وشقوتهم؛ قال (تعالى) : [وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ] [الشورى: ٢٧] . وكيف يسكن الخوف والهلع في قلب من اطمأن إلى حكم ربه، وأحسن الظن به، وفوض أموره إليه. إن الخوف والهلع سواءً أكان على الرزق أو الأجل لا يكونان إلا عند من لم يعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أما لو عرف ربه ، وأنه رحيم ودود، وأنّه حكيم عليم، وأنه لطيف خبير.. معرفة حقيقية يتعبد لربه بها: فإن الاطمئنان والسكينة تعمران القلب، وتنفيان كل دواعي الخوف والوجل من المخاليق الضعفاء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً فضلاً عن أن يملكوا شيئاً من ذلك لغيرهم. ويبقى صاحب هذا القلب مطمئناً إلى حسن اختيار الله له، يستشرف رحمة ربه وخيره في كل ما يقضيه الله عليه؛ ولو ظهر في هذا المقضي من الشر والألم ما ظهر، فمن يدري؟ ! فلعل في طيات المحنة منحة ونعمة. ج- السلامة من أمراض الكبر والخيلاء: إن القلب لا يصدق عليه أن يوصف بكونه سليماً صحيحاً حتى ينضم إلى ما ذكر سابقاً سلامته من أمراض الكبر والفخر والخيلاء؛ فإن العبد المؤمن متى ما عرف ربه وتعبد له بأسمائه وصفاته فإن المسكنة والمحبة لله سوف تملأ القلب؛ وينتج عن ذلك: التواضع للحق وإيثاره، والتواضع للخلق، وعدم غمطهم وظلمهم، بل لا ترى مَن هذه صفته إلا محبّاً للخير والإحسان للناس، ولا تراه إلا محقراً لنفسه، منشغلاً بعيوبها عن عيوب الناس؛ لأنه يشهد حكمة الله في ابتلائه لعبده بالخير والشر. ولأن أسباب الكبر والتعالي على الناس لا تخرج عن كونها اغتراراً بنعمة دينية أو دنيوية، وأنه إذا أيقن العبد المؤمن أن هذه النعم إنما أعطاها الله لعبده ليبلوه أيشكر أم يكفر؛ فإن الخوف على النفس من هذا الابتلاء سيشغله عن التعالي على الناس، أو الفخر عليهم، وكيف يكون ذلك وهو لا يدري أين يكمن الخير أو الشر؟ ! ولعل هذه النعمة التي يفتخر بها فتنة له ومتاع إلى حين، أو أن الذي يفخر عليه ممن هو دونه يكون في خير ورحمة مفتوحة من الله عليه، والناس يحسبون أنه في ضيق وشر! . ٥- محاسبة النفوس والانتباه إلى خطر المعاصي وشؤمها على الفرد والمجتمع: إن من ثمار هذه السنة الكريمة أن ينتبه العبد المؤمن إلى نفسه ويحاسبها على تفريطها وذنوبها. وهذا بعض الخير الذي يجعله الله فيما يراه الناس شرّاً ومصيبة؛ حيث إن المصائب والشرور المقدرة على العبد المؤمن غالباً ما تكون تكفيراً للذنوب، وإيقاظاً له من الغفلة، ومجالاً لتطهير النفس من أدران المعاصي والسيئات. ومتى ما حصلت هذه الثمرة العظيمة في القلب فإن المصيبة والنقمة تصبح في حقيقة الأمر خيراً ونعمة لصاحبها؛ وصدق الله العظيم: [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] . أما إذا حصل العكس من ذلك والعياذ بالله وذلك بأن كانت المصيبة سبباً في مزيد من الغفلة أو التسخط على أقدار الله (تعالى) ؛ فإن المصيبة والحالة هذه لا تعتبر خيراً لمن وقعت عليه، لكنها قد تكون خيراً لغيره عندما يحصل الاتعاظ والعبرة بحال من وقعت له المصيبة. ٦- التعرف على سنن الله في التغيير، والسير على هداها: إن إدراك معاني أسماء الله وآثارها ومقتضياتها يفتح في قلب المؤمن منافذ عديدة على سننه التي لا تتبدل ولا تتحول، وبخاصة إدراك آثار حكمة الله ورحمته ولطفه وإحسانه، ولقد مرّ بنا كيف أن فقه قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] يطبع في القلب شعوراً برحمة الله وخيره وبره، وأن كل ما يقضيه هو عين الخير والمصلحة والحكمة، وهذا الشعور يؤدي بدوره إلى فتح القلب والفكر على سنن الله التي تنبثق من هذه المعرفة، وعندما تحصل هذه المعرفة لسنن الله (عز وجل) في التغيير: فإن الفكر البشري ينضبط ويستقيم ولا تتقاذفه الثقافات المادية ذات اليمين وذات الشمال، وبذلك يسلم من التفسيرات المادية للأحداث، والتي تربط كل المتغيرات بأسباب مادية بحتة؛ كتلك التي تربط النصر والهزيمة بأسباب مادية، أو تلك التي تفسر العقوبات الربانية كالزلازل والأعاصير بكونها ظواهر فلكية بحتة، متجاهلين قدر الله وحكمته. كما أن هذه المعرفة تثمر أيضاً: معرفة الموازين المنضبطة الثابتة التي توزن بها الأمور والأحوال والأشياء، وحُقّ لها أن تكون بهذه المثابة؛ لأنها من عند الله الحكيم، العليم، الرحيم، الودود، الذي يعلم ما كان وما سيكون، والذي له الكمال المطلق، وهو الغني الحميد. وهو (سبحانه) يقول الحق، ويقصّ على عبيده رحمة منه وفضلاً جانباً من أسرار سنته وقدره ليأخذ الناس حذرهم وليعتبروا ويتعظوا، وليدركوا الرحمة والخير والحكمة الكامنة وراء هذه السنن الربانية والموازين الإلهية، والتي بدورها تؤدي إلى معرفة المنهج الصحيح للتغيير، كما تؤدي إلى المنهج الصحيح لتقويم الأمور ووزنها بالميزان الحق. ولقد مر بنا في الثمرات السابقة بعض السنن الربانية التي يهتدي إليها القلب العامر بمعرفة الله وتوحيده، ولكن نخص هنا بعض السنن بشيء من التفصيل، وذلك فيما يلي: أ- العاقبة للمتقين: إن وعد الله لا يتخلف، وكلمته لا تتبدل، ولقد قال وقوله الحق: [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ (١٧١) إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ (١٧٢) وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] [الصافات: ١٧١- ١٧٣] هذا وعد الله (سبحانه) ، ولو تأخر وأبطأ على عباده فإن من وراء ذلك التأخير حكمة وخير. ب- ويتعلق بهذه السنة سنة أخرى في معناها، وهي قوله (تعالى) : [وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] [النساء: ١٤١] يقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) في معنى الآية: (قيل: بالحجة والبرهان، فإن حجتهم داحضة عند ربهم، وقيل: هذا في الآخرة وأما في الدنيا فقد يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى، وقيل: لا يجعل لهم عليهم سبيلاً مستقرة، بل وإن نصروا عليهم في وقت فإن الدائرة تكون عليهم، ويستقر النصر لأتباع الرسول. وقيل: بل الآية على ظاهرها وعمومها، لا إشكال فيها بحمد الله؛ فإن الله (سبحانه) ضمن أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، فحيث كانت لهم سبيلٌ ما عليهم فهم الذين جعلوها بتسببهم ترك بعض ما أقروا به، أو ارتكاب بعض ما نُهوا عنه؛ فهم جعلوا لهم السبيل عليهم بخروجهم عن طاعة الله ورسوله فيما أوجب تسلط عدوهم عليهم في هذه الثغرة التي أدخلوها، كما أخلى الصحابة يوم أُحد الثغرة التي أمرهم رسول الله بلزومها وحفظها؛ فوجد العدو منها طريقاً إليهم، فدخلوا منها) [٢] . والحاصل مما سبق: أن معرفة السنة السابقة لا تفهم حق الفهم إلا بمعرفة الله وتوحيده؛ فإنه (سبحانه) لا يريد بعباده إلا الخير والرحمة، ولو تسلط الأعداء في وقت ما فإن عاقبة هذا التسلط هي الخير والتمكين؛ وذلك أن المؤمنين عندما يتسلط عليهم أعداؤهم وينالونهم بالأذى يدركون من واقع قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] أن ما أصابهم إنما هو بذنوبهم؛ فيكون الخير في تسلط الأعداء هو تغيير ما بالنفوس من خلل، وإحداث التوبة والاستغفار، وترك ما أوجب حلول المصيبة، وهذا خير في حد ذاته لم يكن ليظهر لو استمر النصر والتمكين مع وجود المعاصي، وضعف الإيمان؛ لأنه والحالة هذه يستمر الفساد بدون إصلاح. وهذا هو معنى السنة الثابتة التي لا تتغير، ألا وهي قوله (تعالى) : ج-[إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] . ومثلها قوله (تعالى) : [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [الأعراف: ٩٦] . والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّاً. د- قوله (تعالى) : [وَلا يَحْسَبَنَّ الَذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ] [آل عمران: ١٧٨] . هذه الآية ترسم ميزاناً قويماً ثابتاً في أن إغداق النعم على العبد ليس علامة على كرامة الله له ومحبته إياه، ولا يدل على أنه في خير وسعادة، بل الغالب أن وراء الإملاء والنعم شرّاً وعذاباً، وفي هذا الميزان توجيه للناس إلى حقيقة الابتلاء بالخير والشر، وألا تكون موازينهم في السعادة والتعاسة هي النظر إلى كثرة النعم أو قلتها؛ فكم كان الرخاء سبباً للعذاب دنياً وأخرى، وكم من أناس صالحين حرموا في هذه الدنيا من نعمة المال والأولاد، ولكنهم في خير وسعادة دنياً وأخرى. وهذه المعاني العظيمة لا يمكن إدراكها إلا في ضوء التوحيد وأنواره، وصدق الله العظيم: [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً، أذكر منها قوله (تعالى) : [فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ] [التوبة: ٥٥] . ٧- التؤدة والأناة وعدم الاستعجال: وهذه هي الثمرة السابعة من ثمار قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] فإذا كان العبد لا يعلم أين يكون الخير والشر فيما يقضيه الله (سبحانه) إلا في ضوء ما أعلمه الله عباده من السنن والثواب، فإنه والحالة هذه لا ينبغي له أن يتعجل الأمور أو يحلل المواقف والأحداث قبل دراستها والبحث في جوانبها، متجرداً في ذلك لله ، مهتدياً بالموازين والسنن الثابتة التي ذكرها الله (سبحانه) في كتابه، وعلى لسان رسوله، وإذا وُفّق العبد إلى هذا الفضل: فإنه في الغالب يصدر عن الحق، وينطق بالحق، وتنشأ عنده صفتا (الحلم) و (الأناة) اللتان يحبهما الله .. وكم رأينا من أناس تعجلوا أمورهم قبل أوانها فكانت نتيجتها وبالاً وشرّاً، وكم سئم أناس من نعمة أنعم الله بها عليهم فتقالّوها وملّوها وأرادوا غيرها، فلما جاءهم ما أرادوه وتعجلوه أصابهم منه ضررٌ ونكدٌ وندمٌ. ومن صور الاستعجال التي يمكن معالجتها بهذه السنة: ما نراه من تعجل بعض الطيبين من الغيورين على هذا الدين في قطف ثمرة جهدهم، وتعريض أنفسهم للابتلاء، وتمنيهم لمواجهة الأعداء ... وينسون أو يغفلون عن قوله: (لا تمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا) [٣] . لأن المرء لا يدري ما تؤول إليه الحال عند مواجهة العدو، ومشاهدة الأهوال. وقد يتمنى العبد حالة معينة ويستعجلها بتصرفه الجاهل بعواقب الأمور، ولكن الله برحمته يحول بينه وبين هذا الأمر لما يعلمه (سبحانه) من الشر والفتنة على عبده من هذا الأمر؛ فكم من أناس استعجلوا البلاء قبل أوانه، فلما أصبحوا تحت وطأته: ضعفوا وانتكسوا والعياذ بالله فحريّ بالمسلم أن يسأل ربه الدلالة على ما فيه الخير والصلاح، وعلى ما فيه مرضاته ورحمته. مما سبق يتبين لنا فضل التؤدة والأناة، وأنها من ثمرة العلم بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته، وأنه يقدر الوقت المناسب لنصر أوليائه بعد أن يكونوا قد أخذوا بأسباب النصر وأعدوا عدته، وأنه (سبحانه) هو العليم الحكيم والبر الرحيم بعباده، فلا يؤخر عنهم شيئاً، ولا يقضي عليهم أمراً إلا وفيه الخير والرحمة، ولكن العبد القاصر والجاهل بعواقب الأمور يستعجل أمر ربه الرحيم. وصدق الله العظيم في وصفه للإنسان: [خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ] [الأنبياء: ٣٧] فطبيعته العجل والتسرع، إلا مَن منّ الله عليه بتوحيده ومحبته والتسليم له، مع فعله للأسباب الممكنة، فإنه يسلم من الأفكار المتعبة، والاندفاعات المتهورة، لأنه يفقه قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم] وصدق الرسول: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [٤] .

