← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

نص شعري رَبَّة القهر شعر: مروان كُجُك يَا رَبّةَ الْقَهْرِ والطّغْيَانِ وَالصّلَفِ ... أَرْخِي الْعِنَانَ لأَفّاكٍ وَمُنْحَرِفِ وَاسْتَعْجِمي الخَلْقَ وَاغْتَالِي مَقَادِسَهُمْ ... عِيثِي فَسَاداً بِهَذَا الْكَوْنِ وَاعْتَسِفِي فَالأَرْضُ أَضْحَتْ لِذاتِ الشّؤْمِ جَاثِيةً ... وَاللّؤْمُ عَرْبَدَ فِي الْجُدْرَانِ والسّقُفِ وَاللّيْلُ صَارَتْ لَهُ فِي أَرْضِنَا زُمَرٌ ... وَالْفَجْرُ غَادَرَنَا حُزْناً وَلَمْ يَقِفِ كَأَنّنَا لَمْ يَكُنْ مِنْ رَهْطِنَا عُمَرٌ ... أَوْ طَارِقٌ أَوْ ذَوُو الإقْدَامِ وَالنّصَفِ كَأَنّنَا لَمْ نُقِمْ فِي الْقُدْسِ مَلْحَمَةً ... بِالْعَدْلِ وَالْعِزّ وَالإنْعَامِ وَالشّرَفِ لَمْ نَخْرُمِ الْعَهْدَ يَوْماً، لَمْ نُبِحْ حَرَماً ... لَمْ نَسْرُقِ النّوْمَ مِنْ أَجْفَانِ مُلْتَحِفِ كَأَنّنَا لَمْ يَكُنْ مِنّا أُسُودُ وغًى ... أَوْ سَيْفُ عَدْلٍ طَهُورُ الْقَصْدِ والطّرَفِ كَأَنّنَا لَمْ نَزِنْ فَتْحاً بِمَرْحَمَةٍ ... وَلا جَنَحْنَا لِسِلْمٍ صَادِقِ الْهَدَفِ وَلا رَفَعْنَا لِنَشْرِ الْعَدْلِ أَلْوِيَةً ... وَلا طَمِعْنَا بِغَيْرِ الْفَوْزِ بِالْغُرَفِ نُجَاهِدُ الْقَهْرَ، لا نَبْغِي مُنَازَلَةً، ... إلاّ غَدَاةَ يَسِيرُ الأَمْرُ لِلْجَنَفِ أَوْ يَبْزُغُ الشَرّ فِي بَيْدَاءَ ظَامِئَةٍ ... لِجُرْعَةِ الْمَاءِ لا لِلْخَمْرِ وَالزّيَفِ أَوْ يُصْبِحُ الأَمْرُ فِي أَيْدٍ مُلَطّخَةٍ ... بِمَا جَنَتْهُ عَلَى الأَسْلافِ وَالْخَلَفِ * * * يَا رَبّةَ الْحِقْدِ لَنْ يُجْدِيكِ كُلّ لَظًى ... وَلَوْ حَشَدْتِ لَهُ مَا شِئْتِ مِنْ طُرَفِ فالأَمْرُ أصْبَحَ مَفْضُوحاً وَإنْ سَتَرَتْ ... مَا تَبْتَغِيهِ حَمَاقَاتٌ مِنَ التّرَفِ * * * هَيّا اسْتَعِدّوا بَنِي قَوْمِي لِنَازلَةٍ ... تَنَالُ آخِرَكُمْ فِي الْبِيدِ وَالْكُنُفِ [١] لا تَسْتَبِيحُ بَنِي غَطْفَانَ إنْ عَصَفَتْ ... وَتَتْرُكُ الرّاًسَ فِي دَوّامَةِ الْخَرَفِ سَتَنْهَشُ الْكُلّ إنْ شَاؤُوا وَإنْ رَفَضُوا ... وَتَزْرَعُ الطّيْشَ فِي الأَعراسِ وَالنّطَفِ وَتَعْزِلُ الْجَمْعَ عَنْ قُرْبَى ومَرْحَمَةٍ ... وَتَنْسفُ الْوَصْلَ فِي دَرْبٍ وَمُنْعَطَفِ وَتَجْعَلُ الأَمْرَ لِلشّذّاذِ تَجْمَعُهُمْ ... مِنْ كُلّ أَرْضٍ وَتُلْقِيهِمْ عَلَى كَتِفِي بِالله عُودُوا لِمَا قَدْ عَزّ غَابِرَكُمْ ... وَوَحّدُوهَا عَلَى الإسلامِ والشّرَفِ فَلَيْسَ فِي الأَرْضِ مِنْ عِزّ يُعِزّكُمُ ... غَيْرُ التّجَلّدِ عِنْدَ الْمَاًزِمِ الْوَكِفِ [٢] وَاسْتَنْزِلُوا النّصْرَ بِالتّوْحِيدِ وَانْتَظِرُوا ... فَتْحاً قَرِيباً وَقَهْرَ الْهَائِجِ الصّلِفِ

стр. 2277

حوار الشيخ عبد المجيد الريمي في حوار صريح عن هموم الدعوة وواقعها في اليمن التحرير فضيلة الشيخ عبد المجيد الريمي علم بارز من أعلام العلم والدعوة في اليمن، له جهود مشكورة في تأصيل العلم الشرعي ونشر منهج السلف الصالح، ويسرنا في هذا العدد أن نجلس إليه، نستأنس بعلمه وفضله، وقد أراد الشيخ عبد المجيد (حفظه الله) أن يبدأ هذا الحوار قائلاً: أشكر الإخوة القائمين على مجلة البيان، وأسأل الله لهم التوفيق والنجاح في رسالتهم المهمة، وهي: توعية الأمة، وإزالة الغثائية الفكرية والسطحية المعرفية، وتأصيل المسائل، وتقرير الدلائل، والجواب على المشكلات الدعوية والعقبات التي تواجه العاملين بأسلوب علمي هادئ، وأعترف هنا بأننا نستفيد كثيراً من بحوث هذه المجلة العظيمة في مسائل دعوية وتربوية ووعظية وعلمية وتاريخية.. وغير ذلك، فجزى الله الكاتبين والعاملين فيها خير الجزاء. الشيخ عبد المجيد الريمي من أبناء الدعوة السلفية في اليمن وأحد رموزها البارزين، فما تقويمه لمسيرة هذه الدعوة؟ وما الطرح الذي يراه لمعالجة التشرذم الواقع بين أبنائها؟ . - لا شك أن الدعوة السلفية في اليمن قد حقق الله بها خيراً كثيراً في مجال العقيدة والتعليم والدعوة والاتباع، حيث واجهت هذه الدعوة كثيراً من العقائد الصوفية والشيعية بقوة الحجة والأدلة ووضوح المعتقد السلفي، فأحدثت تجديداً ملحوظاً في عقائد الناس وتصوراتهم، وقللت نسبة الخرافة، وكثر المناصرون لها من أهل التوحيد، وأصبحت هذه الدعوة في كل المدن والقرى في اليمن بفضل الله، وكذلك: كثرت المراكز العلمية التي تعنى بالعلم الشرعي وتفقيه الناس بدينهم، وتجوب أنحاء اليمن قوافل من الخطباء والوعاظ والدعاة من مختلف هذه المراكز العلمية المباركة، وظهر حرص كثير من الشباب على اتباع السنة قولاً وعملاً، فلله الحمد.. وعلى كل حال: ففي حَمَلة هذه الدعوة ما في غيرهم من منافذ لتسلل الخطأ إلى فرد أو مجموعة، لأن العصمة للمنهج السلفي وليست لأفرادٍ أو مجموعة من حملة هذا المنهج، ولكن كما قال (تعالى) : [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاًوِيلاً] [النساء : ٥٩] فبذلك يحاصر الخطأ ويبقى المنهج العام والخط الواضح هو اتباع الدليل من قرآن وسنة، وأما معالجة التشرذم: فيكون بتحقيق أصول أهل السنة وجعلها مناط الاجتماع والافتراق وفصلها [أي: هذه الأصول] عن مسائل الاجتهاد التي تختلف فيها الأنظار والاجتهادات، فلا يشنع على المخالف فيها ويفارق من أجلها. تموج اليمن دعويّاً بخليط من التوجهات المتباينة، فيجد المتأمل مثلاً: إعراض فريق عن النص الصحيح تحت مبرر ما يسمى بالمصلحة، ويجد فريقاً آخر ذا نزعة ظاهرية مفرطة في تعامله مع النصوص وأخذه لها بشكل يجعله بعيداً عن اتباع منهج السلف في فهمها الذي يراعي القواعد الأصولية: من حمل للمطلق على المقيد، والعام على الخاص، ورد المتشابه إلى المحكم.. ونحوها، فهل ترون من خطورة حقيقية كبيرة على مسيرة الدعوة الإسلامية في اليمن من هذا التباين، وما الطريق الأمثل من وجهة نظركم لمعالجته؟ . - الواقع الدعوي في اليمن كما ذكرت فيه من الدعاة من يغلب جانب الواقع المفروض، فيرى ضرورة التفهم للمتغيرات التي حدثت وتحدث، بحيث تتطور الدعوة بتطور المتغيرات، وربما يحتج بالمصلحة إذا واجَهْتَه بالدليل، وليس النزاع في تقرير كون المصلحة مطلباً شرعيّاً ودليلاً علميّاً؛ لأن هذا أمر مسلم به؛ لأن الشريعة مبناها على المصالح والمفاسد: فَتُقَدِّم خير الخيرين بتفويت أدناهما، وتُفَوِّت شر الشرين بارتكاب أدناهما، ولهذا الأمر أدلته الكلية والجزئية المبثوثة في الكتاب والسنة، وإنما النزاع في: هل ما يرتكب من مخالفات فيما نراه ينطبق عليه هذا الأصل، بمعنى: هل المصلحة الشرعية المعتبرة شرعاً متحققة بحيث قد ترجحت لديه المصلحة، أم إن المستدل بهذا الأصل ربما غفل عن جوانب متعددة من المفاسد؟ ، وبعض هذه المفاسد لا ينطبق عليها هذا الأصل المتقدم، أي: إن المصلحة الشرعية إنما هي في اجتناب تلك المخالفات باسم المصلحة لا ارتكابها باسم المصلحة، وذلك مثل الاعتراف بالمبدأ الديمقراطي وتحكيم الأكثرية في مسائل عقدية في التحليل والتحريم والولاء والبراء، ومثل الاعتراف بالأحزاب العلمانية وحقها في الوجود وممارسة سياسة الأمة وحكمها بمبادئها العلمانية المعروفة، ومن المعلوم شرعاً أن مسائل العقيدة لا تخضع للإلغاء والتسامح مع المخالفين بحجة المصلحة، وخاصة أن المطلوب التنازل عنه يصبح مبدأً ومنهجاً بالتدريج، فأول ما يستدل به المتنازلون هو أن الوقت حرج، والضرورة مفروضة، ثم مع مرور الأيام يرتفع هذا الأسلوب ويصبح التعبير عنه: بأنه الحل الأسلم، والخيار الأفضل، وأنه خير من العنف، ثم يصبح هو الحل الواجب والوحيد، وقد ذكرنا سابقاً أن المصلحة في مسائل العقيدة تكون في التزامها والتمسك بها والبراءة مما يخالفها [ ... فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ] [يونس: ٤١] [قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ] [الأعراف: ٨٩] ، وقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) (متفق عليه) ، فأنت ترى أن المصلحة هنا هي أن يقذف في النار، وليس بالتنازل من أجل مصلحة البقاء على حياته، وفي الحديث المذكور في كتاب التوحيد (دخل رجل النار في ذباب ودخل رجل الجنة في ذباب) (على ما قيل في سند الحديث) .. فالتنازل بذباب أوجب دخول النار، والثبات والتمسك بالعقيدة والامتناع عن التنازل ولو بذباب يتقرب به إلى الطاغوت أوجب دخول الجنة، وقد قال (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ] [محمد: ٢٥، ٢٦] ، ومن المعلوم أن العلمانيين يكرهون ما نزّل الله قطعاً، ولم يأتوا بهذه الحلول المستوردة إلا للتخلص من هيمنة الشريعة عقيدة وحكماً، فطاعتهم وموافقتهم على هذه الحلول تحقق لهم هذا الغرض الخبيث، ولم يبق إلا أن يقول الدعاة السالكون هذا المسلك: نحن لا نعترف بمفهوم الديمقراطية الغربية، فيقال لهم: لكن خصومكم من العلمانيين يريدونها بهذا المفهوم، وهم أقوى وأنتم أضعف، فكلما رجعتم إلى الضوابط الشرعية قالوا أنتم غير مؤمنين ولا معترفين بالديمقراطية في الحقيقة، فيلزمونكم بالجدية بالالتزام بها، فيبدأ النزاع في صفوف العاملين في هذا المسلك بين المحافظ والمتساهل؛ فيؤدي ذلك إلى انشقاقات وتكتلات تضعف الدعوة والدعاة، ويتسلل الخصم إلى الشخصيات الأقرب إلى التفاهم معه، فيحدث من سوء الظن والكيد وعدم الثقة ما هو معروف، ثم إن المصلحة المرجوة قد تبددت بوضع العراقيل وعدم التمكين وعدم القدرة على ... الحركة؛ سبب القيود المفروضة والقوانين واللوائح التي لا يجوز الخروج عنها؛ لأنها ثوابت، وظهرت مفاسد عظيمة، منها: دعوى عدم قدرة الدعاة على الإصلاح، ومنها: فصل الشعب عن الحركة الإسلامية وتحجيمها في حزب، ومنها: إحراق الشعبية؛ لعدم تحقق الوعود.. وعندما يصل الأمر إلى منتهاه تقع الضربة القاصمة (لا سمح الله) وقد وصل الخصم إلى بغيته، من تضييق إطار الحركة الإسلامية وفصلها عن الشعب، ليضربها وهو آمن من غضب الشعب، وقد شوه أهدافها بأنها لا تختلف عن الأهداف التي يحملها الآخرون، وهي حطام الدنيا. وفي المقابل يأتي الفريق الآخر من الدعاة فيطرح نفسه بأنه البديل، فإذا هو يطرح أطروحات ويأتي بحلول يُعلم سلفاً أنها لن تؤدي إلى تحقيق أهداف الدعوة الإسلامية، مثل: حصر الإسلام ودعوته في طلب العلم ويقصد بالعلم علماً معيناً، والمنع من التكتل والاجتماع على الأهداف والوسائل التي يرجى بها تحقيق غايات الدعوة الإسلامية، ومعاداة تلك التكتلات، والتحذير منها، والسعي لتفكيك اجتماعها، وتبديد جهودها، والتشكيك في أهدافها، بل وينصح المسلمين بألا يتعاونوا معها، ويرفع شعار الولاء للأنظمة الفاسدة، وتأصيل ذلك بأن ذلك هو معتقد السلف.. وليس الخلاف حول صحة هذا الأصل وهو الطاعة للحاكم المسلم في طاعة الله، وإنما الخلاف حول تحقيق مناط تطبيق هذا الأصل، ثم يأتي بحلول نظرية غير واقعية، إذ لا يملك منهجاً واضحاً شاملاً للتغيير وتطبيق شرع الله، فلا هو تبنى الدعوة بشمولها وخاطب الأمة وحركها بمنهج يستوعب جميع طاقاتها، ولا هو أفسح المجال لمن يسعى إلى ذلك وتعاون على البر والتقوى، وياليت الاختلاف منشؤه في اعتبار المرحلية، لهان الأمر، ولكن الأسس المهمة في عملية التغيير الشامل، وأهمها: قيام جماعة الدعوة بنظامها الذي يحقق معنى الجماعة يعتبر بدعة عند هذا الفريق، فمتى ستصبح البدعة سنة! ... فيجمد على مسائل فرعية يتبناها ويرتب عليها الولاء والبراء والسنة والبدعة، ويشن حرباً لا هوادة فيها على مخالفيه في هذه الفروع، ويجعل ذلك أولى أولويات دعوته، ويُحَوِّل المعركة إليهم، وكان ينبغي أن تتوحد الجهود على أصول أهل السنة والجماعة لمواجهات طرق الكفر والبدع المشهورة التي هي ظاهرة للعيان، وليس مواجهتها محل خلاف، والذي ينبغي على هذا الفريق هو فقه الأولويات، ومواجهة الأفسد فالفاسد فما دونه، ومراعاة فقه المصالح وأحكام الضرورات، وتبني الأصول العقدية والاجتماع عليها، والسعي لجمع شتات الأمة على منهج واضح، والسير بها نحو تغيير الواقع، لا تخذيلها وتثبيطها، وعدم الاستغناء عن العاملين للإسلام أو محاولة إلغائهم وتجاوز جهودهم وأعمالهم، وفتح باب التشاور والمدارسة العلمية لما تحتاجه الدعوة بين جميع الفصائل المنطوية تحت شعار أهل السنة والجماعة، وتربية النشء تربية صحيحة متكاملة، ومن أهمها: أن يفقه الهدف والغاية من التعليم والدعوة، وهو: إقامة شرع الله في جميع مجالات الحياة، وإعطاؤه تصوراً واضحاً لكيفية التغيير في جميع المجالات السياسية والتعليمية والاقتصادية والإعلامية.. وغير ذلك، وتحديد موقف واضح من مقالة (ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أو من مبدأ (ليس في الإمكان أحسن مما كان) . وعلى الفريق الأول صدق الالتزام بأصول أهل السنة، فإن واقعه يتنافى مع تلك الأصول أو بعضها، والسعي لنشر تلك الأصول وتعليمها، وتربية الشباب على ضوئها، وتحديد الموقف من المخالف فيها ومن أهل البدع المشهورة، والسعي لتوحيد العمل الإسلامي انطلاقاً من تلك الأصول، وعدم التعجل في قطف الثمار قبل أوانها؛ فمن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. تَصَدّر الأحداثُ للدعوة والفتوى، وعدم ترتيب الأولويات، وعدم التربية على العمل بالعلم والتحلي بآدابه، وعدم مراعاة منهج السلف في النقد للآخرين والتعامل معهم، وضعف فقه إنكار المنكر، وعدم إنزال الناس منازلهم.. ونحو ذلك: مخاطر حقيقة داخلية تواجه مع عدم قولنا بالتعميم التيار السلفي في اليمن، فما تعليقكم؟ وهل من كلمة موجزة توجهونها لأبناء التيار السلفي عامة في هذا الصدد؟ - ما ذكرته في سؤالك من تصدر الأحداث للدعوة والفتوى، وكذلك للجرح والتعديل.. إلخ: هذه مصيبة عظيمة، وخطورة كبيرة، وتقع المسؤولية في ذلك على العلماء المتصدرين للتعليم والفتوى والتربية، فكل عالم عليه مسؤولية توجيه طلبته التوجيه السليم، وإلا فإثمهم عليه؛ لأنه لم يمنعهم من الوقوع في الأخطاء، لأنهم غير مؤهلين، بل (ترك لهم الحبل على الغارب) ، وعلى أبناء الدعوة السلفية الإقبال على إصلاح أنفسهم، وتكميل تربيتهم على الحق والعدل والرحمة، والتأسي بمنهج الرسول في اللين والحكمة والعلم والعدل والإنصاف واحترام أهل العلم؛ قال ﵊ ما معناه: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) (١) وكذلك: من الخطأ أن يتصدى للدعوة من لا يفقه مراتب المصالح والمفاسد، ولا يعرف كيف يتعامل مع المصالح والمفاسد عند التزاحم، فربما أنكر منكراً بطريقة تؤدي إلى منكر أكبر، وربما والى وعادى على مسألة فترتب على ذلك فساد أعظم، وربما تشدد في مسألة وتساهل فيما هو أعظم.. وأمثال ذلك من الأمور التي يفتقد كثير من هؤلاء حيالها ميزان العلم والعدل والتقوى وفقه خير الخيرين وشر الشرين، والمسؤولية تقع اليوم على المربين والعلماء لتدارك مثل هذا الانحراف، وإلا فالمخاطر عظيمة، والله أعلم. ما المخاطر التي تواجه الدعوة الإسلامية في اليمن من خارج أبنائها؟ نأمل ذكرها مرتبة حسب الأهمية من وجهة نظركم. - المخاطر التي تواجه الدعوة الإسلامية في اليمن من خارج الصف الإسلامي كثيرة وخطيرة، من أهمها في نظري: ١- الأحزاب العلمانية بكافة أشكالها من اشتراكيين وقوميين بعثيين وناصريين وغيرهم، وكذلك: دعاة وأنصار الديمقراطية الغربية بمفاهيمها السياسية والفكرية والأدبية.. وغيرها، وخاصة أنهم استطاعوا أن يجرّوا فصيلاً كبيراً من الدعاة إلى الله إلى المعارك التي يكون المهاجم فيها هو الفريق العلماني، حيث يثير الشبهات ويشكك في قدرة الإسلاميين على فهم واقعهم والقبول بمتغيراته، فيدافع ذلك الفصيل من مواقع الانهزام، وأنه لا معارضة بين الإسلام وكذا وكذا، وأن الإسلام يقبل كذا وكذا، وكل يوم يزداد الضغط فيزداد الضعف والانصهار في بوتقة الحلول المستوردة، فينتج عن ذلك مخاطر، منها: عدم إيصالنا إلى الأحزاب العلمانية مفهومنا الإسلامي الواضح للمسائل والمفاهيم السياسية ومقارعتهم بالدلائل القرآنية والأحاديث النبوية، ومنها: أن العلمانيين يشعرون بالتفوق عندما يحسون منا موافقة على حلولهم المستوردة وانبهارنا بما استوردوه، تماماً مثل انبهارنا بالتقنية الصناعية الوافدة إلينا، ومنها: حصول انشقاقات في الصف الإسلامي بين موافق ومخالف ومتهم بالتشدد وعدم الواقعية ومتهم بالتميع والمؤامرة، بل وربما (بيع الآجل بالعاجل) وغير ذلك من المخاطر. ٢- الحكومات والأنظمة المشبوهة التي تعمل على تفكيك الصف الإسلامي وإثارة نزاعاته وخلافاته القديمة والحديثة وتأجيج نيران العدوان والشقاق، نظراً لعدم الوعي السياسي لدى كثير من أبناء الصف الإسلامي، وعدم تفطنهم للاستخدام المباشر وغير المباشر لهم من قِبلَ تلك الأنظمة في ضرب إخوانهم، وفي ضرب بعضهم بعضاً، بحجة: هذا متساهل، وهذا متميع، مما يؤدي إلى القضاء على الجميع. ٣- الأحزاب البدعية، مثل: الباطنية والرافضة وغلاة الصوفية، فإنها خطر محقق؛ نظراً لمواقفهم التاريخية دائماً مع أعداء الإسلام والتآمر على الإسلام الصحيح وحملته، وبثهم مفاهيمهم المنحرفة باسم الإسلام، وفي ثياب الإسلام وشعاراته ومواقعه. ٤- العقلانيون التجديديون واليسار الإسلامي كما يسمونه وغيره من دعاة النزعة العقلية ومعارضة الشرع بالعقل، أو تسليط العقل على الشرع ليمسخه بمفاهيمه التي تخالف ما استقر من المفاهيم التي مضى عليها سلفنا الصالح. تلك في نظري أبرز وأهم المخاطر، والله أعلم. ما أبرز احتياجات اليمن دعويّاً؟ وما واجب العلماء والدعاة أفراد ومؤسسات تجاه ذلك؟ . - أبرز احتياجات اليمن دعويّاً هي المؤسسات التعليمية والتربوية القائمة على أصول ومنهج أهل السنة وعلى الفهم الشامل للإسلام فهماً صحيحاً ومتوازناً في الاهتمام بالقضايا التي تهم الأمة، ويأتي بعد ذلك الشعور بالمسؤولية والانطلاقة الدعوية بجد واجتهاد لشرح قضايا الإسلام للأمة، وإعلامهم بواجبهم أمام دينهم وأمتهم، ويأتي بعد ذلك: الاهتمام بهموم الناس ومشاكلهم والمشاركة في حلها بحسب الطاقة.. ويقوم على ذلك كله علماء مربون وفاهمون لما تحتاجه الأمة، ومدركون للمخاطر التي تواجه الدعوة، وعلى المؤسسات الدعوية والعلماء السعي لتحقيق ذلك بكل أمر ممكن شرعاً. الأحزاب العلمانية، التشيع المنحرف، التصوف الضال، الفرقة الإسماعيلية، الفكر الاعتزالي، الفكر الخارجي: انحرافات عقدية لها وجود ملحوظ في اليمن، فما الطرق المثلى من وجهة نظركم لوقاية الشارع اليمني وتحصينه من مخاطرها؟ - الطريق المثلى من وجهة نظري هي: نشر العلم النافع، ونشر عقيدة أهل السنة والجماعة، وتحذير الأمة من المفاهيم الدخيلة على الإسلام، والسعي الجاد لاحتواء شباب الأمة في الأطر الدعوية التي تحمي شباب الأمة من الوقوع في شباك هذه الفرق الضالة. عدم مراعاة منهج أهل السنة والجماعة مع المخالفين من أبرز سمات تيار عريض من أبناء الدعوة السلفية في اليمن، فما أبرز مقومات ذلك المنهج لدى سلفنا الصالح من وجهة نظركم؟ - أبرز مقومات ذلك المنهج السلفي العظيم في التعامل مع المخالف: ١- الرسوخ في العلم، فأنصاف المتعلمين يفسدون أكثر مما يصلحون. ٢- تحرير محل النزاع والابتعاد عن الإجمال والإبهام والتهويش على المخالف. ٣- العدل في الحكم على المخالف، ولو جار عليك وظلمك، قال (تعالى) : ... [وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] [الشورى: ١٥] هذا مع أهل الملل، فما بالك مع الفصائل الإسلامية الدعوية. ٤- حسن الظن بالداعية المسلم وحمل كلامه على ما أراد، لا على ما تريد أنت من التشنيع عليه وتحميل كلامه ما لايحتمل، نظراً لما نعلمه من مقصده الحسن وسابقته في الإسلام والدعوة. ٥- الحرص على أن يكون القصد من الحوار جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، لا أن يكون تشقيق العمل الإسلامي وتقسيمه هدفاً مقصوداً من الحوار والردود. ٦- المحافظة على بقاء الولاء والمناصرة، وألا تجعل الردود على المخالف وسيلة للقضاء على هذا الأصل العظيم: [إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] [الأنفال: ٧٣] . ٧- الشهادة والاعتراف بما أحسن فيه المخالف وأجاد ووافق فيه الحق، لقوله (تعالى) : [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس] [البقرة: ١٤٣] ، ولا نتعامل مع بعضنا بالمبدأ اليهودي والنصراني الذي حكاه القرآن الكريم: ... [وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيء ٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ] [البقرة: ١١٣] . هذا ما استحضره في أصول المنهج السلفي في الرد على المخالف. يشاع بأن فئة عريضة داخل التيار السلفي في اليمن تتبنى مفاهيم خاطئة وتصورات مغلوطة نتج عنها بلبلة داخل التيار السلفي ... نأمل إيضاح حقيقة الأمر، وذكر أبرز تلك المفاهيم إن وجدت. - هناك بعض المفاهيم الغريبة لبعض المنتسبين للمنهج السلفي في اليمن لا بد من تحذير شباب الدعوة السلفية منها، وبيان أنها دخيلة على منهج السلف، منها: ١- زعمهم أن الإنصاف مع المخالف والموازنة بين حسناته وسيئاته ليس مشروعاً، ويكفي في الرد على هؤلاء مراجعة أي كتاب من كتب الرجال، ومواقف السلف من مختلف الاتجاهات التي حملت الحديث ونقلتْهُ، وكيف تعامل أئمة الحديث معهم.. ثم إنهم متناقضون؛ فهم يطبقون مبدأ الموازنة إلى حد الميوعة المفرطة بل والتغافل التام عن مساوئ الأنظمة الحاكمة بأمرها، ويفتشون عن عيوب حملة الدعوة ويشيعونه، بل ويلفقون التهم، ويمنعون الحديث عن عيوب تلك الأنظمة ويطوونه ولايروونه، بل يجعلون من تحدث عنه من أهل البدع! . ٢- من المفاهيم الغريبة جدّاً: زعم بعضهم أن التشريع والتقنين الذي يُحلل فيه الحرام ويُحرم فيه الحلال ليس كفراً أكبر، وإنما هو كفر عملي أصغر، وبعضهم يقول: حتى يعتقد، ولا يعرف اعتقاده حتى يصرح ويستحل باللفظ! أما الكتابة عندهم فليست تصريحاً، مع أنه من الناحية الشرعية: الحكم المترتب على التلفظ لا يختلف عن الحكم المترتب على الكتابة. ٣- ومن ذلك: التبديع والتفسيق للمخالف في مسائل اجتهادية، وإخراج من يخالفهم من إطار أهل السنة، فمثلاً: نسمع كثيراً من الأسئلة في المحاضرات والدروس: هل الإخوان المسلمون من أهل السنة والجماعة؟ هل جمعية الحكمة والقائمون عليها من أهل السنة والجماعة؟ فهذا يقول هم من أهل السنة في بعض الأمور، وذاك يتوقف، وكأن الحكم بأن هذا سني وهذا بدعي راجع إلى اجتهادهم، وليست المسألة محسومة بأصول أهل السنة المعروفة وأن من التزم بها فهو سني شئنا أم أبينا، فالدين دين الله، والجنة بيد الله، وليس عندنا صكوك غفران ولا صكوك حرمان من رحمة الله. ٤- ومن ذلك: رمي المخالف بالألفاظ المجملة وبأسماء لا تعتبر في منهج أهل السنة والجماعة من ألفاظ المدح والذم بالإطلاق، مثلاً: يقولون: فلان حزبي، وفلان ليس بحزبي، فإذا قلت لهم: ماذا تعنون بالحزبي؟ أهو الرجل المتعصب لجماعته أو لشيخه أو لقبيلته بالباطل؟ فهذا مذموم، ولكن هذا المرض يوجد فيكم بكثرة يجعل نقدكم لهذا المعنى لا معنى له.. أم تريدون التحزب والتجمع على الحق والتعاون على الدعوة تحزباً مذموماً؟ فإن أردتم ذلك فهذا ليس عيباً شرعيّاً.. إن هي إلا أسماء سميتموها، ما أنزل الله بها من سلطان. ٥- ومن ذلك: تصوير الجماعات الإسلامية وكأنها العدو الأول والخطر الأكبر، وجعل محاربتها أولى الأولويات، بل عندنا شيخ كبير يُرجع إليه بالفتوى يجعل الجماعات الإسلامية دسيسة من دسائس اليهود والنصارى! ! وأنها كما يقول أنشئت لتحطيم الدين.. نعوذ بالله من هذا الحكم العجيب والفهم الغريب! ! . ٦ - ومن ذلك: هجر المخالف في مسائل الاجتهاد، ومقاطعته، والتقليل من مكانته، وهضمه حقه، ونبزه بالألقاب، واعتباره أنه ليس بعالم، وأن العالم فلان. ٧- ومن ذلك: قبولهم في الجرح والتعديل والتفسير والتبديع لمجرد أن الشيخ الفلاني قال فلان مبتدع والجماعة الفلانية مبتدعة، وبعبارة أخرى: وقعوا في التقليد في الأصول مع زعمهم أنهم من المحاربين للتقليد في الفروع. ٨- ومن ذلك وهو أخطر هذه المفاهيم: كلها أنهم لا يحملون منهجاً تغييريّاً واقعيّاً متحركاً، فالجماعات بدعة، والعمل الجماعي المنظم بدعة، فإذا قلت لهم: سلّمنا أن الجماعات كلها بدعة، وأنكم أهل الحق، فما هو منهجكم في التغيير؛ حيث إن هناك أنظمة علمانية، تحكم بالعلمانية والاشتراكية والديمقراطية، وتقر الأحزاب العلمانية، وتسمح لها بالدعوة إلى الردة، وتبيح المحرمات.. كيف ستواجهون هذه الأمور؟ فيقولون: نُعَلِّم، فيقال: ثم ماذا إذا عَلّمْتُم؟ ! ، وهل بالتعليم وحده يزول كل هذا الفساد؟ ، وبعبارة أخرى: اشرحوا لنا كيفية المنازعة التي أشار إليها الرسول عند ظهور الكفر البواح، فلا نجد جواباً، وقد صرح بعضهم من حملة هذا الفكر في خارج اليمن والعياذ بالله بأن مقولة (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) كلمة حكيمة تصلح لواقعنا اليوم! .. نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 2278

المسلمون والعالم يا أهل اليمن.. الحكمة يمانية بقلم: أيمن بن سعيد يكاد يجمع المتابعون للساحة اليمنية على أن (أمانة المؤتمر الشعبي العام) هي صانعة السياسة اليمنية الخارجية، والمسؤولة بالدرجة الأولى بواسطة عناصرها داخل الحكومة عن إحداث التغيير المطلوب، لا سيما من القوى الدولية، في الخارطة السياسية اليمنية والجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، والمرء ينظر إلى ما يحدث الآن من إرهاصات ومقدمات تلوح في الأفق، مثل: محاولة الوقيعة بين التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي، وإثارة الإشكالات بينهما حول بعض المسائل الداخلية والخارجية، ومضايقة بعض رموز الإصلاح، مما يضطرهم للاستقالة، والإعلام العلماني في الداخل والخارج يعمل على ترسيخ هذا التوجه بدعاوى لم تعد مجهولة، مثل دعاوى اتهام الإصلاحيين بالتطرف والأصولية.. ممارسة سياسة تجفيف منابع الصحوة الإسلامية: كإلغاء المعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، والتضييق على الخطابة والدعوة داخل المساجد.. ونحو ذلك، وفي المقابل: إفساح المجال أمام أصحاب المذاهب الفكرية الهدامة والفرق البدعية التي تتلقى دعماً ماليّاً ومعنويّاً كبيراً من قِبَل بعض الدول والجهات الخارجية وبعض الرموز الرسمية وقيادات المعارضة ذات التوجه العلماني أو البدعي في الداخل؛ لنشر الأفكار (اللادينية) الهدامة والمعتقدات البدعية المنحرفة، عن طريق المؤسسات التعليمية التي تملكها الدولة، وعن طريق افتتاح جامعات وكليات ومعاهد عليا وكثير من المعاهد والمدارس الخاصة التي تحمل هذه التوجهات وتدعو إليها. تشويه سمعة المؤسسات الخيرية والشخصيات الإسلامية، والعمل على تطويعها، وفي المقابل: العمل على إبراز جهات وشخصيات تقبل ذلك التطويع، أو بينها وبين مؤسسات الصحوة الإسلامية عداء أو نفرة: كالمنتسبين إلى الطرق الصوفية، وحركات الرفض والتشيع، وبعض الطامعين في متع الحياة.. ونحو ذلك، وإبرازهم واجهات دينية وخيرية بشكل فردي أو مؤسسي. محاولة احتواء أكبر عدد ممكن من الشخصيات السياسية والاجتماعية داخل حزب المؤتمر الشعبي العام بكل وسيلة، والعمل على إضعاف العلاقة بين رموز الشعب الاجتماعية والسياسية والتجمع اليمني للإصلاح. العمل على تقليص نسبة الإسلاميين والمتعاطفين معهم داخل مجلس النواب اليمني القادم. تجويع الشعب وإذلاله ونزع سلاحه، تحت شعار ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية والمحافظة على الأمن ومحاربة الفساد، وفي المقابل: منع الأفراد أو الجهات التي يمكن أن يكون لها دور في تخفيف المعاناة داخل الحكومة أو خارجها من أداء الدور المرجو منهم بكفاءة وفاعلية. إطلاق يد بعض الذين ثبت عبثهم في مقدرات الدولة المالية والإدارية والأمنية الذين ينتمون لحزب المؤتمر الشعبي العام داخل الحكومة وخارجها، وفي المقابل: كف يد بعض الذين ثبتت كفاءتهم في هذه المجالات ممن لهم انتماء أو تعاطف مع الحركة الإسلامية. ومن باب التعاون على البر والتقوى، وقياماً بواجب النصح والتذكير بالله، وحرصاً على أرض يمن الخير وأرض الحكمة: فسأوجه مقالتي هذه إلى أمانة المؤتمر الشعبي العام، توضيحاً لهم وتذكيراً؛ علها أن تجد قبولاً لديهم، وبخاصة أن رأسها عرف بالذكاء والحنكة في التعامل مع الأحداث والمواقف، وطلباً للإيجاز والوضوح فسأجعل كلماتي في النقاط التالية: أولاً: أهمية تذكر الله والدار الآخرة: إن واجب الجميع أن يتذكروا الله والدار الآخرة؛ فالموت حق، والجنة حق، والنار حق، ولن ينفع العبد بين يدي ربه إلا ما قدم من عملٍ صالحٍ مرادٍ به وجهه (تعالى) ، فإن كان في خدمة الدين ونفع المسلمين: فليبشر صاحبه بالخير، وإن كان خلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه، قال الله : [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] ، وقال (سبحانه) : [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤ (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (١٢٥ (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى] [طه: ١٢٤ - ١٢٦] . ثانياً: أهمية تذكر نعمة الله عليهم في إبقائهم وإزالة عدوهم: على القوم أن يتذكروا نعمة الله عليهم إذ أبقاهم في مواقع المسؤولية وأزال من كان يعمل على إزالتهم، فليس من شكر الله محاربة دينه والكيد لأوليائه؛ فإن الأيام دول، والحياة عِبَر، فكم من رئيس صار مرؤوساً، وكم من غني صار فقيراً، وكم من عزيز صار ذليلاً، ولله في خلقه شؤون؛ فالملك ملكه، والأمر أمره، وهو يمهل ولا يهمل؛ قال : [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [ال عمران: ٢٦] . ثالثاً: خطأ الاعتذار عن تعطيل العمل بالشريعة بدعوى هيمنة الغرب: يتذرع بعض القوم عن عدم تبنيهم لخدمة الدين، وترك تطبيقهم للشريعة، والعمل لنفع البلاد والعباد، بأن ذلك إرادة القوى الدولية التي لا يمكن مخالفتها وتجاهلها بحال، والحقيقة أن ذلك ليس بعذر، ويكفي دليلاً على ذلك: أن الإرادة الدولية كانت مع دعاة الانفصال من قادة الحزب الاشتراكي، وكانت تسعى لإيكال الأمر إليهم بدلاً من القيادة الحالية، أو على الأقل الإبقاء على شيء من قوتهم التي كانوا عليها، ومع هذا: فما وقع شيء من ذلك، وكان للقوم دور في مواجهة تلك الإرادة وتحويلها إلى واقع مخالف لها، فلماذا التذرع بدعوى الهيمنة في قضية دين الأمة وهويتها، ورد ذلك ومقاومته في قضية المنصب والمجد الشخصي. وأخشى أن يكون الخوف من تلك الدعوى قد وصل لدى بعضهم إلى درجة ما يطلق عليه أهل العلم بالشرع: (شرك خوف السر) . ومع هذا: فالواجب على القوم أن يدركوا أن الغرب مهما بلغت إمكاناتهم فهم بشر ذوو قدرات إنسانية قاصرة ومحدودة، ويمكن مواجهة مكرهم بمكر وكيدهم بكيد، وعلى افتراض عدم قدرتنا على ذلك على التمام، فإن خوف العبد من الله (تعالى) يجب أن يكون أعظم من خوف غيره، ويجب عليه أن يضحي بدنياه لتبقى له أخراه، أما خلاف ذلك فإنه دليل انتكاس الإنسان وسوء مصيره إن لم يتداركه الله برحمته. رابعاً: المستقبل للإسلام: عاد كثير من الناس في العقود الأخيرة إلى الإسلام الخالص النقي، بعد أن عشّشَتْ الأفكار الدخيلة في عقولهم، وأثرت النظرة المادية للحياة على أكثرهم، وصار الشعار الذي تطلب غالبية الأمة من العلماء والدعاة رفعه: (الإسلام) ، متجاوزين الشعارات التي كانت تجعل الإسلام في خندق التبعية والانهزامية، حتى رفع بعضهم حين ذاك (اشتراكية الإسلام) ومتجاوزين أيضاً حتى شعار (ديمقراطية الإسلام) ، مع قلة في الجهود وضعف ومحدودية في الإمكانات تفوق بكثير النتائج التي حققتها الأمة في طريق عودتها إلى الله ، فخير لمن يعادي الإسلام ويحارب دعاته ألا يفعل ذلك.. خير له دنيا؛ لأن الإسلام هو قدر هذه المنطقة بل هذه الأمة، والعمليات المتواصلة من التيار العلماني ومن يقف وراءه من خارج المنطقة لإفراغ عقل الأمة من هويتها الإسلامية ومنعها من العمل على تحويلها إلى واقع فعال على الأرض عن طريق الإلهاء بشتى صوره سيتم تجاوزها لمصلحة الأمة وهويتها، وستبقى هذه الجزيرة وما جاورها بإذن الله كما كانت هي موطن الإسلام وأبناؤها هم حملة رسالته. وخير له أخرى؛ لأن الإسلام طريق النجاة يوم لاينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم من لوثات الشرك والأفكار الهدامة. خامساً: المؤتمر الشعبي العام والميثاق: رفع المؤتمر الشعبي العام في أول تكوينه شعار الإسلام، وأصدر ما سمي بالميثاق، الذي أكد فيه انطلاقه من الإسلام عقيدة وشريعة. ومع إدراكي للدور المشكور لعلماء اليمن في صياغة الميثاق، وحاجة أركان النظام في ذلك الوقت إلى شباب الصحوة لمساعدتهم في مواجهتهم المسلحة ضد النظام الاشتراكي في الجنوب وفرعه فيما كان يعرف باليمن الشمالي (الجبهة الوطنية) ، إلا أنه كان بوسع التيار العلماني داخل المؤتمر الشعبي العام وهو صاحب النفوذ والقرار ألا يوافق على ذلك، وأن يرفع شعاراً (لادينيّاً) في وقت كانت فيه سوق الشعارات عامرة، غير أنهم كانوا أذكى من ذلك! ! . أما اليوم: فقد سقطت الماركسية، وتلتها القومية وأحزابها البعثية والناصرية .. وسارت على خطاها الدعوة إلى الوطنية، والتي تحولت إلى دعوات مناطقية في كل قطر على حدة، بينما بقيت الدعوات الليبرالية التي تنادى بفصل الدين عن الدولة أو عن الحياة على اختلاف بينها دعوات نخبوية، إذ لم تقم لها قاعدة أصلاً في الأوساط الشعبية، حتى في تلك الدول التي عانت شعوبها من العيش في سجن كبير داخل أراضيها. إننا في زمن سقطت فيه الشعارات (اللادينية) ، وصارت جل شعوب العالم تعود إلى عقائدها وأصولها، وما التنامي في شعبية الأحزاب والشخصيات الدينية وفوز أحزاب ما يسمى (اليمين) في كثير من البلدان والمواقع إلا خير شاهد على ذلك، فلماذا لا يكون الأمر في اليمن بأقل من عودة صادقة إلى ديننا؟ ! وبدلاً من أن نعود جميعاً إلى ديننا الحق وبخاصة بعد أن جربنا تبني وتطبيق الأفكار المنحرفة ولم نجد فيها سوى الخسار والدمار نجد بعضهم يسبح ضد التيار ويريد تجريد البلاد والعباد من عقائدهم وتقاليدهم الحميدة، ليضمن الحفاظ على موقعه؛ وليتسنى له العبث بمقدرات الأمة وإمكاناتها كيفما يشاء. ولست أدري ما الفكر الذي سيتبوؤونه، وما الشعار الذي سيرفعونه، وهل سيلغون الميثاق تحت شعار ما يسمى بالتطوير، أما سيجعلونها علمانية إسلامية كما ظهر مؤخراً في بعض البلدان، وهي توجهات فاشلة لا محالة؛ لأن الزمن تغير، ووعي الناس ارتقى، وأصبح قطاع كبير من الشعب يدرك الصحيح من الزائف، وخير للقوم أن يصدقوا مع أنفسهم وأن يقرنوا الشعار بالتطبيق والقول بالعمل. مع أني لا أقول هذا الكلام للقوم إلا على سبيل التنزل، وإلا فلو أطبقت البشرية على الكفر لوجب على المسلمين أفراد ومجتمعات الاستمساك بدينهم والعض بالنواجذ عليه. مع أني أجزم بأن مصيرهم إن تمادوا في طغيانهم سيكون بإذن الله (تعالى) مصير أسلافهم، وما ذاك على الله بعزيز، إلا إني أدعوهم وأذكرهم بقول الرسول الكريم: (الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية) [متفق عليه] . سادساً: ليحافظ الجميع على الأمن والاستقرار الاجتماعي: استقرار الأوضاع واستتباب الأمن مطلب الجميع ... وفي ظني: أن محاولة التهميش والإقصاء المتعمد الذي بُدئ في ممارسته من قِبَل التيار الليبرالي المتنفذ داخل المؤتمر الشعبي العام للصحوة الإسلامية (كوادر وأنشطة (يتنافى مع ذلك، وأخشى أن يكون ذلك افتعالاً لحدوث انفجار قريباً في الأوضاع الأمنية والاجتماعية؛ نتيجة ذلك الكبت والتضييق، وخاصة في بلد كاليمن ذي التركيبة الاجتماعية الخاصة. لأن النتيجة الطبيعية لكبت الأنشطة الإسلامية والتضييق على العلماء والدعاة الموثوقين لدى عامة الشعب هي: توقفهم عن القيام بدورهم في التوعية والتوجيه من جهة، ووجود المبرر للقيام بأعمال ربما تتنافى مع الأمن والاستقرار من قبل بعض الشباب الذين يملكون عاطفة جياشة للدين وحماساً مندفعاً، قد تؤدي إلى أعمال لا تحمد عقباها نتيجة ذلك الكبت. ولا شك أن أصحاب الشأن يعلمون أن العبث بهذه المسألة لعب بالنار، التي لن تقضي على العابثين فقط، وإنما قد تؤذي غيرهم؛ لأنه ليس في وسع كل من انتسب إلى العلم الشرعي التحكم في هؤلاء والقدرة على إقناعهم بعد انفلات الزمام وانفراط العقد، فكيف بمن نُسِب إلى العلم الشرعي وليس من أهله. ومهما كانت قوة الأجهزة الأمنية في اليمن، فإنها لن تستطيع التوصل إلى كل فرد من هؤلاء إلا بعد قيامه بما لايريده الجميع، فهل يعي العقلاء ذلك؟ . وهل يعي أصحاب النفوذ والقرار أن البلاد غير مهيأة لأن تعاني أكثر مما عانت من محن ومآسٍ نتيجة حرب مثل حرب السبعين يوماً الأخيرة والمكائد الدولية المتواصلة. وهل يعي أصحاب النفوذ وأهل القرار أيضاً أن البلاد يكفيها ما هي فيه من تمزق مناطقي وقبلي وطائفي، وأن الاستمرار في تنفيذ تلك المخططات وممارسة تلك السياسات لا يخدمهم بوصفهم أشخاصاً ذوي سلطة ونفوذ، ولا يخدم البلد وطناً، ولا الشعب أفراداً. وأود التذكير أن من الحكمة التي عرف بها أهل اليمن: أن يكونوا مع دينهم ومع ما يدعو إليه من المحبة والتعاون والإصلاح ونبذ كل ما يخالفه أو يناقضه من الاتجاهات العلمانية والفرق البدعية والطائفية البغيضة. وأن يقفوا مع علمائهم ودعاتهم بقوة، معينين لهم، ومدافعين عنهم أثناء أدائهم لرسالتهم في بيان الإسلام، وإقامة المجتمع المسلم، والمحافظة على هوية الأمة من أن تمس بأذى عن طريق المناوئين في الداخل والمناصرين لهم في الخارج، ونهمس في آذان شباب الصحوة بخاصة بالحذر من التخلي عن علمائهم وما ينتج عن ذلك من فوضى قد تكون مخططاً لها من أعدائهم، والحذر الحذر من الانسياق وراء ردود الأفعال التي قد يسعى إليها أعداء الدعوة؛ فإن المناخ مهيأ أكثر من أي وقت مضى لتصيد الأخطاء وتضخيمها واستغلالها في محاصرة ومواجهة الصحوة وشبابها، والإساءة إلى سمعتهم وتنفير الشارع اليمني عن دعوتهم. كما أن علماء اليمن ودعاته مطالبون بالاستمساك بدين الله، والاعتصام به، ورص الصفوف، والمحافظة على حقوق الأخوة الإسلامية، ونبذ أسباب الفرقة والتشرذم، وترتيب الأولويات، وإدراك طبيعة المرحلة؛ حتى لا تُمَس دعوتنا بأذى ونكون سبباً في وقوع ما لا يحمد. نسأل الله أن يجنب اليمن الويلات والمحن وأن يحفظ عليها إسلامها وعلماءها والمخلصين من أبنائها وأن يبقي لها أمنها واستقرارها. والله من وراء القصد

