← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

احتدام شدة المعارك في أرتيريا في الوقت الذي تستعد فيه أديس أبابا لاستضافة احتفالات الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية (٢٣-٢٦/٥/١٩٨٨) باتت على وشك فقدان السيطرة التامة على إقليمي أرتيريا وتيجري الشماليين في خضم حربها مع أهالي الإقليمين. فقد فقدَ الجيش الأثيوبي السيطرة على الطريق الرئيسي الموصل بين أديس أبابا والبحر الأحمر بالإضافة إلى تقهقره عن العديد من المدن الرئيسية خلال الفترة الممتدة من شهر شباط المنصرم حتى الآن. وقد كانت الحكومة الأثيوبية قد أمرت جميع الأثيوبيين في منتصف شهر أيار (مايو) بالتبرع بمرتب شهر واحد وذلك مساهمة في دعم المجهود الحربي، كما أعلنت حالة الطوارئ في الإقليمين المذكورين، ورفعت شعار: كل شيء من أجل الحرب. وتبدو حكومة أديس أبابا المركزية - ولأول مرة منذ اندلاع الحرب هناك قبل ٢٦ عاماً - وكأنها على عتبة خسارة الجولة الأخيرة من القتال. ويقول المراقبون إن كل شيء مرتبط بإمكانية الجيش الأثيوبي على شن هجوم معاكس لاستعادة الطرق والمدن الرئيسية التي فقدها. هذا وكان الأثيوبيون قد انسحبوا من جميع المدن الواقعة إلى الشرق. من مدينة (كرن) (انظر الخريطة) التي يقول الأرتيريون أنهم يستعدون لدخولها، ومن المعلوم أن جميع الطرق المؤدية إلى مدينتي أسمرة (العاصمة) وكرن قد قطعت وأن تموين المدينتين قد أصبح متعذراً إلا من طريق الجو. وتأتي هذه الانتكاسات العسكرية في وقت أخذت فيه روسيا تفكر ملياً في الحد من نفقاتها العسكرية الضخمة الناتجة عن تورطاتها في نزاعات داخلية كهذه. ولا سيما في أعقاب الصفعات التي تلقتها على أيدي الأفغان. الأندبندنت ٢١/٥/١٩٨٨

стр. 247

ارتفاع هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي جنيف/رويتر قالت اللجنة الدولية لشؤون الهجرة يوم ٢/٥/١٩٨٨ م أن الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي قد ارتفعت في شهر نيسان لتصل إلى (١٠٧٧) مهاجر وهو أعلى رقم تصله الهجرة في شهر واحد منذ شهر أيار من عام ١٩٨١ م عندما بلغ عدد المهاجرين (١١٤٠) . وكان (٩٤٤) يهودياً قد غادروا الاتحاد السوفييتي في شهر نيسان من هذا العام في حين بلغ عدد اليهود الذين غادروا الاتحاد السوفييتي ابتداءً من هذا العام (٣٤٠٢) بالمقارنة مع (١٤٣١) غادروا خلال الأشهر الأربع الأولى من عام ١٩٨٧. كما بلغ عدد اليهود الذين غادروا الاتحاد السوفييتي خلال العام الماضي (٨٠١١) وهو يشكل ثمانية أضعاف العدد الذي غادر في عام ١٩٨٦ م كما يشكل أكبر عدد من اليهود سمح لهم بالمغادرة منذ عام ١٩٨١ م عندما بلغ عددهم (٩٥٦٠) . التايمز ٣/٥/١٩٨٨ م.

стр. 248

بأقلام القراء التماس البركة في الوقت صالح عبد الهذلول كثير من أهل الخير والصلاح وخاصة من تكون الدعوة إلى الله هي شغلهم ومعظم اهتمامهم يشكون من قلة الوقت وسرعة مروره دونما نتائج تستحق كل ذلك، بل إن بعضهم يتحسر أحياناً بسبب فوات كثير من الفرص وترك كثير من الأعمال بسبب ضيق الوقت. ولكن مما ينبغي معرفته في هذا الشأن وملاحظته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما رغب في قيام الليل مثلاً وصلاة الوتر أو قراءة القرآن، لم يكن جاهلاً بمشاغل الداعية أو أنه قال ذلك الكلام من فراغ، بل إنه ﷺ كبير الدعاة إلى الله ومع ذلك رغب فيما رغب فيه، هذه ناحية، وأخرى أن جهد البشر قاصر وطاقتهم محدودة، فلهذا لابد من التزود من مثل هذه المحاطِّ التي ذكرها الرسول ﷺ وعملها، وإلا فالمخالفة والضعف، وربما غيرها كذلك. ثم إنه لا يستبعد أن قلة البركة في الوقت والتي يشكو منها الدعاة ناتجة عن الارتجالية في توزيعه، لا تلمس هدى النبي ﷺ في ذلك، نعم قد يمر على الداعية وقت ينشغل فيه عن قراءة القرآن أو صلاة الوتر أو يعجز عن قيام الليل أو ... بسبب انهماك في أعمال الدعوة لكن هذا لا يكون دائماً، وإنما هي حالات تطرأ، كما ورد عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها كانت تؤخر قضاء أيام من رمضان حتى يأتي عليها شعبان لانشغالها بأعمال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن ذلك أحياناً وليس غالباً. ومرة ثانية أقول: إن توزيع الوقت لنا - نحن المسلمين - يجب أن يكون أصيلاً مستلهماً من شريعتنا ومتبعاً فيه هدى الرسول ﷺ . وسأذكر مثالاً على التخبط عندنا في توزيع الوقت: وهو ترك صلاة الوتر وعدم قيام الليل وإن من أسباب ذلك وأقواها النوم متأخراً، وهذا لا شك خلاف هدي الرسول ﷺ - إلا ما استثني من ذلك - فتجد كثيراً من أهل الصلاح لا ينام إلا متأخراً، وربما منعه شغل يسير أو تشاغل حتى منتصف الليل أو بعده حتى لا يقال نام مبكراً أو يعرف عنه التبكير بالنوم! ! صحيح أن الداعية يجب أن يبذل نفسه ووقته في سبيل الله ولكن يراعي في ذلك تلمس السنة ويراعي في ذلك أيضاً تفاضل الأعمال، ثم إذا جاءه عارض وشغله عن التبكير أحياناً، فلا ينبغي أن يعتاد ذلك. ثم لنعلم أن الرسول ﷺ عوتب في موقفه من عبد الله أم مكتوم ﵁ حينما جاءه ليعلمه الرسول مما علمه الله، وكان الرسول - ﷺ مشغولاً مع صناديد قريش يطمع في إسلامهم، فعاتبه الله في ذلك عندما ردَّ وعبس في وجه ابن أم مكتوم، فلنتذكر مثل هذا الموقف عندما يجيء أحد ليسمع منك أيها الداعية كلام الله أو يشكو إليك أمراً في دينه فتمنعه أو تغلق الباب دونه بحجة النوم مبكراً. هذا والله أسأل أن يمن علي وعلى إخواني المسلمين بالهدى والسداد وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.

стр. 249

ذو الحجة - ١٤٠٨هـ أغسطس - ١٩٨٨م (السنة: ٣)

стр. 250

الافتتاحية عواقب التبذير هل المسلمون فقراء؟ وهل صحيح أن الله حرمهم حيث وسَّع على غيرهم؟ عن ذلك علواً كبيراً. إن فضل الله على المسلمين لا حدود له، ولا يحيط به وصف، وإن ما حباهم به من الخير تتحلب له نفوس غيرهم، وتتكالب على الظفر ببعضه القُوى من شرق وغرب. إذن، فما سر هذا الضنك الذي يعيش به المسلمون، وماذا وراء هذا الهوان الذي يلفُّهم حينما تُطرح قضاياهم على موائد المساومات؟ ! إن هذا السؤال يقضّ مضجع كل مَن يحمل قلباً من المسلمين، ويؤرقه ليل نهار بحثاً عن الجواب. وعلى كثرة الأجوبة وتشعبها، ومن خلال تجميع الأسباب للخروج بنتيجة يمكن إبرازها؛ فإن هناك ظاهرة تصب في أسباب الضعف والتراجع، ألا وهي ظاهرة التبذير والإسراف. وحينما نقول: ظاهرة؛ فإننا نعني أن الأمر خرج عن أن يكون مسلكاً فردياً لقلة من الأفراد لا تأثير لهم في المجتمع الكبير. ولو كان الأمر كذلك لما استحق أن يُنَوَّه به كسبب رئيسي من أسباب التخلف والانحطاط. ونريد أن نتقدم خطوة أخرى فنقول: إن من شأن البعيدين عن هدْي الإسلام والقرآن إذا اغتنوا أو ملكوا شيئاً من أسباب القوة أن يدفعهم ذلك إلى الإسراف والبطر والتعالي على خلق الله، وعيش اللحظة الراهنة دون تفكير بالعواقب، ولا وضْع النهايات في الاعتبار. ولكن حديثنا لن يتجه إلى هؤلاء، وإنما يعنينا أن نتوجه إلى من يفترض فيهم بُعد النظر، وعدم الاغترار باللحظة العابرة، وهم الذين يهمهم أمر المسلمين، ويعيشون من أجل الفكرة الإسلامية، لها يعملون، وفي سبيلها يضحون. يحسن بالمسلم أن يفرق بين الكرم - الذي هو خلق أصيل من الأخلاق الإسلامية - وبين التهور في التبذير. فكثير من فضلاء المسلمين يدفعهم الخوف من وصفهم بالبخل، وحرصهم على أن يوصفوا بالكرم إلى أن يتكلفوا في المأكل والمشرب والملبس والمركب، ويقلدوا من يطفون على صفحة المجتمع من محدثي النعمة، وعندما تتحول القيادة الفكرية في مجتمع ما إلى مثل هؤلاء الذين يضربون أسوأ الأمثلة للآخرين، في غيبة المبادىء التي تعمل على تماسك المجتمع في وجه الرياح التي تهب عليه من كل جانب؛ فأي خير يبقى في الحياة، وأي أمل في تحسن الأحوال؟ ! إن المجتمع المسلم بحاجة إلى مثل أعلى في هذا المجال غير من تملأ أخبارهم أعمدة الصحف والمجلات، مثل أعلى في الحكمة والتعقل في مجال الإنفاق، والبعد عن تضييع الأموال في ما لا يُجدي. وعلى عقلاء المسلمين الانتباه إلى حسن التدبير والنظر إلى مستقبل الدعوة الإسلامية، فهذه الدعوة إذا تحسن حالها بما يبذله المحسنون في سبيلها عن طريق التبرع والإحسان؛ فإن حالها سيكون أحسن إذا قامت مشاريع ومؤسسات صلبة قادرة على الوقوف بذاتها دون الاعتماد المتواصل على الصدقات والهبات - وهذا ليس تعريضاً أو تشهيراً بالصدقات - وأول خطوة في سبيل ذلك أن ينهض بهذا الأمر أناس ينفرون من المظاهر، ويتحرون البعد عن التنطع الذي يمحق البركة. فالبركة في المفهوم الإسلامي ليست أمراً خيالياً يصعب تعليله، وإنما هي ثمرة الجهد الذي يصدر من أناس أخلصوا نيتهم لله، وتبرؤوا من كل حول وطوْل إلا من الاعتماد عليه في كل شأن من شؤونهم، وبذلوا وسعهم، وحين يعلم الله - سبحانه - صدق تجردهم، وبذلهم جهد طاقتهم يجعل الله لقليلهم ثمرة، ويبارك جهدهم، كما قال تعالى: [لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً] [الطلاق: ٧] . فما بالك بالكثير المثمَّر؟ ، في حين يمحق - سبحانه - جهود من يحادّونه ويصدون عن سبيله ولو كان القناطير المقنطرة التي تُنفق من أجل ذلك؛ مصداقاً لقوله : [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] [الأنفال: ٣٦] . إننا لا نأتي بجديد إذا دعونا المسلمين إلى الاقتصاد في النفقة والبعد عن تبديد نعمة الله فيما لا يعود بالفائدة؛ فقد قال رسول الله ﷺ : (إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) [رواه مسلم ٥: ١٣٠] . وما لم يعلنها المسلمون - وأخص العرب منهم الذين أكرمهم الله بهذا الدين، وامتنَّ عليهم بأن جعلهم في سرة العالم، وأتمنهم على تبليغ هذه الرسالة للعالمين - أقول: ما لم يعلنها المسلمون حرباً على التبذير في كل مجال فإن اليوم الذي ستغزوهم فيه منظمات الإغاثة قريب، والساعة التي ستجعلهم في عداد الدول التي تتناوشها هذه المنظمات من كل جانب، والبنك الدولي من جانب آخر تلوح في الأفق، ومن يدري عندها؟ فقد يحقق هؤلاء فتنة المسلمين عن دينهم، وهو ما عجزوا عن تحقيقه قبلاً بقوة السلاح، وأمامنا أمثلة حية من بنغلاديش وموزمبيق والحبشة وغيرها.

стр. 251

مجددون معاصرون رواد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الحميد بن باديس في مدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، ومن أسرة عريقة في المجد والثراء والعلم وُلد الشيخ عبد الحميد بن باديس عام ١٣٠٨ هـ/١٨٨٩م، فهو ينتسب إلى الأسرة الباديسية المشهورة في التاريخ. فالمعز بن باديس (٤٠٦-٤٥٣) هو الذي أبعد النفوذ العُبيدي (الفاطمي) عن المغرب، وعمل على تنظيم انفصال المغرب الإسلامي سياسياً ومذهبياً عن الحكم العبيدي، وحارب الشيعة الرافضة في إفريقية، وحمل الناس على اعتناق المذهب السني، وكان الشيخ عبد الحميد يفتخر بأعمال هذا الجد، أما والده محمد المصطفى فهو من كبار الموظفين والوجهاء في قسنطينة، وعضو المجلس الجزائري الأعلى، وقد عرف دائماً بدفاعه عن مطالب السكان المسلمين في قسنطينة، يقول عنه ابنه: (إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي رباني تربية صالحة ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها، ومشرباً أرده، وقاتني وأعاشني وبراني كالسهم وراشني وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً..) [١] . فهذا الوالد لم يحاول ثني الشيخ عن أي عمل يقوم به في الدعوة كعادة الآباء الذين في مثل وظيفته ووجاهته، كما أنه لم يُلحِقه بالمدارس الفرنسية كغيره من أبناء العائلات الكبيرة. نشأ ابن باديس في بيئة علمية، فقد حفظ القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ثم تتلمذ على الشيخ (أحمد أبو حمدان الونيسي) ، فكان من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني، ولا ينسى ابن باديس أبداً وصية هذا الشيخ له: (اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة) ، بل أخذ عليه عهداً ألا يقرب الوظائف الحكومية عند فرنسا. في جامع الزيتونة: في عام ١٩٠٨ قرر ابن باديس - وهو الشاب المتعطش للعلم - أن يبدأ رحلته العلمية الأولى إلى تونس، وفى رحاب جامع الزيتونة الذي كان مقراً كبيراً للعلم والعلماء يُشبه في ذلك الأزهر في مصر. وفي الزيتونة تفتحت آفاقه، وعبّ من العلم عبًّا، والتقى بالعلماء الذين كان لهم تأثير كبير في شخصيته وتوجهاته، مثل الشيخ محمد النخلي الذي غرس في عقل ابن باديس غرسة الإصلاح وعدم تقليد الشيوخ، وأبان له عن المنهج الصحيح في فهم القرآن. كما أثار فيه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور حب العربية وتذوّق جمالها، ويرجع الفضل للشيخ البشير صفر في الاهتمام بالتاريخ ومشكلات المسلمين المعاصرة وكيفية التخلص من الاستعمار الغربي وآثاره. تخرج الشيخ من الزيتونة عام ١٩١٢ وبقي عاماً آخر للتدريس حسب ما تقتضيه تقاليد هذه الجامعة، وعندما رجع إلى الجزائر شرع على الفور بإلقاء دروس في الجامع الكبير في قسنطينة، ولكن خصوم الإصلاح تحركوا لمنعه، فقرر القيام برحلة ثانية لزيارة أقطار المشرق العربي. في المدينة النبوية: بعد أداء فريضة الحج مكث الشيخ ابن باديس في المدينة المنورة ثلاثة أشهر،ألقى خلالها دروساً في المسجد النبوي، والتقى بشيخه السابق (أبو حمدان الونيسي) وتعرف على رفيق دربه ونضاله - فيما بعد - الشيخ البشير الإبراهيمي. وكان هذا التعارف من أنعم اللقاءات وأبركها، فقد تحادثا طويلاً عن طرق الإصلاح في الجزائر واتفقا على خطة واضحة في ذلك. وفي المدينة اقترح عليه شيخه (الونيسي) الإقامة والهجرة الدائمة، ولكن الشيخ (حسين أحمد الهندي) المقيم في المدينة أشار عليه بالرجوع للجزائر لحاجتها إليه، فكانت خير نصيحة. زار ابن باديس بعد مغادرته الحجاز بلاد الشام ومصر واجتمع برجال العلم والأدب وأعلام الدعوة السلفية، وزار الأزهر واتصل بالشيخ بخيت المطيعي حاملاً له رسالة من الشيخ (الونيسي) . العودة إلى الجزائر: وصل ابن باديس إلى الجزائر عام ١٩١٣ واستقر في مدينة قسنطينة، وشرع في العمل التربوي الذي صمم عليه، وهو إنقاذ أطفال المسلمين وشبانهم من هوة الجهل والتخلف، فبدأ بدروس للصغار ثم للكبار، والمسجد هو المركز الرئيسي لنشاطه، ثم تبلورت لديه فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين والتي تحدثنا عنها في العدد السابق، ولكن نشاط الشيخ كان متعدداً، واهتماماته كثيرة لا يكتفي أو يقنع بوجهة واحدة، فاتجه إلى الصحافة، وأصدر جريدة (المنتقد) عام ١٩٢٥ وأُغلقت بعد العدد الثامن عشر؛ فأصدر جريدة (الشهاب) الأسبوعية، التي بث فيها آراءه في الإصلاح، وخاصة إصلاح عقائد الناس من الخرافات والدجل وأساليب الطُّرُقيين، واستمرت كجريدة حتى عام ١٩٢٩ ثم تحولت إلى مجلة شهرية علمية، وكان شعارها: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها) ، وتوقفت المجلة في شهر شعبان ١٣٢٨هـ / أيلول عام ١٩٣٩م بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وحتى لا يُكتب فيها أي شيء تريده الإدارة الفرنسية تأييداً لها، وفي سنة ١٩٣٦ دعا إلى مؤتمر إسلامي يضم التنظيمات السياسية كافة من أجل دراسة قضية الجزائر، وقد وجه دعوته من خلال جريدة (لاديفانس) التي تصدر بالفرنسية، واستجابت أكثر التنظيمات السياسية لدعوته وكذلك بعض الشخصيات المستقلة، وأسفر المؤتمر عن المطالبة ببعض الحقوق للجزائر، وتشكيل وفد سافر إلى فرنسا لعرض هذه المطالب وكان من ضمن هذا الوفد ابن باديس والإبراهيمي والطيب العقبي ممثلين لجمعية العلماء، ولكن فرنسا لم تستجب لأي مطلب وفشلت مهمة الوفد. إن هذه الدعوة للمؤتمر وحضوره، وذهاب وفد العلماء إلى فرنسا كانت اجتهاداً من ابن باديس ﵀ يرى فيه مصلحة الجزائر ولكن يجب الاعتراف هنا بأن هذه الخطوة كانت خطأً وبشتى المقاييس التي تقوّمه سابقاً ولاحقاً، وتد أصاب الأستاذ مالك بن نبي عندما اعتبر هذا المؤتمر نقطة ضعف في شخصية العلماء حين لجأوا إلى الأساليب غير المجدية؛ لأنها أساليب الضعفاء للحصول على فتات الموائد. واستغل السياسيون هذا المؤتمر ليصلوا إلى أهدافهم الهزيلة، وأما غير مالك ابن نبي ممن يهاجم جمعية العلماء - فهم في الحقيقة لا يتقون الله في خصوماتهم، ويتكلمون من منطق الحقد والخصومات السياسية الشخصية. ومثل هذا الخطأ من ابن باديس لا ينبغي أن يحجب عنا العمل العظيم الذي قام به وهو قيادة جمعية العلماء منذ تأسيسها عام ١٩٣١م وحتى وافاه الأجل عام ١٩٤٠م وفقدت الجزائر بفقده عالماً مجدداً ومصلحاً مربياً، وضع كل جهده وإمكاناته لرفع شأن المسلمين في الجزائر، ولم يشغله ذلك عن أوضاع المسلمين في كل مكان. العوامل المؤثرة في شخصية ابن باديس: لا شك أن البيئة الأولى لها أثر كبير في تكوين شخصية الإنسان، وفي بلد كالجزائر عندما يتفتح ذهن المسلم على معاناته من فرنسا، وعن معاناته من الجهل والاستسلام للبدع - فسيكون هذا من أقوى البواعث لأصحاب الهمم وذوي الإحساس المرهف على القلق الذي لا يهدأ حتى يحقق لدينه ولأمته ما يعتبره واجباً عليه، وكان ابن باديس من هذا النوع، وإن بروز شخصية كابن باديس من بيئة ثرية ذات وجاهة لَهو دليل على إحساسه الكبير تجاه الظلم والظالمين، وكان بإمكانه أن يكون موظفاً كبيراً ويعيش هادئاً مرتاح البال ولكنه اختار طريق المصلحين. وتأتي البيئة العلمية التي صقلت شخصيته وهذبت مناحيه والفضل الأكبر يعود إلى الفترة الزيتونية ورحلته الثانية إلى الحجاز والشام حيث يعرف على المفكرين والعلماء الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما دعا إليه ... من نقاء العقيدة وصفائها. وكان لمجلة (المنار) التي يصدرها الشيخ رشيد رضا أثر ... قوي في النظر لمشكلات المسلمين المعاصرة والحلول المطروحة. ... ومما شجع ابن باديس وأمضى عزيمته وجود هذه العصبة المؤمنة حوله، وقد وصفهم هو بالأسود الكبار - من العلماء والدعاة أمثال الإبراهيمي والتبسي والعقبي والميلي ... وقد عملوا معه في انسجام قلّ أن يوجد مثله في الهيئات الأخرى. آثار ابن باديس: شخصية ابن باديس شخصية غنية ثرية ومن الصعوبة في حيز ضيق من الكتابة الإلمام بكل أبعادها وآثارها؛ فهو مجدد ومصلح يدعو إلى نهضة المسلمين ويعلم كيف تكون النهضة. يقول: " إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآثر، وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة، متساندة في العمل عن فكر وعزيمة ". وهو عالم مفسر، فسر القرآن كله خلال خمس وعشرين سنة في دروسه اليومية كما شرح موطأ مالك خلال هذه الفترة، وهو سياسي يكتب في المجلات والجرائد التي أصدرها عن واقع المسلمين وخاصة في الجزائر ويهاجم فرنسا وأساليبها الاستعمارية ويشرح أصول السياسة الإسلامية، وقبل كل هذا هو المربي الذي أخذ على عاتقه تربية الأجيال في المدارس والمساجد، فأنشأ المدارس واهتم بها، بل كانت من أهم أعماله، وهو الذي يتولى تسيير شؤون جمعية العلماء، ويسهر على إدارة مجلة الشهاب ويتفقد القاعدة الشعبية باتصالاته المستمرة. إن آثار ابن باديس آثار عملية قبل أن تكون نظرية في كتاب أو مؤلَّف، والأجيال التي رباها كانت وقود معركة تحرير الجزائر، وقليل من المصلحين في العصر الحديث من أتيحت لهم فرص التطبيق العملي لمبادئهم كما أتيحت لابن باديس؛ فرشيد رضا كان يحلم بمدرسة للدعاة، ولكن حلمه لم يتحقق، ونظرية ابن باديس في التربية أنها لا بد أن تبدأ من الفرد، فإصلاح الفرد هو الأساس. وطريقته في التربية هي توعية هذا النشء بالفكرة الصحيحة كما ذكر الإبراهيمي عن اتفاقهما في المدينة: (كانت الطريقة التي اتفقنا عليها سنة ١٩١٣ في تربية النشء هي ألا نتوسع له في العلم وإنما نربيه على فكرة صحيحة) [٢] . وينتقد ابن باديس مناهج التعليم التي كانت سائدة حين تلقيه العلم والتي كانت تهتم بالفروع والألفاظ - فيقول: (واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية، مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفني الأعمار قبل الوصول إليها) [٣] . أما إنتاجه العلمي فهو ما جمع بعد من مقالاته في (الشهاب) وغيرها ومن دروسه في التفسير والحديث [٤] .

стр. 252

الشيخ البشير الإبراهيمي زميل ابن باديس في قيادة الحركة الإصلاحية، ونائبه في رئاسة جمعية العلماء، ورفيق نضاله لتحرير عقل المسلم من الخرافات والبدع. ولد عام ١٨٨٩م في قرية (سيدي عبد الله) من نواحي (سطيف) التابعة لمدينة قسنطينة. تلقى تعليمه الأوَّلي على والده وعمه؛ فحفظ القرآن ودرس بعض المتون في الفقه واللغة. غادر الجزائر عام ١٩١١ ملتحقاً بوالده الذي كان قد سبقه إلى الحجاز، وتابع تعليمه في المدينة، وتعرف على الشيخ ابن باديس عندما زار المدينة عام ١٩١٣، غادر الحجاز عام ١٩١٦ قاصداً دمشق، حيث اشتغل بالتدريس، وشارك في تأسيس المجمع العلمي الذي كان من غاياته تعريب الإدارات الحكومية، وهناك التقى بعلماء دمشق وأدبائها، ويتذكرهم بعد ثلاثين سنة من عودته إلى الجزائر فيكتب في (البصائر) العدد ٦٤ عام ١٩٤٩: (ولقد أقمت بين أولئك الصحب الكرام أربع سنين إلا قليلاً، فأشهد صادقاً أنها هي الواحة الخضراء في حياتي المجدبة، وأنها هي الجزء العامر في عمري الغامر، ولا أكذب الله، فأنا قرير العين بأعمالي العلمية بهذا الوطن (الجزائر) ولكن ... مَن لي فيه بصدر رحب، وصحب كأولئك الصحب؛ ويا رعى الله عهد دمشق الفيحاء وجادتها الهوامع وسقت، وأفرغت فيها ما وسقت، فكم كانت لنا فيها من مجالس نتناقل فيها الأدب، ونتجاذب أطراف الأحاديث العلمية ... ) . فى عام ١٩٢٠ غادر الإبراهيمي دمشق إلى الجزائر، وبدأ بدعوته إلى الإصلاح ونشر العلم في مدينة (سطيف) ، حيث دعا إلى إقامة مسجد حر (غير تابع للإدارة الحكومية) وفي عام ١٩٢٤ زاره ابن باديس وعرض عليه فكرة إقامة جمعية العلماء، وبعد تأسيس الجمعية اُختِير الإبراهيمي نائباً لرئيسها، وانتدب من قِبل الجمعية لأصعب مهمة وهى نشر الإصلاح في غرب الجزائر وفى مدينة وهران وهي المعقل الحصين للصوفية الطرقيين، فبادر إلى ذلك وبدأ ببناء المدارس الحرة، وكان يحاضر في كل مكان يصل إليه، وهو الأديب البارع والمتكلم المفوَّه، وامتد نشاطه إلى تلمسان وهى واحة الثقافة العربية في غرب الجزائر وقامت قيامة الفئات المعادية من السياسيين والصوفيين وقدموا العرائض للوالي الفرنسي؛ يلتمسون فيها إبعاد الشيخ الإبراهيمي، ولكن الشيخ استمر في نشاطه، وبرزت المدارس العربية في وهران. وفي عام ١٩٣٩ كتب مقالاً في جريدة (الإصلاح) ؛ فنفته فرنسا إلى بلدة (أفلو) الصحراوية، وبعد وفاة ابن باديس انتخب رئيساً لجمعية العلماء وهو لا يزال في المنفى ولم يُفرج عنه إلا عام ١٩٤٣، ثم اعتقل مرة ثانية عام ١٩٤٥ وأفرج عنه بعد سنة. وفى عام ١٩٤٧ عادت مجلة (البصائر) للصدور، وكانت مقالات الإبراهيمي فيها في الذروة العليا من البلاغة ومن الصراحة والنقد القاسي لفرنسا وعملاء فرنسا. يقول عن زعماء الأحزاب السياسية: (ومن خصومها (أي الجمعية) رجال الأحزاب السياسية من قومنا من أفراد وأحزاب يضادّونها كلما جروا مع الأهواء فلم توافقهم، وكلما أرادوا احتكار الزعامة في الأمة فلم تسمح لهم، وكلما طالبوا تأييد الجمعية لهم في الصغائر - كالانتخابات - فلم تستجب لهم، وكلما أرادوا تضليل الأمة وابتزاز أموالها فعارضتهم) [١] . ودافع في (البصائر) عن اللغة العربية دفاعاً حاراً: (اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة، ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي مشتدة الأواصر مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل) [٢] . واهتمت (البصائر) بالدفاع عن قضية فلسطين؛ فكتب فيها الإبراهيمي مقالات رائعة. عاش الإبراهيمى حتى استقلت الجزائر، وأمّ المصلين في مسجد (كتشاوة) الذي كان قد حُوّل إلى كنيسة، ولكنه لم يكن راضياً عن الاتجاه الذي بدأت تتجه إليه الدولة بعد الاستقلال؛ فأصدر عام ١٩٦٤ بياناً ذكر فيه: " إن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية لا من مذاهب أجنبية ". تُوفي ﵀ يوم الخميس في العشرين من أيار (مايو) عام ١٩٦٥. بعد أن عاش حياة كلها كفاح لإعادة المسلمين إلى دينهم القويم؛ فجزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.

стр. 253

الشيخ العربي التبسي أحد أعمدة الإصلاح في الجزائر، وأمين عام جمعية العلماء والمجاهد البارز الذي خطفته يد التعصب والغدر الفرنسية عام ١٩٥٧ ولم يُسمع له ذِكر بعدها. وُلد الشيخ العربي عام ١٨٩٥ في بلدة (ايسطح) من أعمال (تبسة) التابعة لقسنطينة. حفظ القرآن في قريته ثم انتقل إلى تونس لتلقي العلم في زاوية (الشيخ مصطفى بن عزوز) ، انتقل بعدها إلى جامع الزيتونة؛ فنال منه شهادة الأهلية وعزم على الانتقال إلى القاهرة لمتابعة التحصيل العلمى في الأزهر. عاد إلى الجزائر عام ١٩٢٧ واتخذ من تبسة مركزاً له وفى مسجد صغير في قلب المدينة انطلق الشيخ في دروسه التعليمية وواصل الليل بالنهار لإنقاذ هذا الشعب من الجهل وذل الاستعمار، وبدأت آثار هذا الجهد تظهر في التغيير الاجتماعي والنفسي لأهل تبسة؛ حيث بدأت تختفي مظاهر التأثر بالفرنسيين وبدأ الناس يلتفون حول رجال الإصلاح. وكالعادة ضُيّق على الشيخ، فنصحه ابن باديس بالانتقال إلى غرب الجزائر، فاستجاب لذلك، ولكن أنصاره في تبسة ألحوا عليه بالعودة وأسسوا مدرسة طلبوا منه أن يكون أول مدير لها. وبعد وفاة ابن باديس ونفْي الإبراهيمي اتجهت الأنظار إلى الشيخ العربي ليحمل المسؤولية ويتابع الرسالة الإسلامية وتوافد إليه طلاب العلم من كل مكان، وفي عام ١٩٤٧ تولى العربي إدارة معهد ابن باديس في قسنطينة فقام بالمهمة خير قيام. يقول عنه الإبراهيمي: والأستاذ التبسي - كما شهد الاختبار وصدق التجربة - مدير بارع ومربٍ كامل خرجته الكليتان الزيتونة والأزهر في العلم وخرجه القرآن والسيرة النبوية، فجاءت هذه العوامل في رجل يملأ جوامع الدين ومجامع العلم ومحافل الأدب. وفي عام ١٩٥٦ انتقل الشيخ إلى العاصمة لإدارة شؤون الجمعية فيها، واستأنف دروسه في التفسير وكان شجاعاً لا يخاف فرنسا وبطشها، يتكلم بالحق، ويدعو للجهاد ولم يأبه لتحذير الناصحين المحبين له الذين خافوا عليه من فرنسا والتي كانت تعلم مكانته بين صفوف الجماهير، وأثره عندما يدعوها للجهاد، وهو ليس من الناس الذين يتكلمون ولا يفعلون، بل يقول: لو كنت في صحتي وشبابي ما زدت [١] يوماً واحداً في المدينة؛ أُسرع إلى الجبل، فأحمل السلاح، فأقاتل مع المجاهدين. وفي ١٧ من نيسان (أبريل) عام ١٩٥٧ امتدت يد (الجيش السري) الذي شكَّله غلاة الفرنسيين المتعصبين لتخطف الشيخ العربي من منزله، وليكون في عداد الشهداء، ﵀ رحمة واسعة. هؤلاء أبرز فرسان جمعية العلماء التي كان لها الدور الأكبر في إبراز هوية الجزائر العربية الإسلامية، بل لها دور بارز في الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، ولعلنا - ومن خلال (البيان) - نكون قد قمنا ببعض الواجب تجاه هذه الجمعية وهؤلاء المصلحين.

стр. 254

خواطر في الدعوة المؤسسات القديمة محمد العبدة عندما نتحدث عن التجديد فإنما نأمل من المسلم أن يصوغ شخصيته لتكون عندها القابلية للتجديد، فلا تخضع لمألوفات وعادات غير صحيحة، ولا تجمد عند فكر معين لا تتجاوزه وقد تبين خطؤه أو أنه قيل في ظروف غير موجودة الآن. قد يكون المسلم معجباً بأعلام التجديد في العصور الإسلامية المتعاقبة ويدعو إلى التجديد في كل عصر، ولكنه لا ينتبه لنفسه أنه - وهو يمارس الدعوة - قد جمد على أسلوب معين وأفكار طُرحت قبل سنوات كان قد قرأها في بدايات عهده بالدعوة ولا يستطيع التحول عنها؛ فالنفس البشرية تميل للمحافظة على ما ألفت، وكثير من الناس لا يتعبون أنفسهم بالتفكير المستمر والنمط الذي عرفوه أسهل عليهم، ولا ينتشل نفسه من هذه (السهولة) إلا مَن أُوتي عزماً أكيداً للتطلع إلى الأفضل ... دائماً، وملاحظة التغيرات المستجدة، والظروف الطارئة، فهو في تجديد مستمر بين كل فينة وأخرى. إن بعض الناس قد يحيطون مؤسسة ما - وخاصة إذا عُمرت طويلاً - بهالة من التقديس، وعندئذ فإن انتقادها أو التدخل في شؤونها يعتبر ضرباً من التطاول على الحرمات والانتهاك للمقدسات! ، وفي مثل هذه الأحوال فإن صبّ تيار جديد قوي لدفع التيار الأول يكون من الصعوبة بمكان، مع أن هذا يعطي الدعوة حيوية وقوة، ولو عمر المؤسسون الأوائل لغيَّروا كثيراً من اجتهاداتهم لأنهم سيعاصرون أحداثاً لم تكن في أوائل الدعوة، ولا يعارض التجديد في مثل هذه الظروف إلا غبي مشغوف بعبادة الأشخاص، أو انتهازي يريد بقاء الوضع على ما كان ليستفيد هو شخصياً من هذا البقاء، وقد تكون لهم مصلحة\ أكيدة في قيام بعض العادات وترسيخها؛ لأنهم يستمدون من هذه العادات قوتهم وسلطتهم ولذلك كان من حظ البشرية أن ينبغ فيهم بين الفينة والأخرى من يحملهم على التفكير حملاً. إن تيار الحياة متدفق متجدد والذي لا يلاحظ التغيرات سيعيش بعيداً عن عصره، بعيداً عن واقعه، يتقوقع على نفسه مردداً ما سمعه من عشرات السنين، فالذين قرأوا ما كُتب عن جمال الدين الأفغاني قبل ثلاثين سنة ولم يقرأوا ما كُتب عنه بعدئذ وما تكشّفت عنه الحقائق، هؤلاء يتعجبون عندما يذكره أحد بنقد أو تقويم، فهو - بنظرهم - مصلح الشرق وملهمه، والذين تردد على أسماعهم اسم محمد علي جناح - كمؤسس لباكستان - كانوا يضعونه في مصاف العظماء الكبار، ثم تبين أن الرجل غربى النزعة مدخول العقيدة، وهذا ما يفسر قيام باكستان كأرض مستقلة للمسلمين ولكن لم تقم باكستان كدولة تحكم بالإسلام. إن التحدي الذي يواجه المسلمين في هذا العصر ويحتاج إلى التجديد في طرائق الفكر والعمل هو: كيف ننفذ منهج أهل السنة ونستفيد من منتجات هذا العصر دون التنازل عن الفكرة والمبدأ؟ . والمطلوب هو التنفيذ العملي، وليس الكلام في الكتب والمجلات عن (الأصالة والمعاصرة) أو (كيف نجمع بين ثقافتنا وتقنية الغرب..) . فهل يشعر المسلمون بخطر التسويف والجمود في حين أن القافلة تسير؟ !

