← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

كلمة صغيرة العدو الصهيوني كما عرفناه - من منطلقات ديننا الحنيف - شعب ملعون وغادر وناكث بالعهود ومتوحش في عدوانه، فهم قتلة الأنبياء ولما لديهم من وزن اقتصادي وإعلامي، فإنهم يستغلون الأحداث لصالحهم ولكن لا يصنعونها: لقد اغتصبوا الأرض المقدسة في فلسطين بتواطؤ دولي معروف، وساموا الشعب الفلسطيني المسلم سوء العذاب بمذابح ومآسٍ. والآن يمر الصراع معهم بمرحلة (الصلح الذليل) ، وقد ظهر إلى أي مدى كانت العلاقة الوثيقة بين بعض العرب ويهود من وراء الكواليس، وأن العداء المزعوم إنما كان ضحكاً على الذقون ... لقد تداعى القوم لولوج سلام الشرق الأوسط الذي سموه بغير اسمه (سلام الشجعان) والحقيقة أنه العار والشنار والتنازل عن المقدسات، بل وصل الأمر للسقوط في أحبال يهود. وفي هذا الخضم يعربد الصهاينة بحصار ما يسمى بسلطة الحكم الذاتي، وبذل الشعب الفلسطيني، ويأتي العدوان الأخير على لبنان الذي هو تكرار لما حدث عام ٨٢، وتسقط الضحايا، وتدمر البنية التحتية، وتضرب العاصمة بيروت، والعرب لا يملكون أن يقدموا سوى الشجب والتنديد، ويرفض مجلس الأمن حتى مجرد إدانة للعدو؛ لمكانة العرب المعروفة! ! ! أيها العرب هل تبقّى لكم بعد هذا الذل مكان؟ هل تستطيعون حتى مجرد التلويح بإلقاء هذا السلام، هل تجرؤون على جمع كلمتكم. إن منطلقاتكم ليست واحدة والطريق الذي يرهبه العدو عطلتموه وحاربتموه معاً، إن عدونا الصهيوني لايرهبه سوى أتباع الذي أخبر: (يا عبد الله يا مسلم هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله) ﷺ .

стр. 2207

افتتاحية العدد نحو ترشيد للصحوة الإسلامية.. بالحوار حولها الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. مرت الدعوة الإسلامية المعاصرة في عقودها الأخيرة بتجارب مختلفة - وهي كجهد بشري - لها سلبياتها وإيجابياتها؛ نتيجة مدى قربها أو بعدها من مشكاة النبوة؛ مما جعل الغيورين على هذه الدعوة يطالبون بضرورة المراجعة والحوار لحل الإشكاليات التي أدت إلى سلبيات لا تخفى على الجميع، فما الهدف - إذن - من نقد الصحوة الإسلامية..؟ ! هل هو: النقد من أجل النقد، وملء صفحات المجلة بلون من ألون الترف المعرفي؟ ! هل هو سبيل لتزكية الذات وإلقاء التبعة على الآخرين؟ ! أم هو وقفة تقويميه تلائم المفترق الذي تمر به الصحوة الإسلامية؟ ! كانت تلك الأسئلة تراودنا كثيراً عند إعدادنا لملف (متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية) المنشور في العدد السابق، وكنا نقدّم رجلاً ونؤخر ثانية، ولكننا أخيراً ... رأينا أن نستعين بالله (تعالى) وننشر ما وَصَلنا من مشاركات الكُتّاب، ونرجو أن يكون القراء قد وجدوا فيها ما يستحق العناية والتقدير ... وثمّة ملحوظات مهمّة أردنا أن نؤكد عليها في فاتحة هذا العدد: أولاً: الذين يخافون من النقد لهم بعض الحق في ذلك؛ فالصحوة الإسلامية المعاصرة أصبحت مادة عذبة وفاكهة شهية للأقلام الحاقدة الحاسدة، التي صوبت سهامها لمحاربة كل أو بعض أبواب التدين، وسعت بكل إمكاناتها وقدراتها لتجفيف منابعه وسدّ أبوابه، وأجلبت بخيلها ورجلها لحرب علمائه ودعاته ... ! ! وكذلك فبعض الناقدين يتحدثون بصورة الاستعلاء والفوقية وتحقير الخصوم، وينظرون إلى الناس نظرة ازدراء واستهانة؛ فترى شغلهم الشاغل وهمهم الغالب هو: افتعال الخلاف، وتصيد العثرات وتضخيمها بصورة تطغي على رؤيتهم؛ فتحجب عليهم منافذ الرؤية والرأي..! ! ولكننا في الوقت ذاته لا نرى أنّ الأقلام الشانئة الحاقدة، أو الجاهلة المتنطعة، تحجبنا عن البحث عن الحقيقة، أو سلوك السبيل القويم. ونحسب أنّ النقد العلمي البناء من المحب المشفق، الصادق، نعمة عظيمة ثمرتها: معرفة النقص أو القصور لعلاجها وتداركها، وبالتالي: الترقي في درجات النضج والكمال. إنّ التناصح باب عظيم من أبواب التعاون على البر والتقوى، حثّ عليه الشرع، وتواترت به النصوص، ولأن يأتي هذا التناصح من داخل البيت الواحد بصوت مشفق حنون مخلص، خير من أن يأتي من خارجه وقد علته الغبرة، ودفعه الهوى أو البغض والعياذ بالله (تعالى) . وعندما فتحنا ذلك الملف، كنا نستحضر المكتسبات العظيمة، والمنجزات الكبيرة التي قدمتها الصحوة الإسلامية عبر تاريخها المعاصر في شتى المجالات (الدعوية والعلمية والاجتماعية والسياسية.. ونحوها) . والنقد الذي نطمح إليه هو وسيلة من وسائل حفظ تلك المكتسبات، بل تنميتها وتطويرها وتسديدها لتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح إن شاء الله (تعالى) . ثانياً: أنّ الصحوة الإسلامية المعاصرة بتاريخها الطويل، ومكتسباتها العديدة، وامتدادها الرحب الواسع الذي ملأ الآفاق، لا يتيسر نقدها نقداً شاملاً وعميقاً بمقالة عابرة أو بسلسلة مقالات مهما بلغت جودتها، ولا يتيسر تقويمها تقويماً متكاملاً من شخص واحد أو عدة أشخاص اختزلت تجربتهم الدعوية والفكرية في نطاق محدود، وإنما يحتاج تقويم الصحوة إلى جهود كثيرة تتضافر، ومراكز بحثية متخصصة تنتج أفكاراً تتلاقح؛ لينضج بعضها بعضاً، ولكن حَسْبُنا في ذلك الملف: أننا أسهمنا في تجديد هواءٍ ساكن، وتحريك ماءٍ راكد، ولعل هذا يستحث أهل العلم والكفاءة للمساهمة معنا بتعليقاتهم واجتهاداتهم. ثالثاً: احتوى ملف (متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية) على مسائل عديدة، وناقشها من زوايا وأبعاد مختلفة، ممّا يعطيه صبغة الشمول النسبي. ولكن افتقد الملف محاور مهمة جداّ، كنا نتمني أن تتم معالجتها وتدارسها، ولم يتيسر ذلك. ومن أبرز هذه المحاور: المحور الأول: التقويم الشرعي والفكري لمسيرة الصحوة الإسلامية: لا يخفى على كلّ متابع أن هناك مدارس مختلفة في فهم النص الشرعي ومنهج تلقيه والتعامل معه؛ ممّا جعل هناك تبايناً واضحاً في طرائق الاستدلال والمعرفة، وأساليب التفكير والتربية، وبالتالي: أدى ذلك إلى الاختلاف في توصيف الواقع وتحديد مشكلاته وخصائصه؛ ولهذا نرى أطروحات مختلفة في مناهج التغيير والدعوة والفكر والبناء، تصل إلى حدّ الغلو والإفراط أحياناً، وتنزل إلى حدّ الإرجاء والتمييع أحياناً أخرى، وبين هذين البعدين مدارس أخرى كثيرة تقرب وتبعد من المنهج الحق. ونحسب أنّ التقويم المعرفي والفكري، ونقد الخطاب الدعوي، وما يتبع ذلك من دراسة مناهج التغيير: جانب في غاية الضرورة والأهمية؛ لأنه السبيل لمعرفة منهاج الفرقة الناجية السالمة من الشبهات والشهوات التي وصف الله (تعالى) طريقها بقوله: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] المحور الثاني: التصدع الداخلي في بعض صفوف أهل الصحوة الإسلامية: على الرغم من الخير الكثير الذي قدمته الصحوة، وعلى الرغم من الانتشار الواسع الذي انتظم شريحة كبيرة من أبناء المسلمين، إلا أنه ممّا تضيق به صدور المخلصين من العلماء والدعاة والمصلحين: وجود ذلك التنازع والتقاطع بين أبناء البيت الواحد، بل التهارش والتدابر، بل البغي والظلم (! !) الذي أنهك الطاقات وأعجزها، حتى أصبحت الحزبية بمعالمها المختلفة شرخاً غائراً يسيطر على بعض الصفوف، ويعوقها عن العمل الجاد والمثمر، وأصبح والعياذ بالله معيار الولاء والمحبة عند بعضهم مقدار قربهم أو بعدهم من الحزب..! ! لقد استعرت نيران الحزبية عند بعضهم بصورة محزنة جداّ، حتى استطاع الأعداء أن ينفذوا من خلالها لتفريق الصفوف وضرب بعضها ببعض، وصدق الحق (تعالى) بقوله: [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . المحور الثالث: الضعف الإداري والفني: الضعف الإداري والفني سمة مميزة لمعظم أبناء ومؤسسات المنطقة الإسلامية بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي مرت بها الأمة، وأبناء الصحوة الإسلامية جزء لايتجزأ من هذا النسيج الواسع، حيث أصابها ما أصابهم من عدوى الضعف وأحياناً التخلف الإداري والفني، وظهرت علامات ذلك عند بعضهم ضعف الخطط والبرامج الآنية والمرحلية والدراسات المستقبلية، وقصور في تحديد الأولويات، وعجز ظاهر في توظيف الطاقات والإمكانات المتوفرة، وتخبط في ردود الأفعال، وأصبح بعض أبناء الصحوة الإسلامية يجترون تجارب سابقة، ويستنسخونها بآلية ساذجة، وبدون وعي بالمتغيرات الإقليمية والدولية! ! تلك إذن: محاور جديدة مقترحة لمزيد من الحوار وتبادل الرأى، نتمني أن يتحفنا بدراستها وعلاجها أولو الرأي والحكمة والخبرة، وأبواب المجلة مشرعة إن شاء الله (تعالى) لكل رأى جاد مخلص. ونؤكد ختاماً أنّ الهدف من هذا الحوار كله هو: التناصح والتواصي بالحق بعيداً عن الهمز أو اللمز أو التعالي والتشفي، يحدونا في ذلك قول الله (تعالى) : ... [وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ] [هود: ٨٥] وقول النبي- ﷺ : (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) . اللهم أرنا الحق حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 2208

دراسات شرعية تعظيم الله (تعالى) وشعائره بقلم: عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن تعظيم الله (تعالى) وتعظيم ما يستلزم ذلك من شعائر الله (تعالى) وحدوده من أجلّ العبادات القلبية وأهم أعمال القلوب، التي يتعين تحقيقها والقيام بها، وتربية الناس عليها، وبالذات في هذا الزمان الذي ظهر فيه ما يخالف تعظيم الله (تعالى) : من الاستخفاف والاستهزاء بشعائر الله (تعالى) ، والتسفيه والازدراء لدين الله (تعالى) وأهله. إنّ الإيمان بالله (تعالى) مبني على التعظيم والإجلال له [١] ، قال الله (تعالى) : [تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ] [مريم: ٩٠] . قال الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية: (يتشققن من عظمة الله (عز وجل [] ٢ [. ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية أهمية تعظيم الله (سبحانه) وإجلاله فيقول: (فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله ، والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يُتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام، الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو بالفعل، كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجباً لفساد ذلك الاعتقاد ومزيلاً لما فيه من المنفعة والصلاح) .] ٣ [ ومما قاله ابن القيّم عن منزلة التعظيم: (هذه المنزلة تابعة للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الربّ (تعالى) في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمّاً وإجلالاً، وقد ذم الله (تعالى) من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته، قال (تعالى) :] مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [] نوح: ١٣ [، قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته، وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت..) ] ٤ [. وتعظيم الله وإجلاله لا يتحقق إلا بإثبات الصفات لله (تعالى) ، كما يليق به (سبحانه) ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والذين ينكرون بعض صفاته (تعالى) ، ما قدروا الله حق قدره، وما عرفوه حق معرفته] ٥ [، ولما كان من أسماء الله (تعالى) الحسنى: (المجيد) و (الكبير) ... ... و (العظيم) فإن (معنى هذه الأسماء: أن الله هو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجلّ وأعلى، وله التعظيم والإجلال، في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد ملئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه) ] ٦ [. ويقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي في هذا المقام: (إن الإنسان إذا سمع وصفاً وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون القلب منزهاً معظماً له (جلّ وعلا) ، غير متنجّس بأقذار التشبيه ... ) ] ٧ [. ومما يوجب تعظيم الله (تعالى) وإجلاله: أن نتعّرف على نعم الله (تعالى) ، ونتذكرّ آلاء الله ، ومما قاله أبو الوفاء ابن عقيل في ذلك: (لقد عظم الله (سبحانه) الحيوان، لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه وخوف الضرر على نفسه، فقال:] إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [] النحل: ١٠٦ [: من قدّم حرمة نفسك على حرمته، حتى أباحك أن تتوقى وتحامى عن نفسك بذكره، بما لا ينبغي له (سبحانه) ، لحقيق أن تعظم شعائره، وتوقر أوامره وزواجره، وعصم عرضك بإيجاب الحدّ بقذفك، وعَصَم مالك بقطع مسلم في سرقته، وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك، وأباحك الميتة سدّاً لرمقك، وحفظاً لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل، ووعيد آجل، وخَرقَ العوائد لأجلك، وأنزل الكتب إليك، أيحسن بك مع هذا الإكرام أن تُرى على ما نهاك منهمكاً، وعما أمرك متنكبّاً، وعن داعيه معرضاً، ولسنته هاجراً، ولداعي عدوك فيه مطيعاً؟ . يعظمك وهُوَ هُوَ، وتهمل أمره وأنت أنت، هو حطّ رتب عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجُدها لك. ما أوحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان بينا يكون بحضرة الحق، وملائكة السماء سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات بالمبدأ والمآل، إلى أن يوجد ساجداً لصورة في حجر، أو لشمس أو لقمر، أو لشجرة من الشجر، ما أوحش زوال النعم، وتغيّر الأحوال، والحور بعد الكور) .] ٨ [ ولقد كان نبينا محمد يربي أمته على وجوب تعظيم الله (تعالى) ، ففي حديث ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد، إنّا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي-صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ] وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ... [] الزمر: ٦٧ [. وما في الآية يدل على أن عظمة الله (تعالى) أعظم مما وصف ذلك الحبر، ففي الآية الكريمة تقرير لعظمة الله (تعالى) نفسه، وما يستحقه من الصفات، وأن لله قدراً عظيماً، فيجب على كل مؤمن أن يقدر الله حق قدره] ٩ [. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عند هذه الآية الكريمة: ما ذكر الله ﵎ من عظمته وجلاله أنه يوم القيامة يفعل هذا، وهذا قَدْر ما تحتمله العقول، وإلا فعظمة الله وجلاله أجل من أن يحيط بها عقل ... فَمَن هذا بعض عظمته وجلاله كيف يُجعل في رتبته مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا؟) ] ١٠ [. ولما قال الأعرابي لرسول الله- ﷺ : (فإنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي- ﷺ : سبحان الله، سبحان الله! فما زال يسبّح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه) ] ١١ [. وقد اقتفى الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان هذا المسلك، فعظّموا الله حق تعظيمه، وعُمرت قلوبهم بإجلال الله (تعالى) وتوقيره: فهذا ابن عباس ﵄ يقول لبعض أصحاب المراء والجدل: (أما علمتم أن لله عباداً أصمتهم خشية الله (تعالى) من غير عيّ ولا بكم، وإنهم لَهُمُ العلماء العصماء النبلاء الطلقاء، غير أنهم إذا تذكروا عظمة الله (تعالى) انكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استفاقوا من ذلك، تسارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية، فأين أنتم منهم؟) .] ١٢ [ وكان أهل العلم يعظمون ربهم، ويقدرونه حق قدره، حتى قال عون بن عبد الله: (ليعظم أحدكم ربه، أن يذكر اسمه في كل شيء حتى يقول: أخزى الله الكلب، وفعل الله به كذا) ] ١٣ [. ويقول الخطابي: (وكان بعض من أدركنا من مشايخنا قلّ ما يذكر اسم الله (تعالى) إلا فيما يتصل بطاعة) ] ١٤ [. (وكان أبو بكر الشاشي يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم في الله (تعالى) ، إجلالاً لاسمه (تعالى) ، ويقول: (هؤلاء يتمندلون] ١٥ [بالله ] ١٦ [. ومن أروع الأمثلة التي دوّنها التاريخ عن سلفنا الصالح، وتعظيمهم لله (عزّ وجلّ) ، ما وقع لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (رحمه الله تعالى) ، لما سأله أحدهم عن قوله (تعالى) :] الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [] طه: ٥ [كيف استوى؟ . فما كان موقف الإمام مالك إزاء هذا السؤال؟ يقول الرواي: (فما رأيته وجد (غضب) من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء (العرق) ، وأطرق القوم، فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه، ثم سُرّي عن مالك، فقال: الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإنى لأخاف أن تكون ضالاًّ، ثم أُمر به فأُخرج) .] ١٧ [ فتأمّل (رحمك الله) ما أصاب الإمام مالك ﵀ من شدة الغضب وتصبب العرق إجلالاً وتعظيماً لله (تعالى) وإنكاراً لهذا السؤال عن كيفية استواء الربّ (تعالى) . ومن الأمثلة في هذا الباب ما جرى للإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله تعالى) ، لما مر مع ابنه (عبد الله) على قاص يقص حديث النزول فيقول: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، يقول عبد الله: فارتعد أبي، واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخرص، فلما حاذاه قال: يا هذا رسول الله أغير على ربه منك، قل كما قال رسول الله) ] ١٨ [. ومن تعظيم الله (تعالى) : تعظيم كلامه، وتحقيق النصيحة لكتابه تلاوة وتدبراً وعملاً، وقد حقق سلفنا الصالح الواجب نحو كتاب الله (تعالى) من التعظيم والإجلال، حتى إن بعض السلف كانوا يكرهون أن يصغروا المصحف.] ١٩ [ وقال بعضهم: والله ما نمت في بيت فيه كتاب الله، أو حديث رسول الله احتراماً لهما] ٢٠ [. ومما يجب تعظيمه وتوقيره: تعظيم رسول الله وتوقيره، وتعظيم سنته وحديثه، يقول (ابن تيمية) في تقرير وجوب توقيره وإجلاله: (إن الله أمر بتعزيره وتوقيره، فقال:] وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [] الفتح: ٩ [والتعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار. ومن ذلك: أنه خصّه في المخاطبة بما يليق به، فقال:] لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً [] النور: ٦٣ [، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يانبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك والله أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحداً من الأنبياء، فلم يَدْعُه باسمه في القرآن قط ... ومن ذلك: أنه حرّم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذَن، وحرم رفع الصوت فوق صوته، وأن يُجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل ... ومن ذلك: أن الله رفع له ذكره، فلا يُذكر الله (سبحانه) إلا ذكر معه، وأوجب ذكره في الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام، وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام، وفي الصلاة التي هي عماد الدين ... ) .] ٢١ [ ومما يجدر التنبيه عليه: أن التعظيم المشروع لرسول الله هو تعظيمه بما يحبه المعظّم ويرضاه ويأمر به ويثني على فاعله، وأما تعظيمه بما يكرهه ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو منافٍ للتعظيم.] ٢٢ [ وعقد الدرامي في سننه باباً بعنوان: باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي حديث فلم يعظمه، ولم يوقره] ٢٣ [، وأورد الدرامي جملة من الآثار التي تضمنت عقوبات ومثلات في حق من لم يعظّم حديث رسول الله. وقد عني السلف الصالح بتعظيم السنة النبوية وإجلال رسول الله، ومن ذلك: ما قاله عبد الله بن المبارك عن الإمام مالك بن أنس: (كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله فلدغته عقرب ست عشرة مرة، ومالك يتغير لونه ويصفر، ولا يقطع حديث رسول الله، فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس، قلت: يا أبا عبد الله، لقد رأيت منك عجباً! فقال: (نعم إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-) ] ٢٤ [. وقال الشافعي (رحمه الله تعالى) : (يكره للرجل أن يقول: قال رسول الله، ولكن يقول: رسول الله؛ تعظيماً لرسول الله) .] ٢٥ [ وممن يجب تعظيمهم وإجلالهم: صحابة رسول الله، فيتعين احترامهم وتوقيرهم، وتقديرهم حق قدرهم، والقيام بحقوقهم ﵃ . وقد خرج جرير بن عبد الله البجلي، وعدي بن حاتم، وحنظلة الكاتب ﵃ من الكوفة حتى نزلوا قرقيساء وقالوا لا نقيم ببلدة يشتم فيها عثمان بن عفان.] ٢٦ [ وباعد محمد عبد العزيز التيمي داره وقال: لا أقيم ببلدة يشتم فيها أصحاب رسول الله.] ٢٧ [ ولما أظهر ابن الصاحُب الرفضَ ببغداد (سنة ٥٨٣ هـ) جاء الطالقاني إلى صديق فودّعه، وذكر أنه متوجه إلى بلاد قزوين. فقال صديقه: إنك ههنا طيّب، وتنفع الناس. فقال الطالقاني: معاذ الله أن أقيم ببلدة يجهر فيها بسبّ أصحاب رسول الله، ثم خرج من بغداد إلى قزوين، وأقام بها إلى أن توفي بها.] ٢٨ [ وبالجملة يجب تعظيم شعائر الله (تعالى) جميعها، كما قال (تعالى) :] ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ [] الحج: ٣٢ [. ويلحظ الناظر في حال المسلمين أن ثمة مخالفات تنافي تعظيم الله (تعالى) وشعائره كالاستهزاء، أو الاستخفاف، أو الازدراء، أو الانتقاص لدين الله (تعالى) وشعائره. وتظهر هذه المخالفات عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومن خلال منابر ثقافية ومؤسسات علمية مشبوهة وغيرها. ويمكن أن نشير في خاتمة هذه المقالة إلى أهم أسباب وقوع تلك المخالفات المنافية للتعظيم، ومنها: الجهل بدين الله (تعالى) ، وقلة العلم الشرعي، وضعف التفقه في هذا الأصل الكبير، ومنها: غلبة نزعة الإرجاء في هذا الزمان، فمرجئة هذا الزمان الذين يقررون أن الإيمان تصديق فقط، ويهملون العبادات القلبية، كانوا سبباً رئيساً في ظهور وجود هذه المخالفات ... فيمكن أن يكون الرجل عندهم مؤمناً ما دام مصدقاً، وإن استخف بالله (تعالى) ، أو استهزأ برسوله أو دينه! ! ومن أسباب هذه الظاهرة: وجود علم الكلام قديماً، الذي لا يزال أثره باقياً إلى هذا العصر، فأهل الكلام يخوضون في الله (تعالى) وصفاته، مما أورثهم سوء أدب مع الله. وأخيراً: فإن من أسباب ذلك: كثرة الترخص والمداهنات والتنازلات من علماء السوء الذين أُشربوا حب الدنيا والرياسة، فجعلوا الدين ألعوبة يأخذون منه ويدعون. ورحم الله ابن القيّم حيث يقول: (كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه؛ لأن أحكام الرب (سبحانه) كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس ... ) .] ٢٩ [

стр. 2209

دراسات قرآنية مصادر التفسير (٣) تفسير الصحابة للقرآن -الحلقة الثالثة- بقلم: مساعد بن سليمان الطيار بعد أن أنهى الكاتب الحديث عن التفسير بالقرآن والتفسير بالسنة، تطرق في الحلقتين الماضيتين إلى الحديث عن تفسير الصحابة باعتباره مصدراً ثالثاً للتفسير، فذكر أهمية تفسيرهم، ثم بدأ يفصّل مصادرهم في التفسير، وأن له مرجعين: أولاً: ما يرجع إلى النقل، فأورد تفصيل ذلك. وفي هذه الحلقة يتحدث الكاتب عن المرجع الثاني وتفاصيل أخرى من الموضوع. ثانياً: ما يتعلق بالفهم والاجتهاد (الاستدلال) : يكون معتمد المفسّر في هذا القسم العقل، ولا خلاف في أن الصحابة قد اجتهدوا في بيان القرآن، وقد نبّه ابن الأثير إلى ذلك في شرحه لحديث: (من قال في كتاب الله برأيه ... ) [١] حيث قال: (وباطل أن يكون المراد به: أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة ﵃ قد فسّروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوهٍ، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي، وإن النبي ﷺ دعا لابن عباس، فقال: (اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) [٢] ، فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك؟) [٣] . ويشتمل هذا القسم على أربعة أنواع، هي: ١- تفسير القرآن بالقرآن: قد سبق الحديث عن أن تفسير القرآن بالقرآن مرجعه إلى الرأي، وذلك أن ربط الصحابي بين آية وأخرى كان معتمداً على العقل، ولو كان عنده سندٌ إلى رسول الله لذكره، مثل ما مرّ ذكره في تفسير قوله (تعالى) : [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] [الأنعام: ٨٢] حيث أُسند إلى الرسول. ومن الأمثلة الواردة عنهم في تفسير القرآن بالقرآن ما يلي: عن عمر بن الخطاب في تفسير قوله (تعالى) : [وَإذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ] [التكوير: ٧] قال: تزويجها: أن يؤلف كل قوم إلى شبههم، وقال: [احْشُرُوا الَذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ] [الصافات: ٢٢] [٤] . ومما يحسن بحثه في هذا الموضوع: كيفية استفادة الصحابة من القرآن في تفسيرهم. ٢- تفسير القرآن بأقوال الرسول مما لم ينص فيها على التفسير: سبق الحديث عن هذا القسم، وأن معتمد المفسر هاهنا العقل، وذلك لأن الصحابي يجتهد في ربط الحديث بمعنى الآية. ومن أمثلته: ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ ، عن النبي قال: (فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح) يقول أبو هريرة: (اقرؤوا إن شئتم: [وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً] ) [٥] . فنلاحظ أن أبا هريرة نزّل الحديث على معنى الآية، فجعل اجتماع الملائكة هو الشهود الذي يحصل في صلاة الفجر. ٣- التفسير اللغوي (المحتملات اللغوية) : نزل القرآن بلغة الصحابة ﵃ ، ولذا: فهم أئمة التفسير اللغوي، وإذا روي عن أحدهم تفسير لغوي، فإن محلّه القبول. وبالنظر إلى الألفاظ اللغوية المفسّرة تجد أنها على قسمين: الأول: ألاّ يحتمل اللفظ إلا معنى واحداً، وهذا ما لا يقع فيه خلاف، وهو أشبه بأن يجعل من القسم الذي طريقه السماع لا الاجتهاد، لعدم الحاجة لإعمال الرأي في مثل هذا. الثاني: ما يحتمل أكثر من معنى، والسياق محتمل لها جميعها، ففي مثل هذا يكون التّميّزُ وإعمال الرأي اعتماداً على المعنى اللغوي، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الطبري في تفسير قوله (تعالى) : [خِتَامُهُ مِسْكٌ] [المطففين: ٢٦] أن فيه ثلاثة أقوال، اثنين منها عن صحابيين: القول الأول: بمعنى خِلْطُهُ، وهذا قول ابن مسعود، قال: (أما إنه ليس بالخاتم الذي يختم، أما سمعتم المرأة من نسائكم تقول: طيب كذا وكذا خلطه مسك) . القول الثاني: بمعنى: آخر شرابهم، وهذا قول ابن عباس، قال: (طيّب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم بالمسك) [٦] . ٤- ما يرجع إلى احتمال النص القرآني أكثر من معنى: قد تحتمل الآية أكثر من معنى، فيذكر صحابي أحد هذه المعاني، ثم يذكر الآخر معنًى غيره من المعاني المحتملة لهذا الخطاب القرآني، وقد يعتمد في اختياره على ما سبق من الأقسام الثلاثة فيما يتعلق بالاجتهاد. ومن أمثلة ذلك: تفسيرهم قوله (تعالى) : [لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ] [الانشقاق: ١٩] ، ورد في قوله [لَتَرْكَبُنَّ] قراءات، منها: فتح التاء والباء، وقد اختلف في: من وجّه إليه الخطاب؟ ، على قولين: الأول: أن الخطاب موجّه للرسول، واختلف في معنى [طَبَقاً عَن طَبَقٍ] على هذا القول على معنيين: ١- لتركبن يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد، وهذا مروي عن ابن عباس من طريق مجاهد والعوفي. ٢- لتركبن يا محمد سماءً بعد سماءٍ، وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية علقمة. الثاني: أن الخطاب موجّه للسماء، والمعنى: أنها تتغيّر ضروباً من التغيّر: تتشقق بالغمام مرّة، وتَحْمَر أخرى، فتصير وردة كالدهان، وتكون أخرى كالمهل، وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية مرة الهمذاني وإبراهيم النخعي [٧] . في هذا المثال تجد لابن مسعود قولين في تحديد من وجّه له الخطاب، وفي الأول يوافقه ابن عباس في هذه الجزئية، ثم يخالفه في معنى الركوب طبقاً عن طبق. وما كان ذلك الاختلاف إلا لاحتمال هذا النص هذه المعاني المذكورة، فأبدى كل واحد منهما أحد هذه المحتملات. مسألة: في اجتهاد الصحابة في حياة الرسول: تُظهر بعض النصوص أن الصحابة كان لهم اجتهادات في فهم الخطاب القرآني وتفسيره في عصر الرسول، وكان لاجتهادهم حالتان: الحالة الأولى: أن يُقِرّ الرسول اجتهادهم، ومن ذلك: الأثر المروي عن عمرو بن العاص، قال: بعثني رسول الله عام (ذات السلاسل) ، فاحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت به، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله ذكرت ذلك له، فقال: (ياعمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله: ... [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] [النساء: ٢٩] فتيممت، ثم صليت، فضحك، ولم يقل ... شيئاً) [٨] . ومنه: ما رواه الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: (تلا رسول الله يوماً [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] ، فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى وُلّيَ فاستعان به) [٩] . الحالة الثانية: أن يُصَحّح الرسول فهمهم للآية: ومثاله: تفسيرهم الظلم، في قوله (تعالى) : [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] [الأنعام: ٨٢] ، فقد فهم الصحابة أن الظلم عام يشمل جميع أنواعه، وذلك بقولهم: (وأينا لم يظلم نفسه) ، فأخبرهم الرسول بالمراد بالظلم في الآية، وأنه الشرك [١٠] . ومنه حديث عدي بن حاتم، في قوله (تعالى) : [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأََبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأََسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ] [البقرة: ١٨٧] حيث عمد (رضي الله عنه) إلى عقالين: أبيض وأسود، ثم جعلهما تحت وسادة، ثم جعل ينظر إليهما في بعض الليل، فلم يستبينا، فلما أصبح أخبر الرسول بفعله، فأرشده الرسول إلى أن المراد بهما سواد الليل وبياض النهار [١١] . ففي هذين المثالين تلاحظ أن الصحابة فهموا الآية على معنى محتمل، لكنه غير المراد، فأرشدهم الرسول إلى المعنى المراد بالآية، ولم ينههم عن تفهّمِ القرآن إلا بالرجوع إليه. حكم تفسير الصحابي: لا يصلح إطلاق الحكم على تفسير الصحابي جملة من حيث الاحتجاج به أو عدمه، بل لابدّ من التفصيل في تفسير الصحابي. لقد سبق ذكر أن الصحابة يجتهدون في التفسير، وهذا الاجتهاد عرضة للخطأ؛ لأن الواحد منهم غير معصوم حتى يقبل منه كل قوله. ثم إن هذا الاجتهاد مدعاة لوقوع الاختلاف في التفسير، وبهذا لا يكون قول أحدهم حجة؛ لأن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعضٍ. ويمكن تنزيل الحكم مقسّماً على مصادرهم: النقلية والاستدلالية. أولاً: المصادر النقلية: يشمل الحكم على المصادر النقلية ما يلي: أسباب النزول، وأحوال من نزل فيهم القرآن، والأمور الغيبية. ويمكن القول بأن هذه الأمور الثلاثة لها حكم الرفع؛ لأن الصحابي ليس له في هذه الأمور إلا النقل، وإن نُسب إليه التفسير، فإنما هو على سبيل التوسع في إطلاق التفسير له، ولأنه هو الناقل له. ويحترز في هذا الحكم مما يكون من قبيل الاجتهاد في (أسباب النزول) ، إذ قد تُطلق عبارة النزول ويراد بها أن المذكور في النزول داخل في حكم الآية، وكثيراً ما تصدّر بقولهم: نزلت هذه الآية في كذا وكذا. ولذا: قد يرد عنهم أقوال كثيرة في سبب النزول، وهي غير صريحة في السببية، وإنما تكون داخلة في حكم الآية، وهذا إنما قاله من قاله اجتهاداً منه. ويلحق بهذا: أحوال من نزل فيهم الخطاب، إذ قد يقع الاجتهاد في حمل معنى الآية على حالٍ من الأحوال. وقد يرد في الآية سببان صحيحان صريحان، فتحمل الآية عليهما، ومن ذلك ما يلي: ما ورد في سبب نزول قوله (تعالى) : [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] [البقرة: ٢٢٣] روى أبو داود عن ابن عباس، قال: (إن ابن عمر (والله يغفر له) أوهم؛ إنما كان هذا الحيّ من الأنصار وهم أهل وثنٍ مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرفٍ، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن مقبلات مدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنّا نُؤتى على حرفٍ، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى شَرِيَ (انتشر) أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله، فأنزل الله (عز وجلّ) : [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] [البقرة: ٢٢٣] أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك: موضع الولد) . [١٢] وروى البخاري عن جابر في نزول هذه الآية ما يلي: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] ) [١٣] . ففي هذين السببن ترى ما يلي: ١- أنها تحكي حالاً من أحوال من نزل فيهم القرآن، وقد سبق أن السبب قد يكون في ذكر حالٍ من أحوال العرب. ٢- أن ابن عباس ذكر السبب في قضية طريقة الجماع في خبر الرجل القرشي والأنصارية. ٣- أن جابر ذكر السبب في نتيجة إحدى طرق الجماع. وقد أنزل الله هذه الآية لإبطال هذين الحالين اللذين كان يعمل بهما اليهود والأنصار. هذا، وقد أخبر الحاكم أن سبب النزول له حكم الرفع؛ فقد قال بعد حديث جابر السابق: (هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا، فإنه حديث مسند) . [١٤] * كما يحترز في المغيبات من أن تكون من مرويات بني إسرائيل، فإذا سلمت من ذلك فإن لها حكم المرفوع؛ لأن الأمور الغيبية لا يمكن القول فيها بالاجتهاد. ومن أمثلته: ما روي عن ابن عباس ﵁ في تفسير (الكرسي) بأنه (موضع قدمي الرحمن) . فهذا المثال يتعلق بصفات الله ولا سبيل للوصول إليها إلا بالنقل، ولا مجال للاستنباط فيها. فإن قيل: إن ابن عباس قد اشتهر عنه الأخذ من مرويات بني إسرائيل، وعليه: فإن هذا التفسير يحتمل أن يكون مما تلقّاه عنهم؟ . فالجواب: أنه لا يُظنّ بابن عباس أنه يرجع إليهم في معرفة صفات الله، وهم من أهل التعطيل لها، فمثل هذه المسائل المتعلقة بالله لا تؤخذ إلا من المعصوم في خبره، وهو الرسول. ثم إن ابن عباس لم ينفرد بهذا التفسير، بل قد صحّ عن أبي موسى [١٥] ... مثل قول ابن عباس، وهذا مما يُعزّز قول ابن عباس، ويدل على تلقيه من الرسول، والله أعلم. أما ما يثبت من هذه المغيبات أنه من الإسرائيليات فإنه ينظر إليه: إن كان موافقاً لما في الكتاب والسنة قُبِلَ، وإن كان مخالفاً لهما رُدّ وترك، وإن لم تظهر فيه موافقة ولا مخالفة فالحكم فيه: التوقف، والله أعلم. ثانياً: المصادر الاستدلالية (الاجتهاد) : سبق تقسيم هذه المصادر إلى أربعة أقسام، وسيكون الحديث هنا عامّاً عنها. والتفسير إما أن يكون بياناً عن لفظٍ، وإما أن يكون بياناً عن معنىً. فإذا لم يحتمل اللفظ أو المعنى المراد إلا تفسيراً واحداً لا غير، فإن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، وحكم هذا التفسير: القبول؛ لعدم احتمال غيره. أما إذا وقع الاحتمال في الآية، فإن هذا مجال الاجتهاد والرأي، وإذا كانت الآية محتملة لأكثر من قول، فإن هذا الاجتهاد يحتمل أمرين: الأول: أن يكون مما توافق عليه اجتهاد الصحابة (أو كان في حكمه؛ كالإجماع السكوتي) فإن هذا حجة يجب قبوله عنهم. الثاني: أن يقع بينهم خلاف مُحقّق، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بحجيّة هذه الأقوال، ولا بأحدها على الآخر؛ لأن قول أحدهم لا يكون حجة على الآخر، فلا يقال: معنى الآية كذا لأنه قول ابن عباس، مع وجود مخالفٍ له من الصحابة. وإنما يكون عمل من بعدهم في مثل هذه الحالة الترجيح بدليل صالح للترجيح، ومحلّ هذا البحث موضع آخر، وهو قواعد الترجيح؛ لأن المراد هنا بيان ما يكون حجة وما لا يكون من أقوال الصحابة.. والله أعلم.

стр. 2210

دراسات سياسية القانون الدولي الإسلامي (علم السير) .. مفهومه تدوينه خصائصه بقلم:عثمان جمعة ضميرية تمهيد: من طبيعة الفقه الإسلامي وخصائصه: أنه يلبي مصالح الناس، ويحيط بالوقائع والحوادث المستجدة، وفي مصادره من الخصوبة والمرونة، وفي ضوابطه وقواعده من العموم والشمول ما يكفل مواجهة تطور الناس واحتياجاتهم، فإن كل ما يحدث للناس من وقائع في هذه الحياة لها في الشريعة أحكام: نصّاً أو دلالة، على ما قاله الإمام الشافعي ﵀ : (إذ ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها) [١] (كل ما نزل بمسلم: ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم: اتّباعه، وإذا لم يكن فيه بعينه: طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد ... ) والأصل في هذا آيات كثيرة، كقوله (تعالى) : [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] [إبراهيم: ١] ، وقوله (تعالى) : [وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤٤] وقد أوفى الإمام الشافعي ﵀ على الغاية في هذا المعنى؛ حيث قرر: أن جماع ما أبان الله لخلقه في كتابه، مما تعبدهم به لما مضى من حكمه (جل ثناؤه) ، من وجوه: فمنها ما أبانه نصّاً، مثل جمل فرائضه في: أن عليهم صلاة وزكاة وحجّاً وصوماً ... ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيّن كيف هو على لسان نبيه، مثل: عدد الصلاة، والزكاة، ووقتها، وغير ذلك ... ومنها: ما سن رسول الله، مما ليس لله فيه نصّ حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه ... ومنه: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم.. فإنه يقول: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] [محمد: ٣١] . وقد اهتم فقهاء الإسلام (رحمهم الله تعالى) اهتماماً بالغاً بالقضايا والوقائع المستجدة وأفردوها بالتأليف، عنايةً بها وإعلاءً لمكانتها وموضوعها، وهذا ما نجده في جانب الجهاد والسير، وهو موضوع (القانون الدولي العام) بالمفهوم المعاصر [٢] (ومما لا شك فيه أن مصطلح (القانون الدولي) من المصطلحات الحديثة التي لم يستخدمها الفقه الإسلامي، ومع ذلك، فليس من نتائج عدم استخدام المصطلح: أن هذا الفقه لم يعرف الأحكام القانونية الدولية، فقد عرفها ولكن في إطار آخر حيث تناول الفقه الإسلامي علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول الأخرى في أبواب الجهاد، وفيما كتبه الفقهاء عن السير والمغازي، وفي بعض المؤلفات عن الخراج والسياسة الشرعية كذلك) [٣] . وقد سميت هذه الأحكام بالسّيَر (جمع سيرة) ؛ لأنها طريقة معاملة المسلمين لغيرهم، فلا نكون مغالين إذا قلنا: إن أئمة الإسلام وفقهاءه عُنُوا منذ البدء بوضع أسس القانون الدولي، وإن كانت هذه الأسس تخص أحكام أو قانون الحرب في أكثرها، وقد وجد الإسلام منذ نزوله أعداء مناوئين، فحارب من حاربه وسالم من سالمه، ووضع الحدود والقواعد لحربه وسلمه وما يعرض له فيهما من المسائل الكثيرة التي تتعلق بالمحاربين والمسالمين وأشباه ذلك، مما أحله الفقه الإسلامي أسنى مكان، حتى إنه ليمكن أن يقال: إنه عني بما تقدم من القواعد واتسع لها صدره أكثر من غيرها من الأحكام السياسية؛ لأنها نشأت مع الإسلام ونمت بنموه، وكانت نتيجة لازمة للجهاد والفتوحات الإسلامية العظيمة [٤] . وهذا يدعونا لتعريف علم (السير والمغازي) وموضوعه ونشأته، لنتعرف من خلاله على علم العلاقات الدولية والقانون الدولي الإسلامي بوضوح ... وموضوع السيرة والمغازي هو: عرض حياة الرسول، بذكر الأخبار التي تروى عنه بالروايات المسنَدَة مرتبة على السنين، بحسب وقوع الحوادث التي تشير إليها الأحاديث والأخبار [٥] . فهي إذن: تبحث في حياة الرسول منذ إرهاصات مولده حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وتبحث في حياة صحابته الذين جاهدوا معه، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وفي تاريخ انتشار الإسلام الذي ابتدأ بنزول الوحي على النبي إلى أن دانت الجزيرة العربية به، ودخل الناس في دين الله أفواجاً [٦] . ولئن استعملت كلمة (السيرة) وعرفت قبل أن يجعلها ابن هشام عَلَماً على كتابه، الذي اختصر فيه سيرة ابن إسحاق كما نجدها في بعض الكتابات التاريخية، فإنها بعد نشأة التدوين للعلوم الإسلامية واستقلالها بالتأليف أصبحت (إذا جاء لفظها مفرداً معرفاً قصد به تخصيصاً: (السيرة النبوية) ، أي: تاريخ حياة الرسول من مولده إلى وفاته مع ذكر آبائه وأهل بيته وصحابته، فضلاً عن ذكر خصاله وأحواله وعاداته، ثم الأحداث المرتبطة بالدعوة، كالوحي والهجرة والغزوات والوفود) [٧] ، وإن كان بعض العلماء يرون أن مصطلح (السيرة) في عرف الشرع متى أطلق يراد به طريقة رسول الله في مغازيه على الخصوص. وأما كلمة (المغازي) ، فإنها كانت تعني من حيث وضعها اللغوي: (الحروب والغزوات) ، ثم تخصص معناها فصارات تعني الحروب التي اشترك فيها الرسول وصحابته.. ولكن هذا الاسم تدرج في الزمن فاتسع معناه وشمل تاريخ حياة النبي. ونعلم مما تقدم أن اللفظتين (السيرة) و (المغازي) مستعملتان بمعنى واحد، لا يُفرق بينهما؛ فقد ذكر الحافظ ابن كثير (سيرة ابن إسحاق) وقال: (قال ابن إسحاق في المغازي) [٨] . بقي أن نقول كلمة عن منهج هؤلاء المؤرخين والمحدثين في كتبهم عن (السير) : وهو أنه يتكون من أخبار دقيقة مضبوطة متفرعة من علم الحديث، ولذلك نالها ما ناله من نقد وتمحيص، وكانت هذه السيرة تتألف من القصص الصحيحة والخيالية التي أحاطت بشخص الرسول؛ بسبب إجلال المسلمين له، وأخذ المؤرخون يجمعون هذه القصص ويركبونها ويربطون بينها، مستعينين بالآيات القرآنية الكريمة، إلا أن منهج المحدثين الدقيق في الرواية كان له الغلبة على منهج المؤرخين، بما له من صبغة علمية دقيقة، وكان غالباً في المدينة أكثر منها في أي موطن آخر؛ لارتباط المؤرخين فيها بالأحاديث الصحيحة أكثر من المؤرخين الآخرين، ففي المدينة ولد منهج تاريخ (السير والمغازي) المتفرع من الحديث والمتأثر به في بادئ الأمر، حيث ظهر الإسناد عند أول كاتبين فيه، وهما: (أبان بن عثمان) و (عروة بن الزبير) ، وإن لم يصر ضربة لازب، وأخذت السير والمغازي تتطور سريعاً، فنجد الزهري يخطو بالتاريخ خطوة إلى الأمام، إذ يحاول أن يربط بين الأحاديث ... ويتوّج هذا التطور بمحمد بن إسحاق الذي يمثل تطور الكتابة في السير، فتتمثل في (سيرته) كل التيارات التاريخية الموجودة في عصره [٩] . وقد عرض العلماء والكتاب المعاصرون لتعريف علم السير، فقال الشيخ محمد أبو زهرة: (يراد بالسير: أحكام الجهاد والحرب، وما يجوز فيها وما لا يجوز، وأحكام الصلح والموادعات، وأحكام الأمان وممن يجوز، ثم أحكام الغنائم والفدية والاسترقاق، وغير ذلك مما يكون في الحروب وأعقابها ... ) [١٠] ، ويقول أستاذنا (د. مصطفى كمال وصفي) : (ويسمى العلم الذي يبحث في علاقات المسلمين بالأمم الأخرى باسم: (علم السير) ، أي: سيرة المسلمين في غيرهم من الأمم من حربيين ومعاهدين ومستأمنين وأهل ذمة) [١١] ، ثم يوازن بينه وبين القانون الدولي العام، فيقول: (وهو يختلف في موضوعه عن القانون الدولي العام الحديث في أن الأصل فيه: أنه يبحث في التزام المسلمين نحو غير المسلمين، ولو كانوا أفراداً يسكنون دار الإسلام، فهو ليس مخصصاً لبحث العلاقات الدولية فقط) [١٢] . ونخلص إلى تعريف علم السير، بأنه: (العلم الذي يبحث في تنظيم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في حال السلم والحرب) . القانون الدولي الإسلامي: لم يستخدم فقهاء الشريعة مصطلح (القانون الدولي) ؛ لأنه من المصطلحات الحديثة، وقد استخدم علماء الإسلام كلمة (القانون) بصيغة المفرد عنواناً على مؤلفات في فنون مختلفة كاللغة والتوحيد والفقه منذ قرون، فكان هذا مؤشراً على جواز ذلك، وأنه لا محذور فيه ما لم يتعد التسمية إلى التأثر بمضمون أجنبي عن الإسلام، ومن الأمثلة على ذلك: كتاب (قوانين الوزارة) للماوردي، في السياسة الشرعية، و (قانون التأويل) للقاضي أبي بكر بن العربي، وهو يتناول القواعد المنهجية لطلاب العلوم الشرعية [١٣] . وفي العصر الحديث درج كثير من الكتاب والمؤلفين في الفقه الإسلامي على استخدام كلمة القانون في فروع كثيرة من الفقه، مثل: (قانون الأحوال الشخصية) و (القانون الجنائي) و (القانون الدستوري) و (القانون الإداري) و (القانون الدولي) مضافة إلى الإسلام أو الشريعة، ولعل ذلك كان نتيجة الدراسة المقارنة بين الشريعة والقانون، ورغبة في تقريب أحكام الفقه الإسلامي إلى الدارسين غير المتخصصين من دراسي القانون الوضعي، ولأسباب أخرى غير ذلك. ولذلك حاول بعض الباحثين والكتاب تعريف القانون الدولي الإسلامي، ومن هذه التعريفات: عرفه د. محمد حميد الله الحيدرآبادي بأنه: (ذلك القسم من قواعد القانون والعرف في الدولة، ومن الالتزامات التي تضمنتها المعاهدات التي ترعاها الدولة الإسلامية القائمة فعلاً، أو قانوناً في تعاملها مع الدول الأخرى القائمة فعلاً، أو قانوناً) [١٤] ، بينما لا يعتقد أستاذنا د. جعفر عبد السلام أن وضع تعريف للقانون الدولي في الشريعة الإسلامية من المسائل الدقيقة، خاصة وأن المحاولات التي بذلت للقيام بهذه المهمة حديثاً لم تتفق على هذا المدلول، ويعتقد أن الأفضل في مجال دراسة الشريعة: الإبقاء على المصطلحات الأساسية لها، وعدم تعريف المصطلحات الأجنبية وفقاً لأحكام الشريعة حتى تظل المقارنة في إطارها الصحيح [١٥] . إن اهتمام فقهاء الإسلام بهذا الجانب من الفقه جعلهم يفردونه بالتأليف؛ تمهيداً لقواعده، وبسطاً لأحكامه، وبياناً لآثاره؛ ولذلك سنُلمع هنا إلى التطور التاريخي لتدوين (علم السير) عند الفقهاء، مع أثارة من منهجهم الذي يقوم على سرد الوقائع والحوادث ضمن ما اتخذوه من منهج علمي دقيق في الرواية يقوم على الإسناد. فقد كان الفقهاء المتقدمون من الصدر الأول يتناولون موضوع السير إما في (باب الجهاد) أو في أبواب أخرى: كالمغازي، والغنائم، والردة، وعهد الأمان، والجزية، وتفاوتت عنايتهم واهتمامهم بهذا الجانب، تأليفاً، وتدريساً، وكان من أوائل الفقهاء الذين أولوا هذا الجانب عناية: الإمام الشعبي، والأوزاعي، ... والثوري، والفزاري، إلا أن أبا حنيفة وتلاميذه كان لهم القدح المعلى في ذلك. وأول من صُنف في (السير) واتخذ هذا المصطلح للدلالة على ما نسميه اليوم القانون الدولي الإسلامي هو: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وهذا ما يميل إليه الباحثون في هذا العلم، فقد قال أبو الوفا الأفغاني: (إن من أقدم ما صنف في السير (كتاب السير) للإمام أبي حنيفة النعمان، أملاه على أصحابه: أبي يوسف، وزفر، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحفص بن غياث النخعي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعافية بن يزيد، وحماد ابنه.. وأضرابهم من الأئمة الكبار، فرووه عنه، وزادوا فيه، ورتبوه، وهذبوه، حتى نسب إليهم، نحو كتاب (السير) للحسن بن زياد، و (السير الصغير) للإمام محمد بن الحسن) [١٦] . وأما الذي كان له عناية خاصة بعلم السير، وأفرده بالتأليف، واستقصى أحكامه وما يتعلق به، فهو الإمام محمد بن الحسن الشيباني؛ يقول د. محمد حميد الله: (لعل اتخاذ هذا المصطلح (السير) للدلالة على القانون الدولي الإسلامي كان في القرن الثاني الهجري، فقد عُرف عن أبي حنيفة أنه أول من استعمل مصطلح (سيرة) لتمييز مجموعة من دروسه التي كان يلقيها عن قوانين الإسلام في الحرب والسلم، وقد نشرت هذه الدروس منقحة على أيدي عدد من تلاميذه، وصل إلينا منها بصورة من الصور كتابا (السير الصغير) و (السير الكبير) للشيباني، وقد نقد فقيهَ العراق أبا حنيفة فقيهٌ معاصر له، هو إمام الشام الأوزاعي، ولم يصلنا ماكتبه الأوزاعي، ولكن وصلنا ما نشره ردّاً عليه تلميذ أبي حنيفة الشهير (أبو يوسف) باسم (الرد على سير الأوزاعي) ، ويشير الشافعي كذلك إلى سير الأوزاعي في كتاب (الأم) ، كما يشير إلى سير الواقدي، ومن ثم: يبدو أن الكلمة قد صارت مصطلحاً فنيًّا يشيع استعماله بين الفقهاء في مختلف العصور) [١٧] . وبعد هذه الإلمامة في علم السير نلاحظ أن هذه النشأة كانت في القرن الثاني الهجري، ثم اتسعت الكتابة فيما بعد وتنوعت، وأن فقهاء السنة كان لهم فضل السبق في ذلك، ولكن بعض الباحثين يذكر كتاباً للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وقد كان فقيهاً ومحدثاً وقد دون أحد تلاميذه كتابين، هما: (مجموع الحديث) و (مجموع الفقه) ، ويسمى كلاهما: (المجموع الكبير) ، وتلميذه هذا هو (أبو خالد الواسطي) ، ونجد في هذا (المجموع الكبير) للإمام زيد ترتيباً لكتبه وأبوابه كترتيب كتب الفقه، ومنها كتاب (السير) ، وأول باب فيه: (باب الغزو والسير) ، ثم تتابعت الأبواب في فضل الجهاد والشهادة، وقسمة الغنائم، والعهد والذمة ... وقد اختلف العلماء حوله في أمرين: أولهما: قبول راوي المجموع، حيث جرحه علماء السنة واتهموه بالوضع ووثقه علماء الزيدية وقبلوا روايته واعتمدوها، ... وثانيهما: كيفية تدوين المجموع؛ هل دونه الإمام زيد ﵁ بقلمه ونقله عنه أبو خالد، أم أنه أملاه على تلميذه، أم روى عنه تلميذه (مجموع الأحاديث) و (مجموع الفقه) ثم دونهما ورتبهما؟ ، وانتهى الشيخ أبو زهرة بعد مناقشة ما قيل في هاتين المسألتين إلى أن العلماء تلقوا (المجموع) في كل الأجيال بالقبول. ولكن الدراسة المتأنية للمجموع تصل إلى نتيجة مخالفة لهذا القول، تجعلنا لا نطمئن إلى نسبة هذا الكتاب للإمام زيد ﵁ ، فإذا رجعنا إلى أقوال جهابذة علماء الجرح والتعديل من أهل السنة: فإننا لن نرتضي قبول رواية (أبي خالد الواسطي) الذي انفرد برواية (المجموع) عن الإمام زيد؛ لأنه كذّاب وضاع، كما أنه تفرد بروايته عن أبي خالد: إبراهيم ابن الزبرقان، هذا فضلاً عن عدم ذكر رجل كابن النديم هذا الكتاب في (فهرسته) [١٨] مع عنايته الشديدة بذكر الفقهاء من الشيعة بصفة عامة [*] . ... وللحديث بقية.

