خواطر في الدعوة
اللهم إني أشكو إليك عُجري وبجري
محمد العبدة
شكوى يجأر بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما عاناه
من الأقربين قبل الأبعدين، فكم عانى من المشاغبين في صفوفه الذين جرعوه
الغصص، وحملوه الهموم والأحزان، وشوشوا عليه رأيه، وذلك لكثرة اختلافهم
عليه، وكثرة آرائهم واقتراحاتهم، وكم كان موفقاً مَنْ أشار عليه بألا يترك المدينة
النبوية حيث القاعدة الصلبة التي شكلت المجتمع الإسلامي الأول.
إن هذه الدعوة لايقوى على حملها أصحاب النفوس المريضة والأساليب
الملتوية، الذين ألفوا الجدل وحب المخالفة، واستهوتهم الزعامة ولكنها متسترة باسم
المخالفات الاجتهادية وباسم الحرص على نجاح الدعوة.
وإننا في هذه الأيام أجدر من أمير المؤمنين بالشكوى، لما نعانيه من شباب
لمّا يذوقوا طعم العلم، وراحوا يفتون ويتصدرون، فلا تأدبوا بآداب العلم ولا تخلقوا
بأخلاق العلماء. ومن شباب ضاق ذرعاً بواقع المسلمين الأليم، فاستفزه الواقع في
تعجل الحل، وعندما أعيته الأمور، ووقع في مشكلات صعبة ليس من السهل
الخروج منها، راح يبرر فعلته بنصوص مقطوعة من هنا وهناك، وأبى الاعتراف
بالخطأ والرجوع للحق.
ومن شباب فيهم خير كثير، وفيهم ذكاء وعلم، ولكنهم وضعوا كل إمكاناتهم
في خدمة (مستقبلهم المعيشي) ، فهم خائفون مضطربون لاينتهي أحدهم من درجة
علمية حتى يطلب غيرها (ولو لم تكن في اختصاصه) ويتقن أمور دنياه التي توصله
إلى مايريد، ولكنه لم يتقن أمور دينه بالدرجة نفسها. ومن شباب لايظهر قدرة الله
فيه، ولاينطلق إلى آفاق أوسع، فآماله قصيرة وآلامه قليلة، وهمته ضعيفة.
ونشكو من شيوخ قد أقعدتهم المحن المتوالية والفشل المتراكم عن الاستمرار
في الدعوة والمطاولة والمصابرة، فانزووا على أنفسهم يتذكرون الماضي وما
أصابهم من الصديق قبل العدو، فأورثهم ذلك عُقداً مستعصية، وإذا كلمته في شأن
من شؤون الدعوة نظر إليك بابتسامة ساخرة، وكأنة يقول: ليس ثَمّة فائدة.
ومن شيوخ يريدون من الشباب أن يسيروا بسيرهم ويفكروا بتفكيرهم،
ولايراعون ظروفاً جديدة ولا تغيرات طرأت، ولاتحولات فكرية، ولم يتابعوا
الأحداث وما ولدت، فكأنهم يعيشون الخمسينات أو الستينات، وهذا مما يجعل
الشباب محنقاً ثائراً، لايستفيد من تجربة ولايسمع إلى قول، ويبدأ من حيث انتهى
الآخرون، وربما أدى ذلك إلى الطيش والتهور.
هل هذا يأس؟ !
كلا، بل الخير في الأمة الإسلامية كثير، ويحتاج إلى من يملك مفاتيح هذا
الخير، ويقدر على فتح الأبواب المغلقة.
стр. 2067
دراسات اقتصادية
وقفات متأنية مع
عمليات التمويل في البنوك الإسلامية
(٤)
المشاركة المنتهية بالتمليك
د. محمد بن عبد الله الشباني
من الأساليب التي تتبعها بعض البنوك الإسلامية في تمويل الاحتياجات
الاستثمارية ما يعرف بالمشاركة المنتهية بالتمليك، ويطلق أحياناً على هذا النوع من
التمويل المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك، أو المشاركة التنازلية [١] .
والكيفية التي يتم بها هذا النوع من التمويل تقوم على أساس عقد مكتوب يتم
بمقتضاه تأسيس علاقة تعاقدية بين البنك كشريك ممول بجزء من المال والعميل
كشريك ممول بالجزء الآخر من المال، بجانب تقديمه الجهد والعمل اللازم لإدارة
النشاط الاقتصادي، بموجب هذا العقد يتناقص حق البنك كشريك بشكل تدريجي
يتناسب تناسباً طرديّاً مع ما يقوم العميل بسداده للبنك من قيمة التمويل المقدم،
وبالتالي: كلما قام العميل بشراء جزء من نصيب البنك في التحويل كلما تناقصت
نسبة البنك في المشاركة، وهكذا حتى يصبح نصيب البنك من المشاركة صفراً،
وتتحول ملكية المشاركة للعميل بالكامل في نهاية فتره المشاركة المنصوص عليها
في العقد.
تأخذ صيغة التعامل بهذا النوع من التحويل
عدة أشكال، أهمها ما يلي: [٢]
الصيغة الأولى: يتم إحلال العميل محل البنك بعقد مستقل، وبعد إتمام عملية
التعاقد الخاص بعملية المشاركة الأصلية، وتعطي هذه الصيغة الحرية الكاملة لكلا
الطرفين في التصرف ببيع حصته من رأس مال الشراكة إلى الطرف الآخر أو إلى
غيره.
الصيغة الثانية: يتم بموجبها الاتفاق بين البنك وعميله المشارك على حصول
البنك على حصة نسبية من صافي الدخل أو العائد المتحقق فعلاً في إطار مبلغ يتفق
عليه، ليكون ذلك الجزء مخصصاً لسداد أصل ما قدمه البنك من تمويل، أي: إنه
يتم تقسيم الإيراد المتحقق إلى ثلاثة: الأول: حصة البنك كعائد للتمويل، والثاني:
حصة الشريك كعائد لعمله، والثالث: حصة البنك لسداد أصل مبلغ التمويل
المشارك في رأسمال المشاركة.
الصيغة الثالثة: يتم بموجبها الاتفاق بين البنك وعميله المشارك على تحديد
نصيب لكل منهما في شكل أسهم محدده القيمة يمثل مجموعها إجمالي قيمة المشروع
أو العملية موضوع المشاركة، ويحصل كل شريك على حصة من الإيراد المتحقق
فعلاً ما دامت الشراكة قائمة وتعمل، ويحق للعميل المشارك إذا ما رأى ذلك مناسباً، أو وفقاً لرغبته أن يشتري من البنك بعض الأسهم المملوكة للبنك في نهاية كل
فترة أو سنة مالية، بحيث تتناقص أسهم البنك بشكل تدريجي بمقدار ما يشتري
العميل المشارك من أسهم البنك، وتزداد حصة العميل المشارك إلى أن يمتلك
الأسهم كلها؛ فيصبح المشروع ملكه بالكامل.
الصورة التطبيقة لهذا النوع من التمويل تتمثل في قيام البنك بتمويل بناء
أرض مملوكة للعميل، أو شراء أصل، مثل سيارة، يتولى العميل العمل عليها،
على أن يأخذ البنك نسبة من الدخل الصافي، والباقي من صافي الدخل يتم تقسيمه
إلى ثلاثة أقسام: قسم للعميل مقابل إدارته وتشغيله للأصل، وقسم للبنك كعائد
لاستثماره، وقسم يتم خصمه من قيمة الأصل بحيث يتم تناقص قيمة تمويل الأصل
إلى أن تنتهي قيمة الأصل وتعود ملكيته إلى العميل.
طبيعة العلاقة ما بين البنك والعميل قائمة على أن البنك يتولى التمويل وينال
نسبة من العائد لقاء تمويله، ويقوم العميل بالسداد من الدخل الناتج عن هذه
المشاركة إلى أن يتم سداد كامل ما قام البنك بدفعه لتمويل هذه المشاركة مع ربح
يضاف إلى قيمة البيع، فمثلاً: لو أن البنك قام بشراء سيارة بقيمة عشرة آلاف
ريال، يقوم ببيعها في نهاية مدة ثلاث سنوات باثني عشر ألف ريال، يتم سدادها
من صافي الدخل بعد خصم نسبة من هذا الدخل للبنك، ونسبة لسائق السيارة
(المالك لها مستقبلاً) ، والباقي يمثل القسط السنوي، فلو فرض أن صافي دخل
السيارة ستة آلاف ريال واتفق أن للبنك ١٠% من صافي الدخل (أي: ستمئة ريال)
كعائد لاستثماره، والباقى (أي: خمسة آلاف وأربعمئة) يأخذ السائق (العميل) منها
ثلاثة آلاف لقاء قيامه على إدارتها وتشغيلها والباقي (مقداره: ألفان وأربعمئة) تمثل
القسط السنوي، وبعد اكتمال مبلغ عشرة آلاف ريال الممثل لقيمة السيارة تنتقل
ملكية السيارة إلى السائق (العميل) .
والصيغ الثلاث يمكن تطبيقها على الحالة المشار إليها، إما على أساس عقدين
منفصلين (عقد مشاركة بين البنك والعميل (السائق) وعقد بيع للسيارة بسعر اثني
عشر ألف ريال) على أن يتم سداد هذه القيمة من الإيراد، وإما يكون ضمن صيغة
عقد واحد يوجب عند الانتهاء من سداد التمويل انتقال الملكية في نهاية المدة المحددة
للمشاركة إلى العميل (السائق «، وإما أن يتم تحديد المشاركة بصيغة أسهم قيمتها
عشرة آلاف ريال يقوم العميل (السائق) بشراء عدد منها على أن يحق له شراء
أسهم البنك أو جزءٍ منها في نهاية كل سنة مالية بحيث تنتهي المشاركة بتمليك
العميل جميع نصيب البنك من الأسهم.
الشبهات التي تثار ضد هذا النوع من التمويل تأخذ جانبين:
الجانب الأول: أن المشاركة ليست الهدف من عملية التمويل؛ فالمشاركة ما
بين العميل والبنك ليست الغاية من عملية التمويل، وإنما الهدف هو توفير المال
للعميل، وهذا النوع من المشاركات يمارس من قبل بعض البنوك الإسلامية بقصد
توفير المال اللازم للمشروعات العقارية، حيث يحتاج صاحب العقار إلى تمويل
لإكمال مشروعه العقاري، فالقصد من عملية التمويل ليست المشاركة والحصول
على العائد من هذه المشاركة، وإنما القصد الحصول على عائد للمال الذي قام البنك
بتوفيره للعميل.
الجانب الثاني: أن هذا الأسلوب اشتمل على شبهة قرض جر نفعاً على
أساس شرط عقد في عقد؛ فهناك عقد مشاركة وعقد بيع، فهو في حقيقته قرض
يأخذ شكل المشاركة، فالمشاركة مربوطة بنسبة من الربح للبنك لقاء التمويل وحجز
جزء من نصيب العميل من هذا العائد لقاء سداد التمويل.
إن هذا النوع من التمويل يثير شبهتين: شبهة قرض جر نفعاً، وشبهة شرط
عقد في عقد، فهو عقد مشاركة وعقد بيع في آن واحد، وقد ذكر ابن قدامة في
(المغني) منع هذا النوع من التعامل، فقال ما نصه:» وإن شرط في القرض أن
يؤجر داره، أو يبيعه شيئاً، أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى.. لم يجز؛ لأن
النبي نهى عن بيع وسلف، ولأنه شرط عقد في عقد، فلم يجز؛ كما لو باعه داره
بشرط أن يبيعه الآخر داره، وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها، أو على
أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها، أو أن يهدي له هدية ويعمل له عملاً..
كان أبلغ في التحريم « [٣] . فالبنك يشترط أخذ نسبة من الدخل كما أنه يقتطع
جزءاً من الدخل، حتى يستوفي ما قام بتمويله، فالغرض هو تمويل العقار أو شراء
السيارة أو أي أصل من الأصول التي تُدر دخلاً، فليس الغرض من عملية
المشاركة الحصول على عائد المشاركة بشكل مستمر، وعند الرغبة في إنهاء
المشاركة يتم البيع للعميل عند الرغبة، بحيث لا يقتصر البيع عليه فقط، وإنما
يكون البيع متاحاً للغير، ويتحمل البنك ما ينتج عن ذلك من خسارة أو ربح، أي:
إن البنك يدخل في الغنم والغرم.
وهذا هو ما يشار إليه في العقود، ولكن ما يتم في الواقع هو أن العميل هو
الذي يقوم بعملية الشراء.. وعليه: فإن العبرة في العقود بالمقاصد وليس بشكلياتها
أو صيغها، ولولا ضمان العميل بأن البيع سيتم له لما قبل هذه المشاركة، وعليه:
فهذا الأسلوب من التعامل يخفي خلفه الربا المبطن.
إن اشتراط أن يتم بيع نصيب البنك من المشاركة كجزء من عملية التعامل
سواء أتم البيع بعقدين منفصلين أو بعقد واحد أو بوعد بالبيع من قبل البنك ووعد
بالشراء من قبل العميل (طالب التمويل) ، فهذا الشرط باطل والبيع فاسد؛ والعلة
في فساد البيع: ما رواه أبو هريرة ﵁ :» نهى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- عن بيعتين في بيعة « [٤] ومارواه عبد الله بن عمرو عن النبي -
ﷺ أنه قال:» لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما
ليس عندك « [٥] وقد حدد ابن قدامة مفهوم بيعتين في بيعة بقوله:» مثل أن يقول
بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني دارك، أو
على أن أُؤجرك، أو على أن تؤجرني كذا، أو على أن تزوجني ابنتك، أو على
أن أزوجك ابنتي.. ونحو هذا، فهذا كله لايصح؛ قال ابن مسعود: «الصفقتان
في صفقة ربا» وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، وجوزه
مالك « [٦] وقد علل فساد هذا العقد بقوله:» إن النهي يقتضي الفساد، ولأن العقد لا يجب بالشرط لكونه لا يثبت في الذمة فيسقط، فيفسد العقد؛ لأن البائع لم يرض به إلا بذلك الشرط، فإذا فات فات الرضا به، ولأنه شرط عقداً في عقد لم يصح، كنكاح الشغار « [٧] .
ووجه المقارنة بين عقود المشاركة المنتهية بالتمليك بهذا النوع من البيوع
الفاسدة هو أن عقد الشراكة مرتبط بعقد البيع؛ فطالب التمويل لا يقبل بمشاركة
البنك إلا إذا التزم بأن يقوم البنك ببيع نصيبه من المشاركة خلال فترة زمنية محددة، ويقتطع هذا السداد من نصيب العميل من الدخل، كما أن البنك لا يقبل بالقيام
بالتمويل إلا إذا حصل على نسبة من الإيراد مقابل التمويل، وقد ضمن بيع
مشاركته للعميل في نهاية فترة سداد التمويل.
ومن أجل توضيح ما أوردوه أطرح المثال التالي لتقريب الصورة للقارئ:
فلو أن شخصاً يمتلك أرضاً ويرغب في بنائها من أجل الحصول على عائد من
تأجيرها، وتقدم للبنك بطلب التمويل على أن يتم سداد قيمة التمويل من الإيراد
المتوقع من تأجير العقار بعد البناء، على أن يكون للبنك لقاء التمويل ١٥% من
الإيراد، والباقي لصاحب الأرض، على أن يتم سداد التمويل من الإيراد، المتحقق
من هذا العقار، ويأخذ شكل التعامل صيغة المشاركة المنتهية بالتمليك، بحيث يتم
في نهاية فترة زمنية استرداد التمويل كاملاً وتؤول ملكية العقار إلى صاحب الأرض
(العميل) ، وهذا التمويل وإن أطلق عليه مشاركة أشبه بالقرض الذي جر نفعاً،
حيث يتحصل البنك على نسبة من الإيراد لقاء مشاركته في التمويل خلال فترة سداد
التمويل، بجانب ذلك: فإن اشتراط البنك استرداد تمويله من خلال اقتطاع ذلك من
الإيراد أدى إلى انتفاء مفهوم المشاركة حسب المفهوم الشرعى لعقود المشاركات.
والخروج من هذه الشبهة يتمثل في اتباع مفهوم الشراكة السليم: بأن تكون
عملية المشاركة بين البنك وطالب التمويل شراكة فِعْليّة، يتحقق فيها مفهوم
المشاركة في الغنم والغرم، ولا يكون البيع لأحد طرفي العقد شرطاً أو وعداً ملزماً
أوغير ملزم ضمن شروط توفير التمويل، بل إن الشراكة تقوم على نية العمل على
تحقيق العائد على ما تم استثماره من مال من قِبَل البنك، ومال وجهد من قبل طالب
التمويل.
стр. 2068
مقال
نظرات في قضية
ترجمة معاني القرآن الكريم
(١)
بقلم: د. فهد بن محمد المالك
منذ عدة قرون كانت قضية ترجمة القرآن الكريم وعلى الأصح ترجمة معاني
القرآن الكريم من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى واحدة من القضايا التي طرحت
نفسها وبشكل كبير على الساحة الإسلامية، ولكن مع مرور الزمن لم يعد الإقدام
على مثل هذا العمل حدث الأحداث في الإسلام، ولم تعد المعارضة الحادة مجدية
في قضية أصبحت واقعاً حيّاً لا مجال لإنكاره.
وحيث إنني من المتخصصين في دراسة هذا المجال مجال ترجمة القرآن
الكريم إلى اللغات الأخرى، فسأحاول بتوفيق الله في هذا المقال إعطاء
القارئ العزيز بعض المعلومات الأساسية حول هذه القضية التي أشغلت بال وفكر
الكثيرين من المسلمين، وخصوصاً من يعملون في حقل دعوة غير العرب إلى
الإسلام.
وهدفي من كل هذا: تنبيه أهل الإسلام إلى ما يجري وما يدور حول نقل
«الكتاب العزيز» إلى مختلف الألسنة، فيسارعون بذلك إلى معالجة الضعف والوهن والخلل المتراكم في تلك الترجمات.
وليس الهدف هنا أن أثير الخلاف من جديد حول جواز الترجمة لمعاني القرآن
الكريم أو عدم جوازها، فهذا قد أجاب عليه علماؤنا منذ العصور الأولى، وليس
المقصود هو ترجيح رأي على آخر، فهذا إنما يجدي ويثمر إذا كان ما يدور الجدل
حوله ما يزال فكرة، وتحققها أو عدم تحققها يترتب على ما يرجح من رأي، فليس
الأمر من هذا القبيل، وليس من المبالغة إذا قلنا: إنه ما من لغة مكتوبة اليوم إلا
وقد ترجم إليها القرآن الكريم، ومن هذا المنطلق لم تعد القضية: هل نجيز الترجمة
أم نمنعها؟ إذ ليس في الإمكان منعها لو أردنا ذلك، فلقد غُمرت الأسواق
بالترجمات، وزاد عددها عما كان متخيلاً، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن،
وقد طرحه عليّ العديد من المهتمين:
أي الترجمات المتوفرة في الأسواق في لغة معينة أصح من غيرها وتنصحون
بها؟
والحقيقة: إن الإجابة على هذا السؤال بما تطمئن إليه النفس، غالباً ما تكون
عسيرة وصعبة، لأن ذلك يتطلب فاحصاً من نوع خاص، فاحصاً يجيد اللغة
العربية وفنونها وبلاغتها، ويجيد كذلك اللغة المترجم إليها، وتكون عنده من الثقافة
الإسلامية الأصيلة ما يمكنه من الحكم على ما تؤديه الترجمة من معنى يتفق مع
المعايير الإسلامية الصحيحة في اللغة المترجم إليها، وحتى نكون أكثر واقعية،
فإنه مهما كانت كفاءة وقوة الترجمة، فإننا لا نتوقع أن يستطيع ويتمكن المترجم من
نقل وترجمة جميع الإبداعات والمعاني البلاغية الموجودة في النص العربي، وما
ذلك إلا لقوة اللغة العربية، ويكفي في ذلك دليلاً ما ذكره أحد المتخصصين في علم
الترجمة: «لا توجد ترجمة مهما كانت مصداقيتها يمكن القول إنها ناجحة تماماً» .
لذلك: فقد وجد المترجمون الذين قاموا بترجمة معاني القرآن الكريم من اللغة
العربية مباشرة صعوبة ترجمة ونقل نفس ما هو موجود في النص العربي.
وأكبر دليل على ذلك: ما نجده في أن كثيراً من الذين قاموا بترجمة معاني
القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية مثلاً قد حاولوا الهروب من تسمية أعمالهم
«ترجمة» ، وسموا محاولاتهم أسماء أخرى، فعلى سبيل المثال: أطلق ...
«محمد مرمادوك» على عمله اسم: «معاني القرآن الكريم» ، وأطلق محمد أسد على عمله: «رسالة القرآن» ، كما أطلق الإنجليزي «آدري» على عمله
اسم: «القرآن مفسراً» .
الغرض من ترجمة معاني القرآن الكريم:
إن المقصود بترجمة القرآن الكريم هو: نقل نصوصه من اللغة العربية إلى
اللغات الأخرى، وذلك حتى يتسنى لمن لا يتقن اللغة العربية أن يتفهم ولو شيئاً
يسيراً مما في هذا الكتاب العزيز.
ولقد اختلفت أغراض المترجمين بحسب توجهاتهم الدينية ومذاهبهم الفكرية،
ويمكن تقسيم هذه الأغراض إلى نوعين من المحاولات:
أ) محاولات منصفة ومخلصة، قام بها مسلمون كان غرضهم الأساس هو
إيصال وتوضيح رسالة القرآن الكريم لمن لا يتقن اللغة العربية.
ب) محاولات غير منصفة، قام بها أُناس حاقدون على الدين الإسلامي،
وكان غرض بعضهم هو طمس معالم الدين الإسلامي الصافية والتشكيك في رسالة
الإسلام.
ومن ذلك: ما قام به بعض المترجمين المستشرقين من محاولات التشكيك في
نبوة محمد ﷺ ، وكان غرض بعضهم الآخر هو خدمة ونشر
الأفكار والمفاهيم الباطلة التي يعتنقها: مثل ما قام به بعض أدعياء الإسلام من
المترجمين الذين بثوا سموم ضلالاتهم، وانحرافاتهم في ترجماتهم، فالقادياني مثلاً:
يصوغ ترجمته بما يخدم العقيدة القاديانية، وقل مثل ذلك في المترجم الشيعي
والمترجم الصوفي.
ولعله من بدهي القول أن الترجمة هي: نقل الكلام من لغة إلى أخرى،
وتكون بإحدى طريقتين:
أ) عملية توصيل ونقل معاني القرآن الكريم من اللغة العربية إلى اللغات
الأخرى، وهذا النوع كان متبعاً حتى في زمن المصطفى ﷺ ،
وليس هناك خلاف بين علماء الإسلام حول جواز هذا النوع من الترجمة.
ب) عملية تقديم النص القرآني حرفيّاً بلغة أخرى غير العربية، وبالتالي:
تحل هذه الترجمة محل النص القرآني العربي، وحول هذا النوع يكاد يكون هناك
شبه إجماع بين علماء الإسلام المعتبرين على استحالة وعدم جواز مثل هذا النوع
من الترجمة. ويمكن عزو ذلك إلى أسباب، منها:
١- أن المرادفات الأجنبية لا تستطيع نقل الظلال التي تحملها الكلمات
والمفردات العربية.
٢- تضييق معاني القرآن الكريم إلى معانٍ ومفاهيم محددة باللغة الأخرى
سيؤدي (لا محالة) إلى فقدان واستبعاد معانٍ أساسية ومهمة.
٣- سيؤدي إبراز النص القرآني بلغة أخرى حرفيّاً إلى عدم الوضوح وإلى
نوعٍ من الغموض.
لمحة تاريخية عن تطور ترجمات معاني القرآن الكريم:
على الرغم من أنه توجد الأعداد المتوافرة من المجلدات التي تبحث وتدرس
قضايا مختلفة في علوم القرآن، إلا أنه وحتى الآن لا يوجد عمل موسع ومتخصص
في دراسة العدد الهائل والكم الوافر من ترجمات القرآن الكريم، سواء الإنجليزية
منها أو غيرها.
ولقد كان للموسوعة التي أصدرها مركز الدراسات والبحوث الإسلامية في
إسطانبول عام ١٩٨٦م دور كبير في توضيح بعض المعلومات عن ترجمة القرآن
الكريم، وعن عدد اللغات التي ترجم إليها القرآن الكريم، وعدد الترجمات في كل
لغة، وحسبما تشير إليه الموسوعة: فإن القرآن الكريم وحتى عام ١٩٨٠م ترجم
إلى ٦٥ لغة، وكانت اللغة الأوردية هي أكثر اللغات المترجم إليها؛ حيث بلغ عدد
الترجمات الأوردية (٧٧٠) ترجمة مستقلة، يلي ذلك اللغة الإنجليزية (٤٢٦)
ترجمة، ثم اللغة التركية (٣٠٤) ترجمات.
وفي الأسطر التالية سأحاول أن أعرض مسحاً تاريخيّاً لمراحل تطور ترجمة
القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية بحكم أن تخصصي يدور حول ترجمة القرآن
الكريم إلى اللغة الإنجليزية.
بدايات الترجمة كانت مشبوهة المقصد:
تشير بعض الدراسات إلى أنه لا يعرف بالتحديد من هو أول من ترجم معاني
القرآن الكريم؟ ومتى؟ وأين كان ذلك؟ وتتعذر الإجابة الأكيدة على مثل هذه
التساؤلات، على أن الشيء المؤكد هو أنه قد ظهرت محاولات ربما تكون كثيرة
لنقل القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية، وذلك بعد فتح المسلمين لبلاد الأندلس،
فمنذ ذلك الحين والرهبان الغربيون بوجه خاص يقبلون على القيام بهذا العمل بدوافع
دينية لدراسة الإسلام، والوقوف على حقيقة الكتاب الرئيس في الدين الوافد عليهم،
وذلك محاولة منهم لإيجاد ثغرات في كتاب الإسلام المجيد، أملاً منهم في الحد من
انتشاره السريع بين ذويهم.
بينما تشير بعض الدراسات الأخرى إلى أن أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم
بلغة غربية كانت باللغة اللاتينية عام ١١٤٣م، وقد قام بهذه الترجمة اثنان، وهما:
«روبرت تشستر - Rebeert of Chester» و «هرمان الدلماطي
Hermann Alemanus» ? وقد استعانا باثنين من العرب واستغرق زمن
الترجمة مدة سنتين.
وقد امتلأت هذه الترجمة بالتزييف والتحريف، وخلت تماماً من الأمانة
العلمية، وكثرت فيها الأخطاء، حتى وصفها أحد الإنجليز بأنها: «غير ناجحة
وغير مرضية؛ لأنها قدمت الأفكار اللاتينية باستخدام عبارات وكلمات تناسب
المجتمع النصراني ولا تناسب المجتمع الإسلامي» ، كما قال عنها شخص آخر:
«إنها لم تكن بوجه من الوجوه ترجمة أمينة وكاملة النص» .
هذا، وقد ظلت هذه الترجمة عدة قرون تصنف وتختصر إلى أن انتشرت
المطابع في أوروبا فقام «تيودور بلياندر Theeodor Biliander» من
(زيورخ) بطبعها في مدينة (بال) في سويسرا عام ١٥٤٣م.
وقد أبرز نشر هذه الترجمة، وبروزها للساحة دوافع كبيرة لتقديم معاني
القرآن الكريم باللغات الغربية، لذا ونتيجة لذلك فقد توالت الترجمات إلى اللغات
الأخرى في الظهور والانتشار، فظهرت ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة
الإيطالية عام ١٥٤٧م، والألمانية ١٦١٦م، والفرنسية ١٦٤٧م.
ففي عام ١٦٤٧م قام القنصل الفرنسي في مصر بعمل ترجمة لمعاني القرآن
الكريم إلى اللغة الفرنسية، إلا أن هذه الترجمة وكما وصفها «جورج سيل -
Goorge Sale» : «مليئة بالأخطاء والإضافات» ، ولقيت هذه الترجمة
كسابقتها رواجاً كبيراً وشهرة واسعة.
ولم يعرف أهل اللغة الإنجليزية القرآن الكريم إلا من خلال هذه الترجمات
اللاتينية والفرنسية حتى قام «الكسندر روس Alexander Ros» بعمل ترجمة
لمعاني الكريم باللغة الإنجليزية مأخوذة من ترجمة القنصل الفرنسي سابق الذكر
عام ١٦٤٩م، وتم طباعة هذه الترجمة الإنجليزية خمس مرات في بريطانيا ومرة واحدة
في أمريكا.
ولقد كانت هذه الترجمة مثل سابقتها اللاتينية والفرنسية ملفقة مبتورة الصلة
بالأصل الصحيح للقرآن الكريم، وكان واضحاً أن الغرض منها هو تحريف القرآن
الكريم، والحكم بتزييفه في كل صفحة من الصفحات، وكذلك تشويه صورة النبي
محمد ﷺ أمام أعين الغربيين.
وفي عام ١٦٩٨م ظهرت في إيطاليا الترجمة اللاتينية الثانية لمعاني القرآن
الكريم ومعها النص العربي، وكان قد أعدها «الأب لويس ماراكسي Father
Louis marracci» وقد ارتكزت هذه الترجمة كغيرها على دعوى أن محمداً -
ﷺ هو واضع القرآن! وأن هدفه هو إخضاع الناس له بالسيف، وتعتبر هذه الترجمة من أهم الترجمات التي اعتمدت عليها أغلب الترجمات
الإنجليزية بعد ذلك.
وفي عام ١٧٣٤م قام «جورج سيل Goorge Sale» بإخراج أشهر
ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية حتى اليوم، وسماها «قرآن
محمد» ، وقد قُدّر لهذه الترجمة أن تسود العالم الأوروبي والأمريكي قرابة قرنين من الزمن، وكان مصدره الأصيل في ترجمته هو: ترجمة «Marracci» اللاتينية سالفة الذكر؛ إلا أن هذه الترجمة مثلها مثل ترجمة «Marracci» اتسمت بالجحود والإنكار للقرآن، وكانت ترجمة متعصبة ممقوتة، تقف ضد القرآن في طولها وعرضها، وقد تم طباعة هذه الترجمة ما يزيد عن ثلاثين مرة، وتم ترجمتها من الإنجليزية إلى اللغة الدانماركية عام ١٧٤٢م، وإلى اللغة الفرنسية عام ١٧٥٠م، وإلى اللغة الألمانية عام ١٧٦٤م، وإلى اللغة الروسية عام ١٧٩٢م، وإلى اللغة السويدية عام ١٨١٤م، وإلى اللغة البلغارية عام ١٩٠٢م.
وتبعاً لذلك، فقد توالت محاولات ترجمة عديدة قام بها مترجمون إنجليز
اعتمدوا أساساً على ترجمة «Sale» المذكورة آنفاً أو على ترجمات أخرى،
ومن هذه الترجمات: ترجمة «رودويل -Rodwel» عام ١٨٦١م، وترجمة
«بالمر Balmer» عام ١٨٨٠م، وترجمة «بل- Bell» عام ١٩٣٩م، وترجمة «داود» عام ١٩٥٦م، وترجمة «آدبري» عام ١٩٥٥م، كما تتابعت أيضاً محاولات ترجمة قام بها عددٌ من المسلمين غير العرب، ومن ذلك ترجمة «عبد الكريم خان» عام ١٩٠٥م، وترجمة «مرزا عبد العزيز
» عام ١٩١١م، وترجمة «محمد علي» عام ١٩١٦م، وترجمة «عبد الله يوسف علي» المشهورة عام ١٩٣٨م، كما برزت ترجمات قام بها أشخاص غربيون دخلوا في الإسلام، ومن ذلك ترجمة «محمد مرمادوك باكثال»
عام ١٩٣٠م، وترجمة «محمد أسد» عام ١٩٨٠م.
وبعد:
فهذه بعض اللمحات حول قضية ترجمة معاني القرآن الكريم، أرجو أن أكون
قد وفقت في توضيحها لك أخي القارئ، وأعدك بحلقات أخرى قادمة إن شاء الله
تعالى أسلط الضوء فيها على بعض التنبيهات والقواعد الأساسية في ترجمة معاني
القرآن الكريم، وعلى بعض الملاحظات على بعض الترجمات المشهورة والمتداولة
في الأسواق، بغية الإرشاد إلى ما فيه خير ومنفعة الإسلام والمسلمين.
стр. 2069
مقال
المرأة.. وتخرصات التحريريين
بقلم: علي التمني
القراءة الواعية لكثير مما تنشره بعض الصحف والمجلات تكشف حملة
الأكاذيب التي تشنها هذه الأيام بعض أقلام السوء والهزيمة والتبعية في شأن المرأة
وشجونها، وذلك من قبل بعض المنابر الإعلامية التي آلت على نفسها إلا أن تكون
حرباً لا هوادة فيها على القيم الإسلامية بعامة وعلى ما يعني المرأة منه بخاصة،
لقد كان الإسلام وسيظل كريماً مع المرأة والرجل على حدّ سواء، لأنه الدين الذي
ارتضاه الخالق ليقود البشرية إلى الرفعة والسعادة والطمأنينة، خلاف
كل المبادئ الوضعية التي أغرقت الإنسان في الضياع والرذيلة والعبثية؛ الأمر
الذي أدى إلى فقدان الإنسان المعاصر على وجه التحديد لقيمة الغاية والهدف في هذه
الحياة، فأصبح الإنسان غير المؤمن بالإسلام ضائعا تائهاً بين مبادئ وأفكار
ونظريات كلها يصب في بوتقة الحسية والمادية والشهوانية بكل صورها وأبعادها،
أقول هذا لأنني والعقلاء في كل زمان ومكان على إدراك بأن الحياة لاتقوم في فهمها
على مبدأ الاختزال، اختزال المبادئ في نظرية أو مقولة كمقولة (تحرير المرأة)
على سبيل المثال والتضحية بكل معاني الحياة وجوانبها الأخرى. إن الداعين إلى
تحرير المرأة على الطريقة العلمانية (اللادينية) والداعيات إلى ذلك التوجه في
الوطن الإسلامي كذلك، إنما ينشدون محالاً من الأمر، فهم وهنّ في شقاء مستمر
في سبيل الوصول إلى مركب يجتمع فيه الخير والشر في آن، وكما قلت: فذلك
من المحال؛ إن الإسلام الذي جاء شاملاً وكاملاً من عند الله لا يمكن أن يكون
ألعوبة في أيدي هؤلاء العابثين المخربين دعاة وداعيات التحرير المزعوم، فالمرء
مخير بين أمرين لاثالث لهما: إما الإسلام كله، أو التبعية للجاهلية المعاصرة كلها، ولاخيار ثالث لهما، فليعِ هذا من أراد مناطحة الجبال.
لقد ظهرت الدعوة إلى تحرير المرأة في أوائل القرن العشرين (الميلادي «في
صور مختلفة وأساليب متعددة وإن كانت الغاية واحدة في كل الأحوال لجميع الدعاة
إلى هذا الأمر الغريب العجيب:
فهناك الوضوح السافر في الدعوة إلى تحرير المرأة وخروجها على تعاليم
ربها ومن خلال الكتب المنشورة على أوسع نطاق ككتابَي قاسم
أمين:» تحرير المرأة «و» المرأة الجديدة «.
وهناك الدعوات المستترة المترددة التي تخشى رد فعل المسلم الغيور على دين
الله القويم، وكتابات بعض كاتبات هذه الأيام في بعض المجتمعات الإسلامية التي
وقفت بكل صلابة في وجه دعاة التغريب والذوبان في الآخر غير المسلم وهي التي
تعرف بالمجتمعات المحافظة لدى بعض كتاب التغريب في تناولهم لهذه المجتمعات
المسلمة المخلصة لدينها، أقول: تبدو دعوات التحرر المستترة الخائفة المترددة تلك
في كتابات بعض كاتبات تلك المجتمعات تارة بتسفيه نص من القرآن أو من السنة؛
كتسفيه إحدى الكاتبات للحديث الصحيح حول خلق المرأة من ضلع أعوج في
مجموعة قصصية لها بعنوان (والضلع حين استوى» ! ، أو الكاتبة التي تسخر من
الحديث الصحيح «وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» في
قصة لها عنوانها (تمرد) .
ومن تلك الكتابات الداعية إلى تحرير المرأة المسلمة بل تخديرها وصولاً إلى
الهدف المنشود، وهو: إقصاء الإسلام من الحياة، تلك التي تعتمد الكذب والبهتان
بمناسبة وغير مناسبة.. التأكيد على أن الكثير من الأحكام المتعلقة بالمرأة مثل:
الحجاب الشرعي المتضمن حجب الوجه عن الأجانب والميراث، والقرار في البيت، وعدم الخروج إلا لحاجة وفق الضوابط المشروعة، وكذا الشهادة ... وغيرها من
الأمور المتعلقة بالمرأة المسلمة، هذه الأحكام عند هؤلاء ليست من الدين في شيء
رغم قناعتها بأنها من الدين وهي تحاول جاهدة وبكل ما تملك من قدرة على الإقناع
أن تغرس هذه الأغاليط والأكاذيب في عقول وأفئدة القراء، وهي في أكاذبيها تلك
إنما تحاول الإيهام بأنها ليست ضد الدين (الصحيح) ، بل ضد ما تزعم أنه ليس من
الدين في شيء، مدعية أنها بعملها ذاك إنما تخدم الدين وتذود عنه الجهلة الذين
يشوهون وجهه المشرق (سبحانك هذا بهتان عظيم) [وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا
يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ] [النور: ١٦] .
ومن صور الهجوم على المرأة المسلمة والدعوة إلى تحريرها في كتابات
أدعياء التحرير والتنوير: القول بأن ما ورد في القرآن والسنة حول المرأة أحكاماً
وآداباً ملزمة للأمة من قبيل ما تقدم في الفقرة السابقة إنما هو قشور وفروع لا قيمة
لها، ولن يترتب على تخطيها أدنى ضرر، بل إن إيقاع العصر في زعمهم يتطلب
هذا التخطي والاستبعاد لهذه الأحكام التي لم تعد صالحة لعصر الصعود إلى القمر
ودخول سباق الفضاء وعالم الحاسوب وغير ذلك، وكأن التقدم العلمي والتقني لن
يتحقق إلا على أنقاض الفضيلة والإيمان والالتزام بأحكام وقيم الإسلام الخالدة، التي
هي في الواقع لمن لم تطمس فطرته النقية ولم تذهب معالم الإيمان من نفسه هي
خير معين على العطاء والعمل والابتكار بما ينفع الناس، إنها الهزيمة النفسية
والمعنوية، حينما تحل في امرئ فإنها تفقده القدرة على التمييز بين الحق والباطل،
فيرى الحق باطلاً والباطل حقّاً، والله المستعان.
إن الهجوم على المرأة المسلمة إنما هو هجوم على قيم الإسلام، ذلك أن
الدعوة إلى تحرير المرأة إنما هو تسفيه لدينها الذي هو عصمة أمرها وهو اختيارها
ووجودها عبر أكثر من أربعمئة وألف من الأعوام، وهو الذي أخرجها من ذل
وأسر الجاهلية إلى عز الإسلام، فالدعوة التحريرية دعوة في الواقع إلى إرجاعها
إلى الذل والأسر من جديد، ودعوة إلى تحويلها إلى دمية لمجرد المتعة على
الطريقة التي يعرفها دعاة التحرير في «كان» و «هوليود» و ... حيث مسارح
الرذيلة وملاهي الخنا.
لقد ملت هذه الدعوات هناك الكثيرات من عاقلات الغرب الذي يسير دعاة
وداعيات إلى الإسلام بكل سعادة وسرور نافضات عن كواهلهن ميراث الكفر الذي
أورثهن الذل والضياع في الدنيا رغم دعاوى التحرر والمساواة التي يتشدق بها دعاة
الرذيلة الذين لا همّ لهم إلا معاقرة الخنا والجريمة عن طريق الإيقاع بالمرأة
واستدراجها بعيداً عن قلعة العفة؛ لتكون لعبة الرجل المفضلة كما يريدها أصحاب
الفجور الذين لا خلاق لهم، إن المرأة التي تنطلي عليها هذه المؤامرة واحدة من
اثنتين: جاهلة لاعلم لها بشيء على الإطلاق، لا بما يحاك ضدها ولا بأمور دينها، أو عالمة بما يدور حولها وبنتائج هذه الدعوة الخبيثة، فتكون في هذه الحالة جزءاً
من المخطط الجهنمي الذي يدبر بليل ونهار، ليس للإيقاع بالمرأة فحسب، ولكن
لتقويض الكيان الإسلامي من أساساته، ولن يتم ذلك لدعاة الهدم والتخريب بإذن الله
ثم بيقظة المخلصين، فليتدبر كل منا أمره؛ فالخطب جسيم، والهجمة شرسة،
والطريق طويل وشاق، والله المستعان.
стр. 2070
دراسات تربوية
افتقار العمل التربوي
إلى الضوابط الشرعية
محمد بن عبد الله الدويش
إن العمل التربوي على اختلاف مستوياته ضرورة لا تستغني عنها الأمة
الإسلامية، فهو الوسيلة لنقل الأحكام الشرعية من الحيز النظري إلى العمل
والتطبيق، ولقد وصف الله نبيه بأنه مربّ فقال: [هُوَ الَذِي بَعَثَ
فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا
مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [الجمعة: ٢] .
والتربية واجب الأب والمعلم والأستاذ، وواجب كل من ولاه الله مسؤولية أحد
من الناس، وواجب على مستوى الأمة جمعاء.
ولعل من منجزات الصحوة المباركة إيجاد المحاضن التربوية التي أخذت
بأيدي شباب الصحوة وناشئتها، وساهمت في حمايتهم من أبواب الشر والفساد.
وثمة اعتبارات عدة تؤكد على ضرورة إحاطة الجهود
التربوية بسياج ضوابط الشرع، منها:
أولاً: أن التربية عمل شرعي، وعبادة لله ، فلابد لها أن تحاط
بسياج الشريعة، وتضبط بضوابطها، وإن سلامة المقصد، وحسن النية، ونبل
العمل ليست مسوغاً أو مبرراً لتسور السياج الشرعي وتجاوز الضوابط.
ثانياً: التربية شأنها شأن سائر الوظائف الشرعية الأخرى (الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، الحكم بين الناس، الجهاد..) ، وهذه الوظائف لا يجادل
مجادل أنها لابد أن تضبط بالضوابط الشرعية.
ثالثاً: التربية قدوة قبل أن تكون توجيهاً، وعملاً قبل أن تكون قولاً،
والمربي ينبغي عليه أن يربي الناس بفعله قبل قوله، فحين يجاوز حدود الشرع
فكيف سيربي المُرَبّي على الورع والتقوى ورعاية حدود الله؟ وهو يرى المخالفة
الشرعية ممن يربيه ويقتدي به.
بل إنه من خلال عمله هذا يربي من وراءه على الاستهانة بالضوابط الشرعية، ويغرس لديهم الجرأة على ارتكاب المحرمات وتجاوز الحدود.
رابعاً: وكما أن المربي ينظر إليه بعين القدوة، فهناك عيون أخرى ترقبه
وتنظر إليه، فينظر إليه من الخارج بوصفه واحداً ممن يعمل للإسلام وعمله يمثل
السمت والهدي الشرعي، وربما ينظر إليه بعين تبحث عن الخطأ وتفرح به؛ وذلك
كله يدعو المربي إلى أن يتقي الله ويتحرى الضوابط الشرعية فيما يأتي ويذر.
خامساً: أن التوفيق والنجاح ليس مرده إلى الجهد البشري وحده، بل قبل ذلك
كله إلى توفيق الله وعونه وتأييده؛ وهذا التوفيق له أسباب، من أعظمها وأهمها:
رعاية العبد لحرمات الله، وما أحرى أولئك الذين يتجاوزون الحدود الشرعية بالبعد
عن توفيقه (سبحانه) وتأييده.
والمتأمل في الساحة الإسلامية يرى أن هناك تجاوزات عدة في ميدان العمل
التربوي للضوابط الشرعية تستوجب الوقوف والمراجعة.
ولعل أسباب هذه التجاوزات ما يلي:
أولاً: ضعف العلم الشرعي وقلة العناية به، فكثير من العاملين في الساحة
الإسلامية يأخذ الجانب العلمي الشرعي مرتبة متأخرة ضمن برامجهم، ولعلنا
نتساءل: ماذا قدمت فصائل العمل الإسلامي لأتباعها في ميدان البناء العلمي
الشرعي؟ بل إن الأمر تجاوز مجرد إهمال العناية بالعلم الشرعي إلى تهميش دوره
والتقليل من شأنه؛ فهو في نظر هؤلاء يشغل عن الدعوة إلى الله وهموها، أو هو
شأن الخاصة والمهتمين، أو أن العناية (باستراتيجيات) الدعوة وقضاياها الفكرية
الساخنة أولى وأصدق دلالة على عمق صاحبها! ... هذه حجج يواجه بها من يدعو
بعض العاملين للإسلام لكي يعطوا العلم الشرعي دوره اللائق به ضمن برامجهم
الدعوية.
ونحن إذ نقول ذلك لا ندعو أيضاً إلى أن يكون الجانب العلمي هو وحده الهم
الأوحد للدعاة، وأن يهمل ما سواه، ولا إلى أن يكون الدعاة فقهاء ومحدثين
ومجتهدين فحسب.
ثانياً: الغلو والمبالغة في دور المربي وواجباته وتعظيم ذلك، وهذا يؤدي إلى
نقل كثير من المناهي الشرعية إلى دائرة الضرورة؛ إذ لا تتم التربية إلا بذلك،
فهو بحاجة لمعرفة معلومات دقيقة عمن يربيه، والاطلاع على كوامن نفسه، وإلى
عدم الوقوف عند حدود الظاهر..
وحين يعطى هذا الجانب أكثر من حقه فسيشعر المربي أن الضوابط الشرعية
ستقف عائقاً دون تأدية أدوار كثيرة فيضطر لتجاوزها.
ثالثاً: ضعف الورع والانضباط الشرعي، وهو باب بُلي به كثير من الناس
في هذا الزمان، ومن يضعف ورعه ويرق دينه ربما تجرأ على ما يعلم علم اليقين
أنه محرم، أو تهاون فيما يستريب منه، أو يغلبه هواه.
رابعاً: الإغراق في التنظير والأسباب المادية والغفلة عن الإخلاص لله
، واستحضار النية، والشعور بأن العمل عبادة لله وحده.
ولا نعني أن يهمل الدعاة إلى الله الأخذ بهذه الأسباب، فهي مما لابد منه،
لكن ينبغي ألا ينسينا ذلك استحضار النية والعبادة في هذا العمل.
من صور الإخلال بالضوابط الشرعية:
أولاً: الاتكاء والاعتماد على القواعد الشرعية العامة المجملة دون النظر
للنصوص الخاصة في المسألة , والشريعة باب واحد لا يمكن أن تتناقض أو تضطرب، والقواعد العامة للشرع إنما تفهم في إطار سائر النصوص، وتسليط الأفهام البشرية عليها يؤدي إلى فوضى واستهانة بحدود الله.
ومن أهم هذه القواعد مراعاة المصلحة، إذ كثيرٌ من المخالفات العظام في
الساحة الإسلامية تجرأ عليها أصحابها، وللأسف باسم المصلحة، وهو المنهج نفسه
الذي يسلكه بعض علماء السوء وأهل الأهواء في تبرير مواقف بعض الطواغيت.
إن جلب المصلحة ودرء المفسدة قاعدة شرعية عظيمة لا جدال فيها ولا نقاش، لكنها يجب أن تكون ضمن ضوابط، من أهمها: ألا تخالف نصّاً أو حكماً شرعيّاً، وإلا كانت مصلحة ملغاة، ومما قد يمارسه بعض المربين باسم المصلحة:
التجسس، والاستماع لحديث الآخرين دون علمهم، والاطلاع على ما يخصهم دون
إذنهم ... كل هذه الأمور محرمة شرعاً، لا تبيح المصلحة والتربية تجاوز هذه
الحقوق إلا في أحوال خاصة.
فتجرؤ بعض المربين على تجاوز هذه الحدود الشرعية باسم المصلحة
وضرورة التربية داخل في عموم قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً
مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ] [الحجرات: ١٢] ،
وقوله: «من تحلم بحلم لم يره كُلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن
استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة» [١] .
ثانياً: عدم وضوح قضية الظاهر والباطن:
من القواعد الشرعية أخذ الناس بظواهرهم وعدم التنقيب عما وراء ذلك، وما
سبق من النهي عن التجسس والتطلع داخل ضمن هذه القاعدة، ولهذا قال: «إني
لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس» [٢] ، وقال أيضاً: «يا معشر من آمن بلسانه
ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع
عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته» [٣] .
وقال أيضاً لمعاوية: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت
تفسدهم» [٤] .
وينهى ﷺ الرجل أن يطرق أهله ليلاً، معللاً ذلك بقوله:
«يتخونهم أو يلتمس عثراتهم» [٥] .
وتدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى التطلع ومحاولة معرفة ما وراء
الظاهر، والدافع لذلك كله حسن ولا شك؛ فهو يسعى للتربية والإصلاح، ويخشى
أن يغتر بالمظاهر، فيريد قياس نتاج تربيته، لكن ذلك كله لا يجوز أو يسوغ أن
يكون على حساب الضوابط الشرعية.
ومما يعين المربي على الاقتناع بهذا المسلك، وتجاوز التطلع: علمه أنه غير
مكلف شرعاً بسوى ما يظهر له، وأن النبي ﷺ نفسه كان يقول: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بالحجة من بعض فأقضي له بنحو
ما أسمع» [٦] .
إن المربي ينبغي أن يحرص على إصلاح القلوب ومخاطبة الباطن والدعوة
لتنقية السرائر، لكنه بعد ذلك يبقى يتعامل مع الظاهر لا مع السرائر.
ثالثاً: التهاون بحجة مسائل الاجتهاد:
ثمة قضايا كثيرة ضمن الوسائل الدعوية والتربوية اختلف فيها أهل العلم حلاّ
وحرمة، ولكل منهم مأخذه ودليله، فهي دائرة ضمن مسائل الاجتهاد.
والأمر في مسائل الاجتهاد واسع، ولا يسوغ في ذلك الإنكار والإغلاط
والتهارج، لكن ذلك قد يشعر بعض المربين أن هذه المسائل ما دامت ضمن مسائل
الاجتهاد فالأمر فيها مفتوح على مصراعيه دون ضوابط، فيسلك فيها ما يتناسب
معه دون أي اعتبار لأمر آخر.
ولا شك أن كون المسألة من مسائل الاجتهاد لا يسوغ أن يتبع فيها المرء ما
يحلو له، بل لابد أن يتحرى ويجتهد في اتباع ما يؤدي إليه الدليل الشرعي وليس
هذا مقام بسط هذه المسألة.
رابعاً: إهمال الورع الشرعي الواجب:
ومن صور ذلك:
التوسع في الوقوع في الأعراض، فقد تدعو طبيعة العمل التربوي إلى
الحديث عن قضايا خاصة للمتربين وانتقادهم، وقد يتحدث بعض الأساتذة عن
طالب معين بما يكرهه، والأصل في ذلك كله هو المنع والتحريم إذ هو داخل تحت
النصوص التي تحرم الغيبة وتشدد فيها، بل تجعل حرمة أعراض المسلمين كحرمة
الشهر الحرام والبلد الحرام إلا ما كان له حاجة ومصلحة شرعية واضحة.
ومن أخطر هذه الأبواب ما يتعلق بقضايا الأعراض، إذ قد يصارح تلميذ
أستاذه ومربيه بمشكلة تتعلق بهذا الباب فيتجرأ هذا المربي على الحديث عنها لغيره
بما لا ضرورة له، ولا يسوغ أن تكون المحاضن التربوية ميداناً تلاك فيه
الأعراض، وتنتهك فيه الحرمات.
وبعد:
ونحن إذ نتحدث عن مثل هذه الأخطاء والتجاوزات فيجب أن نعتدل ونتوسط، فلا يسوغ أن تكون مجالاً للتندر وانتقاص العاملين لله، أو أن تحول إلى معول
هدم للصروح التربوية وسعي إلى القضاء عليها بحجة الانضباط الشرعي.
وندرك أيضاً أن الكثير ممن يقع في مثل هذه التجاوزات إنما أُتي من باب
الغفلة والذهول عن مراعاتها، لا من قبل رقة الدين، بل أكثرهم خير وأتقى لله من
كثيرين منا.
كما ندرك أيضاً المنجزات الرائعة التي قدمها هؤلاء المربون، نسأل الله أن
يجعل ذلك في موازين حسناتهم، وأن يبارك في جهودهم، ويكلل أعمالهم بالتأييد
والنجاح والتوفيق.
стр. 2071
نص شعري
المخاض
شعر: تركي المالكي
أمُورٌ على (نَطَعِ) الأسئلة!
وأكسِرُ صمتي.. ومن أَسْدَلَهْ
وأخزِنُ في مقلتي المُشعَلة..
(أطايبَ) للغيمة المثقلة! ! ..
سماءً لخصب الرؤى المقبلة..
بأجمل غيثٍ له جلجلة!
وإن كان دفقُ دمي أولَه! !
ومن مهجتي أُوقِدُ الشعرَ لَهْ
وأَرقبُ دوري إلى المقصلة! !
ولكن جمري الذي مازجتْهُ المواجعُ..
إذ أسرجتْه (البصائرُ) ..
يوماً سيَحْصُدُ من كَبّلهْ!
دراسات أدبية
«نجيب الكيلاني»
رائد القصة الإسلامية المعاصر
بقلم: محمد حسن بريغش
د. نجيب الكيلاني من الأدباء الإسلاميين البارزين لاسيما في مجال
القصة وقد تناول الكاتب رحلته معها ومعالم نموه الفكري وتطوره الأدبي والفني
عبر ملامح من سيرته ونماذج من أعماله الشعرية والقصصية.
وهاك أخي القارئ الجزء الثاني والأخير من المقال يتابع فيه الكاتب إيضاح
جوانب أخرى.
- البيان -
في مرحلة تالية، بعد أن ابتعد الكيلاني عن مصر، وشعر بزوال كثير من
الضغوط: النفسية، والفكرية، والاجتماعية، والفنية، والسياسية عنه، تنبه أكثر
إلى ضرورة الالتزام بالأدب الإسلامي، ولكنه مع ذلك كانت هناك مؤثرات مختلفة
تتنازعه وتضغط عليه، وأهمها: المؤثرات الفنية التقليدية للقصة، لقد كان عازماً
ومقتنعاً بضرورة توجهه للأدب الإسلامي، ولكنه كان يحس بالوجل والصعاب من
ذلك.
«إن للقصة مواصفات وقواعد، كما أن فيها بعض (التوابل) الضرورية
لجذب القارئ وإقناعه، أستطيع أن أقول بوضوح: إن الفن القصصي لا بد له من
بعض المغريات الضرورية في خضم تلك السوق الهائلة التي تتداول مئات الألوف،
بل ملايين النسخ التي يروج لها الإعلان والإعلام والدعاية بشتى ألوانها. وشباب
اليوم نشأ في ظل مواضعات وظروف صعبة غلابة، ويحتاج للكثير من الحكمة
والحيلة على بداية الطريق الصحيح، بعد أن تلوث فكره وسلوكه بالكثير من
الانحرافات ... وكانت القصة تعني: الحب، والجنس، والمغامرات، والتسلية،
وكانت المسرحية ملاذاً للتسرية عن النفس والإضحاك وتزجية الفراغ..» [١] .
بكل وضوح بيّن ما كان يدور في نفسه، وما كان يتنازعه، ولذلك: كان في
هذه المرحلة يتأرجح بين القصة الإسلامية التي يطمح لكتابتها والقصة التقليدية
الغربية السائدة في المجتمع.
ولعل رواية (عمر يظهر في القدس) تمثل نقطة تحول مهمة في مسيرته
الطويلة [٢] ، لأنه لأول مرة يستعرض أحداثاً سياسية، واجتماعية، وفكرية
معاصرة من خلال رؤية إسلامية واضحة.
وفي نظري: إن هذه الرواية التي تتحدث عن احتلال القدس، تمثل الرؤية
الإسلامية لما يحدث في عالمنا المعاصر تجاه مقدساتنا، فالقدس ليست مدينة واحدة
بالرغم مما لها من مكانة وقدسية وما نزل فيها من نصوص ولكنها تمثل كل المدن
الإسلامية التي تستباح بشكل أو بآخر من قِبَل أعداء الإسلام.
فهي صورة بارزة للعالم العربي الإسلامي، والشخصيات التي ظهرت في
القصة تعد نماذج من مجتمعنا الذي هزمته الوقائع والمدنية المادية والهوى والأفكار
الدخيلة؛ فسقط صريعاً أو مُحْتلاً أمام الغزو اليهودي بصور كثيرة قبل أن تسقط
مدينته المقدسة.
هناك شخصيات مختلفة في الرواية تمثل نماذج حية في مجتمعنا المعاصر،
وهناك شخصية المسلم الحقيقي: بوضوحه، واستقامته، وإشراقه، بإيمانه القوي،
وإسلامه الواضح المميز، ووعيه وإدراكه، وإخلاصه وصفائه، ويقينه وقوته،
وشجاعته واستقامته.. [٣] .
ولهذا: فهي نقطة تحول، أو بداية مرحلة في مسيرة الكيلاني القصصية،
وإذا كانت هناك روايات للكاتب بعد هذه الرواية ظلت تتأرجح بين النموذج
الإسلامي وغيره، فإنها بقيت مَعْلَماً على رؤية جديدة بدأت تتوضح عند الكيلاني،
وتزداد عمقاً وواقعية.
لقد كان الدكتور الكيلاني يتلقى كثيراً من الملاحظات والنقد على بعض
رواياته بعدما أصبح تيار الأدب الإسلامي واضحاً، وكان ﵀ بدماثته
وطيب خلقه يصغي لكل نقد، ويتقبل النصح، ويناقش بهدوء كل فكرة، وكان لهذه
الملاحظات أثرها في نضوج كثير من الآراء والنظرات لديه، حتى بات بحق
يعيش قضية الأدب الإسلامي، ويعيش قضية القصة الإسلامية، ويهمه أن يعرف
الشكل الصحيح الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الفن الذي أحبه، ولم يعد يخاف من
أعداء (الإسلامية) من النقاد والأدباء، فقد ترسخت قدمه في الفن، وأصبح عَلَماً في
مجال القصة، مما ساعده على أن يخطو خطوة أخرى لإبداع النموذج الصحيح
الذي لا يتنافى مع التصور الإسلامي، ويمتلك مميزات هذا الفن.
ولقد كانت رواياته الأخيرة تمثل هذه الخطوة، أعني روايات: ملكة العنب،
وأهل الحميدية، وقضية أبو الفتوح الشرقاوي، وامرأة عبد المتجلي، ومملكة
البلعوطي، إضافة إلى مجموعة الكابوس، وغيرها.
وفي رواية (ملكة العنب) وغيرها، كأن الكاتب ودع التردد الذي كان ينتابه
ويجعله وسطاً بين منحى الأدب الإسلامي ومنحى المذاهب الأخرى [٤] .
وختم الكاتب حياته الفنية بكتابة روايته (مملكة البلعوطي) التي استقاها من
حياة جده إبراهيم الذي كان «شخصية مميزة قوية بمعايير القوة الشائعة في ذلك
العصر كان مرهوب الجانب، مطاع الكلمة على الرغم من عدم ثرائه» [٥] ،
وعُرف جده أيضاً بالاستقامة والصدق، والرجولة والعفة، واشتُهر أمره في بلدته
وما حولها، وجرت أحداث كان هو قطبها، وأصبحت له مكانة مميزة بين الناس
والمسؤولين، وحين مات جده بكته القرية وما حولها [٦] ؛ لأنه كان شهماً كريماً،
يحرص على إخراج زكاة المحصول، ويغدق ما أمكن على الفقراء، ويصل الرحم، ولهذا جعله موضوع قصته (مملكة البلعوطي) .
إن الدكتور نجيب الكيلاني عبر رحلته هذه كان يخوض تجربة قاسية صعبة
في ظروف تحول دون ظهور أي مبدع إن لم يكن موافقاً للتيار العلماني المهيمن،
ولكنه استطاع أن يثبّت قدميه في مجال الفن أولاً، ثم يجلي صورة الأدب الإسلامي
والقصة الإسلامية.
وإذا كان للدارسين من ملاحظات على مسيرته الأدبية فإنه من العدل أن نأخذ
في الاعتبار الظروف التي أحاطت به، وثباته على الطريق الموصل إلى الأدب
الإسلامي رغم هذه الظروف.
إنه كان يجتهد، ويبدع، ويضع لشداةِ هذا الفن النماذج؛ فيتعرّفوا من خلال
هذه النماذج إلى أمثلة تطبيقية واقعية، ويتلمّسوا سبل الوصول إلى الصورة المبتغاة، ولو لم تكن لديهم مثل هذه النماذج الإبداعية لما استطاعوا أن يتعرفوا إلى صورة
القصة التي نريدها، أو التحدث عنها كواقع مبدع.
إن الكتابة عن شروط القصة، ووصف عناصرها لا يبدع لنا فنّاً. الفن
يحتاج إلى فنان موهوب مبدع، فنان يمتلك القدرة على العطاء، وعلى تحويل
الفكرة إلى واقع وأثر فني.
والأدب الإسلامي، والقصة الإسلامية المعاصرة: مدينةٌ للكيلاني في هذا،
ولا يمكن دراسة القصة الإسلامية المعاصرة بدون التوقف عند الدكتور الكيلاني رائد
القصة الإسلامية المعاصرة.
وأيّاً كانت الملاحظات التي تؤخذ عليه، فإنه يبقى في المكانة الأولى التي
استحقها بجدارة من خلال إنتاج كثير، وأصيل، يمثل مراحل تطوره، ومكافحته
للوصول إلى نموذج القصة الإسلامية المعاصرة، دون أن يخل بقواعد هذا الفن..
ولقد تحقق له ذلك.
إن عالم القصة عند الكيلاني مليء بالموضوعات التي تستحق أن يتوقف
عندها الدارس؛ فهي تشير إلى كثير من القضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية
والسياسية التي مرت بها البلاد العربية على مدى قرن أو أكثر.
فضلاً عن ذلك: فإن الكيلاني اهتم بقضايا الإنسان كإنسان، وكانت صورته
واضحة، تُسْتَقى من التصور الإسلامي الذي ينظر للإنسان كما أراده الله مخلوقاً
مكرماً، له حقوقه، ومكانته، وحرمته، وأبدع في تصوير قضايا الإنسان أيّما
إبداع، بحيث لا يملك القارئ إلا أن يتعاطف معه، ويؤمن بأن حقوق الإنسان لا
تصان إلا إذا التزم الإنسان بشرع الله، واحتكم إلى كتابه.
وكذلك اهتم الكيلاني بمشكلات الريف، وصوّره بأجمل الصور وأدقها، وكان
وفيّاً لبلدته ومنطقته، وللريف عامة الذي عاش فيه، ولهذا استقى منه كثيراً من
الحوادث والشخصيات، وجعله رمزاً للإنسان، والقيم، والوطن، والأمة كلها،
وتعاطف مع أبنائه، وتحدث عن مشكلاتهم، وصوّر مآسيهم وأبرز صفاتهم. إن
هذا الجانب جدير بدراسة متعمقة تلتفت إلى الكليات، والجزئيات، والأفكار،
والشخصيات التي أبدعها خلال قصصه، وإلى الصور والمشكلات التي عالجها من
خلال الريف.
وكذلك كان للكيلاني مجال آخر أبدع فيه، وأكثر من تصويره، وهو:
السجون بما فيها من سجناء، وسجّان، ومظالم، ولمحات إنسانية، وصور القهر
والتعذيب، وانقلاب الإنسان إلى وحش أو أدنى درجة من الوحش حين يتخلى عن
إنسانيته، أعني حين يتنكبّ عن طريق الهدى، ويمعن في الضلال.
إن موضوع السجن بكل ما فيه من حوادث، وشخصيات، وصور نفسية
وإنسانية، ومشكلات فكرية واجتماعية وسياسية: كان من الموضوعات التي
استأثرت باهتمام الكاتب، وهو جدير أيضاً بالدراسة والمتابعة [٧] .
لقد مات الكيلاني ﵀ بعد أن ترك تراثاً أدبيّاً من الدراسات الأدبية
والنقدية، والإبداعات الشعرية والقصصية والمسرحية، وكانت إسهاماته هذه أكثر
قدرة على خدمة الأدب الإسلامي من التصريحات، والخطب.. والتنظير، وهو
يستحق من محبي الأدب الإسلامي الاهتمام والدراسة؛ لما في ذلك من فوائد وآثار
على مسيرة الأدب الإسلامي الحديث.
стр. 2074
دراسات نقدية
قراءة غير نقدية
د. حسن بن فهد الهويمل
(١- ١) ربما يكون الانطباع والتذوق أكسيرا النقد، وهما بلا شك بدايته الأولى، يكاد يتفق على ذلك مؤرخو الأدب ونقده المعروف والمعروف لايعرف على لغة المجاملين أن النقد الحديث في إطار تطوره أو تذبذبه تجتاحه رغبة «العلمية» في سياق وثنية العلم والتجريب، وكل هذه التحولات جزء من هذه الحضارة المادية المُخَرّفَةِ «للميتافيزيقا» المؤلهة للمادة وجدلية التاريخ.
ومع أنني أختلف تماماً مع ما يذهب إليه «مصطفى محمود» من تأويل
جريء لحقيقة المسيح الدجال، إلا أنني أتفق معه في احتمال حضارة العصر لهذا
التوصيف مع استبعاد قضية المسيح الدجال؛ فالحضارة المادية تبصر بعين واحدة،
بحيث لاتفكر فيما وراء المادة، وإذ يتورط النقد في «العلمية» و «القواعدية»
و «المعيارية» يأفل الذوق ويختفي الانطباع؛ فالناقد على ضوء ذلك التحول
مطالب بتطبيق تلك القواعد واستخدام تلك الآلات، وفي إطار معطياتها يحكم على
النص، إذ ليس له أدنى حق في القبول أو الرفض الذاتي.
بالطبع لم تكن «علمية النقد» معطى معاصراً، لقد كان لبعض النقاد القدامى
رأيهم في العلمية، فالنحو والصرف والبلاغة هي الأخرى (تَمَعْيَرَتْ) إن صح هذا
التعبير، ولم يكن بمقدور أحد أن يخلصها من هذه المعيارية الصارمة، ومن حسن
الحظ وقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت أن كثيراً من النقاد المتعلمنين لايعرجون
على تلك الآليات، لا
استخفافاً بها ولكن جهلاً وعجزاً، وشر البلية أن تعايش هذه الأنواع العائلة
المستكبرة، والاستكبار هنا مضاعف؛ إذ يجمع بين التعالي والادعاء وهما آفتان
معيبتان، ولأجل هذا مقت الله العائل المستكبر، فعلمية النقد المعاصر لاتضع في
اعتبارها آلات تفكيك النص
المعتبرة نحويّاً أو بلاغيّا أو صرفيّاً، وادعاء العلمية في هذا الإطار أكبر من
حجم المنجز
وآلياته، ومع أنني احترم علمية النقد، وأرى قيمة للذوق والانطباع، فإنني
أجد نفسي قادراً على حل التداخل بين العلمية والذوقية والانطباعية، ولا أحس
بتعارض أو تضاد هذه المصدريات الثلاث، بل ربما أصل إلى حد الادعاء: بأنه
لا اختلاف بين تلك المصادر والآليات، فقط أن يكون الناقد ناقداً بالفطرة والدربة
والمعرفة ... النقد عندي موهبة واكتساب، هذه الموهبة يصقلها العلم والدربة
والمعايشة المستمرة، ومن ثم: فإن العالم بآليات النقد لايكون ناقداً ربما يكون
مصححاً للنص تماماً كأستاذ الإملاء، والمتذوق الانطباعي لايكون ناقداً هو الآخر
دون المعرفة التامة بمكونات النص ومادته وما يكشف عن مواءمته أو مغايرته
لشرط البناء اللغوي والجمالي، إن هناك شرطاً للبناء اللغوي لايكشفه إلا النحاة،
وشرطاً للبناء الجمالي لايكشفه إلا البلاغيون، وهناك معيار جمالي لاينفك عن
التحول من عصر إلى عصر ومن جيل إلى جيل، وتلك هي إشكالية النقد
ومعضلته التي لم تحل بعد.
(١- ٢) أحسب أنني استطردت أكثر مما يلزم، وتلك عادة أشعر بها ولا أستطيع التخلص منها، فأنا مسكون بإشكاليات العصر التي صنعناها بأيدينا، ولم نحسن التخلص منها أو معايشتها؛ فنحن أبداً في قلق وانفعال ونبرة خطابية عالية.
لقد شُغِلْتُ زمناً بمعالجة قضايا تنظيرية، وصراعات مذهبية استنزفت الجهد
والوقت، والدراسات التطبيقية هي الأهم وهي الأجدى ولكنها في الوقت نفسه
الأشق، ففيها امتحان للقدرة، وفيها استدعاء لكم هائل من الوسائل والأدوات
والآلات والمناهج، والركض في شرايين النصوص يحتاج إلى طاقات وإلى
إمكانيات، وإلى تصورات متعددة لفضاءات النص وظروف تشكله، ونوع لغته
وطريقة بنائه، ومقاصد رموزه وإشاراته ومجازاته وإيحاءاته، وهذا الكم الهائل من
الخصائص الكامنة في النص المتميز قد لا تتأتي لدارس مثلي ليست له معرفة تامة
بأصحاب النصوص، ولم يكن قارئاً لهم ولا راصداً لتحولاتهم ونوع همومهم، ربما
كان آخر دراسة تطبيقية نهضت بها كانت لأعمال أدبية لمجموعة من الكتاب عن
طريق التحكيم، وكانت أيضاً لديوان شعر ذي طابع إسلامي صوفي (مع الله)
للأميري، وهي دراسة لغوية ألقيت في أحدى جامعات مصر ونشرت فيما بعد.
ومر عام أو أكثر لم تتح لي ممارسة الدراسات التطبيقية، وأحسب أنني
بحاجة إلى مزيد جهد واستذكار لدخول عالم نصوص متباينة لشعراء متباينين، فأنا
لا أدرس ديواناً واحداً، كما لا أدرس مجموعة من المبدعين من خلال مجموعة من
النصوص، ولست متأكداً من توفر هذا الجهد واستحضار ما ندعي من الآليات
بالاستذكار والأعمال الشعرية المفردة لمجموعة من الشعراء تتطلب جهداً استثنائيّاً
لايتصور حجمه إلا الذين مارسوه.
ومجلة (البيان «التي أقحمتني ولم ترأف بظروفي ستتحمل كامل المسؤولية
إزاء مايعتري هذه القراءة (غير النقدية) من هنات لست متواضعاً حين أعترف بها.
قبل البدء أقول، لا في إزاء هذه النصوص بالذات، وإنما بإزاء فيض من
الإبداعات والخطابات: إننا بحاجة إلى أن نتجاوز بكائياتنا وجلد ذواتنا وممارسة
الإسقاط للتخلص من المعاناة وتأنيب الضمير، إننا أمام واقع لم يكن من صنع أيدينا، واقع أفرزته تراكمات عبر قرون من الزمن، واقع لم يكن حدثاً آنيّاً، ومواجهة
هذا الواقع لا يكون بالنبرة الحادة ولا بمحاكمة الرموز ولا بالمراهنة على تصفيته
بالخطاب البلاغي.
إن خطاب النخبة ونشيد المبدعين رهان خاسر وأحصنة تركض في حلبة
دائرية، ووعود لا يعول عليها، إنها مجرد جرعات لتسكين الصداع والغيبة عن ألم
الواقع المرير.
إن علينا أن نكظم غيظنا، وأن نواجه قدرنا بصمت محتشم وفعل ممنهج
طويل الأجل، يبدأ بصنع الإنسان عبر التربة الراشدة والتنقية الواعية، الأمة
بحاجة إلى الوعي الذي أرشد إليه رسول الهدى:» فربّ مُبَلّغٍ أوعى من سامع «.
نحن نطلب هذا الوعي: وعي (الأنا) ، ووعي (الآخر) ، ووعي الإمكانات،
ووعي الواقع الأوسع من الإقليمية والعربية والإسلامية، والتحرك على هدي من
هذا الوعي، وإشكاليات الواقع ليست عربية فضلاً عن أن تكون إقليمية، وليست
عصرية فضلاً عن أن تكون آنية.
لقد مرت الأمة ومرت نخبها بخطابات تناسخية، لا يتعظ اللاحق بالسابق،
ولايمارس اللاحق أدنى حد من نقد الذات ومحاسبة النفس ولا يمتلك ذاكرة تعيد له
بعض الإخفاقات وأسبابها ليكون موعوظاً بغيره، بل لا يمتلك ذاكرة تعظه بنفسه..
تهالك على خطاب الإثارة وإدانة الذات وعزوف عن نداء العقل وتحذير الخبرة.
ومضاربة خاسرة تكاد تبيع ماتبقى من مساحات حرة لصوت العقل، ولست مبالغاً
ولامتجنيّاً ولامجازفاً لو قطعت أو أكدت بأن: الشعر، والقصة، والرواية، وسائر
الأنواع الكلامية تدور في هذا الفلك، فهي إما سخرية مرة ونقد لاذع للواقع وتحقير
موجع للأمة وتيئيس مفجع وانتهاك سافر لكل شروط الجدل الراشد.. أو رهان
جريء على البديل الأمثل، وكأن (عصى موسى) مجموعة من العصي الموزعة
على كل من يذعن لهذا الخطاب ويدخل في عباءته دون وعي أو تساؤل.. أو تبعية
أمعية لا تؤمن إلا بالشاهد المادي، متجهة صوب الحضارة المادية مستهلكة لا
منتجة، متأسية بالسلوك لا بالعمل، مجترة النفاية.
وكل الفئات الثلاث تتقاطع أصواتها ويتداخل لغطها ويرتفع ضجيجها، ولكنها
في دروب التيه والضياع، ولكي لا أحبط وأسقط، وأكون جزءاً من هذه الشرائح:
أستدرك أصواتاً مليئة بالحكمة والعقل والتروي والمراجعة، وكلها أصوات يخنقها
تكاثر المرجفين، ويضيعها صخب الخليين الذين يمتطون الأمواج حتى إذا تكسرت
على حافات الشواطئ خفوا لاستقبال أمواج أخرى، أطمئن نفسي ومن هم على
شاكلتي بحديث الذي لا ينطق عن الهوى:» لا تزال طائفة من أمتي على الحق «،
فالحق والشر لا يغيبان ولكنهما في جولات وصولات [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ] ، فإذا غلب الحق انزوى الشر في أضيق نطاق، وإذا غلب الشر كمن
الحق في قلوب المؤمنين تحرّفاً لجولةأخرى تعلي كلمة الله، والناس بين امتحان في
السراء والضراء [وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً] [وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات]
[وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] .
(١- ٣) وبعد: لقد جاء المقطعان بمثابة مدخل ومقدمة، ولم يبق للمتن إلا اليسير، الأمر الذي سيحملني مكرها على قراءة قصيدة واحدة فقط، لا لأنها
الأفضل، ولكن لأنها الأكثر إثارة.
القصيدة للشاعر الدكتور صالح سعيد الزهراني (جغرافيا الرقاب» ص ٤٨
العدد ٩٠، والأعمال الأخرى لها نكهتها الخاصة وتصورها الذاتي، وهي في
مجملها تعبير استفزته ترديات الواقع الإسلامي، وبكائيات مرة ألحقناها في كل
الطرح الإبداعي، عنوان النص يقرئك النص، يكاد يحرقه، أو قل هو المتن
والنص هامش مركز، فيه حذر، وفيه استدراج ذكي للقارئ.
العنوان: خبر، ومضاف إليه. وكلمة (جغرافيا) مصطلح يتسع لأكثر من
دلالة، قد تكون جغرافيا فكرية، أو بشرية، أو إقليمية، أو خلقية ... أو ما شئت،
والرقاب: جمع رقبة، وهي الأخرى مصطلح يتسع لأكثر من دلالة، ولكنها
الأقرب تعبيراً عن العبودية، وفي التنزيل: (فك رقبة) (وفي الرقاب) ، (تحرير
رقبة) ، (فضرب الرقاب) ، وهنا نقترب من أجواء النص، ولكننا لن نتعجل في
تحديد الدلالة العامة، وسنكتفي بإثارة التساؤلات ليظل النص مفتوحاً لأكثر من
قراءة ولأكثر من إسقاط، وسوف أتحامى الوقوع في مصيدة النص فأكشف همي
ومعاناتي الذاتية، ومن ثم: أزيح الشاعر لأكون أنا المتحدث وأنا المعرف،
(جغرافيا الرقاب) هل تعني عالم العبيد والمستضعفين وهل المسُتْرِق (بالبناء للفاعل)
هم صناع الحياة والمُسْتَرَقّ (بالبناء للمفعول) الأغبياء، وما دواعي الرق، وما
مقاصد الثنائية المتناقضة إلى حد صارخ، ولماذا وجهت الرسالة لمتناقضين
متضادين؟ ، كيف يكون شكل التلقي؟ ، هنا يكون الشاعر بين أمرين، إما أن
يكون متورطاً، أو ساعياً للتوريط، وعلى الحالين فإن القارئ يجب أن يكون حذراً
ويقظاً لكي لا يقع في لعبة الكشف عن القارئ لا الكشف عن القائل.. هي رسالة
إلى فئتين تمثلان التناقض في أقصى درجاته صيغة مبالغة، وتأكيد (صناع، جدّاً) .
الإشكالية في صيغة التلقي وأسلوب الاستثمار والتوظيف. وثمة إشكالية ثانية: من يكون هؤلاء وأولئك، إن تفكيك النص يبرز تعادلية مجحفة وثنائية متدابرة
وليست متآزرة أو متوازية على الأقل، ليست الفكرة بحد ذاتها غائبة، إنها
مطروحة في الطريق الجديد في تشكيل الفكرة وأسلوب تناولها واستدعاء كم هائل
من الرموز التراثية لتكون أوعية للطارئ، ومن ثم فالقصيدة تذكرني بقصيدة
البردوني (غزو من الداخل) .
والشاعر هنا يتحدث من منطقة الحلم، فهناك مخيلة وذاكرة المخيلة تلعب بين
قطبين: قطب الصور المسترجعة، وقطب الصور المتخيلة، والذاكرة تركض
داخل أغلفة التراث تمتطي الإضاءات والعتمات: السليك بن السلكة، ابن ماجد،
الكميت الأسدي، وتركض داخل أغلفة الآخر: (دي جاما) (ماجلان) (رأس
السندباد) .
والذاكرة والمخيلة كقوتين فاعلتين في صناعة النص تتآزران بعيداً عن
المكاشفة الناصعة. إن هناك آتياً يحمل مهمة التحرير، قد لا يكون تحرير الأرض
ولكنه تحرير الأفهام والمدارك والتصورات، ومجيئه لن يكون ذاتيّاً، إنه عبر
رسائله المادية: (الزجاج) (الملابس) (المبيدات) (المأكولات) .
الشوط الأول يمدك ببعض الخيوط، يضيء مواقع قدميك، حتى إذا
استشرفت الآتيَ تفلت منك ممعناً في الهروب والتمويه والمغالطة، ولكن هذا الوعد
الذي يرويه الشاعر ليس إلا لوناً من السخرية بسذاجة وغباء المتلقي.
(باسم تحرير مواليك) لمن يكون الخطاب؟ ، ومن الآتي؟ ، ولماذا يأتي؟ ،
إن هناك مجيئاً ماديّاً، مجيئاً فكريّاً، وكلاهما خطر، ذاك يُضْعِف، وهذا يفسد،
والإضعاف والإفساد هدفان للعدو، فعن أي المجيئين تحدثنا القصيدة التحذيرية أو
التهكمية؟ .
لن أمضي وراء التخمين فأُحَجّم الدلالة وأحرم القارئ من احتمالاتها وأصادر
فضاءات القصيدة.. ولن أقف حائراً أمام التعددية الدلالية.. إن لي قراءتي
وفرضيتي، وليكن لغيري ما يشاء من القراءات والتأويلات، والشاعر الذي هرب
من التسطح وأحادية الدلالة له حقه، فالشعر الخالد هو الذي يتجاوز زمنه وقضاياه
ليكون في انتظار الآتي.
والشاعر لم يكن أسير أقليميته لقد احتوى الآخر فكانت فضاءات الدلالة أكثر
عمقاً واحتمالات التأويل المتعدد واردة. الشعر رسالة مفتوحة، ومن الجميل جدّاً أن
يتوقع الحاضر والآتي أنها تخاطبه، ترسم له طريق الخلاص، تقدم له رؤية
نخبوية، وعندما تتأطر الرسالة يتطامن الشعر ويتقزم الشاعر، ومقياس الانفتاح
والانغلاق: هذا الكم الهائل من الشعر، وهذا الجم الغفير من الشعراء الذين طواهم
النسيان ولم تتسع لهم صفحات التاريخ.
إن هناك حشداً من الرموز وحشداً من المناجاة وحشداً من الوعود يكتظ بها
النص في أضيق نطاق كلامي.
هذا التكثيف وهذه التداعيات، تضع القارئ أمام تكاثر لا يدري معه ما يصيد، وقد يؤدي ذلك إلى خروجه بدون أدنى قدر من الاستيعاب.
بقي أن أتساءل عن تكافؤ الفرص بين: تكثيف الدلالات وتوفير الجماليات
الصوتية والتصويرية، والنص ينطوي على قدر من كل ذلك، ولكنه يفقد التعادلية
بسبب لهاثه وراء الإشارات والرموز والجمل القصيرة والقفزات المتلاحقة التي
تقطع التراسل والتواصل.
والقصيدة بجملتها تأنيبية تتعمد الإدانة لإنسان العصر، وقد تنطوي على شيء
من التحذير، والرموز تمثل السفر، أو قل: تمثل الإبحار مبارحة الأرض، أو قل: تمثل مغامرة من أجل الاكتشاف، هذا الحشد من السفر والصعلكة يوحي بالهروب
والاغتراب، هروب الذات واغتراب النفس، وهي ظاهرة دلالية في الشعر الحديث
تكاد تكون مألوفة.
стр. 2075
المسلمون والعالم
القضية البوسنية..
(دروس وعبر)
بقلم: عبد العزيز بن عبد الله
لقد بلغت الفواجع التي تعرض لها المسلمون في البوسنة والهرسك من الهول
والفظاعة الشيء العظيم الذي سمع به القاصي والداني، ولم يعد خافياً على أحد من
المسلمين أو من أعدائهم مدى ما يعانيه إخوانهم في البوسنة والهرسك من استهتار
بحقوقهم الإنسانية، ورفض لحقهم في تقرير مصيرهم كغيرهم من الشعوب.. كل
ذلك على ضوء تعاليم هيئة الأمم المتحدة أو بمباركة من النظام العالمي الجديد الذي
فتح المجال للحرب العنصرية القائمة على ما يسمى بالتطهير العرقي وما أدت إليه
من مآس كبرى من الصرب (الأرثوذكسي) ، تلك التي سماها (بطرس الأصغر)
حرب الأغنياء، والشيء من معدنه لا يستغرب، فهو (أرثوذكسي) يحدب على بني
ملته ولو على حساب مهمته الإنسانية! .
ولقائل أن يقول: ماذا عسى أن يكون في هذه الأحداث المؤلمة من الخير
والرحمة، وما رأينا إلا سفك الدماء وهتك الأعراض وتشريد الأسر وسلب
الأموال؟ ! إن الجواب على هذا السؤال سهل وميسر إن شاء الله.
ولن يقدر مثل هذا الكلام إلا المؤمن بالله الواثق بحكمته، المدرك
لمعاني أسمائه وصفاته ولآثارها الكريمة الجليلة.
وهذا لا يعني التواكل وترك الدفع، كلا.. بل يجب إعانة المسلمين هناك بكل
ما يمكن لجهاد عدوهم، والدفاع عن الديار والأنفس والأعراض، لكننا يجب أن
نستثمر الدروس والعبر من هذه الأحداث لكي تكون رصيداً ورافداً من روافد الدعوة
إلى الله ، وذلك بتوظيفها في معرفة الأعداء وشحذ العزائم، واستنهاض
الهمم، ووحدة الصف، وغير ذلك من الآثار الإيجابية.
وما سيقال هنا من الحِكَم والغايات المحمودة في أحداث البوسنة يسري أيضاً
على مآسي المسلمين الأخرى في مشارق الأرض ومغاربها.
ويمكن إجمال الدروس والعبر المحمودة
في هذه الأحداث فيما يلي:
أولاً: رجوع الناس في تلك البلاد إلى الإسلام، حيث برز من بينهم من
يفهمه فهماً صحيحاً بعد أن كان إسلاماً صوريّاً بالهوية فقط، وما نتج عن ذلك من
التمايز عن الكفار بعد أن كانوا في حالة من الانصهار والذوبان معهم دون علم
بحقيقة الإسلام وحقيقة الكفر، لكن ما إن اشتعلت الأحداث حتى عرف المسلمون
هناك أعداءهم، وبدأ التمايز، ووضح أنه لا التقاء بين الإسلام والشرك والكفر،
وبخاصة بعد انتشار الدعوة بينهم، وما ساهم به المسلمون في كل مكان من جهود
في الدعوة والتعليم والإغاثة، فأحس الناس هنالك برابطة العقيدة بإخوانهم المسلمين، فعرفت عقيدة الولاء والبراء، وظهرت الشعائر الإسلامية، حيث عمرت المساجد
بالصلاة، وبرزت ظاهرة الحجاب بين المسلمات بعد أن كن هن والكافرات سواء.
كل ذلك من الخير الذي ظهر بعد هذه الأحداث، ولو لم يقدر الله هذه الأحداث
المؤلمة لبقي الوضع والله أعلم على ما هو عليه قبل الأحداث من الجهل والفساد
ومسخ الإسلام في النفوس وعلى أرض الواقع، ولكن الله لطيف خبير، بر رحيم،
عليم حكيم، وهذا الخير الذي حصل من آثار لطف الله ورحمته حيث لم يتركهم
(سبحانه) في انحدارهم الشديد إلى الجهل والفساد والكفر، بل أيقظهم (سبحانه) بهذه
الأحداث المؤلمة التي كانت سبباً في انتباههم من نومهم العميق، وسبباً في شعورهم
ببعدهم عن الإسلام، وانحرافهم الشديد عن عقيدته النقية، وماذا تساوي كل
التضحيات إذا كانت نتيجتها النجاة من عذاب الهوان والذل في الدنيا، والنجاة من
عذاب النار يوم القيامة؟ إنها تصبح ضئيلة بجانب تحصيل هذه المصالح العظيمة،
وفي ذلك عبرة للمجتمعات الآمنة في أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وإلا
أصابهم ما أصاب غيرهم؛ قال (تعالى) : [وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ القُرَى
وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] [الأحقاف: ٢٧] .
ثانياً: شعور المسلمين في كل مكان بعداوة الكفار وحقدهم الشديد على الإسلام
والمسلمين مهما اختلفت مللهم وأوطانهم شرقاً كانوا أو غرباً؛ فالكفر ملة واحدة،
والحرب التي يشعلونها حرب عقدية مهما أظهروا من دوافع مزورة يغطون بها
كيدهم ومكرهم. وهذا والحمد لله معروف من كتاب الله ، وما فيه من
فضح للكفار والتحذير من الاغترار بكلامهم والركون إليهم، لكن هناك من المسلمين
من بَعُد عن كتاب الله ، واغتر بالكفار وبمعسول كلامهم، فجاءت هذه
الأحداث المؤلمة لتؤكد للمسلمين في كل مكان، حتى لمن عشي بصره: أن الكفر
ملة واحدة على المسلمين ودينهم، وقد حذر الله (سبحانه) المسلمين من هذا الكيد منذ
أربعة عشر قرناً من الزمان؛ قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً
مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي
صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا
يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ
مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
وَإن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إنَّ اللَّهَ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] [آل عمران ١١٨ ١٢٠] .
كما ظهر من خلال هذه الأحداث كذب الكفار، وافتضاح أمرهم وغدرهم
وظلمهم حيث ظهرت المعايير المزدوجة، والموازين الجاهلية، وهذا الأمر والحمد
لله يفهمه المسلم من عقيدته قبل هذه الأحداث وذلك من الآية الآنفة الذكر وغيرها،
ولكن كما أسلفت هناك من الناس الذين بعدوا عن فهم العقيدة الصحيحة، من لا ينفع
معه الكلام، ولايقتنع إلا بالأحداث، وما أكثر هذا الصنف من الناس الذي لايستيقظ
من نومه إلا بضربات عنيفة تفتح عينيه وتنبهه من نومه العميق، فجاءت هذه
الأحداث لتؤكد لكل من عنده أدنى مسكة من دين أو عقل تهافت الشعارات التي
ترفعها هيئة الأمم ومجلس الأمن.. من مثل: رفع الظلم عن المظلومين، وردع
الطرف المعتدي، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل.. إلخ.
لقد ثبت من خلال هذه الأحداث أن تلك الشعارات ذات معيارين، فإن كان
الخطر من المسلمين ولو بالهوية طبقت، وإن كان الخطر عليهم ضاعت الشعارات
وتلاشت، وترك المعتدي يقتل ويهتك ويدمر على مرأى منهم ومسمع، وهذه
المواقف على كل حال لاتستغرب منهم، ولكن المستغرب هو أن ينخدع بكلامهم
ووعودهم من يدعي أنه يفهم شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فلعل
هذه الأحداث توقظ هذا الصنف من الناس وتساعدهم في الرجوع إلى عقيدتهم،
واعترافهم بالجهل الذي كانوا عليه من دينهم، وفي ذلكم خير.
ثالثاً: إحياء شعيرة الجهاد بين المسلمين؛ هذه الشعيرة التي غابت ردحاً من
الزمن حتى وصل الأمر في وقت من الأوقات إلى التهيب من الخوض في موضوع
الجهاد، والحديث حوله، أما الآن فأصبح هو حديث المسلمين الجادين في كل مكان، وقد ساهم الجهاد الأفغاني على علاته وسلبياته في ذلك مساهمة فعالة، وكذلك ما
تزامن معه وما تلاه من حركات جهادية في العالم، هذا، وإن كان هناك بعض
التحفظ على بعض هذه الحركات الجهادية لحاجتها إلى مزيد من التأصيل الشرعي،
إلا أنه وبشكل عام كان لرفع علم الجهاد أثر عظيم في ارتفاع المعنويات والأمل في
عودة الإسلام عودة صادقة شاملة.
ولقد أحست ملل الكفر جميعها بخطر الجهاد وأثره في إحياء النفوس
واستنهاض الهمم، فوجهت حربها على هذه التيارات الجهادية في شخص من
أسمتهم بالأصوليين، وصدق الله العظيم: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن
رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ] [الأنفال: ٦٠] .
وهذه النتائج الطيبة أفرزها التحدي السافر، والصراع المرير، والكيد العظيم
من الكفار للمسلمين في كل مكان، وفي ذلك خير إن شاء الله تعالى إن أُحسِن
استثماره، ووجه التوجيه الصحيح، وتعاون المسلمون جميعاً تحت راية الجهاد ضد
أعدائهم، ونبذوا الفرقة التي بينهم، وهذه الثمرة قد وضحت بجلاء في جهاد
المسلمين في البوسنة أمام أعدائهم الصرب الكافرين، وجهاد نفر من المسلمين في
فلسطين أمام اليهود الكافرين المغتصبين.
رابعاً: أظهرت هذه الأحداث طرفاً من خيرية هذه الأمة، وأن الشعوب رغم
ما دهاها في دينها فلا تزال فيها بقية من خير وحب للإسلام، وذلك فيما ظهر من
التعاطف الشديد من المسلمين بعامة مع إخوانهم المنكوبين، حيث برزت أمثلة
رائعة في البذل والتضحية والدعوة إلى الله والتعليم والجهاد، وذلك بما وقفه بعض
دعاتها وخطبائها وأغنيائها ومجاهديها من المواقف النبيلة التي تعكس الهم الإسلامي
في النفوس.
وهذا الخير الموجود في هذه الأمة يعد رصيداً مهمّاً للعودة الشاملة للإسلام إن
استغل ووظف في مكانه المناسب.
خامساً: أن الاتكال على الله ثم الأخذ بالأسباب المشروعة هما طريق النصر
المؤزر إن شاء الله ولاشك أن المواجهة التي تحصل هناك على الرغم من كل
المؤامرات الدولية وعلى الرغم من قلة العدد والعدة.. كل ذلك جعل المسلمين
ينتصرون في كثير من المواقع ويستولون على سلاح العدو ويقاومونه بكل بسالة،
وأن جمع الكلمة ووحدة الصف والانطلاق من المنطلقات الإسلامية الحقة بإذن الله
كفيل بتعجيل النصر، وما ذلك على الله بعزيز.
سادساً: إن التوجهات التي تلوح في الأفق بالتهاون في إقامة الدولة الإسلامية
بدعوى أن الغرب والشرق سيقفون ضدها وبدء ظهور اتجاهات مشبوهة بإقامة دولة
مدنية (علمانية) إنما هو طريق الهلاك والخسار وتضييع للإمانة التي وضعها الشعب
المسلم بل والأمة الإسلامية في أعناق المسؤولين بهذه الدولة، بل وفي ذلك شق
للصف ونكوص عن الأهداف التي رسمها العلماء والمفكرون لإقامة هذه الدولة، بل
وخيانة للدين، وقد علمتنا الأحداث بأن الحرب القائمة حرب عقيدة، ومهما تساهل
بعضهم فيها وتخاذل في أدائها فهم في نظر أعدائهم مسلمون، فلابد الحذر من
التساهل في ذلك الهدف الإسلامي العظيم الذي قامت الدولة باسمه حتى لا يبوء
المسلمون بخزي الدنيا والآخرة.
سابعاً: الحذر كل الحذر يا أهل البوسنة والهرسك من أولئكم الذين لا يحملون
من الإسلام إلا اسمه، ولا سيما المنضوين تحت مظلة الشيوعية البائدة وذوي
الأهداف المادية والذين يركبون الأمواج لتحقيق أهدافهم الرخيصة ولا يشعرون
بشعور العقيدة الحقة التي يجب أن ينطلق من أصولها كل عمل مهما كان وبخاصة
في مثل هذه الظروف الحرجة.
فالمسؤولون عن هذا الجهاد في بحر من الأمواج المعادية لهم، وقد عرفوا
أمثال هذه الفئات (كعبديتش) وإخوانه ممن اشترى دنياه بدينه واستعان بقوى أجنبية
ضد إخوانه المسلمين، ومازال سادراً في غيه، فهؤلاء الأشخاص وأمثالهم يجب
الحذر كل الحذر منهم والضرب بيد من حديد على كل توجه انهزامي ومصلحي؛ إذ
سيكون في ذلك عبرة لكل معتبِر.
والله أسأل أن يعلي كلمته وأن يعز جنده وينصر حزبه وأن يرينا في أعدائنا
جميعاً يومااًسوداً.. إن الله على كل شي قدير وبالإجابة جدير، والله المستعان.
стр. 2076
المسلمون والعالم
خطر.. على أرض الكنانة !
بقلم: أحمد العويمر
شَرُفَتْ مصر بالإسلام حينما فتحها الصحابي الجليل عمرو بن العاص (رضي
الله عنه) فدخل أهلها في دين الله أفواجاً، وانتقل إليها الكثير من العرب المسلمين،
فتعرب لسانها وصارت إحدى المراكز والمنطلقات التي دخل الإسلام عن طريقها
إلى إفريقيا كلها، وبقيت مصر وفيّة لرسالتها الإسلامية على مر العصور.. ويوم
أصاب حكامها داء الأمم في التفكك والخلافات والصراعات فيما بينهم دخلها
العبيديون (الذين تسموا بالفاطميين) وخططوا لتحويلها إلى دولة رافضية، فأقاموا
لذلك المذابح لكل من وقف في طريقهم ولا سيما من العلماء والمصلحين، وحينما
تساءل المصريون عن مدى حقيقة انتساب هؤلاء العبيديين لآل البيت كما يزعمون
أخرج أحد حكامهم سيفه وقال: هذا نسبي، ونثر النقود والدرر وقال: هذا حَسَبي،
ثم أقاموا (الجامع الأزهر) لينقلوا مركز التعليم والتوجيه من مسجد عمرو بن العاص، وليكون جامعة دينية تنشر عقيدتهم وتغري بمنطلقاتهم ومبادئهم، وبما أن الباطل
لا يدوم؛ فبعد قرنين من الزمان سقطت دولة العبيديين على يد الفاتح والقائد المسلم
صلاح الدين الأيوبي الذي أعاد الله به ضياء السنة، ورفع به أعلامها وبقي دين
الرفض مختبئاً، واتخذ طريق التصوف أسلوباً وسبيلاً لمحاولة بقائه حتى أكد كثير
من الباحثين أن شيخاً صوفيّاً مشهوراً مثل «أحمد البدوي» لم يختر (طنطا) إلا
لتوسطها بين القاهرة والإسكندرية؛ ليعمل على إعادة دولة العبيديين البائدة، وفي
القرن العاشر جاء من إيران إلى مصر أحد دعاة الرفض وحاول بث سمومه بين
المصريين؛ مما جعل العلامة «السيوطي» ﵀ يقف فاضحاً دعوته في
كتابه المعروف (مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة) ، وفي عصور الانحطاط قامت
الطرق الصوفية ببث أفكارها القريبة من التشيع ولا سيما الطريقة الرفاعية
المعروفة بمصر. والصلة بين التصوف والتشيع وثيقة جدّاً أكدتها الدراسات العلمية
المقارنة، مثل: (الصلة بين التصوف والتشيع/ د. كامل الشيبي) ، وله دراسة
أخرى هي: (الفكر الصوفي والنزعات الشيعية) ، وقد بين هذه الصلة بجلاء
وإيجاز الشيخ «عبد الرحمن عبد الخالق» في كتابه القيم (الفكر الصوفي في ضوء
الكتاب والسنة) الطبعة الثالثة وما بعدها.