стр. 255

حكمة إرسال الرسل الشيخ: محمد صالح العثيمين لما كان العقل البشري لا يتمكن من عبادة الله - تعالى - على الوجه الذي يرضاه ويحبه، وكذلك لا يستطيع التنظيم والتشريع المناسب للأمة على اختلاف طبقاتها؛ إذ لا يحيط بذلك إلا الله وحده؛ كان من حكمة الله ورحمته أن أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح الخلق وإقامة الحجة عليهم، قال - تعالى -: [رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] [النساء: ١٦٥] . فحكمة إرسال الرسل تتلخص في: الأول: إقامة الحجة على الخلق حتى لا يحتج أحد على الله فيقول [لَوْلا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونَخْزَى] [طه: ١٣٤] ، لقد قطع الله هذه الحجة من أساسها بإرسال الرسل وتأييدهم بالآيات البينات الدالة على صدقهم وصحة نبوتهم وسلامة طريقتهم. الثاني: توجيه الناس وإرشادهم لما فيه الخير والصلاح لهم في دينهم ودنياهم؛ فإن الناس مهما أوتوا من الفهم والعقل والذكاء لا يمكنهم أن تستقل عقولهم بالتنظيم العام المصلح للأمة بأكملها كأمة متماسكة متكافئة متساوية في إعطاء ذي الحق حقه، قال النبي ﷺ : (مثلي كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حولها جعل الفَرَاش - وهي الدواب التي تقع في النار - يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها) رواه البخاري. فالرسل يذودون الناس عما يضرهم ويدعونهم إلى ما ينفعهم. الثالث: جمع الأمة على دين واحد ورجل واحد، فإن انقياد الناس لما يشاهدونه من الآيات المؤيدة للأنبياء أسرع وأقوى وأشد تماسكاً؛ فإنهم يجتمعون عليه عن عقيدة راسخة وإيمان ثابت فيحصل الصلاح والإصلاح. تأييد الرسل بالآيات وكوْنها من جنس ما شاع في عصرهم: لو جاء رجل من بيننا وقال إنه نبي يُوحَى إليه، وأن طاعته فرض، وأن من عصاه فله النار، ومن أطاعه فله الجنة، ثم نظم قوانين، وسن سنناً، وقال امشوا على هذه النظم، وإلا فلكم النار؛ ما كان أحد ليقبل منه - مهما بلغ في الصدق والأمانة - حتى يأتي ببرهان يدل على صدقه، فلو رد أحد دعوة هذا المدعي الذي لم يأتِ ببرهان على صدقه ما كان ملوماً، فالقضية التي تسلم بها العقول أن المدعي عليه البينة وإلا فلا يجب قبول مدَّعاه. وإتماماً لإقامة الحجة بالرسل على الخلق أيد الله رسله بالآيات المبينات الدالة على صدقهم، وأنهم رسل الله حقاً، فاصطفى الله للرسالة من الناس من يعلم أنه أهل للرسالة وكفؤ لها ومستطيع للقيام بأعبائها والصبر على مكائد أعدائها [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] [الحج: ٧٥] ، [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] [الأنعام: ١٢٤] ، فاصطفى الرجال الكُمَّل الأقوياء أهل الحضارة واللين والفهم [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى] [يوسف: ١٠٩] (أي أهل المدن) ، فإن القرية هي المدينة كما سمى الله مكة قرية [وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَتِي أَخْرَجَتْكَ] [محمد: ١٣] ، وسماها أم القرى [لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا] [الأنعام: ٩٢] . وما بعث الله رسولاً إلا أيده بالآيات على صدق رسالته وصحة دعواه، قال الله - تعالى -: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ] [الحديد: ٢٥] ، أي بالآيات البينات الواضحات التي لا تدع مجالاً للشك في صدق ما جاء به الرسول المرسل؛ قال النبي ﷺ : (ما من نبي من الأنبياء إلا قد أُعطي من ... كل الآيات ما آمن على مثله البشر) رواه البخاري ومسلم. وهذا من حكمة الله العليا ورحمته بعباده أن أيد الرسل بالآيات لئلا يبقى أمرهم مشكلاً؛ فيقع الناس في الحيرة والشك ولا يطمئنون إلى ما جاءوا به، وهذه الآيات التي جاء بها الرسل لابد أن تكون خارجة عن طوق البشر؛ إذ لو كانت في استطاعتهم ما صح أن تكون آية لإمكان البشر أن يدَّعي الرسالة ويأتي بها إذا كانت تحت قدرته، ولكن آيات الرسل لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها وقد جاءت كبريات الآيات من جنس ما برز به أهل العصر الذي بعث فيه ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما قرر ذلك أهل العلم، واستشهدوا على ذلك بآيات موسى وعيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - فإن عهد موسى ترقَّى فيه السحر حتى بلغ السحرة الغاية في المهارة والحذق؛ فكان من أكبر الآيات التي جاء بها موسى ما يربو على فعل السحرة وهو يشبه في ظاهره السحر وإن كان يختلف اختلافاً كبيراً؛ لأن ما جاء به موسى حقيقة ما يراه الناظر، بخلاف السحر فإنه يخيَّل للناظر وليست حقيقته كما يراه، فكان من الآيات التي جاء بها موسى عصاه التي يلقيها فتكون حية ثعباناً، ويأخذها فتعود في يده عصاه الأولى، وقد ألقاها عند فرعون حين دعاه إلى الإيمان بالله، وكذلك كان موسى يُدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، أي من غير عيب وبرص، وقد أخرجها كذلك عند فرعون حين دعاه إلى الإيمان بالله، فلما رأى فرعون هاتين الآيتين كابر وقال للملأ حوله: [إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) ] [الأعراف] ، وقد ألقى موسى عصاه كذلك عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم في المجتمع العظيم الذي قرره موسى حسب طلب فرعون أن يجعل بينه وبينه موعدا ليغالبه في سحره كما زعم فلما اجتمع السحرة وألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون؛ فجاءوا بسحر عظيم حتى كانت تلك الحبال والعصي يخيل إلى رائيها أنها تسعى؛ ألقى موسى عصاه بأمر الله - تعالى - فإذا هي تلقف ما يأفكون فتلْتهم هذه الحبال والعصي عن آخرها، فعلم السحرة - وهم أهل السحر وأعلم الناس به - أن ما جاء به موسى ليس بسحر وإنما هو من الأمور التي لا يمكن للبشر معارضتها [فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وهَرُونَ] [الشعراء: ٤٦-٤٨] . وكذلك كان لهذه العصا مجال آخر حينما كان موسى يستسقي لقومه فيضرب بها الحجر فيتفجر منه اثنتا عشرة عيناً بقدر قبائل بني إسرائيل. وكان لها مجال آخر أيضاً حينما وصل موسى وقومه إلى البحر وخلفهم فرعون بجنوده فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق اثني عشر طريقا فسلكه موسى وقومه فنجوا. وفي زمن عيسى ﵊ كان علم الطب مترقياً إلى حد كبير؛ فجاءت آياته بشكل ما كان مترقياً في عهده من الطب إلا أنه أتى بأمر لا يستطيع الطب مثله، فكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فتكون طيراً بإذن الله، والناس يشاهدون ذلك، وكان أيضاً يبرىء الأكمه - وهو الذي خُلق أعمى - ويبرىء الأبرص بإذن الله - تعالى - وهذان المرضان من الأمراض التي لا يستطيع الأطباء في ذلك الوقت - وإلى هذا الوقت فيما أعلم - أن يبرئوهما، بل قال بعض العلماء إنه إنما سمي المسيح؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برِىء وذكر في القرآن أن عيسى يحيي الموتى بإذن الله، وفى آية أخرى يُخرج الموتى وهذان عملان مختلفان؛ العمل الأول إحياء الموتى قبل دفنهم، والثاني إحياؤهم وإخراجهم من قبورهم بعد الدفن، ولا ريب أن هذه الآيات التي أُعطيها عيسى - عليه الصلاة والسلام - يعجز عن مثلها البشر؛ فتأييده بها دليل وبرهان على أنه رسول من الله الخالق القادر عليها. وقد يؤيد الله الرسل بآيات أخرى ولكن أبرز الآيات وأعظمها يكون من جنس ما شاع في عصر الرسول؛ ولذا أيد الله رسوله محمداً ﷺ بآيات كثيرة أبرزها وأعظمها هذا القرآن الكريم، الذي هو كلام رب العالمين، [لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] [فُصلت: ٤٢] ؛ لأنه شاع في عصر النبي ﷺ فن البلاغة والفصاحة وصار البيان والفصاحة معترك الفخر والسيادة كما يعلم ذلك من تتبع التاريخ. معجزات الأنبياء: معجزات الأنبياء هي الآيات التي أعجزوا بها البشر أن يأتوا بمثلها، والله - تعالى - يسميها آيات، أي علامات دالة على صدق الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - فيما جاءوا به من الرسالة. والمعجزة - في اصطلاح العلماء -: (أمر خارق للعادة (أي جارٍ على خلاف العادة الكونية التي أجراها الله - تعالى - في الكون) ، سالم عن المعارضة، يُظهره الله - تعالى - على يد الرسول تأييداً له) ، مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من أصابع يد النبي ﷺ وغير ذلك مما سيمر بك. فالأمر الجاري على وفق العادة لا يسمى معجزة، كما لو قال قائل أريكم معجزة أن لا يمضي ساعة حتى تطلع الشمس، وكان ذلك قبل طلوع الشمس بأقل من ساعة، فإن الشمس إذا طلعت في زمن طلوعها لا يعد طلوعها معجزة لهذا القائل؛ لأن طلوعها في وقته على وفق العادة وليس خارقاً للعادة. وإذا كان الشيء الخارق للعادة غير سالم من المعارضة فلا يسمى معجزة، مثل الأمور التي تقع من السحرة والمشعبذين ونحوهم؛ لأن الأمور التي يأتون بها يمكن معارضتها بفعل ساحر أو مشعبذ آخر. وإذا كان الشيء الخارق للعادة جارياً على يد ولي من الأولياء فلا يسمى معجزة اصطلاحاً، وإنما يسمى كرامة، ولكن هذه الكرامة الحاصلة للولي هي في الواقع معجزة للرسول الذي كان الولي متبعا له؛ إذ الكرامة دليل على صحة طريقة ذلك الولي. فوائد آيات الأنبياء ومعجزاتهم: إن الآيات التي جاء بها الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ذات فوائد كثيرة نلم منها بما يلي: ١- بيان قدرة الله - تعالى - فإن هذه الآيات لابد أن تكون أمورا خارقة للعادة كشاهد دليل على صحة ما جاء به الرسل، وإذا كانت خارقة للعادة كانت دليلاً على قدرة الخالق وأنه قادر على تغيير مجرى العادة التي كان الناس يألفونها، ولذا تجد المرء يندهش عند هذه الآيات ولا يمكنه إلا أن يصدق برسالة الرسول الذي جاء بها حيث جاء بما لا يقدر عليه أحد سوى الله . ٢ - بيان رحمة الله بعباده؛ فإن هذه الآيات التي يرونها مؤيدة للرسل تزيد إيمانهم وطُمأنينتهم لصحة الرسالة ومن ثم يزداد يقينهم وثوابهم ولا يحصل لهم حيرة ولا شك ولا ارتباك. ٣ - بيان حكمة الله البالغة؛ حيث لم يرسل رسولاً فيدعه هملاً من غير أن يؤيده بما يدل على صدقه وإن المرء لو أرسل شخصاً بأمر مهم من غير أن يصحبه بدليل أو أَمارة على صحة إرساله إياه لعُدّ ذلك سفهاً وموقفاً سلبياً من هذا الرسول، فكيف برسالة عظيمة من أحكم الحاكمين؟ ! ، إنها لابد أن تكون مؤيدة بالبراهين والآيات البينات. ٤ - رحمة الله بالرسول الذي أرسله الخالق؛ حيث ييسر قبول رسالته بما يجريه على يديه من الآيات ليتسنى إقناع الخلق بطريقة لا يستطيعون معارضتها ولا يمكنهم ردها إلا جحوداً وعناداً؛ قال الله - تعالى -[فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ] ، أي لما يرون من الآيات الدالة على صدقك، [ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] [الأنعام: ٣٣] . ٥ - إقامة الحجة على الخلق؛ فإن الرسول لو أتى بدون آية دالة على صدقه لكان للناس حجة في رد قوله وعدم الإيمان به، فإذا جاء بالآيات المقنعة الدالة على رسالته لم يكن للناس أي حجة في رد قوله. بيان أن هذا الكون خاضع لقدرة الله وتدبيره، ولو كان مدبراً لنفسه، أو طبيعة تتفاعل مقوماتها وتظهر من ذلك نتائجها وآثارها - لما تغيرت فجأة واختلفت عادة بمجرد دعوى شخص لتؤيده بما ادعاه. فانظرْ إلى الأكوان الفلكية التي لا تتغير بعوامل الزمن إلا بإرادة الله، ولقد أجراها الله - تعالى - كما قدر لها أن تجري منذ خلقها الله حتى يأذن بانتهائها. آيات النبي محمد ﷺ : قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (الجواب الصحيح لمن ... بدَّل دين المسيح) : (والآيات والبراهين الدالة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- كثيرة وهى أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ... ويسميها من يسميها من النظار (معجزات) ، وتسمى (دلائل النبوة) و (أعلام ... النبوة) ونحو ذلك، وهذه الألفاظ التي سميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصد من لفظ المعجزات؛ ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجوداً في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان) . قال ﵀: (والآيات نوعان منها ما مضى وصار معلوما بالخبر، ومنها ما هو باقٍ إلى اليوم كالقرآن والإيمان والعلم اللذيْن في أتباعه، وكشريعته التي جاء بها..) . ومن هذه الآيات: ١- القرآن الكريم وهو أعظم آيات النبي ﷺ ؛ لأنه الآية السابقة الباقية، فمنذ أوحى الله إليه به حتى اليوم وهو آية شاهدة على نبوة محمد - ﷺ . فالقرآن كلام الله - تعالى - لفظاً ومعنى، تكلم الله به نفسه كلاماً حقيقياً؛ فأوحاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ ، فوعاه وحفظه، وتكفل الله له بحفظه؛ حيث قال: [إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ (١٧) فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] [القيامة: ١٧-١٩] . وإذا كان الله قد تكفل ببيانه؛ فمعناه أن الرسول ﷺ سيحفظه ويعيه حتى يبلغه للناس ويبينه لهم، قال تعالى: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] . والقرآن آية من آيات النبي ﷺ الدالة على صدقه من عدة أوجه: الأول: عجز الخلق كلهم أن يأتوا - مجتمعين أو منفردين - بمثل هذا القرآن؛ قال الله - تعالى -: [قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ والْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً] [الإسراء: ٨٨] ، يعني لا يمكن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم معيناً لبعض؛ وذلك لأن القرآن كلام الله ولا يمكن أن يماثله شيء من كلام المخلوقين، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، ولا من حيث التأثير، ولا من حيث الثمرة والآثار الحميدة. الثاني: من حيث اللفظ في قوته ورصانته وتركيبه وأسلوبه ونظمه وبيانه ووضوحه وشموله للمعاني العديدة الواسعة التي لا تزال تظهر عند التأمل والتفكير، حتى إنك لتسمع الآية التي ما تزال تقرؤها فينقدح لك منها معنى جديد كأنك لم تسمع الآية من قبل وكأن الآية نزلت لتوّها من أجله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (نفس نظْم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأتِ أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشعر ولا الرجز ولا الرسائل ولا الخطابة، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة ليس له نظير في كلام جميع الخلق) . وقال الشيخ محمد رشيد رضا - في كتابه (الوحي المحمدي) : (إن القرآن لو أُنزل بأساليب الكتب المألوفة المعهودة وترتيبها لفقد بهذا الترتيب أخص مراتب إعجازه المقصود بالدرجة الثانية) . وقال: (لو كان القرآن مرتباً مبوباً - كما ذكر - لكان خالياً من أعظم مزاياه شكلاً وموضوعاً، يعلم هذا وذاك مما نبينه من فوائد نظمه وأسلوبه الذي أنزله به رب العالمين العليم الحكيم الرحيم، وهو مزج تلك المقاصد كلها بعضها ببعض، وتفريقها في سوره الكثيرة الطويلة منها والقصيرة بالمناسبات المختلفة، وتكرارها بالعبارات البليغة المؤثرة في القلوب المحركة للشعور المنافية للسآمة والمَلَل) ... إلى أن قال: (والقابلة لأنواع أخرى من الإلقاء الخطابي في الترغيب والترهيب والتعجب والتعجيب والتكريه والتحبيب والزجر والتأنيب واستفهام الإنكار والتقرير والتهكم والتوبيخ بما لا نظير له في كلام البشر من خطابة ولا شعر ولا رجز ولا سجع، فبهذا الأسلوب الرفيع في النظم البديع وبلاغة التعبير الرفيع كان القرآن كما ورد في معنى وصفه، لا تبلى جدته ولا تخلقه كثرة الترديد) . اهـ. الوجه الثالث من إعجاز القرآن من حيث أهدافه العالمية وآدابه الكاملة وتشريعاته المُصلحة، فقد جاء بإصلاح العقيدة من الإيمان بالله وبما له من الأسماء والصفات والأفعال، والإيمان بجميع ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وما يتعلق بذلك، وجاء بإخلاص العبادة لله وتحرير الفكر والعقل والشعور من عبادة غير الله والتعلق به خوفاً ورجاءً ومحبة وتعظيماً. وجاء بالآداب الكاملة - التي يشهد بكمالها وصلاحها وإصلاحها كل عقل سليم - أمر بالبر والصلة والصدق والعدل والرحمة والإحسان، ونهي عن كل ما يخالف ويناقض من الظلم والبغي والعدوان.. أما تشريعاته فناهيك بها من نظم مصلحة للعباد والبلاد في المعاش والمعاد، وإصلاحاً في العبادة، وإصلاحاً في المعاملة في الأحوال الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والفردية والكمالية، فيما لو اجتمع الخلق كلهم على سنّ نظم تماثلها أو تقاربها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. الوجه الرابع من إعجاز القرآن قوة تأثيره في النفوس والقلب؛ فإنه ينفذ إلى القلب نفوذ السهم في الرمية، ويسيطر على العقول سيطرة الشمس على أفق الظلام، كما شهد بذلك المُوالي والمعادي، حتى إن الرجل العادي - فضلاً عن المتعلم - لَيسمع القرآن فيجد من نفسه جاذبية عظيمة تجذبه إليه قسراً، يعرف أن ليس هذا من كلام البشر، وقصة سماع الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة له معروفة في السيرة. ولقد كان بعض الكبراء من قريش يأتون ليلاً خفية يستمعون إلى تلاوة النبي ﷺ للقرآن كما جرى ذلك لأبي جهل وأبي سفيان وغيرهما. وهذه القصص وأمثالها تدل دلالة ظاهرة على تأثير القرآن في النفوس وأخْذه بمجامع القلوب. ولكن هذا التأثير قد لا يظهر لكل أحد، إنما يظهر لمَن كان له ذوق ومعرفة بأساليب الكلام وبلاغة اللسان. ومن يكُ ذا فم مر مريض ... يجد مُراً به الماء الزُّلالا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر أنواعاً من إعجاز القرآن: (وهذه الأمور مَن ظهرت له من أهل العلم والمعرفة ظهر له إعجازه من هذا الوجه ومن لم يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدي النبي ﷺ وإخباره بعجزهم فإن هذا أمر ظاهر لكل أحد) . الوجه الخامس من إعجاز القرآن تلك الآثار الجليلة التي حصلت لأمة القرآن باتباعه والعمل بأهدافه السامية وتعاليمه الرشيدة، فقد ارتقى بأمة القرآن التي اعتنت به لفظاً وفهماً وتطبيقاً، ارتقى بها إلى أوج العُلى في العبادة والآداب والكرامة والعزة، لقد عرف سلف هذه الأمة قيمة هذا القرآن الكريم فكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل؛ فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعاً، فسادوا جميع العالم، وصارت لهم العزة والغلبة والظهور والتمكين في الأرض والعلوم النافعة، مع أنهم كانوا قبل ذلك متفرقين ضالين أُميين مغلوبين بين الأمم، ولن يعود لأمة القرآن ذلك العز والظهور والغلبة حتى يرجعوا إلى المَعين الذي روي به أسلافهم، فيأخذوا منه صافيا من غير كدر، لن يعود لهم ذلك حتى يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ويتفهموها ويطبقوها، اعتقاداً وقولاً وعملاً فعلاً وكيفاً، مؤمنين بذلك، معتقدين أن هذا هو طريق الصلاح والإصلاح والسلامة. وإن من المؤسف حقاً أن ترى الكثير من المسلمين اليوم لا يلتفتون إلى الكتاب والسنة ولا يتفهمونها، بل أكثرهم لا يقرأ من القرآن في عامه كله إلا ما يقرؤه في صلاته هذا مع قلة تفهم في اللغة العربية وآدابها وأساليبها، وليس عندهم ذوق لُغوي شرعي لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وإنا لنرجو من الله - تعالى - أن يهيئ لأمة القرآن من أمرها رشداً، وأن يبعث لها قادة فكر وسياسة لما فيه الخير والصلاح والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ٢-ومن آيات النبي ﷺ ما أظهره الله شاهداً على صدقه من الآيات الأفقية؛ كما قال - تعالى -: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [فصلت: ٥٣] ، ولذلك أمثلة: المثال الأول: انشقاق القمر، فقد انشق القمر وصار فرقتين، وشاهد الناس ذلك وقد أشار الله إلى ذلك في القرآن؛ قال الله - تعالى -: [اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ * وإن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ] [القمر: ١-٣] وقد أجمع العلماء على وقوع ذلك في عهد النبي ﷺ قبل الهجرة، وقد رآه الناس بمكة وقال النبي - ﷺ حين رآه -: (اشهدوا اشهدوا) ، وقدِم المسافرون من كل ... وجه فأخبروا أنهم رأوه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وجعل الآية في انشقاق القمر دون الشمس وسائر الكواكب؛ لأنه أقرب إلى الأرض من الشمس والنجوم، وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك؛ إذ هو للجسم المستنير الذي يظهر الانشقاق فيه لكل من يراه ظهوراً لا يُتمارى فيه وأنه إذا قبِل الانشقاق فقبول محله أَوْلى بذلك وقد عاينه الناس وشاهدوه وكان النبي ﷺ يقرأ هذه السورة في المجامع الكبار مثل صلاة العيدين، كل الناس يقر بذلك ولا ينكره ولو لم يكن قد انشق لأسرع الناس إلى تكذيب ذلك) اهـ. وقد استبعد أُناس وقوع انشقاق القمر وحاولوا تحريف معنى القرآن في ذلك وقد أخطأوا خطأً كبيرا في هذا الإنكار؛ فالقرآن لا يتحمل المعنى الذي حرفوه إليه، والنصوص الثابتة الكثيرة من الأحاديث صريحة في انشقاقه انشقاقاً حسياً مشهوداً، ولا يقدح في ذلك ما زعمه بعضهم من كونه لم يُنقل في تاريخ غير التاريخ الإسلامي، فإن نقله في التاريخ الإسلامي كافٍ في ذلك، وقد جاء به القرآن الكريم، ولعل الناس الذين لم ينقلوه لم يشاهدوه، لعله وقع وهم نيام أو كانوا في النهار ولم يشعروا به، أو كان في تلك الساعة مانع من سحاب أو غيره، وقد أخبر المسافرون الذين قدموا مكة بمشاهدته وهو لم يستمر فيما يظهر وإنما كان آية شاهدها الناس ثم عاد إلى حاله الأولى. المثال الثاني: المعراج: فإنه من أكبر الآيات؛ فلقد أُسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة واحدة إلى بيت المقدس، واجتمع هناك بالأنبياء، وصلى بهم، ثم عرج به جبريل حتى بلغ سدرة المنتهى فوق سبع سموات، وأوحى الله - تعالى - إليه ما أوحى، وشاهد ﷺ من آيات الله الكبرى ما شاهد ومر بالأنبياء في كل سماء، ورجع إلى مكة، كل ذلك في ليلة واحدة، مع بُعد المسافة الأرضية بين مكة وبين بيت المقدس، ثم البعد العظيم بين السماء والأرض، وبين السماء الدنيا وما فوقها إلى سدرة المنتهى. وقد أخبر الله - تعالى - في القرآن عن الإسراء في سورة الإسراء، وعن المعراج في سورة النجم إذا هوى. المثال الثالث: نزول المطر باستسقائه مباشرة وإقلاع المطر باستصحائه مباشرة، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: أصابت سنة - أي جدب - على عهد رسول الله ﷺ ، فَبَيْنَا النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله! ، هلك المال وجاع العيال، فادعُ الله لنا؛ فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة - أي قطعة سحاب - فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحاور على لحيته، فمُطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله! ، تهدَّم البناء وغرق المال فادعُ الله لنا، فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت فأقلع المطر وخرجنا نمشي في الشمس ". ومن آيات النبي ﷺ ما رواه البخاري وغيره عن جابر - ﵁ قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين يديه ركوة (إناء للماء) فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب إلا ما في الركوة التي عندك، فوضع النبي -صلى الله عليه وسلم- يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال : فشربنا وتوضأنا، قيل لجابر: كم كنتم؟ ، قال: لو كنا مائة ألف لكفانا! ، كنا ألفاً وخمسمائة! . ومن آيات النبي ﷺ تكثير الطعام كما جرى ذلك يوم الخندق وجرى ذلك لأبي هريرة مع أهل الصفة. ومن آيات النبي ﷺ ما وقع مطابقاً لما أخبر به -صلى الله عليه وسلم- من أمور الغيب التي وقعت في عهده وبعده ولذلك أمثلة أيضاً: المثال الأول: ما رواه مسلم عن أنس بن مالك ﵁ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يرينا مصارع أهل بدر قبل ابتداء القتال، يقول هذا: مصرع فلان غداً إن شاء ... الله، هذا مصرع فلان، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حددها رسول الله ﷺ ) . المثال الثاني: إخباره ﷺ عن ظهور نار في أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببُصرَى، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة - ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى، فقد خرجت هذه النار في جُمادَى الآخرة سنة ٦٥٤ شرق المدينة فأقامت نحواً من شهر، وملأت الأودية وشاهد الناس أعناق الإبل ببصرى (وهى بلدة بالشام) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذه النار كانت تحرق الحجر! ". ومن أمثلة ذلك ما أخبر به النبي ﷺ مما سيكون من الفتن وتغير أحوال الناس وغير ذلك. وآياته ﷺ كثيرة جداً وقد ذكر أهل العلم من ذلك الشيء الكثير ومن أوسع ما رأيت في ذلك تاريخ ابن كثير ﵀ حيث كتب في آيات النبي مجلداً كبيراً، وذكر أن جميع آيات الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قد جرى مثلها للنبي ﷺ أو ما هو أعظم منها. وهذه الآيات التي يجريها الله على أيدي أنبيائه وأوليائه كلها شاهدة بما له - تعالى - من كمال العلم والقدرة والرحمة، وأن الأمور كلها بيده يجريها كما يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. فلله الحمد والمنة، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 256

في رحاب كتاب الله شكوى النبي الكريم من هجر القرآن العظيم للشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀ [وقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً] [الفرقان: ٣٠] المناسبة: لما ذكر-تعالى- ما قاله المشركون من الباطل في معارضة القرآن والإعراض والصد عنه، وما قالوه من عبارات الحسرة والندامة يوم القيامة على ما ... كان منهم من ذلك في الدنيا ذكر ما قاله النبي ﷺ من الشكوى لربه بهم من تركهم للقرآن العظيم وهجره. المفردات: مهجوراً: متروكاً مُقاطَعاً مرغوباً عنه. الرسول ﷺ : محمد. وقومه: قريش. التراكيب: في قوله [يا رب] : إظهار لعظيم التجائه وشدة اعتماده وتمام تفويضه لمالكه، ومدبر أمره ومُوالي الإنعام عليه. وفى التعبير عنهم بقومه وإضافتهم إليه، وفى التعبير عن القرآن باسم الإشارة القريب بيان لعظيم جرمهم، فتركهم للقرآن - وهو قريب في متناولهم - وقد أتاهم به واحد منهم أقرب الناس إليهم؛ فصدوا وأبعدوا في الصد عمن هو إليهم قريب من قريب. وهذا أقبح الصد وأظلمه. وفى قوله [اتخذوا] .. الخ بيان أنهم جعلوا الهجر ملازماً له ووصفاً من أوصافه عندهم، وذلك أعظم من أن يقال هجروه، الذي يفيد وقوع الهجران منهم دون دلالة على الثبوت والملازمة. المعنى: وقال الرسول شاكياً لربه إن قومي - الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم - قد صدوا عنه؛ فتركوه وثبتوا على تركه وهجره. استنتاج وعبر: في شكوى النبي ﷺ من هجر القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور عليه وأبغضها لديه، وفى حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه، ولما كان الهجر طبقات، أعلاها عدم الإيمان به فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد. تنزيل: ونحن - معشر المسلمين - قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين، بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة؛ فهجرناها، وقلنا تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة مما يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامة، وبيّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه النظر والاعتبار، مع بيان حِكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام؛ فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفني الأعمار قبل الوصول إليها، وبيّن القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوىء الأخلاق ومضارها، وبين السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس، والسلامة من الخيبة بتدسيتها؛ فهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع، وعن السنة البيضاء إلى الإحداث والتبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفى ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها ومعارضة هداية القرآن بها. وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه، ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة لننظر ونبحث ونستفيد ونعمل؛ فهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب وبدائع الزهور والحوت والصخرة وقرون الثور! ، ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته، ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه؛ فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه، فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير - كتفسير الجلالين مثلاً - بل ويصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك. وفي جامع الزيتونة - عمّره الله تعالى - إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير فإنه - ويا لَلمصيبة! - يقع في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل؛ فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً، فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلاً دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير، وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات، كأن التفسير إنما يُقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن. وعلَّمنا القرآن أن النبي ﷺ هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما آتاهم وينهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن؛ فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقلّ في المتصدرين للتدريس من كبار العلماء في أكبر المعاهد - مَن يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها مطالعة فضلاً عن غيرهم من أهل العلم وفضلاً عن غيرها من كتب السنة. وكم وكم وكم بيّن القرآن، وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران! بيان واستشهاد: شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه؛ لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم؛ فكان شرهم متعدياً وبلاؤهم متجاوزاً وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك، وفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيم -في كتاب إعلام الموقعين - عن حماد بن سلمة ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال: تكون فتن؛ فيكثر المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن فيقرؤه الرجل فلا يتبع؛ فيقول والله لأقرأنَّه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة. قاله معاذ ثلاث مرات. اهـ. فانظر في قطرنا وفى غير قطرنا، كم تجد ممن بنى موضعاً للصلاة ووضع كتباً من عنده أو مما وضعه أسلافه من قبله وروجها بين أتباعه، فأقبلوا عليها وهجروا القرآن وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه، إذ لا نفع بما صرف عباد الله عن كتاب الله، وإنما يُدعى لله بكتاب الله، ولذلك سمي صنيع هذا الواضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير. وهذا الحديث وإن كان موقوفاً على معاذ - فهو في حكم المرفوع؛ لأنه إخبار بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم - إلا بتوقيف من النبي ﷺ وقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! سبيل النجاة: لا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتفقه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه، والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين، وهذا أمر قريب على من قرّبه الله عليه، يسير على من توكل على الله فيه، وقد بدت طلائعه - والحمد لله - وهى آخذة في الزيادة - إن شاء الله - وسبحان مَن يحيي العظام وهي رميم [١] .

стр. 257

الوحدة والائتلاف.. ونبذ الفرقة والاختلاف د. محمد محمد بدري في الوقت الحاضر بدأت الصحوة الإسلامية في شتى أنحاء البلاد الإسلامية.. وفي طريق عودة الأمة إلى الله لابد من معالم تبين لها طريق عودتها لتصبح بحق أمة مسلمة تستحق نصر الله ورضوانه ... ونحن نعتقد أن منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الصحيح الذي يجب أن تسير عليه الأمة، ومنهج أهل السنة والجماعة هو الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والالتزام بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله ... عليه وسلم -، وشعارهم الحرص على جماعة المسلمين ووحدة كلمتهم. ... وإن من أعظم ما أصاب المسيرة الإسلامية الفرقة والتنازع والاختلاف؛ فساحة العمل الإسلامي تغص بجماعات كثيرة واحدة، دعواها واحدة وهي الإسلام وإعادة مجد الإسلام وأمة الإسلام، ولكنها متنافرة فيما بينها، تتراشق الاتهام ... بل يصل الأمر إلى الرمي بالمروق من الدين والاتهام بالضلال وهذا هو الخلاف المذموم الناشئ عن الهوى والتعصب لرجل أو جماعة بدون تعرف على الحق وتبين له. والفرقة دائماً بلاء يفسد كل صالح من الأعمال ويقطع عنه أكثر نتائجه، فكيف إذا تحولت الفرقة إلى تدابر؟ ! إننا جميعاً يجب أن نتعلم أن اختلافنا مع الآخرين لا يعني فقدانهم مقومات العمل الإسلامي وخروجهم من دائرة المصلحة إلى دائرة المفسدة، كما أن هذا الخلاف لا يجب أن يعمينا عن إيجابيات الآخرين. بل يجب علينا الاستفادة من تجارب الآخرين وأن نتعلم كيف نمد معهم جسور المودة والمحبة ونشاور منهم أهل العلم والخبرة فنكون وكأنما جمعنا علمهم إلى علمنا، وعقلهم إلى عقلنا. ونحاول إيجاد صيغة للالتقاء والانسجام بين تجمعات أهل السنة والجماعة العاملة في الساحة الإسلامية بحيث تمضي القافلة المسلمة في طريق واحد نحو هدفها. قد يقول البعض إن الاختلاف والتفرق أمر قدري كوني أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى على مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وإذن فلا فائدة من العمل على الائتلاف والوحدة! .. ونحن هنا نشير إلى أمر مهم يجب أن يفهمه المسلم وهو التمييز بين الأمر الشرعي والأمر القدري الكوني، أو بين ما هو مطلوب منا وما هو واقع بنا فالمطلوب منا هو العمل على الائتلاف وما هو واقع بنا هو أن الفرقة والاختلاف واقعان لا محالة، فإذا قمنا بما هو مطلوب منا فسيؤدي ذلك - بإذن الله - إلى تكثير الفرقة الناجية التي قال عنها رسول الله - ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» . وكما قال ابن تيمية ﵀: لا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهى عنه؟ لأن الكتاب والسنة قد دلا على أنه لا يزال طائفة في هذه الأمة متمسكة بالحق إلى قيام الساعة وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة، نسأل الله المجيب أن يجعلنا منها (اقتضاء الصراط المستقيم) . ... ولابد أن نعلم أن هويتنا الحقيقية هي أننا عبيد مملوكون لله، بيده وحده تقلباتنا، وإليه وحده مصيرنا، وله حياتنا ومعادنا. ونحن نظن أن حضور هذا البعد الإيماني هو الضمانة الحقيقية لشرعية علاقتنا، والملاذ الأخير لتصفية خلافاتنا، ونزع أغلال قلوبنا. فلنحاول إذا اكتسبنا معرفة وعلماً ألا نفتقد خلق هذه المعرفة، فلا يصح أن نمتلك الوسيلة ونضيع الهدف والغاية. فالعلم إنما يراد لتقع الأعمال في الواقع على وفقه، والعلم يقول لنا: عليكم بالوحدة ونبذ الفرقة؛ قال : [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] وذكّرنا بالحال التي كنا عليها قبل الإسلام، حين كان الناس قبائل متناحرة يعادي بعضها بعضاً؛ فجاء الإسلام فأصبحوا إخوة أحبة: [واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً وكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا] [آل عمران: ١٠٣] ، ونهانا أن نسلك مسلك الأمم من قبلنا وهو التنازع والاختلاف: [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] ، وأخبر - سبحانه - أن التنازع والخلاف يؤدي إلى الفشل وذهاب قوة الأمة: [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . وحينما تريد الحركة الإسلامية أن تقف على قدميها فلابد أن تكون فصائلها متحالفة مترابطة، والوحدة التي نريدها هي وحدة الطاقات؛ فالبعض يملك القوة العددية والبعض يملك الكوادر والطرف الثالث يملك المال وآخر يملك طاقة أخرى وهكذا يمكن أن تتكامل هذه الطاقات وتتعاون في سبيل هدفنا الواحد. إننا لا نرمي من وراء دعوتنا إلى الوحدة بين فصائل الحركة أن يتنازل رؤوس الفصائل الإسلامية في الحركة عن أفكارهم الشخصية مادامت معتقدات يشهد لها الشرع بالقبول، ولا نطلب منهم أن يتخلوا عن مواقفهم، بل نطلب منهم أن يتقدموا بمجهوداتهم ويساهموا بطاقاتهم في الحركة الإسلامية بحيث ينتظم عمل الجميع إطار واحد متكامل الأجزاء للانطلاق إلى الهدف المنشود من عودة هذه الأمة وإحيائها بالتوحيد وبعثها لتقود هذه البشرية من جديد. نقول للجميع إننا نعمل من أجل دعوة واحدة ونسعى إلى هدف واحد، ونرتبط بمصير واحد؛ فعلينا أن نعمل في اتجاه واحد وفق منهاج واضح، وأن نتعاون على البر والتقوى ولا نتنازع فيما بيننا فنفشل ونضعف وتضيع الأهداف التي ننشدها، وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى.

