في دائرة الضوء
فقه مراتب الأعمال
بقلم: د.سعد الدين العثماني
الفقه استنباط للمعاني:
اتفقت نصوص الكتاب والسنة على أهمية الفقه بالنسبة للمسلم، وحثت على
طلبه وإعلاء شأنه، ففي الصحيحين عن معاوية أنه سمع النبي -صلى الله عليه
وسلم- يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) [١] ، والفقه: الفهم؛ فهم
معاني الكلام ومراميه وإنزاله منازله.
وثبت في نصوص أخرى أن الفقه ليس هو حفظ النصوص واستعراضها،
وإدراك ظواهر ألفاظها، فعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: (مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أَرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب
أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، شربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها
أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت كلأً، فذلك مثل من فَقُه في دين الله
ونفعه الله به فَعلم وعَلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي
أرسلت به) [٢] .
فالمستجيبون لما بعث الله به رسوله صنفان: صنف أول: تلقى الهدى والعلم
فأنبت منه (الكلأ والعشب الكثير) علما وعملاً، إذ فَجّر من ذلك علماً وفقهاً كثيراً
نفع الله به، وصنف ثان: نقل الهدى والعلم كما تلقاه، فهو بمثابة الأرض التي
يستقر فيها الماء فينفع به الناس.. فالأولون فقهاء والأخيرون حفظة، ولكلٍ دوره
ومكانته.
وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال: (نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها،
ثم بلّغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه
منه) [٣] ، وهذا التأكيد نفسه على أن حمل النصوص وحفظها لايصنف وحده الإنسان في دائرة الفقهاء، بل هو في حاجة إلى شروط زائدة: فطرية ومكتسبة. ...
ولذلك لم يكن الصحابة ﵃ كلهم في مستوى واحد من الفقه أو
الحفظ، بل كان منهم فقهاء عرفوا بعمق الاستنباط ودقة الفهم والقدرة على الغوص
في عمق التشريع، من أمثال الخلفاء الراشدين وعبد الله بن عباس، وكان منهم
قراء حفظوا القرآن وأتقنوا حروفه، وأحكموا آياته من أمثال زيد بن ثابت، وكان
منهم محدثون انصرفت همتهم إلى حفظ الحديث وإتقانه مثل أبي هريرة وكان لكل
منهم حظ معين في التخصصات الثلاثة كلها، إلا أن همته كانت مصروفة أكثر إلى
الفقه أو القراءة أو حفظ الحديث. وهناك من اشتهر في الفقه والحفظ كليهما مثل
عائشة أم المؤمنين ﵃ جميعاً) .
وعندما دعا الرسول ﷺ لابن عباس بقوله: (اللهم فقهه
في الدين) [٤] لم يكن المقصود أن يكثر حفظه للنصوص أو أن يدرك ظواهر
ألفاظها فقط، بل المقصود من الدعاء: أن يبارك في فهمه واستنباطه، حتى
يستخرج من النصوص كنوزها، ويدرك من الكلام معانيه ومراميه؛ لذلك كانت
أرضه من أطيب الأراضي وأخصبها، قبلت الهدى والعلم النبويين، فأنبتت من كل
زوج كريم.
يقول ابن تيمية وهو يعقد المقارنة بين حفظ أبي هريرة وفقه ابن عباس:
(وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ !
وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق: يؤدي الحديث كما سمعه
ويدرسه بالليل درساً، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ماحفظه كما سمعه،
وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار
منها، واستخراج كنوزها) [٥] .
وهكذا فإن على شباب الصحوة الإسلامية أن يدركوا أن مجرد قراءة
النصوص وحفظها ليس فقهاً، بل الفقه شيء زائد عن مجرد الألفاظ، وهذا أمر
ورد واضحاً في قوله (تعالى) : [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] [النساء: ٨٢] : قال ابن كثير في تفسير الآية:
(يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه) ، فالكلام أن معنى يستنبط يستخرج، يقول: (ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقه الاستنباط،
إذ إن موضوعات الألفاظ لاتنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه
والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذم من سمع ظاهراً مجرداً فأذاعه وأفشاه،
وحمد من استنبط، من أولي العلم حقيقته ومعناه) .
لذلك فإن معرفة فنون العلم والفقه الواردين في الشرع، وتتبع تقريرات علماء
السلف في ذلك هو وحده العاصم من الخروج عن مراد الشرع نظراً وعملا، وهو
الهادي للسداد والتوفيق ولخيري الدنيا والآخرة.
المقصود بفقه مراتب الأعمال:
هو من أنواع الفقه التي يجب أن يتعلمها المسلم ويهتم بها، وهو يعني: العلم
بفاضل الأعمال ومفضولها، وأرجحها ومرجوحها، فإن كانت الأعمال طاعة علم
أيّها أحب إلى الله وأكثرها أجراً وثواباً، وإن كانت معصية علم أيّها أبغض إلى الله
وأكثرها وزراً وعقوبة، وإن كانت الأعمال وسيلة إلى أهداف معينة (المقاصد
الشرعية مثلاً) علم أيّها أقدر على تحقيق هذه الأهداف، وأيّها أولى بذلك، وإن كان
الإنسان أمام بدائل متعددة من خير أو شر، علم خير الخيرين وشر الشرين، وإذا
جهل المسلم أي الأعمال أفضل وأولى لاشك أن ينفق وقته وجهده وماله في أجر أقل
ويفوت ماهو أجل وأعظم، وأنه اختلطت لديه مراتب الأعمال واختل لديه توازنها
قد يصل إلى عكس مقصود الشرع؛ فيأثم من حيث يريد أن يغنم، أو إلى عكس
مقصوده في الواقع؛ فيفسد من حيث يريد أن يصلح.
القرآن الكريم ومراتب الأعمال:
وقد وردت آيات عديدة في كتاب الله تبين أن الأعمال ليست كلها
في درجة واحدة، بل تختلف درجاتها في الخير، كما تختلف دركاتها في الشر.
ومن ذلك قوله (تعالى) : [إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]
[البقرة: ٢٧١] . قال ابن كثير: (فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها) [*] .
ومن ذلك أيضا قوله (تعالى) : [أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ
كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي
القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [التوبة: ١٩] ففاضلت الآية بين أمرين كلاهما طاعة وقربة،
وبينت أنهما لايستويان عند الله (تعالى) .
وفي قوله (تعالى) : [لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ] [القدر: ٣] دليل على
أن عبادة وقيام ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر.
كما بين القرآن الكريم في آيات أخرى: أن المحرمات منها الكبائر والصغائر، فقال (تعالى) : [إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم
مُّدْخَلاً كَرِيماً] [النساء: ٣١] ، وقال سبحانه مادحاً عباده المحسنين: [الَّذِينَ
يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ] [النجم: ٣٢] . فدلت الآيتان على أن
المنهيات قسمان: كبائر، وأخرى دونها سميت في الآية الأولى سيئات، وفي
الثانية لمَماً. قال ابن كثير (لأن اللمَمَ من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال) .
السنة النبوية ومراتب الأعمال:
والسنة النبوية زاخرة بالنماذج والأمثلة لتفاضل الأعمال والتكاليف الشرعية
التي يجب على المسلم مراعاتها في عبادته وحركته في الحياة، وربما يكون أجمع
حديث في ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
(الإيمان بضع وسبعون أوبضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) [٦] .
وقد سئل الرسول ﷺ مراراً عن: أي الإسلام أفضل، أو
أيه خير فأجاب، وإنما المقصود أي أعمال المسلم أفضل أو أخير؛ ولذلك بوب
الإمام النووي لأحاديث رواها مسلم في صحيحه من ذلك النوع، فقال: (باب بيان
تفاضل الإسلام، أو أي أموره أفضل) [٧] .
وفي المقابل بينت أحاديث عديدة كون الذنوب أنواعاً ومراتب، فعن أبي بكرة
عن أبيه قال: قال رسول الله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يارسول الله.
قال ثلاثاً: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) وكان متكئاً فجلس فقال: (ألا وقول
الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور) [٨] . وعن عبد الله بن
مسعود قال: قلت يارسول الله: أي الذنوب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو
خلقك) ، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك) [٩] .
أصول الفقه يضع القواعد:
وانطلاقاً مما مر، فقد اتفقت الأمة على أن الأحكام الشرعية التي كلف بها
المسلم أنواع ومراتب، وليست على ميزان واحد، كما اتفق جمهور العلماء على
انقسام مأمورات الشرع إلى واجبات ومستحبات، وانقسام منهياته إلى مكروهات
ومحرمات. يقول مجد الدين ابن تيمية في المسودة: (اتفق الفقهاء والمتكلمون على
أن أحكام الشرع تنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم ومكروه ومباح) [١٠] .
ولأن الواجب على المسلم أن يضع كل أمر شرعي موضعه، ولايخلط بين
أنواع الأحكام أو يتعامل معها كيفما اتفق، فقد بين العلماء والأصوليون منهم
بالخصوص تعريف كل نوع من الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة، ووضعوا قواعد
لكيفية استنباطها وأساليب التفريق بينها، كما قرروا أنه لذلك لايجوز أن يُسوّى بين
الواجب والمندوب (لافي القول ولا في الفعل ولافي الاعتقاد) [١١] ، ولايسوى بين
الحرام والمكروه [١٢] ، ولا بين المباح وبين المندوب والمكروه [١٣] ، يقول
الشاطبي: (الواجبات لاتستقر واجبات إلا إذا لم يُسوّ بينها وبين غيرها من الأحكام، فلا تُترك ولايُسامح في تركها البتة، كما أن المحرمات لاتستقر كذلك إلا إذا لم
يسوّ بينها وبين غيرها من الأحكام فلاتفعل، ولايسامح في فعلها) [١١] .
والمصالح الشرعية مقسمة إلى: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات،
وهي مرتبة هذا الترتيب، فإن الأوامر المتعلقة بالأمور الضروية كما يقول الشاطبي: (ليست كالأوامر الشرعية المتعلقة بالأمور الحاجية ولا التحسينية، ولا الأمور
المكملة للضروريات كالضروريات أنفسها، بل بينهما تفاوت معلوم، بل
الضروريات ليست في الطلب على وزان واحد، كالطلب المتعلق بأصل الدين ليس
في التأكيد كالنفس، ولا النفس كالعقل إلى سائر أصناف الضروريات، والحاجيات
كذلك..) [١٤] .
إذاً لايكفي المسلم أن يعلم ما أَمَر به الشرع أو مانهى عنه، بل عليه أن يعلم
أيضا درجة الأمر أو النهي، وأن ينزل كل ذلك مرتبته دون إفراط ولاتفريط.
فقه مراتب الأعمال خاصةُ العلماء بهذا الدين:
وقد وصف الإمام ابن تيمية فقه مراتب الأعمال بأنه حقيقة الدين، وحقيقة
العمل بما جاءت به الرسل، وبأنه خاصة العلماء بهذا الدين. يقول: (فتفطن
لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد،
بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند
المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس
المعروف وجنس المنكر، وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيراً. فأما مراتب
المنكر ومراتب الدليل، بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعو إليه،
وتنكر أنكر المنكرين: وترجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا
الدين) [١٥] .
أما تلميذه ابن القيم فقد اعتبر انشغال الإنسان بالأعمال المفضولة عن الفاضلة
من عقبات الشيطان التي لايتجاوزها المسلم إلا بفقه في الأعمال ومراتبها، إن
الشيطان في هذه العقبة يأمر الإنسان ويُحَسّن له الأعمال المرجوحة المفضولة من
الطاعات، ويريه مافيها من الفضل والربح؛ ليشغله بها عما هو أفضل وأعظم كسبا
وربحاً، (لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح،
وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له) ، ثم قال ابن القيم:
(فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، ومعرفة
مقاديرها، والتمييز بين عاليها، وسافلها، ومفضولها وفاضلها، ورئيسها
ومرؤوسها، وسيدها ومسودها؛ فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا، ورئيساً
ومرؤوسا، وذروة وما دونها ... ولايقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من
أولي العلم، السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل
ذي حق حقه) [١٦] .
غياب حس الأولويات:
لقد كان لعدم الاهتمام بتعليم المسلم هذا الفقه الجليل آثار قد تكون بعيدة المدى
وشديدة الضرر دنيا، وأخرى. ومن تلك النتائج:
١- ضياع الأجر: فالجاهل بمراتب الأعمال يهتم بالعمل قليل الأجر على
حساب كثير الأجر، ويضيع الجهد الكبير للحصول على حسنات قليلة وتروي لنا
السنة من ذلك أمثلة كثيرة فعن أنس قال: كنا مع النبي ﷺ في
السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً
صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام وقام المفطرون،
فضربوا الأبنية وسقوا الرّكَاب، فقال رسول الله (ذهب المفطرون اليوم
بالأجر) [١٧] .
وقد يصل الأمر إلى حد تضييع أصل الأجر نفسه، فعن أبي هريرة قال: قال
رجل: يارسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي
جيرانها بلسانها قال: (هي في النار) قال: يارسول الله فإن فلانة ... يذكر من قلة
صيامها، وصدقتها وصلاتها، وأنها تصدق بالأثوار من الأقط (أي بالقطع من اللبن
المجفف) ولاتؤذي جيرانها، قال: (هي في الجنة) [١٨] .
كما أن ابن الجوزي قد ذكر أمثلة متعددة لدى العبّاد بالخصوص، كلها ناتج
عن قلة الفقه بمراتب الأعمال، قال مثلا: (وقد لبّس إبليس على جماعة من
المتعبدين، فأكثروا من صلاة الليل وفيهم من يسهره كله ويفرح بقيام الليل وصلاة
الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة، أو
يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة أو يصبح كسلاناً فلا يقدر على الكسب لعائلته) [١٩] .
٢- سوء فهم الشريعة: إن الجهل بمراتب الأعمال عندما يكون عاماً، يؤدي
إلى فوضى فكرية عارمة، تشوه الشريعة وتخل بتوازنها، لقد أرسى الشرع بين
المأمورات والمنهيات توازنا لايجوز الإخلال به، تماما كَنِسَب الدواء الواحد، قد
يؤدي تغييرها إلى إفساده وإلغاء خصائصه، إن لم ينقلب إلى سم قاتل، ومن ذلك
أن المسلم اليوم مثلا قد أضحى عنده ترتيب جديد لأوامر الشرع، يجعل الشعائر
التعبدية (فرائض ومستحبات) أعلى مرتبة من سائر الواجبات والفرائض الأخرى،
وأوكد من ترك منهيات الشرع (محرمات ومكروهات) .
٣- غياب حس الأولويات في الدعوة: فسوء فهم الشريعة واختلاط مراتب
أحكامها يؤدي إلى عجز الدعاة عن البدء بما يجب البدء به. فإذا كان في أحكام
الدين واجب ومستحب، وفاضل ومفضول، فإن الدعوة إلى الواجب والفاضل مقدم
على الدعوة إلى مادونها، لكننا نرى من بين شباب الصحوة الإسلامية ودعاتها من
ينشغل بالمسائل المرجوحة والأحكام الخلافية، وتُبدد الجهود والطاقات فيها،
والأولى البدء بالدعوة إلى أصول العقيدة والشريعة، وبذل الجهد في معالجة القضايا
المصيرية الكبرى للأمة. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد من اعتبار
درجة المعروف ودرجة المنكر، حتى لايُفسد الإنسان بدل أن يصلح، وحتى لاينفّر
بدل أن يبشر، ولذلك اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه: (إذا كان الشخص أو
الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لايفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما
جميعاً أو يتركوهما جميعاً لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر بل
ينظر، فإن كان المعروف أكثر، أُمر به، وإن استلزم ماهو دونه من المنكر ولم
ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب
الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نُهي عنه، وإن استلزم ماهو دونه من المعروف، ويكون
الأمر بذلك المعروف المستلزِم للمنكر الزائد عليه، أمراً بمنكر وسعياً في معصية
الله ورسوله) [٢٠] إن هذا النص تطبيق رائع لفقه مراتب الأعمال وتقديم الراجح
منها، وقد صاغ الأصوليون ذلك في قواعد تشريعية هادية مثل: دفع أشد المفسدتين
بأخفهما. والإتيان بأعظم المصلحتين وتفويت أدناهما، وتقديم المصلحة الراجحة
على المفسدة الخفيفة، وعدم ترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة..
ولايستقيم عمل دعوي إلا بفقه هذه الأصول والقواعد والالتزام بها، فعسى أن
يوفق أبناء الصحوة الإسلامية وشبابها إلى ذلك، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2137
متابعات
نقطة فوق الفاصلة
بقلم: محمود عبد العزيز
طالعت بمزيد من الإعجاب التوضيح الذي جاء في العدد (٩٠) تحت عنوان
(فاصلة أدبية) والذي ذُكرت فيه وجهة نظر التحرير تجاه الشعر الحر المنشور
بالمجلة.
وإذا كنت أُعجبت بالفاصلة كمقطوعة أدبية راقية الأداء رشيقة التعبير إلا أنني
أختلف معكم حول ما ترمي إليه، واختلاف المسلمين لا يفسد لودهم قضية، بل
أرى أن هذا الأداء الأدبي الراقي استعمل لتمرير وجهة النظر المؤيدة للشعر الحر
بطريقة ناعمة ممتعة.
وإذا سمحتم أن تسمعوا لأحد المتطفلين على مائدتكم الثقافية العامرة، فإني
أحب أن أذكر وجهة نظر أخرى، وقد عودتمونا على تقبل عرض آراء متنوعة
انطلاقاً من ممارسة واعية للنقد الذاتي.
فالناظر في التوضيح الذي جاء في الفاصلة يَخْلُص إلى أن المراد توضيحه
نقطتان:
أولاً: الشكل الشعري لبعض قصائد الشعر المنشورة، التي أُطلق عليها
تجاوزاً (شعر التفعيلة) .
ثانياً: الغموض الشعري في بعض القصائد المنشورة.
والناظر في القصائد المنشورة بالبيان الأدبي يلحظ امتزاج النقطتين غالباً،
وكأن هناك علاقة عضوية بين الغموض والشعر الحر.
ففي الشكل ذكرتم ما خلاصته: أن الالتزام يكون بالفصحى وعدم العبثية
والشكلية المحضة مع قبول أشكال أدبية جديدة لا يعترضها (نص شرعي صريح،
أو رأي فقهي صحيح) .
ولنراجع مقاطع بعض النصوص الشعرية على ضوء (معبر) شعر التفعيلة
الذي ذكر في صدر (الفاصلة) ، ولن نذهب بعيداً، بل سنطوي صفحة واحدة بعد
نهاية (الفاصلة) لنقرأ:
(باسم كشف السر عن خارطة الأموات (دي جاما ... ) .
ثم: (يرسم: المدخل والمخرج، والأبعاد، هبوب الريح، هزات المدارات،
المضيقات ... ) .
على أي تفعيلة هذا الشعر؟ ! بل ما الفرق بينه وبين النثر غير أنه متقطع
السطور؟ ! ولنبحث في القصيدة نفسها عن الفصحى في مثل: (في علبة
ديتولٍ) ... (لم ينس التنوين) و (خلطة كيك!) (دوزن ناظريك) ، فهكذا يشمل التفلت من الفصحى المفردات اللاتينية والمولّدات الفارسية.
وإذا كنا ننزهكم عن العبثية في المعنى، فإن العبثية في الشكل تجاوزت
التغاضي عن ذريعة (التفعيلة) لتصل إلى (العدمية) ، ومن يريد التأكد فليراجع
قصيدة (معالم) في العدد (٨٤) ، حيث نلاحظ الشعر النقطي! :
(يدعم الأكبر (قيصر) ! ! .........) (هكذا)
وفي العدد (٨٦) قصيدة (أهازيج دماء اليقظة) للشاعر نفسه:
(صوت ٤.... . سْ) (هكذا: سين مفردة ساكنة بعد حشد نقطي) .
ولكن في العدد (٨٩) التطويري: تطورت الأبيات النقطية عدداً فبلغت ثلاثة
أبيات! ! .
وبالطبع فلن نسأل عن التفعيلة ولا عن الفصحى لعدم وجود ألفاظ أصلاً،
وهذه المرة الأولى التي أشاهد فيها حسب اطلاعي المحدود شعراً يقرأ بل يُنظر ولا
يُلقى ولا يُسمع! ! ، وبالطبع فإن المعنى مدفون في أغور بطن الشاعر، والاجتهاد
في الوصول إليه مسؤولية كل منقّب!
وقد تمت هذه التجاوزات في نظري تحت دعوى مطلقة، هي: قبول أشكال
أدبية جديدة، في حين اعتبرتم أن الضابط لها: ألا يعترض هذه الأشكال نص
شرعي صريح أو رأي فقهي صحيح.
وإذ كنت أعتبر أن التجديد والمرونة ضروريان لانتعاش الإبداع الأدبي وعدم
خنقه، إلا أنه من غير المقبول إطلاق هذه الدعوى لتهدم وتبني الأشكال الأدبية
بزعم عدم معارضتها لنص شرعي أو رأي فقهي، فإذا كنا نقبل هذا الضابط في
الحكم على المعاني التي ترمي إليها الأهداف والغايات الموضوعية للإبداع الأدبي
إلا أنه لا يصلح وحده معياراً للحكم على الشكل الأدبي، بل نستطيع القول: إن هذا
يعتبر مدخلاً لدعاة تكريس العامية بدل الفصحى، ولدعاة كتابة العربية بأحرف
لاتينية، فالتعامل الجاف المتعسف مع النصوص الشرعية والآراء الفقهية لا يمنع
ذلك إذا كانت وحدها هي المعيار في قبول أو رفض الشكل الأدبي! ! .
والمسألة أكبر من مجموعة كلمات تفتقد إلى قافية وبحر شعري، فهي تعود
إلى هوية أمة تفقد شخصيتها بسقوط مشخصاتها تباعاً لتذوب في شخصية حضارة
أخرى، واللغة واللباس من أهم عناصر شخصية أي أمة، لذا: رأينا أتاتورك
حريصاً على تحويل ومسخ مظاهر هذه العناصر أثناء أَوْرَبة المجتمع التركي،
ورأينا أيضاً وعي بقية من علماء الدولة العثمانية بأبعاد هذا التحول فيما عرف
بمعركة القبعة والطربوش، فالمسألة ليست مجرد فتوى في غطاء رأس لم يأت فيه
نص شرعي (لاحظ أن الطربوش أيضاً ليس فيه نص شرعي صريح ولا رأي فقهي
صحيح! ! (ولكنها مسألة أمة يراد القضاء عليها حضاريّاً عبر هدم مشخصاتها.
ومن هنا أرى شخصيّاً أن هناك فرقاً بين قبول أشكال أدبية جديدة لم تكن
معروفة في الأدب العربي من قبل كالمسرحية والرواية والقصة والمقال وتغيير شكل
القصيدة الشعرية العربية ليوافق شكل القصيدة الأوروبية؛ فالشعر العربي لم نكتشفه
الآن حتى نحدد أو لا نحدد ملامح شكل بنائه، بل تطور عبر مراحل طويلة
استغرقت سنوات عديدة ليصل إلى كمال تجاوبه مع الذوق العربي ونغم العربية،
كما رأيناه في أول قصيدة جاهلية وصلتنا وحتى اليوم، وليس من المعقول الاستغناء
عن قواعد هذا البناء لمجرد أن الشعر الحر جديد ومستحدث، فجدته وحداثته وحتى
قبوله ورواجه عند الآخرين ليست مبررات لقبوله بدون تحقيق أو تمحيص شكلاً
مزاحماً لبناء القصيدة العربية التي حافظت على شكلها عبر آلاف السنين، ولم
يتغير هذا الشكل إلا بالتزام مزيد من الضوابط كما في الموشحات الأندلسية إثباتاً
لتفوق شعراء الأندلس والمغرب العربي على شعراء المشرق العربي وقتها.
فما الذي حدث حتى يحدث الانقلاب على القصيدة العربية؟ .
الذي حدث هو الهزيمة النفسية المريعة التي خيمت على عالمنا الإسلامي في
العصور المتأخرة:
فالشعر (الحر) لم يحدث إلا بعد الانبهار بحضارة العالم (الحر) المتمدين! ! .
والشعر (الحر) ارتبطت نشأته بأدباء مشبوهي التوجهات، مشبوهي الانتماء.
والشعر (الحر) استخدم فيه مبرر هدم قيم أخرى للأمة (الحرية (، فالزندقة
والإلحاد كانا باسم: (حرية الفكر والعقيدة) ، والانحلال وهدم الأسرة كانا باسم
(تحرير المرأة) ، والربا والاحتكار كانا باسم (تحرير الاقتصاد) و (السوق الحرة) .
فالهزيمة النفسية الأدبية جعلت الشعر الأوروبي معياراً للقصيدة، فلماذا لم
نحاكم الشعر الأوروبي إلى وزن وقافية القصيدة العربية؟ ! ! ولماذا لم تظهر
دعوات بهذا المعنى بين أدباء أوروبا؟ ! لأنهم يدركون اختلاف الذوق الأوروبي
والنغم اللاتيني عن الذوق العربي ونغم العربية، ولأنهم (تراثيون تقليديون) ؛ فشكل
قصيدتهم باقٍ كما هو لم يتغير، ولم يتغير إلا البناء الموضوعي، وهذا ما حدث
أيضاً في الشعر العربي الذي كان من تقاليده في القصيدة الجاهلية البدء بالمطلع
الغزلي، ثم الانتقال إلى أغراض شعرية أخرى، فتطور هذا البناء الموضوعي إلى
الوحدة الموضوعية للقصيدة.
حقّاً إن (الأديب يجب أن يكون حرّاً طليقّاً، إلا أنه لا بد من أن تكون هناك
مناطق تحريم ومناطق إباحة.. وأنه لا يكون فن ما لم تكن هناك أطر فضفاضة
ترعى، وضوابط وحدود تحمي (الفن) من أن تنتهك حرماته، فيختلط الفن بغير
الفن، والادعاء والشعبذة بالصدق والأصالة، فلا ضوابط تميز وتفرق بين هذا
وذاك.
الفن هو الاقتدار على الضبط، والبراعة في إحسان التحرك، وإجادة
التصرف والحركة في أضيق المساحات والمجالات وأدق الأطر، دون المساس بها
أو خدشها وتشويهها أو المروق عليها) [*] .
أما عن الغموض الشعري فإننا نطالبكم فقط بما جاء في (الفاصلة) : أن يتحلى
أدبنا بقدر من الوضوح، يجعله (امتداداً لنبل حسان ﵁) لا أن نكتفي
بكونه صالحاً للدرس في قاعات المحاضرات، وتحليل النقاد على صفحات الكتب
والصحف والمجلات، نطالبكم بالأدب الذي ينسل من بين دفات الكتب ويخترق
جدران القاعات ليخالط شغاف قلوب الجماهير المسلمة ليصنعوا منه أنشودة الأمل
الموعود، ويرموا بها قراصنة الأمم، بل قراصنة الفكر.
تعقيب
الأخ الكريم محمود عبد العزيز.. ها نحن نشرنا رأيك كاملا، احتفاءً منا
بالاستقبال المنتج الفاعل، الذي ننتظره من قرائنا تجاوباً وحواراً مع كل ما ننشره
على صدر المجلة، وسنعلق على عدد من النقاط التي أثرتها، مع تقديرنا لوجهة
نظرك وإن اختلفنا معها:
* لازلنا عند الضابط الذي حددناه في قبول الأشكال الأدبية، وهو (أن
لايعترضها نص شرعي صريح، أو رأيٌ فقهي صحيح) إذ إن أحكام الأوزان
الخليلية والنقد الجمالي في تراثنا ليس من الثابت المعصوم، بل هو كسب نسبي من
المتجدد الطامح إلى الأكمل والأجمل. فهو عطاء بشري، وليس وحياً شرعياً منزلاً
ملزماً، كما أن الذوق الجمالي ليس قيمة مطلقة، يمتلكها جيل دون جيل، أو أمة
دون أخرى، ومثلما أن إحلال الحرام بغير نص شرعي صريح، أو رأي فقهي
صحيح قولٌ على الله بغير علم، فإن تحريم الحلال مثله في الإثم، وإنما يختلف
الناس بأذواقهم، بناءً على بيئاتهم، وتجاربهم، ومعارفهم؛ ولذا فإننا نقدم ما
يرضي الذوق الخليلي، كما نرضي ذوق المحب للجديد من الأشكال الأدبية بتقنياتها
الجمالية المعاصرة، والنص المستكملُ لأدواته الفنية والجمالية على مستوى الشكل،
المنتظم في إطار الرؤية الإسلامية من جهة الدلالة مقدّمٌ على غيره عند النشر،
سواءٌ أكان عمودياً أو من شعر التفعيلة. وليس نشرنا للأخير مجرد حب للتجديد مع
أن حب التجدد نعمة في ذاتها ولكنه ضرورة تستحثنا كي نكون متفوقين، وحتى
نكون إشعاعاً لاظلاً! نمتلكُ أصول الأشكال الجمالية والفنية، ونواجهُ بها مضامين
الشعر العلماني الحديثة الخائبة.
وتكريسُ العامية بديلاً من الفصحى أو كتابة العربية بالحروف اللاتينية
مرفوضٌ بالرأي الفقهي الصحيح، المستقرئ للنص الشرعي من الكتاب والسنة، لا
بأمور أخرى كما يظن الكاتب الكريم.
* نهمس في أُذن أخينا حتى لايتعجل في الحكم، فنحن بالفعل إلى هذا العدد
لم ننشر إلا القصيدة العمودية أو شعر التفعيلة، وحتى النماذج التي ذكرها الأخ
الكريم، ليست من الشعر المنثور في شيء فما اجتزأه من قصيدة (جغرافيا الرقاب)
مثلاً يهيمن على إيقاعه تفعيلة (فاعلاتن (بتنوعاتها المذكورة في علم العروض، ولو
كتبنا الكلمات بلغة العروض الإشارية فسيكون (باسم كشف السر عن خارطه
الأموات دي جاما) .. هكذا: (/٥//٥/٥ /٥//٥/٥ ///٥/٥ /٥//٥/٥ /٥) وكذا
البقية؛ فهي ليست مجرد نثر متقطع السطور كما ذكرت. ثم إننا لانرفض النقد
الأدبي الواعي، لما ننشره من نصوص بل نبحث عنه، ونلح على ذوي الموهبة
المصقولة بالمعرفة أن يمارسوه على صفحات المجلة، غير أن النقد المنهجي للنص
الأدبي مشروط بالانطلاق من رؤية متكاملة له، لأن النص كائن حي، كل جزء
منه تتحدّد قيمته ووظيفته من خلال صلته ببقية الأجزاء، في شبكة من العلاقات
التي تُنتج بمجموعها تأثيرَ النص في وعي القارئ وعاطفته، كما تنتج دلالات
النص وإيحاءاته، أما اجتزاءُ سطر من نص شعري والنظر إليه معزولاً عن شبكة
العلاقات التي تجسده، وعن وظيفته الدلالية داخل النص باعتباره امتداداً لما سبقه،
وجسراً إلى مابعده، فإنه تمزيق للنص يشبه عمل من يقطع اليد من الجسد، ثم
يلوح بها متسائلا: ماقيمة هذه القطعة الميتة؟ مع أن النص المكتوب يستفيد من
إمكانات الرؤية البصرية في التعويض بالإشارات الكتابية عن الدلالات التي تقدمها
اللغة المنطوقة، ومايصحبها من تلوينات في الأداء، كدلالات النبر والتنغيم، مما
لايظهر في اللغة المكتوبة، وهي قدرات أفاد منها الإنسان كثيرا بانتشار الطباعة،
وحقق بها وظائف نفعية وجمالية عديدة.
أخيرا فإن تبادل التأثّر والتأثير بين الآداب أمر قديم مشهود، والتغيرات في
أجناس الكتابة الأدبية، وأشكالها، وتوصيفاتها الجمالية والفنية أمرٌ مشهود ومشترك
بين آداب الأمم المختلفة، والأمة الفاعلة الراغبة في التأثير يغيظها أن يكون على
الأرض ملمح من حق أو خير أو جمال ثم لاتمتلكه! .
التحرير الأدبي
стр. 2138
بريد البيان
وفاة عالم صومالي:
وصلنا من الأخ: محمد حسين معلم مقالة تعرف بفضيلة الشيخ نور الدين
على الصومالي، أحد المؤسسين الأوائل للدعوة السلفية في الصومال، الذي توفي
في ٤/٦/١٤١٦ عن عمر يناهز (٨١) سنة، وهو من الشمال الشرقي في الصومال، تلقى العلم عن كثير من العلماء ودرس في دار الحديث المكية والأزهر وعاد
داعية في بلاده للعقيدة السلفية، عانى كثيرا من مضايقات المبتدعين وسجن عدة
مرات في عهد (بري) ، ثم اضطر للهجرة إلى كينيا وأوغندا حيث واصل دعوته في
معهد (بلال الإسلامي) بكينيا، ومعهد (كيسوا) في ممباسا، وتخرج على يديه العديد
من الدعاة، وله كثير من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة في (هداية المستفيد من
علم التوحيد) و (التعظيم المشروع للرسول الكريم والتعظيم المبتدع) رحم الله الفقيد
وأسكنه فسيح جناته. وسيصدر للكاتب دراسة موسعة عن الشيخ ضمن دراسة عن
علماء الصومال وجهودهم في الدعوة الإسلامية.
عادل بن محمد أمين مقيم
ملاحظاتك واقتراحاتك محل العناية والتقدير، شاكرين لك حرصك واهتمامك. وفقنا الله لما يحبه ويرضاه.
الأخ / محمود أبو فروة
نشكر لك مراسلتك المجلة، أما مقالك الحواري فهو مناسب للزوايا الخفيفة في
المجلات الأسبوعية، فنعتذر عن نشره، ومرحباً بك في مشاركات أخرى
عبد الله الدخيل
ستصلك رسالة خاصة بخصوص طلبك إن شاء الله.
فيصل اليوسف
نشكرك على اهتمامك بنفع القراء، ونعتذر عن نشر قصيدتيك (لضعفهما فنياً) ، ونحن في انتظار مشاركات أخرى.
سعيد غرم الله الغامدي
نشكرك على ثنائك على المجلة، ومتابعتك لها. نسأل الله أن
نكون من المتحابين فيه.
مسلم عبد الوهاب
نشكرك على مشاركتك، والموضوع عام، وشواهده من غير مجتمعاتنا في
الغالب فضلاً عن كونه مصوراً ولاحكم للإسلام فيه، لذا نعتذر عن نشره.
عبد الله البسيمي
ما أرسلته من ثناء نشكرك عليه، أما ملاحظاتك فهي موضع الاهتمام من
أسرة التحرير، نسأل الله أن يجعلنا وإياك من المتعاونين على البر
والتقوى.
صابر إبراهيم
كلامك عن أخلاق النبي ﷺ صحيح لاغبار عليه، نسأل
الله أن يوفقنا للاقتداء به.
محمد عايض القحطاني
نشكرك على ثنائك على التطوير للمجلة، وما كتبته من اقتراحات وجيهة هي
محل اهتمامنا، ولعلها ترى النور قريباً إن شاء الله.
стр. 2139
الورقة الأخيرة
ما وراء الوهن
بقلم: د. محمد بن ظافر الشهري
في بلد من بلاد المسلمين التي تحتضن ألواناً شتى من البدع، التقيت بأحد
أئمة المساجد ودار بيننا حوار قصير، انتهى بإقرار الرجل بأن ما يفعله أدبار
المكتوبات، إنما هو من البدع المحدثة، ووعد بالعمل على التخلص من تلكم البدعة
بالطريقة المناسبة.
وتمضي الأيام، وأعود للصلاة خلف ذلك الإمام، فإذا به يمارس البدعة ذاتها
التي تحاورنا بشأنها، ويبرر عكوفه عليها: بأن الناس لم يوافقوا على تركها! ! ؛
لقد كان يريد أن يقول بوضوح: دعني آكل (لقمة عيشي) .
لقد كان ذلك البلد فقيراً، ولكن المشكلة لا تخص بلداً بعينه، فالمرض منتشر
بين المسلمين، ولكن حجم (اللقمة) قد يختلف، كما أن الأعراض تختلف من بلد
إلى آخر، فتارة تتمثل في تمرير البدع، وتارة تكون غير ذلك..، وربما خفيت
الأعراض أحياناً.
إن مصيبتنا اليوم لم تقف عند حد (حب الدنيا وكراهية الموت) ، بل وصلت
بنا إلى حد (حب الترف وكراهية الشظف) ، وبذل كل شيء في سبيل هذا الحب
(العذري) الذي قلما يلام عليه العشاق.
وهكذا فلم تعد الضرورات الدنيوية -بل ولا الحاجيات- هي مناط الرخصة
في ارتكاب بعض المحظورات؛ ولكن نوافل التحسينيات اليوم تعد كافية عند فئام
من الناس لتبرير الذنوب.. وربما الموبقات.
كم هو مؤلم أن تفقد حدود الله هيبتها في القلوب إلى الحد الذي توضع فيه
الشريعة الغراء في كفة وتوضع الخميلة والخميصة في الكفة الأخرى، والأدهى
والأمرّ أن ترجح كفة العرض الدنيوي عند كثير من الناس.
لقد رجعت إلى القرآن العظيم فكان جلاءً لما أصابني من حزن، فحمدت الله
(تعالى) وطفقت أتلو قوله : [مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي
حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ]
[الشورى: ٢٠] .
стр. 2140
شوال - ١٤١٦هـ
مارس - ١٩٩٦م
(السنة: ١٠)
стр. 2141
كلمة صغيرة
مفارقة عجيبة
يعرف كل دارس للإسلام أن هذا الدين شامل للحياة كلها، وقد قامت دولة
الإسلام منذ بدايتها في المدينة النبوية على هدي الكتاب والسنة، واستمرت
وتواصل مداها حتى بلغ المشرقين، ولم يكن لها دستور سوى شريعة الله، ولم
يجرؤ مسلم على تبديلها حتى جاء الانقلاب الماسوني على يد (أتاتورك) عام ١٩٢٤
م، حيث قرر فصل الدين عن الدولة، وقامت تركيا العلمانية بقوانينها المحادة لله،
في محاولة لإبعاد الإسلام عن التأثير في واقع أمتنا، وقامت فيما بعد لهذا الهدف
دول وأحزاب في شتى ديار الإسلام، لا هم لهم سوى إبعاد الإسلام عن الحياة،
لتجد الأفكار الملحدة والنظم المستوردة والأحزاب الكافرة قدماً لها في الديار
الإسلامية، وسُنت قوانين جائرة بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان لمنع هذا الدين
من العودة للحكم.
والعجيب أن يكون دين كهنوتي كالنصرانية يظلل الحياة في بعض الدول
كألمانيا وإيطاليا بالحزب المسيحي الديمقراطي، ولهذا الدين دولة معروفة تحكم
باسمه هي الفاتيكان لها سفاراتها حتى في كثير من ديار الإسلام، ولهم اجتماعات
تتدخل في شؤون بعض الدول، كما حصل في اجتماع كهنة (السنودس) الذي أشار
على الأحزاب اللبنانية بضرورة المشاركة في الانتخابات القادمة، أما في بلاد
الإسلام الديمقراطية! فويل، ثم ويل لأي جهة إسلامية أو عالم مسلم يتحدث عن
مثل هذه الأمور، لأنها لا تعنيه في زعمهم هكذا حياة المسلمين في زمن
(اللامعقول) ! .
والله المستعان
стр. 2142
افتتاحية العدد
وعد الله.. الإسلام قادم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن
اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد:
مرت على أمتنا الإسلامية في العقود الأخيرة أحداث جسام في شتى أقطارها،
وقد عانى بعض المسلمين من تلك الأحداث الكثير من الأذى والاضطهاد والتشريد
والقتل والحصار، مما يعرفه القاصي والداني.
ويقف أعداء الإسلام في الشرق والغرب حيال تلك الجرائم موقف المستهتر،
ولو أضير واحد من مواطنيهم لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها بصخب إعلامي كثيف،
فبينما يعاني المسلمون في البوسنة وفلسطين وكشمير وبورما والفلبين والشيشان من
القتل الجماعي، والتطهير العرقي، وتدمير القرى والمدن، نجد أولئك لا تعوزهم
الأعذار الباردة والحجج التافهة؛ بدعوى أن تلك الجرائم شؤون داخلية، أو أن
وراءها نفر من المتطرفين الإسلاميين، أو أن إنقاذ المعتدى عليهم سيرجح كفة
الصراع لمصلحة جهة دون أخرى! أما هيئة الأمم وبطرسها الأرثوذكسي، فهي
تزيد الطين بلة بقرارات مشبوهة وحلول جائرة، يكون المسلمون فيها غنيمة
للمعتدين، وما سلام (دايتون) عنا ببعيد.
إن هناك محاولات قائمة لإجهاض عودة الإسلام، ولكنها بإذن الله ستبوء
بالفشل.
إن أعداء الإسلام يقفون بكل وقاحة دون قيام أي توجه إسلامي يعمل للخروج
على الهيمنة الأجنبية، أو يحاول الاستقلالية وبناء القوة الذاتية للأمة، فيعملون
جاهدين على الإساءة إليه والتخويف من آثار توجهه بصورة فجة.
وحينما نتأمل في قضية (المجاهدين المسلمين) نجد تجسيداً للصورة السابقة،
فحين كان هؤلاء الشباب يَقُضّون مضاجع الجيش السوفييتي، ويخلخلون صفوفه،
ويذيقون قادته الأمرّين، كانوا هم الأبطال، بل الثوار - في عرفهم -! بل كانوا
يُمَدّون بالدعم، ويشجعون على مواصلة المقاومة للجيش الأحمر، الذي كان يقف
بكل غطرسة يتحدى الغرب وجيوشه، ويقف منهم موقف الند، ثم صار ذلك
الجيش أضحوكة العالم، وما لبث أن تداعت أركانه، فخرج يجر أذيال الخيبة
والهزيمة من أفغانستان. نعم، نحن لا نقول: إن المجاهدين الأفغان وحدهم هم
الذين أسقطوا الإمبراطورية السوفييتية؛ لأنها كانت تحمل عوامل فنائها بانحراف
أيديولوجيتها ودكتاتورية قادتها.
وبعد أن أدى المجاهدون دورهم في أفغانستان أصبحوا مغضوباً عليهم،
ومحلاً للاعتقال والقتل بدعوى كونهم إرهابيين ومتطرفين؛ مما أدى إلى ردود
أفعال مأساوية، وكان الأولى تلافيها بالأساليب (الحضارية) التي يدعي هؤلاء تبنيها، وهم الضاربون بها عرض الحائط.
ويتكرر الموقف مع مجاهدي البوسنة، وهم الذين حز في نفوسهم أن يقف
إخوانهم مسلمو البوسنة محرومين من السلاح، يتعرضون للعدوان الصربي
الأرثوذكسي الحاقد في ظل عدم المبالاة الدولية، فتداعى أولئك الشباب لنجدة
إخوانهم، ووقفوا ببسالة للدفاع معهم عن بيضة الإسلام وأعراض المسلمين
وممتلكاتهم، وقدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله، فيما نحسبهم، ولا نزكي على
الله أحداً.
فماذا يضير الغرب من هؤلاء الفتية، الذين يؤدون واجب الجهاد وواجب
الأخوة الإسلامية [.. وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ..]
[الأنفال: ٧٢] ، ماذا يضير الغرب من وجود أولئك النفر لولا أنه يخشى أن تعود للمسلمين دولتهم في قلب أوروبا التي ظن الغربيون أنهم أجهضوها (بمؤامرة دايتون) . ولاشك أن خوفهم من الجهاد والمجاهدين لخشيتهم من سريان هذه الروح في نفوس المسلمين بالفريضة الكبرى التي وصفها الرسول ﷺ بأنها ذروة سنام الإسلام، وحينها فلن يقدم أحد على محاولات إذلال المسلمين ومؤامرات القضاء على قوتهم وجعلهم شعوباً متفرقين لا تجمعهم رابطة العقيدة والعقيدة وحدها.
وبخلاف ذلك ستكون روابطهم قومية ومنطلقاتهم أيديولوجيات منحرفة، فهذا
ولا شك سيؤدي إلى السبات والتبعية والذلة، هذا الموقف لا يخفى على كل مسلم
أنار الله بصيرته بفهم هذا الدين من مصادره الأصيلة (كتاب الله وسنة رسوله -
ﷺ بفهم سلف الأمة الصالحين) ومعرفة الواقع على حقيقته.
لكن ما يعجب له كل مسلم أن يقوم بذلك الدور في الإساءة إلى الإسلام ودعاته
ولمجاهديه نفر من أمتنا، هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، لكنهم يعملون بوحي من
أعداء الإسلام والمنضوين تحت لوائهم من رموز العلمانية المعروفين.
إن هؤلاء الشانئين يُعرفون بسيماهم، ويعرفون بلحن القول، ومن عملهم
المتواصل في الإساءة إلى الإسلام ودعاته بمناسبة وبغير مناسبة، وهم الذين يجب
أن يسموا بـ (منافقي العصر) سواء أكانوا من اليسار أو اليمين، ونلمس آثار ذلك
العداء القابع في صدورهم مما يسودون به صحفهم ومجلاتهم من حرب مستمرة ضد
الإسلام والمسلمين، تتمثل فيما يلي:
* دعواتهم المستمرة لمصادرة الرأي الإسلامي ومضايقة دعاته ورميهم كذباً
وزوراً بأنهم متطرفون وإرهابيون.
* التخويف المستمر من كل توجه إسلامي بدعوى أنه ظلامية وانحراف عن
الصواب! بينما يؤيدون كل ناعق من دعاة الباطل.
* العمل المتواصل والتشجيع المستمر لتغريب المجتمعات الإسلامية والدعوة
إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وادعاء أن أي دعوة لتحكيم الشريعة الإسلامية
في الحياة إنما هي في زعمهم تخلف ورجعية.
* حينما عرف الناس حقيقة دعاة الإسلام وكانوا محل ثقتهم وتأييدهم سمح
أولئك المشبوهون لنفرٍ من بني جلدتهم بالحديث باسم الإسلام لهدمه من الداخل.
* الغضب والحزن لفوز أي اتجاه إسلامي، سواءً أكان ذلك في انتخابات
عامة أو نقابية أو حتى تفوق أفراده، وإظهار البغض والحقد الكامن ضدهم بشكل
واضح.
إن الإسلام قادم بإذن الله وبوعد رسول الله ﷺ مهما
حيكت المؤامرات من الأعداء، والتي ستفشل إن شاء الله؛ فحينما سقطت آخر
خلافة إسلامية يوم انحرفت عن الطريق الصحيح للعقيدة، فأسقطت ببساطة بمؤامرة
محبوكة الأطراف على يد الماسوني (أتاتورك) ، لكن الإسلام يعود اليوم من جديد
لتركيا ويفوز حزب الرفاه الإسلامي الاتجاه بالمركز الأول رغم الحرب الشعواء
ضده.
