← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

البيان الأدبي رسالتان إلى سعد [*] الرسالة الثانية شعر: أسامة جاسر سعد طفل من البوسنة.. تبنته أسرة أمريكية بعد أن فقد عينيه إثر هجوم صربي. لماذا الحزن يا (سعد) ؟ ... كساك الخوف والسهدُ قريب أنت من قلبي ... بعيدٌ والأسى بُعْدُ وتبكي في صدى نفسي ... فهل لبكائكم ردّ؟ غريبٌ في ديار الكفر ... تشكو والنوى فقدُ أترضى أن يقال غداً ... فتى الإسلام مرتدّ؟ ولكن ليس ذنبُكمُ ... بريءٌ أنت يا (سعدُ) ! أصدّق جرح نكبتكم ... إذا ما كذّب الرعدُ أراك مقيّد العينَيْن ... هدّ مسيرك القيدُ تُعاني فقد أحبابٍ ... وكم ذا يؤلم الفقدُ وتسأل أمة الإسلام: ... أين العدل والرّشدُ؟ وأين سيوف (عكرمة) ؟ ... وأين بنوك يا (زيدُ) ؟ تقود أسود أمّتنا ... وخيل الله إذ تعدو فنعم الركب إذ يمضي ... ونعم الخيل والأسدُ فكم مَنْ وجهه نورٌ ... وكم مَنْ عزمه صلدُ ونحو الرّوم وجهتهم ... إلى أن حُقّق الوعدُ ودار الكون دورته ... وضاع العزم والعهدُ وخيرٌ بعده شرّ ... كذاك الجزر والمدّ فأين الجيش يحميني؟ ... وأين البأس يا جندُ؟ وأين سيوفكم؟ صدئت ... فعافت لونها الغمدُ تُنادي جند (معتصم) ... بأرضي عربد الوغدُ وجال الغدر في داري ... وصال المكر والحقدُ بحقّ الله أخبرني ... تُرى! هل غادر الوفدُ؟ ! *** بقلبي أنت يا (سعدُ) ... لك التّحنان والودّ فأنت الجرح مذعوراً ... بصدري فهو يمتدّ فليس لنزفه حدّ ... وليس لحده صدّ وأعيا من وصالكُمُ ... فبين وصالنا سدّ عظيمٌ ما تعانيه ... أليمٌ ما له نِدّ فحزنك في دُجى بُؤسٍ ... وطالع نجمنا سعدُ ونشرب من كؤوس الشهد ... يشهدُ عيشنا زُهدُ! وتشرب أنت كأس الموتِ ... يسكُبها لكم لُدّ هنا أمنٌ وعافيةٌ ... هناك الخوف والبردُ (سراييفو) ألا صبراً ... دعائي ما له حدّ وصبراً يافتى الإسلام ... بُشرى نصرنا تبدو فيوم النصر موعدنا ... لنا الإكرام والمجدّ أزيِّنُ بالرّضى شِعري ... فيا ربي لك الحمدُ وكن يا ربّنا عوناً ... فأنت الخالق الفردُ *** أزاهر شعري المذبوح ... ضم رفاتها لحدُ فهل شعري سيسعفكم ... إذا نفَسي به يشدو؟ وهل أزهار أشعاري ... وبيتٌ زانَهُ وردُ تصدّ قذائف الأعداء ... فوق رؤوسكم تغدو؟ ولكن جهدُ مكلومٍ ... عسى أن يجدي الجهدُ أداعب مقلةً ثكلى ... يحيط بدمعها الوجدُ وتصنع نزفَ أعصابي ... جراحٌ ما لها عدّ وترسم همّ أنفاسي ... دموعٌ ضمّها خدّ لعلّ الدمع يشفع لي ... إذا ما حوسب العبدُ فيوم الحشر نخشاه ... إذا ما الحرّ يشتدّ ونسأل عنك يا (سعد) ... فهل لسؤالهم ردّ؟ صمتنا لا لمكرمةٍ ... ولكن ما لنا بُدّ؟

стр. 2172

البيان الأدبي الغيمة التي لم تمطر بعد بقلم:علي محمد أما آن لك أن تمطري قبل أن أموت اختناقاً؟ كان (صابر) ينظر إلى تلك السحابة، ويستجديها أن تمطر، وهو يتأمل وجهه على صفحة ماء النبع الذي يمر بخجل بين الحقول الصغيرة في قريته المستلقية تحت إبط جبلٍ ضخم، يربض على الغرب منها وكأنه يدسّها عن أعين تتربص بها الدوائر. أمطري، أغرقيني، أو فاجعلي برقك المكتوم يحرقني. ظل صامتاً ينتظر أن يدوي الرعد من صدر السحابة،.. فإذا بالنبع يكتسي حمرة ظنها أول الغيث، لكنه صعق بصوت الغريب الذي نبذته القرية فأقام على أطرافها إذْ مرّ وهو يردد: كل مساء يدلف ليلٌ وعلى فمه بقعة دمْ كل مساء تهوي ذَبْلىَ خلف تخوم الظلمة شمسْ يجرؤ همسْ كلّ صباح تُشرقُ شمسْ وعلى فمه كلّ مساء تُسْحق شمسْ! خُنق الهمسْ فمحى دمَه أثر الشمس. رفع (صابر) رأسه، فإذا الأفق تجاه الجبل تغشاه حمرة داكنة، لم تكن تلفت انتباهه من قبل، والشمس تسقط في فم ليل قاسٍ، وعلى شفتيه بحر دم. آه أنتِ أنا أيتها السحابة. لم تمطري بعد؟ حمل سحابته، وسار خلف الغريب الذي ابتلعه الظلام، وصدى صوته يدوّي بين جنبات الوادي. ليلٌ فم شمسٌ دم لكنه لم يتمكن من اللحاق به، ورويداً رويداً بدأ صوت أمه يخنق صوت الغريب ليحل مكانه، وهي تردد: لا بد أن تذعن لرغبات عمك، إنه عمك الذي ربّاك وإخوتك.. وضع إصبعيه في أذنيه وهو يصرخ: لا ... لا ... لقد آن أن تتجرعي ثمرةً مرةً من شجرة العقوق التي غرستيها في مهجتي منذ فرضت عليّ عمومة هذا الوغد. ألستِ من صنع له الحبل ليشد منه مشنقتي؟ أنسيتِ أنك من نزع الجلجل المعلق برقبة ذلك الحمار الذي رُبط برجله الطرف الآخر لحبل مشنقتي؟ لا ضير أن أموت، لكن ذلك الحمار حينما يركض نحو العشب المزيف الذي ألقيتِ به على بعد خطوات منه لتخدعيه، لن يشعر إلاّ بقليل من الحسرة والكثير من المقت والاحتقار؛ فيركض لمسافة أبعد في المرة القادمة. والحبل في عنق أخي الآخر. ومضى يردد كلمات الغريب بين بيوت القرية حتى خرج منها، وكان الصيف بحرارته الخانقة رابضاً في بطن الوادي، وهبوب السموم بين الأشجار كفحيح الأفعى حين تقتنص رأس الفريسة لتخنقها. وجد نفسه أمام دار الغريب الذي كان مستلقياً على ظهره خارجها، وعيناه ترقبان الجبل الذي جثم على صدر الليل، فأمسى الليل لا حراك به، فلا تسمع إلا أصوات الحشرات، وكأنها حشرجة أنفاس الليل الذي يحتضر خوفاً من الجبل الصامت، قال دون أن يلتفت إلى صابر: كم تثلج صدري هيبة الجبل وأنا أتخيل الليل ترتعد فرائصه من أن يتحرك. أصغى إليه صابر وهو يحاول تأملَهُ رغم عتمة الظلمة. منذ أدركت حقيقة الجبل أحببته وظللت أرقبه، وأبشّر باليوم الذي يتحرك فيه حتى اتهمني السّذج بالجنون، وظلت الشمس التي تعاني من جراحاتها تخرج مبتسمة كل صباح، وتشارك الآخرين السخرية مني، حتى انتبذتُ مكاني قرب الجبل. آهٍ ليتني أستطيع الصعود إليه، لكن السذج سيتهمونني بالصعلكة قبل أن يقذفني الليل بتلك القرية. وليتهم يكتفون بذلك، بل ها هم يقومون بحفر القبور في طريقه. اقترب (صابر (أكثر، فعقدت لسانه المفاجأة حين رأى على جبين الغريب سحابةً أشد قتامة من تلك التي على جبينه، وأكثر انتشاراً على وجهه. أدرك الغريب ما يدور بخلده، لكنه استرسل في كلامه. آهٍ كم أود معانقة قمة الجبل فلعله يفجر هذه الغيمة السوداء التي تسكن وجهي، فهناك تُبدّد الغيوم حينما تلاحقها قمم الجبال. صمت الغريب.. و (صابر) لم يعد يرى سوى ضخامة الجبل، ويتخيّل معاناته وهو يرى الشمس كل يوم تنزف بين فكي الليل، وهو مكبل بالقبور تحت قدميه وموثق بشفقته على أولئك المغفلين. مرت أمام وجه (صابر (نسمة حارقة نبهته إلى أنه بحضرة الغريب الذي سكت وتخيل أن صمته إيذان له بالحديث. لم تزرني السعادة أبداً، فلقد سجنها موت أبي ووضعت أمي مفتاح السجن بقبضة ذلك الوغد، الذي زرع الحرمان في قلوب إخوتي قبل قلبي، وظل يضرب حولنا سياجاً من العتمة، وأمّنا في بلاهة وخنوع تقدم له أكثر مما يتمنى حين تخنقنا، وتتوقع أنها بذلك تمنحنا طوق النجاة. والتفت في هذه اللحظة إلى الغريب قائلاً بلهجة الباكي: انظر إلى هذه السحابة التي على جبيني لم يراكم غيومها إلا أكُفّ القهر.. تأمل جيداً.. إنها تشبه الغيمة التي على وجهك؟ لم يرد الغريب ... اقترب (صابر) من وجهه، وحدّق فيه فلم يجد سوى غيمة سوداء جامدة لم تمطر، فأصابت قلب الغريب بالقحط والجفاف، فمات.. وتذكر تلك النسمة الحارقة قبل قليل. آهٍ.. حتى أنت أيها الغريب رفضت سماعي، وأنت تشاركني وطأة الغيوم، إن الموت ليس نهاية المطاف، لكنني لن أرضى أن تظل هذه الغيمة تخنق أنفاسي أو أظل أرقب الجبل، لكن قبل ذلك: لا بد أن أواري جثمان هذا الغريب، وأمسى ليلة يحفر القبر، ومع شروق الشمس كان الغريب تحت الثرى.. و (صابر) الذي أنهكته تفاصيل الليلة السابقة، ينظر إلى الشمس التي لم تزل تخرج رغم معاناتها. فاستلقى تحت شجرةٍ قرب الغريب، والتفت ليتأكد أن ما عاشه الليلة الماضية لم يكن حلماً، فرأى القبر وأخذ مزودة الماء، وتوضأ، وبدأ رحلته إلى الجبل، وعيناه لا تريان إلا القمة. يطأ الشوك ... فلا يبالي ... وتخترق أذنيه نداءات العاطلين فيخرجها من الجهة الأخرى، وبدأ يتجاوز بعض القبور التي تحيط بالجبل، وهي تزداد كثافة كلما تقدم في الطريق، والحجارة تدمي عقبيه، وأصوات المغفلين تقذفه بما تعرف وما لا تعرف، فلم يبال بها، لكن بعض الأصوات مزّقت قلبه فلم يجد بدّاً من الالتفات للتأكد من أصحابها. إنهم إخوته الذين اختار هذا الطريق لتخليصهم. كانت أمه وبعض إخوته أكثر من يرجمه بالحجارة والبذاءة، وبعض إخوته يرقبه بصمت. وبدأ الليل كالأخطبوط يجذب الشمس إلى فيه ليقطع (صابر) الطريق إلى قمة الجبل، لكن (صابر (لم يعد يملك إلا المجازفة، فإما الوصول إلى القمة ليفجر عليها سحابته التي على وجهه فتمطر، أو يحرقه البرق الذي بصدرها ويشعل النار في رأس الجبل لتكون دليلاً يقود الآخرين ممن تعتمر الغيوم جباههم، أو يمزق بطن الليل ويخرج الشمس منه لتبقى مضيئة حتى تحرق العيون التي لا تعيش إلا في الظلام الدامس. لكن الليل ابتلع الشمس كعادته، والمغفلون ما زالوا ينتظرون أن يصاب ذلك الصعلوك بلعنة الجبل التي يخافونها، ويشكرون الليل أنه يحجب عنهم الجبل حينما يريحهم من رؤيته كل مساء. ودوت في قمة الجبل صرخة أفزعتهم، وإذا بالنار تشتعل في القمة والبرق يمزق السماء، وإذا بهم تتهلل أساريرهم، لكن الصرخة لم تنته، والنار بدأت في الانحدار بشكل سريع، وصوت (صابر) يرتفع، والنار تلتهمه، فقذف بنفسه من قمة الجبل، وقبل أن يصل الأرض استيقظ من حلمه، وإذا بالشمس قد اشتدت حرارتها، والشجرة لم تعد تظلله وهو يلهث من شدة العطش، وعيناه في اتجاهين مختلفين إحداهما ترمق قمة الجبل، والأخرى تتمعن قبر الغريب والغيمة السوداء بينهما لم تمطر، وحينما كرر نظرته وجد أمه وإخوته يحولون بينه وبين رؤية الجبل وعمه يبتسم بجوار قبر الغريب.

стр. 2173

نص شعري ابتسم فأنت.. مسلم ! ! شعر:مشتاق حسين حَطّمِ العودَ مُثيرَ الشجَن ... نَغمَةُ الحُزنِ مُجاجُ الأذُنِ ازْرَعِ البَسْمَةَ في الكونِ ولا ... تَقْتُلِ الحُسْنَ بِخَلْقِ الحَزَنِ كُنْ سَفيرَ السّعْدِ في كَوْكَبِنَا ... بِابْتسَامٍ مِثلَ طه فَكُنِ كانتِ البَسْمَةُ لا تَهجُرُه ... ابْتسامُ المَرْءِ بعضُ السّنَنِ رُتّبَ الأجْرُ على البَسْمَة وال ... عَبْسُ بئسَ الفِعْلُ بخسُ الثمنِ بَسْمةُ الطْفلِ يَراعٌ عَجَبٌ ... تنقلُ القَفْرَ إلى روضٍ سَنِي فَاعْزِفِ اللّحْنَ بأوتَار الهُدى ... ثمّ في بِشْرٍ أخَيّا غَنّنِ يَصْدَحُ البُلبلُ في السجنِ كما ... يُبدِعُ الحُرّ بأعْلَى الفَنَنِ كُنْ سَمَاءً حينَ تَبكي فَرَحاً ... دَمْعُها الحُلْوُ حَياةُ المُدُنِ وغَمَامُ الحُزْنِ يبكِي مَطَراً ... حَامِضاً يُهْدي الرّدَى في سَننِ نِعمةُ النّسْيانِ أغلَى المِنَنِ ... لَفّتِ الأدْمُعَ مِثْلَ الكَفَنِ أنَا لمْ أدْعُكَ أنْ تَضْحَكَ في ... مَأتم أوْ سَوْدَةٍ في الفِتَنِ أو تظُنّ الطّودَ أدْنَى حَجَرٍ ... أوْ تَخَالَ العِطْرَ وَسْطَ النّتَنِ أنْتَ إنْ لَمْ تَكُ ذِكْرى أمَلٍ ... أيها المسلم فِينا فَمَنِ؟ !

стр. 2174

البيان الأدبي صوت جديد: أمتي شعر: د. علم الدين مصطفى وطريقكِ المفروشِ بالأشْواكِ؟ ! ... أَوَصَلتِ رغم الجُهدِ والإنهاكِ والذارفاتِ دماً هُما عيناكِ؟ ... وخُطاكِ تلكَ المثقلاتِ مِنَ الأسى أم في الترابِ الوهنُ قَدْ واراكِ؟ ... هَلْ شانَ وجهَكِ ذلّهُ وهَوَانُهُ وسَقَاكِ مُرّ كؤوسِهِ فرواكِ؟ ... أم ذا صَغَارٌ قدْ كساكِ بثوبهِ مَنْ عَنْ طريقِ الرّشْدِ قد أعْماكِ؟ ... باللهِ مَنْ في الوَحْلِ قَدْ ألقَاكِ؟ تَبّتْ يدا جَزّارِكِ السّفّاكِ! ... مَنْ فيكِ قد ذبحَ السماحةَ والتّقَى؟ يا ويلَهُ من كاذبٍ أفّاكِ! ... مَن قالَ إنّكِ قد طوتكِ يَدُ الرّدَى؟ سفحَ الدموع على عهودِ صباكِ ... فكفاكِ مِن هَذا البُكاءِ وَوَدّعِي في ليلِ تيهٍ طالَ فيه سُرَاكِ ... ها آذنَ الفجرُ الجميلُ بنورِهِ هذا صداهُ سارَ في الأفلاكِ ... صوتٌ جديدٌ أمّتي ناداكِ دنسَ السنينِ، فإنهُ آذاكِ ... فلترفعي عنك القناعَ وتنفضي ومآثراً جادَتْ بها كفّاكِ ... قُومِي أعيدي للدّنا ذكراكِ ومفاخراً شهدتْ بها أَعْدَاكِ ... فضلاً وعدلاً، رحمةً وهدايةً قد كانَ بالعزّ الأثيلِ سقاك ... عودي لمنبعكِ الأصيلِ فطالما دكّت حصونَ البغي والإشراكِ ... أبطالُكِ الغُرّ الكرامُ ألم تكنْ لم يعرفوا نورَ الهُدى لَوْلاكِ ... أوَ لمْ تكوني للورى بدرَ الدّجى والخيرُ والإيمانُ غرسُ يَدَاكِ ... بَدّدْتِ بالقرآنِ ظُلمةَ كونِهِم رَفعتْ قديماً في الوجود لِوَاكِ ... فاعطِ القيادَ لِعُصْبةِ الحقّ التي خيلَ الجهادِ إلى رفيعِ ذُراكِ ... هُبّي وبِسْمِ اللهِ ربّكِ فارْكبي

стр. 2175

المسلمون والعالم اتفاقية التجارة العالمية GATT قراءة في تقرير.. وأسئلة ملحة ... بقلم: ياسر قارئ إدراكاً منهم لصعوبة المواجهة العسكرية مع المسلمين في ظل راية الجهاد، عدل أعداء الإسلام إلى وسائل أشد فتكاً وأقل إثارة لقمع المارد الإسلامي ودحضه ورده إلى موقعه الذي يليق به كما يتخيلون؛ وأنشطة المنظمات الدولية التي ترعى تلك الوسائل والأساليب مجهولة إلى حد كبير لدى كثير من المثقفين داخل حدود أوطانهم وخارجها، ومتابعة ذلك تبدي لك حجم الفراغ والهوة التي بيننا وبين المخططات العالمية للانقضاض علينا من كل حدب وصوب؛ وما ذاك إلا بسبب عدم إلمام الكثيرين أو عدم اكثراثهم بتلك المؤسسات؛ تقليلاً لشأنها أو لندرة المصادر التي تحكي واقعها في ظل التعتيم الإعلامي عن سياسات القوم والانصراف إلى البرامج الرياضية والمجلات النسائية الرحبة، من أجل ذلك كله أسوق إليك أخي القارئ الكريم ملخصاً موجزاً لما احتواه تقرير غربي [*] عن الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة، التي يرمز لها اختصاراً بـ، التي تمخضت عنها (منظمة التجارة العالمية) . يحتوي التقرير على ثلاثة وعشرين فصلاً، يتحدث الأول منها عن نشأة الاتفاقية والجولة الأخيرة المعروفة باسم (أوراجواي) (وهي الدولة التي انبثقت منها الاتفاقية عام ١٩٨٦م) ، ثم تغطي الفصول من الثالث وحتى الحادي عشر الاتفاقات المتعلقة بالزراعة، والمنسوجات، والملابس، والخدمات، والاستثمارات، والملكية الفردية، وتسوية المنازعات، والدعم، والرسوم، والضمانات، وسياسة الإغراق، بينما يركز النصف الثاني من التقرير على آثار هذه الاتفاقيات على كل القطاعات السابقة.. (من ١٢- ١٥) ، ثم على دول أوروبا الغربية والاتحاد السوفييتي (السابق) ومنطقة آسيا الباسفيكي، وأمريكا الشمالية واللاتينية، فالشرق الأوسط وإفريقيا (١٦ ٢٢) ، أما الفصل الأخير فيلقي الضوء على المنظمة العالمية ومستقبلها. يصطدم القارئ من العالم الثالث من الصفحة الأولى بحقيقة هذه الاتفاقية وأثرها؛ إذ يتعجب المؤلفان من تغير توجهات الدول النامية وانضمامها إلى المفاوضات في الوقت الذي كانت تمر فيه الجولة بانتكاسات ومصاعب جمة، على الرغم من الخسائر التي ستتعرض لها تلك الدول (وهي المستوردة للغذاء) على المدى القصير، هذا بالإضافة إلى دور الاتفاقية في انتقاص جانب السيادة على السياسة الداخلية للدولة، على الرغم من عبادة تلك الدول وتقديسها للاستقلالية السياسية! ! (ص١٣) ، وليس هذا فحسب، بل ستكون المنظمة الشريك الثالث لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في وضع السياسات العالمية، كما عبر عن ذلك (بيتر سذر لاند) مدير عام الاتفاقية (ص٤) ، فضلاً عن اختلاف الخبراء حول الجدوى الاقتصادية للاتفاقية على مدى العقد القادم؛ بسبب زيادة نمو التكتلات الاقتصادية الإقليمية القوية؛ الأمر الذي يؤذن باندلاع الحروب التجارية بين الدول (ص٦) . أما أهم مكاسب هذه الجولة الأخيرة فهي: دخول مجالات الزراعة والمنسوجات ضمنها، وتطبيق الجزاءات ضد الدول المنتهكة لأحكام الاتفاقية، وفي هذا الصدد: فقد أعلنت أمريكا عزمها على استغلال حق المطالبة بالتعويض أو فرض العقوبات التجارية (في حالة فشل الوصول إلى حل مع المخالفين) إلى أقصى أبعاده (ص٢) ، فإذا كان هذا توجه الدولة التي تقود العالم، فماذا عسى التابعين أن يفعلوا؟ ! بدأت جولة أوراجواي سنة ١٩٨٦م، وهي الثامنة، إذ عقدت الجولة الأولى في جنيف عام ١٩٤٧م بعد نهاية الحرب الكونية الثانية بمشاركة ثلاث وعشرين دولة، وبمرور الوقت ازداد عدد المشاركين، وبالتالي: طول فترة انعقاد الجولة بسبب تشعب المواضيع والخلافات حتى اختتمت في سنة ١٩٦٣م وقد وصفها (سذر لاند) بأنها لحظة حاسمة في التاريخ الحديث (ص١) ، فلماذا؟ لقد استنتج الساسة الأمريكيون: أن انهيار التجارة الدولية، وزيادة عدد التكتلات التجارية، بالإضافة إلى التصعيد الجمركي الذي عمق الكساد وتسبب في قطبية التجارة الدولية: هما سببا قيام الحربين العالميتين (ص٩) ؛ لذلك: فإن قيام نظام دولي للتجارة سوف يقلل من فرص الحرب في الوقت الذي تملي فيه أمريكا شروطها بحكم أنها المنتصرة في الحربين والدولة ذات الوزن الاقتصادي الأثقل في العالم، بمعنى آخر: فإن نظام التجارة المطلوب والمتوقع هو الذي يحقق مصالح الدول الكبرى فقط! ثلاث نقاط مهمة: سوف أضرب صفحاً عن الفصول التي تتحدث عن الاتفاقيات ذاتها (٣١١) ، وذلك لكونها معلومات وإحصاءات علمية صرفة، وكذلك لإبقاء الموضوع مختصراً قدر الإمكان، خاصة وأن الهدف المنشود هو: بيان أثر تلك الاتفاقيات التي هي فرع عن مضمونها، إلا أن هناك ثلاث نقاط ينبغي التوقف عندها مليّاً: الأولى: فيما يتعلق بالزراعة، يقول التقرير: إنه على الرغم من الصراع بين أوروبا وأمريكا واليابان واستراليا ونيوزيلندا (أين الدول النامية؟) ، إلا أن الحل النهائي يمثل في تحرير القطاع الزراعي في ثلاثة مجالات، هي: النفاذ إلى الأسواق، والدعم المحلي، ومنافسة الصادرات، كما تتضمن النتائج طلباً بمعالجة خاصة لوضع الدول النامية (ص٢١) . إن الأمر في غاية الوضوح: فالدول المتنفذة تفرض سياستها، وما على المعدومين إلا التقدم بطلب الاسترحام، وإلا فالأسواق يجب أن تفتح، والدعم يجب أن يرفع، وإلا ستبادر أمريكا إلى استخدام حقها في الرد المناسب على المخالفين لبنود الاتفاقية كما ذكرنا. فهل ستكون هناك زراعة محلية مستقبلاً؟ وما هو حجم الخطر الذي يشكله الاعتماد على الواردات الزراعية، وبالذات في مجال استقلالية القرار والدار؟ . النقطة الثانية: وهي تكشف مدى مأساوية الواقع الذي تعيشه الدول النامية، إذ تصف الأمم المتحدة في تقريرها لعام ١٩٧٥م: أن براءات الاختراع تأتي من خمس دول متقدمة فقط، وهذا يعني أن حماية حقوق الملكية الفكرية سوف تساهم في زيادة عجز الميزان التجاري بين الدول المتقدمة والنامية، وعلى الرغم من مقاومة أمريكا وأوروبا لهذا القرار المجحف، إلا أنهما خضعتا لضغوط شركات صناعات الأدوية والملابس من أجل مراقبة وحماية تلك الحقوق (ص٤٥) ، وهذا يعني إبقاء العلاج والكساء بعيداً عن متناول أيدي المحتاجين في العالم النامي، فبعد الزراعة جاء دور الطب، لكن صبراً.. أليس هناك منظمات غربية خيرية تسد هذا الفراغ؟ الجواب نعم، لكن.. ما الثمن الذي تطلبه في المقابل؟ النقطة الثالثة: وتظهر حقيقة تلاعب الدول الكبرى بالاقتصاد العالمي وقوانينه بصورة لا لبس فيها، فالطائرات مثلا تكلف كثيراً في صناعتها، وبالتالي: هي صناعة توصف بأنها احتكارية، لكن أوروبا ممثله ببعض دولها أسست شركة (إيرباص) ودعمتها ماليّاً لتتحدى بها الهيمنة الأمريكية على الطيران والفضاء، خاصة وأن أمريكا تدعم الشركات المصنعة لديها من خلال الإعانات العسكرية غير المباشرة، وكلاّ من أوروبا وأمريكا خالفا نظام التجارة العالمي، ولم يتعرضا لأي عقوبات (ص٧٤) . ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها هنا، لماذا يتنافسون وهم على مذهب اقتصادي واحد وملة دينية واحدة؟ ولماذا لا يعاقبون على خرقهم للقانون الذي فرضوه على العالم بأسره؟ ومتى تكون للدول النامية سياسة مستقلة ومُجْدية كهذه؟ ! من آثار الاتفاقية الخطرة: يخوض التقرير بعد ذلك في آثار الاتفاقية على الزراعة والصناعة والحواجز غير الجمركية وقطاع الخدمات، فأوروبا مثلاً تساهم في تصدير ٤٧% من إجمالي الصادرات الزراعية العالمية، ولكن ٩٠% من تلك الصادرات لا تتعدى أوروبا الغربية! (ص٧٧) ، أليس هذا هو الأمن والتكامل الغذائي الذي ترعاه أوروبا؟ ثم: إن دعم الدول الصناعية لزارعيها سيقلل من حصة الدول النامية من هذه التجارة، في الوقت الذي سترتفع فيه أسعار الصادرات الزراعية الأوروبية، وتتفق الدراسات العلمية على حتمية هذا الارتفاع في الأسعار، وبالتالي: فإن الخاسر الأكبر هو الدول الإفريقية والآسيوية، بينما ستمتلئ جيوب الفلاحين في أمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا (ص٨١ - ٨٢) . أما في مجال الصناعة فإن استفادة الدولة النامية وبخاصة في مجال الملابس والمنسوجات والأغذية والمواد الخام طفيفة جدًّا، بيد أنها ستحدث انتعاشاً في صناعة الحديد والصلب والمعدات الصناعية والكيميائية والسيارات في أوروبا وأمريكا (ص٩٢) ، وهذا يذكر بالمثل القائل (ما تجمعه الذرة في سنة يأخذه الجمل في خُفّه) ! كما يشير تقرير الأمم المتحدة سنة ١٩٨٨م إلى أن التأثير الإجمالي للحواجز غير الجمركية على الواردات من الدول النامية أكبر منه على واردات الدول المتقدمة التي تستخدم هذا الأسلوب لحماية قطاعات الأغذية والحديد والمنسوجات والسيارات في بلادها (ص٩٤) ، والأعجب من هذا الانحياز الغربي أو العداء المستحكم أو التعالي الأوروبي العرقي هو: زيادة نسبة الحواجز غير الجمركية على القطاع الذي يتوقع الفقراء الاستفادة منه، ألا وهو قطاع الملابس: وذلك بسبب وفرة ورخص الأيدي العاملة، وتوفر المواد الخام وقلة تكلفتها (ص٩٥) ، بعبارة أشد وضوحاً: إن الدول المتقدمة عاقدة العزم على إبقاء الدول النامية في حالة التبعية المطلقة إلى أجلٍ غير معلوم، طالما استمرت الأخيرة في الاستماع إلى نصائح الخبراء الغربيين وإقصاء الناصحين المخلصين، ويؤيد التقرير هذه النظرة القاتمة بتأكيده على استفادة أوروبا في المجالات الصناعية عموماً، مما يعني استمرار ارتفاع مستوى المعيشة في الغرب وانخفاضه في الشرق (النامي) ، وبالتالي تعميق الفجوة الحضارية أكثر فأكثر! وليست مجالات الخدمات والاتصالات والمدارس والمصارف والمستشفيات والمواصلات بأفضل حال من سابقيها فيما يتعلق بالعالم الثالث؛ إذ سيكون نصيب الأسد للدول المتقدمة، بينما يتوزع الفقراء فتات السياح الذين سيتدفقون إلى العالم (النامي) للفرجة على عالم البؤس والضياع الإنساني (ص١٠٦) ، وهنا نقف مع ما تنطوي عليه السياحة ومفهومها لدى (الخواجات) من إسفاف وانحلال وفجور ورذيلة سينجرّ إليها العالم (النامي) ، وينطق لسان الحال: (حشف وسوء كيل) ، لكن من المقصود؟ ! ينتقل التقرير بعد ذلك لتوضيح آثار الاتفاقية على دول العالم مبتدئاً بأوروبا الغربية، فالبشائر بالنسبة لدافعي الضرائب هناك كثيرة، منها: انخفاض أسعار السلع الزراعية والأعلاف، مما يفيد شركات التعليب ومعالجة الأغذية وتجار المواشي (ص١٠٨) ، هذا بالإضافة إلى تراجع نسبة الضرائب على المواطنين بسبب رفع الدعم الحكومي عن قطاع الزراعة، بينما ترفض دول الاتحاد الأوروبي تحرير الخدمات التجارية: كالإعلام، والسينما، والفيديو حسب ما تنص عليه الاتفاقية والسبب هو: حجم ذلك القطاع؛ إذ يشكل نصف صادرات العالم ... (ص ١١١) ، ونتساءل عن الحرية والتعددية (والآخر) عند دول غرب أوروبا، لأننا قد تعلمنا مما سبق ألا نسألهم عن احترام الاتفاقية التي أبرموها. ثم إن خسارة دول هذه المنطقة تكمن في قطاع المنسوجات والملابس الذي ستستحوذ عليه البرتغال وإيطاليا وتركيا؛ بسبب رخص الأيدي العاملة، كذلك ستنافس الشركات غير الأوروبية مثيلاتها في قطاع الكيماويات، في الوقت الذي تبدو فيه الصناعات ذات التقنية العالية في طور الأفول، بسبب قلة الإنفاق الحكومي على برامج الأبحاث والتطوير اللازمة. على الطرف الآخر: نجد أن دول أوروبا الشرقية (سابقاً) ستربح كثيراً من تصدير السلع الزراعية للخارج، وبخاصة: القمح، والسكر، واللحوم، والألبان، ومنتجاتهما، كما أن بعض الدول مثل: بلغاريا، وبولندا، ورومانيا، والمجر، وروسيا، تمتلك ميزة نسبية في مجال الحديد والصلب، سوف تساهم إضافة إلى الاستثمارات الأجنبية المتدفقة في تنشيط قطاع الصناعة (ص١١٣) ، ولا نملك إلا أن نقول: إن الغرب ماضٍ في الاهتمام بمحيطه الجغرافي وامتداده التاريخي والديني الطبيعيين، وهناك شواهد أخرى على ذلك: كالأحلاف والمنظمات الأمنية والاقتصادية التي استحدثت مؤخراً. يسوق التقرير البشارة إلى شريك أوروبا الأكبر وهو الولايات المتحدة: بأن الضرائب سوف تنخفض بسبب تخفيض الجمارك على الرغم من قلة الإنتاج وزيادة الاستهلاك ورفع الدعم الحكومي؛ لأن الاستيراد سوف يلبي حاجات أبناء (العم) وبأسعار زهيدة، بينما ستساهم الجمارك المحلية المخفضة في إنعاش القطاع الصناعي، إلا أن أعظم الفوائد بالنسبة لأمريكا سوف تأتي من قطاع الخدمات ... (ص ١٢٤) ، ولن تكون الحديقة الخلفية لأمريكا بأقل حظّاً من جارتها العظمى، إذ إن سياسة دول أمريكا اللاتينية التصديرية وارتفاع الأسعار العالمية ستنعشان اقتصاديات تلك الدول في مجال الزراعة والمعادن والمنسوجات والحديد والصلب والجلود والأحذية والسياحة والسفر (ص١٣١) . دول الشرق الأوسط والاتفاقية: يستعرض المؤلفان بعد ذلك منطقة الشرق الأوسط في ظل الاتفاقية الجديدة ويؤكدان ما قالاه في بداية التقرير من محدودية الأثر؛ وذلك بسبب استبعاد الهيدروكربونات (النفط ومشتقاته) من جولة المحادثات، كما أن ارتفاع أسعار السلع الزراعية سيؤدي إلى زيادة سوء حالة المنطقة في الوقت الذي تغنم فيه إسرائيل من الاتفاقية لكونها مصدراً للخضروات والفواكه، ولقلة وارداتها الزراعية (ص١٣٧) ، ثم إن تواضع القاعدة الصناعية للمنطقة، يقلل من فرص استفادتها في مجال التصنيع تحت الظروف الجديدة، بينما ستترك حقوق الملكية الفكرية وإجراءات الاستثمار آثارها على المنطقة. وعلى الرغم من عدم جدوى الاتفاقية لدول المنطقة إلا أن هناك سببين رئيسين للانضمام إليها حسب رأي المؤلفين: الأول: هو النفاذ إلى الأسواق الدولية في مجال التصدير، والثاني: هو جذب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة والعامة، وهذا يعني استمرار مسلسل الانقياد إلى شروط وأهداف الدول الدائنة، التي لا تختلف عن تلك التي ينشدها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثم: ما هى الصادرات التي تحرص المنطقة على استمرار تدفقها؟ ! إذ هي فقيرة صناعيًّا، وعالة زراعيًّا على غيرها، ومسلوبة (جيولوجيّاً) . دول إفريقيا والاتفاقية: لا تختلف إفريقيا كثيراً عن الشرق الأوسط من جهة استفادتها من الاتفاقية؛ إذ هي تحتاج إلى وقت طويل من الإصلاحات الزراعية حتى تجني ثمار حرية التجارة وارتفاع أسعار السلع الغذائية والزراعية، لكن الشمال الإفريقي لديه فرصة في مجال المنسوجات والملابس إذا تمكن من تحسين البنية التحتية للبلاد، الأمر الذي يتطلب مبالغ طائلة جدّاً (ص١٣٩) ، ولكن التقرير يبشر بزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر على أي حال، مما يعني زيادة في إغراق المنطقة وإرهاق الشعوب ورهن أجيال المستقبل بالديون الخارجية. التحديات التي تواجه الاتفاقية: يحدثنا الفصل الأخير عن هيكل المنظمة الوليدة، ثم عن التحديات التي سوف تواجهها، وعلى رأسها الحاجة إلى وضع قواعد للاستثمار الأجنبي على الرغم من استحسان الدول النامية له وركضها خلفه، وكذلك: مكافحة الاحتكار العالمي، وعلاقة التجارة والبيئة، وحقوق الإنسان والعمال (عارضتها الدول النامية ضمن جوله المناقشات سنة ١٩٨٦م رغبة في استمرار زيادة الأرباح في ظل غياب مراقبة وشروط النقابات) والتكتلات الإقليمية وأثرها على حرية التجارة (ص١٤٣-١٥٢) . بهذا انتهى التقرير.. وتبرز الأسئلة الملحة فيما يتعلق بالاتتفاقية وأطرافها المتفاوتين في القوة السياسية والاقتصادية. فلماذا تخضع دول العالم بأسرها لقوانين لا يحترمها مشرعوها؟ ولماذا تختار الدول المتقدمة الطرق القانونية لفرض رغباتها على العالم النامي أو فيما بينها؟ أَلأَنها أكثر حضارية من وسائل القوارب المسلحة التي اتبعها المستعمرون القدامى؟ أم لإيجاد مبرر قانوني يقضي بمعاقبة المخالفين، والذين يتوقع زيادتهم مستقبلاً في ظل بروز أجيال ترفض الخضوع والتبعية وتنشد الاستقلالية؟ . لعل الجواب الذي توصلتُ إليه يشير إلى قيام أمم متحدة اقتصادية لتحل محل نظيرتها العسكرية في مرحلة الوفاق الدولي الجديد، وندعو ونرجو! ! ألا تكون ظالمة كسابقتها، إلا أن المتعارف عليه هو أن الأفعى تغير جلدها ويبقى السم في أنيابها.

стр. 2176

المسلمون والعالم المسلمون في أوغندا تاريخ وتحديات بقلم: زياد صالح لو بانغا تمهيد: إفريقيا الخضراء (جنوب الصحراء الكبرى) ، يعتبرها المستعمرون الأوائل ومن خلفهم من جماعات التنصير التي ربت نفراً من أبناء إفريقيا ونصّرتهم وجعلتهم حكاماً، يعتبرون تلك المناطق حكراً على النصرانية، مع أن جل تلك المناطق سبق أن حكمتها دول إسلامية قديمة، وكثير من أهلها مسلمون، وأوغندا نموذج لتلك الدول التي نرى من تاريخها القديم ما يؤكد إسلاميتها حتى عصر متأخر جدًّا، وسنرى كيف تمزق المسلمون فيها، وفتح المجال لفئات منحرفة منسوبة إلى الإسلام للعمل بها حتى حكمها (نصراني متغطرس) ، نلمس حقده في تصريحاته ومواقفه الأخيرة، وفي هذا المقال بيان لحال هذه الدولة والتحديات التي واجهتها ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - أولاً: تعريف بأوغندا جغرافيّاً: موقعها الجغرافي: تقع دولة (أوغندا) في الوسط الشرقي للقارة الإفريقية، على خط الاستواء، ولها خمس جارات من الدول: تجاورها دولة (كينيا) شرقاً، ... و (زائير) غرباً، و (السودان) شمالاً، و (تنزانيا) و (رواندا) جنوباً، ولعدم إطلالها على البحر، انتظمت في مجموعة الدول البرية الحبيسة، التي ظلت سنين طويلة دون أن تطأها الأقدام الأجنبية، مما ساعدها على المحافظة على أصولها البشرية؛ فسكانها أفارقة أقحاح، ينتمون إلى قبائل (البانتو (، و (النيليين) ، و (لووا) [١] . سبب تسميتها: أطلقت عليها بريطانيا (يوغندا) نسبة إلى مملكة (بوغندا) إحدى الممالك التي كانت تتكون منها أوغندا قبل اتحادها، غير أن الدكتور (محمد سيد محمد) ذهب إلى أن تسميتها راجعة إلى اشتقاق كلمة (يوغندا) من اسم إحدى ممالكها (بوغندا) ، فأصل الكلمة بلغة البانتو: (غاند) ، وكلمة (باغندا) معناها: قبيلة الغاند، وتسمى لغتها (لوغندا) : ويطلق على بلادهم (بوغندا) ، واعتاد المستكشفون القادمون من ساحل شرق إفريقيا استخدام المقطع الأول في اللغة السواحلية وهو (أو (، فأطلقوا على البلاد (أوغندا) ، وهو ما أطلق بعد ذلك على كل المناطق التي أدمجت في محمية أوغندا [٢] ، وهو رأي وجيه، يدل على أن التسمية محلية وليست أوروبية. مساحتها: تبلغ مساحتها حوالي (٤١٠ر٢٤٣) كم٢، تغطي المياه منها ١٥%. المناخ: إن كثرة المساحات المائية، وعظم ارتفاعها، وهطول الأمطار على مدار السنة.. كل ذلك ترك أثراً بالغاً في تعديل درجة الحرارة في أوغندا، إذ لا تزيد غالباً على (٢٧) [٣] . أهم مدنها: من أكبر مدنها (كمبالا) ، وهي العاصمة الإدارية والتجارية، ... و (عنتيبي) ، وهي المدينة السياسية، وبها المطار الدولى، و (جنجا) ، وهي المدينة الصناعية، ومنها ينبع نهر النيل أطول نهر في العالم، و (إمبالي) ، وفيها أنشئت الجامعة الإسلامية، التي افتتحت سنة ١٩٨٨م. ٦- استقلالها: دخلت أوغندا تحت الاحتلال البريطاني سنة (١٣٠٨هـ ١٨٩٠م) ، وظلت تابعة لحكمه اثنين وسبعين عاماً، وأخذت استقلالها سنة (١٣٨١ هـ ١٩٦٢م) . [٤] عدد سكانها: يبلغ عدد السكان في أوغندا الآن حوالي (١٧مليون) نسمة [٥] ، يترواح عدد المسلمين فيها بين (٣٥%٤٠%) [٦] ، وعددهم في ازدياد مطرد. ثانياً: دخول الإسلام في أوغندا: ظلت (أوغندا) ردحاً من الزمن بلداً وثنيّاً، حتى منّ الله عليها بالإسلام، حين دخلها سنة (١٢٦٠هـ ١٨٤٤م) ، ويعتبر الإسلام أول دين سماوي شق طريقه إليها؛ ليخرج الناس من عبادة الأوثان والطواغيت إلى عبادة الله الواحد القهار [٧] ، وقد أخذ دخول الإسلام في هذا البلد مكاناً رئيساً في تاريخه، إذ المؤرخون كلهم يبدؤون عنده، وليس هناك من الحفريات أو الآثار ما يتحدث عن هذا البلد قبل الإسلام، ومن هنا.. كان لزاماً على المسلمين أن يهتموا بهذه البقعة وسائر البقع الإفريقية وغيرها، لعدة أمور، منها: ١- انتشار الإسلام: انتشر الإسلام في أكثر مناطق القارة الإفريقية بسرعة فائقة؛ حيث أصبحت نسبة المسلمين فيها هي الغالبية العظمى، فقد وصلت إلى ... (٧ ر٥١%) ، وقيل (٥٧%) [٨] مما يدل على أن هذه القارة إسلامية من حيث النسبة العددية، وأن مستقبلها إن شاء الله مستقبل إسلامي مشرق. ٢- أن إفريقيا تتوسط قارات العالم الخمس، وبإمكانها أن تكون همزة وصل بين بقية القارات من حيث نقل الثقافة، والمعرفة، والتجارة.. وغيرها من الحاجات الضرورية للإنسان، أضف إلى ذلك أن أكثر أراضيها خصبة، فلو استغلت كلها في الزراعة والحرث لقل الفقر في العالم كله. وقد دخل الإسلام أوغندا عبر محورين أساسين: المحور الأول: التجار العرب والمسلمون السواحليون، الذين أتوا من شرق إفريقيا، أيام الدول الإسلامية التي قامت في تلك المنطقة في عهد النبهانيين، وإمبراطورية الزنج الإسلامية، ودولة بنى سعيد في (زنجبار) ، وقد دخل هؤلاء أوغندا سنة (١٢٦٠هـ ١٨٤٤م) ، وكان أولهم وصولاً الشيخ/أحمد بن إبراهيم العمري ﵀ ، وذلك في عهد الملك (سونا الثاني) وقد وقف هذا الشيخ ﵀ في مجلس الملك، وتحدث عن الإسلام ومحاسنه وآدابه، حتى اقتنع الملك، فأسلم ومن معه، وتعلم القرآن الكريم، وحفظ منه أربعة أجزاء، إلا أنه لم يعثر على أنه فعل شيئاً يذكر لنشر هذا الدين [٩] . المحور الثاني: العرب المسلمون: حيث انضم عدد منهم إلى الحملات الاستكشافية لمنابع نهر النيل، التي لقيت ترحيباً كبيراً من الملك (موتيسا الأول) ، الذي ورث عرش الملك بعد أبيه (سونا الثاني) ، وقد أسلم هو أيضاً وحسن إسلامه، وطلب من (الخديوي إسماعيل) حاكم مصر أن يرسل له علماء لهداية شعبه، وأبدى هذا الملك حماساً منقطع النظير للإسلام، وعمل على نشره، ليس وسط قومه في مملكة (بوغندا) فحسب، بل تعداها إلى الممالك الأوغندية المجاورة، عندما كتب إلى (كابا ريغا) ملك مملكة (بونيورو (داعياً إياه إلى الإسلام، كما حث أمراءه في مملكته وشعبه كله على اعتناق هذا الدين الرباني، وإقامة شعائره الدينية، وتشييد مساجده، ومنح المسلمين السواحليين مشيخات وولايات؛ لتدبير شئونها الدينية، كما أدخل التقويم الهجري في أنحاء مملكته، وأمر الناس بالتحلي بآداب الإسلام وأخلاقه: في معاملاتهم اليومية، وشؤونهم الاجتماعية [١٠] . وهكذا انتشر الإسلام في ربوع أوغندا، وكان انتشاره في مملكة (بوغندا) أقوى من أي مملكة أخرى مما جعل التيارات الوافدة تتآمر عليها لتمنع المد الإسلامي المتدفق منها، ولولاها لكانت ممالك أوغندا كلها مسلمة، ولكانت بمثابة ركيزة إسلامية كبيرة في منطقة الشرق الإفريقي كلها، وقد دام عهد (موتيسا الأول) ثمانية وعشرين عاماً؛ أي: من سنة (١٢٧٣هـ ١٨٥٦م) إلى سنة (١٣٠٢هـ ١٨٨٤م) [١١] . ثالثاً: مراحل انتشار الثقافة الإسلامية وتحدياتها: ويمكن تقسيم هذه المراحل إلى ثلاث، وهناك تحديات كثيرة واجهت كل مرحلة، وسنذكر بعضها بإيجاز، وهذه المراحل هي: ١- المرحلة الأولى: من وقت دخول الإسلام في أوغندا سنة (١٢٦٠هـ ١٨٤٤م) إلى سنة (١٣٩١هـ ١٩٧١م) . ٢- المرحلة الثانية: من سنة (١٣٩١هـ ١٩٧١م) إلى سنة (١٣٩٩هـ ١٩٧٩م) . ٣- المرحلة الثالثة: من سنة (١٣٩٩هـ ١٩٧٩م) إلى سنة (١٤١٦هـ ١٩٩٦م) . الثقافة الإسلامية وتحدياتها من (١٢٦٠هـ ١٨٤٤م) إلى (١٣٩١هـ ١٩٧١م) : قبل أن أتطرق إلى الثقافة الإسلامية في هذه الحقبة من الزمن، أود أن أكمل الشوط مع القادة والملوك، لتتضح الصورة التاريخية جيداً، فقد ورث (موانغا) أبيه (موتيسا الأول) سنة (١٣٠٢هـ ١٨٨٤م) ، ولم يكن في قوة أبيه من التمسك بالدين، بل إن انحيازه إلى الإرساليات التنصيرية دليل واضح على تحوله عن الإسلام، صحيح أن أباه في نهاية عهده، هو الذي أذن للإرسالية البروتستانتية بدخول أراضيه سنة (١٨٧٧م) ، ثم أذن للإرسالية الكاثوليكية بعد ذلك سنة (١٨٧٩م) ، لكن عهد (موانغا) امتلأ بالحروب ضد الإسلام والمسلمين، ففي سنة (١٨٨٩م) توحدت الإرساليتان لمحاربة المسلمين، وألحقت بهم هزيمة مؤلمة، أجبرتهم على التقهقر إلى (يونيورو (في المملكة المجاورة، ولم يحرك ذلك ساكن (موانغا) . كما أنه في سنة (١٨٩١م) هاجم المسيحيون المسلمين في حدود مملكة (يونيورو (وقتلوهم شر قتلة، وكان ذلك بمرأى ومسمع من (موانغا) ، وقد دام ملكه حتى سنة (١٣١٥هـ ١٨٩٤هـ[١٢] ثم تلاه حكام نصرانيون، حتى آخر المرحلة، فقد تلاه ابنه (داودى شوا) سنة (١٣١٥هـ ١٨٩٤م) ودام ملكه حتى سنة (١٣٦٠هـ ١٩٣٩م) [١٣] ، ثم اعتلى العرش ابنه (إدوارد فريدريك موتيسا الثاني) ، وفي عهده في عام (١٣٦٩هـ ١٩٤٨م) بدأت الأحزاب الوطنية تتكون للمطالبة بالاستقلال عن بريطانيا، وفي سنة (١٣٧٣هـ ١٩٥٢م) طالب الملك (موتيسا الثاني) بالحكم الذاتي من بريطانيا، فمنحته ذلك سنة (١٣٨٢هـ ١٩٦٢م) وفي السنة نفسها نظمت الانتخابات العامة التي فاز فيها حزب (مؤتمر الشعب الأوغندي) بقيادة الدكتور (ملتون أبوتى) ، فأصبح أول رئيس لأوغندا بعد الاستقلال، وفي سنة (١٣٨٦هـ ١٩٦٦م) اختلف الرئيس مع الملك (موتيسا الثاني) ، فأرسل الرئيس حرسه الخاص للقبض عليه، إلا أنه تمكن من الفرار، ولجأ إلى بريطانيا ليقضي فيها بقية عمره، وتوفي سنة (١٣٨٩ ١٩٦٩م) ، ثم انتهى عهد هذا الرئيس بانقلاب عسكري في سنة (١٣٩١هـ ١٩٧١م) [١٤] وبانتهاء عهده انتهت المرحلة الأولى للتاريخ الأوغندي من حيث القادة والملوك. أما الثقافة الإسلامية فقد انتشرت مع مجيء الإسلام إلى أوغندا؛ حيث أنشئت هناك المساجد والمدارس على نمط الكتاتيب، وكان الذي يتخرج منها يصير عضواً فعالاً في المجمتع الإسلامي، وقد انحصرت تلك الثقافة في المبادئ التي أتى بها المسلمون الأوائل، الذين قدموا إلى أوغندا، وتوقفت صحتها من عدمها على ما كان يحملونه من اعتقادات واتجاهات وأفكار ومفاهيم، وكان لها الأثر البالغ في الأجيال القادمة، التي تربت في كنفهم، وتخرجت على أيديهم. وأيّاً ما كان الأمر، فقد انتشرت الثقافة الإسلامية عبر تعليم اللغة العربية قراءة ونطقاً: إذ هي الأساس في معرفة الدين الإسلامي وفهم عباداته وشعائره، وقضاياه الجوهرية، ولم يكن الاعتماد في تعليمهم إياها، على كتاب معين، إلا ما كانوا يرتجلونه من حفظهم وسليقتهم، حيث كان أغلبهم من العرب التجار، والمصريين الذين أرسلهم حاكم مصر (الخديوي إسماعيل) . وأما علم الفقه، فقد استقوه من بعض الكتب المختصرة في المذهب الشافعي، التي تيسر عليهم حملها في رحلاتهم التجارية، وكان منها: ١- سفينة النجاة. ٢- إرشاد المسلمين. ... ٣- الغاية والتقريب. ... ٤ -الياقوت النفيس. ... ... ٥- هداية الأطفال. ... ٦- المبادئ الفقهية. ٧- عمدة المالك وعدة الناسك، وغير ذلك ... كما أنه في الرقائق والمواعظ، اعتمدوا على: تذكرة الواعظين، ودرة الناصحين، والخطبة المنبرية لابن نباته [١٥] ، فاستطاعوا بذلك أن يضعوا حجر الأساس للثقافة الإسلامية في أوغندا، الذي انطلق منه من بعدهم، فأخدت رقعة الثقافة تتسع بكثرة طلابها، الذين وفدوا إلى مدارس هؤلاء الشيوخ لطلب العلم والمعرفة. والتحديات المواجهة للثقافة الإسلامية في كل مراحلها كثيرة ومتعددة، ولكنى سأوجزها في نوعين: ١- التحديات الداخلية: وأعني بها التي كانت من المسلمين أنفسهم، وعلى رأسهم علماؤهم الأوائل، فإنه على الرغم من جهودهم المشكورة، وفضلهم الكبير في نشر الإسلام في ربوع أوغندا، إلا أنهم اصطحبوا بعض الكتب الخطيرة، التي تحتوي على البدع والخرافات، وعلموها أبناء الإسلام الجدد، فتصور هؤلاء أن هذه الكتب من جملة المصادر التي يُستقى منها الإسلام الصحيح، أضف إلى ذلك: أن وقع اللغة العربية وهيبتها في نفوسهم لكونها لغة القرآن والسنة جعلهم يعتقدون أن كل ماكتب بالعربية متصل بالقرآن، فهو إذن من الإسلام، وبالتالي: يجب توقيره واحترامه. وهذه الكتب شكلت تحدياً كبيراً على عقيدة المسلمين الأوغنديين، وخاصة في موضوعاتها الجوهرية، مثل: (أ) الغلو في الرسول: فإن المسلمين في أوغندا عرفوا نبيهم عبر الكتب التالية: كتاب المولد للبرزنجي، وهو كتاب يحتوي على قصص مولد النبي ﷺ ، مع الغلو في شخصيته مدحاً وثناءً، وقد أصبح هذا الكتاب معظماً جدّاً؛ حيث كانت تقرأ أبوابه في المناسبات الإسلامية، وكان كل مسلم يحرص على اقتنائه، حتى الذي لا يعرف منه إلا اسمه، واستمر هذا الوضع حتى في المرحلة التي تلت تلك المرحلة. كتاب البردة، للبوصيرى، وهو كتاب صوفي، كان صاحبه من الغلاة في الإطراء والمدح لرسول الله، حتى إن بعض مقالاته، تصل إلى الشرك بالله (تعالى) ، وقد كان المسلمون يحفظونه عن ظهر غيب، ويتدارسونه كل ليلة جمعة، وفي رمضان كله. (ب) علم السحر والتنجيم: أما التنجيم فقد استقوه من كتاب الأباجاد، وأما السحر، فقد أخذوه من كتاب شمس المعارف، وكلاهما يحتويان على الضلال والشرك بالله، فإن الأخير ذكر في خاتمته إشارات تلزم البراءة من الله (تعالى) ورسوله، وتعظم الجن والشياطين [١٦] . وهذا يدل على أن الثقافة الإسلامية في تلك المرحلة كانت مهددة بالسقوط والانحطاط؛ لفقدان الأساس من العقيدة والتصور السليم لحقائق الوجود وطرق التعامل معها. ٢- التحديات الخارجية: وأعني بها: التي واجهت الثقافة الإسلامية من قبل التيارات غير الإسلامية، التي اكتسحت البلاد بشكل كبير، وكان على رأسها الاستعمار البريطاني؛ فقد أصيبت الثقافة الإسلامية بنكسة كبيرة، عندما احتلت بريطانيا أوغندا سنة (٣٠٨ هـ ١٨٩٠م) ، وفرضت الحماية عليها سنة (١٣١٢هـ ١٨٩٤م) ، وحولتها إلى مستعمرة تابعة لحكمها ونفوذها، وهذا الاحتلال اتخذ أسلوبيين من التحدي: (أ) تعزيز البعثات التنصيرية: لقد عزز الاستعمار مواجهته للثقافة الإسلامية بالبعثات التنصيرية التي تنافست في العمل على ارتداد الناس عن الإسلام، وعلى رأسهم الملك (موتيسا الأول) ؛ لأنها أدركت خطورة انتماء حاكم أعلى لدين معين وخاصة الإسلام لأنه بذلك يمكنه الحيلولة دون اعتناق قومه أي دين آخر، وفعلاً، تمكنت الإرساليتان البروتستانتية والكاثوليكية من تحويل الملك (موتيسا الأول) عن مناصرة الإسلام وأهله، وذلك بإطلاق شائعات مختلفة، من بينها: أن أتباعه المسلمين يكرهون إمامته في الصلاة، لأنه غير مختتن (وكان من عادات الملوك عدم إراقة شيء من دمائهم، سواء بالختان أو بغيره) وأنه بذلك أخل بسنن الإسلام وتعاليمه، فلما سمع الملك هذا الكلام استدعى مؤذنه ورئيس خدامه وسأله عن ذلك، فردد على مسامعه: أنه وجميع المسلمين يكرهون الصلاة خلفه والأكل معه؛ لأنه لم يتبع سنة الإسلام في الختان، وعلى الفور انزعج الملك بما صدر من المؤذن، وأمر بمحاصرة المسلمين وأحرقهم أحياء في (نامغونغو) [١٧] ، وما أن أحرق هؤلاء حتى أصبحت الثقافة الإسلامية، في غيابة الركود والجمود، إذ لم يلتقطها أحد لينشرها في الأجيال الجديدة، إلا بعض من أنجاهم الله (تعالى) من فتنة هذا الملك. (ب) تشجيع المذاهب الهدامة، وتقديمها بديلاً عن الإسلام الصحيح: كالقاديانية، والإسماعيلية، والبهائية وغيرها، فهذه المذاهب المنشقة عن الإسلام، جاء بها الباكستانيون والبنغاليون والهنود، الذين استقدمتهم بريطانيا وكان أكثرهم يحملون جنسية بريطانية لمد خطوط السكك الحديدية، وحيث إن بريطانيا كانت قد احتلت بلادهم، فقد زاد توافدهم وهجرتهم إلى أوغندا، حتى استوطنوها، وزاولوا التجارة فيها حتى فاقوا أقرانهم المواطنين [١٨] ، وبنوا مساجد ومدارس عرفت بأسمائهم، فهؤلاء مهما أظهروا الإسلام، فإنهم يشوهونه بعقائدهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وتقديم بريطانيا لهم على المسلمين الحقيقيين، إنما يعني ذلك: التحدي السافر للإسلام وتعكير صفو ثقافته وحضارته. وللحديث صلة.