стр. 2211

خواطر في الدعوة قاتل الله ردود الأفعال محمد العبدة تربى الصحابة في مكة تربية قرآنية، فلم تكن أقوالهم وأفعالهم ردوداً على تصرفات الآخرين، ولم نسمع أنهم اسُتجروا لمعركة لا يريدونها، أو شُغلوا عن طريقهم الذي سّنه لهم رسول الله، ولم تستفزهم تحديات قريش وسفاهة بعض رجالها لقتال ينال الأسرة الواحدة أو العشيرة الواحدة، وعندما أرادوا في المدينة مخالفة اليهود في مسألة معينة، وأخذوا الأمر إلى أقصى الطرف الآخر، استغرب الرسول هذا الفهم، وردهم إلى الطريق الأعدل. هذا الاعتدال في الشخصية، يجب أن يكون ديدن العلماء والدعاة (الذين هم ورثة الأنبياء) في إرجاع الناس إلى الحق وإنقاذهم من براثن الشيطان. ... وإن الشخصية التي يستفزها الحدث وتقابله برد فعل قوي، وتذهب بعيداً إلى الطرف الآخر، وتتمادى في ذلك، وتؤكد على موقفها، وتصوّبه، وتحاول الإتيان بالأدلة والبراهين، وتغالط نفسها في ذلك، هذه الشخصية ليست قدوة صالحة للعاملين في حقل الدعوة؛ فإن ردود الأفعال أصابت المسلمين بمقاتل خلال تاريخهم الطويل، وإن المتتبع لتاريخ فرقة المرجئة سيتضح له أن فكرة الإرجاء، وإن كانت تتقبلها بعض النفوس (لجهل أو لهوى) ، ولكنها كانت تقوى وتتبلور وتنتشر بعد أحداث معينة، وكان الذي غذاها في بداية أمرها الرد على الخوارج وآرائهم المتشددة المبتدعة، ثم زاد الإرجاء وتأكد بعد فشل عبد الله بن الزبير (رضى الله عنه) في محاولته لاسترجاع الخلافة من بني أمية، وبعد مقتل الحسين (رضى الله عنه) في خروجه على يزيد، وفي مثل هذه الأجواء تبدأ المحاولات لتطويع النصوص وتأويلها لتتناسب مع الفكرة المعتنقة، ومع البعد عن الشؤون العامة، ولتؤكد الانكماش والتقوقع. وإن أوضح ما تكون هذه الظاهرة في المماحكات التي وقعت بين الفرق التي تتبنى وجهات نظر مختلفة في العقائد، يقول العلامة ابن المرتضى: (وعندما غلا المعتزلة في إثبات الحكمة، وأوجبوا معرفة العقول للحكمة بعينها على جهة التفصيل، فجاؤوا بأشياء ركيكة، رد عليهم الأشعرية وغلوا في الرد، واستلزم ذلك نفي الحكمة ... ) [١] . ويقول ابن تيمية ناقداً لهذه الظاهرة: (كما قد يصير بعض جهال المتسننة ... في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت، إذا رأى أهل البدعة يغلون ... فيها) [٢] . ولا يخلو عصرنا من هذه الخصلة الذميمة، فبعد فشل ثورة أحمد عرابي في مصر وقد ساهم فيها الشيخ محمد عبده، ونفي على إثرها إلى بلاد الشام، وعاش في بيروت كانت ردة الفعل عند الشيخ أن قال كلمته المشهورة: (لعن الله السياسة، وساس، ويسوس ... ) . ولكن ردود الأفعال فيما يدور حول الدعوة والعمل الإسلامي المعاصر كانت أعنف من هذا وأكثر إيلاماً للنفس؛ فقد أصيب بعض الناس بحساسية بالغة إزاء مخالفيهم، فلا يحبون أن تذكر محاسنهم، بل لا يحبون أن يذكروا أبداً، وذهبوا بعيداً في التشنيع عليهم، وإلصاق التهم الظالمة بهم، وتحميل أقوالهم ما لا تحتمل، وإن المسلم الذي يراقب هذه الأحوال ليتعجب من أمثال هؤلاء، ويقول في نفسه: هل هؤلاء الأشخاص أسوياء؟ وهل يتقون الله حقّاً؟ ! والله نسأل التقوى في القول والعمل.

стр. 2212

دراسات اقتصادية الربا والأدوات النقدية المعاصرة (٢) د. محمد بن عبد الله الشباني في الحلقة الأولى من هذه الدراسة تمت مناقشة ماهية النقود ووظائفها، وطبيعة النظام النقدي والنقود الورقية. وفي هذه الحلقة: سوف تتم مناقشة ماهية النقود في الإسلام، والتخريج الفقهي الخاص بالعملات الورقية والمواطن الربوية فيها. ماهية النقود في الإسلام: يرتكز الأصل الشرعي فيما يتعلق بطبيعة النقود: على أساس أن النقد هو الأداة التي تقيّم بها الأشياء، وليس على أساس أن النقد سلعة بحد ذاتها، ولكنه أداة للتبادل، ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله (تعالى) : [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ] [يوسف: ٢٠] ففي هذه الآية تفريق بين الثمن وبين أداة الثمن، وألحقت بالثمن صفة ملازمة له وهي التفسير؛ حيث وصف ثمن بيع يوسف ﵇ بالبخس، أي: بالقلة، قاله مجاهد والشعبي [١] . لقد أشارت الآية إلى أمرين: الأول: أن قيمة وثمن يوسف ﵇ كان قليلاً لا يتفق مع حقيقة قيمته، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن العربي في كتابه أحكام القرآن عند تفسيره لهذه الآية بقوله: (وقيل في (بخس) أنه بمعنى حرام، ولا وجه له، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة؛ لأن إخوته إن كانوا باعوه، فلم يكن قصدهم ما يستفيدون من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه) [٢] . الأمر الثاني: أن الإشارة إلى الدراهم بعد إيراد لفظ الثمن ما هو إلا إشعار بأنها أداة لتحديد القيمة، وبالتالي: يمكن أن تكون الأداة المستحدثة في الثمن تتفاوت وتتعقد أشكالها وأنواعها حسب ظروف الناس وطبيعة المجتمعات. لقد فهم فقهاء المسلمين وعلماؤهم طبيعة النقد وعلاقته بالعمليات التبادلية، فقد أشار ابن قدامة في كتابه القيم (المغني) إلى حقيقة النقد وطبيعته عندما تحدث عن الزكاة، فقام بالتفرقة بين زكاة الزروع والثمار، وزكاة المعدن المستخرج من الأرض، وأشار إلى الفرق بينهما مع أن مصدرهما واحد، وهو الأرض، يقول ﵀ : (أما الزروع والثمار فهي نماء في نفسها، تتكامل عند إخراج الزكاة منها، فتؤخذ الزكاة منها حينئذ، ثم تعود في النقص لا في النماء، فلا تجب فيها زكاة ثانية؛ لعدم إرصادها للنماء، والخارج من المعدن مستفاد خارج من الأرض بمنزلة الزرع والثمر، إلا أنه إن كان من جنس الأثمان ففيه الزكاة عند كل حول؛ لأنه مظنة للنماء من حيث إن الأثمان قيم الأموال ورأس مال التجارات، وبهذا تحصل المضاربة والشركة؛ وهي مخلوقة لذلك: فكانت بأصلها وخلقتها كمال التجارة المعد لها) [٣] . فقد ربط ابن قدامة بين قيم الأموال والأثمان، حيث يتم تحديد قيم الأموال من خلال تحديد الأثمان؛ ولهذا: عندما تحدث في (باب الربا والصرف) عرّف الصرف بأنه: بيع الأثمان بعضها ببعض [٤] ، وقد أوضح هذا المفهوم المتمثل في أن طبيعة النقد تتمثل في أنها الوسيلة لتحديد قيم مختلف الأشياء، حيث أكد ذلك عند مناقشة زكاة الذهب والفضة الصحيحة والمكسرة، حيث رأى جواز الإخراج عن الذهب والفضة الصحيحتين أكثر من المكسرة؛ معللاً ذلك بأن (الفرق بينهما (أي: الصحيحة والمكسرة) : أن القصد من الأثمان القيمة لا غير، فإذا تساوى الواجب والمخرج في القيمة والقدر جاز، وسائر الأموال يقصد الانتفاع بعينها، فلا يلزم من التساوي في الأمرين الإجزاء؛ لجواز أن يفوت بعض المقصود) [٥] . ويوافق ابنُ عابدين ابنَ قدامة في هذا المفهوم، حيث يقول: (رأينا الدراهم والدنانير ثمناً للأشياء، ولا تكون الأشياء ثمناً لها ... فليست النقود مقصودة لذاتها، بل وسيلة إلى المقصود) [٦] . ويتولى ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) إيضاح طبيعة النقود ودورها بشكل جلي، وبمنطق اقتصادي سليم، عند تحديد علة الربا بالنسبة للذهب والفضة باعتبار أنهما الوسيلتان المستخدمتان في التبادل، يقول: ( ... العلة فيهما (الدراهم والدنانير) : الثمنية، وهذا: قول الشافعي، ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح، بل الصواب ... فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار، به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة؛ وذلك لا يكون إلا بثمن تقوّم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوّم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخُلف ويشتد الضرر ... فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل: أن يعطى صحاحاً ويأخذ مكسرة، أو خفافاً ويأخذ ثقالاً أكثر منها: لصارت متجراً، أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعاً لأعيانها: فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات) [٧] . من خلال هذه المناقشة التي أوردها ابن القيم ﵀ يتضح دور النقود؛ حيث يجب أن يقتصر على أن تكون أداة لتحديد قيم الأشياء؛ وبالتالي: فلا يجوز أن تستخدم النقود سلعاً يتجر بها، وبهذا: فإن ما يتم من مضاربات في سوق العملات يجعل النقود سلعاً تُعد للربح، حيث نتج عن ذلك أضرار كبيرة كما هو مشاهد في الواقع المعاصر، فيما يتعلق بتذبذب أسعار العملات، واتجاه كثير من فوائض الأموال إلى الاتجار فيها بدلاًً من الاستثمار في المشروعات الإنتاجية. على ضوء ما سبق يمكن القول: إن الشرع الإسلامي لا يشترط شكلاً معيناً، أو مادة معينة للأداة النقدية؛ فقد تكون مسكوكات ذهبية، أو فضية، أو نحاسية، أو أي نوع من المعادن، أو ورقية، وتعتبر نقوداً إذا توفرت فيها العناصر التي أشار إليها ابن القيم، وهي: ١- اعتبار النقد أداة للدفع ووسيلة للتبادل للسلع والمنافع. ٢- اعتباره أداة لتقييم الأشياء ومعرفة أثمان المبيعات. ٣- ثبات قيمة الوسيلة التي تستخدم لتقييم الأشياء وثبات معيارها، بحيث لا ترتفع ولا تنخفض. ٤- عدم الاتجار بها، أي: عدم اعتبارها سلعة يتجر بها. ووفقاً لهذه الضوابط: فإن النظرية النقدية كما توصل إليها ابن القيم تتفق في بعض جوانبها مع ما تم التوصل إليه في هذا العصر في ظل ما عرف بقاعدة النقد الورقية، حيث انفصلت القيمة الاقتصادية للنقود عن أي قيمة اقتصادية لأي سلعة مادية معينة، وبالتالي: فإن هذه القاعدة تتمثل في مجموعة الشروط والقيود التنظيمية التي تضعها الدول لإصدار النقود الورقية وما تطور من وسائل في التداول النقدي، وهو ما عرف بالنقود الائتمانية، ومن هذا يتضح: أن وجهه نظر ابن القيم تختلف عما هو متعارف عليه في العصر الحاضر؛ فابن القيم يرى عدم جواز الاتجار في النقود؛ بخلاف النظام النقدي المعاصر الذي يقوم على اعتبار النقود سلعة مثل باقي السلع لها قيمة ذاتية تتمثل في قيمة الزمن، الذي يقوم على فكرة الربا؛ حيث إن العلة في التذبذب في أسعار العملات في السوق المالية العالمية يعود فيما أظنه إلى نقص الضوابط الخاصة بالنقود حسب ما أشار إليها ابن القيم، ومنها منع الاتجار بالنقود. على ضوء ما سبق من تحديد لمفهوم النقد عند ابن القيم وغيره من فقهاء المسلمين: فما هو الموقف تجاه النقود الورقية من حيث شرعيتها ومدى جريان الحكم الشرعي للذهب والفضة عليها، بعد أن أصبح التعامل بالذهب والفضة مستحيلاً؛ لاتساع وكبر حجم التبادل السلعي والخدمي بين أفراد المجتمع؟ . إن الإجابة على هذا التساؤل ترتبط وفق ما سبق مناقشته بأن استخدام معدني الذهب والفضة وسيلةً للتبادل وإبراء الذمة، وارتباط علة الربا بالنسبة للذهب والفضة بالثمنية، وأن قيام الأوراق النقدية مقام الذهب والفضة يؤدي إلى سريان العلة عليها، وبالتالي: سريان الأحكام المترتبة على الذهب والفضة عليها، باعتبار أن العملات هي أجناس؛ حيث إن الذهب جنس والفضة جنس، وأن العلة الجامعة بين الذهب والفضة في أحكام الصرف هي الثمنية، وبالتالي: سريان هذه العلة على النقود الورقية لاعتبارين: ١- اجتماع طبيعة الجانب المادي من حيث إن المادة للعملات الورقية هي الورق، بينما الجامع للذهب والفضة مادة المعدن. ٢- اجتماع علة الثمنية بعين الذهب والفضة، وهذا يسري على العملات الورقية المختلفة لمختلف الدول. على ضوء هذا: تصبح العملات الورقية أجناس بتعدد جهات إصدارها، فالنقد الأمريكي مثلاً جنس، والنقد السعودي جنس ... وهكذا، وقد أفتت هيئة كبار العلماء في السعودية بأن العملات الورقية أجناس [٨] . حيث نص على جريان الربا بنوعيه (الفضل والنساء) في العملات الورقية، كما يجري الربا بنوعيه في النقود المسبوكة من الذهب والفضة وغيرها من المعادن كالفلوس، وقد أيد المجمع الفقهي الإسلامي هذه الفتوى [٩] . على ضوء هذا: فإن عمليات الصرف الحاضر بين العملات المختلفة جائزة عند توفر شرطي الحلول والتقابض، أي: جواز شراء الدولار الأمريكي بسعر ثلاثة ريالات ونصف أو أكثر أو أقل، بشرط التقابض بسعر اليوم، استناداً إلى حديث ابن عمر الذي جاء فيه: (كنت أبيع الإبل بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك، أسألك: إنى أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها؛ ما لم تفترقا وبينكما شيء) [١٠] فالواضح من هذا الحديث: أن التصارف الجاري فيه تقابض بمظهره الشكلي على أساس الحق القائم بهيئة دنانير في الذمة بتسديده بما يساويه من دراهم بسعر ذلك اليوم. وعليه: فما هو حكم التعامل العملي الذي يحدث في البنوك من حيث أسلوب التصارف؟ فمن المعروف أن عملية الصرف: إما أن تكون من خلال الصندوق، أو بالقيد على حساب العميل، وما يرتبط بذلك أيضاً من عملية البيع والشراء بالعملات من خلال أسواق العملات العالمية. فما هي مواطن الربا على ضوء هذا الواقع؟ أما بالنسبة للدفع والأخذ من البنك مباشرة بتبادل عملة ورقية مقابل شراء عملة أخرى: فلا إشكال فيه من ناحية توافر شرط التقابض؛ حيث يسلم الراغب في الشراء النقود المحلية، ويتسلم العملة الأخرى، فهذا تقابض حال ومنجز، أما إذا كان دفع العملة من حساب الشخص في البنك نفسه بخصم قيمة العملة المشتراة من حساب المشتري لدى البنك، وحيث إن البنك يتعامل مع الحساب المفتوح لديه من قبل المشتري على أساس أنه وكيل له الحق بالدفع والإضافة عند ورود تعميد من صاحب الحساب، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يتوفر في هذا الأسلوب أساس التقابض؛ حيث إن البنك يتسلم ما يقابل قيمة العملة المشتراة من حسابه المودع لدى البنك، وهذا المال هو وديعة محفوظة لديه وهو مفوض بالتصرف فيها مع ضمانها للمودع. المواطن الربوية في عمليات تبادل العملات الورقية: أصبح التعامل بالعملات شراءً وبيعاً أسلوباً من أساليب الحصول على الأرباح وبالتالي: ظهرت صناديق خاصة في البنوك تتولى التعامل بها في سوق العملات في أوروبا وأمريكا، وتحولت النقود إلى سلع يتم الاتجار بها، واعتبر الاتجار فيها من الأمور التي تزاولها بعض البنوك الإسلامية كوسيلة لتحقيق الأرباح لعملائها المودعين لديها بدلاً من أخذ الفائدة الربوية. يأخذ أسلوب الاتجار بالعملات صوراً متعددة، وقبل مناقشة مواطن الربا في هذه الصور والتعامل لا بد من مناقشة المبدأ الأساس، وهو: هل يجوز الاتجار بالعملات شراءً وبيعاً؟ ... تختلف الآراء حول ذلك: فمن مجيز للاتجار فيها إذا تحقق التقابض في مجلس العقد، وذلك بالخصم من حسابات المتاجرة بالعملات لدى السمسار الذي يتولى إجراء عمليات البيع والشراء نيابة عن المُتاجِر (قد يكون السمسار بنكاً أو مؤسسة أو فرداً يقوم بهذا العمل) وفق شروط وقواعد تحدد من يقوم باتخاذ قرار البيع والشراء سواء أكان السمسار باعتباره وكيلاً مفوضاً من قبل المتاجر في العملات، أو تلقي التعليمات الخاصة بإنفاذ البيع والشراء من قبل المتاجر وفق إجراءات معينة. يقوم السمسار بعمليات الاتصال بمندوبيه في أسواق العملات العالمية بإنفاذ التعليمات الخاصة بالشراء أو البيع لصالح عملائه، وقيدها بالإضافة أو الخصم على حسابه لدى مندوبيه في تلك الأسواق، ويتحقق شرط التقابض من خلال القيد على الحسابات المختلفة باعتبار أن قيد الإضافة والخصم يماثل عمليات التقابض المادي للعملات؛ لهذا: فإن بعض البنوك الإسلامية تزاول نشاط الاتجار في بيع وشراء العملات وفق هذا الأسلوب، باعتبار أنه أسلوب من الأساليب الجائزة لتحقق شرط التقابض، وبالتالي: انتفاء الربا من هذا الأسلوب واعتباره قناة من قنوات استغلال المدخرات واستثمارها. إن الحرمة لهذا التعامل كما أراها لا تقوم على أساس تغير وسيلة التقابض في مجلس العقد، حيث تبدل أسلوب التقابض وطبيعة مجلس العقد؛ فقد أصبح مجلس العقد يتم من خلال وسائل الاتصال الحديثة التي سهلت ووسعت نطاق مجلس العقد من خلال التخاطب بالتهاتف والفاكس والحاسب الآلي، أي: أصبحت الأسواق متقاربة وكأنها في مكان واحد، وأصبح حلول القيد على الحسابات المختلفة، بديلاً عن التقابض المادي والحصول على التفويض والالتزام بذلك باستخدام هذه الوسائل الحديثة. إن الحرمة تأخذ جانباً آخر، وهو: تغير طبيعة وظيفة النقود، فالنقود ليست سلعة يتجر فيها مثل بقية السلع، وخاصة النقود الورقية التي لا يمكن تحويلها إلى سلعة اقتصادية مثل الذهب والفضة اللذين يمكن شراؤهما كسلع لاستخدامهما موادّاً أولية لصناعات مختلفة، وبالتالي: الخروج بالنقود عن طبيعتها التي جعلت لها، والتي من أجلها تم قبولها، وهي: أنها أداة للدفع ووسيلة للتبادل، وقد سبق أن أوضحنا وجهة نظر الإمام ابن القيم واستشهادنا بقوله. إن التحليل والمنطقية التي وصل إليها ابن القيم ﵀ فيما يتعلق بالنقود، والتي حددت مشكلة النظرية النقدية المعاصرة في أن الاتجار في العملات هو العلة في اضطراب أسواق النقد العالمية؛ حيث إن الاتجار بالعملات قد أفسد عملية التبادل التجاري، وألحق الضرر بالتبادل من خلال اضطراب أسعار السلع العالمية، فأصبحت العملات تخضع لتقلبات قانون العرض والطلب؛ مما أثر على أسعار السلع؛ فالتاجر الذي يرغب في شراء أي عملة بقصد الاستيراد لسلعة معينة من أي بلد سيتأثر بالتذبذب في أسعار العملات التي يود الاستيراد بواسطتها من خلال عمليات المضاربة في العملات، حيث إن العرض والطلب على العملات غير حقيقي، حيث تتم المضاربة فيها والاتجار فيها بيعاً وشراءً، ليس بقصد شرائها لذاتها لتحقيق الوظيفة الأساسية للنقود ... وهذا يؤدي إلى مفسدة وإضرار بالناس، كما قال ابن القيم، حيث قال: (وسر المسألة: أنهم مُنعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات، وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين؛ لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها؛ فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها، ولهذا قال: (تبرها وعينها سواء) فظهرت حكمة تحريم ربا النَّساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد) [١١] وفي موضع آخر أورد ﵀ مناقشة لطيفة خاصة عن استعمال المادة المضروبة منها العملة المعدنية لأغراض أخرى غير غرض النقد، تدل على مدى عمق فهمه لمفهوم النقد ودوره في الحياة الاقتصادية، مع معالجته لازدواجية استخدام معدن الذهب لأغراض صناعية وكأداة للنقد، يقول ﵀ : (إن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وسائر السلع وإن كانت من غير جنسها؛ فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها ولا يدخلها (إما أن تقضي، وإما أن تربي) إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل) [١٢] ، ومن هذا النص ندرك: أنه يجوز شراء الحلي المصنوعة من مادة العملة المعدنية، ولو تفاضلت من حيث اختلاف الوزن ما بين وزن الحلي ووزن العملة المعدنية، إذا تم التقابض يداً بيد في مجلس العقد مثل بيع الذهب بالفضة. وعلى ضوء ما سبق: فإن الاتجار في العملات بيعاً وشراءً بقصد الربح، وليس بقصد استخدامها من أجل تمويل الاستيراد والتجارة في السلع: مكروه، وقد يصل إلى الحرمة؛ للأمور التالية: ١- التوسع في البيع والشراء في أسواق العملات العالمية أدى إلى هروب أموال المسلمين إلى الدول الكافرة، وهذا الاتجار لا يهدف إلى الحصول على سلع وخدمات يحتاجها المسلمون، ولكنه بقصد المضاربة لتحقيق الربح؛ مما أدى إلى ضياع فرصة الاستفادة من هذه المدخرات التي يتم استخدامها في الاتجار في العملات الأجنبية، والقاعدة الشرعية تقول: عند اجتماع المصالح مع المفاسد، فإذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة: درأنا المفسدة، ولو تأتى ذلك بفوات المصلحة، والمصلحة الفائتة هي ما يمكن أن يحققه المتاجر في العملات في أسواق العملات الأجنبية من أرباح، لكن مفسدة تسرب أموال المسلمين من بلاد المسلمين وعدم استغلالها فيما فيه منفعة ومصلحة للاقتصاد يحقق مفسدة أكبر من المصلحة التي قد يحققها المتاجر في العملات، يقول (تعالى) : [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا] [البقرة: ٢١٩] فحرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما. ٢- أن خروج الأموال من بلاد المسلمين بقصد الاتجار بالعملات الأجنبية للدول الكافرة يحدث أضراراً بميزان المدفوعات للبلاد الإسلامية؛ حيث إن هذا الخروج لا يقابله سلع ولا خدمات تفيد اقتصاد الدول الإسلامية، بل إن ذلك يمثل تهريباً لفائض الإنتاج المحلي وضخه لصالح القوى الأجنبية، وفي هذا تعاون على الإثم بإضعاف اقتصاديات الدول الإسلامية وحرمانها من الأموال التي يمكن لو تم استثمارها في مجالات إنتاجية أن تزيد الناتج القومي وتسهم في تشغيل القوى العاملة العاطلة. ٣- يرتبط الاتجار في العملات بشبهات أخرى تؤكد الحرمة، ومن ذلك: ما يعرف ببيع وشراء الخيارات، حيث لا يتم الشراء والبيع في محل العقد، وإنما يتم إعطاء خيار لمشتري العملة بإتمام الصفقة أو عدمها خلال فترة زمنية معينة، ويتم دفع مبلغ معين من قيمة الصفقة خلال فترة الخيار، يحق للمشتري أو البائع فيها إمضاء البيع والشراء، ويتم الاتجار في هذه الخيارات أيضاً، وإذا انتهت فترة الخيار ولم يقم المشتري بالتصرف بهذا الخيار بإتمام الصفقة أو بيع الخيار بسعر أعلى مما اشتراه به: يخسر ما دفعه، وهذا الأسلوب يقوم على التوقعات والمضاربة، فهو شراء وبيع غير ناجز، وبالتالي: حصل المحذور الشرعي بعدم التقابض الحسابي. تتم ممارسة الاتجار بالعملات من قبل بعض البنوك الإسلامية، وقد أوجدت لها صناديق استثمارية، وأجيز شراء وبيع العملات بهدف تحقيق الربح نتيجة للتذبذب في أسعار العملات، ولذا: فإن الواجب الامتناع عن ذلك، أما شراء العملات من المصارف بقصد تمويل عمليات الاستيراد، وليس بقصد تحقيق الربح من خلال الاتجار فيها: فهذا أمر جائز؛ لأن ذلك بقصد تحقيق التبادل السلعي والخدمي، وهي الوظيفة الأساسية التي من أجلها جعلت النقود، ويدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄ الذي رواه أبو داود والنسائي، جاء فيه: (أتيت رسول الله وهو في بيت حفصة، قلت: يا رسول الله: رويدك، أسألك، إني أبيع بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله: لابأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء) [١٣] ، فهذا الحديث يوضح دور التصارف وتبادل النقود بعضها ببعض من أجل تيسير التجارة؛ حيث إن القصد من ذلك: إتمام عمليات التبادل السلعي، وبالتالي: فإن شراء العملة الأجنبية بسعر يومها عند فتح الاعتماد أو سداد قيمة السلعة الواردة عند وصول البضاعة بسعر فتح الاعتماد وبسعر سداد قيمة الاعتماد: هو ما يمكن أن يقاس على حديث ابن عمر ﵄ . أما الصورالأخرى للتعامل بالعملات، التي يمكن أن يشوبها الربا، فهي الصور التالية: ١- بيع وشراء العملات على أساس السعر الآجل ولو كان القصد من ذلك تثبيت قيمة السلع المستوردة، وقصد هذا التعامل هو: التعاقد على شراء العملة حالياً، ولكن تنفيذها أو قيدها لصالح المشتري وخصمها من رصيد البائع لا يتم إلا بعد مدة مؤجلة متفق عليها: شهر، أو ثلاثة أشهر ... ، والسعر إما أن يكون مساوياً للسعر الحاضر، أو أعلى منه، أو أقل منه، والاختلاف في السعر يعود إلى توقع ارتفاع الفائدة أو انخفاضها بين مراكز بيع العملات العالمية. وربوية هذا التعامل تتمثل في عدم تنفيذ التعاقد في مجلس العقد، وهو مخالف للمنع الوارد في الأحاديث النبوية المحرمة لربا النِّساء والتفاضل. ٢- الشراء والبيع الآجل للعملات، وهو ما يعرف في سوق العملات باسم سواحب، حيث يتم شراء عملة مؤجلة التسلم، وفي الوقت نفسه: يتم بيعها بعملة أخرى مؤجلة؛ فمثلاً: يتم شراء دولارات مقابل جنيهات إسترلينية حاضراً أو مؤجلاً، ثم بيع ما اشتراه نفسه بريالات مؤجلة، أي: يتم التسليم على ما تعاقد عليه عند حلول الأجل. إن التصارف على هذا الأساس باعتبار أن العملات أجناس أثمان يتوفر فيها علة الثمنية عند من اعتبر أن العلة هي الثمنية.. هذا التعامل من الصرف يعتبر تعاملاً ربويًّا لحديث عبادة بن الصامت عن عبد الله ( ... سمعت رسول الله ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين. فمن زاد أو ازداد فقد أربى ... ) . [١٤]

стр. 2213

دراسات دعوية لماذا الدعوة العائلية ؟ نحو برنامج عملي للدعوة بين الأقارب بقلم: حجاج بن عبد الله العريني روى البخاري ومسلم في صحيحيهما: أنه لما نزل قول الله (تعالى) : ... [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] [الشعراء: ٢١٤] أتى النبي الصفا، فصعد، ثم نادى: (يا صباحاه!) فاجتمع الناس إليه، بين رجل يجيء إليه، ورجل يبعث رسوله، فقال رسول الله: (يا بني عبد المطلب! يا بني فهر! يا بني لؤي! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟) قالوا: نعم. قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) [١] . فها هو محمد المبعوث للناس كافة، يوجه نداء خاصّاً إلى الأهل والقرابة والعشيرة استجابة لأمر الله (جل وعلا) . ودعوة الأقارب والأهل والأرحام من الصلة والبر، بل إن الدلالة على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبر البر والإحسان، والدعاة في جانب الدعوة العائلية على ثلاثة أحوال إلا من رحم الله: ١- رجل أغلق على نفسه مع مجموعة من الأقارب، انتقاهم بعناية على أساس التوافق والانسجام أو الاستجابة، وترك البقية بحجة عدم الاستجابة؛ حيث حاول دعوتهم مرة أو مرتين، وظن أنه معذور بذلك، وهذا ليس أسلوب أهل الجهد والجهاد في الدعوة. ٢- رجل مشغول بأمور دعوية خارج نطاق العائلة، وقد حصل له كثير من البرود في مواقفه وعلاقته مع الأقارب من الناحية الدعوية، وهذا نسي حقّاً مهمّاً من حقوق أرحامه عليه، وقصّر كثيراً في دعوتهم. ٣- رجل له نشاط دعوي في عائلته، ولكنه نشاط يتم بطريقة عشوائية، بدون أن يكون هناك تخطيط ومتابعة، ولا شك أن العمل المدروس أكثر ثمرة من العمل غير المنظم. مميزات الدعوة العائلية: إن للدعوة العائلية سمات تتميز بها عن الدعوة العامة، وهذه المميزات تختلف من عائلة إلى أخرى، ولكنها تجتمع في كونها عوناً للدعاة للقيام بهذا العمل واستمراره، ومن هذه المميزات: ١- أن عدد الأفراد الذين يتم الاحتكاك بهم في الدعوة العائلية يعتبر عدداً كبيراً مهما صغرت العائلة التي ينتمي إليها الداعية؛ فإذا نظرنا إلى أي شخص نجد أن لديه مجموعة كبيرة من الأقارب، يتواصل معهم وتربطه بهم روابط المودة والرحمة. ٢- سهولة الاحتكاك بأولئك الأقارب والوصول إليهم: يزورهم ويزورونه، ويقابلهم في المناسبات، بل قد يشترك معهم في السكن. ٣- الدعوة العائلية تعتبر وسيلة دعوية، يمكن أن تستمر ولا تنقطع لأي سبب إذا طبقت بطريقة جيدة. ٤- الدعوة العائلية إذا أديرت بشكل جيد، فإنها تفيد في شحذ الهمم وتحريك الطاقات الخاملة عند بعض الصالحين في الأسرة، وتدفعهم للدعوة، وتكون وسيلة ناجحة بإذن الله للتأثير عليهم. ٥- إن الدعوة العائلية تؤدي إلى استقامة الأقارب، والتخلص من المنكرات؛ مما يكون له مردود إيجابي على بيت الداعية وأطفاله. ٦- تُيسر الدعوة العائلية التأثير على النساء في المجتمع، وخاصة أن النساء أقل احتكاكاً بالدعوة ووسائلها، وأيضاً: توفر هذه الدعوة الاحتكاك والتأثير على الأطفال. ٧- من خلال الدعوة العائلية يتم الوصول إلى جميع أفراد المجتمع، حيث إن المجتمع هو مجموع هذه الأسر. من الوسائل الدعوية العائلية: وسائل الدعوة العائلية كثيرة ومتنوعة، وسنشير هنا إلى نماذج منها فقط، ولا بد أن لكل عائلة ما يناسبها، ثم إن البدء والاستمرار في هذه الدعوة ينتج أفكاراً وبرامج جديدة ومؤثرة. ١- أهم وسيلة أو خطوة في الدعوة العائلية، هي: التنسيق، والتخطيط، وتحديد الأهداف المرحلية، مع بيان الوسائل والطرق، ويبدأ ذلك بالتنسيق بين مجموعة من الأخيار في العائلة، وإقناعهم بفكرة الدعوة العائلية، ومن ثم: تنظيم الأفكار ووضع الخطط الدعوية، ويتبع ذلك: التقييم الدوري المستمر لجميع الأنشطة والبرامج الدعوية لتصحيح الأداء واكتساب مزيد من الخبرة، ولا بد من التكاتف والتعاون في هذا المجال؛ فاليد الواحدة لا تصفق! . ٢- تمثيل القدوة الحسنة في أمور الدنيا والدين؛ فلن يتقبل الناس الدعوة من شخص فاشل في حياته العملية أو العلمية، أو من شخص لديه قصور ظاهر في التزامه الشرعي. ولكي يكون الداعية قدوة حسنة مؤثرة: عليه أن يتخذ من الرسول قدوة له [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] [الأحزاب: ٢١] . ٣- توثيق الصلة مع الأقارب، وكسب مودتهم، وإتقان فن التعامل معهم، حتى يشعر كل فرد بأن له علاقة خاصة بالداعية، وهذا لا يعني النفاق والابتذال، ولكن علاقة صادقة، ومودة خالصة، ومبادئ ثابتة. ٤- إقامة لقاء دوري للعائلة (شهريّاً مثلاً) ، وذلك لزيادة الألفة والمحبة، وتوطيد أواصر المودة، وتحقيق صلة الرحم، كما أن مثل هذه اللقاءات توفر وقت الداعية، حيث يمكنه القيام بواجب صلة الرحم والدعوة في وقت واحد. ٥- الاستفادة من التجمعات العائلية، سواء اللقاء الدوري أو المناسبات الطارئة مع الحذر من المبالغة المنفرة. ويكون ذلك بعدد من الوسائل، منها: أ - مساعدة صاحب المناسبة بالسعي في إجراءات ترتيب اللقاء، ودعوة الضيوف، وكل ما يمكن القيام به من خدمة. ب- توزيع أي جهد دعوي صالح وموثق، سواء أكان شريطاً، أو كتيباً، أو ورقة مفيدة، أو فتوى مهمة ... أثناء اللقاء، والحرص على ذلك، والاستمرار عليه في كل مناسبة. ج - دعوة بعض العلماء أو طلبة العلم في المناسبات العائلية؛ لإفادة الحاضرين فيما يهمهم في أمور دينهم ودنياهم [٢] ، ويتم التركيز على المواضيع التي تهم عموم الأسرة. د - إعداد المسابقات الثقافية المناسبة لجميع فئات العائلة؛ لاستغلال الوقت بالنافع والمفيد لرفع المستوى الثقافي لأفراد العائلة. هـ- الحديث عن أحوال المسلمين وأخبار العالم الإسلامي، كما يمكن عرض بعض أفلام الفيديو التي تظهر هذا الواقع؛ لزرع الإحساس بمآسي المسلمين وحثهم على دعمهم والدعاء لهم. و التذكير والحث على مجالات الخير المنتشرة (والحمد لله) : كالمحاضرات، والخطب، والندوات.. والإعلان عنها، والتعريف بالأشرطة الجيدة وأماكن وجودها. ز- طبع أسماء وهواتف أفراد العائلة بشكل جذاب وتوزيعها؛ للمساهمة في صلة الرحم. ح- استخدام القصص والحكايات الواقعية المؤثرة للدعوة، وقد لوحظ أن هذا الأسلوب من أقوى أساليب التأثير على الناس وأيسرها، ويمكن الاستفادة من بعض الكتب التي تحكي هذه القصص، ومن ثم: سردها في هذه اللقاءات. ط- توقير الكبار وأصحاب الوجاهة في العائلة، وبيان الثمار التي تجنى من خلال تلك اللقاءات؛ لكسب تأييدهم لمشاريع الدعوة العائلية من بدايتها، وذلك لكي يُستفاد من مكانتهم في تقوية الدعوة العائلية، أو على الأقل حتى لا يكونوا ... معارضين لها. ٦- الإحسان إلى أفراد العائلة، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم، ومساعدتهم فيما يحتاجون إليه، وإحياء معالم التكافل الأسري، ويجب على الداعية أن يُعرَف بالمواقف المشرفة وعلاج الأزمات، وليس فقط بالوعظ والإرشاد، ويحسن أن يقوم الداعية بتلمس احتياجات أفراد العائلة، والمبادرة بمساعدتهم قبل أن يُطلب منه ذلك، مع الحذر من التطفل عليهم في أمورهم الخاصة. ٧- حصر المخالفات الشرعية الموجودة في العائلة، وذلك للتركيز عليها وإصلاحها تدريجيّاً بالحكمة والأساليب المناسبة، ويحسن هنا محاولة معرفة أسباب الانحراف ليسهل العلاج. ٨- الاهتمام بالأطفال والمراهقين، فقد قال أحد الحكماء: (أكرم صغارهم؛ يكرمك كبارهم، وينشأ على محبتك صغارهم) ، ويكون ذلك بإعداد أنشطة خاصة بالصغار والمراهقين، يُراعى فيها سنهم وميولهم، ويمكن القيام بالرحلات وتنظيم ذلك للخروج بأكبر فائدة. ٩- الزيارات المنزلية لأفراد العائلة، وذلك لما فيها من محبة ورفع الكلفة وتعميق الروابط؛ وهذا مما يغفل عنه كثير من الدعاة لكثرة الأشغال وعدم التفرغ، مما ينتج عنه وجود حاجز بين الداعية وأفراد عائلته. ١٠- تقديم الهدايا لأفراد العائلة والتودد إليهم، لما للهدية من أثر عجيب؛ فهي تقرب البعيد، وتؤلف القلوب، وتروض النفوس المستعصية، وتحبب الداعية إلى الناس، يقول الرسول: (.. وتهادوا تحابوا، وتذهب الشحناء) [٣] . ١١- الاستفادة من بعض العادات والتقاليد الموروثة غير المخالفة للشرع لدى بعض الأسر واستثمارها في المجال الدعوي، نحو ما ينتشر بين النساء خاصة من قيامهن بزيارة المرأة التي رزقت بمولود، أو المتزوجة حديثاً، أو القادمة من سفر بعيد ... أو غير ذلك، وتقدم هدية عينية لهذه المرأة، فحبذا لو أضيف لهذه الهدية المادية مجموعة من الأشرطة والكتيبات والنشرات الدعوية الصالحة ... وغيرها مما ينفع المهدى إليه في دينه [٤] . ١٢- الاهتمام بتأمين الدعم المادي لإنجاح المشروع الدعوي العائلي، فبدون ذلك لا يمكن الاستمرار في إيجاد الحوافز: كالهدايا، وجوائز المسابقات، والتوزيع الدوري للأشرطة والكتيبات، وهذا الدعم المادي يجب أن يكون مستمرًّا وغير منقطع طوال العام. ١٣- شكر كل من أسهم في التواصل في العائلة، أو ساعد في الدعوة تشجيعاً له للمواصلة وبذل المزيد، وحثًّا لغيره للقيام بدوره. ١٤- الحرص على إيجاد صندوق للتكافل العائلي، يكون الاشتراك فيه ضمن أسس متفق عليها، وتكون مهمة القائمين على هذا الصندوق متابعة أوضاع العائلة واحتياجاتها، مثل: أ - الشاب الذي يريد الزواج، ومساعدته. ب - الفقراء في العائلة أو من تحمّل ديناً، ومساعدته بأسلوب يحفظ له كرامته. ١٥- الدعاء والتوجه إلى الله وطلب عونه (جل وعلا) ، والدعاء لأفراد العائلة بالصلاح والهدى، يقول: (دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل) [٥] . أسباب نجاح واستمرار الدعوة العائلية: هناك بعض الأسباب المؤثرة على تطبيق برنامج الدعوة، يجب أن يأخذ بها كل من يتصدى للدعوة العائلية، ونورد هنا بعض الأسباب العامة التي يجب أن يضعها الداعية ضمن خطته الدعوية: ١- الإخلاص لله (تعالى) ، وإيمان الداعية بما يدعو إليه؛ فالدعوة النابعة عن إخلاص مع القوة والعزيمة والإيمان والاعتماد على الله: لا بد أن تؤثر وتؤتي أكلها، فالإخلاص أمرٌ مهمّ لنجاح الدعوة واستمرارها. ٢- أن يعمل الداعية بما يدعو إليه، ويبتعد عما ينهى عنه، فليس معقولاً أن يؤثر في الناس من يقول ولا يفعل، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ] [الصف: ٢، ٣] وقد ورد في الصحيحين أن النبي- ﷺ قال: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه (يعني أمعاءه) في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ ! أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) [٦] . ٣- دراسة أي نشاط مقترح للتطبيق على الدعوة العائلية دراسة مستفيضة لمعرفة إمكانية تنفيذ هذا النشاط؛ إذ لا يكفي أن تكون الفكرة ممتازة وهادفة، بل لا بد من معرفة إمكانية تنفيذها واستمرارها، عملاً بقوله حينما سُئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: (أدومها وإن قلّ) [٧] لأن التذبذب وبدء النشاط ثم إيقافه، أو عدم إخراجه إخراجاً جيداً ومشوقاً: يقلل من استجابة المدعوين إن لم يفقدهم الثقة والاحترام للبرنامج الدعوي. ٤- عدم اليأس أو استعجال النتائج، وضرورة التأني وبعد النظر، وهذا الأمر يغفل عنه كثير من الدعاة؛ فنجد أحدهم يتعجل النتائج، ويستغرب بطء استجابة الناس، وينسى قول الله (تعالى) : [وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً] [الإسراء: ١٠٦] فيجب على الداعية أن يكون حكيماً، ولا يغفل عما أحدثته وسائل الهدم في عقول الناس وأفكارهم، وأن ذلك قد استغرق وقتاً طويلاً، فلا نستغرب أن نحتاج إلى وقت مناسب لإعادتهم إلى طريق الهداية. ٥- الانتباه إلى أن الانفتاح مع العائلة ودعوتها يجب ألا يؤدي إلى مداهنة الداعية، فيشارك أو يحضر بعض المنكرات التي لا يجوز حضورها، أو يسكت عن بعض المنكرات التي لا ينبغي له التأخر في إنكارها. ٦- أن يعلم الداعية حال من يدعوهم؛ لأن الناس يختلفون في مدى تقبلهم للدعوة، فمنهم من يرضى بها، ويقبل عليها، ويتفاعل معها، ومنهم من يغلق قلبه أمامها، ويصم أذنيه عن سماعها، ويرفض أن يتفاعل معها. وكل واحد من هؤلاء يحتاج إلى معاملة خاصة. وأيضاً: يجب أن يعلم الداعية أن النفس البشرية لشخص واحد تختلف من وقت إلى آخر، فيجب مراعاة ذلك. ٧- أن يعلم الداعية حال المتعاونين معه من الأخيار في العائلة، وأن يكون خبيراً بهم وبقدراتهم، فيضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن يوجه كل شخص إلى ما يمكن أن يبدع فيه. ٨- التركيز على بناء العقيدة وتثبيت الإيمان، لأنها الأساس والأهم، والخطوة الأولى في الدعوة، وذلك عن طريق التركيز على: أ - مواضيع العقيدة والإيمان، مثل: تعليم التوحيد، ومعنى (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، والتحذير مما يضاد ذلك، ومثل: اليوم الآخر، والجنة والنار، والخوف من الله، ومحبته، وترسيخ التوحيد بمعانيه الشاملة. ب - بناء الحصانات الفكرية ضد الشبهات الموجهة للإسلام وبناء الحصانة ضد الفرق الضالة. ج - تصحيح المفاهيم في القضايا التي شوهها أعداء الإسلام، وطرح المفاهيم الغائبة التي يحتاج إليها المسلم. ٩- العناية بجانب الوعظ والرقائق، والترغيب والترهيب، وتعظيم الله في القلوب، وربط المدعوين بالقدوات الصالحة من السلف، وبيان محاسن الإسلام وجوانب الإعجاز في تشريعه. ١٠- عدم التعالي أو الظهور بمظهر العالم أو الأستاذ، لكي لا يثير المدعوين، وخصوصاً كبار السن منهم، وليحرص الداعية دائماً على عدم إثارة غيرة الآخرين منه. ١١- الحرص على المظهر الحسن، فليس من الدين في شيء أن يكون الداعية رث الثياب، بل إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يُرى أثر نعمته على عبده، كما قال: (إن الله يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده) [٨] . ١٢- استخدام التوجيه غير المباشر، وعدم المواجهة بالعتاب، بحيث يقوم الداعية بالتوجيه دون أن يعلم المدعوون من هو المقصود بهذا التوجيه، وهذا منهج نبوي، حيث كان حين ينكر على أصحابه بعض الأعمال يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا. وبهذا الأسلوب يتفادى الداعية التصادم أو إثارة الرفض والاستعلاء لدى المدعو. ١٣- الصبر وسعة الصدر واحتمال الأذى؛ لأن من يتصدى للدعوة إلى الله لا بد أن يناله أذى وابتلاء من الله ، وهذا هو طريق الأنبياء والرسل وكل من قام بهذه المهمة العظيمة، يقول الله (تعالى) : [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ] [الأنعام: ٣٤] فيجب على الداعية أن يستوعب ذلك، ويصبر، ويتسم بطول النفس وبعد النظر، حتى تتحقق له الغاية المنشودة. ١٤- الانتباه إلى وسائل الهدم في العائلة، سواء أكانت هذه الوسائل أشخاصاً أو أجهزة أو غير ذلك، ومن ثم: مقاومتها بالحكمة؛ لأنه بغير ذلك نجد أن ما يبنيه الداعية في وقت طويل يهدم في لحظات (وليس الذي يبني كمن هو يهدم) . كلمة أخيرة: وصية مهمة لك أيها الأخ المبارك حين تختار من يعينك على هذا المشروع من الأخيار الصالحين في عائلتك، فعليك بمن تتوسم فيهم الشجاعة والكرم، فلا يستطيع أن يقوم بهذا المشروع إلا من كان لديه إقدام وشجاعة، ولا يستطيع أن يستمر في هذا المشروع إلا من يكون كريماً، ليس في بذل أمواله فقط في سبيل الدعوة، ولكن في بذل الأوقات، وهذا قد يكون أهم من الأموال التي يمكن الحصول عليها من مصادر أخرى، فالبخيل بوقته لا يمكن أن يقوم بعمل قوي ولا بنشاط دائم مستمر، وهما أصل هذا المشروع الدعوي. وفي الختام: اعلم أنك من خلال هذا المشروع الدعوي العائلي المبارك لن تخسر شيئاً قط، بل سوف تستمتع بذلك، وسوف تجد السرور والطمأنينة في قلبك، وهما عاجل بشرى المؤمن، وسوف يهبك الله (تعالى) من السعادة والتوفيق - حتى في أمورك الدنيوية- ما لا تحتسب، ومع ذلك: فإنه يجب عليك أن تعلم أن الدنيا ليست هي دار الجزاء، وإنما هي دار الكد، والكدح، والعمل، أما جزاؤك: فتنتظره في الدار الآخرة عند الله. ولا يعني هذا أن المهمة سهلة، وأن الطريق معبدة.. لا؛ فإن المهمة صعبة، والطريق وعرة شائكة، والمعركة على أشدها في زمن سادت فيه الشهوات، وانحرفت الأخلاق، وسيطر على الناس حب الدنيا حتى شغلتهم عن الآخرة وأنستهم إياها. ولكن مما يشد العزم ويقوي الهمة للقيام بهذا المشروع: استحضارنا لمعية الله الخاصة بعباده المؤمنين [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] [العنكبوت: ٦٩] ، وإيماننا أن الثواب على قدر المشقة، وكلما كان الجهد أكبر، كان الثواب أعظم، أضف إلى ذلك: ما يحصله الإنسان من سعادة حين يشعر أنه قد تخطى الصعاب والعقبات وكان له سهم في خدمة هذا الدين. أسأل الله (تعالى) أن يجعلنا من المصلحين العاملين الموفقين.