стр. 258

قضايا فقهية -١- مدى تدخل الدولة في فرض الضرائب وتوظيف الأموال عثمان جمعة ضميرية مع اتساع سلطات الدولة في العصر الحديث، وتغير بعض الظروف، وتجدد الحوادث والوقائع، نجد من الواجب دراسة بعض المسائل التي تتصل بحياة الناس وواقعهم لبيان حكم الإسلام فيها، ومن ذلك ما نجده من تدخل الدولة في ملكيات الأفراد الخاصة بفرض ضرائب متنوعة وتوظيف الأموال على القادرين من أفراد المجتمع. فما هو حكم الإسلام في ذلك؟ وما مدى مشروعيته؟ .. هذا ما سنعالجه في هذا المقال معالجة موجزة مركزة تتفق مع طبيعة المجلة - بإذن الله تعالى. تعريف الضريبة: الضريبة عند علماء المالية هي: فريضة إلزامية، يلتزم الفرد بأدائها إلى الدولة تبعا لمقدرته على الدفع، بغض النظر عن المنافع التي تعود عليه من وراء الخدمات التي تؤديها السلطات العامة، وتستخدم حصيلتها في تغطية النفقات ... العامة [١] . حماية الملكية: والأصل العام والقاعدة المقررة في الشريعة الإسلامية: أن المسلم إذا ما التزم بدفع الواجبات المالية التي تتعلق بملكية المال الذي بيده، فإنه لا يجوز بعد ذلك التعرض لما في يده من أموال دون حق، إلا إذا اقتضت ذلك الضرورة والمصلحة ضمن القواعد الشرعية المقررة؛ لذلك رأينا كثيراً من النصوص الشرعية تتوارد منددة بالمكوس وأخذ الأموال دون حق، ومن ذلك ما جاء عن عقبة بن عامر - ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة صاحب مكس) [٢] ، وعن عبد الله بن عمرو قال: (إن صاحب المكس لا يُسأل عن شيء، يؤخذ كما هو، فيُرمى به في نار جهنم) [٣] . * وكتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى عدي بن أرطأة أن: (ضع الفدية، وضعْ عن الناس المائدة، وضع عن الناس المكس، وليس بالمكس، ولكنه البخس الذي قال الله - تعالى -: [ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ] [هود: ٨٥] ، فمن جاءك بصدقة فاقبلها منه، ومن لم يأتكِ بها فالله حسيبه) . * وكتب أيضاً إلى عبد الله بن عوف القاري أن: (اركبْ إلى البيت الذي برفح، الذي يقال له: بيت المكس، فاهدمْه، ثم احملْه إلى البور فانسفْه فيه ... نسفاً! [٤] . * ولهذا قال الإمام أبو يوسف القاضي ﵀: (ليس للإمام أن يُخرج شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف) [٥] ، وقال: (وكل مَن أقطعه الولاة المهديون أرضاً من أرض السواد وأرض العرب والجبال، من الأصناف التي للإمام أن يقطع منها - فلا يحل لمَن يأتي بعدهم من الخلفاء أن يرد ذلك، ولا يخرجه من يد مَن هو في يده، وارثاً أو مشترياً، فأما إن أخذ الوالي من يد واحد وأقطعها آخر فهذا بمنزلة الغاصب؛ غصب واحداً وأعطى آخر، فلا يحل للإمام، ولا يسعه أن يقطع من الناس حق مسلم ولا معاهد، ولا يخرج من يده من ذلك شيئاً إلا بحق يجب له عليه، فيأخذه بذلك الذي وجب له عليه.. والأرض عندي بمنزلة المال) [٦] . الآثار الاقتصادية للضرائب: وعقد العلاَّمة الاجتماعي ابن خلدون فصلاً في مقدمته المشهورة بعنوان (في ضرب المكوس أواخر الدولة) بيَّن فيه الأسباب التي تدعو الدولة لفرض المكوس على الرعية، وآثار ذلك على النشاط الاقتصادي، وعلى الدولة، حيت تكسد الأسواق لفساد الآمال، ويؤذن ذلك باختلال العمران، ويعود على الدولة - ولا يزال يتزايد - إلى أن تضمحل [٧] . ثم عقد فصلاً آخر (في أن الظلم مُؤْذن بخراب العمران) ؛ فقال فيه: ولا تحسبن الظلم إنما هو أخْذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب - كما هو المشهور - بل هو أعم من ذلك، وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله، أو طالبه بغير حق، أو فرض عليه حقاً لم يفرضه المشرع فقد ظلمه.. فلما كان الظلم مؤْذناً بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كانت حكمة الحظر (المنع) فيه موجودة، فكان تحريمه مهماً، وأدلته من القرآن الكريم والسنة النبوية كثيرة، أكثر من أن يأخذها قانون الضبط والحصر ... ) [٨] . الحكم يدور مع علته: هذا الذي تقدم يبين لنا أنه من الظلم المحرم العدوان على ملكيات الناس وأموالهم بغير حق ثابت؛ ولهذا جاءت النصوص الشرعية بتحريمه، وتبين أن هذا الحكم بالتحريم معلَّل بأنه ظلم وعدوان، وهو ما دفع ابن خلدون وغيره إلى القول بعدم جواز أخذ شيء من المال، وهو ما أقرته الشريعة الإسلامية، لكن إذا زالت العلة، فلم يعد الأخذ بغير حق، وإنما هو أمر تستوجبه المصلحة العامة، وتضبطه القواعد الشرعية المقررة - فهل يكون هذا الأخذ أو التوظيف للأموال حراماً؟ نصوص فقهية: عرض فقهاء الشريعة الإسلامية توظيف الأموال على الأغنياء عند الحاجة وقرروا جواز ذلك، وفيما يلي نصوص عن بعض الأئمة الفقهاء: ... ... * رأي الغزالي: قال الإمام الغزالي ﵀: " إذا خلت أيدي الجنود من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لَخيف دخول العدو بلاد الإسلام، أو خِيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام - فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند؛ لأنا نعلم أنه: إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام من ذي شوكة، يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور. ومما يشهد لهذا: أن لولي الطفل عمارة القنوات، وإخراج أجرة الطبيب وثمن الأدوية، وكل ذلك تنجيز لتوقع ما هو أكثر منه) [٩] . * رأي الجويني: وقد نص على ذلك أيضاً إمام الحرمين الجويني، وهو شيخ الغزالي، في كتابه " الغياثي "، فقال: " إذا صفرت يد راعي الرعية عن الأموال، لحاجات ماسة، فلا يخلو الحال من ثلاثة أنحاء: الأول: أن يطأ الكفار ديار الإسلام - والعياذ بالله - فقد اتفق حملة الشريعة قاطعة على أنه يتعين على المسلمين أن يخفوا إلى مدافعتهم زرافات ووحداناً.. وإذا كان هذا دين الأمة ومذهب الأئمة، فأي مقدار للأموال في هجوم أمثال هذه الأهوال، لو مست إليها الحاجة؟ ! وأموال الدنيا لو قوبلت بقطرة دم لم تعدلها، ولم توازنها، فيجب على الأغنياء في هذا القسم أن يبذلوا فضلات أموالهم، حتى تنجلي هذه الداهية، وتنكف الفئة المارقة الطاغية. والثاني: أن لا يطأ الكفار ديار الإسلام، ولكنا نحاذر ذلك ونستشعره، لانقطاع موارد الأموال واختلال الأحوال، فلا يحل تأخير النظر للإسلام والمسلمين إلى اتفاق استجراء الكافرين، والدفع أهون من الرفع، وأموال العالمين لا تقابل غائلة وطأة الكفار قرية من قرى المسلمين، فليلحقْ هذا القسم بما تقدم. وأما القسم الثالث: وهو أن لا نخاف من الكفار هجوماً، لا خصوصاً في بعض الأقطار، ولا عموماً، لكن الانتهاض للغزو والجهاد يقتضي مزيد عتاد واستعداد، فللإمام أن يكلف الأغنياء من فضلات الأموال ما تحصل به الكفاية والغناء، فإن إقامة الجهاد فرض على العباد ". ثم يضع إمام الحرمين ضوابط لهذا التدخل فيقول: ليس للإمام في شيء من مجاري الأحكام أن يتهجم ويتحكم، فعل من يتشهى ويتمنى، ولكنه يبني أموره كلها على وجه الرأي والصواب، في كل باب، والأمر في أخذ الأموال يجري على هذه الأحوال. فليشر على أغنياء كل صقع بأن يبذلوا من المال ما يقع به الاستقلال. فإذا عسر التبليغ إلى الاستيعاب، ورأى في وجه الصواب أن يخصص أقواماً، ثم يجعل الناس في ذل كفئاتٍ، فيستأدي عند كل ملمة من فرقة أخرى وأمة - اتبع في ذلك كله أوامره - واجتنب زواجره. ثم ليكن في ذلك على أكمل نظر، وأسدّ فكر وعبر ... فإذا اقتضى الرأي تعيين أقوام على التنصيص تعرض لهم على التخصيص، ونظر إلى من كثر ماله وقل عياله، وقد يتخير من خيف عليه من كثرة ماله أن يطغى، ولو تُرك لفسد، ولو غض من غلوائه قليلاً لأوشك أن يقتصد [١٠] . * رأي الشاطبي: وقال الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه النفيس (الاعتصام) : إذا قررنا إماماً مطاعاً مفتقراً إلى تكثير الجنود لسد حاجات الثغور ... وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى مالا يكفيهم، فللإمام - إذا كان عدلاً - أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال إلى أن يظهر مال بيت مال المسلمين، ثم إليه ينظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك، كيلا يؤدي تخصيص الناس به إلى إيحاش القلوب، وذلك يقع قليلاً من كثير- بحيث لا يجحف بأحد -ويحصل المقصود. وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين؛ لاتساع مال بيت المال في زمانهم، بخلاف زماننا (زمان الشاطبي) ؛ فإن القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك النظام لبطلت شوكة الإمام، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار. وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام مع عدله، فالذين يحذرون من الدواهي لو تنقطع عنهم الشوكة - يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها - فضلاً عن اليسير منها، فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق لهم بأخذ بعض أموالهم، فلا يتمارى في ترجيح الثاني على الأول، وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد. ثم قال: (والملاءمة الأخرى أن الأب في طفله أو الوصي في يتيمه، أو ... الكافل فيمن يكفله مأمور برعاية الأصلح له، وهو يصرف ماله إلى وجوه من النفقات أو المؤن المحتاج إليها، وكل ما يراه سبباً لزيادة ماله - مال الطفل أو القاصر - أو حراسته من التلف جاز له بذل المال في تحصيله. ومصلحة الإسلام عامة لا تتقاصر عن مصلحة طفل، ولا نظر إمام المسلمين يتقاعد عن نظر واحد من الآحاد في حق محجوره. فهذه ملاءمة صحيحة، إلا أنها في محل ضرورة، فتقدر بقدرها، فلا يصح هذا الحكم إلا مع وجودها ... وهذه المسألة نص عليها الغزالي في مواضع من كتبه، وتلاه في تصحيحها ابن العربي في أحكام القرآن. وشرط جواز ذلك كله عندهم عدالة الإمام، وإيقاع التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع) [١١] . * رأي ابن حزم: وممن عرض لهذه المسألة، وأيدها بالنصوص الشرعية والحجج القوية الإمام ابن حزم في كتابه العظيم (المحلَّى) ، فقال: (وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين ما يقوم بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة. برهان ذلك: قول الله - تعالى -: [وآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ والْمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ] [الإسراء: ٢٦] ، وقال - تعالى -: [وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وبِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ والْجَارِ ذِي القُرْبَى والْجَارِ الجُنُبِ والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ ومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] [النساء: ٣٦] ، فأوجب تعالى حق المساكين وابن السبيل وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين وذي القربى والمساكين والجار وما ملكت اليمين، والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنْعه إساءة بلا شك. وعن رسول الله ﷺ : (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) [١٢] . قال أبو محمد (ابن حزم) : ومن كان على فضلة ورأى أخاه المسلم جائعاً عريان ضائعاً فلم يُغثه فما رحمه بلا شك.. وقد قال ﷺ : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه..) [١٣] ، ومن تركه يجوع ويعرى - وهو قادر على إطعامه - فقد أسلمه. والنصوص من القرآن، والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جداً [١٤] . ويذهب ابن حزم إلى أن المسلم لا يعتبر مضطراً لأكل لحم الميتة أو الخنزير وهو يجد طعاماً فاضلاً عن حاجة أخيه، وله أن يقاتل للحصول على هذا الفضل، فيقول: (ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل لحم خنزير أو ميتة وهو يجد طعاماً فيه فضل عن صاحبه لمسلم أو لذمي؛ لأن فرضاً على صاحب الطعام إطعام الجائع فإذا كان ذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا إلى الخنزير) . وله أن يقاتل عن ذلك، فإن قُتل فعلى قاتله القود، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله؛ لأنه منع حقاً، وهو طائفة باغية؛ قال - تعالى -: [فَإن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ] [الحجرات: ٩] ، وما منع الحق باغٍ على أخيه الذي له الحق، وبهذا قاتل أبو بكر الصديق مانع الزكاة [١٥] . شبهة مردودة: وعلى هذا لا يحتج على منع توظيف الأموال بما رواه ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ قال: (ليس في المال حق سوى الزكاة) [١٦] ؛ لأنه قد ثبت أن هناك حقوقاً أخرى في المال سوى الزكاة، منها: النفقات على الأبوين المحتاجين، وعلى الزوجة وعلى الرقيق وعلى الحيوان، ومنها الديون والأروش (ديات الأعضاء) ، وفكاك الأسير، وإطعام المضطر؛ فإن هذا قام الإجماع على وجوبه. والحديث أيضاً معارَض بما رواه الترمذي: «إن في المال حقاً سوى الزكاة» ، ويمكن القول بأنه ليس في المال حق سوى الزكاة بطريق الأصالة، وقد ... يعرض ما يوجب فيه حقاً كوجود مضطر، فلا تناقض بينه وبين الخبر السابق؛ لما تقرر من أن ذلك ناظر إلى الأصل، وهذا ناظر إلى ما قد يطرأ فيوجب حقاً جديداً [١٧] . بين الزكاة والضريبة: وبناءاً على هذه النصوص أجاز الفقهاء المحدثون فرض ضرائب جديدة عند الحاجة إلى ذلك، فقد سئل الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀: ما هي وسائل الدخل للحكومة الإسلامية، والمعروف عامة أنه لا ضريبة في الإسلام إلا الزكاة والجزية والخراج؟ . فقال: (من الخطأ القول: إنه لا يجوز في الإسلام أن نفرض ضريبة لسد نفقات الحكومة، وكذلك لا يصح أن يقال: إن الزكاة هي ضريبة توضع على الناس لتسد بها نفقات الحكومة، إنما الزكاة مال من أموال التأمين الاجتماعي. يؤخذ من الأغنياء ليرد إلى من يستحق من الفقراء. أما حاجات الحكومة فما هي إلا حاجات الجمهور أنفسهم، فكل ما يطالبون به الحكومة من واجبهم أن يكتتبوا لها من الأموال ما تحقق به مطالبهم) [١٨] . (فلا بد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي - ... بحسب المال لا بحسب الربح- يعطى منها الفقراء طبعاً، وتجبى من الأغنياء الموسرين، وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة. ومن لطائف عمر ﵁ أنه كان يفرض الضرائب الثقيلة على العنب؛ لأنه ... فاكهة الأغنياء في ذلك الوقت، والضريبة التي لا تُذكر على التمر؛ لأنه طعام الفقراء، فكان أول من لاحظ هذا المعنى في الحكام والأمراء -رضي الله ... عنه -[١٩] . الشروط والضوابط: وبذلك تحدد لنا المجال الذي تعمل فيه هذه النصوص السابقة، ومدى مشروعية هذه الفرائض أو الضرائب، إلا أن ذلك ليس موكولاً إلى هوى الحكام وشهواتهم، ليفرضوا على الرعية ما تنوء به الكواهل من الواجبات التي تدخل إلى خزائن المترفين منهم والمترهلين باسم المصلحة العامة، كما أنه لا يجوز فرض هذه الضرائب والخزينة في غنى عنها؛ لذلك وضع العلماء شروطاً لابد من توافرها حتى يصح القول بمشروعية هذه الضرائب، ومن هذه الشروط: ١- أن تكون هذه الضرائب أمراً استثنائياً تدعو إليه المصلحة العامة للمجتمع، وتدبيراً مؤقتاً، حسبما تدعو إليه الضرورة التي تقدر بقدرها، ينتهي ويزول بزوال العلة والحاجة. ٢ - أن يكون الحاكم الذي يفرض هذه الضرائب عادلاً، تجب طاعته، ليكون في هذا ضمان لعدم الظلم والعسف، ولتحقيق العدل. ٣ - أن لا يكون هناك في بيت المال والخزينة العامة ما يكفي لسد هذه الحاجات، ولا ينتظر أو يرجى أن يكون شيء من ذلك، نظراً للظروف الطارئة، وأن يرد الحاكم وحاشيته ما عندهم من أموال فائضة إلى بيت مال المسلمين. ٤ - أن يقع التصرف في جباية المال وإنفاقه على الوجه المشروع ٥ - كما يشترط أن تكون أحكام الشرع في تلك الحال نافذة كما يجب، وحدوده مقامة كما يرضى، وأن تكون الوظائف في جهاز الحكم بقدر الحاجة، لا تزيد عليها [٢٠] . هذا ما يسر الله -تعالى- كتابته في هذا الموضوع الذي يتساءل الناس عن الحكم فيه وللتفصيل والوقائع مجال آخر قد لا يتحمله مقال عاجل أو مجلة ثقافية عامة. والله الموفق.

стр. 259

دعاة من جِلدتنا أحمد محمد الفضيل أنزل الله الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى وفرقاناً ورحمة لقوم يوقنون، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ففتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وبدد بدعوته ظلمات الجهل والحماقة، وأسقط الأغلال التي كانت على العقول، حتى أمسى شرك الجاهلية وضلالها أسطورة غابرة، وأضحت عبادة الأصنام في ميزان المسلم إفكاً قديماً، ويعجب المسلم - فيما يعجب - من سخف المشركين من قولهم في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك!) [١] . سبحان ربي! كيف سوغ الشيطان هذا السخف لأوليائه، وزين لهم ما كانوا يفترون؛ وصدق الله [مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ ولِياً مُّرْشِداً] [الكهف: ١٧] . غير أنه يجب أن نذكر دائماً أن الابتلاء مستمر، ومادة الشر باقية، وشياطين الإنس والجن مشمرون في ترويج الضلال، حتى زخرفوه بكل حلة، وروجوا له بكل لسان: [وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً شَيَاطِينَ الإنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً] [الأنعام: ١١٢] . ومن الواجب كذلك أن نتتبع طرق الغي بالتحذير منها، وكشف مراميها وأبعادها وسد السبل على دعاتها؛ حتى يكون المسلمون على بينة من ربهم، وبصيرة من سبيلهم، ولا يضرهم انتحال المبطلين، أو كيد الحاقدين. ولقد شاعت في دنيا المسلمين فلسفات وأنظمة؛ خدعت الكثير منا ببريقها، وانتشرت شعارات ومصطلحات أسرت العقول، واستحوذت على الأفكار، ووراء ذلك كله داء دوي، ونار - لو قُدر لها أن تنتشر - لم تأتِ على شيء إلا جعلته كالرميم. وكان المسلمون قبلها يتلون كتاب الله، ويتدبرون آياته، ولا يخالج أحداً منهم شك في حق التشريع ولا ريب؛ فالتشريع كله - الحلال والحرام والسياسة ونظم المجتمع - كله لله، حقاً خالصاً من أخص خصائص الألوهية، كما أن الإقرار به أول طريق العبودية، وكان المسلمون يعلمون كذلك أن كل سلطان أو إمارة في دولتهم إنما يكتسب المشروعية، ويأخذ حق الطاعة من الله - سبحانه - فلا سلطان ولا طاعة ولا ولاء إلا لله وأمر الله ودين الله، وكل سلطة من غير هذا السبيل فإنما هي خروج عن التوحيد: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً واحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣١] . وما كان اتخاذهم أرباباً، ولا كانت عبادتهم إلا طاعتهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً] [النساء: ٦٠] . وأعظم الناس منزلة عند الله أنبياؤه ورسله، إنما بلغوا هذه المنزلة السامية بتمام عبوديتهم، وكمال خضوعهم لله: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ] [الأنبياء: ٢٥-٢٧] . والنبي بريء من كل دعوى تخالف عبوديته، كما في قول عيسى - روح الله وكلمته - لربه:: [مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ] [المائدة: ١١٧] . إذن فالأمة كلها - حاكماً ومحكوماً وأميراً ومأموراً، وبشتى طبقاتها -ليست إلا مخلوقة لله، مربوبة مستعبَدة، والأمر كله لله: [ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ] [البينة: ٥] . ثم تسرب إلينا الفكر الصليبي اللاديني [٢] ، حاملاً معه خلفيات المعركة التي استعرت في أوربا بين كنيسة ضالة خانت الأمانة، وسخرت تعاليم السماء لأحط غرائز الأرض، وبين الشعب الذي لم يَرَ في هذه الكنيسة سوى عقبة تحول دون انطلاقه وتحرره، وتسومه سوء العذاب، ودخل عالم المسلمين تعبيرات جديدة: سيادة الأمة، حكم الشعب للشعب، الشعب مصدر السلطات، الدين لله والوطن للجميع، وتضاربت الأقوال حول هذه المستجدات المصدّرة، وتباينت كذلك المواقف، ووقف رجال لم تخنهم البصيرة، ولم ينقصهم الإخلاص وسط هذه الزلزلة، وجهروا بالحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، بينما تحرك الكثيرون ممن كانوا يحتلون مواقف القيادة الفكرية؛ لينخرطوا في اللعبة الجديدة، ودون أن يتفوهوا بكلمة واحدة. ولم يكد رواد العلمانية (اللادينية) ودعاتها يطلقون الطلقة الإعلامية الأولى ضد الدولة الدينية، والحكومة الدينية، والحرب الدينية؛ حتى تحمس الكثير من الكُتاب، لا ليدفعوا عن أنفسهم الصبغة الدينية، بل ليقرروا للناس أن. الإسلام برىء من كل دولة دينية وحكومة دينية، ومن كل ما هاجمه اللادينيون أو وصموه! وخرج من صفوف المسلمين بعد ذلك أناس حملهم الإخلاص وحفزتهم الغيرة، يدعون المسلمين للخروج من الأساليب التقليدية، والتحرر من القوقعة والجمود، وطلب هؤلاء من المسلمين أن يحافظوا على النظام الديمقراطي العلماني مادام يكفل لهم حرية الدعوة والحركة، بل رأوا أن من الواجب أن يساهم المسلمون في إقامة هذا النظام إذا لم يكن قائماً، وكان ذلك من دعاة غيورين، يتألمون لتقصير المسلمين، مع أنهم يعلمون أن حرية الأنظمة اللادينية إنما هي حرية مقنّنة مبرمجة، وأن الكل متفق على وجوب اتباع سياسة القهر والإذلال للدعاة، والوقوف في سبيل الدعوة، ولكن في الوقت المناسب، والشكل المناسب! ! ! لقد ثارت أوربا لتدفع اضطهاد الذين حكموها باسم الله، وزعموا للشعب أنهم ظل الله، وسلطانه على الأرض. وحمل الإنسان الأوربي في أعماق شعوره حساسية مدمرة ضد كل ما هو ديني، أو يمُت للدين. ثم انتقلت عدوى هذه الحساسية المدمرة إلى حس رواد وأتباع اللادين في عالمنا! وإنما يهمنا في الدرجة الأولى أن يستيقظ المسلم المخدوع بهذه الشعارات، والمنوم ببريقها، نريد أن يعلم المسلم حقيقة التناقض العقَدي بين التوحيد الذي يحمله في قلبه - ثم لا يمنعه ذلك أن يسير خطوات بعيدة في سبيل غير سبيله - وبين الفلسفة الكافرة التي أنشأها وصنعتها، ونحن مع الذين يستنكرون الاستغلال بكل أنواعه في استنكارهم دون أن يكون هذا الاستنكار وسيلة تحمل المسلم على التخلي عن إيمانه. وأما الدساتير التي صُدّرت إلينا فهي نسخة عن دساتير أوربا التي تقول: ( دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) ، قد يضاف إلى بعض الدساتير عبارة تناسب عواطف الشعوب المسلمة، حيث يقال لها إن الإسلام دين الدولة، أو أن الشريعة مصدر القوانين. وستجد مَن يوضح لك أن الشعب مصدر السلطات التي ليس فيها حكم شرعي، فسلطانه خارج دائرة سلطة الشريعة! ! ، ومع أن كلمة (الشعب) تتسع لتشمل كل النوعيات الهابطة والرفيعة، من ذوي الاختصاص والعلم، وأهل الرعونة والطيش؛ فإنك تجد في نص الدستور أن من حق الأغلبية تغيير مواد الدستور، من خلال القنوات الرسمية؛ باعتبار الأغلبية تمثل رأي الشعب، إذن فعندما يقرر الشعب نظرياً - أو الذين يحكمون باسم الشعب - أن يغيروا المظاهر الإسلامية في لدستور يكون هذا التغيير دستورياً وصحيحاً، ولا معنى للاعتراض عليه. وإذا لاحظنا أن عبارة (الإسلام دين الدولة) عبارة طارئة على النظام اللاديني (الديموقراطي) ودخيلة عليه، ومتناقضة معه، وأن المعاني التي تحملها هي أقل مواد الدستور قوة وتأثيراً ودواماً، بينما اعتبار الشعب مصدرا للسلطات، إنما هو جوهر الديموقراطية - علمنا من ذلك أن اعتبار الإسلام ديناً للدولة لم يأتِ استمداداً من أمر الله وسلطانه، بل هو مستند إلى سلطان الشعب ورأيه؛ وبذلك يجعلون سلطان الله - تعالى - محكوماً بسلطان الشعب ومستمداً منه، وبينما كانت تلبية الجاهلية تضع سلطة أصنامها - نظرياً - دون سلطة الله؛ إذا بالجاهلية الصليبية الحديثة تريد أن تخادعنا عن ديننا، وتقودنا إلى جاهلية أشد ضلالاً وانتكاساً من الجاهلية البائدة، فهل يتنبّه المسلمون لحقيقة الفتنة التي ذر قرنها في ديارهم، وهل يعيدون الوحدة المفقودة بين العقيدة الإسلامية، والأصول العلمية والسياسية، وبين المنهج الرباني في الحركة والتطبيق؛ ليعود الإيمان وحدة متكاملة في الاعتقاد والعلم والعمل؟ !

стр. 260

شذرات وقطوف اختيار: مازن محمد راغب ضرورة العلماء للأمة الناس بلا علماء هم جُهال، تتخطفهم شياطين الإنس والجن من كل حدب وصوب، وتعصف بهم الضلالات والأهواء من كل جانب ومن هنا كان العلماء من نعم الله - تعالى - على أهل الأرض فهم مصابيح الدُّجى، وأئمة الهدى، وحجة الله في أرضه، بهم تُمحق الضلالة من الأفكار وتنقشع غيوم الشك من القلوب والنفوس، فهم غيظ الشيطان وركيزة الإيمان وقوام الأمة ... وهم ورثة الأنبياء؛ قال عليه الصلاة والسلام: ( ... وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء) . كل هذا الفضل للعلماء العاملين، الجريئين في الحق، المحبين للخير، الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، المحاسبين للحكام، الناصحين لهم، والساهرين على مصالح المسلمين، المهتمين بأمور الأمة، المتحملين كل أذى ومشقة في هذا السبيل. نعم، كل ذاك الإكرام للعلماء الذين يحرسون الإسلام الأمناء على دين الله الداعين الحكام إلى تطبيقه بلسان صدق وجَنان ثابت. (عبد العزيز البدري ﵀ في الإسلام بين العلماء والحكام) وحدها فقط الحضارة الإسلامية وحدها تقوم على التوحيد والإيمان بالله وكتبه واليوم الآخر، وتتمثل الأخلاق وتنتهج الوضوح والصدق وهي أمور انسلخت منها الحضارات الأخرى فتعرّت من الفضائل التي لا تقوم بغير هاتيك المقومات وغدت منها مفلسة. واستمداداً من ذلك فإن الحضارة الإسلامية تتحصن بالوحدة والتوحد، وتتسم بالكمال والشمول والذوق والأناقة، وتستعلي بالألفة والمحبة والانسجام والوئام والطهر والنظافة والصدق والقوة وتزهو بالتحرر والحركة والانطلاق الاجتماعي الخيّر في وجهته يقودها إلى الله التزام بطاعته وأخذ بشريعته. (الدكتور عبد الرحمن الحجي: " جوانب من الحضارة الإسلامية ") الوجوه رسل القلوب ولا تكثر على ذي الضعف عتباً ... ولا ذكر التجرم للذنوب ولا تسأله عما سوف يبدي ... ولا عن عيبه لك بالمغيب متى تكُ في صديق أو عدو ... تخبرك الوجوه عن القلوب زهير بن أبي سُلمى

стр. 261

حاجتنا إلى علم الإدارة سامي سلمان أصبحت الحاجة إلى الاستعانة بالجوانب الإدارية في كثير من جوانب الحياة أمراً أساسياً ومهماً؛ إذ إن الأمور لم تعد من البساطة بحيث يستطيع الفرد أن يعالجها بالطرق التقليدية المعتادة. وقد أصبح الفرد يعيش في خلايا من العلاقات المتشابكة على كل صعيد، والتي تشمل جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، أو على مستوى العلاقات المحلية والعالمية للهيئات والمنظمات، ويشتمل كل جانب من هذه الجوانب على جزئيات من الخلايا تشكل - بحد ذاتها - دائرة من العلاقات المتشابكة بحيث أصبح جانب معالجة الأمور وإدارتها، ومتابعتها متأثراً في غالب الأحيان بنسبة كبيرة من هذه العلاقات، وهنا تظهر الحاجة إلى الجانب الإداري الذي يطرح طرق الحل بشكل منظم ومبرمج ومتكامل، ويلفت الانتباه إلى مسلّمات من نتاج تجارب الآخرين تختصر الوقت وتوفر الجهد، وتعطي نتائج مثمرة وتساعد على تحقيق الأهداف بشكل أفضل. ولكى يتضح هذا الأمر لابد من تحديد معنى الإدارة بمفهومها البسيط. فالإدارة عبارة عن: عملية اجتماعية مستمرة، تعمل على استغلال الموارد المتاحة استغلالاً أمثل عن طريق التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة للوصول إلى هدف محدد. وبهذا فإن الإدارة بمفهومها الشامل لسلوك الفرد تشمل جوانب التصرف السلوكية له في بيته وعمله ودعوته وتجارته، مما يتيح له الاستفادة من الإمكانيات المختلفة أفضل استفادة باستخدام أفضل وسيلة لتحقيق أفضل هدف. فإذا اتضح لك هذا علمت مدى الخسارة التي يتحملها الفرد والجماعة والمؤسسات والدول عند إدارتهم لأمورهم بالطرق التقليدية التي لا تأخذ باعتبارها مثل هذا المفهوم، أو قد تأخذ بجوانب منه دون الجوانب الأخرى، وقد خسر المسلمون كثيراً من مواردهم وطاقاتهم واستخدمت وسائل تقليدية سطحية في إدارة شؤونهم، وتبع ذلك قصور واضح في تحقيق الأهداف المرجوة ... هذا إن كانوا قد وضعوا لأنفسهم أهدافاً عند ممارستهم لأي عمل. والمثل كفيل بجعل الأمر أكثر وضوحاً، ولك أن تقيس عليه أي واقع تشاء على مستوى أسرتك ودعوتك وعملك. وليكن هذا المثل مأخوذاً من مجال الدعوة، فإن استفادتك من تفهمك واستخدامك لمفاهيم الإدارة يعينك في أمور عدة، فإن من مستلزمات الإدارة الناجحة ما يذكره أحدهم في سطور قليلة فيقول: " إن قدرة المسؤولين وأرباب الأعمال على تأمين مناخ عمل ملائم لمساعديهم ومن يعمل تحت إشرافهم للعمل بإخلاص وكفاية عالية - تعد من مؤشرات النجاح في الإدارة. فمناخ العمل الملائم هو المناخ الذي يقود العاملين إلى جعل أهدافهم كأفراد متناسقة مع هدف المجموعة بحيث تكون حصيلة تحقيق أهداف المجموعة أكبر من مجموع الجهود الفردية لهؤلاء العاملين وبالتالي هذا يعني تحقيق أهداف المؤسسة أو الشركة التي تعمل بها المجموعة ". وعليه فإن من مستلزمات جعْل العاملين من الدعاة في الوسط الدعوي الواحد أن يهيَّأ لهم المناخ المناسب للدعوة مما يجعلهم يوحدون جهودهم ويخلصون في تحقيق الهدف، والعكس الصحيح، فإن عدم وجود مناخ صحي يثبط العاملين، ويساعد على نمو الفردية في تحقيق الأهداف، مما يؤدي إلى عدم تضافر الجهود، والتأخر في تحقيق الهدف، وقس على ذلك كثيراً من مفاهيم الإدارة التي تفيدك وتعينك على السير في أمورك بصورة واضحة ومنظمة، فإنك لو عدت إلى تعريفنا الذي ذكرناه آنفاً سوف تجد أننا اعتبرنا التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة دعائم الإدارة المتكاملة، وأستطيع أن أقرّب لك الصورة لو توسعت في الحديث عن كل جانب وربطه بالأمثلة المختلفة من واقع حياة الأفراد، وسيظهر لك كم نحن بحاجة إلى القيادات التي تخطط وتنظم مسبقاً لتحقيق أهداف مرسومة ثم تقود الجهود بمهارة إدارية متقنة مع وجود الرقابة الدائمة للتأكد من صحة منهج السير رجاء تحقيق الهدف. وكم عانت الدعوة الإسلامية من إهمال هذا الأمر الذي يبدو بدهياً ولك أن تسأل نفسك هذه الأسئلة: ألم تعانِ الدعوة من عدم وضوح الهدف؟ ألم تعانِ الدعوة من عدم التخطيط والتنظيم؟ ألم تعانِ الدعوة من فقدان القيادة القادرة على الاستفادة من المصادر المتاحة، ومن ضعف قدرتها على مراقبة نفسها ومحاسبتها عندما تحيد عن الطريق؟ لقد عكف الكثيرون من علماء الإدارة على رسم خطوط عريضة لجوانب الإدارة المهمة كي يستفيد منها من يتحملون عبء المسؤولية في حياة الأمم، واستطاعوا من خلال التجربة أن يضعوا نظماً دقيقة مبرمجة لها أثرها الكبير في تسيير الأمور بحكمة وروية، وإدراك عميق للنتائج ونسوق مثلاً شائعاً في علم الإدارة وهو " اتخاذ القرار " الذي يصفه أحد الكُتاب بقوله: " يعتبر اتخاذ القرار بشكل عام من أهم العناصر وأكثرها أثراً في حياة الأفراد وحياة المنظمات الإدارية، وحتى في حياة الدول، وتنبع أهمية هذا الموضوع من ارتباطه بعمل الإنسان اليومي أو حياته العائلية أو أي مجال من مجالات النشاط الإنساني ". فالأفراد هم محور هذا الموضوع الأساسي، سواء بالنسبة للقيادات الإدارية التي تتخذ القرارات لتوجيه أعمالها ونشاطاتها، أو بالنسبة للمرؤوسين الذين يشاركون في صنع القرارات، أو في تنفيذها، أو يكونون هدفاً لها، كما تنبع أهمية هذا الموضوع من ناحية أخرى من ارتباطه بتحقيق الأهداف على اختلاف أنواعها؛ إذ طالما هناك مجال للاختيار بين أكثر من بديل للوصول إلى هدف ما كان هناك اتخاذ قرار وذلك باختيار البديل الأفضل، وهكذا تستمر عملية اتخاذ القرارات طالما هناك عمل ونشاط لتحقيق أهداف مطلوبة (١) . وتتضح لك أهمية هذا الجانب إذا نظرت إلى الطريقة المثلى في اتخاذ القرار ، وإن اختلفت المدارس الإدارية في عرضها، فإن من أساسياتها مراحل متتابعة لضمان السلوك الأمثل في الوصول إلى القرار الأمثل كذلك، وهذه المراحل هي: ١- تشخيص الأمر محل القرار. ٢- تحليله ودراسة الجوانب المتعلقة به. ٣- طرح البدائل المتاحة لاتخاذ القرار. ٤- تقويم البدائل بذكر سلبياتها وإيجابياتها ووزن كل منها على حدة. ٥- اختيار القرار الملائم لهذا الأمر. ولا تتوقف هذه العملية عند هذا الحد، بل لابد من متابعة تنفيذ القرار لمعرفة مدى النجاح الذي حققه هذا القرار في تحقيق الهدف أو حل المشكلة المعنية، وقد أوردنا هذا المثل في سياق الحديث عن الحاجة إلى الجانب الإداري في الحياة، فلو عدنا إلى مثالنا السابق في (مجال الدعوة) لوجدنا أن اتخاذ القرار بعفوية وارتجالية شائع اتخاذ القرار ويكاد يكون هو القاعدة وما عداه هو الشاذ، مع عظم شأن مثل هذه القرارات في حياة ومسيرة الدعوة؛ مما قد يؤخر مسيرة الدعوة الإسلامية مراحل ومراحل، مع أنه لو اُستُعين بالمدرسة الإدارية الآنفة الذكر لكان أجدر؛ فإن مما يعيب قراراتنا أنها لا تنظر إلى الأمور بشمولية وسعة أفق، ولا تبحث عن البدائل المطروحة قبل اتخاذ القرار، ولا ينظر إلى الآثار التي يتركها تنفيذ القرار في الواقع. وإن المتمعن في نصوص الكتاب والسنة ليلمس وبوضوح أمثلة عديدة لما ندعو إليه، وإن سيرة النبي ﷺ فيها أمثلة كثيرة نرجو أن نوفق إلى عرضها، والإشارة إليها في المستقبل القريب إن شاء الله.

стр. 262

أدب وتاريخ إلى أمي.. مع التحية شعر: عبد الإله عبد الهادي حماك الله يا أمي وعافاك من الأوجاع والآلام وعين الله ترعاك ... وترعانا مدى الأيام عفا عنا وعنك الله يا أمي وطهرنا من الأخطاء والآثام فيا أمي أنا الطفل الذي ربته كفاك وكم سهرت طوال الليل كي ترعاه عيناك غدا رجلاً بفضل الله يا أمي وحين تصيح بالأعماق ذكراك ويشتعل الحشا شوقاً وهذا الوقت لا يمشي وأصداءٌ من الأعماق تصرخ بي: متى رباه تأذن لي؟ متى أماه ألقاك؟ يُرى يبكي ... كطفل ضائع شاكِ *** أجيء إليك يا أمي بأحلامي عساكر سادتي الحكام حيث أسير من خلفي وقُدامي وتفصلنا مسافات بها الأهوال أصنافاً إذا ما سرت عن بلد رأيت بغيره الأهوال أضعافاً ففي بلد إذا جئت الحدود يقال يا أمي.. يُرى في شكله الدين أعيدوه فهذا الصنف رجعي وأفيون وفي بلد تقول عساكر السلطان يا أمي أتاكم من بلاد الشرك مرتداً فردوه وإلا فهو مملوك أذلوه وفي بلد إذا قدمت للسلطات ما طلبوا يقال: ارجع إلينا بعد شهرين سنبحث وضعك الأمني في كل الميادين تزور بلادنا أهلاً ولكن ما هو السبب؟ ! لأي منظمات كنت أو ما زلت تنتسب؟ ! *** دروب كلها بالشوك والألغام مزروعة على لوحاتها كتبوا: هنا مولاي مسموعة هنا القبلات للأقدام بالقانون مشروعة قوانين البلاد تحذر الإخوان والأخوات عليكم أن تراعوا حرمة القانون والعادات يعاقب من يفكر دون ترخيص من السلطات يكون مخالفاً من مارس الأحلام والآهات لذلك فاتقوا الشبهات دروب الكون مظلمة وتقطعها على الناس الشياطين وكل الناس في الدنيا مساجين قد اتفقت على هذا القوانين إذا ما رحمة نزلت تصادرها القوانين وإن ثار المساكين على ظلم يحيق بهم تسن لهم قوانين فكيف أسير يا ربي إلى أمي؟ ! وتفصل بيننا هذه القوانين أعوذ بنور وجهك يا إلهى إنها أمي وهذا الكون أظلم كل ما فيه دعاة الخير والإصلاح مغلوبون في شتى نواحيه فأنزل يا إلهي رحمة لتعود للناس الأحاسيس وينتشر الهدى في الكون ترفع راية الإسلام في كل الميادين بلا خوف ولا شكوى ولا منةْ نسير على كتاب الله والسنةْ طريق واحد يهدي إلى الجنةْ بلا خلط وترقيعِ ولا نقص وتفريعِ فهذا الدين تشريع من المولى وما في الكون مخلوق له حق بتشريع يعيش المرء في الإسلام إنساناً فلا ظلم ولا بخس ولا يشكو الورى رَهَقاً إذا الناس استقاموا خلف نهج المصطفى صُدُقاً سقاهم ربهم ماءاً شراباً طيباً غَدَقاً وعاشوا في نعيم الله في دنيا مثاليةْ حياة كلها طهر وإيمان وإيثار وحريةْ فلا عدوان فيها أو أنانيةْ صباح مساء يا أمي أراك معي بأحلامي دعاؤك دائم لله يرعاني يثبتني على الإيمان يحميني من الآلام والأحزان والهم أنا منك.. أينسى نبعه الماء؟ ! وإن طال الرحيل بنا وإن عجت بساح الدار أبناء سأبقى طفلك المشتاق خلف تخوم آفاقي أحن إليك كالعطشان ليس سواك لي ساقِ سأبقى موثقاً بقيود أشواقي إلى أن يأذن المولى بإطلاقي إذا ما ظل من عمر لنا باقِ بإذن الله يا أمي بهذا الصيف نلقاكم ونسعد كلنا بنعيم مرآكم فيا أحبابنا إنَّا نعيش حياتنا شوقاً للقياكم إلى أن نلتقي ندعو إله العرش يرعانا ويرعاكم ...

стр. 263

مَن المسؤول عن كراهية الأجيال الجديدة للغة العربية ؟ ! منصور الأحمد إذا كنت من محبي هذه اللغة، ومن الذين يجعلونها همهم في الليل والنهار؛ فلا شك في أن همك سيزداد، وشعورك بالقلق سيتضاعف وأنت ترى حال هذه اللغة العظيمة وقد انحدرت على ألسنة أهلها وأقلامهم إلى مستوى لا يسر. تُرى، ما الذي أدى بورثة هذه اللغة (ولا أقول: بهذه اللغة) إلى أن وصل حالهم إلى أن لا تواجه طالباً ولا دارساً إلا شاكياً من تعلُّمها، ناعياً على مدرسيها، مفتخراً بأنه كان لا يعيرها بالاً حينما كان على مقاعد الدراسة؟ ! وعندما تسترعي انتباهه إلى خطورة ما استهان به يواجهك بإحدى اثنتين، أو بكليهما معاً: * باعتذاره بصعوبتها، وتعقيد نحوها وصرفها، وجفاف أسلوب تدريسها. *أو بهز كتفيه غير مبالٍ بما تقول، وبالتثقل من هذا الموضوع الذي تطرحه معه! ومع أن مناقشة مثل هذه القضية تحتاج إلى مدى أوسع، وعلم أغزر، ومجال غير هذا المجال، ولكن لا بأس بأن نقول فيها وجهة نظر لعلها تبعث الغيرة وتستنهض الحرص والنظر بجد إليها. هناك مشكلة، وهى جهل الكثير من الأجيال الجديدة من المتعلمين بلغتهم، وهذا ملاحظ لا يُنكر. ويتفرع عن هذه المشكلة أمر آخر - وهو الأشد خطراً - وهو الكراهية لهذه اللغة بحجة أنها صعبة ومعقدة، ونكران ذلك تجاهل للمشكلة، وهروب من مواجهتها. وإذا حللنا المشكلة إلى عناصرها لمعرفة الحل فإننا يجب أن نبحث في ثلاثة عناصر: المدرّس، والمنهج، والطالب، وكل عيب في واحد من هذه العناصر يساهم بقدر من المشكلة. * أما المدرس فإن إعداده إعداداً كافياً ومنتجاً يتطلب تغيير الأسس المعمول بها في طول العالم العربي وعرضه في معاهد المعلمين وفي الجامعات من أجل تخريج المعلم، وإقامة نظام تعليمى يشعر معلم اللغة العربية بقيمته وأثره، وذلك باختياره وإعداده وتوجيهه لهذه المهمة في وقت مبكر، وعدم إشغاله بدراسة أو تدريس معلومات تصرفه عن المهمة الرئيسية التي صرف إليها. * وأما المنهج فإن النظر يتعلق بإعداده ثم تطبيقه، والمناهج الموجودة -وإن لم تكن على مستوى عالٍ من التركيز - لو طُبقت ونُفذت بشكل جدي لكانت النتيجة أفضل مما هي عليه الآن. ومن خلال التجربة يلاحَظ أن العمل الحالي في كثير من البلدان العربية في تطبيق مناهج اللغة العربية - هو بعيد عن الجدية في التطبيق؛ حيث إن جهد المدرس المسكين يُستنفد في عمليات حسابية (جمع وضرب وتقسيم درجات الامتحانات) هي أبعد ما تكون عن نفع الطالب أو إضافة أي مردود إلى تكوينه العقلي. وإن مهندسي هذه العمليات الحسابية هم من المهارة والحرفة بالقدر الذي يجعل أبلد الطلبة وأبعدهم عن فهم العربية يقتنصون (أو تُقتنص لهم) درجة من هنا ودرجتين من هناك بفضل هذه الحيل الحسابية مع أنهم غير قادرين على كتابة فقرة صحيحة! * وأما الطالب فإن مشكلته أعمق وأكثر تعقيداً، فالهوة متسعة بين اللغة التي يتعلمها والمجتمع الذي يعيش فيه، فكل ما حوله ناطق بلغة غير صحيحة: المدرسون (بمن فيهم مدرسو العربية) والبيت، والراديو، والتلفزيون، والشارع فكيف يستطيع هذا الطالب أن يسبح ضد التيار ويتقن لغة تلقى مثل هذا الإهمال والجحود والاستهانة؟ ! ، وكيف يقتنع بفائدة ما يتعلمه وهو لا يجد له تطبيقاً معقولاً على ألسنة المتعلمين؟ ! لابد من النظرة الجادة التي تتفحص العوائق والأسباب التي تغرس الكراهية لهذه اللغة والبعد عنها، وإلا فإن هذه الكراهية العملية (ودعْنا من الخطب والإنشاء في الإشادة بهذه اللغة وعبقريتها) سوف تؤدي إلى دفنها، ويوم تُدفن هذه اللغة فاقرأ على هذه الأمة السلام!

