كلمة صغيرة
قف وتأمل
يكاد المتابع لجهود المنصرين لا يصدق ما تقدمه مؤسساتهم من أعمال ضخمة: في بناء الكنائس والمدارس والمستشفيات والملاجئ، وطبع الأناجيل والترجمة
لمنشوراتهم الدينية بملايين الطبعات وبمختلف اللغات، وكذلك جهود آلاف من
المتطوعين لأداء تلك الأعمال في شتى التخصصات منذ سنوات طويلة. بل إن
المنصرين استطاعوا اختراق ما يسمى بالمنظمات الإنسانية الدولية والتستر وراءها
لتنفيذ برامجهم ونشر دعوتهم. وقد رفع بابا الفاتيكان لواء التنصير معلناً شعاره
المحفز للإرساليات التنصيرية (إفريقيا نصرانية عام ٢٠٠٠م) ، وتتوالى رحلاته
المكوكية في إفريقيا وآسيا ليشرف بنفسه على بناء القواعد وترسيخ الأقدام، وليس
غريباً أن تقابل زياراته بالاحتفاء الرسمي والإعلامي، ولكن الغريب كل الغرابة أن
يحظى استقباله بحشود هائلة من عوام المسلمين؛ ففي السنغال مثلاً (حيث نسبتهم
٩٥%) لم يجدوا مكاناً يستوعب المستقبلين للبابا إلا الملعب الرياضي! ! وهؤلاء
المسلمون بجهلهم وفقرهم هم الأرضية الخصبة التي يتحرك فيها المنصرون.
وليس هدفنا من هذا إشاعة الإحباط والتخذيل، أو التقليل من جهود الجمعيات
الإسلامية، لكننا نتساءل وبصدق أين جل المسلمين عن حمل لواء دينهم؟ ولماذا
يترك عوام المسلمين وفقراؤهم ضحايا للتنصير؟ !
стр. 2103
افتتاحية العدد
يا دعاة الإسلام
هذا هو الطريق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وقائدنا وقدوتنا محمد وعلى
آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الدعوة إلى الله همّ كل مسلم مخلص يؤمن باستمرارية هذا الدين، وضرورة
إيصاله إلى الناس كافة. ويحز في قلوبنا جميعاً ماتتعرض له الدعوة إلى الله من
سوء فهم أو مضايقة أو مصادرة.
وإيماناً من المسؤولين في (مجلة البيان) بمواصلة رسالتهم في الدعوة والتوجيه
انطلاقاً من قوله (تعالى) : [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] لإثراء ثقافة القارئ بكل ماتتطلبه من بيان صحة
المعتقد الثابت عن سلفنا الصالح ﵃ من الصحابة والتابعين ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والاهتمام بتزكية النفس وربطها بالنبع الأخلاقي
السليم، ومتابعة واقع إخواننا المسلمين في شتى البقاع، ونقل شؤونهم وشجونهم،
ومحاولة كشف كل مايخطط ضدهم من أعداء الإسلام داخلياً وخارجياً. ومع
ضخامة هذه المسؤولية وماتتطلبه من جهد ومتابعة، بل ومن حرج أحياناً، إلا أننا
في الوقت نفسه لاننسى حال الدعوة الإسلامية المعاصرة: واقعها ومشكلاتها،
ومحاولة استشراف مستقبلها، والعمل الجدي المخلص لعلاج مايعتَوِرها من سلبيات، وتصويب ما قد يحدث فيها من أخطاء، وذلك إيماناً منا بوجوب التعاون على البر
والتقوى، وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب التناصح بين
المسلمين، ومع الاهتمام بالنقد الذاتي الهادف بين العاملين في حقل الدعوة، وهذا
مانحرص عليه ولله الحمد في كثير من مواد هذه المجلة؛ رغبة في جمع الكلمة
ووحدة الصف على السنة، ونبذ الاتجاهات البدعية، والرفض للتوجهات التجديدية
المشبوهة.
إن بعض الدعاة والباحثين في حقل الدعوة عند مناقشة مثل هذا الموضوع
ينادون بأهمية البحث في إيجابيات الدعوة ونشرها، وغض النظر عن سلبياتها؛
بحجة عدم المساهمة من حيث لانشعر في العمل جنباً إلى جنب مع المناوئين للدعوة
والشانئين لها والعاملين ليل نهار ضدها بوضع الأحجار في طريقها، ومحاولة
الإساءة لرموزها لأسباب لاتخفى على أي متابع.
ومع تقديرنا لنبل هدف أولئك الإخوة وحسن مقصدهم فيما نحسبهم إلا أن
الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن ذهن أي مسلم: أن المعول عليه في مثل هذه
الأمور حينما توضع على بساط البحث: ألا ننظر لرأي دون رأي، لاسيما وأن
بعض العلماء والدعاة المعروفين قد ناقشوا هذه المسألة وتحدثوا عنها بكل صدق
وإخلاص؛ ماحضين النصح وباذلين الجهد، داعين إلى أهمية سير الدعوة على
الأسس الشرعية؛ ليتسنى لها أداء رسالتها كما يجب، مع الدعوة بصراحة إلى
التوقف طويلاً أمام تجربة الكثير من الدعوات الإسلامية المعاصرة بعد عقود متتابعة، والتساؤل مع ما قدمت تلك (الدعوات) من نتائج ما مدى مشرعية ما أحدثته من
سلبيات على أفرادها من ناحية، وعلى الدعوة من نواحٍ أخرى؟ . مع الأخذ في
الاعتبار ماقدمته تلك الدعوات على وجه العموم من جهود طيبة وأعمال جليلة،
وماساهمت به من دور كبير في الصحوة الإسلامية في ديار الإسلام مما لاينكره إلا
جاهل أو متجاهل، غير أن ذلك لايمنع من أن نتساءل مع كل مخلص: لماذا لا
يقوم الدعاة بالتركيز على أعمالٍ مهمة يفترض قيامهم بها لاسيما في ترشيد أساليب
الدعوة وتفعيل الحوار فيما بينهم؟ أين الدعاة من الأخذ بالهدي النبوي والتحذير من
البدع المخترعة التي أصبحت سمة كثير من المجتمعات المسلمة؟ لماذا التساهل في
إصلاح عقيدة العامة ممن لايزالون غرقى في دركات الشرك، تحت تأثير بعض
فرق الضلال كالأحباش وأضرابهم مثل: شد الرحال للأضرحة والمقامات،
والاستغاثة بالأولياء والأموات مما يطعن في أصل التوحيد أو كماله؟
ثم ماذا استفادت الصحوة من شيوع النزعة الحزبية التي اتسم بها كثير من
الجماعات الإسلامية حتى أدى الأمر للموالاة والمعاداة بسببها، مما أنشأ صراعاً
داخليا بين الإسلاميين أنفسهم تجاوز الحدود بشكل مأساوي ولّد سوء الظن وتصيد
الأخطاء والتجريح بلا مسوغ [وتحسبونه هينْا وهو عند الله عظيم] (النور: ١٥) .
ثم هناك ما يُسمى بـ «الاتجاهات التجديدية المحدَثة» التي خرج بها
بعضهم عن أصول الإسلام وثوابته؛ فأصبح لايقيم وزناً للأدلة الشرعية المعتبرة،
ولاينظر في إجماع الأمة، حتى صار الإسلام في نهجهم تابعاً لامتبوعاً؛ بدعاوى
تافهة ماأنزل الله بها من سلطان!
وهذه التوجهات نتجت من الاهتمام بالنواحي الفكرية البحتة على حساب العلم
الشرعي والتخصص فيه، وبالتالي فقدان التأصيل الشرعي في المواقف العلمية
والعملية، والترفع عن استفتاء العلماء العدول المشهود لهم بالعلم والعمل الصالح،
مما أدى إلى السقوط في غمرة الفتاوى المستعجلة التي أدت إلى الوقوع في مآسٍ
كبرى، نتج عنها مشكلات فردية وجماعية انعكست بالسوء على واقع الدعوة أفراداً
وجماعات، كما هو ملموس في بعض البلدان والله المستعان.
إننا بعرضنا لتلك المآخذ من واقع بعض الحركات الإسلامية لانقصد الإساءة
لأحد ولانغمط أحداً حقه، بل ندعو للجميع بالتوفيق والسداد. ومعاذ الله أن نكون
عوناً للمعادين للدعوة، إنما نهدف إلى إصلاح الأحوال والتنبيه على كثير من
الأخطاء الشائعة في الواقع الدعوي، ونعتقد جازمين أن (الدعوة إلى الله) عبادة
يجب انطلاقها من أصول ديننا الحنيف: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه
وسلم- بفهم سلفنا الصالح، ومن ثم التوقف عن الأساليب المتعجلة والطرق الملتوية
والمناهج البدعية.
كم نحن بحاجة إلى وقفة جادة وشجاعة بالتمسك بالسبب الذي نُصِر به الرعيل
الأول، وهو ماوصاهم به النبي ﷺ القائد محمد «تركت فيكم
أمرين لن تضلوا ما مَسَكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه» [١] وردّ كل خلاف إليهما. دعونا نعود للمنهج النبوي القائم على تحقيق الإخلاص لله وحده، وأهمية أن تكون
العقيدة أولا؛ بتحقيق توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وتوحيد الاتباع
بجعل الحاكمية لله ورسوله ﷺ ، وأن يواكب ذلك تجريد
المتابعة للرسول ﷺ والانطلاق في ذلك من فهم سلفنا الصالح
﵃ .
ولنَرْمِ وراءنا الغلو القائم على النزعات الانعزالية، والتشدد الممقوت،
والتكفير بلا مسوغ صحيح، ولنحذر من الحزبية وما أحدثته من نزاع وشقاق،
ونترك الاتجاهات البدعية قديمها وحديثها، ولانستعجل قطف الثمار، فيكفي الدعوة
ما آل إليه حالها في كثير من البلدان نتيجة لما مر من سلبيات، ولنثق أن طريق
الدعوة غير مفروش بالورود، ولابد من مواجهة الشدائد، وليكن شعارنا
[ولنصبرن على ما آذيتمونا] (إبراهيم: ١٢) ، ولنهتم بتصويب أخطائنا ولا نقع فيما حذر منه النبي ﷺ في قوله: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» [٢] ، ولنعمل على إصلاح أساليبنا في الحوار والمناصحة للوصول إلى الحق، ولنتجاوز عما يسعه الخلاف مما وسع سلفنا. وحينها سنرى غِبّ ذلك خيراً كثيراً. [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣] .
стр. 2104
دراسات شرعية
المنهج العلمي للاستدلال
بين أهل السنة وأهل البدعة
(٢)
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن المنهج العلمي للاستدلال، وبين أنه يعتمد
على (الكتاب والسنة والإجماع) . ثم بين أن الاستدلال بهما يعتمد على ثلاث قواعد، الأولى: تعظيم النصوص، الثانية: الاعتماد على السنة الصحيحة، الثالثة:
صحة الفهم. ثم فصّل في القاعدة الثالثة، وذكر المسائل التي تعين على صحة الفهم، ومنها: الاعتماد على منهج الصحابة، ومعرفة اللغة العربية. ويواصل ذكر هذه
المسائل، ثم يتحدث عن منهج الاستدلال عند المبتدعة مبيناً فساده.
- البيان -
ثالثاً: جمع النصوص الواردة في الباب الواحد:
تمثل النصوص الشرعية وحدة واحدة يكمّل بعضها بعضاً، فكلها خرجت من
مشكاة واحدة، فلا يمكن أن يرد التناقض أو الاختلاف بينها، فقد وصف الله كتابه
العزيز بقوله: [وَإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] [فصلت: ٤١، ٤٢] .
وإذا تقرر هذا: فإنّه لايجوز أن يؤخذ نص ويترك نص آخر في الباب نفسه، فهذا سيؤدي إلى تقطيع النصوص وبترها، قال الله (تعالى) : [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ
الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] [البقرة: ٨٥] .
وفي هذا الباب يقول ابن تيمية: «إذا ميّز العالم بين ما قاله الرسول -صلى
الله عليه وسلم- وما لم يقله، فإنه يحتاج أن يفهم مراده ويفقه ما قاله، ويجمع بين
الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله، ويُفرق
بين ما فرق الله بينه ورسوله؛ فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون، ويجب تلقيه
وقبوله، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم ﵃ أجمعين) » [١] .
وقال الشاطبي: «ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد:
وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة
عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما
ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامّها المرتب على خاصّها، ومطلقها
المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بِبَيّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا
حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك الذي نظمت به حين
استنبطت ... » .
ثم يذكر القاعدة الإجمالية فيقول: «فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة
واحدة، يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة» [٢] .
وبعد هذا التقرير العلمي المتين يتبين: أنه لابد من جمع النصوص الواردة
في الباب الواحد، ووضع كل نص في موضعه. ولكن أحياناً قد يظهر التعارض
في ذهن الدارس لهذه النصوص، ولهذا وضع أئمة العلم قواعد علمية لدرء
التعارض، وهي:
١- الجمع بين النصوص بطريقة من طرق الجمع المعتد بها عند علماء
الأصول، مثل:
(أ) ردّ العام على الخاص.
(ب) ردّ المطلق على المقيد.
(ج) رد المجمل على المبين.
(د) رد المتشابه إلى المحكم.
(هـ) معرفة الناسخ والمنسوخ.. ونحو ذلك من الطرق.
٢- الترجيح بين النصوص بطريقة من طرق الترجيح التي ذكرها علماء
الأصول، ويلجأ إلى هذه الحالة عند تعذر الجمع بينها.
٣- وإذا لم يستطع الدارس الجمع أو الترجيح فإنه يتوقف حتى يتبين له الأمر.
رابعاً: معرفة مقاصد التشريع الإسلامي:
من فضل الله ورحمته على هذه الأمة أن شرع جميع الأحكام لمقاصد وغايات
عظيمة مبنية كلها على مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ]
[يونس: ٥٧] .
قال ابن تيمية: «الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل
المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدم
عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين» [٣] .
وقال ابن القيم: «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في
المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها،
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن
المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت
فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله أتم دلالة وأصدقها» [٤] .
إن معرفة مقاصد التشريع وغايات الأحكام تعين المجتهد في تصورالأحكام
تصوراً متكاملاً، ومن ثم يستطيع تقدير المصالح والموازنة بينها، والاجتهاد في
النوازل، ووضع الأمور في مواضعها اللائقة بها شرعاً وعقلاً؛ ولهذا فصّل العلماء
في دراسة الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ووضعوا قواعد لرفع الحرج
ودفع الضرر، وقواعد لسد الذرائع والمصالح المرسلة.. ونحو ذلك من المسائل،
لكي تعين المجتهد في تنزيل النصوص منازلها، وأخذها بمقاصدها، ولكي يعصم
الاجتهاد من الزيغ والانحراف.
منهج المبتدعة في التعامل مع النصوص الشرعية:
وبعد أن بينت المنهج العدل لأهل السنة في الاستدلال، أذكر فيما يلي منهج
المبتدعة، حيث تميّز المبتدعة على اختلاف فرقهم بالتقديم بين يدي الله ورسوله -
ﷺ ، وعدم تعظيم ما جاء في الكتاب والسنة. وسأذكر في هذه
المقالة أصولاً عامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال، وهي:
الأصل الأول: رد النصوص الثابتة والجرأة في الاعتراض عليها.
الأصل الثاني: العبث في الأصول الشرعية للاستدلال وتشويهها.
الأصل الثالث: إحداث أصول بدعية جديدة للاستدلال والتلقي.
وليس بالضرورة أن تأخذ كل فرقة من فرق المبتدعة بتفريعات هذه الأصول، فهم متفاوتون في بدعهم إفراطاً وتفريطاً، وينبغي التأكيد هنا أنني لا أتحدث عن
تاريخ مضى وانتهى، بل إن الفرق المتقدمة والمناهج المبتدعة لها امتدادات واسعة
في عصرنا الحاضر، بل زادت الانحرافات والضلالات مع زيادة الغفلة وتتابع
الجهل وقلّة العلماء. وقديماً قال ابن تيمية: «فالبدع في أولها شبراً، ثم تكثر في
الأتباع حتى تصير أذرعاً وأميالاً وفراسخ» [٥] .
الأصل الأول: ردّ النصوص الثابتة والجرأة
في الاعتراض عليها:
لعلّ من أوضح الأمثلة على هذا الأصل ما قاله عمرو بن عبيد إمام المعتزلة
وذكر حديث الصادق المصدوق: «لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو
سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته،
ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعتُ الله
يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا! !» [٦] .
وقال عمرو بن عبيد أيضاً: «لو كانت (تبت يدا أبي لهب» في اللوح
المحفوظ لم يكن لله على العباد حجّة! « [٧] .
وهذان مثالان جليان في جرأة المبتدعة على رد النصوص الثابتة المحكمة
والاعتراض عليها، وهي علامة من علامات الزندقة والفجور؛ ولهذا يصف ابن
تيمية غلاة الصوفية بقوله:» .. ولهذا يوجد في هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن
القرآن والشرع كما تنفر الحمر المستنفرة التي تفرّ من الرماة ومن الأسد، ولهذا
يوصفون بأنهم إذا قيل لهم: قال المصطفى، نفروا.. « [٨] .
وقال أيضاً:» فعدل كثير من المنتسبين إلى الإسلام إلى نبذ القرآن وراء
ظهره، واتبع ما تتلوا الشياطين، فلا يُُعظم أمر القرآن ونهيه، ولا يوالي من أمر
القرآن بموالاته، ولايعادي من أمر القرآن بمعاداته « [٩] .
ونظير هؤلاء: زنادقة العصر الحديث من العلمانيين وأشباههم الذين بلغت
جرأتهم في رد النصوص والاعتراض عليها حداً عظيماً والعياذ بالله، حتى بلغ
الحال عند بعضهم زَعْمَ أنّ الدين تراث مقدس، لكنه ليس صالحاً لهذا الزمان!
ولهذا طالبوا بفصله عن جميع شؤون الحياة: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
والإعلامية.. ونحوها.
الأصل الثاني: العبث في الأصول الشرعية
للاستدلال وتشويهها:
إن العبث في الأصول الشرعية للاستدلال سمة بارزة من سمات المبتدعة،
وهو باب من أبواب الحرب على الدين بتكدير منابعه وتشويه أصوله، ويأخذ هذا
العبث صوراً وأشكالاً متعددة تختلف باختلاف المبتدعة ومناهجهم، ومن أبرز معالم
هذا العبث:
أولاً: اتهام الرسول ﷺ بالكذب وتجهيله:
بلغ من انحراف بعض غلاة المبتدعة اتهامهم للرسول ﷺ
بالكذب والجهل، وذلك مثل قول غلاة الجهمية والفلاسفة، قال ابن تيمية عن
متأخري الصابئة:» .. ثم إن هؤلاء فيما تقوله الأنبياء حيارى متهوّكون، فإنه
بهرهم نور النبوة، ولم تقع على أصولهم الفاسدة، فصاروا على أنحاء، منهم: من
لايؤمن بكثير مما تقوله الأنبياء والمرسلون، بل يعرض عنه أو يشك فيه أو يُكذب
به، ومنهم من يقول: يجوز الكذب لمصلحة راجحة، والأنبياء فعلوا ذلك، ومنهم
من يقول: يجوز هذا لصالح العامة دون الخاصة، وأمثلهم من يقول: بل هذه
تخيلات وأمثال مضروبة لتقريب الحقائق إلى قلوب العامة، وهذه طريقة الفارابي
وابن سينا، لكن ابن سينا أقرب إلى الإيمان من بعض الوجوه وإن لم يكن مؤمناً.
فمن أدركته رسالة محمد وبهرته براهينها وأنوارها، ورأى ما فيها من
أصناف العلوم النافعة والأعمال الصالحة.. فلابد أن يتأول نصوص الكتاب والسنة
على عادة إخوانه في تحريف الكلم عن مواضعه، فيحرفون ما أخبرت به الرسل
عن كلام الله تحريفاً يصيرون به كفاراً ببعض تأويل في بعض صفات تنزيله.. «.
إلى أن قال في وصف منهجهم:» فهؤلاء جعلوا القرآن عضين، وضربوا
له الأمثال، مثل ما فعل المشركون قبلهم، كما فعلوا بالنبي ﷺ ؛ فإن هؤلاء منهم من يفضل الولي الكامل والفيلسوف الكامل على النبي -صلى الله
عليه وسلم-، ومنهم من يفضل بعض الأولياء على زعمه، أو بعض الفلاسفة مثل: نفسه أو شيخه أو متبوعه على النبي ﷺ ، وربما قالوا: هو
أفضل من وجه والنبي ﷺ أفضل من وجه، فلهم من الإلحاد
والافتراء في رسل الله نظير مالهم من الإلحاد والافتراء في رسالات الله، فيقيسون
الكلام الذي بلّغته الرسل عن الله بكلامهم، ويقيسون رسل الله بأنفسهم « [١٠] .
ثانياً: كتم النصوص:
ذكر الله (تعالى) أن أهل الكتاب كانوا يكتمون الحق، ولايظهرون منه إلا ما
تهواه نفوسهم، فقال (تعالى) : [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ
الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] [آل عمران: ٧١] .
وقد اقتدى المبتدعة بأهل الكتاب، وأخذوا بنصيب وافر من هذه الصفة
الذميمة، ولهذا قال وكيع بن الجراح» أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم، وأهل
الأهواء لايكتبون إلا مالهم « [١١] .
وقال ابن تيمية:» ومن المعلوم أنك لاتجد أحداً ممّن يَرُدّ نصوص الكتاب
والسنة بقوله، إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت،
وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله. قال بعض
السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه، وقيل عن بعض
رؤوس الجهمية إما بشر المريسي أوغيره أنه قال: ليس شيء أنَقْصَ لقولنا من
القرآن، فأَقِرّوا به في الظاهر، ثم صرّفوه بالتأويل. ويقال إنه قال: إذا احتجوا
عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل؛ ولهذا
تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية، بل قد يختار كتمان ذلك
والنهي عن إشاعته وتبليغه، خلافاً لما أمر الله به ورسوله ﷺ
من التبليغ عنه « [١٢] .
ثالثاً: تحريف النصوص:
تحريف النصوص ظاهرة خطيرة جداً وقع فيها كثير من المبتدعة بدرجات
متفاوتة، وسلفهم في هذا اليهود، فقد وصفهم الله بقوله: [أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا
لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [البقرة: ٧٥] .
وثمرة التحريف: تشويه النصوص وتكدير المنابع، حتى يتسنّى للمبتدعة
العبث في دين الله (تعالى) ، وهو ثلاثة أنواع بعضها أخفى من بعض:
النوع الأول: تحريف اللفظ.
النوع الثاني: تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ما هو عليه.
النوع الثالث: تحريف الأدلة عن مواضعها.
وسأتحدث عن هذه الأنواع الثلاثة باختصار شديد.
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وصف الله (تعالى) اليهود بقوله: [وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا
حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ
المُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَذِي قِيلَ لَهُمْ فَأََنزَلْنَا عَلَى الَذِينَ ظَلَمُوا
رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] [البقرة: ٥٨، ٥٩] .
وأخرج البخاري: عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-:» قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حِطة، فدخلوا يزحفون
على أستاههم، فبدّلوا: وقالوا: حطة حبّ في شعرة « [١٣] .
وتحريف اللفظ يؤدي إلى تحريف المعنى، ولهذا حرص عليه أئمة المبتدعة،
ومن أمثلة ذلك ما رواه عاصم الأحول قال:» رأيت عمرو بن عيد يحك آية من
المصحف، فقلت له: سبحان الله! قال: «إني سأعيدها. قلت: أعِدْها. قال: لا
أستطيع!» [١٤] .
وقد كان المعتزلة يحرفون كثيراً من النصوص، من ذلك قول الله (تعالى) :
[وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً] [النساء: ١٦٤] ، حيث يقرؤون لفظ الجلالة بالنصب
لكي يوافق مذهبهم الباطل في نفي صفة الكلام لله .
النوع الثاني: تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ماهو عليه:
والمقصود به: صرف اللفظ عن ظاهره، وما يفهمه كل عربي من معناه،
وهو الذي يسميه بعضهم بالتأويل، وهو أكثرخفاء من النوع الأول، وباب التأويل
باب عريض دخل منه الزنادقة لهدم الإسلام، حيث حرفوا النصوص وصرفوها
عن ظواهرها، وحمّلوها من المعاني ما يشتهون، وقد تقدم قول بشر المريسي: «
ليس شيء أنقص لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر ثم صرفوه بالتأويل!» .
قال ابن أبي العز الحنفي: «وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن نتأول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف: تأويلاً، تزيينا له وزخرفة ليُقبل،
وقد ذمّ الله الذين زخرفوا الباطل، قال الله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً
شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً]
[الأنعام: ١١٢] .
والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل أقيم على دليل مزخرف عورض به
دليل الحق» [١٥] .
ومن أمثلة التحريف: تأويل المبتدعة لآيات الصفات، أو تأويل الشفاعة
والصراط والميزان وعذاب القبر.. ونحوها، وأسرف بعض القرامطة والباطنية
ومن نحى نحوهم حينما جعلوا للقرآن ظاهراً وباطناً، فجعلوا الظاهر: قرآن العامة، والباطن: قرآن الخاصة.
قال ابن تيمية: «التأويل المذموم الباطل هو: تأويل أهل التحريف والبدع
الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله
بغير دليل يوجب ذلك» [١٦] .
النوع الثالث: تحريف الأدلة عن مواضعها:
قال الإمام الشاطبي في شرح هذا النوع من التحريف: «يرد الدليل على
مناط فيُصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر موهماً أن المناطين واحد؛ وهو من
خفيات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله..» .
ثم قال: «وبيان ذلك: أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمراً في الجملة مما
يتعلق بالعبادات مثلاً فأتى به المكلف في الجملة، كذكر الله والدعاء والنوافل
المستحبات وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة، كان الدليل عاضداً لعلمه
من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به، فإن أتى المكلف
في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص، أو مكان مخصوص، أو
مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً أن الكيفية، أو الزمان،
أو المكان، مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه كان الدليل بمعزل عن ذلك
المعنى المستدل عليه» .
ثم يذكر مثالاً على ذلك فيقول: «فإذا ندب الشرع مثلاً إلى ذكر الله فالتزم
قوم الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن
سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل
فيه ما يدل على خلافه، لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعاً شأنها أن تفهم
التشريع، وخصوصاً مع من يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد. فإنها إذا ظهرت
هذا الإظهار، ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- في المساجد، وما أشبهها كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء
والكسوف فُهم منها بلاشك أنها سنن، إذا لم تُفهم منها الفرضية، فأحرى أن
لايتناولها الدليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعاً محدثة بذلك» [١٧] .
رابعاً: التصديق بالقرآن دون السنة:
تقدم في الحلقة الأولى بيان منزلة السنة النبوية، وتحذير النبي -صلى الله
عليه وسلم- من أولئك القوم الذين لا يأخذون إلا بما جاء في القرآن الكريم،
ويردون ما جاء في سنته، وقد وقع الخوارج وأشباههم في هذه الضلالة التي حذر
منها الرسول ﷺ ، ولم يأخذوا إلا بما جاء في القرآن الكريم،
وقد كان هذا سبباً من أسباب ضلالهم وانحرافهم.
قال ابن تيمية: «وقد حكى أرباب المقالات عن الخوارج أنّهم يُجّوزون على
الأنبياء الكبائر، ولهذا لايلتفتون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن وإن
كانت متواترة، فلا يرجمون الزاني، ويقطعون يد السارق فيما قل وكثر، زعماً
منهم على ما قيل أن لاحجة إلا القرآن، وأن السنة الصادرة عن الرسول -صلى
الله عليه وسلم- ليست حجة بناء على ذلك الأصل الفاسد» [١٨] .
وعلى هذا المذهب بعض غلاة المعتزلة، فقدحكى عبد القاهر البغدادي عن
النظامية قولهم: «يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ، فإن الأخبار المتواترة لاحجة
فيها لأنها يجوز أن يكون وقوعها كذباً» [١٩] .
وظهر في أوائل القرن الماضي في شبه القارة الهندية فرقة منحرفة يقولون
بهذا القول وسموا أنفسهم بأهل القرآن، وحقيقة مذهبهم رد الكتاب والسنة [٢٠] .
خامساً: الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه:
تقدم أن منهج أهل السنة جمع النصوص الواردة في الباب الواحد، ووضع
كل نص في موضعه اللائق به شرعاً، فلايجوز أن يؤخذ نص ويترك آخر ورد في
الباب نفسه، فإن كثيراً من البدع والضلالات في القديم والحديث إنما ظهرت بسبب
إهمال هذه القاعدة الجليلة؛ فبعض المبتدعة وجهلة المتفقهة والمقلدة يأخذ نصاً
ويترك نصوصاً أخرى قد تكون مخصصة أو مقيدة أو مبينة أو ناسخة.. أو نحو
ذلك. فينظر إليها من زاوية ويترك زوايا أخرى، ممّا يؤدي إلى كثير من الخلط
والاضطراب. وإليك هذين المثالين:
المثال الأول: منهج الخوارج:
أخذ الخوارج بنصوص الوعيد، وتركوا نصوص الوعد، ففهموها على غير
مرادها وغلّبوا جانب العقوبة، وراحوا يكفرون المسلمين ويستبيحون دماءهم
وأموالهم، بغير حجة ولابرهان.
المثال الثاني: منهج المرجئة:
أخذ المرجئة نصوص الوعد، وتركوا نصوص الوعيد، ففهموها على غير
مرادها وغلّبوا جانب الرجاء، وقالوا: لايضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع
الكفر طاعة.
وإزاء هذا التفريط والإفراط توسط أهل السنة، وأخذوا بجميع النصوص
الواردة، وألفوا بينها تأليفاً يزيل الإشكال ويدفع الخلط والاضطراب.
قال ابن تيمية مبيناً سبب ظهور البدع: «.. ومن هنا تتبيّن الضلالات
المبتدعة في هذه الأمة، حيث هي من الإيمان ببعض ما جاء به الرسول -صلى الله
عليه وسلم- دون بعض، وإما ببعض صفات التكليم والرسالة والنبوة دون بعض،
وكلاهما إما في التنزيل وإما في التأويل» [٢١] .
سادساً: استدلالهم بالنصوص للاعتضاد لا للاعتماد:
كثير من المبتدعة لا يُعظمون النصوص الشرعية، ولا يحرصون على تتبعها، ولايبنون عليها اعتقاداتهم واجتهاداتهم، ولايستدلون بها إلا إذا رأوا منها شيئاً
يوافق أهواءهم، فالنصوص عندهم تابعة للهوى، ويشير ابن تيمية إلى ذلك بقوله:
«إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان. فلما حدث في الأمة ما حدث من
التفرق والاختلاف صار أهل التفرق والاختلاف شيعاً. صار هؤلاء عمدتهم في
الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها
يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول ﷺ
وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا
تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتها، ولم يستقصوا ما في
القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك. والآيات
التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده
أن يفهم مراد الرسول ﷺ ، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج
بها» [٢٢] .
وقال ابن أبي العز: «كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على
بدعته، وما ظنه معقولاً، فما وافقه قال: إنه محكم، وقبله واحتج به، وما خالفه
قال: إنه متشابه، ثم رده، وسمى رده تفويضاً، أو حرفه، وسمى تحريفه تأويلاً،
فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم» [٢٣] .
سابعاً: الكذب على رسول الله ﷺ أو عدم الاعتناء بتنقيح
السنة:
ينقسم المبتدعة في روايتهم للسنة النبوية فريقين:
الفريق الأول: الذين يتعمدون الكذب والتزوير في حديث النبي -صلى الله
عليه وسلم-، وعامة هؤلاء من الزنادقة والباطنيين أهل الأهواء، كالرافضة
والجهمية؛ ولهذا قال الإمام الشافعي: «لم أر من أهل الأهواء أشهد بالزور من
الرافضة» [٢٤] .
وقال ابن تيمية: «وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن
الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون
امتيازهم بكثرة الكذب» [٢٥] .
الفريق الثاني: الذين لايكذبون ولكنهم قد يروون الكذب إما مع علمهم بأنه
كذب، وإما جهلا منهم به والأحاديث الضعيفة، ولايعتنون بدراسة المنقولات
وتحرير صحيحها من ضعيفها، وعلى هذا عامة المبتدعة، بل بعض جهلة أهل
السنة والمقلدة. وقد جرّ هذا التساهل والتفريط على الأمة بلاء وشراً كبيراً.
قال ابن تيمية: «.. ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين
لمضمونها هم أبعد عن معرفة الحديث، وأبعد عن اتباعه من هؤلاء، هذا أمر
محسوس، بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله وأحواله وبواطن
أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيراً من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لايميزون
بين ما قاله الرسول ﷺ وما لم يقله، بل قد لايفرقون بين
حديث متواتر عنه وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على
مايوافق قولهم سواء كان موضوعاً أو غير موضوع، فيعدلون إلى أحاديث يعلم
خاصة الرسول ﷺ بالضرورة اليقينية أنها قوله، وهم لايعلمون
مراده، بل غالب هؤلاء لايعلمون معاني القرآن فضلاً عن الحديث، بل كثير منهم
لايحفظون القرآن أصلاً، فمن لايحفظ القرآن، ولا يعرف معانيه، ولايعرف
الحديث ولامعانيه، فمن أين يكون عارفاً بالحقائق المأخوذة عن
الرسول؟ !» [٢٦] .
وقال الشاطبي في بيان مآخذ أهل البدع في الاستدلال «منها: اعتمادهم على
الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوب فيها على الرسول ﷺ
والتي لايقبلها أهل صناعة الحديث كحديث الاكتحال يوم عشوراء وإكرام الديك
الأبيض وأكل الباذنجان بنية، وأن النبي ﷺ تواجد واهتز عند
السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه وما أشبه ذلك» [٢٧] .
стр. 2105
دراسات قرآنية
مصادر التفسير:
(٢)
التفسير بالسنة
بقلم: مساعد بن سليمان الطيار
إن الله سبحانه قد أَوكل إلى الرسول ﷺ مهمة البيان،
فقال: [وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]
[النحل: ٤٤] .
ولذا كان الرجوع إلى بيان الرسول مهماً ﷺ في فهم
القرآن وتفسيره، ولما كان الأمر كذلك، فإنه لا أحد أعلم بمراد الله منه -صلى الله
عليه وسلم-.
ثم إن ما يرد عنه من تفسير فإنه وحي؛ لقوله تعالى: [إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ
يُوحَى] [النجم: ٤] وهذا يدل على عظيم منزلة تفسيره ﷺ .
موضوعات البحث:
وسيكون في هذا البحث الموضوعات التالية:
* تحرير مصطلح التفسير بالسنة.
* تحرير مصطلح التفسير النبوي.
* أنواع التفسير النبوي وأمثلته.
* أنواع التفسير بالسنة وأمثلته.
تحرير مصطلح التفسير بالسنة:
يرد في هذا الموضوع مصطلحان: (التفسير بالسنة) ، (التفسير النبوي) ،
وهذان المصطلحان يحتاجان إلى تحرير.
إن السنة تشمل كل قول أو فعل أو تقرير للرسول ﷺ ،
فهل كل السنة تفسير للقرآن؟
إن بعض من بحث هذا الموضوع لم يبّين نوع السنة التي تكون تفسيراً للقرآن، بل إن بعضهم أدرج تحت هذا الموضوع زيادة السنة على القرآن [١] ، مع أنه لا
علاقة لذلك بالبيان عن القرآن، ويمكن القول بأن كل إفادة يستفيدها المفسر من
السنة في بيان القرآن وتفسيره فإنها من التفسير بالسنة، وهذه الإفادة من عمل
المفسر واجتهاده في الغالب.
أما التفسير النبوي، فيلحظ فيه إضافته إلى النبي ﷺ ،
ويمكن أن يقال: هو كل قولٍ أو فعلٍ صدر عن النبي ﷺ
صريحاً في إرادة التفسير.
وبهذا يظهر أن مصطلح (التفسير بالسنة) أعم وأشمل من مصطلح (التفسير
النبوي) [٢] ولكل مصطلح من هذين أنواع تندرج تحته، وهي كما يلي:
* أولاً: أنواع التفسير النبوي:
مرّ أن التفسير النبوي: كل قول أو فعل صدر عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- صريحاً في إرادة التفسير.
ويمكن حصر أنواعه في ثلاثة:
١- أن يبتدر الصحابة بتفسير آية.
٢- أن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم.
هذان من التفسير القولي.
٣- أن يتأول أمراً أو نهياً في القرآن.
وهذا هو التفسير الفعلي.
* أمثلة النوع الأول:
١- أن يبتدر الصحابة بتفسير آية:
وفي هذا قد يذكر ﷺ الآية، ثم يفسرها أو العكس، ومن
أمثلة ذكر الآية ثم تفسيرها، مارواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله
عنه) ، قال: «إن رسول الله ﷺ قال: قيل لبني إسرائيل
[ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ] [البقرة: ٥٨] فدخلوا يزحفون
على أستاههم: (أدبارهم) وقالوا:» حبة في شعرة « [٣] .
ومن أمثلة ذكر معنى الآية ثم ذكر الآية، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي
موسى الأشعري ﵁ : قال رسول الله ﷺ :» إن
الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] [هود: ١٠٢] « [٤] .
٢- أن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم:
ومن أمثلته، ما رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء في
سؤالهما عن البشرى في قوله تعالى [لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا
تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] [يونس: ٦٤] جاء في حديث أبي الدرداء: أن رجلاً من مصر سأله عن هذه الآية، فقال له أبو الدرداء: ما سألني عنها أحد
منذ سألت رسول الله ﷺ ، فقال: ما سألني عنها أحد غيرك منذ
أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» [٥] .
٣- أن يتأوّل أمراً أو نهياً في القرآن:
التأوّل: ما يقوم به الرسول ﷺ من أفعالٍ تكون مفسرة
للخطاب القرآني، وموضحة للمراد منه.
إن إدخال الأفعال النبوية في (التفسير النبوي) يحتاج إلى تحرير، إذ يقع
سؤال مهم في هذا الباب، وهو كالتالي:
إلى أي مدى يفسّر الفعلُ النبوي القرآنَ؟
فمثلاً.. قوله تعالى [أقيموا الصلاة] أمر بإقامة الصلاة، فما التأوّل النبوي
لهذا الأمر القرآني؟
هل يدخل في تفسير هذا الأمر تفاصيل الصلاة؟
الظاهر في هذه المسألة أن ما يفهم به الخطاب القرآني من أفعال النبي -صلى
الله عليه وسلم- فإنه من التفسير النبوي.
أما دخول تفاصيل الأفعال فمحلّ نظر [٦] . والله أعلم.
* ومن أمثلة التأوّل النبوي مايلي:
١- عن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ] [الشعراء: ٢١٤] صَعِد النبي ﷺ على الصفا فجعل
ينادي: يابني فهر، يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم
يستطع أن يخرج أرسل رسولاً ينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال:
أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟
قالوا: نعم، ماجربنا عليك إلا صدقا.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟
فنزلت [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ]
[المسد: ١، ٢] » [٧] .
٢- وعن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: ما صلى النبي -صلى
الله عليه وسلم- صلاةً بعد أن نزلت عليه [إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]
[النصر: ١] إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي.
وفي رواية أخرى عنه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله -
ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا
وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأوّل القرآن « [٨] .
* ثانياً: أنواع التفسير بالسنة:
مر أن التفسير بالسنة يشمل كل إفادة يستفيدها المفسر من السنة في تفسير
القرآن، ولذا فإن هذه الإفادة لايمكن حصرها، وإنما أضرب لذلك نوعين، وأذكر
أمثلة لهما.
١- أن يرد في كلامه مايصلح أن يكون تفسيراً لآية:
قد يذكر الرسول ﷺ في كلامه ما يصلح أن يكون تفسيراً
لآية غير أنه لم يورده مورد التفسير، فيعمد المفسر إلى مثل هذا الكلام النبوي
فيجعله تفسيراً لآية.
والمفسر حين يقوم بهذا العمل يكون مجتهداً في الربط والتوفيق بين معنى
الآية ومعنى الحديث الذي يراه مفسراً لها.
وقد ورد ربطُ معنى حديث بآية يفسرها عن الصحابة والتابعين، ومن أمثلة
ذلك عندهم مايلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يقول:» مامن بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً
من مس الشيطان، غير مريم وابنها «ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم:
[وَإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] [آل عمران: ٣٦] » [٩] .
٢- في تفسير قوله (تعالى) : [الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ] [النجم: ٣٢] روى الطبري عن ابن عباس أنه قال: «ما رأيت شيئاً أشبه
باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ :» إن الله كتب على
ابن آدم حظه من الزنى، أدركه ذلك لامحالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان
المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه « [١٠] .
٣- وروى الطبري عن سعيد عن قتادة، في قوله (تعالى) : [وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً
عَلِياً] [مريم: ٥٧] قال: حدثنا أنس بن مالك أن ﷺ الله حدث
أنه عرج به إلى السماء، قال:» أتيت إدريس في السماء الرابعة « [١١] .
ففي هذه الأمثلة تجد أن الصحابي أو التابعي ذكر قولاً نبوياً مفسراً للآية.
стр. 2106
خواطر في الدعوة
شبكة العلاقات الاجتماعية
محمد العبدة
ليس أمر العلاقات الاجتماعية بالأمر الذي يُتساهل فيه، ولا بالأمر الذي يترك
لتأتي له بحلول مع تطاول الزمن، ذلك لأنه يمس العلاقات الأخوية بين المسلمين،
وهذه العلاقات هي الركن الأساس في بناء الصف الإسلامي وتماسكه، وما تحريم
الغيبة والنميمة، وما ذِكر الأحاديث التي تنهى عن هجر المسلم إلا لصيانة هذه
العلاقات وحمايتها من التدهور، ولأهميتها يقول للمسلمين الذين
يطيلون المكث في بيت رسول الله ﷺ [إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي
النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ..] [الأحزاب: ٥٣] ، وقد
استأذن أبو بكر وعمر ﵄ على رسول الله ﷺ
وهو مضطجع على فراشه، فأذن لهما وقضى حاجتهما، وعندما أذن لعثمان
﵁ جلس وترك الاضطجاع، وعندما سألته عائشة عن ذلك قال: إن
عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لايُبلغ إليّ في
حاجته. وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ والذي
جاء فيه التماس علي ﵁ مصالحة أبي بكر ومبايعته بعد وفاة فاطمة
﵂ ، في هذا الحديث تتجلى الأخلاق العالية، والنفوس الكبيرة التي
تكره الخصام وجفاء العلاقات بين المسلمين، وكيف أن المعاتبة قد تؤدي إلى عودة
الصفاء إلى القلوب، وعودة الأمور إلى طبيعتها.
جاء في الحديث أن علياً أرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك،
فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي فقال: إنا قد عرفنا فضلك، وما أعطاك الله ولم
ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا
من رسول نصيباً حتى فاضت عين أبي بكر، ثم قال علي لأبي بكر: موعدك
العشية (بعد الزوال «للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقِيَ على المنبر وتشهد،
وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعَذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر، وتشهد
عليّ فعظّم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر
ولا إنكاراً للذي فضّله الله عليه، ولكنا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبدّ بنا
فوجدنا في أنفسنا، فسُر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت ... » [١] .
قال شارح الحديث: لم ننفس عليك خيراً: أي لم نحسدك على الخلافة،
ولعل علياً أشار إلى أن أبا بكر استبد عليه بأمور عظام كان مثله عليه أن يحضره
فيها ويشاوره مثل عقد الخلافة. والعذر لأبي بكر أنه خشي من التأخر عن البيعة
الاختلاف، قال القرطبي: «من تأمل مادار بين أبي بكر وعلي من المعاتبة ومن
الاعتذار، وما تضمن ذلك من الإنصاف، عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل
الآخر، وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد
يغلب أحياناً ولكن الديانة ترد ذلك» [٢] .
أراد علي ﵁ أن يزيل الجفاء الذي وقع، وقد فرح المسلمون
بذلك، والدعاة اليوم أحوج ما يكون إلى مثل هذا التحرج والتأثم في بقاء الجفاء،
والبعد عن العلاقات الودية، وأن عليهم إزالة ما تعتكر به النفوس، وقطع دابر
ماينقله النمامون، ولعلّ ذلك يفرح المسلمين ويزيد ثقتهم بهم، ويأملون خيراً للدعوة.
стр. 2107
مقال
نظرات في قضية ترجمة معاني
القرآن الكريم
(٣)
بقلم: د. فهد بن محمد المالك
عرضنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة نبذة تاريخية عن المراحل التي
مرت بها ترجمة معاني القرآن الكريم، كما عرضنا في الحلقة الثانية بعض القضايا
والقواعد والتوجيهات حول هذه القضية، وقلنا هناك: إن كل مايمكننا قوله عن
الترجمات: إن هذه الترجمة امتازت بكذا، وتلك الترجمة بكذا. وفي هذه الحلقة
سأحاول إعطاء بعض المعلومات عن بعض الترجمات المشهورة والمنتشرة ونبذاً
عن مترجميها.
والترجمات التي سأعرضها هي: ترجمة عبد الله يوسف علي، وترجمة
محمد أسد، وترجمة محمد مرمادوك بكثال، وترجمة داود، وترجمة محمد ظفر الله
خان، وترجمة آربري، وسأقتصر على هذه الترجمات فقط؛ وذلك خشية الإطالة،
وإلا فإن جميع الترجمات وبلا استثناء تحوي بين دفاتها أخطاء كثيرةً: إما من
الناحية العقدية، أو من الناحية البلاغية، أو من الناحية اللغوية؛ لهذا فإنني أعتقد
جازماً أن الأمر خطير جداً على الإسلام وأهله إن لم يتدارك المسلمون أنفسهم،
ويتنبهوا لما يجري على كتاب ربهم من محاولات للنيل منه ومن الدين الإسلامي.
ومن هذا المنطلق وبحكم أنني متخصص في دراسة هذا الموضوع، فإني
أرى أن الحل المناسب والأمثل حيال هذه القضية هو: أن تنشأ هيئة أو مؤسسة
إسلامية عالمية تقوم على رعاية كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، وتبليغ دعوته
وتعاليمه: إلى المسلمين أولاً، وإلى العالم كله ثانياً بلغاته المختلفة، وتكون من
أولويات هذه المؤسسة القرآنية العناية التامة، والإشراف الكامل على ترجمة القرآن
الكريم إلى اللغات الأخرى، والتأكد من سلامة هذه الترجمات واعتمادها كما هو
الحال فيما يقوم به النصارى؛ حيث توجد هناك هيئة منبثقة من الفاتيكان تتولى
مسؤولية متابعة ترجمة الإنجيل إلى لغات العالم، ولعلى هنا أضم رأيي إلى رأي
الدكتور الشيخ الفاضل «يوسف القرضاوي» والدكتور «حسن المعايرجي»
اللذان يريان أن تكون هذه المؤسسة نابعة من منظمة المؤتمر الإسلامي التي انبثق
عنها أجهزة ومنظمات كثيرة في شتى أنشطة العمل الإسلامي، ويمكن إيجاز أهم
أهداف هذه المؤسسة فيما يلي:
١-العناية بتفسير القرآن الكريم لغير المسلمين: كل أمة بلسانها، وتبليغ
المعاني الصحيحة لهذا الكتاب العظيم إليها.
٢- تكليف مجموعة من العلماء المشهود لهم بالدين والعلم بالقيام بتفسير
القرآن الكريم بلغات العالم المختلفة تفسيراً حديثاً وصحيحاً.
٣- رصد كامل لكل الترجمات المنتشرة في العالم في جميع اللغات والتحذير
من الترجمات الفاسدة ومتابعة الناشرين لها قضائيّا.
٤- إصدار نشرة دورية ينشر فيها كل ما جد من جديد في حقل ترجمة القرآن
الكريم، وكل ماصدر من ترجمات جديدة.
٥- طبع التفاسير وترجماتها واعتمادها للتداول بين الناس. لمحات عن بعض الترجمات ومترجميها:
١- ترجمة عبد الله يوسف علي. .Yusuf Ali. A
اسم الترجمة The Glorious Qur' an
ولد عبد الله يوسف عام ١٨٧٠م في بومباي في الهند، ونشأ وترعرع في بيئة
دينية حيث كان والده حريصا على تعليمه علوم القرآن واللغة العربية، وبعد أن
أكمل دراسته سافر إلى العديد من الدول الأوروبية، وعمل محاضراً في جامعة لندن، وهناك تعمق في دراسة اللغة الإنجليزية وآدابها، ويبدو أن لهذا التعمق أثراً على
أسلوبه في الترجمة. أمضى عبد الله يوسف علي قرابة ٤٠ سنة في دراسة وتجميع
المعلومات المتعلقة بترجمة معاني القرآن الكريم، وفي عام ١٩٣٧م صدرت أول
طبعة من ترجمته، وقد طبعت حتى الآن ما يزيد على ٤٠ طبعة، وتعتبر هذه
الترجمة من أوسع الترجمات انتشاراً وأكثرها رواجاً لدرجة أنه أصبح من النادر
جداً أن يخلو بيت من بيوت المسلمين غير العرب من نسخة من هذه الترجمة.
تمتاز ترجمة عبد الله يوسف علي بأنها مكتوبة بأسلوب أدبي بليغ، كما تمتاز
بالتعليقات الهامشية التي وصل عددها إلى قرابة (٦٣١٠) تعليقاً أوضح فيها عبد الله
يوسف كثيراً من الأمور والقضايا، وقد ذكر المؤلف أنه حاول أن يجعل التعليقات
أقصر مايمكن، ولكن بالقدر الذي يمكن القارئ عامياً كان أو عالماً أن يلم إلمامة
يسيرة بالموضوع، ولعل من أسباب رواج هذه الترجمة هي هذه التعليقات الهامشية.
قامت رئاسة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية
(وبناءً على طلب من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف) بتصحيح بعض
الأخطاء والانحرافات العقدية التي وقع فيها عبد الله يوسف علي، ومن ثم قام
المجمع بطباعة النسخة المصححة، إلا أن هذه الطبعة أيضاً تحتاج لمزيد من
الدراسة والبحث والعناية.
كما اتسمت ترجمة عبد الله يوسف علي باستخدامه لكلمات تُعَدّ بالمفهوم
العصري الحديث من اللغة الإنجليزية (الكلاسيكية) القديمة التي يصعب على كثير
من القراء المعاصرين فهمها واستيعابها.
٢ -ترجمة محمد أسد. ... ... ... .Asad ٠M
اسم الترجمة ... ... The Message Of the Qur'an
ولد محمد أسد في بولندا عام ١٩٠٠م من أبوين يهوديين، كان والده حريصاً
على أن يكون ابنه حاخاماً من حاخامات اليهود، ولكن الابن عمل مراسلاً صحفيّا
لإحدى كبريات الصحف الأوروبي، وزار عدداً من الدول العربية والإفريقية مما
جعله يتأثر بالإسلام وأهله، وقد أعلن إسلامه عام ١٩٢٦م، وغيّر اسمه من ليوبولد
فايس إلى محمد أسد، وقد بقي في السعودية لمدة خمس سنوات، ثم انتقل إلى الهند، وقابل هناك الشاعر الإسلامي محمد إقبال ﵀ حيث ألح عليه إقبال في
القيام بترجمة صحيح البخاري إلى اللغة الإنجليزية، ثم تنقل محمد أسد بين الدول
الإسلامية إلى أن استقر في سويسرا، حيث ركز جهوده ودراسته على ترجمة
معاني القرآن الكريم لمدة ٢٠ سنة. كان محمد أسد يجيد عدداً من اللغات هي:
اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، واللغة العبرية، واللغة الفرنسية، واللغة الألمانية
بالإضافة إلى لغته البولندية، وقد توفي ﵀ في المغرب عام ١٩٩٢م، ومن
أشهر مؤلفاته: الطريق إلى مكة.
