نص شعري
إصلاح الذات قبل الذوات
شعر: علي العيسي
المرء إن لبس الحياة بساطةً ... ونزاهةً لم يَعْتَرضْهُ المَحْرَجُ
من سار في بُطءٍ تعثّر سيرُه ... ولقد يجاوز حدّه من يدلجُ
كم من بطيء أو سريع حاصد ... عنتاً، وكان يظنها لا تُفْرَجُ
فإذا استقر مع التوسط سَيْرُه ... فوق التباطؤ، دون ركضٍ يَفْلَجُ
فبذا يحقق ما الذي يسعى له ... بين الرقاد، وبين طيشٍ يُزْعِجُ
فالعدل، والعقل المفكر، والهدى ... والرأي، والودّ النقيّ: المَنْهَجُ
من أتقن النهج القويم مع التقى ... خلف النبي فخصمه لا يُبهَجُ
من يسبق الأحداث تكبو خيله ... ومن استقر مع الجليد يُثَلّجُ
إن الجمود أو الجحود تخلفٌ ... أو رقدة لم ينتظرها المُسرجُ
***
هذي مجالسنا تَضُوعُ [*] حماسة ... لكن يعزّ حقيقة ما يُنْتَجُ
ما أعظم الأفكار تملك ألسُناً ... لكنّ ترجمة الحديث تخدّجُ
حلو الكلام يمر من أفواهنا ... يسمو إلى عالي الأمور ويَعْرُجُ
لكننا في الفعل.. نخجل فعلنا ... فيظل في دَمِ عِزّنا يِتَفَرّجُ
قد شابت الألفاظ فوق شِفَاهِنا ... أما الوعود.. فنطفة تترجَرجُ
***
يا من يطالب غيره بفضائل ... وهو الذي يبدو إليها أَحْوَجُ
ما فاز في نشر الفضيلة مرشد ... وخيوله تشكو الهزال وتَعْرُجُ
لو أنصف الإنسان في أقواله ... وفعاله لبدا الضيا والمخرَجُ
لو أصلح الإنسان بدءاً نفسه ... عمّ الرضا، والحق حق أبلجُ
стр. 2032
قصة قصيرة
نهاية طريق
بقلم: خالد أبو الفتوح
ما إن انتهى (سالم فرحات) من إنزال آخر راكب حتى انتحى بسيارته جانباً
وانكب يعدد حصيلة ليلة من العمل الشاق.. انفرجت أسارير (سالم) مع بلوغ العد
نهايته واطمئنانه على وفرة دخله الليلة.. (الآن أستطيع إحضار ما تبتغيه سهاد) ..
قالها وهو يمد رجليه أمامه ويلف ذراعه حول مسند الكرسي المجاور له.. وبعد
هنيهة من الشرود.. اعتدل في جلسته، أخرج من جواره زجاجة مشروب.. صب
بعضه واحتساه عسى أن يعينه على مواصلة المسير.
أدار محرك السيارة وواصل السير راضياً ومنتشياً.. بعد قليل، ظهر أمامه
بائع الفاكهة الذي اعتاد المرور عليه..
(أُحضر بعض الفاكهة للأولاد؟)
(ولكن.. قد يؤثر ذلك على طلبات (سهاد) .. لا أريد أن أخسر رضاها)
واصل سيره بسرعة وكأن هناك من يلاحقه أو أن هناك غاية يريد أن يطوي
الأرض طيّاً حتى يدركها.. وبعد أحد المنعطفات ظهر على جانب الطريق ثلاثة
أشخاص يشيرون له..
(زبائن! ! يبدو أنها ليلة سعادة وأنس من أولها لآخرها.. لا بأس من زيادة)
أوقف السيارة عندهم، ومال بجذعه تجاههم..
(إلى أين وجهتكم؟)
(حتى نهاية الطريق ... ) قالوها وهم يهمون بالركوب.
لم يهتم (سالم) بمساومتهم على الأجرة كعادته مع كل زبون؛ فأي شيء
يدفعونه سيكون دخلاً إضافيّاً إلى الحصيلة التي اطمأن على وفرتها، كما أنه لن
يتكلف شيئاً لتوصيلهم إلى (نهاية الطريق) .
(ما اسم صاحبنا، ومن أي البلاد؟) .. قالها أحد الثلاثة بادئاً حديثاً يقطع به
طول الطريق وسكون الليل..
(سالم فرحات.. من الصبراوية.. من تل منيب في الصبراوية.. من عائلة
الع..
(كفى.. هذا هو طلبنا) .. قالها آخر بحدة من خلفه وهو يلصق أداة حادة في
رقبته! ! .
انتصب (سالم) في جلسته.. شخصت عيناه.. بدا وكأنه تمثال من شمع....
(لابد أن هذه هي العصابة التي طالما حذرني منها شريكي (عرفان شهيد) .. كيف لم
ألحظ الياقات الزرقاء التي يرتدونها؟ ! .. يا لغبائي.. يا لنكستي! ! ..) .. لم
يتنبه (سالم) إلا على صوت أحدهم يوجه الحديث إلى زميل له:
(هل أقود السيارة بدلاً منه؟) .
(لا.. لا.. حتى لا نلفت الانتباه إلينا، ولكن وجهه حتى نصل إلى (نهاية
الطريق) ..)
لم يملك (سالم) إلا الاستسلام لتوجيهات الجالس جواره.. وبعد سلوك بعض
الطرق والدروب بدا أمامه مبنى تحيط به الصحراء من كل جانب.. كان عجيباً أن
يكون في هذا المكان مبنى بمثل هذه الفخامة.. لم تخفف هيئة المبنى من إحساس
(سالم) بالوحشة والانقباض الذي كان يزداد كلما دنا من المبنى.
أمام المبنى أوقفوه، نزع أحدهم مفتاح التشغيل من مكانه، بينما نزل آخر
ووقف في مواجهة باب السائق..
(أخرج ما معك يا سالم) .. قالها الثالث من خلفه.
(عَرقي.. قوت أولادي ... لم يكمل (سالم) كلامه.. أَحسّ بالدونية عندما
لكمه أحدهم قائلاً له:
(أي أولاد يا ضائع.. نفّذ يا خسيس!)
أخرج (سالم) حصيلة الليلة من أسفل كرسيه، وأعطاها لهم.
(وبقية ما تخبئه، وكل ما في جيوبك)
استسلم (سالم) تماماً، وبدا على وجهه الإرهاق ممتزجاً بالقهر.. سلّمهم كل ما
طلبوه.
جذبه الواقف بجواره خارج السيارة، وساقه دفعاً نحو المبنى.. أجلَسوه أرضاً، وتحلقوا حوله..
(سالم.. طبعاً لا تنكر علاقتك بسهاد.. ولعلك لا تعرف أنها صديقتنا..)
انعقد لسان (سالم) ، ومن فرط دهشته لم ينبس ببنت شفة.
(تحت أيدينا صور لك معها وتسجيلات بصوتك.. أتحب أن تطلع عليها؟)
(الله أمر بالستر)
(نعم.. ونحن نستر عليك.. إذا وقّعت على هذه الورقة!)
أمسك (سالم) بالورقة.. تفحصها.. تردد قليلاً، ثم قال:
(وهل إذا تنازلت لكم عنها أطلقتم سراحي ولم تفضحوني؟)
(نعم.. وقد نكافئك أيضاً..)
تناول (سالم) القلم منهم، ووقّع وهو يتمتم: (هكذا انغلق الباب الذي كنت
أرتزق منه)
تركوه يمضي.. خرج وهو مطأطئ الرأس مثقل الخطى.. وعندما وصل
إلى السيارة نظر إليها بحسرة، وعاود النظر إلى المبنى ومن به.. ثم مضى وهو
يجر رجليه.. (سالم.. قف مكانك..) .. صوت حاد مصدره المبنى.. تسمّر
(سالم) على إثره..
(ارجع بظهرك إلى الخلف!)
رجع بظهره حتى وصل إلى المبنى.. أدخلوه مرة أخرى.. جردوه من
ثيابه.. بدا وكأنهم يضمرون شيئاً آخر..
في هذه الأثناء لمح (سالم) شبح شخصين خارج المبنى.. تجدد أمله في
النجاة..
(هل يعملان على إنقاذي..؟ !)
ولكن لم يطل أمل (سالم) ، حيث خرج أحد الثلاثة وتهامس مع الشخصين..
ثم دخل..
(أبشر يا (سالم) .. لقد قررنا محاكمتك.. محاكمة عادلة) .. ثم دفعه إلى أحد
الأركان!
وبينما ينهار (سالم) ، قام أحدهم ممثلاً للادعاء، فترافع طالباً الإعدام لهذا
المجرم الوضيع..
ثم قام آخر ودافع عن (سالم) طالباً إطلاق سراحه؛ فقد أدى ما عليه ونفذ ما
طُلب منه.. ثم جاء وقت النطق بالحكم..
وقف (سالم) مشدوهاً يترقب مصيره.. لا يرفع بصره عن وجه الحكَم! ! ..
(نظراً لحاجتنا لجهود (سالم) .. ونظراً لاستجابته وتفهمه.. فقد قررنا أن
يعمل (سالم) على السيارة لحسابنا، مقابل إطعامه وجبتين يوميّاً.. مع النظر في
أمر تزويجه من صديقتنا سهاد) ..
لم يصدق (سالم) ما سمعه.. قفز من مكانه هاتفاً: (يحيا العدل.. يحيا
العدل.. يحيا العدل) .. أخذ يقبلهم ويعانقهم بانفعال.. لم يكترثوا باحتفاله الهستيري، كان واضحاً اشمئزازهم منه..
دفعوا إليه مفاتيح السيارة.. أدارها.. غاب عن أنظارهم.. كان أول ما فعله
أن ذهب إلى بيت (سهاد) .. قضى معها ما تبقى من ليل.. وعند استيقاظه نزل
ليعمل حسب الاتفاق..
ولكن.. كانت مفاجأة..!
لم يجد السيارة! !
قالوا له: (لقد حضر (عرفان شهيد) ومعه أكبر أولادك، وقادوها إلى وجهة
غير معلومة..!)
ثار (سالم) ..
(عملوها.. سرقوها.. سرقوا حق الأسياد.. سرقوا حق الأسياد....)
.. هكذا صاح (سالم فرحات) .
стр. 2033
دراسات أدبية
نجيب الكيلاني..
رائد القصة الإسلامية المعاصرة
(١)
بقلم: محمد حسن بريغش
مات الدكتور نجيب الكيلاني ﵀ بعد أن ترك تراثاً أدبيّاً ضخماً،
وظل على مدى أكثر من أربعين عاماً يواصل عطاءه الأدبي حتى بلغت قصصه
أكثر من أربعين قصة، وبلغت دراساته النقدية والأدبية والاجتماعية، وأبحاثه
الطبية، ودواوينه الشعرية هذا العدد أيضاً [١] .
لقد عرف الناس (نجيب الكيلاني) أديباً روائيّاً أكثر مما عرفوه طبيباً يتابع
أمراض الناس، ويشترك في البرامج الصحية الوقائية، فضلاً عن المداواة.
وكانت رحلته في عالم الأدب رحلة غنية مثيرة، تستحق من الدارسين والنقاد
وقفات متأنية، ودراسات متنوعة جادة، لتوضح صورة النتاج الأدبي الذي تركه
للأجيال من بعده.
أما رحلته في عالم الأدب الإسلامي، فقد تركت له بصمات واضحة في
الدراسات والإبداع، مما يجعل أي دارس للأدب الإسلامي المعاصر مضطرّاً
للوقوف أمام تراثه الأدبي، ليستخلص من تجربته وآرائه كثيراً من السمات التي
تميز بها الأدب الإسلامي المعاصر.
لقد كان من أوائل الذين كتبوا عن الأدب الإسلامي، وحاولوا وضع القواعد
والسمات المميزة له، إما عن طريق الدراسات الأدبية، أو عن طريق كتابة الشعر
والقصة، ولذا: نرى أن من أوائل كتبه التي نشرها: كتاب (الإسلامية والمذاهب
الأدبية) ، وكتاب (شوقي.. في ركب الخالدين) ، وكتاب (إقبال.. الشاعر الثائر) .
ولذلك: فإن الدراسة الشاملة لأدبه، ولا سيما لقصصه ودواوينه الشعرية
ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أنه منذ البداية كان أديباً مسلماً، يتبنى فكرة، وينتسب
إلى جماعة إسلامية أخذت على عاتقها الدعوة لتحكيم شرع الله ، بل إنه
دخل السجن وهو لا يزال طالباً في الجامعة.
وما دامت هذه وقائع حياته المبكرة، فلا يمكن أن ننظر إلى جميع إنتاجه إلا
من المنظور الإسلامي، ولا يمكن أن نقبل تبرير أي عمل من أعماله باسم المراحل
والظروف والأجواء [٢] . إنه أمر بدهي أن يقع الإنسان في الخطأ حين يجتهد،
كما أنه من المعروف أن العمل الأدبي لا يكتمل دفعة واحدة، وإذا جعلنا مقياسنا في
تقويم إنتاجه: المقياس الإسلامي للأدب؛ فهذا يعني أننا نعترف به أديباً إسلاميّاً منذ
بواكير إنتاجه، وهي ميزة مهمة له، وصفة تزيد من قدْرِهِ مهما كانت الأخطاء التي
وقع فيها.
لقد أشار (الكيلاني) ﵀ إلى مثل هذا عندما نقل حديثاً دار بينه وبين
الأستاذ (محمد عبد الحليم عبد الله) الأديب المعروف، إذ قال له وهو يستلم الجائزة
الأولى في القصة القصيرة:
(أشعر أنك تكتب أحياناً وأنت موثوق اليدين ... انطلق يا رجل)
فأجابه الكيلاني: (إنها ليست قيوداً ... ولكني أحاول أن ألتزم بمبادئى
وقيمي) [٣] .
ويزيد الأمر وضوحاً عندما عقّب في إحدى الندوات على الدكتور (رشاد
رشدي) عن موقف الأديب عند كتابة القصة، وضرورة حياديته، فقال الكيلاني
﵀ : (إن الأديب متحيز.. متحيز لفكرة، لموقف، لمبدأ، وهذا لا يتنافى
مع الموضوعية، إذ إن الأديب مقتنع بادئ ذي بدء بمعتقده وبإيجابيته) [٤] .
وفي وقفتنا للتحدث عن الكيلاني في هذه المناسبة: لن أستطيع الإحاطة
بإنتاجه، ولا ببعضه، ولن أستطيع الوفاء بحقه، أو الوقوف على صورة شاملة
لأدبه، لأن ذلك يحتاج إلى جهد واستقراء لإنتاجه كله، وتتبع لكثير من الظواهر
الفنية والموضوعية في أدبه، ولكنني سأكتفي في هذا الموضوع بوقفات عند بعض
المميزات والنقاط التي أضحت في نظري علامات واضحة في مسيرته الأدبية،
وهي ذات فائدة في تناول أدبه بالدراسة الشاملة إن شاء الله (تعالى) [٥] .
إن استعراض آثار الكيلاني تشير إلى إنتاج شعري كبير، حيث ترك سبعة
دواوين شعرية هي: (أغاني الغرباء) و (عصر الشهداء) و (كيف ألقاك) و (مدينة
الكبائر) و (مهاجر) و (أغنيات الليل الطويل) و (نحو العلا) ، وهي متفاوته في
ميزاتها الفنية، ولكنها جميعاً تتسم بالأسلوب الواضح العذب، الذي ينبض بالصدق، ويتميز بالعفوية، ويمتلئ بمعاني العزة والقيم الإنسانية الأصيلة، إنها تعبر عن
الصورة الإنسانية الكريمة التي تنفض عنها آثار الزيف والظلم، وتأبى الاستسلام
للقهر والجهل والعبودية، وتنهض لاستجلاء الصورة التي كرم الله بها هذا المخلوق، يقول في إحدى قصائده:
أنا يا زهرتي الفيحاء سارٍٍ ... لى جمر التوجس والعناءِ
أصارع حمأة الأحزان ليثًا ... وأقهر كل أوهام الفناءِ
ولا أعنو لطاغية تولَّى ... يمزق شمل أحلام الهناء
ولم أسكر بمال أو نفوذ ... ولا اعتَكَرَتْ بمأثمهم سمائي
وأسقيت الجهاد رحيق عمري ... على شوق إلى يوم النداءِ
فحب الله في قلبي ربيع ... تألق بالطهارة والصفاءِ
لذات الله قد سجدت جبيني ... فكيف لغيره يرقى انتمائي
أرى في كنفه ألقَ التسامي ... وأسبح في بحار من نقاءِ
أهيم مُحَرَّرًا من كل قيد ... يبارك مقصدي حلو النداءِ
فلا دنيا لتوهن من شموخي ... ولا طمع يزلزل كبريائي [٦]
إن اهتمامه بالشعر سبق اهتمامه بالقصة [٧] وغيرها، وكانت قراءاته
الشعرية مبكرة، فلقد كان منذ صغره يحلو له أن يكون شاعر الحفل في المناسبات
الشائعة في مصر، ولذلك اهتم بقراءة كثير من الدواوين الشعرية، وحفظ الكثير
من الشعر، وإن كانت هذه القراءات تنصب في أكثرها على دواوين الشعراء
الحديثين، أمثال: البارودي، وعلي الجارم، وشوقي، وحافظ إبراهيم،
وإسماعيل صبري، والبوصيري.. وغيرهم [٨] ، ولعل هذه القراءات التي كان
أكثرها من الشعر المعاصر هي التي جعلت شعره يتسم بالسهولة والوضوح
والبساطة، وقلما نجد في شعره صورة معقدة، أو لفظاً بعيداً عن الوضوح
والمألوف، وبالإجمال: فإن ما تركه من شعر يدل على موهبته الشعرية، ويدفع
للوقوف عند هذه الدواوين السبعة.
أما في ميدان القصة التي أخذت فيما بعد جلّ اهتمامه: فلقد ترك لنا تراثاً
ضخماً، ما بين قصة قصيرة جمعها في مجموعات [٩] ، وقصة طويلة جاوزت
الأربعين كتاباً، وكانت متنوعة في موضوعاتها وأزمانها، فمنها القصة التاريخية،
ومنها القصة الاجتماعية، ومنها القصة الواقعية السياسية، ومنها القصة التي تُعنى
بقضايا الشعوب الإسلامية.
ولعل الكيلاني قد فتح باباً، وكان يخط طريقاً جديداً في عالم القصة، عندما
كتب عن مشكلات الشعوب الإسلامية بأسلوب قصصي ممتع ومحكم، وطرح
قضايا هذه الشعوب، أو لفت الأنظار إليها، في وقت كانت تهيمن على المجتمع
أفكار الاشتراكية، والشيوعية، والمعسكرات السياسية الممثلة لها، وكانت القضايا
الإسلامية ومشكلات الشعوب الإسلامية غائبة عن مسرح الأحداث [١٠] ، حينها
كتب هذه القصص التي كان لها وقعها ولا سيما عند الشباب المسلمين: (ليالي
تركستان، وعذراء جاكرتا، وعمالقة الشمال، ثم: الظل الأسود) ، وكان الكاتب
موفقاً عندما اختار موضوعات قصصه بحيث تواكب الخط الممتد من الشمال
الشرقي إلى الجنوب الغربي، ومن الشرق إلى الغرب، فكأنه أراد أن يرمز بهذه
القصص لحاضر العالم الإسلامي ومشكلاته وامتداده، وتعالج قضية الإنسان المسلم
الذي يقف أمام الطغيان ليدافع عن حريته وكرامته ووجوده، ويحمي عقيدته التي
تمثل القيم الإنسانية كلها [١١] .
وكانت أهمية هذه القصص تأتي من كونها تمثل مرحلة من مراحل التطور
التاريخي والفني للدكتور الكيلاني، فقبل هذه القصص كان متردداً في كتابة القصة
الإسلامية إلا بصورتها التاريخية: (نور الله) ، (قاتل حمزة) ، ولكنه خرج عن هذا
التردد بصورة من الصور، حين اختار قضايا معاصرة بعيدة عن العالم العربي
(روسيا، إندونيسيا، نيجيريا، الحبشة) فكتب عنها، محققاً هدفين: أولهما:
إسهامه في مجال القصة الإسلامية، وتقديم تجربة جديدة في هذا التوجه، وثانيهما:
عدم إثارة من يهيمن على دفة السياسة والفكر والأدب في بلاده.
وهذا يؤكد بأن الكيلاني كان في بداياته القصصية مَعْنيّاً بترسيخ قدميه،
وتقديم نفسه ككاتب قصة مصري عربي يجيد كتابة الرواية، ويقف مع كتاب القصة
الآخرين: (نجيب محفوظ، وباكثير، والسحار، وعبد الحليم عبد الله، والشرقاوي، ويوسف إدريس.. وغيرهم) .
ولهذا: لم تكن قصصه الأولى تختلف عن قصص غيره إلا في نسبة مشاركة
المرأة والجنس في القصة، أو في طريقة اختيار الموضوع والشخصيات، وتناول
المشكلات، دون أن يتميز عن الآخرين بتصوره، ولكنه ظل مثل غيره يهتم
بقضايا الاستغلال، والظلم، وانعدام تكافؤ الفرص في المجتمع، واختار
موضوعاته من الريف بشكل خاص وألح على مسألة استغلال المُلاك للفلاحين،
وإبراز الفروق الطبقية بين الفلاحين وأصحاب الأراضي، وكذلك تحدث عن
مشكلات الريف الصحية، وما يرافقها من بؤس ومشكلات أخلاقية واجتماعية..
إلخ.
وتحدث عن الفقر وما يرافقه في المجتمع المصري بعامة، وفي الريف بشكل
خاص.
هذه القضايا التي عرضها الكيلاني في رواياته كانت مشتركة بينه وبين جميع
كتاب القصة، وإن كانت طريقته تختلف قليلاً أو كثيراً عن هؤلاء الكتاب، لقد ظل
متمسكاً بتقاليد القصة السائدة آنذاك، ومتردداً في الوقت نفسه في حجم التقيد بهذه
التقاليد في قصصه، ويبدو ذلك واضحاً في قصصه، مثل: (الطريق الطويل،
ليالي السهاد، رأس الشيطان، الربيع العاصف، الذين يحترقون..) [١٢] .
ومع هذا: فإن المسيرة الطويلة للدكتور الكيلاني في عالم القصة بشكل عام
والقصة الإسلامية بشكل خاص تجعله رائداً للقصة الإسلامية بحق، ولا يؤثر في
هذه الريادة كونه مرّ بمراحل مختلفة، وتأرجح بين الرضوخ لتقاليد القصة الغربية، أو الالتزام بالتصور الإسلامي للقصة: في عرضه للموضوعات، وطريقة تناولها، ورسم شخصياتها، لأنه ظل مستمراً ودؤوباً في طريقه، مدافعاً عن القصة
الإسلامية، مبرراً لتقصيره، أو عدم تقديمه للنموذج الإسلامي: (ولم يكن من
المنطقي أن نثب فجأة إلى منطقة الكمال بين عشية وضحاها، إن الأديب ينمو
ويتدرج ببطء عبر التجارب والأحداث، تنضجه رويداً رويداً، وإلا احترق،
واحترق قلمه) [١٣] هكذا اعتذر عن عدم التزامه الواضح بالتصور الإسلامي.
وكانت مسيرته هذه وسط عالم يعج بالطغيان السياسي والفكري، وهيمنة
لأصحاب الاتجاهات العلمانية وأحياناً الإلحادية على وسائل الثقافة والإعلام، ولم
يكن بمقدور الكيلاني كما يقول أن ينفذ من خلال ذلك بالصورة التي يتمناها، ولا
سيما أن الكُتّاب حينذاك كانوا يتهيّبون من كلمة (إسلام) ، وكان يسيطر على قافلة
النقد حشد من الشيوعيين، ولم يكن هناك وجود للنقد الإسلامي [١٤] .
ويمكننا أن نضيف بعض العوامل الأخرى التي منعته من تقديم القصة
الإسلامية آنذاك، مثل عوامل: النشأة، ومؤثرات البيئة، والمجتمع، والثقافة التي
تلقاها في صغره (الحكايات والقصص الشعبية، وقصص ألف ليلة وليلة، وروايات
التاريخ الإسلامي لجورجي زيدان، وكليلة ودمنة، وكتب طه حسين، وتيمور،
والحكيم، والمازني، والعقاد، والرافعي، والزيات، والجارم، والمنفلوطي) [١٥] .
هذه القراءات تغذي الناشيء بلون محدد من الأدب، وبتصور جديد في الحياة، يبتعد كثيراً أو قليلاً عن التصور الإسلامي، ولكنها لا تكوّن لديه التصور
الصحيح، إنه كان يفتقد التصور الصحيح المنبثق عن المصدرين الأساسيين
للإسلام: كتاب الله وسنة رسوله، ولا يكفي التوجه العاطفي والنفسي والفكري
للشاب نحو الإسلام، ولا تكفي النية الطيبة إن لم يأخذ هذا التوجه مضمونه الحقيقي
من المصادر الأساسية والدراسات الشرعية.
ولعل هذا الأمر يثير لدينا قضية مهمة، تبدو عامة عند كثير من الأدباء
والكتاب المسلمين، الذين يتحدثون عن الأدب الإسلامي، أو القضايا الاجتماعية
والفكرية، أو يمارسون النقد، أو الإبداع، أو (التنظير) .
إن كثيراً من هؤلاء يبدو فقيراً في زاده الشرعي، لأنه يتعامل مع هذا الأمر
من منطلق الاختصاص، ويخضع في ذلك للتقسيم المتعسّف الذي يتبناه الاتجاه
العلماني المهيمن على الفكر والأدب والتربية، حيث حصروا الأمور الشرعية كلها
ضمن عملية التخصص، مثلها مثل دراسة الفن، أو الاقتصاد، أو الرياضة، أو
الفيزياء، بمعنى أنها لا تخص إلا من يود دراستها باختياره من أجل التخصص،
وزادوا إمعاناً في الاستهانة بالعلوم الشرعية عندما أطلقوا عليها مصطلحات جديدة
عامة مثل (التربية الإسلامية) لطمس حقيقة هذه العلوم، ولإخراجها من دائرة العلم
إلى دائرة التهذيب النفسي، والمحاولات التربوية، وبذلك لم يعد هناك مجال للقول
بعلم التفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو التجويد، أو ... كلها نوع من التربية،
تقف بإزاء (التربية الفنية) أي: الموسيقى، والرسم، والنحت، والرقص، و ...
و (التربية الرياضية) و (التربية الاجتماعية) .. إلخ.
وكذلك فهذا يعني أن التربية الإسلامية جزئية بسيطة تهم جانباً أو بعض جانب
من الإنسان، فضلاً عن إقصاء هذا المصطلح عن أن يشمل الرؤية الإسلامية لتربية
الإنسان تلك التربية الشاملة.
نعم، إن هذه المشكلة عامة عند كثير من الكتاب والأدباء الإسلاميين، وأعني
بها ضآلة الفهم الشرعي، بل الجهل بفقه الإسلام في الأمور التي يتخصص كل
كاتب فيها، ولذلك نجده يردد الآراء الغربية بعد طلائها بمسحة إسلامية، ومقياسه
في ذلك نظره الفكري، لا دليله الشرعي [١٦] ، وينتج عن هذا: اتجاهات وآراء
بعيدة عن الإسلام، وفي الوقت نفسه تصبح عالة عليه، وقد تؤدي إلى انحرافات
خطيرة على الأجيال المقبلة.
ولذلك لا نستغرب أن تكون الصورة غير واضحة عند الدكتور الكيلاني وهو
يكتب القصة مادامت ثقافته وقراءته من هذه المنابع التي ذكرناها، ولم يكن بينها
ثقافة شرعية أصيلة تحوطه، وتشكل له سوراً يحمية من الانزلاق إلى مواقع
الشبهات والخطأ.
ولقد كان الكيلاني واضحاً في هذا حين قال: (وبعد أن رسخت قدمي لحدّ ما
على طريق الأدب فكرت في تنفيذ ما تحمست إليه أي الأدب الإسلامي وكتبت عنه، لم يكن الموضوع بالسهولة التي يظنها البعض) [١٧] .
ولا يعني هذا أن الكيلاني لم يكن في هذه المرحلة في قصصه إلى جانب
الأخلاق ونزعات الخير، والتماس المناسبات لكي يشير إلى صورة من صور
الإسلام في الشخصية أو السلوك.
стр. 2034
مقال
دعوة للتعقل الإعلامي
بقلم: د. محمد البشر
الغلو الإعلامي ظاهرة يلحظها المتابع للوسائل الإعلامية في الوطن العربي
بكل أنواعها المقروءة والمسموعة والمرئية، والتعبير بكلمة (الغلو (لم يأت جزافاً أو
رديفاً أو قياساً على مظاهر الغلو في الدين، بل هو حقيقة يدركها كل من وهبه الله
قلباً عَقولاً يميز به بين الوهم والحقيقة، وبين الزيف والواقع، إن هذا الإعلام الذي
نقل إلينا مصطلحات (الغلو) و (التطرف) و (الأصولية) ، وألبسها لبوساً خاصّاً
مفصلاً على القضايا والمشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية، وروّج لها
لإقناع الجماهير بالمعنى المراد بها، والمفهوم الذي اختير لها، كان هو أول من
وقع في فخ المغالاة من حيث التعبير عنها أو العمل بها.
فالغلو ليس في الدين فقط، وليس في الفكر فقط، بل يكون أيضاً في الإعلام، حيث يتجلى هذا الغلو في أوضح صوره وأشكاله.
وفي صور هذا (الغلو الإعلامي) تحريف النصوص التي ينقلها هذا الإعلام
على لسان العلماء والدعاة والمصلحين في الوطن العربي، وغاية هذا التحريف
المتعمد أن ينسجم مع السياسة العامة لتلك المؤسسة الإعلامية، أو لا يتعارض مع
السياسة التي تملى عليها، ومنهج تحريف النصوص يكون بتحوير المعنى الأصلي
لها، أو بتر أجزاء منها حتى تتفق مع السياق العام المراد لها، وهذا النوع من الغلو
يكثر بشكل ملحوظ في الصفحات المخصصة للتحليل الإخباري ذي الصبغة
السياسية في الصحافة المقروءة بطريقة تبعث على النفور والتقزز.
ومن صور هذا الغلو: (التصفيق الإعلامي) في المحافل والمناسبات السياسية، ذلك التصفيق المثقل بكل معاني التزلف والمراء والمداهنة الذي يجيده فئام من
الإعلاميين حملوا على عواتقهم بزعمهم القضاء على الغلو بكل مظاهره في
المجتمعات العربية، الذي يأتي غالباً في سياق حديثهم عن الغلو في الدين وحربهم
له، وكأن الغلو لا يكون إلا في الدين فقط، ولسنا نرى بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً بين
من يغالي في حب شيخه وتقديسه والتمسح بجبته، وبين من يتزلف إلى (الزعيم)
ويعلق صورته على صدره أو يتسول على بلاطه ويستعطي عند بابه.
ومن صور هذا الغلو: التهميش المقصود للمشكلات التي تعاني منها الأمة
العربية، وتجاهل القضايا الكبرى الموغلة في جذور المعاناة، والاشتغال بقضايا
فرعية تأتي في ذيل اهتمامات المجتمع.
ومن صور هذا الغلو الإعلامي أيضاً: المبالغة في تحليل الخبر ووصفه
والتعليق عليه إذا وافق هوى في نفس صاحبه، واستغلال ما يصدر من الجهات
المختصة من قرارات وبيانات في الترويج لفكرة مكبوتة وضميمة موبوءة تبحث
عن متنفس لها يبرر نشرها والتصفيق لها، فتجعل من هذه القرارات والبيانات
الرسمية مطية لها يتصدر تعليق صاحبها عليها الصفحات الأولى لتزويقها وتضليل
العامة بها، وهذا منهج تقليدي قد حذقه أقوام وجدوا أنفسهم فجأة يتسنمون منابر
الإعلام ومنافذ الفكر بعد أن كانوا مرتكسين في حمأة الفن أو الرياضة، وإذا بنا
نراهم يمثلون طلائع الصفوة والنخبة التي فرضت على المجتمعات العربية فكراً
عقيماً أجوف لا يعرف ثابتاً ولا يفقه متغيراً.
إنها دعوة للتعقل الإعلامي في مجتمعاتنا العربية للقضاء على مظاهر الغلو في
أجهزته بكل صورها وأشكالها، دعوة تنادي بترميم شامل للواجهات الإعلامية التي
عفى عليها الزمن، والتي سودتها الشعارات، وطمست معالمها التيارات التي
عصفت بالأمة العربية سنين عدداً، وما الروائح المنبعثة من هذه الوسائل إلا دليل
على امتزاج قيء أصحابها بمداد أقلامهم.
إن لوازم العقل، ودواعي الفطرة، ومتطلبات المرحلة، ومنطق الحاجة،
واستقراء الواقع ... كل ذلك يحتم استئصال الفكر الأجوف الذي عشش وفرّخ في
أجهزة الإعلام العربي، واستبداله بفكر متجذر في عقيدة الأمة، يحمل الهم ويدرك
الغاية، يستجيب للواقع ويتفاعل مع الحقيقة، ليسمو بالمجتمع ويحرر العقل العربي
من أوشاب الزيف وأدران الجاهلية.
هذه مقتضيات الدعوة إلى التعقل الإعلامي الذي تفرضه ظروف المرحلة
الراهنة، ونقيضها يجعل من هذا الإعلام اليوم وغداً ومستقبلاً عبئاً على المجتمعات
العربية وعالة على شعوبها.
стр. 2035
المسلمون والعالم
السلطة الوطنية
المسافة بين ضم السين وفتحها!
بقلم: د.عبد لله عمر سلطان
هناك مثل أمريكي يقول: (أحسن اختيار كلماتك؛ فإنك لا تدري متى تضطر
إلى بلعها) ، ومادام أن هناك غراماً متبادلاً بين السلطة الوطنية الفلسطينية وكل ما
هو أمريكي فإن من الحكمة أن يتأمل رأس السلطة هذه المقولة علّه يستفيد شيئاً من
هذه العلاقة الخطرة التي تشبه علاقة الصداقة المفاجئة بين الذئب المفترس والحمل
الغبي..، ومناسبة لفت النظر هذا يرجع بالدرجة الأولى إلى تلك التصريحات
العنترية التي لا زالت رموز السلطة الوطنية تطلقها بين الحين والآخر على الرغم
من أن القاصي والداني عرف حجم هذه القيادات، كما أن الشعب الفلسطيني بكل
قطاعاته يدفع يوميّاً ثمن مسلسل الأخطاء الفادحة لقيادة أصبحت تتقن دوماً اختيار
الأسوء وممارسة الفاحشة السياسية في وضح النهار..
لقد ذكر الشاعر الفلسطيني المسؤول عن جهاز الثقافة في منظمة التحرير
الفلسطينية (محمود درويش) في محاضرة له بعمّان قبل أسابيع أن البعض: (يريد
من الفلسطينيين أن يتخلوا عن ذاكرتهم التاريخية خلال عملية المفاوضات) ، ولا
شك أن درويش وهو شيوعي سابقاً، ليبرالي لاحقاً يعبر عن حالة من (القرف)
تنتاب حتى الذين لا يؤمنون بثوابت الأمة وقد يشاركون السلطة الحالية بعضاً من
المسؤولية التي آل إليها الحال بعد اتفاق أوسلو..
لقد أعلن في يوليو ١٩٩٥ عن توصل الطرفين الصهيوني والفلسطيني إلى
اتفاق تنسحب بموجبه قوات الاحتلال الإسرائيلية عن بعض المدن الآهلة بالسكان
في الضفة الغربية المحتلة حسب اتفاق (أوسلو) ، مما يمهد السبيل لإجراء انتخابات
(لم تحدد هويتها أو عدد المشاركين من ناخبين أو مرشحين، حيث لازالت إسرائيل
تفكر في كل هذه التفاصيل) بعد شهور من الانسحاب، وعلى الرغم من أن انسحاب
إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربية المحتلة يشكل حدثاً أكبر بكثير من انسحاباتها
الاستعراضية السابقة من غزة أو أريحا، إلا أن الإعلان لم يُصاحَب هذه المرة بتلك
الحملة البهلوانية عبر أجهزة الإعلام العربي، حيث إن كذبة (أوسلو) لا تزال عالقة
بالأذهان، كما أن الحشد العاطفي والكلام الرخيص المنمق الذي وعد به (مسوقو
التطبيع) يترجم حالياً إلى مأساة جديدة يدفع الفلسطينيون ثمنها..
وعلى الرغم من وجاهة المثل الأمريكي السابق، إلا أن عرفات أصر على أن
يدشن الاتفاق بتصريح فولكلوري يذكر بأيام المد الثوري والتصريحات النارية؛
فبعد يومين من الإعلان عن الاتفاق صرح عرفات في جنيف: أن الانتخابات
الفلسطينية لن تجرى قبل انسحاب إسرائيل من كل مدن وبلدان وقرى ومخيمات
الضفة الغربية، وعلى الرغم من أن عرفات سيبتلع هذه الكلمات لاحقاً كما ابتلع ما
هو أكبر منها في السابق، إلا أن النخب السياسية التي يمثلها تعرف حتماً أنه حتى
تلك التصريحات التي لا زالت الطبقة الحاكمة ترى أنها للاستهلاك المحلي لم تعد
تحظى حتى بقبول المستهلكين اللذين يحيون بالإذلال والدونية من تصريحات
رغوية كهذه، في الوقت الذي يكرس الجانب الإسرائيلي مطالبه على أرض الواقع
بدعم كامل من الولايات المتحدة، وبانهزام متعدد الجبهات على الساحة العربية.
لماذا لم يحتفلوا بالانسحاب الجديد؟
عندما زار الكاتب الفلسطيني (إدوارد سعيد) لندن وألقى محاضرة فيها، طالب
السلطة الوطنية الفلسطينية أن تبادر بشجاعة وتعلن على الملأ عجزها عن مواصلة
الطريق المظلم الذي قادت إليه شعبها، وأن تبادر إلى احترام شعبها وتنشيء حواراً
داخليّاً للخروج من مأزق الحل الهزيل الذي أصبح وصمة عار في مسيرة القضية
الفلسطينية، تتم تصفيتها بكل سهولة وبمباركة (سلطة وطنية) (بضم السين وليس
بفتحها وإن كان الفتح يلائم (فتح) هذه الأيام) فالبطالة في عهد عرفات زادت عن
الستين بالمئة وأحلام (سنغافورة الشرق الأوسط) ثبت أنها أحلام ثقيلة الظل،
ووزير الإعلام في سلطة الحكم الذاتي يمنع من الدخول إلى مناطق محتلة ويظل
ينتظر في سيارته أربع ساعات ثم يضطر إلى العودة من حيث أتى، هذا فضلاً عن
رفض إسرائيل حتى لحاشية عرفات بالدخول، ورفضها انتقاله شخصيّاً دون إذن
ولي الأمر الإسرائيلي، أما المشروع الوطني القائم على الاحتفاظ بالأرض
والصلاحيات والسيادة: فقد ذهب أدراج الريح؛ فسلطة عرفات لا تتمتع من مظاهر
السيادة سوى بفرش السجاد الأحمر للضيوف وتقديم عصير البرتقال الفلسطيني بدلاً
من ذلك المصنوع في حيفا! !
لقد أفرزت مرحلة ما بعد اتفاق (أوسلو) حقائق صارخة تجعل من الاحتفال
بهذا الانسحاب لو تم كابوساً آخر تسعى إسرائيل لتجريعه لكل الفلسطينيين، لا سيما
أولئك الذين رضوا بالدنية وساروا وراءها لاهثين.
ولن نستطيع أن نعدد المكاسب والمواقع التي أنجزتها دولة الصهاينة منذ
(مدريد) ، لكن يكفي التذكير ببعض المعالم المهمة.
ظلت (القدس) مربط الفرس والنقطة الأصعب في المفاوضات، ومنذ إعلان
(أوسلو) وحتى الآن، استطاعت إسرائيل أن تغرس مخالبها وأنيابها في محيط
الأقصى، وتوج ذلك بقرار مصادرة ٥٣ هكتاراً من الأراضي المحتلة لبناء
مستوطنات جديدة، واليوم فإن إسرائيل تفتخر وتعلن أن القدس مدينة يهودية؛
فسكانها اليهود يمثلون ٧٥% من مجموع السكان في ظل سياسة مزدوجة بتهجير
سكانها المسلمين عبر جعل الحياة المعيشية لا تطاق (٥٠ ألف غادروها خلال
السنوات الماضية) ، أو عبر إعطائهم الجنسية الإسرائيلية وبعض المميزات التي
تكفل ولاء هؤلاء لدولة صهيون.
إسرائيل تعلن بكل وقاحة على لسان (بنيامين بن العازر) وزير الإسكان:
(بأنها ستصادر ١٢٠ هكتاراً لبناء ثلاثين ألف وحدة سكنية، لأن الأمر يتعلق
بالصراع على مستقبل القدس ولا يمكن لأي شخص أن يملي على إسرائيل موقفاً
حيال تصرفها على أراضيها التي تقع تحت سيادتها في القدس) .
ومقابل التنفيذ الفعلي لسلب القدس وسرقتها وتهويدها: لا تجد التيارات
الفلسطينية من رد فعل سوى جعجعة مؤتمر قمة سرابي سرعان ما تبخر بعد أن
أعلنت إسرائيل (تجميد) قرارها، فقرر الأشاوس (تجميد) مشاعر الأمة وإلهاءها
بصراعات جانبية تساهم في تخفيف درجة حرارة الشعوب الملتهبة! !
لقد انتهجت الصهيونية سياسة ثابتة تجاه مدينة القدس منذ عام ١٩٤٨م حيث
صادروا في البداية ثلث مساحة المدينة، وبعد عام ١٩٦٧م صادروا ما
يقارب ٨٠ % من مساحتها، ومنذ اتفاق (أوسلو) حتى الآن استمرت إسرائيل في المصادرة والسرقة بمعدل ١٠٨١ دونماً شهريّاً بعد أن وصل إلى ٢٣٢ دونماً أيام مؤتمر مدريد.
لقد أعلن (فريح أبو مدين) في ١٢/٥/١٩٩٥م (أن السلطة الفلسطينية تشعر
بعجز اتفاق (أوسلو) وقصوره ولا سيما بالنسبة لقضيتي الأسرى والقدس) ومبارك
علينا هذا النبأ السار بأن هناك (شعوراً) لا يزال يسري في أوصال السلطة الوطنية
مقابل المخطط الصهيوني المستمر! !
استمر الاستيطان اليهودي في فلسطين منذ الاتفاق حتى الآن، ولابد أن نذكر
أن بعض سماسرة السلام ونخاسته كانوا يطلّون علينا صباح مساء حاثين العرب
على السلام مع إسرائيل قبل أن ينتهي البرنامج الاستيطاني اليهودي وتختفي
الأرض التي تخضع للتفاوض والانسحاب.
وصدق البعض النخاسة، وردد أركان معسكر التطبيع هذه الشعارات، لكن
(رابين) أصر على أن يلطمهم لطمة أخرى حين استمر في برنامج الاستيطان دون
اعتبار أو احترام لاتفاق (أوسلو) ، وهي بشهادة مراقب محايد: عملية استمرت
بنفس الوتيرة رغم التصريحات الوثيرة! (فقد تحولت المستعمرات اليهودية في عهد
(رابين) إلى وحدة واحدة، تلك الأَمنية وأختها السكانية، وهو قد وعد بأن تبقى
المستوطنات الأمنية فقط! ! بل إنه طوّر سياسته لتصبح القدس ومحيطها أكبر
مستوطنة، بحيث تمتد المدينة المقدسة إلى الشرق حتى البحر الميت، وإلى الغرب
مروراً بمستوطنة (متسبيه يريحو) ، وشمالاً إلى رام الله عبر مستوطنة (بيت إيل)
وإلى الخليل جنوباً، مما يعني اقتطاع أهم المناطق وعزل (الهر) العرفاتي وقطع
أوصال الضفة الغربية إلى جزئين: مهم، ومقدس، يمثل معظم مناطق الضفة
المحيطة بالقدس، وأخرى تتركز فيها كثافة سكانية عربية يتولى عرفات وزبانيته
سومها بالحديد والنار، ومما يدفع إلى هذا: أن إشارات من عرفات بدأت تبرز
مؤخراً تدلل على قبوله برام الله مقراً دائماً لسلطته الخنفشارية..!
استمر الإذلال المعيشي للشعب الفلسطيني، ووصلت الأوضاع الاقتصادية إلى
أسوأ مستوى لها مقارنة بوضع الفلسطينيين حتى أيام الاحتلال.
الأرقام تقول إن معدلات البطالة فاقت نسبة ٦٠%، وأن دخل الفرد وصل
إلى مستوى أنجولا وبنغلاديش، وأن رجال عرفات من أفراد السلطة وجيشها
منهمكون في عمليات إتجار غير مشروعة في كل شيء من العقار وحتى تجارة
( ... ) ، وقبل أسابيع ألقي القبض على رجل شرطة قتل زميلاً له ليبيع سلاحه من
أجل أن يأكل ... هذا حال السلطة المحظوظة، فما حال الشعب؟ حاله لا يسر،
لكن المأزق كبير، ويكفي أن عرفات لم يجد ما يدفعه لأفراد سلطته وجيشه إلا بعد
أن وصله شيء من المساعدة التي وعدته بها الدول المانحة والتي أحجمت عن ضخ
مزيد من الدعم، خصوصاً بعد أن تبين لها أن الفساد يزكم الأنوف، وأنه في الوقت
الذي تعيش فيه غالبية الفلسطينيين فقراً مدقعاً: تتمتع قمة الهرم بترف وثراء غير
مشروعين، وقد نقل مراسل محطة التلفزيون الأمريكية () حنق الشارع في غزة
من تصريحات (سها عرفات) بأنها لا تثق بالخدمات الصحية في غزة، ولذا: فإنها
وضعت مولودتها في إحدى أرقى مستشفيات باريس! ! وكأن فرنسا وحدها دون
سائر البلاد العربية والغربية هي التي تملك خدمات صحية يوثق بها! ، أم إن الثقة
المفقودة هي في الجنسية الفلسطينية، لذا: لزم ضمان جنسية أخرى (يُعتز بها!)
للمولودة الجديدة، وذلك بولادتها على الأرض الفرنسية (حق الأرض، حسب
القانون الفرنسي) ؟
ظهر الانحياز الأمريكي في أبشع صوره خلال الفترة الماضية، فأمريكا
تخلت عن باقي مظاهر الحياد و (المكياج) الخادع، وأعلنتها صريحة أنها تساوي
إسرائيل، وأن إسرائيل تساوي أمريكا، وقد قامت أمريكا بدور مكشوف وقح في
دعمها لإسرائيل في مصادرة أراضٍ مقدسة، وصوتت وحدها في مجلس الأمن
لصالح اليهود، وأصبح زعماء الديمقراطيين والجمهوريين يتنافسون في كسب ود
الصهاينة، ولم يصل الحال إلى درجة أن يزايد الأمريكيون حتى على الإسرائيليين
أنفسهم إلا في هذه المرحلة؛ ففي السابق: كان الصهاينة يطرحون طلباتهم، فتلبي
أمريكا الطلب بطيب خاطر، أما الآن: فإن (روبرت دول) مرشح الحزب
الجمهوري يطالب بنقل السفارة الأمريكية للقدس فيتمنى عليه (رابين) التمهل
والانتظار.. (لقد ثبت الآن بعد تصريحات كلنتون في مؤتمر (إيباك) أن الأمريكان
أكثر تطرفاً من (رابين) وأنهم صهيونيون أكثر من الصهاينة) كما قال (ماكلرم
رديتش) المعلق البريطاني.
ماذا بعد؟
في يوم واحد صدرت عدة تصريحات، وبثت تقارير تستحق الإشارة إليها،
خصوصاً أنها صدرت في ساعات قليلة بعد يوم واحد من الإعلان الأخير.
فقد أعلنت قيادة حزب ليكود أن الاتفاق الهزيل مع عرفات يمكن إلغاؤه، فقال
زعيم الحزب (نيتانياهو (: إن الأمن في المناطق الفلسطينية يجب أنه يظل في
أيدي اليهود، وإن قواته لن تؤمر بغزو غزة وأريحا (قوات عرفات أكثر كفاءة في
قمع الفلسطينيين) وأشار إلى أن عرفات سيبقى مسؤولاً عن جزيرتين مكتظتين
بالسكان دون دعم فعلي من إسرائيل.
وأعلن (ياسر عبد ربه) مدير الإعلام العرفاتي: أن محادثات نقل السلطات
إلى الفلسطينيين لم تحرز تقدماً، وأن الجانب الآخر يدفع بنا إلى الانسحاب من هذه
المفاوضات الجهنمية.
وزير العدل الإسرائيلي يقترح ضم قسم من الضفة الغربية، وأشار تقرير
لصحيفة (ها آرتس) أن برنامج حزب العمل سيسمح لسلطة عرفات في النهاية
بالإشراف على ١٨% من مساحة الضفة الغربية فقط!
في الساعة نفسها: بثت وكالة الأنباء أن مستوطنة يهودية جديدة قد بوشر في
بنائها بين (القدس) و (تل أبيب) .
بعدها بساعتين: أنباء عن فشل اللجنة الرباعية الخاصة ببحث عودة نازحي
عام ١٩٦٧م ... أما نازحو ١٩٤٨م فليسوا على قائمة البحث.
تقارير من (تل أبيب) و (لندن) عن بدء نشاط جديد بين سلطة عرفات وجهاز
المخابرات الإسرائيلي (شين بيت) والذي اتفق عليه قبل ثلاثة أشهر في (روما)
مهمته الأولى: إسكات الصوت الإسلامي المعارض للهزيمة، والركوع تحت اللافتة
المكررة (محاربة الأصولية) ...
هذه الأصولية هي الصوت الباقي، الصوت الضعيف المطارد الذي يدافع
بأسلحته العتيقة وإيمانه الوقاد كل هذا الباطل المتبجح المغرور وتلك العمالة التي
يأبى الله إلا أن يفضحها مع مطلع كل يوم يشرق بنور العودة إلى الله، فتظهر على
حقيقتها: تجعجع بكونها سُلطة، بينما تثبت الأيام أنها أوراق وزعامات ومكونات
جمعت في طبق يذكر بسَلطة لا تثير الشهية أو الرغبة في المضي قدماً لتناول وجبة
الاستسلام السامة!
стр. 2036
المسلمون والعالم
المعادلة الدولية في البوسنة
وسياسة الترويض على الذل..!
بقلم: عبد العزيز كامل
جسد وزير الإعلام الصربي حقيقة الصراع في البوسنة عندما قال: (إن
الصرب في معاركهم في البوسنة، إنما يمثلون طليعة الحرب الصليبية الأخيرة
لاستئصال شأفة الإسلام) !
فهل حقّاً بدأت الحرب الصليبية (الأخيرة) ؟ !
إن هذا ما تنطوي عليه دعوات عديدة تنطلق من أبواق الدعاية الإنجيلية
المتنامية النفوذ في الآلة الإعلامية الغربية، هي بدأت أو على وشك البدء ليس في
البوسنة فقط، بل في أماكن متفرقة من العالم.
الساسة يصادقون على حتمية بدء هذا الصراع، فقد سبق للرئيس الأمريكي
الأسبق (ريتشارد نيكسون) ، ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة (مارجريت تاتشر) ، و (هارفارد صمويل هانتجتون) أن دعوا إلى مواجهة خطر الإسلام تحت مسمى
(الأصولية) .