стр. 264

قراءات تاريخية العلماء والأمراء الكامل لابن الأثير ١٠/١٥١ وفيات الأعيان ٥/٢٨ كان أبو عبد الله المعتمِد محمد بن عبَّاد أعظم ملوك الأندلس من المسلمين وكان يملك أكثر البلاد مثل قرطبة وإشبيلية، وكان يؤدي إلى (الأذفونش) ضريبة كل سنة، فلما ملك الأذفونش طليطلة لم يقبل ضريبة المعتمد وأرسل إليه يتهدده ويقول له: تنزل عن الحصون التي بيدك ويكون لك السهل، وكان رسول الأذفونش في جمع كثير كانوا خمسمائة فارس وأحضر ابن عباد الرسول وصفعه حتى خرجت عيناه وقتل كل مَن كان معه ولم يسلم منهم إلا ثلاثة نفر؛ فعادوا إلى الأذفونش فأخبروه الخبر، فبدأ بالاستعداد للقتال. وسمع مشايخ قرطبة وفقهاؤها بما جرى ورأوا قوة الفرنج وضعف المسلمين واستعانة بعض ملوكهم بالفرنج على بعض، اجتمعوا وقالوا: هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها الفرنج ولم يبقَ منها إلا القليل، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت نصرانية كما كانت. وساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم فقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصَّغار والذلة، وعطائهم الجزية بعد أن كانوا يأخذونها، وقد رأينا رأياً نعرضه عليك، قال: وما هو؟ ، قالوا: نكتب إلى عرب إفريقية ونبذل لهم، فإذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا، وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله، فقال: المرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا. قالوا له: فكاتبْ أمير المسلمين وارغب إليه ليعبر إلينا. وقدِم عليهم المعتمد بن عباد وهم في ذلك فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، فقال له ابن عباد: أنت رسولي إليه في ذلك. فسار إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فأبلغه الرسالة، وأعلمه ما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش. وكان أمير المسلمين بمدينة سبتة، ففى الحال أمر بعبور العسكر إلى الأندلس وأرسل إلى مَرَّاكُش في طلب مَن بقي من عساكره، فأقبلت إليه تتلو بعضها بعضاً، فلما تكاملت عنده عبر البحر وسار، فاجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وتسامع المسلمون بذلك فخرجوا من كل البلاد طلباً للجهاد. ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع فرسانه وسار من طليطلة، وكتب إلى أمير المسلمين كتاباً يغلظ له القول ويصف ما عنده من القوة والعدد، فكتب يوسف الجواب في ظهره: (الذي يكون ستراه!) وردّه إليه فلما وقف عليه ارتاع لذلك وعلم أنه بلي برجل له عزم وحزم ثم سار الجيشان والتقيا في مكان يقال له (الزلاَّقة) من بلد (بطليوس) وتصافّا، وانتصر المسلمون وهرب الأذفونش بعد استئصال عساكره، ولم يسلم معه سوى نفر يسير وذلك يوم الجمعة في العشر الأُول من شهر رمضان سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وأصاب المعتمد جراحات في وجهه وظهرت ذلك اليوم شجاعته وغنم المسلمون كل ما لهم من مال وسلاح وغير ذلك، ورجع الأمير يوسف إلى بلاده، والمعتمد إلى بلاده. الصيد الثمين عند الباطنية في قلعة (آلموت) بالقرب من بحر قزوين كان رئيس الباطنية حسن الصباح يرسل رجاله المجرمين الذين أغواهم بفردوسه وغفرانه - يرسلهم وفي يد كل واحد منهم مُدية حادة لاغتيال شخصية سنية مهمة؛ لأن أقصى أمانيه هو القضاء على أهل السنة، وقد ربى رجاله على الطاعة العمياء، فما إن يأمر بتنفيذ مهمة حتى يبادر إليها من يظن أنه يقوم بعمل صالح. وأول صيد ثمين نفذ فيه حسن الصباح إجرامه هو الوزير القدير نظام الملك الحسن بن علي وزير الملك السلجوقي ألب أرسلان، وكان من عقلاء الرجال وأفاضلهم وهو الذي تنسب إليه المدرسة النظامية في بغداد، وكان على علم بأباطيل الباطنية وخطرهم على الإسلام وقد بدأ بإعداد العدة لمهاجمتهم والقضاء عليهم، وقد قتل أحد رؤساء حلقاتهم؛ ولذلك قرروا قتله وهذه رواية كتبهم -لعنهم الله-: (نصب سيدنا (حسن الصباح) فخاخه وأحابيله لتمسك في شباك الموت الفناء قبل كل شيء بصيد ثمين مثل نظام الملك وبهذا الصنيع أصبحت شهرته وسمعته عظيمة وقال: مَن منكم سيخلص هذه الدولة من شر نظام الملك الطوسي، فوضع رجل يدعى أبو طاهر الأراني يد القبول على صدره، وفي ليلة الجمعة في الثاني عشر من رمضان لسنة ٤٨٥هـ وفي منطقة نهاوند جاء بزي صوفي إلى نظام الملك الذي كان محمولاً من مكان العامة إلى خيمة نسائه وضربه بسكين، ونظام الملك هو أول رجل قتله الفدائيون.. وقال سيدنا: إن مقتل هذا الشيطان هو بداية الغفران) [١] . كانت هذه بداية سلسلة طويلة من الإجرام الباطني طال زعماء أهل السنة من علماء وملوك حتى إنه ما من أمير أو قائد من قواد الدولة السنية إلا وخشي على نفسه وأخذ الاحتياطيات اللازمة.

стр. 265

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته باكستان وتحكيم الشريعة الإسلامية إذا كانت الدعوة إلى تحكيم الشريعة قد أصبحت مطلباً ملحاً عند شعوبنا فى جميع بلدان العالم الإسلامي؛ لا تستطيع وسائل الإعلام العالمية تجاهلها أو التقليل من أهميتها ... فلهذه القضية شأن آخر في باكستان المسلمة، التي خاضت صراعاً دامياً مع الهندوس، وقدمت قوافل الشهداء دفاعاً عن دين أمتنا وعقيدتها، وتوج هذا الصراع المرير باستقلال معظم المسلمين في وطن لهم سمي (باكستان) أي: الأرض الطيبة أو الطاهرة. وكان جميع سكان باكستان من المسلمين، باستثناء أقلية ضئيلة جداً من الهندوس والسيخ، وبينهم نسبة كبيرة من (المهاجرين) وهم الذين هاجروا من الهند إلى باكستان فراراً بدينهم وبدهي في ظل الأوضاع الجديدة أن تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا الذي ينشده الشعب بأسره، ومن أجل ذلك استعذب الموت في سبيل الله. غير أن الذي حدث في باكستان بعد إنشائها مستغرب أشد الاستغراب، ومستنكر أبشع الاستنكار، فالمخضرمون من السياسيين - الذين صنعهم الاستعمار الإنكليزي خلال احتلاله للهند من أمثال آغا خان، وجناح وغيرهما من أفراخ القرامطة - سلكوا سبيل المراوغة والمكر والتضليل، وأخذوا يعدون ولا يوفون، يكذبون ولا يخجلون، ووجدوا من يحسن الظن بهم، ويصفق لهم. وزعموا أن خلافاتهم مع العلماء والجماعات الإسلامية سياسية شخصية، وهي هي النغمة التي يرددها العلمانيون الظلمة هنا وهناك. واستنفر الإنكليز وعملاؤهم داخل باكستان، وراحوا يعملون من أجل تربية أجيال لا تؤمن بالإسلام. وفى ظل هذه الأجواء الموبوءة الملوثة وجد القاديانيون الباب مفتوحاً أمامهم على مصراعيه، وتشكلت الأحزاب العلمانية القومية، وورث معظم قادتها زعامة أقوامهم وقبائلهم كابراً عن كابر، وكانوا غاية في الخبث والدهاء ، فلا يصدرون تصريحات معادية للإسلام ولا يدعون إلى الإسلام، ويصرفون جهدهم كله إلى تجنيد أهل إقليمهم في الحزب الذي يخطط من أجل الانفصال عن باكستان، وهذا الذي فعله مجيب الرحمن في حزبه الذي لم يكن له وجود يُذكر في باكستان الغربية، وهذا الذي لا يزال يخطَّط له عشرات السياسيين في أقاليم مختلفة من باكستان. وعندما عجز العلمانيون الديمقراطيون عن ضبط الأمور، وشعر أسيادهم الإنكليز بأن المد الإسلامي يمتد ويقوى، وفى أجواء الحرية ينهزم دعاة الباطل مهما أنفقوا من أموال، ومهما ملكوا من وسائل الإعلام، وينتصر دعاة الحق وإن كانت إمكاناتهم ووسائلهم متواضعة. وكان لابد من خطوة أخرى فأصدر الاستعمار الإنكلو أمريكي أوامر للعسكريين فتحركوا وكان أول انقلاب عسكري يقوده الجنرال أيوب خان، وفترة الخمسينيات كانت غنية بمثل هذه الانقلابات في مصر والشام والعراق والعقلية واحدة، والأهداف واحدة، وكما قلنا في المقال السابق - باكستان أمام التحديات، الذي نُشر في العدد الرابع من مجلتنا (البيان) - فإن السفير الأمريكى ( كافري) عندما أنهى دوره مع عبد الناصر في مصر انتقل إلى باكستان ليبدأ دوره مع أيوب خان ضد الدعاة والجماعات الإسلامية، وبعد أيوب جاء يحيى، وكلاهما خان قضية أمته، وطبع الشعب الباكستاني أنه ينفر من الحكومات العسكرية، ويعشق الحرية. وخلال عقدين من الزمن ثبت فشل العسكريين، ولهذا فقد عادت الديمقراطية ونجح حزب بوتو - حزب الشعب - وكان قد زور الانتخابات، وأقدم على تدبير محاولة اغتيال أحد زعماء المعارضة، واستغل السلطة أسوأ استغلال، فعرته المعارضة، وكشفت فساد نظامه، وكان الإسلاميون أبرز قادة المعارضة، وكانوا مع العلماء وغيرهم مرشحين لاستلام السلطة وإسقاط نظام بوتو، والقضية كانت قضية وقت، لاسيما وأن الشعب - كل الشعب -كان ينادي بالإسلام، ويتساءل باستمرار: - لماذا انفصلنا عن الهند، وما الفرق بين غاندي وجناح، أو بين نهرو وأيوب، أو بين بوتو وراجيف وأمه من قبل؟ ! - أين الخلافة الإسلامية التي طالما عملنا وجاهدنا وهاجرنا لقيامها؟ ! وأخيراً قام انقلاب عسكري جديد، وأسقط نظام بوتو، وقدمه إلى المحاكمة بتهمة اغتيال أحد رموز المعارضة، ثم نُفذ فيه حكم الإعدام، ونجح النظام الجديد في استقطاب المعارضة - التي كان معظمها من الإسلاميين - لأنه أعدم بوتو، ودعا إلى تحكيم الشريعة الإسلامية، وهو الشعار الذي يجد رواجاً منقطع النظير في باكستان. واشترك العلماء والجماعة الإسلامية في أول وزارة، وأسندت وزارة الإعلام إلى عضو من أعضاء الجماعة الإسلامية، ووجد الوزير نفسه غريباً في الوزارة، وكان عليه لإصلاح الوزارة أن يطرد كبار المسؤولين فيها ويلغي عدداً من أقسامها، والنظام العسكري لا يسمح بذلك؛ ولهذا فقد صدق في الوزير قول الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء! وبدأ النظام الجديد بإقامة شيء من الحدود، لكنه تجاهل المرتدين وقُطاع الطرق، وقادة شبكات النصب والاحتيال - وما أكثرها في باكستان! -، وعصابات تهريب المخدرات، وقام بتعزير الصحفيين الذين ينتقدون النظام، فكان واضحاً أنه يريد أن يطبق من الإسلام ما يخدم النظام ويساعد على استمراره. واشتراك المعارضة في الوزارة يعني أن الغالبية العظمى من الإسلاميين أيدوا الانقلاب الجديد، ومن قادتهم مَن جاب الأمصار داعياً إلى تأييد الزعيم العسكري، مشيداً بمناقبه الطيبة ومآثره الحميدة، وهناك قلة قليلة نوجز موقفهم في النقاط التالية: ١- لم يكن قادة الانقلابات العسكرية من الدعاة إلى الله، وليس لهم أسبقية في الإصلاح وعمل الخير، ولا يؤهلهم لهذه المناصب علم شرعي. وفضلاً عن ذلك فقد تربوا في مؤسسات ومعاهد منحرفة، وعاشوا جزءاً من حياتهم في ديار الغرب يتتلمذون على أيدي أعدى أعداء الإسلام والمسلمين، ويعاشرون المفسدين من الجنسين. ومن يسبر غورهم يعلم أن من أخص صفاتهم النفاق والغدر، فترى أحدهم حارساً لطاغوت من الطواغيت، ينفذ أوامره الظالمة، ويزين له الإجرام، ويظهر له الحب والإعجاب والتقدير.. وعندما تسنح الفرصة يبطش بسيده، ويقود انقلاباً عسكرياً ضده ثم يقدم على إعدامه أو نفيه أو سجنه مدى الحياة، والإعدام هو الأصل، ويشن حملة على النظام القديم في أجهزة الإعلام، ويشيع بين الناس روح الخوف والإرهاب، ويزعم أنه لا يريد الحكم، وإنما يريد الإصلاح، وتمر الأيام ويعلم الناس أنه أشد سوءاً من سلفه ثم يتقدم أحد رفاقه ليقود انقلابًا ضده.. وهكذا. ٢ - هناك شبه كبير بين الانقلابات العسكرية والحركات الباطنية المسلحة في تاريخنا الإسلامي، ومن أهم أوجه الشبه ما يلي: - ليس لهم أسبقية في العمل الإسلامي ولا يعرف الناس عنهم شيئاً لا خيراً ولا شراً. - يتظاهرون بالورع والتقوى والرغبة في الإصلاح، حتى إذا وثق الناس بهم بدأوا تدريجياً في تغيير شرائع الإسلام. - سبيلهم إلى التغيير استخدام العنف والبطش والتنكيل، ويسهل عليهم إزهاق الأرواح، وسجن الأبرياء، وإشعال نيران الفتن. - لا يتحركون من خلال منهج، وليس عندهم ثوابت لا يخالفونها، فتارة يبالغون في تمسكهم بالإسلام، وتارة يبالغون في الزندقة والإلحاد، ولا يقبلون أن يحاسبهم أحد أو يسألهم: لِمَ فعلتم كذا وكذا؟ ! ٣ - لا يكون الدين كله لله في الأرض ولا تحكم الشريعة الإسلامية، إلا إذا قامت نخبة مؤمنة تدعو إلى الله وتجاهد في سبيله، وتصبر على الأذى. ولا يكون الدين كله لله في الأرض أيضاً إلا إذا نهض بهذه الدعوة علماء مجاهدون آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر، يلتف الناس حولهم، ويسمعون لهم ويطيعون.. أما أن لا يكون للعلماء والدعاة والجماعات الإسلامية أي دور في إشادة هذا البناء الضخم في حين يتولاه عسكريون نكرات، يعجزون عن فهم النصوص الشرعية، بله الاجتهاد في القضايا المعاصرة التي تحتاج إلى اجتهاد، ثم يرفضون إشراك العلماء، وإذا سألتهم قالوا: لا نعترف بقيادة غير قيادة الجيش. وفى هذه الحال نقول لهم: عملكم هذا يخالف سنن الله في التغيير. ومع أن بعض الصفات التي ذكرناها آنفاً متوفرة عند قادة الانقلاب الذي أطاح بنظام بوتو، ولو علم الأخير أنهم سيغدرون به لما أبقاهم في الجيش يوماً واحداً، ومع ذلك فقد سارع الإسلاميون إلى تأييد الانقلاب العسكري؛ لأن قائد هذا الانقلاب أعلن أنه سيحكِّم الإسلام! . انقلاب جديد: في ٣٠/٥/١٩٨٨ ألقى الرئيس الباكستاني خطاباً في التلفاز، تحدث فيه عن الأوضاع الداخلية في باكستان، وأعلن عن حل " البرلمان " ومجلس الوزراء؛ لأن رئيس الوزراء فشل في وضع حد للفساد الذي استشرى في البلاد، وفشل في وضع حد لأعمال العنف العرقية بين المواطنين. وقال: إنه وجد نفسه أمام خيارين: إما أن يبقى صامتاً متفرجاً أو يضع الأمور في موضعها الصحيح، فاختار الحل الثاني ، لكن ذلك لا يعنى العودة إلى الأوضاع التي كانت قائمة عام ١٩٧٧م؛ فالدستور لن يعلق أو يلغى، ولن يعود قانون الطوارىء، ولن تفرض الأحكام العرفية، وستبقى الأحزاب السياسية كما هي تزاول أنشطتها، ووعد بأن الانتخابات ستجرى خلال ثلاثة أشهر - كما ينص الدستور على ذلك - وكان الحزن بادياً على وجه الرئيس الباكستاني وهو يخطب، وقد ألغى زيارة للصين كان من المفروض أن تتم في ٣٠/٥ وهو اليوم الذي أعلن فيه انقلابه الجديد، ثم توالت خطبه في التلفاز: * فمساء ٢٥/٦ خطب ودافع عن قراراته الجديدة وقال: إنه استخدم الصلاحيات التي منحها الشعب والدستور له، واكد أن قوانين باكستان ونظامها الاقتصادي سوف تتبدل. * وفي ٢٥/٦ خطب خطبة مؤثرة، وكان يبكي، ويمسح وجهه وأنفه بمِنديل أبيض كان يحمله في يده ويقول: إننى أخاف الله وأخشاه، وأعلم أنه سوف يسألني غداً: لماذا لم تحكم الشريعة الإسلامية؟ ! ، والشعب سوف يسألني: لماذا لم تأخذ على يد الظالم؟ ! . وإنه لمنظر مؤثر حقاً أن يشاهد المواطنون رئيسهم على شاشة التلفاز وهو يبكى من خشية الله ومخافة أن يحاسبه في قبره عن عدم تحكيم الشريعة وعن الظلم والفساد - كما يقول - وقال ضياء الحق: إنه آتٍ بفجر جديد، ويناشد الناس التمسك به، وذكر أمثلة عن لقاءات تمت بينه وبين فقراء الناس، واستمع إلى مطالبهم، ووعد بتوفير مأوى لمن لا مأوى لهم، وتأسيس صندوق لمنح صَدَاق للنساء الفقيرات اللواتى يرغبن في الزواج، وأنه سيصنع بالإسلام واقعاً في باكستان لا مثيل له ... واتخذ ضياء الحق فور الإعلان عن انقلابه الجديد الإجراءات التالية: ١- شكَّل وزارة جديدة في ٩/٦/١٩٨٨ برئاسته، والوزراء مزيج من وزراء حكمه العرفي السابق، ووزراء كانوا أعضاءً في حكومة محمد خان جونيجو التي قاد ضياء الحق انقلاباً أبيض ضدها. ومن الأسماء البارزة في الحكومة الجديدة: - صاحب زاده يعقوب خان، عيّنه في منصبه السابق نفسه، وزيراً للخارجية، وهو من أصدقاء ضياء الحق وكان ضابطاً في الجيش، كما كان مسؤولاً عن مفاوضات جنيف لحل المشكلة الأفغانية. - الدكتور حبيب الحق وزير المالية والتجارة وهي الوزارة التي كان مسؤولاً عنها إبان الحكم العرفي في عام ١٩٧٧. - وضمت الوزارة زعيمين سابقين من زعماء حزب الشعب الذي كان يتزعمه " بوتو "، الأول مير هزار خان بجراني والثاني مير أفضل خان كانا عضوين في حكومة الوحدة الإسلامية التي كان يرأسها جونيجو. وضمت الوزارة عضوين من أعضاء مجموعة معارضة مستقلة في الجمعية الوطنية التي حُلت، أما بقية أعضاء الوزارة فهم أعضاء في الرابطة الإسلامية. وكان قد أعلن عن تشكيل الوزارة مساء ٩/٦ بعد لقاء طويل بين ضياء وحردان شاه الذي كان عضواً في مجلس الشيوخ وكان مستشاراً روحياً - صوفي - لجونيجو، والشيخ حردان له نفوذ واسع في إقليم " السند "، وفسر السياسيون هذا اللقاء بأنه عبارة عن صفقة عقدها الرجلان: الرئيس سوف يستمر في دعم الرابطة الإسلامية، والشيخ حردان يتخلى عن جونيجو ويقف بإمكاناته كافة مع الوضع الجديد. ٢ - ظهرت آثار الانقلاب الجديد على برامج التلفاز التي تملكه الحكومة، فقد مُنعت الدعايات التجارية التي تتضمن صوراً للنساء في حالات مشينة مثل الرقص والغناء، وزاد عدد البرامج الإسلامية، وتم تعيين أشخاص جدد مؤيدين للوضع الجديد؛ مهمتهم الإشراف على التلفاز ومراقبة تطبيق ما يأمر به القادة. ٣ - كان العلماء قد صاغوا مسوَّدة تحكيم الشريعة الإسلامية - في عهد حكومة جونيجو - وكان رئيس الوزراء السابق قد جمد تطبيق هذه المسودة، وجاء ضياء الحق بعد ٣٠/٥/٨٨ ليعلن عن التزامه بتطبيقها، وفعلاً طبق نظام الصلاة والزكاة، ووعد بأنه قريباً سيطبق نظام القصاص والدية، وشكَّل لجاناً كثيرة مهمتها (أسلمة) النظام الاقتصادي والتربوي وقال: إن المهمات الأولية للحكومة الجديدة أسلمة القوانين، وأعلن في ١٦/٦ أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأعلى للقوانين في باكستان، وبموجب هذا القرار الجديد يجوز للمحاكم العليا إلغاء أي قانون يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية باستثناء القوانين الدولية، والاتفاقيات المالية الداخلية المعمول بها حالياً بالإضافة إلى سندات التأمين والصكوك. ٤ - أعاد ضياء الحق إلى سدة المناصب العليا الجنرالات المتقاعدين الذين كانوا مسؤولين إبان فترة الأحكام العرفية ما بين عام ١٩٧٧ وعام ١٩٨٥م، وأصبح حكام الأقاليم من الجنرالات ومن أشدهم الفريق المتقاعد رحيم الدين الذي عينه حاكماً لإقليم السند، ومن المتوقع أن يتخذ الحاكم الجديد إجراءات صارمة ضد القوميين من سكان السند الذين يطالبون بالانفصال عن باكستان - كما حدث في باكستان الشرقية - ويقومون باعتداءات متتالية ضد المهاجرين الذين يقطنون في هذا الإقليم. وعزل ضياء الحق الدبلوماسيين الذين اشتركوا في محادثات جنيف ووقَّعوا الاتفاقية التي بموجبها تم انسحاب السوفييت من أفغانستان، وأقال كبار المسؤولين في السلطة الذين كانوا مؤيدين للرئيس جونيجو. المعارضون: ١- الشيعة: أعلن رئيس حركة تنفيذ الفقه الجعفري (عارف الحسيني) أن أتباعه لا يقبلون بالقوانين الجديدة التي وصفها بأنها غير مستكملة وغير مقبولة لدى الشيعة. ومن الجدير بالذكر أن الشيعة في باكستان لا يعارضون ضياء الحق، وإنما يعارضون القوانين الإسلامية السنية، وإذا كانت هذه القوانين غربية - كما هو الحال - فلا يعارضونها، ومن جهة أخرى فقد زعم عارف - فيما نقلته عنه صحيفة " إندبندنت " ١٦/٦/١٩٨٨ - أن عدد الشيعة عشرون مليوناً، والحقيقة أن عددهم لا يتجاوز ثمانية ملايين نسمة، ومن عادتهم تضخيم عددهم، وعلى الأقل يضربون العدد الصحيح بضِعفه. ٢- حزب الشعب الذي تقوده الآن (بي نظير) ابنة علي بوتو، ومع أن الحزب ضعيف الآن - بعد فقدان رئيسه الذي أعدمه ضياء الحق، ولأن الرئيس الباكستاني تمكن من شق الحزب واستمال عدداً من كبار زعمائه - مع ذلك فالحزب من أقوى الأحزاب في باكستان ويعطف عليه الغربيون؛ لأنه علماني ديمقراطي (هكذا يقولون مع أن علي بوتو كان مستبداً ويتلاعب بالديمقراطية) ، ويعطف عليه الشيعة؛ لأن بوتو من عائلة شيعية، وهذا سبب تدخل إيران الخميني لدى باكستان من أجل العفو عنه. ومن المؤسف أن كثيراً من الأحزاب والشخصيات المعارضة اتصلت بالحزب لتنسق معه ضد الإجراءات الجديدة. ٣ - استنكرت التجمعات النسوية إجراءات تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ونظمت مظاهرات في كثير من المدن الباكستانية، وهذا موقف خبيث كموقف الرافضة؛ لأنهن بهذه التصرفات يعلنَّ رفضهن للإسلام الذي أباح تعدد الزوجات كما أباح الطلاق، ولا يسمح الإسلام للمرأة أن تكون رئيسة دولة. ٤ - الجماعة الإسلامية وجماعة العلماء رفضتا (حل البرلمان) ووصف الدكتور خورشيد أحمد - نائب رئيس الجماعة الإسلامية - التحرك بأنه لعبة لتمييع الانتخابات، وقال: إن قوانين الشريعة فُرضت لحظر الأحزاب السياسية (تايمز٢١ /٦/١٩٨٨) ، وذكرت بعض صحف باكستان أن أمير الجماعة الإسلامية القاضي حسين أحمد التقى مع بي نظير بوتو مرتين لينسق الموقف معها ضد ضياء الحق، ولكن أمير الجماعة نفى صحة هذا الخبر، وقوله عندنا هو الصحيح، ومما ينبغي التأكيد عليه أن الجماعة الإسلامية وجماعة العلماء لا ترفضان تحكيم الشريعة، وحاشا لله أن يفكروا بمثل هذه الأفكار، ولكنهم يرفضون أسلوب الرئيس الباكستاني بعد أن لُدغوا من جحره مرات ومرات! وجملة القول: لقد رفضت الأحزاب والهيئات والمنظمات كلها هذا الإجراء اللهم إلا الجهات التالية: ١ - الصوفيون: وهؤلاء مع كل حاكم مهما كانت عقيدته والمهم أن يكون حاكماً، وسيكونون أول من يؤيد النظام الذي يخلف ضياء الحق، وهذه حال الغالبية العظمى منهم وليس حالهم جميعاً؛ ففيهم معتدلون زُهاد لا يبيعون دينهم بدنياهم، ولكنهم قلة. ٢ - العسكريون: أعضاء مجلس القيادة، وكبار ضباط الجيش، وطبيعي أن يتظاهروا بتأييد ضياء الحق ولكن من المتعذر معرفة الصادق من الكاذب، لاسيما وأن منهم رافضة، وهؤلاء يخططون منذ القديم من أجل السيطرة على جيوش بلدان العالم الإسلامي، وفي جيش باكستان نسبة غير قليلة منهم - كما سمعنا - فكيف نأتمن هؤلاء وأمثالهم على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية؟ ! بل كيف يركن الرئيس الباكستاني إلى أمثال هؤلاء ويزهد بالعلماء والدعاة والجماعات الإسلامية؟ ٣ - معظم أهل الحديث - وليس جميعهم - كان لهم رأي طيب، قالوا لابد من تأييد الإجراءات الجديدة، ولكنهم طالبوا بتشكيل مجلس من العلماء أهل الحل والعقد في باكستان، وأن يكون هذا المجلس هو المرجع في كل ما يتعلق بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأصحاب هذا الرأي قلة قليلة وهذا لا يضيرهم ولا يقلل من شأنهم. ٤ - عامة الناس الذين لا ينتسبون إلى أحزاب أو جماعات، وهؤلاء تتجاذبهم اتجاهات مختلفة، ولكنهم يتأثرون بما تقوله أجهزة الإعلام في باكستان، لاسيما وأن أجهزة الإعلام تتبنى الإسلام الذي يدينون به. أما المعارضة الخارجية فهي لا تقل شراسة عن المعارضة الداخلية، والصحف الغربية تقدم لنا مثالاً واضحاً جلياً عن هذه المعارضة الظالمة، فليس فيها إلا الهجوم السافر، وبيان المثالب، وتأليب المواطنين، والدعوة إلى مقاطعة باكستان اقتصادياً؛ لأنها على وشك الإفلاس، والصحافة الغربية لا يمكن أن تكون حيادية إذا كانت تتحدث عن الإسلام، وضياء الحق يبقى صديقاً للغرب مادام يطبق قوانينهم وأنظمتهم، ويقدمون له الدعم والمساعدة، أما عندما يتحدث عن تحكيم الشريعة الإسلامية فسيتحول إلى رجل مستبد ظالم، يعيش بعقلية القرون الوسطى! ولو أراد الرئيس الباكستاني استمرار صداقته وتعاونه مع الغرب؛ فالغرب لا يقبل التعاون، وأول دولة ستعيد تقويم علاقاتها مع باكستان الولايات المتحدة الأمريكية وإن زعمت خلاف ذلك. والدول المجاورة لباكستان أشد خطورة عليها وأكثر عداوة من الدول الغربية، بل هي في حالة حرب - أو قريب من ذلك - مع الهند والاتحاد السوفييتي ونظامه العميل في أفغانستان، وإيران التي تعد من أشد دول العالم كيداً لباكستان، ولكل دولة من هذه الدول جيوب داخل باكستان، ولا نشعر أن النظام مدرِك لخطر هذه الجيوب، ولو كان مدركاً لكان له موقف آخر من النوادي والجامعات ودور النشر والمعاهد والمؤسسات التي تقيمها إيران وعملاء إيران داخل باكستان. نظرات في تجربة ضياء الحق: نحن نوافق الرئيس الباكستاني فيما اتهم به رئيس وزرائه، ولكن من حقنا أن نتساءل: مَن المسؤول الأول عن هذا الفشل؟ ! ١ - فالرئيس الباكستاني عسكري، والمطلعون على سياسة دول العالم الثالث يعرفون كيف تتم انتخابات المجالس التشريعية، وكيف يتم اختيار رئيس الوزراء، ولم يكن ضياء الحق خلال هذه الفترة بعيداً عن صنع القرار، وعندما حل الجمعية الوطنية قالها صريحة: لقد استخدمت الصلاحيات التي منحني إياها الدستور والشعب.. فلماذا سكت ثلاث سنين عن استخدام هذه الصلاحيات، ولماذا جاء استخدامها في هذا الوقت؟ ! إذن فالقرار الأخير بيده وليس بيد رئيس الوزراء أو بيد الجمعية الوطنية! ٢ - ومدة حكم رئيس الوزراء حوالي ثلاث سنين، أما ضياء الحق فمدة حكمه إحدى عشرة سنة، وإذا سلمنا جدلاً أنه خلال الثلاث سنين الأخيرة لم يكن لديه صلاحيات فماذا فعل خلال ثمانِ سنين؟ ! ٣ - عندما جاء إلى الحكم، وتحدث عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية هلل الناس وكبروا داخل باكستان وخارجها، وجاب عدد كبير من علماء باكستان وقادة الجماعة الإسلامية الأمصار ليطمئنوا إخوانهم المسلمين، وصنع هؤلاء دعاية لضياء الحق لا تصنعها أمريكا ولا غيرها، ولو أنفقت بلايين الدولارات؛ لأن المسلمين يثقون بعلمائهم وبقادة الجماعات الإسلامية، ولا يثقون بالعسكريين، لكن الوضع الجديد خذل الناس الذين يدعون إلى تحكيم الشريعة؛ فبعض الأحكام التي سارع في تطبيقها سارع في التراجع عنها. والمسودة التي وضعها العلماء جُمدت، وانتعش تهريب المخدرات، وازداد الفقر، وعمت الرشوة، وعندئذ علم الذين كانوا يعيشون في أحلام اليقظة أن قادة النظام الجديد يستغلون الإسلام ويتلاعبون بعواطف المسلمين من أجل الوصول إلى الحكم، وإقامة شعبية لهم، أما العلمانيون على مختلف أسمائهم ومسمياتهم - فراحوا يستغلون مواقف النظام استغلالاً مؤسفاً، وكانوا يوجهون سهام نقدهم إلى الإسلام، وليس إلى الذين يستغلون الإسلام. ٤ - إن موقف الجماعة الإسلامية وجماعة العلماء من الانقلاب الجديد له أسباب مهمة؛ فرئيس الانقلاب كان بحاجة إليهم عندما أطاح بنظام بوتو، ولهذا اشتركوا في أول وزارة، ووقفوا إلى جانبه، وكان يستقبلهم ويستمع إليهم وينفذ معظم ما يطلبون، وبعد أن قوي نظام حكمه استغنى عن خدماتهم ولكن بقي بابه مفتوحاً أمامهم، وكان يستمع إليهم لكن أصبح يقول لهم: لي شركاء في المجلس العسكري، ولا أستطيع فرض المواقف والقرارات عليهم! ، وقبلت الجماعة منه هذا الموقف على مرارته، والمرحلة الثالثة لم يعد الباب مفتوحا أمامهم، وزعم أن الأمور بيد المجلس الوطني ومجلس الوزراء. وقنع قادة جماعة العلماء والجماعة الإسلامية أن القضية قضية استغلال وتجارة بالإسلام، فاتخذوا موقفاً متشدداً. ٥ - كيف يجمع الرئيس العسكري المسلم بين الولاء لله وبين خضوعه للولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة حكمه كلها، وهو يعلم أن الولايات المتحدة عدوة للإسلام والمسلمين، ويستحيل أن تدعم نظاماً إسلامياً؟ ! ويعرف ضياء الحق أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي صنعت (إسرائيل) في عالمنا الإسلامي، لقد دعمته وقدمت له السلاح، كما قدمت له المساعدات المادية، ولسنا هنا في صدد الاسترسال في ذكر الأدلة والبراهين على تسخير الولايات المتحدة لباكستان، وهذا الموقف مسؤول عنه ضياء الحق - بكل أسف! - وليس جونيجو. ٦ - غريب أمر الرئيس العسكري، فعندما حل المجلس الوطني وأقال الوزارة قال: إنني أستخدم الصلاحيات التي منحنى إياها الدستور، وعندما عاد إلى الحديث عن تحكيم الشريعة الإسلامية قال: لقد التزمت بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عام ١٩٧٧ وإن الشعب قد منحني ثقته في استفتاء عام ١٩٨٤ ويعني أن الشعب منحه صلاحية تحكيم الشريعة. فلماذا رضي طيلة أربع سنين أن يحتكم الناس في بلده إلى قوانين جاهلية غربية؟ ! وماذا كان سيقول لربه لو توفاه الله خلال تلك الفترة، والشعب قد أدى واجبه - كما يقول - وهو الذي لم ينفذ إرادة الشعب؟ ! . ولماذا كان يقول لقادة الجماعة الإسلامية وجماعة العلماء: إن لي زملاء في القيادة ولا يجوز لي الانفراد باتخاذ القرار مع أن الشعب قد منحه وحده الثقة؟ ! الأسباب الحقيقية للانقلاب الجديد: إن الأسباب التي ذكرها ضياء الحق - والتي دفعته إلى حل الجمعية الوطنية ومجلس الوزراء - ليست مقنعة، ويصعب الوصول إلى الحقيقة كلها في دول العالم الثالث لاسيما إذا كان الحدث في مراحله الأولى، وفى باكستان قال ضياء الحق كل ما يريد أن يقوله من خلال خطابه الذي ظهر فيه على " شاشة التلفاز " في ٣٠/٥ ? أما جونيجو فلم يصدر عنه تصريح يدافع فيه عن موقفه، ويبين الأسباب الحقيقية للانقلاب الجديد، والمعارضة مهتمة بالمكاسب التي تعمل على تحقيقها، وليست مهتمة بكشف أسباب المشكلة. ومن خلال تتبعنا للأحداث ترجح عندنا أن ضياء الحق اختار جونيجو كرئيس للوزراء لأنه يعتقد أنه سينفذ كل قرار يقرره العسكريون، وربما كان الأمر كذلك في البداية، ولكن الرجل بدأ يتحرر من هيمنة الجنرالات بعد الانتخابات، بل بدأ يعمل على الإطاحة بضياء الحق وسنبين الأدلة على ذلك: ١- كانت محادثات جنيف المحطة الأولى في الصراع على السلطة بين الرجلين، فرئيس الوزراء جونيجو كان يرى أن المجاهدين الأفغان عبء ثقيل على باكستان، وربما أدى استمرار وجودهم إلى صراعات داخلية في باكستان، وكان يرى أيضاً أن التفاهم مع السوفييت أهم من التعاون مع الأمريكان، وكانت المعارضة ترى رأي جونيجو، وبعد التوقيع على معاهدة جنيف كان جونيجو يخطط لطرد الأفغان من بيشاور وما حولها، ولم يكن ضياء الحق منتبهاً للمكيدة التي يدبرها رئيس وزرائه، ولكن المجاهدين الأفغان والذين يؤيدونهم من كبار علماء باكستان أقنعوا ضياء الحق أن طرد المجاهدين يعني هدم القلاع والحصون التي تحُول بين الشيوعيين وباكستان، فغيَّر موقفه ووعدهم خيراً، ثم قام بعزل الدبلوماسيين الذين اشتركوا في محادثات جنيف بعد إقالة وزارة جونيجو، أما صاحب زاده يعقوب خان فلعله كان مغلوباً على أمره أو لعله اعتذر لضياء الحق وعلى كل حال فهو صديق من أصدقائه القدامى، ولهذا أبقاه في وزارة الخارجية. ٢ - والمحطة الثانية في الصراع على السلطة: الجيش، فضياء الحق هو القائد العام للقوات المسلحة، وجونيجو كان رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع، وفي كل مرة يطلب المدنيون التحقيق في قضية عسكرية كان ضياء الحق يقف إلى جانب الجيش، وكانت صلاحيات الوزير تتعارض مع صلاحيات القائد الأعلى للجيش. فالجيش كان واسطة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمجاهدين الأفغان، وعندما وصلت صواريخ " ستينغر " إلى إيران طلبت الولايات المتحدة من حكومة جونيجو التحقيق في القضية، وأصابع الاتهام كانت تشير إلى نفر من كبار الضباط وكان أحدهم رافضياً، فرفض القائد العام ومساعدوه الاتهامات الموجهة للجيش وأحيلت القضية للحفظ. وأثيرت القضية مرة ثانية عندما انفجرت الصواريخ في ... (روالبندي) و (فيصل آباد) ووقعت كارثة مات بسببها مئات الأبرياء وأحيلت القضية للحفظ. والقشة التي قصمت ظهر البعير - كما يقولون - جرت في روالبندي في الشهر الخامس أي قبل إقالة الوزارة بأيام، حيث اعتدى نفر من العسكريين على فتاة فزجرهم المدنيون، ووقع شجار بين الطرفين، وحاول (بشير الحسن - عضو المجلس الوطني عن روالبندي - حل المشكلة غير أن العسكريين اعتدوا عليه في بيته، وثارت ثائرة أعضاء المجلس الوطني، واستغل جونيجو القضية وكانت ستطرح في أول اجتماع للمجلس الوطني، وكانوا مقتنعين بأن رئيس الجمهورية لا يجوز أن يكون قائداً للجيش، وهذا لو تم سيكون انقلاباً مدنياً ضد العسكريين، وأصبح من المستحيل تعايش المدنيين مع العسكريين، وتجاوز جونيجو الحدود المرسومة له، ولهذا سارع ضياء الحق إلى الإعلان عن انقلابه الجديد. أما الحديث عن الفساد، فالأنظمة الديمقراطية كلها فاسدة، وجونيجو ليس معروفاً عنه الرشوة والفساد، أما عن تحكيم الشريعة، فالرجل علماني وضد تحكيم الشريعة وضياء الحق هو الذي اختاره، ويعرف حقيقته ولو بقي ضمن الحدود المرسومة له لبقي من أعز أصدقاء ضياء الحق. ٣ - لا نشك أن ضياء الحق حريص على بقائه رئيساً لباكستان، فمنذ أن قام بانقلابه الأول عام ١٩٧٧م وهو صل بطريقة ديمقراطية ذكية من أجل القضاء على كل من يعارض حكمه، وتفنن في شق كل حزب من الأحزاب، وفى ضرب الأحزاب ببعضها، ونجح خلال فترة حكمه في إضعاف هذه الأحزاب، ومن تركيبة الوزارة الجديدة نعلم ماذا يريد، لقد استقطب عناصر بارزة من حزب الشعب، ومن الرابطة الإسلامية وعناصر مستقلة مؤثرة، وقد استنفر أجهزة الأمن والاستخبارات لتشاركه في الإعداد للانتخابات القادمة، ومدة رئاسته تنتهي في عام ١٩٩٠م، وقد صرح بأنه سيعلن عن استفتاء عام وصيغة هذا الاستفتاء الآتي: (هل يرغب الشعب في نظام إسلامي وحكومة رئاسية مع بقاء ضياء الحق في الحكم لمدة خمس سنين بعد انقضاء مدة رئاسته في عام ١٩٩٠ "! ، وهكذا فبقاؤه وتطبيق النظام الإسلامي شيء واحد. (انظر أوبزرفر ٣/٧/١٩٨٨) . الموقف النهائي: بعد هذا التحليل الشامل للأوضاع في باكستان نستطيع تحديد الموقف النهائي في النقاط التالية: ١- عندما قاد ضياء الحق انقلابه الأول كان شخصية مجهولة ومع ذلك أيده الإسلاميون، وفي عام ١٩٨٨م لم يعد مجهولاً، وعلى الرغم من سلبياته الكثيرة فلابد أن نعترف بأنه الرئيس الوحيد في باكستان الذي لم يبطش بالإسلاميين، ومع أن جواً من الحرية يشمل العمل السياسى بشتى نواحيه منذ قيام باكستان، لكن مع هذا فإن الإسلاميين يتمتعون بحرية خلال حكمه لا تتمتع بها أية جماعة إسلامية في العالم الإسلامي، وموقف ضياء الحق من المجاهدين الأفغان لا بأس به، على الرغم من وجود سلبيات لا يُستهان بها، والبديل لضياء الحق لن يكون إسلامياً ولن يكون في مصلحة المسلمين. ٢ - جماعة العلماء والجماعة الإسلامية تبالغان في تقديرهم لأهمية الديمقراطية والانتخابات البرلمانية على الطريقة الغربية، وقد تحالفوا في السابق مع أحزاب وهيئات علمانية، وهم في معارضتهم لضياء الحق عندهم أسباب ومسوغات مهمة ولكن من هذه الأسباب أنه حل المجلس الوطني، وأنه يخطط لإلغاء الأحزاب السياسية. ونحن نسأل ماذا يحدث لو ألغى الأحزاب والنظام البرلماني الديمقراطي، والتزم تحكيم شرع الله؟ ! . إن الأحزاب السياسية العلمانية الإلحادية يجب أن تلغى في ظل النظام الإسلامي، والملحد لا حرية له - فرداً كان أو جماعة - فكم نتمنى أن يعيد إخواننا النظر بقناعاتهم في النظام الديمقراطى، وكم أعجبنا اقتراح بعض الدعاة بضرورة وجود مجلس لأهل الحل والعقد في جميع مناطق باكستان، وأن تتوفر في أعضاء هذا المجلس الشروط الشرعية الواجب توفرها في أهل الحل والعقد. ٣ - لابد من نقد الأسلوب الذي يتبعه ضياء الحق، والمخططات التي يرسمها، فهو عندما يتجاهل جماعة العلماء والجماعة الإسلامية، وأهل الحديث وبقية الجماعات والهيئات الإسلامية يرتكب خطأً فادحاً، وهؤلاء أساس هذا البنيان ... الشامخ، وعندما يجند المرتزقة الذين كانوا مع بوتو وجونيجو -يرتكب خطأً أشد فداحة من الأول، فالذين خانوا بوتو سيخونون ضياء، وكذلك الذين خانوا ... جونيجو. ليقلب ضياء الحق صفحات التاريخ قليلاً لأننا لا نريد أن نزيده إرهاقاً فليس عنده وقت للقراءة ولذلك نقول ليقلب صفحات قليلة وليسأل نفسه أين الجموع التي كانت تهتف لجمال عبد الناصر من المحيط إلى الخليج؟ ! إن أعز أصدقائه - كالتهامي وغيره - هم الذين يتحدثون عن خيانته ... وأين مسيرة المليون التي حملت سيارة النميري في الخرطوم، هذا المليون خرج متظاهراً ضد النميري! . إن المجموعات (الإنكشارية) التي يفاخر بها ضياء الحق من المدنيين والعسكريين ستكون أول من ينقلب عليه؛ لأنها انقلبت على من سبقه وتمتهن الانقلابات وليس أمام ضياء الحق إن كان جاداً هذه المرة - إلا التعاون مع العلماء والدعاة الذين كانوا دائماً مع الإسلام، وفي سبيل الله سجنوا وزلزلوا زلزالاً شديداً، وما زادهم ذلك إلا صبراً واستقامة وثباتاً. إن أعداء الإسلام داخل باكستان وخارجها ينبلون عن قوس واحدة، وقد جمعوا جموعهم، وبدأوا يتظاهرون ويصدرون التصريحات، وأسيادهم خارج باكستان يمدونهم بالمال والسلاح وأنواع الدعم كافة، فماذا يفعل ضياء الحق عندما يفاجَأ بأن الأحزاب والباطنيين والعلمانيين والمنظمات والنقابات ضده، فى حين أن الإسلاميين لا يثقون به؟ ! ماذا يفعل عندما يفاجأ بأن أقرب الناس إليه من العسكريين هم الذين ورطوه وهم الذين يعملون في الخفاء مع غيره؟ ! . ماذا يفعل إذا قُطعت عنه المساعدات التي تقدَّم له من الدول الغربية التي يسميها صديقة؟ ! لقد وصل العجز في ميزانية باكستان إلى (٦٠ بليون روبية) ، وهو ما يعادل ١.٧ بليون جنيه إسترليني وارتفعت بعض السلع الأساسية بنسبة ٢٥%، وبدأت الجهات الدائنة تطالب برفع الضرائب وأجور الخدمات العامة، وشعوبنا لا تصبر على الجوع، فأين القاعدة العريضة التي تواجه هذه المشكلات الخطيرة؟ ! . إننا في " البيان " نناشد الدعاة والعلماء والجماعات الإسلامية في باكستان أن يتنادوا لاجتماع عاجل يناقشون فيه مصداقية الدعوة الجديدة، ويستنفروا طاقاتهم كافة من أجل تحكيم شريعة الله، وأن لا يتحول هذا الشعار إلى تجارة ومزايدات، ويأخذوا بعين الاعتبار الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد وحدة المسلمين في باكستان، نناشدهم أن يضعوا مصلحة الإسلام واٍلمسلمين فوق كل مصلحة، نناشدهم أن يخلصوا نياتهم، ويتجردوا لله غاية التجرد، وينطلقوا من ثوابت لا يجوز لأحد من المجتمعين مخالفتها. ونناشد العلماء والدعاة والجماعات في العالم الإسلامي أن يقفوا مع إخوانهم في باكستان ويمدوا إليهم يد العون والمساعدة قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم!

