← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

مقال فرعون باشا.. نموذج للحاكم المستنير! بقلم: ياسر قارئ اقتنعت أوروبا منذ قرون خلت بحتمية تغيير وسيلة المواجهة مع المارد الإسلامي، ونجحت إلى حد كبير في انتزاع الإسلام من صدور الرجال فضلاً عن الأراضي، ولولا وجود القابلية لدى بعضهم للتبعية المطلقة ورهن أنفسهم للرجل الأبيض لكان خراج الأمريكتين وأستراليا يأتي كل عام إلى دار الخلافة في استنبول، ولكن الأمة التي شقيت بنماذج من السفهاء والدخلاء هوت من علوّها ودخلت في نفق مظلم من السياسات الخرقاء والعلاقات المشبوهة مع عواصم دول ما وراء البحار؛ فالمستشارون أوربيون، والتعليم على النمط الغربي، والاقتصاد موجه للتصدير الخارجي، والإصلاحات تصب في مصلحة كل أحد سوى المواطن! وعلى الرغم من كل هذا: تظل هناك شريحة في المجتمع تملك وقف هذه المهزلة الحضارية، فلا تفعل؛ لأنه ملبّس عليها، فلا ترى إلا من خلال نظّّارة النظام، ولقد أنكر العلماء والأهالي على نابليون أفعاله في مصر، التي لا تختلف عما ذكرته آنفاً، بل وجزموا بكفره على الرغم من إعلانه اعتناق الإسلام قبل أن يطأ الديار المصرية، ثم إن هذه النخبة الاجتماعية رضخت، وأيدت في كثير من الأحيان سياسة خلفه الأوروبي المولد والمنشأ مؤسس مصر الحديثة (محمد علي باشا) التي جرّت على الأمة بأسرها ويلات كثيرة، ليس يغفرها له أحد من المسلمين المستضعفين الذين تعرضوا للذل والهوان والقهر عقب زوال الدولة العثمانية، تلك المأساة الفاجعة التي حمل الباشا على عاتقه تحصيلها إرضاءً لأصدقائه وجلسائه الأوروبيين وعمّاله من أصحاب الديانتين النصرانية واليهودية. ونظراً لطول الموضوع وتشعبه: فقد قسمته إلى أربعة أجزاء متتالية: أتحدث أولاً عن سيرته ونشأته، ثم: كيفية توليه السلطة وعلاقة ذلك بالماسونية، أما الجزء الثالث: فأتطرق فيه إلى سياسته الاقتصادية وآثارها على الوطن والمواطن، ثم أختم بالحديث عن حروبه ومؤامراته في شبه الجزيرة العربية والسودان واليونان وبلاد الشام، ومحاربته للسلطان، وفتح الباب أمام الأطماع الأوروبية لتخرج إلى حيز التنفيذ. أولاً: سيرته ونشأته: ولد محمد علي في مدينة: (قولة) أو (قونية) من بلاد مقدونيا سنة ... (١١٨٢هـ /١٧٦٩م) ، وتوفي بالقاهرة سنة (١٢٦٥هـ /١٨٤٩م) ، وقد تولى عمّه تربيته، ثم اشتغل بالتجارة في الدخان، وربح منها كثيراً، ولم يتلق أي تعليم حتى قدومه إلى مصر فضلاً عن أن يجيد اللغة العربية [١] ، وكان قد أرسل ضمن الحملة التي أتت لإنقاذ مصر من الفرنسيين، وأصبح رئيساً لإحدى السرايا بعد فرار ابن عمه الذي كان يقودها، فقام بتنظيم الجيش وإصلاحه على الطريقة الأوروبية، واستعان في ذلك بالكولونيل الفرنسي (سيف) الذي غير اسمه إلى سليمان باشا [٢] ، كما أنشأ ترعة عظيمة لإصلاح الري، وأقام الجسور على النيل، وأقام المدارس والورش الصناعية واستغنى عن الاستيراد من الخارج، فأصبحت مصر تصنع الطربوش والمراكب والبندقية والمدفع [٣] ، كما قام بتجريد أراضي الأوقاف وزراعة منتجات التصدير بناءً على مشورة الفرنسي (وميل) ، وأرسل البعثات إلى فرنسا وعلى رأسها رفاعة الطهطاوي، كما استعان بالأطباء والفنيين والعسكريين الفرنسيين [٤] ، ولقد علقّ أحد أحفاده على حبه للعلم قائلاً: (هذا الرجل الذي لا يك تب! كان له فهم عظيم بواجباته كأمير، فكان يحب العلماء ويعرف عدم إمكانية الاستغناء عنهم من أجل تطوير الشعب، وأنشأ في باريس مشتلاً من العلماء الشباب المصريين، وصبر على طول مدة دراستهم، ليحصلوا على الحقائق الغربية. [٥] وفي المقابل: فإن المؤرخ الجبرتي المعاصر للباشا يصفه بأنه: حسود شَرِه طمّاع، دائم التطلع لما في أيدي الناس أو أرزاقهم، ولم يسلم من ذلك حتى خدمة (الضربخانة) و (أفنديتها) ، فسعى إلى مصادرة أموالهم [٦] . بالإضافة إلى ذلك: فإن أحد المؤرخين تتبع وصف (الجبرتي) للباشا فخلص إلى أنه: مخادع كذاب يحلف الأيمان الكاذبة، ظالم لا عهد له ولا ذمة، يضمر السوء ويستخدم العنف والجور في الوقت الذي يعد فيه بالقول، ولا تنفع لديه شفاعة شيخ، اعتاد أن يحيط نفسه بالنصارى واليهود، ويمتلك من الحِيَل ما لم يخطر لميكافيللي على بال [٧] ، وفي المقابل: نجد أن أحد المستشرقين يصف الباشا بأنه: أعظم الشخصيات التي عرفها الإسلام الحديث شأناً، والسبب في ذلك: أنه أبدى إعجاباً شديداً بنعم الحضارة الأوروبية وبركاتها، فأنشأ مدرسة لتعليم الرياضيات باللغة الإنجليزية، فيما اعتمد اللغة الفرنسية في العلوم الأخرى [٨] ، ولا عجب من هذا التناقض في تقييم الرجل؛ لأن الباشا هو مصدر هذا الاختلاف بين المؤرخين بسبب سياسته النفعية والمناهضة للإسلام وأهله. ثانياً: توليه السلطة: منذ أن عين قائداً لفرقة في الجيش الذي قدم إلى مصر، أخذ محمد علي في استمالة الجند إليه وصعّد من خلافه مع (خسرو (باشا الذي تولى حكم مصر حتى طرده الأهالي، ثم وقع الاختيار على أحمد باشا العثماني فأخرجه منها، وسلّط الأرناؤوط (الألبان) على الانكشارية، ثم سعى إلى التفريق بين (البرديسي) (والألفي) اللذين يتنافسان على السلطة، واستطاع تهييج الأهالي عليهما، فأسند الأهالي والأعيان إليه الولاية، وكتبوا بذلك إلى السلطان الذي أمر بنقله إلى سالونيك بناءً على وشاية الإنجليز به، نظراً لمعارضته لمشاريعهم، لكن ضغط وإلحاح العلماء والأعيان والأهالي مكن الباشا من الاستمرار في ولاية مصر، وكان ذلك في سنة ١٢٢١هـ/ ١٨٠٦م [٩] لكن المؤرخ التركي (يلماظ أوزتونا) يرى أن (محمد علي) قد ساوم السلطان محمود الثاني على المنصب بعرضه الذهاب إلى الجزيرة العربية والقضاء على الوهابية إذا منح رتبة البكلربك (أي: الوالي) وقد تم له ذلك [١٠] والسؤال الذي يبرز هنا هو: كيف استطاع رجل غريب التلاعب بالبلاد وعلمائها خاصة، في ظل التنازع على حكم مصر بين المستعمرين الأوروبيين الذين لم يكونوا ليرضوا عن وضع مريب كهذا لولا أن لهم مصلحة فيما يجري؟ لقد أجاب على هذا التساؤل أحد المؤرخين قائلاً: بأنّ هناك جوانب كثيرة يكتنفها الغموض في صعود محمد علي إلى هرم السلطة، خاصة وأنه لم يكن يصلح للولاية، وليس من الوزراء ولا من الأمراء، ولا من أكابر الدولة (على حد قوله) ، هذا بالإضافة إلى افتعال الثورات بسبب رواتب الجند، ثم تمكنه من تسديدها، لكن صلة محمد علي بالشيخ حسن العطار الذي انضم إلى المحفل الماسوني الذي أسسه الفرنسيون تفسر لنا شيئاً من هذا الغموض [١١] . ثالثاً: سياسته الاقتصادية: يعلل بعض المؤرخين أسباب غزو محمد علي لبلاد الشام بغرض إرجاع الأهالي الجهلة المغرر بهم الذين فروا إلى هناك، وذلك لأن الضرائب وأعمال السخرة التي شرعها الباشا لتغطية نفقات الإصلاحات قد جهل كنهها الناس؛ ففروا منه [١٢] ، وسوف نتحدث بشكل موسع عن حروب الباشا في الحلقة القادمة، لكن يكفينا هنا أن نعرض لسياسته الاقتصادية ونماذج منها؛ لنتعرف على مخططات الباشا أو الدور الذي أُعدّ له لينفذه! لقد اتسمت فترة حكم محمد علي بقرارات اقتصادية مجحفة بالرعية، تراوحت بين أخذ الأراضي والأملاك بالقوة، والتلاعب بالأسعار والعملة، إلى احتكار البضائع، وبخس الأسعار، وفرض المكوس والرسوم وأعمال السخرة (العمل بلا أجر) ، وهذه نماذج من ذلك: كانت الضريبة على بضائع الإفرنج والنصارى ومن ينتسب إليهم اثنان ونصف بالمئة (٥، ٢%) ، بينما كان يؤخذ على بضائع المسلمين عشرة بالمئة (١٠%) ، في الوقت الذي كان يتولى ديوان المكس (الجمرك) شخص نصراني رومي [١٣] ، كما أن الباشا منع المزارعين من بيع الغلال على المتسببين؛ ليبيعها هو بدوره على الإفرنج، حتى قل وجود الخبز، بل امتنع، واشتكى الفقراء إلى الباشا [١٤] ، ثم زاد في الخراج لمساعدته على حروبه في الجزيرة العربية في سنة ١٢٣٣هـ، وصادف أن فاض النيل في تلك السنة حتى هلك الزرع وانهدمت البيوت [١٥] ، وفي السنة التالية أمر بجمع الفلاحين للعمل في ترعة الأشرفية بالأسكندرية بلا أجر، فغلّوا بالسلاسل، ورُدم على بعضهم الحفر وهم أحياء لامتناعهم، وفي الوقت الذي مُنع الفلاحون من الزراعة قام الباشا بزيادة الخراج عليهم بعد عودتهم [١٦] ، ثم قام الباشا في سنة ١٢٣٥هـ بفرض رسوم جديدة على البهائم، وبخس الفلاحين ثمن البلح والليف وجريد النخل والخوص، فيما أجبرهم على دفع نسبة خمسة في المئة (٥%) من قيمة المحاصيل مقدماً ولمدة عامين لمشايخ البلاد تحت نظام الالتزام [١٧] ، كما فرض على المزارعين نقل الغلال على حسابهم إلى الإسكندرية؛ لبيعها على الإفرنج وليشتري بثمنها البضائع الإفرنجية، بالإضافة إلى ذلك: قام الباشا ببخس المكيال وامتنع عن دفع ثمن الغلال [١٨] ، كما تلاعب الباشا في صرف العملة ونَقّص وزنها وعيارها، وعين خاله ناظراً للضّرب، وقرر له في كل شهر خمسمئة كيس، بينما كان الناظر السابق يقبض خمسين كيساً فقط [١٩] ، وفي إحدى المرات أخذ الباشا جميع الغلال بما في ذلك ما يدخره الناس لقوتهم وباعه على الإفرنج [٢٠] ، كما حجر على الأُجَرَاء والمعمرين والمستعملين في الأبنية والعمائر، وألزمهم العمل في عمائر الدولة بمصر أو افتداء أنفسهم أو إقامة بديل عنهم مع دفع أجرته [٢١] ، كما ابتدع تحرير الموازين، وأبطل موازين الباعة وألزمهم شراء موازين الدولة، وهو باب يتجمع منه أكياس كثيرة [٢٢] ، وقام بإطلاق جماعة من المهندسين والمباشرين للكشف على الدور والمساكن، فإن وجدوا بها أو ببعضها خللاً أمروا صاحبها بهدمها وتعميرها، فإن كان يعجز عن ذلك أخرجوه منها، وأعادوا بناءها وتصبح من حقوق الدولة [٢٣] ، ولم يكتفِ بكل هذا، بل أمر بالمناداة في الناس بتحديد الربا على القروض التي يحصل عليها الناس من العسكر، وذلك لشدة الضيق والحاجة، وهذا من غرائب الأحكام! ، حيث ينادى على الربا جهاراً وفي الأسواق من غير حياء ولا مبالاة، لأنهم لا يرون ذلك عيباً في عقيدتهم [٢٤] ، ولقد أوجز المؤرخ الجبرتي (رحمه الله) أسباب الخراب في الدولة، فذكر زيادة الخراج واختلال المعاملة والمكوس واحتكار جميع الأصناف والاستيلاء على أرزاق الناس، فلا تجد مرزوقاً إلا من كان له خدمة الدولة متولياً على نوع من أنواع المكوس أو مباشراً أو كاتباً أو صانعاً في الصنائع المحدثة، ولا يحاسب على ذلك إذا كان من غير العرب، أما الباشا فقد وضّح طريقة تعامله مع من يرفض الانصياع إلى تلك السياسات الظالمة؛ فقد قال في معرض لومه للعلماء الذين انتقدوه علانية في اجتماعاتهم بالأزهر: (إن حصل من الرعية أمرٌ ما فليس لهم عندي إلا السيف والانتقام) [٢٥] لذا: فلم يجد الفلاحون مخرجاً من هذا الجحيم سوى ترك البلاد والهجرة إلى الشام؛ ليكونوا بمنأى عن ذراع الباشا، وذلك بسبب خصومته مع والي الشام. ... ... ... ... ... ... ... ... ... وللحديث صلة

стр. 2242

في دائرة الضوء العولمة الاقتصادية.. ومؤتمر الإيواء البشري بقلم: محمد عبد الله الشباني عقد خلال الفترة من الثالث حتى الرابع عشر من شهر يونيو لعام ١٩٩٦م في استنبول مؤتمر الإيواء البشري تحت مظلة الأمم المتحدة، وهذا المؤتمر حلقة من حلقات المؤتمرات التي دأبت الأمم المتحدة على عقدها وفق دعايتها بتحسين أوضاع العالم الاقتصادية والتجارية والعمرانية والسياسية والاجتماعية، - لكن حقيقة الأمر بخلاف ذلك، بل إن هذه المؤتمرات أداة تستخدمها الرأسمالية اليهودية للسيطرة على العالم اقتصاديّاً وفكريّاً من خلال تأطير السلوك الاجتماعي والسياسي ليوافق الفكر العلماني الذي تقوم عليه الرأسمالية اليهودية المعاصرة. إن الإطار الفكري الذي تقوم عليه فكرة المؤتمر وما طرح في وثيقته من أفكار وأساليب مطلوب من الدول المشتركة في هذا المؤتمر تبنيها لحل مشكلة تؤرق السياسيين في مختلف أقطار العالم وهي (مشكلة الإيواء وتوفير الأماكن الكافية لاستيعاب ملايين البشر (، هذا الإطار ما هو إلا غطاء للتسلل لاحتواء موارد الدول الفقيرة واستغلالها لصالح المؤسسات المالية والمالكين لها من دهاقنة اليهود والمتهودين فكراً وسلوكاً، ونشر الأنماط السلوكية التي أفرزتها الفلسفة الجدلية المادية، التي من مقتضياتها الانفلات السلوكي: سواء ما كان له ارتباط بالمنهجية الاقتصادية، وما يرتبط بذلك من حرية مطلقة في استلاب الآخرين، وتحقيق المنفعة الفردية على حساب المنفعة الجماعية مع استبعاد الجوانب الأخلاقية في السلوك الاقتصادي، أو ما كان له ارتباط بأنماط السلوكيات الاجتماعية لسيطرة الرأسمالية اليهودية ممثلة في الولايات المتحدة بوصفها قوة وحيدة بتمكين هذه القوة الجديدة من الاستحواذ على العالم؛ ليكون القرن الحادي والعشرين قرن أمريكا. أهداف المؤتمر: إن أهداف المؤتمر الذي حددتها مسودته (جدول أعماله) تلبس الحق بالباطل؛ حيث تعلن مفاهيم عامة وتمنيات تُدغدغ بها رغبات الحكومات الفقيرة التي ترزح تحت وطأة الفقر والحاجة والتخلف، ولكنها في الواقع سراب يُنْفَذُ من خلاله إلى الهدف الحقيقي المغلف بهذا السراب. فمن الأهداف المشار إليها في وثيقة المؤتمر التي هي مدخل للأهداف الحقيقية الأمور التالية: ١- المساواة والعدالة لجميع الأفراد، للحصول على الإيواء وتوفير البنية التحتىة المكملة للمسكن الملائم. ٢- استئصال الفقر، من خلال توفير المأوى للفئات ذات الدخل المنخفض مع حق اختيار العمل والحصول عليه. أما الأهداف الحقيقية للمؤتمر فيمكن فهمها من خلال ما رسم من إجراءات تنفيذية لتحقيق الأهداف الفضفاضة، وما امتزج ضمنها من مفاهيم أدرجت لتخدم الغرض الحقيقي للمؤتمر، ويمكن تحديدها على النحو التالي: ١- العمل على تغيير مفهوم الأسرة القائم عل الأسس الدينية والقيم الاجتماعية الفطرية، وتوسيع هذا المفهوم ليشمل أنماطاً من الأشكال التي تم تبنيها في المجتمع الغربي بوجه عام، وفي الولايات المتحدة بوجه خاص؛ من خلال تغيير معالم ومكونات الأسرة كما عرفتها الإنسانية، حيث أشار البند (١٨) من الوثيقة إلى شمول الإيواء لمختلف أشكال الأسر، والمقصود من ذلك: منح الشاذين جنسيّاً الذين يكونون فيما بينهم أُسَراً، وتلك الأشكال من العلاقات بين الرجال والنساء الذين لا يرتبطون بعلاقات شرعية، مساكن للإيواء. ٢- توسيع النظام الربوي، وتمكين المؤسسات المالية الربوية من السيطرة على المقدرات المالية لدول العالم الثالث، من خلال عمل شبكة من البنوك ومؤسسات الإقراض، وربط تمويل توفير المباني والبنية التحتىة لمشاريع الإيواء بالإقراض الخارجي، البند (٣٠) . الالتزامات المطلوب تنفيذها لتحقيق الأهداف: من أهم الالتزامات المطلوب تبنيها من قبل المشاركين في هذا المؤتمر والموقعين على وثيقته الأمور التالية: ١- تغيير قوانين الملكية الخاصة بالأراضي: سواء الزراعية أو السكنية، وقوانين الإسكان والإيجارات، وفتح باب سوق شراء وبيع العقارات، وإزالة جميع العوائق الخاصة بتوفير المناخ الملائم لحرية السوق العقاري (البند ٥٦ من الوثيقة) . ٢- تغيير وتعديل الأنظمة لتسهيل حركة الأموال وربط تمويل الإسكان بالنظام المالي العام للدولة وتعديل السياسة النقدية والمالية لتوفير روح المنافسة، لتتحرك الأموال من أجل توفير القروض للفقراء، مع توفير الإمكانية لأنظمة الإقراض لتحقيق استعادة القروض من خلال توفير القوانين والأنظمة لذلك، وإقرار برامج رهن المساكن لمؤسسات الإقراض المتعددة (البند: ٦١) . ٣- ربط اقتصاديات الدول المتخلفة باقتصاديات الدول الرأسمالية ضمن المفهوم الذي تبشر به الوثيقة، وهو الاقتصاد الدولي، كما أشارت إليه البنود (١٤٠، ١٤٧، ١٥٠) ، من الوثيقة، حيث تم التأكيد على ربط السلطات المحلية بالسوق المالي الدولي ومؤسسات الإقراض الخاصة بالشؤون البلدية، مع العمل على توفير البنية التي تسمح للاقتصاد الدولي في النمو، والمساهمة في بناء البنية التحتىة لمشاريع الإيواء وتكوين المراكز الحضرية. إن تبني الأهداف وقبول الالتزامات التي حددتها الوثيقة التي تم التوقيع عليها في مؤتمر استنبول يعني التمكين لما يعرف في مجال الدراسات الاقتصادية (بعولمة الاقتصاد) تحت قيادة صندوق النقد الدولي والمؤسسات التابعة له. وظاهرة (العولمة) التي أخذت في الازدياد في الفترة الأخيرة لها خطورتها على النمو الاقتصادي والحضاري والثقافي للمجتمعات المتخلفة، وبخاصة المجتمعات الإسلامية؛ حيث يتوفر في بلاد المسلمين مصادر الثروات الطبيعية؛ مما يدفع إلى الاستحواذ عليها من قبل الرأسمالية اليهودية العلمانية. إن أهم مظاهر عولمة الاقتصاد هي: زيادة نمو الشركات المتعددة الجنسية، ومؤسسات الإنتاج الدولية الطابع والعالمية النشاط، وقد أدى هذا الأمر إلى التشابك بين مؤسسات الإنتاج على الصعيد القطري والإقليمي، واتجاه الشركات القطرية إلى توسيع رقعة أنشطتها لتخرج به خارج الحدود الوطنية أو القومية وصولا إلى المستوى الكوني، والشكل الذي تأخذه العولمة هو قيام المؤسسات الضخمة بمد نشاطها خارج حدودها الوطنية وإنشاء فروع شبه مستقلة ولكنها تابعة لها في بلدان الدول المتخلفة، أو تحويل الكيانات القائمة للشركات القومية؛ لتُكوّن فروعاً لها وتوابع لنشاطها. لتتضح أبعاد ظاهرة العولمة الاقتصادية أو ما يمكن تسميته بظاهرة الرأسمالية متعددة الجنسية التي تجمع لديها عناصر القوة الاقتصادية، وما يمكن أن توظفه من قوة سياسية أو تمارسه من ضغوط على الدول المتخلفة غير القادرة على التعامل بندية مع هذه الكيانات العملاقة، فالإحصاءات توضح مدى خطورة هذا التمركز الرأسمالي ... فإذا عرفنا أن إيرادات أكبر خمسمئة شركة في العالم بلغ في عام ١٩٩٤م نحو عشرة تريليون ومئتين وأربع وخمسين بليون دولار، وإذا تم مقارنة ذلك بمجموع الناتج المحلي الاجمالي لدول العالم في سنة ١٩٩٣م (الذي كان أكثر قليلاً من ثلاثة وعشرين تريليون دولار) ، أدركنا مدى خطورة تركز الأموال لدى الرأسمالية العالمية. إن السؤال الذي يبرز هنا هو: لماذا تتجه الرأسمالية اليهودية في نقل وتركيز بعض عمليات الإنتاج في الدول المتخلفة؟ .. وإن الهدف الحقيقي هو البحث عن أعلى معدلات للربح، وهو هدف سهل يمكن تحقيقه بعد أن قامت الرأسمالية اليهودية بالدفع إلى تبني السياسات الليبرالية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وفشل الفكر الاشتراكي في تحقيق النمو الاقتصادي للدول التي تبنته. ومن هنا: نجد أن القوى الرأسمالية من خلال مؤسسات الأمم المتحدة المالية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتوابعهما) وبعد أن تزعمت الولايات المتحدة العالم؛ أخذت بالدعوة إلى تبني أساليبها الاقتصادية، حيث أصبح تبني هذه السياسة بدون نظر لمحاذيرها هو التوجه لدى دول العالم المتخلف وبخاصة دول العالم الإسلامي، فقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة بإجبار دول العالم الإسلامي إلى إعادة هيكلة اقتصادياتها على ضوء هذه السياسة الليبرالية، فاتجهت لخارج دولها لجذب رأس المال الأجنبي، وتبني مفهوم القطاع الخاص من خلال استخدام آليات السوق وما يتطلبه ذلك من تحجيم واضح في الملكية العامة، وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وهذا ما تتبناه وثيقة استنبول لحل مشكلة الإيواء. إن عولمة الاقتصاد الذي تُطالب به الأمم المتحدة برئاسة الولايات المتحدة حيث يحل مشروع أممية رأس المال بدلاً من أممية البروليتاريا، فما يحصل الآن من أساليب إجرائية متعددة الأشكال لحل مشاكل اجتماعية واقتصادية هو تمكين لمراكز النظام الرأسمالي من إعادة احتواء دول العالم المتخلفة وإعادة امتصاص قواها، طبقاً لمنطق تراكم رأس المال في تلك المراكز. إن آليات السوق الذي تقوم عليه الفكرة الأساس للرأسمالية: أن من لا يستطيع كسب قوته يجب أن يموت، فهناك في الغرب فلاسفة ممن يقول: إن المليار من فقراء العالم الثالث، بل وفقراء الدول الصناعية كانوا زائدين عن الحاجة، وبالتالي: فلا مبرر لوجودهم ولا حاجة إليهم، ضمن مفهوم فلسفة البقاء للأصلح! ، ولذا: تجد الدعوة المستمرة لتغيير مفهوم الأسرة، والدعوة إلى الإجهاض وقتل العجزة.. وغير ذلك من الدعوات غير الأخلاقية وغير الإنسانية، وما هي إلا نتيجة العبثية الرأسمالية العلمانية. إن المخرج من هذا الفخ الذي نصبته الرأسمالية اليهودية هو قدره العالم الإسلامي في اتخاذ قراره السياسي المستقل، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا طرح الفكر العلماني ونبذه من مناهجه وتوجهاته، وتبنى الفكر العقائدي الإسلامي وما يحتويه من سلوكيات وقيم ونظم وتشريعات لتحقيق سعادة الانسان الدنيوية والأخروية [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [الأعراف: ٩٦] . [*]

стр. 2243

سياسة شرعية القانون الدولي الإسلامي.. (علم السير) .. مفهومه - تدوينه - خصائصه بقلم: عثمان جمعة ضميرية بعد مقدمة عن شمول الشريعة الإسلامية لكافة مناحي الحياة ومرونتها في استيعاب القضايا الجديدة أخذ الكاتب في الحلقة الماضية في تعريف (القانون الدولي الإسلامي) (علم السير) شارحاً ومحللاً لعدة تعريفات، ومتطرقاً لبعض المسائل العلمية حول الموضوع، وفي هذه الحلقة يعالج بعض خصائص القانون الدولي الإسلامي. - البيان - تتميز أحكام القانون الدولي الإسلامي (علم السير) بمجموعة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من الأنظمة القانونية؛ فأحكام القانون الدولي في الإسلام ليست قواعد وضعية يمكن أن تتناول أصولها يد البشر بالتعديل والتبديل كلما عنّ لهم ذلك، بل هي أحكام شرعية تكون جزءاً لا يتجزأ من الشريعة السمحة، - التي تنظم كل جوانب الحياة مستقاة من آيات الله البينات وسنة رسوله؛ فأول مصادرها الكتاب الكريم ثم السنة المطهرة، دون أن نغفل أهمية المصادر الأخرى: كالمعاهدات التي عقدها الخلفاء، والأوامر والوصايا التي كانوا يبعثون بها إلى أمراء الجيوش، وكذلك إجماع الفقهاء، بوصفها كلها مصادر مكملة أو تابعة. وتضفي طبيعة الدعوة الإسلامية صبغة خاصة على القانون الدولي الإسلامي؛ بحيث يبتعد مفهومه بعض الشيء عن القانون الدولي بمعناه المألوف؛ فالقانون الدولي كما عرّفه رجال القانون هو: مجموعة القواعد التي تنظم العلاقة بين مجموعة من الدول في الحرب وفي السلم، بين مجموعة من الدول المستقلة المكتملة السيادة التي تترابط عرفاً أو اتفاقاً على قدم المساواة، وعلى أساس التبادل المطلق، وهو يقوم على مبدأ الإقليمية، فينبسط سلطان الدولة بحسب الأصل على أرضها وما فوقها وما تحتها دون أن يمتد إلى ما وراء ذلك. هذا المفهوم لا تعرفه الشريعة الإسلامية، إذ إن الدعوة الإسلامية بطبيعتها دعوة عالمية، تقوم على اعتبار شخصي إنساني وليس على اعتبار إقليمي، إذ لا يتصور بالنسبة لها: أن تكون الحدود الإقليمية عامل تفرقة بين المسلمين [١] . وعلى هذا: يمكن أن نبرز بإيجاز أهم الخصائص التي تتميز بها أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الإسلام فيما يلي: ١- أحكام القانون الدولي في الإسلام ترجع في أسسها العامة إلى الوحي: وهذه الخاصية هي أهم الخصائص، ومنها تنبثق سائر الخصائص؛ فالإسلام دين رباني كامل، ينظم الحياة ويَحكم كافة جوانبها، وبما أن القانون الدولي الإسلامي (علم السير) جزء من الفقه الإسلامي الذي يقوم على الشريعة كتاباً وسنة فإنه يقوم على الوحي الإلهي، وكل فقيه مقيد في استنباطه للأحكام بنصوص هذين المصدرين أو الأصلين الأساسين عندما تسعفه النصوص بذلك، وإلا فهو مقيد باتباع قواعد الشريعة ومرعاة مقاصدها وأصولها [٢] [حالة الاجتهاد فيما لا نص فيه] . وإلى هذا المعنى يشير (ابن خلدون) بقوله عن أحكام الله (تعالى) في المكلفين: (وهي: متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استخرجت الأحكام من الأدلة قيل لها: فقه) [٣] . وينص الله (تعالى) في كتابه الكريم على أن هذا الدين كله وحي منه (سبحانه) لهداية البشرية، ورحمة منه لها، فقال (سبحانه) : [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [الشورى: ٥٢] ، ومهمة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ووظيفته هي البلاغ والبيان: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ] [المائدة: ٦٧] . وتأسيساً على هذه الخاصية في رجوع الأحكام إلى الوحي واستنادها إليه ليكون تشريعاً إلهيًّا ربانيًّا، فإنه لا مساغ لتقسيم التشريع الإسلامي إلى تشريع إلهي وتشريع وضعي، كما ذهب إليه بعض الكتّاب في النظام الدستوري الإسلامي [٤] . وكما ذهب إليه بعضهم من تقسيم التشريع إلى نوعين: ابتداء وهو خالص حق الله، وابتناء وهو يمكن أن يكون للبشر [٥] ؛ فإن للبشر حق الاجتهاد بضوابطه الشرعية، وليس لهم حق التشريع. وهذه الخاصية تميز أحكام العلاقات الدولية في الإسلام عن سائر الأنظمة والقوانين الوضعية التي وضعها الناس لأنفسهم في القديم والحديث والتي لا نجد لها من الهيبة والاحترام كما نجده للتشريع الإلهي. وهي كذلك ضمانة لتوحيد كلمة الأمة كلها على منهج واحد ونظام واحد عندما تلتقي على هذا الوحي بما فيه من موازين لا تضطرب ولا تتأرجح، ولا تتأثر بالهوى والعصبية والدوافع الذاتية. ٢- ارتباط أحكام العلاقات الدولية بالعقيدة والأخلاق: وهذه الخاصية منبثقة عما قبلها، ومظهر من مظاهرها، فقد عني القرآن الكريم كما عنيت السنة النبوية بالعقيدة التي تقوم على أساس الإيمان بالله (تعالى) ربًّا متفرداً بالخلق، وإلهاً متفرّداً بالأمر والنهي، فلا عبودية إلا له؛ وبذلك يتحرر الإنسان من كل عبودية لغير الله [٦] . فمن الأصول المقررة في الإسلام: أنه يشمل جانبين رئيسين هما: العقيدة والشريعة، والعقيدة هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بالإيمان، والشريعة هي النظم التي شرعها الله (تعالى) أو شرع أصولها ليأخذ المسلم بها نفسه في علاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بالإنسان، وعلاقته بالكون وبالحياة من حوله، والعقيدة هي الأصل الذي تنبثق عنه الشريعة وتقوم عليه، والإسلام حتّم الترابط بينهما؛ ولذلك: فمن آمن بالعقيدة وألغى الشريعة، أو أخذ بالشريعة وألغى العقيدة لا يكون مسلماً ولا سالكاً في حكم الإسلام سبيل النجاة [٧] . ومن هنا: كانت أحكام العلاقات الدولية كغيرها من جوانب الفقه الإسلامي ذات اعتبارين: قضائي ودياني، فالقضائي يحاكم العمل بحسب الظاهر، أما الديانة: فإنما تحكم بحسب الحقيقة والواقع، فالأمر (أو العمل) الواحد قد يختلف حكمه في القضاء عنه في الديانة [٨] ؛ ولذلك: نجد الفقهاء يميزون بين ما ينفذ من الأحكام ظاهراً وباطناً وبين ما ينفذ ظاهراً: تأسيساً على هذا [٩] . ومن هنا قالوا: من ادعى خلاف الظاهر لا يصدق قضاءً، إلا إذا كانت دعواه على نفسه، لأنه غير متهم في حق نفسه، ويصدق فيما بينه وبين الله (تعالى) ، وقد أرشد النبي- ﷺ إلى هذا المعنى فيما روته أم المؤمنين أم سلمة ﵂ ، عن رسول الله: (أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها) [١٠] . وهذه العقيدة تمتزج بالأخلاق، فتهذب النفس وتربي الوازع الذاتي، فتجعل منه محكمة داخلية في نفس المسلم، ينتصف من نفسه قبل أن ينتصف هو من الآخرين [١١] . ومن الواضح أن القانون الإسلامي يعلق أهمية غير قليلة على القيم الأخلاقية، لقد كان هناك علم وحيد يشغل المسلمين في أول ذلك الأمر هو تعاليم دينهم، وسرعان ما تولدت عن ذلك علوم شتى ... وعندما نالت فروع الفقه الإسلامي ومنها القانون الدولي مركزها، علوماً مستقلة بذاتها، فإنها ظلت تحتفظ بقيمها الأخلاقية، وكان على أحكام هذه القوانين أن ترتكز في قوة إلزامها إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وهدي السلف الصالح، ولم ينشأ علم إسلامي لذاته مستقلاً عن غيره ودون نظر إلى ما سواه، وإنما أخضعت كل العلوم للشريعة من أجل الإسهام في خير الإنسان في الدنيا والآخرة، وبغير الإيمان بالبعث والحساب يكون الإنسان شرًّا من الشيطان نفسه، وبغير الإفادة من نعم الله التي خلقها لعباده لا يكون الإنسان إنساناً على الإطلاق، وقاعدة الإسلام هي: خير الأمور الوسط، وتصدق هذه القاعدة حتى بالنسبة لعلم يعمل في نطاق مادي تماماً كالقانون الدولي الإسلامي، وعلى الرغم من أن هذا القانون قد انفصل عن القانون العام وعن علم السياسة إلا أنه لم يكن في قيامه مؤسساً على المنطق الإنساني، ومن ثم: تسوقه الظروف المتباينة للمناسبات، وإنما كان يحتفظ بأساسه الأخلاقي الثابت؛ إذ يرتكز إلى مصدرين ثابتين هما القرآن والسنة [١٢] . وهناك آيات قرآنية كريمة توجب الالتزام بقانون الأخلاق الإسلامية في العلاقات الدولية، تماماً كما هي ملزمة في العلاقات الفردية، وقد جاءت السنة النبوية وأعمال الخلفاء الراشدين وسيرتهم في الجهاد والعلاقات الدولية تطبيقاً عمليّاً لذلك، ثم بنى الفقهاء كثيراً من أحكامهم في العلاقات الدولية والجهاد على هذا الأصل العظيم، ومن ذلك: وجوب الوفاء بالعهد، والتحرز عن الغدر حتى ولو غدر الأعداء بالمسلمين، وتحريم المثلة بالأعداء في الجهاد، وتحريم قتل غير المقاتِلين، وتحريم استعمال آلات وأدوات يعم ضررها. وقد أدرك بعض الكاتبين في القانون الدولي قيمة هذه الخاصية ومكانتها، حيث يرى الدكتور مجيد خدوري: أن الإسلام بوصفه منهجاً للحياة، فإنه يشدد على أهمية المبادئ الخلقية في العلاقات الدولية، بصرف النظر عن العقيدة الدينية، وأن العقيدة الإسلامية بوصفها أساساً للأخلاق دفعت المسلمين لاتخاذ موقف رائع من التسامح نحو غير المسلمين، والتحلي بمبادئ إنسانية عكسها لنا مضمون الأحكام التي استنبطوها لحالة الحرب ولسير المعارك مع الأعداء. والواقع التاريخي الإسلامي، وهذا يصدق على البشر أجمعين يظهر لنا أن أي نظام اجتماعي، على الصعيد الدولي، يفقد معناه إذا خلا كلياً من المبادئ الأخلاقية [١٣] . وهذه الخاصية أفاضت على الأحكام هيبة واحتراماً في عقول المخاطبين بالشرع، وأورثتها سلطاناً على النفوس، كان به الفقه الإسلامي شريعة مدنية ووازعاً أخلاقيًّا معاً؛ لما فيه من قدسية المصدر القرآني الآمر، ومن الزاجر الديني الباطن إلى جانب القضاء الظاهر، فلا يحتاج الإنسان إلى قوة مسلطة عليه دائماً لتلزمه الخضوع لإيجابه، ولا يجد في الإفلات من سلطان حكمه غنيمة إن استطاع الإفلات سواء أكان عظيماً أو ضعيفاً. كما ترتب على هذه الخاصية أيضاً: أن يكون لمخالفة الحكم الشرعي جزاء يتحمله المخالف، وهو يشمل: الثواب عند الطاعة، والعقاب أو الضمان عند المخالفة. والجزاء قد يكون دنيويّاً يتولاه الحاكم، أو السلطة العامة في الدولة، كما يكون جزاءً أخرويّاً عند الله (تعالى) يوم القيامة، ولكن للتوبة أثراً في سقوط العقاب عند الله (تعالى) ولها أثر في سقوط بعض العقوبات في الدنيا [١٤] .

стр. 2244

منتدى القراء الكلمة الحية بقلم: عبد الهادي أحمد الحسيني ثمة صنف من الناس، تجلس لأحدهم تحدثه ويحادثك فإذا بكلماته لا تقع من قلبك موقعاً، بل تتجاوزه إلى السويداء؛ لتستكن فيها، والعجب في الأمر: أن أولئك قد لا يكونون قد أوتوا فصاحة لسان أو غزارة بيان! وقد يقول الكلام نفسه غيرهم، لكنه لا يقع في نفسك الموقع نفسه! ولا يؤثر التأثير نفسه! فبحثت عن السبب فوجدته في ذي المحادثة المعبرّة، حيث قال ذر لأبيه عمر بن ذر: (يا أبت: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت - يا أبتي - سمعت البكاء من ها هنا وها هنا؟ فقال: يا بني: ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى) ، إنها الكلمات.. إذا ما اقتاتت من قلب صاحبها: نمت وكبرت، فتخرج من لسانه متوثّبة، فتية، مشعّة، بما شابها من صدق وإخلاص، فيكسبها ذاك حرارة، فلكأنها قد خرجت من بركان! حروفها من نار تلذع أكباد سامعيها! قد ذابت كلماتها في معانيها، ثم استحالت معانيها إلى الإيمان يتغلغل في أفئدة مُتلقيها.. فهي قد خرجت من قلب حيّ عاش بحمية الإيمان، وحماسة الشرف، واقتات من إرث الجدود، وتضلّعت من تركتهم سواءً أكانت: صلاة، أو ذكراً، أو إحساناً، أو خشوعاً، أو إخلاصاً وصدقاً.. إمّا ذاك.. وإلاّ فتخرج الكلمات كسيحة، مشلولة، باهتة، باردة، تخرج تحبو حتى تصل لأذن سامعيها، هذا إن هي وصلت! . فلا تموت الكلمات إلاّ حينما تموت وتكفّن القلوب بكفن الغفلة والفتور! وفرق شاسع بين من يقذف بالحمم، ومن يقذف بالثلج والبَرَد! وبون عظيم بين من يحمل سيفاً صقيلاً ومن يحمل سيفاً خشبيّاً! فواشوقاه للكلمات الحية، وسحقاً وبؤساً للكلمات الميتة! . وما أشد حاجة الأمة إلى (الوعّاظ الصادقين) الذين ينفخون الحياة في قلوب الغافلين والفاترين! . ورحم الله القائل: (إن الكلمات والمبادئ والأفكار، بلا عقيدة دافعة: مجرد كلمات خاوية والذي يمنحها الحياة حرارة الإيمان المشعة من القلب) .

стр. 2245

المدينة الفاضلة بقلم: منصور الريس حديث خرافة! ولن يعدو أن يكون حلماً فلسفيًّا أولع به عقلاء الحكماء والفلاسفة، وتغنى به الشعراء. لا وجود له إلا مع أحلام النفوس وآمالها وتخيلاتها. فإن الله (سبحانه) قد جبل النفوس على طبائع وغرائز مختلفة، ولئن كان الظلم والجهل والهوى قاسماً مشتركاً بين النفوس مشاعاً بينها، فإنها متفاوتة في رتب الفضيلة، وحب الحقيقة والخير والجمال، متباينة في دركات الظلم وحب الشر. فكان ما يضطلع به المصلحون في كل أمة أمراً شاقاً للغاية، مضنياً لا ينهض به إلا العظماء ذوو الهمم الصادقة والعزائم الثابتة في كل أمة، فهم يطمحون للحيلولة بين الورى وشهواتهم، والحد من غي نفوسهم، وهم يعلمون علم اليقين أن سلب الأجسام أرواحها أقرب منالاً من سلب النفوس غرائزها وميولها، ولذا لا يكاد أن يجد الواحد منهم الراحة والدعة، وهذا الأمر هو هاجسه ومقصده، فإنه: إذا كانت النفوس كبارا ًتعبت في مرادها الأجسام أفلم ييأس الحالمون بعد أن لو وجدت هذه المدينة، فلن تكون خالصة من شوائب الكَبَد والمعاناة، إن الواحد ليعيش مع نفسه صراعاً مجهداً، مع شهواتها وغيها وأدوائها، ومع ذا: فقلما تطاوعه على أمر من الحق وتسلمه قيادها، وهذا ما عاناه الصالحون قبلنا، ويعانيه الصادقون في حاضرنا، فإن القلب قلب. فأنى لك بمجتمع أخلاطه وأوشابه أن تجده متجاوباً معك وفق ما يقتضيه سبيل الفضيلة والفطرة الصحيحة والقلب السليم، أرأيت عظم الأمر؟ ! فما أبعد هذا! . أليس من الجور أن يطالب المرء الآخرين بما يضن هو به عليهم: يذم الزمان وأهله، ويندب الأخوة الصادقة، ويبكي المروءة الغائبة، وهو نفسه عيب الزمان وآفة الإخوان، وعناء ذوي المروءات. وكأين من صادق في المحبة خالص في الود قاسَى من مفارقات الزمان وأضنته الآلام ... كان عزاؤه في دنياه أخاً يبثه هموم نفسه وأحزان قلبه، يعده مستودع سره، فأعياه ذلك فما ظفر ببغيته؛ فنأى بنفسه وانطوى عليها: يجتر آلامه، ويكتم زفراته حتى قضى غير مأسوف عليه: فعاش وما واساه في العيش واحد ومات ولم يحفل به غير واحد تموت النفوس بأوصابها ... ولم يدر عوادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها

стр. 2246

لماذا التقاطع ؟ ! حفيظ بن عجب آل حفيظ قال الله (تعالى) : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] [آل عمران: ١٠٣] بينما كنت أراجع كتاب ربي متأملاً في آياته، متفكراً في معانيه السامية العظيمة التي بلغت غاية الروعة والجمال في معناها ومبناها، استوقفتني هذه الآية طويلاً، فما استطعت تجاوزها كما كنت أتجاوز الآيات قبلها على عجل وبقدر قليل من التأمل والتفكر، لقد انعقد لساني عن كل شيء إلا هذه الآية العجيبة التي ملكت علي كل أحاسيسي، ومشاعري، وخواطري، فأصبحت أكررها صباحاً ومساءً كأني لا أرى غيرها أمامي ولا عن يميني ولا شمالي، فتعجبت أشد العجب لذلك، فبادرت أسأل نفسي لماذا لا تقرئين غيرها؟ ولماذا لا تتأملين في سواها؟ عجبي ... كأنه لا آية إلا سناها ولا هدى إلا هداها؟ ! ! أجيبي يا نفس، فقد أثقلني حملها، وزاد على كاهلي عناها. فقالت النفس، والهم قد عناها، والكلمات قد تعثرت خطاها: وما عساي أقول عن حال أمة أضاعت أمجادها ومفاخرها، وسعت وراء التفاخر بأحسابها وأنسابها، كأنها لا ترى المجد إلا في تناحرها وتفرقها؛ فأحدهم يقول: أنا فلان ابن فلان، من ذا يعادلني في نسبي وشرفي، وآخر يقول: أنا من سأسود الناس وأسوسهم وأسيطر عليهم. ثم سكتت النفس برهة وتنهدت وقالت: أتريد أن أقول لك ما الذي جعلك تقف عند هذه الآية ولا تتجاوزها؟ .. إنه حال المسلمين في تشرذمهم، وتفرقهم، وتقاطعهم، وتدابرهم.. كأنهم ليسوا إخواناً، وكأن الإسلام ما ألف بين قلوبهم، وكأنهم بنعمة الله ما أصبحوا إخواناً.. فلماذا التفرق وقد جمعنا الله، والتشرذم وقد وحد الله صفوفنا؟ ! ، ولماذا لا نعود أمة واحدة كما أراد الله (تعالى) ؟ ! . إني أقول يا متأملاً في كتاب ربه: ما تأملت حق التأمل! ، ويا ناظراً في كتاب الله: ما نظرت حق النظر! ، فلو كنت نظرت حق النظر وتأملت حق التأمل ما تجاوزت هذه الآية أبداً؛ لأنها تتحدث عن واقعنا وتحكي عما نحن فيه، فكأنها أنزلت لزماننا هذا الذي انقلبت فيه المفاهيم والأفكار، فبدل أن نعتصم بحبل الله فنجتمع: تفرقنا، وبدل أن نذكر نعمة الله علينا بتأليف قلوبنا بعد أن كنا أعداء: تنافرت القلوب وتباعدت، فلا إلف ولا محبة، وبدل أن نكون أخواناً: كُنا أعداء، وبدل أن نسأله الهداية: غفلنا عن سؤاله ، فما وجدنا من ذلك إلا الهزيمة والتأخر والضعف والهوان، فكان حالنا كما قال العبد الفقر إلى الله. وتأخرت عن درب كل فضيلة ... سفن الهداية تندب الأعرابا

стр. 2247

الورقة الأخيرة ما أحوجنا إلى الإخلاص بقلم: همّام بن عبد الحكيم طلب مني أخ لي أن أبحث له عن نسخة لمخطوط يريد تقديمه في أطروحة علمية، فبحثت له في المكتبات العامة، والمراكز والمؤسسات العلمية، فعثرت على نسخة منه - بخط المؤلف - في حوزة باحث يعمل في مؤسسة علمية، لم يسبق لي به لقاء من قبل، فطلبت منه أن أنظر فيها فأبدى استعداده على الفور، وقال: سأحضرها لك لتأخذ نسخة منها، وأعطاني بعض المعلومات المهمة المتصلة بالمخطوط، أخذت النسخة ولا أكاد أصدق؛ لشدة فرحي أولاً بالحصول عليها، ولعجبي ثانياً من كون ذلك بلا مقابل، على كثرة ما أسمع من متاجرة الكثيرين بالمخطوطات، وما يتصل بها. ولا تسل عن فرحة الباحث بما أرسلت إليه، وقد سألني عما إذا كان صاحب المخطوط يريد مقابلاً ماليًّا - أيا كان - فقلت: لا أظن ذلك؛ فلم ألمس منه تشوفاً لذلك، ويكفي أنه تكلف إحضارها فور طلبي لها - رغم أنه لا يعرفني -، وكان يكفيه نفي وجودها في المكتبة. قال صاحبي: حاول تلمس رغبته في ذلك لعله يريد شيئاً؛ فقد قدم لنا خدمة عظيمة. عدت إلى صاحب المخطوط، وعرفته بنفسي - حيث قد نسيني - وعرضت عليه الأمر، وليتني لم أفعل! لقد غدا جسمي يشتعل حرارة - والجو بارد - وذلك مما لحقني من حرج بالغ. لقد وجدت نفساً سامية، وهمّاً ... ... فوق ظني. لقد طأطأ صاحبنا رأسه منزعجاً خَجِلاً على استحياء، قائلاً: (لا أريد أن أقول لك كما قلت لرجل قبلك قال لي مثل قولك فأسمعته كلاماً جارحاً) ... فكان وقع كلامه هذا علي أشد من الكلام الجارح، وحاولت الاعتذار، بيد أنه لم يدع لي فرصة، لقد التفت إليّ قائلاً: (إلى متى يا أخي نطلب الدنيا بعمل الآخرة؟ ! .. لقد كان الأولى بك أن تعرض عن مثل هذا الكلام، لا سيما وأنني لم ألمح لك من قريب ولا بعيد بما عرضت، ويكفيك أني لم أعرفك لأول وهلة لما أتيتني الآن، مما يبين لك أني نسيت الموضوع أصلاً، ولا أكتمك أني كنت مهتمًا بخدمة المخطوط وتحقيقه، لكني تركت ذلك مؤثراً هذا الأخ الباحث) ! ! فارتفع في عيني. وقال: (أنا أعلم أن دأب الكثيرين أنه لا يبذل لك في قليل ولا كثير حتى يحقق له ذلك ربحاً ماديًا، لذا: فلا تعجب من قلة البركة في كلامنا وكتاباتنا، لقد كان كلام السلف قليلاً لكن الله بارك فيه ببركة إخلاصهم لله (تعالى) . قلت: يا أخي هون عليك، فوالله إن في نفسي لمثل الذي في نفسك ... وإني لأغتم مما أرى في واقعنا، ولا تعجب إذا رأيت ما تقذف به المطابع كل يوم ... لكن النافع منه قليل، ولا غرو فالتجارة في الكتب مربحة، وليس هذا اتهاماً للنيات - معاذ الله - فإن الأمة فيها مخلصون، لا يبتغون بعلمهم قليلاً ولا كثيراً، وليس ببعيد عنا من كان يطبع كتبه (النافعة) على نفقته ويوزعها مجاناً! ومن يرفض أخذ نسخة واحدة من كتاب له، فضلاً عن استلامه مبلغاً من المال. وذكرني ذلك بما كتبه علماء الأمة الأوائل، وخلفوه في قراطيس متواضعة، فهيأ الله من يقوم لها: يحققها وينشرها ليعم نفعها، وصار طلاب العلم عالة عليها، وأبقى الله لها الذكر الحسن، وفاقت في شهرتها ونفعها كثيراً مما كتب في بابها، أمثال: رياض الصالحين، وتفسير ابن كثير، والعقيدة الطحاوية، والأربعين النووية، وفتح الباري ... وكذا علوم الأئمة الأربعة واجتهاداتهم، [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] [الرعد: ١٧] فما أحوجنا إلى إخلاص النية، وتجريد القصد.

стр. 2248

ربيع الأول - ١٤١٧هـ أغسطس - ١٩٩٦م (السنة: ١١)

стр. 2249

كلمة صغيرة إسرائيليات جديدة حرّق (بيريز) لبنان بعناقيد حقده، واحترقت قلوب الثكالى واليتامى بحصده الأطفال والنساء والشيوخ، وقدم ذلك كله قُرْباناً للناخب الصهيوني؛ عله يمنحه بقاءً لفترة أخرى على كرسي الوزارة، بيد أن (بني صهيون) رفعوا أيديهم في وجهه، وقالوا: عفواً (مستر بيريز) لم تكن إرهابيّاً بالقدر الكافي، (نتنياهو) وعد بأكثر، فهو جدير بتحقيق وحشية أكبر لأهدافنا التوراتية في (إسرائيل الكبرى) . عفواً ... قتلت الآلاف، نريد من يقتل الملايين، دمرت قرى، نريد من يدمر كل القرى والمدن، وعدتهم بسلام ذليل نريد لهم ذلاّ بدون سلام، وسحقاً بدون مباحثات ... وجاء (نتنياهو) لكي يرفع الصوت بالحقد المكنون في النفس اليهودية، ويعلنه باستكبار: الذل والصغار لكل (الجيويم) ! . ولعل ذلك رسالة إلى كل من يعقل، وكل منخدع بوهم السلام المزعوم، وهيهات أن نقتنع: أن الذئب قد تحول إلى حمل وديع، يريد أن يعيش مع الحملان (الشرق أوسطية) في سلام حالم، يسعد فيه الحملان برغد العيش وهناءة الحياة! (والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) ... ولا مرات.