صدرت أول طبعة من ترجمته عام ١٩٨٠م وقد امتازت هذه الترجمة ببعض
التعليقات المبسطة والمركزة حول بعض القضايا والموضوعات، كما حوت هذه
الترجمة نبذة ميسرة عن «المقطعات» وليلة «الإسراء المعراج» و «الجن»
وغير ذلك، وقد ذكر في مقدمة ترجمته: أن عمله هذا هو محاولة لنقل النص
القرآني العربي المعجز ولو شيئاً منه إلى اللغة الإنجليزية، وبيّن عجزه وعجز كل
من حاول ترجمة القرآن الكريم عن الإتيان بترجمة مطابقة للنص القرآني العربي،
وقد حاول في ترجمته استخدام لغة إنجليزية بسيطة، وقلل كثيراً من استخدام اللغة
الكلاسيكية الإنجليزية.
٣ -ترجمة محمد مرمادوك بكثال ... ... Pickthall. M. M
اسم الترجمة ... The Meaning of the Glorious Qur'an
ولد محمد مرمادوك عام ١٩٧٥م في انجلترا، أي إنه كان إنجليزي الأصل
والمنشأ، وأمضى فترة من عمره في بعض بلدان الشرق الأوسط؛ مما أدى به إلى
تعلم اللغة العربية وحبه لشعوب تلك المنطقة، ومن ثم حب دينهم، فاعتنق الإسلام
عام ١٩١٤م، وقد عين إماماً لمسجد في إحدى ضواحي لندن، وعندما كان يخطب
الجمعة بالمصلين كان يستشهد فيها بآيات، يقوم هو بنفسه بترجمتها إلى اللغة
الإنجليزية، وقد لاقت ترجمته لهذه الآيات قبولاً عند المصلين، وكانوا دائماً
يسألونه عن المصدر لتلك الترجمة وعندها شعر بالحاجة الماسة إلى أن يقوم بترجمة
معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، وقد وجد تشجيعاً على ذلك من حكومة
حيدر أباد، حيث أعطته تفرغاً لمدة سنتين ليقوم بهذا العمل وتكفلت هي بمصاريفه، كان محمد مرمادوك أديباً متمكنا من اللغة العربية، وتوفي ﵀ عام ١٩٣٦ م.
صدرت أول طبعة من هذه الترجمة عام ١٩٣٠م، وتعتبر ترجمته من أوسع
الترجمات انتشاراً وأكثرها رواجاً في بريطانيا، حتى إنها طبعت أكثر من٥٠ مرة،
ويعزى السبب في ذلك إلى أنها أول ترجمة يقوم بها مسلم من أصل إنجليزي.
وامتازت الترجمة بسهولة أسلوبها والتزامه الحرفي في الترجمة، الذي قد يضطره
في كثير من الأحيان إلى التوضيح ببعض التعليقات المختصرة، إلا أنه أكثر من
استخدام اللغة الإنجليزية الكلاسيكية القديمة، وقد يكون هذا من العوائق التي تعيق
فهم الترجمة بالنسبة للقارئ العصري العادي.
٤ -ترجمة داود ... ... ... ... ... Dawood. J. N
اسم الترجمة ... ... ... ... ... ... Koran The
ولد داود في بغداد وهو يهودي عربي استقر في بريطانيا عام ١٩٤٥م،
وهناك تقلد عدة مناصب في الجامعات الإنجليزية، كما قام بترجمة عدد من
النصوص العربية: كمقدمة ابن خلدون وغيرها، ويُعَدّ داود هو اليهودي الوحيد
الذي قام بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية.
صدرت أول طبعة من ترجمته عام ١٩٥٦م، وقد طبعت أكثر من ١٥ طبعة
وهي من أكثر الترجمات تداولاً بين الإنجليز غير المسلمين، وذلك لأنه حاول في
ترجمته أن يستخدم اللغة الإنجليزية الحديثة، وابتعد تماماً عن استخدام اللغة
الكلاسيكية القديمة، كما أنه في ترجمته أطلق لنفسه العنان فلم يتقيد بالنص.
وقد حاول داود في ترجمته أن يعمل ترتيبا خاصاً به لسور القرآن الكريم، فلم
يسلك الترتيب المعروف في المصحف الشريف، كما أنه لم يتبع الترتيب الذي
سلكه بعض المستشرقين وهو ترتيب سور القرآن الكريم على حسب النزول،
فيبدؤون أولاً بالعلق، ثم المدثر ... وهكذا، ولكنه اعتمد ترتيب السور على حسب
طول وقصر السور وعلى حسب الأكثر شاعرية كما يرى! فيبدأ بالسورة القصيرة
والأكثر شاعرية! في زعمه ثم الأطول فالأطول، وقد ذكر في مقدمته أن سبب
اعتماده على هذا الترتيب حتى لايصطدم القارئ مباشرة بالسور الطويلة كالبقرة
والنساء، إنما يكون الأمر بالتدرج، غير أن داود في إحدى الطبعات المتأخرة من
ترجمته (١٩٩٠م) تراجع عن هذا الترتيب ورتب السور على حسب ترتيب
المصحف الشريف، وذكر في مقدمة هذه الطبعة: أنه على غير قناعة بترتيب
السور حسب المصحف الشريف، ولكنه وجد نفسه مضطراً لأن يتحول عن رأيه.
٥ -ترجمة محمد ظفر الله خان ... ... ... Zafrullah Khan ٠ M
اسم الترجمة ... ... ... ... ... ... The Qur 'an
محمد ظفر الله خان باكستاني الأصل والمنشأ، وقد شغل منصب وزير
الخارجية في بلاده فيما بين ١٩٤٧ ١٩٥٧، ثم عمل قاضياً في المحكمة الدولية،
صدرت أول طبعة من ترجمته عام ١٩٧١م، ونظراً لكونه قادياني المذهب والمعتقد
فقد حرص أن يبث في ترجمته سموم الفكر القادياني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ وهذا ماساعد على انتشار ترجمته ورواجها بين الباكستانيين والهنود.
وفي ترجمته، ابتدع محمد ظفر الله خان ابتداعاً جديداً، حيث إنه لم يفصل
بين الآية والأخرى، بل تجده يسرد العشر آيات مع بعضها دون فواصل أو
علامات تشير إلى نهاية الآية وبداية التي تليها، وسأعرض فيما بعد نموذجاً من تلك
النماذج وكيف حاول دس الفكر القادياني في ترجمته.
٦ -ترجمة آربري ... ... ... ... ... ..Arberry.J. A
اسم الترجمة ... ... ... ... ... The Koran Interpreted
ولد أربري عام ١٩٠٥م في انجلترا، وقد شغل خلال حياته عدداً من
المناصب الأكاديمية في عدد من الجامعات الإنجليزية وقد ركز اهتمامه على
الدراسات العربية والفارسية حتى صار أستاذاً (بروفوسوراً) في اللغة الفارسية في
جامعة لندن عام ١٩٤٤م وأستاذا في اللغة العربية عام ١٩٤٦م في الجامعة نفسها.
ركز آربري كثيراً على دراسة القرآن، لذلك كان حريصا في ترجمته على
اختيار أفضل المترادفات في اللغة الإنجليزية، كما اهتم في ترجمته كثيرا بالقوافي، وحاول صياغة ترجمته بأسلوب أدبي رفيع، وقد سلك مسلك كتاب القصائد
الإنجليزية القدماء في كتابتهم للقصائد المعروفة باسم (Sunnet) التي يتكون كل
مقطع فيها من خمسة أو ستة أسطر.
صدرت أول طبعة من ترجمة أربري عام ١٩٥٥م، وقد طبعت أكثر من ١٥
مرة، ولاتزال حتى هذا اليوم تطبع بالآلاف.
وأخيراً، فإن هناك الكثير من الترجمات التي صدرت في الآونة الأخيرة
تحتاج إلى مزيد من العناية والبحث، ولم أعرض لها في هذا المقال خشية الإطالة:
كالعمل الذي قام به العالمان الجليلان «محمد تقي الدين الهلالي» والدكتور محمد
خان «حيث صدر أول مرة في تسعة أجزاء، وهو عبارة عن مختصر لتفسير ابن
كثير وتفسير الطبري مدعوماً بالتعليقات المستنبطة من صحيح الإمام البخاري واسم
ترجمتهما Qur'an Noble The
وقد صدر هذا التفسير مؤخراً عام (١٩٩٣م) ولكن في مجلد واحد فقط ويمتاز
هذا التفسير بأن المترجمين كليهما صاحبا عقيدة سلفية صافية من الشوائب
والانحرافات، كما تمتاز ترجمتهما بسهولة الأسلوب ووضوح العبارة، كما أن هناك
ترجمات لايتسع المقام لعرضها كالترجمة التي قام بها أحد العلماء المصريين وهو»
محمد الخطيب «وقد صدرت ترجمته عام ١٩٨٠م وغيرها كثير.
وأختم كلامي هنا: بأن هناك العديد من الترجمات التي تحتاج إلى مزيد من
العناية والبحث، سواء أكانت ترجمات إلى الإنجليزية أو إلى اللغات الأخرى.
ولعلنا في الحلقة القادمة والأخيرة إن شاء الله (تعالى) نستعرض نماذج من
الأخطاء التي ارتكبها أولئك المترجمون في ترجماتهم؛ لنرى خطورة الأمر والحاجة
الشديدة إلى علاجه.
стр. 2108
دراسات دعوية
أهمية مبادئ الإدارة في الدعوة
بقلم: نبيل بن جعفر الفيصل
إن الدعوة إلى الله هي الأساس الذي قامت عليه هذه الأمة
ونهضت به، وإذا نظرنا في تاريخ الدعوة منذ بعثته وجدنا أنها كانت تسير ضمن
عملية إدارية محكمة، بلغت في تخطيطها وتنظيمها وتربيتها للسلوك الإنساني
ذروتها.
وكما أن حركة الدعوة الإسلامية مطالبة بدراسة التجارب التي مرت بها عبر
القرون للاستفادة منها بحكمة بعد تقييمها وعرضها على الكتاب والسنة وإجماع
السلف فكذلك هي مطالبة أيضاً بالاستفادة بكل مايعينها لتحقيق هدفها.
ونستعرض هنا بإيجاز العملية الإدارية من منظورها النظري، وكيفية ملاءمة
هذه العملية بوصفها أداة تعين في النهوض بالدعوة. ومع العلم، فإن نجاح تطبيق
وظائف الإدارة المختلفة في مجالات الدعوة مرهون بتصور واستيعاب القارئ
لتطبيق هذه الوظائف في حياته الدعوية: فمثلاً عندما نتحدث عن إدارة الوقت من
الناحية النظرية، فإنا نقوم خلالها بتحديد الأعمال المطلوبة وترتيبها في قائمة حسب
الأولوية والأهمية، وتحديد وقت لكل مهمة ومراجعة وتحديث القائمة باستمرار، ثم
تقييم ماتم إنجازه حسب الوقت المخصص لكل مهمة ودقة الإنجاز وعمل التعديل
اللازم.. إلى غير ذلك من التوجيهات الخاصة بإدارة وتنظيم الوقت.
وإذا تصورنا هذه التوجيهات من الناحية العملية، نجد أننا فعلاً نقوم بمثل هذا
التخطيط للوقت بصورة غير مباشرة، فتجد أنك تلقائياً وقبل شروعك في إنجاز
مهمة ما تفكر ذهنياً وبسرعة متى يجب عليك الانطلاق، وكيف؟ ومع من؟ وأي
طريق ستسلك؟ ، وأثناء الطريق ستفكر ماذا ستفعل عند وصولك وإلى أين ستذهب
بعد ذلك.. إلخ.
هذا ما نقصده بالتصور التطبيقي للعملية الإدارية: أي أن ننقلها من الوضع
النظري إلى الواقع العملي.
ماهي العملية الإدارية؟
إن الإدارة بحد ذاتها هي: عملية دمج وتنسيق الموارد المادية (كالمعدات
والأدوات) ، والبشرية (الأفراد) في منشأة من خلال التخطيط لها وتنظيمها وتوجيهها
ومراقبة إنتاجها؛ لتحقق بالتالي أهداف المنشأة.
كل جهاز دعوي على اختلاف مستوياته لابد له من الاستفادة من علم التخطيط
والتنظيم والتوجيه والمراقبة، أو مايسمى بالوظائف، وبالتالي شرح هذه الوظائف
وكيفية الاستفادة منه، خاصة إذا استحضر الإداري المسلم في قلبه وكيانه أنه في
إدارته مدفوع بذاتية ربانية ونبوية المنهج، تقوده للتفكير السليم القويم كسمة يتميز
بها عن غيره.
أولاً: التخطيط:
هو «ضرورة لكل المنشآت؛ لأنها تعمل في ظروف متغيرة، ومن ثم فإن
محاولة التخفيف من مفاجآت هذه الظروف هو الدافع وراء عملية التخطيط، كما أنه
عملية مستمرة تدعو لاختيار بديل من عدة بدائل لتطبيقه في المستقبل» [١] ونحدد
من خلاله مانريد أن نعمله، وما الذي يجب عمله، وأين؟ وكيف؟ ومتى؟ وعن
طريق مَنْ؟
والتخطيط للدعوة يبدأ من المنطلق الاستراتيجي (الإحكامي) البعيد المدى عن
طريق القياديين ومفكري الأمة: مثل ماحصل في خطة صلح الحديبية ذات النظرة
البعيدة الذي يعده بعض المؤرخين بداية الفتح الإسلامي الفعلي، «ثم على الخطة
أن تتسم بالواقعية والمرونة والشمولية وكذلك تناسق الخطط فيما بينها لضمان
استمراريتها» [٢] .
ثانياً: التنظيم:
يأتي دور التنظيم لضمان تنفيذ الخطط بالشكل المطلوب، أو بمعنى آخر
تنظيم التنفيذ دون الارتباك في توزيع العمل، والتنظيم مهم لتحديد مهام وواجبات
كل الأفراد أعضاء المنشأة وكذلك تحديد وبيان علاقة كل فرد وأين موقعه من
الجماعة، وتوزيع السلطات والصلاحيات لمستويات الأفراد المختلفة؛ كل ذلك من
أجل إيجاد تنسيق بشري يساهم فيه كل فرد لإنجاح مسيرة العمل الإسلامي، ولنا
من الهجرة النبوية إلى المدينة درس يمثل غاية التنظيم والتنسيق لإحكام خطة
الهجرة، وتوزيع العمل والمسؤوليات على الأفراد حسب تخصصهم دون فوضى،
وعمل الاحتياطات اللازمة لكل حادث قد يصادف تلك الرحلة. وبالإخلاص وتظافر
الجهود تتحقق الأهداف المنشودة بإذن الله.
ومن السابق يمكن تعريف التنظيم بأنه: عملية بناء العلاقات بين أجزاء العمل، ومواقع العمل، والأفراد من خلال سلطة فعالة بهدف تحقيق الالتحام والترابط
وأداء العمل بطريقة جماعية منظمة وفعالة [٣] .
ثالثاً: التوجيه والقيادة:
إن للتوجيه الإداري ارتباطاً وثيقاً بمهارات القياديين؛ لذا هو: «فن وقدرة
المدير على السير الصحيح بمن تحت إمرته وهدايتهم وتوجيهم مع إشاعة روح الود
والحب والرضا والتفاني والانتماء في العمل حتى يتحقق الهدف المطلوب» [٤] .
ولنجاح عملية التوجيه ينبغي مراعاة الاتصال الفعال الذي يربط قنوات النظام
الداخلي والخارجي مع وضوح أهداف النظام الكلية والأهداف المطلوب تحقيقها من
كل فرد يعمل لهذا النظام على اختلاف مستواه.
أضف إلى ذلك رفع الروح المعنوية للأفراد العاملين في مجال الدعوة من
تقديم التشجيع والثناء والمزيد من الحرية والتصرف، ناهيك عن الدافع الديني
الذاتي لدى كل من يفهم معنى الدعوة وحجم الاستثمار فيها، ولايفوتنا الإشارة
للتوجيه الرباني لكل من القائد وأتباعه [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى
الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] [الفتح: ٢٩] .
رابعاً: الرقابة:
والرقابة بمفهومها العام تعني التأكد من أن المبادئ الآنفة الذكر التخطيط،
التنظيم، التوجيه تسير في الاتجاه الصحيح نحو الأهداف المرسومة، ويكون ذلك
بقياس الأداء ومقارنة النتائج بالأهداف ضمن معايير موضوعة سلفاً لتصحيح
وتعديل أي انحراف في الأداء ضماناً لفاعلية وكفاءة التنفيذ.
ولعل أبرز مايتسم به الإداري المسلم الرقابة الذاتية على نفسه، فهي تشمل
كافة شئون الحياة الفردية والجماعية، حيث يعلم أنه خلق لعبادة الله وحده، وبالتالي
فإن جميع أفعاله إدارية أو دعوية مقياس لمدى طاعته لأوامر الله، ثم محاسبة نفسه
قبل أن يحاسبه خالقه، يقول تعالى: [إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء: ١] .
والمسلم كذلك مطالب برقابة أخيه المسلم بالتناصح والتوجيه يقول (تعالى)
[وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
المُنكَرِ] [التوبة: ٧١] .
وإن كان ترتيب الرقابة في النظرية الإدارية في النهاية، إلا أني أعتقد أن
عنصر الرقابة هو العنصر الأول والملازم للعملية من بداية التخطيط وأثناء التنظيم
والتوجيه وانتهاء بالتأكد من تحقيق الهدف المطلوب.. وبذلك يعي الإداري المسلم
مدى نجاح دعوته المستمدة من الكتاب والسنة بتوفيق الله كسمة يجب أن يتميز فيها
عن غيره.
стр. 2109
حقيقة (عميان العصر)
نظرات في الاتجاه العلماني وموقفه من الإسلام
بقلم: د. أحمد إبراهيم خضر
بعد سياحة في المعاجم العربية توصل (المثقف التقدمي المستنير) إلى أنه
لايجب على زملائه التقدميين والطليعيين والمستنيرين والليبراليين والعلمانيين (كما
عددهم بنفسه) أن يغفلوا عن (خطاب عن العميان) عنوان مبحث مهم للمفكر
الفرنسي المادي (بريتون ديدرو) سطره عام ١٧٤٩م ويمثل (ديدرو) عصر التنوير
في قمة جنوحه نحو مايعرف (بالمذهب التأليهي) الذي يروج له التنويريون في
بلادنا مؤخراً. ظهر هذا المذهب في أوروبا في أواخر القرن السابع عشر، ثم شاع
في القرن الثامن عشر، بسبب نزوع هذا القرن إلى (العقلانية) وتركيزه على العلم
وإعمال العقل. يدعو هذا المذهب إلى الإيمان بالله وينبذ الإلحاد والوثنية، لكنه
أصبح بمضيّ الوقت سبباً في تقويض الدين من أساسه. يزعم أصحاب هذا المذهب
بوجود كائن أسمى أو خالق للكون يتسم بالخير والحكمة والصلاح يطلقون عليه
(المهندس الأعظم أو عالم الرياضيات الأعظم) الذي استطاع أن يخلق آلة في منتهى
الدقة والروعة هي آلة الكون، لكنهم ينكرون الدين المنزل أو الدين الموحى به،
ويزعمون أن الله كف عن التدخل في شؤون الكون بمجرد أن انتهى من خلقه وتركه
يسير بمقتضى مجموعة من القوانين التي لاتتبدل ولاتتغير، ويردد التأليهيون أفكاراً
تناصب الدين العداء ويدّعون أن الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) جماعة من
المحتالين والنصابين الجشعين الذين اخترعوا الجنة والنار بهدف إحكام سيطرتهم
على العباد، ويرون أن الروح تفنى كالجسد، ويرفضون الأخلاق القائمة على الدين، ويعتقد بعضهم أن الإنسان ليس سوى قرد ارتفع في مدارج الرقي والتثقف.
وتوجد إرهاصات المذهب التأليهي عند أتباع الفيلسوف العربي (ابن رشد) ، كما
تقول دائرة المعارف البريطانية [١] . والتأليهيون يستخدمون مصطلح (الخطاب
الديني) عند تعاملهم مع (خصومهم) الإسلاميين وإن استبدلوه بمصطلح (اللسان
الديني) ؛ لأن المصطلح الأول يضفي على اللسان الديني مايفتقر إليه من تناسق
وترابط وصدق ومنطقية. و (الخطاب) كما استخرج معناه من المعاجم العربية هو:
كلام في شأنٍ ذي درجة ملحوظة من الأهمية ويتسم بالتنسيق والمعاودة والتحبير،
وفيه قياس ويحتوي على مقدمات ونتائج، وما يلقيه (الآخر) ويقصد به (الخصم
الإسلامي) يفتقر في خطابه إلى ذلك كله. أما سبب استبدال (الخطاب) باللسان فلأنه
كما يتصور يتفق مع ما (يهدر) ! به هؤلاء الإسلاميون الذين يميلون إلى التغلب
على خصومهم بالحق وبالباطل وهم كثيرو الكلام، لايكفون عنه ويعدونه البديل أو
المعادل للفعل، ومعظم كلامهم تقوّل وأخبار، وأقله منطق وعقلانية، كما أنهم
يقولون مالايفعلون، ولايأتمرون بما يأمرون الناس به، ولاينتهون عما ينهون
غيرهم عنه، ولاهمّ له كما يقول بالنص إلا (الهمز والغمز والعض والقرص
والخمش واللدغ) وقد اكتشف في القاموس المحيط (لسَنَت العقرب أي لدغت) .
سمات الخطاب الإسلامي في زعمهم:
بعد هذا القدح في الإسلاميين وخطابهم أو لسانهم كما يرى هذا المثقف
التقدمي المستنير نجده يصف هذا اللسان بمايلي:
أولا: أنه صاحب فاعلية قوية لدى العامة ومؤخراً لدى المتعلمين، ويعني بهم
حملة الشهادات العليا حتى الدكتوراه، بل لدى قطاع واسع من الأكاديميين وأساتذة
الجامعة وليس (المثقفين) من أقرانه فحسب.
ثانياً: أنه يمتلك القابلية الثبوتية أو اليقينية لدى المتلقي التي لايجاريه فيها أي
خطاب غيره (!) ، فمن يستقبله لا يطالب مَنْ (يُلاسنه) بأي برهان أو حجة بل
على الفور يسلم ويذعن وتنشر في عقله وذهنه ووجدانه أمارات الاقتناع والرضى
والقبول المطلق غير المشروط، ولاتخطر على باله مجرد خاطرة ولو ضعيفة أن
يطالب من يلقيه عليه بأقل القليل من قرينة، بل من أدلة ثبوت.
عاب (المثقف التقدمي المستنير) على أقرانه من أصحاب الخطاب التقدمي
ردود فعلهم للخطاب أو (اللسان) الإسلامي ووصفها بأنها: زاعقة، صارخة إنشائية، خطابية، تتهم الإسلاميين بالظلامية والعودة للقرون الوسطى ومحاكم التفتيش
وشق الصدور، والقلوب، وخرق المواثيق العالمية لحقوق الإنسان، وإعلان (ليما)
عن حرية البحث العلمي، وتذكر بما جرى (لجاليليو (و) كوبرنيكس) ، وإهدار
كرامة النساء، والتدخل في الخصومات واقتحام العلاقات الحميمة، فقدموا بذلك
على طبق من ذهب إبريزٍ خالص لخصومهم الإسلاميين دليل الثبوت على صحة
مايقال عنهم بالنفور من الإسلام ومعاداتهم إياه وكل مايمت إليه بأدنى صلة) .
إن المقارنة بين الخطابين بنص ماوصفهما به (المثقف التقدمي) تطرح عدة
تساؤلات:
أولاً: كيف لخطاب أو حتى للسان يفتقد إلى التناسق والترابط والصدق
والمنطقية أن يكون له مثل هذا التأثير الذي اعترف به للخطاب الإسلامي حتى على
خصومه من المثقفين المستنيرين؟ !
ثانياً: كيف لأصحاب (لسان) يمتلك كل هذه الفاعلية وكل هذا التأثير أن
يكونوا أصحاب ادعاء زائف يخفون تحته الدفاع عن مصالحهم ومنافعهم ومكاسبهم
وطموحاتهم وأحلامهم؟ ! وكيف لا يطالب المستمع إلى هذا (اللسان) بأي دليل أو
حجة ويذعن ويسلم على الفور، ثم يتهم صاحبه بأنه يقدم تفسيراً مزوراً للإسلام
يعلن بكل جرأة أنه الحق؟ وإذا انخدع بذلك العوام فكيف ينخدع به المتعلمون
والأكاديميون وأساتذة الجامعات، بل المثقفون التقدميون المستنيرون؟ !
ثالثاً: كيف لايملك الخطاب التقدمي ولو بعض هذا التأثير الذي يمتلكه
الخطاب الإسلامي، إذا سلمنا جدلاً بتناسقه وصدقه ومنطقيته؟ وكيف يكون التناسق
والصدق والترابط والمنطقية في خطاب وصفه صاحبه بنفسه بأنه زاعق صارخ
إنشائي خطابي؟ .
أصاب المثقف المستنير حينما نبه أقرانه من الطليعيين والتقدميين والعلمانيين
إلى الحقائق المهمة التالية:
أولا: أن الثقافة الإسلامية:
أ - مكون رئيس في بنية الثقافة العامة في المنطقة العربية.
ب - أنها طرف فاعل فيما يسميه بمعركة الأصالة والحداثة.
ج - أنها غدت في السنوات الأخيرة تحتل حيزاً واسعاً أكبر مما كان متوقعاً
في الفضاء الثقافي.
د - أنها ملك للجميع وليست حكراً على أحد ولاتقل أهمية عن الثقافات
الأخرى.
هـ أنها ثرية عميقة خصبة متعددة النواحي تثري الفكر والعقل والوجدان.
وأن أي مشروع ثقافي أو فكري أو حضاري يتجاهل الإسلام سيسقط سقوطاً
مدويا.
ثانيا: أن المثقف العربي عموما:
أ - مهما بلغ قدره فإنه يتجاهل الثقافة الإسلامية ويعرض عنها بل ويزدريها
وأن هجر هذه الثقافة (أو احتقارها) أصبح سمة مميزة لأغلب المثقفين الليبراليين.
ب - أن هذا المثقف يتعبد في محراب الثقافات الأخرى، ويعتقد أنها غاية
المراد من رب العباد ونهاية المطاف على حد تعبيره.
ثالثا: أقر المثقف المستنير بنص عباراته (بالفقر المدقع في الثقافة الإسلامية
لدى التقدميين والطليعيين والمستنيرين) .
رغم كل ما اعترف به (المثقف المستنير) من خصائص ومزايا الثقافة
الإسلامية واللسان الإسلامي، فإنه يصر على الدخول في معركة مع (خصمه)
الإسلامي يسميها (بمعركة الاستنارة) ويصفها بأنها معركة تحتاج إلى نفس طويل
وصبر جميل، ويعترف بأنها ستكون سجالاً أي هزائم وانتصارات سيتسلح فيها بما
يسميه (الإيمان بالقضية التي يناضل من أجلها وعدم اليأس مهما حدث) فالخصم
الإسلامي كما وصفه المثقف المستنير خصم شرس وعنيد ويمتلك إمكانيات بالغة
الضخامة.
يطلق المثقف المستنير على أسلوب المعركة مع (الخصم) الإسلامي المواجهة
من الداخل، ويقول في ذلك: (إن رأينا أن نشهر في وجهه السلاح ذاته الذي يدعي
أنه يمسك به، وهو الثقافة الإسلامية.. إن حجاج الآخر لايتأتى إلا من داخل
الثقافة الإسلامية التي يتفاخر أنه من حملتها.. إن تسعين في المائة مما يطرحه
الخصم كحجة مسلمة لايأتيها الباطل من أي مكان هي مجرد مقولة عليها خلاف
شديد) ، قيل للمثقف التقدمي: (إننا بذلك نلعب على ملعبهم وهم أقدر منا على
الفوز) ، فرد قائلا: (هذه حجة داحضة تقطع بأن قائلها يدخل في زمرة المبهورين
بذلك اللسان، فالثقافة الإسلامية ليست وقفاً عليهم، بل هي ملك لنا جميعاً
ولايجرؤون على إنكار ذلك، ومن يرفع هذا الاعتراض يقدم الدليل على عجزه عن
اقتحام مجالات الثقافة الإسلامية) .
ثم قيل له اعتراضاً: (إنك إذا أتيت بأدلة قوية فإنهم سيأتونك بأدلة أقوى أو
على الأقل لاتقل قوة) فكان رده: (نكون إذن قد كسبنا كثيراً. إن مايميز الآخر هو
طرحه لمقولاته بثقة مفرطة تصل إلى حد الغرور، لأنها في نظره يقينية ثابتة
راسخة لايدنو الشك منها أدنى دنو، فإذا صادمناها بمقولات مناقضة مستقاة من
مصادر لايستطيع أن ينبس إزاءها إلا بالإذعان والتسليم والخضوع اهتزت ثبوتية
أقواله وارتعش رسوخها، وتخلخلت يقينيتها، وتهاوت صلابتها، وأدرك المتلقي
لها أنها ليست فصل الخطاب ولاهي عين اليقين بل (فيها قولان) وعليها اختلاف،
وهي محل نظر وبشأنها أخذ ورد وشد وجذب.. إلخ وهذا كسب في غاية الأهمية إذ
بذلك ستغدو طروحات الآخر مثل غيرها قابلة للنقاش والجدال والحوار والنقد
والتوهين، بعد أن فككنا عنها القداسات الزائفة التي طالما أضفوها عليها، إننا
بسلوكنا هذا الطريق لوحققنا ذلك وحده لكان في تقديرنا انتصاراً في شطر كبير من
معركتنا الضارية مع (الآخر) ، وتبقى بعده العوامل الأخرى التي لاننفيها أو
نعترض عليها أو حتى نقلل من شأنها، بل على العكس من ذلك نقدرها حق قدرها
وندرك مدى تأثيرها وفاعليتها، ولكن الذي نشدد عليه هو: أن نبدأ البداية
الصحيحة وهي: المواجهة من الداخل [٢] .
يأخذ (المثقف المستنير) جانب أقرانه من الطليعيين والعلمانيين رغم
اعترافه بفاعلية وتأثير الخطاب الديني وقوة وثراء الثقافة الإسلامية التي يستند إليها
أصحاب هذا الخطاب وفقر وعداء أقرانه لهذه الثقافة ثم يقودهم إلى معركة مع
الإسلاميين مرشداً إياهم إلى سلاح (المواجهة من الداخل) ، ويقصد به: الاستناد إلى
اختلاف الفقهاء في القضية موضع النزاع، وتبني القول المخالف للقول الذي رجحه
الإسلاميون إذا كان موافقاً لهوى العلمانيين والطليعيين والمستنيريين.. إلخ.
يقول الإمام الشاطبي في (الموافقات) رداً على مثل ذلك:
أولاً: الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف،
كما أنها في أصولها كذلك، ولايصلح فيها غير ذلك.
ثانياً: إن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، وتخييره بين
القولين نقص لذلك الأصل.
ثالثا: متى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق
لهم مرجع إلا اتباع الشهوات، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة.. وعلى هذا
ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف.
رابعا: إن القرآن والسنة إنما جاءت للحكم بأن أهل الإسلام في الدنيا والآخرة
ناجون وأن أهل الأوثان هالكون، ولتعصم هؤلاء، وتريق دم هؤلاء على الإطلاق
فيهما والعموم، فإذا كان النظر في الشريعة مؤدياً إلى مضادة هذا القصد صار
صاحبه هادما لقواعدها وصادًاً عن سبيلها.
стр. 2110
نص شعري
لن تستباح مآذني
شعر:أسامة أنور عيسى
لمن العلا بن الورى يا سيدُ؟ ... والنارُ ي قلبِ العقيدةِ تُوقَدُ
والشمسُ أعماها الدخانُ بقسوةٍ ... فغدتْ بهيماً لا يزولُ وينفدُ
وغدا النهارُ طلاسماً وغياهباً ... لم تقتربْ منا الشموعُ وفرقدُ
جارٌ وعارٌ وانحدارٌ يحتسي ... طهرَ الصبيّةِ والعدالةُ تُوأَدُ
سربُ الرصاصِ معششٌ بوسادتي ... وبرأسِ شيخٍ ساجدٍ يتعبدُ
هذا الكتابُ تلونت صفحاتُه ... بدمائهم وبكى عليهم مسجدُ
أطفالنا شربوا الجراح تدمرتْ ... أحلامهم وسطا عليها الملحدُ
ومآذني صارت ركاماً يُشتهى ... وبقلبها وقف الصليبُ يغردُ
ومزارعي ومصانعي ومنازلي ... ومدارسي شَرَعَ العدو يبددُ
هذا وإخوانُ الحضارةِ كُبّلوا ... ما هاجَ صوتٌ أو تحركتِ اليدُ
وتشاغلوا وتقاعسوا وتناوموا ... وتلاوموا فتناحروا وتجمدوا
ماذا ترى؟ هل لم تصلْ صرخاتنا ... أم داسها القلبُ الظلومُ الجلمدُ
أم تاهتِ الخيل العِرابُ ببيدها ... وإلى السبيل المرتجى لم يهتدوا
أم أن هذا اليومَ خُلّدَ في الدّنا ... ماتَ الصباحُ لذا فلم يأتِ الغدُ
والمجلسُ الأمنيّ هبّ مزمجراً ... ومضت حروفُ أمينه تتوعدُ
ويفوح معسولُ الكلام فنشتهي ... بعضَ الوعودِ بواقعٍ يتجسدُ
لكنها الأحلامُ أوهامٌ فلا ... ترجُ المعونةَ من ظلومٍ يجحدُ
لا لن تبوحَ جراحُنا ودماؤنا ... فاللهُ أكبر منَ قويٍ يُقْصَدُ
لن ننثني، لن تستباحَ مآذني ... قد نام زيدٌ والجوادُ الأجردُ
ولينصرن الله كل عبادهِ ... عند الترابط والخطا تتوحدُ
стр. 2111
المسلمون والعالم
الأمم المتحدة.. علينا! !
(٢)
نظرات في مواقف المنظمة الدولية
والمتنفذين فيها تجاه الأمة الإسلامية
بقلم:عبد العزيز كامل
إذا أراد المرء أن يبحث لحضارة الغرب (بشقيها الرأسمالي والشيوعي) عن
مرآة تعكس مواقفها وحساباتها الجماعية في منطقتنا العربية والإسلامية، فلن يجد
مرآة أصدق وصفاً، ولا أصفى شفاً وكشفاً من (الأمم المتحدة (؛ فإنها كانت ولا
تزال المعبّر عن مواقف وحسابات الدول الكبرى فيما يتعلق بقضايا الأمة الإسلامية، وسواء أكانت العلاقة بين تلك الدول الكبرى هي علاقة التحالف والانسجام، كما
كان الأمر بعد خروجها منتصرة في الحرب العالمية الثانية، أو كانت علاقة تنافس
وصدام؛ كما حدث طوال حقبة الحرب الباردة؛ فإن لمواقفها جميعاً أوصافاً متشابهة
وقواسم مشتركة تجمعها العداوات القديمة والحديثة ضد دول وشعوب العالم الإسلامي، فالأمم المتحدة ممثلة في قادتها الخمس الكبار، لاينتظر ولايتوقع منها غير ذلك،
فروسيا والصين (الشيوعيتان) وانجلترا وفرنسا (الاستعماريتان) وأمريكا الطامحة
في ميراث الجميع.. ماذا ينتظر منهم حيال قضايا وهموم وآمال العالم الإسلامي،
الذي تناوبوا جميعاً عبر عقود طويلة خلت على استغلال ثرواته واحتلال أراضيه،
وإذا كان الواقع هو أفصح الأدلة في إظهار الحقائق، فإن واقع الإجماع الأُممي
بقيادة تلك الدول على إضعاف العالم الإسلامي يبدو الحقيقة الأبرز مثولاً والأكثر
بروزاً في واقعنا المعاصر. وإلا، فبالله كيف نفسر بقاء العالم الإسلامي المكون من
أكثر من ثمانين دولة (جُلها أعضاء في الأمم المتحدة (محروماً تحت مظلتها من أي
وزن أو ثقل عالمي مؤثر: سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً.. أو حتى إعلامياً..!
هذا العالم الذي يضم أكثر من ربع سكان الأرض، ويتحكم في أغنى وأهم وأخطر
مناطق الدنيا، والذي يشغل مساحات واسعة تزيد على أربعين مليون كيلو متر مربع، ممثلاً بذلك أكثر من ربع اليابسة..، هذا العالم المؤهل للسيطرة على أهم مراكز
النشاط والاتصال بين القارات الثلاث المهمة: آسيا وأوروبا وإفريقيا؛ لإشرافه
على طرق الملاحة المهمة فيها. هذا العالم الإسلامي المتمتع بشتى المناخات
والبيئات، والحاوي في جوفه من كنوز الأرض ما يصل إلى ثلاثة أرباع احتياطي
النفط في العالم، وأكثر من ثلث احتياطي الغاز الطبيعي.. إضافة إلى ثرائه وتراثه
البشري الضخم المتعدد الإمكانات والكفاءات.. إن هذا العالم الإسلامي اليوم على
اتساعه من أقصاه إلى أقصاه؛ ليست فيه دولة واحدة متقدمة بالمعنى الحديث للتقدم
ولم يُمكّنْ من أن تكون فيه دولة واحدة كبرى، أو تكون فيه دولة واحدة ضمن دول
النادي النووي المتملك لسلاح الردع الأول في هذا العصر، وليست فيه دولة واحدة
تستطيع الاعتماد على نفسها؛ بفعل الحصار التقني في تصنيع السلاح التقليدي،
بل ويا للأسف فإن هذه الدول الثمانين (من ضمن ١٨٠ دولة عضواً في الأمم
المتحدة) لا تمثل مجتمعة في عالم اليوم وهي تزيد بسكانها على المليار نسمة القوة
الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو.. حتى الخامسة بل كلها في عداد ما يسمى (العالم
الثالث) أو (العالم النامي) وهو اصطلاح مهذب يقصد به أصلاً: (العالم المتخلف) !
الذي نصطلح الآن على تسميته: الأمم غير المتحدة..
إننا نرى كذلك حصاراً اقتصادياً رهيباً على العالم الإسلامي، لايقل ضراوة
عن الحصار السياسي أو العسكري، يدل عليه أبلغ دلالة أنه ليست في هذا (العالم
الثمانيني) دولة واحدة تدخل في عداد الدول الصناعية السبع، أو التسع، أو العشر، تلك التي تنتج صناعات ثقيلة أو تتميز في ابتكار وإنتاج الصناعات الإلكترونية
الخفيفة! بل إن أكثر دول العالم الإسلامي تعتمد على غيرها في توفير ما تحتاجه
من دقيق الخبز، أو تستجدي المعونات من غيرها بعد أن تدفعها أقساطاً من
استقلالها وكرامة شعوبها.
فإن قال قائل: هذا الواقع الذي تتحدث عنه صحيح، ولكن مسؤوليته لا تقع
على دول التآمر الخارجي فحسب، بل على التخاذل والتخلف الداخلي في جلّ بلاد
المسلمين كذلك، قلنا: نعم، ولكن ... من الذي أنشأ وطور وحافظ على تلك
الأوضاع الداخلية الشائنة والضامنة لمصالح قوى الاستعباد الكبرى؟ ، من الذي
زرع الوهن وغرس التبعية وجند الأتباع وبث الفرقة عبر سنين من الاستعمار
العسكري المباشر، وسنين أخرى من الانتداب ثم الوصاية ثم الحماية ... ثم أخيراً
(الشرعية (الدولية والأمم المتحدة؟ ! صحيح، ما أصدق قول الله [َإنَّ الكَافِرِينَ
كَانُوا لَكُمْ عَدُواً مُّبِيناً] [النساء: ١٠١] .
وقفات مع مسائل مهمة:
وبعيداً عما يمكن أن يعد إجمالاً أو تعميماً، تعالوا نتأمل عدداً من المسائل
المهمة ذات العلاقة بأمة الإسلام، وطريقة تعاطي الدول الكبرى ممثلة في الأمم
المتحدة معها، مثل: موقفها من مسألة الاستعمار، والتسلح، وكذا مواقفها أثناء
وبعد الأزمات الرئيسة التي تعرضت لها بعض الشعوب الإسلامية خلال الأعوام
الخمسين الماضية.
أولاً: موقف الأمم المتحدة من المسألة الاستعمارية:
لم تتطرق مواد ميثاق الأمم المتحدة إلى الحديث عن الاستعمار، إلا في تسع
عشرة مادة من إجمالي مواد الميثاق البالغة (١١١) مادة، بالرغم من أن الحركة
الاستعمارية كانت لاتزال طاغية في وقت صدور هذا الميثاق.
مما يدل دلالة واضحة على أن تلك المنظمة الدولية لم تتخذ موقفا جاداً تجاه
المسألة الاستعمارية منذ البداية.
والواقع يدل على أن دور (عصبة الأمم) لم يختلف عن دور وريثتها (هيئة
الأمم) في موقفيهما من الاستعمار (على الأقل في الفترة التي سبقت احتدام الحرب
الباردة) فعصبة الأمم كانت قد ابتدعت نظام (الانتداب) لمعالجة: الأوضاع القانونية
للمستعمرات التي كانت خاضعة للدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى (خاصة
تركيا وما كان يتبعها من بلاد الإسلام) ، ثم أدخلت الأمم المتحدة بعض التعديلات
على نظام الانتداب وأسمته نظام (الوصاية) ، وقررت أن يسري هذا النظام على
المستعمرات التي كانت خاضعة للدول المهزومة في الحرب العالمية الثانية. ورجح
ميثاقها كفة المصالح الاستعمارية على كفة الشعوب المستعمرة، وتمثل ذلك عملياً
في تمكين القوى الاستعمارية من استغلال الفرصة كاملة في تثبيت أقدامها وضمان
مصالحها في المناطق المستعمرة تحت زعم تهيئة الشعوب وإعدادها لتكون قادرة
على حكم نفسها بنفسها، وكانت هذه فرصة ذهبية للدول الاستعمارية، استغلتها
أبشع الاستغلال؛ حيث أثبت الواقع بعد ذلك أن تلك الدول لم تغادر تلك المناطق إلا
بعساكرها تاركة الشعوب المستعمرة في حالة من التبعية الذليلة، أو الفوضى
المستمرة التي تسمح بالتدخل كلما لاحت فرصة، وساعد على هذا الموقف أن
بريطانيا (زعيمة الاستعمار القديم (كانت لاتزال قوية، بل كانت شريكة للولايات
المتحدة وروسيا في تحقيق انتصار الحلفاء الذي تُوّج بإنشاء الأمم المتحدة، وقد أدت
عوامل كثيرة بعد ذلك ليس منها (ميثاق المنظمة) إلى تحول في شكل الاستعمار
ومضمونه، ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية عزمت على وراثة وتحديث
الاستعمار القديم الذي كانت تقوم عليه دول عدة، منها: انجلترا وفرنسا وأسبانيا
والبرتغال وبلجيكا وجنوب أفريقيا، ونجحت أمريكا في إلهاب المشاعر ضد
الاستعمار القديم، وعمل الاتحاد السوفييتي (سابقا) في المجال نفسه، وسار على
الضرب ذاته كجزء من استراتيجية لإضعاف المعسكر الأوروبي الغربي وتفتيته
وحرمانه من عمقه الاستراتيجي والاقتصادي، وكذلك أراد أن يخطب ود الشعوب
المستعمرة؛ على أمل أن تصبح جسراً لبناء النفوذ خارج منطقة (حلف وارسو (،
ثم ألقت كلا القوتين: الاتحاد السوفييتي (السابق) وأمريكا بثقلهما في الأمم المتحدة
لتشجيع حركة التحرر من الاستعمار القديم؛ لتقتسم القوتان بعد ذلك العالم كله
وتقسمه إلى معسكرين متقابلين: المعسكر الشيوعي الشرقي، والمعسكر الرأسمالي
الغربي، ثم ها هو الزمان يدور دورته ويسقط أحد المعسكرين الحديثين، وتنفرد
الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم: بقيادة الأمم المتحدة والأمم غير المتحدة.
ثانياً: موقف الأمم المتحدة من مسألة التسلح:
اهتمت الفقرات التي تناولت الحديث عن نزع السلاح في ميثاق الأمم المتحدة
بالكلام عن تنظيم التسلح بين الدول الكبرى ... كان هذا أمراً طبيعياً؛ لأن للدول
المبرمة للميثاق أوثق الصلات بالسلاح وبقوة السلاح وجاء في المادة الحادية عشر
للميثاق: إن للجمعية العامة أن تنظر في التعاون لحفظ السلم والأمن الدوليين فيما
يتعلق بنزع السلاح وتنظيم التسليح. وبعد التوقيع بالأحرف الأولى على هذا
الميثاق، وبعد أقل من شهرين على إبرامه قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإلقاء
قنبلتين ذريتين: إحداهما على مدينة هيروشيما اليابانية في ٦أغسطس١٩٤٥م،
والثانية على مدينة (نجازاكي) في ٩أغسطس ١٩٤٥م، ويبدو أن الولايات المتحدة
أرادت بذلك أن تطبق عمليا ما فهمته من دعوى الأمم المتحدة إلى نشر السلم والأمن
الدوليين! وبعد عام أي في سنة ١٩٤٦م شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة
تابعة لها أطلقت عليها (لجنة الطاقة النووية) تدعو إلى ضمان استخدام الطاقة
النووية في الأغراض السلمية، ولكن: بعد دخول بقية الدول الكبرى النادي النووي
لم تطبق دعوة الأمم المتحدة بحزم إلا على الدول غير الكبرى وبخاصة الدول
الإسلامية، بل إن العديد من الدول غير الكبرى سمح لها بتملك السلاح النووي؛
لأنها غير إسلامية مثل الهند وجنوب إفريقيا ... وإسرائيل!
إنك إذا أردت أن تبحث عن سبب للسماح (لعباد البقر) بتملك السلاح النووي
في الوقت الذي لايسمح فيه بذلك أبداً لجارتها المسلمة (باكستان) ، أو أردت أن
تبحث عن سبب للسماح لدولة واحدة غير إسلامية في القارة شبه الإسلامية (إفريقيا) ، إذا أردت البحث عن ذلك فلن تجد إلا سببا واحداً هو: الإصرار الدولي تحت
مظلة الأمم المتحدة على إبقاء المسلمين بمجموعهم رهن الإذلال النووي في قارات
العالم، مرة من عبّاد البقر، ومرات من النصارى، ومرة أخيرة من اليهود.
والويل ثم الويل لمن أقدم أو أعلن أو نوى السعي إلى تملك هذا السلاح من
القادة المسلمين، أو حتى المتسمين منهم بأسماء المسلمين.. إن الأمم المتحدة
ستكون له بالمرصاد. ولنعط لمحة موجزة عن أقرب التهديدات النووية إلينا: إنه
التهديد اليهودي الذي نما وترعرع تحت سمع وبصر (الشرعية الدولية (! وقد بدأت
إسرائيل وفرنسا في زمن متقارب (في أوائل الخمسينات) مساعيهما نحو برنامج
للتسلح النووي، هذه بالتجسس وسرقة الأسرار، وتلك بالتقنية ورصد الأموال.
وكان شمعون بيريز (صقر السلام) ! في طليعة المؤيدين لهذا المشروع،
وكان فريق الفيزيائيين والعسكريين، يعملون فيه تحت إشرافه، وبلغ التعاون بين
فرنسا وإسرائيل ذروته قبل حرب السويس عام ١٩٥٦م بأسابيع معدودة، ولما
حدثت الحرب واحتل اليهود أجزاء من سيناء، أرادت الأمم المتحدة التدخل بإرسال
قوات تشرف على الانسحاب بعد وقف القتال، فاشترط (بن جوريون (رئيس
وزراء إسرائيل في ذلك الوقت أن يسمح لإسرائيل ببناء مفاعل نووي في أراضيها، وبالفعل استمر التعاون بين فرنسا وإسرائيل بعلم الولايات المتحدة، ومن ثم
بإقرار ضمني من الأمم المتحدة، ثم جاءت الثمرة: مفاعل نووي إسرائيلي في
(ديمونة) بمنطقة النقب، هو كالتوأم للمفاعل النووي الفرنسي، بل إن فرنسا
أظهرت امتنانها لإسرائيل أكثر حتى قال (جيمومولييه) رئيس فرنسا في ذلك الوقت
أثناء مقابلة مع شمعون بيريز وجولدا مائير: (إنني مدين لكم بالقنبلة.. إنني مدين
لكم بالقنبلة) ثم انتقل بعد ذلك التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، حتى إن (بن
جوريون) طلب منها أن تمد مظلتها النووية فوق إسرائيل، ولم يأت عام ٧٣ الذي
حدثت فيه حرب أكتوبر إلا والمفاعل النووي الإسرائيلي قد أنتج أكثر من عشرين
قنبلة نووية، ومن المعروف أن هذه الحرب لم تنته إلا بعد أن هددت (جولدا مائير)
باستخدام القنابل النووية، موجهة الإنذار إلى العرب وأمريكا إذا لم تسارع بإقامة
جسر جوي لإمداد إسرائيل بالأسلحة والذخائر التي تحتاج إليها لخوض حرب شاملة
طويلة المدى، وعندها فقط أوقفت الحرب واكتشف العرب أنهم يحاربون أمريكا لا
إسرائيل وحدها كما قال السادات ولم ينتصف عقد الثمانينات إلا وقد تمكن اليهود من
صنع مئات الرؤس الحربية النيترونية القادرة على إهلاك أكبر الأعداد من البشر
في مقابل أقل دمار في الممتلكات.
وفي سبتمبر ١٩٨٨م، أطلقت إسرائيل أول قمر صناعي لها إلى المدار
الجوي، فخطت بذلك ختطوة واسعة نحو استخدام الصواريخ العابرة للقارات مما
شجعها على تهديد باكستان علناً إذا أصرّت على المضي في السعي لإنتاج (القنبلة
الإسلامية) كما سماها الغرب. وفي عام ١٩٩٢، وعندما استخدم صدام حسين
صواريخ (سكود) ضد إسرائيل في مظاهرة دعائية نصبت إسرائيل على الفور
منصات صواريخ متحركة مزودة بأسلحة نووية ومصوبة نحو العراق ظناً من
إسرائيل بأن صواريخ صدام قد تكون مزودة بأسلحة كيمائية سامة وأعطى شامير
أوامره حسب ماذكر (سيمور هرش) في كتابه (الخيار شمشون) باستخدام السلاح
النووي إذا دعت الضرورة. ولما انتهت الحرب ووضعت أوزارها في مدريد لم
ينس شامير أن يصطحب في جعبته ورقة التهديد النووي ضد العرب ... وإلا ...