والعسكريون يضربون على الوتر نفسه، ويحذرون من الخطر ذاته.. حتى
إن أكبر مؤسسة عسكرية للغرب تتحدث عن ذلك بلسان فصيح؛ يعبر عنه المستر
(ويلي كلايس) الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عندما قال: (إن حركات
الإسلام السياسي، باتت تشكل خطراً على الأمن الأوروبي بعد انتهاء الاتحاد
السوفيتي، لأنها تتخذ من أوروبا والحضارة الغربية العدو رقم واحد، كما أنها
تعتمد العنف والتطرف منهاجاً مفضلاً في تعاملها مع الآخرين!) وأضاف: (إنه
لابد من مواجهة هذا الخطر القادم بما يناسبه من الاستعداد) ، ثم اقترح خطة من
شقين لمواجهة خطر الجماعات الإسلامية:
أولهما: أن يقدم الحلف للحكومات التي تعاني من هذا الخطر فوق أراضيها
كل المساعدات العسكرية اللازمة لتمكينها مباشرة وبشكل فاعل من التعامل معه
والقضاء عليه.
والثاني: يتمثل في تشكيل حلف دفاعي (أوروبي أمريكي) بالاشتراك مع
الدول المعرّضة للخطر الأصولي، بحيث يكون الحلف مستعدّاً للتدخل العسكري
المباشر في أي بلد قد تنجح حركات الإسلام السياسي في الاستيلاء على الحكم فيه) ، وهذه التصريحات مشهورة، وقد نشرت في الجرائد في حينها في ١٨/٤/١٩٩٥.
إن مثل هذه التصريحات سواء على لسان الإعلاميين، أو السياسيين، أو
العسكريين الغربيين، لترُدّ في مفهومها ومنطوقها على تهمتي (التهييج السياسي)
و (التسطيح الإعلامي) التي طالما يُعمَز بهما المحذّرون من الأخطار المحدقة بالأمة.
وكما أن للقوى النصرانية المهيمنة على الغرب هذا الموقف المبدئي والثابت
من الإسلام، الذي أطلقوا عليه اسم (الأصولية!) ، فإن لبقايا القوى الشيوعية
موقفاً مشابهاً من الإسلام، الذي كانوا يطلقون عليه وصف (الرجعية!) .
ونعود للبوسنة..
الحكومة البوسنية حكومة أصولية في نظر الغرب والشرق، وإن قالت إنها
(ديمقراطية) ، ورئيسها (علي عزت بيجوفيتش) أصولي مهما تحدث عن انتمائه
الأوروبي وإيمانه بالتعددية، ولو تحدث عن غير ذلك حاكموه إلى كتابه (البيان
الإسلامي) الذي أُدخل من أجله السجن سنين طويلة.
والأوروبيون لا يحبون كما قال (ميتران) الرئيس السابق لفرنسا أن يروا دولة
إسلامية في قلب أوروبا، فما الحال إذا كانت تنتظرهم (دولة أصولية!) ؟ كأنهم لا
يريدون تعكير (الصفاء الروحي) و (الانسجام التاريخي) بين الطوائف المسيحية
الثلاث (الكاثوليكية، الأرثوذكسية، والبروتستانتية) التي لم يكن الإسلام سبباً في
نشوب المعارك الطاحنة التي دارت بينها عبر التاريخ، أما زرع دويلة يهودية أو
نصرانية صغيرة وسط طوفان من الشعوب الإسلامية الكبيرة لتكون بؤرة توتر
وعامل صراع ونزاع، فإن هذا لا يقلق الضمير المسيحي الحي!
الدعاية الصربية تركز على هذه الخلفية للصراع، وتسعى لتثبيت قناعة
الغرب، بأنها تقاتل نيابة عنهم لمنع قيام قوة أصولية في أوروبا، وأمريكا لا تريد
أيضاً أن تكون مثل هذه الدولة في جوار حلفها الاستراتيجي.
والغربيون كما علمتنا الأحداث يتعاملون دائماً مع الخطر المتوقع قبل أن
يتحول إلى خطر واقع، وهذه الخلفية الدينية للصراع تتداخل معها خلفيات تاريخية
لها علاقة بمطامع ومطامح معاصرة للدول المعنية بذلك الصراع في البلقان؛
فالموقف الغربي الذي تمثله الآن إنجلترا وفرنسا وأمريكا وألمانيا يرتكز على
المعطيات التالية:
١- الغرب ساعد في سقوط وتفكيك الاتحاد اليوغسلافي السابق، الذي كان
رأس حربه يستعملها الشيوعيون في أوروبا الشرقية ضد بقية الغرب؛ فسقوط هذا
الاتحاد مصلحة للغرب.
٢- سيكون من مصلحة الغرب بصفة أشمل، لو قام على أنقاض الكيان
الشيوعي السابق كيان ليبرالي ديمقراطي، تحت مسمى آخر، وليكن الاتحاد
الصربي، أو صربيا الكبرى، وهذه هي الصورة التي تطرحها الحكومة الصربية
نفسها فعلاً، ولا بأس بأن يقوم بجوارها (الاتحاد الكرواتي) أو (كرواتيا الكبرى) ،
الليبرالية الديمقراطية.
٣- إن قيام دولة إسلامية في هذا الموقع من أوروبا يمكن أن يهدد هذا الهدف
في المستقبل.
هذا ما يجمع بين مواقف الدول الغربية بصفة عامة، أما بخصوص فرنسا
وإنجلترا: فيضاف إلى ذلك أنه من الناحية التاريخية كان الصرب دائماً الحلفاء
التقليديين لكل منهما أيام ماضيهما الاستعماري القديم، وقد آن الأوان لكي يفوا
بالجميل، ويقفوا مع الصرب في حاضرهم الاستعماري الحديث، والصرب أيضاً
كانوا حلفاء لهما في الحرب العالمية الثانية، أما ألمانيا: فقد عانت من موقف
الصرب المعادي لها أثناء تلك الحرب، ولهذا اختارت الوقوف بشكل جوهري مع
الكروات، وبشكل مظهري مع المسلمين.
أما الروس: فإن موقفهم يرتكز أيضاً على معطيات، من أهمها:
١- سقوط يوغسلافيا السابقة كان نذير شؤم لهم وللقوى الشيوعية كلها؛ لأنها
كانت تمثل رديفهم العسكري وسوقهم الاقتصادي في أوروبا.
٢- إذا كانت الرابطة الشيوعية قد انحلت بسقوط الاتحادين السوفيتي
واليوغسلافي، فلا بأس بالرابطة الأرثوذكسية بين الاتحاد الروسي والاتحاد
الصربي، وأن تستخدم المطرقة والمنجل الشيوعيان في الطرق على الناقوس
النصراني في كل من (موسكو) و (بلجراد) .
٣- وعليه: فإن قيام كيان قوي جديد على أنقاض يوغسلافيا السابقة، له
علاقات متينة مع الروس، سيكون تعويضاً لهم عما افتقدوه بسقوط الكيان السابق.
وتأتي مواقف الأمم المتحدة لتتفرع عن هذه المرتكزات الغربية والروسية في
سياساتها تجاه البوسنة، خاصة وأن (الأمين جدّاً) فيها: أرثوذكسي.
وعلى هذا: فإن كلاً من الأطراف المعنية بالصراع، تريد أن يظل الكيان
النصراني القوي رابضاً بجوار العدوة القديمة المشتركة: الأمة التركية المسلمة
المنوّمة، ليحول دون يقظتها، التي قد تستيقظ بها الأمجاد الإسلامية، لا في أوروبا
وحدها، بل في العالم أجمع.
لعل هذه أصول القضية وخلفياتها الأساسية، وبعد معرفتها.. فإن الباقي كله
تفاصيل.. تفاصيل مرحلية للوصول إلى الأهداف النهائية؛ فما نشاهده، وما
نسمعه، وما نلمسه حولنا.. كله من التفاصيل.
وحتى لا نغيّب في التفاصيل كما هو حالنا في الغالب ينبغي أن نضعها في
سياقها، ولا ننسى الأصول أو الخطوط العريضة المتفق عليها، وهذا لا يمنع
بطبيعة الحال من وجود الاختلافات والنزاعات بين الأطراف المتواطئة.
ولا بأس أن نذكر بأبرز التفاصيل التي تبدو الآن في سياقها، من كل أطراف
(اللعبة) الدولية:
* تبدأ صربيا الحرب في كل يوغسلافيا بهدف إعلان جمهورية (صربيا
الكبرى) ، وتدعم العرقيات الصربية، وتساعدها على الانفصال عن بقية
الجمهوريات، ويحتل صرب البوسنة (٧٠%) من أراضي البوسنة، ويحتل صرب
كرواتيا (٣٠%) من أراضي (كرواتيا) المعارضة لقيام صربيا الكبرى.
* الأمم المتحدة تُصْدر ما يزيد عن ٦٠ قراراً، يدوس الصرب عليها كلها،
وتقرر الأمم المتحدة حظر تصدير السلاح إلى الأطراف المتحاربة، ثم لا يطبق ذلك
الحظر إلا على البوسنة، بحجة أن رفع الحظر عنها سيطيل من الحرب. وتعلن
لكل الأمم حمايتها لست مناطق في البوسنة وتعتبرها (ملاذات آمنة) وهي
(سربرينيتسا، وجوراجدي، وبيهاتش، وتوزلا، وسراييفو) ثم تنزع سلاحها، مع
بقاء خمسة منها تحت حصار شامل من الصرب، ثم تحاول إقناع العالم بأن حماية
تلك المناطق عسكريّاً من الصرب سيحتاج إلى ربع مليون جندي.
* وتدور الكثير من أحداث مأساة البوسنة في الصراع مع الحصار الجائر من
الصرب، والحظر الظالم من (الأسرة الدولية) ، ويستمر الحصار أكثر من ثلاث
سنوات نتج عنها نزوح مليونين وثلاثمئة ألف بوسني أي نصف السكان
وتشريد ٨٠٠ ألف بوسني، وتوزيعهم على أكثر من ٣٠ دولة، واغتصاب ما يقدّر بعشرين ألف امرأة بوسنية معظمهن من القصر، وفقْد ١٢ ألف رجل مسلم معظمهم دون الشباب، مع الاعتقاد بأن أكثرهم قتل في عمليات إعدام جماعية. وعبر عمليات (التطهير العرقي) يطول البلاء الصربي ٤٠٠ قرية، و٢٢ مدينة، تمت تسويتها بالأرض بواسطة الجرارات بعد عمليات النزوح.
* وتتدفق المعلومات والحقائق والبيانات عن المأساة بين يدي دعاة حقوق
الإنسان، بل إن لدى مراقب حقوق الإنسان ومبعوث الأمم المتحدة في يوغسلافيا
السابقة ما يزيد على مليون وثيقة رسمية تشمل آلاف الشكاوى الشخصية من
الضحايا البوسنية، ومع هذا لا تتحرك إرادة (الأسرة) الدولية لتمكين المعتدى عليه
من الدفاع عن نفسه، فضلاً عن أن يدافعوا عنه.
* ينسق حلف الأطلسي مع الأمم المتحدة مسرحية الضربات الجوية ضد
القوات الصربية إذا هُددت الملاذات الآمنة، ويقوم فعلاً ببعض الغارات (السينمائية)
بعد أن تعطي الأمم المتحدة الصرب المعلومات المسبقة عن زمان ومكان القصف
لتخلي الأرض من تحته؛ فلا تحدث خسائر في الأرواح الصربية الغالية! ، ولا
العتاد الصربي النفيس! ، ومع ذلك تنفذ تمثيلية (الرهائن) لتجسد هيبة الصرب
وخيبة الأمم المتحدة، وبقاء سلطان روسيا التي أطلقت الرهائن من جنود الأمم
المتحدة.
* يحاول البوسنيون تشكيل قوة عسكرية بجهودهم الذاتية رغم الحصار
والحظر لفك قبضة الصرب من حول عنق (سراييفو) ولكن مبعوث الأمم المتحدة
(يوسي أكاشي) يحذر، و (بطرس) يحذر ... كل هذا من التفاصيل.
* ومن التفاصيل أيضاً: مواقف الدول العربية والإسلامية وقراراتها وإداناتها
وشجبها ومشاعرها الرقيقة..! ثم تقع كارثة سقوط (سربرينيتسا) في يد الصرب،
ثم تتلاحق وقائع سقوط (كرايينا) في يد الكروات، فهل تختلف الواقعتان رغم
كونهما من التفاصيل عن السياق الأصلي لمجمل الحدث البوسني؟ أبداً..!
أولاً: سقوط (سربرينيتسا) وما يعنيه بالنسبة للملاذات الآمنة الأخرى: عندما
هاجم الصرب مدينة (سربرينيتسا) أول مرة عام ١٩٩٣م، وطلبت الأمم المتحدة
وقف القتال، اشترط الصرب نزع سلاح البوسنيين هناك، ووافقت الأمم المتحدة،
وأعلنتها منطقة آمنة تحت حمايتها في أواخر شهر إبريل ١٩٩٣م، مما دفع الآلاف
من سكان المناطق المجاورة (غير الآمنة) إلى أن تلوذ بها، فزاد عدد سكانها من
(٣٧٠. ٢١١) نسمة إلى حوالي خمسين ألف نسمة، وبعد أن جُردت المدينة من
السلاح، واستلمته قوات الأمم المتحدة، ورحلت المدافعين عنها، انسحبت تلك
القوات تاركة قوة هولندية للدفاع عنها، حتى إذا جاء يوم الهجوم الصربي على
الملاذ (الآمن) ، هربت القوة الهولندية لتتركها فريسة سهلة لجيش همجي مدجج
بالسلاح، معبأ بالحقد والشر، وسقطت (سربرينيتسا) في ١١/٧/١٩٩٥م، أو
بالأحرى: سلمتها الأمم المتحدة للصرب الذين قاموا بعد اجتياحها الأهوج بتصفية
المسلمين الذكور الذين تجاوزوا الحادية عشرة، واغتصاب الفتيات، وتشريد
الأمهات بطردهن خارج المدينة المنكوبة.
وأُتبعت هذه المأساة البوسنية، بملهاة دولية، وبدأ المجتمع الدولي في تبادر
الأدوار (الهزلية) على خشبة المسرح العالمي:
فقد قال (جاك شيراك) بعد سقوط (سربرينيتسا) : (على الحلفاء أن يعملوا
لاستعادة (سربرينيتسا) من أيدي الصرب) ثم عاد فقال: (على الأمم المتحدة [بعد
ضياع المدينة] أن تركز على حماية المناطق الآمنة الخمس الباقية) . يعني: دعونا
مما مضى..!
أما بريطانيا: فإنها قد أعلنت مع بدء الهجوم الصربي أنها لن تسمح بسقوط
المدينة، وبعد أن سقطت دعت إلى (الواقعية) في التعامل مع الأمر، وعابت على
فرنسا دعوتها الأولى للتحرك العسكري لإعادة المدينة، وقال وزير خارجيتها
(مالكولم ريفكند) (اليهودي) : (إذا كان الفرنسيون يريدون عملاً عسكريّاً، فليتفضلوا
بجنودهم، أما نحن فندخر جنودنا لما هو أكثر أهمية) ! ! ثم دعت بريطانيا بعد ذلك
إلى الاهتمام بحماية الملاذات الأربعة (وليس الخمسة) من المناطق الآمنة
الباقية..! ! أي: إنها صدّقت مقدماً على ابتلاع الصرب للمنطقة المرشحة بعد (سربرينيتسا) .
والرئيس الأمريكي دعا أيضاً إلى استعادة (سربرينيتسا) بعد أن سقطت،
ولكن أحد مستشاريه صرح بعد ذلك بأن الرئيس ربما أخطأ في التعبير بسبب
الارتباك! ، والولايات المتحدة لا يمكن أن تدعو إلى شيء لا تستطيع المشاركة فيه
عمليّاً.! ثم يصدر مجلس الشيوخ الأمريكي قراراً برفع الحظر عن السلاح
للبوسنة ... ولكن الرئيس الأمريكي بعد أيام يقول: (إنه سيعارض القرار) .
وفي نهاية المطاف: ينعقد (مؤتمر لندن) بدعوة من بريطانيا، لتجتمع فيه
الأطراف وتستمع بإيضاح إلى (أندريه كوزيريف) وهو يبرر ويعلل وجهة النظر
(البريئة) للصرب في اقتحامهم ل (سربرينيتسا) ، وتهديدهم لكل من (جيبا)
و (جوراجدي) بعدها.
ويبدو أن المؤتمرين صادقوا ببراءة أيضاً على هذا التبرير، فانفض المؤتمر
بعد إسدال الستار دون إصدار أي قرار.
ومع كل هذا تسأل عن رد فعل على مستوى الأمة قوي عملي واحد، فلا
تسمع، ولا تحسب، ولا تدري، فهل أثمرت سياسة الترويض؟ !
ثانياً: سقوط (كرايينا) في أيدي الكروات: في الوقت الذي ظهر فيه أثر
حظر السلاح على البوسنيين المسلمين بسقوط (سربرينيتسا) ، ظهرت أيضاً آثار
السماح للكروات الكاثوليكيين باستيراد وشراء السلاح، فالعملية التي قامت بها
حكومة زغرب لاسترداد أراضيها التي كانت قد استولى عليها الصرب، لابد وأنها
كانت تحتاج إلى فترة كافية من البناء العسكري القوي، والذي دلت عليه بوضوح
قدرات الكروات العسكرية الفائقة التي استطاعوا بها أن يحققوا انتصارات سريعة
أدهشت العالم، ليس لأن الكروات شجعان والمسلمون جبناء، ولكن لأن الكروات
سُلّحوا والمسلمين جُرّدوا، على الرغم من أن كلاً منهما يُطبق عليه (دوليّاً) الحظر
الدولي لاستيراد السلاح، فمن أين إذن سلحت كرواتيا نفسها..؟
حتى عام ١٩٩١م لم يكن لدى كرواتيا جيش نظامي، ولم تكن لدى الميلشيا
المقاتلة في ظل الحظر إلا بعض الأسلحة الخفيفة، وقد ظهر ضعف قواتها في
المواجهات السابقة.
ومنذ ذلك الحين، بدأت كرواتيا الاستعداد لمعركة تحرر فيها (٣٠%) من
أراضيها التي احتلها الانفصاليون الصرب.
وبعد ثلاث سنوات نسمع عن أن كرواتيا أعدت جيشاً من مئة ألف مقاتل
مسلحين بمختلف الأسلحة الخفيفة والثقيلة لاقتحام (كرايينا) ، بما في ذلك الدبابات
والمدافع الثقيلة والطائرات، وظهر أن كرواتيا حصلت خلال العامين الماضيين
على الألغام الأرضية والدبابات والطائرات من دول مختلفة من بينها فرنسا، وأقيم
عرض عسكري في زغرب قبل المعارك الأخيرة لإظهار متانة بناء الجيش
الكرواتي، ويكشف رئيس الوزراء الكرواتي السر، فيصف شراء السلاح من
الدول الغربية بأنه كان من (سوق مفتوح) !
ولهذا استطاع الكروات السيطرة على مدينة (كنين) بعد ٣٠ ساعة من بدء
الهجوم على كرايينا، وفر الصرب الكروات من الأرض التي كانوا يعدونها رمز
الكبرياء الصربي عبر التاريخ، ويتحقق أول انتصار على الصرب الذين أهانوا
المسلمين، ولكن بغير أيدي المسلمين حتى لا يعيد فيهم الروح، وحتى لا يملكوا
توظيفه فيما بعد.
ويبقى الزمام على كل حال بيد الغرب الذين يبدو أنهم أعطوا الضوء الأخضر
للكروات لكي يسووا مشكلتهم.
وتبقى (سراييفو) وأخواتها وحدهم خاضعين للحظر الدولي الصارم على شراء
السلاح، محرومين من الانتصار لكرامتهم أو الدفاع عن مجرد بقائهم.
وبما أن أبعاد اللعبة وتفاصيلها باتت ظاهرة بوضوح مفضوح، فعلينا أن
نتذكر أن في الجريمة التي لم تتم فصولاً لم تبدأ، في كل من (ألبانيا) و (كوسوفو)
و (الجبل الأسود) و (مقدونيا) ، وربما تنشأ مؤامرات مشابهة في أماكن مختلفة من
العالم ضد المسلمين، قد يحتاج الأعداء فيها إلى ترويض أمتنا على الذل وتدريبها
على الخنوع وتعويدها على اليأس، لتظل ساكنة أثناء التفرد بالضحية تلو الضحية.
إن المشوار طويل أمام من يريدون الحيلولة بين الأمة وبين استمرار هذا
الترويض، ومع طول الطريق، فهناك من يُلقون الأحجار على جادته، وعلى
هؤلاء نخشى أن يكونوا أطرافاً في (اللعبة) الدولية، لا ضد الدولة البوسنية فحسب، بل ضد الأمة الإسلامية.
والانتصار على الصرب، بل على الغرب، ليس مستحيلاً مع أمة تلتجئ إلى
الله (تعالى) وحده، وتسعى بجد في موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، أمة يخاطبها
ربها من فوق سبع سماوات بقوله: [وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً
وَلَعِباً مِّنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]
[المائدة: ٥٦، ٥٧] .
стр. 2037
في دائرة الضوء
وقفة مع التنويريين الجدد
بقلم: د. أحمد إبراهيم خضر
١- الاشتباك والرّشد:
مصطلحان استخدمهما التنويريون الجدد في منطقتنا العربية، ويقصدون بهما على وجه التحديد ما يلي:
أولاً: التعرض للأساس الذي يقوم عليه المجتمع المسلم (القرآن والسنة)
والتشريعات المنبثقة منهما، وللتاريخ الإسلامي، وللثقافة العربية الإسلامية
بالدراسة والتحليل والنقد؛ بغرض إلغاء أو تطوير أو تعديل هذا الأساس إلى
الصورة التي تحرك الكيان الثقافي والاجتماعي للمجتمع المسلم في اتجاه تصوراتهم
الفكرية.
ثانياً: الاستفادة من التصورات الفكرية والمنهجية القديمة والمعاصرة
(والغربية منها على وجه الخصوص) ، والتيارات النقدية في داخل البلاد وخارجها، وجهود الغرب في تحسين أدوات الاستقراء والاستنباط والتفكير المنطقي المنظم
للمعلومات، واختبار الفرضيات، واستخلاص النتائج في تحقيق الهدف السابق.
ثالثاً: الجرأة في النقد والتحليل، والجرأة في الإضافة إلى هذا الأساس وهذا
الكيان والحذف منهما بما يتفق مع منطلقاتهم الفكرية.
٢- استمد التنويريون الجدد هذه الاستراتيجية
من مصدرين أساسين:
أولهما: المحاولات التي قام بها من أسموهم بالمفكرين الأصلاء من الأئمة
الدينيين وأساتذة التاريخ والقانون والاقتصاد والحضارة العربية الإسلامية،
بالاشتباك مع أساس المجتمع المسلم وكيانه الثقافي الاجتماعي (على غرار ما فعله
كبار فلاسفة التنوير في الغرب في القرن السابع عشر) فخرجوا على الإسلام باسم
كسر جموده، وباسم التسهيل على الأمة والمصلحة والتجديد، مستخدمين سلاح
(الرّشد) أو (العقلانية) بالمفهوم الغربي الذي يعني: الاحتكام إلى معيار العقل وحده
في الحكم على الأشياء، وأسبقية العقل في فهم الحقائق الجوهرية عن العالم عما
سواه، علماً بأن روح عصر التنوير النقدية العقلانية أعلت من قيمة العقل ليقف في
مواجهة الإيمان والحقائق المنزلة والسلطة التقليدية والمسائل الروحية.
هذا وقد نجحت محاولات هؤلاء الأساتذة (! !) في تحقيق ما يلي:
أ- الجرأة على التغيير والتجديد في المسائل المرتبطة بالعقيدة الإسلامية الثابتة
بالكتاب والسنة.
ب- وضع جميع كتب الحديث والسيرة وجميع ما فيها من الأحاديث المنسوبة
إلى النبي تحت شبهة الكذب.
ج- حققت ما سمي بالنهضة الإصلاحية، التي زعزعت أكبر معقل ديني في
العالم الإسلامي عن تمسكه بالدين، وقربت كثيراً من شيوخ هذا المعقل إلى
اللادينيين خطوات، ولم تقرب اللادينيين إلى الدين خطوة.
د- أدخلت الماسونية إلى هذا المعقل.
هـ- شجعت على ترويج السفور.
وجعلت الزندقة مقابلة لحكم العقل ونظام المنطق، وجعلت الإلحاد قرين
الاجتهاد، والإيمان قرين الجمود.
ز- صرفت الناس عن التفكير في الدين، وشجعتهم على قراءة كتب الغرب
لالتماس الحقيقة فيها، وإقناعهم بأنهم لن يجدوها في كتب الإسلام!
ثانيهما: التيارات النقدية المعاصرة في العالم الغربي: يقول التنويريون الجدد: (وتلك رؤية التنوير، لم تكن متاحة أمام فكرنا القومي! إلا حدسا من قبل، ولكنها
رؤية تطورت بفضل تفاعل (خلاق) وإيجابي جرى على عدة محاور:
كان أولها: محور التفاعل بين التطبيقات العملية لتيار التحديث في الغرب
والأفكار النقدية القوية التي أنتجها الفكر الغربي نفسه وأدبه وفنونه ذات التوجهات
الإنسانية والأخلاقية والجمالية والاجتماعية، وكان المحور الثاني هو: التفاعل بين
الفكر الغربي النقدي هذا وبين أقرانه من تيارات الفكر النقدي الإيجابي التي أنتجناها
نحن مع شعوب الثقافات الأخرى القديمة والجديدة في العالم الإسلامي العربي وفي
أمريكا اللاتينية ... وكان المحور الثالث هو: التفاعل بين الفكر النظري في مختلف
العلوم الاجتماعية والطبيعية وفقاً لمختلف المناهج الفكرية الحديثة غالباً (الوظيفية،
والبنائية، والهيكلية، والتركيبية، والتاريخية الحديثة.. وغيرها) وبين التطبيق
العملي الذي أصبح يزداد اقتناعاً بضرورة الاهتداء بمنجزات تلك العلوم
وتصوراتها) .
٣- أقر التنويريون الجدد بالحقائق الآتية:
أولاً: أن تصوراتهم الفكرية عن الواقع الإسلامي للمجتمع لم تكن ناضجة قبل
الثمانينات، أي: في الفترة التي بدأت فيها الصحوة الإسلامية تترك بصماتها
بوضوح على الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية.
ثانياً: أنهم كانوا يتخبطون في مساراتهم بسبب انبهارهم بالنموذج الغربي أو
النماذج الغربية المتناقضة ومغرياته وهيمنته ومنجزاته.. بين هذا النموذج وما
انبثق منه من فكر وتطبيق ماركسي.
ثالثاً: أن الواقع الإسلامي للمجتمع يمثل كياناً ثقافيّاً واجتماعيّاً خاصّاً ومتميزاً، وله تاريخه الخاص والمتميز.
وهذه الحقائق التي أقر بها التنويريون الجدد وعلى رأسها: إقرارهم
بخصوصية المجتمع المسلم لم تفدهم في شيء؛ فهم لازالوا يتخبطون في مساراتهم
بين منجزات الفكر الغربي؛ بدليل اعترافهم بافتتانهم بالتيارات النقدية الغربية،
وإن أضافوا إليها بما اعتقدوا أنه منجزاتهم النقدية الخاصة ومنجزات شعوب
الثقافات الأخرى، ومن ثم: تظل تصوراتهم الفكرية عن الواقع الإسلامي للمجتمع
غير ناضجة، خاصة وأنها محاطة بسياج عدائي مسلح يمتلك كل سبل الضبط
والتأثير، وسياج عدائي آخر يمثله التنويريون أنفسهم الذين يرون في هذا الواقع
تهديداً لوجودهم وكيانهم ومراكزهم ومصالحهم وشهواتهم.
٤- إن ادعاء التنويريين الجدد بأنهم استفادوا من تفاعلهم بما يصفونه بـ
(الإيجابي والخلاق) ! مع محور الفكر النظري والبناء المنهجي للعلوم الاجتماعية
وللتيارات الفكرية النقدية في الغرب: ادعاء يفتقد إلى الصحة؛ فالتيار النقدي
الغربي أثبت أن العلوم الاجتماعية علوم أوروبية الصنع عجزت في بلادها عن
إثارة القضايا المتصلة بصميم وجود الإنسان، وأنها ليست أكثر من مجرد أفكار
فلسفية وقيم ومواقف أخلاقية تخص أصحابها ومجتمعاتهم، وأنها نادراً ما تعطي
تفسيراً صحيحاً للقضية التي تتعرض لها، وحتى هذا التفسير أو التناول متعدد
الألوان أكثر منه تفسيراً تحليليّاً، وفي أحد المؤتمرات التي عقدها العلماء
الاجتماعيون الغربيون قالوا ما نصه: (إن المشتغلين بهذه العلوم لم تكن لديهم القدرة
على متابعة الأحداث المهمة لا في مجتمعاتهم ولا عبر العالم، كما أن قلة العائد
الملموس من هذه العلوم لم يُمكن أصحابها من تدعيم مراكزهم أو إقناع حكوماتهم
بجدوى بحوثهم التي يشوبها الجدل والافتراضات والتعميمات الفضفاضة التي لا
تستند إلى أساس متين من الواقع، وقد أدى الشك في هذه العلوم إلى زيادة حدة
السخرية والتهكم اللاذع عليها باتهام علمائها بأنهم يقضون ربع قرن من حياتهم
للبرهنة على حقائق يعرفها الناس من أجل إعطائهم الصبغة العلمية) .
ومن ثم نقول: إن اقتناع التنويريين الجدد بضرورة الاهتداء بمنجزات هذه
العلوم أو حتى بتصوراتها يكشف عن قصور أو عدم فهم للتيارات النقدية الغربية
التي يدعون أنهم يتحاورون معها، أو أنه اقتناع كاذب يحركه فقط موقفهم العدائي
من منجزات الصحوة الإسلامية من ناحية، أو إدراكهم للدور الذي حدده أتباع (سان
سيمون) (أوجست كونت، وبازار، وإنفانتان) لهذه العلوم بأن تزيح الدين لتقبع هي
على قمته.
٥- وأهم من كل ما سبق، الآتي:
أولاً: إن المصطلحات والمفاهيم التي يستخدمها التنويريون العرب القدامى
والجدد، وإن كانت تحمل معرفة معينة، فإنها إذا جردت من أغطيتها الفنية،
وطبقاتها اللفظية التي تحتمي بها فلن تكون أكثر من مجموعة فارغة من الألفاظ
الكاذبة ذات الرطانات الغامضة التي لا تخدم أي قضية، ولا تفيد في أي تحليل.
ثانياً: ببساطة تامة ودون الدخول في ترسانات المصطلحات الغامضة التي
يحتمي بها هؤلاء التنويريون نجدهم يسعون إلى ما يلي:
أ- الاستمرار في جهود ضرب الصحوة الإسلامية، والعمل على الحيلولة من
أن تجد لها عمقاً في القرى والمدن البعيدة عن العاصمة، أو مراكز التنوير! التي
يسيطرون عليها.
ب- الاستمرار في الجهود التي تسمح لهم بوجود المناخ الذي يعطي لهم
الشجاعة والحرية في التعرض للقرآن والسنة والتشريعات المنبثقة منهما، إما
بالهجوم أو النقد مع القدرة على الحذف والتعديل والإضافة، وإما في الأساس الذي
يستند إليه المجتمع المسلم، أو في الكيان الثقافي والاجتماعي لهذا المجتمع، انطلاقاً
من نجاحات الأئمة والأساتذة الذين أشرنا إليهم.
ج- أن تكون لهم دائماً اليد العليا في توجيه حياة الناس وحركة المجتمع وفق
تصوراتهم الفكرية، وأن تكون عقولهم هي الحَكَم النهائي حتى في المسائل التي
حسمها الشرع.
د- الارتكاز في تحقيق هذه الأهداف على التحالف مع الفكر والمناهج الغربية
والفكر الناهض في دول أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص، وكذلك مختلف
الجهود والأنشطة المناوئة للإسلام بالداخل والخارج المحمية جميعها بالقوة المسلحة.
٦- بقي أن نقول: إن التنويريين الجدد لم يقدموا أي جديد، ولو قدموا جديداً
لما كان هناك إقدام على إعادة طبع ونشر جهود التنويريين القدامى لمواجهة الصحوة
الإسلامية، إنه الدور نفسه لإمامهم الكبير (رفاعة الطهطاوي!) الذي حدده (بي.
جي. فاتكيوتس) بوضوح في قوله: (لقد كان الطهطاوي أول من قدم بطريقة
منظمة وذكية المبادئ العامة للمؤسسات السياسية الأوروبية، قدم الطهطاوي أفكار
عصر التنوير والثورة الفرنسية وهما عماد هذه المؤسسات، كان الطهطاوي معجباً
بعقلية التنوير الأوروبي، ولهذا: فقد فتح الطريق لتابعيه للهجوم المكثف على كل
ما هو تقليدي ... أدخل الطهطاوي إلى قرائه وهو يصف الدستور الفرنسي
والمؤسسات السياسية الفرنسية فكرة (السلطة العلمانية) ومفهوم (القانون الوضعي)
المشتق من مصادر أخرى غير (المصادر الإلهية) .
стр. 2038
متابعات
المرأة اليهودية
التحرير
كتب الأستاذ صالح السالم تعليقاً على مقالة نشرت في العدد (٨٨) بعنوان:
(نكون أو لا نكون) وذكر أن الكاتب معجب بالعجوز اليهودية، وصبرها وتضحيتها
وبذلها، واستنكر ذلك جدّاً. وقال: (سبحان الله! هذه كتابة مسلم يرى في اليهود
عدوه اللدود، ومع ذلك: ينقل ذلك الثناء والإطراء للعجوز اليهودية ويعجب به ولا
يرد عليه، مع أن ترك الرد عليه يجعل لصاحبه القبول في النفس، ويؤدي إلى
عدم أخذ الحذر منه، وإلى تليين العواطف نحوه، أو إلى تعظيمه واحترامه، وهو
خلاف ما بيننا وبين اليهود، ثم: ما الداعي إلى أن نأخذ دروسنا من تصرفات هذه
اليهودية..؟ ! أليس في التاريخ الإسلامي وفي سلف الأمة من الدروس ما يربو
ويغطي على تصرفات هذه العجوز التي هي أشد الناس عداوة لنا؟ !
ثم: هل ضاقت الأدلة على ضرورة الإيمان بالهدف إلا قول هذه العجوز
وتصرفاتها، كأنه ليس في شرع محمد ما يدل على ذلك، سبحان الله! كأن الكاتب
لم يقرأ الآيات التي تنادي منذ أنزل القرآن بضرورة الإيمان بالله واليوم الآخر الذي
هو هدف كل مسلم، حتى إنه لم يجد إلا كلام هذه العجوز..! ..) .
وهيئة التحرير في المجلة تشكر الأستاذ على تواصله مع المجلة، وعلى
غيرته، وحرصه على النصح والتسديد.
ولكن يبدو أن الأمر التبس عليه؛ فكاتب المقالة ليس معجباً باليهودية، ولم
يرد الثناء والإطراء عليها، لكنه أراد أن يبيّن أن إسرائيل لم تقم على الشعارات
الثورية أو الحرب الكلامية، كما هو الحال عند الأحزاب العلمانية والقومية في
البلاد العربية، وأن اليهود على الرغم من ضلالهم وباطلهم بذلوا لدينهم، وحرصوا
على تحقيق آمالهم، وتحملوا المشاق من أجل الوصول إلى وطن قومي لهم،
واستغلوا تخلف المسلمين وتفرقهم وبعدهم عن دينهم وعبث الشعارات الثورية في
ديارهم.. ولهذا: ختم مقالته بقول الله (تعالى) : [إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ
كَمَا تَاًلَمُونَ] [النساء: ١٠٤] .
وكأن الكاتب يريد أن يقول للمسلمين: هؤلاء هم أهل الباطل، ومع ذلك:
يفعلون ما يفعلون، فأين دعاة العروبة والوطنية..؟ ! بل أين دعاة الحق؟ ولِمَ لا
يتقون الله ويصبرون ويبذلون لدينهم وعقيدتهم، وأن دين الله (تعالى) لا ينتصر
بالأحلام والأماني، ولا بالعواطف الباردة، بل بعظيم الصدق والإخلاص والتضحية
في سبيل الله (تعالى) .. وقديماً قال عمر بن الخطاب ﵁ : (اللهم إني
أعوذ بك من جَلَد الفاجر وعجز التقي..) .
نرجو أن نكون قد وضحنا مراد الكاتب وأزلنا اللبس.. ونتمنى من الأخ إعادة
التأمل في المقالة، شاكرين له التواصل والتعاون على البر والتقوى.. وفق الله
الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 2039
الورقة الأخيرة
انتحار العلمانية
د. أحمد بن محمد العيسى
كيف يمكن تفسير ظاهرة (نصر حامد أبو زيد) الذي حكمت إحدى محاكم
القاهرة بردته عن الإسلام وتفريقه عن زوجته؟ .
(أبو زيد) الذي يدرّس القرآن الكريم والسنة النبوية (! !) في كلية الآداب
بجامعة القاهرة، يعتبر أن ما ورد في كتبه من أفكار إلحادية اجتهاداً يؤجر عليه! ،
وذلك مثل قوله: إن ما جاء في القرآن الكريم عن الله ، وعن الملائكة،
والعرش، والشياطين، ومشاهد يوم القيامة: هي من الأساطير التي يجب أن
تتجاوزها أفهامنا في العصر الحديث لأنها بزعمه نزلت في عصر يحتاج إلى مثل
هذا السياق اللغوي لكي يفهمه الناس.
هناك فرضيتان لتفسير هذه الظاهرة:
الأولى: أن نعتبر هذه الحالة ظاهرة إلحادية فردية كان باعثها حب الظهور
وغرام الشهرة، كما هو الحال عند (سلمان رشدي) و (تسليمه نسرين) ..
الثانية: أن نعتبرها مرحلة متطورة للعلمانية في العالم العربي، ابتدأت منذ
عهد الرواد أمثال: (طه حسين) ، و (لطفي السيد) ، و (سلامة موسى) .. وغيرهم، ووصلت عبر مراحل ومراحل إلى (فرج فودة) ، و (غالي شكري) ، و (نصر
حامد أبو زيد) .. وغيرهم.. فتكون بذرة الشك التي بذرها (طه حسين) في كتابه
(في الشعر الجاهلي) الذي أعيد طبعه مؤخراً قد ترعرعت ووصلت إلى الحال التي
نقرؤها عند علمانيي عصرنا..
وهكذا أصبحت حالة (أبو زيد) مؤشراً على تطور جديد للعلمانية، بعد أن
أزاحت عن وجهها حجاب المصطلحات الفضفاضة، ليظهر وجه الإلحاد البشع..!
هاتان الفرضيتان تحتاجان إلى تأمل.. ولكن، لعل ردود الفعل العلمانية على
حكم المحكمة تدل على أن الفرضية الثانية تعبر بشكل أكبر عن الواقع، ومن ذلك
قول قائلهم: (إن الفضيلة الأصولية تدفع الجميع إلى الأقاصي، وتجنباً لكارثة لن
تكون أقل من كارثة الاجتياح المغولي لكنها تأتي هذه المرة من الداخل تُستحسن
المسارعة في مراجعة كل شيء، والاستعداد للتجرؤ على الينابيع التي يشرب
الأصوليون ماءهم منها..) ! !
فهل يكون هذا شاهداً على انتحار العلمانية؟ ! !
стр. 2040
جمادى الأولى - ١٤١٦هـ
أكتوبر - ١٩٩٥م
(السنة: ١٠)
стр. 2041
كلمة صغيرة
الأقصى ينادي
مرت ذكرى (إحراق المسجد الأقصى) ! التي دبرها يهود بواسطة أحدهم،
وزعموا حينها أنه (مجنون) ، والحقيقة أنه ليس كذلك، وإلا لأحرق معبداً يهوديّاً أو
كنيسة نصرانية أو حتى معلماً من معالم يهود مادام غير عاقل، لكنه المخطط
الموضوع لهدم المسجد الأقصى، الذي يذكر بارتباط ذلك المسجد بالبيت العتيق
[سُبْحَانَ الَذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى ... ] وهذا
ما وضحه الأستاذ (عبد العزيز مصطفى) في كتابه الوثائقي (قبل أن يهدم الأقصى)
والذي بيّن فيه أن المراد هدم المسجد وليس حرقه، وبين الصلات التي تربط
الصهيونية اليهودية بالنصارى الصهاينة، وأن (إخوان القردة والخنازير) قد حفروا
تحت المسجد بمساحته ويزيد حفريات كبيرة، بدعوى البحث عن هيكلهم المزعوم
والذي لم يعثر له على أي أثر.. لم يبق لسقوط ذلك المسجد سوى أمد.. نسأل الله
ألا يتحقق.
فهل عمل المسلمون كل ما يستطيعون لإيقاف تلك المؤامرة، أم حينما تقع
الواقعة (لا قدر الله) سيكتفى بالمؤتمرات والمظاهرات وغرر القصائد الرثائية،
وتضاف مناسبة أخرى للمناسبات البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان يحتفى
بذكراها فقط، ثم يقال: كان هناك (مسجد أقصى) كما حصل ل (مسجد البابري)
مثلاً.
أيها المسلمون: الأقصى يناديكم.. أنقذوني من كيد وغدر (يهود) .
وحتى متى تتداعون لخطب ودهم وهم أعدى أعاديكم..
فيالله للمسلمين ويالله للمسجد الأقصى ...
стр. 2042
افتتاحية العدد
العودة إلى المنابع لا لتجفيفها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه..
أما بعد..
فمن المظاهر الكبرى لديننا الإسلامي الحنيف: أنه دين إنساني عالمي، تكفل
الله ببقائه وحفظه؛ وجاء رسولنا الخاتم رحمة للبشرية جمعاء [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ
رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] [الأنبياء: ١٠٧] ، ومن فضل الله (تعالى) على الأمة: أن انتشر
الإسلام في الأرجاء، ودخل الناس فيه أفواجاً.
وحينما بعدت الأمة عن مشكاة هذا الدين لأسباب شتى: تداعت الأمم عليها
كتداعي الأكلة على قصعتها، كما أخبر بذلك الرسول، وعلى الرغم مما عاناه
الإسلام وأهله من عداوات ومحن وشدائد؛ إلا أن ذلك يؤذن دائماً ولله الحمد بمزيد
من العودة إلى الله، والرجوع إليه، والتمسك بأهداب دينه، والدعوة إليه، والموت
في سبيله، هذه الخاصية العجيبة لهذا الدين هي مصدر قوته وكماله ومصداقيته
وصلاحه لكل زمان ومكان، لكونه الرسالة الأخيرة التي ارتضاها الله (جل وعلا)
للأمة الإسلامية بقوله (تعالى) : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] ، وتؤكد السنة الصحيحة على هذا المعنى
في كثير من مبشراتها، ومنها قول النبي: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على
الناس) [١] .
وهذا ما فطن له الصحابي الجليل (عمر بن الخطاب) ﵁ حينما
قال: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله) .
وهذا ما يشق على أعداء هذا الدين عبر العصور ويفسر مخططاتهم لمحاربة
الإسلام وأهله، وسعيهم الحثيث لإبعاد الأمة بعامة والشباب منهم بخاصة عن
الالتزام بهذا الدين والعض عليه بالنواجذ.
ولذلك: كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة التي تولى رعايتها والدعوة إليها
نخبة من صفوة الأمة وعلمائها هي ما أقض مضاجع الأعداء، وأفسد ما كانوا
يسعون إليه من تضليل الأمة الإسلامية؛ ولقد عجزت الأقلام المشبوهة من أذناب
اليسار وغلاة العلمانيين عن إقناع الأمة وبخاصة شبابها بوسائلهم المعتادة، فلجؤوا
إلى الاستعانة بأدعياء التنوير الهالكين، وأعادوا مطبوعاتهم التي كانت محل النقد
والازدراء والمقت، لسطحيتها وانحرافها عن جادة الصواب، ومع ذلك فما زالوا
مستمرين في سياساتهم المشبوهة تلك، مع العمل وفقاً للخطوات التالية:
١- المطالبة بتنحية الشريعة الإسلامية، بدعوى انتهاء زمانها، وأنهم بحاجة
إلى المجتمع المدني الذي تضيع فيه الهوية الإسلامية.
٢- عزل الأمّة عن علمائها الأخيار، ودعاتها الأبرار، والسعي بشتى
الوسائل للتقليل من شأنهم، وتشويه سمعتهم.
٣- اصطناع فئات مشبوهة الاتجاه تقوم مقام الغرب وتؤدي رسالته في
تغريب الأمة وإبعادها عن دينها، ليكونوا رموزاً يقتفى أثرهم.
٤- التربص بكل توجه إسلامي مخلص، وضربه ومصادرته بدعوى أنه
(إرهاب وتطرف!) .
٥- اصطناع سياسات (تجفيف المنابع) التي يشارك فيها ذوو الاتجاهات
العلمانية بمختلف رؤاهم الفكرية، للوقوف معاً ضد الصحوة الإسلامية، والعمل
المتواصل للقضاء عليها بتلك السياسة، التي تعني: قطع الصلة العقدية في المجتمع
الإسلامي بين حاضره وماضيه، للوصول إلى عزل الأمة جمعاء عن دينها الحق
وفهمه الصحيح بمنهاج سلفنا الصالح، والذي يجمع بالفعل بين الأصالة والمعاصرة، وذلك هو العائق الوحيد الذي يعرقل كل سياسات الانهزامية والتبعية.
ولكي تنجح تلك السياسة الخبيثة، اتخذت الخطوات التالية:
أ) مصادرة كل توجه إسلامي صادق في المجتمع، ومحاصرته وإخراجه من
إطار ديمقراطياتهم (المزعومة) بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، بينما المجال
مفتوح لكل اتجاه ساقط، حتى ولو كان شيوعيّاً بائداً.
ب) العمل المتواصل لتغريب المجتمعات المسلمة، بإشاعة الإعلام الفاسد
بشتى صوره المرئية والمسموعة والمقروءة، ومحاولة إبعاد تأثير الدين في نفوس
أبنائه بتلك الوسائل.
ج) تغيير مناهج التربية والتعليم، وقطع صلتها بدين الأمة وتاريخها، بحجة
تطويرها وتحديثها، لتخالف كل مسلمات الأمة، ولتتناسب مع (اتجاهات التطبيع)
مع العدو الصهيوني.
وهناك دراسات علمية موثقة لهذا التوجه رصدت هذه الظاهرة بصورة كاملة،
توضح إلى أي مدى تسير الأمة في طريقها للهاوية، إن لم تتداركها رحمة الله
[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] .
ومع كل ذلك، فمما يبشر الأمة ويجعل الدعاة إلى الله (تعالى) على ثقة بفشل
تلك الاتجاهات المشبوهة: أن الله بالغ أمره [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] [الصف: ٨، ٩] .
إننا نعيد ونؤكد: إن كل المحاولات التغريبية التي تسعى لقطع الأمة من
جذورها، مصيرها إلى الزوال بإذن الله (تعالى) ، وهي إن نجحت في بلد ما من
البلدان، أو في وقت ما من الأوقات، فإنّه نجاح مؤقت، مؤذن بحول الله (تعالى)
وقوته إلى العودة الصادقة إلى دين الإسلام.
إن هذا الدين هو قدر الله ورحمته في هذه الأرض، وظاهرة العودة إلى
المنابع الأصيلة هي إحدى مظاهر السنن الربانية الكريمة التي لا تتبدل ولا تتغير،
وحينما يحال بين الصحوة الإسلامية وهذا السبيل بالوسائل المعيقة لأداء دورها:
ستكون النتائج محزنة جدّاً، كما هو الحال في كثير من البلدان الإسلامية، لكنها
ستؤول بإذن الله إلى نصر مبين لأوليائه.
إنّ القافلة تسير، لا يضرها من خذلها أو خالفها، تحدوها عناية العزيز القدير، واللهَ نسأل أن نكون من روادها والسائرين في ركابها على بصيرة، مع الذين أنعم
الله عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين، وأن يقر عيوننا بعز الإسلام، وذل
أعدائه.. وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 2043
دراسات شرعية
عصمة الأئمة بين أهل السنة والشيعة
من خلال (منهاج السنة النبوية)
بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان
من الكتب الجليلة التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (منهاج
السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) ، ردّ فيه على كتاب: (منهاج الكرامة
في إثبات الإمامة) لابن المُطَهّر الحلي الرافضي، وقد طبع أخيراً بعناية الدكتور
محمد رشاد سالم ﵀ [*] ، وتأتي أهمية هذا السفر الجليل لعدة أسباب،
أذكر منها:
١- أنّ الشيعة من أقدم الفرق ظهوراً في التاريخ الإسلامي، ومن أكثرها
انتشاراً في العصر الحاضر.
٢- أن ابن تيمية اهتم بالردّ عليهم معتمداً على النقل الدقيق من أكثر كتبهم
رواجاً وانتشاراً في عصره.
٣- أن ابن المطهر الحلي الذي ردّ عليه ابن تيمية كان يُعدّ عند الإمامية
أفضلهم في زمانه، بل يقول بعضهم: ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس
العلوم مطلقاً [١] .
٤- يُعدّ كتاب (منهاج السنة النبوية) من أوسع كتب أهل السنة وأجمعها في
الرد على الشيعة الإمامية خاصة، وقد استوعب ابن تيمية فيه الرد على كثير من
شبهاتهم وافتراءاتهم التي كانوا وما زالوا يرددونها، ويكتبون فيها الرسائل
والمدونات.
٥- وحيث إن مذهب الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنّهم جهمية في
الصفات، قدرية على مذهب المعتزلة، رافضة في الصحابة [٢] فإن ابن تيمية
استطرد استطرادات نفيسة للرد على الجهمية والمعتزلة والفلاسفة.. وغيرهم من
طوائف المبتدعة ورؤوس الضلال.
وقد ناقش ابن تيمية في هذا الكتاب مسائل متعددة أثارها ابن المطهر في
أبواب مختلفة، ولعلّ من أهم هذه المسائل وأجمعها:
أولاً: منزلة الصحابة ﵃ أجمعين) ، ومواقفهم بعد وفاة النبي،
والرد على المطاعن والأكاذيب التي ذكرها ابن المطهر.
ثانياً: الإمامة والعصمة.
ثالثاً: منهج أهل السنة في الصفات والقدر، ومقارنته بمنهج الرافضة
وأشياخهم المعتزلة، والرد على أكاذيبهم ومخازيهم.
وسوف أقتصر في هذه المقالة على مقارنة مختصرة بين منهجي أهل السنة
والرافضة في عصمة الأئمة من خلال هذا السفر الجليل.
عصمة الأئمة عند الشيعة:
لعل موضوع الإمامة هو الموضوع الرئيس الذي يدور حوله كتاب ابن
المطهر: (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة) ، ولذا: فإنه أبرز الموضوعات التي
تكلم عنها فيما بعد شيخ الإسلام ابن تيمية في: (منهاج السنة النبوية) ، وسوف
أشير في هذا المبحث إلى منهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم، ثم أختمه ببيان
منهج أهل السنة في العصمة.
* أقسام الأئمة الاثني عشر:
ذكر ابن تيمية أن: (أصول الدين عند الإمامية أربعة: التوحيد، والعدل،
والنبوة، والإمامة، فالإمامة هي آخرالمراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل
ذلك) [٣] .
ويقسم ابن تيمية الأئمة الاثني عشر أربعة أقسام:
القسم الأول: علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين ﵃
وهم صحابة أجلاء، لا يُشَكّ في فضلهم وإمامتهم، ولكن شَرِكَهُم في فضل الصحبة
خلق كثير، وفي الصحابة من هو أفضل منهم [٤] بأدلة صحيحة عن النبي.
القسم الثاني: علي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد
الصادق، وموسى بن جعفر [٥] ، وهؤلاء من العلماء الثقات المعتد بهم، وقد أشار
ابن تيمية في مواضع عديدة إلى تقديرهم ومحبتهم، وجواز تقليدهم لمن عجز عن
الاستدلال، حالهم في ذلك كحال بقية علماء الأمة [٦] .
القسم الثالث: علي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي بن موسى الجواد،
وعلي بن محمد بن علي العسكري، والحسن بن علي بن محمد العسكري.