стр. 2250

افتتاحية العدد قالها اليهود نعم للتوراة ... لا للشرق أوسطية (كان سعيداً تلك الليلة، يطلق النكات هنا وهناك، ويمازح المراسلين والمراسلات بصورة غير معهودة ... وحينما انتصف الليل تلقى مكالمة (كهربت) الجو وانقلب ذلك المرِح إلى مخلوق كئيب وحزين جدّاً) . هكذا وصف مراسل محطة التلفزيون الفرنسي الثانية مشاعر رئيس السلطة الفلسطينية عرفات، وتقبله لخبر صعود نتنياهو، إلى سدة السلطة في الكيان الصهيوني ... وفي تلك الليلة التاريخية اختارت يهود أن ترجع إلى نفسها، وأن تعبر عن ذاتها، فأتت بهذه القائمة المجرمة من شذاد الصهاينة إلى موقع ... السلطة ... نعم، لقد اختارت يهود، ولم يختر العرب سوى أسلوب ردود الأفعال بعد أن تلطخت أيدٍ واسودت وجوه. هذا المستوى من الانحدار والصغار لخصته الحقيقة الفجة العارية: أن مصير طابور التطبيع والاستسلام قد أصبح في يد عدوهم.. مهاجر روسي من أصقاع سيبيريا، أو (فلاشا) أثيوبي أصبح يكتب مصير هذا الطابور البئيس من المراهنين على الحصان الخاسر (بيريز) . ماذا نتصور من زعامات وضعت مصيرها في يد عدوها.. وكيف كانت النتيجة ستختلف بعد أن رهن هؤلاء ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم في أيدي الحاخامات، وقبّلوا أيديهم وفتحوا لهم قلوبهم وقصورهم وعقولهم. كانت ظاهرة وربما تستمر في هذا الزمن المتصهين أن يستقبل رموز (سلام الشجعان) حاخامات يهود، بقبعاتهم السوداء، ومعاطفهم الصوفية، ووجوههم الشائهة ... يستضيفونهم، ويسمعون منهم، ويصغون لمواعظهم ... بينما شعوبهم ودعاتها ونبضها الصافي لا يعرف سوى عنواناً وحيداً يسهل الوصول إليه: المحاكمات العسكرية ثم الإعدامات. كانت الانتخابات حافلة بالضجيج والتحضر والإثارة.. كانت من الإثارة حتى إن شعوب المنطقة العربية سهرت حتى الصباح تتابع، كيف يمكن أن تجري انتخابات حقيقية يتقدم فيها مرشح في بداية المساء ... وما أن ينشر الفجر خيوطه حتى يتبدل المنتصر إلى خاسر وينقلب الخاسر منتصراً، وكأن لسان حال أبطال (الخمس تسعات العربية) : أن هاكم انتخابات تشاهدونها إذا لم نذقكم طعم الاختيار الحر.. هكذا أكدت الدويلة الصهيونية مبدأ أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة في بحر الديكتاتوريات المحمية.. كما يقول الكاتب الفلسطيني (إدوارد سعيد) حينما تطرق إلى أسلوب الطرفين الحاكمين في التعامل مع شعوبهما، فضرب لحادثة اعتقال الدكتور (إياد السراج) رئيس رابطة حقوق الإنسان الفلسطينية، الذي تحدث عن الانتهاكات المتعمدة من قبل عرفات ورجاله ضد العزل من شعبه، فما كان مصيره إلا الاعتقال.. قارن الكاتب بين هذه الحادثة المتزامنة مع إعلان نتائج الانتخابات اليهودية، فقال: (نظام الحكم النموذجي وفقاً لعرفات هو النظام الذي يعتمد على القسر والمنفعة الشخصية.. ما لا يرغب فيه، أو يعتقد أنه مناوئ له: يجب أن يزول ويختفي، أو يوضع وراء القضبان على الأقل ... فالتاريخ يعلمنا أن قوة الفكر الإنساني وإبداعه بلا حدود، وأن اعتقال (إياد السراج) بسبب شجاعته، يستنهض الهمم أكثر، ويؤدي إلى المزيد من الاحتجاج والمقاومة وسط الفلسطينيين، وليس العكس مثلما يعتقد عرفات. وها هي إسرائيل، بعد أقل من شهرين على هجماتها الوحشية على لبنان، تعود إلى مركز الأحداث عن طريق انتخاباتها التي استحوذت على اهتمام العالم (إلى حد كبير بفضل شبكة (سي. إن. إن) التلفزيونية) ، بل ها هو (نتنياهو) يصبح رجل الساعة بمجرد إعلان فوزه في الانتخابات. إن قدرة (إسرائيل) على كسب القبول هي القضية الأساسية هنا، وبغض النظر عن فوز (نتنياهو) من عدمه، فإن أسلوب (السلام) كان وسيظل مفروضاً من جانب (إسرائيل) ، التي تستطيع أن تملي كل شروطها على العرب، خصوصاً الفلسطينيين الضعفاء، ومأساتنا الحقيقية هي أننا لم نتحرر بعد من التصور البدائي للقوة، وأننا لم ندرك بعد أن المعرفة والمعلومات والقبول أهم من القوة الغاشمة والشرطة. والطريقة الوحيدة لإحداث التغيير الضروري هي: أن نشرع في العمل، على غرار ما فعل الدكتور (إياد السراج) وأمثاله، أي نعمل على نقل ميدان المعركة إلى حيز الذهن، وليس الشارع فقط، علينا أن نجهر بأفكارنا، وأن نصر على الحقيقة، ونرفض الوصفات الجاهزة والتخيلات الأيديولوجية، وأن نتفحص بعناية الهراء الذي يفيض من وسائل الإعلام) . نعم.. هنا يكمن الفرق بين أمة صغيرة تملك خياراً حتى لو كان شريراً وأخرى ترهن نفسها حين تسلب منها الإرادة الحرة ... وهذا درس بليغ.. تنبع من هذه النقطة قضية مهمة، هي حقيقة الصراع: إن تاريخ الصراع مع صهيون منذ قرن شهد ثباتاً في نظرة الطرفين حياله.. فاليهود ظلوا دوماً متدرعين بالحلم التوراتي أساساً، واختلفوا حول أسلوب تحقيق الحلم وحصد أكبر قدر من الغنائم له.. ظلت المواجهة تحكمها نظرة شمولية تختلف في جزئيات دقيقة وتلتقي في قواسم مشتركة ضخمة ... ما انتزع بالقوة المباشرة أو بالدهاء والتدجين السياسي صب في تأكيد حلم إقامة الكيان أولاً، ثم توسعه وجعله حقيقة واقعة حتى المرحلة الأخيرة، حيث أصبحت هذه الدويلة الصغيرة مركز استقطاب إقليمي ودولي، وتسابق المهرولون المتاجرون بدماء شعوبهم إلى كسب ودها، ثم تقديمها إلى شعوبهم على أنها النموذج الفذّ الذي يجب الاقتداء به! . ومع شراسة الصهاينة ووضوح هدفهم البعيد: ظلت القيادات العربية تتعامل بفنون من التحرك السياسي الساخر والعبثي، تماماً كما يفعل أبطال (مسرحيات اللامعقول) أو العبث في وقت الكارثة ... واستمر الخطاب السياسي العربي يجتر شخصيات شعراء الهجاء والقدح والعنتريات الفارغة لعقود.. وحصر نفسه في دائرة رد الفعل والمتاجرة بالصراع لتحقيق مطامع هزيلة وصغيرة، وافتقد الرؤية العقدية التي ظلت باستمرار درع عدوه.. وانتهى المطاف بنا إلى (شرم الشيخ) حيث تحول الهجاء إلى مديح، والقدح إلى ثناء جماعي، يشيد بدم يهود المسفوك على تراب فلسطين المغتصب.. تحولت عبارات منتفشة ضخمة إلى كلمات تثير السخرية: السليبة، المحتلة، المغتصبة.. والسخرية الأعظم أن الشفاه نفسها هي التي تتغنى بالسلام، والشرق أوسطية، والتطبيع، والويل والثبور من (الأصولية) الإسلامية. هذا الدرس الذي يتكرر وهو مرشح للاستمرار طالما افتقدت شعوب المنطقة أمرين: رؤية شاملة للصراع، وخيار حر، وهذه الرؤية هي التي تحارب اليوم باسم القضاء على الإرهاب ... والتطرف. وفي روسيا: المفكرون الغربيون علقوا على تودد (يلتسين) للكنيسة، وحرصه على أن يختتم برنامجه الانتخابي بالظهور مع رموز وبطاركة الكنيسة الأرثوذكسية: بأنه زمن الأصوليات التي يمكن أن ترتكب مجازر بشعة كتلك التي جرت في البوسنة طالما أن الكنيسة تباركها. زمن صعود الليكود حطم خرافة أخرى عزف عليها إعلام التطبيع و (البيريزيون) العرب، وهي: أن الشعوب في وقت الخيار تنحاز إلى أولئك الذين يعدونها بالرخاء والاستقرار وجني الثمار الاقتصادية، كما وعد (بيريز) ناخبيه، وأنجر ذلك عبر الاستثمارات الهائلة التي تدفقت على اليهود بعد جهوده الضخمة في هذا المجال. في تلك الأمسية التي تلقى فيها (حزب بيريز) العربي الضربة القاضية: صوت اليهود مرة أخرى لمشروعهم الصهيوني؛ ليثبتوا خيارهم الحر ورفعهم لأصولية يهودية مغضوب عليها، وليزيحوا وهم الشرق أوسطية، ويؤكدوا واقع (إسرائيل الكبرى) ، حتى ولو شحب وجه أنصار التطبيع، أو أصيبوا بقارعة مزلزلة. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -

стр. 2251

دراسات شرعية حقيقة الإيمان بقلم: د. محمد أمحزون إن من أهم الأسباب التي دعت إلى الكتابة في هذا الموضوع: النظرة الغالبة على بعض الدعاة والعلماء، بل وبعض الجماعات الإسلامية التي تعتقد أن الإيمان هو التصديق القلبي وقول اللسان المجرد من عمل القلب وعمل الجوارح، وبنت ... على إثر ذلك لوازم وأحكاماً، أهونها تخطئة السلف في إجماعهم على أن الإيمان قول وعمل، واتخاذ مواقف متساهلة في قضايا تحكيم الشريعة والولاء والبراء.. وغيرها. ولذلك: فإن الغرض من هذه الدراسة هو تعريف حقيقة الإيمان الشرعي، وذلك بعد استقراء النصوص الواردة في القرآن الكريم وفي الصحيحين عن مسألة الإيمان. كما أن هذه الدراسة ستبحث في دلالة الإيمان في السياق القرآني والحديثي، وفي أركان الإيمان، وعراه، ومراتبه.. في إطار منهج أهل السنة والجماعة، سائلاً المولى أن ينفع بها، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم. ١- الإيمان في اللغة: قال ابن فارس في مادة (أم ن) : (الهمزة، والميم، والنون: أصلان متقاربان، أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر: التصديق، وأما التصديق: فقول الله (تعالى) : [وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا] ... [يوسف: ١٧] ) [١] . وقال ابن منظور: الإيمان: التصديق [٢] (يعني في اللغة) ، أما في الاصطلاح الشرعي فذكر كلاماً آخر. ويطلق الإيمان لغة على: الأمن ضد الخوف. ٢- الإيمان على مستوى الدلالة في سياق القرآن والحديث: أ- دلالة لفظ الإيمان ولفظ الإسلام على أصل الدين عند الإفراد: تتنوع دلالات لفظ الإيمان بتنوع السياق كغيره من ألفاظ القرآن الكريم، فدلالته على أصل الدين كدلالة لفظ الإسلام عندما يأتي كلا اللفظين في السياق منفرداً، كقوله (تعالى) : [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينََ] [آل عمران: ٨٥] ، وقوله (تعالى) : [وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [المائدة: ٥] ، وقوله (تعالى) : ... [وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَءَأَسْلَمْتُمْ فَإنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ] [آل عمران: ٢٠] ، وقوله (تعالى) : [فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا] [البقرة: ١٣٧] .. فحكم (جل ذكره) بأن من أسلم فقد اهتدى، ومن آمن فقد اهتدى، وسوى بينهما [٣] . ومنه: قول النبي ﷺ لوفد عبد القيس: (هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ... ) (الحديث) [٤] ، وقوله: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ... ) [٥] ، وقوله: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق..) (الحديث) [٦] . فالإيمان أو الإسلام هنا اسم شامل وجامع لكل الطاعات قولاً وعملاً، إذ لابد أن يقترن فيه بالعلم في الباطن (المعرفة والتصديق (مقتضاه من العمل القلبي: (المحبة، والتعظيم، والرضا.. وغير ذلك من أعمال القلوب) ، كما أنه لا بد أن يقترن فيه بالخبر (قول اللسان) مقتضاه من الاستسلام والانقياد بالطاعة (عمل الجوارح) [٧] . وهكذا.. إذا ذكر الإيمان مجرداً: دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، وإذا ذكر الإسلام مجرداً دخل فيه الإيمان والأعمال الصالحة، على أنهما اسمان لمعنى واحد عند الإطلاق أو التجريد. ب- دلالة لفظ الإيمان على الإيمان الباطن، ولفظ الإسلام على الأعمال الظاهرة عند الاقتران: عندما يذكر الإيمان مع الإسلام في السياق القرآني والحديثي: فإن الإيمان يدل على الاعتقاد الباطني والإسلام يدل على الأعمال الظاهرة، كقوله (تعالى) : [قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] [آل عمران: ٨٤] ، وقوله (تعالى) : [الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ] [الزخرف: ٦٩] ، وقوله (تعالى) : [عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ] [التحريم: ٥] . ومن الحديث: قول النبي ﷺ : (الإسلام علانية والإيمان في القلب) [٨] وقوله في دعائه: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت..) (الحديث) [٩] . وهكذا عند الاقتران، فالإيمان قسيم الإسلام، حيث فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل ﵇ (الإيمان بإيمان القلب وخضوعه، وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وفسر الإسلام بأعمال الجوارح، وهي مباني أو أركان الإسلام الخمسة [١٠] ، ودلالتهما جميعاً عند الاقتران تساوي معنى الدين، ولذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم) [١١] . ج - تجاذب الإيمان والإسلام مفهومَ الإيمان المجمل والإيمان الواجب على مستوى الدلالة عند الاقتران: الذي ينبغي تبيانه ها هنا هو: أن دلالة الإيمان ودلالة الإسلام قد تشتركان على مستوى المفهوم، إذ إن الإيمان يرد في القرآن الكريم في سياق يراد به الإيمان المجمل، كقوله (تعالى) : [إن تُسْمِعُ إلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ] ... [النمل: ٨١] ، وفي سياق آخر: نجد الإيمان يراد به الإيمان الواجب والكامل، كقوله (تعالى) : [قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا] ... [الحجرات: ١٤] . وما قيل في الإيمان يقال في الإسلام، حيث ترد لفظة الإسلام فتعني الإيمان المجمل، كما في قوله (تعالى) : [قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا] [الحجرات: ١٤] ، وفي سياق آخر نجدها تعني الإيمان الواجب، كما في قوله (تعالى) : [إن تُسْمِعُ إلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ] [النمل: ٨١] . وبذلك: يكون لفظ الإيمان والإسلام يتجاذبان هذين المفهومين على مستوى الدلالة، وهو ما يدفع إلى القول بأن مفهومي المصطلحين يخضعان إلى السياق من القرآن الكريم. ٣- الإيمان في اصطلاح الكتاب والسنة: أ- الإيمان في القرآن الكريم: ورد لفظ الإيمان ومشتقاته في (٨١١) موضعاً من القرآن الكريم، وفي هذا دلالة على أهمية هذا الأصل العظيم، لقوله (تعالى) : [وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [المائدة: ٥] . وقد جاء هذا اللفظ في السياق القرآني في صور ومعانٍ متعددة، يمكن حصرها في خمس حالات، هي: الحالة الأولى: ورد فيها الإيمان في (٧٨١) موضعاً: أنه قول وعمل، وهو الإيمان الشرعي [١٢] . الحالة الثانية: ذكر فيها الإيمان بمعنى الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر، وهذا حال أهل الكتاب، وخاصة اليهود، جاء ذلك في (١١) موضعاً، كما في قوله (تعالى) : [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ العَذَابِ] [١٣] [البقرة: ٨٥] [١٤] . الحالة الثالثة: ورد فيها الإيمان بمعنى ادعاء الإيمان باللسان مع عدم ثبوته في القلب، وهذا حال المنافقين، جاء ذلك في (١٠) مواضع، كما في قوله (تعالى) : [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ] [١٥] ... ... [البقرة: ٨] . الحالة الرابعة: ذكر فيها الإيمان بمعنى التشريك في الإيمان بالله (جل ذكره) باتخاذ الأنداد معه، وهذا حال المشركين، جاء ذلك في (٦) مواضع، كما في قوله (تعالى) : [وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ] [يوسف: ١٠٦] [١٦] . الحالة الخامسة: ورد فيها الإيمان بمعنى التصديق الخبري، وذلك في (٣) مواضع، كما في قوله (تعالى) : [وَمِنْهُمُ الَذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رسول الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [التوبة: ٦١] ، يؤمن للمؤمنين، أي: يصدقهم [١٧] . وهكذا.. فما عدا الحالة الأولى، فإن الإيمان في الحالات الثانية والثالثة والرابعة ذكر في القرآن على وجه الذم؛ لأنه ليس الإيمان الشرعي المطلوب، بل هو مجرد ادعاء، أو اتباع الهوى وتحريف الكلم عن مواضعه، أو اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله (جل ذكره) . أما الحالة الخامسة: فلا علاقة لها بمفهوم الإيمان الشرعي الذي هو نقيض الكفر والشرك والنفاق، حيث ورد فيها لفظ الإيمان بمعنى التصديق الخبري. ب- الإيمان في السنة: أما الإيمان في السنة: فهو قول وعمل؛ ولهذا استهل الإمام البخاري (رحمه الله) كتاب الإيمان بقوله: باب قول النبي ﷺ : (بني ... الإسلام [١٨] على خمس) ، وهو قول وفعل، يزيد وينقص [١٩] . على أن جميع الأحاديث النبوية الواردة في الصحيحين تتحدث عن علم القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح، وهي الأجزاء المكونة للإيمان الشرعي [٢٠] . وهذه بعض الأمثلة: فمن الأحاديث: ما يشمل شُعَب الإيمان كلها، كحديث: (الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) [٢١] ، وحديث جبريل ﵇ عن الإسلام، والإيمان والإحسان [٢٢] ، وحديث ... سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ قال: قلت يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: (قل آمنت بالله فاستقم) [٢٣] . ومن الحديث النبوي ما يخبر عن علم القلب، كقوله: (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي: أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ... ) الحديث [٢٤] . ومن الحديث ما ينبئ عن عمل القلب، كقوله: (........ فإن الحياء من ... الإيمان ... ) الحديث [٢٥] وقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) [٢٦] . ومنه من ينبئ عن قول اللسان، كقوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ... ) الحديث [٢٧] ، وقوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... ) الحديث [٢٨] . ومنه ما أورد عمل الجوارح من فعل الطاعات وترك المعاصي، كقوله لوفد عبد القيس: ( ... هل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم، ونهاهم عن الدّبّاء، والحَنْتَم، والمُزَفّت) [٢٩] ، وقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن) [٣٠] . وخلاصة القول: بعد استقراء جملة من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الواردة في الإيمان تبين أن الإيمان: اعتقاد، وقول، وعمل، وأنه التزام وتنفيذ، وإقرار وامتثال، وطاعة باللسان والقلب والجوارح، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. ولهذا: عرّفه السلف تعريفاً جامعاً بقولهم: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وثبت إجماعمهم على ذلك [٣١] . والقصد من قولهم: (قول وعمل) أي: أرادوا قول القلب [٣٢] واللسان وعمل القلب والجوارح [٣٣] . ٤- ركنا الإيمان: القول والعمل، والعلاقة بين أجزائهما: إن العلاقة بين علم القلب وقول اللسان وأعمال القلب وأعمال الجوارح علاقة لا انفكاك عنها، ومن سوء فهمها دخل على كثير من المسلمين قديماً وحديثاً الوهم والانحراف، حيث ظنوا أنه يمكن أن يكون إنسان كامل الإيمان في القلب مع عدم عمل الجوارح مطلقاً، كما ظنوا أن تماثل الناس في أعمال الجوارح يقتضي تماثل إيمانهم وأجورهم، ولم يدركوا أنه حسب علاقة عمل الجارحة بعمل القلب يكون الحكم على العمل والثواب عليه، إذ قد يتفق العملان في المظهر والآداء، وبينهما مثل ما بين السماء والأرض في الدرجة والأجر، فشتان بين صلاة يقترن بها الخشوع وحضور القلب وحسن الآداء، وصلاة يتشعب فيها البال في أودية الدنيا منقورة كنقر الغراب. ولفهم هذه القضية ينبغي معرفة ركني الإيمان: القول والعمل، وحقيقة الترابط بين أجزائهما على ضوء مذهب السلف: يقول ابن تيمية ﵀ : (أجمع السلف: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب وعمل القلب، ثم قول اللسان وعمل الجوارح. فأما قول القلب: فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول. وهذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو: حب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وتعظيم الله ورسوله، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه، والإخلاص له والتوكل عليه.. إلى غير ذلك من الأحوال. فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يستلزمها ويوجبها التصديق والاعتقاد، ويتبع الاعتقاد: قول اللسان، ويتبع عمل القلب: عمل الجوارح، من: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.. ونحو ذلك) [٣٤] . ويمكننا إيضاح هذا المفهوم في الشكل الآتي: القول: إقرار القلب وتصديقه , إقرار اللسان وتصديقه (شهادة أن لا إله إلا الله) . العمل: انقياد القلب وإذعانه انقياد الجوارح وامتثالها (تحقيق أعمال القلوب) ... (فعل الأوامر وترك النواهي) . ومن هذين الركنين (القول والعمل) والأجزاء المتفرقة عنهما تتركب حقيقة الإيمان الشرعي [٣٥] . ويمكن توضيح العلاقة بين هذه الأجزاء بمثال الصلاة؛ فالصلاة وهي من أعمال الجوارح ورد تسميتها في القرآن الكريم إيماناً في قوله (تعالى) : [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ] [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس (١) ، فهي تشمل ركني الإيمان بمكوناته الأربعة: علم القلب، وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح. أما علم القلب فهو: إقراره وتصديقه بوجوبها، وعمل القلب هو: الانقياد والإذعان والخضوع بأدائها، وقول اللسان هو: القراءة والأذكار الواردة فيها، وعمل الجوارح هو: القيام والركوع والسجود [٣٦] . علاقة علم القلب وعمله بقول اللسان وعمل الجوارح: إن علم القلب يتعلق بالتوحيد الخبري الاعتقادي؛ لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر يتضمن توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وتصديق الرسول في كل ما أخبر به عن ربه من الكتب وما فيها، والملائكة وأعمالهم وصفاتهم، والنبيين ودعوتهم وأخبارهم، وأحوال البرزخ والآخرة ومقادير الخلق، إيماناً مفصلاً ومجملاً. وعمل القلب يتضمن التوحيد الطلبي الإرادي، وهو توحيد الله بعبادته وحده حبّاً، وخوفاً، ورجاءً، ورغبةً، ورهبةً، وإنابةً، وتوكلاً، وخشوعاً، واستعانةً، ودعاءً، وإجلالاً، وتعظيماً، وانقياداً، وتسليماً لأمره الكوني وأمره الشرعي، ورضاً بحكمه القدري الشرعي. وشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) التي هي رأس الأعمال الظاهرة وأول فريضة على العبد إنما هي إنشاء للالتزام بنوعي التوحيد الخبري الاعتقادي والطلبي الإرادي، ومن ثم: سميت كلمة التوحيد، ومن هنا: كان أجهل الناس بها من ظن أن المطلوب شرعاً هو التلفظ بها باللسان فقط [٣٧] غير مدرك العلاقة العضوية بين علم القلب وقول اللسان من ناحية، وبين عمل القلب وعمل الجوارح من ناحية ثانية، فكل عمل من أعمال الإنسان الظاهرة على لسانه أو جوارحه لابد أن يكون تعبيراً لإراداته، وإلاّ كان صاحبه منافقاً. ومن هنا: فالقلب موضع الإيمان الأصلي ومستودعه، وإيمانه أهم أجزاء الإيمان. ولذلك: كان علمه وعمله خاصة هو أصل الإيمان الذي لايوجد بدونه مهما أقر اللسان وعملت الجوارح من الإيمان، ولذا: لم يسم المنافق مؤمناً، وإن نطق بكلمة التوحيد وكثر عمل جوارحه بالصلاة والجهاد.. بل حتى المؤمن إذا نوى بعمله وجهاده وصدقته طلب الدنيا أو الرياء حبط عمله وتبدلت المثوبة في حقه عقوبة وعذاباً [٣٨] . وهذا مما يدل على جلالة وعظم علم القلب وعمله وأهميتهما القصوى، إذ هما مصدر توجيه اللسان والجوارح ومنبع عملها وأساس خيرها وشرها، لقوله (تعالى) : [لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ] ... [البقرة: ٢٢٥] . على أن ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلب كالصدق، والإخلاص واليقين ... والمحبة، والرضا أمر محسوس يدل على ارتباط أجزاء الحقيقة الإيمانية ارتباط العلة بالمعلول، فعلى محك هذه الأعمال القلبية بطلت أكثر دعاوى المتعبدين، وهلك كثير من الخلق؛ فالصدق: يخرج كل من ادعى الإيمان وأظهره وهو يبطن خلافه من المنافقين، والإخلاص: يخرج كل من عبد مع الله غيره من المشركين، واليقين: يخرج من زعزعته الشبهات واعتراه الشك في أمر الله من الزنادقة والفلاسفة المتشككين، والمحبة: تخرج من لم يحقق متابعة الرسول من المبتدعة الضالين، والرضا: يخرج من اعترض على شرع الله وأمره ونهيه، أو اعترض على أفعاله وقضائه وقدره، أو كره بعض ما أنزل الله من أصحاب الرأي والأقيسة العقلية والأعراف السياسية [٣٩] . ولما كان القلب هو مركز الإرادة والعقل والتوجيهات: ورد ذكره في (١٣٢) موضعاً من القرآن الكريم، كما استأثر في السنة بحيز كبير (١) ، وهذه بعض الأمثلة من نصوص الكتاب والسنة: قال (تعالى) : [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا] ... [الحج: ٤٦] ، وقال (جل ذكره) في حق من حقق الولاء والبراء: [أُوْلَئِكَ ... كَتَب فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ] [المجادلة: ٢٢] ، وقال (تعالى) : ... [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ] [الأنفال: ٢] ، وقال (تعالى) : [وَإذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ] [الزمر: ٤٥] ، وقال (تعالى) : [وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ] [التوبة: ٤٥] . وثبت عن النبي ﷺ قوله: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [٤٠] وقوله: (التقوى ها هنا) ثم أشار بيده إلى صدره ثلاث مرات [٤١] ، وقوله: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب) [٤٢] وقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) [٤٣] . ومع الأسف، لقد ترتب على إهمال أعمال القلوب وإغفالها من الآثار المدمرة في حياة الأمة الشيء الكثير، ومن أخطر ذلك: انحسار مفهوم العبادة الذي أصبح قاصراً على شعائر الصلاة والزكاة والحج، ووقوع كثير من الناس في الشرك الأكبر بتحكيم القوانين الوضعية والتحاكم إليها وإحلالها محلّ الشريعة، بل هناك من دعاة العلمانية في الدوائر الرسمية والثقافية من يرفع عقيرته معترضاً على كثير مما أنزل الله، خاصة في مجال الحجاب والولاء والبراء والجهاد والسياسة الشرعية والمعاملات المالية ... وغير ذلك من أحكام الشريعة. - البيان -

стр. 2252

دراسات تربوية تعليمنا والعلم المفقود بقلم: محمد بن عبد الله الدويش إن المتأمل في التعليم السائد اليوم سواءً أكان على مقاعد الدراسة، أو حتى في حلق العلم ودروس المساجد يرى أن هناك إهمالاً عند الكثيرين في العناية بتعليم الرقائق والأدب والسلوك، وأنهم شغلوا كثيراً بتعليم المسائل والخلافيات وآراء الرجال، وصار الحديث في هذه القضايا غالباً من اختصاص الوعاظ القصاصين وحدهم، لذا: غلبت علينا قسوة القلب، وفعلت الأهواء بنا ما فعلت إلا من رحم ربك. وهذه إشارات عاجلة تؤكد أهمية العناية بهذا الجانب من العلم، وضرورة تقريره ضمن منهاج التعليم، إن كنا نريد أن تُخرِج لنا هذه البرامج علماء ربانيين. إن هذا المطلب الملح تدفع إليه الحقائق الآتية: أولاً: طالب العلم داعية ومعلم بفعله قبل قوله: إن طالب العلم وهو يسعى لنشر الخير والعلم لدى الناس، لا يقف دوره على مجرد تبليغ المسائل بقوله، بل يجب أن يرى الناس ذلك من خلال سلوكه وسمته. لهذا قال أبو العالية: (كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه: نظرنا إلى صلاته، فإن أحسن الصلاة أخذنا عنه، وإن أساء لم نأخذ عنه) [١] . بل كان السلف يعدون تعلم هدي العالم وسمته مطلباً أعلى من تعلم المسائل، قال إبراهيم: (كنا نأتي مسروقاً فنتعلم من هديه ودله) [٢] . وقال ابن سيرين: (كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم) [٣] . وروى ابن المبارك عن مخلد بن الحسن: (نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من حديث) [٤] . وأوصى حبيب الشهيد (وهو من الفقهاء) ابنه، فقال: (يا بني: اصحب الفقهاء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم؛ فإنه أحب إليّ من كثير من الحديث) [٥] . فكم يترك طالب العلم أثراً على تلامذته، وعلى عامة الناس من خلال هديه وسمته، وسلوكه وعمله، بل وكم يمحو الخلل في سلوكه الكثير الكثير مما يدعو الناس إليه بقوله. ثانياً: عوائق في وجه طالب العلم: يتعرض طالب العلم لمزالق خطيرة وعوائق تعرض له كما تعرض لسائر الناس، بل ربما كانت في حقه أخطر، ومنها: ١- الإعجاب بالنفس: وهذا (عافنا الله منه) عنوان الضلالة وبداية الشطط والانحراف، وليس أدل على ذلك من أن الشيطان إنما طرد من رحمة الله، وكتبت عليه اللعنة إلى يوم الدين بسب العجب والغرور الذي قاده للاستكبار عن أمر الله. قال الغزالي: (والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم، ومحل استقرارهم، والصفات الرديئة مثل: الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها، كلاب نابحة، فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب) [٦] . ٢- الحسد، وهو خصلة ذميمة، وصفة قبيحة، يسعى الشيطان إلى إهلاك الصالحين بأن يقذفها في قلوبهم. ٣- الهوى، وحين يستحكم بصاحبه يريه الحق باطلاً، والباطل حقّاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً. ٤- لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، ولهذا: أخذ الله المواثيق على الذين آتاهم العلم [وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ] [آل عمران: ١٨٧] ، وتوعد الذين يكتمون العلم فقال: [إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أََنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون] [البقرة: ١٥٩] ولم يقبل ﵎ توبة هؤلاء إلا بشرط البيان، فقال: [إلاَّ الَذِينَ تَابُوا وَأََصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أََتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأََنَا التُّوَّابُ الرَّحِيم] [البقرة: ١٦٠] . ٥- التوصل بالعلم للأغراض والمكاسب الشخصية، ولهذا توعد الله (تبارك وتعالى) أمثال هؤلاء الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً [إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أََنزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًً أُوْلَئِكَ مَا يَاًكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أََلِيمٌ (١٧٤) أُوْلَئِكَ الَذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أََصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ] [البقرة: ١٧٤، ١٧٥] . ولله در الجرجاني ﵀ حين قال: يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أرى النّاسَ من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سُلّما إذا قيل هذا مورد قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لا قيت لكن لأخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما وليس المقصود هنا تعداد الآفات التي يمكن أن يقع فيها طالب العلم، فهذه أمثلة تدل على ما سواها، ونماذج تذكر بأخواتها، فما السبيل لتجاوز هذه الآفات؟ وما الطريق لاجتنابها؟ وهل نحن نعلِّم طالب العلم ما يكون له وسيلة لتجاوزها؟ أم أننا نعنى بإعطائه الأداة، ونهمل بناء النفس التي تحمله؟ ثالثاً: صفات أهل العلم في القرآن: إن التعلم يهدف إلى الرقي بالمرء إلى منازل أهل العلم، فما صفاتهم في كتاب الله ؟ : أ- هم يسجدون لله ويخشعون ويبكون حين يسمعون آياته [قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً] [الإسراء: ١٠٧- ١٠٩] إنه ليس هدياً خاصّاً بهذه الأمة؛ بل هو سنة فيمن كان قبلنا. وقال عبد الأعلى التيمي: (من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا ... يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله (تعالى) نعت العلماء، ثم قرأ القرآن [إنَّ الَذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ ... ] ... ... ... [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩] [٧] . ب- والعلماء هم أهل الخشية لله [إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ] [فاطر: ٢٨] . ج- والذين يعلمون يقنتون لله سجداً وقياماً، يحذرون عذابه ويرجون رحمته [أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [الزمر: ٩] . أليس من واجب طالب العلم أن يتصف بهذه الصفات، وأن يتطلع إلى هذه المنازل؟ فهل في تعليمنا ما يحققها لديه ويغرسها في نفسه؟ ونعوذ بالله إن كان فيه ما يمحو بقية أثرها ويزيله؛ فهذا عنوان البوار والهلاك. رابعاً: العناية به في عصر النبوة: ويصور لنا ذلك أحد شبان أصحاب النبي ﷺ ، وأنهم كانوا يعنون بتعلمه، فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: كنا مع النبي - ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً [٨] . فهو يذكر لنا ﵁ جانباً مهمّاً من جوانب التعلم التي قد غفل عنها كثير من طلبة العلم اليوم، فأهملوا تعلم الإيمان ومسائله، وشعروا أن العلم إنما يتمثل في تعلم مسائل الأحكام وحدها، والعناية بجمع آراء الرجال واختلافهم حول مثل هذه المسائل، ونسي أولئك أصل الأصول وأساس الأسس، لذا: فلا نعجب حين ندرك هذا الخلل أن نرى عدم التوافق بين ما يحمله بعض الناس من العلم وبين سلوكه وسمته. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: (هذا أوان يُخْتَلَسُ العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء) ، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله - ﷺ ، وكيف يُخْتَلَسُ منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا، فقال: (ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟) قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قال: قلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت أخبرتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً [٩] . وانظر (رحمك الله) كيف عد عبادة بن الصامت ﵁ الخشوع علماً، وأنه أول علم يرفع. ويحكي لنا حنظلة ﵁ صورة من مجالسهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث، إذ يقول: (لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج، والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا ... وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله: (وما ذاك؟) قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) ثلاث مرات [١٠] . والشاهد من الحديث: أن تلك المجالس التي كانوا يجلسون فيها مع النبي - ﷺ كانت تبلغ بهم إلى هذه الحال. خامساً: عناية السلف به: ولقد كان السلف (رضوان الله عليهم) يعنون بذلك، فها هو ابن مسعود ﵁ (يقول: (ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم خشية الله) [١١] . ومالك ﵀ يقول: (العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل) [١٢] . وقال أيضاً: (إن حقّاً على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لأثر من مضى قبله) [١٣] . وقيل لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه [١٤] . ولعل من صور عناية السلف به: أنك لا تكاد تجد كتاب حديث يخلو من أبواب الزهد والأدب والرقاق، بل وصنفوا مصنفات خاصة في ذلك، مثل: الجامح لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب، والمحدث الفاصل للرامهرمزي، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، وأخلاق العلماء، وأخلاق أهل القرآن كلاهما للآجري. فهل نعيد الاعتبار لهذا العلم المفقود؟ .

стр. 2253

خواطر في الدعوة تجار قريش محمد العبدة من الأشياء الملفتة للنظر والمثيرة للإعجاب في تاريخ البعثة النبوية والحديث عن مكة، أنه رغم اشتغال قريش بالتجارة لم يعترهم ما يعتري التجار من شدة الحرص والخوف على المال والسعي لحمايته، فكانوا من أكرم الناس وفادة ورفادة، كما لم يعترهم الجبن والضعف رغم بعدهم عن الغزو والسلب كما كانت تفعل سائر العرب، فكانوا من أشجع الناس، بل كانوا كالأسود على براثنها، وعندما جاء الإسلام كان من الذين استجابوا له وانقادوا إليه أبو بكر الصديق، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان.. وهم من تجار قريش، وقد قدموا أموالهم دعماً للدعوة الناشئة ودعماً للدولة الناشئة في ساعة العسرة، وكان مال أبي بكر خير مواساة للرسول في بداية الدعوة. إن المال خير وبركة إذا سُخِّر لتقوية الدعوة ونشرها، وهو وسيلة ناجعة من وسائل الإعداد، والدعوة بحاجة للمال في كل عصر، ولكن لا يعني هذا أن يكون له الدور الأكبر، وأن يكون لصاحب المال الدور القيادي وإن كان ينقصه العلم والفقه في الدعوة، كما ينقصه الحزم والعزم، إن ما يقدمه المسلم في هذا المجال يبتغي به وجه الله، فله الأجر والثواب عند الله، وله الشكر والدعوات الصالحة من الناس، أما أن يقدم صاحب المال لتكون له اليد الطولى في الأمور، فهذا سفه في الرأي، وفشل في مسيرة الدعوة، ووضع للأمور في غير مواضعها، ونحن لا نتكلم عن النيات، فذلك بين العبد وربه، ولكننا نتكلم عن ظاهر الأمر، كما إننا لا نتكلم هنا من باب الاحتراس والتنظير للمسلمين، بل نتكلم عن واقع قد بلوناه وعانينا منه في أكثر من قطر إسلامي، وهو موجود في واقع الدعوة المعاصرة (ولا حاجة هنا طبعاً لذكر الأسماء (، ولكن هذا شيء يتعجب منه المرء، كيف يُبعد أصحاب العلم والفكر والخبرة، ليتصدر أناس خليّون من كل هذا. وإن هذه النظرة للأمور ما كانت لتحدث في الجاهلية قبل الإسلام، فقد شَرُف أبو طالب ولم يكن غنيّاً، وكذلك والده عبد المطلب، وقد يَشْرُف الغني ولكن إذا كان صاحب عقل ورئاسة، وشجاعة وكرم. كما لا نجد هذا الخطل في الرأي عند أحزاب المناهج الوضعية، فلم نسمع أن رجلاً أصبح زعيماً لغناه فقط، ولا يتمتع بمميزات القيادة، فلا ندري ماذا أصاب المسلمين حتى خسروا الميزان، وإذا أرادوا التمثل بعثمان ﵁ ، فإنما اختاره ذلك الجيل لصفات عظيمة فيه، لا لشيء آخر.

стр. 2254

دراسات اقتصادية الربا والأدوات النقدية المعاصرة (٣) د. محمد بن عبد الله الشباني في الحلقة السابقة من هذه الدراسة تمت مناقشة ماهية النقود في الإسلام، والمواطن الربوية في عمليات العملات الورقية، وفي هذه الحلقة سيتم مناقشة أدوات الدفع من غير النقود الورقية، ومواطن الربا في هذه الأدوات. لقد تعددت أدوات الدفع المستخدمة في النظام النقدي المعاصر، كما تعددت أشكال الوسائل المستخدمة في دفع الالتزامات، وبخاصة بعد ثورة الاتصالات الإلكترونية، بحيث أصبح العالم مرتبط بعضه ببعض حيث تتم المبادلات التجارية، وسداد الالتزامات في وقت حدوث عمليات التبادل، مهما تباعدت الأقاليم وتعددت أمكنة السداد، فأصبح من الممكن استخدام بطاقات الصرف الإلكتروني لسداد الالتزامات في أي مكان في العالم. أساليب سداد الالتزامات الجديدة: لا بد من إلقاء الضوء على تلك الوسائل المستخدمة في سداد الالتزامات بدون استخدام النقود الورقية وتحديد مواطن الربا فيها، وتتمثل هذه الأدوات في الأشكال التالية: الشيكات: تنقسم الشيكات التي يتم تبادلها لسداد الالتزامات إلى نوعين: النوع الأول: شيكات يصدرها الأفراد على البنوك التي يوجد لديها حسابات خاصة بهم ويتم الإيداع فيها، و (الشيك) بهذه الصفة هو أمر مكتوب وفق أوضاع شكلية استقر عليها الصرف، تتضمن أمراً صادراً من شخص (هو الساحب) إلى شخص آخر (هو المسحوب عليه البنك) : بأن يدفع لشخص ثالث أو لأمره أو لحامله (المستفيد) مبلغاً معيناً بمجرد الاطلاع [١] ، والشيك إذا كان لأمر ساحبه فهو ورقة ثلاثية الأطراف، ويشبه عندئذ السّفْتَجَة [٢] مع اختلاف بين السفتجة والشيك، من حيث: إن سحب الشيك بدون وجود رصيد للساحب لدى المسحوب عليه يفي به، يُعتبر جريمة يستحق عليها الساحب العقوبة، وهي عقوبة مقصورة على ساحب الشيك، والشيك بهذا الاعتبار: هو ورقة تجارية، والتكييف الفقهي للشيك يرتبط بأن الإيداع في البنك المسحوب عليه من الساحب ليس إيداعاً حقيقة، وإنما هو صورة من صور الإقراض يترتب عليها انتقال ملكية النقود إلى البنك المودع لديه، وبهذا يكون السحب على الحساب الجاري في البنك من قبيل تقاضي دين أو جزء منه، وهذا حق للمقرض: يباشره بنفسه إن شاء، أو بمن ينوب عنه؛ حيث يتم تظهير الشيك تظهيراً ناقلاً للملكية، أو تظهير توكيل، والذي يقصد منه تمكين المظهّر إليه من تحصيل قيمة الشيك لحساب المظهِر. على ضوء ذلك: فإن الشيك يمثل نوعاً جديداً من أساليب سداد الالتزامات واعتباره صورة من صور وسائل إيجاد النقود الائتمانية من خلال توسيع نطاق نقل الأموال حسابيّاً بين مختلف الحسابات سواء في البنك الواحد أو فروعه أو بين مختلف البنوك الأخرى وفروعها. الشيك وفق أسلوب التعامل به الجاري عرفاً بوصفه أداة للتحويل على مدينه (البنك) بسداد ما عليه من التزام من وديعته التي لدى البنك جائز شرعاً؛ على أساس القاعدة الشرعية: الأصل في الأمور الإباحة إلا ما جاء دليل بحرمتها، ولا يدخل الربا في الشيك نفسه بوصفه وسيلة من وسائل دفع الالتزامات المستحدثة، أي: إنها تقوم بدور النقود من حيث سداد الالتزام عند شراء سلعة من السلع ... ... وإذا كانت السلعة ذهباً أو فضة مصنعة، فهل يجوز دفع قيمة هذه السلع المصنعة من الذهب أو الفضة بالشيك، بحكم أن أساس النقود الورقية مرتبط بالذهب من حيث ما يعرف بالتغطية عند إصدار النقود الورقية أو عملة ورقية أخرى مغطاة جزئيّاً أو كليّاً بالذهب، أو مربوطة سوقيّاً من حيث التأثير في قيمتها بالذهب مثل الدولار؟ إن الشبه تثار على أساس أن الشيك حوالة على البنك، وبالتالي: فقدان شرط التقابض في المجلس، وعليه: فلا يجوز شراء الذهب أو الفضة؛ باعتبار أن هذين المعدنين هما أصل النقدين، وأن النقود الورقية أجناس، والذهب جنس، والفضة جنس، والعلة الجامعة بينهما هي الثمنية، وبالتالي: فلا بد من التقابض في مجلس العقد، وعليه: فلا يجوز استخدام الشيك بدلاً عن النقد عن شراء هذين المعدنين، أما الرأي الآخر: فيرى جواز ذلك؛ حيث إن الذهب والفضة المصنعة أو التبر لا يعتبرون نقوداً، وبالتالي: فقدوا شرط الثمنية، وإنما يعتبرون سلعة من السلع، يجوز شراؤها وسداد قيمتها بالشيك الذي يمثل وسيلة من وسائل الدفع باعتباره حوالة، حيث يجوز أن يحيل المدين على دائنه وهو البنك الذي قام المحُيل بوضع نقود لديه وديعة مسموحاً للبنك بالتصرف فيها، مع شرط إعادتها أو جزء منها حسب طلب المودع أو بموجب أمر منه، وهذا الرأي يقوم على ما يراه ابن القيم ﵀ : بأن النقود هي وسيلة لتقويم السلع، وأن الذهب أو الفضة سواء أكانا حلية أو سبائك هما سلع خرجت عن طبيعة النقود، وهو رأي سبقت الإشارة إليه في الحلقات الماضية، ونحن نميل إلى الأخذ به، وعليه: فلا بأس من سداد قيمة المصوغات والتبر والسبائك من الذهب أو الفضة بالشيكات التي يصدرها المشتري على البنك الذي أودع لديه ماله. النوع الثاني: (الشيك السياحي) وهو أسلوب من أساليب السداد الخاصة بالمسافرين تمكنهم من سداد التزاماتهم المالية التي نشأت خلال قيامهم بالسفر خارج بلدانهم، ويُعرّف (الشيك السياحي) بعدة تعاريف، منها (٣) : (أنه شيك مسحوب على مراسل البنك المصدر له) ، ومنها: (أنه الشكل المعدل لخطاب الاعتماد السياحي، ويتميز بقابليته للوفاء لدى البنوك على المستوى العالمي) ، ومنها: (أنه أحد أنواع الشيكات التي استحدثت لتمكين السياح من الحصول على ما يلزمهم من نقود دون حاجة إلى حملها معهم والتعرض لمخاطر السرقة والضياع) . بوجه عام، فإن الشيك السياحي هو: عبارة عن شكل من تلك الصكوك التي يستخدمها المسافرون أداةً للوفاء، وتتميز بالسهولة من ناحية، حيث تكون مقبولة في الوفاء، ليس فقط لدى فروع البنك المصدر لها أو لدى مراسليه، وإنما لدى الأفراد أيضاً، ويقبل هؤلاء تسوية حقوقهم عن طريقها. فالشيك السياحي هو: صك يحمل اسم شيك لكنه سند محرر في شكل تعهد بالوفاء. يأخذ الشيك السياحي المواصفات والشروط نفسها للشيك العادي الذي يصدره الأفراد، إلا أنه يختلف عنه في أن من يقوم بإصدار الشيك السياحي يجمع بين صفة الساحب والمسحوب عليه في الوقت نفسه، وبهذا يأخذ شكل الأوراق النقدية؛ حيث له خصائص أوراق النقد نفسها التي تتميز عن غيرها من الصكوك في: أنها تصدر في مجموعات، كما تنقسم إلى قطع ذات قيم متساوية، كما أنها تصدر بدون تحديد مدة معينة لتقادمها، ولكنها تختلف عن الأوراق النقدية من حيث إنها تعتبر تعهداً بالدفع من جانب البنك المصدر لها مقابل إيداع بعض أوراق النقد، كما إنها من ناحية التداول تتم على أساس التظهير، أما النقود فهي صكوك للحامل تنتقل من يد إلى أخرى عن طريق التسليم المادي [٤] ، وبالتالي: فإن الشيك السياحي هو نوع من أنواع النقود الائتمانية يمكن عن طريقه تسوية الالتزامات دون حاجة إلى الالتجاء إلى الأوراق النقدية. تتمثل العلاقة في الشيك السياحي في أن لها ثلاثة أطراف: فالطرف الأول: البنك أو الشركة المُصْدِرة للشيك السياحي، والطرف الثاني: المراسل أو البائع الذي يتولى بيع هذه الشيكات للجمهور، حيث يعتبر وكيلاً عن المُصْدِر للشيك، فالمراسل هو وكيل عن الشركة المصدرة لهذا الشيك، فالشيك لديه بمثابة وديعة، وهو غير ملزم برد الثمن إلا بعد صرفها على المشتري، ويتقاضى البنك المراسل عمولة لقاء مصارفته لهذه الشيكات، أما الطرف الثالث: فهو المشتري لهذا الشيك، حيث يقوم بدفع مبلغ معين من النقود، إما بالعملة نفسها المصدر بها الشيك أو بعملة أخرى؛ فالعلاقة بين الشركة المصدرة للشيك السياحي والمشتري علاقة تصارف، تمت من خلال المراسل الوكيل للبنك المصدر وفق عقد الإصدار الذي يوقع عليه المشتري لهذه الشيكات، فيما يعرف بطلب الشراء، حيث حددت التزامات المشتري التي من ضمنها التوقيع على الشيكات المشتراة في المكان المخصص لحظة الشراء، والالتزام بالتوقيع مرة ثانية عند قبض قيمة الشيك أو عند تظهيره لشخص آخر لقاء حصوله على سلع أو خدمات، وتنتهي دورة الشيك السياحي بقيام المصدر الأول بسداد قيمتها لمن يقوم بالمطالبة بالسداد سواء المشتري الأصلي أو من ظُهِّر له الشيك [٥] . من خلال الاستعراض السابق لطبيعة الشيك السياحي، فإن مجال الخوف من تحقق الربا هو عند الشراء وعند البيع لهذا الشيك، فمن ناحية: شراء الشيكات السياحية بقيمة دولارية تدفع عنها ريالات مثلاً؛ ففي هذه الحالة يعتبر الأمر مصارفة ولا يتم التقابض النقدي، حيث يتم شراء صك ذمة بقيمة عدد من الدولارات مقابل دفع ريالات وبموجب هذا في أي مكان من الأمكنة لدى مراسليه (وكلائه) مع قابليته للتظهير، فهو سند دين، وبهذا: فهو لا يعتبر نقداً، ولكنه بديل عن النقد، وعلى هذا الأساس: يمكن اعتبار تسليم الشيك مقابل العملة التي تم شراؤه بها: تقابضاً ماديّاً، وعليه: فإذا تم إصدار الشيك بالعملة نفسها، وتم شراؤه بالعملة المصدر بها، فلا يجوز الزيادة في قيمة الشيك، وما يتم دفعه يمكن تخريجه على أساس السّفْتَجَة. والسفتجة تعرف: بأنها إعطاء مال لآخر مع اشتراط القضاء في بلد آخر، والقصد منها: ضمان السلامة من خطر الطريق، فهو يدفع قيمة الشيك السياحي على سبيل القرض لا على سبيل الأمانة [٦] ، لكن في حالة قيام المشتري بشراء الشيك السياحي بنقد مخالف للنقد الذي صدر به الشيك؛ فلو كان الشيك مصدراً بالدولارات، وتم دفع قيمة هذا الشيك بالريالات فيمكن تخريج الشيك على أنه مصارفة، يتم التبادل فيها بين الشيك السياحي والعملة المشتراة به بسعر صرف العملة الواردة في الشيك السياحي مع العملة المشترى بها، أي: إنه يجب توافر شرط التقابض في مجلس العقد، أي قبض قيمة الشيك بالعملة المشتراة بها؛ سواء أكان القبض نقداً أو بتسجيل على الحساب مع تسليم الشيك السياحي للمشتري، باعتبار أن الشيك السياحي يتصف ببعض صفات النقود الورقية. إن موطن الربا في الشيك السياحي هو: إذا تم شراء الشيك السياحي بالعملة نفسها المصدر بها الشيك السياحي، وتفاوتت القيمة بين الشيك وما تم دفعة، أما إذا اختلف نوع العملة المشترى بها الشيك مع العملة المصدر بها، فتنطبق أحكام الصرف من حيث ضرورة توافر شرط التقابض، وكذلك ينطبق الأمر في حالة بيع الشيك السياحي أو تظهيره. بطاقات الائتمان: بدأ استعمال بطاقة الائتمان بعد الحرب العالمية الثانية، وتقوم فكرة بطاقة الائتمان على فكرة الشراء على الحساب؛ حيث كان يستعملها أصحاب المتاجر مع فئة معروفة من عملائهم؛ حيث يسمح لهم بالشراء حاضراً، ثم الدفع في نهاية الشهر أو بداية الشهر الذي يليه، ثم تطورت الفكرة لدى بعض المتاجر الكبيرة ذات الفروع المتعددة، فأصدرت بطاقات بلاستيكية تحمل اسم الزبون ورقم حسابه مع المتجر، ويسمح له أن يشتري على الحساب على أن يتم الدفع بعد إرسال الفاتورة له، أو يقوم بدفع المستحق عليه على أقساط شهرية، بالإضافة إلى رسوم تحدد على البطاقة، حيث يتم الاتفاق مع البنوك بإعطائهم ائتماناً على المبالغ المستحقة لهم لدى الزبائن الممنوح لهم هذه البطاقات، حتى أصبح كل متجر يصدر مثل هذه البطاقات، فأصبح يتعين على الزبون حمل عدة بطاقات، لكل متجر من المتاجر التي يتعامل معها بطاقة، لأنه لا يستطيع استعمال بطاقة متجر في متجر آخر، وهذا أدى إلى ظهور بطاقة واحدة على المستوى القومي تغطي كافة حدود الدولة، وتقبل في جميع المتاجر في داخل الدولة الواحدة، وبالعمله المحلية، ثم تطور الأمر بضمان حصولهم على قيمة مبيعاتهم وحسب السعر السائد لعملة كل دولة، بحيث لا يتحمل التاجر أي مخاطر من تغيير سعر صرف العملة، ويحصل على مستحقاته بسرعة وبعملته المحلية بدون الدخول في متاهات أسعار الصرف بين مختلف العملات في دول العالم. [٧] كيفية عمل بطاقات الائتمان: إن أسلوب عملية التعامل ببطاقات الائتمان يتمثل في تقديم بطاقة الائتمان التي يتم الحصول عليها، إما مباشرة من المصدِر لها، أو عن طريق البنك الذي يتعامل معه حامل البطاقة، فعند شرائه لسلعة من السلع أو صرف مبلغ من المبالغ من خلال أجهزة الصرف الآلي لا يحتاج الأمر إلا إلى إدخال البطاقة في الجهاز الذي يتولى جميع الإجراءات الخاصة بالسحب وإعطائه إشعاراً بما تم خصمه ودفعه إليه، أو قيام البائع الذي يتولى استلام بطاقة الائتمان الخاصة بالمشتري التي تحمل اسمه ورقم حسابه وتوقيعه، حيث يتم إدخال البطاقة في جهاز خاص وكتابة المبلغ المحدد في نموذج ورقي يقوم المشتري حامل البطاقة بالتوقيع عليه، بما يماثل التوقيع الذي يوجد على البطاقة، وفي بعض الأحيان: يقوم البائع بالاتصال برقم معين، ليتأكد من وجود رصيد كافٍ في حساب حامل البطاقة، وبعد إتمام العملية يسلم البائع المشتريات التي وقع عليها المشتري، ويحتفظ بنسخة منها لديه، ونسخة ثانية ترسل إلى الجهة المصدرة للبطاقة للقيام بسداد المستحق للبائع، وفي نهاية الشهر تُرسل فاتورة بها كشف الحساب بجميع المشتريات والمسحوبات النقدية على عنوان حامل البطاقة حيث يقوم بدفع كامل المبلغ أو دفعه على أقساط شهرية، ويتم الدفع: إما نقداً، أو بشيك، أو خصماً من الحساب لدى البنك الوسيط في منح صاحب الحساب لديه هذه البطاقة. أنواع البطاقات: تتعدد أنواع البطاقات، ويمكن تقسيمها إلى نوعين: النوع الأول: بطاقات المتجر التي يمكن استعمالها فقط في تلك المتاجر أو فروعها المنتشرة في أنحاء البلاد. أما النوع الثاني: وهو أكثر شيوعاً: فهو البطاقات الشاملة التي لها طبيعة دولية، مثل بطاقات (أمريكان اكسبرس) و (ميروا) (وماستر كارد) ... إلخ. كما تنقسم تلك البطاقات من حيث الدفع إلى نوعين: النوع الأول: يعرف ببطاقة السحب، وهي التي تسمح لحاملها بإمكانية السحب النقدي من حساب حامل البطاقة، شريطة توفر ما يغطي المبلغ المسحوب من الحساب وتسديد قيمة المشتريات من البضائع والخدمات لدى نقاط البيع المتوفر لديها أجهزة الاتصال، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: قسم خاص بالسحب وتسديد المشتريات داخل الدولة الواحدة، وقسم يتم السحب فيه خارج الدولة من خلال شبكة الاتصال العالمية، ويتم القيد على حساب العميل مباشرة، وبعض بطاقات السحب الدولية التي تصدرها بعض البنوك لا تشترط في حالة السحب من أجهزتها تسجيل أي عمولة، ولكن في حالة السحب من أجهزة بنوك أخرى يتم تسجيل عمولة سحب على حساب حامل البطاقة، ولا تستفيد الجهات المصدِرة لهذا النوع من البطاقات التي لا تحتسب فائدة على السحب عند شراء البطاقة من مراكز البيع في خارج الدولة أو داخلها من حساب حامل البطاقة، ولكنها تأخذ عمولة على مقدار المباع بما يعادل أحياناً ما بين ٢% إلى ٧% من قيمة ما قام حامل البطاقة بشرائه. النوع الثاني: ما يعرف ببطاقة الائتمان، حيث يمكن لحامل البطاقة السحب أو الشراء وسداد ما قام بسحبه أو ما قام بشرائه من نقاط البيع على دفعات حسب رغبته وضمن أقساط شهرية بحد أدنى تحدده الجهة المصدرة للبطاقة، وفي هذه الحالة: فإن الجهة المصدرة للبطاقة تتقاضى فائدة على الرصيد المتبقي على حامل البطاقة تتراوح بين ١٨% إلى ٢٤% سنويّاً. التكييف الفقهي لبطاقات الائتمان، ومواطن الربا فيها: على ضوء ما سبق من تحديد لماهية بطاقات الائتمان: فإن هذه البطاقات تمثل نوعاً جديداً من أساليب سداد الالتزامات وصورة من صور وسائل إيجاد النقود الائتمانية من خلال توسيع نطاق نقل الأموال حسابيّاً بين مختلف الحسابات للبنك الواحد أو البنوك المختلفة. والسداد والسحب من حساب الشخص الذي يجري التعامل به باستخدام بطاقات السحب الائتمانية جائز شرعاً على أساس القاعدة الشرعية: الأصل في الأمور الإباحة إلا ما جاء دليل بحرمته، وهو يمثل سحباً وسداداً من وديعته التي لدى البنك، ولا يدخل الربا إلا فيما يعرف ببطاقات الائتمان؛ حيث يتم تسديد ما تم سحبه، وما تم سداده من قبل البنك المصدر للبطاقة، واحتساب الفوائد على الرصيد غير المسدد، فهذا يعتبر إقراضاً لمن يحمل هذا النوع من البطاقات الائتمانية، وكذلك ما يتم تحميله على حساب حامل البطاقة الذي يقوم بالسحب النقدي بموجب بطاقات الائتمان، كما أن هناك صورة أخرى للتعامل الربوي بالنسبة لمن يحمل بطاقة الائتمان، حيث يقوم باستخدامها لسداد مشترياته، ويتم القيد الفوري على حسابه، ولكن مُصدِر البطاقة الذي يقوم بالسداد للبائع نيابة عنه يأخذ نسبة من قيمة ما تم شراؤه من البائع ما بين ٢% إلى ٧% من قيمة فاتورة البيع، فإن ما يأخذه البنك يعتبر رباً؛ لأن ما يتم يشبه الخصم؛ فالبائع يقدم للبنك المصدر للبطاقة فاتورة الشراء لخصمها لديه، وهو يقبل ذلك من أجل تنمية مبيعاته. كلمة لمستخدم هذه البطاقات: ولهذا: فإن مستخدم بطاقات الائتمان، ولو كان لا يدفع هو فائدة على ما يقوم بشرائه لكفاية رصيده، فإنه يكون متعاوناً على الإثم، من خلال تشجيعه للبنوك باشتراكه في هذه البطاقات، بجانب ما تسببه هذه البطاقات من محاذير، منها: ١- الإسراف في الاستهلاك؛ فوجود هذه البطاقات يؤدي إلى سهولة الشراء الفوري والدفع المؤجل، مما يدفع بعض الأفراد إلى الإنفاق بدون حساب؛ حيث لا يشعر المرء بتلك المدفوعات إلا عندما يتسلم كشف الحساب الشهري ويستحق عليه الدفع، وهذا قد يقع تحت النهي الذي جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن عبد الله بن مسعود: (أن رسول الله نهى عن التعقر في المال والأهل) ، كما قد يضطره إلى دفع فوائد ربوية لعدم كفاية الرصيد عند المطالبة بالسداد. ٢- رسوم الاشتراك لبعض بطاقات الائتمان تتراوح حسب نوعية البطاقة: عادية، فضية، ذهبية من ثلاثمئة ريال سعودي إلى ألف ريال سعودي، بجانب أن هناك رسوم تجديد سنوية تتراوح ما بين ثلاثمئة إلى سبعمئة ريال، وهذه الرسوم التي تؤخذ نوع من أكل الأموال بالباطل من قبل مُصْدِري هذه البطاقات. ٣- هناك بعض البنوك التي تحاول أن تمارس العمل على ضوء الشريعة، ولكنها فيما يتعلق ببطاقات الائتمان تتساهل في الممارسة؛ بحكم أنها تقوم بعمل الوكالة للشركات المصدرة لهذه البطاقات، فتقوم بإشعار عملائها بأن من يستخدم أجهزة سحبها لا تأخذ عليه عمولة للسحب النقدي، وإذا تم السحب من أجهزة خاصة ببنوك أخرى، فإنها تأخذ رسماً خاصّاً بالسحب النقدي، أما بالنسبة للشراء من نقاط البيع: فهذه البنوك لا تأخذ من العميل شيئاً، حتى لو تجاوز ما تم دفعه رصيد حسابه، لكنها تأخذ من البائع نسبة معينة لقاء سدادها للمشتريات التي تم استخدام البطاقة المصدرة من قبلها، ولا شك أن ما تأخذه من البائع هو نوع من الخصم الربوي، لا يجوز أن تمارسه تلك البنوك، وخاصة أنها تحاول أبراز الصورة الإسلامية للتعامل. ٤- العمولات (الربا) على الرصيد الذي لا يستطيع العميل أن يسدده عند استلامه لكشف الحساب الوارد له من البنك مما يؤدي إلى تراكم الفوائد على الرصيد حيث تصل نسبة الربا إلى ما بين ١٨% إلى ٢٤% سنويّاً. هل لاستخدام هذه البطاقات فوائد؟ : حقق التعامل ببطاقات الائتمان بعض الفوائد، من أهمها: ١- الأمان: فالشخص لا يحتاج إلى حمل مبالغ نقدية كبيرة معه في كل الأوقات، سواء أكان في داخل حدود بلده أو كان مسافراً في البلاد الأخرى؛ وبذلك يقل تعرضه للسرقة، أو فقدان ما يحمله من نقود. ٢- سهولة إجراء التعاملات التجارية ودفع فواتير الفنادق وإيجار السيارات وغيرها. وتحقيق هذه الفوائد وتجنب المحاذير الشرعية من استخدام بطاقات الائتمان يمكن أن يتحقق إذا اقتصر الفرد على بطاقات السحب فقط، حيث إن هذه البطاقات تماثل الشيكات من حيث اعتبارها وسيلة لسداد الالتزامات أو للسحب من مال حامل البطاقة لدى البنك. سؤال مهم: والتساؤل الذي يمكن أن يثار فيما لو أخذ البنك عمولة لقاء استخدام بطاقات السحب سواء على كل عملية سحب أو استفسار، أو عمولة مقطوعة سنوية لقاء منح حامل البطاقة خدمة استخدام أجهزة الصرف الآلي. ولا شك أن هناك مصاريف يتحملها البنك لقاء توفير هذه الخدمة سواء ما يتعلق بقيمة الجهاز أو تكاليف الخطوط الهاتفية المستخدمة من قِبَل هذه الأجهزة، فهل يجوز أخذ هذه العمولة؟ . إن الإجابة على ذلك يحددها واقع السوق من ناحية، وواقع أعمال البنوك، فإذا كانت البنوك تلتزم في أعمالها أحكام الشريعة، وكان توفير هذه الخدمة سوف يؤدي إلى خسائر يتحملها البنك المصدر لهذه البطاقة، فلا بأس بأخذ عمولة مقطوعة كأجرة لتوفير هذه الخدمة لمستخدم هذه البطاقة، بشرط عدم ربط هذه العمولة بالزمن أو بالمبلغ المسحوب، وإنما هي أجرة تدفع للبنك لقاء توفيره لهذه الخدمة، على أساس أن هذه الخدمة تؤدي إلى تحمل البنك نفقات إضافية، أما بالنسبة لأخذ عمولة على نقاط البيع التي تستخدم أجهزة الصرف، فهذا لا يجوز أخذه، لسببين: الأول: أن البنك لم يتحمل أي خسارة، فالمبلغ تم خصمه من حساب حامل البطاقة؛ وبالتالي: فأخذ أي عمولة يعتبر أخذاً لأموال الناس بالباطل. الثاني: أن أخذ عمولة لقاء سداد قيمة ما اشتراه حامل البطاقة من البائع؛ سواء أكانت البطاقة بطاقة ائتمان أو بطاقة سحب دولية، فإن فاتورة البيع التي يتم الخصم عليها تشبه (الكمبيالة) ، ومن الأمور المتفق عليها: أن ما يؤخذ من خصم لقاء سداد قيمة الكمبيالة من تاريخ استحقاقها يعتبر ربا، ويسري هذا الحكم على ما يؤخذ من البائعين؛ حيث يقوم مُصْدِر البطاقة بسداد قيمة ما اشتراه حاملو البطاقات مقابل الخصم الذي يحصل عليه هو، أي: مُصْدِر البطاقة وليس حامل البطاقة، وأن ما يعطيه البائع للمُصْدِر هو بمثابة خصم ... فلو لم يقم البائع بهذا الخصم، لما قام مصدر البطاقة بسداد قيمة ما قام حامل البطاقة بشرائه، فالبائع إنما خضع لذلك رغبة في زيادة مبيعاته، حيث إن معظم حاملي البطاقات قد لا يكون لديهم الرصيد الكافي لتغطية مشترياتهم، وبالتالي: فإن عملية البيع التي تتم بين حامل البطاقة والبائع هي بيع بالأجل، وضمان مصدر البطاقة الائتمانية وقيامه بالسداد بعد خصم النسبة المقررة مسبقاً لقبول السداد للبائع، ثم مطالبة الحامل بالسداد، سواء بالكامل أو بالتقسيط لمصدر البطاقة: هو نوع من أنواع بيع الدين بالدين.