стр. 2026

خواطر في الدعوة تربية قرآنية (٢) محمد العبدة ليس أضر على الإنسان من (التقليد) الذي هو الاتباع دون بصيرة أو رويّة، وكأن الإنسان في هذه الحالة يميل للكسل الفكري حتى لا يتعب نفسه في التجديد والتأكد من صحة السير. ومن الأمور البالغة الأهمية التي تحتاج للتأمل الدائم والمراجعة والتفكير للوصول إلى أحسن الطرق والنتائج: موضوع التربية من خلال منهج يصاغ فيه الإنسان، فإذا كان المنهج سليماً صحيحاً، وطريقة عرضه وتربية الناس من خلاله صحيحة متحددة تخدم أغراضه: نجحت العملية التربوية. فإذا أخذنا مناهج التعليم في المدارس المعاصرة، فإننا نجد المادة العلمية واحدة، ولكن بعض طرق التدريس قد عفا عليها الزمن وغادرها الناس إلى الأفضل، بل إن كثيراً من المواد في مدارسنا اليوم وكأنها تُعلّم لكي تُنسى، فلا يُستفاد منها عندما يخرج الطالب إلى معترك الحياة. فإذا انتقلنا إلى طرق التثقيف والتربية التي تُمارس لإخراج جيل مسلم: وجدنا أنفسنا في الموقع نفسه، فالمسلمون يملكون منهجاً ربانيّاً، ولكن قد يأتي الخلل من طريقة عرض هذا المنهج وتربية الناس به. لم تكن طريقة القرآن في تربية الصحابة أن ينزل عليهم آيات في موضوع واحد، ويقال لهم: أقرؤا هذه الآيات واحفظوها وافهموها، بل كانت الآيات تتنزل وهي تتحدث عن: صفات الله وأسمائه الحسنى، وعن عظمة خلقه والكون المسخر للإنسان، ودعوة إلى توحيد العبادة، وفي الوقت نفسه تتحدث عن: الحلال والحرام، وعن الجهاد، وقصص الأنبياء، ومصائر الأمم، ولا ينفصل التذكير بالآخرة وتقوى الله عن الشرائع والأوامر، كانت الآيات تخاطب النفس الإنسانية بمجموعها، لا تخاطب الذاكرة وحدها أو العاطفة؛ اقرأ قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ... ] [المدثر: ١- ٥] ، كيف جمع بين التوحيد والأخلاق والبلاغ، واقرأ قوله (تعالى) في سورة الإسراء: [لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً (٢٢) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً] [الإسراء: ٢٢، ٢٣] إلى آخر الآيات التي تتحدث بعد ذلك عن الإنفاق في سبيل الله، والنهي عن التبذير وأكل أموال الناس بالباطل..، وتأمل في مستهل سورة (المؤمنون) كيف تحدثت الآيات عن العبادات، ثم عن الخلق والبعث، ثم عن نعم الله على خلقه، ثم عن قصة نوح ﵇ .. إن هذه الطريقة في المزج بين الموضوعات، وإن كانت من معجزات القرآن، إلا إنها طريقة تربوية أيضاً، وعندما يُدرس الفقه منفصلاً عن الوعظ والتذكير بالآخرة: فسيخرج فقهاء قساة القلوب، والسيرة النبوية يجب ألا تُدرس وكأنها تاريخ، ولا العبادات وكأنها تكاليف. وإذا كان تقسيم العلوم لابد، وقد جرى على ذلك العلماء، ولكن الارتباط بين هذه العلوم كان واضحاً عند علماء السلف، والصلة بالقرآن ومواعظه وقوارعه موجودة.. وفي حياتنا المعاصرة: لابد من ربط هذه العلوم بالواقع، واستلهام القرآن في مزجها والربط فيما بينها، هذه الطريقة التي زكت نفوس الصحابة؛ فكان أحدهم يقوم الليل بآية واحدة يكررها متدبراً لها، وذكر عن جبير بن مطعم أنه قال: (سمعت النبي يقرأ في المغرب ب (الطور) فلما بلغ هذه الآية [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ] [الطور: ٣٥] كاد قلبي أن يطير) . وقد قال (تعالى) عن القرآن إنه: [هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] [البقرة: ٢] .