стр. 2214

نص شعري الجنرال.. والوطنُ المنفى شعر:د.حسين علي محمد تَحْت جِدارِ الوطنِ المَنْفَى كنتُ أمُدّ عروق دمائي أتهيّأُ للدّفنِ وحيداً في الصحراءْ يظهُر جِنْرَالُ الزّهْوِ فَتِيّاً يأكلُ صَحْنَ بلاغتِه الجوعى والفقراءْ! وردةُ جمجمتي لن تُورق في زَبَدِ الصّمْتِ صباحا لن تُزهر داخل أسوار حنيني ذاتَ مساءْ! لن أُبْرئكَ من الجَمْهرةِ بسوحي الممتلئةِ بالرّعبِ وبالأقذاءْ وببحر دماءْ.. يتفجّرُ من ظِلّ الجنْرالِ الضّخْم لن أُبرئكَ من الوهْم في خِسّةِ ليلٍ يتمدّدْ يبتلعُ العصفورَ الأخْضَرَ والغَيْمْ في ساح الشّهَدَاءْ! لنْ أخْلَعَ رأسي في مشهدِ عُرْيِ الرّاهنِ في استخذاءْ أرفعُ عينيّ مليا في مشهدِ هذا الخزيِ المجنونِ وهَرْولةِ (الرّ فقاءْ) ! إني أرقبُك وحيداً، تبدُو كالمفتونِ بأرضِ الغرباءْ! ماذا تَفْعَلُ تحت غيومِ الوَطَنِ المُثْقَلِ بالفَقْدِ وأوْحالِ الدّاءْ؟ خُضْتَ بحارَ سقوطِك حتىّ الرّقَبَهْ هل كان المْوتُ يُسابِقُ حُلْمَكْ يسري في نبضِ دماءْ تعلنُ عن ليلٍ يتخفّى تحت الأضلاعِ الستة للنجمةِ في الأنحاءْ! نمشي فوق مناكبِ قتلانا الشهداءْ كلّ مساءْ تصفعُنا ذكراهُمْ ليلاً فجراً ظهراً عصراً صيفاً وشتاءْ فلِماذا تُمسك مرآةَ الأيّامِ السوداءْ وتحّدق في الأفْق المجدولِ بعاركْ في خُيلاءْ؟ ! ! تَحْلُمُ بالشّعْرِ وبالمَاءْ والخضرةِ، والنخلِ، وترنيمِ الشعراءْ لكنْ.. خفقةُ نعلِ الجنرالِ الكاسِرِ تذبحُ صدقك لا تستأذنُ أُفقي، أفقك كيْ تعبث فيهْ شهْقةُ صمتي صمتِكْ تنبئُ عن موتي، موتِكْ ورحيل العُمْر غباراً في هذا التّيهْ

стр. 2215

دراسة نقدية الإسلامية عند نجيب الكيلاني.. (رأس الشيطان) نموذجاً بقلم:إبراهيم بن منصور التركي تورط أحد الباحثين فألف كتاباً بعنوان: (الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ) [١] ، وذهب إلى أن محفوظ كاتبٌ أَلْهبَ رواياته بالحديث عن القيم الإسلامية والروحية! ! ! ولا يخفى ما في هذا الفهم من سذاجة، كان أول من استغربها واستنكرها الروائي (نجيب محفوظ) نفسه. على أن كاتباً آخر كان أكثر حذقاً وبراعة وقدرة على التشقيق والتمحل وهو يستعرض موقف (نجيب محفوظ) من الدين في كتابه (الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية) [٢] ، حتى كان (محفوظ) أول المصفّقين لهذا الفهم الدقيق الذي توصّل إليه هذا الباحث! ! ، إذ إنه يبرّئ في ذلك الكتاب ساحة (نجيب محفوظ) من الاستخفاف بالرسالة السماوية، ليجعله داعية إلى نبذ التصادم بين الدين والعلم، ومطالباً بتعاونهما في سبيل انتشال الواقع من وهدته. لا أريد بعنوان هذا المقال أن أتورّط كما تورط الكاتبان السابقان في التبرئة أو التجريم؛ لذا: فإن ما تطمح إليه هذه الورقات هو تفكيك واحدة من روايات (الكيلاني) إلى عناصرها الموضوعية، وبيان الكيفية التي تناول بها (الكيلاني) كلّ عنصر، ومقارنة ذلك بما تقتضيه أصول الحسّ الإسلامي. وقد كان الاختيار عشوائياً لواحدة من رواياته التي لم يسبق لي قراءتها وهي رواية: (رأس الشيطان) [٣] وهذا يعني أن ما سيقال هنا لا يمكن أن يعمم على كل رواياته، بل هو خاص بهذه الرواية فقط؛ وذلك حتى لا يُظلم الرجل ويكون الحكم أكثر دقة وموضوعية وإنصافاً لهذا العَلَم الذي كان واحداً من المتحمسين للطرح الإسلامي في الأدب. أولاً: فكرة الرواية: من الصعب جدًّا تلخيص عمل روائي في بضعة أسطر، ولذا: لا يمكن هنا إلا تسجيل الخط العريض الذي سارت فيه الرواية، فهي تتحدث عن كفاح الشعب المصري أيام الوجود الإنجليزي، كما تشير إلى الفساد الإداري في الحكومة المصرية آنذاك، فتُصوّر حالة وزير المواصلات (عثمان باشا) يوالي الإنجليز، كما يعبث بإحدى القرى الصغيرة التي له فيها مزارع وبساتين، حتى يضطر أهل القرية إزاء تعسف وظلم ناظر مزرعته إلى إحراقها وقتل ناظرها. تسهم جريدة (النهضة العربية) بقيادة نائب رئيس تحريرها (ضياء الدين) بالوقوف مع الفلاحين والكفاح ضد الوجود الأجنبي وأذنابه، وتتطور الأحداث حتى يتم إقفال الجريدة واعتقال محرريها، كما تتشوه سمعة وزير المواصلات فيُعزل من منصبه، ثم يصاب بشلل نصفي بعدما وجد نفسه مجرداً من كل شيء: المنصب، والزوجة، والأبناء، وتنتهي الرواية بالإفراج عن المسجونين. لا شك أن هذا الاختصار قد غيّب كثيراً من معالم الرواية، ولعل الاستعراض الجزئي لبعض عناصرها يكشف عن أجزاء أخر من الرواية لم يمكن تناولها فيما سبق. لكن يهم هنا النظر إلى لب الفكرة التي تقوم عليها الرواية، والنظر في مدى إسلامية هذه الفكرة ... من الصعب جدًّا القولُ بأن رفض الوجود الأجنبي وعملائه في أي قطر هو فكرة إسلامية دون النظر في أسباب الرفض؛ فهي فكرة قد تكون وطنية، وقد تكون قومية، فيستوي فيها المسلمون وغير المسلمين؛ فالدعوة إلى نبذ التدخل الأجنبي في شؤون أي بلد، والدعوة إلى حكم وطني ذاتي: إنما هي من الدعوات التي تطالب بها كل الشعوب مسلمها وكافرها، وبذا يمكن القول بأن هذه الفكرة التي حوتها الرواية ليست فكرة إسلامية صرفة، بل هي فكرة ملتزمة بالمعني النقدي للالتزام، وليس كل ملتزم إسلاميًّا. وقد كان يمكن للكيلاني أن (يؤسلم) هذه الأفكار بتحوير بسيط، ولكن بالصورة التي جاءت عليها الرواية فما كتبه الكيلاني يمثل أدباً ملتزماً لا أكثر. ٢- الشخصيات الإسلامية: لا يظهر في الرواية غير شخصية إسلامية واحدة، وهو أحد مشايخ القرية هو (الشيخ الشاذلي) ، وهو أحد المتصوفة الذي يتحولق حوله رجال القرية، فيؤدون الابتهالات والأناشيد الصوفية، وتبدو الشخصيات الإسلامية في غالب روايات الكيلاني على هذه الشاكلة، فغالبهم متصوفة ومن شيوخ الطريقة. هذه الصورة للشخصية الإسلامية عند الكيلاني لا تكاد تختلف عنها في روايات نجيب محفوظ، مع فارق يسير وجوهري، وهو أنها في روايات محفوظ تأتي شخصيات سلبية منعزلة عن واقع الناس ومشاكلهم، أما هي عند الكيلاني كما في هذه الرواية فذات حضور فاعل، إذ تلتقي حولها الأفئدة، وتجتمع بها الكلمة، وتصبح ذات مركز قيادي يخوّلها توجيه الناس وحفز هممهم، ولذا: لما أراد عثمان باشا (وزير المواصلات) امتصاص غضب أهل القرية لم يجد من يعتذر إليه سوى (الشيخ الشاذلي) ، الذي سيصفح عن أخطاء ناظر عزبته، ويطلب من أهل القرية إعادة المياه لمجاريها. ولئن كان إعطاء الشخصية الإسلامية هذا الدور الريادي أمراً يستحق الإشارة، فإن جعلها ذات مظهر صوفي يقوم على الأناشيد والابتهالات وجمع الناس حولها، أمر يستحق العتَبَ؛ فالإسلام ليس ترانيم وأناشيد وطقوساً غنائية، كما أن كَوْن هذه الشخصية الإسلامية بعيدة عن نبض الحياة اليومي، بزهدها الزائد والمبالغ فيه، وبعدها عن الحاجات اليومية للإنسان، هذه الصورة، وإن كانت في ذاتها ليست مما يرفض، لكن حصْر الشخصية الإسلامية في هذا المظهر أمر يسلُب الشخصية الإسلامية امتدادها المفترض، حيث يمكن للشخصية الإسلامية أن توجد في أي مكان وأي عمل، مع احتفاظها بكامل مبادئها وقيمها الإسلامية النبيلة، وهو ما لم يظهر مع الأسف في هذه الرواية. ٣- الأبطال: في هذه الرواية برز بطلان اثنان، وهما نائب رئيس تحرير الجريدة (ضياء الدين) ، وإحدى المحررات وهي (صفاء) . ولا بد من التوقف مع الدور البطولي لهاتين الشخصيتين: فأما (ضياء) فهو أحد الناقمين على الوضع السيء الذي تعجّ به البلاد، ولذا: فهو يكتب مقالاته الغاضبة على هذا الوضع، إما بشكل علني أو بشكل غير مباشر، وهو كما تخبر الرواية عضو في تنظيم يسعى إلى محاربة الوجود الإنجليزي في البلد، والقيام بأعمال لزعزعة ذلك الوجود، ونظراً لثقته بالمحررة (صفاء) فقد دعاها لتكون عضواً في ذلك التنظيم؛ لحاجتهم إلى العنصر النسائي في بعض الأعمال، ولأن دور (ضياء) لا يقتصر على محاربة الوجود الإنجليزي فحسب، بل وعملائه كذلك؛ فقد ظلّ على خلافٍ دائم مع الوزير (عثمان باشا) ؛ للفساد والتلاعب بحقوق المواطنين وتقديم المصالح الشخصية أولاً، ولأن الوزير ثانياً عضو في حكومة لا تكتسب شرعيتها من مواطنيها، بل من المندوب السامي الإنجليزي. ويمكن إدراك بقية الأعمال التي يقوم بها الأستاذ (ضياء) بتسليط الضوء على طبيعة الدور الذي طلب من (صفاء) القيام به، فهو يعطيها قنبلة، ويطلب منها أن تدخل بها إلى إحدى أماكن تجمعات الجنود الإنجليز، فتتركها وتذهب، ثم تنفجر القنبلة ليذهب من ضحاياها مجموعة من الجنود والضباط الإنجليز، كما أنه يطلب منها أن تأخذ كامل زينتها لتحاول إغراء أحد الجنود الإنجليز واستدراجه إلى الشاطئ، ومن ثم: يقدم رفاقها ليغرقوا هذا الجندي في مياه البحر. إن هذا الدور الذي يقوم به البطلان هو دور نضالي، وكفاح شعبي من أجل التحرر من ربقة المستعمر، وبغض النظر عن مشروعية مثل هذه الأعمال، فإن مثل هذه الأعمال النضالية لم يربطها (الكيلاني) بدوافع إسلامية، بل كان وراءها أهداف وطنية تهدف إلى تحرير التراب وإعادته إلى أصحابه. وبذا: فالأبطال في هذه الرواية هم أناس وطنيون لا أكثر، مما يجعل مثل هذا الموضوع همّاً مشتركاً بين جمع أدباء ذلك القطر، ولذا: كتب عنه أكثر من أديب وتناوله أكثر من روائي، وطريقة عرض (الكيلاني) لا تكشف عن خصوصية إسلامية، أو إشارة إلى الحرص على السبيل الإسلامي، مما يؤكد ما سبق قوله. ٤- العلاقة بين الرجل والمرأة: تبدو في كثير من الروايات المعاصرة حتمية الاتصال بين الرجل والمرأة سواء أكان اتصالاً بدافع الحب (البريء! !) -كما يُسمى-، أو كان بدافع الشهوة والاستمتاع. وهذه الرواية لا تخلو من هذين النوعين: فمن النوع الأول ما يكون بين (صفاء) و (ضياء) من الاقتران والتواؤم النفسي والفكري، مما ينشأ عنه علاقة حب (بريئة! !) لا تخلو من الخلوة بين المحبّيْن، وتبادل الكلام والآراء، بل وتبادل عبارات الغزل الرقيق الذي قد يصل إلى حد التغني بالجمال الظاهر. مثل هذه العلاقة التي لا ينشأ عنها أي صلات آثمة! ، تبدو -في نظر الكيلاني- علاقة عادية توطّئ غالباً للاقتران المشروع بين العاشقين (الزواج) ، ولذا: جاءت مثل هذه العلاقة في كثير من روايات الكيلاني. ولا أحد يستطيع الجزم بأن خروج العاشقين وتلاقيهما بعيداً عن الأعين، وتبادل الكلمات والعبارات في أي موضوع كان لا أحد يستطيع الجزم بأن هذا هو ما أباحه الشرع من جواز رؤية المخطوبة والتعرف عليها، بل إن فتح المجال أمام مثل هذه العلاقات في أي مجتمع مؤذن بفساد كبير، ولعلنا نلتمس للكيلاني العذر بأنه كان يتحدث عن بيئة كانت تلك عاداتهم الاجتماعية، ولكن ذلك لا يعني أن تورَد مثل هذه الصلات في معرض الاستحسان والقبول. كانت هذه هي العلاقة الوحيدة (النظيفة) في تلك الرواية، أما العلاقات الآثمة: فمنها ما كان بين زوجة الوزير (عثمان باشا) ومدير مكتبه (بركات) ، وقد سلّط الكيلاني الضوء على هذه العلاقة في عدد من المواطن، ورسم صورة الخيانة الزوجية التي ارتكبتها الزوجة مع (بركات) حتى اكتشف الوزير الأمر لحظة كانت زوجته بين يدي (بركات) . تصوير هذه العلاقة الآثمة أخذ أكثر مما يجب وكان يمكن الاقتصاد في الحديث عن ذلك، ومع ذلك: يحمد للكيلاني أنه لم يُسِفّ (كثيراً) في هذا الجانب. العلاقة الأخرى كانت بين (سلطان) ناظر عزبة (عثمان باشا) وإحدى فتيات القرية المخدوعات (نجية عبد السلام) ، وقد ظلت هذه الفتاة محلّ عبث (سلطان) وهي مخدوعة بوهم الزواج المنتظر، إلى أن طردها (سلطان) ، فما كان منها بعد هذا العار إلا أن صعدت إلى النخلة وألقت بنفسها منتحرة! ! ! (هنا لا بد من تساؤل: أما كان يمكن للكيلاني إيجاد الحلّ الإسلامي لمثل مأزق هذه الفتاة غير الانتحار؟ !) . الارتباط الزوجي بين (عثمان باشا) وزوجته قد أفرط الكيلاني في وصف تفاصيله وهو يصور حالات تبذل المرأة لزوجها، مما لم يكن له داعٍ، ولم تكن الرواية بحاجة إليه، ومثل ذلك يقال عن التعبير عن محاولات الاعتداء والإغراء والمضايقة التي تعرضت لها وقامت بها (صفاء) ؛ فمرة كاد رئيس التحرير يعتدي عليها وهو مخمور لولا أن سقط مغمى عليه بسبب سوء حالته الصحية، ومرة تذهب لطلب عمل بعد إقفال الجريدة، فيساومها ويغازلها مدير الشركة حتى تخرج إلى غير رجعة، ومن ذلك: ما قامت به من إغراء (بدافع وطني! !) ، حينما تهتكت في ثيابها وملابسها لتغري جنديًّا إنجليزيًّا، ظلّت تشاغله عن تحقيق مأربه (الدنيء) حتى جاء رفاقها فقتلوه ضرباً. كل هذا التصوير لهذه العلاقات يوشك أن يسلب هذه الرواية القدرة على تصوير الفضيلة في أبهى صورها؛ فالعلاقة المثلى كما جاءت في الرواية هي مزيج من الهيام والغرام المشبع بالمحاذير الشرعية. ويلحظ فيما سبق أن الكيلاني قد لجأ إلى إقحام الرجل والمرأة وهو ما قد يفعله أحياناً حتى ولو لم تكن الرواية تستدعيه، لكونه عنصراً ضروريّاً لقيام العمل الروائي عنده، وإذا تم الاتفاق على هذا المبدأ، فإن الاختلاف يكمن في الكيفية التي يمكن أن يعبّر بها الروائي عن هذه العلاقة. أخيراً: يقتضي الإنصاف القول بأن الجنس في روايات الكيلاني أقل منه عند أي روائي آخر، كما أنه في الغالب يأتي لدوافع تقتضيها الرواية (وهذا لا يعني بطبيعة الحال الموافقة على التفصيلات التي قد يفرط فيها الكيلاني) . لا شك أن هذه السطور عاجزة عن رسم تصور كلي عن كتابات الكيلاني، (وهو ما أحذر القارئ من الوقوع فيه) . لذا: يمكن الإحالة في هذه الخصوص إلى كتاب: (الاتجاه الإسلامي في روايات الكيلاني) [٤] ؛ فمؤلفه ممن عرفوا بسلامة الاتجاه والمنهج، وكتابه: عبارة عن أطروحة علمية أشرف عليها الدكتور/ عبد الرحمن رأفت الباشا ﵀ ، وفي الكتاب غنية لولا تقدّم زمن تأليفه، مما فوت فرصة الحكم على الروايات الأخيرة للكيلاني [*] .

стр. 2216

نص شعري الأمل شعر: عبد الله بن عبد الكريم الخميس أمل يخاطب خلسةً وجداني والطير يثق كاهل الأغصان ... أمل أحس به إذا انهار الظلام وقام صرح الصبح كالبنيان ... وأحسه والطفل يبتدئ الخطى يهوي فينهض واهن الأركان ... والنمل يطلب رزقه متجلداً والنحل ينعش روضة البستان ... وأُحسه والعشب يخترق الحصى ويقيم دولته على الكثبان ... والزهر يخلف غيره ببهائه والماء يخرس ألسن النيران ... أُحسه في الكون في حركاته وأُحسه في لوحة الفنان ... أملٌ يراودني وإن قيدت بالأغلال أو عذبت بالإحسان ... أملٌ يروادني وإن أُلجمت قلة حيلتي فَكتمت سحر بياني ... ويظل يحدوني على رغم الجراح تفتني وتغوص في وجداني ... أملٌ يحدثني بعودة عِزّتي وكرامتي وجحافلِ الإيمان ... شمّاء لا تحني الرؤوس لغاصب كلا ولا تخشى سوى الرحمن ... تنفض من غفواتها مشحونةً بالثأر يدفعها إلى الميدان ... ترمي العدو بحارقٍ من نارها وتعود تحمل راية السلطان ... حُلُمٌ أُرهُ حقيقةً تغزو الوجود وتستخف بسطوة الأحزان ...

стр. 2217

نص شعري رُدّوها علي شعر: محمد عبد القادر الفقي ودعِ العتابْ لن يسمعوكَ فقد أصاخوا السمعَ للطاغوتِ ها هم سادرون وراء (سالومي) يشقّون العبابْ وتدور أعينهم إذا اهتزت مفاتنها وطير النور غابْ فاربأ بنفسكَ واستقمْ لا اللومُ يُزْهرُ أقحوان الفجرِ أو يُذْكي أعاصيرَ الشبابْ! لو كان يُجدي كنتَ أشعلت الحرائق في الرسائل والحروفْ لكنْ شرار العشب قد طالت أظافرها و (سالومي) تساوم: (أين أرضُكَ) لا جنود ... ولا سبيلَ ... ولا صواب! *** ظمآن بين سواحلي والماءُ في أعلى القبابْ أستمطر الأوغادَ، تلفظني الحدودُ يميتني هذا الجمودُ وعين سالومي (تصوّر) كل بابْ وتسد فُرْجةَ كل باب! ! *** ضاعت جهاتُ الحيّ، والفجواتُ في السيف العُضابْ وتراكمت أنات (ليلى) والخيولِ الخضرِ، وانتُهِك الكتابْ فاصدع بصوتكَ واغتسل بالنور والإخلاص حتى تمسح الأدرانَ من جسدٍ تبرقش أو ترقّش بالسياط وبالسبابْ! ! واشدُدْ، وحاذرْ، واستمع فصل الخطابْ! *** واصبر على جهل الغثاء فكم قرونٍ قد خلتْ مذ هُدْهُدِ الأنباء غابْ! *** واترك سراة الطين في المرآةِ صورتهم غبارٌ أو غرابْ! ! *** واترك سراة الطين في المرآة صورتهم غبارٌ أو غراب! ! واحذرْ فسالومي هي السّلَبوتُ والجبروتُ في العصر العجابْ! لا المزن تهمي في صحارى روحها ابداً ... ولا (الإشعاع) سوف يطهر القلب الخرابْ! *** فاركضْ برجلك كي يطيب لك التنفسُ والشرابْ وانظر مليًّا قبل أن تطئ الحصى والبرزخينِ فإن أفعى الليل لاذتْ بالفرار من الجرابْ! ! هي ذي تسيل إلى ديارك تشتهي دفئا وثمة بارقاتٌ في الثنايا والثيابْ سمٌّ نقيعٌ في رضاها والرضابْ! *** وتقول سالومي: (طريقي وحده يفضي إلى تاج الصدارةِ والعداةُ لهم مغارات الذّئابْ) ! ! وحذامِ تصرخ في رمال التبرِ: (من يستأصل الأشواكَ؟ من يستنصل (الهالوكَ) ؟ من سيردّ لي شمسي ويحملني على الخيل العِرابْ؟ ! *** خزّرْ عيونَكَ، إن (سالومي) تراوغُ في الظلامِ تمدّ كفّيها إلى السكينِ ترقصُ بعدما تدمي كُلانا والنواصيَ والكِعابْ! ستلوكُ في دلّ دماك وتنتشي وتفوزُ بالصفراءِ والبيضاء والثوب المعصفرِ والدّوابْ! *** كم أرعنِ الخطوات خرّ وتاه في حجراتها وعدتْ عليه النائباتُ وما أنابْ! كم من غريقٍ قد تعلّقها ... تعلّق في خيوطٍ من سرابْ وبنى على ثبج التمني ألف قصرٍ ما تدبّر حينما ألقتْ عليه رموشَها ووحوشها وأرتْه ألوان الخضابْ حتى إذا (الرغبوت) زاد على النّصَابْ قدّتْ قميص حيائها، ومضتْ تعانقهُ عناق الدبّ حتى خار وانسحقتْ مفاصلُهُ وجاءته الكواسرُ والمناسرُ والكلابْ! *** وإذا أطلّ الفجر وانزاح الحجابْ جاءت إليك، دموعها تنسابُ ساخنةً على الخدينِ أو تنثال ما بين الوِطابْ وتظل ترقص في رداء الضعفِ والأفعى تطلّ وقد تضمَخ عودها بِنِشاءِ حمقكَ ثمّ تهجمُ بعدما امتزجت بعطر الاقترابْ! *** احفظ حروفكَ طاهراتٍ، لا تحاورْ ... لن تُثابْ! السابقون تبددوا، واللاحقون تمددوا هدأت فرائصهم، ونبض الصوت غابْ! *** وإلام نُخفي بؤسنا، ونغلّف الألفاظ بالحلوى وبالإيقاعِ والأمل المذاب؟ ! وإلام نرحل في دوائرنا ونزدرد التعلاّتِ الكِذابْ؟ ونصيحُ في صَخَبٍ: (ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا) ثم يغزونا الذبابْ ***

стр. 2218

نص شعري أصداء من سيرة الضوء والظل شعر: د. صابر عبد الدايم شهدْتُهُ في الظلالِ يَحْتَجبُ ... وللسّحبِ الثّقالِ يَنْتسبُ تضيء وجْه الدروب طَلْعَتُهُ ... وعَنْ مرايا الضياء يَغْتَربُ! ! ! في كل حقلٍ ثمارُ راحتِه ... وحقلهُ المُسْتطاب يُنتَهبُ! ! ! تغدو إليه الطيور مسغبةً ... كيف غداً مِنْ يديه تنسربُ؟ ! ! وهل تروح الخماصُ طاويةً ... وغرسُه للحصاد مُرْتَقَبُ؟ ! ! من كل فجّ.. سناهُ تقصده ... قوافلٌ في مَدَاهُ تنسكبُ يمدّ راح النوال في ثقةٍ ... وفي حماهُ العُفاةُ تحْتربُ! ! أبْصرتُ في خَطْوه سكينتَه ... وكل نجمٍ إليه يَنْجَذِبُ وكان.. ما كان.. في توهجه ... وَمنْ مدار الشموس يقتربُ لكنّما في الظلال دَوْرَتهُ ... وفي رُؤاهُ العَطَاءُ ... والغَلَبُ أحدّق الآن في مَنَابعه ... وليس إلا الجفافُ.. والعطبُ! ! وأرحل الآن في سنابله ... وليس إلا الهجيرُ.. والسّغَبُ! ! وأسبح الآن في دفاتره ... وليس إلا السطور تنتحبُ! ! ! وأبزغ اليوم من مشارقه ... وليس إلا الرعود.. والسحبُ! ! ! * * * أيرحل العِطْرُ عَنْ حدائقه ... وفي الرحيل الهوانُ والوصبُ؟ ! ! أيهْجُر الماءُ البحْرَ في زمنٍ ... كل البشارات فيه تكتئبُ؟ ! ! وهل تجفّ الحُروفُ في زمنٍ ... تجفّ فيه الرؤى.. وتُسْتلَبُ؟ ! ! هل انطفاءُ النهار تشعلهُ ... شَمْسٌ.. ضياها كأنّه الذهبُ؟ وهل تعود الخيولُ صاهلةً ... فتنجلي النائباتُ.. والكربُ؟ وهل يعيدُ الزمانُ قصّتَهُ ... وتكشفُ الآنَ وجْههَا الحُجُبُ؟ ! ! وهل تعيدُ الحروفُ فارسها ... فتصطفيه الصّدورُ والكتُبُ؟ وهلْ.. وهلْ.. قصّةٌ مهلهلةُ ... فهل تعودُ البروقُ والشّهُبُ؟ ! ! * * * شهدتُهُ في الظّلال يَحْتَجِبُ ... وَللسّحابِ الثّقالِ يَنْتَسِبُ! ! وكان ما كانَ في توهجه ... مُتوّجٌ بالحَيا ومُنْتقِبُ أَثْمارُه: طلْعُها يُتوّجنا ... والتّاجُ فِيه الفَخَارُ والحَسبُ وفي حماهُ المظلّ عاشقَهُ ... ترْحَلُ عنّا الظّنوُنُ والرّيَبُ مِنْ أفُقِ المكْرُماتِ مَطْلَعُهُ ... لِغَيْرِ هَامِ الإباء.. لا يثبُ وقلْبُه في اليقينِ رحْلتُهُ ... بغير ضوء الرّجاءِ.. لا يَجِبُ وفي مدار العَبيرِ سيرتهُ ... سابحةٌ ... والحُروفُ تلتهبُ أبْصَرْتُ في خَطْوه سكينتَهُ ... وكل نَجْمٍ إليه ... يَنْجذبُ تضيء وجْهَ الدّرُوب طَلْعتهُ ... وعَنْ مرايا الضّياءِ ... يَغْتَرِبُ

стр. 2219

المسلمون والعالم نحو معالجة أعمق للوضع في اليمن بقلم:أيمن بن سعيد رفعت الحكومة اليمنية في الآونة الأخيرة شعار محاربة الفساد والقضاء عليه، ومع أنه شعار جميل براق لايسع مخلص رفضه، إلا أن تحليلات المتابعين للساحة اليمنية اختلفت في تحديد الدوافع الحقيقية التي حدت بالحكومة اليمنية إلى رفعه: فطائفة ترى أنه مجرد محاولة امتصاص لغضبة الشعب نتيجة المعاناة الكبيرة التي لحقته من جراء تردي قيمة الريال اليمني وإنخفاض معدل دخل الفرد بصورة مفزعة. وطائفة ترى أنه مجرد تحسين للصورة ونكاية بـ (التجمع اليمني للإصلاح) الشريك الثاني في الحكم الذي انسحب وزراؤه من جلسة مجلس الوزراء التي أقرت فيها الحكومة تنفيذ المرحلة الثانية من ما يدعى بـ (عملية الإصلاح الاقتصادي) ، وأصدر مجلس شورى الإصلاح بياناً اعتبر تنفيذ الحكومة للمرحلة الثانية من الإصلاحات الاقتصادية مجرد إجراءات تنحصر فقط في جباية الأموال؛ مما يثقل كاهل المواطن ويشغله بلقمة عيشه وذويه، فضلاً على أن الإصلاحات لاتأتي ضمن برنامج للإصلاحات جاد وشامل. وطائفة ثالثة ترى أن صناع القرار الغربي قد أغاظهم توجه الجماهير اليمنية القوي نحو الإسلام، وما يوجد في التركيبة القبلية اليمنية من عزة ونخوة وخلال حميدة؛ فأوحوا إلى رموز (التيار الليبرالي) داخل الحكومة اليمنية بالقيام بتنفيذ مخططاتها لإذلال أهل اليمن وتركيعهم والحط من كرامتهم؛ تحت ستار تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمتطلبات الدولية للمرحلة الراهنة، وبالتالي: قاموا برفع هذا الشعار (محاربة الفساد) لتحسين صورتهم أمام العامة وتعليق نفوس الأمة بذلك؛ بغرض إلهائها عن المخطط الذي يقومون بتنفيذه نيابة عن صناع القرار في تلك العواصم التي تسوءها التركيبة الاجتماعية للشعب اليمني والتوجه الإسلامي لديه. وترى طائفة رابعة أن عملية رفع شعار محاربة الفساد جزء من حملة انتخابية مبكرة يقوم بها المؤتمر الشعبي العام، وذلك باعتبار أن قضية الفساد وسبل القضاء عليه ستكون محوراً مهمّاً من محاور الحملات الانتخابية للأحزاب اليمنية عام ١٩٩٧م، الذي من المتوقع أن يكشف كثيراً من غسيل الحكومة الراهنة، التي يعتبر المؤتمر الشعبي الحاكم الفعلي داخلها وصاحب النفوذ الحقيقي فيها؛ مما يعني إلصاق تهمة الفساد به وتعرية كوادره، ففي رفعه المبكر لهذا الشعار قبل طرحه من قبل الأحزاب الأخرى تبرئة له ومبادرة منه في كسب عواطف كثير من عامة الشعب اليمني قبل غيره، وإذا صاحب ذلك تغيير للحكومة اليمنية الحالية، وإيكال إدارة دفة البلاد إلى حكومة جديدة، فإن ذلك يعني إفشالاً للدعايات الانتخابية لكثير من الأحزاب اليمينة؛ نظراً لكون التهمة بتعاطي الفساد وحمايته ستوجه الى حكومة منحلة. ومع هذا التشكيك القوي من قبل المتابعين للساحة اليمنية في مصداقية طرح محاربة الفساد والقضاء عليه، إلا أنه لايسعنا إلا تأييد هذا الشعار والمطالبة الجادة بتنفيذه؛ باعتبار أن من رسالة علماء الصحوة الإسلامية وأبنائها محاربة الفساد والعمل على استئصاله؛ ولذا: فسأحاول في هذه المقالة -مستعيناً بالله (تعالى) - العمل على تحديد طبيعة ذلك الفساد المستشري ذاكراً بعض صوره ومجالاته البارزة، التي في ظني لو استوعبتها الحكومة اليمنية واتخذت خطوات جادة وكافية لمحاربتها: فإن مواجتها للفساد ستكون أعمق وأبعد عن المهاترات الحزبية والتسابق الانتخابي على رجل الشارع اليمني لجذبه وكسب صوته. تحديد طبيعة الفساد وصوره: الفساد هو الخروج عن الاستقامة وتغير الشيء عما كان عليه من الصلاح، ونظراً لاختلاف الأفراد والدول والمجتمعات في تحديد الضوابط التي يُتعرّف بواسطتها على صلاح الأشياء من فسادها؛ نتيجة الاختلاف في القيم والمبادئ التي يُسار عليها، فإن الحكومة اليمنية وهي في بلاد الإيمان والحكمة، وفي دولة تعلن في دستورها أن دينها الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريعات التي تسير عليها مطالبة بأن تجعل النصوص الشرعية الصحيحة والأدلة الشرعية التي اعتبرتها هي المعيار التي تتعرف به على صلاح الأشياء في اليمن من فسادها. وحين يتم تطبيق هذا المعيار على الوضع في اليمن وقضاياه سنجد صوراً ومجالات كثيرة للفساد ولعل من أوضحها وأضخمها: ١- الانحراف العقدي: ويأخذ هذا الانحراف في اليمن اتجاهين: أ- غيبة المفاهيم والقيم الإسلامية الصحيحة لدي كثير من أبناء الشعب اليمني المسلم، ابتداءً بمفهوم (لا إله إلا الله) الذي تلقاه المسلمون الأولون على أنه مفهوم يبلغ من الضخامة أن يزيل واقعاً بشرياً فاسداً بأكمله من حياة الأفراد والمجتمعات، وينشيء بدلاً منه واقعاً جديداً مختلفاً عنه كل الاختلاف في كافة جوانب الحياة لايند منها شيء ... إلى أن صار ذلك المفهوم العظيم في عصرنا مجرد كلمة ينطقها بعضهم بلسانه دون فهم لمعناها، فكيف بالعمل بمقتضاها: من التسليم بما جاء من عند الله (تعالى) ، والعمل بقدر الطاقة بمقتضي ما أنزل سبحانه، ومروراً بمفهوم العبادة، الذي قصره بعضهم على شعائر تعبدية يؤدونها بشكل خال من التدبر والخشوع بعد أن أخرجوا منه الأخلاق والأعمال. ومروراً بمفهوم الولاء والبراء الذي حوله كثيرون من حب لعباد الله المتقين، مهما نأت ديارهم واختلفت ألسنتهم وأنسابهم، إلى حب على أساس العرق والأرض والحزب. ومروراً بمفهوم القضاء والقدر، الذي كان يعني التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب إلى أن صار في حياة كثيرين تواكلاً وإهمالاً للأخذ بمسببات القوة والطرق المؤدية للنجاح. وغاب استيعاب كثير من الأفراد والتجمعات لرسالتهم في الحياة من خضوع وانقياد لله (تعالى) ، ودعوة للخلق إلى ذلك، وصار الهمّ الأعظم والجهد الأكبر متجهاً نحو تحقيق شهوات البطن والفرج. كما غاب ذلك التوازن الجميل بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة؛ الذي كان فيه عمل الدنيا جزء من عمل الآخرة، وكان الفرد فيه مطالب بأن يعمل لآخرته كأنه يموت غداً، ومطالب بأن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، وصار الحال إلى مجرد تعلق بالملذات أو ارتباط بالخرافات بشكل أهملت فيه عمارة الأرض وطلب العلم والأخذ بأسباب النهوض والقوة. ب- تفشي العديد من المنكرات العقدية الضخمة ابتداء بشرك الجاهلية الأولى: من طواف حول القبور، والذبح، والنذر، والدعاء لها، إلى وجود طوائف وأحزاب ومؤسسات تقوم على مبادئ وأسس مناقضة للإسلام، وتسعى بجد وعزم إلى نشرها. ٢- الخلل الاقتصادي: ويتمثل ذلك في جوانب متعددة من أبرزها: أ- قيام اقتصاد الدولة على الربا إذ البنوك الربوية هي الركيزة، والمعاملات الربوية داخلة في أكثر معاملات الدولة المالية الداخلية والخارجية، والحكومة تحث الناس وتشجعهم بمارسة ذلك مع ما فيه من محاربة الله (تعالى) . ب- اعتماد الدولة في توفير قوت شعبها على الاستيراد، مع أن اليمن بلد زراعي بالدرجة الأولى تتوافر فيه كافة المناخات، ويملك ساحلاً بحرياً يزيد على ٢٠٠٠كم. وبإمكان اليمن -لو صدقت النوايا- وتم الأخذ بأسباب النجاح أن تكتفي في هذا الجانب محلياً، بل وتقوم بالتصدير خارجياً. ج- احتكار الاستيراد وسيطرة حفنة لاتتجاوز أصابع اليدين على أقوات الناس ومصالحهم. د- العبث بالمال العام واختلاس بعضهم لجزء كبير منه قبل أن يدخل في خزينة الدولة وبعد دخوله بطرق كثيرة مباشرة وغير مباشرة. هـ- إسناد إدارة دفة الاقتصاد في اليمن غالباً الى حفنة متهمة من قبل قطاع عريض من الشعب بالضلوع في الفساد وحمايته وإقصاء المخلصين ومضايقتهم عن الإسهام في إدارته بطرق جلية وملتوية تضطرهم للاستقاله. ٣- خلل مؤسسات التربية والتوجيه: لا تقوم مؤسسات التربية والتوجية في اليمن بدورها المنشود في إعداد الإنسان الصالح وتكوينه، فمثلاً: في القطاع التعليمي نجد: أ- المناهج التعليمية باستثناء مناهج المعاهد العلمية جلها غير مؤهلة بشكل جيد للإسهام في تنشئة الإنسان الصالح القوي إيمانياً وفكرياً ومادياً، وهي مع ذلك غير ميسرة في أيدي الطلبة في مناطق كثيرة من اليمن. ب- الكوادر القائمة على العملية التعليمية تدريساً وإدارة وإشرافاً غير مؤهلة في كثير من المدارس والمعاهد والكليات اليمنية للقيام بالدور المنوط بها، بالإضافة إلى أن كثيراً منهم لديه توجهات فكرية منحرفة وسلوكيات سيئة. ج - تنتشر في القطاع التعليمي اليمني ظاهرة بيع الشهادات بشكل يجعلها تتجاوز حد الظاهرة ويوصلها الى مرحلة المشكلة مما يلزم المعالجة العاجلة. د- كثير من المباني المدرسية غير صالحة وجل الوسائل التعليمية غير متوفرة. وفي القطاع الإعلامي نجد: أن مؤسسات الدولة الإعلامية والكثرة الكاثرة من المؤسسات الإعلامية الحزبية والأهلية، لا تتبنى، ولا تعمل على نشر قيم الشعب اليمني ومبادئه الإسلامية، ولا تقوم بالدفاع عنها؛ بل نجدها منشغلة في متابعة ذهاب وإياب وتصريحات رجالات الدولة والمعارضة والثناء أو الذم لأقوالهم وتصرفاتهم. بالإضافة الى تبني كثير منها للفساد الفكري والأخلاقي المنافي لأصل الإسلام أو القادح في كماله، هذا مع ندرة البرامج والكتابات الجادة التي تسعي للبناء والمعالجة حتى ولو من منطلقات قومية أو وطنية فكيف بالبرامج والكتابات المنضبطة بالضوابط والمعايير الشرعية. ٤- الخلل الإداري: وله صور عديدة منها: أ- قوانين الدولة وأنظمتها قديمة عفا عليها الزمن، ولم يدخلها التحديث، فهي: إما إرث من قوانين ما كان يدعى (الجمهورية العربية اليمنية) والمأخوذة بدورها من القوانين المصرية المستوردة من القوانين الفرنسية والإنجليزية، وإما إرث من القوانين الاشتراكية فيما كان يدعى بـ (جمهورية اليمن الديمقراطية) . ب- المركزية العقيمة في وزارات الدولة المختلفة، التي تجعل المواطن في جل معاملاته الحكومية المهمة محتاجاً لمراجعة العاصمة صنعاء لإنهائها. ج- الأثر القبلي والحزبي والمناطقي الملموس في التوظيف والتعيين والترقية في المؤسسات العسكرية والمدنية وغياب مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب؛ مما جعل كثيراً من مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية تقوم في الغالب على تكتلات قبلية أو حزبية أو مناطقية. د- ما استفاض من العبث في سجلات الدولة بحيث تصرف بعض المرتبات لأموات أو لشخصيات وهمية أو يقوم الفرد الواحد بشغل الكثير من الوظائف بأسماء وبطاقات شخصية متعددة. هـ الوضع المتردي في مؤسسات الدولة الرقابية: إما نتيجة لوجود أشخاص غير مؤهلين على رأسها، أو لعدم توفر الإمكانات اللازمة للقيام بالدور الرقابي على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية على الأقل بشكل مقبول، وقد نتج عن ذلك: عدم التزام جل موظفي الدولة بالدوام الرسمي بحيث لا تكاد مدة عمل أحدهم يومياً في جل مؤسسات الدولة تتجاوز ثلاث ساعات. تلاعب الموظفين في إنجاز معاملات المراجعين والعنت الكبير الذي يلاقية عامة الشعب من جراء ذلك. تفشي ظاهرة الرشوة في أوساط بعض الموظفين صغاراً وكباراً الى حد جعل منها مشكلة كبيرة، وما تنتجه من ثمار نكدة من ظلم للعباد وأكل لأموال الناس بالباطل. ٥- صور أخرى للخلل: أ- تفلت جل تعاملات الدولة الخارجية وعلاقاتها الدولية من أحكام الشريعة الإسلامية. ب- ما تقوم به بعض الجهات من أندية رياضية ومؤسسات فنية من إبعاد شباب الأمة ذكوراً وإناثاً عن الواجب الشرعي الملقى على عواتقهم في التربية والبناء. ج- التفلت الأمني وارتفاع معدلات الجريمة بصورة ملحوظة وتكون عصابات جماعية لممارسة السرقة والنهب ... إلخ. د- تسخير موارد الدولة وإمكاناتها المختلفة لخدمة رموز وكوادر الحزب الأقوى في الحكومة، والعمل من خلالها على زيادة المنتسبين والمؤيدين له من العامة عن طريق الإغراء تارة والتهديد تارة أخرى تمهيداً كما يبدو للانتخابات القادمة. هـ- المنكرات والمعاصي المتفشية داخل قطاع كبير من المجتمع اليمني: كإضاعة الصلاة وعدم إخراج الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والظلم للخلق، وأكل أموالهم بالباطل؛ مما يثير الأحقاد والضغائن بين الناس. وليس الهدف هنا استقصاء صور الفساد الموجودة، وإنما لفت أنظار الصادقين الى جزء منها للعمل العاجل لعلاجها. كيف تصلح الأوضاع؟ إذا كان الواقع بهذا الشكل المخيف فإن المعالجة الجادة له لابد أن تكون عميقة بعيدة عن السطحية والارتجال والتعامل الجزئى. بحيث يبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت الى تلك المشكلة الضخمة من إعراض عن تعلم الشرع الصحيح وتطبيقه في جل جوانب الحياة وقصره على قضايا الأحوال الشخصية كناحية تطبيقة، أو جعله دستورياً دين الدولة ومصدر تشريعاتها كناحية دعائية. ومن فشو الجهل والأمية الكتابية والفكرية، ومن الركون إلى الذين ظلموا وإيساد للأمر (تخطيطاً وتنفيذاً ومتابعة) في جل المواقع الى غير أهله. ومن ذنوب ومعاصٍ كبيرة وصغيرة يحارب بها الله على مستوى المؤسسات الحكومية والأهلية وعلى مستوى الأفراد. نعم: لابد من دراسات توصيفية تأصيلية لقضية الفساد (طبيعة، وأسباباً، وآثاراً، ومعالجة) بحيث تكون محاربته جزءاً من مشروع نهضوي متكامل، يعالج فيه فساد الفرد، كما يعالج فيه فساد المؤسسات والمجتمعات، ويعالج فيه فساد الحكومة، كما يعالج فيه الفساد الموجود لدى كثير من طوائف وطبقات الشعب. ويحرص فيه على تصحيح الفساد العقدي والأخلاقي والتربوي، كالحرص على تصحيح الفساد الاقتصادي والإداري والمالي أو أشد. وإذا بان ذلك عزيزي القارئ ظهر لك أن شعار الفساد يصبح شهاراً أجوفاً إذا كانت المعالجه تتم بطرق جزئية وسطحية: كفصل مرتشٍ صغير، أو سجن مختلس ضعيف لا حماية حزبية أو قبلية له، أو نقل موظف من موقع الى آخر، وحيث لم يتم بعد وضع العلاج الناجع والبدأ في الطريق الصحيح لمحاربة الفساد ومعالجته؛ فإني أدعو كافة أهل اليمن الى عقد مؤتمر شعبي عام يشارك فيه علماء اليمن الأخيار في كافة التخصصات ودعاتها الأبرار ورجالاتها المخلصون من كافة شرائح المجتمع اليمني ومناطقه مهمته: توصيف قضية الفساد ومجالاته وتحديد أسبابه وآثاره السيئة والطرق الصحيحة لمحاربته والقضاء عليه. على أن يهيأ لمثل هذا المؤتمر رسمياً وشعبياً كافة سبل النجاح البشرية والإدارية والمالية والإعلامية؛ ليكون خطوة تتبعه خطوات عملية مدروسة لمحاربة الفساد والقضاء عليه. وختاماً: فإن هذه السطور لا تعني القول بإطباق الفساد في اليمن كله فالخير فيه كثير ولله الحمد. فهو بلد الإيمان والفقه والحكمة وموطن تنتشر فيه العادات الحسنة والأخلاق والخلال الكريمة. ولا يمكن لمتابع منصف أن يغض الطرف عن الجهود المبذولة في هذا السبيل من قبل علماء اليمن ودعاتها والنخب المثقفة الغيورة على دينها وبعض رجال المال والأعمال وشيوخ القبائل داخل التجمع اليمني للإصلاح وخارجه والجمعيات الخيرية بفروعها المنتشرة في كافة محافظات الجمهورية، كما أن للحكومة جهد ملحوظ في التنمية والتطوير لا يمكن تجاهله. وندعو الله أن تتضافر الجهود المخلصة والأعمال الصادقة في كشف حقيقة الفساد ومحاربته فعلياً من قبل كافة أبناء اليمن: علماء، ودعاة، وعامة. كما أسأله أن يصون اليمن ويحميه ويحفظ عليه دينه النقي الخالص من شوائب الشرك والخرافة، وأن يجنبه المخططات العلمانية الخارجية والداخلية التي تطمح الى صرف الناس عن دينهم وإبعادهم عن شريعتهم وإلهائهم عن رسالتهم التي خلقهم الله (تعالى) من أجلها عن طريق اتباع سياسة التجويع، وبالتالي: الإذلال تارة وسياسة الإغراق في الفتن والشهوات تارة أخري. ... ... ... ... والله العاصم والهادي الى سواء السبيل،،