стр. 2177

المسلمون والعالم مجاهدو مورو.. حصاد مرحلة بقلم: التحرير [*] تمهيد: يسود التوتر الشديد منطقة مورو الإسلامية في هذه الأيام، ويتوقع سكانها المسلمون والنصارى وغيرهم أن تندلع نيران الحرب المدمرة في أي لحظة، ذلك أن حكومة (راموس) حشدت قواتها المسلحة البرية والبحرية والجوية في هذه المنطقة، إذ إن سبعين في المئة من جنود القوات المسلحة الفلبينية قد تم نقلهم مع أجهزتهم الحربية إلى منطقة (مينداناو) . ومنطقة (مينداناو) هي المنطقة التي يطلق عليها المسلمون: اسم (مورو) ، وما زالت الحكومة تنقل إليها القوات معللة ذلك بسببين، هما: أولاً: حراسة المشاريع الحكومية في المنطقة، ومنها: اكتشاف منابع النفط، وإنشاء الطرق، واستصلاح الأراضي الزراعية. ثانياً: مواجهة الهجوم الموسع المتوقع من قبل (جبهة تحرير مورو الإسلامية) علماً بأن الحكومة تزعم أن أجهزة استخباراتها استخلصت معلومات أكيدة تفيد أن مجاهدي (جبهة تحرير مورو الإسلامية) سيقومون بهجوم شامل وضربات مفاجئة، والواقع أن حكومة الفلبين الصليبية اتخذت ادعاءها وزعمها المذكورين مبرراً لحشد قواتها في المناطق الإسلامية؛ فبالنسبة إلى مشاريعها المذكورة: فهى مشاريع عادية لا تحتاج إلى أكثر من مئة ألف جندي لحراستها، وأما زعمها بأن مجاهدي (جبهة تحرير مورو الإسلامية) سيقومون بالهجوم الشامل على الفلبين فلا أساس له أيضاً، ولكنها اصطنعت ذلك لتبرير تلك الحشود الضخمة في المنطقة، لمحاولة تحقيق نواياها السيئة من وراء ذلك. والسر وراء حشد القوات معروف، وهو: أن هذه الدولة الصليبية (التي أقامها الاستعمار في منطقة الشرق الأقصى) تحاول أن تحقق نواياها القديمة، وهي القضاء على المسلمين في المنطقة؛ لأن الصليبيين لا يستطيعون أن يتعايشوا مع الموحدين الحقيقيين. الأزمة الاقتصادية المتزايدة: بينما تنشر الحكومة الصليبية قواتها المسلحة في المناطق الإسلامية، تعاني هذه المناطق أزمة اقتصادية شديدة، وقد ارتفع ثمن كل شيء، ومن ذلك: الأرز الذي يعتبر غذاءً أساساً في المنطقة، وبطبيعة الحال فإن الناس يكرهون ارتفاع الأسعار، ولكن هناك شيء آخر أخطر وأشد وأبغض من ارتفاع الأسعار، وهو: ارتفاع نسبة الجرائم وانتشارها، وقد تصاعدت الجرائم مع حشود قوات الفلبين المسلحة في المنطقة، ففي كل يوم يقتل أو يغتال عدد من الناس، وخاصة في محافظتي (ماجينداناو) و (كوتباتو) الشمالية، ولا يكاد يمر أسبوع إلا ويكون قد خُطف أحد الأغنياء أو الموسرين، وقد انتشرت الفواحش وشرب الخمر ولعب القمار وغير ذلك، وتدهور الاقتصاد، وانتشرت السرقة والنهب وجميع أنواع الفساد والإفساد، بالإضافة إلى ما ذُكر: فإن الجواسيس ورجال المخابرات الذين يقومون بأعمال تخريبية خفية وينشرون الشائعات، ويوقعون العداوة بين الناس عن طريق الدسائس وإشعال الفتن؛ مما أدى إلى انتشار الفوضى. المناطق المحررة سالمة: أما المناطق المحررة التي يسيطر عليها المجاهدون، فلم تتأثر أبداً بسموم هؤلاء، ولم تتعرض للفساد، علماً بأن النظام المتبع فيها نظام إسلامي، ولا يوجد فيها آثار الانحراف، ولا تمارس فيها المحرمات: كشرب الخمر، ولعب القمار، وغيرهما من الأمور التي لا يبيحها الشرع. الوضع الدعوي: رغم الظروف الصعبة التي تحيط بالمنطقة والحياة القاسية التي يعيشها دعاتنا، فإن الدعوة إلى دين الله الحق تشق طريقها، فيحسن إسلام المسلمين، ويزداد عدد المسلمين الجدد يوماً بعد يوم؛ حيث يعتنق الإسلام كثير من النصارى والوثنيين بحب ورضا، غير أننا لا نستطيع أن نقدم إحصاءً في هذا التقرير العاجل، ولكننا نوضح هذه الأدلة: أدلة على تحسن إسلام المسلمين السابقين: ١- تزدحم المساجد بالمصلين، وخاصة في القرى التي يسيطر عليها المجاهدون. ٢- كثرة التجمعات الكبيرة للاستماع إلى المحاضرات الإسلامية، ومناقشة المسائل المتعلقة بتعاليم الدين الحنيف. ٣- وجود آلاف مؤلفة من المسلمين في قواعد (جبهة تحرير مورو الإسلامية) ومراكزها؛ للاشتراك في الأنشطة الإسلامية فيها. ٤- انتشار الحجاب في الجامعات العلمانية، والمؤسسات الرسمية، وفي الأسواق والشوارع. ٥- تمسك المسلمين بعقيدة السلف الصالح، وخاصة المجاهدين منهم التابعين لجبهة تحرير مورو الإسلامية، وتركهم البدع والخرافات. ٦- نبذ العادات والتقاليد المخالفة للإسلام. ٧- نمو عقيدة الولاء والبراء، وخاصة لدى المجاهدين. ٨- نمو الوحدة والتضامن، والتعاون على البر والتقوى. من ثمرات الجهود الدعوية للجبهة: ١- توافد عدد كبير من النصارى والوثنيين على المساجد الجديدة لإعلان إسلامهم، مثل المسجد الذي بني في محافظة (بوكيد) . ٢- تسابق زعماء القبائل على تعيين خريجي الدورات الشرعية، لتعليم المسلمين أمور دينهم، وذلك في محافظة (بوكيد) التي يقطنها سكان معظمهم وثنيون. ٣- إقامة مسجد ومدرسة في محافظة (أجوسان) على نفقة أهل الخير. وقد فوجئ المدرسون المعينون في المدرسة: أن معظم التلاميذ الذين التحقوا بالمدرسة من أولاد النصارى والوثنيين، الذين قالوا: إنهم يريدون أن يعتنقوا الإسلام. ٤- وقد أسلم عدد كبير من القبائل الوثنية في محافظة (سرانجاني) ، وفي محافظة (كوتباتو) الجنوبية، ومحافظتي (داباو) الجنوبية والشمالية، ومحافظة (أجوسان) ومحافظة (سوريجا) ومحافظة (زامبرانجا) الشمالية، وقد حضر عدد كبير منهم إلى قاعدة أبي بكر الصديق حيث مقر القيادة العامة للدعوة والجهاد في سبيل الله لحضور دورات تدريبية قصيرة هناك تعقد للمسلمين الجدد. ٥- في هذه الأيام يتوافد على قاعدة أبي بكر الصديق عدد من المسلمين الجدد الحاصلين على الشهادات الجامعية، لأداء الخدمة في التمريض، وفي الزراعة، وغيرهما، ولتلقي الدروس الإسلامية. وما ذكر أمثلة فقط للإنجازات والأنشطة الدعوية التي تشرف عليها (جبهة تحرير مورو الإسلامية) . الوضع الجهادي: كان مجاهدونا منذ عام ١٩٧٠م يلجؤون إلى ما يسمى حرب العصابات، أو حرب الكر والفر؛ بسبب قلة الإمكانات الحربية، وليست لديهم أماكن ثابتة، فكانوا يتنقلون في المناطق الجبلية الغابية، وظلوا على هذا الحال قرابة عشرين عاماً. وقد بدأ الوضع يتغير منذ عام ١٩٩٠م إلى وقتنا الحاضر، وشهدت هذه الفترة تصاعداً كبيراً على صعيد المواجهات المسلحة بين مجاهدينا والقوات المسلحة الفلبينية، وكانت معظم المواجهات لصالح المجاهدين (والحمد لله) . وكانت بداية المواجهات التي انتصر فيها مجاهدونا حول قاعدة أبي بكر الصديق في عام ١٩٩٠م، واستمرت المواجهات الحربية المتقطعة إلى عام ١٩٩٣م، وفي عام ١٩٩٤م كانت المواجهات الحربية في محافظة (كوتباتو) الشمالية، في بلدية كل من (كارمين) و (أليوسان) و (بانيسيلان) . واستولى مجاهدونا على ثلاث من القرى التي يستوطنها النصارى، وفي عام ١٩٩٥م حشدت الحكومة سبعين في المئة من جنود قواتها المسلحة في المناطق الإسلامية، وحاول الجنود الصليبيون أن يحاصروا قاعدة أبي بكر الصديق حيث المقر الرئيس للقيادة العامة لجبهة تحرير مورو الإسلامية كما حاولوا أيضاً أن يحاصروا قواعدنا العسكرية الأخرى، وتقدم مجاهدونا لملاقاة جنود العدو الذين كانوا على أهبة الهجوم الموسع، وعندما شعر العدو أن مجاهدينا قد أتموا سيطرتهم على جميع الأماكن الاستراتيجية في الميدان، وأن جنوده محاصرون: بادر رئيس أركان القوات المسلحة الفلبينية الجنرال (أرتورو إينريلي) بإصدار أوامر إلى قواته المسلحة بالانسحاب، وانسحب جنوده فعلاً، وأما مجاهدونا فبقوا في مواقعهم ولا يزالون ثابتين فيها حتى الآن، وتقدم بعضهم قليلاً. آثار انسحاب الجنود الصليبيين: كان لانسحاب الجنود الحكوميين آثار طيبة في وضع الجهاد بخاصة، وفي وضع المسلمين بعامة، وأهمها ما يلي: ١- رفع معنوية المسلمين المستضعفين الذين اعتادوا الهروب أمام جنود الكفار، وهذه هي المرة الأولى في هذه البلاد منذ خمس وعشرين سنة أن ينسحب عشرات الآلاف من جنود الكفار أمام المجاهدين، وكان المألوف أن يهرب الناس أمام هؤلاء الجنود. ٢- ارتفاع الأمل في النصر، وقد كان كثير من المسلمين المستضعفين يرون أن النصر على جنود الحكومة المزودين بالأسلحة المتطورة أمر صعب، وبعيد الوقوع، ولكن عندما رأوا أن عشرات الآلاف من الجنود الصليبيين مع دباباتهم ومصفحاتهم ومدافعهم الثقيلة ينسحبون أمام المجاهدين: تيقنوا بأن النصر ممكن، وليس بعيداً. ٣- أن النصارى المستوطنين في بلاد المسلمين فقدوا ثقتهم بجنود الحكومة، ويخشون الآن ألاّ يستطيع هؤلاء الجنود حمايتهم. ٤- زعماء النصارى يتصلون بقادة الجهاد للتفاهم معهم، ويطلبون الأمان منهم. ٥-تغيرت معاملة النصارى مع المسلمين إلى الأحسن، فكان هؤلاء ينظرون إلى المسلمين نظرة احتقار، والآن أصبحوا يحترمونهم. ٦- تغيرت معاملة الجنود، ورجال الشرطة مع المسلمين في المدن إلى ... الأحسن، فأصبحوا الآن ينظرون إلى المسلمين نظرة احترام وإعزاز. ٧- توقفت الأعمال الوحشية التي يقوم بها النصارى المسلحون أو الميلشيات النصرانية ضد المسلمين. وقد تبين عندنا الآن أن القتال الذي يكرهه كثير من المسلمين هو خير لهم، ... وأن المفاوضات السلمية التي يميل إليها كثير منهم هو شر لهم. المرحلة الحاسمة: لقد وصل جهادنا اليوم إلى مرحلة حاسمة، فقد كان مجاهدونا كما ذكر يلجؤون إلى حرب العصابات، لقلة إمكاناتهم، ولأنه لم تكن لهم قواعد ومواقع ثابتة. قواعدنا ومعسكراتنا ثابتة: ولكن لدينا الآن بحمد الله قواعد ومعسكرات عسكرية ثابتة وبعضها معروف لدى العدو، ومجاهدونا يقفون وجهاً لوجه مع جنود العدو في حدود البلديات والقرى التي نسيطر عليها. وقد حاول جنود العدو أن يستولوا على قواعدنا العسكرية ومعسكراتنا منذ أربع سنوات، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع (ولله الحمد والمنة) ولا يزالون يحاولون حتى الآن أن يستولوا على مناطقنا المحررة، وأن يحسموا المواجهة المسلحة لصالحهم، ولكن بعون الله وفضله يتقدم مجاهدونا شيئاً فشيئاً إلى الأمام لتحرير مزيد من أرضنا المحتلة. حرب العدو النفسية: بعد المساجلة العسكرية الملحوظة في هذه الفترة لجأ العدو إلى الحرب النفسية والدعائية، ونشر الشائعات، وإيقاع العداوة بين الناس، وإلى نشر الفساد والإفساد من إشاعة الخمور وأماكن اللهو.. لأن العدو ما زال يسيطر على جميع وسائل الإعلام، وتتعاون معه قصداً ومن غير قصد بعض وسائل الإعلام الإسلامية. دور علماء مورو المسلمين: أصدر علماء مورو بياناً منذ ثلاثة أسابيع تقريباً، أوضحوا في مقدمته: أن مسلمي مورو لم ينهزموا أمام الاستعمار في جهادهم الذي استمر أربعة قرون، ولكنهم فقدوا وطنهم بسبب المؤامرات ضدهم والمفاوضات السلمية التي أدت إلى إلحاق بلادهم بدولة الفلبين الصليبية، وصرحوا بأنه لا حل لمشكلة مسلمي مورو إلا بإعادة استقلال بلادهم استقلالاً تامّاً مع سيادة الدستور الإسلامي من خلال حكومة إسلامية تحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وإذا لم يتحقق الهدف المذكور، فسوف يواصل مسلمو مورو جهادهم جيلاً بعد جيل إلى أن يتم استقلال بلادهم مع قيام حكم الله فيها. وقد هز البيان الفلبين كلها، وكان دويه أقوى من دوي القنابل، وقد عقد (راموس) اجتماعاً طارئاً بخصوص البيان المذكور. أما الحكم الذاتي فلن يحل المشكلة مهما كان نوعه، لأن المسلمين لن يطيقوا استمرار الحياة في ظل دستور الفلبين وقوانينها الوضعية الجائرة، ويجب على المسلمين أن يقيموا حكم الله وشرعه، ولن يتم ذلك في ظل الدستور الفلبيني الوضعي، لذلك: أصبح الجهاد فرض عين على مسلمي مورو. فشل سياسة العدو: لقد أدرك العدو الصليبي ذلك، وأدرك أن عمليات القمع والاضطهاد والظلم والإرهاب لن تمنع المسلمين من مواصلة جهادهم، كما أدرك كذلك أن المكر والكيد والخداع لن يفيده في معاملته مع المسلمين، كما علم أيضاً أن سياسة الاستعمار القديمة وهي (فرق تسد) لن تؤثر على المسلمين. وإذا كان العدو يريد أن يحسم الأمر لصالح الاستقرار والأمن فلم يبق أمامه إلا أمران فقط: إما أن ينسحب من المناطق الإسلامية، ويترك المسلمين أحراراً ليعيدوا بناء دولتهم المغتصبة وهو الخيار السهل. وإما أن يحارب المسلمين بقيادة (جبهة تحرير مورو الإسلامية) ، والعلماء الأحرار والأخيار، وخيرة المسلمين من الدعاة والمربين والمجاهدين والمثقفين، ويعلم العدو أن (جبهة تحرير مورو الإسلامية) تملك الآن قوة عسكرية لا بأس بها، وأن مجاهديها قد تضاعف عددهم، وتحسنت أوضاعهم العسكرية. هل يتم الحسم: إن (جبهة تحرير مورو الإسلامية) تعتبر هذه السنة مرحلة حاسمة في جهادها الطويل، وتتوقع قيام حرب واسعة النطاق بينها وبين حكومة الفلبين، فقد أعد كل فريق عدته وحشد قواته، وكل فريق يبذل أقصى الجهد لحسم المواجهة المتوقعة لصالحه، لهذا نقول: إن جهادنا في سبيل الله وصل الآن إلى مرحلة حاسمة، ونسأل الله أن يكون الحسم لصالح الإسلام والمسلمين.

стр. 2178

في دائرة الضوء أسماء الله الحسنى الفقه والآثار بقلم: د. عبد العزيز آل عبد اللطيف الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: إن أجلّ المقاصد وأنفع العلوم: العلم بمعاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، فإن التعرّف على الله (تعالى) من خلال أسمائه وصفاته يحقق العلم الصحيح بفاطر الأرض والسماوات، والعلم بأسماء الله وصفاته يستلزم عبادة الله (تعالى) ومحبته وخشيته، ويوجب تعظيمه وإجلاله. ومع أهمية هذا الجانب وجلالة قدره، إلا أن ثمة غفلة عنه، فنلحظ التقصير في فقه أسماء الله وصفاته، وإهمال التعبّد والدعاء بها، وضعف الالتفات إلى ما تقتضيه هذه الأسماء الحسنى من الآثار والثمرات. وسأتحدث - مستعيناً بالله (تعالى) - عن هذا الموضوع من خلال ... ما يلي: أ- تظهر أهمية هذا الموضوع عبر الآيات القرآنية المتعددة التي تحض على تدبر القرآن الكريم؛ كما قال (سبحانه) : [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [ص: ٢٩] ، وذمّ القرآن من لا يفهمه، فقال (تعالى) : [فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً] [النساء: ٧٨] ، ولا شك أن فقه أسماء الله (تعالى) وصفاته يدخل في ذلك دخولاً أوليّاً. كما أن عبادة الله (تعالى) ومعرفته آكد الفرائض، ولا يتحقق هذا إلا بمعرفة أسماء الله وصفاته. يقول قوام السنة الأصفهاني (ت ٥٣٥ هـ) : (قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه: معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله (تعالى) : [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ] [محمد: ١٩] ، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها؛ فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلاً: طلب أن يعرف اسمه وكنيته، واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا، ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها) [١] . وفقه أسماء الله (تعالى (وصفاته يوجب تحقيق الإيمان والعبادة لله وحده، وإفراده (سبحانه (بالقصد والحبّ والتوكل وسائر العبادات، كما بيّن ذلك أهل العلم. ولذا: يقول العز بن عبد السلام: (فهم معاني أسماء الله (تعالى) وسيلة إلى معاملته بثمراتها من: الخوف، والرجاء، والمهابة، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات) [٢] . ويقول أيضاً: (ذكرُ الله بأوصاف الجمال موجب للرحمة، وبأوصاف الكمال موجب للمهابة، وبالتوّحد بالأفعال موجب للتوكل، وبسعة الرحمة موجب للرجاء، وبشدة النقمة موجب للخوف، وبالتفرّد بالإنعام موجب للشكر، ولذلك قال (سبحانه) : [اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً] ) . ويقول ابن القيم في هذا الصدد: (لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الرّب ﷻ ويعرفها معرفة تخرج عن حدّ الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرّفها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلاً عن أن يكون من أهل العرفان ... ) [٣] . ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: (إن معرفة الله (تعالى) تدعو إلى محبته وخشيته ورجائه وإخلاص العمل له، وهذا عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته، والتفقه في فهم معانيها.. بل حقيقة الإيمان أن يعرف الربّ الذي يؤمن به، ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته، حتى يبلغ درجة اليقين. وبحسب معرفته بربه، يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه، ازداد إيمانه، وكلما نقص نقص، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك: تدبر صفاته وأسمائه من القرآن..) [٤] . * والمقصود بالتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته: تحقيق العلم بها ابتداءً، وفقه معاني أسمائه وصفاته، وأن يعمل بها، فيتصف بالصفات التي يحبها الله (تعالى) : كالعلم، والعدل، والصبر، والرحمة.. ونحو ذلك، وينتهي عن الصفات التي يكرهها له (تعالى) من عبيده مما ينافي عبوديتهم لله (تعالى) ، كالصفات التي لا يصح للمخلوق أن يتصف بها كالكبر والعظمة والجبروت ... فيجب على العبد إزاءها الإقرار بها والخضوع لها. ومن العمل بها: أن يدعو الله (تعالى) بها؛ كما قال (سبحانه) : [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] [الأعراف: ١٨٠] ، كما أن من العمل بها: تعظيمها وإجلالها، وتحقيق ما تقتضيه من فِعْل المأمورات وترك المحظورات. يقول ابن تيمية: (إن من أسماء الله (تعالى) وصفاته ما يُحمد العبد على الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك، ومنها ما يذم العبد على الاتصاف به كالإلهية والتجبر والتكبر، وللعبد من الصفات التي يُحمد عليها ويؤمر بها ما يمنع اتصاف الربّ به كالعبودية والافتقار والحاجة والذل والسؤال ونحو ذلك..) [٥] . وقال ابن القيم: (لما كان (سبحانه) يحبّ أسماءه وصفاته: كان أحبّ الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه: من اتصف بالصفات التي يكرهها، فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت؛ لأن اتصافه بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه؛ لمنافاتها لصفات العبيد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية، ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعديه طوره وحدّه، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فإنها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره، ولم يخرج بها من دائرة العبودية) [٦] . وقال الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لحديث (إن لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة) [٧] : (وقيل: معنى أحصاها: عمل بها، فإذا قال: (الحكيم) ، مثلاً، سلّم جميع أوامره، لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: (القدوس) ، استحضر كونه منزهاً عن جميع النقائص، وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل. وقال ابن بطّال: طريق العمل بها: أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم: فإن الله يحب أن يرى حالاها على عبده، فليمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص بالله (تعالى) كالجبار والعظيم: فيجب على العبد الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد: نقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد: نقف منه عند الخشية والرهبة) [٨] . * ومما يستحق تقريره ها هنا: أن تلازماً وثيقاً بين إثبات الأسماء والصفات لله (تعالى (وتوحيد الله (تعالى) بأفعال العباد، فكلما حقّقَ العبد أسماء الله وصفاته علماً وعملاً، كلما كان أعظم وأكمل توحيداً، وفي المقابل: فإن هناك تلازماً وطيداً بين إنكار الأسماء أو الصفات وبين الشرك. يقول ابن القيم في تقرير هذا التلازم: (كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به، لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه: [أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ] [الصافات: ٨٦، ٨٧] أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟ ، وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟ ، أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ ... والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه، فلا تجد معطلاً إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقلّ ومستكثرٌ) [٩] . ونورد أمثلة في توضيح هذا التلازم والصلة بين توحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصفات. فالدعاء مثلاً هو آكد العبادات وأعظمها؛ فالدعاء هو العبادة كما أخبر المصطفى، وهو لا ينفك عن إثبات وفقه أسماء الله (تعالى) وصفاته. ويشير ابن عقيل إلى هذه الصلة بقوله: (قد ندب الله (تعالى (إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ: أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يُدعى. الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يُدعى. الثالث: السمع، فإن الأصم لا يُدعى. الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يُدعى. الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يُدعى. السادس: القدرة، فإن العاجز لا يُدعى) [١٠] . والتوكل على الله (تعالى (وحده شرط في الإيمان، وأجلّ العبادات القلبية، ولا يتحقق التوكل إلا بمعرفة أسماء الله (تعالى) وصفاته. وقد وضح ذلك ابن القيم بقوله: (ولا يتم التوكل إلا بمعرفة الربّ وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته، قال شيخنا ابن تيمية ﵀ : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة القائلين بأن يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضاً من الجهمية النفاة لصفات الربّ ﷻ ، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات. فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشيئة، ولا يقوم به صفة؟ فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف، كان توكله أصح وأقوى، والله ... أعلم) [١١] . وحسن الظن بالله والثقة به (تعالى) عبادة جليلة تقوم على فقه أسماء الله وصفاته، كالحكمة والقدرة..، كما أن سوء الظن بالله من آثار إنكار أسماء الله (تعالى) وصفاته. يقول ابن القيم: (وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وأسماءه وصفاته، وعرف موجب حكمته وحمده ... ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تَعَتّباً على القدَر وملامة له ... وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم ... ... من ذلك؟) [١٢] . وأشار الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى أن أصول العبادة الثلاثة (الحبّ، والرجاء، والخوف) من آثار وثمرات التعبد بأسماء الله وصفاته، فقال في مسائل ذكرها في تفسير سورة الفاتحة: (أركان الدين: الحب، والرجاء، والخوف، فالحب في الأولى، وهي [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] ، والرجاء في الثانية، وهي [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ، والخوف في الثالثة، وهي [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] ) [١٣] . إذا ظهر بهذه الأمثلة مدى التلازم الوثيق بين صفات الله (تعالى) وما تقتضيه من العبادات الظاهرة والباطنة، فيمكن أن نخلص إلى ما حرره ابن القيم بقوله: (لكل صفة عبوديةٌ خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني: من موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، فعلم العبد بتفرد الرب (تعالى) بالضرّ والنفع، والعطاء والمنع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة: يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً، ولوزام التوكل وثمراته ظاهراً، وعلمه بسمعه (تعالى) وبصره، وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة، وأنه يعلم السر، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور: يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه على كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك: الحياء باطناً، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء ... وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه، تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعاً من العبودية الظاهرة، هي موجباتها.. فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء ... والصفات) [١٤] . * والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته له آثاره الطيبة في حسن الخلق وسلامة السلوك، كما أن تعطيل أسماء الله (تعالى) وصفاته لا ينفك عن مساوئ الأخلاق ورديء السلوك. ومثال ذلك: أن القدرية النفاة لما كانوا ينفون علم الله (تعالى (المحيط بكل شيء، ويزعمون أن العبد يخلق فعله نفسه، فالخير هو الذي أوجده العبد وفَعَله على حدّ زعمهم، ودخوله الجنة عوض عمله، فأورثهم ذلك غروراً وعُجباً، وكما قال أبو سليمان الداراني: (كيف يعجب عاقل بعمله؟ وإنما يعدّ العمل نعمة من الله، إنما ينبغي له أن يشكر ويتواضع، وإنما يعجب بعمله القدرية) [١٥] . والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته سبب رئيس في السلامة من الآفات: كالحسد، والكبر، كما قال ابن القيم: (لو عرف ربّه بصفات الكمال ونعوت الجلال، لم يتكبر ولم يحسد أحداً عى ما آتاه الله؛ فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله؛ فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ... ) [١٦] . والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته يثمر الموقف الصحيح تجاه المكروهات والمصائب النازلة؛ فإن الإنسان ظلوم جهول، والله (تعالى) بكل شيء عليم، وهو (سبحانه) حَكَمٌ عدْل، ولا يظلم (تعالى) أحداً، قال (سبحانه) : [كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ٢١٦] يقول ابن القيم: (من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقيناً أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما كره أعظم منها فيما يحب ... ) [١٧] . ويقول أيضاً: (.. فكل ما تراه في الوجود من شر وألم وعقوبة ونقص في نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرب (تعالى) بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد ظالم، فالمسلط له أعدل العادلين، كما قال (تعالى) لمن أفسد في الأرض: [بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَاًسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً] [الإسراء: ٥] [١٨] . * وفي ختام هذه المقالة نسوق أمثلة من أسماء الله (تعالى) ، وبيان معانيها وما تقتضيه من العبادات، يقول قوام السنة الأصفهاني أثناء حديثه عن اسم الله (تعالى) (الرزاق) : (الرزاق: المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وَسِعَ الخلقَ كلهم رزقُه، فلم يخص بذلك مؤمناً دون كافر، ولا وليّاً دون عدو، ويرزق مَنْ عبده ومَنْ عبد غيره، والأغلب من المخلوق أن يرزق فإذا غضب منع، حكي أن بعض الخلفاء أراد أن يكتب جِراية لبعض العلماء، فقال: لا أريده، أنا في جراية من إذا غضب عليّ لم يقطع جرايته عني، قال الله (تعالى) : [وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإيَّاكُمْ] [العنكبوت: ٦٠] ، والمخلوق إذا رزق، فإنه يفنى ما عنده فيُقْطعُ عطاؤه عمن أفضل عليه، فإن لم يفن ما عنده فني هو وانقطع العطاء، وخزائن الله لا تنفد وملكه لا يزول..) [١٩] . ولما ذكر القرطبي من أسماء الله (تعالى) (الحفيظ) محتجّاً بقوله (تعالى) : [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ] [الشورى: ٦] ، قال: (يجب على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الحافظ لجميع الممكنات، وأعظم الحفظ: حفظ القلوب وحراسة الدين عن الكفر والنفاق وأنواع الفتن وفنون الأهواء والبدع؛ حتى لا يزلّ عن الطريقة المثلى، قال (تعالى) : [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] [ابراهيم: ٢٧] . ويجب علينا حفظ حدوده، وحفظ ما وجب علينا من حقوقه، فيدخل في ذلك: معرفة الإيمان والإسلام وسائر ما يتعيّن علينا علمه..) [٢٠] . * ومن إشراقات ابن القيّم التي سطرها أثناء حديثه عن اسمي الله (تعالى) : (الأول) و (الآخر) مايلي: (من عبد الله (تعالى) باسمه (الأول) و (الآخر) حصلت له حقيقة هذا الفقر [توجه القلب إلى الله وحده في جميع الأحوال] .. فإن عبوديته باسمه (الأول) تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد. وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي أيضاً عدم ركونه للأسباب، فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق ب) الآخر) (سبحانه) تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلّق به حقيق أن لا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به) [٢١] .

стр. 2179

مقال خير أيام الدنيا ماذا يشرع فيها؟ بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال تمهيد: من رحمة الله ﵎ أن فاضل بين الأزمنة، فاصطفى واجتبى منها ما شاء بحكمته، قال : [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ..] [القصص: ٦٨] وذلك التفضيل من فضله وإحسانه؛ ليكون عوناً للمسلم على تجديد النشاط، وزيادة الأجر، والقرب من الله (تعالى) . ونظرة في واقع الكثير تنبئك عن جهل كبير بفضائل الأوقات، ومن أكبر الأدلة على ذلك: الغفلة عن اغتنامها، مما يؤدي إلى الحرمان من الأجر. والأمر الذي يحتاج إلى وقفة تأمل: التباين الكبير بين كون عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله من العمل فيما سواها، وبين واقع الناس وحالهم في تلك العشر، فالكثير لا يحرك ساكناً، والأكثر لم يقم الأمر عنده ولم يقعد، ومن مظاهر ذلك مثلاً هجر سُنّة التكبير المطلق وهي من شعائر تلك الأيام. وعلى الرغم من أن هذه الأيام أعظم من أيام رمضان، والعمل فيها أفضل، إلا أنه لا يحصل فيها ولو شيء مما يحصل في رمضان؛ من النشاط في عمل الآخرة، ولا غرو، فالفارق بين الزمنين واضح، فقد اختص رمضان بما لم تختص به العشر، ومن ذلك: وقوع فريضة الصوم فيه، وهي (فريضة العام) على كل مسلم، مع ما يكون فيها من تربية للمسلم، وزيادة لإيمانه، بخلاف الحج فهو فريضة العمر. ارتباط رمضان بنزول القرآن فيه مما جعله شهر القرآن، وذلك له أثر كبير في إقبال الناس فيه على كتاب الله الكريم. الترغيب الخاص بقيام لياليه، وهدي النبي ﷺ في قيام العشر، وتحري ليلة القدر. وهذه الأمور الثلاثة جعلت لرمضان جوّاً خاصًّا متميزاً تنقلب حياة النّاس فيه، وتتغير أيًّا كان نوع ذلك التغير. ما يحصل في رمضان من تصفيد الشياطين، وفتح أبواب الجنة، وإغلاق أبواب النيران، مما يكون له أعظم الأثر في انبعاث الناس للعبادة وحماسهم لها. فيكون ذلك حافزاً للعلماء والدعاة والأئمة والخطباء ليخاطبوا قلوب الناس، ما دامت مقبلة على الخير. كل ذلك وغيره يجعل هذه العشر ابتلاءً وامتحاناً للناس، فلا يحصل فيها من المعونة على الخير كما يحصل في رمضان، والموفق من وفقه الله، فشمر وجد واجتهد. فضل عشر ذي الحجة: قد دل على فضلها أمور [١] : الأول: قال (تعالى) : [وَالْفَجْر وَلَيَالٍ عَشْرٍ] [الفجر: ١، ٢] قال غير واحد: إنها عشر ذي الحجة، وهو الصحيح [٢] . ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء في تعيينها. الثاني: أن النبي ﷺ شهد أنها أعظم أيام الدنيا، وجاء ذلك في أحاديث كثيرة منها: قوله (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) [٣] . وقوله: (ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه من العمل فيهن، من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) [٤] ، والمراد في الحديثين: (أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء أكان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من الجمعة في غيره؛ لاجتماع الفضلين فيه) [٥] . الثالث: أنه حث على العمل الصالح فيها، وأمر بكثرة التهليل والتكبير. الرابع: أن فيها يوم عرفة ويوم النحر. الخامس: أنها مكان لاجتماع أمهات العبادة فيها، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها [٦] . أنواع العمل الصالح في أيام العشر: وحيث ثبتت فضيلة الزمان ثبتت فضيلة العمل فيه، وأيضاً فقد جاء النص على محبة الله للعمل في العشر، فيكون أفضل، فتثبت فضيلة العمل من وجهين. وأنواع العمل فيها ما يلي: الأول: التوبة النصوح: وهي الرجوع إلى الله (تعالى) ، مما يكرهه ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً، ندماً على ما مضى، وتركاً في الحال، وعزماً على ألا يعود. وما يتاب منه يشمل: ترك الواجبات، وفعل المحرمات. وهي واجبة على المسلم حين يقع في معصية، في أي وقت كان؛ لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، ثم إن السيئات يجر بعضها بعضاً، والمعاصي تكون غليظة ويزداد عقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان؛ قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً] [التحريم: ٨] ، وقد ذكر ابن القيم (رحمه الله تعالى) : أن النّصْح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: استغراق جميع الذنوب، وإجماع العزم والصدق، وتخليصها من الشوائب والعلل، وهي أكمل ما يكون من التوبة [٧] . الثاني: أداء الحج والعمرة: وهما واقعان في العشر، باعتبار وقوع معظم مناسك الحج فيها، ولقد رغب النبي ﷺ في هاتين العبادتين العظيمتين، وحث عليهما؛ لأن في ذلك تطهيراً للنفس من آثار الذنوب ودنس المعاصي، ليصبح أهلاً لكرامة الله (تعالى) في الآخرة. الثالث: المحافظة على الواجبات: والمقصود: أداؤها في أوقاتها وإحسانها بإتمامها على الصفة الشرعية الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ومراعاة سننها وآدابها. وهي أول ما ينشغل به العبد في حياته كلها؛ روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته) [٨] . قال الحافظ: (وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به: امتثال الأمر، واحترام الآمر، وتعظيمه بالانقياد إليه، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل) [٩] . والمحافظة على الواجبات صفة من الصفات التي امتدح الله بها عباده المؤمنين، قال : [وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ] [المعارج: ٣٤] ، وتتأكد هذه المحافظة في هذه الأيام، لمحبة الله للعمل فيها، ومضاعفة الأجر. الرابع: الإكثار من الأعمال الصالحة: إن العمل الصالح محبوب لله (تعالى) في كل زمان ومكان، ويتأكد في هذه الأيام المباركة، وهذا يعني فضل العمل فيها، وعظم ثوابه، فمن لم يمكنه الحج فعليه أن يعمر وقته في هذه العشر بطاعة الله (تعالى) ، من: الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك من طرق الخير، وهذا من أعظم الأسباب لجلب محبة الله (تعالى) . الخامس: الذكر: وله مزية على غيره من الأعمال؛ للنص عليه في قوله (تعالى) : [وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ] [الحج: ٢٨] قال ... ابن عباس: أيام العشر [١٠] ، أي: يحمدونه ويشكرونه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ويدخل فيه: التكبير، والتسمية على الأضحية والهدي [١١] ، ... ولقوله: (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) . السادس: التكبير: يسن إظهار التكبير في المساجد والمنازل والطرقات والأسواق، وغيرها، يجهر به الرجال، وتسر به المرأة، إعلاناً بتعظيم الله (تعالى) . وأما صيغة التكبير فلم يثبت فيها شيء مرفوع، وأصح ما ورد فيه: قول سلمان: (كبروا الله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً) . وهناك صيغ وصفات أخرى واردة عن الصحابة والتابعين [١٢] . والتكبير صار عند بعض الناس من السنن المهجورة، وهي فرصة لكسب الأجر بإحياء هذه السنة، قال: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً) [١٣] . وقد ثبت أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما [١٤] . والمراد: يتذكر الناس التكبير، فيكبرون بسبب تكبيرهما، والله أعلم. والتكبير الجماعي بصوت واحد متوافق، أو تكبير شخص ترد خلفه مجموعة: من البدع التي ينبغي على المسلم الحريص على اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- اجتنابها والبعد عنها، أما الجاهل بصفة التكبير فيجوز تلقينه حتى يتعلم، فإن قيل: إن التكبير الجماعي سبب لإحياء هذه السنة، فإنه يجاب عليه: بأن الجهر بالتكبير إحياء للسنة، دون أن يكون جماعيًّا، ومن أراد فعل السنة، فإنه لا ينتظر فعل الناس لها، بل يكون أول الناس مبادرة إليها، ليقتدي به غيره. السابع: الصيام: عن حفصة ﵂ قالت: (أربع لم يكن يدعهن النبي -صلى الله عليه وسلم-: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة) [١٥] . والمقصود: صيام التسع أو بعضها؛ لأن العيد لا يصام، وأما ما اشتهر عند العوام ولا سيما النساء من صيام ثلاث الحجة، يقصدون بها اليوم السابع والثامن والتاسع، فهذا التخصيص لا أصل له. الثامن: الأضحية: وهي سنة مؤكدة في حق الموسر، وقال بعضهم كابن تيمية بوجوبها [١٦] ، وقد أمر الله بها نبيه ﷺ ، فقال: [فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ] [الكوثر: ٢] فيدخل في الآية صلاة العيد، ونحر الأضاحي، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحافظ عليها، قال ابن عمر ﵄ : أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة عشر سنين يضحي [١٧] . التاسع: صلاة العيد: وهي متأكدة جدًّا، والقول بوجوبها قوي [١٨] فينبغي حضورها، وسماع الخطبة، وتدبر الحكمة من شرعية هذا العيد، وأنه يوم شكر وعمل صالح. يوم عرفة: وقد زاد هذا اليوم فضلاً ومزية على غيره، فاستحق أن يخص بحديث مستقل يكشف عن أوجه تفضيله وتشريفه، ومن تلك الأوجه ما يلي: أولاً: أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة: روى البخاري [١٩] : قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية، لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين كان رسول الله حين أنزلت: يوم عرفة، إنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] . وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل؛ لأن المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام من قبل، فكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها، ولأن الله أعاد الحج على قواعد إبراهيم ﵇ ، ونفى الشرك وأهله، فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد. وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة، فلا تتم النعمة بدونها، كما قال الله لنبيه: [لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ] [الفتح: ٢] [٢٠] . ثانياً: أنه يوم عيد: عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) [٢١] . ثالثاً: أن صيامه يكفر سنتين: قال عن صيامه: (يكفر السنة الماضية والباقية) [٢٢] . رابعاً: أنه يوم مغفرة الذنوب، والعتق من النار: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟) [٢٣] قال ابن عبد البر: (وهو يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب، إلا بعد التوبة والغفران، والله أعلم) [٢٤] . الأعمال المشروعة فيه: أولاً: صيام ذلك اليوم: ففي صحيح مسلم قال: ( ... صيام يوم عرفة أَحْتَسِبُ على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده ... ) [٢٥] . وصومه إنما شرع لغير الحاج، أما الحاج فلا يجوز له ذلك. ويتأكد حفظ الجوارح عن المحرمات في ذلك اليوم، كما في حديث ابن عباس، وفيه: (إن هذا اليوم من مَلَك فيه سمعه وبصره ولسانه: غُفر له) [٢٦] . ولا يخفى أن حفظ الجوارح فيه حفظ لصيام الصائم، وحج الحاج، فاجتمعت عدة أسباب معينة على الطاعة وترك المعصية. ثانياً: الإكثار من الذكر والدعاء: قال النبي ﷺ : (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) [٢٧] ، قال ابن عبد البر: (وفي الحديث دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب، وأن أفضل الذكر: لا إله إلا الله) [٢٨] . قال الخطابي: (معناه: أكثر ما أفتتح به دعائي وأقدمه أمامه من ثنائي على الله (عز وجل) ، وذلك أن الداعي يفتتح دعاءه بالثناء على الله ، ويقدمه أمام مسألته، فسمي الثناء دعاء ... ) [٢٩] . ثالثاً: التكبير: سبق في بيان وظائف العشر أن التكبير فيها مستحب كل وقت، في كل مكان يجوز فيه ذكر الله (تعالى) . وكلام العلماء فيه يدل على أن التكبير نوعان: الأول: التكبير المطلق: وهو المشروع في كل وقت من ليل أو نهار، ويبدأ بدخول شهر ذي الحجة، ويستمر إلى آخر أيام التشريق. الثاني: التكبير المقيد: وهو الذي يكون عقب الصلوات، والمختار: أنه عقب كل صلاة، أيًّا كانت، وأنه يبدأ من صبح عرفة إلى آخر أيام التشريق [٣٠] . وخلاصة القول: أن التكبير يوم عرفة والعيد، وأيام التشريق يشرع في كل وقت وهو المطلق، ويشرع عقب كل صلاة وهو المقيد. يوم النحر: لهذا اليوم فضائل عديدة: فهو يوم الحج الأكبر [٣١] وهو أفضل أيام العام؛ لحديث: (إن أعظم الأيام عند الله ﵎ : يوم النحر، ثم يوم القرّ) [٣٢] وهو بذلك أفضل من عيد الفطر، ولكونه يجتمع فيه الصلاة والنحر، وهما أفضل من الصلاة والصدقة [٣٣] . وقد اعتبرت الأعياد في الشعوب والأمم أيام لذة وانطلاق، وتحلل وإسراف، ولكن الإسلام صبغ العيدين بصبغة العبادة والخشوع إلى جانب الفسحة واللهو ... المباح [٣٤] . وقد شرع في يوم النحر من الأعمال العظيمة كالصلاة، والتكبير، ونحر الهدي، والأضاحي، وبعض من مناسك الحج ما يجعله موسماً مباركاً للتقرب إلى الله (تعالى) ، وطلب مرضاته، لا كما هو حال الكثير ممن جعله يوم لهو ولعب فحسب، إن لم يجعله يوم أشر وبطر، والعياذ بالله. أيام التشريق: وهي الأيام الثلاثة التالية ليوم النحر [٣٥] ، وهي التي عناها الله (تعالى) بقوله: [وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ] [البقرة: ٢٠٣] ، كما جاء عن ... ابن عباس [٣٦] ، وذكر القرطبي أنه لا خلاف في كونها أيام التشريق [٣٧] . ... وهي أيام عيد للمسلمين؛ لحديث: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام) [٣٨] . وقد نهي عن صيامها، وهي واقعة بعد العشر الفاضلة، فتشرف بالمجاورة أيضاً، وتشترك معها بوقوع بعض أعمال الحج فيها، ويدخل فيها يوم النحر، فيعظم شرفها وفضلها بذلك كله [٣٩] . كما أن ثانيها وهو يوم القر وهو الحادي عشر أفضل الأيام بعد يوم النحر، وهذه الأيام الأربعة هي أيام نحر الهدي والأضاحي على الراجح من أقوال أهل العلم؛ تعظيماً لله (تعالى) ، وهذا مما يزيدها فضلاً، وهذه الأيام من أيام العبادة والذكر والفرح، قال فيها النبي ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله) [٤٠] ، فهي أيام إظهار الفرح والسرور بنعم الله العظيمة، وفي الحديث إشارة إلى الاستعانة بالأكل والشرب على ذكر الله، وهذا من شكر النعم [٤١] . وذكر الله المأمور به في الحديث أنواع متعددة منها: ١- التكبير فيها: عقب الصلوات، وفي كل وقت، مطلقاً ومقيداً، كما هو ظاهر الآية، وبه يتحقق كونها أيام ذكر لله [٤٢] . ٢- ذكر الله (تعالى) بالتسمية والتكبير عند نحر الهدي والأضاحي. ٣- ذكره عند الأكل والشرب، وكذا أذكار الأحوال الأخرى. ٤- التكبير عند رمي الجمار. ٥- ذكر الله (تعالى) المطلق [٤٣] . هذه ذكرى، أسأل الله أن ينفع بها، وأعوذ بالله من أن يكون أهل البدع أجلد في بدعهم، وأنشط في باطلهم، من أهل الحق في فعل الخير والاستقامة على السنة.