التشابه بين التشيع والتصوف:
وتتجلى أبرز صور تشابه هذين التوجهين فيما يلي:
١- ادعاء كل من النزعتين بوجود علوم خاصة لدى رموز كلّ منهما لم تعط
لغيرهم، وهذا طعن في إكمال الدين.
٢- ما زعمه الشيعة في أئمتهم هو ما زعمته الصوفية في رجالها ممن
يسمونهم بالأولياء والأقطاب والأوتاد: من ادعاء اختيارهم من قبل الله (تعالى)
لقيادة الأمة بعد الرسول ﷺ والنص على ذلك.
٣- الادعاء بأن للدين ظاهراً للعوام وباطناً للخواص! !
٤- تقديسهم للأضرحة والقبور وشد الرحال إليها.
وأبرز الفِرَق الصوفية توافقاً وانسجاماً مع أهداف الشيعة فرقتان، هما:
١- الرفاعية:
وهذه الطريقة إحدى الطرق المشهورة بمصر، وأتباعها يعتقدون بإمامة
(الأئمة الاثني عشر) كالجعفرية، ويجعلون شيخهم «أحمد الرفاعي» الإمام الثالث
عشر بعدهم، وهم يؤمنون معاً بكتاب خرافي، مملوء بالطلاسم والشعوذات يسمى
(الجفر) ، وهؤلاء الرفاعية ينتشر بينهم النصب والشعوذة والدجل أسلوباً لترويج
طريقتهم، وقد كشف شيخ الإسلام ابن تيمية أباطيلهم تلك وأفحم زعماءهم في
محاورته معهم وفي رسالة معروفة ومشهورة بعنوان (الرد على الرفاعية البطائحية) .
٢- الطريقة البكتاشية:
وهي طريقة تجمع بين التصوف والتشيع، نشأت في تركيا وانتقلت إلى
مصر عام ٨٠٠ هـ، وبقيت بمصر حتى عام ١٢٢٤م حين ألغيت الانكشارية
وأعطيت أملاكهم للطريقة القادرية ثم عادت لمصر على يد «علي الساعاتي»
وصارت مصر مقرها الرئيس عام ١٩٤٩م، وفي عام ١٩٥٧ أخليت تكيتهم في
المقطم فانتقلوا إلى المعادي.
جهود الرافضة المنظمة لنشر التشيع بمصر:
وتتمثل جهودهم العملية لنشر مذهبهم في الوسائل التالية:
١- جماعة الأخوة الإسلامية: أسسها الباطني الهندي «محمد حسن الأعظمي» عام ١٩٣٧م، وجعل مركزها قبة الغوري بمصر، ويبدو أنها فشلت في أداء ما
تهدف إليه فنقلت إلى كراتشي عام ١٩٤٨م.
٢- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية: أسسها أحد الرافضة الإيرانيين
وهو المدعو «محمد تقي القمي» عام ١٣٦٤هـ، وقد انخدع بدعوته للتقارب مع
السنة نفر من علماء مصر، وأصدرت الدار مجلة (رسالة الإسلام) لخدمة أغراضها، وبعد أربع سنوات من إنشائها ارتاب أحد أعضائها في أهداف هذه الدار (وهو
الشيخ «عبد اللطيف السبكي» ) ونشر رأيه بمجلة الأزهر (ج ٢٤/٢٨٦) وتساءل
عن موارد هذه الدار وعلى حساب من إنفاقاتها السخية، وفي النهاية أُغلقت الدار،
وتبع «السبكي» في التبرؤ من هذه الدار الشيخ «محمد عرفة» والشيخ «طه
الساكت» .
٣- ولم ييأس الرافضة؛ فبعد توقف الدار أرسلوا مندوباً آخر هو «طالب
الرفاعي الحسيني» ، ويلقب نفسه بإمام الشيعة بمصر، ولم يرفع المذكور شعارهم
السابق (التقريب) بعد الشك في أهدافهم، وإنما رفع شعاراً يتقنون التسلل لقلوب
المصريين عبره وهو (محبة آل البيت) ، فأنشأ (دار آل البيت) لتقوم بنشر كتب
الرافضة وإحياء مواسمهم والتبشير بمبادئهم حتى أنهم أنشؤوا بالمعادي مركزاً
للدعوة بمنطلقاتهم بين أهل السنة، وقد حُلت هذه الجمعية مؤخراً بعدما ظهر للعيان
دورهم في نشر الفكر الشيعي بين الناس.
٤- دور الثورة الخمينية في الخداع بأهدافها:
لقد ظن الكثير من الناس بهذه الثورة عند قيامها ورفعها اسم الإسلام خيراً،
والحقيقة أنها ثورة طائفية عنصرية، ونحن لا نتهمها بما هي براء منه؛ فبالإمكان
الرجوع إلى (دستورها المعتمد) لترى تلك النزعات بجلاء.
وموقفها من الفئات السنية في إيران أسوأ موقف تقفه دولة تدعي الإسلام،
وبيان ذلك يطول، وقد كُتِبَتْ في إيضاحه دراسات وكتب (معروفه) توضح العداء
المستحكم والظلم الواضح لأهل السنة من الحكومة القائمة في إيران، بينما يُخص
اليهود والنصارى والمجوس بأحسن رعاية! ! !
أثر الثورة الإيرانية في نشر مذهبها:
استطاعت هذه الثورة في كثير من الدول تجنيد مجموعات من الأفراد عن
طريق أتباعها بأسباب متعددة، من أهمها:
١- الشعارات البراقة التي يرفعها النظام: كالعدالة الاجتماعية، والدعوة إلى
الحريات، ونصرة المستضعفين.
٢- استغلال الجهل الذي يرزح تحته كثير من الشعوب الإسلامية لا سيما من
غير الناطقين بالعربية، وخداع هذه الشعوب بنصرة الإسلام ومحبة آل البيت
والانتصار لهم.
٣- الإمكانات المادية، فقد سخرت الحكومة الإيرانية ميزانية ضخمة للدعوة
إلى مذهبها في الخارج، ومنها: منح دراسية، وتذاكر سفر للمؤيدين لها الذين
يرجى تحويلهم لمذهبها.
نتائج جهودهم الدعوية:
ولقد أثمرت هذه الجهود ثماراً ملموسة ونتائج تتمثل فيما يأتي:
أولاً: انخداع نفر من الكتاب والصحفيين وبعض المفكرين بدعاوى الرافضة
تلك، فقاموا بكل جهد بالدعوة إلى التقارب معهم ومؤازرتهم وفتح المجال لهم للدعوة
لمذهبهم، ومن هذه العينة كتابان صدرا في الموضوع نفسه لمؤلفين معروفين هما:
١- علي عبد الواحد وافي في كتابه: (بين الشيعة وأهل السنة) .
٢- سالم البهنساوي في كتابه: (السنة المفترى عليها) .
وهما بحثان غير عميقين يقومان على العاطفة البحتة وتنقصهما الدراسة
العلمية المتأنية، فضلاً عن فقدانهما للرجوع للمصادر والمراجع المعتمدة عند القوم، ولذلك: جاءا يفصحان عن العاطفة أكثر من العلم الحقيقي.
وقد تصدى لهما وكشف عوارهما وأبان أخطاءهما الشيخ العلامة «إحسان
إلهي ظهير» ﵀ في كتابه القيم (بين الشيعة والسنة) ، ومثل ذلك الكتابين
قد يسهمان في تضليل العوام وأنصاف المثقفين، ويكونان مع الأسف وسيلتين
للدعاية لدين الرافضة بينما موقفهم من أهل السنة وأصولهم معروف.
ثانياً: وجود جماعات مشبوهة تتبنى الاتجاه الرافضي بعد انخداعها بدعاوى
الثورة الإيرانية في كثير من الدول ولا سيما في دول الخليج العربي، وبعض الدول
الإفريقية وعلى رأسها (مصر) حيث وجدت بعض الجماعات تتبنى التشيع تحت
إغراء التأثير الإعلامي والدعم المالي، وصدق رسول الله ﷺ
وهو يحذر من فتنة المال: «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» **.
وقد كشفت السنوات الأخيرة عدداً من تلك الجماعات الشيعية، ومنها:
أ- العصبة الهاشمية: وزعيمها هو المسمى «الشيخ العربي» الذي يدعي
أنه يتصل بالرسول مباشرة، ولها مبادئ يظهر فيها الغلو والرفض الشيعي.
ب- وهناك مايسمى ب: (تنظيم الطلائع الشيعي) .
ج- مايسمى بالتنظيم الشيعي الإيراني: وبغض النظر عما يؤخذ من واقع
التحقيقات التي تمت مع المنتسبين لهذه التجمعات وما نسب إليهم من السفر لإيران
ودعمهم المادي، إلا أن هذه الجهود أثرت تأثيراً ملموساً لدى بعض العوام وأنصاف
المثقفين، ففي حي المعادي بالقاهرة كان لهم تجمع يصدع ببدعهم، وفي الزقازيق
لهم وجود معروف، وكذلك في المنصورة (قرية ميت زنقر) وزعيمهم طبيب
معروف، وقد أنشأت الجمعية الهاشمية في إحدى قرى أسوان «حسينية» لهم،
وأعضاؤها يرفعون صور الخميني ويلبسون السواد في (عاشوراء) .
أبرز الشخصيات المتشيعة بمصر:
١- صالح الورداني: وهو تاجر وصحفي وكاتب، من أنشط هذه الفئة، وله
العديد من المؤلفات، ويعتبر منظرّا للشيعة هناك، ومع ذلك فهو مطلق الحركة! ،
ويبدو أنه مستاء من علماء السنة الذين يفضحون الشيعة ومذهبهم وقد ألف كتباً في
الدعاية لمذهبه الجديد، وهي ترديد لترهات وادعاءات الرافضة الذين يستغلون
جهل العامة وأنصاف المثقفين بحقيقة مذهبهم، مع دس السم في الدسم، وهي
منتشرة في كثير من المكتبات ومع باعة الأرصفة.
وجل العلماء هناك عنها غافلون، ولم أر أي كشف لذلك الزحف الرافضي
سوى رسالة صغيرة ذات ردود مختصرة تحت عنوان (نماذج من سموم الغزو
الشيعي لمصر والأمصار الإسلامية) للأستاذ «رجائي محمد المصري» ، لكنه لم
يذكر أن صاحب تلك الدعاوى الشيعية التي نبه مشكوراً لخطرها إنما هو المدعو
«صالح الورداني» .
٢- الزحف (الباطني) : وهذا النوع له دعاته بمصر يسرحون ويمرحون وقد
بدؤوا منذ عام ١٩٨٠م، حينما افتتح الرئيس السابق «السادات» جامع (الأنور)
الذي رممته طائفة البهرة الباطنية، وقد بدؤوا في السنين المتأخرة يفدون لمصر
أفواجاً، وأقام بعض تجارهم بمصر إقامة دائمة، ولهم شركات ومصانع
واستثمارات في مجالات متعددة، ولهم دار ملاصقة للمسجد يستقبلون فيها الضيوف
ويقيمون فيها الولائم والاحتفالات، ولهم دار أخرى (بالمهندسين) ويقومون بترميم
مسجد (الأقمر) ، وقد قاموا ببناء مقصورتين ذهبيتين لكل من الضريح المنسوب
للحسين ﵁ والضريح المنسوب للسيدة زينب ﵂ ، وهم
يعملون بكل جهد لترميم الآثار العبيدية، ولهم مدير مكتب دائم (لسلطان البهرة)
والقائم بأعمال هذه الطائفة. ولمريد المزيد يرجع لكتاب (الإسماعلية) للعلامة «
إحسان إلهي» ﵀ وهو من أشمل المراجع التي عرضت هذا المذهب على
ضوء مراجعه ومصادره المعتمدة.
* أين أنتم يا علماء؟ ؟
فطن للخطر الرافضي على مصر عدد من علماء الإسلام الأعلام في القديم
والحديث، ومن أشهرهم: العلامة أحمد شاكر، والشيخ محمد حسنين مخلوف،
ومحب الدين الخطيب ﵏ ولهم جهود في التحذير من الخطر الرافضي.
أما المفكرون المصريون المعاصرون فقد فطن كثير منهم لهذا الخطر الداهم،
ومن أشهرهم: د. محمد المسير أستاذ العقيدة بالأزهر، والدكتور عبد الجليل شلبي
أحد علماء الأزهر. وغيرهم.
خطة عمل لإيقاف الزحف الرافضي:
يجب ألا يتساهل علماء مصر ومفكروها تجاه مخطط الرافضة في الزحف
على أرض الكنانة، ويجب وضع خطة علمية لإيقاف هذا المد وكشف مخططاته
وأهدافه، وأرجو أن تكون تلك الجهود على النحو التالي أو قريب منه:
١- إشاعة العقيدة الصحيحة التي تنافي الاتجاهات المنحرفة من تصوف أو
باطنية أو اعتزال أو عقلانية منحرفة بطرح الدراسات العلمية المختصرة للرد على
تلك الاتجاهات المنحرفة.
٢- إيضاح وجهة نظر أهل السنة من الترضي على آل البيت وبيان محبتهم
لهم، وأن ذلك لايعني الغلو فيهم أو تقديسهم على ضوء ما أرشدنا إليه نبينا محمد -
ﷺ ، وإظهار ذلك في رسائل صغيرة ومحققة ونشرها بين العامة
والخاصة.
٣- مناقشة رموز الرفض في مصر أمام العلماء والمفكرين المختصين وإسقاط
دعاويهم وبيان تهافت منطلقاتهم؛ حتى تسقط أوراقهم أمام الرأي العام ويظهرون
على حقيقتهم: إما جهلة بدينهم، أو أصحاب أهداف مشبوهة.
٤- ملاحقة تلك الجمعيات والتجمعات الرافضية وعدم السماح لها ببناء معابد
وحسينيات، ومتابعة أي مطبوعات تروج لفكرهم كما هو الحال في إيران، إذ لا
يسمحون لأهل السنة بالدعوة ولا يعترفون بهم.
٥- ترويج الكتب والرسائل التي تناقش المذهب الشيعي بموضوعية وبعيداً
عن التعصب والتشنج، ومن ذلك كتب (صورتان متضادتان) للندوي، ونقض
كتاب المراجعات، وبروتكولات آيات قم، و (رسالة إلى كل شيعي) للشيخ أبي بكر
الجزائري.
٦- نشر بعض كتب الشيعة المعتدلين نوعاً ما أمثال (موسى الموسوي)
وبخاصة كتابيه (تصحيح التشيع) و (يا شيعة العالم استيقظوا) وطبعها بكل اللغات
الحية لأنها تساهم في خلخلة البناء العقدي الشيعي من أحد علمائهم، ومع ما عليها
من ملاحظات إلا أنها من أهم الكتب التي تسقط التوجه الشيعي وتكشف عواره لكل
قارئ ولكل باحث عن الحقيقة.
٧- إيضاح حقيقة التصوف وما فيه من انحراف عقدي وسلوكي وبخاصة
الرسائل الصغيرة ومنها: (فضائح الصوفية) لعبد الرحمن عبد الخالق، و (إلى
التصوف ياعباد الله) لأبي بكر الجزائري، و (كنت قبورياً) لعبد المنعم الجداوي..
فإنها رسائل صغيرة الحجم جمة الفائدة وبأسلوب ميسر الفهم للقارئ العادي.
٨- عند مناقشة الشيعة والمتصوفة يجب الانطلاق من منهج يحتكم إليه، وإلا
كان الحوار دائراً في حلقة مفرغة، وكتاب (الفكر الصوفي) للشيخ عبد الرحمن عبد
الخالق من أشمل الدراسات التي بينت حقيقة التصوف والتشيع والعلاقة بينهما
بدراسة علمية شاملة سهلة التناول.
٩- التنبه لحقيقة مشاريع التقريب مع الرافضة لأنها لصالحهم وهم
المستفيدون منها، كما حصل في مصر، وقد تم توقفها بعد تنبه علماء مصر
لأهدافها المشبوهة، لكنها عادت من جديد تحت مسميات أخرى كما أسلفت.. حفظ
الله مصر وأهلها من كل سوء.
مصادر مهمة:
١- مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، د. ناصر القفاري.
٢- الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.
٣- مجلة المجتمع: العددان (٥٨٢، ٥٨٥) .
٤- نماذج سموم الغزو الشيعي لمصر، لرجائي محمد المصري.
* انظر دستور إيران الإسلامية! (المادة ١٢ من الدستور) والمادة (١٥)
والمادة (١١٥) ، ولمزيد البيان: انظر (النظرية السياسية المعاصرة للشيعة الإمامية
الاثني عشرية) للأستاذ/محمد عبد الكريم عتوم.
** أخرجه الترمذي: كتاب الزهد، باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، وصححه الألباني؛ صحيح سنن الترمذي، ج٢ ص٢٧٣.
стр. 2077
المسلمون والعالم
أبعاد القضية الكشميرية
(عرض موجز)
بقلم سعيد البتاكوشي
المؤامرة الهندوسية ضد كشمير تؤازرها مؤامرة دولية كبرى تتمثل في تجاهل
المأساة وعدم الوقوف مع حقوق شعب كشمير في تقرير مصيره، كما أن القوى
الدولية المؤثرة لا تعير أي اهتمام لكافة الانتهاكات الهندوسية لحقوق الإنسان المسلم
هناك، وذلك لسبب واحد وهو أنهم مسلمون [١] .
لا يكاد يمر يوم واحد دون أن تنتهك الهند بكل شراسة حقوق المسلمين في
ذلك البلد الصامد، دون أن تتعرض لأي ضغط دولي، حتى ولو بوضعها على
قائمة الإرهاب؛ فالنظام العالمي الجديد في صف كل من يقف ضد الإسلام ويشوه
صورته، إلا أننا وجدنا أمريكا تحذر باكستان مراراً وتكراراً من مغبة وضعها على
قائمة الإرهاب لو استمرت في تأييد المجاهدين من أهل كشمير [٢] .
أما روسيا: فهي تقف دائماً إلى جانب معارضة تدويل القضية، وذلك على
إثر طرحها من قبل الرئيس الأمريكي «بل كلنتون» مما جعل الهند تقبل على
مضض بالتدويل الذي أصبح حقيقة واقعة يرددها القادة الأمريكيون والأوروبيون
وجماعات حقوق الإنسان و (٥٤) دولة عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي وطرحها
للنقاش في مجلس الأمن.
موقف الإدارة الأمريكية:
تتسم حقيقة موقفها بالميوعة والأهواء الشخصية والنفعية (حسب المصالح) ،
وإن كان الموقف بالنسبة لكشمير يبدو للاستهلاك الإعلامي فقط، إلا في موقف
واحدكان في يوليو ١٩٩٢م حيث وافق الكونجرس الأمريكي على مشروع قرار
قدمه السناتور الجمهوري (دان بيرثون) يقضي باقتطاع (٢٤) مليون دولار من
المساعدات الأمريكية للهند احتجاجاً على انتهاكات وممارسات القمع الهندي في
كشمير، وقد تم إقرار هذا المشروع بموافقة (٢١٩) صوتاً ومعارضة (٢٠٠)
صوت، رغم أن هذا المشروع كان قد رفض من قبل عام ١٩٩١م.
التحرك الأمريكي الجديد يسير في اتجاه كشمير المحتلة التي لا تربطها صلة
بباكستان، وهذا سيسهم في تأكيد الدور الأمريكي في المنطقة عن طريق اتجاه
كشميري موالٍ لها مثل جماعة «أمان الله خان» العلمانية [٣] ، وعلى الجانب
الآخر هدد «كلينتون» بوضع باكستان على قائمة الإرهاب إذا ظلت على موقفها
بالنسبة لكشمير.
الموقف الباكستاني:
رفضت باكستان ضم الهند الإجباري لكشمير؛ لأن ذلك عكس إرادة الشعب
الكشميري، وأيضاً لوجود اتفاق سابق أوجد حاجزاً قانونيّاً أمام قدرة الحاكم المحلي
على تغيير الوضع الموجود من جانب واحد، والنقطة الثالثة أن الحاكم نفسه قد
هرب من الولاية عند الانضمام، وأن حكومة من الشعب تحت اسم أزاد قامت
بالسيطرة على جزء كبير من أراضي الولاية، وتشهد ثاني برقية لنهرو إلى رئيس
وزراء باكستان تأكيده له فيها سحب جيوش بلاده عند استتباب الأمن في كشمير،
وقال: «إننا سنترك تقرير مصير الإمارة إلى شعبها، ولا نقطع هذا العهد معكم
فقط، بل ونقطعه مع شعب كشمير أيضاً» .
باكستان وقرارات الأمم المتحدة:
على الرغم من زيف ادعاء الهند حقها في كشمير كما ثبت ذلك حتى بشهادة
المؤرخ البريطاني الشهير «ألاستر لامب» إلا أن باكستان وافقت على جميع هذه
القرارات االدولية الخاصة بكشمير موافقة حقيقية وفعلية، بينما رفضت الهند
القرارات، ولم يبق أمام باكستان إلا العودة إلى مجلس الأمن الدولي ليبحث عن حل!، فتقدمت (إسلام أباد) بشكوى في ٢ يناير ١٩٥٧م، وتقدم ممثلو أستراليا وكوبا
وبريطانيا والولايات المتحدة بمشروع قرار مشترك يطالب باستخدام قوات الأمم
المتحدة في المنطقة المتنازع عليها، وكان القبول بالقرارات على أساس الإيضاحات
التالية:
أ- تسريح قوات كشمير الحرة وتجريدها من السلاح خلال مرحلة الاستفتاء،
وذلك بعد استكمال العمليات المنصوص عليها في المادتين أولاً وثانياً من قرار ١٣
أغسطس ١٩٤٨م.
ب- سحب الجيش الباكستاني في وقت واحد مع انسحاب الجيش الهندي.
ج- عدم المساس بسيادة ولاية كشمير ووحدتها.
د- عدم السماح بدخول عسكريين أو مدنيين تابعين لحكومة الإمارة الباكستانية
أو الحكومة الهندية.
هـ- يستمد المشرف على الاستفتاء سلطته من السلطات المعينة على جانب خط الهدنة.
و لايسمح بإنشاء مراكز لحاميات هندية في تلك المناطق.
اندلاع حرب ١٩٦٥م:
كانت النتيجة لفشل كافة المساعي الدولية في حل أزمة كشمير هو زيادة التوتر
بين الهند وباكستان، وزاد من هذا التوتر الإعلان الذي أعلنه وزير داخلية الهند في
١ /١/ ١٩٦٥م بأن كشمير جزء لا يتجزأ من الهند، كما أعلن وزير الدفاع الهندي
أن القوات الهندية التي كانت تعبر خط وقف إطلاق النار في الماضي سوف تفعل
ذلك مرات أخرى إذا دعتها الضرورة إلى هذا الفعل، وتوترت العلاقات أكثر عندما
أعلن رئيس وزراء الهند آنذاك «شاستري» تصميمه على اعتبار كشمير جزءاً لا
يتجزأ من الهند وعلى أثر ذلك اندلعت الحرب بين البلدين في ٥/٨ ١٩٦٥م،
واستمرت الحرب ١٧ يوما.
ولما اشتدت الحرب شعر مجلس الأمن الدولي بخطورة الحالة، فعقد جلسة
طارئة في ٢٢ /٩/ ١٩٦٥م، وأصدر قراره رقم ٢١١ بوقف إطلاق النار بين
البلدين وسحب القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها قبل ٥ /٨/ ١٩٦٥م في فترة لا
تتعدى ٢٥/٢، ولكن المجلس وعد باتخاذ ما يمكن اتخاذه من إجراءات لتسوية
المشكلات السياسية التي ينطوي عليها النزاع الهندي الباكستاني دون أن يذكر
القضية الكشميرية صراحة! !
اتفاقية طشقند:
عمل الاتحاد السوفيتيي السابق على إنهاء الأزمة بين الهند وباكستان وحلها
حلاً سلميّاً بعد اشتعال الحرب بين البلدين مباشرة، فقد تسلم الرئيس الباكستاني
محمد أيوب خان دعوة من موسكو يوم ٤ /٩/ ١٩٦٥م لعقد لقاء مع «لال بهادر
شاستري» رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي وقتها، وتمخض الاجتماع عن توقيع
اتفاقية عرفت باتفاقية طشقند، وقد نصت الاتفاقية على ما يلي:
علاقات حسن الجوار بين باكستان والهند وفقاً لميثاق الأمم المتحدة،
وانسحاب جميع القوات المسلحة التابعة للبلدين إلى المواقع التي كانت ترابط فيها
قبل ٥/٨/١٩٦٥م، وأن تلتزم البلدان بشروط وقف إطلاق النار عند وقف القتال،
كذلك عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل من البلدين، وعدم تشجيع أي دعاية
موجهة ضد البلد الآخر، وأن يشجعا الدعاية الرامية إلى تنمية العلاقات الودية
بينهما، وأن تعود البعثتان الدبلوماسيتان في كلا البلدين إلى عملهما الطبيعي،
وعلى الحكومتين أن تلتزما بميثاق (فيينا) سنة ١٩٦١م بصدد العلاقات الدبلوماسية، وإعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية والمواصلات إلى ما كانت عليه، وكذلك
إعادة التبادل الثقافي بينهما، وإطلاق سراح أسرى الحرب وإعادتهم إلى بلادهم،
وإيجاد الظروف التي تحول دون هجرة السكان، كما اتفقا على أن يبحثا في إعادة
الأملاك والأموال التي استولى عليها كلّ من الطرفين نتيجة النزاع، وكالعادة كانت
باكستان بقيادة محمد أيوب خان تعمل على تنفيذ الاتفاقية بعكس الهند.
لم تشهد قضية (جامو وكشمير) أحداثاً أو تطورات يمكن رصدها في الفترة
ما بين يناير ١٩٦٦م حتى عام ١٩٧١م سوى قيام الحرب بين الهند وباكستان أواخر
عام ١٩٧١م بسبب الحركة الانفصالية في شرق باكستان التي أدت إلى قيام دولة
بنجلاديش فيما بعد.
ولم يستطع مجلس الأمن الدولي في ٤/١٢/١٩٧١ م من التوصل إلى قرار
بشأن الحرب الهندية الباكستانية، مما جعله يحيل المسألة إلى الجمعية العامة التي
دعت البلدين في ٧/١٢/١٩٧١م إلى وقف الحرب بناءً على القرار الذي أصدرته
برقم (٣٠٧) بوقف إطلاق النار فوراً وسحب القوات المسلحة للبلدين، وتم وقف
إطلاق النار رسميّاً وفعليّاً يوم ١٧/١٢/١٩٧١م.
اتفاقية (سملا) ١٩٧٢م:
في يوليو ١٩٧٢م اجتمع الرئيس الباكستاني آنذاك «ذو الفقار علي بوتو»
برئيسة وزراء الهند «أنديرا غاندي» في مدينة (سملا) بالهند، وتم التوصل إلى
اتفاقية بين البلدين عرفت باسم (اتفاقية سملا) تتكون من جزأين أساسين: الأول:
ما يتعلق بنتائج الحرب التي نشبت بين البلدين عام ١٩٧١م، والجزء الثاني قضية
كشمير التي لا تزال بدون حل حتى الآن.
هذا وقد أثارت (اتفاقية سملا) كثيراً من اللغط وسوء الفهم لدى الكثيرين من
المهتمين بقضية كشمير المسلمة، إضافة إلى أن الهند ذهبت إلى تفسيرات بعيدة كل
البعد عن مضمون وروح الاتفاقية خاصة الجزء الثاني المتعلق بالقضية الكشميرية.
الجهاد الكشميري المعاصر والهند:
في أواخر عام ١٩٩١م نقلت الحكومة الهندية «علي الجيلاني» وبعض قادة
الجهاد الإسلامي إلى (نيودلهي) وأخبرتهم أنها ستعطي الشعب الكشميري حريته
شريطة أن تكون السيطرة المباشرة والقوانين العامة في يد الهندوس، ورفض قادة
الجهاد ذلك.
والمعروف أن الجهاد الكشميري لم يكن متوقفاً قبل تاريخ يناير ١٩٩٠م،
ولكنه كان موجوداً ومستمرّاً بصور عديدة منذ عام ١٩٤٧ م، ولكنه لم يأخذ شكله
العملي المنظم إلا في ذلك التاريخ بعد أن تأكد للجميع أن الحل السلمي لن يجدي
شيئاً، وأن المحادثات والاعتماد على الأمم المتحدة لن يعطي الكشميريين حريتهم.
ولقد أدرك شعب كشمير المسلم أن الجهاد المسلح في الداخل ضد الاحتلال
الهندي لا بد وأن يكون له جانب سياسي وإعلامي يعمل على إيصال القضية إلى
المحافل الإقليمية والدولية، الشعبية منها والرسمية، فتقرر إنشاء (حركة تحرير
كشمير العالمية «في يوم ٧/٦/ ١٩٩٠م، أي: بعد قيام الانتفاضة المسلحة بحوالي
نصف عام لملء ذلك الفراغ السياسي على المستوى الدولي.
وتتمثل الأهداف الرئيسة لحركة تحرير كشمير العالمية في:
١- السعي على المستوى الدولي لتمكين الشعب الكشميري من ممارسة حقه
في تقرير مصيره.
٢- توفير الدعم والتأييد السياسي وتعاطف الرأي العام للنضال في كشمير.
٣- حماية ومساندة حقوق الإنسان لشعب كشمير.
٤- تزويد الضحايا الكشميريين بالمساعدات الإغاثية عن طريق منظمة
الإغاثة الكشميرية.
٥- تطوير الدراسات الأكاديمية حول قضية كشمير.
٦- تشجيع أنشطة منظمة حقوق الإنسان عن طريق المعهد العالي للدراسات
الكشميرية.
٧- حشد التعاطف الدولي من خلال وسائل الإعلام والمنظمة العالمية للإعلام
الكشميري.
هذا، وقد نجحت حركة تحرير كشمير العالمية في تحقيق كثير من
الإنجازات، منها:
١- إدخال القضية الكشميرية في البرامج الانتخابية للحزبين الرئيسين في
بريطانيا للمرة الأولى في تاريخ القضية.
٢- رغبة الحكومة البريطانية في بدء الحوار حول قضية كشمير في قمه دول
الكومنولث.
٣- إدخال مشروع قرار (حرية كشمير) في الكونجرس الأمريكي، وتقليص
حجم المساعدات الأمريكية للهند بمقدار ٢٤ مليون دولار.
٤- توقيع أكثر من ١٥٠ عضواً برلمانيّاً على مشروع قرار يطالب البرلمان
البريطاني بإصدار قرار عاجل بشأن قضية كشمير.
٥- قرار البرلمان الأوروبي الذي أدان انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها
الهند في كشمير المحتلة، ومناشدتهم للأمم المتحدة العمل على إيجاد حل عاجل
للمسألة الكشميرية.
٦- مشاركة وفد كشمير للمرة الأولى في مؤتمر وزراء منظمة المؤتمر
الإسلامي في إستانبول بتركيا، وتبني المؤتمر قراراً بدعم القضية الكشميرية
والتنديد بالجرائم الهندية.
هدف الهند من الحل السلمي:
يريد الهندوس كسب مزيد من الوقت لاحتواء الحركة الجهادية في كشمير
المحتلة، وحصر القضية الكشميرية في الإطار الثنائي دون تصعيدها دوليّاً في
المنظمات المختلفة، وإراحة الهند من قضية باتت تؤرق الاقتصاد الهندي، ونقل
قواتها الجبلية إلى وادي كشمير، ومن ثم: إيهام المجتمع الدولي أن الهند جادة في
حل القضية الكشميرية بدليل استعدادها للتباحث مع باكستان حول كشمير.
لكن هل ستختلف هذه المحادثات عن سابقتها، أو أنها ستضيف شيئاً جديداً؟
هذا ما لا نتوقعه!
ولهذا فقد أعلن الشعب الكشميري المسلم عن رفضه واستنكاره لهذه المحادثات، كما أعلن عن قراره لمواصلة الجهاد ضد المحتل الهندوسي حتى يتمكن من إنقاذ
كل شبر من أراضيه من براثن ذلك المستعمر بعون الله وتوفيقه [٤] .
الهدف الذي تريد الهند أن تحققه من وراء دعوتها للمباحثات مع باكستان هو
الهدف نفسه الذي سبق وسَعَت لتحقيقه أعوام ١٩٤٨م، ١٩٦٢م، ١٩٧٢م، يناير
١٩٩٤م، وهو: كسب مزيد من الوقت للقضاء على الحركة الجهادية التي بدأت
قبل أربع سنوات، والحيلولة دون تمرير أي قرار بإدانة الهند في الأمم المتحدة،
فقد جرت ست جولات من قبل لكنها لم تفض إلى أي نتيجة [٥] .
فالهدف الرئيس الذي تريد الهند تحقيقه من المحادثات الثنائية مع باكستان ليس
حل قضية كشمير بل، تضليل الرأي العالمي [٦] .
الحلول المطروحة:
سحبت باكستان للمرة الثانية خلال أقل من ثلاثة أشهر قرارها الخاص بإدانة
الانتهاكات الهندية للشعب الكشميري، بعد أن بدا للوفد الباكستاني في جينف عزوف
الدول الأعضاء في منظمة حقوق الإنسان عن تأييد الموقف الباكستاني، وسحب
القرار أثار ردود أفعال واسعة في الأوساط الباكستانية والكشميرية والهندية على
السواء، فبينما اعتبرت الحكومة الباكستانية سحب القرار انتصارا تكتيكيّاً، إلا أن
الهند قالت: إن باكستان فشلت في كسب التأييد الدولي لإدانة الهند، ولكن الشعب
الكشميري على العكس من هذا صرف اهتمامه نحو تصعيد العمل العسكري في
الداخل، ولم يكترث بأبعاد القرار قبل وبعد سحبه.
ويرى الدبلوماسيون الهنود أن ثمه خيار لحل قضية كشمير تحت رعاية
مؤتمر العالم الإسلامي سيكون لصالح باكستان، وأن أي جهد في هذا الاتجاه سيؤدي
إلى تدويل القضية، وفي الوقت نفسه أوضحت الحكومة الباكستانية أن منظمة
مؤتمر العالم الإسلامي قررت بنفسها عدم طرح قضية كشمير على الجمعية العامة
للأمم المتحدة أثناء اجتماعها الأخير، واعترفت باكستان أن فشلها في طرح القضية
على الجمعية العامة كان سببه عدم رغبة الدول الغربية الكبرى في اتخاذ خطوة
جريئة لصالح القضية، ومن ناحية أخرى: أوضحت باكستان أن تأجيل عرض
قضية كشمير على الجمعية العامة قد جاء استجابة لطلب مجموعة الاتصال الخاصة
بمنظمة المؤتمر الإسلامي، ويهدف هذا التأجيل إلى إحالة مناقشة القضية إلى
مؤتمر قمة دول منظمة المؤتمر الإسلامي المقرر عقده في الدار البيضاء في شهر
ديسمبر ١٩٩٥م [٧] ويقول د. أمين طاهر:» أعتقد أننا على المستوى العربي
والإسلامي لم نقم بالدور المطلوب سياسياً ودبلوماسيّاً ومعنويّاً واقتصاديّاً على الأقل، واعتقد أن مزيداً من الدعم العربي والإسلامي خاصة إذا حدث وخف التوتر في
الشرق الأوسط ممكن أن يستمر في كشمير «.
وأخيراً: فإن الجهاد الكشميري استطاع أن يرغم العالم الغربي بالالتفات إليه
ومعرفة معاناة شعبه مؤخراً، كما حصل من مواقف كانت محل متابعة الإعلام
الغربي، فهل يُنصف هذا الشعب ويعطى حقه في تقرير المصير كغيره من الشعوب؟ أم تبقى عقدة الغرب ضد كل اتجاه إسلامي، وضد كل حق شعب مسلم في تقرير
مصيره، كما هو حاصل في كثير من قضايا العالم الإسلامي؟ .. هذا ما ستوضحه
الأيام، وإن غداً لناظره قريب.
стр. 2078
المسلمون والعالم
مسلمو مورو.. وخطر التمزق
بقلم: محمد أمين [*]
إن كثيراً من الإخوة في الدين لا يعرفون إلا معلومات سطحية عن قضية ...
إخوانهم المسلمين في منطقة مورو بجنوب الفلبين، يقولون: إن مشكلة مسلمي
«مورو» الحقيقية هي التفرق والتمزق بسبب وجود جمعيات كثيرة وتنظيمات تختلف اتجاهاتها، وبعضهم يتوقعون أن يحدث بين مسلمي مورو ما حدث بين إخواننا المجاهدين الأحباء في أفغانستان وما يجري اليوم في دولة أفغانستان الإسلامية الفتية.
وليس في نيتنا أن ندافع عن قضيتنا؛ لأننا لا نعتبر الأقوال والتوقعات
المذكورة هجوماً يحتاج إلى الدفاع، ولكن نعتبرها تعاطفا وتحسراً وحزناً وخوفاً من
الوقوع فيما وقع فيه غيرنا؛ لذلك لابد من بيان الواقع وجلاء الحقائق وتوضيح
الأمر الواقع.
وأما فيما يتعلق بموضوع التفرق والتمزق: فيسعدنا أن نعلن على الإخوة في
الدين أن مسلمي مورو في جنوب الفلبين غير متفرقين وغير متمزقين، بل هم
متحدون ومتضامنون ومتعاونون على مواجهة عدوهم الذي كان وما زال يحاول
القضاء عليهم، ويكفينا برهاناً وحجة على وحدتهم وتضامنهم وتعاونهم أن مراكز
جبهة تحرير مورو الإسلامية ومعسكراتها المنتشرة في أنحاء البلاد تستقبل كل شهر
آلاف مؤلفة من المسلمين الذين يأتون إليها جماعات وفرادى للاشتراك في الأنشطة
الدعوية والجهادية والتربوية، وأن الجماهير المسلمة في هذه البلاد يقفون اليوم إلى
جانب جبهة تحرير مورو الإسلامية، بإمكاناتهم المادية والمعنوية والفكرية، ولم
تمنعهم جمعياتهم وتنظيماتهم من الوقوف صفّاً واحداً مع مجاهدي جبهة تحرير مورو
الإسلامية، علماً بأن الجمعيات والتنظيمات المتعددة ليست جهادية، وليس لديها
برنامج جهادي في الساحة.
وإذا كان هناك من لا يقفون إلى جانب الجماهير المسلمة المجاهدة والصف
الإسلامي الجهادي فهؤلاء من الشواذ والنادرين القليلين جداً، وليس لهم وزن في
مجتمع مورو المسلم، وعدم وقوفهم مع الجماهير المسلمة المجاهدة لا يؤثر على
القضية والجهاد، ولا يصح أن يوصف هذا بالتفرق؛ لأن التخلف عن الجهاد أمر
واقع حتى في زمن الرسول ﷺ ، ولم يقل أحد أن أصحاب
رسول الله ﷺ كانوا متفرقين ومتمزقين بسبب تخلف أناس
قليلين عن الجهاد، ونقصد بالتخلف عن الجهاد بالنسبة لمسلمي مرور: عدم
الانضمام إلى صف الجماهير المسلمة المجاهدة التي تعد العدة وتتدرب على فنون
القتال استعداداً لملاقاة العدو، وقد قال في شأن المتخلفين عن
الجهاد: [وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ
اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ] [التوبة: ٤٦] .
أما الجمعيات والتنظيمات المتعددة في منطقة مورو: فمعظمها تهتم بتدريس
الدين الإسلامي واللغة العربية وقراءة القرآن الكريم وتجويده وحفظه، وبعضها يهتم
بشؤون الطلاب المسلمين: كاتحادات الطلبة المسلمين، وبعضها يهتم بشؤون
الموظفين والمهنيين. وجبهة تحرير مورو الإسلامية وأعضاؤها يقفون مع الجماهير
المسلمة المجاهدة ويتعاطفون معها.
أما جبهات مورو الثورية وهي التعبير الصحيح لبعض الجبهات فهي أربع
منظمات فقط:
الأولى: منظمة تحرير بالجسا مورو (BMLO) وكان يرأسها «رشيد
لقمان» ، وبعد وفاته تولى زمامها قريبه «يوسف لقمان» ، وهذه الجبهة لم تتمكن من إقامة تنظيم ثوري وجناح عسكري، وظل الأمر حبرْا على ورق إلى أن ذهبت أدراج الرياح، والآن ليس لها وجود. والثانية: جبهة تحرير مورو الوطنية الإصلاحية (MNLF REFORMEST) وكان رئيسها «ديماس ... بونداتو» ، وقد استسلم هو وأعوانه للعدو، وأصبحوا الآن موظفين للحكومة، وانحلت الجبهة المذكورة، والوحدات القتالية التابعة لها انضمت إلى جبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة أمير المجاهدين الشيخ «سلامات هاشم» . والثالثة: جبهة تحرير مورو الوطنية بقيادة مسواري، وهذه الجبهة لم تهتم بالتنظيم الشعبي الجهادي وتقوية جناحها العسكري، وإنما اهتمت بالدعايات الخارجية لكسب التأييد السياسي واعتراف الدول الإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بها، وقد حققت بعض ما أرادت، كما اهتمت بالتفاوض مع حكومة الفلبين وانشغلت بذلك لمدة عشرين عامْا (من عام ١٩٧٥م إلى الوقت الحاضر ١٩٩٥م) . والرابعة: جبهة تحرير مورو الإسلامية: بقيادة أمير المجاهدين الشيخ «سلامات هاشم» ، وقد اهتمت بالدعوة إلى الله وتربية أعضائها طبقا للمنهج الإلهي، وسلكت طريق السلف، وتعتنق عقيدة أهل السنة والجماعة، وتدعو إليها وتحارب البدع والخرافات، كما اهتمت بتقوية قاعدتها الشعبية وتنظيمها الجهادي والسياسي، ووضعت برنامجْا شاملاْ أساسه التحول الإسلامي، أي: العودة إلى الإسلام، كما كان عليه النبي وأصحابه ﵃ ، والاكتفاء الذاتي، ورفع المستوى التنظيمي، وإنشاء قوات إسلامية مسلحة.. والبرنامج يسير بعون الله تعالى حسب الخطة.
أما التوقعات بأن يحدث في منطقة مورو ما حدث في أفغانستان الشقيقة وأن
تتقاتل الجبهات القتالية كما تقاتلت الجبهات هناك فهي توقعات غير منطقية ولايقبلها
الأمر الواقع، والفرق بين جهاد الإخوة الأحباء في أفغانستان وجهاد مورو كبير؛
ففي أفغانستان الشقيقة تكونت جبهات عديدة متساوية تقريبْا في التنظيم الشعبي
والقوة العسكرية والنفوذ السياسي والدعم الخارجي، الأمر الذي مهد الطريق للفتنة؛
فكل واحدة من الجبهات قادرة على مواجهة الأخرى بالقوة، وأما في منطقة مورو:
فلا توجد فيها جبهة مسلحة قادرة بعون الله تعالى على القتال سوى جبهة تحرير
مورو الإسلامية والجماعة المقاتلة التي تدعى «أبو سيف» ، وهذه الجماعة لا
تتقاتل (بحمد الله تعالى) مع جبهة تحرير مورو الإسلامية.
لذلك نقول: إن التوقعات المذكورة لاتقوم على أساس المنطق السليم والأمر
الواقع، علمْا بأن أسباب التقاتل وعوامله غير موجودة في الساحة (بحمد الله تعالى) .
وللبيان كلمة..
ونحن إذ نقدر ماذكره أمين لجنة الإعلام الخارجي الشيخ «محمد أمين» ،
نتمنى أن يجنب الله إخواننا في الفلبين الفتنة التي وقع فيها غيرهم وألا يتحول
الجهاد إلى نزعات قومية أو مصالح شخصية، ونأمل أن تتآزر الجهود ويتعاون
الإخوة هناك لما فيه مصلحة بلادهم وشعبهم وأمتهم، وأن يتعاونوا على البر
والتقوى وأن يتجنبوا الإثم والعدوان، وأن يحذروا مايخططه العدو من أحابيل لا
تخفى، وقع فيها غيرهم.
والله نسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 2079
متابعات
الخصخصة رأي وتعقيب
طه عبد الغني
كنا قد نشرنا في العدد (٨٩) موضوعْا عن (الخصخصة من المنظور
الإسلامي) وقد وصلنا تعقيب من القارئ الكريم / طه عبد الغني يعقب فيه على
المقال، وخلاصة وجهة نظره كما يلي:
بعد ثناء على أفكار المقال الجيدة والجديدة أبدى الملحوظات الآتية:
١- خلص الكاتب إلى أنه لا يجوز تمليك فرد أو جماعة من الأفراد منتجْا
خدميًّا أو سلعيًّا إلا ضمن شروط تمنع الاستغلال وتحفظ الحقوق.
وتعليقْا على ذلك قال:
هناك فرق بين التملك الذي يكون منحة من الحاكم المسلم، وغيره الذي يكون
نتيجة لكد الأفراد أو الجماعات واستثمارْا لأموالهم، فلا يجوز للحاكم أن يأخذ
المشروعات الكبيرة أو ذات النفع العام التي حصل عليها الأفراد بكسبهم، وأّخًذٍها
يعد ظلمْا يندرج به الآخذ تحت وعيد النصوص التي تحرم الظلم؛ لأن الأصل
جواز التملك وليس للحاكم إلا أن يراقب تصرفات تلك المؤسسات بما يعرف بنظام
الحسبة.
٢- استدل الكاتب بما رواه البخاري مرسلا عن قيس عن أبي جعفر، قال:
«ما بالمدينة أهل بيت هجرة..» (الحديث) ، والحديث يدل على جواز المزارعة
وجواز الملكية الخاصة التي تؤثر على الناس سلباً وإيجاباً، وليس على الحاكم إلا
أن يمنع تأثيراتها السلبية، لا أن يتحكم في أصلها.
٣- الانشغال بالجهاد كان سبب إعطاء اليهود أرض خيبر، والقاعدة: أن
الإمام مخير في الأرض التي أخذت غنما بين قسمتها بين الفاتحين، أو وقفها على
المجاهدين، أو قسمة بعضها ووقف بعضها.
٤- ليس هناك ما يمنع من تطوير نظام الحسبة، بحيث يصبح القائمون عليه
متخصصين يراقبون المؤسسات وأنشطتها ومراحل الإنتاج، ولا بأس عند ظهور ما
يعرف بـ (استغلال النفوذ «أو الانحرافات الشديدة التي لا تجدي معها العقوبات
الأقل أن يتدخل الحاكم في إدارة بعض تلك المؤسسات.
٥ -الأصل عدم التسعير ولا يتدخل الحاكم بالتسعير إلا في حالة المغالاة في
السعر أو احتكار السلع.
تعقيب الكاتب:
وقد عرضت (البيان) النص الكامل لمتابعة الأستاذ طه عبد الغني للمقال على
الدكتور محمد بن عبد الله الشباني، فأفاد بما يلي:
أشكر للأخ متابعته للموضوع، وأحب أن أعلق عليه بما يلي:
أشار الأخ» طه «إلى بعض النقاط الواردة في المقال على النحو التالي:
النقطة الأولى: فيما يتعلق بالاستدلال بحديث أبيض بن حمال وحديث ابن
عباس:» المسلمون شركاء في ثلاثة «، من أن هذه الأحاديث تضع قاعدة عامة
فيما يتعلق بتصرفات الدولة حول منح الامتياز في تملك منتج خدمي أو سلعي يحتاج
إليه عامة الناس.. فقد علق الأخ على ذلك بأن هناك فرقْا بين تمليك الحاكم الأفراد
أو الجماعات لأي منتج بحيث يتضرر من تصرفه عامة الناس.. ومن يجتهد
ويسعى ويستثمر جهده وطاقته ووقته وماله، وإذا قام الحاكم بأخذ هذا المنتج الذي
تحصَّل عليه هذا الفرد، فهذا العمل ظلم.
إن المقالة لم تتطرق إلى موضوع المصادرات والتأميم لأموال الناس؛
فالموضوع متعلق بحماية المجتمع بأكمله من السماح لفئة باحتكار وتملك منتجات
خدمية أو سلع يحتاج إليها الناس وهي مملوكة للدولة، ثم تقوم الدولة بمنح الامتياز
لمن يقوم بإنتاج هذه السلع أو استخراجها، فالقارئ الكريم فهم من الموضوع أمرْا
آخر غير ما طرح للبحث (والذي يتعلق بتمليك المنافع العامة، مثل الكهرباء،
والماء، وطرق السكك الحديدية، واستغلال الموارد الطبيعية مثل الغاز، والبترول، والمعادن.. وغير ذلك من السلع والخدمات التي يحتاج إليها الناس) ، ففي حالة
تمليك الأفراد أو الجماعات لهذه الموارد أو السماح بمنح الامتياز لتوفير هذه
الخدمات التي يحتاج إليها الناس، فلابد من وضع قواعد وشروط تحفظ للناس
حقوقهم وتمنع عنهم الاستغلال كما أشرت إلى ذلك: سواء بوضع جهاز للرقابة
يتمثل في جهاز للحسبة، والذي كان معمولاْ به في الدولة الإسلامية الأولى، أو
بوضع أنظمة رقابية متعددة لحماية مصالح الناس مع توفير المرونة والمبادأة
بقدرات الأفراد بالعمل والابتعاد عن بيروقراطية الدولة.