стр. 2279

المسلمون والعالم المسلمون البلغاريون بين ناري الشيوعية والصليبية بقلم:عبد الله بن إبراهيم المسفر بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى عانى المسلمون البلغار من الاضطهاد، وزاد الطين بلة وصول الشيوعيين إلى الحكم بعد الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٤م. والمسلمون في بلغاريا: من الترك، ومن البلغار الذين أسلموا ويعرفون بـ (البوماك) ، ومن الغجر (البدو الرحل) . ويغلب على المسلمين الفقر والتخلف والحرمان، ويمنعون من الهجرة إلى الخارج، مضايقة واضطهاداً لهم. وقد حاولت بلغاريا قبل أن تصبح شيوعية تنصير المسلمين، إلا أن مقاومة هؤلاء أفشلت مخططاتهم، وقد سقط تحت سياط هؤلاء البلغار النصارى الألوف. ثم زاد الاضطهاد والتضييق عند اجتياح الشيوعية البلاد، حتى منعت السلطات الشيوعية الحاكمة المسلمين من تأدية الحج. والمسلمون ليس لهم مدارس خاصة بهم، كما كانت بلغاريا تضم أكثر من ١٢٠٠ مسجد، وقد أجبرت السلطات المسلمين على الدفن بمقابر واحدة مع سائر السكان، وحظرت النحر يوم عيد الأضحى، وأجبرت النساء على السفور، وفي الآونة الأخيرة: أجبرت السلطات الحاكمة المسلمين على إسقاط التمايز القومي والديني، وألزمتهم بتغيير أسمائهم بالقوة إلى أسماء نصرانية أو بلغارية، وقد أثار هذا الأمر المسلمين البلغار، فعارضوا؛ فوقعت مجازر، وهرب بعضهم إلى تركيا التي احتجت رسميّاً، ووجه رئيسها خطاب تذمر إلى رئيس بلغاريا، وقال رئيس حكومة تركيا على منبر الأمم المتحدة في ١٩٨٥م: (إن حقوق هذه الأقلية المسلمة تنتهك، فأين هي حرية الفكر والدين وحقها في الحفاظ على شخصيتها؟) ، وقد تجاوز عدد المهاجرين إلى تركيا أكثر من ثلاثمئة ألف، نزحوا عن بلغاريا في عام ١٩٨٩م، ومتحف صوفيا في العاصمة أصله مسجد هدمت مئذنته، ولا يوجد فيها اليوم إلا مسجد واحد! ! . ولعل أبرز أحداث بلغاريا: التطورات التي جرت أواخر عام ١٩٨٩م وبداية عام ١٩٩٠م، حيث جرت تغييرات مهمة على صعيد الحزب والحكومة، وأُبعد المسؤولون القدامى، وأُتيحت حريات التعبير والحريات الشخصية الأخرى، ووقع في ١٢/١/١٩٩٠م اتفاق بين الحكومة والمعارضة وممثلين عن المسلمين، جرى فيه إقرار حريات المسلمين الدينية والثقافية، وأعيدت إليهم حرية اختيار الأسماء الإسلامية شريطة ألا يقيموا أو يطالبوا بحكم ذاتي! ! ، الأمر الذي يعتبر تقدماً في الواقع المرير الذي فرضه الحزب الشيوعي السابق [١] . إلا أن المسلمين هناك ما زالوا يعانون الأمرين في واقعهم وفي الضغط على رموزهم (العلماء المختارين بترشيح منهم) ومن ذلك: الحكم مؤخراً على أحد العلماء بالسجن لعدة سنوات لمجرد أنه رشح خلافاً لما تراه الحكومة، التي تريد شخصاً مشبوهاً بعينه، كما سنرى. واقع المسلمين الآن: بعض المغرضين لخص الوضع الذي تمر به الدولة الآن وما حل بقطاعاتها نتيجة إخفاقات الحكومة الاشتراكية بأنه (ذنب المسلمين) ، فما المقصود من هذا؟ . في الواقع: فإن الحكومة الاشتراكية بذكاء أو غباء، وهذا ما ستسفر عنه الأيام بدأت حياتها الدستورية أو الحكمية بالاصطدام مع المسلمين في أعز وأهم المواقع، وهو دار الإفتاء العام ... إذ بتصرف مبيّت قام نائب رئيس الوزراء (شيفاروف) وبمخالفة صريحة للدستور بالتصديق على إعادة تعيين (نديم غينتشيف) المفتي السابق، وعلى هذا الأساس: صادق أيضاً عليه (خ. منتانوف) رئيس دائرة الأديان، ليجد بذلك (نديم غينتشيف) فرصة سانحة ليداهم دار الإفتاء ويطرد منها المفتي المرشح من المسلمين (فكري صالح حسن) والعاملين معه، فيما لم يلق المفتي (فكري صالح) أي اهتمام من قبل رئيس دائرة الأديان، على الرغم من مصادقته السابقة من جانب ثلاث حكومات متعاقبة على اعتباره مفتياً عامّاً رسميّاً للمسلمين، هذه كانت البداية غير الموفقة على حد قول بعض المراقبين للحكومة الاشتراكية. لكنّ آخرين يرون أنها حركة ذكية تحقق من ورائها عدة أهداف: ١- إشغال المسلمين فيما بينهم، وتحويل أنظارهم عما يعد لهم خلف الكواليس. ٢- شل حركة دار الإفتاء عن القيام بأي عمل فعال لصالح المسلمين خلال فترة حكمها. ٣- عزل دار الإفتاء عن المعركة السياسية، وخطف ورقة قوية من يد حركة الحقوق والحريات كانت تعتمد عليها بين وقت آخر. ٤- استغلال دار الإفتاء في تنفيذ ما لا تستطيع تنفيذه أو تحقيقه، بحجة قانونيتها، وابتعاداً عن الواجهة. حال المسلمين في ظل المفتي المعين: وكان من نتيجة ذلك: أن باب الفتنة أعيد كسره، وأصبح مفتوحاً على مصراعيه؛ فلا (غينتشيف) يستطيع تثبيت أركانه بين المسلمين، لعدم الرغبة فيه، رغم مساعدة الشرطة ومدعي عموم المناطق في تثبيت أعوانه في دور الإفتاء هناك، ولا (فكري صالح) ومن معه يستطيعون عمل شيء. وقد وجد (نديم غينتشيف) ضالته في هذه الفرصة، حيث بدأها بالهجوم على الجمعيات الإسلامية وبعض العاملين فيها، وتناول الجميع بالدس والتحريض والتهم الرخيصة وإثارة مشاعر الحكومة ضدهم، بل طالبها مباشرة بطردهم من البلاد كما هو نهج الحكومة المقدونية على حد تعبيره ... كما باشر بتحريض مفتيي المناطق في التصدي لكل ما هو عربي داعية كان أو موظفاً في جمعية؛ لمنعه من الاختلاط بالمسلمين، أو أخذ حريته في العمل أو الحركة.. وبذلك: أخذ (غينتشيف) حريته، وتصرف بما هو مملى عليه في كل ما هو واقع تحت يده، وأكثر ما يخيف المطلعين والعارفين بطبيعة الرجل: وجود مادة في الدستور المُقَر والمرخص من الدولة ودائرة الأديان، تخوله بالتصرف في أوقاف المسلمين الغنية، وهو يردد الآن: أنه قد خطى خطوات في هذا الاتجاه، لكنها لم تتأكد بعد، رغم تواتر الخبر بشكل مؤكد، وهذا إن ثبت فستكون طامة كبرى.. والله المستعان.. مختصر القول: إن الوضع الدعوي والتربوي وعموم العمل الإسلامي تضرر من ذلك المشبوه، أضف إلى ذلك: أن كثيراً من الجمعيات الخيرية التي كانت تعد على الأصابع أصلاً، إما أنها أغلقت مكاتبها، أو قلصت من حجمها المتواضع، أما ما بقي منها فيعيش في الظل، فلا خطة معدة، ولا رؤية مستقبلية واضحة؛ مما ترتب على هذا: توقف الدعم عن الحلقات والأئمة المميزين أو تقلص أعمالهم، فضلاً عن دخول بعض الشباب المتحمس دائرة الإحباط. إننا موضوعيّاً لا نستطيع القول: إن هذا كله نتيجة عودة (نديم غينتشيف) لدار الإفتاء فقط، بل هناك عوامل خارجية وأخرى داخلية من داخل الجمعيات القائمة أدت لهذه النتيجة ... لكن على كل حال: مهما كان السبب، فإن المحصلة النهائية تشير إلى أن (٢. ٥) مليون مسلم ما زالوا لا يلقون ذلك الاهتمام اللازم واللائق من المسلمين الذي يلقاه إخوانهم المسلمون في ألبانيا على سبيل المثال لا الحصر؛ رغم أن المسلمين البلغار يتقدمون خطوات واسعة على إخوانهم الألبان في معرفتهم للإسلام وتقبل قطاع كبير منهم له. المسلمون البلغار والوضع السياسي: ومن الناحية السياسية: فالأوضاع الداخلية البلغارية التي يحكمها تصارع كافة الفئات على منصب الرئاسة الآن، وخارجيّاً: اهتمام الدول الأوروبية بمن يفوز، قد دفع من جديد (الورقة المسلمة) إلى دائرة الاهتمام، حيث يؤكد الجميع قاطبة أن المرشح مهما كانت انتماءاته عليه أن يحصل على أصوات المسلمين (المرجِّحة) حتى يصل إلى سدة الحكم، وذلك كما حصل عام ١٩٩٢م عندما فاز بفضل تلك الأصوات الرئيس الحالي على منافسه الاشتراكي، بل حتى المعارضة الديمقراطية تعرف أن كلا مرشحيها (ستويانوف أو جيلف) في حاجة ماسة لأصوات المسلمين في الانتخابات الأولية.. مما أعطى قيمة للصوت المسلم وقدم ورقة تفاوضية قوية لـ (حركة الحقوق والحريات) التي عاد إليها بريقها ولمعانها السياسي في هذه الأجواء. محصلة القول: إن المسلمين إن أحسنوا التصرف في توجيه الأصوات لمن يقدم لهم الضمانات الأكثر والأكبر لنيل كافة حقوقهم: فإنهم بلا شك سيفتحون باباً جديداً والله أعلم على مستقبل أفضل وحقوق وحريات أكبر؛ لأنهم سيقصون الشريط في بدء إقصاء الحزب الاشتراكي عن الحكم أو السلطة بمعنى أصح.. ولكن إن تقاذفتهم الأهواء، وشغلتهم المصالح، وتناوشتهم السلبية وعدم المبالاة: فإنهم سيفتحون على أنفسهم باباً من الشر عظيم، حيث لن ينسى لهم الحزب الاشتراكي موقفهم ومحاولتهم القضاء عليه وإقصاءه عن الحلبة ... المسلمون والموقف الصعب: إذن: المسلمون في موقف صعب وحرج، لا تراجعهم أو سلبيتهم ستحميهم، أو تعفيهم، أو حتى ستعزلهم عن نتائج المعركة.. ولا مشاركتهم ستكون بلا نتائج أو أثمان تدفع، وأغرب ما في الأمر: أن التهديد قد طال الحركة المذكورة حتى من جهة المعارضة، وبالتحديد: من طرف اتحاد القوى الديمقراطية، الذي أعلن أنه لن يغفر للحركة أبداً إذا ما خسر مرشحه (ستويانوف) الانتخابات الأولية؛ لوقوف المسلمين خلف الرئيس الحالي ... إذن: المسلمون كمن يسير على الحبال لن يسلم إذا وقف، ولن يسلم إذا وقع.. لكن أخف الضررين إن لم يكن الرأي الأصوب: يكمن في اتخاذ الرأي المناسب والموقف الحكيم الذي يحقق المصلحة الراجحة والواضحة والغالبة والعامة، وبعض الشر أهون من بعض، والله (تعالى) أعلم. ووضع المسلمين باعتبارهم ورقة مهمة اليوم، وغداً ستصبح أهم مع النتائج المذكورة سابقاً من تراجع العنصر البلغاري، لن يروق للكائدين لهذا الدين وأعدائه المتربصين، فقوة المسلمين قوة لتركيا، وعلى الأقل شوكة في خاصرة البلقان المتأزم أصلاً، والكل يحسب للخط المخيف الذي يربط تركيا بمسلمي بلغاريا ومسلمي اليونان فمقدونيا فألبانيا فالبوسنة والهرسك.. كضلعي مثلث، ضلعه الآخر في الجمهوريات الإسلامية؛ مما يجب أن يحسب له ألف حساب.. فالمتابع للأحداث يتأكد لديه أن الحكومة الاشتراكية ليست في غفلة عن هذا، وما سعيها الحثيث لتقليم أظافر الحركة (رغم علمانيتها) ، والتضييق على المسلمين في كافة المجالات بدءاً من دار الإفتاء وانتهاءً بالبلديات، وغضها الطرف عن التنصير الجاري على قدم وساق بين المسلمين ... إلا شواهد على ما نقول.. والمسلمون بالأمس وقبل هذه الاحتكاكات المتتالية كانوا كما يبدو قد نسوا الحقبة الشيوعية، فعادوا لسباتهم من جديد، لكن هذه الضربات أيقظت من أيقظت منهم، ولفتت انتباههم إلى ما يدبر ويعد لهم، ولعل (حركة الحقوق والحريات) قد فهمت مغزى هذه التحرشات وما يرمى من ورائها، فسارعت لاتخاذ مواقف وإجراءات مضادة، لوحت من خلالها للعدو والصديق بالإمكانات التي تملكها، والقاعدة العريضة التي تقف من ورائها، وقدرتها على استخدامها عند الضرورة.. تحرك السلطة البلغارية على هذا المحور، ليس في معزل عن التوجه العام في منطقة البلقان لإضعاف الأقليات المسلمة، وفرض السيطرة عليها، والمخيف هنا: أن أمريكا تتخذ هذه الأقليات ذريعة في مماحكاتها السياسية ضد الدول المستعصية والرافضة للانصياع للعصا أو الجزرة الأمريكية، لكن طبيعة تقلب الأوضاع وتغير الحكومات يبقي كافة أبواب الاحتمالات خيرها وشرها مفتوحة.. لكن رغم هذا: فإنه يحدونا في الله أمل كبير أن العاقبة للإسلام وللمسلمين ... وما ذلك على الله بعزيز. إخفاقات الحكومة تفضحها: العجيب المضحك في الأمر: أن الإخفاق لازم الحكومة، حتى فيما يخص المسلمين (ولله الفضل والمنة) ؛ فهذا (راسم موسى) رئيس بلدية (كرجلي) المنتخب، أعادته المحكمة العليا إلى منصبه، لاغية قرار المحكمة المحلية بفصله، وذلك بعد شهور خلت من الشد والجذب بين الحركة والحكومة، ومن ورائها الحزب الاشتراكي، وبعد أن رمى الحزب ومعه (٢٩) حزباً آخرين ثقلهم أول مرة في الانتخابات البلدية في هذه المدينة، لكنهم لم ينجحوا مرة ثانية في رفع القضية للمحكمة المحلية التي قضت حينها ببطلان الانتخابات، ووجوب إعادتها، فقد جاء قرار المحكمة العليا صفعة مؤلمة للحزب الاشتراكي وحكومته، واعتبرها المحللون رسالة توددية من قبل الرئيس (جيليف) للحركة والأتراك وتركيا، لكون رئيس المحكمة يعين مباشرة من قبل رئيس الدولة، كما رأت فيها بعض التحليلات خطوة ذكية من (جيليف) في كسر القيد والشرط الذي طوق به اتحاد القوى الديمقراطية عنق الحركة، حيث تعهد للحركة بالتصويت لـ (راسم موسى) في الانتخابات البلدية عند إعادتها، إذا ما دعت الحركة أنصارها ومؤيديها للتصويت لـ (ستويانوف) في الانتخابات الأولية، ثم الرئاسية.. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من اقتناع جميع القوى بأهمية الورقة المسلمة. وتلى هذا الإخفاق إخفاقٌ لم تتضح معالمه بعد، أو بمعنى أصح: لم تكتمل بواعثه، إذ انقلب عدة أفراد من داخل مجلس الشورى، على (نديم غينتشيف) ساعين للإطاحة به، مستندين في ذلك إلى بعض مواد دستوره الذي أشرف بنفسه على إعداده، وقد أفلحوا في عزل مفتي منطقة (بلوفديف) ، ويتحركون الآن بهمة ونشاط في باقي المدن، وقيل: إنهم سيرفعون قضية ضده بتهمة الاختلاس واستغلال أموال الأوقاف.. عن ماذا ستسفر الأحداث؟ ، وماذا ستلد أيامنا الحبلى؟ ، وكيف ستجري الوقائع؟ ،.. هذا ما سنتناوله في حديث لاحق.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 2280

المسلمون والعالم مسلمو الروهنجيا يواجهون الإبادة.. فهل نفعل شيئاً؟ بقلم: د. محمد يونس [*] أراكان كانت واحدة من الممالك المسلمة المزدهرة في جنوب شرق آسيا، الكائنة على طول الساحل الشرقي لخليج البنجال، وقد فقدت استقلالها منذ حوالي قرنين من الزمان، وكانت قد احتلتها القوات البورمية الغازية ... ثم انتقلت أراكان إلى أيدي البريطانيين، وانتهى بها المطاف مجدداً إلى قبضة البورميين. يعرف مسلمو أراكان بـ (الروهنجيا) ، وقد تعرضوا لاضطهاد وحشي هائل على أيدي القوات البورمية المحتلة؛ حتى نتج عن ذلك خمس هجرات جماعية على نطاق واسع، شملت مئات الآلاف من البشر في كل مرة منذ أن نالت بورما استقلالها في عام ١٩٤٨م. الخلفية التاريخية لمسلمي أراكان: كان العرب المسلمون أول من وصل وأدخل الإسلام في أراكان خلال قرن من ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، تبعهم الفارسيون والبربر والمغول والباتان والبنجاليون الذين جاؤوا إلى أراكان دعاة وتجاراً في أوقات مختلفة. بعد أن دخل الإسلام البنجال في عام ١٢٠٣م تنامى المد الإسلامي في أراكان ، وقامت دولة إسلامية بمساعدة سلاطين البنجال في عام ١٤٣٠م، وقد دامت أكثر من ثلاثة قرون قبل احتلالها من قبل البوذيين البورميين في عام ١٧٨٤م، وبعد فترة وجيزة تحت حكمهم احتلت بريطانيا أراكان مع أجزاء أخرى من بورما، وتم ضمها إلى الهند البريطانية، وفي عام ١٩٣٧م: تم فصلها من الهند البريطانية وأصبحت جزءاً من بورما المستقلة في عام ١٩٤٨م. حملة الإبادة ضد مسلمي الروهنجيا: بعد أن ضم البورميون أراكان عام ١٩٤٨م: جرت حملة إبادة جماعية مجردة من الرحمة ضد المسلمين، كانت سبباً في حدوث هجرات جماعية للاجئين على نطاق واسع بين وقت وآخر، ولقد كُثِّفَ اضطهاد الروهنجيا المسلمين خلال الحكم العسكري الاشتراكي الذي بدأ عام ١٩٦٢م واستمر قرابة ثلاثة عقود، جرى فيها تصفية الروهنجيا سياسيّاً، وإفقارهم اقتصاديّاً، وشلهم اجتماعيّاً، ولقد تم تنزيلهم إلى مرتبة العبيد، دون التمتع بأيّ حقوق للإنسان تساويهم بغيرهم وتعتبرهم ... بشراً.... تولى بعد ذلك نظام عسكري جديد يعرف بمجلس حفظ النظام والقانون (SLORC) مقاليد الحكم في عام ١٩٨٨م بعد حدوث انتفاضة سريعة واسعة الانتشار ضد حكم الحزب الاشتراكي الحاكم. مع ذلك: بدا النظام الجديد أكثر استبداداً وقسوة ضد الروهنجيا؛ حيث قام بإطلاق العنان لعهد الإرهاب في شمال أراكان ذي الأكثرية المسلمة، حيث قتل المسلمون، واقتلعت قراهم، واغتصبت النساء، وطردوا في جماعات؛ مما نتج عنه هجرة جماعية أخرى بدأت منذ أواخر عام ١٩٩١م، وهؤلاء الذين ما زالوا في أراكان يعدون أيامهم، وهم في بؤس شديد وخوف ومعاناة. مظاهر انتهاكات حقوق الإنسان: إن الاضطهاد والمضايقات وانتهاكات حقوق الإنسان ضد الروهنجيا ليست لها ما يعادلها؛ سواء بالنسبة لمظاهر انتهاكات حقوق الإنسان في الأجزاء الأخرى من بورما أو بالنسبة للأقليات التي تقطن الأجزاء المتفرقة من العالم، وفوق كل ذلك (وهو ما يعتبر غاية الظلم) : إلغاء مواطنتهم، والإعلان بأنهم (سكان غير شرعيين) في وطنهم، ويمكن ذكر بعض من الجرائم الشائنة التي يرتكبها النظام البوذي ضد مسلمي أراكان: - فَقَدَ جميع الروهنجيا مواطنتهم بعد أن قام (مجلس حفظ النظام والقانون) بالإعلان بأن (الروهنجيا) أجانب غير شرعيين؛ حيث تم إصدار شهادات جنسية لكافة مواطني بورما عدا الروهنجيا. - حُدِّدَتْ حركة الروهنجيا إلى درجة عدم السماح لهم بالانتقال من قرية إلى أخرى دون تصريح مسبق، هذا الحظر في الحركة والتنقل أوجد واقعاً مريراً، فأصبح المسلمون وكأنهم في سجن كبير. - الاعتقالات الاعتباطية وتعذيب المسلمين بدون أي أسس قانونية. - الإعدامات المتعجلة والقتل بناءً على الأحكام العرفية للروهنجيا على يد العسكر وأفراد الأمن الآخرين، دون خوف مرتكب الجريمة من مواجهة أي عقوبات أو محاكمة. - إكراه الرجال والنساء والأطفال المسلمين على العمل بالسخرة تحت ظروف إذلالية، وغالباً ما يتعرضون للاغتصاب والضرب والإيذاء الجسدي وحتى القتل. - اقتلاع القرى المسلمة قسراً، ويُجبر سكانها على إخلائها وهجر منازلهم، ويطردون إما عبر الحدود أو يعاد ترحيلهم إلى مناطق أخرى. - يجري إنشاء مستوطنات جديدة للبوذيين في أراضي المسلمين التي يتم إخلاؤها، كما يُستخدم المسلمون عمالاً لبناء مساكن هؤلاء المستوطنين البوذيين، ويتم تسخيرهم للعمل بحصاد المحاصيل الزراعية لهم دون مقابل. - فرض ضرائب على المنتجات الخاصة بالمسلمين، إلى درجة أن أحوالهم تدنت عن حد الكفاف. - مصادرة الأراضي والعقارات والمشاريع التجارية التي يملكها المسلمون بدون أسباب. - تدنيس الأماكن الدينية، مثل: المساجد، والمدارس الدينية، والمقابر، حيث يدخلها رجال الأمن بأحذيتهم ويحتسون فيها الخمر. - لا يحق للطلبة المسلمين مواصلة تعليمهم العالي، حيث لا يعتبرونهم مواطنين، ويجبرون على إحناء الرأس أمام علم بورما، وإلا فسوف يواجهون الطرد. وبإصرار الأنظمة البورمية على إنكار الحقوق الشرعية للمسلمين الروهنجيا طوال العقود الخمسة الأخيرة، وعملهم المستمر لتنفيذ مخططهم الشرير، وهو (التدمير الكامل لشعب الروهنجيا) : فقد أصبح لزاماً على المجتمع الدولي والأمة الإسلامية على وجه الخصوص التدخل حتى باسم الإنسانية لإنقاذ ٣. ٥ مليون نفس من التصفية الكاملة. وبالنظر لما سبق ذكره فإن مسلمي بورما يناشدون العالم الإسلامي بالنظر في: تقديم الدعم والمساعدة الكاملة سياسيّاً ومعنويّاً وماديّاً للنضال القائم للروهنجيا حتى ينالوا حقوقهم المشروعة. منح المساعدات الخاصة لتنمية البرامج التعليمية للروهنجيا. منح المساعدة الخاصة لمشاريع التنمية الاقتصادية للروهنجيا. تقديم المساعدة الضرورية للحفاظ على المعاهد الدينية والأنشطة الدعوية. إثارة موضوع الروهنجيا في المحافل الدولية والإقليمية؛ لاتخاذ الحلول اللازمة حول إنصاف المسلمين وإعطائهم حقوقهم. هذا وبالله التوفيق، فهو الموفق والمعين ...

стр. 2281

في دائرة الضوء من يملك الحقيقة المطلقة ؟ بقلم: د.محمد يحيى شاعت في الخطاب العلماني في الآونة الأخيرة مقولة تذهب إلى أن الحوار مع من يسمون عادة بـ (الأصوليين المسلمين) مرفوض؛ لأن هؤلاء الإسلاميين! يدّعون أنهم وحدهم يملكون الحقيقة المطلقة، بينما لا يملك خصومهم إلا الضلال.. الحق أن هذه الحجة هي واحدة فقط من عدة مقولات تُروّج لتبرير عدم الحوار مع الإسلاميين، تارة بحجة أنهم معادون للديمقراطية وسوف ينقلبون عليها بمجرد وصولهم إلى الحكم، وتارة أخرى بحجة أنهم ليسوا على المستوى الفكري الذي يؤهلهم للدخول في حوار مع العلمانيين الذين يتسمون بالعقلانية والاستنارة، بينما يتسم الإسلاميون بالجهل والتخلف! ! . لكن هذه الحجة الأخيرة تسلط الضوء الفاضح لمقولة ادعاء الإسلاميين بامتلاك الحقيقة المطلقة، ذلك لأن هذه المقولة، إن جاز أن توجه على الإطلاق، فإنما يجب أن توجه في المقام الأول إلى الاتجاه العلماني دون غيره على اختلاف وتنوع مذاهبه وتياراته. إن التوجه العلماني الفكري الذي بدأ في الغرب مع عصر النهضة (نهاية العصور الوسيطة في التقويم الميلادي) مع ما يسمى بالنزعة الإنسانية (أي: إعلاء شأن (الإنسان) ، باعتباره القيمة الأسمى والمعيار الأوحد والمرجع الأخير) هو الذي ادّعى لنفسه ملكية الحقيقة المطلقة. لقد مر هذا التوجه بتحولات وتطورات عدة، من إحياء النزعات المادية الوثنية القديمة، إلى ما وصف بالتيار العقلاني المستنير في القرن السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، وإلى الفلسفات المثالية، ثم المادية (الجدلية والعلمية) في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأخيراً: بفلسفات وتيارات حديثة عدة: كالبراجماتية، والوجودية ... وغيرها. ولكن في كل هذه التحولات كان التوجه العلماني الذي نُقل إلينا وفرض علينا في البلاد العربية والإسلامية في أشكال ساذجة وسطحية، ولكنها متطرفة هو الذي يدّعي أنه يمتلك الحقيقة المطلقة في وجه خصمه الرئيس، وهو الدين (المسيحية في أوروبا، ثم الإسلام في عالمنا العربي) . وعلى الرغم من أن هذا التوجه جاء على أيدي مفكرين وكتاب وفلاسفة لا يزعم أحدهم أنه يوحى إليه من السماء بل يؤكدون بشريتهم إلا أنهم زعموا لفكرهم هذا أنه الحقيقة المطلقة، في الوقت الذي أضفوا فيه النسبية على الأفكار الدينية، التي هي بطبعها مطلقة، على الأقل لانتسابها إلى الله خالقاً متعالياً يغيِّر ولا يتغير. دأب التوجه العلماني بأشكاله إذن على أن ينسب لنفسه وحده امتلاك الحقيقة المطلقة في كل مجالات القيم والمبادئ الخلقية والاجتماعية والتاريخية والعلمية، فالعقل الذي يزعم هذا التوجه أنه هو أداته الأساسية مطلق أبدي، لا نسبية فيه ولا تغير، وهو الذي يُنَصّب حاكماً، تعرض عليه شتى العقائد، والأفكار، والمذاهب، فيخطئها، أو يصدقها ويقرها. وأمام العقل أو بالأصح: أمام التوجه العلماني فالكل نسبي متغير، وجزئي غير مكتمل، فالأديان ليست إلا مواضعات تاريخية جاءت لأسباب مادية، ثم زال أثرها، أو زالت مصداقيتها وصلاحيتها مع زوال هذه الأسباب، والقيم والمبادئ في الأخلاق والاجتماع والفنون.. غير ثابتة، بل هي الأخرى متغيرة بتغير البيئات والظروف التي أنتجتها، بل إن معاني اللغة واصطلاحاتها ليست هي الأخرى بمعزل عن عوامل النسبية والتغير، فالنص يعني غداً ما لا يعنيه اليوم، والعكس صحيح. الوحيد الذي يتعالى على كل هذا التغير والسيولة وعدم الثبات والنسبية والجزئية هو: العقل العلماني! ، وهو ضمان اليقين المطلق، وراعيه، وفارضه على الأشياء والأفكار. بهذه البساطة يذهب التوجه العلماني إلى أنه هو مالك الحقيقة المطلقة، وأن كل ما عداه باطل وضلال، أو هو على الأصح: نسبي، وناقص، وغير دائم. إذن: هم يرمون الإسلام والإسلاميين بالنقيصة والتهمة التي تتجلى أوضح ما تتجلى فيهم هم، والزعم بامتلاك الحقيقة المطلقة إذن ليس بجريمة ولا عيب؛ لأن العلمانيين بشتى مذاهبهم هم أول من ينادي به لأنفسهم، لكن هناك جانباً آخر للقصة: فالعلمانيون عندما يتهمون الإسلاميين بادعاء امتلاكهم للحقيقة المطلقة يوحون ويلمحون (بل يصرحون في أحيان كثيرة) إلى أن هؤلاء يقولون أن كل ما يزعمونه هو الصواب المطلق، حتى لو كان رأياً في الشؤون الزراعية، أو التجارية، أو طريقة من طرق التدريس، أو تنظيماً لحركة المرور، أو حلاّ لمشكلات الصناعة والتقنية، أو وسيلة من وسائل مد المرافق الأساسية أو البنية التحتية.. وهذا ما لم يفعله أحد من الإسلاميين، حتى من يحاول منهم أن يؤصل بعضاً من هذه الأمور بإرجاع حلولها أو التعامل معها إلى مبادئ الشريعة الإسلامية. إن الزعم العلماني بغير ذلك يرمي إلى تشويه صورة مخالفيهم، ويعتمد على حيلة منطقية أو جدلية سخيفة، تقول: بأن ينسب للمرء أبعد الآراء وأكثرها غرابة مما لم يقله في مجال كان له فيه رأي قريب إلى العقل والصواب. ويرمي العلمانيون من وراء هذه الحملة إلى أن يقوضوا كل ما يقول به الإسلاميون، ليس في مجال الشؤون الحياتية التقنية، بل في مجال العقيدة والقيم العليا؛ من ذا الذي سيثق فيما يقوله أشخاص زعموا أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة المطلقة في ميادين الري، والصرف، والمجاري، والحاسبات، وتعبئة البضائع.. وكلها أمور نسبية متغيرة مفتوحة لاجتهادات وإضافات الباحثين من المسلمين وغير المسلمين على حد سواء؟ لكن الحقيقة المطلقة التي قال الإسلاميون فعلاً أنهم يمتلكونها لا تقع أبداً في هذه المجالات، هذا ما يدركه جيداً العلمانيون، وإنما تقع في مجال آخر أعلى وأسمى، هو نفسه المجال الذي ادعى العلمانيون لأنفسهم امتلاك الحقيقة المطلقة فيه، ألا وهو مجال العقيدة العليا في مسائل الألوهية، والخلق، والبعث والنشور، والهداية، والشريعة، فهنا يؤكد الإسلاميون بل كل المسلمين أن إلههم واحد أحد، وأنه هو الذي بعث الأنبياء والرسل، وأن القرآن وحيه المنزّل، والعلمانيون كذلك لهم حقيقتهم المطلقة في هذا المجال، فالذين يؤمنون بالدين منهم حسبما يقولون يفترض أنهم يتفقون مع المسلمين في الإيمان بهذه الحقيقة أو الحقائق المطلقة، أما الذين لا يؤمنون بالإسلام: فلهم حقيقتهم المطلقة الخاصة بهم، وهي كما أسلفنا: مفهوم العقل، الذي يحولونه من حقيقته النسبية الجزئية المحدودة إلى كيان مطلق. إن كل الجعجعة والطنطنة حول رفض الحوار مع الإسلاميين وإقصائهم وإبعادهم بل واضطهادهم عن ساحات الفكر، والثقافة، والعمل الاجتماعي، والسياسي، التي يهيمن عليها ويحتكرها العلمانيون.. ليست سوى حجج جوفاء تغطي على الحقيقة المطلقة التي تحكم سلوك التوجه العلماني منذ أن عرفناه، وهذه الحقيقة المطلقة هي: السيطرة التامة على كل مفاتيح الحياة والفكر والحركة، وإبعاد كل المخالفين عنها، إلى حد التصفية الشاملة، واستغلال هذا الاحتكار الأحادي لتشويه صورة الخصوم، والإيهام والتمويه بأن كل العيوب قد اجتمعت فيهم. ولو كان العلمانيون من المؤمنين حقّاً في سلوكهم وفكرهم بالمبدأ النسبي في طرح الأمور كلها، لجاز لهم أن ينتقدوا الإسلاميين، إلا أنهم كما رأينا لا يؤمنون بهذا المبدأ؛ لسبب بسيط ووجيه، هو: أن أحداً لا يستطيع مهما ادعى أن يؤمن به أو يطبقه؛ لأن الفكر (أي فكر) لا بد له من ثوابت منطقية أو بدهية؛ حتى يستطيع مجرد الوجود والقيام. أما دعاوى النسبية والتميع وعدم الثبات التي تروج: فالمستهدف فيها المسلمون في المقام الأول؛ لإضعاف عقيدتهم وزعزعتها في النفوس، بينما تبقى عقائد العلمانيين ومعها عقائد أخرى صليبية وصهيونية ثابتة، راسخة، مطلقة، تقام على أسسها وبها الدول والأنظمة، وتستباح في سبيلها كل حرمات المسلمين.

стр. 2282

مقال بين الجاهلية القديمة والمعاصرة بقلم: عبد الرحمن بن الحارث البناني صحيح أنه مرّ بالعالم الإسلامي أزمات بل نكبات كثيرة من قبل، كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض، أو يفقدون أمنهم وطمأنينتهم، أو يفقدون ديارهم وأموالهم ... ولكنهم مع ذلك لم يخوضوا تجربة أقسى ولا أمر من تجربتهم المعاصرة في تاريخهم كله؛ فاليوم نحن نعايش في كثير من الديار الجاهلية المعاصرة التي تشابه الجاهلية الأولى في كثير من الأوجه. حقيقة الجاهلية: إن الجاهلية ليست منحصرة فيما كان قبل بعثة النبي ﷺ بل قد توجد في مصر من الأمصار، أو توجد في شخص من الأشخاص ولو بعد البعثة، يقول ابن تيمية ﵀ في بيان (الجاهلية) : (الناس قبل مبعث النبي ﷺ كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال، إنما أحدثه لهم جهال، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون: من يهودية ونصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة. فأما بعد ما بعث الله الرسول: فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم، فإنه يكون في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام. فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد، فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من المسلمين، كما قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية ... ) [١] ... ) [٢] . بعض أوجه التشابه بين الجاهلية الأولى والجاهلية المعاصرة: أولاً: أن الدساتير التي تحكم في الجاهلية المعاصرة، مشابهة للدساتير التي تحكم في الجاهلية الأولى، فكلتا الجاهليتين تحكم بغير ما أنزل الله . ففي الجاهلية الأولى تحكم القبيلة بدستور العادات والتقاليد والأعراف الموروثة عن الآباء والأجداد، يحيا الرجل منهم من أجلها، ويموت من أجلها، ويوالي من أجلها، ويعادي من أجلها، دون أن ينظر: هل هذه العادات والتقاليد صحيحة أم بخلاف ذلك؟ ! ! . يقول أحدهم: وما أنا إلا من غزية إن غَوَتْ ... غويت وإن ترشد غزية أرشد أما في الجاهلية المعاصرة فيتحقق المعنى في كل دولة تحكم بدستور مستمد من قوانين الشرق والغرب (اللهم إلا في بعض الأمور المسماة بالأحوال الشخصية، كالأحكام الخاصة بالنكاح والطلاق، أو غير ذلك من أحكام، لتدّعي بذلك أنها دولة إسلامية) على تباين بين هذه الدول في الأخذ ببعض الأحكام الشرعية، فمقلة ومكثرة. ثانياً: لقد اتخذ أهل الجاهلية الأولى أصناماً وأوثاناً يعبدونها، ويعظمونها، ويذبحون لها من دون الله ، وقد جعلوا لها سدنة وخدماً يقومون بخدمتها، وهم الكهنة والعرافون، فعظموهم وبجلوهم، فأحلوا ما أحلوا من المحرمات، وحرموا ما حرموا من المباحات، وتلك هي عبادتهم، وكذلك الشأن في اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم: حيث أحلوا ما أحلوا من المحرمات، وحرموا ما حرموا من المباحات، كما يدل على ذلك قوله (تعالى) : [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ.. الآية] [التوبة: ٣١] ، وفسره النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ بأنهم: (أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم) [٣] . أما في الجاهلية المعاصرة فشرك المشركين فيها أعظم من شرك أهل الجاهلية الأولى؛ لأن أهل الجاهلية الأولى إذا اشتد فيهم الخطب دعوا الله مخلصين له الدين، أما مشركو زماننا إذا اشتد فيهم الخطب دعوا أصنامهم وأوثانهم من دون الله، ففي زماننا عبدة الأوثان والأصنام والقبور، وإن لم يكن الأحبار والرهبان، فهناك الطغاة والمتجبرون، ومع ذلك: فتوجد أصنام وأوثان مصنوعة في الجملة، منها: السلطة، والرئاسة، والجاه، والمال، والعادات، والتقاليد، والأعراف التي تخالف ما شرع الله ، والوطنية، والقومية، والاشتراكية، والقومية، والعلمانية، والوجودية.. فإذا كان حب السلطة والرئاسة و ... إلخ، مدعاة للعبودية لها، والتضحية بالدين في سبيلها كما هو حال كثير من المسلمين في العالم الإسلامي فهي عندئذ (وثنية) بلا قناع. ولكن منها ما هو شرك مخرج من الملة، ومنها ما هو شرك غير مخرج من الملة، فهو شرك دون شرك؛ على حسب حب واعتقاد صاحبها لها، حقّاً: ... [وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ] [يوسف: ١٠٦] . ثالثاً: لقد كان الربا في الجاهلية الأولى قائماً ومنتشراً فيهم، فقد كان المال والتجارة في أيدي قلة قليلة، وكانوا يتعاملون بالربا؛ فيضاعفون تجارتهم وأموالهم، وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع. وقد كان للربا صورتان رئيستان: ربا النسيئة، وربا الفضل. فأما ربا النسيئة: فقد قال عنه قتادة: إنه ربا أهل الجاهلية، يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء: زاده وأخر عنه، وقال أبو بكر الجصاص: (أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلاً من الأجل، فأبطله الله (تعالى) . وأما ربا الفضل: فهو أن يبيع الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة؛ كبيع الذهب بالذهب، والدراهم بالدراهم، والقمح بالقمح، والشعير بالشعير ... وهكذا، وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شبه به. وأما في الجاهلية المعاصرة: فيتمثل الربا في الديون المؤجلة بفوائد ربوية، أو في بعض المبيعات المثلية بتفاضل. وهناك بعض البنوك والمصارف الربوية المحلية في بلاد المسلمين تأخذ ... نسبة من أموال المسلمين المودعة عندهم، فترسلها إلى البنوك والمصارف العالمية؛ لتقوم باستثمارها، ومن ثم: إرجاعها إلى البنوك والمصارف المحلية مع نسبة من الفوائد الربوية، والباقي لهم، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاًذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] (ياللهول! حرب مع الله ورسوله ... حرب تواجهها النفس البشرية، حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة؟ .. فأين الإنسان الضعيف الفاني من ذي القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟ ! !) . وهنا سؤال يفرض نفسه: ما هي الاستثمارات التي تقوم بها البنوك والمصارف العالمية؟ ! ! . الجواب: تستثمرها غالباً في أعمال غير مشروعة مثل: الأفلام الهابطة، والصحافة المسفة، والمراقص، والملاهي، والرقيق الأبيض، وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم الأخلاق. وكذلك: تستثمرها في زراعة الأراضي والمصانع بشتى أشكالها من مصانع أسلحة لتدمير الأمم، أو مصانع سيارات، أو مصانع ... ، ومن ثم: تباع هذه الأسلحة وهذه السيارات وغير ذلك من المنتجات الاستهلاكية إلى البلاد الإسلامية بأسعار باهظة. أي: إنهم يأخذون أموالنا ويستثمرونها، ونتاج أموالنا يبيعونه لنا بأغلى الأسعار؟ ! ! . نعم هذه هي الحقيقة المرة. والأمرّ من ذلك: أن جميع البنوك التي تذهب أموالنا إليها والمؤسسات في أوروبا وأمريكا تستقطع جزءاً من أموالنا للتنصير، وأغرب وأمرّ من هذا كله: أن عدداً من مبالغ طائلة من أموال أغنياء المسلمين التي وضعوها في البنوك الربوية تذهب لمساعدة مجلس الكنائس العالمي.. سبحان الله العظيم! ! . أفبأموال المسلمين يُنْصَرُ أعداؤهم؟ ! ! . رابعاً: لقد كانت الخمر والميسر في الجاهلية الأولى من تقاليد المجمتع الفاشية، ومن مفاخره كذلك، يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته.. كالذي يقوله طرفة بن العبد: فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربه وما زل تشرابي ... كميت متى ما تفل بالماء تزبد ومازال تشرابي الخمور ولذتي ... وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد وكانت الدعارة في صور شتى كذلك من معالم هذا المجتمع شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم أو حديث كالذي روته عائشة ﵂ أن: (النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها، والنكاح الآخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع ... ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فاذا حملت ووضعت، ومرّ ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل ... والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جُمِعُوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك..) [٤] . وأما في الجاهلية المعاصرة فقد تغيرت المسميات فقط، فتوجد وللأسف الشديد في بعض البلاد الإسلامية دور تُدعى البارات والمراقص، توجد فيها المومسات والخمور والقمار، ولهذه الدور موظفون وعمال يعملون فيها، وحُرّاس لحمايتها، وتوضع لها المستشفيات الخاصة للكشف على المومسات لحمايتهن وحماية المجمتع من الأمراض الجنسية! ! . كل هذا الاهتمام بهذه الدور لإفساد الشباب من ذكور وإناث، ولأن هذه الدور من أهم الموارد الاقتصادية! ! فالدولة تأخذ عليها ضرائب، وتأخذ كذلك على المومسات ضرائب إذا كن يعملن لحسابهن الخاص. وكذلك من أسباب اهتمام هذه المجتمعات بهذه الدور، اعتقادها أنها من أهم الأسباب لجلب السياح والمصطافين، فحسبنا الله ونعم الوكيل. خامساً: كان لدى أهل الجاهلية الأولى تخلف عقدي، وعدم تصور صحيح لبعض مفاهيم الإسلام، وذلك ناشئ عن عدم تصديقهم برسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعدم إيمانهم به إيماناً وتصديقاً يؤديان إلى العمل. وأما في المجمتع الجاهلي المعاصر: فأصبح لدى بعض المسلمين انحراف شديد عن حقيقة الإسلام، لا في السلوك وحده، ولكن في العقائد كذلك، فأصبح عندهم انحراف عقدي، فهناك انحراف في مفهوم (لا إله الا الله) أساس الإسلام كله حتى تحولت الشهادتين إلى مجرد كلمة باللسان، لا علاقة لهما بالواقع، ولا مقتضى لهما في حياة بعض المسلمين أكثر من أن ينطقوا بها بضع مرات يوميّاً. والعجب: أن كفار قريش أعرف من بعض المسلمين لبعض مفاهيم الإسلام؛ فهم قد عرفوا معنى (لا إله الا الله) ، وهو: الإيمان بنفي الألوهية عما سوى الله، ومعنى الإيمان بالرسالة وباليوم والآخر هو: الانقياد التام والتفويض المطلق، بحيث لا يبقى لهم خيار في أنفسهم وأموالهم، فضلاً عن غيرهم. ومعنى ذلك: إلغاء سيادتهم وكبريائهم على العرب، فقد كان إلغاء السيادة بالصفة الدينية: امتناعهم عن تنفيذ مرضاتهم أمام مرضاة الله ورسوله -صلى الله علييه وسلم-، وامتناعهم عن المظالم التي كانوا يفترونها على غيرهم، وعن السيئات التي كانوا يجترحونها صباح مساء.. عرفوا هذا المعنى فكانت نفوسهم تأبى عن قبول هذا الوضع، لا لكرامة وخير [بَلْ يُرِيدُ الإنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ] [القيامة: ٥] . وعندهم تخلف في مفهوم الدنيا والآخرة الذي يربط الدنيا بالآخرة، ويجعل الدنيا مزرعة الآخرة حتى تحول إلى فصل كامل بين الدنيا والآخرة، يجعلها موضع التقابل الكامل وموضع التضاد، فمن أراد الدنيا ترك الآخرة، ومن أراد الآخرة ترك الدنيا، واكتفى منها بالكفاف. ويجيء الفكر الإرجائي فيواكب هذا الانحراف العقدي المهلك عند بعض المسلمين، ويتسع تدريجيّاً مع كل تخلف جديد، على أساس قاعدته العظمى (أنه لا يضر مع الإيمان معصية) والعجيب: أنه قد يكون من هذه المعاصي ما هو كفر وأن الإيمان هو التصديق، أو هو الإقرار والتصديق، وأن العمل خارج من مسمى الإيمان! سادساً: لما ظهر الإسلام في الجاهلية الأولى جوبه بتحديات، وكذلك جوبهت الصحوة الإسلامية أو قل: اليقظة الإسلامية عند ظهورها في العقود الأخيرة، وهذا وجه شبه يلمسه كل منصف. والله المستعان

стр. 2283

سياسة شرعية القانون الدولي الإسلامي (علم السير) الحلقة الأخيرة بقلم: عثمان جمعة ضميرية تطرق الكاتب في الحلقات السابقة إلى أكثر خصائص القانون الدولي الإسلامي وانتهى في الحلقة الماضية بالحديث عن خاصية: أن أحكام السير تخاطب الفرد والدولة، ويواصل في هذه الحلقة عرض بقية الخصائص. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - خاصية الثبات والمرونة: تقدم فيما سبق أن أحكام العلاقات الدولية في الإسلام تقوم أساساً على الوحي (القرآن والسنة) الذي تكفل الله (تعالى) بحفظه، وأن المجتهدين في استنباطهم للأحكام يتقيدون بالنصوص الشرعية، ويطبقون قواعد الشريعة في الاستنباط، وهذا يعطي هذه الأحكام صفة الثبات والاستقرار [١] . حتى ولو تغير الحكام أو اختلفت أنظمة الحكم؛ لأن الأحكام الشرعية لا ترتبط بالهيئة الحاكمة، وإنما ترتبط بالدين الإسلامي الذي لا يتغير ولا يتبدل، قال (تعالى) : [لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ] [يونس: ٦٤] ، وقال: [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] [الأنعام: ١١٥] . أي: لا تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين الله [٢] . ونضرب بعض الأمثلة على هذا الثبات في مجال العلاقات الدولية، لبيان ذلك الأثر الفريد الذي ينشئه ثبات أحكام هذه العلاقات: فمن مبادئ العلاقات الدولية: احترام الكرامة الإنسانية في السلم والحرب، والحفاظ على حقوق غير المسلمين في دار الإسلام، والعدالة التي ينبغي أن تتوخاها الحكومة المسلمة وتلتزم بها في التعامل مع المسلمين وغير المسلمين، والوفاء بالعهود والمواثيق حتى مع الأعداء، وعدم الغدر بهم حتى ولو غدروا هم بنا، والفضيلة والأخلاق في المعاملات ... وعالمية الدعوة الإسلامية، وحق المسلمين بل واجبهم في الدعوة إلى دين الله (تعالى) ، لأن الإسلام رسالة الله الأخيرة لهذه البشرية، فلا بد من إبلاغها لهم، وحقيقة أن العلاقة التي تربط بين المسلمين هي آصرة العقيدة والإيمان، وأنه لا ولاء بين المسلمين والمشركين والكفار، وإن كان هذا لا يمنع من البر بهم والإحسان إليهم في المعاملة، ووجوب إعداد المسلمين للقوة التي يحافظون بها على كيانهم ويرهبون بها عدوهم، لأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة ... إلخ. ولهذا الثبات فائدة عظمى، لأنه يؤدي إلى اطمئنان الأفراد وأمنهم من المفاجآت والتقلبات، ووضوح أسس العدالة والنظام للكافة من أهل دار الإسلام في الدولة الإسلامية والمقيمين الأجانب غير المسلمين.. وهذا كله يؤدي إلى الثقة والازدهار، وينتج أفضل الظروف للتقدم الاجتماعي والاقتصادي وحسن العلاقات الدولية وسيادة الأخلاق والآداب والفضيلة بسبب معرفة كل ذي حق حقه، فتمتنع أسباب الصراع والاستغلال والغدر، وغير ذلك مما يحرض على الرذيلة وانتهاز الفرص بسبب ضعف القانون والعدالة. وهذا الثبات أيضاً: يضبط الحركة البشرية والتطورات الحيوية، فلا تمضي شاردة على غير هدى، كما وقع في الحياة الأوروبية عندما أفلتت من عروة العقيدة، فانتهت تلك النهاية البائسة ذات البريق الخادع الذي يخفي في طياته الشقوة والحيرة والنكسة والارتكاس، كما أنه يقيم الميزان العدل الثابت الذي يرجع إليه الإنسان بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات، وبكل ما يجدّ في حياته من ملابسات وظروف، فيزن ذلك كله بهذا الميزان الثابت. ويعطينا هذا الثبات مقوّماً للفكر الإنساني، مقوماً منضبطاً بذاته يمكن أن ينضبط به الفكر الإنساني، فلا يتأرجح مع الشهوات والمؤثرات. المرونة والدليل: إلا أن ثبات الأحكام لا يعني جمود الفقه وعجزه عن مواجهة الوقائع الجديدة وتلبية حاجات الأمة [٣] هذه، فإن في مصادر التشريع الإسلامي مرونة وخصوبة وسعة تتنافى مع الجمود، فإن أحكام المعاملات والعلاقات الدولية جاءت في القرآن الكريم بنصوص تدل على أحكام أساسية ومبادئ عامة لا تختلف من بيئة إلى أخرى، وتقتضيها العدالة في كل أمة؛ ليكون أولو الأمر في سعة من أن يفرعوا ويفصلوا حسبما يلائم حالهم وتقتضيه مصالحهم، من غير أن يصطدموا بحكم تفصيلي شرعه القرآن، كما أن دلالة النصوص الشرعية ليست محصورة فيما يفهم من العبارة أو النص فحسب، بل فيما يفهم من روحها ومعقولها، ومن هنا: كانت الدلالة دلالة منطوق ودلالة مفهوم. كما أن النصوص التشريعية لم ترد بأحكام مجردة من عللها والمصالح التي شرعت من أجلها، بل جاءت مقترنة بالعلة صراحة أو إشارة، مما فتح باب القياس أمام المجتهدين، ثم جاء الإجماع، والاجتهاد الجماعي كذلك، وسائر مصادر التشريع التبعية بما فيها من مرونة وقابلية لتلبية الحاجات ومواجهة الوقائع والمستجدات؛ لتحكم حياة الناس في كل العصور والأماكن. ومن الأمثلة على هذه المرونة والحركة في النظام السياسي الإسلامي: شكل الحكومة الإسلامية، فلم تحصر الشريعة شكل الحكومة في قالب ضيق، وإنما أفسحت له المجالات الصحيحة المتعددة، واكتفت بمبادئ عامة رحيبة تضبط هذا الشكل سريع التغير بطبيعته دون أن تحد من حركته الصحيحة، ولعله من أجل ذلك : تعمد رسول الله ﷺ ألا يحدد أبا بكر ﵁ خليفة له، على الرغم من فضله على سائر الصحابة. وأيضاً: نجد الأمر نفسه في (الشورى) قاعدة للنظام السياسي الإسلامي، فهي واجب لا بد من إقامته، وإن كانت طريقتها لم تحددها النصوص الشرعية أو لم تقصرها على طريقة واحدة لا تتعداها، ليكون في ذلك سعة ومجالاً لاختيار أمثل الطرق لإقامة الشورى. كما أن الاجتهاد يحدد للدولة الإسلامية طريقة تعاملها مع الدول الأخرى من النواحي المالية والاجتماعية والسياسية في حال السلم والحرب ضمن القواعد الشرعية والأحكام الأساسية الثابتة، والأمثلة على ذلك كثيرة تعز على الحصر. ومن نافلة القول أن نؤكد على أن هذه المرونة لا تعني بأي حال من الأحوال خروجاً على حكم شرعي ثابت سواء أكان كليّاً أو جزئيّاً؛ لأنها محكومة بضوابط دقيقة، حتى لا يؤدي التطور إلى التشويه والتدهور والخروج على أحكام الله التي يحتاج إليها البشر، فإن المرونة والتطور يختلفان عن الهدم والانطلاق بلا حدود، الأمر الذي تتخذه بعض الاتجاهات المعاصرة في الحياة الاجتماعية والقانونية [٤] . ومن هنا يمكن أن نصوغ هذه الخاصية بعبارة تجمع الثبات والمرونة في سياق واحد مع ضابط ذلك وميزانه، فنقول مع الأستاذ سيد قطب ﵀ : إنها خاصية (الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت) [٥] . أحكام العلاقات الدولية مقيدة بالمشروعية الإسلامية وقائمة على العدل الحقيقي تتقيد جميع الأحكام بالمشروعية الإسلامية [٦] ، التي تتضمن التضامن في تنفيذ ما أمر الله به وفيما نهى الله عنه، فقد قال الله (تعالى) : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] ثم قال: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [ال عمران: ١٠٤] . وقال: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة: ٢] . ومن هنا: تتميز أحكام العلاقات الدولية عنها في ظل القانون الدولي الحديث، حيث تقوم في الإسلام على هذا التضامن، فإن وحدة الأمة الإسلامية التي تسكن دار الإسلام إنما تظهر فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وهذه الوحدة المتماسكة لا يجوز أن يقوم بينها وبين غيرها علاقة الحرب إلا لأجل إعلاء كلمة الله (تعالى) ، فلا يجوز أن تشن على سائر البلاد حرباً بقصد الاغتناء الاقتصادي، أو فتح الأسواق، أو تأمين المواصلات.. أو غير ذلك، وإنما الهدف الوحيد الذي يسوغ الحرب هو: الجهاد لإعلاء كلمة الله (تعالى) ، ولذلك: قال ﵊ وقد سئل عن الرجل: يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [٧] . وتؤدي هذه المشروعية إلى أن تقدم أحكام العلاقات الدولية على العدل الحقيقي بل تهدف إلى تحقيق أعدل سيرة ممكنة للحاكم المسلم في مجال العلاقات الدولية، وتتنزه عن اعتبارات الأنانية والظلم والصراع على المصالح الذاتية، وحتى في المعاملة مع الأعداء: لايجوز أن تحملنا العداوة لهم وبغضهم على أن نتنكب جادة العدل، فإن شريعة الله (تعالى) هي شرعة الحق والعدل المطلق. وقد أرست الآيات القرآنية هذا الأصل الكبير، فقال (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ يَاًمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً] [النساء: ٥٨] ، وقال (تعالى) : [وَإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [المائدة: ٤٢] ، وقال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] ... [المائدة: ٨] . كما حكت الآيات القرآنية واقعة عملية، حيث تنزلت لتبرئ ساحة يهودي اتهم بالسرقة، بل لتقيم ميزان العدالة الذي لا يميل مع الهوى ولا مع العصبية، ويتأرجح مع المودة والشنآن أيّاً كانت الملابسات والأحوال، وأمرت النبي ألا يجادل عن الذين اتهموا اليهودي بذلك؛ لأنهم يختانون أنفسهم: [إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (١٠٦) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ... ] [٨] . ثم جاء الواقع التاريخي معَلَماً شاهداً صادقاً على ذلك، والأمثلة تعز على الحصر، حسبنا منها هنا الإشارة إلى ما سبق من حكم القاضي (حاضر بن جميع) على جيش المسلمين في الخروج من (سمرقند) بعد فتحها دون إنذار، تحقيقاً لهذا العدل المطلق، وإلى حادثة أخرى فريدة حين ردّ أبو عبيدة ﵁ على أهل الذمة في بلاد الشام ما جبي منهم من الجزية والخراج؛ لأنه كان قد اشترط لهم أن يمنعهم ويدافع عنهم، وهو لا يقدر على ذلك؛ لما رأى تجمع الروم، وقال لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه بلغنا ما جُمِّع لنا من الجموع، وإنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم، فلما قال لهم ذلك، وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم، قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم، فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لايَدَعوا لنا شيئاً [٩] . هذا، بينما تقوم الدول الاستعمارية في القديم والحديث على (الأنانية) وحب الذات، فتقوم باستغلال الشعوب الضعيفة واستنزافها، شأنها في ذلك شأن (الأناني) في علاقته مع الناس، مما يثير الصراع ويفشي الظلم، ويسوغ الغدر، ويبرر الواسطة مهما كانت بالغاية الأنانية التي تستهدف المصلحة الخاصة مهما كان الضرر الذي تلحقه بغيرها، وواقع العلاقات الدولية اليوم شاهد ناطق بذلك، وما قضايا المسلمين في بقاع كثيرة من العالم ببعيدة عنا [*] .