стр. 2255

دراسات تاريخية فرعون باشا نموذج للحاكم المستنير! ! (٢) بقلم:ياسر القارئ بعد مقدمة عن ملامح المخطط الأوروبي لمواجهة الإسلام وتغريب الأمة بأيد تنتمي إليها، استعرض الكاتب في الحلقة الماضية سيرة (محمد علي) ونشأته، والعوامل الداخلية والمحلية والشخصية التي مكنته من اعتلاء هرم السلطة في مصر، ثم ختم بسياساته الاقتصادية، ويستكمل في هذه الحلقة معالجة بقية الموضوع. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - رابعاً: حروب محمد علي ومؤامراته: لقد خاض محمد علي باشا حروباً مختلفة في الجزيرة العربية والشام، والسودان، واليونان، مرة لحسابه الشخصي، ومرات عديدة لمصلحة قوى خارجية استطاعت أن تجعل منه رجل الأمن في المنطقة بأسرها، ولكن قبل الخوض في ذلك: ينبغي التساؤل عن الأسباب أو الأخطار المحتملة التي دفعت الباشا لتكوين جيش قوي منظم بعد توليه السلطة مباشرة، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها بلاد الإسلام بصفة عامة، خاصة أن العرب والمماليك والعثمانيين وهم جيران الباشا القريبون أضعف من أن يقاتلوه، أما بالنسبة لصده لقوى أوروبا المتربصة فهو في حكم المستحيل؛ إذ عجزت دار الخلافة بكل مواردها عن فعل ذلك [١] . إن السبب الرئيس لغزو محمد علي للسودان هو تأمين حدود دولته، وجلب (الرقيق) ليكونوا نواة لجيشه الجديد؛ حتى يكون ولاء الجنود له وحده، وما ذاك إلا لكون الباشا غريباً بذاته عن الشعب المصري، الذي أصبح يكن له كل البغض والكراهية؛ بسبب سياساته الغاشمة، هذا بالإضافة إلى رغبة الباشا في إبعاد الشعور الوطني عن الجيش، واستعباد الشعب المصري لخدمة مصالح بريطانيا، ولضرب القوى الناهضة، كما سيحدث في الجزيرة العربية واليونان والشام [٢] ، بينما نجد أن بريطانيا التي أرهقها وأقلقها تنامي قوة الدولة السعودية الأولى التي باتت تشكل خطراً على طريق التجارة بين الهند وأوروبا، ولعدم وجود عامل مشترك لتكوين علاقة بينهما: لجأت إلى الاعتماد على عناصر محلية يمكن الوثوق بها للقضاء عليها، فكان محمد علي باشا هو ذراعها في المنطقة [٣] ، ومما يؤكد هذه الحقيقة: أنّ تكليف السلطان للباشا اقتصر على تخليص الحجاز فقط، وليس تعقب (الوهابيين) ، بيد أن الباشا وضع شروطاً تعجيزية للصلح، مما يعني استمرار القتال، ولذا: فهي حملة صليبية في ثوب إسلامي [٤] ، ونجد أن بريطانيا قد أوفدت (فورستر سادلير) إلى الجزيرة العربية لتهنئة إبراهيم باشا بقضائه على الوهابية! ، وبحث استعداده للتعاون في القضاء على القرصنة في الخليج العربي التي تهدد الرعايا العثمانيين! ! ، والملاحظ هنا: أن مقاومة الغزو البريطاني لسواحل الخليج، الذي كانت تتزعمه الدولة السعودية الأولى وحلفاؤها سمته بريطانيا قرصنة بحرية، في الوقت الذي كانت تدعي فيه الحرص فيه على رعايا الدولة العثمانية في المنطقة! تلكم هي بريطانيا التي قتلت المسلمين في الهند، والتي ترفض التدخل الأجنبي في المنطقة. يقول محمد فريد بك: رأى السلطان محمود الثاني قمع الوهابية خشية امتداد دعوتهم، وبالتالي: تفريق كلمة الإسلام! ، مما يخدم أوروبا المتربصة، فكلّف محمد علي بتلك المهمة في سنة ١٢٢٢هـ/ ١٨٠٧م الذي عهد بدوره إلى ابنه طوسون برئاسة الحملة الأولى، ثم إبراهيم لقيادة الحملة الثانية سنة ١٢٣١هـ/ ١٨١٦م [٥] ، وقد أشرت فيما سبق إلى عرض الباشا التوجه إلى الحجاز مقابل منصب والي مصر، لكن محمد فريد بك متحامل على السعوديين؛ كونه من عمّال حفيد محمد علي باشا الخديوي عباس حلمي الثاني! ، ثم كيف يمكن لـ (دعوة هدامة!) تهدف إلى تفريق المسلمين بالانتشار في أرجاء الجزيرة كلها وحتى العراق والشام لو لم تكن على الحق؟ ! ثم إن إبراهيم باشا استعان بالقادة العسكريين الفرنسيين مثل (ميير) إبان حملته سنة ١٢٣٥هـ[٦] في الوقت الذي يقول الجبرتي عن معسكر إبراهيم بأنه: لا تقام فيه صلاة، وأكثر عساكره على غير الملة، وبصحبتهم صناديق المسكرات، وقد كشفوا عن كثير من قتلى عسكره فوجدوهم غلفاً غير مختونين [٧] . وبهزيمته للسعوديين قضى الباشا على محاولة جادة لقيام وحدة إسلامية من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن الأناضول إلى بحر العرب؛ بسبب عمالته لصالح الأوربيين وضد شعوب المنطقة [٨] . لماذا اتجه الباشا إلى اليونان؟ : بعد ذلك توجه الباشا بأمر السلطان إلى اليونان لمحاربة الثوار الذين تدعمهم روسيا القيصرية، واضطر إلى الإذعان لأمر الباشا؛ لأن قوته الحربية ما كانت تساعده على العصيان [٩] ، وفي هذا دلالة على ما يخفيه الباشا في جعبته للسلطان في المستقبل القريب كما سيأتي معنا، بينما نجد أن الشعراء في أوروبا مثل (فكتور هوجو) و (اللورد بايرون) والرسامين والصحفيين بكوا على نجاح إبراهيم باشا في إخماد الثورة، ووضعوا مؤلفات محزنة، ونسجوا حكايات خيالية حول وحشية الأتراك في أوروبا [١٠] .. أين منها الحداثيون المعاصرون الذين ابتليت بهم الأمة، وأين مواقفهم بالنسبة للصومال والبوسنة وكشمير والفلبين والأكراد وفلسطين الحبيبة! . وبسبب الدعم الأوروبي والتبرعات التي انهالت على الثورة التي تولى كبرها الشعراء المثقفون انتفض اليونانيون في جزر المورة، فعهد السلطان إلى والي مصر ثانية، وأسند إليه حكم المنطقة إن هو أخضعها لسيطرته، لكن روسيا وبريطانيا وفرنسا لم تكن لترضى عن استقلال سائر بلاد اليونان بديلاً، فافتعلوا الأحداث وضربوا أسطول الدولة العثمانية في ميناء نافارين سنة ١٨٢٧م/١٢٤٢هـ واعتذرت أوروبا عن خطئها! ، لكنها لم تلتزم بدفع أي تعويضات للسلطان، وقد وصفت صحف أوروبا تلك المهزلة بـ (لطخة عار) ، لكن المهمة قد تحققت، وهي القضاء على أسطول السلطان فقط [١١] ، في الوقت الذي سمح الباشا لرعاياه اليونانيين بالمشاركة في ثورة جزر (المورة) ، وقام بتحرير مماليكه اليونانيين الذين أُهْدُوا إليه لذلك الغرض؛ ليعبر للأوروبيين عن تعاطفه مع كل ما هو أوروبي ونصراني [١٢] ، بالإضافة إلى ذلك: فإن الباشا اتفق سراً مع الأميرال الإنجليزي (كودرنجتون) على سحب الأسطول المصري من المورة [١٣] . لقد فتحت هزيمة وتدمير أسطول الدولة العثمانية في حرب (المورة) الباب أمام روسيا المتربصة؛ إذ إن السلطان محمود الثاني كان قد ألغى طائفة الانكشارية، فأصبحت الدولة بلا جيش ولا أسطول يدافع عنها، فأعلنت روسيا الحرب، واستولت على سواحل البحر الأسود الشرقية (كان بحيرة عثمانية قبل ذلك) ورومانيا و (أدرنة) ، وتقدمت حتى الأناضول، حيث عقدت معاهدة ضمنت بموجبها النفاذ إلى سواحل البحر الأسود وإرغام السلطان على دفع التعويضات عن الحرب بقيمة (١١. ٥) مليون قطعة ذهبية، وذلك لوضع العراقيل المالية أمام إصلاحات محمود الثاني [١٤] ، ومرة ثانية: امتنع الباشا عن إرسال قوة لمواجهة روسيا، في الوقت الذي كان يتصور المجيء إلى استانبول ليتبوأ مقام الصدارة العظمى وإدخال السلطان تحت نفوذه [١٥] . في هذه الأثناء حاول المستشار النمساوي (مترنخ) إقناع الباشا بالإجهاز على الثورة في اليونان، ونصحه بأن هذا يخدم مصالحه التجارية، وأنّ الإنجليز لا يمكن أن يؤيدوه ليصبح قويّاً مهما بدت نصائحهم مفيدة، فإنهم لا يريدون مصر إلا ضعيفة، فكان جوابه: (إذا كانت بريطانيا لا تريدني أن أفعل ذلك، فماذا بوسعي أن أفعل؟) ، وقد طلب الباشا من القنصل البريطاني أن يظهر الأسطول الإنجليزي أمام سواحل الإسكندرية، وأن تحاصر الدول الثلاث القسم الآخر من أسطوله في المياه اليونانية، والعجيب: أن إبراهيم باشا لم يكن موجوداً أثناء إطلاق النار العفوي الذي استغل لضرب أسطول السلطان [١٦] ، وعلى الرغم من أن بريطانيا ظنت أنها سوف تبعد شبح الروس عن المنطقة بتصرفاتها تلك: إلا أنّ الذي حصل هو عقد السلطان المعاهدة المجحفة التي سبق ذكرها. بعد أن تأكد الباشا أو بالأحرى القوى الخفية التي تحركه من ضعف السلطان، أتت المهمة الأخيرة لوالي مصر، لكي يوجه ضربته القوية لدار الخلافة ذاتها بحجة استرداد رعاياه الهاربين إلى الشام، فقد أعد الباشا حملة جديدة، وأسند قيادتها إلى إبراهيم ابنه الذي حقق انتصارات متتالية حتى فدى يهود الأستانة، الأمر الذي دفع الروس لإنزال ١٥ ألف جندي في استانبول للدفاع عنها، مما حدى ببريطانيا وفرنسا للتدخل وتوقيع معاهدة (كوتاهيه) (سنة ١٨٣٣م/ ١٢٤٨هـ) ، التي تحفظ للباشا حكم مصر وعكا وحلب ودمشق وطرابلس وجزيرة كريت مدة حياته فقط، بينما وقعت روسيا حلفاً دفاعيّاً مع السلطان عرف باسم معاهدة (خونكاراسكله سي) في الفترة نفسها لحماية العاصمة لو هاجمها المصريون أو غيرهم [١٧] . ثم إن الإنجليز سعوا إلى تحريض السلطان على التحرش بالجيش المصري في الشام وإرغامه على خوض الحرب مجدداً [١٨] ، في الوقت الذي حاول اللورد (بالمرستون) زعزعة حكومة الباشا في الشام، بتحريضه على الاستمرار في تجنيد أهل الشام، قاصداً من ذلك إثارتهم عليه وإعاقة طموحات الباشا [١٩] . في المقابل: ألغى إبراهيم باشا كافة القيود المفروضة على النصارى واليهود في كل بلد سيطر عليه بدعوى المساواة والحرية، وهي أمور تشير إلى تأثير المحفل الماسوني عليه، كما فتح المجال أمام الإرساليات النصرانية الفرنسية والأمريكية، وتم نقل المطابع؛ من مالطا، وتأسيس مدرسة للبنات، بالإضافة إلى تزويد الأديرة بالمطابع ليسيطروا على الفكر والثقافة في المنطقة [٢٠] . إن الهدنة التي توصل إليها السلطان مع الباشا كانت مؤقتة لتربص كل منهما بالآخر، فالأول قَبِل بها بسبب تمزق جيشه وسعيه إلى عدم الاعتماد على الروس، بينما الثاني دعاه خوفه من التخلي عن كل البلاد التي انتزعها مع كونه عازماً على الاستقلال التام عن الدولة عند سنوح الفرصة [٢١] . وبسبب إصرار الباشا على إبقاء جبال طوروس تحت يده، وكما ذكرت آنفاً تحريض الإنجليز للطرفين على القتال: اندلعت الحرب مجدداً، فكانت موقعة (نصيبين) أو (نزيب) سنة ١٢٥٥ هـ/ ١٨٣٩م، التي انتهت بالقضاء على جيش السلطان (محمود الثاني) الذي وافاه الأجل قبل أن تصله أخبار المعركة، ثم إنّ القائد العام للبحرية العثمانية انسحب بأسطول الدولة إلى مصر؛ وذلك بسبب خوفه على حد زعمه من وقوع الأسطول تحت أيدي الروس، بينما الوقائع تشير إلى حلقة جديدة من الخيانة كون الصدر الأعظم الجديد هو (خسرو باشا) الذي نفاه محمد علي من مصر وتولى السلطة مكانه. فزعت أوروبا مما آل إليه أمر الدولة العلية، فسعت بريطانيا والنمسا لعقد صلح جديد بين الطرفين في الوقت الذي عارضت فرنسا إرجاع بلاد الشام للسلطان كشرط لعقد الصلح، وأيدتها روسيا التي كانت ترغب في تقليص نفوذ الباشا في حديقتها الخلفية، في الوقت الذي لم تمانع ببقائه في مصر لكي يظل عصاً يضرب بها السلطان متى شاءت دول أوروبا، وقد رأى الساسة الروس أن الدولة العثمانية سوف تتوجه نحو روسيا في حالة إخراج محمد علي من مصر [٢٢] ، وبعد مداولات كثيرة توصلت دول أوروبا إلى عقد مؤتمر لندن سنة (١٢٥٦هـ / ١٨٤٠ م) الذي يقضي بانسحاب الباشا من الشام، وحق إنجلترا والنمسا في حماية الأهالي الذين يرغبون في الانضمام إلى السلطان؛ كالدروز والموارنة والنصيرية، وفي حالة رفض الباشا فإنه يُخلع من كل ولاياته [٢٣] . وبالفعل نفذ الحلفاء بنود الاتفاقية، وقاموا بمحاربة جيش إبراهيم باشا، وتم إخراجه من الشام، لكن (الكومودور نابير) عرض على محمد علي وساطة الحكومة الإنجليزية لدى الباب العالي في إعطاء مصر له ولورثته لو تنازل عن الشام وردّ الأسطول العثماني، فقبل هذه الشروط لحفظ مصر لذريته، وتم ذلك في سنة ١٢٥٦هـ/١٨٤١م [٢٤] واشترطوا عليه تخفيض الجيش، وعدم بناء سفن حربية إلا بإذن السلطان، ويبدو لي أن مهمة الباشا العسكرية قد انتهت تماماً، فلم يسجل التاريخ أي مغامرات أخرى للباشا وأولاده! ، وبدأت مرحلة الحصاد بالنسبة لأوروبا. قامت روسيا التي لم تفلح في الاتفاق مع نابليون على تقسيم الدولة، بسبب اختلافهما على تبعية مدينة (استنبول) بمحاربة الدولة العثمانية مجدداً فيما يعرف بحرب (القرم) ، بينما احتلت فرنسا بلاد الشام بحجة قمع الفتنة الطائفية (التي أوجدها الأوروبيون أنفسهم) ، وبحجة عجز الجيش العثماني عن إعادة هذه المنطقة! وظلت هناك لمدة ثلاث سنوات أوهمت الأهالي النصارى خلالها بحمايتهم من تعدي المسلمين المتعصبين المتوحشين عليهم! ! [٢٥] . المطالبة بالدستور المشبوه: كذلك: فإن الحلفاء ضغطوا على السلطان عبد المجيد الثاني لإصدار دستور للبلاد يساوي فيه بين الرعايا جميعاً، وتم استقدام قانوني فرنسي لتلك المهمة، ومن المفارقات أن المستشار النمساوي (مترنخ) حذّر الدولة العثمانية من الخطر الكامن وراء اقتفاء أثر أوروبا وتنظيماتها التي لا تجاري منطق النظام العثماني، ولقد فتح الدستور البلاد أمام جحافل التنصير من كل حدب وصوب [٢٦] ، في الوقت الذي أغدقت فيه الصحافة الأوروبية المديح على وزير الخارجية رشيد باشا، إثر قيامه بضربته المسرحية (إعلان الدستور) ، كما مدحها السفير الروسي في الأستانة [٢٧] ، وقد كان هذا الوزير سفيراً فوق العادة في لندن وأعجب بنظام الحكم البرلماني. ثم إن حروب الباشا للدولة العلية قد عرقل في مسيرة الإصلاح فيها، وبغض النظر عن أسلوب العلاج الذي اتبعه السلطان محمود الثاني، فإن واقع الحال يشهد بأن أوروبا كانت متخوفة من نهضة إسلامية جديدة، فالسفير الروسي بباريس (بوتزودي بورجو (صرح بأن القوات الروسية لاقت من الجيش العثماني الجديد ما لم تلاقه من قبل من طائفة الانكشارية، ولو تأخرت روسيا في إشهار الحرب على الباب العالي سنة واحدة لما أمكنها أن تتحصل على النتائج نفسها [٢٨] ، أما القنصل البريطاني في مصر (هودجز) فقد أرسل لوزير خارجيته (بالمرستون) يخبره أن السلطان محمود الثاني لو استمر به العمر أكثر لاستطاع التغلب على كل أعدائه بمن فيهم تابعه القوي محمد علي باشا [٢٩] ، ومما يؤيد هذا القول: أن السفير الروسي في الأستانة (دبيتر) كتب لبلاده في سنة ١٧٨٤م محذراً من أن الروس لا يلبثون أن يأخذوا تركيا في مدة عشر سنوات، وكذلك توقع نابليون من قبله [٣٠] ، وذلك قبل أن يتولى السلطان محمود الثاني الحكم ويضع برنامجه الإصلاحي! احتلال الجزائر والحادثة المفتعلة: ساهمت حروب الباشا كذلك في احتلال فرنسا للجزائر سنة١٨٣٠م، إذ تعذر على السلطان (في فترة تكوين جيش جديد ومواجهة خصوم أشداء، وبالذات الروس والباشا) إرسال جيش لإنقاذ البلاد، ولقد افتعلت فرنسا حادثة ضرب (الباي حسين) للقنصل الفرنسي (بمنشّة) كانت بيده؛ لخروجه عن الأدب ولمطالبة تجار جزائريين لديونهم المستحقة على فرنسيين، مما اعتبره مجلس الوزراء الفرنسي إهانة، فقرر وجوب الاستيلاء على الإقليم [٣١] ، ولقد سبق لفرنسا أن عرضت على الباشا احتلال الجزائر وتونس وليبيا سوية، على أن تدعمه ماليّاً وعسكريّاً بشرط أن يقيم حكومة تمنح فرنسا مزايا تجارية واقتصادية فيها، لكنه رفض بسبب اعتراض بريطانيا، وليس لأي اعتبارات دينية أو وطنية أو غيرها، فكتب يقول: (وثقوا أن قراري لا ينبع من عاطفة دينية، فأنتم تعرفون وتعلمون أنني متحرر من هذه الاعتبارات التي يتقيد بها قومي، قد تقولون: إن مواطني حمير وثيران، هذه حقيقة أعلمها) [٣٢] . استطاع محمد علي أن يقوم بما لم يستطع الاستعمار الغربي أن يقوم به بشكل مباشر في العمل على تحطيم الهوية الإسلامية التي كانت أساساً في صمود الشرق الإسلامي ضد الموجات المعادية، وهيأ المناخ لقيام مؤسسات ماسونية ونصرانية وقومية، بينما رهن الاقتصاد الإقليمي للغرب [٣٣] ، ولقد قال عنه (أرنولد توينبي) : (إنه ديكتاتور تمكن من تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر) [٣٤] ، بل وفي المشرق الإسلامي بأسره! . وجد الإنجليز في شخص محمد علي رجلاً قويّاً يستطيع حماية خط التجارة إلى المشرق، وبالتالي: المصالح البريطانية، على أن يراعي المشاعر الدينية، وألا يعارض مصالح إنجلترا، ولو تظاهر بعكس ذلك [٣٥] ، ولقد صرّح الباشا بتلك العلاقة الوطيدة بقوله: (بدون أصدقائي الإنجليز لا أستطيع أن أعمل شيئاً، لقد أدركت منذ زمن طويل أنني لا أستطيع أن أحقق أي شيء عظيم بدون إذن بريطانيا) [٣٦] ، ولإظهار غيرته الدينية (!) : أعلن الباشا خلال حروب الشام أنه سيخلّص الدولة العثمانية من السلطان الفاسد الذي قضى على التقاليد الإسلامية واتبع أساليب الغرب [٣٧] ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك (وضمن مزيد من التناقض في شخصيته) ، إذ أخبر القناصل الأوربيين بأنه مستعد لمساعدة إخوانه في الأستانة فيما لو زحف الروس إليها للدفاع عن أراضي المسلمين وديارهم [٣٨] ، (ونقول: إذا لم تستح فاصنع ما شئت!) ولقد سار على نهجه حفيده الخديوي الأخير لمصر، إذ يقول: إن جده الباشا محمد علي خضع خضوعاً كاملاً للسلطان، وساعده، وقدم له خدمات، منها إخماد ثورة اليونان [٣٩] ، ونسي خيانة حرب جزر المورة وحروب الشام وموقعة نصيبين! . إن بريطانيا لم تكن راغبة في إسقاط الباشا نهائيّاً، فصفاته الشخصية ونظام حكمه تتلاءم مع متطلبات سياستها في مصر، كما أن نهجه المعادي للإسلام باعتباره أيديولوجية سياسية ومفهوماً حضاريّاً، وتعلقه بالمظاهر والمفاهيم الغربية في الحكم والإدارة والمؤسسات الثقافية والاجتماعية يكفل إضعاف روابط مصر بتراثها وعلاقتها بأمتها، وبالتالي: يفقدها هويتها الحقيقية، ويجعلها تدور في حلقة مفرغة تبحث عن هويتها [٤٠] في الوقت الذي فتح الباشا الطريق أمام التغلغل الاستعماري الغربي، إذ زاد اعتماد مصر على الأسواق الأجنبية ورؤوس الأموال الأوروبية، بينما قوّض قوى المعارضة الرئيسة، وهم العلماء، وأشاع الفرقة بينهم، وضرب بعضهم ببعض، وذلك بسبب اشتغالهم بالدنيا، والتحاسد عليها، والتطلع إلى الدعوات والولائم [٤١] بينما تكفل الإنجليز بصنعه بطلاً قوميّاً (حرر مصر من الأجانب هكذا زعموا بعد جلائهم عن الإسكندرية) [٤٢] تماماً مثل ما فعل الحلفاء مع مصطفى كمال أتاتورك في حربه مع اليونان! تلكم هي سيرة فرعون مصر في مطلع القرن الثالث عشر الهجري، الذي يوازي عصر النهضة والتنوير في القارة الأوروبية، وقد ظهرت من خلالها السمات العامة والمؤهلات المطلوبة من الغرب في ساسة الشرق الإسلامي. والعجيب: أنه ليس هناك كبير خلاف بين الماضي والحاضر فيما يتعلق بالمنطقة وأحداثها وشخصياتها، وهذا في حد ذاته يشبه الروايات العالمية الشهيرة التي يُعاد تمثيلها باستخدام وسائل عصرية ومتطورة دون المساس بالنص الأصلي أو الشخصيات الرئيسة، إن هذه السيرة تذكرنا أو تعلمنا أن الغرب مهما بدا متحضراً ولطيفاً ومتعاطفاً، فإن ذلك مردّه إلى وجود من يقوم عنه بتنفيذ رغباته وأهدافه دونما حاجة إلى بذل الجهد؛ لذا: اقتضت الأخلاق الأوروبية الرفيعة والتقاليد العريقة معاملة الآخر بكل تحضّر ومدنيّة! كذلك: فإن البرلمانات الغربية ووكالات الأنباء العالمية تبنت هي الأخرى لغة لطيفة ومتعاطفة في الماضي والحاضر مع المصلحين المستنيرين! من أبناء الأمة، وقدمتهم على أنهم حملة الإسلام الصحيح، ولا عجب في ذلك؛ فالأرواح جنود مجندة! لكن تبادل الأدوار أو تغيير العبارات والألفاظ لم يعد يجدي في ظل تكشف الحقائق وتصحيح المسار لدى الأجيال الجديدة، ولربما تكون هذه هي المرحلة الأخيرة التي يسجل فيها التاريخ بعض النماذج المتكررة للفرعون المستنير؛ لأن المسرحية قد أوشكت على الانتهاء، وسوف يسدل الستار، وحينئذ سنعلم حقّاً عدد الباشوات منذ فرعون العصر الحديث.

стр. 2256

نص شعري ذكرى الخليل شعر:د. عبد الرحمن بارود أَلهبتْ لوعَةَ القلوبِ الخليلُ ... فهي نارٌ من المآقِي تَسيلُ يومُ (باروخَ) والسّجاجيدُ غرقى ... في دمِ السّاجدينَ يومٌ مَهُولُ عُجْ على مسجدٍ حناياهُ تَدْمَى ... وأصِخْ للوجودِ ماذا يقولُ: [١] في جبالِ الخليلِ للنّورِ بَحْرٌ ... فيهِ تَشْفى الأرواحُ وهو عليلُ أمْرَضَتْهُ أفعى من الصّمِّ صِلّ [٢] ... ثمّ ألفٌ من الرؤوسِ ذيولُ *** سَحَرتْ كلّ ساحرٍ في البرايا ... البغيّ التي اسمُها راشيلُ لَبِسَتْ جِلْدَ دَيَنَصُورٍ وشَبّتْ ... فعلى نفسِها الحُواةُ تَبولُ *** آهِ يا مسجدَ الخليلِ ومن حُمْ ... ر النّوافيرِ فيكَ تَجري سُيولُ شَقّ جنكيزُ في لُحومِ المصلِي ... نَ طريقاً.. لكيْ يَمُرّ المغولُ صُوّمٌ.. قُوّمٌ.. ضُيوفُ مليكٍ ... بيتُه للمسافرِينَ سبيلُ ما تَهَنّوْا برشفةٍ مِنْ رَحيقٍ ... كلّ مالِ الوجودِ فيها قليلُ إذ تَِفّ [٣] الأرواحُ فجراً.. وكالأم ... واجِ في الرِّيحِ يَهْدِرُ التنزيلُ جنّةٌ حُوِّلتْ بنيرونَ ناراً ... وحياةٌ فيها المنايا تجولُ أطلقتْها صُهيونُ مجزرةً حَمْ ... راء يَعْلُو صُراخُها والعويلُ تَعْصِفُ الرِّيحُ والقلوبُ طيورٌ ... نحو أوطانِها دعاها الرّحيلُ تركبُ البِيدَ كلّما جَنّ ليلٌ ... ولها من (بناتِ نعشٍ) [٤] دليلُ ثمّ بينَ الزيتونِ تهوي.. تِباعاً ... والأحبّاءُ في الترابِ نزولُ فهي بينَ القبورِ تمشِي الهُوَيْنَى ... ولها كالمطوّقاتِ [٥] هَدِيلُ *** دَرَّ دُرُّ الخليل لو وزنوها ... بالجبالِ الشّمِّ الرواسي تَميلُ تطرحُ النومَ خَلْفَها وبَريقُ ال ... فجرِ لمّا تنشقّ عنه السّدولُ [٦] عندما تصْدَح المآذن يَسْري ... في شرايينها الحُداءُ الجميلُ وبِالرَوْحِ الجِنان يَنْسابُ فيها ... مِنْ بَساتينها النسيمُ العليلُ تشْحَذُ السيف في انتظار (صلاح) ... ولخيلِ الفتوحِ فيها صهيلِ أنّ بينَ البحرينِ أرضاً حراماً ... وطيوراً أحجارُها سِجّيلُ في قِسِيِّ [٧] الأقدارِ منّا سِهامٌ ... من تُسَدّدْ إليهِ فهو قتيلُ ولِسرْبِ النّسورِ فوق الثريّا ... شَرَفٌ باذخٌ ومجْدٌ أثيِلُ من طِراز الفتى (عمادِ بن عقلٍ) ... الردّى تَحْتَهُ جوادٌ أصيلُ طار ليلاً فَحَطّ نَسْرُ (ابْنِ عَيّا ... شٍ) .. فطارتْ من اليهودِ العقولُ في سويداءِ قَلْبِها أنْزَلَتْهُمْ ... أمّةٌ أَطبقتْ عليها المُحولُ [٨] كبّرتْ والسّماءُ تهطلُ في القُدْ ... سِ وقالتْ: الآنَ يَشْفى الغليلُ ولنُمروذنا الغَشومِ ادّرَعْنا: ... [حَسْبُنا الله وهو نِعمَ الوكيلُ] كم مَصَصَتَ الدِّماءَ.. كالعَلَقِ الأسْ ... ودِ.. جسمُ العملاقِ منه هزيلُ وهتكْتَ الأعراضَ.. كلباً عقوراً ... غابَ عنه التحريمُ والتحليلُ وعجنتَ الترابَ بالناسِ عجناً ... وضحايا (قانا) شهودٌ عُدولُ أصبحَ ابْنُ المِرِّيخِ مِنْ أهلِ يافا ... وابْنُ يافا هو الغريبُ الدّخيلُ وجعلتَ الأذنابَ فينا رؤوساً ... فعلى رأسِ كلِّ حُرٍّ عميلُ أوَ هذا هو السّلامُ المرجّى؟ ... أيّ شيءٍ إذنْ هو المستحيلُ؟ سوفَ يهوي بكَ الجنونُ قريباً ... في رحًي وَطْؤُها عليكَ ثقيلُ *** في فلسطينَ.. يا فتى.. كلّ شِبْرٍ ... بدماءٍ زكيةٍ مجبولُ ولزيتونِها المباركِ.. في الأع ... ماقِ.. عِرْقٌ بزمزمٍ موصولُ ما إخالُ الحدودَ إلا سيوفاً ... كلّها مِنْ قِرابِهِ مسلولُ هلْ جبالُ الشامِ إلا ليوثٌ ... رابضاتٌ.. بها تَحُفّ الشّبولُ؟ هل رأيتَ الجليلَ؟ كمْ أنتَ خَلا ... ب -! ! وكمْ أنتَ شامخٌ يا جليلُ! ! يا خليلي ... سَقْياً لحيفا ويافا ... ولمرجِ ابن عامرٍ، يا خليلُ يَنْثُرْ الدّرّ.. حيث شاءَ.. مَليكٌ ... عَزّ.. في مُلكِهِ الذي لا يزولُ وأنا ابنٌ لغزةٍ كم غَذَانِي ... ونَمَاني.. لِبانُها المعسولُ [٩] ! ! رَمْلُها يُنْبِتُ البطولةَ إنْ يَسْ ... قُطْ رعيلٌ في الساحِ يَبْرُزْ رَعيلُ نحنُ رحّالةٌ ... قَصَدْنا مَليكاً ... عَرْشُه فوقَ مُلْكِهِ محمولُ اشترانا.. مِنّا.. فقلْنا: رَبِحْنا ... لا نُقيلُ المولى ولا نستقيلُ [١٠] وبهِ.. لا بِنا ... نقارعُ جِنّاً ... بَعْدَ إنسٍ لنا عليهمْ ذُحولُ [١١] نحن غُرّ محجلونَ غُزاةٌ ... خَلْفَ غَازٍ لَهُ الجِهادُ سبيلُ في ظِلالِ السيوفِ عَدْنٌ ورزقي ... ها هُنا ... تحت ظِلِّ رُمْحي يَقيلُ *** جاء نُمروذُ راكباً.. فوق فِيل ٍ ليسَ تحميكَ يا جبانُ الفُيولُ إنّ (عزّاً) يُحيلُ فِيلَكَ كَوْماً ... من رمادٍ فعزّ.... عِزْرائيلُ وإذا شَنّتِ الجماجمُ حرباً ... فبماذا يُخَوّفُ المقتولُ؟ ! والذي خَطّهُ لكمْ ربّ موسى ... في الكتابينِ ما له تبديلُ

стр. 2257

(أروى) على مشارف الرؤية ..! شعر: عبد الوهاب الزميلي ١- (بهجة حلم) وجئتِ فما أطيب الغربتين ... وما أعذب الألم المنتظرْ! وما أعذب الموج في مقلتيك ... تراوده نغمات المطرْ! وما أعذب الشدْو بين الجفون ... يلملم في غربتي ما انتثر! وما أجمل الأحرف الهائمات ... وألوانها خلف موج الحُوَر! وهُدْبُكِ يحضن في مقلتيكِ ... طيوراً من النور بعد السهر! فإذْ تغمضين أرى لوحةً ... من الماء فيها ارتعاش الزهر فتبسم أجفانك الهاجعات ... فتضحك بين الحروف الفِكَر أنمتِ..؟ أفي حلم تركضي؟ ... أفي خمره توقدين السمر؟ ! أتملأُ من جنة نومها ... وتهدي أباها صباح الثمر؟ ! ! وفي الصّحو تعزف أنغامها ... و (بابا) هي النغم المبتدر عليها من الحُلم رقص الدّنان ... وفوح الورود ... وغيم الحذر فينبلج الحسن في صورة ... تماوج فيها ألوف الصورْ وألتحف الصمت في هيبة ... فينثال من خافقي ما استعر يطوف لهيباً يذيب الغمامَ ... ليقطر فوق الثغور القمر! ويلثمها ضمئاً حانياً ... فتسقيه بسمةً في خفر فيهطل عزف الفؤاد ضياءً ... و (أروى) الشّذا والهوى والوتر ٢- (دمعة..!) فهل وردة اللب تدري به..؟ ... فلا غدر للرد فيمن غدرْ ٣- (ركام جرح) لَكَمْ جَرَحَ القلبَ في صمته ... حضورُ الحياة وغيبُ القدر ووخز سؤال بأشواكه ... ينقّب عن دربها والسفر وعن أفق قادمٍ تنتهي ... إليه تمدّد بين الحفر وعن قومها خلف أجفانهم ... تواروا..! ! فهل يشفق المنحدر؟ ! يجرّهم حلم ضاحك ... نزولاً.. إلى كالح محتقر : (صعوداً لتقطف عبدانُنا ... وجوه النجوم فأين النظر؟ !) وتصبغ أحلامهم أوجهاً ... لتبرق في الصدف المبتكَر ٤- (على جفاف الرؤية) فيا وردة القلب هل تشهدين ... سقوط الغبار وموت التتر أيكبر أحبابنا بعدنا..؟ ... ويوفون عن كاذب ما نذر أتَنْبت في دربنا الشامخاتُ ... لتخلع درباً ذليل الشجر إذن فاشهدي أنني لم أهن ... وأنّي أَبيْتُ.. الدروبَ الأُخرْ

стр. 2258

قصة قصيرة موت مدينة بقلم:محمد علي البدوي رائحة الموت تفوح في أطراف المدينة، الصمت شبه مطلق يلتحف المكان، وأصوات الرصاص تخترق حاجز الصمت، الأبنية المهدمة وبقايا الشظايا المتطايرة قد رُسِمَتْ بوضوح على الجدران المتهالكة، الجثث متناثرة في كل مكان، تنبعث منها روائح مقززة. على أطراف المدينة المنكوبة وقف (آدم) طالب الجامعة يعانق بناظريه بقايا مدينته المحتضرة، وحديث هامس في داخله: (ما الذي جرى لك يا مدينتي؟ جرح الأمس لم يندمل حتى يحدث فيك بنوك جرحاً آخر؟ إلى من توجه هذه الأسلحة؟ ولمصلحة من تسيل كل هذه الدماء؟) . كانت الأسئلة المدببة تطنّ في رأسه بقوة، وأفكار حزينة تعصف به وهو يتخطى الجثث الملقاة على قارعة الطريق (كل هذه الوجوه أعرف أصحابها! إنهم أبناء مدينة واحدة، بل أبناء عمومة، ما الذي أصابهم؟ ! هم أنفسهم يدفعون ثمن هذه الحروب الملعونة) .. وأمام ما بقي من أطلال منزله وقف طويلاً، لم يستطع أن يتقدم أكثر من ذلك، صور الماضي الجميل تتراقص أمام عينيه وبقايا الأمس المنصرم تنداح في ذاكراته، ومن بعيد كانت أصوات القنابل ودوي القذائف حبلى بالقلق، محملة بالخوف من المجهول، بينما المدينة ما تزال تحترق، وهم يتراقصون في نشوة، فيزداد وقع المأساة في نفسه، ويعاود الحديث في داخله: (إنهم يرقصون فرحاً بالانتصار! وأي انتصار هذا وفيهم القاتل والمقتول؟ ! وبأي شيء انتصروا؟ رباه ... رباه أي عقول هذه) . أقدامه المترهلة تعجز عن حمله، وجسمه النحيل لم يعد يقوى على حمله، وقد أعياه المسير وأضناه التعب، فوقف أمام معسكر للقوات الأجنبية، كانت القبعات الزرقاء تنتشر بكثرة، وعيونهم المشوبة بالزرقة تبعث في نفسه مزيداً من التقزز، صدى ضحكاتهم العالية يطنّ في أذنيه، وهو يشاهد الكؤوس المترعة تفوح منها رائحة الجريمة، وفتاة مستلبة ترقص في خجل رقصة النصر! ، لم يتمالك نفسه، قام على الفور يتهاوى في مشيته كالمخمور، بينما شريط المأساة أخذ يتجلى أما عينيه في وضوح لم تحجبه دموعه الغزيرة التي أخذت تتساقط في حرقة وألم، غاب في بقايا المدينة المنكوبة، وصور كثيرة أخذت تلاحقه (المدينة التي ما زالت تحترق، الجثث الملقاة على قارعة الطريق، الفتاة إياها ترقص في خجل، القبعات الزرقاء، الدم المستباح يجري في غزارة) .

