← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

مقال النصيحة أمن الفضيحة [*] بقلم: سعيد بن جمهور الزهراني كان يقال: ما ارتضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سُلت السخايم، ولا دفعت المغارم، ولا توقي المحذور، ولا استميل المهجور: بمثل الهدية والبر، وقال ابن عبد البر: وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ... (تجاوزوا وتزاوروا وتهادوا؛ فإن الهدية تثبت المودة، وتسل السخيمة) ، وقال الشاعر: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى ووداً ... وتلبسهم إذا حضروا جمالا ولكن ماذا لو أهديت إلى أخٍ لك بعضاً من عيوبه وتقصيره في أمور دينه، التي قد لا تظهر له ولا يراها ببصره أو بصيرته! ، فماذا تتوقع؟ ! أيقبل هذا منك، أم يرد ما أهديت إن كان ما أهديت حقّاً؟ ، قال عمر ﵁ : «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي» .. ومما للمسلم على أخيه المسلم: أن يستر عورته، ويغفر زلته، ويرحم عبرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غِيبتَه، ويديم نصيحته، ويقبل هديته، ويجيب دعوته، ويكافئ صلته، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.. قال: «إن الدين النصيحة» ، قلنا: لمن يا رسول الله ﷺ ؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» ، ومعنى الحديث: أن قوام الدين وعماده النصيحة، كقوله: «الحج عرفة» وقال جرير ﵁ : «بايعت رسول الله على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم» ، وقد أخبر القرآن الكريم أن بني إسرائيل استحقوا اللعنة والحرمان والتشريد؛ لأنهم كانوا لا يتناصحون: [لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ لله (٧٨) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ... ] [المائدة: ٧٨، ٧٩] . وليس أدل على رقي الأمة واستقامة ضمائرها من تمسكها بخلق التناصح فيما بينها؛ ينصح الأخ لأخيه، والجار لجاره، والأب لابنه، والأستاذ لتلميذه، والموظف لرئيسه، والمسؤول لأمته ... فلا ترى حينئذ إلا حقّاً محترماً، وفضيلة يعمل بها، وثقةً تربط بين الناس بعضهم مع بعض، فلا خيانة ولا غش ولا اتهام ولا تجريح، فمن يهدي إليك بعضاً مما لاحظه عليك من قصور في أمر الدين فاقبل منه، واعلم أنه يحبك، كما قيل: من أحبك نهاك.. نهاك عن التمادي في الباطل، نهاك عن الوقوع في الرذيلة، نهاك عن كل ما قد يجرح دينك أو خلقك.. ومن أبغضك أغراك، وقد قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [١] ، وقيل: «النصيحة أمن الفضيحة» ! ! ومن لا يقبل نصح الناصح، فهو كالمريض، الذي يترك ما يصف له ... الطبيب، ويعمد لما يشتهيه فيهلك، قال الله (تعالى) حكاية عن نبيِّه صالح ﵇ : [لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ] [الأعراف: ٧٩] . قال بعض الحكماء: «اثنان ظالمان: رجل أهديت له النصيحة فاتخذها ذنباً، ورجل وسع له في مكان ضيق فجلس متربعاً» ، وقال أبو حاتم البستي: ... «النصيحة محاطة بالتهمة، وليست النصيحة إلا لمن قبلها، كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها، ولا الآخرة إلا لمن طلبها» . وإنك لتقرأ في سيرة سلفنا الصالح من صحابة الرسول والتابعين والعلماء والخلفاء، فتعجب مما تراه بينهم من صدق اللهجة، ووفاء الأخوة، والقيام بواجب النصح، والترحيب بالنقد البريء والمواعظ الحسنة، مما تشعر معه أنك إزاء أمة لم تخلد في التاريخ بسيف ولا ظلم ولا تدمير، وإنما خلدت بخلق قوي، ونفوس كريمة، وعقول راجحة، وآداب متماسكة. هذا عمر ﵁ يقول: «أيها الناس: اسمعوا وأطيعوا» ، فيقوم إليه رجل ليقول له: لا والله، لا نسمع ولا نطيع! .. فيسأله عمر عن ذلك، فيجيب بأنهم: يشكّون فيما يلبس عمر من ثياب، ويطلبون لذلك حساباً عليه، ويسألونه من أين لك هذا يا أمير المؤمنين، فلا يضيق عمر بطلب الرعية، ولكنه يقدم له حسابه، حتى إذا اقتنع الناس بطهارة يد عمر، قال قائلهم: الآن سمعاً وطاعة. ليس منا من لا يخطئ ولا ينحرف عن سنن الحق، بل فينا من الغرائز والطباع ما يميل بنا إلى الرشد والغي، والخير والشر.. وما أجمل قول الشاعر: من ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه بل ما أروع قول الله ﵎ في وصف النفس الإنسانية على حقيقتها، حين يقول حاكياً عن امرأة العزيز: [وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي] [يوسف: ٥٣] ، وليس كل إنسان يعرف خطأه أو يهتدي إليه، وبذلك كان من حق الأخ على أخيه، أن يبصره بعيبه وينصح له في أمره.. قال أبو حاتم البستي: «النصيحة تجب على الناس كافة، ولكنّ إبداءها لا يجب إلا سرّاً؛ لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه، ومن وعظه سرّاً فقد زانه، فإبلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه أحرى من القصد فيما يشينه» . وعلامة الناصح الذي أراد زينة المنصوح له: أن ينصحه سرّاً، وعلامة من أراد شينه: أن ينصحه علانية، فليحذر العاقل نصحه الأعداء في السر والعلانية.. حقيقة النصيحة: قال ﵊ : «إن الدين النصيحة» ثلاثاً ... وهذا يشمل الدين كله، والخير كله، والبر كله، ولهذا: عندما قال الصحابة (رضوان الله عليهم) : لمن يا رسول الله؟ ، قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» [٢] . فدينك أيها المسلم النصيحة، كأن الدين كله تجمعه كلمة واحدة، هي: النصيحة، فلا بد أن يكون المسلم ناصحاً مخلصاً في نصحه. والنصيحة تجمع أمرين: الإخلاص والصدق، فكأنك بهذه الكلمة تقول: كن مخلصاً وكن صادقاً، فإن الرجل إذا نصحك وكان نصحه حقّاً، ولكنه لم يكن عن إخلاص، لا يسمى ناصحاً، وكذلك: لو كان مخلصاً في قوله ولكنه لم يكن صادقاً: فإنه أيضاً لا يسمى ناصحاً، فحقيقة النصيحة ما يجمع معنيي الإخلاص والصدق، ولهذا قال رسول كريم: [وَأَنصَحُ لَكُمْ] [الأعراف: ٦٢] ، وقال آخر: ... ... [وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ] [الأعراف: ٦٨] ، فلا بد أن يكون كل واحد منا ناصحاً أميناً، ينصح لهذه الأمة كما بين النبي ﷺ ، ولا بد أن يسأل الإنسان نفسه عن ذلك: هل أنا ناصح فعلاً؟ ، وهل نصحت بحق؟ ، وهل قمت فعلاً بهذا الواجب؟ ، هذه أسئلة لا بد أن يتأملها المسلم مع نفسه، ومع إخوانه؛ لينظر ما موقعه من ذلك الحديث الشريف الذي هو من جوامع كلمه، ومثله أو قريبٌ منه قوله: «لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [٣] ، ومقتضى هذا الحديث المحبة، والمحبة لا تتعارض مع النصح، بل تقتضيه ويقتضيها، أن أحب لأخي ما أحب لنفسي.. من هو أخي؟ ! أيّ أخٍ هذا المقصود؟ .. لا شك أنه هو المسلم، كما قال: «المسلم أخو المسلم» [٤] ، وكما قال: «وكونوا عباد الله إخواناً» [٥] ، فيجب عليك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، تحب لنفسك أن تفوز بالجنة، فيجب أن تحب لأخيك الفوز بالجنة، وتحب لنفسك أن تنجو من النار، فيجب أن تحب لأخيك أن ينجو من النار، وتحب أن تعطى من الخير، كذلك يجب أن تحب لأخيك المسلم. مراتب النصيحة: وحتى تؤدي النصيحة ثمرتها في نفس المنصوح يلزم أن يُلحظ في أهدافها المراتب التالية: أولاً: التثبت، فلا تبادر إلى تصديق كل ما يقال عن أخيك المسلم من جار أو صديق، لا تصدق كل ما يُقال ولو سمعته من ألف فم، وإنه يجب عليك عدم إساءة الظن بالآخرين، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] [الحجرات: ١٢] ، وقال: [وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقّ ... شَيْئاً] [النجم: ٢٨] ... وإذا رأيت أمراً أو بلغك عن صديقك كلامٌ يحتمل وجهين، فاحمله محملاً حسناً، وأنزله منزلة الخير، فذلك ألصق بالأخوة، وأجدر بمكارم الأخلاق. قالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوف وكان أجود قريش في زمانه: ما رأيت قوماً ألأم من إخوانك! قال لها: مه! ولم ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال لها: هذا والله من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بحقهم.. فانظر كيف تأول صنيع إخوانه. ثانياً: أن تقدر طبائع الناس وغرائزهم، وأنهم ليسوا ملائكة ولا أنبياء، فلا تطمعْ ألا تعثر على زلة أو هفوة أحد من إخوانك، ولكن احمل ذلك على الضعف الإنساني الذي لا يكاد يخلو منه أحد، وعلى الغرائز التي لا ينجو من سلطانها إلا الأقلون، وانظر أنت في نفسك، ألا تقع في مثل تلك الزلات؟ ، ولهذا قال الشافعي (رحمه الله تعالى) : ما من أحد من المسلمين يطيع الله ولا يعصيه، ولا أحد يعصي الله ولا يطيعه، فمن كانت طاعته أغلب من معاصيه فهو عدل. ثالثاً: ألا تحكم على الأمر الذي تريد إنكاره بالخطأ أو الانحراف من وجهة نظرك فحسب، بل انظر إليه من وجهة نظر صاحبه أيضاً، فقد يكون مجتهداً فيما اعتقد من رأي، متحرياً الخير فيما سلك من سبيل، فلا تسارع إلى الإنكار عليه، ما دام من الممكن أن يكون له وجهة من الحق. رابعاً: أن يكون النصح سرّاً لا أمام الناس، ولا على ملأ من الأشهاد؛ فإن النفس الإنسانية لا تقبل أن يطلع أحدٌ على عيبها، وإنك إذا نصحت أخاك سرّاً كان أرجى للقبول، وأدل على الإخلاص، وأبعد من الشبهة، ولقد كان من أدبه في إنكار المنكر، أنه إذا بلغه عن جماعة ما ينكر فعله لم يذكر أسماءهم علناً، وإنما كان يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا..» ، فيفهم من يعنيه الأمر أنه المراد بهذه النصيحة. قال رجل لعليّ ﵁ أمام جمهور من الناس: يا أمير المؤمنين، إنك أخطأت في كذا وكذا، وأنصحك بكذا وكذا، فقال له علي: «إذا نصحتني فانصحني بيني وبينك، فإني لا آمن عليك ولا على نفسي، حين تنصحني علناً بين الناس» . فإذا استوت لك هذه الخطوات، ورأيت النصيحة واجبة، كان عليك أن تؤديها برفقٍ وحكمة وأسلوب لا يُنَفِّر مَن تنصحه، ولا تبدو أنك متعالٍ عليه، معلم له، وإلى هذه الآداب أرشدنا الله (تعالى) بقوله: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] [النحل: ١٢٥] ، ولقد قالوا في وصف الرسول (عليه أفضل الصلاة والسلام: (إنه ما كان يواجه أحداً بشيء يكرهه) ؛ ذلك أن النصيحة إذا خرجت عن الرفق واللين، كانت غلظة وقسوة تنفر القلوب ولا تفتحها، وتبعد الناس عن الخير ولا تقربهم إليه. فيعلم مما تقدم كما ذكر: أن النصيحة تشمل الدين كله: أصوله وفروعه، حقوق الله وحقوق رسوله ﷺ ، وحقوق الخلق كلهم، أهل الحقوق العامة والخاصة، فمن قام بالنصيحة على هذا الوجه فقد قام بالدين، ومن أخل بشيء مما تقدم فقد ضيع من دينه بقدر ما ترك، فأين النصيحة ممن تهاون بحقوق ربه فضيعها، وعلى محارمه فتجرأ عليها؟ ، وأين النصيحة ممن قدم قول غير الرسول على قوله، وآثر طاعة المخلوق على طاعة الله ورسوله؟ وأين النصيحة من أهل الخيانات والغش في المعاملات؟ ، وأين النصيحة ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وممن يتبعون عورات المسلمين وعثراتهم؟ ، وأين النصيحة من أهل المكر والخداع؟ ، وأين النصيحة فيمن يسعى في تفريق المسلمين وإلقاء العدواة والبغضاء بينهم؟ ، وأين النصيحة ممن يتملقون عند اللقاء بالمدح والثناء، ويقولون خلاف ذلك في الغيبة عند الأعداء وعند الأصدقاء؟ ، وأين النصيحة ممن لا يحترم أعراض المسلمين ولا يرقب فيهم إلاّ ولا ذِمة؟ ، وأين النصيحة من المتكبرين على الحق والمستكبرين على الخلق، المعجبين بأنفسهم، المحتقرين لغيرهم؟ ، فهؤلاء كلهم عن النصيحة بمعزل، ومنزلهم فيها أبعد منزل، وكل هؤلاء قد اختل إيمانهم، واستحقوا العقوبات المتنوعة، وحرموا من الخير الذي رُتِّب على النصح، وحرموا من الأخلاق الفاضلة، وابتلوا بالأخلاق السافلة، أولئك هم الخاسرون. فطوبى للناصحين حقيقة، ما أعظم توفيقهم، وما أهدى طريقهم، لا تجد الناصح إلا مشتغلاً بفرض يؤديه، وفي جهاد نفسه عن محارم ربه ونواهيه، وفي دعوة غيره إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي التخلق بالأخلاق الجميلة والآداب المستحسنة، إن رأى من أخيه خيراً أذاعه ونشره، وإن اطلع على عيبٍ كتمه وستره، إن عاملته وجدته ناصحاً صدوقاً، وإن صاحبته رأيته قائماً بحقوق الصحبة على التمام، مأموناً في السر والعلانية. وأخيراً: فهذا حديث النصيحة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى فقه آدابها وشروطها، بعد أن استشرت العداوات، وكثرت الخصومات، وساءت التهم، وأفرطت الأقلام والألسنة في النقد بحق وبغير حق، فهل لنا أن نطمع من النقاد أن يقفوا عند حدود الحق فيما ينقدون؟ ، وهل لنا أن نرجو الناصحين أن يبتعدوا عن مجال الشبهة فيما ينصحون بمنهج حكيم ومنطلق سليم؟ . فاللهم ألهم حملة الأقلام، وكتاب الصحف، وخطباء المنابر.. أن يقولوا ما يصلح الفساد، ويقوِّم الانحراف!