إن اليهود لايزالون يواصلون أبحاثهم المكثفة لإنتاج أجيال جديدة من القنابل
النووية التي تعمل بأشعة الليزر، والتي تمثل قفزة نوعية أخرى في مجال الإرهاب
الرسمي على مستوى الدول.
هل لاتزال الأمم المتحدة ووسيطها النشيط (أوكيس) بجولاته المكوكية إلى
بغداد لا تعرف شيئاً عن ترسانة اليهود النووية والكيميائية التي لم تشر إليها في
جمعيتها أو مجلسها أو محكمتها ولو بقرار شجب أو إدانة أو حتى مشاعر
قلق؟ ! ...... وللحديث بقية.
стр. 2112
المسلمون والعالم
في اليمن:
هل يستوعب الدعاة طبيعة المرحلة ؟ !
بقلم: أيمن بن سعيد
مرت اليمن في السنوات الأخيرة في دوامة من الصراعات بين الرئيس اليمني
وقيادات الحزب الاشتراكي انتهت بحرب السبعين يوماً الأخيرة، ولقد اضطرت
تلك الحرب بإرهاصاتها الكثيرة طرفي الصراع إلى التحالف مع مختلف القوى
الموجودة في الساحة اليمنية، وقد كان من أبرزها التحالف بين التجمع اليمني
للإصلاح وبين الرئيس اليمني، الذي تمكن الإسلاميون بواسطته من الوصول إلى
بعض مراكز النفوذ والمسؤولية، وتحقيق بعض المكتسبات، والمحافظة على بعض
الجوانب الإيجابية في الساحة اليمنية، ويبدو أن ذلك التحالف لم يكن هدفاً
استراتيجياً عند الرئيس اليمني، وإنما كان خطوة مرحلية اقتضتها ضرورة الموقف؛ إلا أن ذلك لم يعجب صناع القرار في العواصم الغربية والاتجاهات العلمانية
العربية في الداخل والخارج، ولذا تتابع ضغطها على الحكومة اليمنية للإسراع في
فك ذلك التحالف، فبدأت الحكومة بعد أن استقرت الأحوال لها نسبياً؛ بهزيمة
الحزب الاشتراكي، وحصول نوع من الانتعاش في علاقاتها الدولية بمحاولة سحب
البساط من تحت أقدام الإسلاميين، وذلك بالسعي الجاد لتشويه صورتهم، وتهميشهم
تمهيداً كما يبدو للبدء في ممارسة سياسة تجفيف المنابع في مرحلة لاحقة قد تكون
قريبة أسوة بمن سبقها من بعض دول عالمنا الإسلامي.
وفي ظني أن الإسلامين في اليمن من خلال هذا الدور الذي تقوم به الحكومة
سيدخلون مرحلة جديدة.
وسأحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على أبرز ملامح تلك المرحلة:
أولاً: صنع أصحاب النفوذ والسلطة بعض الأحداث المتهورة عن طريق
بعض المندسين من كوادرهم داخل شباب الحركة الإسلامية.
ثانياً: قيام بعض أحزاب المعارضة التي عملت أيام الحرب اليمينة الأخيرة
لصالح بعض الجهات الخارجية والتي أخذت على عاتقها مواجهة الصحوة الإسلامية
تمويلاً وتنفيذاً ببعض الحوادث غير المنضبطة بالضوابط الشرعية عن طريق
الشباب العامل لصالحها داخل الحركة الإسلامية.
ثالثاً: الاستفادة من بعض الحوادث الجنائية التي تحصل في المجتمع اليمني
ويكون بعض أطرافها من شباب الحركة الإسلامية (التجمع اليمني للإصلاح أو
التيار السلفي) .
رابعاً: الاستفادة من بعض الحوادث والمواقف المتشنجة لبعض الشباب المسلم
الذين لاتوجد لديهم مرجعية علمية أو دعوية يشاورونها وينطلقون وفق توجيهها،
وقد توجد لدى بعضهم مرجعية علمية ودعوية لكنها غير مدركة لطبيعة المرحلة التي
تمر بها الحركة الإسلامية إدراكاً جيداً.
خامساً: القيام بإلصاق جل تلك الحوادث بحزب الإصلاح، وماتبقى يلصق
بالتيارات السلفية التي توصم بالتشدد، رغبة في تحقيق الأمور التالية:
١- تشويه سمعة الإسلاميين الحسنة في أوساط الشعب اليمني بعد الحرب
الأخيرة وإلصاق تهمة التشدد والتكفير والتبديع لطبقات كثيرة من المجتمع اليمني
بهم.
٢- التفريق بين التيار القبلي والتيار الإسلامي داخل التجمع اليمني للإصلاح، وإلصاق صفة الاعتدال والواقعية بالتيار القبلي، وقد يتم إلحاق بعض العناصر
الإسلامية من التيار العقلاني بالتيار القبلي وإلصاق تهمة التشدد واللجوء إلى العنف
تخطيطاً وتمويلاً إن لم يصل الأمر إلى حد الاتهام بالتنفيذ للتيار الذي يوصم بالتشدد
داخل الإصلاح وعلى رأسه بعض العلماء والدعاة الذين يبدو أنهم مستهدفون من
خلال الحملة الإعلامية المحلية والخارجية بدرجة كبيرة.
٣- القيام بغرس خطورة التيار الإسلامي في أذهان الشعب اليمني، وأنه لابد
من مواجهتهم قبل أن يستفحل أمرهم، ويصل أمر البلاد في ظل نفوذ بعضهم إلى
ماوصلت إليه في عهد النفوذ الاشتراكي! !
٤- المتوقع أن يبدأ أصحاب السلطة والنفوذ في ظل ضغط خارجي في عملية
تجفيف المنابع الإسلامية، وأن يستمروا في ممارسة التضييق على المكتسبات
والمواقع الإسلامية، ولتلك الممارسات مجالات أبرزها ما يلي:
أ- المعاهد العلمية الإسلامية ومحاولة إلغائها.
ب- المناهج الدراسية في التعليم العام وبالأخص مواد التربية الإسلامية
والمواد الاجتماعية.
ج- الوصاية على المساجد وتقييد حرية الخطابة والكلمة والتدريس فيها،
ويبدو أن الحملة في هذا الجانب ستصل الذروة في مرحلة الإعداد للانتخابات المقبلة.
د- التخلص من بعض الإسلاميين والمتعاطفين معهم داخل المؤسسات
العسكرية والأمنية أو السعي إلى تهميشهم.
هـ- التخلص من الإسلاميين والمتعاطفين معهم والمتواجدين في المراكز القيادية داخل مؤسسات الدولة، وبخاصة بعد الانتخابات القادمة والتي يبدو والله أعلم أن صناع القرار اليمني يهيئون لإخراج أولئك وأمثالهم من الذين ينعتونهم بالتشدد من الحكومة القادمة.
و التضييق على مصادر الدعم للأنشطة الإسلامية وبخاصة في ظل تنسيق
مع أعداء الصحوة.
ز- ضبط التدريس غير النظامي وإغلاق المراكز العلمية غير المحتواة من
قبل الدولة.
ح- الإيذاء بالسجن والتشويه وغير ذلك لبعض الشخصيات والجهات المؤثرة
التي من الممكن أن تقف عقبة أمام مضايقات أهل السلطة والنفوذ.
٥- عمل أصحاب السلطة والنفوذ الاجتماعي على توظيف واستغلال حالة
الفرقة والتشرذم بين فصائل الحركة الإسلامية (الإصلاح السلفيين) ، وكذلك العمل
على زيادة الفجوة فيما بينهم عن طريق إيصال نقد كل منهم للآخر، وإبراز
وتضخيم بعض التضييق الذي يمارسه بعض الإسلاميين تجاه بعضهم بعضاً،
ومحاولة احتواء بعضهم، أما من لايمكن احتواؤه من أبناء الحركة الإسلامية سواء
أكان من الإصلاح أو التيارات السلفية فإنهم سيكونون مستهدفين في هذه الحملة على
حدٍ سواء.
٦- تقليل نسبة الإسلاميين في البرلمان القادم لإخراجهم من الحكومة
بمسوغات مقبولة أمام الرأي العام، والمتوقع أن يبذل أصحاب السلطة والنفوذ
قصارى جهدهم لتحقيق ذلك مستخدمين وسائل شتى من أهمها وأبرزها:
* إظهار بعض أخطاء الوزارات والمؤسسات التي يقف على رأسها بعض
المنتسبين إلى التجمع اليمني للإصلاح، وإغفال محاسنها والخطوات التي قامت بها
في المعالجة والتصحيح رغم المضايقات والعوائق الكثيرة أمامهم.
* قد يُستغل موقف كثير من رموز التيار السلفي من دخول الإسلاميين في
البرلمان والمجالس المحلية.. إلخ.
وهو موقف يبدو أنه لن يؤثر على غير الإخوة في التجمع اليمني للإصلاح
الذين يعتمدون على أصوات أبناء الحركة الإسلامية والمتعاطفين معها، وبالتأكيد
فإن خسارتهم لأصوات التيار السلفي تعد خسارة كبيرة.
٧- الموقف المتشنج لبعض رموز التيار القبلي والعقلاني داخل التجمع اليمني
للإصلاح من التيار السلفي بعامة دونما تفريق بين الأفراد المتهورين والرموز غير
المنضبطة في مواقفها وآرائها بالضوابط الشرعية وبين أغلب كوادر الدعوة السلفية.
وفي نظري: أن المطلوب من الإخوة في الحركة الإسلامية في اليمن عموماً
هو التأمل العميق في الموقف الشرعي الصحيح حيال التعامل مع هذه المرحلة
الحرجة التي تمر بها الدعوة الإسلامية في اليمن، والمقترح لذلك:
١- أن يبادر الإسلاميون جميعاً إلى تشكيل لجنة تنسيق في المواقف تضم
مجموعة من العلماء والدعاة من الطرفين؛ على أن لا يكون هدفها هو توحيد جميع
المواقف والآراء واحتواء كل فصيل للآخر، بل هدفها توحيد المواقف العملية التي
تتطلبها المرحلة في القضايا والأحداث المتفق بشأنها، وتحرير محل النزاع في
المواقف المختلف فيها، ونصيحة كل فصيل للآخر بما يرى أنه الحق الذي يدين الله
(تعالى) به في ذلك، بشرط أن لايؤدي هذا الأمر إلى القطيعة والتباعد بين الفصائل، مع تفهم الجميع أن الاجتماع لايعني عدم التصارح والوضوح في الطرح والانتقاد
البناء.
٢- أن يبادر الجميع إلى تشكيل لجنة مهمتها رصد الحملات الإعلامية
والمواقف العملية التي يتخذها المعادون للحركة الإسلامية وكتابة ردود مناسبة عليها، وتشجيع بعض الرموز العلمية والدعوية على كتابة ردود علمية موضوعية متأنية
منضبطة بالشرع الحنيف عليها، ويفضل مدافعة كل فصيل عن الآخر بالحق،
وإثبات أنه لاعلاقة للتيارات العلمانية والبدعية بالخلافات داخل الحركة الإسلامية
لاختلاف مقاصد النقاش، وكشف دور التيارات العلمانية وما ترمي إليه من تعميق
الخلاف واستثماره لتحقيق أهداف ومصالح خاصة بها، بينما هدف فصائل الحركة
الإسلامية الوصول إلى الحق وتعبد الله (تعالى) به.
٣- أن يقوم الجميع بالتخطيط للقيام بحملة موجهة عن طريق الخطب
والمحاضرات والكتيبات والمقالات؛ لاستجاشة روح شباب الصحوة ممن يتسمون
بالفردية في المواقف، وعدم وجود مرجعية علمية مدركة لطبيعة المرحلة عندهم،
وفي نظري أن هذا الشق يتأكد في حق علماء ودعاة التجمعات السلفية، باعتبار أن
توجيههم لهم أقرب إلى القبول والتأثير من غيرهم، مع أهمية أن يكون ذلك بالرفق
واللين والمجادلة بالتي هي أحسن، والتذكير بالله (تعالى) واليوم الآخر، ومتى تم
التأثير على مثل هؤلاء وأُقنعوا بأهمية الرجوع إلى بعض طلبة العلم والدعاة
المعتبرين؛ ممن يحيط بظروف المرحلة، وأبعاد الأحداث الجارية ليصدروا في
المواقف العملية عن رأيهم فإن في ذلك خيراً كثيراً إن شاء الله.
٤- أن يقوم الجميع بمناصحة ومصارحة الرموز العلمية والدعوية الذين
يقعون في أخطاء منهجية وتجاوزات كبيرة للضوابط الشرعية: سواء في تناولهم
للأحداث والقضايا الموجودة في الساحة، أو في مواقفهم تجاه إخوانهم العلماء
والدعاة العاملين في الجمعيات الخيرية والتجمعات الدعوية، ومن الممكن
مصارحتهم بالهفوات والزلات التي يقعون فيها والقيام ببيان الآثار السيئة لتلك
الأخطاء والتجاوزات على مستقبل الدعوة الإسلامية في اليمن، وتحميلهم المسؤولية
في ذلك أثناء الوقوف بين يدي الله ، ومطالبتهم بمواقف عملية تساعد
على جمع الشمل وتوحيد الكلمة، وتهدي شباب الصحوة الذين يصدرون عن آرائهم، وتخفف من التهور الموجود لدى بعضهم، ويفضل أن يكون ذلك ابتداء في السر،
فإن لم يجدِ ذلك فلا بد من الدفاع عن المنهج الحق والذود عنه؛ لأن المسلم الحق
مهما عظمت مكانة الرجال لديه إلا أن الحق أحب إليه منهم، وما أعظم رسول الذي
كان الحق أحب إليه من الصحابي الجليل أبي ذر ﵁ مع أنه من الإيمان
بمكان عالٍ، حيث قال له عندما عيّر بلالاً ﵁ بابن السوداء: (أعيرته
بأمه؟ ! إنك امرؤ فيك جاهلية) [١] .
٥- مع أهمية الدور الذي يقوم به حزب الإصلاح والمتمثل في محاولة حماية
الصحوة ومكتسابتها من داخل مجلس النواب ومؤسسات الدولة التنفيذية والدور الذي
تقوم به التجمعات السلفية في التعليم والتربية في محيطها الذي تعمل فيه إلا أن
الواجب أن لايَقْصُر أحد منهم دوره على ذلك إذ إن أمامهم ميداناً فسيحاً ومضماراً
رئيساً وهو دعوة ستة عشر مليون مسلم يمثلون الشعب اليمني بسائر فئاته، وأنه
لايسوغ قصر الخطاب الدعوي على الشباب القريب من الدعاة والمتعاطف مع
الإسلام بطبعه. وبخاصة أن جل فصائل العمل الدعوي معتمدة بدرجة كبيرة على
رموزها الكبيرة وتعاني من نقص ملحوظ في القيادات المتوسطة المؤهلة للقيام
بواجب الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعلم وبصيرة.
٦- الاتفاق على موقف موحد من بعض المحسوبين على الحركة الإسلامية
وأحسب أنهم معروفون لدى الجميع! والذين يعملون على اختراق الصف الإسلامي
وضرب مسيرة الصحوة وجر شبابها إلى مواقف تكون مبرراً لضربها وقصقصة
أجنحتها والتأثير سلبياً على كثير من منجزاتها.
٧- أن يعمل الإخوة العلماء والدعاة المنتمون إلى التجمع اليمني للإصلاح
على تحسين النظرة السيئة للمنتمين إلى التجمعات السلفية والتي قد تصل إلى حد
العداء لدى كثير من كوادرهم، ولدى قيادة الجناح القبلي منهم بخاصة، وبعض
رموز التيار العقلاني بوجه أخص داخل التجمع، وأن يقوموا على تفريق القيادات
القبلية بين فصائل التيار السلفي، وبمطالبة التيار العقلاني داخل التجمع بالانضباط
أكثر بالضوابط الشرعية في مواقفه وآرائه حتى تتقارب وجهات النظر ما أمكن
ويبدو أن مسؤولية حماية الصحوة ومنجزاتها وتحسين صورتها تقع على الإخوة في
التجمع اليمني للإصلاح أكثر من غيرهم؛ نظراً لموقعهم داخل الائتلاف الحكومي
وانتشارهم الجماهيري.. إلخ
٧- أن يعيد الإخوة العلماء والدعاة داخل التيار السلفي دراسة موقفهم من
الانتخابات النيابية سواء أكان من جهة الدخول في البرلمان أو على الأقل إعطاء
الأصوات للإخوة الصالحين الداخلين فيه، ومع أنني من أكثر الناس إيماناً بعدم
إمكانية التغيير عن طريق اللعبة البرلمانية وفي تجربة الجزائر خير شاهد إلا أنها
في مثل هذه المرحلة التي يمر بها إسلاميو اليمن قد تخفف بعض المفاسد وتقلل من
بعض الآثار السيئة، ونحن لانطالب التجمعات السلفية بالدخول في اللعبة البرلمانية
ولكن نطالبهم بإعادة الدارسة للموقف دراسة متأنية في ظل تغيير الدستور، والتأمل
العميق في المصالح والمفاسد المترتبة على كلا الموقفين.
إن الذي نطالب به فقط هو الدراسة الجادة المنضبطة بالضوابط الشرعية
والمتحررة من التأثر بالقناعات والمواقف السابقة، أو من قوة النقد الموجه من
بعض أصحاب الآراء المعارضة حيال هذه القضايا داخل التيار السلفي.
وفي حال وصولهم إلى موقف شرعي يمنعهم من الدخول في البرلمان القادم،
أو التصويت لمن يرى من الإسلاميين جواز الدخول فإنهم مطالبون حينها بالوقوف
بقوة للآراء التي ترى الحكم في هذه المسألة قطعياً لا اجتهادياً، وأن يخافوا الله في
ذلك، وأن يكون الحق رائدهم انطلاقاً ودفاعاً.
إن الواجب على الإخوة في الإصلاح أن يتفهموا الموقف الشرعي الذي يمنع
إخوانهم من الدخول في اللعبة البرلمانية مادام أن هذه قناعتهم الشرعية، وأنه
لايسعهم شرعاً الوقوف بجانبهم والتقرب إلى الله تعالى بأمر يرون فيه مخالفة
ومعصية له سبحانه، وأن يكفوا عن التشنيع عليهم واتهامهم بالقعود والتخلف
والوقوف في جانب الأحزاب العلمانية بسبب موقفهم ذلك.
٩- أن يتم تشكيل لجان من العلماء والقضاة والدعاة والوجهاء من داخل
التجمع اليمني للإصلاح، والتيارات السلفية ومن خارجها لإثناء أصحاب السلطة
والنفوذ عن مواقفهم المعادية للتيار الإسلامي ومكتسباته، وتذكيرهم بأن دينهم
وبلدهم وأبناء جلدتهم أنفع لهم وأبقى من اتباع القوى المختلفة المعادية للتوجهات
الإسلامية في اليمن، والضاغطة على أصحاب السلطة والنفوذ لتحجيم دورهم وأن
التوجه المعادي للإسلام الذي يريد أن يوقع بالتيار الإسلامي في هذا البلد إنما هدفه
ضرب إخوة أشقاء لهم، وإشاعة التنافر والشقاق بين أفراد المجتمع اليمني المسلم
لصالح توجهات دولية معادية للإسلام، يسوؤها إسلامية المجتمع اليمني وتعاون
أبنائه ليكونوا يداً واحدة على من سواهم من أعداء أمتنا المسلمة.
١٠- على العلماء والدعاة في اليمن أن يستوعبوا التغيير النوعي الذي حصل
في حزب المؤتمر الشعبي العام بعد عقده لمؤتمره الخامس؛ والمتمثل بخروج التيار
الميثاقي القريب في طروحاته من الحركة الإسلامية من قيادة المؤتمر وتفرد التيار
الليبرالي بها، وسيطرة كثير من كوادر الحزب الاشتراكي سابقاً سواء من أنصار
الرئيس علي ناصر محمد، أو ممن ترك الحزب بعد الحرب الأخيرة على كثير من
مقاعد اللجنة الدائمة للمؤتمر، وإيكال قيادة فروع المؤتمر في المحافظات الجنوبية
والشرقية إليها، وهو تغيير أحسب أنه بالإمكانات الضخمة المتوفرة له إمكانات دولة
مؤهل لتحول المؤتمر من مجرد كونه مظلة يجلس تحتها تيارات متباينة إلى حزب
بدأ يخطو خطوات ملحوظة في سبيل ذلك، وبخاصة أنه يملك أمانة عامة محيطة
بطبيعة المرحلة التي تمر بالمنطقة، ولها صلة بصناع القرار في العواصم الدولية
مع كونها مدركة لطبيعة اليمن الاجتماعية بما فيها الحركة الاسلامية بجميع فصائلها
ومتسمة ببعد النظر والدهاء؛ مما يوجب على أبناء الصحوة الاسلامية أخذ الحيطة
والحذر.
١١- إن مايخطط له من تلك المؤامرة التي بدأت بوادرها في الأفق إنما هي
في الحقيقة ثورة ضد الإسلام وضد دعاته ورموزه وهذا يعني التنكر لأصالة
المجتمع اليمني المسلم المتمثلة في عقيدته الإسلامية، وتنكر لتاريخه وتقاليده
المستمدة من الإسلام وحينما يحصل ذلك سواء بمكر الأحزاب العلمانية أو بضغوط
دولية؛ فإنما يعني ذلك في النهاية الثورة على الإسلام وهو منذر شر سيؤدي ولاشك
إلى غضب الله ومقته الذي يعم كما جاء في الحديث: (يا رسول الله! أنهلك وفينا
الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) [٢] .
١٢- لقد جربت أمتنا الإسلامية في جل أقطارها أن المنطلقات الوضعية
والتوجهات العلمانية لن تكون ثمارها سوى الصاب والعلقم، والخير كل الخير في
العودة إلى الإسلام والحكم بشريعته وموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله، ومازلنا
نرى في واقعنا في كثير من دول العالم العربي والإسلامي أنهم ما صبوا جام حقدهم
على دعاة الإسلام وأذاقوهم سوء العذاب إلا وكان عاقبة ذلك الجزاء الوفاق من
الحروب الأهلية وسوء الأوضاع الاقتصادية وتسلط أعداء الله عليهم [فليحذر الذين
يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم] (النور: ٩٣) .
١٣- الحذر من الوقوع في مصيدة العنف والمواجهة فإن ذلك بعيد كل البعد
عن الحكمة وعن وضع الأمور في نصابها ولم تجن بعض الجماعات من العنف
المسلح سوى الحرب الضروس، والمصادرة لمكانتها، وتجييش الرأي العام ضدها، بما لامبرر له.
وأخيراً لايسعنا إلا أن نذكر إخواننا العلماء والدعاة في اليمن من سائر
الفصائل الإسلامية أن المكاسب التي تحققت في بلادهم ليست حكراً على الإخوة في
التجمع للإصلاح وإن كان لهم النصيب الأوفى، وبالتالي فإن مسؤولية تعزيز تلك
المكاسب وتصاعد مدها ليست مسؤوليتهم وحدهم، وعلى العقلاء من العلماء والدعاة
والمصلحين من أي اتجاه إسلامي كان أن يحافظوا عليها لأن القضية ليست قضية
حزب أو فصيل دعوي بعينه، وإنما هي في النهاية إما الإسلام وإما العلمانية.
стр. 2113
المسلمون والعالم
دور الاقتصاد والسياسة
في خدمة أهداف التنصير
بقلم:ياسر قارئ
منذ خمسة عشر قرناً والنصارى يكيدون للإسلام وأهله بوسائل متنوعة
وأساليب مختلفة، ولم تثن التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية القوم عن
الاستمرار في مكرهم وخططهم الشيطانية للقضاء على المسلمين إذا لم ينجح
تطويعهم، فليس غريباً إذن أن يستغل المنصرون إنجازات الثورتين: الفرنسية
التي أجهزت على عصور البابوية، والصناعية التي قلبت المعايير الاجتماعية
والأخلاقية في أوروبا على حد سواء، ولعله من نافلة القول التذكير بأن النظام
الرأسمالي المنبثق عن الثورتين يقوم على أساس من الحرية السياسية والفكرية؛
فهما متلازمتان نظرياً وعملياً إلى حد كبير في أوربا وأمريكا، بينما توجد أنظمة
رأسمالية عرجاء في بقية القارات، وذلك له أسبابه ومبرراته التي ستتضح من بين
ثنايا المقال.
لقد وجد المنصرون في الآلة والصناعة عموماً وسائل تمكنهم دولاً وشعوباً من
فرض الهيمنة المطلقة على مقدرات وحاضر ومستقبل العالم الإسلامي المتناحر،
فكانوا أعواناً للاحتلال العسكري الأوروبي (الاستعمار) [*] متدثرين بلباس العلم
والطب والتجارة وماتخفي صدورهم وماتنطوي عليه دخائلهم من الحقد والبغضاء
مما لايطاق، ومع ذلك تظاهروا بالحب والإخلاص ليجدوا ثَم موضع قدم في قلوب
الناس قبل أن يعلنوا الحماية والسيادة على البلاد والعباد، وفي هذه القراءة لدور
الاقتصاد والسياسة في خدمة أهداف المنصرين ماسيكشف جزءاً من المؤامرة
الكبرى التي تسللت إلى الوريد، وتوشك أن تصل إلى النخاع، وهي على كل حال
محاولة لإلقاء الضوء على علاقة حميمة ورابطة متينة بين المؤسسات الاقتصادية
والسياسية وقراراتها وبرامجها من جهة، وبين الإرساليات النصرانية الداعية إلى
تكفير المسلمين؛ لينتبه الغافل، ويستيقظ النائم، وينتهي الغاوي، ويتحرك الذين
أوتوا الكتاب.
إن استغلال المنصرين لاحتياجات الناس ليس أمراً جديداً، ولايعني ذلك
التقليل من خطره، فالطب والتعليم والرعاية والخدمات الأساسية والمساعدة لتوفير
الحياة الكريمة للمحتاجين أسلحة ماضية برز فيها النصارى وغلبوا المسلمين إلى
حين، لكن السبب الرئيس لظهور هذا العجز الفاضح وهو ماينبغي معالجته: هو
الاقتصاد وبرامجه، وفي هذا دلالة على أن العلمانية لم تفلح في إيجاد الحلول
للمشاكل الاجتماعية في العالم الإسلامي بالرغم من حربها الضروس على الدين
وأهله؛ فلا أرضاً قطعت ولاظهراً أبقت. وسأبين الدور الاقتصادي والسياسي
للمنصرين وأثرهما في إيصال رسالتهم للناس على النحو التالي:
أولاً: الجانب الاقتصادي:
في هذا الجزء سنعرض أمثلة من القديم والحديث على استفادة المنصرين، بل
وتجيير البرامج الاقتصادية لمصلحتهم التنصيرية والمالية أيضاً، فبعد فشل جهودهم
مع المسلمين في إفريقيا (إبان الاحتلال العسكري) عدلوا إلى فرض القيود على بناء
المساجد والتعليم العربي والجمعيات الإسلامية وحركة قوافل التجارة [١] ، وفي
الوقت الذي أعاقوا النهضة الاقتصادية والحضارية اتجهوا كذلك إلى زيادة المعاناة؛
برفع الرسوم الطبية على المسلمين، بينما قدموها مجاناً للنصارى كما حدث في
باكستان! [٢] ومن الطبيعي جداً أن يستفحل المرض ويفسد الاقتصاد في ظل
الجهل والفقر.
ثم إن المنصرين انتقوا المواقع الحيوية والشعبية في البلاد لإقامة مراكزهم
ومنشآتهم [٣] ، الأمر الذي يجعل العقارات الثمينة والمحلات التجارية الكبرى تحت
وصايتهم سواء أكانوا وافدين أو مقيمين. ولعلنا نذكر فقط بأن إلغاء نظام الإقطاع
في أوروبا سمح للكنسية بالاحتفاظ بعقاراتها؛ فكانت ولاتزال أكبر مالك للأراضي
في العالم، وبخاصة المراكز التجارية الضخمة. وتعدت تلك النزعة الانتقامية إلى
الاستشارات التنموية والوصفات الاقتصادية التي تحول دون أي نهضة شاملة
ومستقلة، فقد بث المنصرون بين الناس أن الصناعة والاختراع يزرعان الغرور
في الإنسان؛ مما يجعله يتكبر ويستنكف عن العبادة، فعليه إذن بالزراعة فقط إذ
هي المكان الذي يجد فيه المخلوق خالقه [٤] ، والعجيب أن هذا الكيان الحيوي قد تم
تدميره؛ وبنصائح الخبراء الغربيين في بلاد غنية بالموارد الزراعية؛ لتصبح عالة
اقتصادية ورهينة سياسية للدول الصناعية، ولعل الصورة تتضح أكثر إذا عرفنا
بأن بعض الخطط الاقتصادية كانت تهدف إلى تنفير الناس من النظام الشيوعي
بسبب مردودها المالي الطويل الأمد، فتؤدي الحاجة الملحة إلى اعتناق الرأسمالية!!.
ويزداد المرء حيرة عندما يكتشف أن بعض الخطط الاقتصادية المجدية يسعى
النصارى لتطويعها لمصالحهم، كما صرح بذلك صموئيل زويمر (المؤسس
للتنصير المنظم في الشرق الأوسط في أوائل هذا القرن) قائلاً: إن القطار الذي
يربط الشام بالحجاز سوف يسهل أعمال المنصريين كثيراً، وقريباً من ذلك قال
(هرتزل) عن ربط مصر ببلاد الكاب في إفريقيا [٥] ، وليس الحل هو رفض
المشروع النافع، وإنما المطلوب هو عدم التساهل والتفريط في المصالح العليا للأمة، ولو اضطر الأمر إلى تقديم التضحيات بدل التنازلات، كيف لايكون ذلك وقد
اتفق المؤتمرون في ألمانيا في تلك الحقبة على دور المنصرين الفعال في تثبيت
الاستعمار الاقتصادي، إذ به يتم القضاء على الإسلام عدو المستعمرين الأول [٦] ؟ !
من أجل ذلك لايفاجأ المرء حين يعلم أن الرئيس الأمريكي (تاقت) افتتح في
سنة ١٩١١م المعرض العام لإرساليات التنصير الذي يقدم نماذج من محاصيل البلاد
التي يرتادها المنصرون [٧] والظن أنهم يريدون إغراء المغامرين ورعاة البقر
بالسياحة في تلك المناطق للاستيلاء على خيراتها، وحتى لايظن بنا سوءاً فقد
اعترف بعض هؤلاء المنصرين باستغلال الدين لتحقيق طموحاتهم الاقتصادية
الشخصية [٨] أو الاستعانة بمشرك (يعنى بكلمة مشرك: المسلم!) وهذه
التصرفات غير الإنسانية في مجتمع اليوم، لاتصدر إلا عن أصحاب العقائد
الراسخة حتى وإن كانت فاسدة!
وعلى الرغم من رحيل المحتلين المادي إلا أن أثرهم المعنوي لايزال يقوم
بدوره في صناعة المجتمعات، ولقد برزت في أعقاب الحرب العالمية الثانية
مؤسسات دولية تهدف إلى اقتلاع جذور الحرب عن طريق الإصلاحات الاقتصادية، وبمرور الوقت غدت تلك المنظمات تتحكم في العالم بأسره، وفي هذا الصدد
يقول بابا الفاتيكان، مقرراً بأن نظام الدولة المستقلة هو في طور الاضمحلال إذ
ستخلفه الحكومة العالمية [٩] ، كما تنبأ بذلك مستشار الرئيس (كارتر) ، إذ يقول
(أزبيجينو بريجنسكي) : إن دور المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد
الدولي سيزداد بسبب التداخل والتعقيد الاقتصادي السياسي للدول [١٠] .
ولنا أن نسأل عن ماهية الدور الذي تلعبه تلك المنظمات؟ فالصندوق على
سبيل المثال يدعم حوالي (٦٠) مشروعاً للتنظيم العائلي، أو الحد من النسل في
(٤٣) دولة بهدف تحسين الاقتصاد! ! [١١] ، فانظر تلاقي هذه البرامج الإنسانية
مع دعوة أحد القسس إلى منع المسلمين من القدوم إلى الحياة ابتداءً بعد أن فشل في
تنصيرهم [١٢] وحجة عدم توفر الغذاء الكافي للأعداد البشرية المتزايدة داحضة؛
لأن الإنتاج الزراعي يفيض سنويا ويحتفظ بالضروري منه مثل الحبوب كمخزون
استراتيجي لممارسة المزيد من الضغط على الدول النامية.
بالإضافة إلى ذلك فقد ساهم المدير السابق للبنك الدولي (روبرت مكمنارا)
(وزير الدفاع الأمريكي أثناء حرب فيتنام) في إغراق الدول النامية بالديون بزعم
القضاء على الفقر، الأمر الذي انعكس سلباً على الاقتصاد الوطني لكثير من الدول
التي لم تتحمل خدمة القروض (الربا) مع وجود اختلاسات وتلاعب إداري كبير،
فاضطر البنك إلى العودة إلى المبادئ الأساسية للقروض ومن ضمنها إلغاء الحواجز
التجارية والمالية وتطوير الصادرات وتقليص الإنفاق الحكومي [١٣] وتحت مظلة
حرية التجارة دخلت وسوقت كتب التنصير وبرامجه ومؤسساته وبسبب الخصخصة
الاقتصادية ازداد الفقر والعوز، وانتشر المرض والوباء، فأسرعت الإرساليات
لاغتنام الفرصة.
وتمشياً مع الخطط والبرامج الدولية لجأت الدول النامية إلى الاستعانة بالخبراء
والفنيين من أوروبا وأمريكا؛ فوجدت الإرساليات السرية والعلنية فرصة أخرى
لبسط نفوذها عن طريق تجنيد الألوف من الناس لخدمة الكنيسة اقتداءً بصانعي
الخيام [١٤] وبالتالي يتم إخضاع العالم الإسلامي والعربي للاستعمار الغربي،
وإعداد شخصيات تستسلم ولاتقاوم النفوذ الأجنبي في البلاد [١٥] . ومما يؤكد هذه
الصله الوثيقة والعلاقة الحميمة ماذكره أحد الباحثين في رسالة ماجستير تقدم بها إلى
جامعة هارفرد الأمريكية جاء فيها: إن المنصرين استفادوا من التغيير الهائل في
الحياة العامة في الدول المصدرة للنفط، وظهور معالم الحضارة المدنية الغربية
الأمر الذي اعتبروه نصراً للمجتمع النصراني، وبالتالي فإن طغيان المادة سيؤدي
إلى تواري الإسلام [١٦] خابوا وخسروا.
وختاماً فإن هناك أموراً كثيرة يطول المقام بذكرها وتحتاج إلى أبحاث مستقلة
مثل قيام البنوك العالمية باستنزاف المال العام عن طريق العقود الربوية، والتلاعب
بأسعار العملات واحتكار الشركات الكبرى للصناعات [١٧] كذلك قضية نقل التقنية
الحديثة وتوطينها، إذ إن الحاصل الآن هو تصدير تلك التقنية فقط مما يجعل
الهيمنة الغربية قائمة، ودور ومسؤوليات الشركات المتعددة الجنسيات والتزاماتها
المالية والأخلاقية تجاه الدول المضيفة، وأخيراً منظمة التجارة والتعرفة العامة
وآثارها المستقبلية على اقتصاديات الدول النامية.
ثانياً: الجانب السياسي:
يمثل الاستقرار السياسي الناتج عن مشاركة جميع القوى والأحزاب في
المجتمع في نظام الحكم قطب الرحى للنظام الرأسمالي، وهذه الحرية تعني أيضا
عدم تدخل الدولة في السوق التجارية (الاقتصاد) نظرياً وعملياً، وبنظرة خاطفة
على الدول النامية نلحظ أنها تشكل مهد الاضطرابات والقلاقل في العالم، وغياب
المشاركة الشعبية، وهذا الوضع غير صحي لقيام النظام الرأسمالي، وحتى إن قام
فإنه يعتمد على أقلية اجتماعية لاتعبر عن الرأي العام، وبالتالي تسعى إلى تحقيق
مصالحها الذاتية على حساب الدولة والأمة، بل والأدهى من ذلك أن نجد أن
الصراعات في العالم النامي تؤجج، بينما مثيلاتها في أوربا وأمريكا توأد في المهد.
نعود للبابا البولندي ثانية، فبعد مدة وجيزة من اعتلائه عرش البابوية في
روما سنة ١٩٧٩م يبذل جاهه لدى حكومتي الأرجنتين وتشيلي المتنازعتين على
بعض الجزر [١٨] وفي هذه الوساطة دلالة واضحة على أن الحرب فيما بين
الكاثوليك مرفوضة تماما؛ لما يترتب عليها من تبعات مالية واقتصادية وإنسانية
تفسح المجال أمام جيش الإنقاذ الرأسمالي الأمريكي البروتستاني المذهب، بل ذهب
(البابا) إلى بذل حياته في تلك السنة مقابل نزع فتيل الصراع الداخلي في بولندا
مسقط رأسه في ظل أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين، وبالمناسبة فإن الزيارة
قد تم الاتفاق عليها في لقاء دام ساعتين بين رأس النصرانية البابا يوحنا، وبين
ذراع الإلحاد وزير الخارجية الروسي الهالك اندريه جروميكو [١٩] .
وأما العالم الإسلامي فأمره عجب إذ نجد أن السودان مثلاً: تحاك المؤامرات
ضده بكرة وعشياً؛ لعزل جنوبه الوثني النصراني حتى يتمكن النصارى من التحكم
في مياه النيل وجعلها تحت أيدي أمينة! ! متعاونة للقيام بالخطوة التالية نحو الثقل
الإسلامي في الشمال [٢٠] وماأدري أين تنتهي حدود الشمال الموعود! بل إن
رئيس أساقفة كنتربري في بريطانيا يحشد الدعم للمتمردين، ويزور مواقعهم وهي
أراضٍ متنازع عليها، إن لم تكن مغتصبة من قبل الخارجين على الدولة: مخالفا
بذلك كل الأعراف الدولية والقوانين المدنية.
ليس هناك أمر غريب فيما يحدث في السودان وغيرها من إثارة النعرات
العرقية والدينية؛ فقد قامت روسيا وإنجلترا وفرنسا والنمسا بذلك فيما مضى في
البلقان والقرم واليونان وبلاد الشام [٢١] وإن كانت تلك المؤمرات قد انكشفت عقب
زوال الدولة العثمانية وانقضاء المدة الدستورية لإخفاء المعلومات، فإن مؤامرات
معاصرة من هذا القبيل تحاك اليوم تفضحها التقارير الدورية لمراكز الأبحاث عن
الحرب والسلام، ومن ذلك ماذكره التقرير السنوي للمعهد الدولي: إن العالم قد شهد
العام المنصرم واحداً وثلاثين نزاعاً مسلحاً، فيما زادت دول الاتحاد الأوروبي من
الأسلحة التقليدية لتبلغ حوالي ٣٠%، بينما احتفظت الولايات المتحدة بنصيب
الأسد الذي بلغ ٥٥% من إجمالي الصادرات [٢٢] .
وبتحليل تلك الأرقام المرعبة يتضح لكل ذي بصيرة أن العالم الصناعي يجني
ثمار الحروب مرتين أو ثلاثة! فتارة يصدر السلاح ويتاجر به، وأخرى يقدم
القروض لإصلاح الأضرار الناجمة عن الحروب، وثالثة: وتلك التي نحن
بصددها يُغيّر التركيبة الاجتماعية بكل أبعادها الدينية والثقافية وفرض النمط الغربي
على المؤسسات الرسمية والخاصة من جهة، وعلى السكان المحليين من جهة
أخرى بواسطة صانعي الخيام، وقد ألمح إلى جزء من هذا الخطر الداهم أحد
المفكرين الغربيين في معرض انتقاده لأطروحة (صامويل هنتجنتون) حول (صراع
الحضارات) واصفاً إياها بدعوى تحريضية هدفها استعمار بلاد الإسلام، خاصة
وأن الساسة يعتمدون على مثل هذه الأبحاث العلمية لدعم مواقف بلادهم تجاه أعدائها
فهي (أي الأبحاث) بمثابة الضوء الأخضر الثقافي للاستعمار كما فعلت فرنسا في
إفريقيا حيث كانت تعطي وجودها السياسي والاقتصادي طابعاً ثقافيا تسميه بعثة
حضارية [٢٣] ، إلا أن الناقد قد فاته أن يذكر أن رجال الانتداب بعد أن منحوا
الحكومات المحلية بعض السلطات أوجدوا نظام البيروقراطية المعقد لإلهاء الموظفين
بمعاملات طويلة تشغلهم عن الالتفات إلى الأمور الجوهرية، بالإضافة إلى تحكمهم
بطريقة مركزية في المعاملات [٢٤] فأي نمو أو تطور يرجى في ظل هذه القيود
المتينة والمتشعبة؟ !
ليس في الصحراء ولا المناطق القريبة من خط الاستواء ثمة حوافز وإغراء
إلا أن يكون المرء صاحب رسالة أو مهمة يبذل من أجلها الغالي والرخيص، وقد
تواترت الأدلة على قيام المنصرين بتضحيات من هذا القبيل، إلا أن المتغيرات
الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، والناجمة عن مصدر الوحي والإلهام لأرباب
المال الحرام، قبلة المصرفيين ومزار المرابين: النظام الرأسمالي العقيم ترسخ قدم
أولئك القوم وتكثر سوادهم، فتؤدي مرارة الغربة وثوب النصرانية الفضفاض إلى
زواج المتعة الحرام بين المنصرين وصانعي الخيام، ومن ثم ترسم الخطط وتوضع
البرامج لإطالة بقاء الطابور الخامس من أجل إحكام القبضة النصرانية على الأمة
الإسلامية، وهنا ندرك الحكمة الإلهية والوصية النبوية والسياسة العمرية في عدم
اتحاذ أولئك القوم واستعمالهم، كيف وقد بدى لنا بعض أهدافهم وخفيت علينا
أضغانهم فلنا في أبنائنا ذخر وفي علمهم فخر وعز ونصر. فالإسلام لايحرم العلم
الدنيوي وإنما يسخره لمصلحة البشرية وسعادة الإنسانية.
стр. 2114
المسلمون والعالم
هل ينجح الصهاينة
في اختراق دول آسيا المسلمة ؟ ! !
بقلم:محمد بن عبد الله السرحان
شهدت الآونة الأخيرة بعد مؤتمر مدريد بين الكيان الصهيوني ومنظمة
التحرير ودول المنطقة تحركات واسعة ونشاطاً محموماً من جانب الكيان الصهيوني
على صعيد انتزاع الاعتراف بوجوده وشرعية احتلاله للأراضي الإسلامية في
فلسطين، مع العمل على فتح باب العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع
أكبر عدد من دول العالم، كما تضمن هذا التحرك التأكيد على علاقاته واتصالاته
السابقة مع بعض الدول التي كانت قد اتسمت بالسرية والتكتم خلال الفترات
الماضية وتطويرها بحيث تأخذ الشكل العلني.
وقد ركز يهود بشكل ملحوظ على الدول الآسيوية المسلمة التي ظلت طوال
الفترة الماضية تنأى بنفسها عن السقوط في مستنقع الاعتراف بكيانهم أو الاتصال
بمسؤوليه، وذلك في محاولة من جانب الصهاينة لاختراق هذا التجمع الإسلامي
الكبير وإنفاذ الخطط والمؤامرات بين أبنائه.
واليوم، وبعد أن نجح الصهاينة في إسقاط (منظمة عرفات) وبعض الأنظمة
الأخرى في حبائلهم ... هل يمكن أن يكون ذلك مبرراً لتحقيق مايصبون إليه
ويتمكنون من ولوج بوابة آسيا المسلمة واختراق دولها؟
وهل يمكن أن يصبح ذلك الأمر مسوغاً مقبولاً من جانب هذه الدول الإسلامية
لفتح أبوابها أمام الاجتياح الصهيوني؟ !
هل انتهى الصراع الإسلامي الصهيوني؟ !
من المعروف أن الصراع الإسلامي/الصهيوني الذي يمتد بطول تاريخ الإسلام، والذي اتضح بجلاء منذ عام ١٩٤٨م، والحروب التي دارت بين الطرفين خلال
هذه الفترة الزمنية قد أثرت على علاقة الكيان الصهيوني بالعديد من دول العالم
بشكل عام، وأغلقت في وجهه أبواب الدول الإسلامية بشكل خاص؛ حيث كان
ينظر إلى إقامة أي علاقات أو اتصالات من أي نوع وعلى أي مستوى من جانب
تلك الدول على أنها خيانة عظمى للقضية الإسلامية وذنب لايُغتفر، حتى قام
(السادات) بزيارته الشهيرة للقدس التي دفع حياته ثمناً لها بعد ذلك وما أعقبها من
توقيع اتفاق (كامب ديفيد) ، ثم تطبيع العلاقات المصرية / الصهونية، ومن هنا
أخذت الحجب والحواجز تتداعى حتى سقطت أخيراً بسقوط (المنظمة العرفاتية)
بُعيد المؤتمر المسمى بـ (مؤتمر مدريد) الذي باركته الدول العربية، وتوقيع
الاتفاقية التي يطلق عليها (غزة أريحا أولاً) وبذلك ظن الصهاينة حاولوا إيهام
الآخرين بأنه لم يعد هناك مبرر لأي من الدول العربية والإسلامية لمواصلة
مقاطعتها لهم بعد أن اعترف الطرف (الفلسطيني) بالأمر الواقع، ورضي بما منحوه
إياه من حكم ذاتي منقوص.
وقد يصدق هذا الظن أو تنطلي تلك الحيلة على الدول الإسلامية إذا ما كانت
قد لجأت إلى هذه المقاطعة من قبيل المجاملة للشعب الفلسطيني الذي اغتصبت
أرضه وشرد من بلاده، أما إذا كانت هذه الدول تنظر للقضية بالمنظور الإسلامي
الصحيح، وتعي الدور المناط بها في العمل على استرداد الأراضي الإسلامية
المحتلة حتى آخر شبر منها، وتخليص الأقصى (الأسير) فتلك قضية أخرى لايؤثر
فيها رضا عرفات وزمرته أو عدمه، بل ولارضا أحدٍ كائناً من كان، ومن هنا فلا
يمكن اعتبار الصلح الصهيوني / العرفاتي مبرراً بحال من الأحوال لأي دولة من
دول العالم الإسلامي للاعتراف للمعتدي الغاصب بما غصبه من أراضٍ إسلامية
وتشريد شعب مسلم وانتهاك حرماته ليل نهار، وتدنيس المقدسات الإسلامية.
آسيا المسلمة.. اهتمام خاص:
وعلى ضوء الخطة الصهيونية إياها بدأ يهود تحركهم باتجاه الدول المسلمة في
آسيا؛ نظراً لأهمية هذه الدول في تلك المنطقة من العالم وماتحوزه من إمكانات
اقتصادية وبشرية كبيرة؛ ولكونها من أعضاء (منظمة المؤتمر الإسلامي) فهذا في
حد ذاته يمثل نوعية خاصة في نظر الصهاينة، هذا بالإضافة إلى تراجع النفوذ
الصهيوني في آسيا بشكل عام إذا ماقارناه بنفوذهم في إفريقيا التي كانوا قد
اخترقوها منذ زمن بعيد، وأقاموا علاقات قوية مع العديد من دولها، ونجحوا في
التغلغل خلالها بأشكال شتى، وبسطوا نفوذهم الاقتصادي والأمني والعسكري فيها
بشكل كبير، بالإضافة لدول أوربا وأمريكا التي دانت لهم غالبيتها منذ عصور
طويلة مضت، بل والتي تعد منشأهم الحقيقي، ولم يبق الدور إلا على آسيا بدولها
الإسلامية العديدة، فلم يجد الصهاينة فرصة أنسب من هذا التوقيت لبدء تحركهم
الجديد في هذا الاتجاه، وقد حفزهم ذلك إلى أن وصلوا إلى إقامة علاقات مع
(١٤٦) دولة من دول العالم حتى الآن، (٥٥) منها أقامت هذه العلاقات بعد انعقاد
(مؤتمر مدريد) و (٢٠) دولة أخرى بعد التوقيع على اتفاقية (غزة أريحا) قبل
عامين.
آلية التحرك الصهيوني:
ولقد أثر عن الطريقة الصهيونية في مجال إقامة العلاقات مع الدول الأخرى
خاصة التي تمنعها ظروفها من إقامة علاقات مباشرة أو علنية أن يتم التمهيد بداية
باتصالات غير رسمية مع مسؤولين في هذه الدول، وتبادل عدد من الزيارات قد
تأخذ الطابع التعليمي أو الأكاديمي، أو من خلال مجالات التعاون الاقتصادي
والاستثماري، كما قد يحدث وجود لبعض الشركات الخاصة في البلد المعني، أو
تأسيس مايسمى بمجموعات الصداقة، أو فتح المجال لتبادل زيارات الوفود
السياسية، التي قد تأخذ شكلاً آخر أكثر تطوراً بإقامة اتصالات مباشرة بين
المسؤولين الحكوميين في البلدين، أو تبادل الرسائل بين قمة السلطة في الكيان
الصهيوني والبلد المستهدف، ثم يتبلور كل ذلك بعد حين إلى علاقات رسمية تنتهي
بالاعتراف والتمثيل الدبلوماسي الكامل وتبادل السفراء.
وتشير بعض المصادر الإسرائيلية إلى أن الكيان الصهيوني قد نجح في إقامة
علاقات واتصالات من هذا النوع وعلى مستويات مختلفة مع معظم الدول الآسيوية
فيما عدا باكستان.
خطوات على الطريق:
وسيراً على هذه الآلية فقد حقق الصهاينة خطوات مهمة مع عدد من دول آسيا
المسلمة يمكن حصر التالي منها:
دول آسيا الوسطى:
أَوْلى الصهاينة الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى اهتماماً مبكراً؛ وذلك
نظراً لأن هذه الجمهوريات منذ أن استقلت عن الاتحاد السوفيتي وإلى الآن لم
تتبلور توجهاتها الأيديولوجية بشكل واضح يمكن أن يحدد هويتها بشكل نهائي،
وعلى الرغم من أن بعض هذه الدول قد انضمت لعضوية (منظمة المؤتمر
الإسلامي) إلا أن عزلها مدة سبعين عاماً (فترة الاحتلال الشيوعي) عن الإسلام
والعالم الإسلامي قد قضى على الروح الإسلامية فيها إلا القليل مع مراعاة أن معظم
قادة وحكام هذه الدول حتى اليوم هم من بقايا الحكم الشيوعي السابق، وبيئة كتلك
أنسب ماتكون لبسط الصهاينة نفوذهم فيها؛ حيث لن تجد لذلك أي مقاومة تذكر
سواء على الصعيد السياسي أو الشعبي، ويبرهن ذلك نسبة النجاح الكبيرة
والسريعة التي حققها الصهاينة في محيط هذه الدول، وقد تأكد ذلك من خلال
الزيارة التي قام بها (إسحاق رابين) شخصياً لاثنتين من هذه الدول والترحيب الذي
لاقاه من المسؤولين فيهما، والمباحاثات (الإسرائيلية الكازاخية) في جمهورية
كازاخستان والاستفادة من الخبرات الكازاخية في المجال النووي، واستقبال طلاب
كازاخ للدراسة في (الكيان الصهيوني) ، كما أن هناك العديد من رجال الأعمال
الصهاينة قد توغلوا خلال هذه الدول الست مستعينين بخبرات رجال (الموساد) في
أنشطتهم الاقتصادية وتحركاتهم السياسية، ثم كان أن نجح الصهاينة في اقناع
جمهورية (قيرغيزستان) بفتح سفارة في القدس المحتلة.