стр. 266

دلائل انهيار النظام الأفغاني كنا نتجول في شوارع كابول بسيارة في أعقاب واحدة من بين كثير من سلاسل الانفجارات المدوية وتبادل إطلاق النار الذي يتخلل ساعات الظلام بشكل منتظم ولا يُعطَى تفسير لوقوعه. أوقفت سيارتنا الدبلوماسية وطُوقت من قبل سبعة من رجال (سَرَنْدوي) - الشرطة البرلمانية الأفغانية المكلفة بالدفاع عن العاصمة -، وتساءل السائق فيمَ إذا كان للمجاهدين دور فيما حصل، فأجاب قائد وحدة (السرندوي) بالنفي وقال إن الحادث يتعلق بشؤون داخلية بحتة، وبعد تأكد القائد ورجاله من عدم وجود أي أحد على مقربة منهم همسوا بصوت مرتفع بعض الشيء قائلين: (مجاهدين مجاهدين!) ، مزيلين أي شك حول ولائهم لمن يكون. ... لقد أدهشنا رؤية انعدام الولاء وبهذا الشكل الصارخ من قبل رجال يُفترض كونهم في طليعة المدافعين عن كابول حال انسحاب آخر جندي سوفييتي بحلول منتصف شهر شباط من عام ١٩٨٩م. يواجه نجيب الله تهديدات عدة ليس فقط من قبل المجاهدين ويواجه احتمال قيام انقلاب ضده من جهة القوة الجوية وكذلك احتمال اغتياله. " تايمز " ٢٧/٥/٨٨م

стр. 267

من نتائج الغزو الروسي قال الجنرال ألكسي ليزيخوف رئيس الجيش ورئيس التوجيه السياسى في البحرية يوم ٢٥/٥/١٩٨٨م إن (١٣٣١٠) جندي سوفييتي قد قُتلوا و (٣٥٤٧٨) قد جُرحوا و (٣١١) آخرين اعتُبروا في عداد المفقودين خلال ثمان سنوات ونصف من الحرب في أفغانستان. ذكرت نشرة (سانتا راند) في تقرير لها نشر هذا الأسبوع (٢٠-٢٦/٥/١٩٨٨ م) أنه من بين أهم العوامل التي ساهمت في اتخاذ قرار الانسحاب هو الانتشار الواسع للمخدرات والإفراط في تناول الكحول من قبل أفراد الجيش، وتدهور الأوضاع الصحية وكذلك الهروب من صفوف الجيش بالاضافة إلى ضراوة المعارك ... ويقول الجنرال ليزيخوف: لقد لعبت هذه العوامل وغيرها دوراً كبيراً في إقناع المسؤولين العسكريين السوفييت بسحب قواتهم بعد جهود ثمان سنوات غير مجدية لهزيمة المجاهدين. ويقول ليزيخوف: إن انخفاض المعنويات والحوافز كانا سببين وراء انخفاض أداء الجيش السوفييتي، ويضيف قائلاً: إن السوفييت أدركوا أنه ليس باستطاعتهم تحقيق نصر عسكري، وإنها المرة الأولى التي يقر فيها السوفييت بالهزيمة! . لقد لوحظ من خلال المقابلات التي أجريت أثناء إعداد هذا التقرير أن نسبة ٥٠% من الجنود السوفييت يتعاطون المخدرات بشكل منتظم بما في ذلك الحشيش والهيروين وأوبيام والمارجوانا. وقد نقل عن أحد الجنود السوفييت قوله: (إنهم كانوا يشربون (مانع التجميد) المستعمل في سيارات الشحن والغراء وزيت الفرامل وكانوا يأخذون صبغ الأحذية ويضعونه على قطعة من الخبز ويتركون القطعة في أشعة الشمس حتى ينفصم الكحول عن صبغ الأحذية!) . ومن الراجح أن يُحدث الانتشار الواسع للمخدرات، والإفراط في شرب الكحول بين صفوف القوات السوفييتية آثاراً سلبية في المجتمع السوفييتي لفترات طويلة تعقب عودة تلك القوات إلى الاتحاد السوفييتي كما جاء في ذلك التقرير الذي أعد من خلال مقابلات أجريت مع قادة المجاهدين و (٣٥) مكلفاً سوفييتياً سابقاً ممن اشتركوا في القتال في أفغانستان، بما في ذلك أسرى وهاربين. لقد أدى غياب المياه إلى أوضاع صحية موحشة وإلى انتشار الكثير من الأوبئة كالتهاب الكبد والملاريا والتيفوئيد وبشكل واسع جداً. لقد أدت تلك الأحوال إلى حالات فرار متكررة وعصيان علني بل ومنظم، وقد وقعت بعض حالات انتحار كنتيجة لتدهور المعنويات. بلغت خسائر أمريكا في فيتنام (٥٨١٣٥) قتيلاً، و (١٥٣٣٠٣) جريحاً، و (٢٤١٣) مفقوداً. " تايمز " ٢٦/٥/١٩٨٨م

стр. 268

اندفاع جديد للمجاهدين الأفغان منذ بداية انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان في ١٥ من أيار الماضي ... سقط في أيدي المجاهدين الافغان أكثر من (١٠٠) حامية سوفييتية وأفغانية و (٢٤) مدينة إقليمية، ذكر ذلك دبلوماسيون في إسلام آباد. وذكر الدبلوماسيون في ٢١/٦/ ١٩٨٨م أن مدينة نورغول الواقعة في إقليم كونار الشرقي كانت آخر مدينة تسقط في أيدي المجاهدين. وفي نهاية الأسبوع الماضي (١٣-٢٠/٦/١٩٨٨م) ادعى المجاهدون السيطرة على مدينة (كالات) عاصمة إقليم زابوك الجنوبي، وتمثل كالات أول عاصمة إقليمية تسقط في أيدي المجاهدين منذ بدء الانسحاب. " تايمز " ٢٢/٦/١٩٨٨م

стр. 269

أخبار حول العالم قال ميخائيل غورباتشوف: إن المشكلة التي تواجه القوتين العظميين هي التشدد الإسلامي، وحذر بقوله: (يجب أن نعثر على وسيلة لضبط هذا الأمر، لأنه إذا انفجر المسلمون في المنطقة كلها فإننا سنحتاج إلى عشرين سنة لتهدئة الأمر) . Wall Street Journal الثلاثاء ٥/٧/١٩٨٨ يوضح هذا التصريح وحدة النظر إلى الإسلام بين طرفين مختلفين، فالعالم الغربى الصليبي الذي ترأسه أمريكا والعالم الشيوعي الذي ترأسه روسيا - على ما بينهما من خلافات فإنهما - يجدان شيئاً مشتركاً وهو عداوتهم للإسلام والمسلمين وسعيهم للتنسيق فيما بينهم في هذا المجال. وكلمات: (التشدد) و (التطرف) و (التعصب) لها في لغاتهم ووعيهم أضعاف الأثر السيئ الذي لهذه المصطلحات في لغتنا العربية، وتثير في أذهان شعوبهم من الخوف والهلع أكثر مما تثيره في أذهان المضللين من شعوبنا. والشيء الذي ينبغي أن يتنبه إليه هو نظرتهم الظالمة التي تدل على غباء مختلط بإصرار على التعميم في كثير من الأحيان، وذلك حين ينظرون إلى العالم الإسلامي من خلال إيران، ولا يعرفون أن تصرفات إيران لا تعكس بالضرورة تصرفات ملايين المسلمين الذين إذا وافقتهم إيران بقول (لا إله إلا الله) ، فإنه يبقى وراء هذه الكلمة من عوامل الخلاف - أصولاً وفروعاً - الشيء الكثير الذي تخالفهم فيه. فكل أعمال إيران التي يستهجنها الغرب والشرق ويتخذ منها أعداء الإسلام حجة لدمغ الإسلام وشرائعه وأخلاقه بأقذع الأوصاف وأكذب التهم هي وليدة ظروفها وحدها: ماضيها وحاضرها وأرضها وقوميتها وأحلامها. ولكن متى كان أعداء الإسلام قديماً وحديثاً من صليبيين وشيوعيين وملاحدة ومنافقين يتسمون بالإنصاف في الخصومة والعدل في إطلاق الأحكام؟ ! لسنا ندري - والله - ما الذي يضير أعداء الإسلام من التشدد الإسلامي؟ ! هل اقتحم هؤلاء المتشددون - الذين يتداعون إلى حربهم - مدنهم ودولهم؟ ! أليست جريمة المسلمين - بنظر هؤلاء - أنهم يرفضون أن يعيشوا في بلادهم عبيداً، أو أن يروا بلادهم نهباً مشاعاً أو موطئاً لجنود هذه القوى المتجبرة، ولذلك يصمونهم بهذه الأوصاف المنفرة، ويحرض بعضهم بعضاً على حربهم والتشهير بهم؟ !

стр. 270

غورباتشوف: لم يتحقق شيء! في مؤتمر الحزب الشيوعي الذي عقد أخيراً في موسكو ٢٨/٦/١٩٨٨م دعا الأمين العام للحزب ميخائيل غورباتشوف إلى إصلاحات جذرية في الشؤون السياسية والاقتصادية للاتحاد السوفييتي، فقد انتقد شركات الدولة التي تسببت في شح المواد الاستهلاكية الضرورية، بينما تكدس إنتاج المواد التي لا يحتاجها الناس، وطالب بأن يكون الفلاح سيد أرضه وأن تتخلص الدولة من المزارع التعاونية. كما انتقد سياسة ستالين وبريجينيف التي حجرت على الفكر في الاتحاد السوفييتي، ودعا إلى تقليص سلطات الحزب وأن ينتخب رئيس الدولة بالطريقة المباشرة كما في بعض دول الغرب، وأن تنتخب الحكومات المحلية باقتراع سري دون تدخل اللجنة المركزية للحزب، وذكر أن المجلس الأعلى للسوفييت إنما هو مجلس شكلي يؤمّن على القرارات دون مناقشة، ولابد أن يعطى من السلطات ما يمكّنه من دوره ومن الحد من نفوذ الحزب واعترف الأمين العام أخيراً بأنه بعد ستة عقود من حكم الحزب لم يتحقق شيء! . تعليق: هكذا يتراجع الفكر الماركسي بين كل فترة وأخرى، وتظهر عيوب النظريات التي تحادّ الفطرة، وتُبنى على الحقد والنظريات الخيالية، وتصطدم مع حاجات الناس ومعاشهم. يتراجع هذا الفكر ليجد نفسه مضطراً لتقليد الغرب الذي كان يصفه بأبشع الأوصاف، وليعترف بعد عشرات السنين أنه فاشل وأنه دكتاتوري مستبد ظالم، فهل يعي هذا الدرس المتمركسون المقلدون للدولة (الأم) ويكفون عن الثرثرة حول الشيوعية والاشتراكية؟ ! وهل يعي هؤلاء المقلدون أنه بعد عشرات السنين أصبحت الصين أقرب إلى أمريكا منها إلى روسيا، وأن الطوابير أمام الجمعيات الاستهلاكية أصبحت شيئاً لا يطاق في الدولة (الأم) وأنه بعد عشرات السنين لم تستطع الدولة والثورة إطفاء جذوة التدين عند مسلمي الجمهوريات السوفييتية الذين عانوا من طغيان الشيوعية ما لم يعانِهِ غيرهم؛ لأن التدين مركوز في فطرة الإنسان، فلماذا لا يتوب هؤلاء ويعودون إلى الإسلام، ويعلمون أنه لا حل إلا بهذا الدين؟ !

стр. 271

الإيدز يهدد أمريكا ضحية كل خمس دقائق مع حلول عام ١٩٩٣م! أبلغ مؤتمر دولي لوباء الإيدز يوم ١٣/٦/١٩٨٨م أنه يتم في أمريكا حالياً تشخيص حالة إصابة بمرض الإيدز كل عشر دقائق. وإذا ما صحت تنبؤات الخبراء فإن هذه المأساة الفردية ستسجل كل خمس دقائق في عام ١٩٩٣م. أما في أوربا فإن الفارق الزمني بين تشخيص حالة وأخرى يزيد قليلاً على ما هو عليه في أمريكا، كما أن عدد الضحايا أقل، إلا أن كارثة مشابهة ستنزل في لندن وباريس وروما ومدريد خلال سنتين ونيف، كما أعلن في المؤتمر أن عدد حالات الإصابة الحديثة بالمرض التي يتم تشخيصها في كل أسبوع قد بلغ (١٥) في بريطانيا و (٢٥) في أسبانيا و (٢٦) في إيطاليا و (٣٣) في فرنسا، وقد بلغ عدد حالات الإصابة في أمريكا وحدها ٦٥ ألف بمن فيهم (١٥) ألف توفوا في العام الماضي و (٢٨) ألف معان شخصت حالات في عام ١٩٨٧م، وهو ما يساوي معدل إصابة واحدة كل أربع عشرة دقيقة! . ويقول الدكتور جيمس كوران العامل في مراكز السيطرة على الوباء في مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا أن ما بين مليون إلى مليون ونصف آخرين قد أصيبوا بهذا الوباء، وحسب تخمينات الدكتور كوران المستقبلية فإن (٤١) ألف حالة جديدة ستظهر هذا العام في حين سيبلغ عدد الذين سيعانون المرض في أمريكا لوحدها مع حلول عام ١٩٩٢ (٣٦٥) ألف، هذا وقد توفي إلى الآن نصف المجموع الكلي لمرضى الإيدز في أمريكا، وقد بلغت دقة هذه التقارير في الأعوام الماضية نسبة ٩٨%. هذا، ويعتبر تناول المخدرات عن طريق زرق الإبر والشذوذ الجنسي على رأس قائمة أسباب تفشي هذا الوباء، كما أن ظاهرة الاتصال الجنسى بين الرجال والنساء والتي لا يضبطها ضابط تعد سبباً رئيسياً وراء ولادة الأطفال المصابين بالإيدز، أما في أوربا فقد سجلت حالات الإصابة بالمرض ارتفاعاً بنسبة ١١٥% منذ شهر آذار من العام المنصرم، كما أن عدد المرضى أخذ بالتضاعف كل (١١) شهراً.

стр. 272

بأقلام القراء لقطات من العشر الأواخر محمد حماد يسر الله لي الذهاب إلى مكة المكرمة في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك لهذا العام، وسجلت ذاكرتي هذه اللقطات: الجهد المبارك: رغم كبر سنه، وضعف بنيته إلا أن الله قد منح هذا الشيخ الفاضل طاقة وجلداً قلما تجده عند أكثر الشباب، وهذا ليس ثناءاً بل هو ما رأيته على مدى عشرة أيام كان خلالها الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين كتلة نشاط مستمرة ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ فله درس بين صلاتي التراويح والتهجد، ودرس بعد صلاة الفجر إلى ما بعد الشروق، وفي العصر يستقبل الأسئلة والفتاوى. ولقد رأيته ما يكاد ينتهي من التسليم في صلاة التهجد بعد كل ركعتين حتى يأتيه المستفتون ولا ينقذه منهم إلا الصلاة! وحبذا لو أن الشيخ - حفظه الله - بالإضافة إلى جهده العلمي المشكور - كان النصيب الذي يعيره للشباب ومشاكله أكثر، فهم بحاجة إلى توجيهه ورعايته، ودمتم لنا يا شيخ محمد. الكيف قبل الكم: لا شك أن القلب يمتلىء بهجة وهو يرى أفواج المصلين الذين يترددون على المسجد في كل صلاة، ولكن إذا تمعنا قليلاً رأينا أموراً تقول لنا ألا نتسرع في الحكم، فالطريق لا زالت طويلة وأن التربية الإيمانية لم تكتمل بعد. مشهدان ندلل بهما على ما نقول: المشهد الأول: قبل أذان المغرب: أحد العمال يوزع الأكواب الورقية، تتجمع عليه جماعة من الناس، ينزعون الأكواب منه بالقوة، كلهم يريد أن يأخذ أكثر من حاجته، أحد المزاحمين - وكان قد فاز بكيس كامل من الأكواب يسأله أحدهم أن يعطيه بعضها فيرفض قائلاً: (يا عمي إحنا ما أخذناها إلا بالقوة! !) . المشهد الثاني: تعطلت السلالم الكهربائية بسبب زيادة الحمل، والمصلون يتزاحمون ورفضوا الانصياع لتوسلات المسئولين بالتريث والانتظام، وعندما ارتجت الدرجات بهم فزع المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وتدافعوا وتصايحوا، فهذا يقفز لينجو بنفسه، وهذا يصرخ. والناس قد أصابهم الذهول. تُرى كيف يفعل هؤلاء عند مواجهة العدو؟ ! . قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود عندما سئل عن سبب تداعي الأمم على المسلمين: هل هو من قلة؟ ، قال: لا، ولكنكم كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم بحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت. صحيح الجامع/٨٠٣٥. من شوارع مانهاتن إلى المسجد الحرام: إنها نقلة ضخمة وعجيبة، ولكن ليس ذلك على الله بعزيز ويبقى هؤلاء النفر من المسلمين الجدد مثالاً على قدرة الله ورحمته في هداية الناس، فمن شوارع وأزقة مانهاتن وحاناتها، حيث المخدرات والجريمة والضياع (أحدهم تعرَّف على المخدرات وعمره ٩ سنوات) إلى الاعتكاف في بيت الله الحرام، الله أكبر! أمضيت بعض الوقت مع أحد الإخوة وهو يدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكان معظم حديثنا عن حال المسلمين في أمريكا الشمالية فأعطاني معلومات كثيرة عن " البلاليين " تختلف عن الفكرة التي كانت لديَّ بناءاً على ما قرأته من قبل عن حال هذه الجماعة الآن؛ لذلك أتجه إلى مجلتنا الحبيبة (البيان) لتعطينا تقريراً عن أوضاع هذه الجماعة وغيرها من الجماعات الإسلامية في أمريكا. (البيان: نعد الأخ بذلك ونرجو أن نوفق إلى ذلك) . ليلة ٢٧ من رمضان: يكاد المرء يلمس الروحانية لمساً في تلك الليلة المباركة، لا مكان في الحرم إلا وفيه عابد لله من طائف بالبيت إلى قائم يصلي إلى قارىء للقرآن. صحن الكعبة كخلية النحل ممتلىء إلى آخره. مرت لحظات من صلاة التهجد تكاد ترى فيها النور يمتد من المحرم إلى عَنان السماء. إنها لحظات عجيبة تجمع فيها أكثر من مليون ونصف مسلم. ليس على سطح الأرض كل مظاهرة إيمانية كهذه في هذا الوقت. وتسمع البكاء والنحيب والدعاء المتضرع ولاشك أن كثيراً من المسلمين كان مخلصاً في دعائه الله بالمغفرة ونصرة الإسلام والمسلمين. ولكن الدعاء وحده لا يكفي، إن الله كريم جواد قادر على أن ينصر دينه وعباده ولكن سبق قوله - تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، لابد من التغيير ولابد من العودة الصادقة إلى الله والإنابة إليه، لا يكفي الدعاء أو عبادة ليلة واحدة أو شهر كامل، إذا أردنا أن تقام دولة الإسلام في أرضنا فعلينا أن نقيمها في أنفسنا وبيوتنا وأعمالنا في كل لحظة، بل في كل يوم؛ فالرسول ﷺ ما دعا في بدر عندما دخل العريش وأطال وألح في الدعاء إلا بعد أن أعد العدة وجهز الجيش وربى الصحابة.

стр. 273

فلسفة خالد الخميس غريبة هذه الحياة كل يوم ينقضي يقربك من القبر. الإنسان فيها يسعى للكمال، يكافح ويكدح، له آمال وخطط مستقبلية يظن أنه سيخلد، بل لا يفكر في شيء اسمه الموت أبداً؛ لأنه موضوع يأتي له بالوهن والهم، بل وأيضاً لعدم وجود موقف ثابت منه، لذلك يحاول الإنسان أن يستبعد هذا المفترس من قاموس حياته اليومية. ولو أن للإنسان عقلاً رزيناً لفكر في مستقبله الأخير ونهايته الأبدية كيف ستكون. ولنفرض جدلاً أنه لا يوجد حياة برزخية وأخرى أخروية، والموت نهابة الحياة على الإطلاق. هنا نتساءل ما معنى الحياة إذاً سوى أن تكون لذة انقضت أو شقاء انتهى؟ ! ومادام أن هذه اللذة وهذا الشقاء انته فمن العسير أن نسمي هذه لذة وهذا شقاءً، بل كلها تسمى بالفناء. ومن هذا المنظور لا يصبح للحياة معنى عند عقلاء الملحدين، أما إذا أدرك المرء أن هناك حياة أخروية فهنا يتغير المنظور وتتضح عبارة اللذة وعبارة الشقاء؛ فاللذة ما كانت نعيماً أخروياً، والشقاء ما كان عذاباً أخروياً أيضاً. [أَفَرَأَيْتَ إن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) ] [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧] .

стр. 274

خيبة لأنصار التماثيل ! منصور الأحمد سوف يكتب مستقبلاً في صفحات التاريخ أنه كان هناك في النصف الثاني من القرن العشرين زعماء يمتطون صهوات الجياد، وقد ناءت أكتافهم وصدورهم بالأوسمة والنياشين مع أنهم لم يخوضوا معركة ولم ينتصروا في ميدان! وإنه من أجل أن تبقى هذه الصورة المجافية للواقع مطبوعة في عقول الشعوب، فقد استخدموا كل مقدراتها من أجل ذلك، ومن ذلك تماثيل باذخة تذكّرنا (برعمسيس الثاني) و (تحتمس الثالث) و (الإسكندر الأكبر) و (يوليوس قيصر) و (جنكيز خان) وغيرهم وغيرهم من هذا الرعيل الملعون. حرص هؤلاء المأفونون على تخليد ذكرهم على أكتاف شعوبهم، واتخذوا من أفراد محكوميهم مراقي بنوا عليها أمجادهم الكاذبة، فكم من هواة (الفن) من يسأل نفسه حين يقف مبهوراً مشدوهاً أمام نُصب من هذه الأنصاب: كم كلف هذا الأثر الفني من قوت الشعب، وكم جاعت من أجله بطون، وعريت في سبيله أجسام، ولاذت في دائرة النسيان ملايين، وانتُهكت من أجل تحصيل الضروري كرامات وحرمات؟ ! . لكن الله يأبى أن يمتد حبل الكذب إلى غير نهاية، وأمامنا شواهد كثيرة على هذا، حيث نرى أن تماثيل نصبها أصحابها في كل ميدان مهم أو ساحة في مدينة لتقع عليها العيون أينما اتجهت وحيثما نظرت، وأرادوا من ورائها غرس المبادىء الغربية في تربة بلادهم على الرغم من مشاعر الأمة التي يحكمون وعقائدها، وابتغوا من وراء هذه الأصنام المنصوبة خلود الذكر في هذه الدنيا، ولكن ماذا ... نرى؟ ! . نرى أن هذه الشعوب التي تحدوها أهوت على تماثيلهم هذه بالفؤوس والمعاول وداست شظاياها بأقدامها وأمام مرأى من أصحابها في بعض الأحيان [١] . إن دول أوربا التي يقلدها أنصار إقامة الأصنام والتماثيل - ينبع حبها لذلك من جذور ثقافتها وديانتها التي أُخضعت لتأثير الوثنية اليونانية والرومانية من يوم أن دانت بها هذه الشعوب، وتكرم شعوبها عظماءها بعد أن يرحلوا مخلفين ورائهم شيئاً يستحقون عليه التكريم. أما نحن، فلا ثقافتنا وديننا يبيح لنا ذلك، ولا شعوبنا هي التي تنبري عن طواعية بعد وفاة " العظيم " لتكريمه بهذا الأسلوب، بل " العظيم " نفسه هو الذي يكرم نفسه، ويمنحها الشهادات غافلاً أو متغافلاً عن شهادات التاريخ، والمفارقة الطريفة أن التاريخ - على الرغم من تدخل أصحاب الرغائب في صياغته - يفرض منطقه على مرأى من هؤلاء " العظماء " الأدعياء. ألا ما أسخف عقول الذين يبررون إباحة التماثيل بأن الإسلام حرمها حين كان هناك خوف من عبادة الناس لها، وأَمَا وقد انتفى هذا المحذور ببلوغ البشرية سن الرشد فلا بأس بها! وما أعظم الإسلام حينما جعلها رجساً من عمل الشيطان، وجعل من ينفق على إقامتها ليس غير جدير بأن يحكم غيره فحسب، بل حريّ أن يُحجر عليه لسفهه فلا يقوم حتى على أمر نفسه!

стр. 275

صفر - ١٤٠٩هـ أكتوبر - ١٩٨٨م (السنة: ٣)

стр. 276

الافتتاحية لابد من ملء الفراغ كلما فكرت في حقيقة أن سبعين سنة من محاربة العقائد الدينية بكل الأساليب لم يُقْضَ عليها، ولم تغيبها في التراب - كما قدر أعداء العقائد الدينية - ازدادت ثقتي بالحق الذي أحمله، وكان ذلك برهاناً على قصر النظرة البشرية التي تحدثها أوهامها أحياناً بأنها تعلم كل شيء، وتريد أن تزيل من أمامها كل ما يعوقها عن تحقيق ما قصرت نظرتها وعلمها عليه. أما هذه المعركة المشار إليها فهي التي وقعت - ولا تزال - بين الشيوعية والأديان. إن الشيوعية استخدمت كل الوسائل: المادية والمعنوية من أجل القضاء على أفيون الشعوب ولكن هل نجحت؟ ! هل نجحت في القضاء على المسيحية - مع أن المسيحية لا تهتم إلا بالجانب الروحي من الحياة، تاركة الجانب المادي لقيصر - ولئن عجزت الشيوعية عن القضاء على المسيحية، فهي عن أن تقضي على الإسلام - الذي هو في حقيقته دين شمولي لشأن الدنيا والآخرة معاً - أعجز. ليس من شأننا الحديث عن معاداة الشيوعية للأديان في روسيا! ، ولكن نريد أن نتخذ من ذلك دليلاً على عبثية المحاولات التي تبذل من أجل المحو أو التحريف والتشويه للحقائق التي تؤمن بها الشعوب. *** لا شك أن هناك حملة قوية من أغلب الفئات النافذة بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية هذا القرن هدفها تقليل التأثير الإسلامي في بنية الشعوب الإسلامية، وإبعاده شيئاً فشيئاً عن جميع النواحي المهمة في الحياة وخاصة الثقافية منها والتشريعية والاقتصادية. ومع أن هذه الفئات قد حققت كثيراً مما كانت تتطلع إليه، لكن الهدف النهائي - وهو تخفيف قبضة العقيدة الإسلامية، وترويض حدة الشعور الديني - لم يتحقق منه شيء، ولا تبدو في الأفق بوادر تشير إلى ذلك، بل إن المشاهَد أن الشعور الإسلامي في تصاعد، والاعتقاد بأن الكوارث المحيطة والمتربصة ليست إلا بسبب انفصام عرى العقيدة الإسلامية من بعض النفوس، وأنه لا مخرج من هذا الواقع المتأزم إلا بعقد سلام بين الشعوب وتاريخها المغتصَب، والاعتراف بأن المجتمع لن يكون محصناً ولا قوياً وهو منشق على نفسه، يتبرأ جانب من جانب، ويطارد قاهر مقهوراً؛ لأن دوامة الزمن مستمرة في الدوران، وغداً سيكون المَوْتور واتراً، وهكذا ... *** إننا إذا تناولنا جانباً من جوانب التجاهل والإهمال الذي يلقاه الإسلام في دياره - وهو الجانب الثقافي - سيبدو لنا التأزم والعبث بأوضح صورة. هذه خطط، وتلك مناهج وضعت لتنشئة أجيال لتكون قادرة على الوقوف على قدميها في عالم عاصف بالأفكار، والذين وضعوا ذلك وصلوا - برجاحة عقولهم، وغزارة علمهم، وقبل ذلك كله بحرارة إخلاصهم لأوطانهم وغِنى عواطفهم نحو أبناء قومهم! - إلى أن الإسلام شأنه شأن الأديان كلها، لا يمثل إلا زاوية روحية يكفي أن يقدم الحديث عنه للأجيال ضمن هذه الزاوية: تعليم لبعض العبادات، وحديث عن التوبة والمغفرة، والذكر ومراسم الدفن، وبعض مكارم الأخلاق مثل الرحمة والرفق بالحيوان، وأشياء أخرى لا تخرج عن هذا الإطار الفقير. ويستطيع أن يقوم بتقديم هذا الجانب أي فرد - عالم أو جاهل - مؤمن بما يقول أو جاحد. والقصد من هذا الاختصار واضح لكل ذي نظر، وهو ليس القناعة حتى بهذه الأشياء المقدمة، بل الإجابة على تساؤل الذين يتساءلون بإلحاح: أين مكان الدين من تربية الأجيال؟ تريدون ديناً؟ ! لا مانع، خذوا هذا الدين! هذا هو الإسلام! أما إذا لم يشفِ هذا الجواب العملي النفوس التي تحترق وتململت تطلب إجابة أشفى " كان الصراخ لها قرع الظنابيب " [١] . نريد أن ننظر إلى واقعنا على ضوء هذا الذي يجري فيه، فعندما لا يقتنع المسلم أن ما يقدَّم لأبنائه هو الإسلام، فإنه يفتش عن بديل آخر لهذا، كأن يلقن أبناءه الإسلام الذي يؤمن به والذي يراه مخالفاً - في اتساعه وشموله، بل في أحكامه العملية - لهذا الإسلام المسكين المستكين الراكد العاجز الذي تحدثه عنه أجهزة الثقافة وأقنية الفكر. وإذا افترضنا أن من الآباء من لا يبالون: أدرس أبناؤهم إسلاماً وقرآناً أم درسوا غير ذلك؟ ! فإن من الآباء كذلك من يشعر بالمسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتقه، ومن يعتقد اعتقاداً لا يتزعزع أن الله سائله كيف ربى ولده، وهو لذلك يرى أن الأمر جد لا هزل فيه. وحتى أولئك الآباء غير المبالين، عندما يشب أبناؤهم عن الطوق، ويقارنون ما لقنوا بما هو موجود في الكتب الإسلامية المبذولة بأعداد هائلة، وبنسب تفوق كل أنواع الكتب الأخرى؛ فإن كثيراً من هؤلاء الأبناء يراجعون ما لقنوا، ويكتشفون الزيف الكثير في ذلك، فإما أن يرفضوه جملة، وإما أن يشكوا فيه، وهما أمران ينتج عنهما انفصام في الشخصيات، وتمزق داخلي ينعكس على تصرفاتهم وأعمالهم، وبدلاً من أن يكونوا خلايا منتجة في جسم المجتمع يؤول أمرهم إلى أن يكونوا خلايا مشلولة لا أثر لها، أو مريضة تنفث التوتر والضعف في بنية الأمة. وتبقى هناك فئة تمضي في البحث عن الحقيقة المغيبة بنفسها، فإما أن تنجح في العثور عليها وإما أن تفشل، وهي في حالتي نجاحها وفشلها لا تحقق لمجتمعها شيئاً على المستوى العام؛ لأن نجاحها فيما نجحت فيه لا يحسب لها، بل عليها، لأنه غير معترف به من قبل الذين رسموا وخططوا، وفشلها يتخذ ذريعة لتثبيت الباطل الذي حاولت خارج إطاره، ولاستمرار الزيف الذي لم يطفئ فيها التحرق للبحث عن الحق. إن كبرى الأزمات التي نعاني منها مردها إلى هذه الحال التلفيقية التي نعيش فيها: تتجاور فينا المتناقضات، ونعيش في أجواء يسودها التنافر والتمزق؛ فالكفر الصُّرَاح بجانب نصف الكفر بجانب الإسلام وأجزاء الإسلام! والعبودية ونصف العبودية بجانب الحرية وما هو فوق الحرية من الطغيان والجبروت، والعروبة بجانب دعوى العروبة والشعوبية السافرة، والفساد المرخص له بجانب المساجد ودور العبادة، والقوانين الحديثة المكتوبة، بجانب القوانين السرية النافذة: قوانين العشائر والفئات والطوائف. وهيكل الدولة الحديثة الذي تسري فيه روح الغرائز وتسود فيه شريعة الغاب ... خلط وتلفيق وحلول وسط تعكس نفوساً خربها النفاق وفتك بها الهوان فلم تعد تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً. الحرج من هذا الواقع المرير مرهون بأن نقف أمام أنفسنا وقفة صادقة، وأن نعترف بسبب المشكلة أولاً، وهو هنا عدم وجود دليل واضح ومنهج أصيل تسير على هدْيه الأجيال الإسلامية، ثم الانفصال بين مفهومين للإسلام في أذهان هذه الأجيال: مفهوم تقدمه فئة غير مقتنعة بالإسلام ولا تبالي بأي واد هلك، إسلام مقطع الأوصال، مشوه القسمات؛ ومفهوم آخر تبحث عنه هذه الجموع المتعطشة التي فقدت ثقتها بكل شيء، وانهارت أمام عيونها كل المناهج المستوردة والمفروضة، وهي في خلال بحثها عنه تلاقي الجفاء والمقت، وتعاني من الإنكار والجحود. وما لم يكن هناك اعتراف بهذه الحقيقة فإن جهودنا أفراداً وجماعات ستذهب سدى، وسنبقى حيث نحن، هدر للطاقات، وتضحية بالكفاءات، ومطاردة دائمة حتى يأتي يوم نفقد فيه الطِّراد حيث نفقد الطرائد.