стр. 2180

مذكرات قارئ شكوى من الذاكرة بقلم: محمد بن حامد الأحمري كلنا في الهم شرق، كلمة يقولها لك زميلك عندما تشتكي إليه من ضعف الذاكرة، وتبدد المعلومات، وتفلت القرآن والحديث، ونسيان أسماء الأصدقاء، وضياع المواعيد، وأمور العامة إذا نسوا تهون، ولكن مصيبة المثقفين بذاكراتهم كبيرة، وكنت أظن أن لا سبيل لي إلى العلم والمعرفة لضعف في الذاكرة، وكنت أحسب نفسي ولم أزل منهم، وأقول عليك بمغادرة قاعة المعرفة والقراءة، فهذه لقوم ليسوا مثلك، إنها لأولئك الذين يحفظون فلا ينسون، وتعرض عليهم الأمور فلا تغادر أذهانهم، ثم كانت لي جولات في ميدان القراءة فوجدت علماء نجباء تفوت عليهم الاستدلالات في كتب مكتوبة ومواقف مشهودة، ينسون ما لا أعذرهم آنذاك بنسيانه ثم قرأت في تراجم الرجال ما شجع الضعف وهزه للعمل وعدم اليأس، فذاك الفذ الكبير لم يحفظ القرآن، وذاك العالم النحرير ضعيف في حفظه، وطعنوا في أبي حنيفة فتألمت له وفرحت لنفسي، ومع السنين كانت الذاكرة تضعف وشواهد الخلل تتزايد، حتى لكأنه الشخص يفرح بها أيما فرح، يقول زكي نجيب محمود [*] في (الكوميديا الأرضية) : ( ... ما أشقاني بهذه الذاكرة الضعيفة العاجزة التي توشك أن تبدد لي كل ما قد وعيت وخبرت في أعوامي السوالف، فلا تبقي لي من ذلك شيئاً، وإني لأعلم من ذاكرتي هذا الضعف الشديد، وهذا الإسراف في تبديد الودائع، حتى لتراني أتحوط لها بكل ما يشير به علماء النفس من وسائل، فأشدد الروابط بين أجزاء الشيء المحفوظ، وأضع تحته الخطوط، وأوضحه في هوامش الكتب برموز وعلامات وملخصات، لكن هيهات للغربال أن يحفظ في جوفه ماء، تراني أقرأ الكتاب، فلا تمضي أيام قليلة بعد الفراغ منه حتى يذهب عني، وتذهب كل آثاره، فلا عنوانه هناك ولا اسم كاتبه، ولاشيء من مكنونه، فالرأس بعده خلاء خواء كما كان قبله، فلا زيادة به إن لم يكن نقصان) [١] . وبعد أن أطال في الشكوى تذكر القصة التي قرأها كما يقول، قبل ثلاثين عاماً، فإذا به يذكرها ويكتب تفصيلاتها، وعجبت لجوره على ذاكرته مع أنها كانت له وفية رغم تباعد السنين. وقد قرأت من قبل لعدد من العلماء والمشاهير وكبار الفلاسفة شكواهم المرة من ذاكراتهم. وحصيلة هذه التجارب: أن الحفظ نسبي، وكلّ يشعر بمقدار نقصه كلما زاد سهمه من القدرة على الحفظ والتذكر، أما الكثير ممن يعانون ضعفاً أكبر فإنهم غالباً لا يشعرون بالمشكلة التي يعانونها، وعلى النقيض أولئك الذين يقنعون أنفسهم بضعف القدرة على الحفظ، ويدمرون قدراتهم بإشعار أنفسهم أن لا مجال لتطوير القدرة على الحفظ، فهؤلاء ربما كان لهم نصيب من القدرة لو قدروا وحافظوا ودربوا ذاكراتهم. ومما أزيدك هنا بيانه أن مما علق بذاكرة كاتب هذه السطور من وسائل التذكر، وهي كثيرة: أن تكرر النص المطلوب حفظه وترجع له مرات في غير وقت الحفظ الأول، وأن تجعل للنص رايات شاهرات ككلمة غريبة تضع عليها علامة وتبرز تلك القضية أو اسم شخض أو مكان، وهذه العلامات تدلك على مسالك النص. ويذكّر المهتمون بهذا العلم إن كان به علماً أن تتصور النص أو القائل أو الأشخاص وتجسم هذه المعلومات، ثم يربط بينها بشيء، كما يقولون لو كنت تريد شراء عدة أغراض مثلاً: بصل، طماطم، سكر، حليب فما عليك إلا أن تتصور ابنك في فمه رضاعة، وبيده اليمنى طماطم، واليسرى بصل، وقد نثر كيس السكر، تركب هذه الصورة في الذاكرة ثم تذهب، ولا أظن أنك لو تعودت هذه الطريقة أنك سوف تنسى. وينصحون أيضاً باستخدام النص المراد حفظه سواء أكانت كلمة في لغة جديدة تتعلمها، أو حديث مهم تحب حفظه؛ فالاستخدام للنص يعين على الحفظ. وبعد سياق كل هذه الإرشادات والنصائح تذكر أن كاتب هذه الأسطر لولا أنه يعاني من سوء الحفظ ومشكلة الذاكرة لما كتب هذا.

стр. 2181

منتدى القراء بضاعتنا.. متى ترد إلينا فايز خالد جنينة دخلت يوماً مكتب أحد أعضاء هيئة التدريس وذلك يوم أن كنت في الجامعة لأسأله عن أشياء في المقرر. كان الأستاذ مشغولاً بأمر ما على الهاتف، فأشار لي: بأن أجلس وأنتظره قليلاً، تحول انتباهي كله أثناء ذلك إلى ورقة قد علقها هذا الأستاذ الفاضل خلفه، كانت مكتوبة باللغة الإنجليزية. وإليكم ملخص ما ذكر في هذه الورقة: عشر خطوات عليك أن تتبعها لتكون مثاليًّا في تعاملك مع الآخرين: ١- ابتسم. ٢- تكلم بهدوء. ٣- أعط متحدثك جل اهتمامك عند تحدثك إليه أو تحدثه إليك. ٤- لا تقاطع محدثك ... إلى آخر هذه التعليمات الجميلة، وأعتذر إليك أخي الكريم عن عدم تذكري لباقي هذه التعليمات المفيدة. حقّاً لقد ملكت هذه الورقة على مشاعري، وأعجبتني كثيراً وأنا في ذلك الموقف، وأحسست أنها ورقة مثالية قد علقها رجلٌ مثالي، ولا يطبقها إلا من كان مثاليّاً، ولكن هناك أمر آخر نال اهتمامي أكثر وأكثر وأتمنى منك أخي القارئ أن تشاركني هذا الاهتمام: لقد تذكرت أن هذه الورقة الرائعة قد كتبها أُناس يتكلمون بلغة غير لغتي ويدينون بدين غير ديني مع أنني أجد في ديني العظيم دليلاً صحيحاً على كل مبدأ فيها: فأولها يذكرني بحديث المصطفى: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) . وثانيها يذكرني بقول الحق (جل علاه) : [وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ] [لقمان: ١٩] . وثالثها يذكرني بهدي رائع من القدوة الكريم (عليه أفضل الصلاة والتسليم) ، وهو: أنه كان يلتفت إلى من يحدثه بكامل جسده، وليس بوجهه فحسب، كما ورد عنه. ورابعها يذكرني بقوٍل ورد عن أحد الصحابة ﵃ أجمعين) عندما وصف مجالسهم عند رسول الله ﷺ فقال: (.. وكنا إذا تكلم منا أحد أنصت له الباقون كأن على رءوسهم الطير) . وخامسها وسادسها وسابعها ... إلخ. كانت كلها على هذه الشاكلة أو قريبة منها جدّاً على ما أذكر. بعد هذا وذاك يدور الآن في خلدي سؤال أظنه في غاية الأهمية، ألم يقل الله (جل وعلا) : [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] إذن أخي الكريم من الذي على قلبه الأقفال؟ أهو الذي يدين بغير دين الله الذي ارتضاه (سبحانه) ، ولكنه يدعو لرسم نظام حياته منه، مع تمسكه بكفره وعناده وضلاله، أم الذي دان لهذا الدين الحق الكامل، ولكنه ترك تعاليمه ومبادئه، واغتر بغيره من الزيغ والضلال..؟ ! !

стр. 2182

ثمرة الفؤاد سعيد بن جمهور الزهراني كم يشتد حنين المرء حين تستقر به الحياة، ويطول عمره، ويقرب أجله، ويشرف على الرحيل، إلى ولٍد من نطفته، يمد من عمره القصير، ويخلفه بعد الرحيل، يحمل اسمه، ويكون له أثراً يدل عليه (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث..) منها ولد صالح يدعو له، نعم.. إن المال والبنون زينة، ... [المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا] [الكهف: ٤٦] زينة ولكنهم ثمرة للفؤاد، وفلذات للأكباد، وبسمات للوجود، وزهرات الحياة، هم جنى البشرية الشهي، وقطفها الزكي، وعبيرها الفواح، هم بقاء للبشرية وامتداد لها، واستخلاف في الأرض ... واستثمار لها، وبناء للحياة واستمرار لها. فحب الولد والحنين إليه حقيقة كائنة في كيان كل إنسان سوي، وساكنة في كل ضمير حي، تتفق مع النظام الإلهي والبقاء والاستمرارية في حياتنا الزائلة ... ولكننا في عصرنا وحضارتنا المليئة بالعادات الوبيئة، والوسائل الإعلامية الخليعة والمستوردة بأنواعها، جعلنا من أبنائنا وفلذات أكبادنا عرضة للانحرافات الخلقية والعادات السيئة، التي لا ينقذنا منها (بعد الله) سوى التمسك بتعاليم ... الإسلام السمحة، والابتعاد عما يتلوث به الأبناء، وذلك بحسن التربية (تربية الإسلام) ، حتى يكون لنا الأجر والثواب، ولهم الصلاح والعفاف، والبعد عن الرذيلة. وتربية الأولاد مسؤولية عظمى، سوف نسأل عنها أمام الله . فاتقوا الله في الأبناء، وارحموهم أيها الآباء، واعلموا أنكم مسؤولون عن هذا التحلل والتأثر بأخلاق الشرق والغرب.

стр. 2183

زمن.. لماذا ؟ أم مجاهد - لماذا نرهق أنفسنا في هذه الحياة بالتفكير في تفاهات الآخرين.. وتعمى أبصارنا عن تفاهات أنفسنا؟ . - لماذا نجعل من الزمن شماعة نعلق عليها ضعفنا ومآسينا؟ - لماذا نصنع من العزلة سدًّا عن السيول المنهمرة من مآقينا؟ - لماذا يعني العمر عندنا لحظة (إن عشناها يوماً) لا نبالي بالشهور؟ - لماذا نضيء الشموع، ومن ضياها نحترق؟ - لماذا نظن بأن الظلام هو الذي يسمع شكوانا واليد التي تمسح أدمعنا؟ - لماذا يجرحنا شوك الورد.. ولا ينعشنا أريج العطر؟ . - لماذا نجد في الذكرى ألماً وأطلالاً حزينة.. ولا تزرع فينا حافزاً وعبرة تنجينا؟ - لماذا نركض خلف السراب.. بينما تجف أنهارنا العذبة هجراً؟ - لماذا نجعل من الصمت حاجزاً عن الصدع بالحق - ولا نجعل منه صرحاً عن فضول الكلام؟ - لماذا تفيض سيول أدمعنا لفراق الأخلاّء.. ونبخل بدمعة صغيرة من خشية الله؟ - لماذا نسمع همس الحبيب.. ونصمّ آذاننا عن صرخة ثكلى وأنّة شيخ؟ - لماذا ترتفع أكفّنا ضراعةً.. فتنجلي المحنة.. ثم بها نعود نصفع بعضنا بعضاً؟ . - لماذا تتضاعف أعداد المهاجرين.. بينما ينقرض الأنصار؟

стр. 2184

بريد البيان وفاة عالم جليل وصلنا من الأخ د. علي بن عبد العزيز بن علي الشبل ترجمة لفضيلة الشيخ العلامة / (أبو محمد بديع الدين الشاه السندي) مُحَدّث السند ببلاد الباكستان، الذي وافاه الأجل ليلة الأربعاء ١٩/٨/١٤١٦هـ بكراتشي عن عمر يناهز نيفاً وسبعين عاماً، والعالم الفقيد ممن اعتنوا بالتعليم والدعوة والجهاد في بلاد السند والباكستان، كما نفع الله به كثيراً من المشائخ وطلاب العلم أثناء إقامته في مكة وتدريسه في المسجد الحرام لخمس سنين، حيث هاجر إليها عام ١٣٩٥هـ، عاد الشيخ (رحمه الله) بعد ذلك إلى وطنه لمتابعة جهوده الدعوية في نشر العلم وترسيخ دعوة التوحيد والسنة، فأسس جمعية أهل الحديث في السند، وتولى رئاستها حتى وافاه الأجل. لقي الفقيد ﵀ جماعة من العلماء، فتلقى عنهم واستجازهم: كالشيخ / ثناء الله الآمرتسري، والشيخ المحدث/ عبد الحق الهاشمي. خلّف الشيخ وأخوه (رحمهما الله) مكتبتين من أكبر مكتبات الباكستان، حيث تزخران بقديم المطبوع وحديثه، مع أصول المخطوطات ومصوراتها. للشيخ ﵀ مؤلفات كثيرة مطبوعة ومخطوطة باللغات العربية والأردية والسندية، منها: التوحيد الخالص، وفتاوى كثيرة، ومسائل متعددة. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.

стр. 2185

الورقة الأخيرة مع الشجاعة.. نزلة أخرى بقلم:د.محمد بن ظافر الشهري منذ بضع سنوات والعصابات الصليبية المجتمعة في البوسنة تتفنن في ابتداع ضروب من التعذيب والإبادة؛ دونها ما أثر عن محاكم التفتيش في الأندلس المضاع، ولقد يئست تلكم العصابات وأعوانها وكثير ما هم من استئصال شأفة المسلمين بحد الحسام؛ فمالت إلى (السلاح/السلام) ! ! ولما كانت الضحكات المتشنجة التي تعالت من (دايتون) إلى (زغرب) ... و (بلغراد) مرورا ب (لندن) و (باريس) تكفينا عناء البحث عن الخاسر الوحيد في هذه العملية (التاريخية) كما وصفها عرابوها؛ فإننا نكتفي بالوقوف عند البند الذي شدد كما هو حال جل المؤتمرات الدولية اليوم على ضرورة التصدي لـ (المتطرفين) الإسلاميين، ووجوب طردهم من تلكم الأرض. لقد كثرت الألقاب التي تطلق على هؤلاء النفر، فقد كانوا في أفغانستان المجاهدين الأبطال الذين يحاربون الملحدين الروس، فلما شهدت جروزني على تحسن سجل الروس في حقوق الإنسان! ! تحول اللقب من (المجاهدين) إلى (الأفغان العرب) الذين لا هم لهم إلا قلب أنظمة العسكر (الانقلابية المعتدلة) ، ثم كان الإرهاب خاتم الألقاب.. إن من السفه أن نعاتب الغرب (الصليبي) على مكافأة العصابات من بني دينه على الجهود المبذولة طيلة السنوات الأربع الخالية، ولكن من الواجب أن نعاتب (البوسنيين) على الرضى بمعاقبة إخوانهم الذين جاءوا إليهم يحملون الأرواح على الراح.. ليذبوا عن دماء المسلمين وأعراض المسلمات، ثم يقال لهم وقد بذلوا أنفسهم رخيصة: اخرجوا وإلا..! ! هب أن (البوسنيين) قالوا لمن أعانهم بالمال من المسلمين: لا أخلف الله عليكم، إذن لاشتد النكير عليهم والتوبيخ لهم، فأين هذا المثال من واقع الحال؟ ! .. وليس الجود بالمال من الجود بالنفس في شيء، وليس الجحود باللسان بأنكى من مقابلة الإحسان بحد السنان.. لست أزعم أنني أعلم من (البوسنيين) بواقع حالهم، ولست أجهل أنهم ذاقوا مرارة العدوان حسّاً وذقتها معنى، وقبل هذا وذاك سأقدم حسن الظن معللاً النفس بأن الحرب خدعة، وأن ليس كل ما يعلم يقال.. ولا كل ما يقال يفعل.. ولكنني كلما تعالت الضحكات الآنفة الذكر، وتقاطرت الأمداد تحمل الصلبان؛ راودني الظن، وأعوذ بالله من سوء الظن أنني أقرأ نسخة منقحة، ومزيدة من (سلام ... الشجعان) ...

стр. 2186

ذو الحجة - ١٤١٦هـ مايو - ١٩٩٦م (السنة: ١٠)

стр. 2187

كلمة صغيرة وماذا بعد ؟ ! ما فتئ الدعاة إلى الله على بصيرة من التحذير من اللهاث وراء الاستفزاز العلماني (المنظم وغير المنظم) الذي قد يدفع بعض الشباب الغيورين إلى القيام بأعمال أقل ما توصف بأنها متهورة، وضررها أكثر من نفعها على جميع الأطراف. وما فتئ الدعاة أيضاً من دعوة أهل العقل والحكمة من جميع التيارات في المجتمعات الإسلامية إلى العمل على احترام قيم مجتمعهم ومقدساته والوقوف أمام العابثين بهذه القيم، إن لم يكن إعلاءً للدين - وهكذا يجب أن يكون لدى كل المسلمين - فلتجنيب البلاد الوقوع في مستنقع الفوضى، الذي قد يصعب بعد ذلك الخروج منه والعودة بالمجتمعات سالمة إلى بر الأمن والأمان. نقول هذا بمناسبة الاقتحام الذي حدث لمقر مؤسسة إعلامية دأبت إصداراتها على الترويج للعلمانية والإثارة غير الخُلُقية والتشويش الفكري، ثم توجت ذلك بنشر رسم يحمل السخرية من الذات الإلهية! وكانت جريدة علمانية أخرى سبقتها إلى هذا التعدي، ثم اعتذرت الصحيفة وقررت (فصل) ! الموظف المسؤول.. قرار إداري لمعاقبة من اعتدى على الذات الإلهية! ! ثم مرة أخرى حدث الاعتداء من الصحيفة المعنية (التي لم تدرك إحراز السبق! !) وبعد ذلك حدث الاقتحام لمهاجمة مسؤول التحرير كما قيل وقبض ... أحد الموظفين (بشجاعة) على أحد المهاجمين، وكوفئ الموظف بقرار إداري لشجاعته في التصدي لمن أراد التعدي على (الذات التحريرية) . فهل لو ضرب عقلاء المجتمع عند أول تعدٍ على يد العابثين بما يستحقونه من جزاء في دين الله، هل كان سيجد المتهجمون مسوغاً لعملهم؟ ! . وإلى أي مدىً سيأخذنا العلمانيون أو (التنويريون) أو (الحداثيون) ؟ ! ، وأين يريدون أن يحطوا ببلداننا؟ ، وأين احترامهم لعقيدة الأمة جمعاء؟ ! .. (حسبنا الله ونعم الوكيل) .

стр. 2188

افتتاحية العدد العدد المئوي.. هذه مجلة البيان وهذه أهدافها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد: لا نأتي بجديد إذا أكدنا على أهمية الإعلام من حيث أهدافه وتأثيره في المجتمعات، وتغييره لكثير من الوقائع والأحداث، إذا استمر في أداء رسالته المنوطة به، حتى صار من أحدث مسميات منظريه (المتلاعبون بالعقول) ؛ ولذا: نجد الإعلام في كثير من البلدان يستطيع أن يغير اتجاهات، ويروج لنظريات أو يهدمها، وأن يصعد بقوى معينة ويهبط بأخرى، وما ذلك إلا لقوة تأثيره على اتجاهات الناس، وبالتالي: استطاعته تغيير موازين القوى السياسية (الداخلية والخارجية) . غير أن الإسلاميين لم يتح لهم توظيفاً مثمراً ومؤثراً للوسائل الإعلامية من مسموعة ومرئية خدمةً للأهداف الدعوية وإنماءً لوعي الأمة وإصلاحاً لأمرها، لأسباب داخلية، مثل: ندرة الكوادر المتخصصة، وضيق ذات اليد عن التمويل، ويسر وسائل: الخطابة، والمحاضرة، والشريط ... فضلاً عن وجود أسباب خارجية، منها: ١- أن الفئات الإعلامية العلمانية لا ترى في الإعلام رسالة وعقيدة أو أسلوب دعوة وتوجيه، إنما هو في منظورها دعاية لها ولمنطلقاتها. ٢- الأخذ بالمنهج الليبرالي (أحادي التطبيق) الذي يتيح الحرية التامة لكل التوجهات الفكرية أنّى كانت، عدا التوجهات الإسلامية التي لا يرون فيها ادعاءً سوى أنها إرهاب وتطرف. ٣- الاتجاه الاستهلاكي لكل ما تنتجه الدول من أفلام وبرامج تقوم على الترفيه المسف وإشاعة الفاحشة (مكر الليل والنهار) . وتلك الوسائل الإعلامية بأساليبها المختلفة تواصل أداء أدوارها المرسومة لتضليل الأمة، وإضعاف انتمائها لعقيدتها ومنهجها الإسلامي، والْفت في عضد أي توجه إسلامي جديد. ولما قام نفر من المفكرين والدعاة إلى الله بالمطالبة بإعادة النظر في الوسائل الدعوية وأهمية الارتقاء بأساليبها في الدعوة والتوجيه ... لم يكن أمامهم سوى أسلوب واحد هو (الإعلام المقروء) عبر الصحف والمجلات، التي ما زالت تؤدي دورها المحدود، لكن: بتأثير دون تأثير الوسائل الأخرى بدرجات. فحتى متى لا يتنبه الإسلاميون لرسالة الإعلام الخطيرة، وحتى متى لا يستغلونه للدعوة الراشدة لمبادئ الإسلام؟ ! ، إن الأمة الإسلامية تملك أعظم منهاج عرفته البشرية بمختلف مللها ونحلها، فهل نستطيع تبليغ رسالته إلى العالم أجمع؟ ! وهل نحسن استخدام وسائل الإعلام بتقنياته المختلفة لعرض العقيدة الإسلامية عرضاً مناسباً، يعالج حالة القلق والضياع الذي تعيشه الأمم؟ ! إننا في مجلة (البيان) منذ صدورها عام ١٤٠٦هـ الموافق ١٩٨٦م؛ لتكون صوتاً من أصوات أهل السنة، ولساناً معبراً عن الإسلام باعتباره الرسالة الخاتمة، ولتخاطب الناس كافة، ولتكون بياناً يتضمن توضيح الأهداف والغايات التي يتطلع إليها المخلصون من أبناء هذه الأمة، ولتساعد في البحث عن الوسائل المشروعة التي تخدم العمل الإسلامي، مع الدعوة إلى اجتماع جهود الدعاة إلى الله على المنهج السلفي الرشيد، والبعد عن الحزبية والإقليمية.. ما زلنا على هذا الدرب، مستعينين في ذلك بالله، ثم بمشاركات نخبة من العلماء والدعاة والمفكرين المشهود لهم بسلامة العقيدة، والسابقة في الدعوة، والإلمام بواقع الأمة وما يتناوشها من مؤامرات، رغبة في ترشيد الدعوة إلى الله لتؤدي رسالتها على الوجه المطلوب. إننا بهذا العدد نكون قد أنهينا العقد الأول من عمر المجلة، وما كنا نتوقع أن نصل إلى هذا الإنجاز الذي وصلنا إليه، فعلى الرغم من ضعف الإمكانات، وكثرة العقبات والمصاعب، وقلة الخبرات، وندرة القدرات الإعلامية، إلا أننا بفضل الله وتوفيقه استطعنا فيما نحسب أن نشق طريقنا بكل ثبات، مستعينين بالله (تعالى) ، سائلينه التوفيق والتسديد. لقد سارت (البيان) بتوفيق الله مؤدية دورها على هدي من كتاب الله وسنة رسوله، والتمسك بمنهج سلفنا الصالح من أهل السنة والجماعة، وها نحن نصل بعون الله إلى العدد (المئوي) راجين العون والسداد من الله (تعالى) ، وما زالت رسائل القراء والمتابعين تغمرنا يوميًّا بالثناء والتقدير والتوجيه والنصح والمتابعة مما يطالعه القراء الكرام على صفحات هذه المجلة. وإننا نؤكد كثيراً على أننا في حاجة ماسة للنقد الهادف، والتقويم البنّاء، الذي يعيننا ويأخذ بأيدينا إلى الصواب، ولدينا طموح كبير، وتطلع وثاب إلى المزيد من الإنجاز والنجاح، ولن يكون ذلك إلا بتوفيق الله (تعالى) ، ثم بتعاون قرائنا الأعزاء معنا في أداء هذه الرسالة. ولا شك أن مهمة العمل الصحفي شاقة، وأداء الدور المطلوب فيه معاناة لا يعرفها إلا من كابدها؛ لأن الممارسة الكتابية لا سيما الفكرية والدعوية منها من أشق أنواع الكتابة وأصعبها، وبخاصة مع الظروف التي تحيط بأمتنا وسط أجواء موبوءة تضخم من أخطاء التيار الإسلامي إن وجدت، وتحاول محاصرته بكل الوسائل، بغض النظر عن مدى شرعيتها أو زيفها. لكن أصحاب (رسالة الحق) لن يعدموا بإذن الله الأساليب الصحيحة والطرق الموضوعية لإيصال ما يؤمنون به من مبادئ إلى أفراد الأمة ممن لم تعد تنطلي عليهم الحرب المعلنة ضد الإسلام ودعاته ممن يعتبرونهم مصدر البلاء، والفتن! . وفي الوقت نفسه يتناسون ويغضون الطرف عن الإرهاب المؤسسي والإرهاب الدولي الذي تعقد له الاجتماعات، وتنظم له المؤتمرات، وتتطرق له وسائل الإعلام ليل نهار، لكن ذلك كله لن يفلح بإذن الله مهما كانت الوسائل في تحقيق أهدافهم المشبوهة، بل ستزيد المسلمين بإذن الله إيماناً وتمسكاً بدينهم، وتجعل الدعاة إلى الله أكثر إيماناً بدعوتهم، وأكثر يقيناً بصدق توجههم الذي يتقربون إلى الله بأدائه. إننا في مجلة (البيان) لا ندعي لذواتنا العصمة، ولا نزكي أنفسنا (معاذ الله) ، لكننا نعمل جاهدين في إيصال رسالة ديننا الحنيف للناس كافة، مع الاتباع لسنة الهادي الأمين، ووفقاً لمنهج وفهم سلفنا الصالح ﵃ أجمعين) ، ونحرص على أن نسلط الأضواء على واقع أمتنا، وكشف ما يخطط ضدها، ونعمل جاهدين لتقويم خطوات العمل الدعوي، رغبة في الوصول به إلى شاطئ الأمان، وتلافي أي أخطاء قد تحصل مما ينعكس سلباً على الدعوة بعامة والدعاة بخاصة، ومن هذا المنطلق: فقد حاولنا أن يكون هذا العدد (المئوي) متميزاً. وقد حرصنا أن يحتوي على مشاركات لنفر من الكتاب، بدراسات وأبحاث ومتابعات تشبع نهم القارئ من كل نافع ومفيد، وسنقدم إن شاء الله ملفات دورية لمعالجة كثير من الجوانب المعاشة في واقعنا المعاصر، يشارك في عرضها وتقويمها بعض من الفعاليات العلمية والعملية، ونبدأ في هذا العدد بالملف الأول، وهو دراسات وتحليلات موسعة لبعض المختصين في حوار حول الصحوة الإسلامية، وتقويم دورها، الذي نتوقع أن يكون مجالاً خصباً للحوار البناء لكل المهتمين. ونأمل أن يتواصل العلماء والمفكرون والدعاة في الإسهام بآرائهم وطروحاتهم معنا فيما نطرحه للحوار حول مثل هذه المسائل الملحة. إن الكلمة أمانة، وهي مسؤولية كل مسلم مهما كان موقعه، وتتضخم هذه المسؤولية بخاصة على العلماء والدعاة والمفكرين وطلاب العلم [رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ] [الأعراف: ٨٩] .

стр. 2189

دراسات شرعية آل البيت.. منزلتهم - خصائهم بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال أولاً: التعريف، والمراد بهم: (الآل) في اللغة: من الأَوْل، وهو: الرجوع. وآلُ الرجل: أهل بيته، وعياله؛ لأنه إليه مآلهم، وإليهم مآله [١] . المراد بآل النبي [٢] : اختلف في آل بيت الرسول على قولين: القول الأول: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، أو بنو هاشم خاصة، أو بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب؛ وهذا القول هو اختيار الأكثرين. ولا شك أن بعضهم أخص بكونه من آل البيت من بعض، فعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين: أخص من غيرهم. [٣] ومن أدلة هذا القول: أ- حديث (غدير خمّ) عن زيد بن أرقم أن النبي خطبهم، وفيه: أنه حث على التمسك بكتاب الله ورغب فيه، ثم قال: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ، فقال له: حصين: ومَنْ أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وفي رواية: قيل مَنْ أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته: أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة من بعده) [٤] . ب- حديث عمر بن سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي: [إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] [الأحزاب: ٣٣] في بيت أم سلمة، فدعى النبي فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهرهم ... تطهيراً) [٥] . القول الثاني: أنهم ذريته وأزواجه خاصة: ومن أدلة هذا القول: أ- قوله (تعالى) : [يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاًتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ....] حتى قوله: [وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] [الأحزاب: ٣٠-٣٣] فدخلن في آل البيت؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه. ب - ما جاء في روايات حديث الصلاة على النبي بعد التشهد: (اللهم صل على محمد وآل محمد) ، قالوا: فإنه مفسر بمثل حديث أبي حميد: (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته) [٦] ، فجعل مكان الآل: الأزواج، والذرية؛ مفسراً له بذلك. ج - أن الله (تعالى) جعل امرأة إبراهيم من آله، فقال: [رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ..] [هود: ٧٣] كما جعل امرأة لوط من أهله، فقال: [ ... إنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إلاَّ امْرَأَتَكَ ... ] [العنكبوت: ٣٣] . وقيل في معنى (الآل) أقوال أخرى لا تصح. هل أزواج النبي من آله؟ : يأتي إفراد هذه المسألة من أهميتها؛ فالرافضة ينكرون كون أزواج النبي من آله، وحجة من ذهب إلى هذا من أهل العلم: حديث زيد، وحديث ابن سلمة. ويمكن مناقشة الاستدلال بهما كما يلي: أولاً: حديث زيد، إنما وقع فيه نفيه في الرواية الثانية على أن يكون المراد بأهل بيته نساؤه فقط دون غيرهن، ولذا: قال في الرواية الأولى: (نساؤه من أهل بيته) ، فأثبت كونهن من أهل بيته، ونفى كونهن أهل بيته دون غيرهن، ويحتمل أيضاً: أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث بالآل الذين حرموا الصدقة استقلالاً، وهم قرابته دون أزواجه، ولكن الاحتمال الأول أرجح؛ جمعاً بين الروايتين، وجمعاً أيضاً بين القرآن والأحاديث المتقدمة [٧] . ثانياً: وأما استدلالهم بحديث عمر بن سلمة، فمناقشته من أوجه: ١- أن الحديث يحمل على أن النبي ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية، وجعلهم أهل بيته، كما ألحق المدينة بمكة في حكم الحرَمِيّة، وعليه: فأهل الكساء جُعلوا من أهل بيته بدعائه، أو بتأويل الآية على محاملها. ٢- أن الحديث لا يقتضي حصر آل البيت في أولئك؛ لما جاء في الرواية الأخرى: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق) [٨] ، وهذا غايته أن قرابته أحق بهذه التسمية، وليس فيه إخراج الأزواج من الآل. ٣- أن قصر أهل البيت على المذكورين في الحديث (يقتضي أن تكون الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها) . ٤- أن قوله لأم سلمة حين قالت: وأنا معهم يا رسول الله؟ : (أنت على مكانك، وأنت إلى خير) [٩] ليس فيه ما يفيد منعها من ذلك؛ لأن المراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها، وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها به [١٠] . وبعد هذه المناقشة يتبين أن القول الذي تجتمع به الأدلة هو: شمول الآل للقرابة والأزواج، وهذا القول هو اختيار كثير من أهل العلم، وصححه ابن تيمية [١١] . واليوم: فإن نسل البيت الطاهر لم ينقطع، كما دلت أحاديث خروج المهدي على أنه من نسله، ولكن لا يثبت النسب لكل مدع، إذ لا بد من إثبات النسب، فإن كان ذاك فلآل بيت رسول الله ما سيأتي ذكره من الخصائص والحقوق ... والواجبات. ثانياً: خصائصهم ومناقبهم: ١- خصائصهم: أ- تحريم أكل الصدقة عليهم قال: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد) . [١٢] ب- إعطاؤهم خُمُس خمس الغنيمة، وخمس الفيء: قال (تعالى) : ... [واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ] [الأنفال: ٤١] ، وقال: [مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ] [الحشر: ٧] ، فإذا حرموا نصيبهم هذا أعطوا من الصدقة. ج- فضل النسب وطهارة الحسب: قال: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفاني من بني هاشم) [١٣] . ٢- مناقبهم العامة: أ- تخصيصهم بالصلاة عليهم: وذلك كما في التشهد في الصلاة عليه وعلى آله. ب- وصية الرسول بهم: كما تقدم. ولا يثبت لآل البيت والله أعلم غير ذلك من الخصائص العامة، فيجب الحذر من الأحاديث الضعيفة والموضوعة ودسائس المبتدعة. ٣- المناقب والفضائل الخاصة ببعض آل البيت: قد ثبت لكثير من أفراد آل البيت مناقب كثيرة، حفظتها السنة، ففضائل علي أشهر من أن تذكر، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وخديجة خير النساء، وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام [١٤] ، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وحمزة سيد الشهداء يوم القيامة ... وهذا غيض من فيض. ثالثاً: عقيدة أهل السنة والجماعة في آل البيت: تتلخص عقيدة أهل السنة في آل البيت في أنهم يحبون المؤمنين من آل البيت، ويرون أن المؤمن من آل البيت له حقان عليهم: إيمانه، وقرابته. ويرون أنهم ما شرفوا إلا لقربهم من الرسول، وليس هو الذي شَرُف بهم، ويتبرؤون من طريقة الروافض، ومن طريقة النواصب، ويحفظون فيهم وصية الرسول، ولازم هذه المحبة: توليهم ونصرتهم، وهي من لوازم حفظ الوصية فيهم. ويرون أنهم مراتب ومنازل، وأنهم وإن تميزوا فلا يعني أن لهم الفضل المطلق على من فضلهم في العلم والإيمان، فالثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، أفضل من علي، وإن امتاز عنهم بخصوصيات؛ لأن هناك فرقاً بين الإطلاق والتقييد [١٥] . (وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه ﵅ ، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين) [١٦] . قال ابن كثير ﵀ : (ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم، وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، ﵃ أجمعين) [١٧] . ويبين الطحاوي أن البراءة من النفاق لا تكون إلا بسلامة المعتقد في آل البيت فيقول: (ومن أحسنَ القولَ في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق) [١٨] . ولقد كانت حياة سلف الأمة شاهدة على رعايتهم وصية رسول الله في أهل بيته، والوقائع كثيرة، هاك شيئاً منها: -قال أبو بكر ﵁ : (ارقبوا محمداً في آل بيته) يخاطب الناس بذلك ويوصيهم به، يقول: احفظوه فيهم؛ فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم [١٩] . وقال ﵁ : (والله، لَقرابة رسول الله أحب إليّ من أصل قرابتي) [٢٠] . -وقال عمر للعباس ﵄ : (والله، لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب) [٢١] . هذه بعض الشواهد، وإلا فإن الأمر أكبر من هذا، كما شملت هذه الرعاية أزواجَ النبي؛ فإن أهل السنة يعرفون لهن حقّهن، فإنهن أمهات المؤمنين بنص القرآن، وأفضلهن: خديجة وعائشة ﵅ أجمعين) . وقد كان بقية آل البيت فضلاً عن سائر الصحابة يعرفون مكانتهن؛ فقد قيل لابن عباس ﵄ بعد صلاة الصبح: ماتت فلانة لبعض أزواج النبي فسجد، قيل له: أتسجد في هذه الساعة؟ فقال: أليس قال رسول الله (إذا رأيتم آية فاسجدوا) ، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي؟ [٢٢] . ولما كان صحابة رسول الله يحفظون لآل البيت قدرهم، فقد كان آل البيت أيضاً يعرفون منزلة إخوانهم من الصحابة، ويقدرون صاحب الفضل منهم (رضي الله عن الجميع) ويكفي الشاهد التالي: عن ابن عباس قال: (إني لواقف في قوم، فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي فقال: رحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله يقول: كنتُ وأبو بكر وعمر، وفعلتُ وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتّ فإذا علي بن أبي طالب) [٢٣] فهذا هو علي ﵁ الذي يرفعه الرافضة فوق منزلته، ويزعمون ظلم الصحابة له وسلبهم حقوقه، إنه (رضي الله عنه) يرد عليهم بفعله وقوله. ومن أجمل ما في هذا الباب: رسالة للشوكاني سماها (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي) ، ذكر فيها إجماع أهل البيت على تحريم سب الصحابة، من اثني عشر طريقاً، ثم سردها عن جماعة من أكابرهم. ثم ذكر طائفة من أقوالهم، تبين معتقدهم في صحابة رسول الله، والترضي عنهم، وتحريم سبهم، وأن السب إنما هو من فعل الروافض الضلاّل، ومن تشبه بهم في فعلتهم هلك معهم، وذكر في آخر رسالته أن من لم يقنع بما ذكر من الأدلة والإجماع فهو: إما جاهل، أو مكابر. وصدق (يرحمه الله) . رابعاً: معتقد أهل البدع والضلال في آل البيت: افترق الناس في آل البيت، فهلكوا، ونجا أهل السنة، وهذا بحكم علي ﵁ حيث قال: (يهلك فيّ رجلان: مفرط في حبي، ومفرط في بغضي) [٢٤] ، وأهل السنة وسط بين طرفين، وقد سلك أهل الزيغ في آل البيت مسلكين: مفرط في الحب وهم الروافض والصوفية، ومفرط في البغض وهم النواصب. المسلك الأول: مسلك الرافضة والصوفية: معتقد الرافضة في آل البيت: غلا الرافضة في محبتهم كما غلت النصارى في المسيح [٢٥] ، وقالوا: لا ولاء إلا ببراء، أي: لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) [٢٦] ، وأطلقوا (النّصْب) على من تولى الشيخين ﵄ ؛ بناءً على أن: (من أحبهما فقد أبغض عليًّا) ، و (من أبغضه فهو ناصبي) ، وهاتان مقدمتان، أولاهما باطلة [٢٧] . ورفعوهم فوق منزلتهم، وادعوا لهم ما لم يثبت، بل ما لا تقبله العقول! وقد تبرأ خيرة آل البيت من تلك المحبة ودعوا إلى الاعتدال فيها، قال علي بن الحسين (رحمه الله تعالى) : (يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً) [٢٨] ، وعن الحسن بن الحسن أنه قال لرجل يغلو فيهم: (ويحك! أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ولو كان الله نافعاً أحداً بقرابة من رسول الله بغير طاعة، لنفع بذلك أباه وأمه، قولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون، ونحن نرضى منكم) [٢٩] . قولهم بإمامة الاثني عشر: [٣٠] الإمامة عندهم في المرتبة الرابعة من أصول الدين، بعد التوحيد والعدل والنبوة، فزعموا فيها أن النبي نصّ على إمامتهم نصًّا جليًّا أو خفيًّا. ومن أصول الرافضة في الإمامة: أ - أن هؤلاء الأئمة معصومون كعصمة الأنبياء. ب- أن كل ما يقولونه فقد تلقوه عن النبي. ج- أن إجماع العترة (وهم الأئمة الاثني عشر) حُجة، وأن كل ما قاله أحدهم فقد أجمعوا عليه كلهم! . وبراءة آل البيت من لزوم طاعتهم على ما قرره الرافضة ثابتة: فعن علي بن الحسين أنه قال: (من زعم منا أهل البيت أو غيره أن طاعته مفترضة على العباد فقد كذب علينا، ونحن منهم براء، فاحذر ذلك إلا لرسول الله ولأولي الأمر من بعده) [٣١] . وعن أبي جعفر محمد بن علي، قال: (يزعمون أني مهدي، وإني إلى أجلي أدنى مني إلى ما يدعون) [٣٢] . انحراف الرافضة في أئمتهم: وقد بلغ مبلغاً عظيماً، ومن صوره: أولاً: اختلافهم في تعيين الأئمة اختلافاً متبايناً، كلّ يدعي الحق دون حجة ولا برهان. ثانياً: مخالفتهم لأئمتهم، حيث فارقوا أهل السنة والجماعة. ثالثاً: أن الرافضة لا يهتمون بتمييز المنقولات عن الأئمة، ولا خبرة لهم بالأسانيد ومعرفة الثقات. رابعاً: كذب الرافضة على أئمتهم: فلم يقفوا عند حدّ القصور في تمييز المنقولات، وقد عظم كذبهم، لا سيما على جعفر الصادق، فإنه ما كُذب على أحد مثل ما كذب عليه، حتى نسبوا إليه: كتاب الجَفْر، والبطاقة، والهَفْت، واختلاج الأعضاء، وجدول الهلال، وأحكام الرعود والبروق ... وغيرها. خامساً: اتباع الرافضة لشيوخهم لا لأئمتهم: فقد مات الأئمة من سنين كثيرة، فأين مهديّهم؟ ! والذين يوجهون الرافضة، ويطيعهم الرافضة، هم الشيوخ، أو كتب صنفها الشيوخ. سادساً: سخافة قول الرافضة في أئمتهم: وماذا حصّلوا من انتظارهم إمامهم المزعوم محمد بن الحسن العسكري إلا العناء وسخرية العقلاء بهم؟ ! . سابعاً: زعمهم اختصاص آل البيت بشيء من التشريع، لم يعلم به غيرهم: ومن ذلك: زعمهم اختصاصهم بمصحف فاطمة، ويكفينا هنا رد علي نفسه لما سئل: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما كان في كتاب الله؟ قال: (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن ... ) ، ولمسلم: (ما خصنا رسول الله بشيء لم يعم به الناس كافة) [٣٣] . ثامناً: شرك الرافضة في أئمتهم: حيث ينسبون إليهم أفعالاً لا تليق إلا بمقام الربوبية، وتأمل هذه القصة: عن القاسم المطرّز، قال: دخلت على عبّاد الكوفة، وكان يمتحن الطلبة، فقال: من حفر البحر؟ قلت: الله، قال: هو ذاك، ولكن من حفره؟ قلت: يذكُرُ الشيخ، قال: حفره علي! ! فمن أجراه؟ قلت: الله، قال: هو كذاك، ولكن من أجراه؟ قلت: يفيدني الشيخ، قال: أجراه الحسين، وكان ضريراً، فرأيت سيفاً وحَجَفَة، فقلت: لمن هذا؟ قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي، فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال: من حفر البحر؟ قلت: حفره معاوية ﵁ ، وأجراه عمرو بن العاص، ثم وثبتُ وعَدَوْتُ فجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدوّ الله، فاقتلوه. [٣٤] حقيقة مذهب الرافضة: والحقيقة التي ينبغي أن تُعلم: أن كل ما يدعيه الرافضة لآل البيت، لم يكن مودة لآل البيت، ولا محبة فيهم! ، فإن القوم قوم بُهت، وأهل كيد وخداع، وإن وراء الأكمة ما وراءها، ويشهد التاريخ أنهم كادوا للإسلام ويكيدون له؛ فهم قوم منافقون باطنيون أقصد أهل زماننا من الرافضة، قال الإمام الدارمي: (حدثنا الزهراني أبو الربيع قال: كان من هؤلاء الجهمية رجل، وكان الذي يظهر من رأيه الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب ﵁ ، فقال رجل ممن يخالطه ويعرف مذهبه: قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه، فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي؟ قال: إذن أصدقك أنا، إنْ أظهرنا رأينا الذي نعتقده رُمينا بالكفر والزندقة، وقد وجدنا أقواماً ينتحلون حب علي ويظهرونه، ثم يقعون بمن شاؤوا، ويعتقدون ما شاؤوا، ويقولون ما شاؤوا، فنُسبوا إلى التشيع، فلم نر لمذهبنا أمراً ألطف من انتحال حب هذا الرجل ثم نقول ما شئنا، ونعتقد ما شئنا، ونقع بمن شئنا، فلأن يقال لنا: رافضة أو شيعة، أحب إلينا من أن يقال زنادقة كفار، وما علي عندنا أحسن من غيره ممن نقع بهم. ثم قال: وصدق هذا الرجل فيما عبر عن نفسه ولم يراوغ. وقد استبان ذلك من بعض كبرائهم وبصرائهم ... ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم، إن أهل العلم منهم لعلى يقين) [٣٥] . معتقد الصوفية في آل البيت: والصوفية يرون أن آل البيت هم خواص الأمة؛ ومن هنا أتى غلوهم في الأولياء. وينبغي أن يعلم أن لهم اصطلاحاً في الولاية يخالف اصطلاح أهل السنة، فأهل السنة يعرفون الولي بأنه: كل مؤمن تقي، ليس بنبي. أما ولي الله عند الصوفية فهو: من اختاره الله وجذبه إليه، ولا يشترط الصلاح ولا التقوى عندهم، بل هي وَهْب إلهي دون سبب ولا حكمة، وجعلوا المجاذيب والمجانين والفسقة والظلمة أولياء، وقسموا الأولياء إلى مراتب: الغوث، والأبدال، والنجباء، ولكل منهم تصرف في الكون حسب مرتبته. والمطلع على حقيقة مذهبي الرافضة والصوفية يجد الأصل واحداً، والغاية واحدة، كما يجد الاشتراك في كثير من العقائد والشرائع [٣٦] ، وخير مثال على ذلك ما نحن بصدده، وهو: ١- الإمامة الشيعية والولاية الصوفية: زعم الرافضة أن أئمتهم مختارون من الله، خُصوا بخصائص دون غيرهم، ورفعوهم فوق مقامات الأنبياء، وهذا نفسه ما ادعاه الصوفية لأوليائهم، وكما جعل الرافضة للأئمة مقامات بعد مقام الولاية كالنقباء، وهم وكلاء الإمام ... ، فقد جعل الصوفية المقام الأعظم للقطب الغوث، ثم الأبدال السبعة، ثم النجباء السبعين ... ٢- تقديس القبور وتعظيم المشاهد: الشيعة أول من بنى المشاهد والمساجد على القبور في الإسلام، وكان ذلك منذ بداية القرن الثالث الهجري، ولكن بعض خلفاء بني العباس شرعوا يهدمونها ... ونسج الصوفية على المنوال نفسه؛ فجعلوا أهم مشاعرهم: تعظيم القبور والأضرحة، والطواف والتبرك بها ... ولعل من الأمثلة على شدة التقارب بين الفئتين: ما قام به الرافضة في بلد إسلامي من بناء مسجد عظيم أنفقوا فيه بسخاء على مقام (السيدة زينب) ، وهو من المقامات التي أنشأها الصوفية، بل صار مزاراً عظيماً للرافضة! ! ويكفي في بيان التقارب: أن التشيع ما دخل إفريقيا في العصر الحديث إلا عن طريق الصوفية التي كانت ضاربة أطنابها في إفريقيا ولا زالت، بل إن دولة العبيديين (الفاطميين) كانت تسعى لنشر التشيع والرفض، وما أراد العبيديون أصلاً بإنشاء الأزهر إلا ليكون معلماً للرفض، ومركزاً لنشر تلك العقيدة المزيفة، ولكن الله رد كيدهم، ولما سقطت دولتهم على يد صلاح الدين، الذي أعاد الله به ضياء السنة، بقي دين الرفض مختبئاً، واتخذ طريق التصوف أسلوباً وسبيلاً لمحاولة بقائه. المسلك الثاني من مسالك أهل البدع في آل البيت: سبهم وتكفيرهم، كما يفعلون مع بقية الصحابة ﵃ ، وهذا مسلك المارقة الخوارج الحرورية. والأدلة على تحريم سب الصحابة وآل البيت ظاهرة، وأقوال السلف في حبس سابّهم وعقوبته متكاثرة، قال (تعالى) : [وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً] [الحجرات: ١٢] ، وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتاباً، وقال (تعالى) : ... [وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ] [الهمزة: ١] ، وقال (تعالى) : [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإثْماً مُّبِيناً] [الأحزاب: ٥٨] ، والله (تعالى) قد رضي عن الصحابة رضاءً مطلقاً، فقال: [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ] [التوبة: ١٠٠] ، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبداً. وقال رسول الله: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه) [٣٧] . وقد فصل ابن تيمية في الصارم المسلول حكم ساب الصحابة بعد أن نقل نقولاً كثيرةً عن العلماء، وهناك جملة من أنواع سب الصحابة مما يعدّ ناقضاً من نواقض الإيمان [٣٨] ، وهي: ١- أن يسب الصحابة أو جمهورهم، سبًّا يقدح في دينهم وعدالتهم؛ كأن يرميهم بالكفر، أو الفسق، أو الضلال. ٢- أن يسب صحابيًّا تواتر فضله. ٣- أن يقذف عائشة، أو غيرها من أمهات المؤمنين. وواضح أن هذا السب قاسم مشترك بين الروافض والنواصب! ! . ولماذا كان السب ناقضاً للإيمان ومكفراً؟ لأن في سب الصحابة ﵃ تكذيباً للقرآن الكريم، وإنكاراً لما تضمنته آيات القرآن من تزكيتهم والثناء عليهم. لأن سبهم يستلزم نسبة الجهل إلى الله (تعالى) ، أو العبث في تلك النصوص الكثيرة التي تقرر الثناء على الصحابة. ولأن فيه تنقصّاً وأذى للرسول؛ فهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم. ولأن سبهم طعن في الدين، وإبطال للشريعة، وهدم لأصله؛ لأنهم هم نقلة الدين، فإذا طعن فيهم انعدم النقل المأمون للدين. ونحن نبرأ إلى الله من فعل الخوارج الذين يناصبون الصحابة وآل البيت العداء، وقتلوا عليًّا على يد ابن ملجم (عليه من الله ما يستحق) . كما نبرأ من صنيع الروافض وافترائهم وبهتانهم. وأخيراً: أما وقد ثبت هذا الفضل لآل البيت، فهل يا ترى يناله كل من كان منتسباً لهذا النسب الشريف كائناً من كان؟ . إن أصول الشريعة لتدل دلالة واضحة على أن النسب بحد ذاته لا يمكن أن يكون كافياً لتحصيل تلك المزية والمنقبة وذلك الفضل، إذ لو كان كافياً لنفع أبا لهب وأبا طالب، إذ لا بد أن ينضاف إليه الإيمان والعمل الصالح؛ فإن النسب وحده لا يعني حصول العصمة، ولا سقوط التكاليف.. هذا أمر. وأمر آخر وهو: أن القرب من النبي كما أنه تشريف، فهو تكليف أيضاً؛ فإن الله (تعالى) ضاعف الأجر لأزواج النبي وهنّ من آله وبيّن لهنّ مضاعفة العقوبة، وهذا من خصائصهن ﵅ لعظم قدرهن؛ لأن قبح المعصية تتبع زيادة فضل الآتي بها، قال (تعالى) : [يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاًتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً] ... [الأحزاب: ٣٠، ٣١] ، فلما كانت مكانتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظا؛ صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع. إذن: فالفضل الوارد لآل البيت إنما يستحقه المؤمنون منهم، المتبعون للسنة، وهم الذين ندين لله (تعالى) بحبهم، والاعتراف بفضلهم، وموالاتهم، ومعاداة من عاداهم. أما الواقع المشاهد لبعض المنتسبين لآل البيت، من الذين بدلوا وغيروا وحرفوا، وصاروا دعاة للضلالة، ناصرين للبدعة، محيين للشرك الصراح، موالين لأهل الكفر، أما هؤلاء فلا حب لهم ولا كرامة، فإنهم لا يعتبرون من آل البيت، بل حقهم الكراهية والبغض والبراءة والعداوة، كما هو مقرر في باب الولاء والبراء، فتسري عليهم أحكام الشريعة، كما تسري على غيرهم، في حين أن الأمر في حقهم أشد وأقبح؛ فهم يسيئون إليه، ويؤذونه وآل بيته ﵃ ، لكن أفعالهم الشنيعة، وأعمالهم البشعة لا تغض من قدر آل البيت شيئاً، بل قدرهم عند أهل السنة محفوظ، لا يزيله تحريف غالٍ، ولا انتحال مبطل، ولا تأويل جاهل. إن كثيراً من أولئك الدجاجلة الأفاكون استغلوا نسبتهم لآل البيت، وصدقوا معتقد الرافضة وغلاة الصوفية في أئمتهم، فادّعوا العصمة لأنفسهم وصاروا دعاة على أبواب جنهم، ينشرون البدع والضلال والكفر والشرك الأكبر! . ألا فليعلم أولئك، والمغترون بهم، والسائرون في ركابهم، أنهم ليسوا على شيء؛ فإن الله (تعالى) ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا سبب، إلا سبب الإيمان والعمل الصالح، وإن النبي لا يغني عن أحد شيئاً، ولو كان أقرب قريب، ولو كان نافعاً أحداً لنفع أباه، وقد قرر ذلك أعظم تقرير وأوضحه، ولكن القوم في غيهم يعمهون. عن أبي هريرة ﵁ قال: لما أنزلت هذه الآية: [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] [الشعراء: ٢١٤] دعى رسول الله قريشاً، فاجتمعوا، فعمّ وخصّ، فقال: ( ... يابني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ... ) . [٣٩]