ورغم تحالف العلمانيين الذين كشروا عن أنيابهم وأبانوا موقفهم العدائي
المكشوف من الإسلام، إلا أن هذا الفوز ولا شك مؤشر على اتجاه وخطوة على
طريق طويل. وتحقيقاً لوعد الله فسيعود الإسلام، ليس إلى تركيا فقط، وإنما إلى
كل ديار الإسلام التي نُحيت فيها الشريعة الإسلامية..
سيعود الإسلام رغم أنف كل (منافقي العصر) من أدعياء العلمانية.
[وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ]
[النور: ٥٥] .
стр. 2143
دراسات شرعية
فن الوعظ
أهميته وضوابطه
بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال
مدخل:
في لسان العرب: الموعِظة: النصح والتذكير بالعواقب [١] .
والوعظ هو: ذلك الأسلوب الذي يستخدمه الداعية إلى الله إذا أراد نصح
الناس وتذكيرهم بالعواقب، فيرغبهم في الحسنة وثوابها، ويرهبهم من السيئة
وعقابها، على الوجه الذي يرق له القلب ويبعث على العمل.
ولا غنى للداعية عن استخدام أسلوب الوعظ في دعوته للناس وتربيته لهم،
فقد أمر الله به نبيه ﷺ في دعوته، فقال : [ادْعُ
إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..]
[النحل: ١٢٥] ، وقال : [.. وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً] [النساء: ٦٣] ، كما أمر (تعالى) به رسله من قبل، فكان نهجهم في دعوتهم، قال (تعالى) : [فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] [طه: ٤٤] ، فالموعظة وسيلة الذكرى، وسبيل الخشية، والقرآن كله موعظة: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين]
[يونس: ٥٧] .
فالوعظ أسلوب دعوي له أهمية بالغة في إصلاح القلوب، وتهذيب النفوس؛
ذلك أنه متعلق بطب الأرواح وعلاجها من أمراضها الفتاكة القاتلة، وإذا صلح
القلب صلح الجسد كله، فانبعثت الأعضاء بالأعمال الصالحة مصداقاً على الإيمان.
وكم يكون لكلمة الواعظ من الأثر البالغ في نفوس سامعيها، خاصة إذا نظرنا
لما تيسر في هذه الأزمان من وسائل وأدوات، تمكّن الواعظ المربي من إيصال
كلمته إلى الآلاف المؤلفة ممن لا تتهيأ لهم رؤيته ولا لقاؤه.
ظهور الوعاظ:
نظراً لأهمية الوعظ فقد حرص عليه النبي، وكان يتخول أصحابه بالموعظة، ثم حرص عليه الصحابة ﵃ عند تفرقهم في الأمصار، وكثرة
الداخلين في الإسلام، ثم شاع ذلك في عصر التابعين، وبرز منهم: الحسن
البصري ﵀ ، فكان له مجلس يعظ الناس فيه.
ومع ظهور التأليف وُجد من اهتم بهذا الجانب وكتب فيه، كالإمام أحمد الذي
ألف كتاباً في الزهد، ومثله ابن المبارك وهناد ابن السري وغيرهما، وخصص
الإمام البخاري كتاباً في صحيحه أسماه: (الرقاق) ، ومثله الإمام مسلم الذي ضَمّن
صحيحه كتاباً بعنوان: (الزهد والرقائق) .
واهتم به من المتأخرين جمّ من العلماء كابن الجوزي، وابن القيم، وابن
رجب، وغيرهم كثير.
وفي أواخر عصر التابعين ظهر القصاص والوعاظ، ثم كثروا، وقلت
عنايتهم بالسنة، واختلط الحابل بالنابل، وصار بعض الوعاظ كحاطب ليل لا
يدري ما يقول، أصحيح أم باطل، صدق أم كذب؟ ! . كما ذكر ابن الجوزي:
(أن الوعاظ كانوا في قديم الزمان علماء فقهاء ... ثم خسّت هذه الصناعة، فتعرض
لها الجهال، فبَعُد عن الحضور عندهم المميزون من الناس، وتعلق بهم العوام
والنساء، فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص، وما يعجب الجهلة، وتنوعت
البدع في هذا الفن) [٢] .
المخاطبون بالوعظ:
يحتاج الناس كلهم إلى المواعظ والتذكير، صغيرهم وكبيرهم، جاهلهم
وعالمهم، فاجرهم وتقيهم، ولو كان أحد في غنية عنها لكان أصحاب رسول الله -
ﷺ ، فقد كان ﷺ يتعهدهم بالمواعظ،
ويهذب نفوسهم بما يرقق قلوبهم، والشواهد من السنة متوافرة.
ولكن ينبغي أن يكون خطاب الناس على قدر عقولهم ومداركهم وعلومهم، فلا
يكون الخطاب واحداً لكل أحد؛ وذلك لسببين:
الأول: تفاوت الناس في الدرجات، وبالتالي في الواجبات؛ فقد يجب على
العالم ما لا يجب على الجاهل، ويجب على الغني ما لا يجب على الفقير، ويجب
على القادر القوي ما لا يجب على العاجز الضعيف، وهكذا..
الثاني: أن بعض الحديث يكون فتنة إذا كان مما يُساء فهمه، ولذا قال علي
﵁ : (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله
ورسوله؟ !) [٣] ، أي: بما يفهمون، وفي بعض رواياته: (ودعوا ما ينكرون) ... أي: يشتبه عليهم فهمه، وقال ابن مسعود: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) [٤] .
أساليب الوعظ:
لا تظن أن الوعظ لا يكون إلا بخطب رنانة، أو كلام مطوّل يُجمع له الناس، ويتهيؤون له، ثم تُطَأطأ الرؤوس ويبدأ الواعظ بسرد موعظته! ! فكل هذا غير
لازم؛ فقد كان ﷺ يعظ أصحابه بالخطبة، وقد يعظهم بما
يناسب الحال، فيذكرهم بحقارة الدنيا حين يرى جَدْياً أَسَكّ، ويذكرهم بنعيم الجنة
حين يعجب أصحابه من حلة حرير، ويذكرهم برحمة الله حين يرى امرأة تبحث
عن صبيّها في السبي، ثم تضمه وترضعه.
وهكذا ... فقد تكون الموعظة قصة تُسرد، أو مثلاً يُضرب، أو جملة تقال،
أو فعلاً يحتذى به، بدون تكلف أو تقعر.
ضوابط الوعظ:
في هذا العصر كثر في الوعاظ الاعتماد على الأحاديث الضعيفة أو
الموضوعة التي تُذْكَر بصيغة الجزم، وكذا: الاعتماد على القصص المحكية التي
لا زمام لها ولا خطام، كما نجد من يعتمد الوعظ أسلوباً وحيداً في الدعوة لا ثاني له، أو يُكثر من وَعْظ الناس كثرةً تملّهم ...
فلهذه الأمور ونحوها تبرز الحاجة الملحة للتنبيه على بعض الضوابط التي
ترد الأمر إلى نصابه، وتجعل الوعظ في صورته الشرعية البهيّة المؤثرة النافعة.
ومن هذه الضوابط ما يلي:
أولاً: الاعتماد على الكتاب والسنة:
يجب أن يكون اعتماد الواعظ في وعظه على كتاب الله (تعالى) ، وسنة
رسوله ﷺ ، فهما أصل كل موعظة، عن النواس بن سمعان
﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: (ضرب الله مثلاً
صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى
الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا
الصراط جميعاً ولا تتفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح
شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه، والصراط:
الإسلام، والسوران: حدود الله (تعالى) ، والأبواب المفتحة: محارم الله (تعالى) ،
وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي فوق الصراط:
واعظ الله في قلب كل مسلم) [٥] . والواعظ حين يحث الناس على أمر ويُحذّرهم
من آخر ينبغي أن يبين لهم الدليل، ولا يجعل حديثه مجرد أوامر ونواهٍ مجردة عن
الدليل، وعن ذكر المنافع أو المضار للشيء المأمور به أو المنهي عنه، وكل ذلك
مُتضمن في الكتاب والسنة، بالتأمل والتدبر لنصوصهما. فإذا ما أراد الواعظ أن
يُثري موعظته ويُبلغ كلامه فإن أمامه مواعظ يعجز الفصحاء عن مجاراتها،
وينقطع الحكماء دون محاكاتها، وأين كلام الله من كلام البشر، وأين كلام من لا
ينطق عن الهوى من كلام عامة البشر؟ !
وقد يعطي الله (تعالى) بعض خلقه لساناً فصيحاً وبياناً بليغاً، لكن الموعظة
منه لا تكمل دون الاستشهاد بالكتاب والسنة؛ فإن لهما أثراً وهيمنة على القلوب.
ثانياً: في الصحيح غنية عن الضعيف:
وعند اعتماد الواعظ الكتاب والسنة، فإنه سيجد في تفسير القرآن كثيراً من
الروايات الضعيفة، والإسرائيليات الموضوعة، وسيجد في كتب الحديث كثيراً من
الأحاديث التي لا تثبت، وحينئذ: فإن عليه الحيطة والحذر بمراجعة كلام أهل العلم
فيها، وهذا التحري دليل على صدق الواعظ؛ ففي حديث مسلم: (كفى بالمرء كذباً
أن يحدث بكل ما سمع) [٦] . وقد كان حال الوعاظ في هذا الباب عجباً، فقد قلّ
فيهم العلم، وصدق في بعضهم قول ابن مسعود ﵁ : (إنكم في زمان
كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وإن بعدكم زماناً كثير خطباؤه، والعلماء فيه
قليل) [٧] ، وصار كثير منهم لا يهتمون بتمييز القصص والحكايات، فهمّهم الإتيان بالغريب من الأخبار، والعجيب من القصص؛ التي قد ينشدّ لها العوام والجهلة، وبلغ ببعضهم الحال إلى أن اقترن ذكره بالوضع في الحديث والكذب فيه؛ حسبة للأجر والثواب! ، أو تكسباً واسترزاقاً، وعدّهم أهل الحديث في جملة الوضاعين [٨] .
وقد طفحت كتب المواعظ بالقصص المنكرة، والعجائب المختلقة، ولهذا حذر
الأئمة من أخبار القصاص ورواياتهم، فألف ابن تيمية كتاباً سماه: (أحاديث
القصاص) ، وألف السيوطي كتاباً سماه: (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) ،
ولابن الجوزي: (القصاص والمذكرين) [*] ونحوها كثير.
ومن كتب الوعظ التي ينبغي الحذر منها، حيث كثر فيها الغث:
(الروض الفائق في المواعظ والرقائق) لأبي مدين الحريفيش، (وروض
الرياحين في حكايات الصالحين) لأبي السعادات اليافعي، و (قرة العيون ومفرح
القلب المحزون، وبستان العارفين، وتنبيه الغافلين) كلها لأبي الليث السمرقندي،
و (إحياء علوم الدين (لأبي حامد الغزالي [**] .
ولئن أجاز بعض السلف ذكر الحديث الضعيف في أبواب الفضائل، فإن هذا
ليس على إطلاقه؛ فقد شرطوا له شروطاً ثلاثة:
١- ألا يكون الضعف شديداً.
٢- أن يكون الحديث مندرجاً تحت أصل عام.
٣- ألا يعتقد عند العمل به ثبوته [٩] .
ولا يخفى أن هناك فرقاً بين ذكر الحديث الضعيف والاحتجاج به؛ فإن ذكره
لا يعني إثبات حكم شرعي به [١٠] .
ثالثاً: تعهد الناس بالموعظة:
النفس تمل وتسأم فيضعف أثر التذكير فيها؛ وربما كرهته فلم يُنتفع به حينئذ؛ لذا: كان النبي ﷺ لخبرته بالنفوس يتعهد أصحابه بالنصح
والتذكير، أياماً وأياماً، ولا يُكثِر عليهم؛ لئلاّ يملوا، وكذا كان صحابته الذين
تربوا على يديه يمتثلون ذلك، بل ويوصون به:
فعن عكرمة عن ابن عباس قال: (حدّث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت
فمرتين، فإن أبيت فثلاث مرات، ولا تُملّ الناس هذا القرآن، ولا ألْفينّك تأتي
القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه..) الحديث [١١] .
وعن أبي وائل، قال: كان عبد الله يعني ابن مسعود يذكرّ الناس في كل
خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن: لوددت أنك ذكّرتنا كل يوم، قال:
(أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان
النبي ﷺ يتخولنا بها؛ مخافة السآمة علينا) [١٢] .
فعلى الواعظ أن يتفرس في حال الموعوظين، ويتحيّّن نشاطهم ليقبلوا بقلوبهم، فينتفعوا بإذن الله (تعالى) . ولينظر الداعية في مدى تطبيقه لهذا المبدأ التربوي
العظيم، الذي تُحفظ به الأوقات، والجهود، ويُؤْمَنُ به من نفرة الناس وضجرهم،
وله في رسول الله ﷺ خير أسوة، فقد كان كما قال جابر بن
سمرة: (لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات) [١٣] ، وقالت
عائشة ﵂ : (إن النبي ﷺ كان يحدث حديثاً لو
عدّه العادّ لأحصاه) [١٤] .
رابعاً: الحذر من المبالغة، والتهويل، وتقنيط الناس:
اجتهاداً في محبة الخير للناس والخوف عليهم يقوم الواعظ أحياناً بتضخيم
جزاء السيئة، وعقوبة المعصية، فيزيد على الوارد فيها أحياناً، ويهول ويعظم
أخرى، حتى يخيل لسامعه أن عذاب الله نازل به لا محالة، وأنه لا توبة له، وأن
عمله الصالح لن ينفعه، وأنه لا حيلة له! ! .
وقد يحدث العكس أحياناً عند بعض الوعاظ، فيُهَوّنون من المعصية ويقللون
من شأنها! ! والمنهج الشرعي الوسط: الموازنة بين الترغيب والترهيب،
والخوف والرجاء، قال الله (تعالى) : [نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ] [الحجر: ٤٩، ٥٠] .
ولهذا أثنى الله على عباده المؤمنين بجمعهم بين هاتين الصفتين الكريمتين،
فقال: [.. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ..] [الإسراء: ٥٧] ، وقالت
عائشة ﵂ (لعبيد بن عمير: (إياك وإملال الناس وتقنيطهم) [١٥] .
خامساً: البلاغة بلا تكلف:
كانت مواعظ النبي ﷺ بليغة غير متكلفة، فقد جاء في
حديث العرباض ﵁ : (وعظنا رسول الله ﷺ
موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب ... ) [١٦] ، قال ابن
رجب: (والبلاغة في الموعظة مستحبة؛ لأنها أقرب إلى القلوب واستجلابها،
والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين
بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع، وأوقعها في
القلوب، وكان ﷺ يقصر خطبتها، ولا يطيلها، بل كان يبلغ
ويوجز) [١٧] . وفي ظل اهتمام المتحدث ببلاغته في خطبته قد يجنح فيقع في
التكلف، يظنه بلاغة! .
ومن صور التكلف:
أ- التقوّل لما لا يعلم:
عن مسروق قال: (دخلنا على عبد الله بن مسعود، قال: يا أيها الناس من
علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله لنبيه: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ
المُتَكَلِّفِينَ] [١٨] .
ب - السجع:
في قول ابن عباس المتقدم: ( ... فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر
السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ
وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب) ، قال الغزالي: (المكروه من السجع هو
المتكلف، لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية
لكنها غير متكلفة) [١٩] .
والحال في الموعظة بالنسبة للسجع كالحال في الدعاء، فإن فيه في الغالب
تكلفاً مُذْهِباً لرونق الموعظة وخشوعها، إلا الحسن منه، وهو: ما خلا من التكلف
والتكرار، وكانت الألفاظ المسجوعة حلوة المذاق.
ج - الثرثرة والتشدق والإطناب لغير حاجة:
الثرثرة تعني: كثرة الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق [٢٠] ، عن جابر (رضي
الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم
مجلساً مني يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني يوم
القيامة الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون ... ) الحديث [٢١] .
فينبغي للواعظ أن يراعي في وعظه الحال من جهة الإيجاز والإطناب، وإن
كان الأصل: أن المواعظ تكون أميل إلى الإيجاز بعيداً عن التشدق والثرثرة،
واقتداء بالنبي ﷺ الذي نهى عن ذلك، وأخذاً بمنهج السلف في
ذلك، وقد تكون للإطناب حاجة من ضعف فهم السامعين، أو ظن الواعظ صعوبة
فهم ما ألقاه عليهم.
سادساً: استغلال المناسبات والأحداث:
كان ﷺ يستغل المناسبة أو الحدث ولو كان يسيراً قد لا
يوقف عنده، ولا يؤبه به وينطلق من خلاله مربياً واعظاً، والشواهد كثيرة، منها:
قوله لما دخلت العشر: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه
العشر..) [٢٢] .
قوله يوم النحر: (أي شهر هذا؟ ... فأي بلد هذا؟ ... فأي يوم هذا؟ ..) . ثم قال: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا؛ في
بلدكم هذا، في شهركم هذا ... ) [٢٣] .
أُهديت له ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها،
ويعجبون من لينها، فقال: (أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ خير
منها ... ) [٢٤] .
وهكذا ينبغي للواعظ؛ فلا يحدث الناس عن الزهد في الدنيا أو الموت وهو
في مناسبة زواج! ! أو يحدثهم عن فضل الفقير الصابر وهم أغنياء في زمن
سعة ... ونحو ذلك كثير.
وكم يخسر الواعظ حين تمر به مناسبة أو حدث، ويكون قد هيأ في نفسه
كلاماً من قَبْل ليعظ به الناس، فيلقي ذلك الكلام ويعرض عن استغلال تلك المناسبة! إنه يفوّت بذلك رصيداً من الفهم عند السامعين كان يمكنه تحصيله لو استغل تلك
المناسبة أو ذلك الحدث.
ويتحقق ذلك في أبهى صوره عندما يجمع الواعظ بين العلم والحكمة، فيقدر
لكل أمر قدره، ويعطيه ما يستحقه.
سابعاً: الهيمنة بالتأثير الوعظي على المخاطبين:
عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ يوماً
بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال
رجل: إن هذه موعظة مودع، فبماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: (أوصيكم
بتقوى الله، والسمع والطاعة ... ) الحديث.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم
على المنبر: [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] ورسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر، يمجد الرب نفسه: أنا
الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله -
ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرّن به! !) [٢٦] .
(ولا يتصف الواعظ الداعية بهذه الهيمنة والتأثير إلا أن يكون مخلص النية،
رقيق القلب، خاشع النفس ... وإلا فالمسؤولية كبيرة عند رب العالمين:
روى ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: قال رسول الله: (ما من عبد يخطب
خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة، ما أردت بها؟) قال: فكان مالك إذا حدثني
بهذا بكى، ثم يقول: أتحسبون أن عيني تقرّ بكلامي هذا عليكم، وأنا أعلم أن الله
سائلي عنه يوم القيامة ما أردت به؟ ! ، أنت الشهيد على قلبي، لو أعلم أنه أحب
إليك، لم أقرأ على اثنين أبداً) [٢٧] .
وفرق كبير بين داعية يتكلم بلسانه، وهو متصنع للكلام ليسبي به قلوب
الرجال، وبين داعية مخلص مكلوم القلب على الإسلام يتكلم بنبضات قلبه،
ولواعج حزنه وأساه) [٢٨] .
قال ذرّ لأبيه عمر بن ذر: يا أبت: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد،
فإذا تكلمت يا أبتي سمعت البكاء من هاهنا وهاهنا؟ فقال: يا بني: ليست النائحة
المستأجرة كالنائحة الثكلى [٢٩] . إن الموعظة المخلصة، إذا وجدت لها نفساً
صافية، وقلباً متفتحاً متدبراً، فإنها أسرع للاستجابة، وأبلغ في التأثير، وهذا
المعنى قد أكده القرآن في آيات كثيرة، كقوله (تعالى) : [إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن
كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] [ق: ٣٧] وقال: [تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ
عَبْدٍ مُّنِيبٍ] [ق: ٨] .
ثامناً: الاستشهاد بالقصة الصحيحة المؤثرة:
ينبغي للواعظ استخدام القصص الهادفة المؤثرة، فهي تشدّ السامع، وتقرّب
له الهدف، وهذا هو منهج القرآن، قال الله (تعالى) : [نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى
وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [القصص: ٣] ، وهذه طريقة النبي -صلى الله
عليه وسلم-، والسيرة مليئة بقصص من كانوا قبلنا مما حكاه النبي -صلى الله عليه
وسلم- لأصحابه، كقصة الذين تكلموا في المهد، والثلاثة الذين أطبق عليهم الغار،
وقصة أصحاب الأخدود، وغيرها كثير.
ومن المسلّمات التربوية: أن التربية بالقدوة لها أثر عظيم، بل إنها تفوق
الكلام النظري بكثير، والقدوة قد تكون حاضرة مشاهدة، وقد تكون محكيّة
بالقصص، فلا عجب أن تكثر القصص كثرة كاثرة في كتاب الله (تعالى) وسنة نبيه.
ولكن لا بد من انتباه الواعظ إلى أمرين:
الأول: أن عليه كما سبق ذكره أن يتحرى الصحيح منها، ولا يذكر القصة
لذيوعها وانتشارها بين الناس، بل لثبوتها.
الثاني: أن عليه ألا يقف عند جزئيات الحوادث التاريخية وتفاصيلها، ويهمل
الدروس والعبر المستفادة منها، فإنها هي المقصودة من القصص، قال (تعالى) :
[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ..] [يوسف: ١١١] . ولكن ينبغي أن تكون الاستفادة
باستنباط الدروس والعبر بلا مبالغة ولا تهويل، بحيث لا يستنبط منها غير ما تنبئ
عنه، وبذلك توضع القصة في موضعها الصحيح.
تاسعاً: الوعظ في موضعه الصحيح:
ركز بعض الناس على التربية بالوعظ تركيزاً شديداً، وظنّ أنّ الوعظ هو
الوسيلة الوحيدة للبناء والتربية، والصحيح أن الوعظ باب مهم من أبواب التربية،
ولكنه ليس الباب الوحيد، فأبواب الدين كثيرة ولله الحمد، كالعلم والتعليم، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.. ونحوها. وهذه الأبواب
تكوّن بمجموعها وحدة واحدة متآلفة، ويجب إعطاء كل باب حقه الشرعي، في
وقته الشرعي دون إفراط أو تفريط.
كما أن الوعظ لا يعد نهاية المطاف، بل إن الهدف من الوعظ هو إعداد
النفس وتزكيتها، لتَحَمّل تكاليف هذا الدين، وتَعلّمِ أحكامه، وحَمْلِ رسالته.
стр. 2144
دراسات قرآنية
مصادر التفسير:
(٣)
تفسير الصحابة للقرآن
- الحلقة الأولى -
بقلم: مساعد بن سليمان الطيار
بدأ الكاتب هذه السلسلة بالحديث عن مصادر التفسير، وبين المقصود بها، ثم
تحدث عن تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، محرّراً المصطلحات وذاكراً نماذج
من النصوص المندرجة تحتها، وحديثه في هذه الحلقة وما بعدها عن تفسير
الصحابة ﵃ .
- البيان -
الصحابة (رضوان الله عليهم) خِيَرَةُ الله (سبحانه) لرسوله -صلى الله عليه
وسلم-، جعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيّه ﷺ ، وهم أرقّّ
الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأبعدهم عن التكلف، حفظ الله بهم الدين، ونشره بهم
في العالمين، وكانوا في علمه بين مُكْثرٍ ومُقلّ.
قال مسروق: (لقد جالست أصحاب محمد ﷺ فوجدتهم
كالإخاذ (الغدير) ، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي
العشرة، والإخاذ يروي المئة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت
عبد الله ابن مسعود من ذلك الإخاذ) [١] .
ولِما كان لهم من الصحبة والقرب من رسول الله ﷺ
ومعرفة أحواله، فإن لأقوالهم تقدّماً على غيرها عند أهل العلم، فتجدهم يعتمدون
عليها في بيان الدين، ويتخيّرُونَ من أقوالهم إذا اختلفوا، غير خارجين عنها إلى
غيرها [٢] .
هذا، وقد تميّزت أقوالهم بالعمق من غير تكلّف، ومن نظر في تفسيراتهم
ووازنها بأقوال المتأخرين عَرَفَ صدق هذا القول.
ولقد كان من أبرز مَنْ أظهر هذه الفكرة، وبيّن ما للصحابة من مزيّة في
عباراتهم التفسيرية الإمامُ ابن القيم في كتبه، ومن ذلك قوله: ( ... فعاد الصواب
إلى قول الصحابة، وهم أعلم الأمّة بكتاب الله ومُراده) [٣] .
أهمية تفسير الصحابة:
وقد ذكر العلماء أسباباً تدلّ على أهمية الرجوع إلى تفسيرهم، وهذه الأسباب
كالتالي:
١- أنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا أحواله:
لقد كان لمشاهدتهم التنزيل، ومعرفة أحواله أكبر الأثر في علوّ تفسيرهم
وصحته، إذ الشاهد يدرك من الفهم ما لا يدركه الغائب.
وفي حجيّةِ بيان الصحابة للقرآن، فيما لو اختلفوا، قال الشاطبي: (وأما
الثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة، فهم أقْعَدُ في
فَهْمِ القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب
ذلك، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب.
فمتى جاء عنهم تقييدُ بعض المطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات،
فالعمل عليه على الصواب، وهذا إن لم ينقل عن أحدهم خلاف في المسألة، فإن
خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية) [٤] .
ومعرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن؛ لأن الجهل بأسباب
النزول مُوقِعٌ في الشّبَه والإشكالات، ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَورِدَ الإجمال حتى
يقع الاختلاف.
وإنما يقع ذلك؛ لأن معرفة أسباب النزول بمنزلة مقتضيات الأحوال التي يُفْهَمُ
بها الخطاب، وإذا فات نقل بعض القرائن الدّالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيءٍ
منه.
ومعرفة أسباب النزول رافعة لكل مشكلٍ في هذا النمط، فهي من المهمات في
فهم الكتاب بلا بدّ، ومعنى معرفة السبب هو معنى مقتضى الحال [٥] .
إن ممّا يدلّ على ما سبق من الكلام: ما رواه أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم
عن ابن عباس ﵄ قال: (أُتيَ برجلٍ من المهاجرين الأولين وقد
شرب الخمر فأمر به عمر أن يُجلد، فقال: لِمَ تجلدني؟ ! بيني وبينك كتاب الله،
قال: وفي أيّ كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ .
قال: فإن الله (تعالى) يقول في كتابه: [لَيْسَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا..] [المائدة: ٩٣] ، فأنا من الذين آمنوا وعملوا
الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله: بدراً، وأحداً، والخندق،
والمشاهد.
فقال عمر: ألا تَرُودّن عليه؟
فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين، وحجّة على الباقين،
عذراً للماضين؛ لأنهم لَقُوا الله قبل أن حرّم الله عليهم الخمر، وحجة على الباقين؛
لأن الله يقول: [.. إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ..] [المائدة: ٩٠]
[المائدة: ٩٠] . حتى بلغ الآية الأخرى) [٦] .
فانظر كيف خفي على هذا البدريّ ﵁ حكم هذه الآية لمّا لم يكن
يعلم سبب نزولها؟ وكيف لم تكن مشكَلة عند من علم سبب نزولها؟ فنزلها منزلتها، وبيّن معناها.
٢- أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن:
يقول الشاطبي في بيان أهمية معرفة الأحوال في التفسير: (ومن ذلك:
معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم
يكن ثَمّ سبب خاص، لا بدّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في
الشّبه والإشكالات التي يتعذّر الخروج منها إلا بهذه المعرفة) [٧] .
أ -ومن الأمثلة التي تدلّ على أهمية معرفة أحوالهم في التفسير: ما رواه
البخاري في تفسير قوله (تعالى) : [لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ..] [البقرة: ١٩٨] عن ابن عباس ﵄ قال: (كانت عُكاظٌ ومجنّةٌ
وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثّموا أن يَتّجِروا في المواسم، فنزلت [لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ..] في مواسم الحج) [٨] .
أ- ومثله ما رواه البخاري عن عائشة ﵄ قالت: (كانت
قريش ومن دَانَ دينها يقفون المزدلفة، وكانوا يسمّون الحُمْسُ، وكان سائر العرب
يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيّه ﷺ أن يأتي
عرفات، ثُمّ يقفَ بها، ثُمّ يُفِيِضَ منها، فذلك قوله (تعالى) : [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ
أَفَاضَ النَّاسُ..] [البقرة: ١٩٩] [٩] .
أ- ومثله ما رواه البخاري عن ابن المنكدر، قال: (سمعت جابراً (رضي الله
عنه) قال: كانت اليهود تقول: (إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت
[نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ..] ) [١٠] .
٣- أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن:
لما كان القرآن نزل بلغتهم، فإنهم أعرف به من غيرهم، وهم في مرتبة
الفصاحة العربية، فلم تتغيّر ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا في الفصاحة،
ولذا فَهُم أعرف من غيرهم في فهم الكتاب والسنة، فإذا جاء عنهم قول أو عمل
واقع موقع البيان صحّ اعتماده من هذه الجهة [١١] .
كما أن ما نقل عنهم من كلام أو تفسير فإنه حجّة في اللغة، وفيه بيان لصحّة
الإطلاق في لغة العرب، قال ابن حجر: (استشكل ابن التين قوله [١٢] : (ناساً
من الجن) من حيث إن الناس ضدّ الجنّ.
وأجيب بأنه على قول من قال: إنه من نَاسَ: إذا تحرك، أو ذُكر للتقابل،
حيث قال: (ناس من الناس) ، (وناساً من الجن) ويا ليت شعري، على من
يعترض؟ !) [١٣] .
٤- حسن فهمهم:
إن من نَظَرَ في أقوال الصحابة في التفسير متدبراً لهذه الأقوال، ومتفهماً
لمراميها، وعلاقتها بتفسير الآية، فإنه سيتبيّن له ما آتاهم الله من حسن البيان عن
معاني القرآن، من غير تكلّفٍ في البيان، ولا تعمّق في تجنيس الكلام، بل تراهم
يُلْقون الألفاظ بداهة على المعنى، فتصيب منه المراد.
وكان مما عزّز لهم حسن الفهم: ما سبق ذكره من الأسباب التي دعت إلى
الرجوع إلى تفسيرهم من: مشاهدة التنزيل، ومعرفة أحوال من نزل فيهم القرآن،
وكونهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن، مع ما لهم من معرفة بأحوال صاحب
الشريعة ﷺ ، مما كان يعينهم على فهم المراد وحسن الاستنباط، قال ابن القيم: (قال الحاكم أبو عبد الله، في التفسير من كتاب المستدرك: ليعلم
طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، عند الشيخين
حديث مسند) [١٤] .
وقال في موضع آخر من كتابه: (هو عندنا في حكم المرفوع) [١٥] .
وهذا وإن كان فيه نظرٌ، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم،
فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه؛ فعليهم نزل، وهم أول من خوطب
به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علماً وعملاً، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يُعدَلُ عن تفسيرهم ما وجد إليه
سبيل) [١٦] .
إن هذه المزيّة تُوجِبُ على دارسِ التفسير أن يرجع إلى أقوالهم، وأن يَفْهَم
تفسيراتِهم، ليَعْتَمِد عليها في التفسير، ويبنيَ عليها مسائل الآيات وفوائدها.
غير إن كثيراً ممن يَدْرُسُ التفسير أو يُدَرّسُه لا يهتم بإيراد أقوال
الصحابة [١٧] ، وكثيراً ما تراه يكتفي بأن ينسب التفسير إلى المتأخرين من المفسرين كالزجاج والزمخشري وابن عطية والقرطبي وأبي حيان وابن كثير ... وغيرهم.
إن في هذا المسلك ما يقطعُ على طالب العلم شرف الوصول إلى علوم هؤلاء
الصحابة وأفهامهم، بل قد يجعله ينظر إلى أقوالهم نظر المقلّلِ من شأنها، ويرى أن
تفسيراتهم سطحيّة، لا عمق فيها، ولا تقرير! ! .
وهذا خطأ مَحْضٌ، ومجانبة الصواب، وإنما كان سبيل أهل العلم الراسخين
فيه أنهم (يتكثّرون بموافقة الصحابة) ، وانظر كم الفرق بين أن يُقال: هذا قول ابن
عباس في الآية، أو يقال: هذا قول الزجاج أو ابن عطية أوغيرهم في الآية.
فانظر إلى ما ستميل إليه نفسك؟ ، وأي قول سيطمئن له قلبك؟ .
٥- سلامة قصدهم:
لم يقع بين الصحابة خلافٌ يُؤَثّر في علمهم، بحيث يوجّه آراءهم العلمية إلى
ما يعتقدونه، وإن كان مخالفاً للحق، بل كان شأن الخلاف بينهم إظهار الحق، لا
الانتصار للنفس أو المذهب الذي ذُهِبَ إليه.
لقد ظهر خلاف أمرهم في الخلاف فيمن بعدهم من أصحاب العقائد الباطلة؛
كالخوارج، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، فظهر في أقوالهم مجانبةُ
الحق، وكثر الخلاف بسبب كثرة الآراء الباطلة، مما جعل القرآنَ عُرضةً
للتحريف والتأويل، إذ كلّ يصرفه إلى مذهب، وهذا مما سلم منه جيل الصحابة،
فلم يتلوّث بمثل هذه الخلافات.
ولهذا جاء تفسيرهم بعيداً عن إشكالات التأويل، وصرف اللفظ القرآني إلى ما
يناسب المذهب، أو غيرها من الانحرافات في التفسير.
стр. 2145
مقال
مسألة القدر المشترك
من خلال كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية
وأثرها في الإيمان بالغيب
بقلم: سامي السويلم
مما فطر الله عليه الخلق: القدرة علي الجمع بين المتشابهات، والتفريق بين
المتغايرات؛ فالطفل مثلاً: يدرك أن أباه (رجل) ، كما أن عمه كذلك، وإمام
المسجد كذلك،.. وهكذا، لكنه يدرك أيضاً إن أباه ليس عمه، وليس إمام الحي،
أي إن الأب والعم والإمام يشتركون في بعض الخصائص، كالرجولة، لكنهم
يختلفون في أشياء كثيرة. ولفظ (رجل) يقتصر على معنى يشترك فيه هؤلاء، أي: على (قدر مشترك) بينهم.
ومن زار مكة وطيبة والرباط يجد قواسم مشتركة بين هذه المدن، وبموجب
هذا الاشتراك نطلق على كل منها لفظ (مدينة) ، فهذه مدينة الرباط، ومدينة مكة،
ومدينة الرسول ﷺ ، مع أننا ندرك جيداً الاختلاف الكبير بين
هذه المدن؛ فلفظ (مدينة) إذن يشير إلى معنى موجود في كل من هذه المدن الثلاث، وإن اختلفت فيما بينها، حتى في درجة المدنية وتطورها.
ونحن نرى الثلج فنجده أبيض، ونرى السحاب والبيض، فنجد كل واحد
منهما أبيض، مع أن بياض الثلج يختلف عن بياض السحاب، عن بياض
البيض،.. وهكذا. أي إن لفظ (أبيض) يدل على معنى مشترك بين صفة البياض في هذه الأشياء، وإن تفاوت مقدار هذا المعنى من شيء إلى آخر.
من الأمثلة المتقدمة نستنتج أن الله (تعالى) وهب العقل البشري قدرة فذة على
إدراك أوجه الشبه بين أشياء متغايرة ومتباينة، كما ألهمه استعمال ألفاظ تسمى:
(الألفاظ المتواطئة) تشير إلى المعاني المشتركة، دون أن يستلزم ذلك انتفاء المغايرة
أو التفاوت بين ما تطلق عليه هذه الألفاظ، فهذه المعاني المشتركة هي ما يسمى:
(القدر المشترك) ، ويسمى التفاوت الحاصل: (القدر المميّز) ، وهذه القدرة، التي
تبدو لنا بدهية، هي في نظري خاصة بديعة، تشهد لخالقها بالعظمة والجلال.
إن هذه المقدمة البدهية، التي قد لا يجد القارئ لأول وهلة جديداً فيها، تمثل
أساساً مهمّاً تصاغ من خلاله عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد العلم والقول،
وكون القارئ لا يجد فيها جديداً يؤكد انفراد عقيدة أهل السنة والجماعة بالجمع بين
اليسر والعمق.
توظيف القدر المشترك في إدراك الغيب:
فالإنسان يستطيع أن يستخدم هذه الخاصية في إدراك أشياء لم يرها قط، ولم
يعاينها من ذي قبل: فإذا سمع الطفل مثلاً عن (رجل) ينظم سير السيارات يسمى
(رجل المرور) ، أدرك شيئاً من صفاته، وإن لم يكن قد رآه من قبل، وإن لم
يستوعب صفته كما يستوعب صفة أبيه وعمه وإمام المسجد؛ فهو يدرك أن رجل
المرور فيه شبه من أبيه وعمه وإمام الحي، وهذا الشبه استنتجه الذهن من لفظ
(رجل) الذي يطلق أيضاً على هؤلاء.
وهكذا: إذا سمعنا عن مدينة لم نرها من قبل (طنجة مثلاً (فستتكون لدينا
صورة عن هذه المدينة، استطعنا أن نرسم هذه الصورة من معرفتنا للفظ (مدينة) ،
فهذا اللفظ نعلم أنه يدل على معانٍ مشتركة توجد في مكة وطيبة والرباط. لكن
الصورة تظل عامة لأننا ندرك أنه كما اختلفت الرباط عن مكة عن طيبة، فقد
تختلف طنجة عن هذه المدن، وتتميز عنها بما لا يوجد في المدن الأخرى.
إذن، فالعقل البشري يدرك أوجه الشبه بين الأشياء التي يراها ويخبرها،
ويطلق على هذه الأوجه والمعاني المشتركة ألفاظاً مطلقة، فإذا سمع هذا اللفظ
مضافاً إلى شيء لم يره من قبل أدرك ثبوت القدر المشترك لذلك الشيء الغائب،
دون أن يستلزم ذلك نفس ما قد يوجد من أوجه الاختلاف أو التفاضل بينه وبين ما
رآه من قبل.
أثر المسألة في الإيمان بالغيب:
ويدخل في ذلك ما أخبرنا به الله (تعالى (ورسوله ﷺ مما
لم نشاهده وذلك مثل: - الصفات الإلهية، والجنة والنار، والصراط، والحوض،
والميزان، والملائكة والروح، ... ونحوها، فكيف يمكن أن يدرك العقل البشري
صفةَ ما غاب عنه، وهو لم يره قط؟ ! .
الجواب يتلخص في تلك الخاصية الفذة التي وهبها الله (تعالى) للعقل البشري؛ فنحن نفهم معنى (أجنحة) في قول الله (تعالى) : [الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ..] [فاطر: ١]
مما تكون لدينا من معنى عام للفظ (جناح) في إطلاقاته المألوفة لدينا: فهناك جناح
النسر، وجناح الحدأة، وجناح الحمام، وجناح العصفور، وجناح الذباب، وجناح
البعوض.
فمن هذه الاستعمالات المختلفة للفظ (جناح) يستنتج الذهن معنًى عامّاً، هو
القدر المشترك بين مدلوله في تلك الأشياء المختلفة التي رأيناها وعرفناها، فإذا
أخبرنا الله (تعالى) أن للملكِ جناحاً، استنتج الذهن مفهوماً عامّاً مطلقاً عن جناح
الملك من خلال إثبات ذلك القدر المشترك الذي استخلصناه من استعمالات هذا اللفظ
فيما نشاهده، لكن المفهوم يظل مطلقاً لأننا ندرك أن طبيعة الملك تختلف عن طبيعة
الطيور والإنسان وسائر ما قد يستعمل له لفظ (جناح) فيما نشاهده من مخلوقات،
تماماً كما تختلف هذه المخلوقات التي نشاهدها فيما بينها، مع ثبوت القدر المشترك
للفظ فيها جميعاً، وكلما كان الإنسان أكثر إحاطة بهذا الاختلاف في المشهودات،
مع ثبوت القدر المشترك بينها، كان أكثر قدرة على إدراك الاختلاف بينها وبين ما
غاب عنه مما وصف باللفظ نفسه.
وكذلك القول في سائر أوصاف الملائكة، كالصعود والنزول والكلام وغيرها، بل وفي سائر أمور الغيب.
ولأدع الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول هذه النقطة:
(وتمام الكلام في هذا الباب أنك تعلم: أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ما
شهدناه، فنحن نعرف أشياءً بحسّنا الظاهر أو الباطن [١] وتلك معرفة معينة
مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة
كلية، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا، فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعاً وعطشاً وشبعاً وريّاً، وحبّاً وبغضاً، ولذةً وألماً،
رضًى وسخطاً، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك وأخبرنا به عن
غيرنا، وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد: حياةً، وقدرةً، وعلماً، وكلاماً، لم نفهم
ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك، وكذلك لو لم نشهد موجوداً لم نعرف
غائباً) .
(فلا بد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ، فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته، وهذا خاصة
العقل، ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه، ولم نعلم أموراً عامة ولا أموراً غائبة عن
أحاسيسنا الظاهرة والباطنة، ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته) .
(ثم إن الله (تعالى) أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك
في الدنيا لم نفهم ما وعدنا الله به، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل
هذه حتى قال ابن عباس ﵁ : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، وهذا تفسير قوله: [.. وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً..] [البقرة: ٢٥] على أحد الأقوال.. فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة من
بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه، أو أبغضناه ونفرنا عنه.
وبينهما مباينة ومفاضلة لا يُقدّر قدرُها في الدنيا ... ) .
(فإذا كان هذا في هذين المخلوقين، فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم،
فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه وفضله: أعظم وأكبر مما بين مخلوق
ومخلوق، فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق،
بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا ... فصفات الخالق
أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله
﵎ ... [و] قد علمنا بطريق خبر الله عن نفسه ... أن الله
يوصف بصفات الكمال، موصوف بالحياة والعلم والقدرة ... ولولا أن هذه الأسماء
والصفات تدل على معنى مشترك كلي، يقتضي من الموافقة والمشابهة ما به تُفهم
وتُثبت هذه المعاني لله: لم نكن قد عرفنا عن الله شيئاً. ولا صار في قلوبنا إيمان
به، ولا علم ولا معرفة ولا محبة، ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته
وتعظيمه؛ فإن جميع الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلك
المعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب
عن شهودنا) .
(ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة حصل له من العلم
والمعرفة والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به
في هذا الباب من الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ومن
سادة أهل الإيمان ... ) إلى آخر كلامه ﵀ ، وهو نفيس للغاية [٢] .
أدلة الكتاب والسنة على إثبات القدر المشترك:
ليس المقصود هنا الاستدلال على إثبات قدرة العقل على استخلاص القدر
المشترك، فهذه خاصة بدهية، إنما المقصود الاستدلال على أن الله (تعالى) أثبت
في القرآن وعلى لسان رسوله ﷺ القدر المشترك بين الصفات
الإلهية وصفات المخلوقين، كما أثبت القدر المميّز بينهما، وقد جاءت الأدلة على
أنواع:
١- أول هذه الأنواع: ما ذكره الأئمة مما وقفت عليه كابن خزيمة في
التوحيد [٣] ، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على المريسي [٤] ، وابن ت يمية في مواضع متعددة من كتبه، كالرسالة التدمرية وغيرها، قال ﵀ : (فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بأسماء، وليس المسمى كالمسمى، فسمى نفسه حيّاً عليماً قديراً، ورؤوفاً رحيماً، عزيزاً حكيماً، سميعاً بصيراً ... كقوله: [اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ] ، وقوله: [إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ] .
وقال: -[وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ] ، وقال: [وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] .
وقد سمى بعض عباده حيّاً فقال: -[يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ
مِنَ الحَيِ] ، وبعضهم عليماً بقوله: [وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ] ، وبعضهم حليماً
بقوله: [فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ] ، وبعضهم رؤوفاً رحيماً بقوله: [بالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] ، وبعضهم سميعاً بصيراً بقوله: [فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً] .
ومعلوم أنه لا يماثل الحيّ الحيّ، ولا العليمُ العليمَ، ولا العزيز العزيزَ، ولا
الرؤوف الرؤوفَ، ولا الرحيمُ الرحيمَ) [٥] .
٢- عطف الخلق على الرب (تعالى) في مقام الفاعل. وذلك في مثل قول الله
(تعالى) : [شهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ] ، وقوله: [وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاً صَفاً] ، وقوله: [هلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يَاًتِيَهُمُ اللَّهُ فِي
ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ] ، وقوله: [كَبُرَ
مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ] ونحوها.
فعطف الخلق على الرب (تعالى) في مقام الفاعل دليل على اشتراكهما في
أصل الفعل، وإلا لما صح العطف، فلا يصح أن يقال: شهد زيد وعمرو، أو:
جاء زيد وعمرو، وزيد لم يشهد أو لم يجئ، بل لا بد من أن يكون الجميع قد شهد
وجاء، وإن كانت شهادةُ أحدهما أو مجيئُه قد تفضل شهادةَ الآخر ومجيئَه، ومما
يوضح ذلك: أن الله (تعالى) عطف أولي العلم على الملائكة في قوله: [شهِدَ اللَّهُ
أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ] فدل على اشتراكهما في أصل الشهادة،
مع أن شهادة أولي العلم ليست مماثلة لشهادة الملائكة، فكذلك شهادة هذين لا تماثل
شهادة الرب (تعالى) ، وإن اشتركوا في أصل المعنى.
٣- الجزاء من جنس العمل، مثل قوله (تعالى) : -[هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ
الإحْسَانُ] ، وقوله: [وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ] ، وقوله: [وَإن تَعُودُوا نَعُدْ] وقوله: [وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ] ، وقوله: [يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ] ، وقوله: -[كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى] ، وقوله:
[نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ] ، وقوله: [وَقِيلَ اليَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا] ،
وقوله: [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ] ، وقوله: [وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا
مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ]
وفي صحيح البخاري قوله ﵊ : (لا توعي فيوعي الله عليكِ) ،
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو
﵄ أن النبي قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في
الأرض يرحمكم من في السماء) ، ونحوها.