стр. 2220

المسلمون والعالم الأوضاع المعيشية في قطاع غزة .. بين الأمس واليوم بقلم:عصام يوسف يبلغ عدد سكان قطاع غزة قرابة مليون نسمة، معظمهم من اللاجئين الذين هاجروا من ديارهم نتيجة لحرب عام ١٩٤٨م، حيث نسبة اللاجئين حوالي ٧٥% من إجمالي عدد السكان، ويعيش معظم سكان القطاع في ظروف اجتماعية واقتصادية بالغة القسوة، لدرجة أن بعض الخبراء الأجانب الذين زاروا القطاع أثناء فترة الانتفاضة يصرحون: بأن قطاع غزة هو أفقر منطقة في العالم. ومنذ عام ١٩٦٧م (وهو تاريخ الاحتلال الاسرائيلي) عانى قطاع غزة من ويلات الاحتلال ونكباته على جميع الأصعدة والمستويات، بما في ذلك المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ولكن أبناء القطاع الذين أغلبهم من اللاجئين والذين لا يملكون الأرض أو الأموال، وجدوا في العمل في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م فرصة لكسب قوت يومهم وإعالة أسرهم، حيث بلغ عدد العمال من أبناء قطاع غزة الذين يعملون لدى (مشغلين اسرائيليين) قبل قيام الانتفاضة حوالي ثمانين ألف عامل، وقد كان هؤلاء العمال يعملون في الأعمال الشاقة التي لا يقوم بها اليهود، (خاصة أعمال البناء والزراعة) ، ولكن الحاجة إلى كسب لقمة العيش دعت هؤلاء العمال إلى تحمل كل المصاعب في سبيل الحصول على فرصة عمل يرتزقون منها. ومع قيام الانتفاضة الفلسطينية، وتكرار مرات حظر التجول لفترات طويلة واعتقال الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني: بدأ عدد هؤلاء العمال يقل تدريجيًّا، حيث انخفض عددهم بشكل كبير جدًّا بعدما بدأت (إسرائيل) في تطبيق سياسة إغلاق الأراضي المحتلة واشتراطها الحصول على عدد من التصاريح كي تسمح للعامل بالدخول إليها؛ مما أدى إلى رفع نسبة البطالة بشكل كبير جدًّا، حتى إنها بلغت في قطاع غزة في عام ١٩٩٢م حوالي ٥٠% من مجموع قوة العمل. وبعد توقيع اتفاق السلام بين (إسرائيل) ومنظمة التحرير استبشر الكثير من السكان بالخير وبقرب حل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية وعلى رأسها مشكلة البطالة وانخفاض مستوى الدخل، وادعى بعضهم أن هذا الحل السلمي هو في الأساس حل اقتصادي، سوف ينتعش الناس معه اقتصاديًّا وأن البطالة سوف تختفي من قطاع غزة. وقد قام بعض الاقتصاديين الذين يناصرون الاتفاق السلمي بإجراء بحوث على حجم العمالة العاطلة عن العمل وتوزيعها على قطاعات العمل التي سيتم البدء بها فور استلام السلطة الفلسطينية لمقاليد الحكم في قطاع غزة، ولكن مع استلام السلطة الفلسطينية مقاليد الحكم تبددت أحلام الكثيرين ممن كانوا يحلمون بالحصول على أعمال، ويأملون في القضاء على البطالة في قطاع غزة: فعلى أرض الواقع جاءت النتائج مخالفة لمعظم التوقعات، وكان أول أمر قامت به (إسرائيل) هو: تخفيض عدد العمال العرب من قطاع غزة بشكل كبير؛ حيث لا يوجد الآن سوى قرابة عشرين ألف عامل فقط يعملون داخل الخط الأخضر؛ مما رفع نسبة البطالة إلى ٧٥%، وقد أدى ذلك إلى زيادة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لسكان قطاع غزة، وأصبح الكثير من أبناء القطاع يعيشون تحت خط الفقر، وأصبح أكثر العائلات بلا مصدر رزق، سوى القليل الذي تتلقاه من الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وقد استلمت السلطة الفلسطينية قطاع غزة وبنيته التحتية مدمرة، وليس فيه مشاريع استثمارية سوى القليل جدًّا، وبحجم صغير لا يؤثر في اقتصاديات القطاع، ولم تقم السلطة بأي مشروع استثماري من شأنه التخفيف من معاناة أبناء القطاع، حتى مشروع ميناء غزة الذي تغنى به الكثيرون وبآثاره الاقتصادية، لم يخرج عن كونه حبراً على ورق حتى الآن. ومع قدوم آلاف الأسر من الخارج واستقرارها في قطاع غزة ذي الإمكانات المحدودة: ارتفعت الأسعار بشكل قياسي؛ نظراً لقلة الموارد وضعفها؛ مما زاد من حدة المشكلة الاقتصادية ومن معاناة سكان القطاع، حتى إنه أصبح ظاهرة مألوفة: أن ترى الأطفال يبحثون في مجمعات القمامة عما يأكلونه! وقد قامت السلطة الفلسطينية بتشغيل حوالي خمسة آلاف مواطن في دوائر السلطة المختلفة بخاصة في جهاز الشرطة والأمن الوطني، ولكن هذا الرقم نظراً لضآلته (إذ لا يتعدى ٣% من حجم القوى العاملة في القطاع) لم يخفف من نسبة البطالة التي ارتفعت بشكل ملحوظ، بجانب عودة الآلاف من أبناء القطاع من دول الخليج بعد الاستغناء عن خدماتهم؛ الأمر الذي ساهم في زيادة نسبة البطالة، ولا زال أبناء القطاع يعودون من دول الخليج ودول المغرب العربي، مما يعني فقدان القطاع لمصدر من مصادر الدخل، حيث إن الكثير من عائلات القطاع تعتمد على تحويلات أبنائها العاملين في الخارج، أما الآن فقد اصبحوا عاطلين عن العمل، وأصبح من الطبيعي أن يتدفق الآلاف من أبناء القطاع على أبواب مكاتب الشؤون الاجتماعية التابعة لوكالة الغوث الدولية، ولكن الوكالة التي تُقَلّص خدماتها باستمرار لا توفر إلا بعض المساعدات المتفرقة والمحدودة وللحالات البالغة الصعوبة فقط. كل هذا بالاضافة إلى آلاف الأسر التي فقدت عائلها بسبب القتل أو الإصابة بشكل بالغ يعجزه عن العمل، مما يجعل هذه الأسر ليس فقط تحت خط الفقر، بل ليس لديها من مقومات الحياة إلا ما تقدمه لها بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية من صدقات ومساعدات لا تأخذ طابع الاستمرار. وببساطة يمكن القول بأن الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها سكان قطاع غزة هي أوضاع مأساوية بكل المقاييس والمعايير، وليس من المتوقع في القريب العاجل أن تتغير هذه الأوضاع، إن لم تزدد سوءاً. وفيما يلي بعض الإحصاءات عن البطالة ومستوى الدخل في قطاع غزة خلال السنوات الماضية. لقد خرجت قوات الإحتلال وقطاع غزة تحت حكم ذاتي بإدارة سلطة وطنية فلسطينية، ولكن اقتصاده لا يزال مرهوناً بأسرائيل فلا يستطيع أحد أن يغادر القطاع إلا بموافقة إسرائيل، ولا تزال الضرائب الجنونية مفروضة مما يترتب على ذلك انخفاض حاد في مستوى المعيشة وزيادة نسبة الفقر والبؤس والمعاناة ويظهر ذلك في المظاهر التالية: ١- ارتفاع حاد في الأسعار وتدني الأجور حتى أصبحت الأسعار عندنا أغلى منطقة في العالم ومثال ذلك، كيلو لحمة الخروف عندنا (١١) دولاراً ولذلك لا يأكله غالبية الناس إلا في عيد الأضحى، ويأكل الناس لحوم الأبقار حيث إن سعرها ... ... (٥ ر ٧) دولاراً، سعر الكيلو من السكر (٧ ر٢) دولاراً، سعر الكيلو من الفاصوليا (٢) دولار، سعر شوال الدقيق وزن (٦٠) كيلو (٢٦) دولاراً. ٢- ارتفاع نسبة البطالة وتعادل ٥٠% حيث كان يعمل في اسرائيل ... ... ٠٠٠ر ١٠٠ (مائة الف) عامل لا يسمح الآن بالعمل إلا لـ (٠٠٠ر٣٥) عامل، واستوعبت السلطة الفلسطينية (٠٠٠ر١٥) عامل، ويبقى (٠٠٠ر٥٠) عامل بدون عمل، ولا توجد عندنا مصادر للعمل. ٣- ضرب الاقتصاد الزراعي حيث كان يعتمد المزارع على تصدير المنتجات الزراعية وبذلك يوفر فرص العمل، ولكن اسرائيل منعت التصدير؛ مما ترتب على ذلك خسائر فادحة للمزارعين، مما اضطر المزارع إلى عدم زراعة أرضه حتى لا يخسر. ٤- لا توجد في قطاع غزة أي مصادر طبيعية للدخل، والصناعة عبارة: عن صناعات بسيطة بالكاد تكاد تستوعب المئات من العمال، والإقتصاد الزراعي محطم. ٥- نسبة ٦٠% من السكان لاجئون أي: إنهم لا يملكون إلا البيت أو الكوخ الذي يعيشون فيه، فإذا وجد الواحد منهم عملاً أطعم أبناءه، وإذا لم يجد عمل، عاش على الصدقات والمساعدات وإن كان شاباً في الثلاثين من عمره. سياسة الاغلاق وتأثيرها على الضفة والقطاع إن استمرار مسلسل الإغلاق حسب أهواء وأمزجة القيادة في اسرائيل الذي يتحكم في قوت وعيش مئات الألوف من الفلسطينين، مما يؤثر على العديد من المجالات الحيوية وبالدرجة الأولى الاقتصادية، حيث إن الاقتصاد الفلسطيني مرتبط ارتباطاً شبه كامل بالاقتصاد الاسرائيلي. وإن سياسة الإغلاق المتكرر التي تعلنها السلطان الإسرائيلية بمنع العمال الفلسطينيين البالغ عددهم حوالي ٥٠ ألف عامل من الضفة الغربية و٢٠ ألف عامل من قطاع غزة من مزاولة أعمالهم في اسرائيل مما يؤدي إلى انخفاض الدخل القومي الفلسطيني بشكل عام في المنطقة وبشكل خاص وواضح بالنسبة للعمال أنفسهم وأسرهم؛ مما يشكل خسائر اقتصادية كبيرة للضفة والقطاع تبلغ حوالي ١٠٠ مليون دولار سنوياً في مختلف المجالات. ومن ناحية أخرى فإن تجار وصناع الضفة الغربية والقطاع يعتمدون بشكل كامل على اسرائيل في شراء المواد الأساسية والخامات الأولية اللازمة للصناعة، وإن استمرار سياسة الإغلاق يؤثر على الحركة الصناعية والتجارية؛ مما يؤدي إلى عواقب وأضرار اقتصادية فادحة. وللتعليم حصة من الأضرار الكبيرة التي يسببها الإغلاق، تتمثل في وجود المئات من طلبة قطاع غزة يمنعهم استمرار الطوق الأمني من التحاقهم بكلياتهم وجامعاتهم الموجودة في الضفة والقدس، حيث يفوت عليهم الكثير من التحصيل العلمي أو تأخير سنوات التخرج بالنسبة لهم لعدم تمكنهم من مواصلة تعليمهم في الفترة المقررة لدراستهم. كما أن العديد من المدارس التابعة لوكالة الغوث وغيرها في القدس يتهددها خطر التخلف الدراسي بسبب عدم تمكن المدرسين والطلبة من الوصول لأماكن الدراسة لأن غالبية المدرسين هم من سكان الضفة الغربية الذين يحول الأغلاق دون وصولهم لأماكن عملهم، الأمر الذي يهدد المؤسسات التعليمية بالقدس. ومن التأثيرات الخطيرة التي أوجدها الإغلاق وتستدعي اهتماماً مميزاً: ظروف المرضى، حيث يوجد في قطاع غزة والضفة الغربية العديد من الحالات المرضية التي تدهورت أوضاعها الصحية لعدم إمكانية الدخول إلى مستشفيات القدس الطبية وغرف العمليات المتطورة؛ فإنه لا سبيل إلا في المستشفيات الإسرائيلية الأمر الذي يهدد حياة الكثير من المرضى، مما يتطلب من السلطات إعادة النظر في شأنهم واستثناءهم من تلك القرارات المتكررة بالإغلاق. وأخيراً فلا بد من الإشارة إلى التأثيرات الخطيرة على السكان الفلسطينيين في الضفة والقطاع وهي: ظاهرة ارتفاع الأسعار بشكل حاد وعلى سبيل المثال ما وصلت إليه أسعار الخضروات والفواكه من ارتفاع شديد بشكل يصعب معه على أصحاب الدخل المحدود كالموظفين والعمال تحملها، والأمر أصبح لا يطاق لعدم توافر الإمكانات المادية لدى هذه الشريحة من المجمتع، خاصة أنه كلما ازدادت أيام الطوق الأمني ازدادت الأسعار ارتفاعاً تبعاً لذلك. لقد كان ذلك الاستعراض لحلقة من حلقات معاناة ذلك الشعب، الذي طالت معاناته نوعاً من التجاوب ومقتضى من مقتضيات الولاء الذي ندعو الله أن يكون له صدى في نفس كل مسلم. ومما يجب أن يلفت النظر إليه أن المقال يصور واقع حال شعب قطاع غزة والعوامل التي تؤثر وتزيد في معاناته وليس معنى ذلك أنه يُرغّب في التجاوب مع الضغوط الإسرائلية التي تمارس ضد هذا الشعب فور كل عملية مقاومة تحدث في فلسطين، حيث إن الشعوب لا تحصل على حريتها وعزتها إلا بدفع الثمن الغالي والمسلمون تأسيساً وانطلاقاً من تعاليم دينهم يتفهمون ويقدرون البذل والتضحية والصبر في سبيل الله، (والصبر ليس له جزاء إلا الجنة) . فهل من التفاتة نحو هذا الشعب في معاناته ومحنه المتوالية؟ وإلى متى السكوت والتخاذل عن نصرتهم والاهتمام بشؤونهم ومدّ يد العون لهم؟ .

стр. 2221

المسلمون والعالم أوضاع اللاجئين الشيشان مشاهد مأساوية من الداخل تقرير ميداني [*] تمهيد: انطلاقاً من المقولة المأثورة (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) فقد تابعت (البيان) تاريخ وواقع وجهاد الشعب الشيشاني في كثير من المقالات، وما زلنا نرى أن هذا الشعب المسلم من الشعوب الإسلامية التي نالت الإهمال والتعتيم على ما أصابها من الهمجية الروسية التي ما زالت تسوم هذا الشعب سوء العذاب، وتحاول إيجاد أذناب لها ممن ينتسبون لهذا الشعب المجاهد، ولكن المجاهدين الشيشان لقنوا الجيش الروسي ضربات موجعة جعلت الروس يتنازلون عن كبريائهم بطلب المفاوضات معهم. وهذا المقال تصوير لواقع ذلك الشعب من نواح متعددة رأى العين لعلها توقظ وتنبه كثيراً من المسلمين الذين ما زالوا يعتقدون أن الحرب في الشيشان مسألة داخلية، كما يزعم الروس الذين ضربوا بحقوق الإنسان عرض الحائط في تعاملهم الهمجي، الذي يندى له الجبين مع صمت الغرب المطبق، لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، والله المستعان. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - في البداية نتساءل: من هو الإنسان؟ نعم من هو الإنسان ... قد يبدو هذا السؤال غريباً! لكن الأحداث المتتاليه التي نعيشها تجعل هذا السؤال يقفز إلى الواجهة؛ بسبب أن العالم الغربي كثيراً ما يرفع هذا الشعار (حقوق الإنسان) والتصدي للإرهارب في ... مناسبات، ويدوس على هذا الشعار في مناسبات أخرى يُنتهك فيها حق الإنسان بصوره أكثر بشاعة، فمن ناحيه يرفع بقوة شعار محاربة الإرهاب عندما تقتل مجموعة من اليهود، حتى ولو كانوا عسكريين، ويساند قيام اليهود بقتل المئات من المدنيين من النساء والأطفال ... ، وبينما توفر الحماية لأكراد العراق ضد عنف وظلم النظام البعثي، فإن الغرب يساند محاولة تركيا القضاء على ضرب حزب العمال الكردستاني، مع العلم أن ممارسات الجيش التركي تشبه إلى حد كبير ممارسات الجيش العراقي السابقة. وفي حين تضخم قضية قمع الجيش الصيني للطلاب في بكين أو إعدام نيجيريا لمجموعة من المعارضين المحسوبين على الغرب، فإننا لم نسمع عن حقوق الإنسان المنتهكه في كشمير أو في الشيشان أو في جنوب الفلبين. والذي يبدو أن الإنسان في عرف الغرب هو: أولاً: اليهودي، ثم النصراني الغربي، ثم نصارى العالم الثالث، وأخيراً عملاء الغرب في الدول الأخرى. أما المسلم فيبدو أنه لا يدخل ضمن تعريف الإنسان وخير شاهد على ذلك ما جرى ويجري للشعب الشيشاني المسلم في عملية إباده وتصفيه جسديه مع تدمير منظم للمدن والقرى. - الأوضاع الأمنية: الحقيقية: أن المرء يعجز عن تصوير المآسي التي أحدثتها القوات الروسية المعتدية، فالطائرات تحلق على ارتفاعات منخفضة جدّاً، فلا ترى شيئاً إلا دمّرته، حتى لم يعُد هناك أي صورة تُذكر من صور الحياة الطبيعية، فقد هدمت محطات الكهرباء والمياه والغاز، ووسائل الاتصالات كافة، حتى أصبحت هذه البلاد مقطوعة عن العالم. وأصبح المسلمون في الشيشان يعيشون في هذه الحالة القاسية؛ فما أن تسير شبراً حتى تتابع أمامك المآسي والجراح، فالبيوت كلها تحوّلت إلى أنقاض، والشوارع عجت بأشلاء البشر المتناثرة في كل ركن، فهنا يد طفل بريء ملقاة على صخرة، وجمجمة شيخ مُسن ألقتها قذيفة هناك، أمّا الطرقات فقد تلطخت بدماء عشرات القتلى، وكأن كل شيء أصبح في ديارهم أحمر اللون. ومع ذلك فالشيشانيون في حالة استنفار دائم، كل شاب وشيخ حمل ما حصل عليه من السلاح، وتوجّه إلى المراكز، ومن ثمّ: إلى حيث توجد القوات الروسية للانتقام.. هذه صورة أقل من مختصرة عن واقع الحال داخل الشيشان. - أوضاع السكان بالداخل: أما أحوال الشيشان المعيشية فلست أدري كيف أصفها أو أقربها، فالحروب التي تهز ميزانيات دول عظمى تكوي اليوم شعباً فقيراً محاصراً من كل مكان، فالأهالي ما زالوا يعتمدون بعد الله في معيشتهم على ما كانوا يدخرونه من قبل، ولا يوجد غيره، أما الجو: فمع أن الثلوج قليلة لكن البرد شديد جدّاً، لا يكاد يحتمل، ومصادر التدفئة أصبحت الحطب، ومن يستطيع جلبه في ظل هذه الحرب العدوانية؟ - أوضاع اللاجئين الشيشان: وضع المهاجرين في الشيشان على حالتين: المهاجرون خارج الشيشان: فهناك مهاجرون في داغستان، وقد توزعوا على منطقتين حدوديتين مع الشيشان: ١ - منطقة (خساريون) وعدد المهاجرين في هذه المنطقة (٠٠٠ر٥٠) مهاجر يعيش معظمهم في البيوت، (بنسبة ٩٥%) مع الأسر الشيشانية هناك، ويلاقون ضيافة كريمة من إخوانهم المسلمين هناك، والباقون يسكنون في المدارس. ٢ - منطقة (كزليار) وعدد المهاجرين في هذه المنطقة (٢٠. ٠٠٠) مهاجر، علماً بأن ٨٠% من المهاجرين، في هاتين المنطقتين من الأطفال (٤٠% منهم رضع) . وهناك مهاجرون في الجمهورية الصغيرة المجاورة (أنقوشيا) ، ويقدر عددهم بـ (١٣٠. ٠٠٠) مهاجر، وهذه إحصائيات تقريبية؛ لأن جميع وسائل الاتصالات والمواصلات مقطوعة مع هذه الجمهورية. - الأوضاع الصحية: أما بالنسبة لأحوال المستشفيات فمعظمها يعمل في مداواة الجرحى والمصابين، أما مستشفيات الأمراض الأخرى: فلم يعد في هذه الظروف يتذكرها أحد؛ فمئات الجرحى يَرِدون يوميّاً على مستشفيات الشيشان، وهذا أمر مكلف جدّاً. ولا يوجد في المستشفيات حتى أقل الإمكانات الطبية، فالفرش قد كسيت بالدماء، إذ لا وقت لعمليات التطهير والتعقيم والتغيير، وينام المرضى على أسرة مكسرة وممزقة الفرش، أما أدوات الجراحة والعمليات، فلا يتوفر منها سوى القليل من المخزون القديم، وكذلك الأدوات الطبية الضرورية كالشاش والقطن. - أوضاع الدعوة: أما حال الإسلام والدعوة في الشيشان اليوم، كحال أي بلد مسلم حكمته الشيوعية الحمراء زهاء سبعين سنة من الظلم والجبروت والإذلال؛ فالناس بعامة في غفلة عن الإسلام وعن تعلم شرائعه السمحة، شأنهم في ذلك شأن كثير من البلدان الإسلامية. ومعظم الشباب قد أبعدتهم الشيوعية الحمراء عن تعاليم دينهم الصحيحة، وفي الوقت نفسه نشطت الصوفية البعيدة عن تعاليم الإسلام الصحيحة في الشيشان، وانتشرت بواسطتها البدع. ولكن هناك بعض الطلاب سواء من العرب أو من الشيشان المهاجرين قديماً إلى البلاد العربية لهم جهود طيبة في الدعوة، وقد أنشئ مركز إسلامي في (جروزني) ، وقد لمس كاتب هذه السطور من إخواننا الشيشانين رغبتهم الشديدة في العودة إلى الإسلام، وحرصهم في البحث عن مسائل العقيدة، وهناك مسائل فقهية كثيرة يستفسرون عن حكمها. وهذه فرصة عظيمة، وبوابة مفتوحة للدعوة. ومن العوامل المساعدة لعودتهم إلى الله كثرة مشاهدة الجنائز والقتلى، وتذكر المصير الحتمي، فهم الآن بحاجة ماسة إلى دعم دعوي شديد؛ لتأصيل العقيدة الصحيحة في النفوس من خلال الكتيبات والأشرطة وما شابه ذلك، وعندهم الاستعداد للتقبل، فهم إذا سمعوا بسنة يعملون بها، والمرأة عندما تعرف ما يجب من الحجاب تطلب الحجاب الكامل، هم يتلهفون على المصاحف بكل شوق ... وهذه صورة مختصرة في هذا المجال الدعوي. - بعض المشاهد داخل الشيشان: امرأة تحكي ما رأت في (جروزني) ، وأنها شاهدت بنفسها طفلا لايتعدى العاشرة من عمره ممدداً على الأرض بعد أن قطع الجنود الروس أطرافه الأربعة. قصفت الطائرات الروسية قسم الولادة في مستشفى المدينة، مما أدى إلى مقتل غالبية الأطفال حديثي الولادة الذين كان يضمهم المستشفى. عشرات من الفتيات والنساء يتعرضن للاغتصاب من الجنود الروس. رجل مقتول يدعي (أيوب) يبلغ من العمر (٤٢) عاماً: تعرض للاغتصاب! من قبل الجنود الروس أمام أبنائه، ثم قُتل بعد الجريمة. دخلت مجموعة من الجنود على بيت فيه عجوز وشيخ وأبناؤهما، ثم أمروا الشيخ والشيخة أن يخلعا ملابسهما ويمارسا الجماع أمام الجميع وعندما رفضا: اغتصبوا الشيخ، وقتلوا الجميع. بعد هذا الاستعراض السريع لأحوال المسلمين في الشيشان، والأحوال التي رأيتها وعايشتها في أرض الواقع، وبعد أن عرضنا جزءاً يسيراً من حالة المسلمين في تلك الديار، ذلك الحال الذي يتعسر على الكلمات وصفه! بقي السؤال: ماذا عسانا أن نفعل بعد هذا البيان؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل. - أحسن الله عزاءكم وعزاءنا يا أهل الشيشان. والمجلة ماثله للطبع وردت الأخبار مؤكدة ما أشيع عن العملية الدنيئة باغتيال الرئيس (جوهر داوديف) ولقد سبق للبيان أن تطرقت في العدد (٨٤) لحياة الفقيد ومواقفه وإصراره على تحرير بلاده من الاحتلال الروسي، ولماذا حاول الروس إسقاطه واستراتجيتهم التي نفذوها في ذلك، ووقفة مع حماسه الإسلامي وآماله الكبيره بحكم الإسلام بعد عقود من الحكم الروسي البغيض، والبيان ترجو أن يكون في هذا الحدث الجلل ما يجمع الشمل ويوحد الصف ويجدد العزم على تحقيق آمال هذا الشعب إن شاء الله. ... ... رحم الله الفقيد وعفا عنا وعنه وغفر لنا وله.

стр. 2222

في دائرة الضوء الدين والعلم على أعتاب قرن جديد بقلم: خميس بن عاشور نعيش اليوم في أواخر القرن العشرين، والعالم كله يستعد للدخول في القرن الواحد والعشرين، والعالم الغربي المتقدم مشغول كثيراً بهذا الحدث، فهو يعمل جاهداً على نشر أفكاره وهيمنته على أطراف العالم، بل صار يتطلع إلى أقطار السموات والأرض مستكشفاً لبطاح جديدة يرسو عليها بسفائنه ويحط فيها بمراكبه الفضائية. وأما الدول والأنظمة المتخلفة: فإنها تحاول أن تتظاهر بالاهتمام المزيف والمبالغ فيه، لأنها ربما لا تعلم أنها لا تزال تعيش من حيث التقدم المادي مع بداية القرن العشرين، ولكن العالم الغربي يهوى كثيراً أن يتندر ويضحك على وقع شحطات هؤلاء الذين يرومون دخول القرن القادم على متن عربة بخارية حاملين في أيديهم بندقية بارود ذات طلقة واحدة.! ! إن هذا المشهد لا ريب يدل على أزمة حضارية حقيقية وأزمة إنسانية نعيشها في عرصات هذا العالم المضطرب بأفكاره وفلسفته ومنهجيته، فهذه التكنولوجيا المعقدة لم تعد منذ عهد قريب سرًّا من الأسرار التي تعلل قوة مجتمع من المجتمعات، ولا سيما عندما أصبحنا نشاهد هذه التكنولوجيا في صورة ألعاب يلهو بها الأطفال في كل مكان، لقد أصبحت التكنولوجيا ملكاً للإنسانية جمعاء، ولا يسعها أن تكون سرّاً مكنوناً، بل لا يمكنها أن تكون كذلك ولو أرادت؛ فبعدما كان الاختراع العلمي يحتاج إلى زمن طويل نسبيًّا لكي يصير تطبيقيًّا على نطاق واسع، تقلصت هذه المدة إلى درجة كبيرة بعدما تمكن الإنسان من أصول وقواعد العلوم وجعلها أسيرة أهوائه ورغباته، وحتى الاختراعات المذهلة في ميادين الأسلحة النووية والكيماوية فإن الكثير من الدول أصبحت مالكة للخبرة العلمية التي تمكنها من صناعتها وتطويرها، غير أنه يمنعها من ذلك قلة الأموال من ناحية، والضغوط الدولية لمحاصرة إنتاج هذه الأسلحة الفتاكة من ناحية أخرى. إن الأخطار الكبيرة التي أصبحت تتهدد الإنسانية جراء بعض المخترعات العلمية جعلت العالم بأسره يتورط في مشكلة أخلاقية نجمت من اعتداء العلم المادي على الطبيعة وعلى إنسانية الإنسان الذي أصبح يعامل معاملة الأشياء والآلات. لقد تطور العلم المادي تطوراً كبيراً، في حين بقيت بعض العلوم متأخرة، العلوم التي تعالج قضايا الإنسان من حيث هو إنسان. إن العالم اليوم في حاجة إلى المسلمين، وأما المسلمون فحاجتهم مع بداية القرن القادم، ليست هي العُدد المادية فحسب، ولكن الأهم من ذلك هو تلك العُدد المعنوية الكبيرة، وهل العالم الإسلامي اليوم في مستوى هذه المسؤولية؟ ، أو بالأحرى: هل هو سائر على الطريق القويم لتحقيق هذه القوة الحقيقية، قوة المستقبل؟ . إن كل المؤشرات والأدلة تتجه نحو إثبات تلكم الحاجات الملحة للإنسان المعاصر من أجل معرفة ذاته، وهذا ما قد يفسر الاندفاع نحو العودة إلى إنسانية الإنسان، وعودة الدين إلى مكانته في نفوس الأفراد والمجتمعات. وكثير من المحللين يغضون الطرف عن حقيقة هذا التوجه العالمي نحو إعادة الاعتبار إلى الدين، وخاصة من لدن أولئك الذين أطلقوا على أنفسهم كذباً وزوراً مثقفين، فهم يعتبرون المتديّن خارجاً من دائرة الثقافة، واصطلحوا على أن المثقف لا بد من أن يكون (لائيكيًّا) أي: جاعلاً الدين وراءه ظهرياً، مع أن الثقافة في لغة المعاجم تقوم على أركان، من أهمها: العلم، والدين، والفن ... ولذلك فإنه بإمكاننا أن نحكم على الثقافة بالمفهوم الحالي أنها في أزمة قاتلة. لقد حاول هؤلاء المثقفون جهدهم إنشاء تلك الفرقة والقطيعة بين العلم الطبيعي والدين، غير أن علماء الطبيعة أنفسهم كذبوا هذه العلاقة وبينوا أن ميادين الفكر التي لا تزال تبحث عن موضوع لها لا يمكن اعتبار نتائجها إلا وهماً وسراباً، وذلك عندما تكون هذه النتائج تتصادم مع حقائق العلوم الموضوعية، ولنا أن نقدم بعض الشهادات لأكبر علماء الطبيعة في هذا العصر هديةً إلى أولئك المثقفين الذين لم يأخذوا من الثقافة الغربية غير الكفر الذي يسمونه (لائيكية) وتنويراً: يقول الفيزيائي والفلكي الإنجليزي (آرثور ستانلي أربجتون) : (إن الفيزياء الحديثة تقودنا بالضرورة إلى الله، ولا تبعدنا عنه، ولم يكن أي مخترع للإلحاد عالماً طبيعيّاً، بل كانوا جميعاً فلاسفة أنصاف معتدلين جدًّا) [١] ويقول الإنجليزي (أرنست روثر فورد) (١٨٧١م١٩٣٦م) الحائز على جائزة نوبل سنة ١٩٠١م: ( ... وأيضاً العالم النزيه الذي كشف بعضاً من جوانب الوجود، لا ينبغي أن يكون مرتاباً في الله، إنه لتفسير خاطئ في الأوساط المتخصصة، أي: إن العالم الذي يعرف عن الوجود أكثر من غيره يتوجب عليه أن يكون بلا رب، العكس هو الصحيح تماماً ... ) [٢] ويقول الفيزيائي الأمريكي (أرثور هـ كومبتون) (١٨٩٢م١٩٦٢م) الحائز على جائزة نوبل سنة ١٩٢٧م: ( ... بعيداً عن هذا جدًّا أن تكون في نزاع مع الدين، فقد تحول العلم إلى حليف للدين، فمن خلال فهم أفضل للطبيعة نتعرف بشكل أفضل أيضاً إلى الله، وإلى الدور الذي يجب أن نلعبه في مسرحية (!) الكون) [٣] . إن هذه الحضارة المعاصرة لها جذور دينية من غير شك رغم إنكار هؤلاء المثقفين لهذه الحقيقة الدامغة، سواء أنظرنا إليها مظاهر وصوراً، أو أصولاً وقواعد فكرية؛ فمن حيث المظاهر لنأخذ ثلاثة أمثلة: من آسيا نأخذ اليابان، ومن أوروبا بريطانيا والدول الاسكندنافية، ومن أمريكا الولايات المتحدة، وهذه الدول هي الأكبر والأكثر تقدماً ومدنية، فسنجد أن اليابان دولة متديّنة وأن اليابانيين الذين بزوا غيرهم في العلوم الإلكترونية المعقدة يتدينون بالخرافات، ومنها: اعتقادهم أن الإمبراطور هو من أبناء وسلالة الآلهة، إضافة إلى أن الراية اليابانية ترمز إلى تلك الخرافات الدينية البدائية. وأما بريطانيا فإن الصليب هو شعار رايتها وكذلك الدول الاسكندنافية كلها، ولا تزال الملكة في بريطانيا تركب العربة التي تجرها الأحصنة، ولم نسمع بأحد من المثقفين يقول بأن الملكة متخلفة. وأما الولايات المتحدة فيكفي للدلالة على توجهها الديني الرسمي ما هو مكتوب على ورقة المئة دولار من عبارة (نثق بالله in god we trust) بالإضافة إلى اعتراف (البراجماتية) وهي فلسفة المجمتع الأمريكي بالدين ورعايته والدعوة إلى التمسك به، ورؤساء الولايات المتحدة يحرصون دائماً على ارتياد الصلوات في الكنائس الأمريكية. وأما عندما ندرس أصول هذه الحضارة الغربية فإننا نجدها مرتكزة على أسس دينية، وهذا عكس ما هو متداول عند بعض المثقفين المسلمين وغيرهم، وبإمكاننا الاستشهاد على ذلك بكتاب لأحد علماء الاجتماع الألمان (ماكس فيبر) (١٨٦٤م١٩٢٠م) وعنوان كتابه هو: (الأخلاق البروتستانتية والفكر الرأسمالي) وقد واجه في هذا الكتاب ادعاءات الماركسية من أن الاقتصاد هو الذي يؤثر في الفكر وليس العكس، وبيّن أن الدين هو الذي قام عليه الفكر الرأسمالي، ومعروف أن العقيدة البروتستانتية تحث على الإخلاص في العمل والحث على الإتقان فيه [٤] حتى صارت الصناعة الغربية آية في الإتقان والجودة، والجميع يعلم أن الثورة الصناعية قامت في بريطانيا حيث غالبية السكان على العقيدة البروتستانتية. وأما المسلمون بوضعهم الحالي: فإنه ليس لديهم ما يدخلون به إلى القرن القادم، ولا يملكون من الأشياء المادية والنظريات العلمية ما يجعلهم يساهمون في صياغة الاستراتيجية القادمة، إلا أنهم في الحقيقة يمتلكون شيئاً هو أسمى من كل هذه الماديات والتقنيات المذهلة، إنهم يملكون هذا الدين الإسلامي العظيم الذي تفتقر إليه المدنية الغربية، وبعبارة أخرى: إنهم يمتلكون دواءً خطيراً من شأنه أن يعالج مشاكل الإنسان التي تقوده إلى الشقاء والانتحار والبؤس المعنوي، إنهم باختصار يمتلكون قوة المستقبل. ولنتساءل هل حققت المدنية الغربية بوضعها الراهن سعادة الإنسان؟ . إننا نشعر دائماً بأن العلم وتطبيقاته قد انحرف عن وظيفته الإنسانية المتمثلة في خدمة قضايا الإنسان من حيث هو إنسان، بل إننا نجد شياطين الفكر الغربي وفلسفته قد وضعوا للناس مُسَلّمة، هي: أن العلم والدين ضدان لا يلتقيان، فإما أن نأخذ بتلابيب الدين ونتمسك به، فنبقى في تخلف دائم، وإما أن نترك الدين لكي نرقى في سلم المجد والرقي المادي والتقنية؛ لنصل إلى درجة من الرفاهية تمكننا من تلبية رغباتنا وشهواتنا إلى أبعد الحدود، ولكن النتيجة والثمرة التي وعد بها هؤلاء الشياطين تخلفت، بل كانت وبالاً وخسراناً، ففي غياب من الدين تسبب العلم والاستغلال المتوحش للتكنولوجيا في تلويث الطبيعة، وصار الإنسان في بعض المناطق من كوكب الأرض لا يجد الهواء النقي لكي يتنفسه، وفي غياب من الدين ظهر الظلم في أبشع صوره متمثلاً في استعمار شعب بغرض نهب ثرواته، وبعيداً عن توجيهات الدين صارت المرأة مفتولة العضلات كالرجل، وفقد الإنسان بالتالي إنسانيته وهو أغلى ما يمتلكه، وليس غريباً إذن بعد هذه الكارثة أن يتوجه الإنسان بتساؤلات عن قيمة هذا الوجود الذي طغت عليه المادة والفكر المادي، وعن الغاية التي يمكن أن يصل إليها بعد هذا البعد عن قضايا الإنسان الأساسية، وبعبارة إسلامية: البعد عن الفطرة التي فُطر الناس عليها، وبعد هذه الصدمة أدرك الإنسان المعاصر أن الدين هو الدواء الوحيد الذي لا مناص من استعماله لعلاج هذه الأمراض التي تفتك بالروح والجسد معاً. إن هذا التوجه العالمي نحو الدين جعل بعض الملاحظين يرون في ذلك مؤشراً لرجوع الحروب الصليبية (الدينية) ، وهذا الحكم قد يكون صحيحاً، ولكن بالإمكان تفاديه واجتنابه عن طريق الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وأما اللجوء إلى الحروب، فإن تجارب الإنسانية في هذا الميدان تجعلها ربما تفكر في طرق أخرى، سيما وأن الساحة العالمية اليوم تدندن على وتري الحوار والسلام العالميين، ونؤمن نحن المسلمين بوسيلة الدعوة إلى الله، كما أننا نؤمن إيماناً قويًّا بأن الإنسانية ستستجيب إلى داعي الله الذي يدعوها بإخلاص إلى التوبة والرجوع إلى طريق الله وطريق الإسلام، وذلك كلما ألفينا السبيل منشرحاً بدون وجود عوائق نحو قلوب التائهين والتائهات في هذا العالم المريض بأفكاره وحضارته.

стр. 2223

مذكرات قارئ كارتر.. من الرئاسة إلى التنصير بقلم: محمد حامد الأحمري عندما تنتهي فترة رئيس أمريكي في الحكم، فإنه وأنصاره يبحثون عن مشروع يخلد ذكراه ويقدم به نفعاً للأمة من بعده، وقد اكتسبت أغلب مشاريع الزعماء السابقين شهرة كبيرة، وخدمت المجتمع، وقد اتخذت في غالبها طابع المؤسسة الثقافية والعلمية مثل: مركز هوفر، ومركز كيندي، ومكتبة ريجان، ومركز روزفلت، وجامعة إيزنهاور ... وأمثالها. وأما كارتر، الرئيس الذي جاء به إلى الرئاسة التوابون! (المولودون من جديد) في المسيحية، فقد أنشأ مع زوجته روزالين مركز كارتر في مدينة أطلنطا، وبدعم من كنيسته، وهذا المركز أظهر للناس اهتمامه بالقضايا الإنسانية والسياسية، والبحث عن السلام في العالم، أو كما يقول كارتر: (إنهم يقومون بفتح صدورهم وقلوبهم للناس، ونشر كلمة الله) ، وقد قام المركز بأعمال مهمة وبارزة في العالم، من اليابان شرقاً إلى المساعدات الطبية للنساء في جورجيا، وبناء المساكن للفقراء في فلوريدا، ومروراً بإفريقيا، حيث يقومون بأنشطة في أكثر من ثلاثين دولة إفريقية، وساهم المركز في تجنب وقوع حرب بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، ونزع فتيل الحرب من هاييتي، وساهم في المصالحة البوسنية الصربية السابقة، وتدخل في السودان، وكانت لقاءات متعددة ما بين روزالين كارتر والبشير، وقد عبرت عن انزعاجها من تعامل البشير معهم، ومن مشكلة المواعيد التي كانت تعطى لهم، وتحدث كارتر عن اهتمامه بالسودان، وبخاصة الجنوب السوداني. وعند المركز ما يسمى بمشروع القرن، وهذا المشروع في إثيوبيا، وهو مشروع دعم زراعي وديني لمئة وعشرة آلاف عائلة إثيوبية، حيث يوفر المركز حقلاً صغيراً وخدمة وإشرافاً ومتابعة لكل أسرة يتم تنصيرها، إذ يرى كارتر أن تطوير إفريقيا يجب أن يتم روحيًّا! وماديًّا. وبعد خروجه من الرئاسة لم يقر له قرار، ويرى أن عمله (منصراً) هو عمل أرقى من الرئاسة، وهو الذي يليق به وبقدراته، يعمل ذلك في راوندا، وبورندى، وكينيا، وهاييتي، واليابان، وغينيا، وغانا، وزيمبابوي، ويقابل السكان في نيجيريا يقدم لهم النصرانية، وينصبونه زعيماً للقبيلة، ويعطونه الراية، وأرضاً يبني عليها قصره، ويبني لهم الكنائس، ويوزع الإنجيل والذرة! ثم يرجع إلى أمريكا يتحدث عن قصصه مع المزارعين والفلاحات في أدغال إفريقيا، ولا ينسى أن يذكر للشباب النصارى ولداعمي المشاريع هناك كيف أن عدداً من الأفارقة يمنعونه من مساعدتهم في المزارع، ويقولون له: لا تشارك فتتسخ ملابسك، ولكنه يقول: (إني ألبس ملابس العمل والزراعة) .. ويذكر أيضاً من مشكلات العمل في إفريقيا: أن الوزراء في الحكومات الإفريقية لا يستطيعون كتابة خطط للتنمية؛ لذا: يقوم المركز بكتابة خطط التنمية لهذه الدول، ولأن مقياس الوزارة في حكومات إفريقيا ليس القدرة ولا المعرفة، بل هو غالباً روابط قبلية وقرابة وصداقة. ومما هو جدير بالملاحظة: أن هذا المركز التنصيري استطاع إقناع الحكومة الأمريكية والبنك الدولي ومؤسسات عالمية أخرى أن يتم تنفيذ مساعداتهم لإفريقيا عبر ذلك المركز وبالاشتراك معه، بحيث أصبح عدد من المشاريع الدولية يدار من قبل الكنائس مباشرة، تحت أسماء ومؤسسات عالمية، ومما أكسب هذه المشروعات نجاحها أن كارتر يشرف مباشرة على العديد منها، وإلى جانب هذا: فإنه مستمر في مواعظ الأحد في الكنيسة، وسوف تصدر مواعظه مطبوعة في كتاب، كما أنها توزع مسجلة بصوته، ولعل القارئ لا ينسى أنه هو الذي أقام الصلاة في الكنيسة في يوم الأحد الذي سبق توقيع اتفاقية السلام الأولى في واشنطن، وهو صاحب كتاب (دم إبراهيم) الذي كتبه بعد توقيع السادات للصلح، و (دم إبراهيم) يقصد به دم العرب واليهود أبناء إبراهيم كما هو مشهور عندهم في الكنيسة. بقي أن نعلم أن هذا المتقاعد النشط كان مسؤولاً عن أقوى حكومة علمانية لا تخلط الدين بالسياسة! ! وقد كان يحرص في القضايا السياسية العامة أن يبعد عن نفسه وعن سياق كلامه الطابع الديني قدر طاقته، ويخفي حقيقة جهوده. وقد سمعت أحد الزعماء يصفه بعد مقابلة معه بقوله: كارتر هذا (قدّيس) ! ! من شدة ما رأى منه من انصراف روحي كامل لمناصرة الكنيسة، لقد كان وما زال كارتر زعيماً عمليًّا ومنصراً جادًّا، يثير نشاطه أسئلة كثيرة.

стр. 2224

بريد البيان وفاة عالم فاضل وصلت المجلة لمحة وفاء وتعريف بالعالم الجليل فضيلة الشيخ (زيد بن عبد العزيز بن فياض) ﵀ الذي وافاه الأجل يوم ٢١/١١/١٤١٦هـ من تلميذه (عبد الله بن علي بن عامر) وفيما يلي تلخيص لما كتب: ولد فضيلة الشيخ في روضة سدير المشهورة سنة ١٣٥٠هـ، وحفظ القرآن وهو ابن اثنتي عشرة سنة، أتم دراسته الجامعية وتخرج في كلية الشريعة عام ١٣٧٦هـ، وقد عين فور تخرجه عضواً في دار الإفتاء، كما مارس التدريس بكلية الشريعة، وكان من مؤسي مجلة الدعوة ومن أساتذته العلامة الشيخ (محمد بن إبراهيم) مفتي عام المملكة العربية السعودية الأسبق ﵀ . كان الفقيد ﵀ : واسع العلم، حسن الخلق، يصدع بكلمة الحق، وقد وتمتع بقوة ذاكرة، وتواضع جم. من مؤلفاته: الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية، وهو من أوسع شروحها وختاماً ... يدعو تلميذ الشيخ طلبة العلم إلى دراسة هذه الشخصية؛ لتتعرف الأجيال عليها، ويقتدوا بها. رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته.

стр. 2225

الورقة الأخيرة (نخبة) البيوت المحميّة بقلم: د. محمد البشر طلائع النخبة التي تحمل أعلى المؤهلات العلمية وتنتسب إلى أجلّ الوظائف الإنسانية في بلداننا العربية تصاب بداء عضال ومرض اجتماعي يسلبها مكانتها وتأثيرها في الأوساط التي تعيش فيها.. وبخاصة تلك النوعية من النّخب التي درست وعاشت في الأجواء الطبيعية للإنسان.. ومارست كل طرائق التعبير الحر عن إنسانيتها وهويتها. مجرد أن تطأ أقدامها الأراضي العربية وتبتلعها أمعاء المجتمع، نجد أن أفراد هذه النخبة يصابون بازدواج في الشخصية، يفقدهم سمات تلك الهوية التي طالما عبروا عنها وكافحوا من أجل الحفاظ عليها.. بل ناضلوا بالقلم واللسان والفعل من أجل أن تصل معانيها السامية إلى الآخرين.. شفقة عليهم.. ورحمةً بهم.. وإنقاذاً لهم من المُزلات والمُضِلاّت. ما أن تعود هذه النخبة إلى أوطانها وتلبث هنية من الزمن حتى تتكيف مع أساليب العيش في البيوت المحمية.. وتتعرف على فن التعامل مع الرموز.. وتفكيك الطلاسم.. وتأخذ دورها (غير) الطبيعي على المسرح، الذي لا يسمح بالخروج عن النص.. ويؤكد على ضرورة أن تكون الشخصيات مستعارة على الأقل أثناء حركتها على خشبة المسرح وما عدا ذلك فهو شأن خاص. وفي هذا الاستثناء تمارس النخبة دورها الطبيعي.. وعوضاً عن أن تكون فترة الاستثناء وقتاً لاجتلاء الصدأ الذي علق بعقلها وإزالة ركام الزيف الذي ملأ مساحات فكرها، نجد أن هذه النخبة تمارس نوعاً من الحنين إلى ما مضى من أيامها.. والقراءة المتأنية لتاريخها.. و (قد؟ !) يساورها شعور بالذنب وتأنيب الضمير إذا ما أحست بالفارق بين أمسها ويومها.. ومع ذلك كله فهي عاجزة عن أن تحدث تغييراً.. ليحس لأن المصلحة تقتضي الانتظار والتريث.. وليس لأن ذلك من لوازم العقل والاتزان والاعتدال والتسديد والمقارنة وغير ذلك من معاني الحكمة.. بل لأنها أَلِفَت الدور واستكانت له.. فهي أضعف من أن تُسفر عن مبدأ.. أو تعلن عن شخصية.. أو تناضل عن هوية. إنها نخبة البيوت المحمية.. تتغذى بتربة غير التربة.. وتستنشق هواءً غير الهواء.. وتنتج ثمراً غير الثمر. إنها نخبة البيوت المحمية.. التي تتبسم في العلن.. وتتمعر في الخفاء..