стр. 2190

دراسات شرعية هذه أحكام الأضحية بقلم: عبد الله الإسماعيل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. فإن الأضحية من شعائر الله الظاهرة التي أجمع المسلمون على مشروعيتها [١] ، وداوم النبي ﷺ على فعلها، كما في حديث أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين، فذبحهما بيده) . [٢] وإليك أيها القارئ الكريم مسائل في الأضحية وأحكامها تحت العناوين الآتية: أولاً: حكمها: الأظهر من قولي العلماء أنها سنة مؤكدة للقادر عليها، وهو قول الجمهور، وليست بواجبة؛ لجملة من الأدلة منها: ١) أن النبي ﷺ ضحى عمن لم يضحّ من أمته، كما في حديث جابر ﵁ [٣] . ٢) حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً) [٤] ، فقوله: (وأراد) ظاهر الدلالة في عدم الوجوب [٥] . ٣) أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما [٦] . ٤) قول أبي مسعود الأنصاري ﵁ (إني لأدع الأضحى وإني لموسر، مخافة أن يرى جيراني أنه حتم عليّ) . [٦] ثانياً: وقتها: يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة العيد؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) [٧] ، ويمتد وقت الذبح إلى آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فتكون أيام الذبح أربعة، لحديث جبير بن مطعم مرفوعاً: ( ... وفي كل أيام التشريق ذبح) [٨] . والأفضل ذبحها في اليوم الأول بعد الصلاة؛ لقول النبي ﷺ (إن أوّل ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر) [*] . ثالثاً: صفة ذبحها: يسن أن يذبحها بيده، فإن كانت من البقر أو الغنم أضجعها على جنبها الأيسر، موجهة إلى القبلة، ويضع رجله على صفحة العنق، ويقول عند الذبح: بسم الله والله اكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عني (أو اللهم تقبل مني) وعن أهل بيتي، أو عن فلان -إذا كانت أضحية موصي -، ويدل على هذه الصفة الأحاديث الآتية: ١- حديث أنس ﵁ قال: (ضحى النبي بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما) [٩] . ٢- حديث جابر السابق. ٣- حديث عائشة ﵂ (أن رسول الله أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد [١٠] ، فأتي به ليضحي به، فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشمذيها بحجر، ففعلتُ، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمّة محمد، ثم ضحى به) [١١] . ٤- أن ابن عمر ﵄ كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة. [١٢] - أما جملة: (اللهم هذا منك ولك) فقد جاءت في حديث جابر -رضي الله عنه - وإسناده صحيح لولا عنعنة أبي إسحاق، إلا أن لها شاهداً يتقوى به [١٣] . - وإن كانت الأضحية من الإبل نحرها معقولة يدُها اليُسرى؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، فقال: (ابعثها قياماً مقيّدة، سنّة محمد) [١٤] . وعن عبد الرحمن بن سابط ﵀: (أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليُسرى قائمة على ما بقي من قوائهما) . [١٥] رابعاً: ويحرم بيع شيء منها حتى من شعرها وجلدها، ولا يعطى الجزّار بأجرته منها شيئاً؛ لقول علي ﵁ (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها) [١٦] (قال: نحن نعطيه من عندنا) . [١٧] خامساً: ما يجزئ في الأضحية: أ- لا تجزئ إلا من الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى [لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ] [الحج: ٣٤] وبهيمة الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم [١٨] . ب- تجزئ الشاة عن الواحد وأهل بيته، لقول أبي أيوب ﵁ لما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله؟ فقال: (كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته) [١٩] . وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة وأهل بيوتهم؛ لحديث جابر -رضي الله عنه-، قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة) . [٢٠] ج- أقل ما يجزئ من الضأن ما له نصف سنة، وهو الجذع؛ لقول عقبة بن عامر ﵁ قال: (ضحينا مع رسول الله بجذع من الضأن) [٢١] . وأقل ما يجزئ من الإبل والبقر والمعز سنّة؛ وهي من المعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنين [٢٢] ؛ لحديث جابر - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تذبحوا إلا سنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن) . [٢٣] د- أربع لا تجوز في الأضاحي، كما في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظلعها [٢٤] ، والكسير [٢٥] ، وفي لفظ: والعجفاء [٢٦] التي لا تنقي [٢٧] [٢٨] . سادساً: ما يجتنبه المضحي: إذا دخلت العشر حرم على من أراد أن يضحي أخذ شيء من شعره أو ظفره أو جلده حتى يذبح أضحيته؛ لحديث أم سلمة ﵂ أن النبي قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) ، وفي رواية (ولا من أظافره شيئاً حتى يضحي) . [٢٩] ، وهذا النهي خاص بصاحب الأضحية، أما المضحى عنهم من الزوجة والأولاد فلا يعمهم النهي؛ لأن النبي ذكر المضحي، ولم يذكر المضحى عنهم. ومن أخذ شيئاً من شعره أو ظفره في العشر متعمداً فلا يمنعه ذلك من الأضحية، ولا كفارة عليه، ولكن عليه أن يتوب إلى الله (تعالى) . سابعاً: الأضحية عن الميت: أ- تصح الأضحية عن الميت إذا كانت إنفاذاً للوصية. ب- أما أن يفرد الميت بأضحية تبرعاً، فهذا ليس من السنة، وقد مات عم النبي حمزة وزوجته خديجة، وثلاث بنات متزوجات، وثلاثة أبناء صغار، ولم يرد عنه أنه أفردهم أو أحداً منهم بأضحية. ج-إن ضحى الرجل عنه وعن أهل بيته ونوى بهم الأحياء والأموات شملهم جميعاً [٣٠] .

стр. 2191

خواطر في الدعوة الأسباب والنتائج ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد العبدة من الكلمات التي ما فتئ بعض الإسلاميين يرددونها، ولا يملون من تردادها كلما ووجهوا بنقد أو لوم: (نحن نعمل، والنتائج على الله) ، وهي كلمة حق؛ فالإنسان يبذل الجهد، ويأخذ بالأسباب التي أُمر أن يأخذ بها، ويدع النتائج لمشيئة الله، فما قضى به (سبحانه) للمؤمن فهو خير ولن مشكلة هذا القول تكمن في نصفه الأول، والسؤال المتبادر: هل قمنا - حقيقة - بالعمل المطلوب؟ هل أخذنا بالأسباب الواجبة شرعاً؟ ، وهل بذلنا كل وسعنا، وكل طاقتنا، ثم قلنا: دع النتائج لله؟ هذه الأسئلة يجب أن نفكر فيها طويلاً، ونعيد النظر في أعمالنا، ونرجع إلى الماضي القريب، فإن النتائج التي وصلنا إليها، ومحصلة العمل الإسلامي بعد مرور ما يقارب القرن على بدئه لا تدل على أننا قمنا بالواجب تماماً، ولا تدل على أننا أخذنا بالأسباب على أحسنها، إنها نتائج ضعيفة إذا قيست بهذه المدة المتطاولة. ليس هذا إنكاراً للجهود المخلصة، ولا جحوداً لما قام به أهل العلم والفضل ولكن.. لماذا نظن أن الأمور سائرة على ما ينبغي؟ ولماذا لا نفترض أن هناك خللاً ما، سواء أكان خللاً في المنهج والتصورات أو في الوسائل وطرق السير؟ . لقد سرق العلمانيون والمتسلقون جهود المسلمين ... ولا يزالون، فلماذا لا نبحث مثل هذه القضية؟ ألا يستحق المسلمون أن يكون لهم قيادة علمية يرجعون إليها، قيادة توجههم وتحميهم من تكالب الأعداء عليهم، وتحميهم من هذه الحرب الضروس التي يشنها الإعلام العالمي - ومن يسير في ركابهم - على الإسلام والمسلمين؟ كيف نقول: إننا قمنا بالعمل، وليس للمسلمين منبر إعلامي قوي يذود عنهم، ويشرح للناس قضيتهم، ويبشر بالإسلام لإنقاذ الناس من الهلاك. كيف نقول: إننا قمنا بالعمل، ولا نجد خطوات جادة مخلصة لتوحيد الصف الإسلامي، وإذا بُدئ بهذا الأمر، فإنه يبدأ بخطوات خجولة مترددة. ليس المقياس أن نرى النتائج فقط، ولكن أن ننظر إلى البدايات، هل أُحكمت أم لا؟ ، والأخذ بالأسباب لا يعني الأخذ بأضعفها، ومن قصر في هذا فلا يلومنَّ إلا نفسه، وقد قيل: لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه ويروى عن الخليفة الأموي (سليمان بن عبد الملك) أنه قال: (ما لمت نفسي على فوت أمر بدأته بحزم ولا حمدتها على درك أمر بدأته بعجز) . ... إن الخلل في إحكام البدايات، وعدم الوقوف على أرض صلبة، وعدم السير على منهج واضح: هو الذي أوقع المسلمين في أخطاء كبيرة، جعلهم يتقدمون خطوة ويتأخرون خطوات، بينما نرى أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاموا بعده بشؤون الحكم والإدارة، واختلطوا بالأمم، ولكن كل ذلك كان مشدوداً لقاعدة منهجية واضحة. إن الأخذ بالأسباب من منهج أهل السنة، ولكن لا يعتمد عليها وحدها فإن هذا شرك بالله، وكذلك: لا تترك فإن هذا حمق. لقد كان سلفنا الصالح يتوكلون على الله ويأخذون بالأسباب.

стр. 2192

من قضايا المنهج أخطاء في فهم المنهج محمد بن عبد الله الدويش يكثر اليوم الحديث عن المنهج وطرح التساؤلات وإثارة النقاش حوله، ويكثر استخدام هذا المصطلح في الخطاب الدعوي، وتقويم الجهود والأعمال الدعوية. والحديث عن المنهج مظهر من مظاهر النضج في التفكير وتجاوز الوقوف عند المسائل الفرعية وتكرارها والجدل فيها على حساب الأصول. لكن.. ما طبيعة هذا الحديث؟ . أهو حشد للطاقات والجهود داخل إطار الطائفة الناجية لاستكشاف معالم المنهج، وتحديد الثوابت الدعوية في مثل هذا العصر وظروفه؟ أم أن الجهود اتجهت للتشاجر والتطاحن داخل الصف الإسلامي بل داخل صف أهل السنة؟ ! وما أسطره هنا لا يعدو كونه اجتهاداً فرديًّا، ومحاولة شخصية، آمل من القارئ الكريم ألا يؤدي به اختلافه معي في قضية أو جزئية إلى رفض ما يوافقني عليه، وكلّ يؤخذ من كلامه ويرد، إلا المعصوم. المنهج في اللغة: قال ابن فارس: (النون والهاء والجيم أصلان متباينان: الأول: النهج، الطريق.. ونهج الأمر: أوضحه. والآخر: الانقطاع.. وأتانا فلان ينهج، إذا أتى مبهوراً مقطوع النّفَس) [١] . حين نعود إلى لسان العرب نستطيع أن نستنبط من معاني المنهج ومشتقاته: ١- الوضوح: (طريق نهج: بيّن واضح، وهو النهج. والمنهاج: الطريق الواضح. واستنهج الطريق: صار نَهْجاً. ٢- سلوك الطريق: نهجت الطريق: سلكته، والنهج: الطريق المستقيم. ٣- الانقطاع: وهو ليس من هذا الباب، بل من الأصل الثاني. [٢] المنهج في الكتاب والسنة: ورد المنهج في القرآن في قوله (تعالى) : [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] [المائدة: ٤٨] . وفي السنة النبوية: جاء استخدام هذا المصطلح في حديث: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) [٣] . أخطاء في المنهج: أولاً: اعتبار أقوال الرجال مقياساً للمنهج: مما لاجدال فيه، ولا يحتاج لاستدلال: أن لأقوال أهل العلم قيمة ومكانة، ولا أدل على ذلك من أنك لا تقرأ لأحد من المعتبرين في مسألة من المسائل إلا وتراه يثني على اختياره قولاً من الأقوال، في الإشارة إلى من قال بهذا القول من أهل العلم. لكن هذا شيء، واعتبار أقوالهم وآرائهم حجة شرعية ومصدراً للتلقي شيء آخر. وفي ميدان التقرير النظري: فلن تجد أحداً من أهل السنة يعتقد العصمة لرجل من الرجال، أو يرى أن قوله حجة ملزمة للأمة كلها، لكنك حين تنتقل إلى ميدان العمل والتطبيق: فسترى الكثير ممن يتحدث عن قضايا كبرى تتعلق بالمنهج ينطلق من رأي فلان وفلان من الناس، ويظهر أثر ذلك في جوانب عدة، منها: ١- استفتاء بعض المهتمين أهل العلم في كل ما يجدّ ويحدث، واعتماد هذه الفتوى أو الرأي حجة دون اعتبار الدليل الشرعي. ٢- في مجال تقويم الأعمال الدعوية والجهود والبرامج، أو تقويم بعض الدعاة: قد يُكتفى بسؤال فلان أو فلان من الناس، واعتبار رأيه حجة قاطعة. ٣- الحكم بالانحراف عن المنهج على فرد أو داعية؛ بحجة أنه خالف ما قرره العالم الفلاني أو الجماعة الفلانية، أو الهيئة العلمية الفلانية. ومع تأكيدنا لقيمة أقوال أهل العلم وضرورة استفتائهم، إلا أن هذا شيء، واعتبار أقوال بعضهم حجة على الأمة شيء آخر. قال شيخ الإسلام ﵀ : (والمقصود أن من نصب إماماً فأوجب طاعته مطلقاً، اعتقاداً أو حالاً، فقد ضل في ذلك، كأئمة الضلال الرافضة الإمامية ... وكذلك: من دعا لاتباع شيخ من مشايخ الدين في كل طريق من غير تخصيص ولا استثناء ... وكذلك: من دعا إلى اتباع إمام من أئمة العلم فيما قاله وأمر به ونهى عنه مطلقاً، كالأئمة الأربعة، وكذلك: من أمر بطاعة الملوك والأمراء والقضاة في كل ما يأمرون به وينهون عنه من غير تخصيص ولا استثناء) [٤] . ومن يقرأ في كتب أهل العلم السابقين واللاحقين فسيجدهم قد تواصوا بالعيب على التقليد والنعي على أصحابه وذمهم. وقد يعتذر بعضهم بأنه يسوغ له التقليد، وأن غيره يدرك ما لا يدرك، وأنه لم يصل إلى مرتبة معرفة الأدلة ومناقشتها، فقد يسوغ له التقليد في ذات نفسه، لكن.. لم يجعل ذلك معياراً يحكم به على الآخرين، فيضللهم أو يخرجهم عن دائرة المنهج محتجًّا بأقوال الرجال؟ ، وحين يناقش بالدليل الشرعي يقول: إنه ليس صاحب علم، وفرضه أن يقلد. ثانياً: اعتبار واقع المجمتع معياراً للمنهج: تتفاوت مجتمعات المسلمين اليوم في مدى قربها أو بعدها عن الهدي الشرعي، ... ومدى سلامتها من البدع والمحدثات، وقد يتميز مجتمع منها بأنه أكثر محافظة وأقل ابتداعاً من غيره، فيشعر أهله بالتوجس والريبة مما يفد إليهم من سائر المجتمعات، ويعطي الواقع المشاهد بعض المصداقية لهذه النظرة. لكن قد تتحول القضية إلى اقتناع راسخ بأن أي وافد على هذا المجتمع فذلك دليل انحرافه، فيرفض هؤلاء الكثير مما لم يألفوه بحجة أنه وافد، أو لم يكن يعرف من قبل، ولو قالوا: [إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ] لكانوا أكثر واقعية مع أنفسهم. نعم، قد يكون هذا الوافد مخالفاً فينبغي أن يرفض؛ لأنه مخالف للشرع لا لأنه وافد، وقد يكون موافقاً للشرع، فكونه غير معروف لدى مجتمع معين أو طبقة معينة من الناس مهما علا قدرهم ليس مبرراً لرفضه. ثالثاً: الخلط في المصطلحات الشرعية: هناك مصطلحات شرعية رتب الشرع عليها المدح والذم، والوجوب والتحريم وبعضها مصطلحات عامة تحتاج للفقه في تنزيلها على الوقائع والمواقف، وقد يُتكأ على مثل هذه المصطلحات، وينطلق منها، ويستثمر أثرها على الناس في تقرير ما يريده باسم المنهج، ومن ذلك: ١- المصلحة: فالمصالح والمفاسد مصطلح شرعي يكثر الحديث عنه في كتب الأصول والمقاصد، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى اعتبار أن الدين كله قائم على مراعاة المصالح والمفاسد، لكن بعض الدعاة قد يقف مواقف ويعمل أعمالاً دعوية تخالف المنهج الشرعي، وحين يطالَب بالحجة والبرهان لا يجد لنفسه مستنداً إلا أن المصلحة تقتضي هذا الأمر، وينسى هؤلاء أن المصلحة وصف شرعي لا بد من تنزيله على مناطه الشرعي فعلاً، وليست لباساً يُلبسه من شاء على ما راق له من عمل. وأحياناً قد يوصف الواجب الشرعي كإنكار المنكر بأنه يترتب عليه مفاسد، وينسى هؤلاء أن المفاسد المعتبرة هي ما اعتبرها الشرع. إن الأصل الشرعي المستقر: أنه يجب إنكار المنكر، إلا إذا ترتب على إنكاره مفسدة؛ فالقاعدة والأصل: وجوب الإنكار، وترتب المفسدة استثناء، فتحول الاستثناء عند بعض هؤلاء إلى قاعدة. ٢- الفتنة: والفتنة جاءت نصوص الشرع بذمها وعيب أهلها والداعين إليها والساعين لإثارتها، لكن قد ينطلق اليوم بعض الذين يسعون لتشويه سير الدعاة إلى الله والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، من هذا المعنى المستقر وهذا الرفض لدى جمهور المسلمين للفتن؛ ينطلقون من ذلك ليحَوِّلوا جهد هؤلاء وإبلائهم إلى جرم وضلال، وفي ظل هذا الزخم الهائل من التهم بإثارة الفتنة للدعاة إلى الله نسي كثير من المسلمين أو جهلوا المعاني الشرعية للفتنة. فالصد عن سبيل الله، والكفر به، والمسجد الحرام: جرم عظيم، لا يوازيه القتال في الشهر الحرام؛ [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ] [البقرة: ٢١٧] . وإيذاء المؤمنين لصدهم عن دينهم فتنة؛ [إنَّ الَذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ] [البروج: ١٠] . والكفر والشرك بالله فتنة تستوجب الجهاد والقتال وإراقة الدماء لإزالتها؛ [وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] ... [البقرة: ١٩٣] . ٣- البدعة: وهي مصطلح أطلق في الشرع على كل ما أحدث في دين الله، واقترن هذا المصطلح بالذم في نصوص الكتاب والسنة، بل كان لا يدع التحذير منه في خطبة أو مناسبة ( ... وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ، والخطأ هنا يقع في تنزيل هذا الوصف الشرعي على عمل معين أو شخص معين، فبعض أهل البدع يقصر هذا الوصف على نوع واحد من البدع، وهي البدع الحقيقية، ويخرج البدع الإضافية من وصف البدعة. وبعض آخر يغلو فيحكم بالابتداع على من لا يستحقه، ويصف بذلك كل من أخطأ في مسألة ولو كانت من المسائل الخفية، بل وربما كانت من مسائل الاجتهاد. رابعاً: الانطلاق من ردود الفعل: تترك الأحداث آثارها وتهز النفوس هزًّا قد يفقدها بعض التوازن، فتتجه إلى طرف آخر، ومن هنا: تساهم ردود الفعل في صرف بعض الناس عن موقف الاعتدال: أ- فقد تكون ردة الفعل تجاه موقف أخطأ فيه شخص فعالجه آخر بتطرف مقابل، ولعل إهمال شأن الحكم بغير ما أنزل الله وتهميش قضية الحاكمية ردة فعل تجاه طائفة اختزلت مشكلات المسلمين كلها في هذه المشكلة. ب- وقد تكون ردة الفعل مدرسة في مقابل مدرسة أخرى، فمدرسة أهل الظاهر ما هي إلا ردة فعل لمدرسة أهل الرأي التي تطرفت في الأخذ بالقياس وإهمال النص. ج- وقد تكون من الإنسان نفسه تجاه خطأ اكتشفه في نفسه، أو تقصير في جانب من الجوانب، فيتحول إلى الطرف المقابل، ويعالج الأمر بالتطرف بعيداً عن الاعتدال والموضوعية. د- وقد تكون تجاه حدث أو أزمة مرت بالأمة وتركت آثارها وخلّفت ظلالها الثقيلة على النفوس، (إن الناموس العام لردود الأفعال هو عدم الاتزان وعدم الموضوعية، وإن الكسالى والعاجزين والفوضويين سيظلون باستمرار على هامش الفعل، وفي بؤرة ردود الأفعال تتقاذفهم الأمواج العاتية) [٥] . خامساً: اعتبار النتائج القريبة مقياساً لفشل ونجاح المنهج: لا شك أن كل عامل يتطلع إلى نجاح عمله، وإلى تحقيق أهدافه ومقاصده، والدعاة إلى الله شأنهم شأن سائر العاملين يسعون لتحقيق أهدافهم، من: نشر الخير في المجتمعات، وكف الفساد والشر عنها، وقد يفشل بعض الدعاة في تحقيق الأهداف التي يتطلعون إليها. والفشل تحكمه عوامل عدة، منها: خطأ المنهج، لكن قد يكون ناشئاً عن تقصير في الأخذ بالأسباب، أو الذنوب والتقصير في الطاعة، أو عدم تمام صفاء النية، فقد يكون لدى المسلم شيء من ذلك، لكنه في الجملة سليم المنهج، فلا يسوغ أن نرفض طريقته ونحكم بفشلها؛ فالفشل هنا له هو لا للمنهج، لقد هزم المسلمون في غزوة أحد، وفروا يوم حنين، وأخبر القرآن أن ذلك بما كسبته أيدي المسلمين، فهل يجرؤ مسلم على اتهام أصحاب النبي بالخلل في منهجهم إذ ذاك؟ إذن: يجب التفريق بين التقصير وإتيان بعض الذنوب التي يتم علاجها بتصفية النفوس وتزكيتها والخلل في المنهج، الذي يعني المراجعة له. وقد يكون ذلك ابتلاءً وامتحاناً لرفعة درجة أولياء الله؛ فقد أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم [يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَذِينَ يَاًمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ] [آل عمران: ٢١] وأثنى على أصحاب الأخدود الذين حرّقوا جميعاً في النار في مجزرة جماعية، لم يكن الغلام إذ ذاك هو المسؤول عنها، ولم تكن تلك الدماء ثمناً لتهوره. وحين جاء النبي بدعوته وجهر بها أوذي نفر من المسلمين، بل منهم من قتل، وأُخرجوا من ديارهم، أكانت دعوته هي المسؤولة عن هذا الذي أصابهم؟ ! أم أن ذلك كان يعني خللاً في المنهج؟ ! (معاذ الله) . إننا كثيراً ما نسمع الطعن في بعض المناهج الدعوية بحجة أنها فشلت في تحقيق أهدافهما، والفشل جزء منه قد يعود للمنهج، لكنه ليس بالضرورة ملازماً له . أما إذا عتبرنا النتائج بمقياس آخر غير قياس اللحظة الحاضرة، فسنرى أن الكثير من الجهود الدعوية التي يصمها بعضهم بالفشل قد حققت النجاح، ولو لم يكن في ذلك إلا القيام بالواجب الشرعي. سادساً: الخلط في تحرير منهج السلف: لقد كان من منجزات الدعوة السلفية المعاصرة أن اتفق الرأي العام الإسلامي على قبول منهج السلف في الجملة، وصار من دلائل ذلك: أن أحداً لا يمكن أن يجرؤ على التصريح بأنه يرفض منهج السلف، وصار الوصف بالخروج عن منهج السلف تهمة لدى الجميع، يسعى إلى نفيها ولو كان متصفاً بها في الحقيقة. وهي قضية إيجابية مهمة، لكن كثر الحديث الآن عن منهج السلف ووصف عمل من الأعمال بأنه على منهج السلف ووصف آخر بأنه على خلاف منهج السلف، ولا شك أن السعي لتوضيح منهج السلف، والسير عليه، ودعوة الناس إليه: قضية لا مجال للمناقشة فيها، بل النقاش فيها أمارة على الانحراف والزلل. ولكن: هل كل ما ادعي أنه منهج السلف هو منهج السلف فعلاً؟ وهل يحق لكل مدعٍ أن يتهم فلاناً من الناس بأنه على خلاف منهج السلف؟ إن هناك أخطاءً ترتكب في تحديد منهج السلف، ومنها على سبيل المثال: ١- إهمال اعتبار تغير الزمان والمكان: هناك أمور مستقرة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وهناك أمور تختلف باختلافهما، فقد يقول أحد السلف قولاً ينطبق على عصره ووقته، لكنه لو عاش إلى عصرنا لربما تغير اجتهاده. إن اعتبار العصر وظروفه لا يعني بحال نسف آراء السلف وأقوالهم، لكن البعد الزماني المطلق ليس إلا لنصوص الوحي، بل حتى أقوالهم المرتبطة بزمن معين أو مكان معين يجب أن نستفيد منها ونُعنى بها، مراعين اختلاف الزمان والمكان. ٢- تعميم اجتهادات آحاد السلف: قد يقرر أحد رأياً في مسألة من المسائل، ويثني على تقريره بسرد بعض أقوال من قال بذلك من السلف؛ لينطلق من ذلك إلى أن هذا هو منهج السلف، وقد يجاريه القارئ في هذه النتيجة لعدم استحضاره لسائر الأقوال والنصوص، ويغيب عن القارئ أن الكاتب قد تعمد اختيار الأقوال التي توافق ما يذهب إليه، وتجاوَزَ ما تعارضه، والأمانة العلمية تقتضي بلا شك نقل جميع النصوص، أو بالأصح عدم الاقتصار على جانب واحد منها. فلا بد من التفريق بين منهج السلف وآراء آحاد السلف. ٣- دعوى اعتبار روح ما عليه السلف: وهو منهج يسلكه أولئك المتميعون الذين يسيرون وفق ما يحلو لهم، وحين يناقَشون في ذلك ويطالَبون بسلوك منهج السلف: يحتجون بأن المقصود: اتباع روح ما عليه السلف، فالأقوال والآراء المبتدعة، والمناهج المنحرفة، والتسيب الفقهي والعلمي عند هؤلاء: لا يمكن أن يترتب عليه مجاوزة منهج السلف، ما دمنا متمسكين بروح ما عليه السلف! . إذن: فقضية اتباع منهج السلف قضية يجب أن تصبح من البدهيات لدى العاملين للإسلام، لكن الحكم بأن هذا منهج السلف، وأن ذاك خلاف منهج السلف يجب أن يصدر بموضوعية وعلم، وألا تطلق الأحكام جزافاً. سابعاً: النظر إلى جانب واحد من النصوص: إن من العدل في التعامل مع النصوص الشرعية أن ينظر الباحث فيها إليها جملة، وأن يجمع النصوص الواردة في الباب الواحد، وحين ينظر إلى جانب واحد منها فقط فسيخرج بنتيجة غير شرعية. ففي مقابل النصوص التي تتوعد أهل الكبائر بالعقوبة والنكال: هناك نصوص تفتح أمامهم باب الرجاء، وفي مقابل النصوص التي تأمر بطاعة الولاة والصبر على جورهم: هناك نصوص تأمر بقول كلمة الحق والصدع بها في وجوههم، ولو أسخطتهم. ثامناً: اعتبار المسائل الاجتهادية من المنهج: هناك مسائل مما يسوغ فيها الاجتهاد والاختلاف، ولا ينبغي أن تكون مجالاً وميداناً للإنكار والتهارج، فضلاً عن التأثيم والتضليل، لكنك تجد بعض الدعاة حين يتبنى اجتهاداً في مسألة ينطلق من هذا الاجتهاد ليلزم الأمة به، ويقرر أن هذا مما لا يسوغ خلافه، وأن المخالفة فيه دليل على انحراف في المنهج. ألسنا نرى أن بعضهم يتبنى اجتهاداً في مسألة من مسائل الوسائل الدعوية التي اختلف فيها أهل العلم في هذا العصر فيتبنى رأياً من هذه الآراء، ويحشد أقوال مؤيديه، ويطوي صفحاً عن الآراء الأخرى في المسألة، وهو يعلم أنها تخالف رأيه، وهي لعلماء يحترمهم، فيصور للقارئ أن هذه المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم: فأولئك الذين يخالفونه في اجتهاده منحرفون في منهجهم، بعيدون عما عليه السلف، فاقدون للورع والديانة ... ! ! قال شيخ الإسلام ﵀ : (وأيضاً: فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع: أن من الخطأ في الدين: ما لا يكفّر مخالفه، بل ولا يفسّق، بل ولا يأثّم، مثل الخطأ في الفروع العملية) [٦] . تاسعاً: الخلط بين الخلاف في الأصل والخلاف في تحقيق المناط: هناك فرق في المسائل الخلافية قد لا يتفطن له بعض المختلفين، والغالب في الخلاف الدائر اليوم بين أهل السنة هو من هذا الباب، ألا وهو: الخلاف في الأصل أو في تحقيق المناط. فقد يتفق الجميع على أنه لا يكفر مسلم بكبيرة من الكبائر، ولا يكفر إلا بما سماه الشرع كفراً، فيجتهد أحدهم ويحكم بالكفر على معين لما ظهر له من خلال عمل موجب للكفر عند أهل السنة، فإن ذلك لا يجوز للآخر اتهامه بأنه يرى رأي الخوارج وينتحله. بل هذا هو الشأن في الخلاف بين الأمة في سائر مسائل الفروع، فهم يتفقون على اتباع الدليل وسنة النبي في كل مسألة، صغرت أم كبرت، لكن الخلاف قد ينشأ بينهم في تحديد ما هو مقتضى الدليل وسنة النبي، فلا يسوغ لمن أوصله اجتهاده أن هذا الأمر سنة أن يصم من خالفه بأنه غير حريص على تطبيق السنة، إذ المدار هنا: هل هذا الأمر سنة أم لا؟

стр. 2193

دراسات اقتصادية الربا والأدوات النقدية المعاصرة (١) د.محمد بن عبد الله الشباني يمثل تعدد أنواع وأشكال الأدوات النقدية المستخدمة في سداد الالتزامات المالية أهم المتغيرات في المجتمع المعاصر فيما يتعلق بموضوع التبادل النقدي، بجانب اتساع نطاق الاتجار بالعملات الورقية، التي تمثل الأداة النقدية ذات الإلزام النظامي في سداد الالتزامات الناشئة عن التبادل السلعي والخدمي في المجتمع. إن دراسة ظاهرة استخدام الأدوات النقدية المتعددة في سداد الالتزامات الناشئة عن ممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة (مثل: الشيكات، وبطاقات الائتمان المختلفة) كأدوات تحل محل النقود المعدنية أو الورقية، يرجع إلى ما يكتنف هذه الأساليب من تساؤلات عن مدى شرعية هذه الأدوات من ناحية، ومواطن الربا التي يمكن أن توجد نتيجة لاستخدام هذه المستجدات من وسائل سداد الالتزامات من خلال الوحدات المصرفية المختلفة من ناحية أخرى. يرتبط فهم طبيعة هذه الأدوات ودورها في تحقيق أهم وظائف النقود بفهم النظرية النقدية، التي تهتم بربط النقود بالمتغيرات الاقتصادية. إن فهم النظرية النقدية يستدعي تحديد ماهية النقود، وتكوينها، وأشكالها، وطبيعة العلاقات المرتبطة بتأديتها لوظائفها، وإبراز وجهة النظر الشرعية من خلال فهم ودراسة النصوص من القرآن والسنة، مع تحديد النظرة الشرعية لمفهوم النقد (بوصفه معياراً لتفسير التغيرات في أثمان السلع والخدمات) والأدوات المعاصرة المستخدمة في تحقيق وظيفة النقد الخاصة بتيسير التبادل السلعي والخدمي ... ومواطن الحرمة عند استخدام هذه المستجدات من الأدوات. وفي هذه المقالة سوف أحاول دراسة الجوانب الشرعية لهذه الأدوات ومواطن الربا جميعاً، مع محاولة إلقاء الضوء بشكل مختصر على ماهية النقود من وجهة النظر الإسلامية. ماهية النقود: تحاول الدراسات التاريخية للنظام النقدي الإجابة على السؤال التالي: ماذا يُعنى بالنقود؟ وتأتي الإجابة على أنها: سلعة متميزة تمتاز من بين باقي السلع للقضاء على المقايضة، ولها وظائف تقليدية وأشكال معينة، وترتبط بهيئات اقتصادية محددة. [١] لقد ترتب على النظرة المتعلقة بأن النقد ما هو إلا سلعة مختارة من بين السلع: حصر نطاق التحليل النقدي في الجانب العيني؛ فالظواهر الأساسية في الحياة الاقتصادية يمكن دراستها من خلال الجانب العيني (سلع وخدمات) ، أما النقود فهي مجرد غطاء خارجي للأشياء، يجب معرفة ما وراءه، فقيمة المنتجات لا تجد مقياسها في الأسعار النقدية، وإنما في علاقات المبادلة بين السلع في الأسعار النسبية بينها، وإن ما يتخذ مظهراً نقديّاً ما هو في الحقيقة إلا عملية توفيق بين عناصر الإنتاج من: رأس مال، وعمل، ومعرفة فنية، وموارد طبيعية، وأجر نقدي. أما الادخار: فهو يمثل الجزء الحقيقي من السلع التي لم تستهلك خلال فترة معينة، أما أهمية الاستثمار: فلا تعود إلى رأس المال النقدي، وإنما في تحوله إلى رأس مال طبيعي، أي: إلى أجهزة وآلات ومبانٍ، فالقاعدة العامة إذن هي: أن حقيقة الظواهر الاقتصادية ما هي إلا ظواهر عينية، وما النقود إلا أداة فنية ليس لها من وظيفة سوى تسهيل عمليات المبادلة والتراكم الرأسمالي في اقتصاد مبادلة الإنتاج. إن هذا الاتجاه التحليلي لماهية النقود، لم يكن حدثاً عارضاً بقدر ما كان نتاج مجموعة من الظروف التاريخية والفكرية المصاحبة للتغيرات التي حدثت في الاقتصاديات الأوروبية خلال فترة تراجع الأمة الإسلامية، ودخولها في فترة الاضمحلال والجمود والانفصام ما بين معطيات ومبادئ الشريعة الإسلامية والركود الذي أصاب مختلف أوجه الحياة في الأمة الإسلامية، أما بالنسبة للاقتصاديات الأوروبية، فقد تميزت بتعدد الاضطرابات النقدية والتجارب في تطوير العمل المصرفي، مع تغير وتبدل الظروف التاريخية، التي أدت إلى تفسير الكثير من العلاقات النقدية غير المتوازنة والمرتبطة بالإنتاج والأسعار، وفي مواجهة هذا الاتجاه (الاتجاه العيني) برز اتجاه فكري مضاد له قائم على رفض تجريد الاقتصاد العيني من كل خصيصة نقدية؛ حيث يرى أن للنقود دوراً وأهمية في تفسير الظواهر العينية، مما أعطى للتحليل النقدي دوراً على حساب التحليل العيني. يرتبط دور النقود في أداء مهامها بوصفها ظاهرة اجتماعية ذات أبعاد متعددة من حيث إنها تمثل وسائل الدفع التي يحتاج إليها الاقتصاد بتطور العلاقات الاقتصادية (إنتاجاً وتوزيعاً) من مرحلة الإنتاج الذاتي القائم على إشباع الحاجات الذاتية إلى مرحلة الإنتاج المتخصص المقترن بالحاجة إلى المبادلة، التي بدأت بالمقايضة وما صاحبها من معوقات بسبب تعدد الأطراف وتعدد السلع، مما أدى إلى اختيار سلعة معينة كقاعدة للمقارنة، وبها تقاس قيم السلع الأخرى، وما استتبع ذلك من قبول هذه السلعة، باعتبار أن لها قيمة ذاتية تقبل من الجميع في عمليات التبادل، مع إمكانية تخزينها وانتقالها من حيث الزمان والمكان. لقد واجه الإنسان مشكلة اختيار السلعة القابلة لأن تكون وسيطاً للمبادلة، ومقبولة من الجميع، وتكون مقياساً للسلع الأخرى. خصائص النقود: لقد توصل الإنسان من خلال تجاربه إلى ضرورة أن تتصف النقود بخصائص معينة، حتى تقوم بوظائفها، وهذه الخصائص يمكن إجمالها في الأمور التالية [٢] : ١- أن تكون الوحدات التي تتكون منها السلعة كنقد مقبولة من الجميع، وهذا القبول يعطيها خاصية الإلزام، وبعد تولي الدولة فرض القبول لوحدات النقد ساعد ذلك الأمر على أن تصبح النقود الورقية التي يصدرها البنك المركزي ملزمة للجميع ومبرئة للذمة، وبالتالي: ظهرت النظرية التي تقول: إن النقود ليست لها قيمة في ذاتها، وإنما تستمد هذه القيمة من سلطة الإجبار، فالدولة هي التي توجِد النقود، وهي التي تزيل عنها هذه القدرة. ٢- أن تكون لها صفة الدوام والثبات، ففقدان النقد لهذه الصفة يضعفها من القيام وظائفها المتمثلة في أنها مخزن للقيمة، ووسيلة لتسديد الديون، فعدم الثبات يؤدي إلى الاضطراب في المعاملات. ٣- توفر عنصر الندرة، فالندرة عنصر أساس لفرض الاحترام والتناسب مع حجم المعاملات والمحافظة على القيمة، لقد كان اختيار الذهب والفضة في الماضي مؤسسًاً على ما يتمتعان به من ندرة نسبية في الوجود الطبيعي، وبعد قيام الدولة بالإلزام بقبول النقود الورقية، فقد استخدم لتحقيق هذه الخاصية فرض القيود على الإصدار النقدي الورقي. ٤- إمكانية الانقسام، أي: إمكانية تجزئتها إلى وحدات صغيرة نهائية أو لا نهائية، وهذه القابلية تستلزم القدرة على تجزئة قيمتها، وبالتالي: تجزئة الوحدات النقدية الموازية على أن يتبع هذا الانقسام التكافؤ أو المساواة بين قيمة مجموع الأجزاء المقسمة ووحدة النقد الكلية، ولمواجهة الحاجة إلى انقسام الوحدات النقدية تعمد الدولة في العصر الحديث إلى إصدار ما يسمى بالعملة المساعدة؛ سواء أكان على أساس معدني أو أوراق نقدية مساعدة تقوم بدور وحدات التجزئة لوحدات النقد الورقية، والغرض منها: تسهيل المعاملات ومواجهة اختلاف أحجام السلع. وظائف النقود: على ضوء ما سبق من مناقشة لماهية النقود والخصائص التي يجب أن تتوفر في أي سلعة تتخذ نقداً: يتضح أن النقود ليست غاية في ذاتها، بقدر ما هي أداة لتأدية وظائف معينة يمكن إجمالها في الأمور التالية [٣] : ١- قياس قيم السلع والخدمات: فالنقود هي مقياس للقيمة ووحدة للمحاسبة، فعدد الوحدات النقدية اللازمة للحصول على السلعة، التي تستبدل بها السلعة، تعتبر ثمناً أو قيمة لهذه السلعة، وحيث إن النقود هي وحدة القياس المشتركة لقيم جميع السلع، وبالتالي: يمكن المقارنة بين القيم النسبية لمختلف السلع عن طريق تقدير عدد الوحدات النقدية اللازمة للحصول على كل سلعة. ٢- أداة للدفع ووسيط للمبادلة: فالنقود تستخدم كأداة للمدفوعات؛ للحصول على السلع والخدمات من خلال الشراء والبيع، وتقديم الخدمة، أوالحصول عليها، فعن طريق تقديم كمية من النقود، أو فتح حساب في البنك التجاري: يتم دفع المعاملات المالية وإشغال الذمة وإبراؤها، فالنقود أداة لتسديد كافة الالتزامات. ٣- النقود مخزن للقيمة: وهذه الوظيفة مرتبطة بخاصية الثبات والدوام، فالنقود بما تمثله من قوة شرائية يمكن أن تكتنز في لحظة معينة، أي: يحتفظ بها لتنفق في لحظة تالية، وهي بذلك تربط قيمة السلع بالزمن، والنقود بفكرة المضاربة، والقيام بتحقيق الادخار وتراكم رؤوس الأموال. وفي الماضي حينما كانت المعادن النفيسة (الذهب والفضة) يتم تداولها نقوداً، فيتمثل التخزين في الاحتفاظ بها، أما بعد أن حلت النقود الورقية محلها، فيتمثل التخزين في الإيداع في البنوك، وينتج عن الاحتفاظ بها في البنوك: الحصول على ثمن لهذا الإيداع يتمثل في الفائدة التي تمنح للمودعين. طبيعة النظام النقدي: من خلال الاستعراض السابق اتضحت لنا ماهية النقود من حيث خصائصها ووظائفها، الأمر الذي سيساعدنا على معرفة طبيعة النظام النقدي، وبالتالي: تحديد التكييف الفقهي كما نراه للنظام النقدي المعاصر، مع توضيح ومناقشة الأبعاد الشرعية للأدوات المستجدة للدفع في النظام النقدي المعاصر، مع محاولة تحديد مواطن الربا التي يمكن أن تنشأ من خلال استخدام هذه الأدوات. النظام النقدي لأي مجتمع من المجتمعات ما هو إلا مجموعة من العلاقات والتنظيمات التي تحكم الوضع النقدي ضمن فترة زمنية معينة ونطاق مكاني محدد، وبالتالي: فلا بد من توفر ثلاث خصائص للنظام النقدي [٤] ، وهي: ١) قيام النظام على عدد من العناصر، من أهمها: عنصر القاعدة النقدية، التي يقصد بها المقياس الذي يتخذه المجتمع أساساً لحساب القيمة الاقتصادية، والغاية منها: المحافظة على القيمة الاقتصادية للنقود (أي: قوتها الشرائية) في النطاقين الداخلي والخارجي. تقوم القاعدة النقدية على ظاهرة الندرة للموارد النقدية عندما كان النقد يأخذ شكلاً ماديًّا متمثلاً في المعادن النفيسة، التي تتمتع بندرة طبيعية، ولكن الأمر اختلف عندما استندت القاعدة النقدية على القيمة الورقية (قاعدة النقد الورقية) ، وبالتالي: حل الجانب التنظيمي، الذي يتمثل في مجموعة الشروط والقواعد التي تضعها السلطات النقدية في الدولة، للتعبير عن تصورها للقيمة النقدية وارتباطها بالقيم الاقتصادية، وهي شروط تهدف غالباً إلى تحقيق الاستقرار النقدي، أي: تحقيق التوافق بين حجم وسائل الدفع وقدرات الجهاز الإنتاجي، وبالتالي: فكفاءة القاعدة النقدية تقاس بقدرتها على التحكم في عرض النقود القانونية، عن طريق غطاء الإصدار والائتمان، عن طريق التحكم في الودائع وفي رقابة البنك المركزي على البنوك التجارية، بجانب هذا العنصر الأساس هناك عناصر ثانوية في النظام النقدي، ومن أهمها: وحدة النقد الرسمية المستخدمة في الحسابات النقدية، فلكل اقتصاد قومي وحدة نقد رسمية تستخدم في الحسابات النقدية، مثل: الريال، والجنيه، والدولار ... ترتكز عليها المدفوعات الداخلية الناتجة عن دفع الالتزامات المالية (البيع، والشراء، والأجور، والأرباح ... إلخ) ، ويلزم لهذه الوحدة الحسابية صفتان أساسيتان: الأولى: الصفة القانونية، أي: التمتع بقوة إبراء مطلقة في الوفاء بالالتزامات يُجْبَر الدائن على قبولها وفاءً لدينه، ويعفى المدين من دينه بمجرد السداد بها، ويقبلها الجميع في المعاملات. الثانية: الصفة الإلزامية لسعرها، بحيث لا يسمح بتحويلها إلى أي نوع آخر من النقود، ولكن وظائف وعلاقات النقود الأساسية طغت على دور وأهمية القاعدة النقدية، وهذا ما نشاهده في أن العلاقة بين وحدات النقد الأساسية (الريال/ الدولار، مثلاً) وأدوات الدفع الأخرى (نقود ائتمانية، أذون خزانة، أوراق مالية) مرتبطة بموضوع السيولة؛ فالنقود الأساسية بصفتها نقوداً قانونية ونهائية تمثل قيمة السيولة، أما أدوات الدفع الأخرى: فهي تتمتع بدرجات متفاوتة من السيولة قد تتحول عاجلاً أو آجلاً إلى نقود أساسية بحسب دورها في النشاط الاقتصادي. ٢) النظام النقدي نظام اجتماعي لا يمكن فصله عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يعمل فيها، فهي تعكس بالضرورة الاقتصاد الذي وجد لخدمتها، فالنظام النقدي في الاقتصاد الرأسمالي الربوي يختلف عن النظام النقدي في اقتصاد تقوم قيمه على الإسلام، فمثلاً: النظام النقدي الرأسمالي يقوم على الربا، فجميع أشكال المعاملات في هذا النظام تدور حول تلك الفائدة الربوية، أما النظام النقدي الإسلامي في حالة قيامه في مجتمع يلتزم بالنظام الاقتصادي الإسلامي: فلن يكون للفائدة الدور المؤثر والفاعل، بل سيحل مفهوم الربح والخسارة محل مفهوم الفائدة الربوية. ٣) النظام النقدي نظام متغير حسب ما يحدث في النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتمي إليه، فالنظام النقدي يمثل الشكل الخاص لتداول النقود في اقتصاد المبادلة، فمثلاً: التغيرات التي حدثت في النظام الاقتصادي الرأسمالي أثرت في تطور النظام النقدي؛ حيث مر هذا النظام من مرحلة قاعدة الذهب إلى مرحلة قاعدة النقد الورقية، ومرحلة الليبرالية النقدية إلى مرحلة التدخل النقدي، وهذا التغير كان نتيجة لطبيعة التوافق بين البيئة الاقتصادية والظواهر النقدية؛ بقصد المحافظة على الأهداف الرئيسة للنظام الرأسمالي. النظام النقدي والنقود الورقية: يقتضي فهم النظام النقدي المعاصر معرفة العلاقة ودراستها بين خاصية النظام النقدي (القاعدة النقدية) والنقود الورقية والائتمانية، وهذا يقتضي إلقاء الضوء على تطور هذه العلاقة في كلّ من النظامين الإنجليزي والفرنسي؛ باعتبار أن هذين النظامين يمثلان القوتين الرئيستين في النظام الرأسمالي؛ حيث كان لهما الريادة في ابتكار النظم النقدية وتطويرها في القرن التاسع عشر، ومنهما انتقلت هذه النظم إلى بقية اقتصاديات العالم. لقد اعتبر النظامان وحدات النقد الذهبية نقوداً قانونية ونهائية، أي: إنها تمثل نقود القاعدة النقدية، فوحدة النقد أصبحت تساوي وزناً معيناً من الذهب، وهذا يعني: أن كمية معينة من هذا المعدن النفيس تعتبر مقياساً للقيم الاقتصادية في المجتمع، ووحدة الحساب لهذه القيم، وقد أدى التطور الاقتصادي واتساع نطاق التبادل إلى ظهور أدوات دفع أخرى، بعضها يتمتع بخاصية قوة الإبراء دون الخاصية النهائية، أي: القدرة على التحول إلى نقود أخرى (النقود الورقية) ، وبعضها الآخر لا يتمتع بالقبول الإجباري ولا بالخاصية النهائية (النقود الائتمانية) ، وإنما تستخدم في المعاملات على أساس القبول الاختياري وثقة الأفراد في المؤسسات التي تصدرها، ومن المعروف أن النقود الورقية نمت وتطورت من خلال تطور النظام النقدي الفرنسي، كما أن النقود الائتمانية نمت وتطورت من خلال تطور النظام النقدي الإنجليزي. ومن خلال التجربة التاريخية للفترة من سنة ١٧٩٧م حتى سنة ١٨١٨م توصل النظامان إلى جعل وحدة النقد تساوي وزناً معيناً من الذهب أو الفضة، وقصر حق الإصدار للنقود الورقية (المصرفية) على بنك فرنسا وبنك إنجلترا، وأصبح لهاتين المؤسستين الخيار بالنسبة لغطاء الإصدار، إما بضمان احتياطي معدني (ذهب أو فضة) أو تغطية الإصدار بالائتمان الذي تمنحه، وبالتالي: تصبح النقود الورقية أداة ائتمان ووسيلة للإقراض والتمويل لقطاعات التجارة والمعاملات، فعندما يكون غطاء الإصدار متمثلاً في الائتمان: يتم اتباع أسلوب الخصم وإعادة الخصم باستخدام الأوراق التجارية، وبصفة خاصة (السند الإذني) و (الكمبيالات) ، وبالتالي: فإن إصدار النقود الورقية من خلال الضمان يتم تغطيته بالكمبيالات المخصومة، بحيث يكون غطاءً لها بدون حاجة إلى زيادة الرصيد المعدني، والنتيجة: أنه يمكن أن يتجاوز حجم النقود المصدرة حجم غطاء الإصدار المعدني، وتحت نظام الإصدار الورقي بضمان الائتمان: فإن جملة النقود الورقية المعروضة في التداول كانت مغطاة جزئيّاً بالنقود المعدنية، أما الجزء الآخر فيكون مغطّى فعليّاً بالائتمان، كما أن النظام الإنجليزي اتبع طريقة فتح الاعتماد وأداتها النقود الائتمانية (الشيكات) . على ضوء ما سبق من إيضاح لفكرة تطور النظام النقدي وتحديد طبيعته وماهيته، يتضح لنا: أن النظام النقدي المعاصر مؤسس على النقود الورقية، التي تتمتع بصفتي القانونية والنهائية؛ لتساعدها وتكملها في تحقيق وظائفها وحجمها: النقود الائتمانية، وهما معاً يكونان الرصيد النقدي، أي: مجموع أوراق الدفع المتاحة لاقتصاد معين في فترة زمنية معينة. وبهذا برزت قاعدة النقد الورقية، حيث انفصلت القيمة الاقتصادية للنقود عن أي قيمة اقتصادية لأي سلعة مادية معينة وبصفة خاصة: الذهب فقيمة النقود في قوتها الشرائية، أي: في قدرتها على التحول إلى سلع وخدمات، وبذلك تصبح النقود أداة الدفع في اللحظة الحالية وتمثيل للثروة في اللحظة المستقبلية. إن قاعدة النقد الورقية لا تتجسد في مظهر مادي معين، وإنما هي تتمثل في مجموعة الشروط والقيود التنظيمية التي تضعها الدولة لإصدار النقود الورقية القانونية، وهذه القاعدة أدت إلى ظهور أدوات دفع متعددة ومتنوعة، وخاصة بعد ثورة الاتصالات، التي ساعدت على ظهور وسائل جديدة، يتم بموجبها سداد الالتزامات بدون استخدام النقود الورقية، مثل: (بطاقات الصرف) ، و (بطاقات الائتمان) ، و (الشيكات) ؛ مما يستدعي دراسة هذه الأدوات من الناحية الشرعية، وتحديد مناط الربا فيها. ... ... ... ... ... ... وللحديث صلة