стр. 2259

نص شعري العناقيد ! ! شعر:جمال فضل بينا تدمر عناقيد الحقد [*] (قانا) ، كانت الحمائم تجتمع لتزيل من بنود ميثاقها نصوص تدمير الصقور! ! سلام على أدعياء السلام ... ومن ليس تنفعه باصرة يريدون أن تستحيل الذئاب ... حماة لذمتنا الخافرة [١] أتعجب أن يستحيل البغاث ... نسوراً على الأمة الهاذرة [٢] وأن تلعق الحَجْل باقي الفتات ... وأشداق أسيادها فاغرة [٣] نسينا بأن اليهود قطيع ... مع الوحش تجمعها آصرة [٤] لهم في صياغة تلك العهود ... وفي نقضها صنعة ماهرة أما كان بين الرسول الكريم ... عهود مع الطغمة الفاجرة فخانوا المواثيق وقت الشتات ... فكيف وهم دولة ظاهرة رويدك إن البعيد يعود ... وللغيب أفلاكه السائرة وهذي بشائر عهد السلام ... يجدد أوله آخره *** على جرح (قانا) تثور القروح ... ومن كل جرح لنا ذاكره نعم.. إنهم يقتلون الصغار ... وللثُكل لوعته الحائرة وراياتهم نحو صنع السلام ... عوالٍ ولكنها فاقرة عناقيدهم تلك لن تستكين ... لأغصان همتنا الخائرة عناقيدهم من صميم الكفاح ... سرابيل بطشتها سافرة لها همة أن تبيد الجميع ... فنحن لنا الهمة القاصرة *** يحيف بنا من يريد الشعوب ... عبيداً لقوته القاهرة [٥] ! ويهدي البغاة سلاح الدمار ... لتُخمد جذوتنا الثائرة يفرق وحدتنا والجهود ... لتصبح تلك الخطا عاثرة ويرفع راياته للسلام ... وآثام أنجاله سافرة لحا الله من يستجيز الركوع ... لأعداء أمته الطاهرة ويرضى بأمن الجوار اللئيم ... على رَمَض العيشة الصاغرة ألا إن نصر الإله العزيز ... يراوح في الآية العاطرة نكشّفهم لك كي (تستبين) ... فصفك أخلاطه ظاهرة [٦] دماء الضحايا ستحيي الجموع ... وأشلاؤهم جذوة ثائرة وتلك الذرى سوف لن تستكين ... فأنجمها في الهدى سائرة

стр. 2260

نص شعري الشهيد والسلام الذبيح شعر: د. صابر عبد الدايم صعوداً ... صعوداً.. إلى سدرة المنتهى فإن السلام الذي يزعمونَ ... انتهى! ! ! دماؤك طوفان عزمٍ ومدٍّ ... وملحمة الثأر أشعلتَها وكفاكَ للشمس مرفوعتان ... وراياتك الخُضْرُ أعْلنْتَها وأشعلت فينا.. فتيل الجهاد ... وكل المخاوف ... مَزّقْتَها دم القدْس يجري.. بأصلابنا ... ومن دمكِ الحرِّ روّيْتَها وما قتلوك.. وما صلبوك ... وإن الأمانةَ ... ما خنْتَها رفعت الجهادَ.. لنا رايةً ... بوشْم فلسطينَ شَكّلْتَها نقشت عليها حروف الكفاح ... وعمركَ ... ملحمة صُغْتَها صعوداً ... صعوداً ... إلى سدرة المنتهى فإن السلام الذي يزعمونَ ... انتهى! ! ! وصهيون يسْرق تاريخنا ... ويقتلُ فينا رؤًى عِشْتَها نهرْول.. نعدو.. إلى غاصبٍ ... يرانا دُمًى ... أدْمَنَتْ صمْتها وتصْهل خيل الجدود ضحًى ... ولكنهم ... مَزّقوا صَوْتها بمرج الزهور.. دماء العصور ... تفورُ ... وترْشقهم مَقْتها فلسطينُ قصة أمجادنا ... ولكنهم أعلنوا موْتها فيا ليت كانتْ.. ويا ليت كنّا ... ... وهل تنفع الآن ... ياليتها؟ دفنّا.... تواريخنا جَهْرة ... وفي دمك الحرِّ كفّنْتَها وما قتلوك ... وما صلبوك ... وإن القضيّة ... ما خُنْتَها فهل تطلق الآن أسرارها؟ ... وكل السراديب فتّشْتَها! ! ! وهل تجمع الآن أشلاءها؟ ... وكل الملفاتِ فجّرْتها! ! ! رفضْت زمان الهزيمة فابدأ ... حياتك.. إذْ أنْت حرّرْتها وعش في صدور الألى.. يرفضون ... حياة الهوان التي عفْتَها وعش في الحقول جذور إباء ... بأرض القداسات ألقيْتَها وسرْ في الشرايين.. نهْر حياةٍ ... من التيه والوهم ... أيقظتَها وفي الأفْق.. ألمح أنشودة ... وكم أنْت للقدْس غنيتَها (أخي جاوز الظالمون المدى) [١] .. ... وإن السلام الذبيح انتهى! فأطلقْ خيولك من أسرْها ... وأنقذ مرابع ... شيّدْتَها (وجدِّد حسامك من غمده) [٢] ... لتُحييَ أرضاً.. محَوْا سَمْتَها إليها (محمّد) أسرى ... ومنْها ... عروجا.. إلى سدْرة المنتَهى وبورك فيها.. وما حولها ... وسُرّاقُها.. شوّهُوا ذاتها! ! ! (وجاسوا خلال الديار ببأس) ... وهم يعلنون ... لنا موتها! ! أنتركهم يغصبون السلام ... ... وأرْضاً ... يعدون تابوتَها؟ ! فقم يا شهيد السلام ... وأسْرجْ ... خيولاً.... إلى القدْس وجّهْتها! تُغير صباحاً ... وتعدو ضباحاً ... وأنْتَ إلى الفتْح.. قدْ قُدْتَها فما قتلوك.. وما صلبوكَ ... وإن القضيّةَ ... ما خُنْتَها فعشْ في الحقول جذور إباءٍ ... بأرض القداساتِ ألقيْتَها وسرْ في الشرايين نهْر حياةٍ ... من التيه والوهم أيقظْتَها دم القدْس يجرْى بأصلابنا ... ومن دمك الحُرِّ رَوّيْتَها

стр. 2261

المسلمون والعالم الحكومة العالمية بقلم: عبد العزيز كامل كثيراً ما ينظر إلى الأمم المتحدة على أنها إطار مؤسسي لنظام متكامل يهدف إلى السيطرة على العالم، وكثيراً ما يطلق على أجهزتها وفعالياتها أنها: (حكومة عالمية) . إن هذا الوصف بالضبط؛ هو ما اختاره الأمين القبطي للمنظمة الدولية عندما ألف عنها كتاباً سماه: (الحكومة العالمية) [*] . فهل الأمم المتحدة حقّاً حكومة عالمية؟ ! وهل لهذه الحكومة ما للحكومات من أركان: حاكم، ومحكوم، ونظام حكم؟ إن المتأمل سيرى أن لهذه الحكومة حاكم، أو بالأحرى مجلس قيادة، يتمثل في الدول دائمة العضوية، وفيها محكوم هو الدول الصغرى والمتوسطة، وأما نظام الحكم فيها: فهو الميثاق والمقررات والمرئيات لدى الدول الكبرى، المبرمة في نصوص وفصول ومواد وضعتها في الأساس دول الكبر الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، فلها الدور الأساس في صياغة هذا البرنامج التسلطي الدولي (الحكومة العالمية) ؛ فأمريكا ظلت ترقب أوضاع العالم أثناء الحرب العالمية الثانية التي لم تدخلها إلا متأخرة بعد عامين من اندلاعها فضلاً عن أن أراضيها لم تشهد أي معارك، وأتاح لها ذلك كله فرصة التأمل الهادئ من أجل التخطيط لعالم ما بعد الحرب، وقد شهدت الولايات المتحدة وحتى قبل أن تشارك رسميّاً في الحرب ظهور عشرات المنظمات والهيئات التي ركزت كل جهودها لبحث سبل إرساء نظام جديد للعالم، في وقت كانت فيه أوروبا مشغولة حتى النخاع ببحث سبل وآليات كسب الحرب؛ ولذلك: لم يكن غريباً أن تصبح الصياغات الأولى لمشروع ميثاق الأمم المتحدة في مراحله الأولى كلها صياغات أمريكية بالأساس. ولذلك: لم يكن محض مصادفة أن يسمى إعلان الأمم المتحدة: (إعلان واشنطن) ، ويصدر في تلك العاصمة الأمريكية في يناير ١٩٤٢م، وأن تعقد أهم مراحل المفاوضات التمهيدية الخاصة بإنشاء المنظمة في مدينة (دامبرتون أوكس) إحدى ضواحي واشنطن عام ١٩٤٤م، وأن يعقد المؤتمر التأسيسي المنشئ للأمم المتحدة في (سان فرانسيسكو) عام ١٩٤٥م، وأن تصبح (نيويورك) هي المقر الدائم لتلك الحكومة العالمية، بعد الإعلان عن قيامها في ٢٤ أكتوبر ١٩٤٥م. إن تلك الحكومة أو هذه المنظمة هي أمريكية الوجهة، نصرانية المصدر.. فهي أمريكية الوجهة؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبتها، ومنشئتها، ونصرانية المصدر؛ لأن النصرانية هي ديانة أمريكا والديانة الأصلية للحضارة الغربية بأكملها، بشقيها الغربي والشرقي؛ ولم يكن ظل النصرانية غائباً عن صياغة بنود ذلك الميثاق الأممي، ويدل على ذلك دلالة صارخة: أن ما يعرف بـ (مجلس اتحاد كنائس المسيح) كان أحد أهم جهتين وكلتا بتشكيل اللجان لصياغة الأفكار الأمريكية الرسمية حول فلسفة المنظمة وملامح مبادئها، وقد ترأس تلك اللجنة الكنسية (فوستر دالاس) الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية الأمريكية، وقد شارك في اللجنة كذلك عدد من رموز اليهودية والكاثوليكية. هل هي مصادفة ألا يوجد في قائمة أسماء أمناء المنظمة الدولية طوال تاريخها اسم مسلم، على الرغم من أن الدول الإسلامية الأعضاء فيها تبلغ الثمانين؟ وهل هي مصادفة أنه عندما تقرر اختيار رجل من العرب أميناً، أن يكون هذا (الأمين) نصرانيّاً؟ ! إن ميثاق المنظمة بعد بلورته لم يعرض على جهة قبل مجلس الشيوخ الأمريكي، فللأمريكيين قبل غيرهم حق النظر في الكيفية التي سينتهي إليها نظام العالم، ولهذا: لم يكن أمام مجلس الشيوخ إلا أن أقره بأغلبية (٨٩) صوتاً ضد صوتين، ووافق أن تكون الولايات المتحدة هي أول دولة تودع وثائق تصديقها لدى المنظمة الدولية الجديدة، وأصبحت أمريكا بعد ذلك المستودع الرئيس للأفكار الخاصة، ليس فقط بإنشاء منظمة الأمم المتحدة، ولكن أيضاً بإنشاء العديد من الوكالات الدولية المتخصصة والتابعة لها. أما اليهود: فلا تسل عن ضلوعهم في تهيئة الأوضاع لنشوء تلك المنظمة، ويكفي دليلاً على ذلك: أن باكورة إنتاج الأمم المتحدة بعد قيامها، كان: إقامة دولة اليهود.. (إسرائيل) ! كيف إذن تدير هذه الحكومة سلطاتها على (الرعية) من دول العالم الصغرى والوسطى؟ لقد أجاب على ذلك المؤتمرون في (يالتا) عندما اتفقوا على اقتسام مناطق النفوذ في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.. حينها تطرق بحث زعماء إنجلترا وروسيا وأمريكا (تشرشل ستالين روزفلت) إلى كيفية تكريس واقع ما بعد الحرب لصالحهم، وفي (يالتا) تم الاتفاق على أن يكون للدول الكبرى حق النقض (الفيتو) دون أن يكون لبقية الدول ولو حق النقد لهذا الحق، وقد وصل الأمر بعد استقرار هذا التقليد، إلى حد أن السناتور الأمريكي (كوناللي) قام بتمزيق نسخة من طلب قدمته بعض الدول لتعديل نظام التصويت، وصاح قائلاً: (إنه من دون الفيتو، لن يكون هناك ميثاق أصلاً..) ! ! وهكذا ... بالقوة.. أراد أساطين الشرعية الدولية فرض شريعتهم الديكتاتورية على الجموع البشرية. إن ربع هذه الجموع تمثله أمة الإسلام، التي تقترب دولها من نصف أعضاء المنظمة (٨٠ من ١٨٠) ! ولهذا: يحق لنا ونحن نتساءل عن مدى شرعية (الشرعية الدولية) أن نطرح هذه الأسئلة: هل كان هناك لأمة الإسلام دور في صياغة هذا (الدستور) الذي يطبق على دولها في شؤونها الدولية؟ وهل استشير الإسلام في وضع مبادئه؟ ، أو كان مصدراً من مصادر استلهامه؟ ، وهل روعيت مصلحة الشعوب الإسلامية في أثناء وضع أهدافه؟ ، وهل تملك تلك الشعوب والدول، مجتمعة أو منفردة أن تخرج عن إطار الهيمنة التي أدخلت نفسها بنفسها تحت سلطتها؟ وهل يملك أحد ولو كانت الدول الإسلامية كلها، أو الدنيا بأسرها أن تغير حقائق وأهداف وقيم الدين الخاتم، وسلب أحقيته ولو نظريّاً في قيادة البشرية وتوجيهها بمقتضى رسالة الله الأخيرة إلى البشر؟ لقد كنت أظن أن برنامج الأمم المتحدة لحكم العالم قد صيغ لضمان سيطرة الغرب النصراني مع صنوه اليهودي على العالم فقط، ولكن تأكد لي بعد التفحص في بنود هذا البرنامج: أنه قد أحكمت خطته ليحول دون قيام أي منافسة لهم على زعامة العالم، وخاصة إذا كانت من العالم الإسلامي، الذي قامت زعامتهم على أنقاض خلافته الضائعة. إن هذا البرنامج بعبارة أخرى يراد منه أن يمكِّن للدول الكبرى النصرانية أن تظل قائدة إلى الأبد، وفي القمة إلى الأبد، ويراد منه في الوقت نفسه: أن تظل الدول الصغرى التي يمثل المسلمون غالبيتها مقودة إلى الأبد، وفي القاع إلى الأبد، فهل هذه شرعية؟ ! ! إننا ونحن نناقش مدى شرعية (الشرعية الدولية) ينبغي أن نستحضر الثوابت الإسلامية، ونستظهر المعاني القرآنية، بعيداً عن ضغط الواقع الذي يدفع بعضنا إلى الخروج من جلده والتكلم بغير لسانه ... وهنا: لابد من استظهار الحقائق التالية، قبل استعراض ماهية ونوعية بنود الميثاق الدولي لحكم العالم: -أن الفرضية التي انطلق منها الغرب وهو يؤسس لحكومته العالمية، وهي بقاء أمم العالم الثالث (وأكثرها من العالم الإسلامي) مستضعفة، هذه الفرضية لاينبغي أن تغير من قناعة الأمة الإسلامية في أحقيتها الأصلية في أخذ الزمام وتسلم الدفة. -أن الإصرار على وصف هذا الوضع الشاذ المتمثل في تسلط الأعداء بـ (الشرعية) ، والإمعان في إضفاء الاحترام والتبجيل لهم، يساعد على ترسيخ مفهوم التبعية لدى شعوب المسلمين. -أنه لا معنى للاستتار بحقائق الدين خلف جدران الوهن، وترديد مقولة المهزومين بأنه لا مخرج عن تلك الولاية الدولية القسرية، ولا مناص بالتالي من النزول على شرعيتها؛ فإن هذه إن وقعت قدراً، فليس معناها أن تسوغ شرعاً. -أن النزول على كل أحكام تلك الشرعية الدولية، سيعني التسليم لولاتها الدوليين بحقوق ليست لهم، ولا هي مقبولة منهم، مثل: إلغاء الجهاد الإسلامي لنشر الدين الحق أو حتى حمايته، إنْ طلباً أو دفعاً، وإلغاء القسمة الإسلامية لدول الأرض إلى ديار إسلام وديار كفر، واستبدال ذلك بدول مستقلة أو غير مستقلة بحسب ارتضاء الغرب عنها. - بل سيعني هذا النزول على أحكام الشرعية الدولية: التنازل عن التقسيم الإلهي للبشر إلى مؤمن وكافر من الناحية العملية، مما يترتب عليه التنازل عن عقيدة الولاء والبراء. - أن أصحاب شريعة الإسلام الإلهية التي لم تلق شرعية أو احتراماً من أصحاب الشرعية الدولية حين أصلوا لها، لاينبغي أن يكافئوا تلك (الشرعية الوضعية) بإضفاء الشرعية الإسلامية عليها. - أن شريعة الإسلام الشاملة الكاملة تأبى أن تكون حاكمة في داخل بلاد المسلمين ومحكومة خارجها، وترفض أن يُتحاكم إليها في السياسة الداخلية، ثم يتحاكم إلى غيرها في السياسة الخارجية. -أن ما تهدف إليه المنظمة الدولية لا يتعلق بأمر ثانوي بالنسبة لأمة الإسلام، بل يتعلق بأصل كيانها ووظيفتها التي أنيطت بها في حاضرها ومستقبلها. -أن الاضطرار إلى أكل جزء من الميتة لا يجعل لحمها من الطيبات، واللجوء إلى استبقاء النفس بجرعة خمر؛ لا يجعل الخمر من المباحات، فكذلك الوقوع تحت حكم الكفار اضطراراً؛ لايجعلهم من الأخيار الذين نتسابق إلى تحكيمهم في رقاب الأمة ودمائها وأموالها. - سواء أكانت المعاهدات الدولية عقوداً أو عهوداً، فإن العقود والعهود تحل أو تحرم بحسب المعقود عليه، ولا يتصور حِل التعاقد على إهانة أمة الإسلام على يد الظالمين، أو التعاهد على تسليم الكافرين زمام أمر العالمين. وأخيراً: - قد يثور تساؤل حول مدى صدقية القول باستهداف الأمة الإسلامية من خلال فرض همينة الدول النصرانية، فقد يقول قائل: وهل الدول الإسلامية فقط من ضمن دول العالم الثالث هي المقصودة بالعداء وفرض الهيمنة، أم أن ذلك أمر مشترك مع كل الأمم الضعيفة والمتخلفة بسبب ضعفها وتخلفها؟ والجواب على ذلك ينبع من استقراء ممارسات الدول الكبرى والفَرق بين تعاطيها مع القضايا الإسلامية كما سبق التفصيل في مقال سابق وتعاملها مع القوى الناهضة الأخرى، ولننظر على سبيل المثال في نموذج (الهند وباكستان) : كيف سمح لهذه الهندوسية بتملك القنبلة النووية، ولم يسمح لتلك المسلمة بتملكها؟ ، وهناك مثال أظهر يوضح التحيز السافر، وهو نموذج (الدولة العبرية) مع الدول العربية، بل مع كل الدول الإسلامية، ليس في المجال النووي فقط، بل في كل المجالات ... وليس آخر الأمثلة ما يحدث مع كل من البوسنة وألبانيا وكوسوفو من جهة وما يحدث مع الصرب والكروات من جهة أخرى. إن الممارسات نعم الممارسات هي التي تفصح عن الشعارات، فتفضحها أو تمدحها، وقد لا يتفطن كثير من الناس لخفايا وخبايا الشعارات؛ لدقة حبكتها أو التواء صياغتها أو استتار غايتها، ولكن سرعان ما يكشف الظاهرُ الباطن. وقد تبنت الأمم المتحدة منذ أبرم ميثاقها سبعة مبادئ، حوتها المادة الثانية منه، فلنستعرض تلك المبادئ، ولنقرأ ما بين سطورها غير مخدوعين بظواهرها، ولنسأل الأيام والليالي ... لأي شيء وضعت؟ . المبدأ الأول: المساواة السيادية بين الدول، فتنص الفقرة الأولى من المادة الثانية على أن (الأمم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، سيادة قانونية في الحقوق والواجبات) ، وقد نقضت المنظمة واقعيّاً هذا المبدأ الذي خطته نظريّاً، فلم تتردد في هدمه بإعطاء الدول الكبرى وحدها مزايا خاصة، أهمها الحق في مقعد دائم في مجلس الأمن الذي يبت في القضايا الدولية، وكذلك أعطت الدول الكبرى لنفسها حق النقض الذي يمكّن كل دولة كبرى عمليّاً من الحيلولة دون صدور أي قرارات تتعلق بمسائل موضوعية إذا كانت لا ترغب في صدورها! المبدأ الثاني: وقد قررته الفقرة الثانية من المادة الثانية، إذ يشترط لكي يكفل للأعضاء جميع الحقوق والمزايا المترتبة على صفة العضوية بأن يقوموا بتنفيذ الالتزامات التي تعهدوا بها على أنفسهم (بحسن نية) ، وهي التزامات قد تكون مادية أو في شكل تسهيلات لتمكين الأمم المتحدة من الدفاع أو الهجوم في العمليات التي تدور في فلك المصالح العليا للقوى العظمى. و (حسن النية) المشترط لكسب مزايا العضوية، قد ضربت الدول الكبرى فيه (أروغ) الأمثلة، وبخاصة في القضايا الإسلامية كما سبق إيضاحه. وأما إذا لم يتوفر (حسن النية) من الضحية صاحبة العضوية، فلا حقوق ولا مزايا ولا مكافآت، ولا مناص من العقوبات. المبدأ الثالث: فرضت الفقرة الثالثة من المادة الثانية على الدول الأعضاء الالتزام بمبدأ (إنهاء المنازعات بالطرق السلمية، على نحو لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر) وهذا بالطبع من باب التوجيه والنصحية من الدول الكبرى لأخواتها الصغرى بأن تحل النزاعات بالطرق السلمية، لا بالقنبلة الذرية كما فعلت أمريكا في (هيروشيما) ، ولا بالغزو المباشر كما فعلت بريطانيا في (جرينادا) ، ولا بالاجتياح السافر كما فعلت روسيا في (أفغانستان) و (الشيشان) ، ولا بإبادة الآلاف من الثوار كما فعلت فرنسا في الجزائر! ! المبدأ الرابع: في الفقرة الرابعة من المادة الثانية، وهو يلزم الأعضاء (بتحريم التهديد باستخدام القوة أو استخدامها فعلاً ضد سلامة الأراضي والاستقلال السياسي على وجه لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة) . ولكن ماذا لو اتفق مع مقاصد الأمم المتحدة ومن هم وراء الأمم المتحدة؟ ، إن الأمر وقتها يختلف، ودولة اليهود مثال على ذلك، فهي تمرغ هذا المبدأ في التراب كل ساعة وكل دقيقة وثانية، بعدد ما في ترساناتها من أسلحة نووية وكيماوية وجرثومية، وبعدد الأشبار والأمتار التي استولت عليها بالقوة العسكرية، كل هذا تحت مظلة الشرعية الدولية. المبدأ الخامس: تلتزم جميع الدول بموجب الفقرة الخامسة من المادة الثانية من الميثاق بتقديم (كل ما في وسعها من عون إلى الأمم المتحدة في أي عمل تتخذه وفق هذا الميثاق) . وأيضاً: (تلتزم بالامتناع عن مساعدة أي دولة تتخذ الأمم المتحدة إزاءها أي عمل من أعمال الردع) ليس هذا فحسب، بل فرض الميثاق على الدول الأعضاء بموجب المادة (٤٣) بأن (يضعوا تحت تصرف مجلس الأمن ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات الضرورية، ومنها حق المرور) إذا تطلب الأمر! إن كل دول الإسلام مثلاً لا تملك إسعاف شعب مسلم ولو مات أطفاله جوعاً أو هلكوا مرضاً؛ لأن الأمم المتحدة قررت فرض حصار عليه، لخلافات سياسية حقيقية أو وهمية مع قادته، ودول العالم الإسلامي كلها لا تستطيع أن تخرج على الشرعية الدولية؛ فتهب لنجدة شعب مستضعف يستأصل على مرأى ومسمع من العالم كما في البوسنة أو الشيشان، لأن الأمر لابد أن يترك لعدالة الأمم المتحدة والقانون الدولي، إن هذا البند بالذات يفسر لنا حالة الموات التي تصيب العالم الإسلامي ودوله في تعاملها مع القضايا الدولية الإسلامية. المبدأ السادس: يوجب الميثاق حتى على الدول غير الأعضاء أن تلتزم قسراً بمبادئ وقرارات الأمم المتحدة، وأسند الميثاق لها بموجب الفقرة السادسة من المادة الثانية أن (تعمل على أن تسير الدول غير الأعضاء على هدي المبادئ الواردة في الميثاق) ، وأكدت في هذا الصدد أن (الأمن الدولي لا يتجرأ) ، والمعنى: اشتركوا في العضوية أو لا تشتركوا، فسوف تشملكم مظلتنا.. ومعنى هذا أيضاً: أن الصورة التي يراها الكبار للعالم ينبغي ألا تتغير، ومواضع النفوذ غير قابلة للمناقشة، وأن من يخرج عن الخط الأحمر، فلابد من تجييش العالم ضده. المبدأ السابع: ليست للمنظمة الدولية مسؤولية تجاه الشؤون الداخلية في الدول، ومع هذا قُيد هذا الإطلاق بشرط، هو: (على أن هذا المبدأ لا يحول دون تطبيق تدابير الردع الواردة في الميثاق) ، ولم يتضمن الميثاق تعريفاً أو حصراً للمسائل التي تقع تحت طائلة تحمل المسؤولية أو عدم تحملها، فالأمر متروك لـ (ذكاء) و (نزاهة) القائمين على المنظمة الدولية، لتقدير من يستحق العقوبة والردع لانحرافاته الداخلية ومن لا يستحق. إن هذه المبادئ وغيرها من تفصيلات (الميثاق الدولي) تجسد حقيقة اعتبار الأمم المتحدة نفسها حكومة عالمية، وسواء أَسَلّمَت لها شعوب الأرض بذلك أو لم تسلم، فإنها تتعامل على أساس أنها حكومة فوق كل حكومة، حتى إن المادة (١٠٤) منها تنص على أن الأمم المتحدة: (تتمتع في بلاد كل عضو من أعضائها بالأهلية القانونية التي يتطلبها قيامها بأعبائها وتحقيق مقاصدها) ، أي: أعباء ومقاصد الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا بالطبع. إن تحكم الدول دائمة العضوية حال دون أي مساس بمكتسبات ومصالح تلك الدول المستمرة باستمرار قيام المنظمة الدولية، حتى إنها حالت دون إدخال أي تعديلات جوهرية على الميثاق طوال نصف القرن الماضي.. إن هذا الثبات بل الجمود على التمسك ببقاء كل شيء على ما هو عليه، يرشح المنظمة في الاستمرار في إدارة شؤون العالم على النحو المرسوم لها، ولكن.. لحساب من؟ ... لحساب الدولة الكبرى أولاً، ثم لصاحباتها الدائمات ثانياً.. والواضح أن الولايات المتحدة تستدرج بقية شركائها الواحدة تلو الأخرى مع الزمن؛ لتخرجهم من حلبة المنافسة على السيطرة على العالم كما فعلت مع الاتحاد السوفييتي لتنفرد هي بعد ذلك بهذا العالم، وتصبح الدنيا في قبضة أولئك النصارى المتهودين، أو قل: اليهود المتنصرين: البروتستانت، الذين يؤمنون بـ (الكتاب المقدس) التوراة والإنجيل معاً. ونقرر هنا الحقيقة المرة، وهي: أن بين البروتستانت واليهود صلات وصلات، منها ما نعرفها، ومنها ما لا نعرفها، فإلى متى يضع المسلمون رءوسهم في الرمال ويقللون من شأن (العلو الكبير (الذي بلغه اليهود في هذا الزمان؟ .. ونسأل سؤالاً: أليس من الممكن أن يستغل اليهود هذه الأوضاع فيقفزوا فوق ظهر المنظمة الأممية بصورة علنية (بدلاً من الحكومة الخفية) ليتسلموا قيادة العالم عن طريق الأمم المتحدة بعد تطويرها وتحويرها..؟ لِمَ لا ... وهل يمكن لليهود أن يجدوا صيغة أسهل وأنسب من هذه الصيغة لتحقيق حلمهم القديم ... (الحكومة العالمية) ؟ !

стр. 2262

المسلمون والعالم (بورنا) المنسية وواجبنا نحوها بقلم: مندوب المجلة المتجول بورنا قبيلة وثنية يبلغ تعدادها نحو ثلاثة ملايين نسمة، لم تصل الدعوة الإسلامية إلى أغلبهم حتى الآن، مع أنهم يعيشون بالقرب من قبائل إسلامية، وهم يعيشون بين دولتي إثيوبيا وكينيا، وقليل منهم دخل الإسلام قريباً، وأتوقع أن يسلم أكثرهم إذا وفق الله (تعالى) الدعاة للقيام بواجب الدعوة إلى الله (تعالى) في هذه المنطقة المنسية، وذلك بوضع خطة مدروسة يتعاون في تنفيذها الدعاة مع أهل الخير؛ لتأهيلهم وإمدادهم بما يستحقونه من دعم. معلومات أولية عن المنطقة: أولاً: الموقع: تبعد منطقة (بورنا) عن العاصمة (أديس أبابا) ٤٧٥كم على الخط الجنوبي المؤدي مباشرة إلى (كينيا) ، و٣٣٠كم عرضاً على الخط نفسه المؤدي إلى مدينة (مويلي) ، التي هي إحدى مدن بورنا، وهي مدينة يقع نصفها في إثيوبيا ونصفها الآخر في كينيا، وهذه القبيلة تمتد داخل كينيا ٤٠٠كم٢ تقريباً. ثانياً: المناخ: ويمتاز جَو (بورنا) بالاعتدال، وإن كان يميل في الطرف الجنوبي إلى الحرارة صيفاً، كما أن أراضيها صحراوية، بينما الطرف الشمالي الذي يلي إثيوبيا بارد وجبلي ذو أشجار وأنهار. ثالثاً: الثروة الحيوانية والزراعية: المنطقة غنية بالثروة الحيوانية وبخاصة الأبقار، ويبلغ متوسط ما يملكه الرجل حوالي (١٠٠) بقرة، وتعتبر في مرتبة متقدمة في إنتاج الأبقار والجمال، ومن أجود أنواعهما ذوات اللون الأبيض ... وهناك أغنام كثيرة أيضاً، ويباع الحليب بأرخص من الماء في بعض المناطق، وتوجد الزراعة بالقدر الكافي لأهالي المنطقة، فلا يحتاجون إلى غيرها؛ لأن هناك واحات في عدة أماكن في المنطقة. رابعاً: العادات والتقاليد: أهل بورنا وثنيون؛ وعاداتهم جاهلية وتقاليدهم كذلك، وهم من أشد الناس تمسكاً بعاداتهم وتقاليدهم، وقد بقوا حتى الآن متمسكين بها، ولم تؤثر عليهم المدنية والثقافات الغربية أو الشرقية، ومن العجب: أن هؤلاء القوم قد نظموا حياتهم تنظيماً عجيباً؛ حيث إن لهم رئيساً يدير أمورهم، تجب طاعته طاعة مطلقة، بحيث لا يحركون ساكناً إلا بأمره وإشارته، حتى ولو أدى ذلك إلى ضررهم. وحسب تنظيمم: يعتبرون كدولة، ويتكون تنظيمهم من: مجلس للشورى، ورؤساء للقبائل، ورئيس عام، وموجهين مرتّبِين حسب مكانتهم، فإذا اعتدى عليهم الأعداء لا يحاربونهم إلا بأمر من الرئيس، وإذا أمر أو وجه إلى ذلك فطاعته واجبة، وتنفيذ ما يأمر به ضروري. خامساً: شخصيتهم الفطرية: وهم قوم يتسمون بالقوة، والثقة بالنفس، والثبات في الملمات، والذكاء الفطري، ويتسمون بالفصاحة وطلاقة اللسان، وقد استمعنا إلى طالب صغير يحفظ القرآن، فقرأ علينا آيات، دهشنا من حفظه، وطلاقة لسانه، وفصاحته.. وهم بدو رحل ينتقلون من مكان إلى مكان مع دوابهم. سادساً: أهم المدن والقرى: (١) نعيلي: وهي عاصمتهم الرسمية وأغلبية سكانها مسلمون، وأكثرهم من اللاجئين العائدين من الصومال، وبها نشاط إسلامي لا بأس به. (٢) ميغا: وهي على بعد (٦٦٥) كم من العاصمة، وهي مدينة تقع في وسط بورنا، وهي إحدى مديريات المنطقة: جوها معتدل طيب، في موقع استراتيجي مهم، تكتنفها الجبال وكأنها قلعة من القلاع، كما أن هناك قلعة قديمة على مدخل المدينة منذ عهد (هيلاسلاسي) ، ولعلها تكون بإذن الله قلعة إسلامية ومنطلقاً للدعوة لنشر العقيدة الصحيحة والمنهج السليم، ومما تختص به هذه المدينة ما يلي: وجود الماء وقربه، فلو حفر بئر يخرج الماء من أقرب مكان. اعتدال جوها. توسط موقعها؛ مما يسهل نشر الدعوة منها إلى مختلف الجهات. وجود الدعاة من: شباب، وشيوخ من أهل البلد، يعتمد عليهم بعد الله (تعالى) في الدعوة. هي منطقة مُرَكّزٌ عليها من قبل المنصرين. يملك المسلمون فيها مساحات كبيرة من الأراضي. هي منطقة زراعية، غنية بالمواشي من: الأبقار والجمال والأغنام، مما يسهل المعيشة فيها. يسيطر المسلمون على مقاليد الأمور فيها. (٣) مويل: وهي مقسمة بين إثيوبيا وكينيا، وأغلب سكانها من المسلمين (ومن القوميات الوافدة إلى المنطقة لغرض التجارة) ، والنشاط الإسلامي فيها جيد (حيث توجد عدة مساجد ومدارس إسلامية أهلية) وهي مدينة استراتيجية ذات أهمية دعوية، وبخاصة قسمها الكيني. (٤) يابلو: وهي على بعد (٥٦٥كم) من العاصمة أديس أبابا، وهي أيضا مديرية المنطقة، ومساحتها كبيرة، والمسلمون فيها نحو ٥٠%. والنشاط الإسلامي فيها جيد؛ لنزول عدد من المسلمين اللاجئين العائدين من الصومال بها، وفيهم دعاة محليون جيدون، ويقومون بنشاط ملموس، ويوجد في المدينة مسجدان: أحدهما كان منزلاً حَوّلَه أحد المحسنين إلى مسجد لأهل السنة بدلاً من مسجد طردوا منه، وقد أخذ أهل السنة أرضاً واسعة لبناء مسجد، ويمكن إقامة مركز إسلامي على تلك الأرض إذا وجد من يتبناه (فأين أهل الخير؟ !) . (٥) فنطاوي: وهي مدينة تقع على بعد (٤٩٥كم) وهي تابعة لمديرية (يابلو) ، والمسلمون فيها نحو ٥٠%، وفيها مسجد وخلوة لتحفيظ القرآن الكريم، وفيها نشاط إسلامي محدود، وتحتاج إلى داعية وموجه إلى المنهج الصحيح؛ لأن المسلمين في المنطقة ليس لديهم فهم صحيح عن الإسلام؛ بسبب الجهل وكثرة المشعوذين. وهناك مدن أخرى مثل (دبلق) و (هريرو) و (أدرا) و (غنالي) و (أغرمارم) و (كبرمنغست) . النشاط الإسلامي في بورنا: ويمكننا القول: إن النشاط الإسلامي في المنطقة ليس كما ينبغي، وخاصة أن الدعوة الصحيحة لم تدخل المنطقة بعد، ولا يوجد من يتبنى المنهج الصحيح الخالي من البدع والخرافات، ومن هنا: يوجه الذين أسلموا منهم وبخاصة الدعاة المصلحين عتاباً ولوماً شديداً للمسلمين، وقد قال واحد منهم: نحن نحاجّكم عند الله يوم القيامة، فقيل له: لماذا؟ فقال: إن دعاة التنصير يسعون ليل نهار لالتقاط أبنائنا، وتكثيف جهودهم عندنا بمختلف الوسائل، وأنتم لم تتقدموا إلينا بدعوة إسلامية صحيحة، اعلموا أنه لو وجهت الدعوة الإسلامية الصحيحة إلينا لكنا أسبق إلى الإسلام؛ لأن الإسلام دين الفطرة، ونحن على الفطرة وعاداتنا وتقاليدنا تتفق غالباً مع التوجيهات الإسلامية. وفي الحقيقة: إن كلام هذا الشخص يتفق مع ما قاله شيخ الإسلام (ابن تيمية) : (ما عرض الإسلام على قوم وثنيين مع ملة أخرى إلا اختاروه) ، وإذا كان الأمر كذلك فَتَحَتّمَ علينا أن نقوم بأداء هذا الواجب الخطير قبل المحاجة أمام الله (سبحانه وتعالى) ... فهل يستجاب لهم؟ ، (عسى ولعل) . أهمية نشر الدعوة في أهل (بورنا) : هذه مهمة عظيمة، نسأل الله (تعالى) أن يكتب لنا شرف القيام بها مع إخلاص النية؛ حتى يبقى لنا الثواب إلى قيام الساعة؛ لقوله: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئاً) ، ولقوله: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) . فأجور هؤلاء الذين يسلمون، ثم أجور ذرياتهم تكتب لنا إذا أخلصنا النية إلى قيام الساعة، وهذه درجة عظيمة ينبغي أن نهتم بتحصيلها، ونتحمل المشاق والصعاب لبلوغها، ونسهر الليالي والأيام لإداركها، فسبحان الله! ما أعظمها من درجة! وما أغلاه من ثواب! ، فهذه المنزلة ينبغي أن يشمر إليها الصالحون، ويتنافس فيها العلماء العاملون، ويتسابق إليها الدعاة المصلحون، فيا لها من منزلة تأخرت عدة قرون لحِكَمٍ يعلمها الله (تعالى) ، ولعل منها أن الله (تعالى) كتب لأهل عصرنا من الدعاة والعلماء أن يشاركوا فيها؛ إذ من العجب العجاب: أن قوماً يقدرون بعدة ملايين على قرب من المسلمين: يتجاورون معهم في السكن، وتحيط بهم عدة قبائل من المسلمين، بل تخالطهم وتساكنهم وتتجر معهم أحياناً، وتتقاتل وتتناحر معهم أحياناً، وتتصالح أحياناً أخرى، وتتفاهم بلغتهم وتشاركهم في كثير من العادات والتقاليد، ومع توافر هذه الأسباب الميسرة لدعوتهم وإدخالهم في دين الله (تعالى) فلا يزالون على وثنيتهم ... حكى لنا الشيخ حسن بن علي (وهو من أهل بورنا) : أن زميله الذي أسلم من البورنيين تناقش مع أحد عقلائهم، فجرى في المناقشة أن الوثني قال له: ماذا تسموننا؟ ، فقال المسلم: كفاراً، فقال: ما معنى كفار؟ قال: الكافر المعاند، فقال: هل دعوتمونا فعاندنا؟ ، فقال: كيف ندعوكم وأنتم تقتلون الناس من غيركم؟ ، فقال: أناشدك بالله أن تريني في مناطق بورنا كلها قبر رجل رباني يدعو إلى الله، قتله البورنيون! ! ! وهذه المحاورة وقعت قريباً وأصحابها أحياء معروفون، وهي توضح حقيقة واقعية: أن الدعاة إلى الله على بصيرة وبمنهج صحيح لم يتجهوا إلى دعوة هؤلاء القوم، بل حصلت بعض المعوقات بسبب بعض العادات الناتجة من بعض المسلمين المجاورين لهؤلاء؛ إذ يشترطون شروطاً ما أنزل الله بها من سلطان إذا تقدم أحد من البورنيين للدخول في الإسلام، ومن ذلك: ١- يشترطون عليه الخروج من قبيلته، والانتساب إلى قبيلة الداعية، وتغيير اسم أبيه إلى اسم الداعية! ! ٢- مقاطعة آبائه وإخوانه وقبيلته، بل والهجرة إلى قبيلة الداعي المتناحرة مع قبيلته. ٣- دفع واحدة أو عدة مواشٍ إذا أراد الدخول في الإسلام كأجرة! ٤- إذا دفع عدة أبقار أو جمال: يمكن إدخال والده المتوفى في الإسلام! ٥- وجوب عقيقة على أولاده، يأكل منها الداعي! وقد يأتي رجل فيطلب الإسلام، فيقال له: لا نجد لك الآن اسماً، أو: لا يوجد مكان للتسجيل! ، ومما سمعناه: أن أحدهم طلب من هؤلاء أن يسلم، فاعتذروا إليه بعدم وجود المكان، ثم توفي شخص من هؤلاء المسلمين، فذهب إليهم، فقال لهم: أريد أن تسجلوني في مكان المتوفى! ! ! وقد أدت هذه التعقيدات والعقبات إلى نفور هؤلاء القوم من المسلمين المجاورين لهم، بل إلى قتالهم والإغارة عليهم، فكانت النتيجة: أن تأصلت العداوة بين الطائفتين المتناحرتين، ومع هذا: فهؤلاء الوثنيون هم أقرب إلى الإسلام من غيرهم من الملل، وعندهم ميل فطري إلى الإسلام، فهو دين الفطرة ودين السماحة، فانظر كيف تحول في عرف أولئك بسبب جهل بعض المسلمين إلى غل وحائل عن الولوج فيه! ومن الأسباب الميسرة لدخولهم في الإسلام: ١- أنه دين الفطرة الذي لا تعقيد فيه. ٢- أن البورنيين يحبون الإسلام بفطرتهم ويفضلونه على غيره من الملل والنحل، ويوضح هذا: ما يتناقلونه فيما بينهم من أن صالحهم أو كاهنهم أوصاهم قديماً بالدخول في الإسلام، وعدم الدخول في غيره، وأنهم يتناقلون تلك الوصية جيلاً عن جيل. ٣- وقد يكون الإسلام قد دخلهم قديماً، ثم كثر فيهم الجهل حتى رجعوا إلى الوثنية، ويشهد لهذا أمور، منها: أ- أن أحد زعمائهم وهو الحاج غويو ذكر لنا أنهم كانوا على الإسلام قبل (٦٠٠) سنة. ب- تقاليدهم وعاداتهم فيها بقايا من دين الإسلام، ويوضح هذا ما سيأتي عن حياتهم الاجتماعية. ج- نظام الزواج؛ فالرجل يتزوج من الواحدة إلى الرابعة (وهذا هو الأغلب) لا يتجاوز ذلك إلا نادراً. د- أن قبائلهم تقسم على مسميات تشعر أن هذه القبائل كانت مسلمة، من ذلك: القبائل المسماة بالقَالوّ، وهم في لغتهم: العلماء الربانيون، وهي قبائل محترمة لديهم. ٤- حالتهم الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم قريبة إلى الإسلام منها إلى أي ملة أخرى، فمن ذلك: أ- اللباس: فمن عاداتهم في اللباس أن الرجل إذا بلغ سنوات معينة يلبس نوعا من العمامة، وأن أنثاهم لا تكشف العورة، فالعري قبيح جدّاً لديهم، بخلاف القبائل الوثنية المتأصلة. ب- السواك يلازمهم نساءً ورجالاً، فالسواك لا يفارقهم. ج- الزنا من أشد العظائم لديهم. د- الكذب والخيانة أقبح الأمور عندهم. هـ- فضيلة أداء الأمانات والصدق والوفاء بالعهود عندهم. ٥- أنهم قوم بدو رحل يشبهون عرب الجاهلية في أمور كثيرة، مثل: العفة، والذكاء، وسلامة الفطرة، وصفاء الذهن. وفي الحقيقة: عندما تحدثنا إليهم وظهرت لنا نجابتهم وطلاقة ألسنتهم وفصاحتهم وبلاغتهم؛ تذكرنا ما كان يعرف عن عرب الجاهلية في الفصاحة، والبلاغة، والذكاء، والعفة، وأداء الأمانات، وعدم الكذب، والصراحة الصارمة، كما أنهم من ناحية أخرى يشبهون عرب الجاهلية في تتبع مواقع القطر في الحل والترحال مع مواشيهم وإبلهم، كما أنهم يشبهونهم في الأخذ بالثأر والإغارة على القبائل المجاورة المخاصمة، وكذلك يشبهونهم في الشجاعة والبطولة والإقدام. صراعاتهم مع المنصرين: بذل المنصرون جهوداً كبيرة لتنصيرهم، وقد باءت أغلبها بالفشل، ومن تلك الجهود: أ - أن الأمبراطور الهالك (هيلاسلاسي) عرض على زعيمهم الروحي تنصيرهم، فتشاور هذا الزعيم مع قومه، واتفقوا على أن دين النصارى لا يناسبهم؛ لأنه لا يتناسب مع عاداتهم وتقاليدهم. وقد رد زعيمهم على هيلاسلاسي بالرفض لتنصرهم قائلاً: إن عاداتنا وتقاليدنا لا يمكن أن نتنازل عنها بأي حال من الأحوال، ومن يريد تنصير قومي، فإنه لا يمكنه ذلك إلا بعد قطع رقبتي، وبهذا الجواب يئس هيلاسلاسي من تنصيرهم بواسطة زعيمهم الأعلى، ثم قام بمحاولة أخرى: حيث نصر أحد المثقفين منهم وولاه إحدى المديريات، وأرغم هذا الوالي نحو ٥٠٠ من الفلاحين بتخويفهم بالطرد من مزارعهم إن لم يتنصروا، فأطاعوه خوفاً، ثم أحضر لهم قسيساً يعلمهم، وأراد بناء كنيسة لهم، وبعد أن مكث معهم القسيس نحو ثلاثة أشهر اكتشف أن أحدهم دخل في الإسلام؛ حيث إن ذلك المسلم قال بحضرته بدون تفكر: لا إله إلا الله، فسأله عن ذلك فقال: أسلمت قريباً، فقال القسيس: عجباً! إني أعلمكم كلمات في النصرانية منذ ثلاثة أشهر ولا تستطيعون نطقها إلى الآن، وكيف تستطيع نطق هذه الكلمة التي تعلمتها قريباً؟ فقال: إني دخلت الإسلام عن رغبة، ودخلت في النصرانية كرها وخوفاً، فقال القسيس للحاضرين: هل أنتم كذلك؟ فقالوا كلهم: نحن كذلك مكرهون، فكتب تقريرا إلى (هيلاسلاسي) أنه لا فائدة في هؤلاء، ولا في بناء الكنائس لهم، وانتقل القسيس من ذلك المكان يجر أذيال الخيبة. ومع هذا: لم يتركهم (هيلاسلاسي) حيث نقل إلى مدنهم النصارى من الموظفين الإداريين، فبنوا الكنائس في المدن الاستيطانية، غير أنه لا يُرى أثر للنصارى في القرى والأرياف. ب - وبعد هلاك (هيلاسلاسي) ، ودخول البلاد في الشيوعية، لم يحاول أحد تنصيرهم من جهة الدولة بالطريقة الرسمية، ولكن جاء إليهم المنصرون الغربيون، وهم أشد خبثاً وأقوى حيلة، وأساليبهم متنوعة وطرقهم متعددة، ففي الآونة الأخيرة نزل هؤلاء بقراهم ومدنهم يحملون في يدٍ المساعدات، وفي الأخرى التنصير؛ لتخريب الأخلاق وبقايا عاداتهم الحسنة والفطرية. وقد تنصر بعض شبابهم وبعض الضعفاء منهم على أيدي هؤلاء، ولا زالت الكثرة الباقية على الوثنية تقاوم التنصير، وتعاديه، وتكرهه، ... ومما وقع قريباً في هذه السنة: أن منصراً أوروبيّاً ذهب مع مجموعته إلى بواديهم فجمعهم من عدة قرى فوعظهم وطالبهم بأمرين: ١) الإيمان بابن الله المسيح. ٢) والصلاة له وعبادته يوم الأحد. فسألوه: هل للمسيح الذي تدعونا للإيمان به أب؟ فقال المنصر: نعم، فقالوا: مستحيل أن نؤمن بالابن والأب موجود! ! ! لأن عادتهم تقتضي احترام الأب وتقديمه على الابن في كل شيء، ثم قالوا له: إنك تأمرنا بعبادته في الأسبوع يوماً واحداً، ونحن نعبده وندعوه ليل نهار صباح مساء، لا يوماً واحداً في الأسبوع، فبهت هذا المنصر ورجع عنهم خائباً، وهذه الواقعة حدثت قريباً في قرية قريبة من مدينة (ميغا) . وهي تدل على مقاومتهم للتنصير بفطرهم السليمة التي تأبى مثل دعاوى المنصرين الباطلة التي تخالف العقول النقية والفطر السليمة. فأين أنتم يا مسلمون

стр. 2263

المسلمون والعالم في الشيشان: بعد خراب البلاد.. هل ننقذ العباد ؟ ! بقلم: جمال الحوشبي يفرض الواقع المأساوي في الشيشان بعد ما يقرب من خمسة عشر شهراً متواصلة من القتال والتشريد والدمار على المسلمين أن يفكروا جديّاً في تحرّك واقعي وملموس للتخفيف من هذه الكارثة على إخوانهم المسلمين، وأن يبادروا لنجدتهم بدلاً من الانتظار المعتاد للمبادرة الصورية لدول الغرب الصليبي، ولعل المجال الدعوي الذي به حياة القلوب وسلامة الأديان، والمجال الإغاثي الذي به إغاثة الأنفس ونماء العمران: من أهم المجالات التي يحتاجها المسلمون المنكوبون في الشيشان. أولاً: الجانب الدعوي: مما يسهّل الأمر كثيراً على الدعاة في الشيشان: سرعة تقبّل الشعب هناك للحق، وانصياعهم له إذا عُرض عليهم عرضاً سليماً خالياً من الجفاء، وصحيحاً من البدع، وتعتبر البرامج الدعوية من أهم الأولويات التي يجب أن يشرع فيها كل من أراد الإعمار سواء من الأفراد أو من الهيئات والمنظمات الإغاثية. وتعد المناطق الجبلية الآن بعد انسحاب الروس منها مؤخراً أماكن خصبة للدّعوة، يمكن أن يتفرّغ فيها الدعاة لتوعية الأهالي وتعليمهم أمور دينهم. ومما ينبغي الإشارة إليه بمداد الإكبار: قيام بعض المجاهدين الوافدين لنصرة إخوانهم الشيشان من الجمهوريات المجاورة بعمل حلقات لتدريس القرآن الكريم وتعليمهم اللغة العربية في القرى، وقد توافد على هذه الحلقات عدد هائل من أهالي تلك القرى وما جاورها، بل لقد كانوا يتفاعلون جدّاً مع تلك الجهود الدعوية المتواضعة تفاعلاً عجيباً، ويذكر بعض الإخوة الدعاة هناك كيف تم الإلحاح عليهم لبقائهم معهم يعلّمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين. ويشيد بعض من قام بهذا العمل الدعوي بين المسلمين الشيشان بمقدار التغيّر الحادث بين الأهالي، وبتلهفهم على توجيهات الدعاة، وبتجاوبهم مع دروسهم، مما يؤكد أن الغالب هناك هو انتشار الجهل الذي أدّى إلى شيوع مظاهر من الخرافات والبدع، ومما ينبغي على القائمين بالدعوة إلى الله في مناطق الشيشان أن يعرفوه أموراً مهمة، منها: الانتشار الواضح للفكر الصوفي وتعدد طرقه بين المسلمين هناك، حيث يتبع غالبية شعب الشيشان طريقتين واسعتي الانتشار، هما: الطريقة القادرية، والطريقة النقشبندية، وذلك ناجم عن تمسك الشعب جيلاً بعد جيل بموروثات الأجداد القدامى منذ أيام الإمام (منصور أو شورما الشيشاني) ، ثم من جاء بعده من الأعلام الذين برزوا خلال الحروب المتوالية ضد الصليبيين الروس ممن تعلموا على أيدي شيوخ تلك الطرق الذين كانت مدارس التعليم تمتلئ بهم في ذلك الوقت. وبتتبع بعض أخبار المسلمين هناك وسؤال بعض طلبة العلم ممن بدؤوا بتعلم أصول أهل السنة في بعض الجامعات الإسلامية: يمكننا أن نحكم بصدق المقولة التي ذكرها أحد الدعاة المطلعين على الوضع في الجمهوريات الإسلامية: من أن الصوفي هناك لا يدري معني التصوف، وأن الشيعي لا يعرف معنى التشيّع، وقلة هم الذين ينحرفون عن علم وعقيدة راسخة؛ لأن الفكر الشيوعي كان هو السائد! والتحلل الذي مارسه بين المسلمين في ترسيخ الثقافات والعادات والسلوكيات الشيوعية أخرج مزيجاً يصعب تصنيفه. إذن: لابد من إعادة الدعوة لمنهج أهل السنة من جديد بالحكمة والموعظة الحسنة، وسوف يُقبل الناس بإذن الله أفواجاً، متى كانت الدعوة إلى الله صادقة في أهدافها وثوابتها، بعيدة عن التحريف أو الخرافة، ومتجرّدة عن التحزب أو المطامع الدنيوية والمكاسب المادية. كما ينبغي على الدعاة مراعاة التركيبة الطبقية للشعب الشيشاني الذي يميل إلى القبلية، وقد كانت هذه التركيبة أظهر في السابق، عندما كان هناك مجلس مهمته البت في شؤون الشعب، يتم تعيينه عن طريق اختيار أفراد من العشائر والقبائل، وغالباً ما يكونون من كبار السن، ويدخل من ضمن صلاحيات هذا المجلس: اختيار زعيم البلاد متى دعت الضرورة للفصل في القضايا التي تعترض البلاد، ثم بعد انتهائها يعود فرداً من أفراد الشعب كما كان، له ما لهم وعليه ما عليهم. وقد وصف عالم الأجناس الفرنسي (آرنست شانتر) عندما زار بلاد الشيشان عام ١٨٨٧م المجتمع الشيشاني بقوله: ( ... تسود المساواة والتعاون بين الشيشان، والسلطات التي يخلعونها على مجلس كبرائهم محدودة من حيث الزمن والمدى، ومن حيث الصلاحيات ... ) . ويوجد في الشيشان (١٤) محافظة، وأكثر من (٤٠٠) مدينة وقرية. والشيشان قوم يعتزون جدّاً بأرومتهم، ويتمسكون بثقافاتهم وعاداتهم التي تميزهم عن غيرهم، وقد أدّى هذا الاعتزاز بالعِرق والجنس إلى شيوع نوع من التعصب الذميم بقومية الشيشاني وعراقته، حتى إن بعضهم ربما افتخر بمآثر الأجداد الوثنيين، ونسي أن ذلك من التصرفات التي لا يقرّها الإسلام، وهذا كما أشرتُ سابقاً من أثر الجهل السائد وغياب الدعاة المصلحين هناك. ومما أفرزته هذه العصبية القومية عند بعضهم: الاعتزاز بثقافة وتركيبة الشيشان بمعزل عن تأثير الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، ولم يسلم من هذه النعرة حتى بعض المثقفين، فتراهم عند حديثهم عن تاريخ دخول الإسلام للشيشان يغفلون أن الإسلام دخل بلاد داغستان التي كانت الشيشان جزءاً منها قديماً، ويغفلون عن ذكر كثير من الحقائق التي تؤكد أن دخول الإسلام إلى (الشيشان) ... و (شروان) وأجزاء من شمال (أذربيجان) وهي المنطقة التي كانت تسمّى قديماً ببلاد الداغستان قد كان أيام الفتوحات الإسلامية المتقدمة في القرن الهجري الأول أيام عمر بن الخطاب ﵁ . أما بلاد الأنجوش التي فُصلت عن الشيشان مؤخراً، واعتبرت في عام ١٩٣٦م مقاطعة مستقلة تابعة للاتحاد السوفييتي؛ زيادة في تفرقة الأمة الواحدة فقد تأخّر دخول الإسلام فيها وفي مناطق أخرى محيطة بالشيشان عندما استعصت على الفتوحات الإسلامية؛ لأسباب عدة ليس هذا مقام ذكرها [١] . إن مما يجب على الدعاة إلى الله أن يكثروا منه: بث روح الأخوة في الله، التي تجمع بين المسلمين على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وبلدانهم، وتجلية عقيدة الولاء والبراء بوضوح، والتحذير من سياسة الأعداء في المناطق الإسلامية، وتوعية المسلمين بسياسة العدو المحتل الذي يقوم بترسيخ سياسة (فرق تسد) عبر رسمه للحدود المعروفة اليوم، التي ما هي إلا ميراث أليم من تركة الأعداء الحاقدين، كما يجب إظهار معايير التفوق والتمايز الحقيقية، وأنها ليست بأي حال من الأحوال عائدة إلى الجنس أو العرق، وأن معيار التفاضل في الإسلام إنما هو التقوى والعمل الصالح [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] . (إن التاريخ الإسلامي يشهد للشيشان بالفخر؛ لصمودهم الطويل في وجه الكفرة من الروس القياصرة ثم البلاشفة، وتمسكهم الصادق بالإسلام؛ إذ لم يستطع المسيحيون تنصيرهم، ولا الشيوعيون نجحوا في إبعادهم عن دينهم، ولما عمد الشيوعيون إلى منعهم من الصلاة في المساجد أو ممارسة الشعائر الإسلامية الظاهرة اضطُر الشيشاني المسلم أن يجعل من بيته مسجداً ومدرسة معاً!) . إن الدعوة في الشيشان كغيرها في أي مكان آخر تحتاج إلى معايشة للأهالي والقيام بخدمتهم ومساعدتهم وتلمّس احتياجاتهم، والحذر من فرض الدعوة عليهم بالقوة أو إثارة الحزبية والمذهبية بينهم باسم الإسلام. ويمكن الحصول على نتائج طيبة في الدعوة إذا تبنّت الهيئات والمنظمات الإغاثية إنشاء مراكز ثابتة أو متنقلة للدعوة في المدن والقرى داخل الشيشان أو خارجها، وكذا: القيام بحلقات لتحفيظ القرآن الكريم والسنة النبوية وتعليم اللغة العربية، يقوم عليها مدرسون من ذوي الخبرة والعقيدة الصحيحة. ومما ينبغي أن يحرص عليه الدعاة هناك: تنشئة الصغار وتعهّد الشباب بالتربية على المنهج الصحيح، ودعوة العوام واللقاء بهم في منتدياتهم وأماكن تجمعهم، مع التذكير الدائم بالحديث عن أصالة شعب الشيشان وتمسكه بدينه وحبه لرسول الله وسائر الصحابة وسلف الأمة. كما تجدر الإشارة إلى أن أكثر الشعب الشيشاني قد فقد الثقة بعلماء السوء في بلده ممن انحاز إلى الحكومة العميلة التي نصّبها الروس في الشيشان وقاموا بتأييدها، ولهذا بقيت الساحة الدعوية هناك صالحة للعمل ولا تحتاج إلا إلى تظافر الجهود وتنسيق العمل الدعوي الذي لا يقل أهمية عن العمل العسكري أو الإغاثي في البلاد. ومن أخصب الجمهوريات التي يمكن أن تقام فيها مراكز للدعوة الإسلامية: (داغستان) و (أنجوشيا (و (قراتشاي) ، حيث يوجد بها تجمعات كبيرة من المهاجرين الشيشان مع الحرص بالإضافة إلى تدريب الدعاة لهذا الغرض على تزويدهم بالوسائل الدعوية المهمة، كالأشرطة والكتيبات الإسلامية المترجمة باللغة الروسية التي يفهمها الجميع تقريباً. ولعل من المفيد هنا: أن أكرر التذكير بضرورة الاستعانة بعدد من العلماء والدعاة وطلبة العلم الموثوق بهم في كل من طاجيكستان وداغستان وغيرهما، ممن يحملون منهج أهل السنة وذوي الأمانة والعقيدة السليمة، وإعانتهم بما يلزم من أجل القيام بمهمة الدعوة في أوساط الشيشانيين في الداخل أو الخارج، بدلاً من التفكير بإرسال دعاة من الدول العربية يتكلف إرسالهم وتأمين السكن لهم مبالغ طائلة مقارنة باحتياجات أولئك الدعاة من تلك الجمهوريات الإسلامية، إضافة إلى ما يتطلبه الوضع هناك من تأمين وسائل خاصة لتنقلاتهم وتجنيد أفراد قادرين على عملية الترجمة اللازمة في هذا المجال، وعند القيام بإعانة أولئك الدعاة من تلك الجمهوريات الإسلامية وتأمين احتياجاتهم: فإننا نقوم بالإضافة إلى نشر العقيدة الصحيحة وتعليم الناس أمور دينهم بمساعدتهم كذلك وتأمين القوت الذي يحتاجونه، خاصة وأن معظم طلبة العلم والدعاة هناك فقراء وبحاجة هم كذلك إلى الدعم والمساعدة، كما أن تأمين مكتبة إسلامية متكاملة يعتمد عليها الدعاة وطلبة العلم هناك وإقامة منتدى يلتقون فيه لتبادل الخبرات والاهتمامات يعد من الأمور المهمة التي يجب أن تأخذ مزيداً من الاهتمام. أضف إلى ذلك: كون هؤلاء الدعاة أعلم من غيرهم بالتركيبة الاجتماعية والبيئية في الشيشان؛ مما يسهل عليهم التخاطب معهم بعلم وحكمة، ومن ثمّ: التأثير عليهم عبر تلمس احتياجاتهم. وهناك برامج دعوية عملية أخري يمكننا عن طريقها المساهمة بجهد فعّال لتصحيح الواقع الذي يعاني منه المسلمون هناك. ثانياً: الجانب الإغاثي: تزامن استمرار الحرب في الشيشان مع حلول فصل الشتاء القارس جدّاً [٢] ، ومع اتساع مدى الحرب، وانتقال لهيبها إلى مدن وقرى أخرى في الشيشان يضطر المئات يوميّاً إلى النزوح عن منازلهم، قاطعين مئات الأميال سيراً على الأقدام للبحث عن مكان آمن داخل الشيشان أو خارجها [*] . لهذا: كان المجال الطبي أول ما يجب التفكير فيه لإغاثة المسلمين هناك، سواء في داخل الشيشان أو في خارجها. ومن المؤسف: أنه لا توجد حتى الآن أي مؤسسة إسلامية تعمل في الجانب الإغاثي والطبي، اللهم إلا بعض الجهود الفردية التي يقوم بها الإخوة العاملون في مكاتب هيئة الإغاثة في كلٍّ من موسكو والتشيك. ولم ينفرد بالساحة كالعادة إلا المؤسسات التنصيرية التي لم تتوانَ في ظل هذه الظروف العصيبة عن تقديم خدماتها ومساعداتها الطبية للمنكوبين، تمهيداً لتقديم الصليب لهم بعد ذلك، غير عابئين بوابل النيران أو بقساوة شتاء الشيشان. وتعد منظمة (أطباء بلا حدود) و (الصليب الأحمر) من أبرز المنظمات الصليبية العاملة في الجانب الطبي والإغاثي على الساحة، وما فتئت المنظمتان تقدمان خدماتهما حتى للمقاتلين أنفسهم، وفي إحدى العمليات الهجومية من قبل مقاتلي الشيشان: جُرح ما يزيد على ثلاثة عشر مقاتلاً، فلم يجد إخوانهم ما يعالجونهم به، وذكر أحدهم كيف تقدمت إليهم منظمة (أطباء بلا حدود) بعرض مساعداتها الطبية لأكثر من ثلاث مرات، لم يُقابلوا في كلٍّ منها إلا بالرفض القاطع. ومما ينبغي مراعاته كذلك في المجال الإغاثي: ضرورة الاهتمام بالإمداد للمقيمين داخل الشيشان، بالإضافة إلى إغاثة اللاجئين خارجها، هذا وإن كانت هناك صعوبة في التنقل بين هؤلاء النازحين أو الدخول إلى المناطق التي لجؤوا إليها، مما يجعل إغاثة المدنيين في الداخل تعد بحق عملية شاقة ومضنية. ونقل المواد الطبية والإغاثية صعبة وشاقة؛ للأسباب الآتية: ١- صعوبة نقل المساعدات العينية بعد تكثيف الروس لنقاط التفتيش على الحدود بين جمهورية الشيشان وما يحيط بها من الجمهوريات الإسلامية في أعقاب الهجمات الشيشانية الأخيرة من داغستان، وظروف مقتل الرئيس (جوهر دوداييف) وتوقع عمليات هجومية ثأرية. ٢- صعوبة التنقّل الشخصي أو نقل المواد الإغاثية إلى داخل الشيشان، وربما كلّف نقل شاحنة واحدة مليئة بالمواد الغذائية من جمهورية مجاورة ومن ثم: إيصالها إلى المنكوبين في الداخل أضعاف قيمتها؛ بسبب الضرائب والرّشا التي يتعاطاها الروس قبل السماح لهذه الشاحنة بالمرور. ٣- احتمالات حجز هذه المساعدات من قِبَل الجنود الروس ومنع دخولها، أو توزيعها على بقية الجنود الروس أنفسهم الذين يعانون من نقص الإمدادات الواردة من موسكو، وضعف الروح المعنوية والنفسية كلما استمرت الحرب، حتى أصبح الواحد منهم مستعدّاً لبيع عتاده العسكري في مقابل بعض النقود. أضف إلى ذلك: شراسة الحرب الدائرة في الداخل، التي لا تهدأ مرة حتى تعود مرات؛ ولذلك: فإن الحل الأسلم في ظل هذه الظروف هو إيصال الدعم المادي إلى بعض الموثوق بهم في الداخل؛ لشراء ما يحتاجه المقاتلون من السلاح وشراء ما يتوفر مع المزارعين من مواد غذائية حتى تخفّ القبضة الروسية على الحدود. ومما ينبغي عدم إغفاله كذلك: أهمية إعمار المرافق الحيوية في الداخل كما كانت، فلقد هُدمت المساجد والمستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والوقود، ويستحيل أن تعود لوظائفها كما كانت إلا بعد إعمار جديد؛ لقد استطاعت الهمجية الروسية تدمير معظم المرافق الحيوية والإنسانية بالكامل، حتى إنك لن تستطيع وصف مدينة جروزني في أعقاب الدمار الذي حَلّ بها، إذ من الصعب وجود بناية واحدة سليمة، فالدمار وآثار الحريق في كل مكان، حيث إن جروزني وحدها الآن تحتاج إلى (مدينة جديدة) بكل مرافقها من شبكات طرق وخدمات عامة وغيرها. إن العجيب حقّاً في هذه الأزمة هو هذا التباطؤ من قِبَل المسلمين في إغاثة إخوانهم المنكوبين في الشيشان، متجاهلين أدنى حقوق الأخوة الإسلامية، التي شبهها رسول الله ﷺ بالجسد الواحد عندما يتداعى كل عضو منه بالحمى والسهر إذا اشتكى منه عضو واحد، وهذا التباطؤ ظهر واضحاً جليّاً طوال ست سنوات عجاف بدأت منذ استقلال جمهورية الشيشان عام ١٩٩١م واستمرت حتى الآن، ولم تشهد الساحة الشيشانية على ثراها طوال هذه المدة أي عمل إسلامي يُذكر، سواء في مجال الدعوة وتفقيه الناس بأمور دينهم وعقيدتهم، أو في مجال الإغاثة والمساعدة المادية. وبينما كانت وكالات الأنباء العالمية تقوم بتقصّي أخبار الحرب وآثارها المدمرة، ونقل تلك الأخبار أولاً بأول، فإن وسائل إعلامنا كان يرهقها نقل الغثاء الذي زاد من فجوة التفرق والضياع. أما على الصعيد السياسي: فإن الساحة السياسية لم تشهد تحركاً فعّالاً من قِبَل المسلمين للمطالبة بفك الحصار عن المدن والقرى الشيشانية، أو التنديدالفعّال ضد القصف بالقذائف والصواريخ واستخدام الأسلحة المحرمة دوليّاً، وقتل الأبرياء، وتشريد السكان، وإهلاك الحرث والنسل، كما لم تقم حتى الآن أي جهة إسلامية بأقل القليل الواجب من إرسال المستلزمات الإغاثية إلى داخل الشيشان، أو حتى لأماكن تجمع اللاجئين في الجمهوريات المجاورة، وتعيين مندوبين لتوزيعها على المشردين الموجودين في تلك المناطق. إن روابط الدين والتاريخ والمصير المشترك تتطلب منا خطوات جادة في نصرة إخواننا المنكوبين في أقطار الأرض، بدلاً من أن تكون مواقفنا المتأخرة مجرّد رجع صدى لمواقف الدول الصليبية في الشرق أو الغرب! .