النقطة الثانية: التي أشار إليها الأخ الكريم القارئ هي: فهمه لحديث قيس
بن مسلم الذي رواه البخاري، حيث فهم منه الأخ: أن دلالة الحديث مقتصرة على
جواز المزارعة وجواز الملكيات الخاصة، ولم يدرك القصد من إيراد هذا الحديث
في هذه المقالة؛ فإن الاستشهاد به تعدى ما فهمه إلى مدلول آخر ورد في آخر
الحديث؛ حيث جاء ما نصه:» وعامل عمر الناس على: إن جاء عمر بالبذرمن
عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا «، وفي سنن البيهقي جاء نص
الحديث:» فأعطى البياض على إن كان البذر والبقر والحديد من عمر فلعمر
الثلثان ولهم الثلث، وإن كان منهم فلهم الشطر، وأعطى النخل والعنب على أن
لعمر الثلثين ولهم الثلث «.. لم يقصد بالاستشهاد بهذا الحديث جواز المزارعة أو
المساقاة ولا جواز التملك العام للدولة وحرية العمل وتملك الأفراد لناتج عملهم،
وإنما تم الاستدلال بهذا الحديث بأحقية الدولة في استغلال الموارد الطبيعية
بالمشاركة برأس المال أو بالمورد الطبيعي وتفويض الاستغلال للأفراد، فمناط
الاستشهاد والاستدلال بهذا الحديث أن على الدولة واجب استثمار واستغلال الموارد
المتاحة لها: وما أورده من قيام عثمان ﵄ بشراء بئر معونة ثم
إيقافها على المسلمين استشهاد لا صلة له بالموضوع؛ وإنما هو دليل على تشجيع
الإسلام لمعتنقيه ببذل الإنفاق في سبيل الله وإيقاف الأصول الثابتة بقصد نفع جماعة
المسلمين.
النقطة الثالثة التي أثارها الأخ القارئ هي: حديث ابن عمر (رضي الله
عنهما) فيما يتعلق بفعل رسول الله ﷺ مع يهود خيبر، فقد علل
فعل الرسول بأنه ﵊ : كان مشغولاْ بالجهاد، وهو تعليل غير
سليم لايسلم به؛ للقارئ؛ فالصحابة (رضوان الله عليهم) من الأنصار أصحاب
زروع، فلم يتفرغوا جميعهم للجهاد ويتركوا مزارعهم، بل إنهم كانوا يجاهدون
ويعملون في الأرض وفق توجيه الله في سورة المزمل في قوله (تعالى) : [عَلِمَ أَن
سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] [المزمل: ٢٠] . ففعله ﵊ مع اليهود
تشريع يحدد جواز التعامل مع أهل الذمة في الأنشطة الاقتصادية، وعلى الحاكم
المسلم استغلال الموارد الطبيعية والأصول الثابتة لما فيه منفعة للمسلمين بالمشاركة
باسم الأمة مع أفرادها بما في ذلك أهل الذمة.
стр. 2080
الورقة الأخيرة
وقفة محاسبة
بقلم:أحمد بن عبد الرحمن الصويان
قال الله (تعالى) : [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ
جُلُودُ الَذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ] [الزمر: ٢٣] .
منزلة عظيمة من منازل المؤمنين: تسمو فيها النفس وتعلو على أهواء البشر، يقف الإنسان بين يدي ربه خالياً يتدبر آيات الله بسكينة ووقار،
فتلامس الآيات قلبه، وترتجف جوانحه، فيطأطئ رأسه ذلا، ويعفر وجهه
بالأرض عبودية وإخباتاً، ويناجي ربه بتضرع يطلب منه العون والغفران..
فتنحدر الدموع من بين عينيه إنابة وخضوعاً.
يقرأ الآية من كتاب الله فتعمر قلبه، وتزكيّ نفسه، وتغير من طبيعته وسلوكه، وتدفعه إلى المزيد من الطاعات والإقبال على الله. قال الله (تعالى) : [إنَّمَا
المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] [الأنفال: ٢] .
تحيط به الشهوات من كل مكان، وتُجْلَبُ عليه الفتن بخيلها ورجلها.. ولكنها
تتساقط وتتناثر تحت قدميه، فينظر إليها باستعلاء وثبات، ويمضي لا يلتفت إليها، مرطباً لسانه بحمد الله والثناء عليه، فمناجاته لربه تكسبه القوة والعزيمة، وقلبه
أبيض كالصفا، لا تضره فتنة مادامت السموات والأرض.
قال رسول الله: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ذكر منهم:
ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه من الدمع» [١] وقال: «عينان لا تمسهما
النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» [٢] .
سبحان الله! ما أعلاها من منزلة.. وما أكرمها من صفة. حيث يتجلى عمق
الإيمان وصفاؤه في القلب.
إن رقة القلب وسكينته وإخباته لربه وتذلله بين يديه تعظيماً وإجلالاً، منزلة
سامقة من منازل المؤمنين، تتقاصر أمامها نفوس الضعفاء، وهم العجزة.
بهذه القلوب الحية الصادقة العامرة بنور العلم والإيمان انطلق الصحابة
﵃ بتيجانهم الشمّاء، يدكون الحصون، مقبلين غير مدبرين،
يفتحون الآفاق، ويرفعون راية التوحيد، حتى تهاوت على أيديهم عروش كسرى
وقيصر.
فما أحوج الأمة إلى العالم الرباني الذي إذا سمع الآية تتلى بين يديه وجل قلبه، وفاضت عيناه بالدمع، ووقف عند حدودها وعض عليها بالنواجذ، ولم يتجاوزها
إلى غيرها لهوى في نفسه أو ضعف في ثباته..
ما أحوج الأمة إلى الداعية الذي يجتهد في التعليم والتبليغ والتربية، حتى إذا
جن عليه الليل وهدأت العيون، نشط لمناجاة ربه والوقوف بين يديه رافعاً أكف
الضراعة والإخبات، يسأل الله (تعالى) العون والتأييد بعين باكية ونشيج عذب..!
ما أحوجنا إلى الدموع المخلصة التي تترجم صدق الإيمان وثباته واستعلاءه
على أهواء البشر.. فإلى الله (تعالى) نشكو عجزنا وضعفنا وقسوة قلوبنا..!
قال رسول الله: «لو تعلمون ما أعلم: لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً» [٣] .
стр. 2081
رجب - ١٤١٦هـ
ديسمبر - ١٩٩٥م
(السنة: ١٠)
стр. 2082
كلمة صغيرة
الشيء من معدنه لا يستغرب
الهجمة الشرسة التي يقوم بها التجمع العلماني بشتى فئاته اليسارية الموتورة
والليبرالية العميلة ضد الإسلاميين في أكثر البلاد الإسلامية لم تعد مجهولة لأحد؛
فالتحزب ضد كل توجه إسلامي، والعمل المتواصل لتشويه منابعه، وإثارة
الشبهات ضد كل العاملين للإسلام، واستعداء الكل ضدهم عبر صحفهم العلمانية
التافهة، وبالتالي: تجيير كل عمل إرهابي بأنه من صنعهم، حتى وإن كان زوًرا
وبهتاناً، مثل: تلك الأساليب الخسيسة التي تنم عن مكر وعداء مستحكم للإسلام
وأهله، معروفة أهدافها القريبة والبعيدة: وهي الاستماتة في منع المد الإسلامي،
والعمل المتواصل لتشويه طروحاته الحيوية، والمحاولات الجنونية للحيلولة دون
تأثر الشارع الإسلامي بدعوته، ومن ثم منعه من الوصول إلى مراكز التأثير
ولوعبر ديمقراطياتهم الزائفة.
إن اختلاف الحيل والدعاوى التي أصبحت مكرورة وممجوجة ضد دعاة
الإسلام لم تعد تنطلي إلا على السذح والبسطاء ...
فالإسلام قادم رغم السدود والقيود بعز عزيز أو بذل ذليل.
стр. 2083
افتتاحية العدد
سيهزم الجمع ويولون الدبر
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ﷺ بعده، أما بعد:
يحزن كل مسلم مخلص غيور ويغتم، عندما يرى تداعي الأمم الكافرة من كل
صوب على القصعة الإسلامية الحافلة الآن بصنوف المذابح التي تنتهك فيها
الحرمات والأعراض، ويداس فيها على كرامة أمة غفلت عن وعيها.
فالتجمعات السياسية والتحالفات العسكرية والدعاية العالمية تتفق جميعها على
هدف واحد: هو القضاء على المد الإسلامي المتصاعد في جميع أرجاء الأرض،
وذلك تحت مسمى القضاء على الأصولية والتطرف والإرهاب.. يتفقون على ذلك
الهدف وإن اختلفت مللهم ومناهجهم ومصالحهم ... يتفقون على ذلك الهدف وإن
اختلفت نظرتهم وخططهم في الاستئصال والاجتثاث أو التذويب والاحتواء والمسخ.
ولكن المؤمن الواثق بربه، العالم بدينه، الواعي بسننه، يرى في الغيوم غيثاً
واصباً، ويسمع في صراخ المخاض صيحات الوليد، ويدرك أنه ما أتى فجر إلا
بعدما احلولكت الظلمة.
وهذا ما علمنا إياه قرآننا الذي يخشون فهمه وتدبره:
فيوسف ﵊ «بدأ التمكين له عندما كان يباع ويشترى،
وحيداً شريداً ضعيفاً؛ [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
* وَقَالَ الَذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٢٠، ٢١] .
ولوط ﵊» جاءته النجاة عندما كان قومه يتأهبون للتخلص
منه بسبب طهره، [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ
إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغَابِرِينَ]
[النمل: ٥٦، ٥٧] .
وأصحاب موسى ﵊ : بدأ التمكين لهم وهم في أشد حالات
الاستضعاف: يُذبحُ أبناؤهم وتُسْتَحْيَا نساؤهم، وكان فرعون في أعلى حالات
الجبروت والإفساد: [إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ
طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ
عَلَى الَذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي
الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ]
[القصص: ٤، ٦] .
هكذا نتعلم من كتاب ربنا: أن أقصى نقطة استضعاف هي أول نقطة تمكين
بشرط أن تكون حالة الفئة المستضعفة في أعلى نقطة إخلاص وارتباط بالله ولجوء
إليه، وبعد ذلك تظهر الأسباب التي ينبغي على الطائفة المؤمنة السعي إليها
واستغلالها ... وهذا ما وعاه المؤمنون من أصحاب طالوت بعد سنوات التيه الذي
كان بسبب ذنوب ومعاصي وتمرد بني إسرائيل على أوامر الله: [.. قَالَ الَذِينَ
يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ
المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ
وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] [البقرة ٢٤٩٢٥١] .
وفي ضوء هذا، نستطيع أن ننظر نظرة مختلفة إلى الأحداث الجارية بعد أن
نعيها ونعي مراميها، ونستطيع أيضاً إدراك أن لكل منا دوراً في الذب عن دين الله: للعالم والجاهل، والكبير والصغير، والقوي والضعيف، والغني والفقير.
لقد ساعدت الهجمة الأممية الشرسة المتواصلة وما صاحبها من بغض وضغينة
ظاهرين على العالم الإسلامي على القيام بدور الصدمات الكهربية اللازمة لإفاقة هذا
العالم من غيبوبته الطويلة، فأخذ يتململ من سباته، رغم الجهود الإعلامية الحثيثة
لتخفيف أثر هذه الصدمات، أو مصاحبتها بمسكنات للألم، أو إفراغ أثرها في
مجرى تغييب الأمة عن رسالتها الحقة.
فالوحشية الصربية والمؤامرة الدولية الماكرة المصاحبة لها نبهتنا أنه ما زال
لنا عرق ينبض في قلب أوروبا، والاجتياح الروسي لأرض الشيشان وما أعقبة من
دك همجي ذكّر المسلمين من أهلها الذين ولدوا في عنفوان الحقبة الماركسية الطاغية
بأن لهم أصولاً إسلامية وتاريخاً إسلاميّاً ينبغي الاعتزاز به والعودة إليه ومحاربة
أعدائه، وهدم المساجد في الهند أرانا أن لهذه المساجد حماة يذودون عنها بأجسادهم
النحيلة العارية.
إننا نعود ونؤكد أن من السذاجة أن ننتظر من أعدائنا أن يحنوا علينا ويرفقوا
بنا، وأن مكرهم وتحالفهم وتكالبهم لا يقلق المؤمن الواعي [وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ
الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَاناً
وَتَسْلِيماً] [الأحزاب: ٢٢] ، [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ] [آل عمران: ١٧٣] .
ولكن الذي يقلق حقّاً هو تردي حالنا؛ بالانقطاع عن الله، والغثائية، وتمكن
حب الدنيا والوهن من قلوبنا، وتفشي السلبية والعجز بيننا، وسيطرة الإحباط
واليأس على نفوسنا؛ فالضعف الداخلي هو أول خطوات الانهيار.
وإذا كانت قوى الكفر تملك مقدرات البطش العسكري، والهيمنة السياسية،
والتقدم التقني، والتأثير الإعلامي، فإنها تحمل أيضاً عوامل ضعف وتحلل في
مجتمعاتها، وهي لا تملك إرادتنا وعزيمتنا على التغيير والإصلاح، ولا تملك قدر
الله وإرادته النافذة في ملكه وملكوته.
يوم بدر، بعد أن أحكم رسول الله ﷺ ما أمكنه من أسباب
مادية للنصر، وبعد أن جهز الفئة المؤمنة القليلة: بات ليلته يتضرع إلى الله «فما
زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه» .. «فأخذ أبو بكر بيده، فقال:
حسبك يا رسول الله ﷺ ، ألححت على ربك وهو يثب في
الدرع فخرج وهو يقول: [سيهزم الجمع ويولون الدبر] .
وهزم الجمع وولوا الدبر.
هذا وعد الله ... ولكن هل نستحق نصره؟
[وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ]
[النور: ٥٥] .
стр. 2084
دراسات شرعية
المنهج العلمي للاستدلال
(١)
بقلم:أحمد بن عبد الرحمن الصويان
يعتمد المنهج العلمي للاستدلال عند أهل السنة والجماعة على كتاب الله
(تعالى) ، وسنة نبيه محمد ﷺ ، وإجماع السلف الصالح (رضي
الله عنهم) .
قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا] [النساء: ٥٩] .
وقال الله تعالى: [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ] [الشورى:
١٠] .
وقال الله تعالى: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا]
[الحشر: ٧] .
والاعتماد على الأصول الثلاثة المعصومة هو أساس دين الإسلام، ويرتكز
على القواعد التالية:
القاعدة الأولى: تعظيم النصوص الشرعية والانقياد لها.
القاعدة الثانية: الاعتماد على الأحاديث الصحيحة.
القاعدة الثالثة: صحة فهم النصوص.
وفي هذه المقالة سأتحدث عن هذه القواعد الثلاث بشيء من الإيجاز، مبيناً
منهاج أهل السنة في الاستدلال، وفي الحلقة التالية سأتحدث عن منهج المبتدعة في
الاستدلال، وقواعدهم في التلقي.
القاعدة الأولى: تعظيم النصوص الشرعية:
إن أصل دين الإسلام الذي ارتضاه الله (تعالى) لعباده المؤمنين الاستسلام
والخضوع والانقياد، قال الله (تعالى) : [وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن
يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ] [الزمر: ٥٤] .
وحقيقة الاستسلام: تعظيم أمر الله ونهيه، والوقوف عند
حدود ما أنزله على نبيه محمد ﷺ ، قال الله (تعالى) : [ذَلِكَ
وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] [الحج: ٣٢] . فكل ما أمر به
الشارع أو نهى عنه، فحقه التعظيم والإجلال والامتثال، قال الله (تعالى) : [إنَّمَا
كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [النور: ٥١]
فإذا جاء الأمر من الله فلا مجال للاختيار أو التردد، قال الله (تعالى) : [وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ]
[الأحزاب: ٣٦] . وقد نفى الله الإيمان بالكلية عمّن أعرض عن حكم
النبي ﷺ ولم يرض به، أو وجد في نفسه حرجاً من ذلك، قال
الله (تعالى) : [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] .
وقد توعد الله المخالفين لأوامره بقوله: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابِ أليم] [النور: ٦٣] .
منهج السلف الصالح في تعظيم النصوص:
سطر السلف الصالح ﵃ أروع الأمثلة وأصدق الصفات في
الالتزام بأمر النبي ﷺ وتعظيمه، والوقوف عند حدوده بدون
زيادة أونقصان، ومن أمثلة ذلك:
* عن أبي قتادة قال: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بُشير
بن كعب فحدّثنا عمران يومئذ فقال: قال رسول الله ﷺ : «
الحياءُ خير كله» أو قال: «الحياء كله خير» ، قال بشير: إنّا لنجد في بعض
الكتب أو الحكمة: أنّ منه سكينة ووقاراً لله، ومنه ضعفٌ! قال: فغضب عمران
حتى احمرتا عيناه، وقال أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ
وتعارض فيه؟ ! قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بشير، فغضب عمران. قال: فمازلنا نقول فيه: إنّه منّا يا أبا نجيد، إنّه لا بأس به! ! [١] يعني: أنه
ليس متهماً بالنفاق! ! .
* وعن عبد الله بن مُغَفّل ﵁ : أنه رأى رجلاً من أصحابه
يخذف. فقال له: لا تخذف، فإنّ رسول الله ﷺ كان يكره أو
قال ينهى عن الخذف؛ فإنه لايُصطاد به الصيد، ولا ينكأ به العدو، ولكنه يكسر
السن ويفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف! فقال له: أخبرك أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- كان يكره أو ينهى عن الخذف، ثم أراك تخذف، لا أكلمك كذا
وكذا..! [٢] .
* عن قبيصة الشامي: أن عبادة بن الصامت خرج مع رجل إلى أرض
الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسرة الذهب بالدنانير، وكسرة الفضة
بالدراهم، فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول: «لا تَبايعوا الذهب إلا مثلاً بمثلٍ لا زيادة بينهما ولا نَظِرة» .
فقال رجل: لا أرى الربا يكون في هذا إلا ما كان من نظرة! فقال عبادة: أحدثك
عن رسول الله ﷺ وتحدّثني عن رأيك؟ ! لئن أخرجني الله لا
أُساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة، فلمّا قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر: ما أقدمك
يا أبا الوليد؟ ! فقص عليه القصة، فقال: ارجع إلى أرضك وبلدك لا إمرة له
عليك، فقبّح الله أرضاً لست فيها وأمثالك [٣] .
* وحدّث أبو معاوية الضرير عند هارون الرشيد بحديث أبي هريرة: «
احتج آدم وموسى» ، فقال أحد الحاضرين: كيف هذا، وبين آدم وموسى ما
بينهما؟ ! قال: فوثب هارون، وقال: يُحدّثك عن الرسول ﷺ وتعارض بكيف؟ ! فما زال يقول حتى سكت عنه [٤] .
* وقال رجلٌ للزهري: يا أبا بكر: حديث رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: «ليس منّا من لطم الخدود، وليس منا من لم يوقر كبيرنا» ، وما أشبه
هذا الحديث؟ ! فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: «من الله
العلم، وعلى الرسول- ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم» [٥] .
* من أجل ذلك كله كان السلف الصالح ﵃ في أشد التثبت
والتحري والتوقي في فعل السنة، فلا يفعلون شيئاً إلا بعلم صحيح، فها هو ذا
رجلٌ يعطس إلى جنب عبد الله بن عمر، فيقول: الحمد لله، والسلام على رسول
الله ﷺ ، فقال له عبد الله بن عمر: «وأنا أقول: الحمد لله
والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ،
علمنا أن نقول: الحمد لله على كلّ حال» [٦] .
* ونظير هذا أن سعيد بن المسيب رأى رجلاً يُصلي بعد طلوع الفجر أكثر
من ركعتين، يُكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، يعذبني الله
على الصلاة؟ ! فقال: «لا.. ولكن يُعذبك على خلاف السنة» [٧] .
وأمثلة هذا الباب كثيرة جداً، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله لبيان المقصود.
وبهذا يتبيّن أن الكتاب والسنة هما أصل الاستدلال، وهما المعيار الذي توزن به
الآراء والاجتهادات، ولايستقيم إيمان المرء إلا بتعظيمهما وامتثال ما دلا عليه من
القول والفعل والاعتقاد، ويُلخّص الطحاوي منهج أهل السنة بقوله: «ولاتثبت قدم
الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم
يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح
الإيمان» [٨] .
وقال البربهاريّ: «إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو
يريد غير الآثار: فاتهمه على الإسلام، ولاتشك أنّه صاحب هوى مبتدع» [٩] .
وقال ابن تيمية: «وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم يعني أهل السنة
اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين
لهم بإحسان: أنه لايقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولاذوقه، ولامعقوله
ولاقياسه، ولاوَجْدِهِ، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات: أنّ
الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم» [١٠] .
وقال أيضاً: «فمن بنى الكلام في العلم (الأصول والفروع) على الكتاب
والسنة والآثار المأثورة عن السابقين، فقد أصاب طريق النبوة، وكذلك من بنى
الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال
القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد وأصحابه
فقد أصاب طريقة النبوة، وهذه طريقة أئمة الهدى ... » [١١] .
القاعدة الثانية: الاعتماد على السنة الصحيحة:
أمرالله بطاعة نبيه محمد ﷺ في آيات
كثيرة، منها قوله (تعالى) : [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا]
[الحشر: ٧] ، وقوله تعالى: [مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله] [النساء: ٨٠] .
وثبت أن رسول الله ﷺ قال: «إني أوتيتُ القرآن ومثله
معه» [١٢] ، فكل ما ثبت عن رسول الله ﷺ فهو حق وصدق
لاريب فيه، قال الله (تعالى) : [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] [النجم: ٣، ٤] .
وسنة النبي ﷺ هي الموضحة والمبينة لكتاب الله (عز
وجل) ، كما قال : [وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ]
[النحل: ٤٤] .
وقد ذمّ رسول الله ﷺ أقواماً يتركون ماجاء في سنته،
فقال: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكىء على أريكته، فيقول:
بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه، وإن ما حرّم رسول الله كما حرّم الله» [١٣] .
ومن بدائع مواقف الصحابة ﵃ : أن عمران بن حصين كان
جالساً ومعه أصحابه، فقال رجلٌ من القوم: لاتحدثونا إلا بالقرآن، فقال له: ادْنه، فدنا، فقال: أرأيت لو وُكلْتَ أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة
الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ في اثنتين؟ ! أرأيت لو
وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف
بالصفا والمروة؟ ! ثم قال: أي قوم، خذوا عنا، فإنكم والله إلاّ تفعلوا
لتضِلّنّ « [١٤] .
ولهذا قال ابن تيمية:» البيان التام هو ما بينه الرسول؛ فإنه أعلم الخلق
بالحق، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق في بيان الحق، فما بيّنه من أسماء
الله وصفاته وعلوّه ورؤيته، هو الغاية في هذا الباب « [١٥] .
وقال أيضاً:» الثواب على ما جاء به الرسول، والنّصرة لمن نصره،
والسعادة لمن اتبعه، وصلوات الله وملائكته على المؤمنين به، والمعلمين للناس
دينه، والحق يدور معه حيثما دار، وأعلم الخلق بالحق وأتبعهم له: أعلمهم بسنّته
وأتبعهم له، وكل قول خالف قوله فهو إما دين منسوخ، وإما دين مبدّل لم يُشرع
قط « [١٦] .
وبسبب هذه المنزلة العظيمة لسنّة النبي ﷺ اهتمّ بها أهل
السنّة اهتماماً عظيماً، علماً وعملاً، وحرصوا على حفظها ونقلها، وقاموا بتحقيقها
وتنقيحها، وتمييز صدقها من كذبها، خاصة بعد ظهور الفتن وانتشار المبتدعة
وفشو الكذب. ولهذا قال عبد الله بن عباس ﵁ :» إنّا كنا مرة إذا
سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا
وأصغينا إليه بآذاننا، فلمّا ركب الناس الصعب والذلول؛ لم نأخذ من الناس إلا ما
نعرف « [١٧] .
وقال التابعي الجليل محمد بن سيرين:» لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما
وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم، وينظر
إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم « [١٨] .
وقال الإمام مالك بن أنس:» إن هذا العلم هو لحمك ودمك وعنه تسأل يوم
القيامة، فانظر عمّن تأخذه « [١٩] .
ويشرح ابن تيمية الداعي لتنقيح السنة النبوية فيقول:» وبيننا وبين
الرسولمئون من السنين، ونحن نعلم بالضرورة أنّ فيما ينقل الناس عنه وعن غيره
صدقاً وكذباً، وقد روي عنه أنّه قال: «سيُكذب عليّ» ، فإن كان هذا الحديث
صدقاً، فلابد أن يكذب عليه، وإن كان كذباً فقد كذب، وإن كان كذلك لم يجز لأحد
أن يحتج في مسألة فرعية بحديث حتى يُبيّن ما به يثبت « [٢٠] .
وقد رسم أئمة الحديث منهجاً علمياً متميزاً في ضبط أصول الرواية وتقعيد
قواعدها، فحفظوها بفضل الله تعالى من العبث والتزييف، فهم المرجع الذي يُرجع
إليه في معرفة الصحيح من الضعيف، قال ابن تيمية:» المنقولات فيها كثير من
الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث، كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحوغير العرب، ونرجع إلى
علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير
ذلك، فلكل علم رجالٌ يعرفون به، والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدراً، وأعظمهم
صدقاً، وأعلاهم منزلة، وأكثرهم ديناً، وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة وعلماً
وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل، مثل: مالك وشعبة وسفيان ... « [٢١] .
من أجل ذلك كله: يتبيّن أن الاستدلال العلمي الصحيح يعتمد على الأحاديث
الصحيحة والحسنة، وأمّا الأحاديث الموضوعة والضعيفة فلا يجوز الاستدلال بها،
ويجب الحذر منها. ولهذا قال ابن تيمية:» فالواجب أن يفرق بين الحديث
الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث
الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عموماً ولمن يدعي
السنة خصوصاً « [٢٢] .
وقال أيضاً:» الاستدلال بما لاتُعلم صحته لايجوز بالاتفاق، فإنه قول بلا
علم، وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع « [٢٣] .
وقال أيضاً:» ولايجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي
ليست صحيحة ولا حسنة « [٢٤] .
القاعدة الثالثة: صحة فهم النصوص:
إن صحة فهم النصوص الشرعية ركيزة رئيسة لصحة الاستدلال، ولايستطيع
المرء أن يعرف مراد الله ، ومراد رسوله إلا حينما يستقيم فهمه لدلائل
الكتاب والسنة. وكثير من البدع والضلالات إنما حدثت بسبب قلة العلم وسوء الفهم.
أصول مهمة يعتمد عليها:
ومن الأصول العلمية التي يجب الاعتماد عليها في فهم النصوص الشرعية
ودراستها:
أولا: الاعتماد على منهج الصحابة ﵃ :
للصحابة ﵃ منزلة جليلة، فقد شرفهم الله (تعالى) ، وأعلى
منزلتهم، ورفع أقدارهم ودرجاتهم، وعدلهم من فوق سبع سموات، فقال (تعالى) :
[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ] [التوبة: ١٠٠] . وقال (تعالى) : [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ
مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي
الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ
بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً]
[الفتح: ٢٩] .
قال عبد الله بن مسعود ﵁ :» من كان منكم متأسياً فليتأس
بأصحاب محمد- ﷺ ، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها
علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوماً اختارهم الله تعالى لصحبة
نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى
المستقيم « [٢٥] .
وقال أبو محمد بن حزم:» فمن أخبرنا الله «أنه علم ما في
قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف عن أمرهم أو
الشك فيهم البتة» [٢٦] .
من أجل هذا؛ فإن فهم دلائل الكتاب والسنة إنما يؤخذ من الصحابة (رضي
الله عنهم) ففيهم تكلم الرسول- ﷺ ، وعليهم نزل الكتاب، فهم
أعلم الناس بمراد الله (تعالى) ومراد رسوله- ﷺ ، خاصة بعد أن
كثرت البدع، وقل العلم، وفسدت الفهوم،، وهجرت السنّة، وقد صح عن رسول
الله ﷺ ، قوله: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً،
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم
ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة» [٢٧] .
قال ابن تيمية: «يحتاج المسلمون في العقيدة إلى شيئين: أحدهما: معرفة
ما أراد الله ورسوله بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي نزل بها،
وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك
الألفاظ؛ فإنّ الرسول لمّا خاطبهم بالكتاب والسنة عرّفهم ما أراد بتلك الألفاظ،
وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلّغوا تلك
المعاني إلى التابعين أعظم ممّا بلغوا حروفه..» [٢٨] .
وقال الشاطبي: «.. ولهذا فإن السلف الصالح (من الصحابة والتابعين ومن
يليهم» كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه.. « [٢٩] .
وقال ابن أبي العز الحنفي:» وكيف يتكلم في أصول الدين من لايتلقاه من
الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان؟ ! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله
لايتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول، ولاينظر فيها، ولا فيما قاله
الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات النقلة، الذين تخيرهم النقاد، فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون
القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لايسلك سبيلهم فإنما يتكلم
برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم وإن
أصاب « [٣٠] .
ثانياً: معرفة اللغة العربية:
لكي تفهم دلائل الكتاب والسنة على الوجه الصحيح لابد من معرفة لغة العرب
التي نزل بها القرآن الكريم، والتي خاطب بها رسول الله ﷺ
أصحابه. ولهذا تواتر اعتناء علماء الأمة وأئمتها بلغة القرآن حتى يوضع خطاب
الشارع في موضعه اللائق به شرعاً.
قال الإمام الشافعي:» .. وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان
العرب دون غيره، لأنه لايعلم من إيضاح جمع علم الكتاب أحدٌ جِهل سعة لسان
العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها. ومن علمه انتفت عنه الشبه التي
دخلت على من جهل لسانها « [٣١] .
وقال ابن عبد البر:» ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون
على كتاب الله : وهو العلم بلسان العرب ومواقع كلامها، وسعة لغتها،
وأشعارها، ومجازها، وعموم لفظ مخاطبتها وخصوصه، وسائر مذاهبها لمن قدر، فهو شيء لايُستغنى عنه، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى
الآفاق: أن يتعلموا السنّة والفرائض واللحن يعني النحو كما يتعلم القرآن « [٣٢] .
وقال ابن تيمية:» ولابد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف مايدل
على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه، فمعرفة العربية التي
خوطبنا بها ممّا يُعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة
الألفاظ على المعاني، فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب، فإنهم صاروا
يحملون كلام الله ورسوله على ما يدّعون أنه دال عليه، ولايكون الأمر
كذلك.. « [٣٣] .
وقال الشاطبي:» المقصود هنا: أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة،
فطلب فهمه إنما يكون في هذا الطريق خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: [إنَّا أَنزَلْنَاهُ
قُرْآناً عَرَبِياً] [يوسف: ٢] . وقال: [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ] [الشعراء: ١٩٥] .
وقال: [لِّسَانُ الَذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ] [النحل: ١٠٣] . إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان العرب، لا أنه أعجمي ولا بلسان
العجم، فمن أراد فهمه، فمن جهة لسان العرب يُفهم، ولا سبيل إلى تطلّب فهمه
من غير هذه الجهة « [٣٤] .
стр. 2085
دراسات قرآنية
مصادر التفسير:
تفسير القرآن بالقرآن
(١)
بقلم: مساعد بن سليمان الطيار
يراد: بمصادر التفسير: المراجع الأولية التي يرجع إليها المفسر عند تفسيره
لكتاب الله، وهذه المصادر هي: القرآن، والسنة، وأقوال الصحابة، وأقوال
التابعين وتابعيهم، واللغة، والرأي والاجتهاد. وإنما قيل: «المراجع الأولية» ؛
لئلا تدخل كتب التفسير؛ لأنها تعتبر مصادر، ولكن الحديث هنا ليس عنها.
وقد اصطلح شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) على تسميتها ب (طرق
التفسير) ، ذكر منها أربعة، وهي: القرآن، والسنة، وأقوال الصحابة، وأقوال
التابعين في التفسير [١] .
وجعلها بدر الدين الزركشي (ت: ٧٩٤هـ) مآخذ التفسير، وذكر أمهاتها،
وهي أربع: النقل عن رسول الله ﷺ ، ثم الأخذ بقول الصحابة، ثم الأخذ بمطلق اللغة، ثم التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة
الشرع [٢] . وسيكون الحديث عن هذه المصادر متتابعاً إن شاء الله تعالى.
تفسير القرآن بالقرآن:
يعتبر القرآن أول مصدر لبيان تفسيره؛ لأن المتكلم به هو أولى من يوضّح
مراده بكلامه؛ فإذا تبيّن مراده به منه، فإنه لا يُعدل عنه إلى غيره.
ولذا عدّه بعض العلماء أول طريق من طرق تفسير القرآن [٣] ، وقال آخر:
إنه من أبلغ التفاسير [٤] ، وإنما يُرْجَع إلى القرآن لبيان القرآن؛ لأنه قد يَرِدُ
إجمال في آية تبيّنه آية أخرى، وإبهام في آية توضّحه آية أخرى، وهكذا.
وسأطرح في هذا الموضوع قضيتين:
الأولى: بيان المصطلح.
الثانية: طريقة الوصول إلى تفسير القرآن بالقرآن.
بيان المصطلح:
التفسير: كشفٌ وبيانٌ لأمر يحتاج إلى الإيضاح، والمفَسّر حينما يُجْري
عملية التفسير، فإنه يبيّن المعنى المراد ويوضّحه.
فتفسير المفسر لمعنى «عُطّلت» في قوله (تعالى) : [وَإذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ]
[التكوير: ٤] بأنها: أُهمِلت، هو بيان وتوضيح لمعنى هذه اللفظة القرآنية.
وفي هذا المثال يُقَال: تفسير القرآن بقول فلان؛ لأنه هو الذي قام ببيان
معنى اللفظة في الآية.
ومن هنا، فهل كل ما قيل فيه: (تفسير القرآن بالقرآن) يعني أن البيان عن
شيء في الآية وقع بآية أخرى فسّرتها، أم أن هذا المصطلح أوسع من البيان؟
ولكي يتضح المراد بهذا الاستفسار استعرض معي هذه الأمثلة:
المثال الأول: عن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت [الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨٢] .
قلنا: يا رسول الله ﷺ ، أيّنا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس
كما تقولون، [لم يلبسوا إيمانهم بظلم] : بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان
لابنه: [يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣] « [٥] .
المثال الثاني: قال الشيخ الشنقيطي (ت: ١٣٩٣هـ) :» ومن أنواع البيان
المذكورة أن يكون الله خلق شيئاً لحِكَمٍ متعددة، فيذكر بعضها في موضع، فإننا نُبيّن
البقية المذكورة في المواضع الأُخر.
ومثاله: قوله تعالى: [وَهُوَ الَذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا]
[الأنعام: ٩٧] .
فإن من حِكَمِ خلق النجوم تزيين السماء الدنيا، ورجم الشياطين أيضاً، كما
بينّه (تعالى) بقوله: [وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ] [الملك: ٥] وقوله: [إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِب * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ
شَيْطَانٍ مَّارِدٍ] [الصافات: ٦، ٧] [٦] .
المثال الثالث: قال الشيخ محمد حسين الذهبي: «ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يُتَوهم أنه مختلف؛ كخلق آدم من تراب في بعضٍ، ومن طينٍ في
غيرها، ومن حمأ مسنون، ومن صلصالٍ، فإن هذا ذِكْرٌ للأطوار التي مرّ بها آدم
من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه» [٧] .
نقد الأمثلة:
إذا فحصت هذه الأمثلة فإنه سيظهر لك من خلال الفحص ما يلي:
ستجد أن المثال الأول وقع فيه البيان عن المراد بالظلم بآية أخرى، أي: إن
القرآن وضّح القرآن.
لكنك هل تجد في المثالين الآخرين وقوع بيان عن آية بآية أخرى؟
ففي المثال الثاني: تجد أن المفَسّر جمع عدة آيات يربطها موضوع واحد،
وهو حكمة خلق النجوم، فهل وقع بيان لآية بآية أخرى في هذا الجمع؟
لاشك أنه لم يقع هذا البيان، لأن الأية الأولى التي جمع المفسر معها ما
يوافقها في الموضوع لم يكن فيها ما يحتاج إلى بيان قرآني آخر.
وفي المثال الثالث: تجد أن المفَسّر جمع بين عدّة آيات تُوهم بالاختلاف،
لكن هل وقع في جمع هذه الآيات تفسير بعضها ببعض؟ أم أن تفسيرها جاء من
مصدر آخر خارج عن الآيات؟
الذي يبدو أن جمع هذه الآيات أثار الإشكال؛ إذ التراب لا يُُفسّّر بالطين، ولا
بالحمأ المسنون ... إلخ، كما أن كل واحدٍ من الآخرين لا يُفسّر بالآخر؛ لأنه
مختلف عنه. ولما كان الخبر عن خلق آدم والإخبار عنه مختلف احتاج المفسر إلى
الربط بين الآيات ومحاولة حلّ الإشكال الوارد فيها، ولكن الحلّ لم يكن بآية أخرى
تزيل هذا الإشكال، بل كان حلّه بالنظر العقلي المعتمد على دلالة هذه المتغايرات
وترتيبها في الوجود، مما جعل المفسر لهذه الآيات ينتهي إلى أنها مراحل خلق آدم
﵇، وأن كل آية تتحدث عن مرحلة من هذه المراحل، حيث كان آدم
تراباً، ثم طيناً، ثم ... إلخ.
وبهذا يظهر جليّاً أنّ جمع الآيات لم يكن فيه بيان آية بآية أخرى، وإن كان
في هذا الجمع إفادة في التفسير.
وبعد.. فإن النتيجة التي تظهر من هذه الأمثلة: أن كل ما قيل فيه: إنه
تفسير قرآن بقرآن، إذا لم يتحقق فيه معنى البيان عن شيء في الآية بآية أخرى،
فإنه ليس تعبيراً مطابقاً لهذا المصطلح، بل هو من التوسع الذي يكون في تطبيقات
المصطلح.
تفسير القرآن بالقرآن عند المفسرين:
ظهر مما سبق أن مصطلح (تفسير القرآن بالقرآن) قد استُعمل بتوسع في
تطبيقاته، ويبرز هذا من استقراء تفاسير المفسرين، خاصة من نصّ على هذا
المصطلح أو إشار إليه في تفسيره؛ كابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) ، والأمير الصنعاني
(ت: ١١٨٢هـ) ، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣هـ) .
ويبدو أن كل استفادة من آيات القرآن؛ كالاستشهاد أو الاستدلال بها يكون
داخلاً ضمن تفسير القرآن بالقرآن.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره الصنعاني في تفسير قوله تعالى: [لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ
أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] [الشعراء: ٣] حيث قال: «أي قاتلها لعدم إيمان قومك.
» تكرر هذا المعنى في القرآن في مواضع: [وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ]
[الحجر: ٨٨] وفي الكهف: [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً] [الكهف: ٦] . وفي فاطر: [فَلاتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ] [فاطر: ٨] .
ونحوه: [إن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ] [النحل: ٣٧] .
ونحو ذلك مما هو دليل على شفقته على الأمة، ومحبته لإسلامهم، وشدة حرصه
على هدايتهم مع تصريح الله له بأنه ليس عليه إلا البلاغ « [٨] .
ويمكن القول: إنه ليس هناك ضابط يضبط المصطلح المتوسع بحيث يمكن
أن يقال: هذا يدخل في تفسير القرآن بالقرآن، وهذا لا يدخل فيه؛ ولذا يمكن
اعتبار كتب (متشابه القرآن) [٩] ، وكتب (الوجوه والنظائر) من كتب تفسير القرآن
بالقرآن بسبب التوسع في المصطلح.
فكتب (متشابه القرآن) توازن بين آيتين متشابهتين أو أكثر، وقد يقع الخلاف
بينهما في حرف أو كلمة، فيبين المفسر سبب ذلك الاختلاف.
وكتب (الوجوه والنظائر) تبيّن معنى اللفظ في عدة آيات، وتذكر وجه الفرق
فيها في كل موضع.
* المفسرون المعتنون بهذا المصدر:
إن مراجعة روايات التفسير المروية عن السلف تدل على أن عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم (ت: ١٨٢هـ) كان من أكثر السلف اعتناءً بتفسير القرآن بالقرآن.
ومن أمثلة ذلك ما رواه عنه الطبري (ت: ٣١٠هـ) بسنده في تفسير قوله تعالى: [وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ] [الطور: ٦] قال:» الموقَد، وقرأ قول الله تعالى: [وَإذَا
البِحَارُ سُجِّرَتْ] [التكوير: ٦] قال: أُوقِدَتْ « [١٠] .
أما كتب التفسير، فإن من أبرز من اعتنى به ثلاثة من المفسرين هم:
(١) الحافظ ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ) في كتابه (تفسير القرآن العظيم) .
(٢) الأمير الصنعاني (ت: ١١٨٢هـ) في كتابه: (مفاتح الرضوان في تفسير
الذكر بالآثار والقرآن) .
(٣) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت١٣٩٣هـ) في كتابه: (أضواء البيان في
إيضاح القرآن بالقرآن) [١١] .
* بيان بعض الأمثلة التي تدخل في المصطلَحَين:
سبق البيان عن مصطلح (تفسير القرآن بالقرآن) ، وأنه ينقسم إلى نوعين:
الأول: ما يعتمد على البيان، والمراد أن وقوع البيان عن آية بآية أخرى يُعَدّ
تعبيراً دقيقاً عن هذا المصطلح.
الثاني: ما لم يكن فيه بيان عن آية بآية أخرى، وهو بهذا مصطلح مفتوح،
يشمل أمثلة كثيرة.
وقد مضى أن هذا التوسع هو الموجود في كتب التفسير، وأنها قد سارت
عليه، وفي هذه الفِقْرة سأطرح محاولة اجتهادية لفرز بعض أمثلة هذا المصطلح.
أولاً: الأمثلة التي يَصْدُقُ إدخالها في المصطلح المطابق:
يمكن أن يدخل في هذا المصطلح ما يلي:
١- الآية المخصصة لآية عامة:
ورد لفظ الظلم عاماً في قوله تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ
أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨٢] . وقد خصّه الرسول صلى الله عليه
وسلم بالشرك، واستدل له بقوله تعالى: [إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣] .
وفي قوله تعالى: [وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا] [الإسراء: ٢٤] . عموم يشمل كل
أبٍ: مسلم وكافر، وهو مخصوص بقوله تعالى: [مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى] [التوبة: ١١٣] . فخرج بهذا الاستغفار
للأبوين الكافرين، وظهر أن المراد بها الأبوان المؤمنان [١٢] .
٢- الآية المبيّنة لآية مجملة:
أجمل الله القدر الذي ينبغي إنْفَاقُهُ في قوله تعالى: [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]
[البقرة: ٣] ، وبين في مواضع أخر: أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد عن
الحاجة وسدّ حاجة الخَلّة التي لابد منها، وذلك كقوله: [وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ
العَفْوَ] [البقرة: ٢١٩] والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لابدّ منها،
على أصحّ التفسيرات، وهو مذهب الجمهور ... [١٣] .
وفي قوله تعالى: [أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ] [المائدة: ١] ، إجمال في المتلو، وقد بيّنه قوله تعالى: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ
الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ
السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ] [المائدة: ٣] .
٣- الآية المقيدة لآية مطلقة:
أطلق الله استغفار الملائكة لمن في الأرض، كما في قوله تعالى:
[وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُون لِمَن فِي الأَرْضِ] [الشورى: ٥] ، وقد قيّد هذا الإطلاق بالمؤمنين في قوله تعالى: [الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا]
[غافر: ٧] .
وفي قوله تعالى: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّن تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ] [آل عمران: ٩٠] ، إطلاق في عدم قبول التوبة، وهو مقيّد في قول
بعض العلماء بأنه إذا أخّروا التوبة إلى حضور الموت، ودليل التقييد قوله تعالى:
[وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ
الآنَ وَلا الَذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] [النساء: ١٤] .
٤- تفسير لفظة غريبة في آية بلفظة أشهر منها في آية أخرى:
ورد لفظ» سِجّيل «في قوله تعالى: [وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ
مَّنضُودٍ] [هود: ٨٢] ، والممطر عليهم هم قوم لوط ﵊ ، وقد
وردت القصة في الذاريات وبان أن المراد بالسجيل: الطين، في قوله تعالى:
[قَالُوا إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ*لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ]
[الذاريات: ٣٢، ٣٣] [١٥] . ...
٥- تفسير معنى آية بآية أخرى:
التسوية في قوله تعالى: [يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى
بِهِمُ الأَرْضُ] [النساء: ٤٢] ، يراد بها: أن يكونوا كالتراب، والمعنى: يودّون
لو جُعِلوا والأرض سواءً، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: [وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا
لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً] [النبأ: ٤٠] [١٦] .
ثانياً: أمثلة للمصطلح المتوسع:
يمكن أن يدخل في هذا النوع كل آية قرنت بأخرى على سبيل التفسير، وإن
لم يكن في الآية ما يشكل فتُبَيّنُهُ الآية الأخرى، ومن أمثلته ما يلي:
١- الجمع بين ما يُتوهم أنه مختلف:
سبق مثال في ذلك، وهو: مراحل خلق آدم [١٧] ، ومن أمثلته عصا موسى
﵊ ؛ حيث وصفها مرة بأنها [حَيَّةٌ تَسْعَى] [طه: ٢٠] ، ومرة
بأنها [تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانّ] [النمل: ١٠] ، ومرة بأنها [ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ]
[الأعراف: ١٠٧] ، فاختلف الوصف والحدث واحد، وقد جمع المفسرون بين هذه الآيات: أن الله (سبحانه) جعل عصا موسى كالحية في سعيها، وكالثعبان في
عِظَمها، وكالجان (وهو: صغار الحيّات) في خِفّتِها [١٨] .
٢- تتميم أحداث القصة:
إذا تكرر عرض قصة ما في القرآن فإنها لا تتكرر بنفس أحداثها، بل قد يزاد
فيها أو ينقص في الموضع الآخر، ويَعْمَدُ بعض المفسرين إلى ذكر أحداث القصة
متكاملة كما عرضها القرآن في المواضع المختلفة، ومثال ذلك:
قوله (تعالى) : [إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ] [طه: ٤٠] ، حيث ورد في سورة القصص ثلاثة أمور غير واردة في هذه الآية، وهي:
١- أنها مرسلة من قبل أمها.
٢- أنها أبصرته من بُعدٍ وهم لا يشعرون.
٣- أن الله حرّم عليه المراضع.
وذلك في قوله (تعالى) : [وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا
يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ] [القصص: ١١، ١٢] [١٩] .
٣- جمع الآيات المتشابهة في موضوعها:
قال الشنقيطي في قوله (تعالى) : [قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَذِي يَقُولُونَ]
[الأنعام: ٣٣] .
قال:» صرح (تعالى) في هذه الآية الكريمة بأنه يعلم أن رسوله يَحْزُنُه ما
يقوله الكفار في تكذيبه، وقد نهاه عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخرى كقوله:
[فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات] [فاطر: ٨] ، وقوله: [فَلا تَأْسَ عَلَى القَوْمِ ...
الكَافِرِينَ] [المائدة: ٦٨] ، وقوله: [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا
بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً] [الكهف: ٦] ، وقوله: [لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] [الشعراء: ٣] .
والباخع: المهلك نفسه ... إلخ [٢٠] .
٤- جمع موارد اللفظة القرآنية:
قد يورد المفَسّر «وصفاً» وُصف به شيء، ثم يذكر الأشياء الأخرى التي
وصفت به، أو يعمد إلى لفظة فيذكر أماكن ورودها، ومن أمثلة الأول:
* قال: الأمير الصنعاني «والبقعة مباركة (لما) [٢١] وصفها الله لما أفاض
(تعالى) (فيه) [٢٢] من بركة الوحي وكلام الكليم فيها.
كما وصف أرض الشام بالبركة، حيث قال: [وَنَجَّيْنَاهُ] أي: إبراهيم
[وَلُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] [الأنبياء: ٧١]
ووصف بيته العتيق بالبركة في قوله: [إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] [ال عمران: ٩٦] .