стр. 2194

نص شعري سراييفو شعر: مروان كجك أضيعوها كما كنتم ... أضَعتم قَبْلَها القُدسَا وضُمّوها لأندلُسٍ ... لعلّ همومَنا تُنْسى وسيروا في جنازتها ... فقد أتقنتمُ الدرسا وأصبحتم لقاتِلها ... جنوداً تحفِرُ الرّمْسَا وأصبحتم لقاتِلها ... نِعالاً تُتْقنُ الدّوْسَا وصرتم يا لجَهلِكُمُ ... عبيداً بُلّهاً خُرْسَا لأجلِ المالِ والدنيا ... وعيشٍ يقتلُ الحِسّا نسيتم مجدَ غابِرِكم ... وأعملتُم بِهِ رَفْسَا وخرّبتم منازلَكم ... وظُلْمُ الأهلِ ما أقسى! وأسرفتم بطاعَتِكم ... رجالاً بايعوا النّحْسَا وأطفأتم منائِركم ... وأوقدتم لهم شَمْسَا وأغدقَتم على الأعداءِ ... معلوماً ومُنْدَسّا ومَلّكتم رقابَ الناسِ ... موتوراً ومُعْتَسّا يُرَى في الليلِ رُوميّاً ... ويُصبحُ يعبُدُ الفُرْسَا وإن أضحَى فذو ظَرَفِ ... وإن أمسَى فيا بُؤْسَى يروحُ وفي يديهِ لَظًى ... ويُقْبِلُ صانعاً عُرْسَا وإن أزْرى به صَنَمٌ ... تَقَلّدَ من دمي تُرْسَا يقدّمهُ لسيدهِ ... ... ويقبِضُ حظّهُ مَكْسَا أضيعوها فقد عَقِمَتْ ... وأصبحَ سِنّها يَاًسَا وعيشوا مثلَ مجنونٍ ... تخبّطَ واكتوى مَسّا يبيعُ الدينَ بالدنيا ... ويضرسُ أهلَهُ ضَرْسَا ويخطُبُ وُدّ مَنْ ظلموا ... ولا يلَقَى بِذا بأسَا ويزعمُ أنهُ النجادُ ... يهرسُ مَنْ بَغَا هَرْسَا ويهزِمُ كُلّ نازلةٍ ... ويجعل نِمْرَها تَيْسَا وعندَ البأسِ تعرِفُهُ ... جَباناً رَعْشَناً (بَسّا) صريحُ الكفرِ في فمه ... ويهمسُ بالهدى هَمْسَا طويل الباع للأعداء ... ويبخسُ أهلَه بَخْسَا عفيفٌ عن قراعِ الرومِ ... يَنْهَسُ لَحْمَنا نَهْسَا ويأمرُنا بمكرُمَةٍ ... ويأتي عامداً عَكْسَا ويندُبنا لنُصْرَتِهِ ... ويجعلُ حِصْنَنَا حَبْسَا وإن قُلْنا له مهلاً ... ولا تُرخِصْ لنا نَفْسَا تَوَعّدَنا بموْعِدَةٍ ... وقَسّمَ فَيْئَنَا خَمْسَا ونَفّلَنا لسادتهِ ... ... وصيّرَ أمرَنا خَمْسَا وأفقَرَنا وجَوّعَنا ... وكَنّسَ أرضَنا كَنْسَا ولم يَتْرُكْ لنا سَيْفاً ... ولا قَلَماً ولا جَرْسَا فنزّهناهُ عن دَخَلٍ ... ولم نشركْ بهِ رأسَا وضاعَ العمرُ يا وَلَهي ... ونَدّ الشّطّ والمرسَى فبيعوها لنَخّاسٍ ... يزيدُ شقاءَها قَرْسَا ويُسلِمُها لِقَوّادٍ ... ... يُقَوّمُ حُسْنَها شَوْسَا ونامُوا بعدَها كالعَيْرِ ... واستهدُوا به شَخْسَا فقد دُفِنَتْ شهامَتُكُم ... وقِيلَ لأمّكُمْ: تَعْسَا

стр. 2195

ملف العدد متابعات حول الصحوة الإسلامية فاتحة الملف لا تخطئ عين المراقب للظاهرة الإسلامية بعدين رئيسين: أولهما: الانتشار الضخم، بحيث أصبحت (العودة إلى الإسلام) أوسع بكثير من أن تدرس من خلال العمل الإسلامي المنظم، السياسي منه، والدعوي، والاجتماعي، وبحيث تواجه المؤسسات والتنظيمات الإسلامية تحدياً أساساً في قدرتها على توجيه هذه الظاهرة وترشيدها، وتأميلها للإنجاز الإيجابي الفاعل. والبعد الآخر: الحصار العام المعلن عالميًّا وإقليميًّا، بحيث أصبحت القضية الإسلامية في رأس قائمة (الأجندة) الدولية، ونحن على قناعة بأن المرحلة الجديدة تحتاج إلى مراجعة شاملة للمنجز السابق، ووقفة تأمل عميق من داخل العمل الإسلامي لشروط المرحلة وأبعادها، ودخول إلى التفاصيل بدلاً من التعميمات. وحين ارتأينا في مجلة (البيان) أن نفتح ملفاً شاملاً بين آونة وأخرى لتناول واحدةٍ من القضايا الأساسية، دعوية كانت، أم فكرية، أم سياسية، ومعالجتها من زوايا مختلفة: كانت قضية المراجعة لمسيرة (الصحوة) الإسلامية في رأينا فاتحةً مهمة يستدعيها منجز الصحوة المعاصر من جهة، ثم ما يحيط بها من تحديات إقليميًّا وعالميًّا من جهة أخرى. ونحن إذ نشكر المشاركين في هذا الملف الذين بادروا بالاستجابة، فإن لنا عتباً كبيراً على إخوةٍ لنا آخرين، حرصنا أن يكون لرأيهم مساحةً في ثنايا ملفنا هذا، تقديراً لتجربتهم ومعرفتهم معاً، ثم لم يكن منهم ولو خبر اعتذار يحسم الظن باليقين. ونحن إذ نقدم هذا الملف فإننا ننوي إبقاءه مفتوحاً لمشاركاتكم وتعليقاتكم التي نرجو أن تزيد الموضوع خصوبة وعمقاً.

стр. 2196

متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية حصاد الصحوة .. الانتشار والتأصيل الشرعي بقلم: د.أحمد محمد العيسى تمثل الصحوة الإسلامية المعاصرة هاجساً مزمناً للعديد من الجهات والتيارات الفكرية والسياسية على مستوى العالم العربي والإسلامي وعلى المستوى الدولي على حد سواء؛ فالذين أحرقهم تسلط الغرب وهيمنته السياسية والاقتصادية، والذين أشغلهم تغلغل القيم والثقافة الغربية داخل المجتمعات الإسلامية، يرون في الصحوة أملاً في كبح التسلط والهيمنة الغربية، وفي إيقاظ الشعوب المسلمة من سباتها العميق؟ لتعيش حالة التحدي التاريخي للحضارة الغربية بكل منطلقاتها العقدية والثقافية وقدرتها التقنية العالية، أما الآخرون الذين يرون أن الغرب قد وصل إلى مرحلة (اللاتحدي) من جانب الحضارات الأخرى، وأن ما يقدمه من قيم وثقافات هي قيم عالمية لا ينبغي لأحد أن يعترض عليها أو يرفضها أو أولئك الذين يخافون على مصالحهم الذاتية ومكاسبهم الشخصية، فهم يرون في الصحوة خطراً و (بعبعاً) يتهدد مصالحهم ووجودهم. ولكن هل وصلت الصحوة الإسلامية - بالفعل - إلى مستوى متقدم لكى تشكل لأولئك المتعاطفين معها هذا الأمل المشرق، أو المعادين لها هذا الهاجس المزمن؟ وهل واقع الصحوة يبرر تلك الحملات المسعورة التي تشنها الحكومات العلمانية في العالم العربي على مظاهر الصحوة الإسلامية ويجعلها تنتهج سياسات تجفيف المنابع ... أو يبرر لكثير من مفكري الغرب وسياسييه وضعها في مقام العدو الأول للحضارة الغربية؟ . إن المتأمل لواقع الصحوة الإسلامية اليوم لن يجد صعوبة تذكر في الإشارة إلى ضعف إمكانات الصحوة المادية والعسكرية والإعلامية، إضافة إلى عوامل التفكك والاختلاف الذي يضرب أطنابه في معسكر الصحوة الإسلامية. إذن: ما هي عوامل القوة والخطورة التي تمتلكها الصحوة والتي جعلت منها أهم ظاهرة اجتماعية في أواخر القرن العشرين؟ ، إن الجواب على هذا السؤال المهم يمكن أن يتناول عوامل شتى، ولكن - في رأيي - أن أهم عاملين يدعمان مكانة الصحوة الإسلامية ويجعلانها تمثل الهاجس الذي أشرنا إليه، هما: سرعة انتشار الصحوة الإسلامية واستقطابها لشرائح مختلفة في المجتمعات الإسلامية، والاهتمام بالتأصيل الشرعي للقضايا المعاصرة. لقد أدى الانتشار السريع للصحوة الإسلامية، واستجابة العديد من شرائح المجتمعات الإسلامية لنداء الدعاة والعاملين للإسلام للعودة إلى الدين والالتزام بمبادئه وقيمه وإعادة الاعتبار للهوية الإسلامية، إلى اعتبار الصحوة ظاهرة تاريخية تسعى إلى تغيير المجتمعات الإسلامية؛ مما جعلها خطراً حقيقياً على الواقع السائد في هذه المجتمعات، فلم تكن رسالة الصحوة الإسلامية موجهة للنخبة من المثقفين أو المفكرين، كما هو الحال لبعض التيارات الفكرية الوافدة، مثل: تيار الحداثة الذي كان ولا يزال يحتقر الجماهير، ويعتبرها لا تعي رسالته وخطابه الفكري. ولقد أدى وضوح وسهولة شعارات الصحوة الإسلامية المستمد ة من القرآن والسنة، واعتمادها على تاريخ حضاري عريق يحتوي على معين لا ينضب من الأفكار والرؤى والقيم، إلى تفاعل الشباب المسلم مع تلك الشعارات، والتزامه بما تطرحه من رؤى وآمال ومفاهيم، وساعد على انتشار الصحوة الإسلامية: الإخفاق المذهل على جميع المستويات للتيارات المتغربة التي قادت البلاد العربية والإسلامية خلال هذا القرن، الأمر الذي جعل من بعض أشد المتحمسين للتيارات القومية والماركسية والحداثية يعودون إلى الإسلام، ويتحدثون باسمه، ويشيرون إلى أنه الحل لما تواجهه الأمة من مصائب، ونكبات. وعلى الرغم من اعتراف الكثيرين من الأعداء والأصدقاء بقدرة الصحوة على استقطاب أعداد غفيرة من الشباب المسلم، إلا ان بعض المفكرين الإسلاميين يعتبر أن استقطاب تلك الجموع الغفيرة أدى إلى ضعف مناهج التربية الإسلامية؛ حيث لم يجد المربون والعلماء الوقت الكافي لتربية تلك الجموع بالعقيدة والمبادئ الأخلاقية الإسلامية والمنهج السليم في التفكير والتلقي، فكان أن انجرف بعض منهم في تيارات الغلو، وانشغلت الصحوة كثيراً بالأخذ والرد في قضايا بعيدة عن واقع الأمة وأولوياتها المعاصرة، وعلى الرغم من صحة هذه الملاحظة - على وجه العموم - إلا أنه ينبغي التأكيد على أن التأثير والانتشار السريع للصحوة داخل المجتمعات الإسلامية هو ميزة إيجابية كبرى، إذ إنها اثبتت أن عموم المسلمين يعيشون في فراغ كبير لا تستطيع ملأه إلا حركة جماهيرية تعتمد على عقيد ة الإسلام الواضحة لاستعادة موقع الأمة في العالم المعاصر، وتؤكد على أن الشباب يستجيب ويتفاعل مع رسالة الصحوة الواضحة، مهما كانت الظروف التاريخية والسياسية التي أدت إلى ابتعاد كثير منهم عن الالتزام الشامل بالعقيدة الإسلامية؛ فعاشوا ردحاً من الزمن في غربة عن دينهم وهويتهم ولهذا: فإن الفشل في معالجة الانحرافات الناتجة عن الانطلاقة السريعة لا يعني أن البداية كانت خاطئة، ولكن يعني أن أساليب التربية لا تزال قاصرة عن معالجة تلك الانحرافات، وغير قادرة على مواكبة التغيرات الكبيرة التي تحدث على الساحة الإسلامية. ويأتي الحديث عن العامل الثاني من عوامل نجاح الصحوة الإسلامية، وهو: قضية التأصيل الشرعي لقضايا المسلمين المعاصرة، وقضية التأصيل الشرعي أصبحت هماً من هموم الصحوة الإسلامية، بعد أن اصطدم الفكر الإسلامي بمعضلة التفاوت الكبير بين المبادئ الإسلامية والواقع الراهن، حيث أدت سنوات طويلة من غياب المسلمين عن مصادر دينهم؛ بسبب الجهل المتراكم عبر سنوات عديدة، وبسبب الغزو الفكري والثقافي من قبل الحضارة الغربية.. إلى أن تختلط كثير من أحكام الدين بالعادات المتوارثة، أو بالعادات الوافدة، فنشأت المناهج المشوشة في كثير من قضايا المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ... فكان لزاماً على الدعوة أن تبحث في تأصيل تلك القضايا من الناحية الشرعية، وإعطاؤها الوقت الكافي للدراسة العلمية، بعيداً عن تسطيح تلك القضايا وتمييعها وتلفيق الحلول لها، وسبب آخر أدى إلى تصاعد الدعوة إلى التأصيل الشرعي للقضايا المعاصرة، هو: اتساع شقة الخلاف بين بعض تيارات الصحوة، فأصبح كثير من الدعاة والمفكرين يدركون الحاجة إلى وجود مرجعية ومنهج يحتكم إليه المختلفون لمعرفة الحق والصواب. وعلى الرغم من أن الإنجاز في هذا الموضوع لا يزال ضعيفاً ومحدوداً، إلا أن مجرد الاهتمام بهذه القضية الكبرى، وكونه شائعاً في أوساط الصحوة الإسلامية، يمكن اعتباره إنجازاً مهما للصحوة الإسلامية المعاصرة، ... يضاف إلى الإنجاز الأول الذي أشرنا إليه آنفاً. ولعل الهجوم الشرس الذي تتعرض له الصحوة الإسلامية اليوم من قبل القوى العلمانية والشيوعية في العالم الإسلامي أو من الدول الغربية، ليس مرده فقط إلى سرعة انتشارها واعتبارها القوة الشعبية الأولى في العالم الإسلامي، بل وأيضًا بسبب الدعوة إلى تأصيل القضايا المعاصرة شرعياً، والدعوة إلى تغيير الحياة من جميع جوانبها داخل المجتمعات الاسلامية. إن هذه الدعوة أثبتت للغرب ولأصحاب التيارات التغريبية أن الصحوة، في الوقت الذي تطالب فيه بتطبيق الشريعة في جميع مناحي الحياة في البلاد الإسلامية، فإنها إنما تدعو إلى قيام نظام شامل للحياة يختلف عن مفاهيم الغرب وقيمه وأسلوبه في الحياة، ولهذا: كان التركيز شديداً على وصف الصحوة الإسلامية بأنها: قوة (ظلامية) ، وأنها تريد العودة بالمجتمعات إلى القرون الوسطى، وأنها ... (ماضوية) ، أي: تعيش في الماضي، وتنظر إلى الحاضر على أنه جزء من الماضي ... إلى آخر المنظومة الفكرية المتداولة في أوساط الثقافة العلمانية. ولعل في الإشارة إلى هذين العنصرين الإيجابيين الذين يشكلان حصاد الصحوة خلال السنوات الماضية ما يحفز إلى معرفة السلبيات والإخفاقات التي تتعثر فيها الصحوة؛ لكي يتم تدارسها وبحثها من قبل العلماء والدعاة والمفكرين الإسلاميين، الذين يهمهم مستقبل الإسلام وأبنائه في عالم متغير متقلب. الانتقال إلى مرحلة مختلفة: إن المتأمل في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم يشعر بأن هناك متغيرات كبيرة تحدث على أكثر من مستوى، وبالتالي: تؤثر في جميع الحركات الاجتماعية التي تعمل وتعيش في هذا العالم، والصحوة الإسلامية المعاصرة - مثل أي حركة اجتماعية أخرى - (بالمعنى الواسع للكلمة) تتأثر وتؤثر بما يجري حولها من أحداث وتطورات على جميع الأصعدة. وكل ظاهرة اجتماعية فاعلة ومتحركة تتطور بفعل محركين أساسين، هما: العوامل الداخلية التي تعتمل داخل الحركة، والعوامل الخارجية التي تتعامل معها الحركة وتؤثر فيها. ولو نظرنا إلى الصحوة الإسلامية من هذا المنطلق لوجدنا أنها قد دخلت - بالفعل - في مرحلة تاريخية جديدة، لها ظروف خاصة، ولها متطلبات أخرى غير تلك التي كانت سائدة في فترة ماضية ليست بعيدة عن وقتنا الراهن. ولكن.. هل يمكن معرفة خصائص المرحلة الجديدة قبل ان نعرف: ما هي خصائص المرحلة السابقة، ومتى انتهت، ولماذا أصبحت المرحلة الحالية مختلفة عن السابق؟ . الواقع: أن الباحث في تاريخ الصحوة يجد صعوبة في تحديد بداياتها، ومراحل تطورها، والتحديات التي أثرت على مسيرتها التاريخية، ولن نجد صعوبة في الإشارة إلى أن دراستنا للصحوة الإسلامية - بوصفها ظاهرة تاريخية اجتماعية متغيرة - ضعيفة إلى حد بعيد، ولو أراد الباحث الرجوع إلى المكتبة للبحث في مصادر تتناول ظاهرة الصحوة بشكل عام، لوجد العديد من الدراسات والكتب والندوات والمؤتمرات، التي إما أن تكون صادرة عن مراكز البحث العربية القومية، أو تكون صادرة عن مراكز البحث الغربية، نعم: هناك كثير من الكتب الإسلامية المتميزة، ولكنها في الغالب تتناول ظواهر جزئية لها علاقة بظاهرة الصحوة، أو جزءاً من مكوناتها، مثل: التجديد، والغلو والتطرف، وتطبيق الشريعة، ومظاهر الانحراف عن المنهج الصحيح في العقيدة والأدب والفكر.. وغيرها، ولكن لا تجد الكثير والمفيد من الدراسات التحليلية لتاريخ الصحوة وواقعها ومستقبلها. إذن: فإن هذه المحاولة في تحديد ملامح المرحلة الجديدة التي نتوقع أن الصحوة قد دخلت فيها، ستكون قريبة من الاستقصاء الذي يعتمد على قراءة للأحداث التي حدثت خلال السنوات الماضية، ولا يمكن اعتبارها دراسة تحليلية تعتمد على تراكم المعرفة في هذا الموضوع، إذ إن الباحث يحتاج إلى مقدرة كبيرة في لملمة جوانب الموضوع من مصادر عديدة، قد يكون كل مصدر له ارتباط بظواهر جزئية من مكونات الصحوة. لو تأملنا في واقع الصحوة خلال العقدين الماضيين - أي: في السبعينات والثمانينات الميلادية - لوجدنا أن الصحوة قد اكتسبت انتشاراً واسعاً في جميع بلاد العالم، وأصبحت شيئاً فشيئاً تستفيد من الإخفاقات المتسارعة للأيديولوجيات القومية والبعثية والماركسية، التي كانت تجتذب قطاعاً واسعاً من الشباب المسلم، ثم بدأ الجهاد في أفغانستان بعد الغزو السوفييتي لذلك البلد المسلم في عام ١٩٧٩م، فأدى إلى استنفار إسلامي شعبي ضخم مما جعل من هذه القضية محورا أساساً من محاور خطاب الدعوة؛ حيث بدأت الآمال تراود كثيراً من الشباب بصياغة ملحمة إسلامية كبرى تحرر المسلمين من نفسية الذل والانكسار، وتغسل العار الذي لحق بالمسلمين في أماكن أخرى كثيرة، من أهمها: فلسطين. وقد ساند هذا الاتجاه: الظروف الدولية المواتية التي كانت تنظر إلى الجهاد في أفغانستان على أنه الأمل في تحطيم الدب الروسي؛ ولذلك: ساندته كثير من الأطراف بالمال والسلاح، وعلى الرغم من قيام الثورة الإيرانية في تلك الفترة، التي اعتبرها كثير من الحركات الإسلامية وغير الإسلامية نصراً للفكرة الإسلامية ونذيراً بالخطر على الأيديولوجيات السائدة، إلا أن كثيراً، من القوى المهيمنة كانت تدرك الحاجز الكبير الذي يفصل الشعوب الإسلامية عن النموذج الإيراني؛ مما جعلها لا تتحرك بشكل جدي للوقوف في وجه العمل الإسلامي. هذا من الناحية السياسية، أما من النواحي الأخرى فقد اتسمت تلك المرحلة بتأسيس كثير من المشروعات الدعوية والخيرية في كثير من بلاد العالم مما مكن الصحوة من اكتساب خبرات كثيرة، إضافة إلى تكوين جذور عميقة في العمل الاجتماعي والإغاثي وبناء المساجد والمدارس، مما أكسبها التفاف الجماهير حولها، وجعل خطابها الدعوي مهيمناً في الأوساط الشعبية في البلاد الإسلامية، كما انتشرت وسائل جديدة للدعوة لم تكن مستغلة من قبل، مثل: الشريط، والمجلات، والمؤتمرات الخارجية، وقوافل ومخيمات الدعوة ... وغيرها، وظهرت أيضا فكرة البنوك الإسلامية وبعض مجالات الاستثمار الإسلامي.. إلى غير ذلك من مظاهر الصحوة أو العودة إلى الدين، وكل هذه الأنشطة كانت تسير في كثير من بلاد العالم دون وجود عوائق سياسية أو قانونية كبيرة. من جهة أخرى، ومع تسارع العمل الإسلامي وتشعبه، وبعد النجاحات السريعة: بدأ يلوح في الأفق التنافس بين تيارات الصحوة في اجتذاب العائدين إلى الدين، وبرز كثير من الخلافات حول الأساليب المتبعة في الدعوة، وتعدى ذلك إلى ظهور اتجاهات الغلو من جهة والتفريط من الجهة المقابلة، بعد أن اصطدم العمل الإسلامي بالواقع المتخلف للمجتمعات الإسلامية، ونظراً لكون الصحوة لم تجابه في ذلك الوقت تحدياً خارجياً حقيقياً، فقد أدى ذلك إلى انشغال الصحوة بنفسها حتى ظن الكثيرون أن الصحوة بدأت تأكل نفسها. إذن: هل يمكن أن نقول: إن تلك الأحوال قد تبدلت؟ بحيث نستنتج ان الصحوة قد دخلت مرحلة جديدة؟ إن المتأمل في الأحداث التي وقعت منذ بداية العقد الحالي - أي: منذ خمس سنوات تقريباً - سواء على ساحة العمل الإسلامي، أو تلك الأحداث التي وقعت على الساحة الدولية والإقليمية، يدرك أن هناك الكثير من المتغيرات التي بدلت واقع العمل الإسلامي، وبدلت الظروف المحيطة بالصحوة، وما لم يتم استيعاب هذه المتغيرات ومعرفة حجمها وتأثيرها فإن الصحوة الإسلامية ستفقد القدرة على التعامل مع تلك المتغيرات ومواجهتها وتكييفها لمصلحة العمل الإسلامي، وستتطلب مرحلة استيعاب تلك المتغيرات سعياً متواصلاً لدراسة المتغيرات كما هي في الواقع، وأيضاً بحثاً عميقاً للوسائل الشرعية الصحيحة لكيفية التعامل مع تلك المتغيرات وعلى الرغم من تداخل تلك المتغيرات بحيث يصعب تقسيمها إلى متغيرات داخلية أو متغيرات خارجية - حيث إن كل متغير داخلي لابد وأن يكون متأثراً بالعوامل الخارجية وربما مؤثراً فيها، والعكس صحيح أيضاً- ولكن قد يكون من الضروري فرز تلك المتغيرات لكي يمكن تصور المرحلة الجديدة بشكل أفضل. المتغيرات الداخلية: لقد أدى الانتشار الكبير الذي حققته الصحوة إلى تعدد الاتجاهات الفكرية والسياسية داخل إطار الصحوة الإسلامية، واختلفت المدارس التي تسعى إلى جذب أكبر عدد من المناصرين لفكرتها، مما خلق نوعاً من التشرذم والاختلاف والتنافس غير المنضبط بالضوابط الشرعية. وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف آليات الحوار بين تيارات الصحوة وغياب أجواء الثقة، فإن صورة تماسك العمل الإسلامي ودعم بعضه البعض تكون أكثر قتامة؛ فقد أصبح العمل الفردي المنغلق على التيار أو الإطار الفكري أو الحزب السياسي أحد السمات البارزة في العمل الإسلامي، ولعل هذه السمة كانت موجودة في المراحل السابقة، أي: إنها سمة ليست جديدة على العمل الإسلامي، ولكنها أصبحت أكثر تجذراً في المرحلة الحالية، كما أن استمرارها مع وجود التحديات الخارجية المتعاظمة يجعلها تمثل أحد أهم العوائق التي ستؤثر على مستقبل العمل الإسلامي. من المتغيرات الأخرى التي أصبحت تميز المرحلة الجديدة: النفسية القلقة، وتراجع الحماس المندفع، وازدياد الخوف على مستقبل الصحوة الإسلامية عند كثير من قادة العمل الاسلامي وشباب الصحوة؛ وقد حصل ذلك بعد انهيار الحلم الإسلامي في أفغانستان نتيجة الحرب الهوجاء بين رفقاء الجهاد، فقد تجاوزت الآمال حدودها في فترة من فترات الجهاد، ثم عادت الآمال الآن بعدما حدث ما حدث إلى درجة متدنية، بل ربما غير الكثيرون قناعاتهم بأهداف الصحوة ورسالتها، وقد عزّز هذه الحالة ضعف نتائج مشاركة كثير من تيارات الصحوة الإسلامية في العمل السياسي في الدول العربية وغير العربية، حيث لم يؤد دخول الإسلاميين إلى البرلمانات والمجالس التشريعية إلى مكاسب حقيقية للعمل الإسلامي، أو لتحقيق الهدف المشترك، وهو: تطبيق الشريعة الإسلامية في أنظمة الدول وتشريعاتها. أما على الصعيد الفكري والعلمي: فقد بدأت بعض التحولات الفكرية من البروز بقوة خلال المرحلة الجديدة، فقد برز اتجاهان رئيسان في كيفية التعامل مع الواقع ومع الحضارة الغربية المهيمنة، حيث أدى تحول كثير من الرموز الفكرية العلمانية والماركسية إلى الفكر الإسلامي، وكذلك ممارسة الحوار الفكري مع التيارات العلمانية، إلى بروز تيار (الفكر العقلاني) الذي يرى أن الفكر الإسلامي يجب أن (يتطور لصالح الواقع وتحت ضغطه ضد التعامل المثالي والتاريخي مع الإسلام) ، و (أن الواقع هو الأصل، والعقل هو الأساس، ولا سلطان إلا للعقل ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه) ، وفي مقابل ذلك: اتجه كثير من المفكرين والمنظرين للصحوة إلى الدعوة إلى (فقه الواقع) والتأصيل الشرعي للمستجدات الحضارية على الساحة الإسلامية، ونتيجة لاختلاف المنطلقات والأسس التي يرى بها كل طرف الأحداث والمتغيرات الداخلية والخارجية والسبل الصحيحة للتعامل معها، فقد دخل الاتجاهان في مناطق تجاذب سببت نوعاً من التشويش الفكري على كثير من شباب الصحوة؛ فقد أدى الاتجاه (العقلاني) إلى خلخلة ... الثوابت الإسلامية، وإلى تمييع كثير من قضايا المسلمين المصيرية، وفي الوقت نفسه: لم يحسم الفريق الآخر موقفه من مسألة (فقه الواقع) ، فلا زال الكثيرون يتساءلون عن ماهيته، ويشكك البعض في أهميته وجدواه. ومن المتغيرات على الساحة الإسلامية: تقلص العوائد المالية التي كانت تساهم في دعم مشروعات الصحوة الخيرية والإنسانية والدعوية؛ فقد تأثرت الصحوة بانخفاض وتدهور الاقتصاد في معظم الدول الاسلامية، إضافة إلى الظروف الخارجية التي بدأت تحاصر الدعم المالي الشعبي للعمل الإسلامي، وسيكون لهذا العامل دوراً أساساً في مستقبل الصحوة في المرحلة الجديدة التي بدأت تعيشها. المتغيرات الخارجية: لقد شهد العالم خلال الأعوام الخمسة الماضية أحداثاً متسارعة وعظيمة الأهمية ... فقد سقطت الشيوعية رسمياً خلال هذه الفترة، وبرزت إعادة تشكيل مناطق التماس الحضاري والأيديولوجي، وانتهت بذلك الحرب الباردة، وصاحب ذلك: نشوء العديد من الحروب الإقليمية في أوروبا وآسيا الوسطى وغيرها، وحدث في العالم العربي أهم حدث في تاريخ المنطقة المعاصر، وهو حرب الخليج الثانية، الذي بدا فيه النظام العربي الذي قادته القومية العربية متصدعاً وغير قادر على الاستمرار، وبدأت في المنطقة، ما يسمى بعملية (السلام) بين عدو المسلمين الأول والحكومات العربية. وفي أثناء التحرك الدولي لتنظيم المسرح العالمي بعد هذه الأحداث لسد الفراغ من سقوط القوة العالمية الثانية واختفاء التنازع الأيديولوجي برزت الصحوة الإسلامية بوصفها قوة اجتماعية وسياسية لها وزنها على الساحة العربية والدولية، فأصبحت تمثل العائق الأبرز في اتجاه ترتيب النظام العالمي الجديد، فنتج عن ذلك: الاتجاه إلى تحجيم هذه القوة الجديدة أو احتوائها، فبدأ العالم الغربي يرى في القوة القادمة من منطقة العالم الاسلامي خطراً يهدد مصالحه في المنطقة؛ مما جعله يدعو إلى تحالف علماني ضد (الأصولية الإسلامية) ، ودخلت الصحوة الإسلامية نتيجة لذلك في صراع مكشوف مع معظم الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، واستطاعت بعض القوى الإسلامية أن يكون لها تأثير في صنع القرار، واتخذت بعض الأنظمة تدابير (احترازية) للحد من تأثير الصحوة؛ فاعتمدت سياسات أمنية واقتصادية وإعلامية وتربوية لتجفيف منابع الصحوة. هذه المتغيرات الخارجية التي حدثت خلال الأعوام القليلة الماضية تؤسس بلا شك لمرحلة جديدة لم تشهدها الصحوة الإسلامية من قبل؛ حيث تبدل المناخ العام، وعظمت التحديات وكثر الأعداء، وتغيرت أساليب الصراع والتنافس، وبدت في خط المواجهة الأمامي أمام هيمنة الغرب حضارياً وسياسياً واقتصادياً، وأصبحت الصحوة منذ ذلك الحين ظاهرة عالمية تشحذ الهمم لدراستها ورصد اتجاهاتها وتطورها ومستقبلها. ومعظم المتغيرات الداخلية والخارجية التي أشرنا إليها تحدث دون أن يكون للصحوة دور بارز في صنعها أو التخطيط لها؛ إذ إنها - في الغالب - تحدث في وقت هي غير مستعدة لمواجهتها أو التعامل معها، بل وربما عدم الوعي بها والإحاطة بتفاصيلها، فافتقد العاملون للإسلام والدعاة والمفكرون الرؤية الاستراتيجية البعيدة المدى، وانشغل الكثير منهم بالأحداث اليومية المتسارعة ومحاولة مواجهتها، وظهر عند الكثيرين التردد أو النكوص عن العمل، وظهرت الرغبة في العودة إلى الأساليب التي كانت صالحة ومنتجة في الفترات السابقة عندما كان المناخ مسالماً، والتيار - عالمياً وإقليمياً - يسير في الاتجاه نفسه. فهل نعي هذه المتغيرات، ونعرف أبعاد المرحلة الجديدة التي دخلنا فيها؟

стр. 2197

متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية الخطاب السياسي الإسلامي (رؤية نقدية) بقلم: د. سعد الدين العثماني نقد الخطاب السياسي للصحوة الإسلامية ليس انتقاصاً من قدر كسبها السياسي، وليس نكراناً لتأثيرها الإيجابي الكبير في حياة الأمة: إدخالاً لخطاب الدين في مجالات كانت حكراً على العلمانية، وعودة بشرائح من أبناء المسلمين إلى دينهم وإلى تَبَنّيه حلاًّ وخلاصاً وحيداً لأمتهم. لكن ككل عمل بشري، فإن إنتاج الصحوة الإسلامية وكسبها النظري والعملي في حاجة مستمرة إلى التقويم والمراجعة؛ لاكتشاف جوانب الخلل والقصور، ومحاولة علاجها، ومعرفة جوانب القوة، والعمل على إثرائها وتعميقها. ما الخطاب السياسي؟ يطلق لفظ الخطاب السياسي على معانٍ عدة، لكن يهمنا هنا أن نتوقف عند اثنين منها: ١- مجموعة الأفكار والتصورات المنظمة والمرتبطة منطقيًّا والمتعلقة بتحليل الواقع السياسي وتحديد طرق معالجته والتأثير فيه، وهذا قريب من التعريف المتداول لدى المتخصصين في علم السياسة. ٢- طرق ووسائل تبليغ منظومة الأفكار والتصورات السياسية، والتعبير عن الرأي السياسي، وتتعدد هذه الوسائل إلى منطوقة (التصريح، الخطبة..) ، ومكتوبة، ومصورة ... وغيرها. وهذا المعنى الثاني هو الذي سنستعمله في هذه المقالة. ويرتبط الخطاب السياسي ارتباطاً قويّاً بالمبادئ والمفاهيم التي يحملها الشخص أو تحملها المجموعة التي تنتجه، كما يرتبط بالتصورات التي يقتنعون بها عن الواقع من حولهم وطرق التأثير فيه. وهكذا: فمن غير الممكن فهم خطاب سياسي معين دون الغوص في ذلك الجهاز المفاهيمي الذي ينطلق منه، وفي كثير من الأحيان: فإن علاج نقص الخطاب السياسي يبدأ من علاج الأخطاء العقدية والتصورية والفكرية التي أنتجته. ونكتفي بمثال واحد من تاريخنا القديم: فالخطاب السياسي للخوارج، والمتسم بالتكفير والمناداة بإعطاء الأولوية للخروج على الحكام، بدءاً من علي بن أبي طالب ﵁ ، ناتج عن انحراف في العقيدة، وليس فقط عن خطأ في تقدير الواقع أو في أسلوب معالجته. وهذه المكانة المركزية للجهاز المفاهيمي في التأثير في الخطاب السياسي، لا تمنع من أن بعض جوانب الخلل فيه ناتجة عن أسباب نفسية لصاحب الخطاب، أو عن سوء تقدير للقوة الذاتية أو للواقع المحيط.. أو عن غيرها من الأسباب. أصول عامة: وقد يكون من الضروري التذكير في البداية ببعض الأسس والأصول الشرعية المهمة، التي يكون الجهل بها بالغ التأثير على أداء الصحوة السياسي: ١- العمل السياسي مجال اجتهاد كما بين ذلك العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية، كما أنه مجال مقاصد؛ لدخوله في دائرة المعاملات (التي يسميها علماؤنا: العاديات) ، وهذا من معاني القاعدة الأصولية: (الأصل في العبادات والمقدرات التعبد، والأصل في العاديّات الحِكَم والمقاصد) [١] . ومن ذلك: أن إجراءات السياسة الشرعية إجراءات تهدف إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد وفق الضوابط الشرعية، وإن لم يرد بذلك الإجراء نص، وعنها ينقل ابن قيم الجوزية قول أبي الوفاء بن عقيل: (السياسة ما كان فعلاً بحيث يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ولا نزل به وحي) [٢] . ٢- لذلك: فمجال السياسة الشرعية مجال يحتاج إلى حذر شديد؛ لأن الجمود فيه مثل التسيب سواء بسواء عمل على عكس ما يريده الشرع، لذلك يعيب ابن القيم على أناس تشددوا هنا (فسدوا على أنفسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، مع علمهم وعلم غيرهم قطعاً أنها حق مطابق للواقع، ظنّاً منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله، إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر) . [٣] ... ٣- ومن نتائج ما سبق: أن مجال السياسة الشرعية مجال اختلاف الاجتهادات والآراء، واجب المسلم فيها طاعة الله بحسب الاستطاعة، وتحري المصلحة قدر الإمكان، وقد يوافق الصواب كما قد لا يوافقه، (لكن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فإذا اتقى العبدُ اوَ ما استطاع: آجَرَه الله على ذلك، وغفر له خطأه، ومن كان هكذا: لم يكون لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه ... ) [٤] . وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم [٥] . ٤- يخضع مجال السياسة الشرعية للقاعدة العامة: (فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها) [٦] . ولهذه القاعدة تطبيقات متعددة، أشار إلى بعضها ابن تيمية في أماكن متعددة من فتاواه [٧] . مهمة البلاغ المبين: ويأتي تحديد الهدف البعيد المتوخى من الخطاب السياسي الإسلامي عاملاً آخر يؤثر على طبيعة الخطاب السياسي وعلى خصائصه. وفي رأينا: فإن هذا الهدف البعيد المدى هو: تحقيق البلاغ المبين لمبادئ الدين؛ لأنه الهدف الذي ابتعث الله (سبحانه) من أجله الرسول؛ يقول (تعالى) : ... [ ... وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ] [العنكبوت: ١٨] والبلاغ المبين هو الواضح البيّن، الذي يوصل المعاني المطلوبة إلى من يتوجه إليه الخطاب، فقد يكون الخطاب واضحاً عند صاحبه، لكنه غير واضح عند سامعه ومتلقيه، وهذا بعض ما تشير إليه الآية الكريمة: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] [ابراهيم: ٤] . وهكذا: فإن الخطاب السياسي الإسلامي يجب أن يهدف إلى أن يبلغ الكفاية في الوضوح وتقديم الحجة، ويتجنب كل العوائق التي تحول دون ذلك، وإلا فليس مبيناً، كما أن على هذا الخطاب ألا يكون عائقاً أمام التبليغ والدعوة وإيصال الفكرة والموقف الإسلاميين. وكل جوانب النقص والخلل التي سنتحدث عنها هي في حقيقتها من العوائق أمام (البلاغ المبين) ، ومن المشوشات على الدعوة في فهمه للدعوة ومبادئها. بين العاطفية والموضوعية: لعل من أول سمات الخطاب السياسي الإسلامي التي كثر الحديث عنها، هو كونه في غالب الأحيان خطاباً انفعاليًّا عاطفيّاً، يُؤْثر الخطابة على التحليل الموضوعي، ويطغى فيه الحماس على المنطق العقلي. ورغم أهمية إلهاب الحماس في كل عمل سياسي، وأهمية تقوية العواطف الإيمانية في كل عمل إسلامي إلا أن الضروري أن يكون التفكير العميق هو الموجه للعاطفة، وأن تعرض القضية الإسلامية عرضاً مبنيّاً على الإقناع لا التأثير النفسي والإثارة الوجدانية. والفرق بين الأمرين كبير من وجوه متعددة: فغلبة الحماس والعاطفة يمنع من التفكير في العواقب واحتساب النتائج؛ لأنه يسهل الانسياق وراء شعارات حماسية تضبب الرؤية، وتمنع من استخلاص النتائج الموضوعية، وقد يؤدي كل هذا إلى صدام غير مبرر ولا محسوب مع طرف سياسي في الساحة، كما يؤدي إلى أن تخوض الحركة الإسلامية معارك سياسية قبل أوانها وأكبر من قدراتها، ولا يبعد أن يتم بعض ذلك بفعل إثارات استدراجية دبرت من خارج الصف الإسلامي. وغلبة الحماس والعاطفة يؤدي إلى استعجال النتائج، ويحاول أن يحرض لذلك ويستجيش، بينما التوجيه العقلي والفكري يحاول إيصال المبادئ والأفكار، والتأثير بالتالي على مهل وفي رفق وهدوء. وطغيان الانفعال والعاطفة يؤدي أيضاً إلى النظر إلى الأشخاص والهيئات والأحداث نظرة مجافية للواقع، مبنية إما على المبالغة والتهويل، أو الاحتقار والتهوين، أو على التشويه، فهناك مثلاً من لا يتصور صدور أمر أو موقف من جهة معينة، فيرفض تصديق أي معلومات تثبت عكس ما كان يتوقعه، وهناك من يسارع إلى إعلان العداء نحو جهة من الجهات وقد تكون إسلامية، تتبنى المبادئ والأهداف نفسها لبادرة بدرت أو كلمة صدرت، لم يتحر صاحبنا ليعرف تأويلها الصحيح، ولم يتجشم عناء المرور بمراحل التبين والتثبت، والتماس العذر، والمراجعة ... ، وكلها أمور ضرورية شرعاً في مثل تلك المواقف قبل الانجرار وراء الحماس بإلقاء اللوم وتوجيه التهم. ويؤدي طغيان الانفعال والعاطفة أخيراً -وليس آخراً- إلى غياب العمق الفكري والتحليلي في الخطاب السياسي الإسلامي، ويدخل في ذلك: التبسيط إلى حد التسطيح للصراع الفكري والسياسي الدائر مع الآخرين، ولطبيعة عرض القضية الإسلامية، فتحليل المشكلات المطروحة لا يتم بدراسة متأنية لأسبابها وجذورها وعوامل تطورها، ولتأثيرها في الواقع والحلول الممكنة لعلاجها، ثم اختيار الحل الأوفق للشرع وللواقع ولتأثيرها في الواقع عن وعي وإدراك، لكن يتم ذلك في انفعال وإلقاء للحلول المرتجلة والأحكام الجاهزة. إن كثرة ما جر طغيان الخطاب العاطفي على الممارسة السياسية للحركة الإسلامية من مشكلات يستوجب في رأينا الإسراع بأمور ثلاثة: ١- إعطاء الأهمية داخل الحركة الإسلامية للتربية على مبادئ الشرع القاضية بعدم قبول الأخبار إلا بعد روية وتمحيص وتثبت، وطلب الحجة والبرهان في كل أمر، والتورع عن الاتهام والتجريح، والبعد عن السباب وفحش القول، والتزام الهدوء والتأني في الخطاب ... ويبدو أن التركيز على مثل هذه الأمور غير كافٍ لحد الساعة في البرامج التربوية للحركات الإسلامية، وفي توجيهها لأبنائها. ٢- إعطاء الأهمية في المناهج التربوية داخل الصف الإسلامي للتربية المنهجية الفكرية، ولبناء عقليات قادرة على الموازنة والنقد، ولإكساب وتنمية المهارات المناسبة لذلك. ٣- وكل هذا لن يتأتى إلا بإعطاء الريادة والقيادة لأصحاب العلم والفكر بدل أهل الخطابة والوعظ، ليس انتقاصاً من شأن هذين، ولكن إنزالاً لهما مكانهما الصحيح، حتى يلجما بلجام العقول، وهي النتيجة التي انتهى إليها (د. عبد الله بن فهد النفيسي) بعد تحليل مماثل، يقول: (إن حاجة الحركة الإسلامية لصف من الموجهين الفكريين أكثر إلحاحاً من هذا الكم الهائل من الخطباء، مطلوب الاهتمام بإعداد الموجه الفكري؛ لأنه الحارس الأمين للجبهة (الأيديولوجية) التي تتحصن بها الحركة) [٨] . وقد نستدل على ذلك بأسبقية العلم على العمل شرعاً وعقلاً، كما قال البخاري في صحيحه: (باب، العلم قبل العمل، لقول الله (تعالى) : [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ] ) [٩] . بين الفعل ورد الفعل: لقد كان من أبرز نتائج طغيان العاطفية والانفعالية على الخطاب السياسي الإسلامي، سقوطه في ردود الأفعال، وقصوره عن الفعل الموضوعي المبادِر، إن ما نراه في كثير من الأحيان هو انتظار الأطراف الأخرى حتى تتخذ موقفاً ليتخذ الإسلامي الموقف المناقض، أو لينسج على منواله، أو الاستيقاظ على وقع حدث، فيسارع الخطاب الإسلامي لملاحقته، وهكذا يأتي هذا الخطاب في أحايين كثيرة مطبوعاً بالآنية والظرفية، لاهثاً وراء المواقف والأحداث الجزئية المتلاحقة، مما يفقده في الغالب الحضور المستمر والمتوازن في قلب الأحداث السياسية، بله صنعها أو التأثير فيها. ولا نعني بالفعل المبادر الإعلان المستمر (للحرب) على مختلف الأطراف، مما قد يعتبر أقصى ما يقدر عليه مع الأسف الشديد بعض الدعاة، بل الفعل المبادر هو المسارع إلى الخيرات، المبشر قولاً وعملاً بمبادئ الدين والرحمة والهداية ... وطغيان خطاب ردود الأفعال ينتج عنه عدة مفاسد، منها: طغيان المتابعة الآنية للأحداث اليومية التي تقع في الساحة السياسية، فيصبح الخطاب الإسلامي خطاباً تابعاً، يجيب عن تساؤلات الآخرين، ويعلق على مواقفهم وتصريحاتهم، بدل أن ينشغلوا هم بتساؤلاته ومواقفه وتصريحاته، ويستغرقه التصدي للأحوال الطارئة بدل التحرك نحو أهداف ذاتية محددة سلفاً. غياب التحليل الاستراتيجي الذي يأخذ بعين الاعتبار التغيرات والمستجدات، وليس التشبث بتحليلات ثابتة جامدة، لا تتحرك بتحرك الواقع ومعطياته. غياب الرؤية الشاملة المتكاملة، فيواجه كل حدث معزولاً عن سياقه والمنظومة التي ينتمي إليها، وهذا يؤدي إلى عشوائية تجعل الحركة الإسلامية تواجه كل حدث بطريقة خاصة، كأنها تنتج له خطاباً خاصًّا، وهذا يوقع في التخبط والتناقض، وهذان أساس الفشل في كل عمل سياسي. وكل هذه النقائص إنما تعني في الحقيقة: غياب الرؤية التخطيطية، والتفكير ذى المدى البعيد، الذي يقرأ العواقب وينظر إلى المآلات. خطابٌ مستغنٍ: ينطلق جزء كبير من الخطاب السياسي الإسلامي من منطلق الاستعلاء على الآخر والاستغناء عنه؛ فهو يخاطب غيره من فوق، على أساس أنه يملك الحقيقة المطلقة، ويتعامل مع الآخر من منطلق الاكتفاء بقدراته وطاقاته، ويتحرك كأنه وحده سيحقق أهداف الأمة كلها دون حاجة إلى التعاون مع الآخرين. وهذه السمة مبنية على أخطاء في العلم والتقدير عميقة، منها: ١- رفع الاجتهادات السياسية إلى مستوى الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة، فيعتبر الرأي المخالف فيها باطلاً مجافياً للحق، بل قد يتخذه مناط الولاء والعداء، وقد ينسب المخالف في الاجتهاد السياسي إلى البدعة والفسوق، إن لم يكن إلى الكفر، وهذا كله مخالف للكتاب والسنة ولما عليه سلف الأمة في هذا الباب. ٢- الانطلاق من تزكية النفس وتنزيه الذات، في مقابل الحط من الآخر وتضخيم عيوبه، ولسان حاله يقول: أنا الأعلم بالشرع، والآخر لا يدري شيئاً، وأنا الأتبع للشرع، والآخر حائد عنه، ولا حاجة إلى التأكيد على مخالفة ذلك للنصوص الصريحة، ومن ذلك قوله (تعالى) : [فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى] [النجم: ٣٢] . ٣- يعتبر الخطاب المستغني نفسه كاملاً، مكتفياً بذاته، لا يحتاج إلى من ينبهه إلى خطأ، أو يعرفه بنقص، كما لا يحتاج إلى الاستفادة من الغير، ومن ثم: فهو يخوض تجربته السياسية وحده، ويصوغ أحكامه (أو اجتهاداته) وحده، ولا يأخذ بعين الاعتبار ما يقوله غيره ولو كان من العلماء المعتبرين أو المجربين المحنكين. ٤- تنتهي هذه السمات المتسلسلة إلى أن ينظر الخطاب المستغني إلى الأفكار والأشخاص نظرة تتسم بالمطلقية، فهي إما خير محض وإما شر محض، والآخرون إما أصدقاء وإما أعداء، ولا حل وسط، ولا مجال لأي تطبيق جزئي أو أن أي تدرج. وهذا يناقض بدهيات العقول، كما يناقض ما كرره علماء السلف من أن أي شخص أو طائفة قد يكون عندها بعض الحق أو بعض الصواب الذي يجب أن يعرف لها. والاختيار في مجال السياسة الشرعية يتم على أساس (الأرضى من الموجود) و (الغالب أنه لا يوجد كامل، فيُفعل خير الخيرين، ويدفع شر الشرين؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة، وقد كان النبي وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس، وكلاهما كافر، لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك (سورة الروم) لما اقتتلت الروم وفارس، والقصة مشهورة، وكذلك يوسف: كان نائباً لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان) [١٠] . إن هذه المقدمات أنتجت خطاباً سياسيًّا ذا سلبيات بالغة الأثر، منها: - أنه خطاب يفقد خاصيتي الرفق واليسر، ويشكل بذلك مصدر توجس وخوف، وربما مصدر خوف وفزع، قد يؤدي إلى فقد الأصدقاء وتكثير الأعداء، وفتح جبهات لا مبرر لها. والأصل أن يكون الخطاب السياسي خطاباً مطمئناً، رفيقاً، ميسراً، متلطفاً، متودداً ... [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] ، [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] [فصلت: ٣٤] ، (المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) [١١] . وفي الخطاب السياسي للدعوة من الخلل والنقص، وفي تأثيره من المفاسد، على قدر نقص تمثله لتلك المعاني. أنه خطاب يلغي من حسابه الآخر وظروفه وردود فعله، وينطلق كأن صاحبه هو الطرف السياسي الوحيد في الساحة. كما يلغي من حسابه ذوي الفضل والعلم، وذوي الخبرة والسابقة، كأن عهد صاحبه يشكل قطيعة مع سابقيه، فهو الفاتح لما أغلق، الآتي بما لم تستطعه الأوائل، وهو بذلك يلغي تجاربهم وينتقص الاستفادة منها، ويكرر أخطاءهم باستمرار. أنه خطاب مستعلٍ، لا يطرح نفسه بوصفه اجتهاداً، أو رأياً، أو اقتراحاً فيه ما في اجتهادات البشر من القصور والمحدودية، بل يضفي على نفسه مطلقية الوحي وكماله، وعصمة من نزل عليه، وكل هذا يجر إلى إصدار الأحكام والاستنتاجات المطلقة بدل فتح باب الاحتمالات، وأخذ الأمور فهماً ومواجهة، من منطلق النسبية والأولويات والفرص المتاحة والإمكانات الذاتية. أنه خطاب قادح جارح، ينتقل من مناقشة وانتقاد، إلى اتهام الأشخاص والهيئات، ونبش النوايا والخلفيات. وأصول الشرع تقضي باستئثار الله (تعالى) بعلم النوايا، والتقحم فيها بالتالي رمي بالظن وكلام بغير دليل، وفي المقابل: يجب العمل على فهم عقلية الآخر ومنهج تفكيره، كما يمكن الانطلاق من مواقفه وتصريحاته المعلنة، واعتبار الاتفاق أو الاختلاف معها أمر اجتهاديًّا مبنيًّا على آراء وترجيحات، وهذا ما يجنب التصنيفات والاتهامات المجانية التي لا رصيد لها. خطاب غير واقعي وغير اجتماعي: ولسنا نعني بالواقعية مجاراة الواقع وإقرار ما هو عليه من محرمات ومفاسد، بل الواقعية مراعاة للواقع، ومحاولة الارتفاع به إلى الدعوة في تدرج، وعلى قدر الوسع والاستطاعة، ودون هزة عنيفة؛ لأن العالِم (تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة) وهو (قد يؤخر البيان إلى وقت التمكن، كما أخر الله (سبحانه) إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ﷺ تسليماً إلى بيانها) ، (فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أن الرسول لا يُبَلّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فاًمر بما يستطاع، فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته: لا يبلغ إلا ما أمكن عمله والعمل به ... ) [١٢] . ويدخل في الواقعية: عدم الاكتفاء بتسطير المبادئ العامة، بل وضع الحلول العملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ... المعيشة، فلقد بقي ما يطرحه الخطاب السياسي الإسلامي ذا طابع عام مجرد، إلا في القليل النادر، لم يهتم كثير من الدعاة بالظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي، لم يحتل تحرير الإنسان من الاستضعاف وتمتيعه بحقوقه وكرامته المكانة اللائقة به، كما لم يهتم الخطاب الإسلامي في الغالب بملاحقة مظاهر هذا الحيف في الواقع، نقداً وتقويماً وإصلاحاً. وبعد: فليس ما ذُكر إلا بعض ما استدرك على الخطاب السياسي الإسلامي، وكله كما قلنا لا يلغي إيجابياته في حياة الأمة، وعسى أن نستدرك ما فات، ونصلح النقص، وندرأ الخلل، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