وقد أثنى ابن تيمية على الأئمة الثلاثة: علي بن الحسين، وابنه أبي جعفر،
وجعفر بن محمد، ثم قال: (وأما من بعد الثلاثة كالعسكريين، فهؤلاء لم يظهر
عليهم علمٌ تستفيده الأمة، ولا كان لهم يدٌ تستعين بها الأمة، بل كانوا كأمثالهم من
الهاشميين، لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين
ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين، وأما ما يختص به أهل
العلم، فهذا لم يُعرف عنهم، ولهذا: لم يأخذ عنهم أهل العلم كما أخذوا عن أولئك
الثلاثة، ولو وجدوا ما يُستفاد لأخذوا، ولكن طالب العلم يعرف مقصوده) [٧] .
القسم الرابع: محمد بن الحسن العسكري المنتظر.
وهذا من غرائب الشيعة، حيث لم يُرَ له عينٌ ولا أثر، ولا سُمع له حسّ ولا
خبر.
والشيعة يجعلون له مشاهد ينتظرونه عندها، كمشهد سامراء [٨] .!
أصول الشرعيات عند الرافضة وغلوهم في الأئمة:
ذكر ابن تيمية في عدة مواضع: أن الرافضة الإمامية أصّلوا لهم أصولاً
اعتمدوها في كلّ ما يُنقل عن أئمة البيت، وهذه الأصول هي:
الأصل الأول: أن هؤلاء الأئمة معصومون كعصمة النبي -صلى الله عليه
وسلم-.
الأصل الثاني: أن كل ما يقوله هؤلاء الأئمة منقولٌ عن النبي -صلى الله
عليه وسلم-.
الأصل الثالث: أن إجماع العترة حجة، ثم يدّعون أن العترة هم الاثنا عشر،
ويدعون أن ما يُنقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه [٩] .
قال ابن تيمية بعد أن ذكر هذه الأصول: (فهذه أصول الشرعيات عندهم،
وهي أصول فاسدة كما سنبين ذلك في موضعه، لا يعتمدون على القرآن ولا على
الحديث ولا على الإجماع، إلا لكون المعصوم منهم، ولا على القياس وإن كان
واضحاً جليّاً) [١٠] .
فالرافضة إذن بالغوا في أئمتهم، وجعلوا: (الإمامة أهم المطالب في أحكام
الدين، وأشرف مسائل المسلمين) [١١] ، بل إنهم جعلوا الإمامة: (أحد أركان
الإيمان) [١٢] .
ومن غلوّ الرافضة في الأئمة: اعتقادهم أن (كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية
في الكمال) [١٣] .
والرافضة: (تجعل الأئمة الاثني عشر أفضل من السابقين الأولين من
المهاجرين والأنصار، وغلاتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء، لأنهم يعتقدون
فيهم الإلهية كما اعتقدتها النصارى في المسيح) [١٤] .
(وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من
دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا
الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم) [١٥] .
ولهذا: فإن الغلو لا يوجد في (طائفة أكثر مما يوجد فيهم، ومنهم من ادعى
إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي ﷺ وادعى العصمة
في الأئمة، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف) [١٦] .
وتزعم الرافضة أن (كل ما أفتى به الواحد من هؤلاء فهو منقول عنده عن
النبي ﷺ ) [١٧] .
ثم ترتب على هذا الغلو أن (الرافضة تزعم أن الدين مُسَلّم إلى الأئمة،
فالحلال ما حللوه، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه) [١٨] .
وحقيقة قول الرافضة: أنهم (يُريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو
قول الرسول الذي بعثه الله إلى جميع المؤمنين، بمنزلة القرآن والمتواتر من
السنة) [١٩] .
ومن عجائب بعضهم: ترجيحهم للقول الذي لا يُعرف قائله؛ لأنّ المنتظر
المعصوم يقول به. فكان دينهم مبنيّاً على مجهول ومعدوم..! [٢٠]
انحراف الرافضة في الأئمة:
مع ذلك الغلو والتعظيم الشديد للأئمة، فإن الرافضة وقعوا في الأمور التالية:
الأمر الأول: اختلافهم في تعيين الأئمة:
اختلفت الرافضة في تعيين أولئك الأئمةاختلافاً متبايناً، وكل فرقة من فرقهم
تدعي أنها هي التي على الحق، بدون حجة أو برهان [٢١] .
الأمر الثاني: مخالفتهم لأئمتهم:
مع أن الرافضة يغلون في الأئمة وتعظيمهم، إلا أنهم لم يأخذوا بأقوالهم، ولم
يقتدوا بهم؛ ولهذا قال ابن تيمية: (لا نُسلّم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل
البيت: لا الاثنا عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعلي ﵁ وأئمة
أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة ... والنقل بذلك
مستفيضٌ في كتب أهل العلم، بحيث إن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل
البيت يوجب علماً ضروريّاً بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم) [٢٢] .
الأمر الثالث: أن الرافضة لا يهتمون بتمييز المنقولات عن الأئمة، ولا خبرة لهم بالأسانيد ومعرفة الثقات:
قال ابن تيمية: (وعمدتهم في الشرعيات ما نُقل لهم عن بعض أهل البيت،
وذلك النقل منه ما هو صدق، ومنه ما هو كذب عمداً أو خطأً وليسوا أهل معرفة
بصحيح المنقول وضعيفه كأهل المعرفة بالحديث) [٢٣] .
الأمر الرابع: كذب الرافضة على أئمتهم:
لم يقف الرافضة مع أئمتهم عند حد القصور في تمييز المنقولات عنهم، بل
تعدوه إلى الكذب والافتراء؛ قال ابن تيمية: (الكذب على هؤلاء [يعني: الأئمة
الاثني عشر] في الرافضة أعظم الأمور، لا سيما على جعفر بن محمد الصادق،
فإنه ما كُذب على أحدٍ ما كُذب عليه، حتى نسبوا إليه: كتاب الجَفْر والبطاقة،
والهفت.
وفي الجملة: فمن جرّب الرافضة في كتابهم وخطابهم علم أنهم من أكذب خلق
الله، فكيف يثق القلب بنقلِ من كثر منهم الكذب قبل أن يعرف صدق
الناقل؟) [٢٤] .
الأمر الخامس: اتباع الرافضة لشيوخهم لا لأئمتهم:
قال ابن تيمية: (إن الأئمة الذين يُدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمئة وخمسين سنة، وعند آخرين هو معدوم لم
يوجد، والذين يُطاعون شيوخٌ من شيوخ الرافضة، أو كتب صنفها بعض شيوخ
الرافضة، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين، وهؤلاء الشيوخ
المصنفون ليسوا معصومين بالاتفاق، ولا مقطوعاً لهم بالنجاة.
فإذن: الرافضة لا يتبعون إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم، فلم
يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ولا بنجاة أئمتهم الذين يُباشرونهم بالأمر والنهي، وهم
أئمتهم حقّاً، وإنهم في انتسابهم إلى أولئك بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين
ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة، ولا يدرون بماذا أمر، ولا عن ماذا نهى، بل
له أتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدّون عن سبيل الله، يأمرونهم بالغلو في ذلك
الشيخ وفي خلفائه وأن يتخذوهم أرباباً) [٢٥] .
الأمر السادس: سخافة قول الرافضة في أئمتهم:
مع أن الإمامة عند الرافضة من أهم مطالب الدين، وأشرف مسائل المسلمين، إلا أنهم: (قد قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين) [٢٦] . ...
وقال ابن تيمية أيضاً: (ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه يعني: المنتظر، لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره
ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلاً، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار، وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور لداخل في
سرداب، ليس له عمل ولا خطاب، ولو كان موجوداً بيقين لما حصل به منفعة
لهؤلاء المساكين، فكيف وعقلاء الناس يعلمون أنه ليس معهم إلا الإفلاس، وأن
الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يُعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما من أهل العلم بالنسب؟ ! ..) [٢٧] .
الأمر السابع: شرك الرافضة في أئمتهم:
من غلوّ الرافضة في الأئمة: أنهم حوّلوا حبهم لهم إلى شرك وعبادة لغير الله
(تعالى) ، قال ابن تيمية: (.. وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة،
حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم
بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم، فتجدهم
يُعطلون المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فلا يصلون فيها جمعة
ولا جماعة، وليس لها عندهم كبير حُرمة، وإن صلوا فيها صلوا وحداناً،
ويُعظمون المشاهد المبنية على القبور، فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجون
إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج
إلى الكعبة، وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال:
(لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا) ..) [٢٨] .
(وقد صنف شيخهم ابن النعمان، المعروف عندهم بالمفيد وهو شيخ
الموسوي والطوسي كتاباً سماه: (مناسك المشاهد) ، جعل قبور المخلوقين تُحج كما
تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياماً للناس، وهو أول بيت وضع للناس
فلا يُطاف إلا به، ولا يُصلى إلا إليه، ولم يأمر الله إلا بحجه.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم
يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد، ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء
والصالحين، بل هذا من دين المشركين) [٢٩] .
منهج أهل السنة في العصمة:
بعد هذا العرض لمنهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم وأشياخهم، أنتقل إلى
عرض منهج أهل السنة في هذا الباب:
أولاً: الطاعة المطلقة لا تكون لمخلوق إلا للرسل (صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين) :
قال ابن تيمية: (والرسول ﷺ هو المبلغ عن الله أمره
ونهيه، فلا يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو، فإذا جعل الإمام والشيخ كأنه إله
يُدعى مع مغيبه وبعد موته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج والطاعة إنما هي
لشخص حاضر يأمر بما يُريد وينهى عما يُريد كان الميت مُشبّهاً بالله (تعالى) والحي
مشبّها برسول الله ﷺ ، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي
أصله شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله) [٣٠] .
وقال أيضاً: (المعصوم تجب طاعته مطلقاً بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد،
والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة؛ قال (تعالى) : [وَمَن يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً] [الجن: ٢٣] ، فدل القرآن في غير
موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة
معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قُدّر أنه أطاع من
ظن أنه معصوم، فالرسول ﷺ هو الذي فرق به بين أهل
الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقي وسعيد، فمن
اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وليست هذه المرتبة لغيره.
ولهذا اتفق أهل العلم (أهل الكتاب والسنة) على أن كل شخص سوى
الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ فإنه
يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا
ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة، كما قال (تعالى) : [فَلَنَسْئَلَنَّ الَذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ]
[الأعراف: ٦] ..) [٣١] .
ثانياً: أهل السنة لا ينتصرون إلا لقول الرسول:
قال ابن تيمية: (فليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه
في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر
منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يغضبون لقول غيره، إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله) [٣٢] .
ثالثاً: ليس أحدٌ من البشر واسطة بين الله وخلقه في الخلق والرزق:
قال ابن تيمية: (ليس أحد من البشر واسطة بين الله وخلقه في رزقه وخلقه،
وهداه ونصره، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته، لا سبيل لأحد إلى السعادة
إلا بطاعة الرسل. وأما خلقه ورزقه، وهداه ونصره، فلا يقدرعليه إلا الله (تعالى) ، فهذا لا يتوقف على حياة الرسل وبقائهم، بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم
على وجود الرسل أصلاً، بل قد يخلق الله ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة
الملائكة أو غيرهم، وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هو معروف
في البشر، وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة البشر، أو أن أحداً من البشر يتولى
ذلك كله، ونحو ذلك، فهذا كله باطل) [٣٣] .
رابعاً: الردّ عند التنازع لا يكون إلا لله وللرسول ﷺ :
ذكر ابن تيمية قول الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاًوِيلاً] [النساء: ٥٩] ، ثم قال:
(فأمر الله المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، ولو كان للناس معصوم
غير الرسول ﷺ لأمرهم بالرد إليه، فدل القرآن على أنه لا
معصوم إلا الرسول ﷺ ) [٣٤] . وقال في موضع آخر: (فلم
يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصاً معصوماً غير
الرسول- ﷺ ، أوجب ردّ ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده
إلا الحق كالرسول- ﷺ ، وهذا خلاف القرآن) [٣٥] .
خامساً: مقالة أهل السنة في العصمة:
ذكر ابن تيمية بأن أهل السنة: (متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما
يبلغونه عن الله (تعالى) ، وهذا هو مقصود الرسالة، فإن الرسول هو الذي يبلغ عن
الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين، بحيث
لا يجوز أن يستقرّ في ذلك شيء من الخطأ) [٣٦] .
ولهذا فإن الرسول ﷺ : (معصومٌ في التبليغ بالاتفاق،
والعصمة المتفق عليها: أنه لا يُقر على خطأ في التبليغ بالإجماع) [٣٧] .
فالرسول ﷺ هو المعصوم: (الذي لا ريب في عصمته،
وهو رسول الله ﷺ الذي أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً
ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، الذي أخرج به الناس من الظلمات
إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي فرق بين الحق والباطل،
والهدى والضلال، والغي والرشاد، والنور والظلمة، وأهل السعادة وأهل ...
الشقاوة..) [٣٨] . ...
من أجل ذلك فإن أهل الحديث: (جعلوا الرسول الذي بعثه الله إلى الخلق هو
إمامهم المعصوم، عنه يأخذون دينهم، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه،
والدين ما شرعه، وكل قول يخالف قوله فهو مردود عندهم وإن كان الذي قاله من
خيار المسلمين وأعلمهم وهو مأجور فيه على اجتهاده، لكنهم لا يُعارضون قول الله
وقول رسوله بشيء أصلاً: لا نقل نُقل عن غيره، ولا رأي رآه غيره.
ومن سواه من أهل العلم فإنما هم وسائط في التبليغ عنه: إما للفظ حديثه،
وإما لمعناه، فقوم بلغوا ما سمعوا منه من قرآن وحديث، وقوم تفقهوا في ذلك
وعرفوا معناه، وما تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول) [٣٩] .
سادساً: لا عصمة لأحدٍ بعد الرسول ﷺ :
قال ابن تيمية: (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي -
ﷺ ، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ) [٤٠] .
سابعاً: العصمة لمجموع الأمة:
قال ابن تيمية: (والله (تعالى) قد ضمن العصمة للأمة، فمن تمام العصمة أن
يجعل عدداً من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه،
حتى لا يضيع الحق، ولهذا: لما كان في قول بعضهم من الخطأ في مسائل،
كبعض المسائل التي أوردها، كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة
على ضلالة أصلاً) [٤١] .
وقال أيضاً: (.. فلهذا لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة
واحدة، والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول، وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع،
فإنما يُخالف رسول الله ﷺ ، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع
العملية كان مخالفاً للسنة الثابتة..) [٤٢] .
وقال أيضاً في بيان الواجب على المسلم: (ويعلم أن أفضل الخلق بعد
الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً عاماً، إلا لرسول الله -
ﷺ ، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاًعاماً، إلا للصحابة (رضي الله
عنهم أجمعين) ؛ فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون
أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يُجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب
عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم
من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسلّماً إلى عالم
واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيراً لرسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم..) [٤٣] .
ثامناً: طاعة الأئمة والولاة في المعروف لا في المعاصي:
قال ابن تيمية: (.. النبي ﷺ أمر بطاعة الأئمة
الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة
معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً، كما أمر
النبي ﷺ بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف،
ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقاً، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته، وهذا
يُبيّن أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين..) [٤٤] .
وذكر أيضاً أن أهل السنة: (لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل
لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يُجوّزون طاعته في
معصية الله وإن كان إماماً عادلاً، وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه مثل: أن يأمرهم
بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدق، والعدل، والحج، والجهاد في سبيل الله
فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم
طاعة الله، ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلم بحق لم
يَجُز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق، فأهل السنة لا
يُطيعون ولاة الأمور مطلقاً، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول - صلى الله
عليه وسلم -، كما قال (تعالى) : [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ]
[النساء: ٥٩] فأمر بطاعة الله مطلقاً، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا
بطاعة الله: [مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] [النساء: ٨٠] ، وجعل طاعة
أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: [وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] ، ولم يذكر لهم طاعة
ثالثة، لأن ولي الأمر لا يُطاع طاعة مطلقة، إنما يُطاع في المعروف) [٤٥] .
стр. 2044
دراسات شرعية
أصول الفقه.. والمنطق الأرسطي
(٢)
بقلم: عثمان محمد إدريس
في الحلقة الماضية: أوضح الكاتب مفهوم الأقيسة المنطقية المتعلقة بكيفية ...
تخريج الأحكام في أصول الفقه، وذكر أنها نوعان: قياس اقتراني حملي، وقياس
استثنائي متصل، ثم ذكر اختلاف العلماء في جواز استعمال هذه الأقيسة،
مستحضراً أدلة كل فريق، وبدأ في مناقشة أدلة كلّ منهم، فناقش أدلة الفريق
الأول.. وفي هذه الحلقة يواصل الكاتب مناقشته لجوانب أخرى..
- البيان -
ب- مناقشة أدلة القول الثاني:
١- مناقشة الدليل الأول:
يمكن مناقشة هذا الدليل بالقول: إنّ ترك الصحابة ﵃
بالاشتغال بالمنطق، وعدم مراعاتهم إياه في القضايا الشرعية: لا لكونه محرماً،
وإنما لاستغنائهم عنه بما حباهم الله (تعالى) به من صفاء الذهن، وسلامة اللغة،
وكثرة العلم، وجودة القريحة، ومعايشتهم النبي.
الجواب عن هذه المناقشة:
يمكن الإجابة عن هذه المناقشة بالقول: ما قولكم في فتاوى التابعين والأئمة
المجتهدين الذين جاؤوا بعد الصحابة ولم يعرفوا المنطق، ولم يشتغلوا به..؟
أصحيحة فتاواهم أم باطلة؟ .
وإذا أقروا بصحتها مع عدم اشتغال أصحابها بالمنطق، وهو الذي يسعهم دون
غيره، فإنهم يكونون قد سلّموا بصحة الأحكام المستنبطة من غير استعمال للمنطق
وأقيسته، فتبطل دعواهم.
٢- مناقشة الدليل الثاني:
يمكن مناقشة هذا الدليل بالقول: إنّ الاستغناء بالأساليب العربية في ترتيب
مقدمات الحكم عن الأقيسة المنطقية، إنما يكون ممن يجيد اللغة العربية ويحسنها،
وأمثال هؤلاء قليلون في هذه العصور المتأخرة، وحتى لا يقع الكثير في الخطأ
والاضطراب: فإن عليهم الالتزام بهذه الأقيسة.
الجواب عن هذه المناقشة:
يمكن الإجابة عن هذه المناقشة بالقول: لقد سبق الرّدّ على هذه الشبهة، وهو
أنه يُشترط فيمن يقوم بعملية الاستنباط أن يكون ملمّاً بقدر كافٍ من علوم اللغة
العربية، بحيث يتمكن من النظر في الأدلة لاستنباط الأحكام منها تخريجاً على
القواعد الأصولية، ولا شك أن من توفر لديه هذا القدر من علوم اللغة العربية،
فإنه قادر على استعمال الأساليب العربية الصحيحة في ترتيب مقدمات الحكم
الشرعي.
٣- مناقشة الدليل الثالث:
يمكن مناقشة هذا الدليل بالقول: لو سُلّم بفساد المنطق عامة، فإنه لا يُسلّم
بكون القسمان المذكوران منه وهما: القياس الاقتراني الحملي، والقياس الاستثنائي
المتصل فاسدين؛ وذلك لسببين:
السبب الأول:
أن من العلماء الذين نهوا عن الاشتغال بالمنطق عامة من أقرّ بصحة القسمين
المذكورين من القياس المنطقي، وبالتالي: صحة ما يترتب عليهما من نتائج
وأحكام، ومن ذلك:
١- قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (.. فإن كون القياس المُؤلّف
من مقدّمتين مفيد النتيجة هو أمر صحيح في نفسه..) [١] .
٢- قوله أيضاً: (.. كنتُ أحسبُ أن قضاياه صادقة لما رأيتُ من صدق
كثير منها! ثم تبيّن لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه، وكتبتُ في ذلك شيئاً) [٢] .
٣- قول الإمام الشاطبي ﵀ : (.. لأن المراد تقريب الطريق
الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون، وعلى وفق ما جاء في الشريعة،
وأقرب الأشكال إلى هذا التقرير: ما كان بديهيّاً في الإنتاج أو ما أشبهه من اقتراني
أو استثنائي) [٣] .
السبب الثاني:
أن هذين القياسين إنما يرجعان في حقيقتهما إلى مبدأ (اللزوم) [٤] في عملية
الاستدلال.
وقد أقر المانعون من استعمال هذه الأقيسة بأن مبدأ (اللزوم) من أهم المبادئ
التي ينبغي الأخذ بها في العملية الاستدلالية.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (الحقيقة المعتبرة في كل
برهان ودليل في العالم هي (اللزوم) ؛ فمن عرف أن هذا لازم لهذا، استدلّ
بالملزوم [٥] على اللازم [٦] .. كما يُعرف أن كل ما في الوجود فهو آية لله، فإنه
مفتقر إليه، محتاج إليه، لابد له منه، فيلزم من وجوده وجود الصانع) [٧] .
ويقول أيضاً: (كلّ ما كان مستلزماً لغيره، بحيث يكون ملزوماً له، فإنه
يكون دليلا عليه، برهاناً له.. فأبداً الدليل ملزوم للمدلول عليه، والمدلول لازم
للدليل) [٨] .
وعند تعريفه ل (القياس الاقتراني) قياس الشمول قال: (انتقال الذهن من
المُعيّن إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره، والحكم عليه بما يلزم
المشترك الكلي؛ بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول، وهو
المُعيّن) [٩] .
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ : (.. وإنما يعتريه ...
الخللُ [١٠] من جهة الناظر فيه، فيغلط، فيظن هذا الأمر لازماً لهذا مثلاً، فيستدل بنفي ذلك اللازم في زعمه على نفي ذلك الملزوم، مع أنه لا ملازمة بينهما في نفس الأمر البتة) [١١] .
الجواب عن هذه المناقشة:
يمكن الجواب عن هذه المناقشة بالقول: إن هذين السببين لا يصلحان دليلاً
على جواز استعمال هذه الأقيسة في المباحث الشرعية؛ لأنه لا يلزم من إقرار
هؤلاء العلماء بصحة إنتاج هذين القياسين، وبصحة مبدأ (اللزوم) الذي يرجعان
إليه، جواز استعمالهما في المباحث الشرعية، بل إن إقرارهم بذلك مع عدم
تجويزهم استعمالهما فيها يؤكد القول بالمنع؛ إذ كأنهم يقولون: مع علمنا بصحة
إنتاج هذين القسمين من القياس المنطقي، إلا إننا لا نجوز استعمالهما في المباحث
الشرعية..
ذلك أن القول بالمنع ليس مبنيّاً على كونهما صحيحي الإنتاج أو لا، وإنما
لاعتبارات أخرى نصوا عليها في أدلتهم المذكورة آنفاً؛ بيّنها شيخ الإسلام ابن تيمية
﵀ في جملة من أقواله، منها:
١- قوله: (فإن كون القياس المؤلف من مقدمتين يفيد النتيجة، هو أمر
صحيح في نفسه، لكن الذي بيّنه نُظّار المسلمين في كلامهم على هذا (المنطق
اليوناني) المنسوب إلى أرسطو صاحب التعاليم أن ما ذكروه من صور القياس
ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية، بل كلّ ما يمكن علمه ب
(قياسهم المنطقي) يمكن علمه بدون قياسهم المنطقي، وما لا يمكن علمه بدون
قياسهم لا يمكن علمه بقياسهم، فلم يكن في قياسهم لا تحصيل العلم بالمجهول الذي
لا يُعلم بدونه، ولا حاجة به إلى ما يمكن العلم به بدونه، فصار عديم التأثير في
العلم وجوداً وعدماً، ولكن فيه تطويل كثير متعب. فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه
إتعاب الأذهان وتضييع الزمان وكثرة الهذيان) [١٢] .
٢- وقوله: (صورة القياس المذكورة فطرية لا تحتاج إلى تعلم؛ بل هي عند
الناس بمنزلة الحساب، ولكن هؤلاء يُطولون العبارات ويغربونها.. والأمور
الفطرية متى جُعل لها طرق غير فطرية كانت تعذيباً للنفوس بلا منفعة لها) [١٣] .
٣- وقوله: (كما لو قيل لرجل: اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية،
فإن هذا ممكن بلا كلفة، فلو قال له قائل: اصبر؛ فإنه لا يمكنك القسمة حتى
تعرف حدّها، وتميز بينها وبين الضرب، فإن القسمة عكس الضرب؛ فإن
الضرب هو تضعيف آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر، والقسمة توزيع آحاد أحد
العددين على آحاد العدد الآخر.. فهذا، وإن كان كلاماً صحيحاً، لكن من المعلوم
أن من معه مال يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أنه لا يقسمه
حتى يتصور هذا كله، كان هذا تعذيباً له بلا فائدة، وقد يفهم هذا الكلام، وقد
يعرض له فيه إشكالات) [١٤] .
٤- وقوله أيضاً ﵀ : (المطلوب هو العلم، والطريق إليه هو الدليل؛ فمن عرف دليل مطلوبه عرف مطلوبه، سواء نظّمه بقياسهم أم لا، ومن لم
يعرف دليله لم ينفعه قياسهم! ولا يقال: إن قياسهم يُعرّف صحيح الأدلة من فاسدها، فإن هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم..) [١٥] .
٥- وقوله كذلك: (إن احتياج المُستَدِل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال
الناس؛ فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة؛ لعلمه بما سوى ذلك..
ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين.. وأكثر) [١٦] .
ثم يمثل ﵀ إلى من يحتاج إلى مقدمتين بقوله: (كمن لم يعلم أن
(النبيذ المُسْكِر المتنازع فيه محرم) ، ولم يعلم أن (هذا المعيّن مُسْكِر) ، فهو لا يعلم
أنه محرم حتى يعلم (أنه مُسْكِر) ويعلم أن (كل مُسْكِر حرام [] ١٧ [.
(وإلى من يحتاج إلى مقدمات كثيرة، وهو يعلم أن (النبيذ مُسْكِر محرم) ،
ولم يعلم أن (هذا المعيّن مُسْكِر) ، ولا أن (هذا خمر) ، ولكنه كان يعلم أن (محمداً قد
حرّم الخمر) مع جهله بأنه رسول الله، وأيضاً أنه حرمه تحريماً عامّاً؛ فهو يقول:
(فهذا لا يكفيه في العلم بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريماً عامّاً، إلا أن يعلم أنه
مسكر، وأنه خمر، وأن النبي حرّم الخمر.. وأنه رسول الله حقّاً، فما حرّمه فقد
حرّمه الله، وأنه حرّمه تحريماً عامّاً، لم يُبحه للتداوي ولا للتلذذ) ] ١٨ [.
وعلى هذا: (فإن إلزام من لا يحتاج في استدلاله إلا لمقدمة واحدة تنقصه،
بأن يأتي بمقدمتين، فيه تكرار غير مرغوب، وتطويل غير مطلوب!
كما أن إلزام من يحتاج في استدلاله إلى مقدمات كثيرة بأن يقتصر على
مقدمتين فقط، فيه اختصار مخل قد يُعَسّر الفهم ويُضيع الفكرة.. بل الأولى من هذا
الإلزام بالاقتصار على مقدمتين فقط أن يُشترط من المقدمات ما يوصل إلى
المطلوب بأخصر طريق وأقصره وأيسره؛ وذلك بأن يُذكر ما يحصل به البيان
والدلالة، سواء كان مقدمة أو مقدمتين أو أكثر، فهو الأقرب للمعقول والأنسب
للواقع) ] ١٩ [.
أما فيما يتعلق بمبدأ (اللزوم) : فليس الخلاف في كونه مبدءاً صحيحاً في
الاستدلال أو لا، وإنما الخلاف في كيفية التعبير عنه؛ فأنتم ترون التعبير عنه من
خلال هذه الأقيسة المنطقية، ونحن نرى التعبير عنه بأي أسلوب عربي صحيح.
والخلاصة التي يمكن ملاحظتها من مجموع كلام القائلين بمنع استعمال
الأقيسة المنطقية في المباحث الشرعية على التسليم بصحتها في نفسها ترجع إلى
الأمور التالية:
أولاً: أن هذه الأقيسة من جملة علم المنطق الذي حكم علماء الإسلام بأن
استعماله في المباحث الشرعية بدعة في الدين.
ثانياً: أن هذه الأقيسة، وإن كان إنتاجها صحيحاً في غير المباحث الشرعية،
فهي كثيراً ما تكون غير ذلك في المباحث الشرعية] ٢٠ [.
ثالثاً: أن التمادي في استعمال هذه الأقيسة قد يؤدي بصاحبه إلى حسن الظن
بعلم المنطق لما يجد فيه من بعض القضايا الصادقة؛ حيث يجره ذلك إلى الاشتغال
به، فيقع بغير قصد غالباً في أغاليطه، وضلالاته الكفرية الكثيرة] ٢١ [.
رابعاً: أن في استعمال هذه الأقيسة تطويلاً للكلام من غير فائدة، وأنه
يحصل بغيرها ما يحصل بها.
* الترجيح:
من خلال عرض الأقوال في هذه المسألة، والأدلة والمناقشات.. تبين لي أن
سبب الخلاف بين الفريقين ليس في كون هذين القياسين صحيحي الإنتاج أو لا،
وإنما سببه النظر في اعتبارات أخرى.
والذي ترجح لدي بعد هذا كله الرأيُ القائل بالمنع؛ وذلك لقوة أدلتهم،
ووجاهة الاعتبارات التي أخذوا بها.
ومما يؤكد هذا الترجيح أيضاً، أن الناظر في كتب (الفقه) و (التخريج) يدرك
توافقه لما سار عليه المُخرّجون على مدى العصور الماضية؛ من استعمالهم
للأساليب العربية الموصلة إلى المطلوب بأسهل عبارة، وأخصر طريق، وعدم
استعمالهم لتلك الأقيسة المنطقية.
غير أنه يحسن التنبيه في هذا المقام إلى أن القول بعدم جواز استعمال تلك
الأقيسة المنطقية لا يلزم منه الحكم على أي حُكْم استُعملت فيه تلك الأقيسة بالفساد،
وإنما يلزم منه أن يلحق بمن يستعملها ما يترتب على تلك الاعتبارات التي ذكرها
المانعون من أحكام، والله أعلم.
стр. 2045
رسائل جامعية
أهل الذمة والولايات العامة
في الفقه الإسلامي
عبد العزيز بن محمد الحويطان
(أهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي) [١] هو عنوان للرسالة التي
رأيت مناسبة عرضها، والتي فرضت جودتها وحسن تبويبها: الوقوف عندها هذه
الوقفات العاجلة، ولعل أهمية هذه الرسالة تتضح من عنوانها؛ فأهل الذمة في بلاد
المسلمين موجودون قديماً وحديثاً، وربما ازداد عددهم في هذه الأزمنة نتيجة تقدم
وسائل النقل، واختلاط الشعوب، وانتقال الأيدي العاملة للبحث عن مصادر الرزق، مما يجعل دراسة الموضوع أكثر إلحاحاً وأهمية، وأكثر مساساً بواقع بعض
المسلمين الذي امتزج به الجهل والفقر والتخلف، إلا من رحم الله، والذي يفرض
طَرق مثل هذه الأبحاث والتأكيد عليها، وزاد الرسالة قوة: ذلك العرض والتقسيم
البديع الذي صاحب فصولها، وسأتطرق بحول الله (تعالى) إلى مميزات الرسالة،
وما عليها، بعد العرض السريع لها.
قسّم الباحث الرسالة بابين: الباب الأول جعله مدخلاً للرسالة في الولاية وما
يتعلق بها، وقسمه ثلاثة فصول: تعريف الولاية، وأقسامها، وشروطها. والباب
الثاني: (في الذمة والولايات العامة) .
ففي تعريف الولاية في الاصطلاح: وبعد أن أورد أقوال الفقهاء: خلص إلى
أنها: (سلطة شرعية لشخص في إدارة شأن من الشؤون، وتنفيذ إرادته فيه على
الغير من فرد أو جماعة) (ص٢٧) .
وقد ثبتت مشروعيتها من الكتاب والسنة والإجماع.
وفي مبحث أقسام الولاية: ذكر أنها تنقسم إلى ولاية عامة وخاصة (وهذا
تقسيم الفقهاء) ، فالولاية الخاصة يمكن حصرها في: ولاية الحضانة، والولاية
على النفس، والولاية على المال.
أما الولاية العامة فإنها تتمثل فيما يقوم به الإمام أو نائبه من التصرفات،
وتنبثق عنها ولايات عامة متعددة، وعلى هذا تكون أنواع الولاية العامة هي:
١- الإمامة العظمى.
٢- الوزارة (سواء أكانت وزارة تفويض أو تنفيذ) .
٣- الإمارة على البلدان (بنوعيها: العام، والخاص) .
٤- الإمارة على الجهاد (إمارة على سياسة الجيش والجند، أو إمارة على
جميع أحكام الجهاد) .
٥- الولاية على حروب المصالح (قتال أهل الردة والبغي والمحاربين) .
٦- ولاية القضاء.
٧- ولاية المظالم.
٨- ولاية النقابة على ذوي الأنساب.
٩- الولاية على إمامة الصلوات.
١٠- الولاية على الحج.
١١- ولاية الصدقات.
١٢- ولاية الفيء.
١٣- ولاية الجزية والخراج.
١٤- ولاية الحسبة. (ص٥٣-٥٧) .
وهذه الأنواع لم يذكر الباحث من أين استقاها، ولعله استقرأها من كتب الفقه، والسؤال هنا: ألا توجد مناصب جديدة في هذا الوقت تختلف عن السابق؟ ثم:
ألا يمكن وضع ضوابط عامة لهذه الولاية العامة بدلاً من تفصيلها؟ .
ثم أورد الباحث في الفصل الثالث شروط الولاية العامة والخاصة كلّ على
حدة باختصار.
أما الباب الثاني فهو: (في الذمي والولاية العامة) : فقد قسمه أربعة فصول:
الذمي وعقده، وواجبات أهل الذمة في الفقه الإسلامي وحقوقهم، وحكم تولي الذمي
المناصب العامة، وأخيراً: أهل الذمة والشورى.
أما الذمي فقد عرفه الباحث في الاصطلاح قائلاً: (كل من يُقَر من الكفار في
دار الإسلام على التأبيد آمناً، بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة فيما يتعلق بهم)
(ص٧٤) .
قلت: وتبقى المسألة، فيمن تقبل منه الجزية ويقر ببذلها؟ وقد أجاب الباحث
عن هذا التساؤل قائلاً: وهذا فيه خلاف بين الفقهاء بعد اتفاقهم على دخول اليهود
والنصارى فيهم، وبعد أن أورد الباحث أقوال أئمة المذاهب خلص إلى أن (الجزية
تقبل من كل كافر، فيدعى للإسلام أولا، فإن أبى فالجزية، فإن بذلها قبلت منه) .
ثم ساق الأدلة فيما يلي:
١- آية الجزية: [قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ
مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا
الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] .
٢- حديث بريدة ﵁ الطويل المشهور: (كان رسول الله إذا أمّر
أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه ... فإن هم أَبَوْ فسلهم الجزية،
فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم..) أخرجه مسلم والترمذي، وهو على
عمومه في أهل الكتاب وغيرهم.
٣- كما استدلوا بقبول الجزية من المجوس وهم ليسوا أهل كتاب بقوله:
(سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه مالك في الموطأ [٢] .
أما عقد الذمة، فقال الباحث: (هو التزام الإمام أو نائبه بإقرار بعض الكفار
بالإقامة الدائمة في دار الإسلام، على أن يبذلوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة فيما
يتعلق بهم) (ص٩٧) والمقصود بأحكام الملة أي: الأحكام الظاهرة، كمنعهم من
إظهار الخمر والخنزير.
ثم تطرق الباحث إلى شروط العقد وآثاره، وذكر من آثاره:
١- عصمة النفس.
٢- عصمة الأموال والأعراض لأنها تبع للنفوس.
٣- إنهاء الحرب بين المسلمين وأهل الذمة.
٤- هذا العقد ملزم للمسلمين، فلا يستطيعون نقضه.
٥- التزام كل طرف بحقوق وواجبات الطرف الآخر.
وذكر الحقوق الواجبة عليهم ما أورده الماوردي ﵀ حيث قال:
١- ألا يذكروا كتاب الله بطعن ولا تحريف.
٢- ألا يذكروا رسول الله بتكذيب له ولا ازدراء.
٣- ألا يذكروا دين الإسلام بذم أو قدح.
٤- ألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح.
٥- ألا يفتنوا مسلماً عن دينه.
٦- ألا يعينوا أهل الحرب، ولا يودوا أغنياءهم. (ص١٠٣) .
ثم تسائل الباحث قائلاً: متى ينتقض العقد؟ فأجاب بقوله: ينتقض العقد
بمخالفة النظام الشرعي في ناحية جوهرية، كقتال الذمي للمسلمين والتحاقه بدار
الحرب، وامتناعه عن الجزية لغير عذر كفقر، وامتناعه التزام أحكام المسلمين،
كذلك ينتقض بالشروط الستة التي ذكرها الماوردي، (ص١٠٧) .
أما الفصل الثاني (واجبات أهل الذمة في الفقه الإسلامي) : فقسمه الباحث
قسمين: واجبات أهل الذمة، وحقوقهم.
تطرق في المبحث الأول إلى الواجبات المترتبة عليهم، وهي ثلاثة:
أولاً: الجزية، وهي واجبة عليهم بالاتفاق، ومقدارها زهيد، يجب مرة
واحدة في السنة، ويرجع تقديرها للإمام، كما اجتهد عمر ﵁ في
تقديرها) ؛ لأن القيمة الشرائية للدرهم تتغير بتغير الأحوال والأزمان.
ثانياً: الخراج وهو ما وضع على رقاب الأرض المفتوحة عنوة أو صلحاً من
حقوق تؤدى عنها، ودليل مشروعيته: فعل عمر وموافقة الصحابة له؛ فيكون
إجماعاً، وأما تقديره فهو راجع أيضاً للإمام، فيراعي مصلحة الطرفين وحال
الأرض والزرع.
ثالثاً: العشور، وقد ثبتت بعمل الصحابة (رضوان الله عليهم) ، حيث ثبت
عن عمر ﵁ أنه أخذ من أهل الذمة نصف العشر ومن أهل الحرب
العشر، وقد عمل بها الصحابة من غير نكير؛ فيكون إجماعاً، ويشترط أن يكون
في التجارة مما ينتقل بها صاحبها في دار الإسلام، وألا يؤخذ إلا مرة واحدة في
العام، وأن يبلغ نصاباً (اشترطه الأحناف والحنابلة) .
هذا عن الواجبات اللازمة عليهم، أما المستحبة التي لا تجب عليهم إلا إذا
ذكرت في العقد، كما أنها لا تنقض العقد لكن يؤاخذون بها إجباراً ويؤدبون عليها
زجراً: فقد سردها الماوردي ﵀ قائلاً: (أما المستحبة فستة أشياء:
١- تغيير هيئاتهم بلباس الغيار وشد الزنار.
٢- ألا يعلوا المسلمين في الأبنية.
٣- ألا يسمعوهم أصوات نواقيسهم أو تلاوة كتبهم.
٤- ألا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم.
٥- أن يخفوا دفن موتاهم، ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة.
٦- أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقاً وهجاناً. (ص١٢٤) .
قلت: وما ورد من الشروط العمرية شبيه بهذا، إلا أن أهل الذمة شرطوها
على أنفسهم في خلافته فيجب أن ينفذوها، لكن السؤال: هل ثبتت الشروط العمرية
تفصيلاً؟ وهل هي لازمة لأهل الذمة على الدوام؟ هذا ما لم يتطرق إليه الباحث.
أما ثبوت الشروط العمرية فقد ثبتت جملة بالإجماع، قال ابن القيم: (إن
شهرتها تغني عن إسنادها) ، ونقل ابن تيمية الإجماع على ثبوتها جملة، أما تفصيلاً: فهذا راجع لأسانيدها، وقد أجاد الباحث في رده على من أنكرها من أمثال الشيخ
محمد الغزالي وغيره [٣] .
أما المبحث الثاني في الفصل الثاني: فعن (حقوق أهل الذمة) ، وهذا من
المباحث المهمة في الرسالة التي كان من المفترض أن يتوسع فيها الباحث بدل
اختصارها واكتفائه منها بالعموميات، فقد تطرق لحقوقهم بعد أن فند القاعدة التي
يذكرها بعض الفقهاء (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) وبيّن أنها خاطئة بإطلاق، وقد
أجاد.
وذكر من حقوقهم حرية المعتقد دون إظهار للشعائر، أما بخصوص معابدهم
فرجح أن ما أسلم عليه أهل مصر أو مصّره المسلمون فلا يجوز لهم فيه إحداث
بيعة أو كنيسة؛ قال ابن القيم: (وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع) ، وأما
ما فتح عنوة ففيه خلاف، والراجح: إن شرطوا الإحداث في عقد الجزية يوف لهم
بالشرط، وكذا: إن شرطوه فيما فتح صلحاً. (ص١٣٣) .
ومن حقوقهم: حرمة الدماء والأبدان، وحق الحماية داخليّاً وخارجيّاً، وحق
الأمن ويقصد به حرمة المسكن فله أن يسكن فيما شاء إلا في جزيرة العرب، وقيل: الحجاز خاصة على خلاف والأول هو الصواب، قلت: ويلزم أن يقيّد بألا يكون فيه إضرار للمسلمين، أما بخصوص حرية التنقل وحرية الفكر والكتابة والاجتماع
في المناسبات: فقد أجازها الباحث بإطلاق، وفيه نظر، إذ إن بعضها يلزم منه
إظهار لدينهم ورأيهم. (ص١٤١) .
وذكر من حقهم: حق التمتع بمرافق الدولة وخدماتها، قلت: وهذا يقيد بعدم
الإضرار أو التضييق بالمسلمين، ولهم حق الحرية في شؤونهم الخاصة كالحقوق
الشخصية، ونظام الأسرة، والطلاق، والزواج، والإرث.. وغيرها. (ص١٤٤) .
وتطرق الباحث أخيراً إلى حق تولي وظائف الدولة، وأوضح أن الوظائف
الرئيسة في الدولة والوظائف ذات الصبغة الدينية لا يجوز للذمي شغلها، ثم فصّل
القول بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
١- استعمالهم في الحرب، وذكر الخلاف في ذلك.
٢- استعمالهم في غير الحرب، ورجح جوازه بشروط، هي:
أن يحصل الوثوق به، ألا يكون في عمله ولاية على مسلم، ألا تكون
الوظيفة ذات صبغة دينية، قلت: ويلزم أن يزاد شرط: ألا يوجد من هو أولى لها
من المسلمين، تمشياً مع قول عمر لأبي موسى الأشعري.
٣- استعمالهم في الوظائف العامة، وهذا ما سيذكره في الفصل الثالث.
أما الفصل الثالث (حكم تولي الذمي المناصب العامة) : فهو لب الرسالة
وموضوعها، قسمه الباحث ثمانية مباحث، كل منها يمثل منصباً من المناصب
العامة، وطريقته هنا: أن يورد المنصب، ثم يعرفه، ويذكر مشروعيته،
وضوابطه، وشروطه، بشكل بديع قلما يوجد في غير هذه الرسالة، ثم يعرج على
حكم تولي الذمي لهذا المنصب.
بدأ بمبحث رئاسة الدولة أو الخلافة، ذكر فيه: تعريف الخلافة، وأدلة
مشروعيتها، وشروط الخليفة، وواجباته، وحقوقه، ثم عرج على تولي الذمي
للخلافة، وذكر أن لا مدخل له في هذا المنصب بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول؛ فأما الكتاب: فهناك آيات كثيرة، منها قوله (تعالى) : [وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ
عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] [النساء: ١٤١] وأما السنة: فمنها قوله: (من أطاعني فقد
أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن
عصى أميري فقد عصاني) أخرجه البخاري، ووجهه: أن طاعة الأمير واجبة،
وهو الأمير الذي أمّره رسول الله- ﷺ ، ولم يؤمر كافراً على
مسلم، وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد كالقاضي عياض وابن حجر والجويني،
قال القاضي عياض: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تعقد لكافر، وعلى أنه لو
طرأ عليه الكفر انعزل) (ص١٨٠) . ثم ذكر موانع ذلك من المعقول، منها: أن
حفظ الدين لا يقوم به الكافر، وأن غير المسلم لا يضحي من أجل المسلمين، وأن
أسرار المسلمين وثغراتهم يجب ألا تكون عند الكافر. (ص١٨٤) .
أما في مبحث الذمي والوزارة: فبعد تعريف الوزارة لغة واصطلاحاً، ذكر
مشروعيتها من الكتاب والسنة وفعل الصحابة والمعقول، ثم ذكر أنواع الوزارة،
وهي نوعان: وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ، ففي وزارة التفويض: عرفها
الماوردي بقوله: (وهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه
وإمضاءها على اجتهاده) وأعمال وزير التفويض تكاد تكون هي أعمال الخليفة،
وشروطه شروطه مع اختلاف يسير، أما تقليد الذمي لوزارة التفويض فلا مدخل له
فيها، لأن وزير التفويض كالخليفة فيما يقوم به من تدبير للأمور وتعيين للولاة
وعزلهم.
أما وزارة التنفيذ: فقال الماوردي عنها: (وهذا الوزير وسط بين الإمام وبين
الرعايا والولاة، يؤدي عنه ما أمره، وينفذ عنه ما ذكره، فهو معين في تنفيذ
الأمور وليس بوالٍ عليها) . (ص١٩٧) ، وبخصوص حكم تولي الذمي لهذا
المنصب: فقد أجازه الماوردي ﵀ دون ذكر دليل على ذلك من كتاب أو
سنة، وهذا خلاف ما عليه عامة الفقهاء، فقد نقل أحمد والجويني وابن جماعة
وغيرهم عدم جواز ذلك، بل قال الجويني في مقولة الماوردي هذه: (وهذه عثرة
ليس لها مقيل، فهي مشعرة بخلو صاحب الكتاب عن التحصيل) والصواب الذي
رجحه المؤلف: عدم جواز ذلك لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وفعل الصحابة،
كأدلة النهي عن اتخاذ بطانة من دون المسلمين وغيرها. (ص٢٠٧) .
وقد أجاد الباحث في تقصيه لأصل هذا التقسيم للوزارة (وزارة تفويض
ووزارة تنفيذ) وذكر بطلانه، لأن الإمام هو الذي يباشر الأمور بنفسه، وإذا
فوضت جميع الأعمال إلى الوزير: فما دور الإمام إذن؟ وهذا التقسيم لم يكن
معروفاً قبل عصرالماوردي والفراء، فهما أول من ذكره، وما خرج هذا التقسيم إلا
في عهد بني بويه، وكان الخليفة العباسي آنذاك منزوع السلطة، وقد وصل من
تعدي بني بويه على الخليفة أن اعتقلوا المستكفي وسملوا عينيه وحبس في دار
الخلافة إلى أن توفي. (ص١٩٧) .
ثم عقد المؤلف مقارنة بين الوزارة في السابق وبينها في العصر الحاضر؛
ليثبت أن الوزير سابقاً ولاحقاً له ولاية وسلطة على المسلمين، فلا يجوز للذمي
تولية هذا المنصب (وليت هذه المقارنة استمرت في جميع مباحث الرسالة) .
وفي المبحث الثالث (الذمي والإمارة) : قسم الإمارة قسمين: عامة وخاصة،
فالإمارة العامة: (هي أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع
أهله، فيصير عام النظر فيما كان محدوداً من عمل ومعهوداً من نظر) أما الإمارة
الخاصة، فهي: (أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة
الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم، لكن لا يتولى القضاء والأحكام وجباية
الصدقات والخراج) .
أما تولي الذمي للإمارة العامة: فلا مدخل له فيها؛ لأن الكافر لا تكون له
ولاية على المسلمين، ولم يعرف أنه بعث أميراً ذميّاً أو كافراً، والأمير نائب عن
الخليفة، والنائب كالأصيل في حالة غيابه، فلا يستحق هذه النيابة كافر، أما
الإمارة الخاصة: فإن الأمير له سبيل على المسلمين ولا سبيل لكافر على مسلم،
ولا يجوز أن يسند هذا المنصب لغير المسلم. (ص٢٢٨) .
وفي المبحث الرابع (الذمي والقضاء) : بعد تعريفه للقضاء أورد شروط
القاضي، وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والعدالة (وقد
أجاز الأحناف تولية الفاسق) ، وسلامة السمع والبصر والنطق (والمالكية يعدون ذلك
شرط دوام وليس شرط انعقاد) ، وأخيراً: العلم بالأحكام الشرعية، حيث اشترط
الحنابلة والشافعية وابن حزم الاجتهاد، على خلاف المالكية والأحناف، والراجح
أن يحصل القاضي من الوسائل ما يوصله إلى الحكم الشرعي في حدود ما ولي له.
(ص٢٣٩) .
أما ولاية الذمي للقضاء: فلا مدخل له فيها؛ لأن من شروطها الإسلام
بالاتفاق، كما أن القاضي من أولي الأمر [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] [النساء: ٥٩] فلا يجوز طاعة الكافر.
وأهل الذمة يطبق عليهم في دار الإسلام الشرع الإسلامي، ورجح الباحث
استثناء شربهم للخمر وأكلهم الخنزير وشعائرهم التعبدية ما لم يظهروها في أمصار
المسلمين وقوانين الأسرة كالنكاح، وإذا ترافعوا إلينا يجب على القاضي أن يحكم
فيهم بحكم الإسلام، ولا يشترط ترافع الاثنين بل يكفي واحد، وإذا اختلف المسلم
والذمي فيجب الحكم بينهما حماية للمسلم وحفاظاً على الذمي، وأما إذا اختلفت ملة
المتحاكمين كيهودي ونصراني فيجب الحكم بينهم عند الشافعية وهو الصواب.
(ص ٢٥٢) .
أما المبحث الخامس (الذمي وولاية الحسبة) : فذكر أنه لا مدخل له فيها لاتفاق
الفقهاء على اشتراط الإسلام في المحتسب، كما أن المحتسب وما بيده يدل على
العز والسلطان وهذا لا يتمتع به الذمي لأنه ينافي النص الذي ورد بصغارهم
[حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] .
وما يقال عن الذمي وولاية الحسبة يقال عن الذمي وولاية المظالم.
(ص ٢٨٤) .
أما المبحث السابع (الذمي وإمارة الجيش) : فلا مدخل له فيها؛ لأن ولاية
الجيش شبيهة بالإمارة العامة والخاصة والتي شروطها هي شروط الإمامة (في
الغالب) ، كما أنه لم يعرف عنه أنه أمّر كافراً على سرية من المؤمنين، إضافة إلى
القدوة في هذا المنصب والاطلاع على الأسرار التي لا يجوز أن يطلع عليها كافر.
(ص٢٩٠) .
أما في المبحث الثامن (أهل الذمة والولايات الأخرى) : فقسمه إلى عدة
مطالب، هي: الفيء والغنيمة، والصدقة، والخراج، والجزية، أما الفيء (كل
مال وصل إلى المسلمين من غير مباشرة القتال) : فليس للذمي مدخل في ولايته،
وأجاز الماوردي والفراء للذمي أن يُستعمل في عمل لا يستدعي الاستنابة وكان ما
يجبيه متعلقاً بأهل الذمة، كالجزية وعشور أهل الذمة، والراجح خلافه، أما ولاية
الغنيمة: فلا مدخل للذمي فيها، وكذلك الصدقة، إلا أن الماوردي والفراء أجازا
تولي قبض نوع من أنواع الزكاة، والراجح عدم الجواز؛ لأنه شاهد على رب
المال ولا تجوز شهادة غير المسلم على المسلم، أما ولاية الخراج: فلا يجوز
توليتها للذمي إلا إذا كان جباية دون تقسيم على مال محدد يؤخذ من أهل الذمة،
ويشترط أن يتصف الذمي بالصدق والأمانة، أما ولاية الجزية: فلا مدخل له
فيها. (٣٢٧) .