стр. 2312

نص شعري هل فينا ضيغم ؟ شعر: حفيظ بن عجب آل حفيظ نار بصدري والفؤاد تضرّم ... ودموع عيني يستفيض بها الدمُ فالمسلمون دماؤهم مَسفوحة ... وعدوهم في أرضهم يتحكمُ والظالمون مع العدو تآمروا ... وتعاهدوا عهداً علينا يبرمُ فالليل داجٍ والكروبُ طويلة ... وبناؤنا في كل أرضٍ يهدمُ وبكاء أمتنا يشق سماءنا ... فإلى متى يا أمتي نتألمُ وإلى متى يبقى العدو يدوسنا ... ونموت لا نسعى ولا نتكلمُ وسليبة الإسلام تندب أهلها ... وتصيح لكن ليس فيهم ضيغمُ فتقول ويحكمو أما فيكم فتًي ... كابن الوليد إلى العدا يتقدمُ يا أمة الإسلام قدسك ضيعت ... وحماة دار المسلمين استسلموا فتلفتي نحو العدو فربّما ... خرج المخلِّصُ من ديارٍ تحرمُ فَلَكَمْ رأينا مسلماً في أرضهم ... يدعوا إلى التوحيد بل ويعلِّمُ ولكم رأينا زهرة في وحلةٍ ... خرجت تبث عبيرها وتنمنمُ

стр. 2313

مقال صلاحنا بما صلح به أوائلنا بقلم: محمد عبد الأعلى في ظل حالة من الوهن وعدم التمكين، وعلى إثر محاولات عدة للبعث الإسلامي؛ بدافع الحب للإسلام، ورغبة في استنهاض المسلمين، وفي أجواء شاعت فيها ثنائيات ومفردات: تقدم.. تأخر، تنمية ... وتخلف، أصالة، معاصرة، رجوع إلى الهوية ... فرضت تلك المصطلحات على ساحة الفكر، وبدا الناس أسارى أطرهن، لا ملجأ لهم إلا إليهن، وبدا إسلاميون وكأنهم يدورون في الفلك ذاته، وليست المشاحة أن تتحدث بلسان القوم لتُبَيِّنَ لهم، ولا أن تتعرف لسانهم لتَتَبَيّنَهم، وإنما الخطورة أن يكون الخطاب الإسلامي رجع صدى للخطاب القومي، الذي هو في معظمه صدى ومحاكاة للخطاب الغربي، الذي وصل إلى كل أذن عبر عجائب الاتصالات المعاصرة. بات الغيورون من المسلمين عاكفين على تلمس طوق النجاة للأمة، والتعرف على أسباب عودتها العود الحميد إلى أيام عزتها، فيمم بعضهم وجهه شطر الحضارة الغربية، ممسكاً بمصباحها، يتجول في جنبات نصوص الإسلام وتاريخه، يتلمس من خلالها الحلول (الحضارية) ، ويبحث في معطياتها عن طوق النجاة (الحضاري) ، وكأن الحضارة هي الغاية، فلنبحث عن «الإسلام ومشكلات الحضارة» ، وكأن النهضة هي الهدف، فلنبحث عن «شروط النهضة» ، حتى ذهب بعضهم إلى القول: «إن الرسول قد اتبع كل قواعد العمران البشري والمادي في سبيل إنشاء المجتمع الذي أرسل من أجله» [١] . وبين يدي الشروع في مناقشة ذلك الطرح أحسبني في حاجة إلى إيضاح: أن المسلمين وإن كانوا صنعوا حضارة وكانت قيم الإسلام وهديه عاملاً رئيساً في حركتهم لصنعها، إلا أنهم لم تقم قائمتهم بقواعد العمران البشري والمادي، ولم يُخرَجوا للناس أمةً من أجل هذا. المثال الأول: لقد كان العالم يسير سيره الطبيعي قبل بعثة النبي ﷺ ، ولم يكن ينكر من أمر معاشه شيئاً: كانت الزراعة، وكانت التجارة، وكانت الصناعة، كانت المدن عامرة بالسكان، والعواصم الكبرى زاخرة بالعمران، كان واديا النيل والفرات بساتين وحقولاً، فاضت لبناً وعسلاً، بل إن أرض يثرب كانت خضراء منتجة، وحدائق الطائف كانت عامرة مثمرة، كان أنباط الشام، وأقباط مصر، وأهل الصين بل يهود يثرب قد أحكموا أمر التجارة، وانتشروا في أرجاء العالم المعمور بقوافلهم غادية رائحة، وكانت الأسواق مشحونة بالمتاجر والبضائع، وكانت الحكومات والإمارات غنية بأموالها ورجالها ... لم يكن في الحياة الإنسانية عوز أو فراغ، ولم تكن رئاسة المدنية وقيادة الحضارة وظيفة شاغرة تحتاج إلى من يملؤها، لم يكن العالم في حاجة إلى أمة تبعث في واد غير ذي زرع! ! ... كانت كأس الحياة مترعة لا تطلب المزيد، ولم يكن العرب وجهاء ذلك الركب أو كانوا أعضاء بارزين فيه، لقد كانوا حقّاً في ذيل الركب وعلى هامش فعالياته. جاء في البداية والنهاية: « ... فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بَيْنٍ منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولاتطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملّكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.. فقال المغيرة بن شعبة: أيها الملك، إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً؛ فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يشبه الجوع: كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعاماً لنا، وأما المنازل فهى ظهر الأرض، ولا نلبس إلا من غزل أوبار الإبل وأشعار الغنم، وحالنا قبل اليوم على ما ذكرت، فبعث الله إلينا رجلاً ... » [٢] ، وروي أن كسرى لما علم ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أرسل إليه بضعة جنود يأتون به في الأصفاد! . وذكر الوليد بن مسلم: «أن ماهان طلب خالداً، يعني: ابن الوليد (رضي الله عنه) يبرز إليه، فيجتمعا في مصلحة لهما، فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلموا إليّ أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً، وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها» [٣] . لقد كان واقع هذه الأمة ببداوتها، والأمم التي عاصرتها بحضارتها واقعاً واحداً بميزان الله: «إن الله نظر إلى أهل الأرض جميعاً، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» [٤] ، لقد أجمل هذا النص الكريم القضية تشخيصاً وعلاجاً، لم يكن الهدف منازلة حضارية، لقد كان بعث أمة لغرض سام، لمهمة طال عهد الإنسانية بالبعد عنها، ذلك هو ما خاطب به الله «هذه الأمة بقوله: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [ال عمران: ١١٠] . لقد كان صراعاً طويلاً، لم يكن نزاعاً في أغراض المادة، لم يكن صراعاً على الاستئثار بالأسواق، ولا التسابق في الصناعة والتجارة، وإنما كان صراع الإسلام والجاهلية بمعنى هاتين الكلمتين: نزاعاً بين حياة العبودية والانقياد لله (تعالى) والحياة المطلقة التي لا تعرف قيداً، ولا تخشى معاداً، ولا حساباً. لقد كان من حلقات ذلك الصراع: غزوة بدر، التي قاد فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- عدداً من المقاتلين لا يزيد عن ثلاثمئة وثلاثة عشر قبالة جيش فيه ألف محارب، فزع النبي ﷺ إلى الله (تعالى) في إنابة نبي وإلحاح عبد، ودعاء مضطر ... في كلمات صريحة واضحة هي خير تعريف بهذه الأمة ومهمتها التي أخرجت من أجلها، وغاية التغيير الذي ستتحمل أمانته، لم يقل الرسول: لو هلكت هذه العصابة وكانت فريسة للعدو؛ أقفرت المدينة، وأوحشت الأسواق، وكسدت التجارة، ولم يظهر المجتمع الحضاري المنشود، وفات العالمين فرصة ظهور حضارة وثابة، بل قال:» اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض « [٥] » فكأنما كان بقاء المسلمين مشروطاً بقيام حياة العبودية بهم وقيامهم بها « [٦] . لقد انتصرت الدعوة، وقام المجتمع المسلم في المدينة، وفتحت مكة، وأتم الله النعمة بإتمام الدين عقيدة وشريعة، والمرء لا يلحظ تفوقاً عمرانيّاً ماديّاً داخل حدود الدولة التي تركها رسول