стр. 2198

ملف العدد (متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية) إعلام الصحوة والدور المفقود بقلم: د. أحمد محمد لكل حركة حضارية وسائلها الإعلامية التي تسعى من خلالها إلى إيصال رسالتها إلى الجماهير، وكلما تنوعت تلك الوسائل وتكاملت كلما كان التأثير أبعد أثراً وأكثر انتشاراً، ولقد حققت الدعوات الكبرى إنجازاتها على مر التاريخ الإنساني بفضل عوامل متعددة، كان من أهمها: الوسائل التي تستخدمها في نشر رسالتها، وقدرتها على التأثير في قطاعات كبيرة من الناس، ومع التقدم التقني المتسارع في العصر الحديث وخاصة في وسائل الاتصال أصبح الإعلام نظاماً متكاملاً توضع له القوانين ويدرسه الدارسون، وتسعى الدول والمجتمعات وكل صاحب رسالة حضارية إلى استخدامه واستغلاله بما يخدم رسالته ويحقق مصالحه، وقد أدركت الدولة في المجتمعات المعاصرة أهمية الإعلام وقدرته التأثيرية؛ فعمدت إلى تأطير وتنظيم هذا العمل ووضع السياسات الإعلامية التي تمكنها من التحكم فيه وتوجيهه بما يخدم مصالحها. وقد حققت الصحوة الإسلامية المعاصرة نجاحاً باهراً في الوصول إلى فئات بشرية متعددة داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها، بفضل عدة عوامل، من أهمها: الوسائل الإعلامية التي استخدمها الدعاة والمربون والعاملون للإسلام، ولو تتبعنا الوسائل التي كانت لها أكبر الأثر في تلك النجاحات، لرأينا أن الصحوة قد استخدمت وسائل إعلام متنوعة ومتعددة، كان أقلها أثراً واستخداماً وسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة: من صحافة، وإذاعة، وتلفاز، في حين كانت أكثر الوسائل تأثيراً في أوساط الصحوة: الشريط الإسلامي، والكتاب، والتجمعات الجماهيرية، مثل: المؤتمرات، والمحاضرات، والمخيمات ... وغيرها. ولو تأملنا في هذه الحقيقة وحاولنا معرفة أسباب ضعف استخدام الفئة الأولى من وسائل الإعلام ونجاح استخدام الفئة الثانية، لأشرنا إلى بعض الأسباب، منها: ١- تعتمد وسائل الإعلام الحديثة، من: إذاعة، وتلفزيون، وصحافة على العمل الجماعي المنظم، وهذا يحتاج إلى مؤسسات تضم في جنباتها مجموعة من المختصين في أكثر من مجال، بينما تعتمد وسائل الفئة الثانية من الإعلام وهو الذي تستخدمه الصحوة بشكل ناجح على العمل الفردي المبدع. وإذا كانت الصحوة تفتقر عموماً إلى العمل المؤسساتي الضخم في جميع أنشطتها، وتضعف عندها القدرة التنظيمية، الناتجة عن التخطيط الدقيق، والإحصاءات الصحيحة، ودراسة التوقعات المستقبلية، والقدرة على قراءة المتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية: فإن النتيجة هي اتجاه الصحوة إلى الفئة الثانية من وسائل الإعلام. ٢- يتطلب تأسيس وإدارة المؤسسات الإعلامية الحديثة إمكانات مادية وبشرية ضخمة، بينما تقل التكاليف بشكل كبير في استخدام وسائل الإعلام الخفيفة، مثل: الشريط، والكتاب، وتنظيم المحاضرات والمخيمات ... وغيرها؛ لذلك: كان تأسيس المؤسسات الإعلامية والإنفاق عليها يعتبر ترفاً في نظر كثير من العاملين للإسلام والداعمين للنشاط الإسلامي، وذلك في ظل الحاجة المتزايدة للإنفاق على المشروعات الدعوية الأخرى وتقديم خدمات الإغاثة للمسلمين في بقاع كثيرة من المعمورة. ٣- يغلب على الرسالة الإعلامية التي تقدمها وسائل الإعلام الحديثة الخطاب الإعلامي غير المباشر، حيث يقدم: التحليل الصحفي أو الإخباري، والصورة، والرسوم (الكاريكاتيرية) ، إضافة إلى المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية والبرامج المتنوعة، رسالة إعلامية غير مباشرة يكون تأثيرها عظيماً على نفسية الإنسان وسلوكه وتصوراته، بينما تقدم الفئة الثانية من وسائل الإعلام خطاباً إعلاميًّا مباشراً بعيداً عن التعقيد، ولذا: نجح كثير من العلماء والدعاة في الوصول والتأثير على القطاعات البشرية الأقل تأثراً بوسائل الإعلام الحديثة، بينما نجد أولئك الذين يتعرضون للرسالة الإعلامية الحديثة لا يتجاوبون بشكل كبير مع الخطاب الإسلامي المباشر، الذي تقدمه وسائل الإعلام المستخدمة حالياً في أوساط الصحوة. ٤- ومن الأسباب التي أدت إلى ضعف استخدام وسائل الإعلام الحديثة في أوساط الصحوة الإسلامية: وجود القوانين والأنظمة الصارمة التي تسنها الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي للتحكم والتوجيه في وسائل الإعلام؛ فإصدار صحيفة أو مجلة أو إنشاء قناة تلفزيونية أو إذاعية يتطلب إجراءات قانونية صارمة، هذا إذا كانت ملكية كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لا تعود مباشرة إلى الدولة. وإذا كنا ذكرنا بعض الأسباب التي أدت إلى ضعف استخدام الصحوة لوسائل الإعلام الحديثة والاتجاه إلى استخدام وسائل إعلام لها خصوصية تتلائم مع واقع الصحوة، فإن هذا لا يعني أن تيارات الصحوة لم يكن لها تجربة متميزة في هذا المجال تستحق أن نقف عندها ونحاول تقويمها ونقدها. لقد قامت محاولات عديدة ومنذ وقت مبكر لاستخدام وسائل الإعلام الحديثة من قبل تيارات الصحوة الإسلامية، وقد تفاوتت درجة نجاح أو فشل تلك المحاولات بناءً على الظروف الزمانية والمكانية التي قامت فيها تلك المحاولات، كما تأثرت بالأسباب التي أشرنا إليها آنفاً، ونظراً لصعوبة الوقوف بالتفصيل على ظروف تلك المحاولات لتقويم أسباب نجاحها أو فشلها، فإن من الممكن الإشارة إلى بعض خصائص إعلام الصحوة، وبعض ملامح الإخفاق في تلك المحاولات، وعندما نقول (إعلام الصحوة) فنقصد به وسائل الإعلام الحديثة، وليست الوسائل التي أشرنا إلى أن الصحوة قد نجحت في استخدامها، كما أننا لا نقصد أيضاً الإعلام الإسلامي عامة، فإن هناك نوعاً آخر يعبر بشكل أو بآخر عن بعض المفاهيم الإسلامية، ويتبنى بعض الأطروحات الإسلامية، ولكنه يصدر مباشرة أو بتوجيه من بعض الحكومات في العالم الإسلامي، وهذا الإعلام له خصائص مختلفة ليس هذا مجال بحثها. من خصائص إعلام الصحوة: أنه يتركز في جانب الصحافة والنشر، وفي فئة محدودة منه؛ فمن الواضح أن الصحوة لا تملك حالياً تجارب إذاعية أو تلفزيونية، كما أنها لا تملك صحفاً يومية واسعة الانتشار، بل يتركز إعلام الصحوة على المجلات والصحف الأسبوعية والشهرية، ومن المعلوم أن خصائص المجلات الأسبوعية والشهرية تختلف عن خصائص الصحف اليومية أو الإذاعة والتلفزيون، كما أن تأثيرها يختلف، فهي أبعد عن الحضور خلال الأحداث والأزمات اليومية، فتبتعد بذلك عن تشكيل الجانب النفسي والصدمة الأولى للأحداث، وإذا أضفنا إلى ذلك: اختلاف المجلات الأسبوعية والشهرية عن تقديم رسالة إعلامية كما تقدمها الإذاعة أو التلفزيون من خلال البرامج المختلفة الإخبارية أو الاجتماعية، فإن النتيجة المنطقية هي ابتعاد الصحوة عن استخدام جميع إمكانات الإعلام وقدراته التأثيرية، ومن ثم: فقد تركت الساحة لمختلف التيارات والاتجاهات والأيديولوجيات المحلية والعالمية لملء الفراغ الكبير. ومن خصائص إعلام الصحوة: أنه انطلق في بداية تاريخه ليعبر عن تيار حزبي أو فكري في ساحة الصحوة، فنشأت المجلات الأسبوعية أو الشهرية من داخل تنظيم الحزب أو الجماعة، وطغى عليه الخطاب الحزبي المنغلق، فأصبح يعبر عن رأي الحزب، وينشر البيانات والمقابلات مع زعماء الحزب أو الجماعة، واستعراض نشاطات الحزب الدعوية وغيرها، وأصبح يتوجه برسالته إلى جمهور الحزب، أو التيار الفكري أوالمذهبي، ولم يخاطب ذلك الإعلام جميع جمهور الصحوة، عوضاً عن أن يخاطب المسلمين كلهم المتعاطفين مع الصحوة الإسلامية، أو الذين يعادونها عن جهل أو سوء قصد، وأدى ذلك إلى انغلاق ذلك الإعلام على جمهور محدود وتضاؤل تأثيره المعنوي، ونتيجة لذلك: انغلق الخطاب الإعلامي على قضايا محدودة، أغلبها قضايا سياسية إذا كان الحزب أو الجماعة تعمل في مجال السياسة أو قضايا فكرية وفقهية إذا كانت الجماعة ممن ينادون باعتزال السياسة ومشاكلها، وقليلاً ما تجد مشاركة إعلام الصحوة في قضايا اجتماعية واقتصادية وتربوية وتقنية مما لها علاقة بواقع العالم الإسلامي ومشاكل التنمية فيه، وعلاقته بالعالم الخارجي وغيرها. ومن خصائص ذلك الإعلام: ضعف استخدام وسائل التأثير المتعدد، فهو يعتمد في الدرجة الأولى على خطاب إعلامي مباشر يغلب عليه الاحتجاج والعاطفة ورد الفعل والتعليق على الأحداث السياسية والفكرية، وهو بهذا الأسلوب لا يختلف كثيراً عن أسلوب المحاضرة أو الخطبة الذي استخدمته الصحوة بشكل مؤثر عن طريق الشريط الإسلامي أو الإلقاء المباشر، وبذلك فَقَدَ إعلام الصحوة أهم وسائل اجتذاب الجمهور؛ فالقارئ لا يعرف من خلال ذلك الإعلام ما يستجد من أحداث في البيئة المحيطة أو في المجتمع والعالم بشكل عام؛ بسبب ظروف إصداره الأسبوعي أو الشهري، كما أنه لا يجد التحليل الموضوعي على تلك الأحداث، ولا يقدم له مادة تعليمية متميزة، كما أنه لا يضيف إليه متعة ثقافية أو أدبية، أو يقدم له وسيلة للتسلية والاسترخاء، إلى غير ذلك من الوسائل التي تجذب القراء إلى التفاعل مع وسائل الإعلام. ومن الخصائص أيضاً: قلة الكوادر الإعلامية المتخصصة وضعف تدريبها، حيث تعتمد المجلات والصحف الإسلامية في الغالب على الهواة والمتحمسين للعمل الإسلامي، وقد يكون تأهيلهم الإعلامي ضعيفاً، فنادراً ما تجد في إعلام الصحوة مراسلين صحفيين يجوبون أقطار العالم للبحث عن المادة الإعلامية المتميزة، وقليلاً ما يكون للمجلة الإسلامية محللون سياسيون واقتصاديون على مستوى علمي رفيع، وإذا أضفنا إلى ذلك: ضعف الكوادر الفنية للإخراج والتصوير والرسم والإنتاج ... إلخ، وضعف استخدام التقنيات الحديثة في مجال الاتصال، فإن الناتج سيكون تأخر إعلام الصحوة، وابتعاده عن المنافسة الحقيقية مع الإعلام المسيطر على الساحة الإسلامية والعالمية. ومن خصائص إعلام الصحوة: عدم اعتماده على التمويل المادي الذاتي، وإغفال اعتباره أحد وسائل الاستثمار وتحقيق الربح المادي، فقد ظن الكثيرون أن هدف الاستثمار يتعارض مع طبيعة هذا الإعلام، الذي يهدف إلى الدعوة وإيصال رسالة الإسلام إلى جماهير الأمة، وإذا أضفنا إلى ذلك: ضعف التوزيع، وقلة الإعلانات، فإنه يمكن الإشارة إلى أن إعلام الصحوة يكلف هيئاتها ومنظماتها وجمعياتها عبئاً ماديًّا، مع ما تواجهه تلك الهيئات من متطلبات مادية هائلة؛ ولذلك: أصبح إعلام الصحوة رهينة للعوامل الخارجية، التي قد تتغير بصورة سريعة، فأثّر ذلك على استمراره وتطويره ومنافسته للإعلام الآخر. هذه بعض خصائص إعلام الصحوة، نسردها بطرح عمومي ينال السمة البارزة لهذا الإعلام، على الرغم من أن هناك تجارب واعدة تظهر في أماكن متفرقة من العالم الإسلامي، أو تصدر في الغرب؛ حيث يستفيد الإعلام من حرية النشر والتعبير التي توفرها تلك المجتمعات، ووجود الإمكانات الفنية والتقنية، ولكن في انتظار نضوج كثير من تلك المحاولات الواعدة، وظهور نماذج أخرى أكثر انفتاحاً على متطلبات العمل الإسلامي، وأكثر قدرة على تسخير إمكانات الإعلام في خدمة الإسلام، فإن إعلام الصحوة لا يزال يمثل الحلقة المفقودة في العمل الإسلامي، وخاصة بعد التطورات المذهلة في تقنية الاتصالات والإعلام، التي أدت إلى سقوط الحدود الجغرافية والسياسية، وأصبحت الحواجز الإعلامية أكثر هشاشة مما مضى، مما جعل كثيراً من أهل الملل والنحل وأصحاب التيارات الأيديولوجية المختلفة تتسابق في ميدان الإعلام؛ لكسب مساحة أكبر في التأثير، فتتمكن من الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم.

стр. 2199

ملف العدد (متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية) نقد أدب الصحوة .... مقدمة نظرية بقلم: د. مصطفى السيد الأدب كتيبة من كتائب الدعوة، والأدباء فصيل طليعي في مشروع التأهيل الثقافي الإسلامي، والصحوة إذ تطرح رؤيتها الإسلامية، فهي لا تفعل ذلك في مناخ رخاء واسترخاء، وغياب المنافس الذي يريد من خلال خطابه الأدبي أن يخلو له وجه القراء، ليكونوا ويكوّنوا بنياناً مرصوصاً، ومنصة حضارية لما يطلق من أفكار، ويباشر من تطلعات. فالمنافسة قائمة على قدم وساق، محتدمة بين أطراف مختلفة، وبوسائل مشروعة وغير مشروعة، موظّفة كل ما امتلكت من منابر وأجادت من أشكال القول الأدبي وأنواعه، من: مسرح، ورواية، ومقال، وقصيدة.. موظفة ذلك كله ليكون خط الدفاع الفكري عن معركتها للنهوض بالأمة والرقي بها إلى المستوى اللائق بها، ولقد سبق خطاب الصحوة الشرعي والفكري والسياسي، سبق خطابها الأدبي زماناً واهتماماً، كما سبقه كمًّا وكيفاً، ولذلك أسبابه التاريخية والموضوعية المتعلقة بطبيعة الصحوة بوصفها اتجاهاً يعمل للبعث الإسلامي والتجديد الإيماني، كما أن الأدب في العالم الإسلامي عامة والبلاد العربية بخاصة لم تكن قد تبلورت في العصر الحديث أهميته الفكرية والجمالية بصورة واضحة، ولم يتمظهر الدور الذي ينهض به في إعادة تشكيل عقل القارئ ومعتقده ومعارفه، وتفجيره لآبار الوعي الذاتي والجمعي في الأمة، وإن كان الشعر قد قارب ستة عشر قرناً من الحضور في وجدان العربي فأَلِفَ كل منهما صاحبه، فإن الأمر بالنسبة للقصة لم يكن كذلك؛ فالدكتور (محمد حسين هيكل) عندما كتب أولى قصصه، لم يتجرأ أن يضع اسمه على صفحة الغلاف، و (محمود تيمور) كان يوقع قصصه بـ (موبسان المصري) ، نسبة إلى (جي دي موبسان) القاص الفرنسي؛ وإذا كان التخوف قد لازم هؤلاء العلمانيين فما بالك الإسلاميين، الذين سيتأخر الفن القصصي عندهم والمسرحي أيضاً إلى وقت لاحق، حيث استطاع القاص والكاتب الإسلامي (على أحمد باكثير) (١٣٢٨- ١٣٨٩هـ ١٩١٠- ١٩٦٩م) إنجاز إبداعات أكثر من رائعة في مجالي القصة والمسرحية، جعلته و (توفيق الحكيم) الذي كان سابقاً عمراً وفنًّا فرسي رهان وقرني ميدان، وربما لو امتد به العمر لطاول (نجيب محفوظ) أيضاً. لقد كان (باكثير) (رحمه الله تعالى) رائداً ومؤسساً للأدباء الإسلاميين الذين فيما أحسب وأعلم لم يتمكنوا أن يتابعوا بناءه بالقوة نفسها التي ميزت (باكثير) . ويوماً بعد يوم شرع الخطاب الأدبي يحرز مكاسب جديدة وجيدة، ويتقدم إلى مواقع لم يقف عليها من قبل. واشتعلت معركة التجديد التي انتقل معها الخطاب الأدبي ولا سيما الشعر من خطاب الأذن إلى خطاب العقل، ومن سيطرة الصوت، إلى سطوة الصورة ليستقر أخيراً عند تخوم (الرؤيا) [*] ، كما انتقل من التعبير المباشر إلى التراكيب التي حُفت بالإيهام والغموض، عاكساً الثقافة والهموم للشاعر المثقف الذي غادر السطحية والارتجال، بادئاً صياغة قصيدته صياغة تدخل القارئ في حوار مع القصيدة، ينتهي بموقف جديد أو ميلاد جديد للقارئ. وإذا كان أكثر الشعراء متفقين على أن التشكيل الموسيقي (القيم الصوتية، والعروض، والإيقاع) عنصر مائز للفن، فإنهم لم يتفقوا على أن العروض الخليلي هو نهاية المطاف، وأن الخليل جمع ومنع، إنهم مع تقديرهم لهذا العالم الفذ، فإنهم يرون أن موسيقا الشعر أكبر من أن يُتوصل فيها إلى تشكيل نهائي مستقر. ولقد جعل كثير من الإسلاميين قضية التشكيل الموسيقي قضية حياة أو موت بالنسبة للقصيدة، وقاتلوا مع غيرهم في معركة انجلت عن ثبات التيار الجديد في الساحة الأدبية. وإذا كنت أعتقد أن دعاة التجديد أكبر أو أكثر من أن تظلهم راية واحدة، وأن عناصر التجديد ليست محل اتفاق، وأن بعض المجددين كانوا مجترين، وبعضهم الآخر كانوا مجترئين على لساننا وديننا، فإن بعض الإسلاميين قد دخل غمار معركة التجديد غير مستكمل لأدواتها وآلياتها، مفتقراً إلى الإلمام بخلفية عميقة تؤهله للاستفادة من الاتجاه الجديد في الشعر عموماً، وفي الشكل خصوصاً. فبعضهم يحسب أن مجرد حشر التفاعيل حسب عروض الشكل الجديد دون أن يتغير ثقافة واهتماماً وذائقة أدبية يجعله في عداد المجددين. فأكثر الإسلاميين يعرف تراث الأسلاف في الشعر، ولكنه لا يعرف ما يجب أن يفعل ليكون امتداداً واعياً وواعداً للسلف، ولا يدرك كثير من الإسلاميين أن التغير يجب أن يتناول شبكة العلاقات مع اللغة والأشخاص والأشياء، فلا تجديد بعلاقات قديمة لا تتواصل مع ضفيرة العلاقات المعاصرة. لم تتمكن الإبداعات الأدبية للإسلاميين إلا نادراً من التحليق في الفضاءات الواسعة، لا سيما أدب الأنين والنشيج، فكانت بكائيات راعفة نازفة، بخلاف العلمانيين واليساريين، الذين أدى اصطدامهم بالسلطة التي لم يتناقضوا معها من حيث المبادئ التي قامت عليها، بل من حيث الوسائل والمناهج التي اتبعتها في أدائها وحضورها أدى هذا الاصطدام غالباً إلى ثورة أدبية وثروة شعرية وقصصية ومسرحية. ولقد قُسمت الحرية بين الأديب المسلم والأديب العلماني واليساري قسمة ضيزى، ففي حين أعطي الأول هامشاً محدوداً تجاه القضايا المطروحة، مُلّك اليساري فضاءً أوسع من الحرية إزاء السلطة والتراث والعرب والعصر، فاستثمر ذلك استثماراً مدروساً، مكنه من السيطرة على المنابر الأدبية في الجامعات والإعلام والندوات والمنتديات، وظهر ذلك جليًّا في المكتبة الأدبية، حيث نجد النتاج الأدبي للحداثيين واليساريين والعلمانيين في شمال إفريقيا والشام والعراق والجزيرة العربية يتقدم كمًّا وكيفاً غالباً كتابات الإسلاميين التي أخذت هي الأخرى تتقدم ولو ببطء ولكن بثبات وثقة لتنتج إبداعات ناضجة وواعدة إن شاء الله. وليست السلطة هي المسؤولة وحدها عن غياب الحرية وتغييبها وعما يترتب على ذلك من خنق الإبداع جنيناً، وجني الثمار المرة، لإبعاد الإسلاميين عن أن يكونوا شركاء أساس في صياغة مشروع الغد، بل شارك السلطة في المسؤولية غياب التدريس الجاد والعميق في بعض الأوساط الإسلامية للأدب، فتغيرت أسماء الكليات والأقسام والعنوانات وكأن المشكلة في الأسماء وبقيت الثقافات إياها تدرس أدباً وتدرسه بأساليب تجاوزها الزمان. توقفت القراءة الواعية لعبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني، كما تعثرت الجهود لاستكمال عمل هذين الناقدين العبقريين في الأوساط الإسلامية أكثرها التي تعد أخلاقيّاً وموضوعيًّا المسؤولة عن حمل أمانة هذا العلم درساً وتدريساً، فحصاً وتقويماً. حصل ذلك في الوقت الذي هيمنت بلاغيات النص السكّاكية نسبة إلى السكّاكي (رحمه الله تعالى) على تأويل الإبداع وتحليله وتعليله، ولتكون أحياناً أشبه بحصار على الدارس والمدروس في دوائرنا نحن الإسلاميين، ويحصل ذلك أيضاً في الوقت الذي صارت البلاغة السكّاكية جزءاً محدوداً في الدرس النقدي الحديث الذي يحاكم فيه النّاص والنّص بمعطيات الألسنية والأسلوبية والبنائية والدراسات المقارنة التي يعاني أكثر الكتاب الإسلاميين فيها من نقص مذهل، لا يتهدد معه دورهم الأدبي فحسب، بل ووجودهم أيضاً في هذا الميدان، وذلك لأن النقد المقارِن (بكسر الراء، وهو الاسم الأدق من الأدب المقارَن) يوفر للأدب المحلي عن طريق الاحتكاك بالآداب الأخرى فرصة ذهبية لاستكمال مواطن النقص في الخطاب الأدبي المحلي، ولولا هذا الاحتكاك لغرقت الآداب المحلية في محليتها، كما تمنح الدراسة المقارنة دعاة الإسلام وخطابه الدعوي فرصة أفضل لبث رسالتهم كلما توفرت لهم عبر القراءات الأدبية المقارنة معلومات أشمل وأدق عن الأمم الأخرى، والدراسة المقارنة هي التي تكشف الجوهر البنائي للعمل الأدبي، وموارد النص (والتناص الذي هو تداخل النصوص) كما تؤدي إلى بلورة فلسفة عامة للفنون والآداب، وإذا كانت أي لغة وحدها لا تحوي منفردة على ميراث الحكمة الإنسانية وموروثها، فإن الحاجة إلى المقارنة تبدو (لما سيق وسبق من فوائد) ليست كمالاً أدبيًّا ولا ترفاً معرفيًّا، بل هي ضرورة فكرية وثقافية، بل وسياسية، حتى يكون خيارنا واختيارنا ومواقفنا نتاج رؤية شاملة واستنطاق تيارات متعددة، بحيث تتحرر من استيراد الرؤية الفردية واختزال المعرفة الإنسانية. فلعله يتضح مدى الخسارة التي لحقت بأدب الإسلاميين جراء غياب النقد المقارن عن دوائرهم الفكرية والجامعية؛ مما جعل الخطاب الإسلامي الأدبي يعاني غالباً فقراً مزمناً، لافتقاده معطيات المقارنة دارساً ومدروساً، كاتباً ومكتوباً. ولقد اختلط الأمر على كثير من الإسلاميين في العلاقة مع الغرب، فتداخل الشعري في الشرعي، والقاعدي في العقدي، وتحامى أكثرهم ولوج محارم الغرب الأدبية، حفاظاً على الهوية، وتحصيناً للشخصية الإسلامية من أن تجتاح أو تباح من قبل الأدب الغربي، إن الحفاظ على الهوية المستقلة والشخصية المتميزة، لا يكون مرادفاً للعزلة والتقوقع والانغلاق والانسحاب من المعترك الثقافي والإبداعي، إن المحافظة على الهوية يكون بالانفتاح الواعي على الثقافات والحضارات في تفاعل إبداعي أساسه الثقه بالله، ثم بالنفس، والقدرة على الاستفادة من كل خيّر ومفيد. وإذا كان المسلم يشعر بالاكتفاء والامتلاء في أموره الشرعية، فقد لا يكون عليه ضير أن يحضر في الساحة الأدبية العالمية شريكاً كاملاً آخذاً ومعطياً، عاملاً على أن يجعل القول الأدبي لا سيما القصة والمسرحية جسراً للحوار الداخلي للتواصل مع القراء المسلمين بمختلف شرائحهم الاجتماعية وإمكاناتهم الفكرية، ثم الطيران إلى مطارات العالم حاملاً عبر الكلمة مُؤَدْلَجَةً بالفكر الإسلامي، مدججةً بمقومات تحميها من السقوط في مدافن الآنية وحُفَر الذاتية، وتتجافى عن السكوت عن كل صور الانتهاك للدين والعقل والثروات الإسلامية في الإنسان والمال العام والبيئة. ولقد تُرجم الكثير من أدب العلمانيين واليساريين والحداثيين العرب إلى القارئ الغربي، في حين ظل أكثر الكتاب الإسلاميين مقروئين في لغاتهم المحلية وفي أوساطهم المحلية أيضاً، وهذا الأمر حرم الخطاب الأدبي الإسلامي من مهمة الحوار التي ينهض بها الخطاب بين جميع القراء، بغض الطرف عن أوطانهم واتجاهاتهم العقدية والسياسية والفكرية، فـ (شكسبير) كتب بالإنجليزية ولكن قُرِئ في كل اللغات الحية تقريباً، وكذلك (ديكنز) ، و (موليير) ، و (هوجو) ، و (جوته) ، ... و (همنجواي) ، و (دوستوفسكي) ، و (تولستوي) ، و (ماركيز) الكولمومبي الذي ينتمي إلى بلاد هي أكثر تأخراً من البلاد العربية، وكذلك (أكتوبات) المكسيكي الحائز على جائزة نوبل ١٩٩٣م. ولقد افتقر أدب الإسلاميين أكثرهم إلى مقومات بنائية وفنية حالت بين خطابهم الأدبي ونماذج النخبة من القراء، كما أفقد ذلك الدعوة الإسلامية التغلغل عبر الخطاب الأدبي إلى مختلف العقول والقلوب، لتكون جزءاً من النسج الوجداني والفكري لأكبر عدد من المتلقين، ومن هذه المقومات التي افتقر إليها أدبنا: ثقافة إسلامية عميقة: لا سيما تاريخ الإسلام وسير أبطاله، بوصف التاريخ من المنابع المهمة التي تمد العمل الأدبي بكنز لا ينفد من الموضوعات (ولا بد من التوكيد على المصادر الغضة كالقرآن الكريم) وقد حفظه (باكثير) ﵀ في وقت مبكر، والحديث الشريف، وألاّ يتلقى الأديب هذه الثقافة من مصادر آسنة مشوبة بكدرة الاستشراق، أو من موارد ملفقة كنتاجات المهزومين والتلفيقيين. ثقافة أجنبية: وحبذا لو كانت أداتها إحدى اللغات الأوروبية الحية، وذلك كي يتمكن من الإبحار في محيطات روائع الأدب العالمي (بادر (باكثير) بوصفه نموذجاً يتيماً للأدباء المسلمين إلى الالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة، كي تسلم ثقافته الأدبية من جهل مزر بالخطاب الأدبي العالمي) أو من الادعاء بإحاطة كاذبة بمكونات هذا الخطاب، أو الرفض المطلق له، عبر نفيه وتجاهله سدًّا لذرائع السلبيات المتوقعة من الاطلاع عليه. رؤيا متكاملة: تجسد مثل خريطة ضوئية ورسوم بيانية مواطن الضعف والقوة في الجسد الإسلامي، وذلك حماية للإبداع من تكرار ممجوج، وسطحية ممرورة، وليكون إضافة تشبع ذائقة المتلقي وتترعها، وتمده بما يضاعف رصيده الجمالي ويعمق لذاذته الوجدانية، ويسلحه بمعرفة يتصدى بها بعد عون الله لكل محاولات إفقاره معرفيًّا، وإفلاسه ثقافيًّا، ويواجه الحملات الشرسة على قيمه الإسلامية التي تتمنهج بالعنف طوراً، وبالتحيل والمكر مراراً وأطواراً. التمكن المقتدر الجسور من التعامل مع الأداة التعبيرية: (اللغة) التي تجسد تلاحم الأفكار والمشاعر، والشكل والمضمون، والذات والموضوع، بحيث تتوزع خلالها عناصر (الأدبية) توزعاً دقيقاً، عاكساً موهبة الكاتب وخبرته وثقافته انعكاساً رُؤيًّا لا عوج فيه ولا أمتى، فلا إسراف في خدمة الشكل، ولا إجحاف في حق المضمون. طموح الكاتب المسلم إلى تجاوز ما قبله ومن قبله: فلا ينظر إلى الماضي والحاضر كسقف ليس ممنوعاً تجاوزه فقط، بل ومستحيلاً أيضاً، بل عليه وإن استوقفه الماضى والحاضر ألا يوقفاه ويُثْبِتَاهُ في أبهائهما وتخومها، وأن يعتقد أن الفن معطاء ولود إذا وفق في استدراجه إلى البوح بأسراره، وتمكن من فتح مغاليقه التي تتأبى على دعاة الفن الرخيص والأدب الفج والرؤيا المهلهلة. إذا نظرنا إلى ما كان عليه أدب الإسلاميين قبل ثلث قرن، وما بلغه الآن بفضل الله، ثم بفضل بعض الأقلام الجادة، إذا فعلنا ذلك فسنجد أننا قد تجاوزنا الكثير من السطحية، وحزنا حزماً من الوعي، وامتلكنا مقومات طيبة، وبدأ إبداعنا يتألق ويتألق، وإني لأبصر شباباً يكتبون على صفحات (البيان) وشقيقاتها العربيات الإسلاميات، يكتبون أدباً مبشراً وواعداً إن شاء الله. وإذا كان خطاب الصحوة الفكري قد انتزع مكانته المميزة في ساحة كادت أن تكون محجوزة للخطاب المنشق عن تجربة الأمة ومسيرتها، فإن خطاب الصحوة الأدبي مطلوب منه بإلحاح أن يساير شقيقه الفكري، ابتغاء حضور (إسلامية) متكاملة في سوح الصراع المتلاطمة التي تموج بالأفكار وتزدحم بالطروحات. والله المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2200

ملف العدد (متابعات حول نقد الدعوة الإسلامية) ملاحظات أولية على الدعوة إلى نقد الصحوة الإسلامية بقلم: جمال سلطان كنت ولا أزال أشعر بقلق كبير من ترداد الحديث عن (النقد الذاتي) أو نقد الصحوة الإسلامية، سواءً أكان هذا الحديث نابعاً من أبناء الصحوة أنفسهم أو من خصومها، على الرغم من اختلاف الوجهة والقصد والمنهج، وليس ذلك بطبيعة الحال عن قناعة بأن هذه الصحوة مبرأة من العيوب والأخطاء، وحتى الانحرافات في بعض أطرافها، وأنما يعود إلى عدد من الاعتبارات الواقعية التي لاحظتها من خلال تتبع هذه الظاهرة في الفترة الأخيرة على وجه الخصوص. الاعتبار الأول: هو شيوع هذه الموجة بشكل واضح، وهي بلا شك من جراء التأثر ببعض حاجات المناخ الثقافي العام، الذي استهوته قصة النقد الذاتي، إضافة إلى أن الضغوط المتوالية من الصحافة العلمانية والدوائر الثقافية العلمانية بشكل عام يبدو أنها أزعجت قطاعاً من الإسلاميين وألجأتهم إلى اعتراف قهري بالذنب، وضرورة (التكفير عنه) ثقافيّاً بتشريح الصحوة على الملأ. وموطن الخطر في هذا الجانب: أن زيادة الشيء عن حدّه، وتضخيمه، والإلحاح عليه: لا يؤدي عادة إلى علاج الحالة، بقدر ما يؤدي إلى انحراف مضاد، قد يتمثل في مثل حالتنا في إشاعة أجواء من الإحباط والكآبة والشعور المَرَضي بالذنب والعجز. الاعتبار الثاني: أن عملية المراجعة والتقويم والنقد، ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لتحقيق أهداف معينة، مثل ترشيد المسيرة، وبث روح جديدة تدفع بالعمل الإسلامي خطوات على الطريق القويم ... ونحو ذلك، وهذا كله يلفت نظرنا إلى أن المكان والزمان اللذين يرد فيهما (النقد الذاتي) حاسمان وفاعلان في تحقق النتائج المرجوة أو تحقيق عكسها تماماً، فإذا كنت في واقع محبط، أو محاصر، أو شديدة جراحه، أو مستعرة أجواؤه بالعداء والحرب: فإن توجيه النقد إلى أبناء هذه الأجواء يكون عملاً مدمراً وغير مسؤول؛ لأن نتيجته المباشرة هي: تقريب المسلم خطوات جديدة إلى إعلان الهزيمة: نفسيًّا، وواقعيًّا، ودع عنك موجات الفتنة التي تمور وتطحن الصف المسلم بعضه في بعض، ولعله لذلك المعنى، كان من هدي النبي الامتناع عن إقامة الحدود في الحرب. وكانت قناعتي: أن الأجواء التي تعيشها الصحوة الإسلامية الآن لا تناسب التوسع في مثل هذا الجانب النقدي، مهما كانت المبررات الثقافية جميلة وجذابة. الاعتبار الثالث: أن الأجواء الثقافية مشوشة للغاية، والهجوم العلماني، وغير العلماني، من جهات ذات مصالح في تشويه الصحوة الإسلامية قد بلغ مداه، وهذا ما يحول دون عرض قضية النقد الذاتي للصحوة على الملأ بصورة عاقلة وعملية ومأمونة؛ لأن المتربصين يأخذون الكلام على أنه اعترافات إسلامية بالخطيئة، مما يسبب تضليلاً كبيراً لدى العوام، وإذا ما حاولت الدفاع أو كشف المغالطات وجدت نفسك وسط معركة فكرية مضنية ومهدرة لجهدك، وقد كنت في غنى عنها. إن ممارسة النقد الذاتي تحتاج إلى مناخ اجتماعي وفكري قائم على الاتزان والهدوء والتعقل والحوار البناء، إلا في حالات الضرورة القصوى، وهي حالات جزئية على كل حال، ولا تتسم بالشمول أو الإطلاق. الاعتبار الرابع: أن فكرة (النقد) رغم أنها تعني تشريح القوى الذاتية والإمكانات، وجلاء إيجابياتها وسلبياتها، إلا أن مصطلح (النقد) قد انتهى في الممارسة العملية والثقافية في العالم العربي إلى معنى (مناقشة السلبيات وتصحيحها) ، وأصبح شائعاً أن تقول : فلان لا يطيق النقد، بمعنى: أنه ينزعج من مناقشة أخطائه أو سلبياته، وهذا المعنى هو الذي استقر في معظم الكتابات عن (نقد الصحوة) ، وفي هذا المناخ غاب الحديث تماماً عن (إيجابيات الصحوة) حتى أنه يكون عسيراً على أحد الشباب الإسلامي أن يعدد لك إيجابيات الصحوة إذا سألته عنها، في حين أنه يقدم لك لائحة بالسلبيات إذا سألته، وذلك لأنه تعود الاستماع إلى الكلام في الثانية دون الأولى، فأَلِفَها، ولذلك: فقد تصورت أن الحديث عن (إيجابيات الصحوة) ، والكشف عن مكامن القوة فيها، هو الأولى بالإبراز هذه الأيام، لتحقيق الموازنة النفسية والتصوريّة لدى الشباب بين سلبيات الصحوة وإيجابياتها؛ وكذلك لبلورة معنى هذه الإيجابيات، وتفسير أسبابها، وحشد الطاقات لتنميتها والبناء عليها، إضافة إلى أن ذلك سبيل عملي للرد على العلمانيين والمشوشين، ممن يرون لكل شيء في الوجود سلبيات وإيجابيات، إلا الصحوة الإسلامية، فهي الظاهرة الوحيدة التي لا يجدون لها إيجابيات أبداً، أو لا يذكرون أن لها إيجابيات. لكل هذه الاعتبارات وجدتني متحفظاً تجاه كثرة الحديث عن (نقد الصحوة) ، وإن كانت الحاجة تبقى ماسة إلى البحث عن (آلية) مناسبة لتصحيح المسار، ورتق الخروق، وسد الثغرات التي تهدر طاقات النهوض والتقدم، وفي تصوري: أن الإعلام الإسلامي يمكنه رغم كل التحفظات السابقة أن يساهم بشكل فعال في هذا التصحيح والترشيد، من خلال الكلمة والدراسة والحوار والتحقيق والندوات.. ونحو ذلك، وهي ممارسات قائمة بالفعل، ولا يخلو أحد منّا مِنْ جهد ساهم به في ذلك، على أن يكون ذلك الجهد وفق صياغة متزنة، ومعالجة رصينة وحانية، وذكاء كبير في العرض، ووفق توازن نفسي وفكري يمنع الآثار السلبية الخطرة التي قد تنتج عن هذه المعالجات وعرضها. ثم إن هناك جانباً من جوانب الصحوة، لا يخضع للاعتبارات السابقة، ولا يجوز إخفاء عواره أو تأخير بيان فساده، إلا وهو الجانب الفكري، ولا سيما ما يتصل بالعقيدة وأصول الديانة؛ فالبدعة، والغلو، والانحراف الفكري: ظواهر خطرة، لا يمكن السكوت عنها، بل إن تجاهلها والسكوت عنها يكون أخطر بكثير من عرضها للنقد والبيان والترشيد، وتبقى من وراء ذلك كله الضرورة القصوى لإشاعة مناخ الرحمة والتغافر بين الإسلاميين، وتعميق الشعور بالحاجة إلى الرفق والتريث والاتزان في معالجة مختلف قضايا الصحوة الإسلامية، سلوكاً وفكراً.