ووصف شجرة الزيت بالبركة في قوله: [شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ]
[النور: ٣٥] [٢٣] .
* ومن أمثلة الثاني قوله:» وسمّى الله كتابه هدى في آيات: [ذَلِكَ الكِتَابُ
لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] [البقرة: ٢] ، [إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]
[الإسراء: ٩] ، [قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ] [فصلت: ٤٤] ، وفي لقمان: [هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ] [لقمان: ٣] ، وفي النحل: [تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [النحل: ٨٩] ، فهو هدى وبشرى للمسلمين والمحسنين، وفي يونس: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] [يونس: ٥٧] [٢٤] . ...
طريقة الوصول إلى تفسير القرآن بالقرآن:
التفسير إما أن يكون طريقه النقل، وإما أن يكون طريقه الاستدلال، والأول: يطلق عليه (التفسير المأثور) ، والثاني: يطلق عليه (التفسير بالرأي) .
ومن هنا فإن تصنيف (تفسير القرآن بالقرآن) ، في أحدهما يكون بالنظر إلى
القائل به أولاً، لا إلى طريقة وصوله إلى ما بعد القائل؛ لأن ذلك طريقهُ الأثر.
وتفسير القرآن بالقرآن ينسب إلى الذي فسّر به، فالمفَسّر هو الذي عَمَدَ
اجتهاداً منه إلى الربط بين آية وآية، وجعل إحداهما تفسر الآخرى.
وبهذا فإن طريق الوصول إليه هو الرأي والاستنباط، وعليه فإنه لا يلزم
قبول كل قول يرى أن هذه الآية تفسر هذه الآية؛ لأن هذا الاجتهاد قد يكون غير
صواب.
كما أنه إذا ورد تفسير القرآن بالقرآن عن مفسر مشهور معتمد عليه فإنه يدلّ
على علو ذلك الاجتهاد؛ لأنه من ذلك المفسر.
فورود التفسير به عن عمر بن الخطاب أقوى من وروده عن من بعده من
التابعين وغيرهم، وهكذا.
حُجّيّةُ تَفْسير القرآن بالقرآن:
كلما كان تفسير القرآن بالقرآن صحيحاً، فإنه يكون أبلغ التفاسير، ولذا: فإن
ورُود تفسير القرآن بالقرآن عن النبي ﷺ أبلغ من وروده عن
غيره؛ لأن ما صح مما ورد عن النبي ﷺ مَحَلّهُ القبول.
بيد أن قبوله لم يكن لأنه تفسير قرآن بقرآن، بل لأن المفسّر به هو النبي -
ﷺ .
ومن أمثلة تفسيره القرآن بالقرآن ما رواه ابن مسعود: أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- قال: «مفاتح الغيب [٢٥] خمسٌ، [إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [لقمان: ٣٤] [٢٦] .
أما ورود تفسير القرآن بالقرآن عن غير الرسول فإنه قد قيل باجتهاد المفسر،
والاجتهاد معرض للخطأ.
وبهذا لا يمكن القول بحجيّة تفسير القرآن بالقرآن مطلقاً، بحيث يجب قبوله
ممن هو دون النبي ﷺ ، بل هو مقيد بأن يكون ضمن الأنواع
التي يجب الأخذ بها في التفسير [٢٧] .
هذا.. وقد سبق البيان أن تفسير القرآن بالقرآن يكون أبلغ التفاسير إذا كان
المفسّرُ به من كبار المفسرين من الصحابة ومن بعدهم من التابعين.
وأخيراً:
فإن كون تفسير القرآن بالقرآن من التفسير بالرأي، لا يعني صعوبة الوصول
إليه في كل حالٍ، بل قد يوجد من الآيات ما تفسّر غيرها ولا يكاد يختلف في
تفسيرها اثنان، مثل تفسير» الطارق «في قوله (تعالى) : [وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ]
[الطارق: ١] بأنه يُفسر بقوله (تعالى) : [النَّجْمُ الثَّاقِبُ] [الطارق: ٣] ، ومثل
هذا كثيرٌ في القرآن، والله أعلم.
стр. 2086
دراسات تربوية
تأملات في معاني كلمات الأذان
بقلم: د. محمد عز الدين توفيق
ليس: المقصود من هذا المقال تفصيل أحكام الأذان وبيان شروطه وسننه
وآدابه، فذلك مذكور في مواضعه من كتب الحديث والفقه، ولكنه نظرات في
كلماته الجامعة، وتأملات في معانيه الكبيرة، بقصد الوقوف على الحقائق الدينية
التي تقررها تلك الكلمات، وتسعى إلى ترسيخها في نفوس المسلمين، بل في
نفوس الناس كافة.
مَنْ منا لم يسمع الأذان؟ ومن منا لم تطرق كلماته المتميزة أذنيه؟ إن كلمات
الأذان بحمد الله (تعالى) تتردد في كل بلد مسلم، وترتفع كل يوم خمس مرات من
آلاف المآذن والمساجد المنتشرة في المدن والقرى، بحيث يمكن القول: إن عدد
المرات التي يسمع فيها المسلم الأذان في حياته يفوق أي كلمات أخرى تتكرر على
سمعه.
الأذان هو ذلك النداء الذي يعرفه كل مسلم، ويحفظ كلماته منذ طفولته وصباه، فهو شعار من شعائر الدين المشهورة، لكن هذه الشهرة التي يتمتع بها الأذان بين
المسلمين لا تعني بالضرورة أن المعاني والحقائق التي ينادي بها معروفة لكل الناس، فشهرة الكلمات تقابلها غربة المعاني والمضامين.
إن معظم المسلمين يعرفون الأذان بوصفه أداة تجمعهم على الصلوات في
المساجد، وقد يعرف بعضهم المعنى اللغوي لكلماته وألفاظه، ولكنهم يتفاوتون في
معرفة المعاني الشرعية التي تحملها تلك الكلمات؛ مما يجعل لهذا الموضوع أهمية
كبيرة، لأنه يحاول إحياء هذه المعاني والإشارة إلى هذه الحقائق حتى إذا سمع
المسلم الأذان حضرت في قلبه وذكرها في نفسه، وهي حقائق لا يجوز أن تغيب
عنه، فيتولى الأذان تذكيره بها بصفة مستمرة.
وقد شُرع الأذان في السنة الأولى بعد الهجرة، بينما فرضت الصلاة قبلها بعدة
شهور في ليلة الإسراء والمعراج، ويبدو أن تشريع الأذان تأخر إلى ما بعد الهجرة؛ لأنه لم يكن للمسلمين بمكة مسجد يجتمعون للصلاة فيه، فلما هاجروا إلى المدينة
وبنوا المسجد احتاجوا إلى أداة تجمعهم في وقت واحد لإقامة الصلوات المكتوبة في
جماعة.
وكانت الأدوات التي يُدْعَى الناس بها إلى الصلوات والطقوس الدينية هي:
النفخ في البوق كما عند اليهود، والضرب على الناقوس كما عند النصارى،
وإشعال النار كما عند المجوس، فأبدل الله هذه الأمة بذلك كله: كلمات الأذان،
والملاحظ أن الفرق بين هذه الطرق الثلاث وبين رفع الأذان هو أن هذا الأخير
كلماته مركبة في جمل لها معنى يرددها إنسان ويرفع بها صوته؛ فيفهمها من له
معرفة باللغة العربية أو من تُرجمت له معانيها ونقلت إليه باللغة التي يتكلمها، بينما
النفخ في البوق أو الضرب على الناقوس لا ينشىء كلاماً له معنى، وإنما يحدث
أصواتاً صماء غاية ما تدل عليه هو الهدف الديني الذي وضعت له، لكنها لا تحمل
إلى السامع معاني أخرى عبر الصوت الذي يصل إلى مسامعه، وهذا الذي ذكرناه
عن النفخ في البوق والضرب على الجرس ينطبق على إشعال النيران أيضاً.
فلا يمكن أن يكون العدول عن هذه الطرق الثلاث إلى كلمات الأذان لمجرد
مخالفة المشركين وأهل الكتاب، ومع أن القصد إلى مخالفتهم واضح في تشريع
الأذان؛ لأنه شعار من شعائر الدين، لكن القصد إلى المخالفة والتميز لا يمنع من
إثبات قصد آخر، هو: تركيز معاني الإسلام وحقائقه الكبرى في كلمات هذا الأذان
ليؤدي مهمة مزدوجة، ويجتمع للمسلمين في أداتهم ما لم يجتمع لمن قبلهم.
إننا نلاحظ لدعم هذا المعنى الأمور الآتية:
أولاً: الأذان كلمات مختارة ومرتبة بعناية، وهذا الاختيار والترتيب مقصود
لأمر يتجاوز مجرد الإعلام بدخول وقت الصلاة.
ثانياً: السنة في الأذان أن يجهر به المؤذن، ويمد الصوت بألفاظه حتى يصل
إلى أطول مسافة وأكبر عدد من الناس.
ثالثاً: تكراره مع دخول وقت كل صلاة وعددها في اليوم خمس، فيتكرر
خمس مرات في كل يوم صبحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً.
رابعاً: النهي عن خلط أي كلمات أخرى به سواء في أوله أو في آخره حتى ...
تتميز كلماته عن غيرها من الكلام الذي قد يزيده الناس، وقد حفظت كلمات الأذان
بالتواتر على مر العصور، تبدأ بكلمة (الله أكبر) ، وتنتهي بـ (لا إله إلا الله) .
خامساً: ليس كل من يسمع الأذان بالضرورة من المصلين، بل ليس كل من
يسمع الأذان مسلم، فلا شك أن للأذان رسالة إلى هؤلاء.
سادساً: اختيار المؤذن الأندى صوتاً، فإن النبي ﷺ قال
للصحابي الذي رأى في منامه من يعلمه الأذان: «قم فلقنه بلالاً فإنه أندى صوتاً
منك» [١] . والصوت الندي هو: الصوت القوي الواضح الجميل الذي تجتمع في
صاحبه الموهبة والدربة، فلا يكون الصوت حسناً بالأذان إلا إذا كان النطق به وفق
قواعد اللغة العربية ومخارج حروفها، وهذا بالتأكيد من أجل أن يفهم الناس عن
المؤذن ما يقول، فإذا كان الصوت منفّراً أثر في هذه الغاية وأضعفها.
سابعاً: الترغيب في المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً وتفضيله على الذي
يأخذ؛ ليمتزج إخلاص قلبه مع كلمات لسانه، ولذلك أثره في نفس السامع.
سبب مشروعية الأذان:
لقد كان سبب مشروعية الأذان رؤيا رآها الصحابي الجليل عبد الله بن زيد بن
عبد ربه، قال: «لما أمر رسول الله بالناقوس لِيَضْرب به الناس في الجمع
للصلاة وفي رواية: وهو كاره لموافقته للنصارى طاف بي وأنا نائم رجل يحمل
ناقوساً في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال:
فقلت ندعو به إلى الصلاة؟ قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت
بلى، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا
الله ... [٢] ، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما
رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن
به، فإنه أندى صوتاً منك، قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد
رأيت مثل الذي رأى، قال: فقال النبي ﷺ : فلله الحمد» .
لم يكن الأذان إذن اقتراحاً من بعض الصحابة أو اتفاقاً بينهم، وإنما كان رؤيا
رآها أحدهم، وقال عنها النبي ﷺ : إنها رؤيا حق.
ما يقوله المسلم عقب الأذان عنوان فهمه معناه:
ومما يؤكد أيضاً أن الأذان يتجاوز في مقاصده مجرد الإعلام بدخول وقت
الصلاة إلى ما يقوله المسلم عندما يسمعه، فقد ندب الإسلام المسلم إذا سمع المؤذن
أن يقول مثل ما يقول ووعده على ذلك بالجنة [٣] ، وهذا يقتضي أن يُقْبِل على
الأذان فكلما سمع منه جملة رددها بلسانه، فتتاح لقلبه فرصتان لتدبر معناها:
الأولى: عندما يسمعها، والثانية: عندما يقولها، ومعلوم أن الإسلام إذا أمر المسلم
أن ينصت إلى كلام أو يردده فإنه يقصد استماع القلب لا استماع الأذن فحسب.
إن توقف اللسان عن الاستمرار في الكلام الذي كان يقوله وانصرافه إلى
متابعة كلمات الأذان من غير أن يسابق المؤذن بها، ومن غير أن يتأخر عنه،
دليل آخر يؤكد أن الأذان للإعلام بدخول الوقت، وهو أيضاً تذكير بحقائق معينة
لابد أن الناس مسلمهم وكافرهم بحاجة إلى التذكير بها.
فإذا فرغ المؤذن من أذانه يسن للسامع أن يقول بعد الصلاة على رسول الله:
«اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة،
وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته» .
عن عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلى علي صلاة
صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي
إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له
الشفاعة» [٣] .
وإذا تأملنا هذا الدعاء الذي يقال بعد الأذان، نجد فيه «اللهم رب هذه الدعوة
التامة والصلاة القائمة» فيكون الأذان تلخيصاً لدعوة الإسلام، ثم إعلاماً بدخول
وقت الصلاة.
فإذا أجاب المسلم المؤذن وحضر إلى الصلاة، فقد صدّق بالحق وامتثل للأمر
فجمع شَرطي الفلاح.
وإنما كان الأذان تلخيصاً لدعوة الإسلام؛ لأنه متضمن للشهادتين، والإسلام
كله قام على أساسين عظيمين: أن يُعبد الله وحده، وتلك شهادة «أن لا إله إلا
الله» ، وأن يُعبد بما جاء به رسوله ﷺ وتلك شهادة «أن ... محمداً رسول الله» ، فالإسلام بناء يقوم على أركان خمسة أولها الشهادتان.
وكما في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ففيه:
حي على الصلاة، حي على الفلاح، والصلاة من أولها إلى آخرها تصديق عملي
بالشهادتين؛ ففيها يقول المسلم في الفاتحة [إياك نعبد وإياك نستعين] وتلك شهادة
«أن لا إله إلا الله» ، وفيها يقول: [اهدنا الصراط المستقيم] ، وتلك شهادة
«أن محمداً رسول الله» .
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله:
لقد كان الإسلام في بدايته كلمة يقولها الرجل فيصير مسلماً أو يعرض عنها
فيكون كافراً، ولا يمكن لكلمة أن تكون فيصلاً بين الإسلام والكفر إلا إذا كان
الإسلام نفسه مجموعاً في هذه الكلمة، وما سينزل فيما بعد من أحكام تفصيلاً لما
أجمل فيها.
لقد كانت البداية التي بدأت بها الدعوة إلى الإسلام وهي «قولوا لا إله إلا الله
تفلحوا» دليلاً على ما لهاتين الشهادتين من معنى كبير وخطير، يترتب على العلم
به والعمل بمقتضاه فلاح الدنيا والآخرة.
والسؤال الذي يعد مدخلاً هنا هو: ماذا فهم العرب عندما خوطبوا بهذه الكلمة
ودُعوا إليها؟ وهل كان الرفض الذي واجهوا به هذه الكلمة لمجرد التلفظ بجملتين،
أم لما يترتب على ذلك النطق من التزامات علمية وعملية؟
لقد كان المتلفظ بالشهادتين في عصر الرسالة يعرف أنه يجتاز عالماً بأكمله
ويدخل إلى عالم جديد، يجتاز عالم الجاهلية بمبادئه وأخلاقه وعاداته ويَعْبر إلى
عالم الإسلام.
إن الرجل العربي أيام البعثة كان يفهم من مدلولات لغته ولذلك حضرت في
ذهنه كل المعاني التي يستعمل لها لفظ (الإله) عندما قيل له: «قل لا إله إلا الله»
وكان على بينة من أمره أيضاً.
وإن أخطر ما يصاب به هذا الركن الاعتقادي هو: أن يبقى في الناس لفظه
ويضيع معناه أو جزء منه، فيتشوه الباقي وتختلف الأمة فيه، وهذا ما حصل
بالفعل عندما ابتعد المسلمون عن اللغة العربية وابتعدوا عن الكتاب والسنة،
فصاروا ينطقون الشهادتين ويرددونهما في الأذان والإقامة والتشهد وغيرها، وهم
على جهل بمعناها الصحيح؛ فيشهدون دون أن يتبينوا على أي شيء يشهدون؟
إن الشهادتين ثلاثة أقسام: الأول: فعل «أشهد» ، الثاني «لا إله إلا
الله» ، والثالث: «محمد رسول الله» .
أولاً: أشهد:
هذا الفعل يأتي في اللغة بمعانٍ ثلاثة أولها: أرى وأشاهد، ومنه قوله (تعالى) : [يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ] [المطففين: ٢١] .
الثاني: الشهادة، وهي القول بما تعلم ومنه قوله (تعالى) : [وَأََشْهِدُوا ذَوَيْ
عَدْلٍ مِّنكُمْ] [الطلاق: ٢] . وثالثها: الحلف، ومنه الحديث: «على مثل الشمس
فاشهد أو ذر» [٤] .
فيكون معنى «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله» ، أنني شاهدت
بقلبي، وشهدت بلساني، وأيقنت يقين الحالف أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله.
ثانياً: لا إله إلا الله:
لقد كان العرب يعتقدون أن آلهتهم التي يشركونها مع الله (تعالى) أو من دونه
تحميهم وتنصرهم وتجيرهم وتقضي حاجاتهم؛ ولذلك عبدوها دون أن ينكروا وجود
الله (تعالى) ، أو ينكروا أنه الخالق والرازق، فلم يكن نزاع النبي -صلى الله عليه
وسلم- معهم حول وجود الله (تعالى) وربوبيته، وإنما كان حول التسليم بالوحدانية
والألوهية لله وحده.
إن المشركين العرب الذين خوطبوا بـ «لا إله إلا الله» كانوا يعتقدون أن
آلهتهم المزعومة لها قداسة وبها استحقت العبادة، فالقرآن الكريم عَمَدَ إلى هذا
الاعتقاد الأصلي فأبطله؛ ليبطل به كل شرك موجود أو متوقع، فبين بياناً حاسماً:
أنه لا سلطة لأحد في الكون مع الله ، ووضع خطّاً فاصلاً بين الألوهية
والعبودية، وأنزل كلاّ منزلته.
إن «لا إله إلا الله» تعني أن كل ما كان يصف به العرب آلهتهم من صفات
الألوهية لله وحده، فهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله.
لقد قال القرآن الكريم لهؤلاء المشركين: إن مَنْ خلق الكون ويملك السلطة فيه
هو الإله المستحق للعبادة، فهذا الأمر غير قابل للتجزئة، إذ لا يكون الخلق في يد
إله، والرزق في يد آخر، والحكم في يد ثالث.
ثالثاً: محمد رسول الله:
هذا الشطر الثاني من الشهادتين يعني ثلاثة أمور: الأول، أن محمداً رسول
الله حقّاً، فهو من جهة ليس إلها، وليست فيه أي صفة من صفات الألوهية، ومن
جهة ثانية: ليس كذاباً ولاساحِراً ولاكاهناً ولامجنوناً ولاسامر ا، فالذي يشترك فيه
مع الناس هو البشرية، والذي يتميز به عنهم هو الوحي والنبوة، كما قال (سبحانه) : [قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ] [فصلت: ٦] .
وقد قامت على صدق نبوته دلائل كثيرة: فمنها صفاته، ومنها معجزاته،
ومنها نبوءاته، ومنها البشارات به في الكتب السابقة، ومنها ثمرات دعوته في
الأرض ... إلا أن أعظم آية تشهد له بالنبوة هي القرآن الكريم، قال الله (تعالى) :
[تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ] [الحاقة: ٤٣] .
الرسول في اللغة هو المبعوث، وإضافته إلى الله يعني أنه مبعوث الله إلى
الناس، فالرسول رجل بعثه الله ليبلغ الناس، وأيده بالآيات الدالة على صدقه.
أما المعنى الثاني لشهادة أن محمداً رسول الله فهو: أن ما أخبر به من أمور
الغيب حق يجب تصديقه فيه، وهذا الغيب يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وتصديقه في دعوى النبوة والرسالة يفضي إلى التسليم له بهذا العلم الذي أخبر
به؛ لأنه ليس من عنده، بل من عند الله (تعالى) عالم الغيب والشهادة.
والمعنى الثالث: أن ما أمر به من أمور الشرع عدل وخير يجب اتباعه فيه،
وقد أمر بشرع فيه صلاح الأفراد والأسر والمجتمعات، فاتباعه فيه بغير قيد ولا
شرط من تمام الشهادة له بالنبوة والرسالة.
هذه المعاني الثلاثة مترابطة؛ فالطاعة تتفرع عن المحبة، والمحبة تتفرع
عن المعرفة؛ إذ لا يمكن أن تطيع شخصاً لا تعرفه أو تتبع شخصاً لا تحبه.
إن «لا إله إلا الله محمد رسول الله» اختيار في الحياة، يحدد التصور الذي
يعيش به المرء والسلوك الذي يتصرف به، والنطق بهما يعني تحولاً على المستوى
الفكري والواقعي، فبهما يتحدد مصدر التلقي، وبهما تتحدد الغاية والهدف، وتلك
الربانية: ربانية المصدر وربانية الغاية، فيعيش العبد بعلم الله (تعالى) المنزل
يصوغ تصوراته كما يصوغ تصرفاته.
حي على الصلاة، حي على الفلاح:
وهاتان الجملتان تعقبان الشهادتين في الأذان، وذكر الصلاة عقب الشهادتين
يوافق الترتيب الذي رتبت به أركان الإسلام في الأحاديث التي عدّدَتْها.
وحيث إن الإنسان مجبول على تقديم العاجلة على الآجلة، وتفضيل النقد على
النسيئة، وبما أن الدنيا عَرَض حاضر، والآخرة وعد صادق، فالدنيا يراها
والآخرة يسمع عنها، فالذي يحدث غالباً هو انشغال الإنسان بما يرى عما يسمع،
والإقبال على العرض الحاضر والغفلة عن الوعد الصادق، فيأتي في الأذان «حي
على الصلاة، حي على الفلاح» لينادي على الناس في أسواقهم يبيعون ويشترون، أو في أعمالهم يصنعون ويعملون، أو في بيوتهم يأكلون ويشربون، أن يوازنوا
في حياتهم بين الدنيا والآخرة، كما أمرهم الله، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة: ٩] . وقال (سبحانه) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ
أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ]
[المنافقون: ٩] . وقال : [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ] [النور: ٣٦، ٣٧] .
فقد أثنى عليهم، ليس لكونهم تفرغوا للصلاة ولازموا المساجد لا يبرحونها،
بل لكونهم أصحاب تجارات وأعمال لا تلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة.
إن نداء المؤذن: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» على رأس وقت
كل صلاة إعلان عن وسطية الإسلام وجمعه بين الدين والدنيا، فالمسلم في عبادة
قبل الحضور إلى المسجد، وهو في عبادة عندما يحضر بعد سماع الأذان، وهو في
عبادة عندما ينصرف بعد الصلاة إلى أشغاله وأعماله.
وإن مما يحبب الناس في دين الله أن يعرفوا وسطيته هذه، وأن الاستعداد
للموت والتزين للقاء الله ليس مشروطاً بهجر الدنيا ورميها جانباً، بل لكل وقت
عمله، والحياة مجموعة من الأولويات، تبرز كل أولوية في وقتها المناسب.
ثم إن النداء بـ «حي علي الصلاة، حي على الفلاح» إيذان بانطلاق جولة
جديدة من معركة الإنسان مع الشيطان، فهذا العدو سيسعى جهده ليصده عن ذكر الله
وعن الصلاة وإجابة النداء والذهاب إلى المسجد معناه كسب هذه الجولة الجديدة
وتحقيق الانتصار فيها، فالأذان يصل إلى الجميع، ولكن الناس يختلفون: فمنهم
منتصر ومنهم منهزم، فواحد يسمعه فيدع ما كان فيه ويجيب النداء، وآخر يصلي
في بيته في الوقت، وثالث يؤخرها عن وقتها، ورابع يتركها ولا يصليها، وبهذا
يستخرج الأذان ما في القلوب من إيمان، أو كفر ونفاق، ويكشف لكل عبد درجة
إيمانه؛ فإن الإيمان يعرف عند الطاعات [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ
خاشعون] [المؤمنون: ١] [وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ] [المؤمنون: ٩] .
والناس عندما يسمعون «حي على الصلاة حي على الفلاح» تحضرهم
صور مختلفة لهذه الصلاة التي يُدْعَون إليها، فكل واحد تحضره صورة معينة قد
تكون موافقة لصورتها في دين الله، وقد يكون بين الصورتين تباعد وتنافر.
والصلاة في دين الإسلام هي الركن الثاني الذي لا يصح إسلام المسلم إلا بها، وهي توبة متجددة، وطهارة ظاهرة وباطنة وقوة روحية وبدنية ومناجاة بين العبد
وربه، وهي كفارة للذنوب، وتذكرة بلقاء الله يوم القيامة، وشرط من شروط النجاة
والفلاح في ذلك اليوم.
فمن وافقت صورة الصلاة في نفسه صورتها في دين الله، فإنه يُعَظّمُ قدرها
ولايسهو عن وقتها: [فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ]
[الماعون: ٤، ٥] .
الله أكبر الله أكبر:
هذا النداء الذي افتتح به الأذان واختتم به، فيه تكبير الله ، فهو
(سبحانه) [عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ] [الرعد: ٩] وحيث إن الصلاة
دعوة منه (سبحانه) ينقلها المؤذن عبر الأذان؛ ناسب افتتاحها بالتكبير ليعلم الناس
أن الله (تعالى) أكبر من كل شيء يَصدّهم عن دعوته، أو يشغلهم عن إجابة ندائه
[يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ]
[الجمعة: ١] .
الأذان معانٍ ومواقف:
وكما يشدنا الأذان إلى كلماته، يشدنا إلى تاريخه، فتاريخه هو تاريخ الإسلام
في الأرض، وهو تاريخ التوحيد في صراعه مع الشرك.
لما فتح رسول الله ﷺ مكة، وطهر البيت من الأصنام
التي فيه وفيما حوله، دعا مؤذنه بلالاً، وأمره أن يصعد على الكعبة ويؤذن،
فارتقى ﵁ ، ورفع صوته بالأذان، فكان هذا الأذان أبلغ رسالة
لقريش تخبرها بمواصفات العهد الجديد.
ولقد قال أحد المشركين وهو يسمع الأذان ويرى بلالاً يجهر به فوق الكعبة:
«أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً؟» وقال آخر: «الحمد لله الذي
قبض أبي قبل أن يرى هذا اليوم» فكانت كلمات هذين المشركين تلخيصاً لما
دافعت عنه قريش مدة عشرين عاماً، ولكن الحق إذا جاء زهق الباطل، ولقد كانت
تلك الأصنام قبل قليل آلهة تعبد، أما الآن فالله أكبر ولا إله إلا الله.
وارتبط الأذان في فترة النبوة باسم بلال وإن كان لرسول الله مؤذنون آخرون، ولما توفي النبي ﷺ امتنع بلال عن الأذان ولحق بالشام
مجاهداً ومرابطاً في سبيل الله، فلما فتح المسلمون مدينة دمشق وذهب عمر (رضي
الله عنه) يزورها، توسل رؤساء القوم إلى بلال وكان حاضراً أن يؤذن فأذن إكراماً
لمقدم أمير المؤمنين، فما رؤي أحد إلا وهو يبكي؛ لأن صوته الذي انقطع عنهم
أكثر من اثني عشر عاماً ذكرهم بأيام عزيزة عندما كان يؤمهم سيد الخلق (عليه
الصلاة والسلام) ، فقد كان المسلمون إذا فتحوا بلداً بنوا به المساجد، ورفعوا فيها
الأذان، وأقاموا فيها الصلاة، وجلسوا بها لتعليم العلم.
وصار سماع الأذان في قرية علامة على إسلام أهلها؛ فإذا سمعه المسلمون
كفّوا عنها، وميزوها عن غيرها من القرى الكافرة، وكان لصيحة (الله أكبر) وهي
من كلمات الأذان هيبتها عبر التاريخ الإسلامي، فقد كانت تزلزل قلوب الأعداء،
وتلقي الرعب في قلوب الكفار، فهي كلمة الثبات وكلمة النصر، فإذا غزا
المسلمون قالوا: «الله أكبر» ، وإذا فتح الله عليهم ونصرهم أذنوا فقالوا: «الله
أكبر» .
ولقد استغل التتار أيام هجومهم على بلاد الإسلام دور الأذان في جمع
المسلمين عند ساعة المحنة، فكانوا إذا خربوا مدينة من مدن الإسلام يرفعون الآذان
في بعض مآذنها بعد يوم أو يومين، فكل من كان مختبئاً يخرج معتقداً أن العدو زال
عن المدينة، فكانوا يغرون بهم ويقتلونهم، وبقي الأذان والمئذنة رمزين في صراع
المسلمين وأعدائهم، وكانت أحقاد اليهود والنصارى والمشركين تتجه أول ما تتجه
إلى المآذن والمؤذنين، وكلنا يتابع ما يفعله الصرب في البوسنة وما يفعله الصهاينة
في فلسطين والهندوس في الهند والروس في الشيشان، ومايفعله غيرهم في بلاد
مختلفة من العالم، مما يبين أن الأذان والمئذنة رمز لأمة، وشعار لدين، فهما
مستهدفان كما يستهدف اللواء في المعارك والحروب.
الأذان والدعوة إلى الإسلام:
الأذان كلمات لا إكراه فيها، بل فيها دعوة إلى الإيمان بالحق والعمل بمقتضاه، ولعل إدراك الغرب النصراني أن الأذان سينتصر على الناقوس سببٌ في أنهم
لايزالون يمنعون رفعه في المساجد الموجودة ببلادهم، ولكن عندما تكون أغلبية
السكان بهذه البلاد مسلمين سيرفع الأذان فوق المساجد، ولبلوغ هذه الغاية فإن
هؤلاء السكان بحاجة إلى من يشرح لهم كلمات الأذان، ومن يترجم لهم ما يقوله
المؤذن، فالأذان ليس للمسلمين وحدهم ولكنه نداء عالمي كما أن الإسلام دعوة
عالمية.
إن عدداً من السياح الأجانب عندما زار بلاد المسلمين تساءلوا عندما سمعوا
الأذان عما يقوله هؤلاء المؤذنون، ودفعهم ذلك إلى التساؤل عن الإسلام.
خاتمة:
إن من أسوء ما يبتلى به المسلمون، أن تجرد شعائر دينهم من معناها،
وتفرغ رموز دينهم من دلالتها، فتتحول إلى رسوم وأسماء، والواجب أن نقول ذلك
بقوة لتبقى لهذه الرموز دلالتها، تستعيد ما كان لها من معنى يوم شرعت أول مرة،
وهذا يفرض علينا إحياء طريقة السلف في تلقين أحكام الدين حتى لا تقصر على
جانب واحد، فإذا تناولنا أحكام الأذان على سبيل المثال لا نقتصر على بيان ألفاظه
والأدعية التي تكون بعده ومايشترط في المؤذن، بل نجمع إلى ذلك ما ذكرناه في
هذا الموضوع، ونفعل مثل هذا في دراسة الصلاة والزكاة والحج والصيام.. وسائر
شعائر الإسلام.
стр. 2087
خواطر في الدعوة
لا يذهب العرف بين الله والناس
محمد العبدة
قال: محدثي: لم أكن أهتم بمجلة البيان، كنت أمر على المكتبات، ولا
أعيرها اهتماماً، ولا ألتفت إليها، وليس ذلك لأني سمعت دعاية منفرة منها، ولكن
هكذا وقر في ذهني: أنه ما عساها أن تقدم لنا مثل هذه المجلة؟ وماذا سيكون فيها
من جديد؟ ولم يشجعني أحد على اقتنائها، أو يذكر ما فيها من موضوعات، إلى
أن لفت نظري عرض مغرٍ لبيع الأعداد القديمة منها، فاشتريتها، وبدأت أتصفحها، ووجدت نفسي منجذباً إليها، فكنت لا أترك العدد حتى أقرأه كله ... كانت
موضوعات مفيدة، لا تبلى مع مرور الزمن، وهكذا وضعت برنامجاً لنفسي: أن
أقرأ كل الأعداد السابقة.
لم يكن هذا الكلام غريباً عليّ، ولكنه ذكرنا بالحقائق التالية:
١- إن الجهد العلمي الأصيل لا يذهب هدراً، وإذا لم تتم الاستفادة منه في
الحاضر، فإنه يستفاد منه مستقبلاً «لايذهب العرف بين الله والناس» ، وما زال
الناس يكبرون الجهود العلمية النافعة الصادقة الموفقة من الله
لحسن النية، فكم من كتب في تراثنا الإسلامي ما تزال حاضرة معنا، نفهم من
خلالها نصوص الوحيين، وكأنها كتبت لتعالج مشكلات عصرنا، ولم يُذهب
رُواءَها ووهجها العلمي تقادمُ السنين والدهور، ونظرة إلى اهتمام المسلمين اليوم
بكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية تنبئك عن هذا الذي نقول، ذلك لأنهم وجدوا فيها
حلولاً لمشكلات عصرهم.
٢- تقصير أهل الحق أحياناً في الدعوة لحقهم، فلا يسمع الناس بهم،
ولايتعرفون على جهودهم، وربما ظن هؤلاء أن الناس هم المكلفون بالسعي إليهم
لمعرفة الحق وأهله، أو ربما ظنوا أن الحق وحده كفيل بأن يصل إلى مسامع الناس
دون دعاية أو اتصال أو تنبيه، ولكن الناس ليسوا دائماً على هذا المستوى، وإذا لم
تعرض عليهم الحق، وبأساليب مناسبة، وتكرر ذلك ولا تمل دون تنازل عن المبدأ
فلا يلتفتون إليك، ولايسمعون بك، ومع الأسف فإننا نجد أهل الباطل يتقنون فنون
الدعاية لباطلهم، ولهم في ذلك جلبة وضجيج وصولة وجولة: يخدعون الناس
بأسماء طنانة وألقاب خادعة، يزينون باطلهم بشتى الألوان والأشكال، فإن لم
يؤثروا تأثيراً كاملاً، فلا بد أن يتركوا ندوباً هنا وجروحاً هناك.
٣- يخجل بعض الناس من ذكر كتاب معين، أو مجلة إسلامية، ليبين ما
فيها من علم، ولا يذكر ذلك أمام زملائه أو من يعرفهم من المسلمين، حتى لا يقال: إنه يروج لبضاعته (وهي ليست بضاعته) ، فهذا كله وهم وخطأ، فالذي عنده
خير يجب أن يقدمه للناس، ولا يتوهم أن كل الناس سيقولون مثل هذا الكلام، بل
ربما كانوا له من الشاكرين، وهل يخجل المسلم مثلاً من عرض الإسلام على غير
المؤمنين به ويزين ذلك لهم، ويأتيهم بشتى الأساليب المقنعة؟ ! ، فكذلك المسلمين: إنهم بحاجة لمن يدلهم على الصواب، ويعلمهم الخير، وخاصة أن بعض الناس
لا يدري ماذا يقرأ، وماذا يدع؛ لما يرى من كثرة المطبوع والمسموع.
стр. 2088
مقال
نظرات في قضية ترجمة معاني القرآن الكريم
(٢)
بقلم: د.فهد بن محمد المالك
عرض الكاتب في صدر الحلقة الأولى تلخيصاً لهدفه مننظراته حول
ترجمته (معاني القرآن) ، ثم استعرض تاريخ محاولات الترجمة، مبيناً هدف
المغرضين من المترجمين بمختلف نزعاتهم، واستصعب الإجابة الشافية
عن: «أي الترجمات المتوفرة في الأسواق في لغة معينة أصح من غيرها وينصح بها؟» . وحلقتنا هذه هي الثانية في نظرات الكاتب (وفقه الله) .
- البيان -
بعد أن تطرقنا في الحلقة الماضية إلى بعض القضايا المتعلقة بترجمة معاني
القرآن الكريم، وبعد أن أعطينا لمحة تاريخية عن المراحل التي مرت بها ترجمة
معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية عموماً وإلى اللغة الإنجليزية خصوصاً،
لعلنا في هذه الحلقة نلقي الضوء على بعض القواعد والتوجيهات حول هذه القضية،
إضافة إلى بعض الملحوظات المرتبطة بهذا الموضوع.
إذا كان من الصعب جدّاً الجزم بأن تفسيراً من تفاسير القرآن الكريم يمكن
اعتباره التفسير الكامل الشامل؛ وذلك بسبب الإعجاز القرآني الذي لايمكن أن
يشمله تفسير واحد، وإذا كان كل ما بوسعنا حيال ذلك هو القول: بأن هذا التفسير
تميز بكذا وكذا، وذلك التفسير من خصائصه أنه كذا وكذا.. إلخ، فكذلك الحال
عند النظر إلى ترجمات القرآن الكريم مع فارق النسبة، فكل ما بإمكاننا قوله حول
الترجمات: إن هذه الترجمة تميزت بقوتها اللغوية، وتلكم الترجمة امتازت
بالتعليقات الهامشية، والثالثة تميزت بسهولة ألفاظها ووضوحها لكل قارئ، على
أن العامل المشترك بين جميع الترجمات هو: أنها لاتمثل إلا جزءاً يسيراً من
المدلولات البلاغية والإعجازية المتوفرة في النص القرآني العربي.
أنواع الترجمات:
إلحاقاً لما سبق ذكره في العدد الماضي حول المقصود بالترجمة، وإجابةً
لبعض الاستفسارات التي طرأت أو قد تطرأ على بعض القراء، أود أن أبين أن
هناك نوعين من أنواع الترجمة هما:
(أ) الترجمة الحرفية:
وهي الترجمة الحرفية المساوية لألفاظ القرآن الكريم كلمة بكلمة وجملةً بجملة. وهذه الترجمة عادة ما تكون قاصرة وناقصة، وتُشَوّهُ المعنى، ولاتحقق الغرض
الأساس من الترجمة، بل إنها أحياناً تكون أبعد ما تكون عن المعنى الصحيح
لمدلول الآية، وهذا النوع من الترجمة محرم قطعاً؛ لما يسببه من عدم الدقة في
نقل معاني ألفاظ القرآن الكريم.
ولعل في الأمثلة الآتية؛ التي اقتطفتها من بعض الترجمات المتوفرة في
الأسواق، ما يوضح صدق هذا الكلام:
(١) قوله تعالى [لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ *
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] [الروم: ٤، ٥]
All matters, Past and Future, are predestined by God; then the Faithfull shall be delighted by Gad's vectory
(٢) قوله تعالى: [هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] [الحديد: ٣] .
He (God) is the first and the Last; He is the Vesible and the Inveseble; He Is the Omniscient
انظر هنا مثلاً: هذا الخلل العقدي الكبير في ترجمة [الظاهر والباطن]
على أنها the visibile and the invisibile وهو خلل قد يؤدي بمعتقده إلى سوء العاقبة؛ حيث إن الترجمة
توحي بأن الله في الدنيا مرئيٌ، ويمكن رؤيته، تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً.
(ب) الترجمة التفسيرية «بالمعنى» :
وهو بيان معنى الكلام بلغة أخرى من غير تقيد بترتيب كلمات الأصل، أو
مراعاة نظمه، وهنا يقوم المترجم بالإتيان بعبارات وجمل حسب قواعد اللغة
المترجم إليها؛ فالترجمة هنا ليست لفظية مساوية للأصل، وإنما هي ترجمة
تفسيرية وتوضيحية. وهي لاتنقل كلمات القرآن الكريم حرفياً لأن ذلك مستحيل
عملياً وإنما تقوم ببيان المراد من الآيات بلغة أخرى. وهذا هو النوع المطلوب الذي
يجب على المسلمين القيام به والتصدي له، ويشفع لذلك ما قاله علماء الإسلام كابن
تيمية ﵀ ، حينما قال في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: «
ألفاظ القرآن العربية منزلة على ترتيب الآيات فليس لأحد أن يغيرها عن اللسان
العربي باتفاق المسلمين، ولكن جُوّز تفسيرها باللسان العربي وترجمتها بغير
العربي» [١] ، وكما قال الشيخ محمد حسنين مخلوف في رسالة له حول حكم
ترجمة القرآن: «الترجمة الحرفية المثلية للقرآن الكريم بأية لغة غير معقولة ولا
ممكنة، والترجمة التفسيرية جائزة قطعاً، وهي ترجمة للتفسير لا للقرآن» [٢] أما
الشيخ محمود شاكر ﵀ فيقول في كتابه (القول الفصل في ترجمة القرآن
إلى اللغات الأجنبية «:» أجمع فقهاء الإسلام وأئمة الدين المجتهدون على جواز
تفسير القرآن باللغة العربية وبأية لغة أخرى من اللغات الأعجمية « [٣] .
وقد حاول بعض المسلمين أن يقدموا عملاً وسطاً بين الترجمة الحرفية
والترجمة التفسيرية، فاختاروا ما يسمى بترجمة معاني القرآن الكريم هروباً من
الحرج الشرعي دون تحديد للكم من المعاني اللازم لإخراج الترجمة عن كونها
ترجمة حرفية للقرآن الكريم حتى تصبح ترجمة معانٍ، ولو ألقينا نظرة على
الموجود في الساحة الآن، لوجدنا الكثير من الترجمات التي كتب عليها أنها
ترجمات معاٍن بلغة كذا عند دراستها أنها تكاد تكون ترجمة حرفية للقرآن الكريم،
إلا ما يضطر إليه المترجم من عدم التطابق لطبيعة اختلاف اللغة.
وتتأرجح ترجمة المعاني دون أي انضباط بين الترجمة الحرفية والترجمة
التفسيرية، وتختلف طولاً وقصراً دون مقياس معروف؛ لذا نجد بعض العلماء قد
قسم هذا النوع من الترجمات (أي ترجمات المعاني) إلى العديد من الأقسام مثل:
ترجمة معنوية، وترجمة تفسيرية، وترجمة مساوية، وترجمة شبه مساوية،
وترجمة غير مساوية [*] .
ومن المعلوم أن من شروط المفسر التي ذكرها علماء الأصول أن يكون
المفسر مسلماً صحيح الاعتقاد، مجرداً عن الهوى، وأن يطلب أولاً تفسير القرآن
بالقرآن، ثم يطلبه بالسنة النبوية المطهرة، فإن لم يجد رجع إلى أقوال الصحابة
(رضوان الله عليهم) ، ثم إلى أقوال التابعين، ثم يكون بعد ذلك كله عالماً باللغة
العربية وفروعها: كالنحو، والصرف، وعلم الاشتقاق، وعلوم المعاني، والبديع، والبيان وعلم القراءات، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والآثار المبينة
لتفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، وغير ذلك من صفات المفسرين التي ذكرها
العلماء.
وفي مقابل ذلك فإن صفات الغالبية العظمى من المترجمين لكتاب الله العزيز
هي: عدم الإيمان بكتاب رب العالمين، والشرك بالله والتثليث وعدم معرفة اللغة
العربية (أو معرفتها بقدر يسير جداً) ، وبغض الإسلام وأهله، واعتبار القرآن كتاباً
من تأليف محمد فيسمونه كما ذكرت سابقاً» قرآن محمد «، كما أن نسبة كبيرة
منهم هم قساوسة أو رهبان أو مستشرقون أو كهنة أو يهود أو منصرون أو قاديانيون
مارقون.
فعلى سبيل المثال: فإن آخر لغة أوروبية ترجم القرآن الكريم إليها هي اللغة
النرويجية عام ١٩٨٠م واسم المترجم (إيناربرج» وهو مدرس زراعة مدمن
للكحول من «أوسلو» .
وهناك قلة قليلة من المسلمين تعد على الأصابع قامت بترجمات إلى اللغة
الإنجليزية والفرنسية وغيرها، إلا أن غالبية هذه القلة لم تسلم من الشوائب
والانحرافات العقدية. وقد أصبحت هذه الترجمات وهؤلاء المترجمون محسوبين
على الإسلام وأهله وهم ليسوا كذلك، وهذا مصداق ما ذكرته في الحلقة الماضية من
أن المترجم البدعي يترجم على حسب فكره ومنهجه ومعتقده الباطل، خذ على سبيل
المثال: ترجمة محمد علي، وترجمة محمد ظفر خان، وانظر ما حوته هاتان
الترجمتان من الأفكار القاديانية التي تتعارض أساساً مع أبسط أصول الإسلام
الصحيح، على أن هاتين الترجمتين لهما رواج كبير وشهرة واسعة في بعض
الأوساط الغربية وفي بلاد الهند والباكستان.
أهم خطوات الترجمة التفسيرية المقبولة:
بعد أن عرفنا أن الترجمة الحرفية للقرآن الكريم مستحيلة قطعاً ومحرمة شرعاً، وبعد أن عرفنا أن الترجمة الصحيحة المقبولة هي تلك التي تنقل المعاني المفسّرة
للآيات القرآنية من العربية إلى لغة أجنبية، لعلنا فيما يلي نذكر بعض الشروط
والقواعد في مثل هذه الترجمة التفسيرية، ولعل في قرار الأزهر الشريف حسماً
للموضوع وحلاً أمثل؛ حيث رأى علماؤه أن يوضع تفسير موجز للكتاب الكريم
باللغةالعربية، ثم يترجم هذا التفسير إلى اللغات المختلفة، لذا فقد وضعوا قواعد
عامة لهذا التفسير [٤] ، كما أن الدكتورمحمد أحمد إبراهيم أبو فراخ [٥] ذكر بعض
الأمور والخطوات للإقدام على مثل هذا العمل. وفيما يلي بعض من هذه القواعد
والخطوات:
١- من الضروري جداً أن تشير الترجمة إلى طبيعتها، وأنها ترجمة تفسيرية
تفصل معاني القرآن الكريم وآياته، وليس ألفاظه ونظمه المعجز، فذلك مستحيل
كما أوضحنا ذلك من قبل.
٢- أن تكون الترجمة والتفسير خاليين بقدر الإمكان من المصطلحات
والمباحث العلمية إلا ما استدعاه فهم الآية.
٣- ذكر الأدلة من القرآن أو من السنة أو من الشواهد اللغوية التي تساعد
القارئ على فهم الآيات.
٤- أن يكون التفسير وترجمته ميّسرَين تيسيراً واضحاً بعيداً عن الخلافات
المذهبية، وأن تُنتقى الآراء التي اتفق عليها جمهور المفسرين.
٥- قد يحتاج المترجم إلى إضافة هوامش في ترجمته التفسيرية، يوضح فيها
مزيداً من المعاني والألفاظ، أو المراجع المهمة، وهذا من الأمور المحبذة للمترجم
شريطة أن يكون ذلك مختصراً وبعيداً عن الإسهاب الممل.
ولعلنا في الحلقة القادمة نلقي الضوء على بعض الترجمات المشهورة المنتشرة
في الأسواق، ونعطي بعض الملحوظات عليها، تنبيهاً وتحذيراً للإخوة القراء.
стр. 2089
مقال
الحلقة الأخيرة
بقلم:فاطمة بنت عبد الله البطاح
هذا الموضوع أجيز من هيئة التحرير لسببين: لأنه يطرح قضية حيوية مهمة
يجب أن تكون محل اهتمام الكثير من الدعاة إلى الله، ولأنه بقلم كاتبة وليس كاتباً
فهي تكتب عن معاناة حقيقية ليست بالضرورة شخصية بقدر ما هي حالة معاشة في
مجتمعاتنا المسلمة جسدتها الكاتبة في هذه السطو ر، ولعل الموضوع يكون مجالاً
للحوار بين من يعنيهم الأمر.
وسينشر كل تعقيب ينطلق من رؤية شرعية مع الالتزام بآداب الحوار.
- البيان -
أحيانا: تسمع عن فتاة صالحة مصلحة، كانت شعلةً من نشاط، يجري حب
العمل لدين الله في عروقها، ويمتلىء فؤادها الغض حباً ورغبةً للدعوة إلى ربها،
تتحرق لمصائب الأمة وتهتم بالإصلاح وتفكر فيه وتنشغل به.
ولكن ...
حينما تضرب الدفوف معلنةً زواج هذه الفتاة، لابد وأن تُعلن معها نهاية
الحلقة الأخيرة من سلسلة نشاط هذه الفتاة وحماسها وهمتها في غالب الأحيان.
فينتهي مع زواجها كل شيء يتعلق بماضيها الطيب ودعوتها الخيّرة، وكأن
تراب النسيان قد أُهيل على دعوتها ووعيها، فأصبح ماضياً لا يخطر على بالها منه
شيء، اللهم إلا ذكريات حلوة! ترددها بين حين وآخر ... كنت وكنت! ! .
أما لماذا تبدل الحال وأصبح زواجها من (الصالح الخيّر) ! حلقة أخيرة في
سلسلة نشاطها وهمتها؟ !
فذاك سؤال تطول الإجابة عليه، بيد أني على أي حال سوف أختصر الحديث
في نقطتين أحسبهما داءً يحتاج منا إلى دواء، ولا أزعم مع هذا، أني سأوفيهما
حقهما من الإيضاح، لكن عسى أن تكون هذه الأسطر إشارة ضوء لمن يستطيع
المعالجة.