الله ﷺ ، لقد ترك الرسول مجتمعاً قِيَميّاً صنعه وحكمه منهج، كان إنجاز الرسول رجالاً وعوا الرسالة واستوعبوا القضية، فخرجوا إلى الناس يقولون:» ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام «، وكان إنجازهم أن أدوا المهمة على التمام، فقد خلصوا الأمة الرومية من عبادة المسيح والصليب والأحبار والرهبان (أعني: من أسلم منهم» ، وخلصوا الأمة الفارسية من عبادة النار، وخلصوا الهنود من عبادة البقر.. أخرجوهم حقّاً من جور الأديان إلى عدل الإسلام. لقد تحير أصحاب الموازين المادية في تعليل صعود هذا المجتمع وانتصاره: هذه القوة القاهرة بعد ذلك الضعف الشديد، وهذا النشاط العجيب بعد ذلك الخمود والسبات العميق ... ! يقول المؤرخ جبون: «بقوة واحدة ونجاح واحد زحف العرب على خلفاء أغسطس في الروم واصطخر في فارس، وأصبحت الدولتان المتنافستان في لحظة ساعة واحدة فريسة لعدو لم يزل موضع الازدراء والاحتقار منهما، في عشر سنوات من أيام حكم عمر أخضع العرب لسلطانه ستة وثلاثين ألفاً من المدن والقلاع، خربوا أربعة آلاف كنيسة ومعبد للكفار، وأنشؤوا أربعة عشر ألفاً من المساجد لعبادة المسلمين، وعلى بعد قرن من هجرة محمد من مكة، امتد سلطان خلفائه من الهند إلى المحيط الأطلاطيكي، رفرف علم الإسلام على أقطار نائية كفارس وسورية ومصر وإفريقية وأسبانيا» [٧] . ويقول هـ. أ. ل. فيشر: «لم يكن هناك للعرب قبل الإسلام أثر لحكومة عربية أو جيش منظم، أو طموح سياسي عام، كان العرب شعراء خياليين، إنهم كانوا على نظام منحط من الشرك ... بعد مئة سنة حمل هؤلاء المتوحشون الخاملون لأنفسهم قوة عالمية عظيمة، إنهم فتحوا سورية ومصر وجزءاً من البنجاب، إنهم انتزعوا إفريقية من البيزنطنيين والبربر، وإسبانيا من القوط، وهددوا فرنسا في الغرب، والقسطنطينية في الشرق» [٨] . لم ينتصر المسلمون في عصر النبوة ولا في عصر الخلافة الراشدة لعدد أو عدة، فإن قلة عددهم وضعف عدتهم من المسلمات التاريخية التي لا يُجَادَلُ فيها، ولم يكن العرب متفوقين أيضاً في النظام الحربي، ولم يكن هناك منهج حضاري اتبع فيه الرسول قواعد العمران البشري والمادي، إن «منبع هذه القوة، وسبب هذا الانقلاب العظيم الذي لا يوجد له مثيل في التاريخ: أن العرب أصبحوا بفضل تعليم محمد أصحاب دين ورسالة، فبعثوا بعثاً جديداً، انقلبوا في داخل أنفسهم، فانقلبت لهم الدنيا غير ما كانت، نظروا إلى العالم حولهم وطالما رأوه في جاهليتهم بدهشة واستغراب فإذا الفساد ضارب أطنابه، وإذا الظلام مخيم على العالم كله، وكل شيء في غير محله..» [٩] . لقد تعلقوا بمثل قول الرسول: «زويت لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطيت الكنزين الأصفر (الأحمر) والأبيض (يعني الذهب والفضة) وقيل لي: إن ملكك إلى حيث زوي لك ... » [١٠] ، وقوله: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» [١١] . لقد كان وعداً لصحابته توفرت فيهم شروطه، وانتفت عنهم موانعه؛ فتحقق لهم: [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ] [النور: ٥٥] . ولقد طال على المسلمين الأمد، ونسوا ما ذكروا به، وقد كثر عددهم وعدتهم، ولكنهم صاروا يحكمون الناس حكم الناس على الناس، وأشبهوا الأمم التي خرجوا يقاتلونها بالأمس، عادوا فقلدوها في مدنيتها واجتماعها وسياستها وأخلاقها ومناهج حياتها مما مقتها الله من أجله، فابتلاهم الله بالمغول (أشقى أمم الأرض وأخملها وأجهلها) فوضعوا فيهم السيف وأجروا دماءهم سيولاً وأنهاراً. إلا أن المسلمين في هذه الظلماء التي غشيتهم والفتنة التي عمتهم، كلما أفاقوا من سكرتهم وأصلحوا شأنهم واستنزلوا النصر: أتاهم نصر الله، كما حدث ذلك في عين جالوت على يد القائد صلاح الدين ﵀ . من هنا نعلم: بعد ذلك الاستعراض الطويل، فإن المتأمل يلحظ أن المد والجزر في حياة المسلمين أفراداً وجماعات وأمةً له مؤشر واحد، هو: الإيمان الحي الصحيح ... إن أكبر مهمة في هذا العصر وكل عصر، وأعظم خدمة وأجلها للأمة هي: دعوة السواد الأعظم منها إلى الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقته، ودعوة سائر البشرية إلى حقيقة الإسلام، ليس من خلال قناة فكرية ضيقة ولا مذهبية محدودة، إنما من خلال رحابة تعاليم هذا الدين، وكما فهمه سلفنا الصالح حتى لا نضيع في دوامة المفاهيم والمنطلقات ... رحابة لا تتملق العواطف وإنما تأتلف القلوب، ولا تترك الحق، وإنما تقوِّم العقول، وتحاورها، وتعود بها إلى النهج القويم ... نعم إنه صراع متعدد الجوانب، متشعب المجالات، يحتاج إلى صبر ومثابرة، أولاً وقبل كل شيء على العلم واستبصار تلك الحقيقة. علينا ونحن نستشرف عودة إلى الإسلام وبعث الأمة من جديد أن نستعرض ذلك المثال الذي كان شاخصاً في خير القرون، علينا أن نستجلي حقائقه ونتبين معالمه، ولسنا مضطرين في الوقت ذاته أن نجترئ على مقام النبوة فنجعل الرسول قد اتبع قواعد ... ! لنا أن نجتهد فيما هو جائز، ونتحمل نتائج الاجتهاد سلباً أو إيجاباً، ولكن ليس لنا أن نقحمه في منهج الله بالقطع. ولا يحسبن القارئ الكريم: أن كاتب السطور يحشد الأدلة، ويعد العدة لهجمة على الحضارة بعقل جامد، تاهَ في سراديب الماضي؛ ولا يدري ما نزل بساحته من صدى صراع رهيب يفيض في كل أرجاء المعمورة، أو تعامى عن إيجابيات الحضارة الغربية في كثير من مناحي الحياة، وليس همه كذلك إنكار سنن الله الكونية في معاش عباده أو إنكار عمل الأسباب. إنني أدندن حول ترسيخ وتأصيل: أن الإسلام لا ينصر بأدوات غيره، وأن المسلمين يبعثون من جديد بنفخة من أصل الإيمان، حتى إذا شب المجتمع المسلم، فلا عليه أن يأخذ بأسباب القوة التي يشترك فيها البشر بوصفهم بشراً، ولا بوسائل الدعوة التي لا حرج فيها شرعاً. كما إنني أؤكد على عدم الانزلاق إلى ما يمكن وصفه (بالتفسير الحضاري للإسلام) بحيث تحجب معالم الهدى في سيرة الرسول وهديه، ولا تعرض للناس إلا من خلال لون واحد، وقد وُضِعَ على الأعين منظار التنظير الحضاري المعاش. لقد كان المنهج، كان الكتاب، كانت السنة، كان كل ذلك هو القوة التي سخرت الأسباب فضعضع المسلمون الأكاسرة والقياصرة، ودان لهم الملوك والجبابرة. لقد تحقق ذلك للمسلمين مرتين: يوم أن خرجوا مواكبَ من نور، تفتح البلدان التي فاقتهم حضارة وتميزوا عنها بالإيمان، ويوم أن عادوا إلى الإيمان فهزموا التتار بعد أن كانوا قد دحروهم والمسلمون فوقهم في ميزان الحضارة. ولا يزال صلاح آخر الأمة ممكناً بإذن الله بما صلح به أولها. فلدينا رصيد الفطرة، ولدينا رصيد التجربة، ولدينا الطموح الكبير لإعادة العزة والتفوق لمجتمع المسلمين، انطلاقاً من القول النبوي الحكيم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق..، وقبل ذلك قول الله (تعالى) : [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] [المنافقون: ٨] . والله المستعان.