стр. 2027

دراسات اقتصادية وقفات متأنية مع عمليات التمويل في البنوك الإسلامية (٢) د.محمد بن عبد الله الشباني يتم استخدام بيع المرابحة أو ما يطلق عليه بعض الفقهاء المعاصرين (بيع المرابحة للآمر بالشراء) على نطاق واسع في تمويل احتياجات الأفراد والمؤسسات التجارية، فعقد المرابحة يمثل أكثر الوسائل استخداماً في استثمار الأموال المتاحة لدى البنوك الإسلامية. لقد أُثيرت شبهات كثيرة حول أسلوب وطريقة استخدام هذا النوع من البيوع الذي استُخدم من قِبَل البنوك الإسلامية كوسيلة لتوفير التمويل قصير الأجل وطويل الأجل، وأن ما يتم ما هو إلا حيلة لاستحلال الربا باسم (بيع المرابحة) . إن أهمية هذا الأسلوب من وسائل التمويل المستخدمة من قبل البنوك الإسلامية تعود إلى أنه أكثر الأساليب استخداماً من ناحية، وإلى ما يثار حوله من شبهات، مما يستدعي مناقشته، بقصد بناء أسلوب تمويلي بعيد عن الربا وعن أي شبهة تؤثر على إسلامية العمليات التمويلية. لقد سبق أن ناقشتُ عقد المرابحة في كتابي (بنوك تجارية بدون ربا) منذ أكثر من سبع سنوات، وقد أوضحت في تلك الدراسة بعض التحفظات، واقترحت بعض التعديلات، ولكن بعد مضي هذه الفترة وبحكم ممارستي في الواقع العملي واطلاعي على بعض العقود التي تجريها بعض الشركات مع البنوك الإسلامية تكونت لدي قناعة: أن الأسلوب والطريقة المطبقة لا تختلف من حيث الغاية والهدف عن الوسائل المتبعة في البنوك الربوية؛ فضمان الربح وتجنب المخاطرة عنصران أساسان في عملية ما يطلق عليه (بيع المرابحة) ، ولهذا: سوف يتم مناقشة هذا الموضوع من عدة جوانب تتمثل في فهم بيع المرابحة كما هو معروف في الفقه الإسلامي، وأسلوب بيع المرابحة المتبع من قبل البنوك الإسلامية، والشبهات المثارة على هذا الأسلوب المستحدث لبيع المرابحة، ومناقشة وجهات النظر المختلفة المؤيدة والمانعة لهذا الأسلوب، مع إيضاح البدائل المقترحة كأسلوب للتمويل يبتعد بذاك الأسلوب من التمويل عن شبهة الربا. بيع المرابحة لدى الفقهاء الأقدمين: يعرف ابن قدامة في المغني المرابحة بأنها: (البيع برأس المال وربح معلوم) [١] أو يصورها بقوله: (رأس مالي فيه، أو: هو عَلَيّ بمئة بعتك بها وربح عشرة) [١] ، وصورة المرابحة عند المالكية كما جاء في الموطأ للإمام مالك: (الأمر المجتمع عليه عندنا في البَزّ [*] يشتريه الرجل ببلد، ثم يقدم به بلداً آخر، فيبيعه مرابحة..) [٢] . وتختلف المذاهب الفقهية فيما بينها في نوعية الشروط: فالمذهب الحنبلي: يشترط لصحة المرابحة معلومية الربح، وثمن الشراء، وعلى البائع تبيان ثمن شرائه على حدة، وما أنفقه على البيع على حدة [٣] . أما المذهب الشافعي: فهو يتفق مع المذهب الحنبلي في معلومية الربح والثمن، ولكنه لا يلزم فصل ثمن الشراء والنفقة التي أنفقها، أما الأحناف: فيجيزون بيع المرابحة بثمن الشراء بربح بشرطين: الأول: أن يكون المبيع عرضاً، فلا يصح بيع النقدين مرابحة، والثاني: أن يكون الثمن مثليّاً كالريال والدولار ونحوهما [٤] . مما سبق يتضح أن بيع المرابحة كما ورد في كتب علماء الفقه الأقدمين يشترط: وجود السلعة، ومعلومية الثمن، وتحديد الربح من قِبَل البائع قَبل البيع، ويقصد بمعلومية الثمن: معلومية ثمن شراء البائع للسلعة التي يريد المرابحة فيها من قبل راغب الشراء وما أنفقه البائع عليها، وبالتالي: فإن أي شكل من الأشكال المستخدمة في بيع المرابحة أو ما يطلق عليه: (بيع المرابحة للآمر بالشراء) هو عقد مستحدث يجب ألا ينسب إلى بيع المرابحة كما أشار إليه الفقهاء، وإنما يجب أن يدرس بمعزل عن ذلك وفق الظروف التي استُحدث فيها هذا العقد والغاية التي قصدت منه. أسلوب بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية: تتمثل إجراءات بيع المرابحة كما هو متبع من قبل البنوك الإسلامية في الخطوات التالية [٥] : ١- يتقدم طالب التمويل للبنك الإسلامي مبدياً رغبته في شراء أصل رأسمالي أو مواد خام أو سلعة رأسمالية أو استهلاكية أو سلع بغرض الاتجار فيها، ويقدم للبنك فاتورة التسعيرة المرسلة من المصدر أو البائع المحلي الذي يمتلك السلعة وقد حددت في هذه التسعيرة مواصفات السلعة المراد شراؤها. ٢- يتفق البنك الإسلامي مع طالب التمويل بقيام البنك بشرائها لصالحه، ويتم توقيع وعد بالشراء من قِبَله ووعد من البنك بأنه سيقوم ببيعها له بزيادة معينة تمثل ربح البنك. ٣- يتم توقيع عقد بيع مرابحة بعد وصول مستندات البضاعة للبنك، يحدد في هذا العقد قيمة البيع بما في ذلك ربح البنك، وهذا على أن يتم دفع الثمن مؤجلاً على شكل أقساط أو كمبيالات. بتحليل هذه الصورة من التعامل التي يطلق عليها (بيع المرابحة) أو (بيع المرابحة للآمر بالشراء) نجدها تتصف بالآتي: ١- الهدف والغاية من هذه المبايعة هو قيام البنك بتوفير المال اللازم لطالب التمويل، فالبنك لا يتعامل بالسلع المراد بيعها، أي: إن مهمته ليست الاتجار، واتباع هذا الأسلوب هو محاولة للخروج من المحظور الشرعي. ٢- الهدف من الوعد بالشراء والوعد بالبيع: توفير حقيقة الالتزام من كلا الطرفين (البائع والمشتري) ، وبدون هذا الوعد لا يقوم البنك بالالتزام. ٣- طالِب التمويل لم يتقدم للبنك الإسلامي بقصد شراء سلعة موجودة ومملوكة عند البنك، وإنما قصده: توفير المال لشراء هذه السلعة على أن يتم سداد قيمتها مؤجلاً، فالتأجيل غاية العقد وليس البيع هو الهدف، وبالتالي: فإن ما يُطلق عليه (العائد الربحي) لا يخالف في الحقيقة ما يمكن أن يعادل (الفائدة) التي يتم تحصيلها من القروض والتسهيلات البنكية حسب ما يتم فعله من قبل البنوك الربوية، والعبرة في العقود بمقاصدها لا بألفاظها. لقد ثار حول هذا التعامل جدل يتعلق بمدى إسلامية هذه الصورة المستحدثة من التعامل، وأُثيرت شبهات عدة يمكن حصر بعضها في الأمور التالية: أولاً: أنها معاملة قُصد منها التحايل على أخذ الربا، وقد جاء الشرع بإبطال الحيل والتنديد بأصحابها من اليهود ومن حذا حذوهم، وقد استُدل على أن هذا البيع هو حيلة لاستحلال الربا بما ذكره ابن عبد البر المالكي في (الكافي) [٦] من صور لبيع المرابحة مشابهة للذي تتعامل به البنوك الإسلامية حالياً، يقول: (معناه: أنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة محللة، مثال ذلك: أن يطلب رجل من آخر سلعة يبيعها منه بنسيئة وهو يعلم أنها ليست عنده ويقول له: اشترها من مالكها هذا بعشرة وهي علي باثني عشر إلى أجل كذا، فهذا لا يجوز) ، لقد كان الرد على هذه الشبهة من المجيزين لهذه الأسلوب من التعاقد: بأن البنك الإسلامي يقوم بالشراء حقيقة، ولكنه يشتري ليبيع لغيره، كما أن العميل الذي طلب أن يقوم البنك بالشراء له يريد شراءها حقيقة، وبالتالي: فلا حيلة في الأمر، كما أن الادعاء بأن هذه العملية تشبه ما يجري في البنوك الربوية وإنما تغيرت الصورة فقط قول غير صحيح، فإن تغيير الصورة أحياناً يكون مهمّاً جدّاً، وإن كانت نتيجة الأمرين واحدة في الظاهر؛ فالمهر للزوجة وما تعطاه البغيّ يجتمع في الظاهر في أنه مقابل الاستمتاع، لكن النية مختلفة، ويندرج هذا في المقارنة بين ما يُدفع مقابل الاستقراض من ربا، وما يُدفع ربحاً مقابل البيع، وأن الفرق بينهما أن ما يتم في البنوك الإسلامية هو بيع يترتب عليه ضمان البائع (البنك) للسلعة حتى يتم استلامها من قبل المشتري، فإذا هلك المبيع فهو على ضمان البائع، ويتحمل تبعة الرد بالعيب إذا ظهر فيه عيب، كما أنه إذا تأخر في توفية الثمن في الأجل المحدد لعذر مقبول لم تفرض عليه أية زيادة كما يفعل البنك الربوي [٧] . إن حقيقة الشبه تقوم على أساس النية، التي هي مدار الأمر وأصل من الأصول التي يرجع إليها في التأكد من سلامة القول والفعل، ولا شك أن النية لا يمكن قياسها ولا يمكن التأكد منها، ولكن الأمر راجع إلى قلب وفؤاد الشخص، وبهذا: فإن الصورة الظاهرة لهذا العقد يجب ربطها بالنتيجة؛ فالبنك الإسلامي لا يُتاجر في العروض وإنما يُتاجر في الدراهم، فهو لا يقوم بالشراء لصالحه بقصد البيع بعد أن يتملك السلع وبدون اتفاق مبدئي، بل إنه لا يلتزم بالشراء إلا بعد التأكد من وجود العميل الراغب في الشراء وأخذ الضمانات لحفظ حقوقه، كما أن السلعة لا يتم شراؤها إلا وفق ما يرغبه المشتري من مواصفات، وبالتالي: فإنه لا نية للتجارة لدى البنك كما يظهر من التعامل، والقاعدة الشرعية المتفق عليها: أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. ثانياً: أن هذا الأسلوب من المرابحة لم يقل به أحد من فقهاء الأمة الأقدمين، بل وُجد من قال بحرمته، واستدل من قال بهذا القول بما روي عن الإمام مالك في الموطأ تحت باب النهي عن بيعتين في بيعة: (أنه بلغه أن رجلاً قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك إلى أجل، فسئل عن ذلك عبد الله بن عمر، فكرهه ونهى عنه) [٨] . إن واقع الأمر في البنوك الإسلامية أن العميل هو الذي يبيّن للبنك: السلعة المطلوبة، ومن توجد لديه، وسعرها، ومواصفاتها، بحيث يقتصر دور البنك على شرائها وسداد قيمتها لمن توجد عنده، ويبيعها إلى أجل للعميل، وقد ذكر ابن جزي في (القوانين الفقهية) صورة من صور بيع العينة، وهي: (أن يقول رجل لآخر اشتر لي سلعة بعشرة وأعطيك خمسة عشر إلى أجل، فهذا ربا محرم) [٩] ، لقد رُد على ذلك من قبل المجيزين لهذا الأسلوب بأنه: ليس من الضروري في المعاملات المستجدة أن نجد مِنَ الأئمة السابقين مَن قال بحلها، وليس من اللازم رد كل مسألة إلى صورة من صور المعاملات القديمة لتُخَرّجَ عليها وتأخذ حكمها، بالإضافة إلى ذلك: فقد أشار المجيزون إلى قول الإمام الشافعي في كتابه (الأم) : (وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعة، فقال: اشترِ هذه وأُربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال أربحك فيها: بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعاً وإن شاء تركه) ، لقد اعترض على هذا بأنه: حتى ولو قُبل هذا القول، فإن نص الشافعي ﵀ خلا من ذكر الأجل، كما أن الإلزام غير جائز في المرابحة، بعكس ما هو معمول في البنوك الإسلامية من ضرورة توقيع الالتزام. ثالثاً: ومن الشبهات المثارة: شبهة أنه بيع من بيوع العينة (بيوع العينة محرمة) ، أما وإنها من بيوع العينة؛ فقد ذكر المالكية في كتبهم هذه الصورة ضمن بيوع العينة، وعدوها من الصور الممنوعة، وهي أن يقول: اشترِ لي سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، وهذا هو جوهر (بيع المرابحة) الذي تجريه البنوك الإسلامية، يرد المجيزون لهذا البيع بأن: المالكية توسعوا كثيراً في إدخال صور من البيوع في دائرة الحظر بحجة سد الذرائع، وأن إدخال هذه الصور من البيوع الممنوعة لم يجئ به كتاب ولا سنة، بل هو عمل اجتهادي محض، فقد اختلفوا في وجه منع بيوع الآجال، فمنهم من قال: إنها أكثر معاملات أهل الربا، ومنهم من قال: إنها سد لذرائع الربا، كما أن بيع المرابحة الذي تجريه البنوك الإسلامية لا يدخل ضمن مفهوم بيع العينة؛ فالجوزجاني يقول: إن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والوَرِق؛ فيشتري السلعة ويبيعها بالعين التي احتاج إليها، وليست به إلى السلعة حاجة، وصورة بيع العينة كما جاء في (نيل الأوطار) للشوكاني: أن يبيع شيئاً إلى غيره بثمن معين (مئة وعشرين مثلاً) إلى أجل (سنة مثلاً) ويتسلمه المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر (مئة مثلاً) يدفعه نقداً، فالنتيجة: أنه سلمه مئة ليتسلمها عند الأجل مئة وعشرين، وعليه: فإن بيع المرابحة الذي تجريه البنوك لا يدخل ضمن صور بيع العينة؛ لأن طالب السلعة يرغب فيها، فهو يحدد مواصفات السلعة، ويحدد مصادر صنعها أو بيعها، والبنك يشتريها بالفعل ويُساوم عليها، ثم يبيعها للعميل الذي طلب الشراء ووعد به، كما يفعل أي تاجر، فإن التاجر يشتري ليبيع لغيره وقد يشتري سلعاً معينة بناء على طلب بعض عملائه [١٠] . رابعاً: أن أسلوب هذا التمويل بواسطة بيع المرابحة يدخل تحت النهي عن بيعتين في بيعة أو حقيقتين في حقيقة، وقد ورد الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة مرفوعاً (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) [١١] ويقول المجيزون لبيع المرابحة: إن تفسير هذا الحديث لا يماثل واقع بيع المرابحة الذي تجريه البنوك الإسلامية؛ فقد ذكر ابن القيم في (تهذيب سنن أبي داود) تعليقاً على هذا الحديث: أن للعلماء في تفسيره قولين: أحدهما: أن يقول بعتك بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: (نهى رسول الله عن صفقتين في صفقة واحدة ... ، قال سماك: الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنساءٍ بكذا وكذا، وبنقد بكذا وكذا.) [١٢] والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمئة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالاً، وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: (فله أوكسهما أو الربا) ..) وعلى ضوء هذا: فإنه لا يوجد ثمنان معروضان (نقداً بكذا ونسيئة بكذا) في بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية، وإنما هو بثمن واحد محدد معلوم، وبالتالي: فإنها مواعدة على بيعة حقيقية واحدة، ثم عقد بيع واحد بعد امتلاك البنك للسلعة [١٣] . خامساً: من الأمور المثارة من المعترضين على هذا الأسلوب من التمويل: أنه يدخل في بيع ما لا يملك أو بيع ما ليس عند البائع، وهو ما يسمى أيضاً بيع المعدوم، وهو بيع منهي عنه، والبنك الإسلامي يبيع العميل ما لا يملكه، فالسلع التي يُطلب منه شراؤها من الداخل أو استيرادها من الخارج لم تدخل في حوزته بملك حقيقي، فهو لا يشتري السلعة إلا إذا ضمن المشتري وتواعد معه. يرد المجيزون لهذا الأسلوب على هذه الشبهة بأن: معنى ما وردت به السنة من النهي عن بيع ما ليس عندك هو كما ذكر الخطابي في (معالم السنن) أنه يراد به: بيع العَيْنِ دون بيع الصفة، وبيع الرجل مال غيره موقوفاً على إجازة المالك، لأنه بيع ما ليس عنده ولا في ملكه؛ وهو غرر، كما أشاروا إلى ما ذكره ابن تيمية تفسيراً لهذا الحديث في الفتاوى بأنه: يراد به بيع عين معينة، فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه، وفيه نظر، وإما أن يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذّمة، وهذا أشبه فيمن يكون ضمن له شيئاً لا يدري هل سيحصل أو لا يحصل. وأن ما يُعمل به من قِبَل البنك الإسلامي هو أن ما يتم قبل إجراء عقد البيع إنما هو مواعدة بينهما وليس بيعاً وشراء، وإنما يتم البيع وفق الصيغة المتبعة من قبل البنك الإسلامي إذا تم تملك السلعة بالفعل، أي ورود مستندات الشحن ووصول البضاعة إلى الميناء. على ضوء ما سبق من مناقشة لأسلوب المرابحة أو المرابحة للآمر بالشراء كما يتم اتباعه من قِبَل البنوك الإسلامية وما طُرح حول هذا الأسلوب من شبهات تمت مناقشتها، فإن ما يظهر من حقيقة هذا الأسلوب هو: أنه أسلوب أقرب للربا منه للبيع، وحتى يتضح الأمر عن مدى قُرب وبُعد هذا الأسلوب المتبع من الربا لابد من معرفة طبيعة الربا والاختلاف بينه وبين الربح الناتج عن البيع. إن المعنى اللغوي المجرد للفظ الربا هو: الزيادة في ذات الشيء سواء أكانت هذه الزيادة حسية أم معنوية، وسواء أكانت من جنس الشيء نفسه أم خارجة عنه، وسواء أكانت في متحدي الجنس أم غير متحدي الجنس [١٤] ، أما المعنى الاصطلاحي: فقد قيدها في الزيادة في أشياء مخصوصة [١٥] ، ويقصد بهذه الزيادة المخصوصة أنها: زيادة أحد البديلين المتجانسين من غير أن يُقابل هذه الزيادة عوض، أما إذا قيل: إن الربا يطلق في الشرع على المبادلات والبيوع المنهي عنها؛ فيعود ذلك إلى أن كل بيع محرم يشتمل على زيادة غير مشروعة، سواء أكان أحد العوضين ليس مالاً مباحاً مثل الخمر، أو أن الزيادة لأجل الجنس، فيكون بذل العوض فيه في غير مقابلة، أو أنه غير متكافئ لأن فرق الزيادة في غير مقابلة عوض مشروع، وعلى ضوء هذا: فما هو الفرق بين البيع والربا؟ . الفرق بين البيع والربا يمكن إجماله في الأمور التالية [١٦] : ١- يقتضى البيع من التاجر جهداً سواء أكان جسميّاً أو فكريّاً، فيحصل على الربح الذي يقابل ذلك، فهو يشتري السلعة إما من السوق المحلية أو يستوردها من أماكن أخرى، ويقوم بشحنها ونقلها وتجزئتها والإعلان عنها وترويجها، وهذه أعمال يستفيد منها أفراد آخرون سواء من يستهلك السلعة أو من يناولها لتصل ليد المستهلك، أما المرابي: فهو لا يمارس عملاً من هذه الأعمال، وإنما يستفيد هو وحده من توفر هذه الأموال لديه وحاجة الناس إليها. ٢- التاجر يخضع للربح والخسارة، وهذا مبدأ مهم في التجارة، فإن السلعة لا تكون دائماً مربحة، فقد يخسر التاجر فيها وقد يربح، أما المرابي: فحصوله على الفوائد دون عمل أو تَعَرّض للخسارة، لأن موضوع تجارته نقد متوفر لديه. ٣- أن البيع يتم بين ثمن ومثمن، فكان من المعقول أن يجري فيه الكسب، أما الربا: فهو مقابل الأجل والإمهال، وهذا ليس عوضاً. إن فهم الطبيعة الربوية للعمليات التمويلية يقتضي تحديد الإطار الذي يمكن من خلاله تمييز الأعمال الربوية عن غيرها. يتمثل الإطار الذي على ضوئه معرفة العمليات التي يدخل فيها الربا والعمليات التي لا تدخل ضمن نطاق الربا المحرم في: أن المكونات الأساسية للعمليات الربوية تتكون من ثلاثة جوانب [١٧] . ١- الزيادة على رأس المال، أي: الزيادة المضافة على مقدار التمويل المطلوب الذي يرغب فيه المقترض أو المحتاج للمال. ٢- ارتباط نسبة الزيادة بالمدة، أي: إن مقدار الزيادة على مقدار المال الممنوح لراغب التمويل تتناسب طرديّاً مع فترة السداد، وبالتالي: فالزمن هو المتحكم في مقدار الزيادة وفي نسبتها. ٣- الزيادة في المال عما تم تمويله شرط في أي تعامل يتم بين المتعاملين. إن وظيفة البنوك الأساسية في المجتمعات المعاصرة بما في ذلك البنوك الإسلامية تقوم على أساس توفير المال للمقترض، وتخضع هذه البنوك لأحكام مراقبة البنوك المركزية التي تقوم وظيفتها على أساس التأكد من أن هذه البنوك تتاجر في النقود اقتراضاً وإقراضاً، وبالتالي: لا يحق لها الخروج عن هذا الإطار، وبحكم أن البنوك الإسلامية تخضع لإشراف البنوك المركزية فهي ملزمة بالبحث عن وسائل تتفق والطبيعة الإقراضية للبنوك، وعلى ضوء هذه الحقيقة: فللنظر إلى طبيعة (بيع المرابحة للآمر بالشراء) مقارنةً بالمكونات الأساسية لمفهوم الربا، نجد أن المرابحة التي تجريها البنوك الإسلامية وكما سبق أن أوضحنا تتكون من ثلاثة أطراف (بائع، ومشترٍ، وبنك وسيط) ، فالبنك لا يمارس عملية البيع، فهو وسيط بين البائع والمشتري، والغرض من وجود البنك في العملية: توفير ثمن السلعة نقداً وقبض قيمتها من المشتري لها الذي لا يجد المال الكافي لذلك على أساس أن يقوم بالدفع للبنك في زمن لاحق، ويأخذ البنك مقابل هذا التأجيل زيادة في ثمن السلعة المشتراة تزداد بزيادة الزمن الذي سوف يتم فيه سداد الثمن، ولا شك أن الزيادة في ثمن السلعة عن الثمن الحال جائز عند جمهور الفقهاء إذا كان التأجيل من البائع للمشتري للسلعة، أي: إذا كانت العلاقة ثنائية بين بائع ومشترٍ لعوض، ولكن عند تدخل وسيط مالي (وهو البنك) ، وأَخْذ فرق في السعر، واعتبار ذلك تجارة وإطلاق لفظ (بيع المرابحة) عليه لا يغير من الحقيقة شيء، فهذا الأسلوب يشبه الحسم المصرفي الذي تقوم به البنوك الربوية عند دفع قيمة الكمبيالة المسحوبة لصالح أحد التجار على فرد آخر، فيقوم البنك مقام المسحوب له الكمبيالة، ويأخذ مقابل ذلك: خصماً على قيمة الكمبيالة محسوبة على أساس الزمن الذي بين تاريخ الحسم وتاريخ استحقاق الكمبيالة، فالمرابحة التي تجريها البنوك الإسلامية تشبه حسم الكمبيالات من حيث الغاية والهدف، وإن اختلف الأسلوب؛ فالأسلوب المتبع من قبل البنوك الربوية من حيث العلاقة الثلاثية هو: أن التمويل في (الحسم) يمنح إلى البائع، وفي (بيع المرابحة) إلى المشتري، ودور الوسيط (البنك) : توفير المال لأي طرف من الطرفين. وعلى ضوء ما سبق: فإن (بيع المرابحة) أو (بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما يتم في البنوك الإسلامية يعتبر من البيوع التي ينبغي تجنبها؛ لما فيها من شبهة الربا، ولابد من البحث عن أساليب التمويل التي لا لبس فيها ولا شبهة، وبدون محاولة للبحث عن حيل شرعية لخداع النفس، بل إن من الواجب إعادة النظر في إجراءات وطرق العمل في البنوك الإسلامية بدون تأثر بالطرق المتبعة في النظام البنكي الربوي. والبديل الذي يمكن اقتراحه كوسيلة لتمويل احتياجات الراغبين في التمويل يرتبط بأمر ضروري يجب وضعه في عين الاعتبار، وهو: ضرورة إعادة هيكلية تنظيم البنك الإسلامي بحيث لا يخضع لأساليب الرقابة المركزية للنظام البنكي الربوي، بل يجب إيجاد وسائل وإجراءات ذات استقلالية تعالج العلاقات التنظيمية بين البنك المركزي وما يمكن أن يمارسه من رقابة على السياسة النقدية وما يمكن أن يطرحه من وسائل لتنفيذ السياسة المالية التي ترغب الأجهزة المشرفة على الأنشطة الاقتصادية في المجتمع في تنفيذها. إن الإطار الذي يجب أن يمارس فيه البنك نشاطه التمويلي يرتكز على ركيزتين: الأولى: المشاركة، والثانية: المضاربة [١٨] . إن عمليات التمويل التي يحتاج إليها النشاط الاقتصادي تتمثل في تمويل أربعة أنواع، هي: ١- تمويل أصول رأسمالية. ٢- تمويل شراء مواد أولية لمصنع. ٣- تمويل شراء سلع لغرض الاتجار بها. ٤- تمويل مالي للصرف على الأعمال التشغيلية قبل تحقيق الإيراد. ويمكن اتباع أسلوب المشاركة فيما يتعلق بتمويل الأصول الرأسمالية، بحيث يكون للبنك نسبة من الأرباح التي يحققها المستفيد من هذا الأصل، أو استخدام أسلوب التأجير لهذه الأصول تحت ضمان المستأجر لهذا الأصل، بحيث يكون هناك عائد إيجاري، ولابد في هذه الحالة أن يتم وضع سياسة استثمارية للبنك، بحيث لا يؤثر تمويل هذا القطاع على نسبة السيولة لدى البنك. أما بالنسبة لتمويل شراء مواد أولية: فيمكن اتباع أسلوب بيع السّلَم، بحيث يقوم البنك بشراء جزء من المنتج النهائي بسعر يتفق عليه وفق شروط بيع السلم، أما بالنسبة لتمويل شراء السلع لغرض الاتجار بها، وكذلك تمويل الاحتياجات التشغيلية لمختلف الأعمال الخدمية: فيمكن اتباع عقود المضاربة، بحيث يقوم البنك بتمويل التاجر باعتباره مضارباً أو باعتباره شريكاً في شركة عنان، بشرط أن يتوفر لدى البنك الجهاز الإداري والمحاسبي والفني لمتابعة نشاطات المضاربات مع الآخرين، ويمكن قيام بنوك متخصصة لتمويل عمليات المضاربة وفق الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