стр. 2284

منتدى القراء شروط قبول الرواية بقلم:أحمد بن حسن بن علي بما أن السنة النبوية (على صاحبها أفضل الصلاة والسلام) تُعتبر مصدراً من مصادر التشريع لهذه الأمة، فمن المعروف أن هذه السنة انتقلت إلينا عن طريق الرواة؛ فالراوي الثاني يروى عن الأول والثالث عن الثاني.. وهكذا. وحرصاً على سلامة هذا المصدر: فقد وضع علماؤنا ﵏ (تعالى) شروطاً لهؤلاء الرواة حتى تُقبل روايتهم؛ وقد ذكر هذه الشروط الإمام أبو عمرو ابن الصلاح، فقال (رحمه الله تعالى) : (أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يُشترط فيمن يُحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يروي، وتفصيله: أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدّث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدّث من كتابة، وإن كان يحدّث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يُحيل المعنى) [١] . وقال الإمام ابن الأثير الجزري: (شروط من تُقبل روايته أربعة: الشرط الأول: الإسلام. الشرط الثاني: التكليف. الشرط الثالث: العدالة. الشرط الرابع: الضبط) [٢] . لكن المتأمل لكلام ابن الأثير يجد أن بعض الشروط يُغني عن بعض، فالشرط الأول والثاني يدخلان ضمن الشرط الثالث وهو العدالة؛ إذ إن الإسلام والتكليف من شروط العدالة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) : (الراوي إما أن تُقبل روايته مطلقاً، أو بقيد: أما المقبول مطلقاً: فلا بد أن يكون مأموناً من الكذب بالمظنة، وشرط ذلك: العدالة، وخلوه عن الأغراض والعقائد الفاسدة التي يُظن معها جواز الوضع، وأن يكون مأمون السهو، بالحفظ والضبط والإتقان، وأما المقيد: فيختلف باختلاف القرائن، ولكل حديث ذوق، ويختص بنظرٍ ليس للآخر) [٣] . وهذه الشروط التي ذكرها العلماء نجد أنها ترجع إلى شرطين أساسين، هما: ١ - العدالة. ٢- الضبط. فالعدالة هي: ملكة تحمل صاحبها على التقوى واجتناب الأدناس، وما يخل بالمروءة عند الناس [٤] . والضبط هو: تيقظ الراوي، بألا يكون مغفلاً، حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً إن حدث من كتابة [٥] . **** ما أحوجنا عند نقلنا لأي خبر أو موضوع من التثبت من مدى صحة مضمونه ومدى صدق راويه؛ لأن الملاحظ أن هذا العلم يكاد يكون حكراً على الدراسات الحديثية فقط، بينما يجب أن يكون منهجاً في التلقي والبحث والتعامل. ولقد بدأ نفر من العلماء والكتاب تَمَثّل ذلك في رسائل علمية وأبحاث جامعية، والانطلاق من هذه المبادئ القيمة والسير على منوالها. فما أجمل أن يكون ذلك منهجاً لنا معشر طلاب العلم في حديثنا ونقلنا وأبحاثنا. وفقنا الله جميعاً إلى العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2285

الورقة الأخيرة هل حقاً عرفنا يهود ؟ بقلم: أحمد العويمر قد سلط القرآن الكريم الأضواء على اليهود، وكشف حقيقتهم ودخائل أنفسهم، وكيف يتعاملون مع غيرهم، وحذر منهم ... لكن هل حقّاً عرفنا هؤلاء الناس في الواقع حق المعرفة، وفهمنا سياساتهم القائمة على المكر والخداع والإفساد في الأرض والعلو والاستكبار وإيقاد الفتن، وتحريف الكلم عن مواضعه؟ . حسبنا قول الله (تعالى) : [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] [المائدة: ٨٢] . فالموقف من هذه الأمة التي باءت بلعنة الله (تعالى) : [لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] [المائدة: ٧٨] ليس مسألة خلافية في المصالح المحدودة، وليس مسألة متوهمة كما سماها أحدهم (كسر للحاجز النفسي) فقط. المسألة مع (إخوان القردة والخنازير) هي مسألة عقيدة لا يمكن بحال للمسلم أن يتساهل فيها، فقد وقفوا وقفاتهم المعروفة من هذا الدين: من الكفر به، ومعاداته رغم ما قدمه لهم من (إحسان) ، حتى إنهم لولا الله ثم حدب الأمة الإسلامية عليهم لكانوا أثراً بعد عين؛ لما صب عليهم من عقاب؛ لمواقفهم من كثير من الأمم. ومع ذلك: فقد وجدنا في كتبهم المحرفة (كالتوراة) والموضوعة (كالتملود) ما يندى له الجبين من عداء للإنسانية عامة وللإسلام والمسلمين بخاصة، مما لا يتسع المجال لبيان بعضه، وليس آخره احتلال (أرض الإسراء والمعراج) وتشريد أهلها وسوم من بقي منهم سوء العذاب. الغريب أن من قومنا من أسلم القياد لهم، وادعى زوراً وبهتاناً بأنهم (جنحوا للسلم) فجنح له.. بينما هم محتلون معتدون، ومواقفهم المتطرفة والمتشنجة من استمرار الاحتلال وبقاء المستعمرات وبقاء المستوطنين هي مواقف تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة كلها. وها هم بنو يعرب يتداعون على السلام معهم تداعي الفراش على النار. وها هو (الليكود الحاكم) بغطرسته واستكباره يؤكد منطلقاته المعروفة، وقومنا مازالوا سادرين في وهم السلام المزعوم، فماذا هم فاعلون يا ترى أمام الحزب المتطرف سوى المزيد من السقوط، والمزيد من الانحدار. وها هو (نتنياهو) شامخاً بأنفه أمام ناخبيه، وأمام (الكونجرس (و (إيباك) في أمريكا، وحينما وجد نوعاً من الرفض لتوجهه جاء لمصر، فأظهر التنازل عن بعض لاءاته وأصر على بعضها، وفي الوقت نفسه: يرسل مندوباً منه لبعض الدول العربية؛ ليبقى توجه التطبيع مع (إسرائيل) قائماً. يا قومنا: لن يوقف الرجل ودولته ومن وراءهما سوى عودتنا إلى الحق، وصدق منطلقاتنا، ووحدة صفنا، وبث روح الجهاد الحقة في شعوبنا.. وحينها سيعرفون من هم! .. وبأي دينٍ يصطدمون. فلماذا لا تعطى القوس باريها؟ ! !

стр. 2286

جمادى الأولى - ١٤١٧هـ أكتوبر - ١٩٩٦م (السنة: ١١)

стр. 2287

دراسات شرعية حتى يكون حجنا مبرورا بقلم: فيصل بن علي البعداني رتب الله (تعالى) أجراً عظيماً على الحج المبرور، دل عليه رسوله بقوله: ( ... والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [١] . والحج المبرور: ما توسع فيه العبد بأعمال الخير، إذ معاني البر تعود إلى معنيين [٢] : ١- الإحسان إلى الناس وصلتهم، وضده العقوق، وفي الحديث: (البر: حسن الخلق) [٣] ، وفي المسند عن جابر مرفوعاً: (قالوا: وما بر الحج يا رسول الله ﷺ ؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام) [٤] . ٢- التوسع في الطاعات وخصال التقوى، وضده الإثم؛ ومنه قوله (تعالى) : [أََتَاًمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أََنفُسَكُمْ] [البقرة: ٤٤] ، قال القرطبي: (الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي: أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل) [٥] . وعلى ذلك: فليس كل من حج البيت كان حجه مبروراً، بل الأمر كما قال ابن عمر ﵄ لمجاهد حين قال: (ما أكثر الحاج) قال: (ما أقلهم، ولكن قل: ما أكثر الركب) [٦] . ومن أجل تفاوت الناس في الحج، فسأحاول في هذه السطور ذكر أبرز الأمور التي تعين الحاج، ليكون حجه مبروراً بإذن الله، ومن ذلك: أولاً: الإخلاص والمتابعة: لا صحة ولا قبول للأعمال إلا بما يلي: ١- الإخلاص لله (تعالى) وإرادة وجهه وحده، قال الله (تعالى) في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [٧] ، وقد كان يحذر من ضد ذلك، فيدعو مستعيناً بربه قائلاً: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة) [٨] . ٢- متابعة العبد للنبي ﷺ في كافة أعماله، قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [٩] ؛ ولذا: كان يقول في الحج: (لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) [١٠] ، ولقد استوعب الصحابة ﵃ ذلك الأمر، فقال الفاروق حين قبّل الحجر: (أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استلمك ما استلمتك، فاستلمه) [١١] . ثانياً: الاستعداد للحج: تهيئة العبد نفسه واستعداده للحج من أهم الأمور التي تعينه على أداء النسك على الوجه المشروع، وتجعل حجه مبروراً، ولعل أبرز الجوانب التي ينبغي أن يستعد بها المرء للحج ما يلي: ١- إصلاح العبد ما بينه وبين الله (تعالى) بالتوبة النصوح بشروطها المعروفة. ٢- الاستعانة بالله (تعالى) وطلب توفيقه، وإظهار الافتقار إليه، والخوف منه، والرجاء فيه، إذ إنه مع أهمية الاستعداد المادي للحج إلا أنه لا يجوز للمرء الركون إلى الوسائل المادية وحدها. ٣- تحلل العبد من الحقوق والودائع التي لديه، وقضاء الديون أو استئذان من عُرِف عنه من أصحابها حرص وشدة طلب. ٤- كتابة العبد لوصيته؛ إذ السفر مظنة تعرض الإنسان للخطر. ٥- إعداد العبد النفقة الكافية لمن يعول إلى وقت رجوعه، ووصيته لهم خيراً، واستخلاف من يقوم بشؤونهم، وذلك حتى يكون همّه متجهاً لأداء النسك. ٦- اختيار الراحلة المناسبة، وانتخاب النفقة الطيبة الحلال، لأن النفقة الحرام من موانع الإجابة، عند الطبراني مرفوعاً: (إذا خرج الرجل حاجّاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه من السماء: لبيك وسعديك؛ زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى: لبيك، ناداه مناٍد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور) [١٢] . ونحن الآن في زمن تفشت فيه المكاسب الحرام إلا من رحم الله، وكثرت فيه الأموال المشبوهة، فليتق كلّ عبد ربه، وليتذكر قوله: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) [١٣] . ويستحب للعبد الإكثار من التزود بالنفقة الحلال على وجه يمكنه معه من التوسع في الزاد دون الحاجة إلى الناس، والرفق بالضعفاء. ٧- اختيار الرفقة الصالحة التي تعينه إذا ضعف، وتذكره إذا نسي، وتعلمه إذا جهل، وتأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر. وليحذر العبد من صحبة صنفين: الصحبة الفاسدة التي تقود إلى المعصية، وتعين على الباطل. صحبة البطالين الذين يقضون أوقاتهم فيما لا يعود عليهم بالنفع في الآخرة. ٨- التفقه في أحكام النسك وآدابه، والتعرف على أحكام السفر، من حيث: القصر، والجمع، والتيمم، والمسح على الخفين ... إلخ؛ قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) [١٤] . ومما يعين العبد على ذلك: التزود بما يحتاج إليه من كتب أهل العلم وأشرطتهم، ومصاحبة أهل العلم بالمناسك، وأهل المعرفة بأماكن وأوقات الشعائر. ثالثاً: استشعار حقيقة الحج وغاياته: إدراك العبد لحقيقة الحج، والحكم والأسرار التي شرعت الشعائر من أجلها يهيئه ليكون حجه مبروراً؛ إذ القيام بذلك بمثابة الخشوع في الصلاة، فمن كان فيها أكثر خشوعاً كانت صلاته أكثر قبولاً، وكذلك الحج: كلما استوعب المرء حقيقة الحج، وروحه، والحكم والغايات التي شرع من أجلها، واتخذ ذلك وسيلة لتصحيح عقيدته وسلوكه.. كلما كان حجه أكثر قبولاً وأعظم أجراً واستفادة، ولن يتمكن أحد من ذلك ما لم يقم بتهيئة نفسه، ويستغرق في التأمل والبحث عن أسرار الحج وحكمه، أما من لم يكن كذلك، فيخشى أن يكون عمله مزيجاً من السياحة والمتاعب لا غير. ولعل من أبرز الحكم والغايات التي ينبغي أن يستشعرها الحاج ما يلي: ١- تحقيق التقوى: الغاية من الحج تحقيق التقوى، ولذا: نجد ارتباط التقوى بالحج في آيات الحج بشكل واضح جلي، قال (تعالى) : [وَأََتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.... وَاتَّقُوا اللَّهَ..] [البقرة: ١٩٦] [وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى..] [البقرة: ١٩٧] . ٢- تأصيل قضية التوحيد في النفوس وتأكيدها: يرتكز الحج على تجريد النية لله (تعالى) وإرادته بالعمل دون سواه، قال (تعالى) [وَأََتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ] [البقرة: ١٩٦] ، وقال في ثنايا آيات الحج: [فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ..] [الحج: ٣٠، ٣١] : وفي التلبية (وهي شعار الحج) جاء إفراد الله بالنسك صريحاً: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) [١٥] ، كما أن الحج يرتكز على توحيد المتابعة للرسول وعدم الوقوع في شرك الطاعة، إذ لا مجال للتنسك في الشعيرة بالأهواء والعوائد، بل لا بد من التأسي به والأخذ عنه. ٣- تعظيم شعائر الله وحرماته: من أبرز غايات الحج وحكمه تربية العبد على استحسان شعائر الله وحرماته، وإجلالها ومحبتها، والتحرج من المساس بها أو هتكها، قال الله (تعالى) في ثنايا آيات الحج: [ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] [الحج: ٣٢] .. ٤- التربية على الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة، ومن ذلك: (أ) العفة: قال الله (تعالى) : [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ..] [البقرة: ١٩٧] والرفث: هو الجماع ودواعيه من القول والفعل. (ب) كظم الغيظ وترك الجدال والمخاصمة: قال الله : [ولا جِدَالَ فِي الحَجِ] [البقرة: ١٩٧] ، قال عطاء: (والجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك، والأظهر أن المراد بنفي الجدال في الآية: (نفي جنس) مراد به المبالغة في النهي عن الجدال المذموم فقط، وهو النزاع والمخاصمة في غير فائدة شرعية. (ج) الرفق واللين والسكينة: قال عندما سمع زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل في الدفع من مزدلفة: (أيها الناس: عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع (يعني الإسراع) [١٦] . (د) إنكار الذات والاندماج في المجموع: في الحج ينكر العبد ذاته ويتجرد عما يستطيع أن يخص نفسه به، ويندمج مع إخوانه الحجيج في اللباس والهتاف والتنقل والعمل. (هـ) التربية على تحمل تبعة الخطأ: ويظهر ذلك جليًّا في الفدية الواجبة على من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام عمداً، وعلى من أخطأ الوقوف بعرفات، أو دفع إلى مزدلفة قبل غروب الشمس ... إلخ. (و) التربية على التواضع: ويظهر ذلك جليّاً في الوحدة بين جميع الحجيج في الشعائر والمشاعر، وإلغاء أثر الفوارق المادية بينهم من لغة ودم ومال ... إلخ، وقد كان من خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع: (يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) [١٧] . (ز) التربية على الصبر بأنواعه: حيث يلجم العبد نفسه عن الشهوات بترك محظورات الإحرام، ويمنعها عن بعض المباحات (في غير الإحرام) ، ويعرضها للضنك والتعب في سبيل امتثال أوامر الله بأداء النسك وإتمامه؛ فيكون ذلك دافعاً إلى ترك المعاصي، وامتثال الطاعات، وتحمل الأذى في سبيل ذلك بعد الحج. ح) البذل والسخاء: وهذا واضح في تحمل العبد لنفقات الحج. ٥- التذكير باليوم الآخر: يُذكّر الحج العبد باليوم الآخر وما فيه من مواقف وأهوال بشكل واضح جلي، ومن ذلك: * خروجه من بلده ومفارقته لأهله: يذكره بمفارقته لهم حال خروجه من الدنيا إلى الآخرة. * التجرد من المخيط والخروج من الزينة: يذكره بالكفن وخروج العباد من قبورهم يوم القيامة حفاة عراة غرلاً. * الترحال والتعب: يذكرانه بالضيق والضنك في عرصات القيامة، حتى إن من العباد من يلجمه العرق يومئذ إلجاماً. ٦- التربية على الاستسلام والخضوع لله (تعالى) : يتربى العبد في الحج على الاستسلام والانقياد والخضوع والطاعة المطلقة لله رب العالمين، سواء في أعمال الحج نفسها، من: التجرد من المخيط، والخروج من الزينة، والطواف، والسعي، والوقوف، والرمي، والمبيت، والحلق (أو التقصير (ونحو ذلك من الأمور التي قد لا تكون جلية المعنى، بل قد تكون إلى الأمر المجرد الذي ليس فيه لنفس العبد حظ ورغبة ظاهرة، أو فيما تحمله تلك الأعمال في طياتها من ذكريات قديمة من عهد إبراهيم ﵇ ، وما تلاه من استسلام وخضوع، وإيثار لمحاب الله (تعالى) ، ومرضاته على شهوات النفس وأهوائها. ٧- تعميق الأخوة الإيمانية، والوحدة الإسلامية: يجتمع الحجاج على اختلاف بينهم في اللسان والألوان والأوطان والأعراق في مكان واحد، وزمان واحد، بمظهر واحد، وهتاف واحد، لهدف واحد، هو: الإيمان بالله (تعالى) ، والامتثال لأمره، والاجتناب لمعصيته، فتتعمق بذلك المحبة بينهم، فيكون ذلك دافعاً لهم إلى التعارف، والتعاون، والتفكير، والتناصح، وتبادل الخبرات والتجارب، ومشجعاً لهم للقيام بأمر هذا الدين الذي جمعهم، والعمل على الرفع من شأنه. ٨- ربط الحجيج بأسلافهم: تحمل أعمال الحج في طياتها ذكريات قديمة: من هجرة إبراهيم (عليه السلام) وزوجه وابنه الرضيع إلى الحجاز، وقصته حين أُمر بذبح ابنه، وبنائه للبيت، وأذانه في الناس بالحج حتى مبعث نبينا (محمد) ، والتذكير بحجة الوداع معه حيث حج معه ما يربو على مئة ألف صحابي، وقال لهم: (خذوا عني مناسككم) ، ثم توالت العصور الإسلامية إلى وقتنا الحاضر حيث تربو أعداد الحجيج على أكثر من ألفي ألف من المسلمين؛ مما يجعل الحاج يتذكر تلك القرون ممن شهد أرض المشاعر قبله، ويتأمل الصراع العقدي الذي جرى بين الموحدين والمشركين فيها، وما بذله الموحدون من تضحية بالأنفس ومتع الحياة من أهل ومال وجاه، وما قام به المشركون من عناد وبغي ودفاع عن مصالح أنفسهم وشهواتها؛ ليدرك أسباب هلاك من هلك ونجاة من نجا، فيحرص على الأخذ بأسباب النجاة، ويعد نفسه امتداداً للناجين من الأنبياء والصالحين، ويحذر من أسباب الهلاك، ويعد نفسه عدوًّا للمجرمين، ويستيقن أن العاقبة للمتقين، ويرى بمضي من حج من تلك الأقوام إلى ربهم أن مصير الجميع واحد، وأنهم كما رحلوا فسيرحل هو، فيعتصم لكي ينجو ويسلم بين يدي الله بالتقوى. ٩- الإكثار من ذكر الله (تعالى) : المتأمل في شعائر الحج من تلبية وتكبير وتهليل ودعاء ... إلخ، وفي نصوص الوحيين التي تتحدث عنه، يجد أن الإكثار من ذكر الله (تعالى) من أبرز حكم الحج وغاياته، ولعل من تلك النصوص قوله (تعالى) : [فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ] [البقرة: ١٩٨] وقوله: (إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار: لإقامة ذكر الله في الأرض) [١٨] . ١٠- التعود على النظام والتربية على الانضباط: في الحج قيود وحدود والتزام وهيئات لا يجوز للحاج الإخلال بها، تعوده حب النظام والمحافظة عليه، وتربيه على الانضباط بامتثال الأمر وترك النهي، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جلية. ١١- منافع أخرى: ومنافع أخرى دنيوية وأخروية، فردية وجماعية، تجل عن الحصر، يدل عليها تنكير المنافع، وإبهامها في قوله : [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ] ... [الحج: ٢٨] نسأل الله (تعالى) أن يهيء لنا من أمرنا رشداً وأن يكتب لنا منها أوفر الحظ والنصيب. رابعاً: الحذر من مقارفة المعاصي والوقوع في الأخطاء: لا يحصل للعبد بر الحج إلا بمجانبة المعاصي والحذر منها، ومع أن مقارفة الذنوب والمعاصي مَنْهِيّ عنها في كل وقت، إلا أن الله (تعالى) أمر مَن حج بتركها، فقال : [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِ] [البقرة: ١٩٧] وذلك لشرف الزمان وعظمة المكان، قال (تعالى) : [وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] [الحج: ٢٥] فكيف يكون جزاء من فعل وقارف؟ ! والمتأمل في واقع الناس في الحج يجد الكثير من المنكرات والأخطاء الناتجة عن: ضعف الخوف من الله، وعدم مراعاة حرمة الزمان والمكان، الناتجة عن الجهل بالشرع واتباع الأعراف والعوائد، ولعل من أبرز ما يتفشى في الحج من المنكرات والأخطاء: ارتكاب محظورات الإحرام عمداً بغير عذر وأذية المسلمين بالقول والفعل، وترك التناصح والأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وتأخير الصلاة عن وقتها، والغيبة، والنميمة، واللغو، والجدال، وقيل وقال، والإسراف أو التقتير في النفقة، والعبث بالأطعمة، وسوء الخلق، والتهاون في الذنوب: كإطلاق النظر، والاستماع إلى ما لا يحل، ومزاحمة النساء للرجال، وكشفهن لما لا يجوز كشفه، والتعجل أو التأخر عند أداء المناسك في الأوقات الشرعية المحددة لها، وعدم مراعاة حدود الأمكنة التي لا يجزئ أداء أعمال الحج خارجها ... إلخ. فما أغبن من بذل نفسه وماله وبدل حاله وجماله فيرجع بالمحرمات وغضب الرحمن، قال الشاعر: يحج لكيما يغفر الله ذنبه ... ويرجع وقد حطت عليه ذنوب خامساً: الاجتهاد في الطاعة واستغلال الوقت: وردت في ثنايا آيات الحج إشارات تحث العبد على الاستكثار من الطاعات وقت أداء النسك، ومن ذلك قوله : [وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] [البقرة: ١٩٧] ولعل من أهم الطاعات التي ينبغي أن يستكثر منها العبد ويشغل بها وقته أثناء النسك: ١- أعمال القلوب: من: إخلاص، ومحبة، وتوكل، وخوف، ورجاء، وتعظيم، وخضوع، وإظهار افتقار، وصدق في الطلب والمسألة، وتوبة، وإنابة، وصبر، ورضا وطمأنينة ... ونحو ذلك من أهم ما ينبغي أن ينشغل به العبد في حجه، إذ مدار الإسلام عليها، قال ابن القيم: (ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب وأنها لا تنفع بدونها) [١٩] . ٢- قراءة القرآن والذكر والاستغفار: وقد أمر الله الحجيج بالذكر والاستغفار في ثنايا آيات الحج، وقال حاثًّا على التلبية والذكر: (ما أهل مهل ولا كبر مكبر قط إلا بُشّر) [٢٠] وقد روي أن النبي ﷺ سئل: (أي الحاج أفضل؟ قال: أكثرهم لله ذكراً) [٢١] . ٣- بذل المعروف: قال ابن رجب: (ومن أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج: ما وصى به النبي ﷺ أبا جُرَيّ الهجيمي فقال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شِسْع النعل، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك المسلم فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوَحشان في الأرض) [٢٢] وفي الحديث الآخر: قيل: يا رسول الله، من أحب الناس إلى الله؟ قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) . ٤- الدعوة إلى الله : ينتشر الجهل بين الحجيج، وتنتشر بدع ومنكرات وأخطاء كثيرة في الحج، مما يوجب على العلماء والدعاة القيام بما يجب عليهم من إرشاد، ونصح، وتوجيه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، قال شجاع بن الوليد: (كنت أحج مع سفيان، فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذاهباً وراجعاً) [٢٣] . ٥- الدعاء والمسألة: الحج من مواسم المسألة والدعاء العظيمة التي ينبغي استغلالها والتضرع بين يدي الله فيها، قال: (خير الدعاء دعاء عرفة) [٢٤] وقال: (الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم) [٢٥] . سادساً: الاستقامة.. الاستقامة: ودليل الحج المبرور استقامة المسلم بعد الحج، ولزومه الطاعة وتركه للمعصية، قال الحسن البصري: (الحج المبرور: أن يرجع زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، ويشهد لذلك قوله (تعالى) : [وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ] [محمد: ١٧] . فلتحذر أخي من أن تهدم ما بنيت، وتشتت ما جمعت، وتبدد ما حَصّلت، فتنتكس بعد الاهتداء، وترتكس بعد النقاء. وتذكر أن الحج يهدم ما قبله من ذنوب، وأنك بحجك ترجع كيوم ولدتك أمك، فإياك أن تقابل الله بعد هذه النعمة بالمعصية، وافتح صفحة جديدة من حياتك مع الله ملؤها الطاعة، وعنوانها الاستقامة.. والله يتولاني وإياك.

стр. 2288

كلمة صغيرة الموضوعية الضائعة الصحوة الإسلامية التي تعني العودة إلى الإسلام عقيدة ومنهج حياة ظاهرة ملموسة لكل منصف، غير أن أعداء هذا الدين يتجاهلونها وينفرون منها عن حقد وبغض؛ لما يحمله المنتمون لها من تصور عقدي يرفضون معه كل الأطاريح المنحرفة، وعلى رأسها: التوجهات العلمانية من يسارية ويمينية، والعجيب: أن المنحى العلماني بلغ به التطرف في الرأي: أن يُدّعى ظلماً وعدواناً بأن كل منتمٍ لهذه الصحوة كائناً من كان فهو متطرف وإرهابي، ومن هذا المنطلق: نرى أن الموقف المتشنج والعدائي لهذه الصحوة ينبثق من ذلك التصور الظالم من مثل: (فرج فودة) و (فؤاد زكريا) و (سعيد العشماوي) وأضرابهم، الذين يتعاونون كما هو واضح مع الحاكمين بأمرهم لحرب هذه الصحوة ومحاولة القضاء عليها. الأعجب: أن تظهر بوادر موضوعية في الموقف من هذه الصحوة من مفكرين وكتاب غربيين، منهم على سبيل المثال لا الحصر الباحث الفرنسي: (فرانسوا بورجا) في كتابه: (الصحوة الإسلامية تجاهنا) ، الذي دعا فيه إلى إعادة النظر في الآراء المسبقة السلبية والمعادية للصحوة الإسلامية، ومطالبته بفهم أطاريحها على ضوء استشراف آفاق المستقبل. أين موضوعية العلمانيين العرب الذين لا يعرفونها إلا حينما يتعرض واحد منهم للنقد، وحين يحال للمحاكمة لتجاوزه وانحرافه عن الجادة، كما حدث في محاكمة المدعو نصر أبو زيد؟ ، فهم يريدون إيهام القارئ بأن المذكور صاحب علم ورأي حر، وهو أبعد ما يكون عن ذلك، بل هو حاطب ليل، مهما أرادوا أن يلمعوه.

стр. 2289

افتتاحية العدد محاكمة مجرمي الحرب بين (نورمبرج) و (لاهاي) فعالية الأولى.. وعجز الأخرى الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد: فإن للإنسان حقوقاً معتبرة، جاء بها الإسلام، حيث كفلت الشريعة الإسلامية له المكانة اللائقة، وحرمت إلحاق الأذى المادي والمعنوي به، وهيأت للجميع الأمن والطمأنينة والمحافظة على حياتهم ورد أي اعتداء عليهم: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، حرمة يومكم هذا) [أخرجه ابن ماجه، كتاب المناسك] (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه ... ) [اخرجه الترمذي وابن ماجة، وأحمد في المسند] ، حتى إن الإنسان بإيمانه أعظم حرمة من بيت الله الحرام: (ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك ... ) ... [اخرجه ابن ماجة، كتاب الفتن] . وبقيت حقوق الإنسان المسلم لها قدرها لا يمسها أحد بسوء يوم كان للإسلام قوته ومكانته، وحينما فرط أكثر المسلمين في مصدر عزتهم نتيجة بعدهم عن دينهم، وتنحيتهم لشريعة ربهم، وأخذهم بالأنظمة والدساتير المستوردة: تحولوا إلى أتباع، واستبيحت بلدانهم، وانتهكت أعراضهم وصارت دماؤهم أرخص الدماء على يد المستعمرين وأذنابهم. ومع ما تعرض له المسلمون في جل البلدان التي احتلها أولئك الأعداء، وما قاموا به من قتل واعتقال وتهجير إبان استعمارهم: فإن ذلك لم يوقظ إنسانيتهم، ولم يدفعهم ذلك لإنصاف المسلمين حتى بعد ظهور ما سمي بـ (وثيقة حقوق الإنسان) بعد نشوء هيئة الأمم المتحدة، ولم يظهر موضوع (محاكمة مجرمي الحروب) إلا بعد الحرب العالمية الثانية لمحاسبة النازيين الذي أذاقوا دول الغرب أمرّ العذاب في عنفوان قوتهم إبان حكم هتلر حيث أحيل إلى المحاكمة ثلاثة وعشرون من كبار قادة الحزب النازي الألماني من المدنيين والعسكريين بعد انتصار الحلفاء، وتدميرهم ألمانيا، ودخول جيوشهم (برلين) ، وإصرارهم على أن تكون المحاكمة في مدينة (نورمبرج) مقر الحزب النازي طيلة خمسة وعشرين عاماً، شهدت صعود وارتقاء الحكم الهتلري، لتشهد هذه المدينة نفسها انهيار النازيين وسقوطهم، وتمت المحاكمة ابتداء من ٢١/١٠/١٩٤٥م، وانتهت إلى تثبيت التهم التالية عليهم: ١- التآمر ضد السلام وانتهاك حرمة المعاهدات والاتفاقات الدولية. ٢- التواطؤ على ارتكاب جرائم ضد السلام. ٣- انتهاك قوانين الحروب وتنفيذ أعمال القتل والتخريب وقتل الرهائن. ٤- اقتراف جرائم ضد الإنسانية. يقول د/ج. م. جلبرت في كتابه (محاكمات نورمبرج) بعد أن ساق التهم آنفة الذكر: إنه يستنتج من بين السطور تهمة خامسة لكنها في نظر المحكمة على ما يبدو تهمة أولى تغطي على كل التهم، وهي: مشاركة المتهمين فيما يزعم في مذابح اليهود في ألمانيا وبولونيا. واستمرت المحاكمة على أشدها وبدون أي كلل حتى إعلان النطق الأخير بالحكم في الجلسة الختامية على النحو التالي: ١- الإعدام لأحد عشر متهماً. ٢- البراءة لثلاثة منهم. ٣- أحكام مختلفة لبقية المتهمين. ونفذ الإعدام في مساء اليوم نفسه مع الاعتراضات القانونية التي قدمت على تلك المحاكمة، من حيث التكييف القانوني للمحاكمة، وعدم وجود سوابق لها، وضرورة أن تكون المحاكمة (عسكرية) . لقد عانى المسلمون في جل ديار الإسلام مما سمي بـ (الاستعمار) لبلدانهم، وانتهكت حريات شعوبهم، وسرقت خيرات بلدانهم، وتعرض مجاهدوهم للإعدام بتهمة المقاومة للمحتلين، ولم تنتهك حرمات أحد مثلما انتهكت حرمات المسلمين وبلدانهم، و (البوسنة والهرسك) أقرب شاهد ملموس يعرفه القاصي والداني عبر كل وسائل الإعلام؛ حيث بلغ فيها العدوان الصربي ذروته والاستهتار الدولي أقصاه حيال تلاعب الصرب بقرارات هيئة الأمم المتحدة وانتهاكها لما سمته بالمناطق الآمنة، وقيامهم بالإعدامات الجماعية التي يعرفها الجميع.. ولم يُنصَف المسلمون حتى بعد عقد (اتفاق دايتون) للسلام، الذي ألغى بصورة فعلية قيام دولة إسلامية في أوروبا، حيث جعل البوسنة اتحاداً مع الكروات، وقبل المسلمون ذلك على مضض؛ خوفاً من الاستئصال الذي كان يجري بمباركة الهيئة الأممية والدول الكبرى، ومع أن ذلك الاتفاق تضمن محاكمة مجرمي الحرب في البلقان جميعهم، إلا أن الأمر استقر على محاكمة زعيمي الصرب: (كرادتيش) و (ميلاديتش) ، وفي يوم الثلاثاء الموافق ٢٠/١٢/١٤١٦هـ بدأت محاكمة مجرمي حرب البوسنة في لاهاي (حيث توجد محكمة العدل الدولية) ومن المتوقع استمرارها طويلاً؛ لتتقصى! انتهاكات الصرب بحق المسلمين! ! ، وقد اتخذت إجراءات مبدئية بعزل المجرمَين الكبيرين من العمل السياسي، وبدأت المحاكمات على استحياء، مع أفراد من مجرمي الحرب، وبقي الأسبوع الأول حافلاً بنشر الأخبار حول إثبات ونفي موضوع (استقالة كراديتش) والحقيقة هي: ما قاله نائب الرئيس البوسني: (أصبحت الأسرة الدولية رهينة كراديتش وقائده العسكري) . لقد كانت متابعة ومعالجة هيئة الأمم المتحدة لهذه القضية لينة باردة وربما متواطئة مع استهتارهم بقرارات الهيئة، وتلك الصورة إفراز واضح لازدواجية المعايير التي تمارسها الهيئة تجاه حقوق المسلمين. إن المحاكمة لمجرمي الحرب في (نورمبرج) استمرت بكل حماس ومتابعة جادة، وصدرت القرارات بصورة سريعة وحازمة مع ملاحظاتهم على قانونية المحاكمة كما سبقت الإشارة إليه، أما محاكمات (لاهاي) الأخيرة لمجرمي حرب البلقان فقد بدأت على استحياء، وربما تأثر إيقاعها بتهديد الصرب بأنهم سيقتلون جنود هيئة الأمم المتحدة في حالة إلقاء القبض على زعيمهم وقائده العسكري. إن القوة والحزم بل الظلم مع المسلمين، والتساهل والاستهتار مع غيرهم: ظاهرة ملموسة جعلت الهيئة في موقف مشبوه في إجراءاتها، مما يجعلنا غير متوقعين لأي إنصاف منها لحل قضايا المسلمين.. وسيتضح للجميع أن محاكمة (لاهاي) مهزلة في بداياتها، وفي أثنائها، وربما في نهاياتها، وهذا ما قد توضحه الأيام، لأن الهيئة قامت على أساس ظالم، فرق بين الدول، وأوجد (دولاً كبرى) لها حق النقض لكل ما لا تريده، وهناك أساليب أخرى لتمرير ما تريده تلك الدول بوسائل الضغوط والتهديد باتخاذ مواقف بعينها لمصالحها. نحن لا ننتظر الإنصاف من هيئة الأمم المتحدة ولا من منظماتها، لذا لا نتوقع منها قرارات حازمة سوى ضد المسلمين. بينما يعربد الصهاينة مثلاً ويعتدون ولا يصدر ضدهم أي قرار بالعقوبات؛ لكننا نذكر أبناء أمتنا بأن عزتهم ومنعتهم لن تكون إلا بتجمعهم وتعاونهم، وبأن تكون منطلقاتهم هي أصول دينهم الحق بفهم سلفنا الصالح، وأنهم ما داموا (شذر مذر) فهم عالة على من سواهم، وسيكونون مُنْتَهَكِين في كرامتهم ومسلوبين في حقوقهم، لأن إذلالنا هدف أعدائنا الذين يعملون له، كما قال (تعالى) : [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] .

стр. 2290

دراسات شرعية الوسائل وأحكامها في الشريعة الإسلامية بقلم: د.عبد الله التهامي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.. أما بعد: فمن القضايا الملحّة: معرفة فقه الوسائل، وأحكام التوصل إلى المقاصد الشرعية، خاصة مع تكاثر الوسائل في هذا العصر وتجددها بصورة مذهلة أخّاذة، ويمكن الإشارة إلى أهمية بحث هذا الموضوع في الآتي: ١) أن الوسائل ربع التكليف؛ إذ التكليف إما نواهٍ أو أوامر، فيدخل في النواهي: المفاسد وأسبابها وهي الذرائع، ويدخل في الأوامر: المصالح وأسبابها وهي الوسائل. ٢) أن في معرفة الوسائل وكيفية الاستفادة منها فتحاً لآفاق الإنتاج والإبداع، وقبضاً لمعاقد الأمور، واستمساكاً بجادة الطريق، وسيراً على سواء الصراط. ٣) أن في العمل بالوسائل المنضبطة بالضوابط الشرعية: راحة للبال، وطمأنينة للنفس، وابتعاداً عن الهوى وحظوظ النفس، وتجرداً للحق، واتباعاً للشرع، فيكون العمل بذلك أدعى للصدق والإخلاص، وأقرب لالتماس الأجر والثواب. ٤) بفقه الوسائل يمكن تقدير حجم الخلافات الواقعة في عدد كبير من وسائل الإصلاح ومناهج التغيير والبناء، ومن ثم: الإجابة على أسئلة يكثر طرحها، مثل: وسائل الدعوة هل هي توقيفية أم اجتهادية؟ وما الفرق بين البدع والوسائل؟ وهل الغاية تبرر الوسيلة؟ . المسألة الأولى: معنى الوسائل لغة واصطلاحاً: معنى الوسائل في اللغة: [١] الوسائل والوُسُل: جمع وسيلة، والوسيلة: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، والوسيلة أخص من الوصيلة لتضمن الوسيلة لمعنى الرغبة. وتأتي الوسيلة في اللغة لمعانٍ عدة، منها: المنزلة عند الملك، والدرجة، والقرابة، والرغبة، وتأتي بمعنى السرقة. معنى الوسائل في اصطلاح الأصوليين: وللأصوليين في معنى الوسائل اصطلاحان: عام، وخاص: فالوسائل في الاصطلاح العام هي: الطرق المفضية إلى المصالح والمفاسد، وبعبارة أخرى: هي الطرق المؤدية إلى المقاصد. قال القرافي: (وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل، وهي: الطرق المفضية إليها) [٢] . ويلاحظ في هذا التعريف: ١- اتفاق الاصطلاح العام للوسائل مع المعنى اللغوي. ٢- أن الاصطلاح العام للوسائل يطلق في مقابلة المقاصد. ٣- يدخل في الوسائل بالاصطلاح العام أمران: * الطرق المؤدية إلى المصالح، كالأسباب والشروط الشرعية. * الطرق المؤدية إلى المفاسد، كالحيل الباطلة، والذرائع المفضية إلى الحرام. أما الوسائل في اصطلاح الأصوليين الخاص فهي: (الطرق المفضية إلى تحقيق مصلحة شرعية) . ويلاحظ في الاصطلاح الخاص للوسائل: ١- أن فيه تقييداً للمعنى اللغوي للوسيلة؛ إذ هو خاص بالوسيلة المؤدية إلى المصالح دون الوسيلة المؤدية إلى المفاسد. ٢ - أن الوسائل بالمعنى الخاص تطلق في مقابل الذرائع بالمعنى الخاص. ٣ - أن الوسائل بالمعنى الخاص يدخل فيها كل ما يتوقف عليه تحقيق المصالح الشرعية وتطبيق الأحكام المرضية، من: لوازم، وشروط، وأسباب، وانتفاء موانع، وصيغ وألفاظ [٣] . المسألة الثانية: الفرق بين الوسائل والذرائع: الذرائع كالوسائل لها معنيان عام وخاص. فالذرائع بالإطلاق العام: كل ما يتذرع به سواء إلى المصالح أو إلى المفاسد [٤] . والذرائع بهذا الإطلاق تتفق مع الوسائل في الإطلاق العام، ويرجع ذلك إلى اتفاق اللفظتين في المعنى اللغوي؛ إذ الذريعة والوسيلة لغةً بمعنى ما يتوصل به إلى الشيء. أما الذرائع في الاصطلاح الخاص فهي: الطرق المفضية إلى المفاسد. ومعنى قاعدة سد الذرائع [٥] : أن الفعل المباح إذا كان ذريعة إلى محرم فالشارع يحرم هذه الذريعة وإن لم يُقصد بها المحرم؛ لكونها مفضية إليه. قال ابن تيمية: (والذريعة: ما كانت وسيلة وطريقاً إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم) [٦] . ولمنع الذريعة قيود ثلاثة [٧] : أ- أن يؤدي الفعل المأذون فيه إلى مفسدة. ب- أن تكون تلك المفسدة راجحة على مصلحة الفعل المأذون فيه. ج- أن يكون أداء الفعل المأذون فيه إلى المفسدة غالباً. مثال ذلك: أن الله نهى عن سب آلهة الكفار مع كونه من مقتضيات الإيمان بألوهيته (سبحانه) ، وذلك لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله عَدْواً وكفراً على وجه المقابلة، قال (تعالى) : [وَلا تَسُبُّوا الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] [الأنعام: ١٠٨] . وقاعدة سد الذرائع يقابلها على وجه الدقة قاعدة فتح الذرائع، وهي: طلب تحصيل الوسائل المؤدية إلى المصالح. وبذلك: يتبين أن الذرائع في الاصطلاح الخاص تقابل الوسائل في الاصطلاح الخاص [٨] ، فالذرائع هي طرق الشر والفساد، والوسائل هي طرق الخير والصلاح. والمطلوب شرعاً في الذرائع: سدها ومنعها؛ سعياً لمنع المفاسد وإبطالها. كما أن المطلوب بقاعدة سد الذرائع: إبطال الحيل [٩] ؛ إذ الحيل ذرائع يتوصل بها إلى الحرام. قال ابن القيم: (وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة؛ فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة. فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم، إلى من يعمل في التوصل إليه؟) [١٠] . والحيل: منها ما هو جائز بل واجب، ومنها ما هو محرم، وهو الغالب في عرف الفقهاء. قال ابن القيم: (فالحيلة جنس، تحته: التوصل إلى فعل الواجب، وترك الحرام، وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي، وتحته: التوصل إلى استحلال المحرم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات، ولما قال النبي ﷺ : (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) [١١] غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم. وكما يذم الناس أرباب الحيل فهم يذمون أيضاً العاجز الذي لا حيلة عنده؛ لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه. فالأول: ماكر مخادع، والثاني: عاجز مفرط، والممدوح غيرهما، وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيّها وظاهرها؛ فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به، فيحترز منها، ولا يفعلها، ولا يدل عليها، وهذه كانت حالات سادات الصحابة ﵃ [١٢] . والمقصود بالحيل التي يتوصل بها إلى المقاصد المحمودة: الوسائل المنضبطة بالضوابط الشرعية. أما التحيل الممنوع فهو: (أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه، بأن يأتي بسببٍ نَصَبَه الشارع سبباً إلى أمر مباح مقصود؛ فيجعله المحتال سبباً إلى أمر محرم مقصود اجتنابه) [١٣] . مثال ذلك: أن بني إسرائيل لما حُرم عليهم صيد الحيتان يوم السبت نصبوا البرك والحبائل للحيتان قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل، فلما انقضى يوم السبت أخذوها؛ فمسخهم الله إلى صورة القردة [١٤] ، قال (تعالى) : [وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذْ تَاًتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاًتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] [الأعراف: ١٦٣] . جدول يبين أوجه الاتفاق والافتراق بين الوسائل والذرائع -------------------------------------------------------------------------- أوجه الاتفاق أو الافتراق الوسائل الذرائع ----------------------------------------------------------------------------------------- ١- المعنى اللغوي ... كل ما يتوصل به ٢- الاصطلاح العام ... الطرق المؤدية إلى المصالح والمفاسد ٣- الاصطلاح الخاص الطرق المؤدية إلى المصالح الطرق المؤدية إلى المفاسد ٤- المقصد المتوسل إليه مصلحة ... مفسدة ٥- حكم العمل بكلٍّ مطلوب ... ممنوع ٦- اعتبار النية لابد من القصد إلى ... لا يشترط القصد إلى المفسدة القصد المتوسل إليه ----------------------------------------------------------------------------------------- المسألة الثالثة: أقسام الوسائل: أولاً: تنقسم مطلق الوسائل بالنظر إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار أو بالإلغاء إلى ثلاثة أقسام: ١- وسائل معتبرة شرعاً، وهي: كل ما أمر به في الكتاب أو السنة أمْر وجوب أو استحباب، وهذه الوسائل كلها مصالح أو أسباب للمصالح لا للمفاسد. ٢- وسائل ملغاة شرعاً، وهي: كل ما نهي عنه في الكتاب أو السنة نهي تحريم أو كراهة، وهذه الوسائل كلها مفاسد أو أسباب للمفاسد لا للمصالح. قال الشاطبي في بيان هذين القسمين: (فإذن: لا سبب مشروعاً إلا وفيه مصلحة لأجله شُرع، فإن رأيته وقد انبنى عليه مفسدة: فاعلم أنها ليست ناشئة عن السبب المشروع. وأيضاً: فلا سبب ممنوعاً إلا وفيه مفسدة لأجلها مُنع، فإن رأيته وقد انبنى عليه مصلحة فيما يظهر: فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب الممنوع. وإنما ينشأ عن كل واحد منها: ما وُضع له في الشرع إن كان مشروعاً، وما منع منه إن كان ممنوعاً. وبيان ذلك: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلاً لم يقصد به الشارع إتلاف نفس ولا مال، وإنما هو أمر يتبع السبب المشروع لرفع الحق وإخماد الباطل؛ كالجهاد، ليس مقصوده إتلاف النفوس، بل إعلاء الكلمة؛ لكن يتبعه في الطريق الإتلاف: من جهة نصب الإنسان نفسه في محل يقتضي تنازع الفريقين وشهر السلاح وتناول القتال) [١٥] . ٣- وسائل مسكوت عنها، وهي: الوسائل المرسلة، وضابطها: كل ما سكت عنه الشارع أو أباحه، وهذا القسم من الوسائل هوالمقصود بالبحث في هذا المقام. ثانياً: تنقسم الوسائل بالنظر إلى درجة إفضائها إلى المقصود إلى ما يأتي [١٦] : وسائل قطعية الإفضاء، ووسائل غالبة الإفضاء، ووسائل كثيرة الإفضاء، ووسائل محتملة الإفضاء، ووسائل نادرة الإفضاء. والمقصود: أن درجة الإفضاء قضية نسبية، تختلف من وسيلة إلى أخرى، ومن مقصد إلى آخر، وتختلف أيضاً باختلاف الأحوال، والأشخاص، والأزمنة، والأمكنة. ثالثاً: تنقسم الوسائل بالنظر إلى تعيّنها أو عدمه في تحقيق المقصد إلى: ١- وسيلة متعينة؛ إذ لا توجد وسائل أخرى يتحقق بها هذا المقصد إلا هذه الوسيلة فقط؛ فأشبهت هذه الوسيلة في تعيّنها: الواجب المعين والفرض المعين، وذلك كالسفر إلى مكة لمن أراد الحج بالنسبة إلى البعيد؛ فإنه وسيلة لا بد منها لتحقيق المقصود وهو الحج. ٢- وسيلة غير متعينة؛ يتحقق المقصد بها أو بغيرها من الوسائل، فهذه الوسيلة أشبهت الواجب المخير، أو المطلق والفرض الكفائي، وذلك من جهة تعدد الوسائل وتخيّر المكلف ما شاء منها؛ كالسفر إلى مكة للحج بالنسبة إلى البعيد، فإنه مقصد يتحقق بأكثر من وسيلة: بالسفر برّاً، أو جوّاً، أو بحراً. رابعاً: تنقسم الوسائل بالنظر إلى نوعها إلى: لوازم، وأسباب، وشروط، وانتفاء موانع، ومكملات، وسيأتي الكلام على هذه الأقسام عند الكلام على مقدمة الواجب. خامساً: تنقسم الوسائل بالنظر إلى قربها من المقصد إلى: ١- وسائل إلى المقصود. ٢- وسائل إلى وسائل المقصود. وقد بيّن هذين القسمين العز بن عبد السلام ﵀ ، فقال: (وهذان قسمان: أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه؛ كتعريف التوحيد، وصفات الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد، والتوسل إليه من أفضل الوسائل. القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة؛ كتعليم أحكام الشرع؛ فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام، التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبة والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد [١٧] . وقال في موضع آخر: (والحقوق كلها ضربان: أحدهما: مقاصد، والثاني: وسائل، ووسائل وسائل) [١٨] . إذا علم ذلك: فإن جميع المقدمات والوسائط والتدابير المفضية إلى مقصدٍ ما: تدخل تحت مسمى الوسائل، ويمكن أن نمثل لذلك بالمسلم الذي وجب عليه الحج من أهل الصين، فإنه لكي يؤدي فريضة الحج يلزمه مثلاً فعل الآتي: تحصيل التكاليف المادية الكافية لهذه الرحلة، ثم تسجيل اسمه في قائمة الراغبين في الحج من وقت مبكر، ثم الحصول على التصريح بالحج من الجهات الرسمية، ثم اختيار وسيلة السفر ولتكن هي طائرة وحجز مقعد فيها، ثم الاستعداد للسفر بتهيئة لوازم السفر وأغراضه الخاصة، مع الحرص على الحضور في موعد الانطلاق، وعدم التأخر، ثم صعود الطائرة، ثم إكمال إجراءات الإقامة عند الوصول ... إلى غير ذلك. والحاصل: أن جميع هذه الأعمال التي لا بد من فعلها إما أن تكون وسائل مباشرة في تحقيق المقصد، أو تكون وسائل غير مباشرة، بل هي تفضي إلى وسائل وسائل وسائله، والقاعدة: أن وسائل الوسائل وسائل. المسألة الرابعة: خصائص الوسائل: لكي تتميز الوسائل عن المقاصد، ولا تلتبس بها: فإن الوسائل تنفرد بالخصائص التالية: ١- أن كون الشيء وسيلة من الأمور النسبية؛ بمعنى: أن الشيء قد يكون وسيلة باعتبار، ومقصوداً باعتبار آخر. قال الشاطبي: (والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض، وإن صح أن تكون مقصودة في أنفسها) [١٩] وذلك كالجهاد؛ فهو وسيلة إلى إعزاز الدين ومحو الكفر، وهو مقصد يتوسل إليه بالإعداد والاستعداد [٢٠] . ٢- أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لذاتها؛ بل هي مقصودة من حيث كونها محققة لمقصد آخر، والقاعدة: أن الأسباب مطلوبة لأحكامها لا لأعيانها [٢١] . قال الشاطبي: (وقد تقرر أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها، وإنما هي تبع للمقاصد؛ بحيث لو سقطت المقاصد: سقطت الوسائل، وبحيث لو تُوصل إلى المقاصد دونها لم يُتوسل بها، وبحيث لو فرضنا عدم المقاصد جملة؛ لم يكن للوسائل اعتبار، بل كانت تكون كالعبث) [٢٢] . ٣- أن شرط اعتبار الوسيلة من حيث كونها وسيلة: ألاّ يعود هذا الاعتبار على المقصد بالبطلان. مثال ذلك: أن المصلي إذا لم يجد ساتراً صلّى على حالته، وسقط عنه ستر العورة، وذلك: أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها فلا يصح اعتبارها عند ذلك، لأمرين [٢٣] : أ- أن في إبطال الأصل إبطال للتكملة؛ لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف، فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضاً، فاعتبار التكملة على هذا الوجه مؤدٍّ إلى عدم اعتبارها، وهذا محال لايتصور، وإذا لم يتصور لم تعتبر التكملة، واعتبر الأصل من غير مزيد. ب- أنه لا مقارنة بين مصلحة الأصل ومصلحة تكملته، فلو خُيّرنا بينهما لكان حصول مصلحة الأصل مع فوات مصلحة التكملة أولى من حصول التكملة فرضاً مع فوات الأصل. ٤- إذا علم أن الوسائل غير مقصودة لذاتها، فإنها إذا بطلت لايلزم من بطلانها بطلان الأصل؛ كالموصوف مع أوصافه، ومن المعلوم أن الموصوف لا يرتفع بارتفاع بعض أوصافه. مثال ذلك: الصلاة إذا بطل منها الذكر والقراءة أو التكبير ... أو غير ذلك مما لا يعد ركنا لأمر؛ لا يبطل أصل الصلاة إلا إذا كانت الصفة ذاتية، بحيث صارت جزءاً من ماهية الموصوف، فهي إذ ذاك ركن من أركان الماهية وقاعدة من قواعد ذلك الأصل، وينخرم الأصل بانخرام قاعدة من قواعده، كما في الركوع والسجود ونحوهما في الصلاة بالنسبة للقادر عليهما [٢٤] . ٥- وعلى العكس مما سبق: فإن الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها [٢٥] ؛ إذ هي بالنسبة للأصل كالصفة مع الموصوف، ولا بقاء للصفة مع ارتفاع الموصوف [٢٦] . والقاعدة: أنه كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة من حيث هي وسيلة إليه [٢٧] . ويقرب من ذلك قولهم: (الفرع يسقط إذا سقط الأصل) كالحائض؛ لا تقضي رواتب الصلاة التي فاتتها أيام الحيض [٢٨] . قال العز بن عبد السلام: (ولا شك بأن الوسائل تختلف بسقوط المقاصد؛ فمن فاتته الجمعة والجماعات أو الغزوات سقط عنه السعي إليها؛ لأنه استفاد الوجوب من وجوبهن، وكذلك تسقط وسائل المندوبات بسقوطهن؛ لأنها استفادت الندب منهن) [٢٩] . ٦- أن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد [٣٠] . فمن ذلك: قولهم: (مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبداً) [٣١] ، وقولهم: (التابع لا يتقدم المتبوع) كالإمام مع المأموم [٣٢] . ولما كانت مرتبة الوسائل أدنى من مرتبة المقاصد حصل التساهل في حكم الوسائل؛ فمن ذلك: قولهم: (يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد) [٣٣] ، وقولهم: (يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها) [٣٤] ، وقريب منها: (يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً) ، كالصلاة عن الغير: تجوز تبعاً لا قصداً، وذلك في ركعتي الطواف في الحج عن الغير، وكجواز بيع الحمل مع أمه تبعا لا استقلالاً [٣٥] . ٧- أنها مبنية في الحكم عليها بالصحة أو البطلان على الأدلة الكلية والقواعد العامة؛ كالاستصلاح، وقاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به) ، ومتى شهد للوسيلة دليل خاص بالاعتبار لم تكن وسيلة مرسلة، بل هي والحالة كذلك مصلحة شرعية، ومتى شهد للوسيلة دليل خاص بالإلغاء كانت مفسدة أو ذريعة إلى مفسدة. والحاصل: أن الوسائل لا حظّ لها من أدلة الشرع الخاصة. ٨- أنها منتشرة واسعة؛ يصعب حصرها، وتتعذر الإحاطة بها، لا سيما مع تجدد النوازل، واختلاف الأحوال، وتطاول الزمان، فلا بد لها من أصول تجمعها، وضوابط تعتبر بها. ٩- أنها محتملة الإفضاء إلى مقاصدها؛ فقد يقطع بإفضائها، وقد يكثر، وقد يبعد، بل قد يمتنع فيما إذا كانت موهومة، وهذا بخلاف المصالح والمفاسد الشرعية: فإنها كما تقدم مفضية إلى مقاصدها. ١٠- أنها قد تكون اجتهادية؛ ذلك أنها في كثير من الأحيان تخضع لآراء المجتهدين ونظر المكلفين: فما يعتبره بعضهم وسيلة مناسبة قد لا يعتبره بعضهم، ومهما كان هذا الخلاف واقعاً في دائرة المسائل الاجتهادية فلا تثريب على المختلفين فيما اختلفوا فيه.