قعيدة البيت! !
ثمة رجال، لا يرون المرأة إلا قعيدة بيت ينبغي ألا يرقى تفكيرها عن شؤون
المنزل، ولاتخرج همتها وهمومها عن دائرة تلميع الحذاء، وكي الثوب! ! .
وربما عاب «هؤلاء» ونقدوا كل من أعطى زوجته من وقته، فحدثها عن
قضايا تتعلق بحال الأمة ومآسيها ومصائبها ومكر أعدائها، ويحسب هؤلاء أن
إدخال المرأة في مثل هذه الأمور ضرباً من ضروب تضييع الوقت، وتشتيت
الجهود!
متى يُدرك هؤلاء أن المرأة وإن كانت «قعيدة البيت» جسمياً! فليس
ضروريّاً أن تكون قعيدته فكراً وحسّاً؟ ! .
وهي المرأة التي كرمها ربها بالعقل، وأعزها بالدين، وأنقذها من براثن
الجاهلية وذلها! .
ووالله إنه ليحزنك ويحز في نفسك، عندما تتحدث إحدى زوجات بعض
الصالحين الأخيار عن قضايا مهمة علقت على حبالها رقاب أبناء الأمة! وأُهدرت
بذلك عزتها قبل ثرواتها، تكتشف بمرارة! أن هذه المرأة لا تعي شيئاً من ذلك
فضلاً عن أن تعي أبعاد هذه الأمور ومسبباتها.
لا أدري لماذا يسعى هؤلاء إلى إبعاد المرأة عن عالمهم؟ ! ولماذا لا يحاولون
تعليمها، وزرع حب الدين في قلبها، وإنماء فكرها ووعيها؟ !
قال (عليه الصلاة السلام) في حديث صحيح: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو
عهد بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل منه الناس وباب يخرجون
منه» [١] .
ترى ما صلة عائشة وهي امرأة جليلة قعيدة بيت بالتغيير الذي هم الرسول
بإحداثه في الكعبة؟ !
إذ لو كان الأمر بيتيّاً أو على الأقل نسائياً لما تعجبت!
لكن أن يتحدث نبي ﷺ هذه الأمة ومصباح الدجى فيها
ومرشدها وإمامها وعالمها مع امرأة في أمر قد يظن بعضهم أنه لا صلة لها به، فإن
هذا والله هو التربية!
وهذا والله هو المربي الذي يريد أن يرتفع بهموم نسائه وهمتهن؛ لتناطح
السحاب بسموها علواً ورفعة! !
ولن نعجب بعد هذا إذا علمنا أن هذه (المرأة «قد أصبحت بعد وفاة زوجها
ومعلمها عالمةً يرجع إليها الصحابة فيما أشكل عليهم؛ قال أبو موسى (رضي الله
عنه» : «ما أُشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً» ! .
وكانت ﵂ تمارس لوناً من النقد والرد على بعض اجتهادات
الصحابة علانية؛ مما جعل الإمام الزركشي يجمع انتقاداتها لبعض فتاوى الصحابة
في كتاب أسماه: (الإجابة في إيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) [*] .
أما أن يترك الرجل الصالح زوجته في واد، ويبقي هو وهمومه ونشاطه
ودعوته في وادٍ آخر! فلتترحم الأمة على إحدى فتياتها المتوفيات! !
ضيق الخِناق:
ثمة رجال أخيار يعنيهم أمر الأمة وصلاح نسائها، وقد تجد أحدهم جادّاً في
تربية زوجته وإعانتها على أمور دينها، وزرع الحماس في قلبها للعمل الخيّر
والدعوة بين صفوف النساء!
لكنك مع ذلك تراه وقد ضيق الخِناق الدعوي على زوجته، فيرى مثلاً أنه لا
داعي لخروجها مع قدرتها وتوفر إمكاناتها لإقامة درس أو إلقاء موعظة، أو حتى
الاشتغال بإعداد موضوع مفيد أو كتابة مقالٍ هادف!
أما لماذا؟ ! فذاك أحسبه راجع لسببين:
(أ) إما عدم وجود رغبه لديه للتضحية والإيثار بالذات، مع علمنا أن
اشتغال المرأة بالدعوة والتحصيل والطلب ربما تعارض مع بعض شؤونها البيتية!
وهنا لا بد لهذه المعضلة (عدم التوافق) من حلول يشترك في صناعتها الطرفان:
الرجل والمرأة مع يقيني أن في حديث الرسول (عليه الصلاة السلام) الذي رواه
البخاري «سددوا وقاربوا» نور لمن أراد أن يستضيء به!
(ب) وإما مراعاة منه أو تماشياً مع بعض العادات الاجتماعية التي نشأ عليها؛ إذ يخاف مثلاً أن يُعاب عليه نشاط زوجته الدعوي، أو ذكر اسمها في المجالس،
أو ترديد بعض كلامها المنشور أو المسموع.
ولو تأمل لوجد أن الرسول ﵊ صدع ببعض المبادىء
على ما فيها من مخالفة لمألوف قومه ومعهودهم! ؛ فلم يكتف الرسول (عليه الصلاة
والسلام) مثلاً بوضع ابنته الصغيرة في حجره، إنما تعدى ذلك إلى أن يحمل بنات
الناس، فما أن تولد البنت إلا ويهرع بها أهلها إليه، ليضعها في حجره. ويدعو لها
بالبركة! [٢] .
يفعل ذلك أمام جمع غفير من الناس، متحدياً ومخالفاً تقاليد البيئة التي يستحي
الإنسان فيها أن يُرزق أنثى! فضلاً عن النطق باسمها أو التلطف معها والتودد إليها!.
وكم يأخذك العجب إذا رأيت بعضاً من ناشطات زوجات أو بنات أولئك الذين
يتحدون نقاء المجتمع، فيرفعون بقولهم أو فعلهم رايات التخريب والعلمنة والفساد
في الأرض! فكم تحمّل هذا أو تلك تبعات مجاهرة ابنته أو زوجتهِ بفسادها وخُبث
طويتها على صفحات الجرائد والمجلات.
أتظنون المرأة التي خرجت من بين صفوف نسائنا، لتعلن على الملأ أن
الحجاب من مخلفات عهد التخلف والظلام! أتظنون هذه تسير وحدها، ولايوجد
خلف ظهرها وليّ: أب، أو زوج يسندها ويقوي عزيمتها! !
قبل النهاية:
أحسب والله أعلم أنه أصبح وجود المرأة الداعية من متطلبات هذه المرحلة
التي تعيشها الأمة وتمر بها! ، كما أحسب أيضاً أن المرأة الداعية هي أحوج الناس
إلى التربية الجادة والمستمرة!
وإلا فستفتح عينيها يوما لتكتشف أنها أصبحت متداعية لا داعية! .
стр. 2090
مقال
وقفة مع
دعوة المرأة في غرب إفريقيا
مندوب البيان في غانا
إن من يسير في شوارع مدن غرب إفريقيا، ويتجول في أسواقها يدرك الحالة
السيئة التي تردت إليها المرأة الإفريقية وماوصلت إليه حتى تحولت إلى امرأة
غربية، وفتنت بتقليدها والسير وراءها، فصرت لا تفرق في الغالب بين المرأة
الإفريقية والغربية إلا في لون البشرة.
ياترى هل يظل الدعاة صامتين أمام هذه التحديات المعاصرة، وأمام هذا
الغزو الذي يوجه للمرأة المسلمة؟ أم لابد من التكاتف والسعي في النهوض بالمرأة
استجابة لقوله (تعالى) : [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] .
إن المرأة هي الزوج، وهي الأم، وهي مربية الأجيال، بل هي شريان
المجتمع وقلبه النابض، فكيف يسوّغ الدعاة لأنفسهم أن يهملوها؟ !
وهذه السطور هي خلاصة مركزة لبعض البحوث التي قدمها بعض الدعاة
المشاركين في الملتقى الدعوي الثالث الذي أقامه المنتدى الإسلامي في «لومي»
عاصمة «جمهورية التوجو» في الفترة (٣١٠/٣/١٤١٦هـ «.
أمور لا بد منها في دعوة المرأة:
أولاً: إن الله بحكمته قد فضل الرجال على النساء وأعلى
درجتهم، كما قال: [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى] [آل عمران: ٣٦] وقال: [وَلا
تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ
نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً]
[النساء: ٣٢] ، ولذا كان الرجال لهم القوامة على النساء [وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ] [البقرة: ٢٢٨] .
ثانياً: إن الدعوة الموجهة للمرأة لا ينبغى أن تكون مدعاة لإخراجها عن
فطرتها وعن أنوثتها؛ فالأصل في المرأة أن تقرّ في البيت [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] [الأحزاب: ٣٣] وقال:» المرأة عورة، فإذا
خرجت من بيتها استشرفها الشيطان حتى ترجع « [١] .
ثالثاً: للمرأة أحكام خاصة لا بد من مراعاتها في أي نشاط دعوي يوجه إليها، ومن ذلك:
أ- تحريم سفرها دون محرم كما قال:» لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي
محرم « [٢] .
ب- تحريم خلوة المرأة بالرجال الأجانب، كما قال:» لا يخلون رجل
بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان « [٣] .
ج- تحريم اختلاطها بالرجال الأجانب، فقد قال للنساء:» استأخرن؛ فما
يكون لكُنّ أن تَحْقُقنَ الطريق « [٤] أي تركبن وسطها.. إلى غير ذلك من
الضوابط الشرعية التي لا يجوز الإخلال بها.
رابعاً: يضرب كثير من أعداء الإسلام على هذا الوتر الحساس، ويتهمون
الإسلام بأنه أهان المرأة وانتقص كرامتها وعدّها مخلوقاً ناقصاً، وهذا الأمر تأثر به
بعضٌ من دعاة الإسلام؛ فدعَوا إلى التخفف والتفلت من كثير من الضوابط الشرعية، فصاروا لاينكرون أن تجتمع المرأة مع غير محارمها، وتخالطهم وتبقى معهم
الساعات الطوال، وربما سافرت معهم؛ مما يلزم معه التأكيد على دعاة أهل السنة: ضرورة الانضباط الشرعي في ذلك، وعدم الرضوخ لضغوط المجتمع وأهوائه.
خامساً: الأصل في الدعوة والتصدر للميادين العامة أنها للرجال؛ وهكذا كان
الأمر في عصر الرسول، وصدر الإسلام، وسائر قرون الأمة، نعم يروي التاريخ
لنا عن نماذج فذة من النساء المؤمنات، لكن لا تقارن هذه النماذج بحال بما يرويه
لنا ويحفظه عن الرجال، وهذا مصداق قوله» كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل
من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على
النساء كفضل الثريد على سائر الطعام « [٥] .
سادساً: وذلك كله لا يدعو إلى إلغاء دور المرأة وتهميشه، والسعي إلى
تحجيمه وإهماله، فيبقى لها دور لا ينكر، وشأن له أهميته لكن مع التأكيد على ما
سبق من الضوابط الشرعية.
تأهيل المرأة المسلمة الداعية ضرورة شرعية للأسباب الآتية:
أولاً: أن المرأة أقدر من الرجل على البيان فيما يخص الوسط النسائي.
ثانياً: أن المرأة أكثر تأثراً بأختها في القول والعمل والسلوك.
ثالثاً: أن المرأة أكثر إدراكاً لخصوصيات الوسط النسائي ومشكلاته.
رابعاً: أن المرأة أكثر قدرة وحرية في الاتصال بالنساء؛ سواء بصفة فردية
أو من خلال المجامع النسائية العامة.
خامساً: أن الكثير من المسلمات اللاتي يحتجن إلى الدعوة والتوجيه يفتقرن
إلى وجود المحرم الذي يمكن أن يقوم بدعوتهن.
هذه الجوانب تتفوق فيها المرأة ... ونؤكد على أنه مع قيام الرجال بالعبء
الأكبر في قضية الدعوة ومنها الدعوة الموجهة إلى المرأة فلا بد أن تُسهم المرأة في
ذلك.
إن الرجل يمكنه أن يؤدي دوراً مُهِمّاً في دعوة المرأة من خلال الكتابة،
والحديث المسجل، أو من وراء حجاب، ومن خلال توجيه زوجته ومحارمه، لكن
تبقى ميادين أخرى بعد ذلك لابد أن تسهم فيها المرأة في الدعوة لبنات جنسها؛ إذ
هي أقدر من غيرها على أدائه.
واقع المرأة في إفريقيا:
يمكن أن تقسم المرأة المسلمة في غرب إفريقيا إلى الأصناف الآتية:
الصنف الأول: النساء اللاتي لم يتلقين أي قسط من التعليم والتدريس، وهذا
الصنف هو الغالب على المرأة المسلمة في غرب إفريقيا: في المنزل، أو الحقل،
أو السوق، وهنّ يقلدن أولياءهن وأزواجهن، ويتأثرن في الغالب بالأعراف
والعادات الاجتماعية السائدة.
الصنف الثاني: النساء اللاتي تلقين قسطاً من التعليم الشرعي؛ سواء على
منهج سليم أو منحرف، وهذه النسبة هي الأقل.
الصنف الثالث: النساء اللاتي تلقين التعليم في المدارس الحكومية العلمانية،
وعدد من هؤلاء النسوة يعملن في الوظائف العامة في المؤسسات الرسمية، ويسيطر
النمط الغربي على حياة هذا الصنف وتفكيره ومظهره، ولاتكاد تميز المرأة منهن
عن المرأة الغربية إلا في لون بشرتها.
وينتشر السفور والتبرج واللباس الفاضح في شوارع وأسواق مدن غرب
إفريقيا بشكل يذكرك مع الأسف الشديد بما تراه في مدن الغرب ومجامعه.
وتتمثل صور التبرج والسفور لدى المرأة الإفريقية فيما يلي:
أ- اللباس القصير الذي كثيراً ما يصل إلى فوق الركبة، وإبراز الرأس
وأجزاء من أعالى الجسم.
ب- اللباس الضيق جدّاً الذي يصل إلى مضايقة المرأة في مشيتها.
ج- اللباس الشفاف الذي يكشف ما تحته.
د- التشبه أحياناً بالرجال، ويكون خاصة في النساء اللائي يعملن في ميدان
الشرطة والمرور ونحوهما.
هـ- وقد تعمد بعض الفتيات إلى الرقص في الشوارع مُقَلّدَاتٍ بذلك رقصات الغرب.
إنه واقع كما ترى أخي الكريم ينفطر منه الفؤاد، ويذوب له قلب من يحمل
أدنى غيرة على مجتمعات المسلمين، ولاشك أن هذه المظاهر تخفي وراءها صوراً
من الانحراف والفساد، وتنذر بانهيار في مثل هذه المجتمعات إن لم يبادر
المصلحون إلى إنقاذها.
مقترحات لدعوة المرأة:
أولاً: عناية الدعاة إلى الله بتربية بيوتهم، وتنشئتها التنشئة
الإسلامية العفيفة، وإعطاء هذا الأمر أولوية في برامجهم، وحين يعتني كل داعية
بزوجته وبناته ويربيهن؛ فإنا بمعادلة بسيطة نستطيع أن نحصل على عدد من
الداعيات والفتيات الملتزمات بالإسلام اللاتي يحملن مشعل الهداية للأخريات بقدر
عدد ما نملك من الدعاة، استجابة لأمر الله ﵎ في قوله: [يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ
شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] [التحريم: ٦] ولأمر النبي -
ﷺ في قوله» كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.... والرجل
راع في بيته ومسؤول عن رعيته « [٦] .
ثانياً: العناية بتعليم المرأة التعليم الشرعي الذي تحتاج إليه؛ لتعرف مايجب
عليها أن تعتقده، ولتعبد الله كما شرع، فهو سبيل لصحة الاعتقاد
والعمل، وسبيل لحماية المرأة من الغزو والإفساد الذي تواجهه من المنصرين ودعاة
التحرر والفساد.
والتعليم الموجه للفتاة والمرأة ينبغي أن يكون له هدفان: هدف موجه لعامة
نساء المسلمين يسعى لمحو الأمية الدينية عنهن، وحمايتهن من دعوات التغريب،
وهدف موجه للمتميزات منهن ممن يراد لهن أن يقمن ببعض الأعمال العلمية
والجهود الدعوية في الوسط النسائي.
ثالثاً: السعي لفتح مدارس ومعاهد خاصة للفتيات في المدن والقرى، تسهم
في نشر التعليم الشرعي، وتؤدي دورها في التربية وحماية الفتاة من موجة
التغريب وبراثن الفساد.
رابعاً: تنظيم برامج ودورات خاصة لبعض النساء اللائي يؤمل أن يقمن
بدور دعوي وتعليمي في أوساط النساء؛ لرفع كفاءتهن وزيادة قدرتهن، مع مراعاة
الانضباط الشرعي، وألا يترتب على ذلك سفر لهن دون محرم أو اختلاط بالرجال.
ويمكن أن يستفاد من لقاءات الدعاة وبرامجهم ليقام ضمن ذلك برامج لزوجات
المشاركين ممن هن من المؤهلات لهذا العمل.
خامساً: إنشاء مراكز مهنية لتعليم الفتيات والنساء بعض الحرف المهنية التي
تلائم طبائعهن، لتعينهن على الاستغناء عما في أيدى الناس، وهي خطوة تقطع
الطريق على الكثير من الخطوات التي يسلكها المنصرون ودعاة التغريب؛ إذ هم
يجعلون هذه من الفرص للتأثير على الناس ودعوتهم.
سادساً: إقامة محاضرات خاصة ودروس موجهة للنساء، ويمكن أن يقوم
بذلك الرجال من وراء حجاب إذا لم يوجد من النساء من يقمن بذلك، وأن يكون
هناك مكان مخصص للنساء في المحاضرات والدروس العامة.
سابعاً: ترجمة الكتيبات والرسائل الموجهة للمرأة، التي تعالج ما تحتاجه
عامة النساء باللغات المحلية والسعي لتوزيعها، وتوفيرها في المكتبات العامة
والمساجد والمجامع التي يرتادها النساء.
ثامناً: تسجيل أشرطة صوتية من الرجال باللغات المحلية تعالج أهم القضايا
التي تحتاجها النساء في الاعتقاد، والعبادة، والسلوك، والعمل. وتسهم هذه
الوسيلة في مخاطبة النساء الأميات اللاتي لا يعرفن القراءة والكتابة.
стр. 2091
نص شعري
لم تبكي ؟ !
شعر: عبد الوهاب الزميلي
لِمَ تبكي؟ .. وبكتْ!
إنّ لفح اللهبِ
ضجّ في أحداقهِِ
صاعداً من قلبه المتّقدِ
وصمتْ!
هي أبكاها بكاهْ!
هي تهتزّ أمامه
تتلوّى.. ترتمي بين يديهْ
«لِمَ تبكي؟» وصمتْ! !
هي ترتدّ قليلاً للوراءْ
تغمض العين بحزن.. كي تراهْ!
هي تبكي لبكاهْ
هو في أعماقه الآهُ..
وفي شطآنه الآهُُ..
وفي الأحباب آهْ
هو بالآهاتِ.. يستفّ الحياةْ
هو من يبكي بكاهْ؟ !
«لِمَ تبكي؟ لِمَ تبكي؟»
وصمتْ..!
«أيْ حنانيكَ بقلبي.. أنت قلبي..
كيف لا أسمع نبض القلب قربي؟ !
وهْو قلبي! !»
«أيْ حنانيكَ.. حنانيكَ تكلّمْ
أوقد الأحرف بالدمْ
لا عليكْ..
فوقها الأشلاء والآهاتُ والموت المكتّمْ
لا عليكْ..
لا عليكْ..
إنّما.. لا تجعل الصمت جداراً
قاسياً.. بين يديكْ! !
آه يا ورد الطريقْ..
آه يا إشراقة الصبح..
ويا فوح النداءْ!
آه يا دفء الشتاءْ!
آه يا قلبي.. وهل أملك شيئاً
غير صمتٍ وبكاءْ؟ !
والأحاديثُ عن الأشلاءِ..
.. والموتِ المكتّمْ..
لم تعدْ تُطفىء في قلبي السؤالْ:
لم أبكانا وأدمانا الشمالْ؟ !
ولماذا حكمُه.. ينداح في وجه الرمالْ؟ !
وكتابُ اللهِ..! !
والكلّ ترنّم..!
فلماذا لم يحكّمْ؟ !
آه يا قلبي الحزينْ..
خَجِلٌ صمتي.. فَقَوْمِي
تحت ظل» الهيكلِ «!
خَجِلٌ صمتي.. وأطوي..
.. فِيّ بركانًاً توارى..
في ثنايا العزّلِ!
آه يا قلبي الحزينْ..
هل رأيتِ الدمعةَ الحيرى..
على خدّ منارة؟ !
أم رأيتِ الذّل يختالُ على تلك البيوتْ؟ !
آه ما أقسى الكلامْ!
فاصمتي.. ناسجةً بين الدماءْ
راية الفجر اللهبْ
واجعلي النارَ.. خيوط المغزلِ!
стр. 2092
المسلمون والعالم
من اتفاق طابا إلى نقل السفارة
الأساطير والحقائق وحمامات السونا!
بقلم: د. عبد الله عمر سلطان
ماذا بعد قرار الكونجرس الأمريكي القاضي بنقل سفارة بلاده من تلأبيب
إلى القدس؟ سؤال يتردد في صدر كل عربي ومسلم منكسر، يرى إرهاب النظام
العالمي الجديد، يقبض بكلتا يديه على قدسه الشريف وأقصاه السليب.
صدر القرار حينما كانت أمريكا تستضيف عشرات المسؤولين العرب، الذين
تقاطروا عليها بعد أن شهدوا احتفالات الأمم المتحدة، بمناسبة مرور خمسين عاماً
من الزور والغبن الدوليين. كان القرار رسالة موجهة إلى السائرين في ركاب الحل
الأمريكي/الإسرائيلي، وصفعة قوية لمقاولي السلام الشجاع، وجرعة أخرى من
المهانة إلى الذين وقعوا تلك الأرتال من الاتفاقات والوعود غير المقدسة.
كانت الصفعات تتوالى، والذل يتشكل في أكثر من قالب، والإهانة تتجلى
على مستويات القيادات اللاهثة والشعوب المصمّتة..
هل يمكن الربط بين حادث «شخصي جدّاً» وقرار خطر إلى أبعد حد
حصلا في يوم واحد؟ .. في يوم صدور القرار كان «الزعيم» عرفات يمضي
وقتاً طيباً في نيويورك التي فتحت أبوابها له بعد أن دفع الثمن من دم الضحايا
واتفاقات الذل وتسليم السيادة، كان سيادة الرئيس يحضر احتفالات منظمة «
البطرس» في نيويورك، وعرفات طالما صَوّرته وسائل الإعلام الأمريكية على
أنه زعيم إرهابي وثائر أقرب إلى الهمجية، أما اليوم فإنها تُبرز وجهه الإنساني،
وتتغنى بمآثره ولباقته التي قالت عنها صحيفة بريطانية: «إنها ربما تفتحت بعد
قِرانه بسيدة مسيحية متحضرة! !» .
عرفات أراد أن يثبت أنه متحضر بما فيه الكفاية، فقرر حضور حفلة
الاستقبال التي جرت في مركز (لنكولن) ، حيث ستُعْزَفُ مقطوعات موسيقية غربية
على شرف الحضور! لم يأل الزعيم جهداً في إظهار اهتمامه بموسيقى القوم، فقرر
أن يحضر رغم ازدحام جدول أعماله! لكنه كما نقلت وكالات الأنباء فوجئ حسب
قول دبلوماسيين أمريكيين بأحد مساعدي عمدة مدينة نيويورك (رودولف جولياني)
يربت على كتفه طالباً منه المغادرة، بالرغم من أن الزعيم لم «يتمتع» إلا بسماع
الحركتين الأولى والثانية لسمفونية بتهوفن التاسعة. هذا ماروته وكالات الأنباء.
لم تجدِ تصريحات الرئيس عرفات في جامعة هارفارد بكونه «شريكاً
للصهاينة» ، وأنه يحب اليهود وقد تربى في حي كل أطفاله من اليهود.
كانت صفعة الطرد الشخصية قد تكاملت مع محاولة الكونجرس الأمريكي
طرد «القدس» من ذاكرة ووجدان كل مسلم.. الفرق الوحيد: أن الإهانة لعرفات
دليل رخص هذه القيادة التي جرأت الصهاينة الأمريكان على الاعتراف بالقدس
عاصمة ليهود، ضاربين بعرض الحائط كل القوانين والمشاعر والأعراف!
لماذا هذا الإذلال؟
هناك ملاحظات مهمة يطرحها القرار الأمريكي الظالم أمام مرأى الأمة
الإسلامية، التي تعودت في هذه الفترة الحالكة أن تكتفي بالمزيد من الفواجع
والنكبات، فبعد اتفاق واشنطن ظهر للعيان أن هذا الاتفاق لايحقق (حتى باعتراف
مرتكبيه «أُولى المطالب الفلسطينية، لكن المزعج حقاً أن هؤلاء المستسلمين
لعدوهم المنفذين لمخططاته أصبحوا أقوياء على شعوبهم فقط، شجعاناً في تحطيم
بذرة المقاومة والتضيحة لا غير.. هنا أدركت الشعوب ما يعنيه مصطلح» سلام
الشجعان! «الذي طالما رددته قيادات العجز.. إنها شجاعة خنق الشعوب وتمرير
المشروع الصهيوني الفاجر على أجسادها..
ولم يكتف مقاولو سلام الشجعان باتفاقهم المخزي، بل طافوا بقاع الأرض
مزهوّين بفعلتهم تلك، مروجين لمصطلح الشرق أوسطية الصهيونية، مشيدين
بمناقب أولاد العم الأطهار! منددين بالإسلام وأهله! من الإرهابين الأشرار، نظر
المواطن المنكسر إلى هذه الحالة وقال: الغرب اكتشف فجأة براءة السلطة التي
طالما رماها بالهمجية والتخلف.. وكلما خنق هؤلاء الإرهابيون القدامى شعوبهم
ومارسوا همجيتهم تجاه أبناء الإسلام أصبحوا» متحضرين «و» عقلاء «،
وكلما أخرجوا من جيب شعبهم شبراً وموطئاً غدوا» شركاء مسؤولين «وأصحاب
نظرة صائبة وسلوك متحضر.
» ليت هؤلاء قد عاملوا عدوهم كما عامل زعماء الحركات الوطنية في العالم
عدوهم «، قالها طالب في جامعة غزة لمراسل محطة فضائية أوروبية ... الطالب
لم يقل ليتهم كانوا في شموخ عمر بن الخطاب أو بسالة صلاح الدين؛ لأن هؤلاء
هم القمم التي تحتفظ بها شعوبنا في ذاكرتها.. ومالم يقله الطالب قالته الكاتبة
الإنجليزية (هيلينا كوبان) مخاطبة عرفات قائلة:» الإسرائيليون وأصدقاؤهم
الأمريكيون شعروا بسعادة غامرة عندما رأوا ووصفوا بكثير من التفصيل مدى
التقارب الشخصي بين المفاوضين ونظرائهم الإسرائيلين خلال مفاوضات طابا،
عندما كانوا يروحون ويأتون سوية معاً، هل ياترى ستحاول التقرب من شعبك
بالشكل نفسه؟ أم أصبحت معزولاً عنه ... ربما من المناسب أن تطلب من أحد
مساعديك الأذكياء قراءة سيرة (لوكاس مانغولي) الذي عين رئيساً لحكومة «دولة»
بوتسوانا «المستقلة» في عام ١٩٧٧م، هل تعرف بوتسوانا؟ لابد أنه كان مغرماً
مثل أصحابك بحمامات السونا، لكن كل تلك الحمامات إضافة إلى أجهزة القمع التي
وفرها له أصدقاؤه من الأقلية البيضاء الحاكمة في جنوب إفريقيا آنذاك لم تستطع
إنقاذه من تطلعات شعبه إلى العدالة.. عليك بعد ذلك أن تقرأ سيرة (نيلسون مانديلا)
و (هوشي منه) لترى مقدارالانضباط الذاتي الذي أبدياه في علاقاتهما على كل
الأصعدة مع عدوٍ أقوى منهما عسكرياً، سواء داخل قاعة المفاوضات أم خارجها،
وانظر كيف أنهما حرصا على إدامة علاقات قوية مع شعبيهما جواباً أفضل بل
وحيداً على عدم التوازن في القوة العسكرية، إذا كان لك ولفريقك التفاوضي العودة
إلى الشعب، وإذا كان للشعب أن يعود إلى تنظيم نفسه فإن هذا سيقوي موقفك في
المفاوضات مع إسرائيل أكثر مما يقويه الاستحمام مع الإسرائيليين ألف مرة! ! «.
ويبدو أن الزعيم المفتون بحمامات السونا، وسمفونيات بتهوفن، ورِقّة اليهود
لايحب سماع الكلمات الجارحة التي بدت بغيضة منذ أن وَجّهَتْ السلطة بُوصْلَتَهَا
نحو الكنيست والبيت الأبيض.
أساطير تتهاوى:
أصبح من نافلة القول: إن القوى الإسلامية في الشارع الفلسطيني أصبحت
هدفاً أولَ للاتفاقات والمفاوضات والصفقات العرفاتية/ الإسرائيلية، وطال هذا حتى
الجماعات العلمانية التي تقول: (لا) لمفاوضات وتنازلات» حمامات السونا «!
أصبح إدوارد سعيد الوجه العلماني /الليبرالي للمنظمة بدون مقدمات راديكالياً،
واكتشفت السلطات اليقظة: أن محمود درويش شاعر الماركسية الفلسطينية ورمزها
ليس أكثر من صوت للفتنة وهو كذلك وغَدَا كل من يشكك في خطوات الخنق
الإسرائيلي التدريجي حليفاً للإرهاب! .
بالرغم من كل هذا الضجيج، فهناك أساطير صنعها الإعلام الغربي تتهاوى
بفعل الخداع الإسرائيلي والدعم الأمريكي.
لايمكن لعرفات مهما دعمه حلفاؤه الجدد أن ينكر أن منظمته فتح قد أصبحت
جسداً بلا روح، بعد أن أصبح الزعيم هو المنظمة، وصارت اجتماعاتها معدة
(للبصم) على كل اتفاق تذبح فيه فلسطين، أو تقطع على أعتابه كرامتها أو
أشلاؤها ... آخر اجتماعات اللجنة التنفيذية في تونس، لم يكمل حتى النصاب المطلوب لتمرير اتفاق خطير مثل اتفاق طابا، وبالرغم من ذلك فقد مرت خطوات القيادة الفلسطينية الخارجة حتى عن أبسط القواعد الجماعية بسلام، فليس من مصلحة إسرائيل وجوقتها في الداخل والخارج أن يسلط الضوء على ممارسات عرفات الديكتاتورية في هذه المرحلة؛ طالما أن المطلوب من السلطة الوطنية يتم وفق» روح الشراكة «بين اليهود وعرفات.
كما لايمكن لعرفات والقوى المتواطئة معه أن ترفع شعارها الإرهابي التقليدي: أن الذي توصلت إليه مع حكومة رابين هو أفضل الممكن، وأنه ليس أمامها سوى
الاستسلام لابتزاز أمريكا وإسرائيل.. لقد رفض عرفات قبل أن يندمج في شراكته
السرية في أوسلو عرضاً مقدماً من حكومة إسحاق شامير في الجولة السابقة
لمفاوضات واشنطن لمنح الفلسطينيين ما مساحته ٦٣% من أراضي الضفة، وتقاسم
٣٠% من هذه الأراضي، وضم إسرائيل للباقي (٧%) من المساحة، بينما قبل
عرفات في اتفاقه الأخير (سيء الذكر) أقل من ذلك بكثير حيث لاتسيطر السلطة
العرفاتية إلا على ٢٧% من مساحة الضفة، إضافة إلى تنازل السلطة عن حقوق
المياه التي ستصل إلى ٢٦% من مياه الضفة، والباقي يذهب للمستوطنات التي
تحتاج إلى كميات تعادل ثلاثين مرة ما يحتاجه مواطنو الضفة! ! ونلاحظ هنا: أن
رفض عرفات للعرض الشاميري كان حراماً من منطلق أنه يتم عبر وفد المفاوضات
برئاسة (حيدر عبد الشافي) ، بينما التخفيضات الهائلة التي أعطاها عرفات لرابين
الهالك وبيريز المتحفز، فهي حلال؛ لأنها تمت عبر المحتل الفلسطيني الذي يصفه
بعض الفلسطينين» التيس المستعار «الذي يَعْقِدُ على المرأة من أجل التحايل على
ضرورة زواجها ببعل جديد.. نعم شراكة حتى في أساليب اليهود وحيلهم (السبتية)
التي يحسبون أنهم بها أذكياء، وقد خابوا وخاب شريكهم! ولايمكن للزعيم وطغمته
وآلته الإعلامية الناطقة بالزور أن تخفي أن الضفة المحتلة قد أصبحت جزراً
ومحميات» هنود حمر «فعلاً؛ فقد قسمت المناطق إلى أ، ب، ج، وقامت
إسرائيل ببناء طرق التفافية حول هذه المناطق، ويتطلب التنقل بين هذه المحميات
العرفاتية إلى تصريح خاص من» السادة الصهاينة «، لاسيما وأن عرفات نفسه
حتى الآن لايستطيع أن يتنقل بين الأراضي المحررة إلا بعد الحصول على تصريح
إسرائيلي. ولابد أن نذكر هنا أن قائد الشرطة الفلسطينية في أريحا (الرجوب) قد
مُنع من الانتقال خارج أريحا خلال اشتراكه في المباحثات بالرغم من بلائه المشهود
في محاربة معارضي الاتفاق وتعذيبهم حتى الموت (كما حصل لمواطن فلسطنيي
الأصل حاصل على الجنسية الأمريكية» .. إن إسرائيل تحب أن تذكر عملاءها
الجدد أنهم تحت قدم جيش الدفاع وجنرالاته!
وأخيراً فإن من المؤكد أن الشعب الفلسطيني بعد هذا الاتفاق يمر بأسوأ مراحل
التشرذم والانشقاق فبعد أن كانت المنظمة تفاخر بكونها الممثل الشرعي والوحيد
للشعب الفلسطيني، نجد اليوم هذا الشعب وهو منقسم بفعل تحركات المنظمة العابثة
وتفريطها في حقه حتى تكرست القطيعة بين فلسطينيي الشتات والداخل، لاسيما
وأن الاتفاقات المتعددة لم تناقش موضوع أربعة ملايين فلسطيني خارج الضفة
والقطاع مما جعلهم فريسة لنزوات القيادات العربية مثل القذافي وتجلياته، أو
تصريحات الوزير اللبناني (نقولا فتوش) الذي وصفهم بأنهم «زبالات بشرية» ! ! هكذا! ! .
هل كان لأمثال العقيد المحدود العقل والمتناهي المفاجآت، أو هذا «الفتوش» المنتفش بحقده النصراني أن يسوم هذا الشعب المطحون مزيداً من العذاب لو كان
لديه قيادة تحترم نفسها أو تكنّ لشعبها شيئاً من الاحترام؟ .
ليس هناك من أسطورة تروج هذه الأيام سوى المقولة السمجة: إن هذا وضع
مؤقت، وإن الاتفاقات النهائية هي التي ستحل القضايا الرئيسة: كموضوع القدس
والمستوطنات، ومصير فلسطينيي الشتات.. إنها أسطورة أخرى، بل الأسطورة
الأخيرة في صندوق الأكاذيب والوعود المتلاشية التي ترفع أمام كل من يستغرب
من هذا الانحدار والاستسلام والركوع لعجل صهيون، لقد أشارت مجلة
(الإيكونمست) النافذة والواسعة الانتشار إلى أن فشل رابين أو على الأصح فشل
حزب العمل في الانتخابات المقبلة ووصول (ناتنياهو) للسلطة يهدد وضع الاتفاق
النهائي بجعل الاتفاق الحالي هو الحد الوحيد الملزم للطرفين، وهو احتمال كبير في
حالة فشل الطرفين في التوصل إلى حل نهائي عام ١٩٩٩م، وهو أمر متوقع في
ظل نكث يهود بعهودها؛ مما يعني أن هذا الاتفاق الظالم سيكون اتفاقاً نهائياً.
وهنا يجب أن ندخل قرار الكونجرس في هذا الإطار.
إن اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل وضرورة نقل السفارة قبل تاريخ
مايو ١٩٩٩م، يعني أن الاتفاق المؤقت يترجم عن طريق القوة الأمريكية والتنسيق
الصهيوني إلى واقع قائم على الأرض.. وتصريح الرئيس الأمريكي عَبْرَ ناطقه
وبعد يوم واحد جعل الموقف الأمريكي واضحاً كل الوضوح «إن الرئيس الذي عبر
عن رأيه في ضرورة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلال حملة الرئاسة عام
١٩٩٢م، لم يغير رأيه الشخصي في الموضوع وأن اعتراضه يكمن في توقيت
النقل» .
وهذا ما دفع منظمة النداء الصهيوني الموحد لإعطاء جائزتها السنوية لكلينتون
بعد يوم واحد من هذا التصريح.
هنا نكتفي بتصريح الرئيس الفلسطيني عرفات الذي أعرب عن استغرابه من
صدور قرار الكونجرس الأمريكي لتعارضه مع تعهدات كان قد حصل عليها بأن
هذا الموضوع سيبحث في المرحلة النهائية للمفاوضات.
إذا كان استغراب عرفات صحيحاً.. وإن كنا نشك في ذلك فإننا نستغرب نحن
مرتين؛ مرة لتصديقه أن هناك مرحلة نهائية تشكل آخر الأوراق التي تستر عورة
الاتفاق الشنيع، ومرة أخرى حين يصر هذا الزعيم على اختيار الخيارات الخاسرة
مرة تلو أخرى ... وها هو يختار أن يكون (لوكاس مانغولي) آخر!
стр. 2093
المسلمون والعالم
مؤتمر التنمية الاقتصادية
والوهم العربي
بقلم: د.محمد عبد الله الشباني
خلال الفترة ما بين ٥ حتى ٧ جمادى الآخرة لعام ١٤١٦هـ، عُقد في عمان
مؤتمر التنمية الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ضمن مسلسل التسوية
والتطبيع مع العدو اليهودي تحت الرعاية الأمريكية. وهذا المؤتمر امتداد لمؤتمر
الدار البيضاء الذي عُقد في العام الماضي، ويهدف هذاالمؤتمر حسب ما أعلن عنه
إلى توفير الآلية المالية والتنظيمية لإيجاد منظومة اقتصادية إقليمية يكون لدولة
اليهود في فلسطين المحتلة الدور البارز والمؤثر فيها، تتمثل هذه الآلية في إنشاء
بنك إقليمي للتنمية إلى جانب إنشاء مجالس إقليمية أخرى، كما أشار إلى ذلك وزير
خارجية الولايات المتحدة (كريستوفر) ؛ حيث أشار في كلمته عند افتتاح هذه القمة
إلى أن «القمة الحالية ستعمل على تأسيس هيئة إقليمية للسياحة والسفر، كما أنها
ستعمل على تأسيس مجلس إقليمي للتعريف بالاستثمارات الاقتصادية في المنطقة،
وتحقيق التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص، والتعاون بين رجال الأعمال في
العالم» .
إن القمة الاقتصادية التي عقدت في عمان إنما هي مدخل للاستيلاء على
مصادر الثروة في العالم العربي، وجعل هذه المنطقة مرتهنة للمرابين اليهود؛ من
خلال قيام المؤسسات البنكية اليهودية العالمية في أمريكا وأوروبا بإقراض هذا البنك
الإقليمي الجديد الذي يتولى بدوره إقراض حكومات العالم العربي التي ترزح تحت
ثقل الديون.
إن من أبرز ما أظهرته هذه القمة من العمل على تحقيق ذلك الهدف: ما تم
الإعلان عنه من توقيع اتفاق بين وزير الطاقة الإسرائيلي ورئيس مجلس إدارة
شركة أترون الأمريكية «ريكا مارك» التي هي صاحبة امتياز استخراج الغاز في
قطر، وقد أشارت المصادر أن قيمة الصفقة تبلغ ثلاثة مليارات دولار، تدفع منها
إسرائيل فقط ثلاثمائة مليون دولار أما الباقي فلم يُشَرْ إلى: كيفية سسداده، ولكن
يظهر أن التسديد سيتم خلال بيع منتجات إسرائيلية لدولة قطر، كما أن مدة هذه
الاتفاقية عشرين عاماً، ويحق لإسرائيل توقيع صفقات لتزويدها الغاز لدول أخرى، كما أشارت إلى ذلك صحيفة أحرونوت العبرية) [١] .
إن القراءة المتأنية للمشروعات المطروحة من جانب دولة اليهود في فلسطين
المحتلة تجعل المتابع يدرك مدى الخبث اليهودي من ناحية والغفلة العربية من ناحية
أخرى، فقد ذكرت الصحافة الأمريكية أن ممثلي حكومة اليهود في فلسطين المحتلة
أحضروا معهم ٢١٨ اقتراحاً لمشاريع اقتصادية، بلغت قيمتها ٨، ٢٤ مليون دولار، ومن ضمن هذه المشروعات المقترحة كما ذكرت الصحافة الإسرائيلية مشاريع
قطاعات السياحة التي لها النصيب الأكبر، وبلغ عددها ٣١ مشروعاً، تتضمن
إقامة: مشروع سياحي على شاطئ البحر الميت، وآخرعلى شاطئ العقبة وآخر
على البحر الأبيض المتوسط تحت اسم ريفييرا البحر الأبيض [٢] ، كما أشارت
مصادر صحفية إسرائيلية إلى أن رجال الأعمال الإسرائيليين سيسعون من خلال
أعمال قمة عمان إلى إبرام عقود مع جهات أردنية لتنفيذ سلسلة من المشاريع
الاستثمارية المشتركة، ومن بين هذه المشاريع مشروع إقامة شبكة من مراكز
التسويق في الأردن، وغير ذلك من المشاريع التي تخدم الاقتصاد الإسرائيلي من
حيث إمكانية غزو السوق الكبير في العالم العربي، واستخدام الموارد الطبيعية
والطاقة البشرية لخدمة اليهود من خلال السيطرة المالية والاقتصادية على مختلف
القطاعات الإنتاجية في العالم العربي.
إن قمة عمان الاقتصادية سيكون لها تأثير في جعل العالم العربي فريسة
للهيمنة الأمريكية (النصرانية اليهودية «؛ من خلال تحويل الأردن إلى معبر
لتوسيع هيمنة الاقتصاد الإسرائيلي في المنطقة، وجعل العلاقات المشتركة الأردنية
والإسرائيلية والفلسطينية نواة لتكتل اقتصادي شرق أوسطي جديد، يكون لدولة
اليهود المركز القيادي في عمليات التخطيط التنموي، حيث يتم فرض نمط إنتاجي
محدد على كل دولة عربية ترغب في الانضواء تحت مظلة الشرق الأوسط الجديد
ومجالسه الإقليمية، كما أن من أهداف هذه القمةدعوى إعادة توزيع الثروة العربية
بين العرب وإسرائيل؛ بحيث تحصل إسرائيل على القسم الأكبر من هذه الثروة،
من خلال تقديم المال العربي المودع في البنوك اليهودية العالمية كقروض لمختلف
المشاريع وقيام الشركات اليهودية بها، سواء ما كانت منها منتميةً لدولة اليهود، أو
ما كانت منتسبةً لدول أوروبا وأمريكا، بجانب هذا الهدف فإن من الأهداف الأخرى
التي تسعى إليها هذه القمة؛ تحقيق حلم دولة اليهود الكبرى وهو: تفتيت مؤسسات
العمل العربي المشترك القائمة حالياً، التي مع ضعفها تمثل نوعاً من التكتل العربي
تجاه التكتلات الإقليمية العالمية.
وستكون نتائج هذه القمة سرطان يسري في جسم الأمة العربية ومن ثم
الإسلامية؛ لينتشر فيها الفساد والضعف والتبعية.
والعزاء في قوله تعالى: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ
اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ]
[الأنفال: ٣٦] . وقوله تعالى: [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ]
[الأنفال: ٣٠] .
стр. 2094
المسلمون والعالم
الانتخابات الجزائرية
حل.. أم.. تأزيم ؟ !
بقلم: د.يوسف الصغير
في غمرة الزفة التي أعدت لإجراء الانتخابات الجزائرية بالرغم من مقاطعة
جل الأحزاب المعترف بها رسمياً لها ... هناك سؤال مهم تنبغي الإجابة عليه ...
لماذا حرص الأمين زروال على إجراء الانتخابات الرئاسية؛ وما هي المناورات
التي حصلت حتى الآن؟ .. إن مما لاشك فيه هو أن آخر شيء يفكر فيه النظام
الجزائري هو معرفة رأي الشعب، أو النزول عند رغبته، فما تعيشه البلاد الآن
هو من آثار رفض اختيار الشعب، بل والتركيز في القمع على من اختارهم
الناس ... فيا عجبي كيف أصبح من كان غير ناضجٍ في اختيار ممثليه ناضجاً في اختيار الرئيس؟ ! .
ومن الواضح أن هذه المناورة يقصد بها حل مشكلة داخل النظام، ولاتمثل أي
تحسن بالنسبة لما يعيشه البلد، بل إن القمع الأمني قد تصاعد بصورة كبيرة بدعوى
تهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات بشفافية!
إن النظام يعاني في تعاطيه مع الوضع الحالي من عقدتين:
الأولى: عقدة عدم الشرعية: فهذا النظام يفتقر إليها؛ فهو نظام انقلابي؛
حينما قام ضباط (الفرانكفونية) في الجيش بانقلابهم عن طريق عزل الرئيس
الشاذلي بن جديد؛ والمشكلة ليست هنا، فأكثر الانقلابات التي يحل فيها طاغية
مكان آخر قد لاتجد من الناس رد فعل إلا الفرح بالتخلص من الطاغية الحالي، مع
ظنهم أن الجديد لايختلف عن سلفه، ولكن المشكلة أن الانقلاب ليس موجهًاً ضد
الحاكم بل ضد اختيار الشعب نفسه، أي إن الانقلاب ضد رغبته التي أبداها؛ ولهذا
فبدلاً من اعتقال الرئيس السابق وأتباعه، ومحاكمتهم، وتنفيذ الأحكام المناسبة بهم، فإن هذه الإجراءات وجهت ضد الناس، فقامت قوات النظام الجديد كما هو
معروف بحملة اعتقالات وتعذيب وإعدامات ضد من يُعْتَقَدُ أن الشعب اختارهم،
ولهذا فقد كانت المواجهة قاسية؛ حيث لم يتركوا للشباب فرصة حتى للتفكير، فهم
إما بين يدي الجلاد، أو في المعتقل، أو في المنزل ينتظرون الاعتقال، أو
معتصمين بالجبال. وإذا كانت جبهة الإنقاذ ترفع شعار إعادة المسار الانتخابي حلاً
للمشكلة من وجهة نظرها، فما هو الشعار الذي يمكن أن يرفعه النظام الحالي؟ !
إنهم لم يجدوا شعاراً لهم إلا من قبيل ادعاء الحفاظ على هيبة الدولة، أو
مكتسبات الشعب! وحماية الدستور، ومما هو معروف أن الذين يحكمون حاليّاً هم
الذين داسوا على هيبة الدولة بعزل رئيس الدولة، وهم الذين لعبوا بالدستور، حيث
إن البلد يحكم بقانون الحصار (الطوارىء) ، أما الشعب المسكين فما هي مكتسباته
التي يريدون الحفاظ عليها، هل هي نسبة البطالة التي تعدت ٤٢%، أم هي شبابه
المثقف الذين ملئت بهم المعتقلات الصحراوية أم....، أم.... .، نعم إنهم يريدون
أن تكون هناك انتخابات معتنى بطبخها حتى يواصل النظام حربه ضد الإسلاميين
رافعاً شعار: حماية اختيار الشعب!
الثانية: عقدة الضعف: فالرئيس زروال كان لواءً متقاعداً، ثم أصبح رئيساً
للدولة عن طريق التعيين من قبل المجلس الأعلى للأمن، أو بصورة أخرى عن
طريق اللواء خالد نزار. وكما هي العادة فهو في البداية يستند إلى من عينوه وينفذ
رغباتهم، ولكنه مع الزمن صدّق أنه رئيس، وبالتالي فهو يحاول أن يستقل عمن
جاؤوا به، ويبحث عن غطاء آخر، فمن بداية رئاسته كان يلحظ في خطابه الدعوة
إلى الحوار والمصالحة، بينما الواقع هو أن وتيرة القمع من قبل النظام كانت ترتفع
بصورة طردية مع خطابه التصالحي، مما جعل الكل يتحدث عنه: أنه محدود
الصلاحيات، وأنه يمثل أحد الأطراف فحسب.
مظاهر تلميع الانتخابات:
لهذا فإن الرئيس يحرص على أن تجرى عملية انتخابات: يتم فيها انتخابه
بأكثرية مطلقة: وبهذا يكسب شيئاً من الشرعية خارجياً، وشيئاً من القوة داخليا أمام
أطراف النظام الأخرى، حينما يكون الرئيس المنتخب وليس المعين.