أما الفصل الرابع (آخر فصول الرسالة) فعن أهل الذمة والشورى: عرف
الباحث الشورى اصطلاحاً بقوله: (هي استعراض الآراء المطروحة من أهل الرأي
في المسألة، واختبارها، ثم اختيار أصوبها، أما تولية الذمي للشورى: فقد اتفق
العلماء على اشتراط الإسلام في أهل الحل والعقد، وليس للمتقدمين قول بجواز
تولية ذلك للذمي، نقله الماوردي والفراء والجويني وابن جماعة وابن خلدون، قال
الإمام الجويني: (ولا مدخل لأهل الذمة في نصب الأئمة، فخروج هؤلاء عن
منصب الحل والعقد ليس به خفاء) ، وذكر الباحث قولاً لبعض المحدثين بجوازه
بشرط ألا ينظر في الأمور التشريعية، وألا يشارك في انتخاب الخليفة، وأن تكون
استشارته مقصورة على قضايا أهل الذمة والأمور الفنية البحتة، ومال الباحث إلى
استحسان هذا، قلت: وهذا خلاف ما عليه الكتاب والسنة والإجماع. (ص٣٤٠) .
ثم ختم الباحث رسالته بذكر مبحث وضّح فيه عدل المسلمين مع أهل الذمة
مقارنة بما فعله ويفعله اليهود والنصارى قديماً وحديثاً مع الأقليات المسلمة بينهم،
فهذا (جوستاف لوبون) يصف فظاعة الصليبيين: (وكانوا يذبحون الأولاد والشبان
والشيوخ ويقطعونهم إرباً إرباً، وكانوا لا يستبقون إنساناً، وكانوا يشنقون أُناساً
كثيرين بحبل واحد بغية السرعة) ويقول أيضاً: (كان قومنا يقبضون على كل شيء
يجدونه، فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعاً ذهبية، فيا للشره وحب الذهب، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طريق المدينة (القدس) المغطاة بالجثث) ، ومدينة
(معرة النعمان) شاهدة على ما فعله الصليبيون عندما قتلوا مئة ألف لاجئ مسلم
صبراً في الجوامع والطرقات والسراديب.
بل ما نشهده هذه الأيام من وقوع مجازر في البوسنة والهرسك بالرغم من أنهم
أغلبية في بلادهم، فليتأمل لأكبر دليل على هضم حقوق المسلمين في البلدان
الغربية (المتحضرة) ! ، أما موقف المسلمين من أهل الذمة: فهذه كتب الفقهاء
ومقولات عمر ﵁ تنطق بذلك (.. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم،
ولكنائسهم وصلبانهم ... ) .
هذا عرض سريع لأبواب وفصول هذه الرسالة، أردت منه إعطاء فكرة ولو
ميسرة عنها.
ومما تميزت به هذه الرسالة ما يلي:
١- إجادة الباحث لجمع مادته العلمية بخصوص الموضوع، واستقصائه
لأقوال الأئمة ومناقشتها في مباحث الرسالة، فجاءت أحكامه الفقهية في الغالب
متزنة وموافقة للدليل الصحيح، وإن كان يؤخذ عليه إغفاله لأقوال بعض المتأخرين
الذين أشبعوا الموضوع مناقشة ودراسة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
٢- الدراسة التي قام بها المؤلف في أوائل مباحث الرسالة عن بعض
المناصب الإسلامية (الخلافة القضاء الشورى الحسبة الإمارة) تعتبر دراسة فريدة؛
نظراً لتقصيه في تعريف هذه الولايات وشروطها وأحكامها، وحقّها أن تخرج في
كتاب منفصل.
وكل عمل لا يسلم من الملاحظات (أبى الله أن يتم إلا كتابه) وقد قيل (من ألّف
فقد استهدف) ... وألخص ملاحظاتي على الرسالة في النقاط التالية:
١- كان من المفترض إفراد فصل عن معاملة الإسلام للذمي، تورد فيه
أحاديث المصطفى- ﷺ ، وفعله معهم، وفعل الخلفاء الراشدين،
والدول الإسلامية بعدهم (وقد أورد لمحة عن ذلك في الخاتمة لكنها في نظري لا
تكفي) .
٢- أشرت في عرض الرسالة إلى أهمية وضع ضوابط للولاية العامة، بدلاً
من إيرادها هكذا مفصلة، فلو أن الباحث قام بوضع ضوابط لها، وقام بدراسة هذه
الضوابط، وجعلها أصل الرسالة لكان أفضل، وإن أشار إلى جزء من هذه
الضوابط في مبحث الذمي ووظائف الدولة.
٣- كان من المفترض أن تربط المناصب المذكورة عند الفقهاء بالمناصب
الموجودة الآن في عصرنا الحاضر، وتعقد مقارنة بينها في الماضي والحاضر لتتم
الفائدة من الموضوع.
٤- يلاحظ القارئ عدم تمحيص بعض الأحاديث صحة وضعفاً، فما يسكت
عنه أبو داود لا يحتج به إطلاقاً، كما أن تصحيح الحاكم لا يؤخذ به بإطلاق،
إضافة إلى كثرة الاستدلال بفعل عمر ﵁ (خاصة فيما ينقله عن كتاب
الخراج لأبي يوسف) ، وهذا النقل يحتمل الصحة والضعف، فلا يحتج به هكذا
بدون تحقيق صحته.
٥- يُلحظ في مواضع قليلة: الاحتجاج بأقوال بعض الطوائف المخالفة لنا في
أصولها وأصلها.
٦- تعتبر الشروط العمرية مع أهل الذمة أصلاً في التعامل معهم، ومنهجاً
لمن بعده في تحري الحقوق التي لهم والواجبات التي عليهم، لكن الباحث لم يتطرق
لهذه الشروط ولا لأسانيدها، وكان بودي لو عرج على هذه الأسانيد ونقحها واعتمد
عليها في كتابه هذا لمعرفة مالهم وما عليهم، ورسالة في هذا الموضوع خليق بها
ألا تغفلها، وأن تقف عندها وقفات طويلة، وقد تطرق إليها ابن القيم في كتابه
(أحكام أهل الذمة) وكذلك ابن تيمية في كتابه الرائع (اقتضاء الصراط المستقيم
لمخالفة أصحاب الجحيم) .
وفي العموم: فإن هذا لا يقدح في هذه الرسالة المتميزة عرضاً ومحتوًى
وعنواناً، وقد أجاد في طبعها، نسأل الله أن ينفع بها المسلمين
جميعاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 2046
خواطر في الدعوة
بين الإدارة والفكر
محمد العبدة
إذا لم يكن صاحب الفكر إداريّاً، أو صاحب الإدارة مفكراً، فالحل الواقعي
المناسب أن يقع التعاون والمشاركة، فهذا هو الأجدى والأجدر لمن رُزق الإخلاص
والصواب، والبشر متفاوتون في الطاقات والإمكانات، وقلما يتيسر اجتماع مواهب
كثيرة في شخص واحد، وإذا كان أهل الإدارة في واجهة العمل، فإن من وراء ذلك
أهل العلم والتخطيط، كما أن الغدد الداخلية في الجسم هي التي تمده بالطاقة وتنسق
أعماله الظاهرية، ولذلك تلجأ المؤسسات بل والدول للجمع بين هذين الصنفين.
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الأمور العامة والكبيرة: أن (دين
الإسلام: أن يكون السيف تابعاً للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان
السيف تابعاً لذلك: كان أمر الإسلام قائماً..) [١] ، وقد استنبط هذا من قوله
(تعالى) : [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاًسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ] [الحديد: ٢٥] ، ويقصد
بالسيف أهل الإدارة والتنفيذ.
ولا مانع أن نستعير هذه القاعدة لتكون في المؤسسات العلمية أو الدعوية،
حتى لا ينفرد الإداري الذي ليس له باع في العلم أو القضايا الفكرية بقرار لمؤسسة
علمية أو دعوية، وما لم يتم اللقاء والمشاركة بين هذين الصنفين فستبقى أمورنا
عرجاء شوهاء، وسيأتي أناس يرتجلون ويتخبطون في الإدارة.
إن ابتعاد أهل الفكر والعلم عن القرار والحل والعقد هو الذي جعل بعض
الناس يعتادون على عدم المشاركة، وربما يعتبر هذا نقصاً في شخصيته، وربما
يكون جاهلاً فلا يحب أن يطلع على جهله أحد، وقد يعتبر بعضهم وجود أهل الفكر
والعلم من باب الزينة، فلا بأس بوجودهم ليقال أن عندنا أناساً من أهل العلم،
ولكن ليس لهم يد في القرار.
لقد ابتعد المسلمون عن هذا الذي يذكره ابن تيمية، ونسوا مع طول الزمن
أهمية العلم والعلماء، بينما نجد أن المؤسسات الكبرى والدول في الغرب تعتمد
اعتماداً كبيراً على النخبة المثقفة، وعلى المتخصصين من أهل الفكر في دراسة
واتخاذ القرار، وعلى التخطيط بعيد المدى لسياساتهم وكافة القضايا الاجتماعية
والاقتصادية، هؤلاء المفكرين لا يسمع بهم أحد لأنهم ليسوا في الواجهة، ولكن
بحوثهم ودراساتهم هي التي تساعد على اتخاذ القرارات.
стр. 2047
دراسات تربوية قرآنية
لا تحسبوه شراً لكم
بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل
تناول الكاتب في الحلقتين الماضيتين مفهوم قوله (تعالى) : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً
لَّكُم] [النور: ١١] وأهمية ذلك المفهوم ضمن سياق سنن الله في التغيير، وبيّن
ثمرات هذه السنة، التي كان منها: تحقيق العبودية لله ، وسلامة القلب
من الكثير من أمراضه، والصبر على البلايا والمصائب، ومحاسبة النفوس،
والتؤدة وعدم الاستعجال.. ويواصل الكاتب وقفاته حول معنى هذه الآية..
- البيان -
في هذا المبحث سأتعرض إن شاء الله (تعالى) لبعض المواقف من السيرة
المطهرة وغيرها، والتي ظهرت فيها حكمة الله ورحمته، وأن ما
اختاره الله لعباده خير مما اختاروه لأنفسهم.
من السيرة المطهرة:
الموقف الأول: غزوة بدر الكبرى: وهي أشهر من أن تذكر؛ فلقد كانت
فرقاناً بين الحق والباطل، ولكن المراد من الاستشهاد بها هنا: هو ما ظهر في هذه
الغزوة العظيمة من الفرق بين ما أراده المسلمون قبل الغزوة، وكراهيتهم للقاء
عدوهم، ورغبتهم في أن تكون في العير، وبين ما اختاره الله لهم من أن تكون في
النفير وفي ذات الشوكة؛ يقول الله : [وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ
وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ]
[الأنفال: ٧، ٨] .
فأين الخير الذي علمه الله وغاب عن المسلمين آنذاك فأرادوا غيره؟ إن الجواب في الآية نفسها؛ يعلق الأستاذ سيد قطب (رحمه الله تعالى) على هذه
الآية فيقول: (لقد أراد الله وله الفضل والمنة أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون
موقعة بين الحق والباطل؛ ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد أن
يقطع دابر الكافرين؛ فيُقتل منهم من يقتل، ويُؤسر منهم من يؤسر، وتذل
كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وتعلو معها كلمة الله، ويمكّن الله
للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله في الأرض،
وتحطيم طاغوت الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن
جزاف تعالى الله عن الجزاف وبالجهد والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم
الواقع وفي ميدان القتال..
... وينظر الناظر اليوم، وبعد اليوم، ليرى الآماد المتطاولة بين ما أرادته
العصبة المسلمة لنفسها يومذاك وما أراده الله لها، بين ما حسبته خيراً لها وما قدره
الله لها من الخير.. ينظر فيرى الآماد المتطاولة؛ ويعلم كم يخطئ الناس حين
يتضررون مما يريده الله لهم، مما قد يعرضهم لبعض الخطر، أو يصيبهم بشيء
من الأذى، بينما يكمن وراءه الخير الذي لا يخطر لهم ببال، ولا بخيال! .
فأين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها مما أراده الله لها؟ لقد كانت تمضي لو
كانت لهم غير ذات الشوكة قصة غنيمة، قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها! فأما
بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة، قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق
والباطل، قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح، المزودين بكل زاد،
والحق في قلة من العدد وضعف في الزاد والراحلة) [١] .
الموقف الثاني: غزوة أحد: وهذه الغزوة أيضاً من أشهر غزوات الرسول،
ومن أشدها على المسلمين؛ حيث استشهد سبعون صحابيّاً، وشُجّ وجه النبي الكريم، ومع ذلك كان فيها خير للمسلمين ورحمة؛ يدل على ذلك قوله (تعالى) : [وَمَا
أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمََ المُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَذِينَ نَافَقُوا
وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بَأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ] [آل عمران: ١٦٦، ١٦٧] .
ولقد أحسن الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) في ذكره لبعض الحِكَم والغايات
المحمودة التي كانت في وقعة أحد، أقتطف منها قوله:
١- فمنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية، والفشل، والتنازع، وأن الذي
أصابهم إنما هو بشؤم ذلك؛ كما قال (تعالى) : [وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم
بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم
مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ
ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] [آل عمران: ١٥٢] .
فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم وتنازعهم وفشلهم: كانوا بعد ذلك أشد حذراً ويقظة
وتحرزاً من أسباب الخذلان.
٢- ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب؛ فإن المسلمين لما
أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت: دخل معهم في الإسلام
ظاهراً من ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حكمة الله أن سبّب لعباده
محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة،
وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وعاد تلويحهم تصريحاً، وانقسم الناس إلى كافر،
ومؤمن، ومنافق، انقساماً ظاهراً، وعرف المؤمنون أن لهم عدواً في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم؛ قال الله (تعالى) : [مَا
كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُطْلِعَلكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ] [ال عمران: ١٧٩] .
أي: ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى
يميز أهل الإيمان من أهل النفاق، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو (سبحانه)
يريد أن يميزهم تمييزاً مشهوداً، فيقع معلومه الذي هو غيب شهادةً.
٣- ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما
يحبون وما يكرهون، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم
عبيده حقّاً، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.
٤- ومنها: أنه (سبحانه) لو نصرهم دائماً؛ لطغت نفوسهم، وشمخت،
وارتفعت؛ فلو بسط لهم النصر والظفر، لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط
لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض
والبسط.
٥- ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغياناً
وركوناً إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار
الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته: قيّض لها من الابتلاء
والامتحان ما يكون دواءً لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك
البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه، ولو تركه لغلبته الأدواء
حتى يكون فيها هلاكه.
٦- ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، وهو (سبحانه) يحب
أن يتخذ من عباده شهداء تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه
ومحابه على أنفسهم. ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية
إليها من تسليط العدو.
٧- ومنها: أن الله (سبحانه) إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم
الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم: بغيهم،
وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم، وقتالهم، والتسلط عليهم؛
فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم
وهلاكهم. وقد ذكر ذلك في قوله: [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا
وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] [ال عمران: ١٤١] [٢] .
مواقف من السلف:
١- الموقف الأول: محنة الإمام أحمد ابن حنبل (رحمه الله تعالى) :
وما أظن أحداً من المسلمين يجهل المحنة التي تعرض لها أبو عبد الله أحمد
بن حنبل (رحمه الله تعالى) ؛ وذلك فيما يعرف بفتنة القول بخلق القرآن، وقد
تعرض هذا الإمام الجليل لمحنة وبلاء عظيم؛ تلك المحنة كانت مؤذية له (رحمه
الله) ، ومؤذية للمسلمين معه، ولكن الله ثبّته في هذه المحنة العظيمة،
وحمى به عقيدة أهل السنة من الانحراف أو الاندثار، ولقد كانت هذه البليَّة لإمام
السنة خيراً له فيما بعد؛ فما كان لينال هذا الخير لولا هذا الابتلاء وما من الله به
عليه من الثبات والتضحية.
٢- شيخ الإسلام ابن تيمية وسجنه:
وكذلك لا أظن أحداً من أهل العلم يجهل هذا الرجل العظيم، وما ضحى به
في سبيل الله بعلمه وجهاده وصبره وما لاقى في ذلك من السجن والإبعاد، ولكن كان في ذلك الابتلاء خير له ورفعة، كما يقول ذلك هو عن نفسه عندما
ورد المرسوم السلطاني بسجنه في قلعة دمشق: (أنا كنت منتظراً ذلك، وهذا فيه
خير عظيم) [٣] .
وقال: (لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة) .
كما كان في الابتلاء الذي تعرض له خير للمسلمين في عصره وما تلاه من
العصور؛ وذلك بانتشار دعوته وعلمه؛ يقول ﵀ : (ومن سنة الله: أنه إذا
أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل
فيدمغه فإذا هو زاهق ... ) [٤] .
احتراس وتنبيه:
وفي هذا المبحث أود التنبيه على قضية يُخشى أن تنشأ من خلال الحديث عن
الرضا بقدر الله وتفويض الأمور إليه؛ ألا وهي الانحراف بهذا الأمر
إلى المفهوم الخاطئ لمسألة الرضا والتسليم لقضاء الله ، والذي قد يؤدي
إلى التواكل، والعجز، والرضا بالفساد، والذلة، والمهانة، وترك الأخذ بالأسباب
والدعوة والجهاد؛ فنكون قد عالجنا مرضاً وانفتح علينا مرض آخر. من أجل ذلك
سأخص هذا المبحث بالحديث عن هذه القضية، وذلك احتراساً من الفهم الخاطئ
الذي قد ينشأ لو لم يحصل هذا التنبيه، فأقول وبالله التوفيق:
إن من القواعد المهمة لمطالعة حوادث الزمان: الفهم الصحيح لعقيدة القضاء
والقدر، والفهم الصحيح لمقتضى أسماء الله الحسنى وصفاته العلا،
والتوازن في هذا الفهم بين الغلو والجفاء، وهذا (والحمد لله) هو سمة معتقد أهل
السنة والجماعة في جميع أبواب العقيدة، ومن ذلك: عقيدة القضاء والقدر، وتوحيد
الأسماء والصفات. ولقد انحرف عن هذه القواعد طرفان من الناس: فمنهم من
أنكر الاستدلال بالقضاء والقدر على حوادث الزمان، وتنقص المؤمنين به، ومنهم
من فهم القضاء والقدر على أنه تواكل وخمول وخنوع مُذل، وكلا الموقفين منحرف
ومجانب للصواب؛ فالإيمان بقضاء الله وبعلمه وتقديره للأمور قبل
وقوعها، ثم مشيئته، وخلقه لها، وأن له الحكمة البالغة في كل ما يقضيه ويقدره،
وأن من وراء ذلك رحمته، وإرادة الخير واليسر لعباده.. كل ذلك مما يجب الإيمان
به في باب القضاء والقدر، كما أنه مقتضى الإيمان بأسمائه (سبحانه) وصفاته،
ولكن هذا الإيمان بهذه القواعد والحقائق لا يعني ترك الأسباب، والرضا بالذلة
والهوان وانتشار الفساد، كلا، بل إن الفهم الصحيح للقضاء والقدر يكمن في
التوازن بين الاستسلام المطلق لقدر الله، والعمل بكل ما في الوسع والوقوف
المطمئن عند حد الاستطاعة؛ وهذا يعني فعل الأسباب التي سخرها الله (سبحانه) ،
ومدافعة أقدار الله بأقداره، ما دام أن هناك إمكاناً للمدافعة؛ قال (تعالى) : [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
العَالَمِينَ] [البقرة: ٢٥١] فإذا لم تُجدِ المدافعة، أو لم يكن ذلك في الإمكان:
فالواجب: الصبر والاستسلام لقضاء الله ، واليقين بأن من وراء ذلك
خيراً ومصلحة ورحمة، يجب أن يتجه الجهد إلى التماسها، وتسخيرها في مزيد
من الخير والإصلاح، وتغيير الأحوال، ومحاسبة النفوس، وإزالة أسباب المصيبة، وبذل الجهد في دفعها؛ قال (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] .
ويوضح هذا المعنى الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) فيقول:
(ودفع القدر بالقدر نوعان:
أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه ولمّا يقع بأسباب أخرى من القدر
تقابله، فيمتنع وقوعه، كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.
الثاني: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر
المرض بقدر التداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر
الإحسان، فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها، وترك الحركة
والحيلة؛ فإنه عجز، والله (تعالى) يلوم على العجز. فإذا غُلب العبد، وضاقت به
الحيل، ولم يبق مجال؛ فهنالك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي
الغاسل، يقلبه كيف يشاء) [٥] .
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله- ﷺ أنه
قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير.
احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني
فعلت كان كذا وكذا.. الحديث) [٦] ، ويشرح الإمام النووي الحديث، فيقول:
(والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا
الوصف أكثر إقداماً على العدو في الجهاد، وأسرع خروجاً إليه، وذهاباً في طلبه،
وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل
ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله (تعالى) ، وأرغب في الصلاة، والصوم،
والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلباً لها، ومحافظة عليها ونحو ذلك.. وقوله-
ﷺ (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) معناه:
احرص على طاعة الله (تعالى) ، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله
(تعالى) على ذلك، ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب
الإعانة) [٧] .
ويتحدث الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) عن الفرق بين العجز والتوكل،
فيقول:
(والفرق بين التوكل والعجز: أن التوكل عمل القلب وعبوديته: اعتماداً
على الله، وثقة به، والتجاءً إليه، وتفويضاً إليه، ورضاً بما يقضيه له؛ لعلمه
بكفايته (سبحانه) ، وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور
بها، واجتهاده في تحصيلها؛ فقد كان رسول الله أعظم المتوكلين، وكان يلبس
لأَمَتَه ودرعه، بل ظاهر يوم أحد بين درعين، واختفى في الغار ثلاثاً؛ فكان
متوكلاً في السبب لا على السبب.
وأما العجز: فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما: فإما أن يعطل السبب عجزاً منه، ويزعم أن ذلك توكل! ولعمر الله إنه لعجز وتفريط، وإما أن يقوم بالسبب ناظراً
إليه، معتمداً عليه، غافلاً عن المسبّب، معرضاً عنه، وإن خطر بباله لم يثبت
معه ذلك الخاطر، ولم يعلق قلبه به تعلقاً تاماً، بحيث يكون قلبه مع الله، وبدنه مع
السبب. فهذا توكله عجز، وعجزه توكل) [٨] .
ويقول الدكتور علي العلياني (وفقه الله تعالى) في حديثه عن أهل التصوف
وانحرافهم في موضوع الجهاد في سبيل الله: إن من صفاتهم:
(الرضا بما يقع عليهم من مصائب وذنوب، فلا يحاولون دفعها عن أنفسهم،
زعماً منهم أن دفعها ينافي الرضا بالقدر، فلو وطئ الكفار رقابهم يرضون ويسلمون؛ لأن الله أراد ذلك! .. ويذكر الأستاذ محمود مهدي قصة ملخصها: أن الفرنسيين
إبان استعمارهم لتونس كانوا يجدون معارضة شديدة من الناس؛ فتفاهم الفرنسيون
مع شيخ الصوفية على أن يدخلوا البلاد؛ فلما أصبح الصباح قعد الشيخ مطرقاً
رأسه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما سأله أتباعه عن الأمر الذي يقلقه
قال لهم: لقد رأيت الخضر وسيدي أبا العباس الشاذلي وهما قابضان بحصان
جنرال فرنسا ثم أوكلا الجنرال أمر تونس، يا جماعة هذا أمر الله، فما العمل؟
فقالوا له: إذا كان سيدي أبو العباس راضياً، ونحن نحارب في سبيله، فلا داعي
للحرب! ثم دخل الجيش الفرنسي تونس بدون مقاومة) إلى أن يقول: ( ... إن
عقيدة الصوفية المنحرفة في التوكل والرضا بالقدر: جعلت نفوسهم راضية مطمئنة
ولو وطئ الكفار على رقابهم؛ فإن التوكل عندهم عدم ممارسة الأسباب، والرضا
معناه أن ترضى بما يحصل لك ولو هو استيلاء الكفار على بلاد المسلمين، وسبي
ذراريهم. وإن أبديت مقاومة فأنت معارض للقدر! وغير متوكل على الله! فالذي
يسافر في البراري الخالية بغير زاد، هل يتصور منه أن يلبس لأَمَة الحرب ودروع
القتال؟ وليته إذ لم يفعل ذلك غمس نفسه في القتال حاسراً! ! .. ولكن ما له
ولفرقعة السلاح، ولخرير الدماء؛ وحلق الرقص وطقطقة المسابح كفيلة بإنزاله
منزلة الصديقين على زعمه، فأي انحراف هذا الذي أصاب الأمة الإسلامية، وأي
فرحة للكفار تحصل لهم أشد من فرحتهم بهذا) [٩] .
стр. 2048
دراسات اقتصادية
وقفات متأنية مع
عمليات التمويل في البنوك الإسلامية
(٣)
التمويل عن طريق الاستصناع
د. محمد بن عبد الله الشباني
في الحلقتين الماضيتين ذكر الكاتب أهمية البنوك الإسلامية والدور المفترض
أن تقوم به، ثم ذكر بعض المآخذ على حلولها المطروحة للخروج من دائرة الربا، مبيناً مفهومه اللغوي والشرعي، والفرق بينه وبين المعاملات الشرعية الأخرى. ... وفي هذه الحلقة يطرح الكاتب أحد الحلول البديلة الأخرى عن الربا. ...
- البيان -
يتم استخدام عقد الاستصناع على نطاق طُبّق من قِبَل بعض البنوك الإسلامية
لتمويل الاحتياجات المالية الكبيرة طويلة الأجل، ولكون هذا النوع من عقود البيع
غير شائع الاستعمال كوسيلة للتمويل في البنوك الإسلامية، كما أن مفهوم عقد
الاستصناع قد يستشكل على عدد كبير من الناس لكون الممارسة البنكية لهذا النوع
من العقود يشوبها شائبة الربا، وبالتالي: فإن من الضروري مناقشة هذا العقد من
زوايا عدة، تتمثل في: معرفة طبيعة عقد الاستصناع كما ورد في كتب الفقه،
وكيفية استخدامه من قِبَل من يستخدمه من البنوك الإسلامية، والشبهات التي ترد
على هذا الاستخدام، ومناقشة كيفية استخدامه كوسيلة لتوفير الاحتياجات التمويلية
للأنشطة الاقتصادية الصناعية.
طبيعة الاستصناع:
الأصل اللغوي للفظ الاستصناع كما جاء في لسان العرب: (صنعه، يصنعه، صنعاً، فهو مَصْنوع وصَنيعٌ: عمله، ومن ذلك قوله (تعالى) : [ ... صُنْعَ اللَّهِ
الَذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ... ] [النمل: ٨٨] ..
واستصنع الشيء: دعا إلى صنعه، والصناعة: ما تستصنع من أمر) [١] .
ومن هنا: فإن مفهوم الاستصناع في اللغة هو: طلب عمل الصنعة من
الصانع فيما يصنعه، أما الاستصناع عند الفقهاء فهو يأخذ اتجاهين، هما [٢] :
الأول: ويأخذ به معظم الأحناف، حيث يعتبرونه عقداً مستقلاً، وجاء
تعريف الاستصناع:
إما بذكر صورته، فمن ذلك ما قاله الكاساني في (البدائع) : (لو قال إنسان
لصانع من خَفّاف أو حفّار أو غيرهما: اعمل لي خفّاً أو آنية من أديم أو نحاس من
عندك بثمن كذا، أو يبين نوع ما يعمل وقدره وصفته، فيقول الصانع: نعم) .
وإما بتعريف لفظي، فمن ذلك ما ذكره العيني في (رمز الحقائق) :
(الاستصناع هو: أن يطلب من الصانع أن يصنع له شيئاً بثمن معلوم) .
كما عرفه ابن عابدين في حاشيته: بأنه بيع عين موصوفة في الذمة لا بيع
عمل. وبالتالي: فهو عقد، وقد أكد ذلك الكاساني في (البدائع) بقوله: (عقد بيع
في الذمة) . ولقد توصل البدران إلى تعريف للاستصناع بعد استعراضه لمختلف
الأقوال في المذهب الحنفي بقوله: (عقد على مبيع في الذمة يشترط فيه العمل على
وجه مخصوص) [٣] .
وعلى ضوء مفهوم عقد الاستصناع في المذهب الحنفي: فإن عقد الاستصناع
يقوم على مستصنِع، وصانع، ومال مصنوع، وثمن، فالمستصنع هو: طالب
الصنعة إذا باشره بنفسه أو بوساطة، وقد يكون فرداً أو مؤسسة. والصانع هو:
من يقوم بتحضير المادة الخام ويقوم بالعمل، ويكون الصانع المتعاقد مسؤولاً عن
كل شيء. والمال المصنوع هو: محل العقد، ويتمثل في تحويل المادة الخام إلى
شيء آخر متفق عليه، يسمى هذا المحول: بالمال المصنوع أو المستصنَع أو
المستصنَع منه. والثمن هو: المال الذي يدفعه المستصنِع نظير المطلوب صنعه،
وهو قيمة المادة الخام مع عمل الصانع.
أما الاتجاه الثاني: وهو الذي يقول به المالكية والشافعية والحنابلة، فهو عدم
الاعتراف بالاستصناع كعقد مستقل مسمى باسمه كما جاء في المذهب الحنفي، بل
أدمجت مسائله في عقد السّلَم أو في البيع بالصفة.
فالمذهب المالكي اعتبره سَلَماً بالصناعات، وقد أوضح ابن رشد في كتابه (المقدمات) أن السّلَم في الصناعات ينقسم أربعة أقسام:
أحدهم: ألا يشترط المسلم المستعمل عمل من استعمله، ولا يعين ما يعمل
منه، فهذا سلم على حكم السلم، لا يجوز إلا بوصف العمل، وضرب الأجل،
وتقديم رأس المال.
وثانيهم: أن يشترط عمله، ويعين ما يعمل منه، فهذا ليس بسَلَم، وإنما هو
من باب البيع والإجارة في الشيء المبيع.
ثالثهم: ألا يشترط عمله، ويعين ما يعمل منه؛ فهو من باب البيع والأجرة
في المبيع.
رابعهم: أن يشترط عمله، ولا يعين ما يعمل منه، فهذا لا يجوز؛ لأنه
يحتوي على أصلان متناقضان: لزوم النقد، وامتناعه؛ لاشتراط عمل المستعمل
بعينه.
وعليه: فإن عقد الاستصناع هو نوع من سَلَم، حكمه حكم السلم، لا يجوز
إلا بوصف العمل، وضرب الأجل، وتقديم رأس المال.
أما الإمام الشافعي، فهو يرى أن السلم بالصناعات ينقسم قسمين:
الأول: ما كان من مادة خام واحدة ما عدا المادة المُزينة فهذا سلف في
الصناعات، ويجوز فيه السلم لإمكانية الضبط، ومعرفة ما وضع، وكميته، أو
وزنه.
والثاني: ما كان من مادتي خام واحدة فأكثر عدا المادة المزينة فهو لا يرى
جوازه؛ لعدم تميز المواد بعضها عن بعض؛ حيث لا يُعلم كم قيض من مواد الخام، فهذا سلم مجهول.
أما المذهب الحنبلي، فهو يرى المنع على أساس أنه بيع ما ليس عنده على
غير وجه السلم، وقد ورد هذا المنع عند الحديث عن البيع بالصفة.
على ضوء ما سبق: فإن حكم عقد الاستصناع لدى الأحناف: الجواز، وهذا
الجواز مبني على مفهوم الاستحسان، الذي يُعرف بالقياس الخفي، ودليله الذي
أوردوه: ما جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: (ما رأى
المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء) [٤] . وقد
ورد الإجماع العملي على قبول الاستصناع؛ حيث تعامل الناس بالاستصناع
وتعارفوا على عدم تحريمه، كما وردت أحاديث دلت على مشروعية الاستصناع،
فمن ذلك: ما ورد في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير [ج٣، ص٥٦] : أن:
(النبي اصطنع خاتماً من ذهب ... ) [٥] وقال ابن الأثير: (أي: أمر أن يُصنع له، كما تقول: اكتتب، أي: أمر أن يُكتب له، والطاء بدل تاء الافتعال لأجل
الصاد) .
أما بالنسبة للمالكية: فقد شبهوا مسائل الاستصناع بمسائل السلم، وأعطوه
حكم السلم، أما الشافعية: فقد أجازوه إذا ضُبطت صفات المستصنع من جميع
الوجوه، أما الحنابلة: فقد منعوه، ولكنهم أجازوا السلم بالصناعات.
والنتيجة: أن السلم في الصناعات جائز عند المذاهب الثلاثة (المالكية
والشافعية والحنابلة) ، وأدلتهم في ذلك هي أدلة إجازة بيع السلم، وعليه: فلابد من
توافر شروط بيع السلم في (السلم في الصناعات) ، والشروط المتفق عليها في بيع
السلم عند الفقهاء هي:
١- أن يكون السلم والمسلّم فيه مما يجوز فيه النسأ.
٢- أن يكون المسلّم فيه موجوداً عند حلول الأجل، أي: أن يكون عام
الوجود في محله.
٣- أن يكون الثمن غير مؤجل أجلاً بعيداً.
٤- أن يكون المسلم فيه مقدراً بالكيل أو بالوزن أو بالعدد.
أما التكييف الفقهي لعقد الاستصناع لمن يراه عقداً مستقلاً، وأنه عقد بيع،
لكنه عقد بيع فقَدَ بعض مستلزمات البيع وأخذ شبهاً بالإجارة: فهو بيع المطلوب
صنعه عند رؤيته بعد إتمام صنعه. كما كيّفه بعضهم بأنه: عقد إجارة محضة ابتداءً، وبيع انتهاءً، وقد رجح البدران في كتابه عقد الاستصناع [٦] : بأنه نوع بيع،
إلا أنه فقد مستلزمات البيع المطلق، التي كان من الواجب أن توجد إن اعتبرت
بيعاً مطلقاً، وهذه المستلزمات هي: إثبات خيار الرؤية، واشتراط العمل على
الصانع، وعدم وجوب تعجيل الثمن، وبالتالي: فقد توصل إلى أن الاستصناع عقد
مستقل بمسماه، فهو عقد بيع اسمه: عقد الاستصناع، كما أن السلم عقد بيع اسمه: عقد السّلم.
أسلوب بيع الاستصناع كما تجريه بعض
البنوك الإسلامية:
إن عقد الاستصناع قليل الاستخدام من قبل البنوك الإسلامية، وفي حالات
نادرة، وعند استخدامه، فلا يستخدم وفق ما هو معروف في الفقه الإسلامي، وإنما
يُطلق الاستصناع على عملية التمويل طويلة الأجل، من أجل تمويل أصول
رأسمالية ثابتة، كمشاريع المباني، أو متحركة لتمويل شراء الطائرات أو السفن..
أما كيفية استخدام عقد الاستصناع في التمويل من حيث صورة العقد وتكييفها
الشرعي من قبل الرقابة الشرعية: فلم أتمكن من الاطلاع على ذلك؛ حيث لم يتم
نشر صفتها، وما أمكنني الاطلاع عليه هو ما نشر في بعض وسائل الإعلام عن
صفقات تمت بين بعض الخطوط الجوية في منطقة الخليج العربي بتمويل شراء
طائرات، أُطلق على عملية تمويلها عقد الاستصناع، أو ما نشر عن قيام بعض
البنوك الإسلامية بتمويل إنشاء مبانٍ مدرسية حكومية، تتولى هذه البنوك الصرف
على ما ينجز من قِبَل المقاولين لصالح الجهات الحكومية.
وعلى ضوء هذا: فإن الأسلوب التمويلي يتم من خلال قيام الجهة الطالبة
لتمويل شراء أصل رأسمالي ثابت، أو تكوين أصل رأسمالي ثابت، بالاتصال
بالبنك الإسلامي الذي يتولى الدفع للصانع الذي يقوم بتصنيع الأصل الرأسمالي
الثابت، أو للمقاول الذي يتولى البناء للأصل الرأسمالي الثابت، ويكون هناك اتفاق
بين البنك والجهة المحتاجة لتمويل هذا الأصل، حيث يتولى البنك تمويل ذلك
بالدفع للصانع أو المقاول، على أن يتم سداد ما دفعه البنك مع الربح المتفق عليه
على أقساط.
بتحليل هذا الأسلوب من التمويل والذي يُطلق عليه (بيع الاستصناع) نجده
يتصف بالآتي:
١- أن هدف البنك من استخدام بيع الاستصناع، إنما هو استخدامه كوسيلة
لإقراض الجهات المحتاجة إلى تمويل شراء أصول رأسمالية، فالبنك ليس صانعاً
ومنتجاً ولا مقاولاً يتولى البناء، وإنما هو ممول يمتلك النقود، فاستخدام هذا العقد
ما هو إلا محاولة للخروج من المحظور الشرعي.
٢- طالب التمويل لم يتقدم للبنك الإسلامي بقصد تكليفه بصنع هذه السلعة
التي يرغب في شرائها، وإنما قصده أن يتولى توفير السيولة اللازمة لسداد قيمة ما
يرغب في شرائه من الصانع ومن يقوم بتنفيذ البناء، والعقد الذي يتم بين الصانع
والبنك ما هو إلا جريرة لاستحلال الربا الذي سوف يناله من المستصنع (المشتري
للسلعة الرأسمالية) والذي يُطلق البنك عليه العائد الربحي، والذي لا يخالف في
الحقيقة ما يمكن أن يعادل الفائدة، التي يتم تحصيلها من القروض الربوية التي
تجريها البنوك الربوية؛ فالعبرة بالمقاصد لا بالألفاظ.
إن الشبهات التي يمكن إثارتها حول استخدام عقد الاستصناع كوسيلة للتمويل
طويل الأجل يمكن تحديدها في الأمور التالية:
أولاً: أنها معاملة قُصد منها التحايل على أخذ الربا، وقد جاء الشرع بإبطال
الحيل، والتنديد بأصحابها من اليهود ومن حذا حذوهم، وتتمثل هذه الحيلة في أنه
تحيّل في بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل، بينهما عقد صوري أُطلق عليه: (عقد
الاستصناع) ؛ لأن البنك لا يقوم بالتصنيع ولا يملك الوسائل لذلك، وإنما يقوم
بالاتفاق بعد موافقة المشتري وطلبه، واتفاقه مع الصانع بأن يكون عقد الاستصناع
معه على أن يقوم ببيع ما تم استصناعه لصالح المشتري (المقترض) بعد إضافة
هامش الربا الذي يسمى الربح، وإطلاق مسمى عقد الاستصناع على هذا الأسلوب
إنما هو لتحليل أخذ الفائدة على المال المقتَرض لشراء الأصل الرأسمالي.
والحقيقة الفعلية لواقع التعامل توضح: أن الأمر يقوم على أساس نية التمويل، وليس نية التصنيع أو البناء، والأحكام الشرعية تُعطي للنية دوراً مهمّاً في تأكيد
سلامة القول والفعل، من حيث مناط الحِلّ والحرمة، وفي الحديث (استفت قلبك
وإن أفتاك الناس) [٧] ، فالبنك لا يتولى عملية التصنيع وليس من أعماله ذلك،
وإنما يُتاجر في النقود، وبالتالي: لابد أن يكون منطلق الاتجار بالنقود قائِماً على
سلامة القصد، بالبعد عن مواطن الشبهات.
ثانياً: طبيعة عقد الاستصناع كعقد جديد كما في المذهب الحنفي أو كبيع سلم
في الصناعات كما في بقية المذاهب الثلاثة، تتمثل طبيعة العلاقة بين طرفين:
المستصنع له، والصانع. أما طبيعة عقد الاستصناع الذي يراد تطبيقه كما يُعلن
عنه ممن يستخدمه من البنوك الإسلامية، فهو ثلاثي الأطراف: صانع، ومستصنع
له، وبنك وسيط، فالبنك لا يمارس عملية التصنيع ولا عملية المقاولات، فهو
وسيط بين الصانع أو المقاول والمستصنع له (المشتري) ، ووجود البنك في العملية
إنما قصد منه: توفير ثمن الصناعة للصانع نقداً عند إنجاز عملية التصنيع، أو
خلال عملية التصنيع، وثمن المقاولة في حالة البناء، وقيام المستصنع له
(المشتري) بدفع قيمة ما دفعه البنك مع ما أُضيف إليه من ربح (فائدة ربوية) خلال
فترة لاحقة، بعد استلام السلعة الرأسمالية المصنعة من الصانع، أو المنفذة من
المقاول، على أن يتم الدفع على أقساط مع ربحها (فائدتها) الذي يضاف على قيمة
ما يُدفع للصانع لهذه السلعة أو المقاول، يزاد زيادة تتناسب مع فترة السداد.
عقد الاستصناع والتمويل النقدي:
يمكن الاستفادة من عقد الاستصناع وفق الصيغة التي أوضحها الفقه الحنفي
في تمويل احتياجات قطاع الصناعة من السيولة النقدية ضمن إطار القواعد الشرعية، والذي يمكن طرحه بشكل مختصر على النحو التالي [٨] :
١- يمكن استخدام صيغة عقد الاستصناع لتمويل حاجة المصانع للسيولة
النقدية التشغيلية وفق الضوابط التالية:
أ) أن يكون المعقود عليه (السلعة المصنعة) معلوماً ببيان الجنس، والنوع،
والقدر، وفق المواصفات المطلوبة والمتفق عليها بين الصانع والمستصنع، والتي
يقوم الصانع بإنتاجها وتسويقها.
ب) أن يكون الاستصناع مما يجري التعامل به، ولا يتنافى مع الشريعة من
حيث الحل والحرمة.
ج) أن تكون المواد الداخلة في التصنيع والعمل من الصانع.
٢- يقوم البنك بشراء السلع المصنعة التي ينتجها الصانع، على أن يتم
تسليمها لاحقاً، ويتم دفع قيمتها مقدماً، ويحدد سعرها ومواصفاتها.
٣- الغاية من استخدام هذا العقد توفير السيولة النقدية للصانع بدون تقاضي
فوائد ربوية، على أن يتم تحديد سعر الشراء الذي يقبله البنك على أساس احتساب
تكاليف التصنيع بدون ربح للمصنع، وهو بيع يُعرف في الفقه الإسلامي ببيع
التولية، أي: إن البنك لا يدفع للمصنع إلا التكاليف فقط، حتى يتمكن البنك من
تحقيق ربح عند قيامه بالبيع، بحيث لا يحصل منافسة من الصانع؛ لأنه لن يبيع
بسعر التكلفة، أو أن يتفق البنك مع الصانع بشراء وحدات معينة بسعر أقل من
سعر التكلفة وفق ما يعرف في الشريعة ببيع المواصفة.
إن هذا الأسلوب المقترح لعقد الاستصناع سوف يؤدي إلى أن يقوم البنك
الإسلامي بدور فاعل في توفير السيولة النقدية للصانع، وفي الوقت نفسه: سوف
يحقق للبنك من خلال بيع مشترياته من المنتجات الصناعية ربحاً مجزياً، كما
سيؤدي إلى تفعيل النشاط الاقتصادي من خلال إيجاد شركات تسويقية لبيع
وتصريف المنتجات الصناعية التي امتلكها البنك من خلال عقود الاستصناع، كما
سيفتح المجال للبنك بأن يتولى توفير المواد الأولية لبعض المصانع التي سوف يقوم
ببيع ما قام بشرائه من مصانع على اعتبار أنها منتج نهائي لها، ومواد أولية لهذه
المصانع، فالبنك الإسلامي باستخدامه عقد الاستصناع سوف يلعب دوراً مهمّاً في
تفعيل الاقتصاد الصناعي، وتوجيه المدخرات لدى الأفراد لتمويل هذا القطاع من
خلال صندوق المشاركة بتمويل القطاع الصناعي، والذي يتولى إدارته نيابة عن
المودعين لديه، كما أن ذلك سوف يقلل من تكلفة المنتج النهائي للسلع الاستهلاكية
من خلال عدم إضافة تكاليف الفوائد الربوية على تكاليف الإنتاج، كما هو واقع من
خلال التمويل الربوي الذي تمارسه البنوك الإسلامية.
стр. 2049
نص شعري
أنّةُ شوق ..
شعرمحمد إدريس
رُبّمَا الصمتُ مُناجاةُ غريبٍ وحبيبٍ لحبيبْ
أخْرَسَالبَيْنُ [١] صداها، فتوارتْفي الفُؤَادْ
رُبّمَا الشوقُ جِرَاحاتٌ تَنَزّى في الحنايا
أوْهتِ الروحَ، فراحتْ تَتَلظّى في البِقادْ
لا تَلُمْني يا خليّ البَالِ تَلْهُو سَادِراً
إن بَدَت مني دموعٌ، وشُرودٌ في ازْدِيادْ
يَا حَمَاكَ اللهُ من وَطْءِ النوَى يا هانئا
أنت لم تُكوَ بظُلْمٍ واغترابٍ واضطهادْ
كلما الدّيْجورُ [٢] أرخى ذَيْلَه عَبْر َالمدَى
وَدَرَارِيه [٣] تهاوتْ نالها طول السّهادْ
لم أجدْ في غُرْبَتِي من غير ربّى مُؤنساً
فاتخذتُ لذّكر َخِلاّ وسَمِيراً في العِبَادْ
رُبّ آيٍ مِن كَلامِ اللهِ تَسْرِي بَلْسماً
في ثَنَايَا خَلَجاتٍ هَدّهَا الياًسُ صَوَادٍْ
بَعَثَت فيها انْعِتاقاً ورَبِيا أمَلاً
كالْحيَا بالخَيْرِ يُهْمي [٤] مُتْرِعا غُبْرَالوِهَاد [٥]
فانْتَشَتْ مِن بَعْدِ هَمّ وقنوطٍ هَزّهَا
وانْثَنَتْ تَهْزَأُ بالضُرّ وَجَذْلَى [٦] ، في اعْتِدَادْ
стр. 2050
المسلمون والعالم
أخيراً..
تدخلت أمريكا لإنقاذ البوسنة ! !
بقلم: د. عبد الله عمر سلطان
بالإمكان اعتبار صيف هذا العام أكثر المراحل خطورة وأصعبها بالنسبة
لمستقبل البوسنة، فتتابع الأحداث، وتوالي الفواجع، وتفجر المفاجآت شرقاً وغرباً
أدى إلى بروز وقائع ومعطيات جديدة، كل منها بحاجة إلى دراسة وافية ومنفصلة،
وإن كانت الأحداث ساخنة بهذه الدرجة: فإن درجة الحرارة لا يمكن أن تخفي معالم
الخريطة النهائية التي يحملها فريق المفاوضات الأمريكي المتجول بين مراكز القرار
وأطراف الصراع..
هذه الخرائط التي وصفها دبلوماسي أمريكي كبير لمجلة (الإيكونمست) بأنها
كارثة أخرى تحيق بالمسلمين في البوسنة، تعتبر المحصلة الطبيعية لمجازر
(سربنيتسا) و (جيبا) والتفوق الكرواتي المدعوم في (كاريينا) ..، وإن كان الفريق
الأمريكي قد فقد أبرز عناصره في حادث سيارة (روبرت فريزر) فإن أمريكا
وخطتها الجديدة وتحركها مع كرواتيا قد أكد حقائق مهمة يجب أن تلغي بعض
الأوهام والنتائج المشوشة التي ظلت تردد عن الصراع في البوسنة..
العم سام قرر أن يتدخل! :
ظل المسلمون يُذبحون أربعين شهراً، وشهد العالم بالصوت والصورة طرقاً
جديدة في البربرية والوحشية والطغيان، وظلت أمريكا تنفرد عن العالم الغربي
بموقف دعائي وإعلامي (يدّعي!) التعاطف مع الضحية المسلمة، ولم يكن أمام
صانعي القرار من بُدّ، فالرأي العام الذي شهد الجريمة بكافة تفاصيلها ظل يبحث
عن مبادئ الحرية والعدالة اللتين ظلتا مخدراً ومبرراً أمريكيّاً تلاحق به الشعوب
والأنظمة التي تمس مصالح (سيدة النظام العالمي الجديد!) ، ولم يكن موقف
(بوش) يختلف عن موقف (كلينتون) ... ولم يترجم الكونجرس تعاطفه الخطابي إلى
قرار ملزم برفع العدوان عن الضحية، والسماح له باستخدام السلاح لحماية دينه
وعرضه وماله.
الدور الأمريكي الحقيقي هو الذي أُنضج على أجساد العزل (المسحولين) في
(جيبا) والذي رأى النور بعد اكتشاف مقابر ملعب كرة القدم الجماعية لشهداء
(سربنيتسا) ، لقد أظهرت الأحداث أن أمريكا قادرة على الحركة، وبقوة رهيبة؛
فحليفها الجديد الجنرال الشيوعي السابق (توجمان) الذي يحكم (كرواتيا) هو الذي
حرك الأحداث غرباً بعد أن فجرها (سلوبودان ميلوسوفتش) شرقاً ...
الصحافة الألمانية تتحدث بشيء من الحذر عن المساعدات الهائلة التي مكنت
الكروات من الاستيلاء على جيب (كرايينا) خلال أقل من أربعة أيام، في حرب
خاطفة ذكّرت مراسل الـ (سي إن إن) بعاصفة الصحراء؛ فالطريقة التي أُديرت
بها المعركة أعادت إلى الأذهان التفكير الاستراتيجي الأمريكي، والتنفيذ الذي أعاد
إلى الأذهان صورة (شوارتزكوف) .
من جهتها: سربت الصحافة الفرنسية تفاصيل التنسيق (الأمريكي الكرواتي)
الذي ربما لن يُكشف عنه إلا بعد عقود، نظراً لحساسية الدور الأمريكي في التحرك
العسكري الكرواتي، والذي يشمل من ضمن ما يشمل (تزويد الكروات بأسلحة
متقدمة ومستشارين عسكريين، وبأهم من ذلك: معلومات وصور دقيقة لمراكز
الوجود العسكري الصربي) ... وإذا أضفنا التحرك الدبلوماسي الذي حيّد الصرب
وأعطى الجزار من طراز (ميلوسوفتش) أو (كراديتش) ضبط النفس وتلقي هزيمة
من هذا الطراز بكل روح رياضية، فإن (الإنزيم) الأمريكي الذي أضيف إلى
التفاعل يصبح مفضوحاً جدّاً..، أو كما تقول (الإيكونمست) البريطانية: (تحول
بسرعة فاضحة من الدبابة إلى حقائب الدبلوماسيين) .. وما أدراك ما في حقائب
مبعوثي (كلينتون) ؟ ! .
الخطة الأمريكية: وأد البوسنة إلى الأبد:
مايثير الفزع هو هذا اللهاث وراء طبيعة وعطف وحيادية أمريكا تجاه مسلمي
البوسنة، لقد ظلت تلك الأوهام تدير رؤوس العجزة وقتاً طويلاً وكلما تمادى
الممقوت (اللورد أوين) في مؤامراته أو كشف (بطرس غالي) عن لؤمه وخسته،
تلفّتَ الأيتام إلى مائدة الأمريكان اللئام باحثين عن المنقذ، وطالبين النجدة في صيحة
هستيرية تقول: (واأمريكاه! !) .. وجاءت أمريكا بجحافلها الدبلوماسية لتقدم خطة
(سلام) جديدة هي الأسوأ في تاريخ البوسنة، فإن كانت حكومة البوسنة قد وافقت
في السابق على خطة مجموعة الاتصال الدولية التي تقسم البوسنة إلى كيانين:
أحدهما صربي، والآخر كرواتي مسلم، مع الاحتفاظ بالبوسنة الشرقية، والتناوب
على رئاسة الدولة بين الأعراق الثلاثة، ورغم ما كتب عن بشاعة الخطة بحق
الضحية المسلم، وفرض الذل على المسلمين الذين سينتهي وجودهم ضمن كيان
مستقل، إلا أن هذه التحفظات تتلاشى اليوم أمام الخطة الأمريكية التي وصفتها
(النيويورك تايمز) بأنها: (قبر مفصل جيداً) .