إثبات القدر المشترك ليس تمثيلاً:
قد يتبادر للذهن أن في إثبات قدر مشترك بين صفات الرب (جل وعلا)
وصفات المخلوقين تشبيه أو تمثيل لصفات الله (تعالى) بصفات خلقه، ويخلط كثير
من الناس في هذا المقام بين مفهوم (التمثيل) ومفهوم (التشبيه) . فالأول هو الذي
نفته النصوص الشرعية، كقوله (تعالى) : [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] . بخلاف لفظ (التشبيه) فإنه لفظ مجمل، قد يراد به التمثيل، وقد يراد به ما
ليس تمثيلاً، وقد فرّق (تعالى) بينهما في قوله: [وَقَالَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا
اللَّهُ أَوْ تَاًتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ] . قال شيخ
الإسلام: (فوصفَ القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل، فإن القلوب وإن
اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي: (الحلال بيّن والحرام
بيّن وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس) ، فدل على أنه يعلمها بعض
الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة بل بعضها حرام وبعضها حلال) [٦] .
فالتشابه، إذا أطلق، يتضمن الموافقة من بعض الوجوه دون بعض، أما
المماثلة فهي الموافقة من جميع الوجوه، بحيث يستوي الشيء ومثله في كل جانب
ويجوز ويمتنع على أحدهما من الخصائص واللوازم. فالمحذور شرعاً هو التمثيل،
أما (التشبيه) فإن أريد به التمثيل فهو ممتنع، وإن أريد به الموافقة من بعض
الوجوه دون بعض فليس في ذلك محذور، وذلك أن (جماهير العقلاء يعلمون أنه ما
من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل
والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل
على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله إذ هو
(سبحانه) ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله) [٧] .
(وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا
يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل هذا حي
عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم
يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلاً لهذا المسمى من كل وجه، بل هنا ثلاثة
أشياء:
أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به
أحدهما، ولا يوجد كليّاً عامّاً إلا في علم العالم [٨] .
الثاني: ما يختص به هذا، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم
والقدرة.
الثالث: ما يختص به ذاك، كما يختص به العبد، من الحياة والعلم والقدرة،
فما اختص به الرب لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من
النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب،
ولا يستحق شيئاً من صفات الكمال التي يختص بها الرب . وأما القدر
المشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق
ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه) [٩] .
(والقدر المشترك المطلق، كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك، لا يلزمه
شيء من صفات النقص الممتنعة على الله (تعالى) ، فما وجب للقدر المشترك لا
نقص فيه ولا عيب. وما نُفي عنه فلا كمال فيه، وما جاز له فلا محذور في جوازه. وأما ما يتقدس الرب (تعالى) ويتنزه عنه من النقائص والآفات، فهي ليست من
لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلاً، بل هي من خصائص المخلوقات
الناقصة، والله (تعالى) منزه عن كل نقص وعيب، وهذه معانٍ شريفة بُسطت في
غير هذا الموضع) [١٠] .
نفي القدر المشترك يستلزم الإلحاد [*] :
ومما يوضح ذلك أنه (ما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور، ولو
أنه في كونهما موجودين، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل
منهما) [١١] ، فلو نفى أحدٌ القدر المشترك بين صفات الرب (تعالى) وصفات الخلق، ظنّاً منه أن ذلك من التمثيل أو التشبيه المحظور، لزمه نفي وجود الرب (تعالى) بالكلية، (فإن من نفى بعض ما وصف الله به نفسه، كالرضا والغضب والمحبة والبغض ونحو ذلك، وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم، قيل له: أنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع أن ما تُثبته ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما أثبتَّه مثل قولك فيما نفيته وأثبتَهَ الله ورسوله، إذ لا فرق بينهما.
فإن قال: أنا لا أثبتُ شيئاً من الصفات.
قيل له: فأنت تثبتُ له الأسماء الحسنى، مثل: حي وعليم وقدير، والعبد
يتسمى بهذه الأسماء، وليس ما تثبت للرب من هذه الأسماء مماثلاً لما تُثبت للعبد،
فقل في صفاته نظير قولك في أسمائه.
فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول: هي مجاز، أو هي
أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة.
قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه حق قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه،
وليس هو مماثلاً) [١٢] .
فليس له بعد ذلك إلا أن يقول: أنا لا أثبت شيئاً، بل أنكر وجود الرب
(تعالى) ، وإلا كان متناقضاً، وهذا هو الإلحاد، ولو قال ذلك (قيل له: فمن المعلوم
بالمشاهدة والعقل وجودُ موجودات، ومن المعلوم أيضاً أن منها ما هو حادث بعد أن
لم يكن، كما نعلم أنا حادثون بعد عدَمِنا، وأن السحاب حادث، والمطر والنبات
حادث ... ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لا بد له من مُحدِث، وهذه
قضية ضرورية معلومة بالفطرة ... ولهذا قال (تعالى) : [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ] ... والمحدَث لا بد له من قديم ... والممكن لا بد له من
واجب ... فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه، وموجود ممكن محدَث كائن بعد أن لم يكن، وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود) [١٣] .
(فعُلم بهذه البراهين البينة اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه، فمن نفى ما
اتفقا فيه كان معطلاً قائلاً للباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل،
والله أعلم) [١٤] .
تطبيقات المسألة في العصر الحاضر:
غني عن القول أن أهمية موضوع المقال تنبع من أهمية فهم العقيدة الإسلامية
واستيعابها، لكن من المفيد أيضاً أن ننظر كيف يمكن الاستفادة من منهج أهل السنة
والجماعة في هذا الباب في العصر الحاضر.. هناك مجالات متعددة، لكني
سأقتصر على واحد من هذه المجالات، وهو مجال الإعجاز العلمي في القرآن
والسنة.
إن الفكرة الأساسية في مشروع الإعجاز العلمي هي النظر في بعض
النصوص الشرعية التي تناولت المظاهر الكونية في ضوء الاكتشافات الحديثة،
ولكي يسير المشروع في طريقه الصحيح، دون الوقوع في خطأ تحميل النص ما لا
يحتمل، فلا بد من فهم النص في ضوء قواعد التفسير وأصوله التي سلكها السلف
الصالح ﵃ ، والنصوص التي تناولت المظاهر الكونية قبل أن يعلم
الإنسان حقيقة هذه المظاهر وماهيتها تدخل في دائرة نصوص الغيب، ومن هنا:
فإن الحاجة إلى اتباع منهج السلف في هذا الباب ملحة لكي يأمن الباحث في هذا
المجال من ليّ النصوص أو تأويلها لكي توافق الاكتشافات العلمية المعاصرة، ومتى
أحسن تطبيق هذا المنهج، ستكون النتيجة نصراً مضاعفاً؛ فالاكتشاف العلمي
سيكون دليلاً جديداً على إعجاز القرآن، وفي الوقت نفسه دليلاً على سداد منهج
أهل السنة والجماعة.
مثالٌ على ذلك أذكر قوله (تعالى) : [بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ] ، فهذا البرزخ
كان غيباً لمن نزل عليهم القرآن، ومقتضى منهج السلف أن يُثبت لهذا البرزخ
القدرُ المشترك للفظ (برزخ) المعلوم مما نشهده مما يطلق عليه اللفظ، مع الامتناع
عن الجزم بمماثلته لشيء من ذلك، ثم تبين لنا الآن طبيعة هذا البرزخ، وشهد
الجميع فعلاً ثبوت القدر المشترك للفظ فيه، مع مغايرته لكل ما عرفناه سابقاً.
إن هذه النتيجة لم يكن الوصول إليها ممكناً لو سلكنا سبل الفرق الإسلامية
التي اعتمدت التأويل منهجاً لها كلما وجدت ظاهر النص مخالفاً لما تقرر عندها من
مسلمات باطلة في كثير من الأحيان، ومن جهة أخرى: فإن منهج السلف في هذا
الباب يضمن حماية النص من أي خطأ في تنزيله على الاكتشافات العلمية الحديثة،
فغاية ما هنالك حينئذ أن الباحث أخطأ في تحديد (كيفية) النص، أو (القدر المميز)
الذي تضمنه، أما (المعنى) أو (القدر المشترك) فهو باق لم يطرأ عليه شيء. إن
مثل هذا المنهج هو الأسلوب الوحيد، في نظري، للجمع بين الحفاظ على تعظيم
القرآن (وما يتبع ذلك من احترام خير القرون وما أثر عنهم في تفسيره) واقتحام
ميادين جديدة للبحث عن إعجاز القرآن العظيم.
стр. 2146
خواطر في الدعوة
إحياء التراث.. كيف يكون ؟
محمد العبدة
ليس غريباً أن يهتم المسلمون اهتماماً بالغاً بتراثهم العلمي، فيحاولون
إخراجه بحلة جديدة مع التحقيق والتدقيق، بل هذا من الواجب المناط بهم؛ فإنه لا
نهضة ولا قوام لهم إلا بالاتصال بهذا التراث: فهماً ودراسة، وتأملاً وعبرة، وفي
الوقت نفسه: نقداً وتصفية لما علق به مما يخالف أصول الإسلام وثوابته ومفاهيمه، متأثراً بالظروف المكانية والزمانية.
إن الأمة المبتورة المنقطعة عن ماضيها لا خير فيها؛ فالتراث هو القاعدة
الأساسية للانطلاق، ولكن هل نكتفي من الإحياء بتحقيق النص وذكر اختلافات
النسخ ما بين (أ) و (ب) .. إلى غير ذلك من وسائل علم التحقيق وأدواته -
الذي تقدم له في هذه الأيام من لا يحسنه -؟ أم أن هناك إحياءً من نوع آخر،
يجب أن يترافق مع هذا التحقيق -إن لم يكن هو الأصل والأساس -؟ ، ذلك هو إحياء أصحاب التراث في أخلاقهم وعملهم وعقلهم، فإذا أحيينا تراث الإمام
أحمد ﵀ ، فلماذا لا نحيي صموده في وجه البدعة التي أرادت الدولة فرضها بالقوة، ونحيي حرصه على جماهير الأمة ألا تقع ضحية هذه البدعة، وليس أمامها عالم تقتدي به، فصبر وصابر، وكانت العاقبة للمتقين.
وعندما نحقق ما جمعه المحدثون، كي نميز الصحيح من الضعيف، فلماذا لا
نحيي منهجهم في طلب العلم والرحلة إليه، وتحملهم المشاق العظيمة في ذلك، ولو
أن يسمع حديثاً واحداً، ومنهجهم في الضبط والتوثيق، والبصر في الروايات
والرواة؟ . ولماذا لا نحيي أدب الشافعي ﵀ في الحوار واهتمامه بأمر
المسلمين عندما نجده يتأسف أن تكون مهنة شريفة كالطب بأيد ي اليهود والنصارى، واهتمامه باللغة العربية لما رأى أن المسلمين أهلكتهم العُجمة فابتعدوا عن فهم
كتاب الله؟ .
إن نقل علم ابن تيمية من المخطوطات إلى الورق الأبيض لهو شيء مهم
وضروري، ولكن.. لماذا لا نحيي فيه تلك العقلية العلمية الواسعة وذاك الإنصاف
والاعتدال في تقويم الرجال، وتلك الأخلاق العالية في الاعتذار لمن يغلب عليهم
اتباع الحق، ولكن تبدر منهم هفوات وزلات، ثم محاربته لأهل الإلحاد ودفاعه عن
حياض الإسلام؟ ، وإن الذي يحيي فقه ابن المسيب لجدير به أن يحيي صلابته في
الحق، والذي يكثر من ترديد (إحياء منهج السلف) لو أنه يتمثل بشجاعة ابن
المبارك، وكرم الليث بن سعد، ويحيي منهج السلف في العمل والبعد عن شهوات
الرئاسة العلمية والتصدر للناس، وأن يتمثل صفاء قلوبهم وكثرة عبادتهم وخشيتهم،
وبعدهم عن الخصومات الردّية والمردية.
هذا الإحياء للتراث هو الداء الشافي لموات هذه الأمة، حتى لا تكون كما قال
الشاعر:
خلي الغمد، ما في الكف مال ... وهذا الرف يهوي بالكتاب
стр. 2147
دراسات تربوية
من ثمرات اليقين باليوم الآخر
بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا وقدوتنا محمد، وعلى آله
وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد..
لما كان الإيمان باليوم الآخر أحد أصول الإيمان الستة التي لا يصح إيمان
مسلم بدونها.
ولما لذلك الإيمان من أثر في حياة المسلم وطاعته لأوامر الله (عزو جل)
واجتناب نواهيه، ولما له من أثر في صلاح القلوب وصلاح الناس وسعادتهم في
الدنيا والآخرة، ولما في نسيان ذلك اليوم العظيم والغفلة عنه من خطر على حياة
الناس ومصيرهم.. فلا غرابة إذن أن يرد ذكر هذا اليوم كثيراً في القرآن، حتى لا
تكاد تخلو منه صفحة من صفحاته.
وإذا كان الكتاب والسنة قد اهتما غاية الاهتمام بتفاصيل ذلك اليوم المشهود
وبأحوال هذا النبأ العظيم؛ فإنه من الحمق والجهل ألا نهتم بما اهتم به الوحيان.
إن أعظم قضية يجب أن ينشغل بها كل واحد منا هي: قضية وجوده وحياته
والغاية منها، وقضية مستقبله ومصيره وشقائه وسعادته، فلا يجوز أن يتقدم ذلك
شيء مهما كان، فكل أمر دونه هين وكل خطب سواه حقير. وهل هناك أعظم
وأفدح من أن يخسر الإنسان حياته وأهله، ويخسر مع ذلك سعادته وسعادتهم، فماذا
يبقى بعد ذلك؟ [قُلْ إنَّ الخَاسِرِينَ الَذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ
هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] [الزمر: ١٥] .
وأهمية هذا الموضوع تتجلى فيما يلي:
١- انفتاح الدنيا الشديد على كثير من الناس في هذا الزمان وما صحب ذلك
من مكر الليل والنهار بأساليب جديدة ودعايات خبيثة تزين الدنيا في أعين الناس
وتصدهم عن الآخرة، ومع ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ
من الإيمان والتقوى، فقدكان يحذرهم من الاغترار بالدنيا وضرورة الاستعداد
للآخرة، مع أن الدنيا لم تنفتح عليهم مثل اليوم، فلا شك ولا ريب أننا أحوج منهم
بكثير إلى أن نتذكر الآخرة ويذكّر بعضنا بعضاً بعظمة شأنها وأهمية الاستعداد لها.
٢- ركون كثير من الناس للدنيا ولقد ترتب على ذلك أن قست القلوب،
وتحجرت الأعين، وهُجِرَ كتاب الله ، وإذا قرأ أحدنا القرآن قرأه بقلب
لاهٍ، فأنّى لمثل ذلك القلب أن يخشع لذكر الله؟ وأنّى لعينيه أن تدمع خوفاً من الله،
وقد انعكس ذلك على الصلاة فقلّ الخاشعون والمطمئنون فيها.. والله المستعان.
٣- لما في تذكر ذلك اليوم ومشاهده العظيمة من حث على العمل الصالح
والمبادرة لفعل الخيرات وترك المنكرات، بل ما تكاسل المتكاسلون في عمل
الصالحات سواء الواجب منها والمسنون إلا بسبب الغفلة عن الآخرة والانشغال عنها، يقول (تعالى) في وصف عباده الصالحين: [رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن
ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ] [النور: ٣٧] . [أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ
سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لايَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [الزمر: ٩] .
٤- لما ظهر في عصرنا اليوم من المشكلات المعقدة والأمراض المزمنة،
التي نشأت عنها الأمراض النفسية المتنوعة من القلق والاكتئاب اللذين يؤديان غالباً
إلى حياة يائسة، ومن أسباب ذلك: البعد عن الله (تعالى) ، وعن تذكر اليوم الآخر.
٥- لما تميز به زماننا اليوم من كثرة المظالم في بعض المجتمعات واعتداء
الناس بعضهم على بعض، من أكلٍ لأموال غيرهم بدون وجه حق، وكذلك النيل
من الأعراض، والحسد والتباغض، والفرقة والاختلاف، وبخاصة بين بعض
الدعاة وطلبة العلم، ولا شك أنه لا شيء مثل تذكر اليوم الآخر وتذكر الوقوف بين
يدي الله علاجاً لتلك الأمراض.
٦- ولما كان الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة من أعظم الأسباب في
وهن النفوس وضعفها كان لا بد من التذكير المستمر بذلك اليوم وما فيه من نعيم أو
جحيم، لأن في هذا التذكير أكبر الأثر في نشاط الهمم وعدم الاستسلام للوهن
واليأس رجاء ثواب الله وما أعده للمجاهدين في سبيله الداعين إليه.
٧- ولما قلّ في برامج الدعوة والتربية الاعتناء بهذه الجانب العظيم من
التربية مما له الأثر الكبير في الاستقامة على الجادة والدعوة إلى الله على بصيرة،
ولكن نرى من بعض المهتمين بالدعوة من يستهين بهذا الجانب العظيم حتى صار
بعضهم يقلل من أثر التذكرة بالآخرة بقوله: إن هذا الأمر يغلب عليه الوعظ أو هذا
مقال عاطفي وعظي... إلخ.. مع أن المتأمل لكتاب الله (سبحانه) وسنة رسوله -
ﷺ يرى بجلاء جانب الوعظ بارزاً بالربط بين الدنيا والآخرة
والثواب والعقاب.. نسأل الله أن يهدينا جميعاً وأن يوفقنا للاقتداء بالسنة والسير
على نهجها.
الآثار المرجوة لليقين باليوم الآخر:
إن في اليقين باليوم الآخر وأنبائه العظيمة لآثاراً واضحة وثماراً طيبة، لابد
أن تظهر في قلب العبد وعلى لسانه وجوارحه، وفي حياته كلها، ولكن هذا اليقين
وحده لا يكفي حتى ينضم إليه الصبر ومجاهدة الشهوات والعوائق، لأن الواحد منا
مع يقينه باليوم الآخر وأهواله يرى في حياته أن ثمرات هذا اليقين ضعيفة، فلابد
إذن من سبب لهذا الأمر، ويجلي هذه المسألة الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى)
فيقول: (فإن قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة
والنار ويتخلف العمل؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غداً إلى
بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهياً
غافلاً! ولا يتذكر موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولا يأخذ له أهبته؟ ! .
قيل: هذا (لعمر الله) سؤال صحيح وارد على أكثر الخلق؛ فاجتماع هذين
الأمرين من أعجب الأشياء، وهذا التخلف له عدة أسباب:
أحدهما: ضعف العلم ونقصان اليقين، ومن ظن أن العلم لا يتفاوت، فقوله
من أفسد الأقوال وأبطلها.
وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عياناً بعد علمه بقدرة
الرب على ذلك، ليزداد طمأنينة، ويصير المعلوم غيباً شهادة.
وقد روى أحمد في مسنده عن النبي أنه قال: (ليس الخبر كالمعاينة) [١] .
فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب في كثير من
أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تغاضي الطبع، وغلبات
الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد،
وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل، وإلف العوائد،
فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وبهذا السبب
يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب.
وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ولهذا مدح الله
(سبحانه) أهل الصبر واليقين، وجعلهم أئمة الدين، فقال (تعالى) : [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ
أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] ) [٢] .
ذكر الثمرات المرجوة:
وبعد هذه المقدمة التي لا بد منها حول ثمرات اليقين بالنبأ العظيم نذكر ما
تيسر من هذه الثمرات، والله ولي التوفيق:
١- الإخلاص لله والمتابعة للرسول:
إن الموقن بلقاء الله يوم الفزع الأكبر، لا تلقاه إلا حريصاً على
أعماله، خائفاً من كل ما يحبطها من أنواع الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، حيث
إن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، فتصير هباءً منثوراً، والشرك الأصغر
يحبط العمل الذي حصل فيه هذا النوع من الشرك كيسير الرياء، والعجب، والمن، وطلب الجاه والشرف في الدنيا، فكلما كان العبد موقناً بلقاء ربه كان منه الحرص
الشديد على ألا تضيع منه أعماله الصالحة في موقف القيامة، يوم أن يكون في أشد
الأوقات حاجة إليها؛ ولذلك فهو يجاهد نفسه بحماية أعماله في الدنيا بالإخلاص فيها
لله (تعالى) لعل الله أن ينفعه بها، كما أن اليقين بالرجوع إلى الله (عز
وجل) يجعل العبد في أعماله كلها متبعاً للرسول ﷺ غير مبتدع
ولامبدل؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً، قال
(تعالى) : -[قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو
لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] [الكهف: ١١٠] .
٢- الحذر من الدنيا والزهد فيها والصبر على شدائدها وطمأنينة القلب
وسلامته:
إذا أكثر العبد ذكر الآخرة، وكانت منه دائماً على بال، فإن الزهد في الدنيا
والحذر منها ومن فتنتها سيحلان في القلب، وحينئذ لا يكترث بزهرتها، ولا يحزن
على فواتها، ولا يمدن عينيه إلى ما متع الله به بعض عباده من نعم ليفتنهم فيها،
وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمار أخرى مباركة طيبة منها: القناعة، وسلامة
القلب من الحرص والحسد والغل والشحناء؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في الآخرة
وأنبائها العظيمة لا تهمه الدنيا الضيقة المحدودة، مع ملاحظة أن إيمان المسلم باليوم
الآخر وزهده في الدنيا لا يعني انقطاعه عنها وعدم ابتغاء الرزق في أكنافها؛ يقول
(تعالى) : -[وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ] [القصص: ٧٧] .
كما يتولد أيضا من هذا الشعور، الراحة النفسية والسعادة القلبية وقوة
الاحتمال والصبر على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله
من الأجر والثواب، وأنه مهما جاء من شدائد الدنيا فهي منقطعة ولها أجل، فهو
ينتظر الفرج ويرجو الثواب الذي لا ينقطع يوم الرجوع إلى الله ، قال
(تعالى) : [إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ كََمَا تَاًلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا
يَرْجُونَ] [النساء: ١٠٤] وما إن يفقد القلب هذه المعاني حتى يخيم عليه الهم
والتعاسة، ومن هنا ينشأ القلق والانزعاج والضيق والحزن، أما ذاك الذي عرف
الدنيا على حقيقتها، وامتلأ قلبه بهمّ الآخرة وأنبائها، فإن نفسه لا تذهب على الدنيا
حسرات، ولا تنقطع نفسه لهثاً في طلبها، ولا يأكل قلبه الغل والحسد والتنافس فيها، ولا يقل صبره ولا يجزع قلبه عند المحن والشدائد، ومهما حرم في هذه الدنيا
الفانية فهو يعلم أن لله في ذلك الحكمة البالغة، وهو يرجو الأجر يوم
القيامة، قال (تعالى) : [وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا
يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفا وَإن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ] [الزخرف: ٣٣- ٣٥] .
٣- التزود بالأعمال الصالحة وأنواع القربات واجتناب المعاصي والمبادرة
بالتوبة والاستغفار:
يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) : (ومما ينبغي أن من رجا شيئاً
استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:
أحدهما: محبة ما يرجوه.
الثاني: خوفه من فواته.
الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.
وأما رجاءٌ لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني، والرجاء شيء
والأماني شيء آخر، فكل راجٍ خائف، والسائرعلى الطريق إذا خاف أسرع السير
مخافة الفوات.
وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (من خاف
أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) [٣]
وهو (سبحانه) كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل
الأعمال الصالحة، فعلم أن الرجاء والخوف النافع ما اقترن به العمل، قال (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
(٥٨) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ
إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ]
[المؤمنون: ٥٧- ٦١] .
وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة ﵂ قالت: سألت
رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقلت: أهم الذين يشربون الخمر
ويزنون ويسرقون؟ قال: (لا، يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون
ويتصدقون ويخافون أن لايتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات) [٤] وقد روي
من حديث أبي هريرة أيضاً.
والله (سبحانه) وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء
بالإساءة مع الأمن) [٥] .
وقال (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ
يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [البقرة: ٢١٨] .
يقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) : (فتأمل كيف جعل رجاءهم إتيانهم بهذه
الطاعات؟ وقال المغرورون: إن المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لأوامره
الباغين المتجرئين على محارمه، أولئك يرجون رحمة الله) [٦] . للحديث صلة.
стр. 2148
مقال
دور الملأ في الصد عن سبيل الله
بقلم: فهد بن ناصر الجديد
عندما أمر الله (تعالى) ملائكته بالسجود لآدم، أبى إبليس واستكبر عن أمر
ربه، فقال (تعالى) مخاطباً إبليس بأمر قدري كوني: [فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن
تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ] [الأعراف: ١٣] .
ولم يكتف إبليس بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، بل استدرك اللعين وسأل الله
النّظِرَةَ إلى يوم القيامة؛ إمعاناً في الكيد والحسد لآدم وذريته من بعده، [قَالَ رَبِّ
فَأَنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] [الحجر: ٣٦] . وقد أجابه (تعالى) إلى ما سأل، لما له
في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه،
قال (تعالى) : [قَالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (٣٧) إلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ (٣٨) قَالَ
رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
المُخْلَصِينَ] [الحجر: ٣٧- ٤٠] .
من هنا يتضح أن السبب الرئيس في امتناع إبليس عن السجود لآدم هو الإباء
والاستكبار على الله وليس التكذيب، شأنه في ذلك شأن الملأ من الناس أعوان
إبليس الذين تصدوا لدعوة الرسل.
والملأ هم: الرؤساء، سُمّوا بذلك لأنهم مِلاءٌ بما يحتاج إليه، وقيل: أشراف
القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدّموهم الذين يرجع إلى قولهم [١] ، وقد استخدم
أولئك الملأ كل ما يملكون من أساليب ووسائل لصرف الناس عن عبادة الله،
وصدهم عن سبيله، من هذه الأساليب:
الأسلوب الاجتماعي:
عند دراستنا للقرآن الكريم يتضح أن الملأ من قومي نوح ولوط (عليهما
الصلاة والسلام) قد استخدموا هذا الأسلوب لاستعباد الناس، فبجانب عبادة الأصنام
كان قوم نوح قد تفشى فيهم الصراع الطبقي، فالملأ من السادات والأشراف قد
ورثوا هذه المكانة بسبب تعظيم أسلافهم الصالحين، فزادهم ذلك مكانةً في مجتمعهم
عن أولئك الضعفاء من قومهم، حتى أدى بهم الأمر إلى أن اتخذوا لهم صوراً
وأصناماً، فلما اندرس العلم وعم الجهل وطال عليهم الأمد، عبدوا تلك الأصنام.
فلما أرسل الله (تعالى) نوحاً (عليه الصلاة السلام) دعاهم إلى التوحيد الخالص
ونبذ الشرك، قال (تعالى) : [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٥)
أَن لاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ] [هود: ٢٥، ٢٦] .
وقد كان السبب الرئيس المانع من استجابة أولئك الملأ هو أن التابعين له هم
الضعفاء والمساكين، يقول (تعالى) : [فَقَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلاَّ
بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّاًيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن
فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ] [هود: ٢٧] .
وبعد أن أوضح نوح ﵊ وبين حقيقة التوحيد وأبطل عبادة
الأصنام، أخذ يصحح الوضع الاجتماعي المتردي في مجتمعه، قال (تعالى) :
[وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَذِينَ آمَنُوا إنَّهُم
مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إن
طَرَدتُّهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلا أَقُولُ
إنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ
إنِّي إذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينََ] [هود: ٢٩- ٣١] .
أما لوط ﵊ فقد استخدم الملأ من قومه أسلوباً بشعاً من
الأساليب الاجتماعية التي يستعبدون بها الناس، هذا الإسلوب هو إتيان الذكران من
العالمين، ولم تكن تلك الظاهرة الخبيثة مرضاً مقصوراً على فرد أو جماعة من
الناس، وإنما كانت عامة في ذلك المجتمع [وَتَاًتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ]
[العنكبوت: ٢٩] .
فلما أرسل الله لهم لوطاً ﵊ دعاهم إلى توحيد الله وترك
عبادة ما سواه، ثم أنكر عليهم هذا الأسلوب البشع: [وَلُوطاً إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إنَّكُمْ
لَتَاًتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَاًتُونَ الرِّجَالَ
وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَاًتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَر] [العنكبوت: ٢٨، ٢٩] .
أما قوم عاد وقوم ثمود فقد استخدموا أسلوب البناء العمراني بجانب عبادة
الأصنام؛ ليصدوا الناس عن عبادة الله وحده، فقد كانت قبيلة عاد تسكن ما بين
اليمن وعُمان، وقد حباهم الله بنعم وفيرة وخيرات كثيرة حتى بلغوا قمة الإبداع
المادي والصناعي والرفاهة، ولكنهم لم يعبدوا الله ولم يشكروا نعمه عليهم، بل
استخدموا تلك النعم في استعباد الضعفاء، فأرسل الله لهم هوداً (عليه الصلاة
والسلام) ، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، قال (تعالى) : [وَإلَى
عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إن أَنتُمْ إلاَّ مُفْتَرُونَ]
[هود: ٥٠] .
وبعد أن دعاهم إلى التوحيد الخالص، اتجه ﵊ إلى
إصلاح ما كان عليه القوم من فساد، فأنكر عليهم المبالغة في البنيان وشق السدود
واتخاذ المصانع حتى صرفهم ذلك عن عبادة الله، قال (تعالى) : [أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ] [الشعراء: ١٢٨، ١٢٩] .
وقد تصدى الملأ من قومه لدعوته وحاربوه [قَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنَّا
لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ] [الأعراف: ٦٦] .
أما قبيلة ثمود فقد كانت تسكن الحِجْر (بين الحجاز والشام) وقد ساروا على
نهج سلفهم من قوم عاد في اتخاذ القصور والسهول حتى صرفهم ذلك عن عبادة الله، فأرسل الله لهم صالحاً فدعاهم إلى التوحيد الخالص، قال (تعالى) : [وَإلَى ثَمُودَ
أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ] [هود: ٦١] .
وبعد أن دعاهم إلى التوحيد، انطلق صالحٌ ﵊ فأنكر
عليهم أسلوبهم في استعباد الناس وصرفهم عن عبادة الله، قال (تعالى) : [واذْكُرُوا
إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ
الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ] [الأعراف: ٧٤] .
وقال (تعالى) : [أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧)
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (١٤٩)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ (١٥١) الَذِينَ يُفْسِدُونَ فِي
الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ] [الشعراء: ١٤٦- ١٥٢] .
ولا شك أن الملأ قد تصدوا لدعوته وحاربوه ومن آمن معه [قَالَ المَلأُ الَذِينَ
اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن
رَّبِّهِ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ
كَافِرُونَ] [الأعراف: ٧٥، ٧٦] .
الأسلوب الاقتصادي:
تقع مدين في بلاد الشام، وقد حبى الله بلادهم مكانة مهمة، إذ تقع في ممر
قوافل التجارة، وقد استغل الملأ منهم هذه الأهمية، فبجانب عبادتهم للأيكة (وهي
الشجرة الكبيرة) أصبحوا يطففون الكيل والميزان، فبعث الله إليهم شعيباً (عليه
الصلاة والسلام) ودعاهم إلى التوحيد الخالص، قال (تعالى) : [وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [الأعراف: ٨٥] ثم أبطل ما
كانوا عليه من الظلم في تطفيف الكيل وبخس الناس والإفساد في الأرض، قال
(تعالى) : -[فَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي
الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [الأعراف: ٨٥] وليس
مستغرباً أن يتصدى الملأ إلى دعوة شعيب ﵊ ويهددوه بالنفي:
[قَالَ المَلأُ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن
قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ] [الأعراف: ٨٨] .
الأسلوب السياسي:
استخدم فرعون وملؤه هذا الأسلوب في استعباد الناس وصدهم عن دين الله،
ففرعون الذي قال: [ ... أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] [النازعات: ٢٤] ، لا يدعي أنه
الخالق المدبر، وإنما يدعي أنه الحاكم المسيطر بإرادته وقانونه، يفسر ذلك قوله
(تعالى) : [أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ] [الزخرف: ٥١] ، بل كان فرعون يعبد آلهة
قومه كما في قوله (تعالى) : [وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ
لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإنَّا فَوْقَهُمْ
قَاهِرُونَ] [الأعراف: ١٢٧] لذا: استخدم فرعون وملؤه السحر، وأجبروا
مجموعة من الشبان على تعلمه؛ ليفرضوا سيطرتهم على المجتمع ويصدوهم عن
عبادة الله، ويتبين ذلك من قول أولئك السحرة لما آمنوا بالله (تعالى) فلم يرهبهم
التهديد والوعيد، قال (تعالى) : [إنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ
مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى] [طه: ٧٣] .
قال ابن عباس: (أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني اسرائيل، فأمر أن
يُعَلّموا السحر، وقال: علموهم تعليماً لا يعلمه أحد في الأرض) [٢] ، فبعث الله
(تعالى) موسى ﵊ ، فدعاهم إلى وحدانية الله وأبطل ما كانوا
عليه من السحر بالمناظرة التي انتهت بإيمان السحرة.
سبيل التصدي:
مما سبق يتضح أن معظم الكفر الحاصل في البشرية ليس بسبب تكذيب دعوة
الرسل وإنما بالإباء والاستكبار على أمر الله، يقول (تعالى) : [وَجَحَدُوا بِهَا
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواً] [النمل: ١٤] يقول ابن القيم: (إن الله (تعالى) أيد
رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة، وأزال به
المعذرة) [٣] لذا: لابد لمن أراد دعوة الناس إلى الهدى أن يسلك سبيلاً واحداً سار
عليه الرسل جميعاً، هذا السبيل هو البدء بالتوحيد الخالص ودعوة الناس إليه،
وكشف ما يناقضه من الشرك بالله، وسد الذرائع الموصلة إليه، ثم الانتقال إلى
إصلاح ما تآلف الناس عليه من الفساد بمختلف أساليبه في المجالات الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي فساد في أي مجتمع هو من
صنع الملأ، لذا: لابد من التحلي بالصبر على مشاق الدعوة تجاه ما يحدثه أولئك
الملأ، يقول المودودي: (والظاهر أن أول ما يطالِب به دينُ الله عباده: أن يدخلوا
في عبودية الحق كافة مخلصين له الطاعة والانقياد، حتى لا يبقى في أعناقهم قلادة
من قلائد العبودية لغير الله (تعالى) ، ثم يتطلب منهم ألا يكون لحياتهم قانون إلا ما
أنزله الله (تعالى) وجاء به الرسول الأمي الكريم ﷺ ، ثم إن
الإسلام يطالبهم بأن ينعدم من الأرض الفساد، وتستأصل شأفة السيئات والمنكرات، الجالبة على العباد غضب الله (تعالى) وسخطه) [٤] .
стр. 2149
مقال
السلام.. كما جاء في القرآن الكريم
بقلم: د. محمد بن عبد الله الشباني
ورد لفظ (السلام) ومشتقاته في عدد كبير من آيات القرآن الكريم، حيث عالج القرآن الكريم مفهوم السلام وفق معنى الإسلام الذي يقوم على ضرورة الخضوع التام والمطلق لخالق الإنسان، من حيث القبول والتسليم بما يُوجبه الله، وتكييف السلوك وفق مقتضيات ذلك.
إن أصل مادة (السلام) تأتي من الفعل الثلاثي (سَلَمَ) والمشتقات منه التي تأتي
لمعانٍ متعددة، لكنها جميعاً تدور حول مفهوم: الاستسلام، والطاعة، والخضوع،
والصلح، وترك الحرب والمنازعة، والسلم، والأمان، ولاستجلاء هذه المعاني
للفظة (السلام) كما جاء في القرآن الكريم فسوف أستعرض المعاني والدلالات التي
ورد فيها لفظ (السلام) على النحو التالي:
أولاً: في مجال الحياة الأسرية:
ورد أحد مشتقات كلمة (السلام) في سورة البقرة عند معالجة القرآن الكريم
لجانب من جوانب الحياة الأسرية، الذي يتعلق بحماية الطفولة وتحقيق الأمان عند
انفصام الروابط التي تجمع بين عنصري الأسرة (الأب، والأم) في قوله (تعالى) :
[وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى
المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نُفْسٌ إلاَّ وسْعَهَا.... . وَإنْ أَرَدْتُّمْ
أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُم إذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] [البقرة: ٢٣٣] في هذه الآية ورد لفظ (سَلّمتم) ، وهو أحد مشتقات كلمة (السلام) ، وقد جاء اللفظ ضمن سياق آيات نظّمت
وعالجت أموراً تتعلق بالنتائج التي تترتب على الخلاف الذي يقع بين الزوجين؛
مما قد يؤدي إلى الانفصال النهائي، وبالتالي: فقد تم تنظيم علاقة الأطفال الذين
نتجوا عن تلك العلاقة، ولقد استخدم القرآن الكريم لفظ (سَلّمْتُم) بدلاً من أي لفظ
آخر يفيد المنح والإعطاء؛ لنكتة بلاغية وتربوية، وهي: أن السلام في الحياة
الأسرية من أهم متطلبات الاستقرار النفسي لأفراد الأمة، ومن هنا وردت كلمة
(سَلّمتم) لتنظم العلاقة بين الزوجين المنفصلين؛ بإضفاء مفهوم الأمان، ويورد
الزمخشري ﵀ عند تفسيره لهذه الآية معنًى جليلاً لمفهوم (السلام) في
الأسرة المسلمة، فيقول: (إذا سلمتم إلى المراضع ما آتيتم: ما أردتم إيتاءه، كقوله
(تعالى) [.. إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ..] [المائدة: ٦] وقرئ ما أتيتم من أتي إليه
إحساناً إذا فعله، ومنه قوله (تعالى) [.. إنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاًتِياً] [مريم: ٦١] أي
مفعولاً، وروى شيبان عن عاصم: ما أوتيتم أي ما آتاكم الله، وأجركم عليه من
الأجرة ونحوه، وليس التسليم بشرط للجواز والصحة، وإنما هو نَدْب إلى الأَولى،
ويجوز أن يكون نعتاً على أن يكون الشيء الذي تعطاه المرضع من أهنأ ما يكون
لتكون طيبة النفس راضية؛ فيعود ذلك إصلاحاً لشأن الصبي واحتياطاً في أمره،
فأمرنا بإتيانه ناجزاً يداً بيد، كأنه قيل إذا أديتم إليهن يداً بيد ما أعطيتموهن
بالمعروف؛ مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما
أمكن؛ حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن) [١] ! .
ثانيا: في مجال الحرب والسلم:
جاء لفظ (السلام) في القرآن الكريم في مواضع عديدة، عندما تحدث القرآن
عن علاقة المجتمع المسلم مع بقية الجماعات الأخرى التي تدين بغير دين الإسلام،
وأوضح الإطار الذي يحدد مظاهر ونوعية علاقات السلم، والظروف التي يمكن
فيها قبول المهادنة والصلح مع العدو، ولهذا لابد من فهم هذه الآيات التي تحدثت
عن الحرب والسلم وورود لفظ (السلام) فيها كوحدة واحدة؛ لمعرفه كيفية بناء
العلاقات السلمية مع الجماعات والمجتمعات الأخرى على النحو التالي:
١- المناوأة والمضادة للمجتمع المسلم:
من أبرز الآيات التي يُسْتَشْهَدُ بها لإجازة السلام مع أعداء الأمة قوله (تعالى) :
[وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا..] [الأنفال: ٦١] وذلك بعد فصلها عن سياقها.
ولفهم هذه الآية لابدّ من فهم الآيات السابقة واللاحقة لها، فهذه الآية جاءت تعقيباً
بعد قوله (تعالى) : [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم..] [الأنفال: ٦٠] وجاء بعدها قوله
(تعالى) : [وَإن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ..] [الأنفال: ٦٢] ، وإذا أردنا فهم هذه
الآيات أو ربطها ببعضها، فلابد من الرجوع إلى ما قبلها من الآيات التي حددت
الظروف الحربية التي كانت سائدة في زمن الرسول، فقد وصف القرآن الكريم هذه
الظروف بقوله (تعالى) : [إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ..] [الأنفال: ٥٥] ، فقد وصفت هذه
الآيات حقيقة الكفر والكافرين فيما يتعلق بمدى التزامهم بمواثيقهم، ولقد أوضح ابن
كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: ماذا ينبغي أن تمارسه الأمة، يقول (رحمه
الله) : (أخبر (تعالى) أن شر مادة على وجه الأرض هم الذين كفروا، فهم لا
يؤمنون، وكلما عاهدوا عهداً نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، وهم لا يخافون
من الله في شيء ارتكبوه من الآثام، فإن تَغْلِبْهُم وتَظْفَرْ بهم في حرب فنكلْ بهم:
قاله ابن عباس، والحسن البصري، والضحاك، والسدي، وعطاء الخرساني،
وابن عيينة، ومعناه: غلّظ عقوبتهم وأثخنهم قتلاً؛ ليخاف مَن سواهم مِنْ الأعداء
من العرب وغيرهم، ويعتبروا أو يصيروا لهم عبرة [لعلهم يذكرون] ، وقال
السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيقع بهم مثل ذلك [٢] .
إن السلام لا يقوم بدوره لصالح المسلمين إلا عندما يدرك العدو أن المسلمين
يمتلكون القدرة على تأديب الأعداء عند عدم احترامهم للمعاهدات، لهذا لا يمكن
تحقيق السلام إلا إذا ذاق اليهود وأعوانهم الهزيمة المرة وأصبحوا تحت سيطرة
المسلمين، وبالتالي: سيوفون بالعهد خوفاً من أن يُنكل بهم، ولكنهم إذا عرفوا أنهم
إذ ينقضون المواثيق يحصلون على أوضاع أفضل مما حصلوا عليه؛ فإنهم لا
يمتنعون عن نقض تلك المواثيق، وما يحدث من نقض لمواثيق وعهود في البوسنة
والهرسك مثلاً لدليل معاصر يؤكد هذه الحقيقة.
إن قبول السلم والمهادنة مع الأعداء كما أوضحته الآية يرتبط بالالتزام من
قبل الأمة الإسلامية بما جاء في الآية التي سبقت آية [وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ..]
[الأنفال: ٦١] وهي قوله (تعالى) : [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم..] [الأنفال: ٦٠] ، فقد أعقب هذه الآية قوله (تعالى) : [وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ..] [الأنفال: ٦١]
فشرط قبول السلام أو المهادنة كما أوضحته الآية السابقة يتمثل في أمرين:
الأول: عدم جواز عقد الهدنة إلا إذا توفرت للأمة عناصر القوة، المتاحة
وفق ما يتوفر في كل عصر من العصور من أسباب القوة، وأن على الأمة العمل
على توفير هذه القوة بتنمية القدرات العسكرية بشكل مستمر ومتواصل حتى في
عهد السلم، وبالتالي: - فأي مهادنة من قبل أي حاكم مسلم لا تكون سارية إذا أخل
بهذا الشرط، وقد أشارت هذا الآية إلى حقيقة مهمة، وهي: عملية تنمية القوة
العسكرية واعتبار أنها الوسيلة الفعالة لتحقيق السلام الحقيقي، كما في قوله (تعالى) : [.. تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ..] [الأنفال: ٦٠] ، فالاستعداد لا يُقصد
به القيام بالحرب، وإنما هو التخويف به، أي: تحقيق الردع؛ ولهذا: وجّه الله
(تعالى) الأنظار إلى أن هذا الاستعداد يحتاج إلى الإنفاق، وأن على أفراد الأمة بذل
المال في هذا السبيل، وأن هذا الإنفاق لغرض تحقيق إرهاب العدو هو إنفاق في
سبيل الله، يجزي الله المنفقين على بذله، فلا يُبْخسون شيئاً مما أنفقوه في هذا
الوجه، كما أن الاستعداد وتنمية القدرات العسكرية يجب أن يكون بتنمية القدرة
على تصنيع هذا السلاح، والعمل على توفير المناخ الإداري والسياسي والمالي
لتوفير القدرة على ذلك، فشراء السلاح من الأعداء بدون العمل على توفير
الإمكانات لصنعه يعتبر تضييعاً لحق الأمة، وصرفاً لمفهوم قوله (تعالى) :
[وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم..] [الأنفال: ٦٠] .
الأمر الثاني: عدم قبول السلام أو المهادنة من موقف الضعف؛ فيجب إلغاء
أي معاهدة أو هدنة إذا اتضح أن الالتزام بها سوف يؤثر على مصالح الأمة،
وعندئذٍ، ووفق الأخلاق الإسلامية التي يأمر بها الله، فإن من الواجب إبلاغ
الطرف الذي تمت المعاهدة معه بإلغائها والاستمرار في مناصبة العدو الحرب إلا إذا
قبل العدو تعديل المهادنة وفق مصلحة الأمة، والامتناع عن طلب السلم معهم إلا إذا
طلبوا المسالمة وخضعوا لشروط المسلمين؛ أي إن السلام يكون مطلباً للعدو بعد أن
يدرك أن القوة للمسلمين، وليس أمامه إلا طلب السلام والقبول بما يفرضه
المسلمون من شروط، يقول ابن كثير ﵀ في تفسير قوله (تعالى) [وَإن
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ..] الآية: (فإذا خفت من قوم خيانة فانبذ لهم عهدهم على سواء،
فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، وإن جنحوا، أي: مالوا، للسلم، أي:
المسالمة والمصالحة والمهادنة، فاجنح لها، أي: فمل إليها واقبل منهم ذلك؛ ولهذا
لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله -
ﷺ تسع سنين، أجابهم إلى ذلك) [٣] . ...
وبجانب ما أشارت إليه هذه الآيات من سورة الأنفال من شروط لقبول السلام
والمهادنة مع الأعداء، فقد أوضحت سورة النساء أوضاعاً أخرى لقبول المهادنة
وتحقيق السلم مع الأعداء، وذلك في حالة أن يكون هناك ضعف داخلي في مجتمع
المسلمين، وأعداء يتربصون بهم، يتحينون الفرص للانقضاض على الأمة، يقول
(تعالى) : [فمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا
مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا
فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِياً وَلا نَصِيراً (٨٩) إلاَّ الَذِينَ يَصِلُونَ
إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا
قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إلَيْكُمُ
السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَاًمَنُوكُمْ
وَيَاًمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ
وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً] ... [النساء: ٨٨- ٩١] .
السلام الذي تتحدث عنه هذه الآيات، إنما هو سلم متعلق بوجود ظروف
توزع القوة بين معسكر الإسلام ومعسكر الكفر؛ أي إن القوة متكافئة بين المسلمين
والكفار، ولهذا تعمد فئة بالتظاهر بالإسلام أو بالوقوف على الحياد، وقد أوضحت
هذه الآيات نوع المهادنة والسلم، والأسلوب الذي يجب انتهاجه. وهذا التوجيه
الوارد في هذه الآيات يخص حالة قيام دولة مسلمة في مجتمعات إسلامية، وفي
حالة وقوع معارضة لولي أمر المسلمين من فئات تنازعه الأمر بادعاء شرعي
فتطلب المصالحة أو المهادنة، كما حدث من طلب معاوية ﵁ الصلح
والتحكيم من علي بن أبي طالب ﵁ الذي كان أميراً للمؤمنين، ويؤكد
هذا المفهوم ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده إلى علي بن أبي طالب (رضي
الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال له: (إنه سيكون اختلاف أو
أمر، فإن استطعت أن يكون السلم فافعل) [٤] .