أما من ناحية عملية الانتخابات الرئاسية التي من الممكن تسميتها عملية إعادة
تسمية زروال، فإنه يلاحظ فيها الحرص الشديد على ضبط نتائجها، وذلك من
خلال الآتي:
١- تهوين الصعوبات العملية مثل الأوضاع الأمنية المتدهورة، وتلف كثير
من القوائم الانتخابية، وحرص جميع أطراف المعارضة على إفشال خطة الحكومة، بل ويصر على قدرته على إجراء انتخابات حرة في هذه الظروف المتفجرة!
٢- الحرص على مشاركة بعض الشخصيات لإضفاء شيء من المصداقية؛
إذ بلغ عدد المتقدمين حوالي ٤٠ شخصاً، وقد اغتيل أحدهم ولم يلتفت له أحد،
وقام زروال بمناورة مكشوفة حينما أظهر التردد في ترشيح نفسه إلى آخر لحظة،
مع العلم أن الأحزاب الكبيرة لم تشارك، بل قاطعت هذه الانتخابات، ولهذا فإن
بعض الشخصيات اشترط من أجل أن يرشح نفسه أن يعطيه النظام عدداً من
الأصوات يبيض بها ماء وجهه.
٣-كما هي العادة المتبعة في بلاد المسلمين التي تدعي الديمقراطية، فإن كل
حزب حاكم يقوم بتفصيل النظام الانتخابي بما يلائم وضعه، وأحياناً يكون النظام
مفصلا من أجل محاربة أحد الأحزاب، وحيث إنه في الجزائر لايوجد أحزاب
يخشى منها، وترغب في المشاركة، فإن النظام الانتخابي المعدل تم تفصيله من
أجل إبعاد أشخاص بعينهم، ومن التعديلات:
أ- اشتراط الحصول على ٧٥ ألف توقيع من ٢٥ ولاية مع العلم أنه في
الانتخابات البرلمانية السابقة كان يشترط ٥٠٠ توقيع فقط.
ب- ألا يكون متزوجاً من غير جزائرية من إجل إبعاد بعض الشخصيات التي
لها شعبية مثل الطالب الإبراهيمي حيث إنه متزوج من لبنانية.
٤- محاولة الحصول على تزكية للانتخابات من بعض الجهات الخارجية.
ومن أجل ذلك فقد دبت الحياة في الأموات مثل الجامعة العربية التي امتدح
أمينها العام هدوء الأوضاع في الجزائر، وسيطرة النظام، ووعد بإرسال من ٤٠
إلى ٥٠ مندوباً للتحقق من نزاهة الانتخابات!
نعم ٤٠ إلى ٥٠ مندوباً لمراقبة أكثر من ثلاثين ألف لجنة انتخابية وكما يقول
(الشيخ جاب الله) زعيم حزب النهضة! إنهم سيقومون بعملهم من الفنادق ذات
الخمس نجوم، أما الميت الآخر فهو منظمة الوحدة الإفريقية التي هي الأخرى أبدت
استعدادها لوضع تجربتها، أما الأمم المتحدة فلم تقرر بعد مشاركتها. أما فرنسا
فإنها تلمح باعترافها بنتائج الانتخابات، مع إقرارها أنها لن تكون في مستوى
الانتخابات في فرنسا أو بريطانيا. أقول وعلى أي حال فإن انتخابات الجزائر
أفضل شكلاً من انتخابات الدول الديمقراطية الأخرى في العالم العربي؛ فمثلاً في
تونس لايسمح لغير الرئيس بالترشيح ولكن كما حصل فعلا فإن منافس الرئيس
يتعرض للاعتقال، أما في دولة أخرى فإنه يسمح بالمنافسة ولكن لم يجرؤ أحد على
خوض التجربة، وفي بقية الدول فإنه يكتفى بالتنافس على مقعد واحد، والمرشح
الوحيد هو الرئيس. ولهذا نجد أن الصحافة العلمانية تأخذ على النظام الجزائري أنه
موغل في الديمقراطية أكثر مما يجب، حيث يكررون بلا خجل القول بخطورة
التجربة الجزائرية مع نجاح التجارب الأخرى، وبخاصة التونسية والمصرية.
هؤلاء هم المرشحون:
وأخيرًاً أعلن النظام أسماء الفائزين والذين يحق لهم التنافس على منصب
الرئيس وهم:
الأمين زروال الرئيس الحالي.
الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة المجتمع الإسلامي (حماس) .
سعيد سعدي رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (حزب البربر
الفرنكفوني) .
نور الدين بوكروح رئيس حزب التجديد الجزائري.
أما مرشح السلطة الثاني وهو رضا مالك رئيس الوزراء السابق، والمحسوب
على التيار الاستئصالي، فقد أسقط اسمه على الرغم من احتجاجه بدعوى حصوله
على أكثر من٧٦ ألف صوت، أما المرشحون الثاني والثالث والرابع فإنهم تجاوزوا
سقف ال٧٥ ألف صوت بقليل، والذي يبدو لي أن الرئيس يخاف حتى من
الفزاعات التي وضعها بنفسه، فهو لم يسمح بدخول رضا مالك؛ لأنه يعرف أن له
تأييداً في داخل النظام ولايمكن السماح بمرشحين للنظام؛ لأن هذا يمكن أن يؤدي
إلى انشقاقات وصراعات عنيفة، وثانياً: أنه أعطى لنفسه أكثر من مليون ومئتي
ألف صوت، أي حوالي عشرين ضعف مما أعطى كل واحد من الصور الثلاث،
وهذا الرقم الكبير يدل على حرص الرئيس على ضمان الفوز، وأيضاً يدل على
مقدار مدى نزاهة الانتخابات! ! .
وفي الختام:
لايفوتني أن أنبه إخواني على أن الموقف الفرنسي الذي يثني على النظام،
ويسعى إلى الحيلولة بين المسلمين وإقامة شرع الله في بلادهم لم يتغير، بل إن في
تصريحات الرئيس الفرنسي (شيراك) الأخيرة: أنه لايفرق بين المرشحين الأربعة، وأن المساعدة المعتادة التي تبلغ سنوياً ٥ إلى ٦ بليون فرنك التي تقدم إلى نظام
الجزائر القائم ستربط بحصول تقدم في المسار الديمقراطي؛ مما يعني الاعتراف
بشرعية الانتخابات وبنتيجتها، وأن فرنسا ستستمر في الدعم ولكن بمسوغ أقوى
وهو دعم التحسن في حال الديمقراطية في الجزائر، واللعبة واضحة؛ فإن تراجع
فرنسا عن لقاء شيراك/ زروال تم بدعوى عدم التأثير على الانتخابات بدعم مرشح
دون آخر؛ وفي الوقت نفسه كان الإلغاء عن طريق صنيعتهم زروال، بطريقة
يرجون فيها أن ترتفع أسهمه الديمقراطية قبل إعلان زروال الانتخابات. إنها
محاولات للتغطية على المأساة التي يعيشها الشعب المسلم في الجزائر الواقع تحت
نير السلطة الحاكمة بأمرها.
وكلمة أخيرة للإخوة في الجزائر: لاتستعجلوا الحكم بأن فرنسا قد غيرت
موقفها، ولكنها قد تكون غيرت تكتيكاتها تحت ضغط مايجري داخل فرنسا،
وخوفاً من تفاقم الوضع بين الفرنسيين والجالية الجزائرية هناك، حيث إن التمييز
الذي يتصاعد الآن، يؤدي إلى بروز تيار مؤيد لتحرير الجزائر مما تبقى من النفوذ
الفرنسي الذي يحرك الدمى في مسرح الوضع الجزائري من وراء الكواليس.
لك الله يا جزائر المليون شهيد، وفك الله أسرك من أعدائك أعداء دينك.
стр. 2095
المسلمون والعالم
الأمم المتحدة.. والأمم غير المتحدة! !
(١)
بقلم: عبد العزيز كامل
جاء في ديباجة ميثاق هيئة الأمم المتحدة التي تلخص أبرز مبادئها وأهدافها:
«نحن شعوب الأمم المتحدة قد قطعنا على أنفسنا عهداً أن نجنب الأجيال القادمة
ويلات الحرب، وأن نعمل على إيجاد تعاون اقتصادي واجتماعي بين دول العالم،
بأسلوب يرتفع بمستويات الحياة الكريمة للجميع، ويحفظ السلم للجميع، ويفضّ
المنازعات بالوسائل السلمية» .
وبعد خمسين عاماً، أين هي الأمم المتحدة من هذا العهد الذي قطعته على
نفسها؟ وأين الدول الكبرى التي شكلت هذه المنظمة؛ لتقود بها العالم بعد انتصارها
في الحرب العالمية الثانية، التي كبدت البشرية أكثر من عشرين مليونًاً من القتلى؟
إنه بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية، وتحديداً من عام ١٩٤٥م إلى ١٩٨٩م
نشبت ١٣٨حرباً نتج عنها خسائر بشرية قدرت بنحو ٢٣ مليون نسمة، واستهلكت
في الفترة من سنة ١٩٧٠م وحتى ١٩٨٩م أسلحة تقليدية قدرت بنحو ٣٨٨ مليار
دولار، والأمم المتحدة تقف عاجزة أحياناً ومتعاجزة أحياناً أخرى في مواجهة
الخراب الدولي، الذي استخدم فيه الفيتو نحو ٧٩ مرة في مجلس الأمن.
الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية صاغت بنود ونظم المنظمة
الدولية لكي تحفظ بها مكاسبها التي خرجت بها من الحرب، حيث قَسَمَتْه إلى
مناطق نفوذ، وإقطاعيات احتكار واستغلال، أطلق عليه أولاً (الاستعمار) ، ثم تغير
الاسم إلى (الاستقلال) .
الدول التي سلمت نفسها بنفسها زمام ولاية أمر العالم، وأعطت لنفسها حق
الاعتراض والنقض لأي قرار وأي إرادة للشعوب منفردة أو مجتمعة، هذه الدول
وعدت أيضاً في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة برفع مستويات الحياة الكريمة للجميع،
فماذا عن هذا البند بعد خمسين عاماً من إنشاء هيئة الأمم المتحدة؟
إن التقارير تشير إلى أن عدد الفقراء في الدول النامية قد زاد في العشرين
عاماً الماضية بنسبة٤٠%، وذلك يعد مؤشراً على فشل معظم برامج الإصلاحات
والمساعدات التي تبنتها هيئة الأمم المتحدة من خلال أجهزتها الاقتصادية المحكومة
بتوجهات الدولة الغنية، ويشير تقرير الأمم المتحدة نفسها: أن أكثر من نصف
سكان ١١٤ دولة نامية يبلغ عددهم ٤مليارات نسمة يعيشون في مناطق فقيرة، وأن
ملياراً منهم يعيشون تحت خط الفقر، وأن مابين ١٥ ٢٠ مليون نسمة يموتون كل
عام بسبب المجاعات وسوء التغذية.
إن هذه الأمم الضعيفة والفقيرة لم توضع في هذا المأزق، لأن هذا قدرها
فحسب، أو لأن هذه مقدراتها وكفى، ولكن لأن هناك أمم أخرى قوية وغنية تريد
لها أن تظل هكذا في الفقر والضعف، إضافة إلى التخلف والتفرق؛ لكي يظلّ
القوي قوياً وغنياً، ويزداد غنىً وقوة.
إن الأمم القوية (المتحدة) قد رسمت فيما يبدو خطوطاً عريضة لمناطق نفوذها
التقريبية، وتركت بقية الأمم الضعيفة لتلقى مصيرها حسب نظرية (البقاء للأصلح) ، لقد عبّر (أمين) الأمم المتحدة عن هذا المعنى أكثر من مرة في اعتراف صريح،
وقال في إحدى رحلاته إلى إفريقيا: «إن العالم المتطور انسحب إلى مواقعه
مستكيناً إلى شعور بالقرف، تاركاً بقية دول العالم النامي تواجه قدرها» .
وكثيراً ماشكا إعياء الدول المانحة، وتبرمها بالنفقات على الدول الفقيرة!
ولكن هذه الشكوى تصاغ في أحيان أخرى على لسان بطرس بمعنىً مناقض، ففي
مقابلة بمكتبة في الدور الثامن والثلاثين بمبنى الأمم المتحدة، قال: إن الأمم المتحدة
تستدين الأموال من الدول الفقيرة؛ لأن الدول الغنية لاتدفع حصصها، وأضاف أنه
حاول جاهداً الحصول على مساعدات ذات أمد قصير مثل: إصدار صكوك التأمين
دون طائل!
أين إذن تذهب ثروات الأرض؟ إن عدد الدول التي تعاني من أزمة الديون
في العالم يبلغ نحو ١٢٣دولة، من ضمن ١٨٠ دولة عضو في الأمم المتحدة،
ويتعدى مجمل الديون الخارجية لتلك الدول المدينة نحو ١٥٠٠ مليار دولار في سنة
١٩٩٤م.
وتتهم الدول المدينة المؤسسات المالية التابعة للأمم المتحدة بالتسبب في تكبيل
اقتصادها بفوائد الديون العالية.
فماذا تفعل الأمم الضعيفة والفقيرة، مع تلك الأمم الغنية و (المتحدة) ؟ ! إن
الأمم الضعيفة تشكل أربعة أخماس سكان الأرض تقريباً، ولكنها تستهلك خمس
الاستهلاك العالمي تقريباً، أما خمس سكان العالم من دول الشمال، فإنه يحوز
أربعة أخماس الإنتاج والاستهلاك العالمي! ولتفرح الأمم الضعيفة بعد ذلك بوهم
(الاستقلال) تحت راية (الأمم المتحدة) ولِتَقُمّ شعوبها الموائد على بساطها الأزرق،
وسط عزف الأناشيد القومية الحماسية وخفق البيارق الملونة، والاستعراضات
العسكرية.
صحيح أن هناك بعض النجاحات للأمم المتحدة، حققتها على الصعيد الدولي
لكن أكثرها يصب في المصلحة المباشرة للدول الكبرى والقوية والغنية، وهناك
بعض نجاحات في العالم النامي، من قبيل: إجراء انتخابات ديمقراطية في
موزمبيق، أو إرساء قواعد مرحلة انتقالية في ناميبيا، أو إجراء عملية بناء لمجتمع
مدني سياسي في السلفادور، أو تجميد الصراع بين اليونان وتركيا، أو إعادة بناء
كمبوديا، أو إنهاء الحرب الأهلية في أنجولا، أو وقف انتشار النزاع في رواندا ...
إلخ المشكلات التي كان ينبغي التخلص منها؛ لأنها تسبب نوعاً من الصراع
المؤرق إعلامياً لمشاعر المنظمة الدولية.
إن هناك حقيقة كبيرة أبرزتها الأعوام الخمسون الماضية من عمر المنظمة
الدولية وهي: أن هناك (عالم حر) يتحكم ويستعبد عالماً (غيره) ، وهناك (أمم
متحدة) تتحكم في مصائر أمم (غير متحدة) !
إن العالم الحر يتحد، في صيغ كثيرة من صيغ الاتحاد السياسي أو
الاقتصادي أو العسكري، لأن الاتحاد يزيده قوة إلى قوته، بينما على العالم غير
الحر أن يظل في تفرق واختلاف وتنازع حتى يظل ضعيفاً، بل ليزداد ضعفاً على
مرّ الأيام..
العالم الحر.. يتفرغ للتقدم والبناء والعمران ورفاهية شعوبه، بينما على
العالم غير الحر أن ينهمك في حل المشكلات والأزمات والعقبات السياسية أو
الاقتصادية أو العسكرية أو الحدودية التي تلقى إليه، أو يلقاها في حين.
إن على العالم الحر أن ينعم بالحرية والديمقراطية، بينما على العالم غير
الحر أن يتعثر دائماً في شباك الديكتاتورية والقمع والتسلط من الأنظمة المستعبدة
عادة للعالم الحر.
هذا هو الواقع الذي انحسر عنه طوفان الحرب العالمية الثانية. وعلى الأمم
غير المتحدة أو النائمة عفواً النامية أن تتنازل دائماً وعن رضاً عن جُل ثرواتها
ومقدراتها إن وجدت مقابل ثمن بخس دولارات معدودة.
نعم.. إنه الواقع الذي انحسر عنه طوفان الحرب العالمية الثانية، التي ولدت
هيئة الأمم المتحدة، فهي نتيجة من نتائج الحرب التي انتهت واقعياً بانتصار
الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى؛ حيث كان العقل الأمريكي الاحتكاري
منهمكاً في ترتيب أوضاع العالم لمرحلة مابعد الحرب، ولم تكن هيئة الأمم المتحدة
إلا واحدة من ترتيباته الكبرى، كانت الحرب في حقيقتها صراعاً مسلحاً شاملاً بين
أطراف رأس المال الدولي، وكانت أمم المستعمرات التي تشكل الأكثرية الساحقة
من سكان العالم متعطشة للتحرر من جيوش الاستعمار القديم، وقد رأى أقطاب
(العالم الحر) وعلى رأسهم (أمريكا) في ذلك الاندفاع الأممي نحو الاستقلال والتحرر
فرصة مناسبة لتعميم أسلوبها الجديد في الاستعمار الحديث القائم على النهب والسلب
والاستعباد، ليس بواسطة الجيوش والاحتلال المباشر، ولكن وعلى الطريقة
اليهودية بواسطة المصارف والقروض والفوائد، وبواسطة المستشارين، وبواسطة
الاستخبارات وأيضاً بواسطة القوى المحلية العسكرية أو المدنية في البلدان
المستهدفة ذاتها.. كانت للولايات المتحدة مصلحة في كنس المستعمرين الأوروبيين
من المستعمرات، لأنها تعيق انتشار أسلوبها الجديد الذي يقوم على إيهام
المستعمرات البائسة أنها مستقلة.
ولا بأس بعد ذلك من تنظيم العلاقات بين أطراف رأس المال الدولي
المنتصرة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما تفسره لنا حكاية حق النقض
(الفيتو) التي تتميز بها حكومات الاحتكارات الدولية الرئيسية أما الدول الأخرى أو
الحكومات الأخرى في الأمم غير المتحدة، فهي محكومة بعلاقات دولية ظالمة
ومحكمة، حيث لاتستطيع تغيير أوضاعها البائسة إلا برضاً من المنظومة الدولية
الحاكمة المتحكمة.
فهناك خطوط ممنوع عليها تجاوزها، وإلا وقعت تحت طائلة أقسى العقوبات، خطوط سياسية واقتصادية وجغرافية وتقنية بل.. وثقافية، خطوط تتحكم في
جميع مكونات حياتها، ومع هذا أعطوها حق العضوية في هيئة (الأمم المتحدة) ؛
في حين أن هذه العضوية مجرد (هيئة) لأمم هي في حقيقتها أمم مستذلة وليست
مستقلة لأنها غير متحدة.
والمشكلة الكبرى: أن الأغلبية العظمى من الأمم (غير المتحدة) لايشكلها إلا
العالم النامي، الذي يضم في عضويته شبه الدائمة أقطار العالم الإسلامي! والذين
يقع العرب منهم موقع القلب في الجسد في أدق مواضع العالم حساسية، في حوض
البحر الأبيض المتوسط.
فالعرب كتلة بشرية ضخمة، تفوق في ضخامتها وفي تجانسها جميع الكتل
البشرية الأخرى في هذا الحوض، بما في ذلك الإنجيليون البروستانت الذين
يحكمون الولايات المتحدة فعلياً، والذين لايتجاوز تعدادهم ثمانين مليوناً، والعرب
يفوقون تعداد الروس الذين لايتجاوزن مئة وعشرين مليوناً، هؤلاء العرب الذين
سيصل تعدادهم إلى نصف مليار نسمة خلال العقدين القادمين إن شاء الله وسط أمة
من المسلمين تبلغ ربع سكان العالم! !
ماذا فعلت (الأمم المتحدة) الغربية مع الأمم (غير المتحدة) خاصة العربية منها
والإسلامية؟
إن لهذه المسألة تفصيلات وتفريعات.. ولهذا فإن للحديث بقية.. والله
المستعان.
стр. 2096
نص شعري
يقظة الانحدار
شعر:مشبب بن أحمد نبت
رِحْلةُ العُمْرِ تَرَدّ وشَجَنْ ... هَانَتِ النفْسُ وَمَنْ يَرضى يُهَنْ
تَرْسُم الأَيّامُ مِنّي لَوْحَةً ... يسْألُ التّاريخُ ما هذي؟ لمِنْ؟
خُطِفَتْ عَيْني وَسَمْعِي مُقْفَلٌ ... وَلسَاني شُلّ عَنذِكّْ رِ الوَطنْ
ليس من حُسْنٍ ولكن مُجْبَرُ ... أنْ أرَى كُلّ قَبِيحٍ لي حَسَنْ
يَدخلُ المُجْرِمُ بيتي ضَاحكاً ... أفقدتُ الوعي أم عقليَ جُن؟
ثُرتُ في لحْظةِ حِرْمَاني وَفي ... لمحةِ الطّرِفِ أُغَنّي ألفَ فَنْ
كُنت جسماً مِلء كفيّه غِنَى ... مُزّقتْ أشلاؤهُ بين المحنْ
مَنْ يَرى حَالي وتَاريخي يَرى ... يَمَنِي في الشام شَامِي في اليَمَنْ
دَوّختني مُعصِراتُ العَصْر لَمْ ... أبْتَني سَهْلاَ ولمْ أطوي حَزَنْ
زَمَنِي قَلّبَ في قَلْبي الأسَى ... والمُنَى تَبْرُقُ لي وسْطَ الزّمَنْ
آهِ مِنْ حَاليِ وَمِنْ آهٍ ألا ... تُشرقُ الشمّسُ فَلَيْلي مَا سَكَنْ
كَيْفَ تُبْنى مِن عِظَامي قَلعَةٌ ... كُلّ مَا أَمْلِكُ قَبْراً وَكَفَنْ
صَفْحةُ الذّلّ بَدَتْ في زمنٍ ... بيعَ فيه المجدُ من دون ثمن
وَانبرى صوْتٌ لَهُ رَجْعُ السّما ... أيْقَظَ الغَافيْ ونَادى بالسّنَنْ
طَوَتِ الأيامُ أياماً بهَا ... صَفْعَةُ التأريخ فِي وَجْه العَفَنْ
تَمْتَماتُ الدّهْرِ في أعْطَافِهِ ... ثَوْرَةُ الحَقّ إذا مَا الليّل جَنْ
زُمْرَةٌ مَا أطْرقَتْ لَهْواً وَمَا ... غَرّد القُمْري لَها لَحناً وَرَنْ
стр. 2097
في دائرة الضوء
فقه الصحابة ﵃
في الرد على المخالف
بقلم:عبد العزيز آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا
محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فالرد على المخالف والذب عن دين الله (تعالى) من أفضل الجهاد في
سبيل الله، ففي هذا الجهاد إظهار الحق ودحض المفتريات وكشف الشبهات، كما
أن فيه النصح للمسلمين والإشفاق عليهم.
ولما قيل للإمام أحمد بن حنبل ﵀ : الرجل يصوم ويصلي ويعتكف
أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه،
وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل [١] .
وقال يحيى بن يحيى النيسابوري ﵀ : الذبّ عن السنة أفضل من
الجهاد في سبيل الله « [٢] .
ولما كان الصحابة ﵃ أعمق هذه الأمة علماً، وأكمل معرفة
بالخير والشر، وأتم الناس فقهاً لمراتب الأعمال الصالحة، فلقد كانت لهم الجهود
المباركة والمساعي المحمودة في مجاهدة المبتدعة والدفاع عن السنة، يقول شيخ
الإسلام ابن تيمية:» كان الصحابة ﵃ أعظم إيماناً وجهاداً ممن
بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر؛ لما
علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي «إلى أن قال:» وكذلك من دخل مع أهل البدع والفجور، ثم بين الله له الحق
وتاب عليه توبةً نصوحاً، ورزقه الجهاد في سبيل الله، فقد يكون بيانه لحالهم،
وهجره لمساويهم وجهاده لهم أعظم من غيره، قال نعيم بن حماد الخزاعي وكان
شديداً على الجهمية: «أنا شديد عليهم؛ لأني كنت منهم..» [٣] .
ومن جهودهم الظاهرة في هذا المجال ما فعله الفاروق عمر ﵁
تجاه صبيغ لمّا خاض في المتشابه حيث ضربه ونفاه.. وحرّق علي (رضي الله
عنه) الغلاة القائلين بإلهيته، وجلد من فضّله على الشيخين أبي بكر وعمر (رضي
الله عنهما) حد المفتري، وردّ عبد الله بن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله
﵃ على الخوارج والقدرية.. كما حذر عمومُ الصحابة من الابتداع
والإحداث في دين الله (تعالى) .
ومن خلال نظرات يسيرة في تلك الجهود نلمس جملة أمور، منها:
تمام الاتباع وكمال التأسي برسول الله في الردّ على المخالف، ودليل ذلك
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «» أن رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- خرج ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تفقأ في وجهه حب
الرمان من الغضب، فقال: مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من
كان قبلكم، يقول ابن عمرو: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- لم أشهده بما غبطت بذلك المجلس أني لم أشهده « [٤] . تأسى عبد الله
بن عمر بن الخطاب ﵄ برسول الله ﷺ في ذلك، فلما بلغه حال أولئك القدرية النفاة، غضب أشد الغضب، حتى قال الراوي:
حتى وددت أني لم أكن سألته [٥] .
ولما أُخبر ابن عباس ﵄ عن رجل يكذب بالقدر، قال:
دلوني عليه وهو يومئذ أعمى فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال:» والذي نفسي بيده
لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدُقنّها « [٦] .
أن الصحابة ﵃ يَجْمَعُون في ردهم على المخالف بين العلم بالحق
والعمل به، وبين الرحمة بالخلق والإشفاق عليهم، والرد على المخالف لايكون
عملاً صالحًاً مقبولاً إلا إذا أُريد به بيان الحق وإظهاره، ورحمة الخلق وهدايتهم.
فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁ يقول الحق ويرحم الخلق: فإنه لما
رأي سبعين رأساً من الخوارج وقد جزت تلك الرؤوس ونصبت على درج دمشق،
فقال ﵁ إعلاماً بالحق: سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم!
كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء.
ثم قال أبو أمامة لصاحبه: إنك بأرض هم بها كثير، فأعاذك الله منهم، ثم
بكى قائلا: بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام [٧] .
يتجلى من خلال ردّ الصحابة على المخالف وحدة العقيدة، فقولهم في هذا
الباب قول واحد لفظاً ومعنى، فلا ترى بينهم اختلافاً، وخير مثال على ذلك مارواه
ابن الديلمي قائلا: أتيت أُبَيّ بن كعب، فقلت: أبا المنذر، فإنه وقع في قلبي شيء
من هذا القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني، فقال: إن الله لو
عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته
خيراً لهم من أعمالهم، لوكان لك مثل جبل أحد ذهباً أنفقته في سبيل الله، ما قبله
الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم
يكن ليصيبك، وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولاعليك أن تأتي عبد الله
بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله بن مسعود ﵁ فسألته، فقال مثل
ذلك، ثم قال ابن مسعود: ولا عليك أن تأتي أخي حذيفة بن اليمان فتسأله، فأتيت
حذيفة بن اليمان ﵁ فسألته، فقال مثل ذلك، قال: فَأْتِ زيد بن ثابت، فأتيت زيد بن ثابت، فقال مثل ذلك [٨] .
يظهر في ردود الصحابة ﵃ على المخالفين عمق علم الصحابة، فيقول الصحابي الكلمة أو الكلمتين التي تتضمن أنواعاً من الفوائد والعلوم، وترى
في ردهم شمولية واعتدالاً في الرد فعندما يقول الفاروق عمر ﵁ عن
النصارى:» أهينوهم، ولاتظلموهم؛ فلقد سبوا الله مسبة ما سّبه إياها أحد من
البشر « [٩] .
فقول عمر:» أهينوهم «: من مقتضى البراءة من الكافرين، كما قال
(تعالى) : [يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء] [المائدة: ٥١]
فحق الكفار العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، وأن نُهِينَهُم حيث أهانهم الله
تعالى، ومن يهن الله فماله من مكرم، ولذا قال عمر ﵁ لا أكرمهم إذ
أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدْنِيهِم إذ أقصاهم الله [١٠] .
وأما قول عمر: ولا تظلموهم، فهذا مقتضى العدل والإقساط معهم، كما قال
(سبحانه) : [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ
أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [الممتحنة: ٨] .
ففرّق عمر ﵁ بين حسن المعاملة مع الكفار وبغض الكفار
والبراءة منهم، فلا يصح الخلط بين الأمرين، فَيُجْعَلََ العَدْلُ والإقساط مع الكفار
محبة وموالاة للكفار، كما لا يصح أن يُجْعَلَ بغضهم وعداوتهم ظلماً وتعدياً [١١] .
يتبين في ردود الصحابة على المخالفين: حدة أذهانهم ودقة أفهامهم، ومما
يوضح ذلك أن عطاء بن يسار لمّا سأل أبا سعيد الخدري ﵁ عن
الحرورية، فقال عطاء: هل سمعت رسول الله ﷺ ذكرهم،
فقال أبو سعيد: لا أدري مَنْ الحرورية، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يقول: يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها قوم تحقرون صلاتكم مع
صلاتهم ... الحديث [١٢] .
» قال المازري: هذا من أول الدلائل على سعة علم الصحابة (رضي الله
عنهم) ودقيق نظرهم، وتحريرهم الألفاظ، وفرقهم بين مدلولاتها الخفية؛ لأن لفظة
«مِنْ» تقتضي كونهم من الأمة لا كفاراً، بخلاف «في..» [١٣] .
يقرر الصحابة ﵃ في ردهم على المخالفين والمبتدعين صلة
هذه البدع بالملل والديانات السابقة، مما يدل على سعة علمهم، وغزارة معرفتهم،
وبُعْد أُفُقِهم، ومن ذلك: مقالة ابن عباس ﵄ : «اتقوا هذا الإرجاء، فإنه شعبة من النصرانية» [١٤] . ولاغرابة في ارتباط تلك البدع بالملل الأخرى، فإن الأفكار لا تموت، ولكل قوم وارث، وأما توجيه هذا الارتباط بين النصرانية
والإرجاء، الذي أشارت إليه مقالة ابن عباس فيبدو والله أعلم أن من القواسم
المشتركة بين الطائفتين أن النصارى زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، كما ادعى
المرجئة لأنفسهم وكذا جميع الفساق والعصاة أنهم مؤمنون كاملو الإيمان، كما يغلب
على النصارى التفريط والتقصير، فلايرون شيئاً حراماً ولانجساً، ويأكلون
الخبائث [١٥] ، وشابههم المرجئة في هذا التفريط فضيعوا الواجبات وانتهكوا
المحرمات.
وقد ورث سعيد بن جبير ﵀ هذا العمق وسعة الأفق من شيخه ابن
عباس ﵄، فقال سعيد: «المرجئة مثل الصابئة..» [١٦] .
وقد حفلت مرويات الصحابة ﵃ وسيرهم بأنواع من الحوارات
الهادفة والردود القوية تجاه المخالفين، نكتفي بمثال واحد مع التعليق عليه:
عن عمرو بن سلمة الهمداني، قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود
﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو
موسى الأشعري، فقال: أَخَرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا
حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن،
إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو، قال: إن عشت ستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً، ينتظرون
الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مئة، فيكبرون مئة، فيقول: هللوا مئة، فيهللون مئة، ويقول: سبحوا مئة، فيسبحون مئة، قال:
فماذا قلت لهم؟ ، قال: ما قلت لهم شيئاً انتظاراً لرأيك، قال: أفلا تأمرهم أن
يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلْقة من تلك الحِلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نَعُدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا
سيئاتكم؛ فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحَكم يا أمة محمد! ماأسرع
هلكتَكم، هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تكسر،
والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟ ! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن
يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا: أن قوماً يقرؤون القرآن
لايجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وأيم الله لعل
أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم.
فقال عمرو بن سلمة: فرأينا عامة أولئك الِحلق يطاعوننا يوم النهروان مع
الخوارج [١٧] .
لقد تضمن هذا الأثر فوائد عديدة ودروساً مفيدة، فنذكر بعضاً
منها [١٨] :
١- ضرورة الرجوع إلى فهم الصحابة ﵃ للنصوص الشرعية، والاستعانة بتفسير الصحابة للسنة النبوية.
فالصحابة ﵃ شهدوا تنزيل القرآن، وعرفوا خاصّه وعامّه،
وهم أعلم الأمة بحديث رسول الله ﷺ وسيرته ومقاصده [١٩] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومعلوم أن كل من سلك إلى الله
علماً وعملاً بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة
وأئمتها، فلا بد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير
الطريق المَهْيَع فلا بد أن يسلك بنيات الطريق» [٢٠] .
٢- أن الإعراض عن فقه الصحابة لنصوص الوحيين من أسباب الزيغ
والضلال، وهذا ما أشار إليه ابن مسعود ﵁ بقوله: «والذي نفسي
بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أَوَ مفتتحو باب ضلالة؟ !» ،
وصدق ابن مسعود ﵁ ، وصحت فراسته، فقد آل الأمر بهؤلاء: إلى
أن سلكوا طريق الخوارج الضالين، قال (تعالى) : [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ
أَعْمَالاً * الَذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً]
[الكهف: ١٠٣، ١٠٤] .
٣- أن البدع والانحرافات تبدأ شيئاً فشيئاً،، فأول ما تكون شبراً ثم تصير
ذراعاً، ثم تؤول إلى أميال وفراسخ، فبداية هؤلاء: الإعراض عن سنة التسبيح
بالأنامل، والاشتغال بالذكر بطريقة مبتدعة.. إلى أن انتهى بهم الأمر إلى الخروج
عن جماعة المسلمين وقتال أهل الإسلام.
وقد أشار الإمام مجاهد ﵀ إلى تدرج البدع، وأنها طريق إلى الشرك، فقال: «يبدؤون جهمية، ثم يكونون قدرية، ثم يصيرون مجوساً [٢١] » .
ويقول ابن تيمية في هذا المقام:
«ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة، فإنه يكون الرجل واقفاً،
ثم يصير مُفَضّلاً، ثم يصير سبّاباً، ثم يصير غالياً، ثم يصير جاحداً
معطّلا [٢٢] » .
٤- أن النية الحسنة وإرادة الخير لاتكفي وحدها، كما قال ابن مسعود: «
وكم من مريد للخير لن يصيبه» ، فيتعين الاتباع للسنة وموافقة الصواب، فليس
العبرة بالإكثار من العبادة دون اتباع وسنة، ولذا قال ابن مسعود أيضاً: «اقتصاد
في سنة خير من اجتهاد في بدعة» [٢٣] .
٥- أن ثمة تلازم بين مخالفة الحق ووقوع العداوة والبغضاء، فإن الخوارج
وكذا أهل الأهواء عموماً لما أعرضوا عن السنة وفقه الصحابة فهموا القرآن حسب
أهوائهم وقد أدى بهم ذلك إلى أن جعلوا القرآن عضين، فآمنوا ببعض الكتاب،
وكفروا ببعضه، مما أوجب العداوة والبغضاء فيما بينهم، وفي المقابل؛ فإنه لمّا
آمن الصحابة ومن تبعهم بإحسان بجميع النصوص الشرعية: أورثهم ذلك اجتماعاً
واتفاقاً؛ قال (تعالى) : [وَمِنَ الَذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظاً مِّمَّا
ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ] [المائدة: ١٤] .
يقول ابن تيمية في بيان معنى هذه الآية: «فأخبر أن نسيانهم حظًّاً مما ذكروا
به وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به كان سبباً لإغراء العداوة والبغضاء بينهم،
وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها
وكثير من فروعه» [٢٤] .
وفي ختام هذه المقالة: أسأل الله (تعالى) أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن
يحشرنا في زمرة النبيين والصديقين، وبالله التوفيق.
стр. 2098
مذكرات قارئ
كتاب الوسادة
بقلم:محمد بن حامد الأحمري
قرأت في مقالة لطه حسين: أنه كان يتخذ كتاباً سهلاً يسيراً، يقرأ فيه قبيل
النوم على طريقة المثقفين فيما يسمونه كتاب الوسادة، وأعجبتني الفكرة، فتناولت
كتاباً قبيل النوم بقصد أن يجلب لي النوم، وبعد ليلة أو ليلتين ثبت لي جدوى الفكرة
وسرعة تَأَتّي النوم، وما هي سوى بضعة أيام حتى وجدتني أسقط نائماً بعد أسطر
من قراءة أي كتاب في أي وقت، قبل النوم أو بعده، مساءً أو صباحاً، وأصبح
الكتاب عقاراً منوماً أقوى من أي منوّم، وتذكرت صديقي الذي طالما كنت أسخر
من تنويم الأسطر له، فقد كان تلازم الكتب والنوم عنده مثار النكته والسخرية،
وكان خفيف الظل خلوقاً مبتلى بالنوم أول ماتقع عيناه على الأسطر، وقد كان
بعض زملائه (العيارين) يرقبه عندما يضع بين يديه «فتح القدير» بطبعته
الضخمة الصفراء، وماهي إلا دقائق حتى يميل المجلد الضخم، ويسقط أخونا فوقه
نائماً، ويعود زميله للحديث عن المشهد مساءً.
استحضرت ذلك المشهد مشهد زميلي ساقطاً فوق الكتب (وكان ينجح إذا نجح
على حافة النجاح) وقد عرفته من خير الناس خلقاً وديًنا ورجولة (وفاءً بحقه قلت
هذا) وهو خير مما قلت عنه، وأعلم أنه لن يقرأ هذه الأسطر فهي في وسط
المقال! ! ، وصاحبي لو حاول القراءة فما أراه يصل إلى هنا إلا وقد نام، فلا أظنه يقرأ مدحي له.
فتملكني الخوف من هذه الطريقة الفاشلة في القراءة، وشككت في فكرة كتاب
الوسادة حين أصبح كل كتاب كتاباً للوسادة، وعزمت على ترك رأي طه حسين
آسفاً له أنه لم يناسبني، ومرت أيام فإذا بي أجد أن مارون عبود كان يجعل القرآن
كما زعم كتاباً للوسادة يقرأه قبيل النوم رغم مارونيته وقد زعموا حفظه له، وقد
وجدت من كتبه العديدة حسن استحضاره للآيات، فتيّقنت أنه كان حسن الصلة به،
والله الهادي، لكني لا أعلم أن (أبا محمد) ! ! قد أسلم، وقد كان أولى به هذا، وأن
يتبع سابقه أحمد فارس لشدياق، وكان معجباً به وقد كتب عنه كتاباً.
ومر زمن حتى وجدتني أقرأ للإمام الغزالي نصيحته لطالب العلم بالجد
والعزيمة في القراءة، وألا يستسلم للنوم حتى يقهره ولايجد منه ملجأً، وفرحت
بقول أبى حامد؛ لأنه ناسب هوى في نفسي، وقد كنا جرينا على الاستسلام لكلام
الآخرين وعدم معرفة مناسبة أقوالهم لأحوالنا، وهذا داء دوي للمثقفين في كل مكان
وعصر، إذ هم قطعان هائمة تلحق مقدمها وهو منها كاتب أوشاعر أو مفكر أو
روائي تهيم وراءه بلا عقل، فإياك إياك وأخلاق المثقفين هذه، فإن عقولهم أحياناً
أصغر جدّاً من ثقافتهم، ومعارفهم وقراءاتهم الواسعة هشيم حَصَادهُ للآخرين، أو هم
في سبيل حصاده، أو تلقى فيه شرارة وعي تلتهمه فتتغذى به؛ لأن الثقافة غالباً
مادة لشيء آخر أو هي لاتثمر في فراغ، فلا بد لها من سياق يحتويها أو عمل
تسعى له أو قضية تخدمها، فهي وقود لشيء غيرها، ولا تظهر دون خدمة هدف،
ثم سهرت ليالي مع أبي حامد وغيره كانت أنفع لي من كتاب الوسادة، ومن بعد:
تذكرت [خذ الكتاب بقوة] ، وإنه وإن كان الكتاب في الآية غير الكتاب هنا،
ولكن مبدأ الجد والفاعلية والتجاوب والأخذ والعطاء مع النص هو ماكُتب له الكتاب، وكل كتاب يكتبه الجادون من الناس، والذي غاب عني وقتها أنني كنت قبل
العشرين وكان طه قد نيف على السبعين، وكان لايطيق النوم ولايجد له سبيلاً،
فيتحايل عليه بالقراءة المنومة، وكسل الصبا ونومه كان يدعوني من كل باب للنوم، وشتان شتان بين الحالين، وقراءة الشباب غير قراءة الشيوخ.
ذاك ما كان من حديث كتاب الوسادة، وكان الأولى لي: (خذ الكتاب بقوة)
وخذ ما يناسبك من الحالين أو غيرهما، ولا تلتزم قولي؛ فإن الخلاصة أن لكل
قارىء طريقه، ولي عودة إلى قوة القراءة.
стр. 2099
ثمرات المنتدى
الأنشطة الثقافية الصيفية
للمنتدى الإسلامي
يحرص المنتدى الإسلامي على ترشيد العمل الإسلامي وتنشيطه، وذلك بنشر
العلم الشرعي الصحيح والتربية الإسلامية المتوازنة في أوساط المسلمين عموماً،
وفي أوساط الدعاة وطلبة العلم خصوصاً، وقد كان صيف هذا العام ولله الحمد
والمنة حافلاً بالعديد من الأنشطة الدعوية والبرامج التربوية، وسوف نعرض عدداً
منها في هذا التقرير المختصر.
أولاً: الملتقيات الدعوية
١- الملتقى الدعوي التاسع عشر في بريطانيا:
عقد الملتقى في مدينة «لستر» في يومي التاسع والعاشر من شهر ربيع
الأول من عام ١٤١٦هـ، وكان عنوان الملتقى «الابتلاء.. طريق التمكين» ،
ومن أبرز المحاضرات التي ألقيت:
(أ) دور التربية في التمكين.
(ب) المسلمون في الغرب وسنة الابتلاء.
(ج) من صور الابتلاء في حياة الدعاة.
(د) تمكين الدين بين الجموح والجحود.
(هـ) المرأة وابتلاءات الدعوة.
٢- الملتقى الدعوي الثالث في غرب إفريقيا:
عقد هذا الملتقى في مدينة «لومي» في جمهورية التوجو، واستمر لمدة
ثمانية أيام من ٣ إلى ١٠ ربيع الأول من عام ١٤١٦هـ، وشارك فيه ١٥٠ داعية
من ثمان دول، وهي: بنين، والتوجو، وغانا، ونيجيريا، ومالي، والنيجر،
والسنغال، وبوركينافاسو.
ومن أبرز المحاضرات التي ألقيت:
(أ) التربية الجادة ضرورة.
(ب) الإيجابية في حياة الداعية.
(ج) اتباع النبي ﷺ حقيقته ومظاهره.
(د) كيف تعد خطبة الجمعة؟
بالإضافة إلى البحوث والندوات التي قدمتها الوفود المشاركة، ومنها:
(أ) نظرات في دعوة المرأة في غرب إفريقيا. (في هذا العدد تلخيص يجمع
البحوث المقدمة في هذا الموضوع) .
(ب) المنهج الشرعي في التعامل الصحيح مع أصحاب الطرق الصوفية.
كما تميز هذا الملتقى بإعداد دورتين متخصصتين هما:
(أ) دورة في الإدارة وأساليب التخطيط والتنظيم.
(ب) دورة في تنظيم الدورات والأنشطة العلمية والتربوية.
٣- الملتقى الدعوي الثالث في شرق إفريقيا:
عقد هذا الملتقى في مدينة «ممباسا» في كينيا، واستمر ثمانية أيام من ٣
إلى ١٠ ربيع الأول من عام ١٤١٦هـ، وشارك فيه ١٠٠ داعية قدموا من عدة
دول، منها: كينيا وتنزانيا والصومال وأوغندا.
وقد قسمت أيام الملتقى قسمين:
الفترة الصباحية: وتقدم فيها الدروس العلمية المتخصصة مثل:
(أ) شرح العقيدة الواسطية.
(ب) دروس منتخبة من بلوغ المرام.
(ج) دروس في علم التفسير وأصوله.
الفترة المسائية: وتقدم فيها المحاضرات والأنشطة العامة، ومن أبرز
المحاضرات:
(أ) حيلة التقريب بين السنة والشيعة.
(ب) مقاصد التشريع الإسلامي.
(ج) الهجر الممنوع والهجر المشروع.
(د) العلمانية وآثارها في العالم الإسلامي.
(هـ) الحزبية: معالمها وآثارها وأخطارها.
كما قام الشيوخ المشاركون في الملتقى بإلقاء الدروس والمحاضرات في مساجد
المنطقة وبعض مدارسها، مما كان له الأثر الكبير على عامة المسلمين ولله الحمد.
ثانياً: الدورات الشرعية:
١- الدورة الشرعية الثامنة للدعاة في بريطانيا:
عقدت الدورة في مبنى المنتدى الإسلامي في لندن لمدة أسبوعين من ١١ إلى
٢٣ ربيع الأول من عام ١٤١٦هـ، حضرها ٤٤ طالباً، ووزع فيها الدارسون
على التخصصات التالية: العقيدة والحديث والفقه، وقام المشاركون في الدورة
برحلة جماعية.
وعلى هامش الدورة أقيم عدد من المحاضرات العامة، منها:
(أ) الغلو في الدين أسبابه وأثره على وحدة المسلمين.
(ب) المصلحة الشرعية: ضوابط ومقاييس.
٢- الدورة الشرعية الثانية للناطقين بالإنجليزية في بريطانيا:
عقدت الدورة في مبنى المنتدى الإسلامي في (لندن) ، وشارك فيها عشرة
طلاب فقط.
٣- الدورة الشرعية لإعداد الدعاة في نيجيريا:
عقدت الدورة في مدينة «كانو» في شمال نيجيريا، واستمرت لمدة أسبوع
من ٢٠ إلى ٢٦ ربيع الأول من عام ١٤١٦م هـ، وشارك فيها ١٢٠ داعية من
١٣ ولاية من ولايات نيجيريا.
وقد قسم الدارسون قسمين، وألقي عليهم عدد من الدروس المتخصصة في
العقيدة والتفسير والسيرة النبوية، بالإضافة إلى عدد من المحاضرات والندوات
العامة.
ولله الحمد، فقد قام الشيوخ المشاركون في الملتقى بزيارة المراكز الإسلامية
والمساجد مما كان له الأثر البالغ في المنطقة.
٤- الدورة الثالثة لمدرسي المدارس العربية والإسلامية في نيجيريا:
عقدت الدورة في مدينة «جوس» في نيجيريا، وشارك فيها ٣٥٠ مدرساً
من مدرسي المدارس العربية والإسلامية المنتشرة في جوس وضواحيها. واستمرت
الدورة لمدة أسبوعين كاملين.
وقد قسم المشاركون في الدورة ثلاثة أقسام حسب مستوى تحصيلهم العلمي.
ومن أهم موضوعات هذه الدورة:
(أ) وجوب التزام منهج السلف الصالح في العقيدة والسلوك.
(ب) عقيدة أهل السنة والجماعة وضوابط التكفير.
(ج) البدعة أسبابها وعلاجها.
(د) واجب المسلم نحو الصحابة ﵃ .
٥- الدورة الثانية لإعداد الأئمة والدعاة في أوغندا:
عقدت الدورة في مدينة «كمبالا» في أوغندا، لمدة عشرة أيام من ١٣ إلى
٢٣ ربيع الثاني ١٤١٦هـ شارك فيها ثلاثون إماماً وداعية من أئمة ودعاة ١٤
محافظة أوغندية، وقد قُسم الدارسون قسمين، وقدمت لهم دروسٌ في العلوم التالية:
* التلاوة والتجويد. * العقيدة. * التفسير. * الفقه.
* الحديث. * السيرة النبوية. * اللغة العربية * الخطابة.
بالإضافة إلى عدد من المحاضرات والأنشطة التربوية الأخرى، وكان من
أبرز المحاضرات:
(أ) خطورة الشرك، وبيان أنواعه عند قبيلة الباقندا (أكبر قبيلة في أوغندا) .
(ب) دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام.
(ج) من أخلاق الدعاة والأئمة.
٦- دورة شرعية لمدرسي حلقات القرآن الكريم في التوجو:
عقدت الدورة في مدينة «لومي» لمدة أسبوع من ١٠ إلى ١٤ ربيع الأول
من عام ١٤١٦هـ، وتهدف إلى نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة بين المدرسين،
ومن ثم تربية النشء عليها، كما تهدف أيضاً إلى تحسين الأداء العلمي والإداري
للمدرسين، وقد بلغ عدد المشاركين (١٠٣) مدرسين، (٣٩مدرساً منهم من مدرسي
حلقات المنتدى الإسلامي، و٦٤مدرساً من غير هم) .