стр. 2314

تأملات دعوية إن مع العسر يسرًا بقلم: محمد بن عبد الله الدويش وعد من الله ﵎ وهو لا يخلف الميعاد [فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (٥) إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً] [الشرح: ٥، ٦] . وإذا جاز تخلف وعود البشر وتبدل قوانينهم، فوعد الله لا يتخلف، وسنة الله لا تتبدل إنه وعد من الله (سبحانه) يتجاوز حدود الزمان والمكان، ولا يقف عند حدِّ من وما نزلت فيه الآيات. وقد فهم منها السلف هذا المعنى الواسع، فقالوا: لن يغلب عسر يسرين، وقالوا: لو كان العسر في جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه. إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيبُ وأوطأت المكاره واطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوبُ ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ... ولا أغنى بحيلته الأريبُ أتاك على قنوط منك غوثٌ ... يمن به اللطيف المستجيبُ وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريبُ بل يربط الله ذلك بالتقوى: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً] [الطلاق: ٤] . وسنة الله ﵎ : أنه حين تشتد الأزمات وتتفاقم: يأتي اليسر والفرج، أرأيت كيف فرج الله للأمة بعد الهجرة وقد عاشت قبلها أحلك الظروف وأصعبها؟ وفي الأحزاب حيث بلغت القلوب الحناجر وظن الناس بعدها الظنون، بعد ذلك كانت مقولة النبي ﷺ ، وهي مقولة صدق: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» [١] ، وحين مات النبي ﷺ ، وضاقت البلاد بأصحاب النبي، وارتد العرب، وأحدق الخطر: ما هي إلا أيام وزال الأمر، وتحول المسلمون إلى فاتحين لبلاد فارس والروم، وصار المرتدون بإذن الله بعد ذلك جنوداً في صفوف المؤمنين.. والعبر في التاريخ لا تنتهي. فهل يعي المسلمون اليوم هذه الحقيقة وهم يعيشون أزمة البعد عن دين الله، والإعراض عن شرعه، وانتشار ألوان الفساد، وفي المقابل: التآمر في كثير من الدول على الإصلاح والمصلحين وانسداد الأبواب في وجوههم، مما أدى إلى سيطرة اليأس على كثير من المسلمين وأصبحت لغة التشاؤم هي السائدة في مجالس بعض الصالحين. أضف إلى ذلك: أن المسلم يشعر أن الأمور بقدر الله، وأنه ﵎ قد كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وأن قدره وقدرته فوق كل ما يريد ويكيد البشر. وثالثة: أن الأمر قد يكون في ظاهره شرّاً، ثم تكون العاقبة خيراً بإذن الله، أرأيت حادثة الإفك وفيها من الشناعة والبشاعة ما فيها، ومع ذلك هي بنص القرآن : [لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] [النور: ١١] ، وها هو سراقة بن مالك ﵁ يلحق النبي ﷺ «فكان أول النهار جاهداً على نبي الله، وكان آخر النهار مسلحة له» [٢] . ورابعة: أن الفساد وإن كان الواجب رفضه شرعاً والسعي لدرئه، إلا أنه أحد روافد الإصلاح، وواقع الأمة اليوم قد بلغ من الترهل والخمول ما يجعل يقظة الأمة أجمع لا تتحقق إلا حين تبلغ الغاية في الذل والانهيار والمهانة، فالمسلم يرفض ذلك شرعاً وديناً ويسعى لدفعه، لكنه قدَراً يعلم أن عاقبته إلى خير بإذن الله، وفي التاريخ عبرة: ألم يكن اجتياح التتار والمغول لبلاد الإسلام، والغزو الصليبي.. رافداً مهمّاً من روافد يقظة الأمة ونهوضها، بعد أن وصلت إلى مرحلة شبيهة بما نحن فيه اليوم؟ فما أجدر بالصالحين اليوم أن ينظروا بعين التفاؤل، وأن ينصرفوا للعمل والجد، ويَدَعُوا عنهم اليأس والتخذيل؛ فكيد أهل الفساد في بوار، ودين الله ظاهر [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] [المنافقون: ٨] .

стр. 2315

نص شعري إياكِ أعني شعر: محمد الصالح حسن تخرُجينَ من الرِّقَةِ الأُنَثويّةِ ظِلِّ الحياءِ الوَرِيفِ، ونَهْرِ الجمالِ العفيفِ، إلى.. صَحَرَاءَ الجَسَدْ تخرُجينَ مِنَ السِّتْرِ في النّفْسِ، في الثّوْبِ، في البَيتِ،.. في بَسْمةِ الزوجِ أو في عيونِ الوَلَدْ تخرُجينَ كشَمْسٍ مُزَيّفَةٍ في المَسَاءِ وبينَ الْتماعِ السّلاسِلِ ضوءِ الخَوَاتِمِ.. والقُرْطِ تَنْسَيْنَ أنّ الظلامَ هنا يَتَوَسّدُ رُوحَكِ خَصْماً ألدّ تخرُجينَ كَأنّكِ في رِحَلةِ الصّيدِ والقَومُ غَابَهْ فَتستنَفِرينَ عَلى الآدَمّيِ ذِئَابَهْ وتستمتعينَ، وأنتِ تَرَيْنَ كِلابَ الغَرِيزَة تَنْهَشُ صَدرَ الفَرِيسَةِ، أو عَينَهَا.. أو تَرَينَ عَلى شَفَتَيْها اللهاثَ الحَقِيرَ ولونَ الزّبَدْ تخرُجينَ ويسبقُ ظِلّكِ كُلّ صُنُوفِ الغِوَايةِ: لونُ الشِفاهِ، ولونُ الخُدودِ، ولونُ الأظَافِرِ.. لونُ الصّفَاءِ المُلَطّخ في شَهوَةٍ تَستَبِدّ تخرُجينَ كَأنّكِ كَاسِيةٌ تَزعُمينْ وثَوبُكِ.. (هذا الذي يَتآكَلُ شَيئاً فشَيئاً فيسقُطُ مِنهُ العَرَاءُ الرَخِيصُ) يجودُ بما يَتَيسرُ للعابِرينْ فنُبصِرُ رَأساً دنيئاً إليكِ تَدُورُ، فتَستَبْشِرينْ! ! ونَسمعُ قولاً بَذيئاً يمُورُ، فَلا تَعبَئِينْ! ! ولا يَبقَ من طَيفِكِ المُتَلألِئِ في كُلِّ عَينٍ سوى ... خُطُواتِ السّقوطِ الأَكيِدةِ: «جيمٍ» و «نونٍ» و «سين» تَدُوسُ البراءةَ في صَدرِ كُلِّ طَهُورٍ ليُصبِحَ وَغدْ تُرى.. أيّ زَادٍ أَعَدّتْهُ أَيامُكِ الخَالياتِ لما سوفَ يأتي؟ ! المَرايَا التي تَعشَقِينَ! (.. وتكذبُ في كُلِّ يومٍ عَليكِ) المساحيقُ! (تِلكَ التي تَرسُمِينَ بِها لَوْحَةَ الشِّقْوَةَ الأَبديةَ في وَجْنَتَيْكِ) تُرى أَيّ جِيلٍ شَريدٍ سَيدعُوكِ أُمّاً ويَرْنُو إلَيْكِ؟ ! وأيّ زَمانٍ تَصيرينَ فيهِ لإبليسَ نِدّ رُبّما كُنتِ أبيضَ مِنْ عَفَنِ الخُبزِ فَوْقَ بَقَايا الطّعامْ وأنَعَمَ مِن حَيّةٍ تَتَسَلّلُ بالسّمِ حتّى نُخاعِ العِظَامْ ... ولكِنّ لونَكِ لَنْ يَملأَ القَبرَ نُورا وجِلدَكِ رَغمَ نُعُومَتِهِ.. لَنْ يُحيلَ ثَرَاهُ الغَلِيظَ حَرِيرا وَوَجهَكِ رَغمَ مَلاحَتِهِ.. لَنْ يُلينَ مَلاكَ الحِسَابْ وهيهاتَ أن يَدفعَ الحُسنُ عَنكِ مُرّ العذابْ

стр. 2316