стр. 2264

في دائرة الضوء قضية الهوية.. صراع الهويات وحقيقته بقلم: د. محمد يحيى يُبْرِزُ المسلم تحديداً هويته بأنه: مسلم، فإنه يواجه في المناخ الراهن من قبل التوجهات (اللادينية) بعدة طروحات مضادة، تبدأ بمواجهة الهوية الإسلامية بعدة هويات أخرى، وتنتهي برفض قضية الهوية والذاتية نفسها؛ باعتبارها تنتمي في زعمهم إلى عهد غابر من الفكر. والهويات المضادة التي تطرح في مواجهة الهوية الإسلامية ورفضاً لها تتراوح بين الانتماء الجغرافي (إفريقي آسيوي، شرق أوسطي، بحر متوسطي، أوروبي) ، والانتماء العرقي (عربي، تركي، إيراني، زنجي، أبيض) ، والانتماء الزماني: إلى الحاضر (في دعاوى العصرية) ، وإلى الماضي في دعاوى (كالفرعونية، والفينيقية، والبابلية، والطورانية ... وغيرها) ، وقبل كل شيء: الانتماء الثقافي (اللاديني) (كاتخاذ المذاهب الفلسفية والوضعية المختلفة ذات الأصل الغربي مثل: الماركسية، والليبرالية، والعلمانية محكّاً للهوية) . وفي الواقع تزدحم الساحة في البلاد الإسلامية والعربية بدعوات إلى هويات مضادة للهوية الإسلامية، تتخذ شتى الأشكال والمظاهر نفسها، لكنها تتفنن في أنها تزعم لنفسها الأولوية على الهوية الإسلامية، إن لم تنفها وتلغها كلية، وعلى هذا المستوى تزعم هذه الدعوات لنفسها أنها: هي الأصل الذي يسبق الإسلام في الزمان والمكان واللغة والثقافة، والذي يتسع لجوانب شاملة من الخبرة الإنسانية يضيق عنها الإسلام، وبجانب مزاعم الأسبقية في الأصل والسعة في الانطباق توجد مزاعم بأن الهوية الإسلامية هي هوية طفيلية مفروضة على هويات أصلية، وأنها على أفضل الأحوال لا تعدو أن تكون هوية ثانوية هامشية لها مجال محدود جدّاً تنطبق فيه، وهو مجال لا يتعدى ما يسمى بعلاقة الفرد بربه. إن قسماً كبيراً من الصراع والمحاجّة الفكرية الدائرين الآن على الساحة العربية الإسلامية يدور حول محور القضية التي نحن بصددها؛ حيث تتخذ التيارات المضادة للإسلام من الهويات المضادة سلاحاً تحارب به الهوية والذاتية الإسلامية؛ وأصبح من المألوف الآن أن يسمع المرء صيحات من نوعية (إننا مصريون، أو عرب، أو أوروبيون.. قبل أن نكون مسلمين) أو (الديموقراطية، والاشتراكية، والحرية، قبل الإسلام) أو (نعم للحضارة العالمية، ولا للانغلاق الإسلامي) ! وكل هذه التطورات مألوفة على مر السنوات أو حتى العقود الماضية، لكن الجديد في الأمر في الفترة القريبة هو نفي قضية الهوية عندما تطرح من الوجهة الإسلامية في مواجهة الطروحات المتغربة العلمانية، والحجة التي تتكرر كثيراً في كتابات من يطلق عليهم الآن ممثلو النخبة الثقافية والفكرية العربية هي: أن قضية الهوية والذاتية والانتماء الديني قد أصبحت جزءاً من ماضٍ بائد، وأن التمسك بهذه المفاهيم والتأكيد عليها لا محل ولا معنى له في عالم تسيطر عليه مفاهيم العالمية الثقافية والاندماج الدولي والتعددية الثقافية والحضارية والتقرب من (الآخر) واحترامه. وفي إطار هذه المفاهيم يصبح الحديث عن الهوية والذاتية (لاسيما الإسلامية) : نوعاً من الأنانية والتقوقع والعزلة، بل وضرباً من التخلف المتعمد عن مواكبة العصر، ونوعاً من إعلان الحرب العدوانية غير المبررة على (العالم) . والواقع: أن هذه الصيحات لا تسمع إلا عندما يرفع شعار الهوية الإسلامية وحده، ولكن عندما ترفع الدعوة إلى تأكيد هويات أخرى دينية وعرقية وثقافية: فإننا نسمع صيحات الترحيب والتحبيذ والدفاع؛ فعندما يتحدث بعضهم عن هوية مسيحية أصلية لبعض الأقليات في بلدان عربية، أو عن هوية عرقية لزنوج في بعض البلدان العربية الإفريقية: نجد أصوات النخب العلمانية نفسها التي تهاجم شعار الهوية الإسلامية بضراوة تدافع بالضراوة نفسها عن تلك الهويات الأخرى حتى المستندة منها إلى مزاعم دينية غير إسلامية، والغريب أن الهجوم في الحالة الأولى والدفاع في الحالة الثانية يجريان وفق حجة واحدة، هي مثلاً: مناصرة حقوق الإنسان؛ فرفع لواء الهوية الإسلامية في البلدان ذات الغالبية المسلمة يوصف عند أهل النخبة العلمانية بأنه انتهاك لحقوق غير المسلمين وافتئات عليها، أما رفع شعار الهويات المسيحية أو البهائية أو الآشورية أو الزنجية ... إلى آخره، فيوصف بأنه تحقيق وتجسيد لمبادئ حقوق الإنسان، حتى وإن صاحبته دعاوى انفصالية أو لجوء إلى العنف والإرهاب. فلماذا التناقض؟ ! إن سبب هذا التناقض الذي لا يكاد يلاحظه أحد في طروحات الفكر الثقافي اللاديني الراهن هو أن الرغبة الحقيقية التي تحرك هذا الفكر لا تكمن في إلغاء مفهوم الهوية ذاته كما يزعمون الآن لصالح مفاهيم العالمية والاندماج الحضاري، وإنما تكمن في إلغاء مفهوم الهوية الإسلامية وحده، وتأكيد سائر الهويات والذاتيات على حساب هذه الهوية الإسلامية، المطلوب الحقيقي كان ولا يزال إلغاء التمسك بالهوية الإسلامية وحدها، مع تأكيد الهويات الدينية والثقافية الأخرى المخالفة لها ورفعها في وجهها، لكن الذي حدث هو أن أصحاب الدعوة (اللادينية) الآن، وفي مواجهة الصحوة الإسلامية في بلدان عدة، لا يستطيعون طرح هذا الأمر بشكل مباشر وواضح؛ لذا: فقد لجؤوا كحيلة في المحاججة إلى نفي واستبعاد مفهوم الذاتية والهوية كله وفي حد ذاته، وذلك على المستوى الإعلامي الظاهري؛ حتى يخدعوا جمهور القراء والمتابعين من المسلمين بتصوير الأمر لهم: وكأن هذا المفهوم قد انتهت صلاحيته أو (موضته) على الساحة الفكرية، وأن السائد أو العصري الآن هو مفاهيم العالمية وتمازج وذوبان الحضارات والتفاعل مع الآخر ... إلى آخره، ولكن حينما يتصور المخدوعون أن قضية الهوية قد أصبحت بالفعل من التراث الغابر يأتي أهل النخبة اللادينية ومن باب خلفي بطروحات جديدة أو متسربلة بأقنعة مختلفة، تبرر تأكيد الهويات الدينية والثقافية غير الإسلامية، ويكتشف بعض المخدوعين أنه في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات بنبذ مفاهيم الهوية والذاتية الإسلامية وحدها، بحجة الاندماج في العالمية الثقافية والتعددية الحضارية، فإن الهويات (اللاإسلامية) دينية كانت أم ثقافية تطرح بشدة، وتجد (لا دينيين) مستميتين في الدفاع عنها، ليس تحت شعار الذاتية والهوية وحده، ولكن (على سبيل التعمية) تحت شعارات حقوق الإنسان (التعددية والديموقراطية) ، وهي الشعارات نفسها التي يجري رفض الهوية الإسلامية بالاستناد إليها. ويلاحظ المتتبع لمجريات الأمور أن هذه الخدعة العلمانية قد نجحت إلى حد كبير في دهاليز سياسات بعض المؤسسات الدينية في عالمنا الإسلامي، فالندوات والمؤتمرات يكثر عقدها هذه الأيام من جانب هذه المؤسسات والمرتبطين بها حول (الحوار الحضاري) و (تقارب الأديان) و (لقاء الثقافات) .. وغير ذلك، ويخفت في الوقت نفسه الحديث عند أهل هذه المؤسسات عن الهوية والذاتية الإسلامية؛ بحجة أن ترديد هذا الحديث أصبح ضرباً من التطرف والمغالاة والتعصب واحتقار مشاعر الغير، بل وتحقيرهم، ولكن بينما نجد من أصحاب الفكر الإسلامي (أو من يفترض أنهم كذلك) من ينساق وراء هذا التصور ويلفظ الحديث عن الهوية الإسلامية، نجد في المقابل بل وفي المؤتمرات نفسها والتجمعات ذاتها من يرفعون شعار الهويات والذاتيات المضادة أو المخالفة، بل ويتهمون المسلمين بأنهم إن تكلموا عن هويتهم فهم عدوانيون متسلطون. إن الموضوع برمته لا يعدو أن يكون حيلة بارعة من حيل الحجاج الفكري، وأصحاب هذه الحيلة يرفعون في وجه المنادين بالهوية الإسلامية دعوة (تذويب (اختفاء الهويات الخاصة في الهوية العالمية الحضارية الجديدة (في زعمهم) ، التي تتشكل من تفاعل وتمازج وتغير الهويات الخاصة، ولكن عندما يقبل المرء على التعرف على هذه الهوية العالمية الجديدة يجد بالتحليل أنها ليست سوى الهويات الغربية المعروفة من دينية (مسيحية يهودية) وثقافية (وثنية) وفكرية (علمانية المذاهب المتعددة) ، وقد ضخمت وحولت إلى (عالمية) تفرض وتطبق على الجميع. إن الهوية العالمية الجديدة التي يقال إنها قد نسخت كل الهويات الخاصة (وبالتحديد الهوية الإسلامية) ليست في الواقع سوى هوية خاصة (غربية علمانية مسيحية) اتخذت لها قناع التمويه والتدليس لكي تفرض على الجميع وتبرر سحق الهوية الإسلامية التي ينكرون عليه الاتساع والشمولية، ويحولونها إلى مجرد (هوية خاصة) أو (ذاتية محدودة) ، ولكن هذا الموضوع يتصل بما يسمى (السياسات الثقافية) ، وله مجال آخر في البلاد الإسلامية والعربية.

стр. 2265

سياسة شرعية القانون الدولي الإسلامي.. (علم السير) مفهومه تدوينه خصائصه بقلم: عثمان جمعة ضميرية أخذ الكاتب في الحلقة الأولى في تعريف (القانون الدولي الإسلامي) (علم السير) شارحاً ومحللاً، ومتطرقاً لبعض المسائل العلمية، وفي الحلقة الثانية عالج بعض خصائص القانون الدولي الإسلامي، ويواصل في هذه الحلقة معالجة بعضها الآخر. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - أحكام السير والعلاقات الدولية في الإسلام تخاطب الفرد والدولة: إن الشريعة الإسلامية خطاب عام للمكلفين، أفراداً وجماعات، وهم محل للتكليف بوصفهم أفراداً وبوصفهم جماعات، وقد قال الله (تعالى) : [لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِياً وَلا نَصِيراً] [النساء: ١٢٣] . وفي كثير من الآيات القرآنية الكريمة يتوجه الخطاب مباشرة إلى الإنسان الفرد، كما يتوجه إلى الجماعة والأمة، وهذا أمر واضح في القرآن الكريم: ... [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] ... [المائدة: ٦٧] ، فالخطاب هنا موجه للفرد، ثم يتوجه إلى الجماعة بمثل قوله (تعالى) : [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] . وينبني على ذلك: أنه إذا أخذنا الخطاب المباشر معياراً للشخصية القانونية وجب علينا أن نرت،، ب على ذلك نتيجة حتمية، وهي: أن الإنسان بوصفه إنساناً هو محل التكليف في الشريعة الإسلامية؛ لأن النصوص الشرعية تخاطبه خطاباً مباشراً، فتلزمه بالتكليف، وتكسبه الحقوق، وتبشره بالثواب، وتوقع عليه الجزاء بطريق مباشر [١] . فليست أحكام العلاقات الدولية قاصرة على الدول، بل هي مفتوحة عامة شاملة، تقوم أصلاً على الكيان الفردي، سواء أكان الفرد منفرداً، أو في جماعة، أو في تشكيل سياسي باسم (دولة) . يقول الدكتور محمد طلعت الغنيمي: (وهكذا نجد أن النظرية الإسلامية أكثر تقبلاً للفرد كشخص من أشخاص القانون الدولي، بيد أنها لا تحصر الشخصية القانونية الدولية فيه، وإنما تقر إلى جانب ذلك بالشخصية القانونية الدولية للدولة. ومن ثم: فإن الرأي المعاصر الذي يعترف لكل من الدولة والفرد بالشخصية القانونية الدولية إنما يتفق مع النظرية الإسلامية في تحديد أشخاص القانون ... الدولي) [٢] . ولذلك: يصح مثلاً أن يعقد مسلم معاهدة أمان لغير مسلم [٣] ، ولا يشترط أن يكون ذلك من خلال كيان الدولة، وبهذا: أصبح للفرد شخصية دولية معترف بها، فعقد الأمان الذي عقده المسلم للأجنبي ملزم للدولة كما تلزم المعاهدة بين دار الإسلام ودار الحرب كدولتين مستقلتين، ولا يقدح في ذلك أن هناك أحكاماً تتطلب أن يمارسها الإمام (رئيس الدولة) أو تتطلب إذنه [٤] ، فإن هذا توزيع للاختصاص؛ لأن للمسلم الفرد أحوالاً يمثل فيها المجتمع الإسلامي كله، ولا تعني هذه الاختصاصات الخاصة للإمام الإذن بالجهاد، وعقد الذمة ... ونحوها أن الشكل الرسمي للدولة حجاب دون الأصل السابق ذكره، وهو أن الجماعة الدولية جماعة أفراد، وأن الكيان الرسمي أمر غير لازم ولا مشترط في كثير من الأحيان، وأن اشتراطه هو استثناء من الأصل [٥] . بينما يثير مركز الفرد في القانون الدولي الوضعي جدلاً كبيراً، حيث يصر الشراح التقليديون على أن القانون الدولي هو قانون الدول فحسب، ولايرتبون للفرد حقوقاً أو واجبات دولية بصفة مباشرة، وإنما اعتبروه مجرد محل لهذه القواعد، أما الإسلام فقد اعترف للفرد بالشخصية القانونية الدولية منذ خمسة عشر قرناً، دون تفريق بين الرجال والنساء، ودون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الإقليم [٦] . ومن هنا: فإن الرأي المعاصر الذي يعترف لكل من الدولة والفرد بالشخصية القانونية، إنما يتفق مع الأحكام الإسلامية في تحديد أشخاص القانون الدولي. والشريعة ليست نظاماً قانونيّاً داخليّاً فحسب أدمجت فيه الأحكام والقواعد الدولية، وليست نظاماً دوليّاً فحسب أدمجت فيه الأحكام والقواعد القانونية الداخلية. وإنما هي نظام وشريعة عالمية تنتظم العلاقات الداخلية والدولية معاً، ويسري الفرع الداخلي منها في النطاق الإقليمي للدولة الإسلامية العالمية، بينما تسري أحكام الفرع الدولي منها على العلاقات ما بين الدولة الإسلامية، وغيرها من الدول الأخرى [٧] . ويذهب الدكتور حسني جابر إلي أن الشريعة الإسلامية قد قررت قاعدة: أن القانون الدولي له الأولوية على القانون الداخلي عند التعارض، والأصل في ذلك قوله (تعالى) : [وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ] [الأنفال: ٧٢] ، فمناصرة الأقليات الإسلامية في الدول غير الإسلامية إذا تعرضوا لاضطهاد ديني هو واجب، بناء على تشريع داخلي إسلامي يندرج في عموميات الجهاد، إلا أن ذلك يمتنع إذا كان بين الدولة الإسلامية وبين إحدى تلك الدول معاهدة لا تمكن المسلمين من تلك المناصرة، كمعاهدة عدم اعتداء أو نحوها [٨] . إلا أننا نلاحظ: أنه حتى في هذه الحالة، فإن ذلك لا يعني أولوية في قانون ثنائي، وإنما هو سريان لحكم شرعي في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم في الفرع الدولي من القانون أو الفقه الإسلامي. وهذه الوحدة في النظام القانوني الإسلامي ليست مماثلة تماماً لنظرية وحدة القانون عند الغربيين؛ لأنهم لا يكتفون بأن النظم القانونية المختلفة يربطها رباط الوحدة، بل يبحثون بعد ذلك عن القاعدة الأساسية في البناء القانوني، وعن مكان وجودها، وذلك لكي يعترفوا للفرع القانوني الذي توجد فيه بالصدارة أو التفوق القانوني لأحكامه على سائر الأحكام في الفروع الأخرى. أما الأحكام في الشريعة الإسلامية: فهي كلها متساوية ما دام أن مصدرها واحد، فالأحكام الواردة في القرآن الكريم كلها متساوية من حيث طبيعتها القانونية، وكذلك الأحكام الواردة في السنة النبوية، غير أن الاختلاف في القوة القانونية قائم على أساس التدرج في قوة المصدر، كما جاء ذلك في حديث معاذ ﵁ [٩] من ترتيب المصادر، بحيث يكون القرآن أولاً، ثم السنة، ثم الاجتهاد [١٠] . كما أن النظر إلى مقاصد الشريعة الإسلامية من حيث قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداءً إنما يقوم على حفظ مقاصدها، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية، والمقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجية والتحسينية. فالضروريات أهم هذه المقاصد؛ لأنه يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة، وشيوع الفوضى بين الناس، وضياع مصالحهم، وتليها الحاجيات؛ لأنه يترتب على فقدها وقوع الناس في الحرج والعسر، واحتمال المشقات، وتليها التحسينيات؛ لأنه لا يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة ولا الوقوع في الحرج، ولكن يترتب على فقدها خروج الناس عن مقتضى الكمال الإنساني والمروءة وما تستحسنه العقول. وعلى هذا: فالأحكام التي شرعت لحفظ الضروريات أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة، ثم الأحكام التي شرعت لتتوفير الحاجيات، ثم الأحكام التي شرعت للتحسينيات، فهي مرتبة من الأعلى إلى الأدنى [١١] . وتأسيساً على هذه الخاصية؛ فإن أحكام العلاقات الدولية في الإسلام تستمد من مصادر التشريع الإسلامي كأي فرع من فروع الفقه، وهي المصادر الأصلية: (الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس) ، ثم المصادر التبعية الأخرى [١٢] . ففي القرآن الكريم نجد: أصول العلاقات الدولية في حالي السلم والحرب، وطريقة معاملة المسلمين لغير المسلمين في دار الإسلام وفي دار الحرب، فكل ما يتعلق بأصل العلاقات وطبيعتها والمعاهدات والوفاء بها، والجهاد وما يترتب عليه من آثار ... كل هذا نجد قواعده في كليّ الشريعة وعمدة الملة، وهو القرآن الكريم، ثم تأتي السنة النبوية القولية والعملية والتقريرية، فتبين هذه القواعد والأصول خير بيان، وترسي قواعد وأصولاً جديدة، وقد ألمعنا فيما سبق إلى أبواب الجهاد والسير والمغازي والأمان والجزية في كتب الحديث والسنة، بل إن (علم السير) ، إنما سمي بهذا الاسم أخذاً من سيرة النبي ﷺ في معاملاته للآخرين. وأما الإجماع والقياس: فإنهما يستندان إلى المصدرين السابقين، فالإجماع لا بد أن يكون مستنداً إلى دليل شرعي من الكتاب أو السنة يسمى (مستند ... الإجماع) [١٣] ، وإذا لم يكن في الواقعة نص فاجتهادهم لايتعدى استنباط حكمه بواسطة قياسه على ما فيه نص أو تطبيق قواعدالشريعة ومبادئها العامة أو بالاستدلال بما أقامته الشريعة من دلائل، كالاستحسان والاستصحاب أو مراعاة العرف والاستصلاح أو المصالح المرسلة [١٤] . فإذا استعملنا التعبيرات التي يعرفها القانون المعاصر، أمكننا أن نقول: إن مصادر القانون الدولي في الإسلام هي: أولاً: سلطة، ونقصد بها سلطة العقيدة باعتبارها مصدر الالتزام بالأحكام التي وردت في الكتاب والسنة. ثانياً: المعاهدات والمواثيق التي تبرم بين الدولة الإسلامية وبين غيرها من الدول، ثم: الفقه، ويندرج تحته الفتاوى والتعليقات والآراء المستنبطة بالاجتهاد أو القياس. وأخيراً: العرف، وهو في القانون الدولي الوضعي من أكبر المصادر وأغزرها، مع أنه في الإسلام مصدر ثانوي، إلا أن له أهميته وقيمته [١٥] . والأحكام الإسلامية في ذلك تتلافى الخلاف القائم بين القانونيين في طبيعة القواعد القانونية الدولية والمذاهب التي تفرقت وتعددت في تحديد الصلة بين القانون الدولي والقانون الداخلي، وما يترتب على ذلك من آثار ومشكلات، وإن كان يجمعها مدرستان اثنتان: مدرسة ثنائية القانون، ومدرسة وحدة القانون، وإن كان ما جرى عليه العمل في علاقات الدول لا يؤدي إلى اعتماد نظرية منهما وكلتاهما تعرضت لنقد شديد واعتراضات [١٦] . أساس الإلزام في القانون الدولي الإسلامي: يقوم النظام الإسلامي على الالتزام الذاتي بقواعد العلاقات الدولية كجزء من قانونها الداخلي، أي ولو بدون معاهدة أو عرف دولي، وبصرف النظر عن قوة الدولة الإسلامية وسيادتها وقدرتها على الدول الأخرى، فالقانون الدولي الإسلامي يستند إلى إرادة الدولة الإسلامية، شأنه في ذلك شأن أي قانون إسلامي آخر في البلاد، وحتى الالتزامات المفروضة بمقتضى معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف (دولية) فإن لها الأساس نفسه، وهي ما لم تنل التصديق والنشر من جانب الدولة الإسلامية فإنها تغدو غير ملزمة، فهو التزام ذاتي سببه التكليف الشرعي، باعتبار أن أحكام الشريعة الإسلامية خطاب ملزم للمسلم في ذاته، فهو يطبق أحكام وقواعد السِّيَر في مجالها، كما تطبق أي قاعدة شرعية أخرى في مجالها، وكلها على وجه الالتزام، وعلى وجه حكمها الشرعي من الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم؛ فإنه على سبيل المثال إذا طلب العدو الأمان أو الهدنة أو الذمة، فيجب إجابته إلى ذلك فرضاً بنص القرآن الكريم على ذلك [وَإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَاًمَنَهُ] [التوبة: ٦] . وفي الحديث الصحيح عن سليمان بن بريدة عن أبيه في الدعوة إلى الإسلام قبل القتال: (.. فإن هم أبوا الإسلام) فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم) [١٧] ؛ وكذلك: اعتبار عقد الأمن ملزم لنا وحدنا دون من يعقد معهم من المشركين، وكذلك: ولا ننتهز فرصة ضعف للإجهاز عليه، ولا يجوز للمسلمين قتل الصبي أو المرأة في الحرب إلا في أحوال خاصة كما سيأتي ولا يجوز الغدر بهم حتى ولو غدروا هم [١٨] . وهذا الالتزام الخاص منشؤه: أننا مخاطبون بأحكام الشريعة دونهم، وهم ليسوا مخاطبين بفروعها ولايلتزمونها [١٩] ، فالتزامنا بها التزام أصيل وناشيء عن خضوعنا لله (تعالى) في كل أعمالنا، وقد كانت الدولة الإسلامية في أوج قوتها وعنفوان سيادتها تلزم نفسها بنفسها بأدق آداب الإسلام في القتال والمعاهدات [٢٠] ، ولو لم يلتزمها من تحاربهم، إلا إذا ساغ في الشرع رد العدوان بمثله [٢١] . وأساس الإلزام بهذه الأحكام وسائر الأحكام أنها أوامر الله لعباده، فهو وحده الحاكم الآمر الواجب الطاعة، وهذا مقتضى الإيمان بالله وتوحيده وعبادته؛ ولذلك: اتفق العلماء على أن الحاكم هو الله ، وأنه لا أحد يستحق أن ينفذ حكمه على الخلق إلا من كان له الخلق والأمر . وقد أوسع العز بن عبد السلام ﵀ هذا المعنى شرحاً في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) حيث قال في قاعدة: من تجب طاعته، ومن تجوز ومن لا تجوز طاعته: (لا طاعة لأحد من المخلوقين إلا لمن أذن الله في طاعته، كالرسل، والعلماء، والأئمة، والقضاة، والولاة، والآباء، والأمهات، والسادات، والأزواج، والمستأجرين على الأعمال والصناعات، ولا طاعة لأحد في معصية الله لما فيها من المفسدة الموبقة في الدارين أو في إحداهما، فمن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له، إلا أن يكره إنساناً على أمر يبيحه الإكراه، فلا إثم على مطيعه) [٢٢] . وعلى هذا: فما يوجد عند الدول الأخرى من قواعد في العلاقات الدولية لا يلزم الدولة الإسلامية، ولا يعتبر من قواعد قانونها الدولي إلا إذا أرادته ورضيته صراحة كما في المعاهدات، أو ضمناً كما في العرف. ومن البدهي: أن إرادتها مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية، فلا تملك الخروج عليها، فإذا اختارت ورضيت بما هو خارج عن هذه الحدود كان رضاها باطلاً لا يلزمها بشيء، حتى لو كان ما رضيت به مشروطاً عليها في معاهدة هي طرف فيها، وعلى هذا: فلو عقدت معاهدة بين المسلمين والكفار على ما لا يجوز كمنع فك أسرى المسلمين وردّ مسلم أسروه وأفلت منهم، وترك ما لنا عندهم من مسلم أو غيره، وعقد ذمة لهم بدون جزية، أو أن يقيموا ببلاد الحجاز، أو يظهروا الخمر بدار الإسلام ... : فسد الشرط؛ لأنه أحل حراماً، وفسد العقد؛ لاقترانه بشرط مفسد [٢٣] . قال الإمام محمد بن الحسن: (وما يتعذر الوفاء به شرعاً لا يجوز إعطاء العهد عليه، فإن فعلوا ذلك فلينقضوا هذا العهد ... لأن هذا شرط مخالف لحكم الشرع، وقد قال: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط) ..) [٢٤] . أما في القانون الدولي فقد نشأت مدارس متعددة لتفسير طبيعة القانون الدولي ومصادره وأساس الإلزام بقواعده، (ويمكن أن تجمع النظريات المختلفة في إطار مدرستين رئيستين؛ المدرسة الأولى هي: المدرسة الإرادية، أو الوضعية، والمدرسة الثانية هي: المدرسة الموضوعية) [٢٥] . وبالمقارنة بين الأحكام الإسلامية والقانون الوضعي في ذلك نلمح شبهاً بين أفكار نظرية القانون الطبيعي التي تنتمي إلى المدرسة الموضوعية والأصول التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية، فهناك إطار ثابت من القواعد الشرعية، هو الذي وردت فيه النصوص القطعية أو المحكمة [٢٦] ، وهو ما يتفق مع فكرة وجود قواعد أبدية سرمدية ثابتة وخالدة مع الزمن التي يقوم عليها القانون الطبيعي. يبقى خلاف جوهري بين أفكار شرّاح القانون الطبيعي في جملتهم والشريعة، تصل بمصدر هذه القواعد؛ ففي الشريعة: المصدر هو إرادة الله (تعالى) ، أما في القانون الطبيعي: فهو طبيعة الأشياء، أو مقتضيات العقل، إلى غير ذلك من الأفكار [٢٧] ، وهذا الشبه بين القانون والشريعة إنما جاء نتيجة التأثير الإسلامي على أصحاب هذا الاتجاه، الذين درسوا الثقافة الإسلامية وعلوم الإسلام، وكانت فكرة القانون الطبيعي قد ملكت أفئدة رجال الدين والفلسفة والقانون في أوروبا العصور الوسطى، وكلهم نشؤوا في بيئة إسلامية الثقافة، ودرسوا الثقافة الإسلامية، وكان رائدهم الأول (توما الإكويني) ، ثم أمثال: (سوارز) و (إيالا) و (فتيوريا) ، ويكفي للكشف عن ثقافتهم الإسلامية أنهم ما بين علماء في الفلسفة والتاريخ والقانون، وأنهم من بيئة إسلامية الثقافة من أسبانيا، إحدى مراكز الإشعاع الإسلامي. ثم جاء من هولندا عالمها الشهير (جروسيوس) الذي تأثر بكتابات المسلمين، وعلى الأخص الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وإن كانوا يخفون مصادر تأثرهم خشية الإرهاب الديني الذي كانت تعيشه أوروبا في تلك العصور [٢٨] .

стр. 2266

بريد البيان وفاة (داعية) جليل: أبو بكر بن عبده بن أبي بكر لسان الصدق للدعاة الصالحين هو من علامات حسن الخاتمة، والشيخ ... محمد بن عمر أحمد العمودي الذي توفي في ١٢ من رجب ١٤١٦هـ من الدعاة الذين كانت خاتمتهم بمذهب السلف الصالح، فقد كان في بداياته صوفيّاً لكنه اهتدى إلى المنهج الحق بعد قراءته لرسالة (كشف الشبهات) للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ . درس (الشيخ) القرآن على معلمه أحمد المخزومي، والعلوم الشرعية على الشيخ محمد بن أمين العبيدي، وخلفه في التدريس، بالإضافة إلى الإمامة وإلقاء المواعظ. كان يركز في تدريسه للأطفال على اللغة والنحو، وألف رسالتين، هما: ١- دليل الصبيان إلى التعبير بلغة القرآن. ٢- قارب نقل الركاب إلى سفن الإعراب. كما كان من آثاره: ١- مدرسة الهدى في (شيلا) . ٢- مدرسة التوحيد في (متوندوفي) . كما أوصى ببناء مركز لأهل السنة والجماعة على المنهج السلفي في (لامو) بكينيا. ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

стр. 2267

الورقة الأخيرة أدوات النفي.... لم تعد نافية ! ! بقلم: حسن قطامش أدوات النفي.. للنفي، وهذا معلوم في لغة العرب، لغة الذكر المبين، وما علمنا شكّاً أو يقيناً أن أدوات النفي تثبت ما تنفيه في الوقت ذاته. لكن في بعض قواميس العرب الآن تتبدل اللغة حسب تقلب متحدثيها، الذين يظهرون ما لا يبطنون، ويبطنون غير الذي يظهرون، فإذا انقلب حال المتحدث فلا حرج من (انقلاب) الحديث. ولعل أبرز القواميس (المنقلبة) تلك: القاموس السياسي، وفيه يظهر الخطاب المنقلب جليّاً، ويصير النفي للإثبات، والإثبات يضحى نفياً. ولقد برز ذلك واتضحت معالمه، وظهرت رؤاه في التعامل مع يهود، وإن كان ظاهراً في سواه كثيراً، ولكنه هنا أظهر وأبين. كانت مفردات الخطاب الثوري إثر الاحتلال اليهودي لفلسطين: (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض) (وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) . وظلت تلك الشعارات الرنانة تخترق الأسماع عبر أبواق (الصمود والتصدي) من مرئي ومسموع ومقروء، ثم ما لبثت الأيام تمضي حتى أخذ حملة تلك الشعارات يؤبنونها، ثم ما لبثوا كذلك أن تقاطروا زرافات ووحداناً يلهثون وراء (سلام الشجعان) ، فمن (أرض السلام البارد) إلى (مملكة السلام الدافئ) إلى (سلام أبناء العمومة) ثم (سلام الأُسود) ، والبقية ... آتية، والأيام حبالى بكل عجيب. وكأن كل هذه (الإثباتات) من عداوة وبغضاء واحتلال ديار وانتهاك حرمات.. إلى غير ذلك: صار (واقعاً) ولا وجود له. ولعلنا نستعرض بعض التصريحات في الآونة الأخيرة، التي ظهرت فيها أدوات النفي، لغير النفي! ! : يرتع اليهود في (أرض الكنانة) بأفكارهم وبذورهم على أنهم خبراء ... زراعيون، ولا يخفى على أحد ما أصاب الزراعة من (خبراتهم) ! ! وإذا ... بوزير الزراعة يخرج علينا ليقول: (لم نستورد بذوراً من إسرائيل! !) . ويجيء وزير الخارجية، ويقول: (لن نوقع على معاهدة منع الانتشار النووي إلا إذا وقعت (إسرائيل) ويومها قيل: ليخفف من حدة خطابه حفظاً لماء الوجه، لأنه موقع لا محالة، وهو ما حدث بالفعل دون أن توقع إسرائيل. ويأتي وزير الاقتصاد ليقول: (لا نخشى من دخول إسرائيل اقتصاديّاً إلى المنطقة، ولا للهيمنة الاقتصادية، نعم للمساواة) وإذا به مع آخرين يقومون بجولة من (التطبيع الساخن) لإسرائيل لعقد اتفاقيات، ومشاريع اقتصادية! ! ونعرج على لبنان ليصرح لنا أحد وزرائها بأن: (إسرائيل غير قادرة على سرقة مياه الليطاني) ، وإذا بأحد رؤسائها السابقين يؤكد أنها تسرق وتسرق، ولديه الأدلة، ونقول: لقد سرقت إسرائيل كميات إضافية من المياه المتفق عليها من وادي عربة في الأردن! ! ، فالذي يسرق من المتفق عليه، أليس بالأحرى أن يسرق ما لا اتفاق عليه؟ ! ثم هل نشكك في كلام وزير خارجية الجزائر حين قال: (الجزائر لن تحذو حذو الساعين للتطبيع مع إسرائيل) ؛ إذ إننا تعلمنا أن قاموس النفاق السياسي نفيه إثبات، وإثباته نفي. ... وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2268

ربيع الآخر - ١٤١٧هـ سبتمبر - ١٩٩٦م (السنة: ١١)

стр. 2269

كلمة صغيرة مفارقة عجيبة زعماء الدين النصارى في لبنان كيان كبير، له وزنه الرسمي، من احترام الدولة لهم، ومراعاة توجههم في كل مناسبة، تقديراً لثقلهم في الساحة، ولذلك: حينما طلب هؤلاء الزعماء من الرموز النصرانية عدم المشاركة في انتخابات ١٩٩٢م؛ أحجم كثيرٌ من هؤلاء عن المشاركة، استجابة لهم، ولما رأوا أن ذلك عاد عليهم بالخيبة، ووصول رموز جدد لا سيما من الإسلاميين؛ عادوا ليعطوا الضوء الأخضر لنوابهم بالمشاركة النيابية، مع تحفظهم المعلن عن الانتخابات المقبلة. غريب جدّاً دور (رجال الدين) النصارى في لبنان، وتدخلهم في العمل السياسي، وهم الذين جاء في كتابهم المقدس «دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» . والأعجب أن يحجم كثير من علماء دين الإسلام ودعاته وهو دين يشمل الحياة جميعها؛ والحكم فيه لله [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ] عن المشاركة الفعالة في الحياة العامة، ويُضرب على يد دعاته في كثير من البلاد الإسلامية، وتصدر قوانين تحرم الدخول في (اللعبة الانتخابية) للإسلاميين، بدعوى أنه لا يصح أن يدخل فيها ذوو الانتماء الديني عموماً، مع اعتقادنا الجازم أن نصرة هذا الدين لن تأتي عن طريق تلك الأساليب المحدودة الأثر. إلا أن المقارنة بين المنهجين مثيرة للعجب والتساؤل، وتنبئ عن واقع أليم للأمة؛ لاضطراب موازينها ... والله المستعان.

стр. 2270

الافتتاحية يا دعاة الإسلام: لنتجرد ولنصدق التحرير الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد: فالدعوة الصادقة إلى الله هي سبيل كل داعية مخلص لتبليغ هذا الدين وتبصير الناس بأخلاقه وآدابه وأحكامه [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] . والدعوة إلى المنهاج الصالح الصحيح هي رسالة الأنبياء ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . فكلما كانت الدعوة منطلقة من تجريد الإخلاص لله (تعالى) وتجريد المتابعة للرسول كلما كانت آثارها إيجابية ونتائجها موفقة. وفي ظل الإحباطات التي تعيشها الدعوة في بعض البلدان؛ نتيجة لنقص العلم الشرعي، ولفقدان التأصيل الصحيح لمسائل الخلاف: تشتد حاجتنا إلى الرجوع لمنهج الأنبياء ﵈ في الدعوة: من البدء بالعقيدة، وتحقيق العبودية لله (تعالى) ، وتجريد القصد والمتابعة للرسول، والعض على ذلك بالنواجذ. فكثيراً ما نشاهد في الواقع الدعوي من الأخطاء والتجاوزات ما يمكن إرجاعه إلى النقص في تلك المؤهلات الآنفة الذكر؛ مما قد يتسبب في فقد تأثير الدعوة في بعض المجتمعات، وربما أدى إلى تعطيلها. فقد نشاهد أحياناً من يظن أنّه قد بلغ الآفاق بقوله وفعله، بعبادته ودعوته، وينتفش بكبرياء واستعلاء، ويتكلم بعجب وأستاذية، حتى يظن أنّ النّاس، كل النّاس يشيرون إليه بالبنان. إذا شارك بكلمة أو درس أو خطبة، تسلل العجب إلى قلبه، وشعر أنه الداعية النشيط، والمجاهد المبارك، والعامل المنتج.. ويقول لنفسه بقوة: نعم، ولم لا أكون كذلك..؟ ! ، ألم أتحرك حينما تقاعس الناس، وأتكلّم حينما سكت الناس، وأنتج حينما عجز الناس..؟ ! عملي لا يُلحق شأوه، ودعوتي لايُشقّ لها غبار.. نظراتي مسددة، وأعمالي موفقة ... وتلك هي الهاوية..! ! إن الكبر والعجب يقودان في الغالب إلى الأمن من مكر الله، وهذا داءٌ خطير مقعد، يحطم همة الإنسان، ويقعده عن التضحية والبناء، ويجعله يتآكل من الداخل.. وكيف يصح ذلك ورسول الله ﷺ يقول: (إنّ قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبِ واحدٍ يصرفه حيث يشاء) ، وها هو ذا رسول الله ﷺ يقول في دعائه: «اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك» (رواه مسلم) . يقول ذلك وهو سيد ولد آدم، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. بل يصلي حتى تتورم قدماه، ويقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ !» [رواه ... البخاري] . تربية تزكي النفس، وتدفعها إلى الاعتصام بالله، ولا تجعلها تركن إلى نفسها، فتعلق القلب لا يكون إلا بالله . ولهذا: كان النبي ﷺ يوصي أصحابه بذلك، فهو يقول مثلاً لمعاذ بن جبل: «إني لأحبك يا معاذ، فلا تدع أن تقول في دبر كلِّ صلاة: اللهم أعنِّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (أخرجه أبو داود) . إن الخوف من الله، والانكسار بين يديه، والثقة به وحده، هو الذي يهذب النفس الإنسانية ويروضها، ويطامن من كبريائها، ويحد من غرورها وعجبها، فالمرء ينشط ويدعو، ويضحي بنفسه وماله، ويبذل قصارى جهده لخدمة هذا الدين.. ومع ذلك: فهو يلح في الدعاء، ويتضرع إلى الله بقلب مخبت منيب، يسأله القبول والرضا، ويشعر بضعفه وحاجته إلى عون ربه ، ولهذا: قالت عائشة ﵂ لرسول الله ﷺ في قول الله : [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ] [المؤمنون: ٦٠] : أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ فقال: «لا يا بنت الصديق، هم الذين يصلون ويصومون، ويتصدقون، يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات» [أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة] .. هكذا ربى رسول الله ﷺ أصحابه. فها هو ذا أبو بكر الصديق يأتيه قائلاً: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» (رواه البخاري) . أبو بكر.. خير هذه الأمة بعد نبيها يقول: «رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً» ، فكيف إذن يقول غيره..؟ ! كيف نقول نحن..؟ ! أما أبو بكر فيقول: «ودِدْتُ أني شجرة تعضد!» . وهذا عمر بن الخطاب ﵁ ذلك الرجل الجبار القوي في دين الله، الذي أعز الله به الإسلام، وقوّى به المسلمين، الذي إذا سلك فجّاً سلك الشيطان فجّاً آخر.. حينما علم أن رسول الله ﷺ علّم حذيفة بن اليمان ﵁ أسماء المنافقين، ذهب إليه وألح عليه في السؤال: هل سماني لك رسول الله..؟ ! . شيء عجيب جدّاً.. عمر الفاروق لا يأمن على نفسه النفاق..! ! فكيف يأمن من كان دونه بمراحل..؟ ! . وتأتي ثمرة هذه التربية العجيبة حينما طُعن ﵁ وهو خليفة، وجعل يألم، فقال له ابن عباس مواسياً: «يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبتَ رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت صحبَتَهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنّهم وهم عنك راضون» ، ما الظن بعمر بعد كل هذا الثناء..؟ ! . هل أحس بالعجب والخيلاء والأمن..؟ ! هل أحس بالانتفاش وتعاظم في نفسه..؟ ! أم أنّه أسند ذلك إلى فضل الله ومنته؟ . قال عمر لابن عباس: «أمّا ما ذكرت من صحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضاه: فإنما ذاك منّ من الله (تعالى) منّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه: فإنّما ذاك منّ من الله (جلّ ذكره) منّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي: فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديتُ به من عذاب الله قبل أن أراه» ! (أخرجه البخاري) . الله أكبر! بهذه النفوس الحية الزكية التي تظهر الحاجة والافتقار لله (تعالى) ، وتلتجئ إليه بصدق ويقين: تنجح الدعوة وتؤتي ثمارها، وبذلك أيضاً يثبت الرجال على تحمل أعباء الدعوة وتكاليفها، ويشدون على لوائها وإن أصابهم ما أصابهم من اللأواء والعنت. ما أحوج الدعاة إلى التجرّد والصدق، والبعد عن حظوظ النفس وشهواتها، فكم من الطاقات تهدر وتتآكل بسب التعالي والإعجاب بالنفس، وصدق الرسول بقوله: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (أخرجه أحمد والترمذي) . اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين.