كما توضح الآيات طبيعة السلم والمهادنة في حالة التعامل مع المنافقين الذين
يدّعون الإسلام، أو في ظل مفهوم السلام العالمي، ويتمثل ذلك في الحقائق التالية:
١- إن طبيعة المنافقين هي خذلان الأمة في أشد المواقف خطورة حيث
يمارسون دور التثبيط وزعزعة ثقة الأمة بنفسها، فهم يعمدون إلى تخويف الأمة
من أعدائها؛ ليغرسوا فيها الوهن حتى لا تقاوم العدو فتستسلم له. وهذه الطبيعة
المتأصلة في نفوسهم إنما تعود إلى اتباعهم الباطل، ولذا: لا نجد فترة من فترات
التاريخ الإسلامي كان المنافقون أصحاب القوة والنفوذ في الأمة إلا ونجد أن الأمة
وقعت في قبضة الأعداء، وإن مجانبة هذا الأمر تكون بمنع المنافقين أن يُوَلّوْا قيادة
الأمة، وعدم موالاتهم أو الاستعانة بهم وطلب النصرة منهم.
٢- حددت الآيات نوعية نفاق الجماعات سواء داخل المجتمع المسلم أو
خارجه، وتتمثل هذه الجماعات في دول كافرة، سواء أكان كفرها متمثلاً في تبني
العلمانية منهاجاً يقوم عليه نظام الدولة، أو دول أو مجموعات بشرية تتظاهر
بانتمائها للإسلام ولكن الكفر هو حقيقة هذه الجماعات أو الدول.
لقد أوضحت هذه الآيات كيفية التعامل مع هذه النوعية من الدول أو التجمعات
البشرية؛ وذلك بتصنيف علاقة السلم والحرب إلى نوعين من التعامل: النوع
الأول: مسالمة هذه الجماعات أو الدول التي ترتبط مع دول أو مجموعات بينها
وبين الدولة الإسلامية مهادنة وترغب أن تقف على الحياد، وهذا ما فعله رسول الله
ﷺ مع بني مدلج، فقد أورد ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:
عن سراقة بن مالك المدلجي ﵁ أنه حدثهم، قال: (لما ظهر النبي -
ﷺ على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني
أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج فأتيته، فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: مه، فقال النبي: دعوه، ما تريد؟ قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى
قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم
يسلموا لم تخشن لقلوب قومي عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد
خالد بن الوليد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا
على رسول الله ﷺ ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم) [٥] .
الثاني: يشبهون النوع الأول في الصورة الظاهرة، ولكن يختلفون في أن نية
هؤلاء غير نية النوع الأول، فهم لا يظهرون المناجزة والمساندة في الظاهر حتى
ينالوا المنفعة من المجتمع المسلم، ولكنهم في الحقيقة مع الأعداء، يتآمرون ضد
مصلحة المسلمين، بل إنهم يعمدون إلى المخادعة والتضليل، وقد ذكر ابن كثير
عن ابن جرير عن مجاهد أن قوله (تعالى) : [سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَاًمَنُوكُمْ
وَيَاًمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ
وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ..] [النساء: ٩١] قد نزل في قوم
من أهل مكة، كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياءً، ثم
يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، ويبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا،
فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا) [٦] .
إن هذا النوع لا يقتصر على الأفراد المذبذبين، بل يتعدى ذلك إلى الدول
والجماعات التي تمارس الخداع والتضليل؛ إما من أجل تخدير المجتمع المسلم
ونزع روح المبادرة، أو من أجل نهب خيراته من خلال إظهار مناصرة قضاياه
وحمايته من أعدائه بقصد ترويض المجتمع المسلم، ولهذا: فإن على المجتمع
المسلم ألا يسمح لهذا النوع من النفاق الكافر بالوجود، والعمل على قتالهم، وإن
المهادنة معهم لا يجوز عقدها إلا إذا التزموا بكف الأذى وعدم التدخل في أمور
المجتمع المسلم.
لقد أوضح القرآن الكريم أن المهادنة وعقد السلام كما جاء في القرآن الكريم لا
يجوز إلا عندما يتم تحقيق ما جاء في آيات سورة محمد، حيث قال (تعالى) : [إنَّ
الَذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ]
[محمد: ٣٤، ٣٥] . فقد حددت هذه الآية عدم جواز بدء طلب السلم أو المهادنة إلا إذا تحقق ما يريده الله: من أن المسلمين يكونون هم الأعلون، وبالتالي: فإنهم لا يطلبون السلام، ولكن يمنحونه لغيرهم إذا طلبه العدو، لما فيه من مصلحة الناس؛ من حيث تمكينهم من سماع كلمة الله حتى تقوم الحجة على الناس، فلا يكون للناس حجة بعد الرسل؛ ولهذا: جاء الإسلام ووضع أحكاماً لأهل الذمة من أجل أن يتحقق المبدأ الأساس في الإسلام، الذي أشار إليه قوله (تعالى) : [لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِ] [البقرة: ٢٥٦] .
ثالثاً: جاء لفظ (السلام) بمعنى الخضوع والاستسلام لله، الذي هو المفهوم
الحقيقي لدين الإسلام، فقد ورد لفظ (السلام) ومشتقاته للدلالة على الإسلام، الذي
يعني كمال الخضوع والذلة والاستسلام لله بما شرعه وأمر به، فقد ورد لفظ (السّلم)
بهذا المعنى في قوله (تعالى) : [يا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ..] [البقرة: ٢٠٨] ، فإذا جاء من يعرف معنى هذه الآية،
ويستشهد بأنها دليل على أن الإسلام يأمر بعقد السلام مع أعداء الله الذين نهبوا
الأرض وأخرجوا المسلمين من بلادهم، وشردوهم في الأرض، فقد صرف معنى
الآية عن مفهومها الذي نزلت به إلى معنى آخر مغاير لما نزلت من أجله.
إن المعنى الحقيقي لهذه الآية كما فسرها علماء المسلمين من المفسرين: هو
الأمر بالدخول في الإسلام، وقبول شريعة الإسلام، يقول الزمخشري: (السّلم
بكسر السين وفتحها وقرأ الأعمش بفتح السين واللام هو الاستسلام والطاعة، أي:
استسلموا لله وأطيعوه (كافة) لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته، وقيل هو الإسلام،
والخطاب لأهل الكتاب، لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، وللمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون (كافة) حالاً من السلم، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ... على
أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون
طاعة، بل شُعَب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يتركوا شيئاً منها، وعن عبد الله
بن سلام أنه استأذن من رسول الله ﷺ أن يقيم على السبت وأن
يقرأ من التوراة في صلاته من الليل. [فإن زللتم] عن الدخول في السلم من بعد
ما جاءتكم البينات، أي: الحجج والشواهد على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو
الحق، فاعلموا أن الله عزيز غالب لا يعجزه الانتقام منكم) [٧] .
ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (يقول الله (تعالى) آمراً عباده
المؤمنين به المصدقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه والعمل
بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك، فقال العوفي عن ابن
عباس ومجاهد وطاووس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله
[ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ..] يعني: الإسلام، وقال الضحاك عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيع، عن أنس [ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ..] يعني: الطاعة، ومن المفسرين من
يجعل قوله [كَافَّةً] حالاً من الداخلين في الإسلام: كلكم، والصحيح الأول، وهو: أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدّاً ما
استطاعوا منها، كما روى ابن أبي حاتم ... عن ابن عباس [ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] كذا قرأه بالنصب، يعني: مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله
مستمسكين ببعض أمور التوارة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: [ادْخُلُوا فِي
السِّلْمِ كَافَّةً] يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ﷺ ولا تَدَعُوا
منها شيئاً، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها، وقوله: [فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا
جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ] أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله
عزيز، أي: في انتقامه، ولا يفوته هارب) [٨] .
والآيات التي ورد فيها لفظ (السلم) ضمن مفهوم الإسلام المتضمن لمعاني
الخضوع والاستسلام مثل قوله (تعالى) : [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ
أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ..] [البقرة: ١١٢] ، وقوله (تعالى) : [أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ
أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً..] [آل عمران: ٨٣] .
رابعاً: لقد ورد لفظ (السلام) في القرآن بما يفيد ضرورة استخدامه كتحية
يتخذها الأفراد، بقصد بث الأمان النفسي والمادي في المجتمع المسلم، وقد ورد
هذا المعنى في صور ومواقف متعددة، كحكاية عن واقع لما سيحدث في الدار
الأخرى، ولطمأنة أفراد المجتمع بعضهم لبعض في تعاملهم، ومن ذلك: ما ورد
في سورة هود، في قوله (تعالى) : [وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا
سَلاماً قَالَ سَلامٌ..] [هود: ٦٩] ، وقوله (تعالى) : [إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً
قَالَ سَلامٌ..] [الذاريات: ٢٥] ، وقوله (تعالى) : [.. قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ
وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى] [طه: ٤٧] ، وقوله (تعالى) : [.. لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً
غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَاًنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا..] [النور: ٢٧] ، وقوله (تعالى) : [.. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً..] [النساء: ٩٤] ، وغير
ذلك من الآيات التي تدور حول مفهوم السلام الذي يعطي الأمان ويبث الاطمئنان في
النفوس ويزيل عنها الخوف والوجل.
فهذه الآيات جميعها تشير إلى أن السلام هو الأمان النفسي والمادي؛ ولهذا
يأمر الله عباده المؤمنين أن يمارسوا قول السلام وفعله في الدنيا لتحقيق السلام
الاجتماعي، الذي يمثل الغاية التي يسعى إليها الإسلام، فالسلام بمختلف معانيه
يقود إلى الأمان الذي هو غاية كل إنسان.
خامساً: ومن المعاني التي ورد فيها لفظ (السلام) أنها اسم من أسماء الجنة،
باعتبار أن السلام الحقيقي الدائم والمستمر هو ما يتحقق في الجنة، حيث يتحقق
للإنسان الأمان النفسي والمادي والخلود الأبدي، فهو السلام الذي يطمح إليه الإنسان، يقول الله (تعالى) مخبراً عن ذلك: [لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الأنعام: ١٢٧] ، ولأن مانح السلام الحقيقي في الدنيا والآخرة هو
الله (سبحانه) ، ولأهمية السلام وعظيم شأنه فقد سمى نفسه بذلك، فمن أسمائه
الحسنى: (السلام) كما جاء في قوله (تعالى) : [هُوَ اللَّهُ الَذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ المَلِكُ
القُدُّوسُ السَّلامُ..] [الحشر: ٢٣] .
стр. 2150
هموم ثقافية
إشكالية زاوية النظر للديمقراطية
(٢)
بقلم: سامي محمد صالح الدلال
تحدث الكاتب في الحلقة الماضية عن التباين الذي يحدث في تفسيرالديمقراطية وتبني موقف منها بناءً على اختلاف زوايا النظر إليها من خلال
منظور كل من: الحكام، والأحزاب، والمنظور القبلي، ومن خلال منظور العامة
من الناس، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة معالجة بقية الموضوع. ...
- البيان -
منظور الأبعاد:
هما بعدان: المكان والزمان.
إن مفهموم الديمقراطية في الاستغراق الزمني المحدد يتحول إلى مفاهيم متعددة
بحسب المكان، أي: بحسب البلدان والأقاليم والقارات، ففي جيلنا المعاصر
باعتباره بعداً زمنيّاً، فإن مفهوم الديمقراطية لدى الدول الغربية هو غير مفهومه
لدى دول العالم الثالث، كما أنه غير مفهومه لدى الدول التي تولدت من تفكك
الاتحاد السوفييتي السابق، وهناك أسباب عدة وراء اختلاف تلك المفاهيم، منها:
١- طبيعة التركيبة السكانية.
٢- تنوع واختلاف المراجع العقدية.
٣- تمايز الألوان الثقافية والتعبيرات الحضارية.
٤- تباين الأنظمة السياسية.
٥- اختلاف الطبيعة الجغرافية.
٦- مقدار استحضار المختزن التاريخي.
٧- بروز أو ضمور التفاوت الطبقي.
٨- مضمون المنحى الاقتصادي وهياكله.
٩- كيفية ممارسة وتطور العلاقات الاجتماعية.
١٠- حجم المشاركة الأممية، مع ملاحظة التنافس على الأدوار القيادية
والسيادة العالمية.
١١- تعدد الاجتهادت المجتمعية للتعبير عن الذات وممارسة النفوذ.
١٢- تنوع المشاعر النفسية والانفعالات العاطفية بحسب الريادة أو التبعية.
فلو نظرنا من خلال بعد زمني محدد وليكن جيلاً أو جيلين إلى خارطة بلدان
الكرة الأرضية الآخذة بالديمقراطية، لوجدنا أن ديمقراطية كل بلد منها تختلف عن
الأخرى، إما لتحقق جميع الأسباب السابقة فيها، أو لتحقق بعضها، مع ملاحظة ما
يمكن أن يتولد من أسباب أخرى ناشئة عن التداخل والتفاعل بين الأسباب السابقة.
ذلك من حيث منظور بعدي الزمان المحدد والمكان غير المحدد.
وأما في إطار بعدي المكان المحدد والزمان غير المحدد، فإننا لو أخذنا بقعة
مكانية واحدة مثلاً، بلداً من البلدان، فإننا عند التدقيق في استغراقه الزمني سنلاحظ
للديمقراطية فيه تطوراً تاريخيّاً مستمراً، وهو يصعد درجات سلم السنين ثم القرون، فمفهوم الديمقراطية الآن في بلد ما ليس هو مفهوم الديمقراطية نفسه في ذلك البلد
قبل قرن أو قرنين، وإن الانتقال من مفهوم الديمقراطية السابق إلى مفهوم
الديمقراطية اللاحق لم يتم دفعة واحدة، فهو خارج إطار تطور الطفرة، بل تم هذا
التطور تدريجيّاً، وهذا يعني أن مفاهيم ديمقراطية متتابعة قد مرت على ذاك
البلد.. وما ينطبق على بلد واحد ينطبق على باقي البلدان، كل بحسب ظروفه وأحواله، وهناك عدة أسباب تؤدي إلى تغير أو تطور المفهوم الديمقراطي في البلد الواحد عبر الزمن، منها:
١-التطورات الثقافية.
٢- التحولات الاجتماعية.
٣- التغيرات السياسية.
٤- المقدرات الاقتصادية.
٥- التأثرات بالوافدات الخارجية.
٦- الاستعدادات التعبوية، سواء أكانت نفسية أو مادية، انتشارية أو انكفائية.
٧- الممارسات الاحتكاكية، كالحروب مثلاً.
٨- طغيان الشعور بالتحدي الأممي.
٩- الاندفاع أو الانخذالات الحضارية.
١٠- التعرض للظروف الحادة كالأمراض الوبائية أو الكوارث الجيولوجية.
ومن خلال تلك المؤثرات يمكننا أن نتخيل طبيعة تطور مفهوم الديمقراطية من
منظور البعد الزمني غير المحدد.
فإذا نظرنا للمفهوم الديمقراطي من خلال البعدين المكاني غير المحدد والزماني
غير المحدد وفق العناصر التي ذكرتها وطبيعة التداخل الذي بينها، لاتضح أمامنا
حجم الفوضى الحياتية التي سيحياها البشر من خلال اندراج ترتيب شؤون حياتهم
على ذلك المفهوم المتغير والمتطور باستمرار.
ويمكننا أن نرصد عناصر رئيسة في تلك الزوبعة الفوضوية الناشئة من
الاحتكام للمفاهيم الديمقراطية، ومن أهمها:
١- انبتات المسيرة البشرية عن التوجيه الرباني.
٢- الاحتكام إلى منطلقات ذات طابع مصلحي لا يمكن الاتفاق عليها،
وبالتالي: الفشل في بلورة مرتكزات قيمية تستظل في فيئها معالم الاستقرار البشري.
٣- شيوع الفوضى الفكرية وذيوغ النظريات الكلامية وامتداد التحليلات
الفلسفية.
٤- (الغاية تبرر الوسيلة) سيكون الشعار الذي تحت ظله ترسم الخطط وتنفذ
البرامج.
٥- التناحر والتقاتل لفرض الهيمنة وإحكام السيطرة وإخضاع الخصوم:
نفوساً وممتلكات.
٦- تفاقم التفاوت الطبقي برعاية دستورية.
٧- بروز الثقافات الإلحادية المكتظة بالإسفافات العقدية والجنسية.
٨- استشراء التمزقات الاجتماعية، ومن أبرزها التفككات الأسرية.
٩- ظهور الجنوحات نحو إبراز الذات وممارسة الهيمنة.
١٠- انعدام ضوابط ممارسة الحرية بمفهومها السوي.
١١- التخلخل الاقتصادي الناجم عن التبدل المستمر بالنظريات والتطبيق.
١٢- استشراء الرذائل بسبب اختلاف النظرة لمفهوم الأخلاق، وبواعث القيم، ومدلولات الممارسات والتصرفات.
فإذا وضح لنا ذلك، علمنا مقدار الانحراف والخطر الذي وقع في مهاويه
بعض الإسلاميين، وهم يغذون السير في الطرق الديمقراطية.
ولعلنا من خلال منظور الأبعاد المذكورة نستطيع أن نمس الخسائر الفادحة
التالية المترتبة على انسياق بل انجراف الإسلاميين نحو المستنقع الديمقراطي:
١- التعبير العملي عن عدم إحاطتهم بكيفية استيعاب المنهاج الرباني
لمتطلبات البشرية عبر اختلاف المكان وتتابع الزمان.
٢- محاولة تبرير ذلك التعبير بأطروحات عقلية محضة تتلمس لتمريرها
مصطلحات أصولية تتعلق بالمفاسد والمصالح.
إن هناك خطورة إضافية تتعلق باستخدام هذا المنهج للوصول إلى ذلك التبرير، تلك الخطورة تكمن في توسيع (ترجيح) قد حصل لحالة معينة في مكان محدد
وزمان معين ليشمل مسيرة منهج كامل، فلو حصل في بلد ما، وبظروف معينة أن
رجح الإسلاميون خوض الانتخابات النيابية، (وهم مخطئون في ذلك من وجهة
نظري) ، فإن هذا الترجيح لايجوز توسيعه لتمرير الفكرة الديمقراطية وممارساتها
في العالم الإسلامي أجمع.
٣- إحلال المفاهيم الديمقراطية، بكافة ما تحتويه من سلبيات (ذكرت بعضها)
محل المفاهيم الإسلامية، أي: استبعاد الكتاب والسنة.
٤- وقوع الاختلاف والشقاق بين الإسلاميين الديمقراطيين أنفسهم، بسبب
طبيعة ما تحمله المفاهيم الديمقراطية من اختلافات إزاء النظر لكل حالة قائمة أو
طارئة.
٥- اندثار الثقافة الإسلامية وبروز الثقافة العلمانية باسم الديمقراطية.
٦- الولوج في الامتزاج الحضاري، فكراً وممارسة، مع مجتمعات الكفر
والإلحاد، وذلك من خلال القفز على الفواصل العقدية المؤصلة في الكتاب والسنة.
٧- الاحتكام إلى القوانين الوضعية البشرية، مما يترتب عليه أمران: أولهما: إلحاق الوصف الشرعي بفاعلي ذلك، وهو الكفر والظلم والفسق (كل بحسبه) .
وثانيهما: بلورة جميع مناحي الحياة في إطار صبغة تلك القوانين الوضعية، مما
يترتب عليه فوضى عقدية وأخلاقية وثقافية واقتصادية وأمنية تفوت جميع
الضرورات الخمس التي راعتها الشريعة من حفظ للدين والنفس والمال والنسل
والعقل.
٨- استحقاق هذه الأمة المحتكمة في شؤونها للمفاهيم الديمقراطية لغضب الله
(تعالى) ، مما يترتب عليه تسليط الأعداء عليها، وإلحاق الهزائم المنكرة بجيوشها
وعساكرها، ورفع البركة من أقواتها ونزع الأمن من قلوبها، قال (تعالى) :
[وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاًتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ
بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] [النحل: ١١٢] .
وإن من أعظم النعم على هذه الأمة: كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ، وإن من الكفر بهما عدم الاحتكام إليهما، بل الاحتكام إلى غيرهما بدلاً عنهما،
وإننا لنرى بأم أعيننا كيف أن لباس الجوع والخوف لاحق بالمتحاكمين إلى
الديمقراطية.
٩- إن الإسلاميين (الديمقراطيين) يتحملون المسؤولية الشرعية أمام الله
(تعالى) ، ثم أمام الناس من الأجيال القادمة فيما جنته أيديهم من آثار ردم المفاهيم
الإسلامية بالتراب الديمقراطي، كم من الجهد وبذل الطاقة واستغراق الأوقات
ستحتاجه الأجيال الإسلامية القادمة حتى تتمكن من إزالة ذاك التراب الديمقراطي
عن المفاهيم الإسلامية الحقة لتظهر كما هي.. حقيقة زاهية بهية.
١٠- أن الإسلاميين (الديمقراطيين) ، بسلوكهم الديمقراطي يعبرون عن قدوة
غير مُرضية، سواء على مستوى جيلهم أو على مستوى الأجيال القادمة، إن الناس
يذكرون أعلام الهدى من أهل السنة والجماعة الذين لم يتنازلوا قيد أنملة عن الحق
المكلل بالدليل الشرعي من أمثال: أحمد بن حنبل، والعز بن عبد السلام، وابن
تيمية (تغمدهم الله برحمته) .. وغيرهم كثير من علماء الإسلام، يذكرونهم بالخير
والتزكية، ولايزكون على الله أحداً، ويدعون لهم برفع الدرجات ونيل المكرمات
في أعلى الجنات، لكن بماذا سيذكر مسلمو الأجيال القادمة أولئك الديمقراطيين
الإسلاميين الذين انساقوا في خضم تلك المجالس التي تخضع كتاب الله وسنة رسوله
للتصويت البشري ليُرى هل يأخذ بهما أو لا يأخذ.. نعم، لن تذكر الأجيال
الإسلامية القادمة الإسلاميين أصحاب المفاهيم الديمقراطية بالخير والدعاء لهم بما
تدعو به لعلماء الإسلام الذين صان الله بهم دينه وأعلى بالتزامهم كتابه وسنة نبيه
كلمة الإسلام خفاقة عالية.
١٢- إن الإسلاميين الديمقراطيين، بمؤلفاتهم ودراساتهم وكتبهم حول الأخذ
بالديمقراطية سيُدخلون شوائب عظيمة في المفاهيم الإسلامية لا تقِل خطورة عن تلك
الشوائب التي أحدثها إدخال علم الكلام وفلسفة اليونان في مناهج النظر وإعمال
الفكر في المفاهيم العقدية الإسلامية، تلك العلوم التي حرفت الفهم الصحيح للعقيدة
السلفية، عقيدة أهل السنة والجماعة.
١٣- إن استغراق الإسلاميين (الديمقراطيين) في حمأة المناهج الفكرية
والممارسات العملية للديمقراطية قد صرف أذهانهم ولفت قلوبهم عن الجهاد في
سبيل الله (تعالى) ، ذلك أن الحكم الديمقراطي وهو حكم بشري بحت قد خلع الالتزام
بشرع الله (تعالى) من رقبته، ومن جملة ذلك: الجهاد في سبيل الله، إن الجهاد في
سبيل الله (تعالى) حكم معطل تماماً في ظل المجالس النيابية وأحكام الديمقراطية.
١٤- إن احتكام الإسلاميين للديمقراطية وأخذهم بها يفرض عليهم لزوماً عدم
الاعتراض على كل ما يعرضه الملحدون والمرجفون والمنافقون من أفكار علمانية
وطروحات حداثية. إن أقصى ما يمكن أن يعترض به الإسلاميون في هذا المجال
هو قولهم: لا يجوز أن يقال كذا أو يقال كذا. فيرد عليهم الآخرون بقولهم: إننا في
دولة ديمقراطية تكفل الحريات والإدلاء بالآراء، فليقل كل منا ما يشاء، ولم لا؟ !
فالدستور يحمي الجميع.
وبعد.. فتلك بعض آثار انعكاس المفاهيم الديمقراطية وأبعادها المختلفة على
أفكار وتوجهات الإسلاميين وممارساتهم تلك الأفكار التي تتبدى خللاً في الفهم
العقدي وانحرافا في الممارسة والتوجه الدعوي.
فهلاّ انتبهنا إلى آفاق تعدد زوايا النظر إلى الديمقراطية وما ينتجه من
إشكاليات؟ ! ! .
стр. 2151
نص شعري
العيد
شعر: حسين علي محمد
(١)
لا تطلب مني أن أطرب وأغنّي بجميلِ الشِّعرْ
في هذا العيدْ
فالحزنُ شديدْ
آلامى تقهَرُ جبلَ الصَّبْرْ
هل قُضي الأمرْ؟
(٢)
يا كم خَدَعونا بالقول البرّاقِ.. بكلِّ غثاءْ
حتى صِرْنَا هَدَفاً لسهام الأعداءْ
خَدَعونا بالصِّور الشوهاءْ
فجرينا خلْف الأوهامِ الخَادِعِة السَّوْدَاءْ
حتى ضجَّتْ منا الأهْوَاءْ
(٣)
آهِ من فتَنٍ ينسجُها الغشَّاشُون الكذَّابُون بلا رحْمَه
هل نحنُ الأبناءُ البررةُ في هذي (العتْمَه) ؟
هل نحنُ (الأمَّهْ) ؟
من يكشف عنَّا هذي الغُمَّهْ؟
من يمتلكُ العزْمةَ، والوثبةَ، والهمَّهْ؟
(٤)
لا تطْلُبْ مني شرحاً، فالليلُ قصيرْ
والحزنُ وفيرْ
وأنا.. مكلومُ القلبِ، حسيرْ
لا تطلبْ مني أن أشدوَ في هذا العيدِ
بدرِّ القوْلِ
فقلبي.. مفطورٌ وكسيرٌ
стр. 2152
المسلمون والعالم
الأمم المتحدة
الموقف العجيب حيال قضيتي فلسطين والبوسنة! !
(٣)
بقلم: عبد العزيز كامل
كان الحديث في حلقات سابقة، عن الواقع الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، الذي تمخض عن نشوء علاقات ليست عادلة بين أمم الأرض، تمثلت في وجود
عالم حرّ قوي ومستكبر، يتحكم في عالم آخر يرسف في قيود العبودية والتأخر
والضعف، على الرغم من أنه يمتلك كل إمكانات القوة والغنى والتقدم، وهذا العالم
المستضعف والمستهدف كان وللأسف يتمثل في غالبيته من شعوب الأمة الإسلامية
عرباً وعجماً، حيث فرضت الدول الكبرى أو المتكبرة من خلال هيئاتها العالمية
معادلات دولية صارمة وظالمة، لا تسمح تحت أي ظرف من الظروف لأي من
دول العالم الإسلامي منفردة أو مجتمعة أن تخرج عن إطار التبعية لهيمنة الكبار
وتسلطهم.
وإذا كانت السياسات العامة الدولية، تشير في مجموعها إلى الملامح الواضحة
لهذا المسلك الجائر من تلك الأمم ضدنا، فإن هناك محطات بارزة في تلك السياسات، تنطق وقائعها بأن ما أريد له أن يكون (شرعة دولية) أو (شرعية دولية) ! ليس
أكثر من بنود في برنامج تسلطي دولي يحفظ لتلك الأمم (المتحدة) سيادتها على الأمم
(غير المتحدة) ، وسأضرب مثالين فقط لقضيتين إسلاميتين، إحداهما وهي قضية
فلسطين تدور أحداثها منذ عقود، والثانية نشأت أحداثها من وقت قريب وهي قضية
البوسنة، ومع هذا: فإن طريقة الأمم المتحدة في معالجتهما، تثبت أن المنهاج في
التعامل واحد؛ لأنه يعكس إرادة واحدة هي إرادة الأعداء الكبار.
أولاً قضية فلسطين:
كانت (عصبة الأمم) هي المنشئة عمليّاً لـ (الوطن) القومي لليهود في فلسطين، وذلك بإخضاعها للانتداب البريطاني، لكي يُجهّزها موطناً دائماً لعصابات
الصهاينة، وكذلك تبنت عصبة الأمم وعد (بلفور) ، وحولته من وعد نظري فردي
إلى سياسة عملية جماعية، أسبغت عليها مقررات العصبة (شرعية دولية) .
ولما جاءت (هيئة الأمم المتحدة) وحلت محل عصبة الأمم، انتقلت بالأرض
الفلسطينية من حالة (الوطن) إلى حالة (الدولة) لليهود، فكانت هي المنشئة من
الناحية العملية للدولة السفاح التي سميت بعد ذلك (إسرائيل) ، وتحقق ذلك عندما
اقترحت لجنة تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في إبريل سنة ١٩٤٧م تقسيم
فلسطين إلى دولتين مستقلتين، إحداهما يهودية والأخرى فلسطينية، مع إبقاء
القدس تحت نظام دولي خاص، وهو ما وافقت عليه على الفور الوكالة اليهودية،
التي كانت بمثابة دولة لليهود قبل مرحلة الدولة، أما عرب فلسطين وباقي الدول
العربية فقد رفضوا الاقتراح، ولكن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرته مع ذلك في
٢٩ نوفمبر عام ١٩٤٧م، وبهذا أعطت تلك الجمعية لنفسها لأول مرة حق تقرير
مستقبل شعب ومصير إقليم دون استفتاء ذلك الشعب أو الرجوع إليه.
ومن العجيب أن الجمعية العامة التي أقرت هذا القرار الجائر رغم أنف
أصحاب الشأن هي نفسها التي رفضت اقتراحاً عربيّاً بطلب رأي استشاري من
محكمة (العدل) الدولية، يبدي الرأي في أهلية تلك الجمعية لاتخاذ مثل هذا القرار
بذلك الشكل! .
لقد مضت الجمعية العامة للأمم المتحدة في وضع هذا القرار موضع التنفيذ،
وقررت تشكيل لجنة خاصة مهمتها إدارة المناطق التي ترحل عنها قوات الدولة
المنتدبة (بريطانيا) ريثما يتمكن اليهود من التحضير لإنشاء حكومتهم على الأرض
المقررة لهم، وطلبت من مجلس الأمن أن يراقب الوضع، ويتخذ الإجراءات
الضرورية لتمكين اللجنة من أداء مهمتها.
ولكن بريطانيا سارعت في ١٤ مايو ١٩٤٨م إلى إنهاء انتدابها من جانب
واحد؛ لتمكين اليهود من التعجيل بإعلان دولتهم المستقلة قبل أن يتمكن العرب
والمسلمون من إجهاض المشروع، وحتى تتم لليهود الحماية من (المجتمع الدولي)
باعتبارهم (أصحاب دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة (، وكان لهذا القرار
البريطاني المفاجئ أثره؛ إذ سارع اليهود إلى إعلان الدولة بالفعل في اليوم التالي،
مما أدى إلى اندلاع القتال بين العرب و (دولة (اليهود، بدلاً من (عصابات) يهود،
وحسب ما هو متوقع، فقد تدخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وأمر بوقف
العمليات العسكرية، ودعا إلى هدنة، وكلفت الأمم المتحدة وسيطاً لها هو (الكونت
برنادوت (للمساعدة في إيجاد تسوية سلمية بين العرب و (دولة) إسرائيل، تضمن
التعايش بين الطرفين، ولكن اليهود لم يكونوا بعد على استعداد لحلول سلمية، فلا
يزال في برامجهم الكثير؛ فلهذا أقدم عملاؤهم على اغتيال الوسيط الدولي، ومع
ذلك سكتت الأمم المتحدة على هذا العقوق من الوليدة المشاكسة (إسرائيل) .
وقبلت المنظمة (الأم) وليدتها عضواً كاملاً بها، على الرغم من أزمة
العضوية الحادة التي كانت تواجه الأمم المتحدة في ذلك الوقت.
وظلت القضية الفلسطينية إحدى القضايا المزمنة في المنظمة الدولية،
وصدرت بشأنها مئات القرارات، بعدما تحولت مع مرور الوقت إلى ما سمي بـ
(الصراع العربي الإسرائيلي) ، ومن هذه القرارات ما يتعلق باللاجئين، ومنها ما
يتعلق بوضع القدس، أو موضوع التسوية النهائية. ودون الدخول في تفاصيل تلك
القرارات، فإنه تجدر الإشارة إلى أن هذه القضية ظلت تعامل في أروقة الأمم
المتحدة (قضيةً للاجئين) منذ نهاية حرب ١٩٤٨م وحتى حرب ١٩٦٧م، ثم
اعترفت الأمم المتحدة بعد حرب ١٩٧٣م بمنظمة التحرير وأعطتها أهلية إدارة
الأماكن التابعة للقسم العربي من فلسطين بمقتضى قرار التقسيم ذلك القسم الذي
احتله اليهود أيضاً في حرب يونيو ٦٧، كما هو معروف.
ولكن القضية أخذت منحًى آخر بعد زيارة الرئيس المصري السابق (أنور
السادات) للقدس واعترافه بـ (دولة إسرائيل) ، فقد أصبحت الولايات المتحدة
الأمريكية هي الوسيط الرئيس فيما سمي بـ (عملية السلام) ، وأصبح خيار الحرب
لاستعادة ما ضاع بالحرب في حكم الإلغاء، وانحصر الحديث في انسحاب اليهود
من الأراضي التي احتلوها بعد حرب ١٩٦٧م بعدما كرست الأمم المتحدة بقراراتها
أحقية اليهود في كل أرض اغتصبوها قبل تلك الحرب، وكان اعتراف الكثير من
الدول العربية بدولة اليهود فيما بعد إقراراً وتصديقاً لهذا الأمر، وإضفاءً للشرعية
عليه.
وبعد حرب الخليج التي أعقبتها مباشرة مداولات مدريد، لم يعد للأمم المتحدة
ما تفعله، ولم يعد ليهود حاجة إليها، حتى إنهم رفضوا حضورها مؤتمر مدريد،
ولم يبق لها علاقة بالقضية سوى القرارات المدرجة في أدراجها.
إذن، فنصيب القضية الفلسطينية أو (الصراع العربي الإسرائيلي) من اهتمام
الأمم المتحدة على مدى نصف قرن انحصر في عدد من القرارات والتوصيات
المجملة أو المعطلة، التي قننت الظلم ولم تنصف العرب، ومع هذا: فإن العرب
تقبلوها قسراً على أنها (أفضل الأسوأ) ، وبالنظر إلى أن الجمعية العامة للأمم
المتحدة هي بمثابة (مجلس شعب) دولي تدلي فيه كل الدول الأعضاء بأصواتها،
فإنه تمارس فيها الطقوس الديمقراطية، دون مساس بالمصالح الاستعمارية الغربية
أو الشرقية، فقد صدر عن تلك الجمعية عدد من القرارات التي تعبر عن تنوع
وجهات النظر تحت سقف المنظمة الدولية، لكن دون أن تملك تلك الجمعية سلطة
تنفيذها أو فرض احترامها، إلا بإذن خاص من الدول الكبار، من تلك القرارات،
مثلاً: قرار صدر عام ١٩٧٥م عن الجمعية العامة يدين (الصهيونية) ويعدها نوعاً
من العنصرية، وقد وقفت خلف القرار الدول العربية والإسلامية والمتعاطفة معها،
ولكن وكما هو متوقع رفضت الولايات المتحدة القرار، وهددت بقطع الأموال عن
مؤسسات الأمم المتحدة إذا لم تلغه، وظلت مبيتة النية لإلغائه، حتى دعا الرئيس
الأمريكي السابق (بوش) بنفسه الجمعية العامة إلى إلغائه دون قيد أو شرط،
فاستجابت راغمة! ، فنبذت القرار في سطر واحد، صدر في سبتمبر عام ١٩٩١م، أما القرارات الأخرى التي أظهرت نوعاً من التعاطف مع بعض الحقوق
الفلسطينية والعربية، فقد وصفتها (مادلين أولبرايت) المندوبة الأمريكية لدى الأمم
المتحدة بأنها قرارات (غير ودية) ومنافية لروح السلام، ووعدت في زيارة لها إلى
الشرق الأوسط في أكتوبر الماضي بأن تعمل لتعديل هذه القرارات في الدورة المقبلة
للجمعية العامة، إن هذه القرارات المرشحة للتعديل أو الإلغاء، هي التي كانت
تمثل في نظر العرب والمسلمين (عدالة) الشرعية الدولية، وكانوا ولا يزالون
يحلمون بمجيء اليوم الذي يستطيع المجتمع الدولي فيه أن يطبقها أو أن يفرضها
على الدولة المدللة (إسرائيل) ، إنها قرارات تتكئ عليها المطالب العربية
والفلسطينية في سعيها اللاهث نحو السلام العادل، فهي لا تملك غير هذا السيف
الخشبي، لتحارب به في (معركة السلام) كما أسموها، ولكنهم مع هذا يواجهون
الآن الحرمان من هذا السلاح.
إن من القرارات المرشحة للحاق بقرار إدانة الصهيونية: القرار (١٩٤)
(خاصة الفقرات الضامنة لحق اللاجئين في العودة (، والقرار (٢٣٧) الخاص
بعودة النازحين، والقرارات المراعية لوضع القدس الخاص، والقرارات التي تدين
الاستيطان، فماذا بقي؟ ! ! إنه لم يبق إلا الخنوع (لشريعة) الولايات المتحدة بعد
طول الخضوع لـ (شرعية) الأمم المتحدة! .
ثانياً: قضية البوسنة والهرسك:
أطلقت بعض الأوساط الغربية على مسلمي البوسنة وصف: (الفلسطينيين
الجدد في أوروبا) ، وبالفعل، فهناك أوجه تشابه كبيرة بين قضيتي الشعبين وطرق
المعالجة الدولية لهما، وتأتي الأمم المتحدة أيضاً لتعكس في إداراتها للأزمة وجهة
نظر الغرب الصليبي فيما ينبغي أن تسير عليه الأمور هناك، فكما فاضت المشاعر
الغربية النصرانية عطفاً على اليهود ضد المسلمين في فلسطين، فقد أحاط هؤلاء
إخوانهم الصرب الصليبيين بالتأييد ضد المسلمين في البوسنة، وتجلت مظاهر تلك
المعاملة لكل ذي عينين في تسلسل المواقف التي اتخذتها المنظمة الدولية، ويخطئ
من يظن أن الأمم المتحدة كان لها دور سلبي تجاه الأزمة في البوسنة، بل الحقيقة:
أن دورها كان في غاية الإيجابية؛ من حيث السعي إلى تحقيق الأهداف الصليبية
الصربية والكرواتية في أقصر مدة وبأقل تكلفة.
لقد كانت الأمم المتحدة وراء قرار حظر تصدير السلاح إلى جمهوريات
الاتحاد اليوغسلافي السابق، ذلك القرار الذي لم يطبق في الواقع إلا على جمهورية
البوسنة والهرسك، التي كانت تتعرض وحدها لحرب الإبادة والتدمير على مدى
ثلاث سنوات، أما صربيا: فقد ورثت الترسانة العسكرية الكبيرة للجيش
اليوغسلافي السابق، وأما كرواتيا فقد أظهرت أحداث سقوط (كرايينا) مؤخراً أنها
لم تتأثر أبداً بالحظر الصوري عليها، فالحظر كان فعالاً ومحكماً فقط على
البوسنيين المسلمين بأمر الأمم المتحدة، وظل أمينها يردد بمناسبة وغير مناسبة:
أن رفع الحظر عن المسلمين لن يحل المشكلة، بل سيطيل أمد الحرب! ! فعبّر
بذلك عن رغبة منظمته في تصفية الوجود الإسلامي في أقصر وقت ممكن، وتعللت
الأمم المتحدة في عدم تدخلها الجاد لوقف الحرب بأنها حرب أهلية، متنكرة للحقيقة
الواضحة التي تتمثل في قيام دولة ظالمة بالاعتداء على دولة أخرى مجاورة
ومستقلة،.. ولما تعالت بعض الأصوات منددة بازدواج المعايير في الأمم المتحدة،
وتناقض مواقفها بين أزمتي الخليج والبوسنة، برر بطرس غالي ذلك التناقض
بقوله: الوضع في البوسنة يختلف عن الوضع في الكويت! وأعرب عن مخاوف
الأمم المتحدة من أن يؤدي التدخل في هذا النزاع إلى تهميش النزاعات الأخرى،
بل وصل الأمر بأمين الأمم (المتحدة) إلى أن حذر مجلس الأمن من اتخاذ قرارات
متشددة مع الصرب، قد يتعرض موظفو الأمم المتحدة بسببها للخطر! وقصارى ما
فعلته الأمم المتحدة أن أعلنت حمايتها لبعض المناطق في البوسنة، وأعلنتها
(ملاذات آمنة) [سربرنيتسا جورارجدة بيهاتش توزلا جيبا سراييفو] .. ثم
ماذا؟ ! .. ثم نزعت منها السلاح في الوقت الذي بقيت فيه خمسة منها تحت الحصار الشامل من الصرب، ثم ... وبعد أن ظهر زيف تلك الحماية، تعلل بطرس غالي بأن إنقاذ تلك المناطق من الصرب يحتاج إلى ربع مليون جندي! وهو ما لا تقدر الأمم المتحدة على حشده. لقد استمر الحصار تحت سمع وبصر الأمم المتحدة لسنوات طوال، تحت دوي القنص والقصف والقذف، حتى تفتقت قريحة (الشرعية الدولية) عن ترتيب تمثيلية هزلية، يتقاسم بطولتهاحلف الأطلسي والمنظمة الدولية؛ يدور (السيناريو) الموضوع لها حول قيام الحلف بتوجيه ضربات جوية للقوات الصربية إذا هددت الملاذات الآمنة، بما يعطي انطباعاً بأن الأمم الغربية متحدة فعلاً ضد المعتدي لصالح المعتدى عليه، ولكن الحقائق أظهرت بعد ذلك أن الأمم المتحدة (المنظمة) كانت تعطي الصرب المعلومات مسبقاً عن زمان ومكان القصف، حتى تهيء المسرح بالرمال والأحجار وربما بعض الأبقار، لتكون من ضحايا القصف! .
وظلت الحماية الدولية معلنة، وظلت المدن المحمية تتساقط بعد أن جردتها
الأمم المتحدة الظالمة من السلاح المتواضع الذي كانت تدافع به عن نفسها.
وفي النهاية أفسحت الأمم المتحدة للولايات المتحدة المجال، تماماً كما فعلت
في فلسطين، فسلمتها القضية برمتها، لترى فيها رأيها وتنفذ فيها حكمها الذي لن
يكون أبداً منصفاً للمسلمين.
ماذا وراء اتفاق دايتون؟
وجاء اتفاق (دايتون) للسلام في البوسنة، على الطريقة الأمريكية، كنظيره
في قضية فلسطين أو الشرق الأوسط، جاء مُقنناً للظلم الذي رعته وحمته الأمم
المتحدة، ودفعت البوسنة وحدها مثلما دفعت فلسطين من قبل ثمن الحرب وثمن
السلام، فالاتفاق أنهى البوسنة والهرسك كما كانت قبل عام ١٩٩٢م، وانتصر
للتطهير العرقي بقوة القانون بعد قوة السلاح، وأخضع المسلمين بعد أن سمح لهم
بسلطة وطنية لسيطرة الكروات في وحدة فيدرالية قسرية، لتكون أشبه بحكومة
السلطة الوطنية الفلسطينية تحت سيطرة وقهر الحكومة الإسرائيلية! .
ومثلما تقبل العرب في النهاية ما كان مرفوضاً من قرارات التقسيم قبل خمسة
عقود ماضية، فقد أُكره البوسنيون أخيراً على قبول القسمة الضيزى نفسها،
ووصف رئيسهم المغلوب على أمره (علي عزت بيجوفيتش (السلام الهزيل المرتقب
مع الصليبيين المتوحشين بقوله: (قد لا يكون سلاماً عادلاً، إلا أنه أكثر عدلاً من
استمرار الحرب) ! .
ولكن ما لم يقله بيجوفيتش: هو أن ذلك السلام لا يضمن انتهاء الحرب، فمن
يمنع الصرب أو الكروات من العودة إلى الحرب إذا عادت إليهم الشهية لالتهام
البقية؟ ! إن الجواب على ذلك مخبأ في جيوب أساطين (الشرعية الدولية) وفي
طوايا المقررات الأممية للمنظمة الدولية.
فليملأ المتحدثون عن المسلمين الدنيا ضجيجاً بالحديث عن احترام تلك
الشرعية الدولية، ولكننا نسأل ... هل لهذه (الشرعية الدولية) شرعية إسلامية؟ !!
стр. 2153
المسلمون والعالم
النفائس والعلمانية! !
في تحليل الانتخابات التركية
بقلم: د. عبد الله عمر سلطان
هناك مثل ألماني شهير يفرض نفسه فرضاً كلما تابعنا أحداث عالمنا الإسلامي
اليوم، هذا المثل يقول: (إننا لا نكتشف طباعنا إلا عندما نتكلم عن طباع الغير..) وحقّاً قد كشفت ردود الأفعال العالمية والعربية عن طبائع المتحدثين عشية إعلان
نتائج الانتخابات النيابية في تركيا.. لقد كانت انتخابات تركيا تجرى لعقود من
الزمن دون أن تثير في وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية ذلك الاهتمام
المثير أو تلك الإثارة المهمة! ! ، أما وقد طرح الإسلام بديلاً لنظام علماني متهرئ، فإن مراسلي وكالات الأنباء و (ناسخيها) العرب، والحكومات العدوة والصديقة
أصبحت تترقب نتائج الانتخابات على أحر من الجمر؛ حيث (البهارات
الأصولية..) التي أصبحت تثير شهية الجميع، وتجعلهم مهتمين بمتابعة تفاصيل التفاصيل، وكسور النتائج وإخفاقات المعسكر العلماني ...
أعلنت النتائج، فإذا بحفيد الأمراء السلاجقة المهندس (نجم الدين أربكان) يجر
الجميع إلى عبق التاريخ ... ويجبر المنسلخين من تاريخهم وهويتهم ومجدهم على
الجلوس من جديد في رواق الباب العالي، ويدعوهم إلى تناول وجبة (روحية) عبر
تلال (إسلامبول (التي كانت تعطس فتصاب عوالم أوروبا بالقشعريرة ... ! ! سقى
او تلك الأزمنة التي كانت الأرزاق فيها تحت ظلال الرماح، فها هو الزمان يدور
دورته فتجري أنقرة إلى أوروبا طالبة منها تذكرة دخول نادي أوروبا العلمانية،
فتصاب أوروبا بحالة من الصراحة والوضوح -هي غريبة عنها حتماً- لتقول: إن
العلمنة طبقة قطيفة فاخرة؛ لا بد أن تركيا تدرك أن وراءها روحاً صليبية تحتفل
الآن بمرور تسعه قرون على بدء حملتها المضادة تجاه الشرق المسلم ... !