стр. 2291

دراسات شرعية تحديد أوقات الصلاة بقلم: عبد الله الإسماعيل لقد عظّم الله (جل وعلا) شأن أوقات الصلاة، كما قال (تعالى) : [إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً] [النساء: ١٠٣] ؛ ولذا: فإن العاجز عن فعل بعض شروط الصلاة وواجباتها كالطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة، والقيام، والركوع: فإنه يصلي في الوقت على أي حال يستطيعه ولو أمكنه فعلها بعد الوقت بتمام الشروط والواجبات. وكذا الأمر في صلاة الخوف، بل حتى في حال القتال والمطاحنة فإنهم يصلون إيماءً مع إمكانهم أن يصلوها تامةً بعد خروج الوقت؛ كل ذلك محافظة على وقت الصلاة [١] . فإذا انضم إلى ذلك: جهل كثير من المسلمين بأوقات الصلوات الخمس، كان طرق هذا الموضوع ومدارسته بالغ الأهميّة. أولاً: وقت صلاة الظهر: أجمع أهل العلم على أن دخول وقت الظهر بزوال الشمس عن كبد ... السماء [٢] . وينتهي على القول الصحيح إذا صار ظلّ كل شيء مثله سوى ظلّ الزوال؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن جبريل أمّ النبي في يومين، فصلّى الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وصلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظلّ كل شيء مثله، ثم قال جبريل: (يا محمد: هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين اليومين) [٣] . مسألة: يعرف الزوال بزيادة الظلّ بعد تناهي قصره، وبيان ذلك: أن الشمس إذا طلعت صار لكل شاخص ظلّ طويل من جهة المغرب، ولا يزال الظل يقصر مع ارتفاع الشمس، حتى يتوقف عن النقصان، والشمس في وسط السماء، فإذا بدأ بالزيادة ولو شعرة فهو الزوال. وإذا أردت ضبط آخر وقت الظهر: فضع علامة عند بداية الزيادة، واحسب مقدار طول الشاخص من عند العلامة لا من الشاخص، والظل الذي يكون بين الشاخص والعلامة هو الذي يسميه الفقهاء بظل الزوال، أو بفيء الزوال؛ أي: الظل الذي زالت عليه الشمس [٤] . ثانياً: وقت صلاة العصر: يدخل وقت العصر بخروج وقت الظهر؛ أي من مصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعاً: (ثم إذا صليتم الظهر فإنه وقت إلى أن يحضر العصر) [٥] . أما آخر وقت العصر ففيه خلاف قوي بين العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن آخره إذا صار ظلّ كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، وما بعده إلى غروب الشمس فوقت ضرورة [٦] . القول الثاني: أن آخره إذا اصفرت الشمس، وما بعده إلى غروب الشمس فوقت ضرورة. القول الثالث: أن العصر ليس له وقت ضرورة، بل كله وقت جواز إلى غروب الشمس. والراجح هو القول الثاني، وهو مذهب المالكية [٧] ، وقول الإمام أبي ثور، ورواية عن الإمام أحمد، وهي أصح عنه [٨] ، واختيار شيخ الإسلام ... ... ابن تيمية [٩] ﵏ . والدليل عليه: ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما) مرفوعاً: (فإذا صليتم العصر: فإنه وقت ما لم تصفر الشمس) . أمّا وقت الضرورة فالدليل عليه مجموع حديثين: الأول: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (متفق عليه) . والثاني: حديث أنس ﵁ قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها) [١٠] . فحديث أنس يدل على أن تأخير العصر إلى قرب غروب الشمس أمر مذموم، لكن من أخرها إليه فصلاته أداء؛ لحديث أبي هريرة ﵁ ، وهذا هو وقت الضرورة. ويكون حديث عبد الله بن عمرو ﵄ محدداً لنهاية وقت الاختيار وبداية وقت الضرورة. أما حديث ابن عباس ﵄ في إمامة جبريل للنبي، وفيه أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظلّ كل شيء مثله، وصلّى به في اليوم الآخر حين كان ظلّ كل شيء مثليه، وفي آخر الحديث قال جبريل: (يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين اليومين) : فإنه لا يعارض حديث عبد الله بن عمرو ﵄ ؛ لأن حديث عبد الله بن عمرو دلّ على زيادة في وقت العصر فوجب الأخذ بها. وبهذا الترجيح تجتمع الأدلة ولا تتعارض. ثالثاً: وقت صلاة المغرب: أجمع أهل العلم على أن أول وقت المغرب إذا غربت الشمس [١١] . أما آخر وقتها: فالراجح وهو قول الجمهور أنه ينتهي بمغيب الشفق الأحمر، والأدلة عليه كثيرة، منها: ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: (فإذا صليتم المغرب: فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق) . عن أبي موسى الأشعري ﵄ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة ... ثم أمره [يعني: بلالاً] [١٢] ، فأقام المغرب حين وقعت الشمس ... ) وفي اليوم الثاني: ( ... أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق) .. ثم أصبح فدعى السائل: فقال: (الوقت بين ... هذين) [١٣] . أما حديث ابن عباس ﵄ في إمامة جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه صلى المغرب في اليومين حين غربت الشمس، فإنه محمول على تأكيد الاستحباب وكراهية التأخير، جمعاً بينه وبين الحديثين المتقدمين وما في معناهما، وعلى فرض التعارض: فإن حديثيّ ابن عمرو وأبي موسى مقدمان؛ لأنهما متأخران، فيبينان آخر الأمر بالمدينة [١٤] . وهنا تنبيهان: الأول: أن المراد بالشفق الوارد في الأحاديث هو الشفق الأحمر لا الأبيض، والأدلة على ذلك كثيرة: قوله: (ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق [١٥] أخرجه مسلم، والثّوَرَان إنما يطلق على الحمرة دون البياض [١٦] . قول ابن عمر ﵄ : (الشفق: الحمرة) [١٧] . الثاني: أن مغيب الشفق يكون بعد مضي ساعة إلى ساعة وربع تقريباً من غروب الشمس في الجزيرة العربية وأن وقت المغرب يزيد وينقص مع تغير الوقت صيفاً وشتاءً، خلافاً لما يتصوره بعض الناس أن وقت المغرب ساعة ونصف ثابت لا يتغيّر. رابعاً: وقت صلاة العشاء: أجمع أهل العلم على أن وقت العشاء يبدأ بمغيب الشفق [١٨] ، والمراد بالشفق هو الحمرة على الأرجح من قولي العلماء كما سبقت الإشارة إليه. أما آخر وقت العشاء ففيه خلاف قوي: القول الأول: أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر. القول الثاني: أن وقت العشاء ينتهي بانتصاف الليل. القول الثالث: بالتفصيل؛ فوقت الاختيار ينتهي بانتصاف الليل، وما بعده فوقت ضرورة إلى طلوع الفجر. والراجح هو القول الثاني: أنه ينتهي بانتصاف الليل، وليس له وقت ضرورة، وهو قول ابن حزم [١٩] ﵀ وبعض الشافعية [٢٠] وبعض الحنابلة [٢١] ، واختاره من العلماء المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ... (حفظه الله) [٢٢] . والدليل عليه: حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (فإذا صليتم العشاء: فإنه وقت إلى نصف الليل) أخرجه مسلم. واستدل القائلون بأن ما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر وقت للعشاء إما وقت اختيار، أو وقت ضرورة بحديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله - ﷺ قال: (أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) [٢٣] . فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أن كل وقت متصل بالآخر، وعليه: فإن وقت العشاء لا يخرج إلا بدخول وقت الفجر. والجواب عن هذا الاستدلال أن يقال: إن حديث أبي قتادة عام مخصوص بغيره، فكما خصّ منه وقت الفجر فإنه غير متصل بالظهر بالإجماع [٢٤] ، فكذا يُخَصّ منه أيضاً وقت العشاء بالسنة، كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي يدل على انتهاء وقت العشاء بانتصاف الليل. وهنا ثلاثة تنبيهات: الأول: يتوهم كثير من الناس أن الليل ينتصف عند الساعة الثانية عشرة، وهذا تصور خاطئ، والصواب: أن انتصاف الليل يُعرف بمضي نصف الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فإذا كانت الشمس تغرب الساعة السادسة، والفجر يطلع الساعة الرابعة، فإن نصف الليل يكون الساعة الحادية عشرة تماماً، وبه يخرج وقت العشاء. الثاني: يؤخر بعض الناس وخاصّة النساء صلاة العشاء إلى ما قبل النوم، ويكون التأخير في بعض الأحيان إلى ما بعد نصف الليل، وهذا خطأ كبير ينبغي التنبّه له وتحذير الآخرين منه. الثالث: أن راتبة العشاء وهي ركعتان بعد العشاء يخرج وقتها بانتهاء وقت العشاء، وبعض الناس قد يؤخرها إلى آخر الليل، وحينئذ يكون فعلها قضاءً لا أداءً. خامساً: وقت صلاة الفجر: أجمع العلماء على أن وقت الفجر يدخل بطلوع الفجر الثاني [٢٥] . قال ابن قدامة [٢٦] : (وهو البياض المستطيل المنتشر في الأفق، ويسمّى الفجر الصادق) . ويخرج وقت الفجر بطلوع الشمس، لدليلين: الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس) أخرجه مسلم. الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أدرك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) متفق عليه. ومما ينبغي التنبه له: أن بعض التقاويم الموجودة ليست دقيقة في بداية وقت الفجر، فتتقدم الوقت بنحو عشر دقائق أو ربع ساعة، ولذا: ينبغي أن ينتبه الأئمة في عدم التعجل بإقامة صلاة الفجر، وكذا: بعض النساء في البيوت اللواتي يصلين الفجر من حين سماع الأذان، فعليهن الانتظار والاحتياط، فلا يصلين إلا بعد مضي عشرين أو خمس وعشرين دقيقة. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.

стр. 2292

في إشراقة آية [وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً] [*] بقلم: عبد الكريم بكار تشعر أمة الإسلام اليوم بغربة حقيقية بين الأمم المعاصرة، وتجد نفسها فريدة ومتميزة على مستوى المبادئ والمفاهيم والأهداف؛ وهذا التميز والتأبي على السير في ركاب القوى العظمى جرّ عليها ضغوطاً أدبية ومادية، هي أكبر مما نظن بكثير. إن أدبياتنا تعلمنا أن الأسلوب الصحيح في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته لايكمن في التشاغل بالرد عليها؛ مما قد يجرنا إلى معارك خاسرة، وإنما يتمثل في الانكفاء على الداخل بالإصلاح والتنقية والتدعيم ... ولا ريب أن ذلك شاق على النفس؛ لأن المرء آنذاك ينقد نفسه، ويجعل من ذاته الحجر والنحّات في آن واحد! والآية الكريمة التي نحن بصددها معْلم بارز في التأصيل لهذا الانكفاء، ولعلنا نقتبس من الدوران في فلكها الأنوار التالية: ١- إن كثيراً من النصوص يوجهنا نحو الانكفاء على الداخل في مواجهة الخارج بالنقد والإصلاح والتقويم والتحسين، وإن المتتبع للمنهج القرآني في قصِّه أحوال الأمم السابقة يجد أن ما ذكره القرآن الكريم من أسباب انقراضها واندثار حضاراتها لا يعود أبداً إلى قصور عمراني، أو سوء في إدارة الموارد واستغلالها؛ وإنما يعود إلى قصور داخلي، يتمثل في الإعراض عن منهج الله (جلّ وعلا) واستدبار رسالات الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذه الحقيقة بارزة في جميع أخبار الأمم السابقة؛ حتى يتأصل في حسِّ القارئ للكتاب العزيز إعطاء الأولوية لصواب المنهج قبل أي شيء آخر. وحين حلّت الهزيمة بالمسلمين في أحد، وقال بعض الصحابة (رضوان الله عليهم (: كيف نُهزَم ونحن جند الله؟ ! جاء الجواب: [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] [آل عمران: ١٦٥] فالهزيمة وقعت بسبب خلل داخلي، وليس بسبب شراسة الأعداء، وكثرة عددهم وعتادهم؛ إذ لا ينبغي تضخيم العدو إلى الحد الذي يجعل تصور هزيمته شيئاً بعيداً؛ فالعدو بَشَر له أحاسيسه، وله موازناته ومشكلاته، وبالتالي إمكاناته أيضاً، وفي هذا يقول (سبحانه) : [إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ كَمَا تَاًلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ] [النساء: ١٠٤] . ٢- ترمي الآية الكريمة إلى تدعيم (الذاتي) في مقابل (الموضوعي) ؛ إذ تعلِّم المسلم أنه إذا ساءت الظروف فإن عليه أن يُحسِّن من ذاته؛ لأن من المعروف أنه حين تسوء الظروف، فإن الغالب أن يسوء الإنسان نفسه، ولذلك: فإنه يحدث في حالات الفقر الشديد نوع من التحلل الخلقي من نحو: السرقة، والرشوة، وسؤال الناس، والذل، والتحايل، والغش، والبخل، وقطيعة الرحم ... والمطلوب من المسلم آنذاك: أن يقف (وقفة رجل) فيضغط على نفسه، ويضبط سلوكه ويُلغي أو يؤجل بعض رغائبه، ويقتصد في نفقاته، حتى تمر العاصفة، وينتهي الظرف الاستثنائي. ومن النصوص الواضحة في تدعيم الشخصية عند صعوبة الظروف قوله: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [١] . لم نكن على مدار التاريخ نمتلك الوعي الكافي بهذه الحقيقة، فبدل أن نلجأ إلى التربية والتوجيه والتعاضد والتراحم، واكتساب عادات جديدة، واقتلاع المشكلات من جذورها.. كنا نواجه التفسخ الاجتماعي والانحراف السلوكي بأمرين: القوة، ومزيد من القوانين، حيث كانا أقرب الأشياء إلينا تناولاً، وأقلها تكلفة حسب ما يبدو وقد عبّر عمر بن عبد العزيز ﵀ عن هذه الحقيقة حيث قال: (يحدث للناس من الأقضية على مقدار ما يُحدثون من الفجور) . ونحن نقول: إن شيئاً من التوسع في الأنظمة والتشريعات الرادعة يحدث عند جميع الأمم، حين يقع تهديد خطير لأمن الناس وحقوقهم، لكن الجزاءات والعقوبات هي أشبه شيء بالتدخل الجراحي في العلاج الطبي، فهو آخر الحلول، وعند اللجوء إليه ينبغي أن يتم في أضيق الحدود! . إن العقوبات الرادعة إنما وجدت لمن فاتتهم التنشئة الاجتماعية القويمة؛ والعقوبات لا تنشيء مجتمعاً لكنها تحميه. وهذه رؤية إسلامية جلية، فآيات الأحكام والعقوبات جزء منها لا تشكل أكثر من عُشْر آيات القرآن الكريم، أما الباقي فكان يستهدف البناء الإيجابي للإنسان من الداخل. إن التجربة علمتنا أن كثرة القوانين وتعقيدها تصب دائماً في مصلحة الأقوياء، وتزيد في قيود الضعفاء! ، وأن البطش لا يحل المشكلات، لكن يؤجلها، فيكون حال المجتمع كمن يأكل عن طريق الدّين، فهو ينتقل من سيء إلى أسوأ! ! . إن الدولة الفاضلة هي التي تدير مجتمعها بأقل قدر ممكن من العنف واستخدام القوة؛ لأنها ترتكز أساساً على استخدام الأساليب والأدوات السلمية في الضبط والإدارة. إن الآية الكريمة تعلمنا مرة أخرى: أن النصر الخاص يسبق النصر العام، وأن الأمة المنتصرة على أعدائها هي أمة حققت نصراً داخليّاً أولاً، وحقق كل واحد من أفرادها نصراً خاصّاً على صعيده الشخصي قبل كل ذلك. ٣- لا ينبغي لنا أن نفهم نصّاً من النصوص بمعزل عن المنظومة التي ينتمي إليها، ويعالج معها مشكلة واحدة؛ والنص الكريم هنا يوجهنا إلى أمرين: الصبر، والتقوى. ويعني الصبر: احتمال المشاق والديمومة في تأدية التكاليف الربانية، مهما كانت الظروف قاسية؛ لأن ذلك نصف النصر، إذ إن نصف الفوز يأتي من جهودنا، وقبله من توفيق الله (تعالى) لنا، والنصف الثاني يأتي من أخطاء أعدائنا. إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة كما هو مفهوم العوام لكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة، وقد جرت العادة أن الناس حين يرون إنساناً متفوقاً: يطلبون منه حلولاً سريعة لمشكلاتهم المتخمرة والمتأسنة؛ والحلول السريعة تفضي في كثير من الأحيان إلى اليأس والإحباط، أو إلى الاندفاع والتهور؛ مما يعقِّد المشكلة أكثر مما يحلها! . إن من المهم أن ندرك أن ثمة أوضاعاً كثيرة لا نستطيع أن نفعل حيالها الآن شيئاً، لكن إذا قلنا: ماذا نستطيع أن نفعل تجاهها خلال عشرين عاماً، فسوف نرى أننا نستطيع أن نفعل أشياء كثيرة جدّاً، فكأن الصبر استخدام للوقت في الخلاص من أوضاع لا نستطيع الآن أن ننجح في الخلاص منها. حقيقةُ ضرورة اقتران الصبر بالعمل والحركة للخلاص من الأوضاع الصعبة حقيقة قرآنية لامعة، نطقت بها الكثير من الآيات القرآنية، مثل قوله (سبحانه) : ... [ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [النحل: ١١٠] ، وقوله (سبحانه) : [يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] [البقرة: ١٥٣] ، وقوله (تعالى) : ... [فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً] [الإنسان: ٢٤] . إن احتمال المعاناة دون حركة للخلاص من مسبِّباتها قد يكون ضرباً من اليأس والاستسلام، وقد يكون ضرباً من العجز أو قصر النظر أو ضيق الأفق ... وهذا ما لا يرضى الله (جل وعلا) لعباده المؤمنين منه شيئاً. أما التقوى فتعني هنا بصورة أساسية: نوعاً من الحصانة الداخلية من التأثر بالظروف السيئة المحيطة؛ إذ إن الهزائم العسكرية والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية.. كل ذلك محدود الضرر ما لم يغير من المبادئ والأخلاق والنفوس والسلوك، بل إنها تصلّب روح المقاومة، وتُكسب الخبرة، وتكشف عن الأجزاء الرخوة في البناء الداخلي، وتحطِّم هيبة العدو في النفوس. وقد مرّت أمم كثيرة بأقصى مما نمر به، لكنها استطاعت عن طريق الانتفاضة النفسية والشعورية، أن تتجاوز المحن، وتنبعث من جديد! . ٤- إن المفهوم الأساسي للصبر والتقوى هنا هو: تهذيب الذات وتحسينها، وتدعيمها، والرقي بها؛ وهذا التدعيم يأخذ أشكالاً كثيرة، منها: المزيد من الالتزام الصارم، ومقاومة الشهوات، والتعاون، والمفاتحة، والمراجعة، والتضحية، والمواساة لبعضنا بعضاً، والحفاظ على رأس المال الوطني، والاقتصاد في الاستهلاك.. إنه يعني اكتساب عادات جديدة، من نحو تكثيف القراءة الجيدة، والنظر دائماً إلى المستقبل بعقل مفتوح، وتحسين العلاقات مع الآخرين، والإكثار من المعروف والنوافل، إلى جانب التخلص من أكبر قدر ممكن من العادات السيئة، مثل عدم الدقة وخلف الوعد، وتأجيل أعمال اليوم إلى أوقات أخرى ... ٥- يركز الخطاب الإسلامي بصورة عامة على تدعيم الذاتي في كل الأحوال، وقلما يتطرق إلى علاج الظروف العامة التي يعيش فيها المسلم، ومن ثم: فإننا نجده يؤكد على الصلاح واستقامة السلوك والانتهاء عن المناهي ... أما تناول الشروط الموضوعية الضرورية لاستجابة المسلم للدعوة فإنه ضعيف، وعلى بعض الأصعدة معدوم، وهو على كل حال فقير، وتنقصه الخبرة والدربة. إن بين الإنسان والظروف والأوضاع الحياتية العامة التي يعيشها علاقة جدلية ... فهو يؤثر فيها ويتأثر بها، ولا بد للدعاة من أن يدركوا أن الفرد المسلم لا يستطيع أن يبتعد مسافات كبيرة عن الوضعية العامة للمجتمع، وذلك التباعد مرهق ومكلف؛ فحين يكون كسب القوت الضروري لا يتأتى للسواد الأعظم من الناس إلا عن طرق محرمة أو ملتوية مثلاً فإن الذين سوف يستجيبون لنداء (اللقمة الحلال) سيكونون قلة، وسوف تظل مبادئهم في حالة اختبار دائم، وربما أدخلهم ذلك في مشكلات مع أقرب الناس إليهم. ولهذا: فكما أن محاولات تحسين المستوى الشخصي للمسلم يظل ضروريًّا وحيويّاً، فإن تحسين المناخ العام ينبغي أن يظل موضع عناية واهتمام؛ إذ ليس المطلوب تحقيق شروط الدعوة الجيدة، وإنما تحقيق شروط الاستجابة ... ... الناجحة أيضاً. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 2293

دراسات تربوية مقاصد التوبة دعوة إلى السير في مدارج الكمال (١ من ٢) بقلم: د.محمد عز الدين توفيق التوبة التي أمر الله بها عباده توبتان: توبة تغير السير، وتوبة تصحح السير، توبة يسلم بها العبد، وتوبة يجدد بها إسلامه، فالأولى توبة إسلام، والثانية توبة إحسان، والثانية منهما تكمل عمل الأولى؛ ذلك أن التحول الذي تحدثه التوبة التي تعقب الغفلة والضلال، وإن كان شيئاً ضخماً في مجال الأفكار والمعتقدات والمشاعر والأحاسيس والأقوال والأعمال، إلا أنها غير كافية لتحقيق كل ما ينتظر الإنسان بعد الهداية، فعندما ينهض بإصلاح ما فسد من أخلاقه وعاداته، وتقويم ما اعوج من أعماله وتصرفاته، ويتتبع بقايا الجاهلية في سلوكه: يكون قد شرع في التوبة الثانية، وإذا كانت التوبة الأولى تحدث مرة واحدة ويعيشها صاحبها في لحظة أو يوم، فإذا هو قد فصل بين عهدين من حياته، فإن التوبة الثانية تجديد مستمر، وعمل متواصل، وسعي دؤوب لتقليص هامش الإساءة بجميع صورها وتوسيع هامش الإحسان بكل أشكاله. إن توبة الهداية والإيمان تشبه الوقود اللازم لتشغيل محرك معطل عن العمل، وتوبة الإحسان هي الوقود الآخر الذي يحتفظ بالمحرك في حالة اشتغال حتى يبلغ صاحب السيارة مأمنه. وقد يقول قائل: إن الإسلام إنما تحدث عن توبة واحدة، فلماذا جعلتهما توبتين؟ والحقيقة: أننا لم نفرد التوبة الأولى عن الثانية بخصائص خاصة، فالرجوع إلى الله والإقبال عليه قاسم مشترك فيهما، ولكننا ميّزنا بين مرحلتين في حياة الإنسان، تحتاج كل منهما إلى توبة. وإنما دعانا إلى هذا التمييز: ما نراه عند كثير من المسلمين من التهاون في الارتفاع بإسلامهم وإيمانهم، فتجد الواحد منهم إذا كان قد حقق في أول التزامه بعض التحولات لا يكاد يزيد عليها شيئاً جديداً، مع العلم أن إحلال السنة محل البدعة والطاعة محل المعصية لا يتم بين يوم وليلة. لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ هكذا، فقد كان الواحد منهم إذا أسلم يخلع على عتبة الإسلام رداء الجاهلية ويشرع في إقصاء شوائبها من حياته، ويواصل الليل بالنهار والنهار بالليل، ليصل أقصى ما يستطيع الوصول إليه من درجات الإسلام. إن الكمالات التي جاء بها الإسلام وأمر بالمنافسة عليها كثيرة جدّاً، كما أن النقائص التي نهى عنها لا تنحصر، وإذا كان الشيطان يضع العوائق في وجه ابن آدم يمنعه بها من التوبة الأولى، فإنه يستأنف محاولته مع من أفلت منه وتاب إلى ربه ليعوقه عن التوبة الثانية، فيصرفه عن تجديد إسلامه لتستوي أيامه، وتضيع منه الفرص، وتتحول حياته إلى ركود، بل لا يتردد في جر الإنسان إلى الوراء والتقهقر إلى الخلف، فبعد أن كان يتقدم إذا به يتأخر. حوافز التوبة: إن دوافع التوبة إذا استقرت في قلب المسلم، وصارت جزءاً من العلم الذي في صدره، دفعته للأخذ بأسباب الهداية التفصيلية، بعد أن أكرمه الله (تعالى) بنعمة الهداية العامة، ويوجد بحمد الله (تعالى) أكثر من حافز لهذا التجديد الذي يرتقي بنا في درجات الكمال الممكنة، ويجعلنا دوماً في زيادة من ديننا، ويجعل من التوبة عمل اليوم والليلة. الحافز الأول: عموم الأمر بالتوبة والحث على تعجيلها: لقد أمر الله الناس كافة بالتوبة، وأمر بها المؤمنين خاصة، وهذا يعني أن أي إنسان مهما بلغ إيمانه، وتدينه واستقامته لا يستغني عن التوبة، فهي بداية السير ونهايته، يصبح فيها العبد ويمسي، ولا يدعها أبداً، لكن الناس يختلفون في موضوع التوبة: فقد يتوب عبد من الكفر، في الوقت الذي يتوب آخر من بدعة، وثالث من ذنب كبير، ورابع من صغيرة، وخامس من شبهة، وسادس من تقصير في فريضة أو نافلة، وسابع من ترك نصيحة أو غفلة عن ذكر أو تهاون في دعوة أو جهاد ... فهناك إذن أمر إلهي عام لعموم الناس ولعموم المؤمنين بالتوبة إليه، وهذا الأمر يجعل من التوبة ثوباً لا ينزعه العبد ما عاش، وإن نزعه لبعض الوقت عاد إليه من قريب. فمن الآيات التي خاطب بها (سبحانه) عباده جميعاً: قوله (تعالى) : [وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى] [طه: ٨٢] . وقوله (سبحانه) : [إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] [النساء: ١٧، ١٨] . ومن الأحاديث: قوله فيما رواه الترمذي وحسنه: (تُقبل توبة العبد ما لم يغرغر) ، والغرغرة: الاحتضار، وقوله فيما رواه مسلم: (إن الله (تعالى) يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) . أما الآيات التي خاطبت المؤمنين خاصة، فمنها قول الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً] [التحريم: ٨] ، وقوله : [وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [النور: ٣١] . ولايخفى أن التوبة التي أمر الله بها المؤمنين ليست توبة الإسلام والإيمان؛ فهم مسلمون مؤمنون، ولكنها توبة الإحسان التي تجدد إسلامهم، وتقوي إيمانهم، وتصلح ما فسد من أعمالهم وتقوِّم ما اعوج من تصرفاتهم. وما دامت الأخطاء واردة فالأمر بالتوبة قائم لا يجاوزه أحد، وهو في كل وقت على التعجيل والفور، لا التأخير والتراخي، وكل توبة قبل الموت فهي توبة من قريب، وكل ذنب فارتكابه جهالة. الحافز الثاني: التفكر الدائم في حقيقة الزمن: هناك حجاب كثيف من الغفلة يمنع أكثر الناس من إدراك حقيقة الزمن، فهم لا يرون في طلوع الشمس سوى بداية يوم جديد يربطون فيه الاتصال بمجموعة من الهموم الآنية والأغراض العاجلة، كما لا يرون في الليل سوى نهاية ذلك اليوم، ونادراً ما يتجاوزن هذا النظر القريب إلى نظر آخر بعيد، يبدو فيه تعاقب الليل والنهار درساً بليغاً، وموعظة، وذكرى للنفس: [وَهُوَ الَذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً] [الفرقان: ٦٢] . كل يوم يأتي هو فرصة لمن كان على قيد الحياة، فهذه الأيام لا تتعاقب بلا نهاية، بل لكل إنسان منها عدد محدود، يبدأ يوم ولادته، وينتهي يوم وفاته. إن قراءة الزمن على ضوء الآيات والأحاديث وأقوال أهل العلم والإيمان تنتهي بالعبد إلى نتيجة أخيرة، هي: أن أحسن ما يقدم بين يديه في هذه الأيام هو العمل الصالح، وأول عمل صالح يقدمه بين يديه هو التوبة الصادقة، فيقبل على ربه بالافتقار، ويعتذر إليه عن التقصير في القيام بواجب العبودية؛ لعل توبته تلك تشفع له بين يدي أعماله القليلة الهزيلة. إن دورة اليوم، ودورة الأسبوع، ودورة الشهر، ودورة العام: كل منها يعطي مثلاً لعمر الإنسان، قال الله (تعالى) : [اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] [الحديد: ٢٠] . ففي هذه الآيات تعريف للدنيا وما يفعل الناس فيها؛ فهي لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، ومثالها في سرعة الانقضاء كمثل النبات يتم دورته في مدة يسيرة: فبينما هو نبت صاعد أخضر، إذا هو هشيم أصفر. وقال النبي ﷺ فيما رواه الحاكم وابن المبارك في الزهد بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك) . ففي هذا الحديث: أن الزمن سريع الزوال، والدنيا فرص، إذا لم يغتنمها صاحبها فاتت وذهبت، فالشباب لا بد يأتي بعده الهرم، والحياة يأتي بعدها الموت. قال الحسن البصري: إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك، وإنما أنت بين راحلتين تنقلانك، ينقلك الليل إلى النهار، وينقلك النهار إلى الليل، حتى يسلمانك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابن آدم خطراً، والموت معقود بناصيتك، والدنيا تطوى من ورائك. لقد التفت الحسن البصري ﵀ في هذه القولة إلى البعد الزماني في تعريف الإنسان، فهو مجموعة من الأيام إذا مضى منها يوم مضى منه بعضه حتى ينتهي. لقد قال بعض العارفين يصف الدنيا: إنها أنفاس تُعد، ورحال تُشد وعارية ترد، والتراب من بعد ينتظر الغد، وما ثمّ إلا أمل مكذوب، وأجل مكتوب، فكيف يغفل مَن يَوْمُه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وعمره يقوده إلى أجله. إن التفكر في حقيقة هذا الزمن على ضوء تصور الإسلام للحياة الإنسانية ضروري للقيام بتجديد شامل ومستمر في الأفكار والأعمال، فهو يكشف له أن بضاعته في هذه الحياة هي الزمن، وكل يوم يبزغ فجره فرصة إمهال قد تكون الأخيرة وبعدها العذاب الشديد أو المغفرة والرضوان. إن هذا التفكر في ذلك البعد هو الذي يوقف داء التسويف الذي يعاني منه كثير من الناس عندما يَعِدون أنفسهم بالتوبة عدة مرات، ويقولون: غداً غداً، فيجيء الغد ويصير يوماً، ويصير اليوم من بعد ذلك أمساً، وهم على حالهم، مغترون بالعافية والستر، لا يذكرون ما بين أيديهم من أهوال وأخطار، حتى يفجأهم الموت في وقت لم يتوقعوه، ويصرعهم في يوم لم ينتظروه، فتفوتهم فرصة التوبة والتدارك. ولا يحسبن أحد أن التفكر الذي ندعو إليه هو تلك الأفكار السوداوية التي تدعو إلى التشاؤم بهذه الحياة، بل نحن ندعو إلى تأمل إيجابي فعال، تكون ثمرته إعادة النظر في عوائد الحياة، وتصحيح ما لا يتفق مع قيمتها وأمانة الاستخلاف فيها. إنه ما لم يستحضر الإنسان حقيقة الزمن بين عينيه بكل خطورتها فلن يتقدم خطوة واحدة في توبته، لكنه إن ذكر أن عمره ينقص ولا يزيد، وأنه يسعى في هدمه منذ نزل من بطن أمه، وأنه في كل يوم مودع.. تنبه وتيقظ، ولم يؤخر عمل اليوم إلى الغد؛ لأن للغد عمله. وما أدري وإن أَمّلتُ عمراً ... لعلي حين أصبح لست أمسي أَلم تر أَن كل صباح يوم ... وعمرك فيه أقصى منه أمس الحافز الثالث: النظر إلى الماضي: خلق الله الإنسان بقدرات عقلية متميزة، ومنها القدرة على التذكر، وهذه القدرة التي أوتيها الإنسان دون سائر الحيوانات ليست من أجل التعرف على الأشياء عند رؤيتها، أو من أجل إتقان المهن والحرف والمهارات، أو من أجل القراءة والكتابة ... أو غير ذلك من منافع الذاكرة فقط، بل هناك مهمة أخرى أسمى من هذا كله، هي: استرجاع الماضي بقصد المحاسبة والمراجعة، قال الله (تعالى) : [لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] [القيامة: ١، ٢] . والله إذا أقسم بشيء من مخلوقاته: فإما لأجل بيان قدرة هذا الشيء ومنزلته، أو للتنبيه على ما فيه من دلائل الحكمة الإلهية، وفي هذه الآية أقسم (سبحانه) بالنفس اللوامة تنبيهاً على هذه الآية العقلية، وهي: قدرة الإنسان على التفكير بعامة والتذكر بخاصة، وثانياً: تنويها بهذه النفس التي استعملت هذه القدرات العقلية فيما خلقت لها ولم تقصرها على جانب التسخير والانتفاع فحسب، فجعلتها للتفكر والمحاسبة والاعتبار أيضاً. إن الماضي لا يرجع، ولكن الإنسان يستطيع أن يسترجعه من الذاكرة، فإذا أحداثه حاضرة في وعيه وشعوره ينظر إليها، فإذا كان القصد من استرجاعها هو المحاسبة والمراقبة، فنحن أمام حافز آخر من حوافز التوبة. إن الذي ينسى ماضيه بمجرد مروره لا يمكن أن يصحح حاضره أو يخطط لمستقبله، لأنه يعيش عمراً متقطعاً منفصلاً بعضه عن بعض، ولكن الذي يرى عمره سلسلة واحدة متصلة الحلقات، يأخذ من ماضيه لحاضره، ومن حاضره لمستقبله، وهذا الذي يأخذه هو الدروس والعبر، وهو التجارب والخبرات، فالذي يفكر في ماضيه على ضوء الطموحات التي اختطها لنفسه في الحياة، وعلى ضوء الغاية التي يسعى إليها، وهي رضوان الله والجنة، يستقل طاعاته لا محالة، ولسان حاله في كل مرحلة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كذا ولتركت كذا، فيتدارك ما استطاع، ويعوض عما فات ويسابق الأيام في ذلك. بهذا يؤدي الماضي للمسلم الذي ينظر فيه مهمة جليلة؛ لأنه يتحول إلى ناصح وموجه، يدلي بمشورته عند الحاجة. وإذا كانت التوبة الصحيحة تمحو ما قبلها، فإن هذا لا يعني أن المسلم إذا تاب ينسى ما قدمت يداه: [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ] [الكهف: ٥٧] . لكنه بعد التوبة يحتفظ لماضيه بهذه المهمة الإيجابية، وهي: الحث على الاستدراك وإصلاح الأخطاء، وهذا معنى قول بعض العلماء: معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عجباً واستكباراً. الحافز الرابع: النظر إلى المستقبل: إذا كان الجسم الإنساني محصوراً في الحاضر، خاضعاً لسلطته: فإن القلب يستطيع أن يتحرر من هذه السلطة ليرتاد أغوار الماضي وآفاق المستقبل، فيرى حياته في أطوارها الماضية والحاضرة والمقبلة، والذي ينظر إلى حياته بهذا الشكل الممتد ولا يبقى سجين الحاضر هو الذي يرى عواقب الأمور في بداياتها، فيغنم خيرها، وينجو من شرها؛ لأنه يُعِد لكل أمر عدته ويلبس لكل حالة لبوسها، ويتصرف أمام كل موقف بما يناسبه، لا قبل الأوان ولا بعد الأوان. وإذا كان نظر المسلم إلى ما مضى يجدد عزمه ويشحذ همته، ليكون في يومه أفضل منه في أمسه، فإن نظره إلى المستقبل يحثه على المسارعة بتنفيذ ما عزم عليه من توبة وتصحيح، فالآجال بيد الله وحده، والأعمال بالخواتيم، والمستقبل يشمل ما ينتظره بعد الموت من أهوال القبر، وما ينتظره بعد البعث من أهوال الحشر والحساب. إنه لا يدري متى يستدعى، ولا يدري ما اسمه غداً، ولايدري أيخف ميزانه أم يثقل، ولا يدري أيكون من السعداء أم من الأشقياء. كيف ينسى المسلم هذا المستقبل وهو معني به، وسيعيش لحظاته لحظة لحظة، ويجتاز أطواره مرحلة مرحلة، حتى يكون مثواه في الجنة أو في النار. وإنما يغفل عن هذا المستقبل من ضعفت خشيته، وبهت يقينه باليوم الآخر، وران على قلبه ما كسب من خطيئات، يلعب بالنار وهو لاهٍ غافل، ويقف على حافة الهاوية وهو سادر معرض، حتى يفجأه الموت وهو على عمل من أعماله الرديئة، فيهلك هلاك الأبد. إنه لا ينجي من سوء الخاتمة إلا التفكر الدائم في المستقبل، والمستقبل يبدأ من اللحظة الآتية، ومن خاف سوء الخاتمة اجتهد في توسيع دائرة الإحسان في حياته وتقليص هامش الإساءة، وهذه هي التوبة الثانية بمعناها الواسع، فإنه لا يودع فترة من حياته إلا وقد شهد فيها إسلامه تحسناً جديداً.

стр. 2294

دراسات إقتصادية الجوائز والترويج السلعي من المنظور الإسلامي د. محمد ين عبد الله الشباني تعددت أساليب الجذب لبيع السلع، كما تنوعت وسائل، وطرق تشجيع المستهلكين لاقتناء ما تنتجه المصانع وما يعرضه مسوقو هذه السلع، فأصحبت دراسة التسويق والترويج للمنتجات فنّاً يتم بحثه ودراسته في الجامعات. إن الاهتمام بعمليات التسويق والترويج للسلع يعود في حقيقة أصله إلى المنطلقات الفكرية التي يقوم عليها النظام الرأسمالي. إذ يقوم المفهوم الفلسفي للنظام الرأسمالي على فكرة الحرية المطلقة للعمل على تحقيق الاستجابة الكاملة للرغبات، وضرورة إزالة جميع المعوقات والحواجز التي تحد من تحقيق المنفعة الفردية، لهذا: قام الفكر الرأسمالي على مقولته المشهورة: (دعه يعمل، دعه يمر) وهذه المقولة هي تأكيد لمفهوم الرأسمالية القائم على أسس عدة، منها: ١- البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب. ٢- المنافسة والمزاحمة في الأسواق، واتباع جميع الأساليب التي تحقق للفرد الحصول على أكبر منفعة، حتى ولو أدى ذلك إلى حصول الضرر للآخرين. ٣- استخدام الدعايات لتسويق السلع، بدون النظر إلى القيم الأخلاقية، واستخدام كل الوسائل المثيرة للغرائز بدون التفات إلى حاجات المجتمع، فالغاية الأولى والأخيرة: تحقيق الكسب وسلب ما لدى الناس من أموال. لقد غزت أساليب وطرق الترويج والتسويق بلاد المسلمين، بدون النظر إلى المحاذير الشرعية أو الأخلاقية، فأصبحنا نرى في كل يوم أسلوباً جديداً من أساليب الترويج للمنتجات الاستهلاكية، التي تمارس من قبل النظام الرأسمالي، حيث نلاحظ الكذب والتضليل والخداع عند تقديم المعلومات عن السلع التي يتم الترويج لها، واستخدام جميع المثيرات الغريزية بقصد تحقيق التأثير النفسي للفئة المقصودة جذبها للشراء، أو مخاطبة الغرائز الذاتية بقصد دفع الفرد للشراء، ومن ذلك مثلاً: ما يعمد إليه مروجو الأدوات التجميلية من إبراز تأثير جهازٍ ما على التخفيف من الوزن، أو إبراز تأثير المستحضر على زيادة الجمال، مع عدم الصدق في القول؛ حيث إن مروجو هذه السلع إنما يخاطبون الجانب الغريزي في الإنسان [*] . وتعود أهمية الحكم الشرعي لهذا النوع من الممارسات التجارية إلى كثرتها، واتساع نطاقها، وانتشار التعامل بها في المجتمعات الإسلامية، وإلى تعلقها بتصرفات الفرد المسلم فيما يتعلق باستخدامه للمال الذي جعله الله قياماً للناس، ولما في هذا الأسلوب من دفع للأفراد في التوسع في الاستهلاك والشراء بدون حاجة؛ مما يستدعي الدراسة المستفيضة للوصول إلى الحكم الشرعي لهذا النوع من المعاملات المالية، وفي هذه المقالة سوف أحاول دراسة هذا الجانب، مؤملاً من إثارته دفع مزيد من المتخصصين إلى المساهمة في مزيد من البحث للوصول إلى رأي حاسم في هذا الموضوع. القاعدة الأصولية تقرر: أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ ولهذا: فإن من مقتضيات البحث في هذه القضية: إعطاء تصور واقعي لهذه المعاملة. الأسلوب المتبع في طرح الجوائز للترويج لشراء السلع من متجر معين، أو شراء سلعة معينة، هو: قيام البائع بتحديد جائزة عينية أو عدة جوائز يشترط فيمن يدخل في التنافس عليها أن يكون مشترياً من هذا المتجر سلعاً أو سلعة معينة بقيمة معينة، خلال فترة زمنية معينة، ويتم إعطاء كوبونات (مستندات اشتراك لهؤلاء المشترين من هذا المحل أو المشترين لهذه السلعة) ، وهذه الكوبونات تدخل في السحب للفوز بالجائزة، أو بأحد هذه الجوائز، فالشراء شرط في الاشتراك في الحصول على هذه الجائزة، وفي الغالب: يتم تحديد قدر معين من الثمن المدفوع ثمناً لما يتم شراؤه؛ حتى يمكن الدخول في السحب للحصول على الجائزة، كما أن عدد المشتركين في السحب غير محدد بعدد معين، وإنما يتم تحديد مدة زمنية، يحق لمن يشتري خلالها الدخول في السحب؛ فالبائع متبرع ومانح للجائزة أو الجوائز لأشخاص غير محددين، ولكن يشترط على من يرغب في الدخول في السحب على هذه الجوائز ضرورة قيامه بالشراء لسلعة من السلع المعروضة للبيع لدى المتجر الذي قدم الجائزة أو الجوائز، أو لدى مالك السوق الذي يقوم بتأجير محلاته للتجار، ويرغب في دفع الناس إلى الشراء من هذا السوق؛ بقصد تثبيت المستأجرين من خلال زيادة مبيعاتهم، وبالتالي: رفع القيمة الإيجارية مستقبلاً. السؤال الذي يمكن طرحه هو: ما نوع هذا التعاقد، وما مدى سلامته من حيث الصحة والفساد، وبالتالي: ما الحكم عليه من حيث الجواز، والمنع، والحل، والكراهة، أو الحرمة؟ الممارسون لهذا النوع من الترويج يعتبرونه نوعاً من الهبة أو المنحة، وبالتالي: فيمكن أن يلحق بعقود التبرعات، وقبل مناقشة صحة مقولة من قال: إن هذه الجوائز هي هبات، أو منح، أو تبرعات يمنحها البائع لأحد المشترين من السلع التي يعرضها للبيع: فلا بد من دراسة عقد الهبة لتحديد مدى انطباق أحكام الهبة على الأسلوب الممارس من قبل التجار المروجين لسلعهم من خلال الإغراء بهذه الجوائز. يعرف ابن قدامة الهبة بأنها: تمليك في الحياة بغير عوض [١] . فإذا كانت الهبة نظير العوض فهي بيع في الحقيقة، فلا تخالف البيع إلا في أمور يسيرة، منها: أنها تجوز مع جهل العوض، بخلاف البيع: فإنه يشترط فيه تعيين الثمن.. وأنها تجوز مع جهل الأجل، بخلاف البيع [٢] . وعلى ضوء هذا: فإنه إذا ارتبطت الهبة بالعوض، فقد تغير حكمها، فتدخل ضمن عقود المعاوضات، وبالتالي: تخضع لأحكام البيوعات، فالجوائز التي تستخدم للترويج للسلع ليست منحاً ولا هبات، وإنما هي نوع من أنواع البيوع المستخدمة، ينبغي إخضاعها لأحكام البيوع وإن أخذت شكل الهبة؛ حيث إن (الهبة إما أن تكون هبة عين أو هبة منفعة، وهبة العين: منها ما يقصد بها الثواب، ومنها ما لا يقصد بها الثواب، وهبة الثواب اختلفوا فيها، فأجازها مالك وأبو حنيفة، ومنعها الشافعي، وبه قال داود وأبو ثور، وسبب الخلاف: هل هي بيع مجهول الثمن، أو ليس بيعاً مجهول الثمن؟ ؛ فمن رآه بيعاً مجهول الثمن، قال: هو من بيوع الغرر التي لا تجوز) [٣] . على ضوء ذلك: فإن الجوائز التي تستخدم كوسيلة من وسائل الترويج لزيادة المبيعات وجذب المستهلكين هي نوع من أنواع البيوع الفاسدة، التي تقاس على البيوع التي ورد النهي عنها، حيث إن الهبة إذا كانت بعوض كانت بيعاً، يجري فيها حكم البيع كما ذكر ذلك سيد سابق في فقه السنة [٤] . ووفقاً لذلك: فإن هذه الجوائز تدخل ضمن عقود المعاوضات، وهي من البيوع الفاسدة التي لا يجوز ممارستها، وضابط البيع الفاسد هو: ما اشتمل على شرط من الشروط التي تجعل البيع فاسداً، وهو ما اجتمع فيه أمور، هي [٥] : ١- أن يكون الشرط مما لا يقتضيه العقد. ٢- أن يكون الشرط غير ملائم للعقد. ٣- أن يكون لأحد المتعاقدين منفعة فيه. فإذا اعتبرنا الهبة أو المنحة بعوض هي عقد معاوضة: فإن الجائزة التي يمكن أن يقال: إنها هبة أو منحة من البائع.. تدخل ضمن مفهوم الهبة التي قصد منها الثواب، وبالتالي: أصبحت عقد بيع تضمن شروطاً فاسدة، من حيث ربط الهبة بالشراء، وهو شرط لا يقتضيه العقد، وغير ملائم له، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين وهو الواهب والمانح. وعلى ذلك: فإن ضوابط الشرط الفاسد تنطبق على الشروط الموضوعة لنيل الجائزة أو المنحة أو الهبة، أيّاً كان الاسم، فالجوائز التي يتم استخدامها وسيلةً من وسائل الترويج للسلع بقصد زيادة المبيعات، بدفع الأفراد للشراء من خلال الرغبة في الحصول على هذه الجوائز، التي لا يمكن الحصول عليها إلا لمن قام بالشراء وحصل على كوبون للدخول به في عملية السحب. إن هذه الوسيلة لدفع الناس للشراء تتعارض مع قواعد وأصول الشريعة الإسلامية، التي منها: النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، سواء بخداعهم، أو التلبيس عليهم، أو الولوج إلى جيوبهم بالتغرير بهم من خلال أساليب بيوع الجهالة والغرر، وبالتالي: فإن هذا النوع من الممارسات، إذا لم تصل إلى درجة الحرمة، فلا أقل من وصولها إلى دائرة الشبهات المنهي عن الولوج فيها؛ حيث قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى: يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [٦] . على ضوء ما سبق يمكن تحديد الأدلة التي يمكن الاستناد إليها، ليتجنب ممارسة هذا العمل من أخذ أو منح هذه الهبات والمنح التي قصد منها الحصول على المعاوضة بشراء السلعة التي وضعت لها المنح أو الجوائز، حيث إن هذه الممارسة تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وإلى الوقوع في البيوع الفاسدة المنهي عنها، ونحن نستند في رأينا حول كراهة ممارسة هذا النوع من المعاوضات إلى الأمور التالية: أولاً: أن هذا الأسلوب من المعاوضات يندرج تحت النهي عن بيع المنابزة والملامسة وبيع الحصاة، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (نهى عن الملامسة والمنابزة) وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله ﷺ (نهى عن الملامسة، وهو لمس الثوب لا ينظر إليه) ، والنهي عن هذين النوعين لعلتين، هما: الجهالة، وكونه معلقاً على شرط، وهو نبذ الثوب إليه أو لمسه له، والعلة الجامعة مع ما يعرف بالمنح والجوائز هي: كون الجائزة أو المنحة معلقة على شرط أو أكثر من الشروط لدخول السحب على هذه المنح أو الجوائز، وتعليق الهبة أو المنحة على شرط قد أشار إليه ابن قدامة في المغني بعدم الصحة، يقول: (ولا يصح تعليق الهبة بشرط، لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع، فإن علقها على شرط كقول النبي ﷺ لأم سلمة: (إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك) كان وعداً، وإن شرط في الهبة شروطاً تنافي مقتضاها؛ نحو أن يقول: وهبتك هذا بشرط أن لا تهبه أو تبيعه، أو بشرط أن تهب فلاناً شيئاً: لم يصح الشروط) [٧] ، وأما بيع الحصاة: فقد روى مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي ﷺ (نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) ، وتفسير بيع الحصاة هو: أن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، وقيل: هو أن يقول بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ الحصاة إذا رميتها بكذا، والشبه بين بيع الحصاة والمنح أو الجوائز أو الهبات بعوض هو: أن المشتركين في السحب هم ممن قاموا بالشراء من متجر المانح أو الواهب للجائزة، ولكل واحد منهم قسيمة، حيث يتم خلط هذه القسائم الدالة على الشراء جميعاً، ثم السحب من هذا الخليط، فهو أشبه برمي الحصاة على البيع الذي يمثل الجوائز الموهوبة أو الممنوحة، فعنصر الجهل أو الغرر في ذلك واضح، من حيث جهل الموهوب له، حيث إن الموهوب له غير معروف إلا بعد السحب. ثانياً: أن هذا الأسلوب من المعاوضات قد يندرج ضمن مفهوم (بيع وشرط) الذي ورد فيه النهي عن النبي ﷺ ، حيث روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك) ، وقد علق ابن قدامة على ذلك بقوله: (والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام.... الثالث: ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان، أحدهما: اشتراط منفعة البائع في المبيع ... الثاني: أن يشترط عقداً في عقد، نحو: أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، أو يصرف له الثمن، أو غيره، فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع أو المشتري [ويقاس على ذلك: الهبة المشروطة، باعتبار أن لها حكم بيع] .. الرابع: اشتراط ما ينافي مقتضى البيع) [٨] ، وعليه: فإن الهبة أو المنحة المتمثلة في الجائزة يتوفر فيها اشتراط منفعة البائع مقدم الجائزة أو المنحة؛ حيث إن الهبة مشروطة بالشراء من البائع، فلا يمكنه الاشتراك في السحب للحصول على الجائزة المقدمة من البائع إلا وفقاً لهذا الشرط. ثالثاً: أن هذا الأسلوب يؤدي إلى التوسع في الاستهلاك من خلال شراء سلع لا يحتاج إليها الفرد، وإنما رغبة في الحصول على مال أكثر، مما سيكون حافزاً له للاشتراك في السباق للحصول على الجائزة أو المنحة، وبالتالي: اضطراره للشراء بغير حاجة لمايعرض من سلع. ومن الأمور التي نهى عنها الشرع، ووجّه رسولنا (عليه أفضل الصلاة والسلام) أمته إلى الابتعاد عنها: التوسع في الإنفاق بدون حاجة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ (نهى عن التبقر في المال والأهل) ومعنى التبقر هو: التكثر، والسعة، بل إن الشراء بقصد الدخول في المسابقات لنيل الجوائز يدخل في النهي العام الوارد في قوله (تعالى) : [وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً] [النساء: ٥] فالتوسع في شراء السلع الاستهلاكية التي يتولى مروجوها إيجاد الوسائل لجذب الناس ودفعهم للشراء بكل وسيلة من وسائل الإغراء والتغرير ومن هذه الوسائل: تلك الجوائز التي تمنح لمن يقوم بالشراء، لا لسد حاجته، بل للحصول على جائزة من تلك الجوائز فهذا الأسلوب يدفع إلى غرس عادة الحصول على المال بدون جهد. بجانب أن زيادة الاستهلاك للمجتمعات الإسلامية التي تقوم باستيراد تلك السلع الاستهلاكية تؤدي إلى أن تذهب تلك الأموال المنفقة على تلك السلع الاستهلاكية غير المحتاج إليها إلى أيدي أعداء الأمة، من خلال زيادة الاستيراد لتلك السلع؛ مما يؤدي إلى التقليل من فرص نمو المدخرات، فالمصلحة العامة تقتضي منع مثل هذه الجوائز.