إندونيسيا:
لما كانت أندونيسيا هي أكبر الدول الإسلامية من حيث الكثافة السكانية، ولها
اعتبار كبير في منطقة شرق آسيا، وهي عضو مهم في (منظمة المؤتمر الإسلامي)
فقد دفع ذلك الكيان الصهيوني للإقدام على طرق أبوابها التي فتحت بدورها لزيارة
رئيس الوزراء (رابين) الذي أجرى محادثات مع الرئيس (سوهارتو) وأعقب ذلك
تعميق العلاقات بين البلدين (على المستوى غير الرسمي حتى الآن) .
ماليزيا:
قام الأمير (عبد الله عبد الرحمن) شقيق ملك ماليزيا ومدير أكبر الشركات
الاستثمارية هناك بزيارة لتل أبيب في سابقة هي الأولى من نوعها، وعلى الرغم
من أن الزيارة قد أخذت مبررات تجارية إلا أنه قد التقى خلالها بكل من إسحاق
رابين ووزير الخارجية شامير، الأمر الذي اعتبره المراقبون خطوة واسعة على
طريق العلاقات بين البلدين، وقد تزامنت هذه الزيارة مع توقيت رسالة بعث بها
رابين إلى رئيس الوزراء الماليزي (مهاتير محمد) التي تُعد الرسالة الثالثة بين
رئيسي وزراء البلدين، كما أوردت بعض التقارير استعداد الحكومة الماليزية
استيراد تقنية إسرائيلية متقدمة بأسعار أرخص مما تعرضه الدول الأخرى! !
تركيا:
قامت رئيسة وزراء تركيا (تانسو تشللر) بزيارة للكيان الصهيوني والتقت
بالمسؤولين فيه وذلك بعد مباحاثات طويلة جرت بين الطرفين تتعلق بتصدير مياه
من تركيا للكيان الصهيوني، والعديد من التصريحات لمسؤولين صهاينة بضرورة
تعاون الطرفين في مجال مكافحة مايسمونه بخطر (الأصولية الإسلامية) ! !
الملاديف:
وهي من الدول الأعضاء في (منظمة المؤتمر الإسلامي) ومع ذلك فقد سمحت
لأول مرة لحاملي الجنسية الإسرائيلية بالدخول إلى أراضيها وزيارة المناطق
السياحة المطلة على المحيط الهندي فيها.
بنجلاديش:
قام عضوان في (البرلمان) البنجلاديشي بزيارة للكيان الصهيوني التقيا خلالها
بمسؤولين كبار في وزارة الخارجية وهي الزيارة الأولى لمسؤولين من بنجلاديش
وفاتحة لم تسبقها أي خطوات على هذا الطريق.
أوجه أخرى للاختراق:
هذا ويجدر أن نشير إلى أن محاولات الصهاينة لاختراق دول آسيا المسلمة
والسيطرة على المسلمين في هذا الجزء المهم من العالم لم تقتصر على محاولات
الدخول من الأبواب وإقامة العلاقات مع حكوماتها فحسب، بل أخذ أشكالاً مختلفة
عن ذلك في مواقع أخرى ليشمل: إذكاء الفتن بين المسلمين، ومحاولة حصار
العمل الإسلامي المتنامي، وإجهاض تحركات الإسلاميين في بعض الدول الآسيوية.
ففي (أفغانستان) التي غدت تعوم على بحيرة من دماء أبنائها؛ نتيجة لتأجج
الصراع على السلطة بين زعمائها، يسعى الصهاينة من خلال جهاز استخباراتهم
(الموساد) وعملائه إلى بث المزيد من الفتن وإطالة أمد التناحر بينهم؛ لإراقة أكبر
قدر ممكن من الدماء المسلمة، والتخلص من أكداس الأسلحة المتوفرة على أراضيها
وعدم التمكين لقيام حكومة إسلامية فيها قد تشكل خطراً يوماً ما على وجودهم، أو
نشر الفكر الجهادي بين المسلمين، وهو ماكشفه (الجنرال حميد جل) رئيس جهاز
المخابرات الباكستاني السابق في حديثه لإحدى المجلات العربية.
وفي (الفلبين) التي يشكل مسلموها (١٢%) من سكانها، ويتجمعون في
جزيرة واحدة من جزرها الثلاث، ويحملون السلاح في وجه حكومتها الصليبية
الحاقدة على الإسلام، لتخليص بلادهم من احتلالها وفرض هيمنتها عليها وهي
تشهد هذه الآونة تنامياً إسلامياً كبيراً ونشاطاً جهادياً، قام وزير (دفاع!) الكيان
الصهيوني مؤخراً بزيارة لـ (مانيلا) التقى خلالها مع كبار المسؤولين في الحكومة
الفلبينية، وتمخضت المباحاثات بين الجانبين على أن يتعاونا فيما بينهم لمواجهة
المجاهدين المسلمين الثائرين، والتصدي للمد الإسلامي هناك، وتزويد الحكومة
الصليبية بأسلحة ومعدات وخبرات عسكرية وأمنية لهذا الغرض.
قبل السقوط!
وأخيراً وقبل أن تسقط دول آسيا المسلمة وغيرها من الدول الإسلامية الأخرى
السقطة الأولى والأخيرة في مستنقع العلاقات مع بني صهيون، والوقوع في
مخططات وحبائل أحفاد القردة والخنازير، نذكر هذه الدول بأن الصراع بين
المسلمين والصهاينة لم ينته بعد، ولم يتغير من مقوماته شيء، فلا زالت حتى هذه
اللحظة الأراضي الإسلامية في فلسطين المحتلة وغيرها تئن من وطأة بني صهيون، ولازال الأقصى (أولى القبلتين ومسرى رسول الله ﷺ )
أسيراً بأيديهم النجسة، ولا يزالون يسومون مسلمي فلسطين سوء العذاب.
وفضلاً عن ذلك فلنسمع لتحذير رب العالمين القائل في محكم كتابه [لتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا..] [المائدة: ٨٢] .
كما نذكر هذه الدول بأن يراجعوا آثار الصلح مع الصهاينة على تلك الدول
التي قطعت شوطاً في هذا المضمار ومادفعوه ثمناً لتطبيع العلاقات من انتشار
الجواسيس، ورجال الاستخبارات الصهاينة، ومافي ذلك من تعريض أمن وسلامة
هذه الدول وشعوبها للخطر، ونشر الأوبئة الفتاكة التي تصدر جراثيمها عمداً عبر
شحنات المنتجات الغذائية لهذه الدول في إطار مايطلق عليه التبادل التجاري، إلى
نشر المخدرات والعملات النقدية المزيفة والفساد الخلقي والأمراض الجنسية المهلكة
بين الشباب المسلم الذي يعول عليه بالعودة للأمة إلى سابق مجدها.
إن تلك الخطوات المتلاحقة للسقوط لدى بعض الدول الإسلامية لتحمل في
طياتها خطراً عظيماً وشراً مستطيراً على الإسلام والمسلمين، وقد بات من
الضروري أن تراجع هذه الدول موقفها قبل أن يصيبها الندم في وقت لاينفع فيه
الندم.
стр. 2115
نص شعري
وطني فلسطين
شعر شوقي محمود أبو ناجي
أنا ما سلوتك يا ترابَ بادي ... مهما تمادى اغدر في إبعادي
أنا ما هجرتكَ.. كيف أهجر بَضْعَةً ... منى ويهدأ بعد ذاك رقادي!
همْ حاولوا نزعي فما نزعوا سوى ... جسدٍ سَقَوْهُ مرارةَ الأحقادِ!
جسدٍ له في الصبر عنك عزيمةٌ ... خوارةٌ.. لم تستجب لمنادِ
أَوَمَا ترى روحي بكلّ ثنيةٍ ... بين التلال وفي سهول الوادي
لأظلّ في أرضي.. أبثّ ترابَها ... شوقي.. ولاعجَ حرقتي وودادي
لتعيش يا وطني الحبيبُ بخافقي ... يقظانَ في نومي، وعند سهادي
وإذا عَرَتْكَ من الكآبة مسحةٌ ... ولبْستَ بعد الفرْح ثوب حدادِ
َوخَزَ الأسى قلبي وأشعلَ جمرَهُ ... فأُحسّ لذْعَ سياطِهِ بفؤادي
فتؤجّ في وجه المخالب صرخةٌ ... يخشى صداها أفجَرُ القوّادِ
وطني فلسطينٌ، وحبّ ترابِها ... لم تَخْبُ جذوته لدى إبعادي
والقدسُ.. صوت القدس بين جوانحي ... شجنٌ.. يقطّع في نياط فؤادي!
أَوَلَيْسَ مسرى المصطفى؟ ! أحجَارُهُ ... أصغت إلى نجوى الحبيب الهادي
والأنبياءُ يضيءُ همسُ دعائهم ... خلفَ الرسول على مدى الآبادِ!
وترابُ غزةَ.. حضنُه كم ضمني ... وتخذُتُ منه حصيرتي ووسادي!
ونشقتُهُ فسرى العبيرُ بأضلعي ... ليكون في المحن المريرة زادي
ولبانه نفخ الكرامة في دمى ... يُذكي لهيبَ عزيمتي وعنادي
والأمنياتُ تخطّ فوق صحائفي ... وَهَجاً يعيد نضارةَ الأمجاد!
стр. 2116
في دائرة الضوء
الفكر طبيعته وأهميته
بقلم: د. عبد الكريم بكار
كلمة (الفكر) والتفكير والأفكار من الكلمات الشائعة جداً على ألسنة
العامةوالخاصة اليوم؛ وعند عودتنا إلى معاجم اللغة نجد أنها تعرف الفكر بأنه:
(إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول) .
ويقولون: فكّر في مشكلة: أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها [١] .
ولعلنا نعرف التفكير بأنه (إعمال الإنسان لإمكاناته العقلية في المحصول
الثقافي المتوفر لديه بغية إيجاد بدائل أو حل مشكلات أو كشف العلاقات والنسب
بين الأشياء) [٢] .
ومن خلال هذا التعريف ندرك أن الفكر ليس شيئاً مطابقاً للأحكام والمبادئ،
ولا مطابقاً للثقافة أو العقل أو العلم، وإنما هو استخدام نشط لكل ذلك بغية الوصول
إلى المزيد من الصور الذهنية عما يحيط بنا من أشياء وأحداث ومعطيات حاضرة
وماضية وتوسيع مجال الرؤية لآفاق المستقبل.
وبناء على هذا فإن العالم غير المفكر، فقد يكون المرء عالماً ولايكون مفكراً. وقد يكون مفكراً ولايكون عالماً، وذلك لأن الميدان الأساس للعلم هو الإلمام
بالجزئيات؛ أما ميدان الفكر فهو إبصار (الكليات) والاشتغال عليها؛ وقليل أولئك
الذين يسمح لهم الاشتغال بالجزئيات بالتوجه إلى النظر الكلي، كما أن طبيعة
الاشتغال بالقضايا الكبرى (تزهد) المفكرين في الاهتمام بالمسائل الجزئية، حيث
يرون أنها مندرجة في أنظمة أشمل تتحكم فيها.
ومع افتراق الطبيعتين إلا أن هناك خطوطاً عريضة تجمع بينهما أهمها:
أن كلاً من المعطيات الفكرية العامة والجزئيات العلمية الصغيرة يميل إلى
الظن والتخمين والبعد عن اليقين؛ وذلك بسبب أن الجزئيات هي مناط الاجتهاد،
ونتائج الاجتهاد تكون في الغالب ظنية، كما أن وفرة العناصر والمعطيات التي
تساعد في تكوين الرؤى الكلية تجعلها بعيدة أيضاً عن الصلابة والجزم؛ لكن
(الإحالات الثقافية) والخبرات المتراكمة تنقلها إلى حيز اليقين أو الرفض أو التعديل
بعد مدة زمنية معينة.
لكن هذا لايهوّن أبداً من شأن المعطيات الفكرية؛ فقد أثبتت التجربة التاريخية
أنه (لاشيء يضيع) ؛ فالفكرة مهما كانت، تترك انطباعا معيناً سلبياً أو ايجابياً؛ فقد
تشكك في مسلمة من المُسلّمات، وقد تعزز ظناً من الظنون، وقد تنبه إلى شيء
منسي، وقد تنقذ أمة من كارثة محققة! !
وكثيراً ما يحدث أن تأتي الفكرة قبل أوانها أو في غير محيطها؛ فلا تحدث
اضطراباً في الواقع العملي، وهي أيضاً لا تضيع لأنها ستشكل الخميرة التي سوف
تنبت يوماً ما أفكاراً أو حلولاً حين تجد المناخ المناسب [٣] .
وهناك إلى جانب هذا سمة أخرى أساسية للأفكار، وهي أن الأفكار التي
نستخدمها في حركتنا الاجتماعية تكون في العادة ملائمة للظروف والأحوال المحيطة
بها، ومهمة الأفكار إحداث تغيير ناجح في تلك الظروف نحو الأفضل والأسمى،
وهذا التغيير الذي يحدث يوجب علينا تغيير الأفكار التي نحجت كما تغير الأفكار
التي أخفقت، وذلك لأن تغيير الأفكار للظروف يوجدها في ظروف جديدة غير
ملائمة لها، وهذا مشاهد في الأعمال الإصلاحية الكثيرة التي حدثت في العالم؛
فحين تطرح أفكار وأساليب لتحقيق النظافة العامة مثلاً فإن تلك الأفكار تفقد وظيفتها
وأهميتها حين تصبح النظافة عادة للناس، ويصبح الحث عليها غير ذي معنى،
وحين تبلور أفكار في ضرورة إرسال الأولاد إلى التعليم الجامعي، ثم تنجح تلك في
تحقيق مقصدها يصبح الحديث عن تلك الضرورة غير مفهوم وهكذا.. وهذا يعني
أن كثيراً من الأفكار تنتهي صلاحيته ليس في حالة إخفاقه فقط وإنما في حالة نجاحه
أيضا.. وهذا مغاير بالطبع لحقيقة المبادئ والقيم العليا التي تتأبى على التحقق
الكامل، ويظل بينها وبين التمثل الواقعي هوة دائمة مما يصونه من الاستنفاد،
ويجعل الحاجة إليها مستمرة، ويكمن مقتل النهضة الفكرية في كثير من الأحيان في
التشبت بأفكار حققت غايتها، وفقدت وظيفتها، والزهادة في مبادئ توجب طبيعتها
الخاصة وجوب المحافظة عليها؛ لأنها تمثل محور الحياة الفكرية التي لاقوام لها
بدونه.
أهمية الفكر:
صدّ تأكيد كثير من مفكري المسلمين على أهمية الفكر كثيراً من الشيوخ
والشباب عن الاهتمام بمناهج الفكر وقضاياه ظناً منهم أن ذلك الاهتمام سيكون على
حساب العمل والتربيةوالأخلاق والسلوك.. وسبب هذا الظن أننا حين نتبني توجهاً
معيناً في الإصلاح نلح عليه إلحاحاً يوهم الأخرين بأننا لانرى سواه.، وأننا نهمل
ماعداه؛ ومن ثم فإنني أبادر إلى القول: إن استقامة الفكر ونقاءه ليس بديلاً عن
التربية ولا الأخلاق ولا أعمال الخير ولا الحركة الدعوية، ولكنه الشرط الأساس
لصوابها ورشدها، فمهمة الفكر رسم مخطط الحركة وجعلها اقتصادية، بحيث
تتكافأ نتائجها مع الجهد والوقت المبذول فيها، كما أنه يحيّد كل الوسائل والأساليب
التي ثبت قصورها ويكثف الخبرات والتجارب المكتسبة في بعض المقولات
والمحكات النهائية، ويساعد على طرح البدائل والخيارات في كل حقل من حقول
العمل، وهذا كله لايتأتى عن غير طريق الفكر. ويمكننا إلى جانب هذا أن نستجلي
مسوغات أخرى للاهتمام بالفكر في المفردات التالية:
١- إن الحضارة الغربية ذات منظومات متكاملة في المجالات الثقافية
والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولها تصورها الخاص في جميع شؤون الحياة، وهي (الآخر) بالنسبة لنا، وملاحظاتنا على أنساقها المختلفة ستظل محدودة
الأهمية مالم نبلور البديل الأصلح والأنفع والأكمل في تلك المجالات كافة من
منظورنا الخاص لنا [٤] ، ولاسيما أنه الأجهر صوتاً والأكثر عتاداً وعدة، وإذا كنا
نملك قوة الحق فإنهم يمتلكون حق القوة، ويطالبون بدفع استحقاقاتها.
وبإمكاننا أن نكون محنة وتحدياً حقيقياً لهم في حالة واحدة، هي أن نستطيع
تقديم رؤيتنا الكونية بشكل واضح، وأن نطرح بعض الحلول الجذرية المتميزة
لبعض الاختناقات الحضارية التي يعاني منها بنو البشر اليوم، وهذا لايتم إلا من
خلال فيض من الخطط والدراسات والنماذج المتقنة؛ وهذا كله سبيله الرؤية الفكرية
الناضحة والشاملة.
٢- من الممكن لكل الأنشطة الحضارية أن تمضي في سبيلها إلى حد معين؛
فالاقتصاد في أسرة، والنشاط الزراعي في حقل، ومساعدة ضعيف في مجتمع،
كل ذلك من الأنشطة التي يتيسر القيام بها دون الحاجة إلى عناء التفكير، لكن
عندما يصل الأمر إلي تنشيط اقتصاد دولة أو التخطيط لمجتمع كبير أو حل أزمات
حركة أو جماعة في ظروف حاسمة، فإن التفكير المركز والمعقد يكون هو الآلية
التي ينبغي استخدامها.
وإني أعتقد أن معاناة الأمة من بعض المشكلات لمدد تصل إلى قرون كانت
بسبب إهمالها للفكر والنقد والمتابعة والمراجعة باعتبارها مبادئ أساسية في التغيير
والإصلاح والارتقاء.
إن من المؤسف حقاً أن بعض الإسلاميين ينعت الحديث عن الفكر بالحديث
البارد؛ حتى إذا طرحت مشكلة وطلبت حلاً لها لم تجد إلا الوجوم أو الهروب! !
٣- إن العالم الإسلامي لايعاني من نقص في الإمكانات ولا الوسائل، فما هو
متوفر لديه إن لم يكن أكثر مما عند كثيرين لم يكن أقل، لكن مشكلته تكمن في أن
فاعلية وسائله ونجاعتها مرتكزة على الأساليب والطرق التي تستخدم تلك الوسائل؛
والأساليب تظل محدودة الكفاءة مالم تستند إلى قاعدة فكرية صحيحة، ترسم خطة
واضحة للعلاج والاستطباب من خلال تشخيص الداء وتعيين الأسلوب الأمثل
ومقدار التداخل الجراحي المطلوب إلى جانب تحديد أولويات العلاج وتكاليفه
وإفرازاته، وفي هذا المقام نجد أن الأراضي التي تكفي لإشباع قارة لاتشبع بلداً،
وأن وفي الطاقة البشرية الهائلة صارت عبئا بدل أن تكون ميزة تماماً كجيش ضخم
لم يلق التدريب، ولم يجد السلاح، ولا الخطة القتالية الناجعة فهو أكوام من الكتل
البشرية المستهدفة للعدو!
إن قليلا من الإمكانات والوسائل مع كثير من الفكر والتخطيط والفاعلية
التنظيمية والحركية أعود على الأمة بالخير والنفع من أكداس الأشياء الضائعة
والمهملة.
٤- عصرنا هذا هو عصر الاكتشاف، وقد اكتشف الإنسان من الحتميات
والسنن مالم يكتشفه في أي زمن من الأزمنة، ولكنه إلى جانب ذلك اكتشف من
الفرص والخيارات الشيء الكثير، وإن كثيراً مما كان يفرض فرضا صار اليوم
موضع خيار، وإن وجود حتميات وضغوط وخيارات كثيرة يلزمنا باللجوء إلى
التفكير الفعال؛ حتى لانصل إلى طرق مسدودة، وحتى لا نضيّع فرصاً متاحة، إذ
إن كل فرصة بحاجة إلى قرار، وصاحب ذلك ضعفُ وضمورُ ماكان يستخدم في
الأصل بديلاً عن التفكير مثل العادات والتقاليد والمذاهب التي توفر في العادة
استخدام العقل [٥] .
٥- الاستقرار النسبي كان سيد الموقف في العصور الماضية، وبما أن
الأشياء لا تتغير كثيراً فإن التكرار كان البديل الصالح عن التفكير، كما أن قلة قليلة
من الصفوة كانت تملك اتخاذ القرارات، وكانت تقوم بالتفكير عن الباقين، وكان
صنع القرارات الشخصية ميسوراً ومحدوداً لكن المجتمع اليوم لاينعم بالاستقرار
بسبب معدل التغيير الذي تغذيه (التكنولوجيا (والطموحات الاجتماعية [٦] .
٦- حينما تصاب أمة بدمار شديد أو زلزال ماحق فإنه يبقى لها بعد انهيار
بنيانها شيئان: مبادئها السامية الكامنة في شخصيتها الاجتماعية، وأفكارها
وخبراتها التاريخية والحضارية، وهي تستطيع من خلالهما استعادة كل ما فقدته
عندما تتوفر إرادة تجاوز المحنة، فقد دمرت الحرب كل شيء في ألمانيا، ولم يبق
لديها إلا مخزون الأفكار وعزيمة الانتصار، فتمكنت من إعادة بناء مصانعها على
ضوء الشموع بعد اندحار الهتلرية [٧] وهكذا فإن أمة كأمتنا تستطيع بتوفيق الله أن
تنجز الكثير، وتستعيد الكثير إذا ما استطاعت صياغة أفكارها من جديد، وتلمس
سبل النجاة والفلاح.
وهكذا نستطيع القول بعد كل ما مضى: إن توسيع آفاق الفكر لدى المسلم
سوف يؤدي إلى توسيع مجاله الحيوي، ويقلل من ضرورات حركته [*] .
من ثمرات المنتدى
التقرير السنوي لأنشطة
المنتدى الإسلامي
أنشيء المنتدى الإسلامي في بريطانيا عام ١٤٠٦هـ؛ ليكون بعون الله
(تعالى) منارة من منارات الهدى، ومؤسسة من مؤسسات أهل السنة والجماعة،
تسير على منهاجهم وتدعو إلى أصولهم، وتذكر بطريقتهم الخالية من الغلو
والانحراف.
بدأ المنتدى الإسلامي عمله في بريطانيا، ثم بدأ يمتد ويتنامي بفضل الله حتى
شمل عدداً كبيراً من الدول الإسلامية، ومع تطور العمل موضوعياً وجغرافياً رأت
إدارة المنتدى افتتاح مكاتب فرعية للإشراف على الأنشطة ميدانيّاً، حيث بلغ عدد
المكاتب الفرعية للمنتدى الإسلامي ومجلة البيان: أربعة عشر مكتباً، وقد حددت
الأهداف والوسائل، ورسمت خطة العمل، وكونت لجان للمتابعة والتقويم، وذلك
من أجل أن يكون العمل دقيقا ومتقناً قدر الطاقة، بعيداً عن الارتجال والعفوية.
ويسرنا في هذا التقرير أن نقدم تعريفا شاملا ومختصرا لأنشطة المنتدى
الإسلامي في مختلف مواقع العمل، سائلين الله (تعالى) أن يبارك في جهودنا،
ويجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى.
أولا: برامج تعيين الدعاة والأئمة والمدرسين:
يعد برنامج تعيين الدعاة والأئمة والمدرسين من أبرز البرامج العملية التي
يقوم بها المنتدى الإسلامي حيث ثم تعيين (٦٢٤) داعية ومدرساً، يقومون بالتعليم
والدعوة والإمامة، وفي عدد غير قليل من الدول، مثل: (كينيا، وأوغندا،
والصومال، وجيبوتي، ومالي، ونيجيريا، وغانا، وبنين، وتوجو، وبنجلاديش، وأثيوبيا، والنيجر، ... وغيرها (ويخضع تعيين الدعاة لشروط عدة منها:
١- سلامة المنهج معتقداً وسلوكا.
٢- الكفاية العلمية والشرعية.
٣- الكفاية الدعوية.
وقد وضعت برامج دعوية يومية وموسمية لكل داعية، تختلف باختلاف
المناطق والقدرات، وتتم متابعة الداعية بالوسائل التالية:
١- تم تعيين مشرف على الدعاة في كل منطقة يتابعهم عن قرب، ويرشد من
برامجهم وطرائقهم الدعوية.
٢- يقوم الداعية بكتابة تقرير شهري يرسل إلى مكتب المنتدى الإسلامي.
٣- يقوم مسؤولو اللجان العاملة في المنتدى بالزيارات الميدانية الدورية
للإشراف والمتابعة لبرامج الدعاة، كما يحرص المنتدى الإسلامي على رفع مستوى
الدعاة العلمي والدعوي بتوفير المكتبات العامة والخاصة وإقامة الدورات الشرعية
والدعوية.. ونحوها.
ثانياً: الأنشطة الدعوية والتربوية:
يقوم المنتدى بأنشطة دعوية وتربوية متعددة منها:
١- الدورات الشرعية:
تهدف هذه الدورات إلى تصحيح وترشيد العمل الإسلامي، ورفع المستوى
العلمي، والوعي الدعوي، لدى الدعاة، وتأصيل ذلك تأصيلا شرعياً مبيناً على
الكتاب والسنة الصحيحة ومنهج السلف الصالح.
وقد بلغ عدد الدورات الشرعية (٤٥) دورة، شارك فيها نخبة من
المتخصصين والأساتذة وطلبة العلم، وقدمت فيها دورس متخصصة في: العقيدة
والتفسير والفقه وأصوله والحديث وأصوله وفقه الدعوة والسيرة النبوية والتاريخ
الإسلامي ... وكانت الدورات موزعة كالتالي:
وقد كان لهذه الدورات آثار علمية ودعوية كبيرة ولله الحمد والمنة.
٢- الملتقيات الدعوية:
تهدف هذه الملتقيات إلى معالجة مشكلات الدعوة والدعاة، وتنمية القدرات
العلمية والدعوية لدى المشاركين.
وقد تم بحمد الله (تعالى) عقد (٢٦) ملتقى دعوياً، في عدد من الدول،
موزعة كالتالي:
بريطانيا: (٢٠) ملتقى دَعَويّا، يعقد الملتقى الأخير إن شاء الله في الفترة
من ٨ إلى ٩ شعبان من عام ١٤١٦هـ تحت شعار: (الدعوة والدعاة.. نحو بناء متين) .
غانا: ملتقيان دعويان.
كينيا: ثلاثة ملتقيات دعوية.
السنغال: ملتقى دعوي.
توجو: ملتقى دعوي.
٣- المخيمات الشبابية التربوية:
يحرص المنتدى الإسلامي على إقامة المخيمات الشبابية والطلابية لدورها
الكبير في إيجاد المحاضن التربوية التي تربي الشباب، وتنشر الوعي الإسلامي في
صفوفهم. وقد بلغ عدد المخيمات التربوية التي أقيمت: (٢٧) مخيما. وهي
موزعة كالتالي:
٤- الدورات الإدارية:
تهدف هذه الدورات إلى تنظيم العمل وضبطه، والارتقاء به نحو الأفضل،
درءًاً للفوضوية والارتجال، وقد أقيمت ثلاث دورات متخصصة في هذا المجال،
بالإضافة إلى عدد من الدروس والمحاضرات في أكثر مكاتب المنتدى، وهذه
الدورات هي:
١- دورة في الإدارة المدرسية وطرق التدريس، أقيمت في غانا.
٢- دورة في الإدارة وأساليب التخطيط والتنظيم، أقيمت على هامش الملتقى
الثالث في توجو.
٣- دورة في طرق تنظيم الدورات والأنشطة العلمية والتربوية في توجو.
٥- المحاضرات والدروس العلمية:
يواظب المنتدى الإسلامي منذ إنشائه على عقد الدروس الشرعية
والمحاضرات العلمية في مركزه الرئيس في لندن، ومن هذه الدروس الأسبوعية
المنتظمة:
أ - دروس في العقيدة من كتاب: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
ب- دروس في علم الحديث من كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري.
ج- دروس في الفقه من كتاب: سبل السلام (خاصة بالنساء) .
د- دروس في التفسير. يعقبها محاضرة أسبوعية.
هـ- دروس مختارة للناطقين بالإنجليزية.
هذا بالإضافة إلى أن كل داعية تابع للمنتدى في جميع المكاتب يكلف بالتعليم
وعقد الدروس العلمية في المساجد، كما يقوم الدعاة بإلقاء الخطب والمحاضرات في
شتى المعارف الإسلامية في المدارس والمعاهد والمساجد والتجمعات العامة، فدعاة
مكتب مالي على سبيل المثال يلقون (٨١٦) درساً علميا في المساجد شهريا، و١١٦
محاضرة عامة شهريا.
ثالثا: الأنشطة التعليمية:
١- المدارس النظامية: ويقصد بها المدارس التي تلتزم بتدريس العلوم
العصرية المقررة في البلد الذي تقام فيها، بالإضافة إلى تدريس العلوم الشرعية
المعدة من قبل المنتدى، وبهذا يجمع الطالب بين الثقافتين، ويستطيع المواصلة في
الجامعات الحكومية في أي تخصص يريد، وبذلك نضمن وجود مسلمين أكفاء في
مختلف القطاعات الحكومية.
وقد بلغ إجمالي عدد المدارس: (١٢) مدرسة، وهي موزعة كالتالي:
٢- المدارس الشرعية: يهتم المنتدى، اهتماماً بالغاً بإنشاء وتشغيل المدارس
الشرعية، لنشر العلم الصحيح، ورفع الجهل عن أبناء المسلمين، وقد بلغ عدد
هذه المدارس: (٢٨) مدرسة، موزعة كالتالي:
٣- معاهد إعداد الدعاة: الاهتمام بتنمية الطاقات وإعداد الدعاة له أهمية
كبيرةجداً في إنجاح العمل الدعوي، ولهذا سعى المنتدى الإسلامي لافتتاح عدد من
المعاهد العليا لإعداد الدعاة، واكتمل إعداد المناهج العلمية، والخطط الدراسية،
ولكن تأخر افتتاحها بسبب بعض الإشكالات النظامية في الدول المعنية، ومن أهم
هذه المعاهد:
معهد إعداد الدعاة في غانا: حيث جهزت المباني، وذللت العقبات النظامية
وسوف يبدأ العمل في بداية العام القادم إن شاء الله.
٤- توزيع المناهج الدراسية: تفتقر كثير من المدارس الإسلامية في إفريقيا
إلى المناهج الدراسية بسبب ضعف إمكاناتها المادية فهذا يؤدي في الغالب إلى
ضعف المستوى العلمي للطلاب؛ ولهذا سعى المنتدى الإسلامي إلى توزيع المناهج
الدراسية على بعض هذه المدارس، حيث بلغ عدد الكتب الموزعة تقريبا:
(١٣٥٥٠٠) كتاب، موزعة كالتالي:
رابعاً: تحفيظ القرآن الكريم:
يهتم المنتدى الإسلامي اهتماماً خاصاً بكتاب الله حفظاً وتلاوة
ودراسة، ويسعى لتربية النشيء المسلم على آدابه وتوجيهاته، وذلك من خلال
إقامة خلوات وحلقات لتحفيظ القرآن الكريم، ويبلغ عدد الحلقات التي يشرف عليها
المنتدى (٣٢٤) حلقة تتوزع في عدد كبير من الدول بالإضافة إلى أربعة مراكز
لتحفيظ القرآن في مخيمات اللاجئين الإرتيريين في شرق السودان.
وقد أعد المنتدى الإسلامي خطه متكاملة للارتقاء بمستوى الحلقات إداريا
وتربويا وفنيا، ووضع منهجا علميا رديفا في العلوم الشرعية: التوحيد، والفقه،
والتفسير، والسيرة، والآداب الإسلامية، كما يحرص المنتدى الإسلامي على الرفع
من قدرات المشرفين على الحلقات والمدرسين فيها، وذلك بعقد الدورات العلمية لهم، ومنها:
١- دورة شرعية لمدرسي حلقات تحفيظ القرآن الكريم في توجو.
٢- دورة شرعية لمدرسي حلقات تحفيظ القرآن الكريم في غانا.
٣- دورتان تدريبيتان لمدرسي حلقات تحفيظ القرآن الكريم في مالي.
وقد وزعت مكاتب المنتدى أعداداً كبيرة جداً من المصاحف، بالإضافة إلى
توزيع ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية والفرنسية والصومالية.
خامساً: القوافل الدعوية:
المناطق الإسلامية مناطق واسعة مترامية الأطراف، وقد انتشر الإسلام بحمد
الله في مختلف الأدغال والقرى النائية، ولكن غلب الجهل في عامة المسلمين في
المدن الرئيسة فضلا عن القرى والهجر النائية، مما جعل البدع والشركيات والسحر
تنتشر في أوساط الجهلة من المسلمين.
ولتعسر تعيين الدعاة في كل المناطق المحتاجة، ولصعوبة الانتقال من منطقة
إلى أخرى، كلف المنتدى الإسلامي دعاته بإعداد القوافل الدعوية للوصول إلى
المسلمين وغيرهم، ونشر العقيدة الصحيحة بينهم، ومحاربة البدع والخرافات.
ومن أجل أن يكون تأثير القافلة على المستوى الأمثل، رأى المنتدى الإسلامي
أن يُرْسِل مع بعض القوافل طيبياً لعلاج المرضى، كما تحمل القافلة أحيانا بعض
الملابس والمواد الغذائية لتأليف الناس، وبعض الكتب باللغات المحلية.
وقد نفّدت ولله الحمد (٥٣) قافلة دعوية موزعة كالتالي:
وقد كان لهذه القوافل أثر محمود، ونتائج إيجابية كبيرة، لعل من أبرزها
إسلام (٦٢) وثنيا، في قافلة واحدة قام بتنفيذها مكتب مالي.
هذا بالإضافة إلى بعض الجولات الدعوية الدورية للدعاة في مختلف المناطق
والقرى.
سادساً: بناء المساجد:
قام المنتدى ببناء (٢٠١) مساجداً وجامعاً في دول مختلفة، منها (٦٤) مسجداً
تحت التنفيذ وهي كالتالي:
ويحرص المنتدى الإسلامي على الاختيار الأمثل لموقع المسجد، وتسجيل
ملكيته رسمياً، كما يسعى كذلك لإحياء رسالة المسجد، وتنشيطه دعوياً بتعيين
داعية مؤهل في كل مسجد يقوم المنتدى ببنائه، ليتولى إمامة المسلمين، وإقامة
الدروس الشرعية، والمواعظ، وحلقات تحفيظ القرآن.
سابعاً: المكتبات العامة ومكتبة طالب العلم:
للكتاب الإسلامي دور كبير في نشر العلم، ونشر العقيدة الإسلامية الصحيحة. وبسبب ندرة الكتاب الإسلامي وقلة المراجع العلمية في كثير من الدول، سعى
المنتدى الإسلامي إلى توفير الكتب والمراجع العلمية بعدة وسائل، منها:
١- المكتبات العامة: وهي نوعان:
مكتبة كبيرة: توضع في المدن الرئيسة، وفي أماكن التجمعات الكبيرة للدعاة.
مكتبة صغيرة: توضع في المساجد والمدارس ونحوها.
وتم انتقاء الكتب بناء على الاحتياجات الأساسية للدعاة في كثير من البلاد.
وبلغ عدد المكتبات التي جهزت حتى الآن: (٣٦) مكتبة، موزعة كالتالي:
٢- مكتبة طالب العلم: يحرص المنتدى الإسلامي على تنمية قدرات الدعاة
العلمية، ورفع مستوياتهم الشرعية، وذلك بتوفير مكتبة صغيرة لكل داعية،
تحتوي على الأصول العلمية المهمة، ولكي يكون الاختيار متلائماً مع قدرات الدعاة
وضعت قائمتان:
الأولى: للدعاة الجامعيين.
الثانية: للدعاة غير الجامعيين.
وقد بلغ عدد مكتبات طالب العلم التي وزعت: (٥٣١) مكتبة، موزعة
كالتالي:
الدولة ... ... ... عدد المكتبات
كينيا ١٥٠
غانا ١٢١
مالي ٣٥
بنجلاديش ٣٠
تشاد ١٥٠
الصومال ٢٠
أوغندا ٢٥
٣- توزيع الكتاب والشريط الإسلاميين: ...
* عدد المصاحف الموزعة: ٠٠٠ر٢٤ مصحفاً.
* عددالكتب الإسلامية: ٠٠٠ر١٣٢كتاباً.
* عدد الأشرطة: ٠٠٠ر٦٢ شريطاً.
ثامنا: مطبوعات المنتدى الإسلامي:
١- مجلة البيان: بدأ المنتدى الإسلامي بإصدارها في عام ١٤٠٦هـ،
لتوزع في مختلف أنحاء العالم. وقد اعتمد المنتدى (٤٥٠٠) اشتراكاً شهرياً مجانياً
في عدد من الدول، إسهاماً منه في إيصال كلمة الحق والهدى إلى الدعاة وطلاب
العلم الذين لايستطيعون شراء المجلة، بالإضافة إلى العديد من الجمعيات الإسلامية
والمعاهد والمراكز.
٢- نشرة المنار: وهي نشرة صغيرة تصدر باللغة الإنجليزية وتوزع في
بريطانيا وأمريكا، ومكاتب المنتدى في إفريقيا في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية،
وتتناول هذه النشرة بعض البحوث الميسرة في العلوم الإسلامية.
٣- مجلة النصيحة: وهي مجلة جديدة تصدر باللغة الإنجليزية والسواحلية
في كينيا، بدأ إصدارها من شهر رمضان الماضي، ولنجاح هذه المجلة سوف
تطور وتوزع إن شاء الله في الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية.
٤- كتاب المنتدى:
يقوم المنتدى الإسلامي بطباعة الكتب والرسائل المفيدة مع الحرص على
حسن الاختيار والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة، ومن هذه الإصدارات:
* التجديد في الإسلام.
* رؤية إسلامية للاستشراق.
* اعتقاد أهل السنة في الصحابة.
* علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام.
* الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي.
* البداوة والحضارة.
* خواطر في الدعوة ج١، ٢.
* الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أصوله وضوابطه.
* تجربة المنتدى الإسلامي في العمل الدعوي.
* أيعيد التاريخ نفسه؟ !
* على من تعرض الصور؟ !
* فن التعامل مع الناس.. وغيرها.
وسوف يصدر قريبا إن شاء الله تحقيق علمي لكتاب: (حجة الله البالغة) لولي
الله الدهلوي.
٥- طباعة الكتب المترجمة:
قام المنتدى الإسلامي بطباعة عدد من الكتب الإسلامية المترجمة إلى عدد من
اللغات، ووزعت في عدد من دول العالم، ومنها:
* الأصول الثلاثة: (باللغة الفرنسية) .
* الأصول الثلاثة: (بلغة الهوسا) .
* الخطوط العريضة: (بلغة الهوسا) .
* وجوب لزوم السنة والحذر من المبدعة، للشيخ ابن باز (بالإنجليزية) .
* وجوب أداء الصلاة جماعة، لابن باز (بالفرنسية) .
* رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية (بالبنغالية) .
* عقيدة أهل السنة والجماعة، لجميل زينو (بالبنغالية) .
* صفة صلاة النبي ﷺ ووجوب صلاة الجماعة، لابن
باز (بالسواحلية) .
* الطهارة والصلاة، لابن عثيمين (بالسواحلية) .
* الدروس المهمة لعامة الأمة، لابن باز (بالسواحلية) .
* توجيهات إسلامية، لجميل زينو (بالبنغالية) .
بالإضافة إلى أن المنتدى الإسلامي يسعى لتوفير الكتاب الإسلامي باللغات
المختلفة من الأسواق، ويوزعها في دول العالم، وقد بلغ عدد الكتب الإسلامية
المترجمة التي وزعت (٠٠٠ر٤٥٠) كتاباً.
تاسعاً: النشاط الإغاثي والاجتماعي:
المنتدى الإسلامي مؤسسة دعوية في الأصل، ولكنه يقدم أنشطة اجتماعية
وصحية متعددة، كما يساهم في إغاثة المنكوبين وإعانة الملهوفين من المسلمين.
ومن البرامج التي تم تنفيذها:
١- المراكز الإغاثية:
قام المنتدى الإسلامي بإنشاء (٢٨) مركزاً إغاثياً، استفاد منها ( ... ١٥)
شخص يوميا، موزعة كالتالي:
أ - كينيا: (٢٣ (مركزاً إغاثيا للاجئين الصوماليين، واستمرت لمدة سنتين،
استفاد منها: (.. ٧، ١١) شخص يومياً. وقد أغلق منها (٢٠) مركزاً؛ لنزوح
اللاجئين إلى مواقع أخرى وبقي (٣) مراكز يستفيد منها (٦٥٠) شخصاً يومياً.
ب- بنجلاديش: أقيم مركز إغاثي استمر لمدة سنتين، وتم إغلاقه لانقضاء
حاجته.
ج- الصومال: مركزان إغاثيان، ثم إغلاقهما أخيراً.
د- أثيوبيا: مركزان إغاثيان، تم إغلاقهما أخيراً.
٢- الأعمال الإغاثية العامة:
وتشمل توزيع المواد الغذائية واللباس والكساء والدواء، حيث قام المنتدى
الإسلامي بأعمال إغاثية متعددة في الصومال، وبنجلاديش للمتضررين من
الفيضانات والأعاصير، والبورماويين بسبب الحروب، وجبيوتي، ومالي..
وغيرها.
ويصاحب هذه الأنشطة برامج دعوية مكثفة من دعاة المنتدى الإسلامي.
٣- برنامج إفطار صائم:
اعتاد المنتدى الإسلامي على تنفيذ البرنامج سنويا في عدد من دول العالم.
وقد بلغ عدد الوجبات التي تم توزيعها في رمضان ١٤١٣هـ (١٦٨، ٨٤٩) وجبة
شملت (١٨) دولة. وأما في رمضان ١٤١٤هـ فقد بلغ عدد الوجبات (٦٧٧،
٣٢٦) وجبة، شملت (١٦) دولة. وفي رمضان ١٤١٥هـ بلغ عدد الوجبات
(٧٠٠، ٧٨٤) وجبة شملت (١٦) دولة.
وفي الغالب يصاحب الإفطار دروس وعظية وعلمية وتربوية يعدها دعاة
المنتدى الإسلامي مما يكون له أثر مبارك ولله الحمد والشكر.
٤- برنامج الأضاحي:
يقوم المنتدى الإسلامي سنويا بتنفيذ برنامج الأضاحي في عدد من دول العالم،
وذلك لتوزيعها على فقراء المسلمين، وقد بلغ عدد الأضاحي حتى نهاية عام ١٤١٥
هـ ( ... ٢٢) أضحية، بالإضافة إلى ذبح العقائق والكفارات والنذور لتوزيعها
على المحتاجين.
٥- حفر الآبار:
بسبب تتابع الجفاف ومواسم القحط التي سادت أجزاء من القارة الإفريقية،
وزيادة حاجة المسلمين إلى مصادر نقية للمياه، عمل المنتدى ولازال يعمل على سد
حاجة المسلمين في بعض المناطق من المياه الصالحة للشرب، وقد حفر المنتدى
الإسلامي حتى الآن: (١١٨) بئراً في عدد من الدول موزعة كالتالي:
----------------------------------------
الدولة عدد الآبار ملاحظات
----------------------------------------
غانا ٢٥ ٠٠
مالي ٣ ٠٠
أثيوبيا ٩ ٠٠
كينيا ٨ منها بئر ارتوازي واحدز
الصومال ١٠ ٠٠
توجو ٦ ٠٠
بنجلاديش ١١ ٠٠
تشاد ٩ منها بئر بالطاقة الشمسية.
بنين ٦ ٠٠
باكستان ١٢ ٠٠
أوغندا ٢ ٠٠
جنوب شرق آسيا ٥ ٠٠
السنغال ١ ٠٠
نيجيريا ٥ ٠٠
------------------------------------------
وقد بدأ المنتدى بمشروع جديد لحفر الآبار في السودان باسم: (عيون الحياة
(وجهز المشروع بمختلف التجهيزات الفنية والآلية اللازمة، وبناء على الخطة
المرسومة فسوف يحفر (١٢) بئرا سنويا إن شاء الله (تعالى) ، تم تنفيذ (٦) آبار
منها حتى الآن، ولله الحمد.
٦- كفالة الأيتام:
يكفل المنتدى الإسلامي (٢٥٨) يتيماً كفالة تامة تشمل الغذاء والكساء والتعليم.
والله نسأل أن يبارك في هذه الجهود الخيرية، وأن يخلص النيات، وأن
يتقبلها بواسع فضله، وأن يوفقنا لإكمال هذه المسيرة على الوجه الذي يرضيه،
وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى وصلى الله على محمد وآله وصحبه
وسلم.
стр. 2119
الورقة الأخيرة
درس لايُنسى..!
بقلم: أحمد بن محمد الصالح
كنت في رحلة إلى مدينة (وجير) في الشمال الشرقي لجمهورية كينيا، وبعد
تجوال طويل بين القرى المختلفة، توقفت بجوار مجموعة من الصبيان تحلقوا
لقراءة القرآن الكريم بين يدي شيخهم تحت ظل شجرة، هرباً من لهيب الشمس
المحرق، رأيتهم يكتبون القرآن الكريم بالفحم على ألواح خشبية بطريقة بدائية،
ويرددون مقطعاً من سورة: (ق) بصوت متخشّع يأسر القلوب.
ورأيتُ شيخهم يُمسك نسخة قديمة ممزقة الأوراق من كتاب: (الأصول
الثلاثة) باللغة السواحلية، ذكر أنه استعارها من صاحب له، فسألته عن طلابه
وحرصهم على الدرس والحفظ؟ ! فطأطأ رأسه قليلاً، ثم تنهد بعمق.. وقال:
جاءت إلينا إحدى الإرساليات الكنسية العريقة منذ أكثر من عشرين عاماً، وها هي
ذي الآن تتعاهد أبناءنا بالقصص المصورة الموجهة بلغتهم المحلية، فتشدّهم بألوانها
البراقة وأساليبها الجذابة، كما توزع الإنجيل والكتب والمجلات التنصيرية، وتقيم
الاحتفالات والبرامج الشبابية المتعددة لاحتواء المسلمين وفتنتهم..
ثم نظر إليّ نظرة ملؤها الأسى والعتب، وقال لي بحياء: أين
المسلمون؟ ! ... حتى أنت تصافح الصبية بحرج حتى لاتتسخ يدك.! ولكن دع النصارى يفعلون ما يريدون فنحن على ثقة من ديننا، حتى ولو كنا تحت شجرة ولم نجد إلا ألواح الخشب..! !
غادرت المنطقة وقد اغرورقت عيناي بالدموع، وأنا أحمد الله (تعالى) ، حمداً
كثيراً طيباً مباركاً فيه، الذي حفظ كتابه العزيز وحفظ دينه الكريم، فعلى الرغم من
الفقر والمرض والجهل، وعلى الرغم من العزلة والانقطاع، والبعد في تلك
المناطق النائية والأدغال الوعرة، إلا أنك تجد هؤلاء الصبية يتحلقون لتلاوة كتاب
الله (تعالى) بكل اطمئنان وثقة.
لقد تعلمتُ في التربية درساً لايُنسى.. فالبذل لهذا الدين والتضحية من أجله
ليست شعاراً يرفع أو دعوى يُتشدق بها، وإنما هي وليدة عقيدة راسخة في القلب
تثمر الصدق والفاعلية.
لقد تعلمتُ في التربية درساً لا ينسى.. فكم هي الأموال التي ننفقها في
الإسراف والبذخ والتوسع في المباحات، فضلاً عن الملاهي والمحرمات..؟ !
ولم أعجب من جهود المنصرين وأنا أقرأ قول الله (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا
يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] [الأنفال: ٣٦] .
ولكنني عجبت أشد العجب من تقصيرنا وتفريطنا نحن المسلمين فكتاب الله
لم نستطع إيصاله لعموم المسلمين، فضلاً عن ترجمة معانيه وتفسيره..
فضلاً عن تقريب السنة النبوية وترجمتها، وتيسير العقيدة الصحيحة المبرأة من
الشركيات والبدع..! !
ما أعظمها من أمانة..!
وما أجلها من مسؤولية..!
стр. 2120
رمضان - ١٤١٦هـ
فبراير - ١٩٩٦م
(السنة: ١٠)
стр. 2121
كلمة صغيرة
بدون عنوان
مبدأ جديد، تحاول بعض الدول المغرمة شكلاً لا حقيقة بما يسمى
بالديمقراطية الإمساك به، وهو في الحقيقة ما نسميه بـ (الديموخراطية) التي تعني
الحكم بالحديد والنار مع فتح المجال لأحزاب هزيلة لا رصيد لها من الواقع الشعبي
ولا من تبني قيم الأمة ومسلماتها الشرعية؛ لذلك تدعو تلك الدول لانتخابات
صورية معروفة نتيجتها سلفاً، ولو توقعت تلك الدول أن تلك الأحزاب والجماعات
أو حتى المستقلين لهم وزن يسحبون به البساط من الحزب الحاكم المسيطر،
لعرضتهم للضرب، والسجن، والاعتقال، ولو أصدر قضاؤهم حكماً ببطلان تلك
الانتخابات، فلن يعار اهتماماً؛ بدعوى أن المعارضين مشاغبين.
والعجيب أن الذي يدافع عن ذلك التوجه ليس الصحف الرسمية فقط وإنما
أيضاً صحف ومجلات مشبوهة متغيرة الاتجاه تميل مع الريح أنى تميل، تؤيد تلك
الانتخابات المزيفة، وتعتبر المضارين منها حاقدين ومفلسين، ومادروا أن العالم
كله يعرف حقيقة تلك الانتخابات التي ينتقدها أبناء البلاد أنفسهم وأعلام الفكر
والرأي فيها.
والعجيب أن يسقط رئيس دولة ويتحول النظام الحاكم إلى المرتبة الثالثة في
بعض الدول الأجنبية، بينما في دولنا (الديموخراطية) فالنتيجة معروفة: أغلبية
مطلقة. هذه هي (ديموقراطيتهم) عفواً ديموخراطيتهم. وفي العدد مقالة مستفيضة
حول الموضوع.
стр. 2122
افتتاحية العدد
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
انتكست الأمة الإسلامية في القرون الأخيرة، وتصدّعت أركانها، وتسلط
عليها أعداؤها، واستبدل الله قوتها بضعف، وعزتها بذلة،
واجتماعها بفرقة وشتات، أصبحت مستباحة الحمى، مهيضة الجناح، يعبث بها
العابثون، ويفسد فيها المفسدون، تنتهك حرماتها، وتسرق مقدراتها، ويُسْتوْلَى
على أرضها، وتُشَتت شعوبها، وهي لاتملك حولاً ولاطولاً ... ! !
في كل أرض لها مأساة، وفي كل بلد لها محنة.. أبناؤها يشردون، ودعاتها
يُقَتّلون، نساؤها ترمّل، وأطفالها تُيتم..!