стр. 2028

مقال الكتابة بين الغموض والبيان بقلم: محمد عبد الأعلى النقلة من (التراب) ، أو (الطين) ، أو (الماء المهين) ، ... إلى البشر الكريم ذي العينين واللسان والشفتين مظهر نعمة (الوجود من العدم) التي منّ الله (سبحانه) على الإنسان بها، وإخراج الإنسان من عالم العجمة إلى عالم البيان: نعمة أخرى حققت وجوده المعنوي، مثلما تحقق وجوده المادي بالنعمة الأولى، وتآزرت النعمتان متواكبتين لتكونا ركيزة أهلية الإنسان للتلقي والفهم والبلاغ عن الله [الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ القُرْآنَ (٢) خَلَقَ الإنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ البَيَانَ] [الرحمن: ١- ٤] . نورانية المنهج: والبيان وضوحاً وعمقاً، صفاء وقوة: من سمات التعبير والتفكير التي تتأصل وتترسخ لدى المتأمل لوصف الكتاب والرسول والمنهج بالنور، [قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ] [المائدة: ١٥] ، [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ] [الصف: ٨] ، فالنور معنى تتآخى فيه وتنبثق عنه معاني الوضوح، والشمول، والاستقامة، والدلالة، والبيان، فالنور كاشف لغيره وهو في نفسه لائح واضح، وأشعة الضوء تسير في خطوط مستقيمة، تحدد المسار، وتهدي من أقرب نقطة، وكذلك تنتشر فتكشف وتشمل. والرسول [لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ] وهو مبين، والقرآن [غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] ، وهو مبين، والمؤمن الذي [هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] استقامة في الفعل وصدقاً في القول يكتسب النور سمة لإسلاميته [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ] [الأنعام: ١٢٢] ، أما أولئك الذين سلكوها عوجاً وأرادوها ضلالة [وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ] [البقرة: ١٤] هؤلاء [ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ] [البقرة: ١٧] . إسلامية النص: الوضوح حُلة يكتسيها النص إذا قويت صلة صاحبه بمنهج القرآن، واقترب من هدي النبي، وأحسب أن كل طرائق التعبير وأساليب الكتابة يجب أن تكتسي الحلة ذاتها، وإلا عرت من صفة النفع الذي أوقف الرسول ضمن ما أوقف المثوبة عليه (أو علم ينتفع به) . ولا أعني بالوضوح: أن يكون النص خالياً من العمق، تتحد نتائج قراءته لجميع من يقرأ، مهما تباينت مداركهم وتفاوتت مستويات فهمهم، فقط أريد أن أُبرئ العمق من كل صلة تربطه بالغموض والإيغال في الرمزية. ورد في القرآن الكريم قول الله (تعالى) : [أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ] [البقرة: ٢٦٦] ، وقد يكون المعنى الظاهر لهذه الآية: إن حدائق النخيل والأعناب نعمة من الله يمنحها من يشاء من عباده، ولكنه (سبحانه) قد يرسل عليها الأعاصير بسبب معاصي أصحابها، فتهلك الثمار والأشجار جزاءً للمعاصي. ولكن ابن عباس ﵄ كانت له قراءة أخرى لتلك الآية، لما سأل الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ النّاسَ عنها، قال ابن عباس ﵄ : (ضربت مثلاً بعمل، فقال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله) ، قال ابن كثير: (وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولاً، ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدّل الحسنات بالسيئات عياذاً بالله من ذلك فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل منه شيء.. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ضرب الله مثلاً حسناً وكل أمثاله حسن قال: [أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ..] ... وكذلك الكافر: يكون يوم القيامة إذا رد إلى الله ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيراً يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده وحرم أجره عند فقر ما كان إليه كما حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.) [١] . فهناك عدة مستويات للفهم في تلك الآية يحتملها النص حينما يكون هناك مجال للاحتمال. ولكنها محكومة بالنسبة للقرآن بمنهجية وضوابط، ويظل القرآن ثريّاً معطاءً، وفي الوقت ذاته غير ذي غموض [قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] [الزمر: ٢٨] . المطبوعة الإسلامية: المطبوعة الإسلامية مجال من مجالات البيان الإسلامي، وهي وسيلة بلاغ تنعكس فيها معالم المنهج الإسلامي فكرةً ومنهاجاً مهما تنوعت (الزوايا) وتعددت (الأبواب) وتباينت (الملفات) ، وهي قناة توصيل أحسبها ذات ثلاث شعب: انتفاع، استمتاع، توعية. فهي تعرض تأصيلاً لقواعد المنهج الإسلامي في شتى المناحي العقدية والعملية؛ بياناً لمعالم المنهج، وتبصيراً بعور المنهاج الأخرى، كما تضرب المثل من الواقع تطبيقاً على تلك القواعد، وترشد وتنصح؛ إظهاراً للحق، وقياماً بواجب البلاغ.. وتلك شعبة الانتفاع. وهي نافذة المسلم إلى عالمه الإسلامي والعالم الخارجي، يتعرف من خلالها أحوال المسلمين على رحابة البسيطة: يتعرف واقعه الذي يعيشه، وقضاياه التي يجب أن ينفعل لها ويساهم في نصرتها، ومعالم مخطط المكر العالمي وخباياه، وموقفه من أحداث الساعة وما تلده الأيام.. وتلك شعبة التوعية. وهي لا تنعزل عن بستان الأدب الذي تكون الجولة فيه رحلة ممتعة مع وعاء الإسلام؛ بحثاً عن معطيات الإعجاز والثراء، وفتحاً لنوافذ التعبير عن الخلجات والمشاعر الإسلامية، مقارعة لأبواق الباطل وكشفاً لتهافتها، يتفيء فيها المسلم ظلال الحكمة ويتذوق إسلامية المعاني.. وتلك شعبة الاستمتاع. وليست المطبوعة الإسلامية صالوناً للفكر (الأرستقراطي) أو الأدب (العاجي) ، إنما هي قناة توصيل وتواصل مع المسلمين، فهي قناة توصل الخطاب من الكاتب إلى القارئ، فالقارئ هو محور جهدها وغاية مسعاها، ولقد أولى القرآن الكريم أهمية قصوى لمسألة التواصل والتوصيل، وركز على قضية اللغة باعتبارها ركيزة لكل خطاب؛ فالمتلقي هو المحل القابل وهو العامل المحدد ليس للأسلوب بل لنوع اللغة، فلا يعقل أن يخاطب الناس بلغة لا يفهمونها ولا يفقهون فحواها؛ ومن ثم: كان كل رسول يبعث بلغة قومه لكي تنجلي القضايا وتستبان المحجة [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] [ابراهيم: ٤] . بيت القصيد: فلا يستقيم أن يذهب الكاتب على صفحات المطبوعة الإسلامية بالقارئ في دهاليز الغموض والرمزية، لا يستطيع أن يتقدم خطوة في فهم ما يقرأ، يدعه حائراً يعتصر الكلمات، مجهداً فكره؛ فلا يقبض سوى الريح، تكوم أمام ناظريه أو تنثر الألفاظ، تستر فيها المعاني عزيزة إلا في (بطن الشاعر) ، هل وجب على القارئ أن يرجم بالغيب ليستكنه مرادات لم تُرد أو يتأول للكاتب تأويلات قد لا ترد له على بال.. ماذا ينفع ذلك القارئ أو يمتعه أو يزيد في وعيه وقد وقف مشدوهاً أمام العمق السحيق الذي لا يصل نظره إليه، ماذا يفيده؟ ! والهدف أن تجند نفسه، ويصقل قلبه، ويتسع أفقه (وقد تداعى الأكلة إلى قصعتها) . وقد يكون للغموض أسباب سياسية أو اجتماعية تدفع الكاتب أن يتخذ الرمز جُنّة يستتر وراءه للتعبير عن فكرته، وقد يكون هناك أسباب أخرى، ولعل من أسباب الغموض قصور الرؤية لدى الكاتب، وعجز أدواته الفنية، وقد يكون هناك سبب نفسي آخر هو: (نزوعه إلى تجارب لا يشاركه فيها عدد كبير من الناس) [٢] . ولكن الكاتب الإسلامي الذي يتواصل مع أمته لا يمكن أن تأسره تلك النزغات، فهو الدال على الخير، وهو (يقول خيراً أو يصمت) ، فلا يعالج آهات الأمّة وأساها بمزيد من الآداب المضطربة المبهمة ومزيد من الحيرة والإرباك، إذ إن الصورة الغامضة قد تورث لدى المتلقي اضطراباً، فلا يتبنى موقفاً ولا تتحرك له عاطفة. وهل أتاكم نبأ القوم: إنهم قد ضاقوا بأهل الغموض ذرعاً: (إنه لحدث تاريخي جلل أن يترجم الشعر العربي إلى لغات أجنبية، ولكن الخطوة الذكية المتصفة بالواقعية تقتضي بأن يترجم الشعر العربي إلى اللغة العربية أولاً؛ لأن ما ينشر على أنه شعر حديث هو مجرد كلمات يعجز ناظمها عن تأويلها) [٢] ، (إنه نوع من التعقيد الناجم عن زيغان الدلالة الناجم بدوره عن زيغان الدال، ناجم عن افتقاد لحظة التجلي الشعرية التي يصير فيها الغموض وضوحاً) [٣] ، (وهناك من يقول وبنوع من الإجحاف بأن على القارئ أن يكون أحد المشاركين في مخاض القصيدة وكتابتها كاملة، ولا ندري ما المانع من كتابتها كاملة غير منقوصة ليشاركه القارئ في مطالعتها وارتياد مغاليقها وتذوقها واستيعابها مثبتاً جدارة موهبته في إيصال ما في نفسه إليه) [٤] ، (إن غياب المقاييس والضوابط في هذه الأيام قد سهل على الكثيرين اقتراف جريمة الشعر) [٥] . أرأيتم؟ ! تلك مقولات بعض النقاد وهم المشتغلون بالأدب المنشغلون به، وحتى من خلال منظارهم فليس الغموض اتجاهاً رائداً ولا أسلوباً سديداً ولا ضرورة عصرية، وإنما هو تقليعة بالغ المقلد في إظهار غرابتها. ولست أريد أن ينعزل الأديب المسلم عن عصره.. لِيَنْزِلْ ساحة القوم.. لينازِلْهم ويبارزْهم بمصطلحهم، ويناظرْهم بلسانهم، ولكن.. لتكن المطبوعة الإسلامية ساحته الخضراء التي يتواصل فيها مع قارئه نصيحة من نور المعصوم تستلهم، وفكرة من ثمر الشجرة الباسقة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. (فالأديب هو واحد من المدعوين للمارسة الخطيرة بفنه القادر على التأثير والتحصين، بل إنه مدعو إلى أكثر من هذا؛ إلى دعوة المجتمعات الإسلامية لاستعادة ممارستها الأصيلة وقيمها المفقودة وتكاملها الضائع، وإحساسها المتوحد، وصبغتها الإيمانية التي أبهتتها رياح التشريق والتغريب) [٦] ، وهل يكون ذلك إلا بأسلوب ودود لا يدغدغ مشاعر القارئ، ويرفع من درجة فوران الدم في عروقه، فالقضية قضية التزام وهو (التزام مضمون وفكرة، وهو يقتضي بداهةً الحرص على اللغة العربية والصلة الوثيقة بين المضمون وما يتطلبه من شكل مناسب، فالتجديد في مجال الأشكال باقٍ ما بقيت الحياة، والالتزام ليس أبداً نقيضاً للحرية بمعناها الأصيل.. فالالتزام الأمثل انبثاق تلقائي من قلب الأديب وفكره، وهو ليس تصوراً كلاميّا، أو شعوراً عامّاً، لكنها حقيقة واقعة تقوّم الأحكام والآداب) [٧] . وقلب الكاتب الإسلامي هو القلب الذي تلألأت فيه معالم المنهج الإسلامي، وتبلورت فيه رغبة هداية البشر، وامتزجت مع أمل إصلاح الأمة والمساهمة في نصرة دين الله.