стр. 277

قضايا فقهية الرد على من أباح الفوائد الربوية سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز جاءنا من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المقال التالي الذي يرد فيه على شبهات من يجيز الفوائد الربوية والمعاملات البنكية المتعلقة بها. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد اطلعت على البحث الذي أعده الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر تحت عنوان: (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف) ، فألفيته قد حاول فيه تحليل ما حرم الله من الربا بأساليب ملتوية، وحجج واهية، وشبه داحضة، ورأيت أن من الواجب على مثلي بيان بطلان ما تضمنه هذا البحث، ومخالفته لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة من تحريم المعاملات الربوية، وكشف الشبه التي تعلق بها، وبيان بطلان ما استند إليه في تحليل ربا الفضل وربا النسيئة، ما عدا مسألة واحدة وهي ما اشتهر من ربا الجاهلية من قول الدائن للمدين المعسر عند حلول الدين: إما أن ترْبي وإما أن تقضي، فهذه المسألة عند إبراهيم المذكور هي المحرمة من مسائل الربا، وما سواها فهو حلال، ومن تأمل كتابته اتضح له منها ذلك، وسأبين ذلك إن شاء الله بياناً شافياً، يتضح به الحق، ويزهق به الباطل، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإلى القارئ بيان ذلك: أولاً: قال إبراهيم في أول بحثه ما نصه: يمكن القول إنه لن تكون هناك قوة إسلامية بدون قوة اقتصادية، ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك، ولن تكون هناك بنوك بلا فوائد! والجواب أن يقال: يمكن تسليم المقدمة الأولى؛ لأن المسلمين في كل مكان يجب عليهم أن يعنوا باقتصادهم الإسلامي بالطرق التي شرعها الله - سبحانه - حتى يتمكنوا من أداء ما أوجب الله عليهم، وترك ما حرم الله عليهم، وحتى يتمكنوا بذلك من الإعداد لعدوهم، وأخذ الحذر من مكائده، قال الله : [وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة: ٢] ، وقال - سبحانه -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] [المائدة: ١] ، وقال - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ولا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً] إلى قوله - سبحانه -: [إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألاَّ تَكْتُبُوهَا وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ ولا يُضَارَّ كَاتِبٌ ولا شَهِيدٌ] الآية [البقرة: ٢٨٢] ، وقال - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ] الآية [النساء: ٢٩] ، وقال - سبحانه -: [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] الآية [الأنفال: ٦٠] . والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي مشتملة على توجيه الله - سبحانه - لعباده إلى التعاون على كل ما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى، وتحذيرهم من التعاون على الإثم والعدوان، كما أمر - سبحانه - بالوفاء بالعقود وإثبات حقوقهم بالطرق الشرعية، وحذرهم من أكل أموالهم بالباطل، وأمرهم - سبحانه - بالإعداد لعدوهم ما استطاعوا من قوة، وبذلك يستقيم اقتصادهم الإسلامي، ويحصل بذلك تنمية الثروات وتبادل المنافع والوصول إلى حاجاتهم ومصالحهم بالوسائل التي شرع الله لهم، كما حذرهم - سبحانه - في آيات كثيرة من الكذب والخيانة وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق ومن أكل أموالهم بينهم بالباطل والإدلاء بها إلى الحكام ليميلوا عن الحق إلى الحكم بالجور، وعظّم - سبحانه - شأن الأمانة، وأمر بأدائها في قوله : [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا] [النساء: ٥٨] ، وقوله - سبحانه -: [إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا] الآية [الأحزاب: ٧٢] ، وحذرهم من خيانة الأمانة في قوله - سبحانه -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الأنفال: ٢٧] ، ووصف عباده المؤمنين في سورة " المؤمنون " وفي سورة (المعارج) بأنهم يرعون الأمانات والعهود وذلك في قوله - سبحانه -: [والَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وعَهْدِهِمْ رَاعُونَ] [المعارج: ٣٢، والمؤمنون: ٨] . فمتى استقام المسلمون على هذا التعليم والتوجيه وتواصوا به وصدقوا في ذلك فإن الله -يصلح لهم أحوالهم، ويبارك لهم في أعمالهم وثرواتهم، ويعينهم على بلوغ الآمال والسلامة من مكائد الأعداء، وقد أكد هذه المعاني - سبحانه - في قوله : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] [التوبة: ١١٩] وفي قوله سبحانه: [أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً] [النساء: ١٣٥] ، وقال - سبحانه -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [المائدة: ٨] ، وقال - سبحانه - [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] الآية [الأنفال: ٦٠] ، وقال : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ] [النساء: ٧١] ، والآيات في هذا أكثر من أن تُحصر. وأما المقدمتان الثانية والثالثة - وهما قوله: ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك ولن تكون هناك بنوك بلا فوائد - فهما مقدمتان باطلتان، والأدلة الشرعية التي قدمنا بعضها وما درج عليه المسلمون من عهد نبيهم -صلى الله عليه وسلم- إلى أن أنشئت البنوك، كل ذلك يدل على بطلان هاتين المقدمتين، فقد استقام اقتصاد المسلمين طيلة القرون الماضية، وهي أكثر من ثلاثة عشر قرناً بدون وجود بنوك، وبدون فوائد، وبدون فوائد ربوية، وقد نمت ثروتهم، واستقامت معاملاتهم، وحصلوا على الأرباح الكثيرة، والأموال الجزيلة، بواسطة المعاملات الشرعية، وقد نصر الله المسلمين في عصرهم الأول على أعدائهم، وسادوا غالب المعمورة، وحكموا شرع الله في عباده وليس هناك بنوك ولا فوائد ربوية، بل الصواب عكس ما ذكره الكاتب إبراهيم وهو أن وجود البنوك والفوائد الربوية صار سبباً لتفرق المسلمين، وانهيار اقتصادهم، وظهور الشحناء بينهم، وتفرق كلمتهم، إلا من ﵀، وما ذاك إلا لأن المعاملات الربوية تسبب الشحناء والعداوة، وتسبب المحق ونزع البركة وحلول العقوبات؛ كما قال عز وجل: [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ويُرْبِي الصَّدَقَاتِ] [البقرة: ٢٧٦] والآن ما يقع بين الناس بسبب الربا من كثرة الديون ومضاعفتها بسبب الزيادة المتلاحقة كل ذلك يسبب الشحناء والعداوة، مع ما ينتج عن ذلك من البطالة وقلة الأعمال والمشاريع النافعة؛ لأن أصحاب الأموال يعتمدون في تنميتها على الربا، ويعطلون الكثير من المشاريع المفيدة النافعة من أنواع الصناعات وعمارة الأرض وغير ذلك من أنواع الأعمال المفيدة. وقد شرع الله لعباده أنواعاً من المعاملات يحصل بها تبادل المنافع، ونمو الثروات، والتعاون على كل ما ينفع المجتمع، ويشغل الأيدي العاطلة، ويعين الفقراء على كسب الرزق الحلال، والاستغناء عن الربا والتسول وأنواع المكاسب الخبيثة، ومن ذلك المضاربات وأنواع الشركات التي تنفع المجتمع، وأنواع المصانع لما يحتاج إليه الناس من السلاح والملابس والأواني والمفارش وغير ذلك، وهكذا أنواع الزراعة التي تشغل بها الأرض، ويحصل بها النفع العام للفقراء وغيرهم، وبذلك يعلم كل من له أدنى بصيرة أن البنوك الربوية ضد الاقتصاد السليم وضد المصالح العامة، ومن أعظم أسباب الانهيار والبطالة ومحق البركات وتسليط الأعداء وحلول العقوبات المتنوعة والعواقب الوخيمة، فنسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك وأن يمنحهم البصيرة والاستقامة على الحق. ثانياً: قال إبراهيم: إن وظيفة الجهاز المصرفي في اقتصادٍ ما تشبه إلى حد قريب وظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تماماً ... الخ. والجواب: ليس الأمر كما قال، بل يمكن أن يقوم الجهاز المصرفي بما ذكره الكاتب، من غير حاجة إلى الربا، ولا ضرورة إليه كما قام اقتصاد المسلمين في عصورهم الماضية وفي عصرهم الأول الذهبى بأكمل اقتصاد وأطهره من دون وجود بنوك ربوية كما تقدم، وقد نصر الله بهم دينه، وأعلى بهم كلمته وأدرّ عليهم من الأرزاق والغَناء، وأخرج لهم من الأرض ما كفاهم وأغناهم وأعانهم على جهاد عدوهم، وحماهم به من الحاجة إلى ما حرم الله عليهم، ومن درس تاريخ العالم الإسلامي من عهد النبي ﷺ إلى ما قبل إنشاء المصارف الربوية علم ذلك يقيناً. وإنما يؤتى المسلمون وغيرهم في اقتصادهم ونزع البركات مما في أيديهم بأسباب انحرافهم عن شريعة الله، وعدم قيامهم بما أوجب الله عليهم، وعدم سيرهم على المنهج الذي شرعه الله لهم فيما بينهم من المعاملات، وبذلك تنزل بهم العقوبات، وتحل بهم الكوارث بأسباب أعمالهم المخالفة لشرع الله؛ كما قال - عز وجل -: [ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ، وقال : [ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ ولَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [الأعراف: ١٩٦] ، وقال - سبحانه -: [ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ولأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ولَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإنجِيلَ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم] الآية [المائدة: ٦٥، ٦٦] ، وقال - تعالى -: [ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] [الطلاق: ٢، ٣] ، وقال - سبحانه -: [ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً] [الطلاق: ٤] . ثالثاً: ذكر إبراهيم في بحثه ما نصه: والسؤال الذي لم نعثر على جواب حتى الآن هو: كيف ينظر فقهاء المسلمين إلى الظاهرة الاقتصادية للفائدة، ولماذا يعتبر القرض بالفائدة محرماً في نظرهم؟ ... الخ. والجواب عما ذكره هنا إلى نهاية بحثه المشار إليه أن يقال: إنما نظر الفقهاء من سائر علماء المسلمين في أمر الفائدة وعلقوا بها التحريم؛ لأن الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ أناطت بها التحريم، وهى أحاديث مستفيضة عن النبي ﷺ ، لا مغمز فيها، وهي تدل دلالة صريحة قطعية على أن بيع المال الربوي بجنسه مع أي زيادة - ولوقلّت ... ربا صريح محرم، ولكن الكاتب إبراهيم المذكور - هداه الله وألهمه رشده - أعرض عنها كلها، ولم يلتفت إليها، وإنما تكلم على الربا المجمل الوارد في القرآن الكريم، وحاول بكل ما استطاع أن يحصر الربا في مسألة واحدة هي: ما إذا أعسر المدين واتفق مع الدائن على إمهاله بفائدة معينة، هذا ملخص بحثه، وما سوى ذلك فقد حاول في هذا البحث إلحاقه بقسم الحلال لحاجة الناس - بزعمه - إلى ذلك وأن هذا هو الذي تقوم به المصارف، وزعم أن الحاجة داعية إلى ذلك، وأن مصالح العباد لا تتم إلا بهذه المعاملات الربوية التي تستعملها البنوك وقد تعلق بأشياء مجملة من كلام الموفق بن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم ﵏ جميعاً - فيما ذكروه عن المصلحة وأن الشرع لا يمنع تحقيق المصالح التي تنفع المسلمين بدون ضرر على أحد، ولا مخالفة لنص من الشرع المطهر.. وهذا كله لا حجة له فيه؛ لأن المصالح التي أراد هؤلاء الأئمة وأمثالهم تحقيقها إنما أرادوا ذلك حيث لا مانع شرعي يمنع من ذلك، وذلك في المسائل الاجتهادية التي لا شيء فيها يوضح الحكم الشرعي، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- على تحريم ربا الفضل، وعلى تحريم ربا النسيئة، وذكر بعض أهل العلم أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل؛ لأن عاقلاً لا يبيع شيئاً بأكثر منه من جنسه يداً بيد، وإنما يكون ذلك إذا كان أحد العوضين مؤجلاً أو كان أحدهما أنفس من الآخر، ولهذا لما باع بعض الصحابة ﵃ صاعين من التمر الرديء بصاع واحد من التمر الطيب، وأخبر النبي ﷺ بذلك قال له النبي ﷺ : (أوه عين الربا عين الربا لا تفعل!) الحديث، متفق عليه، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تُشِفُّوا [١] بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) . وفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وغيرهما. وأما قول النبي ﷺ في حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: (إنما الربا في النسيئة) ، فالمراد به عند أهل العلم معظم الربا، وليس مراده ﷺ كل أفراد الربا، للحديثين السابقين وما جاء في معناهما من الأحاديث الصحيحة. وقد علم أن المعاملات الربوية تجمع بين ربا الفضل وربا النسيئة، فإن المودع بالفائدة قد جمع هو وصاحب البنك بين الأمرين، وهما النسيئة والفائدة فباء بإثم المعاملتين. وأما كون المرابي الباذل للفائدة قد يكون محتاجاً فهذا ليس هو الموجب للتحريم وحده بل قد جمع هذا العقد بين الربا وبين ظلم المعسر بتحميله الفائدة وقد عجز عن الأصل، وبذلك تكون المعاملة معه على هذا الوجه أعظم تحريماً وأشد إثماً؛ لأن الواجب إنظاره وعدم تحميله ما حرم الله من الربا، وأما اشتراك الدائن والمدين في الانتفاع بالمعاملة الربوية، وأن كل واحد منهما يحصل منها على فائدة فهذا الاشتراك لا ينقل المعاملة من التحريم إلى الحل ولا يجعلها معاملة شرعية يباح فيها الربا، لأن الشارع الحكيم لم يلتفت إلى ذلك، بل حرم الفائدة تحريماً مطلقاً، ونص على ذلك الرسول ﷺ في أحاديث منها ما تقدم، ولو كان انتفاع المدين بالفائدة يحلها لنص عليه المولى - سبحانه - وبينه في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين - عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم - وقد قال الله في سورة النحل: [ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [النحل: ٨٩] ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم) ، ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الرسل وأكملهم بلاغاً وأتمهم بياناً، فلو كانت المعاملة بالفائدة المعينة جائزة إذا كان المدين ينتفع بها لبينها النبي ﷺ لأمته، وأوضح لهم حكمها، فكيف وقد بين ﷺ في صريح أحاديثه تحريمها والتحذير منها والوعيد على ذلك، وقد علم أن السنة الصحيحة تفسر القرآن، وتدل على ما قد يخفى منه كما قال - تعالى - في سورة النحل: [وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤٤] ، وقال : [ومَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [النحل: ٦٤] والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما نقله عن الشيخ رشيد رضا في إجازته الربا في صندوق التوفير فهو غلط منه، ولا يجوز أن يعوَّل عليه والحجة قائمة عليه وعلى غيره من كل من يحاول مخالفة النصوص برأيه واجتهاده، وقد تقرر في الأصول أنه: لا رأي لأحد ولا اجتهاد لأحد مع وجود النص، وإنما محل الرأي والاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر إذا كان أهلاً للاجتهاد، واستفرغ وسعه في طلب الحق، لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث عمرو بن العاص ﵁ وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مثله، أما المسائل التي نص على حكمها القرآن الكريم أو الرسول - ﷺ في سنته فليس لأحد أن يجتهد في مخالفة ما دل عليه النص، بل الواجب التمسك بالنص وتنفيذ مقتضاه بإجماع أهل العلم. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. رابعاً: ثم قال الكاتب الدكتور إبراهيم في نهاية البحث ما نصه: (وخلاصة البحث بعد هذه المقارنة الواضحة بين الربا الذي ورد تحريمه في القرآن الكريم، وبين المعاملات المصرفية يتضح لنا أن المعاملات المصرفية تختلف تماماً عن الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن الكريم؛ لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا، ولهذا يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة اقتداءً برسول الله في إباحته بيع (السلم) رغم ما فيه من بيع غير موجود، وبيع ما ليس عند البائع مما قد نهى عنه رسول الله ﷺ في الأصل، وقد أجمع العلماء على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه، وهكذا فقد اعتمد العلماء على ... (السلم) وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها. والجواب أن يقال: إن المعاملات المصرفية لا تختلف عن المعاملات الربوية التي جاء النص بتحريمها، والله - سبحانه - بعث نبيه ﷺ إلى جميع الثقلين، وشرع لهم من الأحكام ما يعم أهل زمانه ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، فيجب أن تعطى المعاملات الجديدة حكم المعاملات القديمة إذا استوت معها في المعنى، أما اختلاف الصور والألفاظ فلا قيمة له؛ إنما الاعتبار بالمعاني والمقاصد، ومعلوم أن مقاصد المتأخرين في المعاملات الربوية من جنس مقاصد الأولين وإن تنوعت الصور، واختلفت الألفاظ، فالتفريق بين المعاملات الربوية القديمة والجديدة بسبب اختلاف الألفاظ والصور مع اتحاد المعنى والمقاصد تفريق باطل، وقد جعل النبي - ﷺ قول من قال يوم حنين: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط مثل قول بني إسرائيل لموسى: [اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة] [الأعراف: ١٣٨] ، ولم ينظر النبي ﷺ إلى اختلاف الألفاظ لما اتحد المعنى، وهكذا عاقب الله بني إسرائيل لما نصبوا الشباك يوم الجمعة ليصيدوا بها الصيد المحرم عليهم يوم السبت ولم يعذرهم بهذه الحيلة مع أنهم لم يأخذوا الصيد من الشباك إلا يوم الأحد وذلك لاتحاد المعنى وإن اختلفت الوسيلة. والأمثلة على هذا كثيرة في النصوص الشرعية، وقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل!) . وأما التشبيه بالسلم فهو من باب المغالطة والتعلق بما لا ينفع، فإن إباحة السلم من محاسن الشريعة الكاملة، وقد أباحه الله - سبحانه - لحاجة العباد إليه، وشرط فيه شروطاً تخرجه عن المعاملات المحرمة، فهو عقد على موصوف في الذمة بصفات تميزه وتبعده عن الجهالة والغرر - إلى أجل معلوم بثمن معجل في المجالس يشترك فيه البائع والمشتري في المصلحة المرتبطة على ذلك، فالبائع ينتفع بالثمن في تأمين حاجاته الحاضرة، والمشتري ينتفع بالمسْلَم فيه عند حلوله لأنه اشتراه بأقل من ثمنه عند الحلول، وذلك في الغالب، فحصل للمتعاملين في عقد السلم الفائدة من دون ضرر ولا غرر ولا جهالة ولا ربا. أما المعاملات الربوية فهي مشتملة على زيادة معينة نص الشارع على تحريمها في بيع جنس بجنسه نقداً أو نسيئة، وجعله من أكبر الكبائر لما له - سبحانه - في ذلك من الحكمة البالغة ولما للعباد في ذلك من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي منها سلامتهم من تراكم الديون عليهم، ومن تعطيلهم المشاريع النافعة والصناعات المفيدة اعتماداً على فوائد الربا. وأما زعم الكاتب إبراهيم أن المصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها ... الخ فهو زعم لا أساس له من الصحة، وقد تمت مصالح العباد في القرون الماضية قبل القرن الرابع عشر وقبل وجود المصارف، ولم تتعطل حاجاتهم ولا مشاريعهم النافعة، وإنما يأتي الخلل وتتعطل المصالح من المعاملات المحرمة وعدم قيام المجتمع بما يجب عليه في معاملة إخوانه من النصح والأمانة والصدق والبعد عن جميع المعاملات المشتملة على الربا أو الغرر أو الخيانة أو الغش، والواقع بين الناس في سائر الدنيا يشهد بما ذكرنا، ولا سبيل إلى انتعاش المصالح وتحقيق التعاون المفيد إلا بسلوك المسلك الشرعي المبني على الصدق والأمانة والابتعاد عن الكذب والخيانة وسائر ما حرم الله على العباد في معاملاتهم؛ كما قال الله سبحانه في كتابه المبين: [وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة: ٢] ، وقال سبحانه: [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] الآية [النساء: ٥٨] ، وقال-سبحانه-: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الأنفال: ٢٧] ، وقال : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ولا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً] [البقرة: ٢٨٦] ، وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ] [الأحزاب: ٧٠، ٧١] ، وقال النبي ﷺ : " البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركت بيعهما " متفق على صحته، وعن أبي سعيد - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه أحمد والبخاري. وعن جابر ﵁ قال: (لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء) رواه مسلم. وعمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الذهب بالورِق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء) متفق عليه. وقال ﵊: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، فقالوا: بلى يا رسول الله! فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان ﷺ فجلس فقال: ألا وقول الزور، أو وشهادة الزور) متفق عليه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. لا يجوز لأحد من الناس أن يحلل ما حرم الله بالنص قياساً على ما حلل الله بالنص، ومن حاول أن يحلل ما حرم الله من الربا قياساً على ما أحل الله من السلم فقد أتى منكراً عظيماً، وقال على الله بغير علم، وفتح للناس باب شر عظيم وإفساد كبير، وإنما يجوز القياس عند أهل العلم القائلين به في المسائل الفرعية التي لا نص فيها إذا استوفى الشروط التي تلحق الفرع بالأصل، كما هو معلوم في محله وقد حرم الله القول عليه بغير علم، وجعله في مرتبة فوق مرتبة الشرك وبين - أن الشيطان يدعو إلى ذلك ويأمر به كما يدعو إلى الفحشاء والمنكر، قال الله - سبحانه -: [قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٣٣] وقال - سبحانه -: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. إنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ والْفَحْشَاءِ وأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ١٦٨، ١٦٩] . فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق علماءهم لبيان ما أوجب الله عليهم من أحكام شرعه والدعوة إلى دينه، والتحذير مما يخالفه، وأن يكفيهم شر أنفسهم، وشر دعاة الباطل، وأن يوفق الكاتب إبراهيم للرجوع إلى الحق والتوبة مما صدر منه وإعلان ذلك على الملأ؛ لعل الله يتوب عليه كما قال : [وتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [النور: ٣١] ، وقال - سبحانه -: [إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ. إلاَّ الَذيِنَ تَابُوا وأَصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأَنَا التُّوَّابُ الرَّحِيم] [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] . ولا شك أن مقاله يحتاج إلى أكثر مما كتبت، ولكن أرجو أن يكون فيما بينته مقنعاً وكفاية لطالب الحق. والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 278

نقد قراءة في فكر مالك بن نبي محمد العبدة إذا عُدَّ المفكرون من المسلمين في هذا العصر فإن مالك بن نبي هو من هذه القلة الذين ينطبق عليهم هذا الوصف؛ فالمفكر هو الذي يدرس ويتأمل ويقارن ويحلل المشكلة إلى أجزائها، ثم ينسق ويركب ويجتهد في إيجاد الحلول. وقد ترددت كثيراً قبل الكتابة عن مالك بن نبي؛ لا لأنه عميق الغور، غوَّاص في البحث والتنقيب، أو لأن تتبع آرائه وأفكاره يحتاج إلى جهد، بل لأنه يطرح أفكاراً وآراءً لا تتناسب مع عمق تفكيره، يقف الإنسان أمامها حائراً: من أين جاءته؛ وما هي الخلفية الثقافية التي جعلته يتبنى هذا الرأي أو ذاك؛ وهل هو مؤيد أم معارض؟ وقد كان ذلك التردد وإعادة القراءة مرات ومرات حتى لا نظلمه، وليستبين الحق وتتضح الصورة، وتحل الإشكالات. إن الكتابة عن مالك بن نبي ضرورية للأجيال التي يجب عليها أن تتعرف على ما كتبه أصحاب الخبرة والتجربة في مجال الصراع الفكري المحتدم بين أوربا المستعمرة والعالم الإسلامي منذ نهاية القرن الثامن عشر، فلم يعد من المجدي طرح الحلول العامة والعائمة ولابد من الدخول في التفاصيل، ومعرفة أسباب الفشل وأسباب النهضة، ولكن العجب لا ينقضي عندما ندرك أننا في كثير من الأحيان لا نستفيد مما كتبه السابقون لنا الذين تصدوا للإصلاح في أوائل هذا القرن. يقول الأستاذ الشيخ محمود محمد شاكر - في تقديمه لكتاب (في مهب المعركة) مصوراً هذه الظاهرة: (فإذا نحن نرى أنفسنا في ضوء ما كَتب قديماً، كأننا لم نتقدم خطوة في فهم البلاء الذي ينزل بنا ولا يزال ينزل، وأشد النكبات التي يصاب بها البشر نكبة الغفلة ... ) [١] . ولمالك مشكلة خاصة في انصراف بعض الشباب المسلم عن قراءة إنتاجه الفكري، وهي إحدى الأسباب وليست السبب الوحيد على كل حال؛ فقد كتب سيد قطب ﵀: (لقد كنت أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان نحو مجتمع إسلامي متحضر) ثم عدت في الإعلان التالي عنه فحذفت كلمة (متحضر) ، ولفت هذا التعديل نظر كاتب جزائري (يكتب بالفرنسية) ففسره على أنه ناشئ عن (عملية دفاع نفسيه داخلية عن الإسلام) وأسف لأن هذه العملية - غير الواعية - تحرمني مواجهة المشكلة على حقيقتها. أنا أعذر هذا الكاتب ... لقد كنت مثله من قبل ... كانت المشكلة عندي -كما عنده اليوم- هي مشكلة (تعريف الحضارة) .. ثم انجلت الصورة (المجتمع المسلم) هو (المجتمع المتحضر) " [٢] . وفهم الشباب المسلم أن هذا الكاتب الجزائري واقع تحت ضغط آتٍ من مصادر أجنبية، فكان ذلك سبباً لابتعادهم عن قراءة فكر مالك، ولكن القضية هي قضية مصطلحات؛ فمالك يتكلم عن المجتمع الإسلامي الموجود وأنه يحتاج إلى رفعه إلى مستوى الحضارة حتى يستأنف دوره - وطبعا لا يعني هنا الحضارة الغربية وإنما الحضارة بتعريفه هو - وسيد يتكلم عن المجتمع الإسلامي المنشود وأنه إذا وُجد فثَم الحضارة، والإسلام هو الوحيد الذي ينتج حضارة متكاملة، ولا شك أن سيداً ﵀ أنقى وأوضح تصوراً وفكراً، وهو ينظر إلى الحضارة الغربية من علٍ؛ لأنه المسلم المتميز بعقيدته وتصوراته، ولكن مالكاً هنا يبحث في التفاصيل والجزئيات، وكيف يركبها لينتقل بالمسلم من حالة التخلف والركود إلى حالة (الإقلاع) للدخول في دورة الحضارة مرة ثانية، وسيد يرى استيراد النظريات العلمية (مجردة) ومالك يقول: هذه الأشياء المستوردة هي نتاج حضارة وثقافة، هذه الأشياء صنعها علم النفس وعلم الاجتماع أيضاً، ولذلك سواء استوردناها أو صنعناها لابد أن تكون هناك ثقافة تحيط بها حتى تضعها في مكانها المناسب، وحتى لا تتحول إلى (تكديس) وهذه الثقافة هي الثقافة الإسلامية.. إن ظاهرة انصراف بعض الناس عن فكر معين - بسبب كلمة تقال من عالم مشهور - ليست جديدة ولا غريبة، فعندما ترجم أحد العلماء للمؤرخ ابن خلدون؛ تكلم فيه وانتقد عليه بعض التصرفات الشخصية عنده، فكان ذلك من أسباب إعراض الناس عن (المقدمة) التي تعتبر أعظم ما أنتجه المسلمون في علم الاجتماع وفن النقد التاريخي، ولمالك إيجابيات كثيرة سنتكلم عنها إن شاء الله، وله أخطاء، ولابد من عرض كليهما حتى يتبين وجه الصواب لمن أراده، وهو واضح جلي والحمد لله. نبذة عن حياته: وُلد مالك بن نبي في مدينة قسنطينة في الجزائر عام ١٩٠٥، ونشأ في أسرة فقيرة؛ لأن جده لأبيه هاجر إلى طرابُلس الغرب احتجاجاً على الاستعمار الفرنسي وحمل معه كل أملاك العائلة، هذا الميلاد جعله يتصل بالماضي عن طريق من بقي حياً من شهوده [٣] . انتقل والده إلى (تبسة) فعاش فيها طفولته وكانت هذه المدينة الصغيرة بعيدة نوعاً ما عن (الحضور الفرنسي) وذلك لاحتكاكها بالقبائل المجاورة؛ فحفظها الطابع البدوي عن الاختلاط مع الفرنسيين، وفي (تبسة) كان يدرس في الصباح العربية والقرآن ثم يذهب في الساعة الثامنة إلى المدرسة الحكومية الفرنسية، وفي المرحلة التكميلية كان يتابع دروس العربية والدين، وكانت المدرسة الفرنسية تشجعه على المطالعة عن طريق إعارة الكتب. تعرَّف على تلاميذ ابن باديس من الشباب، وشعر أنه - وإياهم - على خط فكري واحد، وكان يقرأ (الشهاب) و (المنتقد) قبلها ولكنه لم يتصل بالشيخ ابن باديس ولا تتلمذ عليه، وفي (تبسة) حيث تعيش أسرته لم يتتلمذ أو يؤيد تأييداً قوياً الشيخ العربي التبسي، وكأن هناك حاجزاً نفسياً بينه وبين المشايخ، ويعترف بعد ربع قرن: (حينما تفحصت شعوري حول هذا الموضوع تبين لي أن السبب يكمن في مجموعة من الأحكام الاجتماعية المسبقة، وفي تنشئة غير كافية في الروح الإسلامي) [٤] ، ويتابع الحديث عن الأسباب الاجتماعية: (فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت لاشعورياً في نفسي نوعاً من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة التي كان الشيخ العربي ينتمي إلى واحدة منها) [٥] ، وكنت أعتقد أنني أقرب إلى الإسلام بالبقاء قريباً من البدوي أكثر من البلدي الرجل الذي يحيط به وسط متحضر، وكان الشيخ العقبي يبدو في ناظري بدوياً، بينما يبدو الشيخ ابن باديس بلدياً [٦] ، فقد تبين لنا أسباب جفائه لزعماء جمعية العلماء وهو شاب، أما عندما نضج فكرياً فسيكون له موقف مبني على أسس عنده سنتكلم عنها إن شاء الله. بعد الانتهاء من الثانوية عمل متطوعاً في محكمة (تبسة) وهناك تعرف - من خلال تجوال أعضاء المحكمة في الريف - على رجل الفطرة الذي يستضيف أعضاء المحكمة رغم أنهم حكموا عليه بالضرائب والغرامات، ثم عمل موظفاً في محكمة (أفلو) التي تقع جنوب وهران في غرب الجزائر، وهناك أيضاً تعرف على الكرم العربي والفطرة الصادقة: (فالناس في المدن لا يستطيعون فهم هذه العقلية أو ذاك النبل في عروق البدوي) [٧] ، وتعرف على فضائل الشعب الجزائري قبل أن يفسده الاستعمار، ثم انتقل للعمل في محكمة (شاتودان) ولم يطق معاملة موظفيها؛ فاستقال وتوجه إلى فرنسا وذلك عام ١٩٣٠م في محاولة للانتساب إلى معهد الدراسات الشرقية، ولكن طلبه رُفض؛ لأن الدخول لهذا المعهد - كما يقول هو - لا يخضع لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي. انتسب إلى مدرسة اللاسلكي ودرس الكهرباء والميكانيكا، وهذه الدراسة أعطته بُعداً آخر يقول عنها: (فتح لي عالم جديد يخضع فيه كل شيء إلى المقياس الدقيق للكم والكيف، ويتسم فيه الفرد-أول ما يتسم-بمَيزات الضبط والملاحظة) [٨] ... ولكن دخوله مع العمل الطلابي المغربى وتعرفه على صديقه (حمودة بن ... الساعي) بدأ يغير من اتجاهه العلمي إلى التعمق في الدراسات الاجتماعية. ... تخرج مهندساً كهربائياً عام ١٩٣٥ وبدأ رحلة شاقة في البحث عن عمل في ... البلاد العربية وغيرها، وكانت الأبواب توصد في وجهه دائماً وسبب ذلك في رأيه هو أنه أراد تمزيق شبكة الاستعمار ولم يدرِ أن سمك القرلق (الاستعمار) كان له بالمرصاد. زار الجزائر في هذه الفترة، ولاحظ وقوع الناس في حُمى الانتخابات والدجل السياسي بعد المؤتمر الجزائري. عاد إلى فرنسا في مطلع الحرب العالمية الثانية مودعاً الجزائر بهذه العبارة: (يا أرضاً عقوقاً! تطعمين الأجنبي وتتركين أبناءك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تصبحي حرة!) ، وبقي في فرنسا حتى عام ١٩٥٦ أصدر فيها باللغة الفرنسية: (الظاهرة القرآنية) ، (شروط النهضة) ، (وجهة العالم الإسلامي) ، (الفكرة الإفريقية الآسيوية) . زار مصر عام ١٩٥٦ وبقي فيها حتى عام ١٩٦٣، وكان له في مصر تلاميذ وأصدقاء، وزار خلالها سورية ولبنان ألقى فيها المحاضرات حول موضوع (مشكلات الحضارة) ، وفي القاهرة أصدر: (حديث في البناء الجديد) ، (مشكلة الثقافة) ، في مهب المعركة، (تأملات في المجتمع العربي) . عاد إلى الجزائر عام ١٩٦٣ حيث عُين مديراً عاماً للتعليم العالي وأصدر في الجزائر: (آفاق جزائرية) ، (يوميات شاهد للقرن) ، (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) ، (المسلم في عالم الاقتصاد) . استقال من منصبه عام ١٩٦٧ وتفرغ للعمل الفكري. توفي في ٣١/١٠/١٩٧٣ في الجزائر ﵀ وغفر له -. شخصيته: يجتمع في مالك بن نبي خطان رافقاه طوال حياته، فهو شخصية عاطفية، خيالية أحياناً، يفكر بأحلام الفلاسفة ويهيم بالتجريد. يقول عن نفسه: (أنا شديد التأثر بالحدث، وأتلقى صدمته بكل مجامعي وبانفعالية تستطيع أن تنتزع مني دموع الحزن حين يثير الحدث الحبور من حيث المبدأ) [٩] وقد بكى عندما اندحر الجيش الفرنسى أمام ألمانيا عام ١٩٤٠ مع أنه يكره الاستعمار الفرنسى، ويعلق هو على هذا التصرف: (رأيت في ذاتي عنصراً آخر كشف كل التعقيد في ضمير مسلم) [١٠] ولم يوضح ما هو هذا العنصر الآخر ولكن يبدو لي أنه عدم التوازن بين القيم الأخلاقية وأيها يصلح لتطبيقه على الحدث، وعندما سمع حديث والدته وذكرياتها عن الحج لم يستطع حبس دموعه فكان يتظاهر بالعطش ليخرج إلى الشرفة فيطلق العنان للدمع [١١] . هذه العاطفة أنتجت له شخصية حالمة أحياناً، فعندما يسمع ويقرأ عن شاعر مثل (طاغور) تتفتح أمامه الأحلام عن الشرق وأن الإنقاذ ربما يأتي من روحانية الهند كما يسميها، وعندما يسمع بأنباء الخلاف بين الملك عبد العزيز آل سعود وإمام اليمن يكتب رسالة إلى سفارة اليابان يدعو حكومتها للتدخل باسم التضامن الآسيوي لمساعدة ابن سعود حتى لا تتمزق الجزيرة العربية، وطبعاً لم يستجب (الميكادو) لطلبه! وفي الجانب الآخر نجد شخصية مالك الناقد المحلل الذي يمتلك القدرة الفائقة على النفاذ لأعماق المشكلة وبيان أسبابها، من خلال النظرة العلمية الصارمة، ومن خلال اطلاع واسع على الثقافة الغربية وكيف تنشأ الحضارات مع معرفة بواقع المجتمعات الإسلامية من خلال معرفته الشخصية بالمجتمع الجزائري، وهو في مقارناته وتحليلاته يشبه سلفه المغربي المؤرخ ابن خلدون، حيث تلتقط الذاكرة كل جزئية وكل حادثة ثم يبدأ التحليل والمقارنة ثم يخرج بالنتائج التي يرتضيها، يقول عن سكان (أفلو) عندما عمل عندهم كمساعد في المحكمة: (فملكية الإنسان لأرض ما تخلق في نفسه غرائز اجتماعية قد سلم منها الراعي، ففي دعوى أمام القضاء في (تبسة) يستطيع كل فريق أن يقدم عشرة شهود زور بالمجان، وشهود كل واحد من الطرفين سيحلفان أنهما يقولان الحقيقة، أما في (أفلو) فقد لاحظت الرجل يرفض غالباً أن يحلف ولو كان ذلك لدعم حقه ... الواضح) [١٢] . وعندما أراد القيام بعمل علمي مشترك مع صديقه (ابن الساعي) فشلت المحاولة؛ فعلق قائلاً: (ولم أكن أعلم أن العمل الجماعي بما يفرض من تبعات إنما هو من المقومات التي فقدها المجتمع الإسلامي ثم لم يسترجعها بعد خصوصاً بين مثقفيه) [١٣] . هذان الخطان استمرا في حياة ابن نبي، فالعاطفة التي تجمح إلى الخيال أحياناً جعلته يعقد في الخمسينات آمالاً كباراً على مؤتمر باندونغ وظن أنه سيحل مشكلة العالم الثالث، ومن رفات (غاندي) سينطلق يوماً انتصار اللاعنف ونشيد السلم العالمى [١٤] . كما استمر النقد التحليلى المجتمع الإسلامي ومواطن الضعف فيه فتكلم عن الذين يظنون أن الإصلاح يبدأ من (علم الكلام) كالشيخ محمد عبده، يقول: (إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده ونملأ به نفسه) [١٥] . ويكتشف مالك جرثومة المرض، فالذين تركوا الطواف حول القبور وأخذ البركات من الدرويش لم يستطيعوا الاستمرار فتحولوا إلى الطواف حول وثن جديد وهو وثن الأحزاب السياسية والانتخابات [١٦] ، ولأن العمائم أسلمت القيادة إلى (المطربشين) ؛ لأن العلماء لم يكونوا على جانب من الخبرة بوسائل الاستعمار في مجال الصراع الفكري حتى يفطنوا إلى هذا الانحراف (الغوغائية السياسية) . العوامل المؤثرة في ثقافته: ١ - وُلد مالك بن نبي في عصر سمع فيه من جدته لأمه قصص الاحتلال الفرنسي للجزائر، وعاش مأساة بلد يخطط الاستعمار لشل فاعليته، ومن ثم لتحويله إلى فريسة سهلة الالتهام، عاشها مالك يوماً بيوم في المدرسة الفرنسية حيث لا يسمح (لابن البلد) إكمال الدراسة الثانوية التي تؤهله للدراسات الجامعية، وعاشها في تحول المجتمع عن فطرته وكيف ساد الصعاليك بمعونة الإدارة الفرنسية، وكيف أصبحت العائلات العريقة فقيرة، ذليلة بسبب الاستيلاء على أراضيها، وكان اليهود هم الواسطة لانتقال الملكية من أبناء البلاد إلى أبناء المستعمر؛ فاليهودي دائماً كان يقرض بفائدة ٦٠%، وعندما درس في فرنسا وعاش مع الجالية الجزائرية رأى الاستعمار من زواياه المختلفة، وشعر بخبث الأساليب التي يقوم بها لتمزيق العالم الإسلامي. ٢ - القراءات الغزيرة المتنوعة، فقد بدأ بالقراءة منذ أن كان صغيراً في الابتدائية، وقرأ كتب علم النفس والاجتماع وهو لا يزال في المرحلة الثانوية، وكان يقرأ كل الصحف التي تصل إلى قسنطينة أو تبسة، ولا شك أن هذا الاطلاع الواسع على الثقافة الغربية هو في جانب منه على حساب الثقافة الإسلامية وكان له أثر عليه أيضاً، فكثرة قراءاته لأعمال الفلاسفة جعلته يعتبر عصر الفارابي عند المسلمين هو عصر خلق الأفكار مع أن الفارابى وأمثاله لم يقدموا شيئاً يذكر للحضارة الإسلامية، وكانت نغمة (الإنسانية) و (العالمية) سائدة عند الفلاسفة الغربيين، ونجد مالك يكررها فيتكلم عن حضارة اليوم التي تسير نحو الشمول والعالمية [١٧] ويستعمل أحياناً عباراتهم التي هي نتيجة انفصام عندهم بين الدين والعلم مثل قوله: (إن الطبيعة توجد النوع ... ) [١٨] أو وهبته الطبيعة. ٣ - ثقافته الإسلامية: يعترف مالك بأن الذي كان يرده عن الغلو في هذا الاتجاه (القراءات الكثيرة للفكر الغربي) هو ما كان يتلقاه من دروس في التوحيد والفقه، وقراءاته للكتب التي تأتي من المشرق العربي مثل: (الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق) لأحمد رضا، و (رسالة التوحيد) للشيخ محمد عبده، و (طبائع الاستبداد) للكواكبي، والمجلات الإسلامية الجزائرية مثل (الشهاب) التي يصدرها الشيخ ابن باديس، ولا شك أن ثقافته الشرعية ضعيفة ولكن عنده اطلاع على التاريخ الإسلامي وقدرة على فهم الآيات والأحاديث التي تتعلق بسنة التغيير الاجتماعى وبسبب عمق تفكيره وتحرُّقه على العالم الإسلامي كان يرى أن بذرة عودة الوعي للأمة الإسلامية هي في حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي يعتبرها امتداداً لما قام به ابن تيمية في التجديد، ولنفس السبب أيد جمعية العلماء في الجزائر وكان يعقد الأمل عليهم في الاصلاح وإن اختلف معهم بعدئذ، ولبُعده عن المشرق ولضعف ثقافته الشرعية كان يمجّد جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده ويرى أن الأول هو مصلح الشرق؛ فثقافته الإسلامية خليط من آراء مدرسة الأفغاني ومحمد عبده ومن فهمه لآيات القرآن وسنن التغيير، وأنه لابد من الرجوع إلى طريقة القرآن والسنة في رفع الناس إلى مستوى الروح كما يعبر هو، والحقيقة أنه يجمع أشياء متناقضة وإن بدت منسجمة بالنسبة له. ٤ - ومن المؤثرات الواضحة في شخصيته ما عاناه من الفقر الشديد في طفولته، وحياة النَّصَب والتعب التي عاشها في شبابه بحثاً عن العمل، سواء في الجزائر أو فرنسا، فقد عمل بعد تخرجه من الثانوية في مصنع للأسمنت في مدينة (ليون) بفرنسا، فكان يحمل الأكياس على ظهره، ومرة باع بعض ملابسه حتى يوفر وجبة غداء، وبعد تخرجه من الهندسة طرق أبواب العمل في الدول العربية والإسلامية ولكن دون جدوى. هذه الأوضاع النفسية جعلته يكره - وهو صغير - الدور المترفة التي كانت تفضح أمام ناظريه بؤس أقاربه، وأحكامه المسبقة كانت بسبب العيش في عائلة فقيرة زرعت لاشعورياً في نفسه من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة [١٩] ، وكان يعجبه مطالعة صحيفة (الإقدام) التي يصدرها الأمير خالد الجزائري والتي كانت تركز على موضوع الفلاح الجزائري وبؤسه. هذا ما يفسر لنا ميله للدول التي بدأت بتطبيق الاشتراكية كالجمهورية العربية المتحدة [٢٠] والجزائر بعد استقلالها [٢١] ، وبتأثير من هذه الدول كان يظن أن الاتحاد السوفييتي ليس عنده مُناخ استعماري وهو صديق للشعوب! ... -يتبع-