стр. 2295

مقال ظاهرة النسيان .. أسبابها وعلاجها بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال آيات: لله في الآفاق وفي الأنفس مبثوثة، ومن تلك الآيات: ما أودعه الله ﵎ في ذاكرة الإنسان من قدرة فائقة على تخزين المعلومات والأحداث وكل ما يمر بالإنسان، ثم استحضار ذلك أو بعضه في أوقات متباعدة، مما يبهر عقل الإنسان، في إدراك كيفية حصول ذلك، [وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ] [الذاريات: ٢١] . وتلك الذاكرة نعمة من النعم يجب شكرها، وقد منّ الله على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون، وإن الذي وهب هذه الذاكرة هو الذي جعل في طبيعتها النسيان..، ولا شك أن الإنسان يعتمد على ذاكرته في أمور دينه: من طلب علم، وعبادة، ودعوة، وفي أمور دنياه وشؤونه الحياتية. إلا أن الجانب الأبرز هنا هو طلب العلم النافع، فإنه على أهمية كتابته، إلا أن الذاكرة تبقى أداة حفظ العلم واستذكاره الأساس، قال أبو موسى الأشعري ﵁ لتلاميذه: (احفظوا عنا كما حفظنا) [١] ، فلا غنى لطالب علم عن رعاية ذاكرته وتحسين أدائها. فما حقيقة هذا النسيان؟ وما أسبابه؟ وهل له علاج؟ .. هذا ما سأحاول إلقاء الضوء عليه، والله المستعان. ما النسيان: النسيان: ضد الذكر والحفظ [٢] ، ويعرفه بعض علماء النفس بأنه: (فقدان طبيعي جزئي أو كلي، مؤقت أو دائم لما اكتسبناه من ذكريات ومهارات ... حركية) [٣] . والمذموم من النسيان ما كان لعلوم عينية، وعن كسب من الإنسان، وقد يكون ذلك بالتغافل والإعراض، وأما ما عذر فيه صاحبه: فهو ما لم يكن سببه ... منه [٤] ، وقد وقع مثل ذلك للنبي ﷺ في صلاته، وهذا النسيان هو المقصود من الحديث، دون النسيان المرضي الناتج عن صدمة دماغية أو انفعالية. وينبغي أن نعلم أن النسيان قد يكون رحمة من الله (تعالى) ، فلولاه ما سلا محزون عن موت حبيب، أو قريب، ولا كررت امرأة الحمل والولادة. وبناءً على ما سبق: فإن ترك الحفظ تعللاً بخشية النسيان ضرب من خداع النفس ووسوسة الشيطان. مخاطر النسيان وآثاره: النسيان سبب لضياع العلم، وضياع الجهد والوقت، وطالما حذر السلف الصالح ﵏ من نسيان العلم وإهماله، فيندرس. ولذا: كانوا يكثرون الوصية بمذاكرة العلم ومدارسته، قال علي (رضي الله عنه) : (تزاوروا وتذاكروا الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يُدرس) [٥] ، وقال ابن جماعة الكتاني: (لا بد لكل حافظ من أوقات يكرر فيها مواضيه ويراجعها، وإلا كلفه النسيان شططاً) [٦] . وعليه: فإن من كمال العقل والحزم: الحرص على حفظ العلم، فحفظه كحفظ الروح، وأول خطوة هي: معرفة الأسباب. أسباب النسيان: تتفاوت أسباب النسيان من شخص لآخر، وقد تتعدد الأسباب في الشخص نفسه، ومن أسباب النسيان ما يلي: ١- ضعف التقوى: تقوى الله أعظم سبب لتحصيل العلم النافع، وضعفها يضيع العلم ويفقده بهاءه ورونقه. ومما يترتب على ضعف التقوى: الغفلة عن ذكر الله (تعالى) ، فيدرك نصيبه من قوله (تعالى) : [وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ] [الزخرف: ٣٦] ، ينسيه الطاعة، ويذكره المعصية، ومن ضعف التقوى: تضييع أوامر الله وارتكاب المعاصي، وهو نسيان للنفس، كما أنه نسيان لله، ومن عقوبته: أن الله ينسيه مصالح نفسه، ويغفله عن منافعها وفوائدها. ٢- كتمان العلم: والنسيان هنا عقوبة عاجلة من جنس المعصية، بخلاف العقوبة الأخروية: أن يلجم كاتم العلم بلجام من نار كما في الحديث. ٣- إهمال حق الجسد أو التقصير فيه: وذلك لأن الذاكرة متصلة بالجسد، تتأثر بصحته وسقمه، وقوته وضعفه. ومن حق الجسد: تعاهد الصحة، والعناية بالتغذية السليمة، باتباع الهدي النبوي فيها: كالأكل باعتدال، وترك الإكثار من الشبع. ومن حقه أيضاً: الراحة الكافية، فإن كثرة الإجهاد أو السهر المضني مؤثر على سلامة الذاكرة. ٤- تشتت الذهن بكثرة الأشغال والعلائق: إن مما يضعف أداء الذاكرة: توزيعها بشكل عشوائي بلا تنظيم ولاتركيز، وإشغالها بكثير من التوافه، وما تقل أهميته؛ مما يعوقها ويضعف أداءها للمهمة الأساس، ولذا: فإن المهتمين بحفظهم وذاكرتهم يفضلون استخدام المفكرات اليومية، التي من فوائدها ادخار الذاكرة لما هو أهم، وفي هذا قد تختلف قدرات الأفراد وملكاتهم. ٥- كثرة الهموم والأحزان: الهمّ والحزن من أعظم ما يشتت القلب، ويضعف قوته. وكثرة الهم والحزن على أمور الدنيا يعني أن القلب شغوف ومشغول بها، ولم يبق مكاناً لما سوى ذلك من الأمور النافعة. ٦- ترك أسباب اكتساب القوة العقلية وتنميتها: إن الذاكرة ملكة وطاقة تنتج إنتاجاً طيباً، فإذا ما استخدمت بإحسان واعتدال، فأحسنت رعايتها وعُودت بتدرج على ما يريد صاحبها، أثمر ذلك نماءً واتساعاً، لذا: كان من أسباب حصول النسيان في هذا النطاق: إهمال خطوات الارتفاع بمستوى الذاكرة، وعوامل التذكر الجيد. تداخل المعلومات بسبب عدم تنظيم طرق إدخالها. الشرود أثناء القراءة أو الاستماع. شغل الذهن بأمور جانبية تشوش المعلومات. ضعف الرغبة فيما يقرأ أو يسمع. الشعور بالإحباط، وفقدان الثقة بالنفس، وضعف إرادة الاستذكار. ومن أهم الأسباب: قلة المراجعة وضعفها. ٧- تركيز الذهن على أمرٍ ما دون غيره: وذلك أن النسيان أحياناً يحدث لجانب من المعلومات دون غيره، وذلك بسبب التركيز على جانب آخر، فينبغي توزيع التركيز على الأهم فالمهم. علاج النسيان وأساليب تقوية الحفظ: ١- تجريد النية، وتحقيق التقوى، والاستعانة بالله (جل وعلا) : النية ذات أثر بالغ على أعمال الإنسان وأقواله وأحواله، والفرق واضح بين من كانت نيته خالصة، تحركه وتبعثه، وبين من انحطت همته واختلطت نيته. فإن الأول معان موفق، قال ابن عباس ﵄ : (إنما يحفظ الرجل على قدر نيته) [٧] . ثم التقوى تورث في القلب نوراً، وهي تتضمن ترك الذنوب والمعاصي التي لها رين على القلوب. وقد تكاثرت النقول عن السلف في التحذير من المعاصي، وبيان أثرها على العلم.. سأل رجل مالكاً: يا أبا عبد الله هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي [٨] . ٢- الإكثار من ذكر الله وشكره: ذكر الله حياة القلوب، وروح العبادات، يذهب الغفلة، ويورث اليقظة والنباهة؛ ذلك أن الله يذكِّر عبده الذاكر مصالحه ومنافعه، ويوفقه ويسدده. ثم الشكر سبب لحفظ النعم الموجودة، وجلب النعم المفقودة، فإذا شكر العبد نعم الله عليه، وقام بذلك بقلبه ولسانه وجوارحه: فلا شك أن الله يزيده ويعطيه، وكما أن العقوبة تكون من جنس المعصية، فالجزاء من جنس العمل؛ قال (تبارك وتعالى) : [لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] [ابراهيم: ٧] . ٣- العناية بصحة الجسد وغذائه وراحته، ومن صورها: الاهتمام بالغذاء المتوازن. تقليل الغذاء وعدم الشبع، وذكر العلماء أن أوقات الجوع أجود للحفظ من أوقات الشبع [٩] . النظافة والوضوء والتطيب، وهي ذات أثر طيب على انشراح الصدر، واتقاد الذهن؛ ولذا: كان كثير من سلفنا الصالح يتهيؤون للدرس بالوضوء، والتطيب، ونظافة الملبس، حتى إنهم كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله - ﷺ وهم على غير وضوء [١٠] . وقد ذكر بعض العلماء أموراً لتنشيط الذاكرة، ولكنها في معظمها ليست موصوفة من مشكاة النبوة، فتقع تحت التجربة والبحث العلمي، كتناول العسل، والحبة السوداء، وأكل الزبيب، ومضغ اللبان.. ولا ندري مدى صحة ذلك طبيّاً. ٤- تنظيم الوقت وحسن استغلاله: والمقصود منه هنا: الحرص على الأوقات المناسبة للحفظ، التي اهتم العلماء بذكرها عند الكلام عن آداب طالب العلم، قال ابن جماعة: وأجود الأوقات للحفظ: الأسحار، وللبحث: الأبكار، وللكتابة: وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة: ... الليل [١١] . وعموماً: فإن استغلال الأسحار والأبكار، وطرف من الليل هو الأصل في ذلك، فإن إفراز الغدة فوق الكلوية (الكظرية) كما تؤكد الأبحاث العلمية يزداد حتى يصل إلى أعلى نسبة من هرمون التركيز من ٤ ٨ صباحاً، وأدنى درجة منه تكون بعد ١١ مساءً، إذن: فلا بد من النوم ليلاً، إذ إن أي إخلال بذلك يخفض التحصيل بنسبة ٢٥%. ٥- اتباع الأسس السليمة للحفظ والاستذكار: وذلك يشمل عدة جوانب: الجانب الأول: ما قبل الحفظ والتعلم: وهو ما يتعلق بالاستعداد النفسي، ويشمل عوامل عدة: ١- إخلاص النية، وتصحيح القصد. ٢- الثقة بالنفس، بمعنى التصميم على الإنجاز والنجاح، مع الاستعانة بالله أولاً وأخيراً. ٣- الاستمتاع بما يقرأ ويدرس ويحفظ؛ لأنه إن لم تنشرح نفسه لذلك لم يتفاعل معه، ولم يثبت في ذاكرته ثبات ما استمتع به. ٤- الأخذ عمن يثق بعلمه وأمانته. ٥- قوة الإرادة بدءاً واستمراراً: وذلك أمر يُربى عليه المسلم، وقوة الإرادة مظهر لأخلاق حميدة من الصبر والحلم. ٦- التركيز الذهني: ومما يعين عليه: الاستمتاع وقوة الإرادة، كما يعين عليه: اختيار الوقت والمكان المناسبين، وكذلك: تحديد الهدف والتصميم عليه. وإلماحاً إلى هذا العامل قال ابن جماعة: (وأجود أماكن الحفظ الغرف، وكل موضع بعيد عن الملهيات، وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات، والخضرة، والأنهار، وقوارع الطرق، وضجيج الأصوات؛ لأنها تمنع من خلو القلب ... غالباً) [١٢] . الجانب الثاني: أثناء الحفظ أو التعلم: لا شك أن عملية الحفظ أو التعلم، والكيفية التي تتم بها: لها أثر في عملية التذكر واستحضار ما في الذاكرة. ومن الأسس التي ينبغي مراعاتها [١٣] : ١- التكرار: ويختلف باختلاف طبيعة المادة، وطبيعة الحفظ ونوعه، وكمية المحفوظ، ومدة الحفظ. ٢- توزيع التعلم في الحفظ والمراجعة على حد سواء: بأن تتخلله فترات استراحة، وهذا أفضل من تجميعه في وقت واحد؛ لأنه يتيح دقة أكثر في الملاحظة، حيث يتم بناء الذاكرة في فترة الاستراحة، ولأنه كذلك: يقلل التداخل. ٣- اتباع الطريقة الكلية في التعلم: (يقصد بالطريقة الكلية في التعلم أن تأخذ فكرة عامة عن الكل قبل الدخول في الأجزاء والتفاصيل؛ لأن إدراك الكل أولاً يسهل ربط كل جزء بالكل، وكل جزء بالجزء الآخر، فيكون الفهم أفضل والحفظ أسهل وأشمل وأدوم) . ٤- التسميع الذاتي: وهو أفضل من القراءة مرات، ويذهب الملل، وهو تقويم ذاتي، ويقوي الملاحظة، ويعطي تعزيزاً فوريّاً، ويبعد شبح الفشل، لأنه يسهم في اكتشاف الأخطاء. ٥- السماع من آخر: وهي وسيلة تحقق كثيراً من فوائد التسميع الذاتي، لكنها لا تغني عنه. وهي مُعِينة على التذكر، فقد تذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- باستماعه آية كان أُنسيها [١٤] . ٦- رفع الصوت أثناء الحفظ بقدر لا يشق عليه، فإن القراءة الخفيّة للفهم، والرفيعة للحفظ والفهم [١٥] . ٧- النشاط الذاتي واستخدام المؤثرات: بوضع الخطوط مثلاً، والتلخيص، وكتابة ما يحتاج إلى تركيز أكثر في حفظه، كالتعاريف، والتواريخ.. ونحوها، ووضع التساؤلات لما يشكل فهمه، ليركز عليه أثناء الإعادة والمراجعة، وليسأل عما استعصى عليه فهمه.. فكل ذلك معين للعقل على الحفظ والتركيز. ٨- تنويع العمليات العقلية: بتناول المادة من عدة زاويا، باستخدام: التفكير الاستقرائي والاستنتاجي والمكاني، والزماني، والسببي، والتشابهي والمقارن، والتقييمي. وذلك يرسخ المعلومة، ويقلل تداخل المعلومات. ٩- تنظيم المعلومات، وله أشكال، منها: ترتيب الأحداث زمنيّاً، أو مكانيّاً، واستخدام الأشكال، وربط المعلومات، واستخدام المقارنات.. إلخ. ١٠- معرفة المعنى: فإن حفظ الكلام الذي لا معنى له، أو غير معلوم المعنى يحتاج لتسعة أمثال الوقت اللازم لحفظ الكلام المفهوم المعنى! ، وينبغي ألا يتهاون في الفهم؛ لئلا يعتاد ذلك. ١١- ربط القديم بالحديث: مما يسهل التعلم الجيد، ويحيي القديم؛ باكتشاف أوجه الشبه والاختلاف. ١٢- تقليل القدر المحفوظ، بقدر ما يمكنه ضبطه بالإعادة مرتين. والأمر في هذا واضح؛ فإن كثرة الكلام يُنسي بعضه بعضاً. ١٣- ومن أهم الأسس وأنفعها، تمرين الذاكرة وتعويدها على الحفظ، مع الصبر والمجاهدة: وبذلك يستفيد طالب العلم مما وهبه الله من قدرات وملكات عظيمة، فإن الذاكرة ذات قدرة فائقة على الحفظ وتتسع كلما زاد مخزونها، قال الحارث بن أسامة: (كان العلماء يقولون: كل وعاء أفرغت فيه شيئاً فإنه يضيق إلا القلب، فإنه كلما أفرغت فيه اتسع) [١٦] . الجانب الثالث: ما بعد التعلم: وذلك بمقاومة النسيان، وتلافيه قبل حلوله عبر خطوات عدة: الخطوة الأولى: استمرار التعلم (المراجعة) : بدايةً: ينبغي تصوّر أهمية المراجعة تصوراً صحيحاً، فهي ليست إضاعة وقت، ولا توقفاً عن العمل، ولا تأخراً في التعلم والحفظ، بل هي تعلم بعينه، وهي التي تحفظ النتائج السابقة، وتحافظ على رأس المال، فإن ما تم حفظه وفهمه هو رأس المال؛ فإن المعلومات التي تحفظ جيداً لا تكاد تُنسى، وإنما تكون في مكان ما في الذاكرة، ويحتاج استحضارها إلى وقت طويل بخلاف ما يترك وينسى فلا يكاد يمكن استحضاره [١٧] . وإذا أحسن الإنسان التعامل مع قواه العقلية، وأحسن استغلال ذاكرته واستثمارها في شبابه وكهولته: تضاعفت قواه العقلية في الوقت الذي تضعف فيه بنية جسمه وبقية القوى الأخرى [١٨] . وهذا الأمر يفسر لك ما كان عليه سلفنا الصالح من ضبط وإتقان في سن الكبر، ولو جاوزوا الستين! ! . ولا شك في صعوبة المراجعة على النفس كما ذكر ابن الجوزي ولكن الحقيقة أنك أمام أمرين لا ثالث لهما: إما المراجعة، أو النسيان! فليختر العاقل لنفسه ما أراد، وطالما تواصى السلف بألا يوضع العلم عند غير أهله ممن يضيعه وينساه، وتختلف حاجة الناس إلى كثرة المراجعة حسب درجات حفظهم، وقوة استحضارهم. أما طريقة المراجعة: فإن أمكن وجود شخص آخر موثوق به تتم المذاكرة معه والمراجعة عليه: فهو الأفضل، وهو الأصل الذي نص عليه السلف، ويسمونه: المذاكرة، والمدارسة. وإلا: فلا بد من المراجعة بأي طريقة ممكنة، كالقراءة على نفسه، والكتابة.. ونحو ذلك، حتى لو احتاج الأمر لأن يقرأ على غيره ممن ليس من أهل العلم، كالصبيان ونحوهم، وتبقى الأهمية الكبرى للتكرار والمراجعة الشخصية. وهنا لا بد من التنبيه على أمور: أ- من المفضل أن يتم حفظ ما يراد تسميعه من الليل، ثم يعقبه نوم، ثم تجري مراجعته سحراً أو بكرة؛ لأنه إذا تساوى زمن النوم واليقظة بين التعلم والتذكر: فإن زمن النوم أقل ضرراً على الحفظ من زمن اليقظة؛ لعدم التعرض لخبرات جديدة خلال النوم، والتي يحصل النسيان بسببها، فإن النسيان إنما يحدث من جراء حصول خبرات جديدة، يفسح لها الدماغ مجالاً، فيطمس أشياء ... قبلها [١٩] . ب- من المهم بعد عملية الحفظ تجنب الانفعالات والمثيرات العصبية؛ لأنها تؤثر على الحفظ سلباً، ومن الصعب تفسير ذلك عصبيّاً، ولكن المقصود أن ذلك يذهل الإنسان عن أشياء يعلمها، أو يحفظها. ج- يقال في مراجعة الحرف والمهن كما قيل في مراجعة العلوم، فإنها مما ينسى إذا لم تستعمل! وكما جاء الأمر بتعلم الرمي، جاء التحذير من نسيانه بتركه، فقال: (من علم الرمي ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى) [٢٠] وقد حرص الصحابة على ممارسة ما تعلموه كما صح عن عقبة بن عامر في رميه في حال كبر سنه. ومثل الرمي: كل حرفة ومهارة، وكذا: كل علم يحتاج إلى تدريب، كالفرائض، والحساب، والنحو، واللغات ... وكذا العلوم الطبيعية، فإن العقل يحتاج إلى مراجعتها وممارستها، والتدرب فيها بحل المسائل التطبيقية فيها. الخطوة الثانية: العمل والتطبيق: العمل بالعلم هو ثمرة العلم، وبه يزكو العلم، ويثبت في النفس، ولا يكون نافعاً ما لم يُعمل به. وقد اعتبر السلف العمل بالعلم معيناً على تثبيت العلم وزيادته، قال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل) [٢١] . ولايثبت العلم بمثل العمل، ولا سبيل إلى مراجعة كل العلوم، فإن العمر قصير، لكن ببركة العمل يثبت العلم، وتأمل مثلاً حفظ أذكار الصلاة وأدعيتها، وقارن بين من يحاول التنويع بحيث يأتي بكل أو جلّ ما حفظ في صلواته، وبين من تكون صلته بها محصورة بين الكتب، وقِس على ذلك. الخطوة الثالثة: مواصلة الطلب، واستمرار التعلم: يعجب، ولا ينقضي عجبه، من تأمل حال سلفنا الصالح (رحمهم الله تعالى) في مواصلة طلبهم للعلم حتى الممات، والشواهد كثيرة، ومن مآسي عصرنا: أن اعتبرت بعض المراحل الدراسية هي الغاية، من بلغها بلغ الكمال! الخطوة الرابعة: تبليغ العلم وتعليمه: وهذا ثمن العلم وزكاته، وإذا كان المال ينقص بالإنفاق فإن العلم يزكو بالتعليم، ولا ينبغي أن يكون التقصير في العمل إذا وقع مانعاً من تعليم العلم وتبليغه، فإن هذا تقصير آخر، ثم إن تعلم العلم وتعليمه معين جدّاً على العمل وباعث عليه.. وأخيراً: فلا بد من التأكيد على أهمية اللجوء إلى الله (تعالى) ، والإقبال عليه، والإكثار من دعائه [*] وسؤاله، فبيده (سبحانه) خزائن السموات والأرض، لايغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار. وختاماً: فقد ظهر أن المسألة تحتاج إلى حزم وجد ومثابرة، نسأل الله للجميع التوفيق لمرضاته.

стр. 2296

نص شعري رسالة إلى أبي محجن بقلم: محمد بن عائض القرني أيها الصحبُ أين أين المسير؟ ! ... ومتى المنتهى وكيف المصيرُ؟ ! أنا في زحمة الحياة غريب ... فلمن يُشتكى ومن لي مجير؟ ! وعلى الساح أمتي تتهاوى ... ذلّ منصورها وذل النصير! ! نفد الزادُ يا رفاق طريقي ... سئم الركبُ حين طال المسير واضمحلت سنابل الحقل لما ... جُفِف النبعُ وهو عذب نمير * * * أيها الفارس العنيد ترجّل ... فخيولي حبيسة لا تغير! ! والسلاح الذي أُعِدّ كليل ... وأذى العرض لم يعد يستثير! اصهلي يا براذن الفرس ماتت ... خيل سعدٍ ومات فينا الضمير! وأبو محجن يئن بقيد ... فلِمَ القيدُ أيّهذا الأسير؟ ؟ عربدي يا علوجَ أيلة هذا ... زمن القحط! ! شره مستطير كبت الناس عنوة! ! ! ورجانا ... ندع الزادَ والرِكاب تسير و (كريستوفر) يحثّ خطاه ... وهو بالصلح والوفاق بشير! وإذا (الجات) أثمرت فجناها ... سوف يأتي، وشوكها لا يضير! * * * يا ليالي الشتاء عودي ربيعاً ... نرجسيّاً يضوع منه العبير واهنئي يا يهود إنا أناس ... ليس فينا حمائم أو صقور فخذي القدسَ كلّها وكفانا ... (سمة الإذن) بالعبور نزور! جزئي مسجد الخليل وإلا ... وحِديه؛ فذاك خطْب يسير وصلاة مع الإمام فإن لم ... يأت، فالكاهن الحكيم نظير هكذا دان قومنا أرأيتم ... كيف هُنّا صغيرنا والكبير؟ ! * * * ليت شعري إلى متى نتمادى؟ ... في رضا الخصم وهو وغدٌ حقير! ! يا أبا محجن كفاك تراباً [*] ... (فِيلُ كسرى) على الثغور يغير كُشِف السترُ فالعفاف ذبيح ... هُتك العرضُ والجناح كسير فاعصب الرأس عزة تتلظى ... أنت بالحرب والسلام خبير أَزِفت ساعة القصاص وإلا ... فاجرع الموتَ ثم بئس المصير أفما آن للنيام انتباهٌ ... أوَ ما أيقظ النيام النذير؟ !

стр. 2297

نص شعري انتصار الحق شعر: موسى محمد هجاد أيها الفارس.. مهلاً.. لا تغادر صهوة الحق.. ولا تلقي اللجام.. واستمع.. يا فارس الحق.. صدى صوت الكرام.. هل تذكرت.. الألى ساروا حفاةً.. والألى راموا القيام.. والألى.. من شرفة التاريخ أعلوا هامة الصدق الهمام والألى.. لم يعشقوا النوم.. وما أغضوا لتسفية اللئام.. *** أيها الفارس.. لما تذبل الأشجار في وادي الربيع.. لم تودعنا الأزاهير.. التي تحلم بالظل الصريع.. والإباء الشامخ.. الوردي لم يستهوه الصوت الوديع.. لم يزر خيمة ليلى العامرية.. ما رأى قيساً وأطمار الشقاء الجاهلية.. ما رثى للشعر إذ ينساب في عشق ولم ينسيه أوراق (القضية) ؟ .. ما عفى للقوم آثار الحمية.. والخريف الهازل.. الهش.. ارتمى حزناً بأحضان المنية.. ساءه (الترتيل) في قارعة الليل البهيم.. واحتسى قسرا من الإعجاز.. آيات النعيم لم ينم.. في ذلك الليل.. رمى عن جفنه اللهو القديم.. صاح مذعوراً تخطى حاجز الصمت.. الأليم.. كيف أحيا في صباح الصيف.. مزهوّاً.. وقد طال الأرق؟ ! كيف أستعذب أنغام الهوى.. يصغي لها سمع الشفق؟ ! أين فارس مأواي الرفيق.. أين أحلام الصباة.. استنفرت.. من كاهن الليل النعيق.. لم يعبرها (التقاة) .. استعجمت أشباح أحلام الغريق.. أيها الفارس لا تجزع.. *** إذا طال الطريق.. وأسأل التثبيت.. في وقت.. علا صوت (النقيق) واختفى في زحمة الأصوات.. مصداق الصديق.. *** أيها الفارس.. نوح عانق المأساة.. أحقاب السنين.. أعرضوا.. صموا.. عموا لايستكين.. صفقت أشرعة المركب.. تستهزئ بالكفر الدفين.. واستفاق القوم.. في لجة طوفان من الحق المبين.. وانظروا (لا عاصم اليوم) من الإغراق.. (إلا من رحم) .. فارجعوا.. لا تركضوا.. لن يبلغ (الجوديّ) عُبّادُ الصنم..

стр. 2298

دراسات أدبية معالم على طريق الأدب الإسلامي (١ من ٣) بقلم: طاهر العتباني التنظير والنموذج: عندما ظهرت الدعوة إلى الأدب الإسلامي في العصر الحديث وقف منها المثقفون العرب والمسلمون مواقف متعددة متباينة، فمنهم من احتفى بهذا المصطلح الجديد احتفاءً جمّاً، وتحمس له غاية الحماس دون أن يكون مع ذلك الحماس رؤية متكاملة تقوم على أسس واضحة وتتبنى تصوراً شاملاً لهذا المصطلح، ومنهم من رفضه بدعوى أن الأدب العربي كله منذ البعثة النبوية إلى اليوم أدب إسلامي، يُنتجهُ في معظمه مسلمون، فلا داعي إذن لهذا التمييز. ولكن طائفةً من شداة الأدب ونقاده نظرت لهذا المصطلح نظرةً موضوعيةً هادئةً، تقوم على أسس واضحةٍ ومعايير مستقيمة. أول هذه المعايير والأسس: أن المذاهب الفكرية المختلفة التي كثرت في القرنين الأخيرين في أوروبا قد اصطنعت لنفسها مذاهب أدبيةً، تتفرع عن المذاهب الفكرية التي تدعو إليها وتتبناها، فكانت: الكلاسيكية، والكلاسيكية الجديدة، والرومانسية، والواقعية، والرمزية، والسيريالية، والبرناسية، والوجودية ... وغيرها: مسمياتٍ لمدارس وتيارات فكرية أدبية، هي في حقيقتها الثوب الأدبي لتيارات ومذاهب فكرية: كالفكر الذي ساد عصر النهضة، والفكر الرومانسي، والفكر الاشتراكي والماركسي ... وغيرها من الأفكار. لقد حاول كل من هذه المذاهب أن يضع تصوراً للكون والحياة والإنسان، هو بمثابة القاعدة، ثم تتفرع عنه عن ذلك التصور نظرية في السياسة، وأخرى في الاقتصاد، وثالثة في الاجتماع.. إلى غير ذلك من جوانب الحياة المختلفة، ومن ذلك: الأدب وفنونه. والمثال على ذلك واضح: حيث كانت الرومانسية مثلاً ترى في الطبيعة الإله المعبود! ، وكذلك كانت الشيوعية والاشتراكية وما تفرع عنها من الأدب الذي تسمّى باسم الأدب الواقعي، وما قبلها من التيارات والمذاهب تتخذ لنفسها آلهةً مختلفة، حتى وصل الأمر في نهاية المطاف بالفكر الشيوعي أنه لا يعترف بأيٍّ من الآلهة السابقة، ولكنه يرى أن الحياة لايحكمها إلا قانون المادة الصماء، بحتميته السياسية، والاقتصادية، والتاريخية، والاجتماعية.. وغيرها من الحتميات. لقد رأى ذلك الفريق الثالث أنه مادام كل مذهبٍ فكري الذي هو عند معتنقه بمثابة دين وعقيدة ينتج أدباً ينسجم مع مبادئه، ويدعو إليها، ويكوّن لنفسه معايير وقيماً فنية وجمالية خاصة، فلا ضير إذن بل هو واجب أن يكون للمنهج الإسلامي أدبه المتميز الذي يحمل رسالته ويدعو إلى قيمه ومفاهيمه، ويتعامل مع الكون والحياة والإنسان بناءً على التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان. ثاني هذه المعايير: أن الإسلام بوصفه رسالة شاملة للحياة البشرية والأدب أحد جوانب هذه الحياة لم يهمل هذه الناحية المهمة في حياة الإنسان، وهي الناحية التعبيرية عن المشاعر والعواطف والآراء والأفكار التي يحملها المسلم ويدعو إليها، ولكن الإسلام وضع المعايير والضوابط والأسس لهذا الجانب في حياة الإنسان المسلم، وجعلهُ وهو يَشْعرُ، ويُعبِّر، ويكتب لا يخرج عن كونه مسلماً يتعبد إلى الله (تعالى) بفكره ومشاعره وتعبيره، ولا عجب؛ فهذا حسان بن ثابت ﵁ وهو الشاعر في الجاهلية والإسلام يضفي الإسلام على شعره موضوعاته وصوره، وتعبيراته، والقضايا التي يدافع عنها يضفي عليها سمتاً إسلاميّاً واضحاً، ليقدّم بذلك مع غيره من شعراء العهد النبوي نموذجاً للأدب الإسلامي في ذلك العصر. ثالث هذه المعايير: أن المنهج الإسلامي يبدأ التغيير من النفس الإنسانية بتثقيفها وتربيتها على قيمه ومبادئه، ويصوغ من هذه النفس عالماً ترسّخَتْ فيه هذه القيم، وتغلغلتْ في حواشيه وخفاياه؛ فلا بد إذن أن يأتي تعبيرها عن الكون والحياة والإنسان تعبيراً إسلاميّاً، سواء أكان ذلك: شعراً، أو قصةً، أو مسرحية، أو خاطرة، أو مقالة. رابع هذه المعايير: أن المدارس الأدبية المختلفة بدءاً بالكلاسيكية والرومانسية، وانتهاءً بغيرها من المدارس الأدبية قد غرست في تربتنا الأدبية مبادئ وقيماً فكرية وربما فنية لا تتفق مع منهجنا الإسلامي الذي هو معيار الحياة في كل جانب من جوانبها أو هكذا ينبغي أن يكون؛ مما أفسد أذواقنا، وأحدث في شخصيتنا الإسلامية والأدبية نوعاً من التناقض، أصبح من المحتم معه أن نعود إلى منهجنا الإسلامي الشامل، نستمد منه تصورنا لأدبنا الذي يجب أن يكون هو وغيره من جوانب الحياة إسلاميّاً خالصاً، هذا فضلاً عمّا ران على أدبنا شعراً ونثراً عبر تاريخنا الطويل من ركامٍ هائل من الأفكار والمعاني والمشاعر والقيم التي بعدت كثيراً عن التصور الإسلامي النقي للكون والحياة والإنسان، فأصبح يلزمنا أن نعيد النظر في ذلك الأدب عبر تاريخه الطويل بناءً على تصورنا للأدب الإسلامي ونظريته الأصيلة. خامس هذه المعايير: أن الصحوة الإسلامية التي تشهدها ديار الإسلام اليوم، بل وغير دياره، لا بد لها من الوقود الروحي والتعبيري والأدبي الذي يغذوها ويمدها بالطاقة التي تدفعها، ويجلو أمامها المفاهيم الإسلامية في ثوبٍ قشيب وعبارة رائقة، وتعبير موحٍ جميل، وليس أفضل في ذلك من تبني نظرية إسلامية للأدب، تأخذ على عاتقها تشكيل هذه البراعم التي نبتت في أرض الإسلام، والتي تود لو عادت الأمة إلى سابق عهدها قيماً وأخلاقاً وتصوراً وقيادةً للحياة. سادس هذه المعايير: أن الأدب الإسلامي هو أحد العوامل المهمة في تجلية مفاهيم الإسلام وتوضحيها في عالم يمتلئ بالتيارات والمذاهب التي أصبحت تتترس خلف العبارة الموحية والتعبير الفني الجميل في بث أفكارها وتوصيل مفاهيمها وتنشئة الأجيال على ذلك. وحتى لا يقع الكثير من أبناء الأمة وهو ما حدث بالفعل تحت تأثير الفكر الغازي في ثوب الأدب شعراً، وروايةً، وقصةً، ومسرحيةً، ودراسةً.. وغير ذلك من ألوان التعبير وفنونه، فإنه لا بد من وجود أدبٍ إسلامي يكون بديلاً عن ذلك كله، وفي الوقت نفسه: بناءً لجانب مهم من جوانب حياتنا الإسلامية التي لا نستغني فيها عن البيان والتبيين. سابع هذه المعايير: أن للشعوب الإسلامية الناطقة بغير العربية آداباً، سواء أكان ذلك شعراً أو نثراً، وهذه الآداب تتسم في كثير منها بسمات إسلامية خالصة وتعالج الموضوعات التي تطرحها من خلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، وهنا لا يصبح الأدب العربي على فرض موافقته كله للتصور الإسلامي، وهو فرض غير صحيح هو الأدب الوحيد الذي يتسم بسمة الإسلامية، بل لا بد من النظر بعين الاعتبار إلى هذه الآداب، وأقرب مثال على ذلك: شعر (إقبال) المكتوب بغير العربية [*] . كل هذه المعايير وغيرها كانت وراء تمسك أولئك النفر بهذا المصطلح الجديد والعمل على ترسيخ مفاهيمه في عالمنا الأدبي اليوم. ومن ثم: ظهرت الدراسات المتعددة وإن كانت قليلةً قياساً إلى غيرها من الدراسات الأدبية البعيدة عن هذا المصطلح وظهرت كذلك النماذج الأدبية التي تتبنى نظرةً إسلامية للأدب: شعراً، أو قصة، أو رواية، أو مسرحية.. بغض النظر عن مدى تحقيقها لما قد تبنته. ومع اتساع قاعدة الأدب الإسلامي اليوم، وظهور جماعات أدبية تتبناه ومجلات وصحف متخصصة تهتم بنشر نصوصه ونماذجه والحديث حول قضاياه وأطاريحه وإن كانت قليلة جدّاً مع ذلك: فلا يزال الأدب الإسلامي المنتج على الساحة اليوم قليلاً، خصوصاً إذا تصورنا أن الأدب الذي ينتج على أيدي كتاب ومفكرين مسلمين يجب أن يعبر عن هويتهم وانتمائهم والتزامهم بهذا الدين. كذلك: فلا يزال التعريف بقضاياه ورواده ونماذجه ونصوصه قليلاً. وإذا كان هناك قصور لا يزال ظاهراً في تكوين نظرية إسلامية للأدب إلا من بعض المحاولات الفردية فإن ذلك مرده فيما أتصور يرجع إلى أن التنظير يجب أن يبدأ من الوقوف أمام النماذج الأدبية الإسلامية الجيدة، واستنطاقها، والبحث في خصائصها وسماتها، بدلاً من البحث النظري الذي يقوم على الفرضيات المسبقة دون مواجهة النصوص والكشف عن عطاءاتها الخصبة، وهذا بالطبع لا يعني التقليل من أهمية البحوث النظرية التي تؤصل وتؤطر للأدب الإسلامي، وتستنبط مراميه وغاياته من خلال البحث في أصول المنهج الإسلامي. كما أن جزءاً من القصور ربّما يكون مرده إلى أننا لا نريد أن نعترف للنموذج الأدبي الجيد، الذي لا يتناقض مع مفاهيم الإسلام بأنه يمكن أن يقدم ما يُنتفع به في صياغة نظرية إسلامية للأدب. إن كثيراً ممن ينظّرون للأدب الإسلامي فيما هو ملاحظ لا تمتد أيديهم إلى نصوص ونماذج قد تكون جيدة جدّاً وتضيف جديداً لكن أصحابها لايرفعون لافتة الأدب الإسلامي واضحةً صريحة، في حين أن نصوصهم أو كثيراً منها تنسجم مع التصور الإسلامي للأدب انسجاماً، ولا عجب في هذا الكلام، ونحن نعرف أن النبي ﷺ كان يستنشد أصحابه من شعر أمية بن أبي الصلت، الذي آمن شعره وكفر قلبه. إذن: لكي نتمكن من صياغة نظرية أدبية إسلامية على مستوى المنهج الإسلامي الذي ستعبر عنه النظرية، وعلى مستوى هذا العصر الذي نعيش فيه: فلا بد أن يبدأ البحث من اكتشاف النموذج الذي يقدم ويضيف، أيّاً كان صاحبه، ومن هنا: فنحن ملزمون أن نعيد قراءة تراثنا الأدبي والشعري والتعبيري من جديد؛ لكي نعيد اكتشاف النماذج، ومن ثم: استنطاقها لاستخلاص السمات والمعالم لهذا الأدب، بل إن هذا يستدعي إعادة تجميع هذا التراث والتعرف على ما أهمل منه؛ حتى نستطيع إعادة النظر في نتائج كثير من البحوث والدراسات التي أظهرت أدبنا العربي في ثوبٍ بعيد عن الإسلام وقيمه ومفاهيمه. إن كثيراً من البحوث التي تعرضت للأدب الإسلامي قد وقفت موقفاً متطرفاً من هذا الأدب، إما إلى الإفراط في وصفه بصفة الإسلامية في كل نواحيه وجوانبه، وإما التفريط فيه جملة بدعوى أن أقل القليل منه هو الذي يتوافق مع منهج الأدب الإسلامي، وكلا الرأيين في نظري غير صحيح. من هنا: يصبح التفاعل المبدع بين الاستنباطات النظرية والنماذج المنتجة أو تلك التي أعيد اكتشافها وقراءتها هو الطريق الذي لا بد منه لترسيخ هذه النظرية في حياتنا الأدبية والفكرية. كما أن هذه النظرة لن تمنعنا من الاستفادة من كل نصٍّ أو نموذج يُعاد اكتشافه وقراءته، سواءٌ أوافق الأدب الإسلامي في رؤيته أو خالفه، فما بين الاختلاف والاتفاق، والتناظر والمحاورة، وقرع الرأي بالرأي والحجة بالحجة: يستبين الحق، ويستنبط الرأي الصواب، وتكتسب النظرة الموضوعية العميقة. كما أني أعتقد أن اكتشاف معالم الأدب الإسلامي لا بد معه من تمحيص النصوص المناقضة للتصور الإسلامي وهذا ما فعله بعض الباحثين فعلاً؛ لأن جزءاً من مهمتنا هو كشف عوار التصورات غير الإسلامية في الأدب: شعراً، ورواية، ومسرحية، وقصةً، ودراسة، وكذلك تمييز الغث من السمين، خصوصاً وأن تيار الحداثة المعاصر الذي انتقل إلينا على يد فئةٍ من أدباء العربية وشعرائها انحرف بالمسار الأدبي العربي انحرافات وصلت إلى حد التشكيك في العقيدة، والتجرؤ على أصولها، ومحاولة تدمير كل المفاهيم الإسلامية، حتى تلك التي تعد بداهات في فكر المسلم وتصوره. ولقد كانت المدارس الأدبية المختلفة التي تأثر بها الأدب العربي المعاصر إحدى الجراثيم التي لم نلتفت إليها وهي تتشبث بتربتنا الأدبية والفكرية، ولم نستطع التعامل مع معطياتها الفنية بمعزلٍ عن الفكر الذي حملته، فوصل بنا الحال اليوم إلى ما وصل إليه من فوضى فكرية وأدبية، وانغماسٍ حتى الأذنين في وبال التصورات والأفكار الوافدة المناقضة لعقيدتنا وتاريخنا وتراثنا وسَمْتنا الحضاريّ المتميز. إن على كل دارس للأدب الإسلامي، أو مهتم به، أو مبدعٍ يتبناه ويدعو إليه ويرى فيه الخلاص مما ران على حياتنا الأدبية والثقافية بوجه، على أولئك جميعاً أن يأخذوا على عاتقهم قراءة كل ما يقع تحت أيديهم من نصوص أدبية لأدباء يتبنون النظرية الأدبية الإسلامية أو لا يتبنونها، يحدوهم في ذلك كله البحث عن كل معلم يمكن أن يسهم في بناء نظرية إسلامية للأدب، ويحرس مسيرتهم تلك: عمق التوغل في مصادر الإسلام ومعارفه وثقافته، والوقفات الطويلة المتأملة المتأنية أمام نصوص القرآن والسنة، وكتابات قادة الإصلاح ومفكري الصحوة وعلمائها ودعاتها الذين كان لهم دور في إبراز مفاهيم الإسلام الصحيحة وتصوره الحق للكون والحياة والإنسان. الشكل والمضمون: ظلت قضية الشكل والمضمون في العمل الأدبي تثير جدلاً عبر تاريخ الأدب الطويل، وانقسم الناس إزاءها مذاهب واتجاهاتٍ وآراءَ وتياراتٍ. فما هي الرؤية التي يطرحها الأدب الإسلامي إزاء هذه الإشكالية القديمة الجديدة؟ لقد كانت القصيدة العربية تتميز بسمات شكلية، سواء من ناحية الوزن والقافية، أو من حيث الصورة النموذجية للقصيدة التي تشمل موضوعات متعددة هكذا في أغلب النماذج المستحسنة، تبدأ بالوقوف على الأطلال، وبكاء الديار، أو الرحلة في الصحراء، أو التغزل بالمحبوبة.. إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربما انتهت بمدحٍ أو اعتذار أو هجاءٍ أو فخرٍ.. أو غير ذلك من أغراض القصيدة القديمة. وأصبح من المتعارف عليه: أن (القصيدة النموذج) يحتشد فيها عدد من الأغراض الشعرية: من مدح، وهجاء، وفخرٍ، ونسيب، ووصف.. وما سوى ذلك من أغراض شعرنا العربي القديم. وكان النموذج المنتج للقصيدة هو الذي حدد هذه السمات الشكلية، وهذه ... الأغراض، ثم جاء التنظير النقدي لاحقاً للنصوص مستنبطاً منها، حتى ترسخت نظريات في النقد العربي القديم بناءً على الجهود المتلاحقة للنقد الذي استنطق النصوص، واعْتُبر في مرحلةٍ لاحقة من التاريخ الأدبي العربي أن كل خروج على شكل القصيدة العربية، وعمود الشعر الذي رسخه النقد القديم خروج على الفن وقواعده، حتى لقد وقف النقد العربي القديم موقف الرافض لتجديدات الشعراء كأبي تمام وغيره، حتى استقرت تجديداتهم هي الأخرى في ذاكرة التاريخ الأدبي والشعري، وأصبحت هي الأخرى بعد ذلك معالم وسمات وأسساً نظرية تطبق على النصوص. وعندما بدأت النهضة الحديثة في الأدب على يد البارودي، ومن بعده شوقي في الشعر، عاد أولئك المجددون من الرواد إلى النموذج القديم فاحتذوا شكله ونسجوا على منواله، سواء من حيث الأغراض، أو من حيث الأوزان والقوافي، أو جزالة الألفاظ واللغة، وانتزاع الصور التعبيرية والأخيلة والمعاني من دواوين الشعر العربي القديم، إلا في قليل من التجديد الذي فرضته طبيعة العصر ومستجداته وقضاياه وظروفه الراهنة، حتى أنك لا تجد قصيدة لشوقي وربما البارودي إلا وهي معارضة واحتذاء لقصيدة أخرى من شعر العرب القدامى، وهذه المعارضات هي في حقيقتها نوع من الالتزام الشكلي للنموذج القديم. ثم كان تيار الرومانسية والنقد العربي الذي بدأ يعيد النظر في هذه النصوص الشعرية القديمة منها والحديثة بناءً على معطيات نظرية وفروض نقدية منقولة من الأدب الغربي الحديث، ليكتشف كما يرى فقدان هذه النصوص إلى شروط الإبداع الجيد وسماته شكلاً ومضموناً، كفقدانها للوحدة الموضوعية والنفسية.. وغير ذلك من المعايير الجديدة. وهكذا أصبح كل جيل أدبي يعيد النظر في النصوص التي أنتجها الجيل السابق له، ويعاملها بمعاييره وفروضه ومعطياته، ليكتشف إن حقّاً وإن باطلاً أنها نماذج لا تصلح للأدب المطلوب في اللحظة الراهنة. إذن: كان لكل جيلٍ أدبي تصوره لقضية الشكل، وللمضمون كذلك، حاول أفلح أم لم يفلح أن ينفذها فيما أنتجه من النصوص. من كل ذلك تصبح قضية الشكل الأدبي في تصورنا قضية يعطي لها كل عصر من روحه وسماته وخصائصه، وترتبط بروح ذلك العصر وإيقاعه ومتغيراته، فهي في تصوّرنا لنظرية الأدب الإسلامي مسألة متطورة ليس يحكمها تصور مبدئي محدد، خلافاً للمضمون الذي يجب أن يعبر عن تصور الأديب المسلم للكون والحياة والإنسان في إطار عصره وبيئته وقضايا ذلك العصر وروحه. لقد استوعب الأدب العربي المعاصر الذي لم يعرف عبر تاريخه الطويل غير النظم والنثر الفني أجناساً أدبية جديدة؛ منها: الرواية، والقصة القصيرة، والطويلة، والمسرحية الشعرية والنثرية على السواء، كما استوعب كثيراً من التجديدات الشكلية في القصيدة التي حدث لها أكبر تطور في تاريخها الطويل من ناحية الشكل الوزن والقافية، أو من ناحية رؤيتها لمفهوم الأغراض الذي ارتبط به الشعر القديم، وهي ناحية فيها ملمح شكلي، كما أن فيها ملمحاً مضمونيّاً أيضاً. ولكن الذي حدث هو أن من استوعبوا هذه التجديدات الشكلية في القصيدة التي تخلت عن كثير من أثوابها القديمة واستبدلت بها ثياباً أخرى جديدة وقعوا في المضامين نفسها التي حملتها هذه التجديدات في الشكل، فنشأت تيارات ومذاهب أدبية في الأدب العربي المعاصر تتبنى الآراء والتصورات نفسها التي يحملها الأدب الوافد، وتدعو إلى المفاهيم نفسها دون محاولةٍ منها أن تستفيد من تجديدات الشكل وجماليات التعبير، بعيداً عن المضمون والمفاهيم والأفكار والآراء التي حملها الأدب الذي تأثرت به. ولعل هذا هو الذي حدا بكثيرين ممن تابعوا هذا التجديد إلى رفضه جملةً وتفصيلاً، شكلاً ومضموناً، دون أن تكون هناك نظرة هادئة موضوعية تنظر إلى الأمر من جميع جوانبه، فتنتقي ما يتناسب مع تصورنا وانتمائنا الإسلامي، وترفض ما يأباه ذلك التصور وهذا الانتماء. ونظرية الأدب الإسلامي وهي تسعى لتأصيل مفاهيمها ومعالمها لا بد أن تنظر إلى الشكل نظرةً واسعةً، ولا تضيق بأي شكل أدبي مهما يكن، فليس في الإسلام بوصفه منهجاً ما يمنع من التجديد في الشكل، بل إن المضمُون الجيد والجديد الذي يتوافق مع تصورنا الإسلامي لا يحتاج إلى شيءٍ قدر احتياجه إلى تجديدات في الشكل تستوعب ذلك الجديد في المضمون. ومع اعترافنا المبدئي بأن بين الشكل والمضمُون خصوصاً في مراحل التجديد الأولى ارتباطاً كبيراً، فيجب أن يكون الأديب المسلم على حذرٍ منه، وأن يكون ذا سعة في فهمه لمنهجه وتصوره، وذا عمق ووعي هائل، يستطيع معه أن يتعامل مع الجديد بأصوله الثابتة وعقله المفتوح في آنٍ واحد، فينتقي ويختار ما يمكن إضافته دون وقوعٍ تحت سنابك الفكر الغربي الوافد، ودون انغلاقٍ يؤدي إلى الجمود والتقوقع، ولا غرو: فباب الاجتهاد يظل مفتوحاً لمن يملك آلته ويقدر على ذلك. ومن هنا: فإن الأشكال الأدبية الجديدة التي أنتجتها آداب غير إسلامية، يجب أن يقف أمامها الأدب الإسلامي محللاً ومشرحاً؛ لكي يستطيع الإفادة من كل ذلك، بل إن سعة المنهج الإسلامي وصلاحيته لكل عصرٍ، وبالتالي: سعة نظريته الأدبية والنقدية، كل ذلك يدعو إلى الاستفادة من كل جديد في الآداب الأخرى، بشرط غرسه في تربتنا الأدبية الإسلامية بعد إضفاء طابعنا عليه، ولهذا: تظل هذه التجديدات في الشكل موطناً من مواطن الاجتهاد الأدبي إن صح هذا التعبير. إن من أدبائنا الإسلاميين اليوم من يقف موقفاً متشدداً من قصيدة (التفعيلة) كتجديد شكلي أخذت به القصيدة المعاصرة، ويرى أنها تحللت من إطار البيت ذي التفعيلات المحددة إلى السطر الشعري، لهثاً وراء الفكر والتصور الغربي، وخروجاً على التراث واللغة وقواعد الفن، بل وعلى الدين، في حين أنه قد أنتجت بالفعل قصائد إسلامية في هذا الشكل الجديد، تتميز بحساسيتها الشديدة وقدرتها على الإضافة والتجديد، في الوقت الذي حملت فيه مضموناً إسلاميّاً صافياً رائقاً، لتؤكد لمن يقفون ضد مصطلح (إسلامية الأدب) أن الأدب الإسلامي حقيقةٌ واقعةٌ، وأنه معاصر في الوقت نفسه. كذلك كان للنماذج الروائية والقصصية والمسرحية الإسلامية التي أنتجها أدباء مسلمون، مثل: نجيب الكيلاني، وعلى أحمد باكثير دور بارز في ترسيخ استيعاب الأدب الإسلامي لكل جديد في الشكل، يعين على إبراز مضامين الإسلام، ومفاهيمه، ورؤاه، وتصوراته للقضايا المختلفة.