والخطة الأمريكية الجديدة تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة:
* إنهاء البوسنة ككيان مستقل من خلال إعطاء كانتونات الصرب والكروات
حق الالتحاق بالكيانين الصليبيين المجاورين.
* إنهاء حلم قيام وحدة إسلامية في البلقان من خلال تسليم (سربنيتسا)
و (جيبا) إلى الصرب، وانتزاع (غوراجدا) الممر الإسلامي الوحيد بين البوسنة
والبوشناق.
* إعادة تأهيل نظامي (صربيا) و (كرواتيا) المجرمين من جديد،
وتصويرهما كقوى معتدلة رغم حجم الجرائم التي ارتكبت من قِبَل قادة الكيانين ضد
المسلمين.
لقد تأكد خبث الخطة الأمريكية من خلال الضغط الهائل الذي مارسته إدارة
كلنتون على حليفها (توجمان) بُعَيْد استعادته لإقليم (كرايينا) ، حيث منعته من
مواصلة الحرب ضد الصرب في البوسنة؛ لأن هذا بشهادة الجميع يعيد بعض
الأراضي المغتصبة إلى المسلمين، وهذا ماتعارضه (واشنطن) وتسعى إلى منعه،
فالمطلوب: دولة تسمى (البوسنة) ، ولاتملك من أمرها شيئاً، بل هي مرتبطة ب
(كرواتيا) ، تماماً كارتباط دويلة لبنان الجنوبي بإسرائيل، حيث يصبح رئيس
البوسنة في منزلة (سعد حداد) أو (أنطوان لحد) ! !
كرواتيا تأكل الثمرة والبوسنة تبتلع الشوك! :
هذا الحليف الكرواتي الذي مزق كل المعاهدات والاتفاقات المبرمة بينه وبين
المسلمين يعود اليوم (كأخ وصديق) للبوسنة؛ فقد استعاد معظم الأراضي التي سلبت
منه، وترك ١٥٠ ألف صربي يرحلون إلى البوسنة، لكي يهربوا بسلاحهم وحقدهم
وبربريتهم ويساهموا في تغيير وجه الخريطة السكانية التي وُضعت الخطة
الأمريكية على أساسها، فقد (حسبت الخطة الأمريكية التي أُعدت منذ شهور عدد
اللاجئين الصرب قبل إجلائهم، مما يدل على (براءة) العم سام) .
الكروات سبق أن هاجموا المسلمين، وذبحوهم من الوريد إلى الوريد..
و (موستار) تشهد على بربريتهم وحقدهم، أما ما ظهر أخيراً من خطط معدة بين
الصرب والكروات لاقتسام البوسنة، فقد أصبح (واقعاً) أكثر من مجرد أحلام، إنها
ألغام تفاجئنا كل صباح وتؤكد لنا الإجرام النصراني المكشوف دون مرعاة لأدنى
المشاعر.
لقد حرصت الصحافة البريطانية على نقل الصورة التي بدأت (كرواتيا) في
ممارستها منذ اليوم الأول لانتصارها في (البوسنة) ، فبدأت في ابتزاز الحكومة سرّاً
للقبول بالخطة الأمريكية، وأخذت وحداتها العسكرية في إعطاء الأوامر للجيش
البوسني بأسلوب التابع والمتبوع.
أما سياسيّاً: فقد كشف مصير المنشق الخائن (فكرت عبديتش) عن أن
(كرواتيا) تسعى لدعم المنشقين والعابثين بمصير المسلمين، حتى لو كان محارباً لها
بالأمس، ورفضت (كرواتيا) المدعومة أمريكيّاً طلباً للحكومة البوسنية تسليم المجرم
الخائن (عبديتش) ، بل وأعطته جنسيتها، ووفرت له حماية وملجأً ووظيفة جديدة،
ربما كانت قيادة الجيب البوسني الذي ترسم تفاصيله اليوم.. ويتآمر العالم لإخراجه
لنا في الغد..!
هل من المصادفة أن تمر على العالم الذكرى الخمسين لإسقاط قنبلة هيروشيما، في الوقت الذي كان الغرب يمارس فيه بربريته ووحشيته مرة أخرى على أجساد
الضحايا وما سيؤول إليه مصير الأبرياء.. في بقعة أخرى تسمى البوسنة؟
إن أحرقت قنابل أمريكا الأطفال وشوهتهم لإثبات جبروتها في اليابان، فإن
صيحات الضحايا في البوسنة تتحدث عن وحشية حضارة الغاب، التي ورثت من
الوثنية الرومانية: عبادتها للقوة، وتقديسها للسحق، وإنتشاءها بالخراب هنا.. أو
هناك!
стр. 2051
المسلمون والعالم
مسلمو بورما
بين اضطهاد النظام البوذي وصمت هيئة الأمم
بقلم: د. محمد يونس [*]
ما يزال النظام الحاكم في بورما بممارساته الوحشية ضد مسلمي بورما
(الروهنجا) بخاصة، والشعب البورمي بعامة: يقدم أسوأ سجل (لحقوق الإنسان) ؛
إذ بسحق انتفاضة عام ١٩٨٨م المؤيدة للديمقراطية والمعارضة لسياساته لم يبق
هناك أدنى شك في مدى الظلم الذي بلغه ذلك النظام، وفاق فيه كل نظام حكم بلا
رحمة ضد شعبه.
وعلى الرغم من المظاهر والصيحات المنتشرة والإدانة التي لم يسبق لها مثيل، إلا أن (قانون الدولة) و (مجلس الحفاظ على النظام) مستمر في همجيته بإصرار،
وقد خَفّت نداءات الغرب لفرض حظر السلاح والعقوبات الاقتصادية على النظام في
لمح البصر.
ويبدو أن النظام الحاكم خارج قائمة الأنظمة الحاكمة المنبوذة دوليّاً وغير
خاضع لأي ضغط فِعْليّ من أي جهة، وعلى العكس: فإن جيران بورما وبخاصة
الدول الآسيوية أعطوه الشرعية بدعوة المجلس الحاكم إلى مؤتمراتهم الإقليمية،
والتعاون معه بشتى الأشكال، على الرغم من المخالفات القانونية والإنسانية التي
يقوم بها ضد شعبه على رؤوس الأشهاد.
ومع ذلك: تصر تلك الدول وتجادل بأن (المشاركة البناءة) ! مع النظام الحاكم
في بورما هي الطريق الحقيقي الأوحد لإنهاء معاناة الشعب البورمي، وأيضاً: فإن
الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة تبدو كذلك تصدق هذه النظرية، وبالتالي: فهي
تقدم مختلف أنواع الدعم للنظام الحاكم الذي ليس فقط يساعد في إطالة أمد حكمه
الرديء، بل أيضاً يزيد من تعاسة وشقاء الشعب البورمي المغلوب على أمره، لا
سيما المسلمين منهم الذين يعانون سوء العذاب.
وبعد فترة حكم استمرت سبع سنوات تقريباً، هل رأى المجتمع الدولي أي
تحسن في سجلات حقوق الإنسان لذلك النظام الحاكم؟ ! هذا ما لم يحدث، بل قد
أشارت التقارير التي نشرت مؤخراً (بواسطة منظمة العفو الدولية، ولجنة اللاجئين
الأمريكية، وجماعات مراقبة حقوق الإنسان الأخرى ذائعة الصيت) بوضوح: إلى
أن سجلات حقوق الإنسان في بورما تظل من بين النظم الأسوأ عالميّاً، حتى أن
مسؤولي الأمم المتحدة قد أقروا بذلك في مقابلة أذيعت مؤخراً في إذاعة (بي بي
سي) ، وعلى الرغم من الشواهد الفاضحة للمظالم الجماعية لحقوق الإنسان ونكران
الشرعية لإجمالي الشعب البورمي، فإن جيران بورما مستمرين في تجاهل معاناة
هذا الشعب المضطهد، والأمم المتحدة تلعب دور المتفرج.
هل في اعتقاد هذه الدول بأن بورما باعتبارها بلداً آسيويّاً بثقافة آسيوية ليس
باستطاعتها تلبية مستويات حقوق الإنسان طبقاً للنظرية الغربية، وبالتالي: غير
خاضعة لنقدهم؟ فإذا كان الأمر كذلك، فإن سجل حقوق الإنسان لبورما يجب ألا
يتخلف عن بقية الدول الآسيوية الأخرى مثل ماليزيا وتايلند وإندونيسيا وبنجلاديش
وباكستان إلخ ... التي تتعرض لنقد الغرب، ومع ذلك: فإن هناك هوة شاسعة من
الاختلاف بين احترام قيم الإنسان وحقوق الإنسان من قبل النظام الحاكم في بورما
وتلك الدول في آسيا، وفي الحقيقة: إن النظام الحاكم في بورما الذي يحاول دائماً
خداع المجتمع الدولي بالاختباء تحت عباءة النظرية الآسيوية لحقوق الإنسان، قد
استطاع أن يفلت من النقد الدولي، ولعل ذلك راجع إلى أن الفاقدين حقوقهم مع
الأسف هم المسلمون وليس غيرهم، فإلى الله المشتكى.
وهناك حقيقة أخرى مهمة: أن حقوق الإنسان منتهكة بصفة عامة ضد شعب
بورما، إلا أن (الروهنجا) في (أراكان) وغيرها من بقاع بورما الأخرى هم الأسوأ
معاناة، وما يحدث الآن في (أراكان) ليس فحسب نتيجةً للسياسة العامة للنظام
الحاكم للبقاء في الحكم؛ فإن للنظام الحاكم وأسلافهم برنامجاً خفيّاً لأراكان، حيث
إنهم يرغبون في تحويل (أراكان) إلى دولة بوذية محضة.
ومتابعة لما ذكرته: فإن النظام الحاكم يقوم بحملة إبادة شعبية نظامية ضد
(مسلمي الروهنجا) ، ولهذا السبب حدثت أربع هجرات جماعية واسعة النطاق
للاجئين من (أراكان) منذ حصول بورما على استقلالها
(في عام ١٩٤٨م، ١٩٥٨م، ١٩٧٨م، ١٩٩١م) لملايين من (الروهنجا) ، ومازال نزوح الشعب مستمرّاً حتى يومنا هذا.
ومن ناحية ثانية: فإن سحق ومعاناة حقوق الإنسان المسلم قد تحولت تحولاً
دراماتيكيّاً بعد استيلاء النظام العسكري على الحكم عام ١٩٦٢م، وبلغ الذروة منذ
مباشرة (قانون الدولة) و (مجلس الحفاظ على النظام) للحكم عام ١٩٨٨م، والآن:
فإن نصف تعداد السكان من (الروهنجا) تقريباً يعيشون خارج (أراكان) منتشرين في
بنجلاديش، وبعض بلدان الشرق الأوسط في الغرب، وتايلاند، وماليزيا.. إلخ.
إن الجرائم التي تُرتكب ضد (الروهنجا) مختلفة اختلافاً كبيراً عن انتهاكات
حقوق الإنسان العامة في الأماكن الأخرى من بورما، وبصورة أكثر وضوحاً: فإن
(الروهنجا) يحبسون في أماكن مخصصة كأنهم في سجن كبير، ويحظر عليهم
التحرك والتنقل حتى من قرية إلى أخرى، فضلاً عن السماح بالانتقال إلى أجزاء
أخرى من البلاد مثل بقية الشعب البورمي، وإن إجراءات مصادرة الأراضي،
والضرائب على المنتجات الزراعية، وإنشاء مستوطنات بوذية على الأراضي
المصادرة، ترتكب ضد (الروهنجا) فقط؛ فالآلاف منهم يقتلعون من جذورهم
ويساقون إلى جهات غير معروفة.
إن الإخلاء العرقي هو السياسة الراسخة للنظام الحاكم الموجهة ضد
(الروهنجا) في (أراكان) ، بالإضافة إلى ارتكاب أغرب جرائم القتل والتعذيب
والاغتصاب تحت إمرة ونظر السياسة الرسمية للنظام الحاكم؛ لإرهاب وتخويف
(الروهنجا) وطردهم.
قُتل المئات من شباب الروهنجا أبشع القتل من عام ١٩٩٤م وأوائل ١٩٩٥م
وحده، بدون أي تحقيقات أو محاكم نظامية، حتى إن العمل القسري يعتبر من
السياسة الرسمية للمجلس الحاكم في أنحاء بورما، وهو من الظواهر المعتادة في
منطقة (الروهنجا) .
إن ضغط العمل القسري على الجالية المسلمة قاسٍ إلى حد بعيد، بحيث
يتركون في معيشتهم القاسية في حد الكفاف أو نصف جوعى، وفي وضع مهين،
وظروف غير إنسانية، من يوم لآخر.
إن الحياة لديهم في (أراكان) باختصار كمن يعيش في قِدْرٍ ينصهر؛ فإن
الإجابة على مشكلتهم هو التحرك إلى العمق، ومنذ العام السابق: استطاعت
(منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان) وفيما بعد: بعض من الهيئات غير الحكومية
(NGO) الدخول إلى (أراكان) (لمراقبة) وضع اللاجئين العائدين من معسكرات
بنجلاديش، ومع ذلك: فإن الوحشية ضد (الروهنجا) مازالت مستمرة أمام أعين
مبعوثي الأمم المتحدة.
***
* صور انتهاكات حقوق الإنسان في بورما:
كتب الأستاذ / محمد علي [**] :
إن طبيعة انتهاك حقوق الإنسان ضد (مسلمي الروهنجا) الأقلية لا يوجد له
مثيل في العالم، وباعتبار السلطة في بورما تعتنق ديانة أخرى مختلفة عن ديانة
(الروهنجا) وبدافع سياسي محسوب جيداً: فإنهم يعرضون (الروهنجا) لصنوف من
التعذيب غير الإنساني، دعنا نلخص انتهاكات حقوق الإنسان بواسطة النظام
البورمي من كافة النواحي:
١- حق الحياة: ليس هناك أمان لحياة (الروهنجا) المسلمين في (أراكان) ؛
حيث يقتل المواطن من (الروهنجا) في أي وقت، وبشكل اعتباطي، إما بواسطة
العسكريين البورميين، أو المليشيات، أو عملاء آخرين منفذين للقانون دون
محاكمته، يقتل المئات من المسلمين كل عام دون اللجوء للقانون.
٢- حقوق الملكية: الأراضي، وسدود الروبيان، والماشية، والمنشآت
التجارية المملوكة للمسلمين صودرت بصورة غير قانونية، وتم اقتلاع جذور
مستوطنات المسلمين، وإنشاء قرى جديدة للبوذيين من قِبَل النظام الحاكم.
٣- حقوق حماية الشرف: ليس هناك أمن لحماية شرف المسلمين في
(أراكان) ، ولا يهم مدى مكانة ووضع المسلم وتأثير تعليمه وشخصيته وتديّنه؛..
إلخ، فإن شرفه وكرامته تحت رحمة السلطات البورمية، حيث يُضرب الأفراد
بأساليب وحشية، وينقلون في جماعات إلى مواقع عمل السُخرة، وتحرق لحى
علماء الدين وتنتهك أعراضهم.
٤- حقوق الخصوصية: في أي وقت سواء في وضح النهار، أو في ساعات
الليل تُداهم القوات البورمية مساكن المسلمين بنوايا سيئة، من سرقة، وعدم مراعاة
لشرف وحرمات النساء، واقتياد أصحاب المنزل للاستجواب.
٥- حقوق حماية الحريات الشخصية: يتعرض الآلاف من (الروهنجا)
للاعتقال الاعتباطي كل عام بدون إبداء أي سبب أو تهم رسمية، وهناك أشخاص
تم اعتقالهم منذ عشرات السنوات مضت دون محاكمات، وما زالوا في السجون
حتى الآن، بالإضافة إلى ذلك: يتعرض (الروهنجا) لأسوأ أنواع السخرة غير
المعروفة في عالمنا الحديث؛ حيث يُجمّع الأشخاص خارج منازلهم ويكرهون على
العمل لأيام، بدون حصولهم على الأجر والطعام، وعدم السماح لهم بإحضار طعام
من منازلهم، علاوة على ذلك: فإنهم يُجبرون على توفير المواد الغذائية ومواد
البناء لقوات الأمن.
٦- حق الاحتجاج ضد الظلم: لا توجد محكمة يمكن لشخص ما الاحتجاج
أمامها ضد الظلم وانتهاك العدالة، وإن عملاء تنفيذ القانون موجهين بصفة خاصة
لممارسة التفرقة العنصرية وظلم المسلمين، إن المسلم المظلوم عندما يقدم شكوى
في مخفر الشرطة يتعرض هناك للضرب المبرح لتجرئه على اتخاذ مثل هذه
الخطوة، وقد تسند إليه أي تهمة زوراً وبهتاناً.
٧- حق حرية التعبير: يمنع مسلمو (الروهنجا) في (أراكان) تماماً من
التجمع أو التعبير عن رأيهم، كما لا يسمح لهم بالنشر، ولا يمكنهم التعبير عن
أوضاعهم لوسائل الأخبار العالمية، فضلاً عن أنها ممنوعة تماماً من دخول
(أراكان) .
٨- حق ممارسة الدين: يحرم (الروهنجا) المسلمون من ممارسة أبسط
واجبات دينهم؛ حيث يمنعوا من أداء فريضة الحج، ويحظر عليهم ذبح الأضاحي، كما يحظر إلقاء المواعظ الدينية، كما أن العاملين بالحكومة يكرهون على الانحناء
لعلم الدولة، وهو ما يناقض الدين، وإذا لم يذعن أحد منهم لهذا الإجراء: يفصل
من العمل فوراً.
وقد هُدمت المئات من المساجد، وأُغلقت المدارس الدينية، وحولت إلى
ثكنات للجيش، وتُلقى القاذورات والحجارة على المساجد والمصلين أثناء أداء
الصلاة، وتلقى القمامة على أبواب المساجد، وصودرت ممتلكات الوقف الخاصة
بالمساجد والمدارس الدينية ثم وزعت على البوذيين، ويدخل الجنود المساجد
بأحذيتهم ويشربون فيها الخمر، ويُضرب رجال الدين أصحاب المقام الرفيع
بصورة شاذة وغريبة الأطوار، ويساقون للعمل بالسُخرة وتحلق وتُحرق لحاهم.
٩- حق تنظيم الاتحادات والجمعيات: منذ عام ١٩٦٢م تم حظر المنظمات
الاجتماعية والثقافية والسياسية (للروهنجا) ، حيث لا يمكنهم حتى تشكيل منظماتهم
الدينية، ويُرفض السماح لهم بتشكيل مثل هذه المنظمات.
١٠- حق حرية التنقل: منذ عام ١٩٦٢م يحظر على مسلمي (أراكان) التنقل
داخل البلاد، فقلة فقط من الناس يمكنهم التحرك من مكان إلى آخر نظراً لحاجتهم
إلى تصريح من السلطات، ولكن بعد عام ١٩٨٨م استولى العسكريون على الحكم
فأصبح لا يسمح لمسلم من (أراكان) السفر إلى (رانجون) أو أجزاء أخرى من
الوطن، ولا تباع تذاكر السفر بالطائرة للمسلمين، ويجبر مسلمو (أراكان) الذين
يقيمون في أجزاء أخرى من الوطن على العودة إلى (أراكان) .
١١- حق المساواة: على الرغم من أن الحكومة البورمية ليس لها سياسة
معلنة للتمييز العنصري إلا أنها أعطت تعليمات واضحة للسلطات بعدم معاملة
(مسلمي الروهنجا) بشكل متساوٍ، وأنهم غير متساوين أمام القانون، ويعاملون أسوأ
من الرقيق.
١٢- الحقوق أمام العدالة: جرائم مثل الاغتيال والسرقة ترتكب بكل حرية
في حق المسلمين دون مثول مرتكبها أمام القضاء، وسياسة النظام الرسمية تنص
بعدم منح (الروهنجا) الحقوق أمام القضاء.
١٣- حق توفير الضروريات الأساسية للعيش: يحرم مسلمو الروهنجا ب
(أراكان) عمداً من توفير الضروريات الأساسية من أجل الحياة، مثل: الغذاء،
واللباس، والرعاية الصحية، والتعليم.. إلخ، حيث يتعرضون لتفرقة عنصرية
خطيرة.
إن وضع حقوق الإنسان في (أراكان) وصل إلى حد مزرٍ، بحيث لم يتوفر
للروهنجا هناك الأمن للحياة، والتملك، والشرف، والكرامة، علاوة على أن
الحياة أصبحت تعيسة؛ بسبب سياسة تجويع السكان؛ لإجبارهم على مغادرة
(أراكان) ، وهو الهدف الذي يصير إليه النظام البورمي الحاكم، ونتيجة هذا الظلم
أُجبر أكثر من مليون نسمة من الشعب لمغادرة (أراكان) منذ عام ١٩٤٨م.
فحتى متى تظل هيئة الأمم متجاهلة معاناة هؤلاء المسلمين؟ وإلى متى تبقى
الزمرة الحاكمة تدوس على حقوق المسلمين ليعيشوا في مستويات متدنية من الحياة؟ وحتى متى يبقى (بطرس غالي) صامّاً أذنية عن نداءات هؤلاء المسلمين؟ وأين
منظمات حقوق الإنسان الغربية من تلك المعاناة لألوف المسلمين؟ بل أين أدعياء
حقوق الحيوان من لفت النظر لتلك المهازل التي تقوم بها الزمرة الحاكمة في
(رانجون) ؟ فإذا كان أولئك نائمين عن حقوق المسلمين ولا يهمهم ما يعانونه من ذل
وعذاب، فأين إخواننا المسلمون من نجدة إخوانهم مسلمي بورما؟ وحتى متى لا
يتنادون في مؤتمرٍ لإغاثة أولئك المغلوبين على أمرهم، وهل استدعت حكومات
المسلمين سفراء (بورما) واحتجت على سوء العذاب الذي يعانيه مسلموها؟ وهل
يهددون في علاقاتهم السياسية والاقتصادية حتى مجرد تهديد؟ .
إن الأمل كبير في التفاتة إلى هؤلاء المسلمين المنسيين، إننا نذكر، والذكرى
تنفع المؤمنين: [وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] [الأنفال: ٧٢] .
стр. 2052
المسلمون والعالم
مستقبل اللغة الروسية في آسيا الوسطى والقوقاز
وارتباطه بالمصلحة الإسلامية
د. محمد حرب
يبدو أن هيئات الإغاثة الإسلامية العاملة في العالم التركي (وهو عالم يمتد من
الصين إلى البلقان، ويشمل آسيا الوسطى والقوقاز) تتركز توجهاتها الثقافية والدينية
في هذه المنطقة عبر الاهتمام باللغة الروسية فقط. إن النية الطيبة مطلوبة، ولكن
هذه الجهود ناقصة ومهدرة لأموال المحسنين المسلمين، إذا افتقدت التخطيط العلمي.
قد يكون هناك امتداد مستقبلي للغة الروسية في (تاتارستان) مع أنها جزء
أساسي في العالم التركي، وقد يكون لها مثل ذلك داخل بعض الولايات المقهورة
داخل (روسيا الاتحادية) ، لكن الأمر جد مختلف في الجمهوريات الإسلامية المستقلة: (أوزبكستان، تركمانستان، قيرقيزستان، أذربيجان، وطاجيكستان) ، ومن أجل
هذه البلدان قامت إحدى المنظمات الإسلامية الخيرية وبدون سند علمي بتخصيص
مبلغ ضخم من المال لترجمة (معاني) القرآن الكريم إلى اللغة الروسية، ظنّاً منها
دوام الحال للغة الروسية، فعهدت إلى ناشر عربي بهذا الأمر، فاعتمد هذا على
ترجمة (ج، س، سابلوكوف) لمعاني القرآن الكريم في اللغة الروسية، ثم وجد
المتخصصون أن هذه الترجمة لا تروي ظمأ أحد، ولما كثر انتقادها توقفت هذه
المنظمة عن مواصلة طبعها، والمشكلة هنا: أن المترجم الروسي (كَنَسِيّّ) قدم في
نشرة مطبوعة على أنه مسلم حسن الإسلام، لكن هناك ترجمة يمتدحها
المتخصصون صدرت حديثاً في موسكو، قامت بها (فاليري بوروهوفا) في تسع
سنوات، وطبع من هذه الترجمة لمعاني القرآن الكريم (٠٠٠ر٣٠) نسخة.
والمترجمة عضو بالمركز الإسلامي الروسي في موسكو، لكنها كانت واعية؛ إذ
وجهت هذه الترجمة لمسلمي روسيا الاتحادية على اعتبار أنهم تحت السيطرة
الثقافية الروسية.
ومع ذلك: فإن الاكتفاء بترجمة معاني القرآن الكريم دون توضيح لم تَعُدْ هي
التوجه الأسمى في خدمة القرآن الكريم، وأُقدّم مثالاً على ذلك بالترجمة الأيغورية
للقرآن؛ لقد أحدثت الترجمة الأولى للقرآن إلى اللغة التركية بلهجتها الأيغورية
(لهجة مسلمي تركستان الشرقية) رد فعل غريب لدى المثقف التركستاني، الذي ما
إن اطلع على الترجمة حتى قال لم نكن نتصور أن القرآن هكذا، ولم يكن هذا
إعجاباً، بل العكس! ! ؛ فقد كانت ترجمة حرفية، ويبدو أن هذا ما حدا بالمجلس
الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر بترجمة (المنتخب) وهو تفسير لطيف سهل
للقرآن الكريم إلى اللغة الروسية؛ ليستفيد منه الناطقون بالروسية، وكان هذا عملاً
رائعاً، فقد بدأ بالتخطيط ودراسة الاحتياج إليه، وتولته الأدوات المصرية بالتنفيذ،
وكنت أرجو أن يأذن لي المجلس الموقر بأن أضع بين يديه وأيدي المهتمين: هذا
الحديث عن مستقبل اللغة الروسية في الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً عن
الاتحاد السوفييتي، وأبدأ بهذا السؤال: تُرى، هل ستظل اللغة الروسية لغة
مشتركة بين المسلمين في بلدان آسيا الوسطى والقوقاز؟
لننظر أولاً إلى هذه المعلومات عن المتحدثين بالروسية في بلدان العالم التركي، بما فيه منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، وهي منطقة حية من مناطق هذا العالم
التركي.
* المتحدثون بالروسية في آسيا الوسطى والقوقاز يمثلون جزءاً مهماً من أهل
الحضر في القطاع الحديث من اقتصاديات المنطقة حتى الآن.
* المتحدثون بالروسية في آسيا الوسطى والقوقاز يشكلون ١٠% فقط من
سكان المنطقة.
* المتحدثون بالروسية هناك يقترب عددهم من عدد السكان الآسيويين
الأصليين في (قازاقستان) ، وقد بدأ عدد منهم بالفعل في الهجرة إلى (روسيا)
و (أوكرانيا) .
* المتحدثون بالروسية هناك قد استعداهم صعود الإسلام السياسي، فانزوى
بعضهم، وواكب بعضهم الصحوة الإسلامية هناك، وهي صحوة تنتشر في المنطقة، وتتخذ شعارها: معاداة الروس وثقافة ولغة الروس.
* وأخيراً: فالمتحدثون بالروسية في العالم (٢٦٠) مليون نسمة منهم (٦٠)
مليون مسلم داخل إطار روسيا الاتحادية.
وتواجه اللغة الروسية في آسيا الوسطى والقوقاز عداءً ثقافيّاً من شعوب
المنطقة: في (أوزبكستان) مثلاً يكوّن الأوزبك رابع مجموعة عددية من سكان
الاتحاد السوفييتي غير الروس، وأكبر مجموعة إسلامية داخل حدوده قبل الانهيار،
والقومية التركية مشتعلة في (أوزبكستان) متحدة مع الإسلام في مفهوم عقائدي واحد
هو (تورك إسلام) ، والموجة القومية الإسلامية الصاعدة جعلت الأوزبك يتخذون
لغتهم التركية بلهجتهم الأوزبكية لغة رسمية للدولة بدلاً من الروسية، كما أخذت
المدارس تتخلص من الروسية هناك، بل وصل الأمر بأوزبكستان أن أسرعت في
محاولة تدمير الحروف السكيولية (الروسية) واستبدالها بحروف لاتينية! ، وبدأ
النشء هناك يتعلم اللغة القومية، ورويداً رويداً تأخذ المدارس والجامعات الأوزبكية
في التترك، وترك لغة المستعمر السابق، وهي الروسية.
وهذا المثال ينطبق بحذافيره على (قازاقستان) ؛ فالشعب القازاقي يعتز
اعتزازاً شديداً بقازاقيته وبلغته التركية في لهجتها القازاقية، وينفر من الروسية،
بل أخذت الروسية في التراجع ثقافيّاً.
وينطبق هذا المثال أيضاً على (أذربيجان) كبرى الدول القوقازية، من حيث
اعتزازها بلغتها التركية في لهجتها الأذرية، والمثال ينطبق على (تركمانستان) ،
و (قيرقيزستا) ، وحتى على (طاجيكستان) ذات الثقافة غير التركية.
وأخيراً: فيزيد قتامة مستقبل اللغة الروسية في آسيا الوسطى والقوقاز: ما
تعرضت له شعوب المنطقة من الاضطهاد الروسي، ومن عداء الروس للإسلام،
ومن إلغاء الروس للحروف العربية التي كانت المنطقة تكتب بها لغتها قبل الاحتلال
الروسي، إذن: فليس أمام التوجه الدعوي لآسيا الوسطى والقوقاز إلا أن يضع في
تخطيطه أن اللغة الروسية مؤقتة الأهمية، وتضعف أهميتها رويداً حتى تنتهي في
عام ٢٠١٦م، عام تتريك لغة المدارس والجامعات ودواوين الحكومة، ومن
المعروف أن عام ٢٠٠٠م، هو عام تتريك أبجدية المنطقة والتخلص من الحروف
الروسية، ومن ثم: اللغة الروسية والثقافة الروسية. وعلى التوجه العربي أن
يتعامل بواقعية مع اللغة التركية بلهجاتها المحلية في المنطقة، ومن ثم: يبدأ تنمية
العلاقات العربية ببلدان العالم التركي، خاصة دول آسيا الوسطى والقوقاز منه،
والذي يحلو لي وصف شعوبها بأنهم: (فقراء اليوم، أثرياء الغد) .
стр. 2053
المسلمون والعالم
الأصولية الغربية
المنظمات الأصولية وصناديق الاقتراع
(٣)
بقلم: ياسر قارئ
تناول الكاتب في الحلقتين الماضيتين منشأ الأصولية الغربية في أوروبا، ثم انتقال مركزها إلى أمريكا؛ فكشف عن جذورها التاريخية والمعتقدات المحركة لها، ثم وضح أثر هذه المنظمات الإنجيلية في الحياة العامة وبخاصة في صناعة السياسة الخارجية.. وفي هذه الحلقة يواصل الكاتب بيان دور المنظمات الأصولية.
-البيان-
في هذا الجزء الأخير من البحث سيكون الحديث عن الساسة الأمريكيين
المعاصرين، ومواقفهم وتبنيهم لآراء وأفكار الأصوليين، على الرغم من الفصل
التاريخي بين الكنيسة والدولة الذي رسخه الدستور، ثم أختم الحديث بذكر آراء ثلة
من النخبة المثقفة في أمريكا حول الدين والدولة.
إن المطلع على واقع المجتمعات الديمقراطية وبالأخص المجتمع الأمريكي
ليدرك أن اتخاذ القرار ليس بمنأى عن المؤثرات الخارجية التي تشكل لجان العمل
السياسي (أو اللوبي) قطب الرحى فيها؛ لذلك فإنه يصدق على هذا الوضع
تشخيص بعض المحللين السياسيين بأن اللوبي أو التأثير على السياسة هو جزء من
صناعة القانون أو السياسة الأمريكية، حتى إنه يمكن القول بأن تاريخه يقترب من
أن يكون هو تاريخ التشريع الأمريكي [١] ، ولقد مر معنا في الحلقة السابقة ذكر
أنشطة المنظمات الأصولية وبالذات السياسية منها لذلك: فليس من قبيل المفاجأة أن
يعلن المرشحون الرئاسيون الثلاثة في سنة ١٩٨٠م عن أنفسهم بأنهم إنجيليون
أصوليون، وأن لدى كل واحد منهم من الرصيد الإيماني ما يثبت حقيقة
ادعائه [٢] .. والحقيقة التي يعرفها الجميع الآن هي: أن ظاهرة الأصوليين السياسيين لم تتوقف عند تلك الحقبة الزمنية، بل استمرت حتى الانتخابات الأخيرة سنة ١٩٩٢م، ولا يعني فشل مرشح اليمين الأصولي والرئيس السابق انتهاء فاعلية الأصوليين السياسية؛ إذ إننا نفاجأ وبعد عامين من تلك الهزيمة بعودة قوية للأصوليين، وذلك عقب اكتساح الحزب الجمهوري لمقاعد مجلسي الكونجرس والنتائج المباشرة التي تمخضت عن ذلك كالبرنامج السياسي الذي طرحه الجمهوريون تحت مسمى (العقد مع أمريكا) وما تحويه من نَفَس أصولي عميق، وإثارة لمسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس قبل نهاية الألف الثانية!
لعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت: إن نشاط الأصوليين لم يتوقف في يوم من الأيام، وإنما يمر بفترات صعود وهبوط بحسب الظروف والإمكانات، لكن وبحكم الفترة
الزمنية التي يعالجها هذا الجزء من البحث، فإنه منذ فضيحة (ووترجيت) التي
أطاحت بالرئيس الهالك نيكسون: والأصوليون يجدون أبواب البيت الأبيض
مشرّعة أمام أهدافهم وطموحاتهم، ولئن كانت فترة حكم خليفته قصيرة إلا أنه كان
النواة الأولى لعلاقة قوية وحميمة مع المكتب البيضاوي استمرت لمدة ستة عشر
عاماً متتالية.
ولكن لسوء حظه: ظهر على المسرح السياسي مرشح أكثر إيماناً وأقرب لحناً
إلى الأصوليين وهو حاكم ولاية (جورجيا) السابق والمرشح عن (الحزب
الديمقراطي) لانتخابات عام ١٩٧٦م، فقد حملته سمعته الطيبة ومحافظته الأخلاقية
وتدينه العميق! لكسب تأييد منظمات العمل السياسي الأصولي، ولعل من الأدلة
على ما أقول هو إصداره إعلان من رئاسة الدولة ينفي فيه اتهام اليهود بقتل المسيح
﵇ [حسب معتقدات النصارى] وتشكيله للجنة رئاسية تتابع موضوع
حرق اليهود في العهد النازي، تلك الأكذوبة التاريخية التي يروجها اليهود
لاستنزاف أموال ومشاعر النصارى في العالم! [٣] .
ولعل السبب في تحول المنظمات الأصولية عنه في الانتخابات التالية
سنة ١٩٨٠م هو صراحته المتناهية التي تثير شكوك الأعداء، فقد بلغ به الهيام بالنصوص والنبوءات الدينية إلى التصريح الرسمي من على منبر الكنيست الإسرائيلي في سنة ١٩٧٩م بأن (سبعة رؤساء قبله قد آمنوا وجسدوا هذا الإيمان بإقامة علاقات فريدة مع إسرائيل؛ لأنها متجذرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأمريكي، لأنهما (أي الشعبين) يتقاسمان تراث التوراة) [٤] ... وهذا التراث هو الذي أشرت إليه سابقاً من الاعتقاد الجازم بحرفية النص المقدس في العهدين القديم والجديد، وبصدق التوجيهات والنبوءات السياسية التي
يحتويانها! ، فكيف وقد صرح هو شخصيّاً أثناء حملته الانتخابية بأن تأسيس إسرائيل المعاصرة هو تحقيق للنبوءة التوراتية [٥] .
ثم خلفه رئيس هو أشد إيماناً بالكتاب المقدس، فاستبشر الأصوليون به خيراً، وطفقوا يدعمونه ويروجونه لجماهيرهم، وحيث إن فترة حكمه قد امتدت لثمان
سنوات متتالية فيها الكثير من التصريحات والقرارات المؤيدة لتوجهات الأصوليين
ونظراً لحساسية بعضها، أجدني مضطرّاً إلى الاقتصار على شيء منها يكفي
للتدليل على عمق العلاقة بين الرئاسة والأصوليين دون خلل بالمقصود من الدراسة؛ فمنذ اللحظات الأولى لتوليه منصب حاكم ولاية (كاليفورنيا) [*] يعلن بأن اعتماده
على الله هو جزء أساس من حياة الولاية والدولة، وسيظل كذلك طالما بقي هو
الحاكم، وقد قام بالتعريف بالقس (بيلي جراهام) في حفل صلاة الإفطار عقب فوزه
سنة ١٩٧٢م، موضحاً أن الحل والجواب لجميع مشاكل وتخبط المجتمع هو في
كلمات المسيح ﵇ [٦] .
فليس بدعاً إذن أن يضع يده على إنجيل والدته عند مبايعته بالرئاسة ويفتحه
على الآية التي تقول: (لو أن شعبي تواضعوا ودعوني وسألوني وابتعدوا عن
طريق الضلال؛ فسوف أجيبهم وأغفر لهم وأصلح أرضهم) [٧] . وبالطبع، فهذه
ليست هي المرة الأولى في حياته التي يخلط فيها بين الدين والدولة في الاحتفالات
العامة؛ إذ إنه في صبيحة إعادة انتخابه حضر حفل صلاة إفطار، وأكد خلال
خطابه بعدم الفصل بين الدين والدولة في الولايات المتحدة [٨] ، ولعل الذي دفعه
إلى هذا القول بالإضافة إلى قناعته الشخصية هو التأييد الذي حصل عليه من قِبَل
النخبة الثرية والأصولية في الانتخابات، فقد أشارت محطة (CBS) في استبيان
لها إلى أن ٧٨% من الأصوليين البيض ساعدوا المرشح الرئاسي ليحقق خامس
أكبر نسبة للأصوات في التاريخ الأمريكي [٩] .
ولقد ملك على الرئيس إيمانه بالنصرانية ومشاعره التي ترجمت ذلك إلى
قرارات سياسية، فنجده يطالب بوجوب تدريس نظرية الإنجيل عن الخليقة في
المدارس الحكومية أسوة بنظرية (دارون) مقحماً بذلك الدين في المناهج الحكومية
العلمانية [١٠] ، وفيما يتعلق بالجانب العسكري: يعبر الرئيس بمصطلحات إنجيلية
عن الحرب مع الروس؛ إذ يصف الوقت الفاصل بين إطلاق الصواريخ الأمريكية
النووية على الروس والإيذان ببدء معركة (هرمجدون) بحوالي ست دقائق، تلك
الحرب التي يؤمن بها الأصوليون وينتظرون حدوثها ليأتي (أمير السلام) فيقضي
على الكفار ويرفع المؤمنين النصارى [١١] .
وتغلبت على الرئيس عاطفته الإيمانية فيخاطب الحضور في مؤتمر المذيعين
الدينيين الوطني سنة ١٩٨٣م قائلاً: إننا جميعاً كيهود وبروتستانت وكاثوليك
مسؤولون عما يجري لإخواننا المؤمنين المعذبين في العالم، وإنه وللمرة الأولى
قامت إذاعة صوت أمريكا [خاضعة لوزارة الخارجية] ببث صلاة عيد الميلاد من
الكنيسة في واشنطن، وإن الحكومات التي لا تحب سماع أصواتكم لن تضيرنا في
شيء على الرغم من مصادرتها للكنائس وحرقها للأناجيل، لأن النهاية سوف تكون
لمصلحة المؤمنين؛ وذلك لأن أعظم قوى الأرض العسكرية لا تستطيع الوقوف في
وجه (أمير السلام) صاحب القلب الرحيم الذي يشفي همومنا وجراحنا ويزكي
قلوبنا [١٢] .
ويستغل الرئيس منصبه ليصدر تفسيراً جديداً للدستور فيما يتعلق بالفصل بين
الدين والدولة؛ فيخبر الحضور في مؤتمر العمل السياسي للمحافظين سنة ١٩٨٣م
بأن المؤسسين لم يتعمدوا إقامة جدار فاصل بين الدين والدولة، والأدلة على ذلك
كثيرة، منها: ذكر الكائن العظيم أربع مرات في إعلان الاستقلال، وشعار الدولة
الذي يثبت الإيمان بالرب، فضلاً عن أن المحكمة العليا والكونجرس يفتتحون
أعمالهم بدعاء أو صلاة [١٣] ، وتوج هذا التلازم بإعلانه في الشهر نفسه الذي عقد
فيه هذا المؤتمر: السنة الرسمية للإنجيل، وأقره على ذلك الكونجرس [١٤] .
ولم يقف تشخيصه ودعمه لمطالب الأصوليين عند ذلك، بل إنه في لقائه في
البيت الأبيض بموفَدِي المنظمات الأصولية عبّر عن سعادته برؤيتهم في ذلك المكان
الذي لم يدخلوه منذ أمد بعيد لأسباب معينة، لكنهم، طالما ظل هو ساكن هذا البيت، فإنهم وكل من يساند القيم اليهودية النصرانية سيلقون كل ترحيب؛ لأنهم
يستحقون ذلك [١٥] ، وهذا الترحيب الحار يفسر لنا دعوة البيت الأبيض في
سنة ١٩٨٤م لرئيس مؤسسة جبل المعبد بحجة كسب دعمه وتأييده لبرنامج الإدارة الأمريكية الداخلي والخارجي [١٦] .
ولا يختلف مساعدو الرئيس السابق في توجهاتهم كثيراً، فنجد شخصيات
بارزة مثل (وولتر إنينبزج) ممول حملات الرئيس وصديقه القديم، و (أودين ميس)
المدعي العام في إدارته ورفيق دربه منذ أيام (كاليفورنيا) ، و (جيمس ووت) وزير
الشؤون الداخلية، (وهيرب إلينجورت) المستشار الخاص للرئيس: يعلنون
انتماءهم إلى منظمة المائدة المستديرة التي تأسست عام ١٩٧٩م لتنظيم اللقاءات بين
القيادات السياسية والأصوليين، ولقد قدم مستشار الرئيس في إحدى هذه اللقاءات
والحفلات الخاصة هدية شخصية من الرئيس، عبارة عن نسخة من التوراة تحمل
توقيعه إلى السيدة (هروماس) إحدى الأصوليات الناشطات [١٧] ، وفي ظل هذه
الصلة القوية بين الساسة والأصوليين لا يستغرب حضور (أودين ميس) والسفير
الأمريكي لدى منظمة دول أمريكا اللاتينية ومساعد الرئيس الخاص (مارشال برجر)
حفلة صلاة إفطار لمصلحة إسرائيل سنة ١٩٨٤م [١٨] .
وعلى الرغم من أن المجتمع الأمريكي عموماً يعتبر التدخل في قضية الدين
شأناً شخصيّاً جدّاً، إلا أن الرئيس لم يهدأ له بال وهو يرى والد زوجته وبعد أن
كبر وأصابه الوسواس بعيداً عن التمسك بتعاليم النصرانية، فكتب له رسالتين
مطولتين يشرح له فيهما الراحة الشاملة التي سوف يشعر بها إذا ما وضع نفسه في
يد الرب [١٩] ، وهذا يبين مدى حرصه على نشر دعوته وتخليص الناس حسب ما
يعتقده!
وعلى الرغم من انتهاء فترة رئاسته الطويلة، إلا أن الأصوليين قد وجدوا في
نائبه ضالتهم، فدعموه وسوّقوه للناخبين على الرغم من وجود مرشحين من
القساوسة في تلك الحملة الرئاسية، والعجيب أن هذا النائب المغمور لفترة ثمان
سنوات قد فاق رئيسه وسلفه في الاستحواذ على أصوات الأصوليين؛ إذ حصل
على ٨٢% من أصوات الإنجيليين البيض في انتخابات ١٩٨٨م، وكان قد أجرى
لقاءات قبل وبعد ترشيحه من قِبَل الحزب الجمهوري ليؤكد للإنجيليين ولاءه
لمعتقداتهم، بل واقتبس في خطاب قبوله الترشيح رسميّاً بعضاً من قناعات
الأصوليين [٢٠] ، وكان الحزب قد دعى رابطة الإنجيليين الوطنية للإدلاء برأيها؛
حتى يتسنى تضمينه في إعلان الحزب [٢١] ، ولقد علق أحد المحللين السياسيين
على انتصار المرشح الجمهوري قائلاً: إن تركيزه على الخطاب الديني هو سر
فوزه على منافسه الديمقراطي الذي لم يتوقع اهتمام الناخبين الكبير به في عصر
التنوير [٢٢] .
أما أحد أقرب مساعدي الرئيس والذي أصاب شهرة عالمية بسبب فضيحة
(إيران جيت) ، فإنه يعلن في مذكراته تَدَيّنَه الشديد ومحافظته وأسرته على درس
الأحد الأسبوعي منذ أن كان في مدينة (نيويورك) قبل أن ينضم إلى مجلس الأمن
القومي [٢٣] ، لذلك: فليس غريباً أن يصطحب إنجيله الخاص معه في جميع
سفراته، بل ويدعو مسؤولين حكوميين إليه كما فعل في صفقته الشهيرة [٢٤] ،
ولعل سر ولعه بالإنجيل هو عمله في طفولته كخادم للقسيس، فكان يتوجب عليه
حفظ الطقوس والترنيمات القدسية (باللاتينية) ، وتعلمها بعد تخرجه من الكلية
الحربية باللغة الإنجليزية [٢٥] .
ليس هذا هو الاستثناء الوحيد في الخليط الديني العلماني في المؤسسة الحاكمة
في أمريكا؛ إذ استطاع الأصوليون التغلغل إلى مناصب كبيرة أخرى كالمحكمة
العليا التي لا تناقَش قراراتها، ولعل في تصريحات بعض قضاتها ما يؤكد التناغم
بينهم وبين مبادئ الأصوليين؛ فعلى سبيل المثال نجد أن القاضية (ساندرا أوكونر)
التي رشحها الرئيس (ريجان) لهذا المنصب تعلن على الملأ: أن أمريكا دولة
نصرانية، على الرغم من كونها تشغل منصباً رسميّاً حساساً يجيز لها إعادة تفسير
الدستور الذي ينفي هذه المزاعم [٢٦] ، ولقد وافقها في ذلك رئيس المحكمة القاضي
(وليام رينكوست) مؤكداً أن الجدار الفاصل بين الدين والدولة هو بمثابة استعارة
(لغوية) نتجت عن سوء الفهم، ويجب طرحها جانباً؛ إذ ليس هناك ما يمنع
دستوريّاً من تأثير الدين على الحكومة [٢٧] .
ويضرب الإيمان بالأصولية النصرانية بجذوره في مبنى الكونجرس حيث
السلطة التشريعية، فهناك سناتور يصرح بأن ولاءه السياسي هو للرب أولاً فالأسرة
فالناخبين، ويدعو المرشحين الآخرين لاقتفاء أثره [٢٨] ، وآخَر يقدم اقتراحاً إلى
الكونجرس في سنة ١٩٨٣م لجعلها سنة الإنجيل، ولم يتوان المجلس بأغلبيته عن
الموافقة على الاقتراح وتصديق الرئيس عليه كما أشرنا سابقاً [٢٩] ، وفي المقابل:
فإن هناك نواباً لم يستطيعوا كتم مشاعرهم الفياضة نحو معتقدات الأصوليين التي
تمجد الشعب اليهودي؛ فها هو ذا السناتور (روجر جيسون) يعلن بأن سبب الخير
والبركة اللتان تنعم بهما أمريكا هو إكرام اليهود الذين لجؤوا إليها [٣٠] ، ونائب
آخر خلع برقع الحياء أو الحصافة فأرسل إلى المتبرعين المتوقعين لحملته شيكلات
(عملة إسرائيل) ليحضهم على دعمه ومذكرهم بالمصاعب الاقتصادية التي تمر بها
إسرائيل، والتي سوف يساهم هو في حلها عند فوزه في الانتخابات [٣١] ، فلا
غرو إذن في ظل هذا الانحياز والتعصب الديني أن ينضم أكثر من خمسين نائباً إلى
رابطة الصداقة الإسرائيلية الأمريكية، من أبرزهم المرشحة السابقة لمنصب نائب
الرئيس (جيرالدين فيرارو (والمرشح الرئاسي السابق (جاك كمب) على الرغم من
خلافهما الأيديولوجي؛ فالأولى ديمقراطية، بينما الثاني جمهوري [٣٢] .
بعد هذا العرض الموجز لظاهرة الأصولية النصرانية وأثرها على السياسة
الأمريكية: نستطيع القول بأن الدين يلعب دوراً قويّاً في حياة السياسيين قبل
قراراتهم، وهذا هو سر الدعم الذي تلقاه إسرائيل بغض النظر عن المزايدات
الانتخابية، فالإيمان بعودة المسيح إلى موطنه واقتراب الألف الثانية من نهايتها:
يدفعان الساسة والأصوليين في أحضان بعضهم البعض، ولقد أكد هذه الحقيقة
الدبلوماسي الماكر (كيسنجر) قبل عشرين عاماً وأمام نفر من الزعماء اليهود، حيث
قال: إن الهدف من حاجة إسرائيل إلى أن تكون قوية هو أن تحافظ على بقائها لا
لصد الشيوعية؛ لأن لبقائها أهمية عاطفية بحتة بالنسبة للولايات المتحدة
الأمريكية [٣٣] .
وهذه العاطفة ليست مقصورة على القسس والمتعصبين النصارى، بل تتعدى
إلى النخبة المثقفة التي تبكي على خُبُوّ وهج الدين من الحياة العامة؛ فالصحفي
المشهور (وليام بكلي الثاني) يرفض العلمانية تماماً، ويدعو إلى التمسك بالعقيدة
النصرانية لحفظ كيان الدولة الأمريكية [٣٤] ، أما الصحفي الكبير (جورج ول) فإنه
يهاجم (جان جاك روسو (متهماً إياه بتخريب الثقافة الغربية، وينتقد الرأسمالية
لكونها سبباً مباشراً في تغيير البنية الاجتماعية، وبالتالي: إضعاف الدين والأخلاق، ويتمنى يوم أن تحل الكنائس الإنجيلية مكان ناطحات السحاب في مركز
المدينة [٣٥] .
ويشارك (ول) في موقفه من الرأسمالية صحفي آخر هو (إيرفنق كريستل)
الذي أسس معهد المغامرة الأمريكية، ويتحسر على الفساد الخلقي الذي أصاب
المجتمع، ويعد فقدان الإيمان بأنه أكبر خسارة في القرن الماضي؛ لأن الناس
يحتاجون إلى الدين الذي يحل مشاكلهم اليومية، وأن استمرار الدولة في التأثر
بالنظريات السياسية والاجتماعية (العلمانية) سوف يودي بها إلى الهاوية [٣٦] .
أما (روبرت نزبت) الأستاذ السابق في جامعة كولمبيا: فإنه يختصر مبادئ
اليمين الأصولي في تركيز اهتمامه بالدين في الدرجة الأولى؛ فالكنيسة تعطي
الإنسان الضائع في مغالطات المجتمع المعاصر نوعاً من الأمان والاستمرارية،
ولابد من ربط الحرية والسلطة بالأسرة والكنيسة [٣٧] ، ثم إن الصحفي والمحاضر
بجامعات (هارفرد) ثم (ستانفورد) ف (سيراكيوز) (ميشيل نوفاك) يصف دور
الأنجلوساكسون الأصوليين بالصابون الذي يطهر العالم من الذنب والإثم والشر،
وأن الغربة التي تعاني منها الحرية والديمقراطية والكاثوليكية الرومانية هي بمثابة
كارثة بالنسبة للغرب لأن كلاً منهما يحتاج إلى الآخر [٣٨] .