стр. 2201

المسلمون والعالم قمة شرم (الإرهاب) بقلم: د. عبد الله عمر سلطان (شرم الشيخ) .. ذلك المنتجع الوديع في سيناء اختير مكاناً لانعقاد (قمة صانعي السلام) ! والمفارقة أن هذه القمة ما كانت لتنعقد لولا أن سلام وأمن الدولة الصهيونية تعرض للخطر، وهذه الدولة المشروع ما كانت لتقوم لولا أنها رائدة الإرهاب في العالم، وأكثر دول الأرض ممارسة له ... وما (شرم الشيخ) إلا أرض لوثها الإرهاب الصهيوني دهراً قبل أن ترجع إلى أصحابها. مواطن فلسطيني ذكر لمحطة (CNN) : أن هذه القمة هي قمة الإرهاب لا قمة السلام؛ لأنها تترجم فعليًّا الإشارة المعنوية لدولة اليهود أن تمارس ما تشاء من إرهاب ضد مواطني الضفة والقطاع، بمباركة السلطة الوطنية (الفلسطسرائيلية) ! ومواطن أمريكي اتصل بالمحطة نفسها حين كانت تذيع برنامجاً عن إرهاب (حماس) متسائلاً: لماذا نستغرب أن يلجأ الفلسطيني للإرهاب والعنف وقد رأى عدوه الإسرائيلي يستخدم العنف ضده لعقود خلت، ويحقق نجاحات ما كانت لتتم لولا اللجوء إلى الإرهاب المدعوم دوليّاً ... ؟ ، مراسل محطة هيئة الإذاعة البريطانية وصف القمة بأنها: أثارت من الأسئلة والاختلافات أكثر مما حشدت من مواقف ورؤى موحدة، بل إنه اعتبرها قمة (البنادق الصوتية) و (المفرقعات الكلامية) ... القمة طرحت تساؤلات حول الفرق بين الإرهاب والجهاد المشروع، وحول تاريخ العنف المنظم في المنطقة، ومن بدأ به؟ وحول مفهوم كل دولة حضرت لمعنى كلمة (إرهاب) وما يعنيه لها، مجلة (الإيكونومست) الواسعة الانتشار طرحت الموضوع من زاوية المؤسسة اليمينية الحاكمة في أوروبا وأمريكا ... لم تخف المجلة أن الإرهاب في أصله صناعة غربية، لم يعرف إلا في عصر تفوق الرجل الأبيض واستعرضت أبرز محطاته: (في يونيو عام ١٩١٤م تقدم شاب صربي متعصب نحو عربة كانت تمر في (سراييفو) وأطلق النار على من فيها، فأردى الأرشيدوق (فرديناند) ولي عهد النمسا، وفي غضون أسابيع بدأت الحرب العالمية الأولى. وفي عام ١٩٤٠م كانت ... المقاومة الفرنسية تقتل المحتلين الألمان متى رأتهم، وأينما وجدتهم، وعام ١٩٤٤م شنت قوات (إس. إس) الألمانية عملية ثأرية في وسط فرنسا، فذبحت (٦٤٢) قرويًّا، وفي أغسطس ١٩٤٥م أسقطت القوات الجوية الأميركية أول قنبلة نووية على مدينة (هيروشيما) اليابانية، فقتلت نحو (١٩٠) ألف ياباني، كان جميعهم مدنيين تقريباً، وفي غضون أيام انتهت الحرب العالمية الثانية. لكن هل يمكن أن تلجأ الجيوش ذات الديمقراطيات العريقة إلى الإرهاب أيضاً؟ فقبل قرن، كان يمكن أن يسمي العالم الغني الهجوم على المدنيين عملاً محظوراً، لكن العالم الحديث كان يفكر بطريقة أخرى، فقد كان قصف الحلفاء لألمانيا في الحرب العالمية الثانية موجهاً لترويع المدنيين أملاً في تحطيم المعنويات، أي: إرهابهم باختصار! ، وكان قصف (طوكيو) وضرب (هيروشيما) و (ناجازاكي) بالسلاح النووي موجهين لترويع الحكومة اليابانية وليس لتخويف المدنيين.. لكن الضحايا لم يلحظوا الفرق. لكن: ما الفائدة من وضع تعريف واسع إلى حد يشمل (ستالين) والقوات الجوية الأميركية، كما قد يسأل أحدهم على ذلك؟ هناك جوابان: ففي المقام الأول: يشير هذا التعريف إلى أن الإرهاب كان من الناحية التاريخية القوي لا الضعيف، فإبّان النضال الهندي من أجل الاستقلال، كانت مجزرة (أمربتسار) أسوأ مثال على الإرهاب، عندما عمدت القوات البريطانية عام ١٩١٩م إلى إطلاق النار على اجتماع سياسي، واستمرت في ذلك حتى آخر طلقة، وكانت الحصيلة (٣٧٩) قتيلاً، وقد فعل الإرهاب فعله، فقد ساد النظام في ولاية البنجاب المتمردة. عموماً، ظهر الإرهاب الحقيقي العشوائي في الثلاثين سنة الأخيرة، كما في مجزرة محطة بولونيا، وهجمات غاز السارين في مترو أنفاق طوكيو بأيدي طائفة دينية، أو في تفجير مدينة أوكلاهوما، فالجرائم الثلاث كانت تضرب أيًّا كان، ولا هدف محدداً لها، وكل من يراها غير ذلك يكون بلا عقل صحيح. وفي هذه السنين نفسها، كان معظم عمليات الجيش الجمهوري الأيرلندي، وليس كلها، موجهاً نحو أهداف محددة، مثل رجال الشرطة والجنود والمزارعين البروتستانت في المناطق الحدودية، وكان العنف الذي تمارسة منظمة (إيتا) الانفصالية في إسبانيا على هذا النحو) . الإرهاب إذن أو ما يعرف بـ (التيرورزم) (Terrorism) بدأ مع الثورة الفرنسية، ولم يتفجر تاريخيّاً في رحم العالم الإسلامي المطارد.... عواصم الإرهاب الفظيعة خلال هذا القرن كانت: برلين النازية، وروما الفاشية، ... وموسكو الشيوعية، وطوكيو المحورية ... كانت هناك مآسٍ لا يمكن وصفها بقيادة بريطانيا وأمريكا، واسألوا (برلين) المجروحة و (هيروشيما) المحروقة بجحيم القنابل النووية ... المنصفون لا يجادلون أن الغرب استعمل القوة والعنف بشكل منظم، وتصميم مندفع لمعاقبة المدنيين، وسمى ذلك الإرهاب: (حروب تحرير) وعمليات أمنية، وإسرائيل وعصاباتها طرحت من رحم التجربة الغربية ... واستوعبتها جيداً، ثم طبقتها على أرض فلسطين، ولا يمكن أن نتجاوز هذا المدخل دون التأكيد على أن كل قادة الدولة الصهيونية متورطون شخصيًّا في عمليات إرهابية قذرة، لا يمكن أن تمر في ظل أوضاع عادلة دون عقاب..! اسمعوا (إسحاق شامير) يتباهى بتسخير الإرهاب في سبيل تحقيق حلمه اليهودي: ففي حوار جرى عام ١٩٧٧م بين رئيس وزراء إسرائيل والمؤرخ البريطاني (نيكولاس بيسيل) ، سئل عن اغتيال اللورد (موين) ، وعن تأثير هذه العملية على نجاح الحلم الصهيوني! . ورد (شامير) عليه قائلاً: (بدون أدنى شك أثرت تلك العملية في موقف الحكومة البريطانية، وساعدت على تحسين فرص النصر، تماماً كما تستفيد القضية الفلسطينية من هذه الأساليب (!) ؛ منذ عشر سنوات لم يكن الرأي العام يسمع بحقوق الشعب الفلسطيني أو بالدولة الفلسطينية، الآن هناك شبه إجماع في الولايات المتحدة والدول الأوروبية حول الحركة الفلسطينية، المطالبة بحق تقرير المصير والاستقلال، ماذا حدث من عام ١٩٦٧م حتى عام ١٩٧٧م؟ إن الحكومات في رأيي لا تعطي هذه المسائل الاهتمام الكافي إلا اذا استخدمت ضدها الأسلحة الماضية، ومن هنا: أرى أن اغتيال اللورد (موين) خدم قضية اليهود، إن إرهابنا (!) كان منظماً وموجهاً ضد الحكومات والعاملين في المواقع الرسمية، بينما انحصر الإرهاب الفلسطيني في الأهداف المدنية) ! . واعترض المؤرخ (بيسيل) على هذا التفسير، وقال إن التجاوزات لامست بالأذى المدنيين أيضاً، بدليل ما فعلته منظمة (أرجون) التي أعلنت مسؤوليتها عن نسف فندق الملك داود (حزيران/يونيو١٩٤٦م) . وقال (شامير) : إن الفندق كان يضم مقر القيادة العامة للقوات البريطانية في فلسطين. أجابه (بيسيل) : ولكن حصيلة الضحايا من المدنيين كانت مروعة جدًّا؛ الأمر الذي اضطر عصابة (الهاجانا) للانسحاب من حركة المقاومة الموحدة! واستمرت هذه المناظرة وقتاً طويلاً؛ لتبين في نهاية الأمر: أنه من الصعب جدًّا رسم خط فاصل بين الإرهاب والمقاومة الوطنية ... بين استهداف العسكريين والمسؤولين وبين ضرورة المحافظة على سلامة المدنيين العزل والأبرياء، كما تبين أيضاً من سياق الأحداث التاريخية: أن الإرهاب السياسي المنظم كان أمضى أسلحة العنف التي استخدمتها الصهيونية لإخراج الفلسطينيين من بلادهم.

стр. 2202

المسلمون والعالم المسلمون في أوغندا.. تاريخ وتحديات (٢) بقلم: زياد صالح لوبانغا تمهيد: تطرق الكاتب في العدد الماضي إلى التعريف بجغرافية أوغندا واستعمارها واستقلالها ودخول الإسلام فيها عن طريق محورين، ثم تحدث عن مراحل انتشار الثقافة الإسلامية فيها وبعض التحديات التي واجهها المسلمون، وتناول المرحلة الأولى التي بدأت من دخول الإسلام سنة (١٢٦٠هـ - ١٨٤٢م) إلى (١٣٩١هـ - ١٩٧١م) . وفي هذه الحلقة -وهي الأخيرة- يتابع الكاتب ذكر مراحل وتحديات أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - الثقافة الإسلامية وتحدياتها في المرحلة الثانية: من سنة (١٣٩١هـ-١٩٧١م) إلى (١٣٩٩هـ -١٩٧٩م) على الرغم من قصر هذه المرحلة من تاريخ الثقافة الإسلامية في أوغندا، إلا أنها ذات أهمية بالغة، ونقطة تحول من الركود والجمود، إلى الحركة والنهوض، فهي الفترة الوحيدة التي ترأس فيها قائد مسلم دولة أوغندا بعد استقلالها، وهذا الرئيس هو (عيدي أمين) ، ويعتبر عهده من أفضل العهود انتعاشاً للحركة الإسلامية في أوغندا، فقد كان المسلمون يعيشون حياة تشتت وتمزق، وكانوا شيعاً وأحزاباً، يتنازعون في (المسائل الكبرى والصغرى) ، وقد اشتهر من تلك الأحزاب خمسة: ... ١- جمعية (بوكتو) ، وكانت أشد تمسكاً بالتقويم الشهري في صيام رمضان والعيدين، سواء أوافق رؤية الهلال أم خالفها. ٢- جمعية (الجمعة مع الظهر) ، وهذه أصرت على الجمع بين صلاة الجمعة والظهر في آن واحد. ٣- جمعية (اتحاد مسلمي أوغندا) ، وكانت ترى تقديم الأسن أو الأسبق إلى الإسلام للسلطة الدينية. ٤- جمعية (نَعَمْ) وكانت ترى تقديم المتعلم والمثقف للسلطة الدينية. ٥- جمعية (كلجاتا) ، وكانت ترى معارضة البدع التي وقع فيها المسلمون في أوغندا [١] . عمل هذا الرئيس على توحيد تلك الجمعيات المتصارعة، وإزالة الشقاق والنزاع بينها، فكان من ثمرات جهوده ما يلي: أ- توحيد الشعائر الإسلامية، التي امتد إليها الخلاف والنزاع، وكان كل حزب بما لديهم فرحون، فهؤلاء يصومون شهر رمضان بالرؤية، وأولئك يصومونه بالحساب والتقويم، فتم توحيدهم جميعاً على دخول رمضان في يوم واحد، وكذا خروجه، وكان يُعلَن في الوسائل الإعلامية بدخول الشهر وخروجه، وبداية الحج ونهايته، وعليه جرت العادة إلى يومنا هذا. ب- إنشاء المجلس الأعلى الإسلامي، الذي يجمع كل المسلمين في البلاد كافة، ووكل هذا المجلس بتنظيم شؤون المسلمين الدينية، ونشر الدعوة والإرشاد، وتوظيف الدعاة، ورعاية الأيتام والمعاقين، وتدبير الأحوال المدنية: من زواج وطلاق وفسخ وظهار وخلع ... ونحو ذلك، كما أنه كان موكلاً برعاية الزكاة والصدقات والأوقاف، والإشراف على المناهج والتعليم في المدارس الإسلامية الأهلية. ج- طرد المذاهب والفرق المنشقة عن الإسلام: كالقاديانية، والإسماعيلية، وعدم السماح لها بالتسجيل كفرقة أو جمعية مستقلة. د- الاهتمام بإنشاء المساجد والجوامع، والمعاهد، وتشجيع المؤسسات والهيئات الإسلامية بمزاولة نشاطاتها الخيرية والثقافية والإنمائية، وكذلك: فتح أبواب المنح لالتحاق الطلاب بالجامعات الإسلامية في الخارج، لينهلوا منها العلوم الشرعية الصحيحة، التي يحتاجها المسلمون في أوغندا، لاسيما وأن هذا الرئيس سعى -بجهوده الخاصة- في تسجيل دولته ضمن الدول الإسلامية، رغم قلة النسبة المئوية للمسلمين فيها، وربما كان يفكر في تطبيق شريعة الله مستقبلاً! وهذا ما جعله يطرح في مؤتمرات الدول الإسلامية فكرة إنشاء جامعة إسلامية في أوغندا، تزود الدولة بالبحوث والدراسات الأساسية في هذا المشروع الكبير. [٢] تحديات المرحلة الثانية: أخذت التحديات في هذه المرحلة أيضاً شكلين بارزين: التحديات الداخلية: لقد ظل أكثر المسلمين رغم تزايد عددهم في هذا العهد جهالاً في أمور دينهم وعقيدتهم، حيث إن البدع التي خلفها العهد السابق كانت باقية في عقبهم، فقد كانت البدع الدينية منتشرة، ومنها: الموالد النبوية التي تقام هنا وهناك بإشراف المجلس الأعلى الإسلامي، وعلى نفقات الدولة نفسها، كما أن علماء السحر والتنجيم ارتقوا المناصب العليا في المجلس الأعلى الإسلامي، وفي التوعية الدينية العامة، سواء على مستوى الضباط في الجيش، أو الإداريين، أو عامة الناس، فهؤلاء لم يستطيعوا أن يعطوا للثقافة الإسلامية صورتها الحقيقية، كما يأملها كل مسلم، ويشهد لفضلها كل عدو منصف. التحديات الخارجية: وأعني بها نشاط المسيحيين بالدرجة الأولى، سواء المواطنين أو الأجانب الذين كانوا يدعمون التنصير والتبشير، وهذا التحدي كان قد قوي في المرحلة الأولى، وتكاملت عدته في عهد الاحتلال البريطاني، الذي مكنه من جميع وسائل الحياة، ليضمن له السيطرة على مقاليد البلاد والعباد، بل إن الدستور الذي وضعه المستعمرون تنص مواده على أن يكون رئيس الوزراء، ووزراء الخزانة والمالية، والعدل، من المسيحيين [٣] . وبالفعل فإن أصحاب هذه المناصب في تلك المرحلة، سرعان ما انقلبوا على الحاكم، وضحوا بجاههم ومناصبهم لإسقاطه، وهو ما حدث بالفعل في سنة (١٣٩٩هـ ١٩٧٩م) . وهكذا انتهت هذه الفترة بتحالف النصارى في الداخل والخارج ضد (عيدي أمين) ، وأصبح المسلمون هدفَهم الأول، يفعلون بهم كل ما بدى لهم، لأن رقابهم وبلادهم أصبحت تركة سهلة في أيديهم. الثقافة الإسلامية في أوغندا في المرحلة الثالثة: (١٩٧٩م ١٩٩٦م) والتحديات المواجهة لها: تعتبر هذه المرحلة سلسلة من الانقلابات الحكومية، التي لم يعد للمسلمين فيها دورهم القيادي، وهي على كثرتها ترمي إلى إبعادهم عن مراكز النفوذ والريادة؛ فمنذ أن أطيح بالرئيس السابق (عيدي أمين) ، كان الهدف الأساس هو القضاء على الإسلام، وإبادة أكبر عدد ممكن من أبنائه، فقد راح ضحية الحروب الأهلية أعداد غفيرة من المسلمين في مدينة أميرارا، وفي العاصمة كمبالا، وغيرها من الأماكن، كما شردت أعداد أخرى منهم إلى السودان وزائير، ثم تداول عدد من الرؤساء السلطة حتى استقر في النهاية لآخر رؤساء أوغندا بعد عدة انقلابات، وهو (يويري موسوفيني) الذي جاء بانقلاب عسكري سنة ١٩٨٦م. أما الثقافة الإسلامية في هذه المرحلة، فإن تلك التغيرات السياسية التي مرت بأوغندا، لم تستطع القضاء عليها، لأنها أصبحت تستعصي على الاضمحلال والذوبان، ولكنها أثرت عليها، بأن قللت من حركتها ونشاطاتها، وأقصت عدداً كبيراً من أعضائها عن مناصبهم، أمثال: ١- عباس موانا (مدير عام البنك الأهلي التجاري الأوغندي) . ٢- عيسى خليفة لكواغو (نائب المدير العام للبنك الوطني الأوغندي) . ٣- السيد/ جَمَادى لوزيندا (السكرتير الدائم لوزارة التربية والتعليم) . ٤- رمضان وسيكي (السكرتير الدائم لوزارة التجارة) . ٥- أحمد انسريكو (السكرتير العام لإدارة جامعة ماكريري) . وغيرهم كثير مما لا يتسع المقام لذكرهم [٤] . وبما أن هذه المرحلة بمثابة إصلاح ما دمرته الحرب، وإعادة تنظيم من شتتته من أبناء الأمة الإسلامية، وبناء هيكلهم الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي ونحوه، فثمة جهود مشتركة بين المسلمين المواطنين وغيرهم تبذل في عملية البناء، ولا سيما أن هذه المرحلة تفيض بالكوادر العلمية والثقافية، التي نهلت العلوم الإسلامية والعصرية في مختلف الجامعات، ورجعت لتبلغ رسالتها، وتؤدي واجبها نحو دينها وشعوبها، وقد نظمت جهودها في صورة هيئات وجمعيات، يمكن تصنيفها كالآتي: ١- الجمعيات المحلية: وهي التي تكونت داخل أوغندا، وسجلت نفسها رسميًّا بموافقة الحكومة، وبتوصية المجلس الأعلى الإسلامي الذي يعد مظلة وارفة لسائر الجمعيات المحلية، ومن بين تلك الجمعيات ما يلي: أ - جمعية الدعوة السلفية ب- جمعية الثقافة الإسلامية. ج- جمعية التوحيد الإسلامية. د - ندوة الشباب الإسلامي الأوغندي. هـ - جمعية اتحاد طلبة جامعة ماكريري. وجمعية النساء المسلمات في أوغندا. هذا، وللمسلمين في وعيهم الثقافي إلمامٌ بالإنجيل، إذ أسلم عدد كبير عن طريق معرفة هذا الكتاب، ولذلك كونوا ثلاث جمعيات: أ - جمعية الدعوة للشباب المسلم، ويرأسها عبد الله كييصوا. ب- جمعية الدعوة لمسلمي أوغندا، ويرأسها هلال سعيد. ج - جمعية اتحاد الشباب المسلم، ويرأسها إدريس كزغو. إضافة إلى أن هناك جمعيات أخرى غير مسجلة، أو لم نتذكرها إبان إعداد هذه المقالة. ٢- الهيئات الخارجية: وهي التي أتت من خارج أوغندا، وفتحت مكاتبها فيها، لتساهم في نشر الثقافة والمعرفة، وتدعم الدعاة، وترعى الأيتام، وتشيد المساجد، وتبني المدارس والمستشفيات، وتحفر الآبار، وتساعد ذوي الحاجات والمساكين، وغير ذلك من أعمالها الخيرية، نسأل الله أن يبارك في جهودها، وهذه الهيئات هي: أ - رابطة العالم الإسلامي. ب- هيئة الإغاثة العالمية، وهي تابعة للأولى. ج - لجنة مسلمي إفريقيا. د - جمعية الدعوة الإسلامية العالمية. هـ - الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية. و المنتدى الإسلامي. ز - منظمة الدعوة الإسلامية. ح - لجنة إفريقيا. ط - الجامعة الإسلامية في أوغندا، التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي [٥] ... وغير ذلك من الهيئات الخارجية التي لها مساهمة ونشاط خيري ملحوظ، وإن لم يكن لها مكتب في أوغندا. تحديات المرحلة الثالثة: وهي أيضاً اتخذت نمطين: ١- الصراع على السلطة الدينية: وهذا الصراع ظهر في المرحلة الأولى، واختفى في المرحلة الثانية، وعاد من جديد في المرحلة الثالثة، وذلك بتأثير عاملين أساسين: أ - تنازع المسلمين أنفسهم، واختلافهم فيمن يرونه أهلاً للزعامة الدينية، أيقدمون لها من هو أكثرهم علماً، أم أشدهم ورعاً، أم أقدمهم سنًّا، أم أقواهم جاهاً وشرفاً! ؟ وعلى أي حال، فإن للاختلاف القبلي دوراً في هذا الصراع، إذ كل قبيلة تريد الوصول إليها، لتكون صاحبة الكلمة والنفوذ. وساعد على ذلك: تدخل الحكومات المحلية في ذلك الصراع، لا بنية حسمه وإنهائه، ولكن لتعميقه وترسيخه، حتى لا تكون للمسلمين قوة اتحادية، تقدر على زعزعة الحكومة، أو تقوم بأي مواجهة ضدها، وهذا ما شهدته السنوات الخمس الأولى من بداية هذه المرحلة، حيث كان هناك مجلسان إسلاميان معروفان لدى الحكومة، أولهما برئاسة الشيخ / عبده عبيد كامليغيا، والآخر برئاسة الشيخ/ قاسم مولومبا [٦] ، وقد سعت رابطة العالم الإسلامي في عام ١٩٨٦م لإنهاء الصراع بين المجلسين، وإدماج بعضهما في بعض، ثم رجعت الكرة من جديد، حين سعت الحكومة الحالية سنة ١٩٩٠م لإيجاد مجلسين إسلاميين، أولهما برئاسة الشيخ/ سعد إبراهيم لويمبا، والثاني برئاسة الشيخ/ حسين رجب كاكوزا، ولا زالا قائمين حتى الآن، وقد انشق عنهما مجلس ثالث بتدبير من الحكومة نفسها، أوهمت به المسلمين أنها تريد بذلك توحيد المجلسين، حتى يكون المسلمون تحت مجلس واحد، ولكن لم تلغ المجلسين السابقين حتى تتم لها الموافقة بين ما تقول وما تفعل، هذا وقد انسحب المجلس الذي يرأسه الشيخ/ حسين رجب كاكوزا، وبقي الأول الذي يرأسه الشيخ/ سعد إبراهيم لويمبا، والجديد الذي يرأسه الشيخ/ أحمد جمعة موكاسا، وبينهما خلاف شديد، لكسب الأتباع والمؤيدين.. والله المستعان. ب- الجهل وقلة العلم: هذا على الرغم من انتشار المعاهد والمدارس الإسلامية، وفتح جامعة إسلامية في أوغندا، إلا أن الجهل بالإسلام وثقافته لم يزل متفشياً في كثير من أبناء المسلمين، ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة، منها: كون التعليم بالرسوم، سواء في المدارس الأهلية التي يملكها المسلمون، أو الحكومية التي تملكها الدولة، وهذا الأمر وقف حاجزاً دون تعليم المسلمين من قبل، لأن الذي يقدر على دفع الرسوم في هذا العام، قد يعجز عنه في العام القادم، لعدم وجود المال عنده، وهذه الرسوم في تضاعف وازدياد مستمر، فمن كان هذا شأنه: فسوف يكون خطراً على الثقافة الإسلامية، إذ يظل جاهلاً حتى بأبسط أمور دينه، بل كيف يؤدي العبادات دون معرفتها وفهم روحها وحقيقتها، وتصور معناها ومقصدها، وقد شاهدنا الكثير منهم لا يصوم رمضان كله أو بعضه، بحجة أنه لا يجد طعاماً جيداً يفطر به، أو أن له أولاداً وذرية، إذا صاموا يغنيه صيامهم عن نفسه. انحصار التعليم في منطقة دون أخرى، صحيح أن المدارس الإسلامية اليوم تربو على مئة مدرسة بما فيها المعاهد [٧] ولكن بعضها محصور في منطقة دون أخرى، أو في العاصمة وما جاورها، مع أن المسلمين الموجودين في المناطق الأخرى أعدادهم هائلة، وهذا الأمر ينبغي أن تفطن له الجمعيات والهيئات العاملة في أوغندا، التي عزمت أن تنشر الثقافة في البلاد، لأن هذه الأعداد لا يمكن أن تنتقل كلها إلى المناطق التي يوجد فيها تلك المدارس، ونلفت النظر إلى أن البنات المسلمات في أوغندا يفقدن التعليم الإسلامي، إذ لا يوجد لهن مدارس خاصة بهن، وحتى اللاتي يجتمعن مع البنين في مدرسة واحدة، أقل بكثير ممن يبقين في بيوت آبائهن، وتلك مشكلة تتطلب حلاّ سريعاً، ينقذهن من شر الأمية [٨] التي بقين فيها سنين عدداً. البدع والخرافات التي أشرنا إليها في المرحلة الأولى، سواء التي وقعت في الاعتقاد أو في العمل، وهي إن كانت اليوم محصورة في الشيوخ الكبار في السن، ولكنها تتنافى مع الدين وثقافته، وما هؤلاء الشيوخ إلا جزءٌ من المسلمين، الذين لهم تأثير ملحوظ في الأجيال القادمة، بحكم مكانتهم وتجاربهم في الحياة. ٢- التحديات الخارجية: وهذه سأوجزها في تيارين: أ - المذاهب الهدامة المنشقة عن الإسلام، ويمثلها مذهبان: - المذهب القادياني: وقد رجع إلى الساحة الأوغندية، فور سقوط الرئيس (عيدي أمين) سنة ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م أو التي تليها، وله توغل كبير في بعض الشباب الذين تعلموا في الخارج -لا سيما في الغرب- وبعض حاملي الشهادات الحكومية المحلية. - المذهب الشيعي: وقد رجع هذا سنة ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م تقريباً، وقد اكتسح محافظة بأكملها في منطقة (إيغانغا) ، ولا يزال في انتشار مستمر بحكم إمكاناته المادية الهائلة، وقد أسس مركزاً كبيراً في قرية (كافولي) لم يسبق له مثيل في أوغندا، لينفث فيه منهجه وآراءه المخالفه للإسلام وثقافته وحضارته، ومع الأسف الشديد تجد الناس الجهال، يأتون إليه مذعنين، لحاجتهم إلى المال. ب- التنصير المسيحي: لا يزال التنصير في أوغندا، وفي كل بلد إفريقي، على رأس التحديات للإسلام وثقافته في الوقت الحاضر، ذلك أنه منذ عهد الاحتلال مُكّنَ من وسائل العيش والحياة؛ للوقوف ضد الإسلام والمسلمين. هذا وقد ذكرت هذه التحديات ليس من باب تثبيط همة المسلمين، أو بث الرعب في قلوبهم، وإنما لإحاطتهم بطبيعة التحديات التي يواجهونها، وإطلاعهم على حجم الداء، حتى يبحثوا عن الدواء المناسب، وما عليهم إلا أن يضاعفوا الجهود في محاربة تلك التيارات ومواجهتها؛ لما في ذلك من قتل لأطماعهم، وكفاية الناس من شرها، حيث إن غايتها صراع مع القيم الإنسانية، وهدم لكل ثقافة نافعة، وحضارة راقية. وهنا أقترح بعضاً من الأمور: ١- العناية بنشر العقيدة الإسلامية الصحيحة، والمستقاة من الكتاب والسنة، ومن سيرة الصحابة (رضوان الله عليهم) ؛ لأن هذه الأمة بأسرها، لا نصيب لها في الحياة بدونها. ٢- الاهتمام بالأسر المسلمة في تكوينها، والمحافظة عليها، كأساس وركيزة للمجتمع الإسلامي المنشود، وذلك عن طريق العناية بالثقافة والتربية الصالحة، والقدوة الحسنة في كل شؤون الحياة، داخل المنزل وخارجه. ٣- تكوين كوادر مسلمة، كفريق عمل من المتخصصين في علوم التربية والتعليم، لإيجاد منهج موحد للتعليم والتثقيف الإسلامي في أوغندا، ويتم ذلك بالتعاون مع الجامعات الإسلامية والمؤسسات العلمية الأخرى ذات التجربة والخبرة الطويلة في هذا المجال، وذلك للحفاظ على الهوية الإسلامية، وعصمتها من هجمات التشويه والتشنيع. ٤- التنسيق فيما بين الجمعيات والهيئات الإسلامية (المحلية والدولية) لمواجهة الأخطار المشتركة، وسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الأعداء والحاقدون. ٥- نشر الكتب، وتوزيع النشرات بلغات مختلفة سائدة بين أبناء الشعب الأوغندي حتى يتمكنوا من فهم الإسلام فهماً صحيحاً جيداً، وإدراك مفاهيمه وتعاليمه البناءة. ٦- ضرورة تبني الدعاة والمعلمين، وتزويدهم بكافة وسائل النشر والتأليف الممكنة، وتبسيط مفاهيم مؤلفاتهم، وجعلها في كتيبات ونشرات مسلسلة، بعناوين مختصرة. ٧- إيجاد دراسات ميدانية عن الحركات والتيارات المناوئة للإسلام، وتزويد العاملين في الحقل الثقافي والتربوي والدعوي بها ليتمكنوا من صد هجماتها، وإبطال كيدها ومكرها، وإفشال خططها وتدابيرها.

стр. 2203

في دائرة الضوء محاور علمنة الإسلام .. نظرات في الأساليب الجديدة لغزو الإسلام بقلم: د. محمد يحيى من الأساليب التي اتبعت في الفترة الأخيرة لمحاربة الإسلام من الناحية الفكرية، ما يمكن أن يسمى بعلمنة الإسلام، أي: تجريده من الطابع (المقدس) - كما يطلق عليه العلمانيون- ونزع أي روابط تصله بالوحي الإلهي المنزل ثابت الصياغة والتحقق، وقد راجت في السنوات الأخيرة في بعض الدوائر الفكرية العلمانية مقولة تزعم أن (الإسلام دين علماني بالطبع) ، وتبرر هذه المقولة أمام الجمهور المسلم بأنها تعني: أن الإسلام دين يتناول شؤون الحياة ويغطيها، ولا ينعزل عنها، وهو تصور ينسجم مع المفهوم العام حول الإسلام، ولكن تختلف الصورة عندما يبدأ الكتاب العلمانيون في شرح وتوضيح أبعاد هذه المقولة؛ وهنا تتجلى ظاهرة علمنة الإسلام في إحدى أهم صورها، فالمعنى المتضمن في مقولة: (إن الإسلام دين علماني) هو: أن الإسلام غير محدد الملامح والقسمات، وأنه قابل للتغير والتشكل وفق الظروف والأحوال الجغرافية والتاريخية، وأنه في الواقع يترك مساحات واسعة من الشؤون الحياتية مفتوحة لكل اجتهاد ورأي أيًّا كان طالما أنه يحقق (المصلحة) ، وهي بدورها فكرة مبهمة، وإن تحددت أبعادها في الفكر العلماني بشكل مادي واضح، يقصرها على النواحي الاقتصادية أو القيمية المشابهة لقيم الغرب، وهكذا فإن المقولة التي تبدو في ظاهرها وكأنها تتوافق مع الأصل الإسلامي الذي يربط بين الدين والدنيا، فإنها في الواقع ترمي لتأسيس فصل الدين عن الحياة من خلال تمييع الإسلام نفسه، وتقليص مساحته، ورده إلى مجرد كيان هلامي شفاف أقرب إلى العدم، يتشكل مع كل ظرف وحال حتى لا يكاد يكون له وجود مستقل أو مميز أو هوية، وهذه المقولة تصل إلى علمنة الإسلام، أي: تجريده من القداسة والصلة بالوحي الإلهي من خلال هذا الرد والانكماش والميوعة التي تفرض عليه. والحق أن أصحاب مقولة: (إن الإسلام دين علماني) يكشفون مراميهم مهما حاولوا خداع القارئ بأنهم: إنما يطورون المبدأ القائل: بأن الإسلام دين ودولة، أو دين وحياة، وأول ما يكشفهم هو ذلك الاستخدام الشاذ الذي يلحّون عليه لكلمة (علماني) ، إن هذا المصطلح أصبح يحمل الآن دلالات ومعاني مستقرة تفيد: فصل الدين عن شؤون الحياة، أو تشير إلى شؤون الحياة وقد فصلت وعزلت عن أي تأثير ديني؛ لذا: فإن الإصرار على استخدام هذه الكلمة في هذا السياق بالذات لِتَعْني: مجرد الحياة، يحمل تناقضاً صارخاً؛ لأن المقولة تجمع في طرفيها بين الدين (الإسلام) وضد الدين (أي: العلمانية) ، ولا بد في هذه الحالة أن يلغي أحدهما الآخر. ويتساءل المرء: لماذا لم يُستَخْدم لفظ (الحياة) -بمثلاً- بدل (العلماني) لو كانت النوايا حسنة؟ ! فكيف يكون الإسلام دين علماني إذا كانت العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة أو تسيير شؤونها، ولا تعني مجرد (الحياة) كما قد توحي المقولة في ظاهرها؟ وكيف يمكن أن يوصف الإسلام بأنه دين علماني دون أن يعني ذلك بالضرورة القول: إن الإسلام دين يلغي نفسه بنفسه؟ ، ولا داعي للاستمرار في توضيح التناقضات الكامنة في هذه المقولة؛ لأنها في النهاية مجرد شعار براق يلفت النظر بالجمع بين الإسلام والعلمانية، بحجة أنه يلغي التناقض المعروف بينهما، لكنه في الحقيقة والفعل وبعد توضيح مضامينه يؤكد على هذا التناقض ويثبته؛ حيث يجعل علمانية الإسلام المزعومة تتلخص في أن الإسلام ليس له قوام أو كيان أو هوية مميزة تفرض على الحياة وتسيرها، بل هو خاضع للتشكل إلى حد أن يلغي ويعزل وجوده، وهذه هي العلمانية في جوهرها. إن مقولة الإسلام بوصفه ديناً علمانيًّا لا تفيد تكريم الإسلام وتوكيده كما قد يُظن، بل على العكس: تلغيه لصالح تأكيد العلمانية. وهذه المقولة تفيد مع ذلك في تحديد ملامح عملية علمنة الإسلام التي أشرنا إليها؛ فجوهر هذه العملية الفكرية المعقدة هو إفراغ منتظم لكل المبادئ والقيم والمفاهيم الإسلامية من مضامينها الثابتة والمستقرة (بحجة محاربة الجمود ... و (الثبوتية) كما يطلقون عليها) ، ثم إعادة ملئها بمضامين علمانية متغربة تناقض معناها، أو تركها خاوية مائعة لتتخذ بعد ذلك شتى المضامين. هذا هو جوهر هذه العملية التي اتخذت من مقولة (الإسلام دين علماني) أحد شعاراتها، ونجد مظاهر هذه العملية المتنوعة في تحركات وطروحات فكرية مختلفة يُروّج لها على الساحة؛ فمفهوم الاجتهاد مثلاً تحول عن معناه الإسلامي ليصبح في الكتابات العلمانية أداة لتطويع أحكام الإسلام الشرعية لتتناسب وتتوافق مع التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الغربية العلمانية الطابع. وهكذا سمعنا الفتاوى تترى من هنا وهناك؛ لتقدم (اجتهادات) وصفت بالإسلامية، تحلل زواج المسلمة بالمسيحي واليهودي، وتحرم تعدد الزوجات والطلاق، وتبارك مصادرة أراضي وأملاك الأوقاف الإسلامية.. وغير ذلك، أما مفهوم صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، فقد تحول إلى القول بميوعة وهلامية الأحكام الإسلامية ومحدوديتها إلى حد أنها قابلة للتواؤم مع كل وضع وظرف؛ فالإسلام صالح لكل مكان وزمان وبيئة، ليس كما يفهم المسلمون (لأن أحكامه تناسب الفطرة البشرية، ولا تقيدها بقيود تخالف طبيعتها) ، بل لأن هذه الأحكام كمادة الأثير الأسطورية التي كانت حسب التصور توجد في كل مكان ولا توجد في مكان؛ فإنها شفافة لا يتبين وجودها. وقائمة المفاهيم والمبادئ الإسلامية التي خضعت لعملية العلمنة طويلة، ويكفي أن نذكر مثلاً: أن مقولة (تغير الفتوى بتغير الظروف) التي تعني ببساطة أن المتصدي للإفتاء ينبغي أن يحسن تبين جوانب المسألة المعروضة عليه مع ثبات الحكم الذي يتنزل عليها، بحيث تتغير هذه الفتوى (وليس الحكم الشرعي) إذا تغير أحد أو بعض جوانب الظروف والملابسات المحيطة بالمسألة مما ينقلها من الوقوع تحت حكم معين إلى الوقوع تحت حكم آخر، تحولت هذه المقولة الفقهية المعروفة عند الكتاب العلمانيين لتعني تغير الأحكام الشرعية نفسها وتبدلها وتحورها مع تبدل الأزمنة والأوضاع، بحيث تصبح الشريعة تابعاً وليس قائداً لمجريات الأحداث والزمن، ومن هذا المدخل جرى تبرير مبدأ (التاريخية) و (النسبية) الذي يطبقه نفر من الكتاب العلمانيين الآن على قضايا الشريعة، بل والعقيدة الإسلامية ذاتها؛ فهم يذهبون إلى أن الأحكام الشرعية والقضايا العقدية ليست سوى أوضاع بشرية المنشأ، يجب أن تتغير بعد زوال الأحوال والظروف التاريخية التي وضعت فيها، وأنها لا تنطبق إلا على هذه الأوضاع الأصلية، ولا تصلح إلا لها، بحيث لا يمكن إجراؤها في الظروف القائمة، وهي جد مختلفة وبعيدة عن الأصل الغابر! كل هذه الأفكار يخرجون بها ويبررونها ويتأولونها من مقولة: (تغير الفتوى بتغير الظرف) بعد أن يجروا عليها عملية العلمنة. وإذا كانت هذه المظاهر من العلمنة دقيقة ومتسمة بالطابع الفكري العميق أو الذي يبدو كذلك: فإن هناك مظاهر أخرى أكثر وضوحاً، ومنها: تذويب معالم الإسلام في قسمات الأديان والتآلف بين الأيديولوجيات والأفكار المختلفة.. إن هذه الدعاوى تتردد الآن من منابر دولية متعددة سواء أكانت هيئات ووكالات الأمم المتحدة، أو المنظمات الكنسية العالمية، أو وسائل الإعلام عابرة القارات، وظاهر هذه الدعوات هو نشر السلام والمحبة والوئام، ونزع أسباب الحروب والصراعات، ومحاربة دعاوى التعصب والتطرف.. لكن جوهرها الحقيقي هو التمييع والإذابة والتداخل إلى حد الإلغاء، وعملية التذويب هذه المروّج لها تحت اسم (التعددية) لن تطال الثقافات القوية (ونقصد بالقوية تلك التي تسندها دول قوية الجيوش ومدعمة بالمال) ، بل ستطال وتؤثر على الثقافات الضعيفة التي لا تساندها دول قوية ولا اقتصاد قوي؛ لذا: فإن دعوى (التعددية) تخفي وراء مظهر التسامح والرحابة الفكرية البراق دعوةً عنصرية لفرض ثقافات وقيم وتوجهات الغرب على الثقافات الأخرى، وبالذات على الإسلام بوصفه ديناً وعقيدة وثقافة. وبجانب ذلك: فإن دعوة (التعددية) تسوي بين جميع الأطراف الداخلة فيها، فلا يصبح هناك حق وباطل، أو جيد ورديء، أو أعلى وأدنى، بل الكل سواء طالما أنه دخل في سياق (التعددية) ، فلا يوجد فرق بين بوذي، وهندوسي، وشنتوي، وبهائي، وقادياني، ويهودي، ومسيحي، وزرادشتي ... ومسلم؛ لأن الجميع أديان وعقائد داخلة في (التعددية) ، فليس لأحد منها فضل على الآخر أو الحق في القول: بأنه دين الحق. والمحصلة النهائية مرة أخرى هي علمنة الإسلام، أي: نزع القداسة والمنزلة الإلهية عنه، وتحويله إلى نِحلة بشرية الوضع تضاف إلى النّحَل البشرية الوضع أو (العلمانية) ! إن الأسلوب القديم الذي اتبعته التيارات العلمانية المتغربة في مواجهة الإسلام لم يعد يجدي في ظل الصحوة الإسلامية التي عرفتها السنوات والعقود الأخيرة، لذا: تحتم تغيير زاوية الاقتراب إلى الهجوم، فبدلاً من تنحية الإسلام وإبعاده قسراً عن كل شؤون الحياة من سياسية واجتماعية واقتصادية (وهو مع ذلك مدخل ما يزال متبعاً في بلدان عديدة) بدأ التوجه إلى غزو الإسلام من داخله والإبقاء على الهيكل الخارجي العام مع تفريغه وتخريبه من الداخل، ثم إعادة الملء حيثما أمكن بالقيم العلمانية بعد عملية واسعة من إعادة التفسير والتأويل -كما تسمى-، ولقد عُرفت هذه العملية في بداياتها بأسماء عدة: كالتحديث، والعصرية (الغربية) ... وما أشبه ذلك من المصطلحات الخداعة. وفي الفترة الأخيرة جاء شعار: (الإسلام دين علماني) ، وتبعته مقولات إعادة قراءة التراث وإعادة تأويله وتفسيره، ثم دعاوى تاريخية الإسلام، و (نسبية الشريعة) ، وعلى الرغم من الاختلاف بين هذه المسميات والمصطلحات (وهو اختلاف قد يكون كبيراً وذا مغزى في بعض الأحيان) ، إلا أنها تشترك في أنها أدوات متعددة لخدمة العملية الأكبر، وهي: عملية علمنة الإسلام. والواقع أن فرض العلمنة على العقائد والأديان هي عملية عرفتها المسيحية في الغرب بدءاً من القرن الثامن عشر الميلادي، كما عرفتها اليهودية فيما يُزعم من القرن التاسع عشر الميلادي، ولكن هناك فارقاً واضحاً بين هذه الأديان والإسلام؛ فليس في المسيحية بوضعها المعروف شريعة تذكر، وقد تشكلت عقائدها الكبرى من التثليث والحلول والصلب على مدى تاريخي طويل؛ بما سمح بإعادة تفسيرها أو تحويرها في العديد من المذاهب النصرانية المعاصرة؛ لأنها على أي حال كانت وضعاً بشريًّا بحتاً كما يقر الجميع، مما لا تضار معه من فرض المداخل التأويلية والتاريخية العلمانية عليها، أما بالنسبة لليهودية: فإن العلمنة التي فرضت على شريعتها جرت في الواقع لمصلحة الدعوة الصهيونية القومية المتعصبة الجامحة، بحيث كان التخفف من بعض قيود الشريعة عندهم بالعلمنة حافزاً قويًّا لبعض الاتجاهات اليهودية في الغرب أن تنضم لحركة اليهودية الصهيونية العالمية وتقويها، ومن هنا: كانت العلمنة مصدر قوة، وليست مصدر ضعف، لا سيما وأن العلمنة التي فرضت على الشريعة اليهودية لم تفرض إلا على أقسام محددة منها، كما أنها لم تفرض على جميع اليهود، بل على قطاعات معينة ومحددة كذلك في أوروبا، وبالمثل: لم تضر العلمنة المسيحية؛ لأنها لم يكن لديها أصلاً شيء تخسره للعلمانية. كذلك الحال يختلف بالنسبة للإسلام؛ لأن العلمنة تُفرض عليه بالكامل، وعلى نطاق واسع يشمل الشريعة والعقيدة والقيم، كما أنها تفرض على نطاق الأمة بأسرها وعلى كل قطاعات المجتمع المسلم، وفوق ذلك: فإن هناك فارقاً جوهريًّا خطيراً، فالعلمنة عندما زُوجت بالمسيحية واليهودية كان مقصوداً منها أن تقوي هذه الأديان وتجعلها تصمد في وجه التطورات الفكرية والاجتماعية الحديثة في أوروبا منذ القرن الثامن عشر الميلادي، لا سيما وأن هذين الدينين يتقبلان تماماً دخول العلمانية عليهما بالكيفية التي أشرنا إليها، أما في حالة الإسلام: فإن إدخال العلمنة وعلى عكس الشعارات المرفوعة كان يهدف وبوضوح وسفور إلى ضرب الإسلام، وتذويب هويته، وتمييع قوامه، وزعزعة عقيدته وشريعته، بل وإلى إفراغه من محتواه، وتحويل الهيكل الهش الباقي إلى نصير وحليف ومبرر للعلمانية، بعد أن تملأ قسماته مبادئها وروحها. إن عملية علمنة الإسلام من العمليات التي تستحق أن تدرس بشكل واسع ومفصل في إطار ملامحها التي رسمناها بشكل عام في هذا المقال.

стр. 2204

الورقة الأخيرة الصراحة مع النفس بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان اعتاد بعض الناس على التغاضي عن أخطائهم، والحرص الشديد على تسويغها، والْتماس المعاذير لدفنها والسكوت عنها.. بل قد يتجرأ بعضهم في الدفاع عنها وتحويلها إلى مكاسب وحسنات، كما اعتاد بعضهم النظر إلى الناقد -أيًّا كان هدفه أو أسلوبه- بعين الريبة والشك، ومن ثم: التهميش والإهمال..! ربما يكون سبب ذلك: ضعف في التربية والتكوين النفسي للفرد؛ مما يجعله يخاف من الاعتراف بالخطأ، وربما يظن أن اعترافه بالخطأ يسقط من قدره ومكانته، وربما يكون سبب ذلك: التعصب والتحزب الذي يقود إلى الهوى الذي يعمي ويصم، وربما تكون هناك أسباب أخرى، تختلف باختلاف الناس، والأحوال ... ! وتزداد هذه الظاهرة بروزاً عندما يكون الخطأ منسوباً لأحد الأشياخ المتبوعين أو لإحدى التجمعات الدعوية؛ فيظن بعض الأتباع أن نقد الشيخ أو التجمع قدح وذم في إمامهم أو تجمعهم، ولهذا يكون الدفاع عنه أكثر تشنجاً وتعسفاً، وإلى هذا يشير (المعلمي) بقوله: (من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل: ومن أمضى أسلحته: أن يرمي الغالي كل من يحاول رده إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم) . [١] هكذا اعتاد بعض الناس، ولكن القرآن الكريم يربينا على منهج آخر، إنه منهج المراجعة والمحاسبة وتدارس الأعمال بكل صدق وتجرد، ومن ثم: المصارحة والمكاشفة التي تتلمس مواضع النقص والعيب، لا لتضخيمها وازدراء النفس من أجلها، ولكن من أجل تدارك الحال وتقويمه. انظر إلى الصحابة ﵃ في غزوة أحد بعد أن أصابهم ما أصابهم من اللأواء، والعنت والمشقة، يتنزل عليهم قول الله (تعالى) واضحاً جليّاً: ... ... [إنَّ الَذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ] [آل عمران: ١٥٥] ، ثم قال الله (تعالى) لهم: ... [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] [آل عمران: ١٦٥] . وفي غزوة حنين يعاتب الله (تعالى) المؤمنين بقوله: ... [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] [التوبة: ٢٥] . بل إن الله (تعالى) يعاتب نبيه محمداً وهو سيد ولد آدم في غير آية، قال الله (تعالى) : [عَبَسَ وَتَولَّى (١) أَن جَاءَهُ الأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى] [عبس: ١-١٠] ، وقال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [التحريم: ١] ، وقال (تعالى) : [عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينََ] [التوبة: ٤٣] . غاية في الوضوح والصراحة التي تبني الثقة في نفس الإنسان، وتجعله يستثمر هفواته وأخطاءه في تقويم النفس وتزكيتها، وإعادة بنائها، وأما المجاملة والمداورة والمهادنة، فكما أنها ترسخ من الخطأ وتنميه وتسقي جذوره حتى يظهر أثره في الأجيال اللاحقة، فهي أيضاً تنفخ في الذات الإنسانية حتى تظن أنها قد بلغت الكمال أو قاربت..! ! والمصارحة في بيان الأخطاء تعني: التناصح وتسديد المعايب بمحبة ورحمة وإشفاق، ولا تعني: التفاضح، والتراشق بالتهم للتشفي والانتقام، وتتبع الهفوات للتقليل من أقدار الناس وإسقاطهم. وبين الحالين خيط رفيع لا يحسنه إلا من هداه الله (تعالى) إلى نور الحكمة وزكاة النفس. والإنصاف من الأخلاق النبيلة العزيزة..!

стр. 2205

المحرم - ١٤١٧هـ يونيو - ١٩٩٦م (السنة: ١١)

стр. 2206

كلمة صغيرة العدو الصهيوني كما عرفناه - من منطلقات ديننا الحنيف - شعب ملعون وغادر وناكث بالعهود ومتوحش في عدوانه، فهم قتلة الأنبياء ولما لديهم من وزن اقتصادي وإعلامي، فإنهم يستغلون الأحداث لصالحهم ولكن لا يصنعونها: لقد اغتصبوا الأرض المقدسة في فلسطين بتواطؤ دولي معروف، وساموا الشعب الفلسطيني المسلم سوء العذاب بمذابح ومآسٍ. والآن يمر الصراع معهم بمرحلة (الصلح الذليل) ، وقد ظهر إلى أي مدى كانت العلاقة الوثيقة بين بعض العرب ويهود من وراء الكواليس، وأن العداء المزعوم إنما كان ضحكاً على الذقون ... لقد تداعى القوم لولوج سلام الشرق الأوسط الذي سموه بغير اسمه (سلام الشجعان) والحقيقة أنه العار والشنار والتنازل عن المقدسات، بل وصل الأمر للسقوط في أحبال يهود. وفي هذا الخضم يعربد الصهاينة بحصار ما يسمى بسلطة الحكم الذاتي، وبذل الشعب الفلسطيني، ويأتي العدوان الأخير على لبنان الذي هو تكرار لما حدث عام ٨٢، وتسقط الضحايا، وتدمر البنية التحتية، وتضرب العاصمة بيروت، والعرب لا يملكون أن يقدموا سوى الشجب والتنديد، ويرفض مجلس الأمن حتى مجرد إدانة للعدو؛ لمكانة العرب المعروفة! ! ! أيها العرب هل تبقّى لكم بعد هذا الذل مكان؟ هل تستطيعون حتى مجرد التلويح بإلقاء هذا السلام، هل تجرؤون على جمع كلمتكم. إن منطلقاتكم ليست واحدة والطريق الذي يرهبه العدو عطلتموه وحاربتموه معاً، إن عدونا الصهيوني لايرهبه سوى أتباع الذي أخبر: (يا عبد الله يا مسلم هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله) ﷺ .