فما الذي جرى لها حتى وهنت، ووصلت إلى هذا المآل..؟ !
مالذي جرى حتى تغيب هذا الغياب المذهل الذي أفقدها اتزانها ووجودها....؟!
تدبر قول الله في محكم التنزيل: [قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمَّا يَاًتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى *
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ
تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى]
[طه: ١٢٣-١٢٧] .
إذاً هذا هو السر ... وهذا هو موضع الداء..!
أعرضت الأمة عن شرع الله (تعالى) ، وهجرت كتاب الله علماً
وعملاً، وأدبرت عن سنة النبي المصطفى ﷺ ، واستبدلتها
بقوانين وضعية، واجتهادات بشرية ملفقة من الشرق والغرب.. فكانت النتيجة
الملموسة التي تجنيها الأجيال: التخبط والشقاء الذي نرى آثاره تزداد يوماً بعد يوم..
كم ذاقت الأمة من البلاء، وأصابها من الشدة، بسبب إدبارها وإعراضها عن
شرع الله ووحيه المنزل؟ ! وكم تقلبت في ألوان وألوان من الذل والهوان..؟ !
تأمل حال الأمة الإسلامية من أدناها إلى أقصاها، وسوف تجد حالةً من القلق،
وعدم الاتزان تسيطر على كثير من أجزائها، وصدق المولى (جل وعلا) إذ يقول:
[أَفَمَن يَمْشِي مُكِباً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ]
[الملك: ٢٢] .
إن السعادة كل السعادة، والطمأنينة كل الطمأنينة، إنما هي في تعظيم شرع
الله (تعالى) واتباعه والاهتداء بهديه. والشقاوة، والتخبط كل التخبط، إنما هو في
الإعراض عن شرع الله (تعالى) والاستهانة به وهجره. قال الله (تعالى) : [الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] [الرعد: ٢٨] . ولعل
شهر مضان المبارك يذكر الأمة الإسلامية بضرورة العودة الصادقة إلى كتاب الله
العظيم، فقد شرف الله (تعالى) هذا الشهر بنزول القرآن، فقال: [شَهْرُ رَمَضَانَ
الَذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ] [البقرة: ١٨٥] .
فالله أنزل كتابه العزيز ليهتدي به الناس ويعتصموا به، فهو
مصدر القوة والعزة، وأساس التمكين والرفعة، فيه الهدى والنور، من آمن به حق
الإيمان، وصدق به أخلص التصديق، فقد هداه الله وآتاه من فضله، وأعانه على
كل خير، قال الله (تعالى) : -[الم (١) ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ]
[البقرة: ١-٢] . ومن هجره وأعرض عنه علماً وعملاً، ولم يؤمن بمتشابهه
ويعمل بمحكمه، فقد أضله الله، وختم على قلبه وبصره، قال الله (تعالى) [وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا
لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ]
[الأعراف: ١٧٥-١٧٧] وصدق رسول الله إذ يقول: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) [١] .
إن القرآن الكريم ليس آيات تهتز لها الرؤوس، وتتمايل بها العمائم، ويطرب
لها الدراويش في الموالد والمآتم والاحتفالات، وليس آيات تُهَذُ هَذّ الشعر، أو تنثر
نثر الدقل، بل هو آيات بينات تتنزل على قلوب المؤمنين فتغمرها بالسكينة
والطمأنينة، وتملؤها بالثقة والثبات. وتدبرُ آيات الله ومعرفة مقاصدها
ومراميها، والوقوف عند عظاتها وعبرها، والتفكر في معانيها وفقهها وأسرارها:
نعمة عظيمة من أجل النعم التي يوفق إليها العبد المسلم. قال الله (تعالى) : -
[إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] [الأنفال: ٢] ولهذا وصف أبو عبد الرحمن السلمي الصحابة
﵃ بقوله: (حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان
وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي -صلى الله عليه
وسلم- عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا مافيها من العلم والعمل، قالوا:
فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً) [٢] . وقال عبد الله بن عباس (رضي الله
عنهما) : (لأن أقرأ البقرة في ليلة فأَدّبّرها وأرتلها، أحب إلي من أن أقرأ القرآن
أجمعَ هذرمة) [٣] .
وإذا طغى الران على القلب، وانتكس الإنسان بعبثه ولهوه حجبه الله (تعالى)
عن نور القرآن، وحال بينه وبين الهدى والحق، قال الله (تعالى) : [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ
القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] وقال الله (تعالى) : [وإذَا قَرَاًتَ القُرْآنَ
جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ
أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ
نُفُوراً] [الإسراء: ٤٥، ٤٦] وتوعد الله (تعالى) المعرضين عن كتابه العزيز
بقوله : [أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ
لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [الزمر: ٢٢] .
وأما أهل الإيمان فقد وصفهم الله بقوله (تعالى) : [وبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ
نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى
مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ
إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا
لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً] [الإسراء: ١٠٥-١٠٩] .
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين يعظمونه حق التعظيم، فيؤمنون بمتشابهه،
ويعملون بمحكمه ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويحكمونه في جميع
أمورهم.. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 2123
دراسات شرعية
المنهج العلمي للاستدلال
(منهج المبتدعة في التعامل مع النصوص الشرعية)
بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن منهج الاستدلال عند أهل السنة، ثم
تحدث في الحلقة الثانية عن منهج المبتدعة، وذكر أنه يعتمد على ثلاثة أصول؛
الأول: ردّ النصوص الثابتة والاعتراض عليها، والثاني: العبث في الأصول
الشرعية للاستدلال وتشويهها، وذكر تحت هذا الأصل سبع مسائل، وفي هذه
الحلقة الأخيرة: يتمم هذه المسائل، ويذكر الأصل الثالث في منهج المبتدعة مبيناً
فساده.
- البيان -
ثامناً: رد حديث الآحاد:
لعل أول من رد حديث الآحاد جملة في العقائد والأحكام هم: الخوارج، ثم
تبعهم المعتزلة، بحجة أنها أحاديث ظنية الثبوت لا تفيد العلم اليقيني! .
ثم تبنى هذا المذهب جمع من المتكلمين الذين اعتمدوا حديث الآحاد في
الأحكام وردوها في العقائد، وانتشر هذا المذهب انتشاراً واسعاً عند المتأخرين حتى
ظنه من لاتحقيق عنده من المعاصرين: أنه مذهب الأئمة الأربعة وجمهور
العلماء [١] .
وبسبب هذا رُدّت عقائد كثيرة جداً ثبتت عن النبي ﷺ في
أحاديث صحيحة.
واستغل هذا المذهب قوم من أهل الأهواء والزنادقة في رد كثير من دلائل
النصوص الشرعية المحكمة؛ بحجة أنها لم ترد وروداً قطعياً، بل إن بعضهم رد
الأحاديث المتواترة القطعية بحجة أن تواترها لم يثبت عنده، حتى أصبح ذلك سلماً
للزنادقة والعابثين.
وقد رد هذه الفرية في وقت مبكر جمع من أهل العلم وأئمة السنة، وبينوا
مخالفتها للدلالة الشرعية والعقلية وإجماع الأمة. ولعل من أوائل من بسط الرد على
المبتدعة في هذا الباب: الإمام الشافعي في كتابه الجليل: (الرسالة) ، ثم تبعه جمع
من الأئمة على رأسهم الإمام البخاري حيث أفرد كتاباً مستقلاً في صحيحه سماه:
(أخبار الآحاد) ، ذكر فيه عدداً من الأحاديث التي تدل على وجوب العمل بحديث
الآحاد في العقائد والأحكام، وجعله بين يدي كتاب: (الاعتصام بالكتاب والسنة) ،
ثم تتابع العلماء في تفصيل هذه المسألة، ويلخص ابن عبد البر القرطبي مذهب
الأئمة أهل الفقه والأثر بقوله: (وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات،
ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، وعلى ذلك جماعة أهل
السنة) [٢] .
تاسعاً: القدح في الصحابة ﵃ :
تقدم في الحلقة الأولى بيان عظيم منزلة الصحابة ﵃ ، وأن فهم
دلائل الكتاب والسنة إنما يؤخذ عنهم، فهم أعلم الناس بمراد الله (تعالى) ، ومراد
رسوله ﷺ وكل علم من علوم الشرع يؤخذ من غير طريقهم،
أو بخلاف منهجهم فهو ضلال وانحراف، وصدق عمران بن حصين (رضي الله
عنه) إذ يقول: (ياقوم: خذوا عنا، فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلّنّ) [٣] .
وأكثر المبتدعة انحرفوا في شأن الصحابة انحرافاً واضحاً، ولم يعتمدوا
منهجهم ولم يسيروا سيرهم، ومنهم من قدح فيهم وكذبهم وافترى عليهم، ومنهم من
كفرهم واتهمهم بالنفاق والعياذ بالله! !
وأول من وقع في هذا الانحراف هم الخوارج والرافضة، ثم تبعهم المعتزلة
والجهمية، وسائر المبتدعة؛ ولهذا قال أبو حاتم الرازي: (علامة أهل البدع:
الوقيعة في أهل الأثر) [٤] .
ومن أمثلة جرأة المبتدعة ووقوعهم في الصحابة:
قال عمرو بن عبيد: (لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان، على
شراك نعل ما أجزتُ شهادتهم! !) [٥] .
ولما قال له يحيى: كيف حديث الحسن عن سمرة في السكتتين؟ فقال:
(ماتصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة! !) [٦] .
وتتبع مخازي المبتدعة في هذا الباب أمر يطول ذكره، وأشدهم غلواً فيه
الرافضة، قال ابن تيمية: (ثم إن الرافضة أو أكثرهم لفرط جهلهم وضلالهم يقولون: إنهم يعني: أبا بكر وعمر ومن اتبعهم كانوا كفاراً مرتدين، وإن اليهود
والنصارى خير منهم؛ لأن الكافر الأصلي خير من المرتد! وقد رأيت هذا في عدة
من كتبهم، وهذا القول من أعظم الأقوال افتراءً على أولياء الله المتقين، وحزب
الله المفلحين، وجند الله الغالبين) [٧] .
وقد بين السلف أن حقيقة الطعن في الصحابة هي: الطعن في الدين، ولهذا
قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه
زنديق؛ وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما
أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) [٨] .
وقال ابن تيمية: (أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين تصديقاً وعلماً، وعملاً
وتبليغاً، فالطعن فيهم طعن في الدين، موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين،
وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع، فإنما كان قصده: الصد عن سبيل
الله، وإبطال ماجاءت به الرسل عن الله) [٩] .
وهجر منهج الصحابة ﵃ وعدم الاهتداء بهديهم أدى إلى تخبط
المبتدعة تخبطاً شديداً، وكلما ابتعد المرء عن منهج الصحابة علماً وعملاً ازداد
انحرافه وجهله، وكثر ضلاله وبعده عن منهاج النبوة. ألم تر إلى الخوارج حينما
ضلوا وحاربوا المسلمين، ذهب إليهم عبد الله بن عباس ﵄
وناظرهم، ورد على شبهاتهم، رجع معه أكثر القوم وعصمهم الله من الفتنة، ومن
أعرض عنه، ولم يسمع مشورته ضل وانتكس، والعياذ بالله..؟ ! فالخير كل
الخير إنما هو في تتبع آثارهم والاقتداء بسننهم، فهم أعلم منا بكل صلاح.
عاشراً: اتباع المتشابهات:
وصف الله تعالى المبتدعة أهل الزيغ في قوله: -[هُوَ الَذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ
الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ ... ] [آل عمران: ٧] .
روت عائشة ﵂ : أن رسول الله ﷺ تلا
هذه الآية، ثم قال: (فإذا رأيت الذين يتبعون ماتشابه منه، فأولئك الذين سمى الله،
فاحذروهم) [١٠] .
وقال الطبري: (هذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من
أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين الله بدعة، فمال قلبه إليها، تأويلاً
منه لبعض متشابه آي القرآن، ثم حاج به وجادل به أهل الحق، وعدل عن
الواضح من أدلة آيه المحكمات، إرادة منه بذلك: اللبس على أهل الحق من
المؤمنين، وطلباً لعلم تأويل ماتشابه عليه من ذلك كائناً من كان، وأي أصناف
البدعة كان، من أهل النصرانية كان، أو اليهودية، أو المجوسية، أو كان سبئياً،
أو حرورياً، أو قدرياً، أو جهمياً) [١١] .
وقال في تفسير المتشابه: (ماتشابهت ألفاظه وتصرفت معانيه بوجوه
التأويلات، ليحققوا بادعائهم الأباطيل من التأويلات في ذلك ماهم عليه من الضلالة
والزيغ عن محجة الحق، تلبيساً منهم بذلك على من ضعفت معرفته بوجوه تأويل
ذلك، وتصاريف معانيه) [١٢] .
وقال السعدي: (فالذين في قلوبهم مرض وزيغ، وانحراف لسوء قصدهم:
يتبعون المتشابه منه؛ فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة طلباً
للفتنة، وتحريفاً لكتابه، وتأويلاً له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضلوا ويُضلوا. وأما
أهل العلم الراسخون فيه الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم؛ فأثمر لهم العمل
والمعارف، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأنه كله حق محكمه ومتشابهه،
وأن الحق لايتناقض ولايختلف، فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة
والبيان يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة،
فيردون المتشابه إلى المحكم فيعود كله محكماً) [١٣] .
ولهذا كان المبتدعة يضربون النصوص بعضها ببعض، وزعموا أنها قد
تتعارض وتتخالف، وذكروا أمثلة كثيرة في هذا الباب. ولكن علماء السنة الأثبات
ردوا باطلهم وبينوا جهلهم وتناقضهم [١٤] ؛ وقد قال رسول الله: (إن هذا القرآن لم
ينزل ليكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وماتشابه فآمنوا به) [١٥] .
حادي عشر: جهلهم باللغة العربية:
تقدم في الحلقة الأولى بيان أهمية اللغة العربية، وأنها الأداة التي تفهم بها
دلائل الكتاب والسنة، وقد قصر المبتدعة في ذلك وأهملوا لغة القرآن، وغلبت
عليهم العجمة، فتأولوا القرآن على غير تأويله.
قال الشاطبي في بيان مأخذ المبتدعة في الاستدلال: (ومنها: تخرصهم على
الكلام في القرآن والسنة العربيين، مع العزوف عن علم العربية الذي يفهم به عن
الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا، ويدينون به ويخالفون الراسخين
في العلم، وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم، واعتقادهم أنهم من
أهل الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك) .
ثم ذكر بعض الأمثلة التي تدل على فرط جهلهم بالعربية، فقال: (كما حكي
عن بعضهم أنه سئل عن قول الله (تعالى) : [رِيحٍ فِيهَا صِرّ]
[آل عمران: ١١٧] ، فقال: هذا الصرصر، يعني صرار الليل. وعن النظام أنه كان يقول: إذا آلى المرء بغير اسم الله لم يكن مولياً، قال: لأن الإيلاء مشتق من اسم الله. وقال بعضهم في قوله (تعالى) : -[َوَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى]
[طه: ١٢١] لكثرة أكله من الشجرة، يذهبون إلى قول العرب غوى الفصيل: إذا أكثر من اللبن حتى بشم، ولايقال فيه غوى، وإنما غوى من الغي ... ) [١٦] .
والعجيب أن من كان عالماً باللغة من المبتدعة فإنه قد يحرف قواعد اللغة
وماتعارف عليه العرب، من أجل أن يوافق مذهبه الباطل، وإليك هذين المثالين:
المثال الأول: إنكار رؤية الله تعالى في الجنة:
في تفسير قول الله تعالى: [َولَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ
أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إلَى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي] [الأعراف: ١٤٣] ، زعم المعتزلة أن (لن) تفيد نفي المستقبل (بمعنى
المؤبد) [١٧] ، يعني: لن تراني في الدنيا ولن تراني في الآخرة! وهذا مخالف لقواعد اللغة، فلن لاتفيد النفي المؤبد، ودليل ذلك قول الله تعالى: [فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَاًذَنَ لِي أَبِي] [يوسف: ٨٠] . وقوله تعالى: [إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِياً] [مريم: ٢٦] . ولهذا قال ابن مالك:
ومن رأى النفي بلن مؤبداً ... فقوله اردد وسواه فاعضدا [١٨] .
المثال الثاني: تأويل الاستواء بالاستيلاء:
في تفسير قول الله (تعالى) : [الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى] [طه: ٥] زعم
بعض المبتدعة: أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وأولوا النصوص المتواترة في
إثبات علو الله تعالى على خلقه، وردوا إجماع الأمة، قال القاضي عبد الجبار:
(الاستواء ههنا بمعنى الاستيلاء والقهر والغلبة، وذلك مشهور في اللغة، قال
الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق) [١٩] .
وقد رد أهل السنة هذا الافتراء وبينوا بطلانه ومخالفته لقواعد الشرع وقواعد
اللغة، وهو من قول شاعر ليس من العصور المحتج بها في اللغة، فضلاً عن كونه
نصرانياً [٢٠] .
الأصل الثالث: إحداث أصول بدعية
جديدة للاستدلال والتلقي:
بعد أن تجرأ المبتدعة في رد النصوص، وعبثوا في الأصول الشرعية
للاستدلال: وضعوا أصولاً بدعية جديدة للاستدلال، إما بديلة عن الأصول
الشرعية، وإما مزاحمة لها، ومن هذه الأصول:
أولاً: تقليد الأئمة والشيوخ:
تعظيم الآباء والشيوخ آفة قديمة اعترض بها المشركون على النبي -صلى الله
عليه وسلم- وزعموا أن أشياخهم وعظماءهم أولى بالوحي من النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال الله (تعالى) : [وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ] [الزخرف: ٣١] . ولما عرض عليهم النبي ﷺ الحق
بالحجة القاطعة والبرهان الساطع، اعترضوا عليه بآبائهم: [وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم
مُّقْتَدُونَ] [الزخرف: ٢٣] . فكان تعظيمهم لآبائهم مانعاً لهم من معرفة الحق ووزن
البراهين بالموازين المستقيمة.
وقد اقتبس المبتدعة من المشركين هذه الصفة في تعظيم الشيوخ، وغلا فيهم
بعضهم غلواً شديداً أخرجهم عن جادة الصراط المستقيم، ومن أبرز من انحرف في
هذا الباب:
أ- الرافضة الإمامية:
الذين زعموا لأئمتهم العصمة المطلقة كعصمة النبي، ولهذا فهم: (لايعتمدون
على القرآن ولاعلى الحديث ولاعلى الإجماع إلا لكون المعصوم منهم، ولاعلى
القياس وإن كان واضحاً جلياً) [٢١] . و (صاروا لذلك لاينظرون في دليل
ولاتعليل) [٢٢] .
ب - الصوفية الباطنية:
الذين عظموا الأولياء والأقطاب، وسلموا لهم بكل مايقولون، بل زعم بعضهم
أن الأولياء أفضل من الرسل، وقال قائلهم:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي! !
ج - الفلاسفة الباطنية:
الذين عظموا فلاسفة اليونان كأرسطو وأمثاله، وقلدوهم في منطقهم،
وعارضوا الكتاب والسنة بأقوالهم، والعجيب أنهم ينهون العامة عن تقليد الرسل،
ومع ذلك فهم يقلدون رؤوسهم [٢٣] .
د - جهلة مقلدة الأئمة الأربعة:
الذين عظموا الأئمة المتبوعين، وجعلوا أقوالهم هي المعيار في القبول والرد، وقدموها على الكتاب والسنة، حتى قال الكرخي: (كل آية تخالف ماعليه
أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فمؤول أو منسوخ) [٢٤] .
وقد نهى السلف وأئمة السنة عن التقليد الأعمى مطلقاً، وذموا المقلدة الذين
يهجرون النصوص الشرعية، ويعارضونها بأقوال أئمتهم، ولهذا قال الشافعي:
(أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم
يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) [٢٥] . وشدد ابن تيمية على هذا بقوله:
(معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين
للرسل، بل هو جماع كل كفر) [٢٦] .
ثانياً: الكشف والإلهام:
زعم غلاة المتصوفة أن الأئمة يكشف لهم من معاني القرآن والسنة أمور
لايعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر! . وقد أصّل هذه العقيدة أبو
حامد الغزالي في عدد من كتبه، وأفرط فيها ابن عربي وغيره من أئمة التصوف.
قال الغزالي: (فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم
النور، لابالتعليم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا والتبرّي من
علائقها، وتفريغ القلب من شواغلها ... ) ثم يصف طريق ذلك فيقول: (أولاً:
بانقطاع علائق الدنيا بالكلية، وتفريغ القلب منها ... ثم يخلو بنفسه في زاوية مع
الاقتصار على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب، مجموع الهمّ، ولايفرق
فكره بقراءة القرآن، ولابالتأمل في تفسير، ولايكتب حديثاً ولاغيره (! !) ، بل
يجتهد ألا يخطر بباله شيء سوى الله (تعالى) ، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة،
قائلاً بلسانه: الله.. الله.. على الدوام، مع حضور القلب، حتى ينتهي إلى حالة
يترك اللسان، ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه ... وليس له اختيار في
استجلاب رحمة الله (تعالى) ، بل هو بما فعله صار متعرضاً لنفحات رحمة الله،
فلا يبقى إلا الانتظار لما يفتح الله من الرحمة، كما فتحها على الأنبياء والأولياء
بهذه الطريقة..) [٢٧] .
ويقول في موضع آخر: (الخلوة لاتكون إلا في بيت مظلم، فإن لم يكن له
مكان مظلم فليق رأسه بجيبه، أو يتدثر بكساء أو إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع
نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة النبوية!) [٢٨] .
وازداد غلو بعض أهل الرياضة والتصوف حتى زعموا أن الله يخاطبهم كما
خاطب موسى بن عمران ﵊ وهؤلاء ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: زعموا أنهم يخاطبون بأعظم مما خوطب به موسى، فهم
يدعون أنهم أعلى من الأنبياء!
الصنف الثاني: زعموا أن الله يكلمهم مثل كلام موسى، ويقولون: إن النبوة
مكتسبة!
الصنف الثالث: زعموا أن صاحب الرياضة قد يسمع الخطاب الذي سمعه
موسى، ولكن موسى مقصود بالتكليم دون هذا ... [٢٩] .
وقد رد أئمة الإسلام هذا الضلال، وبينوا بطلانه وزيغه، ومن ذلك: قول
ابن تيمية رداً على الغزالي الذي زعم أن ميزان قبول السمعيات موافقتها للكشف
والمشاهدة: (هذا الكلام مضمونه: أنه لايستفاد من خبر الرسول -صلى الله عليه
وسلم- شيء من الأمور العلمية، بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من
المشاهدة والنور والمكاشفة، وهذان أصلان للإلحاد، فإن كل ذي مكاشفة إن لم
يزنها بالكتاب والسنة، وإلا دخل في الضلالات..) [٣٠] .
ومنتهى هؤلاء القوم اتباع الظن وما تهوى الأنفس، بغير علم ولاهدى ولا
بصيرة، ولهذا عبثت فيهم الخرافة، وسيطر عليهم الدجالون.
ثالثاً: تعظيم العقل:
للعقل منزلة جليلة في دين الإسلام، فقد جعله الله (تعالى) أداة للفهم، ومناطاً
للتكليف، وأمر بحفظه ورعايته، وحرم كل ما يفسده أو يؤثر عليه، وحث الناس
على التدبر والتفكر والتعقل في آيات كثيرة جداً، كما ذم الله (تعالى) المشركين
الذين عطلوا حواسهم وعقولهم بقوله: [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ]
[البقرة: ١٧١] . ولهذا دل القرآن على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها، وكان الخطاب القرآني خطاباً برهانياً، وبين مايدل على صدق الرسول ﷺ في كل مايقوله؛ ليظهر الحق بأدلته السمعية والعقلية، والرسول يخبر بالحق، ويقيم عليه الأدلة العقلية البرهانية الموصلة إلى معرفته [٣١] .
ومع هذه المنزلة الجليلة للعقل، إلا أن طريق النجاة من العذاب الأليم:
(الرواية والنقل، إذ لايكفي من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لايرى إلا
مع ظهور نور قدامه، فكذلك نور العقل لايهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس
الرسالة) [٣٢] . وقيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، (ولاتحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين) [٣٣] . (ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش
والمعاد) [٣٤] .
وقد انحرف عن هذا السبيل الوسط فريقان من الناس:
الفريق الأول: المتصوفة الجهال، الذين ألغوا عقولهم، وقدسوا المجانين
والمجاذيب، و (كلما كان الشيخ أحمق وأجهل، كان بالله أعرف، وعندهم
أعظم) [٣٥] . وكانوا يقولون: (من أراد التحقيق: فليترك العقل ...
والشرع!) [٣٦] .
الفريق الثاني: المتكلمون والجهمية ومن ذهب مذهبهم، الذين قدسوا العقل
وجعلوه حاكماً على الشرع ومقدماً عليه، و (يجعلون العقل وحده أصل علمهم،
ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له) [٣٧] .
وهؤلاء المعظمون للعقل ينقسمون قسمين:
القسم الأول: المخالفون للنصوص النبوية، الذين يقولون: إن الأنبياء لم
يعرفوا الحق الذي عرفناه، أو يقولون عرفوه، ولم يبينوه للخلق كما بيناه، بل
تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم! ! .
القسم الثاني: المدعون للسنة والشريعة الذين يقولون: إن الأنبياء والسلف
الذين اتبعوا الأنبياء، لم يعرفوا معاني هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن
الأنبياء، أو أن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس. وقد يقولون: نحن
عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء على مايوافق مدلول
العقل..! [٣٨] .
ولهذا زعم هؤلاء القوم أن العقل قد يخالف النقل، وصالوا على النصوص
صولة المحاربين، وردوا الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم،
ويدعون أنها مخالفة للمعقول، كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان،
ورؤية الله في الآخرة، وحديث الذباب وقتله، وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر
دواء، وماأشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول [٣٩] .
واقتدى بهم: أفراخهم من المعاصرين الذين يسمون أنفسهم: بالعقلانيين،
وبزّوهم في الجرأة على النصوص بالتحريف والاعتراض والرد، فكما أن أؤلئك
انبهروا بالفكر اليوناني وراحوا يقلدونه، فقد انبهر هؤلاء بالفكر الغربي، وضعفوا
أمامه، وراحوا يلهثون في ركابه! !
وكم جرّ هذا المذهب من بلاء وشر على الأمة، حيث أصبح طريقاً للعبث في
النصوص، وسُلّماً للزنادقة والعلمانيين؟ !
وخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب أن: (الأحوال الحاصلة مع عدم
العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن
دركه، لم تأت بما يعلم العقل امتناعه) [٤٠] . كما أن: (الأدلة العقلية الصريحة
توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لايناقض صحيح المنقول، وإنما
يقع التناقض بين ما يُدخل في السمع وليس منه، ومايدخل في العقل وليس
منه) [٤١] .
وختاماً: أسأل الله أن يثبتنا على السنة، وأن يعيذنا من نزغات
الفتن.
стр. 2124
دراسات شرعية
مصادر التفسير
(٢)
التفسير بالسنة
-الحلقة الثانية-
بقلم: مساعد بن سليمان الطيار
في الحلقة الماضية تحدث الكاتب عن التفسير بالسنة من حيث: تحرير
مصطلح التفسير بالسنة، وتحرير مصطلح التفسير النبوي، وأنواع كل منهما،
وأمثلة من كل نوع، ويتابع في هذه الحلقة استكمال عناصر هذا الموضوع.
- البيان -
ثلاث مسائل متممة للحديث عن التفسير بالسنة:
المسألة الأولى: التفسير بالسنة عند المحدّثين:
يورد المحدثون التفسير النبوي والتفسير بالسنة في كتبهم تحت كتاب يعنونونه
بـ (كتاب التفسير) .
وممن كتب في هذا الباب: الإمام البخاري في صحيحه، والنسائي في سننه
الكبرى، والترمذي في سننه، والحاكم في مستدركه [١] .
وما أريد إبرازه هنا أمران:
الأول: أن استعمالهم للتفسير بالسنة كثير.
الثاني: أن ربطهم معنى الحديث بالآية وذكر ذلك تحت آية من الآيات التي
يعنونون بها الأبواب هو اجتهاد خاص بهم، مما يعني أنهم شاركوا في هذا الجانب
من التفسير.
وقد كان هؤلاء المحدّثون يحرصون على إيراد مايصلح من كلام النبي -صلى
الله عليه وسلم- تفسيراً لآية، ولو من طرف خفي.
بل كانوا يذهبون إلى أبعد من ذلك، حيث يوردون مايتعلق بالآية من
الأحاديث لأي سبب كان؛ كذكر بعض لفظ الآية في الحديث أو ذكر قراءة الرسول
ﷺ لتلك الآية في زمن مخصوص، أو غير ذلك من الأسباب،
وهذا يدل على مدى حرصهم واهتمامهم بربط الآية بما يتعلق بها من الحديث النبوي، وإن لم يكن جائياً في مساق التفسير، وقد أشار إلى هذا بعض شراح صحيح
الإمام البخاري، ومنهم:
١- أبو مسعود الكنهكوهي (ت: ١٣٢٣) ، قال: ثم الذي ينبغي التنبه له:
أن التفسير عند هؤلاء الكرام أعمّ من أن يكون شرح كلمة، أو بيان مايُقرأ بعد تمام
سورة، ولا أقّل من أن يكون لفظ القرآن وارداً في الحديث.
وكون الأمور المتقدمة من التفسير ظاهر [٢] ، وإنما الخفاء في هذا الأخير
والنكتة فيه: أن لفظ الحديث يفسر لفظ القرآن بحيث يُعلم منه أن المراد في
الموضعين واحد، وكثيرا مايُكشف معنى اللفظ بوقوعه في قصة وكلام لايتضح
مراده لو وقع هذا اللفظ في غير تلك القصة؛ فإذا لاحظ الرجل الآية والرواية معا
كانت له مُكنة على تحصيل المعنى [٣] .
٢- وقال (صاحب الفيض) : (ثم اعلم أن تفسير المصنف (أي: البخاري)
ليس على شاكلة تفسير المتأخرين في كشف المغلقات، وتقرير المسائل، بل قصد
فيه إخراج حديث مناسب متعلق به ولو بوجه) [٤] .
وبهذا يتلخص أن المحدّثين يوردون من كلام الرسول ﷺ
ما يصلح أن يكون تفسيرا، كما يوردون ما يتعلق بالآية من كلامه أوفعله لأدنى
سبب.
ومن أمثلة الأول (ما يصلح من كلامه تفسيرا) :
١- ترجم البخاري في باب: ذكر إدريس ﵇ بقوله (تعالى) :
[ورفعناه مكانْا عليا] [مريم: ٥٧] ثم روى تحت هذا الباب حديث المعراج، وفيه
أن الرسول ﷺ وجد في السموات إدريس وموسى وعيسى....)
٢- وذكر النسائي تحت قوله (تعالى) : [فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ] [النساء: ١٤٠] حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، عن
النبي ﷺ قال: (ويلٌ للذي يحدث القوم فيكذب، فيضحك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له) [٦] .
٣- وذكر الترمذي في تفسير قوله (تعالى) : [فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن
قُرَّةِ أَعْيُنٍ] [السجدة: ١٧] حديث المغيرة بن شعبة، يرفعه إلى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، يقول: (إن موسى ﵇ سأل ربه، فقال: أي رب، أي
أهل الجنة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له:
أدخل الجنة.
فيقول: كيف أدخل الجنة وقد نزلوا منازلهم، وأخذوا أخذاتهم، قال: فيقال
له: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟
فيقول: نعم، أي ربّ، قد رضيت. فيقال له: فإن لك هذا، ومثله، فيقول
رضيت أَيْ ربّ.
فيقال له: فإن لك هذا، وعشرة أمثاله. فيقول: رضيت أي ربّ، فيقال له: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك، ولذت عينك) [٧] .
ومن أمثلة الثاني (مايكون لأدنى سبب) :
١- ماذكره البخاري تحت باب [وهو ألد الخصام] [البقرة: ٢٠٤] ، من
حديث عائشة ﵂ ، عن النبي ﷺ أنه قال:
(أبغضُ الرجال إلى الله الألد الخَصِم) [٨] .
٢- وتحت تفسير قوله (تعالى) : [قالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأََنَّنَا مُسْلِمُونَ] [المائدة:
١١١] أورد النسائي أثر ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان
يقرأ في ركعتي الفجر: في الأولى منهما إلى قوله: [قولوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ
إلَيْنَا] [البقرة: ١٣٦] إلى آخر الآية، وفي الأخرى [قالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأََنَّنَا
مُسْلِمُونَ] [المائدة: ١١١] [٩] .
المسألة الثانية: نظرة وصفية لأمثلة التفسير النبوي:
من خلال إلقاء نظرة سريعة على الوارد من التفسير النبوي يمكن فهرسة
الأمثلة تحت عناوين كالتالي:
١- بيان معنى لفظة:
إن المتأمل في ما نقله الصحابة عن الرسول ﷺ يلاحظ
أنهم لم يوردوا عنه تفسيراً للألفاظ، ويظهر والله أعلم أن ذلك بسبب معرفتهم
المعاني اللغوية؛ لأنهم عرب يفهمون معاني الخطاب، ولو ورد لهم استشكال في
فهم ألفاظه أو مدلولاته اللغوية لسألوا عنها، ومما يدل على ذلك حديث ابن مسعود
في نزول آية: [الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] [الأنعام: ٨٢] فهم فهموا
الظلم بمعناه العام في لغتهم (أي أنهم استشكلوا مدلول لفظة: الظلم) فشق عليهم هذا
الخطاب حتى بينه لهم رسول الله.
إذن.. لم يكن الصحابة بحاجة إلى بيان المفردات اللغوية، ولذا لم يرد في
التفسير النبوي إلا نادراً، ومنه ماجاء عن أبي سعيد الخدري من تفسير الرسول -
ﷺ للفظة (وسطاً) من قوله (تعالى) : -[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطاً] [البقرة: ١٤٣] قال (والوسط العدل) [١٠] .
٢- بيان حكم فقهي في الآية:
قد يرد الحكم في آية مطلقا فيذكر الرسول ﷺ مزيد بيان
له، وذلك إما بتحديد مقدار الحكم الفقهي، أو تخصيص اللفظ العام أو غير ذلك.
ومن تحديد المقدار: مارواه البخاري في تفسير قوله (تعالى) : [فَمَن كَانَ
مِنكُم مَّرِيضاً أََوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاًسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أََوْ نُسُكٍ]
[البقرة: ١٩٦] عن كعب بن عجرة قال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ماكنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاه؟
قلت: لا
قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع من
طعام واحلق رأسك) فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة [١١] .
فأنت ترى أن البيان القرآني لم يحدد المقدار في الفدية، فلما فسر الرسول -
ﷺ فسرها بالمقدار، وأنت تعلم أن هذا أحد أنواع بيان السنة
للقرآن.
ومن تخصيص العام في الحكم الفقهي، مارواه مسلم عن أنس قال: كانت
اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب
النبي ﷺ ، فأنزل الله [َيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ
هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ] [البقرة: ٢٢٢] إلى آخر الآية، فقال
رسول الله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) [١٢] .
فلو أُخذ بظاهر العموم في قوله (فاعتزلوا) لفهم أن اعتزال المرأة عام: في
مؤاكلتها ومشاربتها ومخالطتها ومجامعتها، فكان هذا البيان النبوي مخصصا لذلك
العموم القرآني.
٣- بيان المشكل:
إنما يعرف المشكل بسؤال الصحابة عنه؛ لأن السؤال لايقع إلا بعد استشكال
في الغالب ومن أمثلة ماسأل عنه الصحابة: حياة الشهداء.
قال مسروق: سألنا عبد الله عن هذه الآية: [َولا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] [آل عمران: ١٦٩] فقال: أما إنا
قد سألنا عن ذلك، فأخبرنا أن أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلقة
بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل..)
الحديث [١٣] .
وعن المغيرة بن شعبة (رضى الله عنه) قال: لما قدمتُ نجران سألوني: إنكم
تقرؤون: [يا أخت هارون] [مريم: ٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا.
فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: إنهم
كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم) [١٤] .
٤- ذكر مصداق كلامه من القرآن:
ورد في تفسير النبي ﷺ أحاديث كثيرة يذكر فيها مصداق
كلامه من القرآن، وتأتي عبارات: (ثم قرأ) (اقرؤا إن شئتم) (مصداق ذلك من
كتاب الله) ، ومن ذلك مارواه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله-صلى
الله عليه وسلم-: (من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه
غضبان، وقال عبد الله: ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداق ذلك
من كتاب الله جل ذكره: [إنَّ الَذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا
خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ..] [آل عمران: ٧٧] [١٥] .
٥- بيان مبهم:
القاعدة الغالبة أن ما أبهمه القرآن فلا فائدة عملية تنال من ذكره، ومع ذلك
فإنه ورد سؤال الصحابة عن ذلك، إلا أنه نادر، ومن ذلك ما رواه مسلم عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، قال: مرّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قال:
قلت له: كيف سمعت أباك يذكر المسجد الذي أسس على التقوى؟ .
قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت
بعض نسائه، فقلت: يارسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟
قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا؛
لمسجد المدينة.
قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره) [١٦] .
أخيراً..
هذه بعض الأمثلة للتفسير النبوي، والموضوع يحتاج إلى جمع وتأمل لتحديد
نوع المثال، مما يفيد في معرفة ماكان يحتاجه الصحابة من البيان النبوي للقرآن،
ولعل أقرب ما يذكر هنا هو ندرة ماورد عنه من بيان معنى غريب القرآن؛ مما
يترتب عليه أن فهم عربيته كان موكولا للصحابة ﵃ ، والله أعلم.
المسألة الثالثة: ما يستفاد من التفسير
النبوي في أصول التفسير:
إن النظر في التفسير النبوي، واستنطاق الأمثلة التفسيرية فيه يفيد في
جوانب عدة، ومما يفيده هنا أن طريقة التفسير النبوي أصل معتمد في التفسير،
فإذا ورد عنه تعميم للفظ، أو تفسير بمثاٍل، أو غير ذلك، حُكِم بصحة هذه
الأساليب التفسيرية في التفسير، وأنها في المجال الذي يمكن الاقتداء به ولاقياس
عليه.
كما أنه يفيد في بيان صحة بعض الأساليب التي اعتمدها المفسرون من السلف.
ثم إن هذا يفيد في تصحيح بعض مرويات السلف التي جاءت مخالفة للعبارة
النبوية في التفسير، ذلك أن تحرير هذه الأساليب في التفسير النبوي يبين مدى
احتمال النص لغير عبارة النبي ﷺ ، وفيما أظن حسب علمي
أن (فِقهَ النصّ التفسيري) من التفسير النبوي لم يلق عناية من هذا الجانب، ولذا
قمت بهذه المحاولة الاجتهادية لبيان هذه الفكرة من خلال أمثلة توضح ذلك.
إن مثل هذه الدراسة السريعة لا تكفي في تأصيل قضية كهذه، ولكنه جهد
المقل، وبذرة ألقيها لتجد طريقها إلى النماء إن شاء الله وإليك أخي القارئ عرض
الأمثلة:
* المثال الأول:
عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةُ]
[الأنفال: ٦٠] ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة
الرمي) [١٧] .
وجاء عن جمع من السلف ما يلي:
١- لقوة: الرمي من القوة (مكحول) .
٢- لقوة: الرمي والسيوف والسلاح (ابن عباس)
٣- مرهم بإعداد الخيل (عبّاد بن عبد الله ابن الزبير)
٤- لقوة: ذكور الخيل (عكرمة ومجاهد) .
٥- لقوة: الفرس إلى السهم ومادونه (سعيد بن المسيب) [١٨] .
لقد فسر الرسول ﷺ القوة بالرمي، فهل يُطّرح ماورد
عن السلف من عبارات مخالفة لما جاء عنه ﷺ ، ويقال: مادام
النص قد ثبت طاح ما دونه.
أم يقال: إن الرسول ﷺ أراد أن يشير إلى القوة التي
هي أنكى أنواع القوة، وأشدها تأثيراً في الحرب؟ .
الذي يظهر والله أعلم أن الرسول ﷺ أراد هذا، وقد أشار
إلى ذلك الإمام الطبري فقال: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر
المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب، ومايتقوون به على جهاد عدوه وعدوهم من
المشركين من السلاح والرمي، وغير ذلك، ورباط الخيل.
ولا وجه لأن يقال: عنى بالقوة معنى من معاني القوة، وقد عمّ الله الأمر بها.
فإن قال قائل: فإن رسول الله ﷺ قد بين أن ذلك مراداً
به الخصوص؛ بقوله: (ألا إن القوة الرمي) . قيل له: إن الخبر وإن كان قد جاء
بذلك، فليس في الخبر مايدل على أنه مراد به الرمي خاصة دون سائر معاني القوة
عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوة؛ لأنه إنما قيل في الخبر: (ألا إن القوة الرمي)
ولم يقل: دون غيرها.
ومن القوة أيضا: السيف والرمح والحربة، وكل ماكان معونة على قتال
المشركين، كمعونة الرمي، أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم. هذا مع
وهاء سند الخبر بذلك عن رسول الله) [١٩] .
وبهذا يمكن القول أنه لما لم يكن في تفسير الرسول ﷺ
مايدل على التخصيص، دل ذلك على أن مراده التمثيل، ولما مثل للقوة ذكر أعلى
القوة وأشدها.
وإذا كان ذلك كذلك فإن روايات السلف لاتكون معارضة للتفسير النبوي، ولذا
يصح قبولها والتفسير بها؛ لأنها تدخل في عموم القوة.
ونتيجة القول: أن التفسير بالمثال أسلوب صحيح في التفسير؛ لأنه وارد عن
الرسول ﷺ في مثل هذا الحديث، والله أعلم
* المثال الثاني:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
مفاتح الغيب خمس: [إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [لقمان: ٣٤] [٢٠] .
في هذا المثال تجد أن رسول الله ﷺ فسر (مفاتح الغيب)
في قوله تعالى: [َوَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ... ] [الأنعام: ٥٩] بآية
لقمان: [إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... ] [لقمان: ٣٤] .
ويمكن القول: إن تفسير القرآن بالقرآن مسلك صحيح من مسالك التفسير بناء
على هذا المثال.
ولعلك تقول: إن هذا المسلك واضح ومعروف مشهور.
فأقول لك: إن المراد هنا تأصيله بوروده عن النبي ﷺ ،
إذ في وروده عنه ماينبه إلى استعمال هذا المسلك.
ومما يدل على ذلك أن الصحابة لما استشكلوا قوله (تعالى) : [الذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨٢] قال لهم: إنه
ليس بذاك ألا تسمعُ إلى قول لقمان لابنه: [إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]
[لقمان: ١٣] [٢١] .
فكأنه ﷺ يرشدهم إلى هذا المسلك بقوله: (ألا تسمع) ،
وكان يمكن إجابتهم وحل إشكالهم بدون الإشارة إلى الآية والله أعلم.
وأخيراً..
إذا كان يمكن استنباط بعض الأساليب التفسيرية في التفسير النبوي والقياس
عليها، فإن هناك مالايقاس عليه، ومنه:
أولاً: أن يكون التفسير في بيان حكم شرعي:
عن أنس بن مالك قال: (كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها،
ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي ﷺ ، فأنزل
الله [ويَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ]
[البقرة: ٢٢٢] .
فقال رسول الله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) [٢٢] .
إن قول الله (تعالى) : [فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ] لفظ عام، ويمكن أن
يفهم منه اعتزال النساء في المؤاكلة والمنام والبيوت، فذكر الرسول -صلى الله
عليه وسلم- ما يدل على تخصيص الاعتزال بالمجامعة دون غيرها من المعاشرة.
ثانيا: أن يكون التفسير لبيان أمر غيبي:
عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذا الآية [َولا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ
قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] [ال عمران: ١٦٩] . فقال:
أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل
معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل) [٢٣] .
إن صفة حياة هؤلاء الشهداء لايمكن إدراكها إلا عن سماع من النبي -صلى
الله عليه وسلم-، ولذا سأل الصحابة عن هذه الحياة الخاصة بالشهداء.
إنه في مثل هذين المثالين لايمكن استنباط (أسلوب تفسيري (لأن المجال في
هذا ليس مفتوحا بحيث يمكن الاستنباط منه، بل هو محدد لبيان حكم شرعي أو أمر
غيبي، ولذا يقف المفسر عند النص ولايمكنه تجاوزه، ليستفيد منه في نص آخر
يقيسه عليه.
стр. 2125
دراسات تربوية
رمضان بين الواقع والواجب
بقلم: فيصل بن علي البعداني
رمضان من مواسم الخيرات التي امتن الله (تعالى) بها على عباده، ليقوى
إيمانهم، وتزداد فيه تقواهم، وتتعمق صلتهم بربهم، قال (تعالى) : [يَا أََيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]
[البقرة: ١٨٣] . والمتأمل في النصوص الشرعية الواردة في الصيام، التي تتحدث عن حِكَم الصيام وغاياته في الشريعة وفي واقعنا معاشر المسلمين يجد بوناً كبيراً لدى أكثر عامة الأمة وكثير من شباب الصحوة بين الواقع والواجب.
وسأحاول بإذن الله (تعالى) أن أتلمس أبرز الأسباب التي أدت إلى هذا التباين، معرجاً على شيء مما ييسر الله (تعالى) له من طرق العلاج.
أولاً: الأسباب:
هناك أسباب كثيرة من أبرزها:
١- الجهل بأهداف وحِكَم الصيام وغاياته:
يعد الجهل بأهداف وحكم الصيام وغاياته في الشريعة لدى كثير من المسلمين، وقيامهم بالتطبيق تقليداً ومسايرة للمجتمع من دون التأمل والدراسة من أبرز
أسباب هذا التباين، يقول الشيخ الدوسري: (فإن لم يكن البشر واعين لحكمة
التشريع الإلهي وثمراته في الدنيا قبل الآخرة، فإنهم لن يطبقوه على تمامه، أو
على الوجه الصحيح) [١] ، ويمكن إيجاز أهم تلك الحكم فيما يلي:
* تحقيق التقوى:
تعد التقوى من أبرز حكم الصيام.
يقول الرازي: (إن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع
الهوى؛ فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهون لذات الدنيا ورياستها،
وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، فمن أكثر منه هان عليه أمر هذين،
وخفت عليه مؤونتهما، فكان ذلك رادعاً له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهوناً
عليه أمر الرياسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى..) [٢] .
* التربية على الصبر وقوة الإرادة:
التربية على الصبر من أبرز مرامي الصيام حتى سمى النبي -صلى الله عليه
وسلم- شهر الصيام: بشهر الصبر إذ في الصوم (تربية لقوة الإرادة على كبح
جماح الشهوات وأنانية النفوس، ليقوى صاحبها على ترك مألوفاته أكلاً أوشرباً أو
متاعاً، فيكون قوي الإرادة في الإقدام على أوامر الله، ﷺ التي
من أعظمها حمل الرسالة المحمدية والدفع بها إلى الأمام، ساخراً بما أمامه من كل
مشقة وصعوبة.. والصوم يمثل ضرباً من ضروب الصبر، الذي هو الثبات في
القيام بالواجب في كل شأن من شؤون الحياة) [٣] إذ يصبر فيه الإنسان نفسه على
طاعة الله (تعالى) بالوقوف عند حدوده فعلاً وتركاً، قال تعالى بعد أن ذكر شيئاً من
أحكام الصيام [تلك حدود الله فلا تقربوها] [البقرة: ١٨٧] ، كما يضبطها ويمنعها
عن لذاتها طواعية وامتثالاً لأمر الله (تعالى) وطلباً لثوابه، وفي ذلك من التربية
على قوة العزيمة والإرادة ما يجعل الإنسان متحكماً في أهوائه وشهواته.
* التربية على الاستسلام والخضوع لله (تعالى) :
يربي الصيامُ المسلم على ضبط نفسه الأمارة بالسوء، ويمكنه من السيطرة
عليها والإمساك بزمامها، بحيث لايكون مستسلماً لها بل مستسلماً لأوامر ربه
خاضعاً منقاداً لنواهيه، مؤثراً لمحابه سبحانه، مقدماً لها على رغائب الجسد
وشهواته.
* إنشاء الخوف من الله (تعالى) ومراقبته:
الصيام عبادة خالصة بين العبد وربه، ولذا فإنه يربي في المسلم الخوف من
الله (تعالى) ومراقبته والتطلع لثوابه، إذ بإمكانه أن يُظهر الصيام أمام الخلق وهو
غير صائم أصلاً، سواء أكان عن طريق تناول شيء من المفطرات، أو بمجرد
فقدان النية، وإن أمسك عنها طوال النهار، وفي ذلك من ظهور صدق الإيمان
وكمال العبودية وقوة المحبة لله (تعالى) ورجاء ماعنده ماجعل جزاء الصيام عند الله
(تعالى) أعظم من جزاء جل العبادات، قال الله (تعالى) في الحديث القدسي: (كل
عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ماشاء الله
عزوجلّ، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من
أجلي..) [٤] . قال ابن القيم: (والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لايطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم) [٥] .
* لمّ شعث القلب، والتفكر في ملكوت الله (تعالى) :
لما كان فضول الطعام والشراب والكلام والمنام ومخالطة الأنام مما يزيد القلب
شعثاً ويشتته في كل وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله (تعالى) ، أو يضعفه أو يعوقه
ويوقفه، اقتضت رحمة الله (تعالى) بعباده أن شرع لهم من الصوم مايذهب فضول
الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات وشرع لهم من العبادات
أثناءه من اعتكاف وقيام ودعاء وتلاوة قرآن مايذهب فضول الكلام والمنام ومخالطة
الأنام. ولذا صح عن النبي ﷺ أنه قال: (الصوم جنة وحصن
حصين من النار) [٦] بل عده حصناً للمؤمن، وذلك لكونه:
كاسراً للشهوة ومضعفاً لها، قال: (خصاء أمتي الصيام) [٧] ، وقال:
(يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم
فإنه له وجاء) [٨] .
ومضيقاً على الشيطان مجاريه بتضييق مجاري الطعام والشراب قال: (إن
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) [٩] ، فتسكن بذلك وساوس الشيطان.
كما أن القلب في حال الصيام يتفرغ للتفكر في آيات الله (تعالى) وملكوته،
لأن الإفراط في تناول الشهوات يستوجب الغفلة، وربما يقسي القلب ويعمي عن
الحق، قال ابن رجب: (وخلو الباطن من الطعام والشراب ينور القلب ويوجب
رقته ويزيل قسوته ويخليه للذكر والفكر) [١٠] .
* معرفة العباد لما هم فيه من نعم، وتذكر
الأغنياء لحال إخوانهم الفقراء:
يحصل للأغنياء نتيجة امتناعهم عن الطعام والشراب في نهار الصيام مشقة،
فيوجب ذلك لهم معرفة قدر نعمة الله (تعالى) عليهم بالغنى؛ حيث مكنهم من تلك
النعم طوال العام مع ابتلاء عبادٍ له آخرين بالحرمان؛ مما يستوجب الشكر لله
(تعالى) على ذلك.