إذن: هذه الانتخابات الأخيرة استطاعت أن تمزج العوامل العقدية بالعُقد
التاريخية، وأن تعري المعطيات الجمالية الدولية تجاه المنطقة الإسلامية، وأن
تشابك بين الردود والتصريحات (الأصيلة) القادمة من عوالم الغرب بتلك المتمثلة
(برجع الصدى) الغربي العلماني الهوى ...
كانت الانتخابات التي أظهرت -كما يقول المثل الألماني (طباع القوم) - وإن
اختلفت ألسنتهم حينما يمسون تلك الكلمة/العقدة ... ) الإسلام) .
العامل الدولي.. (وإسرائيل) :
لأول مرة تتدخل أوروبا وأمريكا مباشرة في انتخابات أناضولية ... لم تعد
تدري كما قال (كمال نوظلو) لمراسل التلفزيون الفرنسي: (هل الحملة هي لانتخاب
(شيراك) أم (تشيلر) ... ؟ وكان يسخر من تلك اللوحة الهائلة التي استخدمتها رئيسة
الوزراء التركية في حملتها، ولترسيخ (أوربة) الملف التركي.. كان رئيس فرنسا
(جاك شيراك) يقبل رئيسة الوزراء التركية للتأكيد على أهمية المرشحه العلمانية
أوروبياً ... ، لقد عمل (شيراك) بالفعل على دعم المعسكر العلماني بصورة قوية،
فقد قاد الاتصالات والضغوط التي أدت إلى قبول تركيا ضمن أعضائه المتمتعين
بمزايا اتفاقية الإعفاء الجمركي، التي ثبت أنها لم تكن لتمر لولا أن فرص (حزب
الرفاه) في الفوز كان يتوقع أن تكون كبيرة.
دعونا نتأمل هذا الاتفاق وظروفه في هذا التقرير:
(يعتبر قرار البرلمان الأوروبي الخاص بالتصديق على دخول تركيا الوحدة
الجمركية مع الاتحاد الأوروبي -الذي اتخذ يوم ١٣ ديسمبر (الماضي) قبل
الانتخابات البرلمانية التركية بـ ١١ يوماً- نصراً سياسيّاً كبيراً (لتشيلر) رئيسة
الوزراء التركية، إذ إنها بذلك تكون قد حققت حلماً تاريخياً تُركياً بعد نضال دام ٣٠
عاماً، على أمل أن تحصل تركيا على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي عام
٢٠٠٠م وفقاً لتصريحات (تشيلر) .
إلا أنه بقراءة ذلك النص في ظل المعطيات السياسية الداخلية والخارجية،
وفي إطار الشروط المفروضة لقبول عضوية تركيا، مع الأخذ في الاعتبار الثوابت
السياسية التركية، فإن النتيجة النهائية تشير إلى أنه نصر فارغ المحتوى، استهدف
دعم (تشيلر) في حملتها الانتخابية أولاً وإركاع تركيا ثانياً.
فالرفض الأوروبي السابق لدخول تركيا استند إلى مبررات لم تزل قائمة رغم
محاولات التجميل بمكياج رخيص؛ فسجِلّ تركيا الخاص بحقوق الإنسان لم يزل
سيئاً -وفقاً لرؤية منظمات حقوق الإنسان- وإن كان أفضل بكثير من دول أخرى
في المنطقة، والمادة الثامنة في قانون مكافحة الإرهاب هي نفسها، رغم تغيير
بعض كلماتها تلبية لرغبة الغرب، والنواب السابقون لحزب العمل الديمقراطي
(أكراد) ما زالوا يقضون عقوبات بالحبس، ولا يعني الإفراج عن قلة منهم سراً
محاولة لترطيب بشرة تركيا في مواجهة حرارة القضية الكردية، بل إن
الإصلاحات الديمقراطية لم تلب الطلبات الأوروبية.
والسؤال المهم الذي يحتاج إلى إجابة، هو: لماذا تم قبولها إذن؟ .. بقراءة
متأنية لشريط الأحداث نجد أن (تشيلر) أعلنت -سواء في لقاءاتها مع القادة
الأوروبيين أو في تصريحاتها الصحفية- أنها إذا لم تنجح وتستمر في حكم تركيا،
فإن الإسلاميين سيحكمون تركيا ويهددون المصالح الغربية ويُخلّون بالتوازن
الإقليمي والدولي.. ولذلك: فإنه يجب الإسراع (بأوربة تركيا (لقطع الطريق على
حزب (الرفاه الإسلامي (، خاصة وأن الرأي العام التركي أصبح في حالة غضب
من الرفض الأوروبي.
وبالطبع أكدت تقارير الاستخبارات واستطلاعات الرأي العام أقوال (تشيلر) ،
لذلك: ضغط الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) من ناحيته لقبول تركيا، كما بذل
(شيمون بيريز) رئيس الوزراء الإسرائيلي جهوداً أيضاً في هذا الإطار، من خلال
الرسائل التي بعث بها إلى كل من رئيس الوزراء الأسباني -بصفته الرئيس الحالي
للاتحاد الأوروبي وزعيم الحزب الاشتراكي-، وإلى رئيس حزب العمال البريطاني
يطالبهما بدعم الطلب التركي مشيراً إلى أن ذلك حماية للمصالح الغربية، وضمان
للاستقرار في المنطقة، وتقوية للنظام العلماني الذي يقوم بدور مهم في مواجهة
الأصولية الإسلامية.
ولما كانت الانتخابات البرلمانية على الأبواب وسط إخفاقات داخلية كبرى
تتحمل مسؤوليتها (تشيلر) مقابل نجاحات لم ينكرها أحد من الخاصة أو العامة حققها
(حزب الرفاه) من خلال البلديات الكبرى التي يتولاها منذ مارس ١٩٩٤م ... كان
لا مفر من دعم (تشيلر) ، التي أشارت الاستطلاعات إلى تراجع حزبها للمركز
الرابع، بينما يحتل (الرفاه) المركز الأول، وذلك بتقديم نصر سياسي تاريخي لم
يحققه أحد من رؤساء وزراء تركيا، بهدف توظيفه في الحملة الانتخابية، وهو ما
حدث بالفعل.
إلا أن ذلك الأمر لا يعني عدم استفادة أوروبا، إذ يرى كل من (مسعود يلماظ)
زعيم (الوطن الأم) و (بولنت أجاويد) زعيم (اليسار الديمقراطي) وهما من مؤيدي
الوحدة الجمركية: أن شروط الوحدة مجحفة على الصعيدين السياسي والاقتصادي،
إذ تم تقديم تنازلات في ملف القضية القبرصية، كما أن مبلغ المليارات الثلاثة
المخصصة لتركيا يعتبر قليلاً جدّاً بعد إزالة الحواجز الجمركية.. ويريان أن تركيا
تنازلت كثيراً لأوروبا التي ستضغط أكثر، وهو ما اتضح من طلب البرلمان
الأوروبي أن تجلس تركيا مع حزب العمال الكردي الانفصالي، الذي تصفه
الحكومة والحكومات الأوروبية بالإرهاب، ومع ممثلي الشعب الكردي لحل المشكلة
الكردية بالطرق السياسية.
وبالتالي: يكون الغرب قد حقق أهدافه كاملة دون أن يقدم شيئاً يذكر لتركيا
الدولة؛ إذ إنها بذلك دخلت القفص الحديدي لفرض ما يريده الغرب عليها، ويكفي
أن يكون حل القضية الكردية قد جاء من الغرب، رغم أن هناك الكثير من
الأصوات التركية المخلصة طالما نادت بإيجاد حل سياسي للمشكلة، مما يعني أن
الحل الخارجي لن يساهم مطلقاً في ترطيب العلاقات بين الأتراك والأكراد؛ لأنه
ليس نابعاً من القلب ... ) .
إذن: كان هناك دعم خارجي واضح وقوي للأحزاب العلمانية -لا سيما حزب
(تشيلر) - قبل الانتخابات وبعدها، وقد اتضح ذلك أكثر بعد دخول حكومة
الصهاينة على الخط، حيث عبرت (تل أبيب) على لسان سفيرها عن قلقها من فوز
(أربكان) وحزبه، كما نشرت تقارير متعددة عن مشاورات ونصائح تقدمت بها
حكومة (بيريز) لحل الإشكال بين الأخوة والأخوات في العلمنة، ويتمثل في إنشاء
حكومة ترأسها (تشيلر) لنصف الوقت و (يلماز) لنصف الوقت الآخر، كما فعل
(رابين) و (شامير) من قبل.
ويمكن من خلال استعراض الصحافة ووسائل الإعلام الغربية استنباط خطوط
عريضة تحكم النظرة الغربية للوضع في تركيا، وأهمها:
* أن تركيا لا تزال بعيدة عن أن تحكم بالإسلام؛ فهناك سياسة متفق عليها
تسمى سياسة الصمامات المتعددة التي تكفل إبقاء تركيا في الطابور الغربي، ويمثل
دعم السياسيين العلمانيين والقوانين اللادينية والثقافة المعادية للإسلام الصمام
(الديموقراطي) الأول، بينما يشكل الجيش التركي المعروف بِهَوَسِهِ العلماني خط
الدفاع الثاني ثم يأتي بعد ذلك خط الدفاع الثالث المتمثل في التفتيت الداخلي لتركيا
في حالة اقترابها من تكوين دولة إسلامية موحدة.. وذلك عبر الأقليات والقوميات
المتعددة التي طالما أتقن الغرب عبر التاريخ توجيهها في سبيل تمرير مشروعه
التغريبي.
* أن العلمانية لا تزال قوية ومؤثرة وغنية، فعلى الرغم من تصويت ٢١%
من السكان لصالح (الرفاه) ، فإن أكثرية السكان لا تزال تمنح أصواتها للأحزاب
العلمانية، وهذا يعني أن (بني علمان يسيطرون على الميدان) ! ! .
* أن على الأحزاب العلمانية كما تقول صحيفة (وول ستريت جرنال) أن
تتحد، أو بعبارتها: إن غياب الخطر الإسلامي المباشر (لا يشكل مبرراً لعدم
الاكتراث بتنامي قوة حزب (الرفاه) ، فقد أعلنت كافة الأحزاب العلمانية ردّاً على
حصوله على أكبر عدد من الأصوات: أنها سترفض الدخول في ائتلاف معه
لتشكيل الحكومة الجديدة، وفي هذه الحالة: فإن كلاّ من حزب (الطريق القويم)
وحزب (الوطن الأم) اللذين حصلا مجتمعين على مئتين وسبعة وستين مقعداً في
البرلمان، سيكونان بحاجة لتأييد: إما الحزب الديمقراطي اليساري (٦٧ مقعداً) ، أو
حزب الشعب الجمهوري (٤٩ مقعداً) من أجل تشكيل الحكومة، وليس من شأن ذلك
سوى إبعاد حزب (الرفاه) عن الحكم لعدة سنوات أخرى، إذا فشل أي ائتلاف
علماني آخر في تحقيق الإصلاحات الاقتصادية التي تحتاجها تركيا بإلحاح.
فالمطلوب هو دمج سريع لحزبي (الوطن الأم) و (الطريق القويم) في حزب
علماني واحد ذي اتجاه يميني وسط، ويجب أن تكون في تركيا حكومة قوية
ومستقرة من أجل تحويل المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص، وإعادة هيكلة نظام
الأمن الاجتماعي الذي يعاني من (الإفلاس) ، وكذلك: إصلاح سياسات الدعم
الزراعي، وإذا لم تقم مثل هذه الحكومة في تركيا، فإن الطريق سيكون مفتوحاً أمام
حزب الرفاه لتولي السلطة بمفرده، ودون الحاجة إلى الائتلاف مع أحزاب أخرى،
قبل نهاية العقد الحالي) .
* أن الأحزاب العلمانية تترهل، وهي فاسدة عموماً، وقد سجلت الحكومة
السابقة مؤشرات انحدار خطيرة، حيث زاد العجز في الميزانية، وانخفضت قيمة
الليرة التركية بنسبة ١٣٠% في الربع الأول فقط من عام ١٩٩٤م، (ولسبع سنوات
مضت يعاني الاقتصاد التركي تضخماً شديداً حتى بلغ حالياً ٧٠%، وقد بلغ قبل
ذلك ١٥٠%، لكن إجراءات التقشف التي اتبعتها (تشيلر) قد أنزلته إلى النسبة
الأولى، ويكفي أن نعرف أن الدولار الأمريكي كان -لسبع سنوات مضت- يعادل
٤٤ ليرة تركية، أما حالياً فقد قفز عن الـ ٥٧ ليرة.
ارتفعت ديون تركيا الخارجية منذ عام ١٩٩١م وحتى الآن من ٥٠٧٥ مليار
دولار، كما ارتفعت ديونها الداخلية من ٨ - ٢٦ مليار دولار. والمشكلة ليست في
الديون فقط، فكما هو معروف فإن الأطراف الدائنة تعيش على فوائد الديون، وهي
نسبة عالية. وهكذا: فإن الميزانية الحكومية والمؤسسات غير الحكومية تُستنزف
سنويّاً بدفع فوائد الديون بالإضافة إلى أقساط الديون المستحقة، الأمر الذي أثقل
كاهل الاقتصاد التركي خلال السنوات الأربع التي مضت، وهي سنوات الانقلاب
في تصويت الجماهير التركية، أي: إنها سنوات البحث عن حزب وأيديولوجية
تختلف عن أيديولوجية العلمانيين) .
* في المقابل تجُمِع التقارير الدبلوماسية والصحفية والإعلامية على كفاءة
(حزب الرفاه (التي تصفه صحيفة (وول ستريت جرنال) بأنه القوى المؤهلة لملء
فراغ الفساد القائم، وتقول: (لقد تسارع بروز (حزب الرفاه) الإسلامي كقوة سياسية
لها ثقلها في السنوات الأخيرة، مع تراجع الأوضاع الاقتصادية في ظل الحكومة
التي هيمن عليها كل من حزب (الوطن الأم) وحزب (الطريق القويم) .
لقد فاجأ (حزب الرفاه) المؤسسة التركية بتحقيق الانتصار في الانتخابات
المحلية في شهر مارس ١٩٩٤م عندما تولى (حزب الرفاه) رئاسة بلديتي (أنقرة
واستانبول) وعدد آخر من المدن الرئيسة، بالإضافة إلى حصوله على ١٩ بالمئة
من إجمالي الأصوات، لقد أثبت (حزب الرفاه) قدرته وأمانته في ممارسة الحكم
المحلي عن طريق العمل الجاد (دون دعم كبير من حكومة حزب الطريق القويم) ؛
لحل مشكلات المناطق الريفية التي تتجاهلها الحكومات المتعاقبة منذ زمن طويل.
لقد نجح (حزب الرفاه) من خلال الحملة الانتخابية المنظمة على النمط الأميركي في
انتخابات ديسمبر الماضي، لا سيما في المناطق الريفية الفقيرة؛ حيث وجدت هذه
الحملة صداها في ظل السياسات الاقتصادية غير الموفقة لحكومة (تشيلر) . وأصبح
الحزب الأقوى المرشح لتشكيل الحكومة الجديدة. لقد استطاع (حزب الرفاه)
استغلال مشاعر الاستياء في أوساط الشعب التركي من ارتفاع نسبة التضخم،
والبطالة، وانخفاض قيمة العملة الوطنية بسرعة، والفساد، واتساع الفجوة بين
الأغنياء والفقراء، والثورة الكردية المستمرة منذ أحد عشر عاماً في جنوب شرقي
البلاد.
ونتيجة لذلك: لم يعر الأتراك اهتماماً عندما خرجت (تشيلر) في حملاتها
الانتخابية لتعرض نفسها بأنها: (قاهرة الاتحاد الأوروبي) وباعتبارها أناتورك (أم
الأتراك) تشبهاً بكمال أتاتورك (أبو الأتراك) .
إذن: ليس هناك (هلع غربي) إلى الآن، ولكن هناك (تهيئة) لخطوات لاحقة
من صعود المد الإسلامي في تركيا.
стр. 2154
المسلمون والعالم
في الفلبين.. هل تحقق خطة (غزة / أريحا) أهدافها؟
محمد عبد الله
لقد باتت خطة (غزة /أريحا (التي توصل إليها اليهود في فلسطين المحتلة
و (م. ت. ف) بما تحمل في طياتها من تآمر على القضية الفلسطينية وإهدار للحقوق
التاريخية والجغرافية للمسلمين الفلسطينيين أصبحت تلك الخطة رمزاً لكل قضية
إسلامية يراد لها التصفية، ولكل شعب مسلم أُريد هضم حقوقه الثابتة، فبعد أن
اعتمدت الخطة المذكورة على شبري (غزة / أريحا (من أرض فلسطين الممتدة من
البحر إلى النهر، واعتقد يهود بذلك أنهم قد نجحوا في طمس معالم قضية الشعب
الفلسطيني، وأثبتوا حقهم المزعوم في الوجود الأبدي على أرض الإسراء، واعتقد
عرفات وجماعته أنهم قد ربحوا البيع، واستخلصوا من فم الأسد ما لا يمكن لغيرهم
استخلاصه.
ها هي الخطة نفسها بحذافيرها وبأهدافها ذاتها، يسعى أعداء الإسلام
الصليبيين لفرضها على المسلمين في الفلبين، عبر الطرف العلماني نفسه الذي
يمثل تنظيماً شبيهاً ب (م. ت. ف) .
أوجه الشبه بين ظروف القضيتين:
كثيرة هي أوجه الشبه بين القضيتين الفلسطينية والفلبينية، فالقضيتان تتعلقان
باغتصاب واحتلال أراضٍ إسلامية، وقمع شعب مسلم بالقوة العسكرية، بل تكاد
تتشابه (تكتيكات) طريقتي الاحتلال إلى حد كبير؛ ومن ذلك: اعتماد المحتلين على
سياسة الاستيطان باستجلاب المستوطنين غير المسلمين وزرعهم في أراضي
المسلمين المغتصبة لتغيير تركيبتها السكانية ومعالمها الأصلية، وهو ما يحدث في
جزر الفلبين الإسلامية الجنوبية، كما هو الحال في فلسطين.
أما على صعيد أصحاب البلاد الأصليين؛ فنجد في كلتا الحالتين طرفين
يختلفان في الأيديولوجية والمنهج والتصورات والطموح، فالطرف الأول هم
(الإسلاميون) الذين وعوا قضيتهم وتناولوها من خلال المنظور الشرعي، وتبنوا
خيار الجهاد للدفاع عن دينهم وكرامتهم السليبة، واتخذوا ذلك طريقاً لتخليص
بلادهم من الكافر المحتل، أما الطرف الآخر فهم (العلمانيون (الذين لا يهمهم إلا
إثبات وجودهم وتحقيق ذواتهم وتحصيل المغانم، ولا يبالون في سبيل ذلك بالثمن
الذي يقدمونه من مذلة ومهانة وتفريط في الواجبات والأوامر الشرعية، ولايعيرون
اهتماماً للدماء التي سالت والتضحيات الجسام التي قدمت، ولا همّ لهم إلا ما
يتهافتون على تحصيله اليوم! ! .
واليوم: أراد أعداء الإسلام من يهود وصليبيين وأعوانهم طي ملفي القضيتين
بالطريقة نفسها والأسلوب والإخراج ذاته، فبعد أن حقق اليهود خطوات على
الصعيد الفلسطيني جاء الدور على قضية مسلمي الفلبين لوأدها بالأسلوب نفسه.
(غزة / أريحا) الفلبينية:
لما استعصى أمر المسلمين في الفلبين على الحكومة الصليبية المغتصبة،
وفشلت جميع خططها لاحتوائهم، وعجزت عن قهرهم وإخضاعهم بالطرق
العسكرية القمعية على مدار السنوات الطوال الماضية، وأصر مسلمو الفلبين
بدورهم على مواصلة جهادهم؛ حتى يحققوا النصر ويتحرروا من طغيان هذه
الحكومة التي أيقنت أنها لن تصل لأهدافها بالطرق القمعية التي اعتمدت عليها في
السابق، وبعد أن ازدادت حدة العمليات الجهادية وتصاعدت كمّاً وكيفاً في مواجهتها، وسيطر الإسلاميون بشكل كبير على دفة التوجيه في المجتمع، حيث لاقوا تأييداً
واسعاً بين صفوفه، الأمر الذي جعل هذه الحكومة تستشعر الخطر المحدق بها لو
تركت الأمور تمضي على هذا النحو، فلم يعد لها بد من الاعتماد على مثل هذه
المؤامرة الجديدة لتدارك أمرها قبل فوات الأوان، فأعلنت بدورها عن عزمها على
عقد مفاوضات (سلام!) مع المسلمين، ولم تجد الحكومة الصليبية أفضل من
الجبهة القومية (العلمانية (لتمرير مؤامراتها عن طريقها، لما يتسم به القائمون عليها
من مؤهلات للقيام بهذا الدور من: تعطش للسلطة، وحب للظهور، ورغبة في
الزعامة، أما من جهة العلمانيين أنفسهم فقد لاحت لهم الفرصة التي لا تفوّت
لتنصيبهم على رؤوس المسلمين، الذين نبذوهم وانفضّوا من حولهم بعدما تبين لهم
حقيقة منهجهم، والأطماع الشخصية التي يضمرونها في أنفسهم، والمصالح الذاتية
التي يسعون لتحقيقها.
وكل هذه العوامل هيأت الظروف للطرفين ليجتمعا على هذه الخطة ليحقق كل
طرف مأربه من خلالها.
الأهداف الحقيقية وراء هذه الخطة:
حين لجأت الحكومة الفلبينية لهذه المؤامرة لم تكن تقصد بذلك التخلص من
معاناتها مع المسلمين وتركهم لحال سبيلهم، بل سعت لتحقيق عدة أهداف على
أصعدة شتى فشلت في تحقيق أي منها بسياستها الأولى.
ويمكن تلخيص هذه الأهداف فيما يلي:
١- قطع الطريق على التيار الإسلامي المتنامي، والحد من نشاط الحركة
الجهادية الصاعدة، وعدم تمكين القيادات الإسلامية من احتلال مواقع الصدارة في
قيادة المجتمع المسلم في الفلبين.
٢- إحكام سيطرتها بشكل نافذ ودائم على مناطق المسلمين الجنوبية، وهو
الأمر الذي لم تتمكن من تحقيقه على مدى السنوات الماضية منذ استقلال دولة
الفلبين عام ١٩٤٦ م وحتى اليوم؛ وذلك من خلال سيطرتها على الميلشيات
المسلحة التابعة للجبهة العلمانية، الذين سيصبحون جزءاً من الحكومة وقواتها،
وبالتالي: تتمكن قواتها العسكرية والأمنية من الانتشار في هذا المناطق بحرية تامة
وأمان نسبي كلما دعت الضرورة لذلك (حسب ما نصت عليه مسوّدة الاتفاق
المبدئية) .
٣- توفير الأموال والدماء التي تتكبدها في كل مواجهة مع المجاهدين، حيث
ستوكل مهمة (التطهير الأمني) وحفظ النظام وفرض قانون الدولة لتقوم الميلشيات
المسلحة المحسوبة على المسلمين بها.
٤- خطب ود الدول الإسلامية التي تربطها بها علاقات اقتصادية حيوية،
وتحسين صورتها أمام هذه الدول وشعوبها المسلمة؛ بتظاهرها بأنها قد منحت
المسلمين حريتهم وأحسنت إليهم، ومن جهة أخرى: استقطاب رؤوس الأموال
الإسلامية لتنفيذ مشروعات استثمارية في جنوب الفلبين بالإضافة إلى الاستفادة من
المنح المالية التي ستقدمها بعض الدول الإسلامية لدعم السلطة الجديدة (الحكم
الإداري) مما سيوفر للحكومة المركزية ما كانت ستنفقه من ميزانيتها الاقتصادية في
المنطقة.
٥- التفرغ نسبيّاً لحل بعض مشكلاتها الاقتصادية المزمنة، وتوفير جانب من
نفقات الدفاع التي ترهق ميزانيتها المالية وتستنزف منها ما قيمته مليون (بيسوز)
يوميّاً (٦٣ ألف دولار) حسب ما صرح به رئيس الفلبين نفسه.
٦- استغلال الثروات الطبيعية من (أخشاب ومعادن (التي تذخر بها بلاد
المسلمين الجنوبية، ولا تستطيع الحكومة الوصول إليها في ظل الظروف الحالية،
حيث لا يمكنها المسلمون من ذلك.
ومما يؤكد سعي الحكومة في تحقيق هذه الأهداف: الموافقة الفورية التي
أبدتها فيما يتعلق بإدراج المناطق التي تشهد نشاطاً كبيراً وسيطرة للمجاهدين، ولا
تجد لها فيها مستقراً ضمن الاتفاقية.
هل تحقق الخطة أهدافها المرسومة؟ ! :
مما لاشك فيه أن الحكومة الفلبينية تعلق آمالاً كبيرة على تحقيق أهدافها من
وراء هذه الخطة أو أكثرها على الأقل في هذه المرحلة، ولكن ليس معنى هذا أنها
قد فرطت في أهدافها الكبرى بعيدة المدى، أو أنها ستترك السلطة التي ستعينها
تفعل ما تشاء وتتصرف بحرية في المهام التي أوكلت إليها دون إشراف ومتابعة
منها، فمن جهتها: ستحاول هذه السلطة إثبات نجاحها فيما أوكل إليها ولو بالقوة.
عقبات في طريق الخطة:
إن حرص الطرفين على إنجاح الخطة وتحقيق أهداف كل طرف منها لا يعني
بالضرورة نجاحها الفعلي؛ ذلك أن هناك عقبات كبيرة في طريقها خارجة عن إرادة
الطرفين، وأهمها:
أولاً: الرفض الشعبي العام لهذه الخطة وحالة السخط والاستياء التي تتعرض
لها الجبهة لإقدامها على هذه الخطوة وعدم الالتفات لرغبة الشعب الحقيقية في
التخلص من السيطرة الصليبية عليهم.
ثانياً: الرفض الجماعي من قبل الجماعات الجهادية والجمعيات الإسلامية
الفاعلة للخطة ومقاطعتها بشكل تام.
ثالثا: إصرار القادة الميدانيين والمجاهدين (في الخنادق) على مواصلة
جهادهم ضد الحكومة، حتى لو منحت الجبهة ذلك الحكم الإداري.
وهذه الأسباب بل بعضها كفيل بإفشال هذه الخطة طالما أنها لم ترد للمسلمين
حقوقهم وتحقق آمالهم، وافتقادها لعنصر التأييد والرضا الشعبي وحده كفيل بالقضاء
عليها في مهدها، ولن تتمكن الجبهة العلمانية إن شاء الله من مواجهة الشعب المسلم
المعارض بأكمله، وفي هذه الحالة لن تترك الحكومة الأوضاع بدون معالجة جديدة،
وستعود للتدخل كما كان الحال من قبل، هذا إذا لم تغير الحكومة رأيها وتتراجع
عن التنفيذ بعد إتمام الاتفاق لمصلحة أخرى تراها كما حدث عقب (اتفاقية طرابلس)
عام ١٩٧٦م التي لم تُنَفّذْ من بنودها بنداً واحداً حتى اليوم على الرغم من مصادقة
الحكومة الليبية التي استضافت المفاوضات ومنظمة المؤتمر الإسلامي عليها! ! .
وبعد.. فهذه عينة من عينات المكر الصليبي والدولي ضد المسلمين في كثير
من ديار الإسلام، إن (خطة غزة /أريحا) في فلسطين جعلت السلطة في فلسطين
أسيرة الحكم الصهيوني، بل جعلتها عيناً وعصاً بيد (يهود) ضد شعبها، فهل يفطن
شعب مورو المسلم لهذه الخطة والمؤامرة؟ ! أم تكون سبباً لتقاتل المسلمين مع
بعضهم البعض، والصليبيون يتفرجون، ثم لا يحصل للمسلمين نصر سوى
الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر، وهذا هو المتوقع إن لم يتدارك هذا الشعب
وقادته ومجاهدوه الموقف برفض الخطة، حتى يعطى المسلمون حقوقهم كاملة. ثم
إن على قادة الجبهة الذين وقعوا الخطة الجديدة أن يفيئوا إلى الله ويحرصوا على
مصالح الشعب المسلم في الفلبين، وألا يكونوا مع الحكومة ضدهم طمعاً في عرض
زائل، وعليهم تصحيح مسارهم والتعاون مع إخوانهم على البر والتقوى، وتلافي
أساليب البغي والعدوان. فحتى متى يخسر المسملون جل قضاياهم بحلول هزيلة
وتصرفات حمقاء، هلاّ اجتمعوا وكانوا يداً واحدة، فإنهم حينئذ سيأخذون حقهم
كاملاً.
هذا ما ندعو إليه ونحذر من خلافه، والله المستعان.
стр. 2155
في دائرة الضوء
جهود الأسلمة وعوائق التقليدية
بقلم: خميس بن عاشور
الاحتواء من الأساليب التي يستخدمها خصوم الحل الإسلامي وذلك بهدف
توظيف قوة الإسلام والمسلمين لأغراض العلمنة وأهداف النظام العالمي الجديد.
والذي نهتم له في هذا الحديث ليس العالم الغربي، وليست الأنظمة والدول العميلة
له، ولكن الذين نقصدهم بالحديث هم أولئك الذين يعملون من أجل إرجاع الإسلام
إلى مكانته في مجتمعاتهم ودولهم وتخليصها من هذا الجمود الفكري، وفي إطار هذا
الاحتواء أصبح كثير من العلماء والدعاة يستمرئون وضعهم، ويطمئنون إلى عدوهم، بل صاروا من العناصر التي تسهم في تلك الجهود من خلال المشاركة في إثراء
القضايا المطروحة لخدمة النظام العالمي، وتجاهَلوا قضايا الإسلام الأساسية،
وواجب العمل من أجل تحقيقها، وما يتطلبه ذلك من قوة تغييرية كبيرة من أجل
كسر تلك الحواجز المادية والمعنوية التي تكونت في فترات هجران تطبيق الشريعة
والتفريط في سلطة التنفيذ التي هي شرط لهذا التطبيق.
قال الماوردي: (فليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه وطُمست
أعلامه) [١] . إن من أسباب هجر الشريعة وعدم التفكير في تطبيقها: إقصاءها من الواقع، وهذا ما كرس مقولة عدم صلاحيتها للتطبيق في هذا العصر، فالضرورة إذن تبدو ملحّة لتكوين قوة معنوية كبيرة تسهم في تحطيم هذه الحواجز، التي نشأت في زمن القوانين الوضعية الظالمة داخل مجتمعاتنا ودولنا.
إن أولئك الذين لا يزالون يبحثون عن صيغة اجتهادية لعرض الحل الإسلامي
كان حريّاً بهم أن يراجعوا حساباتهم ويقرؤوا قوله (تعالى) : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] . فالإسلام قد
كمل وتم، ولم يبق إلا تطبيقه تطبيقاً شرعيّاً حسب مقتضيات كل عصر دون
المساس بالثوابت الاعتقادية والتشريعية، ومن المفيد إزالة تلك العقدة التاريخية لدى
كثير من المثقفين المسلمين والدعاة؛ التي تتمثل في المشاعر الأبوية نحو الدعوة،
فحماية الدعوة قبل أن تكون بالأشخاص يجب أن تكون بالمبادئ التي شرعها الإسلام، فالمبادئ هي التي يحتمي بها الأشخاص وليس العكس صحيحاً؛ لأن التنازل عن
هذه المبادئ لحجة مصلحة هذه المبادئ هو (الإهانة المهذبة) لها! ! .
إن كثيراً من المدائح التي قيلت في مزايا الشرع الإسلامي بعد سقوط الخلافة
إنما هي في الغالب عمليات دفاعية سببها الانبهار والشلل الحضاري، وبسبب
المعاناة التي يتعرض لها دعاة الإسلام ودعاة تطبيق الشرع؛ فإن كثيراً منهم يميلون
نفسيّاً نحو استصعاب تحقيق الحل الإسلامي، ومع ذلك فلا يمكنهم التملص من
واجب العمل على إرجاع سلطة التنفيذ التي هي شرط للتطبيق كما سبق. وتطبيق
الحكم يجب أولاً كما يراه المحققون من الفقهاء والأصوليين لعلة أولى هي الامتثال
لأمر الله ، أما إدراك المقصد أو الحكمة فليس ذلك شرطاً في تطبيق
الحكم، وذلك لأن إدراك المقصد عمل اجتهادي يقوم به عقل المجتهد الذي قد
يصيب وقد يخطئ، ولذلك فلا يعلّق التطبيق على إدراك المقصد أو الحكمة؛ لأن
كل ذلك متحقق دون ريب بعد تطبيق الحكم.
سؤال يطرح نفسه:
ولو سُئلنا ذلك السؤال التقليدي، وهو: كيف نطبق الحدود مثلاً والأمة غير
مؤهلة ومستعدة لذلك؟ فالجواب: شرط التهيؤ والاستعداد هو تطبيق هذه الحدود
فعلاً، وسوف تتهيأ بإذن الله، ولنا أن نقول: إن الحدود من حقوق الله التي لا تنفع
فيها شفاعة ولا عفو، فمن خوّل لنا التعطيل لحكم هو من حقوق الله ؟ ،
إنه لا يمكننا مطلقاً أن ندعي أننا أكثر رحمة من الله نحو العصاة والمذنبين، ولذلك
فإن التردد في فعل الخير ليس من ورائه خير، وإن منهج التطبيق في الإسلام لا
يحتاج إلى بيان أفصح وأوضح من السير فيه قدماً. وعندما ننطلق من عمق الأزمة
من أجل البحث عن حلول موضوعية فإننا لا نجني سوى الخيبة والنتائج الفاسدة،
وكذلك فإن الانطلاق من واقع التقليد بمفهومه الأصولي الفقهي وحتى بمفهومه
السياسي [٢] لا تكون الثمرة والنتيجة منه إلا تقليداً مركّزاً، سِمَتُهُ الأساسية:
التدليس والتمويه والعيش في ظلال الوهم، الذي يعتبر عاملاً رئيساً في عملية الهدم
الفكري الذي تعيشه بعض العقليات المذهبية والفعاليات الإسلامية اليوم.
إن النظر في مجالات الشرع يفتقد عند مثل هذه الفئة إلى البعد المستقبلي الذي
وضعه الشارع الحكيم؛ أي إن بعض الصفات التي تميز العملية التشريعية شبه
منعدمة في نفس هذا المنظور الضيق؛ فالله عندما وضع هذه الشريعة
وأرسل بها رسوله ﷺ ، إنما فعل ذلك بعلمه بما كان وبما هو
كائن، أي: إن البعد المستقبلي لعملية التشريع الإلهية يجب أن نضمنها عملية فهمنا
للإسلام عقيدة وشريعة، وذلك من أجل ألا نقع فيما هو تقديم بين يدي الله ورسوله،
وكذلك حتى لا نقع في اجتهاد هو في مقابلة نص صحيح بالنسبة لمجال التشريع،
أو أن نجتهد لإيجاد عقيدة بديلة عن عقيدة الوحي الإلهي كالذي اقترفته مدرسة
التأويل قديماً وحديثاً.
إن فرض الإسلام على الواقع هو الذي يقضي على تلك المحاولات المنحرفة
لفرض الواقع على الإسلام لأن منهج الإسلام تغييري النزعة، وهذا يدل على أنه لا
يقبل المواجهة إذا كانت بدافع سد الثغرات وتعويض النقائص، بالإضافة إلى أن
المصدرية الإلهية للإسلام لا تقبل إلا أن يكون الإسلام فوق الجميع، وقديماً قال
الشاعر:
إذا غامرت في شرفٍ مروم ... فلا تقنع بما دون النجومِ
فَطَعْم الموتِ في أمرٍ حَقيرٍ ... كَطَعْمِ الموتِ في أَمْرٍ عظيمِ
وكما سبقت الإشارة إليه، فإن التقليد الذي يحاول أصحابه إلباسه لباس
الإصلاح والتجديد، إنما هو الداء العضال الذي يجب إزاحته من ميدان العمل نحو
إرجاع الشرعية للعمل الإسلامي وترشيده، حتى لاينحرف عن منهج الرسالة
الإسلامية التغييري، الذي من شأنه أن يُحوّل ما أمر الله ورسوله بتحويله من
عادات الأمم وتقاليدهم وأفكارهم وسلوكياتهم، وإن هذه العملية الانتقائية للتفكير
والسلوك هي التي من شأنها وضع الأسس والخصائص التي يجب أن تميز المجتمع
الإسلامي العالمي من غير تمييز بين الأجناس والشعوب؛ وذلك حتى لا تصبح
النظرات الضيقة للمجتمع الإسلامي عائقاً في وجه الرجوع الميمون نحو الإسلام ديناً
ودولة، وحتى لا تصبح القومية والوطنية وجهاً من وجوه الانغلاق نحو الذات،
وبالتالي بروز النظام القبلي والعشائري في أقنعة جديدة تخفي وراءها معالم
(الأرستقراطية) التي لا تقبل التغيير، ومع ذلك: فإنه لا يمكننا أن ننكر اعتراف
الإسلام بالخصائص والفروق بين الأفراد والمجتمعات؛ لأن الشارع الحكيم قد
راعى ذلك أثناء عملية التشريع؛ قال الله (تعالى) : [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ] [الروم: ٢٢] .
إن هذه النزعة التقليدية بالنسبة لنا نحن المسلمين لها جذور دينية، وهي
تهدف إلى المقاصد نفسها التي تتركز أساساً فيما يسميه بعضهم بـ (الآبائية) [٣]
التي ترفض التغيير وتتمسك بالتقليد، هذا التقليد الذي يعرفه الأصوليون بأنه:
(قبول قول الغير من غير معرفة دليله) [٤] ، أو هو (قبول قول بلا حجة، وليس
ذلك طريقاً إلى العلم لا في الأصول ولا في الفروع) [٥] وقد نهى القرآن الكريم
المسلمين عن أن يَقْفُوا ما ليس لهم به علم، قال (تعالى) : [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] [الإسراء: ٣٦] .
والتقليد في أمور الدين هو الأخطر؛ لأنه يسهم في مزاحمة المصدر الحقيقي
للشرع الذي هو الوحي الإلهي (كتاباً وسنة) ، وهنا يمكننا أن نطرح سؤالاً لنجيب
عليه، وهو: لماذا لا يريد المسلم أن يترك دينه على الرغم من أنه في كثير من
الحالات لا يلتزم به سلوكاً وتفكيراً؟ والجواب يمكن أن يكون كما يلي: إن تلك
الآبائية على الرغم من سلبياتها وخطرها هي التي حافظت على هذا الانتماء الذي
ترسخ عبر الأجيال ليصبح عادة وتقليداً، ورغم أن هذا التقليد وهذه العادة لا تدفعنا
إلى التشكيك في هذا الانتماء مثلما يفعله أهل النظر وأهل الكلام إلا أننا سنتخذ
هذه الآبائية نقطة للانطلاق الذي سيرتكز على العلم وعلى الاتباع.
إن البحث عن الحلول من خارج الموضوع أي الإسلام لا يمكن أن يقود إلى
نتيجة سارة بلا ريب، فلقد ذمّ الإسلام التقليد بينما حث على العلم وعلى الاتباع
للوحي.
إن عدم معرفة المسلم دليل السلوك والاعتقاد هو الذي أحال التدين إلى عادات
وتقاليد فاقدة لصيغ الاقتناع؛ لأنه لا يمكن أن يقتنع المسلم بدينه إلا إذا كان هذا
الدين مدلّلاً عليه، وحينئذ ستنبعث الروح والحياة في تلك التقاليد والعادات لتصبح
عملاً مثمراً وعبادة خالصة يجني من ورائها المسلم ثمار التزكية والعمل الصالح،
وإنما يتم ذلك بمعرفة أدلة السلوك والاعتقاد الشرعية من مظانها ومصادرها.
إن هذه العملية التي تهدف إلى تغيير جذري في منهج الاعتقاد والعمل هي
التي يمكن أن نطلق عليها إصلاحاً وتجديداً فعلاً، ومع ذلك فإن هذه العملية
ستصطدم بعوائق التقليدية والآبائية، ولكن سرعان ما ستنهار هذه العوائق لسبب
يسير، وهو: أنها لم تكن مشيدة إلا على الأوهام والأباطيل.
стр. 2156
متابعات
هل يستحق نجيبب الكيلاني أن يكون رائداً؟ !
بقلم:محمد الدوسري
لقد قرأت في العدد ٩٢ (ربيع الثاني ١٤١٦هـ) ، مقالة تتحدث عن (نجيب
الكيلاني) بصفته رائد القصة الإسلامية المعاصرة! . وكثيراً ما أتوقف وأتعجب عند
مثل هذه المقالات التي تتحدث عن هذا الرجل، ومما يزيد في عجبي أن أهلها لا
يتورعون عن إطلاق صفات: الكاتب الكبير، الرائد.. إلخ، على نجيب الكيلاني
﵀ ، ويتغاضون بشدة عن سقطاته التي لا تكاد تخلو منها قصصه
ورواياته! ، بل إن أحدهم قال في أحد مهرجانات الجنادرية المقامة في الرياض: إنه يطمأن على أولاده تمام الاطمئنان إذا قرؤوا روايات الكيلاني! ، وأخذ يكيل له الشكر كيلاً وافراً! .
وكتابتي لهذا التعقيب ليست اعتراضاً على الاحتفاء بالرجل، ولكنها رجاء
موجه للأدباء الإسلاميين وخصوصاً مؤسسي رابطة الأدب الإسلامي أن ينحوا
العاطفة جانباً، ويتأملوا الأمر مليّاً؛ فَلَكَمْ ولَكَمْ عانى العمل الإسلامي من الانسياق
وراء العاطفة، ووضع الأشخاص فوق مكانتهم الحقيقية، والذي نرجوه من إخواننا
الأدباء هو: أن يضعوا الأمور في نصابها؛ فنجيب الكيلاني هذا كان يضَمّن
رواياته مشاهد جنسية يخجل المسلم من قراءتها، ولكن يبدو أن بعض الأدباء
الإسلاميين (سامحهم الله) قد تأثروا تأثراً غير مباشر بالروايات الحديثة التي لا
تتعفف عن إقحام الجنس في ثنايا القصة، فأصبحوا لا يرون ضيراً في هذا الأمر!، وقد قيل: كثرة الإمساس تقلل الإحساس.
ولَكُم أن تتخيّلوا ماذا يقع في حس المراهق، وهو يرى بطل رواية (ليالي
تركستان) لـ (نجيب الكيلاني) ، لا يفتأ يضم ويُقَبّل عشيقته! ، ولو أن المؤلف
ينبهه إلى أن هذا الأمر محرم لكان أهون، ولكنه لم يفعل؛ فماذا تتوقع أخي القارئ
أن ينمو في حس المراهق: حب الفضيلة، أم حب الرزيلة؟ ! .
ولقد أمسك بي أحد الإخوة، وقال: (يا أخي كيف تقولون: إن نجيب
الكيلاني أديب إسلامي، وأنا قرأت له رواية (رأس الشيطان) ، فوجدت فيها من
المشاهد ما يندى له الجبين) ، ولقد حرت جواباً في البداية، فلم أدر ما أقول،
ولكني تداركت نفسي وذكرت له بأن الرجل أخطأ، وكان يتوجب عليه أن يرتفع
بمستوى القصة عن هذه القذارات، فلا يكفي أن تكون روايته يدور رحاها حول
موضوع إسلامي.
ويجب على أدبائنا الإسلاميين، أن يكونوا على شجاعة حقيقية وواقعية في
التعامل مع جميع الأدباء؛ فلا يعطوا أحداً أكبر من حقه، ولا يزنوا الحق بالرجال؛ فإذا تكلموا عن نجيب الكيلاني، فيجب أن يذكروا أخطاءه وبوضوح كامل؛ فخطأ
الرجل في تضمينه المشاهد المخلّة بالأدب أمر ليس بالهيّن، فالرسول صلى الله
عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً. ونجيب الكيلاني لا يرى بأساً في إقحام
المشاهد الجنسية في ثنايا الرواية، فهو يقول: (.. وإذا كان الزنا صورة الجنس
المنحرف الحرام وباءً خطراً، أفلا يمكن تناوله بما يستحقه من تقبيح وتنفير؛ وما
يصاحبه من مقدمات وإغراءات وسقوط؟) [١] .
فهو كما نرى لا يمانع أن يتناول مقدمات الزنا، والإغراء، والسقوط! ، مع
أنه يذكر أن (الأدب الإسلامي حينما يحتفي بقضايا المجتمع والعصر فإنه ينهج نهج
القرآن الكريم، وأحاديث نبينا المختار، صاحب الرسالة العظمي صلى الله عليه
وسلم) [٢] ، وأورد دليلاً: قصة يوسف ﵇ ، ولكنه للأسف لم ينضبط
بهذا الضابط، فالقرآن في قصة يوسف ﵇ ، والسنة في قصة عابد بني
إسرائيل الذي أغراه الشيطان بالزنا، لم يتناولا الجنس بالطريقة التي فهمها نجيب
الكيلاني وحاول إقناعنا بها! .
ونجيب الكيلاني لا يرى بأساً من ظهور المرأة على المسرح! ، معللاً ذلك
بالتعليل التالي: ( ... لأن هناك قضايا وأموراً حساسة لا يمكن أن تقدم إلا من
خلال المرأة، فضلاً عن أن (وضعية) المرأة في المجتمع وما يلابسها من محاذير
وحرج وسلبيات، لا يمكن تناولها إلا بالتواجد المباشر للمرأة) [٣] ! . ومشكلة
نجيب الكيلاني ومعظم أدبائنا، هي أنهم لم يحاولوا الانعتاق من أسر الأشكال الأدبية
الغربية؛ فمن الذي قال بضرورة المسرح في الأدب الإسلامي؟ ! ، ففيما عداه
غنية وفضل؛ ثم: لماذا لا يقوم الأديب المسلم الملتزم بمعالجة مشكلة ظهور المرأة
إن كان ولا بد من مسرح فيبدع لنا مسرحية تتطرق لقضايا المرأة بدون ظهورها
على المسرح؟ ! ! .
وفي تاريخنا خير مثال على ذلك، فلقد قام الفنان المسلم المتقدم باستبدال
التصاوير المحرمة، بالخط العربي والنقوش الإسلامية.