стр. 2029

سباعيات كابل.. إلى أين ؟ ! شعر: د.محمد ظافر الشهري حريّ بكابل أن تُرحما ... وقد غرقت في بحار الدّما شكت أمسِ مغتصباً كافرا ... فأصبح غاصبُها مسلما دعونا (الفئات) إلى خطةٍ ... تُحَكّمُ قرآننا المُحْكَما فمالوا إلى (هيئةٍ) دأبها ... وإن عُلم الحقّ أن تَظْلِما رفضتم (نجيبَ) ولكنكمْ ... رضيتم لـ (بطرس) أن يَحْكُما فكنتم لعمري كمستبدلٍ ... فَبُدّل بالصّبرِ العلقما وكابل باتت كزنزانةٍ ... يُوَرّثُها المجرمُ المجرما

стр. 2030

نص شعري الليث الجريح صالح بن عيضة صالح الزهري سِرْبُ القَطَا.. بُكريّةُ الأسْرابِ ... سَلَبتْ هَوَاكِ وقَطّعتْ أنْسَابي سِرْبُ القَطَا.. في مُقْلَتيّ رواحلٌ ... ذكَرتْ نَوَاكِ فَغَرّقتْ أهْدابِي سِرْبُ القَطَا هَمسَتْ إليّ قطَاتُهُ ... شَغَفاً إلى أُسْطُورَةِ الكُتّابِ قالت: بنُو اللّيثِ الجريحِ أأنتُمُ؟ ... فَكأنّهُ.. طَعْنُ الحشَا بِحِرابِ وعرفْتُ أنّ العُرْبَ ليثٌ مُجْرَحٌ ... كان القَوِيّ فَعَادَ قِطّ الغَابِ وأراهُ عِملاَقَ الأسىَ ولَرٌبّما ... غَلَبَتْ عَليْهِ.. أصاغِرُ الألقَابِ إنّي أراكَ مُكبّلاً وأَرىَ الفَضَا ... بَرْقاً يُلوّحُ بينَ سُودِ سَحَابِ وأرىَ أعاصيراً بأفْقِكِ بَعْثَرَتْ ... ما جمّع الإسلامُ مِنْ أنْسَابِ وأراكَ تَنْزِفُ والجُرُوحُ تَفَاقَمَتْ ... وأراكَ تُرْمى مِنْ يَدِ الأعْرابِ ولَقَدْ لَفَظْتَ مَعَ الأنينِ مَقَالةً ... القُدْسُ فِيهَا (مَوطِنُ الأغْرابِ) ما القُدْسُ إلا قِطْعَةٌ مِنْ أمّةٍ ... خُلِقَتْ (بِإقْرَأ) فِي حِمى الأنْصَابِ ما القُدْسُ إلا قِصّةٌ دَمَوِيّةٌ ... عُزِفَتْ عَلَى ... قِيْثَارَةِ الإرْْهَابِ وَعَلَتْ عَنَانَ العُرْبِ حَتّى جَمّعَتْ ... كُلّ العُرُوبَةِ فيِ جَنَاحِ ذُبَابِ ما القُدْسُ إلا مَوْطِنٌ طُرِدَتْ بِهِ ... أُسْدُ الرّجَالِ وَبُدّلَتْ بِكِلاَب! ! وتغيّرت فِيِه الوُجُوهُ فَماَ تَرَى ... إلا خَنَازِيراً عَلَى الأبْوابِ والعُرْبُ مَا قدِرُوَا سِوَى إنْكَارِهِ ... والعُرْبُ مَا قَدِرُوا سِوَى الإضْرَابِ وَيلُ اليَهُودِ إذَا تَكَاتَفَ شَعْبُنَا ... وَتَدَاخَلَ الأحْزَابُ في الأحْزَابِ فَإذَا تَكَامَلتِ الصّفُوفُ وَزَمْجَرَتْ ... فَلْيَرْتَقُوا هَرَباً.. إلى الأسْبَابِ وَتَعلّقَتْ بِذُرَا السّمَاءِ قُلُوبُنَا ... وتَجمّعتْ أَشْتَاتُنا ... بِكِتَابِ وتَفَجّرَ البُرْكَانُ مِنّا وانْتَهَتْ ... آجَالُنَا وتَخَضّبتْ بِخِضَابِ وَتَدَاعَتِ الدّنْيَا عَلَيْنَا واعْتَلَتْ ... أَسْيَافُنَا مِنْ فَوْقِ كُلّ رِقَابِ وَتَهَاوَتِ الأنْوَاءُ في سَاحَاتِنَا ... وَرَأى اليهُودُ المَوْتَ ذا الأنْيَابِ واسْتُبْدِلَتْ رَايَاتُ هُوذا بِالّذِي ... أذِنَتْ عَلَيِهِ قُصُورُهَا بِخَرَابِ واستُبْدِلَتْ رَايَاتُ كِسْرَى بِالّذِي ... وَثَبَتْ لِنُصْرَتِهِ خُطَى الوَثّابِ وتَخَاذَلُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَجَرّبُوا ... مِنْ أُمّةِ الإسْلاَم سَوْطَ عَذَابِ فَهُنَالِكَ ابْتُلِيَ الرّجَالُ وَزُلْزِلُوا ... حَتّى تَبِينَ معادنُ الأقْطَابِ فَمنِ ارْتَضَى عَيْشَ الكَرِيمِ مُوَشّحاً ... بِالعِزّ وَالإكرامِ والإعْجَابِ فَلْيَقْتَحِمْ قمِمَ البُطُولَةِ إنّنِي ... للْمَجْدِ أبْذُلُ قُوّتِي وَشَبَابي فاسْتَيقِظي يَا أيّهَا الهمَمُ الّتي ... مَاتَتْ وَعُمّرَ فَوْقَهَا بقبَابِ ولعلّ هَذَا الغَيْمُ يَطْوِي خَلْفَهُ ... نَصْراً يَشُقّ لَفَائِفَ الأنْقَابِ وَلَنَا مِنَ القَوْلِ الخُلاَصَةِ عَلّهَا ... تُغْنِي عَن الإطْنَابِ والإسْهَابِ كَمْ آيَةٍ مَرّتْ وَمَرّ وَعيدُهَاَ ... أَفَلاَ تَدَبّرَهَا أولو الألْبَابِ؟ !

стр. 2031

نص شعري إصلاح الذات قبل الذوات شعر: علي العيسي المرء إن لبس الحياة بساطةً ... ونزاهةً لم يَعْتَرضْهُ المَحْرَجُ من سار في بُطءٍ تعثّر سيرُه ... ولقد يجاوز حدّه من يدلجُ كم من بطيء أو سريع حاصد ... عنتاً، وكان يظنها لا تُفْرَجُ فإذا استقر مع التوسط سَيْرُه ... فوق التباطؤ، دون ركضٍ يَفْلَجُ فبذا يحقق ما الذي يسعى له ... بين الرقاد، وبين طيشٍ يُزْعِجُ فالعدل، والعقل المفكر، والهدى ... والرأي، والودّ النقيّ: المَنْهَجُ من أتقن النهج القويم مع التقى ... خلف النبي فخصمه لا يُبهَجُ من يسبق الأحداث تكبو خيله ... ومن استقر مع الجليد يُثَلّجُ إن الجمود أو الجحود تخلفٌ ... أو رقدة لم ينتظرها المُسرجُ *** هذي مجالسنا تَضُوعُ [*] حماسة ... لكن يعزّ حقيقة ما يُنْتَجُ ما أعظم الأفكار تملك ألسُناً ... لكنّ ترجمة الحديث تخدّجُ حلو الكلام يمر من أفواهنا ... يسمو إلى عالي الأمور ويَعْرُجُ لكننا في الفعل.. نخجل فعلنا ... فيظل في دَمِ عِزّنا يِتَفَرّجُ قد شابت الألفاظ فوق شِفَاهِنا ... أما الوعود.. فنطفة تترجَرجُ *** يا من يطالب غيره بفضائل ... وهو الذي يبدو إليها أَحْوَجُ ما فاز في نشر الفضيلة مرشد ... وخيوله تشكو الهزال وتَعْرُجُ لو أنصف الإنسان في أقواله ... وفعاله لبدا الضيا والمخرَجُ لو أصلح الإنسان بدءاً نفسه ... عمّ الرضا، والحق حق أبلجُ

стр. 2032

قصة قصيرة نهاية طريق بقلم: خالد أبو الفتوح ما إن انتهى (سالم فرحات) من إنزال آخر راكب حتى انتحى بسيارته جانباً وانكب يعدد حصيلة ليلة من العمل الشاق.. انفرجت أسارير (سالم) مع بلوغ العد نهايته واطمئنانه على وفرة دخله الليلة.. (الآن أستطيع إحضار ما تبتغيه سهاد) .. قالها وهو يمد رجليه أمامه ويلف ذراعه حول مسند الكرسي المجاور له.. وبعد هنيهة من الشرود.. اعتدل في جلسته، أخرج من جواره زجاجة مشروب.. صب بعضه واحتساه عسى أن يعينه على مواصلة المسير. أدار محرك السيارة وواصل السير راضياً ومنتشياً.. بعد قليل، ظهر أمامه بائع الفاكهة الذي اعتاد المرور عليه.. (أُحضر بعض الفاكهة للأولاد؟) (ولكن.. قد يؤثر ذلك على طلبات (سهاد) .. لا أريد أن أخسر رضاها) واصل سيره بسرعة وكأن هناك من يلاحقه أو أن هناك غاية يريد أن يطوي الأرض طيّاً حتى يدركها.. وبعد أحد المنعطفات ظهر على جانب الطريق ثلاثة أشخاص يشيرون له.. (زبائن! ! يبدو أنها ليلة سعادة وأنس من أولها لآخرها.. لا بأس من زيادة) أوقف السيارة عندهم، ومال بجذعه تجاههم.. (إلى أين وجهتكم؟) (حتى نهاية الطريق ... ) قالوها وهم يهمون بالركوب. لم يهتم (سالم) بمساومتهم على الأجرة كعادته مع كل زبون؛ فأي شيء يدفعونه سيكون دخلاً إضافيّاً إلى الحصيلة التي اطمأن على وفرتها، كما أنه لن يتكلف شيئاً لتوصيلهم إلى (نهاية الطريق) . (ما اسم صاحبنا، ومن أي البلاد؟) .. قالها أحد الثلاثة بادئاً حديثاً يقطع به طول الطريق وسكون الليل.. (سالم فرحات.. من الصبراوية.. من تل منيب في الصبراوية.. من عائلة الع.. (كفى.. هذا هو طلبنا) .. قالها آخر بحدة من خلفه وهو يلصق أداة حادة في رقبته! ! . انتصب (سالم) في جلسته.. شخصت عيناه.. بدا وكأنه تمثال من شمع.... (لابد أن هذه هي العصابة التي طالما حذرني منها شريكي (عرفان شهيد) .. كيف لم ألحظ الياقات الزرقاء التي يرتدونها؟ ! .. يا لغبائي.. يا لنكستي! ! ..) .. لم يتنبه (سالم) إلا على صوت أحدهم يوجه الحديث إلى زميل له: (هل أقود السيارة بدلاً منه؟) . (لا.. لا.. حتى لا نلفت الانتباه إلينا، ولكن وجهه حتى نصل إلى (نهاية الطريق) ..) لم يملك (سالم) إلا الاستسلام لتوجيهات الجالس جواره.. وبعد سلوك بعض الطرق والدروب بدا أمامه مبنى تحيط به الصحراء من كل جانب.. كان عجيباً أن يكون في هذا المكان مبنى بمثل هذه الفخامة.. لم تخفف هيئة المبنى من إحساس (سالم) بالوحشة والانقباض الذي كان يزداد كلما دنا من المبنى. أمام المبنى أوقفوه، نزع أحدهم مفتاح التشغيل من مكانه، بينما نزل آخر ووقف في مواجهة باب السائق.. (أخرج ما معك يا سالم) .. قالها الثالث من خلفه. (عَرقي.. قوت أولادي ... لم يكمل (سالم) كلامه.. أَحسّ بالدونية عندما لكمه أحدهم قائلاً له: (أي أولاد يا ضائع.. نفّذ يا خسيس!) أخرج (سالم) حصيلة الليلة من أسفل كرسيه، وأعطاها لهم. (وبقية ما تخبئه، وكل ما في جيوبك) استسلم (سالم) تماماً، وبدا على وجهه الإرهاق ممتزجاً بالقهر.. سلّمهم كل ما طلبوه. جذبه الواقف بجواره خارج السيارة، وساقه دفعاً نحو المبنى.. أجلَسوه أرضاً، وتحلقوا حوله.. (سالم.. طبعاً لا تنكر علاقتك بسهاد.. ولعلك لا تعرف أنها صديقتنا..) انعقد لسان (سالم) ، ومن فرط دهشته لم ينبس ببنت شفة. (تحت أيدينا صور لك معها وتسجيلات بصوتك.. أتحب أن تطلع عليها؟) (الله أمر بالستر) (نعم.. ونحن نستر عليك.. إذا وقّعت على هذه الورقة!) أمسك (سالم) بالورقة.. تفحصها.. تردد قليلاً، ثم قال: (وهل إذا تنازلت لكم عنها أطلقتم سراحي ولم تفضحوني؟) (نعم.. وقد نكافئك أيضاً..) تناول (سالم) القلم منهم، ووقّع وهو يتمتم: (هكذا انغلق الباب الذي كنت أرتزق منه) تركوه يمضي.. خرج وهو مطأطئ الرأس مثقل الخطى.. وعندما وصل إلى السيارة نظر إليها بحسرة، وعاود النظر إلى المبنى ومن به.. ثم مضى وهو يجر رجليه.. (سالم.. قف مكانك..) .. صوت حاد مصدره المبنى.. تسمّر (سالم) على إثره.. (ارجع بظهرك إلى الخلف!) رجع بظهره حتى وصل إلى المبنى.. أدخلوه مرة أخرى.. جردوه من ثيابه.. بدا وكأنهم يضمرون شيئاً آخر.. في هذه الأثناء لمح (سالم) شبح شخصين خارج المبنى.. تجدد أمله في النجاة.. (هل يعملان على إنقاذي..؟ !) ولكن لم يطل أمل (سالم) ، حيث خرج أحد الثلاثة وتهامس مع الشخصين.. ثم دخل.. (أبشر يا (سالم) .. لقد قررنا محاكمتك.. محاكمة عادلة) .. ثم دفعه إلى أحد الأركان! وبينما ينهار (سالم) ، قام أحدهم ممثلاً للادعاء، فترافع طالباً الإعدام لهذا المجرم الوضيع.. ثم قام آخر ودافع عن (سالم) طالباً إطلاق سراحه؛ فقد أدى ما عليه ونفذ ما طُلب منه.. ثم جاء وقت النطق بالحكم.. وقف (سالم) مشدوهاً يترقب مصيره.. لا يرفع بصره عن وجه الحكَم! ! .. (نظراً لحاجتنا لجهود (سالم) .. ونظراً لاستجابته وتفهمه.. فقد قررنا أن يعمل (سالم) على السيارة لحسابنا، مقابل إطعامه وجبتين يوميّاً.. مع النظر في أمر تزويجه من صديقتنا سهاد) .. لم يصدق (سالم) ما سمعه.. قفز من مكانه هاتفاً: (يحيا العدل.. يحيا العدل.. يحيا العدل) .. أخذ يقبلهم ويعانقهم بانفعال.. لم يكترثوا باحتفاله الهستيري، كان واضحاً اشمئزازهم منه.. دفعوا إليه مفاتيح السيارة.. أدارها.. غاب عن أنظارهم.. كان أول ما فعله أن ذهب إلى بيت (سهاد) .. قضى معها ما تبقى من ليل.. وعند استيقاظه نزل ليعمل حسب الاتفاق.. ولكن.. كانت مفاجأة..! لم يجد السيارة! ! قالوا له: (لقد حضر (عرفان شهيد) ومعه أكبر أولادك، وقادوها إلى وجهة غير معلومة..!) ثار (سالم) .. (عملوها.. سرقوها.. سرقوا حق الأسياد.. سرقوا حق الأسياد....) .. هكذا صاح (سالم فرحات) .