стр. 2271

دراسات شرعية حقيقة الإيمان (الحلقة الأخيرة) بقلم: د.محمد أمحزون قدم الكاتب الحلقة الأولى من الموضوع بالأسباب التي دعته إلى الكتابة فيه، ثم الغرض من كتابته، ثم شرع في بيان مصطلح «الإيمان» في اللغة، وعلى مستوى الدلالة في سياق القرآن والحديث، وكذلك مفهومه في الكتاب والسنة، ثم تحدث عن ركني الإيمان: القول والعمل، ويفصل في هذه الحلقة الحديث عن جوانب أخرى من الموضوع. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - من عرى الإيمان: أ - إفراد الله بالحكم: إن إفراد الله بالحكم، أو تحكيم شريعته في شؤون الحياة كلها: عروة من عرى الإيمان وأصل من أصول الاعتقاد، فقد جاءت الآيات القرآنية مؤكدة أن الحكم بما أنزل الله من صفات المؤمنين، وأن التحاكم إلى غير شرع الله من صفات المنافقين. وإذا كان جوهر الإيمان هو الانقياد والخضوع والطاعة، فلا يتحقق ذلك إلا بقبول أحكام الشرع والإذعان لحكم المخبر. ولقد جاءت الآيات المحكمات الدالة على اتباع شريعة الله والتحاكم إليها وحدها مذيلة بوصف الفلاح والخير لمن امتثل أمر الله وأطاع رسوله. قال (تعالى) : [وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ] إلى قوله (تعالى) : [إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] ... ... [النور: ٤٧- ٥١] . ففي الآية الأولى نفى الله (جل ثناؤه) الإيمان عمّن تولّى عن الطاعة والامتثال وإن كان قد أتى بالقول، وفي الآية الثانية جعل (جل ذكره) تحكيم الشريعة شرط الإيمان الذي لايتحقق إلا به. وقال (تعالى) : [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . يقول أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية: «يعني (جل ثناؤه) بقوله: فليس الأمر كما يزعمون أن يؤمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدوا عنك إذا دُعُوا إليك يا محمد، واستأنف القسم (جل ذكره) فقال: [وَرَبِّكَ] يا محمد [لا يُؤْمِنُونَ] أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ] حتى يجعلوك حكماً بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه ... ثم يفسر نفي الحرج بنفي الشك في طاعته وأن الذي قضى بينهم حق لا يجوز خلافه» [١] . وقال (تعالى) : [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً] [الأحزاب: ٣٦] . يقول النسفي في تفسير هذه الآية: ( ... وإن كان العصيان عصيان رد، وامتناع عن القبول فهو ضلال وكفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق) [٢] . ويستخلص مما سبق: أن تحكيم الشريعة في حياة الناس أصل من أصول الاعتقاد؛ فمن ردّ الأمور إلى شرع الله (تعالى) فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يرض بتحكيم ما جاء به النبي ﷺ في أصول الدين وفروعه فهو معترض على دين الله، ولا يكون مؤمناً وإن زعم ذلك كما قال (تعالى) : [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاًً بَعِيداً] [النساء: ٦٠] . كما أن الذي لا ينقاد ويخضع لشرع الله وإن كان مصدقاً به فهو كافر؛ لأن الكفر لا يختص بالتكذيب فقط، بل هو أنواع، منه: كفر إباء واستكبار، وكفر استهزاء، وكفر إعراض، وكفر شك ونفاق [٣] . يقول الحافظ ابن عبد البر في هذا الصدد: «قد أجمع العلماء ... أن من دفع شيئاً أنزله الله ... وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله: أنه كافر» [٤] . لكن إذا كان الحاكم يقرّ بالشريعة وينزل عند أحكامها، ثم حكم في قضية بعينها بغير حكم الله، إما عن جهل بها أو حكم فيها هوى ومعصية، فهذا ذنب، وهو الذي عناه ابن عباس ﵄ بقوله: كفر دون كفر [٥] ، ويدل عليه قول الرسول: «لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم وآخرهنّ الصلاة» [٦] . أما من يعتقد أفضلية القانون الوضعي على شرع الله أو مساواته له، أو ينتقص أحكام الشريعة بقوله: إنما نزلت لزمان غير زماننا ولعلل وأسباب انقضت فسقطت أحكامها، أو أنها لا تفي بمتطلبات العصر المستجدة، أو شرع ما لم يأذن به الله؛ فأحل حراماً أو حرّم حلالاً، فهذا كافر مرتد لا إيمان له، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. ب- إفراد الله بالولاء: إن الولاء والبراء هو أوثق عرى الإيمان، ولازم من لوازم التوحيد، وهو بهذا جزء مهم من العقيدة التي تعدّ معرفتها والعمل بها أمراً ضروريّاً بالنسبة للمسلم؛ ليكون ولاؤه، وبراؤه بحسبها، إذ من المحال أن يكون صحيحاً بدون تحقيق الموالاة والمعاداة الشرعية. والنصوص الشرعية التي تدل على أهمية هذا الأصل كثيرة، منها: قول الله (جل ذكره) : [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ] [المجادلة: ٢٢] . وقال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [التوبة: ٢٣] . وقال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [المائدة: ٥١] . وقال (تعالى) : [وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] [المائدة: ٨١] . أما الأحاديث النبوية الواردة في الولاء والبراء، فمنها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله» [٧] ، وقوله: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» [٨] ، وقوله: «من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله: فقد استكمل إيمانه» [٩] . وفي العموم: إن الولاء للمسلمين بمحبتهم، ونصرتهم، والاهتمام بشؤونهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، ومواساتهم: من مقتضيات تحقيق الإيمان الشرعي، كما أن البراءة من الكافرين والمنافقين ببغضهم، والحذر من التشبه بهم، ومخالفة مناهجهم: من لوازم تحقيق الإيمان. فالتميز والمفاصلة أمران ضروريان للمسلمين في هذا العصر، فليس هناك أنصاف حلول ولا التقاء في منتصف الطريق مع أَعْداء الدين من اليهود، والنصارى، ومن سار على دربهم من المنافقين.. إنما هو الاستمساك بالدين الخالص في كل نواحي الحياة، والثبات على منهج الدعوة الأول، وإلا فهي البراءة الكاملة، والمفاصلة التامة، والحسم الصريح: (لكم دينكم ولي دين) [١٠] . التلازم بين الحكم بما أنزل الله والولاء والبراء في القرآن الكريم: عندما تؤمن الأمة إيماناً كاملاً بأن الشريعة الإسلامية هي هويتها ودستور حياتها، وأن مبادئها وقيمها هي منهاج تعاملها فيما بينها ومع الآخرين: فإنها ستحرص على تطبيقها؛ لأنها مصدر عزتها وقوتها وكرامتها، ومن ثم: ستحافظ عليها، وتعادي وتوالي من أجلها، وستعتبر أي مساس لسلطانها وسيادتها خيانة في حق هذا الدين. أما عندما يغيب التحاكم إلى شرع الله من حياة المسلمين، فإن الفراغ الرهيب في حياتهم ستملؤه النظم والقوانين والمناهج المستوردة التي تعمل على صنع أجيال متمردة على حكم الله بالسياسات الإعلامية والتعليمية والثقافية، ومن ثم: تذوب الفواصل بينهم وبين أعدائهم، فيتشبهون بهم في وسائل العيش وطرق الحياة المختلفة، لأن المغلوب لا يزال مقلداً للغالب في كل شيء. ولهذا أمر الله (جل ثناؤه) في كتابه الكريم بعدم تتبع أهواء الذين كفروا من أهل الكتاب والاحتكام إلى نظمهم الجاهلية، بما يقتضي عدم موالاتهم والبراءة منهم، وذلك في موضعين من القرآن الكريم، قال (تعالى) : [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ] [المائدة: ٤٩] ، وقال (جل ذكره) : [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ] [الجاثية: ١٨] . ج - إفراد الله بالنسك: لم يجعل الله لأحد من المخلوقين سواءً أكان نبيّاً أو مَلَكاً أن يستعان به، أو ينذر له، أو يستغاث به، أو يرغب إليه، أو يذبح له، أو يقسم ... به...... فلا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين، فضلاً عن غيرهم من الصالحين [١١] . فالله (سبحانه) هو المعبود بحق، فلا يُحلف إلا به، ولا ينذر إلا له، ولايدعى إلا إياه، ولا يستغاث ويستعان إلا به، ولا يذبح إلا باسمه، قال (تعالى) : [فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ] [الأنعام: ١١٨] . وقد كان المشركون يخوِّفون إبراهيم الخليل (صلوات الله وسلامه عليه) بمعبوداتهم، فردّ عليهم بقوله: [وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الأنعام: ٨١] . وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] قال أصحاب رسول الله ﷺ أيّنا لم يظلم؟ فأنزل الله: [إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [١٢] [لقمان: ١٣] . وقال (تعالى) : [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] . والمقصود بالإسلام هنا: الإيمان بالله، وعبادته وحده لاشريك له. ولما كان النسك من أعظم العبادات وأجلها كما قال ابن تيمية ﵀ فإن خرم هذا الأصل من أصول الاعتقاد من ثلاثة أوجه يعد شركاً ونفياً للإيمان: أن يتقرب إلى المخلوق بأنواع العبادات والقربات ليقربه إلى الله زلفى. أن يتخذ عند الله شفعاء عنده بغير إذنه. أن يدعو الموتى ويتوجه إليهم مباشرة بالدعاء والاستعانة والاستغاثة [١٣] . مراتب الإيمان: أ - الإيمان المجمل: هو الإقرار بما جاء به الرسول جملةً، وتصديقه في كل ما أخبر به عن ربه من: الكتب، والملائكة، والنبيين، ومقادير الخلق، وأحوال الآخرة.. إجمالاً؛ لقوله (تعالى) : [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ] [البقرة: ٢٨٥] . وهو أصل الإيمان؛ لقوله (تعالى) : [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأََسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أََحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] [البقرة: ١٣٦] ، فذكر (جل ثناؤه) الإيمان المجمل المتعلق بأصل الدين؛ وذلك لأن الإيمان الواجب يستثنى فيه ولا يقطع به، والله أمرنا هنا بالقطع. وكذلك: فهو الإقرار بالشهادتين (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ؛ لأن أول واجب على المكلف هو التلفظ بهما إيماناً مجملاً بألا يعبد إلا الله، وأن يعبد بما شرع على لسان رسوله. ويعرّف ابن تيمية ﵀ المجمل: «بما لا يكفي وحده في العمل وإن كان ظاهره حقّاً» [١٤] . ويدخل في الإيمان المجمل: الظالم لنفسه، كما في قوله (تعالى) : ... [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] (فاطر: ٣٢) . فالذين اصطفى الله هم المسلمون بمراتبهم الثلاث: الظالم لنفسه وهو من تحقق فيه الإيمان المجمل، والمقتصد من أهل الإيمان الواجب، والسابق بالخيرات من المحسنين. فعصاة أهل التوحيد يدخلون في دائرة الإيمان المجمل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن» [١٥] فهذه المعاصي تخرج فاعلها من دائرة الإيمان الواجب إلى دائرة الإيمان المجمل. يقول ابن تيمية ﵀ : «والخطاب بالإيمان [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا] يدخل فيه الذين أسلموا ولم تدخل حقيقة الإيمان في قلوبهم، لكن جزءاً من الإيمان والإسلام يثابون عليه (الإيمان المجمل) ، لكن يعاقبون على ترك المفروضات (الإيمان الواجب) ، وهؤلاء كالأعراب المذكورين في الآية (من سورة الحجرات) وغيرهم، فإنهم قالوا: [آمنا] من غير قيام منهم بما أمروا به باطناً وظاهراً، فلا دخلت حقيقة الإيمان في قلوبهم، ولا جاهدوا في سبيل الله، وقد كان دعاهم ... النبي ﷺ إلى الجهاد، وقد يكونون من أهل الكبائر المعرّضين للوعيد، كالذين يصلون ويتركون، ويجاهدون، ويأتون الكبائر، وهؤلاء لا يخرجون من الإسلام، بل هم مسلمون (يقصد الإيمان المجمل) . فدل هذا كله على أن هؤلاء من فساق الملة، فإن الفسق يكون تارة بترك الفرائض، وتارة بفعل المحرمات، وهؤلاء لما تركوا ما فرض عليهم من الجهاد، وحصل عندهم نوع من الريب الذي أضعف إيمانهم: لم يكونوا من الصادقين الذين وصفهم [١٦] ، وإن كانوا صادقين في أنهم في الباطن متدينون بدين الإسلام ... فهكذا كان إسلام غير المهاجرين والأنصار: أسلموا رغبة ورهبة، كإسلام الطلقاء من قريش بعد أن قهرهم النبي ﷺ ، وإسلام المؤلفة قلوبهم من هؤلاء ومن أهل نجد. وليس كل من أسلم لرغبة أو رهبة كان المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، بل يدخلون في الإسلام والطاعة وليس في قلوبهم تكذيب ومعاداة الرسول (الإيمان المجمل) ، ولا استنارت قلوبهم بنور الإيمان ولا استبصروا به (الإيمان الواجب) » [١٧] . وهناك قضية رئيسة ينبغي التنبيه عليها، وهي: أن الإيمان المجمل ليس وحده طوق النجاة في الآخرة، بل هو الخطوة الأولى للدخول في الدين، إذ لا بد من فعل الأمر وترك النهي لتحقيق الإيمان الواجب، فأهل السنة يقررون أن ترك العمل بالكلية هو ترك لركن الإيمان الذي لا يكون إلا به؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الصالح هو مناط النجاة في الآخرة. أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناده إلى عمرو بن عثمان الرّقي قال: ... «قيل لابن عيينة: إن قوماً يقولون الإيمان كلام، فقال: كان هذا قبل أن تنزل الأحكام، فأمر الناس أن يقولوا (لا إله إلا الله) ، فلما علم صدقهم أمرهم بالصلاة ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار» فذكر الأركان، إلى أن قال: ... «فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض وقبولهم قال: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] ... [المائدة: ٣] ، فمن ترك شيئاً من ذلك كسلاً أو مجوناً أدبناه عليه وكان ناقص الإيمان، ومن تركها جاحداً كان كافراً» [١٨] . ويقول ابن تيمية: «ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه، بأنّ الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق وزندقة، لا مع إيمان صحيح» [١٩] . ب- الإيمان الواجب: هو ما زاد عن الإيمان المجمل بفعل الواجبات وترك المحرمات [٢٠] ، كما في قوله (تعالى) : [الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ] [الزخرف: ٦٩] وقوله (تعالى) : [فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] [الحج: ٥٠] وقوله (عز من قائل) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] [البقرة: ٢٠٨] ، يدعوهم باسم الإيمان المجمل ليحققوا الإيمان الواجب بالأخذ «بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره» [٢١] ، وقوله (جل ذكره) : [قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا] [الحجرات: ١٤] فهنا نفى الله عنهم الإيمان الواجب، وأثبت لهم الإيمان المجمل أو الإسلام العام، كما أن الإيمان المراد في الآية هو الإيمان المستحب، وهو أعلى درجة من الإسلام. وبيّن الله (تعالى) الإيمان الواجب بعد ذلك في السورة نفسها بقوله (جل ثناؤه) : [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] [الحجرات: ١٥] ، كما بيّنه في سورة الأنفال: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاً] [الأنفال: ٢- ٤] . والإيمان الواجب يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وإذا ذهب بعضه بقي بعضه، خلافاً لرأي أهل البدع من الخوارج والمرجئة في ... المسألة [٢٢] ، ومن خرج منه بترك بعض الفرائض أو ارتكاب بعض المحرمات انتقل إلى دائرة الإيمان المجمل أو مطلق الإيمان. ويعدّ الإيمان أعلى درجة من الإسلام عند الاقتران؛ ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» [٢٣] . ففسر «المسلم» بأمر ظاهر، وهو سلامة الناس منه، وفسر «المؤمن» بأمر باطن، وهو أن يأمنوه على دمائهم وأموالهم، وهذه الصفة أعلى من تلك؛ فإن من كان مأموناً سلم الناس منه، وليس كل من سلموا منه يكون مأموناً، فقد يترك أذاهم وهم لا يأمنون إليه ويثقون به؛ خوفاً أن يكون ترك أذاهم لا لإيمان في قلبه، بل لرغبة أو لرهبة في نفسه [٢٤] . وكذلك حديث عمرو بن عَبَسة مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ أن رجلاً قال له: ما الإسلام؟ قال: (إطعام الطعام، ولين الكلام) ، قال: فما الإيمان؟ قال: (السماحة، والصبر) [٢٥] . فإطعام الطعام ولين الكلام عملان ظاهران يفعلهما الإنسان لمقاصد متعددة، وأما السماحة والصبر فخلقان في النفس، وهذا أعلى من ذاك [٢٦] . فالمؤمن لا يرتاب في المحنة أو الفتنة التي تزلزل الإيمان في القلب: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَاًتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَاًسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [البقرة: ٢١٤] . وبما أن الريب ضد اليقين إلا من اطمأن قلبه علماً وعملاً فإن الإنسان لو كان عالماً بالحق، لكن المصيبة أو الخوف أورثه جزعاً: لم يكن صاحب يقين، ففي مواطن الابتلاء والشدة تظهر حقيقة الإيمان بالصبر والثبات على المبدأ، والموفق من وفقه الله . ج- كمال الإيمان (الإيمان المستحب) : هو ما زاد عن الإيمان الواجب من الأعمال المستحبة والمندوبة، وهي المرتبة التي ينال بها المسلم علو الدرجة والمنزلة العالية. وكمال الإيمان يجمع كمال الإخلاص لله والإتيان بالفعل الحسن على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، لقوله (تعالى) : [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ] [البقرة: ١١٢] ، وقال (تعالى) : [لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ] [يونس: ٢٦] ومن حديث رسول الله ﷺ قوله: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» [٢٧] . وسئل ﵊ : أي الإسلام خير؟ قال: ... «تطعم الطعام، وتَقْرَأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» [٢٨] ، وفي حديث جبريل ﵇ جعل مرتبة الإحسان أخص من مرتبة الإيمان [٢٩] . وصح عن عمار بن ياسر ﵄ أنه قال: (ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان وفي رواية: (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسه، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم «) [٣٠] . والوسيلة لبلوغ درجة الكمال: أن الإيمان كلما ازداد وقوي زاد معه العمل الصالح، ولذلك: كان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه:» اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً « [٣١] ، وقال مالك بن دينار:» الإيمان يبدو في القلب ضعيفاً ضئيلاً كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة وأماط عنه الدَغَل وما يضعفه ويوهنه أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير له أصل وفروع، وثمرة وظل، إلى ما لا يتناهى، حتى يصير أمثال الجبال، وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده، جاءه عنز فنتفتها، أو صبي فذهب بها، أو أكثر عليها الدغل، فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها، كذلك الإيمان « [٣٢] . إذن: فحقيقة الإيمان الشرعية التي تقرر نصوص الكتاب والسنة بأنها مركبة من ركني القول والعمل تشهد بالترابط بين مراتب الإيمان الثلاثة، كالترابط الحاصل بين حلقات السلسلة، يشد بعضها بعضاً ويكمل بعضها بعضاً. بل إن التلازم حتمي بين المرتبة الأولى والثانية في أن العمل لا ينفك عن الإيمان الباطن، وأن كليهما مناط النجاة في الدنيا بعصمة الدم والمال واستحقاق الأخوة من المؤمنين، وفي الآخرة بالنجاة من سخط الله وعذابه. ويظل المعيار الحقيقي للحكم على حقيقة الإيمان هو معيار الصدر الأول وواقع السلف الصالح قبل اختلاف الأمة، بل في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- حين اكتمل الإيمان في واقع الجيل القدوة ونفوسهم قولاً وعملاً، فأنزل الله (تعالى) في حجة الوداع في يوم الجمعة في عرفة قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [٣٣] [المائدة: ٣] .

стр. 2272

دراسات تربوية المفهوم الصحيح للعبادة ومظاهر انحرافه وضعفه بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل يواصل الأخ الكاتب وفقه الله وقفاته الإيمانية التربوية عند بعض الآيات القرآنية في دراساته (وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم) ، وهذه وقفته العاشرة عند آية [إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ] حيث تطرق لمعاني هذه الآية الكريمة وما ورد فيها من أحاديث، مع لمحات علمية وتوجيهات دعوية، سنختار بعضاً منها؛ لما انطوت عليه من دراسة وتحقيق وإيضاح لمفاهيم انحرف معناها في حس الكثير من المسلمين. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - ... ما العبادة؟ اختلفت أقوال العلماء في مفهوم العبادة وتعريفها، وهذا الاختلاف هو من اختلاف التنوع لا التضاد، أي: إن هذه التعريفات يكمل بعضها بعضاً، والإلمام بكل هذه الأقوال ينتج عنه المفهوم الصحيح للعبادة، ومن هذه الأقوال: قول ابن القيم (رحمه الله تعالى) : (أصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحبه، وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها: فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه) [١] . وقوله في موطن آخر: (العبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع) [٢] . ويعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) فيقول: (العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) [٣] . وعلى ضوء ذلك: لا يكون العبد متحققاً بوصف العبودية إلا بأصلين عظيمين: ١- الإخلاص لله (جل وعلا) . ٢- متابعة الرسول. ومما سبق بيانه من النقولات وغيرها يتضح لنا جليّاً معنى العبادة الحقة التي أمرنا الله أن نتعبد له بها، ويمكن تلخيص هذا المعنى العظيم وتلك الحقيقة الضخمة فيما يلي: * العبادة الحقة تعني تمام المحبة مع تمام الخضوع والتذلل لله الذي يعني طاعته (سبحانه) والانقياد لأمره، ومحبة ما يحب، وبغض ما يكره، واتباع رسوله -صلى الله علييه وسلم- فيما أمر ونهى وما سن وما شرع، من غير زيادة ولا نقصان؛ وإلا.. فما قيمة محبة وخضوع لايثمران طاعة واتباعاً وقبولاً والتزاماً؟ * العبادة الحقة تفرض على العبد أن يكون في كل أوقاته وتحركاته وسكناته مصبوغاً بصبغة العبودية، لا يخرج عنها في أي لحظة من اللحظات. * ومن صرف شيئاً من العبادة لغير الله (تعالى) فهو مشرك تجب البراءة منه ومن شركه، ولا تصح العبادة إلا بهذه البراءة. بعض مظاهر الضعف والانحراف في مفهوم العبادة وتطبيقها: بعد أن اتضح لنا مفهوم العبادة الحقة كما عرضناها من فهم العلماء الربانيين للكتاب والسنة: فلابد بعد ذلك من عرض هذه المفاهيم العظيمة والحقائق الضخمة على واقعنا نحن المسلمين في هذه الأزمنة المتأخرة، وهل هذا الفهم الصحيح للعبادة هو السائد اليوم بين المسلمين؟ أم أن هذا الفهم قد اعتراه من الضعف والانحراف الشيء الكثير؟ إن المتأمل في حال المسلمين الأليم، والغربة التي يعيشها أهل الإسلام اليوم: ليجد كثيراً من المفاهيم العقدية قد انحرفت عند كثير من عامة المسلمين إلا من رحم الله ، فهناك انحراف في معنى التوحيد والعبادة، وانحراف في عقيدة اليوم الآخر، وانحراف في عقيدة القضاء والقدر، وانحراف.. وانحراف.. ولقد ساهم في هذه الانحرافات غزو أعداء المسلمين لديار المسلمين بثقافاتهم الكافرة وأفكارهم المنحرفة، وقابل هذا الغزو من الأفكار جهلٌ عند كثير من الأجيال المسلمة بدينها وعقيدتها، وعجز عند أكثر علماء الأمة عن تعليم الناس والوقوف في وجه هذا الغزو، (فوافق الغزو قلباً خالياً فتمكنا) . من هنا سيتوجه التركيز على بعض مظاهر الانحراف والضعف في مفهوم العبادة، فمن ذلك ما يلي: ١- الانحراف في تطبيق شرطي العبادة: من مظاهر الانحراف في العبادة فهماً وتطبيقاً ما هو منتشر بين أهل البدع والخرافة في القديم والحديث من ترك لأحد شرطي العبادة أو كليهما واللذين لا تصح العبادة إلا بهما، ألا وهما: الإخلاص والمتابعة ... المراد هنا: إيضاح الانحراف الذي يترتب على ترك هذين الشرطين أو أحدهما؛ فترك الإخلاص في العبادة نتج عنه صرف العبادة التي هي لله وحده إلى غيره من الخلق ولو كانوا أنبياء أو ملائكة أو أولياء وهذا صرف للعبادة عن مستحقها، وحجتهم الداحضة عند ربهم: أنهم يؤمنون بأن الله الخالق الرازق بيده الضر والنفع، ولكنهم يتوسلون بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى؛ وهذا هو الشرك الأكبر الذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، فترى هؤلاء يصرفون العبادة بأنواعها المختلفة من ذبح، ونذر، وخوف، ورغبة ... وغير ذلك من أصناف العبادة إلى غير الله ، وهذا من أشد مظاهر الانحراف في العبادة؛ لأنه شرك أكبر يضاد الإخلاص لله (عز وجل) ، الذي هو شرط من شروط كلمة التوحيد وقبول العبادة.. ومحل الكلام عن هذا الشرك وأنواعه مبسوط في كتب التوحيد والعقائد [٤] . أما ترك الشرط الثاني لصحة العبادة (وهو المتابعة) فينتج عنه انحرافات كثيرة في العبادة وتطبيقاتها، حيث ظهرت ألوان وصور من العبادات التي لم يأذن بها الله ، ولم يشرعها الرسول لأمته، وبخاصة بين المتصوفة الذين يعطون لمشائخهم حق التشريع، وبعتبرون أقوالهم وأفعالهم مصدراً من مصادر الاستدلال، فظهرت بذلك هيئات وصور متعددة للعبادة والأوراد والأذكار، كلها مبتدعة، سواء أكان ذلك في كيفيتها، أو كمها، أو هيئتها، أو طريقة أدائها، أو زمانها، أو مكانها، وهذه كلها مردودة على أصحابها، لأنها تشريع لم يأذن به الله، قال (تعالى) : [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [الشورى: ٢١] ، ولقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [٥] . ٢- الانحراف في مفهوم العبادة: وهو النظر إلى العبادة على أنها أداء للشعائر التعبدية من: صلاة، وصيام، وحج، وذبح، وقراءة قرآن ... فحسب، وأن ما سوى ذلك من معاملات، وأخلاقيات، ومباحات.. وغيرها، كل ذلك لايدخل في العبادة. نعم إن هذا المفهوم هو السائد عند بعض المسلمين، سواء أقالوه بلسان مقالهم أم بلسان حالهم وأعمالهم، ولا أدل على ذلك من أننا قد نجد ذاك العبد المصلي، الصائم، القارئ للقرآن، بعد فراغه من هذه الشعائر التعبدية لا يتورع أن يغشّ، أو يرابي، أو يظلم، أو يملأ بيته من آلات اللهو ووسائل الإفساد ما الله به عليم، وكذلك قد نرى المرأة المصلية الصائمة لا تتورع عن التصرف في نفسها بما يخالف الشرع، من سفور، أو زينة محرمة، أو اختلاط.. أو غيره. وإذا نصح مثل هؤلاء الناس، قالوا: إنهم من المصلين العابدين، وقد انتهى وقت العبادة! وهكذا تنحرف الغايات، وتنشأ اللوثات، وتفسد النيات، وذلك كمن يفصل أمر تعليمه وتعليم أولاده عن غاية العبادة لله ، ويربط ذلك بالشهادة والمال والوظيفة، بل يستخدم أي وسيلة توصله إلى ذلك. إن العبادة بهذا المفهوم المنحرف تجعل المسلم في انفصال وانفصام بين حياته في مسجده وخارج مسجده، لأنه لو كان مفهوم العبادة التي يريدها الله كما فهمها هذا الصنف من الناس لكانت عبثاً، ولبقي أكثر الأوقات غير معمور بعبادة الله ، وهذا لا يرضاه الباري (جل وعلا) ؛ ذلك لأن أوقات الصلوات لا تتعدى ساعتين أو ثلاث في اليوم والليلة، فماذا يكون شأن الساعات الباقية؟ هل تنفق في غير عبادة؟ ! كلا.. فإن الله (سبحانه) لا يرضى لعباده هذه الحال. إذن: فالواجب على كل مسلم أن يعلم أنه ما خلق إلا للعبادة، وأن وقته يجب أن يكون في عبادة؛ سواء ما كان منه في الشعائر التعبدية، أو ما كان منه في المعاملات، أو ما كان منه في المباحات، كل ذلك يجب أن يمارسه العبد وشعور العبادة لله يصاحبه، فيراقب ربه في كل أعماله، وينوي بها التقرب إليه والاستعانة بها على طاعته. إن هذا الشعور وهذه النية تجعل العبد في كل أعماله حتى في مباحاته ولذاته عبداً لله، مسلماً وجهه لربه [٦] ، [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] . ٣- الانحراف في التطبيق: وقد ترتب على ذلك الانحراف في مفهوم العبادة انحراف آخر في تطبيق العبادة، فحتى الشعائر التعبدية التي حُصرت العبادة فيها بحسب، هي الأخرى نالها ما نالها من الضعف والميل بها عن حقيقتها وغايتها، وهذه نتيجة متوقعة وبدهية معروفة؛ فالانحراف في الفهم لابد أن ينتج عنه انحراف في التطبيق، ويوضح الأستاذ محمد قطب (وفقه الله) هذا الانحراف، فيقول: (حين صار المطلوب كله هو أداء الشعيرة، وانحصرت (العبادة) كلها في هذا الأمر، كان حريّاً بهذا اللون من العبادة أن ينحسر أكثر فأكثر، حتى يصبح المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت.. ولو كان أداءً آليا بغير روح، أو أداء تقليديّاً يحركه الحرص على التقاليد أكثر مما يحركه الدافع إلى عبادة الله. وتلك هي الصورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار) . ٤- الانحراف في مصدر التلقي: ترتب على الانحراف السابق في مفهوم العبادة انحراف أشد خطراً وأسوأ أثراً، حيث كان الانحراف السابق ذكره منحصراً على مستوى الفرد، بينما هذا الانحراف الذي نحن بصدده يتمثل في النظم التي تحكم في أكثر بلدان المسلمين اليوم، والتي يسعى أربابها إلى عزل الدين عن الحياة وتوجيهها وتنظيمها، وحصره بين جدران المسجد وأداء الشعائر التعبدية، ولسان مقالهم أو حالهم يردد تلك المقولة الجاهلية، والتي قالها أصحاب مدين لنبيهم شعيب (عليه الصلاة والسلام) ويقولها العلمانيون في زماننا: ما للدين وحجاب المرأة وعملها؟ ما للدين والسياسة وموالاة الكفار ومحبتهم؟ ما للدين والاقتصاد؟ ما للدين والإعلام والتعليم؟ ... !! إلخ، الدين: أن تعبد الله في المسجد، وتقرأ القرآن، وتذكر الله ... هكذا يزعمون! ! أما الحياة فلها نظمها التي تتناسب مع تطورها.. إلى آخر هذا الهذيان والانحراف والفجور. إن هذا الفهم الأعوج هو ما قاله أهل مدين لنبيهم شعيب بعد أن دعاهم إلى التوحيد وترك البخس والنقص في المكيال والميزان، قال الله : [قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَاًمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ] [هود: ٨٧] . إنهم يقولون: يا شعيب: ما دخل عبادتك وصلاتك في حياتنا الاقتصادية، وفي اتباعنا لآبائنا وطاعتهم فيما كانوا يعبدون.. سبحان الله! ما أشبه قلوبهم بقلوب الجاهلين في زماننا هذا، وما أشبه مقولتهم بمقولة العلمانيين المنافقين [٧] . والحاصل مما سبق: إذا حصرت العبادة في الشعائر التعبدية فحسب، فما معنى قوله (تعالى) : [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] [التوبة: ٣١] ، وما معنى قوله (تعالى) : [وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ] [الأنعام: ١٢١] ، وقد علق العلامة الشنقيطي ﵀ على هذه الآية، فيقول: (فهي فتوى سماوية من الخالق (جل وعلا) صرح فيها بأن متبع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله) [٨] . إذن: فإن من أخص خصائص العبادة: الطاعة، والاتباع، والخضوع، والانقياد، فكما أن العبادة تأتي بمعنى الدعاء والنسك، فهي تأتي أيضاً بمعنى الطاعة والاتباع، ولكن الجاهلين أو المتجاهلين يريدون حصرها فقط في الشعائر التعبدية والعبادات الخاصة، ثم لا دخل بعد ذلك للعبادة في شؤون الحياة وتسيير دفتها. وإن الذين يرون هذا الفصل المشين والفصام النكد بين الدين والحياة على قسمين: * إما أن يكونوا جهلة بحقيقة الدين وحقيقة العبادة في الإسلام، إذ لم يكن لهم حظ من العلم الشرعي ينير بصائرهم، وإنما غاية ما عندهم ثقافات مشوهة من الغرب أوالشرق تسربت إلى قلوبهم على حين غفلة وخواء، فتمكنت منها، وهؤلاء وأمثالهم من الذين انحرفوا بمفهوم العبادة عن معناها الصحيح بسبب جهلهم، وقد نرى بعضهم من المصلين، الصائمين، التالين للقرآن الكريم! وعلاج هذا الصنف من الناس يكون بالعلم الشرعي، والرفق بهم حتى يفقهوا هذا الدين بمعناه الصحيح. * والأخطر من أولئك هم الذين يفهمون حقيقة العبادة وحقيقة دين الإسلام، ولكنهم يستكبرون عن الانقياد لهذا الفهم، وينطلقون بخبث وغرض سيء لإثارة الشبهات، وصرف المسلمين عن دينهم، وتشويه هذه المفاهيم في نفوسهم، وهؤلاء إن صلوا أو قاموا ببعض الشعائر فهو نفاق وزندقة. والحذر من هؤلاء يجب أن يكون على أشده، كما أن فضح أفكارهم وخططهم هو المتعين، فهم من المنافقين الذين جاء الأمر الإلهي بمجاهدتهم، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاًوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] [التحريم: ٩] . ٥- الانحراف في المفهوم والتطبيق: ومن مظاهر الانحراف في مفهوم العبادة وتطبيقها ما عرف عن بعض غلاة المتصوفة وزنادقتهم من أن أداء العبادات والطاعات مرتبط بحصول اليقين المطلق هكذا زعموا فإذا وصل العبد إلى هذا المستوى سقط عنه التكليف ولم يعد في حاجة إلى العبادة التي هي من منازل العامة! ، أما الخاصة، ومن يسمونهم بالأبدال والأقطاب: فقد بلغوا درجة اليقين التي ترفع عنهم التكاليف والعبادات (نعوذ بالله من هذه الحال) ، ونبرأ إلى الله من أهل الزندقة والإلحاد [٩] . هذا ... ومن شطحات الصوفية في مفهوم العبادة أيضاً: المقالة المشهورة عن بعضهم من أنهم (لا يعبدون الله خوفاً من ناره، ولاطمعاً في جنته، وإنما حبّاً له وشوقاً إليه) . وواضح ما في هذا الكلام من تكلف وانحراف عن طريق الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وسؤالهم الله جنته وتعوذهم به من النار، يقول شيخ الإسلام (رحمه الله تعالى) في معرض رده على هذه المقالة: (كان أفضل الخلق يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، ولما سأل بعض أصحابه عما يقول في صلاته، قال: إني أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال: (حولها ندندن) [١٠] [١١] . وقال من قال من السلف: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (أي خارجي) ؛ ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) . إذن: فالعبادة الحقة هي التي تجمع بين المحبة والخوف والرجاء والذلة والخضوع، كماسبق ذلك في تعريف العبادة وحقيقتها.

стр. 2273

رسائل جامعية الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة عرض: خالد أبو الفتوح الأمة الواعية هي التي تراجع نفسها من حين لآخر، تتأمل ماضيها بعين البصير، وتنقد حاضرها بعين الرقيب، وتستشرف مستقبلها بعين الناصح الأمين. والعلماء (ورثة الأنبياء) يضطلعون بالدور الأكبر في هذه المراجعة، دور الطبيب الحاذق الخبير، الذي يتفحص الأعراض والظواهر؛ ليقف على حقيقة العلة والداء، ثم يصف بناءً على ذلك مسترشداً بالنور وشفاء الصدور علاج هذا الداء وطريقة استئصاله، ليعمل أهل الخير وطائفة الحق منطلقين من أرضية ثابتة، معلومة الأبعاد لتصحيح ما فسد، وإقامة ما اعوج. والرسالة التي نحن بصددها هي من هذا النوع المُعِين على الوقوف على حال الأمة وواقعها بعد عهود من انفراج خط الانحراف، حتى وصل إلى مرحلة يصعب فيها إلا على من وفقه الله إبصار الصراط المستقيم، وسط تشويش الداعين إلى أبواب الضلال. وهذه الرسالة من الأهمية بمكان في هذا المجال، حتى قال عنها مقدمها والمشرف عليها الشيخ محمد قطب (وفقه الله) في تقدير بالغ ممزوج بتواضع جم: (.. ولكني أشهد أن رؤيتي لهذه القضية كانت رؤية الخطوط العريضة فحسب، أما الباحث: فقد حاول وبنجاح أن يقرأ الخطوط الدقيقة، وقد فوجئت وأنا الذي وجهته ووجهت طلابي إلى هذه النقطة بأن واقع الأمة الذي أحدثهم عنه كان أسوأ بكثير مما حدثتهم عنه، وأسوأ بكثير مما كنت أعرف منه..) . (ولقد وضع يده على أخبار وحوادث لم أكن على علم بها، وهذه شهادة مني له، شهادة تقدير للعمل الذي قام به) . وموضوع الرسالة: (الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة) [*] . وهي رسالة علمية تقدم بها مؤلفها الباحث (علي بن بخيت الزهراني) إلى قسم الدراسات العليا الشرعية، فرع العقيدة، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونال عنها درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية فرع العقيدة، بتقدير ممتاز، مع التوصية بطبع الرسالة وتبادلها، وخرجت الرسالة بعد طبعها فيما يزيد عن ألف صفحة، من القطع العادي (١٧سم) . وقد قسم الباحث أطروحته التي أمضى خمس سنوات لإتمامها إلى: مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة: اشتملت المقدمة على بيان الموضوع، وأهميته، والأسباب التي دعت إلى اختياره، وبعض ما اعترضه من عقبات، وعرض خطة البحث. أما التمهيد: فتناول فيه باختصار: أحوال الأمة الإسلامية قبل القرنين محل الدراسة، وركز فيه على أهمية العقيدة في حياة الأمة، مع بيان حال الصدر الأول من الصحابة، وأثر العقيدة فيهم، ثم عرّج على ظهور الفِرَق وبذور الانحرافات قبل القرنين المقصودين بالدراسة. وكان موضوع الباب الأول: الأحوال العقدية والعلمية عند المسلمين في القرنين الماضيين، ويعتبر هذا الباب عمدة الرسالة وأساسها، وقد حوى تسعة فصول: ناقش في الأول: انحصار مفهوم العبادة، والآثار السيئة التي ترتبت على ظن كثير من الناس أن العبادة هي مجرد أداء الشعائر التعبدية فقط. وعرض في الثاني: الفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من الإيمان، وخطورة هذا الانحراف الذي هيمن على ساحة الفكر الإسلامي.. حتى قال عنه الأزهري: (ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء) . وكان الفصل الثالث عن: ضعف عقيدة الولاء والبراء، التي تحولت إلى عقيدة عمياء عند أبناء المسلمين، وأوضح الأدوار التي أسهمت في إضعافها، بدءاً من دور السلطان العثماني (محمود الثاني) الذي قال: (إنني لا أريد ابتداءً من الآن أن يميز المسلمون إلا في المسجد، والمسيحيون إلا في الكنيسة، واليهود إلا في المعبد، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية (!) أن يتمتع الجميع بالمساواة في الحقوق، وبحمايتي الأبوية..) . ثم عرض الباحث لأدوار أخرى أضعفت هذه العقيدة. وفي الفصل الرابع: بيّن غربة العقيدة الصحيحة ومقاومتها، والافتراءات الكاذبة والتهم الباطلة التي حوربت بها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) . ثم أوضح في الفصل الخامس: هيمنة الفلسفة وعلم الكلام على علماء العقيدة ومؤلفاتها، بدءاً من العصر العباسي، وكيف انتهت دراسة العقيدة إلى مجرد دراسات لعلم الكلام في الكليات الشرعية في الجامعات الإسلامية المشهورة. وأما الفصل السادس: فقد أطنب في بيان انتشار مظاهر الشرك والبدع والخرافات، وقسمه إلى قسمين: أولاً: انتشار مظاهر الشرك، ثانياً: انتشار البدع والخرافات. فتحدث في القسم الأول: عن بناء المساجد على الأضرحة والقبور، ... والاستغاثة والاستعانة بأصحاب هذه الأضرحة، والذبح والنذر لها، ... وغير ذلك من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر التي هيمنت على حياة الناس، الذين وصل الغلو ببعضهم إلى القول (بإسقاط فريضة الحج عمن يشد الرحال إلى بعض ... الأضرحة التي يعظمونها ويعبدونها من دون الله [، وأصبح عندما (يداهم الأمة عدو أو ينزل بها خطب فلا تستعد كما يجب إن هي استعدت أصلاً؛ لأن عندها من (الأرباب) ما لم يخل منهم قُطر ولا مصر، فإذا دهمهم خطر فسرعان ما يهرع كل أهل بلد إلى مربوبهم! (مقبورهم) ... فيلوذون به ويستغيثون بجنابه ... ) ! نعوذ بالله من الخذلان. وفي القسم الثاني: تحدث عن انتشار البدع والخرافات، ومنها الموالد والاحتفالات. ثم كان طبيعيّاً أن يكون الحديث في الفصل السابع عن: الصوفية في هذين القرنين: نشأتها، وأسباب انتشارها، ونفوذ أربابها في العالم الإسلامي، ونظرتهم إلى العلم والحياة، ودعائم نظامهم التربوي وعقائدهم المنحرفة. ثم تحدث في الفصل الثامن عن: ازدياد نشاط الفرق المنحرفة وحربها للمسلمين في هذين القرنين، من رافضة، ونصيريّة، ودروز، وإسماعيلية. وبهائية، وقاديانية ... وكان الفصل التاسع والأخير من أهم فصول هذا الباب، حيث تحدث عن: موقف العلماء، وأنه لم يكن على المستوى المطلوب، فقد تجافى كثير منهم عن المشاركة في الحياة العامة والتأثير في الأحداث، كما شارك كثير منهم في الابتداع في الدين، مما جعل الإسلام أشبه ما يكون بالديانات المحرفة؛ لكثرة ما ابتُدِعَ فيه، كما انغمس كثير منهم في متاع الحياة الدنيا، فكانت النتيجة: عدم قيامهم بالأمانة التي حمّلهم الله إياها، (بينما البقية الصالحة منهم قد قبعت في بيوتها، أو انزوت في الدرس والكتاب، تحسب أن مهمتها قد انتهت إذا لقنت الناس العلم) . وبذلك انتهى الباب الأول الذي استغرق حوالي نصف الرسالة، إذ هو كما يقول الباحث: (المقصود الأعظم من البحث) . أما الباب الثاني: فقد كان موضوعه: الانحرافات العلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، وقد فصله إلى فصول ثلاثة: تحدث في الفصل الأول عن: المستوى التعليمي ومناهج التعليم، حيث (حدث تقلص ضخم (في مناهج التعليم) أبعد بالتدريج كل العلوم (الدنيوية) من معاهد العلم، في ذات الوقت الذي اقتصرت فيه العلوم الشرعية على فكر القرن الخامس على أكثر تقدير..) وبدون أي تغيير، فكان المستوى التعليمي مقيداً بالمختصرات والشروح والحواشي والتقريرات، مع عدم اهتمام العلماء بعلم الحديث. وفي الفصل الثاني: تناول: التعصب المذهبي وآثاره السيئة على الحياة العلمية في هذين القرنين. وختم هذا الباب بالحديث في الفصل الثالث عن رفض إعادة فتح باب الاجتهاد الذي أغلق منذ القرن الخامس الهجري؛ لعدم الحاجة إليه آنذاك! ! ، وقد أشار الكاتب إلى الأسباب التي دعت إلى إعلان غلق باب الاجتهاد، ونوّه بجهود الإمام الشوكاني في مقاومة تلك المشكلة، وذَكَر الآثار المترتبة على رفض إعادة فتح باب الاجتهاد، التي كان من أهمها: تجميد حياة الأمة وتوقفها عن النمو، لأنها محكومة بقوالب لم تعد تلائمها، ثم خروج هذه الحياة عن هذه القوالب، في الوقت الذي تخرج فيه من ظل الشريعة، فكان استيراد المبادئ والنظم الأوروبية بديلاً عن مرونة الاجتهاد الذي أُغلق بابه. وكان الباب الثالث: نتيجة حتمية للبابين السابقين، حيث تحدث عن الآثار المترتبة على الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين محل الدراسة، فتحدث بعد التمهيد في الفصل الأول عن: الآثار الداخلية (تفشي الضعف في الأمة) ، فتناول: الضعف السياسي والحربي، الذي كانت ذروته: سقوط الدولة العثمانية، وتفكك ولاياتها، وما سبق ذلك من امتيازات أجنبية، وما وقع من ضعف حربي عسكري، كان سبباً مباشراً في هزائم المسلمين. وتناول أيضاً: الضعف الاقتصادي الذي أحاط بالعالم الإسلامي في تلك الفترة، وأسباب حدوثه. ثم أوضح ثالثاً: الضعف العلمي، حيث التخلف في كل المجالات، ومن ذلك: الأمية التي ما زالت نسبتها مرتفعة جدّاً، ووصل الضعف في هذا المجال إلى حد دراسة الدين واللغة والتاريخ في جامعات الغرب. ثم تحدث أخيراً عن: الضعف الأخلاقي والاجتماعي، وسقوط كثير من القيم الأخلاقية والاجتماعية، بعد أن تحولت إلى مجرد تقاليد خاوية وعادات جوفاء لا رصيد لها من الدين. أما الفصل الثاني، فكان عن: الآثار الخارجية، واشتمل على ثلاث نقاط: أولاً: الاستعمار الذي بسط سيطرته إثر قابلية العالم الإسلامي له؛ نتيجة الانحرافات المشار إليها سابقاً، ولم يكن رحيله إلا ظاهريّاً في أكثر الأحيان. ثانياً: الغزو الفكري واستيراد المبادئ والنظم من الغرب، وقد كان الواقع العقدي المنحرف مدعاة للتغريبيين أن يقودوا الأمة حيث يريدون، حيث ركزوا على تنحية الشريعة الإسلامية، وفصل الدين عن الحياة (العلمانية) ، وقضية تحرير المرأة، وقضية التطور ونبذ الدين، وقضية القومية والوطنية ... وقضايا أخرى كثيرة حاولوا استغلالها لتهميش الإسلام والطعن فيه. ثم كان المبحث الثالث في هذا الفصل عن: النشاط التنصيري في العالم الإسلامي: حيث استفحل هذا النشاط، مستغلاً الظروف الاجتماعية السيئة من فقر وجهل ومرض وتخلف ... ولئن أخفق هذا النشاط في تنصير أحد من المسلمين إلا في النادر إلا إنه نجح في زعزعة إيمانهم، وخلخلة عقيدتهم، وبث سمومه الفكرية والأخلاقية فيهم، ونزع الثقة من نفوسهم، حتى تمكن من هزيمة أرواحهم وأسر عقولهم. وكان الباب الرابع والأخير عن: الصحوة الإسلامية وآفاق المستقبل، وقسمه إلى فصلين: تحدث في الأول عن: أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي، وقد اهتم فيه ببيان زيف ادعاء تأثر بعض الحركات والشخصيات بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ، أكثر من اهتمامه بمن تأثر بدعوته حقيقة، وبيّن أن الأثر الأكبر لدعوة الشيخ كان في تبوؤ المنهج السلفي مكانة مرموقة في فكر شباب الصحوة الملتزمين بذلك المنهج. أما الفصل الثاني فكان عن: الصحوة الإسلامية في العصر الحاضر، فتناول أولاً: العقبات في طريق الصحوة، وأهمها: استمرار الانحرافات العقدية، وما يقع من تفرق وتشاحن بين الفصائل داخل الصحوة، بالإضافة إلى تواطؤ أعداء الإسلام من منافقين ومشركين ويهود ونصارى على ضرب الصحوة، وحربها، والعمل على إجهاضها. ثم تناول ثانياً: المبشرات في طريق الصحوة وآفاق المستقبل، حيث ذكر بعض المبشرات الواقعية: كاتساع القاعدة الجماهيرية، وإفلاس المذاهب المعادية للدين، ثم تحدث عن آفاق المستقبل في ضوء النصوص الشرعية. وأخيراً: أنهى الكاتب بحثه بخاتمة موجزة حوت سبع عشرة خلاصة، هي أهم النتائج التي توصل إليها. *** وبعد: فإننا لا نستطيع إلا أن نشيد بهذا الجهد، الذي ندعو الله أن ينفع به، وأن يكون ذخراً لكاتبه وكل من أسهم فيه. وإن كانت هناك بعض الملاحظات (التكميلية) للرقي بهذا العمل إلى أقصى درجات النفع (من وجهة نظري الشخصية) ، ومن ذلك: ١- طول البحث وكثرة استطراداته ووفرة شواهده، وهذا إن كان ميزة في أطروحة علمية كما هو أصل الكتاب إلا أنه كان ينبغي إعادة النظر في ذلك عند نشره كمطبوعة يتم تداولها بين المخاطبين بالكتاب، وذلك حتى تتسع دائرة المستفيدين منه؛ لكي (لا ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) ، ولعل الله (عز وجل) ييسر اختصاره أو تهذيبه؛ لتعم الفائدة منه. ٢- عدم اعتنائه بذكر ودراسة الشخصيات والحركات التي حاولت مقاومة تلك الانحرافات، مكتفياً بالتنويه بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقط، فمع أهمية جهود حركة الشيخ ﵀ ، إلا أنه كان ينبغي عدم إغفال الجهود الأخرى لهؤلاء، حتى لو كان هناك على بعض هذه الشخصيات والحركات بعض المآخد والملاحظات، فكان لا ينبغي إهمال جهودهم في تصحيح انحرافات عديدة (شرك القبور العلمانية الولاء والبراء التعصب المذهبي والجمود الفقهي ... ) ، ومن هؤلاء على سبيل المثال: الصنعاني الشوكاني القاسمي مصطفى صبري عبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء بالجزائر سيد قطب محمد رشيد رضا جماعة أنصار السنة المودودي والجماعة الإسلامية بباكستان ... كما كان ينبغي دراسة مدى نجاح أو فشل جهودهم، وأسباب ذلك، فمن وجهة نظري: كان ينبغي إفراد باب لهذه الجهود، وعدم الاكتفاء بذكرها عرضاً كما فعل الباحث، مع الاعتراف بأن هذه النقطة تبعد قليلاً عن عنوان البحث، ولكنها مهمة. وفي هذا الباب: كان سيبدو الفصل الرابع من الباب الأول والفصل الأول من الباب الرابع في مكانهما الصحيح؛ حيث بدا الفصل الرابع (غربة العقيدة الصحيحة ] التي حملتها حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب [ومقاومتها (غريباً موضوعيّاً عن فصول الباب الأخرى، كما بدا الفصل الأول من الباب الرابع (أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي) غير وافٍ لموضوع الباب (الصحوة الإسلامية وآفاق المستقبل) . ٣- ومما يتعلق بما سبق، فقد كان تناوله لأثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يشوبه بعض العاطفية وعدم العمق، وكنا ننتظر اتباع الباحث المنهج العلمي الرصين، الذي اتبعه في بقية الرسالة، خاصة مع حركة بثقل وتأثير حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ . ٤- كما كان يحسن بالباحث (تكميلاً لجهوده) بحث طرق ووسائل علاج الانحرافات المذكورة؛ لتكمل إنارة الطريق لشباب الصحوة المباركة. والرسالة على العموم جهد طيب وعمل مشكور جدير بالاطلاع عليه.. وملاحظاتي هذه لا تغض من أهمية الرسالة وقيمتها العلمية.