دراسات تاريخية أتاتورك.. حقيقته.. والدور الذي أداه (١ من ٢) بقلم: ياسر قارئ يمتد عمر الدولة العثمانية عبر ستة قرون ونصف من الزمان (٦٩٩ /١٣٤٠ هـ) ، وبالتالي: فهي تشغل جزءا كبيراً من تاريخ الإسلام منذ أن بزغ فجر الدعوة المحمدية وعمّ نورها أركان الأرض، ولقد كان للأتراك الحظ الأوفر من رعاية المسلمين والحفاظ على مجتمعهم، ومن الطبيعي جدّاً أن تتعرض دولة كهذه للمؤامرات الخارجية والحروب الضارية، خاصة إذا علمنا حجم الرقعة التي شملتها، والمقدار الذي اقتطعته للإسلام من أوروبا النصرانية، فقد تسابق الملوك والرؤساء في أوروبا على حربها، وتولى الفاتيكان كبر هذه العمليات، واتحدت أوروبا الممزقة على هدف واحد، هو: تصفية الوجود العثماني في أوروبا على أقل تقدير، واستعادة بيزنطة منها، إذا لم تنجح محاولاتها في إنهاء حياتها بالكلية، إلا أن حكمة الله أبت أن يكتب لتلك المحاولات النجاح، فعمدت أوروبا إلى أسلوب آخر هو أمضى وأنجع على الرغم من كونه خفيّاً وغير ملموس، إذ سرّبت إلى الجسد المسلم خلايا فاسدة تظاهرت بالإسلام وأبطنت الكفر، مستغلة بذلك سذاجة بعض المسلمين وغفلتهم، وتأويلات بعض المرجفين، أو انهزامية بعض المؤمنين، فسعت في الأرض وعاثت فيها فساداً، حتى نجح الثالوث اليهودي النصراني الوثني في تحقيق الحلم الأوروبي الكبير، وانمحت من الوجود دولة الخلافة وسلطان المسلمين، وغدت ديار الإسلام نهباً للأمم والشعوب الأوروبية (المتحضرة) ، التي ارتقت بها إلى الخراب الاقتصادي والفساد الأخلاقي. هل كانت هذه المؤامرة امتداداً لفتنة عبد الله بن سبأ؟ .. الأسلوب والنتائج يشيران إلى تشابه كبير، فهل تواصوا به؟ ! . كما يقول المنصرون في أدبياتهم: «إنه لا يهدم البيت إلا أحد أركانه» ، لذا فقد فطن أعداء الإسلام إلى غرس فئة من اليهود في جسد الدولة العثمانية يتظاهرون بالإسلام، فيما يقومون وبالتنسيق مع أعدائها بدك عرشها، وإزالة ... سلطانها، تلك الطائفة التي عرفت بيهود (الدونمة) ، وهذه اللفظة التركية تعني الردة عن الإسلام [١] ، وقد تركزت في منطقة (سلانيك) في الأراضي اليونانية حالياً، حيث نسجت خيوط اللعبة التي أدت بالدولة العثمانية إلى مصيرها المحتوم، وهنا: لا بد من الإشارة إلى أن الدولة هي التي تسببت في ذلك ابتداءً؛ إذ إنها لم تسع جاهدة إلى نشر الإسلام بين صفوف رعاياها، واكتفت بترك الطوائف وشأنها، بل تهاونت معهم كثيراً، الأمر الذي انعكس سلباً عليها وفتح ثغرة فيها نفذ منها الأعداء، فكانت الكارثة، ولقد شكل اليهود الخطر الأكبر على الدولة؛ بسبب مديونيتها لهم من جهة، وطبيعة هذا الشعب الماكر وحقده على السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين من جهة أخرى، فما برحوا يحيكون الدسائس ويستغلون الأحداث لإنهاء هيمنة دولة المسلمين على (الأرض المقدسة) ، وقد برز من يهود الدونمة رجل ساهم بشكل كبير في تغيير مجرى التاريخ المعاصر، حيث ألغى كيان الخلافة التي استمرت لمدة أربعة عشر قرناً في لمح البصر! ! سؤال خطير وجوابه: والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تمكن فرد من تحقيق ما عجزت عنه أوروبا بقضها وقضيضها، ولمدة سبعة قرون تقريباً؟ .. هذه الدراسة تحاول تسليط الأضواء على هذه الشخصية ودورها وميراثها، وقد قسمتها إلى مقدمة عن الأوضاع قبيل ظهور هذا الرجل، ثم مولده ونشأته، والتساؤلات حول أصله ونسبه، ثم تطرقت إلى تدرجه في السلك العسكري، وبروزه على الساحة، ثم صناعة الإنجليز له وعلاقته بهم، بعد ذلك تعرضت إلى أعماله إبان فترة حكمه، وختمت البحث بالحديث عن الإرث الذي تركه، ومدى استمرار الدولة في السير على نهجه. تمهيد عن الأوضاع في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني: اعتلى عرش السلطة في وقت حرج جدّاً شاب طموح وعبقري، قد بزّ أهل زمانه، وفاق أقرانه من الحكام، ذلكم هو السلطان عبد الحميد خان الثاني، الذي حكم البلاد منذ سنة ١٢٩٣هـ (١٨٧٦م) إلى سنة ١٣٢٧هـ (١٩٠٩م) ، أي: قرابة ثلاثة وثلاثين عاماً، وقد كانت الحياة الاقتصادية في عهده رخيصة، وأوشك مؤشر التضخم الاقتصادي على الهبوط إلى الصفر، على الرغم من الحروب الروسية المتتالية، ومضايقة الإنجليز المستمرة في مجال التجارة الدولية، لكن فئة الضباط الذين عاشوا في أوروبا وجلهم من غير المسلمين لم تعجبهم تلك السياسة الحميدة في الوقت الذي مات فيه ألوف البشر بسبب المجاعة في أيرلندا والهند الخاضعتين للحكم الإنجليزي، ثم إن بريطانيا كانت تكره السلطان بسبب وقفه لطموحاتها وتغلغلها في أراضي الدولة العثمانية من جهة، وسلطانه الروحي على رعاياها في المستعمرات وكذلك النصارى الواقعين تحت حكمه من جهة أخرى [٢] . في تلك الحقبة: فُتحت المجالس النيابية في روسيا وإيران، وقد سرت هذه الظاهرة إلى الدولة العثمانية، فتطلع الشعب الذي شعر بالملل من طول فترة حكم السلطان إلى النظام البرلماني الشائع في أوروبا، وقد استجاب السلطان لتلك المطالب، فشكل لجنة للنظر في الدساتير الغربية والاستفادة منها، لكن أوروبا المتربصة والمعارضين المفتونين بها أصروا على وضع دستور عام يضمن استقلال المناطق والشعوب، مما يعني عمليّاً إلغاء سلطة الدولة على رعاياها، الأمر الذي فطن إليه السلطان، وقد نصحه بذلك أيضاً المستشار النمساوي «بسمارك» ، لذلك: شكلت المعارضة جمعية في فرنسا تدعى (الاتحاد والترقي) ، القصد المزعوم منها: تطوير نظام الحكم [٣] ، وقد طالب أعضاؤها بمنح جميع الأقطار استقلالاً ذاتيّاً وتقسيم البلاد على أسس قومية [٤] . رضخ السلطان لمطالب المعارضة باستئناف أعمال مجلس المبعوثان (النواب) لكن الاتحاديين وكما يبدو من قرارات مؤتمر باريس قد أصروا على تنفيذ خطتهم بتقسيم البلاد، بل وخلع السلطان بقوة السلاح، فأغاروا على العاصمة في سنة ١٩٠٩م، ولم يشأ السلطان مواجهتهم، بل استسلم لقضاء الله وقدره على الرغم من سيطرته على الجيش! إلا أنه لم يشأ إراقة الدماء بسببه هو! ، فآثر مواجهة الموقف وحيداً بعد أن أخلى القصر من الحرس، وتلك من حسناته التي يتعالى عنها الحاقدون والمرجفون [٥] . لقد استغل اليهود (جمعية الاتحاد والترقي) للعمل ضد السلطان عبد الحميد المتربص بمخططاتهم.. والمتتبع لطبيعة القادة البارزين فيها: يتأكد أنها ليست تركية أو إسلامية، فأنور باشا: بولندي، وجاويد باشا: من الدونمة اليهود، وقارصوه يهودي إسباني، وأما طلعت باشا وأحمد رضا فهما من أصل غجري تظاهرا بالإسلام [٦] ، وكما يذكر أحد المؤرخين: فإن السلطان قد أمر بجمع المعلومات عن الصهاينة من سفاراته وإرسال مخبرين متنكرين إلى اجتماعاتهم ليوافوه بالتقارير عنها، وكذلك إرسال قصاصات الصحف والمجلات الأوروبية المتعلقة بنشاطهم [٧] ، لذلك: لا نفاجأ عندما يصرح طلعت باشا في مذاكرته بأن الوفد الذي أخبر السلطان بعزله لم يكن فيه مسلم أو تركي واحد! ، وإنما كانوا: يهودي، وأرمني، ويوناني، ويوغسلافي [٨] ، وهذا ما دعى أحد المؤرخين الأتراك إلى القول بأن الثورة سنة ١٩٠٨م تقريباً من عمل مؤامرة يهودية ماسونية، وشاركه الرأي رفيق بك أحد شخصيات الجمعية البارزة [٩] ، ومما يؤكد هذه الحقيقة: أن جيش الجمعية الذي احتل (إستانبول) كان مكوناً من أرباب السوابق وعصابات الروم والبلغار والأرناؤوط (الألبان) ويهود الدونمة من (سلانيك) ... وغيرها [١٠] ، فيما