стр. 2226

صفر - ١٤١٧هـ يوليو - ١٩٩٦م (السنة: ١١)

стр. 2227

كلمة صغيرة المنهج والوسيلة أجمع علماء السلف الصالح على أن اتباع الرسول- ﷺ لا يتم إلا باقتفاء آثاره في كل شأن، ومنه اتباع سبيله في الدعوة إلى الله: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] . ولا شك أن التهور والعنف ليس وسيلة لإصلاح المجتمعات وتقويمها، كما أن الغلو في التكفير غير المنضبط بالضوابط والأصول الشرعية المتفق عليها عند سلف الأمة مزلق غير محمود العواقب. أما جهاده- ﷺ فقد كان له صفات مذكورة، ومعايير مضبوطة، وأهداف محددة، مبثوثة في كتب أهل العلم الأثبات. إننا بحاجة إلى بيان واتباع منهج الرسول- ﷺ في العلم والعمل، وفي الدعوة والإصلاح. وبحاجة أيضاً إلى البحث في أسباب انحراف بعض الشباب عن الوسيلة الدعوية الصحيحة. وهذا يتطلب بلا شك تصدّر العلماء، وقيامهم بواجب التعليم والدعوة. والله نسأل للجميع العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2228

افتتاحية العدد الأصولية بين الاتهام والحقيقة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.. وبعد: ما زلنا وسنستمر بإذن الله دائبين انطلاقاً من رسالتنا الدعوية في الذب عن ديننا الحنيف، وكشف كل ما يراد به من نوايا باطنة ومشكوفة للإساءة إليه ولدعاته وعلمائه وللمنتمين إليه، وقد تطرقنا في افتتاحيات (البيان) وكثير من مقالاتها إلى هذا الاتجاه وفضحه. وبادئ ذي بدء: فالإسلام دين رباني يقوم على الكتاب والسنة وإجماع الأمة بفهم سلفنا الصالح ... هذا ما ندين به، وما عداه من المنطلقات القديمة والجديدة مما يخالف ذلك الفهم فهي منبوذة في نظرنا ولا قيمة لها البتة. والأصولية المقصودة في رأي كثير من وسائل الإعلام الأجنبية وصداها في عالمنا الإسلامي والعربي هي نهج فئات من النصارى ممن يَدْعُون إلى العودة لجذورهم وأصولهم المعتبرة عندهم، وقد سبق لنا في هذه المجلة إيضاح حقيقة تلك الأصولية، والمراد منها، والأخطاء المقصودة وغير المقصودة من إلصاق هذا الفهم بالإسلام والمنتسبين إليه بحق، وأن الهدف النهائي الذي يدندنون حوله هو إلصاق تهمتي (التطرف والإرهاب) بالإسلام ودعاته، مع العلم أن ما يحصل من ذلك القبيل منسوباً لفئات إسلامية لا تمثل الإسلام الصحيح، وقد يكون سبب ذلك انتشار الفساد في بعض المجتمعات في ظل سيطرة التطرف العلماني ... وما نريد الوصول إليه: أن نبين للقارئ الكريم أن تهمة الأصولية إياها تأخذ منحًى عجيباً ومفترى، يراد من ورائه إلحاق الأذى بالإسلام ودعاته، مع غض النظر عن كل التوجهات الأصولية الأخرى في بلدان العالم التي أصبح لها حق الوجود والعمل في وضح النهار، بما في ذلك حق الدخول في الانتخابات والمنافسة للوصول إلى سدة الحكم، وعلى سبيل المثال لا الحصر (حزب الليكود الصهيوني) ، الذي نافس حزب العمل الحاكم في دولة يهود ووصل للحكم مرات وآخرها في الانتخابات الأخيرة حيث أعطاه الشعب اليهودي خياره، مع العلم أن الحزبين في نظرنا وجهان لعملة واحدة.. صحيح أن حزب (الليكود) - وهو تكتل أحزاب دينية أصولية متطرفة - وحزب العمل ينطلقان من أسس توراتية وتلمودية معروفة (لا تفريط في الأرض، ولا في بناء المستعمرات أو إخلاء القائم منها) و (لا تنازل عن القدس عاصمة لهم) فضلاً عن (التحجيم لكيان الحكم الذاتي ورفض عودة فلسطينيي الشتات) ، ومع ذلك: تقول الإدارة الأمريكية بعد فوز الليكود: على العرب ألا يتعجلوا الحكم على حكومة (نتنياهو) .. هكذا بكل بساطة؛ لأن المسألة مراعاة لليهود لكسب أصواتهم ذات الفعالية، أما العرب فهم آخر من يُفَكّرُ فيه. وفي الهند وجدنا حزب (بهارتا جاناتا) الهندوسي الأصولي المتطرف له حق الوجود، بل حرية العمل حتى وصل إلى المرتبة الأولى في الانتخابات الأخيرة، وقد نحى (حزب المؤتمر) العتيد، وكُلِّف رئيسه بالوزراة فعلاً، ولولا منافسة الأحزاب الهندية الأخرى واجتماعها ضده لوصل إلى الحكم؛ فذلك الحزب المتطرف له مواقفه العنصرية ضد أكبر أقلية في العالم وهم (المسلمون في الهند) ؛ حيث قَتَلَ الآلاف منهم وهدم المساجد، ومن أشهرها (مسجد البابري) ، وبعد فوز الحزب أعلن رئيسه أن كشمير كلها هندية، وأنه سيعيد بناء المعبد الهندوسي على أنقاض مسجد (أيوديا) . هذان مثالان على التسامح الدولي مع الأصوليين غير المسلمين.. ولم تنل تلك الأحزاب المتطرفة من الإعلام الغربي بخاصة وتابعيه في الإعلام العربي ولا (١%) من حقد وعدواة وتهويل مما وجه إلى الإسلاميين بمجرد الإعلان عن دخولهم الانتخابات، بل وجدنا الشعار الديمقراطي جاهزاً: ضرورة احترام اختيار الناخب (غير المسلم بالطبع!) . وإن كان الموقف الغربي من دولة يهود معروف - وهو الانحياز الكامل لها - لأسباب معروفة، إلا أن الهند لم يوجه إليها أي هجوم أوتحذير من خطر تمكين الأصوليين فيها، أو التلويح لها بالمقاطعة، أو التهديد بالاجتياح إن استلم الحزب الأصولي السلطة كما فعل (ميتران الهالك) حينما أوشك (االإنقاذيون) في الجزائر على الوصول إلى الحكم، بل إن أمريكا أبدت استعدادها للاعتراف بالحكومة الهندية مهما كان توجهها. إننا نتساءل بكل صدق: أين الخوف المزعوم من الأصولية؟ ! وأين الرعب المدّعى من خطر إمساكها بزمام الحكم؟ ! ، أم أن ذلك لا يكون إلا حينما يكون الأمر في ديار الإسلام؟ . وإن كان للعدو الصهيوني مكانته لدى الغرب بعامة وأمريكا بخاصة؛ وذلك بالدفاع عنه بالتحالفات الاستراتيجية وإعطائه كل ما يريده من أسلحة الدمار الشامل، وتمكينه من صنع القنابل النووية وأسلحة الدمار الشامل في الوقت الذي يحال دون الدول الإسلامية واستيراد الأسلحة المتقدمة وتثار الزوابع ضد أي بلد مسلم يشاع عنه محاولة اقتناء تلك الأسلحة، بل والتهديد بضربة لمجرد الاشتباه في ذلك وهذا ما حصل بالفعل، فما معنى ذلك؟ إن المسألة هي محاربة الإسلام والمسلمين ومحاصرتهم ووضعهم تحت سيطرة أعدائهم، بينما يعطى لعباد البقر في الهند حق اقتناء السلاح النووي، وامتلاك ما يشاؤون؛ نكاية بجارتهم باكستان.. وإن كانت حكومتها ذات منهج علماني، لكنها في الأخير بلد مسلم! . الحقيقة أن الموقف الأمريكي لا يُستَغْرَب، فأمريكا وإن كانت تتبنى الاتجاه العلماني بموجب دستورها إلا أن زعماءها يخلطون بين الدين والسياسة في علاقتها مع دولة يهود، يقول أحد الباحثين [*] في هذا المجال: إن الموقف الأمريكي من إسرائيل هو نموذج للخلط بين الدين والسياسة ... ، وهو الذي جعل كثيراً من رؤساء أمريكا ابتداءً من (ولسن) ينطلقون في سياساتهم حيال (إسرائيل) من رؤى توراتية، وهذا التناقض المكشوف لا تسلط عليه الأضواء ولا يكشف للناس؛ ليعرفوا الموقف الحقيقي لأولئك من الإسلام، وإلا.. فلماذا التسامح مع غير المسلمين، بل دعوتهم واستقبالهم وخطب ودهم، كما فعل مع زعيم (الشين فين) الأيرلندي الممثل لـ (منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي) صاحبة الأعمال الإرهابية (الحضارية) الشهيرة! إن الحرب ضد الأصولية بعامة هي في الأساس موجهة ضد الإسلام؛ لمحاولة إيقاف مده، ومنع انتشاره، ورفض أي تفوق باسمه، حتى ولو كان عن طريق الديمقراطية (المزعومة) ، بل إنهم أوعزوا إلى أصدقائهم في بعض الدول العربية لتقنين منع الاتجاهات الإسلامية من العمل مهما كان وزنها بدعاوى سخيفة ما أنزل الله بها من سلطان، وليس وراءها إلا ما عرفنا، ثم الخوف والخوف وحده من انتصار الإسلام، الذي طالما حاربوه مما ساعد على نشوء التطرف في الفكر والغلو في الفهم، وأدى بالتالي إلي مواقف متشنجة وتصرفات متهورة رد فعلٍ لتلك الأساليب الرديئة في الحكم، مما عاشت معه تلك البلدان واقعاً مأساوياّ معروفاً، وكان بإمكانها تجاوز واقعها الكئيب لو عادت إلى حكم ربها وتحكيم شريعته وفتح باب الحوار الذي يغلق كلما أراد عقلاء الأمة فتحه. إن أسباب تلك الحرب الضروس ضد الإسلام أو ما يسمونه مكراً بـ (الأصولية الإسلامية) راجعة لكراهية أعداء هذا الدين له، كما قال (تعالى) : [وّلّن تّرًضّى عّنكّ الًيّهٍودٍ وّلاّ النَّصّرّى حّتَّى تّتَّبٌعّ مٌلَّتّهٍمً] لكن.. ما مبرر هذه الحرب من أناس يحملون هويات مسلمة؟ ، لا شك أنه الانحراف والضلال وكراهية انتصار هذا الدين، وإن سموا ذلك بالعلمانية أو العقلانية أو الحداثة، ومع أن كل الظروف تعمل في ظاهرها ضد الإسلام والاتجاهات الإسلامية الصحيحة، ولكن النتائج ستكون بإذن الله بعكس ما يريدون، وستتسع العودة الصحيحة إلى الإسلام، وما حلت محنة بالأمة عبر تاريخها إلا وكانت سبباً في الرجوع إلى الله. [وّيّمكرونّ وّيًمكر الله وّالله خّير الًماكرينّ] .

стр. 2229

دراسات شرعية ضوابط الضرورة.. في الشريعة الإسلامية بقلم: د. عبد الله التهامي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد ... فإن لموضوع الضرورة أهمية بالغة جدًّا؛ إذ كثر غلط الناس في تلك المسألة، وذلك من عدة جهات: أولاً: من جهة تنزيلها؛ فقد تساهل كثير من الناس في ارتكاب محرمات ومحظورات شرعية بحجة أن ذلك من قبيل الضرورة الشرعية، مرددين: (الضرورات تبيح المحظورات) . ثانياً: من جهة ضبط هذه الحالة بضوابطها الشرعية؛ فلئن صدق على بعض الحالات أنها من باب الضرورة إلا أن كثيراً من أهل الضرورات تجاوزوا حد الضرورة، وتوسعوا في استباحة المحرمات وفعل المحظورات. وثالثاً: من جهة الرضا بالواقع، فقد استسلم معظم الناس إلى نعمة الترخص، ورغبوا في استبقاء هذه النعمة وعدم زوالها، مع أن مسألة الترخص تعتبر من الأمور العارضة والقضايا الطارئة، إلا أنها صارت في كثير من الأحيان عند بعض الناس ذريعة إلى التخلص والتفلت من الالتزام بقيود هذه الشريعة، والأخذ بعزائم أحكامها. ومن الأمثلة على ذلك: التساهل في ممارسة بعض أنواع المعاملات المالية المحرمة، واستقدام من لا يجوز استقدامه من الأيدي العاملة وغيرها، والسفر إلى مواطن الفتنة وأماكن الرذيلة والفساد، ودخول المرأة بلا محرم على الطبيب بصورة مألوفة معتادة، والخلوة المحرمة بين الرجال والنساء، والكذب في الحديث. هذه صور من الواقع تشهد بتفريط كبير وإهمال غير يسير في مناحٍ شتى من حياة الأمة، وهو انحراف واضح عن جادة السبيل. ثم: إن أهل الزيغ والهوى كثيراً ما يتعلقون بستار الضرورة في تحقيق مآربهم ونيل أغراضهم، فيحمّلون هذه الشريعة باطل صنيعهم وسوء مكرهم، بل وربما ينسلخون من الدين كله باسم الضرورة أو الحكمة أو المصلحة. تلك بعض الأسباب الداعية إلى بيان معنى الضرورة، وتحديد ضوابطها في هذه الشريعة، وقد جعلت الكلام مرتّباً في ست مسائل: ١- تعريف الضرورة لغة واصطلاحاً والفرق بينها وبين الحاجة. ٢- مدخل لفهم الضرورة الشرعية. ٣- أقسام الضرورة الشرعية. ٤- حكم العمل بالضرورة الشرعية. ٥- ضوابط الضرورة الشرعية. ٦- ضوابط العمل بالضرورة الشرعية. المسألة الأولى: تعريف الضرورة لغة واصطلاحاً والفرق بينها وبين الحاجة: ١- الضرورة في اللغة [١] : الحاجة والشدة لا مدفع لها، والمشقة، والجمع: ضرورات، وهي اسم لمصدر الاضطرار. والاضطرار: الاحتياج إلى الشيء، واضطره إليه: أحوجه وألجأه فاضطر. وأصل مادة (ضر) خلاف النفع. ٢- الضرورة في الاصطلاح: أ - عند العروضيين في الشعر، تطلق الضرورة على الحالة الداعية إلى أن يرتكب فيها ما لا يرتكب في النثر [٢] . ب- عند أهل الكلام: هي ما لا يفتقر إلى نظر واستدلال، حيث تعلمه العامة؛ يقال: هذا معلوم بالضرورة، أي: بالبديهة [٣] . ج- عند أهل الشريعة من الفقهاء والأصوليين: المراد بحالة الضرورة عند علماء الشريعة في مثل قولهم: يجوز كذا عند الضرورة أو لأجل الضرورة: تلك الحالة التي يتعرض فيها الإنسان إلى الخطر في دينه أو نفسه أو عقله أو عرضه أو ماله فيلجأ (لكي يخلص نفسه من هذا الخطر) إلى مخالفة الدليل الشرعي الثابت [٤] ، وذلك كمن يغص بلقمة طعام، ولا يجد سوى كأس من الخمر يزيل هذه الغصة. وقد تواترت الأدلة على أن هذه الشريعة جاءت لحفظ الضروريّات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. والمراد بالضروريّات: الأمور التي لا بد من المحافظة عليها حتى تستقيم مصالح الدنيا والآخرة على نهج صحيح دون اختلال، وإنما يكون ذلك بالمحافظة على هذه الأمور الخمسة، لذا تسمى الضرورات (أو الضروريّات) الخمس، وتسمى بالكليات الخمس أيضاً؛ لكونها جامعة لجميع الأحكام والتكاليف الشرعية، فهي كلية تندرج تحتها جميع جزئيات الشريعة، وتسمى أيضاً بمقاصد الشرعية؛ لما ثبت بالاستقراء التام لهذه الشريعة دقيقها وجليلها: كون المحافظة على هذه الأمور الخمسة أمراً مقصوداً للشارع [٥] . لذلك: صح عند العلماء جعل المحافظة على الأمر الضروري أصلاً ثابتاً لا يتغير أبداً، وأساساً قائماً لا يتعرض للخدش بوجه من الوجوه، وتسمى المحافظة على هذا الأمر الضروري حالة ضرورة إن ترتبت عليه مخالفة لحكم شرعي ثابت. وقد يقول قائل: ألا يعد العمل بالضرورة نقضاً وهدماً لأدلة الشرع؛ إذ فيه مخالفة واضحة للدليل الشرعي الثابت؟ فالجواب: إن العمل بالضرورة وفق ضوابطها الشرعية لا يعد هدماً لأدلة الشرع، بل هو عمل بالدليل الشرعي، إذ الضرورة ثابتة به، ثم إن العمل بالضرورة مقيد بضوابط تحفظ مقاصد الشريعة وتحققها، فالعمل بالضرورة مشروع في حدود مقاصد الشرع ومراميه النبيلة. بل إن العمل بالضرورة من الأمور التي تؤكد شمول هذه الشريعة لشتى الوقائع والحوادث، وتقرر صلاحها لكل زمان ومكان، ومواكبتها للأحوال والمتغيرات، كما أن في العمل بالضرورة تيسيراً ورحمة بالعباد ورعاية لمصالحهم، ودرءاً للمفاسد عنهم. ٢- الفرق بين الضرورة والحاجة [٦] : الضرورة حالة تستدعي إنقاذاً، أما الحاجة فهي حالة تستدعي تيسيراً وتسهيلاً، فهي مرتبة دون الضرورة؛ إذ يترتب على الضرورة ضرر عظيم في إحدى الكليات الخمس، ويترتب على الحاجة مشقة وحرج، لكنه دون الضرر المترتب على الضرورة، وقد تنزل الحاجة منزلة الضرورة: فيما إذا ورد نص بذلك أو تعامل أو كان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به؛ كتجويز الإجارة وعقد ... الاستصناع، وأجرة الحمام. المسألة الثانية: مدخل لفهم الضرورة الشرعية: في هذا المدخل ذكر لبعض القواعد الأصولية والفقهية المتعلقة بالضرورة، ولا بد عند ذكر هذه القواعد من ربطها بموضوع الضرورة كثمرة لهذا المدخل. ١- قاعدة المشقة تجلب التيسير [٧] : معنى هذه القاعدة: أن الشريعة الإسلامية في جميع أحكامها جاءت بما يقع تحت قدرة المكلف وإن ترتب على فعله مشقة كالجهاد والصوم والحج، وقد تخرج المشقة على وجه الاعتياد فتسبب حرجاً كبيراً لسبب من الأسباب؛ فها هنا تصبح هذه المشقة سبباً للتيسير والتخفيف، والتخفيفات في الشرع على نوعين: أ - نوع شرع من أصله للتيسير، وهو عموم التكاليف الشرعية في الأحوال العادية. ب - نوع شرع لما يوجد من الأعذار والعوارض، وهو المسمى بالرخصة، وهو المقصود بقاعدة " المشقة تجلب التيسير" فالقاعدة إذن مجالها: الرخص والعوارض، والضرورات؛ كأكل الميتة. وعلى هذا: فالضرورة من المشقة التي تجلب التيسير والتخفيف. ٢- قاعدة الرخص: الرخصة في الشريعة هي: (الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر) [٨] . وتنقسم الرخصة باعتبار سببها إلى أقسام [٩] منها: أ - رخصة بسبب السفر. ب - رخصة بسبب المرض. ج - رخصة بسبب الاضطرار، فالضرورة إذن من أسباب الترخص. ٣- قاعدة الاستحسان: الاستحسان في الشرع: (العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى منه) [١٠] فهو إذن: قطع المسألة عن نظائرها على عكس القياس الذي هو إلحاق المسألة نظائرها، وهذا الوجه القوي الذي أوجب قطع المسألة عن نظائرها قد يكون نصًّا أو إجماعاً أو قياساً خفيًّا أو ضرورة، فيعمل بالدليل الأقوى وهو أمر مستحسن، ولهذا سمي استحساناً [١١] ، وذلك مثل النظر إلى الأجنبية: لا يجوز لأحد أبداً لكنه جاز للطبيب ضرورة، فالاستحسان قد يستند إلى النص أو الإجماع أو الضرورة، فالضرورة إذن تصلح مستنداً للاستحسان. ٤- قاعدة المصالح المرسلة [١٢] : المصلحة عموماً قد تكون شرعية إن جاء بطلبها دليل خاص من الشرع، وقد تكون ملغاة إن جاءت على خلاف نصوص الشريعة ومقاصدها، وقد تخلو عن الدليل الطالب والمانع فتكون مرسلة. وتنقسم المصلحة المرسلة باعتبار قوتها إلى ثلاثة أقسام: فأقواها المصلحة الضرورية، ثم الحاجية، ثم التحسينية. والمراد بالمصلحة المرسلة الضرورية: المحافظة على الأمور الضرورية التي لم يدل على اعتبارها دليل خاص، وهذه المحافظة بينة ظاهرة في حالة كون الضرورة ثابتة بطريق الاجتهاد، فالضرورة إذن قد تكون من قبيل المصالح المرسلة. ٥- قاعدة الضرر يزال [١٣] : هذه القاعدة من القواعد الفقهية الكبرى، وهي تشمل أصلين مهمين: أ - النهي عن إيقاع الضرر ابتداءً، باتباع شتى وسائل الوقاية والحماية لئلا يقع الضرر. ب - وجوب رفع الضرر إن وقع باتباع أفضل السبل العلاجية. وقول الرسول: (لا ضرر ولا ضرار) [١٤] يشمل هذين الأصلين، وفي الأخذ بالضرورة تحقيق لهذه القاعدة. وخلاصة ما تقدم أن يقال: إن وقوع الضرورة لون من ألوان المشقة التي تستدعي تيسيراً وتسهيلاً في هذا الدين، وذلك أيضاً سبب من أسباب الترخص، فتدخل الضرورة لذلك في باب الرخص، وبالنظر في الدليل المحرّم نجد أن الضرورة حالة استثناء توجب العدول عن العمل وفق هذا الدليل، وهذا هو الاستحسان، وإذا نظرنا إلى جدوى العمل بالضرورة أدركنا أنها ولا شك تحقق مصلحة راجحة، فهي داخلة في باب المصالح، كما أنها تدرأ ضرراً ومفسدة، فهي بهذا تندرج تحت قاعدة (الضرر يزال) . المسألة الثالثة: أقسام الضرورة: تنقسم الضرورة باعتبارات متعددة إلى أقسام كثيرة، وذلك على النحو الآتي: أ - أقسام الضرورة باعتبار متعلقها: ١- ضرورة تتعلق بحفظ الدين، مثل: قتل الشيوخ والنساء والأطفال في الجهاد إذا تحصن بهم العدو، حفظاً للدين. ٢- ضرورة تتعلق بحفظ النفس، مثل: أكل الميتة حفظاً للنفس. ٣- ضرورة تتعلق بحفظ العقل، مثل: أكل الميتة؛ حفظاً للعقل. ٤- ضرورة تتعلق بحفظ النسل، مثل: دفع المال للعدو الكافر؛ حفظاً لعرض امرأة مسلمة. ٥- ضرورة تتعلق بحفظ المال، مثل: إفساد قليل المال حفظاً لأكثره. ب - أقسام الضرورة باعتبار الشمول: ١- ضرورة عامة: كوقوع الأُمّة في قحط عميم. ٢- ضرورة خاصة: كوقوع رجل في مخمصة. ج - أقسام الضرورة باعتبار الدليل الدال عليها: ١- ضرورة أثبتها النص: كالأكل من الميتة للمضطر [فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [المائدة: ٣] . ٢- ضرورة تثبت بالاجتهاد: كما في باب المصالح المرسلة إن كانت ضرورية. المسألة الرابعة: حكم العمل بالضرورة الشرعية: وفي هذه المسألة ثلاثة أمور: أولاً: الأدلة على مشروعية العمل بالضرورة من حيث الجملة: ١- من القرآن: [إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [البقرة: ١٧٣] [وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَاًكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْه] [الأنعام: ١١٩] . ٢- من السنة: عن أبي واقد الليثي قال: قلت يا رسول الله: إنا بأرض تصيبنا مخمصة فما يحل لنا من الميتة؟ فقال: إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بها بقلاً، فشأنكم بها [١٥] . ٣- الأدلة الكثيرة والشواهد المتعاضدة الدالة على أن هذه الشريعة مبنية على التيسير والتخفيف [١٦] مثل: [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] [الحج: ٧٨] [يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً] [النساء: ٢٨] [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] [البقرة: ١٨٥] (بعثت بالحنيفية السمحة) [١٧] . ٤- الأدلة الكثيرة والشواهد المتعددة الدالة على رعاية هذه الشريعة لمصالح العباد من جهة ودرء المفاسد عنهم من جهة أخرى [١٨] . ثانياً: حكم العمل بالضرورة الشرعية: العمل بالضرورة الشرعية واجب وليس جائزاً، والدليل على ذلك: ١- قاعدة الواجب لا يترك إلا لواجب [١٩] : - مثل قطع اليد فإنه محرم، وحفظ هذا العضو من الإنسان أمر واجب، لكن هذا الواجب يترك عند السرقة، فتقطع اليد، ولو لم يكن القطع واجباً بالنسبة للسارق لكان هذا الفعل حراماً، فتُرك الواجب وهو حفظ العضو لواجب أهم منه وهو إقامة حدود الله. ٢- قاعدة للوسائل حكم المقاصد: [٢٠] فأكل الميتة للمضطر واجب، لأن حفظ النفس واجب، وهو لا يتم إلا بوسيلة، هي الأكل من الميتة، وهذه هي قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) . ومن الخطأ أن يقال: إن هذا الفعل يجوز للضرورة [٢١] ، بل الصحيح أن يقال: يجب أن يشرع عند الضرورة. أما قول العلماء (الضرورات تبيح المحظورات) ، فهو بالنظر إلى أثر الضرورة في تغيير حكم الفعل ونقله من الحظر والمنع إلى الإذن والإباحة، وأما الأخذ بالضرورة فإنه واجب. ولعل هذا يتضح إذا علمنا أن للضرورة أحوالاً، وإليك بيان ذلك: ثالثاً: أحوال الضرورة باعتبار تغييرها لحكم الفعل [٢٢] : ١- ما يفيد إباحة المرخص به حال قيام الضرورة، فالفعل ها هنا يصبح مباحاً، بل واجباً كالاضطرار لأكل الميتة. ٢- ما يفيد جواز الإقدام على المرخص به حال الضرورة، مع بقاء الحرمة، كإجراء كلمة الكفر على اللسان. ٣- ما لا يباح أصلاً ولو للضرورة كقتل المسلم، وذلك فيما إذا كان الفعل منهيًّا عنه لذاته. المسألة الخامسة: ضوابط الضرورة الشرعية: هناك شروط وقيود لا بد من حصولها في حالةٍ ما؛ ليسوغ تسميتها ضرورة شرعية، ولا يمكن أن تكون تلك الحالة ضرورة شرعية مع تخلف شيء من هذه الضوابط، وإليك بيان هذه الضوابط مع الاستدلال لها: ١- قيام الدليل المحرّم ورجحان العمل به: كأكل الميتة؛ فإن الدليل على تحريم الميتة قائم، والعمل به راجح؛ فلا يجوز أكل الميتة، إلا أنه جاز للمضطر مخالفة هذا الدليل والعمل على خلافه، ويحترز بذلك عما إذا كان الدليل مبيحاً أو موجباً، كمن يضطر، لكنه يجد شيئاً من الماء يسد به رمقه، فلا ضرورة ها هنا، لعدم وجود المخالفة المترتبة على قيام الدليل المحرّم [٢٣] . ومن هنا: عُلِمَ أن حالة الضرورة مبنية على مخالفة ما يعتقد رجحان تحريمه، كمن يرى حرمة اللحوم المستوردة، فإن أكله منها لإنقاذ نفسه من الموت يعتبر ضرورة، وليس من الضرورة بالنسبة لمن يرى جواز تناول هذه اللحوم. ٢- أن يترتب على الامتثال للدليل الراجح المحرّم ضرر متعلق بإحدى الكليات الخمس: كأن تتعرض نفسه للهلاك إن لم يأكل من الميتة ويحترز بهذا عن انتفاء الضرر: كأن يوجد الدليل المحرّم لكنه لا يضطر إلى مخالفته بأكل الميتة، فيما إذا كان في الأحوال العادية، فلا ضرورة ها هنا؛ لعدم الحاجة الشديدة إلى المخالفة؛ إذ إن الضرر لا وجود له. ووجه هذا الضابط ودليله: القاعدة المعروفة (الضرر يزال) فلتراجع مع أدلتها. ٣- أن يكون حصول الضرر أمراً قاطعاً أو ظنًّا غالباً، ولا يلتفت إلى الوهم والظن البعيد، كأن يكون المضطر في حالة تسمح له بانتظار الطعام الحلال الطيب، فلا يقدم على تناول الميتة والحالة كذلك حتى يجزم بوقوع الضرر على نفسه فيجوز حينها تناول الميتة، ودليل ذلك: ما علم في الشريعة من أن الأحكام تناط باليقين، والظنون الغالبة، وأنه لا التفات فيها إلى الأوهام، والظنون المرجوحة البعيدة [٢٤] ، وقد تقدم في حديث أبي واقد قوله: (إذا لم تصطبحوا ... ) ما يدل بوضوح على أن الإقدام على المخالفة لا يتم إلا بعد التيقن والجزم بحصول الضرر. ٤- ألاّ يمكن دفع هذا الضرر إلا بالمخالفة وعدم الامتثال للدليل المحرّم، فإن أمكن المضطر أن يدفع هذا الضرر بأمرين أحدهما جائز والآخر ممنوع، حرم عليه ارتكاب المخالفة للدليل المحرم، ووجب عليه دفع الضرر بالأمر الجائز، كأن يغص بلقمة وأمامه كأسان من الماء والخمر، ووجه هذا القيد ما ورد في ذلك من قواعد مثل: (إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق) (الضرر يدفع قدر الإمكان) لتراجع مع أدلتها. ٥- ألا يعارض هذه الضرورة عند ارتكابها ما هو أعظم منها أو مثلها، كأن يأكل المضطر طعام مضطر آخر، ووجه ذلك ما ورد من قواعد مثل: (الضرر لا يزال بمثله) و (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) و (يرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما) و (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) . وكذلك: فإن الضرورة تسقط ولا يلتفت إليها إن ترتب على الأخذ بها إخلال بمبادئ الدين ومقاصد الشريعة: كقتل المسلم، والزنا، فهذه لا ضرورة تحلها؛ لأن تحريمها جاء على سبيل القصد والتعيين، لا على سبيل الذريعة والتكميل، كتحريم النظر إلى الأجنبية، فإنه ذريعة للزنا؛ لذلك: يترك العمل به عند الضرورة [٢٥] ، ووجه ذلك قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها ... عنها) [٢٦] . من يقدر الضرورة؟ إذا كانت الضرورة عامة للأمة أو لكثير منها فإن تطبيقها على الوقائع وتنزيلها على الحوادث لا يتأتى إلا ممن له علم بالواقع، وعنده تمام الدراية بملابسات الأمور وأبعادها؛ ذلك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ويكفي أولي العلم قولُ من يوثق بدينه وعلمه من أهل المعرفة في كل واقعة. أما إن كانت الضرورة خاصة بإنسان ما: فإن تطبيقها يختص به كمن؛ وقع في مفازة ووجد ميتة. والواجب على الجميع تقوى الله قدر المستطاع والتثبت من الأحوال والوقائع، ثم الأخذ بهذه الضرورة وفق ضوابطها وقيودها المذكورة دون بغي ولا اعتداء، كما قال سبحانه: [فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [البقرة: ١٧٣] . وصفوة هذه الضوابط مجموعة في الأسئلة التالية: ١- هل الدليل المحرّم قائم ومتجه والعمل به راجح؟ ... إن كان الجواب: نعم ... ٢- فهل يترتب على الامتثال بهذا الدليل ضرر يتعلق بالكليات الخمس؟ .. إن كان الجواب نعم ... ٣- فهل حصول هذا الضرر محقق مقطوع به أو ظن غالب؟ .. إن كان الجواب: أنه كذلك مقطوع به أو ظن غالب وليس وهماً ولا ظنًّا بعيداً ... ٤- فهل يمكن دفع هذا الضرر المؤكد بطريق آخر دون حصول مخالفة للدليل المحرّم؟ .. إن كان الجواب: أن ذلك لا يمكن إلا بمخالفة الدليل المحرّم ... ٥- فهل يترتب على مخالفة الدليل المحرّم عند العمل بالضرورة حصول ضرر أكبر أو مماثل؟ إذ لا يصح العمل بالضرورة فيما لا يباح الترخص فيه، وذلك إذا كان الفعل منهياً عنه لذاته، ثم إن العمل بالضرورة لا بد فيه من مراعاة ما يأتي في ضوابط العمل بالضرورة: المسألة السادسة: ضوابط العمل بالضرورة الشرعية: إذا اجتمعت الضوابط السابقة في حالة ما، صح أن تعد هذه الحالة ضرورة شرعية يؤخذ بها ويستند إليها، لكن العمل بالضرورة مع كونه واجباً لا بد فيه من ضابطين، هذا بيانهما: الضابط الأول: أن تقدر هذه الضرورة بقدرها، من حيث الزمان والمكان والكم والكيف، فلا بد من تحديد المقدار الذي يدفع الضرر ويحقق المصلحة، إذ تجويز الأخذ بالضرورة مقصور على هذا المقدار، وما زاد على ذلك يبقى في حيز التحريم، فلا يأكل المضطر من الميتة إلا بالقدر الذي يسد رمقه، وما زاد فهو حرام [٢٧] . الضابط الثاني: أن العمل بالضرورة مرتبط بقيام الضرر وتوقعه، فإن زال فلا ضرورة؛ لأن الأخذ بالضرورة استثناء وبدل كالتيمم لا يجوز مع وجود الماء؛ إذ الماء أصل والتيمم بدل، والعمل بالبدل لا يجوز مع وجود الأصل، فبمجرد زوال العذر وارتفاع الضرر أو اختلال أحد الضوابط يبطل العمل بالضرورة، ووجه هذا الضابط: القاعدة التي تقول: (ما جاز لعذر بطل بزواله) [٢٨] . ومن هنا يتبين وجوب السعي الجاد لإزالة هذه الضرورة وبذل الجهد في سبيل رفعها، وإنما يكون ذلك بالأخذ بأسباب النجاة والاحتياط في مواجهة الأزمات قبل وقوع الخطر بتوقعه واتقائه قدر الإمكان، وعند وقوعه بمقاومته ومحاولة رفعه أو تخفيف ضرره ومفاسده، وعدم الركون له والاستسلام والخنوع، وبعد وقوعه بمنع تَكْرَارِه، والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين. إن القيام بفروض الكفاية المعطلة في هذه الأمة كفيل برفع حالات الاضطرار التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، كواجب إعداد القوة، وإيجاد الهيبة، ودفع الباغي، وسد الخلة، ونصر المظلوم، وكفالة الفقير، وإعالة العاجز، وتعليم الجاهل، وقصر الآثم. اللهم هيئ لهذه الأمة من أمرها رشداً، واهدها إليك صراطاً قيّما مستقيماً، وصلّ الله على خير البرية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 2230

دراسات دعوية ثلاث كلمات إلى ثلاث فئات بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا وقدوتنا محمد- ﷺ وبعد، فلقد سبق في أعداد ماضية الحديث عن اليقين باليوم الآخر وثمراته، وفي هذه الحلقة بمناسبة الحديث عن هذا الأمر العظيم سأتوجه بهذه الكلمات إلى ثلاث فئات من الناس، هي التي تتألف منها مجتمعات المسلمين اليوم، ولا يكاد يخرج فرد من الأفراد عنها، وهذه الفئات هي: أولاً: الفئة المصلحة الداعية إلى الخير: وهؤلاء هم أشراف المجتمع وأحسنهم قولاً وأثراً في الناس، وأنبلهم غاية وأسماهم هدفاً، وهؤلاء هم الذين عناهم الله بقوله: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) ، وقوله (تعالى) : [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٠٤) ، وهم الذين عناهم الرسول- ﷺ بقوله: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله ﵎ [١] وإلى إخواني هؤلاء أوجه هذه الكلمات: اعلموا أنكم سادة المجتمعات وأشرافها بحق، وكيف لا ... وأنتم تحملون أعظم رسالة وأنبل غاية، ألا وهي تعبيد الناس لرب العالمين وإخراجهم بإذن الله (تعالى) من الظلمات إلى النور، كيف لا ... وأنتم تضحون بأوقاتكم وأموالكم وراحتكم في سبيل إنقاذ أنفسكم وإنقاذ الناس من عذاب الله (تعالى) في الدنيا وعذابه الأليم في الآخرة ... أيُّ غاية أشرف وأنبل من هذه الغاية؟ . ولما كان هذا العمل بهذه المنزلة، فالله الله أن يضيع سدى أو يصير هباءً بنزغة شيطان أو هوى نفس يلوثان العمل برياء أو إرادة دنيا فانية، أو ابتداع في الدين بما لم يأذن به الله (سبحانه) ، إن صدور هذه الأمراض ممتنع من عبد أيقن باليوم الآخر، وأيقن بيوم الحسرة التي يتحسر فيها العبد على كل عمل لم يخلص فيه لله ، ولم يتابع فيه الرسول. وإن ذلك - والله - لكائن في يوم التناد [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] [القصص: ٦٥] ، ويا سعد من كان جوابه: أجبناهم بالاتباع والانقياد وعدم الابتداع، وياخيبة وخسارة من كان حاله كما قال (تعالى) : [فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءلُونَ] [القصص: ٦٦] . وإن مما يحافظ على شرف الغاية في الدنيا وعظم الجزاء في الآخرة: سلامة الصدور ووحدة الكلمة ونبذ الفرقة والاختلاف! لأن مما يضعف أثر أهل الخير على الناس: تفرقهم ومنابذة بعضهم لبعض، لأنهم بذلك ينشغلون بأنفسهم عن دعوة الناس؛ كما أن الناس تضعف ثقتهم بأهل الخير إذا رأوا ما بينهم من الأحقاد والإحن، فالله الله في دعوة الله ، والله الله في العمل الصالح أن يضيع هباءً منثوراً في يوم الفاقة والحاجة، يوم يكون العبد في أمسّ الحاجة إلى حسنة واحدة يثقل بها ميزانه، إنه لا يمكن لمن أيقن بيوم الجزاء والحساب والوقوف بين يدي الديان أن ينفق العمر القصير في قيل وقال وأحقاد وأضغان وافتراق على أمور يجوز الاختلاف عليها، وبقدر ما يكون من هذه الأمراض في النفوس بقدر ما تؤخر عجلة الدعوة، ويفتح المجال للفئة المفسدة لتبث سمومها في الناس، وتجرهم إلى الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة (نسأل الله السلامة) . وإن من أخطر ما تفرزه الفرقة والاختلاف بين أهل الخير: الظلم والعدوان والانتصار للنفس وحظوظها بتأويل، وأحياناً بدون تأويل. وينبغي لمن أيقن بيوم الفصل، وأيقن بيوم التلاق يوم أن يلتقي الظالم بالمظلوم والجائر بالمجار عليه.. أن يحسب لهذا المقام حسابه، وألا يتكلم إلا بعلم وعدل، وأن يراعي حرمة مال المسلم وعرضه وجميع حقوقه، قبل أن يأتي يوم القصاص [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً] ... [آل عمران: ٣٠] . إن اليقين باليوم الآخر وأهواله واليقين بالتبعة الفردية المذكورة في قوله (تعالى) : [وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً] [مريم: ٩٥] ، إن ذلك كله يفرض على الفئة المصلحة أن يكون الحق رائد كل فرد فيها، وهذا بدوره يخلّص من الحزبية المقيتة ولوثاتها، وما فيها من التعصب للأشخاص أو الهيئات، فكل هؤلاء لا ينفعون عند الله إذا لم يكن الحق هو الرائد والموجه للجميع، وهذا يؤكد على الفئة المصلحة والداعية إلى الخير أن تربط الناس والأتباع بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح لا بآراء الرجال وعقولهم، وهذا لا يعني التنقص من أهل العلم والدعوة وعدم تقديرهم، كلا ... فلهم التقدير والمحبة والإجلال، ولكن فرق بين التقدير والتقديس. بما أن من سنة الله ابتلاء أوليائه بأعدائه؛ ليبلي المؤمن بلاء حسنا، فإن مما يثبت به الله عباده المؤمنين ودعاته الصادقين أن يرزقهم الإنابة إلى دار الخلود رجاء ثواب الله ، وأن الله (تعالى) ليس بغافل عن الظالمين، فهناك يوم القصاص الأعظم، وذكر هذا اليوم مما يصبّر به الله (سبحانه) دعاته المصلحين، وكلما كان ذكر هذا اليوم العظيم في قلوب الدعاة أكثر، كلما كان صبرهم وتضحيتهم أعظم وأكبر، وهذا يقود إلى مسألة أخرى، وهي: أن ينتبه أهل الخير والإصلاح إلى دور اليوم الآخر والتذكير به دائماً في تربية النفوس وتهذيبها، وأن يعنوا به عناية كبيرة في البرامج التعليمية والمناهج الدعوية، بل ينبغي أن تربط جميع المناهج على اختلافها باليوم الآخر وأعمال القلوب حتى يكون للمناهج أثرها العملي والتعبدي والأخلاقي، وينبغي ألا يلتفت إلى من يقلل من شأن الحديث في اليوم الآخر والوعظ بأيامه وأهواله بحجة أنه كلام وعظي أو عاطفي أو إنشائي؛ فهذا غلط كبير وتفريط عظيم في رافد عظيم من روافد التربية والتزكية. هذا وإن كان قصد ذلك المقلل الإشارة إلى أهمية العلم والتأصيل والاستدلال وليس هو التهوين من ذلك اليوم العظيم، إلا أنه ينبغي التنبيه على أن العلم والتأصيل والاستدلال ينبغي أن يربط ذلك كله بتعظيم الله وعبادته والاستعداد بالعلم والعمل للدار الآخرة، وهذا لا يتأتى إلا أن يقوم أهل العلم والتوجيه والإرشاد إلى صبغ دروسهم وحلقات تعليمهم بهذا الأمر سواء أكان العلم في العقيدة، أو في الفقه وأصوله، أو الحديث ومصطلحه، أو السيرة والتاريخ.. إلخ. ثانياً: الفئة المفسدة الداعية إلى الشر والصادة عن الخير: وهؤلاء هم سفلة المجتمع، وهم أراذل الناس؛ لأنهم خانوا ربهم، وخانوا أمتهم، وظلموها، وعرّضوا الناس للشقاء والنكد في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، وهؤلاء هم الذين عناهم الله في كتابه الكريم بقوله: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] [الأنعام: ١٢٣] يقول الشيخ السعدي - (رحمه الله تعالى) - عند هذه الآية: ... [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا] أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم [لِيَمْكُرُوا فِيهَا] بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان، ومحاربة الرسل وأتباعهم، بالقول والفعل، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم؛ لأنهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم يناضلون هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله، ويسدد رأيهم، ويثبت أقدامهم، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته، بنصرهم وظهورهم، والعاقبة للمتقين) [٢] وبهذه المناسبة أوجه الكلمات التالية لأهل هذه الفئة لعل الله أن ينفعهم بها: أذكركم بموعظة الله (تعالى) إذ يقول: [قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] [سبأ: ٤٦] ، فماذا عليكم لو قام كل فرد منكم مع نفسه أو مع صاحبه، ثم فكرتم فيما أنتم عليه من فساد وصد عن سبيل الله . هل أنتم مقتنعون بما تفعلون، وبما تتسببون به لأمتكم من الشرور؟ وهل هذا يرضي الله (تعالى) ويجلب النعيم لكم في الآخرة؟ إنكم إن قمتم لله متجردين مثنى أو فرادى، وفكرتم في ذلك فإن الجواب البدهي هو أن الفساد والإفساد لا يحبه الله ، بل يمقته ويمقت أهله، وسيأتي اليوم الذي يمقت فيه أهلُ الفساد أنفسَهم، ويتحسرون على ما فرطوا وضيعوا وأفسدوا وذلك في يوم الحسرة، حيث لا ينفع التحسر ولا التندم. إن الذي يكره الخير وأهله، وينشر الفساد، ويصد عن سبيل الله (تعالى) إنما هو بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وما الحياة عنده إلا هذه الدنيا، فهو يسعى ليجمع فيها ويظلم ويبطش؛ لأنه لا يرجو اليوم الآخر ولا يخافه، فهذا كافر مرتد، وإن كان يخفي هذا الكفر فهو منافق زنديق، أو أنه يؤمن بالله واليوم الآخر، لكن الدنيا وزخرفها ومناصبها أسكرت عقله ولبه؛ فأصبح في غفلة شديدة عن الآخرة ونعيمها وعذابها حتى استمرأ الفساد، وصارت الدنيا أكبر همه يلهث وراءها، ويجمع حطامها ولو كان عن طريق الفساد والإفساد، ومثل هذا الذي يؤمن بالآخرة ولكنه في غفلة شديدة عنها، مثل هذا لا عقل له، كما أن الأول لا إيمان له، وقد يخسر إيمانه في النهاية، والحاصل أن تتداركوا ما بقي من عمركم في التوبة إلى الله قبل حلول الأجل، حيث لا ينفع الندم، واعتبروا بمن ذهب ممن هو على شاكلتكم بدون توبة، وماذا بقي له من الذكر في هذه الحياة الدنيا. قارنوا من مات من أهل الخير والصلاح كشيخ الإسلام ابن تيمية، وقبله: الإمام أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وبعدهم الإمام محمد بن عبد الوهاب (رحم الله الجميع) . لقد بقي ذكرهم عند الناس كأنهم لم يموتوا، مع ما نرجوه لهم من الأجر العظيم في الآخرة، قارنوا هؤلاء بمن مات من أهل الشر والإفساد الذين لم يبق لهم ذكر البتة، لا.. بل بقي الذكر السيئ ولعنات الأمة تلاحقهم عند ذكرهم، مع ما يُخشى عليهم من عذاب الله (سبحانه) يوم يقوم الناس لرب العالمين، فأي الفريقين أشرف مكانةً وأهدى سبيلاً؟ نذكركم بيوم الحسرة والندامة، يوم يتبرأ منكم الأتباع، وتتبرؤون من الأتباع، ولكن حين لا ينفع الاستعتاب ولا التنصل ولا التبرؤ، بل كما قال (تعالى) : [إذْ تَبَرَّأََ الَذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأََوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأََسْبَابُ] ... [البقرة: ١٦٦] نذكركم بالأثقال العظيمة التي ستحملونها يوم القيامة من أوزاركم وأوزار الذين تضلونهم بغير علم إن لم تتوبوا، قال (تعالى) : [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] ... [النحل: ٢٥] . لما كان الظلم قرين الفساد والإفساد، فإنه جدير بالظالمين الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أن يتذكروا يوم الفصل والحساب [يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ] [غافر: ٥٢] ليتذكر الظالمون هذا اليوم المشهود الذي يقتص فيه الحكم العدل من الظالمين للمظلومين، ليتذكروا هذا اليوم العظيم إن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر ما داموا في دار الدنيا دار التوبة والاستعتاب، فوالله إن للظالم ليوماً ينكشف فيه الغطاء ويعض فيه على يديه من الخزي والحسرة، وإن في كتاب الله لغُنية عن أي كلام وكفاية عن أي موعظة قال (جل وعلا) : [وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] [ابراهيم: ٤٢-٤٣] وإن الظالمين جميعهم تابعيهم ومتبوعيهم لهم يوم مشهود وعصيب، يوم يلعن بعضهم بعضاً، ويحيل التبعة بعضهم على بعض، ولكن حين لا يجلب لهم ذلك إلا الخزي والبوار. إن لم يجد واعظ الله (سبحانه) والدار الآخرة فيكم شيئاً فلا أقل من أن يوجد عندكم بقية مروءة وحياء تمنعكم من إفساد أخلاق الأمة والوقوف في وجه المصلحين الداعين إلى معالي الأمور والأخلاق، فالمتأمل لحال المفسدين في الأرض اليوم ليأخذه العجب والحيرة من أمرهم ... فما لهم وللمرأة الحيية التي تقر في منزلها، توفر السكن لزوجها وترعى أولادها، ماذا عليهم لو تركوها في هذا الحصن الحصين تؤدي دورها الذي يناسب أنوثتها وطبيعتها، ثم ماذا عليهم لو تركوا أولاد المسلمين يتربون على الخير والدين والخصال الكريمة؟ ماذا يريدون من إفسادهم وتسليط برامج الإفساد المختلفة عليهم؟ هل يريدون ... جيلاً منحلاّ يكون وبالاً على مجتمعه، ذليلاً لأعدائه، عبداً لشهواته؟ ! إن تلك هي النتيجة، وإن من يسعى إلى تلك النتيجة الوخيمة التي تتجه إليها أكثر الأسر المسلمة اليوم، لهو من أشد الناس خيانة لمجتمعه وأمته وتاريخه، فيا من وصلوا إلى هذا المستوى من الهبوط والانتكاس: توبوا إلى ربكم، وفكروا في غايتكم ومصيركم، واعلموا أن وراءكم أنباء عظيمة، وأهوالاً جسيمة تشيب لها الولدان، وتشخص فيها الأبصار، فإن كنتم تؤمنون بهذه: فاستيقظوا من غفلتكم وراجعوا أنفسكم، والله (جل وعلا) يغفر الذنوب جميعاً، وإن كنتم لا تؤمنون بذلك فراجعوا دينكم، وادخلوا في السلم كافة قبل أن يحال بينكم وبين ما تشتهون. نذكّر المنافقين من هذه الفئة بأن الله (سبحانه) يعلم سرهم ونجواهم، ويعرّف المؤمنين بسيماهم مهما أظهروا الإسلام في الدنيا، وفي الآخرة يخزيهم ويفضحهم بين الأشهاد [يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ] [الحاقة: ١٨] فتوبوا إلى الله علام الغيوب ما دمتم في زمن التوبة، وصححوا بواطنكم قبل أن يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور. ثالثاً: فئة الأتباع وعامة الناس: وهم الذين لم يصلوا في أخلاقهم وأهدافهم إلى مستوى الفئة الشريفة المصلحة، ولم يهبطوا إلى مستوى الفئة المفسدة الوضيعة الخائنة. وإنما هم فئة بين الفئتين ولديهم الاستعداد للخير الذي تدعو إليه الأولى، كما أن لديهم الاستعداد لتلقي الشر والإفساد الذي تسعى إليه الفئة الثانية [٣] ، وهذا يؤكد أهمية الدعوة، وقطع الطريق على الفئة المفسدة؛ حتى لا ينحرف الناس عن الصراط المستقيم. والملاحظ في هذه الفئة أنها السواد الأعظم، بينما يغلب على الفئة الأولى والثانية أنهما قلة، والدفع بين الفئة المصلحة والمفسدة من سنن الله حيث الصراع بين الحق والباطل، قال (تعالى) : [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] ... [البقرة: ٢٥١] . وإلى هذه الفئة من الناس أتوجه بهذه الكلمات: * إن تذكر اليوم الآخر ومشاهده العظيمة من أهم الأسباب التي تقي من شر المفسدين المستكبرين في الدنيا وفي يوم التناد ويوم تخاصم أهل النار، فإذا أيقن العبد بهذه المشاهد وأن الله (سبحانه) ينادي عباده [مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] عندئذ يحذر العبد أن يتبع كل ناعق ملبس، وإنما يتبع المرسلين وأتباعهم، كما أن تخاصم أهل النار وما فيه من تبرؤ المتبوعين من الأتباع يجعل العبد يحسب لهذا المشهد حسابه، حتى لا يعض على يديه حسرة وندامة، وهذا الشعور المخيف يجعل الإنسان في حذر من أهل الشر والإفساد الذين يزينون له الباطل في الدنيا، ويوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ التابع من المتبوع والمتبوع من التابع، فكفى بتذكر تلك المشاهد العظيمة واعظاً ورادعاً لكل من يحب لنفسه الخير حتى يحذر من أهل الشر والفساد، ويلتصق بأهل الخير والإصلاح الذين يسعون لإنقاذ الناس بإذن ربهم (سبحانه) من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، ويعض عليهم ويبذل لهم المودة والنصرة والدعاء، حيث إنهم أرحم الخلق بالخلق، وهم صمام الأمان لمجتمعاتهم، فجدير بمن هذه صفاته أن يُحَبّ ويُوالى وينصر. لقد أنعم الله (سبحانه) على عباده بالعقول وإرسال الرسل وإنزال الكتب حتى تَبْيّنَ الرشد من الغي، ولن ينفع التابعين الذين أعطوا قيادهم لدعاة الشر وألغوا عقولهم، لن ينفعهم يوم القيامة إلقاء التبعة على المتبوعين من المفسدين، ولقد قامت حجة الله (سبحانه) على عباده ... نعم لن يجدي عن الأتباع الذين فتحوا أفكارهم وبيوتهم لأهل الشر ليفسدوا فيها ويمكروا فيها إذا قامت الخصومات بين يدي الحكم العدل، إنهم بذلك يتحولون إلى فئة المفسدين، شعروا أم لم يشعروا. وأخيراً لنسمع إلى تحذير الله لعباده من طاعة الشيطان وحزبه وبراءته من أتباعه يوم القيامة، قال (تعالى) : [وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [إبراهيم: ٢٢] .