стр. 2274

مقال اليسار العربي وصلته بالنص القرآني بقلم: عبد اللطيف بو عبد اللوي كان عصرنا الراهن عصر التدافع العقدي، وكان وطننا الإسلامي مسرحاً لهذا التدافع، لكنه لم يكن تدافعاً أصيلاً منبعثاً من خصوصيات الأمة الحضارية والعقدية ناتجاً عن تطورات طبيعية وسط مجتمعاتها، بل لم تكن الأصوات التي كانت تتعالى عندنا تنادي بهذا المذهب أو ذاك سوى أصداء وأبواق تردد ما يلقى إليها من الخارج. وأبرز المذاهب التي صُدّرت إلينا في هذا العصر، ووجدت لها أنصاراً، وتشكلت على أساسها أحزاب ومنظمات، كان هو المذهب الاشتراكي، وهو لم يكن كغيره مذهباً أصيلاً، منسجماً مع تاريخ الأمة، ومنبعثاً من طبيعة تكوينها الحضاري؛ لذلك: فقد اصطدم بواقع يتناقض مع أطروحاته الفكرية ورؤاه التغييرية. إذ كيف يمكن لأمة أقيمت على أساس ديني، وتشكلت علاقتها وبنياتها المختلفة انطلاقاً من مقتضيات دينها (الإسلام) ، وما تزال وفيّة لدينها مستمسكة به، رغم كل الحملات المتوالية التي استهدفت إبعادها عنه، كيف يمكن لأمة من هذا الطراز أن تتقبل مذهباً يؤمن بأن المادة هي أساس الوجود، وأن تحولاتها هي المتحكمة في مختلف التحولات الأخرى، والغيب عنده لا مكان له في هذا التحول، والدين لا يعدو أن يكون ظاهرة تاريخية، وإفرازاً لأوضاع معينة تحددها الصراعات الطبقية؟ . لذلك: فقد كان منتظراً أن طرحاً وفيّاً للمذهب الاشتراكي وأسسه الفكرية، لن يجد له أنصاراً داخل الشعوب الإسلامية المتدينة بطبيعة تكوينها. وحتى يُمكِنّ هذا الاتجاه لنفسه: كان عليه أن يلجأ إلى أسلوب المداراة والمراوغة الفكرية حتى يجد لِذَاته حيزاً وسط الأمة، ونلحظ هذا الأسلوب من خلال كتابات زعماء اليسار داخل وطننا الإسلامي. يقول باحث يساري: (إن التدين من العناصر الأصيلة في تكويننا الحضاري، والتدين أحد الأسلحة الخطيرة في أيدي اليمين؛ ولهذا كان المنتمي إلى اليسار في موقف رد الفعل من الدين والمتدين معاً بصفة عامة، إنه يجد نفسه وجهاً لوجه أمام نقطة شائكة، وهي: أن أدوات التغيير ليست صناعة محلية، إنه في مأزق لم يعرفه الثوري في الغرب، وهو مأزق نفسي مرير، فبينما يتسلح الأوروبي بالماركسية وهي صناعة أوروبية في وجه الدين المسيحي وهو بضاعة مستوردة يفاجأ الثوري في الشرق بأنه يقف في الطرف المقابل، يستورد الفكر ونظريات التغيير من أوروبا، ليواجه حضارة متدينة من آلاف السنين؛ لهذا: يكون موقف المنتمي إلى اليسار في بلادنا هو رد فعل لجوهر هذه الحضارة، وردود الفعل تتسم بالتضخم والانفعال والمبالغة، ومن ثم: يصبح الموقف من الدين هو نقطة البدء عند اليساري العربي، وليس كذلك موقف اليميني من الدين؛ لأنه يرى فيه منذ البداية مسنداً مريحاً للكسل العقلي، وعاملاً خطيراً في توطيد مصالحه الاجتماعية، فأغلبية الجماهير الشعبية متدينة وجاهلة، وبالتالي: يمكن الاعتماد عليها من هذه الزاوية، خاصة إذا كانت هي الهدف في الاستغلال الاجتماعي) [١] . لا يخفى ما في هذا الكلام من تعامل (مكيافيلي) مع الدين، فقد كان يتمنى الكاتب لو لم توجد هذه العقبة في وجه اليساري العربي، حتى يجد الطريق ممهداً لبسط مقولاته، كما فعل رفيقه في الغرب، ولكن ما دام الواقع غير ما يتمنى فعليه أن يكيِّف مقولاته مع هذا الواقع، وذلك حتى يوجه مؤسسة الدين لخدمة توجهه، وانتزاعها من قبضة اليمين (فإن الدين كان وما يزال مؤسسة قوية من مؤسسات اليمين) ! [٢] يتخذه تُكأة لتزكية الأوضاع القائمة والمحافظة عليها. وجب إذن تفسير النصوص الدينية تفسيراً ثوريّاً تقدميّاً، بدل التفسير الرجعي المتخلف الذي يعكس الاختيارات اليمينية المحافظة، يقول يساري آخر: (إن العِلم الاشتراكي علم عصري جدّاً، وأجنبي بالنسبة إلينا، وهذا سبب من الأسباب الجوهرية في أن الاشتراكية ما زالت غير واضحة بالنسبة لجماهير الشعب ... والحقيقة: أن الدين الإسلامي وهو دين الغالبية عندنا قد فسر تفسيرات رجعية كثيرة (!) .. وما تزال هذه الأفكار والتفسيرات الرجعية (!) متغلغلة في واقعنا حتى اليوم، فالدين الإسلامي لا يتناقض أبداً مع جوهر الاشتراكية (!) ، فهو دين قائم على التكافل، وليس المطلوب أن نعود إلى تطبيق أنظمة قديمة ونتجاهل النظم الحديثة، وهي نظم علمية تم تجريبها وثبت نجاحها! ، وإنما المطلوب أن نوضح أن الخطوط العامة في الإسلام لا تتعارض مع الاشتراكية؛ وبذلك: نستطيع أن نستميل (!) الجماهير إلى الاشتراكية) [٣] . فالغرض إذن: ليس هو الاسلام، بل التمكين للاشتراكية في الواقع الإسلامي من خلال استغلال مَصْلحي للدين. إن هذه الأقوال تُصَيّر الدين لعبة بين قطبي اليمين واليسار، وأداة لتوجيه الجماهير في هذا الاتجاه أو ذاك، وهو عندهم لا حقيقة له مستقلة تُميّزُه، فلا يُتصور أن تقوم جماعة بحمل رسالة هذا الدين دون أن تخضع لهذا التصنيف الثنائي (يمين أو يسار) ، وهذا منطق يعكس نظرتهم الابتدائية للدين، كما يجدون ذلك مكتوباً في أدبياتهم ومنطلقاتهم الفكرية. وانطلاقاً من هذه النظرة: فقد امتدت أقلامهم إلى نصوص القرآن، يؤولونها تأويلات تتفق مع خطهم الفكري، وكان لهم في ذلك اعتداء بيِّن، واعتساف سافر على أصالة النص القرآني، وظهر جليّاً كيف يُصيّر القرآن تابعاً لا متبوعاً، وكيف تفعل النزعات المذهبية بأصحابها. نموذجان للانحراف الفكري: وأُورِدُ فيما يلي نموذجين يصوّران هذا المسخ الفكري: النموذج الأول: يتعرض (عباس صالح) للحديث عن الأبعاد (الثورية) لقوله (تعالى) : [عَبَسَ وَتَولَّى (١) أَن جَاءَهُ الأَعْمَى ... ] [عبس: ١، ٢] ، فيقول: ( ... فالإسلام في حاجة إلى تأييد القوي، وليس في حاجة إلى تأييد الضعفاء، إلا أن هذا الموقف كان مخطئاً، فالدين الجديد يحمل بذور الثورة الاجتماعية، ورجاله الحقيقيون هم هؤلاء الضعفاء، ولذلك: سرعان ما نزل القرآن يعتب على النبي - ﷺ هذا الموقف، حتى يصبح صحابته المقربون هم: صهيب، وبلال، وياسر، وعمار، وسلمان، وأبو ذر.. وغيرهم من العبيد والضعفاء، الذين كانوا يكوّنون بطانته الحقيقية ... ) [٤] . وهذا التحليل السخيف يصادم حقائق تاريخية تثبت أن من المسلمين الأوائل أغنياء استجابوا للدعوة وبذلوا في سبيلها الأموال والأنفس، وما نالهم من الأذى ليس بأقل مما نال إخوانهم من الفقراء. وكأن الكاتب بمثل هذا القول يريد أن يرسي قاعدة جديدة، هي قاعدة: (الفقراء بعضهم أولياء بعض) يستبدلها بقاعدة: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] [التوبة: ٧١] . إنه يريد إيهامنا بوجود حاجز بين أبي بكر وعثمان ومن إليهما من الأغنياء، وبلال وصهيب وسلمان ومن خلفهم من الضعفاء، والواقع التاريخي يثبت أن الإسلام صهر هؤلاء جميعاً في بوتقة إيمانية واحدة شعارها: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] . ولكن لا يليق في التحليل المادي أن نتحدث عن الإيمان والتقوى، فهو حديث رجعي متجاوَز! . النموذج الثاني: يتعلق بتعليل مادي قدمه الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي لحكم تحريم الخمر والميسر؛ وذلك ضمن كتابه: (محمد رسول الحرية) . يقول متحدثاً عن الوضع النفسي المتأزم الذي آل إليه المسلمون عقب هزيمة (أحد) : (روّع محمداً مناظر الرجال البواسل الذين ناضلوا معه في بدر وأحد، وهم ينحدرون في يأس هائل، فما يفيق الواحد منهم من الخمر، وما يغادر أماكن القمار إلا ليستمتع بإحدى المغنيات أو الراقصات اليهوديات ... وأخيراً.. أطلق (يعني: محمداً) منادياً يدعو الناس إلى ترك الخمر؛ فقد حرمت، فلا يقربونها، وعليهم ألا يقربوا الميسر ولحم الخنزير) [٥] . والتحريم عند الكاتب كان لغرض اجتماعي بحت، يقول معللاً حكم التحريم: (.. ليدفعوا أموالهم لأسر الشهداء، بدلاً من تبديدها في الخمر والقمار ولحم الخنزير) [٦] . والكاتب لا يُخالَف في كون الإسلام اعتنى بمسألة التكافل الاجتماعي، وشرع من الأحكام ما يكفل تحقيق هذا الأمر والنهوض به، ولكنّ القرآن يُقَرّر صَرَاحة أن عِلة تحريم الخمر كانت شيئاً آخر، مخالفاً تماماً لما ذكره (الشرقاوي) ، فقد قال (تعالى) : [إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ] [المائدة: ٩١] . وهذا التعليل القرآني ورد مباشرة عقب حكم التحريم، ولكن الكاتب تعامى عنه وراح يسوق تعليلاً ماديّاً بعيداً. بمثل هذه التأويلات الفاسدة حاول اليساريون العرب تضليل العامة، وإيهامهم أن الدين الإسلامي لا يتناقض مع الاشتراكية، بل هي صميمه وجوهره، ولكنهم مع ذلك لم ينالوا من حقائقه شيئاً، بل الذي وقع: أن تلك الدعوات أفلست في منشئها وتبرأ منها أصحابها، وتساقطت تبعاً لذلك تلك التأويلات (التقدمية) (الثورية) . كناطح صخرة يوماً لِيُوهِنَها ... فَلَمْ يضِرْها وَأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِل وبقي كتاب الله كما كان. وكذلك الزمان كفيل بكشف زيف وسخف كل الاتجاهات التغريبية التي تستهدف إخراج النص القرآني عن إطاره الشرعي وسياقه التاريخي، وإخضاعه للمناهج الغربية البعيدة عنه كل البعد.

стр. 2275

هموم ثقافية إشكالية مفهوم الديمقراطية من خلال مدارسها [*] بقلم: سامي محمد صالح الدلال ليس هناك مفهوم موحد للديمقراطية، بل هو مبدأ تتعدد مفاهيمه بحسب المدارس الفكرية، ولعلي أشير هنا إلى المدارس التالية: الليبرالية. الاشتراكية. الدكتاتورية. المصلحية. الجبرية. الإسلامية! . المدرسة الليبرالية: وهي المدرسة الديمقراطية بالمفهوم الرأسمالي التقليدي، وتقوم على أسس: الانتخابات. مجلس نيابي. حكومة تنفيذية. وتتضمن هذه المدرسة: تعدد الأحزاب. فصل السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. استقلال القضاء. وجود ظاهرة الأغلبية والمعارضة في داخل المجلس النيابي. وسبق أن ناقشت أهم أفكار هذه الإشكالية عند الحديث عن إشكالية مبادئ الديمقراطية. سمات هذه المدرسة: إن أهم ما يميز هذه المدرسة ما يلي: ١- أن انتخاباتها وإن كانت حرة في الغالب، إلا أن نتائج الانتخابات لا تعبر عن الرأي الحقيقي للناخبين، بسبب خضوعهم للزخم الإعلامي الذي يدخلهم فيما يشبه التنويم المغناطيسي. ٢- أن كثيراً ممن يحق لهم ممارسة الانتخاب لا يحضرون الانتخابات، إما بسبب أعذار يعتذرون بها، أو بغير أعذار أصلاً، أو لعدم اقتناعهم بالمرشحين، أو لعدم اقتناعهم بالديمقراطية مطلقاً، أو لشعورهم أن الديمقراطية تفوّت مصالح لهم، أو غير ذلك من الأعذار. ٣- لو نظرنا إلى الناخبين في هذه المدرسة لوجدنا أن شرائحهم في الأغلب لا تتجاوز: طلبة الجامعات والدراسات العليا. الموجّهين التربويين في مختلف المراحل التعليمية. العمال. الفلاحين. المهنيين. الموظفين. التجار. القادة السياسيين. المفكرين، والعلماء، والباحثين. إن الإشكالية هنا ناشئة من ممارسة عملية محددة المعالم رغم الاختلافات الهائلة بين مستويات الذين يمارسونها، فالقائد السياسي المحنّك له في العملية الانتخابية صوت واحد مكافئ لصوت الطالب الجامعي في سنته الأولى، فيمكن لستة طلاب أن يدفعوا بمرشح إلى الفوز بكرسي المجلس، مقابل منافس له من القادة السياسيين لم يحظ إلا بخمسة أصوات! ! ! . ومثل ذلك يقال عند المقارنة بين تأثير الأصوات للمفكرين والعلماء والباحثين بالعمال أو الفلاحين.. وهكذا. ٤- أن طبيعة الوسط الانتخابي، أو بيئته، تترك آثاراً اضحة على العملية الانتخابية، فالبيئة البدوية أو الزراعية لها إفرازات انتخابية تختص بها مغايرة لتلك التي تختص بالبيئة المدنية أو الحضرية. ٥- أن التزوير يكاد يكون الميزة الملتصقة بالانتخابات النيابية باستمرار، وله أشكال شتى، فإما أن يقع بشراء الأصوات، أو عند فرزها، أو من خلال التلاعب بصناديق الاقتراع، وإما أن يتم بإجبار الناخب على إعطاء صوته لمرشح بعينه، أو بحجب من يحق له الإدلاء بصوته من المشاركة في الانتخابات، أو بطرق أخرى غير ذلك، محصلتها النهائية: أنها لون من ألوان التزوير. ٦- قلّما تنتهي انتخابات نيابية دون أن تترك وراءها آثاراً سلبية من العداوات والبغضاء والشقاق الذي يقع بين الأحزاب والطوائف والقبائل والأفراد، فالانتخابات بحدّ ذاتها تعتبر واحدة من أدوات التفتيت الاجتماعي، والضعف السياسي، والتبديد الاقتصادي، والدجل الإعلامي! ! . ٧- أن المرشح في الديمقراطية الليبرالية لا بد أن يكون غنيّاً رأسماليّاً قادراً على تمويل حملته الانتخابية، أو أن يكون مدعوماً ماليّاً من جهات حزبية أو من جهات أخرى لها مصلحة من إيصاله لكرسي المجلس النيابي، وهنا يتضح دور اليهود في استفادتهم من هذا اللون الديمقراطي، حيث إن مكانتهم المالية توظف بشكل مركز لإيصال المرشحين الذي يحقّقون مآربهم إلى قاعات المجالس النيابية. ٨- لا يشترط في المرشح في الديمقراطية الليبرالية أي مواصفات أخلاقية تتعلق بحسن السيرة الذاتية، فشرب الخمر، والزنا، والشذوذ الجنسي، لا يعتبر قدحاً في المرشح، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن هذه الموبقات أصبحت من العادات المباحة لدى كثير من أفراد الشعوب الديمقراطية الليبرالية في أمريكا وبلاد الغرب عموماً. ٩- المكانة العلمية والمستوى الثقافي لهما أثرهما في نجاح المرشح؛ حيث إن ذلك يترك صداه المميز في الوجاهة الاجتماعية. ١٠- الاستعلاء الشخصي، وإبراز المميزات، وتزكية الذات، والحط من قيمة المرشحين الآخرين، وتسفيه آرائهم وذكر مثالبهم.. من أهم سمات مرشحي الديمقراطية الليبرالية. ١١- أن أكثر الفائزين بكراسي المجالس النيابية يتنكرون لوعودهم لناخبيهم، ويخالفون ما ذكروه في شعاراتهم الانتخابية بمجرد أن يستدفئوا بحرارة كراسي المجلس. ١٢- في الديمقراطية الليبرالية: فإن نبض المجلس النيابي بمناقشاته وقراراته لا يعبر دائماً عن النبض الشعبي وتوجهاته، فهو في حالات كثيرة يعبّر عن مصالح النواب الشخصية، وأحياناً أخرى يتوافق نبضه مع نبض الحكومة، خاصة إذا شعر بقرب رفع سيف الحلّ على رأسه! ! ! [١] . ١٣- أن المجلس النيابي في الديمقراطية الليبرالية يتمتع بصلاحيات مطلقة، وله الحرية التامة غير المقيدة في اتخاذ أي قرار مهما كان منافياً للدين أو القيم الإنسانية المعتبرة عرفاً؛ ولذلك: فإن بعض المجالس النيابية الغربية أباحت ممارسة الشذوذ الجنسي (فعل قوم لوط) ، كما أباحت زاوج المرأة بالمرأة والرجل بالرجل. ١٤- أن الليبرالية الديمقراطية الغربية هي نتاج طبيعي لغياب احتكام الشعوب الغربية لمنهاج رباني، لذا: فإنها إفراز حتمي للشعور البشري بحاجته لتنظيمات وترتيبات يقيم عليها شؤون حياته وطريقة صياغة نظم تحصيل مصلحته؛ فهي اجتهاد بشري محض لإيجاد وسيلة تشريعية ملزمة للجميع؛ ولذلك: يجب أن يشترك الجميع في صياغتها الدستورية، ولو بشكل نظري له إيقاع عملي يتم من خلال المجلس، والمجلس هو الذي عبر بطريقته الخاصة عن ذلك الإيقاع، آخذاً بعين الاعتبار وبشكل خاص ومحدد تحقيق مصالح أعضائه أولاً. ١٥- أن قرارات الحرب والسلام وميزانية الدولة والسياسات المختلفة لا تأخذ مجراها في الديمقراطية الليبرالية إلا عن طريق موافقة المجلس النيابي عليها، وبالتالي: فإن القرارات الكبرى هي بيد المجلس النيابي أكثر مما هي بيد رئيس الدولة. وأخيراً أقول: إن الليبرالية الديمقراطية قد مدت بساط نفوذها وتنفيذها في كثير من دول العالم الثالث وخاصة الدول الإسلامية، وهي تغذ السير ضاغطة بشدة على دفة المسار الديمقراطي في دول الاتحاد السوفييتي السابق؛ لتحذو حذوها وتختط مسارها. المدرسة الاشتراكية: إن المدرسة الاشتراكية تمثل وجهاً من وجوه الحكم الشمولي [٢] ، وبالتالي: فإن إلحاق الوصف الديمقراطي بهذه المدرسة بحاجة إلى موائمة تبريرية، فبقدر ما يبرز الإيقاع الفردي في الديمقراطية الليبرالية، يختفي هذا الإيقاع في الديمقراطية الاشتراكية؛ ذلك أن المدرسة الاشتراكية تعتمد على التعبير الجماعي عن الحس الجماهيري، وذلك من خلال تحالف المفردات الإنتاجية في أطر تنظيمية بإشراف الدولة تحت شعار: (لا إله، والحياة مادة) ، ولذلك: فإنني بعد هذه المقدمة سأوضح المفهوم الديمقراطي في المدرسة الاشتراكية في النقاط التالية: ١- تقوم الدول الاشتراكية على الأحادية الحزبية، فلا مكان لتعدد الأحزاب؛ فالحزب الحاكم وهو الحزب الوحيد هو الذي يضع قانون الانتخابات، وهو الذي يحدد طريقة الأداء الانتخابي، كما أنه هو الذي يحدد المساحة النيابية التي يشغلها المستقلون. ٢- إن المستقلين لا يمثلون في مجلس الشعب الاشتراكي موقع المعارضة، فالأنظمة الحاكمة في الدول الاشتراكية لا تتسع صدورها لأي شكل من أشكال المعارضة، فالمستقلون النيابيون يمثلون حالة الانتماء فقط. ٣- إن تقسيمة مجلس الشعب الاشتراكي تعتمد بشكل أساس على التوزيع المعدّ مسبقاً للمساحات النيابية التي تحدد لكل مرفق عامل، أو كما يسمّونه هم: مرفق منتج أو إنتاجي، وهم العمال والفلاحون بشكل أغلب. ٤- إن مجلس الشعب الاشتراكي يمثل صيغة تحالفية للقوى المنتجة، فهو تعبير عن تحالف قوى الشعب العاملة، التي تتشكل قاعدتها ممن يسمون بالبروليتاريا. ٥- لا ينفرز انتخابيّاً في مجلس الشعب الاشتراكي إلا الحزبيون الذين يتسنمون مواقع حزبية قيادية. ٦- إن قيادات القوات المسلحة لها مداخلات معينة تؤثر على قرارات مجلس الشعب الاشتراكي. ٧- إن مجلس الشعب الاشتراكي يجب أن يكون في خدمة السياسة العامة للحزب الحاكم، وفي حال تسرب عناصر لها اجتهادات مخالفة لتوجهات الحزب الحاكم: فإن المجلس يُحَلّ، وفي حال تمرده على الحل: يقمع بالقوة. ٨- باستثناء العدد القليل من المستقلين، فإن مجلس الشعب الاشتراكي لا يمثل الشعب بأي حال من الأحوال، بل يمثل القوى الحزبية، ولذلك: فإن قراراته لا تصب في مصلحة الشعب، بل تصب في مصلحة الحزب، وبتعبير أدق: تصب في مصلحة المتنفذين الحزبيين، وهي في كل الأحوال منعتقة عن التقيد أو الاسترشاد بأي شرعة ربانية حقة: كالإسلام، أو محرفة: كاليهودية أو النصرانية. ٩- وبناء على ما ذكرت: فإن الديمقراطية الاشتراكية هي تعبير اصطلاحي أكثر مما هي تعبير واقعي عن المفهوم اللغوي للكلمة أو المفهوم الغربي التطبيقي لها، فهي مبنية على الولاء الحزبي وعلى المرتبة القيادية لدى الذي يشغل كرسي مجلس الشعب، أما المقاييس الأخلاقية: فلا مكان لها في القاموس الاشتراكي، كما أن الوجاهة الاجتماعية ليست معتبرة لدى المرشحين لشغل كراسي المجلس. ١٠- إن القياديين الحزبيين يشكلون مراكز قوى ابتزازية وانتهازية غير منظورة، إذ إنهم يستفيدون ماديّاً من مواقعهم الحزبية، من خلال سيطرتهم على مرافق الإنتاج؛ ولذلك: فإنهم يشكلون طبقة رأسمالية ترتدي قلنسوة اشتراكية. إن هذه الطبقة هي التي يتشكل منها مجلس الشعب الاشتراكي، فإذا كانت قرارات المجلس تكرّس المصلحة الحزبية في العموم، فإنها تكرّس بوصف أدق مصلحة أولئك القياديين الحزبيين. ١١- إن ديمقراطية الاشتراكيين، نظراً لكونها معبرة عن تطلعات الحزبيين، فإنها تحظى بمعارضة شعبية واسعة، تلك المعارضة التي لا تستطيع الشعوب أن تعبر عن مكنونها، حتى ولو بطريقة إظهار مجرد الامتعاض، خشية من شدة بطش القمع الاشتراكي الديمقراطي، إن المكوّنات الجنينية للثورة الشعبية المضادة إنما تترعرع في رحم ذلك الامتعاض، حيث تتنامي شيئاً فشيئاً، إلى أن تصل إلى مرحلة التعبير عن الذات عبر ولادة قيصرية تصاحبها آلام مبرحة، تنتهي بالإطاحة بهذه الديمقراطية الاشتراكية المستغلة، وقد يحدث هذا من خلال تضحيات قليلة كما حصل في الاتحاد السوفييتي أو من خلال تضحيات جسيمة كما حصل في رومانيا والله وحده يعلم ما هي التضحيات التي ستصاحب الإطاحة الشعبية بالاشتراكية الصينية. المدرسة الديكتاتورية [٣] : هل للديكتاتورية مدرسة ديمقراطية؟ ! : نعم، إنها ديمقراطية اللهيب والنار، ديمقراطية القمع والبطش، ديمقراطية السجون والتعذيب. إن حديثنا عن مفهوم الديمقراطية الديكتاتورية يمكن تلخيصه في النقاط التالية: ١- إن رواد الأنظمة الديكتاتورية لا يؤمنون بالديمقراطية إطلاقاً، لكنهم يتوشحون بها لتلميع صورهم البشعة، ويفعلون ذلك من خلال اصطناع مجلس نيابي. ٢- إن هذا المجلس لا يعبر عن الإرادة الشعبية، ولا يمثل طبقات الشعب، ولا يتشكل من خلال انتخابات حرة نزيهة، بل من خلال انتخابات موجهة محسوبة سلفاً، ومحسومة مسبقاً لصالح النظام الديكتاتوري الحاكم، ذلك النظام الذي ربما كان حزباً متسلطاً أو فرداً طاغياً أو مجموعة أفراد متجبرين. ٣- وبناءً عليه، فإن تركيبة المجلس تكون معدّة سلفاً من قِبَل النظام الحاكم، ولا يصل إلى المجلس النيابي إلا من وافق النظام الديكتاتوري على وصوله. ٤- ولذلك: فإن أعضاء المجلس النيابي في ذلك النظام الديكتاتوري ليس لهم وظيفة إلا التسبيح بحمد النظام الحاكم، وسنّ القوانين التشريعية التي توطد هيمنته، وتعزّز مصالح أفراده. ٥- وبناء عليه: فإنه لا يشترط في أعضاء ذلك المجلس أي مستوى ثقافي رفيع أو وجاهة اجتماعية معتبرة أو مقدرة مالية ظاهرة، إلا بقدر ما يكون في ذلك من خدمة للنظام (الديكتاتوري) الحاكم، ولذلك: ما أكثر ما يتاجر أولئك الأوغاد النيابيون بالرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، وما أكثر ما يسيطرون على الشركات والمؤسسات، ويفرضون عليهم الإتاوات السرية، مستغلّين نفوذهم ومستفيدين من عضويتهم المجلسية، وهم في كل ذلك يسابقون الزمن انتهازاً للفرصة قبل أن يأتي أوان انقضائها! ! ٦- ولذلك: فإن هذه المجالس النيابية في ظل الأنظمة (الديكتاتورية) لا تتمتع بأدنى درجة من درجات المصداقية أمام شعوبها، فالعلاقة بين تلك المجالس النيابية وشعوبها مبنية على عدم الثقة، وعلى التشكيك في النوايا، وعلى استشراء التوجّسات والتربص بالمواقف. ٧- ورغم كل ذلك: فإن تلك المجالس النيابية تبذل جهوداً جبارة؛ لاطناع الوجه الحسن للنظام (يكتاتوري) الحاكم لتجميل (كتاتوريته أمام الشعوب المنكوبة بتلك الأنظمة، ولتلميع صورته أمام العالم، إنها مهمة شعبية ودولية! فيا لهم من منافقين، كم لهم من الوجوه؟ ! ! . ٨- إن مراكز القوى في الأنظمة الديكتاتورية الطاغوتية الحاكمة تتحكم في قرارات تلك المجالس النيابية بطريقة التحكم بالآلة عن بُعد (ريموت كونترول) ، فتصدر تلك المجالس النيابية قراراتها بإشارة من النظام الحاكم، وتلحسها بإشارة أخرى! ! . ٩- ومن ذا الذي يجرؤ من أعضاء تلك المجالس النيابية على أن يفعل أو أن ينفعل بخلاف ذلك؟ ! فلو فعل، فسرعان ما تسحب الحصانة المجلسية منه. ١٠- وإذا كان ذلك جائزاً على عضو المجلس، فهو جائز على أعضائه أجمعين، ففي لحظة يقوم بإصدار أمره المتعالي بحل المجلس النيابي، وإحالة أعضائه إلى القضاء الجائر لمحاكمتهم. ١١- وعندما يتأكد النظام الديكتاتوري الطاغوتي من حسن التزام المجلس النيابي بتوجيهاته وأوامره؛ فإنه يتخذ منه وسيلة لقمع شعبه بتشريع القوانين التي تعطيه صلاحيات واسعة، وأحياناً مطلقة، للأجهزة الأمنية لتدلي بدلوها القذر في اعتقال الأبرياء وسجن المستضعفين وتعذيب المعتقلين وإعدام المعارضين. وأخيراً: لا بد من لفت الانتباه إلى أن الأنظمة الديكتاتورية هي تلك الأنظمة التي يسيطر على دفة قيادتها العسكريون في الأغلب. المدرسة المصلحية: تمتاز هذه المدرسة بأن روادها ليسوا ليبراليين ولا اشتراكيين ولا ديكتاتوريين ولا إسلاميين، ولا يمثلون أي انتماء آخر. إن روادها هم المصلحيون (الوصوليون) ، تلك الفئة التي رأت أن مكاسبها تزداد وجيوبها تنتفخ وتجارتها تزدهر إذا سلكت مسلك الديمقراطية. إن إشكاليتها ليست في تأصيل الفكر العقدي والنظري، بل في تأصيل الفكر النفعي والمصلحي؛ فأفكارها لا تتجاوز هذه الدائرة، إن هؤلاء النفعيين والمصلحيين قد يرتدون لباس الليبرالية وليسوا بليبراليين، وقد يرتدون لباس الاشتراكية وليسوا باشتراكيين، وقد يلبسون لباس الإسلام وليسوا بإسلاميين، إنهم يدورون مع مصلحتهم حيث دارت، فإذا اقتضت المصلحة خلع لباس الليبرالية وارتداء لباس الإسلاميين فعلوا ذلك، غير هيّابين ولا وجلين، بل ولا مستحين، وإذا اقتضت المصلحة خلع لباس الإسلاميين وارتداء لباس الاشتراكيين أو الليبراليين أو القوميين أو الوطنيين فعلوا ذلك، ظاهرين غير مستترين. فما هي معالم ديمقراطية هؤلاء القوم؟ ! يمكننا رصد تلك المعالم بما يلي: ١- أن الهيكل العام الأغلب لهذه الديمقراطية ليبرالي؛ لذا: فإنه ينطبق عليها كثير من الأوصاف التي ذكرتها حول المدرسة الليبرالية. ٢- من خلال الممارسة قد تتطعم ببعض مواصفات المدرسة الاشتراكية والديكتاتورية. ٣- يمارس المرشحون خلال فترة الانتخابات جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة للتأثير على الناخبين لاجتذاب أصواتهم، فربما اشتروا الأصوات، وربما دخلوا في تحالفات انتخابية، وعيونهم خلال كل ذلك منصبّة على حجم المكاسب ومقدار المنافع وعدد المصالح التي سيجنونها إذا أفلحوا في الوصول إلى المجلس النيابي، وفي سبيل ذلك: يكيلون الوعود الكاذبة لناخبيهم، وليس في نيّتهم إلا الخداع والغش والدجل. ٤- يعتبر النواب المصلحيون نجاحهم في احتلال كراسي المجلس النيابي فرصة ينبغي استغلالها حتى الثمالة، إنها فرصة العمر لتحقيق أوسع المصالح الذاتية في أقصر المُدَد الزمنية. ٥- لذلك: تراهم منهمكين في استصدار القوانين التشريعية التي تكرس مصالحهم، وإن كانت على حساب المال العام للأمة. ٦- ما إن يحتل هؤلاء المرشحون كراسي المجلس حتى يبادروا بتأسيس الشركات، وافتتاح المؤسسات في كافة الخدمات، ولجميع أنواع التخصصات بأسماء أسرهم وأقربائهم، مستفيدين من مواقعهم الجديدة التي تنفتح أمامها جميع الأبواب وتذلل كافة الصعوبات وتزال جميع العقبات. ٧-وإذا ما اقترب المجلس من نهاية مدته المقررة سارع النواب المصلحيون إلى المزايدة على شعوبهم، من خلال طرح بعض المشاريع التي تدغدغ عواطف الناس، لعلهم يحظون منهم بجميل إعادة انتخابهم للمجلس النيابي الجديد. ٨- أن كثيراً من النواب المصلحيين لا يجدون في تصرفاتهم غضاضة، ولا يستشعرون في قلوبهم أي حرج إذا أقروا ووافقوا على الصلح مع اليهود مثلاً، طالما في ذلك تدعيماً لمصالحهم واستبقاءً لكراسيهم، وقد يوافقون الحكومة على توقيع المعاهدات التي تسوّد بياض البلاد وتكبل حرية العباد. ٩- أن دستور المدرسة الديمقراطية المصلحية قابل للتنقيح في أي لحظة يراها أصحاب تلك المدرسة، مما يعزز مصالحهم، ولكنه في البلاد الإسلامية غير قابل للتنقيح إذا كان ذلك لمصلحة الإسلام! ! ! فتأمل! ! المدرسة الجبرية [٤] : إنها ديمقراطية الالتقاء الجبري، إنها ديمقراطية التعايش الحرج ... إنها الخيار الأوحد عند أصحابها.. فإما هي وإما الكارثة! ! هكذا يقولون! ! . إنها ديمقراطية الطوائف والأديان قبل أن تكون ديمقراطية الجماعات والأحزاب. إن خير مثال للمدرسة الجبرية هو لبنان. ذلك البلد الذي فيه من ينتسبون إلى الإسلام (حقّاً أو باطلاً) وهم طوائف عدة: السنة، والشيعة، والدروز. ومنهم من ينتمي إلى النصرانية، وهم أيضاً طوائف، من أشهرها المارونية. وأما الأحزاب فحدث ولا حرج ... إن أهم ما يميز هذه المدرسة هو: ١- أن الانتخابات في إطارها الواقعي وليس القانوني تتم في الأطر الدينية ثم الطائفية. ٢- أن توزيع الرئاسات يتم في الإطار العرفي المتفق عليه، ففي لبنان مثلاً: رئيس الجمهورية نصراني ماروني، ورئيس الحكومة مسلم سني، ورئيس المجلس النيابي شيعي. ٣- أن المصالح الطائفية مقدمة على المصالح الوطنية. ٤- تسود أعمال المجلس النيابي روح التربص أكثر من روح التعاون. ٥- أن الخلافات في داخل المجلس النيابي تستمد خلفيتها من الصراع الطائفي، وليس من اختلاف وجهات النطر المتعلقة بالمصلحة البحتة. ٦- أن استمرار بقاء الديمقراطية الجبرية متعلق باستمرار وجود حالة التوازن في التمثيل الطائفي. ٧- أن البديل للديمقراطية الجبرية هو التقسيم الجغرافي على أسس طائفية، ذلك التقسيم الذي لا يمكن أن يحصل إلا عبر حرب أهلية، وعندما تعجز كافة الأطراف عن تحقيق مكاسب على الساحة الجغرافية يعود الجميع قسراً وجبراً إلى التعايش الحرج في إطار الديمقراطية الجبرية. ٨- أن تمرير أي طائفة من الطوائف لقرار من القرارات من خلال المجلس النيابي يعتمد بالإضافة إلى عدد الأصوات الداعمة له على القوى المختلفة التي تدعمه من خارج المجلس، وخاصة القوى العسكرية والقوى السياسية المحلية والوافدة. ٩- إن حلّ المجلس النيابي في دول الديمقراطية الجبرية يعتبر من أصعب القرارات السياسية؛ بسبب ما يمكن أن يؤدي ذلك إلى اندلاع الحرب الأهلية وسقوط البلاد في حمامات من الدماء. ١٠- حتى القرارات الوطنية البحتة والمتعلقة بأمن البلاد واستقرارها وتحريرها من القوات الأجنبية الغازية، يمكن أن تكون محل خلاف ولا تتفق الأطراف الطائفية في المجلس على إقرارها، مما يكرّس السيطرة الأجنبية ويساعد على إبْقائها. المدرسة الإسلامية: لا توجد في الإسلام ديمقراطية أصلاً [**] ، وإنما أقحمت الديمقراطية على المسلمين إقحاماً، وبالتالي: عندما سنناقش هذا الموضوع لاحقاً تحت عنوان (إشكالية الإسلاميين في فهم الديمقراطية) فإننا لن نناقشه من باب صحة هذا الإقحام، بل من باب ما تورط فيه الإسلاميون من انزلاقهم في هذا المنحدر الخطر، وعلى هذا الأساس أقول: لا توجد مدرسة إسلامية ديمقراطية، بل توجد مدرسة ديمقراطية للإسلاميين الديمقراطيين فحسب. إن خصائص هذه المدرسة وإفرازاتها التي تمثل ورطة حقيقية للمسلمين ستكون محل بيان وتوضيح عند مناقشتنا للإشكالية المتعلقة بهذا الموضوع، التي نوهت عنها قبل أسطر. الملامح المشتركة لمدارس مفهوم الديمقراطية: من خلال تطواف سريع بالمدارس الديمقراطية التي ذكرتها، يمكننا الإشارة إلى الملامح المشتركة لها كما يلي: ١- جميع تلك المدارس تشترك في كونها نتاج البشر، متحررة تماماً من أي استدلال رباني. ٢- أنها تستمد شرعيتها الحقيقية من مراكز القوى الحاكمة، سواء أكانت طبقة، أو حزباً، أو عسكراً، أو عائلة، أو طائفة.. ومع ذلك: فإنها جميعاً تدعي استمداد شرعيتها الحقيقة من الشعب! . ٣- أن المجالس النيابية، رغم كون دورها تشريعيّاً ورقابيّاً، فإنها لا تمارس هذه الصلاحيات بشكل مستقل، بل بحسب ما يوده النظام الحاكم. ٤- إن النظام الحاكم يستطيع شراء عدد غير قليل من ذمم النواب بما يغدقه عليهم من الأعْطية والامتيازات، بما يجعلهم في النهاية موظفين لصالح خدمة مصالحه. ٥- من خلال المجالس النيابية يصادَر أي تحرك شعبي، حيث إن حجة النظام الحاكم جاهزة: ممثلوكم في المجلس، فعلام هذا التحرك؟ ! ! . ٦-الأخلاقيات والسلوكيات تهدر قيمها الحقيقية في جميع المدارس الديمقراطية. ٧- فيما يخص العالم الثالث: فإن المجالس النيابية كالخاتم في يد النظام الحاكم يلبسه متى يشاء، ويخلعه متى يشاء. تلك هي أهم القواسم المشتركة في المدارس الديمقراطية، وإن كل قاسم منها هو كارثة حقيقية في ذاته! ! . [فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأََلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [المائدة: ١٠٠] .

стр. 2276

نص شعري رَبَّة القهر شعر: مروان كُجُك يَا رَبّةَ الْقَهْرِ والطّغْيَانِ وَالصّلَفِ ... أَرْخِي الْعِنَانَ لأَفّاكٍ وَمُنْحَرِفِ وَاسْتَعْجِمي الخَلْقَ وَاغْتَالِي مَقَادِسَهُمْ ... عِيثِي فَسَاداً بِهَذَا الْكَوْنِ وَاعْتَسِفِي فَالأَرْضُ أَضْحَتْ لِذاتِ الشّؤْمِ جَاثِيةً ... وَاللّؤْمُ عَرْبَدَ فِي الْجُدْرَانِ والسّقُفِ وَاللّيْلُ صَارَتْ لَهُ فِي أَرْضِنَا زُمَرٌ ... وَالْفَجْرُ غَادَرَنَا حُزْناً وَلَمْ يَقِفِ كَأَنّنَا لَمْ يَكُنْ مِنْ رَهْطِنَا عُمَرٌ ... أَوْ طَارِقٌ أَوْ ذَوُو الإقْدَامِ وَالنّصَفِ كَأَنّنَا لَمْ نُقِمْ فِي الْقُدْسِ مَلْحَمَةً ... بِالْعَدْلِ وَالْعِزّ وَالإنْعَامِ وَالشّرَفِ لَمْ نَخْرُمِ الْعَهْدَ يَوْماً، لَمْ نُبِحْ حَرَماً ... لَمْ نَسْرُقِ النّوْمَ مِنْ أَجْفَانِ مُلْتَحِفِ كَأَنّنَا لَمْ يَكُنْ مِنّا أُسُودُ وغًى ... أَوْ سَيْفُ عَدْلٍ طَهُورُ الْقَصْدِ والطّرَفِ كَأَنّنَا لَمْ نَزِنْ فَتْحاً بِمَرْحَمَةٍ ... وَلا جَنَحْنَا لِسِلْمٍ صَادِقِ الْهَدَفِ وَلا رَفَعْنَا لِنَشْرِ الْعَدْلِ أَلْوِيَةً ... وَلا طَمِعْنَا بِغَيْرِ الْفَوْزِ بِالْغُرَفِ نُجَاهِدُ الْقَهْرَ، لا نَبْغِي مُنَازَلَةً، ... إلاّ غَدَاةَ يَسِيرُ الأَمْرُ لِلْجَنَفِ أَوْ يَبْزُغُ الشَرّ فِي بَيْدَاءَ ظَامِئَةٍ ... لِجُرْعَةِ الْمَاءِ لا لِلْخَمْرِ وَالزّيَفِ أَوْ يُصْبِحُ الأَمْرُ فِي أَيْدٍ مُلَطّخَةٍ ... بِمَا جَنَتْهُ عَلَى الأَسْلافِ وَالْخَلَفِ * * * يَا رَبّةَ الْحِقْدِ لَنْ يُجْدِيكِ كُلّ لَظًى ... وَلَوْ حَشَدْتِ لَهُ مَا شِئْتِ مِنْ طُرَفِ فالأَمْرُ أصْبَحَ مَفْضُوحاً وَإنْ سَتَرَتْ ... مَا تَبْتَغِيهِ حَمَاقَاتٌ مِنَ التّرَفِ * * * هَيّا اسْتَعِدّوا بَنِي قَوْمِي لِنَازلَةٍ ... تَنَالُ آخِرَكُمْ فِي الْبِيدِ وَالْكُنُفِ [١] لا تَسْتَبِيحُ بَنِي غَطْفَانَ إنْ عَصَفَتْ ... وَتَتْرُكُ الرّاًسَ فِي دَوّامَةِ الْخَرَفِ سَتَنْهَشُ الْكُلّ إنْ شَاؤُوا وَإنْ رَفَضُوا ... وَتَزْرَعُ الطّيْشَ فِي الأَعراسِ وَالنّطَفِ وَتَعْزِلُ الْجَمْعَ عَنْ قُرْبَى ومَرْحَمَةٍ ... وَتَنْسفُ الْوَصْلَ فِي دَرْبٍ وَمُنْعَطَفِ وَتَجْعَلُ الأَمْرَ لِلشّذّاذِ تَجْمَعُهُمْ ... مِنْ كُلّ أَرْضٍ وَتُلْقِيهِمْ عَلَى كَتِفِي بِالله عُودُوا لِمَا قَدْ عَزّ غَابِرَكُمْ ... وَوَحّدُوهَا عَلَى الإسلامِ والشّرَفِ فَلَيْسَ فِي الأَرْضِ مِنْ عِزّ يُعِزّكُمُ ... غَيْرُ التّجَلّدِ عِنْدَ الْمَاًزِمِ الْوَكِفِ [٢] وَاسْتَنْزِلُوا النّصْرَ بِالتّوْحِيدِ وَانْتَظِرُوا ... فَتْحاً قَرِيباً وَقَهْرَ الْهَائِجِ الصّلِفِ

стр. 2277

حوار الشيخ عبد المجيد الريمي في حوار صريح عن هموم الدعوة وواقعها في اليمن التحرير فضيلة الشيخ عبد المجيد الريمي علم بارز من أعلام العلم والدعوة في اليمن، له جهود مشكورة في تأصيل العلم الشرعي ونشر منهج السلف الصالح، ويسرنا في هذا العدد أن نجلس إليه، نستأنس بعلمه وفضله، وقد أراد الشيخ عبد المجيد (حفظه الله) أن يبدأ هذا الحوار قائلاً: أشكر الإخوة القائمين على مجلة البيان، وأسأل الله لهم التوفيق والنجاح في رسالتهم المهمة، وهي: توعية الأمة، وإزالة الغثائية الفكرية والسطحية المعرفية، وتأصيل المسائل، وتقرير الدلائل، والجواب على المشكلات الدعوية والعقبات التي تواجه العاملين بأسلوب علمي هادئ، وأعترف هنا بأننا نستفيد كثيراً من بحوث هذه المجلة العظيمة في مسائل دعوية وتربوية ووعظية وعلمية وتاريخية.. وغير ذلك، فجزى الله الكاتبين والعاملين فيها خير الجزاء. الشيخ عبد المجيد الريمي من أبناء الدعوة السلفية في اليمن وأحد رموزها البارزين، فما تقويمه لمسيرة هذه الدعوة؟ وما الطرح الذي يراه لمعالجة التشرذم الواقع بين أبنائها؟ . - لا شك أن الدعوة السلفية في اليمن قد حقق الله بها خيراً كثيراً في مجال العقيدة والتعليم والدعوة والاتباع، حيث واجهت هذه الدعوة كثيراً من العقائد الصوفية والشيعية بقوة الحجة والأدلة ووضوح المعتقد السلفي، فأحدثت تجديداً ملحوظاً في عقائد الناس وتصوراتهم، وقللت نسبة الخرافة، وكثر المناصرون لها من أهل التوحيد، وأصبحت هذه الدعوة في كل المدن والقرى في اليمن بفضل الله، وكذلك: كثرت المراكز العلمية التي تعنى بالعلم الشرعي وتفقيه الناس بدينهم، وتجوب أنحاء اليمن قوافل من الخطباء والوعاظ والدعاة من مختلف هذه المراكز العلمية المباركة، وظهر حرص كثير من الشباب على اتباع السنة قولاً وعملاً، فلله الحمد.. وعلى كل حال: ففي حَمَلة هذه الدعوة ما في غيرهم من منافذ لتسلل الخطأ إلى فرد أو مجموعة، لأن العصمة للمنهج السلفي وليست لأفرادٍ أو مجموعة من حملة هذا المنهج، ولكن كما قال (تعالى) : [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاًوِيلاً] [النساء : ٥٩] فبذلك يحاصر الخطأ ويبقى المنهج العام والخط الواضح هو اتباع الدليل من قرآن وسنة، وأما معالجة التشرذم: فيكون بتحقيق أصول أهل السنة وجعلها مناط الاجتماع والافتراق وفصلها [أي: هذه الأصول] عن مسائل الاجتهاد التي تختلف فيها الأنظار والاجتهادات، فلا يشنع على المخالف فيها ويفارق من أجلها. تموج اليمن دعويّاً بخليط من التوجهات المتباينة، فيجد المتأمل مثلاً: إعراض فريق عن النص الصحيح تحت مبرر ما يسمى بالمصلحة، ويجد فريقاً آخر ذا نزعة ظاهرية مفرطة في تعامله مع النصوص وأخذه لها بشكل يجعله بعيداً عن اتباع منهج السلف في فهمها الذي يراعي القواعد الأصولية: من حمل للمطلق على المقيد، والعام على الخاص، ورد المتشابه إلى المحكم.. ونحوها، فهل ترون من خطورة حقيقية كبيرة على مسيرة الدعوة الإسلامية في اليمن من هذا التباين، وما الطريق الأمثل من وجهة نظركم لمعالجته؟ . - الواقع الدعوي في اليمن كما ذكرت فيه من الدعاة من يغلب جانب الواقع المفروض، فيرى ضرورة التفهم للمتغيرات التي حدثت وتحدث، بحيث تتطور الدعوة بتطور المتغيرات، وربما يحتج بالمصلحة إذا واجَهْتَه بالدليل، وليس النزاع في تقرير كون المصلحة مطلباً شرعيّاً ودليلاً علميّاً؛ لأن هذا أمر مسلم به؛ لأن الشريعة مبناها على المصالح والمفاسد: فَتُقَدِّم خير الخيرين بتفويت أدناهما، وتُفَوِّت شر الشرين بارتكاب أدناهما، ولهذا الأمر أدلته الكلية والجزئية المبثوثة في الكتاب والسنة، وإنما النزاع في: هل ما يرتكب من مخالفات فيما نراه ينطبق عليه هذا الأصل، بمعنى: هل المصلحة الشرعية المعتبرة شرعاً متحققة بحيث قد ترجحت لديه المصلحة، أم إن المستدل بهذا الأصل ربما غفل عن جوانب متعددة من المفاسد؟ ، وبعض هذه المفاسد لا ينطبق عليها هذا الأصل المتقدم، أي: إن المصلحة الشرعية إنما هي في اجتناب تلك المخالفات باسم المصلحة لا ارتكابها باسم المصلحة، وذلك مثل الاعتراف بالمبدأ الديمقراطي وتحكيم الأكثرية في مسائل عقدية في التحليل والتحريم والولاء والبراء، ومثل الاعتراف بالأحزاب العلمانية وحقها في الوجود وممارسة سياسة الأمة وحكمها بمبادئها العلمانية المعروفة، ومن المعلوم شرعاً أن مسائل العقيدة لا تخضع للإلغاء والتسامح مع المخالفين بحجة المصلحة، وخاصة أن المطلوب التنازل عنه يصبح مبدأً ومنهجاً بالتدريج، فأول ما يستدل به المتنازلون هو أن الوقت حرج، والضرورة مفروضة، ثم مع مرور الأيام يرتفع هذا الأسلوب ويصبح التعبير عنه: بأنه الحل الأسلم، والخيار الأفضل، وأنه خير من العنف، ثم يصبح هو الحل الواجب والوحيد، وقد ذكرنا سابقاً أن المصلحة في مسائل العقيدة تكون في التزامها والتمسك بها والبراءة مما يخالفها [ ... فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ] [يونس: ٤١] [قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ] [الأعراف: ٨٩] ، وقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) (متفق عليه) ، فأنت ترى أن المصلحة هنا هي أن يقذف في النار، وليس بالتنازل من أجل مصلحة البقاء على حياته، وفي الحديث المذكور في كتاب التوحيد (دخل رجل النار في ذباب ودخل رجل الجنة في ذباب) (على ما قيل في سند الحديث) .. فالتنازل بذباب أوجب دخول النار، والثبات والتمسك بالعقيدة والامتناع عن التنازل ولو بذباب يتقرب به إلى الطاغوت أوجب دخول الجنة، وقد قال (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ] [محمد: ٢٥، ٢٦] ، ومن المعلوم أن العلمانيين يكرهون ما نزّل الله قطعاً، ولم يأتوا بهذه الحلول المستوردة إلا للتخلص من هيمنة الشريعة عقيدة وحكماً، فطاعتهم وموافقتهم على هذه الحلول تحقق لهم هذا الغرض الخبيث، ولم يبق إلا أن يقول الدعاة السالكون هذا المسلك: نحن لا نعترف بمفهوم الديمقراطية الغربية، فيقال لهم: لكن خصومكم من العلمانيين يريدونها بهذا المفهوم، وهم أقوى وأنتم أضعف، فكلما رجعتم إلى الضوابط الشرعية قالوا أنتم غير مؤمنين ولا معترفين بالديمقراطية في الحقيقة، فيلزمونكم بالجدية بالالتزام بها، فيبدأ النزاع في صفوف العاملين في هذا المسلك بين المحافظ والمتساهل؛ فيؤدي ذلك إلى انشقاقات وتكتلات تضعف الدعوة والدعاة، ويتسلل الخصم إلى الشخصيات الأقرب إلى التفاهم معه، فيحدث من سوء الظن والكيد وعدم الثقة ما هو معروف، ثم إن المصلحة المرجوة قد تبددت بوضع العراقيل وعدم التمكين وعدم القدرة على ... الحركة؛ سبب القيود المفروضة والقوانين واللوائح التي لا يجوز الخروج عنها؛ لأنها ثوابت، وظهرت مفاسد عظيمة، منها: دعوى عدم قدرة الدعاة على الإصلاح، ومنها: فصل الشعب عن الحركة الإسلامية وتحجيمها في حزب، ومنها: إحراق الشعبية؛ لعدم تحقق الوعود.. وعندما يصل الأمر إلى منتهاه تقع الضربة القاصمة (لا سمح الله) وقد وصل الخصم إلى بغيته، من تضييق إطار الحركة الإسلامية وفصلها عن الشعب، ليضربها وهو آمن من غضب الشعب، وقد شوه أهدافها بأنها لا تختلف عن الأهداف التي يحملها الآخرون، وهي حطام الدنيا. وفي المقابل يأتي الفريق الآخر من الدعاة فيطرح نفسه بأنه البديل، فإذا هو يطرح أطروحات ويأتي بحلول يُعلم سلفاً أنها لن تؤدي إلى تحقيق أهداف الدعوة الإسلامية، مثل: حصر الإسلام ودعوته في طلب العلم ويقصد بالعلم علماً معيناً، والمنع من التكتل والاجتماع على الأهداف والوسائل التي يرجى بها تحقيق غايات الدعوة الإسلامية، ومعاداة تلك التكتلات، والتحذير منها، والسعي لتفكيك اجتماعها، وتبديد جهودها، والتشكيك في أهدافها، بل وينصح المسلمين بألا يتعاونوا معها، ويرفع شعار الولاء للأنظمة الفاسدة، وتأصيل ذلك بأن ذلك هو معتقد السلف.. وليس الخلاف حول صحة هذا الأصل وهو الطاعة للحاكم المسلم في طاعة الله، وإنما الخلاف حول تحقيق مناط تطبيق هذا الأصل، ثم يأتي بحلول نظرية غير واقعية، إذ لا يملك منهجاً واضحاً شاملاً للتغيير وتطبيق شرع الله، فلا هو تبنى الدعوة بشمولها وخاطب الأمة وحركها بمنهج يستوعب جميع طاقاتها، ولا هو أفسح المجال لمن يسعى إلى ذلك وتعاون على البر والتقوى، وياليت الاختلاف منشؤه في اعتبار المرحلية، لهان الأمر، ولكن الأسس المهمة في عملية التغيير الشامل، وأهمها: قيام جماعة الدعوة بنظامها الذي يحقق معنى الجماعة يعتبر بدعة عند هذا الفريق، فمتى ستصبح البدعة سنة! ... فيجمد على مسائل فرعية يتبناها ويرتب عليها الولاء والبراء والسنة والبدعة، ويشن حرباً لا هوادة فيها على مخالفيه في هذه الفروع، ويجعل ذلك أولى أولويات دعوته، ويُحَوِّل المعركة إليهم، وكان ينبغي أن تتوحد الجهود على أصول أهل السنة والجماعة لمواجهات طرق الكفر والبدع المشهورة التي هي ظاهرة للعيان، وليس مواجهتها محل خلاف، والذي ينبغي على هذا الفريق هو فقه الأولويات، ومواجهة الأفسد فالفاسد فما دونه، ومراعاة فقه المصالح وأحكام الضرورات، وتبني الأصول العقدية والاجتماع عليها، والسعي لجمع شتات الأمة على منهج واضح، والسير بها نحو تغيير الواقع، لا تخذيلها وتثبيطها، وعدم الاستغناء عن العاملين للإسلام أو محاولة إلغائهم وتجاوز جهودهم وأعمالهم، وفتح باب التشاور والمدارسة العلمية لما تحتاجه الدعوة بين جميع الفصائل المنطوية تحت شعار أهل السنة والجماعة، وتربية النشء تربية صحيحة متكاملة، ومن أهمها: أن يفقه الهدف والغاية من التعليم والدعوة، وهو: إقامة شرع الله في جميع مجالات الحياة، وإعطاؤه تصوراً واضحاً لكيفية التغيير في جميع المجالات السياسية والتعليمية والاقتصادية والإعلامية.. وغير ذلك، وتحديد موقف واضح من مقالة (ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أو من مبدأ (ليس في الإمكان أحسن مما كان) . وعلى الفريق الأول صدق الالتزام بأصول أهل السنة، فإن واقعه يتنافى مع تلك الأصول أو بعضها، والسعي لنشر تلك الأصول وتعليمها، وتربية الشباب على ضوئها، وتحديد الموقف من المخالف فيها ومن أهل البدع المشهورة، والسعي لتوحيد العمل الإسلامي انطلاقاً من تلك الأصول، وعدم التعجل في قطف الثمار قبل أوانها؛ فمن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. تَصَدّر الأحداثُ للدعوة والفتوى، وعدم ترتيب الأولويات، وعدم التربية على العمل بالعلم والتحلي بآدابه، وعدم مراعاة منهج السلف في النقد للآخرين والتعامل معهم، وضعف فقه إنكار المنكر، وعدم إنزال الناس منازلهم.. ونحو ذلك: مخاطر حقيقة داخلية تواجه مع عدم قولنا بالتعميم التيار السلفي في اليمن، فما تعليقكم؟ وهل من كلمة موجزة توجهونها لأبناء التيار السلفي عامة في هذا الصدد؟ - ما ذكرته في سؤالك من تصدر الأحداث للدعوة والفتوى، وكذلك للجرح والتعديل.. إلخ: هذه مصيبة عظيمة، وخطورة كبيرة، وتقع المسؤولية في ذلك على العلماء المتصدرين للتعليم والفتوى والتربية، فكل عالم عليه مسؤولية توجيه طلبته التوجيه السليم، وإلا فإثمهم عليه؛ لأنه لم يمنعهم من الوقوع في الأخطاء، لأنهم غير مؤهلين، بل (ترك لهم الحبل على الغارب) ، وعلى أبناء الدعوة السلفية الإقبال على إصلاح أنفسهم، وتكميل تربيتهم على الحق والعدل والرحمة، والتأسي بمنهج الرسول في اللين والحكمة والعلم والعدل والإنصاف واحترام أهل العلم؛ قال ﵊ ما معناه: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) (١) وكذلك: من الخطأ أن يتصدى للدعوة من لا يفقه مراتب المصالح والمفاسد، ولا يعرف كيف يتعامل مع المصالح والمفاسد عند التزاحم، فربما أنكر منكراً بطريقة تؤدي إلى منكر أكبر، وربما والى وعادى على مسألة فترتب على ذلك فساد أعظم، وربما تشدد في مسألة وتساهل فيما هو أعظم.. وأمثال ذلك من الأمور التي يفتقد كثير من هؤلاء حيالها ميزان العلم والعدل والتقوى وفقه خير الخيرين وشر الشرين، والمسؤولية تقع اليوم على المربين والعلماء لتدارك مثل هذا الانحراف، وإلا فالمخاطر عظيمة، والله أعلم. ما المخاطر التي تواجه الدعوة الإسلامية في اليمن من خارج أبنائها؟ نأمل ذكرها مرتبة حسب الأهمية من وجهة نظركم. - المخاطر التي تواجه الدعوة الإسلامية في اليمن من خارج الصف الإسلامي كثيرة وخطيرة، من أهمها في نظري: ١- الأحزاب العلمانية بكافة أشكالها من اشتراكيين وقوميين بعثيين وناصريين وغيرهم، وكذلك: دعاة وأنصار الديمقراطية الغربية بمفاهيمها السياسية والفكرية والأدبية.. وغيرها، وخاصة أنهم استطاعوا أن يجرّوا فصيلاً كبيراً من الدعاة إلى الله إلى المعارك التي يكون المهاجم فيها هو الفريق العلماني، حيث يثير الشبهات ويشكك في قدرة الإسلاميين على فهم واقعهم والقبول بمتغيراته، فيدافع ذلك الفصيل من مواقع الانهزام، وأنه لا معارضة بين الإسلام وكذا وكذا، وأن الإسلام يقبل كذا وكذا، وكل يوم يزداد الضغط فيزداد الضعف والانصهار في بوتقة الحلول المستوردة، فينتج عن ذلك مخاطر، منها: عدم إيصالنا إلى الأحزاب العلمانية مفهومنا الإسلامي الواضح للمسائل والمفاهيم السياسية ومقارعتهم بالدلائل القرآنية والأحاديث النبوية، ومنها: أن العلمانيين يشعرون بالتفوق عندما يحسون منا موافقة على حلولهم المستوردة وانبهارنا بما استوردوه، تماماً مثل انبهارنا بالتقنية الصناعية الوافدة إلينا، ومنها: حصول انشقاقات في الصف الإسلامي بين موافق ومخالف ومتهم بالتشدد وعدم الواقعية ومتهم بالتميع والمؤامرة، بل وربما (بيع الآجل بالعاجل) وغير ذلك من المخاطر. ٢- الحكومات والأنظمة المشبوهة التي تعمل على تفكيك الصف الإسلامي وإثارة نزاعاته وخلافاته القديمة والحديثة وتأجيج نيران العدوان والشقاق، نظراً لعدم الوعي السياسي لدى كثير من أبناء الصف الإسلامي، وعدم تفطنهم للاستخدام المباشر وغير المباشر لهم من قِبلَ تلك الأنظمة في ضرب إخوانهم، وفي ضرب بعضهم بعضاً، بحجة: هذا متساهل، وهذا متميع، مما يؤدي إلى القضاء على الجميع. ٣- الأحزاب البدعية، مثل: الباطنية والرافضة وغلاة الصوفية، فإنها خطر محقق؛ نظراً لمواقفهم التاريخية دائماً مع أعداء الإسلام والتآمر على الإسلام الصحيح وحملته، وبثهم مفاهيمهم المنحرفة باسم الإسلام، وفي ثياب الإسلام وشعاراته ومواقعه. ٤- العقلانيون التجديديون واليسار الإسلامي كما يسمونه وغيره من دعاة النزعة العقلية ومعارضة الشرع بالعقل، أو تسليط العقل على الشرع ليمسخه بمفاهيمه التي تخالف ما استقر من المفاهيم التي مضى عليها سلفنا الصالح. تلك في نظري أبرز وأهم المخاطر، والله أعلم. ما أبرز احتياجات اليمن دعويّاً؟ وما واجب العلماء والدعاة أفراد ومؤسسات تجاه ذلك؟ . - أبرز احتياجات اليمن دعويّاً هي المؤسسات التعليمية والتربوية القائمة على أصول ومنهج أهل السنة وعلى الفهم الشامل للإسلام فهماً صحيحاً ومتوازناً في الاهتمام بالقضايا التي تهم الأمة، ويأتي بعد ذلك الشعور بالمسؤولية والانطلاقة الدعوية بجد واجتهاد لشرح قضايا الإسلام للأمة، وإعلامهم بواجبهم أمام دينهم وأمتهم، ويأتي بعد ذلك: الاهتمام بهموم الناس ومشاكلهم والمشاركة في حلها بحسب الطاقة.. ويقوم على ذلك كله علماء مربون وفاهمون لما تحتاجه الأمة، ومدركون للمخاطر التي تواجه الدعوة، وعلى المؤسسات الدعوية والعلماء السعي لتحقيق ذلك بكل أمر ممكن شرعاً. الأحزاب العلمانية، التشيع المنحرف، التصوف الضال، الفرقة الإسماعيلية، الفكر الاعتزالي، الفكر الخارجي: انحرافات عقدية لها وجود ملحوظ في اليمن، فما الطرق المثلى من وجهة نظركم لوقاية الشارع اليمني وتحصينه من مخاطرها؟ - الطريق المثلى من وجهة نظري هي: نشر العلم النافع، ونشر عقيدة أهل السنة والجماعة، وتحذير الأمة من المفاهيم الدخيلة على الإسلام، والسعي الجاد لاحتواء شباب الأمة في الأطر الدعوية التي تحمي شباب الأمة من الوقوع في شباك هذه الفرق الضالة. عدم مراعاة منهج أهل السنة والجماعة مع المخالفين من أبرز سمات تيار عريض من أبناء الدعوة السلفية في اليمن، فما أبرز مقومات ذلك المنهج لدى سلفنا الصالح من وجهة نظركم؟ - أبرز مقومات ذلك المنهج السلفي العظيم في التعامل مع المخالف: ١- الرسوخ في العلم، فأنصاف المتعلمين يفسدون أكثر مما يصلحون. ٢- تحرير محل النزاع والابتعاد عن الإجمال والإبهام والتهويش على المخالف. ٣- العدل في الحكم على المخالف، ولو جار عليك وظلمك، قال (تعالى) : ... [وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] [الشورى: ١٥] هذا مع أهل الملل، فما بالك مع الفصائل الإسلامية الدعوية. ٤- حسن الظن بالداعية المسلم وحمل كلامه على ما أراد، لا على ما تريد أنت من التشنيع عليه وتحميل كلامه ما لايحتمل، نظراً لما نعلمه من مقصده الحسن وسابقته في الإسلام والدعوة. ٥- الحرص على أن يكون القصد من الحوار جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، لا أن يكون تشقيق العمل الإسلامي وتقسيمه هدفاً مقصوداً من الحوار والردود. ٦- المحافظة على بقاء الولاء والمناصرة، وألا تجعل الردود على المخالف وسيلة للقضاء على هذا الأصل العظيم: [إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] [الأنفال: ٧٣] . ٧- الشهادة والاعتراف بما أحسن فيه المخالف وأجاد ووافق فيه الحق، لقوله (تعالى) : [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس] [البقرة: ١٤٣] ، ولا نتعامل مع بعضنا بالمبدأ اليهودي والنصراني الذي حكاه القرآن الكريم: ... [وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيء ٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ] [البقرة: ١١٣] . هذا ما استحضره في أصول المنهج السلفي في الرد على المخالف. يشاع بأن فئة عريضة داخل التيار السلفي في اليمن تتبنى مفاهيم خاطئة وتصورات مغلوطة نتج عنها بلبلة داخل التيار السلفي ... نأمل إيضاح حقيقة الأمر، وذكر أبرز تلك المفاهيم إن وجدت. - هناك بعض المفاهيم الغريبة لبعض المنتسبين للمنهج السلفي في اليمن لا بد من تحذير شباب الدعوة السلفية منها، وبيان أنها دخيلة على منهج السلف، منها: ١- زعمهم أن الإنصاف مع المخالف والموازنة بين حسناته وسيئاته ليس مشروعاً، ويكفي في الرد على هؤلاء مراجعة أي كتاب من كتب الرجال، ومواقف السلف من مختلف الاتجاهات التي حملت الحديث ونقلتْهُ، وكيف تعامل أئمة الحديث معهم.. ثم إنهم متناقضون؛ فهم يطبقون مبدأ الموازنة إلى حد الميوعة المفرطة بل والتغافل التام عن مساوئ الأنظمة الحاكمة بأمرها، ويفتشون عن عيوب حملة الدعوة ويشيعونه، بل ويلفقون التهم، ويمنعون الحديث عن عيوب تلك الأنظمة ويطوونه ولايروونه، بل يجعلون من تحدث عنه من أهل البدع! . ٢- من المفاهيم الغريبة جدّاً: زعم بعضهم أن التشريع والتقنين الذي يُحلل فيه الحرام ويُحرم فيه الحلال ليس كفراً أكبر، وإنما هو كفر عملي أصغر، وبعضهم يقول: حتى يعتقد، ولا يعرف اعتقاده حتى يصرح ويستحل باللفظ! أما الكتابة عندهم فليست تصريحاً، مع أنه من الناحية الشرعية: الحكم المترتب على التلفظ لا يختلف عن الحكم المترتب على الكتابة. ٣- ومن ذلك: التبديع والتفسيق للمخالف في مسائل اجتهادية، وإخراج من يخالفهم من إطار أهل السنة، فمثلاً: نسمع كثيراً من الأسئلة في المحاضرات والدروس: هل الإخوان المسلمون من أهل السنة والجماعة؟ هل جمعية الحكمة والقائمون عليها من أهل السنة والجماعة؟ فهذا يقول هم من أهل السنة في بعض الأمور، وذاك يتوقف، وكأن الحكم بأن هذا سني وهذا بدعي راجع إلى اجتهادهم، وليست المسألة محسومة بأصول أهل السنة المعروفة وأن من التزم بها فهو سني شئنا أم أبينا، فالدين دين الله، والجنة بيد الله، وليس عندنا صكوك غفران ولا صكوك حرمان من رحمة الله. ٤- ومن ذلك: رمي المخالف بالألفاظ المجملة وبأسماء لا تعتبر في منهج أهل السنة والجماعة من ألفاظ المدح والذم بالإطلاق، مثلاً: يقولون: فلان حزبي، وفلان ليس بحزبي، فإذا قلت لهم: ماذا تعنون بالحزبي؟ أهو الرجل المتعصب لجماعته أو لشيخه أو لقبيلته بالباطل؟ فهذا مذموم، ولكن هذا المرض يوجد فيكم بكثرة يجعل نقدكم لهذا المعنى لا معنى له.. أم تريدون التحزب والتجمع على الحق والتعاون على الدعوة تحزباً مذموماً؟ فإن أردتم ذلك فهذا ليس عيباً شرعيّاً.. إن هي إلا أسماء سميتموها، ما أنزل الله بها من سلطان. ٥- ومن ذلك: تصوير الجماعات الإسلامية وكأنها العدو الأول والخطر الأكبر، وجعل محاربتها أولى الأولويات، بل عندنا شيخ كبير يُرجع إليه بالفتوى يجعل الجماعات الإسلامية دسيسة من دسائس اليهود والنصارى! ! وأنها كما يقول أنشئت لتحطيم الدين.. نعوذ بالله من هذا الحكم العجيب والفهم الغريب! ! . ٦ - ومن ذلك: هجر المخالف في مسائل الاجتهاد، ومقاطعته، والتقليل من مكانته، وهضمه حقه، ونبزه بالألقاب، واعتباره أنه ليس بعالم، وأن العالم فلان. ٧- ومن ذلك: قبولهم في الجرح والتعديل والتفسير والتبديع لمجرد أن الشيخ الفلاني قال فلان مبتدع والجماعة الفلانية مبتدعة، وبعبارة أخرى: وقعوا في التقليد في الأصول مع زعمهم أنهم من المحاربين للتقليد في الفروع. ٨- ومن ذلك وهو أخطر هذه المفاهيم: كلها أنهم لا يحملون منهجاً تغييريّاً واقعيّاً متحركاً، فالجماعات بدعة، والعمل الجماعي المنظم بدعة، فإذا قلت لهم: سلّمنا أن الجماعات كلها بدعة، وأنكم أهل الحق، فما هو منهجكم في التغيير؛ حيث إن هناك أنظمة علمانية، تحكم بالعلمانية والاشتراكية والديمقراطية، وتقر الأحزاب العلمانية، وتسمح لها بالدعوة إلى الردة، وتبيح المحرمات.. كيف ستواجهون هذه الأمور؟ فيقولون: نُعَلِّم، فيقال: ثم ماذا إذا عَلّمْتُم؟ ! ، وهل بالتعليم وحده يزول كل هذا الفساد؟ ، وبعبارة أخرى: اشرحوا لنا كيفية المنازعة التي أشار إليها الرسول عند ظهور الكفر البواح، فلا نجد جواباً، وقد صرح بعضهم من حملة هذا الفكر في خارج اليمن والعياذ بالله بأن مقولة (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) كلمة حكيمة تصلح لواقعنا اليوم! .. نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 2278