стр. 279

شذرات وقطوف اختيار: مازن محمد راغب مكانة القرآن إن للقرآن أعلى حظوة لدى المسلمين، وهو عندهم ليس مجرد كتاب صلوات ، أو أداة نبوية أو غذاء للروح، أو تسابيح روحانية فحسب؛ بل إنه أيضاً القانون السياسي وكنز العلوم ومرآة الأجيال، إنه سلوى الحاضر وأمل المستقبل. د. محمد عبد الله دراز - دراسات إسلامية أمطر المعروف مطراً قال ابن عباس ﵄: (لايزهدنّك في الصروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه. وأنشد عبد الله بن جعفر قول الشاعر: إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها طريق المصنع فقال: هذا رجل يريد أن يبخل الناس (يدعوهم إلى البخل) أمطر المعروف مطراً، فإن أصابت موضعاً فهو الذي قصدت، وإلا كنت أحق به. وقال الحسن والحسين ﵄ لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال! ، قال: بأبي أنتما وأمي، إن الله عودني أن يفضِل عليَّ، وعوَّدته أن أفضل على عباده، فأخاف أن أقطع عنه العادة فيقطع عني المادة! طريقتان هناك طريقتان للحياة: طريقة سلبية مبدؤها رؤية مساوئ الرجال والأعمال، ليس لإصلاحها، بل لاستغلالها بشكل هدام، والعودة إليها بمناسبة وبدون مناسبة. وطريقة إيجابية تنظر إلى الأمور بعين الرضا، وتبحث عن محاسن الرجال لتنميتها وتحسينها، وتعطف على ضعفهم وأخطائهم، وتعمل على إصلاحها بكل دماثة. لمحات في فن القيادة - ج. كورتوا

стр. 280

كتب السِّيَر الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني عثمان جمعة ضميرية -١- ألمعنا في العدد (الثاني عشر) إلماعات سريعة، ترجمنا فيها للإمام محمد بن الحسن الشيباني، ليكون ذلك مدخلاً للتعريف بكتاب من أهم كتبه، بل من أهم الكتب في فقه العلاقات الدولية في الإسلام، وهو كتاب (السير الكبير) . -٢- كان الاسم الذي أطلقه المسلمون في بداية حركة التدوين في الفقه الإسلامي على دراستهم التي تناولت موقف الإسلام من السلم والحرب والحياد، وكل ما يتعلق بأحكام الجهاد ومعاملة غير المسلمين هو (السير) . و (السير) جمع (سيرة) وتعني السَّيْر والسلوك، ومما يؤيد ذلك عن رسول الله ﷺ ، مثل قوله - بعد أن دفع اللواء لأحد القواد -: ... (فقاتلوا من كفر بالله، ولا تغلّوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة، ... فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم) رواه مسلم وغيره. وذكر محمد بن حبيب في ... كتابه (المحبَّر) وهو يتحدث عن أسواق العرب المشهورة في الجاهلية - أنهم ... (كانوا يصنعون فيها الصنيعة (الضيافة) ، ويسيرون فيها بسيرة الملوك بدومة الجندل (ص٢٦٥) . وذكر ابن سعد في (الطبقات الكبرى) كتاب النبي ﷺ إلى عبد القيس، وفيه: (.. ولهم على جند المسلمين الشركة في الفيء، والعدل في الحكم، والقصد في السيرة، حكم لا تبديل له في الفريقين ((الطبقات:١/ ٢٨٣) ، وفي هذه النصوص القليلة نجد أن سيرة الحاكم ليست فقط وقت الحرب، بل وقت السلم أيضاً، يشار إليها باصطلاح (سير) وذلك منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولعل اتخاذ هذا المصطلح للدلالة على نظرية الحرب والسلم، أو ما يسمى اليوم (بالقانون الدولي) كان منذ عهد أبي حنيفة الذي عرف أنه أول من استعمل مصطلح (سيرة) لتمييز مجموعة دروسه التي كان يلقيها عن الإسلام في الحرب والسلم، ووصلت هذه الدروس منقحة على يد تلاميذه في كتابَيْ (السير الصغير) و (السير الكبير) لمحمد بن الحسن الشيبانى، و (الرد على سير الأوزاعي) لأبي يوسف، كما أن الإمام الشافعي ﵀ يشير إلى (سير الواقدي) في كتابه (الأم) . ومن ثم فإنه يبدو أن كلمة (السير) قد صارت مصطلحاً فنياً يشيع استعماله بين الفقهاء في مختلف العصور، وقد نص السَّرَخْسِي على هذا الفهم، فقال في (المبسوط) - وهو يشرح كتاب (السير الصغير) للإمام محمد: (اعلم أن السير جمع سيرة، وبه سمي هذا الكتاب، لأنه بين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب، ومع أهل العهد منهم من المستأمنين، وأهل الذمة، ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالإنكار بعد الإقرار، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين، وإن كانوا جاهلين، وفي التأويل مبطلين " (المبسوط: ١٠/٢) . -٣- كان الإمام محمد بن الحسن أول من أفرد للعلاقات الدولية في الإسلام مؤلفات خاصة يتناول فيها أحكام الجهاد والحرب، وأحكام الصلح والمعاهدات، وأحكام الأمان، وإرسال السفراء والمبعوثين، وآثار قيام الحرب، وسياسة المسلمين في تنظيم الحرب، وما يجوز وما لا يجوز في ذلك كله ... الخ. وله في هذا كتابان: أحدهما (السير الصغير) الذي كتبه أولاً، وقد رواه عن أبي يوسف وقرأه عليه توثقاً من النص وصحة نسبة الرأي، والثاني (السير الكبير) وهو أوسع من الأول، كما أنه من آخر كتب الإمام محمد تأليفاً، وفيه إفاضة وشرح أكثر وأوسع كما يظهر من عنوان الكتابين ومن مادتهما من خلال الشروح التي وصلتنا وفي هذه الكلمة التعريفية بالكتاب، نخص فيها كتاب (السير الكبير) ومعه الشرح الممتع القيم الذي وضعه عليه شمس الأئمة السرخسي المتوفى في القرن الخامس الهجري ما بين (٤٨٣-٤٩٠هـ) . -٤- وعن سبب تأليف هذا الكتاب يقول السرخسي: (إن السير الصغير وقع في يد عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي - عالم أهل الشام - فقال: لمَن هذا الكتاب؟ فقيل: لمحمد العراقى. فقال: وما لأهل العراق والتصنيف في هذا الباب؛ فإنه لا علم لهم بالسير. ومغازي رسول الله ﷺ وأصحابه كانت من جانب الشام والحجاز دون العراق، فإنها محدثة فتحاً. فبلغ ذلك محمداً، فغاظه ذلك، وفرغ نفسه حتى صنف هذا الكتاب. فحكي أنه لما نظر فيه الأوزاعي قال: لولا ما ضمنه من الأحاديث لقلت إنه يضع العلم من عند نفسه، وإن الله عين جهة إصابة الجواب في رأيه. صدق الله العظيم: [وفوق كل ذي علم عليم] (شرح السير الكبير: ١/٣) . ويناقش الشيخ محمد أبو زهرة وغيره من الباحثين هذا السبب لتأليف الكتاب ويرده؛ إذ لا مجال لتصديقه، لأن الإمام الأوزاعي توفي سنة (١٥٧هـ) والإمام محمد ولد سنة (١٣٢هـ) فيكون الأوزاعي قد توفي ومحمد عمره خمس وعشرون سنة، ومكث محمد نحو اثنتين وثلاثين سنة لا يؤلف، إذ إنه توفي سنة (١٨٩) أي بعد الأوزاعي باثنتين وثلاثين سنة، وهذا غير معقول ولا مقبول، ولا يتفق مع تاريخ الكتاب ولا مع حياة محمد - رضى الله عنه -. وعلى ذلك فإن كلام السرخسي عن سبب تأليف الكتاب غير مقبول، وقد يوجه توجيهاً صحيحاً بأن المقصود (السير الصغير) ، أو أن نقول إن المراد بكلام الأوزاعي هو (الرد على سير الأوزاعي) لأبي يوسف وليس (السير الكبير) . وقد نكون في غنى عن هذا كله، إذا علمنا شغف محمد ﵀ بالعلم والتأليف، وأن ذلك كان تلبية لحاجة العصر الذي عاش فيه، فكان من الواجب الملح بيان أحكام الإسلام في التعامل مع الآخرين، والمسلمون يقومون بواجب الجهاد، فكتب " السير الصغير " أولاً، ثم أوسع هذا الموضوع بحثاً في " السير الكبير ". -٥- ولبيان قيمة هذا الكتاب وأهميته نذكر أن محمداً ﵀ لما فرغ من الكتاب أمر أن يكتب هذا الكتاب في ستين دفتراً، وأن يحمل على عجلة إلى باب الخليفة، فقيل للخليفة: قد صنف محمد كتاباً يحمل على العجلة إلى الباب. فأعجبه ذلك وعدَّه من مفاخر أيامه. فلما نظر فيه ازداد إعجابه به. ثم بعث أولاده إلى مجلس محمد ﵀ ليسمعوا منه هذا الكتاب. ومن الطريف في نقل الكتاب وروايته: أن إسماعيل بن توبة القزويني - مؤدب أولاد الخليفة - كان يحضر معهم ليحفظهم كالرقيب، فسمع الكتاب، ثم اتفق أن لم يبقَ من الرواة إلا إسماعيل بن توبة وأبو سليمان الجوزجاني، فهما رويا ... عنه هذا الكتاب. شرح السير الكبير: (شرح السير الكبير: ١/٣-٤) . * وقد أثنى على هذا الكتاب كل الباحثين المهتمين بالعلاقات الدولية في الإسلام، ووجدوا فيه علماً غزيراً، وأسلوباً ممتعاً، وفقهاً أصيلاً، فقال الدكتور نجيب أرمنازي في كتاب (الشرع الدولي في الإسلام) (ص٤٥) : (هو كتاب غزير المادة، جم الفوائد، قد استوعب أصول هذا العلم، واستقصى غرائب مسائله، ولم يقتصر فيه على ما ذهب إليه أعلام المذهب الحنفي، بل أورد كثيراً من مذاهب الآخرين وناقش أصحابها في حججهم. وطريق محمد في الترجيح في هذا الكتاب هو أنه نظر فيما اختلف فيه أهل العراق وأهل الشام وأهل الحجاز، فرجح ما اتفق عليه فريقان، فأخذ به دون ما تفرد به فريق واحد، وهذا خلاف ما هو ظاهر المذهب في الترجيح عند الحنفية) . * وتحدث الدكتور محمد الدسوقي في أطروحته (الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي) فقال: " وأما كتاب " السير الكبير " فهو عمل فريد في بابه، لم يؤلف فقيه غير الإمام محمد مثله في موضوعه، سواء الذين تقدموا عليه أو تأخروا عنه. وليس معنى هذا أن الإمام محمداً اخترع كتابه اختراعاً، فالمعروف أن بعض الفقهاء الذين تتلمذ لهم محمد تحدثوا عن السير، كالإمام أبى حنيفة والأوزاعي وأبي يوسف، ولكن كل ما جاء عن هؤلاء الأئمة في هذا الموضوع كان يدور في نطاق محدود من القضايا، وكان أشبه بالمحاولات الأولى بالنسبة للبحث الشامل المفصل الذي كتبه الإمام محمد، فاستحق أن يكون - عن جدارة - رائد التفكير في القانون الدولي في العالم كله. لقد استقى الإمام محمد مادة كتابه من الآثار والأخبار من علماء عصره فقهاء ومحدثين، وكانت هذه المادة الأساس الذي أقام عليه محمد عمله المبتكر الرائع الذي يشهد له بغزارة العلم وعمق التفكير، وشمول النظرة، ودقة التفصيل والتبويب والتفريع ". * وهذا كله يعلي من شأن هذا الكتاب وقيمته، فهو بحق أول كتاب في القانون الدولي العام والخاص في العالم كله، وهذا يضع تاج فخار على هامة الإمام محمد، ويجعله رائد القانون الدولي، قبل أن يتفطن علماء القانون الوضعي إلى أهمية هذا الفرع من القانون والكتابة فيه، مما جعلهم يلتقون على إنشاء جمعية دولية باسم (جمعية الشيباني للقانون الدولي) في (غوتنجن) بألمانيا، وقد انتُخب لرئاستها آنذاك (١٩٥٥م) الفقيه المصري الدكتور عبد الحميد بدوي، وتهدف هذه الجمعية إلى التعريف بالشيباني وإظهار آرائه ونشر مؤلفاته المتعلقة بأحكام القانون الدولي الإسلامي. ثم أعاد تنظيم هذه الجمعية المستشرق العراقي الصليبي مجيد خدوري، الذي أخرج كتاب (السير الكبير) في طبعة جديدة، وهو مأخوذ من كتاب (الأصل) ... للإمام محمد، وهو يختلف عن كتاب (السير الكبير) الذي وضعه مستقلاً بهذا الاسم وشرحه السرخسي، وهذا يسلمنا إلى بيان شروح وطبعات الكتاب واللغات التي نقل إليها. -٦- ذكر بعض مَن كتب عن الإمام محمد بن الحسن أن (السير الكبير) توجد منه نسخ خطية في مكتبات إستانبول في تركيا. ولكن المعروف أنه لا يوجد مستقلا، وإنما توجد نسخ له ممزوجة مع شروحه، ومن ذلك: شرح الإمام محمد بن أحمد السرخسي (المتوفى سنة ٤٩٥هـ) ، وهذا الشرح له نسخ كثيرة في برلين وفيينا وليدن وباريس وفي مكتبات تركيا: عاشر أفندي، وعاطف أفندي، ونور عثمانية ... وقد ذكر أماكن وجوده فيها المستشرق بروكلمان في كتابه (تاريخ الأدب العربي) (٣/٢٥٥) من الترجمة العربية. ... وقد طبع هذا الشرح في حيدر آباد في الهند عام (١٩٣٦م) ويقع في أربع مجلدات. كما نشرته جامعة الدول العربية (معهد المخطوطات) بالقاهرة ما بين عامي (١٩٧١-١٩٧٢م) بتحقيق صلاح الدين المنجد للأجزاء الثلاثة الأولى، ثم أكمل بتحقيق الجزئين الرابع والخامس، فاكتمل في خمسة أجزاء ضخمة، ثم صُورت عنها طبعة جديدة. وقامت جامعة القاهرة بإخراج طبعة أخرى محققة له، عام (١٩٥٨م) ، فصدر عن مطبعتها الجزء الأول فقط وقد كتب التمهيد والتعليقات الشيخ محمد أبو ... زهرة وحقق النصوص ووضع فهارسه مصطفى زيد، ولم يكتمل هذا المشروع للجامعة. وللسير الكبير شرح آخر بعنوان (التيسير على السير الكبير) بقلم محمد المنيب العينتابي، ومنه نسخة خطية بمكتبة عارف حكمة بالمدينة النبوية. وقد ترجم شرح السرخسي وأصله إلى لغات أخرى، فقام الشيخ محمد المنيب العينتابي بترجمته إلى اللغة التركية في عهد السلطان محمود خان العثماني؛ ليكون مصدراً من مصادر معرفة أحكام الجهاد في الإسلام، وليسهل على قواد الجيش والمجاهدين في الدولة معرفة هذه الأحكام في الدولة العثمانية. وصدرت هذه الترجمة عام (١٢٤١هـ) في إستانبول، وتقع في مجلدين اثنين. وترجمته منظمة اليونسكو إلى اللغة الفرنسية، ونقل إليها جزءاً منه المستشرق (دي كررواي) ونشره في جريدة آسية، في الأعوام (١٨٥١، ١٨٥٢، ١٨٥٣م) . -٧- وقد لا يساعدنا المقام على أن نعرض بالتفصيل لكل أبواب الكتاب بأجزائه الخمسة، ولا تقديم دراسة وافية عنها، فحسبنا أن نشير إلى عدد أبواب كل جزء وأهم محتوياته، لعل ذلك يكون عاملاً يدفع إلى الاهتمام بهذا الكتاب النفيس، الذي لا يغني في التعريف به كتابة مقال في مجلة، مهما يكن الجهد والاستيعاب. يضم الجزء الأول من الكتاب خمسين باباً تنتظم (٥٦٢) مسألة، تقع بعد المقدمة في (٣٧٠) صفحة، يليها فهارس للأحاديث والأعلام والأماكن والاستدراكات والتصويبات. ومن الأبواب التي يشتمل عليها هذا الجزء: فضيلة الرباط في سبيل الله، الإمارة ووصايا الأمراء، مبعث السرايا، الرايات والألوية، القتال في الأشهر الحرم، السلاح والفروسية، الحرب وكيف يعبأ لها، من أسلم في دار الحرب، أموال المعاهدين، الجهاد مع الأمراء، الخُمس والصدقة، ما يجب من طاعة ولي الأمر وما لا يجب، قتال النساء مع الرجال وشهودهن الحرب، سجدة الشكر وصلاة الخوف، الأمان وفيه بحوث كثيرة. ويقع الجزء الثاني في (٨١٨) صفحة يليها فهارس متنوعة كالتي سبقت الإشارة إليها، وهو يضم الأبواب من (٥١-٩٠) وتشتمل على المسائل من (٥٦٣- ١٤٦٦) ، وفيه تتمة أبواب الأمان المتنوعة الشاملة لشروط الأمان وأركانه ومن يعقده، والحديث عن الرسل (لسفراء) والمستأمنين والحكم في أهل الحرب، ثم أبواب الأنفال، مما كان خالصاً للرسول ﷺ ، والنفل في دار الحرب، وما يبطل فيه النفل وما لا يبطل، والسلب والنفل لأهل الذمة والعبيد، والاستثناء فيه، وغير ذلك مما يتصل بهذه المباحث المهمة في سياسة المسلمين الحربية. وأما الجزء الثالث فيقع في (٣١٥) صفحة ويتضمن الأبواب (٩١-١١٣) ، وفيه تتمة أبواب الأنفال والسهمان للخيل وغيرها في دار الإسلام ودار الحرب، ودخول المسلمين دار الحرب، والغنيمة، وكيفية قسمة الغنيمة وبيان من يستحقها، وقسمة الخمس والغنائم.. الخ. ويبحث الجزء الرابع في الأبواب (١١٤-١٥٩) بمسائل كثيرة متنوعة، داخل الأبواب عن: الأسارى والحكم فيهم، والتجار الذين يدخلون دار الحرب، وما جاء في الخيانة في الغنيمة، والسبايا والنفقة عليهم والعدة، وهدية أهل الحرب ، وما يكون إحرازاً للغنيمة وما لا يكون، ثم ما يصيبه الأسراء والذين أسلموا من دار الحرب، والمستأمنين يأخذون أموال أهل الحرب، وما يحرزه المشركون ويظهرون عليه من أموال المسلمين، والفداء، والاستعانة بأهل الشرك، وما يكره إدخاله دار الحرب وما لا يكره، وما قتله من أهل الحرب وما لا يكره وكيفية سياسة الحرب بما فيها من قواعد إسلامية رائعة ... الخ. وينتهي هذا السفر النفيس بالجزء الخامس الذي يقع في حوالي (٦٥٠) صفحة تضم الأبواب (١٦٠-٢١٨) وفيها المسائل من (٣٣٦١-٤٥٧٢) وهو يتضمن أبواباً مهمة مثل: أبواب الموادعة، نكاح أهل الحرب، إثبات النسب من أهل الحرب ومن السبايا، الحدود في دار الحرب، ما يجب من النصرة للمستأمنين وأهل الذمة، معاملة المسلم المستأمن مع أهل الحرب في دار الحرب، مواريث القتلى، باب الأسير والمفقود، باب المرتد في دار الحرب وما يتعلق بالمرتدين من أحكام مختلفة، العين (الجاسوس) ، ما يختلف أهل الحرب وأهل الذمة في الشهادتين والوصايا، من أسلم على شيء فهو له، الحبيس في سبيل الله، الوصية بالمال في سبيل الله، باب العشور في أهل الحرب، باب الجزية، الخمس من المعدن والركاز يصاب في دار الحرب، ما يصدق فيه المسلم على إسلام الكافر، الدعاء إلى الإسلام، باب الاستبراء، خروج العبد بأمان من دار الحرب، العبد يعتق بالإسلام أو لا يعتق؟ -٨- وإذا أردنا أن نوجز ما في الكتاب باختصار شديد، نقول: إنه يضع أسس العلاقات الدولية في حال السلم والحرب، فيبين معنى السير والجهاد، وأهمية الجهاد وغايته، ويحدد علاقة أهل الذمة بالمسلمين، وما يخصهم من أحكام، وينظم حالة السلم، ويضع أسس التنظيم والعلاقات في حال الحرب مبيناً مشروعية الجهاد، وإقليم الدولة ومدى سريان النصوص القانونية فيها من حيث الزمان والمكان، وسياسة الحرب في الإسلام وتحديد المقاتلين، وبدء الدعوة للحربيين قبل الحرب، وما يتبع ذلك من آثار في الأموال والأشخاص، كما يحدد العلاقة مع المحايدين، وينظم حال الحياد، ويفصل أحكام المعاهدات والصلح والمستأمنين ... وغير ذلك مما يبحثه اليوم علماء القانون الدولي. ويضيق بنا المقام لو أردنا أن نذكر نماذج مما كتبه الإمام محمد بن الحسن في هذا الموضوع، وما علق عليه وشرحه شمس الأئمة السرخسي، كما أن ذلك لا يغنينا عن الرجوع إلى هذا الكتاب القيم الممتع لدراسته دراسة متأنية جادة، للاطلاع على أثر نفيس من أقدم ما كُتب في الفقه الإسلامي بعامة وفي فقه المعاملات أو العلاقات الدولية بخاصة، لبيان مدى ما بذل أسلافنا ﵏ من جهد بالغ في بيان أحكام هذه الشريعة التي جعلها الله - تعالى - منهجاً لحياتنا، وسبباً لعزتنا ومكانتنا. -٩- ومع أن بعض المهتمين بنشر الثقافة الإسلامية وكتب السلف بذلوا جهودا طيبة في نشر كثير من الكنوز الفقهية، إلا أن المجال لا يزال متسعاً لبذل جهود أكثر، وخاصة في مجال إخراج تراث الإمام محمد بعامة، وكتابه " السير الكبير " بخاصة، وما أجدر هذا الكتاب أن ينشر نشرة ثانية تضيف إلى ما فيه من تحقيق ومقابلة للنصوص تخريجاً للأحاديث والآثار الكثيرة التي استشهد بها المصنف والشارح - رحمهما الله - وعمل فهارس موضوعية تساعد على الإفادة من الكتاب. -١٠- وفي ختام هذه الكلمة التعريفية بالكاتب وبالكتاب، أشير إلى بعض المراجع التي ترجمت للإمام محمد ودرست كتابه، وقد أفدت منها في هذه المقالة السريعة، وهذه أهمها: - الآثار، لمحمد بن الحسن الشيباني، ومعه الإيثار برجال الآثار للحافظ ابن حجر العسقلاني، (طبع كراتشي) . - أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري (مصورة عن طبعة الهند) . - الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البر (بيروت) . - بلوغ الأماني في سير الإمام محمد بن الحسن الشيباني (طبع مصر) . - تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان. (دار المعارف) . - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي. (بيروت) . -الجامع الصغير للإمام محمد مع النافع الكبير، للكنوي (طبع الباكستان) . - الجواهر المضيّسة في طبقات الحنفية، للقرشي (طبع الحلبي بمصر) . - شرح السير الكبير للسرخسي (طبعة جامعة القاهرة، وطبعة معهد المخطوطات) . - الشرع الدولي في الإسلام، للدكتور نجيب أرمنازي. (طبعة دمشق) . - طبقات ابن سعد (دار صادر) . - المبسوط للسرخسي (مصورة عن الطبعة الأولى المصرية) . - المحبَّر، لابن حبيب (بيروت، مصورة عن طبعة الهند) . - محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي (طبع قطر) . - مناقب أبي حنيفة وصاحبيه، للإمام الذهبي، نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية (طبع القاهرة) . - منهج الإسلام في الحرب والسلام، عثمان جمعة ضميرية (دار الأرقم، الكويت) . - الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، للدكتور محمد حميد الله. *** لم أعطِ زمام قلبي لأحد حللت العقدة في وجه العمل بنفسي اعتمدت على غير الله مرة فسقطتّ من مقامي مئتي مرة محمد إقبال

стр. 281

خواطر في الدعوة الحد الأدنى محمد العبدة إذا كان واقع المسلمين في هذه الأيام يضطرهم للمطالبة بالحد الأدنى من التعاون والتنسيق، خوفاً من البديل وهو التشهير والتمزيق، وإذا تحقق هذا التعاون اعتبر من المكاسب التي يجب المحافظة عليها والتمسك بها، ويقولون. هذا هو الواقع، ويجب أن نعترف به، ولا نكون مكابرين خياليين نسرح بالأحلام. إذا كان هذا هو الواقع فنحن نوافقهم ولكن بشرط أن يكون هذا الشعار مؤقتاً؛ لأن أوضاع المسلمين فعلاً تحتاج إلى بداية مثل هذه، ولكن الذي نخشاه ونتخوفه هو أن يرضوا بهذا الواقع، ويستمر هذا الشعار فترة طويلة فتموت الهمم، وتسترخي العزائم، ويستمرئ المسلمون هذه الحالة فلا يقومون بالأعمال العظيمة المطلوبة منهم في هذا العصر بالذات، فنحن نمر بفترات حرجة لا نحتاج إلى التعاون والتنسيق بل إلى الانصهار في عمل كبير يعيد للمسلم عزته وكرامته، ويشعره بالثقة المفقودة، يعيد إليه الأمل والرجاء، إننا نحتاج إلى إنكار للذات بالدرجة الأولى، فهو العقبة الكؤود كما يظهر لي، وتأتي الخطوة التالية بالعمل الدؤوب الذي لا يعرف الراحة، وإعمال الفكر في مستقبل المسلمين والإسلام، والطرق الصحيحة التي توحد ولا تفرق. إن الساعات الحاسمة في التاريخ هي الساعات التي تتحول فيها الأمة كلها إلى (ورشة عمل) ، كلٌّ له مكانه وكل له مكانته، يشعر كل فرد أنه يشارك في البناء بل إنه ضروري لهذا البناء، هكذا قام المجتمع الإسلامي الأول عندما شارك المسلمون كلهم في بناء المسجد بمن فيهم قائد هذا المجتمع رسول الله ﷺ ، وعندما استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين وتنازلوا عن شطر أموالهم، ونفذوا هذا عملياً ولم يكتفوا بالأدبيات والكلام عن الأخوة الإسلامية أو (يجب علينا أن نبني مسجداً!) . وإذا كنا نتكلم عن الحد الأدنى فإن الغربيين قد انتهوا من بحث أمورهم الكبيرة، أمورهم الاستراتيجية وفي اجتماعاتهم الآن يناقشون المشاكل الصغيرة التي لا تزال عالقة مثل مشكلة (الزبدة) كيف تصدر وتستورد، وكيف يصرفون الفائض منها. وإحياء الأمة ودعوتها إلى استئناف دورها الخيري لا يتأتى إلا بأعمال كبيرة، وإن الحد الأدنى إذا استمر لا ينتج إلا الضعف، الذي يستطيع العيش طويلاً، ولكنه يبقى ضعفاً، وأخشى أن يسري هذا الداء حتى إلى عباداتنا وأعمالنا فلا نقوم إلا بالحد الأدنى من المطلوب، وتمر السنون دون أن نحقق عملاً كبيراً يرضي الله ويغيظ أعداء الإسلام ويشفي صدور قوم مؤمنين. لا شك أن الخطوة الأولى هي التعاون الصادق، ولكن كم نتمنى أن يتلو هذه الخطوة خطوات.

стр. 282

نموذج اتخاذ القرار ف. فروم [١] عرض وتحليل: طارق عبد الحليم مقدمة: يعتمد نجاح قيادة ما في أداء مهامها الموكولة إليها على عدة عناصر متداخلة، تتفاعل لتحقق الهدف الذي ينشده القائمون على هذا العمل، من تلك العناصر: ١- كفاءة [٢] القيادة وفعاليتها [٣] في الأداء والمتابعة. ٢ - كفاءة الأتباع وفعاليتهم في التلقي والأداء. ٣ - درجة الثقة المتبادلة بين الطرفين. ٤ - المناسبة (الزمانية والمكانية) للمهام المطلوبة في المواقف المختلفة. ٥- الإمكانيات المتاحة اللازمة لأداء الحد الأدنى على أقل تقدير. ويندرج تحت كل عنصر من تلك العناصر المذكورة عدد من العوامل الفرعية التي تؤثر على الأداء الناجح الفعال لكل من القيادة من جهة، والمجموعة العاملة من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال، تتحدد كفاءة الأتباع حسب (المستوى العلمي - درجة التخصص- الصفات الشخصية كدرجة الانضباط.. - درجة التآلف بيد المجموعة - الخلفية النفسية والاجتماعية ... الخ) . وحديثنا في هذا البحث يخص أحد مركبات العنصر الأول، أعني (كفاءة القيادة) وبالتحديد عملية (اتخاذ القرار) ومدى الحاجة إلى المشاركة فيه بين القيادة والأتباع في المواقف المختلفة من خلال نموذج (اتخاذ القرار) الذي قدمه للمرة الأولى العالم الأمريكي فيكتور فروم في مجال علم المنظمات والإدارة في ربيع عام ١٩٧٣، ثم طورها بعد ذلك بمعاونة آرثر ييتون. والنموذج يصلح للتطبيق في مستويات الإدارة كافة بواسطة المسؤول سواء كان القائد مع بقية أفراد مجلس الإدارة مثلاً، أو كان قائداً تنفيذياً مع أفراد مجموعته العاملة. النظرية: تقوم تلك النظرية على فرضية أن مدى الحاجة إلى المشاركة بين القيادة ... والأتباع في اتخاذ قرار ما تتحدد حسب الموقف ومتغيراته المختلفة، والتي تملى بالتالي نمطاً قيادياً محدداً يؤدي إلى أفضل النتائج ويعتمد النموذج المقدم على ثلاث قواعد يتم خلالها اختيار ذلك النمط به وهي: أولاً: الأسس التي يتم عليها تحديد متغيرات الموقف. ثانياً: الأنماط القيادية المختلفة. ثالثاً: متغيرات الموقف. وعلى أساس التفاعل بين تلك العوامل الثلاثة يمكن للقيادة تحديد النمط المطلوب في هذا الموقف المحدد، وسنتناول باختصار ذكر تلك القواعد. أولاً: أسس اختيار وتعيين متغيرات الموقف: - نوعية المشكلة المراد البت فيها (كمية أم كيفية؟) . - درجة اطلاع القائد وفهمه للمشكلة القائمة نظرياً وعملياً. - درجة اطلاع الأتباع وفهمهم للمشكلة القائمة. - درجة إمكانية الحصول على معلومات من خارج المجموعة (بشأن المشكلة) . - تقبل الأفراد لقرارات القيادة وطاعتهم لها. - درجة الإحساس بالولاء والانتماء للشركة أو المجموعة. - درجة التعايش والتآلف بين الأتباع. وتهدف هذه الأسس بجملتها إلى المحافظة على عدة مبادئ منها: (مبدأ التآلف) ، (مبدأ التخصص) ، (مبدأ الحرص على الكيف) ، وعلى أساسها يتم اختيار عدد من الأسئلة التي تمثل متغيرات الموقف الراهن. ثانياً: أنماط القيادة: تتحدد الأنماط القيادية بثلاثة أنماط (١، ٢، ٣) ، يندرج تحتها خمسة أشكال من التصرفات القيادية المختلفة (أ، ب، ج، د، هـ) . ١ - قيادة موجهة متحكمة (Autocratic) : أ- تتخذ القرار بنفسك وحسب معلوماتك الخاصة.. ب - تتخذ القرار بنفسك بعد جمع المعلومات اللازمة من أتباعك. ٢ - قيادة مشاورة (Consultative) : ج - تشاور أتباعك بطريقة فردية لمعرفة رأيهم ومعلوماتهم ثم تصدر قرارك بنفسك. د - تشاور أتباعك بشكل جماعي لاتخاذ القرار بنفسك بعد المشاورة. ٣ - قيادة مشاركة (Participation) : - تصدر القرار بشكل جماعي بعد المشاورة وأخذ الأصوات. ثالثاً - متغيرات الموقف: وفي عشرة أسئلة بنيت على الأسس التي قدمناها في القاعدة الأولى: ١ - في حالة تقبُّل الأفراد للقرار الفردي، هل تتأثر النتائج ذاتها بطريقة اتخاذ القرار؟ ٢ - هل لدى القائد العلم الكافي لاتخاذ قرار كفء؟ ٣ - هل تتوفر لدى الأتباع معلومات (زائدة على معلومات القيادة) تؤدي إلى تحسين الأداء؟ ٤ - هل يعرف القائد نوعية المعلومات المطلوبة، وممن يحصل عليها، وكيفية جمعها؟ ٥ - هل من الضروري أن تتوفر معلومات إضافية لصالح القرار داخل حيز المجموعة ككل؟ ٦ - هل من الممكن جمع معلومات إضافية من مصادر خارجية قبل اتخاذ القرار؟ ٧ - هل تقبُّل القرار من الأتباع مهم وحاسم لضمان حسن التطبيق؟ ٨ - إذا كان من المحتم اتخاذ القرار بطريقة فردية (بنفسك) هل أنت متأكد من تقبل الأتباع له؟ ٩ - هل يمكن الوثوق بقدرة الأتباع على اتخاذ قرارات مهمة تتلاءم وأهداف العمل بشكل عام؟ ١٠ - هل من المحتمل حدوث خلافات بين الأتباع على نوعية الحل؟ الطريقة: يمكن اختيار النمط الأمثل للتصرف القيادي (وبالتالي تحديد الأنماط الممكنة في حالة القرارات طويلة المدى) في موقف ما بأن يقوم القائد المسؤول بالإجابة عن الأسئلة السابقة بادئاً بالسؤال الأول ... وحسب الإجابة بنعم أو لا ينتقل إلى السؤال التالي حتى يصل - عن طريق الشكل المرفق على هيئة شجرة - ليحدد في النهاية النمط المناسب لاتخاذ القرار. فمثلاً: في حالة تقبل الأفراد للقرار. - ولكن النتائج ذاتها تتأثر بطريقة اتخاذ القرار (الفردية أو الجماعية) السؤال رقم (١) - " نعم " ينتقل المسؤول إلى السؤال رقم (٢) . - أما إذا كانت النتائج لا تتأثر بطريقة اتخاذ القرار السؤال - " لا " ينتقل المسؤول إلى السؤال رقم (٧) مباشرة. وعند الانتقال إلى السؤال رقم (٧) : - هل تقبل الأفراد للقرار ورضاهم به مهم وحاسم لضمان حسن التطبيق؟ - فإن كانت الإجابة بنعم ... ينتقل المسؤول إلى السؤال رقم (٨) . - وإذا كانت الإجابة لا؛ يكون النمط المناسب هو (اتخذ القرار بنفسك وبمعلوماتك) في حالة القرار ذي التأثير قصير المدى ... أو الأنماط ب، ج، د،هـ على التوالي إذا كان القرار ذا تأثير طويل المدى وهكذا. ومما تجدر الإشارة إليه أن القرارات ذات التأثير المحدد (قصير المدى) تتحدد بالنمط المذكور أولاً في النموذج ... ولكن حسب درجة نضوج الأتباع ومع مرور الزمن فإنه من المناسب العدول إلى الأنماط المجاورة على التوالي (بين القوسين) خاصة فيما يخص القرارات ذات التأثير المستمر (طويل المدى) . مثال: وحتى يسهل الأمر على القارئ، نعتبر مثالاً يعرض طريقة استخدام النموذج للوصول إلى السلوك القيادي الأمثل. ١- لنفترض أن مديراً لإحدى الإدارات بشركة ما، يعمل تحت إمرته عشرة من العاملين من ذوي الخبرة المناسبة. ٢ - يتمتع العاملون العشرة بثقة المدير بكفاءتهم وحسمن أدائهم للعمل بشكل متكافئ. ٣ - أرسلت الإدارة العامة للشركة تطلب ترشيح ثلاثة أفراد من تلك الإدارة لأداء مهمة بالخارج لفترة من الزمان. ٤ - يعتبر العاملون ذلك السفر أمراً غير مرغوب فيه، كما يعلم المدير ذلك حيث يحتاج السفر لتغييرات جذرية في أوضاع الحياة الخاصة للمرشح. أ - أيتخذ القرار بمفرده ويحدد من يقوم بالمهمة؟ . ب - أم يشاور العاملين معه فيمن يود الذهاب؟ . ج - أم يجمع العاملين ويتركهم يقلبون الأمر على وجوهه فيما بينهم لتحديد الأسماء المرشحة؟ . وللوصول إلى القرار المناسب، نرجع إلى الشكل المرفق لشجرة القرار، والأسئلة العشرة. - السؤال الأول: هل تتوقف النتائج (أداء العمل بالخارج) على طريقة اتخاذ القرار؟ . والجواب: لا، حيث إن العاملين العشرة متساوون في الكفاءة، والخبرة، ويتمتعون بثقة الإدارة بقدرتهم على حسن الأداء. - انتقل إلى السؤال رقم (٧) . - السؤال السابع: هل تقبل العاملين المرشحين للقرار مهم وحاسم في حسن التطبيق للعمل والقرار؟ . والجواب: نعم، حيث إن العامل حين يؤدي أمراً لا يرغب فيه - حتى مع كفاءته وقدرته وخبرته - لا يكون على المستوى المطلوب من العمل. - انتقل إلى السؤال رقم (٨) . - السؤال الثامن: في حالة اتخاذ القرار بشكل فردي، هل الإدارة متأكدة من تقبل العاملين لذلك القرار دون معارضة؟ . والجواب: لا، حيث إن القرار بالسفر سيكون له أثر في الحياة الشخصية للمرشح، والاحتمال الأكبر أن يلقى الترشيح معارضة، ما لم تكن الموافقة مسبقة عليه. وبناءً على ذلك التحليل نصل إلى النمط (هـ) والذي يعني: (أن يعقد المدير اجتماعاً حيث يعرض المسألة على العاملين معه، ويطرح الترشيح للمناقشة حتى يصل إلى اتفاق على الأسماء الثلاثة. التعليق: تعتبر هذه المحاولة التي قدمها (فروم) لبناء القرار على طريقة أكثر عقلية وتحديداً ودقة من باب النماذج (Model) التي يمكن احتذاؤها. ولا يزعم المؤلف - كما لا نزعم نحن - أنها أنضج ما يمكن تقديمه في هذا المجال، بل ولا أنها تغطي المواقف والاحتمالات كافة التي يمكن أن تواجهها قيادة ما. ولكن الجديد الذي تقدمه النظرية هو تلك الوسيلة العملية التي يمكن بواسطتها أن يضع المسؤول المتغيرات كافة التي يواجهها على الورق ليكون اختياره أكثر تحديداً ودقة، دون أن يهمل عاملاً ما، أو أن يبني قراره على مجرد النتائج التي يهتدي إليها بعقله بعد تقليب الأمر بينه وبين نفسه مما قد لا يستغرق منه سوى لحظات قليلة، فتارة يشاور من معه، في حين أن المشاورة قد لا تكون في صالح القرار أو الجماعة ككل، وتارات يتخطى الجميع ليتخذ قراره بنفسه، في حين هو أقل علماً بالمشكلة من بعض أتباعه الذين تتوفر لديهم المعلومات الكافية والتخصص الدقيق. ومما لا يخفى أنه ليس من المعقول المشاورة في كل أمر صغير أو كبير، كما أنه ليس من المشروع الاستقلال بالرأي والاستبداد بالقرار على طول الطريق، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في ذلك الأمر وحدوده حين أخذ بمشورة سعد بن معاذ في بناء العريش في غزوة بدر من حيث هو أهل أعلم وثقة بهذه الأمور، كما استشار ﷺ الصحابة والأنصار على وجه التحديد قبل الإقدام على الحرب في بدر، حيث إن موافقتهم كان لها وزن خاص في النتائج المرتقبة، بينما قرر ﷺ بنفسه في حادثة نعيم بن مسعود وإرساله ليخذل عن المسلمين إبان غزوة الخندق. وما يعنينا في هذا الموضع أن نشير إلى أن الأسس التي يقوم عليها تحديد متغيرات الموقف - والتي قدمناها في القاعدة الأولى - ومتغيرات الموقف نفسها (والتي قدمناها في الأسئلة العشرة السابقة) تخضع للتغيير والتبديل حسب نوعية العمل وحسب البيئة التي يراد تطبيق النموذج عليها، بحيث تشمل في كل حالة ما يناسبها، وما يغطي احتياجات القيادة، وقدرات الأتباع والمواقف المختلفة المحتملة. ولا يفوتنا أن نوجه نقداً حاسماً لذلك النموذج من حيث إهماله - بشكل يكاد يكون تاماً - الحالة النفسية والدوافع الداخلية التي قد يصدر عنها القائد والأتباع على حد سواء في اتخاذ القرارات. وهو - وإن وضع بين الأسس التي يحدد عن طريقها متغيرات الموقف مبدأ " التآلف والتجانس " بين القيادة والأتباع من جهة، وبين الأتباع بعضهم البعض من جهة أخرى، إلا أن ذلك لا يعفي من ضرورة اعتبار الدوافع الذاتية الشخصية التي توجه الأفراد حين اتخاذ قرار ما، والذي قد يتخلى في أثره الجانب العقلي الميكانيكي الذي عالجه المؤلف في نظريته، بل ويكاد يتحكم لحد كبير في عملية اتخاذ القرارات داخل المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية. فمثلاً: قد تقرر قيادة ما الاستغناء عن خدمات أحد أفرادها، نظراً لعداء شخصي أو حالة نفسية محددة دون الدخول في تفاصيل الأسباب والدوافع ولكن قد يقرر فرد ما الاستقالة من عمله والانفصال عنه لدوافع خاصة قد لا يصرح بها في غالب الأحوال. وهو الوضع الذي لم يعالجه " فروم " في نموذجه ولم يحسب له حساباً في أسسه وقواعده وأسئلته على الرغم من أهميته القصوى والحاسمة.