стр. 2299

نص شعري عجائب الأحلام شعر: إبراهيم بن عبد العزيز الفوزان مضتْ تبعثر الخطا ... بين الدروب المظلمه طريدةً صراخها ... يضيع وسط الهمهمه والذئب يعدو خلفها ... بين الكلاب المتخمه وَأكْلُبُ الحي بدتْ ... أمامه مُستسلمه والذل في أجفانها ... للذئب أمسى مرحمه وابنة الحي بها ... من الجراح أوسمه دماؤها قد كتبت ... على الدروب مَعلَمَه بأحرفٍ رموزها ... غامضةٌ منمنمه فتيانها قد قرؤوا ... تلك الحروف المبهمه فعرفوا مأساتها ... من النيوب المجرمه فجردوا سلاحهم ... لقتل ذئب الدونمه فجرّحوه فارتمى ... يعوي بصوت المرحمه يعوي بحزنٍ شاكياً ... من السهام المؤلمه شكاته قد حركت ... ضمائراً مؤممه هناك ذئب أشقرٌ ... أتى لرفع المظلمه أتى يجرُ تيهه ... عواؤه كالدمدمه وأكلبُ الحي انحنت ... لصوته معظمه حتى الكلابُ الخاملات ... أقبلت مسلِمه بنظرة من طرفه ... فيها معانٍ مبهمه تناظرت جميعها ... ثم انحنت مهمهمه فانطلقت نابحةً ... لنصر ذئب الدونمه من فتيةٍ لم يدركوا ... حق الذئاب المكرمه فهجمت بقسوةٍ ... بخطةٍ معممه أما الفتاةُ لا تسل ... عن نفسها المحطمه فتيانها قد هوجموا ... بأكلبٍ منظمه فمزقت أجسادَهم ... نيوبُها المُسَممه وأصبحت فتاتهم ... للذئب أشهى مطعمه عجائباً رأيتُها ... في نومةٍ مُنعمه أحلامُها كأنها ... حقيقة مسلمه

стр. 2300

المسلمون والعالم مصر في القرن الحادي والعشرين (قراءة أصولي) (١ من ٣) بقلم:عبد الرحمن الكناني تمثل الدراسات المستقبلية إحدى أهم المرتكزات العلمية التي تقوم عليها البرامج العملية لتوجيه طاقات وتنمية إمكانات تملكها مجموعة بشريةٌ ما نحو مستقبل أفضل في ظل مبادئ وأهداف محددة. وقد تنبه بعض المنتمين إلى التيار الإسلامي لأهمية استشراف المستقبل ومحاولة رصده، ولكنها حتى الآن في نظري محاولات تعتمد الجانب النظري التأصيلي، ولم تخرج بعد فيما أعلم إلى الإطار الواقعي الواضح المدروس، بما يتوافق مع حجم انتشار وأهمية تفاعل حركة الصحوة الإسلامية في المجتمع، في الوقت الذي بدا فيه العلمانيون آخذين بناصية هذه الدراسات، متظاهرين بـ (العلمية) و (العقلانية) و (الحرص على مستقبل البلاد) . ولا شك أن مِن هؤلاء مَن يُعَدّون أهلاً من منطلق توجهاتهم للتصدر للحديث عن رؤاهم المستقبلية، ولكن هذا لا يمنعنا نحن الأصوليين [*] ! من متابعة وربما نقد بعض الرؤى التي تُطرح على أنها (مشاريع مستقبلية) من قِبَل هؤلاء.. نفعل ذلك ليس لهثاً وراء أطاريحهم، ولكن رصداً وفقهاً لواقع يؤثر فينا ونؤثر فيه، وليس لتقديم حلول ومشاريع بديلة لهذه المشاريع على منوالها؛ فإن المشروع الإسلامي لُحمة واحدة أساسها التوحيد لا يمكن فصل أسلاخ منها لترقيع مشروع آخر يعترف أصحابه وأحياناً يفتخرون بأنه لم يقم على تصور إسلامي شامل للكون والحياة والإنسان، بل ينكرون أن هذا التصور موجود خارج المسجد ومحكمة الأحوال الشخصية في أحسن الأحوال! ! .. ولكن لمحاولة بيان حقيقة (العقلانية) ... و (الاستنارة) في مشروع علماني! وعموماً: فإني أظن أن قراءتنا معاشر الأصوليين لهذه المشاريع مفيدة لنا من باب استبانة السبيل، ومفيدة لهم أيضاً إن تجرأنا وقلنا: إن هناك ما يمكن إفادتهم به! من باب (التعارف) والتصافح العقلي. نعود إلى موضوعنا: فقد نُشرت في بعض الصحف اليومية دراسة بعنوان (مصر في القرن الواحد والعشرين.. التحديات والآمال) [١] ، ومما يعطي لهذه الدراسة أهمية كبرى: كونها عن (الشقيقة الكبرى) مصر، الدولة ذات الثقل الكبير في المنطقة، وكون كاتبها علماً بارزاً من أعلام السياسة المصرية، هو: الدكتور أسامة الباز، وقد طرح فيها رؤية وتصوراً لما ينبغي أن تحتذي به مصر في القرن الميلادي المقبل. عرض موجز للدراسة: بدأت الدراسة بتمهيد يوضح أهمية الموضوع، وبيان لطبيعة القرن القادم، ثم استعراض موجز للتحديات و (الإنجازات) السابقة، وتنويه بالآمال، وعناصر التفاؤل التي تصاحب دخول مصر القرن الحادي والعشرين، ثم قدّم لرؤيته المستقبلية بعرض اثنتي عشرة دراسة مستقبلية، كان (مركز الأهرام للترجمة والنشر) كلف بها بعض المتخصصين، ودعاه أن يكون محرراً للكتاب الذي سيصدر بها، ودارت هذه الدراسات حول محاور أربعة: ١- الثوابت والمتغيرات الأساسية في مصر: الجغرافيا، والسكان، والاقتصاد، والمرأة. ٢- التطور الذي تشهده القيم السياسية والاجتماعية في المجتمع المصري: مفاهيم التطور في الألفية الثالثة، الإحياء الديني، فكرة الوحدة الوطنية ودور الأقباط. ٣- التطور الذي تشهده المؤسسات السياسية والاجتماعية: قضية الديمقراطية والنظام، فجوة العلم والتكنولوجيا، ودور المؤسسة العسكرية. ٤- دور مصر: الإقليمي، والدولي. وبعد عرض الدراسات الاثنتي عشرة قدم الدكتور أسامة الباز رؤيته الخاصة للمشروع المستقبلي لمصر في القرن القادم، الذي حدد ملامحه بست ركائز: ١- تنمية الموارد البشرية، من خلال: أ- خفض النمو السكاني باستخدام وسائل أكثر فعالية في الترويج لمفاهيم تنظيم الأسرة، وإقناع الجماهير بأفضلية الأسرة الصغيرة. ب- تبني برنامج صارم لمحو الأمية. ٢- القيام بمسح شامل للموارد الطبيعية، وكيفية الاستفادة منها. ٣- خطة طموحة للدخول في عالم البحوث العلمية والتكنولوجيا. ٤- تطوير وإصلاح التعليم، ووضع خطة شاملة (لحماية) عقول الشعب من السقوط في هوة التيارات الضالة المضللة، للانطلاق من أسار (الماضي) والحاضر إلى التقدم في الدنيا الجديدة. ٥- الدخول في (إصلاح) سياسي (بعد) الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، بحيث يشمل هذا الإصلاح تبني الأفراد والجماعات للديمقراطية قلباً وقالباً قبل مطالبة الحكام بها. ٦- الاهتمام بتنمية القدرات العسكرية، والحفاظ على موقع مصر باعتبارها قوة رائدة إقليميّاً وعالميّاً، من حيث عدم تبعيتها، وقيادتها لدول أخرى. ملحوظات عامة على الدراسة: وقبل الخوض في مناقشة بعض التفصيلات لبعض القضايا التي أثارتها الدراسة أود التنبيه إلى ملحوظات عامة عليها: أولاً: تجنب الدكتور الباز المناقشة التفصيلية للدراسات الاثنتي عشرة التي قدمها بين يدي رؤيته، ولم يعلق عليها بالقبول أو الرفض لما جاء فيها، ولكن تقديمه لهذه الدراسات باعتبارها أبحاث المشروع المستقبلي مع عدم اعتراضه عليها وإن تحفظ على بعض جزئياتها يجعلنا ننظر إلى رؤيته الخاصة على أنها إجمال، تفصله الدراسات المذكورة، مع كوننا لا نلزم أحداً بكلام غيره، ولكننا نناقش الدراسة باعتبارها مشروعاً علمانيّاً، وإن تعددت مدارسه. ثانياً: كثير ممن شاركوا في تقديم الدراسات كما يقول الدكتور الباز: شارك في صياغة برامج التنمية في مصر، أو في (صنع) تاريخ الحقبة السابقة، أو له إسهام بارز في الفكر السياسي والاجتماعي في العقود الماضية ... ، فينبغي علينا أولاً النظر بتأمل في نتيجة جهودهم الماضية، وبحث آثار الخطط الخمسية وبرامج التنمية، وخطط النهوض والارتقاء بالمواطن، ورفع المعاناة ... هل سيكون المستقبل امتداداً لفشل الماضي؟ ! ، وهل عقمت مصر عن ولادة آخرين (بدون سوابق) قادرين على العبور بها إلى القرن القادم؟ ! . ثالثاً: معظم المفكرين الذين صدّر الدكتور الباز رؤيته بدراساتهم: إما خارجين من عباءة الماركسية بعد فشلهم في التبشير بها؛ إثر تيتمهم بوفاة الاتحاد السوفييتي الذي وافته المنية على يد الرفيق جورباتشوف، أو قادمين من الرؤى الأمريكية الليبرالية حاملين معهم رياح النظام العالمي الجديد (في شقه الإقليمي) على أمل أن يكون لها موطئ قدم على الخارطة المصرية، فالجميع كتبوا بقلم علماني وإن اختلف مداده، ولذا: كان موقع (الدين) في مشروعهم هو موقع (التوابل) ! ، حيث لابد منها لإعطاء النكهة، ولكنها ليست ضرورية أو مفيدة، ولذا أيضاً: رأينا الاضطراب عند معالجتهم علاقة (الدين) بالنسبة للفرد والمجتمع وتنميتهما. رابعاً: يقر الدكتور الباز أن التحدي المستقبلي هو تحدٍّ حضاري، وهو كذلك بالفعل، ولكن لم تقدم لنا الدراسة تصوراً محدداً وواضحاً أو غير واضح لرؤية حضارية خاصة ومميزة تواجه الرؤى الحضارية الأخرى للدخول بها إلى القرن القادم. خامساً: ذُكر في الدراسة بعض النقاط التي لا يُختلف على إيجابيتها إجمالاً، أما تفصيلاً فالأمر يختلف بحسب التوجه (الحضاري) الذي يتبناه (القارئ) ، وذلك كالإحياء الحضاري، والاهتمام بتنمية الإنسان، ورفع فعاليته، وإصلاح وتطوير التعليم، ودخول عالم التكنولوجيا، والمسح الشامل للموارد الطبيعية للاستفادة منها، والاهتمام بتنمية قدرات البلاد العسكرية. سادساً: وضع الدكتور الباز بداية لتدشين العمل بهذا المشروع، حددها في سنة ٢٠٠٥م، آخذاً في الاعتبار من يتحفظون على موعد كهذا تعجيلاً أو تأخيراً، وإذا كنا لا نناقش هذا الموعد أو غيره، ولكننا لا نستوعب كيف يمهد للعمل بهذا المشروع في هذا الموعد بإجراءات وتوجهات لا تتفق إن لم نَقُل تتعارض معه كما سيتضح لاحقاً إن شاء الله (تعالى) ، وذلك إذا اعتبرنا أن هذا المشروع هو ما يصلح للمجتمع المصري في المرحلة المقبلة. ملحوظات تفصيلية: فتلك كانت بعض الملحوظات العامة على الدراسة، فإذا فحصناها بعين أكثر مجهرية رصدنا بعض الملامح الأخرى التي تتمثل في الملحوظات الآتية: الملحوظة الأولى: مكانة (الإنسان) في المشروع: حيث وضح غياب البعد الإنساني عن التنمية، واعتبار (الإنسان) مجرد (أداة) تنفيذ، ينبغي توجيه الاهتمام للجوانب التي تؤدي إلى تطويره من هذه الناحية، وليس لأنه يستحق ذلك باعتباره كياناً له المكانة الأولى والتكريم الأوفر بين خلق الله، بل لأنه: (هو العمود الفقري لأي تنمية أو تقدم، وأن الاستثمار في البشر وتنميتهم يمثل نقطة البدء في أي نهضة حقيقية) ، و (الإنسان المصري هو الثروة الحقيقية المؤكدة في هذا المجتمع، وهو مصدر القوة الحقيقية متى أحسن إعداده وأطلقت طاقته الإبداعية) ، وأهمية دور المرأة (باعتبارها جزءاً من عملية التنمية) ، و (لأن السكان يمكن أن يكونوا عنصراً فعالاً في دفع عملية التنمية، بخاصة إذا كانوا أصحاء ومنتجين) ، وينبغي النظر في (الضغوط والتوترات التي تتعرض لها الطبقة الوسطى ذات الدخل الثابت، التي يمثل التدهور النسبي والمتزايد لوضعها تهديداً للاستقرار الاجتماعي) . ولا يختلف أحد على أن (الإنسان) هو المقصود بالتنمية، كما أنه عنصرها الفعال، ولكن قصر الحديث عنه والاهتمام به على الجوانب المادية وما يقاس ويوزن ويحصى ... وإهمال الجوانب المعنوية التي على رأسها تنمية روحه ... وعقله.. كل ذلك يشير إلى نبع المبادئ التي قامت عليها الحضارة الأوروبية التي تقدس القوة المادية، والتي ربما تأثرت بها ثقافات معظم من شارك في هذه الدراسة، وبالطبع فلن نسأل عن تربية أو (تنمية) إيمانية إسلامية لذلك الإنسان؛ لأنه لا ينبغي سؤال أرباب العلمانية عن أمر كهذا، بل ينبغي دعوتهم إليه. الملحوظة الثانية: تحرير الإنسان أم الوصاية عليه؟ تحدّث كثير من المشاركين في الدراسة عن: (تحرير قدرات الإنسان الإبداعية) ، و (زيادة الفاعلية) ، و (تحريك طاقات المجتمع) ، و (تعميق الممارسة والمشاركة الديمقراطية) .. والمفهوم: أن كل ذلك مبني على تحرير عقل الإنسان وإرادته في مناخ من حرية تبني خيار، ويكون ذلك بتنمية عقلية ومعرفية واسعة، مع رفع الوصاية على عقل وإرادة ذلك الإنسان.. فهل ما تمارسه الأجهزة الرسمية من إعلامية وأمنية وغيرها يتفق أو يمهد لهذا التحرير؟ .. إن الحملات الإعلامية المكثفة، والأفلام والمسلسلات التلفزيونية الموجهة، وتعديلات منهاج التعليم بما يتفق مع الرؤية العلمانية والرسمية.. ليدلنا على وصاية كبرى على عقل الإنسان المصري. وقد يعتبر بعض (المحايدين) أنه من الطبيعي أن يعبر القائمون على هذه الأجهزة عن توجههم، أيّاً كان هذا التوجه، ولكن الصورة تكتمل إذا اتضح حجم التضييق والملاحقات للدعاة الذين لا يسايرون الوجهة الرسمية، ومنع التيارات الإسلامية من العمل الدعوي (السلمي) ، فلماذا لا تعطى الفرصة (للإنسان المصري) ليسمع ما يشاء ويختار ما يريد؟ . كما أن الممارسات الانتخابية المشبوهة من استغلال لمراكز النفوذ، والرشا الانتخابية الصريحة والمقنّعة، إضافة إلى ما يذكر من تجاوزات وأحداث تزوير صدرت بها أحكام قضائية أكثر من مرة، وملاحقة المنتسبين إلى التيار الإسلامي في وظائفهم وأعمالهم، بل واستصدار (قرار) من وزير التعليم بمنع ارتداء الطالبات للحجاب إلا إذا وقّع ولي أمرهن على إقرار بذلك في المدرسة (مع منع النقاب نهائيّاً) إرهاباً لمن يُظهر مظهراً إسلاميّاً ... وغير ذلك من ممارسات تتحطم عليها دعاوى الليبرالية والحرية الشخصية والديمقراطية المزعومة: تدل دلالة واضحة على مصادرة إرادة الإنسان المصري. إننا معشر الإسلاميين نعتقد أن التحرير الحقيقي للإنسان لا يكون إلا في العبودية الحقة لله ، حيث يتحرر الإنسان من المغريات التي قد تؤثر على خياره من مال، أو جاه ورياسة، أو شهوة جنس كما في الحديث الصحيح: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم..) ، وكما في الحديث الآخر: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) ، ويتحرر أيضاً من الموانع التي تكبل إرادته؛ لإيمانه بأن أكبر ما يخافه الإنسان قطعه بيد الله وحده، وهو الرزق والأجل: [اللَّهُ الَذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ] [الروم: ٤٠] ، [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ] [قريش: ٣، ٤] ، (ألا يمنعن أحدَكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يُذَكِّرَ بعظيم) . الملحوظة الثالثة: الطفرات السياسية بين الوهم والحقيقة: ومما له علاقة بالممارسات السابقة: ما ذُكر في مدخل الدراسة من أنه: (شهدت الحياة السياسية في مصر طفرات لا يمكن إنكارها في اتجاه الديمقراطية، أساسها التعددية الحزبية، وحرية الصحافة، وتعميق سيادة القانون) ، وأغفلت الدراسة أن هذه الطفرات صاحبتها ولاحقتها انتكاسات لا يستهان بها، فما زالت تسيطر على الحياة السياسية (العلمانية!) عقلية وروح احتكار السلطة وعدم القبول بمبدأ تداول السلطة، ولأننا لا نؤمن بأن الديمقراطية تفي بحاجات الإنسان من الحرية والعدالة، فسنورد هنا شهادات، ليست لمتهمين بالانتماء للصحوة الإسلامية، بل من مصادر تؤمن بهذه الديمقراطية وتدعو إليها: فعن التعددية الحزبية: يقول الأستاذ/ السيد ياسين وهو أحد المشاركين في هذه الدراسة: (.. مشكلة تداول السلطة في مصر وتطوير النظام الديمقراطي، وهل سيظل الحزب الوطني هو الحزب الأوحد الحاكم في القرن الواحد والعشرين أم سيتم تداولها، وهذه قضية جوهرية لم يتم الإدلاء فيها بالرأي) [٢] ، ويقول الدكتور السيد عوض عثمان: (.. ومن ناحية أخرى: فإن مؤسسات القطاع الخاص خاصة الكبرى منها ومؤسسات المجتمع المدني وفي مقدمتها النقابات المهنية والعمالية، والجمعيات الطوعية، والاتحادات التي برزت في كافة المجالات سوف تضع ثقلها وراء قوى وأحزاب متباينة، وتسهم بالتالي في زيادة حدة المعركة الانتخابية، وفي المقابل: فإن هناك خطراً حقيقيّاً من أن تصبح النقابات والجمعيات ساحة للعمل السياسي، كامتداد للأحزاب أو حتى بديل لها. والمشكلة هنا: أن الدولة مستعدة أن تؤيد هذا الاتجاه إذا كان في مصلحة الحزب الوطني، ولكنها مستعدة أيضاً لمحاربته والحد منه إذا رأت أنه يسير في الاتجاه المعاكس! !) (٣) . وتكمل الصورة عندما ندرك أن الحديث الدائر عن: الاتجاه نحو الممارسة الليبرالية، وتقليص الهيمنة على المجتمع المدني، وإفساح المجال أمام النشاط التطوعي، والاهتمام بالمنظمات الأهلية غير الحكومية ... كل ذلك المقصود منه التحلي بمظهر مسايرة الاتجاه العالمي في ذلك، مع عدم تنفيذ إلا ما يخدم أهداف الدولة، وما أدل على ذلك من محاربة الحكومة للنقابات المهنية المنتخبة من قِبَل المنتسبين إليها، والتضييق على منظمات حقوق الإنسان المصرية بدعوى دفاعها عن إرهابيين إذا تحدثت عن تجاوزات الأجهزة الرسمية، بل التضييق على مشروع كفالة اليتيم الذي تبنته إحدى الجمعيات الدينية المسجلة منذ عشرات السنوات بوزارة الشؤون الاجتماعية، بدعوى أن هذا المشروع سيخرج إرهابيين! . وقد وضعت الدولة حاجزاً اسمه عدم السماح بظهور أي حزب سياسي/ديني، معلنة تبرير ذلك: (لما قد يفرزه من أضرار واسعة المدى على الوحدة الوطنية، وتماسك المجتمع المصري في المستقبل) ، ولكنه في الحقيقة حاجز لعدم السماح بإفساح المجال أمام اتجاهات ذات وجهة حضارية مخالفة لتوجه الدولة السائد بممارسة العمل السياسي والاجتماعي، حتى من خلال قنوات مصرح لها بذلك بالفعل.. وهكذا أصبح (تعدد الأحزاب (مجرد (ديكور ديمقراطي) ، الغرض منه إلهاء الجماهير، والإشباع النفسي الكاذب بمسايرة (روح العصر) . أما حرية الصحافة: فمع الإقرار بوجود حرية نسبية للتعبير في إطار محدد، إلا أن قانون الصحافة الأخير الذي رفضه ممثلو الصحفيين (القانون ٩٣ لعام ١٩٩٥ م وتعديلاته) أظهر أن الدولة ضاقت ذرعاً بهذه الحرية النسبية، حيث (جاء القانون رقم ٩٣ مفاجئاً وصادماً لجموع الصحفيين، الذين شعروا بخطر وتهديد غير مسبوقين؛ فبالرغم من قسوة تشريعات الصحافة والنشر في مصر بشكل عام، ... وما تنطوي عليه من قيود شتى على حرية التعبير، إلا أن ما جاء به القانون ... المذكور ... تجاوز كل القيود السابقة) [٤] ، و (المعروف أن هناك ترسانة من القوانين والمواد التي تكبل هذه الحرية، حتى قبل صدور القانون ٩٣، لكن السياق العام في اللحظة الراهنة لا يتيح التطلع إلى تغيير وتعديل جوهري يطلق حرية التعبير والصحافة، رغم ضرورة ذلك لتجاوز حالة الركود، وإعطاء دفعة لعملية التطور الديمقراطي، فإلى جانب القانون ٩٣ توجد قيود هائلة على حرية التعبير في عدد من القوانين الأخرى..) [٥] . وحتى إذا اكتملت حرية الصحافة التي هي إحدى صور التعبير فإنها حق أصيل وليست منحة أو هبة ممن سمح بها. و (تعميق سيادة القانون) يوضحها الدكتور السيد عوض عثمان، فيقول: (إن إحدى المشكلات المزمنة في العلاقة بين السلطات في النظام السياسي المصري بعد ثورة يوليو ١٩٥٢م هي: ضعف السلطة التشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية) إلى أن يقول: (وبعبارة أخرى: فإن أبرز علامات التطور الديمقراطي التي يتصور أن تتحقق في المرحلة القادمة، هي المزيد من فعالية مجلس الشعب في مزاولة سلطاته التشريعية والرقابية، على نحو يختلف بشكل ملموس عن الفترة السابقة، وإلا فإن الحديث عن الاقتراب نحو مزيد من الديمقراطية لن يكون سوى شعارات فارغة! !) [٦] . فإذا أضفنا إلى ذلك: استمرار قانون الطوارئ وعائلته، والقوانين التي تُقَنن حسب الطلب، مثل: قانون الصحافة المشار إليه سابقاً، والقانون ١٠٠ لسنة ١٩٩٣م الخاص بإعادة تنظيم النقابات المهنية، بحيث تتوافر الضمانات بعدم سيطرة الاتجاهات الإسلامية عليها، وتعديل قانون الحسبة بما يتفق وحرية تهجم العلمانيين على الدين، ومحاولة تعديل القانون رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٤م الخاص بالجمعيات الأهلية.. وغيرها، عندها نفهم المقصود بتعميق سيادة القانون، وهو أن تكون القوانين خاضعة لتوجهات السلطة لا غير، ثم المطالبة بعد ذلك بوجوب الالتزام.

стр. 2301

المسلمون والعالم مجاهدو الشيشان يقدمون دروساً جديدة بقلم: مبارك سالم حين تتعرض رقعة جغرافية محدودة لهذا النوع الشرس من القتال، فإن المرء يتساءل: لماذا لم تحظ هذه البقعة الساخنة باهتمام وحرارة تماثل حرارة القضية، ونيران القتال، واشتعال طرفي الجبهة، لا أبالغ إن قلت: إن حرب الشيشان هي أعنف حرب عصابات شهدها العالم منذ الحرب العظمى، وإن كميات الرصاص والنيران التي تعرضت لها جروزني في أقل من سنتين تفوق تلك التي تعرضت لها برلين في حصارها وسراييفو في حربها الأهلية.. بحسبة بسيطة: ينال كل مواطن يقطن جروزني ما يعادل ٨٠٠ طلقة، ونصف قنبلة جوية، وثلاث وربع قنابل أرضية ... إنه جحيم قررنا بطوعنا أن نغمض أعيننا عنه، ونكتفي بمتابعته بصورة سطحية) .. هكذا تكلم مراسل التلفزيون الألماني وهو يعلق على (مفاجأة) اقتحام جروزني من قبل المجاهدين الشيشان في يوم صيفي صاعق، شهد صعودهم السريع وانقضاضهم المدهش على الجنود الروس المرعوبين، الذين تدفع بهم قيادتهم نحو معركة ... بلا قضية ... الإعلام الدولي وطرق المعلومات السريعة أضحت اليوم دون حاجة إلى أدلة ترسم الواقع (الافتراضي) كما يقرر أباطرة المحطات الفضائية والإذاعات والوكالات المتعددة المواقع، ونصيب الشيشان وقضيتهم انحسر في الفترة الأخيرة على حصر الموضوع في كونه (موضوعاً انتخابيّاً) ، يلعب به مرشح البيت الأبيض لمنصب الكرملين ... لم يفت الفريق الأمريكي الذي رسم لبوريس يلتسين حملته الانتخابية وصورته المفترضة في أن (يلعب) بأرواح شعب كامل وقضية ضاربة بجذورها في عروق وصدور الشيشانيين بأسلوب أمريكي سينمائي.. تتحرك عدسات التصوير قبيل ساعات من التصويت على منصب الرئاسة الروسي لتلاحق زعامات الشيشان التي تتنقل بين الكرملين وقصر الضيافة، وتسلط الأضواء على (صانع السلام) المخمور الذي يَعِد أمة اضطهدت عبر قرون بأنه الذي سيحيل جبالها إلى قمم آمنة، وسهولها إلى ملاعب للطير ... ! ! ثم يطير (طائر السلام) الثقيل إلى الشيشان في حركة تمثيلية ليعد الجموع المسحوقة بنيرانه بأنه جاد في عرضه ومبادرته ... وما أن ينتصر (الرجل المريض) ، وتضمن واشنطن عودته إلى الكرملين حتى تُنقض الوعود، وتبدأ الآلة الروسية المتوحشة عادتها المألوفة وهوايتها القديمة في سحق (المتمردين والمرتزقة) وبمباركة دولية شاملة وكاملة.. حتى (ألكسندر ليبيد) مستشار الرئيس الروسي للشؤون الأمنية الذي ارتقى إلى القمة بانتقاده المر ليلتسين ولجرائم الروس في الشيشان انضم إلى فريق الكواسر البشرية التي لا ترى بأساً في سحق آدمية شعب الشيشان والقضاء على حريته وإرادته. وبعد أن تمت التمثيلية (السمجة) واتضح للمراهنين على يلتسين أنه ممسك بمقاليد السلطة، أبعدوا عدساتهم وأضواءهم عن الشيشان وقضيتها، وأدخلوها في (ثلاجة القضايا) التي يشربون منها ما يريدون حسب الظروف.. ويقدمونها وجبة سريعة كلما رأوا لذلك حاجة. توارت قضية الشيشان بعد أن حققت أهدافها روسيّاً، وأمريكيّاً، ودوليّاً، وأصبحت من القضايا الهامشية التي لا تثير سوى النعاس، ولا تستحق أن تضعها الـ (سي. إن. إن) في نطاق اهتماماتها.. وتلك قسمة واضحة للنظام العالمي الجديد الذي يتحرك هنا أو هناك وقد سبقته جلبة وضجة أُعد لها بعناية، حيث الإعلام في خدمة السياسة، والمراسل هو الجندي الأول في الحملة العسكرية، والتقارير الصحفية لا تختلف كثيراً عن المنشورات العسكرية وأوراق التحذير التي تلقيها الطائرات المغيرة من الجو.. التزوير الإعلامي الغربي لصالح يلتسين: وسائل الإعلام الغربية خصوصاً تعاملت مع الشيشان بازدراء شديد وتجاهل فاضح، وهذا ما يؤكده المراقب الروسي (يوري زاراكوفيش) ، الذي أشار إلى إحدى المهازل المضحكة التي أفرزتها انتخابات الرئاسة الروسية، قائلاً: (هل تصدقون أن التزوير الفاجع وصل إلى مرحلة أن دائرة الشيشان الانتخابية أعطت ٨٠% من أصواتها للجزار يلتسين الذي كان يسرق من أبنائها ونسائها وشيوخها النومة الهنيئة؟ ! ، وبالرغم من ذلك: فلا حديث أو متابعة دولية لهذه الفضيحة؛ لأن المعنيين هم الشيشان البغيضون! ! ..) . هؤلاء.. بدورهم فوجئوا بعد ثلاثة أيام من انتخاب يلتسين الذي وقع اتفاقية للسلام مع المقاومة الشيشانية بتحذير روسي (للعصابات الإجرامية) بأن تسلم سلاحها ورجالها.. وبتعالٍ شديد وجه الجنرال الروسي (فتيسلاف تيخاميروف) إنذاره، متجاهلاً اتفاقيات السلام السرابية، وقام بتغطية هذا النقض الواضح بحجة وجود أسرى روس لدى الشيشان، ويصف (رسلان حسب الله توف) حليف روسيا السابق والناطق باسم البرلمان الروسي فعلة الدب الروسي بقوله: مع إنذار (تيخاميروف) المفاجئ هذا تبخرت الآمال في تحقيق ما سبق الاتفاق عليه في الكرملين، وما تم توقيعه في (نازران) من اتفاقيات، مثلما سبق وأن تبخرت الآمال في خطط يلتسين لإقرار السلام بالشيشان. بانتهاء المهلة المحددة لتسليم الأسلحة والرهائن المحتجزين: كانت أوامر الجنرال تيخاميروف قد صدرت فعلاً لقواته بالبدء في أكبر عملية تمشيط للبلاد، طوقت جنوب وشرق البلاد واستخدمت فيها الأسلحة والمدفعية الثقيلة، معززة بغطاء جوي حوّل سماء مناطق القصف إلى جحيم حقيقي ... واستمر القصف حتى الثالثة صباح التاسع من يوليو. ومع بزوغ فجر اليوم نفسه، وفي الخامسة صباحاً بعد هدوء استمر ساعتين عاودت قوات الجيش الروسي طلعاتها وهجومها البري، في محاولة للسيطرة على قرية جيخي على بعد حوالي ثلاثين كيلو متراً من غرب جروزني والملاصقة لحي أروس مارتان، على الطريق المؤدي لجيخي اصطدمت حاملات الجنود الروس وعرباتهم المصفحة بمتاريس قوات المقاومة، حيث صدرت الأوامر للروس من جنرالاتهم بالتقهقر، على أن يتقدم بدلاً منهم سرب الطائرات الروسية المروحية والطائرات الحربية ليبدأ من جديد قصف جوي عنيف للقرية وقصف سكانها العزل. قال الجنرال (شامانوف) قائد قوات وزارة الدفاع الروسي في الشيشان: (هدفنا من العملية كان مجرد التحقق من هويات مواطني القرية (! !) ، وهو ما لم تسمح لنا به قوات المقاومة، فاضطررنا للتعامل معها) ، ولم يكن هذا التفسير الهزلي للعملية بجديد، فقد سبق وكان حجة لعشرات العمليات العسكرية المتوحشة، التي راح ضحيتها آلاف مؤلفة. ولم تمض أيام حتى غرقت قرى الشيشان في بحر من الدم والدموع والجثث، وخصت قوات يلتسين الديمقراطية المدنيين بجزء كبير من قذائفها وحممها؛ مما اضطر الرئيس الروسي لعزل تيخاميروف وتعيين قائد جديد هو (قسطنطين كوليكوفسكي) .. لكن هذا التغيير في الوجوه لم يصاحبه تغيير في السياسات أو الوسائل الوحشية لآلة الحرب الروسية.. أيقن الشيشان أن الحل بأيديهم.. ولذا: فاجؤوا العالم بهجومهم الصاعق بعد شهر من نقض روسيا لاتفاقها معهم.. مفاجآت الشيشان الجديدة: رفضوا أن يكونوا مجرد (إعلان انتخابي) أو (وسيلة لوصول يلتسين لسدة الرئاسة) ، وظهرت المفاجآت المصاحبة للهجوم: من الإعلان عن وجود جوهر دوداييف حيّاً، وظهور القائد العسكري سلمان دادوييف على شاشات التلفاز.. إذن: قلب الشيشانيون المشهد رأساً على عقب، وأكدوا عدة نقاط مهمة لا بد للشعوب المسلمة من تذكرها واستلهامها في المعركة الدولية الشاملة ضدهم: -أن الوحدة على الهدف والمبدأ أمر مكلف يحتاج إلى تضحيات كبيرة وعمل ضخم وكلام قليل، وأن الاختلاف على الوسائل والتفاصيل لا يجب أن يقف أمام القضية الكبرى التي يتفق الجميع على خطوطها العريضة، فبالرغم من شراسة العدو وغلبته العددية والقتالية ومعرفته التفصيلية بنواحي الضعف ونقاط الاختلاف بين قادة الفصائل الشيشانية.. إلا أن المقاومة الشيشانية حافظت على حد معقول من الوحدة والتجانس التي أفضت إلى فشل الروس في شق صفوفهم وتفريق وحدة كلمتهم، لقد استند الشيشانيون إلى تاريخهم العريق في الصراع مع روسيا، والذي اتسم بوعي عالٍ من مسلمي الشيشان بقضيتهم، كما اتسم بوضوح أهدافهم واتفاقهم على حد أدنى من المطالب. -أثبت الشيشان أن العملاء كالأحذية، لا يذكرون إلا من قبل التندر عليهم، فمن منكم يعرف اسم قائد الحكومة العميلة لموسكو، الذي يشبه كثيراً الزعامات الكرتونية المفروضة على شعوبها، تارة باسم السلطة الوطنية، وأخرى باسم الثورة، وثالثة تحت عنوان الخلاص أو الإنقاذ الشعبي! ! . -رسم الشيشان مساراً آخر لتأكيد عدالة قضيتهم، وأكدوا للجميع أن التفاوض مضيعة للوقت، وأن الواقع هو الذي يحدد مسارات هذه المفاوضات، كما كشفوا للعالم أن قوة عظمى كروسيا لا يمكن أن تحفظ العهد أو الوعد، وأن القضية العادلة تنتصر على الباطل مهما كثر خيله ورجله. -نسف الشيشان نظريات جاهزة تستخدم دوماً لتثبيط الهمم وتهيئة الجو للتنازل يتلوه تنازل.. من هذه المقولات التي توظف بالباطل رغم أن في بعضها حقّاً: أن القضايا الحارة لا بد أن تخضع للموقف الدولي وحساباته، وأن قرب ساحة المعركة من العدو الروسي يؤثر سلبيّاً على القضية.. كما أكدوا للمسلمين: أنه حتى في حالة خذلان إخوانهم لهم، فإنهم قادرون على التوكل على الله، وحمل أرواحهم على راحاتهم. -ضرب الشيشان في قتالهم الأخير مثالاً جديداً لم يألفه المسلمون في صراعهم الجهادي المعاصر: حين ابتعدوا عن التهويل، بل حاولو أن يظهروا بمظهر المتواضع البعيد عن التهويل والمبالغة، واتضح هذا جليّاً في إعلانهم عن نيتهم الانسحاب من جروزني بعد احتلالها، وضربوا لهذا الانسحاب موعداً لا يتجاوز اليومين، لكن الأحداث أثبتت أنهم خططوا للاستيلاء على جروزني وأركان لفترة طويلة، هذا ما لم تتعود عليه قيادات أخرى تصر في كل مرة على المبالغة والتهويل من قدرتها، مما يصيب الجماهير بالإحباط. -ومن الدروس الشاخصة: ابتعاد الشيشان عن صناعة الرمز والأسطورة الشخصية، فقضيتهم لم ترتبط منذ انفجارها بشخص أو اثنين أو عشرة، صحيح أن للزعامات الشخصية دوراً بارزاً في شحذ الهمم والالتفاف حول راية القضية، لكن العالم اليوم يلتف أيضاً حول البرنامج كما يلتف حول الزعامة، بل ربما أتت الزعامة في مرتبة بعيدة عن البرنامج ... شتان بين الشيشان وقياداتهم وبعض تلك القيادات المفضوحة في الساحة، التي تختزل قضية شعب بل أمة بتاريخها ومقدساتها وعدالة قضيتها.. في شخص (أراجوز سياسي) أو زعيم من زعامات الفقاقيع الصابونية..! ! . -ولعل من الأرصدة المهمة التي انتزعها رجال الشيشان الأبطال: ذلك المجد الذي شهد لهم به عدوهم.. هذا (ألكسندر ليبيد) الجنرال الروسي ورئيس مجلس الأمن القومي يصرح بعد زيارته الخاطفة للشيشان بأنه: يعجب أشد الإعجاب بصلابة وإيمان المقاتلين الشيشان، مقابل الانهيار المروع في معنويات وأداء ثاني أضخم جيش في العالم، الذي انهار أمام بزوغ فجر الحلم الشيشاني ... والسؤال: هل يشرق صبح الشيشان وينعمون بالحرية والاستقلال، كما سعوا وحاربوا لهذا الهدف منذ قرون..؟ . لعل هذا السؤال يجد بعض حروف إجابته في كلمات (الإمام شامل) قائد الشيشان الراحل، الذي خاطبهم قائلاً: (أيها الجبليون: علينا أن نحارب، لا وقت لدينا لتأليف الأغنيات وإنشائها، ولا لرواية القصص، فلنجعل الأعداء يغنون فينا الأغنيات، وستعلمهم سيوفنا كيف يفعلون ذلك ... امسحوا دموعكم واشحذوا سيوفكم) . ويبدو أن يلتسين وليبيد هما أول من نظم الأغنيات للشيشان، كما توقع قائدهم المجاهد بذلك! ! فهل من معتبر؟

стр. 2302

المسلمون والعالم المسلمون البلغاريون بين الواقع والمأمول (٢ من ٢) بقلم: عبد الله بن إبراهيم المسفر تطرقنا في العدد الماضي إلى تاريخ مسلمي بلغاريا، ومعاناتهم من الحكم الشيوعي وما بعده، وما يلاقونه من اضطهاد ومحاولة لشق صفوفهم، وتبني الحكومة لأشخاص مشبوهين ليكونوا مسؤولين عنهم، وإخفاقاتها حيال ما تخططه في هذا المجال. وسنتحدث في هذا المقال عن واقع المسلمين الحالي فيما يلي: إطلالة على الداخل: الحالة السياسية القائمة في بلغاريا، والتزاحم على الصوت المسلم كما أشرنا وما سبقه من احتكاكات مع المسلمين: نبهت ولفتت أنظار الكثير من المسلمين وإن لم يصل للدرجة المطلوبة لحقيقة ما يجري أولاً، ولحقيقة التنافس السياسي وأهمية دورهم في الحلبة، وأنهم ليسوا في معزل عن نتائجه وإفرازاته، ولهذا: فلو خرج المسلمون من هذه المعمعة على أقل تقدير بسعة في الإدراك، وتفتح في الأذهان والأفهام، واتساع في الاهتمامات لتشمل هذا القطاع المهمل.. لكفى، وهذا بحد ذاته تطور محمود ومؤشر طيب. فنحن لا يهمنا على المدى القريب أن نجني كل ثمار هذا التقدم؛ لأن ذلك غير منطقي، لكن بلا شك فإن ابتداء هذا التحول من الآن، سيكون له الأثر الكبير الملموس في حياة الجيل القادم، لأنه سيكون أكثر تفهماً ووعياً وجرأة وجسارة، وأكثر إيجابية وفعالية.. وهذا هو مدار الحديث، بل هو مدار التنافس والتآمر في الوقت نفسه. وعلى المدى القريب: فهذا التحول والانعطاف، إن استمر وتفاعل، سيحول بإذن الله (تعالى) دون تكرار مأساة الشيوعية وقهرها للمسلمين والتضييق عليهم، كما أنه سيدفع صانعي الأحداث والمسؤولين السياسيين جديّاً أن يضعوا في حسبانهم كافة المعادلات سيئة أو حسنة ما دامت ترتبط بقطاع المسلمين.. فإن أضفنا لهذا الأمر: التوجه الأوروبي الخارجي، والمحيط العام كما سيأتي، وفشل الخيار العسكري في تقويض الحلم البوسني: لازدادت قناعتنا بأن الحال لن يدوم طويلاً على هذا المنوال، وإن دام فسيتغير للأحسن إن شاء الله (تعالى) . الوضع الاجتماعي: وهوكما تقدم ليس بأفضل حالاً من الوضع السياسي، بل التغيير الديموجرافي (السكاني) باستمرار يدخل في حسابات السياسات الدولية والإقليمية والمحلية، صحيح أن التحول الديموجرافي في بلغاريا على المدى البعيد لصالح المسلمين، وهذا سيحول هو أيضاً بإذن الله (تعالى) عاجلاً دون حدوث صدام أو تهجير، كما أنه يفرح القلوب المؤمنة أن الأعوام التي تمر سراعاً تحمل في طياتها خيراً إن شاء الله للمسلمين.. إلا أننا يجب أن نكون يقظين متنبهين؛ لأن الكائدين ليسوا في غيبة عما يدور، ولهذا: لن يعدموا الوسائل والطرق لتغيير عناصر المعادلة وقلب الموازين (قتلاً، أو تهجيراً، أو تذويباً) ، وإن كانت هذه الخيارات تبقى صعبة، وتحتاج لتوافر ظروف وأجواء معينة.. الوضع الاقتصادي: وهو مشابه لما مر، إلا أننا في هذا المضمار نوجه الأنظار لإمكانية المسارعة في الاستثمار، وإن كان ما ذكرناه عامل منع، فإننا ننبه أحباءنا أن الوضع لن يستمر على ما هو عليه؛ فبلغاريا ليست في معزل عن العالم، وبخاصة أوروبا ومن حولها من الدول، والتغيرات الجارية فيها لمزيد من الديمقراطية والتعددية. وصحيح أن الوضع غير مستقر الآن، لكن ارتفاع سعر الدولار وهبوط سعر العملة يجعل الأيدي العاملة رخيصة، وإمكانية الاستثمار متوفرة، وتصدير المواد البلغارية للخارج مربحة.. ويمكن على الأقل الاستفادة من الوضع الحالي في وضع موطئ قدم للاستثمار والتجارة، فإن تيسر الأمر وسنحت فرص: تم اقتناصها، وإن عدمت: ينتظر حتى تتغير الأوضاع والأحوال وينتعش الاقتصاد، ورجاؤنا ألاّ نكون كالمعتاد آخر الركب مقبلين ومستفيدين.. هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى: فإن الوضع الاقتصادي الآن يشغل الحكومة والشعب، ولذا: فالحكومة البلغارية ليست لها قدرة على فتح جبهات استنزافية إضافية، بل يسعى الحزب الاشتراكي الآن بكل جهده لإعادة الثقة ... المفقودة، وتلميع الصورة المشوهة لها لدى الغرب بعامة وأوروبا بشكل خاص. الوضع الخارجي: انتهاء حرب البوسنة، وفشل صربيا وأوروبا وكل حاقد وكائد في إنهاء الأمل البوسني تماماً في الوجود والحياة، ثم استمرار الحرب في الشيشان، وانهيار ما تبقى من سمعة للجيش الروسي الجرار.. كل ذلك في تقديري أثّر أيما أثر على تفكير أوروبا والغرب في مدى نجاح الخيار العسكري لحل النزاعات أو فرض السيطرة بالقوة.. وحال المسلمين البلغار مختلف تماماً: فهم خط الدفاع الأول لتركيا القوية، ويقطنون دولة صغيرة منهكة ضعيفة.. كما أن بلغاريا تقع في منطقة تخضع لمخططات أمريكية أوروبية، لذا: فلا مجال (في حدود تقديرنا البشري) لحدوث نزاع أو صدام جديد في هذه المنطقة على المدى القريب.. وبلغاريا لا تستطيع أن تقف حجر عثرة أمام مخططات وتطلعات أمريكا وأوروبا في منطقة البلقان التي تربط الشرق بالغرب، بل هي الآن تعاني أشد المعاناة من موقف الغرب منها لميلها فقط للطرف الروسي والقطب الأرثوذكسي، فكيف إذا لبست ثوب النمر واستأسدت؟ من هنا: نخلص إلى أن عموم الوضع الداخلي والخارجي لا يساعد نهج الحكومة الحالية ولا مخططاتها على النجاح، بل ولا على الاستمرار في الوجود، فكيف إذا قدمت رأسها للمقصلة بإخفاقاتها العديدة؟ .. وبمقارنة سريعة بين حال وتفكير وبرامج الاشتراكيين في بلغاريا، والاشتراكيين في كل من بولندا، وإيطاليا، وإسبانيا.. يتبين للمطلع أن الاشتراكيين البلغار يسبحون عكس التيار ويعيشون أحلاماً مضت وولت، ... ولهذا وذاك حالفهم الفشل، في حين تفيد التقارير الحالية أن إخوانهم من الاشتراكيين قد حققوا نجاحاً؛ لأنهم عرفوا طبيعة الظروف المحيطة بهم، وقوانين حلبة المصارعة السياسية الجديدة.. كما يقولون. هل ستبقى الحكومة الحالية؟ ! الحكومة في تقديرنا (ولله الأمر من قبل ومن بعد) معرضة للسقوط وإن طال عمرها، بالطبع: هناك احتمال أن يعيد الحزب الاشتراكي تشكيل حكومة جديدة أخرى، وهذا إن حصل: فلن تكون كسابقتها، وستتخذ نهجاً مغايراً تماماً؛ لتحسين صورتها داخليّاً وخارجيّاً، ومع أننا نميل للرأي الأول وهو السقوط تماماً إلا أننا أيضاً نوافق من قال: إن مرد ذلك كله يعود (بعد مشيئة الله طبعاً) إلى نتائج الانتخابات الرئاسية، وتوجه الفائز فيها: إن كان ديمقراطيّاً: فإن سقوط الحكومة، وحل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة.. حاصل لا محالة. إن كان يساريّاً فاحتمال تغيير الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة وارد. وقبل أن أختم المقال: ألفت الأنظار إلى أن التوجه العالمي أيضاً قد اتفق على محاربة الأصولية والإرهاب، وهذا مفهوم واسع ومطاط؛ لأن تحديد هذه المفاهيم تعود لشرطي النظام العالمي الجديد، وهذه السمة لن يبرأ منها أحد من المسلمين (شخصاً، أو هيئة، أو دولة) ... إن حل عليه الغضب من ذلك الشرطي.. المهم: أن هذا المفهوم سيلاحق العمل الإسلامي والعربي المهاجر لتقديم العون والمساعدة لإخوانه تحديداً، وسيضيّق عليه منافذ التنسم والتنفس، وبالطبع سيجد هذا الأمر قبولاً من قبل الدولة البلغارية (مدار حديثنا) ، لكن في حالة كون العمل الإسلامي قائماً تحت غطاء دار الإفتاء العام هناك فهو أفضل الحلول، وإن عُدم، وقام تحت غطاء بلغاري بحت: فهو أفضل في كل الأحوال من الغطاء الخيري الجديد. واقع دار الإفتاء الآن: دار الإفتاء العام الآن وحسب ما يجري تعاني والله أعلم، كما يبدو لنا من آلام المخاض، ونتمنى أن يكون المولود خيراً، حتى لو كانت الولادة قيصرية، فلعله بإذن الله (تعالى) ينفتح بابٌ من الأمل عظيم على المسلمين والعمل الإسلامي لصالحهم، وإلا فإن البديل يبقى في ظل هذه الأجواء والأحوال الغطاء البلغاري الرسمي البحت.. حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وبلغاريا لا تعاني من مشاكل مع العرب أو المسلمين بين بعضهم البعض، بل لا يوجد ذلك التناحر بين التوجهات والمناهج المختلفة كباقي بعض الدول الأخرى، فأكثر العاملين في مجال الدعوة وفي الجمعيات الخيرية القليلة العدد مثلاً هم من الطلاب، وأكثرهم لا ينوي البقاء في بلغاريا، ولهذا: لا يوجد بينهم ما يوجد بين الجمعيات والمؤسسات من اختلاف في التوجهات والمتطلبات التي تنعكس سلباً على مستوى وأداء ذلك العمل الخيري.. وهذا بلا شك عامل مساعد وإيجابي في سير الدعوة والعمل الإسلامي دون منغصات داخلية أو مشاكل جانبية. ونأمل أن يكون العاملون في هذه المجالات الدعوية والخيرية أكثر تفهماً لهذه الأوضاع الشائكة، وأكثر معرفة بضرورة تكاتف الجهود وتعاون الجميع لأداء رسالة الدعوة والتعليم لإخواننا هناك، بعيداً عن حساسيات أو اختلافات، ستؤدي بلا شك إلى أعمال سلبية، ما أحوجنا لتلافيها؛ لأن القصد هو التوعية والتوجيه وإنشاء كوادر من إخواننا المسلمين هناك يقومون بواجب الدعوة والتعليم. ويا حبذا لو اختير أفراد من شباب المسلمين ليكملوا دراساتهم في الجامعات الإسلامية، وبخاصة في (المملكة العربية السعودية) ، فإنهم بإذن الله سيكونون ذخراً وأملاً يرتجى لغد مشرق، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2303

في دائرة الضوء حتى لا نصل إلى الانهيار الداخلي بقلم: محمد محمد بدري حين: نتجاهل مستقبلنا حتى يصبح حاضراً، ونغفل عن حاضرنا حتى يصير تاريخاً، ونهمل بناءنا الداخلي حتى يفرز في أنفسنا (الوهن الحضاري) .. ... و (القابلية للهزيمة) و (القابلية للسقوط) .. حينئذ تتداعى علينا برابرة الأمم ليأخذ كل منهم نصيبه من أشلائنا، كما تتداعى الكلاب وصغار الوحوش لنهش لحم الأسد الميت، بعد أن كانت في حياته تمتلئ رعباً من منظره.. بل من مجرد سماع زئيره! ! إن المنهاج الإسلامي يبين في تشخيصه لنكبات الأمم: أن هذه النكبات إنما هي النتيجة الحتمية لما كسبت أيدي أفرادها.. -ففي القرآن: التأكيد على هذه السنة العامة التي لا تتخلف ولا تتبدل ... [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ، ولذلك: فإنه حين تساءل المسلمون بعد هزيمة (أحد) : [أَنَّى هَذَا] .. جاءهم الجواب من الله: [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ... ... [آل عمران: ١٦٥] ، وتحت العنوان نفسه: [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] كان تعقيب القرآن على غزوة حنين: [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] [التوبة: ٢٥] . -وفي السنة: يخبر النبي ﷺ في الحديث الذي رواه ثوبان أن مصائب أمتنا إنما تكون بما في أنفسنا، فيقول: ( ... وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة (قحط شامل أو مجاعة مهلكة) وأن لا يسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم [] قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ [] فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال مَنْ بين أقطارها (يعني: أهل المعمورة) حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً) [١] . فالحديث كما نرى ظاهر في أن تسلط العدو علينا إنما هو بسبب ما في أنفسنا وبنائنا الداخلي من إصابات حضارية.. وأن هذه (الإصابات الحضارية) الداخلية هي الأخطر؛ لأنها هي التي تعطي الإصابات الخارجية إشارة العمل والفاعلية.. ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى في حديثه الآخر: (يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله ﷺ ، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) [٢] . فتداعي الأمم إنما يكون بسبب من (الوهن الحضاري) في الأمة، ذلك (الوهن) الذي يجعل الأمة بمثابة غثاء من النفايات البشرية التي تخاف من تكاليف مجابهة الظلم في الداخل، وتجبن عن صد الغزاة في الخارج.. وكما تؤكد آيات القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ أن سبب الهزائم ينشأ من داخل الأمة بـ (الوهن) الحضاري الذي لا يُنْتج إلا الاستسلام للأعداء، والكف عن منازلتهم.. كذلك تشهد لهذه القاعدة آيات الآفاق والأنفس [٣] .. ونظرة واحدة في تاريخ المسلمين تؤكد أن ما لحق بالأمة ولا يزال يلحق بها إنما هو في الحقيقة عقوبات مستحقّة.. وأن كل أمة تستسلم للنوم، فإن الله يبعث عليها سوطاً يوقظها.. سواء أكان هذا (السوط) عدوّاً من الخارج، أو اضطراباً في الداخل: برابرة التتار: كانت غارة التتار كاسحة.. خربّت بغداد وقتلت أكثر من مليون مسلم حسب رواية ابن كثير والسيوطي ولم يسلم من القتل إلا من اختفى في بئر أو قناة! ، وقتل الخليفة رفساً وركلاً بأقدام التتار.. وجرى النهر أربعين ليلة أحمر اللون من كثرة ما أريق فيه من دماء المسلمين.. فهل كانت قوة التتار وحدها هي السبب وراء هذه المذبحة؟ أم أن الخيانة والتآمر من العلقمي وبطانة السوء من جانب، وضعف الأمة من جانب آخر هو السبب المباشر والأقوى؟ .. إن ابن كثير يحدثنا أمراً عجباً.. يحدثنا أن جنديّاً تتريّاً أراد قتل مسلم ولم يكن معه (أي: التتري) سلاح.. فقال للمسلم: ابق هنا لا تتحرك، فبقي المسلم بسبب من الهزيمة الداخلية حتى غاب الجندي التتري، ثم عاد وبيده السلاح، فذبحه! ! .. هكذا.. لم يبد المسلم أدنى مقاومة.. حتى لو كانت هذه المقاومة هي مجرد الفرار! ! بل إن ابن كثير ﵀ يحكي لنا قصة أخرى أقسى وأكثر دلالة على أن من يهزمه عدوه من داخله لا يبقى أمامه إلا أن يصفي ساحة المواجهة معه من فلوله العاجزة المذعورة دون جهد أو تعب.. يحكي لنا ابن كثير أن مُلَثّماً من جنود التتار دخل خاناً فيه الكثير من المسلمين، فبدأ في قتلهم.. وهو واحد وهم كثرة.. وهم لا يفعلون شيئاً إلا أن يسلموا رقابهم للذبح.. حتى رأى أحدهم أن من يقوم بقتل الجميع هي فتاة ضعيفة! ! هنا.. وهنا فقط! ! اجتمعوا عليها فقتلوها! ! [٤] ويتساءل المرء: ما الفرق بين أن تكون فتاة ضعيفة أو رجلاً قويّاً في مواجهة هذه الكثرة من المسلمين؟ .. ولكنه الوهن.. والهزيمة الداخلية، التي تُوجِدُ في النفوس الرهبة والخوف، فتشلها عن المواجهة، وتقعدها عن المجاهدة فتلقي بسلاحها قبل أن تبدأ المعركة.. المحاق الأندلسي: ظهرت (القابلية للسقوط) في الأندلس على مستوى الفرد والأمة، بداية من التناحر والصراع على السلطة، وإقامة الكيانات الطائفية الصغيرة، والاستعانة بأعداء الله لحماية تلك الكيانات الهزيلة.. وكانت هذه الأسباب وغيرها من الأسباب التي نشأت في (داخل) الأمة هي التي أعطت (إشارة) العمل والقوة لأعداء الأمة، فقاموا بتفريغ كل حقدهم الكاثوليكي على الإسلام والمسلمين.. ومن ثم: سقطت الأندلس، وشهد المسلمون هناك العمل المتواصل لإزالة كل ما هو إسلامي.. أمّا نحن: فقد علمتنا الأندلس (المعادلة الصحيحة في تفسير التاريخ: خروج على سنن الله.. إمهال نسبي من الله قد يغرى الخارجين على تلك السنن بالتمادي، ثم تتجمع عوامل الفناء لتشكل عامل إغلاق لباب العودة.. إبادة وموت في شكل مجموعة من الكوارث) [٥] تلك الكوارث التي تمثل النتيجة الحتمية لمقدمات موت الأمة، ووصولها إلى الطريق المسدود في حركتها داخل التاريخ. سقوط آخر خلافة: الدارس لسقوط الخلافة العثمانية على يد الطاغية: كمال أتاتورك، يوقن أن هذا (الرجل) لم يكن يملك قوة خارقة أو يستند إلى قوة لا تقهر تمكنه من إسقاط ذلك الكيان.. وإنما كان السقوط بسبب داخلي هو (الشيخوخة) السياسية لدولة الخلافة بسبب الاستبداد، و (الشلل) العلمي بسبب إقفال باب الاجتهاد، واللذين أديا إلى تسكير الأبصار وتوقف الاعتبار، مما جعل الأمة عالة على غيرها.. فعاش كل فرد فيها همّه الفردي في الطعام واللباس والمسكن.. ومن ثم: تحولت الأمة إلى أمة (ميتة) ، لم يدلنا على موتها إلا (كمال أتاتورك) الذي قام بدور دابة الأرض كما حصل ذلك في قصة موت سليمان ﵇ [فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَاًكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي العَذَابِ المُهِينِ] [سبأ: ١٤] . وهكذا حال كل أمة (ميتة) : قد تبقى زمناً دون أن تسقط؛ لأنها (تتكئ على منسأتها من أجهزة الأمن، فيخيل للرازحين تحت ظلمها أنها حية قائمة، فإذا بعث الله عليها عناصر مقاومة من الداخل، أو قوة غازية من الخارج، فتأكل منسأتها فتخر ساقطة، وحينئذ يتبين الرازحون تحت ظلمها أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين! !) [٦] . إن من يرى الحياة من خلال واقعه، وليس من خلال أمانيه.. يدرك أن واقع أمتنا لا يخرج عن أن يكون النتيجة البدهية للمقدمات التي صغناها نحن بأيدينا.. وأنه لو زالت أمامنا كل عقبة خارجية تحول بيننا وبين التغيير، لما أمكنا أن نصنع شيئاً قبل أن نغير ما بأنفسنا وداخل أمتنا، وندرك دون لبس أو غموض أو إيهام الإجابة الشافية على السؤال التالي: متى تبدأ هزائم أمتنا؟ إن سنة الله التي تحكم قيام الأمم أو سقوطها هي أن (السقوط) والهزيمة (نتيجة) تتكرر كلما جاء (سببها) وهو (الوهن الداخلي) . لقد فطن لتلك (السنة) أعداء أمتنا، بل وتحركوا من خلالها قديماً وحديثاً: حكمة ملك الصين: أرسل (يزدجرد) كسرى الفرس إلى ملك الصين يطلب منه العون والنجدة بعد هزيمته في معركة (نهاوند) .. فقال ملك الصين لرسول كسرى: قد عرفتُ أن حقّاً على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصف لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فقال رسول يزدجرد: سلني عما أحببت: ملك الصين: أيوفون بالعهد؟ . رسول يزدجرد: نعم. ملك الصين: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ . رسول يزدجرد: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم، فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة. ملك الصين: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ . رسول يزدجرد: أطوع قوم لمرشدهم. ملك الصين: فما يحلون وما يحرمون؟ .. ويخبره رسول يزدجرد. ملك الصين: أيحرمون ما حلل لهم، أو يحلون ما حرم عليهم؟ . رسول يزدجرد: لا. ملك الصين: فإن هؤلاء القوم لايهلكون أبداً حتى يحلّوا حرامهم، ويحرّموا حلالهم.... ثم كتب ملك الصين كتاباً إلى يزدجرد جاء فيه: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق عليّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يطاولون الجبال لهدوها، ولو خُليّ سربهم أزالوني ماداموا على ما وصف، فسالمهم، وارض منهم بالمساكنة، ولا تهيجهم ما لم يهيجوك [٧] . هذه هي حكمة ملك الصين: إن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يُحلّوا حرامهم، ويُحَرّموا حلالهم.. إن الهزائم تبدأ من هنا.. من داخل الأمة، وليس من خارجها.. وهذه الحكمة جديرة بأن نضعها نصب أعيننا ونحن نقرأ الماضي، ونبصر الحاضر، حتى نقدر على القراءة الصحيحة لمستقبلنا.. درس من توينبي: لم يتمكن علماء وفلاسفة الاجتماع والحضارة من الوصول إلى كثير من السنن التي تحكم البناء أو السقوط الحضاري.. هذه حقيقة.. ولكن هذه الحقيقة لا تعني جهلهم التام بها.. فقد أصاب المؤرخ البريطاني توينبي في كتابه (دراسة تاريخ العالم) حين أشار إلى أن علة انهيار الأمم وهزيمتها هي (الانتحار الداخلي) ، قبل أي عامل خارجي لا يعدو دوره الكشف عن هذا الانتحار [٨] . ونحن هنا لا نستدل بآراء توينبي، فهذه الآراء ما زالت تستدعي الكثير من الحوار والنقاش.. ولكن حسبنا أن هذه القاعدة التي ذكرها تدفعنا في رحلة للتفتيش عن مواطن الخلل الداخلي لاستدراكها، ومراجعة أسباب القصور الذاتي لعلاجها، ولتكن نتيجة هذه الرحلة هي: خطوة في الطريق الصحيح. الهزيمة والتحدي: إن أعداءنا يدفعوننا دائماً إلى الزهد في أخطائنا الداخلية تحت دعوى أولويات مزعومة ننخدع لها نحن أحياناً بسذاجة غريبة.. بينما هذه الأخطاء الداخلية هي في رأس قائمة الأولويات.. ذلك أن التأثير القوي في الخارج إنما هو النتيجة البدهية لنظام دقيق وصحيح في الداخل.. إن من البدهي أن نتوقع من أعدائنا كل خبث وكيد وتخطيط مضاد، وليس لنا أن نطالبهم بعدم الكيد لنا، والعمل على تحقيق ذلك الهدف.. فهذا لون من سفه العقل.. وإنما سيطرتنا على أعدائنا لها طريق واحد، هو: تطهير أنفسنا من الداخل، من أخلاقيات الضعف والخوف وممارسات الانعزال في دائرة الهموم الفردية، والتي تمهد لقبولنا الاستعباد والخضوع.. إن واقعنا اليوم قد يكون (أزمة كبرى) .. ولكن الأزمات الكبرى هي التي توقظ الأمم من سباتها، وتحفّزها للانطلاق من جديد. فهل نقدر اليوم على أن نحوّل (الهزيمة النفسية) بعد شعورنا بوجودها إلى دافع يفجر روح (التحدي) والرفض للواقع المزري؟ فنبدأ خطوة في الطريق الصحيح تقضي على الخلايا الشائخة في الأمة، وتدفعها نحو بعث جديد من (مرقدها الحضاري) .. هل نخطو هذه الخطوة في الطريق الصحيح، أم نُبْقي عجلة التحكم في مصير أمتنا بيد أعدائنا بدعوى أن قوتهم هي التي تقتل بعثنا ... الحضاري.. بينما الحقيقة المرّة: أننا نحن الذين نقتل هذا البعث الحضاري عبر ما بأنفسنا من (الانحراف الفكري) .. و (القابلية للهزيمة) .. و (الانتحار الداخلي) ؟ ! هذا نذير.. فهل من مجيب؟ !