وأخيراً: فبعد أن وضعت بين يديك أيها القارئ الكريم خلاصة ما توصلت
إليه وما سمحت الظروف به حول هذه القضية المعاصرة، فإني أطرح عليك سؤالاً
جوهريّاً، أرجو أن تكون قد وفقت في العثور على إجابته من خلال ما تقدم،
والسؤال هو: من يتحكم في السياسة الخارجية والمتعلقة بالشرق الأوسط في بلد
الحرية والديمقراطية العلمانية ومعقل الانحلال الخلقي في العالم؟ أتراهم السياسيين
العلمانيين المنتخبين؟ أم الأصوليين الإنجيليين؟ أم إن العاطفة الدينية الكامنة لدى
الفريق الأول تثيرها تحركات وأنشطة الطرف الآخر، فيلتقي الاثنان على موجة
واحدة هي بمثابة نقطة التقاطع بينهما؟ فالمعروف أن الحملات الانتخابية وروادها
لا يتشرف المرء بذكر تاريخهم؛ لما يحتويه من إسفاف وانحطاط أخلاقي لأبعد
الحدود، وإذا سلمنا بثوب النصرانية الفضفاض الذي يسع مثل تلك الانحرافات التي
لا يغفرها غلاة الأصوليين: يصبح المخرج الوحيد لهذه الجاذبية غير المتوقعة هو
كما صرح أحدهم فيما ذكرت بأن الهدف الأسمى للمنظمات الأصولية هو تغيير
الساسة أنفسهم.
стр. 2054
نص شعري
القدرة والصبر
ثامر العنزي
قلمي ولى وأدبر
والضحايا بأخاديد اللظى
تُرمى تُسعّر
وبِحار الحزن في البُوسنة
والقُدس تُفجّر
كُلما حاولت أن أُبدي وأُخبر
قلمي وَلّى وأدبَر
وتَجهّم ثم كشّر
كيف أرضى أن أموت اليوم صبراً
ثم أُقبر؟
فكؤوس الذل
في أرض النّبواتِ تُحضّر
***
فإذا غنى مغنٍ وتبختر
رقص القوم وقالوا
نحن نهوى من يُزمّر
وإذا صاح منادٍ ثم حذّر
غضب القوم وقالوا
أنت يا هذا أُصولي فأقْصِر
***
وضمير العالم اليوم
على بوابة القُدس تَسَمّر
وفؤاد الأمة الحيرى
بأغلال الهوى يُمسي ويُسفر
وعلى الباطل يَسمُر
وقلوب الصّربِ
بالأحقاد تقطُر
ووراء القوم صليبٌ
قد حوى المكر فثرثر
فأفيقوا يا بني قومي
فآلاف الضحايا
بسِهامِ الحقد تُنحر
ثم عودوا لكتاب الله
والنهج المسطّر
فبإذن الله سننصر
***
وأنا أرفع رِجلاً وأؤَخّر
وأنا أزعم أني لست أقدر
وعلى الباغي سأصبر
وعلى صبري سأؤجر
في زمان جُعل المعروف مُنكَر
стр. 2055
في دائرة الضوء
تدشين الأممية النسوية العلمانية
قراءة في خلفيات مؤتمر المرأة ببكين
(الحقائق والأهداف)
بقلم: د.محمد يحيى
اكتسب المؤتمر الدولي الذي عقد في بكين [*] ، تحت رعاية وإعدادالأمم
المتحدة، شكلاً يشبه إلى حد بعيد تلك المؤتمرات التي يعقدها المجلس العالمي
للكنائس الكاثوليكية كل بضع سنوات؛ للخروج بنظريات جديدة في عقيدتهم، أو
لوضع سياسات تنصيرية للدعاية والترويج.
ويأتي هذا المؤتمر تتويجاً لسلسلة من المؤتمرات والاجتماعات التي رعتها
الأمم المتحدة، بدءاً من عام المرأة (١٩٧٥م) ، الذي أعقبه عَقْد المرأة، ثم عام
الطفل، ثم عام الأسرة، وعقد الأسرة، وسارت معه بالتوازي في السنوات ذاتها
مؤتمرات السكان المشهورة، التي عُقد آخرها منذ عام في القاهرة، حيث تلاقت
أهداف وثيقته مع وثيقة وأهداف مؤتمر بكين، فهي حلقات متتابعة ينظمها الهدف
الرئيس لهذه المؤتمرات، لذا: جاء مؤتمر بكين في جوهره تدشيناً لحركة ممتدة
تعود إلى ما يزيد عن ربع قرن، وتتويجاً لها كعقيدة عالمية جديدة: هي الاتجاه
النسوي المعروف ب (الفمنزم) [**] ، وهكذا شهد العالم مولد (كنيسة) جديدة،
وعقيدة وضعية تَخْلف الدين العلماني الساقط (الماركسية) وتجدد شباب الأطروحات
العلمانية الغربية.
وفي عالمنا الإسلامي مازالت الصورة غير واضحة، لا يبصرها إلا القليل
ممن رحم الله، وقد تشابكت في الأذهان عدة عناصر:
أ- البعض وهم الكثرة مازال يرى في أمثال هذه التحركات المحمومة بزعم
الاهتمام بالمرأة استمراراً للخط القديم الذي عرف باسم (حركة المطالبة بحقوق
المرأة) ، التي عرفها الشرق المسلم في مطلع القرن العشرين، وكان لها أبطالها
وقديسوها، التي سارت في ركاب الحركات القومية العلمانية والمتغربة.
ولكن حركات المطالبة بحقوق المرأة تَعُدّ شيئاً مختلفاً بالنوع عن التوجه
النسوي الجديد وإن كان مُهّدَ له ويلتقي معه في بعض الجذور الفكرية الغربية
الأصل؛ ذلك لأن دعوة حقوق المرأة كانت على الأقل في الظاهر تدعي في العالم
الإسلامي أنها تعمل في إطار القيم والأوضاع الاجتماعية القائمة؛ لتطالب بحقوقٍ
للمرأة موجودة في صلب هذه القيم والتقاليد، لكنها نُسيت أو سُلبت. وفي الغرب
كان الشيء نفسه؛ حيث جرت المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتصويت
في إطار الأوضاع القائمة (أي: المجتمع البورجوازي الرأسمالي الصناعي) .
ومن الصحيح أن هذه الحركات تطورت فيما بعد لتطالب بحقوق مزعومة
ليس لها أساس في تراث مجتمعاتها، أو أنها اتخذت أشكالاً ثورية وفوضوية في
التعبير والعمل، مما مهد بأثر غير منكور في ظهور اتجاه (الفمنزم) ، لكنها كانت
مختلفة عن هذا الاتجاه.
أ- أما البعض الآخر وهم القلة فما زالوا يرون في عباب هذه الاجتماعات
والتحضيرات والوثائق.. إلخ، امتداداً لما عُرف بحركة تحرير المرأة في أوائل
وأواسط القرن العشرين، التي كان لها كذلك وجود وقديسون! في عالمنا الإسلامي، ولكن هنا أيضاً توجد اختلافات عن حركة (الفمنزم) المعاصرة، بعضها نوعي،
والآخر مجرد اختلاف في الدرجة والتركيز، صحيح أن حركة تحرير المرأة كانت
السلف المباشر للحركة النسوية العلمانية، وصحيح أنها اشتركت معها في الجذور
اللادينية الصريحة، والعداء للأديان (وبالذات الإسلام في منطقتنا) ، وصحيح أنها
اشتركت معها في تجاوز الأوضاع الاجتماعية والثقافية القائمة مع رفضها،
وصحيح كذلك أنها اشتركت معها في المطالبة، ليس بحقوق معينة للمرأة، وإنما
في الدعوة إلى وضع مختلف لها تماماً داخل المجتمع، مع تغيير هذا المجتمع نفسه
ليتواءم مع الوضع المرتجى والمطلوب للمرأة، وصحيح أخيراً أنها اشتركت معها
في رفض أنظمة الزواج والأسرة والقيم والتعاليم والتقاليد التي تحكمها سواء في
الغرب، أم في الشرق داعية إلى إسقاطها، وإحلال الحب الحر وغير ذلك من
أشكال التحلل من القيم محلها.
كل هذا صحيح، لكن حركة تحرير المرأة كانت تختلف عن عقيدة (الفمنزم)
في جوانب أساسية وحاسمة؛ فلم تكن لها فلسفة فكرية تؤصل نشاطها وتسنده، كما
أنها لم ترتبط بحركة عالمية تقف وراءها وتدافع عنها وتروج لها، على الرغم من
أنها حاولت في وقت من الأوقات الارتباط بالشيوعية، ولا سيما في أوائل عهدها،
ولأن (الفمنزم) أوجدت لنفسها فلسفة وعقيدة، ولأنها تحولت إلى حركة عالمية تتخذ
من أدوات النظام العالمي أسلحة لها في حربها، فإنها قد تجاوزت إلى حد بعيد أبعاد
حركة تحرير المرأة رغم أوجه الشبه والقرابة الواضحة بينهما.
وهذه النقطة لا يدركها معظم إن لم يكن كل من يتعرضون بالتحليل لظاهرة
مؤتمرات الأمم المتحدة، وما يحيط بها من خضم للنشاطات التي تدور حول المرأة، إذ ما زال الكثيرون سواء أكانوا مؤيدين أم معارضين ممن يتصدون بالكتابة لهذه
الظاهرة يضعونها في سياق حركة المطالبة بحقوق المرأة، أو يعتبرونها في سياق
حركة تحرير المرأة، والحركة النسوية العلمانية ليست بهذه أو بتلك، فنحن أمام
عقيدة شمولية تُطرح لكي تُفرض وتسود العالم كله، وتحل محل العقائد والأديان
والمذاهب (وضعية أم غير وضعية) . ولهذا شبهنا مؤتمر المرأة باجتماعات الكنائس
الكبرى؛ ليس فقط لشمولية الموضوعات التي يتعرض لها، وإنما أيضاً لذلك الجو
من التبجيل الذي أحاط بهذا المؤتمر؛ مما جعله تدشيناً لدين جديد أُعد على مدى
ربع قرن، وهذا التشبيه يدل على مفتاح أساسي من مفاتيح فهم وتحليل هذه الظاهرة، يعني: على تجاوز جوانبها السطحية والنفاذ إلى أعماقها.
إن جوهر (الفمنزم) يكمن في الظاهرة العامة التي عرفها تاريخ الفكر
والممارسة الغربية على مدى القرنين الماضيين، ألا وهي: ظاهرة وضع أديان
وعقائد بشرية وضعية لتجنب الدين الموحى به، وسواء اعتقدنا أن هناك مؤامرة
يهودية ماسونية علمانية وراء هذه الظاهرة، أم لا، فإننا لا نملك إلا أن نرصدها،
بدءاً من العوالم والمدن المثالية التي حفل بها تاريخ الفكر الأوروبي في القرن
السادس عشر وما بعده، إلى عقيدة التنوير في القرن الثامن عشر، وعقيدة أو دين
(عبادة العقل) في آخر هذا القرن، ودين (عبادة المرأة) الذي ألّفه العالِم (العلماني)
(أوجست كومن) في أوائل القرن التاسع عشر. ثم هناك الأديان العلمانية المشهورة: كنظام (هيجل) الفلسفي، ثم نظريات (ماركس) التي أنجبت الشيوعية
والاشتراكيات المختلفة من مثالية إلى علمية، وأخيراً: فلسفات الغرب الكبرى في
القرنين التاسع عشر والعشرين؛ من الوضعية، إلى الليبرالية، إلى النزعة العلمية
وفلسفة العلوم، والنفعية (البراجماتية) ، إلى الوجودية، والظواهرية.
والدين الوضعي العلماني هو مذهب فكري يدعي أنه يحل محل الأديان الغابرة
في الغرب (كالنصرانية واليهودية) ، ويفسر كل جوانب الحياة بفعل مبادئ عامة
يرسيها، كما يوجه بفعل نفس المبادئ إلى سبل الحياة السعيدة. وهذه العقائد
العلمانية تشترك في رفض الوحي المنزل، بل ورفض وجود الإله ذاته، وتجعل
من الإنسان أو من المبادئ التي تبتدعها وحياً منزلاً لا يناقش ولا يُرد، وهي تتوسل
في دعاويها بادعاء أنها علمية الطابع والمنهج؛ نظراً للقداسة التي أصبح العلم
التجريبي يحظى بها باعتباره مصدراً للحق واليقين بديلاً عن الأديان الساقطة. غير
أن الأديان العلمانية ذاتها أخذت تتعرض للسقوط واحداً تلو الآخر؛ بفعل النقد الذي
وجّه لها من داخلها أو من خارجها.
ومع ذلك السقوط المتتالي للأديان العلمانية، نشأت مشكلة في مجمل الوضع
العلماني الذي أصبح محور وجود وفكر المجتمعات الغربية، ذلك لأن الأديان
الوضعية أصبحت تؤدي وظائف مهمة على مدى القرنين الماضيين داخل هذا
الوضع العلماني؛ فهى التي تزوده بالسند الفكري و (الروحي) إن جاز التعبير،
وترسم رؤيته للحياة، وتحدد الأهداف والمثل التي توضع للمجتمعات لتحقيقها، كما
أن هذه الأديان الوضعية هي التي تضمن للغرب إحساسه بالتفوق على الآخرين
بحكم امتلاك (الحق) و (العلم) و (اليقين) ، فضلاً عن أنها هي التي ضمنت للغرب
إضفاء غطاء فكري على حركة الاستعمار، ثم الاستعمار الجديد، ثم النظام
الرأسمالي الدولي، وأخيراً النظام العالمي الجديد، وكلها موجهة ضد ما يسمى
بالعالم الثالث، وهو في الحقيقة العالم الإسلامي، فالغرب وهو يحتل ويستغل
وينهب موارد العالم الإسلامي: يفعل ذلك تحت شعار هذه المبادئ والعقائد العلمانية
(النبيلة!) و (السامية!) ، والأهم من ذلك: أن الوضع العلماني المسيطر في
الغرب أدرك أنه لضمان استمرارية النهب والسيطرة فلابد من إلغاء الدين، الذي
يبعث في نفوس المحتلين الثورة والرفض، وإحلال المذاهب العلمانية نفسها محله
كأديان جديدة، تضمن أن الأجيال الناشئة والطبقات الحاكمة في ذلك (العالم الثالث)
ستكون تابعة للغرب؛ لأنها تشاركه أفكارها، بل وتعتبرها المنقذ الوحيد لها،
وتفرضها على شعوبها بالحديد والنار.
لهذه الوظائف الحيوية التي تلعبها المذاهب العلمانية داخل الغرب وخارجه في
ظل سيطرة الوضع العلماني: كان لابد كهدف اجتماعي حيوي من تجديدها كلما
شاخت، أو اختراع بديل كلما سقط دين منها، وأصبحت هذه المهمة ملحة في الربع
قرن الماضي بعد جلاء فشل الماركسية والليبرالية (وهي آخر الأديان الوضعية
الكبرى) وسيادة أفكار الشك والريبة والنسبية المطلقة ورفض الثوابت، في فترةِ ما
أصبح يعرف بعهد ما بعد الحداثة.
وفي هذا السياق العام بالضبط تأتي حركة (الفمنزم) النسوية العلمانية كدين
جديد، لكنه دين أخطر من الأديان الوضعية السابقة؛ فإذا كانت الماركسية مثلاً قد
حاولت إحداث صراع بين قلة وكثرة وعلى أرضية اقتصادية بحتة، فإن (الفمنزم)
تحدث انشقاقاً في وسط المجتمع، وعلى أسس شاملة تمس أدق جوانب حياة الإنسان؛ لتعيد صياغتها وفق النهج العلماني الراسخ في الغرب.
ولكن: ما المبادئ العامة التي تطرحها الحركة النسوية العلمانية وتجعلها محل
الدين، والتي تتستر وراء كل هذه المظاهرات الصاخبة من مؤتمرات، وضجيج
إعلامي، وسياسات تنفذ بالقوة وبخاصة في المجتمعات المسلمة؟ .
إنها ليست مجرد المطالبة بحقوق للمرأة أيّاً كانت، وأيّاً بلغت درجتها من
المعقولية، أو الشطط، بل هي الدعوة إلى تغيير شامل وجذري، وقلب لكل
المفاهيم بدون استثناء التي ظلت البشرية تنظر بها إلى المرأة، وبخاصة المفاهيم
الدينية، فبالاستناد إلى شذرات مقتطفة من الماركسية والليبرالية وعلوم
الأنثروبولوجيا، تعمد (الفمنزم) إلى تصوير التاريخ البشري وكأنه دراما كبرى قام
فيها الرجال ومنذ عهد مبكر بقلب الأوضاع التي كانت المرأة فيها صاحبة السيادة
والطّوْل (المجتمع (النسوي) ، ليقيموا محلها المجتمع (الرجالي) الذي تبشر
(الفمنزم) بسقوطه، لكن المستهدف ليس مجرد عكس للأوضاع بشكل مبسط ليعود
للنساء الحكم والسيطرة، ويرجع الرجال إلى عهد العبودية القديمة المزعوم.
إن المطلوب عبر سلسلة طويلة من الخطط والإجراءات: هو إلغاء الجنس
ذاته، أي: جنس الرجال والنساء معاً، بكل ما ينطوي عليه من مفاهيم و (أدوار)
ثابتة تكرسها الأديان المنزلة، وإحلال الجنس بمفهوم (النوع) ، الذي يعني: أن
يكون المخلوق البشري مادة خاماً محايدة تخلو من الملامح والقسمات التي درجت
البشرية على التمييز من خلالها بين النساء والرجال كجنسين مختلفين لكل منهما
أوضاع وأدوار محددة، يقوم بها داخل المجتمع والأسرة، وتدور حول تحليل
مفاهيم (العلمانية) .
ولا يوجد مانع داخل إطار هذا المفهوم الجديد، أن يقوم أفراد هذا النوع
المحايد العام ولفترات محدودة فقط بانتحال بعض الأدوار التي كانت في (الماضي
الغابر) تنسب للرجال أو النساء، شريطة أن يقوم الرجال بأداء أدوار النساء
التقليدية والعكس، ومن المهم هنا أن نذكر أن هذا المفهوم الذي تروج له (الفمنزم)
يمثل في الوقت نفسه الأساس (الفكري) لحركات الشذوذ الجنسي التي أصبحت في
السنوات الأخيرة ذات نفوذ واسع في دوائر الثقافة والإعلام والمجتمع بل والسياسة
في الدول الغربية، والتي لن تصبح (شاذة) بعد تطبيق مفهوم (النوع المحايد) ، بل
ستصبح هي أكثر الأوضاع طبيعية واعتيادية.
هذا هو الهدف العام وراء غابة النشاطات والمؤتمرات التي تخلقها الحركة
النسوية العلمانية من خلال مؤسساتها الدولية والمحلية، إنه الغاية الكبرى وراء كل
الشعارات التي يجري عليها الإلحاح بشكل محموم حول (تمكين المرأة) ، وإكسابها
النفوذ الاقتصادي والسياسي، و (إلغاء التقاليد) المعوقة لتقدمها، ونشر (التعليم)
الجنسي، وإدماج كل أشكال الانحراف (من الزنا إلى الشذوذ) لتصبح أوضاعاً
طبيعية.
نحن إذن أمام حركة تسعى إلى إلغاء جنس المرأة نفسه، وكل ذلك تحت شعار
الدفاع عن المرأة وضمان تقدمها، لكنه التقدم الذي يؤدي إلى إلغاء الجنس ذاته مع
جنس الرجال، ولكن، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا أصبحت هذه الحركة عالمية
الطابع؟ ولماذا أصبح لمؤتمر بكين كل هؤلاء المدافعين والأنصار في عالمنا
الإسلامي؟ !
الإجابة على السؤال الأول هي: إن هذه الحركة تسد فراغاً عقديّاً في مجتمع
وصل به الخواء حد اعتبار الحملة ضد التدخين بمثابة أهم الأعمال الأخلاقية، كما
أنها حركة تضمن لذلك المجتمع (الغربي) إسقاط ذاته وبسطها على المجتمعات
التابعة (الإسلامية والنامية) .
أما الإجابة على السؤال الثاني فهي في نوعية الجهات التي تحتضن هذه
الحركة في عالمنا العربي الإسلامي، إنها النخب العلمانية ذات الهيمنة على
مجريات شؤون مجتمعاتنا، وهي، وإن كانت محدودة العدد، إلا أن سيطرتها على
مفاتيح مؤسسات الإعلام والتعليم والثقافة بل والسياسة تعطي لها نفوذاً يفوق حجمها
بكثير.
ونعود إلى مؤتمر بكين، وهو كما قلنا التتويج العملي لحركة (الفمنزم) ، أو
كما صرح عضو مجلس الشيوخ الأمريكي البارز السناتور (هيلمز) في ٢٧ يوليو
الماضي من أن المؤتمر: تديره وتحدد أفكاره جماعة محدودة من النساء اليساريات
(وهذا اللفظ من الاصطلاح الأمريكي يتضمن معاني العلمانية الملحدة) اللواتي يعملن
لهدم قيم الأسرة وسائر التعاليم الأخلاقية.
لقد اتخذ مسار تبرير توصيات ووثائق وبرامج هذا المؤتمر في العالم
الإسلامي خطين أساسيين:
الخط الأول: بناه أنصار الحركة النسوية العلمانية ممن هم في مواقع السلطة
الرسمية، أو الناطقين باسمها (كبعض المفتين الرسميين) ، وقد اعتمد هذا الخط
على تجاهل كل مخططات المؤتمر والتركيز في الدعاية الإعلامية على رسالة غير
معقدة تقول: إن هذا المؤتمر يبحث في حقوق المرأة؛ وإن الإسلام يحض على
حقوق المرأة؛ لذا: فإن المشاركة في المؤتمر وتبني توصياته وسياساته في هذا
الإطار عمل لا غبار عليه إن لم يكن من صميم الإسلام (!) ، لكن أصحاب هذا
الخط يتجاهلون أن حقوق المرأة في الإسلام غير حقوق المرأة التي تدعو إليها
الحركة الواقفة وراء مؤتمر بكين، فليس من هذه الحقوق حق الزنا، والحمل
السفاح، والشذوذ، وهي حقوق رتبها هؤلاء في زعمهم كعلامات للتقدم، وليس من
حقوق المرأة في الإسلام أن ترفض الدين بحجة أنه متخلف ومعادٍ للمرأة لمجرد أن
اليساريات الأمريكيات يقلن ذلك، ثم إن حقوق المرأة في الإسلام تقترن بواجبات
معينة أهدرها أصحاب مؤتمر بكين: كواجبات الأمومة، ورعاية الأسرة.. وحقوق
المرأة في الإسلام تؤخذ وتمارس في سياق الإيمان المشترك، وفي سياق الأمة
الواحدة المتكاتفة، أما الحقوق المزعومة التي يرتبها مؤتمر بكين: فتدار من خلال
عملية حادة تشق صفوف المجتمع، ولا تؤخذ إلا على جثة حقوق الرجال، أو حتى
وجودهم كجنس متميز، وهي تمارس في سياق مجتمع يعادي الإيمان بالله وينشيء
دعائم الإلحاد تحت شعارات العلمانية.. ليس الأمر إذن سوى حركة خداع ساذجة!!.
أما الخط الثاني الأساس الذي يتخذه مسار تبرير توصيات المؤتمر فهو لا
يخلو كذلك من الخداع، ويمثل هذا الخط الدوائر العلمانية التي لا ترتبط مباشرة
بالسلطة مما قد يكون عاملاً يفرض عليها حرجاً في التعبير عن التوجهات والآراء
والمشاعر. يقوم هذا الخط على أن قرارات مؤتمر بكين هي في حقيقتها مواصلة
لحركة تحرير المرأة، وأن الإسلام يدعو لتحرير المرأة، فالمؤتمر على هذا الوجه
يحقق هدف الإسلام، ولكن الإسلام (التقدمي العلماني) ، وليس الإسلام (الرجعي)
(الظلامي) في زعمهم الذي يسود الدنيا الآن! ! .
إن الإسلام حرر المرأة كما حرر الرجل من الجاهلية والضلال، ولكن أنصار
مؤتمر بكين يريدون تحرير المرأة من الإسلام نفسه، أو من الإيمان به وقيمه
وتعاليمه وشريعته، وشتان ما بين النوعين من التحرير. وتحرير المرأة الإسلامي
يتم في إطار شامل لكل المجتمع، لكن تحرير مؤتمر بكين يتم على أشلاء المجتمع
وبعد صراع مرير يتم فيه إلغاء جنس الرجال، ثم جنس النساء نفسه، وصولاً إلى
(النوع) البشري الذي يصلح لكل أدوار الأجناس: الخشن، والناعم، والثالث، إنه
تحرير يتم عبر التدمير، وليس تحريراً يتم عبر البناء والتعمير؛ تدمير الأسرة،
وتدمير كل القيم الإنسانية، بحجة أنها كانت مجرد مواضعات نسبية زال أوانها منذ
عصور سحيقة.
هذه هي المحاور التي يدور حولها تبرير قرارات مؤتمر بكين، والترويج لها، والدفاع عنها، وهي محاور كما رأينا تعتمد أساساً على تجاهل الأبعاد الحقيقية
لهذا المؤتمر، كما لاحظناها فيما سبق، وتصور نتائجه في إطار محدود ومستأنس
فيما يبدو كمجرد دفاع عن حقوق للمرأة وتحرير لها من أوضاع ظالمة، لكن أحداً لا
يخوض جهلاً أو خبثاً في حقيقة الحركة النسوية العلمانية التي توجت جهودها
بمؤتمر بكين.
لكن ما يهمنا حقيقة من المؤتمر: أن القرارات والتوصيات التي تصدر عنه
وعن أمثاله من المؤتمرات تتحول على الفور إلى أوامر وسياسات، تلتزم جميع
الأجهزة الحكومية وغير الحكومية في البلدان الإسلامية بتنفيذها، وكأن هناك
حكومة عالمية تقوم على هذه التوصيات، ولا تهدأ حتى تراها مطبقة على واقع
الحياة. وإذا كانت المظاهر الواضحة لهذه الحكومة العالمية تتمثل في الأمم المتحدة
ووكالاتها في أخطبوط الإعلام الدولي الممتد والمسيطر بأقماره الصناعية، وفي
شبكة ما يسمى المعونات الأجنبية، التي هي أداة التدخل والتأثير في الدول
الإسلامية في العصر الحديث.. فإن هناك مظاهر أخرى غير واضحة لهذه الحكومة
العالمية أو ما يسمى بالنظام الدولي الجديد أبرزها على الساحة الإسلامية العربية:
تلك التجمعات للنخب العلمانية في أندية ومحافل ومنابر وروابط يطلق عليها الآن
وصف (المنظمات غير الحكومية) : وتزعم النشاط في مجالات حقوق الإنسان،
والبحث العلمي والفكري، والخدمات الاجتماعية، وبالطبع حقوق الإنسان وأوضاع
المرأة، وعلى الرغم من وصف (غير الحكومية) الملحق بهذه التجمعات إلا أنها في
الواقع تمارس نفوذاً قويّاً على الحكومات المحلية بمستوياتها المختلفة من أعلى إلى
أسفل، بل إنها تمارس نفوذاً يفوق نفوذ هذه الحكومات، وذلك بفضل اندماجها في
الشبكة العالمية لهذه المنظمات، وبالفعل: فقد أصبحت هذه (المنظمات غير
الحكومية) الذراع الأساس للحكومة العالمية في فرض وإعمال كل السياسات
الموضوعة في مؤتمرات المرأة والسكان، وآخرها مؤتمر بكين، وقبله مؤتمر
القاهرة، إن هذه المنظمات التي تضم نخباً نسوية علمانية منعزلة عن مجتمعاتها
الإسلامية أصبحت تستمد قوة كبيرة بفضل الدعم المالي والمعنوي الذي تتلقاه من
شبكاتها الخارجية، بل إنها أصبحت أكثر ارتباطاً بالوضع العلماني الغربي من
ارتباطها أو حتى صلتها بمجتمعاتها المحلية، وتحولت إلى مجرد فروع للحركة
العالمية للمنظمات غير الحكومية العاملة في مجالي المرأة والسكان.
إن المنظمات غير الحكومية المنعزلة عن مجتمعاتها، والتي لا توجد لها
جذور في أرض المجتمعات الإسلامية تمارس نفوذاً لا تناسب بينه وبين الحجم
الحقيقي لأفرادها ووزنهم الفكري، ويعود ذلك إلى الاندماج في النظام الدولي الجديد
والارتباط به لأداء دور الفروع من خلال شتى أنواع الدعم، كما يعود إلى
الالتصاق بالسلطات السياسية والتنفيذية القائمة من خلال اختراقها والنفاذ إلى القمة
فيها ولا سيما زوجات الرؤساء ذوات الميول المتغربة.
إذن: نحن نواجَه حقيقةً، ليس بحركة فكرية (في مجال (الفمنزم) أو الحركة
النسوية العلمانية) تسعى إلى نشر أفكارها بوسائل الإقناع والحجة وما أشبه ذلك،
بل بحركة تآمرية الطابع تتوسل إلى أغراضها بأسلوب التآمر الخفي، وإجبار
المجتمعات الإسلامية على تنفيذ وإطاعة سياسات لا توجد لها أية جذور في الأرضية
الإسلامية.
وهكذا.. فرغم أننا نبدو بعيدين عن مؤتمر بكين وأمثاله والقرارات الصادرة
عنه، ورغم أننا نبدو بعيدين عن شطحات أفكار ومبادئ (الفمنزم) ، إلا إننا نجد ولا
أقول نفاجأ بأن هذه الأفكار تطبق في بلادنا الإسلامية كسياسات فعلية تنفذ بقوة
القانون دون أن يكون قد سبق حتى التبشير بها، أو كسبت الأنصار لها، واللجوء
إلى هذا الأسلوب المشبوه في الفرض والإجبار يدل على أن مروجي هذه الأفكار
والسياسات واثقون من أنه لو طرحت على حقيقتها فإنها لن تجد أي صدى مهما
كانت درجة لمعان الشعارات التي تحيط بها.
هذا هو الأسلوب الذي تُفرض به علينا مخططات نرفضها، ونقدم الحجة
ضدها، ونقول: إنها تخالف عقيدتنا وتاريخنا وتراثنا وشريعتنا، لكننا مع ذلك
نجدها مطبقة ومنفذة بشكل يبدو سحري الطابع، لكنه يعود في الحقيقة إلى أسلوب
التآمر غير الشريف الذي ألمحنا فيما سبق إلى بعض جوانبه وآلياته.
هذه هي الحقائق وراء كل الضجيج والصخب والبريق الذي أحاط بمؤتمر
بكين.
стр. 2056
متابعات
وجهة نظر
حول اكتشاف الطاقات الكامنة
بقلم:نبيل بن جعفر الفيصل
هذه تلبية للدعوة المقدمة في العدد (٩٠) بعنوان (دعوة إلى اكتشاف الطاقات
الكامنة) :
إن بداية الحل هو معرفة المشكلة، وما هي أسبابها وأعراضها وآثارها
الجانبية، وكما ذكر صاحب المقال: فإن المشكلة تتلخص بنقص كبير في الكوادر
العلمية والعملية في ساحة العمل الإسلامي المعاصر، والتي نتج عنها:
١- عدم صلاحية بعض الأشخاص في المكان الذي يشغلونه، وذلك للحاجة
الشديدة التي تستدعي أي شخص لشغل هذه الأماكن الشاغرة.
٢- إنتاجية عدد كبير من الدعاة تصبح دون المستوى المطلوب، نظراً
لوجودهم في غير الأماكن المناسبة لقدراتهم.
لكن المشكلة في الواقع أكثر من ذلك بكثير، وذلك لغياب التخطيط
الاستراتيجي (الإحكامي) في النموذج التربوي الدعوي، فغياب تحديد النتائج
المرجوة تحدث هذه الفجوة، ونلمس سلبياتها في واقعنا، وأقول: خير لنا أن نبدأ
متأخرين بدلاً من عدمه) ويكون استدراك هذه المشكلة بالتالي:
أولاً: على جميع الدعاة والمصلحين توسيع دائرة ثقافتهم العلمية والعملية
بكثرة الاطلاع على المستجدات من علوم وأحداث، خاصة العلوم الإدارية التي لا
غنى عنها للمدير أو الطبيب أو المهندس على السواء، والتي من خلالها تكون نقطة
الانطلاق.
ثانياً: إن تعلم التخطيط ومراحله هو منهج واضح يسير عليه المخططون
بجميع مستوياتهم، وعلى اختلاف مواقعهم في المجتمع، فعلى الدعاة خاصة بعد
معرفة هذه المشكلة: التخطيط المسبق في تحديد أولوياتهم والتنبؤ بالظروف البيئية
(الخارجية والداخلية) المحيطة بأهدافهم وخططهم، وجمع المعلومات والبيانات
المتعلقة بتلك الخطط، والاستفادة من تجارب وأبحاث الآخرين، من أجل تكوين
قاعدة متينة يتم من خلالها استغلال الكوادر المتاحة على اختلاف مستوياتها. وكذلك
تحديد خطط بديلة متناسقة تكون مرنة بقدر كافٍ لمواجهة الظروف المتغيرة بحيث
تكون قابلة للتعديل، ومن ثم: الاستمرارية وتصحيح المسار دون تأثير كبير على
فعالية الخطة الأم.
ثالثاً: التركيز الدعوي وتدريب الأشخاص الذين يشغلون الأماكن (لشغرها
وليس لكفاءتهم) وذلك للارتقاء بمستواهم وزيادة إنتاجيتهم واستغلال طاقاتهم
القصوى، وذلك من خلال التدريب المباشر (على رأس العمل) أو غير المباشر؛
كتزويدهم بالرسائل التثقيفية المتخصصة لصقل مواهبهم وتكييفها بحسب الأماكن
التي يشغلونها.
رابعاً: حتى لو أننا أوجدنا مديرين جيدين يشغلون هذه الأماكن، إلا إننا
لازلنا بحاجة للقياديين الذين سيوجهون هؤلاء المديرين، لذا: فإيجاد قيادي واحد
ينسق (يشرف) أو يوجه مجموعة من هؤلاء الأشخاص وهكذا مع مجموعة أخرى
وأخرى: سيكون له الأثر الكبير في تمكين الأفراد الحاليين من القيام بالمهام
المطلوبة، ولو بنسبة جدارة لا تزيد عن ٧٠%.
خامساً: يجب العمل على استقطاب ذوي الخبرات والقدرات المطلوبة
وتوظيفهم في صالح العمل الإسلامي؛ فالكثير من المسلمين لديهم النزعة والغيرة
على الدين ولكنها بحاجة لمن يوقد فتيلها، ولا أرى مانعاً من استغلال تلك الطاقات، ولو بصورة غير مباشرة أو حتى كعمل جزئي، وذلك بدعوتهم للمشاركة في هذا
الإطار.
سادساً: أحد الحلول هو: تجزئة العمل التخصصي، بحيث يقوم بالمهمة
المطلوبة أكثر من فرد غير متخصص، بمجموعهم يشكلون الشخص المطلوب،
صحيح أن هذا الحل له مساوئه، وهو الإكثار من العمالة، وبالتالي المصاريف،
ولكن محاسنه ستفوق مساوئه خاصة على المدى البعيد، بحيث يمكن (تدوير) أو
إحلال الفرد مكان الآخر لفترة كافية لاستيعاب المهام الجديدة المطلوبة منه والانتقال
لمهمة أخرى، وهكذا حتى يصبح لدينا العديد من المتخصصين.
стр. 2057
منتدى القراء
الهوى وخطره
بقلم:عبد الله بن محمد السويلم
إن من أخطر ما يصاب به العقل البشري لوثة الهوى وعدم التجرد، فَتُحكّمَ
العاطفة وتهب العاصفة حتى تختل الموازين وتنعدم الرؤية، ولقد حذر ربنا الكريم
المنان من الهوى، وبين خطره الذي قد يصل إلى حد العبودية [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إلَهَهُ هَوَاهُ] [الجاثية: ٢٣] ، وقد أثر عن أحد السلف أنه قال: (والله الذي لا إله
غيره، ما تحت أديم السماء أخطر من هوى متبع) ، وقال أبو الدرداء (رضي الله
عنه) : (إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعلمه وعمله، فإن كان عمله تبعاً لهواه
فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعاً لعلمه فيومه يوم صالح) ، وكثيراً ما تظهر
الأهواء عند هبوب رياح الفتن فيأخذ العقل إجازة، وتُبعد مقاييس الشرع إلا من
رحم ربك، ولذا: سمى علماء السلف هؤلاء الذين يندفعون وراء العواطف بدون
مقياس من نقل أو عقل: أهل الأهواء.
ولخطورة الهوى على العقل البشري والعلم الشرعي جاءت النصوص من
الوحيين ببيان ذلك؛ قال الله (تعالى) : [فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ
أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ
الظَّالِمِينَ] [القصص: ٥٠] .
ومن الملحوظ اقتران الضلال باتباع الهوى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ] [الجاثية: ٢٣] ، وفي الآية السابقة: [وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ
اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ] ، ولذا: فمن أعظم مطالب المؤمنين الهداية إلى
صراط الذين أنعم الله عليهم، والنجاة من طريق المغضوب عليهم المتبعين لأهوائهم
والضالين عن الحق.
سئل أحد الحكماء عن الهوى، فقال: هوانٌ سُرقت نونه. فأخذ ذلك شاعر
فصاغه بقوله:
نون الهَوَانِ من الهوى مَسْرُوقة ... فإذا هَوَيْتَ فقد لقيت هَوَانا
ويقول سهل بن عبد الله التستري: (هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك) .
وقال وهب: (إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما، فانظر أبعدهما من
هواك فأته) .
ما أحوج المسلم الداعية في هذا الزمن إلى التجرد من الهوى، والاحتكام إلى
ميزان الكتاب والسنة؛ ففيهما الهدى والنور، والفلاح والسعادة، وأن يتسلح بسلاح
الإيمان والعلم، مبتعداً عن الهوى والتعصب، متمثلاً بهذه الأبيات لابن القيم (رحمه
الله تعالى) :
وتَعَرّ مِنْ ثَوْبَينِ مَنْ يَلْبَسْهُما ... يَلقَ الرّدَى بِمذَلّة وهَوانِ
ثَوبٌ مِنَ الجهلِ المرَكّبِ فَوْقَهُ ... ثَوبُ التّعَصبِ بئستْ الثَوبَانِ
وتَحلّ بِالإنْصَافِ أفخرَ حُلّةٍ ... زِينَت بها الأعْطَافُ والكَتِفَانِ
стр. 2058
مقال
ركائز في القراءة
صالح بن محمد الأسمري
القراءة فن سامق، ومركب ذلول لمريد المعرفة، إلا أن جمهرة من المثقفين
بله غيرهم افتأتوا عن ركائز تحكُمُه، وثوابت تضبطه، حتى أصبح مُنْتَجَعاً قليل
الكلأ، والِجُهُ لصيق الهُزَال العلمي!
لذا: فهذا رسم لشيء من تلك الركائز، بُغْيَة الإصلاح.
الركيزة الأولى: أن الإيغال في بطون الكتب، والإمعان في فهم مقاصد
أصحابها، معقودة زمائمه بالبِنْية العلمية للناظر قوةً وضعفاً، وهي مُحَصّلة التّلقي
عن الأشياخ، أو ما هو آيب إليه، ومن ثم: نسطيع (تفسير) إفادة شخص من
كتاب أكثر من آخر، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي ﵀ في (موافقاته) :
(وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان:
* أحدهما: المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما، ...
* الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين، ومدوني الدواوين. وهو أيضاً
نافع في بابه بشرطين:
الشرط الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ومعرفة
اصطلاحات أهله: ما يتم له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول من
مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه؛ وهو معنى قول من قال: (كان العلم في
صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحه بأيدي الرجال) .
والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئاً، دون فتح العلماء، وهو مشاهد
معتاد.
الشرط الثاني: أن يتحرّى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد؛ فإنهم أقعد به
من غيرهم من المتأخرين) [١] .
لذا: نجد العلماء والعارفين يحثون المتعلم على تلقف العلوم من أفواه ذوي
الذّكر، حتى تتكون عنده النواة العلمية المطلوبة، والحصانة المانعة من ولوج حُثالة
الأفكار، وزُبالة الأسفار، إلى مسارب النفس، بل إذا وردت عليه ردّها حرسُ
العلم وجيشه مغلولة مغلوبة [٢] .
الركيزة الثانية: مما لا ريب فيه أن الأسلاف الأول أرسخ في العلم قدماً،
وأَسَدّ فهماً ممن أتى بعدهم، هذا في العلوم المشتركة بين السابق واللاحق، وأصل
ذلك: التجربة والخبر.
أما التجربة، فهو أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ
في علمٍ ما ما بلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري، فأعمال
المتقدمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في
التحقيق أقعد، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون
ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم رأى العجب في هذا
المعنى.
وأما الخبر، ففي الحديث: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
يلونهم) ، وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك [٣] .
فابقِ الأولوية لكتب الأوائل الأقدمين؛ قراءةً وفهماً وحفظاً، ولا يُغْتَر بما
يُرى للمتأخرين من كثرة كلام في كراريسهم ومكتوبهم؛ حيث فتن كثير من
المتأخرين بهذا، فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين، فهو
أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض.
وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم؛ كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن
مسعود وزيد بن ثابت، كيف كانوا؟ ، كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم
منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك
تابعو التابعين: كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم، فليس العلم
بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة
للمقاصد [٤] .
ومع هذا التفضيل الإجمالي للأولين فإن الثّقِف مَن يُفِيد من رُقُم الآخِرين، في
توضيح مسألة، وإلحاق فرع بأصل، ونحوهما.
الركيزة الثالثة: إن فَلْي الكتب، وتأرّض مكانها؛ جادةٌ مطروقةٌ، لكن بقصد
تحقيق البصيرة عند العمل، ومعرفة السبيل الأقوم عند الواقعة، لأن العامل (لا
يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه) [٥] .
فالنظر الجالب للعمل المفيد هو العلم النافع؛ لأن العلم الحق (هو العلم الباعث
على العمل) [٦] ، (والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به،
ففاته لذات الدنيا، وخيرات الآخرة، فقَدِمَ مفلساً مع قوة الحجة عليه!) [٧] .
هذا، والله الموفق والمعين.
стр. 2059
الورقة الأخيرة
تهافت الفراش ! ! !
بقلم:جمال الحوشبي
تشتد الفتن عندما تشتد الغربة.. ومع اشتدادهما يمحّص الله الذين آمنوا
ويمحق الكافرين، كما يحذر المؤمنين من الوقوع في الفتن عند اضطرامها، وترى
الذين في قلوبهم مرض يتقاذفون فيها تقاذف الفراش! .
إن المؤمنين الصادقين ليخرجون من الفتنة أنقى من الذهب الأحمر، وتتفحم
بالسواد وجوه (الجاهلين) بعد أن تطيش عقولهم.. فلا يكادون يخرجون منها إلا
قليلا! .
ولذا: كان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: (إياكم والفتن، لا
يشخص إليها أحد، فوالله ما شَخَص فيها أحد إلا نسفته، كما ينسف السيل الدّمن) ،
قال ﷺ مصوراً حال الفتن حين تتراكم على القلوب: (تُعرض
الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء،
وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل
الصفا؛ فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض، والآخر مُربادًّاً؛ كالكوز مجَخّياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه) [*] .
كم من جاهل تزينت له الفتنة بلبوسها.. فهو واقع فيها، ولا يعلم أنه مفتون!!.
وكم من سليم أنار الله بصيرته، فأبصر زيف ردائها.. فهو يخاف على نفسه
من الوقوع فيها! .. وبين الفريقين سور له باب.
لله در الصابرين حين يراد بهم أن يفتنوا في دينهم.. إنهم يخرجون من الفتنة
أصلب عوداً، وأشرح صدوراً، وأطيب ريحاً، وأعلى رأساً.. كم يخلد بين الناس
ذكرهم، وكم تُرفع عند الله درجاتهم، وتبيض صفحاتهم لتنير الطريق لمن بعدهم!!.
أما أولئك المفتونون ... فإن التاريخ ينساهم على مدار أحداثه ورجالاته،
لأنهم أصغر من أن يتكلف مداده إظهار ذكرهم! ! .
وليس للصادقين لسان حين يبصرون تهافت (الفراش) على الفتنة بلبوسها
الزائف مغرورين بتزيينها للباطل إلا ما كان أبو قتادة ﵀ يردده بعد انكشاف
الفتن وانبلاج الحق وذهاب الباطل: (لقد رأينا والله أقواماً يسرعون إلى الفتن
وينزعون فيها، وأمسك أقوام عن ذلك هيبة لله ومخافة منه، فلما انكشفت إذا الذين
أمسكوا أطيب نفساً، وأثلج صدوراً، وأخف ظهوراً من الذين أسرعوا إليها
وينزعون فيها، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها، وايم الله! لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذ أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيل
من الناس كثير) .
стр. 2060
جمادى الآخرة - ١٤١٦هـ
نوفمبر - ١٩٩٥م
(السنة: ١٠)
стр. 2061
كلمة صغيرة
هذا هو الحل
في كل دول العالم للإعلام رسالة في التوعية والبناء، وله كذلك خطوط
حمراء لا يتجاوزها، يعرفها رجال الإعلام ربما حفاظاً على منجزات وضعية
ابتكرها البشر بضعفهم ونقصهم غير أنه بدعوى الحرية المزعومة قد تتعرض
المسلمات الشرعية وربما (الذات الإلهية) للسخرية؛ كما حصل على سبيل المثال
مؤخراً في (كاريكاتير) في إحدى الصحف الخليجية.. وهذه الخطيئة في نظرنا
حلقة من سلسلة طويلة تتكشف معالمها يوماً بعد يوم، وهي تعني أمرين:
١- إما أن تلك الصحف تسيرها «شلل» مشبوهة لارقيب عليها والمسؤول
آخر من يعلم.
٢- وإما أنهم جميعاً مستهترون بقيم الأمة ومسلماتها، ومن أمن العقوبة أساء
الأدب.
إن موقفاً خطيراً كهذا لايكفي فيه نقد في زاوية من صحيفة أو مجلة، أو حتى
الفصل للمجترئ، وجعله كبش فداء، بل لابد من عقاب صارم لكل من خطه وأقره
ليكون في ذلك كل العبرة لمن يعتبر، وما زلنا نقول: إن العلمانية منهاج يبدأ
بفصل الدين عن الحياة وينتهي بمثل تلك التوجهات التي لاتقيم لكل مقدس قيمة.
لقد قرر علماء الإسلام أن عقوبة من سب الإله أو الرسل هو القتل، كما بسط
ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في (الصارم المسلول على شاتم الرسول) فحينما يطبق
ذلك الحكم هل يجترئ زنديق أو ملحد بشيء من ذلك..؟ !
стр. 2062
افتتاحية العدد
ديموقراطية الجزائر.. إلى أين..؟
هل ستعود الديموقراطية حقّاً إلى الجزائر بعد عودة الانتخابات الرئاسية
المزمع إقامتها قريباً ... ؟ !
وهل ستخرج الجزائر من المأزق الكبير الذي تمرّ به ... ؟ !
أم إنها فصل جديد من فصول المسرحية، وانتخابات صورية تهدف إلى
إضفاء ما يسمى بـ «الشرعية الدستورية» ! على النظام العسكري الانقلابي،
وتقلل من حرج الأنظمة التي لا تخفي تعاطفها، بل ودعمها ومساندتها
للعسكريين..؟ !
لقد وئدت الديموقراطية (المزعومة) خوفاً على الديموقراطية كما يقولون،
وصودر خيار الشعب، وسحقت كلمته تحت جنازير الدبابات وأقدام العسكر،
وامتلأت السجون والمعتقلات حتى ضاقت برجالها، ودخلت الجزائر في دوامة من
الصراعات والاضطرابات، ثمرتها آلاف القتلى والجرحى.. وما زالت البلاد
مهيأة لمزيد من الفوضى والعبث.
والعجيب أنّ وسائل الإعلام الغربية فضلاً عن العربية تنحي باللائمة كلها
على من يسمونهم بـ (الأصوليين والمتطرفين) ، ولاتتحدث إلا عن التفجيرات
وقتل الرعايا الأجانب، ولا تلقي بالاً للتطرف والإرهاب الرسمي الذي يفتك بكل
وحشية وعنف ولا يرقب في مؤمن إلاّ ولا ذمّة.
وبعد هذا كله: ها هو ذا الشعار يعود ثانية تحت عنوان الديموقراطية
أيضاً ... ! !
ثم تتسابق القنوات الإعلامية ودهاقنة الصحافة العربية المهترئة إلى التطبيل
والتزمير، فقد عادت المياه إلى مجاريها، ورجع الحق إلى نصابه بعد أن قتل من
الأصوليين أعداء الديموقراطية من قتل، وسجن منهم من سجن، وعادت الجزائر
تبني طريقها إلى الحرية والمشاركة الشعبية، حتى زعم أحدهم: أنّ عيد
الديموقراطية أشرق من جديد بعد أن استجاب العسكريون لنداء العقل والمنطق..!
ربما يكون ذلك صحيحاً، فقد علمتنا الأنظمة العسكرية والأحزاب العلمانية أن
للديموقراطية معنى آخر يتقلب بتغير الأحوال.. بل يجب أن يكون ذلك صحيحاً..
وإلا فأوصاف التطرف والإرهاب والأصولية، معدة سلفاً..!
والشعوب المستغفلة، المغلوبة على أمرها، المثقلة بهمومها وجراحاتها،
مستعدة أومضطرة للتصديق، بل والتصفيق، شاءت أم أبت، فماذا تستطيع أن
تفعل بعد أن صودرت عقولها كما صودرت كلمتها..؟ ! وماذا تملك أمام ذلك
الاستبداد العسكري والحصار الاقتصادي والإعلامي..؟ !
إنّ سقوط الديموقراطية في الجزائر ليست تجربة محلية فحسب، بل إنها
أنموذج صارخ لفشل جميع الديموقراطيات الزائفة المهلهلة، التي تستنبت في أرض
سبخة، تحت مظلة الاستبداد العسكري، ورعاية الديكتاتوريات العنترية، التي
تجيد بكل جدارة واقتدار فن التلفيق والتزوير، والفارق البارز الذي يميز
ديموقراطية الجزائر أنها سقطت بشكل مفاجئ أذهلهم وأفقدهم اتزانهم وكشف الأقنعة
عن وجوههم الكالحة، وتبع ذلك ضجيج وصخب هائل..! وبهذا السقوط سقطت
مسلمات كثيرة كانت تلقن للشعوب صباحاً ومساءً ... !
لقد علمتنا أحداث الجزائر المتتالية أنّ الغرب يتعامل مع المسلمين خاصة
بطريقة متميزة لا نظير لها، والعقلية الاستعمارية (الميكيافيلية!) مازالت هي التي
تحكم علاقاته بدول المنطقة الإسلامية، والغرب يدور مع مصالحه حيث دارت،
والشعارات الجميلة البراقة (الديموقراطية.. الحرية.. حقوق الإنسان..) تحظى
بعناية فائقة ما دامت تخدم مصالحهم الاستراتيجية، أما إذا تعارضت معها: فهي
شعارات جوفاء، مفرغة من أي معنى نبيل، والشعوب الإسلامية (البربرية
المتخلفة! !) لاتستحق كل هذا التكريم. وصدق المولى الحق ﵎ :
[وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] .
وما أحداث الجزائر إلا حلقة واحدة ضمن سلسلة طويلة تنتظم فيها معظم
القضايا الإسلامية: (فلسطين.. أفغانستان ... البوسنة والهرسك ... الشيشان ...
كشمير..) وتبرز فيها بوضوح المنهجية الغربية النفعية، التي تعتمد على سياسة
التطفيف والكيل بمكيالين.. بل السرقة المكشوفة والخداع الواضح..! !