стр. 2207

افتتاحية العدد نحو ترشيد للصحوة الإسلامية.. بالحوار حولها الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. مرت الدعوة الإسلامية المعاصرة في عقودها الأخيرة بتجارب مختلفة - وهي كجهد بشري - لها سلبياتها وإيجابياتها؛ نتيجة مدى قربها أو بعدها من مشكاة النبوة؛ مما جعل الغيورين على هذه الدعوة يطالبون بضرورة المراجعة والحوار لحل الإشكاليات التي أدت إلى سلبيات لا تخفى على الجميع، فما الهدف - إذن - من نقد الصحوة الإسلامية..؟ ! هل هو: النقد من أجل النقد، وملء صفحات المجلة بلون من ألون الترف المعرفي؟ ! هل هو سبيل لتزكية الذات وإلقاء التبعة على الآخرين؟ ! أم هو وقفة تقويميه تلائم المفترق الذي تمر به الصحوة الإسلامية؟ ! كانت تلك الأسئلة تراودنا كثيراً عند إعدادنا لملف (متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية) المنشور في العدد السابق، وكنا نقدّم رجلاً ونؤخر ثانية، ولكننا أخيراً ... رأينا أن نستعين بالله (تعالى) وننشر ما وَصَلنا من مشاركات الكُتّاب، ونرجو أن يكون القراء قد وجدوا فيها ما يستحق العناية والتقدير ... وثمّة ملحوظات مهمّة أردنا أن نؤكد عليها في فاتحة هذا العدد: أولاً: الذين يخافون من النقد لهم بعض الحق في ذلك؛ فالصحوة الإسلامية المعاصرة أصبحت مادة عذبة وفاكهة شهية للأقلام الحاقدة الحاسدة، التي صوبت سهامها لمحاربة كل أو بعض أبواب التدين، وسعت بكل إمكاناتها وقدراتها لتجفيف منابعه وسدّ أبوابه، وأجلبت بخيلها ورجلها لحرب علمائه ودعاته ... ! ! وكذلك فبعض الناقدين يتحدثون بصورة الاستعلاء والفوقية وتحقير الخصوم، وينظرون إلى الناس نظرة ازدراء واستهانة؛ فترى شغلهم الشاغل وهمهم الغالب هو: افتعال الخلاف، وتصيد العثرات وتضخيمها بصورة تطغي على رؤيتهم؛ فتحجب عليهم منافذ الرؤية والرأي..! ! ولكننا في الوقت ذاته لا نرى أنّ الأقلام الشانئة الحاقدة، أو الجاهلة المتنطعة، تحجبنا عن البحث عن الحقيقة، أو سلوك السبيل القويم. ونحسب أنّ النقد العلمي البناء من المحب المشفق، الصادق، نعمة عظيمة ثمرتها: معرفة النقص أو القصور لعلاجها وتداركها، وبالتالي: الترقي في درجات النضج والكمال. إنّ التناصح باب عظيم من أبواب التعاون على البر والتقوى، حثّ عليه الشرع، وتواترت به النصوص، ولأن يأتي هذا التناصح من داخل البيت الواحد بصوت مشفق حنون مخلص، خير من أن يأتي من خارجه وقد علته الغبرة، ودفعه الهوى أو البغض والعياذ بالله (تعالى) . وعندما فتحنا ذلك الملف، كنا نستحضر المكتسبات العظيمة، والمنجزات الكبيرة التي قدمتها الصحوة الإسلامية عبر تاريخها المعاصر في شتى المجالات (الدعوية والعلمية والاجتماعية والسياسية.. ونحوها) . والنقد الذي نطمح إليه هو وسيلة من وسائل حفظ تلك المكتسبات، بل تنميتها وتطويرها وتسديدها لتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح إن شاء الله (تعالى) . ثانياً: أنّ الصحوة الإسلامية المعاصرة بتاريخها الطويل، ومكتسباتها العديدة، وامتدادها الرحب الواسع الذي ملأ الآفاق، لا يتيسر نقدها نقداً شاملاً وعميقاً بمقالة عابرة أو بسلسلة مقالات مهما بلغت جودتها، ولا يتيسر تقويمها تقويماً متكاملاً من شخص واحد أو عدة أشخاص اختزلت تجربتهم الدعوية والفكرية في نطاق محدود، وإنما يحتاج تقويم الصحوة إلى جهود كثيرة تتضافر، ومراكز بحثية متخصصة تنتج أفكاراً تتلاقح؛ لينضج بعضها بعضاً، ولكن حَسْبُنا في ذلك الملف: أننا أسهمنا في تجديد هواءٍ ساكن، وتحريك ماءٍ راكد، ولعل هذا يستحث أهل العلم والكفاءة للمساهمة معنا بتعليقاتهم واجتهاداتهم. ثالثاً: احتوى ملف (متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية) على مسائل عديدة، وناقشها من زوايا وأبعاد مختلفة، ممّا يعطيه صبغة الشمول النسبي. ولكن افتقد الملف محاور مهمة جداّ، كنا نتمني أن تتم معالجتها وتدارسها، ولم يتيسر ذلك. ومن أبرز هذه المحاور: المحور الأول: التقويم الشرعي والفكري لمسيرة الصحوة الإسلامية: لا يخفى على كلّ متابع أن هناك مدارس مختلفة في فهم النص الشرعي ومنهج تلقيه والتعامل معه؛ ممّا جعل هناك تبايناً واضحاً في طرائق الاستدلال والمعرفة، وأساليب التفكير والتربية، وبالتالي: أدى ذلك إلى الاختلاف في توصيف الواقع وتحديد مشكلاته وخصائصه؛ ولهذا نرى أطروحات مختلفة في مناهج التغيير والدعوة والفكر والبناء، تصل إلى حدّ الغلو والإفراط أحياناً، وتنزل إلى حدّ الإرجاء والتمييع أحياناً أخرى، وبين هذين البعدين مدارس أخرى كثيرة تقرب وتبعد من المنهج الحق. ونحسب أنّ التقويم المعرفي والفكري، ونقد الخطاب الدعوي، وما يتبع ذلك من دراسة مناهج التغيير: جانب في غاية الضرورة والأهمية؛ لأنه السبيل لمعرفة منهاج الفرقة الناجية السالمة من الشبهات والشهوات التي وصف الله (تعالى) طريقها بقوله: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] المحور الثاني: التصدع الداخلي في بعض صفوف أهل الصحوة الإسلامية: على الرغم من الخير الكثير الذي قدمته الصحوة، وعلى الرغم من الانتشار الواسع الذي انتظم شريحة كبيرة من أبناء المسلمين، إلا أنه ممّا تضيق به صدور المخلصين من العلماء والدعاة والمصلحين: وجود ذلك التنازع والتقاطع بين أبناء البيت الواحد، بل التهارش والتدابر، بل البغي والظلم (! !) الذي أنهك الطاقات وأعجزها، حتى أصبحت الحزبية بمعالمها المختلفة شرخاً غائراً يسيطر على بعض الصفوف، ويعوقها عن العمل الجاد والمثمر، وأصبح والعياذ بالله معيار الولاء والمحبة عند بعضهم مقدار قربهم أو بعدهم من الحزب..! ! لقد استعرت نيران الحزبية عند بعضهم بصورة محزنة جداّ، حتى استطاع الأعداء أن ينفذوا من خلالها لتفريق الصفوف وضرب بعضها ببعض، وصدق الحق (تعالى) بقوله: [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . المحور الثالث: الضعف الإداري والفني: الضعف الإداري والفني سمة مميزة لمعظم أبناء ومؤسسات المنطقة الإسلامية بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي مرت بها الأمة، وأبناء الصحوة الإسلامية جزء لايتجزأ من هذا النسيج الواسع، حيث أصابها ما أصابهم من عدوى الضعف وأحياناً التخلف الإداري والفني، وظهرت علامات ذلك عند بعضهم ضعف الخطط والبرامج الآنية والمرحلية والدراسات المستقبلية، وقصور في تحديد الأولويات، وعجز ظاهر في توظيف الطاقات والإمكانات المتوفرة، وتخبط في ردود الأفعال، وأصبح بعض أبناء الصحوة الإسلامية يجترون تجارب سابقة، ويستنسخونها بآلية ساذجة، وبدون وعي بالمتغيرات الإقليمية والدولية! ! تلك إذن: محاور جديدة مقترحة لمزيد من الحوار وتبادل الرأى، نتمني أن يتحفنا بدراستها وعلاجها أولو الرأي والحكمة والخبرة، وأبواب المجلة مشرعة إن شاء الله (تعالى) لكل رأى جاد مخلص. ونؤكد ختاماً أنّ الهدف من هذا الحوار كله هو: التناصح والتواصي بالحق بعيداً عن الهمز أو اللمز أو التعالي والتشفي، يحدونا في ذلك قول الله (تعالى) : ... [وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ] [هود: ٨٥] وقول النبي- ﷺ : (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) . اللهم أرنا الحق حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 2208

دراسات شرعية تعظيم الله (تعالى) وشعائره بقلم: عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن تعظيم الله (تعالى) وتعظيم ما يستلزم ذلك من شعائر الله (تعالى) وحدوده من أجلّ العبادات القلبية وأهم أعمال القلوب، التي يتعين تحقيقها والقيام بها، وتربية الناس عليها، وبالذات في هذا الزمان الذي ظهر فيه ما يخالف تعظيم الله (تعالى) : من الاستخفاف والاستهزاء بشعائر الله (تعالى) ، والتسفيه والازدراء لدين الله (تعالى) وأهله. إنّ الإيمان بالله (تعالى) مبني على التعظيم والإجلال له [١] ، قال الله (تعالى) : [تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ] [مريم: ٩٠] . قال الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية: (يتشققن من عظمة الله (عز وجل [] ٢ [. ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية أهمية تعظيم الله (سبحانه) وإجلاله فيقول: (فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله ، والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يُتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام، الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو بالفعل، كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجباً لفساد ذلك الاعتقاد ومزيلاً لما فيه من المنفعة والصلاح) .] ٣ [ ومما قاله ابن القيّم عن منزلة التعظيم: (هذه المنزلة تابعة للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الربّ (تعالى) في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمّاً وإجلالاً، وقد ذم الله (تعالى) من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته، قال (تعالى) :] مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [] نوح: ١٣ [، قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته، وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت..) ] ٤ [. وتعظيم الله وإجلاله لا يتحقق إلا بإثبات الصفات لله (تعالى) ، كما يليق به (سبحانه) ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والذين ينكرون بعض صفاته (تعالى) ، ما قدروا الله حق قدره، وما عرفوه حق معرفته] ٥ [، ولما كان من أسماء الله (تعالى) الحسنى: (المجيد) و (الكبير) ... ... و (العظيم) فإن (معنى هذه الأسماء: أن الله هو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجلّ وأعلى، وله التعظيم والإجلال، في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد ملئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه) ] ٦ [. ويقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي في هذا المقام: (إن الإنسان إذا سمع وصفاً وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون القلب منزهاً معظماً له (جلّ وعلا) ، غير متنجّس بأقذار التشبيه ... ) ] ٧ [. ومما يوجب تعظيم الله (تعالى) وإجلاله: أن نتعّرف على نعم الله (تعالى) ، ونتذكرّ آلاء الله ، ومما قاله أبو الوفاء ابن عقيل في ذلك: (لقد عظم الله (سبحانه) الحيوان، لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه وخوف الضرر على نفسه، فقال:] إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [] النحل: ١٠٦ [: من قدّم حرمة نفسك على حرمته، حتى أباحك أن تتوقى وتحامى عن نفسك بذكره، بما لا ينبغي له (سبحانه) ، لحقيق أن تعظم شعائره، وتوقر أوامره وزواجره، وعصم عرضك بإيجاب الحدّ بقذفك، وعَصَم مالك بقطع مسلم في سرقته، وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك، وأباحك الميتة سدّاً لرمقك، وحفظاً لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل، ووعيد آجل، وخَرقَ العوائد لأجلك، وأنزل الكتب إليك، أيحسن بك مع هذا الإكرام أن تُرى على ما نهاك منهمكاً، وعما أمرك متنكبّاً، وعن داعيه معرضاً، ولسنته هاجراً، ولداعي عدوك فيه مطيعاً؟ . يعظمك وهُوَ هُوَ، وتهمل أمره وأنت أنت، هو حطّ رتب عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجُدها لك. ما أوحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان بينا يكون بحضرة الحق، وملائكة السماء سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات بالمبدأ والمآل، إلى أن يوجد ساجداً لصورة في حجر، أو لشمس أو لقمر، أو لشجرة من الشجر، ما أوحش زوال النعم، وتغيّر الأحوال، والحور بعد الكور) .] ٨ [ ولقد كان نبينا محمد يربي أمته على وجوب تعظيم الله (تعالى) ، ففي حديث ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد، إنّا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي-صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ] وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ... [] الزمر: ٦٧ [. وما في الآية يدل على أن عظمة الله (تعالى) أعظم مما وصف ذلك الحبر، ففي الآية الكريمة تقرير لعظمة الله (تعالى) نفسه، وما يستحقه من الصفات، وأن لله قدراً عظيماً، فيجب على كل مؤمن أن يقدر الله حق قدره] ٩ [. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عند هذه الآية الكريمة: ما ذكر الله ﵎ من عظمته وجلاله أنه يوم القيامة يفعل هذا، وهذا قَدْر ما تحتمله العقول، وإلا فعظمة الله وجلاله أجل من أن يحيط بها عقل ... فَمَن هذا بعض عظمته وجلاله كيف يُجعل في رتبته مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا؟) ] ١٠ [. ولما قال الأعرابي لرسول الله- ﷺ : (فإنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي- ﷺ : سبحان الله، سبحان الله! فما زال يسبّح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه) ] ١١ [. وقد اقتفى الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان هذا المسلك، فعظّموا الله حق تعظيمه، وعُمرت قلوبهم بإجلال الله (تعالى) وتوقيره: فهذا ابن عباس ﵄ يقول لبعض أصحاب المراء والجدل: (أما علمتم أن لله عباداً أصمتهم خشية الله (تعالى) من غير عيّ ولا بكم، وإنهم لَهُمُ العلماء العصماء النبلاء الطلقاء، غير أنهم إذا تذكروا عظمة الله (تعالى) انكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استفاقوا من ذلك، تسارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية، فأين أنتم منهم؟) .] ١٢ [ وكان أهل العلم يعظمون ربهم، ويقدرونه حق قدره، حتى قال عون بن عبد الله: (ليعظم أحدكم ربه، أن يذكر اسمه في كل شيء حتى يقول: أخزى الله الكلب، وفعل الله به كذا) ] ١٣ [. ويقول الخطابي: (وكان بعض من أدركنا من مشايخنا قلّ ما يذكر اسم الله (تعالى) إلا فيما يتصل بطاعة) ] ١٤ [. (وكان أبو بكر الشاشي يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم في الله (تعالى) ، إجلالاً لاسمه (تعالى) ، ويقول: (هؤلاء يتمندلون] ١٥ [بالله ] ١٦ [. ومن أروع الأمثلة التي دوّنها التاريخ عن سلفنا الصالح، وتعظيمهم لله (عزّ وجلّ) ، ما وقع لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (رحمه الله تعالى) ، لما سأله أحدهم عن قوله (تعالى) :] الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [] طه: ٥ [كيف استوى؟ . فما كان موقف الإمام مالك إزاء هذا السؤال؟ يقول الرواي: (فما رأيته وجد (غضب) من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء (العرق) ، وأطرق القوم، فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه، ثم سُرّي عن مالك، فقال: الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإنى لأخاف أن تكون ضالاًّ، ثم أُمر به فأُخرج) .] ١٧ [ فتأمّل (رحمك الله) ما أصاب الإمام مالك ﵀ من شدة الغضب وتصبب العرق إجلالاً وتعظيماً لله (تعالى) وإنكاراً لهذا السؤال عن كيفية استواء الربّ (تعالى) . ومن الأمثلة في هذا الباب ما جرى للإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله تعالى) ، لما مر مع ابنه (عبد الله) على قاص يقص حديث النزول فيقول: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، يقول عبد الله: فارتعد أبي، واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخرص، فلما حاذاه قال: يا هذا رسول الله أغير على ربه منك، قل كما قال رسول الله) ] ١٨ [. ومن تعظيم الله (تعالى) : تعظيم كلامه، وتحقيق النصيحة لكتابه تلاوة وتدبراً وعملاً، وقد حقق سلفنا الصالح الواجب نحو كتاب الله (تعالى) من التعظيم والإجلال، حتى إن بعض السلف كانوا يكرهون أن يصغروا المصحف.] ١٩ [ وقال بعضهم: والله ما نمت في بيت فيه كتاب الله، أو حديث رسول الله احتراماً لهما] ٢٠ [. ومما يجب تعظيمه وتوقيره: تعظيم رسول الله وتوقيره، وتعظيم سنته وحديثه، يقول (ابن تيمية) في تقرير وجوب توقيره وإجلاله: (إن الله أمر بتعزيره وتوقيره، فقال:] وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [] الفتح: ٩ [والتعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار. ومن ذلك: أنه خصّه في المخاطبة بما يليق به، فقال:] لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً [] النور: ٦٣ [، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يانبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك والله أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحداً من الأنبياء، فلم يَدْعُه باسمه في القرآن قط ... ومن ذلك: أنه حرّم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذَن، وحرم رفع الصوت فوق صوته، وأن يُجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل ... ومن ذلك: أن الله رفع له ذكره، فلا يُذكر الله (سبحانه) إلا ذكر معه، وأوجب ذكره في الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام، وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام، وفي الصلاة التي هي عماد الدين ... ) .] ٢١ [ ومما يجدر التنبيه عليه: أن التعظيم المشروع لرسول الله هو تعظيمه بما يحبه المعظّم ويرضاه ويأمر به ويثني على فاعله، وأما تعظيمه بما يكرهه ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو منافٍ للتعظيم.] ٢٢ [ وعقد الدرامي في سننه باباً بعنوان: باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي حديث فلم يعظمه، ولم يوقره] ٢٣ [، وأورد الدرامي جملة من الآثار التي تضمنت عقوبات ومثلات في حق من لم يعظّم حديث رسول الله. وقد عني السلف الصالح بتعظيم السنة النبوية وإجلال رسول الله، ومن ذلك: ما قاله عبد الله بن المبارك عن الإمام مالك بن أنس: (كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله فلدغته عقرب ست عشرة مرة، ومالك يتغير لونه ويصفر، ولا يقطع حديث رسول الله، فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس، قلت: يا أبا عبد الله، لقد رأيت منك عجباً! فقال: (نعم إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-) ] ٢٤ [. وقال الشافعي (رحمه الله تعالى) : (يكره للرجل أن يقول: قال رسول الله، ولكن يقول: رسول الله؛ تعظيماً لرسول الله) .] ٢٥ [ وممن يجب تعظيمهم وإجلالهم: صحابة رسول الله، فيتعين احترامهم وتوقيرهم، وتقديرهم حق قدرهم، والقيام بحقوقهم ﵃ . وقد خرج جرير بن عبد الله البجلي، وعدي بن حاتم، وحنظلة الكاتب ﵃ من الكوفة حتى نزلوا قرقيساء وقالوا لا نقيم ببلدة يشتم فيها عثمان بن عفان.] ٢٦ [ وباعد محمد عبد العزيز التيمي داره وقال: لا أقيم ببلدة يشتم فيها أصحاب رسول الله.] ٢٧ [ ولما أظهر ابن الصاحُب الرفضَ ببغداد (سنة ٥٨٣ هـ) جاء الطالقاني إلى صديق فودّعه، وذكر أنه متوجه إلى بلاد قزوين. فقال صديقه: إنك ههنا طيّب، وتنفع الناس. فقال الطالقاني: معاذ الله أن أقيم ببلدة يجهر فيها بسبّ أصحاب رسول الله، ثم خرج من بغداد إلى قزوين، وأقام بها إلى أن توفي بها.] ٢٨ [ وبالجملة يجب تعظيم شعائر الله (تعالى) جميعها، كما قال (تعالى) :] ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ [] الحج: ٣٢ [. ويلحظ الناظر في حال المسلمين أن ثمة مخالفات تنافي تعظيم الله (تعالى) وشعائره كالاستهزاء، أو الاستخفاف، أو الازدراء، أو الانتقاص لدين الله (تعالى) وشعائره. وتظهر هذه المخالفات عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومن خلال منابر ثقافية ومؤسسات علمية مشبوهة وغيرها. ويمكن أن نشير في خاتمة هذه المقالة إلى أهم أسباب وقوع تلك المخالفات المنافية للتعظيم، ومنها: الجهل بدين الله (تعالى) ، وقلة العلم الشرعي، وضعف التفقه في هذا الأصل الكبير، ومنها: غلبة نزعة الإرجاء في هذا الزمان، فمرجئة هذا الزمان الذين يقررون أن الإيمان تصديق فقط، ويهملون العبادات القلبية، كانوا سبباً رئيساً في ظهور وجود هذه المخالفات ... فيمكن أن يكون الرجل عندهم مؤمناً ما دام مصدقاً، وإن استخف بالله (تعالى) ، أو استهزأ برسوله أو دينه! ! ومن أسباب هذه الظاهرة: وجود علم الكلام قديماً، الذي لا يزال أثره باقياً إلى هذا العصر، فأهل الكلام يخوضون في الله (تعالى) وصفاته، مما أورثهم سوء أدب مع الله. وأخيراً: فإن من أسباب ذلك: كثرة الترخص والمداهنات والتنازلات من علماء السوء الذين أُشربوا حب الدنيا والرياسة، فجعلوا الدين ألعوبة يأخذون منه ويدعون. ورحم الله ابن القيّم حيث يقول: (كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه؛ لأن أحكام الرب (سبحانه) كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس ... ) .] ٢٩ [

стр. 2209

دراسات قرآنية مصادر التفسير (٣) تفسير الصحابة للقرآن -الحلقة الثالثة- بقلم: مساعد بن سليمان الطيار بعد أن أنهى الكاتب الحديث عن التفسير بالقرآن والتفسير بالسنة، تطرق في الحلقتين الماضيتين إلى الحديث عن تفسير الصحابة باعتباره مصدراً ثالثاً للتفسير، فذكر أهمية تفسيرهم، ثم بدأ يفصّل مصادرهم في التفسير، وأن له مرجعين: أولاً: ما يرجع إلى النقل، فأورد تفصيل ذلك. وفي هذه الحلقة يتحدث الكاتب عن المرجع الثاني وتفاصيل أخرى من الموضوع. ثانياً: ما يتعلق بالفهم والاجتهاد (الاستدلال) : يكون معتمد المفسّر في هذا القسم العقل، ولا خلاف في أن الصحابة قد اجتهدوا في بيان القرآن، وقد نبّه ابن الأثير إلى ذلك في شرحه لحديث: (من قال في كتاب الله برأيه ... ) [١] حيث قال: (وباطل أن يكون المراد به: أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة ﵃ قد فسّروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوهٍ، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي، وإن النبي ﷺ دعا لابن عباس، فقال: (اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) [٢] ، فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك؟) [٣] . ويشتمل هذا القسم على أربعة أنواع، هي: ١- تفسير القرآن بالقرآن: قد سبق الحديث عن أن تفسير القرآن بالقرآن مرجعه إلى الرأي، وذلك أن ربط الصحابي بين آية وأخرى كان معتمداً على العقل، ولو كان عنده سندٌ إلى رسول الله لذكره، مثل ما مرّ ذكره في تفسير قوله (تعالى) : [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] [الأنعام: ٨٢] حيث أُسند إلى الرسول. ومن الأمثلة الواردة عنهم في تفسير القرآن بالقرآن ما يلي: عن عمر بن الخطاب في تفسير قوله (تعالى) : [وَإذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ] [التكوير: ٧] قال: تزويجها: أن يؤلف كل قوم إلى شبههم، وقال: [احْشُرُوا الَذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ] [الصافات: ٢٢] [٤] . ومما يحسن بحثه في هذا الموضوع: كيفية استفادة الصحابة من القرآن في تفسيرهم. ٢- تفسير القرآن بأقوال الرسول مما لم ينص فيها على التفسير: سبق الحديث عن هذا القسم، وأن معتمد المفسر هاهنا العقل، وذلك لأن الصحابي يجتهد في ربط الحديث بمعنى الآية. ومن أمثلته: ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ ، عن النبي قال: (فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح) يقول أبو هريرة: (اقرؤوا إن شئتم: [وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً] ) [٥] . فنلاحظ أن أبا هريرة نزّل الحديث على معنى الآية، فجعل اجتماع الملائكة هو الشهود الذي يحصل في صلاة الفجر. ٣- التفسير اللغوي (المحتملات اللغوية) : نزل القرآن بلغة الصحابة ﵃ ، ولذا: فهم أئمة التفسير اللغوي، وإذا روي عن أحدهم تفسير لغوي، فإن محلّه القبول. وبالنظر إلى الألفاظ اللغوية المفسّرة تجد أنها على قسمين: الأول: ألاّ يحتمل اللفظ إلا معنى واحداً، وهذا ما لا يقع فيه خلاف، وهو أشبه بأن يجعل من القسم الذي طريقه السماع لا الاجتهاد، لعدم الحاجة لإعمال الرأي في مثل هذا. الثاني: ما يحتمل أكثر من معنى، والسياق محتمل لها جميعها، ففي مثل هذا يكون التّميّزُ وإعمال الرأي اعتماداً على المعنى اللغوي، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الطبري في تفسير قوله (تعالى) : [خِتَامُهُ مِسْكٌ] [المطففين: ٢٦] أن فيه ثلاثة أقوال، اثنين منها عن صحابيين: القول الأول: بمعنى خِلْطُهُ، وهذا قول ابن مسعود، قال: (أما إنه ليس بالخاتم الذي يختم، أما سمعتم المرأة من نسائكم تقول: طيب كذا وكذا خلطه مسك) . القول الثاني: بمعنى: آخر شرابهم، وهذا قول ابن عباس، قال: (طيّب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم بالمسك) [٦] . ٤- ما يرجع إلى احتمال النص القرآني أكثر من معنى: قد تحتمل الآية أكثر من معنى، فيذكر صحابي أحد هذه المعاني، ثم يذكر الآخر معنًى غيره من المعاني المحتملة لهذا الخطاب القرآني، وقد يعتمد في اختياره على ما سبق من الأقسام الثلاثة فيما يتعلق بالاجتهاد. ومن أمثلة ذلك: تفسيرهم قوله (تعالى) : [لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ] [الانشقاق: ١٩] ، ورد في قوله [لَتَرْكَبُنَّ] قراءات، منها: فتح التاء والباء، وقد اختلف في: من وجّه إليه الخطاب؟ ، على قولين: الأول: أن الخطاب موجّه للرسول، واختلف في معنى [طَبَقاً عَن طَبَقٍ] على هذا القول على معنيين: ١- لتركبن يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد، وهذا مروي عن ابن عباس من طريق مجاهد والعوفي. ٢- لتركبن يا محمد سماءً بعد سماءٍ، وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية علقمة. الثاني: أن الخطاب موجّه للسماء، والمعنى: أنها تتغيّر ضروباً من التغيّر: تتشقق بالغمام مرّة، وتَحْمَر أخرى، فتصير وردة كالدهان، وتكون أخرى كالمهل، وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية مرة الهمذاني وإبراهيم النخعي [٧] . في هذا المثال تجد لابن مسعود قولين في تحديد من وجّه له الخطاب، وفي الأول يوافقه ابن عباس في هذه الجزئية، ثم يخالفه في معنى الركوب طبقاً عن طبق. وما كان ذلك الاختلاف إلا لاحتمال هذا النص هذه المعاني المذكورة، فأبدى كل واحد منهما أحد هذه المحتملات. مسألة: في اجتهاد الصحابة في حياة الرسول: تُظهر بعض النصوص أن الصحابة كان لهم اجتهادات في فهم الخطاب القرآني وتفسيره في عصر الرسول، وكان لاجتهادهم حالتان: الحالة الأولى: أن يُقِرّ الرسول اجتهادهم، ومن ذلك: الأثر المروي عن عمرو بن العاص، قال: بعثني رسول الله عام (ذات السلاسل) ، فاحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت به، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله ذكرت ذلك له، فقال: (ياعمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله: ... [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] [النساء: ٢٩] فتيممت، ثم صليت، فضحك، ولم يقل ... شيئاً) [٨] . ومنه: ما رواه الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: (تلا رسول الله يوماً [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] ، فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى وُلّيَ فاستعان به) [٩] . الحالة الثانية: أن يُصَحّح الرسول فهمهم للآية: ومثاله: تفسيرهم الظلم، في قوله (تعالى) : [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] [الأنعام: ٨٢] ، فقد فهم الصحابة أن الظلم عام يشمل جميع أنواعه، وذلك بقولهم: (وأينا لم يظلم نفسه) ، فأخبرهم الرسول بالمراد بالظلم في الآية، وأنه الشرك [١٠] . ومنه حديث عدي بن حاتم، في قوله (تعالى) : [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأََبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأََسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ] [البقرة: ١٨٧] حيث عمد (رضي الله عنه) إلى عقالين: أبيض وأسود، ثم جعلهما تحت وسادة، ثم جعل ينظر إليهما في بعض الليل، فلم يستبينا، فلما أصبح أخبر الرسول بفعله، فأرشده الرسول إلى أن المراد بهما سواد الليل وبياض النهار [١١] . ففي هذين المثالين تلاحظ أن الصحابة فهموا الآية على معنى محتمل، لكنه غير المراد، فأرشدهم الرسول إلى المعنى المراد بالآية، ولم ينههم عن تفهّمِ القرآن إلا بالرجوع إليه. حكم تفسير الصحابي: لا يصلح إطلاق الحكم على تفسير الصحابي جملة من حيث الاحتجاج به أو عدمه، بل لابدّ من التفصيل في تفسير الصحابي. لقد سبق ذكر أن الصحابة يجتهدون في التفسير، وهذا الاجتهاد عرضة للخطأ؛ لأن الواحد منهم غير معصوم حتى يقبل منه كل قوله. ثم إن هذا الاجتهاد مدعاة لوقوع الاختلاف في التفسير، وبهذا لا يكون قول أحدهم حجة؛ لأن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعضٍ. ويمكن تنزيل الحكم مقسّماً على مصادرهم: النقلية والاستدلالية. أولاً: المصادر النقلية: يشمل الحكم على المصادر النقلية ما يلي: أسباب النزول، وأحوال من نزل فيهم القرآن، والأمور الغيبية. ويمكن القول بأن هذه الأمور الثلاثة لها حكم الرفع؛ لأن الصحابي ليس له في هذه الأمور إلا النقل، وإن نُسب إليه التفسير، فإنما هو على سبيل التوسع في إطلاق التفسير له، ولأنه هو الناقل له. ويحترز في هذا الحكم مما يكون من قبيل الاجتهاد في (أسباب النزول) ، إذ قد تُطلق عبارة النزول ويراد بها أن المذكور في النزول داخل في حكم الآية، وكثيراً ما تصدّر بقولهم: نزلت هذه الآية في كذا وكذا. ولذا: قد يرد عنهم أقوال كثيرة في سبب النزول، وهي غير صريحة في السببية، وإنما تكون داخلة في حكم الآية، وهذا إنما قاله من قاله اجتهاداً منه. ويلحق بهذا: أحوال من نزل فيهم الخطاب، إذ قد يقع الاجتهاد في حمل معنى الآية على حالٍ من الأحوال. وقد يرد في الآية سببان صحيحان صريحان، فتحمل الآية عليهما، ومن ذلك ما يلي: ما ورد في سبب نزول قوله (تعالى) : [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] [البقرة: ٢٢٣] روى أبو داود عن ابن عباس، قال: (إن ابن عمر (والله يغفر له) أوهم؛ إنما كان هذا الحيّ من الأنصار وهم أهل وثنٍ مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرفٍ، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن مقبلات مدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنّا نُؤتى على حرفٍ، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى شَرِيَ (انتشر) أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله، فأنزل الله (عز وجلّ) : [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] [البقرة: ٢٢٣] أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك: موضع الولد) . [١٢] وروى البخاري عن جابر في نزول هذه الآية ما يلي: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] ) [١٣] . ففي هذين السببن ترى ما يلي: ١- أنها تحكي حالاً من أحوال من نزل فيهم القرآن، وقد سبق أن السبب قد يكون في ذكر حالٍ من أحوال العرب. ٢- أن ابن عباس ذكر السبب في قضية طريقة الجماع في خبر الرجل القرشي والأنصارية. ٣- أن جابر ذكر السبب في نتيجة إحدى طرق الجماع. وقد أنزل الله هذه الآية لإبطال هذين الحالين اللذين كان يعمل بهما اليهود والأنصار. هذا، وقد أخبر الحاكم أن سبب النزول له حكم الرفع؛ فقد قال بعد حديث جابر السابق: (هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا، فإنه حديث مسند) . [١٤] * كما يحترز في المغيبات من أن تكون من مرويات بني إسرائيل، فإذا سلمت من ذلك فإن لها حكم المرفوع؛ لأن الأمور الغيبية لا يمكن القول فيها بالاجتهاد. ومن أمثلته: ما روي عن ابن عباس ﵁ في تفسير (الكرسي) بأنه (موضع قدمي الرحمن) . فهذا المثال يتعلق بصفات الله ولا سبيل للوصول إليها إلا بالنقل، ولا مجال للاستنباط فيها. فإن قيل: إن ابن عباس قد اشتهر عنه الأخذ من مرويات بني إسرائيل، وعليه: فإن هذا التفسير يحتمل أن يكون مما تلقّاه عنهم؟ . فالجواب: أنه لا يُظنّ بابن عباس أنه يرجع إليهم في معرفة صفات الله، وهم من أهل التعطيل لها، فمثل هذه المسائل المتعلقة بالله لا تؤخذ إلا من المعصوم في خبره، وهو الرسول. ثم إن ابن عباس لم ينفرد بهذا التفسير، بل قد صحّ عن أبي موسى [١٥] ... مثل قول ابن عباس، وهذا مما يُعزّز قول ابن عباس، ويدل على تلقيه من الرسول، والله أعلم. أما ما يثبت من هذه المغيبات أنه من الإسرائيليات فإنه ينظر إليه: إن كان موافقاً لما في الكتاب والسنة قُبِلَ، وإن كان مخالفاً لهما رُدّ وترك، وإن لم تظهر فيه موافقة ولا مخالفة فالحكم فيه: التوقف، والله أعلم. ثانياً: المصادر الاستدلالية (الاجتهاد) : سبق تقسيم هذه المصادر إلى أربعة أقسام، وسيكون الحديث هنا عامّاً عنها. والتفسير إما أن يكون بياناً عن لفظٍ، وإما أن يكون بياناً عن معنىً. فإذا لم يحتمل اللفظ أو المعنى المراد إلا تفسيراً واحداً لا غير، فإن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، وحكم هذا التفسير: القبول؛ لعدم احتمال غيره. أما إذا وقع الاحتمال في الآية، فإن هذا مجال الاجتهاد والرأي، وإذا كانت الآية محتملة لأكثر من قول، فإن هذا الاجتهاد يحتمل أمرين: الأول: أن يكون مما توافق عليه اجتهاد الصحابة (أو كان في حكمه؛ كالإجماع السكوتي) فإن هذا حجة يجب قبوله عنهم. الثاني: أن يقع بينهم خلاف مُحقّق، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بحجيّة هذه الأقوال، ولا بأحدها على الآخر؛ لأن قول أحدهم لا يكون حجة على الآخر، فلا يقال: معنى الآية كذا لأنه قول ابن عباس، مع وجود مخالفٍ له من الصحابة. وإنما يكون عمل من بعدهم في مثل هذه الحالة الترجيح بدليل صالح للترجيح، ومحلّ هذا البحث موضع آخر، وهو قواعد الترجيح؛ لأن المراد هنا بيان ما يكون حجة وما لا يكون من أقوال الصحابة.. والله أعلم.

стр. 2210

دراسات سياسية القانون الدولي الإسلامي (علم السير) .. مفهومه تدوينه خصائصه بقلم:عثمان جمعة ضميرية تمهيد: من طبيعة الفقه الإسلامي وخصائصه: أنه يلبي مصالح الناس، ويحيط بالوقائع والحوادث المستجدة، وفي مصادره من الخصوبة والمرونة، وفي ضوابطه وقواعده من العموم والشمول ما يكفل مواجهة تطور الناس واحتياجاتهم، فإن كل ما يحدث للناس من وقائع في هذه الحياة لها في الشريعة أحكام: نصّاً أو دلالة، على ما قاله الإمام الشافعي ﵀ : (إذ ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها) [١] (كل ما نزل بمسلم: ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم: اتّباعه، وإذا لم يكن فيه بعينه: طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد ... ) والأصل في هذا آيات كثيرة، كقوله (تعالى) : [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] [إبراهيم: ١] ، وقوله (تعالى) : [وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤٤] وقد أوفى الإمام الشافعي ﵀ على الغاية في هذا المعنى؛ حيث قرر: أن جماع ما أبان الله لخلقه في كتابه، مما تعبدهم به لما مضى من حكمه (جل ثناؤه) ، من وجوه: فمنها ما أبانه نصّاً، مثل جمل فرائضه في: أن عليهم صلاة وزكاة وحجّاً وصوماً ... ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيّن كيف هو على لسان نبيه، مثل: عدد الصلاة، والزكاة، ووقتها، وغير ذلك ... ومنها: ما سن رسول الله، مما ليس لله فيه نصّ حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه ... ومنه: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم.. فإنه يقول: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] [محمد: ٣١] . وقد اهتم فقهاء الإسلام (رحمهم الله تعالى) اهتماماً بالغاً بالقضايا والوقائع المستجدة وأفردوها بالتأليف، عنايةً بها وإعلاءً لمكانتها وموضوعها، وهذا ما نجده في جانب الجهاد والسير، وهو موضوع (القانون الدولي العام) بالمفهوم المعاصر [٢] (ومما لا شك فيه أن مصطلح (القانون الدولي) من المصطلحات الحديثة التي لم يستخدمها الفقه الإسلامي، ومع ذلك، فليس من نتائج عدم استخدام المصطلح: أن هذا الفقه لم يعرف الأحكام القانونية الدولية، فقد عرفها ولكن في إطار آخر حيث تناول الفقه الإسلامي علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول الأخرى في أبواب الجهاد، وفيما كتبه الفقهاء عن السير والمغازي، وفي بعض المؤلفات عن الخراج والسياسة الشرعية كذلك) [٣] . وقد سميت هذه الأحكام بالسّيَر (جمع سيرة) ؛ لأنها طريقة معاملة المسلمين لغيرهم، فلا نكون مغالين إذا قلنا: إن أئمة الإسلام وفقهاءه عُنُوا منذ البدء بوضع أسس القانون الدولي، وإن كانت هذه الأسس تخص أحكام أو قانون الحرب في أكثرها، وقد وجد الإسلام منذ نزوله أعداء مناوئين، فحارب من حاربه وسالم من سالمه، ووضع الحدود والقواعد لحربه وسلمه وما يعرض له فيهما من المسائل الكثيرة التي تتعلق بالمحاربين والمسالمين وأشباه ذلك، مما أحله الفقه الإسلامي أسنى مكان، حتى إنه ليمكن أن يقال: إنه عني بما تقدم من القواعد واتسع لها صدره أكثر من غيرها من الأحكام السياسية؛ لأنها نشأت مع الإسلام ونمت بنموه، وكانت نتيجة لازمة للجهاد والفتوحات الإسلامية العظيمة [٤] . وهذا يدعونا لتعريف علم (السير والمغازي) وموضوعه ونشأته، لنتعرف من خلاله على علم العلاقات الدولية والقانون الدولي الإسلامي بوضوح ... وموضوع السيرة والمغازي هو: عرض حياة الرسول، بذكر الأخبار التي تروى عنه بالروايات المسنَدَة مرتبة على السنين، بحسب وقوع الحوادث التي تشير إليها الأحاديث والأخبار [٥] . فهي إذن: تبحث في حياة الرسول منذ إرهاصات مولده حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وتبحث في حياة صحابته الذين جاهدوا معه، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وفي تاريخ انتشار الإسلام الذي ابتدأ بنزول الوحي على النبي إلى أن دانت الجزيرة العربية به، ودخل الناس في دين الله أفواجاً [٦] . ولئن استعملت كلمة (السيرة) وعرفت قبل أن يجعلها ابن هشام عَلَماً على كتابه، الذي اختصر فيه سيرة ابن إسحاق كما نجدها في بعض الكتابات التاريخية، فإنها بعد نشأة التدوين للعلوم الإسلامية واستقلالها بالتأليف أصبحت (إذا جاء لفظها مفرداً معرفاً قصد به تخصيصاً: (السيرة النبوية) ، أي: تاريخ حياة الرسول من مولده إلى وفاته مع ذكر آبائه وأهل بيته وصحابته، فضلاً عن ذكر خصاله وأحواله وعاداته، ثم الأحداث المرتبطة بالدعوة، كالوحي والهجرة والغزوات والوفود) [٧] ، وإن كان بعض العلماء يرون أن مصطلح (السيرة) في عرف الشرع متى أطلق يراد به طريقة رسول الله في مغازيه على الخصوص. وأما كلمة (المغازي) ، فإنها كانت تعني من حيث وضعها اللغوي: (الحروب والغزوات) ، ثم تخصص معناها فصارات تعني الحروب التي اشترك فيها الرسول وصحابته.. ولكن هذا الاسم تدرج في الزمن فاتسع معناه وشمل تاريخ حياة النبي. ونعلم مما تقدم أن اللفظتين (السيرة) و (المغازي) مستعملتان بمعنى واحد، لا يُفرق بينهما؛ فقد ذكر الحافظ ابن كثير (سيرة ابن إسحاق) وقال: (قال ابن إسحاق في المغازي) [٨] . بقي أن نقول كلمة عن منهج هؤلاء المؤرخين والمحدثين في كتبهم عن (السير) : وهو أنه يتكون من أخبار دقيقة مضبوطة متفرعة من علم الحديث، ولذلك نالها ما ناله من نقد وتمحيص، وكانت هذه السيرة تتألف من القصص الصحيحة والخيالية التي أحاطت بشخص الرسول؛ بسبب إجلال المسلمين له، وأخذ المؤرخون يجمعون هذه القصص ويركبونها ويربطون بينها، مستعينين بالآيات القرآنية الكريمة، إلا أن منهج المحدثين الدقيق في الرواية كان له الغلبة على منهج المؤرخين، بما له من صبغة علمية دقيقة، وكان غالباً في المدينة أكثر منها في أي موطن آخر؛ لارتباط المؤرخين فيها بالأحاديث الصحيحة أكثر من المؤرخين الآخرين، ففي المدينة ولد منهج تاريخ (السير والمغازي) المتفرع من الحديث والمتأثر به في بادئ الأمر، حيث ظهر الإسناد عند أول كاتبين فيه، وهما: (أبان بن عثمان) و (عروة بن الزبير) ، وإن لم يصر ضربة لازب، وأخذت السير والمغازي تتطور سريعاً، فنجد الزهري يخطو بالتاريخ خطوة إلى الأمام، إذ يحاول أن يربط بين الأحاديث ... ويتوّج هذا التطور بمحمد بن إسحاق الذي يمثل تطور الكتابة في السير، فتتمثل في (سيرته) كل التيارات التاريخية الموجودة في عصره [٩] . وقد عرض العلماء والكتاب المعاصرون لتعريف علم السير، فقال الشيخ محمد أبو زهرة: (يراد بالسير: أحكام الجهاد والحرب، وما يجوز فيها وما لا يجوز، وأحكام الصلح والموادعات، وأحكام الأمان وممن يجوز، ثم أحكام الغنائم والفدية والاسترقاق، وغير ذلك مما يكون في الحروب وأعقابها ... ) [١٠] ، ويقول أستاذنا (د. مصطفى كمال وصفي) : (ويسمى العلم الذي يبحث في علاقات المسلمين بالأمم الأخرى باسم: (علم السير) ، أي: سيرة المسلمين في غيرهم من الأمم من حربيين ومعاهدين ومستأمنين وأهل ذمة) [١١] ، ثم يوازن بينه وبين القانون الدولي العام، فيقول: (وهو يختلف في موضوعه عن القانون الدولي العام الحديث في أن الأصل فيه: أنه يبحث في التزام المسلمين نحو غير المسلمين، ولو كانوا أفراداً يسكنون دار الإسلام، فهو ليس مخصصاً لبحث العلاقات الدولية فقط) [١٢] . ونخلص إلى تعريف علم السير، بأنه: (العلم الذي يبحث في تنظيم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في حال السلم والحرب) . القانون الدولي الإسلامي: لم يستخدم فقهاء الشريعة مصطلح (القانون الدولي) ؛ لأنه من المصطلحات الحديثة، وقد استخدم علماء الإسلام كلمة (القانون) بصيغة المفرد عنواناً على مؤلفات في فنون مختلفة كاللغة والتوحيد والفقه منذ قرون، فكان هذا مؤشراً على جواز ذلك، وأنه لا محذور فيه ما لم يتعد التسمية إلى التأثر بمضمون أجنبي عن الإسلام، ومن الأمثلة على ذلك: كتاب (قوانين الوزارة) للماوردي، في السياسة الشرعية، و (قانون التأويل) للقاضي أبي بكر بن العربي، وهو يتناول القواعد المنهجية لطلاب العلوم الشرعية [١٣] . وفي العصر الحديث درج كثير من الكتاب والمؤلفين في الفقه الإسلامي على استخدام كلمة القانون في فروع كثيرة من الفقه، مثل: (قانون الأحوال الشخصية) و (القانون الجنائي) و (القانون الدستوري) و (القانون الإداري) و (القانون الدولي) مضافة إلى الإسلام أو الشريعة، ولعل ذلك كان نتيجة الدراسة المقارنة بين الشريعة والقانون، ورغبة في تقريب أحكام الفقه الإسلامي إلى الدارسين غير المتخصصين من دراسي القانون الوضعي، ولأسباب أخرى غير ذلك. ولذلك حاول بعض الباحثين والكتاب تعريف القانون الدولي الإسلامي، ومن هذه التعريفات: عرفه د. محمد حميد الله الحيدرآبادي بأنه: (ذلك القسم من قواعد القانون والعرف في الدولة، ومن الالتزامات التي تضمنتها المعاهدات التي ترعاها الدولة الإسلامية القائمة فعلاً، أو قانوناً في تعاملها مع الدول الأخرى القائمة فعلاً، أو قانوناً) [١٤] ، بينما لا يعتقد أستاذنا د. جعفر عبد السلام أن وضع تعريف للقانون الدولي في الشريعة الإسلامية من المسائل الدقيقة، خاصة وأن المحاولات التي بذلت للقيام بهذه المهمة حديثاً لم تتفق على هذا المدلول، ويعتقد أن الأفضل في مجال دراسة الشريعة: الإبقاء على المصطلحات الأساسية لها، وعدم تعريف المصطلحات الأجنبية وفقاً لأحكام الشريعة حتى تظل المقارنة في إطارها الصحيح [١٥] . إن اهتمام فقهاء الإسلام بهذا الجانب من الفقه جعلهم يفردونه بالتأليف؛ تمهيداً لقواعده، وبسطاً لأحكامه، وبياناً لآثاره؛ ولذلك سنُلمع هنا إلى التطور التاريخي لتدوين (علم السير) عند الفقهاء، مع أثارة من منهجهم الذي يقوم على سرد الوقائع والحوادث ضمن ما اتخذوه من منهج علمي دقيق في الرواية يقوم على الإسناد. فقد كان الفقهاء المتقدمون من الصدر الأول يتناولون موضوع السير إما في (باب الجهاد) أو في أبواب أخرى: كالمغازي، والغنائم، والردة، وعهد الأمان، والجزية، وتفاوتت عنايتهم واهتمامهم بهذا الجانب، تأليفاً، وتدريساً، وكان من أوائل الفقهاء الذين أولوا هذا الجانب عناية: الإمام الشعبي، والأوزاعي، ... والثوري، والفزاري، إلا أن أبا حنيفة وتلاميذه كان لهم القدح المعلى في ذلك. وأول من صُنف في (السير) واتخذ هذا المصطلح للدلالة على ما نسميه اليوم القانون الدولي الإسلامي هو: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وهذا ما يميل إليه الباحثون في هذا العلم، فقد قال أبو الوفا الأفغاني: (إن من أقدم ما صنف في السير (كتاب السير) للإمام أبي حنيفة النعمان، أملاه على أصحابه: أبي يوسف، وزفر، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحفص بن غياث النخعي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعافية بن يزيد، وحماد ابنه.. وأضرابهم من الأئمة الكبار، فرووه عنه، وزادوا فيه، ورتبوه، وهذبوه، حتى نسب إليهم، نحو كتاب (السير) للحسن بن زياد، و (السير الصغير) للإمام محمد بن الحسن) [١٦] . وأما الذي كان له عناية خاصة بعلم السير، وأفرده بالتأليف، واستقصى أحكامه وما يتعلق به، فهو الإمام محمد بن الحسن الشيباني؛ يقول د. محمد حميد الله: (لعل اتخاذ هذا المصطلح (السير) للدلالة على القانون الدولي الإسلامي كان في القرن الثاني الهجري، فقد عُرف عن أبي حنيفة أنه أول من استعمل مصطلح (سيرة) لتمييز مجموعة من دروسه التي كان يلقيها عن قوانين الإسلام في الحرب والسلم، وقد نشرت هذه الدروس منقحة على أيدي عدد من تلاميذه، وصل إلينا منها بصورة من الصور كتابا (السير الصغير) و (السير الكبير) للشيباني، وقد نقد فقيهَ العراق أبا حنيفة فقيهٌ معاصر له، هو إمام الشام الأوزاعي، ولم يصلنا ماكتبه الأوزاعي، ولكن وصلنا ما نشره ردّاً عليه تلميذ أبي حنيفة الشهير (أبو يوسف) باسم (الرد على سير الأوزاعي) ، ويشير الشافعي كذلك إلى سير الأوزاعي في كتاب (الأم) ، كما يشير إلى سير الواقدي، ومن ثم: يبدو أن الكلمة قد صارت مصطلحاً فنيًّا يشيع استعماله بين الفقهاء في مختلف العصور) [١٧] . وبعد هذه الإلمامة في علم السير نلاحظ أن هذه النشأة كانت في القرن الثاني الهجري، ثم اتسعت الكتابة فيما بعد وتنوعت، وأن فقهاء السنة كان لهم فضل السبق في ذلك، ولكن بعض الباحثين يذكر كتاباً للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وقد كان فقيهاً ومحدثاً وقد دون أحد تلاميذه كتابين، هما: (مجموع الحديث) و (مجموع الفقه) ، ويسمى كلاهما: (المجموع الكبير) ، وتلميذه هذا هو (أبو خالد الواسطي) ، ونجد في هذا (المجموع الكبير) للإمام زيد ترتيباً لكتبه وأبوابه كترتيب كتب الفقه، ومنها كتاب (السير) ، وأول باب فيه: (باب الغزو والسير) ، ثم تتابعت الأبواب في فضل الجهاد والشهادة، وقسمة الغنائم، والعهد والذمة ... وقد اختلف العلماء حوله في أمرين: أولهما: قبول راوي المجموع، حيث جرحه علماء السنة واتهموه بالوضع ووثقه علماء الزيدية وقبلوا روايته واعتمدوها، ... وثانيهما: كيفية تدوين المجموع؛ هل دونه الإمام زيد ﵁ بقلمه ونقله عنه أبو خالد، أم أنه أملاه على تلميذه، أم روى عنه تلميذه (مجموع الأحاديث) و (مجموع الفقه) ثم دونهما ورتبهما؟ ، وانتهى الشيخ أبو زهرة بعد مناقشة ما قيل في هاتين المسألتين إلى أن العلماء تلقوا (المجموع) في كل الأجيال بالقبول. ولكن الدراسة المتأنية للمجموع تصل إلى نتيجة مخالفة لهذا القول، تجعلنا لا نطمئن إلى نسبة هذا الكتاب للإمام زيد ﵁ ، فإذا رجعنا إلى أقوال جهابذة علماء الجرح والتعديل من أهل السنة: فإننا لن نرتضي قبول رواية (أبي خالد الواسطي) الذي انفرد برواية (المجموع) عن الإمام زيد؛ لأنه كذّاب وضاع، كما أنه تفرد بروايته عن أبي خالد: إبراهيم ابن الزبرقان، هذا فضلاً عن عدم ذكر رجل كابن النديم هذا الكتاب في (فهرسته) [١٨] مع عنايته الشديدة بذكر الفقهاء من الشيعة بصفة عامة [*] . ... وللحديث بقية.
следующие страницы →