يحاول مستشرق فرنسي موتور تلميع صورة أولئك الأوباش، فيزعم أنهم ينحدرون من صفوف البورجوازية الصغيرة كالمحامين والصحفيين وصغار الضباط [١١] ، وللمزيد من الأدلة على دور اليهود في توجيه الجمعية والثورة لتحقيق أهدافهم: هذه شهادة من طلعت باشا (العضو في الجمعية) يعترف فيها بأن (الاتحاد والترقي) كان أمل اليهود المنشود، بينما يتنبأ شخصيّاً بإقامة دولة يهودية في فلسطين [١٢] ، ويزيد الصورة إيضاحاً كلام الدكتور رضا نور، إذ يعترف بأن الآمر الناهي في الاتحاد والترقي هم: جاويد، وقارصوه، وهما من يهود الدونمة، وطلعت باشا، وهو ماسوني [١٣] . مصطفى كمال.. مولده ونشأته: كما يقال بأن الشائعة إذا راجت في زمانها كان لها أثر كبير من الصحة، ومصطفى كمال، المولود في مدينة (سلانيك) باليونان حالياً سنة ١٢٩٦ هـ ... (١٨٨٠ م) ، تحوم حول نسبه شكوك أثيرت في أيام طفولته حول هوية والده من ناحية، وحول أصله العرقي من ناحية أخرى، فوالده مجهول الهوية؛ إذ عندما قدمت له صورة والده الرسمي أنكرها [١٤] ، بينما يُقال: إن والده هو علي رضا، الموظف الحكومي المتواضع، وقد توفي ومصطفى ابن سبع سنين، فتولت أمه (زبيدة) رعايته، فكان يدرس اللغة الفرنسية سرّاً في العطلات المدرسية على يد رئيس دير فرنسي، وكان يعتني به شخصيّاً بصفة خاصة [١٥] ، فيما يدّعي بعض المطلعين بأن أباه قد مات بسبب عدم سيطرته على فسق زوجته وفجورها، وأن الأب الحقيقي لمصطفى هو إما صربي أو بلغاري أو روماني، وقد تبرأ علي رضا أفندي من مصطفى رسميّاً، إلا أنّ السجلات أزيلت من المحكمة [١٦] من جهة أخرى: فإن الأدلة الأنثروبولوجية لمصطفى كمال بشُقْرَته وعينيه الزرقاوين، وجمجمته: تؤكد أنه أكثر ما يكون بعداً عن الملامح التركية [١٧] . التحق مصطفى كمال بالجيش بعد إنهائه للثانوية العسكرية، وهناك أضيف له اسم «مصطفى» بسبب تشابهه مع أحد المدرسين، وكان من المعجبين بنابليون والثورة الفرنسية، وكان له اهتمام بعلاقة الجنسين والحرية التامة لهما [١٨] بعد تخرجه من الكلية الحربية بإستانبول خاطب زملاءه قائلاً: «إن الباشاوات العثمانيين كلهم في غفلة وانخداع بفكرة العالم الإسلامي، وعلينا أن نجمع كل منابع قوتنا في الأناضول التركي» [١٩] ، عُيِّن قائداً في الشام، وكان يتردد على مقهى للعمال الإيطاليين ليشاركهم في الرقص وشرب الخمر، وهناك كوّن (جمعية الوطن والحرية) في سنة ١٩٠٦م، كما أسس مع رفاقه فروعاً لها في يافا والقدس وبيروت، وكان قد التحق بالمحفل الماسوني (فداتا) [٢٠] ، ثم رجع إلى سلانيك سنة ١٩٠٧ م، حيث قضى أوقاته في الملاهي، لكنه تمكن عن طريق المحافل الماسونية هناك من الترويج لحركته التي سميت (تركيا الفتاة) ، والتي اندمجت لاحقاً مع الاتحاد والترقي [٢١] ، ولكن الاتحاديين لم يرتاحوا له، فنفوه إلى طرابلس الغرب في مهمة عسكرية، ثم رجع إلى سلانيك، وعين قائداً للواء الثامن والثلاثين، وكان هو أول من يتخلى عن التحية الإسلامية في الجيش [٢٢] ، وقد أكد السلطان عبد الحميد توجس الاتحاديين من مصطفى كمال، إذا تجاوزوه وعينوا أنور باشا وزيراً للدفاع؛ لأن به سكوناً خطيراً جعل طلعت باشا يتجاهله ويؤيد أنور باشا الذي كان يتفاداه [٢٣] ، وفي حقه يقول أنور باشا: إنه «إذا ترقى إلى رتبة باشا فإنه يرغب أن يكون سلطاناً، وإذا أصبح سلطاناً فإنه يرغب أن يكون إلهاً!» [٢٤] ، هذا الطموح الشخصي والغرور الذي لا حد له سينعكس على كل قراراته وسياساته المستقبلية، كما سيمر معنا. بروزه على مسرح الأحداث وعلاقته بالإنجليز: ملكت الثقافة الألمانية على زعماء الاتحاد والترقي الذين شكلوا الحكومة التي أعقبت خلع السلطان عبد الحميد عقولهم وقلوبهم، فاندفعوا خلف ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ظنّاً منهم أن ذلك سوف يحميهم من التوسع البريطاني في أراضي الدولة العثمانية، تلك الحرب التي كان ينتظرها السلطان المخلوع (عبد الحميد) ؛ لكي تدمر أوروبا نفسها، ويخرج هو سالماً بعدم مشاركته فيها [٢٥] ، وبعد أن ورطوا البلاد في حرب خاسرة: رحل كبراء الجمعية (طلعت، وأنور، وجمال) إلى ألمانيا، وبذلك خلت الساحة أمام مصطفى كمال، وبدأت أسهمه في الصعود، لكننا لا بد أن نذكّر بأنه كان سبباً في هزيمة الدولة في حرب البلقان سنة ١٩١٢م؛ لانسحابه من المعركة حتى لا يحصل أنور باشا على شرف الانتصار، ثم انتُدب لتخليص الحجاز من الإنجليز إبان اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكانت خطته العسكرية توصي بالتضحية بالحجاز مقابل المحافظة على القدس [٢٦] ، ثم ما لبث أن انسحب أمام الجيش الإنجليزي في سورية، وبالاتفاق مع القائد (اللنبي) ؛ فتسبب في هزيمة الأتراك، لكنه لايكتفي بذلك، بل ينعى على الاتحاديين سياستهم الموافقة لألمانيا والتي دمّرت الدولة [٢٧] ، ولا نزيد على أن نقول: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . انتهت الحرب واحتل الحلفاء إستانبول، ودخل الجنرال الفرنسي «دسبري» المدينة، ممتطياً جواداً أبيض أهداه له سكان المدينة من اليونانيين؛ أسوة بما فعله السلطان محمد الفاتح قبل ٤٦٦ عاماً [٢٨] ، لكن السلطان محمد وحيد الدين السادس لم يصبر على الضيم ونظراً لعجزه شخصيّاً عن إثارة القلاقل في وجه الحلفاء: فإنه عدل إلى مصطفى كمال باشا الذي أمده بالأموال اللازمة [٢٩] ، كما أطلق يده، إذ عينه مفتشاً عامّاً لجيش الأناضول، ليقوم بالثورة على قوات الاحتلال، فيتسنى بذلك للسلطان هامش للمناورة والمساومة السياسية مع المحتلين، وقد أمده بمئة وعشرين ألف ليرة ذهبية [٣٠] ، ويبدو أن السلطان قد تجاهل خيانات مصطفى كمال السابقة للدولة وتواطؤه مع الإنجليز، بينما اعتقدت بريطانيا أن المشاكل المثارة في الأناضول تجري بناءً على عرض سابق تقدمت به إليه (أي: إلى مصطفى) سنة ١٩١٧م عندما كان قائداً في فلسطين، تطلب فيه الثورة على السلطنة والخلافة مقابل مساعدته في ذلك [٣١] ، وربما كان هذا الرأي هو الأقرب إلى التصديق؛ إذ لم تمانع إنجلترا في خروج مصطفى كمال من إستانبول بحراً إلى مدينة سامسون، وهو الذي دحر الحلفاء في جناق قلعة [٣٢] ، وقد استغرب (ثريا إيدمير) مؤلف كتاب (الرجل الأوحد) ، عن أتاتورك تصرف الإنجليز هذا، وتزول الغرابة تماماً عندما نعلم بأن الجنرال اللنبي رشح مصطفى كمال لقيادة الجيش السادس المرابط بالقرب من الموصل، حيث النفط والنفوذ الإنجليزي في المنطقة الذي يتطلب شخصاً يستطيع الإنجليز التعامل معه [٣٣] . وبالفعل: أجج مصطفى كمال الشعب على الاحتلال العسكري للبلاد، لدرجة اضطر معها الإنجليز إلى الطلب إلى السلطان بتنحيته عن قيادة المنطقة، وفي