стр. 283

يحسب أن ماله أخلده د. مصطفى السيد ما أشقى القيم عندما يصبح المال وحده لحمتها وسداها، وأتعس بالأمم إذا بات المال عندها معيار التفاضل ومنهاج التعامل! به ترفع وتضع، وفيه تقدم وتؤخر، وله تسعى وتحفد. وكم تؤذي السمع، وتستدعي الازدراء قالة أقوام: (فلان رجل) ، وإذا رحت تسائل هؤلاء الناس: فِيمَ استرجل فيم فلان وجدّ؟ ؛ أجابوا - وبئس الجواب - بثروته المالية ومكانته الاقتصادية! وحرصاً على إثراء رصيد المسلمين بالمعرفة التاريخية، وعمارة أرواحهم بأصل القيم، تعاقب القصص القرآني عن الأمم السالفة ليكون من الروافد الفكرية لمكونات الشخصية الإسلامية. ولقد ثبت عن الإمام أحمد ﵀ حبه لقصص موسى في القرآن الكريم،والتي توزعت فصولها هذه في كثير من آيات القرآن تحكي جهاد هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء - وكيف اصطدم بالطغيان السياسي الذي تمثله دولة فرعون ومواجهة لبذور وجذور الرأسمالية القارونية - التي كان قارون صنمها البارز ووثنها الشامخ. وما ذكر في القرآن من قصة قارون مع قومه تتمثل في هذه الآيات من رقم ٧٦ إلى رقم ٨٢ من سورة القصص. قصة متكاملة العناصر؛ فزمن القصص - فترة رسالة موسى -صلى الله عليه وسلم-. والأماكن التي شهدت الدعوة مكانها. ووقائع القصة - وإن انتهت زمناً - فهي مستمرة حياة وإيحاءً، مادام النموذج الذي عرضت له القصة قائماً في عالم الناس. وقارون يقوم بدور البطولة بين شخصياتها المتمثلة بقومه عموماً، ثم يتحدد هذا العموم بفئتين: الأولى: الدنيويون. الثانية: أولو العلم. وموضوع الصراع هو المال - مصدراً وهدفاً ومصرفاً - وتبدأ القصة معرّفة بقارون هذه الشخصية البائسة التي تعايش ربيع الزمن - وجود النبوة - ولكنها في شغل عنها بالمال جمعاً وكنزاً، ثم تفتح الآيات أعيننا على الأخطار التي تنتج عن رأسمالية فرد، فما تكون عليه هذه المخاطر إذا كانت هذه الرأسمالية نظام حياة وأسلوب حكم؟ ! : وأولى هذه المخاطر الظلم: [فَبَغَى عَلَيْهِمْ] فالمُتيّم بالمال، والصبّ بجمعه لا يهتم إلا بما يزيد هذا المال رقماً دون مبالاة بظلم مؤلم أو بغي مؤذٍ. في ظل هذا الوضع تهان إنسانية الإنسان، ويكون التعامل معه كالتعامل مع الأشياء. والخطر الثاني: الفرح: [إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ] ، ويبدو أنه قد لازمه حتى صار خُلقاً له أو كما يقول أهل النحو (صفة مشبِّهة أو صيغة مبالغة) فبلغ به حد الأثرة والبطر، كما يقول القرطبي أو بلغ الحد الذي يُنسي المنعم بالمال كما يقول صاحب " الظلال ". والخطر الثالث: التوجه الكلي إلى الدنيا وحدها، وهذا ما يستنبط بمفهوم المخالفة من قوله - تعالى -: [وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ] وكما لا يظن أن ذلك دعوة إلى مقاطعة الدنيا أتبع (والله أعلم) لقوله: [ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا] وابتغاء وجه الله بالعمل محض الإيمان، فلا يذل المرء للمخلوقين أو يصبح تحت رحمة أهوائهم إذا اتخذ وجوههم قبلة تحقيقاً لتوحد حب الدنيا في قلبه. وبعد إشباع شهوة التسلط القاروني بالبغي، وإتراعها بالفرح وما في ذلك من مكسب إعلامي يجعل من صاحبه حديث الصالونات ومحتكراً للصفحة الاجتماعية في الجرائد والمجلات - بعد ذلك تمضي بنا الآيات إلى الخطر الرابع وهو الفساد في الأرض: [وَلا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ] ، وكلمة الفساد ينطوي في أحشائها - وينضوي تحت راياتها - شرور شتى، وخبائث عدة؛ لأن القارونية لا مكان في معجمها المادي للأخلاق، بل لا ترى بأساً أن يكون في مقتل الأخلاق دخل مدار الربح كما في عوائد الربا والفوائد كما في دخول الميسر والخمر والدخان ... إلخ. والأخطار الأربعة السابقة نتيجة منطقية لرأسمالية قارون التي تدين بالحتمية المادية - وهذه نقطة تلاقٍ مع الشيوعية - التي تجحد قدرة الله في الإعطاء والمنع، والفقر والغنى، وترد ذلك إلى سلطان العقل وثمرة العمل، وتبجح ... قارون: [إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي]- يمثل الأبوة الروحية لكل منزع مادي، فهو كما قال أحد المفسرين: " تَنَفَّجَ بالعلم وتعظم به ". ومادام قارون يعتقد ألا فضل لله في إيجاد هذا المال فليس له - بالتالي - حكم في مصاريفه وإنفاقه. ولكن الآيات ردت على المادية القارونية بأن المادية التاريخية لم تعصم أهلها - بالرغم مما في يدها من علم ومال -: [أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وأَكْثَرُ جَمْعاً] وما على القوارين إلا التأمل في مصائر الثراء وفعائل المال بأصحابه؛ (إذ لو كان المال يدل على فضل لما أهلكهم) كما يقول القرطبي. وكأن هذه القارونية قد أخذت على نفسها الميثاق ألا تُبقي عيباً من عيوب الثراء الذي لم يؤسس على تقوى إلا وكشفته، ها هي الآيات تعرض لنا المنظر الأخير للإفلاس القيمي عند قارون الذي لم يجد ما يدلل به على حضوره ثرياً إلا خروجه في زينته (كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد) التي لم يكن الحاضر فيها منه إلا مظاهرها المادية بعد أن فارقنا إنسانيته أو فارقتنا في سعير المظالم وسعار الشهوات وسكرة الفرح. ولقد نقلت الآيات قارون من الجريمة الفردية إلى الجريمة الاجتماعية أو بلغة الأدب - من الشخص إلى المصطلح ومن الحدث إلى الرمز [١] لتصبح القارونية عباءة لكل قارون معاصر أو ثري جَحود. لم يكد قارون يفرغ من عرض ثروته، واستعراض زينته إلا وقد أشعل في قلوب الدنيويين مشاعر التلهف وشعائر التأسف ألا يكون لهم مثل هذه الثروة: [يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ] ؛ فجاءت إغاثة اللهفان - شأنها في كل زمان ومكان - من أهل العلم الذين حذروا من خطورة النظرة السطحية للأمور، والتي تريد الدنيا للدنيا، ثم لفت أهل العلم الأنظار إلى [ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ] ، فذلكما الأمران هما المطلوبان والمحبوبان ثواب الله والإيمان به. وفي ذلك تنبيه للدنيويين على مدار التاريخ - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - أن الثروة قد تدلف فجأة، ولكن ترويض النفس على الإيمان والعمل الصالح منزلة [وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُونَ] . وما أن يُنهي أهل العلم كلامهم؛ حتى تغيّب الأرض قارون في ظلماتها - والعطف بالفاء -[فَخَسَفْنَا] يدل على سرعة الأخذ، والعقوبة بالخسف مناسبة لسخف المعتقد. وهكذا أصبح هذا الثراء بالرشاء أجدر. وفاجعة النهاية لا تقل في غناها المعنوي عن مأساة البداية، فهذه الثروة الهائلة تغور في أعماق البسيطة بثوانٍ كأن لم تكن: [فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ ومَا كَانُوا مُنظَرِينَ] [الدخان: ٢٩] . وإذا جاء أمر فإنه يترك كل القوى اللائذة بأهل المال رغبة أو رهبة - عاجزة عن أي دور: [فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ومَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ] وبقدر ما كان الانتقام فاجعاً لقارون كان مفاجئاً للدنيويين فقد انتزعتهم النهاية من زيف أحلامهم، وسكرة مشاعرهم لتوقفهم على الأخذ الأليم؛ فيصرخون [وَيْ] لتبصر البصائر ما عجزت عنه النواظر، ويدركون ألا علاقة بين الهداية والثراء؛ فالله: [يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ويَقْدِرُ] . كما يعترفون بفضل الله عليهم لتدارك رحمته - إياهم - بنصح أولي العلم: [لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا] ، كما يخرجون بتجربة ناجحة عن مستقبل الثراء الكافر: [وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ] ، والتعبير بالمضارع [يُفْلِحُ] يفيد ديمومة الحكم ما وُجدت أطراف القضية. وإذا كان الفوز في الآخرة هو الفوز، فالطريق إليه يبدأ في الدنيا بتجنُّب التجبُّر: [لا يُرِيدُونَ عُلُواً] ، ومجانبة الفساد بكل مضامينه: [وَلا فَسَاداً] ، ولئن قُدر للمبطلين أن يهيمنوا بعض الوقت فلن يتأتى لهم ذلك دائماً أو انتهاءً؛ ... لأن: [الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] . (لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ينتفع بمعرفته؛ فهذا فعل الأرذال، ولا تكتمه ما يستضر بجهله؛ فهذا فعل أهل الشر) . ابن حزم

стр. 284

الإبداع والتقليد عند مقلدي الغرب محمد حامد الأحمري صلة المسلمين بالعالم المعاصر في شتى أنواعها لم تعد مجهولة الآثار، ونتائج هذه الصلة والتأثر بها، ما يتجاوز القدرة على التجاهل، فيعترف به المتجاهلون والغافلون رغماً عنهم فلم يعودوا قادرين على نكران من يصنع ملابسهم وسياراتهم وبعض غذائهم، ولكنهم في الجانب الآخر ينكرون أن يكون لعالم الاستعمار أثر في شيء من حياتهم الفكرية والسلوكية وهذا الجانب هو ما نقصد الحديث عنه هنا. لقد اكتسبت الحياة الفكرية في الغرب خبرة طويلة في صراعها مع الدين، ومرت قرون من الزمن الحاد المتوتر بين الدين ورجاله وبين غيرهم هدمت على أثر ذلك عروش، ودحرجت آلاف الرؤوس، حتى كان للعلمانية النصر وأقامت النظم التي تريدها. وقد تركز عداء الدين في التعليم والثقافة الشعبية ثم الحكم فيما بعد ذلك. إن الصراع كان في بدايته علمياً (العلم المادي التطبيقي) وفلسفياً، ثم كان فيما بعد سياسياً، وترابطت هذه العوامل (السياسة) و (العلم) و (الفلسفة) في إنتاج هذا العالم المشهود الذي طارد الدين جهده ولكن الدين لم يغب أبداً عن ... المعركة حتى في أيامنا هذه والتي يروج أنصار " الليبرالية " أو الاتجاه التحرري من الدين انتصارهم وانهزام عالم الغيب والدين والخرافة أو ما يسمونه " اللامعقول ". وإنه ليجدر بنا لمعرفة مكانة النصرانية الغربية أن نلاحظ الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوربا، في ألمانيا، في إيطاليا، اليمينيون في فرنسا وما أشارت إليه الانتخابات الفرنسية الأخيرة، فضائح القساوسة الأخيرة في أمريكا (بيكر) و (سواجارت) التي كانت معلومة من قبل ولكنها استُخدمت في الوقت المناسب لأسباب عديدة البعض يعد منها إبعاد القساوسة عن الانتخابات والحكم في أمريكا. وقد جاء نشر أكثر فضائحهم بعد أن رشح أحد القساوسة نفسه للانتخابات. ثم الكل يعلم دور البابا الحالي في بولندا - وهو من أصل بولندي - دوره في مظاهرات واحتجاجات العمال في بولندا، وفاليسا الزعيم العمالي البولندي المعارض للحكم الشيوعى إن هو إلا يد الكنيسة في المعسكر الشيوعي الشرقي، البابا ينفق وقته في رعاية النصرانية ضد الشيوعية في أمريكا الجنوبية، وإفريقية وغيرها، يقود التيار الكاثوليكي المتحجر في لعبة الدين والسياسة الواسعة في عالمهم. يتضح مما سبق أن الحرب الضروس ضد الدين في أوربا وأمريكا وغيرها لم تنتهِ بعدُ لصالح العلمانية وهى بالطبع ليست في صالح الكنيسة، لكن كل منهما مضطر للآخر، مضطر للحوار والاستفادة والاستغلال، والغرب - بلا شك - مقْدم على عودة للدين لأسباب عديدة ليس هذا موضع تفصيلها لكن من هذه الأسباب الفطرة الدينية التي فطر الله الناس عليها والتي غشى عليها لفترة من الزمن الوهج العلمي والتعلق بالإنتاج الصناعي، ثم عاد العلم ليأخذ موقعه الصحيح يوماً بعد يوم وما سببه من مادية جافة سئم الناس خشونتها وانفصامها. وكذلك ازداد اهتمامهم بدراسة ظاهرة الإسلام، وكثرة البحوث والدراسات حول ذلك؛ لاستكشاف أفضل الطرق لاحتوائه، إضافة إلى موجة الشباب النصراني المتدين والتي تخرج في شكل دعاة متنقلين من مدينة إلى أخرى، وينزلون مساكن الجامعات، ويقيمون الخيام للدعوة إلى الدين النصراني، ووجدت مجموعات متدينة يرفضون المدنية الحديثة ويرفضون وجود أجهزة التلفزيون في بيوتهم، ويمنعون أبناءهم من التعليم العام لما يرون في كل هذا من الانحراف عن الدين. وهذه مجموعات جديدة في أمريكا عموماً لا علاقة لها بالأيمش الموجودين في ولاية أوهايو ولا بالمورمون في ولاية يوتا. وهذه قضايا تؤرق الدول الملحدة أو العلمانية، يؤرقها أن يسيطر الدين ويحكم، ويؤرقها الفراغ والإلحاد والشيوعية أن تسود، فهي تحرص على وجود توازن مستمر بين هذه القوى المؤثرة في المجتمع، وهى ليست قصيرة التجربة في هذا المضمار، لقد نضج التعامل العلماني مع الديني منذ ما يزيد عن قرنين من الزمن، وعرف كيف يسخر الدين للسياسة، ويركبه فيكون مطية ذلولاً يعرف كيف يتحكم في شموسها ونفورها لتكون طيعة مسالمة أليفة. هذه التجربة الخطيرة في التاريخ يمكن أن نصنفها على أنها اختراع عظيم جداً يصدّر للعالم المتخلف كما تصدّر له الملابس الجميلة والسيارات الفخمة وهذا اختراع فخم يقدم للعالم خدمات جليلة في نظرهم أَنَّى لأي جهاز آخر أن يؤديها؟ ! لعل العديد من ضحايا الاستكشاف السابق لا يعلمون بأنهم ضحاياه، إنهم يسلمون بأن القلص (الإبل) قد هجرت وجاءت السيارة بديلاً قوياً وذهب البعير من الواجهة، وقد ارتاح فعلاً فما عاد يرحل بليل، ولا يتأوه آهة الرجل الحزين. قسم كبير من هذه الجمال ذهب إلى المتاحف الحيوانية ينعم ويرفه للفرجة والرؤية فقط، ويمكن أن يتنزه عليه حول الأهرام وغيرها وليكون في عيون الغريب تحفة قد تستحق النظر والإعجاب. ولكنه لا أهمية له ولا دور في حياة الناس. إن سحب البساط من تحت الدين وتجريده من السلاح أحد الصادرات المهمة من هناك إلى بلاد المسلمين، عكفوا على إنتاجها سنين وليالي وأياماً حتى جاءت جاهزة. والذي نستيقنه أنه لا يمكن لهذه البضاعة أن تعمل عندنا لزمن طويل، فبلادنا حارة لا تقوى بضاعتهم على مقاومتها سيأكلها الصدأ وتهوي بها الريح في مكان سحيق. طلائع الوهن والتبعية في بلدان العالم الإسلامي فرخت وتوسعت دائرتها من أفراد ينادى بهم ويشنع عليهم، إلى ظاهرة اجتماعية تملأ هذه البقاع ويمكن أن نستعير كلمة " طبقة " من مردديها لنقول إن طبقة في عالم المسلمين اليوم تستقر في المدن عاشت في الغرب أو لم تعش، واعتادت الحياة الغربية وقيمها وآدابها فالحق في بلادهم ما كان حقاً في الغرب، والباطل في الغرب باطل عندهم. أناس مسلمون غالباً ما يقومون بأداء شعائر الإسلام واحترامه، ليسوا عملاء للغرب ولا لحكوماته، قد يكرهون سيطرته وإذلاله للمسلمين، لكنهم مقهورون في أعماقهم مغلوبون في نفوسهم، في أرواحهم وهممهم، راعهم بهرج الغرب ونظمه ورتابة حياته وإشباع رغباته الواسعة، أعجبوا بحكوماته وديموقراطيته، انتشوا بهذه الشهوات فعبدوها، فكل غريب عندهم جليل مقدم وكل شيء من عندهم بدائي وحقير. يتمنون لبلادهم الخير ولكن ليس الذي أراد الله أو رسوله أن يكون خيراً، إنما الذي علموه أو رأوه خيراً هناك فهو الخير هنا. هذا قطاع من خيرة شباب الأمة تعلماً ومكانة يغري أوساط الناس وعامتهم إلى تقليده لمكانته الاجتماعية، لشهاداته، لأسلوب حياته الذي سموه تحضراً أو تمدناً، ولكنه في الحقيقة أجنبي على كل حال. هذا القطاع المقطوع من قيمه يقود الأمة للهاوية. إنه يؤخرها، ويعطل مسارها، ويكبح انطلاقها، لما أصبح في حياته الفردية من عقد لا حصر لها. والمجتمع الواهن يخادع هذا القطاع بضعفه، فيظن هؤلاء أنهم أقوياء وقدوات في ديارهم، فيزيدون ترفعاً وتعالياً والتعالي عندهم هو الإغراق في التبعية والتقليد للمجتمع الغالب، وهذه الفئة تقف سداً مانعاً دون نضوج الأمة ووعيها وتقدمها، فهي ليست عدواً ولا تقف صراحة معه، وهى فيما تقول بل وتعمل أحياناً - تعادي الغزاة وتحطم وهي تزعم البناء وتبذل كل جهدها لتكون بلادها وحياتها كأولئك وهي لن تكون، إنها الفئة التي تحدث عنها سارتر في مقدمته لكتاب فرانتز فانون (معذبو الأرض) [١] وهي الفئة التي تحدث عنها أرنولد توينبي، أما الأول فقال في معرض حديثه عن أسلوب صناعة الفكر الشرقي في الغرب (سارتر يتحدث عن مرحلة الفرد، ونحن نتحدث عن ظاهرة الجماعة، وهناك خلاف فيما نكتب عنه وفيما يتحدث عنه سارتر، غير أن القضية في النهاية واحدة) يقول: (كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء والسادة من إفريقية وآسيا، ونطوف بهم بعض أيام في أمستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريس؛ فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويرتدون السترات والسراويل ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو والاستقبال والاستدبار، ويتعلمون لغاتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا ندبر لبعضهم أحياناً زيجة أوربية، نلقنهم أسلوب الحياة بأثاث جديد، وطرز جديدة من الزينة، واستهلاك أوربي جديد وغذاء أوربي، كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أَوْرَبَة بلادهم، ثم نرسلهم إلى بلادهم. وأي بلاد؟ بلاد كانت أبوابها مغلقة دائماً في وجوهنا، ولم نكن نجد منفذاً إليها، كنا بالنسبة إليها رجساً ونجساً وجناً. كنا أعداءً يخافون منا وكأنهم همج ... لم يعرفوا بشراً. لكن منذ أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم، كنا نصيح من أمستردام أو برلين أو باريس (الإخاء البشري) ؛ فيرتد رجْع أصواتنا من أقاصي إفريقية أو الشرق الأوسط أو الأدنى أو الأقصى أو شمال إفريقية! كنا نقول: (ليحل المذهب الإنساني أو دين الإنسانية محل الأديان المختلفة) وكانوا يرددون أصواتنا هذه من أفواههم وحينما نصمت كانوا يصمتون. ثم كنا واثقين من أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، ليس هذا فحسب بل إنهم سلبوا حق الكلام من مواطنيهم. هذا هو دور المفكر الذي يتشكل بالشكل الأوربي ويلعب في الدول الإسلامية دور دليل الطريق في البلاد التي لم يكن المستعمر يعرفها أو يعرف لغاتها. وهو السوس الذي عمل في الشرق من أجل تثبيت هذه المادة الثقافية والاقتصادية والأخلاقية والفلسفية والفكرية للاستعمار الغربي داخل هذه الأشجار المورقة الأصيلة (هذا هو السوس الذي كنا قد صنعناه وسميناه (المفكرين) كانوا عالمين بلغاتنا، وكان قصارى همهم ومنتهى أملهم أن يصبحوا مثلنا، في حين أنهم أشباهنا وليسوا مثلنا، إنما نخروا من الداخل ثقافة أهلهم، وأديانهم القومية التي تصنع الحضارات ومُثلهم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة، وأصالتهم الأخلاقية والإنسانية، وتحت أي شعار وباسم من؟ ، باسم مقاومة الخرافات أو مكافحة الرجعية أو الوقوف ضد السلفية، وباسم أولئك المفكرين الأوربيين الذين قاوموا الرجعية والكنيسة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، أمثال غاليليو وكانت وديكارت وجان جاك روسو وفولتير وغيرهم من الكُتاب الموسوعيين الذين ناضلوا في سبيل الحرية، كانوا مفكرين بالفعل وأناساً بذلوا أرواحهم في سبيل الحرية - يعني الحرية من طغيان الكنيسة وأصحاب الملك الإلهي - كانوا نوابغنا الفكريين وعلماءنا العظام) [٢] انتهى كلام سارتر. وكم كان كلامه معبراً عن هذه المرحلة العصيبة في حياة المسلمين، وواخجلاً لأتباع سارتر في بلاد المسلمين! ؛ عبدوه في حياته، وكادوا يهلكون لوفاته وسخروا أقلامهم ومجلاتهم وجرائدهم وكتبهم للثناء عليه وعلى أفكاره التي سخر منهم فيها كما سبق [٣] ، لكنه خلق الهزيمة والوهن والاستخذاء. أما توينبى فيقول: (لم يكتفِ الأتراك بتغيير دستورهم - وهو شيء سهل نسبياً في مجال الإصلاح الدستوري - بل قامت الجمهورية التركية الوليدة بخلع المُدافع عن الدين الإسلامي - الخليفة - وألغت منصب الخلافة، وجردت رجال الدين المسلمين وحلت منظماتهم، وأزالت الحجاب عن رأس المرأة، واستنكرت كل ما يرمز إليه الحجاب، وأجبرت الرجال على ارتداء القبعات التي تمنع لابسيها من أداء شعائر الصلاة الإسلامية بأكملها، وتبنت القانون المدني السويسري بعد أن ترجمته إلى التركية، وطبقت قانون الجرائم الإيطالي، وذلك بفرض هذين القانونين بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني، وغيرت الأحرف العربية بأحرف لاتينية، وهذا أمر لم يتم إلا بطرح القسم الأكبر من التراث الأدبي العثماني القديم. ويجب على المراقب الغربي أن يراعي حدود اللياقة فلا يغالط ولا يسخر، لأن ما يحاول المقلدون الأتراك القيام به هو تغيير وطنهم مما هم فيه إلى حالة كنا نحن - منذ التقاء الغرب بالإسلام - ننتقدهم لعدم وجودها فيهم، وها هم حاولوا ولو متأخرين إقامة صورة طبق الأصل لدولة غربية وشعب غربي. وعندما ندرك تماماً هدفهم الذي رموا إليه، لا نستطيع إلا التساؤل بحيرة: هل يبرر هذا الهدف حقاً الجهد الذي بذلوه في صراعهم لبلوغه؟ ! والآن بعد أن تغير التركي بتحريضنا ورقابتنا، وبعد أن أصبح يفتش عن كل وسيلة لجعل نفسه مماثلاً لنا وللشعوب الغربية من حوله، الآن نحس نحن بالضيق والحرج ونميل إلى الشعور بالسخط والحنق، وأن التركي مهما فعل مخطئ في نظرنا! ثم يقول: (إن حركة المقلدين متبِعة وليست مخترعة مبتدعة، لذا ففي حالة نجاحها - جدلاً - لن تزيد إلا في كمية المصنوعات التي تنتجها الآلة في المجتمعات الصناعية، بدل أن تطلق شيئاً من الطاقة المبدعة في النفس البشرية، وهذه الحركة تزيد كذلك في أعداد المقلدين وتضخم المستعبدين) [٤] .

стр. 285

الثبات على دين الله -١ - محمد صالح المنجد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الثبات على دين الله مطلب أساسي لكل مسلم صادق يريد سلوك الصراط المستقيم بعزيمة ورشد. أهمية الموضوع تكمن في أمور منها: - وضع المجتمعات الحالية التي يعيش فيها المسلمون، وأنواع الفتن والمغريات التي بنارها يكتوون، وأصناف الشهوات والشبهات التي بسببها أضحى الدين غريباً، فنال المتمسكون به مثلاً عجيباً (القابض على دينه كالقابض على الجمر) . ولا شك عند كل ذي لُب أن حاجة المسلم اليوم للثبات أعظم من حاجة أخيه أيام السلف والجهد المطلوب لتحقيقه أكبر. - كثرة حوادث الردة والنكوص على الأعقاب، والانتكاسات بين المسلمين؛ مما يحمل المسلم على الخوف من أمثال تلك المصائر، ويتلمس وسائل الثبات للوصول إلى بر آمن. - ارتباط الموضوع بالقلب؛ الذي يقول النبي ﷺ في شأنه: (لَقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القِدْر إذا استجمعت غلياناً) [١] . ويضرب ﵊ للقلب مثلاً آخر فيقول: (إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً لبطن) [٢] ، فسبق قول الشاعر: ما سمي الإنسان إلا لنسيانه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب فتثبيت هذا المتقلب برياح الشهوات والشبهات أمر خطير يحتاج لوسائل جبارة تكافئ ضخامة المهمة وصعوبتها. ومن رحمة الله بنا أن بيّن لنا في كتابه وعلى لسان نبيه وفي سيرته وسائل كثيرة للثبات، أستعرض معك - أيها القارئ الكريم - بعضاً منها: أولاً: الإقبال على القرآن: القرآن العظيم وسيلة التثبيت الأولى وهو حبل الله المتين، والنور المبين، من تمسك به عصمه الله ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. نص الله على أن وظيفة هذا الكتاب والغاية التي من أجلها أنزله منجّماً مفصلاً هي التثبيت، فقال -تعالى - في معرض الرد على شُبه الكفار: [وقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (٣٢) ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً] [الفرقان: ٣٢، ٣٣] . كيف يكون القرآن مصدراً للتثبيت؟ ! * لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس بالصلة بالله. * لأن تلك الآيات تنزل برداً وسلاماً على قلب المؤمن الذي تعصف به رياح الفتنة، فيطمئن قلبه بذكر الله. * لأنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن يقوّم الأوضاع من حوله، وكذا الموازين التي تهيئ له الحكم على الأمور فلا يضطرب حكمه ولا تتناقض أقواله باختلاف الأحداث والأشخاص. * إنه يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين كالأمثلة الحية التي عاشها الصدر الأول. ما هو أثر قول الله : [مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى] [الضحى:٣] على نفس رسول الله ﷺ لما قال المشركون: ودع ... ... محمد [٣] ؟! ما هو أثر قول الله : [لِّسَانُ الَذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ] [النحل: ١٠٣] لما ادعى كفار قريش أن محمداً -صلى ... الله عليه وسلم- إنما يعلمه بشر وأنه يأخذ القرآن عن نجار رومى بمكة؟! ما هو أثر قول الله : [أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا] [التوبة: ٤٩] في نفوس المؤمنين لما قال المنافق [ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي] [التوبة: ٤٩] ؟ ! أليس تثبيتاً على تثبيت، وربطاً على القلوب المؤمنة، ورداً على الشبهات وإسكاتاً لأهل الباطل..؟ بلى وربى. ومن هنا نستطيع أن ندرك الفرق بين الذين ربطوا حياتهم بالقرآن وأقبلوا عليه تلاوة وحفظاً وتفسيراً وتدبراً؛ منه ينطلقون، وإليه يفيئون، وبين مَن جعلوا كلام البشر جل همهم وشغلهم الشاغل. ثانياً: التزام شرع الله والعمل الصالح: قال الله - تعالى -: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] [إبراهيم: ٢٧] . قال قتادة: أما [في الحياة الدنيا] فيثبتهم بالخير والعمل الصالح [وفي الآخرة] في القبر. وكذا روي عن غير واحد من السلف [٤] . وقال سبحانه: [ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً] [النساء: ١٦٦] ، أي على الحق. وهذا بيّن، وإلا فهل نتوقع ثباتاً من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا أطلت الفتنة برأسها وادلهمّ الخطب؟ ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم الله إليه صراطاً مستقيماً ويثبتهم بما ثبتوا به أنفسهم في الدنيا. ثالثاً: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل: والدليل على ذلك قوله - تعالى -: [وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] [هود: ١٢٠] . فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله ﷺ للتسلية والتفكه، وانما لغرض عظيم هو تثبيت فؤاد رسول الله ﷺ وأفئدة المؤمنين معه. فلو تأملت - يا أخي! - قول الله - عز رجل -: [قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ (٦٩) وأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ] [الانبياء: ٦٨-٧٠] ، قال ابن عباس: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: (حسبي الله ونعم الوكيل) [٥] . ألا تشعر بمعنى من معاني الثبات أمام الطغيان والعذاب يدخل نفسك وأنت تتأمل هذه القصة؟ . لو تدبرت قول الله في قصة موسى: [فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ] [الشعراء: ٦١، ٦٢] ، ألا تحس بمعنى آخر من معاني الثبات عند ملاحقة الظالمين، والثبات في لحظات الشدة وسط صرخات اليائسين وأنت تتدبر هذه القصة؟ . لو استعرضت قصة سحرة فرعون ذلك المثل العجيب للثلة التي تثبت على الحق بعدما تبين، ألا ترى أن معنى عظيماً من معانى الثبات يستقر في النفس أمام تهديدات الظالم وهو يقول: [قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأَبْقَى] [طه: ٧١]- ثبات القلة المؤمنة الذي لا يشوبه أدنى تراجع وهم يقولون: [قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا] [طه: ٧٢] . وهكذا قصة المؤمن في سورة يس ومؤمن آل فرعون وأصحاب الأخدود وغيرها يكاد الثبات يكون أعظم دروسها قاطبة. رابعاً: الدعاء: من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم: [رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا] [آل عمران: ٨] ، [رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا] [البقرة: ٢٥٠] . ولما كانت (قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) [٦] كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك) [٧] . خامساً: ذكر الله: وهو من أعظم أسباب التثبيت وتأمل هذا الاقتران بين الأمرين في قوله - عز وجل -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً] [الأنفال: ٤٥] فجعله الله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد. (وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها) [٨] بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين الله كثيراً. وبماذا استعان يوسف ﵇ في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لما دعته إلى نفسها، ألم يدخل في حصن [معاذ الله] ؛ فتكسرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه؟ سادساً: الحرص على أن يسلك المسلم طريقاً صحيحاً: والطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل السنة والجماعة طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ذو العقيدة الصافية والمنهج السليم واتباع السنة والدليل، والتميز عن أعداء الله ومفاصلة أهل الباطل. وإذا أردت أن تعرف قيمة هذا في الثبات فتأمل وسائل نفسك لماذا ضل كثير من السابقين واللاحقين وتحيروا ولم تثبت أقدامهم على الصراط المستقيم ولا ماتوا عليه، أو وصلوا إليه بعدما انقضى جل عمرهم وأضاعوا أوقاتاً ثمينة من حياتهم؟ فترى أحدهم يتنقل في منازل البدع والضلال من الفلسفة إلى عالم الكلام والاعتزال إلى التحريف إلى التصوف والتفويض والإرجاء ... وهكذا أهل البدع يتحيرون ويضطربون وانظر كيف حرم أهل الكلام الثبات عند الممات فقال السلف: أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام. لكن فكر وتدبر هل رجع أحد من أهل السنة والجماعة عن طريق سخطة بعد إذ وفقهه وسلكه؟ فقد يتركه لأهواء وشهوات أو لشبهة عرضت لعقله الضعيف، لكن لا يتركه لأنه قد رأى أصح منه أو تبين له بطلانه. ومصداق هذا مساءلة هرقل لأبي سفيان عن أتباع محمد ﷺ قال هرقل لأبي سفيان: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال هرقل: (وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب) [٩] . سمعنا كثيراً عن كبار تنقلوا في منازل البدع أو هداهم الله فتركوا الباطل وانتقلوا إلى مذهب أهل السنة والجماعة ساخطين على مذاهبهم الأولى، ولكن هل سمعنا العكس؟ ! فإن أردت الثبات فعليك بسبيل المؤمنين. - يتبع -
следующие страницы →