стр. 2033

دراسات أدبية نجيب الكيلاني.. رائد القصة الإسلامية المعاصرة (١) بقلم: محمد حسن بريغش مات الدكتور نجيب الكيلاني ﵀ بعد أن ترك تراثاً أدبيّاً ضخماً، وظل على مدى أكثر من أربعين عاماً يواصل عطاءه الأدبي حتى بلغت قصصه أكثر من أربعين قصة، وبلغت دراساته النقدية والأدبية والاجتماعية، وأبحاثه الطبية، ودواوينه الشعرية هذا العدد أيضاً [١] . لقد عرف الناس (نجيب الكيلاني) أديباً روائيّاً أكثر مما عرفوه طبيباً يتابع أمراض الناس، ويشترك في البرامج الصحية الوقائية، فضلاً عن المداواة. وكانت رحلته في عالم الأدب رحلة غنية مثيرة، تستحق من الدارسين والنقاد وقفات متأنية، ودراسات متنوعة جادة، لتوضح صورة النتاج الأدبي الذي تركه للأجيال من بعده. أما رحلته في عالم الأدب الإسلامي، فقد تركت له بصمات واضحة في الدراسات والإبداع، مما يجعل أي دارس للأدب الإسلامي المعاصر مضطرّاً للوقوف أمام تراثه الأدبي، ليستخلص من تجربته وآرائه كثيراً من السمات التي تميز بها الأدب الإسلامي المعاصر. لقد كان من أوائل الذين كتبوا عن الأدب الإسلامي، وحاولوا وضع القواعد والسمات المميزة له، إما عن طريق الدراسات الأدبية، أو عن طريق كتابة الشعر والقصة، ولذا: نرى أن من أوائل كتبه التي نشرها: كتاب (الإسلامية والمذاهب الأدبية) ، وكتاب (شوقي.. في ركب الخالدين) ، وكتاب (إقبال.. الشاعر الثائر) . ولذلك: فإن الدراسة الشاملة لأدبه، ولا سيما لقصصه ودواوينه الشعرية ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أنه منذ البداية كان أديباً مسلماً، يتبنى فكرة، وينتسب إلى جماعة إسلامية أخذت على عاتقها الدعوة لتحكيم شرع الله ، بل إنه دخل السجن وهو لا يزال طالباً في الجامعة. وما دامت هذه وقائع حياته المبكرة، فلا يمكن أن ننظر إلى جميع إنتاجه إلا من المنظور الإسلامي، ولا يمكن أن نقبل تبرير أي عمل من أعماله باسم المراحل والظروف والأجواء [٢] . إنه أمر بدهي أن يقع الإنسان في الخطأ حين يجتهد، كما أنه من المعروف أن العمل الأدبي لا يكتمل دفعة واحدة، وإذا جعلنا مقياسنا في تقويم إنتاجه: المقياس الإسلامي للأدب؛ فهذا يعني أننا نعترف به أديباً إسلاميّاً منذ بواكير إنتاجه، وهي ميزة مهمة له، وصفة تزيد من قدْرِهِ مهما كانت الأخطاء التي وقع فيها. لقد أشار (الكيلاني) ﵀ إلى مثل هذا عندما نقل حديثاً دار بينه وبين الأستاذ (محمد عبد الحليم عبد الله) الأديب المعروف، إذ قال له وهو يستلم الجائزة الأولى في القصة القصيرة: (أشعر أنك تكتب أحياناً وأنت موثوق اليدين ... انطلق يا رجل) فأجابه الكيلاني: (إنها ليست قيوداً ... ولكني أحاول أن ألتزم بمبادئى وقيمي) [٣] . ويزيد الأمر وضوحاً عندما عقّب في إحدى الندوات على الدكتور (رشاد رشدي) عن موقف الأديب عند كتابة القصة، وضرورة حياديته، فقال الكيلاني ﵀ : (إن الأديب متحيز.. متحيز لفكرة، لموقف، لمبدأ، وهذا لا يتنافى مع الموضوعية، إذ إن الأديب مقتنع بادئ ذي بدء بمعتقده وبإيجابيته) [٤] . وفي وقفتنا للتحدث عن الكيلاني في هذه المناسبة: لن أستطيع الإحاطة بإنتاجه، ولا ببعضه، ولن أستطيع الوفاء بحقه، أو الوقوف على صورة شاملة لأدبه، لأن ذلك يحتاج إلى جهد واستقراء لإنتاجه كله، وتتبع لكثير من الظواهر الفنية والموضوعية في أدبه، ولكنني سأكتفي في هذا الموضوع بوقفات عند بعض المميزات والنقاط التي أضحت في نظري علامات واضحة في مسيرته الأدبية، وهي ذات فائدة في تناول أدبه بالدراسة الشاملة إن شاء الله (تعالى) [٥] . إن استعراض آثار الكيلاني تشير إلى إنتاج شعري كبير، حيث ترك سبعة دواوين شعرية هي: (أغاني الغرباء) و (عصر الشهداء) و (كيف ألقاك) و (مدينة الكبائر) و (مهاجر) و (أغنيات الليل الطويل) و (نحو العلا) ، وهي متفاوته في ميزاتها الفنية، ولكنها جميعاً تتسم بالأسلوب الواضح العذب، الذي ينبض بالصدق، ويتميز بالعفوية، ويمتلئ بمعاني العزة والقيم الإنسانية الأصيلة، إنها تعبر عن الصورة الإنسانية الكريمة التي تنفض عنها آثار الزيف والظلم، وتأبى الاستسلام للقهر والجهل والعبودية، وتنهض لاستجلاء الصورة التي كرم الله بها هذا المخلوق، يقول في إحدى قصائده: أنا يا زهرتي الفيحاء سارٍٍ ... لى جمر التوجس والعناءِ أصارع حمأة الأحزان ليثًا ... وأقهر كل أوهام الفناءِ ولا أعنو لطاغية تولَّى ... يمزق شمل أحلام الهناء ولم أسكر بمال أو نفوذ ... ولا اعتَكَرَتْ بمأثمهم سمائي وأسقيت الجهاد رحيق عمري ... على شوق إلى يوم النداءِ فحب الله في قلبي ربيع ... تألق بالطهارة والصفاءِ لذات الله قد سجدت جبيني ... فكيف لغيره يرقى انتمائي أرى في كنفه ألقَ التسامي ... وأسبح في بحار من نقاءِ أهيم مُحَرَّرًا من كل قيد ... يبارك مقصدي حلو النداءِ فلا دنيا لتوهن من شموخي ... ولا طمع يزلزل كبريائي [٦] إن اهتمامه بالشعر سبق اهتمامه بالقصة [٧] وغيرها، وكانت قراءاته الشعرية مبكرة، فلقد كان منذ صغره يحلو له أن يكون شاعر الحفل في المناسبات الشائعة في مصر، ولذلك اهتم بقراءة كثير من الدواوين الشعرية، وحفظ الكثير من الشعر، وإن كانت هذه القراءات تنصب في أكثرها على دواوين الشعراء الحديثين، أمثال: البارودي، وعلي الجارم، وشوقي، وحافظ إبراهيم، وإسماعيل صبري، والبوصيري.. وغيرهم [٨] ، ولعل هذه القراءات التي كان أكثرها من الشعر المعاصر هي التي جعلت شعره يتسم بالسهولة والوضوح والبساطة، وقلما نجد في شعره صورة معقدة، أو لفظاً بعيداً عن الوضوح والمألوف، وبالإجمال: فإن ما تركه من شعر يدل على موهبته الشعرية، ويدفع للوقوف عند هذه الدواوين السبعة. أما في ميدان القصة التي أخذت فيما بعد جلّ اهتمامه: فلقد ترك لنا تراثاً ضخماً، ما بين قصة قصيرة جمعها في مجموعات [٩] ، وقصة طويلة جاوزت الأربعين كتاباً، وكانت متنوعة في موضوعاتها وأزمانها، فمنها القصة التاريخية، ومنها القصة الاجتماعية، ومنها القصة الواقعية السياسية، ومنها القصة التي تُعنى بقضايا الشعوب الإسلامية. ولعل الكيلاني قد فتح باباً، وكان يخط طريقاً جديداً في عالم القصة، عندما كتب عن مشكلات الشعوب الإسلامية بأسلوب قصصي ممتع ومحكم، وطرح قضايا هذه الشعوب، أو لفت الأنظار إليها، في وقت كانت تهيمن على المجتمع أفكار الاشتراكية، والشيوعية، والمعسكرات السياسية الممثلة لها، وكانت القضايا الإسلامية ومشكلات الشعوب الإسلامية غائبة عن مسرح الأحداث [١٠] ، حينها كتب هذه القصص التي كان لها وقعها ولا سيما عند الشباب المسلمين: (ليالي تركستان، وعذراء جاكرتا، وعمالقة الشمال، ثم: الظل الأسود) ، وكان الكاتب موفقاً عندما اختار موضوعات قصصه بحيث تواكب الخط الممتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، ومن الشرق إلى الغرب، فكأنه أراد أن يرمز بهذه القصص لحاضر العالم الإسلامي ومشكلاته وامتداده، وتعالج قضية الإنسان المسلم الذي يقف أمام الطغيان ليدافع عن حريته وكرامته ووجوده، ويحمي عقيدته التي تمثل القيم الإنسانية كلها [١١] . وكانت أهمية هذه القصص تأتي من كونها تمثل مرحلة من مراحل التطور التاريخي والفني للدكتور الكيلاني، فقبل هذه القصص كان متردداً في كتابة القصة الإسلامية إلا بصورتها التاريخية: (نور الله) ، (قاتل حمزة) ، ولكنه خرج عن هذا التردد بصورة من الصور، حين اختار قضايا معاصرة بعيدة عن العالم العربي (روسيا، إندونيسيا، نيجيريا، الحبشة) فكتب عنها، محققاً هدفين: أولهما: إسهامه في مجال القصة الإسلامية، وتقديم تجربة جديدة في هذا التوجه، وثانيهما: عدم إثارة من يهيمن على دفة السياسة والفكر والأدب في بلاده. وهذا يؤكد بأن الكيلاني كان في بداياته القصصية مَعْنيّاً بترسيخ قدميه، وتقديم نفسه ككاتب قصة مصري عربي يجيد كتابة الرواية، ويقف مع كتاب القصة الآخرين: (نجيب محفوظ، وباكثير، والسحار، وعبد الحليم عبد الله، والشرقاوي، ويوسف إدريس.. وغيرهم) . ولهذا: لم تكن قصصه الأولى تختلف عن قصص غيره إلا في نسبة مشاركة المرأة والجنس في القصة، أو في طريقة اختيار الموضوع والشخصيات، وتناول المشكلات، دون أن يتميز عن الآخرين بتصوره، ولكنه ظل مثل غيره يهتم بقضايا الاستغلال، والظلم، وانعدام تكافؤ الفرص في المجتمع، واختار موضوعاته من الريف بشكل خاص وألح على مسألة استغلال المُلاك للفلاحين، وإبراز الفروق الطبقية بين الفلاحين وأصحاب الأراضي، وكذلك تحدث عن مشكلات الريف الصحية، وما يرافقها من بؤس ومشكلات أخلاقية واجتماعية.. إلخ. وتحدث عن الفقر وما يرافقه في المجتمع المصري بعامة، وفي الريف بشكل خاص. هذه القضايا التي عرضها الكيلاني في رواياته كانت مشتركة بينه وبين جميع كتاب القصة، وإن كانت طريقته تختلف قليلاً أو كثيراً عن هؤلاء الكتاب، لقد ظل متمسكاً بتقاليد القصة السائدة آنذاك، ومتردداً في الوقت نفسه في حجم التقيد بهذه التقاليد في قصصه، ويبدو ذلك واضحاً في قصصه، مثل: (الطريق الطويل، ليالي السهاد، رأس الشيطان، الربيع العاصف، الذين يحترقون..) [١٢] . ومع هذا: فإن المسيرة الطويلة للدكتور الكيلاني في عالم القصة بشكل عام والقصة الإسلامية بشكل خاص تجعله رائداً للقصة الإسلامية بحق، ولا يؤثر في هذه الريادة كونه مرّ بمراحل مختلفة، وتأرجح بين الرضوخ لتقاليد القصة الغربية، أو الالتزام بالتصور الإسلامي للقصة: في عرضه للموضوعات، وطريقة تناولها، ورسم شخصياتها، لأنه ظل مستمراً ودؤوباً في طريقه، مدافعاً عن القصة الإسلامية، مبرراً لتقصيره، أو عدم تقديمه للنموذج الإسلامي: (ولم يكن من المنطقي أن نثب فجأة إلى منطقة الكمال بين عشية وضحاها، إن الأديب ينمو ويتدرج ببطء عبر التجارب والأحداث، تنضجه رويداً رويداً، وإلا احترق، واحترق قلمه) [١٣] هكذا اعتذر عن عدم التزامه الواضح بالتصور الإسلامي. وكانت مسيرته هذه وسط عالم يعج بالطغيان السياسي والفكري، وهيمنة لأصحاب الاتجاهات العلمانية وأحياناً الإلحادية على وسائل الثقافة والإعلام، ولم يكن بمقدور الكيلاني كما يقول أن ينفذ من خلال ذلك بالصورة التي يتمناها، ولا سيما أن الكُتّاب حينذاك كانوا يتهيّبون من كلمة (إسلام) ، وكان يسيطر على قافلة النقد حشد من الشيوعيين، ولم يكن هناك وجود للنقد الإسلامي [١٤] . ويمكننا أن نضيف بعض العوامل الأخرى التي منعته من تقديم القصة الإسلامية آنذاك، مثل عوامل: النشأة، ومؤثرات البيئة، والمجتمع، والثقافة التي تلقاها في صغره (الحكايات والقصص الشعبية، وقصص ألف ليلة وليلة، وروايات التاريخ الإسلامي لجورجي زيدان، وكليلة ودمنة، وكتب طه حسين، وتيمور، والحكيم، والمازني، والعقاد، والرافعي، والزيات، والجارم، والمنفلوطي) [١٥] . هذه القراءات تغذي الناشيء بلون محدد من الأدب، وبتصور جديد في الحياة، يبتعد كثيراً أو قليلاً عن التصور الإسلامي، ولكنها لا تكوّن لديه التصور الصحيح، إنه كان يفتقد التصور الصحيح المنبثق عن المصدرين الأساسيين للإسلام: كتاب الله وسنة رسوله، ولا يكفي التوجه العاطفي والنفسي والفكري للشاب نحو الإسلام، ولا تكفي النية الطيبة إن لم يأخذ هذا التوجه مضمونه الحقيقي من المصادر الأساسية والدراسات الشرعية. ولعل هذا الأمر يثير لدينا قضية مهمة، تبدو عامة عند كثير من الأدباء والكتاب المسلمين، الذين يتحدثون عن الأدب الإسلامي، أو القضايا الاجتماعية والفكرية، أو يمارسون النقد، أو الإبداع، أو (التنظير) . إن كثيراً من هؤلاء يبدو فقيراً في زاده الشرعي، لأنه يتعامل مع هذا الأمر من منطلق الاختصاص، ويخضع في ذلك للتقسيم المتعسّف الذي يتبناه الاتجاه العلماني المهيمن على الفكر والأدب والتربية، حيث حصروا الأمور الشرعية كلها ضمن عملية التخصص، مثلها مثل دراسة الفن، أو الاقتصاد، أو الرياضة، أو الفيزياء، بمعنى أنها لا تخص إلا من يود دراستها باختياره من أجل التخصص، وزادوا إمعاناً في الاستهانة بالعلوم الشرعية عندما أطلقوا عليها مصطلحات جديدة عامة مثل (التربية الإسلامية) لطمس حقيقة هذه العلوم، ولإخراجها من دائرة العلم إلى دائرة التهذيب النفسي، والمحاولات التربوية، وبذلك لم يعد هناك مجال للقول بعلم التفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو التجويد، أو ... كلها نوع من التربية، تقف بإزاء (التربية الفنية) أي: الموسيقى، والرسم، والنحت، والرقص، و ... و (التربية الرياضية) و (التربية الاجتماعية) .. إلخ. وكذلك فهذا يعني أن التربية الإسلامية جزئية بسيطة تهم جانباً أو بعض جانب من الإنسان، فضلاً عن إقصاء هذا المصطلح عن أن يشمل الرؤية الإسلامية لتربية الإنسان تلك التربية الشاملة. نعم، إن هذه المشكلة عامة عند كثير من الكتاب والأدباء الإسلاميين، وأعني بها ضآلة الفهم الشرعي، بل الجهل بفقه الإسلام في الأمور التي يتخصص كل كاتب فيها، ولذلك نجده يردد الآراء الغربية بعد طلائها بمسحة إسلامية، ومقياسه في ذلك نظره الفكري، لا دليله الشرعي [١٦] ، وينتج عن هذا: اتجاهات وآراء بعيدة عن الإسلام، وفي الوقت نفسه تصبح عالة عليه، وقد تؤدي إلى انحرافات خطيرة على الأجيال المقبلة. ولذلك لا نستغرب أن تكون الصورة غير واضحة عند الدكتور الكيلاني وهو يكتب القصة مادامت ثقافته وقراءته من هذه المنابع التي ذكرناها، ولم يكن بينها ثقافة شرعية أصيلة تحوطه، وتشكل له سوراً يحمية من الانزلاق إلى مواقع الشبهات والخطأ. ولقد كان الكيلاني واضحاً في هذا حين قال: (وبعد أن رسخت قدمي لحدّ ما على طريق الأدب فكرت في تنفيذ ما تحمست إليه أي الأدب الإسلامي وكتبت عنه، لم يكن الموضوع بالسهولة التي يظنها البعض) [١٧] . ولا يعني هذا أن الكيلاني لم يكن في هذه المرحلة في قصصه إلى جانب الأخلاق ونزعات الخير، والتماس المناسبات لكي يشير إلى صورة من صور الإسلام في الشخصية أو السلوك.