لقد علمتنا أحداث الجزائر أن الهياكل العلمانية النخرة التي صنعها الغرب على
عينة أشدّ خطراً علينا من الكفار الأصليين؛ لأنها لاتملك أي مقوم من مقومات البقاء، ولا تقوى على مواجهة الحقائق.. ولذا: فهي تتكئ بعجز ومهانة على أسيادها،
وتركع تحت أقدامهم تلتمس القوة والتمكين، وقد وصفهم الله (تعالى) بقوله: [وَإذَا
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ
صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] [المنافقون: ٤] .
ولقدعلمتنا أحداث الجزائر أن النفاق السياسي ليس له حدود؛ فهناك من يدعي
أن الانتخابات الرئاسية سيكون لها مردود إيجابي على الأوضاع، وبالتالي:
المساهمة في حل الأزمة، والسؤال البدهي هو: ما هو الفرق بالنسبة للشعب
الجزائري بين زروال رئيساً معيناً من قبل الزمره الحاكمة أو رئيساً منتخباً من
خلال انتخابات مسرحية تقوم فيها النخبة نفسها بالإنتاج والإخراج بالاشتراك مع
الجامعة العربية، بل إن الرئيس المعين يخاطب الشعب ويطلب منه ممارسة حقه
في الانتخاب لإحساسه بعدم ثقة الشعب به، لذا يعد الناس بتحقيق رغباتهم،
والواقع يشهد أن الحرية الوحيدة التي يتمتع بها الشعب هي في الواقع حرية اختيار
الرئيس الذي تبناه حماة الشعب والدستور! أما ما عدا ذلك فلا وألف لا.
ولقد علمتنا أحداث الجزائر أن هناك شعاراً جديداً يرفعه النظام المستبد وهو
(نحن أو الدمار) أي: إما بقاء النظام وما يلزم منه: من الحكم بغير ما أنزل الله
ومن ممارسة مختلف المظالم، أو إدخال البلد في حالة من الاضطراب السياسي
والأمني تدمر فيه البلاد كل مقدراتها ويذل فيه العباد حتى يتمنى الناس العودة إلى ما
كانوا عليه.
لقد علمتنا الأحداث أيضاً أن الشعوب المستغفلة الذليلة لا يمكن أن تستمر على
غفلتها وذلتها، وأنها حينما تعرف الطريق إلى ربها وتعود عوداً صادقاً إلى دينها،
فإنها تستعصي على الترويض والتدجين، ولا ترضى الدنية في دينها.. خاصة إذا
وجدت علماءها الصادقين في مقدمة الصفوف يستحثونها بثباتهم وأفعالهم المخلصة
إلى المضي في هذا الطريق المبارك مهما كثرت التضحيات وعظمت الجراحات..
والله غالب على أمره.. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 2063
دراسات شرعية
الآثار السلوكية لتوحيد العبادة
بقلم: د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
المهمة التي خلق الله البشر من أجلها هي عبادته وحده لا شريك له، قال الله
(تعالى) : [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] لكن الله (جل
وعلا) مستغن عن الخلق كلهم، ولا حاجة له ﵎ لعبادتهم كما جاء في
الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل
واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئاً) [١] ، وقد قال الله ﵎ : [لَن
يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ
عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ] [الحج: ٣٧] لكن نفع العبادة حاصل لنا أولاً
وأخيراً، ولهذا قال العلماء: إن مبنى الشريعة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا
والآخرة.
فعبادة الله (جل وعلا) هي المنهج الذي يحفظ لهذا الكون انتظامه وسيره دونما
تخبط في أي ناحية من نواحي الحياة، وعلى أي مستوى من المستويات، وإن
اختلال هذه العبادة اختلال لنظام هذا الكون، وبالتالي دخوله في دهاليز الضلال
والانحطاط والفساد، على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، قال الله
(تعالى) : [أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاًتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ
لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ] [الرعد: ٤١] .
فأداء العبادة كما أمر الله بها هو سبيل سعادة هذه البشرية بأكملها.
فالعبادة هي الزمام الذي يكبح جماح النفس البشرية، أن تلغ في شهواتها،
وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن التمرد على شرع الله (تعالى) .
فالخلل في أداء العبادة مؤذن بالخلل في الكون.
فأعظم مقاصد العبادة حصول التقوى التي هي الحاجز عن وقوع الإنسان في
المعاصي، وهي كذلك المحرك الفعال لهذه النفس حتى تنطلق من قيود الأرض،
فترفرف في علياء السماء، وتنطلق في أفعال الخير بشتى صوره.
فإذا كان مردود العبادة من التقوى والخشوع لله ضعيفاً أو ميتاً،
فإن الهدف الذي شرعت من أجله العبادة لم يتحقق وبالتالي: تكون العبادة وكأنها لم
تؤدّ.
ولنتأمل هذه النصوص القرآنية والنبوية:
[فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أََوْ إثْماً فَأََصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ] [البقرة: ١٨٢]
[.. وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ..]
[العنكبوت: ٤٥] .
ويقول الرسول: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه) [٢] .
فليس المقصود من العبادة مجرد الحركات الظاهرة التي تمارسها الجوارح
دون أن تؤثر في الباطن، وإنما المقصود مع ذلك: عمل القلب، من الإخبات
والتذلل والخضوع بين يدي الله ، وذلك روح العبادة ولبها.
إن الذي يؤدي العبادة أي عبادة كانت ولم يقم في قلبه أثناء ذلك مقام العبودية
لله ، فكأنه ما أدى تلك العبادة وبمعنى آخر فقد أدى صورة العبادة لا
حقيقتها.
فشرود القلب في مواطن العبادة هو من أعظم الآفات التي تعرض للإنسان في
سيره لله ، لأن العبادة بقلب شارد غافل لاه، لاتترك الأثر المطلوب
على النفس الإنسانية، فلا يحصل الإنسان بها على الأجر المطلوب.
ولذلك يقول الرسول: (إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته،
تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها) [٣] .
ومع استمرار الغفلة، وشرود القلب في مواطن العبادة تصبح العبادة مجرد
حركات ظاهرة، ليس لها أي أثر على قلب صاحبها، ومن ثم: ليس لها أي أثر
على تصرفاته، فتصبح العبادة عادة.
وهذا ما يفسر لنا مانراه من سلوك بعض الناس المخالف لشرع الله في
المعاملة وفي الخُلُق مع أنهم من المصلين ومن رواد المساجد، بل ربما من قارئي
القرآن ومن صائمي هواجر الأيام، لذلك يلاحظ الفرق الكبير بين من يصلي ثم
ينصرف من صلاته كما دخل فيها، وبين من إذا وقف استشعر أنه واقف بين يدي
الله، فاستحضر نية التقرب إلى الله عند شروعه في الصلاة، وقام وفي
قلبه مقام العبودية لله ، وشعر بالانكسار بين يدي العزيز الجبار، ثم إذا
قرأ القرآن أو تلاه أو ذكر الأذكار واطأ قلبه لسانه، فإذا قال مثلاً: [اهدنا الصراط
المستقيم] ، فهو قد سأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، وهكذا حتى ينصرف من
صلاته، انظر إلى حال هذا الرجل وحال من دخل في صلاته وقلبه في مكان آخر، فالقرآن والأذكار تتردد على لسانه، دون أن تتجاوزه إلى عقله أو فكره.
وانظر إلى من إذا انصرف من صلاته قال: (استغفر الله) ثلاث مرات،
وقلبه يطلب العفو والمغفرة من الله على ما حصل من تقصيره في هذه العبادة،
وانشغال قلبه بغير الله فيها.
ولايقتصر الأمر على الصلاة، بل إنه عام في جميع العبادات أو أغلبها،
انظر إلى الصيام.. تلك العبادة العظيمة التي يقول الله فيها: (كل عمل
ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) [٤] .
أن كثيراً من الناس لايشعرون بأثر للصيام على نفوسهم، مع أن الرسول -
ﷺ يقول: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن
وحر الصدر) [٥] أي: غله وحقده، فالصوم يقطع أسباب التعبد لغير الله، ويورث
الحرية من الرق للمشتبهات؛ لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء ولا تملكه [٦] ، هل يفعل الصيام بنا هذا؟ ! ، بل إن الله قال: [يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ] لأجل ّ [لعلَّكُمْ تَتَّقُونَ]
[البقرة: ١٨٣] فإذا لم يحدث الصيام للإنسان تلك التقوى، فإنه لم يحقق الغرض الذي شرعه الله من أجله، ولكن.. ما السبب في عدم إحداثه للتقوى في النفوس؟
الأسباب كثيرة، أعظمها: أن الصيام وهو عبادة من العبادات أصبح عند
كثير من الناس مجرد عادة، يدخل الإنسان فيه دون أن يستحضر نية التقرب لله
بهذه العبادة، وفي أثناء الصوم ترى قلبه غافلاً لاهياً عن التذكر والتفكر
في هذه العبادة العظيمة.
وفي المقابل: انظر إلى ذلك الرجل الذي قام من أجل السحور، تذكر أنه
يأكل هذه الأكلة من أجل أن يتقوى على الصيام الذي يتقرب به إلى الله
، وفي أثناء صومه وكلما تذكر الطعام أو الشراب أو غيرهما من المحظورات،
حدث نفسه وعالج قلبه بأنه إنما يفعل ذلك حبّا وتقرباً إلى الله، حتى يأتي يوم
القيامة وقد وضع في ميزان أعماله صيام ذلك اليوم، ثم إذا أفطر فرح بهذا الإفطار
وانتظر فرحه الآخر بهذا الصوم حين يلقى ربه (جل وعلا) ، فقلبه أثناء الصوم أو
في أغلبه منشغل بالتعبد لله ، فهذا هو الصيام الذي رتب الله عليه ذلك
الأجر العظيم، وهذا هو الصيام الذي يعالج النفس والقلب من أمراضها وأدرانها.
ولنضرب مثالاً أخيراً، لنتفكر في عبادة الذكر، ذكر الله ، ثم
لننظر إلى عظيم الجزاء والأجر الذي أعده الله للذاكرين الله كثيراً والذاكرات،
ويكفي في التمثيل بهذا الأجر حديث أبي الدرداء عند الحاكم: (ألا أنبئكم بخير
أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب
والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ... ) .
هذه هي قيمة الذكر الصادق والجزاء الكبير من الله (تعالى) للذاكرين، وليس
الذكر هو الدعاوى الفارغة التي يؤديها المتصوفة من المكاء والتصدية والرقص
ويزعمون أنها ذكر.
إذن: لابد أن الأمر ليس بهذه السهولة أو البساطة، لابد من أن تُحقّقَ معاني
العبودية لله في عبادة الذكر ربما أكثر منه في تلك العبادات الأخرى،
ولايمكن أن يكون الذكر مجرد حركات سهلة باللسان ليس لها أي أثر على القلب
ومن ثم على كيان صاحبها وواقعه.
إن الذي يقول (لا إله إلا الله) يرددها لسانه وقلبه مستحضراً للمعنى المراد من
هذه الكلمة وهو الاقرار بالعبودية الخالصة لله وحده، الذي يقولها بهذه الصورة
يحدث في قلبه وكيانه انخلاع من عبودية ما سوى الله، ثم تنجذب روحه إلى السماء
، إلى الله ﵎ محبة واتباعاً.
هل يتصور أن من يحدث له ذلك يطيع ما سوى الله في صغيرة أو كبيرة، أم
يتبع هواه أو شهوته، أم يقع في قلبه خوف أو وجل من تلك الآلهة المزعومة، أو
أي حب لها، وهل يتصور أن من تتوق روحه إلى الله، فيملأ حب الله شغاف قلبه
ويتغلغل في جوانحه، هل له أن يعصيه، أو يتوانى في طاعته والتقرب إليه
والتذلل بين يديه، لايتُصور ذلك قطعا، فلأجل هذا كانت هذه الكلمة نجاة لصاحبها
، إذا لم تصدر منه باللسان فقط بل صَاحَبَها حضور القلب وانقياد النفس، وذلك
لايكون إلا بمعرفة معناها، ومن ثم تأتي شروطها الباقية، ومن هنا أيضا: كان من
حقق كلمة التوحيد تحقيقاً كاملاً، يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لأن من
حققها بتلك الصورة، فإنه ولاريب يطيع ربه (جل وعلا) طاعة لا يمكن معها أن
تتجاوز سيئاته حسناته، فمن ثم يدخل الجنة بتلك الصورة المذكورة في الحديث.
وتأمل قول الله : [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] مَنْ أولئك؟ [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلََى
جُنُوبِهِمْ] فلهذا كان من صفاتهم [وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] فتكون
النتيجة أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء وهو من أعلى وأجل صور العبادة، وقد ملأ
خوف الله قلوبهم فشعروا بحاجتهم إلى مغفرة خالقهم وعفوه، فقالوا: [رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
فالذكر يكون بالقلب قبل أن يكون مجرد نطق باللسان، وذكر القلب هذا يحدث
في القلب والنفس والعقل من أسرار العبودية وأحوالها ما يجعل القلب مراقباً لله (عز
وجل) طيلة ذكره لله، وتلك أعلى مراتب العبودية، إنها مرتبة الإحسان، أي: أن
تعبد الله كأنك تراه، والمحسن: المراقب لله في كل حين ووقت، في كل خاطرة
وسانحة يبحث عن مرضاة الله في كل فعلة وقولة، بل في كل إرادة أو التفاتة
تحدث من قلبه.
وبعد: فخلاصة ما تقدم بعبارة سريعة مختصرة: أن حقيقة الإيمان التي أُمرنا
بها أن تتواطأ عبادة القلب مع عبادة الجوارح، فتتحقق عبودية القلب مع عبودية
الجوارح، فنحسن العبادة باطناً كما نحسنها ظاهراً.
إذا تبينت أهمية ما تقدم، فلسائل أن يسأل ما هي الوسائل التي تقود إلى
إحسان العبادة باطناً، أو بعبارة أخرى: كيف نبعث الروح في عبادتنا، ونجنبها
الموت؟
الوسائل كثيرة ومتنوعة، ولكن حسبي أن أشير إلى بعضها:
١- حضور القلب قبل أو عند البدء بالعبادة: والفقهاء يتحدثون عن النية قبل
الشروع في العمل ويعنون بها النية التي تميز العمل نفسه، كصلاة الظهر عن
صلاة العصر، وصوم النافلة عن صوم الفرض.. وما إلى ذلك، ويتحدث أرباب
التوحيد وأهل السلوك عن النية التي تميز المعمول له، وهو المقصود بهذه العبادة.
٢- تحديث القلب وتذكيره بالتعبد لله : سواء أكان ذلك خارج
العبادة أو حتى في أثنائها إن أمكن، وليس هذا مجال الحديث عن عبودية القلب لله
رب العالمين، وكثير من الناس بل ومن بعض طلاب العلم وغيرهم من أهل الخير
يغفلون عن هذا كثيراً، وهذا التحديث والتذكير نهر يمد القلب باللين والرقة
والخشوع، فإذا شح ماؤه جف القلب ويبس ثم قسا، نعوذ بالله من ذلك.
٣- التهيؤ للعبادة والاستعداد لها: والمثال الذي يوضح هذا وأثره: التبكير
إلى المساجد لأداء الصلاة، وهذا التهيؤ المادي الجسدي يصاحبه ولا شك تهيؤ
نفسي وروحي وقلبي، وفي حث رسول الله ﷺ على التبكير
إلى المساجد خير دليل على ذلك، والأحاديث كثيرة مشهورة.
ومن هنا نفهم كثرة ما ورد عن السلف الصالح في هذا الشأن، فهذا إبراهيم
بن يزيد الفقيه عابد الكوفة يقول: (إذا رأيت الرجل يتهاون في على التكبير الأولى
فاغسل يدك منه) [٧] .
والتهيؤ يكون بحسب كل عبادة وما شرع فيها.
والحج كذلك له تهيؤ؛ فرد الأمانات والمظالم، والتخلص من الحقوق قبل
الشروع في السفر كلها صور للاستعداد لهذه العبادة العظيمة، وكذلك تهيئة الزاد
والراحلة والرفقة الصالحة.
والمتأمل في ذلك يجد الفرق شاسعاً بين من يؤدي العبادة دون استعداد بدني
يصحبه تهيؤ قلبي ومن يأتي الصلاة مسرعاً حتى يدرك الركعة فيدخل في الصلاة
ولم يسكن جسده من ذلك السعي، ولعل في نهي الرسول ﷺ
عن السعي بعد الإقامة إشارة إلى ذلك، وإلى أن يتفاعل الإنسان روحيّاً ونفسيّاً مع
هذه العبادة تكون الصلاة أوشكت على النهاية.
٤- الابتعاد عما يشوش القلب أثناء العبادة: ففي الصلاة مثلاً: نهى الرسول
ﷺ المصلي أن يصلي إلى مايشغله أثناء الصلاة (فإنه لا ينبغي
أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي) (٨) .
ولهذا جاء النهي عن أن يصلي الإنسان في حضرة طعام أو وهو يدافع
الأخبثين، كل هذا من أجل أن ينخلع القلب من علائق الدنيا وينجذب إلى حقيقة
العبادة ويجتمع في قلب العبد وفكره ووجدانه الاتجاه إلى الله (تعالى) ، ومثل هذه
الأمور يمكن فعلها في عبادات أخرى. ليكون أدعى لانشغاله وتفرغه للعبادة، مما
يؤدي لتفرغ قلب الإنسان للتوجه وللعبودية لله أثناء الصوم.
٥- المشاهد أن كثيراً من الناس يؤدي بعض العبادات بصورة تلقائية أقرب
إلى الحركة الميكانيكية، فمثلا في الصلاة: ترى كثيراً منهم يدخل في صلاة النافلة
فيقرأ دعاء الاستفتاح الذي يجري على لسانه، ومن ثم سورة الفاتحة، ثم تجري
على لسانه إحدى السور الصغار التي يحفظها على ظهر القلب، وربما إذا سألته بعد
صلاته ماذا قرأ، فإنه لا يذكر.
ولا تفكر الأغلبية العظمى من الناس مثلا في قراءة صيغة أخرى لدعاء
الاستفتاح، أو في قراءة آيات أو سور من غير تلك السور التي تجري على ألسنتهم
دون أن يتفكروا فيها أو يشعروا بها، مع أن السنة وردت بالتنويع في هذه الأذكار،
فهناك عدة صيغ لدعاء الاستفتاح، والرسول ﷺ كان يقرأ من
القرآن كله في تطوعه.
وهكذا في أذكار الصباح والمساء وغيرها من الأذكار والعبادات الدورية التي
وردت السنة بهيئات وصيغ متعددة لها.
إن التنويع في صفات العبادة بما يوافق السنة الصحيحة له أثر في طرد ما قد
يطرأ على العبادة من صفة العادة والرتابة التي تضعف تأثير العبادة على القلب.
هذا والوسائل كثيرة ومتنوعة، لكن حسب الإنسان أن يضع هذه القضية
نصب عينيه هدفاً منشوداً، وأن يحاسب نفسه فيما يتعلق بها، فكلما عمد إلى عبادة
من العبادات عليه أن ينأى بعبادته أن تكون ميتة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يوفقنا للإخلاص في القول والعمل،
ويرزقنا اتباع سنة نبيه ﷺ ، إنه سميع مجيب.
стр. 2064
دراسات شرعية
العبادة بين الصورة والحقيقة
بقلم: هيثم الحداد
المهمة التي خلق الله البشر من أجلها هي عبادته وحده لاشريك له، قال الله
(تعالى) : [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] لكن الله (جل
وعلا) مستغن عن الخلق كلهم، ولاحاجة له ﵎ لعبادتهم كما جاء في
الحديث القدسي: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل
واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئاً» [١] ، وقد قال الله ﵎ : [لَن
يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ
عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ] [الحج: ٣٧] لكن نفع العبادة حاصل لنا أولاً
وأخيراً، ولهذا قال العلماء: إن مبنى الشريعة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا
والآخرة.
فعبادة الله (جل وعلا) هي المنهج الذي يحفظ لهذا الكون انتظامه وسيره دونما
تخبط في أي ناحية من نواحي الحياة، وعلى أي مستوى من المستويات، وإن
اختلال هذه العبادة اختلال لنظام هذا الكون، وبالتالي دخوله في دهاليز الضلال
والانحطاط والفساد، على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، قال الله
(تعالى) : [أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ
لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ] [الرعد: ٤١] .
فأداء العبادة كما أمر الله بها هو سبيل سعادة هذه البشرية بأكملها.
فالعبادة هي الزمام الذي يكبح جماح النفس البشرية، أن تلغ في شهواتها،
وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن التمرد على شرع الله (تعالى) ، فالخلل في
أداء العبادة مؤذن بالخلل في الكون.
فأعظم مقاصد العبادة حصول التقوى التي هي الحاجز عن وقوع الإنسان في
المعاصي، وهي كذلك المحرك الفعال لهذه النفس حتى تنطلق من قيود الأرض،
فترفرف في علياء السماء، وتنطلق في أفعال الخير بشتى صوره.
فإذا كان مردود العبادة من التقوى والخشوع لله ضعيفاً أو ميتاً،
فإن الهدف الذي شرعت من أجله العبادة لم يتحقق وبالتالي: تكون العبادة وكأنها لم
تؤدّ.
ولنتأمل هذه النصوص القرآنية والنبوية:
[فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ] [البقرة: ١٨٢]
[.. وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ..]
[العنكبوت: ٤٥] .
ويقول الرسول- ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [٢] .
فليس المقصود من العبادة مجرد الحركات الظاهرة التي تمارسها الجوارح
دون أن تؤثر في الباطن، وإنما المقصود مع ذلك: عمل القلب، من الإخبات
والتذلل والخضوع بين يدي الله ، وذلك روح العبادة ولبها.
إن الذي يؤدي العبادة أي عبادة كانت ولم يقم في قلبه أثناء ذلك مقام العبودية
لله ، فكأنه ما أدى تلك العبادة وبمعنى آخر فقد أدى صورة العبادة لا
حقيقتها.
فشرود القلب في مواطن العبادة هو من أعظم الآفات التي تعرض للإنسان في
سيره لله ، لأن العبادة بقلب شارد غافل لاه، لاتترك الأثر المطلوب
على النفس الإنسانية، فلا يحصل الإنسان بها على الأجر المطلوب.
ولذلك يقول الرسول: «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته،
تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» [٣] .
ومع استمرار الغفلة، وشرود القلب في مواطن العبادة تصبح العبادة مجرد
حركات ظاهرة، ليس لها أي أثر على قلب صاحبها، ومن ثم: ليس لها أي أثر
على تصرفاته، فتصبح العبادة عادة.
وهذا ما يفسر لنا مانراه من سلوك بعض الناس المخالف لشرع الله في
المعاملة وفي الخُلُق مع أنهم من المصلين ومن رواد المساجد، بل ربما من قارئي
القرآن ومن صائمي هواجر الأيام، لذلك يلاحظ الفرق الكبير بين من يصلي ثم
ينصرف من صلاته كما دخل فيها، وبين من إذا وقف استشعر أنه واقف بين يدي
الله، فاستحضر نية التقرب إلى الله عند شروعه في الصلاة، وقام وفي
قلبه مقام العبودية لله ، وشعر بالانكسار بين يدي العزيز الجبار، ثم إذا
قرأ القرآن أو تلاه أو ذكر الأذكار واطأ قلبه لسانه، فإذا قال مثلاً: [اهدنا الصراط
المستقيم] ، فهو قد سأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، وهكذا حتى ينصرف من
صلاته، انظر إلى حال هذا الرجل وحال من دخل في صلاته وقلبه في مكان آخر، فالقرآن والأذكار تتردد على لسانه، دون أن تتجاوزه إلى عقله أو فكره.
وانظر إلى من إذا انصرف من صلاته قال: «استغفر الله» ثلاث مرات،
وقلبه يطلب العفو والمغفرة من الله على ما حصل من تقصيره في هذه العبادة،
وانشغال قلبه بغير الله فيها.
ولايقتصر الأمر على الصلاة، بل إنه عام في جميع العبادات أو أغلبها،
انظر إلى الصيام.. تلك العبادة العظيمة التي يقول الله فيها: «كل
عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» [٤] .
إن كثيراً من الناس لايشعرون بأثر للصيام على نفوسهم، مع أن الرسول -
ﷺ يقول: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن
وحر الصدر» [٥] أي: غله وحقده، فالصوم يقطع أسباب التعبد لغير الله،
ويورث الحرية من الرق للمشتبهات؛ لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء ولا
تملكه [٦] ، هل يفعل الصيام بنا هذا؟ ! ، بل إن الله قال: [يَا أََيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ] لأجل [لعلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [البقرة: ١٨٣] فإذا لم يحدث الصيام للإنسان تلك التقوى، فإنه لم يحقق الغرض
الذي شرعه الله من أجله، ولكن.. ما السبب في عدم إحداثه للتقوى في النفوس؟
الأسباب كثيرة، أعظمها: أن الصيام وهو عبادة من العبادات أصبح عند
كثير من الناس مجرد عادة، يدخل الإنسان فيه دون أن يستحضر نية التقرب لله
بهذه العبادة، وفي أثناء الصوم ترى قلبه غافلاً لاهياً عن التذكر والتفكر
في هذه العبادة العظيمة.
وفي المقابل: انظر إلى ذلك الرجل الذي قام من أجل السحور، تذكر أنه
يأكل هذه الأكلة من أجل أن يتقوى على الصيام الذي يتقرب به إلى الله ، وفي أثناء صومه وكلما تذكر الطعام أو الشراب أو غيرهما من المحظورات،
حدث نفسه وعالج قلبه بأنه إنما يفعل ذلك حبّا وتقرباً إلى الله، حتى يأتي يوم
القيامة وقد وضع في ميزان أعماله صيام ذلك اليوم، ثم إذا أفطر فرح بهذا الإفطار
وانتظر فرحه الآخر بهذا الصوم حين يلقى ربه (جل وعلا) ، فقلبه أثناء الصوم أو
في أغلبه منشغل بالتعبد لله ، فهذا هو الصيام الذي رتب الله عليه ذلك
الأجر العظيم، وهذا هو الصيام الذي يعالج النفس والقلب من أمراضها وأدرانها.
ولنضرب مثالاً أخيراً، لنتفكر في عبادة الذكر، ذكر الله ، ثم
لننظر إلى عظيم الجزاء والأجر الذي أعده الله للذاكرين الله كثيراً والذاكرات،
ويكفي في التمثيل بهذا الأجر حديث أبي الدرداء عند الحاكم: «ألا أنبئكم بخير
أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب
والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ... » .
هذه هي قيمة الذكر الصادق والجزاء الكبير من الله (تعالى) للذاكرين، وليس
الذكر هو الدعاوى الفارغة التي يؤديها المتصوفة من المكاء والتصدية والرقص
ويزعمون أنها ذكر.
إذن: لابد أن الأمر ليس بهذه السهولة أو البساطة، لابد من أن تُحقّقَ معاني
العبودية لله في عبادة الذكر ربما أكثر منه في تلك العبادات الأخرى،
ولايمكن أن يكون الذكر مجرد حركات سهلة باللسان ليس لها أي أثر على القلب
ومن ثم على كيان صاحبها وواقعه.
إن الذي يقول «لا إله إلا الله» يرددها لسانه وقلبه مستحضراً للمعنى المراد
من هذه الكلمة وهو الاقرار بالعبودية الخالصة لله وحده، الذي يقولها بهذه الصورة
يحدث في قلبه وكيانه انخلاع من عبودية ما سوى الله، ثم تنجذب روحه إلى السماء، إلى الله ﵎ محبة واتباعاً.
هل يتصور أن من يحدث له ذلك يطيع ما سوى الله في صغيرة أو كبيرة، أم
يتبع هواه أو شهوته، أم يقع في قلبه خوف أو وجل من تلك الآلهة المزعومة، أو
أي حب لها، وهل يتصور أن من تتوق روحه إلى الله، فيملأ حب الله شغاف قلبه
ويتغلغل في جوانحه، هل له أن يعصيه، أو يتوانى في طاعته والتقرب إليه
والتذلل بين يديه، لايتُصور ذلك قطعا، فلأجل هذا كانت هذه الكلمة نجاة لصاحبها، إذا لم تصدر منه باللسان فقط بل صَاحَبَها حضور القلب وانقياد النفس، وذلك
لايكون إلا بمعرفة معناها، ومن ثم تأتي شروطها الباقية، ومن هنا أيضا: كان من
حقق كلمة التوحيد تحقيقاً كاملاً، يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لأن من
حققها بتلك الصورة، فإنه ولاريب يطيع ربه (جل وعلا) طاعة لا يمكن معها أن
تتجاوز سيئاته حسناته، فمن ثم يدخل الجنة بتلك الصورة المذكورة في الحديث.
وتأمل قول الله : [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] مَنْ أولئك؟ [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلََى
جُنُوبِهِمْ] فلهذا كان من صفاتهم [وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] فتكون
النتيجة أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء وهو من أعلى وأجل صور العبادة، وقد ملأ
خوف الله قلوبهم فشعروا بحاجتهم إلى مغفرة خالقهم وعفوه، فقالوا: [رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] .
فالذكر يكون بالقلب قبل أن يكون مجرد نطق باللسان، وذكر القلب هذا يحدث
في القلب والنفس والعقل من أسرار العبودية وأحوالها ما يجعل القلب مراقباً لله (عز
وجل) طيلة ذكره لله، وتلك أعلى مراتب العبودية، إنها مرتبة الإحسان، أي: أن
تعبد الله كأنك تراه، والمحسن: المراقب لله في كل حين ووقت، في كل خاطرة
وسانحة يبحث عن مرضاة الله في كل فعلة وقولة، بل في كل إرادة أو التفاتة
تحدث من قلبه.
وبعد: فخلاصة ما تقدم بعبارة سريعة مختصرة: أن حقيقة الإيمان التي أُمرنا
بها أن تتواطأ عبادة القلب مع عبادة الجوارح، فتتحقق عبودية القلب مع عبودية
الجوارح، فنحسن العبادة باطناً كما نحسنها ظاهراً.
إذا تبينت أهمية ما تقدم، فلسائل أن يسأل ما هي الوسائل التي تقود إلى
إحسان العبادة باطناً، أو بعبارة أخرى: كيف نبعث الروح في عبادتنا، ونجنبها
الموت؟
الوسائل كثيرة ومتنوعة، ولكن حسبي أن أشير إلى بعضها:
١- حضور القلب قبل أو عند البدء بالعبادة: والفقهاء يتحدثون عن النية قبل
الشروع في العمل ويعنون بها النية التي تميز العمل نفسه، كصلاة الظهر عن
صلاة العصر، وصوم النافلة عن صوم الفرض.. وما إلى ذلك، ويتحدث أرباب
التوحيد وأهل السلوك عن النية التي تميز المعمول له، وهو المقصود بهذه العبادة.
٢- تحديث القلب وتذكيره بالتعبد لله : سواء أكان ذلك خارج
العبادة أو حتى في أثنائها إن أمكن، وليس هذا مجال الحديث عن عبودية القلب لله
رب العالمين، وكثير من الناس بل ومن بعض طلاب العلم وغيرهم من أهل الخير
يغفلون عن هذا كثيراً، وهذا التحديث والتذكير نهر يمد القلب باللين والرقة
والخشوع، فإذا شح ماؤه جف القلب ويبس ثم قسا، نعوذ بالله من ذلك.
٣- التهيؤ للعبادة والاستعداد لها: والمثال الذي يوضح هذا وأثره: التبكير
إلى المساجد لأداء الصلاة، وهذا التهيؤ المادي الجسدي يصاحبه ولا شك تهيؤ
نفسي وروحي وقلبي، وفي حث رسول الله ﷺ على التبكير
إلى المساجد خير دليل على ذلك، والأحاديث كثيرة مشهورة.
ومن هنا نفهم كثرة ما ورد عن السلف الصالح في هذا الشأن، فهذا إبراهيم
بن يزيد الفقيه عابد الكوفة يقول: «إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى
فاغسل يدك منه» [٧] .
والتهيؤ يكون بحسب كل عبادة وما شرع فيها.
والحج كذلك له تهيؤ؛ فرد الأمانات والمظالم، والتخلص من الحقوق قبل
الشروع في السفر كلها صور للاستعداد لهذه العبادة العظيمة، وكذلك تهيئة الزاد
والراحلة والرفقة الصالحة.
والمتأمل في ذلك يجد الفرق شاسعاً بين من يؤدي العبادة دون استعداد بدني
يصحبه تهيؤ قلبي ومن يأتي الصلاة مسرعاً حتى يدرك الركعة فيدخل في الصلاة
ولم يسكن جسده من ذلك السعي، ولعل في نهي الرسول ﷺ
عن السعي بعد الإقامة إشارة إلى ذلك، وإلى أن يتفاعل الإنسان روحيّاً ونفسيّاً مع
هذه العبادة تكون الصلاة أوشكت على النهاية.
٤- الابتعاد عما يشوش القلب أثناء العبادة: ففي الصلاة مثلاً: نهى الرسول
ﷺ المصلي أن يصلي إلى ما يشغله أثناء الصلاة «فإنه لا
ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» [٨] .
ولهذا جاء النهي عن أن يصلي الإنسان في حضرة طعام أو وهو يدافع
الأخبثين، كل هذا من أجل أن ينخلع القلب من علائق الدنيا وينجذب إلى حقيقة
العبادة ويجتمع في قلب العبد وفكره ووجدانه الاتجاه إلى الله (تعالى) ، ومثل هذه
الأمور يمكن فعلها في عبادات أخرى. ليكون أدعى لانشغاله وتفرغه للعبادة، مما
يؤدي لتفرغ قلب الإنسان للتوجه وللعبودية لله أثناء الصوم.
٥- المشاهد أن كثيراً من الناس يؤدي بعض العبادات بصورة تلقائية أقرب
إلى الحركة الميكانيكية، فمثلا في الصلاة: ترى كثيراً منهم يدخل في صلاة النافلة
فيقرأ دعاء الاستفتاح الذي يجري على لسانه، ومن ثم سورة الفاتحة، ثم تجري
على لسانه إحدى السور الصغار التي يحفظها على ظهر القلب، وربما إذا سألته بعد
صلاته ماذا قرأ، فإنه لا يذكر.
ولاتفكر الأغلبية العظمى من الناس مثلا في قراءة صيغة أخرى لدعاء
الاستفتاح، أو في قراءة آيات أو سور من غير تلك السور التي تجري على ألسنتهم
دون أن يتفكروا فيها أو يشعروا بها، مع أن السنة وردت بالتنويع في هذه الأذكار،
فهناك عدة صيغ لدعاء الاستفتاح، والرسول ﷺ كان يقرأ من
القرآن كله في تطوعه.
وهكذا في أذكار الصباح والمساء وغيرها من الأذكار والعبادات الدورية التي
وردت السنة بهيئات وصيغ متعددة لها.
إن التنويع في صفات العبادة بما يوافق السنة الصحيحة له أثر في طرد ما قد
يطرأ على العبادة من صفة العادة والرتابة التي تضعف تأثير العبادة على القلب.
هذا والوسائل كثيرة ومتنوعة، لكن حسب الإنسان أن يضع هذه القضية
نصب عينيه هدفاً منشوداً، وأن يحاسب نفسه فيما يتعلق بها، فكلما عمد إلى عبادة
من العبادات عليه أن ينأى بعبادته أن تكون ميتة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يوفقنا للإخلاص في القول والعمل،
ويرزقنا اتباع سنة نبيه ﷺ ، إنه سميع مجيب.
стр. 2065
في إشراقة آية
[ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً]
بقلم: د. عبد الكريم بكار
يقول الله (جل وعلا) : [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [البقرة: ٢٦٩] .
وردت كلمة (حكمة) في مواضع عديدة من الكتاب العزيز، وذهب المفسرون
إلى تفسير معناها في كل موضع بحسب السياق الذي وردت فيه، فتارة تُفسر
بالسنة، وتارة بالموعظة، وتارة بالقرآن ...
أما في هذا الموضع الذي نحن بصدده، فإن للعلماء في تفسيرها أقوالاً كثيرة، منها: النبوة، والفقه في القرآن، والمعرفة بدين الله، والفقه فيه، والاتباع له،
والخشية، والورع [١] ...
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال في (الحكمة) : إنها المعرفة بالدين، والفقه
في التأويل، والفهم الذي هو سجية، ونور من الله (تعالى) [٢] .
ولعل هذا القول هو أقرب الأقوال السابقة إلى الصواب. والذي يبدو لي: أن
الحكمة تتجاوز المعلومات الجزئية إلى المفاهيم الكلية مع نوع من التطابق بين
معارف الحكيم والمواقف العملية له؛ ومن ثم قيل إن الحكمة تعني: وضع الشيء
في موضعه؛ وإن كنا نرى أن ذلك أحد تجليات الحكمة، وليس جزءاً منها، لكنهم
لمحوا أن المواقف الصحيحة الملائمة هي التي تكشف عن حكمة الحكماء.
ولعلنا نحاول الحوم حول حمى الحكمة، وحول بعض تجلياتها وتجسيداتها في
المفردات التالية:
١- إن تاريخ الإنسان هو مكافحة (العماء) و (اللاتكوّن) في داخل نفسه وفي
خارجها؛ فهو يحاول أبداً صياغة المفهومات والرؤى التي تمكّنه من فهم مركزه في
هذا الكون، ومعرفة المحيط الذي يعيش فيه بغية فهم الموقف الصحيح والخطوة
المناسبة.
ومهما بذل الإنسان من جهود في سبيل الوصول إلى ذلك فإن نجاحه يظل
نسبيّاً، كما أن تقدير الناس لذلك النجاح سوف يظل متفاوتاً؛ حيث إن مبادئ
الإنسان ومعارفه تتحكم دائماً في بلورة رؤيته للأشياء؛ ومن ثم: فإن موقفاً ما قد
يكون في نظر واحد منا حكيماً، على حين ينظر إليه آخرون على أنه طائش
وخائب؛ إلا أن الأيام بما تجلّيه من عواقب ونتائج وبما تركمه من نماذج تساعدنا
على نوع من توحيد الرؤية والفهم.
٢- إذا كنا نختلف حول تعريف الحكمة فإنه سيظل بالإمكان تحليلها إلى
العناصر المكوّنة لها، وهي على ما يبدو لي ثلاثة: الذكاء، والمعرفة، والإرادة؛
فالذكاء اللماح، والمعرفة الواسعة، والإرادة الصُلبة تكوّن معاً: (الحكمة) ، وعلى
مقدار كمال هذه العناصر يكون كمالها.
الذكاء بمفرده لا يجعل الإنسان حكيماً؛ إذ الملموس أن الذكاء دون قاعدة جيدة
من العلم والخبرة ينتج فروضاً ومعرفة (شكلية) ، كما أن المعرفة دون ذكاء تجعل
استفادة صاحبها منها محدودة، وتجعل وظيفته مجرد الحفظ والنقل، دون التمكن
من غربلة المعرفة أو الإضافة إليها. والأهم من هذا وذاك: أن المعرفة دون ذكاء
تؤخر ولادة الموقف الحكيم، وتجعل الواحد منا يأتي بعد الحدث بسبب ضعف
البداهة.
ولا يكفي الذكاء اللمّاح، ولا الخبرة الواسعة في جعل الإنسان حكيماً ما لم
يمتلك قوة الإرادة؛ لأن الإرادة القوية وحدها هي التي تجعلنا ننصاع لأمر الخبرة،
وهي التي تنتج سلوكاً يختفي فيه الفارق بين النظرية والتطبيق.
الذكاء موهبة من الله ﵎ ، والمعرفة الواسعة كسب شخصي،
والإرادة القوية هدية المجتمع الناجح لأبنائه البررة؛ فهو الذي يحدّد العتبة والسقف
المطلوبين للعيش فيه بكرامة على مستوى الإرادة، وعلى مستوى القدرة، وهو لا
يمنح القدرة، لكنه يمنح أفراده إرادة الفعل والكف من خلال نماذجه الراقية، ومن
خلال المراتبية الاجتماعية التي يصوغها تأسيساً على الاستجابة لأوامره.
٣- إن المعرفة مهما كانت واسعة لا تعدو أن تكون إحدى مكوّنات (الحكمة) ،
ومن ثم: فإن هناك فارقاً بين العالِم والحكيم، فقد يكون المرء قمة في تخصص من
التخصصات، لكنه لا يُعدّ حكيماً، كما أن الحكيم قد لا يكون عالماً متبحراً في أي
علم من العلوم.
العلم يفكك المعرفة من أجل استيعابها، فيقوم بتنظيمها وتوزيعها على مساقات
كثيرة، أما الحكيم: فيقوم بتركيب المعرفة النظرية مع الخبرة العملية من أجل بناء
وتشكيل المفهومات العامة في سبيل الوصول إلى رؤية شاملة تندغم فيها معطيات
الماضي والحاضر والمستقبل.
العلم يمكننا من صنع الدواء، وصنع السلاح، لكن الحكمة تجعلنا نعرف متى
نداوي، ومتى نحارب.
العلماء كثر، والحكماء نادرون؛ لأن تحليل المعرفة أسهل من تركيبها،
والعمل الدعوي اليوم ليس فقيراً في الاختصاصيين، لكنه محتاج حاجة ماسّة إلى
الحكماء العظام الذين يمزجون بين العلوم والثقافات المختلفة، ويخلصون منها إلى
محكات نهائية في الإصلاح والنهضة ومداواة العلل المستعصية ...
إن الحكمة أُم الوسائل والأساليب، لكنها أكبر من أن تحصر في أي منهج من
المناهج، إنها معرفة تتأبى على التنظيم، فهي دائماً مرفرفة، على حين أن العلم
معرفة منظّمة، وكل العلوم يبدأ تفتحها على أنها حكمة، وتنتهي إلى أن تكون فنّاً،
أي: إنها تفقد طاقتها على التجدد بعد أن يتم سجنها في قوالب جاهزة، وتصبح
بحاجة ماسّة إلى أن ترفرف من جديد، أي: أن تطعّم بالحكمة. ومن ثم: فإن
الحكمة تتأبى على الاستنفاذ، ولذا: فإنها الخير الكثير الفياض المتجدد الذي يهيئه
الله (تعالى) لمن شاء من عباده.
٤- جفل الوعي الإسلامي قديماً من (الفلسفة) ؛ لأن أكثر فلاسفة المسلمين
أخرجوا الفلسفة من إطار الوحي وإطار النصوص والمعطيات الشرعية العامة،
فصارت المفاهيم الفلسفية غريبة عن البنية الثقافية الإسلامية، بل مصادمة لها.
وفي العصر الحديث: لم تنشأ لدينا مدارس فلسفية، وإنما اتباع لفلاسفة الغرب،
ومروّجون لفلسفة مادية أجنبية محورها الأساس: هدم عقيدة الألوهية وتدعيم
الإلحاد ... فاستمر الجفاء بين الاختصاصيين (العلماء) وبين ذوي النظر الكلي والرؤية العامة.
إن الناظر في الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة (الحكمة) : يجد أنها ما
اقترنت بذكر (الكتاب) إلا كانت تالية له، وكأن في ذلك إشارة إلى أن الحكمة بما
هي مفاهيم ونظر كلي لا يصح أبداً أن تتشكل خارج مبادئ الكتاب ومعطياته
الكبرى؛ إنه القيّم والمهيمن عليها، وليس في ذلك حد من عطاء الحكمة وانطلاقها، ولكنه إمساك بها كي لا تفقد اتجاهها ومحورها؛ فالعقل البشري على سعة إمكاناته
لا يستطيع أن يعمل بكفاءة إلا من خلال إطار توجيهي يمنحه شيئاً من الثوابت
وصلابة اليقين.
وقد آن الأوان لتنشيط حركة علمية لا تغرق في التخصصات لكنها تستفيد
منها جميعاً: في تنسيق الواقع في ضوء المثال، وفي إدراك العلاقات الخطية
والجدلية التي تربط بين الأشياء، وفي معرفة سنن الله (تعالى) في الخلق ...
آن الأوان لترك التقدم العلمي لأهل التخصصات يغوصون على مفردات
العلوم، ويضيفون إلى فروع المعرفة كل يوم جديداً، والسعي إلى تكوين جيل جديد
من الحكماء والمصلحين ذوي النظر الكلي والثقافة المَزْجية، الذين يستخدمون
المعارف المختلفة في بناء النماذج الحضارية الخاصة والمشروعات النهضية الشاملة.
وفي اعتقادي أن الحاجة إلى (الحكماء) سوف تزداد؛ إذ إن المعرفة البشرية
على وشك إكمال دورتها، وعصر ثورة المعلومات الذي بزغ فجره سوف يكون
أقصر العصور الحضارية، ثم يأتي زمان الأسئلة الكبرى: أسئلة الهوية، وعلل
الوجود، والمصير، وطبيعة الكينونة البشرية وحدودها، وحقوقها.. أي: إن
الفلسفة قد تستعيد مجدها القديم، لكن ضمن معطيات ومساقات جديدة، وبلغة شديدة
التعقيد، وعلينا منذ الآن أن نحضّر أولئك، الذين يستطيعون فهم أسئلة العصر
القادم، ويحسنون الجواب عليها.
٥- الإرادة الصُلبة مكوّن أساس من مكونات (الحكمة) كما ذكرنا وهي
(الإكسير) الذي يحيل المعرفة النظرية إلى نماذج متحققة في الواقع المحسوس، إن
الحكمة نور داخلي يشكل مفهومات كثيرة متباينة، ويدمجها في نظم أشمل، فتبدو
منسجمة متناسقة، لكن الحكيم لا يبدو كذلك، فهو طراز فريد، ونموذج خاص،
يصعب تقنين عطاءاته وتوجهاته ومواقفه؛ لأن طبيعة الحكمة تتأبى على التحقق
الكامل، ومن ثم: فإنها تلوح في بعض المواقف والسلوكات لتدل على فضل الله
(تعالى) على أصحابها وتوفيقه لهم. وتلك المواقف تفوق الحصر والعد، لكن نذكر
بعضها من أجل التقريب:
أ- الحكمة نمو دائم، فالمزج الفاعل بين الذكاء والخبرة والإرادة يجعل
مفهومات الحكيم في نوع من الحركة الدائبة، مفهوم يكبر، وآخر يضمر، ونقط
تزداد تفصيلاً، وأخرى تزداد تركيزاً، أفكار جديدة لديه تفقد بريقها بسرعة،
وأفكار قديمة تنبعث حية لتخط خطّاً جديداً ...
هذه الوضعية تجعل الحكيم في حالة من التألق الدائم، وهذا التألق قد يفسّر
لدى الكثيرين على أنه تناقض واضطراب، على حين أنه نوع من الاستجابة
الناجحة للمرونة الذهنية العالية، والروافد الثقافية الثرية، والإرادة الحرة الصُلبة،
لكن كل ذلك يأخذ سمة التغيّر لا التبدّل.
ب- إيثار الآجل على العاجل، والدائم على الآني، وما يمليه ذلك من مواقف
والتزامات: أكبر سمة من سمات (الحكيم) ، والشرائع السماوية كلها جاءت توجّه
الناس نحو هذه الفضيلة، لكن إغراءات المنافع والملذات العاجلة صرفت جلّ الناس
عن الاستجابة [كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ] [القيامة: ٢٠، ٢١] .
وعدم تحقق هذه الفضيلة في حياة كثير من الناس، سببه: ضعف في الخبرة، أو
ضعف في الإرادة، أو فيهما معاً، والحكمة تجعل الحكيم في منأى عنهما.
وموقف الحكيم هنا يثير لدى الناس الدهشة؛ حيث يجدونه زاهداً معرضاً عما
يتقاتلون عليه، وربما اتهموه بالعجز أو الكسل أو القصور، وهو في الوقت نفسه
يضحك في داخله من جهادهم في غير عدو ومحاولات قبضهم على السراب! ! .
ج- داخل الحكيم ساحة مَوّارة بالحركة والنشاط، فهو لا يكفّ أبداً عن
عمليات المقارنة، والموازنة، والتحليل، والتركيب، والاستنتاج، والتشذيب،
والإضافة، إنها أمواج وتيارات في أعماق المحيط، أما السطح فإنه هادئ تعلوه
السكينة والوقار.
إن من ملامح الأذكياء سرعة البديهة، وإطلاق الأحكام، وسرعة تشكيل
المواقف، لكن الحكيم طراز آخر من الناس، فهو بطيء في تكوين معتقداته،
وصياغة مقولاته، إذ إنه يملك قدرة خاصة على ضرب كل أشكال المعرفة والخبرة
في بعضها بعضاً، ليخرج في النهاية بزبدة تتميز عنها جميعاً، لكنها منها جميعاً!
ويفسّر بعض الناس ذلك بالعي والحَصَر، لكن الأيام تثبت أن مقولات الحكماء هي
بنات عواصف فكرية وشعورية هائلة، لكنها غير منظورة! .
د - من أهم تجليات الحكمة: إدراك حجوم القضايا على وجهها الصحيح؛
فالحكيم يرى الأشياء الكبيرة كبيرة، كما يرى القضايا الصغيرة صغيرة كما هي،
وتقدير القضايا بصورة صحيحة من أخطر المشكلات التي ظلت تواجه البشر على
مدار التاريخ، وهل دُمّرت الحضارات إلا من وراء مشكلات وأخطاء ظنها الناس
تافهة، فإذا هي عواصف هوجاء تأتي على كل ما تمرّ عليه! .
الحكيم: رجل يرى ما قبل اللحظة الراهنة، ويستشرف ما بعدها، وهو لا
يرى نسقاً أو نظاماً من التداعيات الترابطية، لكنه يرى أنساقاً ونظماً تتوازى،
وتتقاطع، وتتصادم، إنه يحسّ بالعاصفة قبل هبوبها، فيحذر قومه وينذرهم. كلنا
نرى القضايا بحجمها الحقيقي، لكن بعد فوات الأوان! ، وبعد أن نكتوي بنارها،
وتفوتنا فرصها الذهبية، لكن الحكيم يأتي في الوقت المناسب، كما قال سفيان
الثوري: «إذا أدبرت الفتنة عرفها كل الناس، وإذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم» ! .
العالم (الحكيم) الذي وصفناه، أما أهل الاختصاص، الذين أذهبوا العمر في
تفتيق المعرفة حول شيء بالغ الصغر، أو حول (لا شيء) : فهؤلاء جنود التقدم
العلمي، لكن حظوظهم من إشراقات الحكماء محدودة للغاية! .
هـ ترتفع درجة المرارة في داخلنا على مقدار فقدنا للحكمة؛ والنزق والبَرَم
الذي نبديه حول كل ما لا يعجبنا سببه جهلنا بالأسباب والجذور والسنن وطبائع
الأشياء ومنطق سيرورتها. أما الحكيم: فإن مرارته لا تنبع من مفاجآت الأحداث
وفواجعها، وإنما من غفلة الناس واستخفافهم بالمواعظ التي ألقيت عليهم، ونبهتهم
إلى النهايات المحتومة التي يندفعون إليها دون أي حساب أو تقدير لفداحة الخطب
الذي سيواجهونه. إن الآلام التي نشعر بها عند ظهور بعض النتائج تكون مكافئة
في العادة للمسرات التي عشناها يوم كانت (عقولنا مستريحة) ومشاعرنا غارقة في
عالم الملذات والأوهام! .
ما ذكرناه من أنوار الحكمة وفضائلها غيض من فيض، ولا يشف عن
محاسنها قول كقول الله ﵎ : [وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] [البقرة: ٢٦٩] .
стр. 2066
خواطر في الدعوة
اللهم إني أشكو إليك عُجري وبجري
محمد العبدة
شكوى يجأر بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما عاناه
من الأقربين قبل الأبعدين، فكم عانى من المشاغبين في صفوفه الذين جرعوه
الغصص، وحملوه الهموم والأحزان، وشوشوا عليه رأيه، وذلك لكثرة اختلافهم
عليه، وكثرة آرائهم واقتراحاتهم، وكم كان موفقاً مَنْ أشار عليه بألا يترك المدينة
النبوية حيث القاعدة الصلبة التي شكلت المجتمع الإسلامي الأول.