ورجاؤنا الحار من الأخوة الأدباء الذين أخذوا على عواتقهم مهمة تقديم أدب
إسلامي متميز خاصة أعضاء رابطة الأدب الإسلامي أن يؤطروا الأطر التي
تتناسب مع إسلامنا فعلاً، وأن تكون أسس وبدايات جهودهم وتنظيرهم، ونقدهم،
وإبداعاتهم، مستمدة (بكاملها) من الإسلام؛ فلا نرضى بأن يقدموا لنا كلاماً فاحشاً،
ثم يقولوا لنا: هذا أدب إسلامي! ، أو يقدموا لنا قصة أو رواية تتخللها انحرافات
عقدية، ثم يقولوا لنا: هذا إبداع من إبداعات الأدب الإسلامي! .
ونرجو منهم أن يكونوا صرحاء مع أنفسهم، ومع غيرهم من الأدباء، فلا
تكون المجاملة هي الفيصل في تقرير إبداع هذا الكاتب أو ذاك، وأن يتقوا الله في
إخوانهم المسلمين، وليقدموا ما يعكس روح دينهم، وينفع أمّتهم، ويرسخ في أبنائها
حب الله ورسوله ثم حب الفضيلة.
تعقيب الكاتب
بعد ورود وجهة نظر الأستاذ محمد الدوسري حول الموضوع، عرضناها
على الكاتب الأديب الناقد محمد حسن بريغش، فكتب التعقيب التالي:
لقد تفضل الأخ الكريم بالكتابة عن نجيب الكيلاني ﵀ ناصحاً ومحذراً
الأدباء الإسلاميين والنقاد: ألاّ يطلقوا صفات الريادة والمديح، وألا يُؤْثروا المجاملة
في نقدهم، وألا يتغاضوا عن الانحرافات والأخطاء عند الكيلاني وغيره، وألاّ
ينساقوا وراء العاطفة في تقويم الأشخاص، فيضعوا الأشخاص فوق مكانتهم.. إلخ.
وذكّرهم بمسؤوليتهم أمام الله ، لكي يقدموا ما يعكس روح دينهم
وينفع أمتهم، ويرسخ في أبنائها حب الله ورسوله ثم حب الفضيلة.
وأشكر الأخ الكريم الذي عقّب على ما كتبتُه عن نجيب الكيلاني في العدد
(٩٢) من مجلة (البيان) ، ولقد كانت غيرته على دينه، وخوفه على شباب الأمة
من الانحراف، وحماسته في الصّدع بالحقيقة باعثاً لهذا التعقيب، فجزاه الله خيراً،
وله منا الشكر.
أما اعتراضات الأخ فلها ما يبررها، ولكنه وقع في مبالغات وأحكام متعجلة؛
لأن ما نُشر في البيان عن الكيلاني ﵀ لم يقع في إطلاق الأحكام العاطفية،
بل حدد بشكل دقيق ومختصر مكانة الكاتب وظروفه، وحدد بعض الأسباب التي
دفعت الكيلاني لمجاراة كتاب القصة.
ولذلك قلت فيما كتبت: (وهذا يؤكد بأن الكيلاني كان في بداياته القصصية
معنيّاً بترسيخ قدميه، وتقديم نفسه بوصفه كاتب قصة مصريّاً يجيد كتابة الرواية،
ويقف مع كتّاب القصة الآخرين: (نجيب محفوظ، وباكثير، والسّحار، وعبد
الحليم عبد الله، والشرقاوي، ويوسف إدريس.. وغيرهم) ولهذا: لم تكن قصصه
الأولى تختلف عن قصص غيره إلا في نسبة مشاركة المرأة والجنس في
القصة..) [٤] .
وقلت أيضاً: (وتأرجح بين الرضوخ لتقاليد القصة الغربية والالتزام بالتصور
الإسلامي للقصة) [٥] .
ووضّحت سبب تأرجحه في ذلك، وأشرت إلى أن هذه الظاهرة تثير لدينا
قضية مهمة، تبدو عامة عند كثير من الأدباء والكتاب الذين يتحدثون عن الأدب
الإسلامي؛ وهي: فقرهم في الزاد الشرعي، وتأثرهم بالفكر الغربي) [٦] .
ولكن ذلك كله لا يمنع من الاعتراف للرجل بريادته في مجال القصة
الإسلامية، وإسهاماته في مجال الأدب الإسلامي، فالريادة لا تعني الإصابة؛ لأن
الرائد هو من يتقدم القوم ليبصر لهم مواطن الكلأ ومساقط الغيث [٧] ، فهو سابق
للناس يستطلع لهم، ويخبرهم، وقد يخطئ وقد يصيب. والكيلاني كان يخوض
غمار التجربة وسط جو يعج بالهيجان السياسي والفكري، ويمتلئ بالأفكار المعادية
التي تهيمن على الساحة، ولا يستطيع كاتب التعقيب أن يتصور مثل هذه الأجواء
المليئة بالفتن، ووسط ذلك الجو بدأ الكيلاني يكتب حينما كان الآخرون يتهيّبون من
كلمة إسلام، فهو رائد حقّاً في هذا المجال، اجتهد فأصاب وأخطأ، وحينما نتحدث
عنه لا نغض الطرف عن أخطائه، ولا تأخذنا العاطفة في إطلاق الأحكام، ولكننا
أيضاً لا نقع بالمقابل في الغلو فنرفض كل شيء منه؛ لأنه أخطأ هناك وأصاب هنا.
لقد كتبت عن الكيلاني منذ وقت مبكر، وكنت صريحاً وواضحاً في الكشف
عن هذه الأخطاء في كتابين خاصين بالقصة [٨] ، بل وكان الرجل ﵀ من
أحسن من يستمع إلى نقد ناقديه، ويتقبل نصيحة إخوانه، ويصغي إلى أصحاب
الرأي الآخر من قراء أدبه والنقاد.
ولهذا نلتمس له العذر، ونسأل الله له الرحمة، ونبين أخطاءه برفق وعدل،
ولا نبخسه حقه من المميزات التي يستحقها عن جدارة.
وكذلك فإن لكل فن شروطه وأجواءه، شريطة ألا يخرج عن الإطار الشرعي: أي دائرة الحلال المباح، ولا ينفع في إطلاق الأحكام العامة أن نطبق أخلاق
العابد الزاهد على كل المسلمين، فربما كانت فضائلهم نوعاً من الإسراف والتبذير
والإساءة عند مثل هذا الرجل الزاهد.
وأخيراً: فللأخ الشكر كله على غيرته، ونرجو الله أن يقوي من
عزيمة المسلمين لارتياد مجالات الحياة بإيمان وصدق وشجاعة لتقديم الخير للناس،
وإعطاء الصورة الصحيحة للحياة بعامة، والأدب بخاصة، وكما يريدها لنا رب
العالمين .
стр. 2157
منتدى القراء
دعوة إلى التفكير
بقلم:سالم فرج سعد
إن مما تحيا به أمتنا: تفكير جاد معطاء، وتصور بناء؛ ذلك أن الأمم تحيا
بعقول أفرادها، وتنمو بتفكيرهم..
ولا شك أن التفكير في حق خير أمة أخرجت للناس وأشرفها وأكرمها على الله
أوكد وأوجب، لأنها أمة الهدى ودين الحق؛ التي حازت قصب السبق إلى الخيرات
بنبيها محمد ﷺ ، ومما يدفعها إلى إحياء روح التفكير،
ويرغبها فيه: ما أشاد به كتابها المنزل من التفكر والتدبر، قال (تعالى) [.. أَن
تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] [سبأ: ٤٦] ، وقال في صفات أولي الألباب
[ ... وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ..] [ال عمران: ١٩١] فالقرآن
يربينا ويأخذ بأيدينا لنلتمس منه العبرة والعظة حين يفتح للفكر آفاقه، وللتدبر أبوابه، وإن كان مبدأ التفكير هو في نعم الله ومخلوقاته إلا أن ذلك هو الانطلاقة العملية
والباعث للتفكير.. فهو منطلق العمل، وبداية الحركة، وإشراقة النور، وكما قال
(سفيان بن عيينة) ﵀ : (الفكر.. نور يدخل قلبك) ، وربما يتمثل بهذا
البيت:
إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة [*]
والتفكير الجاد ليس مجرد فلسفة نظرية أو تصورات عقلية، بل هو يقظة
روحية وهمة وقّادة ذات فعالية، به تتضح معالم الطريق ويتبين الهدى من الضلال، فالفكرة مرآة ترى فيها حسناتك وسيئاتك، ومدرسة تكتسب منها حقائق وتجارب.
стр. 2158
التاريخ الإسلامي: زاد
بقلم: زهرة الإبراهيمي
لقد وهب الله الطفل قدرات ذهنية وعقلية عالية تتمثل غالباً في
ملكة الحفظ.. ولا غرو في أن أطفالنا يحفظون أسماءً.. وقصصاً كثيرة..، أسماء
شخصيات اجتماعية، وسياسية، وفنية وهي الغالبة وقصصاً خرافية وبطولية ربما
سمعوها أو شاهدوها أو قرؤوها في إحدى الوسائل الإعلامية.. وهذا في حد ذاته
أمر معتاد.. ولا يدعو للدهشة.. ولكن الغريب أن هذا الطفل الذي يمتلئ ذهنه بهذه
الأسماء والأحداث ربما لا يعرف إلا النذر اليسير عن الشخصيات الإسلامية
التاريخية ... ماذا يعرف أبناؤنا عن خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص؟ وماذا
تعرف بناتنا عن الخنساء أو سمية بنت الخياط أو..؟
ولا شك أن التاريخ الإسلامي كان هدفاً لأعداء الأمة من مستشرقين
ومستغربين.. بداية من جورجي زيدان وانتهاءً بالمسلسلات التاريخية الهابطة،
التي تشوه الحقائق والأحداث. لقد عرف أعداؤنا أن الشعب الذي لا يملك ماضياً هو
بالتأكيد لا مستقبل له، وشاهدوا ولمسوا قوتنا النابعة من معين التاريخ الإسلامي
الصافي، من نماذجه المشرقة، من تضحيات أفراده: من صفحات التاريخ وجد
هذا التراث الهائل من القيم والأخلاق. أيتها الأم المسلمة في البيت، أيتها المعلمة
المسلمة: نحن نعد جيلاً مسلماً نريد منه أن يحمل الأمانة، أمانة الدين وأمانة
التاريخ، وهذه بلا شك رحلة مضنية وشاقة يلزمها الكثير من الصبر والكثير من
الجلد.
ولا شك أن التاريخ لن ينسى صبرك وجلدك في سبيل المحافظة عليه! !
وليكن التاريخ الإسلامي الصحيح هو زادك والمعين الذي تسقين منه هذا الجيل
المتعطش للمبادئ والقيم السامية، إننا نقف على ثغر من ثغور الإسلام، فحذار أن
يؤتى الإسلام من قبلنا..
стр. 2159
كشف اللثام
عما تعانيه الأمة من الجروح والآلام
بقلم: غازي الوادعي
إن الأمم ترقى إلى السمو والعلو بما تنتجه من حضارة، وبما تقدمه للبشرية
من خير.
وقد كانت الأمة الإسلامية، وستبقى بإذن الله هي الأمة الوسط التي تقود
الناس إلى بر الأمان وإلى طريق النجاة.
كانت أمة صاحبة رسالة تخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور الإسلام،
كانت مصدر السعادة للناس.
إن حضارة الإسلام لم تكن حضارة مادية فحسب أو حضارة أرضية (وإن
كانت هذه الأشياء مما لابد منه) ، وإنما هي قبل ذلك حضارة عقيدة، حضارة جهاد، حضارة أخلاق، حضارة استخلاف في هذه الأرض..
واليوم تمر الأمة بأسوأ مراحل ضعفها، والناظر المتأمل بعين البصير المتدبر
يرى حال الأمة الإسلامية: يرى من الجروح والآلام ما تنفطر له القلوب؛ فيرى
أن الأمة قد استهوت الذل واستمرأته؛ لأنها أخلدت إلى الأرض، وتتبعت شهواتها
وغرائزها بنهم، فنست الجهاد والقتال في سبيل الله.
ومن الآلام: الجهل المطبق عند عامة الناس إلا من رحم الله، ليس جهلاً في
أمور معيشتهم أو أمور دنياهم، وإنما في أمور دينهم، والشرك المنتشر في أطناب
الأمة الإسلامية أكبر شاهد على ذلك، وانتشار الأحاديث الضعيفة بين الناس
وتمسكهم بها، وجهلهم وتساهلهم في أداء الفرائض والعبادات المفروضة عليهم،
وأما أخلاقيات وسلوكيات كثير من أفراد الأمة: فأصبحت مقيدة بما تمليها عليهم
المصالح الدنيوية.
وأيضاً من الجروح التي تأن بسببها الأمة:
* الغياب الكلي أو الجزئي للدين في بيوت كثير من الناس؛ حتى أنهم ألفوا
المعاصي: كبائرها وصغائرها، وأصبحت النفوس لا تفرق بين المعروف والمنكر
في صغيرة أو كبيرة من حياتهم.
* إن الأمة ما زالت تعاني الأمرين من صنف من الناس، وصفهم الرسول -
ﷺ بأنهم دعاة على أبواب جهنم، يقذفون الناس إلى جهنم بحلاوة
كلامهم وطلاوته، هم المنافقون، وما أدراك من هم؟ ! ، إنهم قوم وصفهم الله
ونعتهم بنعوت في أكثر من سورة من القران الكريم: يطعنون في
الدين، يتلونون في كل ثوب، إنهم خفافيش الدجى في كل عصر وزمان، يظهرون
في الليل حتى يضربوا ضربتهم.
* وثالثة الأثافي جهل الأمة بالعدو المتربص بها، تربص الدوائر، وقد نست
الآيات المحذرة من هذا العدو، فأصبحت توالي مَنْ غضب الله عليه ولعنه،
وأصبح الولاء والبراء معتمداً على مصالح خاصة ليس لها بالدين علاقة، لا من
بعيد ولا من قريب.
стр. 2160
بريد البيان
رسائل نعتز بها:
تصلنا رسائل من مختلف ديار الإسلام ما بين مادحة وعاتبة، وموجهة
ومصوبة ومشجعة، ونرد على بعضها ما وسعنا الجهد. إلا أنه وصلتنا رسالة من
فضيلة الدكتور عبد الله بن محمد العجلان، ولقد اضطررنا إلى حذف الكثير من
الثناء فيها على المجلة، ونكتفي بنشر تلخيص لرسالته (جزاه الله خير الجزاء) :
إن القراءة المتأنية لمجلة البيان جعلتني أشعر بفيض من المشاعر والأحاسيس
التي ما كانت تخطر ببالي قبل ذلك، ولا ينبغي أن تكون حبيسة النفس، بل هي
قضية مشتركة، ومن أهم ملامح هذه المشاعر:
١- إن مجلة البيان (هذا الصوت الندي من ديار الغربة) تخاطب الفرد المسلم
في ديار الإسلام، وهي مؤهلة لتبليغ رسالة الإسلام: عقيدة، وعبادة، ونظام حياة.
٢- إن تقصير كثير من العلماء بالمشاركة والتوجيه في مثل هذه المجلة جعله
الله خيراً في شباب واعد من طلبة العلم، ومن بعض العلماء والمفكرين؛ ليقيم الله
به المحجة ويوضح الحجة والله غالب على أمره.
٣- إن كثيراً من المجلات العربية على اختلاف ألوانها ومشاربها ذات
انتماءات متعددة، إلا أن هذه المجلة لا تكاد توجد إلا في أماكن محددة وبأعداد قليلة، إذ هي مجلة الخاصة، وتلك مع الأسف مجلات العامة، وهذا يومئ إلى خلل في
حياة الأمة الإسلامية، يتمثل في عدم التوازن بين الفرص المتاحة لكل الأصوات
على اختلاف ألوانها.
٤- الشعور العميق بالاحترام والاعتزاز تجاه المجلة وأقلامها، للمعالجة الجادة
والطرح الموضوعي للأفكار.
وفي النهاية يدعو الدكتور (جزاه الله خيراً) للمجلة بالتوفيق في خدمة الدين
الحنيف ورفع شأن الأمة الإسلامية.
القارئ الحريص على المجلة:
بعد شكره لجهود القائمين على المجلة أبدى ملاحظات ومنها: سؤاله عن
نصيب المرأة والطفل والأسرة عامة وعن الرقائق والإيمانيات. وتمنى لو وجدت
في المجلة زاوية للفتاوى التي تهم المسلمين، ولاسيما في الغرب، ونحن نقدر
حرص الأخ الكريم وما ذكره من ملاحظات جيدة ونتمنى على الكتّاب التطرق لها.
والفتاوى ننشرها بين وقت وآخر. وسنحاول جاهدين نشر كل ما يصلنا مما
يعالج الواقع ويفصل الموقف من النوازل المستجدة.. وفق الله الجميع إلى كل خير.
كاتب لم يذكر اسمه:
يؤكد مع جمع من القراء أهمية وضع الهوامش في كل صفحة عوضاً عن
وضعها في نهاية كل مقال. نشكرك وهذا الاقتراح سيرى النور قريباً إن شاء الله
مشتاق حسين:
قصيدتك -ابتسم فأنت مسلم- ستنشر في عدد قادم بإذن الله.
عثمان حمد الحواس
نرحب بك، ونشكرك على مشاركتيك المعنونة ب لنفكر بمرونة -وهموم
طالب في المرحلة الثانوية- وقد رأت أسرة التحرير نشر أجزاء منهما في منتدى
القراء، كما ان مقالك -صناعة المشاعر- معروض الآن على المحرر الأدبي.
د. حسن إبراهيم
نعتذر عن نشر مشاركتك (عرض لكتاب الأمة الإسلامية من لتبعية إلى
الريادة) لكون الكتاب صدر منذ فترة ليست قصيرة وبعض مواده سبق نشرها في
المجلة.
стр. 2161
الورقة الأخيرة
بائع خبز فقيه !
بقلم:محمد بن عبد الله آل شاكر
رأيته وهو يحمل عبء السبعين من السنين، تزينه لحية بيضاء، وابتسامة
لطيفة، يلقاك بها وأنت تشتري منه الخبز في واحد من مخابز بلدنا الحبيب، ولما
دخلت عليه في إحدى الليالي، بعد صلاة التراويح بادرني بالسؤال: ما رأيك في
القراءة من المصحف في الصلاة؟ وكان يقصد صلاة التراويح في رمضان.
وقد وقع في ظني أنه تفقّه على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ كغالبية
أهل موطنه (أفغانستان) فقلت له: صلاته تامة؛ لأن القراءة عبادة انضمت إلى
عبادة أخرى هي الصلاة، والعبادة لا تفسد الصلاة، وهو قول أبي يوسف ومحمد
بن الحسن.
فأجابني: ولكن شيخهما (أبا حنيفة) يخالفهما في ذلك؛ وكأنه بهذا الكلام يشير
إلى ترجيح رأي الإمام في فساد هذه الصلاة لما فيها من تشبّه بأهل الكتاب، إذ
الفتوى على قول أبي حنيفة في المذهب سواء أَوَافَقَهُ أحد أصحابه أم لم يوافقه.
ثم مدّ يده إلى كتاب ضخم، فإذا هو جزء من (فتح القدير) للكمال بن الهمام
شرح (الهداية) للمرغيناني الحنفي، بطبعة حجرية هندية دقيقة، وعليها حواشٍ لا
يصبر على القراءة فيها وبين سطورها المتعرجة والمائلة إلا أولو العزم من طلبة
العلم، وفتح الكتاب ليقرأ لي نصّاً فيه ذلك الحكم، فعجبتُ والله لهذا الفقه الدقيق
عند بائع الخبز الطاعن في السن، وزادني هذا حبّاً له وإكباراً، ولكن عجبي ازداد
أكثر عندما فتح كتاباً آخر بجانب منضدته (بل هو ثلاثة كتب في كتاب: متن،
وشرح، وحاشية! !) ، واسمه (قمر الأقمار على نور الأنوار شرح المنار) لكي
يؤيد ما ذهب إليه من الفقه بقاعدة من الأصول! .
وعندئذ أصابتني حالة من الذهول والشرود، عدتُ بعدها إلى انتباهي وقد
ارتسمت أمام ناظريّ صورة عدد من الطلبة في إحدى الجامعات، وقد أهدتهم الكلية
التي ينتسبون إليها مجموعة من الكتب والمصادرالعلمية، تشجيعاً لهم وحفزاً لهممهم، وتعزيزاً لتفوقهم، وبين هذه الكتب (فتح القدير) نفسه، ولكن بطبعة جميلة
واضحة، وهم يريدون أن يستبدلوا به كتاباً آخر، متسائلين عن فائدته
وموضوعه!!.
أما الكتاب الآخر، وهو (قمر الأقمار ... ) فهو شرح العلامة محمد بن عبد
الحي على (نور الأنوار) لِمُلا جَيّون، وهذا شرح (للمنار) للنّسفي، فقد قفز إلى
ذهني سؤالٌ حياله: كم من أساتذتنا وطلابنا المتخصصين قد سمع بالكتاب ومؤلّفه،
أو اكتحلت أعينهم بمرآه، بَلْه القراءة فيه والرجوع إليه؟ .
ما أظن أنّ حالفاً يحنث لو حلف بأنّ كثيراً منهم لم يسمع بهذا الكتاب، ولم
يره من باب أولى! ، تُرى ما الذي يشغل كثيراً منا ومن طلاب العلم؟ وما مدى
اهتمامهم بما نذروا أنفسهم له؟ أم أن الاهتمام بالرصيد ومتابعة الأسعار وتقلّباتها
زاحمت اهتماماتهم العلمية ونموّهم التربوي المهني؟ أسأل الله لي ولهم الهداية
والتوفيق، وأن يردّنا إلى ما نكون به خير أمة [*] .
стр. 2162
ذو القعدة - ١٤١٦هـ
أبريل - ١٩٩٦م
(السنة: ١٠)
стр. 2163
دراسات دعوية
الدعوة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة
د. عدنان علي رضا النحوي
[قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما
أنا من المشركين] [يوسف: ١٠٨]
هذه هي الدعوة الإسلامية، وهذا هو جوهر خصائصها الربانية، وتمضي
الآيات البينات والأحاديث الشريفة تفصل خصائص الدعوة الإسلامية، وخصائص
دعاتها ورجالها، فاستمع إلى قوله : [ومن أحسن قولاً ممن دعا
إلى الله وعمل صالحاْ وقال إنني من المسلمين] [فصلت: ٣٣] .
فهذه هي أولى خصائص الدعوة الإسلامية: الدعوة إلى الله ورسوله، الدعوة
إلى الإيمان الحق والتوحيد الصافي، ثم ينعكس هذا الإيمان والتوحيد إلى عمل
صالح في واقع الحياة، إلى ممارسة إيمانية تتجلى فيها خصائص الإيمان وعظمة
التوحيد.
إنه توحيد لا شرك معه أبداً: [قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به،
إليه أدعو وإليه مآب] [الرعد: ٣٦] .
لقد كانت قضية الإيمان والتوحيد هي القضية التي عرضها القرآن الكريم في
كل سورة من سوره، حتى أصبحت محور كتاب الله ومحور كل سورة، ومنها
تنبثق سائر القضايا في كتاب الله وبها ترتبط، وحولها يدور القصص في القرآن،
ومن أجلها تُعرض آيات الله في الكون، وتُعرض أحداث التاريخ وشواهده.
لذلك: ومن أجل هذه القضية أولاً تقوم الدعوة الإسلامية في الأرض لتحمل
هذه القضية إلى الناس كافة، في العصور كلها، حتى تقوم الساعة، ولم يكن القيام
أمراً بشرياً من قائد أو سلطان، بل كان أمراً من عند الله توالت الآيات والأحاديث
على تأكيده، وعلى بيان تفصيلاته وميادينه وقواعده.
إنها هي دعوة الحق وحده:
[له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء]
[الرعد: ١٤] .
ووقفة مع تلك الآية، تبرز لنا خصائص الدعوة الإسلامية، فمن خصائصها:
أنّ نهجها ودربها وأهدافها ووسائلها وأساليبها تنبع كلها من كتاب الله، ينطلق بها
المؤمنون على ضوء الواقع الذي يمضون فيه.
فمن كتاب الله والواقع الذي تسير فيه الدعوة يقوم النهج والخطة ليجتمع
العاملون المؤمنون الصادقون عليه فلا يتفرقوا:
[شرع لكم من الدين ما وصَى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به
إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه] [الشورى: ١٣] .
إنه دين واحد مع كل الأنبياء والمرسلين، ودعوة واحدة تقوم على هذا الدين،
إنه دين الإسلام ودعوة الإسلام، جاء أمر الله أن لا يتفرق المؤمنون فيه:
[ ... أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ... ] لقد كانت هذه الدعوة التي يلتقي عليها المؤمنون مصدر فزع كبير للمشركين على مر العصور والأجيال، فإذا تفرقوا خالفوا أمر الله فنزع الله مهابتهم من قلوب أعدائهم.
وتتوالى الآيات الكريمات لتبين خصائص هذه الدعوة الربانية وجوهرها
ومراحلها: [فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ... ] الآية
[الشورى: ١٥] .
لقد كانت هذه الدعوة على هذا النحو وبهذه الخصائص كبيرة على المشركين
حين شعروا أنها تزلزل أركان الظلم في الأرض وتزلزل الظالمين، وتهزّ الفساد
والمفسدين، وتظل حرباً على المجرمين، أخذهم الفزع حين انطلق بها محمد -
ﷺ ، وسيظل الفزع يأخذ المجرمين المعتدين، والظالمين
المفسدين أبد الدهر.
[فلذلك فادع..] نعم! ادع إلى هذا الأمر العظيم، إلى شهادة «أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله» ، إلى الإيمان والتوحيد، إلى منهاج الله قرآناً وسنة
[واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ... ] فالاستقامة على هذا النهج أمر من
عند الله كذلك، حتى لا ينحرف الدعاة ولا يتبعوا أهواء المشركين ودعواتهم من
اشتراكية أو شيوعية أو حداثة أو ديموقراطية أو غير ذلك من الأهواء!
وتتكرر قضية الالتزام والاستقامة على دين الله دون انحراف في منهاج الله:
[فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا، إنه بما تعملون بصير * ولا
تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا ...
تنصرون] [هود: ١١٢-١١٣] ، إنها استقامة كما أمر الله، يمضي بها القادة والجنود، دون طغيان أو انحراف، فالله رقيب عليهم، عليم بما يصنعون.
ثم تأتي الخصيصة المهمة، ألا وهي: عدم الركون إلى الظالمين المجرمين
المفسدين فمن يركن لهم فستمسه النار، ولن يجد له أولياء من دون الله، ولن يجد
النصر مهما غرّته زخارف الركون وزينة الانحراف وفتنة الطغيان.
إن عدم الركون إلى الظالمين يعني أن الولاء الحق الأول هو لله (سبحانه
وتعالى) ، وأن العهد الحق الأول هو مع الله ، وأن الحب الأكبر
هو لله ولرسوله، وأنه من هذا الولاء الأول والعهد الأول والحب الأكبر ينبثق كل
ولاء في الحياة الدنيا وكل عهد وكل حب، فإذا لم تستقر هذه الحقائق في القلوب
والنهج والمسيرة، فما أسهل الانحراف وما أيسر الركون إلى الظالمين، إن
اضطراب الولاء والعهد والحب يعني كذلك اضطراب التصور للألوهية والربوبية،
واضطراب تصور عبودية الإنسان لربه وخالقه.
إن هذه الخصائص يجب أن تستقرّ في قلوب الدعاة، قادة وجنود، وتُرَبّى
الأجيال عليها، وتُغْرس في نفوس الناشئة، وتكون محور المنهاج للدعوة وللتربية
والبناء، ولإعداد الأجيال المؤمنة، ويظل التأكيد عليها في جميع مراحل الدعوة.
وتمضي الآيات تفصل خصائص الدعوة الإسلامية، حتى يتضح الدرب
وتشرق الأهداف، وتتميز المراحل والمسؤوليات:
[وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله
وعدوَكم] [الأنفال: ٦] ، إن إعداد هذه القوة ضرورة للدعوة الإسلامية، وحتى
ينجح هذا الإعداد يجب أن تتوافر الخصائص التي سبق ذكرها كلها، وأن يكون من
ثمرة هذه الخصائص أمران: الأول: أن تكون الدعوة الإسلامية جبهة واحدة
وصفاّ مرصوصاً، والثاني: أن يبادر الجميع إلى الإنفاق في سبيل الله لبناء هذه
القوة في صف مرصوص من المؤمنين، غير ممزّق ولا متفرّق [إن الله يحب
الذين يقاتلون في سبيله صفاًّ كأنهم بنيان مرصوص] [الصف: ٤] ومن خلال هذا
الترابط والتماسك تتحدد المواقف وتُفهم الآيات الكريمات، ففي قوله (تعالى) :
[وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم]
[الأنفال: ٦] ، لا يفهم من «السلم» الاستسلام العاجز، أو المساومة الواهنة، أوالهزيمة وما يتلوها من ضياع، إن الجنوح «للسلم» جنوح الدعوة الإسلامية، جنوح المسلمين لا يتحقق إلا إذا كانت الخصائص السابقة كلها متوافرة في واقع الدعوة، لتوفر الصف المتراص والقوة المعَدّة والعزّة الحقيقية للمؤمنين:
[ ... ولله العزَة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون]
[المنافقون: ٨] ، وكيف تكون العزة للمؤمنين إذا تفرقوا شيعاً، ولم يُعِدّوا قوة، ولم ينهضُوا إلى خصائص الدعوة الإسلامية مما عرضنا طرفاً منه.
لقد نزلت الآية الكريمة: [وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ... ] ، نزلت في
مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية وهي في عزة وقوة ونصر من عند
الله، فكان «السلم» طلب أعداء الله، هم الذين يطلبون السلام والأمن بعد هزائمهم، فكان قبول المؤمنين عندئذ، في تلك المرحلة وفي ذلك الواقع، وهم أعزاء أقوياء، صف واحد كالبنيان المرصوص، يتيح للمؤمنين الفرصة لتحقيق نصر أوسع.
وعلى نفس النهج نفهم الآية الكريمة: [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله
وهو أعلم بالمهتدين] [النحل: ١٢٥] ، فلا تفهم هذه الآية الكريمة بعزلها عن
منهاج الله وعن الآيات قبلها والآيات بعدها، وسائر آيات الدعوة، وإنما تُفهَمُ من
خلال النهج المترابط المتماسك للدعوة الإسلامية في منهاج الله، عندئذ تصبح هذه
الآية الكريمة تمثل مرحلة من مراحل الدعوة ماضية مع الزمن كله حين تتوافر
ظروفها وشروطها، وأهم هذه الشروط أن تكون الدعوة الإسلامية بخصائصها
الربانية ماضية في الأرض على نهج واضح الأهداف، محدد المراحل، مستكمل
لشروطه الإيمانية، قائم على ركنين أساسيين هما: المنهاج الرباني، والواقع.
لا نستطيع هنا أن نوفي عرض خصائص الدعوة الإسلامية، ولكن منهاج الله
يعرضها العرض المفصل الميسر المعجز، وحسبنا هنا أن نشير إلى أهم هذه
الخصائص الربانية، الخصائص التي لم تأت من بشر، من لجنة أو عالم أو
سلطان، وإنما نزل بها الوحي الأمين.
مفهوم حزب الله:
ومن هذه الخصائص الربانية نستطيع أن ندرك حقيقة الجماعة والحزب
ومفهومها في كتاب الله، فقد وردت كلمة «حزب» في كتاب الله كثيراً، وأعطت
ظلالاً كثيرة أيضاً، ولنأخذ أولاً آيتين كريمتين نستدل بهما على ما نهدف إليه:
[ومن يتولَ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب لله هم الغالبون] [المائدة: ٥٦] ،
[لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَ الله ورسوله]
[المجادلة: ٢٢] .
إن «الحزب» إذن ليس شعاراً يُطلق أو مسمى يُعلن ولكنه خصائص تبرز
في ميدان الواقع، وجميع هذه الخصائص تنبثق من حقيقة الإيمان والتوحيد وركائزه، ومن أهم هذه الركائز: الولاء لله، ولرسوله؛ للنبوة الخاتمة القائدة، ثم للمؤمنين
ليكونوا أمة واحدة: [إنما المؤمنون إخوة ... ] [الحجرات: ١٠] .
إذن: هذه هي رابطة الدعوة الإسلامية، رابطة إيمان وأخوة في الله، لا
يمكن أن تتحقق في الواقع البشري إلا إذا تحقق الولاء الأول لله فكراً وتصوراً،
وشعوراً وعاطفة، وتطبيقاً وممارسة، ورأياً وموقفاً، فإذا لم يتحقق الولاء الأول لله
فأنّى لهذه الرابطة الربانية أخوّة الإيمان أن تتحقق، ويتبع ذلك أن يكون العهد الأول
مع الله، والحب الأكبر لله ولرسوله، والخشية والخشوع والتضرّع لله رب العالمين، حقيقة ثابتة في القلب، ويقينا يعمر حنايا النفس.
فمهمة الدعوة الإسلامية إذن أكبر من أن تكون كتاباً أو مقالة أو محاضرة تُلقى
ويتفرق الناس بعدها أشتاتاً، إنها جهد ومعاناة، وإشراف ومراقبة ومتابعة وتوجيه،
وبناء وإعداد، حتى ينهض الجيل المؤمن الذي تتوافر فيه الخصائص الربانية،
فيتابع المضيّ إلى سائر الأهداف المرحلية المحددة والأهداف الثابتة، على بصيرة
وهدى ويقين، على درب ممتد إلى الهدف الأكبر والأسمى رضوان الله والجنة
حيث تتعلق القلوب والأبصار منذ اللحظة الأولى وعلى الدرب كله، وحيث ترتبط
الدنيا بالآخرة على ميزان دقيق أمين، لينجو الإنسان في الدنيا من الفتنة برحمة الله، وينجو في الآخرة من عذاب النار برحمة الله.
إذن: لا تكون العشيرة ولا العائلة ولا الأرض ولا القوم هم أساس الولاء،
وإنما تأخذ هذه القيم منزلتها الحقيقية على أساس من منهاج الله، ليصوغ منهاج الله
روابط المؤمن كلها في الحياة الدنيا، فلا يصوغها الهوى والمصالح.
حين تحمل كلمة «الحزب» في واقعنا المعاصر هذه الخصائص الربانية كلها
نهجاً ودرباً وأهدافاً ورابطة فإنها تتساوى مع كلمة الدعوة الإسلامية.
وهذه الرابطة الإيمانية ليست مجرد شعار يطرح، ولكنها مسؤوليات وحقوق
وواجبات، عندئذ يكون التجمع تحت أي اسم من الأسماء المباحة ثمرة طيبة مباركة
لصدق الإيمان والتوحيد والدعوة إليهما والبذل من أجلهما، وهذا المنطلق في الدعوة
الإسلامية يقود إلى بناء الأمة المسلمة الواحدة في الأرض، ليكون هذا هو الهدف
الثابت على طريق الدعوة الإسلامية، على طريق الجنة، ونوجز هذه الأهداف
الثابتة بما يلي: الدعوة إلى الله ورسوله وإلى الإيمان والتوحيد، التعهد والتربية
والإعداد، بناء الجيل المؤمن، الجهاد في سبيل الله، بناء الأمة المسلمة الواحدة
التي يحكمها منهاج الله، عمارة الأرض بحضارة الإيمان.
حزبية مرفوضة:
وفي كتاب الله معنى آخر لكلمة «الحزب» و «الأحزاب» : [استحوذ
عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم
الخاسرون] [المجادلة: ١٩] .
[إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب
السعير] (فاطر: ٦) .
وكذلك: [جند مَا هنالك مهزوم من الأحزاب ... ] الآيات [ص: ١١-١٤]
[فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً، كل حزب بما لديهم فرحون] [المؤمنون: ٥٣] .
حين ندرس هذه الآيات الكريمات، كل آية من خلال أجوائها في سورتها،
ومن خلال منهاج الله، نجد أن حزب الشيطان خارج عن منهاج الله، روابطه
الفتنة والفجور والفساد والظلم والطغيان، حين تفلت أفراده من ذكر الله ومن الولاء
لله والعهد مع الله، فنشأت روابط شتى وسبل شتى وأحزاب شتى يجتمعون على
المصالح والأهواء، ويفترقون على المصالح والأهواء.
الدعوة الإسلامية سبيل واحد، وغيرها سبل شتى، هذا ما علمنا إياه محمد -
ﷺ ؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط لنا
رسول الله ﷺ خطاً ثم قال:» هذا سبيل الله «ثم خط خطوطاً
عن يمينه وشماله ثم قال:» هذه سبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو
إليه «ثم قرأ الآية: [وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا
السبل] » [١] .
أهم خصائص حزب الشيطان: أنهم يعبدون آلهة شتى، ولهم سبل شتى،
متفرقون على ذلك، تركوا الصراط المستقيم.
في واقعنا اليوم انتشرت كلمة «حزب» و «أحزاب» وما يتبع ذلك من
رايات وشعارات، هذه الأسماء والشعارات ليست هي التي تقرر حقيقة الحزب أو
الجماعة أو الطائفة أو غير ذلك من الأسماء، إن الذي يقرر حقيقتهم هو الخصائص
التي يلتقون عليها، والنهج الذي يرسمونه، والأهداف التي يسعون إليها.
عندما يصبح «التجميع» العددي هو هدف المسعى والجهد، تنتهي هنالك
خصائص الدعوة الإسلامية، ثم يبدأ التنازل التدريجي عما كان يرفعه الحزب من
شعارات، أما الدعوة الإسلامية فهمها الأول هو الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، ثم
الانتقال من هدف ثابت إلى هدف ثابت وفق منهجها الواضح.
كلمة «الحزب» في واقعنا أصبحت تحمل ظلالاً كئيبة من المعنى والممارسة، وتاريخاً مليئاً بالأحداث السوداء، «الحزب» اليوم أصبح يعني التفرغ للعمل
السياسي بعد عزله عن سائر ميادين النشاط، وأصبحت الدعوة إليه تعني: الولاء
الأول هو للحزب، والرابطة الأولى هي عضوية الحزب، وميدان الممارسة هو «
اللعبة السياسية» مع ما يتبعها من أساليب مستوردة من الغرب، ووسائل تسللت
إلينا من ساحات الوثنية!
الأحزاب أصبحت تعني اليوم الصراع الدائم المستمر على منصب أو نفوذ،
وانظر إلى معركة الانتخابات في أمريكا حيث تصبح الانتخابات ساحة لنشر
الفضائح، وميداناً تشترى الأصوات فيه وتباع، وتدور المساومات والمؤامرات
وأشكال الخداع المتعدّدة، حيث تسحق القيم وتسقط الشعارات.
في الدعوة الإسلامية لا تنفصل الغايات ولا الوسائل، بل تتساند كلها لتمضي
المسيرة تحقق الخير والصلاح، والحق والعدل، والأمن والمساواة في واقع الإنسان.
الدعوة الإسلامية بخصائصها الربانية هي وحدها تحمل أبعد عمق إنساني،
فهي حاجة البشرية كلها، حاجة الشعوب كلها، حاجة الإنسان.
الدعوة الإسلامية يجب أن تكون هي النظام العالمي الجديد، لا ما نسمعه اليوم
من افتئات على الحق، وادعاء باطل تحميه الصواريخ والطائرات والدبابات
لترتكب أسوأ أنواع الجرائم في تاريخ البشرية، والنظام العالمي الجديد الذي تدعو
له القوى الكبرى في الأرض يتبنى ما يسمونه «الديمقراطية» الليبرالية، وهذا ما
دعا إليه «فوكوياما» في مقالته «نهاية التاريخ» التي نشرتها «National
Inlerst» ، وطلع بضلاله هذا ليدعم القوى الإجرامية في الأرض، وليوجه
الدعوة إلى حرب الإسلام على إنه الخطر الذي يهدد الديموقراطية بعد سقوط الاتحاد
السوفيتي.
أمام الواقع الخطير الذي يجابهه المسلمون اليوم في حرب مكشوفة وقحة،
يجب على كل مسلم، وعلى كل حركة إسلامية أو دعوة أو حزب، أن تقف مع
نفسها موقف مراجعة وحساب، وتقويم ونظر لمسيرتها، حتى تعرف أخطاءها
وصوابها، ومدى توافر الخصائص الربانية في مناهجها وتطبيقها وممارساتها،
ومدى تجنبها العصبيات الإقليمية والقومية، حتى تمهد الطريق للقاء المؤمنين
الصادقين الذين يريدون الجنة والدار الآخرة، ينصرون الله ورسوله، وينصرون
دين الله، على درب جليّ واضح الأهداف، على بصيرة ونور وهدى.
لابد أن ندرك اليوم مع كثرة التجارب المريرة والمآسي الدامية أن المعركة
الحقيقية تبدأ في أنفسنا، فإذا انتصرنا هناك، هيأ الله لنا برحمته أسباب النصر في
فلسطين وكشمير وغيرهما، فهل سننهض إلى الوفاء بعهدنا مع الله.
أيها الناس، أيها الدعاة، أيها المسلمون! لا تخافوا على الإسلام، فللإسلام
رب سينصره على يد من يشاء من عباده، ولكن خافوا على أنفسكم حين تقفون بين
يدي الله تحاسَبُون عَمّا قدمتم لنصرة دين الله، فالحساب يومئذ شديد، والله سريع
الحساب.
[.. وإن تتولوا يستبدل قوماْ غيركم ثمَ لا يكونوا أمثالكم] [محمد: ٣٨] .
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2164
كلمة صغيرة
حديث ذو شجون
يطلق جل الإعلام العربي إطلاقات فضفاضة، ولكنها لا تتسع إلا للإسلاميين، مثال ذلك الصارخ: لفظة الإرهاب ومشتقاتها، ومن عجائب ذلك الإعلام أنه لم
يضع تعريفاً جامعاً مانعاً للإرهارب، حتى إنه بات في حس الكثيرين: أنه متى
أطلق لفظ إرهابي، فإنه يعني إسلامي، وهذا ادعاء باطل وافتراء مقصود.
ولكن حين يأتي الإرهاب من وراء البحار، أو حين يقوم به ذوو الدماء
الزرقاء! فإنه يسلم من هجمات ذلك الإعلام (المؤمم) ولا حديث حيئنذ عن الخطر
الداهم الذي ينتظر العالم، ولا عن العنف الذي سيعصف بالحضارة، ولا ...
لقد فجر (اليمين الأمريكي) مبنى فيدراليّاً في أمريكا، وحصلت انتحارات
جماعية لمتطرفين أجانب، وقام (الشين فين) الأيرلندي بانفجارات هزّت لندن،
والعنف الصهيوني يذيق الفلسطينيين كل يوم سوء العذاب.. وغير ذلك كثير.
ولم يسجن أحد من اليمين الأمريكي مدى الحياة، وما زال البريطانيون
يخطبون ود (الشين فين) الإرهابية، وزعيمهم تستقبله أمريكا بالأحضان، وأما
الصهاينة فهم محبوبو دعاة التطبيع، والهرولة إليهم جارية بمباركة (الإعلام
المشبوه) .
نقول لذلك الإعلام: شيئاً من الموضوعية، بل شيئاً من الحياء، كفى حقداً،
وكفى خبثاً.. أسفروا عن حقيقتكم ومواقفكم العدائية للإسلام ودعاته ... وعند الله
تجتمع الخصوم.
стр. 2165
افتتاحية العدد
يا دعاة الإسلام:
الائتلاف.. لا الاختلاف
بعد سقوط الدولة العثمانية، وتمزق العالم الإسلامي، سيطر الاستعمار على
ديار الإسلام، وأذاق المسلمين ألواناً من الذل والهوان، وسعى جاهداً لنزع الهوية
الإسلامية، وسلخ الأمة الإسلامية عن حضارتها وتاريخها، ثم خرج المستعمر بعد
أن زرع أذناباً علمانية من بني جلدتنا، يتكلمون بلساننا، أجسامهم نبتت في أرضنا، وقلوبهم وعقولهم تربت على فكر الغرب أو الشرق، واستمرت متعلقة برموزها
وحُدَاتُها هناك. وأصبح هؤلاء القوم أشد خطراً على المسلمين من أسيادهم
المستعمرين، حيث تفننوا في مسخ الأمة الإسلامية وإفسادها وسلب هويتها،
وخدعوا الشعوب بالشعارات البراقة والأطروحات الملفقة.
ولكن ماذا كانت النتيجة؟
دخلت الأمة في أنفاق مظلمة، وتعرضت لهزائم ونكسات متنوعة في شتى
المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.. ولا تخرج الأمة من مأزق إلا وتدخل
في مأزق أشد منه إظلاماً وفساداً.. وكلما سقط قناع وانكشف ما وراءه صُنِعَتْ
أَقْنِعَةٌ أُخر، لمعت في وسائل الإعلام..
وفي هذا الجو المظلم من الزيف والخداع.. وفي هذه المستنقعات الآسنة من
التخلف والانحطاط.. ولدت الحركة الإسلامية المعاصرة من جديد..!
لقد ظن أعداء الإسلام أنه بسقوط الدولة العثمانية قد وئد الإسلام، فإذا
بالصحوة الإسلامية تقلب الموازين، وتزيل تلك الظنون والأوهام.
وعلى الرغم من القمع والتسلط الذي ووجهت به الحركة الإسلامية ورجالاتها، إلا أن مطارق الظلم لم تزدها إلا قوة وتجذراً وصلابة.
لقد امتدت هذه الأغصان الكريمة، وتنامت بصورة مذهلة أدهشت جميع
المراقبين والمتابعين لسير الأحداث، وأصبحت الصحوة الإسلامية هي الشغل
الشاغل للساسة والكتاب العلمانيين ووسائل الإعلام، وبخاصة بعد السقوط المفاجئ
للمعسكر الشيوعي.
لقد درجت وسائل الإعلام الغربية على التحذير من ذلك (الغول) القادم من
المشرق الإسلامي، وتوالت التقارير السياسية و (التحليلات) الإعلامية، تشرح هذه
الظاهرة، وتحدد معالمها وأبعادها، وترسم الخطط والاستراتيجيات السياسية
والعسكرية لمواجهتها.
ماذا تملك الصحوة الإسلامية حتى يهابها أعداء الله؟ !
هل تملك التقنية..؟ !
هل تملك الاقتصاد..؟ !
هل تملك القوة..؟ !
هل تملك السلاح..؟ !
لا تملك شيئاً من ذلك على الإطلاق، ولكنها تملك هذا الدين الرباني الذي
أنزله الله ليبقى إلى قيام الساعة، قال (تعالى) : [هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣٣] .
لقد أنجزت الصحوة الإسلامية خلال العقود الماضية إنجازات هائلة، والتفت
الشعوب الإسلامية حولها بكل ثقة واطمئنان، حتى أصبحت بحمد الله بعثاً شمل
معظم طبقات الأمة، فهذه المسيرة المباركة سائرة، ولن تتوقف بإذن الله (تعالى) .