стр. 2034

مقال دعوة للتعقل الإعلامي بقلم: د. محمد البشر الغلو الإعلامي ظاهرة يلحظها المتابع للوسائل الإعلامية في الوطن العربي بكل أنواعها المقروءة والمسموعة والمرئية، والتعبير بكلمة (الغلو (لم يأت جزافاً أو رديفاً أو قياساً على مظاهر الغلو في الدين، بل هو حقيقة يدركها كل من وهبه الله قلباً عَقولاً يميز به بين الوهم والحقيقة، وبين الزيف والواقع، إن هذا الإعلام الذي نقل إلينا مصطلحات (الغلو) و (التطرف) و (الأصولية) ، وألبسها لبوساً خاصّاً مفصلاً على القضايا والمشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية، وروّج لها لإقناع الجماهير بالمعنى المراد بها، والمفهوم الذي اختير لها، كان هو أول من وقع في فخ المغالاة من حيث التعبير عنها أو العمل بها. فالغلو ليس في الدين فقط، وليس في الفكر فقط، بل يكون أيضاً في الإعلام، حيث يتجلى هذا الغلو في أوضح صوره وأشكاله. وفي صور هذا (الغلو الإعلامي) تحريف النصوص التي ينقلها هذا الإعلام على لسان العلماء والدعاة والمصلحين في الوطن العربي، وغاية هذا التحريف المتعمد أن ينسجم مع السياسة العامة لتلك المؤسسة الإعلامية، أو لا يتعارض مع السياسة التي تملى عليها، ومنهج تحريف النصوص يكون بتحوير المعنى الأصلي لها، أو بتر أجزاء منها حتى تتفق مع السياق العام المراد لها، وهذا النوع من الغلو يكثر بشكل ملحوظ في الصفحات المخصصة للتحليل الإخباري ذي الصبغة السياسية في الصحافة المقروءة بطريقة تبعث على النفور والتقزز. ومن صور هذا الغلو: (التصفيق الإعلامي) في المحافل والمناسبات السياسية، ذلك التصفيق المثقل بكل معاني التزلف والمراء والمداهنة الذي يجيده فئام من الإعلاميين حملوا على عواتقهم بزعمهم القضاء على الغلو بكل مظاهره في المجتمعات العربية، الذي يأتي غالباً في سياق حديثهم عن الغلو في الدين وحربهم له، وكأن الغلو لا يكون إلا في الدين فقط، ولسنا نرى بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً بين من يغالي في حب شيخه وتقديسه والتمسح بجبته، وبين من يتزلف إلى (الزعيم) ويعلق صورته على صدره أو يتسول على بلاطه ويستعطي عند بابه. ومن صور هذا الغلو: التهميش المقصود للمشكلات التي تعاني منها الأمة العربية، وتجاهل القضايا الكبرى الموغلة في جذور المعاناة، والاشتغال بقضايا فرعية تأتي في ذيل اهتمامات المجتمع. ومن صور هذا الغلو الإعلامي أيضاً: المبالغة في تحليل الخبر ووصفه والتعليق عليه إذا وافق هوى في نفس صاحبه، واستغلال ما يصدر من الجهات المختصة من قرارات وبيانات في الترويج لفكرة مكبوتة وضميمة موبوءة تبحث عن متنفس لها يبرر نشرها والتصفيق لها، فتجعل من هذه القرارات والبيانات الرسمية مطية لها يتصدر تعليق صاحبها عليها الصفحات الأولى لتزويقها وتضليل العامة بها، وهذا منهج تقليدي قد حذقه أقوام وجدوا أنفسهم فجأة يتسنمون منابر الإعلام ومنافذ الفكر بعد أن كانوا مرتكسين في حمأة الفن أو الرياضة، وإذا بنا نراهم يمثلون طلائع الصفوة والنخبة التي فرضت على المجتمعات العربية فكراً عقيماً أجوف لا يعرف ثابتاً ولا يفقه متغيراً. إنها دعوة للتعقل الإعلامي في مجتمعاتنا العربية للقضاء على مظاهر الغلو في أجهزته بكل صورها وأشكالها، دعوة تنادي بترميم شامل للواجهات الإعلامية التي عفى عليها الزمن، والتي سودتها الشعارات، وطمست معالمها التيارات التي عصفت بالأمة العربية سنين عدداً، وما الروائح المنبعثة من هذه الوسائل إلا دليل على امتزاج قيء أصحابها بمداد أقلامهم. إن لوازم العقل، ودواعي الفطرة، ومتطلبات المرحلة، ومنطق الحاجة، واستقراء الواقع ... كل ذلك يحتم استئصال الفكر الأجوف الذي عشش وفرّخ في أجهزة الإعلام العربي، واستبداله بفكر متجذر في عقيدة الأمة، يحمل الهم ويدرك الغاية، يستجيب للواقع ويتفاعل مع الحقيقة، ليسمو بالمجتمع ويحرر العقل العربي من أوشاب الزيف وأدران الجاهلية. هذه مقتضيات الدعوة إلى التعقل الإعلامي الذي تفرضه ظروف المرحلة الراهنة، ونقيضها يجعل من هذا الإعلام اليوم وغداً ومستقبلاً عبئاً على المجتمعات العربية وعالة على شعوبها.