كما أن الفقراء ينظرون في العطايا التي يعطاها العباد خلال هذا الشهر من
خلو الذهن للتفكر والعبادة والذكر نتيجة الجوع وخلو البطن، ويرون أن حالهم
مقاربة لذلك في غالب العام، وأنهم مؤهلون لاستغلال تلك النعم طوال الوقت مما
يستدعي شكرها. كما أن الصيام يجعل الأغنياء يتذكرون حال من حولهم من
إخوانهم الفقراء، ويدعوهم إلى رحمة المحتاجين ومواساتهم بما يمكن من ذلك.
* قوة الأجساد وصحتها:
الأصل في مشروعية الصيام أنه يقوي الإيمان ويكسب العبد التقوى التي
تحجزه عن المعاصي والآثام إلا أن له حكماً وفوائد أخر، من أبرزها: ما اتضح
في عصرنا من تقويته للأجساد وأثره في صحتها بالوقاية من العلل والأمراض
الجسمية والنفسية.
٢- تعليق الصيام بالتروك فقط:
يعتقد كثير من الناس أن الصيام جملة من التروك فقط، متناسين أن الله
(تعالى) شرع الصيام وشرع معه جملة من الأعمال التي تتظافر لتحقيق غايات
الصوم وآثاره المرجوة منه، ولعل من أبرز تلك الأعمال التي دلت عليها النصوص:
* قيام الليل، قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من
ذنبه) [١١] .
* العمرة، قال: (عمرة في رمضان كحجة معي) [١٢] .
* تفطير الصائمين، قال: (من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه
لاينقص من أجر الصائم شيئاً) [١٣] .
* قراءة القرآن وختمه: قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة،
يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته
النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان) [١٤] ، وثبت أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- كان يلقاه جبريل في كل سنة في رمضان، فيعرض عليه النبي -صلى الله
عليه وسلم- القرآن.
* الصدقة: عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود مايكون في شهر رمضان) [١٥]
قال الشافعي: (أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء بالرسول -صلى
الله عليه وسلم-؛ لحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم
والصلاة عن مكاسبهم) .
* الاعتكاف: عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان) [١٦] . قال الزهري: (عجباً
للمسلمين تركوا الاعتكاف، مع أن النبي ﷺ ماتركه منذ قدم
المدينة حتى قبضه الله .
* الدعاء: حيث ذكر الله (تعالى) في ثنايا آيات الصيام قوله: [وَإذَا سَأََلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ] [البقرة: ١٨٦] ليرغب
الصائم في كثرة الدعاء، وقال: (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة
المظلوم، ودعوة المسافر) [١٧] .
* التوبة: رمضان موسم التوبة والعودة إلى الله وذلك لعظيم جوده
(تعالى) وفضله في كل وقت، وفي هذا الشهر خاصة، حيث تصفد الشياطين [١٨] ، وله سبحانه في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار بالإضافة إلى تهيؤ الإنسان
بالصوم وسائر العبادات لذلك، ولذا قال: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم
انسلخ قبل أن يغفر له) .
* الاجتهاد في العمل مطلقاً في العشر الأواخر: عن عائشة ﵂
قالت: (كان ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله وجد
وشد المئزر) [١٩] وقالت ﵂ أيضاً (كان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يجتهد في العشر الأواخر مالايجتهد في غيره) [٢٠] .
والأفعال المشروعة في رمضان كثيرة، فالمفترض في حق المسلم أن يحرص
على شغل وقته بما يعود عليه بالنفع أكثر عند لقاء الله .
٣- عدم استشعار أثر المعاصي على الصيام:
الذنوب سبب حرمان الله للعبد من الاستفادة من الصيام وتحقيقه التقوى فيه،
قال تعالى: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ]
[الشورى: ٣٠] ولذا فإن: (الصوم ينقص ثوابه بالمعاصي وإن لم يبطل بها، فقد
لايحصل الصائم على ثواب مع تحمله التعب بالجوع والعطش لأنه لم يصم الصيام
المطلوب) .
وقد وردت عدة أحاديث تبين ذلك المعنى وتجليه منها قوله: (رب صائم ليس
له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) [٢١] وقال:
(ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد،
أو جهل عليك، فقل: إني صائم) [٢٢] ، وقال ﷺ (من لم يدع ...
قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه [٢٣] ...
٤- أخطاء بعض الصائمين:
يقع بعض الصائمين في أخطاء منها:
* الإسراف في الإنفاق: الأصل في الصيام أنه مدرسة عملية للاقتصاد
وتعويد النفس الجلد وقوة التحمل عند الأزمات، وضبط النوازع والرغبات، ولكن
الذي يحصل في واقع الكثير من المسلمين في وقتنا الحاضر العكس، حيث تزداد
النفقات وتتجاوز حد الاعتدال إلى التبذير والإسراف.
* التوسع في تناول الأطمعة والأشربة وسائر الملذات: صار موسم الصيام
في حياة أناسٍ موسماً لتنويع المآكل والمشارب وتناول الملذات، ولايخفى مافي ذلك
من منافاة لغرض الصيام ومراميه.
* السهر في الليل والنوم في النهار: ينقلب الحال في رمضان في حياة
الكثيرين، فيصبح الليل نهاراً والنهار ليلاً؛ بحيث يصبح الليل وقتاً للاجتماع
والسهر، والنهار وقتاً للنوم والكسل، هذا إذا لم يصاحب ذلك اجتماع على محرمات
وتضييع للواجبات، وعدم القيام بالعبادات كما يجب.
* التعلق بالدنيا وعدم الاهتمام بشأن الآخرة: مع دخول رمضان يزداد انشغال
كثيرين بتجاراتهم وبيعهم وشرائهم، ويأخذ ذلك منهم جل الليل والنهار، ومع أن
البيع والشراء حلالان في الإسلام، إلا أن المذموم من ذلك، هو تعلق القلب بمتاع
الدنيا، وإعطاء كل جهدِه ووقته لذلك مع إغفال المرء لحظ نفسه في الآخرة
وحاجتها إلى أعمال صالحة تهذبها، وتزيل عنها درنها وشوائبها.
* مخالطة البطالين: وهم مضيعوا أوقات العباد فيما لايعود عليهم بنفع ديني
أو دنيوي وليس من شرطهم الإفساد والانحراف عن جادة الحق الصواب ومخالطة
العبد لهم وإكثاره من ذلك يعود عليه بالندم والحسرة في كل وقت فكيف في مواسم
الخيرات؟ !
* أخطاء في أداء بعض العبادات:
يحرص بعض الموفقين للخيرات على القيام ببعض العبادات، ولكن يعتري
تطبيقهم بعض الأخطاء، ومن ذلك:
أ- التأخر عن الصلاة: وذلك للتأخر في الخروج من المنزل لصلاة العشاء
والتراويح والذهاب إلى مسجد بعيد ليصلي مع إمام يجيد القراءة، وقد يؤدي ذلك
التأخر إلى فوات صلاة الجماعة أو بعضها، مع أن صلاة الجماعة واجبة على
الأرجح، وصلاة التراويح نافلة.
ب- تشدد بعض الحريصين على الاتباع في تحديد عدد صلاة التراويح، مما
يؤدي ببعضهم إلى أن لايصلي مع إمامه حتى ينصرف إذا كان يزيد على الحد
المعروف عنده، وأحسب أن هذا اجتهاد مأجور إن شاء الله، لكن أخشى أن يفوته
أجر قيام ليلة مع مايصاحب ذلك عند بعضهم من البغضاء والشحناء بين المختلفين
في العدد.
ج- حرص بعض المسلمين على ختم القرآن في رمضان مرة أو أكثر:
ولاإشكال في ذلك لثبوت مشروعيته، ولكن الإشكال في كيفية تلاوتهم إذ يهذّ بعض
القراء في التراويح وغيرها القرآن هذّاً كهذّ الشعر بدون تدبر لمعانيه وتفهم لأحكامه، وقد قال الله (تعالى) : [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ] [ص: ٢٩] . صحيح أنه ثبت عن بعض السلف أنه كان يختم القرآن في
رمضان كل ليلة، حتى قال الزهري: (إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن
وإطعام الطعام (ولكن خير الهدي هدي النبي ﷺ الذي قال:
(لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) .
د- يحرص بعض المسلمين على الاعتكاف، ولكن قد يعتكفون جماعات،
فيحلو بينهم الحديث وتتسع أبوابه، ويكون الاعتكاف موضع عشرة ومجلبة
للزائرين، يقول ابن القيم بعد ذكره لهدي النبي ﷺ في
الاعتكاف: (كل هذا تحصيل لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس مايفعله الجهال من
اتخاذ المعتكف موضع عشرة، ومجلبة للزائرين وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم،
فهذا لون والاعتكاف النبوي لون) .
هـ- تتفتح أبواب الخير وطرقه على الصالحين في رمضان بشكل لايمكن العبد الإحاطة بها جميعاً، مما يتطلب منه المفاضلة بين الأعمال واختيار ما يكون أصلح لقلبه وأكثر نفعاً لأهله ومجتمعه، والملاحظ في واقع كثير من الصالحين أنه يريد الإحاطة بكل خير يمكنه القيام به فلا يقوم بشيء منها، أويقوم بأعمال خيرة يمكنه أن يقوم بأفضل منها، أو يوكل القيام بها إلى شخص حوله لايمكن أن يقوم بشيء منها بدون ذلك ويقوم هو بغيرها.
٥- الوسائل الإعلامية والعلاقات الاجتماعية:
لوسائل الإعلام سواء أكانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة دور كبير في
تشتيت أذهان كثير من الصائمين وبالأخص الشباب والنساء، وبالتالي إشغالهم عن
استيعاب غايات الصيام ومراميه، والاستفادة منها في إصلاح النفوس والمجتمعات
بالشكل المطلوب وذلك من خلال المواد التي تقدمها تلك الوسائل والتي تصب غالباً
في الجانب الترويحي، وماتبقى من مجالات تكون في الغالب سطحية مع اشتمال
كثير منها على جوانب محرمة.
كما أن للتوسع في العلاقات الاجتماعية بين الأسر والأصدقاء دوراً ملحوظاً
في إضاعة الأوقات، ولذا فإني أرى أن الخير للمسلم أن يقلل من علاقاته تلك في
هذا الشهر ما أمكن، وأن يجعلها مقصورة على الصلة أو المواساة والدعوة إلى الله
(تعالى) ، وتدارس أحكام الإسلام وتعاليمه.
ثانياً: العلاج:
كانت تلك أبرز الأسباب لتلك الظاهرة، ولعل من أبرز وسائل علاجها
بالإضافة إلى معالجة مسببات تلك الأسباب وآثارها، مايلي:
١- أن يقوم العلماء والدعاة بدورهم في التربية والتوجيه للأمة، سواء عن
طريق الاختلاط بالناس لتعليمهم، أو تقديم القدوات الحسنة لهم، عن طريق السلوك
والممارسات المنضبطة بالشرع.
٢- أن يستوعب المسلم حقيقة وظيفته في الحياة، وأهمية الوقت بالنسبة إليه؛ ليكون ذلك دافعاً له للجدية في حياته، والموازنة بين مايمكن أن يقوم به من أفعال، ولكي يستفيد من نعمة الوقت بشكل أفضل، بعيداً عن الإغراق في المباحات
والمستحبات على حساب الفرائض والواجبات، كما عليه أن يقوم بترويض نفسه
على القيام بالأعمال الصالحة، كالتبكير للصلاة، والجلوس بعد الفجر في المسجد
إلى طلوع الفجر.. ونحوها، ليتعود على ممارستها والاستمرار عليها بعد رمضان.
٣- أن يعمل الجميع على تعميق روح الاتباع للنبي ﷺ
والتأسي به في سائر شؤون الحياة عموماً وفي شهر الصيام خصوصاً، وهذا يتطلب
تعلم فقه الصيام وآدابه، واستيعاب حِكَم الصيام وغاياته، وتقريب الوسائل التي
تتيح لسائر فئات الأمة الاستفادة من الصيام في تهذيب النفوس، ونشر الخير
والفضيلة ومحاربة الشر والرذيلة، بشكل أفضل.
٤- أن تقوم مؤسسات التوجيه سواء أكانت إعلامية أو تعليمية أو تربوية أو
تروحية بدورها التوجيهي المنطلق من ديننا والمدرك لطبيعة التحديات التي تمر بها
أمتنا عن طريق نشر الجدية، والاستمساك بالدين بقوة في سائر حياة الأمة عموماً،
والشباب منهم على وجه الخصوص.
٥- أن يعيد الدعاة أفراداً ومؤسسات تقويم برامجهم الدعوية سواء من حيث
الكم أو الكيف حتى تساعد بشكل أفضل على معالجة هذا التباين، وتعمل على إزالة
وتصحيح آثاره حتى تتحقق تقوانا ويقوى إيماننا بإذن الله (تعالى) . والله نسأل أن
يجعلنا من المقبولين.
стр. 2126
مقال
نظرات
في قضية ترجمة معاني القرآن الكريم
(٤)
بقلم: د. فهد بن محمد المالك
بعد أن استعرضنا في الحلقات الثلاث الماضية من هذه السلسلة التي أسأل الله
العظيم أن أكون قد قدمت فيها للقارئ العزيز معلومات مفيدة قضية ترجمة معاني
القرآن الكريم وما يدور حولها من توجيهات وقواعد، وبعد أن ذكرنا أن جميع
الترجمات وبدون استثناء تحتاج للمزيد من الدراسة والبحث لما تحويه تلكم
الترجمات من أخطاء، ولما يكتنفها من قصور وخلل، لعلنا في هذه
الحلقة الأخيرة نسلط الضوء على نماذج من بعض الأخطاء التي وقع فيها أولئك
المترجمون، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النماذج من الأخطاء هي غيض من
فيض مما هو موجود في الترجمات المتداولة، ولو أردنا الإسهاب في سردها لطال
بنا المقام ولَكَلّ منا البنان.
ونظراً لطول الموضوع وتشعبه، فقد آثرت أن أقتصر على سرد نماذج من
الأخطاء العَقَدِيّة والأخطاء الفنية دون التوسع فيها، وهدفي من ذلك: حفز همم
المسلمين عموماً، والمهتمين بكتاب الله خصوصاً إلى مزيد من بذل
الجهد في مواجهة هذا الطوفان الذي أصاب أغلى وأثمن كتاب على وجه الأرض،
وهدفي الآخر هو تبصير أهل الإسلام بخطورة الأمر، وأنه جدير بالعناية والتركيز.
أولا: نماذج من الأخطاء العقدية:
إن فكر المترجم وعقيدته ومنحى حياته لهو من الأمور التي سبق أن أشرت
إلى أن لها تأثيراً كبير اعلى الترجمة وعلى أسلوبها، وكما قيل: (كل إناء بما فيه
ينضح) .
ولعل الأمثلة الآتية تبين صدق ذلك:
المثال الأول:
تعتبر ترجمة محمد أسد ﵀ التي أعطيت فكرة مبسطة عنها في الحلقة
الماضية من الترجمات القوية من الناحية اللغوية ومن الناحية الفنية، ومحمد أسد
معروف لدى الكثير من القراء من خلال كتابه الشهير (الطريق إلى مكة) ، إلا أنه
﵀ حَكّم عقله كثيراً في ترجمته على حساب النص الصريح؛ مما أدى به
إلى الوقوع في شطحات كبيرة، خالف بها مذهب أهل السنة والجماعة، ومن هذه
الشطحات:
أ - أنه يَشكّ في حقيقة: أن إبراهيم ﵊ قد وقع في النار
حقيقة عندما قذفه فيها النمرود، وأنه ﵊ قد بقي حياً وهو في
النار، ويرى محمد أسد أن ذلك لا يقبله العقل بتاتاً، فيقول في تعليقه على الآية:
[قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ] [الأنبياء: ٦٩]
Nowhere does the Qura'n state that Abraham was actually, bodily thrown into the Fire and miracoulously kept alive in
it [١] .
وترجمة ذلك:
(لم يرد في أي موضع من القرآن أن إبراهيم) ﵊ (قد
قُذِفَ في النار بجسمه حقيقة، وأنه ﵊ بقي حياً فيها بمعجزة
إلهية) .
بل إن محمد أسد تجاوز ذلك إلى القول: إن هذه القصة والواقعة أي قصة
قذف النمرود لإبراهيم ﵊ في النار من المعتقدات التلمودية التي
يجب تجاهلها.
ب - يَشُكّ محمد أسد ﵀ مصداقية أن عيسى ﵊ قد
تكلم في المهد، ويرى أن تكلم الطفل وهو في المهد من الأمور التي لا يقبلها العقل
البشري، يقول في تعليقه على الآية:
[فَأَشَارَتْ إلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِياً (٢٩) قَالَ إنِّي عَبْدُ
اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياً] [مريم: ٢٩، ٣٠] .
Since it is not conceivable that anyone could be granted divine revelation and made a prophet before attaining to full maturity of intellect and experience, ... However, the whole of this passage (verses ٣٠- ٣٣) may also be understood as having been uttered by Jesus at a much time aftar he had reached maturity and been actually entrusted with his prophetic mission [٢] .
وترجمة ما قاله هي:
(بما أنه لا يمكن تصور نزول الوحي على شخص وتكليفه بالنبوة قبل
بلوغه الكامل مرحلة الرشد والإدراك ... ؛ لذلك فإن هذا المقطع من
الآيات (٣٠ ٣٣) من الممكن فهمه على أنه كان حديثاً وكلاماً من عيسى ﵊ في وقت متأخر من حياته بعد بلوغه وتكليفه الفعلي بمهمة النبوة) .
ج - ينكر محمد أسد ﵀ مبدأ النسخ في كتاب الله ، ويرى
أن هذا المبدأ مرفوض نهائياً في حق كتاب الله سبحانه، وأننا لو قلنا بذلك، فإننا
نعطي كتاب الله الكريم صبغة بشرية.
انظر إلى ما قاله عند تعليقه على الآية: [مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاًتِ
بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... ] [البقرة: ١٠٦]
بل إنه ذهب إلى القول بأننا لو ربطنا الآية بالتي قبلها لاتضح لنا أن الشيء
المقصود بالنسخ: هو ما قالته اليهود والنصارى في حق كتبهم المقدسة، وأن معنى
هذه الآية لا يعني القرآن بذاته [٣] .
المثال الثاني:
من الشطحات التي شطح بها عبد الله يوسف علي ﵀ (تعليقه على
الخضر حيث قال في تعليقه على الآية:
[فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ... ] [الكهف: ٦٥] .
He is a mysterious being [٤]
وترجمة ذلك (أنه أي الخِضْر: شخصية غامضة) وقد بدا واضحاً في التعليق
شدة تأثر عبد الله يوسف علي بالأدب الإنجليزي فقد شبه الخضر بشخصية
أسطورية موجودة في الأدب والتاريخ اليوناني تعرف باسم Melchizedeck.
أما لقمان فقد شبهه عبد الله يوسف علي في تعليقه بشخصية يونانية تعرف باسم
Aesop [٥] .
أما محمد أسد ﵀ (فله رأي أشد خطراً من ذلك: حيث يرى أن
الشخصيات المذكورة في القرآن كالخضر، ولقمان، وذي القرنين هي شخصيات
أسطورية خرافية، وليست واقعية حقيقية؛ فهو يصفهم بأنهم (Figures Mythical) [٦] وهذه تعني (شخصيات أسطورية) .
المثال الثالث:
في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة ذكرنا أن محمد ظفر خان صاحب فكر
ومعتقد قادياني؛ لذلك يتوقع منه ومن أمثاله أن يحاولوا نشر فكرهم، وبث معتقدهم
داخل ترجماتهم، وكما هو معلوم لدى القارئ العزيز أن من أصول الفكر القادياني:
الاعتقاد بأن غلام أحمد مرزا هو آخر الأنبياء بعد نبينا محمد -صلى الله عليه
وسلم-؛ لذلك فقد حاول محمد ظفر خان التلاعب بالآيات في ترجمته حتى تخدم
فكرته القاديانية، وكمثال على ذلك فقد ترجم الآيات:
[هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا
بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ]
[الجمعة: ٢-٤] .
He it is Who has raised among the unlettered people, and will raise among others from tem who have not yet joined them, a Messenger from among themselves who recites unto them His sings, and purifies tem [٧]
وهنا يتضح أن محمد ظفر خان قد دمج الآيتين ٣، ٤ معاً بطريقة خبيثة حتى
تخدم فكره ومعتقده، وترجمته لهذه الآيات يمكن أن تترجم إلى العربية كما يلي:
(هو الذي بعث في الأميين، وسيبعث في آخرين لما يلحقوا بهم رسولاً من
أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويطهرهم....)
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العطف في [وآخرين منهم] يعود على الأميين
كما قال ذلك الزمخشري: [ (وآخرين] مجرور عُطِفَ على الأميين، يعني: أنه
بعثه في الأميين الذين على عهده وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد،
وسيلحقون بهم؛ وهم الذين بعد الصحابة ﵃ [٨] . وقال مجاهد
وغيره: [وآخرين منهم ... ] هم الأعاجم وكل من صدق النبي -صلى الله عليه
وسلم- من غير العرب، فعن أبي هريرة ﵁ (قال: كنا جلوس عند
النبي ﷺ فأنزلت عليه [وآخرين منهم ... ] قالوا: من هم
يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسي فوضع النبي -
ﷺ يده على سلمان، ثم قال: (لو كان الإيمان عند الثريا لناله
رجال أو رجل من هؤلاء) رواه مسلم والترمذي والنسائي [٩] .
ومن هنا يتضح خطأ محمد ظفر خان الذي عطف (وآخرين) على (بعث) .
المثال الرابع:
تعتبر ترجمة الإنجليزي آربري من الترجمات الجيدة نوعاً ما، إلا أنها لم
تخل كذلك من سموم في داخلها لتضليل الناس عن طريق الصواب. انظر إليه وهو
يترجم الآية:
[الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ] [الأعراف: ١٥٧] .
Those who follow the Messenger, the prophet of the common folk [١٠]
وهذه الترجمة من آربري يمكن ترجمتها بالعربية إلى: (الذين يتبعون الرسول
نبي العوام (العامة [.
وفي هذه الترجمة ما فيها من تحريف وتغيير للمعنى الأساس في الآية. وفيها
ما فيها من تلاعب بالألفاظ والكلمات، وإلا فإن الفرق كبير بين (النبي الأمي)
و (نبي العوام (العامة] .
كما أن داود قد سلك مسلكاً مشابهاً في التحريف والتغيير لما فعله آربري
فيترجم داود الآية:
[والفتنة أشد من القتل] [البقرة: ١٩١] . إلى:
[١١] Idolatery is worse than carnage ...
وهذه الترجمة تعني: (الوثنية أسوأ من المذبحة) .
ثانياً: نماذج من الأخطاء الفنية:
المقصود بالأخطاء الفنية هي تلك الأخطاء التي خرج بها المترجم عن قواعد
وأصول فَن الترجمة، وأطلق لنفسه العنان أن يتصرف كيفما شاء دون مراعاة
لضوابط وقواعد علم الترجمة. والأمثلة الآتية هي نقطة من بحر تلك الأخطاء
الفنية التي ملأت صفحات الترجمات:
(١) أخطأ محمد ظفر خان كثيراً في ترجمته للآيات التي فيها قسم من الله
، فهو يستخدم الصيغتين التاليتين للدلالة على القسم:
We cite in evidence....
We call to witness .... [١٢]
وهاتان الصيغتان تبعدان كل البعد عن الدلالة على معنى القسم.
(٢) من المسلمات الأساسية في فن الترجمة: أن المترجم الناجح عليه أن
يسير على وتيرة واحدة في ترجمته، فإذا ترجم الكلمة في موضع ما إلى مرادف لها
في اللغة المقابلة، عليه أن يستخدم المرادف نفسه إذا جاءت الكلمة نفسها في موضع
آخر. إلا أن أغلب المترجمين لم يراعوا ذلك في ترجماتهم، والأمثلة الآتية دليل
على ذلك:
أ - هناك ست سور في القرآن الكريم تبدأ بـ[آلم] وقد ترجمها عبد الله
يوسف علي إلى A. L. M (مع تحفظي الشديد على هذه الطريقة في ترجمة
المقطعات) إلا أنه لم يسلك نفس المسلك في بقية المقطعات وفواتح السور: فتجده
يترجم بعض المقطعات خلافاً لطريقته الأولى كالتالي:
المص:.Alif , Lam, Mim, Sad.
حم:. Ha, Mim.
كهيعص:. Kaf , Ha , ya, Ain, Sad.
ب - الآية: [.. ومن أظلم ممن افترى على الله كذبْا ... ] .
تكررت في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم (سورة الأنعام ٥٢، وسورة
الأعراف ٣٧، وسورة هود ١٨) ، ومع ذلك فقد ترجمها عبد الله يوسف علي إلى
ثلاث صيغ مختلفة هي:
Who can be more wicked than one inventeth a lie against God.
Who is more unjust than inventeth a lie against God.
Who doth more wrong than inventeth a lie against God.
ج - كذلك وقع آربري في الخطأ نفسه؛ وذلك بعدم استخدامه لمرادف واحد
للكلمة نفسها، ففي المثال التالي يترجم آربري كلمة (آية) إلى معنيين مختلفين.
ففي قوله تعالى:
[.. يتلوا عليكم آياتنا ... ] [البقرة: ١٥١] .
يترجمها آربري إلى:
To recite Our signs to you ... [١٣] .
ويترجم آربري الآية:
[وإذا بدلنا آية مكان آية..] [النحل: ١٠١] .
And when we exchange averse in the place of
another verse [١٤] .
وهنا على الرغم من أن كلمة (آية) و (آيات) لهما المعنى نفسه، إلا أن
المترجم ترجمهما إلى معنيين مختلفين.
(٣) أخطأ آربري في تسميته لسورتي (المؤمنون) و (غافر) فقد أعطى لكلا
السورتين الاسم نفسه بصيغة المفرد The Believer (سورة غافر يسميها
بعض العلماء سورة المؤمن) . وترجمة آربري بهذه الطريقة تسبب خلطاً وإشكالاً
لدى القارئ لمثل هذه الترجمة.
كما أن آربري وقع في خطأ كبير؛ وذلك بتسميته سورة الروم في ترجمته
باسم The Greeks. وهذه التسمية تعني الإغريق أو اليونانيين، وهذا خطأ
تاريخي فادح فضلاً عن تشويه المراد وتحريف المقصود بكلام رب العالمين؛ وليت
الأمر اقتصر على خطأ التسمية فقط، بل إن آربري ارتكب الخطأ نفسه في ثنايا
السورة فهو يترجم الآية:
[غُلِبَتِ الرُّومُ] [الروم: ٢] . إلى:
The Greeks have benn vanquished. [١٥]
(٤) من أصول الترجمة ألا يضيف المترجم من عنده شيئاً لم يكن موجوداً
في الأصل، إلا أن داود في ترجمته لم يتقيد بذلك إطلاقاً، فهو كما ذكرنا في الحلقة
الثالثة يطلق لنفسه العنان في إضافة وحذف ما يشاء، كما في ترجمته للآية:
[قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِياً]
[مريم: ١٠] .
your sign is that of. Three days and three nights, He replied you shall be bereft of speech [١٦] .
وهنا أضاف داود كلمة (ثلاثة أيام) وهي لم تكن موجودة في الأصل.
ختاماً: -أود التنبه لعدة أمور:
١- من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الإخوة عندما يلقي خطاباً أو محاضرة
أو خطبة بلغة غير العربية، ويريد ذلك المتحدث الاستشهاد بشيء من القرآن الكريم، تجده يقول: إن الله قال في كتابه العزيز، ثم يقرأ الترجمة التي
عنده، ومكمن الخطأ هو أن الله قد أنزل كتابه بلسان عربي مبين،
لذا فإنه بإمكان المتحدث في مثل هذه الحالة أن يشير إلى أن الذي بين يديه هو
ترجمة لمعنى ما قاله الله (سبحانه) ، وليس هو نص ما قاله.
٢- عندما يطلب أحد منك أيها القارئ العزيز ترجمة لمعاني القرآن الكريم
عليك أن تحرص على اختيار أفضل الترجمات وسؤال أهل الاختصاص عن ذلك؛ وذلك حتى لاتوقع من طلب منك في متاهة وضلال، وتكون أنت السبب في ذلك.
٣- ضرورة التنبيه على ما في الترجمات من انحرافات وشطحات والتحذير
من ذلك. وإيضاح الصواب والحق للناس أجمعين.
والآن لعلك أيها القاريء العزيز أدركت مدى أهمية هذا الموضوع وهذه
القضية ولعلك أدركت أنه لابد من تضافر الجهود وتآزر الهمم؛ وذلك للوقوف أمام
هذا الطوفان الجارف الذي يمس أنفس كتاب عرفته الخليقة. ولعلك كذلك أدركت
مدى الحاجة إلى إنشاء هيئة إسلامية عالمية تتولى شؤون ترجمة معاني القرآن
الكريم إلى لغات العالم.
стр. 2127
خواطر في الدعوة
الثقة بالنفس
محمد العبدة
إن من أخطر الأشياء على الإنسان أن يفقد الثقة بنفسه، فلا يرى أنه أهل
للقيام بالأعمال الكبيرة، أو أن عنده القدرة على التغيير، وبعض الناس قد يسير
خطوات صحيحة وقوية، ثم يتوقف فلا يتابع الطريق، خوفاً من النتائج أو خوفاً
من المستقبل، فهو يشعر أنه حُمّل أكثر مما يقدر على حمله، ويرى الطريق شاقاً
فينكص للوراء عائداً إلى موقعه الأول، آمناً في سربه، وفي الغالب، فإن هذا
الخوف وهم من الأوهام وليس حقيقة، كما قال الشاعر:
وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى ... وما الأمن إلا مارآه الفتى أمنا
ومثل هذا إذا واجه صعوبات أو مشكلات فإنه يواجهها بعزيمة مسترخية وهمة
مستخذية، بل هو أقرب إلى أن يقول: [إن بيوتنا عورة] وقد قص علينا القرآن
قصة يوسف ﵊ ، وكان بإمكانه أن يستريح بعد السجن من
العناء، ولكنه قال: [اجعلني على خزائن الأرض] ؛ لأنه يريد أن يقدم خدمة
للدعوة.
وهذه الحالة كما أنها تعتري الفرد، فإنها تعتري الهيئات أيضاً ففي حديثه عن
جمعية علماء المسلمين في الجزائر، قال المفكر الجزائري مالك بن نبي: لقد
وصلوا إلى القمة عام ١٩٣٦م، ولكنهم كانوا كمن ينظر في هذه القمة إلى أسفل
الوادي؛ فأصابهم (الدوار) ؛ ووقعوا في الفخ الذي نصبه لهم أهل السياسة عندما
شاركوهم في الانتخابات والمفاوضات. إنهم كما قيل ينهزمون وهم في قمة النصر!.
إن من أكبر أسباب هذا الخوف التربية التي يتلقاها الإنسان في طفولته ونشأته؛ تربية أدخلت في روعه القبول بالقليل والبعد عن الأخطاء، وحب الاطمئنان،
تربية لم تعلمه المغامرة المدروسة أو اقتحام الأهوال، وأدخلت في روعه أنه رجل
(النصف (فهو نصف متعلم، ونصف متحضر ونصف (حامل رسالة (وهو دائماً
معلّق، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، قد تكون هذه التربية من والديه، أو من المدرسة، وبشكل عام فهي من البيئة التي غذته بهذا الشعور، ولم يتلق أبداً تربية تضع
أمامه (المثال (والقدوة والنظر إلى زعماء التجديد والإصلاح، وأن أعظم مهمة يقوم
بها المسلم هي دعوة الخلق إلى الله، وإرجاع المجتمع إلى حظيرة الإسلام، ولا
أعتقد أنه من السهل إصلاح مثل هؤلاء (المترددين (فالأمل فيهم ضعيف، لأن
المهام العظيمة تحتاج إلى رجال (الفطرة (وليس إلى رجال (القلة) (والذي اعتاد أن
يشعر في مضمار العمل بالخوف والتهيب، والذي يصعب عليه جداً الإقدام على
أمر عظيم، ذاك إنسان قد تعود أسوأ العادات، وقيد بأردأ القيود التي تحول بينه
وبين الاستفادة مما وهبه الله من قوى وطاقات) [١] .
стр. 2128
دراسات نقدية
المخاض.. وأنة شوق
قراءة في نصيين شعريين
بقلم: د.حسين علي محمد
قبل أن أبدأ في قراءة العددين (٩٣) و (٩٤) من مجلة (البيان) الزاهرة، عن
شهري جمادى الأولى، وجمادى الآخرة ١٤١٦هـ أحيى القائمين على أمر المجلة
وملفها الأدبي وأدعو لهم بالصمود والاستمرار على ثغر من ثغور الإسلام، لينشروا
لنا الإبداع الأدبي (النظيف) الذي لايسمم آبار الوجدان، بل يرقى بالنفس ويدفعها
إلى التسامى عن أوضار كثيرة ينشرها في الناس أدب يناهض وجدان الأمة ويقف
بالنشء على شفا هاوية لامنجاة منها إلا بالاعتصام بالله، ثم نشر الإبداع الإسلامي
الجاد رؤية وأداءً.
بعد هذه المقدمة أقول إنني سأكتفي بالوقوف أمام نصين هما: (المخاض)
للشاعر تركي المالكي، و (أنّة شوق) للشاعر محمد إدريس؛ لأن الوقفة قد تطول
مع النصين، فلا تتسع صفحات (الملحق الأدبي) للتناول النقدي لمواد (البيان) .
ونشير هنا بالتقدير إلى دراسة الأستاذ محمد حسن بريغش عن (نجيب الكيلاني)
رائد القصة الإسلامية المعاصرة) التي استمتعت بقراءتها، و (قراءة) الدكتور حسن
بن فهد الهويمل، وما أشد حاجة الساحة النقدية للأدب الإسلامي إلى نقد الأستاذين
الفاضلين، فبارك الله في جهدهما، وفي جهادهما في هذا المجال.
المخاض: لتركي المالكي:
(المخاض) هو وجع الولادة، وهو الطلق المبشّر بالميلاد. وهل هو ميلاد
جديد، أم ميلاد مثخن بالجراح؟ يقول تركي المالكي في مطلع نصّه:
أَمُورُ على نطع الأسئلهْ [١]
من البداية نرى أننا أمام شاعر تعذبه أسئلته وأطروحاته، ونعرف أنه يتعذب
من استخدامه لكلمتي (أَمِوُر) و (نطع) ففي (المنجد) : (مار يمور موراً البحر: إذا
ماج واضطرب، ومارَ الدم على الأرض: جرى فتردّد عرضا، ومار الشيء:
تحرك كثيراًً وبسرعة من جهة إلى أخرى، ومن هذه إلى تلك كالسهم إذا انتشب في
الشجرة) [٢] و (النطع) جمع أنطاع ونطوع: بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم
عليه بالعذاب أو بقطع الرأس) [٣] .
فما الذي يجعل شاعرنا يتعذب، ويضطرب؟ هل هي أسئلته التي يشير إليها، أو بتعبير آخر (خطابه الشعري) أو أطروحاته المغايرة للسائد؟
لو رجعنا إلى بعض مانشره في (البيان) من قَبْل (فهو ليس له ديوان مطبوع
حتى الآن) لوجدنا بعضاً من طرحه الشعري المغاير؛ فقد نشر قبل خمسة وعشرين
شهراً قصيدة بعنوان (نجمة الاعتصام) نرى فيها شاعراً غاضباً، يستعير قناع
(حكيم القبيلة) أو (حادي القافلة) ويسخر من المشهد المحيط بنا [٤] ، إنه يرى مشهد
قومه فيتأمله:
رَقَص الحبْلُ بالراقصين
بعد دبكتهمْ نصَف قرٍن علَيهْ
فانهمرْ ياسَلاَم
(عارضٌ ممطرٌ)
وانتثر ياشَرَرْ
ياسعادتهم بالمطرْ [٥]
لاتتعجب، فهذا الذي يرقصون عليه ليس سُلّما! وإنما هو (حَبْل) الحبل
مراوغ، والسلم أكثر ثباتاً منه! وهذا (السلام) الذي سينهمر كالمطر، هو في رؤية
شاعرنا (سلام مراوغ) كرقصة (الدبْكة) فوق الحبال! هو لو يعلمون شرر لنيران
تتأجج، وستحرق ولن تبقي ولن تَذَرْ.
ولاينسى الشاعر أنه سليل الفاتحين العظام الذين ينتمون للطهر، والورود،
والجمر، وشمس النهار، وأفق الحياة، فيزرع فينا الأمل ويبعد عنا اليأس:
.. إني أرى رغم هذا الظلام!
في عروقي دَمَ الفاتحينْ
يتدفقّ بالطهر كالورد، كالجمرِ..
يَسْقي جذوعَ الكَلِمْ!
هو مابينها يضطرمْ!
وهي تمنحه نبضها
وتُهمّشُ فيه العدمْ
ثم تزرعُ من لونه الأرجوانيّ شمسَ النهارِ
وأفْقَ الحياة وشوقَ القممْ [٦]
ويجأر إلى الله في نهاية القصيدة أن يرزقه الشهادة، وأن يكون لظى تحرق
تاريخ فاقدي الوعي، المُدَجّنين، الذين يمدون يد الصداقة نحو ذابحيهم [٧] .
وفي النص الجديد (المخاض) نرى امتداداً لنص (نجمة الاعتصام) وكأنه
إكمال شعري له، إنه (يمور على نطع الأسئلة، يعذبه خطابه الشعري المخالف
للسائد. فهل تورده أسئلتُه موارد التهلكة؟ !
إنه لايتوقف أمام مايتهدده من عذاب، وإنما يكسر الصمت ومَنْ أسدله. من
(الكسر) نعرف عمق رغبته في التخطي والتجاوز، ومن (أسدله) نكتشف كيف كان
الصمت كاسراً، وكيف جرؤ النص على الكسر / لا التحطيم وها هو يحلم بـ
(أطايب الغيمة المثقلة) بالوعود الخضر، وسماء الرؤى المقبلة.. ويرى أن دمه هو
الذي يفتح أول الطريق.
وكأن نهاية القصيدة هنا تُكمل نهاية قصيدة (نجمة الاعتصام) وتُثْريها، فهو
هنا يقول:
ومن مهجتي أُوقد الشعرَ لَهْ
وأرقب دوري إلى المقصلةْ
ولكنّ جمرى الذي مَازَجَتْهُ المواجع..
إذْ أسرجتْهُ (البصائرُ) ..
يوماً سيحصُدُ من كَبّلَهْ [٨]
فقد تحدد الدرب أمام السالك، وأصبح المأمول حقيقة. فقد كان مطلبه في
نهاية (نجمة الاعتصام) :
فيارب لاتجعل حياتي مهينةً ... ولاميتتي بين النساء النوائحِ
ولكن شهيداً تدرجُ الطيرُ حوله ... وتأكلُ غربانُ الفلا من جوانحي
وياربّ لاتجعلْ من القيد معصماً ... أَجُرّ به خزيي! وتُطوى مطامحي!
ولكنْ لظىً يغلي ليدفنَ تحتهُ ... تواريخَ مَنْ مدّوا يداً نحوَ ذابحي [٩]
لقد تَحددّ الطلب، وأصبح المطلب الفردي رغبةً جماعية يُسرجها أهلُ
(البصائر) في هذا الظلام الدامس.
وهذه القصيدة (المخاض) أقرب إلى الرؤى الفكرية، التي تمور بالفكر، فهي
أقرب إلى الومضة الشعرية، أو الدفقة الشعرية الحارة التي تخاطب العقل كما كان
يخاطبه الكلاسيكيون وشعراء مدرسة (الديوان) بينما كانت قصيدته (نجمة
الاعتصام) متوهجة بالشعر الوجداني الخالص، الذي يكشف أغوار النفس،
ويضيء زواياها المعتمة، وقد أصاب الترهلُ والسقوطُ (الواقِعَ) باليأس من الجهاد
(إنه في القصيدة رقص وليس جهاداً) فهم هرولوا نحو العدو.
وعلى أية حال، فتجربة تركي المالكي من التجارب الثرية في الشعر
الإسلامي المعاصر، وتحتاج إلى المتابعة والنقد.
أَنّهُُ شوق: لمحمد إدريس:
قصيدة محمد إدريس (أنّةُ شوق) تطلعنا على شاعر مكتمل الأدوات، ينتظره
مستقبل في عالم الشعر، ومن مطلع قصيدته التي تقع في تسعة أبيات نعرف أن
شاعرنا مجدد يخوض تجربة جديدة في العروض العربي:
ربما الّصّمْتُ مناجاةُ غريبٍ وحبيبٍ لحبيبْ
أخرس البْيْنُ صداها، فتوارتْ في الفؤاد [١٠]
فهذا النص يتخذ من (بحر الرمل) إطاراً موسيقياً، لكنه يزيد تفعليةفمن
المعروف أن (بحر الرمل) ست تفعيلات.
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ... فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
لكن شاعرنا هنا يزيد تفعيلة كاملة، فيصير الوزن عنده:
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
ويصيب التفعيلة الأخيرة في الضرب والقافية بعض التغيرات.
كأن تصير فَعِلاتُ، أو فاعِلن، أو فَعِلن. هذا معروف في موسيقي بحر
الرمل [١١] لكن ما يؤخذ على شاعرنا محمد إدريس أن أعاريض [١٢] أبياته
لاتسير على وزن واحد فإذا أخذنا الأبيات الثلاثة نموذجاً وهي تقول:
ربما الصمتُ مناجاة حبيبٍ لحبيبْ ...
... ... ... ... أخرس البَينُ صداها، فتوارتْ في الفؤاد
رُبّما الشوقُ جراحات تنزّى في الحنايا
... ... ... ... أوهتِ الروح، فراحتْ تَتَلظّى في البعاد
لا تلمني ياخلي البال تلهو سادراً ...
... ... ... ... إن بدت مني دموع، وشرود في ازدياد
فأعاريض الأبيات الثلاثة تأتي على أوزان (فَعِلانْ فاعلاتن فاعلن (أما أضْرُبُهُ
فتسير على وزن (فاعلاتن) (ولا أدري لماذا لم يكسر الدال، فكل القصيدة تنتهي
بالدال المكسورة)
وهذه القصيدة تجربة تجديدية جيدة تحسب للشاعر، وترينا أن إمكانات
الموسيقى في الشعر العربي وافرة، وهي تنتظر من يكتشفها من خلال تجاربه
الشعورية والوجدانية ليُثري بها ديوان الشعر العربي.
والله من وراء القصد.
стр. 2129
نص شعري
الطريق إلى روما
شعر: طاهر محمد العتباني
دمي يتسرّبُ في الأرضِ..
يُعْلِن عشق الورودْ
وزينبُ تعرفني حين يهطل هذا الدمُ ...
المستهام الفريدْ
دمي يتسرّبُ في الأرضِ ...
يغذو عناقيدها، ويزفّ القصيدْ
(وزينبُ) تبصرني
حين مرّ الشهيدُ على جَفْنها ...
في صلاة التهجّد عندالسّجودْ
دمي يتسرّب في الأرضِ ...
يكتب بعض الحروف التي ...
سوف يطلع مِنها الربيع الوليدْ
وزينبُ تهتفُ بي أنْ: تقدّمْ
دِماؤك عنقودُ ضَوْءٍ ...
وذكرى صلاةٍ، وخفقُ سجودْ
دماؤكَ ...
لايعرف الخانعونَ بأن الذي ...
أهْرقوهُ سيطلع من كل صوبٍ ... ،
ويزهِرُ في كل عيدْ
دماؤكَ ...
لايعرف الميّتون بأن الحياة..
التي غرسوا حينما قتلوكَ! ..
ستقتلهمْ
وترصّ الأزاِهرَ من فوقِ شاهدةِ القبْرِ..
قبْرِكَ هذا الذي فيه نَفْحةُ مِسْكٍ ... ،
وريّا شَهِيدْ!
وزينبُ تهتفُ بي أن: هلمّ ... ،
على ساحةِ النور للحق خطوٌ ...
وللفَجْرِ أَنشودةٌ تُستعادْ! ..
وأنت الذي سيعيدْ
وأنت الذي سيعيدُ إلى الأرض فَرحتها
حينما يلتقي ذا الشجى بالشجى
والغريبُ المصفّدُ في قيدهِ ...
بانفساحِ الوجودْ!
جناحاكَ طِرْ بهما حيث شئتَ ...
ورَفْرِفْ كماشئتَ ...
ها أنتَ حُرٌ وهاهم عبيدْ! !
وزينبُ تهتف بي: إن روما التي عشقتْكْ
تظلّ على لهف الانتظارِ ...
فتطفِرُ في مقلتيْها الدموعُ..
ويصْهَلُ في وجْنتيها النشيدْ!
وروما التي عَشِقَتْكْ ...
ترفْرِفُ في شفتيْها النبوءَةُ ...
تعرف أنّك فارسُها المُرْتَجى،
وفتاها المجيدْ
وروما التي عشِقَتْكْ ...
على صَدْرها ... يتوهّجُ عِطْرٌ ...
أعدّتهُ من زَمنٍ، خبّأتْهُ بصندوقها
للحبيب الوحيْد!
стр. 2130
قصة قصيرة
خيوط الفجر
محمد علي البدوي
جسر قديم ممتد بين (جوارزدي) و (سربنيتشا) ، أعمدة إنارة تحتضر على
جانبي الجسر، الشفق يؤذن باقتراب الليل، والليل يبدأ الزحف الصامت على
الكون، والسماء تلبس ثوب الحداد، نهر صغير يجري تحت الجسر، رائحة
الجثث الملقاة في النهر تزكم الأنوف، وقع أقدام مترهلة، شبح قادم، أنفاس متتابعة، كان رجلٌ شاحب الوجه، رث الثياب، حافي القدمين، قادماً من أتون الحرب
المستعرة، وكان يتمتم:
اللعنة عليهم.. قتلة.. كلاب شوارع ضالة.
وتوقف أخيراً، وهدأت أنفاسه المضطربة، كان (محمد لاتيش) يلقي النظرة
الأخيرة على أنقاض قريته التي تحتضر بعد أن اجتاحتها علوج الصرب، يعانق
بناظريه أطلال القرية المنكوبة، الدموع تنهمر من عينيه بغزارة، وقد تسمر على
ذلك الجسر المتهالك يسترجع شريط ذكرياته المرة.
القرية الصغيرة الوادعة القابعة خلف التلال البعيدة، الطرق الضيقة، الأبنية
المتلاصقة القابعة خلف التلال الخضراء والمروج الغنية بالعشب الجبلي، الرجال
في الحقول، والنساء في البيوت و (محمد لاتيش) إمام المسجد، الشاب المحبوب
الذي عاد مؤخراً من الأزهر، وعين إماماً لمسجد القرية، الجميع هنا يحترمونه
ويقدرونه فهو الشيخ (لاتيش) مدرس القرآن في المدرسة الوحيدة في القرية، وشيخ
حلقات القرآن في المسجد، وهو أب لطفله الصغير (علي) وقد أسماه تيمّناً باسم
رئيس الجمهورية، فالجميع هنا يحب الرئيس، ويلقبونه بالشيخ، ويدينون له
بالولاء والطاعة.. سحب السعادة تعبر سماء القرية، والشمس الساطعة تمنحهم
دفء الأخوة..
الدموع تنهمر من عينيه بغزارة، وهو يتقدم على الجسر خطوات، والليل
يشق سواده، وأصوات هدير الرصاص، ودويّ المدافع يشق صمت المكان،
والذكريات المرة تتجمع في ذاكرته، والأفكار تنداح في مخيلته، كما ينداح حجر
الرحى، وهو يحدق في بقايا القرية، يستعيد الذكريات:
(سماء القرية ملبدة بالغيوم، حبلى بالقلق والمجهول، ريح عاتية تنذر
بالعاصفة القادمة، والأخبار تفيد: أن العاصمة (سراييفو (محاصرة، فالحرب التي
بدأت منذ شهور، أصبحت حديث القرية، و (محمد لاتيش) يدعو الناس إلى
التماسك وتوحيد الجهود، ويدعوهم إلى الجهاد والدفاع عن البلاد، ويرغبهم في
الموت من أجل الله، وهو يشرف على حملات التطوع، ويقيم مراكز التدريب،
ويردد آيات الأنفال.. وفي ذات يوم! ! وقبل غروب الشمس، خلف الجبال
الصامتة، وعندما كان الناس في طريق العودة إلى منازلهم، بدأت هدايا الصرب
تنهال على القرية من كل مكان، والمدافع تنفث سمها الملتهب على الجميع،
فالصرب قد هاجموا القرية، وبدأت الأشلاء تتناثر، وسالت الدماء تروي أرض
القرية، وتنبت شجرة الكرامة، والرجال يقاومون وقوافل الشهداء تسير، ولكن
الطوفان كان قوياً فاجتاح القرية..
رياح خفيفة تحرك الجسر، وصور المأساة لم تفارق ذاكرته بعد.. زوجته
وابنه عندما انهدم عليهما البيت.. أطفال القرية وهم يستنجدون.. الرجال وهم
صرعى مجندلون على ثرى القرية، كل ذلك كان (لاتيش) يشاهده من تحت أنقاض
المسجد بعد أن انهدم عليه وهو يخطب في القوم ويحدوهم إلى الله، وظن الجميع أن
(لاتيش) قد مات..
أصوات أهالي القرية لاتزال عالقةً بذاكرته، وهو يغادر الجسر، والليل يشتد
سواده، والفجر ينسج خيوطه على الكون (ولا تيش) يرقب طلوع الفجر باهتمام،
وابتسامة ترتسم على ثغره برغم فصول المأساة، وبزغ الفجر أخيراً، كان (محمد
لاتيش) قد توارى بعيداً ولم يزل صوته مسموعاً، وصداه يملأ المكان:
صبراً (سراييفوا) إن بعد الليل فجراً
صبراً (سراييفوا) إن بعد العسر يسراً
стр. 2131
نص شعري
الحضارة الظالمة
شعر: عبد الرزاق بن حمود الزهراني
فتنٌ تمضي وتأتي فتنُ ... والبرايا مزّقتها المحنُ
وحديث الإفك ما أعظمهُ! ... ماتت الروح وتاه البدنُ
و (حماةُ الحق) ما أعجبهم ... يدّعون الصدق! ! ما أكذبهم
يقتلون الطهر في مضجعه ... ويوارون به أدمعَهم!
يدعون العدل ما بين الأنامْ ... جثث القتلى من الظلم ركامْ
يدعمون الظلم بالليل وإنْ ... أشرق الصبح تنادوا للسلام! !
هامت الأرواحُ في وادي العذاب ... نبتُهُ شوكٌ.. ونارٌ.. وحرابْ
وسعيد الحظ في عالمهم ... من بنى منزلَه تحت الترابْ! !
يا حضارات الريا والكذبِ ... يا حضارات العنا والنّصبِ
يُقْتَلُ الأحرارُ فيها غيلةً ... عجبي من ظلمها واعجبي..! !
إيه يا قنديلُ أضنتك الرياحْ ... وحمانا للبرايا مستباحْ
وإذا هم بقولٍ منصفٌ ... ماجت الأرضُ صياحاً.. ونباحْ! !