стр. 2304

الورقة الأخيرة من يحمل هم التوحيد ؟ ! بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان يتقطع قلب المسلم أسًى وحسرة على هذا الواقع المحزن لبعض المسلمين..! يذوب قلب المسلم حزناً حينما يرى هؤلاء الجهلة والسذج وقد عبثت فيهم البدع والشركيات..! تتلى الأوراد البدعية، وتنشد المدائح الشركية، وتدور الرؤوس طرباً وهياماً بدفوف ليالي الموالد المزعومة. جماعات في إثر جماعات، وأفواج في إثر أفواج، يتقاطرون كالسيل المنهمر، يستنجدون بذلك المقبور، ويستغيثون به، يعفرون وجوههم بالتراب، ويتمرغون على أعتابه، ويتعلقون بأستاره، وتسمع الصراخ والعويل الذي لا ينقطع من الرجال والنساء: يا فلان أغثني.. يا فلان ارزقني..! ! يرحل أحدهم الليالي ذوات العدد، ويتكبد من المشاق الشيء الكثير، حاملاً نذره ليذبحه بين يدي ذلك القبر، يلتمس القربى والبركة، ويطلب العون والمدد..! سبحان الله.. هكذا يكون الإسلام عند هؤلاء الضلال؟ ، لقد سيطرت الدروشة بصورها العبثية المختلفة وألوانها الشركية المتعددة، على عقول كثير من المنتسبين إلى الإسلام.. كم هو محزن ومؤلم للنفس أن تطل علينا من جديد الجاهلية بصورتها الأولى! كيف يلذ لنا طعام، أو نهنأ بشراب، ونحن نرى هذه الخرافة التي تعبث بعقول السذج وقلوبهم؟ ! هل يطيب لنا عيش ونحن نرى هذا الضلال ينخر في قلوب العباد، ويجعلها ألعوبة بأيدي الدراويش والمخرفين ودهاقنة الفساد؟ ! إن هذه الجموع أمانة في أعناقنا، فأين العلماء.. وأين الدعاة والمصلحون في مشارق الأرض ومغاربها..؟ ! ماذا قدمنا لتوضيح حقيقة هذا الدين، وشرح أصول التوحيد، وقواعد ... الشهادة..؟ ! لقد كان همّ التوحيد هو الهم الأكبر الذي يحمله الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، قال الله (تعالى) : [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء: ٢٥] ؛ ولهذا كانت وصية النبي لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: البدء بالأهم فالمهم: (إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أنّ لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... ) الحديث [١] . وكان رسول الله ﷺ يحمل هذا الهم حتى وهو في النزع الأخير، ويحذر أمته من الشرك، ويقول: (لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا [٢] . فما أحوجنا إلى هذه الوصية والعض عليها بالنواجذ، فالتوحيد بشموله وكماله هو المنطلق الأساس للدعوة، وهو أولى الواجبات الدعوية التي يلزم الاعتناء بها. وكم يحزن المرء حينما يرى بعض الدعاة يجعلون همهم الأكبر هو الاشتغال بالفروع دون الأصول، أو حينما يتخبطون في متاهات جدلية وكلامية تشغلهم عن هم التوحيد.

стр. 2305

جمادى الآخرة - ١٤١٧هـ نوفمبر - ١٩٩٦م (السنة: ١١)

стр. 2306

كلمة صغيرة حتى لا تخدع الجماهير التحرير سبق بأن قلنا إن حزبي (العمل) و (الليكود) الصهيونيين وجهان لعملة واحدة، وإنهما ينطلقان من أسس ومبادئ واحدة، وإن كان لهما أسلوبان متغايران ظاهراً، لكن (الليكود) يقول في العلن ما يقول (العمل) وراء الكواليس.. وجاءت أحداث المسجد الأقصى الأخيرة لتثبت وتجلي كثيراً من الحقائق. فالنفق الذي أثار المشاعر كان العمل قد بُدئ فيه قبل حكومة (نتن ياهو) الأقل دهاءً من سلفه، وسبق لكثيرين التحذير من حفريات العدو على أساسات المسجد الأقصى؛ لبناء هيكلهم المزعوم مكانه. و (السلطة) الفلسطينية كانت على علم به قبل ذلك، وعلى علم بمخططات العدو وخطته التوسعية في المستوطنات، ولم تحرك ساكناً، ولكنها تركب الآن مشاعر الجماهير بانتهازية ظاهرة، وتستغل الحدث للمساومة به، والظهور بمظهر المقاوم للاحتلال، ومن ثم كسب شعبية مفقودة، وتفويت الفرصة على (حماس) ، وهذه السلطة هي التي كانت وما تزال تقمع الشعب وتطارد الإسلاميين لحساب العدو. وانتفاضة الشعب الفلسطيني تثبت أن في الأمة طاقات وإمكانات كبيرة، تستطيع فعل الكثير إن شاء الله (تعالى) إن أُحسن استغلالها وتوجيهها. وأن مدعي العجز أمام التفوق الصهيوني مخدوعون وخادعون، وأن العدو لا يرضخ إلا لمنطق القوة، وأن طاولة المفاوضات هي عنوان الاستسلام وتخدير الشعوب. ولكن الأحداث تثبت أيضاً أن للجماهير عاطفة جياشة، ولكن بلا وعي غالباً؛ فثورتها عند تهديد جدران المسجد الأقصى رغم حتميتها كان أولى بها أن تكون لوقوعه تحت سلطان اليهود، وعدم تحكيم كتاب الله وسنة رسوله فيهم، وإراقة الدماء المسلمة على أيدي إخوان القردة والخنازير وأعوانهم، فحرمة المسلم أكبر عند الله من حرمة بيته الحرام. ... ... ... ... والله غالب على أمره،،،،

стр. 2307

الافتتاحية لكم دينكم ولي دين دعوة إلى الثبات على المبادئ الصحيحة التحرير من الظواهر الاجتماعية الجديرة بالدراسة التي ذكرها العلامة ابن خلدون في مقدمته: «ميل المغلوب إلى تقليد الغالب والنظر إليه بضعف وانكسار» ، هذه الظاهرة أخذت بعدها الواضح في حالة الاستلاب الفكري والاجتماعي والسياسي، والانبهار بحضارة الغرب الذي تمرّ به الأمّة الإسلامية منذ أواخر الدولة العثمانية. وليس غريباً أن يقع في هذا العجز والدونية عامة الناس من الجهلة والسذج، خاصة مع سياسة التغريب والعلمنة التي تشهدها المنطقة الإسلامية بعامة، ولكن الغريب جدّاً أن تقع مثل هذه الدونية عند بعض الإسلاميين والدعاة سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد، أو حتى على مستوى التجمعات الدعوية (! !) . لقد ظهرت في العقد التاسع من هذا القرن الهجري شعارات فكرية عديدة، مثل: (اشتراكية الإسلام.. اليسار الإسلامي.. ديمقراطية الإسلام.. ونحوها) ، ثم أخذت هذه الظاهرة تزداد في السنوات الأخيرة، وتأخذ أبعاداً جديدة جعلت بعض الإسلاميين يستصغر نفسه، ويفكر بروح منهزمة وضيعة، ويكون همه الأكبر هو إرضاء الدوائر الإعلامية والأجنبية، وتراه يتكيف ويتشكل بناءً على المعطيات الفكرية والسياسية التي تضغط عليه، فيدخل في دوّامة من الانحرافات المنهجية التي تؤدي به إلى سلسلة من التنازلات عن بعض الأصول والأحكام الشرعية، حتى لا يوصم بالتشدد والتطرف والأصولية! ويعلل ذلك بفنون من التأويلات الباردة الهزيلة، ويبدو ذلك في أقرب مظاهره على مستوى تبعية الأفراد خاصة في الهدي الظاهر للرجل أو المرأة، كما يبدو ذلك على المستوى العام في التجمعات الدعوية في علامات كثيرة تضعف حيناً وتقوى أحياناً أخرى، ومن ذلك مثلاً: تهرب بعضهم من مبدأ الجهاد في سبيل الله (وليس تحفظهم على بعض صور ممارساته) ، وتمييع عقيدة الولاء والبراء، والتهرب من إظهار تكفير اليهود والنصارى، وإنكار الحدود الشرعية، والدعوة إلى التقارب بين الأديان، وعقد التحالفات المهينة مع الأحزاب العلمانية واليسارية.. ونحو ذلك، وتزداد هذه الظاهرة بخاصة مع سياسة الضغط والديكتاتورية التي تمارسها بعض الأنظمة العلمانية أو الاستعمارية، وكلما ضعف إيمان المرء بالعقيدة التي يحملها، هان عليه أن يتنازل عن بعض أصولها، ويخضعها للجدل والمساومة..! لقد كانت دعوة النبي ﷺ واضحة جلية منذ أيامها الأولى، فحينما رأى المشركون قوة دعوة النبي ﷺ والتفاف الناس حوله: أرادوا أن يجروه إلى التفاوض على المبدأ وسياسة الترقيع والقبول بالحلول الوسط والمنافع المشتركة، أنزل الله (تعالى) قوله: [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (٤) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] [الكافرون: ١ - ٦] ؛ ولهذا فمن مبادئ الدخول في دين الإسلام: الكفر بالطاغوت، قال الله (تعالى) : [فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا] [البقرة: ٢٥٦] . ويتربى الصحابة ﵃ على هذه الحقيقة أعزة شامخين بإيمانهم، فها هم هؤلاء يخرجون من غزوة أحد وقد أثقلتهم الجراح، وفقدوا جمعاً كريماً من أجلّة الصحابة، ومع ذلك يتنزل عليهم قول الله (تعالى) : [وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [ال عمران: ١٣٩] . صحيح أنّ ذلك قد يجرّ مزيداً من التسلط والتضييق والملاحقة لأولياء الله الصالحين، ولكن هذه هي طبيعة هذا الدين، فما من نبي من الأنبياء (عليهم أفضل الصلاة والسلام) إلا وقد تسلط عليه قومه بالسخرية والإيذاء، بل بالضرب ... والقتل أحياناً، قال الله (تعالى) : [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً مِّنَ المُجْرِمِينَ] ... ... [الفرقان: ٣١] ، ولما سمع ورقة بن نوفل ﵁ ما حصل للنبي ﷺ في غار حراء، قال له: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، ياليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : «أومخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي [١] ، وقال قيصر الروم في حواره مع أبي سفيان بن حرب: «سألتك كيف قتالكم إياه، فزعمت أنّ الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة» [٢] . نذكر بهذا الأصل العظيم بعد التحالفات السياسية في تركيا، التي أدت إلى تسلم حزب الرفاه الإسلامي سدة الحكم بالتحالف مع حزب الطريق القويم! ونحن نقدر الجهود الكبيرة التي بذلها (الرفاه) ، وأسعدتنا جدّاً الانتصارات المتتالية له، ورأينا كم جنّ جنون الغرب حينما استطاع الإسلاميون التقدم على جميع الأحزاب العلمانية، بعد أن كانوا يتوهمون أنهم دفنوا الراية الإسلامية في تركيا تحت أنقاض الدولة العثمانية، على يد حليفهم الوفيّ كمال أتاتورك، ورأينا كذلك اللعبة القذرة التي مارستها الأحزاب السياسية بمختلف اتجاهاتها في تركيا، لتحول دون تفرد حزب الرفاه بقيادة البلاد! ! ومع تفهمنا للظروف والضغوط التي أدت بحزب الرفاه إلى هذا التحالف إلا أننا كنا نتمنى أن يصل إلى قيادة الحكومة التركية، لكن دون الدخول في تحالفات غير واضحة المعالم مع أحزاب مشبوهة منقطعة الصلة بجذور الأمة وفكرها، وذات تاريخ مخز، جرّت البلاد جرّاً للارتماء في أحضان الغرب.. ولا زلنا نتألم من هذه الخطوة، ونسأل الله أن يجعل العواقب سليمة. إننا نثق بنباهة وحنكة قيادة حزب الرفاه وتمرسها السياسي وخبرتها العريقة، وهم من أقدر الناس على معرفة الواقع السياسي للأحزاب المتصارعة في الميدان.. ولكننا نؤكد على ضرورة التميز الإسلامي، وعدم الرضوخ للمساومات الفكرية والسياسية، فأصالة هذا الدين تظهر بأصالة حَمَلته ودعاته. نعم، قد يؤدي ذلك إلى تأخر وصول الحزب الإسلامي إلى قيادة البلاد، وقد يؤدي إلى تدخل الجيش، أو إلى حصار غربي يضرب على البلاد كلها.. ولكن هذه سنة طبعية للتغيير الإسلامي المنشود. إنّ ثمة انحرافاً منهجيّاً عند بعض الإسلاميين في سياسة التعامل مع المتغيرات الفكرية والسياسية التي تشهدها الأمة الإسلامية، وبمراجعة شاملة لمناهج التغيير في أوساط الصحوة الإسلامية يتبين حجم الضعف والهزال الذي نعاني منه، فلماذا نخجل من إسلامنا؟ ! لماذا لا نتحدث بشجاعة وثقة، وليفعل غيرنا ما يفعل، وليصفنا بما شاء، فما لنا ولهم؟ ! ما دامت مواقفنا مضبوطة بالضوابط الشرعية، وروعيت فيها مصالح الأمة [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] [الأنفال: ٤٢] . إنّه عبء ثقيل وحمل كبير بلا شك ولا يقوى على حمله إلا الأقوياء في دين الله، وحقّاً فإن الهزيمة النفسية هي أخطر ألوان الهزائم! ! اللهم أرنا الحق حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. وصل اللهم على محمد وآله وسلم

стр. 2308

دراسات شرعية الوسائل وأحكامها في الشريعة الإسلامية (٢ من ٢) بقلم: د.عبد الله التهامي افتتح الكاتب مقاله السابق بالإشارة إلى أهمية موضوع الوسائل، ثم أخذ في عرضه على هيئة مسائل، فتناول: معنى الوسائل، والفرق بينها وبين الذرائع، وأقسامها من أكثر من زاوية، ثم تعرض لخصائصها.. ويواصل الكاتب عرضه لمسائل أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - المسألة الخامسة: الأدلة على مشروعية العمل بالوسائل: المسلك الأول: النصوص من الكتاب والسنة: ١ - قوله (تعالى) : [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ] [التوبة: ١٢٠] ، قال العز بن عبد السلام: «وإنما أُثيبوا على الظمأ والنصب وليس من فعلهم؛ لأنهم تسببوا إليهما بسفرهم وسعيهم، وعلى الحقيقة: فالتأهب للجهاد بالسفر إليه وإعداد الكراع والسلاح والخيل وسيلة إلى الجهاد، الذي هو وسيلة إلى إعزاز الدين.. وغير ذلك من مقاصد الجهاد، فالمقصود ما شُرع الجهاد لأجله والجهاد وسيلة إليه. وأسباب الجهاد كلها وسائل إلى الجهاد، الذي هو وسيلة إلى مقاصده، فالاستعداد له من باب وسائل الوسائل» [١] . وقال ابن سعدي: «فالذهاب والمشي إلى الصلاة، واتباع الجنائز.. وغير ذلك من العبادات: داخل في العبادة، وكذلك الخروج إلى الحج والعمرة، والجهاد في سبيل الله من حين يخرج ويذهب من محله إلى أن يرجع إلى مقره وهو في عبادة؛ لأنها وسائل للعبادة ومتممات لها، قال (تعالى) : [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ... ] » [٢] . ٢- قوله (تعالى) : [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة: ٢] ، قال العز بن عبد السلام: «وهذا نهي عن التسبب إلى المفاسد، وأمر بالتسبب إلى تحصيل المصالح» [٣] . ٣ - قوله (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ] [النحل: ٩٠] ، قال العز بن عبد السلام: «وهذا أمر بالمصالح وأسبابها ... ونهي عن المفاسد وأسبابها» [٤] . ٤ - قوله: (تعالى) : [إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ] [يس: ١٢] ، قال ابن سعدي: «وفُسِّر قوله (تعالى) : [إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ] أي: نَقْل خطاهم وأعمالهم للعبادات أو لضدها، وكما أن نقل الأقدام للعبادات تابع لها؛ فنقل الأقدام إلى المعاصي تابع لها، ومعصية ... أخرى» [٥] . ٥ - قوله: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله له طريقاً إلى ... الجنة» [٦] . ٦ - قوله: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فروض الله: كانت خطوتاه إحداها تحط خطيئة، والأخرى ترفع ... درجة» [٧] . المسلك الثاني: القواعد الشرعية: مما يدل على مشروعية العمل بالوسائل؛ ثلاث قواعد: قاعدة مقدمة الواجب، وقاعدة اعبتار المآل، ومكملات المقاصد. وإليك البيان: أولاً: مقدمة الواجب، أو: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [٨] . معنى القاعدة: أن كل ما يتوقف عليه إيقاع الواجب، وهو في مقدور المكلف [٩] فهو واجب، وما يتوقف عليه الواجب ينقسم بعدة اعتبارات إلى ما يأتي: أولاً: إلى ما كان واجباً بدليل شرعي، كالسعي إلى الجمعة في قوله (تعالى) [فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ] [الجمعة: ٩] ، فالسعي دل على وجوبه دليلان: الآية الكريمة، والقاعدة. وإلى ما كان مباحاً لم يدل على وجوبه دليل شرعي، لكنه وجب تحقيقاً للواجب؛ كالسفر إلى الحج بالنسبة للبعيد عن مكة، فهذا دل على وجوبه دليل واحد فقط، وهو قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكلا هذين القسمين من باب الوسائل، إلا أن القسم الأول وسيلته ثبتت بالنص، والقسم الثاني لم تثبت بالنص، وإنما ثبتت بطريق الوسائل. ثانياً: إلى ما يكون: قبل الواجب؛ كالسعي إلى الجمعة. أو بعده؛ كإمساك جزء من الليل في الصوم. أو مقارناً له؛ كاستقبال القبلة للصلاة. وهكذا الوسائل: فإنها قد تسبق المقصد، وقد تقارنه، وقد تتأخر عنه، وهي على كل الأحوال خادمة للمقصد، مؤدية إليه، مكملة له. ثالثاً: إلى ما يكون: جزءاً من ماهية الواجب؛ كالسجود في الصلاة، فهذا ركن لا وسيلة؛ إذ الوسيلة لا تكون ركناً. وما يكون خارجاً من الماهية؛ كالطهارة للصلاة، فهذا شرط ووسيلة. رابعاً: إلى ما يكون: سبباً شرعيّاً؛ كصيغة العتق في العتق الواجب للكفارة أو سبباً عقليّاً؛ كالصعود إلى موضع عالٍ فيما إذا وجب إلقاء الشيء منه. وإلى ما يكون: شرطاً شرعيّاً؛ كالطهارة للصلاة. أو شرطاً عقليّاً؛ كترك أضداد المأمور به. فهذه الأربعة وسائل مطلوبة. خامساً: إلى ما يكون: فعلاً؛ كالطهارة للصلاة، فإنها وسيلة إليها. وما يكون كفّاً وتركاً؛ كترك أكل المذكاة إذا اشتبهت بميتة [١٠] ، وهذه هي قاعدة الاحتياط [١١] ، وهي داخلة تحت أصل سد الذرائع. سادساً: إلى ما يكون: واجباً وجوباً معيناً؛ كالإمساك الواجب امتثالاً لصيام رمضان. وما يكون واجباً وجوباً مخيراً فيه بين أشياء محصورة؛ كخصال الكفارة في اليمين. وما يكون واجباً وجوباً مطلقاً غير معين؛ كالعتق المطلق، فإنه يتم بعتق مطلق رقبة. وهكذا الوسائل: تارة تتعين، وتارة تكون كالواجب المخير، وتارة تكون مطلقة. ثانياً: اعتبار المآل [١٢] : المراد باعتبار المآل: النظر فيما تؤول إليه الأفعال من مصالح ومفاسد؛ إذ العمل قد يكون في الأصل مشروعاً، لكن يُنهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو يكون في الأصل ممنوعاً، لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة [١٣] . قال الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ وذلك: أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة من المكلفين بالإقدام، أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل» [١٤] . ومما يدخل تحت هذه القاعدة، وهو يدل على صحتها: قاعدة سد الذرائع. إبطال الحيل. النهي عن الغلو في العبادات والزيادة على الحد المشروع فيها؛ لكونه قد يؤدي إلى السآمة والملل وترك العمل جملة [١٥] . قاعدة: (ما حرم استعماله حرم اتخاذه) ، كالخنزير، وآلات اللهو، وآنية الذهب والفضة [١٦] . قاعدة: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) كالربا، ومهر البغي، والرشوة [١٧] . ويقرب منها: (ما حرم فعله حرم طلبه) [١٨] . قاعدة: (الحريم له حكم ما هو حريم له) ، كالفخذين حريم للعورة ... الكبرى [١٩] . قاعدة: (للوسائل حكم المقاصد) [٢٠] ، وبذلك يتبين أن قاعدة الوسائل فرع عن قاعدة اعتبار المآل. ثالثاً: مكملات المقاصد [٢١] : المكمل هو ما من شأنه تحسين صورة أصله وتقوية جانبه؛ كالنافلة للفريضة. ولما كانت مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال: كانت هي الأصل، وكانت الحاجيات والتحسينيات مكملات لهذا الأصل؛ فهي بهذا النظر خادمة للأصل، ومحسنة لصورته؛ إما مقدمة له، أو مقارنة، أو لاحقة. وعلى كل تقدير: فالمكملات تدور حول الأصل بالخدمة؛ حتى يتأدى الأصل على أحسن حالاته. وذلك: أن الصلاة مثلاً إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهب لأمر عظيم، فإذا استقبل المصلي القبلة أشعر بحضور التوجه، ثم يدخل في الصلاة بزيادة سورة خدمة لفرض أُمِّ القرآن، ولو قدم قبل الصلاة نافلة كان ذلك تدريجاً للمصلي واستدعاء للحضور، ولو أتبعها نافلة أيضاً لكان خليقاً باستصحاب الحضور في الفريضة. فالمكملات دائرة حول حمى الضروري؛ خادمة له، ومقوية لجانبه، ولو خلت الضروريات منها أو من أكثرها لوقع فيها خلل بوجه ما [٢٢] ، والوسائل من قبيل التكملة؛ إذ بها يتحقق المقصود ويكتمل. المسألة السادسة: شروط اعتبار الوسائل: هل يجوز التوسل بكل وسيلة؟ ، أو: ما هي الشروط الواجب توفرها في وسيلةٍ ما حتى يمكن اعتبارها وسيلة شرعية؟ . والجواب: أن الوسائل لكي تعتبر وسائل شرعية لا بد لها من ضوابط، ولمعرفة هذه الضوابط لا بد من النظر في أمور أربعة على الترتيب: ١ - الوسيلة في ذاتها. ٢ المقصد الذي تفضي إليه. ٣ - درجة الإفضاء. ٤ المآل. ١- النظر في الوسية ذاتها: يشترط في الوسيلة أن تكون في ذاتها مشروعة: مطلوبة، أو مباحة، أو مكروهة، بمعنى ألا تكون محرمة. فإذا وجد في الوسيلة هذا الضابط نُظِر في الأمر التالي، وهو: ٢- النظر في المقصد الذي تفضي إليه هذه الوسيلة: يشترط في المقصد المتوسل إليه أن يكون حلالاً: واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً. أما الضابط الثاني فهو: أن يبقى هذا المقصد ولايسقط؛ إذ الغرض من التوسل تحصيل المقصد، فإن سقط المقصد وزال: بطل بزواله التوسل، وبطلت معه الوسيلة. وقد سبق التنبيه على هذا الضابط عند الكلام على خصائص الوسائل. فإذا توفر في المقصد هذان الضابطان: نُظِر في الأمر التالي، وهو: ٣- النظر في درجة الإفضاء: يشترط في إعطاء الوسيلة حكم مقصدها أن تكون مفضية إليه، فإن تبين عدم إفضاء الوسيلة إلى المقصد فإن الوسيلة يسقط اعتبارها [٢٣] . ويشترط أن يكون إفضاء الوسيلة إلى مقصدها مقطوعاً به، أو غالباً. أما إن كان الإفضاء نادراً فلا عبرة به؛ إذ الأحكام الشرعية إنما تناط بالكثير الغالب، لا بالبعيد النادر [٢٤] ؛ ولذلك قيل: «لا عبرة بالظن البيّن خطؤه» [٢٥] فإذا كانت درجة الإفضاء كافية، فلا بد من النظر في الأمر التالي، وهو: ٤- النظر في المآل: وذلك ألا يترتب على التوسل بهذه الوسيلة إلى مقصدها مفسدة تزيد على مصلحة هذا المقصد أو تماثلها؛ إذ الغرض من هذا التوسل تحصيل مصلحة المقصد المتوسل إليه، وهذه المصلحة متى ترتب على تحصيلها مفسدة أعظم منها أو مثلها كانت تحصيلاً للمفسدة أو من قبيل تحصيل الحاصل، وكلا الأمرين ... باطل [٢٦] . ومعلوم أن سد الذرائع أصل معتبر، وأن أعظم الضررين يدفع ... بأقلهما [٢٧] . المسألة السابعة: أحكام الوسائل: أولاً: أحكام الوسائل من جهة فضلها ومراتبها: يختلف فضل الوسائل ودرجاتها بحسب أمور ثلاثة: الأول: فضل المقصد ودرجته، فبحسبه توزن الوسيلة: قال العز بن عبد السلام: (يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالوسيلة إلى [افضل] المقاصد أفضل من سائر الوسائل) [٢٨] . ومن الأمثلة على ذلك [٢٩] : أن التوسل إلى معرفة الله وذاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه. وأن التوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته. وأن التوسل بالسعي إلى الجمعات أفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات. وأن التوسل بالسعي إلى الصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات؛ كالعيدين والكسوفين. الثاني: درجة إفضاء الوسيلة إلى المقاصد: فكلما كان إفضاء الوسيلة أكمل في تحقيق المقصد كانت الوسيلة أفضل. قال العز بن عبد السلام: «وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها» [٣٠] . وقال ابن القيم: (فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها، والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها. ووسائل الطاعات والقربات في محبتها، والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها) [٣١] . وقضية إفضاء الوسيلة إلى مقصدها قد تكون من الأمور النسبية؛ فقد تختلف قوة الوسيلة من وقت لآخر، ومن مقام لآخر؛ فما يكون من الوسائل قويّاً في مقام قد لا يكون كذلك في مقام آخر. والمقصود على كلٍّ: الحرص على أكمل الوسائل، وأعلاها في تحقيق المصلحة؛ بحيث تحصل كاملة، راسخة، عاجلة، ميسورة [٣٢] . ولذلك قيل: «الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها» كصلاة الجماعة، ولو كانت خارج المسجد، فإنها أفضل من الصلاة فيه بلا ... جماعة [٣٣] . الثالث: نية المتوسل ومقصده: ذلك أن الوسيلة غير مقصودة لذاتها، وهي تفتقر إلى النية لاعتبارها أو إبطالها من جهة الشرع. قال ابن القيم: «فالنية روح العمل ولبّه وقوامه، وهو تابع لها: يصح بصحتها، ويفسد بفسادها. والنبي ﷺ قد قال كلمتين كفتا وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله:» إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى « [٣٤] [٣٥] . وقد بُني على هذا الحديث العظيم قاعدة كبرى من قواعد الفقه، وهي: ... » الأمور بمقاصدها « [٣٦] . ويندرج تحت هذه القاعدة جميع العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال [٣٧] ، بل يسري حكم هذه القاعدة» إلى سائر المباحات؛ إذا قُصد بها التقوِّي على العبادة أو التوصل إليها؛ كالأكل والنوم واكتساب المال وغير ذلك. وكذلك النكاح والوطء؛ إذا قُصد به إقامة السنة والإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة « [٣٨] . وعلى المكلف إذا أراد صحة قصده شرعاً أن يتحرى قصد الشارع في كل أعماله، وإن حصل له مع ذلك بعض أغراضه وشهواته؛ لأن هذه الشريعة موضوعة لمصالح العباد [٣٩] . ثانياً: أحكام الوسائل من حيث التعيّن والتخيّر: لا يخلو المقصد المتوسل إليه من حالتين: الحالة الأولى: أن يتوقف تحصيله على وسيلة واحدة لا يتحقق إلا بها [٤٠] . فالوسيلة في هذه الحالة متعينة الوجوب أو الاستحباب بحسب حكم المقصد. الحالة الثانية: أن تتعدد الوسائل؛ فيمكن تحصيل المقصد بأكثر من ... وسيلة [٤١] . ففي هذه الحالة لا تخلو تلك الوسائل المتعددة من أمرين: ١ - أن تكون متساوية في الإفضاء إلى المقصد؛ فعلى المكلف التخيّر منها. ٢ - أن يكون بعضها أقوى من بعض في الإفضاء إلى المقصد؛ فعلى المكلف التماس أقوى الوسائل وأكملها في تحقيق المقصد. قال ابن عاشور:» وقد تتعدد الوسائل إلى المقصد الواحد، فتعتبر الشريعة في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلاً للمقصد المتوسل إليه بحيث يحصل كاملاً، راسخاً، عاجلاً، ميسوراً، فتقدمها على وسيلة هي دونها في هذا التحصيل. وهذا مجال متسع، ظهر فيه مصداق نظر الشريعة إلى المصالح، وعصمتها من الخطأ والتفريط ... فإذا قدّرنا وسائل متساوية في الإفضاء إلى المقصد باعتبار أحواله كلها: سوّتْ الشريعة في اعتبارها، وتخير المكلف في تحصيل بعضها دون الآخر؛ إذ الوسائل ليست مقصودة لذاتها « [٤٢] . ثالثاً: أحكام العمل بالوسائل من جهة الحكم التكليفي: الأصل في أحكام الوسائل أنها تابعة لأحكام مقاصدها التي تفضي إليها، ولهذا قيل:» للوسائل أحكام المقاصد « [٤٣] . قال القرافي:» وحكمها [أي: الوسائل] كحكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها « [٤٤] . وقال ابن سعدي:» الوسائل لها أحكام المقاصد: فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لايتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام والمكروهات تابعة لها، ووسيلة المباح مباح « [٤٥] . ومما مضى يتبين أن الوسيلة: -قد تكون واجبة وجوباً متعيناً، وذلك بشرطين: أ - أن يكون مقصدها واجباً. ب - أن يتوقف تحصيل هذا المقصد على هذه الوسيلة بعينها. -وقد تكون الوسيلة واجبة وجوباً مخيراً فيه بالتساوي؛ كخصال الكفارة، وذلك بشرطين: أ - أن يكون مقصدها واجباً. ب - أن تتعدد وسائل هذا المقصد مع كونها متساوية في إفضائها إليه. -وقد تكون الوسيلة مندوبة، وذلك بشرطين: أن يكون مقصدها مندوباً، وأن تكون درجة إفضاء الوسيلة إلى المقصد كافية. وربما تكون الوسيلة مندوبة أيضاً بشرطين: أن يكون مقصدها واجباً، وأن تكون درجة إفضاء الوسيلة إلى المقصد محتملة. -وقد تكون الوسيلة مباحة، وذلك بشرطين: أن يكون مقصدها مباحاً، وأن تكون درجة إفضاء الوسيلة إلى المقصد كافية. -وأما إن كان المقصد محرماً: فالوسيلة والحالة كذلك تعد ذريعة محرمة، يجب سدها. وكذلك إذا كان المقصد مكروهاً: فالوسيلة في هذه الحالة تعد ذريعة، وحكمها الكراهة. المسألة الثامنة: الفرق بين الوسائل والبدع [٤٦] : الاشتباه بين البدع والوسائل حاصل من وجهين: أنهما لايستندان إلى دليل شرعي خاص، لذا: فقد اعتبر بعض أهل العلم الوسائل المرسلة كجمع المصحف، وكتابة العلم من البدع المستحسنة [٤٧] . كما أن كلاّ منهما من الأمور الحادثة التي لا عهد للسلف بها. ويتضح الفرق بين الوسائل والبدع من وجهين: أن الوسائل غير مقصودة لذاتها، بل هي راجعة إلى حفظ مقصد من مقاصد الشريعة، بخلاف البدع فإنها في الغالب مقصودة لذاتها؛ إذ هي عبادة شرعية بزعم أصحابها. إذا علم ما سبق؛ فإن الوسائل تكون ممنوعة إذا ناقضت شيئاً من مقاصد الشريعة، أو خالفت أصلاً من أصولها، فهذا شرط مهم وأساس في اعتبارها والأخذ بها؛ ذلك أن مستندها تحقيق مقصد الشارع، أما البدعة مع كونها مناقضة لمقاصد الشريعة فإنها عند أهلها معتبرة على الإطلاق والدوام ولا تسقط بحال من الأحوال، وذلك لما تقدم من كونها عند أهلها مقصودة بذاتها. المسألة التاسعة: وسائل الدعوة، هل هي توقيفية أم اجتهادية؟ لقد كثر الجدال وطال الكلام حول هذا السؤال، والناس في الجواب عنه فريقان: كل فريق يقطع بصحة رأيه وخطأ مخالفه، وربما جُعل من هذه القضية عند بعضهم معقد اجتماع وافتراق، وموطن ولاء وبراء. ولعل السبب في ذلك أن كل فريق بنى موقفه من قضية وسائل الدعوة على نظرته الخاصة إلى تطبيقات وأمثلة معينة؛ كالنشاط المسرحي المشتمل على بعض القصائد المنشودة والمشاهد التمثيلية، وكالبرامج الإعلامية المعتمدة على تصوير ذوات الأرواح، وكالمشاركة في المجالس الشعبية والانتخابات الجمهورية، فمن ارتضى هذه الوسائل ورأى شرعيتها: جزم بأن وسائل الدعوة اجتهادية، ومن أنكر هذه الوسائل ورأى عدم شرعيتها: جزم بأن وسائل الدعوة توقيفية. فانظر: كيف قُلبت الموازين عند هذين الفريقين، حينما أخضعوا القاعدة الكلية أعني: كون وسائل الدعوة توقيفية أو كونها اجتهادية لبعض أمثلتها وتطبيقاتها، وكان المفترض: إخضاع هذه الأمثلة وإرجاعها إلى قاعدتها الكلية. وإليك بيان ذلك بمثال واحد: من وسائل الدعوة ونشر الخير وتعليمه للناس: شريط الفيديو المشتمل على الندوات والمحاضرات المصحوبة بالصورة الحية، فإذا أردنا معرفة حكم هذه الوسيلة فلا بد أن نطبق على هذه الوسيلة شروط اعتبار الوسيلة الماضي بيانها؛ فننظر: هل هذه الوسيلة في ذاتها ممنوعة؟ إن قلنا بتحريم التصوير ومنعه فالنتيجة: أن هذه الوسيلة محرمة لا يجوز التوسل بها، فلا حاجة لنا عند ذلك إلى النظر في الشروط المتبقية، وإن قلنا بجواز التصوير وإباحته، فننظر في الشروط المتبقية: هل المقصد المتوسل إليه مقصد شرعي صحيح؟ وهل هو باقٍ لم يسقط؟ وهل درجة الإفضاء كافية؟ وهل يترتب على هذا التوسل مفسدة مساوية لمصلحته أو أعظم منها؟ . وبعد ذلك وقبله: لا بد من النظر في مسألة حكم تصوير ذوات الأرواح: أهو من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد؛ فيبقى الخلاف حينئذ دائراً في نطاق المسائل الاجتهادية، ولا ينكر على المخالف في هذه الحالة إلا بالحجة والدليل، دون تشنيع ولا تفسيق، أو هي مسألة لا يسوغ فيها الاجتهاد ولا الخلاف؛ فيكون الخلاف والحالة كذلك مرفوضاً، بل قد يرمى المخالف بالبدعة أو أزيد. والمقصود: أن وسائل الدعوة لا يحكم عليها إلا بعد عرضها على الشروط الشرعية؛ فمتى وجدت هذه الشروط جميعها في وسيلةٍ ما: حُكِم بصحة هذه الوسيلة، ومتى تخلفت هذه الشروط أو بعضها: حُكم ببطلانها. ومن جهة أخرى فإن في هذا السؤال أعني: وسائل الدعوة، هل هي توقيفية أم اجتهادية؟ إجمالاً في ثلاث لفظات، والألفاظ المجملة ينبغي التحفظ في إطلاقها دون بيان أو تقييد، وهذه اللفظات هي: لفظة (وسائل الدعوة) من الألفاظ المجملة، التي تحتمل أكثر من معنى: فإن أُريد بوسائل الدعوة: منهج الأنبياء الثابت في الدعوة إلى الله (تعالى) كضرورة البدء بالعقيدة ونبذ الشرك بمختلف صوره.. فلا شك أن وسائل الدعوة بهذا المعنى لا مجال فيها للاجتهاد؛ بل هي توقيفية. وإن أريد بوسائل الدعوة: أساليب الدعوة إلى الله، وطرائق تبليغ الدين من كتابة أومشافهة مباشرة أو غير مباشرة: فلا شك أن وسائل الدعوة بهذا المعنى ليست توقيفية، بل هي خاضعة للاجتهاد والنظر حسبما يحقق المصلحة. وكذلك: فإن لفظة» الاجتهاد «الواردة في قول القائل:» وسائل الدعوة اجتهادية «من الألفاظ المجملة؛ فإن الاجتهاد يحتمل معنيين: فإن أريد به الاجتهاد غير المنضبط، وهو القول بالرأي المجرد واتباع الهوى: فلا شك أن وسائل الدعوة ليست اجتهادية بهذا المعنى، وإن أريد بالاجتهاد إعمال الفكر، وإطالة النظر في إطار الضوابط الشرعية: فيصح القول بأن وسائل الدعوة اجتهادية على هذا المعنى. وكذلك لفظة» التوقيف «الواردة في قول القائل:» وسائل الدعوة توقيفية «، فإنها من الألفاظ المجملة؛ لأنها تحتمل معنيين: فقد يراد بالتوقيف أولاً: مطلق الدليل الشرعي عامّاً كان أو خاصّاً، وعلى هذا المعنى يصح أن يقال: إن وسائل الدعوة من أساليب وطرائق توقيفية، بمعنى: أن هذه الوسائل لا بد أن تضبط بالضوابط الشرعية؛ لئلا تكون ميداناً لزيادات المبتدعين وتحريف الضالين المضلين. وقد يراد بالتوقيف ثانياً: الدليل الشرعي المعين، بمعنى: أن الأدلة الشرعية الكلية التي قد تدل على اعتبار مثل هذه الوسيلة لا تكفي وحدها دليلاً على صحة هذه الوسيلة واعتبارها شرعاً، بل لا بد من دليل شرعي يدل دلالة خاصة على اعتبار عين هذه الوسيلة وصحتها من جهة الشرع، ولكن الأخذ بهذا المعنى لا يستقيم كما يشهد لذلك واقع الحال إلا بتحريم جميع وسائل الدعوة العصرية التي لم توجد في عصر النبوة والصحابة، كإنشاء المدارس والمكتبات وما إلى ذلك من الآلات والمخترعات الحديثة المنتشرة في عصرنا هذا؛ ذلك أن هذه الوسائل لم يدل على اعتبارها دليل شرعي خاص. وزيادة في الإيضاح نقول: إن أصحاب التوقيف الخاص، الذين يذهبون إلى أن وسائل الدعوة توقيفية لا يحل لأحد أن يشرِّع فيها ما لم يأذن به الله وهو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه اضطروا إلى التزام أمور ثلاثة على الترتيب الآتي: القول بمنع وتحريم كل ما يسمى وسيلة مما لم يشهد له دليل شرعي خاص. اعتبار الأخذ بهذه الوسائل من قبيل الابتداع في الدين. تسمية بعض الوسائل الدعوية الحديثة كالأشرطة ومكبرات الصوت التي دلت على صحتها الأدلة الشرعية العامة دون الأدلة الخاصة باسم آخر، مثل: قالب أو وعاء أو طريقة أداء وبلاغ أو آلات نقل. وقد غاب عن هؤلاء أن هذه القوالب أو الأوعية التي تقوم بنقل الوسيلة الشرعية كالشريط ومكبر الصوت يمكن أن تسمى بوسائل الوسائل، وقد عُلم أن وسائل الوسائل وسائل، وهذه التسمية مشهورة مذكورة عند العلماء الذين لهم عناية بقضية الوسائل. المسألة العاشرة: هل الغاية تبرر الوسيلة؟ الجواب على هذا السؤال: إنما يتضح بعد معرفة أصل ونشأة القول بأن ... » الغاية تبرر الوسيلة «وهو مذهب الميكيافيليين، وهو مبني على نظرتهم المادية للحياة. وبالجملة: فلا بد من النظر أولاً في الغاية؛ فإن كانت غاية فاسدة ومقصداً باطلاً: فلا يجوز التوسل إليها ألبتة؛ بل الواجب منع هذه الغاية، ومنع كل وسيلة تؤدي إليها، وهذا ما يعرف بأصل سد الذرائع، أي منع ذرائع الفساد ووسائله. ثم: إن كانت هذه الغاية مقصداً شرعيّاً صحيحاً فلا بد من النظر ثانياً في الوسيلة؛ لأن الوسيلة: إما أن تكون مطلوبة شرعاً، أو ممنوعة شرعاً، أو وسيلة مرسلة. فإن كانت الوسيلة مطلوبة: فالواجب في هذه الوسيلة تحصيلها والالتزام بحكمهما الشرعي، ما لم يترتب على الأخذ بهذه الوسيلة مفسدة أعظم؛ كإنكار المنكر إذا ترتب عليه مفسدة تربو على ذات المنكر، فالغاية ها هنا لا تبرر الوسيلة، على الرغم من كون هذه الغاية غاية شرعية نبيلة، وكون الوسيلة أيضاً وسيلة مطلوبة. أما إن كانت الوسيلة ممنوعة شرعاً: فالواجب في هذه الوسيلة منعها وإبطالها، إلا إن ترتب على الأخذ بهذه الوسيلة الممنوعة دفع مفسدة أعظم؛ كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين، فالغاية ها هنا وهي غاية شرعية نبيلة تبرر الوسيلة، على الرغم من كون هذه الوسيلة في ذاتها ممنوعة، وإنما كان ذلك دفعاً لأعظم المفسدتين بأدناهما. أما إن كانت الوسيلة مرسلة: فالواجب النظر في ضوابطها على النحو الذي سبق بيانه في شروط اعتبار الوسائل. نسأل الله أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2309

دراسات تربوية مقاصد التوبة دعوة إلى السير في مدارج الكمال (٢ من ٢) بقلم: د. محمد عز الدين توفيق استهلّ الكاتب الحلقة الماضية ببيان نوعي التوبة، وماهية كلٍّ منهما، مع توضيح أهمية التوبة التي تجدد الإسلام (توبة الإحسان) ، ثم أخذ يتحدث عن حوافز (دوافع) التوبة، فكان منها: عموم الأمر بها، والتفكر في حقيقة الزمن، والنظر إلى الماضي، والنظر إلى المستقبل، ويواصل الكاتب عرضه لجوانب أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - الحافز الخامس: الشعور بالاصطفاء: لقد مضت سنة الله (تعالى) في الناس أن يكون أهل الهداية قلة وأهل الضلالة كثرة [وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ] [يوسف: ١٠٣] ، [وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] [الأنعام: ١١٦] ، [وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] [هود: ١١٩] ، [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ] [سبأ: ١٣] ، [وَالْعَصْرِ (١) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ١-٣] . والتفكر في هذه الحقيقة الإلهية، وتتبع شواهدها في التاريخ والواقع: من أعظم الحوافز التي تدعو إلى التمسك بالهداية، والتشبث بأسبابها، والحذر من عوامل سلبها، فالذي يعلم أنه بالتوبة الأولى قد التحق بالموكب الكريم من المؤمنين الصالحين، وانتمى إلى الصفوة المختارة من عباد الله يتقدمهم الأنبياء والمرسلون: يعمل أقصى جهده ليتبوأ أفضل مقعد في هذا الموكب، ويأخذ أحسن موقع في هذا الصف، ولا يزال يجاهد نفسه ويحملها على الأحسن والأصوب، وحتى يدرك من المراتب ما لا يشاركه فيه إلا القليل من الناس. وأي شيء يهدده في هذه النعمة، ويحرمه من هذه المعية الطيبة وهذا الجوار المقدس: يبعد عنه ويحذر منه. هذا الشعور بالاصطفاء الذي يبدأ في القلب عقب التوبة الأولى، ويزداد ويعظم بالتوبة الثانية: هو الذي يهون على النفس سائر المعاصي مهما تكن جاذبيتها؛ لأنه عندما يضع تلك اللذات في كفة، ويضع هذا الاصطفاء في كفة، ويكون ذا عقل ورأي: لا يرجح إلا الثاني، ولا يأنس إلا به، وكيف لا يأنس وقد وجد الطريق ووجد الرفيق؟ ! . الحافز السادس: التأسي برسول الله ﷺ : إن التأسي برسول الله ﷺ فوق أنه فرض واجب، فهو من أعظم الحوافز التي تدعو المسلم إلى تجديد إسلامه باستمرار. والتأسي برسول الله ﷺ ليس عمل يوم أو ليلة، ولكنه عمل كل يوم وكل ليلة حتى الوفاة، فقد جمع الله الكمالات البشرية في نبيه ﷺ ، وزكى سيرته من فوق سبع سماوات لتكون قدوة للناس، فكل مسلم مأمور أن يدرس هذه السيرة بنيّة التأسي والاتباع، قال الله (تعالى) : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] . ومن اكتشف هذا المعِين: لزمه، واستقى منه، ومنع أي مصدر آخر أن يشوش عليه، وكيف يترك المقطوع به للمظنون، والمعصوم لغير المعصوم؟ ! . وما دام المسلم يرى في سلوكه بدعاً ومحدثات وذنوباً وآثاماً، فإنه يشعر بالنقص الحاصل في امتثاله للآية السابقة، فيزداد اقتراباً من سيرة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، جاعلاً الغاية التي يشمر إليها والشعار الذي يسعى نحوه: الأخذ بكل ما كان يفعله نبيه، والإقلاع عن كل ما كان يتركه. إن الاقتداء برسول الله ﷺ في صلاته، وصيامه، وحجه، وذكره، وطهوره، ودعوته، وفي شأنه كله: حافز من حوافز التوبة الثانية التي تمتد سائر العمر. وإذا علم المسلم أن النبي نفسه وهو المعصوم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قد أُمر بالتوبة والاستغفار في عدة آيات، آخرها عند فتح مكة لما قال الله (تعالى) له: [إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً] [النصر: ١-٣] . ماذا يكون حال غيره ممن لا يدري بَعْدُ مصيره، وفي الحديث الذي رواه مسلم يقول رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس: توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة» . الحافز السابع: الاقتداء بالسلف الصالح: الاقتداء بالسلف الصالح فرع عن الاقتداء برسول الله ﷺ والسلف الصالح هم القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالخيرية ثم جميع الذين يشبهونهم في الفهم والتطبيق، كيفما كان عصرهم، وكيفما كان بلدهم. السلفية اتجاه في فهم الإسلام والعمل به، والسلف هم الذين تحققوا بمقومات هذا الاتجاه في كل عصر، الأمثل فالأمثل، وفي حديث العرباض بن سارية ﵁ ، قال النبي ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله.... فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [١] . فذكر سنته، ثم ذكر سنة الخلفاء الراشدين بعده؛ لأنها امتداد لسنته، فقد كانوا ﵃ أشبه الناس به في صلاته وقضائه وجهاده وفي هديه كله، ثم يأتي بعدهم التابعون لهم بإحسان في كل جيل. ويحتاج المسلم الذي يريد أن يجدد إسلامه ويتوب توبة الإحسان أن ينظر في سيرة من سبقوه، وحازوا قصب السبق في كل فضيلة؛ فعندما يطالع سيرهم: يقف على نماذج رائعة في استغلال الوقت، واستثمار العمر، ومبادرة الأجل بالأعمال الصالحة، وترتيب الأعمال حسب الأولوية، والموازنة بين العبوديات، والشمول في فهم الدين، واليقين العظيم في الجزاء، والبعد عن موجبات النقمة والعذاب، ثم ينظر إلى نفسه، فيجدها بعيدة عن كل ذلك، فتتحرك في نفسه غبطة محمودة تحمله على منافستهم في مقاماتهم، والاقتداء بهم في أخلاقهم وأعمالهم، وقد كتب علماؤنا كتب التاريخ والتراجم لهذا الغرض؛ حتى تبقى التجارب الناجحة في تطبيق الإسلام محفوظة، يستشهد بها الواعظ والخطيب والمربي والداعية والمدرس والشاعر والكاتب، كلّ في مجاله وموضوعه، وهذه مقتطفات من كتاب صيد الخاطر للشيخ عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ، نوردها مثالا لهذه السيرة النموذجية [*] يقول [٢] : (تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين انفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصفوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي لندمت عليه، ثم تأملت حالي: فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم، وما طالت طريق أدت إلى صديق كما يقال، وقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أرجو وأطلب) . (كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج إلى طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى في ضواحي بغداد، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا تحصيل العلم، وأثمر عندي ذلك من المعاملة ما لا يدرك بالعلم، حتى إنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة: قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من خوف الله ، ولولا خطايا لا يخلو منها بشر ... لقد أخاف على نفسي العجب، غير أنه صانني وعلمني وأطلعني من أسرار العلم على معرفته وإيثار الخلوة به، حتى لو حضر معي معروف الكرخي وبشر الحافي لرأيتهما زحمة) . (وقد رباني (سبحانه) منذ كنت طفلاً، فإن أبي مات وأنا لا أعقل به، والأم لم تلتفت إليّ، فركّز في طبعي حب العلم، ومازال يوقعني على المهم فالمهم، ويحملني إلى من يحملني على الأصوب حتى قوّم أمري ... ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مئتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مئتين، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل ... ) . هذه نشأة عالم مسلم وكلها تصون وعفاف، وعلم نافع وعمل صالح، ومع ذلك: كثيراً ما يؤنب نفسه، ويرى أنه لم يسلم بعد إسلاماً جيداً، يقول ﵀ (تعالى) [٣] : (تفكرت في نفسي يوماً محققاً، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن ... ولقد تفكرتُ في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعاً، ولو كشف للناس بعضها لاستحييت، ولا يعتقد معتقد أنها من كبائر الذنوب حتى يظن بي ما يظن في الفساق، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي، وقعت بتأويلات فاسدة ... أف لنفسي! وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلم وما عبق بها من فضيلة، إن نُوظِرَتْ شَمَخَتْ، وإن نوصحت تعجرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم وسقوط الغراب على الجيف ... أف والله مني اليوم على وجه الأرض وغداً تحتها! ، والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن إخلاقي وأنا بين الأحباب ... وغداً يقال: مات الحبر العالم الصالح، ولو عرفوني بحق معرفتي ما دفنوني ... والله لأنادين على نفسي نداء المكشِفين معايب الأعداء، ولأنوحن نوح الثاكلين للأبناء ... واحسرتاه على عُمْر انقضى فيما لا يطابق الرضى، واحرماني من مقامات الرجال الفطناء، يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وشماتة العدو بي، واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح عَليّ، واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله مني الشيطان وأنا الفطن) . ثم يختم هذه المعاتبة بقوله: (اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار) . فإذا كانت نهاية حوار هذا العالم مع نفسه أن يسأل توبة خالصة ونهضة صادقة، فما أحرى من هو دونه علماً وعملاً أن يسأل ذلك. ونؤكد أن المسلم إذا طالت صحبته لسِيَر السلف استوحش من أهل زمانه وأنكر أسلوب حياتهم، وتعلق بالآفاق العالية التي حلق فيها أولئك الرجال العظماء النبغاء الموهوبون، فهو في كل ساعة مشغول بمنافستهم ومزاحمتهم، وكلما حل بمنزلة من منازل السير: تراءت له أخرى أعلى، وكلما دهمه كسل أو فتور: تذكر أنه في حلبة سباق، وأي تهاون أو تباطؤ سيلقي به في مؤخرة المتنافسين، ويزيده تشجيعاً: أن الاجتماع بهؤلاء السلف الصالح هو السير على نهجهم والتخلق بأخلاقهم. إن الاقتباس من السِّيَر الناجحة والتجارب الموفقة في تطبيق الإسلام يحدث توبة متجددة في حياة المسلم، ويصحح من أوضاعه باستمرار. الحافز الثامن: حقارة الإنسان بلا إيمان: إن مما يزكي خطوات المسلم في طريق التوبة: علمه أن الإنسان بلا إيمان كائن تافه حقير، بل هو لا شيء، يولد ويحيا ويموت كما ولد ومات الملايين من أمثاله. ها هو الليل والنهار قد صحبا قوم نوح وعاد وثمود وقروناً بين ذلك كثيراً، فقرب بهما البعيد، وبلي بهما الجديد، وتحقق بهما الموعود، ولا زالا يسيران في الباقين سيرتهما في السابقين، أفيكون من التبصر والتعقل تعرض الإنسان الضعيف الفقير لهلاك الأبد إذا أصر على الكفر أو المعصية، وأنفق أيام عمره فيما يغضب الله ويسخطه عليه؟ . أيكون من التعقل أن يعرف الإنسان طريق الأمان ويظل شارداً عنه، والله (سبحانه) يفرح بتوبته إذا تاب كما يفرح المسافر الذي أضل راحلته حتى أوشك الهلاك جوعاً وعطشاً، فوجدها وعليها طعامه وشرابه؟ . كثير من الناس تتضخم عندهم ذواتهم، وتتحول إلى معبود يعبدونه من دون الله، فيظن أنه ذو شأن كبير بما عنده من أموال، أو ما يحمله من ألقاب، أو ما عنده من خدم وحشم وولد، وتخدعه الأعراض الزائلة، فيغفل عن البداية والنهاية، أو الميلاد والممات، وينسى أن ما أدركه من مال وجاه عَرَض حاضر، وعن قريب يزول، قال (تعالى) : [وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمََعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ] [الهمزة: ١ ٤] ، فمالُه لا يُخلده، بل مثله مثل سائر الناس يموت بأجَله؛ فيترك المال وراء ظهره، ويقدم على ربه وحده. تضخم الذات وتحولها إلى محور لاهتمامات الشخص، واغتراره بالمكانة والجاه في بلده وقومه: موانع تحول دون الإنسان والتوبة، ولكنه متى علم أنه بلا إيمان كائن حقير، وأنه يموت فيرجع إلى ربه: طلب المكانة اللائقة به، بصفته مخلوقاً كريماً على الله الذي خلق كل شيء من أجله وخلقه لعبادته. الحافز التاسع: العلاقة بين الإنسان والكون: إن الإسلام ليس دين الإنسان فحسب، بل هو دين الكون كله، فالسماوات والأرض وما فيهما خاضع لكلمة الله الواحدة، وكل ما فيهما من كائنات علوية وسفلية مسلم لله عابد له بالكيفية التي تناسبه. وأي مخالفة مهما كانت هينة تمثل شذوذاً عن كوْنٍ مسلم خاضع لربه مطيع لخالقه. هذا الكون إبداع الخلاق العليم، والإنسان جزء منه، فالقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن الناموس الذي يحكم الوجود كله، والله الذي خلق هذا الكون وخلق الإنسان، هو الذي سن للإنسان شريعة تنظم حياته تنظيماً متناسقاً مع طبيعته، فأي خروج عنها يعني التصادم مع الفطرة والكون. وإذا كان الحفاظ على هذا الانسجام بين الفطرة والكون مطلباً عزيزاً؛ لكثرة أخطاء الإنسان وذنوبه: فإن الله فتح باب التوبة، يدخله العبد كل وقت، فيجدد عهود الخلافة ويصحح ما كان قد انتقض منها، وفي بعض الآثار: أن الإنسان إذا أذنب الذنب تستأذن المخلوقات في إهلاكه، فيقال لها: لعله يتوب، لعله يتوب. إن الإحساس بالرابطة التي تربطنا بالكون وهي رابطة العبودية لله هو الذي يدفع إلى الالتزام الصارم بأوامر الشريعة؛ لأنها توفق بين نظام الكون ونظام الفطرة، وتكون التوبة التي تعقب الذنوب أو تجدد الطاعات بمثابة المصالحة التي تعقب الخصام، أو القرب الذي يقرب التباعد والهجران. الإنسان المسرف على نفسه مثل النغمة النشاز التي تشذ عن أنشودة الكَوْن، أو هي المتسابق الذي يسير في عكس اتجاه الكوكبة، أو هو المصلي الذي يصلي في اتجاه مقابل للقبلة مخالفاً لباقي المصلين. فلو تذكر الإنسان أنه ليس وحده في هذا الكون، ولو التفت يميناً وشمالاً، ورفع بصره وخفضه، ورأى آيات الله في الآفاق والأنفس، لرأى مخلوقات مقبلة على شأنها، قائمة بحق ربها، فيقبل مثلها على شأنه وينظر في أمر ربه فيلزمه، عند ذلك يشعر بالأُنس، وتزول عنه الغربة التي يشعر بها غيره، فكيف إذا ترقى من الشعور بالأُنْس مع المخلوقات إلى الأنس بالخالق، فيأنس إلى ربه عندما يشعر أن الله (تعالى) معه، يشهده وينظر إليه، وأن الله (تعالى) معه، يحفظه ويرعاه، وهذه هي جنة الدنيا التي من دخلها دخل جنة الآخرة بإذن الله. والآن: وبعد أن استعرضنا هذه الحوافز: لا بد أن نؤكد في الأخير أن تجديد الإسلام في حياة المسلم مشروع كبير، وحتى ينجح أي مشروع لا بد أن يمر بثلاث مراحل: الأولى: التفكير والتنظير، والثانية: التخطيط والبرمجة، والثالثة: التنفيذ والمحاسبة. فالتوبة التي تصحح سير المسلم إلى ربه مشروع ما بعد الهداية، فليضع له المسلم ما يحتاج إليه من أهداف وبرامج، وهذا الشق العملي لا يُقَال، بل يمارس ويطبق. نسأل الله (تعالى) أن يرزقنا الإخلاص في القصد، ويلهمنا الصواب في العمل.