стр. 2035

المسلمون والعالم السلطة الوطنية المسافة بين ضم السين وفتحها! بقلم: د.عبد لله عمر سلطان هناك مثل أمريكي يقول: (أحسن اختيار كلماتك؛ فإنك لا تدري متى تضطر إلى بلعها) ، ومادام أن هناك غراماً متبادلاً بين السلطة الوطنية الفلسطينية وكل ما هو أمريكي فإن من الحكمة أن يتأمل رأس السلطة هذه المقولة علّه يستفيد شيئاً من هذه العلاقة الخطرة التي تشبه علاقة الصداقة المفاجئة بين الذئب المفترس والحمل الغبي..، ومناسبة لفت النظر هذا يرجع بالدرجة الأولى إلى تلك التصريحات العنترية التي لا زالت رموز السلطة الوطنية تطلقها بين الحين والآخر على الرغم من أن القاصي والداني عرف حجم هذه القيادات، كما أن الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته يدفع يوميّاً ثمن مسلسل الأخطاء الفادحة لقيادة أصبحت تتقن دوماً اختيار الأسوء وممارسة الفاحشة السياسية في وضح النهار.. لقد ذكر الشاعر الفلسطيني المسؤول عن جهاز الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية (محمود درويش) في محاضرة له بعمّان قبل أسابيع أن البعض: (يريد من الفلسطينيين أن يتخلوا عن ذاكرتهم التاريخية خلال عملية المفاوضات) ، ولا شك أن درويش وهو شيوعي سابقاً، ليبرالي لاحقاً يعبر عن حالة من (القرف) تنتاب حتى الذين لا يؤمنون بثوابت الأمة وقد يشاركون السلطة الحالية بعضاً من المسؤولية التي آل إليها الحال بعد اتفاق أوسلو.. لقد أعلن في يوليو ١٩٩٥ عن توصل الطرفين الصهيوني والفلسطيني إلى اتفاق تنسحب بموجبه قوات الاحتلال الإسرائيلية عن بعض المدن الآهلة بالسكان في الضفة الغربية المحتلة حسب اتفاق (أوسلو) ، مما يمهد السبيل لإجراء انتخابات (لم تحدد هويتها أو عدد المشاركين من ناخبين أو مرشحين، حيث لازالت إسرائيل تفكر في كل هذه التفاصيل) بعد شهور من الانسحاب، وعلى الرغم من أن انسحاب إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربية المحتلة يشكل حدثاً أكبر بكثير من انسحاباتها الاستعراضية السابقة من غزة أو أريحا، إلا أن الإعلان لم يُصاحَب هذه المرة بتلك الحملة البهلوانية عبر أجهزة الإعلام العربي، حيث إن كذبة (أوسلو) لا تزال عالقة بالأذهان، كما أن الحشد العاطفي والكلام الرخيص المنمق الذي وعد به (مسوقو التطبيع) يترجم حالياً إلى مأساة جديدة يدفع الفلسطينيون ثمنها.. وعلى الرغم من وجاهة المثل الأمريكي السابق، إلا أن عرفات أصر على أن يدشن الاتفاق بتصريح فولكلوري يذكر بأيام المد الثوري والتصريحات النارية؛ فبعد يومين من الإعلان عن الاتفاق صرح عرفات في جنيف: أن الانتخابات الفلسطينية لن تجرى قبل انسحاب إسرائيل من كل مدن وبلدان وقرى ومخيمات الضفة الغربية، وعلى الرغم من أن عرفات سيبتلع هذه الكلمات لاحقاً كما ابتلع ما هو أكبر منها في السابق، إلا أن النخب السياسية التي يمثلها تعرف حتماً أنه حتى تلك التصريحات التي لا زالت الطبقة الحاكمة ترى أنها للاستهلاك المحلي لم تعد تحظى حتى بقبول المستهلكين اللذين يحيون بالإذلال والدونية من تصريحات رغوية كهذه، في الوقت الذي يكرس الجانب الإسرائيلي مطالبه على أرض الواقع بدعم كامل من الولايات المتحدة، وبانهزام متعدد الجبهات على الساحة العربية. لماذا لم يحتفلوا بالانسحاب الجديد؟ عندما زار الكاتب الفلسطيني (إدوارد سعيد) لندن وألقى محاضرة فيها، طالب السلطة الوطنية الفلسطينية أن تبادر بشجاعة وتعلن على الملأ عجزها عن مواصلة الطريق المظلم الذي قادت إليه شعبها، وأن تبادر إلى احترام شعبها وتنشيء حواراً داخليّاً للخروج من مأزق الحل الهزيل الذي أصبح وصمة عار في مسيرة القضية الفلسطينية، تتم تصفيتها بكل سهولة وبمباركة (سلطة وطنية) (بضم السين وليس بفتحها وإن كان الفتح يلائم (فتح) هذه الأيام) فالبطالة في عهد عرفات زادت عن الستين بالمئة وأحلام (سنغافورة الشرق الأوسط) ثبت أنها أحلام ثقيلة الظل، ووزير الإعلام في سلطة الحكم الذاتي يمنع من الدخول إلى مناطق محتلة ويظل ينتظر في سيارته أربع ساعات ثم يضطر إلى العودة من حيث أتى، هذا فضلاً عن رفض إسرائيل حتى لحاشية عرفات بالدخول، ورفضها انتقاله شخصيّاً دون إذن ولي الأمر الإسرائيلي، أما المشروع الوطني القائم على الاحتفاظ بالأرض والصلاحيات والسيادة: فقد ذهب أدراج الريح؛ فسلطة عرفات لا تتمتع من مظاهر السيادة سوى بفرش السجاد الأحمر للضيوف وتقديم عصير البرتقال الفلسطيني بدلاً من ذلك المصنوع في حيفا! ! لقد أفرزت مرحلة ما بعد اتفاق (أوسلو) حقائق صارخة تجعل من الاحتفال بهذا الانسحاب لو تم كابوساً آخر تسعى إسرائيل لتجريعه لكل الفلسطينيين، لا سيما أولئك الذين رضوا بالدنية وساروا وراءها لاهثين. ولن نستطيع أن نعدد المكاسب والمواقع التي أنجزتها دولة الصهاينة منذ (مدريد) ، لكن يكفي التذكير ببعض المعالم المهمة. ظلت (القدس) مربط الفرس والنقطة الأصعب في المفاوضات، ومنذ إعلان (أوسلو) وحتى الآن، استطاعت إسرائيل أن تغرس مخالبها وأنيابها في محيط الأقصى، وتوج ذلك بقرار مصادرة ٥٣ هكتاراً من الأراضي المحتلة لبناء مستوطنات جديدة، واليوم فإن إسرائيل تفتخر وتعلن أن القدس مدينة يهودية؛ فسكانها اليهود يمثلون ٧٥% من مجموع السكان في ظل سياسة مزدوجة بتهجير سكانها المسلمين عبر جعل الحياة المعيشية لا تطاق (٥٠ ألف غادروها خلال السنوات الماضية) ، أو عبر إعطائهم الجنسية الإسرائيلية وبعض المميزات التي تكفل ولاء هؤلاء لدولة صهيون. إسرائيل تعلن بكل وقاحة على لسان (بنيامين بن العازر) وزير الإسكان: (بأنها ستصادر ١٢٠ هكتاراً لبناء ثلاثين ألف وحدة سكنية، لأن الأمر يتعلق بالصراع على مستقبل القدس ولا يمكن لأي شخص أن يملي على إسرائيل موقفاً حيال تصرفها على أراضيها التي تقع تحت سيادتها في القدس) . ومقابل التنفيذ الفعلي لسلب القدس وسرقتها وتهويدها: لا تجد التيارات الفلسطينية من رد فعل سوى جعجعة مؤتمر قمة سرابي سرعان ما تبخر بعد أن أعلنت إسرائيل (تجميد) قرارها، فقرر الأشاوس (تجميد) مشاعر الأمة وإلهاءها بصراعات جانبية تساهم في تخفيف درجة حرارة الشعوب الملتهبة! ! لقد انتهجت الصهيونية سياسة ثابتة تجاه مدينة القدس منذ عام ١٩٤٨م حيث صادروا في البداية ثلث مساحة المدينة، وبعد عام ١٩٦٧م صادروا ما يقارب ٨٠ % من مساحتها، ومنذ اتفاق (أوسلو) حتى الآن استمرت إسرائيل في المصادرة والسرقة بمعدل ١٠٨١ دونماً شهريّاً بعد أن وصل إلى ٢٣٢ دونماً أيام مؤتمر مدريد. لقد أعلن (فريح أبو مدين) في ١٢/٥/١٩٩٥م (أن السلطة الفلسطينية تشعر بعجز اتفاق (أوسلو) وقصوره ولا سيما بالنسبة لقضيتي الأسرى والقدس) ومبارك علينا هذا النبأ السار بأن هناك (شعوراً) لا يزال يسري في أوصال السلطة الوطنية مقابل المخطط الصهيوني المستمر! ! استمر الاستيطان اليهودي في فلسطين منذ الاتفاق حتى الآن، ولابد أن نذكر أن بعض سماسرة السلام ونخاسته كانوا يطلّون علينا صباح مساء حاثين العرب على السلام مع إسرائيل قبل أن ينتهي البرنامج الاستيطاني اليهودي وتختفي الأرض التي تخضع للتفاوض والانسحاب. وصدق البعض النخاسة، وردد أركان معسكر التطبيع هذه الشعارات، لكن (رابين) أصر على أن يلطمهم لطمة أخرى حين استمر في برنامج الاستيطان دون اعتبار أو احترام لاتفاق (أوسلو) ، وهي بشهادة مراقب محايد: عملية استمرت بنفس الوتيرة رغم التصريحات الوثيرة! (فقد تحولت المستعمرات اليهودية في عهد (رابين) إلى وحدة واحدة، تلك الأَمنية وأختها السكانية، وهو قد وعد بأن تبقى المستوطنات الأمنية فقط! ! بل إنه طوّر سياسته لتصبح القدس ومحيطها أكبر مستوطنة، بحيث تمتد المدينة المقدسة إلى الشرق حتى البحر الميت، وإلى الغرب مروراً بمستوطنة (متسبيه يريحو) ، وشمالاً إلى رام الله عبر مستوطنة (بيت إيل) وإلى الخليل جنوباً، مما يعني اقتطاع أهم المناطق وعزل (الهر) العرفاتي وقطع أوصال الضفة الغربية إلى جزئين: مهم، ومقدس، يمثل معظم مناطق الضفة المحيطة بالقدس، وأخرى تتركز فيها كثافة سكانية عربية يتولى عرفات وزبانيته سومها بالحديد والنار، ومما يدفع إلى هذا: أن إشارات من عرفات بدأت تبرز مؤخراً تدلل على قبوله برام الله مقراً دائماً لسلطته الخنفشارية..! استمر الإذلال المعيشي للشعب الفلسطيني، ووصلت الأوضاع الاقتصادية إلى أسوأ مستوى لها مقارنة بوضع الفلسطينيين حتى أيام الاحتلال. الأرقام تقول إن معدلات البطالة فاقت نسبة ٦٠%، وأن دخل الفرد وصل إلى مستوى أنجولا وبنغلاديش، وأن رجال عرفات من أفراد السلطة وجيشها منهمكون في عمليات إتجار غير مشروعة في كل شيء من العقار وحتى تجارة ( ... ) ، وقبل أسابيع ألقي القبض على رجل شرطة قتل زميلاً له ليبيع سلاحه من أجل أن يأكل ... هذا حال السلطة المحظوظة، فما حال الشعب؟ حاله لا يسر، لكن المأزق كبير، ويكفي أن عرفات لم يجد ما يدفعه لأفراد سلطته وجيشه إلا بعد أن وصله شيء من المساعدة التي وعدته بها الدول المانحة والتي أحجمت عن ضخ مزيد من الدعم، خصوصاً بعد أن تبين لها أن الفساد يزكم الأنوف، وأنه في الوقت الذي تعيش فيه غالبية الفلسطينيين فقراً مدقعاً: تتمتع قمة الهرم بترف وثراء غير مشروعين، وقد نقل مراسل محطة التلفزيون الأمريكية () حنق الشارع في غزة من تصريحات (سها عرفات) بأنها لا تثق بالخدمات الصحية في غزة، ولذا: فإنها وضعت مولودتها في إحدى أرقى مستشفيات باريس! ! وكأن فرنسا وحدها دون سائر البلاد العربية والغربية هي التي تملك خدمات صحية يوثق بها! ، أم إن الثقة المفقودة هي في الجنسية الفلسطينية، لذا: لزم ضمان جنسية أخرى (يُعتز بها!) للمولودة الجديدة، وذلك بولادتها على الأرض الفرنسية (حق الأرض، حسب القانون الفرنسي) ؟ ظهر الانحياز الأمريكي في أبشع صوره خلال الفترة الماضية، فأمريكا تخلت عن باقي مظاهر الحياد و (المكياج) الخادع، وأعلنتها صريحة أنها تساوي إسرائيل، وأن إسرائيل تساوي أمريكا، وقد قامت أمريكا بدور مكشوف وقح في دعمها لإسرائيل في مصادرة أراضٍ مقدسة، وصوتت وحدها في مجلس الأمن لصالح اليهود، وأصبح زعماء الديمقراطيين والجمهوريين يتنافسون في كسب ود الصهاينة، ولم يصل الحال إلى درجة أن يزايد الأمريكيون حتى على الإسرائيليين أنفسهم إلا في هذه المرحلة؛ ففي السابق: كان الصهاينة يطرحون طلباتهم، فتلبي أمريكا الطلب بطيب خاطر، أما الآن: فإن (روبرت دول) مرشح الحزب الجمهوري يطالب بنقل السفارة الأمريكية للقدس فيتمنى عليه (رابين) التمهل والانتظار.. (لقد ثبت الآن بعد تصريحات كلنتون في مؤتمر (إيباك) أن الأمريكان أكثر تطرفاً من (رابين) وأنهم صهيونيون أكثر من الصهاينة) كما قال (ماكلرم رديتش) المعلق البريطاني. ماذا بعد؟ في يوم واحد صدرت عدة تصريحات، وبثت تقارير تستحق الإشارة إليها، خصوصاً أنها صدرت في ساعات قليلة بعد يوم واحد من الإعلان الأخير. فقد أعلنت قيادة حزب ليكود أن الاتفاق الهزيل مع عرفات يمكن إلغاؤه، فقال زعيم الحزب (نيتانياهو (: إن الأمن في المناطق الفلسطينية يجب أنه يظل في أيدي اليهود، وإن قواته لن تؤمر بغزو غزة وأريحا (قوات عرفات أكثر كفاءة في قمع الفلسطينيين) وأشار إلى أن عرفات سيبقى مسؤولاً عن جزيرتين مكتظتين بالسكان دون دعم فعلي من إسرائيل. وأعلن (ياسر عبد ربه) مدير الإعلام العرفاتي: أن محادثات نقل السلطات إلى الفلسطينيين لم تحرز تقدماً، وأن الجانب الآخر يدفع بنا إلى الانسحاب من هذه المفاوضات الجهنمية. وزير العدل الإسرائيلي يقترح ضم قسم من الضفة الغربية، وأشار تقرير لصحيفة (ها آرتس) أن برنامج حزب العمل سيسمح لسلطة عرفات في النهاية بالإشراف على ١٨% من مساحة الضفة الغربية فقط! في الساعة نفسها: بثت وكالة الأنباء أن مستوطنة يهودية جديدة قد بوشر في بنائها بين (القدس) و (تل أبيب) . بعدها بساعتين: أنباء عن فشل اللجنة الرباعية الخاصة ببحث عودة نازحي عام ١٩٦٧م ... أما نازحو ١٩٤٨م فليسوا على قائمة البحث. تقارير من (تل أبيب) و (لندن) عن بدء نشاط جديد بين سلطة عرفات وجهاز المخابرات الإسرائيلي (شين بيت) والذي اتفق عليه قبل ثلاثة أشهر في (روما) مهمته الأولى: إسكات الصوت الإسلامي المعارض للهزيمة، والركوع تحت اللافتة المكررة (محاربة الأصولية) ... هذه الأصولية هي الصوت الباقي، الصوت الضعيف المطارد الذي يدافع بأسلحته العتيقة وإيمانه الوقاد كل هذا الباطل المتبجح المغرور وتلك العمالة التي يأبى الله إلا أن يفضحها مع مطلع كل يوم يشرق بنور العودة إلى الله، فتظهر على حقيقتها: تجعجع بكونها سُلطة، بينما تثبت الأيام أنها أوراق وزعامات ومكونات جمعت في طبق يذكر بسَلطة لا تثير الشهية أو الرغبة في المضي قدماً لتناول وجبة الاستسلام السامة!
следующие страницы →