المسلمون والعالم يا أهل اليمن.. الحكمة يمانية بقلم: أيمن بن سعيد يكاد يجمع المتابعون للساحة اليمنية على أن (أمانة المؤتمر الشعبي العام) هي صانعة السياسة اليمنية الخارجية، والمسؤولة بالدرجة الأولى بواسطة عناصرها داخل الحكومة عن إحداث التغيير المطلوب، لا سيما من القوى الدولية، في الخارطة السياسية اليمنية والجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، والمرء ينظر إلى ما يحدث الآن من إرهاصات ومقدمات تلوح في الأفق، مثل: محاولة الوقيعة بين التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي، وإثارة الإشكالات بينهما حول بعض المسائل الداخلية والخارجية، ومضايقة بعض رموز الإصلاح، مما يضطرهم للاستقالة، والإعلام العلماني في الداخل والخارج يعمل على ترسيخ هذا التوجه بدعاوى لم تعد مجهولة، مثل دعاوى اتهام الإصلاحيين بالتطرف والأصولية.. ممارسة سياسة تجفيف منابع الصحوة الإسلامية: كإلغاء المعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، والتضييق على الخطابة والدعوة داخل المساجد.. ونحو ذلك، وفي المقابل: إفساح المجال أمام أصحاب المذاهب الفكرية الهدامة والفرق البدعية التي تتلقى دعماً ماليّاً ومعنويّاً كبيراً من قِبَل بعض الدول والجهات الخارجية وبعض الرموز الرسمية وقيادات المعارضة ذات التوجه العلماني أو البدعي في الداخل؛ لنشر الأفكار (اللادينية) الهدامة والمعتقدات البدعية المنحرفة، عن طريق المؤسسات التعليمية التي تملكها الدولة، وعن طريق افتتاح جامعات وكليات ومعاهد عليا وكثير من المعاهد والمدارس الخاصة التي تحمل هذه التوجهات وتدعو إليها. تشويه سمعة المؤسسات الخيرية والشخصيات الإسلامية، والعمل على تطويعها، وفي المقابل: العمل على إبراز جهات وشخصيات تقبل ذلك التطويع، أو بينها وبين مؤسسات الصحوة الإسلامية عداء أو نفرة: كالمنتسبين إلى الطرق الصوفية، وحركات الرفض والتشيع، وبعض الطامعين في متع الحياة.. ونحو ذلك، وإبرازهم واجهات دينية وخيرية بشكل فردي أو مؤسسي. محاولة احتواء أكبر عدد ممكن من الشخصيات السياسية والاجتماعية داخل حزب المؤتمر الشعبي العام بكل وسيلة، والعمل على إضعاف العلاقة بين رموز الشعب الاجتماعية والسياسية والتجمع اليمني للإصلاح. العمل على تقليص نسبة الإسلاميين والمتعاطفين معهم داخل مجلس النواب اليمني القادم. تجويع الشعب وإذلاله ونزع سلاحه، تحت شعار ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية والمحافظة على الأمن ومحاربة الفساد، وفي المقابل: منع الأفراد أو الجهات التي يمكن أن يكون لها دور في تخفيف المعاناة داخل الحكومة أو خارجها من أداء الدور المرجو منهم بكفاءة وفاعلية. إطلاق يد بعض الذين ثبت عبثهم في مقدرات الدولة المالية والإدارية والأمنية الذين ينتمون لحزب المؤتمر الشعبي العام داخل الحكومة وخارجها، وفي المقابل: كف يد بعض الذين ثبتت كفاءتهم في هذه المجالات ممن لهم انتماء أو تعاطف مع الحركة الإسلامية. ومن باب التعاون على البر والتقوى، وقياماً بواجب النصح والتذكير بالله، وحرصاً على أرض يمن الخير وأرض الحكمة: فسأوجه مقالتي هذه إلى أمانة المؤتمر الشعبي العام، توضيحاً لهم وتذكيراً؛ علها أن تجد قبولاً لديهم، وبخاصة أن رأسها عرف بالذكاء والحنكة في التعامل مع الأحداث والمواقف، وطلباً للإيجاز والوضوح فسأجعل كلماتي في النقاط التالية: أولاً: أهمية تذكر الله والدار الآخرة: إن واجب الجميع أن يتذكروا الله والدار الآخرة؛ فالموت حق، والجنة حق، والنار حق، ولن ينفع العبد بين يدي ربه إلا ما قدم من عملٍ صالحٍ مرادٍ به وجهه (تعالى) ، فإن كان في خدمة الدين ونفع المسلمين: فليبشر صاحبه بالخير، وإن كان خلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه، قال الله : [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] ، وقال (سبحانه) : [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤ (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (١٢٥ (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى] [طه: ١٢٤ - ١٢٦] . ثانياً: أهمية تذكر نعمة الله عليهم في إبقائهم وإزالة عدوهم: على القوم أن يتذكروا نعمة الله عليهم إذ أبقاهم في مواقع المسؤولية وأزال من كان يعمل على إزالتهم، فليس من شكر الله محاربة دينه والكيد لأوليائه؛ فإن الأيام دول، والحياة عِبَر، فكم من رئيس صار مرؤوساً، وكم من غني صار فقيراً، وكم من عزيز صار ذليلاً، ولله في خلقه شؤون؛ فالملك ملكه، والأمر أمره، وهو يمهل ولا يهمل؛ قال : [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [ال عمران: ٢٦] . ثالثاً: خطأ الاعتذار عن تعطيل العمل بالشريعة بدعوى هيمنة الغرب: يتذرع بعض القوم عن عدم تبنيهم لخدمة الدين، وترك تطبيقهم للشريعة، والعمل لنفع البلاد والعباد، بأن ذلك إرادة القوى الدولية التي لا يمكن مخالفتها وتجاهلها بحال، والحقيقة أن ذلك ليس بعذر، ويكفي دليلاً على ذلك: أن الإرادة الدولية كانت مع دعاة الانفصال من قادة الحزب الاشتراكي، وكانت تسعى لإيكال الأمر إليهم بدلاً من القيادة الحالية، أو على الأقل الإبقاء على شيء من قوتهم التي كانوا عليها، ومع هذا: فما وقع شيء من ذلك، وكان للقوم دور في مواجهة تلك الإرادة وتحويلها إلى واقع مخالف لها، فلماذا التذرع بدعوى الهيمنة في قضية دين الأمة وهويتها، ورد ذلك ومقاومته في قضية المنصب والمجد الشخصي. وأخشى أن يكون الخوف من تلك الدعوى قد وصل لدى بعضهم إلى درجة ما يطلق عليه أهل العلم بالشرع: (شرك خوف السر) . ومع هذا: فالواجب على القوم أن يدركوا أن الغرب مهما بلغت إمكاناتهم فهم بشر ذوو قدرات إنسانية قاصرة ومحدودة، ويمكن مواجهة مكرهم بمكر وكيدهم بكيد، وعلى افتراض عدم قدرتنا على ذلك على التمام، فإن خوف العبد من الله (تعالى) يجب أن يكون أعظم من خوف غيره، ويجب عليه أن يضحي بدنياه لتبقى له أخراه، أما خلاف ذلك فإنه دليل انتكاس الإنسان وسوء مصيره إن لم يتداركه الله برحمته. رابعاً: المستقبل للإسلام: عاد كثير من الناس في العقود الأخيرة إلى الإسلام الخالص النقي، بعد أن عشّشَتْ الأفكار الدخيلة في عقولهم، وأثرت النظرة المادية للحياة على أكثرهم، وصار الشعار الذي تطلب غالبية الأمة من العلماء والدعاة رفعه: (الإسلام) ، متجاوزين الشعارات التي كانت تجعل الإسلام في خندق التبعية والانهزامية، حتى رفع بعضهم حين ذاك (اشتراكية الإسلام) ومتجاوزين أيضاً حتى شعار (ديمقراطية الإسلام) ، مع قلة في الجهود وضعف ومحدودية في الإمكانات تفوق بكثير النتائج التي حققتها الأمة في طريق عودتها إلى الله ، فخير لمن يعادي الإسلام ويحارب دعاته ألا يفعل ذلك.. خير له دنيا؛ لأن الإسلام هو قدر هذه المنطقة بل هذه الأمة، والعمليات المتواصلة من التيار العلماني ومن يقف وراءه من خارج المنطقة لإفراغ عقل الأمة من هويتها الإسلامية ومنعها من العمل على تحويلها إلى واقع فعال على الأرض عن طريق الإلهاء بشتى صوره سيتم تجاوزها لمصلحة الأمة وهويتها، وستبقى هذه الجزيرة وما جاورها بإذن الله كما كانت هي موطن الإسلام وأبناؤها هم حملة رسالته. وخير له أخرى؛ لأن الإسلام طريق النجاة يوم لاينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم من لوثات الشرك والأفكار الهدامة. خامساً: المؤتمر الشعبي العام والميثاق: رفع المؤتمر الشعبي العام في أول تكوينه شعار الإسلام، وأصدر ما سمي بالميثاق، الذي أكد فيه انطلاقه من الإسلام عقيدة وشريعة. ومع إدراكي للدور المشكور لعلماء اليمن في صياغة الميثاق، وحاجة أركان النظام في ذلك الوقت إلى شباب الصحوة لمساعدتهم في مواجهتهم المسلحة ضد النظام الاشتراكي في الجنوب وفرعه فيما كان يعرف باليمن الشمالي (الجبهة الوطنية) ، إلا أنه كان بوسع التيار العلماني داخل المؤتمر الشعبي العام وهو صاحب النفوذ والقرار ألا يوافق على ذلك، وأن يرفع شعاراً (لادينيّاً) في وقت كانت فيه سوق الشعارات عامرة، غير أنهم كانوا أذكى من ذلك! ! . أما اليوم: فقد سقطت الماركسية، وتلتها القومية وأحزابها البعثية والناصرية .. وسارت على خطاها الدعوة إلى الوطنية، والتي تحولت إلى دعوات مناطقية في كل قطر على حدة، بينما بقيت الدعوات الليبرالية التي تنادى بفصل الدين عن الدولة أو عن الحياة على اختلاف بينها دعوات نخبوية، إذ لم تقم لها قاعدة أصلاً في الأوساط الشعبية، حتى في تلك الدول التي عانت شعوبها من العيش في سجن كبير داخل أراضيها. إننا في زمن سقطت فيه الشعارات (اللادينية) ، وصارت جل شعوب العالم تعود إلى عقائدها وأصولها، وما التنامي في شعبية الأحزاب والشخصيات الدينية وفوز أحزاب ما يسمى (اليمين) في كثير من البلدان والمواقع إلا خير شاهد على ذلك، فلماذا لا يكون الأمر في اليمن بأقل من عودة صادقة إلى ديننا؟ ! وبدلاً من أن نعود جميعاً إلى ديننا الحق وبخاصة بعد أن جربنا تبني وتطبيق الأفكار المنحرفة ولم نجد فيها سوى الخسار والدمار نجد بعضهم يسبح ضد التيار ويريد تجريد البلاد والعباد من عقائدهم وتقاليدهم الحميدة، ليضمن الحفاظ على موقعه؛ وليتسنى له العبث بمقدرات الأمة وإمكاناتها كيفما يشاء. ولست أدري ما الفكر الذي سيتبوؤونه، وما الشعار الذي سيرفعونه، وهل سيلغون الميثاق تحت شعار ما يسمى بالتطوير، أما سيجعلونها علمانية إسلامية كما ظهر مؤخراً في بعض البلدان، وهي توجهات فاشلة لا محالة؛ لأن الزمن تغير، ووعي الناس ارتقى، وأصبح قطاع كبير من الشعب يدرك الصحيح من الزائف، وخير للقوم أن يصدقوا مع أنفسهم وأن يقرنوا الشعار بالتطبيق والقول بالعمل. مع أني لا أقول هذا الكلام للقوم إلا على سبيل التنزل، وإلا فلو أطبقت البشرية على الكفر لوجب على المسلمين أفراد ومجتمعات الاستمساك بدينهم والعض بالنواجذ عليه. مع أني أجزم بأن مصيرهم إن تمادوا في طغيانهم سيكون بإذن الله (تعالى) مصير أسلافهم، وما ذاك على الله بعزيز، إلا إني أدعوهم وأذكرهم بقول الرسول الكريم: (الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية) [متفق عليه] . سادساً: ليحافظ الجميع على الأمن والاستقرار الاجتماعي: استقرار الأوضاع واستتباب الأمن مطلب الجميع ... وفي ظني: أن محاولة التهميش والإقصاء المتعمد الذي بُدئ في ممارسته من قِبَل التيار الليبرالي المتنفذ داخل المؤتمر الشعبي العام للصحوة الإسلامية (كوادر وأنشطة (يتنافى مع ذلك، وأخشى أن يكون ذلك افتعالاً لحدوث انفجار قريباً في الأوضاع الأمنية والاجتماعية؛ نتيجة ذلك الكبت والتضييق، وخاصة في بلد كاليمن ذي التركيبة الاجتماعية الخاصة. لأن النتيجة الطبيعية لكبت الأنشطة الإسلامية والتضييق على العلماء والدعاة الموثوقين لدى عامة الشعب هي: توقفهم عن القيام بدورهم في التوعية والتوجيه من جهة، ووجود المبرر للقيام بأعمال ربما تتنافى مع الأمن والاستقرار من قبل بعض الشباب الذين يملكون عاطفة جياشة للدين وحماساً مندفعاً، قد تؤدي إلى أعمال لا تحمد عقباها نتيجة ذلك الكبت. ولا شك أن أصحاب الشأن يعلمون أن العبث بهذه المسألة لعب بالنار، التي لن تقضي على العابثين فقط، وإنما قد تؤذي غيرهم؛ لأنه ليس في وسع كل من انتسب إلى العلم الشرعي التحكم في هؤلاء والقدرة على إقناعهم بعد انفلات الزمام وانفراط العقد، فكيف بمن نُسِب إلى العلم الشرعي وليس من أهله. ومهما كانت قوة الأجهزة الأمنية في اليمن، فإنها لن تستطيع التوصل إلى كل فرد من هؤلاء إلا بعد قيامه بما لايريده الجميع، فهل يعي العقلاء ذلك؟ . وهل يعي أصحاب النفوذ والقرار أن البلاد غير مهيأة لأن تعاني أكثر مما عانت من محن ومآسٍ نتيجة حرب مثل حرب السبعين يوماً الأخيرة والمكائد الدولية المتواصلة. وهل يعي أصحاب النفوذ وأهل القرار أيضاً أن البلاد يكفيها ما هي فيه من تمزق مناطقي وقبلي وطائفي، وأن الاستمرار في تنفيذ تلك المخططات وممارسة تلك السياسات لا يخدمهم بوصفهم أشخاصاً ذوي سلطة ونفوذ، ولا يخدم البلد وطناً، ولا الشعب أفراداً. وأود التذكير أن من الحكمة التي عرف بها أهل اليمن: أن يكونوا مع دينهم ومع ما يدعو إليه من المحبة والتعاون والإصلاح ونبذ كل ما يخالفه أو يناقضه من الاتجاهات العلمانية والفرق البدعية والطائفية البغيضة. وأن يقفوا مع علمائهم ودعاتهم بقوة، معينين لهم، ومدافعين عنهم أثناء أدائهم لرسالتهم في بيان الإسلام، وإقامة المجتمع المسلم، والمحافظة على هوية الأمة من أن تمس بأذى عن طريق المناوئين في الداخل والمناصرين لهم في الخارج، ونهمس في آذان شباب الصحوة بخاصة بالحذر من التخلي عن علمائهم وما ينتج عن ذلك من فوضى قد تكون مخططاً لها من أعدائهم، والحذر الحذر من الانسياق وراء ردود الأفعال التي قد يسعى إليها أعداء الدعوة؛ فإن المناخ مهيأ أكثر من أي وقت مضى لتصيد الأخطاء وتضخيمها واستغلالها في محاصرة ومواجهة الصحوة وشبابها، والإساءة إلى سمعتهم وتنفير الشارع اليمني عن دعوتهم. كما أن علماء اليمن ودعاته مطالبون بالاستمساك بدين الله، والاعتصام به، ورص الصفوف، والمحافظة على حقوق الأخوة الإسلامية، ونبذ أسباب الفرقة والتشرذم، وترتيب الأولويات، وإدراك طبيعة المرحلة؛ حتى لا تُمَس دعوتنا بأذى ونكون سبباً في وقوع ما لا يحمد. نسأل الله أن يجنب اليمن الويلات والمحن وأن يحفظ عليها إسلامها وعلماءها والمخلصين من أبنائها وأن يبقي لها أمنها واستقرارها. والله من وراء القصد

стр. 2279

المسلمون والعالم المسلمون البلغاريون بين ناري الشيوعية والصليبية بقلم:عبد الله بن إبراهيم المسفر بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى عانى المسلمون البلغار من الاضطهاد، وزاد الطين بلة وصول الشيوعيين إلى الحكم بعد الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٤م. والمسلمون في بلغاريا: من الترك، ومن البلغار الذين أسلموا ويعرفون بـ (البوماك) ، ومن الغجر (البدو الرحل) . ويغلب على المسلمين الفقر والتخلف والحرمان، ويمنعون من الهجرة إلى الخارج، مضايقة واضطهاداً لهم. وقد حاولت بلغاريا قبل أن تصبح شيوعية تنصير المسلمين، إلا أن مقاومة هؤلاء أفشلت مخططاتهم، وقد سقط تحت سياط هؤلاء البلغار النصارى الألوف. ثم زاد الاضطهاد والتضييق عند اجتياح الشيوعية البلاد، حتى منعت السلطات الشيوعية الحاكمة المسلمين من تأدية الحج. والمسلمون ليس لهم مدارس خاصة بهم، كما كانت بلغاريا تضم أكثر من ١٢٠٠ مسجد، وقد أجبرت السلطات المسلمين على الدفن بمقابر واحدة مع سائر السكان، وحظرت النحر يوم عيد الأضحى، وأجبرت النساء على السفور، وفي الآونة الأخيرة: أجبرت السلطات الحاكمة المسلمين على إسقاط التمايز القومي والديني، وألزمتهم بتغيير أسمائهم بالقوة إلى أسماء نصرانية أو بلغارية، وقد أثار هذا الأمر المسلمين البلغار، فعارضوا؛ فوقعت مجازر، وهرب بعضهم إلى تركيا التي احتجت رسميّاً، ووجه رئيسها خطاب تذمر إلى رئيس بلغاريا، وقال رئيس حكومة تركيا على منبر الأمم المتحدة في ١٩٨٥م: (إن حقوق هذه الأقلية المسلمة تنتهك، فأين هي حرية الفكر والدين وحقها في الحفاظ على شخصيتها؟) ، وقد تجاوز عدد المهاجرين إلى تركيا أكثر من ثلاثمئة ألف، نزحوا عن بلغاريا في عام ١٩٨٩م، ومتحف صوفيا في العاصمة أصله مسجد هدمت مئذنته، ولا يوجد فيها اليوم إلا مسجد واحد! ! . ولعل أبرز أحداث بلغاريا: التطورات التي جرت أواخر عام ١٩٨٩م وبداية عام ١٩٩٠م، حيث جرت تغييرات مهمة على صعيد الحزب والحكومة، وأُبعد المسؤولون القدامى، وأُتيحت حريات التعبير والحريات الشخصية الأخرى، ووقع في ١٢/١/١٩٩٠م اتفاق بين الحكومة والمعارضة وممثلين عن المسلمين، جرى فيه إقرار حريات المسلمين الدينية والثقافية، وأعيدت إليهم حرية اختيار الأسماء الإسلامية شريطة ألا يقيموا أو يطالبوا بحكم ذاتي! ! ، الأمر الذي يعتبر تقدماً في الواقع المرير الذي فرضه الحزب الشيوعي السابق [١] . إلا أن المسلمين هناك ما زالوا يعانون الأمرين في واقعهم وفي الضغط على رموزهم (العلماء المختارين بترشيح منهم) ومن ذلك: الحكم مؤخراً على أحد العلماء بالسجن لعدة سنوات لمجرد أنه رشح خلافاً لما تراه الحكومة، التي تريد شخصاً مشبوهاً بعينه، كما سنرى. واقع المسلمين الآن: بعض المغرضين لخص الوضع الذي تمر به الدولة الآن وما حل بقطاعاتها نتيجة إخفاقات الحكومة الاشتراكية بأنه (ذنب المسلمين) ، فما المقصود من هذا؟ . في الواقع: فإن الحكومة الاشتراكية بذكاء أو غباء، وهذا ما ستسفر عنه الأيام بدأت حياتها الدستورية أو الحكمية بالاصطدام مع المسلمين في أعز وأهم المواقع، وهو دار الإفتاء العام ... إذ بتصرف مبيّت قام نائب رئيس الوزراء (شيفاروف) وبمخالفة صريحة للدستور بالتصديق على إعادة تعيين (نديم غينتشيف) المفتي السابق، وعلى هذا الأساس: صادق أيضاً عليه (خ. منتانوف) رئيس دائرة الأديان، ليجد بذلك (نديم غينتشيف) فرصة سانحة ليداهم دار الإفتاء ويطرد منها المفتي المرشح من المسلمين (فكري صالح حسن) والعاملين معه، فيما لم يلق المفتي (فكري صالح) أي اهتمام من قبل رئيس دائرة الأديان، على الرغم من مصادقته السابقة من جانب ثلاث حكومات متعاقبة على اعتباره مفتياً عامّاً رسميّاً للمسلمين، هذه كانت البداية غير الموفقة على حد قول بعض المراقبين للحكومة الاشتراكية. لكنّ آخرين يرون أنها حركة ذكية تحقق من ورائها عدة أهداف: ١- إشغال المسلمين فيما بينهم، وتحويل أنظارهم عما يعد لهم خلف الكواليس. ٢- شل حركة دار الإفتاء عن القيام بأي عمل فعال لصالح المسلمين خلال فترة حكمها. ٣- عزل دار الإفتاء عن المعركة السياسية، وخطف ورقة قوية من يد حركة الحقوق والحريات كانت تعتمد عليها بين وقت آخر. ٤- استغلال دار الإفتاء في تنفيذ ما لا تستطيع تنفيذه أو تحقيقه، بحجة قانونيتها، وابتعاداً عن الواجهة. حال المسلمين في ظل المفتي المعين: وكان من نتيجة ذلك: أن باب الفتنة أعيد كسره، وأصبح مفتوحاً على مصراعيه؛ فلا (غينتشيف) يستطيع تثبيت أركانه بين المسلمين، لعدم الرغبة فيه، رغم مساعدة الشرطة ومدعي عموم المناطق في تثبيت أعوانه في دور الإفتاء هناك، ولا (فكري صالح) ومن معه يستطيعون عمل شيء. وقد وجد (نديم غينتشيف) ضالته في هذه الفرصة، حيث بدأها بالهجوم على الجمعيات الإسلامية وبعض العاملين فيها، وتناول الجميع بالدس والتحريض والتهم الرخيصة وإثارة مشاعر الحكومة ضدهم، بل طالبها مباشرة بطردهم من البلاد كما هو نهج الحكومة المقدونية على حد تعبيره ... كما باشر بتحريض مفتيي المناطق في التصدي لكل ما هو عربي داعية كان أو موظفاً في جمعية؛ لمنعه من الاختلاط بالمسلمين، أو أخذ حريته في العمل أو الحركة.. وبذلك: أخذ (غينتشيف) حريته، وتصرف بما هو مملى عليه في كل ما هو واقع تحت يده، وأكثر ما يخيف المطلعين والعارفين بطبيعة الرجل: وجود مادة في الدستور المُقَر والمرخص من الدولة ودائرة الأديان، تخوله بالتصرف في أوقاف المسلمين الغنية، وهو يردد الآن: أنه قد خطى خطوات في هذا الاتجاه، لكنها لم تتأكد بعد، رغم تواتر الخبر بشكل مؤكد، وهذا إن ثبت فستكون طامة كبرى.. والله المستعان.. مختصر القول: إن الوضع الدعوي والتربوي وعموم العمل الإسلامي تضرر من ذلك المشبوه، أضف إلى ذلك: أن كثيراً من الجمعيات الخيرية التي كانت تعد على الأصابع أصلاً، إما أنها أغلقت مكاتبها، أو قلصت من حجمها المتواضع، أما ما بقي منها فيعيش في الظل، فلا خطة معدة، ولا رؤية مستقبلية واضحة؛ مما ترتب على هذا: توقف الدعم عن الحلقات والأئمة المميزين أو تقلص أعمالهم، فضلاً عن دخول بعض الشباب المتحمس دائرة الإحباط. إننا موضوعيّاً لا نستطيع القول: إن هذا كله نتيجة عودة (نديم غينتشيف) لدار الإفتاء فقط، بل هناك عوامل خارجية وأخرى داخلية من داخل الجمعيات القائمة أدت لهذه النتيجة ... لكن على كل حال: مهما كان السبب، فإن المحصلة النهائية تشير إلى أن (٢. ٥) مليون مسلم ما زالوا لا يلقون ذلك الاهتمام اللازم واللائق من المسلمين الذي يلقاه إخوانهم المسلمون في ألبانيا على سبيل المثال لا الحصر؛ رغم أن المسلمين البلغار يتقدمون خطوات واسعة على إخوانهم الألبان في معرفتهم للإسلام وتقبل قطاع كبير منهم له. المسلمون البلغار والوضع السياسي: ومن الناحية السياسية: فالأوضاع الداخلية البلغارية التي يحكمها تصارع كافة الفئات على منصب الرئاسة الآن، وخارجيّاً: اهتمام الدول الأوروبية بمن يفوز، قد دفع من جديد (الورقة المسلمة) إلى دائرة الاهتمام، حيث يؤكد الجميع قاطبة أن المرشح مهما كانت انتماءاته عليه أن يحصل على أصوات المسلمين (المرجِّحة) حتى يصل إلى سدة الحكم، وذلك كما حصل عام ١٩٩٢م عندما فاز بفضل تلك الأصوات الرئيس الحالي على منافسه الاشتراكي، بل حتى المعارضة الديمقراطية تعرف أن كلا مرشحيها (ستويانوف أو جيلف) في حاجة ماسة لأصوات المسلمين في الانتخابات الأولية.. مما أعطى قيمة للصوت المسلم وقدم ورقة تفاوضية قوية لـ (حركة الحقوق والحريات) التي عاد إليها بريقها ولمعانها السياسي في هذه الأجواء. محصلة القول: إن المسلمين إن أحسنوا التصرف في توجيه الأصوات لمن يقدم لهم الضمانات الأكثر والأكبر لنيل كافة حقوقهم: فإنهم بلا شك سيفتحون باباً جديداً والله أعلم على مستقبل أفضل وحقوق وحريات أكبر؛ لأنهم سيقصون الشريط في بدء إقصاء الحزب الاشتراكي عن الحكم أو السلطة بمعنى أصح.. ولكن إن تقاذفتهم الأهواء، وشغلتهم المصالح، وتناوشتهم السلبية وعدم المبالاة: فإنهم سيفتحون على أنفسهم باباً من الشر عظيم، حيث لن ينسى لهم الحزب الاشتراكي موقفهم ومحاولتهم القضاء عليه وإقصاءه عن الحلبة ... المسلمون والموقف الصعب: إذن: المسلمون في موقف صعب وحرج، لا تراجعهم أو سلبيتهم ستحميهم، أو تعفيهم، أو حتى ستعزلهم عن نتائج المعركة.. ولا مشاركتهم ستكون بلا نتائج أو أثمان تدفع، وأغرب ما في الأمر: أن التهديد قد طال الحركة المذكورة حتى من جهة المعارضة، وبالتحديد: من طرف اتحاد القوى الديمقراطية، الذي أعلن أنه لن يغفر للحركة أبداً إذا ما خسر مرشحه (ستويانوف) الانتخابات الأولية؛ لوقوف المسلمين خلف الرئيس الحالي ... إذن: المسلمون كمن يسير على الحبال لن يسلم إذا وقف، ولن يسلم إذا وقع.. لكن أخف الضررين إن لم يكن الرأي الأصوب: يكمن في اتخاذ الرأي المناسب والموقف الحكيم الذي يحقق المصلحة الراجحة والواضحة والغالبة والعامة، وبعض الشر أهون من بعض، والله (تعالى) أعلم. ووضع المسلمين باعتبارهم ورقة مهمة اليوم، وغداً ستصبح أهم مع النتائج المذكورة سابقاً من تراجع العنصر البلغاري، لن يروق للكائدين لهذا الدين وأعدائه المتربصين، فقوة المسلمين قوة لتركيا، وعلى الأقل شوكة في خاصرة البلقان المتأزم أصلاً، والكل يحسب للخط المخيف الذي يربط تركيا بمسلمي بلغاريا ومسلمي اليونان فمقدونيا فألبانيا فالبوسنة والهرسك.. كضلعي مثلث، ضلعه الآخر في الجمهوريات الإسلامية؛ مما يجب أن يحسب له ألف حساب.. فالمتابع للأحداث يتأكد لديه أن الحكومة الاشتراكية ليست في غفلة عن هذا، وما سعيها الحثيث لتقليم أظافر الحركة (رغم علمانيتها) ، والتضييق على المسلمين في كافة المجالات بدءاً من دار الإفتاء وانتهاءً بالبلديات، وغضها الطرف عن التنصير الجاري على قدم وساق بين المسلمين ... إلا شواهد على ما نقول.. والمسلمون بالأمس وقبل هذه الاحتكاكات المتتالية كانوا كما يبدو قد نسوا الحقبة الشيوعية، فعادوا لسباتهم من جديد، لكن هذه الضربات أيقظت من أيقظت منهم، ولفتت انتباههم إلى ما يدبر ويعد لهم، ولعل (حركة الحقوق والحريات) قد فهمت مغزى هذه التحرشات وما يرمى من ورائها، فسارعت لاتخاذ مواقف وإجراءات مضادة، لوحت من خلالها للعدو والصديق بالإمكانات التي تملكها، والقاعدة العريضة التي تقف من ورائها، وقدرتها على استخدامها عند الضرورة.. تحرك السلطة البلغارية على هذا المحور، ليس في معزل عن التوجه العام في منطقة البلقان لإضعاف الأقليات المسلمة، وفرض السيطرة عليها، والمخيف هنا: أن أمريكا تتخذ هذه الأقليات ذريعة في مماحكاتها السياسية ضد الدول المستعصية والرافضة للانصياع للعصا أو الجزرة الأمريكية، لكن طبيعة تقلب الأوضاع وتغير الحكومات يبقي كافة أبواب الاحتمالات خيرها وشرها مفتوحة.. لكن رغم هذا: فإنه يحدونا في الله أمل كبير أن العاقبة للإسلام وللمسلمين ... وما ذلك على الله بعزيز. إخفاقات الحكومة تفضحها: العجيب المضحك في الأمر: أن الإخفاق لازم الحكومة، حتى فيما يخص المسلمين (ولله الفضل والمنة) ؛ فهذا (راسم موسى) رئيس بلدية (كرجلي) المنتخب، أعادته المحكمة العليا إلى منصبه، لاغية قرار المحكمة المحلية بفصله، وذلك بعد شهور خلت من الشد والجذب بين الحركة والحكومة، ومن ورائها الحزب الاشتراكي، وبعد أن رمى الحزب ومعه (٢٩) حزباً آخرين ثقلهم أول مرة في الانتخابات البلدية في هذه المدينة، لكنهم لم ينجحوا مرة ثانية في رفع القضية للمحكمة المحلية التي قضت حينها ببطلان الانتخابات، ووجوب إعادتها، فقد جاء قرار المحكمة العليا صفعة مؤلمة للحزب الاشتراكي وحكومته، واعتبرها المحللون رسالة توددية من قبل الرئيس (جيليف) للحركة والأتراك وتركيا، لكون رئيس المحكمة يعين مباشرة من قبل رئيس الدولة، كما رأت فيها بعض التحليلات خطوة ذكية من (جيليف) في كسر القيد والشرط الذي طوق به اتحاد القوى الديمقراطية عنق الحركة، حيث تعهد للحركة بالتصويت لـ (راسم موسى) في الانتخابات البلدية عند إعادتها، إذا ما دعت الحركة أنصارها ومؤيديها للتصويت لـ (ستويانوف) في الانتخابات الأولية، ثم الرئاسية.. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من اقتناع جميع القوى بأهمية الورقة المسلمة. وتلى هذا الإخفاق إخفاقٌ لم تتضح معالمه بعد، أو بمعنى أصح: لم تكتمل بواعثه، إذ انقلب عدة أفراد من داخل مجلس الشورى، على (نديم غينتشيف) ساعين للإطاحة به، مستندين في ذلك إلى بعض مواد دستوره الذي أشرف بنفسه على إعداده، وقد أفلحوا في عزل مفتي منطقة (بلوفديف) ، ويتحركون الآن بهمة ونشاط في باقي المدن، وقيل: إنهم سيرفعون قضية ضده بتهمة الاختلاس واستغلال أموال الأوقاف.. عن ماذا ستسفر الأحداث؟ ، وماذا ستلد أيامنا الحبلى؟ ، وكيف ستجري الوقائع؟ ،.. هذا ما سنتناوله في حديث لاحق.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 2280

المسلمون والعالم مسلمو الروهنجيا يواجهون الإبادة.. فهل نفعل شيئاً؟ بقلم: د. محمد يونس [*] أراكان كانت واحدة من الممالك المسلمة المزدهرة في جنوب شرق آسيا، الكائنة على طول الساحل الشرقي لخليج البنجال، وقد فقدت استقلالها منذ حوالي قرنين من الزمان، وكانت قد احتلتها القوات البورمية الغازية ... ثم انتقلت أراكان إلى أيدي البريطانيين، وانتهى بها المطاف مجدداً إلى قبضة البورميين. يعرف مسلمو أراكان بـ (الروهنجيا) ، وقد تعرضوا لاضطهاد وحشي هائل على أيدي القوات البورمية المحتلة؛ حتى نتج عن ذلك خمس هجرات جماعية على نطاق واسع، شملت مئات الآلاف من البشر في كل مرة منذ أن نالت بورما استقلالها في عام ١٩٤٨م. الخلفية التاريخية لمسلمي أراكان: كان العرب المسلمون أول من وصل وأدخل الإسلام في أراكان خلال قرن من ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، تبعهم الفارسيون والبربر والمغول والباتان والبنجاليون الذين جاؤوا إلى أراكان دعاة وتجاراً في أوقات مختلفة. بعد أن دخل الإسلام البنجال في عام ١٢٠٣م تنامى المد الإسلامي في أراكان ، وقامت دولة إسلامية بمساعدة سلاطين البنجال في عام ١٤٣٠م، وقد دامت أكثر من ثلاثة قرون قبل احتلالها من قبل البوذيين البورميين في عام ١٧٨٤م، وبعد فترة وجيزة تحت حكمهم احتلت بريطانيا أراكان مع أجزاء أخرى من بورما، وتم ضمها إلى الهند البريطانية، وفي عام ١٩٣٧م: تم فصلها من الهند البريطانية وأصبحت جزءاً من بورما المستقلة في عام ١٩٤٨م. حملة الإبادة ضد مسلمي الروهنجيا: بعد أن ضم البورميون أراكان عام ١٩٤٨م: جرت حملة إبادة جماعية مجردة من الرحمة ضد المسلمين، كانت سبباً في حدوث هجرات جماعية للاجئين على نطاق واسع بين وقت وآخر، ولقد كُثِّفَ اضطهاد الروهنجيا المسلمين خلال الحكم العسكري الاشتراكي الذي بدأ عام ١٩٦٢م واستمر قرابة ثلاثة عقود، جرى فيها تصفية الروهنجيا سياسيّاً، وإفقارهم اقتصاديّاً، وشلهم اجتماعيّاً، ولقد تم تنزيلهم إلى مرتبة العبيد، دون التمتع بأيّ حقوق للإنسان تساويهم بغيرهم وتعتبرهم ... بشراً.... تولى بعد ذلك نظام عسكري جديد يعرف بمجلس حفظ النظام والقانون (SLORC) مقاليد الحكم في عام ١٩٨٨م بعد حدوث انتفاضة سريعة واسعة الانتشار ضد حكم الحزب الاشتراكي الحاكم. مع ذلك: بدا النظام الجديد أكثر استبداداً وقسوة ضد الروهنجيا؛ حيث قام بإطلاق العنان لعهد الإرهاب في شمال أراكان ذي الأكثرية المسلمة، حيث قتل المسلمون، واقتلعت قراهم، واغتصبت النساء، وطردوا في جماعات؛ مما نتج عنه هجرة جماعية أخرى بدأت منذ أواخر عام ١٩٩١م، وهؤلاء الذين ما زالوا في أراكان يعدون أيامهم، وهم في بؤس شديد وخوف ومعاناة. مظاهر انتهاكات حقوق الإنسان: إن الاضطهاد والمضايقات وانتهاكات حقوق الإنسان ضد الروهنجيا ليست لها ما يعادلها؛ سواء بالنسبة لمظاهر انتهاكات حقوق الإنسان في الأجزاء الأخرى من بورما أو بالنسبة للأقليات التي تقطن الأجزاء المتفرقة من العالم، وفوق كل ذلك (وهو ما يعتبر غاية الظلم) : إلغاء مواطنتهم، والإعلان بأنهم (سكان غير شرعيين) في وطنهم، ويمكن ذكر بعض من الجرائم الشائنة التي يرتكبها النظام البوذي ضد مسلمي أراكان: - فَقَدَ جميع الروهنجيا مواطنتهم بعد أن قام (مجلس حفظ النظام والقانون) بالإعلان بأن (الروهنجيا) أجانب غير شرعيين؛ حيث تم إصدار شهادات جنسية لكافة مواطني بورما عدا الروهنجيا. - حُدِّدَتْ حركة الروهنجيا إلى درجة عدم السماح لهم بالانتقال من قرية إلى أخرى دون تصريح مسبق، هذا الحظر في الحركة والتنقل أوجد واقعاً مريراً، فأصبح المسلمون وكأنهم في سجن كبير. - الاعتقالات الاعتباطية وتعذيب المسلمين بدون أي أسس قانونية. - الإعدامات المتعجلة والقتل بناءً على الأحكام العرفية للروهنجيا على يد العسكر وأفراد الأمن الآخرين، دون خوف مرتكب الجريمة من مواجهة أي عقوبات أو محاكمة. - إكراه الرجال والنساء والأطفال المسلمين على العمل بالسخرة تحت ظروف إذلالية، وغالباً ما يتعرضون للاغتصاب والضرب والإيذاء الجسدي وحتى القتل. - اقتلاع القرى المسلمة قسراً، ويُجبر سكانها على إخلائها وهجر منازلهم، ويطردون إما عبر الحدود أو يعاد ترحيلهم إلى مناطق أخرى. - يجري إنشاء مستوطنات جديدة للبوذيين في أراضي المسلمين التي يتم إخلاؤها، كما يُستخدم المسلمون عمالاً لبناء مساكن هؤلاء المستوطنين البوذيين، ويتم تسخيرهم للعمل بحصاد المحاصيل الزراعية لهم دون مقابل. - فرض ضرائب على المنتجات الخاصة بالمسلمين، إلى درجة أن أحوالهم تدنت عن حد الكفاف. - مصادرة الأراضي والعقارات والمشاريع التجارية التي يملكها المسلمون بدون أسباب. - تدنيس الأماكن الدينية، مثل: المساجد، والمدارس الدينية، والمقابر، حيث يدخلها رجال الأمن بأحذيتهم ويحتسون فيها الخمر. - لا يحق للطلبة المسلمين مواصلة تعليمهم العالي، حيث لا يعتبرونهم مواطنين، ويجبرون على إحناء الرأس أمام علم بورما، وإلا فسوف يواجهون الطرد. وبإصرار الأنظمة البورمية على إنكار الحقوق الشرعية للمسلمين الروهنجيا طوال العقود الخمسة الأخيرة، وعملهم المستمر لتنفيذ مخططهم الشرير، وهو (التدمير الكامل لشعب الروهنجيا) : فقد أصبح لزاماً على المجتمع الدولي والأمة الإسلامية على وجه الخصوص التدخل حتى باسم الإنسانية لإنقاذ ٣. ٥ مليون نفس من التصفية الكاملة. وبالنظر لما سبق ذكره فإن مسلمي بورما يناشدون العالم الإسلامي بالنظر في: تقديم الدعم والمساعدة الكاملة سياسيّاً ومعنويّاً وماديّاً للنضال القائم للروهنجيا حتى ينالوا حقوقهم المشروعة. منح المساعدات الخاصة لتنمية البرامج التعليمية للروهنجيا. منح المساعدة الخاصة لمشاريع التنمية الاقتصادية للروهنجيا. تقديم المساعدة الضرورية للحفاظ على المعاهد الدينية والأنشطة الدعوية. إثارة موضوع الروهنجيا في المحافل الدولية والإقليمية؛ لاتخاذ الحلول اللازمة حول إنصاف المسلمين وإعطائهم حقوقهم. هذا وبالله التوفيق، فهو الموفق والمعين ...
следующие страницы →