стр. 2310

مرتكزات للفهم والعمل الإخلاص وهمّ الدعوة في حياة الداعية بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال الإخلاص: تجريد قصد التقرب إلى الله (تعالى) عن جميع الشوائب. وهو أمر عزيز، صعب على النفس؛ لأن كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، ويخفّ العمل بسببه، قَلّ أم كَثُر، إذا تطرق إلى العمل: تكدّر به صَفْوُه، وزال به الإخلاص؛ فلذلك قيل: من سلم له لحظة من عمره خالصة لوجه الله نجا! ! قال أيوب: «تخليص النيات على العمال: أشد عليهم من جميع ... الأعمال» ! [١] . الداعية والإخلاص: من أحوج الناس إلى الإخلاص: الدعاة؛ لأن أعمالهم أخروية تفتقر إلى النية والإخلاص في كل جزئياتها وإلا ضاعت سدى، ولأنهم أفقر الناس إلى ربهم وأحوجهم إلى عونه وتوفيقه؛ لأن أعداءهم كثر، ولا ناصر لهم إلا الله، ولا ينجو إلا المخلصون. وفي ميادين الدعوة إلى الله لا يثبت إلا المخلصون، فلماذا؟ : يثبتهم الله، ويعصمهم من الشيطان [إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ] ... [الحجر: ٤٠] ، وفي القراءة الأخرى [المخلٌصين] [٢] . يورثهم إخلاصهم صبراً؛ فيعينهم صبرهم على الثبات. إذا ادلهمت الخطوب لجؤوا إلى الله، وإذا أقفرت السبل تذكروا جزاء الآخرة. كلما فتروا شحذ إخلاصهم هممهم. قد ارتاحوا من هموم الدنيا ونَصَبها، إذ تَوحّد همّهم. يبارك الله في جهودهم المتواضعة فتثمر الكثير، فيزداد حماسهم. يحافظون على نتائج دعوتهم، ويمضون قدماً. وإذا تأملنا سير الدعاة على مر القرون وجدنا أن أعظم الناس اهتماماً بالدعوة: المخلصون، وهم الذين يثبتهم الله، ويرفع ذكرهم، ويحيي دعوتهم، ويبارك في جهودهم، ويجعل العقبى لهم. وسِيَر الأنبياء ومَنْ بعدهم شاهدة على ذلك، فالأنبياء أكمل الناس إخلاصاً، وأكثر الناس اهتماماً بالدعوة، وأعظم الناس انتصاراً! الداعية وهمّ الدعوة: وكم نحن بحاجة إلى تأمل، وتدبر ما قصه الله علينا من قصص الدعاة المخلصين: كمؤمن آل ياسين، الذي جاء من أقصى المدينة، وانتهى به المقام في الجنة، ومؤمن آل فرعون الذي مَحَضَ قومه النصح، وأَبْدَأ وأعاد ناصحاً مذكراً، وناصِح موسى ﵇ الذي انتدب نفسه محذراً لموسى من كيد فرعون وقومه، بل والعجب من الجن الذين سمعوا القرآن فولوا إلى قومهم منذرين! والأعجب من ذلك: الهدهد الذي بادر ساعياً في تصحيح العقائد وإزالة الشرك حين رأى من يسجدون للشمس من دون الله. أفيكون الجن والطير أكثر حرصاً منا على دعوة الناس لدين الله (تعالى) ، ونحن الذين كلفنا الله بالدعوة، وحمّلَنا المسؤولية والأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن تحملها؟ . إن الدعوة إلى الخير والإصلاح واجب الأمة، وأشرف مهمة ينتدب لها أهل العلم والتعليم، ويتحملونها كما يتحملون سائر التكاليف الشرعية؛ فإن الله قد جعل التواصي بالحق والتواصي بالصبر أعظم أسباب النجاة بعد الإيمان والعمل الصالح وأمر بالتعاون على البر والتقوى، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبباً للرحمة، وقدمه في الذكر على الصلاة والزكاة، فقال : [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [التوبة: ٧١] . وجعل ﵎ خيرية هذه الأمة مرتبطة بتحقيق ذلك الواجب. وقد كانت القضية واضحة غاية الوضوح عند سلف هذه الأمة، فقد كان المسلمون الأوائل إذا أسلم الواحد منهم، وبايع النبي ﷺ ، استأذن النبي أو أرسله هو إلى أهله وقومه داعياً لهم إلى دين الله (تعالى) ، فيسلم بإسلامه ناس؛ كما فعل أبو ذر، وربما أسلم قومه كلهم؛ كما حصل للطفيل بن عمرو الدوسي.. والأمثلة أكثر من أن تحصر، وما خبر إسلام خمسة من العشرة المبشّرين على يد الصديق عنا ببعيد [٣] . زاد الداعية: وأعظم زاد يحتاجه من سلك سبيل الدعوة إلى الله (تعالى) : الإخلاص، والعلم الذي يحقق به المتابعة. وفي هذا الباب تمس الحاجة إلى معرفة فضائل الإخلاص وأسراره، ومخاطر الرياء وآثاره، وأسباب ضعف الإخلاص والوقوع في الرياء، وعلاج ذلك. وهذه إشارات موجزة لا تكفي عن تفصيل ذلك وتأمّله كثيراً وتدبره طويلاً. فضائل الإخلاص: أما فضائل الإخلاص، فمنها: أنه تحقيق لما أمر الله به، وبه يصح العمل ويتأهل للقبول. وهو قوة يُعتصم بها من شياطين الجن والإنس، وبه حصول التوفيق والسداد، والنجاة والثبات والنصر، وخلود الذكر الحسن، وبقاء الثمرة. وبالإخلاص تحصل الهمة العالية، التي تولد العزيمة الماضية، التي ينطلق صاحبها في العمل الجاد والإنتاج المثمر، لا يلوي على شيء؛ لأن الإخلاص جمع قلبه على الله، فلا همّ له إلا مرضاة ربه، فيستوي عنده مدح الناس وذمهم وحضورهم وغيابهم. والإخلاص سلامة للقلب من الغل والحقد والحسد، والإخلاص يورث القوة في الحق، والشجاعة والإقدام والصبر؛ لأنه يربط القلب بالله (تعالى) ، فلا يخاف سواه، ولا يرجو إلا إياه، فيتمثل له كل الخلق كالأموات، لا يملكون من أمر أنفسهم شيئاً. ومن بركات الإخلاص: أنه يتضاعف به فضل العمل ويعظم أجره، كما أنه يجعل فعل المباحات طاعات يثاب عليها؛ فتكون حياة العبد كلها لله، ومن فضائل الإخلاص: أن أصحاب الأنبياء وجلساءهم الذين أمر الله الأنبياء أن يصبروا أنفسهم معهم: هم المخلصون. مخاطر الرياء وآثاره: أما الرياء: فيكمن خطره في كونه أمراً خفيّاً سريعاً إلى القلب، قد يقع فيه الإنسان من حيث لايشعر، وقد حذر منه النبي ﷺ ، وخافه على أمته. ومن مخاطره العظيمة: أنه سبب لحبوط العمل، وضياع الجهد، ويؤدي بصاحبه إلى النار، فهو فضيحة في الدنيا والآخرة؛ قال: (من سمّع سمّع الله به، ومن راءى؛ راءى الله به) [٤] . ومن آثاره: الحرمان من الهداية والتوفيق، وحصول الضيق والاضطراب النفسي، ونزع الهيبة من قلوب الناس، والإعراض من الناس وعدم تأثرهم، وعدم إتقان العمل، والوقوع في غوائل الإعجاب بالنفس، والغرور، والتكبر، وحب الثناء، والتشبع بما لم يعط. ومن آثاره على الدعاة: محق بركة الأعمال، وضعف الثمرة أو انعدامها، وطول الطريق، وكثرة التكاليف؛ فإن الله لا يمكِّن للمرائين، حتى يُمحِّص الصفوف، ويميز الخبيث من الطيب. أسباب ضعف الإخلاص: من الأسباب التي توقع في الرياء وضعف الإخلاص: عدم المعرفة الحقيقية بالله وعظمته واستحقاقه للعبادة والطاعة مع تجريد القصد وإخلاص النية، ومن الأسباب: الرغبة في الصدارة والمنصب، ومنها: الطمع فيما في أيدي الناس، والحرص على الدنيا، وحب المحمدة والثناء، والخوف من ذم الناس، والغفلة عن عواقب الرياء. علاج الرياء وضعف الإخلاص: إن معرفة الأسباب لهي أكبر معين على التخلص من الرياء؛ وذلك بالتزام وسائل المعالجة، التي منها: معرفة الله حق المعرفة، واستشعار منته وفضله وتوفيقه، والعلم بما يستحق من العبودية، وآدابها الظاهرة والباطنة، وشروطها، وتعميق حب الله (تعالى) والتعلق بالآخرة في القلب، وتعميق مراقبة الله (تعالى) ومحاسبة النفس، والتوقف عند نوايا الأعمال، ودفع ما يخطر من موارد الشيطان ووساوسه في الحال، وترك المبالاة بالخلق، ومعرفة حقيقتهم، ووضعهم في منزلتهم ومرتبتهم البشرية. وتذكر عواقب الرياء الدنيوية والأخروية، وتصور حال المرائين ومصيرهم، والإكثار من قراءة وسماع النصوص المرغبة في الإخلاص الداعية إليه، ومطالعة أخبار المخلصين وحكاياتهم: كل ذلك معين على الإخلاص. ولا بد من اللجوء التام إلى الله والاستعانة به، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل) ، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: (قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم) [٥] . علامات الإخلاص: وبعد: فإن للإخلاص علامات تظهر على صاحبها، يعرفها كلّ في نفسه وجوداً وعدماً، ومنها: - الحماس للعمل لدين الله (تعالى) ، والحرص على الدعوة إليه بدافع ذاتي وليس بمقتضى العمل الوظيفي فحسب. - المبادرة الذاتية المنضبطة، والفاعلية، والإيجابية، وعدم انتظار التكليف من أحد بعد التكليف من خالق الأرض والسماء ﵎ . - الصبر، والتحمل، واحتساب الأجر، وعدم التذمر والتشكي. - الحرص على إخفاء الأعمال الصالحة مثل إخفاء السيئات، بل أشد. - إحسان العمل وإتقانه في السر، أعظم من إتقانه في العلن. - الإكثار من أعمال السر، فهي أبعد شيء عن الرياء. علامات الرياء: أضداد ما تقدم من العلامات هي مظاهر لضعف الإخلاص، وشَوْبِهِ بالرياء عياذاً بالله، ومن ذلك: التخاذل والتكاسل عن أداء الواجبات، والحماس للتكليف الوظيفي أكثر من التكليف الشرعي، وكثرة التشكي والتذمر من العقبات والصعوبات، وتحسين العمل ظاهراً لا باطناً، والتشوّق لإظهار الأعمال.. رحماك يارب، نسألك السلامة والعافية. وأخيراً: فلا ينبغي أن يوقعنا الحديث عن الإخلاص في ترك العمل خوف الرياء، فذلك مزلق شيطاني خطير، يسعى الشيطان ليوقع فيه الصالحين والمصلحين؛ ليتركوا تبليغ الدعوة وعمل الخير، بل الواجب: العمل، مع استمرار محاسبة النفس.. وعلى الله قصد السبيل.

стр. 2311

مقال النصيحة أمن الفضيحة [*] بقلم: سعيد بن جمهور الزهراني كان يقال: ما ارتضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سُلت السخايم، ولا دفعت المغارم، ولا توقي المحذور، ولا استميل المهجور: بمثل الهدية والبر، وقال ابن عبد البر: وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ... (تجاوزوا وتزاوروا وتهادوا؛ فإن الهدية تثبت المودة، وتسل السخيمة) ، وقال الشاعر: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى ووداً ... وتلبسهم إذا حضروا جمالا ولكن ماذا لو أهديت إلى أخٍ لك بعضاً من عيوبه وتقصيره في أمور دينه، التي قد لا تظهر له ولا يراها ببصره أو بصيرته! ، فماذا تتوقع؟ ! أيقبل هذا منك، أم يرد ما أهديت إن كان ما أهديت حقّاً؟ ، قال عمر ﵁ : «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي» .. ومما للمسلم على أخيه المسلم: أن يستر عورته، ويغفر زلته، ويرحم عبرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غِيبتَه، ويديم نصيحته، ويقبل هديته، ويجيب دعوته، ويكافئ صلته، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.. قال: «إن الدين النصيحة» ، قلنا: لمن يا رسول الله ﷺ ؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» ، ومعنى الحديث: أن قوام الدين وعماده النصيحة، كقوله: «الحج عرفة» وقال جرير ﵁ : «بايعت رسول الله على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم» ، وقد أخبر القرآن الكريم أن بني إسرائيل استحقوا اللعنة والحرمان والتشريد؛ لأنهم كانوا لا يتناصحون: [لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ لله (٧٨) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ... ] [المائدة: ٧٨، ٧٩] . وليس أدل على رقي الأمة واستقامة ضمائرها من تمسكها بخلق التناصح فيما بينها؛ ينصح الأخ لأخيه، والجار لجاره، والأب لابنه، والأستاذ لتلميذه، والموظف لرئيسه، والمسؤول لأمته ... فلا ترى حينئذ إلا حقّاً محترماً، وفضيلة يعمل بها، وثقةً تربط بين الناس بعضهم مع بعض، فلا خيانة ولا غش ولا اتهام ولا تجريح، فمن يهدي إليك بعضاً مما لاحظه عليك من قصور في أمر الدين فاقبل منه، واعلم أنه يحبك، كما قيل: من أحبك نهاك.. نهاك عن التمادي في الباطل، نهاك عن الوقوع في الرذيلة، نهاك عن كل ما قد يجرح دينك أو خلقك.. ومن أبغضك أغراك، وقد قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [١] ، وقيل: «النصيحة أمن الفضيحة» ! ! ومن لا يقبل نصح الناصح، فهو كالمريض، الذي يترك ما يصف له ... الطبيب، ويعمد لما يشتهيه فيهلك، قال الله (تعالى) حكاية عن نبيِّه صالح ﵇ : [لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ] [الأعراف: ٧٩] . قال بعض الحكماء: «اثنان ظالمان: رجل أهديت له النصيحة فاتخذها ذنباً، ورجل وسع له في مكان ضيق فجلس متربعاً» ، وقال أبو حاتم البستي: ... «النصيحة محاطة بالتهمة، وليست النصيحة إلا لمن قبلها، كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها، ولا الآخرة إلا لمن طلبها» . وإنك لتقرأ في سيرة سلفنا الصالح من صحابة الرسول والتابعين والعلماء والخلفاء، فتعجب مما تراه بينهم من صدق اللهجة، ووفاء الأخوة، والقيام بواجب النصح، والترحيب بالنقد البريء والمواعظ الحسنة، مما تشعر معه أنك إزاء أمة لم تخلد في التاريخ بسيف ولا ظلم ولا تدمير، وإنما خلدت بخلق قوي، ونفوس كريمة، وعقول راجحة، وآداب متماسكة. هذا عمر ﵁ يقول: «أيها الناس: اسمعوا وأطيعوا» ، فيقوم إليه رجل ليقول له: لا والله، لا نسمع ولا نطيع! .. فيسأله عمر عن ذلك، فيجيب بأنهم: يشكّون فيما يلبس عمر من ثياب، ويطلبون لذلك حساباً عليه، ويسألونه من أين لك هذا يا أمير المؤمنين، فلا يضيق عمر بطلب الرعية، ولكنه يقدم له حسابه، حتى إذا اقتنع الناس بطهارة يد عمر، قال قائلهم: الآن سمعاً وطاعة. ليس منا من لا يخطئ ولا ينحرف عن سنن الحق، بل فينا من الغرائز والطباع ما يميل بنا إلى الرشد والغي، والخير والشر.. وما أجمل قول الشاعر: من ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه بل ما أروع قول الله ﵎ في وصف النفس الإنسانية على حقيقتها، حين يقول حاكياً عن امرأة العزيز: [وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي] [يوسف: ٥٣] ، وليس كل إنسان يعرف خطأه أو يهتدي إليه، وبذلك كان من حق الأخ على أخيه، أن يبصره بعيبه وينصح له في أمره.. قال أبو حاتم البستي: «النصيحة تجب على الناس كافة، ولكنّ إبداءها لا يجب إلا سرّاً؛ لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه، ومن وعظه سرّاً فقد زانه، فإبلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه أحرى من القصد فيما يشينه» . وعلامة الناصح الذي أراد زينة المنصوح له: أن ينصحه سرّاً، وعلامة من أراد شينه: أن ينصحه علانية، فليحذر العاقل نصحه الأعداء في السر والعلانية.. حقيقة النصيحة: قال ﵊ : «إن الدين النصيحة» ثلاثاً ... وهذا يشمل الدين كله، والخير كله، والبر كله، ولهذا: عندما قال الصحابة (رضوان الله عليهم) : لمن يا رسول الله؟ ، قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» [٢] . فدينك أيها المسلم النصيحة، كأن الدين كله تجمعه كلمة واحدة، هي: النصيحة، فلا بد أن يكون المسلم ناصحاً مخلصاً في نصحه. والنصيحة تجمع أمرين: الإخلاص والصدق، فكأنك بهذه الكلمة تقول: كن مخلصاً وكن صادقاً، فإن الرجل إذا نصحك وكان نصحه حقّاً، ولكنه لم يكن عن إخلاص، لا يسمى ناصحاً، وكذلك: لو كان مخلصاً في قوله ولكنه لم يكن صادقاً: فإنه أيضاً لا يسمى ناصحاً، فحقيقة النصيحة ما يجمع معنيي الإخلاص والصدق، ولهذا قال رسول كريم: [وَأَنصَحُ لَكُمْ] [الأعراف: ٦٢] ، وقال آخر: ... ... [وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ] [الأعراف: ٦٨] ، فلا بد أن يكون كل واحد منا ناصحاً أميناً، ينصح لهذه الأمة كما بين النبي ﷺ ، ولا بد أن يسأل الإنسان نفسه عن ذلك: هل أنا ناصح فعلاً؟ ، وهل نصحت بحق؟ ، وهل قمت فعلاً بهذا الواجب؟ ، هذه أسئلة لا بد أن يتأملها المسلم مع نفسه، ومع إخوانه؛ لينظر ما موقعه من ذلك الحديث الشريف الذي هو من جوامع كلمه، ومثله أو قريبٌ منه قوله: «لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [٣] ، ومقتضى هذا الحديث المحبة، والمحبة لا تتعارض مع النصح، بل تقتضيه ويقتضيها، أن أحب لأخي ما أحب لنفسي.. من هو أخي؟ ! أيّ أخٍ هذا المقصود؟ .. لا شك أنه هو المسلم، كما قال: «المسلم أخو المسلم» [٤] ، وكما قال: «وكونوا عباد الله إخواناً» [٥] ، فيجب عليك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، تحب لنفسك أن تفوز بالجنة، فيجب أن تحب لأخيك الفوز بالجنة، وتحب لنفسك أن تنجو من النار، فيجب أن تحب لأخيك أن ينجو من النار، وتحب أن تعطى من الخير، كذلك يجب أن تحب لأخيك المسلم. مراتب النصيحة: وحتى تؤدي النصيحة ثمرتها في نفس المنصوح يلزم أن يُلحظ في أهدافها المراتب التالية: أولاً: التثبت، فلا تبادر إلى تصديق كل ما يقال عن أخيك المسلم من جار أو صديق، لا تصدق كل ما يُقال ولو سمعته من ألف فم، وإنه يجب عليك عدم إساءة الظن بالآخرين، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] [الحجرات: ١٢] ، وقال: [وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقّ ... شَيْئاً] [النجم: ٢٨] ... وإذا رأيت أمراً أو بلغك عن صديقك كلامٌ يحتمل وجهين، فاحمله محملاً حسناً، وأنزله منزلة الخير، فذلك ألصق بالأخوة، وأجدر بمكارم الأخلاق. قالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوف وكان أجود قريش في زمانه: ما رأيت قوماً ألأم من إخوانك! قال لها: مه! ولم ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال لها: هذا والله من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بحقهم.. فانظر كيف تأول صنيع إخوانه. ثانياً: أن تقدر طبائع الناس وغرائزهم، وأنهم ليسوا ملائكة ولا أنبياء، فلا تطمعْ ألا تعثر على زلة أو هفوة أحد من إخوانك، ولكن احمل ذلك على الضعف الإنساني الذي لا يكاد يخلو منه أحد، وعلى الغرائز التي لا ينجو من سلطانها إلا الأقلون، وانظر أنت في نفسك، ألا تقع في مثل تلك الزلات؟ ، ولهذا قال الشافعي (رحمه الله تعالى) : ما من أحد من المسلمين يطيع الله ولا يعصيه، ولا أحد يعصي الله ولا يطيعه، فمن كانت طاعته أغلب من معاصيه فهو عدل. ثالثاً: ألا تحكم على الأمر الذي تريد إنكاره بالخطأ أو الانحراف من وجهة نظرك فحسب، بل انظر إليه من وجهة نظر صاحبه أيضاً، فقد يكون مجتهداً فيما اعتقد من رأي، متحرياً الخير فيما سلك من سبيل، فلا تسارع إلى الإنكار عليه، ما دام من الممكن أن يكون له وجهة من الحق. رابعاً: أن يكون النصح سرّاً لا أمام الناس، ولا على ملأ من الأشهاد؛ فإن النفس الإنسانية لا تقبل أن يطلع أحدٌ على عيبها، وإنك إذا نصحت أخاك سرّاً كان أرجى للقبول، وأدل على الإخلاص، وأبعد من الشبهة، ولقد كان من أدبه في إنكار المنكر، أنه إذا بلغه عن جماعة ما ينكر فعله لم يذكر أسماءهم علناً، وإنما كان يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا..» ، فيفهم من يعنيه الأمر أنه المراد بهذه النصيحة. قال رجل لعليّ ﵁ أمام جمهور من الناس: يا أمير المؤمنين، إنك أخطأت في كذا وكذا، وأنصحك بكذا وكذا، فقال له علي: «إذا نصحتني فانصحني بيني وبينك، فإني لا آمن عليك ولا على نفسي، حين تنصحني علناً بين الناس» . فإذا استوت لك هذه الخطوات، ورأيت النصيحة واجبة، كان عليك أن تؤديها برفقٍ وحكمة وأسلوب لا يُنَفِّر مَن تنصحه، ولا تبدو أنك متعالٍ عليه، معلم له، وإلى هذه الآداب أرشدنا الله (تعالى) بقوله: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] [النحل: ١٢٥] ، ولقد قالوا في وصف الرسول (عليه أفضل الصلاة والسلام: (إنه ما كان يواجه أحداً بشيء يكرهه) ؛ ذلك أن النصيحة إذا خرجت عن الرفق واللين، كانت غلظة وقسوة تنفر القلوب ولا تفتحها، وتبعد الناس عن الخير ولا تقربهم إليه. فيعلم مما تقدم كما ذكر: أن النصيحة تشمل الدين كله: أصوله وفروعه، حقوق الله وحقوق رسوله ﷺ ، وحقوق الخلق كلهم، أهل الحقوق العامة والخاصة، فمن قام بالنصيحة على هذا الوجه فقد قام بالدين، ومن أخل بشيء مما تقدم فقد ضيع من دينه بقدر ما ترك، فأين النصيحة ممن تهاون بحقوق ربه فضيعها، وعلى محارمه فتجرأ عليها؟ ، وأين النصيحة ممن قدم قول غير الرسول على قوله، وآثر طاعة المخلوق على طاعة الله ورسوله؟ وأين النصيحة من أهل الخيانات والغش في المعاملات؟ ، وأين النصيحة ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وممن يتبعون عورات المسلمين وعثراتهم؟ ، وأين النصيحة من أهل المكر والخداع؟ ، وأين النصيحة فيمن يسعى في تفريق المسلمين وإلقاء العدواة والبغضاء بينهم؟ ، وأين النصيحة ممن يتملقون عند اللقاء بالمدح والثناء، ويقولون خلاف ذلك في الغيبة عند الأعداء وعند الأصدقاء؟ ، وأين النصيحة ممن لا يحترم أعراض المسلمين ولا يرقب فيهم إلاّ ولا ذِمة؟ ، وأين النصيحة من المتكبرين على الحق والمستكبرين على الخلق، المعجبين بأنفسهم، المحتقرين لغيرهم؟ ، فهؤلاء كلهم عن النصيحة بمعزل، ومنزلهم فيها أبعد منزل، وكل هؤلاء قد اختل إيمانهم، واستحقوا العقوبات المتنوعة، وحرموا من الخير الذي رُتِّب على النصح، وحرموا من الأخلاق الفاضلة، وابتلوا بالأخلاق السافلة، أولئك هم الخاسرون. فطوبى للناصحين حقيقة، ما أعظم توفيقهم، وما أهدى طريقهم، لا تجد الناصح إلا مشتغلاً بفرض يؤديه، وفي جهاد نفسه عن محارم ربه ونواهيه، وفي دعوة غيره إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي التخلق بالأخلاق الجميلة والآداب المستحسنة، إن رأى من أخيه خيراً أذاعه ونشره، وإن اطلع على عيبٍ كتمه وستره، إن عاملته وجدته ناصحاً صدوقاً، وإن صاحبته رأيته قائماً بحقوق الصحبة على التمام، مأموناً في السر والعلانية. وأخيراً: فهذا حديث النصيحة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى فقه آدابها وشروطها، بعد أن استشرت العداوات، وكثرت الخصومات، وساءت التهم، وأفرطت الأقلام والألسنة في النقد بحق وبغير حق، فهل لنا أن نطمع من النقاد أن يقفوا عند حدود الحق فيما ينقدون؟ ، وهل لنا أن نرجو الناصحين أن يبتعدوا عن مجال الشبهة فيما ينصحون بمنهج حكيم ومنطلق سليم؟ . فاللهم ألهم حملة الأقلام، وكتاب الصحف، وخطباء المنابر.. أن يقولوا ما يصلح الفساد، ويقوِّم الانحراف!

стр. 2312

نص شعري هل فينا ضيغم ؟ شعر: حفيظ بن عجب آل حفيظ نار بصدري والفؤاد تضرّم ... ودموع عيني يستفيض بها الدمُ فالمسلمون دماؤهم مَسفوحة ... وعدوهم في أرضهم يتحكمُ والظالمون مع العدو تآمروا ... وتعاهدوا عهداً علينا يبرمُ فالليل داجٍ والكروبُ طويلة ... وبناؤنا في كل أرضٍ يهدمُ وبكاء أمتنا يشق سماءنا ... فإلى متى يا أمتي نتألمُ وإلى متى يبقى العدو يدوسنا ... ونموت لا نسعى ولا نتكلمُ وسليبة الإسلام تندب أهلها ... وتصيح لكن ليس فيهم ضيغمُ فتقول ويحكمو أما فيكم فتًي ... كابن الوليد إلى العدا يتقدمُ يا أمة الإسلام قدسك ضيعت ... وحماة دار المسلمين استسلموا فتلفتي نحو العدو فربّما ... خرج المخلِّصُ من ديارٍ تحرمُ فَلَكَمْ رأينا مسلماً في أرضهم ... يدعوا إلى التوحيد بل ويعلِّمُ ولكم رأينا زهرة في وحلةٍ ... خرجت تبث عبيرها وتنمنمُ

стр. 2313

مقال صلاحنا بما صلح به أوائلنا بقلم: محمد عبد الأعلى في ظل حالة من الوهن وعدم التمكين، وعلى إثر محاولات عدة للبعث الإسلامي؛ بدافع الحب للإسلام، ورغبة في استنهاض المسلمين، وفي أجواء شاعت فيها ثنائيات ومفردات: تقدم.. تأخر، تنمية ... وتخلف، أصالة، معاصرة، رجوع إلى الهوية ... فرضت تلك المصطلحات على ساحة الفكر، وبدا الناس أسارى أطرهن، لا ملجأ لهم إلا إليهن، وبدا إسلاميون وكأنهم يدورون في الفلك ذاته، وليست المشاحة أن تتحدث بلسان القوم لتُبَيِّنَ لهم، ولا أن تتعرف لسانهم لتَتَبَيّنَهم، وإنما الخطورة أن يكون الخطاب الإسلامي رجع صدى للخطاب القومي، الذي هو في معظمه صدى ومحاكاة للخطاب الغربي، الذي وصل إلى كل أذن عبر عجائب الاتصالات المعاصرة. بات الغيورون من المسلمين عاكفين على تلمس طوق النجاة للأمة، والتعرف على أسباب عودتها العود الحميد إلى أيام عزتها، فيمم بعضهم وجهه شطر الحضارة الغربية، ممسكاً بمصباحها، يتجول في جنبات نصوص الإسلام وتاريخه، يتلمس من خلالها الحلول (الحضارية) ، ويبحث في معطياتها عن طوق النجاة (الحضاري) ، وكأن الحضارة هي الغاية، فلنبحث عن «الإسلام ومشكلات الحضارة» ، وكأن النهضة هي الهدف، فلنبحث عن «شروط النهضة» ، حتى ذهب بعضهم إلى القول: «إن الرسول قد اتبع كل قواعد العمران البشري والمادي في سبيل إنشاء المجتمع الذي أرسل من أجله» [١] . وبين يدي الشروع في مناقشة ذلك الطرح أحسبني في حاجة إلى إيضاح: أن المسلمين وإن كانوا صنعوا حضارة وكانت قيم الإسلام وهديه عاملاً رئيساً في حركتهم لصنعها، إلا أنهم لم تقم قائمتهم بقواعد العمران البشري والمادي، ولم يُخرَجوا للناس أمةً من أجل هذا. المثال الأول: لقد كان العالم يسير سيره الطبيعي قبل بعثة النبي ﷺ ، ولم يكن ينكر من أمر معاشه شيئاً: كانت الزراعة، وكانت التجارة، وكانت الصناعة، كانت المدن عامرة بالسكان، والعواصم الكبرى زاخرة بالعمران، كان واديا النيل والفرات بساتين وحقولاً، فاضت لبناً وعسلاً، بل إن أرض يثرب كانت خضراء منتجة، وحدائق الطائف كانت عامرة مثمرة، كان أنباط الشام، وأقباط مصر، وأهل الصين بل يهود يثرب قد أحكموا أمر التجارة، وانتشروا في أرجاء العالم المعمور بقوافلهم غادية رائحة، وكانت الأسواق مشحونة بالمتاجر والبضائع، وكانت الحكومات والإمارات غنية بأموالها ورجالها ... لم يكن في الحياة الإنسانية عوز أو فراغ، ولم تكن رئاسة المدنية وقيادة الحضارة وظيفة شاغرة تحتاج إلى من يملؤها، لم يكن العالم في حاجة إلى أمة تبعث في واد غير ذي زرع! ! ... كانت كأس الحياة مترعة لا تطلب المزيد، ولم يكن العرب وجهاء ذلك الركب أو كانوا أعضاء بارزين فيه، لقد كانوا حقّاً في ذيل الركب وعلى هامش فعالياته. جاء في البداية والنهاية: « ... فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بَيْنٍ منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولاتطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملّكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.. فقال المغيرة بن شعبة: أيها الملك، إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً؛ فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يشبه الجوع: كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعاماً لنا، وأما المنازل فهى ظهر الأرض، ولا نلبس إلا من غزل أوبار الإبل وأشعار الغنم، وحالنا قبل اليوم على ما ذكرت، فبعث الله إلينا رجلاً ... » [٢] ، وروي أن كسرى لما علم ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أرسل إليه بضعة جنود يأتون به في الأصفاد! . وذكر الوليد بن مسلم: «أن ماهان طلب خالداً، يعني: ابن الوليد (رضي الله عنه) يبرز إليه، فيجتمعا في مصلحة لهما، فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلموا إليّ أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً، وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها» [٣] . لقد كان واقع هذه الأمة ببداوتها، والأمم التي عاصرتها بحضارتها واقعاً واحداً بميزان الله: «إن الله نظر إلى أهل الأرض جميعاً، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» [٤] ، لقد أجمل هذا النص الكريم القضية تشخيصاً وعلاجاً، لم يكن الهدف منازلة حضارية، لقد كان بعث أمة لغرض سام، لمهمة طال عهد الإنسانية بالبعد عنها، ذلك هو ما خاطب به الله «هذه الأمة بقوله: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [ال عمران: ١١٠] . لقد كان صراعاً طويلاً، لم يكن نزاعاً في أغراض المادة، لم يكن صراعاً على الاستئثار بالأسواق، ولا التسابق في الصناعة والتجارة، وإنما كان صراع الإسلام والجاهلية بمعنى هاتين الكلمتين: نزاعاً بين حياة العبودية والانقياد لله (تعالى) والحياة المطلقة التي لا تعرف قيداً، ولا تخشى معاداً، ولا حساباً. لقد كان من حلقات ذلك الصراع: غزوة بدر، التي قاد فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- عدداً من المقاتلين لا يزيد عن ثلاثمئة وثلاثة عشر قبالة جيش فيه ألف محارب، فزع النبي ﷺ إلى الله (تعالى) في إنابة نبي وإلحاح عبد، ودعاء مضطر ... في كلمات صريحة واضحة هي خير تعريف بهذه الأمة ومهمتها التي أخرجت من أجلها، وغاية التغيير الذي ستتحمل أمانته، لم يقل الرسول: لو هلكت هذه العصابة وكانت فريسة للعدو؛ أقفرت المدينة، وأوحشت الأسواق، وكسدت التجارة، ولم يظهر المجتمع الحضاري المنشود، وفات العالمين فرصة ظهور حضارة وثابة، بل قال:» اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض « [٥] » فكأنما كان بقاء المسلمين مشروطاً بقيام حياة العبودية بهم وقيامهم بها « [٦] . لقد انتصرت الدعوة، وقام المجتمع المسلم في المدينة، وفتحت مكة، وأتم الله النعمة بإتمام الدين عقيدة وشريعة، والمرء لا يلحظ تفوقاً عمرانيّاً ماديّاً داخل حدود الدولة التي تركها رسول الله ﷺ ، لقد ترك الرسول مجتمعاً قِيَميّاً صنعه وحكمه منهج، كان إنجاز الرسول رجالاً وعوا الرسالة واستوعبوا القضية، فخرجوا إلى الناس يقولون:» ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام «، وكان إنجازهم أن أدوا المهمة على التمام، فقد خلصوا الأمة الرومية من عبادة المسيح والصليب والأحبار والرهبان (أعني: من أسلم منهم» ، وخلصوا الأمة الفارسية من عبادة النار، وخلصوا الهنود من عبادة البقر.. أخرجوهم حقّاً من جور الأديان إلى عدل الإسلام. لقد تحير أصحاب الموازين المادية في تعليل صعود هذا المجتمع وانتصاره: هذه القوة القاهرة بعد ذلك الضعف الشديد، وهذا النشاط العجيب بعد ذلك الخمود والسبات العميق ... ! يقول المؤرخ جبون: «بقوة واحدة ونجاح واحد زحف العرب على خلفاء أغسطس في الروم واصطخر في فارس، وأصبحت الدولتان المتنافستان في لحظة ساعة واحدة فريسة لعدو لم يزل موضع الازدراء والاحتقار منهما، في عشر سنوات من أيام حكم عمر أخضع العرب لسلطانه ستة وثلاثين ألفاً من المدن والقلاع، خربوا أربعة آلاف كنيسة ومعبد للكفار، وأنشؤوا أربعة عشر ألفاً من المساجد لعبادة المسلمين، وعلى بعد قرن من هجرة محمد من مكة، امتد سلطان خلفائه من الهند إلى المحيط الأطلاطيكي، رفرف علم الإسلام على أقطار نائية كفارس وسورية ومصر وإفريقية وأسبانيا» [٧] . ويقول هـ. أ. ل. فيشر: «لم يكن هناك للعرب قبل الإسلام أثر لحكومة عربية أو جيش منظم، أو طموح سياسي عام، كان العرب شعراء خياليين، إنهم كانوا على نظام منحط من الشرك ... بعد مئة سنة حمل هؤلاء المتوحشون الخاملون لأنفسهم قوة عالمية عظيمة، إنهم فتحوا سورية ومصر وجزءاً من البنجاب، إنهم انتزعوا إفريقية من البيزنطنيين والبربر، وإسبانيا من القوط، وهددوا فرنسا في الغرب، والقسطنطينية في الشرق» [٨] . لم ينتصر المسلمون في عصر النبوة ولا في عصر الخلافة الراشدة لعدد أو عدة، فإن قلة عددهم وضعف عدتهم من المسلمات التاريخية التي لا يُجَادَلُ فيها، ولم يكن العرب متفوقين أيضاً في النظام الحربي، ولم يكن هناك منهج حضاري اتبع فيه الرسول قواعد العمران البشري والمادي، إن «منبع هذه القوة، وسبب هذا الانقلاب العظيم الذي لا يوجد له مثيل في التاريخ: أن العرب أصبحوا بفضل تعليم محمد أصحاب دين ورسالة، فبعثوا بعثاً جديداً، انقلبوا في داخل أنفسهم، فانقلبت لهم الدنيا غير ما كانت، نظروا إلى العالم حولهم وطالما رأوه في جاهليتهم بدهشة واستغراب فإذا الفساد ضارب أطنابه، وإذا الظلام مخيم على العالم كله، وكل شيء في غير محله..» [٩] . لقد تعلقوا بمثل قول الرسول: «زويت لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطيت الكنزين الأصفر (الأحمر) والأبيض (يعني الذهب والفضة) وقيل لي: إن ملكك إلى حيث زوي لك ... » [١٠] ، وقوله: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» [١١] . لقد كان وعداً لصحابته توفرت فيهم شروطه، وانتفت عنهم موانعه؛ فتحقق لهم: [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ] [النور: ٥٥] . ولقد طال على المسلمين الأمد، ونسوا ما ذكروا به، وقد كثر عددهم وعدتهم، ولكنهم صاروا يحكمون الناس حكم الناس على الناس، وأشبهوا الأمم التي خرجوا يقاتلونها بالأمس، عادوا فقلدوها في مدنيتها واجتماعها وسياستها وأخلاقها ومناهج حياتها مما مقتها الله من أجله، فابتلاهم الله بالمغول (أشقى أمم الأرض وأخملها وأجهلها) فوضعوا فيهم السيف وأجروا دماءهم سيولاً وأنهاراً. إلا أن المسلمين في هذه الظلماء التي غشيتهم والفتنة التي عمتهم، كلما أفاقوا من سكرتهم وأصلحوا شأنهم واستنزلوا النصر: أتاهم نصر الله، كما حدث ذلك في عين جالوت على يد القائد صلاح الدين ﵀ . من هنا نعلم: بعد ذلك الاستعراض الطويل، فإن المتأمل يلحظ أن المد والجزر في حياة المسلمين أفراداً وجماعات وأمةً له مؤشر واحد، هو: الإيمان الحي الصحيح ... إن أكبر مهمة في هذا العصر وكل عصر، وأعظم خدمة وأجلها للأمة هي: دعوة السواد الأعظم منها إلى الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقته، ودعوة سائر البشرية إلى حقيقة الإسلام، ليس من خلال قناة فكرية ضيقة ولا مذهبية محدودة، إنما من خلال رحابة تعاليم هذا الدين، وكما فهمه سلفنا الصالح حتى لا نضيع في دوامة المفاهيم والمنطلقات ... رحابة لا تتملق العواطف وإنما تأتلف القلوب، ولا تترك الحق، وإنما تقوِّم العقول، وتحاورها، وتعود بها إلى النهج القويم ... نعم إنه صراع متعدد الجوانب، متشعب المجالات، يحتاج إلى صبر ومثابرة، أولاً وقبل كل شيء على العلم واستبصار تلك الحقيقة. علينا ونحن نستشرف عودة إلى الإسلام وبعث الأمة من جديد أن نستعرض ذلك المثال الذي كان شاخصاً في خير القرون، علينا أن نستجلي حقائقه ونتبين معالمه، ولسنا مضطرين في الوقت ذاته أن نجترئ على مقام النبوة فنجعل الرسول قد اتبع قواعد ... ! لنا أن نجتهد فيما هو جائز، ونتحمل نتائج الاجتهاد سلباً أو إيجاباً، ولكن ليس لنا أن نقحمه في منهج الله بالقطع. ولا يحسبن القارئ الكريم: أن كاتب السطور يحشد الأدلة، ويعد العدة لهجمة على الحضارة بعقل جامد، تاهَ في سراديب الماضي؛ ولا يدري ما نزل بساحته من صدى صراع رهيب يفيض في كل أرجاء المعمورة، أو تعامى عن إيجابيات الحضارة الغربية في كثير من مناحي الحياة، وليس همه كذلك إنكار سنن الله الكونية في معاش عباده أو إنكار عمل الأسباب. إنني أدندن حول ترسيخ وتأصيل: أن الإسلام لا ينصر بأدوات غيره، وأن المسلمين يبعثون من جديد بنفخة من أصل الإيمان، حتى إذا شب المجتمع المسلم، فلا عليه أن يأخذ بأسباب القوة التي يشترك فيها البشر بوصفهم بشراً، ولا بوسائل الدعوة التي لا حرج فيها شرعاً. كما إنني أؤكد على عدم الانزلاق إلى ما يمكن وصفه (بالتفسير الحضاري للإسلام) بحيث تحجب معالم الهدى في سيرة الرسول وهديه، ولا تعرض للناس إلا من خلال لون واحد، وقد وُضِعَ على الأعين منظار التنظير الحضاري المعاش. لقد كان المنهج، كان الكتاب، كانت السنة، كان كل ذلك هو القوة التي سخرت الأسباب فضعضع المسلمون الأكاسرة والقياصرة، ودان لهم الملوك والجبابرة. لقد تحقق ذلك للمسلمين مرتين: يوم أن خرجوا مواكبَ من نور، تفتح البلدان التي فاقتهم حضارة وتميزوا عنها بالإيمان، ويوم أن عادوا إلى الإيمان فهزموا التتار بعد أن كانوا قد دحروهم والمسلمون فوقهم في ميزان الحضارة. ولا يزال صلاح آخر الأمة ممكناً بإذن الله بما صلح به أولها. فلدينا رصيد الفطرة، ولدينا رصيد التجربة، ولدينا الطموح الكبير لإعادة العزة والتفوق لمجتمع المسلمين، انطلاقاً من القول النبوي الحكيم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق..، وقبل ذلك قول الله (تعالى) : [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] [المنافقون: ٨] . والله المستعان.

стр. 2314

تأملات دعوية إن مع العسر يسرًا بقلم: محمد بن عبد الله الدويش وعد من الله ﵎ وهو لا يخلف الميعاد [فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (٥) إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً] [الشرح: ٥، ٦] . وإذا جاز تخلف وعود البشر وتبدل قوانينهم، فوعد الله لا يتخلف، وسنة الله لا تتبدل إنه وعد من الله (سبحانه) يتجاوز حدود الزمان والمكان، ولا يقف عند حدِّ من وما نزلت فيه الآيات. وقد فهم منها السلف هذا المعنى الواسع، فقالوا: لن يغلب عسر يسرين، وقالوا: لو كان العسر في جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه. إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيبُ وأوطأت المكاره واطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوبُ ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ... ولا أغنى بحيلته الأريبُ أتاك على قنوط منك غوثٌ ... يمن به اللطيف المستجيبُ وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريبُ بل يربط الله ذلك بالتقوى: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً] [الطلاق: ٤] . وسنة الله ﵎ : أنه حين تشتد الأزمات وتتفاقم: يأتي اليسر والفرج، أرأيت كيف فرج الله للأمة بعد الهجرة وقد عاشت قبلها أحلك الظروف وأصعبها؟ وفي الأحزاب حيث بلغت القلوب الحناجر وظن الناس بعدها الظنون، بعد ذلك كانت مقولة النبي ﷺ ، وهي مقولة صدق: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» [١] ، وحين مات النبي ﷺ ، وضاقت البلاد بأصحاب النبي، وارتد العرب، وأحدق الخطر: ما هي إلا أيام وزال الأمر، وتحول المسلمون إلى فاتحين لبلاد فارس والروم، وصار المرتدون بإذن الله بعد ذلك جنوداً في صفوف المؤمنين.. والعبر في التاريخ لا تنتهي. فهل يعي المسلمون اليوم هذه الحقيقة وهم يعيشون أزمة البعد عن دين الله، والإعراض عن شرعه، وانتشار ألوان الفساد، وفي المقابل: التآمر في كثير من الدول على الإصلاح والمصلحين وانسداد الأبواب في وجوههم، مما أدى إلى سيطرة اليأس على كثير من المسلمين وأصبحت لغة التشاؤم هي السائدة في مجالس بعض الصالحين. أضف إلى ذلك: أن المسلم يشعر أن الأمور بقدر الله، وأنه ﵎ قد كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وأن قدره وقدرته فوق كل ما يريد ويكيد البشر. وثالثة: أن الأمر قد يكون في ظاهره شرّاً، ثم تكون العاقبة خيراً بإذن الله، أرأيت حادثة الإفك وفيها من الشناعة والبشاعة ما فيها، ومع ذلك هي بنص القرآن : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] [النور: ١١] ، وها هو سراقة بن مالك ﵁ يلحق النبي ﷺ «فكان أول النهار جاهداً على نبي الله، وكان آخر النهار مسلحة له» [٢] . ورابعة: أن الفساد وإن كان الواجب رفضه شرعاً والسعي لدرئه، إلا أنه أحد روافد الإصلاح، وواقع الأمة اليوم قد بلغ من الترهل والخمول ما يجعل يقظة الأمة أجمع لا تتحقق إلا حين تبلغ الغاية في الذل والانهيار والمهانة، فالمسلم يرفض ذلك شرعاً وديناً ويسعى لدفعه، لكنه قدَراً يعلم أن عاقبته إلى خير بإذن الله، وفي التاريخ عبرة: ألم يكن اجتياح التتار والمغول لبلاد الإسلام، والغزو الصليبي.. رافداً مهمّاً من روافد يقظة الأمة ونهوضها، بعد أن وصلت إلى مرحلة شبيهة بما نحن فيه اليوم؟ فما أجدر بالصالحين اليوم أن ينظروا بعين التفاؤل، وأن ينصرفوا للعمل والجد، ويَدَعُوا عنهم اليأس والتخذيل؛ فكيد أهل الفساد في بوار، ودين الله ظاهر [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] [المنافقون: ٨] .

стр. 2315

نص شعري إياكِ أعني شعر: محمد الصالح حسن تخرُجينَ من الرِّقَةِ الأُنَثويّةِ ظِلِّ الحياءِ الوَرِيفِ، ونَهْرِ الجمالِ العفيفِ، إلى.. صَحَرَاءَ الجَسَدْ تخرُجينَ مِنَ السِّتْرِ في النّفْسِ، في الثّوْبِ، في البَيتِ،.. في بَسْمةِ الزوجِ أو في عيونِ الوَلَدْ تخرُجينَ كشَمْسٍ مُزَيّفَةٍ في المَسَاءِ وبينَ الْتماعِ السّلاسِلِ ضوءِ الخَوَاتِمِ.. والقُرْطِ تَنْسَيْنَ أنّ الظلامَ هنا يَتَوَسّدُ رُوحَكِ خَصْماً ألدّ تخرُجينَ كَأنّكِ في رِحَلةِ الصّيدِ والقَومُ غَابَهْ فَتستنَفِرينَ عَلى الآدَمّيِ ذِئَابَهْ وتستمتعينَ، وأنتِ تَرَيْنَ كِلابَ الغَرِيزَة تَنْهَشُ صَدرَ الفَرِيسَةِ، أو عَينَهَا.. أو تَرَينَ عَلى شَفَتَيْها اللهاثَ الحَقِيرَ ولونَ الزّبَدْ تخرُجينَ ويسبقُ ظِلّكِ كُلّ صُنُوفِ الغِوَايةِ: لونُ الشِفاهِ، ولونُ الخُدودِ، ولونُ الأظَافِرِ.. لونُ الصّفَاءِ المُلَطّخ في شَهوَةٍ تَستَبِدّ تخرُجينَ كَأنّكِ كَاسِيةٌ تَزعُمينْ وثَوبُكِ.. (هذا الذي يَتآكَلُ شَيئاً فشَيئاً فيسقُطُ مِنهُ العَرَاءُ الرَخِيصُ) يجودُ بما يَتَيسرُ للعابِرينْ فنُبصِرُ رَأساً دنيئاً إليكِ تَدُورُ، فتَستَبْشِرينْ! ! ونَسمعُ قولاً بَذيئاً يمُورُ، فَلا تَعبَئِينْ! ! ولا يَبقَ من طَيفِكِ المُتَلألِئِ في كُلِّ عَينٍ سوى ... خُطُواتِ السّقوطِ الأَكيِدةِ: «جيمٍ» و «نونٍ» و «سين» تَدُوسُ البراءةَ في صَدرِ كُلِّ طَهُورٍ ليُصبِحَ وَغدْ تُرى.. أيّ زَادٍ أَعَدّتْهُ أَيامُكِ الخَالياتِ لما سوفَ يأتي؟ ! المَرايَا التي تَعشَقِينَ! (.. وتكذبُ في كُلِّ يومٍ عَليكِ) المساحيقُ! (تِلكَ التي تَرسُمِينَ بِها لَوْحَةَ الشِّقْوَةَ الأَبديةَ في وَجْنَتَيْكِ) تُرى أَيّ جِيلٍ شَريدٍ سَيدعُوكِ أُمّاً ويَرْنُو إلَيْكِ؟ ! وأيّ زَمانٍ تَصيرينَ فيهِ لإبليسَ نِدّ رُبّما كُنتِ أبيضَ مِنْ عَفَنِ الخُبزِ فَوْقَ بَقَايا الطّعامْ وأنَعَمَ مِن حَيّةٍ تَتَسَلّلُ بالسّمِ حتّى نُخاعِ العِظَامْ ... ولكِنّ لونَكِ لَنْ يَملأَ القَبرَ نُورا وجِلدَكِ رَغمَ نُعُومَتِهِ.. لَنْ يُحيلَ ثَرَاهُ الغَلِيظَ حَرِيرا وَوَجهَكِ رَغمَ مَلاحَتِهِ.. لَنْ يُلينَ مَلاكَ الحِسَابْ وهيهاتَ أن يَدفعَ الحُسنُ عَنكِ مُرّ العذابْ
следующие страницы →