ولكن..! أليس من العقل والحكمة.. بل ومن الشرع: أن نعاود النظر في
هذه المسيرة، ونقلب الطرف هنا وهناك، ونحاول بكل جدية وإشفاق تقويم هذه
المسيرة سلباً وإيجاباً، حتى نضمن سلامتها واستقامتها على الطريق المستقيم،
خاصة في هذا العصر الذي تمر فيه الصحوة الإسلامية بمنعطف خطر بالغ ... الأهمية..؟ !
إن ثمة حقيقة دعوية تدمي القلب، وتحزن النفس، ولا تحتاج إلى كبير جهد
أو عناء لإثباتها، وذلك: أن الإنسان لا يكاد يذهب إلى بلد من بلاد الإسلام إلا
ويجد الدعاة أحزاباً متفرقين وأشتاتاً متناحرين.
ونظرة سريعة في أحوال العالم الإسلامي من أدناه إلى أقصاه، تُظْهِرُ لنا
بجلاء ذلك التصدع الداخلي في صفوف الحركة الإسلامية: فالفرقة والتنازع
والتدابر سمة مشتركة لدى معظم العاملين للإسلام، فهي القاسم المشترك الأكبر
بينهم:
الجماعات الإسلامية في مصر لا تحصى ...
الحركة الإسلامية في سوريا تتمزق وتتنازع، وكانت مأساة حماة ثمرة مرة
لذلك..
الحركة الإسلامية في كشمير تجاوزت عشرين حزباً..
الجهاد الأرتيري يبدأ بالتوحد والائتلاف، وينتهي بالفرقة وتبادل التهم..
الصراع الحزبي في الباكستان يؤدي إلى هزيمة الإسلاميين في الانتخابات
هزيمة ساحقة..
الأحداث الدامية في أفغانستان مثال صارخ للفوضى الحزبية والتنظيمية..
أحداث الخليج شرقت بالمسلمين وغربت، وكشفت ما كان مستتراً..
وهكذا في الأردن، والخليج، واليمن، والسودان، والمغرب العربي ...
وتجول حيثما شئت داخل هذه المنظومة الإسلامية، فالظاهرة هي هي، تزداد حيناً
حتى تصل إلى الصراع وتشابك الأيدي، وتقل حيناً آخر، ولكنها كما قال الشاعر:
أرى تحت الرماد وميض نار ... وأخشى أن يكون لها ضرام
إن أي متابع لمسيرة العمل الإسلامي المعاصر يلحظ هذا الشرخ الممتد في
الجسم الإسلامي، ورغم أن الأصل الذي حث عليه الإسلام، وتواترت به
النصوص، واجتمعت عليه الأمة، هو الائتلاف والاتحاد، وأن تكون الأمة المسلمة
يداً واحدة على من سواها، يسعى بذمتها أدناها، إلا أن رياح الفرقة وأعاصيرها
تزداد يوماً بعد يوم، وما تزيدها الأحداث إلا تجذراً واتساعاً، وكان الظن أن المحن
والشدائد سوف تقود إلى التوحد، أو على أدنى الأحوال إلى التنسيق واتخاذ مواقف
مشتركة، ولكن التجارب الماضية والجارية أظهرت شيئاً آخر، فعقدة التفرد
والتميز ملازمة لأكثر التجمعات، وكل تجمع يعتقد بأنه الإمام الذي تثنى عنده
الركب، ويلتف حوله الناس، ويسلّم بين يديه القريب والبعيد، ويجتمع عنده
العرب والعجم ... !
قلب الحركة الإسلامية يغلي ويتمزق من الداخل بسبب هذه الصراعات
المستمرة بين الإسلاميين، تلك التي تغذيها الحزبية الطاغية في الصفوف، والتي
أنهكت الجسم المسلم وحاصرته، وأصبحت عند بعض فصائله معيار الحق وأساسه؛ فالحق ما قاله القادة، ولو خالف من خالف، والباطل ما ردوه، ولو وافق من
وافق..!
إذا هدأت الأمور بين بعض الدعاة لا ترى إلا الابتسامات الصفراء الباهتة،
والمجاملات الباردة، مشوبة بشيء من التوجس والحذر والشك، وقد يتحول ذلك
في بعض الأحيان إلى تراشق بالتهم وإسفاف في العبارات ولغط أجوف ومهاترات
تطول ولا تنتهي، وإذا دعت الضرورة الحزبية شمر المشمّر عن ساعديه واستل
لسانه، وأخذ يفري في أعراض إخوانه المسلمين، فالغيبة والنميمة محرمتان على
العوام، أما بين الدعاة فالمصلحة الحزبية تجيزهما..! !
أما آن لنا أن ندرك بعد كل هذه التجربة أن الاعتصام بحبل الله المتين
والاجتماع على الهدى المستقيم هو القوة الحقيقية التي نستطيع أن نواجه بها ... الأعداء..؟ !
قال الله (تعالى) : [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] .
стр. 2166
دراسات قرآنية
مصادر التفسير
(٤)
تفسير الصحابة للقرآن
- الحلقة الثانية -
بقلم: مساعد بن سليمان الطيار
كانت الحلقة السابقة هي الأولى من تفسير الصحابة، والرابعة من هذه
السلسلة، وقد تحدث فيها الكاتب عن: قدر الصحابة، ثم عن أهمية تفسيرهم، ...
ويواصل في هذه الحلقة بقية الموضوع.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
مصادر الصحابة في التفسير:
للتفسير مرجعان:
الأول: ما يَرْجِعُ إلى النقل.
والثاني: ما يرجع إلى الاستدلال [١] .
ويمكن توزيع مصادر الصحابة على هذين المرجعين؛ لأن تفاسير الصحابة:
منها ما يرجع إلى النقل، ومنها ما اعتمدوا فيه على استنباطهم، وهم فيه مجتهدون.
تفصيل مصادر الصحابة:
أولاً: ما يرجع إلى النقل، ويندرج تحته قسمان:
الأول: ما يرجع إلى المشاهدة، وتحته ما يلي:
١- أسباب النزول.
٢- أحوال من نزل فيهم القرآن.
وهذان بينهما تلازم في حالة ما إذا كان سبب النزول متعلقاً بحال من أحوال
من نزل فيهم القرآن.
الثاني: ما يرجع إلى السماع، ويندرج تحته ما يلي:
١- ما يروونه عن النبي ﷺ من التفسير النبوي الصريح.
٢- ما يرويه بعضهم عن بعض.
٣- ما يروونه من الغيبيّاتِ.
ثانياً: ما يتعلق بالفهم والاجتهاد (الاستدلال) ، ويندرج تحته ما يلي:
١- تفسير القرآن بالقرآن.
٢- تفسير القرآن بأقوال الرسول مما ليس نصّاً في التفسير.
٣- التفسير اللغوي (المحتملات اللغوية) .
٤- المحتملات المرادة في الخطاب القرآني، أو ما يرجع إلى احتمال النص
القرآني أكثر من معنى.
تفصيل هذه المصادر:
أولاً: ما يَرْجِعُ إلى النّقْلِ:
الأول: ما يتعلق بالمشاهدة:
ويعتبر هذا مما تميّز به الصحابة ﵃ ؛ لأن المشاهدة لا يمكن
أن تتأتّى لغيرهم؛ ولذا: فإن الأصل أن ما ورد من هذا الباب فإن مَحَلّهُ القبول بلا
خلاف.
ويدخل فيما يتعلق بالمشاهدة ما يلي:
١- أسباب النزول:
لقد سبق الحديث عن أن مشاهدتهم لأسباب النزول كانت من أهم أسباب
رجوع من جاء بعدهم إلى تفسيرهم، والاعتماد عليه في فهم الآية.
والمراد بسبب النزول: ما كان صريحاً في السببية، ويظهر ذلك من خلال
النصّ المروي في السبب؛ كأن يقول الصحابي: كان كذا وكذا فنزلت الآية، أو
يقع سؤال فينزل جوابه، أو غيرها مما يمكن معرفته من خلال النص بقرائن تدل
على السببية الصريحة.
٢- معرفة أحوال من نزل فيهم القرآن:
إن معرفة هذه الأحوال تفيد في درايتهم بقصة الآية، الذي هو أشبه بسبب
النزول، بحيث لو فقدت هذه المعرفة لوقع الخطأ في فهم المراد بالآية، كما وقع
لعروة بن الزبير ﵁ في فهم قوله (تعالى) : [إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا..] ... [البقرة: ١٥٨] .
قال عروة: (قلت لعائشة زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ
حديث السّن أرأيتِ قول الله ﵎ : [إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ
فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أََوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا..] [البقرة: ١٥٨] فما
أرى على أحدٍ شيئاً ألا يطّوف بهما.
فقالت عائشة: كَلاّ، لو كانت كما تقول كانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوّف
بهما) ، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يُهِلّون لمناة وكانت مناة حَذْوَ قُدَيدٍ
وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله
ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: [إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ
فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أََوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا..] [البقرة: ١٥٨] ) [٢] .
ويلحظ من هذا المثال: أن سبب النزول قد يكون من أجل حالٍ من أحوال من
نزل فيهم الخطاب من العرب أو اليهود، وبهذا يكون المثال صالحاً للتمثيل به في
الأمرين.
ومما نزل بسبب حال من أحوال اليهود، ما روى جابر ﵁ قال: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: [نساؤُكُمْ
حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ..] [البقرة: ٢٢٣] [٣] .
تنبيه:
للصحابة فيما يتعلق بالمشاهدة حالتان:
الأولى: أن يكون الصحابي ممن حضر سبب النزول، أو عايش الأحوال
التي نزل بشأنها القرآن، وهذا هو الذي ينطبق عليه الحديث هنا.
الثانية: أن يكون سمعه من صحابي آخر، وبهذا فإنه يدخل في القسم الذي
بعده.
الثاني: ما يتعلق بالسماع:
يشمل هذا القسم كل الروايات التي يرويها الصحابي عن غيره، ويدخل في
هذا القسم ما يلي:
١- الرواية عن الرسول ﷺ :
والمراد به: ما يروونه من التفسير النبوي الصريح، وقد يقع تفسيره جواباً
لأسئلتهم، أو أن يفسّر لهم ابتداءً.
* ومن الأول: ما رواه مسلم في تفسير قوله (تعالى) : [.. لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ
عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ..] [التوبة: ١٠٨] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (مرّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر
المسجد الذي أسس على التقوى؟ .
قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت
بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أيّ المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال:
فأخذ كفّاً من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لِمسجد
المدينة.
قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره) [٤] .
* ومن الثاني: ما رواه البخاري عن أبي ذرّ، قال: (كنت مع النبي -صلى
الله عليه وسلم- في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر، أتدري أين
تغيب الشمس؟ .
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله (تعالى) :
[وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] ) [٥] .
٢- ما يرويه الصحابي عن الصحابي:
قد تكون الرواية عن الصحابي مجردة من السؤال، بحيث يورد الصحابي
تفسير الصحابي إيراداً من غير سؤال، أو تكون عن سؤالٍ؛ ومنه: ما رواه
البخاري عن ابن عباس في قوله (تعالى) : [.. وَإن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ] [التحريم: ٤] .
قال ابن عباس: أردت أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على
رسول الله ﷺ ، فمكثت سنة، فلم أجد له موضعاً، حتى
خرجت معه حاجّاً، فلما كنّا بظهران ذهب عمر لحاجته، فقال: أدركني بالوضوء، فأدركته بالإداوة، فجعلت أسكب عليه، ورأيت موضعاً، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا؟
قال ابن عباس: فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة) [٦] .
ويدخل في باب الرواية: ما كان من أسباب النزول، أو أحوال من نزل فيهم
القرآن، إذا كان الصحابي لم يحضر السبب أو الحال، فإن طريقه في ذلك:
الرواية، وروايته مقبولة في ذلك، وإن لم ينسبها إلى من رواها له من الصحابة،
وذلك لأن الصحابة عدول باتفاق الأمة.
ويمكن التمثيل لهذا بما يرويه صغار الصحابة أو من تأخر إسلامهم من أحداثٍ
لم يحضروها أو يعاصروها.
ومن أمثلة ذلك: ما رواه: أبو هريرة، وابن عباس في تفسير قوله (تعالى) : ... [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] [الشعراء: ٢١٤] من أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- صعد الصفا، ونادى بطون قريش.. إلى آخر الحديث [٧] .
وذلك أن أبا هريرة أسلم في المدينة، وابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث
سنين، والحدث الذي يرويانه في تفسير الآية كان بمكة، وكان في أوائل سني
البعثة.
٣- ما يروونه من المغيّبات:
تشمل الأمور الغيبية ما مضى، وما سيكون، والأخبار الماضية إما أن يكون
مصدرها الرسول، وهذا هو المراد، وإما أن يكون مصدرها أهل الكتاب، وهذا
يدخل في البحث السابق.
أما الأخبار المستقبلية، فالغالب أنها عن رسول الله ﷺ ،
وقد يرد منها ما هو عن أهل الكتاب.
وها هنا مسألة تحتاج إلى بحث، وهي: كيف نُميّزُ ما روي عن أهل الكتاب
مما روي عن النبي ﷺ ؟ .
الجواب: (................) [*] .
هذا.. وما يُروى عن أهل الكتاب، فقد اصطلح العلماء على تسميته بـ
(الإسرائيليات) . وهي عند الصحابة على قسمين من حيث التحمّل في الرواية:
الأول: السماع منهم، وهذا يأخذونه عن بعض مسلمة أهل الكتاب: كابن
سلام من الصحابة، وكعب الأحبار وأبي الجلد من التابعين.
ويظهر من استقراء المرويات الإسرائيلية أن الصحابة لا يسندون مروياتهم
في الغالب مما يجعل الباحث لا يجزم بالأخذ المباشر عن مُسِلمةِ بني إسرائيل، بل
قد يكون مما اطّلعوا عليه وقرؤوه، والله أعلم.
ومن أمثلة الرواية عن عبد الله بن سلام: ما رواه ابن مُجلّز، قال: (جلس
ابن عباس إلى عبد الله بن سلام، فسأله عن الهدهد، لم تفقّده سليمان من بين الطير؟
فقال عبد الله بن سلام: إن سليمان نزل منزلة في مسيرٍ له، فلم يَدْرِ ما بُعْدُ
الماء، فقال: من يعلم بُعْدَ الماء؟ ، قالوا: الهدهد، فذلك حين تفقّده) [٨] .
الثاني: ما يكون من طريق الوجادة، وهو ما يقرؤونه من كتب أهل الكتاب، كما حصل لعبد الله بن عمرو بن العاص من إصابته زاملتين فيها كتبٌ من كتب
أهل الكتاب [٩] .
اسْتِطْرَادٌ:
مما يحسن توجيه النظر إليه في هذا المبحث، أن بعض المعاصرين قد شنّ
غارة على وجود مرويات بني إسرائيل في تفسير الصحابة، وعدّ ذلك من عيوب
تفسيرهم.
والذي يجب التنبّه له أن الحديث عن الإسرائيليات يَطَال سلف الأمة من
المفسرين: صحابةً، وتابعين، ولقد كان هؤلاء أعلم الناس بالتفسير، وأعظم
الذائدين عن الدين كل تحريف وبطلان.
لقد تجوّز سلف هذه الأمة في رواية الإسرائيليات، أفلم يكونوا يعرفون حكم
روايتها ومنزلتها في التفسير؟ .
ألم يكونوا يميّزون هذه الإسرائيليات التي استطاع المتأخرون تمييزها؟ !
وإذا كان ذلك كذلك؟ فما الضرر من روايتها؟ .
ألا يكفي المفسر بأن يحكم على الخبر بأنه إسرائيلي، مما يجعله يتوقف في
قبول الخبر؟ .
إن بحث (الإسرائيليات) يحتاج إلى إعادة نظر فيما يتعلق بمنهج سلف الأمة
في روايتهم لها، ومن أهم ما يجب بحثه في ذلك ما يلي:
١- جَمْعُ مروياتهم فيها، وجَعْلُ مرويات كل مفسرٍ على حِدَةٍ.
٢- محاولة معرفة طريق تحمّل المفسر لها، وكيفية أدائه لها، فهل كان
يكتفي بعرضها ثقةً منه بتلاميذه الناقلين عنه؟
أو هل كان ينقدها، ويبين لتلاميذه ما فيها؟
٣- ما مدى اعتماد المفسر عليها؟
وهل كان يذكرها على سبيل الرواية لما عنده في تفسير هذه الآية، من غير
نظر إلى صحة وضعف المروي؟
أوْ هل كان يرويها على سبيل الاستئناس بها في التفسير؟
أو هل يعتمد عليها، ويبني فهم الآية على ما يرويه منها؟
تلك المسائل وغيرها لا يتأتّى إلا بعد جمع المرويات، واستنطاقها لإبراز
جوابات هذه الأسئلة وغيرها مما يمكن أن يَثُورَ مع البحث.
ثم بعد هذا يمكن استنباط منهج السلف وموقفهم من الإسرائيليات في التفسير.
والله أعلم.
стр. 2167
دراسات تربوية
من ثمرات اليقين باليوم الآخر
(٢)
بقلم:عبد العزيز بن ناصر الجليل
تطرق الكاتب في الحلقة الأولى إلى بعض ثمار الإيمان باليوم الآخر، وهي:
الإخلاص لله (تعالى) والمتابعة للرسول، والحذر من الدنيا، والزهد فيها، والصبر
على شدائدها، والتزود بالأعمال الصالحة وأنواع القربات، واجتناب المعاصي،
ويواصل الكاتب في هذه الحلقة ما تبقى من هذا الموضوع.
... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
٤- الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله:
وهذا يدخل في الثمرة السابقة، حيث إنه من أفضل القربات والأعمال
الصالحة، وقد أفردته هنا باعتباره ثمرة مستقلة من ثمار اليقين باليوم الآخر، وذلك
لما يلي:
(أ) فضل الجهاد والدعوة إلى الله (سبحانه) وأثرهما في إنقاذ الناس بإذن
ربهم من الظلمات إلى النور، ولذلك كان من أحب الأعمال إلى الله ،
قال (تعالى) : [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ
المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣]
(ب) وصف الرسول للجهاد بأنه ذروة سنام الإسلام.
في الجهاد أيضاً: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفيه أيضاً: حقيقة الإخلاص؛ فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال،
ولا في سبيل الحمية.. وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون
كلمة الله هي العليا، وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما
قال (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ
أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ]
[التوبة: ١١١] .
(ج) في الحديث عن الجهاد في سبيل الله ومحاربة الفساد وتعبيد
الناس لرب العالمين أكبر رد على الذين يرون أن التعلق باليوم الآخر والاستعداد له
يعني اعتزال الناس، وترك الدنيا لأهلها، والاشتغال بالنفس وعيوبها، وترك
الحياة يأسن فيها أهلها.
نعم هذا ما يراه بعض المتصوفة وأصحاب الفهم المنحرف لحقيقة الدنيا
والآخرة.. ( [لقد كان] الناس في فترات من الزمان يعيشون سلبيين، ويَدَعون
الفساد والشر والظلم والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا مع ادعائهم الإسلام هم
يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف؛ ولأن يقينهم
في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين ... فما يستيقن
أحد من لقاء الله في الآخرة؛ وهو يعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة
سلبيّاً أو متخلفاً أو راضياً بالشر والفساد. إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا وهو
يشعر أنه أكبر منها وأعلى، ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في
الدنيا خالصة له يوم القيامة ... ، ويكافح الشر والفساد والظلم محتملاً الأذى
والتضحية حتى الشهادة، وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة ... إنه يعلم من دينه أن
الدنيا مزرعة الآخرة، وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا، وأن الدنيا
صغيرة زهيدة، ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى) [١] .
٥- اجتناب الظلم بشتى صوره:
نظراً لكثرة الظلم والشحناء بين المسلمين في عصرنا الحاضر، وأنه لا شيء
يمنع النفس من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض: كاليقين بالرجوع إلى الله
، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه، فإذا تذكر
العبد هذا الموقف العصيب الرهيب، وأنه لا يضيع عند الله شيء، كما قال (تعالى) : [وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ
خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [الأنبياء: ٤٧] وقوله (تعالى) [وَقَدْ خَابَ مَنْ
حَمَلَ ظُلْماً] [طه: ١١١] ، إذا تذكر هذه المواقف واتعظ بهذه الآيات، وأيقن
بتحققها فلا شك أن ذلك سيمنعه من التهاون في حقوق الخلق، والحذر من ظلمهم
في دم أو مال أو عرض، خاصة وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والحرص
على استيفاء الحق من الخصم، وبالذات في يوم الهول الأعظم الذي يتمنى العبد فيه
أن يكون له مظلمة عند أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فضلاً عن غيرهم من الأباعد،
ومعلوم أن التقاضي هنالك ليس بالدينار والدرهم ولكن بالحسنات والسيئات.
فياليتنا نتذكر دائماً يوم الفصل العظيم، يوم يفصل الحكم العدل بين الناس،
ويقضي بين الخصماء بحكمه وهو أحكم الحاكمين، ليتنا لا نغفل عن هذا المشهد
العظيم، حتى لا يجور بعضنا على بعض، ولا يأكل بعضنا لحوم بعض، ولا
نتكلم إلا بعلم وعدل، إنه لا شيء يمنع من ذلك كله إلا الخوف من الله
وخوف الوقوف بين يديه، واليقين الحق بأن ذلك كائن في يوم لا ريب فيه؛ قال
(تعالى) : [إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ]
[الزمر: ٣٠، ٣١] .
٦- حصول الأمن والاستقرار، والألفة بين الناس بالحكم بشريعة الله:
إن مجتمعاً يسود بين أهله الإيمان بالله واليقين بالآخرة والجزاء
والحساب، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله (سبحانه)
سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله بديلاً، ولا تقبل
الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات، لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله،
ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة: فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا
أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه
عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدّب أفرادها
بحكم الله وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله،
والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من
الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد
الكبير: حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي: لا يأمن
الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سبباً في عدم
الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس.
٧- تقصير الأمل وحفظ الوقت:
إن من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد: طول الأمل،
والأماني الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلة شديدة عن الآخرة، واغترار بزينة
الحياة الدنيا، وتضييع ساعات العمر النفيسة في اللهث وراءها حتى يأتي الأجل
الذي يقطع هذه الآمال، وتذهب النفس حسرات على ما فرطت في عمرها،
وأضاعت من أوقاتها. ولكن اليقين بالرجوع إلى الله والتذكر الدائم
لقصر الحياة وأبدية الآخرة وبقائها، هو العلاج الناجع لطول الأمل وضياع الأوقات.
يقول ابن قدامة (رحمة الله) : (واعلم أن السبب في طول الأمل شيئان:
أحدهما: حب الدنيا، والثاني: الجهل.
أما حب الدنيا: فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها، ثقل
على قلبه مفارقتها، فامتنع من الفكر في الموت، الذي هو سبب مفارقتها، وكل من
كره شيئاً دفعه عن نفسه.
السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه، ويستبعد قرب
الموت مع الشباب، أو ليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا كانوا أقل
من العشرة؟ وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ قد يموت
ألف صبي وشاب، وقد يغتر بصحته، ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، وإن
استبعد ذلك) [٢] .
٨- سلامة التفكير وانضباط الموازين وسمو الأخلاق:
لا يستوي من يؤمن بالله واليوم الآخر ويوقن بيوم الحساب والجزاء ولا يغفل
عنه، ومن لا يؤمن بالآخرة، أو يؤمن بها ولكنه في لهو وغفلة عنها، لا يستويان
أبداً في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فيوضحه قوله (تعالى) : [لا يَسْتَوِي
أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ] [الحشر: ٢٠] .
وأما في الحياة الدنيا فلا يلتقي أبداً من يعلم أن له غاية عظيمة في هذا الحياة،
وأن مرده إلى الله في يوم الجزاء والحساب والنشور، مع من لا يعلم
من هذه الحياة الدنيا إلا ظاهرها، وأنها كل شيء عنده، وهو عن الآخرة من
الغافلين.
إنهما لا يلتقيان في التفكير، ولا في الميزان الذي توزن به الأشياء والأحداث، ولا في الأحكام، وبالتالي: فبقدر ما تسمو أخلاق الأول وتعلو همته لسمو منهجه
وميزانه بقدر ما تسفل وترذل أخلاق الآخر لسفالة تصوره وفساد ميزانه. قال
(تعالى) في وصف أهل الدنيا: [يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ
هُمْ غَافِلُونَ] [الروم: ٧] .
٩- الفوز برضا الله (سبحانه) وجنته، والنجاة من سخطه والنار:
وهذه ثمرة الثمار، وغاية الغايات، ومسك الختام في مبحث الثمار، قال
(تعالى) : [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] [آل عمران: ١٨٥] .
يقول الشيخ السعدي (رحمه الله تعالى) عند قوله (تعالى) : [فَمَن زُحْزِحَ عَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ] : (أي: حصل له الفوز العظيم بالنجاة من العذاب
الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ ومفهوم الآية: أن من لم يزحزح عن النار، ويدخل
الجنة، فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي، وفي
هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون فيه بعض
الجزاء مما عملوه، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه) [٣] .
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا
الجلال والإكرام، نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار
وما قرب إليها من قول وعمل، ونسألك أن لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ
علمنا، يا حي يا قيوم، يا أرحم الراحمين.
стр. 2168
خواطر في الدعوة
الحق والباطل
محمد العبدة
وصف الباطل في القرآن الكريم بأنه (زهوق) ، أي: من طبيعته أن يتلاشى
ويضمحل، وتخرج أنفاسه مرة بعد مرة، والتعبير بالفعل الثلاثي (زهق) دليل على
أن الهلاك من طبيعته، ومن معاني الحق: الثبات والصحة، [خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ] [الزمر: ٥] ، [وكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ] [القمر: ٣] ، (أي: كل
شيء إلى غاية، فالحق يستقر ثابتاً ظاهراً، والباطل يستقر زاهقاً ذاهباً) [١] ،
وهذا من سنن الله الكونية والشرعية، [بلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا
هُوَ زَاهِقٌ] [الأنبياء: ١٨] وقد جرت سنته في خلقه بأن الضعيف ينتصر بالحق
على القوي، وأن الحق أكبر من أن يُكافَح، ولئن ثبت الباطل أمامه مرة، فقلما
يثبت أخرى [وَيَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ] [الشورى: ٢٤] ، أي: من عادته
ذلك، وقال (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ] [يونس: ٨١] أي: لا
يثبته ولايديمه، ولكن يسلط عليه الدمار.
فإذا كانت هذه سنته في خلقه، وإذا كان الباطل بهذه المثابة وهذه المنزلة،
فلماذا نجد أهل الحق مدفوعين مقموعين؟ ولماذا نجد أن حقوقهم مهضومة وأمورهم
ضعيفة؟ ولماذا نرى الباطل قويّاً منتفشاً، قد زرع الأرض طولاً وعرضاً، وصال
وجال حتى ظُن أن لن يبيد! ... أيتغلب الباطل على الحق؟ والكون كله قائم على
الحق [رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً] [آل عمران: ١٩١] ونواميس الطبيعة وقوانينها
قائمة على الحق، والشريعة المنزلة قائمة على الحق، فالكل من عند الله.
لا بد أن المسلمين مقصرون في اتباع الحق والتمسك به، فسنن الله لا تتخلف
[ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً] [طه: ١١٢] ، بل إن المسلمين يقومون بأعمال تفسد عليهم أصل الحق الذي معهم، حتى كثر
الباطل في هذه الأيام، وعربد وتكبر (وإنما ثبات الباطل وتماسكه إنما يكون بالتوكؤ
على أركان من الحق: كالنظام، ومراعاة سنن الله في الخلق، والأخلاق والسجايا
الفاضلة، كالصدق والأمانة، فالحق ثابت في نفسه، والباطل ثابت به، فلو تداعت
أركان الحق عند هؤلاء لسقط الباطل) [٢] ومن الأشياء المشاهدة لكل ذي بصيرة،
والتي يراها الإنسان في كل آن: أن العاقبة للمتقين، لأهل الصدق والعدل والأمانة، وإن ظهر في البداية أهل الظلم والفساد.
стр. 2169
من قضايا المنهج
الفاعلية.. طريق الحضارة
محمد محمد بدري
الإنسان في أي أمة هو أساس الحضارة، وصعود حضارة أو هبوطها دائماً ما
يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى فاعلية الإنسان، فإذا اتسم سلوك الإنسان في أي أمة
بالفاعلية، كان النهوض الحضاري لهذه الأمة.. أما إذا انعدمت فاعلية الإنسان،
وتوارى جهده فإن مستقبل هذه الأمة لا يحمل لها إلا التخلف والانحطاط الحضاري.
ولقد كان (الإنسان) في الأمة الإسلامية هو مدار الحركة الحضارية، وتمثل
حياة رسول الله ﷺ وصحابته الكرام والأجيال الأولى من
المسلمين هذه الحقيقة تمثيلاً واضحاً.
وإذن: فقد كان الإنسان حاضراً ومؤثراً في بناء الحضارة الإسلامية.. وإلا
(فمن الذي دخل في الصراع مع الشرك حتى قضى عليه؟ ، من الذي نشر الإسلام
وما جاء به من الهداية والحق والعدل والخير؟ ، دماء مَنْ جرت في سبيل إنقاذ
الإنسان المسحوق من عبادة العباد وهدايته إلى عبادة الله وحده؟ ، من الذي ترجم
نتاج الحضارات الأخرى، واستخرج منها حضارة مستقلة بصبغة إسلامية؟ ..
ألم يفعل كل ذلك وغير ذلك (الإنسان) المسلم الذي كرمه الإسلام وأعاد إليه
حقيقته الإنسانية في الواقع والحياة بعد أن كان مستلباً، عبداً للشركاء والأنداد) [١] .
لقد فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) والأجيال الأولى من المسلمين: أن
منهاج الله الذي أنزله على رسوله _صلى الله عليه وسلم-، هو منهاج للحياة
البشرية (يتم تحقيقه في حياة البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية، وفي حدود
الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة، ويبدأ العمل من النقطة التي يكون البشر
عندها، حينما يتسلم مقاليدهم، ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم
البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة [٢] وليس بطريقة خارقة غامضة
الأسباب! !
ومن هنا: كانت حركة المسلمين الأوائل في سبيل بناء الأمة الإسلامية
والحضارة الإسلامية تقوم على أساس أن العمل وحده هو الذي يخط مصير الأمة في
واقع الحياة، وأن عرق الأحياء في عمل جماعي مشترك هو الذي يتكفل ببناء
حضارة هذه الأمة، وأن وجود الحق في الأمة وحتى الانتساب إليه لا يكفي في
التمكين له في الأرض، إلا أن يكون من يحمل هذا الحق (يعمل) من أجل تمكينه
ونصرته.
(وانطلاقا من هذه المقدمة الموجزة، نصل إلى تحديد معلم مهم من معالم
الأزمة التي تمر بها اليوم عقلية كثير من المسلمين، هذه العقلية التي غدت طافحة
بالأفكار النظرية المجردة، ولكنها ما تزال على الرغم من ذلك عاجزة عن وضع
هذه الأفكار موضع التنفيذ العملي، أو هي ما تزال مقصرة في تسخير الأفكار
بطريقة واقعية، تجعلها على أكبر قدر من الفاعلية.. في حين أن أصول هذه
الأفكار نفسها قد نهضت في زمن بأمتنا بل وبالجنس البشري كله نهضة تفوق
الخيال) [٣] .
إن المسلمين يمتلكون نظرية صحيحة ومنهجاً متكاملاً، منّ الله به عليهم يوم
أكمل لهم الدين وأتم عليهم نعمته، ولكنهم في واقع الحياة يعانون من الاستلاب
الحضاري وانطفاء الفاعلية.. ولذلك؛ فإنهم يزحفون وراء غبار الركب البشري مع
الزاحفين المنقطعين..
إن الأفكار تبقى (ميّتة) حتى لو كانت صادقة وصحيحة حين لا تكون ذات
(فاعلية) في إطار زمني محدد، والأشياء تصبح باهتة ومجرد أكداس إذا لم تكن
متأتية عن حركة الحضارة ومتسقة مع وظيفتها، والأشخاص يتحولون إلى البداوة
وعدم التحضر عند فقدهم للروابط التي تفسر اجتماعهم وعملهم المشترك في سبيل
أهدافهم الحضارية.
إن التقدم أو التخلف لا يعتمد على الأفكار الصحيحة فقط، وإنما يعتمد أيضاً
على أسلوب الحياة الذي ينتجه أفراد الأمة في سبيل تحقيق أهدافها..
ولكي نوضّح أثر أسلوب الحياة على سلوك أفراد الأمة في سبيل تحقيق
أهدافها، نتصور (لو أن أنساناً سار في البلاد الشرقية الإسلامية، وتنقل في
تطوافه من مدينة جاكرتا متجهاً إلى أقصى الغرب حتى بلغ مدينة طنجة، ومر في
مسيرته هذه على مختلف البلاد الواقعة على محور: جاكرتا/طنجة، لوجد ظواهر
اجتماعية تكاد تسيطر على هذه البلاد جمعيها.
ولو أن هذا الإنسان نفسه بعد رحلته الأولى شرع في رحلة ثانية على محور
آخر بادئاً من مدينة واشنطن متجهاً إلى موسكو محاولاً زيارة مختلف البلاد التي تقع
على هذا المحور لوجد هنالك أيضاً ظواهر اجتماعية تكاد تسيطر على هذه البلاد
جميعها، وتختلف اختلافاً تامّاً عن الظواهر الأولى.
في البلاد الثانية يلاحظ المتأمل ما يلي:
أ- فاعلية هؤلاء الناس وحياتهم المملوءة جدّاً وحرصاً على الوقت وتنظيمه.
ب- الاستفادة من هذا الحرص وهذا التنظيم لتكون محصلة العمل الذي يتم
أكبر محصلة ممكنة.
ج- ظاهرة التخصص لدى أفراد المجتمع واضحة بالغة حدّاً كبيراً من الدقة،
وفرة الإنتاج لدى هؤلاء وفرة تزيد عن حاجاتهم أضعافاً كثيرة، وشبيه بهذا المجتمع
مجتمع النحل بما فيه من فعالية وتخصص ووفرة في الإنتاج عظيمة.
يقابل هذه الظواهر في المجتمع الأول ما يلي:
١- فعالية تكاد تكون منعدمة، ونظرة إلى الوقت على أنه لا قيمة له.
٢- نشاط متجه إلى اللغو والحديث الغير منتج.
٣- وبعد هذا كله: فالتخصص مفقود، والجهود مبعثرة.
٤- والإنتاج أضأل من حاجات المجتمع، ولذلك: كان هذا المجتمع عالة
على المجتمع الثاني في حاجاته الحيوية.
من أجل ما سبق: سمي المجتمع الأول متخلفاً، والثاني حضاريّاً، ولقد امتن
أفراد المجتمع الثاني على أفراد المجتمع الأول فرأوا أن يعدلوا عن تسميته متخلفاً
إلى تسميته مجتمعاً آخذاً في النمو [٥] ، ولكن نواياهم الحقيقية مكان ارتياب كبير.
ومن أجل ما سبق: فرض المجتمع الثاني على الأول سبقه، وتقدمه، ... وبالتالي: وصايته وسيطرته، كما فرض عليه ضرورة الاقتداء به وإسراع السير للحاق به) [٦] .
إن الإنسان الذي يعيش على محور جاكرتا / طنجة، يواجه المشكلات نفسها
التي يواجهها الإنسان على محور واشنطن/موسكو.. فهو يكدح من أجل قوت أبنائه، ويناضل في سبيل بناء أمته، ويعمل بصورة ما لتدعيم حضارتها.. فما الذي
جعل مجتمعات الإنسان الأول تصنف على أنها مجتمعات متخلفة، ومجتمعات
الإنسان الثاني تصنف على أنها مجتمعات متقدمة؟ .
لا شك أنها (الفاعلية) في المجتمع الثاني التي دفعت به إلى التقدم، وغياب
هذه الفاعلية في المجتمع الأول هو الذي جعل منه مجتمعا متخلفاً، (فعلى محور
(واشنطن/موسكو) توجد ديناميكية خاصة تختلف عن ديناميكية محور
(طنجة/جاكرتا) ، والفرق منحصر في أن الثرثرة تكثر كلما قل النشاط والحركة، إذ
حيثما يسود الكلام تَبْطُؤ الحركة.. وميزانية التاريخ ليست رصيداً من الكلام، بل
كتل من النشاط المادي، ومن الأفكار التي لها كثافة الواقع ووزنه) [٧] ولذلك:
كانت المجتمعات التي لا تمتلك إلا رصيد (الكلام) هي المجتمعات المتخلفة، وكانت
المجتمعات التي تمتلك رصيد (العمل) والنشاط هي المجتمعات المتقدمة.
إنه قد يكون من الأولى للمشتغلين بعملية بعث الأمة الإسلامية وإحيائها من
مواتها من الإسلاميين الذين يكتبون ويحاضرون ويتحدثون عن عظمة الإسلام الأمر
الذي أصبح يقيناً عند معظم المسلمين اليوم أن يتفقوا ولو مرة واحدة للقيام بعمل
حقيقي يبدأ من الإجابة على السؤال الحيوي: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا لم
يُحدث الإسلام هذا الدين العظيم التفاعل والتغيير المطلوبَيْن في واقع الأمة الإسلامية
اليوم؟
إن الإجابة المحددة عن مثل هذه الأسئلة هي التي تسهم في تغيير واقع الأمة،
وتحقق لها النقلة النوعية نحو التقدم والحضارة.
لقد زعمت القيادات العلمانية في بلاد الإسلام أن الكثافة البشرية للمجتمعات
الإسلامية هي السبب الأول في تخلفها.. فهل هذا هو السبب الحقيقي؟
(والشاهد من هذا كله: أننا نحن المسلمين لم نتعامل إلى الآن مع قضية
الكثافة البشرية من منطلق حضاري واقعي، صحيح أن هناك معاناة شديدة في
بعض بلدان العالم الإسلامي، ولكن سبب هذه المعاناة ليس في عدد السكان بقدر ما
هو في الإدارة الفاسدة السيئة التي تشرف على إدارة الموارد [٨] .
(إن الأرض الإسلامية من المحيط إلى المحيط هي بقدر من الله أغني بقعة
في الأرض وأكثرها خيرات، وقد كانت وماتزال حتى هذه اللحظة لم تستثمر
الاستثمار الكامل، الذي يستغل كل مواردها وكل طاقاتها) [٩] ؛ ولذلك: فإن أهل
تلك الأرض الإسلامية رغم بترولها، ومعادنها، ومواردها المائية، وقوّتها البشرية
هم أفقر أهل الأرض جميعهم وأكثرهم مشكلات!
إن السبب وراء فقر الأرض الإسلامية وكثرة مشكلاتها ليس قلة مواردها،
وإنما (هو التقاعس، والتواكل، والضعف العلمي، ووهن العزائم، والانصراف
عن عمارة الأرض، والرضى بالفقر على أنه قدر من الله لا ينبغي السعي إلى
تغييره خوفاً من الوقوع في خطيئة التمرد على قدر الله) [١٠] .
(إنه ليس من الضروري (ولا من الممكن) أن يكون لمجتمع فقير المليارات
من الذهب كي ينهض، وإنما ينهض بالرصيد الذي وضعه الله بين يديه: الإنسان،
والتراب، والوقت) [١١] .
ولذلك: فإن الجهد الأكبر لا بد أن يوجه لصناعة الرجال الذين يتحركون في
الواقع، مستخدمين التراب والوقت والمواهب من أجل بناء نهضة الأمة الإسلامية.
إذن: لابد من التفكير في أمور ثلاثة: في بناء الإنسان بناءً كاملاً، ويعتني
في الوقت ذاته بالتراب، والزمن.. (فإذا فُعِل ذلك، فإنه حينئذ قد كُوّن المجتمع
الأفضل، وكوّنت الحضارة التي هي الإطار الذي تتم فيه للفرد سعادته، وللأمة
تقدمها) [١٢] .
وإذن: فإن الخطوة الأولى على طريق الحضارة هي التفكير في الإنسان الذي
لم يتحضر بعد، ومحاولة توفير الشروط التي تحقق له ما ينبغي من الفاعلية التي
تؤهله لحمل رسالته وبناء حضارة أمته (فحاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد..
الإنسان المتحضر.. الإنسان الذي يعود إلى التاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ
عهد بعيد. وصياغة هذا الجهاز الدقيق الذي يسمي (الإنسان) لا تتم بمجرد إضافة
جديدة إلى معلوماته القديمة؛ لأنه سيبقى هو قديماً في عاداته الفكرية، وفي ... مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية، وفي فعاليته إزاءها، وعلى الأخص في (لا فعاليته) [١٣] التي يدركها كل من ينظر نظرةً فاحصةً إلى واقع الأمة الإسلامية، مقارنة بغيرها من الأمم ...
ولكي نوضح ما نقصده بقولنا: إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد..
الإنسان الفعال.. وأنه لابد من توفير الشروط التي تحقق له ما ينبغي من الفاعلية:
ننظر إلى واقع بلد مثل (اليابان) .. ذلك البلد الذي يعيش في منطقة فقيرة في المواد
الخام كالبترول والمعادن، كما أنها ليست استراتيجية من ناحية الوضع الجغرافي،
ولكنه في ظل هذه الظروف الصعبة يتقدم يوماً بعد يوم، بل ويغزو إنتاجه العالم
الغربي..
(لقد كانت مصر واليابان ذات يوم متأخرتين على مستوى واحد أو متقارب، ودخلتا الخضم في وقت واحد أو متقارب.. فمضت اليابان في الشوط حتى سبقت
السابقين الذين تتلمذت عليهم من أهل الغرب، وتعثرت مصر في خطواتها،
وتخاذلت، وانتكست عدة مرات.. لماذا؟ !
أحست اليابان بالحاجة إلى النهوض وهي محتفظة بذاتيتها، فأعطت من نفسها
العزيمة المطلوبة، وبذلت الجهد المطلوب، وأحست مصر بالحاجة إلى النهوض
وهي مسلوبة الشخصية، فلا شخصيتها الإسلامية كانت حية تدفعها إلى العمل، ولا
اكتسبت وهي في موضع التقليد ذاتية مستقلة، لأن التقليد يقتل الذاتية ولا ينميها،
ومن ثم: ظلت في مكانها، أو تحركت خطوات متخاذلة متعثرة، لا توصّل إلى
شيء ذي بال) [١٤] .
إن اليابان بدأ الطريق إلى التقدم ببناء الإنسان المتحضر والمجتمع المتحضر،
ودرس الحضارة الغربية بالنسبة لحاجاته، وليس بالنسبة لشهواته، (فالفارق العظيم
بين الصلة التي ربطها اليابان بالحضارة الغربية وبين صلتنا بها: أن اليابان وقف
من الحضارة موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون! ! إنه استورد منها
الأفكار بوجه ونحن استوردنا منها الأشياء بوجه خاص) [١٥] .
والأمة الإسلامية إذا أرادت التقدم، وأحست بضرورة أن تدخل السباق
الحضاري، فإنه لا سبيل لها إلى ذلك إلا أن تقف هذا الموقف المتوازن، فتدعو
إلى الاستفادة مما عند الغرب من تقدم مادي وعلمي وحضاري، وفي الوقت ذاته
تَحْذَر من الذوبان في شخصية الغرب.
(وبمثل هذه الروح يمكن للعالم الإسلامي أن يحل مشاكله، فحين يسترد
ذاتيته المفقودة سيكون أقدر على الاستفادة من تقدم الآخرين المادي والعلمي،
أضعاف أضعاف ما يستفيده اليوم وهو في موضع التقليد كالعبيد.. وعندئذ يتقدم،
ويتغلب على (التخلف) الذي يرى البعض أنه العقدة التي لا تحل) [١٦] .
إن الأمة الإسلامية قادرة على أن تنهض من تخلفها وعجزها وهوانها وواقعها
الراهن، كما نهضت اليابان من تحت أنقاض هزائمها وكوارثها ودمارها المادي
والمعنوي، لتصبح رغم ضيق مساحتها، وحرمانها من الثروات الطبيعية
الضرورية.. تصبح الدولة الثانية في العالم بمقياس التقدم الصناعي والتجاري.
ما الذي ينقصنا عن الشعب الياباني الذي لم يكن يملك غداة انتهاء الحرب
العالمية الثانية إلا مدناً خربة، وصناعةً مدمرة، فشق طريقه بعزيمة صادقة،
وإرادة صارمة، ووسائل مكافئة للحاجة والأهداف، حتى غزت صناعته أسواق العالم ... وأصبح الغرب يبحث عن سبيل اللحاق بهذا الشعب.
وكذلك الشعب الألماني، صاحب أقوى دولة أوربية اقتصاديّاً.. كيف خرج
من الحرب العالمية الثانية؟
لقد خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية وهي تحمل ذكرى عشرة ملايين
قتيل، ولا تمتلك إلا أنقاض حضارة سادت ثم بادت، ولكنها بالعمل الجدي البصير
المستمر تغلبت على مشاكلها، وتقدمت، واستعادت كل قوتها وأكثر، وأصبحت في
سنوات معدودات أهم دولة في أوروبا، وواحدة من أهم دول العالم في الصناعة
والتجارة والاقتصاد والتقدم العلمي، وأيضاً في دورها وأثرها في حركة المجتمع
البشري!
(إن سر تقدم الأمم يكمن دائماً في القدرة على تسخير القوى المتاحة، وإذا
أرادت الأمة الإسلامية أن تنهض وتتقدم، فليس أمامها من سبيل إلا أن تتصرف في
حدود ما تملك فعلاً، لا أن تحلم بما هو خارج عن أيديها، لأن مثل هذه الأحلام لا
تثمر في النهاية إلا الحسرة والندامة.
وحين تتصرف الأمة الإسلامية فيما تملك وفق السنن، التي فطر الله عليها
أمور الخلق فإنها بهذا تستثمر الطاقات المتاحة على أحسن وجه) [١٧] .
(إن وطناً متخلفاً لابد له إذا أراد التقدم أن يستثمر سائر ما فيه من طاقات،
يستثمر كافة عقوله وسواعده ودقائقه، وكل شبر من ترابه، فتلك هي العجلة
الضخمة التي يجب دفعها لإنشاء حركة اجتماعية [١٨] وبالتالي: حركة حضارية
في ذلك الوطن.
إن المتأمل للنماذج التنموية في الأمة الإسلامية، يجد أن الأنظمة العلمانية
القائمة عليها تركز على عنصر رأس المال، بل وتزعم أنه العنصر الوحيد القادر
على تحقيق التنمية في دول العالم الإسلامي، وأنه لا سبيل لهذه الدول للخروج من
التخلف إلا باستيراد التقنية! !