٧- دورة شرعية لمدرسي حلقات القرآن الكريم في غانا:
عقدة الدورة في مدينة «أكرا» لمدة أسبوع من ١٩ إلى ٢٥ ربيع الأول من
عام ١٤١٦هـ، وقد بلغ عدد المشاركين (١٠٥) مدرساً، (٨٠ مدرساً من مدرسي
حلقات المنتدى الإسلامي، و ٢٥ مدرساً من غير مدرسي حلقات المنتدى) .
٨- دورة شرعية لتأهيل الدعاة في بنجلاديش:
عقدت الدورة في مدينة «دكا» واستمرت لمدة عشرين يوماً، وكانت دورة
مكثفة من ١٥ صفر إلى ٥ربيع الأول من عام ١٤١٦هـ، وشارك فيها (٥٠)
داعية وإماماً جامعياً.
٩- الملتقى التربوي العلمي الأول في جيبوتي:
عقد الملتقى في جيبوتي لمدة تسعة أيام من ٢٠ جمادى الثانية إلى الأول من
رجب من عام ١٤١٦هـ، وشارك فيه خمسون داعية.
١٠- الدورة الشرعية النسائية الأولى في كينيا:
عقدت الدورة في مدينة «نيروبي» لمدة خمسة أيام من ١٨ إلى ٢٣ ربيع
الأول من عام ١٤١٦هـ، وشاركت فيها (٦١) طالبة تتراوح أعمارهن مابين ١٤
١٨سنة.
وقد قدمت فيها دروس في العقيدة والتجويد وأحكام الصلاة وأحكام النساء
ونوقشت بعض المشكلات السائدة في بلاد المسلمين كالتبرج والاختلاط ونحوهما.
وكان لهذه الدورة أثر طيب يشجع على المزيد من هذه الدورات النسائية بحول
الله وقوته.
ثالثاً: المخيمات الدعوية الشبابية:
تهدف هذه المخيمات الشبابية إلى احتضان الشباب المسلم وتربيته تربية
إسلامية ناضجة، وتقديم البديل الإسلامي المتميز لاحتواء الشباب وصقل قدراتهم
وتنمية إمكاناتهم.
ومن أبرز المخيمات التي أقامها المنتدى الإسلامي في صيف هذا العام:
١- المخيم الطلابي في مالي:
أقيم هذا المخيم في مدينة «سيكاسو» في مالي، وشارك فيه (٢٠٠) طالب،
تم ترشيحهم من المدارس العربية والفرنسية من (١٢) مدينة وقرية، واستمر المخيم
أُسبوعاً كاملاً من ١٨ إلى ٢٣ ربيع الأول من عام ١٤١٦هـ.
ومن أبرز المحاضرات التي ألقيت في المخيم:
(أ) نواقض الإسلام.
(ب) الصلاة ومكانتها في الإسلام.
(ج) دورالشباب المسلم.
(د) مرض الإيدز أسبابه وأخطاره.
٢- المخيم الطلابي الثاني في كينيا:
أقيم هذا المخيم في مدينة «مرتي» في كينيا، وقد قسم المخيم قسمين
منفصلين تماماً:
الأول: للشباب، والثاني: للشابات.
وكان مجموع المشاركين (٢٠٠) شاب وشابة، واستمر المخيم لمدة عشرة أيام، كانت حافلة بالعديد من الأنشطة والبرامج الدعوية والتربوية.
٣- مخيم الطلبة الجامعيين الأول في غانا:
أقيم هذا المخيم في مجمع الصديق التعليمي التابع للمنتدى الإسلامي في مدينة
يناكروم، واستمر لمدة أسبوع، شارك فيه (١١٨) طالباً انتخبوا من الطلاب
المتميزين من جامعات غانا الأربع، مما ساعد في إنجاح برامج المخيم وإثرائها
بالعديد من المشاركات الناضجة.
وختاماً: فهذه بعض أنشطة المنتدى الإسلامي الثقافية التي أقيمت في صيف
هذا العام، ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يوفقنا للمزيد
من الصالحات وأن يبارك في جهودنا ويجعلها لوجهه خالصة.. وصلى الله على
محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2100
الورقة الأخيرة
اللهم لا شماتة
بقلم: أحمد عبد العزيز
الموت حقيقة يعرفها الجميع، وهو نهاية كل حي، ولايصح بحال أن يشمت
أحد بميت حتى ولو كان كافراً، وبالأمس تبجح رئيس وزراء العدو الهالك (إسحاق
رابين) وهو في ذروة السلطة بأنه أمر باغتيال زعيم فلسطيني في مالطة، وسبق
للسلطات الصهيونية أن قالت في أكثر من مناسبة: إن يدها طويلة تصل إلى أي
فرد أو دولة تهدد كيانها، ولم تمض ساعات حتى خر رابين صريعاً متشحطاً بدمائه، وقامت قيامة يهود ولم تقعد؛ خوفاً وهلعاً من أن تكون يد فلسطينية نفذت ما هددت
به من الدعوة لاستئصاله في أقرب فرصة، لكن القوم صدموا بأن الذي ارتكب هذه
الفعلة هو شاب صهيوني متدين غارق في صهيونيته، أخذ على رابين اندفاعه لما
يسمى بالسلام وتفريطه فيما سماه بأرض إسرائيل، وأنه ليس نادماً على ما فعل،
وقالت وسائل الإعلام: إن الشاب متطرف إسرائيلي وأن التطرف خطر على
التوجه نحو السلام ونسوا أو تناسوا ومعهم بعض الصحف العربية المشبوهة.
(المتطرفة علمانياً «أن دولة يهود قامت على أسس دينية، بل على منطلقات
تلمودية متطرفة، وأنها غرست بذرة التطرف في أجيالها، وسمحت لأحزاب دينية
بالعمل في وضح النهار، بل إن بإمكانهم لو شاركوا في إحدى الوزارات سحب
ثقتهم منها، وبالتالي سقوطها لو أرادوا.
هذا التطرف لم تسلط الأضواء لكشفه والتحذير منه؛ لأن فعل ذلك يعني: أن
العدو الصهيوني عينه يكشف نفسه بنفسه، ويفضح اتجاهاته (إياها) الغارقة في
أحلام صهيون الزاعمة أن أرضهم من الفرات إلى النيل، وهذا ما تتجاهله الصحافة
العلمانية.
إن حزب العمل اليساري أو الليكود اليميني وجهان لعملة واحدة، وسواءً أحكم
(بيريز أو ناتان ياهو) ؛ فالعقلية الصهيونية واحدة في العداء لأمتنا ولديننا وهم وإن
تظاهروا بالحدب على السلام إنما لكونه سيعطيهم الأمان في بحر من الأعداء يحيط
بهم؛ لاغتصابهم أرضه ومقدساته.
وفي الوقت نفسه ستتيح لهم (الشرق أوسطية الجديدة) فتح أسواق عربية
لاستهلاك معطيات اقتصادهم؛ فضلاً عن التوجه السياحي الذي سيغرق فيه فئات
من الناس، ستتداعى عليهم كتداعي الذباب على الشراب أمام مغريات يهود في نشر
الفاحشة والتفنن في عرضها.
إن مصرع رابين عظة وعبرة لكل ظالم ومفترٍ، وبخاصةٍ من يسومون الناس
سوء العذاب ويصادرون خيارهم، ويعملون على تهميش فئات معينة؛ وما ذاك إلا
خوفاً من أن تسحب البسط من تحت أرجلهم فنذكرهم بقوله تعالى [وَلا يَحِيقُ المَكْرُ
السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ] [فاطر: ٤٣] والعاقل من اتعظ بغيره.
والله من وراء القصد،،،
стр. 2101
شعبان - ١٤١٦هـ
يناير - ١٩٩٦م
(السنة: ١٠)
стр. 2102
كلمة صغيرة
قف وتأمل
يكاد المتابع لجهود المنصرين لا يصدق ما تقدمه مؤسساتهم من أعمال ضخمة: في بناء الكنائس والمدارس والمستشفيات والملاجئ، وطبع الأناجيل والترجمة
لمنشوراتهم الدينية بملايين الطبعات وبمختلف اللغات، وكذلك جهود آلاف من
المتطوعين لأداء تلك الأعمال في شتى التخصصات منذ سنوات طويلة. بل إن
المنصرين استطاعوا اختراق ما يسمى بالمنظمات الإنسانية الدولية والتستر وراءها
لتنفيذ برامجهم ونشر دعوتهم. وقد رفع بابا الفاتيكان لواء التنصير معلناً شعاره
المحفز للإرساليات التنصيرية (إفريقيا نصرانية عام ٢٠٠٠م) ، وتتوالى رحلاته
المكوكية في إفريقيا وآسيا ليشرف بنفسه على بناء القواعد وترسيخ الأقدام، وليس
غريباً أن تقابل زياراته بالاحتفاء الرسمي والإعلامي، ولكن الغريب كل الغرابة أن
يحظى استقباله بحشود هائلة من عوام المسلمين؛ ففي السنغال مثلاً (حيث نسبتهم
٩٥%) لم يجدوا مكاناً يستوعب المستقبلين للبابا إلا الملعب الرياضي! ! وهؤلاء
المسلمون بجهلهم وفقرهم هم الأرضية الخصبة التي يتحرك فيها المنصرون.
وليس هدفنا من هذا إشاعة الإحباط والتخذيل، أو التقليل من جهود الجمعيات
الإسلامية، لكننا نتساءل وبصدق أين جل المسلمين عن حمل لواء دينهم؟ ولماذا
يترك عوام المسلمين وفقراؤهم ضحايا للتنصير؟ !
стр. 2103
افتتاحية العدد
يا دعاة الإسلام
هذا هو الطريق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وقائدنا وقدوتنا محمد وعلى
آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الدعوة إلى الله همّ كل مسلم مخلص يؤمن باستمرارية هذا الدين، وضرورة
إيصاله إلى الناس كافة. ويحز في قلوبنا جميعاً ماتتعرض له الدعوة إلى الله من
سوء فهم أو مضايقة أو مصادرة.
وإيماناً من المسؤولين في (مجلة البيان) بمواصلة رسالتهم في الدعوة والتوجيه
انطلاقاً من قوله (تعالى) : [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] لإثراء ثقافة القارئ بكل ماتتطلبه من بيان صحة
المعتقد الثابت عن سلفنا الصالح ﵃ من الصحابة والتابعين ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والاهتمام بتزكية النفس وربطها بالنبع الأخلاقي
السليم، ومتابعة واقع إخواننا المسلمين في شتى البقاع، ونقل شؤونهم وشجونهم،
ومحاولة كشف كل مايخطط ضدهم من أعداء الإسلام داخلياً وخارجياً. ومع
ضخامة هذه المسؤولية وماتتطلبه من جهد ومتابعة، بل ومن حرج أحياناً، إلا أننا
في الوقت نفسه لاننسى حال الدعوة الإسلامية المعاصرة: واقعها ومشكلاتها،
ومحاولة استشراف مستقبلها، والعمل الجدي المخلص لعلاج مايعتَوِرها من سلبيات، وتصويب ما قد يحدث فيها من أخطاء، وذلك إيماناً منا بوجوب التعاون على البر
والتقوى، وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب التناصح بين
المسلمين، ومع الاهتمام بالنقد الذاتي الهادف بين العاملين في حقل الدعوة، وهذا
مانحرص عليه ولله الحمد في كثير من مواد هذه المجلة؛ رغبة في جمع الكلمة
ووحدة الصف على السنة، ونبذ الاتجاهات البدعية، والرفض للتوجهات التجديدية
المشبوهة.
إن بعض الدعاة والباحثين في حقل الدعوة عند مناقشة مثل هذا الموضوع
ينادون بأهمية البحث في إيجابيات الدعوة ونشرها، وغض النظر عن سلبياتها؛
بحجة عدم المساهمة من حيث لانشعر في العمل جنباً إلى جنب مع المناوئين للدعوة
والشانئين لها والعاملين ليل نهار ضدها بوضع الأحجار في طريقها، ومحاولة
الإساءة لرموزها لأسباب لاتخفى على أي متابع.
ومع تقديرنا لنبل هدف أولئك الإخوة وحسن مقصدهم فيما نحسبهم إلا أن
الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن ذهن أي مسلم: أن المعول عليه في مثل هذه
الأمور حينما توضع على بساط البحث: ألا ننظر لرأي دون رأي، لاسيما وأن
بعض العلماء والدعاة المعروفين قد ناقشوا هذه المسألة وتحدثوا عنها بكل صدق
وإخلاص؛ ماحضين النصح وباذلين الجهد، داعين إلى أهمية سير الدعوة على
الأسس الشرعية؛ ليتسنى لها أداء رسالتها كما يجب، مع الدعوة بصراحة إلى
التوقف طويلاً أمام تجربة الكثير من الدعوات الإسلامية المعاصرة بعد عقود متتابعة، والتساؤل مع ما قدمت تلك (الدعوات) من نتائج ما مدى مشرعية ما أحدثته من
سلبيات على أفرادها من ناحية، وعلى الدعوة من نواحٍ أخرى؟ . مع الأخذ في
الاعتبار ماقدمته تلك الدعوات على وجه العموم من جهود طيبة وأعمال جليلة،
وماساهمت به من دور كبير في الصحوة الإسلامية في ديار الإسلام مما لاينكره إلا
جاهل أو متجاهل، غير أن ذلك لايمنع من أن نتساءل مع كل مخلص: لماذا لا
يقوم الدعاة بالتركيز على أعمالٍ مهمة يفترض قيامهم بها لاسيما في ترشيد أساليب
الدعوة وتفعيل الحوار فيما بينهم؟ أين الدعاة من الأخذ بالهدي النبوي والتحذير من
البدع المخترعة التي أصبحت سمة كثير من المجتمعات المسلمة؟ لماذا التساهل في
إصلاح عقيدة العامة ممن لايزالون غرقى في دركات الشرك، تحت تأثير بعض
فرق الضلال كالأحباش وأضرابهم مثل: شد الرحال للأضرحة والمقامات،
والاستغاثة بالأولياء والأموات مما يطعن في أصل التوحيد أو كماله؟
ثم ماذا استفادت الصحوة من شيوع النزعة الحزبية التي اتسم بها كثير من
الجماعات الإسلامية حتى أدى الأمر للموالاة والمعاداة بسببها، مما أنشأ صراعاً
داخليا بين الإسلاميين أنفسهم تجاوز الحدود بشكل مأساوي ولّد سوء الظن وتصيد
الأخطاء والتجريح بلا مسوغ [وتحسبونه هينْا وهو عند الله عظيم] (النور: ١٥) .
ثم هناك ما يُسمى بـ «الاتجاهات التجديدية المحدَثة» التي خرج بها
بعضهم عن أصول الإسلام وثوابته؛ فأصبح لايقيم وزناً للأدلة الشرعية المعتبرة،
ولاينظر في إجماع الأمة، حتى صار الإسلام في نهجهم تابعاً لامتبوعاً؛ بدعاوى
تافهة ماأنزل الله بها من سلطان!
وهذه التوجهات نتجت من الاهتمام بالنواحي الفكرية البحتة على حساب العلم
الشرعي والتخصص فيه، وبالتالي فقدان التأصيل الشرعي في المواقف العلمية
والعملية، والترفع عن استفتاء العلماء العدول المشهود لهم بالعلم والعمل الصالح،
مما أدى إلى السقوط في غمرة الفتاوى المستعجلة التي أدت إلى الوقوع في مآسٍ
كبرى، نتج عنها مشكلات فردية وجماعية انعكست بالسوء على واقع الدعوة أفراداً
وجماعات، كما هو ملموس في بعض البلدان والله المستعان.
إننا بعرضنا لتلك المآخذ من واقع بعض الحركات الإسلامية لانقصد الإساءة
لأحد ولانغمط أحداً حقه، بل ندعو للجميع بالتوفيق والسداد. ومعاذ الله أن نكون
عوناً للمعادين للدعوة، إنما نهدف إلى إصلاح الأحوال والتنبيه على كثير من
الأخطاء الشائعة في الواقع الدعوي، ونعتقد جازمين أن (الدعوة إلى الله) عبادة
يجب انطلاقها من أصول ديننا الحنيف: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه
وسلم- بفهم سلفنا الصالح، ومن ثم التوقف عن الأساليب المتعجلة والطرق الملتوية
والمناهج البدعية.
كم نحن بحاجة إلى وقفة جادة وشجاعة بالتمسك بالسبب الذي نُصِر به الرعيل
الأول، وهو ماوصاهم به النبي ﷺ القائد محمد «تركت فيكم
أمرين لن تضلوا ما مَسَكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه» [١] وردّ كل خلاف إليهما. دعونا نعود للمنهج النبوي القائم على تحقيق الإخلاص لله وحده، وأهمية أن تكون
العقيدة أولا؛ بتحقيق توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وتوحيد الاتباع
بجعل الحاكمية لله ورسوله ﷺ ، وأن يواكب ذلك تجريد
المتابعة للرسول ﷺ والانطلاق في ذلك من فهم سلفنا الصالح
﵃ .
ولنَرْمِ وراءنا الغلو القائم على النزعات الانعزالية، والتشدد الممقوت،
والتكفير بلا مسوغ صحيح، ولنحذر من الحزبية وما أحدثته من نزاع وشقاق،
ونترك الاتجاهات البدعية قديمها وحديثها، ولانستعجل قطف الثمار، فيكفي الدعوة
ما آل إليه حالها في كثير من البلدان نتيجة لما مر من سلبيات، ولنثق أن طريق
الدعوة غير مفروش بالورود، ولابد من مواجهة الشدائد، وليكن شعارنا
[ولنصبرن على ما آذيتمونا] (إبراهيم: ١٢) ، ولنهتم بتصويب أخطائنا ولا نقع فيما حذر منه النبي ﷺ في قوله: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» [٢] ، ولنعمل على إصلاح أساليبنا في الحوار والمناصحة للوصول إلى الحق، ولنتجاوز عما يسعه الخلاف مما وسع سلفنا. وحينها سنرى غِبّ ذلك خيراً كثيراً. [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣] .
стр. 2104
دراسات شرعية
المنهج العلمي للاستدلال
بين أهل السنة وأهل البدعة
(٢)
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن المنهج العلمي للاستدلال، وبين أنه يعتمد
على (الكتاب والسنة والإجماع) . ثم بين أن الاستدلال بهما يعتمد على ثلاث قواعد، الأولى: تعظيم النصوص، الثانية: الاعتماد على السنة الصحيحة، الثالثة:
صحة الفهم. ثم فصّل في القاعدة الثالثة، وذكر المسائل التي تعين على صحة الفهم، ومنها: الاعتماد على منهج الصحابة، ومعرفة اللغة العربية. ويواصل ذكر هذه
المسائل، ثم يتحدث عن منهج الاستدلال عند المبتدعة مبيناً فساده.
- البيان -
ثالثاً: جمع النصوص الواردة في الباب الواحد:
تمثل النصوص الشرعية وحدة واحدة يكمّل بعضها بعضاً، فكلها خرجت من
مشكاة واحدة، فلا يمكن أن يرد التناقض أو الاختلاف بينها، فقد وصف الله كتابه
العزيز بقوله: [وَإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] [فصلت: ٤١، ٤٢] .
وإذا تقرر هذا: فإنّه لايجوز أن يؤخذ نص ويترك نص آخر في الباب نفسه، فهذا سيؤدي إلى تقطيع النصوص وبترها، قال الله (تعالى) : [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ
الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] [البقرة: ٨٥] .
وفي هذا الباب يقول ابن تيمية: «إذا ميّز العالم بين ما قاله الرسول -صلى
الله عليه وسلم- وما لم يقله، فإنه يحتاج أن يفهم مراده ويفقه ما قاله، ويجمع بين
الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله، ويُفرق
بين ما فرق الله بينه ورسوله؛ فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون، ويجب تلقيه
وقبوله، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم ﵃ أجمعين) » [١] .
وقال الشاطبي: «ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد:
وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة
عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما
ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامّها المرتب على خاصّها، ومطلقها
المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بِبَيّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا
حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك الذي نظمت به حين
استنبطت ... » .
ثم يذكر القاعدة الإجمالية فيقول: «فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة
واحدة، يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة» [٢] .
وبعد هذا التقرير العلمي المتين يتبين: أنه لابد من جمع النصوص الواردة
في الباب الواحد، ووضع كل نص في موضعه. ولكن أحياناً قد يظهر التعارض
في ذهن الدارس لهذه النصوص، ولهذا وضع أئمة العلم قواعد علمية لدرء
التعارض، وهي:
١- الجمع بين النصوص بطريقة من طرق الجمع المعتد بها عند علماء
الأصول، مثل:
(أ) ردّ العام على الخاص.
(ب) ردّ المطلق على المقيد.
(ج) رد المجمل على المبين.
(د) رد المتشابه إلى المحكم.
(هـ) معرفة الناسخ والمنسوخ.. ونحو ذلك من الطرق.
٢- الترجيح بين النصوص بطريقة من طرق الترجيح التي ذكرها علماء
الأصول، ويلجأ إلى هذه الحالة عند تعذر الجمع بينها.
٣- وإذا لم يستطع الدارس الجمع أو الترجيح فإنه يتوقف حتى يتبين له الأمر.
رابعاً: معرفة مقاصد التشريع الإسلامي:
من فضل الله ورحمته على هذه الأمة أن شرع جميع الأحكام لمقاصد وغايات
عظيمة مبنية كلها على مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ]
[يونس: ٥٧] .
قال ابن تيمية: «الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل
المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدم
عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين» [٣] .
وقال ابن القيم: «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في
المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها،
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن
المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت
فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله أتم دلالة وأصدقها» [٤] .
إن معرفة مقاصد التشريع وغايات الأحكام تعين المجتهد في تصورالأحكام
تصوراً متكاملاً، ومن ثم يستطيع تقدير المصالح والموازنة بينها، والاجتهاد في
النوازل، ووضع الأمور في مواضعها اللائقة بها شرعاً وعقلاً؛ ولهذا فصّل العلماء
في دراسة الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ووضعوا قواعد لرفع الحرج
ودفع الضرر، وقواعد لسد الذرائع والمصالح المرسلة.. ونحو ذلك من المسائل،
لكي تعين المجتهد في تنزيل النصوص منازلها، وأخذها بمقاصدها، ولكي يعصم
الاجتهاد من الزيغ والانحراف.
منهج المبتدعة في التعامل مع النصوص الشرعية:
وبعد أن بينت المنهج العدل لأهل السنة في الاستدلال، أذكر فيما يلي منهج
المبتدعة، حيث تميّز المبتدعة على اختلاف فرقهم بالتقديم بين يدي الله ورسوله -
ﷺ ، وعدم تعظيم ما جاء في الكتاب والسنة. وسأذكر في هذه
المقالة أصولاً عامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال، وهي:
الأصل الأول: رد النصوص الثابتة والجرأة في الاعتراض عليها.
الأصل الثاني: العبث في الأصول الشرعية للاستدلال وتشويهها.
الأصل الثالث: إحداث أصول بدعية جديدة للاستدلال والتلقي.
وليس بالضرورة أن تأخذ كل فرقة من فرق المبتدعة بتفريعات هذه الأصول، فهم متفاوتون في بدعهم إفراطاً وتفريطاً، وينبغي التأكيد هنا أنني لا أتحدث عن
تاريخ مضى وانتهى، بل إن الفرق المتقدمة والمناهج المبتدعة لها امتدادات واسعة
في عصرنا الحاضر، بل زادت الانحرافات والضلالات مع زيادة الغفلة وتتابع
الجهل وقلّة العلماء. وقديماً قال ابن تيمية: «فالبدع في أولها شبراً، ثم تكثر في
الأتباع حتى تصير أذرعاً وأميالاً وفراسخ» [٥] .
الأصل الأول: ردّ النصوص الثابتة والجرأة
في الاعتراض عليها:
لعلّ من أوضح الأمثلة على هذا الأصل ما قاله عمرو بن عبيد إمام المعتزلة
وذكر حديث الصادق المصدوق: «لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو
سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته،
ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعتُ الله
يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا! !» [٦] .
وقال عمرو بن عبيد أيضاً: «لو كانت (تبت يدا أبي لهب» في اللوح
المحفوظ لم يكن لله على العباد حجّة! « [٧] .
وهذان مثالان جليان في جرأة المبتدعة على رد النصوص الثابتة المحكمة
والاعتراض عليها، وهي علامة من علامات الزندقة والفجور؛ ولهذا يصف ابن
تيمية غلاة الصوفية بقوله:» .. ولهذا يوجد في هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن
القرآن والشرع كما تنفر الحمر المستنفرة التي تفرّ من الرماة ومن الأسد، ولهذا
يوصفون بأنهم إذا قيل لهم: قال المصطفى، نفروا.. « [٨] .
وقال أيضاً:» فعدل كثير من المنتسبين إلى الإسلام إلى نبذ القرآن وراء
ظهره، واتبع ما تتلوا الشياطين، فلا يُُعظم أمر القرآن ونهيه، ولا يوالي من أمر
القرآن بموالاته، ولايعادي من أمر القرآن بمعاداته « [٩] .
ونظير هؤلاء: زنادقة العصر الحديث من العلمانيين وأشباههم الذين بلغت
جرأتهم في رد النصوص والاعتراض عليها حداً عظيماً والعياذ بالله، حتى بلغ
الحال عند بعضهم زَعْمَ أنّ الدين تراث مقدس، لكنه ليس صالحاً لهذا الزمان!
ولهذا طالبوا بفصله عن جميع شؤون الحياة: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
والإعلامية.. ونحوها.
الأصل الثاني: العبث في الأصول الشرعية
للاستدلال وتشويهها:
إن العبث في الأصول الشرعية للاستدلال سمة بارزة من سمات المبتدعة،
وهو باب من أبواب الحرب على الدين بتكدير منابعه وتشويه أصوله، ويأخذ هذا
العبث صوراً وأشكالاً متعددة تختلف باختلاف المبتدعة ومناهجهم، ومن أبرز معالم
هذا العبث:
أولاً: اتهام الرسول ﷺ بالكذب وتجهيله:
بلغ من انحراف بعض غلاة المبتدعة اتهامهم للرسول ﷺ
بالكذب والجهل، وذلك مثل قول غلاة الجهمية والفلاسفة، قال ابن تيمية عن
متأخري الصابئة:» .. ثم إن هؤلاء فيما تقوله الأنبياء حيارى متهوّكون، فإنه
بهرهم نور النبوة، ولم تقع على أصولهم الفاسدة، فصاروا على أنحاء، منهم: من
لايؤمن بكثير مما تقوله الأنبياء والمرسلون، بل يعرض عنه أو يشك فيه أو يُكذب
به، ومنهم من يقول: يجوز الكذب لمصلحة راجحة، والأنبياء فعلوا ذلك، ومنهم
من يقول: يجوز هذا لصالح العامة دون الخاصة، وأمثلهم من يقول: بل هذه
تخيلات وأمثال مضروبة لتقريب الحقائق إلى قلوب العامة، وهذه طريقة الفارابي
وابن سينا، لكن ابن سينا أقرب إلى الإيمان من بعض الوجوه وإن لم يكن مؤمناً.
فمن أدركته رسالة محمد وبهرته براهينها وأنوارها، ورأى ما فيها من
أصناف العلوم النافعة والأعمال الصالحة.. فلابد أن يتأول نصوص الكتاب والسنة
على عادة إخوانه في تحريف الكلم عن مواضعه، فيحرفون ما أخبرت به الرسل
عن كلام الله تحريفاً يصيرون به كفاراً ببعض تأويل في بعض صفات تنزيله.. «.
إلى أن قال في وصف منهجهم:» فهؤلاء جعلوا القرآن عضين، وضربوا
له الأمثال، مثل ما فعل المشركون قبلهم، كما فعلوا بالنبي ﷺ ؛ فإن هؤلاء منهم من يفضل الولي الكامل والفيلسوف الكامل على النبي -صلى الله
عليه وسلم-، ومنهم من يفضل بعض الأولياء على زعمه، أو بعض الفلاسفة مثل: نفسه أو شيخه أو متبوعه على النبي ﷺ ، وربما قالوا: هو
أفضل من وجه والنبي ﷺ أفضل من وجه، فلهم من الإلحاد
والافتراء في رسل الله نظير مالهم من الإلحاد والافتراء في رسالات الله، فيقيسون
الكلام الذي بلّغته الرسل عن الله بكلامهم، ويقيسون رسل الله بأنفسهم « [١٠] .
ثانياً: كتم النصوص:
ذكر الله (تعالى) أن أهل الكتاب كانوا يكتمون الحق، ولايظهرون منه إلا ما
تهواه نفوسهم، فقال (تعالى) : [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ
الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] [آل عمران: ٧١] .
وقد اقتدى المبتدعة بأهل الكتاب، وأخذوا بنصيب وافر من هذه الصفة
الذميمة، ولهذا قال وكيع بن الجراح» أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم، وأهل
الأهواء لايكتبون إلا مالهم « [١١] .
وقال ابن تيمية:» ومن المعلوم أنك لاتجد أحداً ممّن يَرُدّ نصوص الكتاب
والسنة بقوله، إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت،
وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله. قال بعض
السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه، وقيل عن بعض
رؤوس الجهمية إما بشر المريسي أوغيره أنه قال: ليس شيء أنَقْصَ لقولنا من
القرآن، فأَقِرّوا به في الظاهر، ثم صرّفوه بالتأويل. ويقال إنه قال: إذا احتجوا
عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل؛ ولهذا
تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية، بل قد يختار كتمان ذلك
والنهي عن إشاعته وتبليغه، خلافاً لما أمر الله به ورسوله ﷺ
من التبليغ عنه « [١٢] .
ثالثاً: تحريف النصوص:
تحريف النصوص ظاهرة خطيرة جداً وقع فيها كثير من المبتدعة بدرجات
متفاوتة، وسلفهم في هذا اليهود، فقد وصفهم الله بقوله: [أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا
لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [البقرة: ٧٥] .
وثمرة التحريف: تشويه النصوص وتكدير المنابع، حتى يتسنّى للمبتدعة
العبث في دين الله (تعالى) ، وهو ثلاثة أنواع بعضها أخفى من بعض:
النوع الأول: تحريف اللفظ.
النوع الثاني: تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ما هو عليه.
النوع الثالث: تحريف الأدلة عن مواضعها.
وسأتحدث عن هذه الأنواع الثلاثة باختصار شديد.
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وصف الله (تعالى) اليهود بقوله: [وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا
حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ
المُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَذِي قِيلَ لَهُمْ فَأََنزَلْنَا عَلَى الَذِينَ ظَلَمُوا
رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] [البقرة: ٥٨، ٥٩] .
وأخرج البخاري: عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-:» قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حِطة، فدخلوا يزحفون
على أستاههم، فبدّلوا: وقالوا: حطة حبّ في شعرة « [١٣] .
وتحريف اللفظ يؤدي إلى تحريف المعنى، ولهذا حرص عليه أئمة المبتدعة،
ومن أمثلة ذلك ما رواه عاصم الأحول قال:» رأيت عمرو بن عيد يحك آية من
المصحف، فقلت له: سبحان الله! قال: «إني سأعيدها. قلت: أعِدْها. قال: لا
أستطيع!» [١٤] .
وقد كان المعتزلة يحرفون كثيراً من النصوص، من ذلك قول الله (تعالى) :
[وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً] [النساء: ١٦٤] ، حيث يقرؤون لفظ الجلالة بالنصب
لكي يوافق مذهبهم الباطل في نفي صفة الكلام لله .
النوع الثاني: تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ماهو عليه:
والمقصود به: صرف اللفظ عن ظاهره، وما يفهمه كل عربي من معناه،
وهو الذي يسميه بعضهم بالتأويل، وهو أكثرخفاء من النوع الأول، وباب التأويل
باب عريض دخل منه الزنادقة لهدم الإسلام، حيث حرفوا النصوص وصرفوها
عن ظواهرها، وحمّلوها من المعاني ما يشتهون، وقد تقدم قول بشر المريسي: «
ليس شيء أنقص لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر ثم صرفوه بالتأويل!» .
قال ابن أبي العز الحنفي: «وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن نتأول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف: تأويلاً، تزيينا له وزخرفة ليُقبل،
وقد ذمّ الله الذين زخرفوا الباطل، قال الله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً
شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً]
[الأنعام: ١١٢] .
والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل أقيم على دليل مزخرف عورض به
دليل الحق» [١٥] .
ومن أمثلة التحريف: تأويل المبتدعة لآيات الصفات، أو تأويل الشفاعة
والصراط والميزان وعذاب القبر.. ونحوها، وأسرف بعض القرامطة والباطنية
ومن نحى نحوهم حينما جعلوا للقرآن ظاهراً وباطناً، فجعلوا الظاهر: قرآن العامة، والباطن: قرآن الخاصة.
قال ابن تيمية: «التأويل المذموم الباطل هو: تأويل أهل التحريف والبدع
الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله
بغير دليل يوجب ذلك» [١٦] .
النوع الثالث: تحريف الأدلة عن مواضعها:
قال الإمام الشاطبي في شرح هذا النوع من التحريف: «يرد الدليل على
مناط فيُصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر موهماً أن المناطين واحد؛ وهو من
خفيات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله..» .
ثم قال: «وبيان ذلك: أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمراً في الجملة مما
يتعلق بالعبادات مثلاً فأتى به المكلف في الجملة، كذكر الله والدعاء والنوافل
المستحبات وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة، كان الدليل عاضداً لعلمه
من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به، فإن أتى المكلف
في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص، أو مكان مخصوص، أو
مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً أن الكيفية، أو الزمان،
أو المكان، مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه كان الدليل بمعزل عن ذلك
المعنى المستدل عليه» .
ثم يذكر مثالاً على ذلك فيقول: «فإذا ندب الشرع مثلاً إلى ذكر الله فالتزم
قوم الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن
سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل
فيه ما يدل على خلافه، لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعاً شأنها أن تفهم
التشريع، وخصوصاً مع من يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد. فإنها إذا ظهرت
هذا الإظهار، ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- في المساجد، وما أشبهها كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء
والكسوف فُهم منها بلاشك أنها سنن، إذا لم تُفهم منها الفرضية، فأحرى أن
لايتناولها الدليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعاً محدثة بذلك» [١٧] .
رابعاً: التصديق بالقرآن دون السنة:
تقدم في الحلقة الأولى بيان منزلة السنة النبوية، وتحذير النبي -صلى الله
عليه وسلم- من أولئك القوم الذين لا يأخذون إلا بما جاء في القرآن الكريم،
ويردون ما جاء في سنته، وقد وقع الخوارج وأشباههم في هذه الضلالة التي حذر
منها الرسول ﷺ ، ولم يأخذوا إلا بما جاء في القرآن الكريم،
وقد كان هذا سبباً من أسباب ضلالهم وانحرافهم.
قال ابن تيمية: «وقد حكى أرباب المقالات عن الخوارج أنّهم يُجّوزون على
الأنبياء الكبائر، ولهذا لايلتفتون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن وإن
كانت متواترة، فلا يرجمون الزاني، ويقطعون يد السارق فيما قل وكثر، زعماً
منهم على ما قيل أن لاحجة إلا القرآن، وأن السنة الصادرة عن الرسول -صلى
الله عليه وسلم- ليست حجة بناء على ذلك الأصل الفاسد» [١٨] .
وعلى هذا المذهب بعض غلاة المعتزلة، فقدحكى عبد القاهر البغدادي عن
النظامية قولهم: «يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ، فإن الأخبار المتواترة لاحجة
فيها لأنها يجوز أن يكون وقوعها كذباً» [١٩] .
وظهر في أوائل القرن الماضي في شبه القارة الهندية فرقة منحرفة يقولون
بهذا القول وسموا أنفسهم بأهل القرآن، وحقيقة مذهبهم رد الكتاب والسنة [٢٠] .
خامساً: الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه:
تقدم أن منهج أهل السنة جمع النصوص الواردة في الباب الواحد، ووضع
كل نص في موضعه اللائق به شرعاً، فلايجوز أن يؤخذ نص ويترك آخر ورد في
الباب نفسه، فإن كثيراً من البدع والضلالات في القديم والحديث إنما ظهرت بسبب
إهمال هذه القاعدة الجليلة؛ فبعض المبتدعة وجهلة المتفقهة والمقلدة يأخذ نصاً
ويترك نصوصاً أخرى قد تكون مخصصة أو مقيدة أو مبينة أو ناسخة.. أو نحو
ذلك. فينظر إليها من زاوية ويترك زوايا أخرى، ممّا يؤدي إلى كثير من الخلط
والاضطراب. وإليك هذين المثالين:
المثال الأول: منهج الخوارج:
أخذ الخوارج بنصوص الوعيد، وتركوا نصوص الوعد، ففهموها على غير
مرادها وغلّبوا جانب العقوبة، وراحوا يكفرون المسلمين ويستبيحون دماءهم
وأموالهم، بغير حجة ولابرهان.
المثال الثاني: منهج المرجئة:
أخذ المرجئة نصوص الوعد، وتركوا نصوص الوعيد، ففهموها على غير
مرادها وغلّبوا جانب الرجاء، وقالوا: لايضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع
الكفر طاعة.
وإزاء هذا التفريط والإفراط توسط أهل السنة، وأخذوا بجميع النصوص
الواردة، وألفوا بينها تأليفاً يزيل الإشكال ويدفع الخلط والاضطراب.
قال ابن تيمية مبيناً سبب ظهور البدع: «.. ومن هنا تتبيّن الضلالات
المبتدعة في هذه الأمة، حيث هي من الإيمان ببعض ما جاء به الرسول -صلى الله
عليه وسلم- دون بعض، وإما ببعض صفات التكليم والرسالة والنبوة دون بعض،
وكلاهما إما في التنزيل وإما في التأويل» [٢١] .
سادساً: استدلالهم بالنصوص للاعتضاد لا للاعتماد:
كثير من المبتدعة لا يُعظمون النصوص الشرعية، ولا يحرصون على تتبعها، ولايبنون عليها اعتقاداتهم واجتهاداتهم، ولايستدلون بها إلا إذا رأوا منها شيئاً
يوافق أهواءهم، فالنصوص عندهم تابعة للهوى، ويشير ابن تيمية إلى ذلك بقوله:
«إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان. فلما حدث في الأمة ما حدث من
التفرق والاختلاف صار أهل التفرق والاختلاف شيعاً. صار هؤلاء عمدتهم في
الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها
يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول ﷺ
وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا
تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتها، ولم يستقصوا ما في
القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك. والآيات
التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده
أن يفهم مراد الرسول ﷺ ، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج
بها» [٢٢] .
وقال ابن أبي العز: «كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على
بدعته، وما ظنه معقولاً، فما وافقه قال: إنه محكم، وقبله واحتج به، وما خالفه
قال: إنه متشابه، ثم رده، وسمى رده تفويضاً، أو حرفه، وسمى تحريفه تأويلاً،
فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم» [٢٣] .
سابعاً: الكذب على رسول الله ﷺ أو عدم الاعتناء بتنقيح
السنة:
ينقسم المبتدعة في روايتهم للسنة النبوية فريقين:
الفريق الأول: الذين يتعمدون الكذب والتزوير في حديث النبي -صلى الله
عليه وسلم-، وعامة هؤلاء من الزنادقة والباطنيين أهل الأهواء، كالرافضة
والجهمية؛ ولهذا قال الإمام الشافعي: «لم أر من أهل الأهواء أشهد بالزور من
الرافضة» [٢٤] .
وقال ابن تيمية: «وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن
الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون
امتيازهم بكثرة الكذب» [٢٥] .
الفريق الثاني: الذين لايكذبون ولكنهم قد يروون الكذب إما مع علمهم بأنه
كذب، وإما جهلا منهم به والأحاديث الضعيفة، ولايعتنون بدراسة المنقولات
وتحرير صحيحها من ضعيفها، وعلى هذا عامة المبتدعة، بل بعض جهلة أهل
السنة والمقلدة. وقد جرّ هذا التساهل والتفريط على الأمة بلاء وشراً كبيراً.
قال ابن تيمية: «.. ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين
لمضمونها هم أبعد عن معرفة الحديث، وأبعد عن اتباعه من هؤلاء، هذا أمر
محسوس، بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله وأحواله وبواطن
أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيراً من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لايميزون
بين ما قاله الرسول ﷺ وما لم يقله، بل قد لايفرقون بين
حديث متواتر عنه وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على
مايوافق قولهم سواء كان موضوعاً أو غير موضوع، فيعدلون إلى أحاديث يعلم
خاصة الرسول ﷺ بالضرورة اليقينية أنها قوله، وهم لايعلمون
مراده، بل غالب هؤلاء لايعلمون معاني القرآن فضلاً عن الحديث، بل كثير منهم
لايحفظون القرآن أصلاً، فمن لايحفظ القرآن، ولا يعرف معانيه، ولايعرف
الحديث ولامعانيه، فمن أين يكون عارفاً بالحقائق المأخوذة عن
الرسول؟ !» [٢٦] .
وقال الشاطبي في بيان مآخذ أهل البدع في الاستدلال «منها: اعتمادهم على
الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوب فيها على الرسول ﷺ
والتي لايقبلها أهل صناعة الحديث كحديث الاكتحال يوم عشوراء وإكرام الديك
الأبيض وأكل الباذنجان بنية، وأن النبي ﷺ تواجد واهتز عند
السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه وما أشبه ذلك» [٢٧] .
стр. 2105
دراسات قرآنية
مصادر التفسير:
(٢)
التفسير بالسنة
بقلم: مساعد بن سليمان الطيار
إن الله سبحانه قد أَوكل إلى الرسول ﷺ مهمة البيان،
فقال: [وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]
[النحل: ٤٤] .
ولذا كان الرجوع إلى بيان الرسول مهماً ﷺ في فهم
القرآن وتفسيره، ولما كان الأمر كذلك، فإنه لا أحد أعلم بمراد الله منه -صلى الله
عليه وسلم-.
ثم إن ما يرد عنه من تفسير فإنه وحي؛ لقوله تعالى: [إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ
يُوحَى] [النجم: ٤] وهذا يدل على عظيم منزلة تفسيره ﷺ .
موضوعات البحث:
وسيكون في هذا البحث الموضوعات التالية:
* تحرير مصطلح التفسير بالسنة.
* تحرير مصطلح التفسير النبوي.
* أنواع التفسير النبوي وأمثلته.
* أنواع التفسير بالسنة وأمثلته.
تحرير مصطلح التفسير بالسنة:
يرد في هذا الموضوع مصطلحان: (التفسير بالسنة) ، (التفسير النبوي) ،
وهذان المصطلحان يحتاجان إلى تحرير.
إن السنة تشمل كل قول أو فعل أو تقرير للرسول ﷺ ،
فهل كل السنة تفسير للقرآن؟
إن بعض من بحث هذا الموضوع لم يبّين نوع السنة التي تكون تفسيراً للقرآن، بل إن بعضهم أدرج تحت هذا الموضوع زيادة السنة على القرآن [١] ، مع أنه لا
علاقة لذلك بالبيان عن القرآن، ويمكن القول بأن كل إفادة يستفيدها المفسر من
السنة في بيان القرآن وتفسيره فإنها من التفسير بالسنة، وهذه الإفادة من عمل
المفسر واجتهاده في الغالب.
أما التفسير النبوي، فيلحظ فيه إضافته إلى النبي ﷺ ،
ويمكن أن يقال: هو كل قولٍ أو فعلٍ صدر عن النبي ﷺ
صريحاً في إرادة التفسير.
وبهذا يظهر أن مصطلح (التفسير بالسنة) أعم وأشمل من مصطلح (التفسير
النبوي) [٢] ولكل مصطلح من هذين أنواع تندرج تحته، وهي كما يلي:
* أولاً: أنواع التفسير النبوي:
مرّ أن التفسير النبوي: كل قول أو فعل صدر عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- صريحاً في إرادة التفسير.
ويمكن حصر أنواعه في ثلاثة:
١- أن يبتدر الصحابة بتفسير آية.
٢- أن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم.
هذان من التفسير القولي.
٣- أن يتأول أمراً أو نهياً في القرآن.
وهذا هو التفسير الفعلي.
* أمثلة النوع الأول:
١- أن يبتدر الصحابة بتفسير آية:
وفي هذا قد يذكر ﷺ الآية، ثم يفسرها أو العكس، ومن
أمثلة ذكر الآية ثم تفسيرها، مارواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله
عنه) ، قال: «إن رسول الله ﷺ قال: قيل لبني إسرائيل
[ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ] [البقرة: ٥٨] فدخلوا يزحفون
على أستاههم: (أدبارهم) وقالوا:» حبة في شعرة « [٣] .
ومن أمثلة ذكر معنى الآية ثم ذكر الآية، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي
موسى الأشعري ﵁ : قال رسول الله ﷺ :» إن
الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] [هود: ١٠٢] « [٤] .
٢- أن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم:
ومن أمثلته، ما رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء في
سؤالهما عن البشرى في قوله تعالى [لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا
تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] [يونس: ٦٤] جاء في حديث أبي الدرداء: أن رجلاً من مصر سأله عن هذه الآية، فقال له أبو الدرداء: ما سألني عنها أحد
منذ سألت رسول الله ﷺ ، فقال: ما سألني عنها أحد غيرك منذ
أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» [٥] .
٣- أن يتأوّل أمراً أو نهياً في القرآن:
التأوّل: ما يقوم به الرسول ﷺ من أفعالٍ تكون مفسرة
للخطاب القرآني، وموضحة للمراد منه.
إن إدخال الأفعال النبوية في (التفسير النبوي) يحتاج إلى تحرير، إذ يقع
سؤال مهم في هذا الباب، وهو كالتالي:
إلى أي مدى يفسّر الفعلُ النبوي القرآنَ؟
فمثلاً.. قوله تعالى [أقيموا الصلاة] أمر بإقامة الصلاة، فما التأوّل النبوي
لهذا الأمر القرآني؟
هل يدخل في تفسير هذا الأمر تفاصيل الصلاة؟
الظاهر في هذه المسألة أن ما يفهم به الخطاب القرآني من أفعال النبي -صلى
الله عليه وسلم- فإنه من التفسير النبوي.
أما دخول تفاصيل الأفعال فمحلّ نظر [٦] . والله أعلم.
* ومن أمثلة التأوّل النبوي مايلي:
١- عن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ] [الشعراء: ٢١٤] صَعِد النبي ﷺ على الصفا فجعل
ينادي: يابني فهر، يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم
يستطع أن يخرج أرسل رسولاً ينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال:
أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟
قالوا: نعم، ماجربنا عليك إلا صدقا.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟
فنزلت [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ]
[المسد: ١، ٢] » [٧] .
٢- وعن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: ما صلى النبي -صلى
الله عليه وسلم- صلاةً بعد أن نزلت عليه [إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]
[النصر: ١] إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي.
وفي رواية أخرى عنه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله -
ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا
وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأوّل القرآن « [٨] .
* ثانياً: أنواع التفسير بالسنة:
مر أن التفسير بالسنة يشمل كل إفادة يستفيدها المفسر من السنة في تفسير
القرآن، ولذا فإن هذه الإفادة لايمكن حصرها، وإنما أضرب لذلك نوعين، وأذكر
أمثلة لهما.
١- أن يرد في كلامه مايصلح أن يكون تفسيراً لآية:
قد يذكر الرسول ﷺ في كلامه ما يصلح أن يكون تفسيراً
لآية غير أنه لم يورده مورد التفسير، فيعمد المفسر إلى مثل هذا الكلام النبوي
فيجعله تفسيراً لآية.
والمفسر حين يقوم بهذا العمل يكون مجتهداً في الربط والتوفيق بين معنى
الآية ومعنى الحديث الذي يراه مفسراً لها.
وقد ورد ربطُ معنى حديث بآية يفسرها عن الصحابة والتابعين، ومن أمثلة
ذلك عندهم مايلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يقول:» مامن بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً
من مس الشيطان، غير مريم وابنها «ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم:
[وَإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] [آل عمران: ٣٦] » [٩] .
٢- في تفسير قوله (تعالى) : [الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ] [النجم: ٣٢] روى الطبري عن ابن عباس أنه قال: «ما رأيت شيئاً أشبه
باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ :» إن الله كتب على
ابن آدم حظه من الزنى، أدركه ذلك لامحالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان
المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه « [١٠] .
٣- وروى الطبري عن سعيد عن قتادة، في قوله (تعالى) : [وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً
عَلِياً] [مريم: ٥٧] قال: حدثنا أنس بن مالك أن ﷺ الله حدث
أنه عرج به إلى السماء، قال:» أتيت إدريس في السماء الرابعة « [١١] .
ففي هذه الأمثلة تجد أن الصحابي أو التابعي ذكر قولاً نبوياً مفسراً للآية.