أنجب التاريخُ عصراً أحمقا ... شرّه منتشرٌ ... لا يُتقى
قُتل الإنسانُ في أحشائه ... وسَما الشيطان فيه وارتقى
ليس لليأس إلى قلبي سبيلْ ... وأرى الكون وإن ضلّ جميلْ
وأرى الناس على أحقادهم ... يطلبون العدلَ للظلمِ بديلْ
أملي في الله رب العالمين ... خالق الإنسان من ماءٍ وطينْ
أن نرى الإسلام في فتح جديد ... يغمر العالم نوراً ويقينْ..
стр. 2132
المسلمون والعالم
اتفاق دايتون
أي سلم هذا الذي ينشدونه؟
عبد الله عمر سلطان
بينما غطت احتفالات اتفاق دايتون الأفق، كانت الولايات المتحدة ترسل
رسالة واضحة إلى العالم عن طبيعة هذاالاتفاق وظروف ولادته ... لقد اصطفت
طاولات العشاء الذي أُجري في مرآب للطائرات في قاعدة دايتون الجوية، وكان
على الضيوف أن يحتفلوا في قارب حشرت فيه طائرات من نوع إف ١٥، وإف
١٦ وطائرات (الشبح) وغيرها من صواريخ جو/أرض، وجو/جو في رسالة
واضحة لايمكن أن تفوت على لبيب.
لقد كان مضمون الاتفاق سيئاً بما فيه الكفاية، وبالرغم من الضغط الأمريكي
القوي (على الجانب البوسني بالخصوص) وقرقعة السلاح وإغراء المساعدات، فإن
المراقبين على شتى اتجاهاتهم لم يعتبروه أكثر من مجرد هدنة مؤقتة أو شريط
إعلاني لتلميع رئاسة كلنتون وتصويره على أنه صانع السلام.
جمهورية (سقط المتاع) :
مجلة النيوزويك الأمريكية اختارت هذا الاسم لجمهورية البوسنة (الورقية)
التي شهدت ولادتها في دايتون، يقول المحلل البريطاني نويل مالكوم الذي سخر من
تعليق أحد أعضاء الوفد الأمريكي على الاتفاق بأنه ولّد أعظم وأعقد دستور في
العالم لدولة حديثة: (هل تظل هذه الدولة دولة فعلاً؟ [ويضيف] سوف تتكون
البوسنة والهرسك من كيانين هما: جمهورية الصرب والاتحاد المسلم/الكرواتي،
وسوف يكون لكل منهما حكومته وبرلمانه وشرطته وجيشه، وسيكون كل منهما
مسؤولاً ضمن أراضيه عن القوانين المتعلقة بمسائل مثل: أجهزة الإعلام والتعليم،
وسيكون لكل منهما الحق في إقامة (علاقات موازية) مع الدول المجاورة، وسيكون
لكل منهما الحق في فرض الضرائب، وسيتمتع كل من الكيانين بالسلطات المنوطة
بحكومات الدول الفعلية باستثناء قائمة قصيرة من المسائل التي أنيطت بالحكومة
المركزية.
حيث سيكون هناك برلمان بوسني ومجلس للوزراء ورئاسة من ثلاثة أشخاص.
وإذا ما أزلنا المهام العملية العادية مثل إدارة الحركة الجوية من القائمة، فلن
يتبقى سوى قائمة مختصرة جداً تحتوي على السياسة الخارجية والسياسة النقدية
والجمارك والهجرة، فهل تكفي هذه السلطات في غياب كل السلطات الأخرى التي
تمارسها الدول الحقيقية للإبقاء على البوسنة حية؟ !
ولكن المشكلات تذهب إلى أبعد من ذلك؛ فعلى الرغم من أن المؤسسات
المركزية للدولة البوسنية قد تملك الحق وفق اتفاقية دايتون في معالجة هذه المسائل
القليلة، إلا أنها قد تفتقر إلى القدرة على ذلك؛ ولهذا السبب تم إدخال كثير من
العوائق والضمانات في هذه الآلية، بحيث يسهل على أي فئة أن تجمد العملية
برمتها.
إذن لماذا حرصت أمريكا على تمرير الاتفاق والمخاطرة بحياة عشرين ألف
جندي أمريكي من أصحاب الدماء الزرقاء؟ ؟
الجواب يتشكل من جزأين: جزء يتعلق بالنتائج السريعة المتمثلة في مصلحة
الإدارة الأمريكية لتصوير نفسها على أنها صاحبة السلام وصانعته لاسيما في عز
الموسم الانتخابي، كما يؤكد على حقيقة الدورالأمريكي وأهميته في حل المشكلات
الدولية وأنها صاحبة الشأن في تسيير الملفات الساخنة في الوقت الذي تبدو فيه
أوروبا عملاقاً اقتصادياً وقزماً سياسياً، ويتأكد ذلك حينما نتأمل الاتفاق ونخرج منه
بنتائج حاسمة ومنطقية تقول: إنه أقل إنصافاً للمسلمين من الحلول الأوروبية
السابقة التي طالما رفضتها أمريكا بحجة أنها تكافئ المعتدي وتظلم الضحية! !
فاتفاق دايتون هو محصلة لخطط كارينجتون وأوين وإخوانهما من دهاقنة
السياسة الأوروبيين.
أما في الجانب الاستراتيجي فيأتي تدخل أوروبا لسببين مهمين: أحدهما
متوسط المدى، ويتمثل في إنقاذ حلف الأطلنطي وبعث الحياة فيه لاسيما في
المواجهات المقبلة مع العدو الإسلامي، كما صار واضحاً ... فالحلف يمثل التزاماً
بالأمن الجماعي أمام الأخطار الشرقية (الشيوعية سابقاً) أو الجنوبية (دول العالم
الإسلامي) فالحلف أثبت أنه الأداة المثلى للحفاظ على الأمن الأمريكي المرتبط
بالاستقرار في أوروبا، كما اتضح خلال الحربين العالميتين، ولاشك أن ضياع
هيبة الحلف يمثل ضياعاً لاستثمار أمني وسياسي عمره يزيد عن النصف قرن..
أما العامل الثاني فهو استثمار القيادة الأمريكية للحلف على المدى البعيد،
حيث إن أمريكا ترى في دولة يحكمها المسلمون في أوروبا ذريعة وفرصة لاستمرار
نفوذها في القارة القديمة من خلال الناتو، في الوقت الذي تتوجس فيه أوروبا على
تناقضاتها القومية من احتمال نمو تيار إسلامي في البلقان، يمكن أن يمتد لا عن
طريق الحرب هذه المرة، وإنما ثقافياً وحضارياً إلى أوروبا الغربية، المسيحية.
فالبوسنة حسب الاتفاق، دولة علمانية أوروبية ديمقراطية غربية الطابع،
والمسلمون فيها على الرغم من كونهم الأكثرية المطلقة ٥٠% يملكون ولايحكمون.
فالاتفاق ينص على دستورية مبدأ الفيدرالية بين المسلمين والكروات في
نصف الجمهورية المحاذي لكرواتيا! ! ! ومبدأ الكونفدرالية بين هؤلاء والصرب
في النصف الآخر من البلاد المحاذي لصربيا، فأين هو الوجود الإسلامي في هذه
الدولة؟ وأين هو حق الأكثرية المسلمة في النظام الديمقراطي؟
أما العاصمة (سراييفو (فقد تركها الاتفاق موحدة إرضاءً للمسلمين، ولكنه
بالفعل قسمها إلى تسعة قطاعات منسجمة قومياً، كل قطاع له لغته الرسمية،
ونطاقه التعليمي، ومناسباته الخاصة، حيث ينتخب سكان كل قطاع ممثليهم في
المجلس البلدي للمدينة، الذي ينتخب بدوره عمدة للمدينة وثلاثة نواب له (مسلم
وكرواتي وصربي) ، ليرأس كل منهم المجلس لمدة سنة بالتناوب.
وإذا كان موضوع إبقاء سراييفو موحدة نزولاً عند رغبة المسلمين، فأين هو
التأثير الإسلامي في العاصمة ذات الأكثرية المسلمة الساحقة؟
واتفاق دايتون وإن أوقف حمامات الدم في البلقان لبضع سنوات أو أقل فإنه قد
أعاد البريق للزعامة الأمريكية وأعطاها نفوذاً متجدداً في القارة القديمة وحوض
المتوسط، ولن يغير مؤتمر برشلونة لدول المتوسط من ذلك شيء مهما كانت درجة
نجاحه) .
مستقبل الاتفاق:
بين مستقبل الاتفاق يطل ماضي التطهير العرقي الذي تتضح صورته يوماً
بعد يوم، ويظهر العالم عارياً من كل المشاعر الإنسانية حيث نرى تواطؤ القوى
الدولية مع الصرب والكروات في ارتكاب جرائمهم ... لقد أشعل المسؤولون
العسكريون لحلف الناتو بما فيهم رئيس الأركان الأمريكي الرأي العام بالحديث عن
خطورة (المجاهدين) في البوسنة وضرورة ترحيلهم بالرغم من عدم ثبوت ارتكابهم
لجريمة واحدة، بينما يظل المجرمون الحقيقيون يمارسون أدوارهم القذرة بالرغم
من إدانتهم من قبل المحاكم والحكومات الغربية بارتكاب أبشع المجازر البشرية..
والسؤال: هل كان التركيز على المجاهدين ستاراً لإخفاء العلاقة المشبوهة بين
عرابيّي دايتون وجزاري صربيا..؟
سؤال يحاول هذا التقرير الإجابة عليه ... (تقول مختلف الروايات التي
أوردتها وسائل الإعلام الدولية نقلاً عن شهادات (الخوذ الزرقاء) الهولنديين، إن
(راتكو ملاديتش) (القائد العام لقوات صرب البوسنة) قد استدعى عشية ١١ يوليو
١٩٩٥، ضباط الفيلق الهولندي المكلفين بحماية سربرينتشا، وذلك في قاعة أحد
الفنادق الواقع في محيط المدينة المحاصرة منذ أكثر من سنتين، ووضعهم داخل
إحدى القاعات التي علق فيها خنزير من أرجله الخلفية، وأمر أحد الجنود فذبحه
أمام الملأ، فنفرت الدماء من رقبة الخنزير الذبيح في جميع الاتجاهات، وهنا
استدار ملاديتش إلى (ضيوفه) المشدوهين من (حفاوة) هذا الاستقبال، وقال لهم
بالحرف: (بهذه الطريقة سنعامل كل أولئك الذين سيضعون أنفسهم تحت حماية
جنود (الخوذات الزرقاء!) .
وراح (ملاديتش) يستكمل بسادية متوحشة في سربرينتشا ما بدأه في مقاطعات
بوسنية أخرى طيلة السنوات الثلاث الماضية من عمليات (تطهير عرقي) وديني
رهيبة، أصاب فيها البشر والحجر، ومس المقدسات وداس المحرمات، لكن هذه
المرة بشكل شامل، كبير المدى والاتساع، لقد وضع بين يديه حياة مايفوق أربعين
ألف بوسني بالإضافة إلى ما قام به مجرمو الصرب من مذابح وما عمل من أخاديد
دفن فيها ألوف من المسلمين العزل.
إن المعلومات الاستخباراتية الأمريكية سربت هذه المعلومات وقت المحادثات
وهي تثبت التورط الحقيقي لذلك الجنرال الفاشي الصربي راتكو ملاديتش وزعيمه
السياسي رادوفان كاراديتش، إنما كان بقصد الضغط غير المباشر على زعيم بلغراد، الذي لا يقل فاشية عن صنيعته، أي سلوبودان ميلوسيفتش، وذلك حتى تلين
قناته في محادثات دايتون التي تمت تحت الرعاية الأمريكية، ومن جهة أخرى يبدو
أن أمريكا كانت متخوفة من أن تتهم بإخفاء معلومات في قضية مذابح سربرينتشا،
لاسيما وأن عملية (استجواب) ضباط الفيلق الهولندي العامل في سربرينتشا تحت
المظلة الأممية، وهو الذي عاش أفراده مختلف الوقائع الفظيعة لعملية التصفية
العرقية التي مارسها الجنرال ملاديتش، ستعلن على الملأ.
والتساؤل الذي بات يطرحه مختلف المهتمين بالقضية البوسنية اليوم، هو:
لماذا تخلفت أمريكا في تقديم كل الوثائق المورطة لملاديتش وزبانيته كل هذه المدة؟
الظاهر هو: أن واشنطن لم ترد أن تنفجر في وجهها قضية مذابح سربرينتشا
ضد المسلمين، ومذابح كرايينا ضد السكان الصرب العزل، في الوقت الذي تقوم
فيه برعاية محادثات سلام تعتبر مصيرية بالنسبة لمستقبل منطقة البلقان كلها:
ولذلك قامت إدارة البيت الأبيض بتفريغ جعبة المعلومات الخطيرة التي تمتلكها على
دفعات صغيرة، وذلك لتخفيف الصدمة من جهة، وحتى لاتعطي الكونغرس
الأمريكي مبرراً قوياً يدفع به إلى الموافقة على رفع حظر السلاح المضروب على
البوسنة وأطراف الصراع الأخرى في البلقان، ومن جهة أخرى يعتقد أن تخلف
أمريكا عن الإعلان عما تملكه من وثائق بخصوص مذابح سربرينتشا، كان مع
زعيم كرواتيا فرانيو توجمان لمشروع الهجوم الخاطف على إقليم كرايينا الكرواتي،
ولهذا انتظرت أمريكا المدة الكافية حتى يتسنى لها ولحليفها توجمان تنفيذ ذلك
المخطط، وبعدها أصبح بالإمكان تسليم وثائق إدانة قادة صرب البوسنة إلى محكمة
الجنايات الدولية. ومن جهة أخرى يبدو أن تسليم هذه الوثائق في هذا الوقت بالذات، إنما قصد به الضغط على سلوبودان ميلوسيفتش، الزعيم الصربي المفاوض في
دايتون، وذلك حتى يجبر على قبول أهم شروط مسودة السلام البلقانية تلك، أي
منع قادة صرب البوسنة من تسلم أي مناصب سياسية في جمهورية البوسنة التي
شرع في وضع ملامحها الأولى في دايتون.
حسابات الغرب الباردة:
إن كل هذه المبررات لايمكن أن تقنع أي أحد، وبالتالي فالتساؤلات ستبقى
حول مسؤولية العالم الغربي وأمريكا بالذات عن مذابح شرق البوسنة التي راح
ضحيتها عدة آلاف من المسلمين، حيث تركت السفاح الرهيب ملاديتش وجنوده
يرتكبون المجازر ولم تتحرك لنجدتهم، وذلك عن سوء قصد وطوية، ومن أجل
حسابات استراتيجية وتكتيكية باتت اليوم واضحة وبينة، لكن السؤال الذي سيبقى
معلقاً هو: لماذا لم تحاول تلك الدول الكبرى الضغط على بلغراد وقيادة صرب
البوسنة السياسية في باليه حتى يمكن إجلاء سكان منطقة سربرينتشا وجيب (جيبا)
المُسْلِمَين الموضُوعَين تحت الحماية الأممية، والأخطر من كل هذا: لماذا تم
السكوت على تلك المجازر الرهيبة التي ذهب ضحيتها آلاف من مسلمي البوسنة؟
.. هذا هو ما في الاتفاق.. وتلك هي القواعد التي بني عليها. أما المستقبل
فهو إفراز لهذا الماضي الكريه.. دعونا نستشهد بنوبل مالكوم مرة أخرى حيث
يقول: ونحن نتطلع إلى رجالات دولنا وهم يرتشفون أنخابهم في جلسة التوقيع على
المعاهدة في باريس يتعين علينا أن نسأل: أهذه هي الحصيلة التي يريدونها حقاً؟
والجواب الصحيح عن ذلك هو: أجل.
وبقي هذا الهدف السياسي الرئيس، وكانت المشكلة في كيفية تحقيقه مع
المحافظة على الالتزام العلني بصيانة وحدة الدولة البوسنية.
وجاء الحل في اتفاق دايتون: إطار يضمن من الناحية النظرية المحافظة على
البوسنة، ولكنه يؤدي خطوة خطوة، من الناحية العملية إلى تفكيكها. إنها دولة
جرى تصميمها لكي تدمر نفسها، في تقسيم بالحركة البطيئة، وهو أقصى ما
توصلت إليه النظرية التفكيكية في علم السياسة.
نعم ... إن البوسنة مقبلة على (حفلة دم مريعة طالما أن السادة في عواصم
رعاية التطهير العرقي ماضون في خطتهم الشريرة، وطالما أن المسلمين مشتغلون
في إزالة أثار همجية المجاهدين! وطالما إعلامهم يلاحق الجمعيات الخيرية ورجال
العطاء القلائل الذين يرفضون أن تتحول البوسنة ومسلموها إلى (خنازير) تذبح من
الوريد إلى الوريد.
وحسبنا الله ونعم الوكيل،،
стр. 2133
المسلمون والعالم
زيارة البابا المتكررة لإفريقيا.. لماذا ؟
بقلم: التحرير
إن طبيعة التنصير في إفريقيا مختلفة عن طبيعة التنصير في المناطق الأخرى
من العالم؛ وذلك لأن هذه القارة وبخاصة جنوب الصحراء منها من وجهة نظر
الفاتيكان بمثابة مناطق خالصة للنصارى وحدهم، انطلاقاً من عوامل سيطرتهم على
الحياة السياسية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية في كثير من البلدان هناك؛
وذلك لقدرتهم على تغيير ما يرونه غير متفق مع مصالحهم ومتعارض مع سياساتهم، ولاستطاعتهم وضع الخطط البديلة في الوقت المناسب، وذلك ما دعاهم إلى
إطلاق شعار (تنصير إفريقيا عام ألفين) ، ورصد لهذا الشعار أموالاً قدرت بخمسة
مليارات تقريباً.
مهرجان الاستقبال:
في السابع عشر من شهر سبتمبر عام ١٩٩٥م كانت الاستعدادات لاستقبال بابا
الفاتيكان قد اكتملت، ومنها بناء منصة كبيرة في ساحة الاستقلال (إحدى الساحات
المشهورة في مدينة نيروبي عاصمة كينيا التي تعقد فيها الاجتماعات العامة
والمهرجانات الوطنية) ، كما تم تجهيز فريق صحفي يتكون من صحفيين ومراسلين
محليين ودوليين؛ للقيام بالتغطية الشاملة لزيارة (بابا الفاتيكان (التي استغرقت ثلاثة
أيام، وقد وعدت الحكومة بالحفاظ على أمن البابا وسلامته، فانطلق الفريق الأمني
من قوات الشرطة وعناصر سلاح الطيران المقدر عددهم بستة عشر جندياً ليأخذوا
مواقعهم، أما شرطة المرور فقد أغلقت جميع الشوارع المؤدية إلى ساحة الاستقلال، ولم يسمح بمرور السيارات إلا السيارات الخاصة التابعة لموكب (البابا) التي
وضعت عليها إشارات خاصة.
وبدأ الشعب من أتباع الكنيسة الكاثوليكية، وكذلك من المذاهب الأخرى
يتوافدون إلى العاصمة فرادى وجماعات، وانتعشت الحركة الاقتصادية في نيروبي؛ حيث امتلأت الفنادق والمطاعم، وأقامت بعض شركات المواد الغذائية
والمرطبات مراكزَ لها في ساحة الاستقلال، وقد قدرت تكاليف هذه الاستعدادات
بحوالي عشرين مليون شلن (حوالي نصف مليون دولار) من قبل السكرتارية
الكاثوليكية، أما الحكومة فلا يعرف بالتحديد كم تكلفت، وقد قدر عدد الحاضرين
في مراسم الطقوس الخاصة التي أقيمت في ساحة الاستقلال بحوالي مليون شخص
من أتباع الكنيسة الكاثوليكية وأتباع المذاهب الأخرى من البروتستانت والكنيسة
الإفريقية، وكذلك من أتباع الديانة الهندوسية؛ علماً بأن عدد أتباع الكنيسة
الكاثوليكية في كينيا يقدر بحوالي سبعة ملايين حسب مصادرهم.
وفي صباح يوم الاثنين ١٨/٩/١٩٩٥م كان الرئيس الكيني (دانيال أراب
موي) في مقدمة مستقبلي بابا الفاتيكان في مطار كينياتا الدولي ومعه مجموعة كبيرة
من الوزراء ونوابهم وأعضاء البرلمان، وكذلك زعماء الأحزاب المعارضة، وكبار
التجار، ورجال الأعمال، وسفراء الدول الأوروبية والإفريقية، وكذلك بعض
سفراء الدول الإسلامية، وأيضاً كان في استقباله كبار رجالات الدين الكاثوليك
والمذاهب الأخرى من كينيا وشرق إفريقيا، وكانت الهيلوكبترات والطائرات
الحربية تحلق في سماء نيروبي مستعدة لاستقباله، وكان الآلاف من الشعب
الكاثوليكي قد اصطفوا في الشارع من المطار إلى القصر الجمهوري، وبقية الشعب
كان يتابع أحداث الاستقبال في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، حيث كانت
الأحداث تنقل على الهواء مباشرة وفي حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر أعلن عن
هبوط طائرة البوينغ التابعة للخطوط الجوية لجنوب إفريقية القادمة من جوهانسبرج، حيث كان (البابا) قد أتم زيارته لجنوب إفريقيا التي استغرقت ثلاثة أيام، ويذكر
أن هذه الزيارة هي الحادية عشرة من نوعها لإفريقيا، والثالثة لكينيا.
أفرقة الكنيسة حتى لاتتلاشى النصرانية:
كانت الأولى في كينيا في مايو عام ١٩٨٠م والثانية في أغسطس ١٩٨٥م،
وهذه الرحلة الأخيرة قد شملت ثلاث محطات من الدول الإفريقية وهي الكاميرون
في غرب القارة الإفريقية، وجنوب إفريقيا في جنوبها، ثم كينيا في شرق القارة.
وكان هدف هذه الرحلة المعلن في هذه المحطات هو إعلان مذكرة تعاليم
الكنيسة الجديدة الملائمة للعادات الإفريقية، علماً أن هذه التعاليم الجديدة كانت قد
تمت المناقشة حولها في شهر إبريل من عام ١٩٩٤م في روما بحضور مجموعة من
القساوسة الأفارقة من الدول الإفريقية الذين اقترحوا على البابا أن يعدل تعاليم
الكنيسة الكاثوليكية، إن هو أراد أن يحافظ على أتباع هذه الطائفة، ويكسب مزيداً
من الأتباع، واقترحوا أن تكون هذه التعاليم الجديدة ملائمة ومناسبة للعادات
الإفريقية! !
جاء (البابا) مرتدياً لباس إحدى القبائل الكينية كأول خطوة لإخضاع الكنيسة
للتقاليد الإفريقية، وهذه أول خطة جديدة لجذب قلوب الأفارقة للنصرانية بعد ماتعذر
عليهم اعتناقها خوفاً من التجرد من تقاليدهم التي تأصلت فيهم.
بعد ذلك انطلق الموكب البابوي تحت الحراسة المشددة من المطار إلى القصر
الجمهوري، حيث عقد مع الرئيس (موي) جلسة مغلقة لمدة نصف ساعة، لاتعرف
تفاصيل مادار بينهما فيها، بعدها وقع على دفتر كبار الزوار.
وفي المطار صافح (البابا) مستقبليه من الوزراء والسفراء وبعض رجال الدين، بعد أن رحب به الرئيس، ثم ألقى كلمة شكر لمستقبليه وأعلن أنه قد جاء لمهمة
(بعث الرجاء) ! .
وفي صبيحة الثلاثاء ١٩/٩/١٩٩٥م كان يوم الميعاد قد بدأ، فقد اجتمع في
ساحة الاستقلال حوالي مليون شخص ينتظرون قدوم البابا لأداء طقوس العبادة،
وقد وصل الساحة حوالي الساعة التاسعة والنصف، ثم في تمام العاشرة وصل
موكب القساوسة والأساقفة، بعدها مباشرة بدأت طقوس العبادة رسمياً، واستمرت
هذه الطقوس لمدة ثلاث ساعات، ثم في الساعة الرابعة بعد الظهر تحركت الجموع
إلى ساحة البعث الواقعة خارج المدينة، حيث وصل البابا هناك في الساعة الخامسة، حيث أعلن رسمياً عن مذكرة تعاليم الكنيسة الجديدة التي تتناسب مع العادات
الإفريقية تعرف هذه المذكرة بـ r ? وقد اشتملت هذه المذكرة على خمس نقاط
رئيسة:
١- تنصير القارة الإفريقية.
٢- تعديل التعاليم المسيحية لتلائم العادات الإفريقية.
٣- الحوار الديني مع بقية المذاهب والديانات الأخرى.
٤- نشر العدل والأمن.
٥- توظيف وسائل الإعلام لخدمة أغراض وأهداف التنصير.
وصدق الله العظيم: [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ] ...
[البقرة: ٧٩] .
إغراءات التنصير:
ثم ألقى بابا الفاتيكان كلمة تركزت حول المشكلات التي تعاني منها القارة
الإفريقية: من الحروب الأهلية، والجهل، والفقر، والفساد في الأنظمة،
وضرورة العمل الجاد للتخلص من هذه المشكلات.
وقد تلخصت نظرته لحل هذه المشكلات فيما يأتي:
١- ضرورة اعتناق القادة الأفارقة المسيحية الكاثوليكية، لأنها الضمان من
الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.
٢- يجب على الدول الأوروبية الغنية الدائنة أن تعيد جدولة ديونها، وأن
تعفو عن مديونياتها.
٣- يجب على الدول الصناعية أن تقلل من صفقات الأسلحة إلى دول إفريقيا، وبدلاً منها تعمل على مساعدة الدول الإفريقية في النمو الصناعي.
ثم عقد البابا بعد ذلك لقاء مع القساوسة والأساقفة الذين حضروا من تنزانيا
وأوغندا وأثيوبيا وإرتريا والسودان وزامبيا وموريشيوش إضافة إلى أساقفة
وقساوسة كينيا وأوصاهم بضرورة التلاحم فيما بينهم والعمل الجاد لتنفيذ بنود
المذكرة، كما اجتمع أيضاً مع زعماء الكنيسة الأنجيليكانية والكنيسة الإفريقية
المستقلة، وكذلك مع زعماء الطائفة الهندوسية.
وقال البابا: لقد كان بودي أن أجتمع مع جميع زعماء المذاهب والديانات
الأخرى. ومما يذكر أن المسلمين قد قاطعوا زيارة البابا وأعلنوا أن حضورهم
لمراسم الطقوس أو مراسم إعلان المذكرة كان منافياً لمعتقداتهم، من جهة أخرى
ذكر أحد المسلمين الذي نصب نفسه ناطقاً رسمياً باسم المسلمين! ! أن المسلمين لم
يحضروا تلك المراسيم؛ لأنهم لم يتلقوا دعوة رسمية بذلك ولو دعوا لأجابوا! أما
رئيس القضاة فقد امتنع عن التعليق! ولكنه قال: لايجوز لأحد أن يجعل نفسه
متحدثاً باسم المسلمين، وأنه شخصياً لو دعى لأجاب!
ثم في صباح يوم الأربعاء ٢٠/٩/١٩٩٥م انطلق البابا والوفد الكاثوليكي
المرافق له إلى المطار معلناً بذلك نهاية زيارته لكينيا التي استغرقت ثلاثة أيام، وقد
ذهب لوداعه في المطار الرئيس (موي) ووزراؤه وأعضاء البرلمان، وأعضاء
السلك الدبلوماسي، كما شاركت الطائرات في حفلة وداعه، وفي الساعة الحادية
عشرة صباحاً أقلعت طائرة الأيرباص التابعة للخطوط الجوية الكينية حاملة (البابا) ،
والوفد المرافق له متوجهة إلى روما، وهكذا انتهت زيارة البابا إلى كينيا.
ومن المعروف أن كينيا تعتبر قلعة الفاتيكان في إفريقيا، وأن روما تعقد
الآمال في أن تكون كينيا هي المنفذة لأحلام الفاتيكان في تنصير إفريقيا مع نهاية
القرن الحالي؛ لذلك تهتم الدول الأوروبية وأمريكا بهذه الدولة أيما اهتمام، ويقدمون
لها أنواعاً من المساعدات المادية والأدبية، كما يهتم بها البابا شخصياً؛ وذلك
بتخصيصه ثلاث زيارات من إحدى عشرة زيارة له لإفريقيا، كما أن للفاتيكان
سفارة كاملة في كينيا للتنسيق في جهود التنصير، وقد كثرت المنظمات التنصيرية
المحلية والدولية بشكل رهيب (تعد هذه المنظمات بالآلاف) ولها جهود في جميع
مناطق المسلمين وخاصة المناطق الفقيرة: يقدمون المساعدات الإنسانية، ولهم
شبكة للتنسيق في أعمالهم تتمثل في مجلس الكنائس الوطني الكيني.
هل لهذه الزيارة من آثار؟
ويتوقع من آثار هذه الزيارة أن تشدد الحكومة من قبضتها على المسلمين؛
لأن البابا قد حذر الحكومة مما زعمه: خطر تنامي الأصولية الإسلامية التي تجد
الدعم من الدول الإسلامية.
وخلال أسبوع من مغادرة البابا أعلن عميد الشرطة الكينية بأن أي جندي من
قوته لايعرف المسيح فهو جندي فاشل، وأنه لايريد العناصر الفاشلة في قوته، ثم
أعلن وزير التربية رفضه تسجيل كليتي المعلمين وهما الكليتان الوحيدتان للمسلمين، علماً أن المسيحيين يمتلكون ١٢ كلية للمعلمين وثلاث جامعات، وهم الآن في
الاستعدادات لبناء جامعة جديدة، وقد حضر الرئيس موي في ١٥ ديسمبر ١٩٩٥م
حملة لجمع تبرعات لبناء هذه الجامعة الجديدة للمسيحيين.
والمسلمون الآن قلقون من تطورات الأحداث حيث أصبح انحياز الحكومة
الكينية للمسيحيين جلياً، وتشددها مع المسلمين واضحاً. والكارثة الأخرى أن
السياسيين المسلمين والأغنياء منهم لا يزالون متمسكين بحبل الرئيس والحكومة.
فحتى متى يتغافل المسلمون هناك عن الخطر المحدق بهم وبإخوانهم
ولايكونون يداً واحدة على من سواهم للتخفيف من الانحياز؛ ضدهم وذلك بالطرق
الشرعية، فالمسلمون جزء من ذلك الشعب. أما أن يهمشوا ويضطهدوا، فهذا ما لا
يقبل، ثم أين (منظمة المؤتمر الإسلامي) ، و (رابطة العالم الإسلامي) ، و (المجلس
العالمي للمساجد) ؟ ! بل أين كل دولة مسلمة؟ لماذا لايكون لهؤلاء مواقف قوية
ستكون لها آثارها بإذن الله. وحين يكون الموقف سلبياً من تهميش المسلمين
ومحاولات إضعافهم فستتوالى الضغوط والاضطهادات عليهم كما هو حاصل الآن.
إن علينا مد يد العون لإخواننا ودعمهم كما يفعل غيرنا مع بني ملتهم؛ حينها
ستتلاشى أحلام (البابا) بجعل إفريقيا نصرانية عام (٢٠٠٠) ، وهذا سوف يحدث
بإذن الله، وصدق الله العظيم: [ودَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا
يُضِلُّونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] [آل عمران: ٦٩] .
[وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ
أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاًتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [البقرة: ١٠٩] .
стр. 2134
المسلمون والعالم
الحروب الصليبية
بعد ٩٠٠ عام ... هل انتهت ؟
بقلم: عبد العزيز كامل
اختارت الدول الأوروبية الواقعة على سواحل البحر الأبيض المتوسط يوم
٢٧ نوفمبر من عام ١٩٩٥م، لكي يكون موعداً لانعقاد مؤتمر موسع في برشلونة
بأسبانيا يضم ١٥ دولة أوربية و١٢ دولة متوسطية من بينهما ٨ دول عربية إضافة
إلى تركيا وقبرص ومالطة و ... ودولة العدو الصهيوني، فهل جاء هذا الموعد في
زمانه ومكانه محض مصادفة؟ ! كلا.. إن هذا الموعد يوافق بالتمام والكمال ذكرى
مرور ٩٠٠ عام على بدء الحروب الصليبية، ففي مثل ذلك اليوم من ذلك الشهر
في عام ١٠٩٥ للميلاد، أطلق بابا النصارى (أوربان الثاني) دعوته لبدء الحملات
الصليبية على البلدان الإسلامية الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط بغرض
الاستيلاء على بيت المقدس.
منذ سنوات قليلة خلت، اختار الأوروبيون ذكرى أخرى لاتخلو من الدلالات
التاريخية، ليعقدوا فيها في إسبانيا أيضاً مؤتمر مدريد، وكان في ذكرى مرور
خمسئة عام على سقوط الأندلس! ومعلوم أن هذا المؤتمر قد دشنت فيه المرحلة
الحاسمة لإسقاط المزيد من شقيقات الأندلس بأنواع أخرى من السقوط. أما
(برشلونة) فإن مؤتمرها المعقود بين الفرقاء التاريخيين لم يعقد من أجل تعاون
اقتصادي، أو سياسي أو عسكري بالدرجة الأولى، بل لم يكن من همومه حل
ماتبقى من مشكلة الشرق الأوسط أو المغرب العربي، بل كان الهم الأول المسيطر
عليه فيما ظهر: إقحام جسم يراد إقحامه في المنطقة العربية بوسائل مباشرة وغير
مباشرة، فقد اتجه المؤتمر إلى تعزيز جهود دول عديدة تتحرى إدخال إسرائيل في
صميم نسيج المنطقة العربية والشرق أوسطية، تمهيداً للتعاقد على إقامة تحالف بين
دول المنطقة، يضمن توزيع المنافع فيها، ويعمل على احتواء ظاهرة الخوف التي
أصبحت الدول في شمال المتوسط تكثر الشكوى منها.
إن أوروبا تريد باختصار أن تحفظ أمن حدودها الجنوبية بأي ثمن، ولكن
ممن؟ ! هل هناك دولة أو نظام واحد في شمال إفريقيا يصرح أو يلمح بتهديد
الجيران الشماليين؟ كلا. ولكن الخوف كل الخوف من انتفاضة الشعوب الإسلامية
التي طالما استعبدها واستذلها الأوروبيون في التاريخ الحديث، وذلك ليس أول
مؤتمر يعقد لهذا الهدف، فقد عقد في إشبيلية بأسبانيا أيضاً مؤتمر في سبتمبر سنة
١٩٩٤م، للغرض نفسه، وبدعوى ضرورة مواجهة المد الإسلامي الذي يهدد
استقرار حوض البحر الأبيض المتوسط. الغريب أن ثلاث دول كاثوليكية تقف
كرأس حربة في حشد التأييد لهذا التوجه، وبالذات فرنسا التي أصرت من دون
دول أوروبا كلها على عدم خفض ميزانيتها الدفاعية، بدعوى تضاعف الأزمات في
حوض البحر الأبيض المتوسط، فليس البروتستانت الإنجليز والأمريكان أو
الصرب الأرثوذكس وحدهم هم الذين يعانون من حمى (الأصولية الإسلامية) ! .
لقد عقد قبل ذلك بشهور، وفي ٩، ١٠ يونيو عام ١٩٩٤م مؤتمر مشابه،
وكان هذه المرة في مدينة اسطنبول التركية، التي كانت عاصمة للخلافة الإسلامية، وشارك في المؤتمر أربعون وزيراً للخارجية والدفاع بالدول الغربية في اجتماعيين
منفصلين، ضم الأول مجلس وزراء حلف الأطلسي، وضم الثاني مجلس تعاون
شمال الأطلسي، الذي يضم كافة الدول الأوروبية الشرقية، والغربية، وشاركت
فيه روسيا أيضاً، وكان محور الاجتماع يدورحول وضع خطة لمواجهة الخطر
القادم الذي يمكن أن يواجه العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، وتكررت جلسات
الاجتماع بين الوزراء أعضاء المؤتمر، ثم كُلف أمين عام الحلف (سابقا) (ويلي
كلاوس) بشكل رسمي بإعداد ورقة عمل للحلف تتضمن كيفية مواجهة المد الإسلامي
أو (الأصولية الإسلامية) .
وخلص (ويلي كلاوس) (فيما يبدو) إلى أن (الأصولية) هي أكبر خطر يواجه
الحضارة الغربية، حتى إنه قال لمجلة (زيتونج) الألمانية الصادرة في ٢ فبراير
١٩٩٤م: (إن الأصولية خطيرة كما كانت الشيوعية، ونرجوكم ألاتقللوا من شأن
هذا الخطر) وأضاف: (إن حلف الأطلسي هو أكثر من تحالف عسكري، فقد أخذ
على نفسه أن يدافع عن المبادئ الأساسية للحضارة الغربية) ! وقال في حديث آخر
نشرته مجلة (الإيندبندنت) البريطانية: (إن الخطر الأصولي الإسلامي هو من أهم
التحديات التي تواجه الغرب بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية) وقال:
(من واجبنا أن نتعاون مع الدول التي تواجه ذلك النوع من الصعوبات) .
هل هو إذن تحضير لحروب صليبية جديدة؟ ! ألم تنته الحروب الصليبية بعد؟!
ألم يقل القائد (اللنبي) بعد استيلاء الإنجليز على القدس في الحرب العالمية
الثانية وهو واقف على قبر صلاح الدين: (الآن انتهت الحروب الصليبية) ! هل
كان مخطئاً؟ ! يبدو ذلك.
ويبدو أن أوروبا لم تشبع بعد من دماء المسلمين، ولم تكفها سبع أو ثمان
حملات في القرون الوسطى لإشفاء غليلها من المسلمين الموحدين، ولم تشفها
الحملات المعاصرة قبل وبعد الحربيين الكونيتين في النصف الأول من هذا القرن.
بدليل أن صيحاتهم باتت تصم الآذان مبشرة ومنذرة بقيام المزيد من الحروب
الصليبية بين العالم الإسلامي والعالم النصراني.
إن القائد (اللنبي) قال: إن الحروب الصليبية انتهت باستيلاء النصارى على
القدس في القرن العشرين، ولكن جاء الصرب وافتتحوا حملات جديدة، حتى قال
وزير إعلامهم بالحرف الواحد في إعلان شهير له: (إن الصرب في معاركهم في
البلقان، إنما يمثلون طليعة الحرب الصليبية الأخيرة لاستئصال شأفة الإسلام) . إن
العالم قد رأى بعينيه الصلبان تحفر على صدور ورقاب المسلمين في البوسنة، فهل
تستحق هذه الحرب وصفاً آخر غير (الحرب الصليبية) ؟ !
لقد فرغ النصارى من أمر أكثر الدول والأنظمة في العالم الإسلامي تقريباً،
وأقبلوا على الشعوب المسلمة ذاتها، ليناصبوا كل من بقي على الوفاء للدين العداء، و (الأصولية) التي نصبوها عدواً بديلاً بعد سقوط الشيوعية، ماهي إلا تعبير عن
رغبة قطاعات عريضة من الشعوب الإسلامية في العودة لأصول الدين. هذه
الأصولية بهذا المعنى، هي المستهدفة بالحرب الشعواء التي بشر الغرب بقيامها،
ثم باشر البدء فيها فعلاً، أحياناً بالقوة العسكرية، وأحياناً بالمحاصرة الاقتصادية،
وفي أحايين أخرى بالتسلط الدولي (القانوني) المسمى (الشرعية الدولية (ومهما
حاول الصليبيون الجدد ستر أغراضهم وأحقادهم الدينية بالأقنعة السياسية أو
الاقتصادية أو الثقافية، فإن تلك الأقنعة تسقط، ويظهر الوجه الحقيقي للصراع..
الدين.. [ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا] [ودوا لو
تكفرون كما كفروا فتكونون سواء] ، [ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى
حتى تتبع ملتهم] ، [إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم
بالسوء، وودوا لو تكفرون] .
إن القرآن لم يحدثنا عن الأطماع الاقتصادية، أو الأهداف السياسية
والعسكرية أو الحضارية للنصارى واليهود، ولكنه ركز على الأغراض الدينية لهم، أما الأغراض الأخرى فتأتي بالتبع، لقد كانت هتافات الجنود النصارى الزاحفين
على بيت القدس أيام الحروب الأولى (أمر الله ... أمر الله ... إنها إرادة الله)
ولاندري أي واحد من الثلاثة يقصدون! !
وباسم هذا الإله المُدّعى، ذبح النصارى المسلمين العزل وقت دخولهم القدس
في الحملة الصليبية الأولى، حتى بلغ عدد القتلى من المسلمين في ساحات الأقصى
وطرقات المدينة نحو سبعين ألفاً. وتخبرنا الروايات الصليبية نفسها بأطراف من
المأساة، فيروي شاهد العيان (ريمون داجيل) في رواية موثقة لدى أدعياء
(المسيحية السمحة) طرفاً من الحدث، يقول: (وقعنا على مشاهد لم يسبق لها مثيل، فقد قتل عدد كبير من أبناء المدينة، فكانوا يُرمون بالنبال، أو يجبرون على القفز
جماعات من فوق الأسوار، كما عذب بعضهم قبل أن يرموا في النار، شوارع
المدينة كانت مليئة بالرؤوس والأيدي والأرجل، وكان الجنود في كل مكان يسيرون
فوق الجثث، لقد كانت مجزرة رهيبة بعدها كنا نسير في بحيرات من الدم، لقد
نهب الصليبيون حتى ارتووا) ! ورصد التاريخ الإسلامي الحدث ذاته بكثير من
التفصيل والدقة، سردها ابن الأثير في كتابه (الكامل) (ج١ ص ١٩٤) ، وذكر أن
المذبحة استمرت طوال يوم الدخول وليلته، واقتحم النصارى المسجد الأقصى في
صباح اليوم التالي، وأجهزوا على من احتموا فيه، وصبغت ساحات المسجد بدماء
العباد والزهاد الركع السجود، وتوجه قائد الحملة (ريموند) في الضحى لدخول
ساحة المسجد، متلمساً طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبته، وكان النظر
لايقع إلا على أكوام من الرؤوس والأيدي والأقدام المقطعة في الطرقات والساحات،
نهب النصارى جميع الأمتعة وخربوا أثاث المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ونهبوا
القناديل التي بلغت نيفاً وأربعين قنديلاً، كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا نيفاً وعشرين قنديلاً من ذهب) .
هذا ما حفظته ذاكرة التاريخ عن اليوم الذي أرادوا أن يكون عيداً يحتفل به
المسلمون مع النصارى.. على أنقاض أرض الأندلس الضائعة، بل ليتهم أرادوا
الاحتفال بالذكرى فحسب، بل أرادوا أن يجعلوها بداية انطلاق بالتعاون مع بعض
الخائنين من بني جلدتنا لبدء رحلة جديدة من الحروب الصليبية.. وقبل ذلك
بالتعاون مع العدو القديم اليهود الذين أصبحوا اليوم أصدق أصدقاء النصارى
الصليبيين، وأخلص معاونيهم، حتى إن الغرب النصراني كله قد أجمع على
تحويل الأرض المقدسة إلى ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية والكيمائية
والجرثومية الموجهة إلى صدور كل شعوب المنطقة الإسلامية، وإن دولة اليهود
(إسرائيل) هي (حصان طروادة) جديد، حشوه اليهود، ولكن يعتليه النصارى
ويوجهونه، واليهود يعرفون دورهم هذا تماماً، وهم يعلمون أن النصارى يدخرونهم
ليوم معلوم قد يحاول المسلمون فيه استعادة كرامتهم ومقدساتهم.
ولهذا فإن المراقب المسلم لايمكنه أن يتجاهل الدور اليهودي في التبشير
بالصراع القادم ودق الطبول للحرب المرتقبة، وتصريحاتهم القديمة في ذلك كثيرة
ومتواترة، ولايزال قادتهم يرددون وبقوة أشد التحذيرات والصيحات والنذر من
خطورة عودة الروح إلى الإسلامية على يد دعاة (الأصولية) . قال حاييم هيرتزوج
الرئيس الإسرائيلي السابق أثناء زيارة قام بها لبريطانيا عام ١٩٩٣م (إن الأصولية
الإسلامية هي الخطر الأكبر على العالم الحر) . وكان الهالك إسحاق رابين قد كرس
جهده لمحاربة المد الإسلامي في المنطقة وكانت محور اهتمامه في داخل الكيان
الصهيوني وخارجه، وقد قال في مؤتمر لاتحاد المنظمات اليهود في الولايات
المتحدة (إيباك) في إبريل ١٩٩٣م (إننا نريد التأكد من أن الرئيس كلينتون وفريقه
يدركان تماما خطر الأصولية الإسلامية والدور الحاسم الإسرائيلي في محاربتها)
واستطرد قائلاً: (إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضاً
إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق، على حقيقة أن هذا خطر جاد وحقيقي يهدد
السلام العالمي، والآن نقف نحن الإسرائيليين في خط النار الأول ضد الإسلام
الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر
الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية) .
وتترجم هذه الصيحات اليهودية إلى برامج عملية، فبعد سيطرة الأغلبية
اليهودية الأمريكية على الكونجرس الأمريكي، برزت تلك السياسة أكثر فأكثر وقدم
(بنوت جنجريتش) رئيس مجلس النواب الأمريكي عرضاً شاملاً للسياسة المقترحة
لمواجهة الأصولية في العالم، في جلسة عقدت في واشنطن، وضمت مايزيد على
٤٠٠ من كبار الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية وقدم خطة من أربع بنود
تحول في مجملها دون نجاح أي محاولة للنهوض الإسلامي، وبخاصة في منطقة
الشرق الأوسط.
وقال بالحرف الواحد أمام هذا المؤتمر: الأصولية تعني إعلان الحرب على
الحضارة الحالية للعالم، وعلينا التعامل مع هذا الموقف على أنه حرب معلنة) ! !
إذن يا (جينجرتش) فالحرب الصليبية على الإسلام الأصولي أصبحت بشكل
رسمي معلنة، وأنتم في الغرب تديرون معركتها، فمن يدير معركتنا..؟ ! ! .
стр. 2135
هموم ثقافية
إشكالية زاوية النظر للديمقراطية
(١)
بقلم: سامي محمد صالح الدلال
إن منبع هذه الإشكالية يتصل باختلاف زاوية النظر للديمقراطية، مما
يؤدي إلى تعدد وجهات تفسير مضامينها في النظام السياسي الواحد والمجتمع الواحد، فكيف إذا تعددت الأنظمة السياسية وتضاعفت المجتمعات! ، لا شك أن ذلك
سيؤدي إلى مزيد من انفراج زاوية الخلاف في تفسير الديمقراطية. ومكمن ذلك
يعود إلى أنها من نتاج العقل البشري الذي يخضع لتأثيرات شتى كل منها له دوره
في انفعالاته ويترك بصماته على تكييف خياله وتوصيف أوامره.
ولنُخْضعْ الآن هذه الإشكالية لزوايا نظر متعددة.
منظور الحكام:
إن الحكام في العالم الثالث لا يعتبرون الديمقراطية وسيلة من وسائل المشاركة
الشعبية في الحكم، بل هي من وجهة نظرهم تكأة يتكئون عليها لإضفاء رونق
جماهيري على حكمهم، ولذلك فإن الانتخابات وما ينتج عنها من مجالس نيابية
ينبغي أن يضع لها الحكام برنامج إخراج عملي يحقق هذه الغاية، ويوصل إلى هذا
الهدف، فإذا ما اختلت المعادلة عند التطبيق لصالح ازدياد نفوذ المجلس النيابي بما
لايؤدي إلى تحقيق رغبات الحكام، فإنهم لا يتورعون عن استخدام الجيش لقمع
آثار اختلال تلك المعادلة، كما حدث في تركيا وباكستان والجزائر وروسيا والقرم
وغيرها.
إن هؤلاء الحكام يطلبون من المجلس النيابي أن يقوم بدوره المناط به لتشريع
القوانين التي ترسم للناس طريقة حياتهم على المنحى الذي يخدم أهداف الحكام
ويحقق أطماعهم، ولن يستطيع المجلس النيابي أن يضطلع بهذا الدور المبرمج له
إلا إذا كان أداة طيعة في يد الزعيم، يستمع لرأيه ويأتمر بأمره، ومن قبل قال
فرعون لملئه (الذين هم أعضاء مجلسه) : [مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ
سَبِيلَ الرَّشَادِ] [غافر: ٢٩] وقد كان فرعون سبّاقاً في استعمال مجلسه واجهة
لتحقيق مآربه وأهدافه الطاغوتية، فأراد استخلاص قرار من ذلك المجلس بقتل نبي
الله (موسى ﵊ خوفاً من أن يفلح موسى ﵊
في تبديل عقيدة الجماهير الحاشدة من حالها الشركي إلى دين التوحيد، أو أن يردها
إلى الصلاح الذي هو في عرف فرعون فساد، قال (تعالى) : [وَقَالَ فِرْعَوْنُ
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ
الفَسَادَ] [غافر: ٢٦] ، وكأنما ليس ثمة فساد في الجماهير التي يحكمها فرعون؛
فهي في مفهومه قد استكملت أركان الصلاح بعبادتها له وطاعتها أوامره فهي والحال
هذه ليس فيها من الفساد مايذكر! .
لقد كانت خشيته ظاهرة من أن يدب فيها الصلاح بانتشار دعوة التوحيد فيها
بعد أن كانت في حالة فساد حقيقي تمثل في استسلام الجماهير له وتأليههم لشخصه؛
اقتنع فرعون بالنتيجة التي وصل إليها [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] [النازعات: ٢٤] .
إن الديمقراطية في العالم الثالث (كما يسمونه) ينبغي أن تحقّق من منظور
الحكام هذه الغاية وإلافلا داعيَ لها.
ومن هذا المنظور، فإنهم ينظرون إلى هذه الديمقراطية باعتبارها واجهة
تضفي على حكمهم طابع المشاركة الشعبية، وتنفي عنهم تهمة الطاغوتية
(الديكتاتورية) فضلاً عن كونها مسرباً يمررون من خلاله رغباتهم في إطار قانوني، والواقع أنهم لا يجدون في ذلك صعوبة تذكر، ذلك أن المجلس النيابي واستمرار
بقائه مناط بهذا الدور الموكل إليه.
منظور الأحزاب:
إن الديمقراطية من وجهة نظر الأحزاب هي وسيلة للوصول إلى الديكتاتورية
الحزبية، أي فرض رأي حزب ما على جميع الأمة من خلال المجلس النيابي.
وقد يتحقق ذلك لحزب من الأحزاب: من خلال حصوله على الأغلبية
البرلمانية؛ إما بقوة حضوره الجماهيري، من خلال حسن تنظيمه وكثافة إعلامه
وتبنيه لقضايا الناس ولو نظرياً، وإما من خلال فرض سيطرته وهيمنته الحزبية
عن طريق الجيش (كما هو الحال في حزب البعث الحاكم في بعض الدول العربية) .
إن هذه الأحزاب وهي في حُمّى الاندفاع للحصول على أكبر عدد من كراسي
المجلس، تضحي بقيم خلقية، وتمارس أبشع الأفعال الردِيّة، من رشوة ومحسوبية، دون أن يرمش لها جفن أو أن ترتجف في يدها إصبع؛ ولذلك تراها تتقاتل
بالسلاح للحصول على أصوات الناخبين، بنفس القوة التي توزع فيها الرشوة،
سواء أكانت أموالاً أم وعوداً بمناصب، وهي في كل ذلك لاتتورع عن ممارسة
الكذب والدجل لتحقيق أغراضها والوصول إلى مراميها.