ولا شك أن هذه الطريقة في بناء التقدم لاتقيم تقدماً حضاريّاً، ولكنها تعطي
مظهراً مزيّفاً من التمدين عندما يقيم المخدوعون بهذا الزيف المصانع العملاقة، ثم
يستوردون لها كل المعدات من الغرب، بل ويستوردون كوادر العمل في هذه
المصانع.
ومن هنا: فإن هذه المصانع والمشروعات التنموية رغم الحجم الكبير للإنفاق
فيها لا يكون لها أدنى أثر في تقدم الأمة الحضاري، وما ذلك إلا لأن (الإنسان) في
كل هذه المشروعات كان غائباً.
إن التنمية الناجحة تعتمد أساساً على تحول (الإنسان) ، ولذلك فلا بد أن
يتحول اهتمامنا بالتكنولوجيا ورأس المال إلى (الإنسان) .. كيف نعيد تشكيل عقله
وفق المنهج الإسلامي؟ وكيف نعيد إليه الفاعلية التي يمنحه إياها ذلك المنهج؟
وكيف نحرره من روح الاتكالية، وندفعه إلى التطلع إلى التقدم؟
فإذا استطعنا الإجابة على هذه الأسئلة، فقد وضعنا أقدامنا على أول الطريق
للتقدم والخروج بالأمة من مرحلة (القصعة المستباحة) إلى التمكين والريادة.
إن الطريق إلى التقدم والحضارة والريادة، يقضي ببتر كل علاقات التبعية
للغرب مهما كان نوعها، وتقبل سائر الصعوبات التي تواجه الإنسان عندما يرشد
ويتحمل كامل مسؤولياته.. ولذلك: فإننا إن كنا صادقين في محاولتنا لإخراج أمتنا
من التخلف إلى التقدم، فلا بد لنا من التحرك في هذا الطريق وإن كان وعراً
وصعباً، لنعزم العزمة ونمضي في هذا الطريق، وليعقد كل منا العزم على أن يقلل
شيئاً من تخلف هذه الأمة التي يعيش فيها.. فإذا فعلنا ذلك: فإننا قادرون إن شاء
الله على أن نلحق بمن سبقونا، بل وربما نتجاوزهم.
وبكلمة موجزة أقول:
الإنسان هو أساس الحضارة، ولذلك: يؤكد منهج التغيير الحضاري الإسلامي
على صياغة الإنسان المسلم من جديد قبل بناء العمارات وإنشاء المصانع وتعبيد
الطرق وتنظيم الحياة المادية، أو معها على الأقل.. بينما تركز الأيديولوجية
العلمانية على نقل التكنولوجيا وتغييب الإنسان.
ولا شك أن الواقع خير شاهد على أن هذه الأيديولوجية العلمانية لم تفشل في
ردم الهوة الحضارية بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم فقط، بل إنها ساهمت
في زيادة اتساع هذه الهوة، لأنها كانت تسير بخطوات الغرب نفسها، فردت
بضاعة الآخرين إليهم وصبت كل الجهود في محصلته.
وإذن: فالطريق الصحيح للخروج بالأمة الإسلامية من دائرة التخلف: أن
نعود إلى منهاج الإسلام في التغيير الحضاري، فنقوم بتفجير الطاقات الكامنة في
الإنسان المسلم، عندها نمتلك القدرة على القفز فوق كل الحواجز لتحقيق التقدم
والإنجاز الحضاري.
إن الأمة الإسلامية لن يكون لها مكان على خريطة المستقبل إلا إذا تاب
أبناؤها من خطيئة الكلام الكثير والعمل القليل، وإلا إذا شمر كل منهم عن ساعديه،
وتعبد لله في ليله ونهاره بالعمل الكثير.. وبدون ذلك، تبقى هذه الأمة بين مطرقة
الغرب الحاقد وسندان أفعال أبنائها العاجزة، التي لا تعدو في كثير من الأحيان
مجموعة من الكلمات! !
إن التخلف الذي ترسف فيه أمتنا إنما هو في حقيقته نتيجة لازمة لكسلنا
وعجزنا عن المبادأة في أي ميدان. ولا طريق لنا إلى التقدم إلا أن نكون على يقين
أن الفاعلية هي طريق الأمم إلى الحضارة.
стр. 2170
البيان الأدبي
رسالتان إلى سعد! !
شعر:جمال الحوشبي
الرسالة الأولى
إلى المرابط على ثغر الدعوة ينافح عنها!
أيقظتَ ركاماً يا سعد ... في صف الصحوة ممتدُ
وبنيت لعزتهم مجداً ... وسهرت ليكتمل العقدُ
فبراك نحول من أرق ... والسيف يرِقّ له الحدّ
وظللت تجاهد في زمن ... حدّاه الدرهم والنقدُ
***
مزّقت بكفك أردية ... كانت بالباطل تسوّدُ
وأقمت لواءك منتصباً ... من نبع الصحوة ممتدُ
ما ذقت الراحةَ من كمد ... والخِلْوُ لعيشته رغدُ
ورضيت بأن تحيا حرّاً ... وسواك لشهوته عبدُ
قالوا يا سعد لأمتنا: ... سعد قد جانبه الزهدُ!
سعد يحتال لنهضتنا ... ليقوم لدعوته سدّ
قالوا والحرص رديفهم: ... رفقاً بالصحوة يا سعدُ!
ما ضرّك لو قلت: حلالاً؟ ... والمكره ليسَ لهُ بُدّ
ما ضرّك لو قلت: سلاماً؟ ... والسّلم لأمتنا مَجْدُ
هل تطمع أن ترفع رأساً ... ورؤوس الباطل تحتدّ؟
اللحظ بمبدئنا برقٌ ... واللفظ لمخرجه رَعْدُ
والصمت بحكمته بحر ... في لجّة حكمته لَحْدُ!
الحكمة يا سعدُ سلاح ... والأمر بشرعتنا قَصْدُ
قد كان السعد يحالفنا ... دهراً من قَبْلِكَ يا سعد
ما ضرك لو عشت عزيزاً؟ ... وطريقك.. أَنت بِهِ فَرْدُ
فَقَلاك محبّك معتذراً ... ورماك الشانئ والوَغْدُ
ما ضَرّك سعد ما فعلوا ... فلك الإشراقة والرّشدُ
ومكانك ليس يقاربه ... منهم من أصبح يرتدّ
ما كان النصح دليلهم ... ولنا من موقفهم عَهْدُ
فلهم أقوال تحسبها ... من قوة منطقها تعدو
وفعال تسبح جامدة ... ولها في مربطها وِرْدُ
قد كنت الكوكب بينهم ... يقضون وأنت لهم سدّ
واليوم تغيّر مبدؤهم ... فالقرب بنظرتهم بُعدُ
أفنوا أعمارًاً غالية ... فغدوا واللحد لهم مهدُ
ما كنت الجاهل في زمن ... الصّاع بشرعته مُدّ
والظلم بمنهجه عَدْلٌ ... والحُسْن بِمظهره ضِدُّ
لم تلهك يا سعد قصورٌ ... وبنين ترضْعهم هِنْدُ
ووظائف في زمن الشهوا ... ت ومالٌ ليس له حَدّ
تاريخك يا سعد عظيم ... كالبحر يكلله المَدّ
بالحق سهامك صائبةٌ ... وسِهام الباطل تَرتَدّ
وبدينك تفخر منتسباً ... وسِوَاك بنعرته صَلْدُ
أردفت ركابك منطلقاً ... تسفيك الظلمة والبردُ
وقراحُ الماء تجرّعه ... صبراً للدعوة يمتدّ
فمَضَيتَ وَركْبُك مِن سفَهٍ ... يلهون وأعينهم رمدُ
وثباتك للحق قديم ... والحق بدعوتنا وِرْدُ
فبلغت مرادك منتصراً ... ولسانك: ربّ لك الحمدُ
ما كنت السالك أوديةً ... في خضرة فتنتها وَرْدُ
وطريقك لستَ به فرداً ... فعلام الدمعة يا سعد؟ ؟
стр. 2171
البيان الأدبي
رسالتان إلى سعد [*]
الرسالة الثانية
شعر: أسامة جاسر
سعد طفل من البوسنة.. تبنته أسرة أمريكية بعد أن فقد عينيه إثر هجوم
صربي.
لماذا الحزن يا (سعد) ؟ ... كساك الخوف والسهدُ
قريب أنت من قلبي ... بعيدٌ والأسى بُعْدُ
وتبكي في صدى نفسي ... فهل لبكائكم ردّ؟
غريبٌ في ديار الكفر ... تشكو والنوى فقدُ
أترضى أن يقال غداً ... فتى الإسلام مرتدّ؟
ولكن ليس ذنبُكمُ ... بريءٌ أنت يا (سعدُ) !
أصدّق جرح نكبتكم ... إذا ما كذّب الرعدُ
أراك مقيّد العينَيْن ... هدّ مسيرك القيدُ
تُعاني فقد أحبابٍ ... وكم ذا يؤلم الفقدُ
وتسأل أمة الإسلام: ... أين العدل والرّشدُ؟
وأين سيوف (عكرمة) ؟ ... وأين بنوك يا (زيدُ) ؟
تقود أسود أمّتنا ... وخيل الله إذ تعدو
فنعم الركب إذ يمضي ... ونعم الخيل والأسدُ
فكم مَنْ وجهه نورٌ ... وكم مَنْ عزمه صلدُ
ونحو الرّوم وجهتهم ... إلى أن حُقّق الوعدُ
ودار الكون دورته ... وضاع العزم والعهدُ
وخيرٌ بعده شرّ ... كذاك الجزر والمدّ
فأين الجيش يحميني؟ ... وأين البأس يا جندُ؟
وأين سيوفكم؟ صدئت ... فعافت لونها الغمدُ
تُنادي جند (معتصم) ... بأرضي عربد الوغدُ
وجال الغدر في داري ... وصال المكر والحقدُ
بحقّ الله أخبرني ... تُرى! هل غادر الوفدُ؟ !
***
بقلبي أنت يا (سعدُ) ... لك التّحنان والودّ
فأنت الجرح مذعوراً ... بصدري فهو يمتدّ
فليس لنزفه حدّ ... وليس لحده صدّ
وأعيا من وصالكُمُ ... فبين وصالنا سدّ
عظيمٌ ما تعانيه ... أليمٌ ما له نِدّ
فحزنك في دُجى بُؤسٍ ... وطالع نجمنا سعدُ
ونشرب من كؤوس الشهد ... يشهدُ عيشنا زُهدُ!
وتشرب أنت كأس الموتِ ... يسكُبها لكم لُدّ
هنا أمنٌ وعافيةٌ ... هناك الخوف والبردُ
(سراييفو) ألا صبراً ... دعائي ما له حدّ
وصبراً يافتى الإسلام ... بُشرى نصرنا تبدو
فيوم النصر موعدنا ... لنا الإكرام والمجدّ
أزيِّنُ بالرّضى شِعري ... فيا ربي لك الحمدُ
وكن يا ربّنا عوناً ... فأنت الخالق الفردُ
***
أزاهر شعري المذبوح ... ضم رفاتها لحدُ
فهل شعري سيسعفكم ... إذا نفَسي به يشدو؟
وهل أزهار أشعاري ... وبيتٌ زانَهُ وردُ
تصدّ قذائف الأعداء ... فوق رؤوسكم تغدو؟
ولكن جهدُ مكلومٍ ... عسى أن يجدي الجهدُ
أداعب مقلةً ثكلى ... يحيط بدمعها الوجدُ
وتصنع نزفَ أعصابي ... جراحٌ ما لها عدّ
وترسم همّ أنفاسي ... دموعٌ ضمّها خدّ
لعلّ الدمع يشفع لي ... إذا ما حوسب العبدُ
فيوم الحشر نخشاه ... إذا ما الحرّ يشتدّ
ونسأل عنك يا (سعد) ... فهل لسؤالهم ردّ؟
صمتنا لا لمكرمةٍ ... ولكن ما لنا بُدّ؟
стр. 2172
البيان الأدبي
الغيمة التي لم تمطر بعد
بقلم:علي محمد
أما آن لك أن تمطري قبل أن أموت اختناقاً؟
كان (صابر) ينظر إلى تلك السحابة، ويستجديها أن تمطر، وهو يتأمل وجهه
على صفحة ماء النبع الذي يمر بخجل بين الحقول الصغيرة في قريته المستلقية
تحت إبط جبلٍ ضخم، يربض على الغرب منها وكأنه يدسّها عن أعين تتربص بها
الدوائر.
أمطري، أغرقيني، أو فاجعلي برقك المكتوم يحرقني.
ظل صامتاً ينتظر أن يدوي الرعد من صدر السحابة،.. فإذا بالنبع يكتسي
حمرة ظنها أول الغيث، لكنه صعق بصوت الغريب الذي نبذته القرية فأقام على
أطرافها إذْ مرّ وهو يردد:
كل مساء يدلف ليلٌ
وعلى فمه بقعة دمْ
كل مساء تهوي ذَبْلىَ
خلف تخوم الظلمة شمسْ
يجرؤ همسْ
كلّ صباح تُشرقُ شمسْ
وعلى فمه كلّ مساء تُسْحق شمسْ!
خُنق الهمسْ فمحى دمَه أثر الشمس.
رفع (صابر) رأسه، فإذا الأفق تجاه الجبل تغشاه حمرة داكنة، لم تكن تلفت
انتباهه من قبل، والشمس تسقط في فم ليل قاسٍ، وعلى شفتيه بحر دم.
آه أنتِ أنا أيتها السحابة.
لم تمطري بعد؟
حمل سحابته، وسار خلف الغريب الذي ابتلعه الظلام، وصدى صوته يدوّي
بين جنبات الوادي.
ليلٌ فم شمسٌ دم
لكنه لم يتمكن من اللحاق به، ورويداً رويداً بدأ صوت أمه يخنق صوت
الغريب ليحل مكانه، وهي تردد: لا بد أن تذعن لرغبات عمك، إنه عمك الذي
ربّاك وإخوتك.. وضع إصبعيه في أذنيه وهو يصرخ: لا ... لا ... لقد آن أن
تتجرعي ثمرةً مرةً من شجرة العقوق التي غرستيها في مهجتي منذ فرضت عليّ
عمومة هذا الوغد.
ألستِ من صنع له الحبل ليشد منه مشنقتي؟
أنسيتِ أنك من نزع الجلجل المعلق برقبة ذلك الحمار الذي رُبط برجله
الطرف الآخر لحبل مشنقتي؟
لا ضير أن أموت، لكن ذلك الحمار حينما يركض نحو العشب المزيف الذي
ألقيتِ به على بعد خطوات منه لتخدعيه، لن يشعر إلاّ بقليل من الحسرة والكثير
من المقت والاحتقار؛ فيركض لمسافة أبعد في المرة القادمة.
والحبل في عنق أخي الآخر.
ومضى يردد كلمات الغريب بين بيوت القرية حتى خرج منها، وكان الصيف
بحرارته الخانقة رابضاً في بطن الوادي، وهبوب السموم بين الأشجار كفحيح
الأفعى حين تقتنص رأس الفريسة لتخنقها.
وجد نفسه أمام دار الغريب الذي كان مستلقياً على ظهره خارجها، وعيناه
ترقبان الجبل الذي جثم على صدر الليل، فأمسى الليل لا حراك به، فلا تسمع إلا
أصوات الحشرات، وكأنها حشرجة أنفاس الليل الذي يحتضر خوفاً من الجبل
الصامت، قال دون أن يلتفت إلى صابر: كم تثلج صدري هيبة الجبل وأنا أتخيل
الليل ترتعد فرائصه من أن يتحرك.
أصغى إليه صابر وهو يحاول تأملَهُ رغم عتمة الظلمة.
منذ أدركت حقيقة الجبل أحببته وظللت أرقبه، وأبشّر باليوم الذي يتحرك فيه
حتى اتهمني السّذج بالجنون، وظلت الشمس التي تعاني من جراحاتها تخرج
مبتسمة كل صباح، وتشارك الآخرين السخرية مني، حتى انتبذتُ مكاني قرب
الجبل.
آهٍ ليتني أستطيع الصعود إليه، لكن السذج سيتهمونني بالصعلكة قبل أن
يقذفني الليل بتلك القرية.
وليتهم يكتفون بذلك، بل ها هم يقومون بحفر القبور في طريقه.
اقترب (صابر (أكثر، فعقدت لسانه المفاجأة حين رأى على جبين الغريب
سحابةً أشد قتامة من تلك التي على جبينه، وأكثر انتشاراً على وجهه.
أدرك الغريب ما يدور بخلده، لكنه استرسل في كلامه.
آهٍ كم أود معانقة قمة الجبل فلعله يفجر هذه الغيمة السوداء التي تسكن وجهي،
فهناك تُبدّد الغيوم حينما تلاحقها قمم الجبال.
صمت الغريب.. و (صابر) لم يعد يرى سوى ضخامة الجبل، ويتخيّل
معاناته وهو يرى الشمس كل يوم تنزف بين فكي الليل، وهو مكبل بالقبور تحت
قدميه وموثق بشفقته على أولئك المغفلين.
مرت أمام وجه (صابر (نسمة حارقة نبهته إلى أنه بحضرة الغريب الذي
سكت وتخيل أن صمته إيذان له بالحديث.
لم تزرني السعادة أبداً، فلقد سجنها موت أبي ووضعت أمي مفتاح السجن
بقبضة ذلك الوغد، الذي زرع الحرمان في قلوب إخوتي قبل قلبي، وظل يضرب
حولنا سياجاً من العتمة، وأمّنا في بلاهة وخنوع تقدم له أكثر مما يتمنى حين تخنقنا، وتتوقع أنها بذلك تمنحنا طوق النجاة.
والتفت في هذه اللحظة إلى الغريب قائلاً بلهجة الباكي: انظر إلى هذه
السحابة التي على جبيني لم يراكم غيومها إلا أكُفّ القهر.. تأمل جيداً.. إنها تشبه
الغيمة التي على وجهك؟
لم يرد الغريب ...
اقترب (صابر) من وجهه، وحدّق فيه فلم يجد سوى غيمة سوداء جامدة لم
تمطر، فأصابت قلب الغريب بالقحط والجفاف، فمات..
وتذكر تلك النسمة الحارقة قبل قليل.
آهٍ.. حتى أنت أيها الغريب رفضت سماعي، وأنت تشاركني وطأة الغيوم،
إن الموت ليس نهاية المطاف، لكنني لن أرضى أن تظل هذه الغيمة تخنق أنفاسي
أو أظل أرقب الجبل، لكن قبل ذلك: لا بد أن أواري جثمان هذا الغريب، وأمسى
ليلة يحفر القبر، ومع شروق الشمس كان الغريب تحت الثرى..
و (صابر) الذي أنهكته تفاصيل الليلة السابقة، ينظر إلى الشمس التي لم تزل
تخرج رغم معاناتها.
فاستلقى تحت شجرةٍ قرب الغريب، والتفت ليتأكد أن ما عاشه الليلة الماضية
لم يكن حلماً، فرأى القبر وأخذ مزودة الماء، وتوضأ، وبدأ رحلته إلى الجبل،
وعيناه لا تريان إلا القمة.
يطأ الشوك ... فلا يبالي ... وتخترق أذنيه نداءات العاطلين فيخرجها من
الجهة الأخرى، وبدأ يتجاوز بعض القبور التي تحيط بالجبل، وهي تزداد كثافة
كلما تقدم في الطريق، والحجارة تدمي عقبيه، وأصوات المغفلين تقذفه بما تعرف
وما لا تعرف، فلم يبال بها، لكن بعض الأصوات مزّقت قلبه فلم يجد بدّاً من
الالتفات للتأكد من أصحابها.
إنهم إخوته الذين اختار هذا الطريق لتخليصهم.
كانت أمه وبعض إخوته أكثر من يرجمه بالحجارة والبذاءة، وبعض إخوته
يرقبه بصمت.
وبدأ الليل كالأخطبوط يجذب الشمس إلى فيه ليقطع (صابر) الطريق إلى قمة
الجبل، لكن (صابر (لم يعد يملك إلا المجازفة، فإما الوصول إلى القمة ليفجر عليها
سحابته التي على وجهه فتمطر، أو يحرقه البرق الذي بصدرها ويشعل النار في
رأس الجبل لتكون دليلاً يقود الآخرين ممن تعتمر الغيوم جباههم، أو يمزق بطن
الليل ويخرج الشمس منه لتبقى مضيئة حتى تحرق العيون التي لا تعيش إلا في
الظلام الدامس.
لكن الليل ابتلع الشمس كعادته، والمغفلون ما زالوا ينتظرون أن يصاب ذلك
الصعلوك بلعنة الجبل التي يخافونها، ويشكرون الليل أنه يحجب عنهم الجبل حينما
يريحهم من رؤيته كل مساء.
ودوت في قمة الجبل صرخة أفزعتهم، وإذا بالنار تشتعل في القمة والبرق
يمزق السماء، وإذا بهم تتهلل أساريرهم، لكن الصرخة لم تنته، والنار بدأت في
الانحدار بشكل سريع، وصوت (صابر) يرتفع، والنار تلتهمه، فقذف بنفسه من
قمة الجبل، وقبل أن يصل الأرض استيقظ من حلمه، وإذا بالشمس قد اشتدت
حرارتها، والشجرة لم تعد تظلله وهو يلهث من شدة العطش، وعيناه في اتجاهين
مختلفين إحداهما ترمق قمة الجبل، والأخرى تتمعن قبر الغريب والغيمة السوداء
بينهما لم تمطر، وحينما كرر نظرته وجد أمه وإخوته يحولون بينه وبين رؤية
الجبل وعمه يبتسم بجوار قبر الغريب.
стр. 2173
نص شعري
ابتسم فأنت.. مسلم ! !
شعر:مشتاق حسين
حَطّمِ العودَ مُثيرَ الشجَن ... نَغمَةُ الحُزنِ مُجاجُ الأذُنِ
ازْرَعِ البَسْمَةَ في الكونِ ولا ... تَقْتُلِ الحُسْنَ بِخَلْقِ الحَزَنِ
كُنْ سَفيرَ السّعْدِ في كَوْكَبِنَا ... بِابْتسَامٍ مِثلَ طه فَكُنِ
كانتِ البَسْمَةُ لا تَهجُرُه ... ابْتسامُ المَرْءِ بعضُ السّنَنِ
رُتّبَ الأجْرُ على البَسْمَة وال ... عَبْسُ بئسَ الفِعْلُ بخسُ الثمنِ
بَسْمةُ الطْفلِ يَراعٌ عَجَبٌ ... تنقلُ القَفْرَ إلى روضٍ سَنِي
فَاعْزِفِ اللّحْنَ بأوتَار الهُدى ... ثمّ في بِشْرٍ أخَيّا غَنّنِ
يَصْدَحُ البُلبلُ في السجنِ كما ... يُبدِعُ الحُرّ بأعْلَى الفَنَنِ
كُنْ سَمَاءً حينَ تَبكي فَرَحاً ... دَمْعُها الحُلْوُ حَياةُ المُدُنِ
وغَمَامُ الحُزْنِ يبكِي مَطَراً ... حَامِضاً يُهْدي الرّدَى في سَننِ
نِعمةُ النّسْيانِ أغلَى المِنَنِ ... لَفّتِ الأدْمُعَ مِثْلَ الكَفَنِ
أنَا لمْ أدْعُكَ أنْ تَضْحَكَ في ... مَأتم أوْ سَوْدَةٍ في الفِتَنِ
أو تظُنّ الطّودَ أدْنَى حَجَرٍ ... أوْ تَخَالَ العِطْرَ وَسْطَ النّتَنِ
أنْتَ إنْ لَمْ تَكُ ذِكْرى أمَلٍ ... أيها المسلم فِينا فَمَنِ؟ !
стр. 2174
البيان الأدبي
صوت جديد: أمتي
شعر: د. علم الدين مصطفى
وطريقكِ المفروشِ بالأشْواكِ؟ ! ... أَوَصَلتِ رغم الجُهدِ والإنهاكِ
والذارفاتِ دماً هُما عيناكِ؟ ... وخُطاكِ تلكَ المثقلاتِ مِنَ الأسى
أم في الترابِ الوهنُ قَدْ واراكِ؟ ... هَلْ شانَ وجهَكِ ذلّهُ وهَوَانُهُ
وسَقَاكِ مُرّ كؤوسِهِ فرواكِ؟ ... أم ذا صَغَارٌ قدْ كساكِ بثوبهِ
مَنْ عَنْ طريقِ الرّشْدِ قد أعْماكِ؟ ... باللهِ مَنْ في الوَحْلِ قَدْ ألقَاكِ؟
تَبّتْ يدا جَزّارِكِ السّفّاكِ! ... مَنْ فيكِ قد ذبحَ السماحةَ والتّقَى؟
يا ويلَهُ من كاذبٍ أفّاكِ! ... مَن قالَ إنّكِ قد طوتكِ يَدُ الرّدَى؟
سفحَ الدموع على عهودِ صباكِ ... فكفاكِ مِن هَذا البُكاءِ وَوَدّعِي
في ليلِ تيهٍ طالَ فيه سُرَاكِ ... ها آذنَ الفجرُ الجميلُ بنورِهِ
هذا صداهُ سارَ في الأفلاكِ ... صوتٌ جديدٌ أمّتي ناداكِ
دنسَ السنينِ، فإنهُ آذاكِ ... فلترفعي عنك القناعَ وتنفضي
ومآثراً جادَتْ بها كفّاكِ ... قُومِي أعيدي للدّنا ذكراكِ
ومفاخراً شهدتْ بها أَعْدَاكِ ... فضلاً وعدلاً، رحمةً وهدايةً
قد كانَ بالعزّ الأثيلِ سقاك ... عودي لمنبعكِ الأصيلِ فطالما
دكّت حصونَ البغي والإشراكِ ... أبطالُكِ الغُرّ الكرامُ ألم تكنْ
لم يعرفوا نورَ الهُدى لَوْلاكِ ... أوَ لمْ تكوني للورى بدرَ الدّجى
والخيرُ والإيمانُ غرسُ يَدَاكِ ... بَدّدْتِ بالقرآنِ ظُلمةَ كونِهِم
رَفعتْ قديماً في الوجود لِوَاكِ ... فاعطِ القيادَ لِعُصْبةِ الحقّ التي
خيلَ الجهادِ إلى رفيعِ ذُراكِ ... هُبّي وبِسْمِ اللهِ ربّكِ فارْكبي
стр. 2175
المسلمون والعالم
اتفاقية التجارة العالمية GATT
قراءة في تقرير.. وأسئلة ملحة ...
بقلم: ياسر قارئ
إدراكاً منهم لصعوبة المواجهة العسكرية مع المسلمين في ظل راية الجهاد،
عدل أعداء الإسلام إلى وسائل أشد فتكاً وأقل إثارة لقمع المارد الإسلامي ودحضه
ورده إلى موقعه الذي يليق به كما يتخيلون؛ وأنشطة المنظمات الدولية التي ترعى
تلك الوسائل والأساليب مجهولة إلى حد كبير لدى كثير من المثقفين داخل حدود
أوطانهم وخارجها، ومتابعة ذلك تبدي لك حجم الفراغ والهوة التي بيننا وبين
المخططات العالمية للانقضاض علينا من كل حدب وصوب؛ وما ذاك إلا بسبب
عدم إلمام الكثيرين أو عدم اكثراثهم بتلك المؤسسات؛ تقليلاً لشأنها أو لندرة
المصادر التي تحكي واقعها في ظل التعتيم الإعلامي عن سياسات القوم والانصراف
إلى البرامج الرياضية والمجلات النسائية الرحبة، من أجل ذلك كله أسوق إليك
أخي القارئ الكريم ملخصاً موجزاً لما احتواه تقرير غربي [*] عن الاتفاقية العامة
للتعريفات والتجارة، التي يرمز لها اختصاراً بـ، التي تمخضت عنها (منظمة
التجارة العالمية) .
يحتوي التقرير على ثلاثة وعشرين فصلاً، يتحدث الأول منها عن نشأة
الاتفاقية والجولة الأخيرة المعروفة باسم (أوراجواي) (وهي الدولة التي انبثقت منها
الاتفاقية عام ١٩٨٦م) ، ثم تغطي الفصول من الثالث وحتى الحادي عشر الاتفاقات
المتعلقة بالزراعة، والمنسوجات، والملابس، والخدمات، والاستثمارات،
والملكية الفردية، وتسوية المنازعات، والدعم، والرسوم، والضمانات، وسياسة
الإغراق، بينما يركز النصف الثاني من التقرير على آثار هذه الاتفاقيات على كل
القطاعات السابقة.. (من ١٢- ١٥) ، ثم على دول أوروبا الغربية والاتحاد
السوفييتي (السابق) ومنطقة آسيا الباسفيكي، وأمريكا الشمالية واللاتينية، فالشرق
الأوسط وإفريقيا (١٦ ٢٢) ، أما الفصل الأخير فيلقي الضوء على المنظمة العالمية
ومستقبلها.
يصطدم القارئ من العالم الثالث من الصفحة الأولى بحقيقة هذه الاتفاقية
وأثرها؛ إذ يتعجب المؤلفان من تغير توجهات الدول النامية وانضمامها إلى
المفاوضات في الوقت الذي كانت تمر فيه الجولة بانتكاسات ومصاعب جمة، على
الرغم من الخسائر التي ستتعرض لها تلك الدول (وهي المستوردة للغذاء) على
المدى القصير، هذا بالإضافة إلى دور الاتفاقية في انتقاص جانب السيادة على
السياسة الداخلية للدولة، على الرغم من عبادة تلك الدول وتقديسها للاستقلالية
السياسية! ! (ص١٣) ، وليس هذا فحسب، بل ستكون المنظمة الشريك الثالث
لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في وضع السياسات العالمية، كما عبر عن ذلك
(بيتر سذر لاند) مدير عام الاتفاقية (ص٤) ، فضلاً عن اختلاف الخبراء حول
الجدوى الاقتصادية للاتفاقية على مدى العقد القادم؛ بسبب زيادة نمو التكتلات
الاقتصادية الإقليمية القوية؛ الأمر الذي يؤذن باندلاع الحروب التجارية بين الدول
(ص٦) .
أما أهم مكاسب هذه الجولة الأخيرة فهي: دخول مجالات الزراعة
والمنسوجات ضمنها، وتطبيق الجزاءات ضد الدول المنتهكة لأحكام الاتفاقية، وفي
هذا الصدد: فقد أعلنت أمريكا عزمها على استغلال حق المطالبة بالتعويض أو
فرض العقوبات التجارية (في حالة فشل الوصول إلى حل مع المخالفين) إلى أقصى
أبعاده (ص٢) ، فإذا كان هذا توجه الدولة التي تقود العالم، فماذا عسى التابعين أن
يفعلوا؟ !
بدأت جولة أوراجواي سنة ١٩٨٦م، وهي الثامنة، إذ عقدت الجولة الأولى
في جنيف عام ١٩٤٧م بعد نهاية الحرب الكونية الثانية بمشاركة ثلاث وعشرين
دولة، وبمرور الوقت ازداد عدد المشاركين، وبالتالي: طول فترة انعقاد الجولة
بسبب تشعب المواضيع والخلافات حتى اختتمت في سنة ١٩٦٣م وقد وصفها (سذر
لاند) بأنها لحظة حاسمة في التاريخ الحديث (ص١) ، فلماذا؟
لقد استنتج الساسة الأمريكيون: أن انهيار التجارة الدولية، وزيادة عدد
التكتلات التجارية، بالإضافة إلى التصعيد الجمركي الذي عمق الكساد وتسبب في
قطبية التجارة الدولية: هما سببا قيام الحربين العالميتين (ص٩) ؛ لذلك: فإن قيام
نظام دولي للتجارة سوف يقلل من فرص الحرب في الوقت الذي تملي فيه أمريكا
شروطها بحكم أنها المنتصرة في الحربين والدولة ذات الوزن الاقتصادي الأثقل في
العالم، بمعنى آخر: فإن نظام التجارة المطلوب والمتوقع هو الذي يحقق مصالح
الدول الكبرى فقط!
ثلاث نقاط مهمة:
سوف أضرب صفحاً عن الفصول التي تتحدث عن الاتفاقيات ذاتها (٣١١) ،
وذلك لكونها معلومات وإحصاءات علمية صرفة، وكذلك لإبقاء الموضوع مختصراً
قدر الإمكان، خاصة وأن الهدف المنشود هو: بيان أثر تلك الاتفاقيات التي هي
فرع عن مضمونها، إلا أن هناك ثلاث نقاط ينبغي التوقف عندها مليّاً:
الأولى: فيما يتعلق بالزراعة، يقول التقرير: إنه على الرغم من الصراع
بين أوروبا وأمريكا واليابان واستراليا ونيوزيلندا (أين الدول النامية؟) ، إلا أن
الحل النهائي يمثل في تحرير القطاع الزراعي في ثلاثة مجالات، هي: النفاذ إلى
الأسواق، والدعم المحلي، ومنافسة الصادرات، كما تتضمن النتائج طلباً بمعالجة
خاصة لوضع الدول النامية (ص٢١) .
إن الأمر في غاية الوضوح: فالدول المتنفذة تفرض سياستها، وما على
المعدومين إلا التقدم بطلب الاسترحام، وإلا فالأسواق يجب أن تفتح، والدعم يجب
أن يرفع، وإلا ستبادر أمريكا إلى استخدام حقها في الرد المناسب على المخالفين
لبنود الاتفاقية كما ذكرنا. فهل ستكون هناك زراعة محلية مستقبلاً؟ وما هو حجم
الخطر الذي يشكله الاعتماد على الواردات الزراعية، وبالذات في مجال استقلالية
القرار والدار؟ .
النقطة الثانية: وهي تكشف مدى مأساوية الواقع الذي تعيشه الدول النامية،
إذ تصف الأمم المتحدة في تقريرها لعام ١٩٧٥م: أن براءات الاختراع تأتي من
خمس دول متقدمة فقط، وهذا يعني أن حماية حقوق الملكية الفكرية سوف تساهم
في زيادة عجز الميزان التجاري بين الدول المتقدمة والنامية، وعلى الرغم من
مقاومة أمريكا وأوروبا لهذا القرار المجحف، إلا أنهما خضعتا لضغوط شركات
صناعات الأدوية والملابس من أجل مراقبة وحماية تلك الحقوق (ص٤٥) ، وهذا
يعني إبقاء العلاج والكساء بعيداً عن متناول أيدي المحتاجين في العالم النامي، فبعد
الزراعة جاء دور الطب، لكن صبراً.. أليس هناك منظمات غربية خيرية تسد هذا
الفراغ؟ الجواب نعم، لكن.. ما الثمن الذي تطلبه في المقابل؟
النقطة الثالثة: وتظهر حقيقة تلاعب الدول الكبرى بالاقتصاد العالمي وقوانينه
بصورة لا لبس فيها، فالطائرات مثلا تكلف كثيراً في صناعتها، وبالتالي: هي
صناعة توصف بأنها احتكارية، لكن أوروبا ممثله ببعض دولها أسست شركة
(إيرباص) ودعمتها ماليّاً لتتحدى بها الهيمنة الأمريكية على الطيران والفضاء،
خاصة وأن أمريكا تدعم الشركات المصنعة لديها من خلال الإعانات العسكرية غير
المباشرة، وكلاّ من أوروبا وأمريكا خالفا نظام التجارة العالمي، ولم يتعرضا لأي
عقوبات (ص٧٤) .
ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها هنا، لماذا يتنافسون وهم على مذهب اقتصادي
واحد وملة دينية واحدة؟ ولماذا لا يعاقبون على خرقهم للقانون الذي فرضوه على
العالم بأسره؟ ومتى تكون للدول النامية سياسة مستقلة ومُجْدية كهذه؟ !
من آثار الاتفاقية الخطرة:
يخوض التقرير بعد ذلك في آثار الاتفاقية على الزراعة والصناعة والحواجز
غير الجمركية وقطاع الخدمات، فأوروبا مثلاً تساهم في تصدير ٤٧% من إجمالي
الصادرات الزراعية العالمية، ولكن ٩٠% من تلك الصادرات لا تتعدى أوروبا
الغربية! (ص٧٧) ، أليس هذا هو الأمن والتكامل الغذائي الذي ترعاه أوروبا؟ ثم: إن دعم الدول الصناعية لزارعيها سيقلل من حصة الدول النامية من هذه التجارة، في الوقت الذي سترتفع فيه أسعار الصادرات الزراعية الأوروبية، وتتفق
الدراسات العلمية على حتمية هذا الارتفاع في الأسعار، وبالتالي: فإن الخاسر
الأكبر هو الدول الإفريقية والآسيوية، بينما ستمتلئ جيوب الفلاحين في أمريكا
الشمالية والجنوبية وأوروبا (ص٨١ - ٨٢) .
أما في مجال الصناعة فإن استفادة الدولة النامية وبخاصة في مجال الملابس
والمنسوجات والأغذية والمواد الخام طفيفة جدًّا، بيد أنها ستحدث انتعاشاً في
صناعة الحديد والصلب والمعدات الصناعية والكيميائية والسيارات في أوروبا
وأمريكا (ص٩٢) ، وهذا يذكر بالمثل القائل (ما تجمعه الذرة في سنة يأخذه الجمل
في خُفّه) !
كما يشير تقرير الأمم المتحدة سنة ١٩٨٨م إلى أن التأثير الإجمالي للحواجز
غير الجمركية على الواردات من الدول النامية أكبر منه على واردات الدول
المتقدمة التي تستخدم هذا الأسلوب لحماية قطاعات الأغذية والحديد والمنسوجات
والسيارات في بلادها (ص٩٤) ، والأعجب من هذا الانحياز الغربي أو العداء
المستحكم أو التعالي الأوروبي العرقي هو: زيادة نسبة الحواجز غير الجمركية
على القطاع الذي يتوقع الفقراء الاستفادة منه، ألا وهو قطاع الملابس: وذلك
بسبب وفرة ورخص الأيدي العاملة، وتوفر المواد الخام وقلة تكلفتها (ص٩٥) ،
بعبارة أشد وضوحاً: إن الدول المتقدمة عاقدة العزم على إبقاء الدول النامية في
حالة التبعية المطلقة إلى أجلٍ غير معلوم، طالما استمرت الأخيرة في الاستماع إلى
نصائح الخبراء الغربيين وإقصاء الناصحين المخلصين، ويؤيد التقرير هذه النظرة
القاتمة بتأكيده على استفادة أوروبا في المجالات الصناعية عموماً، مما يعني
استمرار ارتفاع مستوى المعيشة في الغرب وانخفاضه في الشرق (النامي) ،
وبالتالي تعميق الفجوة الحضارية أكثر فأكثر! وليست مجالات الخدمات
والاتصالات والمدارس والمصارف والمستشفيات والمواصلات بأفضل حال من
سابقيها فيما يتعلق بالعالم الثالث؛ إذ سيكون نصيب الأسد للدول المتقدمة، بينما
يتوزع الفقراء فتات السياح الذين سيتدفقون إلى العالم (النامي) للفرجة على عالم
البؤس والضياع الإنساني (ص١٠٦) ، وهنا نقف مع ما تنطوي عليه السياحة
ومفهومها لدى (الخواجات) من إسفاف وانحلال وفجور ورذيلة سينجرّ إليها العالم
(النامي) ، وينطق لسان الحال: (حشف وسوء كيل) ، لكن من المقصود؟ !
ينتقل التقرير بعد ذلك لتوضيح آثار الاتفاقية على دول العالم مبتدئاً بأوروبا
الغربية، فالبشائر بالنسبة لدافعي الضرائب هناك كثيرة، منها: انخفاض أسعار
السلع الزراعية والأعلاف، مما يفيد شركات التعليب ومعالجة الأغذية وتجار
المواشي (ص١٠٨) ، هذا بالإضافة إلى تراجع نسبة الضرائب على المواطنين
بسبب رفع الدعم الحكومي عن قطاع الزراعة، بينما ترفض دول الاتحاد الأوروبي
تحرير الخدمات التجارية: كالإعلام، والسينما، والفيديو حسب ما تنص عليه
الاتفاقية والسبب هو: حجم ذلك القطاع؛ إذ يشكل نصف صادرات العالم ... (ص ١١١) ، ونتساءل عن الحرية والتعددية (والآخر) عند دول غرب أوروبا، لأننا قد تعلمنا مما سبق ألا نسألهم عن احترام الاتفاقية التي أبرموها.
ثم إن خسارة دول هذه المنطقة تكمن في قطاع المنسوجات والملابس الذي
ستستحوذ عليه البرتغال وإيطاليا وتركيا؛ بسبب رخص الأيدي العاملة، كذلك
ستنافس الشركات غير الأوروبية مثيلاتها في قطاع الكيماويات، في الوقت الذي
تبدو فيه الصناعات ذات التقنية العالية في طور الأفول، بسبب قلة الإنفاق
الحكومي على برامج الأبحاث والتطوير اللازمة.
على الطرف الآخر: نجد أن دول أوروبا الشرقية (سابقاً) ستربح كثيراً من
تصدير السلع الزراعية للخارج، وبخاصة: القمح، والسكر، واللحوم، والألبان،
ومنتجاتهما، كما أن بعض الدول مثل: بلغاريا، وبولندا، ورومانيا، والمجر،
وروسيا، تمتلك ميزة نسبية في مجال الحديد والصلب، سوف تساهم إضافة إلى
الاستثمارات الأجنبية المتدفقة في تنشيط قطاع الصناعة (ص١١٣) ، ولا نملك إلا
أن نقول: إن الغرب ماضٍ في الاهتمام بمحيطه الجغرافي وامتداده التاريخي
والديني الطبيعيين، وهناك شواهد أخرى على ذلك: كالأحلاف والمنظمات الأمنية
والاقتصادية التي استحدثت مؤخراً.
يسوق التقرير البشارة إلى شريك أوروبا الأكبر وهو الولايات المتحدة: بأن
الضرائب سوف تنخفض بسبب تخفيض الجمارك على الرغم من قلة الإنتاج وزيادة
الاستهلاك ورفع الدعم الحكومي؛ لأن الاستيراد سوف يلبي حاجات أبناء (العم)
وبأسعار زهيدة، بينما ستساهم الجمارك المحلية المخفضة في إنعاش القطاع
الصناعي، إلا أن أعظم الفوائد بالنسبة لأمريكا سوف تأتي من قطاع الخدمات ... (ص ١٢٤) ، ولن تكون الحديقة الخلفية لأمريكا بأقل حظّاً من جارتها العظمى، إذ إن سياسة دول أمريكا اللاتينية التصديرية وارتفاع الأسعار العالمية ستنعشان اقتصاديات تلك الدول في مجال الزراعة والمعادن والمنسوجات والحديد والصلب والجلود والأحذية والسياحة والسفر (ص١٣١) .
دول الشرق الأوسط والاتفاقية:
يستعرض المؤلفان بعد ذلك منطقة الشرق الأوسط في ظل الاتفاقية الجديدة
ويؤكدان ما قالاه في بداية التقرير من محدودية الأثر؛ وذلك بسبب استبعاد
الهيدروكربونات (النفط ومشتقاته) من جولة المحادثات، كما أن ارتفاع أسعار السلع
الزراعية سيؤدي إلى زيادة سوء حالة المنطقة في الوقت الذي تغنم فيه إسرائيل من
الاتفاقية لكونها مصدراً للخضروات والفواكه، ولقلة وارداتها الزراعية (ص١٣٧) ،
ثم إن تواضع القاعدة الصناعية للمنطقة، يقلل من فرص استفادتها في مجال
التصنيع تحت الظروف الجديدة، بينما ستترك حقوق الملكية الفكرية وإجراءات
الاستثمار آثارها على المنطقة.
وعلى الرغم من عدم جدوى الاتفاقية لدول المنطقة إلا أن هناك سببين
رئيسين للانضمام إليها حسب رأي المؤلفين: الأول: هو النفاذ إلى الأسواق الدولية
في مجال التصدير، والثاني: هو جذب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة والعامة،
وهذا يعني استمرار مسلسل الانقياد إلى شروط وأهداف الدول الدائنة، التي لا
تختلف عن تلك التي ينشدها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثم: ما هى
الصادرات التي تحرص المنطقة على استمرار تدفقها؟ ! إذ هي فقيرة صناعيًّا،
وعالة زراعيًّا على غيرها، ومسلوبة (جيولوجيّاً) .
دول إفريقيا والاتفاقية:
لا تختلف إفريقيا كثيراً عن الشرق الأوسط من جهة استفادتها من الاتفاقية؛ إذ
هي تحتاج إلى وقت طويل من الإصلاحات الزراعية حتى تجني ثمار حرية التجارة
وارتفاع أسعار السلع الغذائية والزراعية، لكن الشمال الإفريقي لديه فرصة في
مجال المنسوجات والملابس إذا تمكن من تحسين البنية التحتية للبلاد، الأمر الذي
يتطلب مبالغ طائلة جدّاً (ص١٣٩) ، ولكن التقرير يبشر بزيادة الاستثمار الأجنبي
المباشر على أي حال، مما يعني زيادة في إغراق المنطقة وإرهاق الشعوب ورهن
أجيال المستقبل بالديون الخارجية.
التحديات التي تواجه الاتفاقية:
يحدثنا الفصل الأخير عن هيكل المنظمة الوليدة، ثم عن التحديات التي سوف
تواجهها، وعلى رأسها الحاجة إلى وضع قواعد للاستثمار الأجنبي على الرغم من
استحسان الدول النامية له وركضها خلفه، وكذلك: مكافحة الاحتكار العالمي،
وعلاقة التجارة والبيئة، وحقوق الإنسان والعمال (عارضتها الدول النامية ضمن
جوله المناقشات سنة ١٩٨٦م رغبة في استمرار زيادة الأرباح في ظل غياب مراقبة
وشروط النقابات) والتكتلات الإقليمية وأثرها على حرية التجارة (ص١٤٣-١٥٢) .
بهذا انتهى التقرير.. وتبرز الأسئلة الملحة فيما يتعلق بالاتتفاقية وأطرافها
المتفاوتين في القوة السياسية والاقتصادية.
فلماذا تخضع دول العالم بأسرها لقوانين لا يحترمها مشرعوها؟ ولماذا تختار
الدول المتقدمة الطرق القانونية لفرض رغباتها على العالم النامي أو فيما بينها؟
أَلأَنها أكثر حضارية من وسائل القوارب المسلحة التي اتبعها المستعمرون القدامى؟
أم لإيجاد مبرر قانوني يقضي بمعاقبة المخالفين، والذين يتوقع زيادتهم مستقبلاً في
ظل بروز أجيال ترفض الخضوع والتبعية وتنشد الاستقلالية؟ .
لعل الجواب الذي توصلتُ إليه يشير إلى قيام أمم متحدة اقتصادية لتحل محل
نظيرتها العسكرية في مرحلة الوفاق الدولي الجديد، وندعو ونرجو! ! ألا تكون
ظالمة كسابقتها، إلا أن المتعارف عليه هو أن الأفعى تغير جلدها ويبقى السم في
أنيابها.