إن هذه الدعوة لايقوى على حملها أصحاب النفوس المريضة والأساليب
الملتوية، الذين ألفوا الجدل وحب المخالفة، واستهوتهم الزعامة ولكنها متسترة باسم
المخالفات الاجتهادية وباسم الحرص على نجاح الدعوة.
وإننا في هذه الأيام أجدر من أمير المؤمنين بالشكوى، لما نعانيه من شباب
لمّا يذوقوا طعم العلم، وراحوا يفتون ويتصدرون، فلا تأدبوا بآداب العلم ولا تخلقوا
بأخلاق العلماء. ومن شباب ضاق ذرعاً بواقع المسلمين الأليم، فاستفزه الواقع في
تعجل الحل، وعندما أعيته الأمور، ووقع في مشكلات صعبة ليس من السهل
الخروج منها، راح يبرر فعلته بنصوص مقطوعة من هنا وهناك، وأبى الاعتراف
بالخطأ والرجوع للحق.
ومن شباب فيهم خير كثير، وفيهم ذكاء وعلم، ولكنهم وضعوا كل إمكاناتهم
في خدمة (مستقبلهم المعيشي) ، فهم خائفون مضطربون لاينتهي أحدهم من درجة
علمية حتى يطلب غيرها (ولو لم تكن في اختصاصه) ويتقن أمور دنياه التي توصله
إلى مايريد، ولكنه لم يتقن أمور دينه بالدرجة نفسها. ومن شباب لايظهر قدرة الله
فيه، ولاينطلق إلى آفاق أوسع، فآماله قصيرة وآلامه قليلة، وهمته ضعيفة.
ونشكو من شيوخ قد أقعدتهم المحن المتوالية والفشل المتراكم عن الاستمرار
في الدعوة والمطاولة والمصابرة، فانزووا على أنفسهم يتذكرون الماضي وما
أصابهم من الصديق قبل العدو، فأورثهم ذلك عُقداً مستعصية، وإذا كلمته في شأن
من شؤون الدعوة نظر إليك بابتسامة ساخرة، وكأنة يقول: ليس ثَمّة فائدة.
ومن شيوخ يريدون من الشباب أن يسيروا بسيرهم ويفكروا بتفكيرهم،
ولايراعون ظروفاً جديدة ولا تغيرات طرأت، ولاتحولات فكرية، ولم يتابعوا
الأحداث وما ولدت، فكأنهم يعيشون الخمسينات أو الستينات، وهذا مما يجعل
الشباب محنقاً ثائراً، لايستفيد من تجربة ولايسمع إلى قول، ويبدأ من حيث انتهى
الآخرون، وربما أدى ذلك إلى الطيش والتهور.
هل هذا يأس؟ !
كلا، بل الخير في الأمة الإسلامية كثير، ويحتاج إلى من يملك مفاتيح هذا
الخير، ويقدر على فتح الأبواب المغلقة.
стр. 2067
دراسات اقتصادية
وقفات متأنية مع
عمليات التمويل في البنوك الإسلامية
(٤)
المشاركة المنتهية بالتمليك
د. محمد بن عبد الله الشباني
من الأساليب التي تتبعها بعض البنوك الإسلامية في تمويل الاحتياجات
الاستثمارية ما يعرف بالمشاركة المنتهية بالتمليك، ويطلق أحياناً على هذا النوع من
التمويل المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك، أو المشاركة التنازلية [١] .
والكيفية التي يتم بها هذا النوع من التمويل تقوم على أساس عقد مكتوب يتم
بمقتضاه تأسيس علاقة تعاقدية بين البنك كشريك ممول بجزء من المال والعميل
كشريك ممول بالجزء الآخر من المال، بجانب تقديمه الجهد والعمل اللازم لإدارة
النشاط الاقتصادي، بموجب هذا العقد يتناقص حق البنك كشريك بشكل تدريجي
يتناسب تناسباً طرديّاً مع ما يقوم العميل بسداده للبنك من قيمة التمويل المقدم،
وبالتالي: كلما قام العميل بشراء جزء من نصيب البنك في التحويل كلما تناقصت
نسبة البنك في المشاركة، وهكذا حتى يصبح نصيب البنك من المشاركة صفراً،
وتتحول ملكية المشاركة للعميل بالكامل في نهاية فتره المشاركة المنصوص عليها
في العقد.
تأخذ صيغة التعامل بهذا النوع من التحويل
عدة أشكال، أهمها ما يلي: [٢]
الصيغة الأولى: يتم إحلال العميل محل البنك بعقد مستقل، وبعد إتمام عملية
التعاقد الخاص بعملية المشاركة الأصلية، وتعطي هذه الصيغة الحرية الكاملة لكلا
الطرفين في التصرف ببيع حصته من رأس مال الشراكة إلى الطرف الآخر أو إلى
غيره.
الصيغة الثانية: يتم بموجبها الاتفاق بين البنك وعميله المشارك على حصول
البنك على حصة نسبية من صافي الدخل أو العائد المتحقق فعلاً في إطار مبلغ يتفق
عليه، ليكون ذلك الجزء مخصصاً لسداد أصل ما قدمه البنك من تمويل، أي: إنه
يتم تقسيم الإيراد المتحقق إلى ثلاثة: الأول: حصة البنك كعائد للتمويل، والثاني:
حصة الشريك كعائد لعمله، والثالث: حصة البنك لسداد أصل مبلغ التمويل
المشارك في رأسمال المشاركة.
الصيغة الثالثة: يتم بموجبها الاتفاق بين البنك وعميله المشارك على تحديد
نصيب لكل منهما في شكل أسهم محدده القيمة يمثل مجموعها إجمالي قيمة المشروع
أو العملية موضوع المشاركة، ويحصل كل شريك على حصة من الإيراد المتحقق
فعلاً ما دامت الشراكة قائمة وتعمل، ويحق للعميل المشارك إذا ما رأى ذلك مناسباً، أو وفقاً لرغبته أن يشتري من البنك بعض الأسهم المملوكة للبنك في نهاية كل
فترة أو سنة مالية، بحيث تتناقص أسهم البنك بشكل تدريجي بمقدار ما يشتري
العميل المشارك من أسهم البنك، وتزداد حصة العميل المشارك إلى أن يمتلك
الأسهم كلها؛ فيصبح المشروع ملكه بالكامل.
الصورة التطبيقة لهذا النوع من التمويل تتمثل في قيام البنك بتمويل بناء
أرض مملوكة للعميل، أو شراء أصل، مثل سيارة، يتولى العميل العمل عليها،
على أن يأخذ البنك نسبة من الدخل الصافي، والباقي من صافي الدخل يتم تقسيمه
إلى ثلاثة أقسام: قسم للعميل مقابل إدارته وتشغيله للأصل، وقسم للبنك كعائد
لاستثماره، وقسم يتم خصمه من قيمة الأصل بحيث يتم تناقص قيمة تمويل الأصل
إلى أن تنتهي قيمة الأصل وتعود ملكيته إلى العميل.
طبيعة العلاقة ما بين البنك والعميل قائمة على أن البنك يتولى التمويل وينال
نسبة من العائد لقاء تمويله، ويقوم العميل بالسداد من الدخل الناتج عن هذه
المشاركة إلى أن يتم سداد كامل ما قام البنك بدفعه لتمويل هذه المشاركة مع ربح
يضاف إلى قيمة البيع، فمثلاً: لو أن البنك قام بشراء سيارة بقيمة عشرة آلاف
ريال، يقوم ببيعها في نهاية مدة ثلاث سنوات باثني عشر ألف ريال، يتم سدادها
من صافي الدخل بعد خصم نسبة من هذا الدخل للبنك، ونسبة لسائق السيارة
(المالك لها مستقبلاً) ، والباقي يمثل القسط السنوي، فلو فرض أن صافي دخل
السيارة ستة آلاف ريال واتفق أن للبنك ١٠% من صافي الدخل (أي: ستمئة ريال)
كعائد لاستثماره، والباقى (أي: خمسة آلاف وأربعمئة) يأخذ السائق (العميل) منها
ثلاثة آلاف لقاء قيامه على إدارتها وتشغيلها والباقي (مقداره: ألفان وأربعمئة) تمثل
القسط السنوي، وبعد اكتمال مبلغ عشرة آلاف ريال الممثل لقيمة السيارة تنتقل
ملكية السيارة إلى السائق (العميل) .
والصيغ الثلاث يمكن تطبيقها على الحالة المشار إليها، إما على أساس عقدين
منفصلين (عقد مشاركة بين البنك والعميل (السائق) وعقد بيع للسيارة بسعر اثني
عشر ألف ريال) على أن يتم سداد هذه القيمة من الإيراد، وإما يكون ضمن صيغة
عقد واحد يوجب عند الانتهاء من سداد التمويل انتقال الملكية في نهاية المدة المحددة
للمشاركة إلى العميل (السائق «، وإما أن يتم تحديد المشاركة بصيغة أسهم قيمتها
عشرة آلاف ريال يقوم العميل (السائق) بشراء عدد منها على أن يحق له شراء
أسهم البنك أو جزءٍ منها في نهاية كل سنة مالية بحيث تنتهي المشاركة بتمليك
العميل جميع نصيب البنك من الأسهم.
الشبهات التي تثار ضد هذا النوع من التمويل تأخذ جانبين:
الجانب الأول: أن المشاركة ليست الهدف من عملية التمويل؛ فالمشاركة ما
بين العميل والبنك ليست الغاية من عملية التمويل، وإنما الهدف هو توفير المال
للعميل، وهذا النوع من المشاركات يمارس من قبل بعض البنوك الإسلامية بقصد
توفير المال اللازم للمشروعات العقارية، حيث يحتاج صاحب العقار إلى تمويل
لإكمال مشروعه العقاري، فالقصد من عملية التمويل ليست المشاركة والحصول
على العائد من هذه المشاركة، وإنما القصد الحصول على عائد للمال الذي قام البنك
بتوفيره للعميل.
الجانب الثاني: أن هذا الأسلوب اشتمل على شبهة قرض جر نفعاً على
أساس شرط عقد في عقد؛ فهناك عقد مشاركة وعقد بيع، فهو في حقيقته قرض
يأخذ شكل المشاركة، فالمشاركة مربوطة بنسبة من الربح للبنك لقاء التمويل وحجز
جزء من نصيب العميل من هذا العائد لقاء سداد التمويل.
إن هذا النوع من التمويل يثير شبهتين: شبهة قرض جر نفعاً، وشبهة شرط
عقد في عقد، فهو عقد مشاركة وعقد بيع في آن واحد، وقد ذكر ابن قدامة في
(المغني) منع هذا النوع من التعامل، فقال ما نصه:» وإن شرط في القرض أن
يؤجر داره، أو يبيعه شيئاً، أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى.. لم يجز؛ لأن
النبي نهى عن بيع وسلف، ولأنه شرط عقد في عقد، فلم يجز؛ كما لو باعه داره
بشرط أن يبيعه الآخر داره، وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها، أو على
أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها، أو أن يهدي له هدية ويعمل له عملاً..
كان أبلغ في التحريم « [٣] . فالبنك يشترط أخذ نسبة من الدخل كما أنه يقتطع
جزءاً من الدخل، حتى يستوفي ما قام بتمويله، فالغرض هو تمويل العقار أو شراء
السيارة أو أي أصل من الأصول التي تُدر دخلاً، فليس الغرض من عملية
المشاركة الحصول على عائد المشاركة بشكل مستمر، وعند الرغبة في إنهاء
المشاركة يتم البيع للعميل عند الرغبة، بحيث لا يقتصر البيع عليه فقط، وإنما
يكون البيع متاحاً للغير، ويتحمل البنك ما ينتج عن ذلك من خسارة أو ربح، أي:
إن البنك يدخل في الغنم والغرم.
وهذا هو ما يشار إليه في العقود، ولكن ما يتم في الواقع هو أن العميل هو
الذي يقوم بعملية الشراء.. وعليه: فإن العبرة في العقود بالمقاصد وليس بشكلياتها
أو صيغها، ولولا ضمان العميل بأن البيع سيتم له لما قبل هذه المشاركة، وعليه:
فهذا الأسلوب من التعامل يخفي خلفه الربا المبطن.
إن اشتراط أن يتم بيع نصيب البنك من المشاركة كجزء من عملية التعامل
سواء أتم البيع بعقدين منفصلين أو بعقد واحد أو بوعد بالبيع من قبل البنك ووعد
بالشراء من قبل العميل (طالب التمويل) ، فهذا الشرط باطل والبيع فاسد؛ والعلة
في فساد البيع: ما رواه أبو هريرة ﵁ :» نهى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- عن بيعتين في بيعة « [٤] ومارواه عبد الله بن عمرو عن النبي -
ﷺ أنه قال:» لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما
ليس عندك « [٥] وقد حدد ابن قدامة مفهوم بيعتين في بيعة بقوله:» مثل أن يقول
بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني دارك، أو
على أن أُؤجرك، أو على أن تؤجرني كذا، أو على أن تزوجني ابنتك، أو على
أن أزوجك ابنتي.. ونحو هذا، فهذا كله لايصح؛ قال ابن مسعود: «الصفقتان
في صفقة ربا» وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، وجوزه
مالك « [٦] وقد علل فساد هذا العقد بقوله:» إن النهي يقتضي الفساد، ولأن العقد لا يجب بالشرط لكونه لا يثبت في الذمة فيسقط، فيفسد العقد؛ لأن البائع لم يرض به إلا بذلك الشرط، فإذا فات فات الرضا به، ولأنه شرط عقداً في عقد لم يصح، كنكاح الشغار « [٧] .
ووجه المقارنة بين عقود المشاركة المنتهية بالتمليك بهذا النوع من البيوع
الفاسدة هو أن عقد الشراكة مرتبط بعقد البيع؛ فطالب التمويل لا يقبل بمشاركة
البنك إلا إذا التزم بأن يقوم البنك ببيع نصيبه من المشاركة خلال فترة زمنية محددة، ويقتطع هذا السداد من نصيب العميل من الدخل، كما أن البنك لا يقبل بالقيام
بالتمويل إلا إذا حصل على نسبة من الإيراد مقابل التمويل، وقد ضمن بيع
مشاركته للعميل في نهاية فترة سداد التمويل.
ومن أجل توضيح ما أوردوه أطرح المثال التالي لتقريب الصورة للقارئ:
فلو أن شخصاً يمتلك أرضاً ويرغب في بنائها من أجل الحصول على عائد من
تأجيرها، وتقدم للبنك بطلب التمويل على أن يتم سداد قيمة التمويل من الإيراد
المتوقع من تأجير العقار بعد البناء، على أن يكون للبنك لقاء التمويل ١٥% من
الإيراد، والباقي لصاحب الأرض، على أن يتم سداد التمويل من الإيراد، المتحقق
من هذا العقار، ويأخذ شكل التعامل صيغة المشاركة المنتهية بالتمليك، بحيث يتم
في نهاية فترة زمنية استرداد التمويل كاملاً وتؤول ملكية العقار إلى صاحب الأرض
(العميل) ، وهذا التمويل وإن أطلق عليه مشاركة أشبه بالقرض الذي جر نفعاً،
حيث يتحصل البنك على نسبة من الإيراد لقاء مشاركته في التمويل خلال فترة سداد
التمويل، بجانب ذلك: فإن اشتراط البنك استرداد تمويله من خلال اقتطاع ذلك من
الإيراد أدى إلى انتفاء مفهوم المشاركة حسب المفهوم الشرعى لعقود المشاركات.
والخروج من هذه الشبهة يتمثل في اتباع مفهوم الشراكة السليم: بأن تكون
عملية المشاركة بين البنك وطالب التمويل شراكة فِعْليّة، يتحقق فيها مفهوم
المشاركة في الغنم والغرم، ولا يكون البيع لأحد طرفي العقد شرطاً أو وعداً ملزماً
أوغير ملزم ضمن شروط توفير التمويل، بل إن الشراكة تقوم على نية العمل على
تحقيق العائد على ما تم استثماره من مال من قِبَل البنك، ومال وجهد من قبل طالب
التمويل.
стр. 2068
مقال
نظرات في قضية
ترجمة معاني القرآن الكريم
(١)
بقلم: د. فهد بن محمد المالك
منذ عدة قرون كانت قضية ترجمة القرآن الكريم وعلى الأصح ترجمة معاني
القرآن الكريم من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى واحدة من القضايا التي طرحت
نفسها وبشكل كبير على الساحة الإسلامية، ولكن مع مرور الزمن لم يعد الإقدام
على مثل هذا العمل حدث الأحداث في الإسلام، ولم تعد المعارضة الحادة مجدية
في قضية أصبحت واقعاً حيّاً لا مجال لإنكاره.
وحيث إنني من المتخصصين في دراسة هذا المجال مجال ترجمة القرآن
الكريم إلى اللغات الأخرى، فسأحاول بتوفيق الله في هذا المقال إعطاء
القارئ العزيز بعض المعلومات الأساسية حول هذه القضية التي أشغلت بال وفكر
الكثيرين من المسلمين، وخصوصاً من يعملون في حقل دعوة غير العرب إلى
الإسلام.
وهدفي من كل هذا: تنبيه أهل الإسلام إلى ما يجري وما يدور حول نقل
«الكتاب العزيز» إلى مختلف الألسنة، فيسارعون بذلك إلى معالجة الضعف والوهن والخلل المتراكم في تلك الترجمات.
وليس الهدف هنا أن أثير الخلاف من جديد حول جواز الترجمة لمعاني القرآن
الكريم أو عدم جوازها، فهذا قد أجاب عليه علماؤنا منذ العصور الأولى، وليس
المقصود هو ترجيح رأي على آخر، فهذا إنما يجدي ويثمر إذا كان ما يدور الجدل
حوله ما يزال فكرة، وتحققها أو عدم تحققها يترتب على ما يرجح من رأي، فليس
الأمر من هذا القبيل، وليس من المبالغة إذا قلنا: إنه ما من لغة مكتوبة اليوم إلا
وقد ترجم إليها القرآن الكريم، ومن هذا المنطلق لم تعد القضية: هل نجيز الترجمة
أم نمنعها؟ إذ ليس في الإمكان منعها لو أردنا ذلك، فلقد غُمرت الأسواق
بالترجمات، وزاد عددها عما كان متخيلاً، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن،
وقد طرحه عليّ العديد من المهتمين:
أي الترجمات المتوفرة في الأسواق في لغة معينة أصح من غيرها وتنصحون
بها؟
والحقيقة: إن الإجابة على هذا السؤال بما تطمئن إليه النفس، غالباً ما تكون
عسيرة وصعبة، لأن ذلك يتطلب فاحصاً من نوع خاص، فاحصاً يجيد اللغة
العربية وفنونها وبلاغتها، ويجيد كذلك اللغة المترجم إليها، وتكون عنده من الثقافة
الإسلامية الأصيلة ما يمكنه من الحكم على ما تؤديه الترجمة من معنى يتفق مع
المعايير الإسلامية الصحيحة في اللغة المترجم إليها، وحتى نكون أكثر واقعية،
فإنه مهما كانت كفاءة وقوة الترجمة، فإننا لا نتوقع أن يستطيع ويتمكن المترجم من
نقل وترجمة جميع الإبداعات والمعاني البلاغية الموجودة في النص العربي، وما
ذلك إلا لقوة اللغة العربية، ويكفي في ذلك دليلاً ما ذكره أحد المتخصصين في علم
الترجمة: «لا توجد ترجمة مهما كانت مصداقيتها يمكن القول إنها ناجحة تماماً» .
لذلك: فقد وجد المترجمون الذين قاموا بترجمة معاني القرآن الكريم من اللغة
العربية مباشرة صعوبة ترجمة ونقل نفس ما هو موجود في النص العربي.
وأكبر دليل على ذلك: ما نجده في أن كثيراً من الذين قاموا بترجمة معاني
القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية مثلاً قد حاولوا الهروب من تسمية أعمالهم
«ترجمة» ، وسموا محاولاتهم أسماء أخرى، فعلى سبيل المثال: أطلق ...
«محمد مرمادوك» على عمله اسم: «معاني القرآن الكريم» ، وأطلق محمد أسد على عمله: «رسالة القرآن» ، كما أطلق الإنجليزي «آدري» على عمله
اسم: «القرآن مفسراً» .
الغرض من ترجمة معاني القرآن الكريم:
إن المقصود بترجمة القرآن الكريم هو: نقل نصوصه من اللغة العربية إلى
اللغات الأخرى، وذلك حتى يتسنى لمن لا يتقن اللغة العربية أن يتفهم ولو شيئاً
يسيراً مما في هذا الكتاب العزيز.
ولقد اختلفت أغراض المترجمين بحسب توجهاتهم الدينية ومذاهبهم الفكرية،
ويمكن تقسيم هذه الأغراض إلى نوعين من المحاولات:
أ) محاولات منصفة ومخلصة، قام بها مسلمون كان غرضهم الأساس هو
إيصال وتوضيح رسالة القرآن الكريم لمن لا يتقن اللغة العربية.
ب) محاولات غير منصفة، قام بها أُناس حاقدون على الدين الإسلامي،
وكان غرض بعضهم هو طمس معالم الدين الإسلامي الصافية والتشكيك في رسالة
الإسلام.
ومن ذلك: ما قام به بعض المترجمين المستشرقين من محاولات التشكيك في
نبوة محمد ﷺ ، وكان غرض بعضهم الآخر هو خدمة ونشر
الأفكار والمفاهيم الباطلة التي يعتنقها: مثل ما قام به بعض أدعياء الإسلام من
المترجمين الذين بثوا سموم ضلالاتهم، وانحرافاتهم في ترجماتهم، فالقادياني مثلاً:
يصوغ ترجمته بما يخدم العقيدة القاديانية، وقل مثل ذلك في المترجم الشيعي
والمترجم الصوفي.
ولعله من بدهي القول أن الترجمة هي: نقل الكلام من لغة إلى أخرى،
وتكون بإحدى طريقتين:
أ) عملية توصيل ونقل معاني القرآن الكريم من اللغة العربية إلى اللغات
الأخرى، وهذا النوع كان متبعاً حتى في زمن المصطفى ﷺ ،
وليس هناك خلاف بين علماء الإسلام حول جواز هذا النوع من الترجمة.
ب) عملية تقديم النص القرآني حرفيّاً بلغة أخرى غير العربية، وبالتالي:
تحل هذه الترجمة محل النص القرآني العربي، وحول هذا النوع يكاد يكون هناك
شبه إجماع بين علماء الإسلام المعتبرين على استحالة وعدم جواز مثل هذا النوع
من الترجمة. ويمكن عزو ذلك إلى أسباب، منها:
١- أن المرادفات الأجنبية لا تستطيع نقل الظلال التي تحملها الكلمات
والمفردات العربية.
٢- تضييق معاني القرآن الكريم إلى معانٍ ومفاهيم محددة باللغة الأخرى
سيؤدي (لا محالة) إلى فقدان واستبعاد معانٍ أساسية ومهمة.
٣- سيؤدي إبراز النص القرآني بلغة أخرى حرفيّاً إلى عدم الوضوح وإلى
نوعٍ من الغموض.
لمحة تاريخية عن تطور ترجمات معاني القرآن الكريم:
على الرغم من أنه توجد الأعداد المتوافرة من المجلدات التي تبحث وتدرس
قضايا مختلفة في علوم القرآن، إلا أنه وحتى الآن لا يوجد عمل موسع ومتخصص
في دراسة العدد الهائل والكم الوافر من ترجمات القرآن الكريم، سواء الإنجليزية
منها أو غيرها.
ولقد كان للموسوعة التي أصدرها مركز الدراسات والبحوث الإسلامية في
إسطانبول عام ١٩٨٦م دور كبير في توضيح بعض المعلومات عن ترجمة القرآن
الكريم، وعن عدد اللغات التي ترجم إليها القرآن الكريم، وعدد الترجمات في كل
لغة، وحسبما تشير إليه الموسوعة: فإن القرآن الكريم وحتى عام ١٩٨٠م ترجم
إلى ٦٥ لغة، وكانت اللغة الأوردية هي أكثر اللغات المترجم إليها؛ حيث بلغ عدد
الترجمات الأوردية (٧٧٠) ترجمة مستقلة، يلي ذلك اللغة الإنجليزية (٤٢٦)
ترجمة، ثم اللغة التركية (٣٠٤) ترجمات.
وفي الأسطر التالية سأحاول أن أعرض مسحاً تاريخيّاً لمراحل تطور ترجمة
القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية بحكم أن تخصصي يدور حول ترجمة القرآن
الكريم إلى اللغة الإنجليزية.
بدايات الترجمة كانت مشبوهة المقصد:
تشير بعض الدراسات إلى أنه لا يعرف بالتحديد من هو أول من ترجم معاني
القرآن الكريم؟ ومتى؟ وأين كان ذلك؟ وتتعذر الإجابة الأكيدة على مثل هذه
التساؤلات، على أن الشيء المؤكد هو أنه قد ظهرت محاولات ربما تكون كثيرة
لنقل القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية، وذلك بعد فتح المسلمين لبلاد الأندلس،
فمنذ ذلك الحين والرهبان الغربيون بوجه خاص يقبلون على القيام بهذا العمل بدوافع
دينية لدراسة الإسلام، والوقوف على حقيقة الكتاب الرئيس في الدين الوافد عليهم،
وذلك محاولة منهم لإيجاد ثغرات في كتاب الإسلام المجيد، أملاً منهم في الحد من
انتشاره السريع بين ذويهم.
بينما تشير بعض الدراسات الأخرى إلى أن أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم
بلغة غربية كانت باللغة اللاتينية عام ١١٤٣م، وقد قام بهذه الترجمة اثنان، وهما:
«روبرت تشستر - Rebeert of Chester» و «هرمان الدلماطي
Hermann Alemanus» ? وقد استعانا باثنين من العرب واستغرق زمن
الترجمة مدة سنتين.
وقد امتلأت هذه الترجمة بالتزييف والتحريف، وخلت تماماً من الأمانة
العلمية، وكثرت فيها الأخطاء، حتى وصفها أحد الإنجليز بأنها: «غير ناجحة
وغير مرضية؛ لأنها قدمت الأفكار اللاتينية باستخدام عبارات وكلمات تناسب
المجتمع النصراني ولا تناسب المجتمع الإسلامي» ، كما قال عنها شخص آخر:
«إنها لم تكن بوجه من الوجوه ترجمة أمينة وكاملة النص» .
هذا، وقد ظلت هذه الترجمة عدة قرون تصنف وتختصر إلى أن انتشرت
المطابع في أوروبا فقام «تيودور بلياندر Theeodor Biliander» من
(زيورخ) بطبعها في مدينة (بال) في سويسرا عام ١٥٤٣م.
وقد أبرز نشر هذه الترجمة، وبروزها للساحة دوافع كبيرة لتقديم معاني
القرآن الكريم باللغات الغربية، لذا ونتيجة لذلك فقد توالت الترجمات إلى اللغات
الأخرى في الظهور والانتشار، فظهرت ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة
الإيطالية عام ١٥٤٧م، والألمانية ١٦١٦م، والفرنسية ١٦٤٧م.
ففي عام ١٦٤٧م قام القنصل الفرنسي في مصر بعمل ترجمة لمعاني القرآن
الكريم إلى اللغة الفرنسية، إلا أن هذه الترجمة وكما وصفها «جورج سيل -
Goorge Sale» : «مليئة بالأخطاء والإضافات» ، ولقيت هذه الترجمة
كسابقتها رواجاً كبيراً وشهرة واسعة.
ولم يعرف أهل اللغة الإنجليزية القرآن الكريم إلا من خلال هذه الترجمات
اللاتينية والفرنسية حتى قام «الكسندر روس Alexander Ros» بعمل ترجمة
لمعاني الكريم باللغة الإنجليزية مأخوذة من ترجمة القنصل الفرنسي سابق الذكر
عام ١٦٤٩م، وتم طباعة هذه الترجمة الإنجليزية خمس مرات في بريطانيا ومرة واحدة
في أمريكا.
ولقد كانت هذه الترجمة مثل سابقتها اللاتينية والفرنسية ملفقة مبتورة الصلة
بالأصل الصحيح للقرآن الكريم، وكان واضحاً أن الغرض منها هو تحريف القرآن
الكريم، والحكم بتزييفه في كل صفحة من الصفحات، وكذلك تشويه صورة النبي
محمد ﷺ أمام أعين الغربيين.
وفي عام ١٦٩٨م ظهرت في إيطاليا الترجمة اللاتينية الثانية لمعاني القرآن
الكريم ومعها النص العربي، وكان قد أعدها «الأب لويس ماراكسي Father
Louis marracci» وقد ارتكزت هذه الترجمة كغيرها على دعوى أن محمداً -
ﷺ هو واضع القرآن! وأن هدفه هو إخضاع الناس له بالسيف، وتعتبر هذه الترجمة من أهم الترجمات التي اعتمدت عليها أغلب الترجمات
الإنجليزية بعد ذلك.
وفي عام ١٧٣٤م قام «جورج سيل Goorge Sale» بإخراج أشهر
ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية حتى اليوم، وسماها «قرآن
محمد» ، وقد قُدّر لهذه الترجمة أن تسود العالم الأوروبي والأمريكي قرابة قرنين من الزمن، وكان مصدره الأصيل في ترجمته هو: ترجمة «Marracci» اللاتينية سالفة الذكر؛ إلا أن هذه الترجمة مثلها مثل ترجمة «Marracci» اتسمت بالجحود والإنكار للقرآن، وكانت ترجمة متعصبة ممقوتة، تقف ضد القرآن في طولها وعرضها، وقد تم طباعة هذه الترجمة ما يزيد عن ثلاثين مرة، وتم ترجمتها من الإنجليزية إلى اللغة الدانماركية عام ١٧٤٢م، وإلى اللغة الفرنسية عام ١٧٥٠م، وإلى اللغة الألمانية عام ١٧٦٤م، وإلى اللغة الروسية عام ١٧٩٢م، وإلى اللغة السويدية عام ١٨١٤م، وإلى اللغة البلغارية عام ١٩٠٢م.
وتبعاً لذلك، فقد توالت محاولات ترجمة عديدة قام بها مترجمون إنجليز
اعتمدوا أساساً على ترجمة «Sale» المذكورة آنفاً أو على ترجمات أخرى،
ومن هذه الترجمات: ترجمة «رودويل -Rodwel» عام ١٨٦١م، وترجمة
«بالمر Balmer» عام ١٨٨٠م، وترجمة «بل- Bell» عام ١٩٣٩م، وترجمة «داود» عام ١٩٥٦م، وترجمة «آدبري» عام ١٩٥٥م، كما تتابعت أيضاً محاولات ترجمة قام بها عددٌ من المسلمين غير العرب، ومن ذلك ترجمة «عبد الكريم خان» عام ١٩٠٥م، وترجمة «مرزا عبد العزيز
» عام ١٩١١م، وترجمة «محمد علي» عام ١٩١٦م، وترجمة «عبد الله يوسف علي» المشهورة عام ١٩٣٨م، كما برزت ترجمات قام بها أشخاص غربيون دخلوا في الإسلام، ومن ذلك ترجمة «محمد مرمادوك باكثال»
عام ١٩٣٠م، وترجمة «محمد أسد» عام ١٩٨٠م.
وبعد:
فهذه بعض اللمحات حول قضية ترجمة معاني القرآن الكريم، أرجو أن أكون
قد وفقت في توضيحها لك أخي القارئ، وأعدك بحلقات أخرى قادمة إن شاء الله
تعالى أسلط الضوء فيها على بعض التنبيهات والقواعد الأساسية في ترجمة معاني
القرآن الكريم، وعلى بعض الملاحظات على بعض الترجمات المشهورة والمتداولة
في الأسواق، بغية الإرشاد إلى ما فيه خير ومنفعة الإسلام والمسلمين.
стр. 2069
مقال
المرأة.. وتخرصات التحريريين
بقلم: علي التمني
القراءة الواعية لكثير مما تنشره بعض الصحف والمجلات تكشف حملة
الأكاذيب التي تشنها هذه الأيام بعض أقلام السوء والهزيمة والتبعية في شأن المرأة
وشجونها، وذلك من قبل بعض المنابر الإعلامية التي آلت على نفسها إلا أن تكون
حرباً لا هوادة فيها على القيم الإسلامية بعامة وعلى ما يعني المرأة منه بخاصة،
لقد كان الإسلام وسيظل كريماً مع المرأة والرجل على حدّ سواء، لأنه الدين الذي
ارتضاه الخالق ليقود البشرية إلى الرفعة والسعادة والطمأنينة، خلاف
كل المبادئ الوضعية التي أغرقت الإنسان في الضياع والرذيلة والعبثية؛ الأمر
الذي أدى إلى فقدان الإنسان المعاصر على وجه التحديد لقيمة الغاية والهدف في هذه
الحياة، فأصبح الإنسان غير المؤمن بالإسلام ضائعا تائهاً بين مبادئ وأفكار
ونظريات كلها يصب في بوتقة الحسية والمادية والشهوانية بكل صورها وأبعادها،
أقول هذا لأنني والعقلاء في كل زمان ومكان على إدراك بأن الحياة لاتقوم في فهمها
على مبدأ الاختزال، اختزال المبادئ في نظرية أو مقولة كمقولة (تحرير المرأة)
على سبيل المثال والتضحية بكل معاني الحياة وجوانبها الأخرى. إن الداعين إلى
تحرير المرأة على الطريقة العلمانية (اللادينية) والداعيات إلى ذلك التوجه في
الوطن الإسلامي كذلك، إنما ينشدون محالاً من الأمر، فهم وهنّ في شقاء مستمر
في سبيل الوصول إلى مركب يجتمع فيه الخير والشر في آن، وكما قلت: فذلك
من المحال؛ إن الإسلام الذي جاء شاملاً وكاملاً من عند الله لا يمكن أن يكون
ألعوبة في أيدي هؤلاء العابثين المخربين دعاة وداعيات التحرير المزعوم، فالمرء
مخير بين أمرين لاثالث لهما: إما الإسلام كله، أو التبعية للجاهلية المعاصرة كلها، ولاخيار ثالث لهما، فليعِ هذا من أراد مناطحة الجبال.
لقد ظهرت الدعوة إلى تحرير المرأة في أوائل القرن العشرين (الميلادي «في
صور مختلفة وأساليب متعددة وإن كانت الغاية واحدة في كل الأحوال لجميع الدعاة
إلى هذا الأمر الغريب العجيب:
فهناك الوضوح السافر في الدعوة إلى تحرير المرأة وخروجها على تعاليم
ربها ومن خلال الكتب المنشورة على أوسع نطاق ككتابَي قاسم
أمين:» تحرير المرأة «و» المرأة الجديدة «.
وهناك الدعوات المستترة المترددة التي تخشى رد فعل المسلم الغيور على دين
الله القويم، وكتابات بعض كاتبات هذه الأيام في بعض المجتمعات الإسلامية التي
وقفت بكل صلابة في وجه دعاة التغريب والذوبان في الآخر غير المسلم وهي التي
تعرف بالمجتمعات المحافظة لدى بعض كتاب التغريب في تناولهم لهذه المجتمعات
المسلمة المخلصة لدينها، أقول: تبدو دعوات التحرر المستترة الخائفة المترددة تلك
في كتابات بعض كاتبات تلك المجتمعات تارة بتسفيه نص من القرآن أو من السنة؛
كتسفيه إحدى الكاتبات للحديث الصحيح حول خلق المرأة من ضلع أعوج في
مجموعة قصصية لها بعنوان (والضلع حين استوى» ! ، أو الكاتبة التي تسخر من
الحديث الصحيح «وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» في
قصة لها عنوانها (تمرد) .
ومن تلك الكتابات الداعية إلى تحرير المرأة المسلمة بل تخديرها وصولاً إلى
الهدف المنشود، وهو: إقصاء الإسلام من الحياة، تلك التي تعتمد الكذب والبهتان
بمناسبة وغير مناسبة.. التأكيد على أن الكثير من الأحكام المتعلقة بالمرأة مثل:
الحجاب الشرعي المتضمن حجب الوجه عن الأجانب والميراث، والقرار في البيت، وعدم الخروج إلا لحاجة وفق الضوابط المشروعة، وكذا الشهادة ... وغيرها من
الأمور المتعلقة بالمرأة المسلمة، هذه الأحكام عند هؤلاء ليست من الدين في شيء
رغم قناعتها بأنها من الدين وهي تحاول جاهدة وبكل ما تملك من قدرة على الإقناع
أن تغرس هذه الأغاليط والأكاذيب في عقول وأفئدة القراء، وهي في أكاذبيها تلك
إنما تحاول الإيهام بأنها ليست ضد الدين (الصحيح) ، بل ضد ما تزعم أنه ليس من
الدين في شيء، مدعية أنها بعملها ذاك إنما تخدم الدين وتذود عنه الجهلة الذين
يشوهون وجهه المشرق (سبحانك هذا بهتان عظيم) [وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا
يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ] [النور: ١٦] .
ومن صور الهجوم على المرأة المسلمة والدعوة إلى تحريرها في كتابات
أدعياء التحرير والتنوير: القول بأن ما ورد في القرآن والسنة حول المرأة أحكاماً
وآداباً ملزمة للأمة من قبيل ما تقدم في الفقرة السابقة إنما هو قشور وفروع لا قيمة
لها، ولن يترتب على تخطيها أدنى ضرر، بل إن إيقاع العصر في زعمهم يتطلب
هذا التخطي والاستبعاد لهذه الأحكام التي لم تعد صالحة لعصر الصعود إلى القمر
ودخول سباق الفضاء وعالم الحاسوب وغير ذلك، وكأن التقدم العلمي والتقني لن
يتحقق إلا على أنقاض الفضيلة والإيمان والالتزام بأحكام وقيم الإسلام الخالدة، التي
هي في الواقع لمن لم تطمس فطرته النقية ولم تذهب معالم الإيمان من نفسه هي
خير معين على العطاء والعمل والابتكار بما ينفع الناس، إنها الهزيمة النفسية
والمعنوية، حينما تحل في امرئ فإنها تفقده القدرة على التمييز بين الحق والباطل،
فيرى الحق باطلاً والباطل حقّاً، والله المستعان.
إن الهجوم على المرأة المسلمة إنما هو هجوم على قيم الإسلام، ذلك أن
الدعوة إلى تحرير المرأة إنما هو تسفيه لدينها الذي هو عصمة أمرها وهو اختيارها
ووجودها عبر أكثر من أربعمئة وألف من الأعوام، وهو الذي أخرجها من ذل
وأسر الجاهلية إلى عز الإسلام، فالدعوة التحريرية دعوة في الواقع إلى إرجاعها
إلى الذل والأسر من جديد، ودعوة إلى تحويلها إلى دمية لمجرد المتعة على
الطريقة التي يعرفها دعاة التحرير في «كان» و «هوليود» و ... حيث مسارح
الرذيلة وملاهي الخنا.
لقد ملت هذه الدعوات هناك الكثيرات من عاقلات الغرب الذي يسير دعاة
وداعيات إلى الإسلام بكل سعادة وسرور نافضات عن كواهلهن ميراث الكفر الذي
أورثهن الذل والضياع في الدنيا رغم دعاوى التحرر والمساواة التي يتشدق بها دعاة
الرذيلة الذين لا همّ لهم إلا معاقرة الخنا والجريمة عن طريق الإيقاع بالمرأة
واستدراجها بعيداً عن قلعة العفة؛ لتكون لعبة الرجل المفضلة كما يريدها أصحاب
الفجور الذين لا خلاق لهم، إن المرأة التي تنطلي عليها هذه المؤامرة واحدة من
اثنتين: جاهلة لاعلم لها بشيء على الإطلاق، لا بما يحاك ضدها ولا بأمور دينها، أو عالمة بما يدور حولها وبنتائج هذه الدعوة الخبيثة، فتكون في هذه الحالة جزءاً
من المخطط الجهنمي الذي يدبر بليل ونهار، ليس للإيقاع بالمرأة فحسب، ولكن
لتقويض الكيان الإسلامي من أساساته، ولن يتم ذلك لدعاة الهدم والتخريب بإذن الله
ثم بيقظة المخلصين، فليتدبر كل منا أمره؛ فالخطب جسيم، والهجمة شرسة،
والطريق طويل وشاق، والله المستعان.
стр. 2070
دراسات تربوية
افتقار العمل التربوي
إلى الضوابط الشرعية
محمد بن عبد الله الدويش
إن العمل التربوي على اختلاف مستوياته ضرورة لا تستغني عنها الأمة
الإسلامية، فهو الوسيلة لنقل الأحكام الشرعية من الحيز النظري إلى العمل
والتطبيق، ولقد وصف الله نبيه بأنه مربّ فقال: [هُوَ الَذِي بَعَثَ
فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا
مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [الجمعة: ٢] .
والتربية واجب الأب والمعلم والأستاذ، وواجب كل من ولاه الله مسؤولية أحد
من الناس، وواجب على مستوى الأمة جمعاء.
ولعل من منجزات الصحوة المباركة إيجاد المحاضن التربوية التي أخذت
بأيدي شباب الصحوة وناشئتها، وساهمت في حمايتهم من أبواب الشر والفساد.
وثمة اعتبارات عدة تؤكد على ضرورة إحاطة الجهود
التربوية بسياج ضوابط الشرع، منها:
أولاً: أن التربية عمل شرعي، وعبادة لله ، فلابد لها أن تحاط
بسياج الشريعة، وتضبط بضوابطها، وإن سلامة المقصد، وحسن النية، ونبل
العمل ليست مسوغاً أو مبرراً لتسور السياج الشرعي وتجاوز الضوابط.
ثانياً: التربية شأنها شأن سائر الوظائف الشرعية الأخرى (الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، الحكم بين الناس، الجهاد..) ، وهذه الوظائف لا يجادل
مجادل أنها لابد أن تضبط بالضوابط الشرعية.
ثالثاً: التربية قدوة قبل أن تكون توجيهاً، وعملاً قبل أن تكون قولاً،
والمربي ينبغي عليه أن يربي الناس بفعله قبل قوله، فحين يجاوز حدود الشرع
فكيف سيربي المُرَبّي على الورع والتقوى ورعاية حدود الله؟ وهو يرى المخالفة
الشرعية ممن يربيه ويقتدي به.
بل إنه من خلال عمله هذا يربي من وراءه على الاستهانة بالضوابط الشرعية، ويغرس لديهم الجرأة على ارتكاب المحرمات وتجاوز الحدود.
رابعاً: وكما أن المربي ينظر إليه بعين القدوة، فهناك عيون أخرى ترقبه
وتنظر إليه، فينظر إليه من الخارج بوصفه واحداً ممن يعمل للإسلام وعمله يمثل
السمت والهدي الشرعي، وربما ينظر إليه بعين تبحث عن الخطأ وتفرح به؛ وذلك
كله يدعو المربي إلى أن يتقي الله ويتحرى الضوابط الشرعية فيما يأتي ويذر.
خامساً: أن التوفيق والنجاح ليس مرده إلى الجهد البشري وحده، بل قبل ذلك
كله إلى توفيق الله وعونه وتأييده؛ وهذا التوفيق له أسباب، من أعظمها وأهمها:
رعاية العبد لحرمات الله، وما أحرى أولئك الذين يتجاوزون الحدود الشرعية بالبعد
عن توفيقه (سبحانه) وتأييده.
والمتأمل في الساحة الإسلامية يرى أن هناك تجاوزات عدة في ميدان العمل
التربوي للضوابط الشرعية تستوجب الوقوف والمراجعة.
ولعل أسباب هذه التجاوزات ما يلي:
أولاً: ضعف العلم الشرعي وقلة العناية به، فكثير من العاملين في الساحة
الإسلامية يأخذ الجانب العلمي الشرعي مرتبة متأخرة ضمن برامجهم، ولعلنا
نتساءل: ماذا قدمت فصائل العمل الإسلامي لأتباعها في ميدان البناء العلمي
الشرعي؟ بل إن الأمر تجاوز مجرد إهمال العناية بالعلم الشرعي إلى تهميش دوره
والتقليل من شأنه؛ فهو في نظر هؤلاء يشغل عن الدعوة إلى الله وهموها، أو هو
شأن الخاصة والمهتمين، أو أن العناية (باستراتيجيات) الدعوة وقضاياها الفكرية
الساخنة أولى وأصدق دلالة على عمق صاحبها! ... هذه حجج يواجه بها من يدعو
بعض العاملين للإسلام لكي يعطوا العلم الشرعي دوره اللائق به ضمن برامجهم
الدعوية.
ونحن إذ نقول ذلك لا ندعو أيضاً إلى أن يكون الجانب العلمي هو وحده الهم
الأوحد للدعاة، وأن يهمل ما سواه، ولا إلى أن يكون الدعاة فقهاء ومحدثين
ومجتهدين فحسب.
ثانياً: الغلو والمبالغة في دور المربي وواجباته وتعظيم ذلك، وهذا يؤدي إلى
نقل كثير من المناهي الشرعية إلى دائرة الضرورة؛ إذ لا تتم التربية إلا بذلك،
فهو بحاجة لمعرفة معلومات دقيقة عمن يربيه، والاطلاع على كوامن نفسه، وإلى
عدم الوقوف عند حدود الظاهر..
وحين يعطى هذا الجانب أكثر من حقه فسيشعر المربي أن الضوابط الشرعية
ستقف عائقاً دون تأدية أدوار كثيرة فيضطر لتجاوزها.
ثالثاً: ضعف الورع والانضباط الشرعي، وهو باب بُلي به كثير من الناس
في هذا الزمان، ومن يضعف ورعه ويرق دينه ربما تجرأ على ما يعلم علم اليقين
أنه محرم، أو تهاون فيما يستريب منه، أو يغلبه هواه.
رابعاً: الإغراق في التنظير والأسباب المادية والغفلة عن الإخلاص لله
، واستحضار النية، والشعور بأن العمل عبادة لله وحده.
ولا نعني أن يهمل الدعاة إلى الله الأخذ بهذه الأسباب، فهي مما لابد منه،
لكن ينبغي ألا ينسينا ذلك استحضار النية والعبادة في هذا العمل.
من صور الإخلال بالضوابط الشرعية:
أولاً: الاتكاء والاعتماد على القواعد الشرعية العامة المجملة دون النظر
للنصوص الخاصة في المسألة , والشريعة باب واحد لا يمكن أن تتناقض أو تضطرب، والقواعد العامة للشرع إنما تفهم في إطار سائر النصوص، وتسليط الأفهام البشرية عليها يؤدي إلى فوضى واستهانة بحدود الله.
ومن أهم هذه القواعد مراعاة المصلحة، إذ كثيرٌ من المخالفات العظام في
الساحة الإسلامية تجرأ عليها أصحابها، وللأسف باسم المصلحة، وهو المنهج نفسه
الذي يسلكه بعض علماء السوء وأهل الأهواء في تبرير مواقف بعض الطواغيت.
إن جلب المصلحة ودرء المفسدة قاعدة شرعية عظيمة لا جدال فيها ولا نقاش، لكنها يجب أن تكون ضمن ضوابط، من أهمها: ألا تخالف نصّاً أو حكماً شرعيّاً، وإلا كانت مصلحة ملغاة، ومما قد يمارسه بعض المربين باسم المصلحة:
التجسس، والاستماع لحديث الآخرين دون علمهم، والاطلاع على ما يخصهم دون
إذنهم ... كل هذه الأمور محرمة شرعاً، لا تبيح المصلحة والتربية تجاوز هذه
الحقوق إلا في أحوال خاصة.
فتجرؤ بعض المربين على تجاوز هذه الحدود الشرعية باسم المصلحة
وضرورة التربية داخل في عموم قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً
مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ] [الحجرات: ١٢] ،
وقوله: «من تحلم بحلم لم يره كُلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن
استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة» [١] .
ثانياً: عدم وضوح قضية الظاهر والباطن:
من القواعد الشرعية أخذ الناس بظواهرهم وعدم التنقيب عما وراء ذلك، وما
سبق من النهي عن التجسس والتطلع داخل ضمن هذه القاعدة، ولهذا قال: «إني
لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس» [٢] ، وقال أيضاً: «يا معشر من آمن بلسانه
ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع
عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته» [٣] .
وقال أيضاً لمعاوية: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت
تفسدهم» [٤] .
وينهى ﷺ الرجل أن يطرق أهله ليلاً، معللاً ذلك بقوله:
«يتخونهم أو يلتمس عثراتهم» [٥] .
وتدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى التطلع ومحاولة معرفة ما وراء
الظاهر، والدافع لذلك كله حسن ولا شك؛ فهو يسعى للتربية والإصلاح، ويخشى
أن يغتر بالمظاهر، فيريد قياس نتاج تربيته، لكن ذلك كله لا يجوز أو يسوغ أن
يكون على حساب الضوابط الشرعية.
ومما يعين المربي على الاقتناع بهذا المسلك، وتجاوز التطلع: علمه أنه غير
مكلف شرعاً بسوى ما يظهر له، وأن النبي ﷺ نفسه كان يقول: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بالحجة من بعض فأقضي له بنحو
ما أسمع» [٦] .
إن المربي ينبغي أن يحرص على إصلاح القلوب ومخاطبة الباطن والدعوة
لتنقية السرائر، لكنه بعد ذلك يبقى يتعامل مع الظاهر لا مع السرائر.
ثالثاً: التهاون بحجة مسائل الاجتهاد:
ثمة قضايا كثيرة ضمن الوسائل الدعوية والتربوية اختلف فيها أهل العلم حلاّ
وحرمة، ولكل منهم مأخذه ودليله، فهي دائرة ضمن مسائل الاجتهاد.
والأمر في مسائل الاجتهاد واسع، ولا يسوغ في ذلك الإنكار والإغلاط
والتهارج، لكن ذلك قد يشعر بعض المربين أن هذه المسائل ما دامت ضمن مسائل
الاجتهاد فالأمر فيها مفتوح على مصراعيه دون ضوابط، فيسلك فيها ما يتناسب
معه دون أي اعتبار لأمر آخر.
ولا شك أن كون المسألة من مسائل الاجتهاد لا يسوغ أن يتبع فيها المرء ما
يحلو له، بل لابد أن يتحرى ويجتهد في اتباع ما يؤدي إليه الدليل الشرعي وليس
هذا مقام بسط هذه المسألة.
رابعاً: إهمال الورع الشرعي الواجب:
ومن صور ذلك:
التوسع في الوقوع في الأعراض، فقد تدعو طبيعة العمل التربوي إلى
الحديث عن قضايا خاصة للمتربين وانتقادهم، وقد يتحدث بعض الأساتذة عن
طالب معين بما يكرهه، والأصل في ذلك كله هو المنع والتحريم إذ هو داخل تحت
النصوص التي تحرم الغيبة وتشدد فيها، بل تجعل حرمة أعراض المسلمين كحرمة
الشهر الحرام والبلد الحرام إلا ما كان له حاجة ومصلحة شرعية واضحة.
ومن أخطر هذه الأبواب ما يتعلق بقضايا الأعراض، إذ قد يصارح تلميذ
أستاذه ومربيه بمشكلة تتعلق بهذا الباب فيتجرأ هذا المربي على الحديث عنها لغيره
بما لا ضرورة له، ولا يسوغ أن تكون المحاضن التربوية ميداناً تلاك فيه
الأعراض، وتنتهك فيه الحرمات.
وبعد:
ونحن إذ نتحدث عن مثل هذه الأخطاء والتجاوزات فيجب أن نعتدل ونتوسط، فلا يسوغ أن تكون مجالاً للتندر وانتقاص العاملين لله، أو أن تحول إلى معول
هدم للصروح التربوية وسعي إلى القضاء عليها بحجة الانضباط الشرعي.
وندرك أيضاً أن الكثير ممن يقع في مثل هذه التجاوزات إنما أُتي من باب
الغفلة والذهول عن مراعاتها، لا من قبل رقة الدين، بل أكثرهم خير وأتقى لله من
كثيرين منا.
كما ندرك أيضاً المنجزات الرائعة التي قدمها هؤلاء المربون، نسأل الله أن
يجعل ذلك في موازين حسناتهم، وأن يبارك في جهودهم، ويكلل أعمالهم بالتأييد
والنجاح والتوفيق.