ونظراً لانحطاط المستوى الثقافي لدى كثير من الجماهير؛ فإنها سرعان ماتقع
في فخاخ هذه الأحزاب، لتكون لها صيداً سهلاً، لكنه ثمين! ! .
كما أن هذه الأحزا ب يتربص بعضها ببعض كل التربص باسم الديمقراطية،
وليس ثمة ضحية لهذا الصراع إلا مصالح الشعوب المستضعفة التي لاتجد ما يسد
جوعها، ويكسي عريها، ويوفر مأواها.
ومن سخريات الواقع أن معظم هذه الأحزاب ترفع شعارات براقة مضمونها
واحد وعباراتها شتى، فجميعها لم توجد إلا لخدمة مصالح الكادحين والعمال
والفلاحين، ولرفع الظلم عن المظلومين، وللنهوض بمستوى المعيشة، وتحقيق
الكفاية والعدل وتشييد دعائم النهضة، وهلم جرا.
إن معظم هذه الأحزاب قد نشأت محادة لله ورسوله، وهي ألعوبة في أيدي
أعداء الأمة، بل هي رماحها التي تخرق، وسيوفها التي تقطع، ولقد اتخذت من
الديمقراطية لباساً تختفي تحت مخططاتها وتحيك مؤامراتها، ففرقت الأمة، وشتت
كلمتها وبعثرت جهدها، بعد أن صدتها عن دينها، وماكان ينبغي لهذه الأمة أن
تستسلم لهذه الأحزاب وقادتها بعد أن غشيتها رحمة ربها بهذا الدين العظيم الذي
ارتضاه لها، قال (تعالى) : [وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ
حَتَّى حِينٍ] [المؤمنون: ٥٢ ٥٤] .
وكم فعلت هذه الأحزاب من أفعال شائنة بعد أن استلمت السلطة، وتبرقعت
بلبوس الديمقراطية، فسامت شعوبها سوء العذاب، فقتلت الشرفاء وحولت الصلحاء
إلى المحاكم العسكرية وعاثت في الأرض فساداً، وصدق فيها قوله (تعالى) :
[وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ
الخِصَامِ (٢٠٤) وَإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ
لا يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ
المِهَادُ] [البقرة: ٢٠٤- ٢٠٦] .
المنظور القبلي:
إن التنافس بين القبائل لاحتلال مراكز التوجيه ومواقع السيطرة واستلام زمام
القيادة كان من قبل بعثة النبي ﷺ ، وعندما جاء الإسلام أزاح
عصبية الجاهلية الأولى، وعَقَدَ التفاوتَ والتمايزَ على علم التقوى، قال (تعالى)
[.. إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ..] [الحجرات: ١٣] ثم لما خبا الحس الإسلامي في
نفوس المسلمين في أزمنتنا الحاضرة هذه، نبا إلى السطح من جديد حس الانتماء
القبلي، وطغت النعرة العشائرية، وقد وجدت القبائل في الديمقراطية بغيتها التي
تحقق من خلالها بروزها على غيرها بأسلوب حديث وحضاري! !
فمن أجل هذا تؤيد القبائل الديمقراطية وتشارك فيها؛ فتتضافر جهود القبيلة
على دعم مرشحيها بكل الوسائل المادية والمعنوية المتاحة، ولا تشترط القبيلة
غالباً فيمن يمثلها حرصه على الدعوة إلى الإسلام وتحكيم شريعة الله المنزلة على
خير الأنام، بقدر ماتشترط قدرته على التعبير عن مطالبها، وتمكنه من إبراز
مناقبها، ورفع اسمها، ولوكان مرشحها ملحداً أو صوفياً حلولياً.
ويتنافس نواب القبائل في المجلس على استصدار القوانين التي تعزز بروز
قبائلهم، ويتسابقون في تقديم الخدمات لمناطقهم، فترى نائب القبيلة في البرلمان لا
يمثل شعبه إنما يمثل قبيلته فحسب.
ولعل بعض القبائل لو خيرت بين النظام الإسلامي والنظام الديمقراطي
لاختارت الأخير إن شعرت أنها ستكون أكثر بروزاً وأوفى حضوراً في رحابه؛
حيث إنها لا تستطيع أن تحقق ذلك في النظام الإسلامي الذي يسمو فوق كل الشرائح
الطبقية والانتماءات القبلية.
فلما صار للقبائل هذا الثقل في الكفة الديمقراطية تسابقت الأحزاب على كسب
رضاها، وخَطْب ودها؛ أملاً في توظيف أصوات المنتمين إليها لصالح دعم تلك
الأحزاب، ولما رأت تلك القبائل تدافع الأحزاب نحوها وتنافسها على حيازة
أصواتها، وجدت في ذلك ضالتها، وهي الاستفادة من تلك الأحزاب وإمكاناتها
الكبيرة في تسخيرها لصالح مرشحيها، وهكذا حصل الانقضاض التداخلي
والامتزاج التفاعلي بين الأحزاب والقبائل، كل منهما منصرف الذهن إلى توظيف
الآخر لصالح أهدافه.
إن القبائل ترى في الديمقراطية محضناً لتفريخ الأحزاب ووسيلة ممتازة
للبروز السياسي من خلال انضمام أفراد القبيلة إلى الأحزاب المختلفة التي من
خلالها يتسلقون سلم الأضواء السياسية، والتي بدورها توفر الفرص الاقتصادية
وتوسع وترفع مكانتها الاجتماعية.
فالديمقراطية من خلال هذا التحليل تكرس وتعزز وتعمق الحس القبلي
والانتماء العائلي على حساب الرسوخ العقدي والامتثال الدعوي؛ وهذا يعني أنها
تنأى بتلك القبائل عن مفهوم قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ
وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أتقاكم..]
[الحجرات: ١٣] .
وهذا معناه: من الناحية العملية افتراق الكلمة، وبث بذور العداوة وتنمية
روح البغضاء، وتوسيع التنابز بالألقاب؛ بما يؤدي إلى تفتيت الوحدة الحقيقية
واستهلاك الطاقات الشعبية فيما يضر ولاينفع، مما يوهن الكيان الإسلامي ويضعف
تماسكه، ثم يؤدي به في نهاية المطاف إلى أن يكون لقمة سائغة في فم أعداء الأمة
ومبغضيها.
إن القبائل هي مادة سواد المسلمين، ويلاحظ قصور كبير لدى الإسلاميين في
قيامهم بمهام الدعوة على منهاج أهل السنة والجماعة في تلك القبائل الكثيرة المبثوثة
في طول العالم الإسلامي وعرضه، مما جعل ساحتها فارغة، فاقتنص العلمانيون
هذه الفرصة ليملؤوها بغثاء أفكارهم الهابطة وآرائهم الهدامة.
ولاشك أن جنوح القبائل نحو المشاركات الديمقراطية فيه مؤشر كاف للتدليل
على نجاح العلمانيين في اقتحام حصون الإسلام، من خلال التأثير على زعماء
القبائل ورواد توجيهها، وإننا نأمل أن يولي الإسلاميون القبائل والعشائر ماتستحق
من الاهتمام وبذل الجهد؛ لتسلك السبيل القويم والمنهاج الصحيح، فتكون رافداً
غزيراً للعمل الإسلامي الدعوي التغييري المنضبط بالنصوص الشرعية والواعي
لساحة الواقع، وما فيها من دهاليز وماتكتنفها من مؤثرات.
منظور العامة:
أقصد بالعامة: أغلبية الناس، وهم العوام الذين يشكلون في العالم الثالث
الطبقة الكبرى، وهؤلاء يقسمون إلى شرائح: فمنهم أميون، ومنهم مثقفون ثقافة
محدودة، وأغلبهم عمال وفلاحون ومهنيون، ومعظمهم غير منتمين إلى الأحزاب،
فيستفاد من ضوضائهم وصراخهم في الهتافات والمظاهرات وإحداث الضجة وتعميم
الصخب.
إن هذه الطبقة غالباً ماتكون في ضنك من العيش ومكابدة للحياة، فهي في كدّ
لا ينقطع، تسعى ليل نهار لتحصيل قوت يومها وسد جوعة أبنائها، وإن كثيراً
منهم لايفلح في الوصول إلى خط الكفاف، فهم بمثابة الغريق، يفتش عما يمكن أن
ينقذه وإن كانت قشة، ولما كانت الأحزاب ترفع شعار الدفاع عن الفقير والمسكين
وعن المكفوف والملهوف، وأنها من خلال الديمقراطية ومعارك المجالس النيابية
ستعيد للمظلوم حقوقه وتدفع عنه أسباب الفاقة والعوز، لذلك نظر العامة إليها أي
الأحزاب المنادية بالديمقراطية على أنها طريق لحل أزماتهم وتحصيل حاجاتهم،
فهي وسيلة مشروعة، من وجهة نظرهم، للحصول على مكاسب معيشية، بل
رفاهية حياتية، فتدافع العامة للانتساب إليها (تنظيماً حزبياً وشعاراً ديمقراطياً) ، فتم
سوقهم في أنفاق الديمقراطية، ثم انساحوا في دروبها ومسالكها، وصاروا لها داعين
وللاحتكام إليها مطالبين! !
ورغم أن جميع هؤلاء من المسلمين أقصد في البلاد الإسلامية فإنهم لم يفطنوا
إلى أن ما يرومونه من حل لمشكلاتهم وإشكالاتهم لايتحصل لهم إلا في دوحة
الإسلام وظلالها الوارفة، وماسبب ذلك إلا جهلهم به لطول عهدهم بهجره؛
ولتقصير كثير من علمائه في القيام بحقه، فالإسلام لدى أغلب العوام عادة موروثة
تنحصر في (سجادة الصلاة وسبحة ألفية) ! وعلاقة بين العبد وربه لاشأن لها بأي
منحى من نواحي الحياة.
ولذلك تعلق العوام بالديمقراطية، بعد أن قدمها لهم الإعلام على أنها المنقذ من
مهاوي الجهل والفقر، وباعتبارها أيضاً طريقاً مفتوحًاً أمامهم يغريهم بالمشاركة في
الحكم وصنع القرار السياسي، دون أن يدركوا أن هذا الطريق المنفسح مد
أبصارهم نظرياً لايستطيعون سلوكه عملياً لانعدام حصولهم على مقومات ولوجه،
فضلاً عن اقتحام قلاعه واجتياح حصونه، إن العوام في هذا البحر الخضم كالسمك
الذي هجر قاعه المكتنز بأصناف الغذاء ولاذ بالسباحة قرب السطح يفتش عن فتات
خبز يلقيه إليه صياد، فما يكاد يزدرده حتى يحس بوخز رأس السنارة وهي تنغرز
في جوفه، وليست إلا لحظات، فإذا به هامد الحركة في سلة صائده!
فعجباً لمن يَدَعُون غذاء الإسلام ويجرون وراء فتات خبز الديمقراطية
فتصطادهم سنارة العلمانية لتلقي بهم في سلة أعداء الإسلام، وربما فقدوا حياتهم
الإيمانية التي لا استمرار حقيقياً لوجودها إلا باتباعهم دين الله المنزل من السماء،
ولقد مرت على العالم الإسلامي عهود، ولاتزال تسلط فيها الطواغيت، وصادروا
الحريات ونكلوا بالمعارضين؛ فأصبح الناس لايتكلمون إلا همساً، ولايذكرون
مطالبهم إلا تورية، ولا يعبرون عن مشاعرهم إلا في مسارب أوردة أفئدتهم،
فتراهم يعدون على أنفسهم أنفاسهم؛ ويحصون على ألسنتهم ألفاظهم، فعندما بلغت
القلوب الحناجر، وتجاوز السيل الزبى، قيل لهم: ها هي أبواب الديمقراطية قد
أشرعت، وأقداحها قد أترعت، فادخلوها آمنين، وارتووا من كؤوسها هانئين! !
فازدحموا على فجاجها أفواجاً أفواجاً، وتلاطموا على حيازة كراسي نيابتها أمواجاً،
ولسان حالهم يقول: هذه دار حريتنا ومُبوّأ استرداد كرامتنا!
إن الديمقراطية بمعناها الشامل المتضمن انعتاق الحرية عن كل انضباط
شرعي أتاحت للطغام من العوام من العلمانيين وأمثالهم، أن يتخذوا منها مظلة
لانحراف أخلاقهم وإظهار خلاعتهم وكشف عوراتهم نساءً ورجالاً باسم الحرية
الشخصية، بل أتاحت لهم أن يوظفوا أقلامهم، وينفثوا حقدهم الأسود على كل
مايمت للإسلام والمسلمين بصلة، وقد وجد هؤلاء العوام في الديمقراطية ملاذاً، في
ظله يمارسون المنكر باسم الحب، ويعاقرون الخمر باسم المشروبات الروحية،
ويبتلعون أموال الناس ربوياً باسم الفائدة، فلهذا السبب يأله هؤلاء الطغام
الديمقراطية، ويكرهون الإسلام، إن الديمقراطية تتيح لهم فرصة نشر فسادهم في
عامة الناس، حتى يصبح ذلك بينهم عادة، ومن يخرج عليه يستحق الإبادة! ! .
وأما الأحزاب، فإنهم يرون في هؤلاء العوام مادة خاماً يكثرون بها سوادهم،
ويستفيدون من أصواتهم الانتخابية، بل يستخدمونهم في تنفيذ أهدافهم ونشر
دعاياتهم والدفع بهم في نحور خصومهم! !
وإن من العجب حقاً، أن هؤلاء المستضعفين، رغم سوء حال معيشتهم
ومحدودية دخولهم، فإنهم يقعون ضحية للديمقراطيين الذين يدفعونهم للتبرع بأموالهم، على حساب اللقمة التي يقتطعونها من أفواه أطفالهم، عن طريق التأثير على
مشاعرهم واستمطار عواطفهم، رافعين الشعارات البراقة، وباذلين الوعود
المهراقة! !
وأما العوام، بل وغير العوام من أصحاب الديانات الأخرى، فإنهم يعتبرون
الديمقراطية مكسباً؛ لأنها تبعد المسلمين عن الإمساك بزمام السلطة، فضلاً عن
كونها مظلة قانونية تتيح لهم نشر أباطيلهم وترهاتهم! ! (للحديث بقية)
стр. 2136
في دائرة الضوء
فقه مراتب الأعمال
بقلم: د.سعد الدين العثماني
الفقه استنباط للمعاني:
اتفقت نصوص الكتاب والسنة على أهمية الفقه بالنسبة للمسلم، وحثت على
طلبه وإعلاء شأنه، ففي الصحيحين عن معاوية أنه سمع النبي -صلى الله عليه
وسلم- يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) [١] ، والفقه: الفهم؛ فهم
معاني الكلام ومراميه وإنزاله منازله.
وثبت في نصوص أخرى أن الفقه ليس هو حفظ النصوص واستعراضها،
وإدراك ظواهر ألفاظها، فعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: (مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أَرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب
أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، شربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها
أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت كلأً، فذلك مثل من فَقُه في دين الله
ونفعه الله به فَعلم وعَلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي
أرسلت به) [٢] .
فالمستجيبون لما بعث الله به رسوله صنفان: صنف أول: تلقى الهدى والعلم
فأنبت منه (الكلأ والعشب الكثير) علما وعملاً، إذ فَجّر من ذلك علماً وفقهاً كثيراً
نفع الله به، وصنف ثان: نقل الهدى والعلم كما تلقاه، فهو بمثابة الأرض التي
يستقر فيها الماء فينفع به الناس.. فالأولون فقهاء والأخيرون حفظة، ولكلٍ دوره
ومكانته.
وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال: (نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها،
ثم بلّغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه
منه) [٣] ، وهذا التأكيد نفسه على أن حمل النصوص وحفظها لايصنف وحده الإنسان في دائرة الفقهاء، بل هو في حاجة إلى شروط زائدة: فطرية ومكتسبة. ...
ولذلك لم يكن الصحابة ﵃ كلهم في مستوى واحد من الفقه أو
الحفظ، بل كان منهم فقهاء عرفوا بعمق الاستنباط ودقة الفهم والقدرة على الغوص
في عمق التشريع، من أمثال الخلفاء الراشدين وعبد الله بن عباس، وكان منهم
قراء حفظوا القرآن وأتقنوا حروفه، وأحكموا آياته من أمثال زيد بن ثابت، وكان
منهم محدثون انصرفت همتهم إلى حفظ الحديث وإتقانه مثل أبي هريرة وكان لكل
منهم حظ معين في التخصصات الثلاثة كلها، إلا أن همته كانت مصروفة أكثر إلى
الفقه أو القراءة أو حفظ الحديث. وهناك من اشتهر في الفقه والحفظ كليهما مثل
عائشة أم المؤمنين ﵃ جميعاً) .
وعندما دعا الرسول ﷺ لابن عباس بقوله: (اللهم فقهه
في الدين) [٤] لم يكن المقصود أن يكثر حفظه للنصوص أو أن يدرك ظواهر
ألفاظها فقط، بل المقصود من الدعاء: أن يبارك في فهمه واستنباطه، حتى
يستخرج من النصوص كنوزها، ويدرك من الكلام معانيه ومراميه؛ لذلك كانت
أرضه من أطيب الأراضي وأخصبها، قبلت الهدى والعلم النبويين، فأنبتت من كل
زوج كريم.
يقول ابن تيمية وهو يعقد المقارنة بين حفظ أبي هريرة وفقه ابن عباس:
(وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ !
وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق: يؤدي الحديث كما سمعه
ويدرسه بالليل درساً، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ماحفظه كما سمعه،
وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار
منها، واستخراج كنوزها) [٥] .
وهكذا فإن على شباب الصحوة الإسلامية أن يدركوا أن مجرد قراءة
النصوص وحفظها ليس فقهاً، بل الفقه شيء زائد عن مجرد الألفاظ، وهذا أمر
ورد واضحاً في قوله (تعالى) : [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] [النساء: ٨٢] : قال ابن كثير في تفسير الآية:
(يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه) ، فالكلام أن معنى يستنبط يستخرج، يقول: (ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقه الاستنباط،
إذ إن موضوعات الألفاظ لاتنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه
والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذم من سمع ظاهراً مجرداً فأذاعه وأفشاه،
وحمد من استنبط، من أولي العلم حقيقته ومعناه) .
لذلك فإن معرفة فنون العلم والفقه الواردين في الشرع، وتتبع تقريرات علماء
السلف في ذلك هو وحده العاصم من الخروج عن مراد الشرع نظراً وعملا، وهو
الهادي للسداد والتوفيق ولخيري الدنيا والآخرة.
المقصود بفقه مراتب الأعمال:
هو من أنواع الفقه التي يجب أن يتعلمها المسلم ويهتم بها، وهو يعني: العلم
بفاضل الأعمال ومفضولها، وأرجحها ومرجوحها، فإن كانت الأعمال طاعة علم
أيّها أحب إلى الله وأكثرها أجراً وثواباً، وإن كانت معصية علم أيّها أبغض إلى الله
وأكثرها وزراً وعقوبة، وإن كانت الأعمال وسيلة إلى أهداف معينة (المقاصد
الشرعية مثلاً) علم أيّها أقدر على تحقيق هذه الأهداف، وأيّها أولى بذلك، وإن كان
الإنسان أمام بدائل متعددة من خير أو شر، علم خير الخيرين وشر الشرين، وإذا
جهل المسلم أي الأعمال أفضل وأولى لاشك أن ينفق وقته وجهده وماله في أجر أقل
ويفوت ماهو أجل وأعظم، وأنه اختلطت لديه مراتب الأعمال واختل لديه توازنها
قد يصل إلى عكس مقصود الشرع؛ فيأثم من حيث يريد أن يغنم، أو إلى عكس
مقصوده في الواقع؛ فيفسد من حيث يريد أن يصلح.
القرآن الكريم ومراتب الأعمال:
وقد وردت آيات عديدة في كتاب الله تبين أن الأعمال ليست كلها
في درجة واحدة، بل تختلف درجاتها في الخير، كما تختلف دركاتها في الشر.
ومن ذلك قوله (تعالى) : [إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]
[البقرة: ٢٧١] . قال ابن كثير: (فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها) [*] .
ومن ذلك أيضا قوله (تعالى) : [أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ
كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي
القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [التوبة: ١٩] ففاضلت الآية بين أمرين كلاهما طاعة وقربة،
وبينت أنهما لايستويان عند الله (تعالى) .
وفي قوله (تعالى) : [لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ] [القدر: ٣] دليل على
أن عبادة وقيام ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر.
كما بين القرآن الكريم في آيات أخرى: أن المحرمات منها الكبائر والصغائر، فقال (تعالى) : [إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم
مُّدْخَلاً كَرِيماً] [النساء: ٣١] ، وقال سبحانه مادحاً عباده المحسنين: [الَّذِينَ
يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ] [النجم: ٣٢] . فدلت الآيتان على أن
المنهيات قسمان: كبائر، وأخرى دونها سميت في الآية الأولى سيئات، وفي
الثانية لمَماً. قال ابن كثير (لأن اللمَمَ من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال) .
السنة النبوية ومراتب الأعمال:
والسنة النبوية زاخرة بالنماذج والأمثلة لتفاضل الأعمال والتكاليف الشرعية
التي يجب على المسلم مراعاتها في عبادته وحركته في الحياة، وربما يكون أجمع
حديث في ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
(الإيمان بضع وسبعون أوبضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) [٦] .
وقد سئل الرسول ﷺ مراراً عن: أي الإسلام أفضل، أو
أيه خير فأجاب، وإنما المقصود أي أعمال المسلم أفضل أو أخير؛ ولذلك بوب
الإمام النووي لأحاديث رواها مسلم في صحيحه من ذلك النوع، فقال: (باب بيان
تفاضل الإسلام، أو أي أموره أفضل) [٧] .
وفي المقابل بينت أحاديث عديدة كون الذنوب أنواعاً ومراتب، فعن أبي بكرة
عن أبيه قال: قال رسول الله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يارسول الله.
قال ثلاثاً: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) وكان متكئاً فجلس فقال: (ألا وقول
الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور) [٨] . وعن عبد الله بن
مسعود قال: قلت يارسول الله: أي الذنوب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو
خلقك) ، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك) [٩] .
أصول الفقه يضع القواعد:
وانطلاقاً مما مر، فقد اتفقت الأمة على أن الأحكام الشرعية التي كلف بها
المسلم أنواع ومراتب، وليست على ميزان واحد، كما اتفق جمهور العلماء على
انقسام مأمورات الشرع إلى واجبات ومستحبات، وانقسام منهياته إلى مكروهات
ومحرمات. يقول مجد الدين ابن تيمية في المسودة: (اتفق الفقهاء والمتكلمون على
أن أحكام الشرع تنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم ومكروه ومباح) [١٠] .
ولأن الواجب على المسلم أن يضع كل أمر شرعي موضعه، ولايخلط بين
أنواع الأحكام أو يتعامل معها كيفما اتفق، فقد بين العلماء والأصوليون منهم
بالخصوص تعريف كل نوع من الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة، ووضعوا قواعد
لكيفية استنباطها وأساليب التفريق بينها، كما قرروا أنه لذلك لايجوز أن يُسوّى بين
الواجب والمندوب (لافي القول ولا في الفعل ولافي الاعتقاد) [١١] ، ولايسوى بين
الحرام والمكروه [١٢] ، ولا بين المباح وبين المندوب والمكروه [١٣] ، يقول
الشاطبي: (الواجبات لاتستقر واجبات إلا إذا لم يُسوّ بينها وبين غيرها من الأحكام، فلا تُترك ولايُسامح في تركها البتة، كما أن المحرمات لاتستقر كذلك إلا إذا لم
يسوّ بينها وبين غيرها من الأحكام فلاتفعل، ولايسامح في فعلها) [١١] .
والمصالح الشرعية مقسمة إلى: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات،
وهي مرتبة هذا الترتيب، فإن الأوامر المتعلقة بالأمور الضروية كما يقول الشاطبي: (ليست كالأوامر الشرعية المتعلقة بالأمور الحاجية ولا التحسينية، ولا الأمور
المكملة للضروريات كالضروريات أنفسها، بل بينهما تفاوت معلوم، بل
الضروريات ليست في الطلب على وزان واحد، كالطلب المتعلق بأصل الدين ليس
في التأكيد كالنفس، ولا النفس كالعقل إلى سائر أصناف الضروريات، والحاجيات
كذلك..) [١٤] .
إذاً لايكفي المسلم أن يعلم ما أَمَر به الشرع أو مانهى عنه، بل عليه أن يعلم
أيضا درجة الأمر أو النهي، وأن ينزل كل ذلك مرتبته دون إفراط ولاتفريط.
فقه مراتب الأعمال خاصةُ العلماء بهذا الدين:
وقد وصف الإمام ابن تيمية فقه مراتب الأعمال بأنه حقيقة الدين، وحقيقة
العمل بما جاءت به الرسل، وبأنه خاصة العلماء بهذا الدين. يقول: (فتفطن
لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد،
بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند
المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس
المعروف وجنس المنكر، وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيراً. فأما مراتب
المنكر ومراتب الدليل، بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعو إليه،
وتنكر أنكر المنكرين: وترجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا
الدين) [١٥] .
أما تلميذه ابن القيم فقد اعتبر انشغال الإنسان بالأعمال المفضولة عن الفاضلة
من عقبات الشيطان التي لايتجاوزها المسلم إلا بفقه في الأعمال ومراتبها، إن
الشيطان في هذه العقبة يأمر الإنسان ويُحَسّن له الأعمال المرجوحة المفضولة من
الطاعات، ويريه مافيها من الفضل والربح؛ ليشغله بها عما هو أفضل وأعظم كسبا
وربحاً، (لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح،
وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له) ، ثم قال ابن القيم:
(فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، ومعرفة
مقاديرها، والتمييز بين عاليها، وسافلها، ومفضولها وفاضلها، ورئيسها
ومرؤوسها، وسيدها ومسودها؛ فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا، ورئيساً
ومرؤوسا، وذروة وما دونها ... ولايقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من
أولي العلم، السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل
ذي حق حقه) [١٦] .
غياب حس الأولويات:
لقد كان لعدم الاهتمام بتعليم المسلم هذا الفقه الجليل آثار قد تكون بعيدة المدى
وشديدة الضرر دنيا، وأخرى. ومن تلك النتائج:
١- ضياع الأجر: فالجاهل بمراتب الأعمال يهتم بالعمل قليل الأجر على
حساب كثير الأجر، ويضيع الجهد الكبير للحصول على حسنات قليلة وتروي لنا
السنة من ذلك أمثلة كثيرة فعن أنس قال: كنا مع النبي ﷺ في
السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً
صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام وقام المفطرون،
فضربوا الأبنية وسقوا الرّكَاب، فقال رسول الله (ذهب المفطرون اليوم
بالأجر) [١٧] .
وقد يصل الأمر إلى حد تضييع أصل الأجر نفسه، فعن أبي هريرة قال: قال
رجل: يارسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي
جيرانها بلسانها قال: (هي في النار) قال: يارسول الله فإن فلانة ... يذكر من قلة
صيامها، وصدقتها وصلاتها، وأنها تصدق بالأثوار من الأقط (أي بالقطع من اللبن
المجفف) ولاتؤذي جيرانها، قال: (هي في الجنة) [١٨] .
كما أن ابن الجوزي قد ذكر أمثلة متعددة لدى العبّاد بالخصوص، كلها ناتج
عن قلة الفقه بمراتب الأعمال، قال مثلا: (وقد لبّس إبليس على جماعة من
المتعبدين، فأكثروا من صلاة الليل وفيهم من يسهره كله ويفرح بقيام الليل وصلاة
الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة، أو
يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة أو يصبح كسلاناً فلا يقدر على الكسب لعائلته) [١٩] .
٢- سوء فهم الشريعة: إن الجهل بمراتب الأعمال عندما يكون عاماً، يؤدي
إلى فوضى فكرية عارمة، تشوه الشريعة وتخل بتوازنها، لقد أرسى الشرع بين
المأمورات والمنهيات توازنا لايجوز الإخلال به، تماما كَنِسَب الدواء الواحد، قد
يؤدي تغييرها إلى إفساده وإلغاء خصائصه، إن لم ينقلب إلى سم قاتل، ومن ذلك
أن المسلم اليوم مثلا قد أضحى عنده ترتيب جديد لأوامر الشرع، يجعل الشعائر
التعبدية (فرائض ومستحبات) أعلى مرتبة من سائر الواجبات والفرائض الأخرى،
وأوكد من ترك منهيات الشرع (محرمات ومكروهات) .
٣- غياب حس الأولويات في الدعوة: فسوء فهم الشريعة واختلاط مراتب
أحكامها يؤدي إلى عجز الدعاة عن البدء بما يجب البدء به. فإذا كان في أحكام
الدين واجب ومستحب، وفاضل ومفضول، فإن الدعوة إلى الواجب والفاضل مقدم
على الدعوة إلى مادونها، لكننا نرى من بين شباب الصحوة الإسلامية ودعاتها من
ينشغل بالمسائل المرجوحة والأحكام الخلافية، وتُبدد الجهود والطاقات فيها،
والأولى البدء بالدعوة إلى أصول العقيدة والشريعة، وبذل الجهد في معالجة القضايا
المصيرية الكبرى للأمة. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد من اعتبار
درجة المعروف ودرجة المنكر، حتى لايُفسد الإنسان بدل أن يصلح، وحتى لاينفّر
بدل أن يبشر، ولذلك اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه: (إذا كان الشخص أو
الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لايفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما
جميعاً أو يتركوهما جميعاً لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر بل
ينظر، فإن كان المعروف أكثر، أُمر به، وإن استلزم ماهو دونه من المنكر ولم
ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب
الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نُهي عنه، وإن استلزم ماهو دونه من المعروف، ويكون
الأمر بذلك المعروف المستلزِم للمنكر الزائد عليه، أمراً بمنكر وسعياً في معصية
الله ورسوله) [٢٠] إن هذا النص تطبيق رائع لفقه مراتب الأعمال وتقديم الراجح
منها، وقد صاغ الأصوليون ذلك في قواعد تشريعية هادية مثل: دفع أشد المفسدتين
بأخفهما. والإتيان بأعظم المصلحتين وتفويت أدناهما، وتقديم المصلحة الراجحة
على المفسدة الخفيفة، وعدم ترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة..
ولايستقيم عمل دعوي إلا بفقه هذه الأصول والقواعد والالتزام بها، فعسى أن
يوفق أبناء الصحوة الإسلامية وشبابها إلى ذلك، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2137
متابعات
نقطة فوق الفاصلة
بقلم: محمود عبد العزيز
طالعت بمزيد من الإعجاب التوضيح الذي جاء في العدد (٩٠) تحت عنوان
(فاصلة أدبية) والذي ذُكرت فيه وجهة نظر التحرير تجاه الشعر الحر المنشور
بالمجلة.
وإذا كنت أُعجبت بالفاصلة كمقطوعة أدبية راقية الأداء رشيقة التعبير إلا أنني
أختلف معكم حول ما ترمي إليه، واختلاف المسلمين لا يفسد لودهم قضية، بل
أرى أن هذا الأداء الأدبي الراقي استعمل لتمرير وجهة النظر المؤيدة للشعر الحر
بطريقة ناعمة ممتعة.
وإذا سمحتم أن تسمعوا لأحد المتطفلين على مائدتكم الثقافية العامرة، فإني
أحب أن أذكر وجهة نظر أخرى، وقد عودتمونا على تقبل عرض آراء متنوعة
انطلاقاً من ممارسة واعية للنقد الذاتي.
فالناظر في التوضيح الذي جاء في الفاصلة يَخْلُص إلى أن المراد توضيحه
نقطتان:
أولاً: الشكل الشعري لبعض قصائد الشعر المنشورة، التي أُطلق عليها
تجاوزاً (شعر التفعيلة) .
ثانياً: الغموض الشعري في بعض القصائد المنشورة.
والناظر في القصائد المنشورة بالبيان الأدبي يلحظ امتزاج النقطتين غالباً،
وكأن هناك علاقة عضوية بين الغموض والشعر الحر.
ففي الشكل ذكرتم ما خلاصته: أن الالتزام يكون بالفصحى وعدم العبثية
والشكلية المحضة مع قبول أشكال أدبية جديدة لا يعترضها (نص شرعي صريح،
أو رأي فقهي صحيح) .
ولنراجع مقاطع بعض النصوص الشعرية على ضوء (معبر) شعر التفعيلة
الذي ذكر في صدر (الفاصلة) ، ولن نذهب بعيداً، بل سنطوي صفحة واحدة بعد
نهاية (الفاصلة) لنقرأ:
(باسم كشف السر عن خارطة الأموات (دي جاما ... ) .
ثم: (يرسم: المدخل والمخرج، والأبعاد، هبوب الريح، هزات المدارات،
المضيقات ... ) .
على أي تفعيلة هذا الشعر؟ ! بل ما الفرق بينه وبين النثر غير أنه متقطع
السطور؟ ! ولنبحث في القصيدة نفسها عن الفصحى في مثل: (في علبة
ديتولٍ) ... (لم ينس التنوين) و (خلطة كيك!) (دوزن ناظريك) ، فهكذا يشمل التفلت من الفصحى المفردات اللاتينية والمولّدات الفارسية.
وإذا كنا ننزهكم عن العبثية في المعنى، فإن العبثية في الشكل تجاوزت
التغاضي عن ذريعة (التفعيلة) لتصل إلى (العدمية) ، ومن يريد التأكد فليراجع
قصيدة (معالم) في العدد (٨٤) ، حيث نلاحظ الشعر النقطي! :
(يدعم الأكبر (قيصر) ! ! .........) (هكذا)
وفي العدد (٨٦) قصيدة (أهازيج دماء اليقظة) للشاعر نفسه:
(صوت ٤.... . سْ) (هكذا: سين مفردة ساكنة بعد حشد نقطي) .
ولكن في العدد (٨٩) التطويري: تطورت الأبيات النقطية عدداً فبلغت ثلاثة
أبيات! ! .
وبالطبع فلن نسأل عن التفعيلة ولا عن الفصحى لعدم وجود ألفاظ أصلاً،
وهذه المرة الأولى التي أشاهد فيها حسب اطلاعي المحدود شعراً يقرأ بل يُنظر ولا
يُلقى ولا يُسمع! ! ، وبالطبع فإن المعنى مدفون في أغور بطن الشاعر، والاجتهاد
في الوصول إليه مسؤولية كل منقّب!
وقد تمت هذه التجاوزات في نظري تحت دعوى مطلقة، هي: قبول أشكال
أدبية جديدة، في حين اعتبرتم أن الضابط لها: ألا يعترض هذه الأشكال نص
شرعي صريح أو رأي فقهي صحيح.
وإذ كنت أعتبر أن التجديد والمرونة ضروريان لانتعاش الإبداع الأدبي وعدم
خنقه، إلا أنه من غير المقبول إطلاق هذه الدعوى لتهدم وتبني الأشكال الأدبية
بزعم عدم معارضتها لنص شرعي أو رأي فقهي، فإذا كنا نقبل هذا الضابط في
الحكم على المعاني التي ترمي إليها الأهداف والغايات الموضوعية للإبداع الأدبي
إلا أنه لا يصلح وحده معياراً للحكم على الشكل الأدبي، بل نستطيع القول: إن هذا
يعتبر مدخلاً لدعاة تكريس العامية بدل الفصحى، ولدعاة كتابة العربية بأحرف
لاتينية، فالتعامل الجاف المتعسف مع النصوص الشرعية والآراء الفقهية لا يمنع
ذلك إذا كانت وحدها هي المعيار في قبول أو رفض الشكل الأدبي! ! .
والمسألة أكبر من مجموعة كلمات تفتقد إلى قافية وبحر شعري، فهي تعود
إلى هوية أمة تفقد شخصيتها بسقوط مشخصاتها تباعاً لتذوب في شخصية حضارة
أخرى، واللغة واللباس من أهم عناصر شخصية أي أمة، لذا: رأينا أتاتورك
حريصاً على تحويل ومسخ مظاهر هذه العناصر أثناء أَوْرَبة المجتمع التركي،
ورأينا أيضاً وعي بقية من علماء الدولة العثمانية بأبعاد هذا التحول فيما عرف
بمعركة القبعة والطربوش، فالمسألة ليست مجرد فتوى في غطاء رأس لم يأت فيه
نص شرعي (لاحظ أن الطربوش أيضاً ليس فيه نص شرعي صريح ولا رأي فقهي
صحيح! ! (ولكنها مسألة أمة يراد القضاء عليها حضاريّاً عبر هدم مشخصاتها.
ومن هنا أرى شخصيّاً أن هناك فرقاً بين قبول أشكال أدبية جديدة لم تكن
معروفة في الأدب العربي من قبل كالمسرحية والرواية والقصة والمقال وتغيير شكل
القصيدة الشعرية العربية ليوافق شكل القصيدة الأوروبية؛ فالشعر العربي لم نكتشفه
الآن حتى نحدد أو لا نحدد ملامح شكل بنائه، بل تطور عبر مراحل طويلة
استغرقت سنوات عديدة ليصل إلى كمال تجاوبه مع الذوق العربي ونغم العربية،
كما رأيناه في أول قصيدة جاهلية وصلتنا وحتى اليوم، وليس من المعقول الاستغناء
عن قواعد هذا البناء لمجرد أن الشعر الحر جديد ومستحدث، فجدته وحداثته وحتى
قبوله ورواجه عند الآخرين ليست مبررات لقبوله بدون تحقيق أو تمحيص شكلاً
مزاحماً لبناء القصيدة العربية التي حافظت على شكلها عبر آلاف السنين، ولم
يتغير هذا الشكل إلا بالتزام مزيد من الضوابط كما في الموشحات الأندلسية إثباتاً
لتفوق شعراء الأندلس والمغرب العربي على شعراء المشرق العربي وقتها.
فما الذي حدث حتى يحدث الانقلاب على القصيدة العربية؟ .
الذي حدث هو الهزيمة النفسية المريعة التي خيمت على عالمنا الإسلامي في
العصور المتأخرة:
فالشعر (الحر) لم يحدث إلا بعد الانبهار بحضارة العالم (الحر) المتمدين! ! .
والشعر (الحر) ارتبطت نشأته بأدباء مشبوهي التوجهات، مشبوهي الانتماء.
والشعر (الحر) استخدم فيه مبرر هدم قيم أخرى للأمة (الحرية (، فالزندقة
والإلحاد كانا باسم: (حرية الفكر والعقيدة) ، والانحلال وهدم الأسرة كانا باسم
(تحرير المرأة) ، والربا والاحتكار كانا باسم (تحرير الاقتصاد) و (السوق الحرة) .
فالهزيمة النفسية الأدبية جعلت الشعر الأوروبي معياراً للقصيدة، فلماذا لم
نحاكم الشعر الأوروبي إلى وزن وقافية القصيدة العربية؟ ! ! ولماذا لم تظهر
دعوات بهذا المعنى بين أدباء أوروبا؟ ! لأنهم يدركون اختلاف الذوق الأوروبي
والنغم اللاتيني عن الذوق العربي ونغم العربية، ولأنهم (تراثيون تقليديون) ؛ فشكل
قصيدتهم باقٍ كما هو لم يتغير، ولم يتغير إلا البناء الموضوعي، وهذا ما حدث
أيضاً في الشعر العربي الذي كان من تقاليده في القصيدة الجاهلية البدء بالمطلع
الغزلي، ثم الانتقال إلى أغراض شعرية أخرى، فتطور هذا البناء الموضوعي إلى
الوحدة الموضوعية للقصيدة.
حقّاً إن (الأديب يجب أن يكون حرّاً طليقّاً، إلا أنه لا بد من أن تكون هناك
مناطق تحريم ومناطق إباحة.. وأنه لا يكون فن ما لم تكن هناك أطر فضفاضة
ترعى، وضوابط وحدود تحمي (الفن) من أن تنتهك حرماته، فيختلط الفن بغير
الفن، والادعاء والشعبذة بالصدق والأصالة، فلا ضوابط تميز وتفرق بين هذا
وذاك.
الفن هو الاقتدار على الضبط، والبراعة في إحسان التحرك، وإجادة
التصرف والحركة في أضيق المساحات والمجالات وأدق الأطر، دون المساس بها
أو خدشها وتشويهها أو المروق عليها) [*] .
أما عن الغموض الشعري فإننا نطالبكم فقط بما جاء في (الفاصلة) : أن يتحلى
أدبنا بقدر من الوضوح، يجعله (امتداداً لنبل حسان ﵁) لا أن نكتفي
بكونه صالحاً للدرس في قاعات المحاضرات، وتحليل النقاد على صفحات الكتب
والصحف والمجلات، نطالبكم بالأدب الذي ينسل من بين دفات الكتب ويخترق
جدران القاعات ليخالط شغاف قلوب الجماهير المسلمة ليصنعوا منه أنشودة الأمل
الموعود، ويرموا بها قراصنة الأمم، بل قراصنة الفكر.
تعقيب
الأخ الكريم محمود عبد العزيز.. ها نحن نشرنا رأيك كاملا، احتفاءً منا
بالاستقبال المنتج الفاعل، الذي ننتظره من قرائنا تجاوباً وحواراً مع كل ما ننشره
على صدر المجلة، وسنعلق على عدد من النقاط التي أثرتها، مع تقديرنا لوجهة
نظرك وإن اختلفنا معها:
* لازلنا عند الضابط الذي حددناه في قبول الأشكال الأدبية، وهو (أن
لايعترضها نص شرعي صريح، أو رأيٌ فقهي صحيح) إذ إن أحكام الأوزان
الخليلية والنقد الجمالي في تراثنا ليس من الثابت المعصوم، بل هو كسب نسبي من
المتجدد الطامح إلى الأكمل والأجمل. فهو عطاء بشري، وليس وحياً شرعياً منزلاً
ملزماً، كما أن الذوق الجمالي ليس قيمة مطلقة، يمتلكها جيل دون جيل، أو أمة
دون أخرى، ومثلما أن إحلال الحرام بغير نص شرعي صريح، أو رأي فقهي
صحيح قولٌ على الله بغير علم، فإن تحريم الحلال مثله في الإثم، وإنما يختلف
الناس بأذواقهم، بناءً على بيئاتهم، وتجاربهم، ومعارفهم؛ ولذا فإننا نقدم ما
يرضي الذوق الخليلي، كما نرضي ذوق المحب للجديد من الأشكال الأدبية بتقنياتها
الجمالية المعاصرة، والنص المستكملُ لأدواته الفنية والجمالية على مستوى الشكل،
المنتظم في إطار الرؤية الإسلامية من جهة الدلالة مقدّمٌ على غيره عند النشر،
سواءٌ أكان عمودياً أو من شعر التفعيلة. وليس نشرنا للأخير مجرد حب للتجديد مع
أن حب التجدد نعمة في ذاتها ولكنه ضرورة تستحثنا كي نكون متفوقين، وحتى
نكون إشعاعاً لاظلاً! نمتلكُ أصول الأشكال الجمالية والفنية، ونواجهُ بها مضامين
الشعر العلماني الحديثة الخائبة.
وتكريسُ العامية بديلاً من الفصحى أو كتابة العربية بالحروف اللاتينية
مرفوضٌ بالرأي الفقهي الصحيح، المستقرئ للنص الشرعي من الكتاب والسنة، لا
بأمور أخرى كما يظن الكاتب الكريم.
* نهمس في أُذن أخينا حتى لايتعجل في الحكم، فنحن بالفعل إلى هذا العدد
لم ننشر إلا القصيدة العمودية أو شعر التفعيلة، وحتى النماذج التي ذكرها الأخ
الكريم، ليست من الشعر المنثور في شيء فما اجتزأه من قصيدة (جغرافيا الرقاب)
مثلاً يهيمن على إيقاعه تفعيلة (فاعلاتن (بتنوعاتها المذكورة في علم العروض، ولو
كتبنا الكلمات بلغة العروض الإشارية فسيكون (باسم كشف السر عن خارطه
الأموات دي جاما) .. هكذا: (/٥//٥/٥ /٥//٥/٥ ///٥/٥ /٥//٥/٥ /٥) وكذا
البقية؛ فهي ليست مجرد نثر متقطع السطور كما ذكرت. ثم إننا لانرفض النقد
الأدبي الواعي، لما ننشره من نصوص بل نبحث عنه، ونلح على ذوي الموهبة
المصقولة بالمعرفة أن يمارسوه على صفحات المجلة، غير أن النقد المنهجي للنص
الأدبي مشروط بالانطلاق من رؤية متكاملة له، لأن النص كائن حي، كل جزء
منه تتحدّد قيمته ووظيفته من خلال صلته ببقية الأجزاء، في شبكة من العلاقات
التي تُنتج بمجموعها تأثيرَ النص في وعي القارئ وعاطفته، كما تنتج دلالات
النص وإيحاءاته، أما اجتزاءُ سطر من نص شعري والنظر إليه معزولاً عن شبكة
العلاقات التي تجسده، وعن وظيفته الدلالية داخل النص باعتباره امتداداً لما سبقه،
وجسراً إلى مابعده، فإنه تمزيق للنص يشبه عمل من يقطع اليد من الجسد، ثم
يلوح بها متسائلا: ماقيمة هذه القطعة الميتة؟ مع أن النص المكتوب يستفيد من
إمكانات الرؤية البصرية في التعويض بالإشارات الكتابية عن الدلالات التي تقدمها
اللغة المنطوقة، ومايصحبها من تلوينات في الأداء، كدلالات النبر والتنغيم، مما
لايظهر في اللغة المكتوبة، وهي قدرات أفاد منها الإنسان كثيرا بانتشار الطباعة،
وحقق بها وظائف نفعية وجمالية عديدة.
أخيرا فإن تبادل التأثّر والتأثير بين الآداب أمر قديم مشهود، والتغيرات في
أجناس الكتابة الأدبية، وأشكالها، وتوصيفاتها الجمالية والفنية أمرٌ مشهود ومشترك
بين آداب الأمم المختلفة، والأمة الفاعلة الراغبة في التأثير يغيظها أن يكون على
الأرض ملمح من حق أو خير أو جمال ثم لاتمتلكه! .
التحرير الأدبي
стр. 2138
بريد البيان
وفاة عالم صومالي:
وصلنا من الأخ: محمد حسين معلم مقالة تعرف بفضيلة الشيخ نور الدين
على الصومالي، أحد المؤسسين الأوائل للدعوة السلفية في الصومال، الذي توفي
في ٤/٦/١٤١٦ عن عمر يناهز (٨١) سنة، وهو من الشمال الشرقي في الصومال، تلقى العلم عن كثير من العلماء ودرس في دار الحديث المكية والأزهر وعاد
داعية في بلاده للعقيدة السلفية، عانى كثيرا من مضايقات المبتدعين وسجن عدة
مرات في عهد (بري) ، ثم اضطر للهجرة إلى كينيا وأوغندا حيث واصل دعوته في
معهد (بلال الإسلامي) بكينيا، ومعهد (كيسوا) في ممباسا، وتخرج على يديه العديد
من الدعاة، وله كثير من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة في (هداية المستفيد من
علم التوحيد) و (التعظيم المشروع للرسول الكريم والتعظيم المبتدع) رحم الله الفقيد
وأسكنه فسيح جناته. وسيصدر للكاتب دراسة موسعة عن الشيخ ضمن دراسة عن
علماء الصومال وجهودهم في الدعوة الإسلامية.
عادل بن محمد أمين مقيم
ملاحظاتك واقتراحاتك محل العناية والتقدير، شاكرين لك حرصك واهتمامك. وفقنا الله لما يحبه ويرضاه.
الأخ / محمود أبو فروة
نشكر لك مراسلتك المجلة، أما مقالك الحواري فهو مناسب للزوايا الخفيفة في
المجلات الأسبوعية، فنعتذر عن نشره، ومرحباً بك في مشاركات أخرى
عبد الله الدخيل
ستصلك رسالة خاصة بخصوص طلبك إن شاء الله.
فيصل اليوسف
نشكرك على اهتمامك بنفع القراء، ونعتذر عن نشر قصيدتيك (لضعفهما فنياً) ، ونحن في انتظار مشاركات أخرى.
سعيد غرم الله الغامدي
نشكرك على ثنائك على المجلة، ومتابعتك لها. نسأل الله أن
نكون من المتحابين فيه.
مسلم عبد الوهاب
نشكرك على مشاركتك، والموضوع عام، وشواهده من غير مجتمعاتنا في
الغالب فضلاً عن كونه مصوراً ولاحكم للإسلام فيه، لذا نعتذر عن نشره.
عبد الله البسيمي
ما أرسلته من ثناء نشكرك عليه، أما ملاحظاتك فهي موضع الاهتمام من
أسرة التحرير، نسأل الله أن يجعلنا وإياك من المتعاونين على البر
والتقوى.
صابر إبراهيم
كلامك عن أخلاق النبي ﷺ صحيح لاغبار عليه، نسأل
الله أن يوفقنا للاقتداء به.
محمد عايض القحطاني
نشكرك على ثنائك على التطوير للمجلة، وما كتبته من اقتراحات وجيهة هي
محل اهتمامنا، ولعلها ترى النور قريباً إن شاء الله.
стр. 2139
الورقة الأخيرة
ما وراء الوهن
بقلم: د. محمد بن ظافر الشهري
في بلد من بلاد المسلمين التي تحتضن ألواناً شتى من البدع، التقيت بأحد
أئمة المساجد ودار بيننا حوار قصير، انتهى بإقرار الرجل بأن ما يفعله أدبار
المكتوبات، إنما هو من البدع المحدثة، ووعد بالعمل على التخلص من تلكم البدعة
بالطريقة المناسبة.
وتمضي الأيام، وأعود للصلاة خلف ذلك الإمام، فإذا به يمارس البدعة ذاتها
التي تحاورنا بشأنها، ويبرر عكوفه عليها: بأن الناس لم يوافقوا على تركها! ! ؛
لقد كان يريد أن يقول بوضوح: دعني آكل (لقمة عيشي) .
لقد كان ذلك البلد فقيراً، ولكن المشكلة لا تخص بلداً بعينه، فالمرض منتشر
بين المسلمين، ولكن حجم (اللقمة) قد يختلف، كما أن الأعراض تختلف من بلد
إلى آخر، فتارة تتمثل في تمرير البدع، وتارة تكون غير ذلك..، وربما خفيت
الأعراض أحياناً.
إن مصيبتنا اليوم لم تقف عند حد (حب الدنيا وكراهية الموت) ، بل وصلت
بنا إلى حد (حب الترف وكراهية الشظف) ، وبذل كل شيء في سبيل هذا الحب
(العذري) الذي قلما يلام عليه العشاق.
وهكذا فلم تعد الضرورات الدنيوية -بل ولا الحاجيات- هي مناط الرخصة
في ارتكاب بعض المحظورات؛ ولكن نوافل التحسينيات اليوم تعد كافية عند فئام
من الناس لتبرير الذنوب.. وربما الموبقات.
كم هو مؤلم أن تفقد حدود الله هيبتها في القلوب إلى الحد الذي توضع فيه
الشريعة الغراء في كفة وتوضع الخميلة والخميصة في الكفة الأخرى، والأدهى
والأمرّ أن ترجح كفة العرض الدنيوي عند كثير من الناس.
لقد رجعت إلى القرآن العظيم فكان جلاءً لما أصابني من حزن، فحمدت الله
(تعالى) وطفقت أتلو قوله : [مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي
حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ]
[الشورى: ٢٠] .