стр. 2231

خواطر في الدعوة التوحيد أولاً وأخيراً محمد العبدة إن أساس الإصلاح الإسلامي هو التوحيد الخالص لله (تعالى) ، فهو الذي يرتقي بالإنسان المكان اللائق به، وهو الذي ينقذه من رق العبودية لغير الله، ويحرره من استعباد الإنسان، ومن استعباد الخرافة والأهواء، وهو الذي ينقذه من المحتالين الدجالين أحبار السوء الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، وإذا لم يتعبد الإنسان لله (تعالى) فسوف يقع في الوثنية - لا محالة - بشتى صورها وأشكالها؛ فإن الإنسان كما جاء في الحديث (حارثٌ وهمّام) ، فلا بد أن يمتلئ بشيء، فإذا لم تكن العبودية لله فهي لغيره مهما تظاهر بأنه حر، فالعبودية هي عبودية القلب كما يقول ابن تيمية ﵀ ، فمن ركض وراء الشهوات فهو الأسير المملوك، ولو كان حاكماً يستعبد الناس. التوحيد الخالص لله (تعالى) هو الذي يجعل المسلم شخصية تستعصي على الطغيان، ولا تخضع للملأ أو المال، كما استعصى الصحابي الجليل بلال بن رباح حين قالها لملأ قريش: أحد أحد، والتوحيد هو الذي يحفظ الإنسان من الانفلات بلا قيد أو ضابط، كما حُفظت الأفلاك بالجاذبية. التوحيد الخالص لله (تعالى) هو الذي أنقذ العرب من وهدة النسيان والخمول، وجعلهم أمة تحمل رسالة وتشعر بالمسؤولية، وتحول العربي إلى إنسان لا تأسره الأوهام والتقاليد، ولا القبيلة والعشيرة، ولا الإقليمية والقومية. إن من أصعب الأشياء على الإنسان الذي يحب الفساد في الأرض أن يسمع كلمة التوحيد [أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً وَاحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] [ص: ٥] وكأنهم يقولون: كيف يكون إله واحد ينظر في أمر الجميع؟ [وَإذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ... ] [الزمر: ٤٥] وقد خشي فرعون ... من هذا التوحيد الذي جاء به موسى ﵇ فقال: [إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ... ] [غافر: ٢٦] والدين هنا يعني الحكم، وكأنه يقول: إن هذا النبي الذي جاء بالتوحيد خطير جدّاً؛ لأنه سيذهب بملككم وسيادتكم وطريقتكم في العيش. فلا مانع عند الطغاة أن يكون الدين حركة ثقافية أو حضارية تتكلم عن الزخرفة الإسلامية أو العمارة الإسلامية، وتذكر ما أنتجه العلماء القدامى في الطب، والهندسة، وعلم الفلك، ولا مانع من تشجيع الطرق الصوفية التي تربط الفرد بالشيخ والولي والأقطاب والأوتاد وما هنالك من خيالات وخرافات. ومن المؤسف أن بعض الذين يوسمون أنفسهم بأنهم (مثقفون) ، أو بعض من دخلت في قلوبهم شبه (علم الكلام) يأنفون من هذا التوحيد، فلا يدرسونه ولا يُدرّسونه؛ لأن هذا عندهم أقرب أن يكون للعوام! ، أما هم فلا بد أن يخوضوا في الذات الإلهية، وكيف ولماذا؟ ... ولا بد أن يذكروا أقوال الفلاسفة القدامى والمعاصرين؛ فتراهم يلوكون الكلمات التي لا تقيم حقًّا ولا تهدم باطلاً، والتي هي كلحم جمل غَثّ على رأس جبل وعر، ولا يكتفون بهذا، بل يُنفّرون الناس عن هذا التوحيد باللمز والغمز لأهله الذين يقومون به ويعلمونه الناس. إذا أردنا النهوض فلا بد أن نرتفع بمستوى الأمة كي تفهم وتمارس التوحيد الخالص، وحتى لا تكون قطيعاً يُنادى من مكان بعيد، وتكون أمة تقوم بواجباتها وتحمل الرسالة.

стр. 2232

مقال غيبة الهدف.. من حياتنا العلمية بقلم: محبة الدين سماء أننا لنعجب من طائر صغير غادر عشه مع انبلاج فجر يوم جديد، نراه وقد فرد جناحيه على بساط النسيم، رافعاً رأسه الصغير، ورافعاً معه همته لأعلى بكل عزيمة البِشْر، ينطلق، ينشرها أغاريد عذبة تعطّر الأجواء، ونراه يطير عند الأصيل أو في جو الهجير، نراه يسير يلتقط الحَبّ بمنقاره الصغير، وقد يغدر به حيوان جارح أو طائر كاسر، أو يستعذب في رحلته لفح السموم باحثاً عن لقمة عيش لصغاره، أو منقباً عن أعواد صغيرة لعشه، يقطع آلاف الأمتار مستميتاً في الوصول إلى ما يريد، ثم لا تنظر.. إلا وقد عاد إلى بيته الصغير عند الغروب راضياً مسروراً. لم يكن بإمكان تلك الروح أن تهدأ ساعة قبل أن تصل إلى الهدف المنشود الذي تحيا لأجله، هكذا يهدي الله المخلوقات إلى فلكها الذي تدور فيه وفق سنن محكمة. لكل إنسان هدف: إنّ الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي: أنّ لكل إنسان هدفاً رسمه في حياته حتى يبلغه، ويسعد بنواله. لذا: كان من البدهي أن يسعى المرء ويجتهد في حياته للوصول لما يصبو إليه، فالهدف إذن ضرورة لا بد منها في هذه الحياة، وإلاّ لتخبّط الإنسان وسار سير الأعمى، فالهدف هو بمثابة البوصلة التي تهديه لسلك الطرق الصحيحة، والسفينة بدون بوصلة في عرض البحر تكون معرضة للهلاك. إن الله أراد لهذه الإنسانية الارتقاء والعلو، لذلك حدّد لها الهدف الذي من أجله خلقت، وبيّن لها أن الخير كل الخير في السير على هذا الطريق الذي يصل إلى الغاية الكبرى، وصدق الله إذ يقول: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] أثر الخطأ في تحديد الهدف: ولعدم تحديد الهدف من الحياة الناشئ عن خطأ في أصل التصور الصحيح للحياة؛ نشأت مشكلات عديدة ما زالت البشرية - التي تنأى عن روح الإسلام إلى اليوم - تجترّ آلامها، وعلى رأسها المشكلات النفسية الناشئة من انعدام التصور الصحيح لهذه الحياة وعدم معرفة سبب وجودنا فيها ومهمتنا الموكولة إلينا في هذا الوجود، ومصيرنا ومصير الكون، والغاية من هذا التنظيم الرائع للكون، ومن هذا الإبداع العجيب الدقيق المحكم للإنسان ولسائر الأحياء والكائنات، لماذا وُجد كل ذلك بهذه الدقة والإحكام؟ ! . لذلك: كان الإسلام يربّي أبناءه دائماً على أن يكونوا ذوي بصيرة، لأنهم فهموا الغاية الكبرى ووعوا دورهم في الوصول إليها (فجاءت التربية الإسلامية تربّي الناشئ على: أن ينظر إلى كل ساعات الحياة ولحظاتها على أنها أمانة في عنقه، عليه أن يستغلها في الخير، وتربيه على أن يجد لذة نفسية عظيمة كلما ساهم وسابق في عمل الخير، أو دفع الشر عن نفسه وأمته؛ فكل لحظة من حياته يتقرب فيها بإرضاء ربه هي متعة جديدة تشعره بالمزيد من قيمته عند الله، الذي أوجده ليبلوه في هذه الحياة، ثم يجزيه الجزاء الأوفى، كما تشعره بأثره في المجتمع، وفي البيئة، وفي الكون والإنسانية [الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ] [الملك: ٢] [١] . والواقع الملموس يؤكد أن هذه الحقيقة لم تتجاوز حدود الإقرار والاعتراف اللساني؛ فنظرة قريبة من بيوتنا ومقارّ أعمالنا تشير إلى حقيقة تقع فيها فئات من الناس، ولعلها - مع استمرار إغفال دراستها وآثار أبعادها - ستتحوّل إلى طابع عام للعاملين في مجالات عديدة، وهي: عدم رسم الهدف الكبير وجعله بمثابة ضابط لخط الحياة، والتحليق في الأفق الواسع بدلاً من النظر إلى الأفق القريب أو نصب أهداف زائلة ببلوغ الأجل المسمى، إنْ لم تكون هذه الأهداف قصيرة الأمد، خسيسة في موضوعها، حقيرة في مضمونها، ذاتية في روحها وشكلها، ويلاحظ أن هذه الظاهرة موجودة بين اليافعين والراشدين الناضجين ومن فوقهم، ولعل من أسباب انتشار هذه الظاهرة: عدم تنشئة الفرد بيئيّاً على أن يحيا لغاية. ولا أدري ما سبب غياب هذه المسألة لدى أكثرنا، هل هو زيف الحضارة المدنية الذي أبعدنا عن نقطة البداية الصحيحة؟ ، أم هو التفريغ الثقافي من عقولنا وأرواحنا الذي سبّب الابتعاد التدريجي عن القرآن بوصفه دستور حياة؟ أم كل هذه الأمور مجتمعة؟ ! وإن كانت الأسرة هي المسؤول الأول فهي ليست الأخيرة؛ فهناك المؤسسات الإعلامية بشتى صورها، يعيش في وسطها الفرد ويتفاعل معها وتتفاعل معه، قد يربّى عليها وقد ينهل منها الآداب والعلوم، بل أصبحت لا تقل تأثيراً عن الأسرة في صياغة المفاهيم وتكوين الاتجاهات، فهي بذاتها كافية لأن تكون محضناً مهمًا وعاملاً مؤثراً في إيجاد مثل هذه الغاية وأبعادها. صور غياب هذه الفكرة في حياتنا: وصور كثيرة من يومياتنا تشير إلى غياب هذه الفكرة من حياتنا، مثلاً: عدم صدق بعض الممتهنين للعملية التربوية في تحقيق الأهداف التربوية الإجرائية. إننا بحاجة إلى فهم: أنّ الهدف العلمي ضرورة للوصول لغاية كبرى؛ من أجلها خلقنا، والتأكيد على هذه الفكرة يأتي من عدة أوجه: العلم يهدي إلى الإيمان، وقد رأينا كثيراً من العلماء الراسخين المنصفين هداهم علمهم إلى أن وراء هذا الكون ذا قوة عليا يدبره، وينظمه، ويرعى كل شيء فيه، وبميزان وحساب ومقدار، ذلك أن العالم أقدر من غيره على استبانة ما في هذا الكون من ترابط وتناسق وإحكام. بعد ذلك: ما حجم هذه الفكرة في عقل المسلم أو المسلمة خصوصاً. إن التاريخ الإسلامي لا يبخل علينا بنماذج وشواهد تؤكّد على اهتمام أهله بمثل هذا الفهم، فهم يسعون للعلم حتى الرمق الأخير من حياتهم. (فلنوازن بين ذوي تلك الغايات وأضدادهم من طلاب وطالبات جامعاتنا اليوم، الذين يدرسون فيها أربع سنوات، فبعضهم يدرسون دراسة ضعيفة فرديّة، لا حضور ولا استماع ولا مناقشة ولا اقتناع، ولا تطاعم في الأخلاق، ولا تأسّي، ولا تصحيح للأخطاء، ولا تصويب ولا تشذيب للمسلك، وَيَتَسَقّطُون المباحث المظنونة السؤال من مقرراتهم المختصرة، ثم يسعون إلى تلخيص تلك المقررات، ثم يسعون إلى إسقاط البحوث غير المهمة من المقررات، بتلطفهم وتملقهم لبعض الأساتذة، فيجدون لدى بعضهم ما يسرّهم وإن كان يضرهم، وبذلك يفرحون) [٢] . ما رأي الفتاة المسلمة؟ : وأتساءل الآن: أين هي الفتاة المسلمة؟ .. إنّ ما تهتم به الفتاة اليوم بعيد جدّاً عن مثل هذه الأمور! . هل الخلل يعود إلى فهمها لطبيعة الهدف؟ ! ! أم الخلل في ضعف إيمانها بضرورة هدف تحيا لأجله؟ أم لعدم إدراكها أبعاد تلك الفكرة؟ أم لسطحية ثقافتها التي أصبحت شكلاً من الأشكال غير المستهجنة اجتماعيًّا؟ أم إنه المجتمع الذي يطالبها بأن تنصرف لاهتمامات ضيّقة؟ أم لعدم عناية المناهج الدراسية بهذه الفكرة والتركيز عليها؟ أم لفقداننا رعاية الفتاة المتعلمة ثقافيّاً واجتماعيًّا على المستويات الرسمية والمؤسسات التربوية والتثقيفية؟ أم لعدم بناء والديها لها بناءً يقوم على تصور صحيح لدورها في هذا المجتمع؟ . إنّ هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى ما نعاني منه الآن، نعم هناك معاناة نسائية غير مرئية الأسباب نرى آثارها من جرّاء غياب هذا الوعي على أصعدة عدة؛ على صعيد الأمة الإسلامية عموماً: على صعيد الزوج، الطفل، محيطها الاجتماعي، وظائفها التعليمية التربوية خصوصاً. نعم.. إنها مسألة محسوسة برياضيات العلم ومعادلاته. فإنسان دون غايات كبرى، قوية، صحيحة الجذور، سليمة التصورات، مفهومة الأبعاد، هو إنسان خامل عقليّاً؛ نتيجة ضمور الهدف العلمي لديه، الأمر الذي يترتب عليه انصرافه عن أمور جليلة إلى اهتمامات ضعيفة ... وبعد أن تصبح المرأة ذات مسؤولية: لا نملك إلا أن نعظم لها المسميّات ونضخم المصطلحات اللصيقة بطبيعة وظيفتها داخل البيت.. فهي المربية، والمعلمة، وإن لم تأخذ منهما سوى مسمياتهما، وهي صاحبة الرسالة، وصانعة الأجيال، والله أعلم بتكوينها ومستوى تركيبها الروحي والفكري ... وإن أصبنا كبد الحقيقة، فهي منصرفة بما يشبه الكلية عن خصائص لصيقة بالتربية وشؤون قريبة من التوجيه والبناء. وهذا الحكم لم يتأتّ من فراغ؛ فمن يطالع ما يقدم للمرأة شكلاً ومضموناً من أدب وفكر.. يستطيع إصدار حكم واضح عادل ليس بعيداً عما ذكرت. نعم هناك صور مشرقة من نساء يصنعن أولادهن بأعينهن، ويحرصن على تعلّم ما هو مفيد لجيل واعد مسلم، ومع ذلك: يظل جانب من حياتها لم تُضأ مصابيحه بعد.. وهو تكوّن قناعات لديها بضرورة التنشيط العقلي والسعي العلمي، وربط هذه الخدمات بغاية عظمى، إننا نجمّد طاقات مدخرة، ونحوّل طاقات من حالتها الحركية إلى حالتها الكامنة.. عندما نجعل من هذه الحقيقة الغائبة أمراً تكميليًا أو ثانويّاً بالنسبة للمرأة، فالآذان ما زالت تسمع من يقول: جميل أن تتعلم المرأة، لا بأس من تفوّق للمرأة، أمر حسن أن تحصل على درجة علميّة ... إنّ من الضرورة بمكان أن تستغل المرأة طاقاتها العقلية، وتوظّفها بما يخدم نفسها وأمتها حتى تزكّي عما وُهبت إيّاه من عقل وفطنة وذكاء، وحتى تحصّن مجتمعها من خطر محدق به فيما لو لم تزاول دورها بشكل صحيح. إنّ ضمور عقل الفتاة الفكري أو العلمي لن يعود على مجتمعاتنا بالخير، والنتائج التي يتمخض عنها هذا الضمور لا تعد ولا تحصى، يكفي أن أذكر منها: اختلال كفتي ميزان المجتمع ثقافيّا وعلميّاً (فوارق فكرية كبيرة بين الجنسين المتزوجين) . خلل في البناء الداخلي للأجيال القادمة. وأخيراً: فإن صرح الحضارة الإسلامية الجديد ما زال بحاجة إليه وإليها؛ لكي يقفا على خط التجنيد لكل ما فيه خدمة الأمة جمعاء؛ ليواجها معاً، ويدافعا معاً. إنه بحاجة إلى الجيل المتعلم بفرعيه، فثمّة برامج علميّة كبيرة تنتظرهم وهي في مسيس الحاجة إلى تآزر وجهود النوعين حتى يعمروا ويشيدوا، وعلى نعم ربهم يشكروه. وصدق الله العظيم القائل: [وَاللَّهُ أََخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأََبْصَارَ وَالأََفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] [النحل: ٧٨]

стр. 2233

دراسات تربوية معالم في طريق السعادة الزوجية بقلم: أيمن أسعد عبده بعد أن انتهت مراسم حفل الزفاف الذي كان متميزاً في كل شيء: متميزاً في بساطته وبعده عن التكلف والإسراف، وفي خلوه من منكرات الأفراح، اختلى العروسان في غرفتهما الخاصة، وما هي سوى لحظات حتى مد الشاب يده ووضعها على رأس عروسه، ثم دعى بالدعاء المأثور: (اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) [١] ، ثم توضأ وصلى بها ركعتين، وبعدها رفعا أيديهما بالابتهال إلى الله (تعالى) أن يوفقهما في حياتهما الجديدة، وأن يحفظ بيتهما الصغير من كل شر، وأن يجمع بينهما في خير. بعدها جلسا يحددان الأسس التي سوف يقوم عليها بناء حياتهما الزوجية، والمعالم التي سوف يستضيء بها زورقهما الصغير وهو يسلك طريقه عبر الأمواج إلى بر الأمان. فكان مما اتفقا عليه: أولاً: سلامة النية: فالنية هي أساس الأمر ولبه، وهي التي تتفاضل بها الأعمال، وبصلاحها يتحول العمل من عادة إلى عبادة، يأجر الله عباده عليها. فاتفقا على أن يعقدا قلبيهما على نية صالحة في زواجهما؛ بأن ينطلقا في حياتهما الزوجيه من المنطلقات التالية: الاستجابة لأمر النبي- ﷺ لشباب أمته بالمبادرة إلى الزواج في مثل قوله: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج..) [٢] . احتساب إحصان الفرج وغض البصر وإعفاف النفس، وبهذه النية يحصل الزوجان على عهد من الله (تعالى) بالعون والتوفيق، قال: (ثلاثة حق على الله (تعالى) عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف) [٣] ، ومن أوفى بعهده من الله! . احتساب أجر إقامة البيت المسلم وفق منهج الله (تعالى) . احتساب إنجاب الذرية الصالحة التي توحد الله؛ وتكثّر سواد الأمة التي يباهي بها النبي- ﷺ الأمم يوم القيامة، واحتساب تربيتهم التربية الإسلامية؛ لعل الله أن يخرج منهم من يحمل همّ هذا الدين، ويقوده إلى النصر والتمكين، أو لعل الله يوفق بعضهم ليكونوا علماءً أفذاذاً أو مجاهدين أبطالاً. احتساب أجر النفقة على الزوجة والعيال، قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة) [٤] . فإذا عقد الزوجان قلبيهما على هذه النية: صارت كل لحظة من حياتهما الزوجية عبادة يؤجران عليها، فيا لها من أجور عظيمة. ثانياً: التعاون على الطاعة: بأن يحض كل منهما الآخر على عمل الخير ويشجعه عليه، قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) [٥] ، فإن لم يكن التشجيع على الطاعة فلا أقل من عدم الوقوف عقبة في سبيلها، فكم من زوجة وقفت في طريق زوجها للعبادة أو طلب العلم أو الجهاد أو الدعوة بكثرة طلباتها وعدم استعدادها للتضحية بشيء يسير من حقوقها، والعكس صحيح، قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ] [المنافقون: ٩] ، والأسوة الحسنة في ذلك هن أمهات المؤمنين والصحابيات ﵅ اللاتي كن يقلن لأزواجهن في الصباح حين يودعنهم على الباب: يا فلان اتق الله فينا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام! ثالثاً: إقامة البيت المسلم والأسرة المسلمة وفق شرع الله وسنة نبيه-صلى الله عليه وسلم-، فلا يقْدِمان على خطوة إلا بعد أن يعلما حكم الله ورسوله فيها، فإن علماه لم يُقَدّما عليه شيئاً أبداً: عرفاً، أو عادة، أو هوى، ويستعليان بعقيدتهما، ويقفان بصلابة أمام التيار المضاد، يضربان المثل والقدوة فيما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة والبيت المسلم بقدر استطاعتهم، فياله حينذاك - من بيت مبارك تعبق أنحاؤه بآيات الذكر الحكيم، ويفوح من جنباته أريج سنة خير المرسلين. رابعاً: بناء حياتهما على المحبة والرحمة والمودة والعشرة الحسنة، امتثالاً لأمر الله ورسوله، فالميثاق غليظ عقده الله ورتب عليه الثواب والعقاب، ولا يمكن - في التصور الإسلامي - أن يكون بين الزوجين حقد أو بغضاء أو حسد، كيف وقد أفضى بعضهم إلى بعض، يقول سيد قطب ﵀ في تفسير قوله (تعالى) : [وَكَيْفَ تَاًخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً] [النساء: ٢١] : (لا يقف لفظ (أفضى) عند حدود الجسد وإفضاءاته، بل يشمل المشاعر والعواطف والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان، وفي اختلاجة حب إفضاء، وفي نظرة ود إفضاء، وفي كل لمسة جسم إفضاء، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء ... ) [٦] . والأحاديث الصحيحة تكاد لا تحصى في الحض على حسن العشرة بين الزوجين، كما أن السيرة العطرة مليئة بالنماذج العملية من حياة النبي-صلى الله عليه وسلم- على الحياة الزوجية الهانئة الجميلة في البيت النبوي الكريم. خامساً: لا تمنع المحبة والعشرة بالمعروف بين الزوجين من أن يكونا حازمين مع بعضهما في التربية والتوجيه وخاصة من ناحية الزوج، فمحارم الله لا مداهنة فيها، والتقصير في الأمور الشرعية لا يمكن السكوت عنه، فها هو النبي- ﷺ يدلل زوجاته أرق الدلال، فكان يدلل عائشة ﵂ بقوله: (يا عائش) [٧] ، (يا حميراء) ، وكانت تشرب من الإناء وهي حائض، فيأخذه النبي- ﷺ فيضع فاه على موضع فيها [٨] ، وكان يقبّل نساءه وهو صائم [٩] ، ولكنه مع هذا كله لم يقم لغضبه شيء إذا انتهكت حرمات الله، قالت عائشة ﵂ : (حشوت وسادة النبي-صلى الله عليه وسلم- فيها تماثيل كأنها نمرقة، فقام بين البابين وجعل يتغير وجهه، فقلت: ما لنا يا رسول الله؟ قال: ما بال هذه الوسادة؟ قالت: وسادة جعلتها لك لتضطجع عليها، قال: أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ... ) [١٠] .. وغير ذلك كثير. سادساً: أن يكونا لبعضهما كما كان أبو الدرداء وأم الدرداء ﵄ : كانت إذا غضب سكتت واسترضته، وإذا غضبت سكت واسترضاها، وكان هذا منهجاً انتهجاه من يوم زواجهما، وياله من منهج حكيم، فكم من البيوت هدمت، وكم من الأسر انهارت بسبب غضب الزوجين معاً وعدم تحمل أحدهما للآخر. سابعاً: الزوجان بشر: ومن طبيعة البشر الخطأ والنقص، فإن وقع الخطأ والتقصير من أحد الزوجين في حق الطرف الآخر - إذا كان من الأمور الدنيوية - فعلى الطرف الآخر الصفح والعفو، فلا ينسى حسنات دهر أمام زلة يوم، وعليهما أن يغضا الطرف عن الهفوات الصغيرة مع التنبيه بأسلوب لطيف ليس فيه جرح للكرامة أو إهانة، ولهذا نهى النبي- ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً، وأن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم [١١] ، وكان هذا أسلوب النبي-صلى الله عليه وسلم-، فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ : أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى النبي- ﷺ وأصحابه، فجاءت عائشة مئتزرة بكساء، ومعها فِهْر [١٢] ، ففلقت به الصحفة، فجمع النبي- ﷺ بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (كلوا، غارت أمكم) مرتين [١٣] . فيا له من معلم حكيم صبر على هذا الخطأ العظيم من عائشة، وعالجه بالصفح والحلم والتماس العذر. ثامناً: المشكلات والعيوب والنقائص تبقى بين الزوجين فلا يطلع عليها الأهل والأقارب، لأن هذه الحياة حياة سرية ولا بد أن تبقى بين الزوجين، فالغالب على هذه المشاكل أنها إذا خرجت عن نطاق الزوجين فإنها تتطور وتتعقد، إلا إن وجد الزوجان أن الحياة بينهما أضحت مستحيلة، فإن لهما أن يشركا بعض المقربين من ذوي الدين والعقل للمساعدة في حل هذه المشكلات. تاسعاً: أن يوضح كل منهما للآخر من أول يوم أهدافه في الحياة على المدى البعيد والقريب والوسائل التي يستخدمها للوصول إلى هذه الأهداف، فيكون لهما أهداف مشتركة يتعاونان عليها، كما يكون لكل منهما أهداف خاصة به، ولا بأس من أن يطلع زوجه عليها لكي يساعده عليها؛ ولا يقف حائلاً بينه وبين تحقيقها. إذا وضع الزوجان المباركان هذه الأسس نصب أعينهما، وسجلاها في ورقة يكون مع كل واحد منهما نسخة منها، بحيث تكون ميثاقاً بينهما يراجعانه بين الحين والحين، واتفقا بألا تكون هذه الأسس والمعالم حبراً على ورق، بل تتحول إلى واقع يحاولان تطبيقه قدر المستطاع، ويذكر أحدهما الآخر بأن المسألة صعبة تحتاج إلى مجاهدة وصبر وتربية، وتعاهدا على المحاولة الجادة لتنفيذها.. فهذه معالم مباركات لكل زوجين وكل شاب وشابة مقبلان على الزواج، ينشدان السعادة الزوجية.. والله الموفق.

стр. 2234

نص شعري شاطئ النجاة شعر: محمد بن أحمد الزهراني توّقفَ وانزوى جَزِعاً مُراعاً ... فسوطُ الريحِ يقتلعُ الشّراعَا وَفي الأمواج إعصارٌ غضوبٌ ... به الأفواهُ تزداد اتساعَا وَشَاهَدَ ذلك البحّارُ جيشاً ... من الغِربانِ يندفِعُ اندفاعَا فأين النورسُ الجوّال يهدي ... عُيونَ سفينةٍ فقدتْ دِفاعَا فأَلْيَلَتْ الدّنى في مُقلتيهِ ... وَأَمْسَكَ رأسَهُ وبكى التياعا وفي خَطَراتِهِ بحثٌ وسَعْيٌ ... ويُشْعِلُ في دواخِلهِ صِراعا فلمْ يرمُقْ بها سُرُجاً لحلّ ... علىَ حْملِ الأمانةِ ما استطاعا لِمَ الإسلام شرّدَهُ بنُوهُ ... فأُغْطِشَ صُبْحُهمْ وسَعَوا جِياعا فنادى الذئبُ: إنّ لكمْ نعيماً ... لَديّ فأقبَلوا هَمَجاً تداعى فأسقاهُمْ كُؤوسَ الفحش شِرْباً ... وأمّوا نادياً للطهْرِ باعا وُخدّر عَقلُهُمْ والخيطُ رَثّ ... تكاثر حولَهُ العُميُ انْصَياعا مجانينُ وَعكْسٌ في نِظامٍ ... ففئرانُ الرّدى سجنَتْ سِبَاعا وذاك (حَنِيفُنَا) كأبٍ تعيسٍ ... رماهُ بنُوهُ واتّبعوا سُواعا فيا بحّارَ مركبِ كُلّ خيرٍ ... مصابيحُ الهدُى لَحِقَتْ ضياعا فرّتل آية من نور رّبي ... لِتُبْصِرَ بعد داجيةٍ شُعاعا وكبّرْ وانطِلقْ وأقِمْ صلاةً ... وقل للرّقدةِ السُكرى: وَدَاعا لِتَنْقَشِعَ الغيومُ غيومُ زيفٍ ... ونهِدمُ للغوى فينا قِلاعَا حبالَ الرّشدٍ فالزمها وسِرْ في ... سبيل الحقّ لا تخشَ انقطاعا

стр. 2235

هموم ثقافية تجديد الإسلام في غابة فرنسية.. وقفة مع فكر هشام جعيط [*] بقلم: د.أحمد إبراهيم خضر ١- فكرة طارئة قفزت إلى عقل المفكر! التونسي (هشام جعيط) وهو يراقب الثلوج في إحدى الغابات الفرنسية؛ فكتب ما اعتقد أنه تجديد وإصلاح للإسلام. توهم (المفكر التونسي) ! أن فكرته الطارئة هذه ستحول ضعف أمتنا إلى قوة، وستكون مؤشراً للتطور الأصيل، بدلاً مما يسميه (تأخرنا في التطور) ، إنه يرى أن مجتمعنا العربي! قد تطور في اتجاه العلمانية بخطوات عملاقة! : فالدولة تعمل مستقلة عن الدين، والتصورات العقلانية نفذت إلى ميدان التربية، والشباب لم يعد يبالي بالممارسات الدينية، لهذا فهو يرفع الطابع الإسلامي (ولكن) بطريقة تختلف عما هي عليه الآن. [١] ٢- شعر (المفكر التونسي) بعد أن ألهمته مقولات (فرويد) في كتابه (مستقبل وهم) بهذا الحنان العميق الذي لا يجتث نحو هذا الدين الذي أثار طفولته، وكان أول دليل له على الخير والشر المطلق، فنجده يتحدث عن معجزة الدين الذي يخاطب أبسط كائن وأكثره سذاجة، كما يتجه إلى أسمى فكر وأكثره رفعة.. تجده يتحدث عن الرسول- ﷺ الذي يرى فيه كتلة هائلة من المُثُل والحب والوفاء، الذي يزن ويوزن كل تلك الدموع والاندفاعات، الرسول الذي نادى باسمه كثير من الناس ممن كانوا في النزع الأخير، تجده يقرّ بأن الدين روح العالم والإسلام روح الأمة الإسلامية، وأنه لا يزال قوة حية ملموسة ملتصقة التصاقاً حميماً بالمجتمع الإسلامي تخترقه من طرف لآخر. ٣- انطلاقاً من هذا الحنين لهذا الوهم الفرويدي (لمفهوم الدين) يطرح علينا المفكر المذكور عدة مقدمات لا تثريب عليها - في مجملها - من حيث المبدأ، يقول فيها: أ - ينبغي ألا نرفض الإسلام، بل يجب أن نمتثل لروحه وجوهره، الذي يعني التفتح على الخارج، ثم العودة إلى الذات. ب - لا شيء يبتر الإسلام من اعتباره ثورة اجتماعية خانتها الظروف. ج - يجب على الإسلام البقاء ديناً للدولة تعترف به تاريخيًّا، وتهبه حمايتها، ولا تتلاعب به لأسباب سياسية، ولا تدخل عليه إصلاحات من عندها. د - إن التشريع الإسلامي استهدف بصورة عميقة خير الناس، وساهم في توحيد بشرية مشتتة بواسطة الولاء ذاته للشريعة، وهي القانون الذي نظم كافة مظاهر الحياة. هـ - إنه ضد أي محاولة للتشريعية العلمانية التي تستهدف الرجوع إلى تأكيد ما نصت عليه الشريعة من حيث المبادئ، وتحويرها على صعيد النتيجة العملية لبلوغ غايات التحديث. و أنه لا يجاري فكرة الانحطاط عند (جيب) التي أرجع فيها جمود المجتمع الإسلامي إلى الفكر الديني أو الفقه. ز - أنه ضد النظرة التي تدافع عن الإسلام من منطلق اتهام الفقهاء القدامى بـ (خيانة الإسلام وتشويهه) ! بل إنه يعترف بعظمة العمل الذي أنجزه هؤلاء الفقهاء، ولكنه يرى ضرورة المراجعة التقويمية لاجتهاداتهم. ح - أنه ضد محاولة إيجاد التطابق بين روح الفقه الإسلامي والفكر الحديث لصالح الأخير باستخدام أسلوب الحيل الفقهية، أي إنه - بصفة عامة - ضد منطق أنصار التحديث الديني الذي يقوم - غالباً - على تزوير الحقيقة الدينية، فهم يميلون إلى اقتراح إصلاحات ضد الشرع في اتجاه القيم التي رضي بها العالم الحديث؛ لكي يعرضوها على أنها من التشريع الإسلامي ذاته، بحجة أنهم يريدون أن يعيدوا إلى هذا التشريع سالف صفاته، في حين أن جهدهم تحكمه قمة سوء النية والنظرة الذاتية. ط - والقرآن عنده لا يقبل الترجمة؛ لأن ترجمة معانيه تفرغه من حقيقته ومضمونه والوزن الروحي الذي شحنت به الكلمات، وتجرده من هذا المحيط الروحي الأخاذ. إن أغلب الترجمات المعروفة لمعانيه تافهة من وجهة نظره، وإن بعضها قد حاول نقل الأسلوب القرآني المؤثر لكنها محشوة بالتناقض والمعاني الخاطئة، بل حتى المقلوبة. وأخيراً يأتي (المفكر التونسي) فيعلن: أنه ضد العلمانيين الذين يدّعون اليوم حق التلاعب بالإسلام، مستترين بقناع الإصلاح والرقي، في حين أنهم يتمنون خراب الإسلام. ٤- عند هذه النقطه يكاد (المفكر التونسي) أن يدفعنا إلى أن نخرجه من عباءة (العلمانيين التقليديين) ، إذ إنه يحاول إقناعنا بأنه يريد أن يجدد الإسلام والرؤية إلى الإيمان، فالقضية عنده قضية إصلاح، وإعادة تقييم، وإعادة بناء فقط، لكننا ما نلبث أن ندرك أن (الرجل) يريد أن يجدد في أسس الإسلام، وأن يسهم برؤية شخصيه في تحوير العقيدة والإيمان أو في المعاش الديني ودلالة التشريع على الأقل، بواسطة الدين وبما هو خارج عنه، وهذا هو الإصلاح عنده! ٥- خرج علينا (الرجل) بفكرة جديدة أسماها: (العلمانية المفتوحة) ، علمانية يراها غير معادية للإسلام لا تستمد دافعها من شعور (لا إسلامي) ، بل علمانية يتوهم أنها يمكن أن تحافظ على جوهر العقيدة، وحقيقة الأمر أنها لا تختلف مطلقاً عن العلمانية التقليدية، إنها - كما يقول بنفسه - تتسق مع الهدف العلماني العام: الفصل أو التحرير. ٦- يفاجئنا (الرجل) بضربات سريعة ومتلاحقة لجوهر العقيدة والإيمان، عبر عبارات صريحة لا تحتمل التأويل: الإسلام مغامرة تاريخية كبرى - الرسول بدأ بمغامرة رهيبة - الله فكرة! - الله يتواطأ مع الإنسان - ليس الله بأثبت الكائنات يقينية، بل إنه لغز! - القرآن عمل عبقري ذو لغة أسطورية - العمل الأسطوري له نوعيته في القرآن - القرآن يعتمد أسطورة سفر التكوين، ثم يثريها - الدين يتضمن جانباً من التمويه، وعناصره التي تضمنها لا يقبلها العقل إطلاقاً ولا الفكر ولا ذهنية الإنسان الحديث - التقليدية الدينية سلبية - الضحالة قائمة في كل حياة وفكر يخضعان إلى اعتباطية الدين والتقاليد، ثم يقول بالحرف الواحد: (من حسن الحظ أن الإنسان خالف باستمرار الدين، وأن الدين بقي مثلاً لم يطبق أبداً، وإلا لسحقت الحياة) ! : ماذا يريد جعيط بالضبط؟ ! يخلع (الرجل) أقنعته الخادعة، ثم يحدد أهدافه بجلاء وبجرأة، وذلك على النحو التالي: أ - النظرة إلى الدين على أنه مجرد وديعة مقدسة لا ينبغي الخضوع لها: (الأَولى بنا أن نتجه إلى الولاء التاريخي مع الشعور الأسمى بالحفاظ على وديعة مقدسة دون الخضوع لها) . ب - على الدولة أن تعمل مستقلة عن الدين، وأن تسير وفق قوانين السياسة والمصلحة الاجتماعية: (يجب على الدولة أن تتطور في نطاق عملها العادي داخل دائرة مستقلة طبق القوانين المجردة للسياسة والمصلحة الاجتماعية وخارج كل حنين سلفي) . ج - النظرة إلى القرآن على أنه كلام مقدس شرع في ظروف تاريخية واجتماعية معينة، وأنه يحوي عناصر توراتية يهودية نصرانية: (من الأفضل هنا أن يقبل المرء فكرة أن القرآن كلام مقدس، وأنه شرع في ظروف تاريخية واجتماعية معينة، وهو ما يبعث في الوقت نفسه على رفع كل اتهام بالرجعية عن القرآن ... نجد في القرآن تصوراً معيناً للجنين البشري قد لا يقبله العلم، ونظرة الكون المادي قابلة للتأويل بحيث لا تتضارب مبدئيًّا مع العلم، لكنه تتداخل فيها عناصر توراتية هي بدورها متأثرة (بالتصورات) البابلية القديمة ... إن الإسلام - ككل دين غيره - نشأ (!) في بيئة ذهنية معينة، وفي جو فكري معين، وفي عصر بشري سيطر فيه المظهر العجيب، على أفق الإنسان، وهو ورث - فضلاً على ذلك - أغلب التقاليد اليهودية النصرانية!) . د - تحرير المجتمع والدولة من الدين، والبحث عن روحانيات أخرى في غير الإسلام، وتحرير المجمتع كذلك من أن يعمل في ضوء الإيمان بالآخرة على أنها الحياة الحق: (على المجتمع والدولة التحرر من (ما ورائية دينية) تعتبر حقيقة وحدها، أي: التحرر من كل عسف أيديولوجي ديني، فإذا كانت مهمة الدولة تجسيم الروحانيات فإن هذه الروحانيات منشورة متنوعة متعددة، وهي ليست بالضرورة تلك التي حددها الإسلام ... على المجمتع أن ينمو طبق مقاييسه الخاصة في المرحلة الراهنة من مصيره، لا عملاً برؤية مسبقة لآخرة تكون هي الحياة الحق) . هـ - النظرة إلى الاعتقاد في وجود الملائكة والجن والشياطين على أنه من قبيل الخرافة: (يتضمن القرآن الملائكة ورؤساءهم وإبليس وجيشه من الشياطين والجن، ويظهر أن هؤلاء اقتبسوا من الخرافات المحلية!) و إنكار العذاب الأبدي لغير المؤمنين، وإنكار الحساب في الآخرة، واعتبار الله (تعالى) ظالماً متخفياً لاعباً! ! : (كيف يقبل العقل الناقد العذاب الأبدي - فضلاً عن كونه جسديًّا - بالنسبة لغير المؤمنين؟ ، وكيف للنزعة الإنسانية الكونية لعصرنا أن تسمح بذلك؟ ، أين يكمن الحل للتناقض بين الحرية ومسؤولية الإنسان التي يتضمنها مفهوم الحساب، ومن قدرة الله وظلمه (! !) أو يكاد التي يترجم عنها القضاء والقدر؟ هذا الإله ذاته الشخصي والمتعالي.. أي لعبة يلعب؟ لماذا كان متخفياً؟ أَوَ لا ينكشف مرة واحدة وبوضوح للإنسان؟) تعالى الله عما يقول. ز - التقدم نحو العقلانية خارج كل سيطرة للدين: (إنّ ما هو عقلاني يتابع سيره، ويجب أن يتابعه خارج كل سيطرة للعامل الديني وكل تبرير بواسطة الدين، وهكذا: فليس للعلم والعقلانية السياسية أن يبحثا عن أسس ممارستهما في القرآن حتى ولو كان القرآن ثريًّا فريداً فكريًّا فيما يخص مصير الكون) . ح - السماح بالخروج عن الإسلام وإظهار عدم الإيمان: (لتسمح الدولة وتضمن الخروج عن المعتقد خروجاً حرًّا، فليتظاهر عدم الإيمان، وليبرز، وليؤكد ذاته؛ فليس للدولة أن تمنعه، بل يجب عليها أن تضمن خلافاً لذلك هذه الإمكانية) . ط - تعطيل الحدود الشرعية: (ينبغي على البلدان المتخلفة اللحاق في ميدان التشريع بالبلدان المتطورة، وأن يتوقف العمل بالتشريع غير الملائم القاسي المعروف بإقامة الحدود ... وعلى القضاء الجنائي أن يعمل حيثما كان بالمبادئ العالمية لعصرنا) . ي - المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، وإبطال تعدد الزوجات، وتحرير الزواج والجنس من القيود الشرعية: (ينبغي أن يركز الجهد على ميدان قانون الأحوال الشخصية الشاسع، والذي ما زال خاضعاً (لصيغة عتيقة وتنصيعات قرآنية) فينبغي تخليص ما يعرف بقوانين الميراث وتشريع الزواج وحتى (التشريع الجنسي) من عبء الفقه، وإخضاعه لمقولات العقل العالمي، وأن تضمن (للمرأة) المساواة في حقوق الإرث، وأن يقع العدول عن تعدد الزوجات، ويرتبط بهذه الأمور تدخل العقلنة في تشريع المواريث) . ك - تحرير الأخلاق من الدين: (لا بد من الوصول إلى تحرير الأخلاق الملموسة من وطأة الأخلاق الدينية من حيث ضيقها وتشددها، ولأنها تحدد تفتح كل رؤية حديثة عقلانية للعلائق البشرية، ... إن علمنة الأخلاق الملموسة هي بداية علمنة أسسها ... ليست الديانة سوى عنصر من عبء وقمع واعتباط) . ل- ضرب الفضيلة والشرف: (إن فكرة الفضيلة ذاتها سلبية إلى حد كبير، ومبنية على قمع الاندفاع الحيوي؛ فينبغي مراجعتها.. هذا ولم نتحدث عن كل الأخلاقية للشرف التي تستقر في قلب الإنسان الساذج آمرة إياه بالأسى والانتقام والموت ... ) . م - زرع قيم جديدة والتخلي عن القيم الدينية التي تجاوزها العصر الحديث: (يمكن حصول زرع مناسب لقيم جديدة كان أهملها الإسلام في أطراف الضمير الأخلاقي، حيث تتعدد سلسلة الممكنات، لذلك يمكن التخلي عن الرؤى التي تجاوزتها التجربة الحديثة للإنسانية بفضل تغير مُثُلها) . أصياغة للدين أم هدم له؟ ! : الحقيقة: إن هذا (المفكر التونسي) يريد مثل الذين سبقوه من دعاة التنوير أن يعيد صياغة العقيدة الإسلامية صياغة حديثة تستخدم ما يسميه بلغة (الفكر الحالي الراقي) إنه يرفض لغة علماء الدين والفقه والشريعة الذين يسميهم (بالطبقة التحتية الماورائية) التي يجب عليها أن تتخلى لهم عن احتكار الحقيقة - على حد قوله - إن هذا هو عين ما قاله (زكي مبارك) منذ أكثر من نصف قرن مضى: (نزعنا راية الإسلام من أيدي الجهلة (علماء الدين) وصار إلى أقلامنا المرجع في شرح أصول الدين) . ونضرب هنا مثالاً واحداً نوضح به كيف عبر (المفكر التونسي) عن الله (عز وجل) بلغة ما يسميه (بالفكر الراقي) حينما اعتبر قلمه مرجعاً في شرح أصول الدين، إنه يقول: (إن الله هو الأنا المطلق تحديداً.. الأنا المحايث الذي يحرك ويدعم الكل، أما الطبيعة والعالم المادي فلا تكون سوى طبع الله أو عادته، والأحسن من ذلك: أنه الكشف الذاتي لـ.. أنا الأكبر) . إن التبعية في لغة التعبير - كما يقول (جلال أمين) : (وثيقة الصلة بالتبعية في مضمون الفكر، تؤدي كل منهما إلى الأخرى وتقويها، ومن كان تابعاً لفكر غيره استسهل التضحية بلغته، والاستسهال بالتضحية في اللغة يؤدي إلى التورط أكبر وأكبر في قبول ما لا يتعين قبوله من الفكر الأجنبي، لأن اللغة نفسها تعكس في كثير من الأحيان مواقف قيمية وتفضيلات خاصة، وهي لا تتمتع بدرجة الحياد التي تُزعم لها) . هذا هو ما حدث (لمفكرنا التونسي) : تورط مع (فرويد) في (وهم الدين) وتورط مع (إميل دوركايم) في (نزع الدين من الأخلاق) ، وتورط مع (مارلو بونتى) - الذي يعترف بأنه يشعر نحوه بقرب كبير في الاعتقاد - (بوجود إلهين) : أحدهما داخلي والآخر خارجي، وتورط مع (هيجل) عندما حلل الإسلام في ضوء كتابه (روح المسيحية ومصيرها) فاعتبر أن الله ليس بحقيقة، وأن الرسول-صلى الله عليه وسلم- كان يشعر بالنقص أمام التكبر اليهودي، وأن اكتساحه لهم في المدينة نتج عن حقد شخصي عليهم، وتورط مع (هاردر) في مقولته: (إن الدين روح لبشرية ما زالت في الطفولة، وأن على العقل أن يتحرر من الدين بدخول العصر الحديث) . أقر (مفكرنا التونسي) بنفسه - وهذا ينطبق عليه - بأن المفكرين المسلمين الذين احتكوا بالحداثة ينزعون إلى التخلي عن الدين، الذي بدا لهم بناءً منخوراً ونسيجاً من المحالات، وظهر لهم مرتبطاً بذهنية ساذجة أو غير حديثة. كما أقر أيضاً بأن العقل النقدي الموحد المسوي لكل الأديان يسبب دواراً حقّاً، وأن فهم الإسلام في ضوء الطريقة التاريخية أمر خطير على الدين، قد يصل إلى هدم الإيمان، شأنه شأن التحليل النفسي، وهذا هو ما وقع فيه حينما احتك بالحداثة وفهم الإسلام في ضوء (التاريخانية) . إن موقف (المفكر التونسي) - كما اعترف بنفسه -: ممزق، مبهم، متضارب، تلاعب بالإسلام متستراً بقناع الإصلاح والرقي، ظنّاً منه أن (علمانيته المفتوحة) ستخرجه من عباءتهم. وبعد أن أعمل فكره وبذل جهده في تدمير العقيدة والإيمان نجده يقول عن الرسول: (في هذه الغابة الفرنسية، حيث أكتب هذه السطور أمام الثلج، بعيداً جدّاً في الزمان والمكان عن ذلك العالم الذي عاش فيه (الرسول) ، إني أحس نفسي أقرب إليه من شخص عاش في القرن الثاني الهجري، وأشعر أني قريب جدًّا من إدراك حقيقته) (! !) .

стр. 2236

المسلمون والعالم الشرعية الدولية.. هل لها شرعية إسلامية بقلم: عبد العزيز كامل كثير أولئك الذين تحدثوا عن حكم الإسلام في التحاكم إلى القوانين والأنظمة الوضعية التي ابتليت بها أكثر البلاد الإسلامية، وكذلك عن التحاكم إلى الأعراف والعادات والتقاليد القبلية؛ حيث بينوا: أن هذا التحاكم محرم بنصوص الوحي المحكم، وأن من فعله عن علم ورضا وقصد، فإنه يخرج بذلك عن ملة ... الإسلام [*] . ولكن الحاجة ماسة إلى البحث عن حكم التحاكم إلى القوانين والأعراف الدولية، تلك التي اختار لها الداعون إليها اسماً يصرح بمرادهم منها، فأسموها: (الشرعية) الدولية، فهي إذن: (شرع) يحكم علاقات الدول والأمم. فهل هذا التشريع المحدث مقبول كله، أم مردود كله، أم بين هذا وذاك؟ وما هو الموقف العقدي للأمة منها؟ . قد لا يتنبه كثير من الناس إلى خطورة تلك العبارات التي أصبحت تتردد على أسماعنا كل حين عن: (ضرورة احترام الشرعية الدولية) ، و (وجوب الشرعية الدولية) و (تحريم الخروج على الشرعية الدولية) ! ! إن الأمر لا يعنينا إذا دارت تلك العبارات على ألسنة الساسة في دول الديمقراطية الغربية النصرانية، أو الاشتراكية الشرقية الإلحادية، ولكن الأمر يختلف حينما يكون له تعلق بأمتنا الإسلامية، فمن ذا الذي يملك سلطة جعلها أمة متحاكمة إلى (شرعية) أو (شريعة) غير شريعتها ... ولو في بعض الأحكام؟ ! نعم، إن تلك التشريعات لم توضع خصيصاً لأمتنا الإسلامية، ولكنها من الناحية الواقعية تشملها وتفرض عليها، وللأسف: فإن الآلة الإعلامية الرسمية في عالمنا الإسلامي اليوم، لا تكف عن الضجيج حول ترسيخ هذا المفهوم: (احترام الشرعية الدولية) ، فهل هذه (الشرعية) هي فعلاً واجبة الاحترام، ملزمة في الاحتكام، عادلة على الدوام؟ أليست الشرعية الدولية هي تلك القوانين والنظم التي صاغتها الدول المتكبرة المنشئة لما سمي بـ (منظمة الأمم المتحدة) ؟ وأليست تلك المنظمة هي الجهاز الحاكم والقائم على أكتاف الدول الثلاث الكبرى التي تحالفت وانتصرت في الحرب العالمية الثانية (أمريكا - بريطانيا - روسيا) ؟ إن تلك الدول تعاقدت وتعاهدت - ومعها بعد ذلك (فرنسا والصين) - على تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، حيث أطلقت على نفسها منذ ذلك العهد: (الأمم المتحدة) ، وهو الاسم الذي اختير بعد ذلك للمنظمة الحاكمة والمشرعة لصالحها. لقد صاغت تلك الدول بمفردها ما أطلق عليه: (ميثاق الأمم المتحدة) ؛ لتكون له المرجعية الكبرى في كل قضية من قضايا العالم، حيث تستمد (الشرعية) الدولية منه الأحكام والنظم، وتستند إليه في الإجراءات والتحركات. إن ميثاق (الأمم المتحدة) ليس مجرد وثيقة منشئة لمنظمة دولية، ومحددة لقواعد العمل بها، وإنما هو أكثر من ذلك بكثير، إن الخبراء في القانون الدولي - الذين يُطلَق عليهم وصف (الفقهاء) - يعلنون في وضوح وصراحة: أن الميثاق هو أعلى مراتب المعاهدات الدولية، وأكثر قواعد القانون الدولي سموّاً ومكانة! ولذلك: لم يكن من المستغرب أن تنص المادة (١٠٣) من هذا الميثاق نفسه على أنه: (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق) ؛ ومعنى ذلك: أنه لا يجوز لأي دولة أن تبرم أي اتفاق دولي تتعارض أحكامه مع القواعد والأحكام الواردة في ميثاق الأمم المتحدة! ، بعبارة أخرى يمكن القول: إن أي سلوك أو فعل لأي دولة في العالم يتناقض صراحة، أو يشكل خرقاً لميثاق الأمم المتحدة، يصبح بالضرورة: فعلاً أو سلوكاً منافياً للقانون الدولي وللشرعية الدولية! وخروجاً عليها. ويمكنك أن تتصور عشرات الصور لتصرفات يمكن أن تكون من وجهة النظر الإسلامية واجبة التنفيذ، ولكنها تكون من وجهة نظر (الشرعية الدولية) محرّمة ومجرّمة، وتشكل خروجاً على شريعة الدول الكبرى! . فلو أن مارقة من المرتدين، أو خارجة من الخارجين انشقوا على دولة مسلمة، وقاموا بحركة انفصالية انشطارية، فاقتطعوا أرضاً، وأعلنوا فيها دولة، وشاءت الدول الكبرى أو بعضها أن تعترف بتلك الدولة المنشقة حتى صارت عضواً في المنظمة الدولية، لما كان بمستطاع تلك الدولة الإسلامية أن تنصب في وجه أولئك الخوارج أو المرتدين سيف قتل البغاة! ! ، ولو أن طائفة من اليهود أو النصارى أو الملحدين احتلوا أرضاً إسلامية وأعلنوا فيها دولة لهم، ثم أرادت مشيئة الدول الكبرى أو بعضها أن تعترف لهم بهذا الاغتصاب - كما حدث كثيراً - لما كان بإمكان المسلمين - كلهم أو بعضهم - أن يعيدوا هذه الأرض المغتصبة التي أصبحت بحكم (الشرعية الدولية) ! دولة مستقلة ذات سيادة، ولشعبها الحق في تقرير المصير! ! ، وهكذا تتشكل وتتطور خريطة العالم الإسلامي على حسب ما يتقرر في أروقة هيئة الأمم المتحدة. وأيضاً.. لو صدر قرار، أو اتخذ من الأمم المتحدة ضد أي دولة إسلامية أو عربية، فإن من واجب جميع الدول الباقية أن تلتزم به، مهما كان ظالماً ومظلماً، لأنها ينبغي أن تتأدب بأدب العضوية في المنظمة الدولية. هكذا، وهكذا ... قس على ذلك الكثير مما تسمعه أذنك، وتبصره عينك، وتزكم برائحته أنفك، مما يدور في عالمنا العربي والإسلامي. ثم تُدعى بعد ذلك شعوب المسلمين إلى (احترام) الشرعية الدولية للمنظمة العالمية ... ليت الأمر يقتصر على ذلك، وتكتفي هيئة الأمم بالهيمنة السياسية على العالم، ولكن الواضح أن الدور المرسوم للأمم المتحدة هو: أن تتحول تدريجيّاً من مجرد منظمة دولية عامة، إلى تنظيم عالمي شامل؛ من خلال إقامة شبكة كثيفة من التفاعلات الدولية والإقليمية العامة والمتخصصة، الحكومية وغير الحكومية، وقد احتوى الميثاق بالفعل على النصوص التي تمكن الأمم المتحدة من أن تتحول إلى نواة لمنظومة عالمية، تعكس الإطار المؤسسي للنظام الدولي كله، تكون لها أهلية التوجيه والتخطيط - وربما الإلزام - فيما يختص بالنواحي الاقتصادية والتعليمية والبيئية والاجتماعية، وكذلك الأسرية لدى شعوب العالم. ويبدو أن أوضاع العالم قد أوشكت على التكيف لتصبح صالحة لأن تتعامل معها الدول الكبرى كعجينة تقبل التشكيل وفق أهوائها ومصالحها، ويزداد الأمر خطورة بتحول العالم إلى القطبية الواحدة التي تمثلها أمريكا ... التي يسيطر عليها اليهود. والمؤتمرات الدولية التي انعقدت وستنعقد تحت مظلة الأمم المتحدة تشهد على ذلك التحول والتطور للمنظومة الدولية، بما يمهد لتمكينها في النهاية أن تكون (حكومة عالمية) ، وما المؤتمرات مثل: مؤتمر (الأرض) في (ريو دي جانيرو) ، ومؤتمر (السكان) بالقاهرة، ومؤتمر (المرأة) ببكين ... إلا علامات دالة على التحول في دور المنظمة الدولية، فاليوم توصيات.. وغداً قرارات ... وبعد غد تشريعات. إن الأمم المتحدة قد حشرت أنفها - وبخاصة في المؤتمرين الأخيرين - في أمور من أخص خصائص التشريع، فهل يراد أن يكون لهذا التشريع (شرعية) ، وهل يصلح أن ينادى وقتها بضرورة احترام هذا التشريع الوضعي أو ذاك، وتحريم الخروج عليه باعتباره (شرعية دولية) ؟ ! . قد يكون لضغط الواقع تأثيره في (تطبيع) مشاعر الأمة، لكي ترضى بهذا المنكر العريض على المستوى السياسي، فتقبل للدول الكافرة الكبرى بمنصب (الولاية) على العالم، ولكن ما هو العذر في ترويضها كي تقبل مع الزمن الالتزام بتشريعات الكفار وتصوراتهم المريضة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والأسرية؟ . وحتى على المستوى السياسي: من يقول بمشروعية إخضاع العالم الإسلامي كله لولاية فوقية غير إسلامية يطلق عليها (شرعية دولية) ! ويطلب لها التوقير والاحترام؟ ! . إن مسؤولية إحقاق الحق وإبطال الباطل تقتضي من أهل الدعوة ألا يمرروا هذا الواقع الاضطراري على أنه أمر مشروع، ففرق كبير بين أن تضطر إلى أكل لحم الخنزير، وأن تستحل أكله وتعتبره مباحاً، حتى ولو لم تذقه. إننا في حاجة إلى استبانة خصائص ومقومات وآثار تلك (الشرعية) ! التي يُراد منا أن نحترمها، ونحن في حاجة كذلك إلى قراءة جديدة لنصوص الوحي، فيما يتعلق بقضية التحاكم إلى أي شرعية غير الشرعية الإسلامية، ولو كانت هذه الشرعية هي (الشرعية الدولية) !

стр. 2237

المسلمون والعالم السودان المغضوب عليه.. لماذا ؟ بقلم: د. يوسف الصغير في وقت لم تجف فيه بعد دماء الضحايا الأبرياء في (قانا) ووقوف الولايات المتحدة الأمريكية في وجه أي قرار يدين إسرائيل بتعمد استهداف اللاجئين لقاعدة الأمم المتحدة وقتل المدنيين فيها، نجد أن الولايات المتحدة تستخدم نفوذها وسطوتها في اتجاه معاكس مع دولة مسلمة عربية هي (السودان) ؛ حيث تضغط، ليس فقط من أجل توجيه لوم أو عتاب، ولا من أجل مناشدة لتطبيق قرارات مجلس الأمن، بل في سبيل فرض عقوبات بموجب (الفصل السابع) ، وإذا رجعنا إلى القضية نجد أنها أقرب إلى التلفيق وبصورة تعوزها البراعة، ولكن بالرجوع إلى تعامل الأمم المتحدة ومن يحركها نجد أن هناك جهوداً وجلداً في أمرين مهمين وهما: التغاضي والتعامي عن أدلة الإدانة لغير المسلمين ومحاولة تمييعها مثل أدلة المجازر الوحشية للصرب ضد المسلمين في البوسنة حتى بلغت بهم الوقاحة حد التركيز في محاكمة مجرمي الحرب على اتهام أحد المسلمين بارتكاب جرائم حرب؛ مما يوحي بتساوي الجانبين في ناحية التجاوزات والممارسات غير الإنسانية، أما إسرائيل فهي دولة اليهود، ومن يجرؤ في هذا العصر على نقدهم أو حتى مناقشة القضايا التاريخية التي تمسهم؟ ! ، وإذا كانت رواية اليهود عما يسمى بأفران الغاز أو معسكرات الإبادة (التي يزعمون فيها قتل ستة ملايين منهم) لا يجوز نقدها، ومن تعرض لهذه الأسطورة، تعرض للإذلال والمحاربة، ويقدم للمحاكمة، بل ومن المضحكات المبكيات: أن أحد رجال الأعمال الإيطاليين قدم للمحاكمة للموضوع نفسه واتهم بـ (اللاسامية) ؛ لأنه أظهر فرحه بمقتل رابين، وحُكِمَ عليه بقراءة مجموعة من الكتب عن اليهود؛ لتصحيح مفاهيمه، على أن يقوم بعرضها أمام المحكمة، وقد فرح جدّاً لهذا الحكم، وتعهد بتقديم عرض مطول لهذه الكتب أمام المحكمة. نعم إن التعامل مع دولة (يهود) ليس فقط في التغاضي عن جرائمها، بل وتوفير الغطاء والحماية لها، فإن مجلس الأمن لا يجرؤ على مطالبتها بتطبيق قرار مجلس الأمن الذي ينص على انسحابها من جنوب لبنان، ولا أن يشجب جريمة بشعة لم تفضحها الأقمار الصناعية، ولا مخابرات الدول الكبرى، بل كاميرات الهواة من الصحافيين وجنود الأمم المتحدة. أما الأمر الثاني: فهو التغاضي والتعامي أيضاً عن أدلة البراءة من الاتهامات للمسلمين، وإصرار بعض الدول الكبرى على تجريم المتهم، ومن أوضح الأمثلة على ذلك: إدانة مجلس الأمن للسودان، بل وفرض العقوبات عليه بموجب (الفصل السابع) الذي يعطي الأمم المتحدة (الولايات المتحدة) الحق في استعمال القوة من أجل تنفيذ القرار. وإذا كان القرار يقتصر على عقوبات دبلوماسية حالياً، فإن القرار ينص على مراجعة الملف كل شهرين، ويُنْظَر فيما إذا كان ينبغي اتخاذ تدابير إضافية ضد السودان لضمان امتثاله للمطالب الواردة في القرار، ويطالب القرار بأن يمتثل السودان لمطلبين أساسين، هما: أولاً: اتخاذ إجراءات فورية لكي يسلم إلى إثيوبيا الأشخاص الثلاثة المشتبه في اختبائهم في السودان لمحاكمتهم، وهم مطلوبون فيما يتعلق بمحاولة اغتيال رئيس جمهورية مصر العربية في أديس أبابا في ٢٦ حزيران (يونيو) ١٩٩٥م. ثانياً: دعوى الكف عن القيام بأنشطة مساعدة ودعم وتيسير الأعمال ... الإرهابية، وعن توفير الملجأ والملاذ للعناصر الإرهابية، إلى جانب التصرف من الآن فصاعداً في علاقتها مع جاراتها ومع الآخرين بما يتماشى تماماً مع ميثاق الأمم المتحدة وميثاق منظمة الوحدة الإفريقية. ما المطلوب من السودان بالضبط؟ وعند التمعن في القرار نجد أنه: إذا كانت الفقرة الأولى محددة، فإن الثانية عامة بحيث تتصرف أمريكا مع السودان بصورة غريبة. فيا ترى ما هي المطالب الحقيقية التي يجب على السودان تلبيتها حتى يخرج من دائرة الاستهداف؟ .. هذا ما سأحاول الإجابة عليه: في أول يناير ١٩٥٦م أعلن استقلال السودان، وقامت أول حكومة سودانية برئاسة الأزهري، وكان جو التنافس بين الأحزاب شديداً؛ نتيجة التنافس بين طائفتي الأنصار (المهدية) والختمية (المرغنية) ، وظلت الأمور في اضطراب إلى أن وقع انقلاب الفريق (إبراهيم عبود) في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨م، ليحل البرلمان، ويلغي الأحزاب.. واستمر في الحكم حتى سقط بسبب ثورة شعبية، وعادت الحياة الحزبية ولكن في ظل فوضى واضطرابات وانقسامات حتى وقع انقلاب (النميري) في ٢٥ مايو ١٩٦٨م الذي استمر في الحكم حتى أُطيح به في ثورة شعبية، وجاءت حكومة انتقالية ثم حكومة أحزاب في فترة تردت فيها الأوضاع، حتى قام انقلاب ثورة الإنقاذ في يونيو ١٩٨٩م. ثورة الإنقاذ: في أواخر حكم الأحزاب كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في غاية السوء؛ بسبب التنافس على السلطة بين رئيس مجلس السيادة (الاتحادي) ورئيس الوزراء (الصادق المهدي) ، ولم يكن هناك مجال للاتفاق على سياسات، بل دخلت الدولة في دوامة من التخبط، وكان الجميع يتوقع انقلاباً عسكريًّا؛ من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث تفلت الأمن حتى في العاصمة التي بدأ يهددها التمرد النصراني في الجنوب؛ مما اضطر رئيس الجمهورية الاتحادي إلى توقيع اتفاقية سلام مهينة مع (قرنق) ، ويبدو أن هناك أكثر من مجموعة في الجيش كانت تفكر في التحرك؛ ولذلك: لما قامت الحركة الانقلابية كانت توجهاتها غامضة؛ فالأسماء غير مشهورة، وبينهم ضباط من الجنوب، ولذلك سارعت بعض الدول المحيطة بالترحيب بالانقلاب بعد وقوعه. وكان أول تصرف للانقلابيين اعتقال زعماء الأحزاب، وكان (الترابي) من بينهم، وبقدر ما كان الانقلاب حريصاً على حصوله على الدعم من أي جهة كانت من أجل إنقاذ البلد، كان أيضاً حريصاً على عدم إبراز حقيقة التوجه الإسلامي له، ولكن مع الوقت برزت الصفة الإسلامية له من ناحية التزام الرئيس ونائبه بالشعائر الظاهرة، أو من ناحية الزهد في المظاهر، ومع الوقت تبين أن أكثر الفئات دعماً للنظام هي الجبهة القومية الإسلامية، على الرغم من دعوة النظام للجميع للتعاون معه، ومع خروج زعماء الأحزاب ظهر أن للترابي وجاهة عند النظام، ومع الوقت برزت قضية: هل البشير من الجبهة، وبالتالي فالانقلاب انقلاب الجبهة، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تحالفاً قائماً على التوجهات والمصالح المشتركة، وهذا هو الذي يغلبه كثير من المراقبين. مع مرور الوقت برزت التوجهات والشعارات الإسلامية للنظام، ومعها بدأت المضايقات من دول الجوار والغرب. مظاهر الضغط على السودان: لقد كانت المواجهة مع السودان على أكثر من جبهة: أولاً: مقاطعة اقتصادية: تمثلت في مضايقات البنك الدولي، وتخفيض حجم التبادل الاقتصادي مع دول الجوار، وانقطاع إمدادات النفط بعد المبالغة في تصوير موقف السودان في حرب الخليج الذي يشابه موقف تونس، ولا يقاس بموقف الأردن مثلاً! ثانياً: دعم المعارضة السودانية الشمالية واحتضانها على الرغم من عدم فاعليتها واختلافها فيما بين رموزها. ثالثاً: تبني التمرد في الجنوب حتى وصل الأمر إلى أن يقوم مسئولون رسميون غربيون - بالإضافة إلى شخصيات دينية غربية (أسقف كانتبري) - بزيارات إلى الجنوب عن طريق الدول المجاورة، متجاوزين في ذلك سلطة الحكومة السودانية، وقد أدى ذلك إلى طلب سحب السفير البريطاني من الخرطوم كما هو معروف. رابعاً: التركيز على منع محاولة النظام أسلمة الجنوب، وقد عقدت مؤتمرات في أمريكا لقادة التمرد، وقام بابا الفاتيكان بزيارة الخرطوم، بالإضافة إلى زيارة أسقف (كانتبري) إلى الجنوب. خامساً: الضغط على دول الجوار الإفريقية لدعم التمرد في الجنوب بصورة مباشرة مع ما يمثل هذا من خطورة على الأنظمة، حيث إن كل بلد يوجد فيه معارضة يمكن احتضانها وهذه اللعبة مستمرة في المنطقة. ومع ذلك فقد انقلبت مواقف إريتريا والحبشة رأساً على عقب نتيجة الضغط الغربي؛ فمن علاقات حسنة مع السودان انقلب الأمر إلى تدخل سافر، تمثل في تسليم مبنى السفارة السودانية في أسمرة إلى المعارضة، وفتح معسكرات لتدريب المعارضة مما يعتبر (حسب المعايير الدولية) دعماً للإرهاب وتدخلاً في الشؤون الداخلية للدول، بل إن (أسياسي أفورقي) صرح: أن إريتريا تهدف إلى إسقاط نظام الخرطوم، ولا يخفى أن إريتريا تمثل مخلب قط لإسرائيل وأمريكا في المنطقة، ويراد لها أن تلعب دوراً جديداً؛ من أجل استكمال حلقة الحصار حول العالم العربي. أما أوغندا فقد قامت قواتها بهجوم مشترك مع قوات قرنق انطلاقاً من الحدود الأوغندية. سادساً: كثر الحديث أثناء التدخل في الصومال عن إمكانية إقامة منطقة حظر جوي في جنوب السودان من أجل دعم التمرد، وقد سقط هذا الخيار بانسحاب القوات الأمريكية من الصومال. سابعاً: محاولة جمع أطراف المعارضة، وقد عقد مؤتمر (أسمرة) بحضور مندوبين عن أمريكا وإسرائيل، وتم الجمع بين الأحزاب التي كانت تحكم السودان، وتشكل المعارضة حالياً مع قرنق، وقد واجه التجمع مشكلة عويصة، وهي: أن المعارضة الشمالية سياسية، بينما الذراع العسكرية هي قوات قرنق، وهذا وضع غير مقبول شعبيًّا، وبالتالي: ظهرت أخيراً بوادر محاولة إنشاء معارضة عسكرية شمالية تقوم كل شهر تقريباً بعملية صغيرة على الحدود مع إريتريا أو الحبشة، ولا تعدو هذه العمليات أن تكون أكثر من محاولة إثبات وجود معارضة عسكرية شمالية للنظام. ثامناً: إثارة موضوع مثلث حلايب المتنازع عليه مع مصر، وقد حاول كلا النظامين الاستفادة من النزاع في رفع شعبيته، مع أن الثمن هو زيادة الهوة بين الشعبين في مصر والسودان، ويبدو أن المستفيد الوحيد من هذه المشكلة هم أهل (حلايب) ، فهم يحظون الآن باهتمام مصطنع وغير عادي. وبالطبع لم تنجح كل هذه الأساليب في إسقاط النظام؛ مما اضطر الغرب إلى استعمال آخر سهم في جعبته، وهو التمهيد لعدوان مباشر، وكانت محاولة اغتيال الرئيس المصري الفرصة السانحة في المحاولة عندما عقد مؤتمراً صحفيًّا للحديث عن المحاولة وإثبات سلامته، وقد بادره أحد الصحفيين بالسؤال عن دور السودان، وبالطبع فالرئيس في تلك اللحظة لا يعلم عن المحاولة إلا حقيقة تعرضه للهجوم فقط، وقد أجاب الرئيس إجابة عامة، فالعلاقة مع السودان متوترة بسبب حلايب، وتوجه النظام بالتالي لا يجزم بتبرئته، وهو كذلك لا يجزم بضلوعه، ولكن أساطين النفاق في الأمن والصحافة تلقفوا هذه التصريحات، فبدأت الصحف تنسج الأكاذيب الواضحة عن دور السودان، وأصبح دور الأمن إثبات ضلوع السودان في العملية، فبدأ الإعلان عن عمليات قبض على متسللين من السوادن، بل تمت محاكمة مجموعة باسم مجموعة العائدين من السودان، وكان موقف إثيوبيا سلبيًّا؛ فقد انتقدت أسلوب البعثة الأمنية المصرية، ولكن لأمر ما انقلب موقف إثيوبيا وتقدمت مشتركة مع مصر بشكوى إلى مجلس الأمن لمطالبة السودان تسليم ثلاثة متهمين مصريين بدعوى دخولهم السودان، وقد قبل مجلس الأمن الشكوى مع عدم تقديم إثيوبيا إثباتات على دعواها بمبرر عدم الكشف عن مصدر المعلومات، ويسارع مجلس الأمن، ليس فقط بقبول شكوى بدون سند، بل إلى إقرار أمور ليست ضمن الشكوى، ومنها طلب احترام حقوق الإنسان! والغريب أن أصل القرار مبني على طلب تسليم أشخاص محددين بدعوى دخولهم السودان، وهو طلب تعجيزي حيث إن دخولهم إثيوبيا ثم خروجهم منها يشابه إمكانية دخول السودان والخروج منه، بل الأدهى والأمر: أن أحد المطلوبين تبين أنه في افغانستان، وصرح ببراءة السودان، وأنه دخل إثيوبيا وخرج منها بجواز عربي، وهنا سؤال يبرز وهو: هل أصبح السودان بديلاً عن (الإنتربول الدولي) ، ولماذا لم تطالب باكستان بهذا المطلب، ولكن الواضح أن سقوط الطلب الأول لم يسقط القرار الدولي، بل ولم يغير فيه حرف حيث إن القرار النهائي هو: تسليم الأشخاص الذين لا يوجدون في السودان، أو أن يتعرض السودان لعقوبات قابلة أن تصل إلى الحل العسكري، والمؤكد أن القرار ليس حرصاً على حياة الرئيس المصري، ولا على حقوق الإنسان، بل هو موقف ضد السودان بسبب توجهاته الإسلامية وحرصه على استقلالية مواقفه وقرارته. رسالة إلى ثورة الإنقاذ: لقد قامت الثورة في البداية بتأكيد مبدأ الاستقلال والاعتماد على الذات، وهذا أمر مطلوب وعزيز، وله دور في بعض ما يتعرض له السوادن من أجل إعادته للدوران في الفلك إياه، ولكن هذا لا يمنع من توجيه كلمة، لما أرى أنه أخطاء ارتكبت بقصد أو بدون قصد، ومنها: ١- لم تنجح الثورة في الحصول على التأييد الكافي من الإسلاميين، وبخاصة بعض فصائل أنصار السنة والإخوان، ولا أدري هل هذا بسبب الحساسيات القائمة مع الجبهة التي سبقت إلى مراكز التوجيه في النظام أو بسبب موقف تأصيلي مع النظام. ٢- ضعف السياسة الاقتصادية، مما أدى إلى فتور الحماسة في الدخول في مشاريع اقتصادية، بل والإحجام عن ذلك أحياناً، مع تركيز الدولة - أخيراً - على محاولة جباية أكبر قدر من المال من المغتربين لسد الخلل في الميزانية، وهذا سيكون له آثار سيئة في المستقبل. ٣- أخطاء استراتيجية وشرعية من ناحية سياسة دعم المعارضة في الدول المجاورة؛ حيث كان الدعم الأقوى - مع التضحية بقوى إسلامية - لمثل الجبهة الشعبية الإريترية مع مضايقة حركة الجهاد الإريتري، وقد تبينت خطورة هذه السياسة مع تشتت الجهاد في إريتريا وظهور الجبهة بوجهها الجديد، والذي ينبغي هو: عدم تكرار الخطأ نفسه في أوغندا. ٤- أن الحق والعدل في هذا الزمان هو آخر ما تقوم عليه العلاقات بين الدول، ولذلك فلا نتوقع موقف للدول الصديقة بدافع الحق فقط، ولذلك فإن الصين ... تصرح بأن القرار جائر وغير منطقي، ولكن لم تستخدم حق النقض؛ لأن هناك مضايقات مع أمريكا في تايوان، وفي مجال الصناعة، أما روسيا فلا تعدو - في الوقت الحاضر - أن تكون تابعاً ذليلاً لأمريكا، وقد تتبدل الأمور بعد يلتسن فمن الضروري عدم المبالغة في المراهنة على مواقف غيرنا، مع وضع كافة الاحتمالات في الحسبان. ٥- محاولة تحسين العلاقة مع مصر وتجنب الخضوع لبعض الاستفزازات واستغلال الرأي العام المعارض لتقسيم السودان، حيث إن هدف أمريكا النهائي هو تقسيم السودان. وفي الختام: نرجو من الله أن يقي المسلمين في السودان وغيره أعداءهم وشر الشيطان وأنفسهم، وأن تكون الأحداث في السودان عاملاً في تعميق الثقة وإصلاح ذات البين بين البلاد الإسلامية والعودة إلى تحكيم شريعة الله في كل خلاف بدلاً من الرجوع لأعدائه الذين لا يزيدون الخلاف إلا اتساعاً.

стр. 2238

المسلمون والعالم الأكراد قبل فوات الأوان .. وقفة مع مأساة الشعب الكردي المسلم بقلم: جابان الكردي الأكراد شعب عريق له تاريخ موغل في القدم، فهو من أقدم الشعوب التي وجدت في (الشرق الأوسط) ، وقد أسهم بدور فاعل ومهم مع شعوب المنطقة في بناء الحضارة البشرية في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وقد دخل الإسلام بلادهم سنة ١٨هـ، على يد الصحابي الجليل عياض بن غنم ﵁ ، ويذكر التاريخ أنه الشعب الوحيد الذي دخل في الإسلام طواعية. ولقد وهب هذا الشعب نفسه لخدمة الدين وإعلاء كلمة الله وقد أنجب هذا الشعب العديد من العظماء أمثال: صلاح الدين الأيوبي، وبنو الأثير، وابن خلكان، وابن تيمية، وابن حجر، وبديع الزمان النورسي ... وغيرهم، ولن يعجز الكرد أن يأتوا بغيرهم متى ما توفرت لهم الظروف المناسبة. اشترك الأكراد في كافة الفتوحات الإسلامية وكانوا دوماً في المقدمة. بلادهم تسمى كردستان (Kurdstan) ? وتعني (وطن الكرد) ، ويقدر عددهم بـ (٣٥) مليون نسمة. أغلب الأكراد سنيون شافعيون، وهناك نسبة قليلة من النصارى، والأكراد يميلون إلى التدين ويتمسكون بالشريعة الإسلامية، وللشعب الكردي لغته التي تنتمي إلى فصيلة اللغات الهندوأوربية، وهي اللغة الأم لهذه الفصيلة. لمحة عن البنية الأخلاقية لهذا الشعب: يمتاز هذا الشعب بحبه للإسلام وتفانيه في الدفاع عنه، ويتسم أيضاً بالكرم، يقول سعد الدين أستاذ السلطان: مراد خان في تاريخه واصفاً الأكراد: (إن كل واحد منهم يفضل الحياة الحرة المستقلة في قمم الجبال وأعماق الوهاد، لا تجمعهم سوى رابطة العقيدة الإسلامية) ، وهم يثورون لأتفه الأسباب ويتصفون بالشجاعة والإقدام، فلقد علمت الحياة الكردي أن العالم ملك الشّجَاع: (أشد من الأسود إذا غضبوا وأخف من البروق إذا وثبوا) ، ويطلق على الأكراد (قريش العجم) تعظيماً لهم، وأطلق المؤلفون الغربيون على بلادهم (بلاد الشجعان) وأطلق عليهم أحد الكتاب المسلمين (يتامى المسلمين) . بداية المشكلة الكردية: بدأت مأساة الكرد عشية التقسيم الاستعماري للشرق، المعروف باتفاقية (سايكس - بيكو) ، حيث لم ينس العالم الصليبي أن (صلاح الدين) الذي أذاق ملوك أوروبا مرارة الهزيمة، وحرر من براثنهم المسجد الأقصى، وطردهم من ديار المسلمين بعد أن دخلوها: كان من الأكراد (رأس حربة الإسلام) ، نعم لم ينس الصليبيون - إبان الحرب الكونية الأولى - الأكراد أبداً، عندما رفس (جورو) الفرنسي قبر صلاح الدين بقدمه وهو يقول: (ها قد عدنا يا صلاح الدين) . لقد أخذوا بثأرهم تماماً، فقد قسموا بلاد الكرد إلى خمسة أقسام ملحقة بكل من: إيران، والعراق، وتركيا، وروسيا التي هي بدورها قسمتهم بين أرمينيا المسيحية، وأذربيجان المسلمة، ولم يكتفوا بذلك الحد من تلك المؤامرة الدنيئة، بل أوكلوهم إلى حكام محليين هدفهم محاربة الإسلام وأهله، إما علناً كأتاتورك، وإما سرًّا كدعاة القومية العربية. ولقد فعل هؤلاء الحكام بالأكراد ما يندى له جبين البشرية؛ من أعمال مخزية تنفطر لها القلوب، فأذاقوهم سوء العذاب، ففي مجزرة واحدة فقط قتلت قوات طاغية العراق (صدام حسين) (٥٠٠٠) إنسان بالغازات السامة، وتجاوز عدد الجرحى (٢٥) ألفاً: إنها مأساة (حلبجة) الحزينة، التي سويت بالأرض، وأبيد المواطنون فيها عن بكرة أبيهم، ومن استطاع الهرب لم ينج من تشوه وجهه وجلده، إن ما حصل أصعب من أن يوصف ويدركه الخيال، بل ما يفوق كل وصف وتعبير. وقد دمر النظام الحاكم في بغداد ما يقارب (٦٥٠٠) قرية تدميراً كاملاً، وقد دفن (١٤٧) شخصاً كرديًّا وهم أحياء، وقتل (٥٣١) جريحاً ومريضاً كرديًّا داخل مستشفى السليمانية، وقد اعتقل (٣٠٠) طفل في محافظة السليمانية وحدها، وعذبوا، وقيل: إن بعضهم قلعت عيونهم وتعرضوا لاعتداءات وحشية بالصدمات الكهربائية، وبقي مصيرهم مجهولاً. هناك الكثير جدًا مما يعجز القلم عن كتابته، وقد تهون عنده جرائم الصهاينة والصرب! ! ! وفي تركيا: المزيد من القتل وإهدار الدماء البريئة، فلم تدخر الحكومة الطورانية الفاشية العلمانية التركية جهداً في سبيل إبادة هذا الشعب المسلم وإسكات صوت الحق فيه: انتهكت أبسط حقوق الإنسان على الوجود، أنكرت عليهم مجرد الاسم فضلاً عن اللغة، أسمتهم أتراك الجبال، قتلت منهم آلاف المدنيين، وأحرقت (٣٠٠٠) ، قرية حيث دمرت البنية الاقتصادية والثقافية للشعب الكردي، حاولت بكل الأساليب صهر الأكراد ودمجهم في المجتمع التركي، وما زال مسلسل الأحداث لإذلال الشعب الكردي مستمرًّا، فحسبنا الله ونعم والوكيل. إنها مأساة تفوق مأساة أي شعب على هذه الأرض، إنها من أكبر جراحات العالم الإسلامي وأشدها استنزافاً حتى الآن، وأشدها حساسية وتجاهلاً؛ فلقد عوملت هذه القضية العادلة بسياسة التجاهل والقمع فوق ذلك: بالمعالجة المشوهة على مستوى الإعلام السلطوي الذي ينطلق من واقع التجزئة الاستعمارية، وعلى مستوى الحوار الأجوف غير المجدي من قِبَل الحكام العلمانيين. إن اللوم الأكبر - على هذا التجاهل - يقع على عاتق المسلمين الذين وقفوا إزاء هذه المأساة وتلك المعاناة بصمت مريب أشبه بصمت أهل القبور، ولا معنى لذلك سوى الخنوع والاستسلام للسياسات البعيدة عن شرع الله. بل يعطي الإسلاميون اهتماماً كبيراً لمشكلات المسلمين في كل من الفلبين، وبورما، ويتناسون إخوانهم الأكراد الأقرب موطناً من غيرهم. إنه لم يعد الصمت ممكناً يا أخوة الإسلام، فالسكوت عن قضية الأكراد سكوت عن الحق والعدل الذي هو جوهر الإسلام [وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] [الأنعام: ١٥٢] وإني لمستيقن كل اليقين، ولا يخالجني أدنى شك: أنه لولا الأحداث الأخيرة وما أحدثته من منعطفات في سياسة بعض دول المنطقة، لما التُفِتَ إلى الأكراد أبداً، ولظلوا يتعاملون مع القضية بتجاهل مريب وصمت عجيب غريب، ومع ذلك: يبقى المسلمون مقصرين مهملين للقضية الكردية حتى الآن؛ ففي حين آوت أوروبا النصرانية الأكراد، وقدمت لهم المساعدات الإنسانية والإعانات والمنح الدراسية، ظل المسلمون متمسكين بموقف المتفرج، اللهم إلا بعض المساعدات القليلة التي تكاد لا تذكر. ولذلك: فإن الشعب الكردي المسلم في هذ الأوقات بأمس الحاجة إلى دعم إخوانة المسلمين - من منطلق الأخوة الإسلامية - بخاصة العاملين باسم الإسلام للتدخل السريع في قضيتهم بشكل عملي أكبر وأكثر جدية، وبخطوات سريعة، قبل أن يفوت الأوان ونضرب أكف الندم حيث لا ينفع الندم. يجب أن نتحمل مسئوليتنا بجدية، ونقف بحزم أمام مسلسل الخزي والعار الذي يعاني منه الشعب الكردي المسلم. حل المشكلة الكردية: القضية الكردية من أعقد القضايا في الشرق الأوسط، وهي قضية شائكة جدًّا وحساسة، ولكن ما لا بد منه هو معالجتها بكل جدية ووضوح ... ومحاولات دفنها وتجاهلها يزيد الأمر تعقيداً وتفاقماً. ولقد طرح بعض قادة الأكراد الحكم الذاتي باعتباره حلاًّ مؤقتاً لمأساة هذا الشعب، وكأنهم ليس لهم الحق في حياة حرة كريمة مستقلة عن غيرهم. وأجزم بأن أي أمة عزيزة الجانب ترفض ما يسمى بـ (الحكم الذاتي) ، الذي هو في حقيقته عبودية وذل، ولكن بأسلوب حضاري ... إنه استعمار جديد تنعدم فيه المساواة بين أبناء الحكم الذاتي مع أبناء الدولة المسيطرة. والحكم الذاتي غير كفيل بإنهاء هذه المعاناة، والحل الآخر هو استقلال كردستان، وهو أصعب من أن ينال؛ فكردستان تحتوي على ٧٠% من بترول المنطقة، كما أن منابع الأنهار من أرضها، ومن يسيطر على نبع النهر يسيطر على مصبه، ناهيك عما فيها من خيرات زراعية ومعادن نفيسة. وتنازل الدول عن كردستان يعني نهاية أكثر الدول المحتلة لكردستان، ولا أتوقع أبداً أن تجعل تلك الدول نفسها تحت رحمة الأكراد. ولهذه الأسباب تصبح استقلالية كردستان أمراً صعباً جدًّا، وغير وارد على المدى القريب، ولو بحث هذا الشعب عن الحل لقضيته والمنفذ لخروجه من هذه المأساة، فسيرى أن كل حل لقضيته بعيداً عن الإسلام لا يجدي، إذن: الحل يكمن في عودة جذرية للإسلام، طليعتها ورأس رمحها وأساسها هم أبناء كردستان، بالتعاون مع العلماء والدعاة ... ومن هنا: فبإمكاننا القول: بأن المستقبل - بإذن الله - لهذا الشعب لن يكون إلا بذلك الأسلوب، لا سيما وقد جرب الأكراد الاتجاهات العلمانية في الساحة، التي لم تفد قضية الأكراد شيئاً، بل عرضتها للدمار والخلاف الحزبي البغيض. حل القضية حلاًّ نهائيًا مرتبط بمفاجأة عظيمة: ألا وهي خلافة إسلامية عالمية يشارك فيها أحفاد صلاح الدين وابن تيمية، ولكن ذلك - فيما يبدو - بعيد على الأقل في المستقبل المنظور إلا أن يشاء الله؛ لتشرذم الأمة وغلبة القوميات عليها، وتغلب الأحزاب العلمانية على مقدّراتها، ولكن لو تبنى الأكراد فكرة أسلمة القضية الكردية، فإنهم سيصلون إلى حريتهم وخلاصهم بإذن الله. وهنا ندرك بأن الحل لمعاناة الأكراد، لا يمكن أن يكون في بلاد الصليب وعقد المؤتمرات واللجوء إليهم واستدرار عطفهم والبحث في الأمم المتحدة عن حل، الحل يكمن في العودة إلى الإسلام الذي ما تمسك قوم به إلا أعزهم الله ونصرهم، وما تركه قوم إلا أذلهم الله وأخزاهم. أهمية منطقة كردستان مستقبلاً: مما لا جدال فيه أن المنطقة الكردية لها أهمية قصوى في المرحلة المستقبلية وستكون هي محور الأحداث في الفترات القادمة، وسيكون لها النصيب الأوفر في دهاليز السياسة وأروقة الدول العظمى؛ ويَرجع ذلك إلى أهمية المنطقة. وقد كان المؤرخون الغربيون الذي درسوا تاريخ هذا الشعب ولمسوا سماته قد أشاروا إلى أن المنطقة ستحمل الكثير من التيارات والمفاجآت المستقبلية؛ ولأجل هذا، فقد أسرع الصليبيون - وبخطوات عملية كعادتهم - إلى استغلال الوضع لصالحهم، فيما بات المسلمون في سبات عميق، غير مدركين خطورة الأمر إلا في آخر المطاف؛ فليس الوجود الأجنبي في تلك المنطقة إلا نتيجة خطط مدروسة مدبرة مسبقاً وبأسلوب خبيث ماكر دنيء تحت الزعم خداعاً بحماية الشعب الكردي المسلم من خطر الطاغية صدام، مع العلم أنهم هم الذين نفخوا فيه، وسكتوا عن ظلمه للأكراد، وهكذا استطاعوا الدخول بين هذا الشعب بصورة المنقذ، وما هم إلا غزاة طامعون. فلقد غزوا المنطقة عن طريق: بعثات التنصير، والمستشفيات والأطباء، وتوزيع الأغذية، وتوفير المنح الدراسية للشباب لإعداده من جديد على منهجهم؛ لكي يقوم بدوره المستقبلي الذي سيسندونه إليهم. وهكذا.. لم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها لإبعاد هذا الشعب المسلم عن دينه وتعريته عن أخلاقه، نعم.. لقد أدركوا جانب الشجاعة في الشخصية الكردية والوضع الراهن له؛ فأرادوا استغلال هذا الوضع لصالحهم وهذه الشجاعة في خدمة مبادئهم وأهدافهم. لقد بينوا للأكراد بأن أحفاد الصليبيين الذين قتلهم صلاح الدين وشردهم وطردهم وأذاقهم مرارة الهزيمة جاؤوا ليمدوا لهم يد العون، ولم يفعل ذلك العرب والترك والفرس، الذين دافع عنهم صلاح الدين، وهم الآن يقتلونهم ويظلمونهم ... بهذه الأفكار الخبيثة دخلت أمريكا بين الأكراد، حيث عجزت إسرائيل عن الدخول واستمالة الشعب الكردي معها ضد العرب كجبهة خلفية (نسأل الله أن يخيب مساعيهم) . ومن هنا: تظهر حاجة الأكراد الماسة إلى جهود كل إخوانهم المسلمين لاجتياز محنتهم بسلام. وواجب الإسلاميين المحتّم عليهم مع القضية: التعامل معها بكل وضوح وصراحة وبدون انسياق مع الإثارة التي ستجلبها لدول المنطقة وحكوماتها؛ لأن الحق لا يعرف الهوادة ولا حياء فيه، فهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار. والجدير بالاهتمام والذكر: أن الأكراد - الآن - مهيؤون لامتطاء جواد النعرة القومية مما يحقق مآرب الغرب، وذلك رد فعل لما ذاقوه من القوميين العرب، والطورانيين الأتراك، والمتعصبين الفرس على حد سواء: من ويلات ومآس، وذلك ينتشر لدى كثير من شبابهم الذين ليس لديهم خلفية شرعية صحيحة، ممن تربوا على أدبيات الحزبين الكرديين العلمانيين، حزب (الطالباني) وحزب (مسعود البرزاني) . فيجب على المسلمين إدراك الوضع مع العمل العاجل لدعم ومساندة إخوانهم الأكراد، لئلا يخسروا شعباً كان رأس حربة الإسلام في جل فتوحاته - إن لم يكن كلها - نتيجة تقاعسهم عن نصرته، أو سكوتهم عن الحق. والله من وراء القصد.

стр. 2239

نص شعري أيكون الصمت أبلغ ؟ ! شعر: علي بن محمد سفر لا صهيل فالجياد الورقية لم تكن تملك في الأصل صهيلا ومداد البوق شحّ فبراميل الهواء لم تجد للبوق حيلة لم تعد تملك للنفخ وسيلة لا صهيل فالجياد الورقية أبد الدهر ستبقى ورقية ولهذا يصبح التمزيق سهلا والجياد الخشبية أشبعتها أرجل الصبية ركلاً ألبستها في غمار اللهو وحلاً فإذا ما أنشأت جيش غبار وبدا ضيق الكبار أصبحت للنار زاد! وغدت منها رماد! فبكى الطفل فأهدوه من (الأثل) جيادا لا صهيل ... فالجياد العربية سكرت حتى الثمالة فامتطاها في زمان السكر أبناء ثعاله وثعاله ... رسمت آثارها في أظهر الخيل نعاله وتمادى في احتىاله حينما ألزمها حب القرود وسقاها نخبها حتى الثمالة لا صهيل فالأصيلة لم تزل خلف التخوم لم يزل يهصرها قيد الهموم لم تزل تخشى إذا ضجت أهازيج القدوم أن أرتال الجياد لم تكن إلا جياداً ورقية لا صليل فسيوف المسرحية فقدت ألوانها من عرق المستبسلين فضحتها قهقهات الخاسرين لا.. الأنين لا صليل فالحروب العنتريه لم تعد تطلب سيفاً لم تعد تثمر حتفا لم تعد تحتاج إلاّ ثلة تحمل في ساح الوغى للحرب دُفّا لا صليل شُنق السيف بخيط العنكبوت حينما أسلمه الغمد الأمين لنسيج العنكبوت لا صهيل لا صليل فمتى نسمع صوت

стр. 2240

قراءة في كتاب الصحافة النسائية في الوطن العربي تأليف: د. إسماعيل إبراهيم عرض: د. مالك الأحمد المرأة صانعة حضارة، دورها على مر العصور يسجله التاريخ بحروف من نور، فهي أم الأنبياء والرسل، ومربية الأجيال، تدين لها البشرية بالفضل الكبير، عرف لها الإسلام هذه المكانة.. فكرمها القرآن الكريم، وأنزلها منزلة رفيعة ... كما شهدت عصور الإسلام الزاهرة نساء خالدات رائدات في سائر ميادين العلم والمعرفة) . هكذا بدأ الكاتب مقدمة كتابه الذي صدرت منه الطبعة الأولى عن الدار الدولية للنشر والتوزيع (مصر) عام (١٤١٦هـ) / (١٩٩٦م) ، ويعتبر الكتاب أول دراسة شاملة عن الصحافة النسائية في الوطن العربي، حاصرةً للمجلات النسائية منذ بدء ظهورها عام ١٨٩٢م حتى نهاية ١٩٩٤م. وقد قسم المؤلف كتابه إلى بابين رئيسين: الأول بعنوان: مجلات المرأة والأسرة في الوطن العربي - نشأتها وتطورها، والباب الثاني: فن التحرير الصحفي في مجلات المرأة والأسرة العربية، ويتضح من هذا التقسيم: أن الكتاب يتناول جانبين رئيسين: الأول - سرد تاريخي وحصر لأشهر المجلات النسائية بدءاً من تاريخ نشوئها، والجانب الثاني: تحليل صحفي فني. وفي كلا البابين: صنف المؤلف المجلات تحت الدراسة حسب المناطق الجغرافية؛ ففي الفصل الأول تحدث عن مجلات المرأة والأسرة في وادي النيل: (مصر والسودان) ، وفي الفصل الثاني تحدث عن المجلات في المشرق العربي: (لبنان، سوريا، الأردن، فلسطين، العراق) ، وغطى في الفصل الثالث بلدان المغرب العربي: (تونس، ليبيا، الجزائر، المغرب، موريتانيا) ، وفي الفصل الأخير: تحدث عن صحافة الخليج والجزيرة العربية. ما الجديد في الكتاب؟ لا شك أن الكتاب دراسة موضوعية في بابه، ولئن اقتصرت بعض الفصول فيه على جوانب محددة في الصحافة الاجتماعية أو على بلد معين أو على فترة زمنية معينة، فإن الكتاب يغطي مساحة زمنية كبيرة، ومساحة جغرافية واسعة، محللاً ودارساً لأغلب المطبوعات في هذا الجانب، لقد غطى الباحث (مئة وثمانين) مطبوعة منها (أربعون) ما تزال تصدر. والكتاب تفرد بجمعه جانبين قلما يتاح للباحثين جمعهما في دراسة واحدة وهما: السرد التاريخي والتحليلي لما صدر سابقاً، والتحليل الصحفي الفني للمعاصرة منها. موجز تاريخي للصحافة النسائية: تعتبر مجلة (الفتاة) التي أصدرتها اللبنانية (هند نوفل) عام ١٨٩٢م في الإسكندرية أول مجلة نسائية عربية في الوطن العربي، ثم توالت المجلات النسائية في مصر، ثم تبعتها لبنان، وكانت أول مجلة: (الحسناء) أصدرها جرجي نقولا عام (١٩٠٩م) ، ثم سوريا، حيث أصدرت ماري عبده عام (١٩١٠م) مجلة (العروس) ، ثم العراق، حيث أصدرت يولينا صون مجلة (ليلى) عام ١٩٢٣م، ثم صدرت مجلة (ليلى) في تونس عام ١٩٣٦م، ثم السودان حيث أصدرت (تاكوي سركسيان) مجلة (بنت الوادي) عام ١٩٤٦م، ثم توالى صدور الصحافة النسائية تباعاً في بقية البلدان العربية، وتأخرت قليلاً في الخليج والجزيرة. ملامح الصحافة النسائية حتى عام ١٩٤٠م: نظراً لأهمية مصر في تاريخ الصحافة النسائية وكثرة المجلات الصادرة فيها في تلك الفترة؛ فيمكن الإشارة إلى أهم الملحوظات على الصحافة النسائية من خلال نظرة على الصحافة النسائية هناك: - أغلب الصحافة النسائية الصادرة في تلك الفترة كانت تركز على: حقوق المرأة، خصوصاً التعليم والعمل، ثم دعوى السفور، وتحديد سن الزواج، وتقييد الطلاق، وتعدد الزوجات. - ظهرت بعض المجلات المتعاونة مع الاستعمار البريطاني مثل: (فتاة النيل) ، وكذلك (العروسة) ؛ حيث كانت سجلاً لأخبار الراقصات والباحثين عن المتعة المحرمة. - صدر الكثير من المجلات النسائية: إما عن نساء أو جمعيات نسائية. - كتب كثير من الرجال بأسماء نساء؛ لتشجيع النساء على المشاركة. - شارك النصارى، وبعض اليهود بقوة في إصدار المجلات النسائية. وكانت الفترة اللاحقة (فترة الحرب وما تلاها) فترة ركود إلى حد ما، ثم جاءت الثورة المصرية حيث تغيرت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ولعل أهم الإصدارات في هذه الفترة مجلة (حواء) عام ١٩٥٥م، التي تمثل نقلة في نوعية الخطاب الصحفي، ورئيسة تحريرها الصحافية أمينة السعيد (وهي من دعاة تحرير المرأة! ، وقد استطاعت أداء دورها بشكل كامل في تدمير فكر المرأة بزعم تحريرها) لمدة ٢٦ سنة (١٩٨١) ، ومن المعلوم أن حواء صدرت عن دار الهلال المعروفة سابقاً بمواقفها تجاه الإسلام وقضاياه، ومن أخبث المجلات النسائية التي صدرت لاحقاً، واستطاعت الانتشار الواسع في مصر خصوصاً، وبقية البلدان العربية: مجلة (نصف الدنيا) ، التي تميزت بالفنون الصحفية الحديثة والورق والطباعة الفاخرة. المجلات النسائية في لبنان: تعتبر لبنان من البلدان العربية الرائدة في العمل الصحفي عموماً، ومنه الصحافة النسائية، وتتميز صحافتها في مرحلتها الأولى بالتردد بين الدعوة للتفرنج والمحافظة على العادات، وغلب على صاحباتها أنهن خريجات إرساليات نصرانية أجنبية. أما في المرحلة المتوسطة (١٩٤٣م - ١٩٧٥م) ، فقد تطورت وتنوعت الصحافة النسائية، وأصبحت حرفة الصحافة بارزة فيها، ودخل عامل الربح، وارتفعت الأصوات بالحديث عن القضايا الجنسية والحرص على الأزياء والموضة. ومن أشهر المجلات المعاصرة مجلة (فيروز) ، (زينة) ، (جمالك) ، (نور) ، ... وغيرها، وغلب على المجلات المعاصرة: الجانب التجاري المتمثل في كثرة الإعلانات التجارية ومحاولة كسب رضا القارئ أو على الأصح (دغدغة مشاعره) ، فضلاً عن حرصها على كسب رضا الحكومات لتحسين التوزيع بغض النظر عن المحتوى ومستواه الثقافي، وظهرت مجلات هي عبارة عن ترجمة لمجلات أجنبية بمحتواها الثقافي الأجنبي (جمالك) و (نور) وغلب موضوع الفنانات والأزياء والجمال على موضوعاتها. وفيما عدا مصر ولبنان فإن المجلات النسائية العربية تميزت بقلتها وعدم انتظام صدورها وإقليميتها. كذلك تميزت بعض الصحف التي تصدر في البلدان العربية الثورية (سوريا، العراق، تونس، ليبيا، الجزائر) في فترات الثورات بأنها أشبه ما تكون بنشرات حزبية، تعكس وجهة نظر الحكومة تجاه القضايا الاجتماعية، وتربط المرأة على وجه الخصوص بتوجهات الحزب الحاكم التي هي غالباً ثورية يسارية. ... ... ... مجلات المرأة والأسرة في الخليج والجزيرة: رغم تأخر صدور المجلات النسائية في الخليج إلا أنها تميزت بالقوة (في الجانب التحريري الصحفي) ، وكذلك بالتميز في الطباعة والورق الفاخر، ولعل (أسرتي) أقدم مجلة نسائية في الخليج حيث صدرت عام ١٩٦٥م. وفي الإمارات: صدرت (زهرة الخليج) عام ١٩٧٩م، وفي عُمان: (الأسرة) عام ١٩٧٤م، وفي قطر: صدرت (الجوهرة) ١٩٧٩م، أما في السعودية فقد صدرت مجلة (الضياء) عام ١٩٧٧، عن جمعية النهضة النسائية بالرياض، وهي محدودة الانتشار وغير منتظمة في الصدور، لكن انتشرت في السعودية المجلات المهاجرة، وهي مجلات أصحابها سعوديون سواء أكانوا أفراداً أو شركات، وأشهر هذه المجلات (الشرقية) التي صدرت في بيروت ١٩٧٤م وكانت (ترويسة) المجلة: (مجلة نسائية سعودية) وهي لا تمت حقيقة للمجتمع السعودي بصلة. ونافست (الشرقية) في سنواتها الأولى المجلات العربية الأخرى، لكنها تدنت في الانتشار فيما بعد، ثم صدرت مجلة (سيدتي) عن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق من لندن عام ١٩٨١، ثم صدرت (عالم حواء) عام ١٩٩١م، ثم توالت المجلات من قبرص ولندن وبيروت. مجلات المرأة والأسرة ذات الطابع الإسلامي: أشار الباحث إلى بعض المجلات النسائية ذات الطابع الإسلامي وذكر منها: ١ - مجلة (أسماء) : صدرت عام ١٩٨٧م عن الاتحاد الثقافي في فرنسا، لكنها تطبع في بيروت وتوزع في الدول العربية، ولقد توقفت عام ١٩٨٩م بعد صدور أربعة أعداد فقط، وتميزت أعدادها القليلة بالطباعة الجيدة، والورق الفاخر، والتنوع في موضوعاتها، والسمت الإسلامي البارز فيها. ٢ - مجلة (هاجر) : صدرت في مصر عام ١٩٩٠م ملحقاً شهريًّا لمجلة (المختار الإسلامي) ، وتميزت المجلة بطرحها الإسلامي الجيد ومعالجاتها الموضوعية لقضايا المرأة، خصوصاً في مصر، لكنها كانت ضعيفة في الجانب الفني والإخراج والطباعة، وتوقفت عن الصدور بعد فترة قصيرة من صدورها. ٣ - مجلة (عفاف) : وهي مجلة نسائية اجتماعية متخصصة صدرت في بيروت عام ١٩٨٥، ورغم إمكانات المجلة التحريرية والإخراجية المتواضعة إلا أنها أدت دوراً جيداً في العمل على إيجاد حلول إسلامية للمشكلات الاجتماعية والحياتية للأسرة من منظور إسلامي. ورغم حرص المؤلف فيما يظهر على الاستقصاء، فإنه غفل عن مجلات أسرية مهمة صدرت في الفترة نفسها التي غطاها المؤلف، وهي كالتالي: ١ - (الشقائق) : وهي مجلة نسائية إسلامية، تصدر عن جمعية النجاة الاجتماعية في بيروت ابتداء من عام ١٩٩٢م، والمجلة إسلامية الطابع، وتعالج قضايا الأسرة من منطلق إسلامي، وتفتقد المجلة إلى الفنون الصحفية المعاصرة، وتصدر شهريًّا بلون واحد وورق عادي، وتعاني من قلة الإمكانات المادية وضعف الانتشار. ٢ - مجلة (الأسرة) [*] وتصدر عن مؤسسة الوقف الإسلامي في هولندا. صدر العدد الأول منها في محرم ١٤١٣هـ ١٩٩٣م، واستمرت في الصدور شهرياً، وتميزت المجلة منذ بدء صدورها: بالاعتدال، والتنوع، والبعد عن الإقليمية، واستقطاب عدد كبير من الكتاب المتميزين، والإخراج الفني الراقي. ولقد صدر أخيراً بعد صدور الكتاب مطبوعة نسائية جديدة، وهي مجلة (الشقائق) ، وترأس تحريرها د. سارة بنت عبد الرحمن من، وهي مجلة إسلامية خاصة بالمرأة صدر منها أربعة أعداد، وتتميز بالطباعة الجيدة والإخراج والورق الفاخر، وتتخصص في قضايا المرأة من منطلق إسلامي، وهي جيدة في بابها. ملحوظات عامة على الكتاب: - رغم الجهد الكبير الذي بذله الكاتب إلا أن الكتاب شابه بعض أوجه القصور، ... لعل أهمها: - غياب الاستقصاء الكامل للمطبوعات النسائية والاجتماعية خصوصاً المعاصرة منها، ويظهر أن المؤلف لم يكلف نفسه عناء الذهاب إلى الأسواق، لتفقد كافة المجلات النسائية المتاحة، وإن كان هناك استقصاء فيما صدر قديماً، فإنه من غير المقبول إغفال مجلات موجودة في الأسواق. - الباب الثاني من الكتاب وهو تحليل الفنون الصحفية لبعض المجلات المعاصرة غير مناسب، وهو موجه أساساً للمتخصصين من رجال الإعلام، ويغلب عليه الجانب الأكاديمي البحت، بينما الكتاب في الأصل لجميع القراء. - الرصد التاريخي قاصر، فنجد تحليلاً جيداً للفترات الأولى من ظهور الصحافة النسائية، خصوصاً في مصر، لكنه مُفتَقَد في الفترات اللاحقة وخصوصاً المعاصرة وكذلك غياب التحليل عن المطبوعات الصادرة في بعض البلدان العربية الأخرى. - التحليل الموضوعي للمجلات قاصر؛ فهو يعتمد في كثير من الأحيان على النقل عن مصادر أخرى، وجهد المؤلف في هذا المجال محدود. - التحليل المنهجي لمحتويات المجلات النسائية لا يعتمد النهج الإسلامي في القبول والرد والاعتراض والنقد، لكن يغلب عليه السطحية والبعد عن التأصيل الإسلامي لواقع هذه المجلات ومدى قربها أو بعدها عن حقيقة الإسلام الصحيح. - غاب عن المؤلف ذكر دور النصارى واليهود في الصحافة العربية عموماً والنسائية خصوصاً، سواء في فترة نشوئها أو تطورها لاحقاً، وكذلك دور الإرساليات الأجنبية في توجيه القائمين عليها. - لم ينتقد الكاتب الحكومات الثورية اليسارية ودورها في وأد المجلات النسائية، وذلك بتوجيهها لخدمة أغراض الحزب الحاكم، بعيداً عن حاجات المجتمع والأسرة على وجه الخصوص. - لم يبرز المؤلف دور المجلات النسائية الإسلامية، وإنما اكتفى بذكرها حفاظاً على الجانب الموضوعي في البحث، ونقل فقرات من بعض افتتاحياتها. وأخيراً: فإن الكتاب أنسب ما يكون للباحثين والمتابعين والإعلاميين، وهو مصدر غني بالمعلومات في هذا المجال، وقد قدمت دراسات عديدة في هذا المجال، لكن أغلبها أكاديمي الطابع وأغلبها لم ينشر، ومنها رسالة الدكتوراة الخاصة بالباحث (أسامة مشعل) حول المجلات النسائية، وقد ركز في بحثه على عينات منها، وقدم حولها دراسة تحليلة كاملة من منطلق إسلامي، ونال الباحث على رسالته التي أشرف عليها د. عبد القادر طاش الدكتوراة من قسم الإعلام جامعة الإمام محمد بن سعود عام ١٤١٦هـ.

стр. 2241

مقال فرعون باشا.. نموذج للحاكم المستنير! بقلم: ياسر قارئ اقتنعت أوروبا منذ قرون خلت بحتمية تغيير وسيلة المواجهة مع المارد الإسلامي، ونجحت إلى حد كبير في انتزاع الإسلام من صدور الرجال فضلاً عن الأراضي، ولولا وجود القابلية لدى بعضهم للتبعية المطلقة ورهن أنفسهم للرجل الأبيض لكان خراج الأمريكتين وأستراليا يأتي كل عام إلى دار الخلافة في استنبول، ولكن الأمة التي شقيت بنماذج من السفهاء والدخلاء هوت من علوّها ودخلت في نفق مظلم من السياسات الخرقاء والعلاقات المشبوهة مع عواصم دول ما وراء البحار؛ فالمستشارون أوربيون، والتعليم على النمط الغربي، والاقتصاد موجه للتصدير الخارجي، والإصلاحات تصب في مصلحة كل أحد سوى المواطن! وعلى الرغم من كل هذا: تظل هناك شريحة في المجتمع تملك وقف هذه المهزلة الحضارية، فلا تفعل؛ لأنه ملبّس عليها، فلا ترى إلا من خلال نظّّارة النظام، ولقد أنكر العلماء والأهالي على نابليون أفعاله في مصر، التي لا تختلف عما ذكرته آنفاً، بل وجزموا بكفره على الرغم من إعلانه اعتناق الإسلام قبل أن يطأ الديار المصرية، ثم إن هذه النخبة الاجتماعية رضخت، وأيدت في كثير من الأحيان سياسة خلفه الأوروبي المولد والمنشأ مؤسس مصر الحديثة (محمد علي باشا) التي جرّت على الأمة بأسرها ويلات كثيرة، ليس يغفرها له أحد من المسلمين المستضعفين الذين تعرضوا للذل والهوان والقهر عقب زوال الدولة العثمانية، تلك المأساة الفاجعة التي حمل الباشا على عاتقه تحصيلها إرضاءً لأصدقائه وجلسائه الأوروبيين وعمّاله من أصحاب الديانتين النصرانية واليهودية. ونظراً لطول الموضوع وتشعبه: فقد قسمته إلى أربعة أجزاء متتالية: أتحدث أولاً عن سيرته ونشأته، ثم: كيفية توليه السلطة وعلاقة ذلك بالماسونية، أما الجزء الثالث: فأتطرق فيه إلى سياسته الاقتصادية وآثارها على الوطن والمواطن، ثم أختم بالحديث عن حروبه ومؤامراته في شبه الجزيرة العربية والسودان واليونان وبلاد الشام، ومحاربته للسلطان، وفتح الباب أمام الأطماع الأوروبية لتخرج إلى حيز التنفيذ. أولاً: سيرته ونشأته: ولد محمد علي في مدينة: (قولة) أو (قونية) من بلاد مقدونيا سنة ... (١١٨٢هـ /١٧٦٩م) ، وتوفي بالقاهرة سنة (١٢٦٥هـ /١٨٤٩م) ، وقد تولى عمّه تربيته، ثم اشتغل بالتجارة في الدخان، وربح منها كثيراً، ولم يتلق أي تعليم حتى قدومه إلى مصر فضلاً عن أن يجيد اللغة العربية [١] ، وكان قد أرسل ضمن الحملة التي أتت لإنقاذ مصر من الفرنسيين، وأصبح رئيساً لإحدى السرايا بعد فرار ابن عمه الذي كان يقودها، فقام بتنظيم الجيش وإصلاحه على الطريقة الأوروبية، واستعان في ذلك بالكولونيل الفرنسي (سيف) الذي غير اسمه إلى سليمان باشا [٢] ، كما أنشأ ترعة عظيمة لإصلاح الري، وأقام الجسور على النيل، وأقام المدارس والورش الصناعية واستغنى عن الاستيراد من الخارج، فأصبحت مصر تصنع الطربوش والمراكب والبندقية والمدفع [٣] ، كما قام بتجريد أراضي الأوقاف وزراعة منتجات التصدير بناءً على مشورة الفرنسي (وميل) ، وأرسل البعثات إلى فرنسا وعلى رأسها رفاعة الطهطاوي، كما استعان بالأطباء والفنيين والعسكريين الفرنسيين [٤] ، ولقد علقّ أحد أحفاده على حبه للعلم قائلاً: (هذا الرجل الذي لا يك تب! كان له فهم عظيم بواجباته كأمير، فكان يحب العلماء ويعرف عدم إمكانية الاستغناء عنهم من أجل تطوير الشعب، وأنشأ في باريس مشتلاً من العلماء الشباب المصريين، وصبر على طول مدة دراستهم، ليحصلوا على الحقائق الغربية. [٥] وفي المقابل: فإن المؤرخ الجبرتي المعاصر للباشا يصفه بأنه: حسود شَرِه طمّاع، دائم التطلع لما في أيدي الناس أو أرزاقهم، ولم يسلم من ذلك حتى خدمة (الضربخانة) و (أفنديتها) ، فسعى إلى مصادرة أموالهم [٦] . بالإضافة إلى ذلك: فإن أحد المؤرخين تتبع وصف (الجبرتي) للباشا فخلص إلى أنه: مخادع كذاب يحلف الأيمان الكاذبة، ظالم لا عهد له ولا ذمة، يضمر السوء ويستخدم العنف والجور في الوقت الذي يعد فيه بالقول، ولا تنفع لديه شفاعة شيخ، اعتاد أن يحيط نفسه بالنصارى واليهود، ويمتلك من الحِيَل ما لم يخطر لميكافيللي على بال [٧] ، وفي المقابل: نجد أن أحد المستشرقين يصف الباشا بأنه: أعظم الشخصيات التي عرفها الإسلام الحديث شأناً، والسبب في ذلك: أنه أبدى إعجاباً شديداً بنعم الحضارة الأوروبية وبركاتها، فأنشأ مدرسة لتعليم الرياضيات باللغة الإنجليزية، فيما اعتمد اللغة الفرنسية في العلوم الأخرى [٨] ، ولا عجب من هذا التناقض في تقييم الرجل؛ لأن الباشا هو مصدر هذا الاختلاف بين المؤرخين بسبب سياسته النفعية والمناهضة للإسلام وأهله. ثانياً: توليه السلطة: منذ أن عين قائداً لفرقة في الجيش الذي قدم إلى مصر، أخذ محمد علي في استمالة الجند إليه وصعّد من خلافه مع (خسرو (باشا الذي تولى حكم مصر حتى طرده الأهالي، ثم وقع الاختيار على أحمد باشا العثماني فأخرجه منها، وسلّط الأرناؤوط (الألبان) على الانكشارية، ثم سعى إلى التفريق بين (البرديسي) (والألفي) اللذين يتنافسان على السلطة، واستطاع تهييج الأهالي عليهما، فأسند الأهالي والأعيان إليه الولاية، وكتبوا بذلك إلى السلطان الذي أمر بنقله إلى سالونيك بناءً على وشاية الإنجليز به، نظراً لمعارضته لمشاريعهم، لكن ضغط وإلحاح العلماء والأعيان والأهالي مكن الباشا من الاستمرار في ولاية مصر، وكان ذلك في سنة ١٢٢١هـ/ ١٨٠٦م [٩] لكن المؤرخ التركي (يلماظ أوزتونا) يرى أن (محمد علي) قد ساوم السلطان محمود الثاني على المنصب بعرضه الذهاب إلى الجزيرة العربية والقضاء على الوهابية إذا منح رتبة البكلربك (أي: الوالي) وقد تم له ذلك [١٠] والسؤال الذي يبرز هنا هو: كيف استطاع رجل غريب التلاعب بالبلاد وعلمائها خاصة، في ظل التنازع على حكم مصر بين المستعمرين الأوروبيين الذين لم يكونوا ليرضوا عن وضع مريب كهذا لولا أن لهم مصلحة فيما يجري؟ لقد أجاب على هذا التساؤل أحد المؤرخين قائلاً: بأنّ هناك جوانب كثيرة يكتنفها الغموض في صعود محمد علي إلى هرم السلطة، خاصة وأنه لم يكن يصلح للولاية، وليس من الوزراء ولا من الأمراء، ولا من أكابر الدولة (على حد قوله) ، هذا بالإضافة إلى افتعال الثورات بسبب رواتب الجند، ثم تمكنه من تسديدها، لكن صلة محمد علي بالشيخ حسن العطار الذي انضم إلى المحفل الماسوني الذي أسسه الفرنسيون تفسر لنا شيئاً من هذا الغموض [١١] . ثالثاً: سياسته الاقتصادية: يعلل بعض المؤرخين أسباب غزو محمد علي لبلاد الشام بغرض إرجاع الأهالي الجهلة المغرر بهم الذين فروا إلى هناك، وذلك لأن الضرائب وأعمال السخرة التي شرعها الباشا لتغطية نفقات الإصلاحات قد جهل كنهها الناس؛ ففروا منه [١٢] ، وسوف نتحدث بشكل موسع عن حروب الباشا في الحلقة القادمة، لكن يكفينا هنا أن نعرض لسياسته الاقتصادية ونماذج منها؛ لنتعرف على مخططات الباشا أو الدور الذي أُعدّ له لينفذه! لقد اتسمت فترة حكم محمد علي بقرارات اقتصادية مجحفة بالرعية، تراوحت بين أخذ الأراضي والأملاك بالقوة، والتلاعب بالأسعار والعملة، إلى احتكار البضائع، وبخس الأسعار، وفرض المكوس والرسوم وأعمال السخرة (العمل بلا أجر) ، وهذه نماذج من ذلك: كانت الضريبة على بضائع الإفرنج والنصارى ومن ينتسب إليهم اثنان ونصف بالمئة (٥، ٢%) ، بينما كان يؤخذ على بضائع المسلمين عشرة بالمئة (١٠%) ، في الوقت الذي كان يتولى ديوان المكس (الجمرك) شخص نصراني رومي [١٣] ، كما أن الباشا منع المزارعين من بيع الغلال على المتسببين؛ ليبيعها هو بدوره على الإفرنج، حتى قل وجود الخبز، بل امتنع، واشتكى الفقراء إلى الباشا [١٤] ، ثم زاد في الخراج لمساعدته على حروبه في الجزيرة العربية في سنة ١٢٣٣هـ، وصادف أن فاض النيل في تلك السنة حتى هلك الزرع وانهدمت البيوت [١٥] ، وفي السنة التالية أمر بجمع الفلاحين للعمل في ترعة الأشرفية بالأسكندرية بلا أجر، فغلّوا بالسلاسل، ورُدم على بعضهم الحفر وهم أحياء لامتناعهم، وفي الوقت الذي مُنع الفلاحون من الزراعة قام الباشا بزيادة الخراج عليهم بعد عودتهم [١٦] ، ثم قام الباشا في سنة ١٢٣٥هـ بفرض رسوم جديدة على البهائم، وبخس الفلاحين ثمن البلح والليف وجريد النخل والخوص، فيما أجبرهم على دفع نسبة خمسة في المئة (٥%) من قيمة المحاصيل مقدماً ولمدة عامين لمشايخ البلاد تحت نظام الالتزام [١٧] ، كما فرض على المزارعين نقل الغلال على حسابهم إلى الإسكندرية؛ لبيعها على الإفرنج وليشتري بثمنها البضائع الإفرنجية، بالإضافة إلى ذلك: قام الباشا ببخس المكيال وامتنع عن دفع ثمن الغلال [١٨] ، كما تلاعب الباشا في صرف العملة ونَقّص وزنها وعيارها، وعين خاله ناظراً للضّرب، وقرر له في كل شهر خمسمئة كيس، بينما كان الناظر السابق يقبض خمسين كيساً فقط [١٩] ، وفي إحدى المرات أخذ الباشا جميع الغلال بما في ذلك ما يدخره الناس لقوتهم وباعه على الإفرنج [٢٠] ، كما حجر على الأُجَرَاء والمعمرين والمستعملين في الأبنية والعمائر، وألزمهم العمل في عمائر الدولة بمصر أو افتداء أنفسهم أو إقامة بديل عنهم مع دفع أجرته [٢١] ، كما ابتدع تحرير الموازين، وأبطل موازين الباعة وألزمهم شراء موازين الدولة، وهو باب يتجمع منه أكياس كثيرة [٢٢] ، وقام بإطلاق جماعة من المهندسين والمباشرين للكشف على الدور والمساكن، فإن وجدوا بها أو ببعضها خللاً أمروا صاحبها بهدمها وتعميرها، فإن كان يعجز عن ذلك أخرجوه منها، وأعادوا بناءها وتصبح من حقوق الدولة [٢٣] ، ولم يكتفِ بكل هذا، بل أمر بالمناداة في الناس بتحديد الربا على القروض التي يحصل عليها الناس من العسكر، وذلك لشدة الضيق والحاجة، وهذا من غرائب الأحكام! ، حيث ينادى على الربا جهاراً وفي الأسواق من غير حياء ولا مبالاة، لأنهم لا يرون ذلك عيباً في عقيدتهم [٢٤] ، ولقد أوجز المؤرخ الجبرتي (رحمه الله) أسباب الخراب في الدولة، فذكر زيادة الخراج واختلال المعاملة والمكوس واحتكار جميع الأصناف والاستيلاء على أرزاق الناس، فلا تجد مرزوقاً إلا من كان له خدمة الدولة متولياً على نوع من أنواع المكوس أو مباشراً أو كاتباً أو صانعاً في الصنائع المحدثة، ولا يحاسب على ذلك إذا كان من غير العرب، أما الباشا فقد وضّح طريقة تعامله مع من يرفض الانصياع إلى تلك السياسات الظالمة؛ فقد قال في معرض لومه للعلماء الذين انتقدوه علانية في اجتماعاتهم بالأزهر: (إن حصل من الرعية أمرٌ ما فليس لهم عندي إلا السيف والانتقام) [٢٥] لذا: فلم يجد الفلاحون مخرجاً من هذا الجحيم سوى ترك البلاد والهجرة إلى الشام؛ ليكونوا بمنأى عن ذراع الباشا، وذلك بسبب خصومته مع والي الشام. ... ... ... ... ... ... ... ... ... وللحديث صلة

стр. 2242

في دائرة الضوء العولمة الاقتصادية.. ومؤتمر الإيواء البشري بقلم: محمد عبد الله الشباني عقد خلال الفترة من الثالث حتى الرابع عشر من شهر يونيو لعام ١٩٩٦م في استنبول مؤتمر الإيواء البشري تحت مظلة الأمم المتحدة، وهذا المؤتمر حلقة من حلقات المؤتمرات التي دأبت الأمم المتحدة على عقدها وفق دعايتها بتحسين أوضاع العالم الاقتصادية والتجارية والعمرانية والسياسية والاجتماعية، - لكن حقيقة الأمر بخلاف ذلك، بل إن هذه المؤتمرات أداة تستخدمها الرأسمالية اليهودية للسيطرة على العالم اقتصاديّاً وفكريّاً من خلال تأطير السلوك الاجتماعي والسياسي ليوافق الفكر العلماني الذي تقوم عليه الرأسمالية اليهودية المعاصرة. إن الإطار الفكري الذي تقوم عليه فكرة المؤتمر وما طرح في وثيقته من أفكار وأساليب مطلوب من الدول المشتركة في هذا المؤتمر تبنيها لحل مشكلة تؤرق السياسيين في مختلف أقطار العالم وهي (مشكلة الإيواء وتوفير الأماكن الكافية لاستيعاب ملايين البشر (، هذا الإطار ما هو إلا غطاء للتسلل لاحتواء موارد الدول الفقيرة واستغلالها لصالح المؤسسات المالية والمالكين لها من دهاقنة اليهود والمتهودين فكراً وسلوكاً، ونشر الأنماط السلوكية التي أفرزتها الفلسفة الجدلية المادية، التي من مقتضياتها الانفلات السلوكي: سواء ما كان له ارتباط بالمنهجية الاقتصادية، وما يرتبط بذلك من حرية مطلقة في استلاب الآخرين، وتحقيق المنفعة الفردية على حساب المنفعة الجماعية مع استبعاد الجوانب الأخلاقية في السلوك الاقتصادي، أو ما كان له ارتباط بأنماط السلوكيات الاجتماعية لسيطرة الرأسمالية اليهودية ممثلة في الولايات المتحدة بوصفها قوة وحيدة بتمكين هذه القوة الجديدة من الاستحواذ على العالم؛ ليكون القرن الحادي والعشرين قرن أمريكا. أهداف المؤتمر: إن أهداف المؤتمر الذي حددتها مسودته (جدول أعماله) تلبس الحق بالباطل؛ حيث تعلن مفاهيم عامة وتمنيات تُدغدغ بها رغبات الحكومات الفقيرة التي ترزح تحت وطأة الفقر والحاجة والتخلف، ولكنها في الواقع سراب يُنْفَذُ من خلاله إلى الهدف الحقيقي المغلف بهذا السراب. فمن الأهداف المشار إليها في وثيقة المؤتمر التي هي مدخل للأهداف الحقيقية الأمور التالية: ١- المساواة والعدالة لجميع الأفراد، للحصول على الإيواء وتوفير البنية التحتىة المكملة للمسكن الملائم. ٢- استئصال الفقر، من خلال توفير المأوى للفئات ذات الدخل المنخفض مع حق اختيار العمل والحصول عليه. أما الأهداف الحقيقية للمؤتمر فيمكن فهمها من خلال ما رسم من إجراءات تنفيذية لتحقيق الأهداف الفضفاضة، وما امتزج ضمنها من مفاهيم أدرجت لتخدم الغرض الحقيقي للمؤتمر، ويمكن تحديدها على النحو التالي: ١- العمل على تغيير مفهوم الأسرة القائم عل الأسس الدينية والقيم الاجتماعية الفطرية، وتوسيع هذا المفهوم ليشمل أنماطاً من الأشكال التي تم تبنيها في المجتمع الغربي بوجه عام، وفي الولايات المتحدة بوجه خاص؛ من خلال تغيير معالم ومكونات الأسرة كما عرفتها الإنسانية، حيث أشار البند (١٨) من الوثيقة إلى شمول الإيواء لمختلف أشكال الأسر، والمقصود من ذلك: منح الشاذين جنسيّاً الذين يكونون فيما بينهم أُسَراً، وتلك الأشكال من العلاقات بين الرجال والنساء الذين لا يرتبطون بعلاقات شرعية، مساكن للإيواء. ٢- توسيع النظام الربوي، وتمكين المؤسسات المالية الربوية من السيطرة على المقدرات المالية لدول العالم الثالث، من خلال عمل شبكة من البنوك ومؤسسات الإقراض، وربط تمويل توفير المباني والبنية التحتىة لمشاريع الإيواء بالإقراض الخارجي، البند (٣٠) . الالتزامات المطلوب تنفيذها لتحقيق الأهداف: من أهم الالتزامات المطلوب تبنيها من قبل المشاركين في هذا المؤتمر والموقعين على وثيقته الأمور التالية: ١- تغيير قوانين الملكية الخاصة بالأراضي: سواء الزراعية أو السكنية، وقوانين الإسكان والإيجارات، وفتح باب سوق شراء وبيع العقارات، وإزالة جميع العوائق الخاصة بتوفير المناخ الملائم لحرية السوق العقاري (البند ٥٦ من الوثيقة) . ٢- تغيير وتعديل الأنظمة لتسهيل حركة الأموال وربط تمويل الإسكان بالنظام المالي العام للدولة وتعديل السياسة النقدية والمالية لتوفير روح المنافسة، لتتحرك الأموال من أجل توفير القروض للفقراء، مع توفير الإمكانية لأنظمة الإقراض لتحقيق استعادة القروض من خلال توفير القوانين والأنظمة لذلك، وإقرار برامج رهن المساكن لمؤسسات الإقراض المتعددة (البند: ٦١) . ٣- ربط اقتصاديات الدول المتخلفة باقتصاديات الدول الرأسمالية ضمن المفهوم الذي تبشر به الوثيقة، وهو الاقتصاد الدولي، كما أشارت إليه البنود (١٤٠، ١٤٧، ١٥٠) ، من الوثيقة، حيث تم التأكيد على ربط السلطات المحلية بالسوق المالي الدولي ومؤسسات الإقراض الخاصة بالشؤون البلدية، مع العمل على توفير البنية التي تسمح للاقتصاد الدولي في النمو، والمساهمة في بناء البنية التحتىة لمشاريع الإيواء وتكوين المراكز الحضرية. إن تبني الأهداف وقبول الالتزامات التي حددتها الوثيقة التي تم التوقيع عليها في مؤتمر استنبول يعني التمكين لما يعرف في مجال الدراسات الاقتصادية (بعولمة الاقتصاد) تحت قيادة صندوق النقد الدولي والمؤسسات التابعة له. وظاهرة (العولمة) التي أخذت في الازدياد في الفترة الأخيرة لها خطورتها على النمو الاقتصادي والحضاري والثقافي للمجتمعات المتخلفة، وبخاصة المجتمعات الإسلامية؛ حيث يتوفر في بلاد المسلمين مصادر الثروات الطبيعية؛ مما يدفع إلى الاستحواذ عليها من قبل الرأسمالية اليهودية العلمانية. إن أهم مظاهر عولمة الاقتصاد هي: زيادة نمو الشركات المتعددة الجنسية، ومؤسسات الإنتاج الدولية الطابع والعالمية النشاط، وقد أدى هذا الأمر إلى التشابك بين مؤسسات الإنتاج على الصعيد القطري والإقليمي، واتجاه الشركات القطرية إلى توسيع رقعة أنشطتها لتخرج به خارج الحدود الوطنية أو القومية وصولا إلى المستوى الكوني، والشكل الذي تأخذه العولمة هو قيام المؤسسات الضخمة بمد نشاطها خارج حدودها الوطنية وإنشاء فروع شبه مستقلة ولكنها تابعة لها في بلدان الدول المتخلفة، أو تحويل الكيانات القائمة للشركات القومية؛ لتُكوّن فروعاً لها وتوابع لنشاطها. لتتضح أبعاد ظاهرة العولمة الاقتصادية أو ما يمكن تسميته بظاهرة الرأسمالية متعددة الجنسية التي تجمع لديها عناصر القوة الاقتصادية، وما يمكن أن توظفه من قوة سياسية أو تمارسه من ضغوط على الدول المتخلفة غير القادرة على التعامل بندية مع هذه الكيانات العملاقة، فالإحصاءات توضح مدى خطورة هذا التمركز الرأسمالي ... فإذا عرفنا أن إيرادات أكبر خمسمئة شركة في العالم بلغ في عام ١٩٩٤م نحو عشرة تريليون ومئتين وأربع وخمسين بليون دولار، وإذا تم مقارنة ذلك بمجموع الناتج المحلي الاجمالي لدول العالم في سنة ١٩٩٣م (الذي كان أكثر قليلاً من ثلاثة وعشرين تريليون دولار) ، أدركنا مدى خطورة تركز الأموال لدى الرأسمالية العالمية. إن السؤال الذي يبرز هنا هو: لماذا تتجه الرأسمالية اليهودية في نقل وتركيز بعض عمليات الإنتاج في الدول المتخلفة؟ .. وإن الهدف الحقيقي هو البحث عن أعلى معدلات للربح، وهو هدف سهل يمكن تحقيقه بعد أن قامت الرأسمالية اليهودية بالدفع إلى تبني السياسات الليبرالية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وفشل الفكر الاشتراكي في تحقيق النمو الاقتصادي للدول التي تبنته. ومن هنا: نجد أن القوى الرأسمالية من خلال مؤسسات الأمم المتحدة المالية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتوابعهما) وبعد أن تزعمت الولايات المتحدة العالم؛ أخذت بالدعوة إلى تبني أساليبها الاقتصادية، حيث أصبح تبني هذه السياسة بدون نظر لمحاذيرها هو التوجه لدى دول العالم المتخلف وبخاصة دول العالم الإسلامي، فقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة بإجبار دول العالم الإسلامي إلى إعادة هيكلة اقتصادياتها على ضوء هذه السياسة الليبرالية، فاتجهت لخارج دولها لجذب رأس المال الأجنبي، وتبني مفهوم القطاع الخاص من خلال استخدام آليات السوق وما يتطلبه ذلك من تحجيم واضح في الملكية العامة، وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وهذا ما تتبناه وثيقة استنبول لحل مشكلة الإيواء. إن عولمة الاقتصاد الذي تُطالب به الأمم المتحدة برئاسة الولايات المتحدة حيث يحل مشروع أممية رأس المال بدلاً من أممية البروليتاريا، فما يحصل الآن من أساليب إجرائية متعددة الأشكال لحل مشاكل اجتماعية واقتصادية هو تمكين لمراكز النظام الرأسمالي من إعادة احتواء دول العالم المتخلفة وإعادة امتصاص قواها، طبقاً لمنطق تراكم رأس المال في تلك المراكز. إن آليات السوق الذي تقوم عليه الفكرة الأساس للرأسمالية: أن من لا يستطيع كسب قوته يجب أن يموت، فهناك في الغرب فلاسفة ممن يقول: إن المليار من فقراء العالم الثالث، بل وفقراء الدول الصناعية كانوا زائدين عن الحاجة، وبالتالي: فلا مبرر لوجودهم ولا حاجة إليهم، ضمن مفهوم فلسفة البقاء للأصلح! ، ولذا: تجد الدعوة المستمرة لتغيير مفهوم الأسرة، والدعوة إلى الإجهاض وقتل العجزة.. وغير ذلك من الدعوات غير الأخلاقية وغير الإنسانية، وما هي إلا نتيجة العبثية الرأسمالية العلمانية. إن المخرج من هذا الفخ الذي نصبته الرأسمالية اليهودية هو قدره العالم الإسلامي في اتخاذ قراره السياسي المستقل، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا طرح الفكر العلماني ونبذه من مناهجه وتوجهاته، وتبنى الفكر العقائدي الإسلامي وما يحتويه من سلوكيات وقيم ونظم وتشريعات لتحقيق سعادة الانسان الدنيوية والأخروية [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [الأعراف: ٩٦] . [*]

стр. 2243

سياسة شرعية القانون الدولي الإسلامي.. (علم السير) .. مفهومه - تدوينه - خصائصه بقلم: عثمان جمعة ضميرية بعد مقدمة عن شمول الشريعة الإسلامية لكافة مناحي الحياة ومرونتها في استيعاب القضايا الجديدة أخذ الكاتب في الحلقة الماضية في تعريف (القانون الدولي الإسلامي) (علم السير) شارحاً ومحللاً لعدة تعريفات، ومتطرقاً لبعض المسائل العلمية حول الموضوع، وفي هذه الحلقة يعالج بعض خصائص القانون الدولي الإسلامي. - البيان - تتميز أحكام القانون الدولي الإسلامي (علم السير) بمجموعة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من الأنظمة القانونية؛ فأحكام القانون الدولي في الإسلام ليست قواعد وضعية يمكن أن تتناول أصولها يد البشر بالتعديل والتبديل كلما عنّ لهم ذلك، بل هي أحكام شرعية تكون جزءاً لا يتجزأ من الشريعة السمحة، - التي تنظم كل جوانب الحياة مستقاة من آيات الله البينات وسنة رسوله؛ فأول مصادرها الكتاب الكريم ثم السنة المطهرة، دون أن نغفل أهمية المصادر الأخرى: كالمعاهدات التي عقدها الخلفاء، والأوامر والوصايا التي كانوا يبعثون بها إلى أمراء الجيوش، وكذلك إجماع الفقهاء، بوصفها كلها مصادر مكملة أو تابعة. وتضفي طبيعة الدعوة الإسلامية صبغة خاصة على القانون الدولي الإسلامي؛ بحيث يبتعد مفهومه بعض الشيء عن القانون الدولي بمعناه المألوف؛ فالقانون الدولي كما عرّفه رجال القانون هو: مجموعة القواعد التي تنظم العلاقة بين مجموعة من الدول في الحرب وفي السلم، بين مجموعة من الدول المستقلة المكتملة السيادة التي تترابط عرفاً أو اتفاقاً على قدم المساواة، وعلى أساس التبادل المطلق، وهو يقوم على مبدأ الإقليمية، فينبسط سلطان الدولة بحسب الأصل على أرضها وما فوقها وما تحتها دون أن يمتد إلى ما وراء ذلك. هذا المفهوم لا تعرفه الشريعة الإسلامية، إذ إن الدعوة الإسلامية بطبيعتها دعوة عالمية، تقوم على اعتبار شخصي إنساني وليس على اعتبار إقليمي، إذ لا يتصور بالنسبة لها: أن تكون الحدود الإقليمية عامل تفرقة بين المسلمين [١] . وعلى هذا: يمكن أن نبرز بإيجاز أهم الخصائص التي تتميز بها أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الإسلام فيما يلي: ١- أحكام القانون الدولي في الإسلام ترجع في أسسها العامة إلى الوحي: وهذه الخاصية هي أهم الخصائص، ومنها تنبثق سائر الخصائص؛ فالإسلام دين رباني كامل، ينظم الحياة ويَحكم كافة جوانبها، وبما أن القانون الدولي الإسلامي (علم السير) جزء من الفقه الإسلامي الذي يقوم على الشريعة كتاباً وسنة فإنه يقوم على الوحي الإلهي، وكل فقيه مقيد في استنباطه للأحكام بنصوص هذين المصدرين أو الأصلين الأساسين عندما تسعفه النصوص بذلك، وإلا فهو مقيد باتباع قواعد الشريعة ومرعاة مقاصدها وأصولها [٢] [حالة الاجتهاد فيما لا نص فيه] . وإلى هذا المعنى يشير (ابن خلدون) بقوله عن أحكام الله (تعالى) في المكلفين: (وهي: متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استخرجت الأحكام من الأدلة قيل لها: فقه) [٣] . وينص الله (تعالى) في كتابه الكريم على أن هذا الدين كله وحي منه (سبحانه) لهداية البشرية، ورحمة منه لها، فقال (سبحانه) : [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [الشورى: ٥٢] ، ومهمة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ووظيفته هي البلاغ والبيان: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ] [المائدة: ٦٧] . وتأسيساً على هذه الخاصية في رجوع الأحكام إلى الوحي واستنادها إليه ليكون تشريعاً إلهيًّا ربانيًّا، فإنه لا مساغ لتقسيم التشريع الإسلامي إلى تشريع إلهي وتشريع وضعي، كما ذهب إليه بعض الكتّاب في النظام الدستوري الإسلامي [٤] . وكما ذهب إليه بعضهم من تقسيم التشريع إلى نوعين: ابتداء وهو خالص حق الله، وابتناء وهو يمكن أن يكون للبشر [٥] ؛ فإن للبشر حق الاجتهاد بضوابطه الشرعية، وليس لهم حق التشريع. وهذه الخاصية تميز أحكام العلاقات الدولية في الإسلام عن سائر الأنظمة والقوانين الوضعية التي وضعها الناس لأنفسهم في القديم والحديث والتي لا نجد لها من الهيبة والاحترام كما نجده للتشريع الإلهي. وهي كذلك ضمانة لتوحيد كلمة الأمة كلها على منهج واحد ونظام واحد عندما تلتقي على هذا الوحي بما فيه من موازين لا تضطرب ولا تتأرجح، ولا تتأثر بالهوى والعصبية والدوافع الذاتية. ٢- ارتباط أحكام العلاقات الدولية بالعقيدة والأخلاق: وهذه الخاصية منبثقة عما قبلها، ومظهر من مظاهرها، فقد عني القرآن الكريم كما عنيت السنة النبوية بالعقيدة التي تقوم على أساس الإيمان بالله (تعالى) ربًّا متفرداً بالخلق، وإلهاً متفرّداً بالأمر والنهي، فلا عبودية إلا له؛ وبذلك يتحرر الإنسان من كل عبودية لغير الله [٦] . فمن الأصول المقررة في الإسلام: أنه يشمل جانبين رئيسين هما: العقيدة والشريعة، والعقيدة هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بالإيمان، والشريعة هي النظم التي شرعها الله (تعالى) أو شرع أصولها ليأخذ المسلم بها نفسه في علاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بالإنسان، وعلاقته بالكون وبالحياة من حوله، والعقيدة هي الأصل الذي تنبثق عنه الشريعة وتقوم عليه، والإسلام حتّم الترابط بينهما؛ ولذلك: فمن آمن بالعقيدة وألغى الشريعة، أو أخذ بالشريعة وألغى العقيدة لا يكون مسلماً ولا سالكاً في حكم الإسلام سبيل النجاة [٧] . ومن هنا: كانت أحكام العلاقات الدولية كغيرها من جوانب الفقه الإسلامي ذات اعتبارين: قضائي ودياني، فالقضائي يحاكم العمل بحسب الظاهر، أما الديانة: فإنما تحكم بحسب الحقيقة والواقع، فالأمر (أو العمل) الواحد قد يختلف حكمه في القضاء عنه في الديانة [٨] ؛ ولذلك: نجد الفقهاء يميزون بين ما ينفذ من الأحكام ظاهراً وباطناً وبين ما ينفذ ظاهراً: تأسيساً على هذا [٩] . ومن هنا قالوا: من ادعى خلاف الظاهر لا يصدق قضاءً، إلا إذا كانت دعواه على نفسه، لأنه غير متهم في حق نفسه، ويصدق فيما بينه وبين الله (تعالى) ، وقد أرشد النبي- ﷺ إلى هذا المعنى فيما روته أم المؤمنين أم سلمة ﵂ ، عن رسول الله: (أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها) [١٠] . وهذه العقيدة تمتزج بالأخلاق، فتهذب النفس وتربي الوازع الذاتي، فتجعل منه محكمة داخلية في نفس المسلم، ينتصف من نفسه قبل أن ينتصف هو من الآخرين [١١] . ومن الواضح أن القانون الإسلامي يعلق أهمية غير قليلة على القيم الأخلاقية، لقد كان هناك علم وحيد يشغل المسلمين في أول ذلك الأمر هو تعاليم دينهم، وسرعان ما تولدت عن ذلك علوم شتى ... وعندما نالت فروع الفقه الإسلامي ومنها القانون الدولي مركزها، علوماً مستقلة بذاتها، فإنها ظلت تحتفظ بقيمها الأخلاقية، وكان على أحكام هذه القوانين أن ترتكز في قوة إلزامها إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وهدي السلف الصالح، ولم ينشأ علم إسلامي لذاته مستقلاً عن غيره ودون نظر إلى ما سواه، وإنما أخضعت كل العلوم للشريعة من أجل الإسهام في خير الإنسان في الدنيا والآخرة، وبغير الإيمان بالبعث والحساب يكون الإنسان شرًّا من الشيطان نفسه، وبغير الإفادة من نعم الله التي خلقها لعباده لا يكون الإنسان إنساناً على الإطلاق، وقاعدة الإسلام هي: خير الأمور الوسط، وتصدق هذه القاعدة حتى بالنسبة لعلم يعمل في نطاق مادي تماماً كالقانون الدولي الإسلامي، وعلى الرغم من أن هذا القانون قد انفصل عن القانون العام وعن علم السياسة إلا أنه لم يكن في قيامه مؤسساً على المنطق الإنساني، ومن ثم: تسوقه الظروف المتباينة للمناسبات، وإنما كان يحتفظ بأساسه الأخلاقي الثابت؛ إذ يرتكز إلى مصدرين ثابتين هما القرآن والسنة [١٢] . وهناك آيات قرآنية كريمة توجب الالتزام بقانون الأخلاق الإسلامية في العلاقات الدولية، تماماً كما هي ملزمة في العلاقات الفردية، وقد جاءت السنة النبوية وأعمال الخلفاء الراشدين وسيرتهم في الجهاد والعلاقات الدولية تطبيقاً عمليّاً لذلك، ثم بنى الفقهاء كثيراً من أحكامهم في العلاقات الدولية والجهاد على هذا الأصل العظيم، ومن ذلك: وجوب الوفاء بالعهد، والتحرز عن الغدر حتى ولو غدر الأعداء بالمسلمين، وتحريم المثلة بالأعداء في الجهاد، وتحريم قتل غير المقاتِلين، وتحريم استعمال آلات وأدوات يعم ضررها. وقد أدرك بعض الكاتبين في القانون الدولي قيمة هذه الخاصية ومكانتها، حيث يرى الدكتور مجيد خدوري: أن الإسلام بوصفه منهجاً للحياة، فإنه يشدد على أهمية المبادئ الخلقية في العلاقات الدولية، بصرف النظر عن العقيدة الدينية، وأن العقيدة الإسلامية بوصفها أساساً للأخلاق دفعت المسلمين لاتخاذ موقف رائع من التسامح نحو غير المسلمين، والتحلي بمبادئ إنسانية عكسها لنا مضمون الأحكام التي استنبطوها لحالة الحرب ولسير المعارك مع الأعداء. والواقع التاريخي الإسلامي، وهذا يصدق على البشر أجمعين يظهر لنا أن أي نظام اجتماعي، على الصعيد الدولي، يفقد معناه إذا خلا كلياً من المبادئ الأخلاقية [١٣] . وهذه الخاصية أفاضت على الأحكام هيبة واحتراماً في عقول المخاطبين بالشرع، وأورثتها سلطاناً على النفوس، كان به الفقه الإسلامي شريعة مدنية ووازعاً أخلاقيًّا معاً؛ لما فيه من قدسية المصدر القرآني الآمر، ومن الزاجر الديني الباطن إلى جانب القضاء الظاهر، فلا يحتاج الإنسان إلى قوة مسلطة عليه دائماً لتلزمه الخضوع لإيجابه، ولا يجد في الإفلات من سلطان حكمه غنيمة إن استطاع الإفلات سواء أكان عظيماً أو ضعيفاً. كما ترتب على هذه الخاصية أيضاً: أن يكون لمخالفة الحكم الشرعي جزاء يتحمله المخالف، وهو يشمل: الثواب عند الطاعة، والعقاب أو الضمان عند المخالفة. والجزاء قد يكون دنيويّاً يتولاه الحاكم، أو السلطة العامة في الدولة، كما يكون جزاءً أخرويّاً عند الله (تعالى) يوم القيامة، ولكن للتوبة أثراً في سقوط العقاب عند الله (تعالى) ولها أثر في سقوط بعض العقوبات في الدنيا [١٤] .

стр. 2244

منتدى القراء الكلمة الحية بقلم: عبد الهادي أحمد الحسيني ثمة صنف من الناس، تجلس لأحدهم تحدثه ويحادثك فإذا بكلماته لا تقع من قلبك موقعاً، بل تتجاوزه إلى السويداء؛ لتستكن فيها، والعجب في الأمر: أن أولئك قد لا يكونون قد أوتوا فصاحة لسان أو غزارة بيان! وقد يقول الكلام نفسه غيرهم، لكنه لا يقع في نفسك الموقع نفسه! ولا يؤثر التأثير نفسه! فبحثت عن السبب فوجدته في ذي المحادثة المعبرّة، حيث قال ذر لأبيه عمر بن ذر: (يا أبت: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت - يا أبتي - سمعت البكاء من ها هنا وها هنا؟ فقال: يا بني: ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى) ، إنها الكلمات.. إذا ما اقتاتت من قلب صاحبها: نمت وكبرت، فتخرج من لسانه متوثّبة، فتية، مشعّة، بما شابها من صدق وإخلاص، فيكسبها ذاك حرارة، فلكأنها قد خرجت من بركان! حروفها من نار تلذع أكباد سامعيها! قد ذابت كلماتها في معانيها، ثم استحالت معانيها إلى الإيمان يتغلغل في أفئدة مُتلقيها.. فهي قد خرجت من قلب حيّ عاش بحمية الإيمان، وحماسة الشرف، واقتات من إرث الجدود، وتضلّعت من تركتهم سواءً أكانت: صلاة، أو ذكراً، أو إحساناً، أو خشوعاً، أو إخلاصاً وصدقاً.. إمّا ذاك.. وإلاّ فتخرج الكلمات كسيحة، مشلولة، باهتة، باردة، تخرج تحبو حتى تصل لأذن سامعيها، هذا إن هي وصلت! . فلا تموت الكلمات إلاّ حينما تموت وتكفّن القلوب بكفن الغفلة والفتور! وفرق شاسع بين من يقذف بالحمم، ومن يقذف بالثلج والبَرَد! وبون عظيم بين من يحمل سيفاً صقيلاً ومن يحمل سيفاً خشبيّاً! فواشوقاه للكلمات الحية، وسحقاً وبؤساً للكلمات الميتة! . وما أشد حاجة الأمة إلى (الوعّاظ الصادقين) الذين ينفخون الحياة في قلوب الغافلين والفاترين! . ورحم الله القائل: (إن الكلمات والمبادئ والأفكار، بلا عقيدة دافعة: مجرد كلمات خاوية والذي يمنحها الحياة حرارة الإيمان المشعة من القلب) .

стр. 2245

المدينة الفاضلة بقلم: منصور الريس حديث خرافة! ولن يعدو أن يكون حلماً فلسفيًّا أولع به عقلاء الحكماء والفلاسفة، وتغنى به الشعراء. لا وجود له إلا مع أحلام النفوس وآمالها وتخيلاتها. فإن الله (سبحانه) قد جبل النفوس على طبائع وغرائز مختلفة، ولئن كان الظلم والجهل والهوى قاسماً مشتركاً بين النفوس مشاعاً بينها، فإنها متفاوتة في رتب الفضيلة، وحب الحقيقة والخير والجمال، متباينة في دركات الظلم وحب الشر. فكان ما يضطلع به المصلحون في كل أمة أمراً شاقاً للغاية، مضنياً لا ينهض به إلا العظماء ذوو الهمم الصادقة والعزائم الثابتة في كل أمة، فهم يطمحون للحيلولة بين الورى وشهواتهم، والحد من غي نفوسهم، وهم يعلمون علم اليقين أن سلب الأجسام أرواحها أقرب منالاً من سلب النفوس غرائزها وميولها، ولذا لا يكاد أن يجد الواحد منهم الراحة والدعة، وهذا الأمر هو هاجسه ومقصده، فإنه: إذا كانت النفوس كبارا ًتعبت في مرادها الأجسام أفلم ييأس الحالمون بعد أن لو وجدت هذه المدينة، فلن تكون خالصة من شوائب الكَبَد والمعاناة، إن الواحد ليعيش مع نفسه صراعاً مجهداً، مع شهواتها وغيها وأدوائها، ومع ذا: فقلما تطاوعه على أمر من الحق وتسلمه قيادها، وهذا ما عاناه الصالحون قبلنا، ويعانيه الصادقون في حاضرنا، فإن القلب قلب. فأنى لك بمجتمع أخلاطه وأوشابه أن تجده متجاوباً معك وفق ما يقتضيه سبيل الفضيلة والفطرة الصحيحة والقلب السليم، أرأيت عظم الأمر؟ ! فما أبعد هذا! . أليس من الجور أن يطالب المرء الآخرين بما يضن هو به عليهم: يذم الزمان وأهله، ويندب الأخوة الصادقة، ويبكي المروءة الغائبة، وهو نفسه عيب الزمان وآفة الإخوان، وعناء ذوي المروءات. وكأين من صادق في المحبة خالص في الود قاسَى من مفارقات الزمان وأضنته الآلام ... كان عزاؤه في دنياه أخاً يبثه هموم نفسه وأحزان قلبه، يعده مستودع سره، فأعياه ذلك فما ظفر ببغيته؛ فنأى بنفسه وانطوى عليها: يجتر آلامه، ويكتم زفراته حتى قضى غير مأسوف عليه: فعاش وما واساه في العيش واحد ومات ولم يحفل به غير واحد تموت النفوس بأوصابها ... ولم يدر عوادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها
следующие страницы →