هذا الصدد: يضيف شيخ الإسلام (مصطفى صبري) بأن السلطان قد ماطل في فصل مصطفى كمال لمدة شهرين على الرغم من تذمر قوات الاحتلال، واستمر في دعوته للعودة إلى إستانبول، لكنه أبى، وقد ظل السلطان يحسن الظن به حتى قال فيه: «ليخدم الوطن وليغتصب عرشي» ! [٣٤] ، علماً بأن أنور باشا بعث ببرقية إلى السلطان يحذره فيها من «أن إرسال مصطفى كمال إلى الأناضول سيكون بداية لمصائبنا» [٣٥] .. وبعد أن أُعفي من منصبه العسكري سارع إلى عقد المؤتمرات (أرضروم سنة ١٩١٨م، وسيواس سنة ١٩١٩م) لتعزيز سلطته في المنطقة، وقد خرج المجتمعون بتوصيات، منها: المحافظة على أراضي الدولة، واستقلال الشعب، ومقاومة الاحتلال.. وتم تغيير اسم الجمعية إلى جمعية (الدفاع عن حقوق شرق الأناضول والرومللي) ، أي: إسقاط باقي مناطق الدولة، والمحافظة على المناطق التركية فقط [٣٦] ، كما تم انتخاب مصطفى كمال رئيساً للجمعية. وتستمر فصول المسرحية الهزلية، فيهاجم مصطفى كمال وجيشه مستودعات الأسلحة والذخائر التابعة للحلفاء، وأرسلوا ما حصلوا عليه إلى الأناضول بوصفه غنائم حرب [٣٧] ، فكان رد الفعل الإنجليزي هو: إرسال قواتها لاحتلال إستانبول، والزّج بنوّاب مصطفى كمال بالبرلمان في السجن، وحلّ البرلمان، ونفي بعض أعضائه، وفرض الرقابة على الصحف والبريد والبرق والوزارة، وتم تشكيل وزارة جديدة.. وكل ذلك بموافقة السلطان الذي لا يملك من أمره شيئاً، ثم أجليت القوات الإنجليزية عن (إسكى شهر) و (قونية) دون الاشتباك مع قوات مصطفى كمال المحاصرة، فظهر للناس وجود معسكرين، أحدهما يضم السلطان والمحتلين الإنجليز، بينما يتكون الآخر من المناضل! مصطفى كمال ومؤيديه [٣٨] ، أما المناضل الوطني! فقد أوعز إلى مفتي مدينة أنقرة بإصدار فتوى تندد بفتوى مفتي إستانبول القاضية بمحاربة الكماليين؛ بحجة أنها والسلطان والحكومة محتلين من قبل الإنجليز [٣٩] ، وهذه هي حيلة المنافقين دائماً: الإذعان إلى الدين متى ما احتاجوا إليه في دعم باطلهم، كما أعلن عن تكوين برلمان في مدينة أنقرة ومقر للحكومة لمكافحة الأجنبي، وكان مما صرح به هو: «أن كل التدابير التي ستتخذ لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالخلافة والسلطة، وتحرير السلطان والبلاد من الرق الأجنبي» [٤٠] ثم إن الإنجليز قاموا في تلك الأثناء بنشر بنود معاهدة (سيفر) ، التي تتنازل الدولة العثمانية بموجبها عن أراضٍ كثيرة؛ ليوغروا صدور العامة على السلطان ويرفعوا من أسهم مصطفى كمال، كما قاموا بغض الطرف عن تمويل وتسليح ذلك المناضل الوطني! [٤١] ، لكن هذا الرجل المتقلب عدل من رأيه حول السلطة والخلافة (وبصورة غير ديمقراطية تماماً!) ؛ إذ صرخ في أعضاء المجلس الجديد في أنقرة منادياً بحتمية الفصل بينهما، ولكن من المحتمل أن بعض الرؤوس كانت ستقطع إذا لم توافق على ذلك الرأي [٤٢] ، ولقد اعترف فيما بعد في كتاب الخطابة بأن الفصل بين السلطتين كان نقطة أساسية ولازمة وكانت بمثابة الخطوة الأولى [٤٣] ، ترى ما هي الخطوة الثانية إذن؟ . عقب التطورات الخطيرة، دعت بريطانيا إلى عقد مؤتمر لندن لحل المشكلة (المسألة) الشرقية وقد وجهت إلى كل من إستانبول وأنقرة دعوتين منفصلتين، وقد كانت الهيمنة لوفد أنقرة لحكمة يعلمها الحلفاء جيداً، من ثمارها: تنازل مصطفى كمال عن سورية للفرنسيين، وعن باطوم للروس [٤٤] ، وتمخض عن هذه التنازلات: قيام الحلفاء بتحريض اليونان على غزو إستانبول، ثم التخلي عنها، بينما توقف الهجوم اليوناني وبدأ في الانسحاب، وكان مصطفى كمال قد أمر بوقف القتال قبل تراجع اليونانيين، وقد ضخمت الدعاية الغربية الحادثة لتظهر الغازي مصطفى كمنقذ للبلاد من عدوها التقليدي، والتساؤل الذي نطرحه هو: كيف يأمر قائد بوقف القتال أمام عدو لم يعلن عن استسلامه أو انسحابه بعد؟ فإذا لم يكن هناك تنسيق مسبق بين القوات فهذا يعني وضع الجيش تحت رحمة الأسلحة اليونانية، أم إنها إحدى لعبات الإنجليز في صنع الأبطال القوميين؟ ! . وبعد تلك اللعبة تظاهر الحلفاء بمقاومة الغازي في هجومه على (تراقيا) ، لكن الإنجليز توسطوا لإنهاء القتال وانسحاب اليونان [٤٥] ، والأعجب من ذلك هو: قيام السفن الإنجليزية الراسية في البحر بنقل الفاريين اليونانيين من سكان الأناضول وشارك معها سفن الحلفاء [٤٦] ، ثم إن إنجلترا، وهي المنتصرة في الحرب العالمية، الأولى تنازلت بمحض إراداتها عن مدينة أزمير لتظهر مصطفى كمال أمام العالم الإسلامي بأنه الغازي والمنتصر، ثم تفرض شروطها عليه، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام مصطفى صبري [٤٧] . ثم إن الغازي! مصطفى كمال هدد أعضاء المجلس الوطني الكبير بالقتل، إذا لم ينزلوا على رأيه بإلغاء السلطة العثمانية [٤٨] ، هذا هو أسلوب معاملة الرجل الذي راهنت عليه إنجلترا، وتلكم هي طريقة تعامله مع البرلمان الموقر ونوابه المحترمين، الذين يتمتعون بحصانة يكفلها الدستور الذي خلعوا السلطان عبد الحميد الثاني من أجله! فكيف ستكون سياسته عندما يصبح الآمر الناهي في البلاد والعباد؟ بعد هذه السلسلة من الحروب الكرتونية المفتعلة: قرر الحلفاء عقد مؤتمر لإنهاء وضع الدولة العثمانية، وذلك لكسب الرأي العام التركي لصف الغازي مصطفى كمال الذي صُنع على أعين الإنجليز، فكان مؤتمر (لوزان) بسويسرا سنة ١٣٤٠هـ (١٩٢٤م) ، ويقال: إن اللورد (كرزون) رئيس وفد إنجلترا قد طرح أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا، وهي: إلغاء الخلافة، وطرد الخليفة، ومصادرة أمواله، وإعلان فصل الدين الإسلامي عن الدولة والحياة ... (العلمانية) [٤٩] . بينما يؤكد شيخ الإسلام مصطفى صبري وبناءً على تصريح مستشار وزير خارجية بريطانيا بأن مصطفى كمال قد اقترح على المؤتمر: إلغاء الخلافة، وقطع علاقة الدولة بالإسلام، وتجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية، واستبدال الدستور القائم بآخر مدني.. وقد وكل إلى عصمت إينونو القيام بتلك المهمة [٥٠] ، وكان قد همس في أذن إينونو قبيل سفره بألا يعارض الإنجليز، حتى ولو طلبوا التنازل عن مدينة إستانبول وتراقيا! [٥١] ، لكن الإنجليز اكتفوا فيما يبدو بما قدمه الغازي من تنازلات، اللهم إلا اشتراط بقاء بطركية الروم في إستانبول بناءً على ضغوط مجلس الكنائس البريطانية [٥٢] .. وإذا كان هذا لا يكفي المسلمين جراحاً فإن الآلام تزداد عندما يخرج علينا مؤرخ مسلم حاول الدفاع عن الدولة العثمانية في موسوعته، فيزعم بأن قرار مصطفى كمال بإلغاء السلطنة كان الهدف منه هو: حسم ازدواجية الحكومة، وإلغاء معاهدة سيفر الظالمة، وسد الباب على الإنجليز؛ لكيلا يضربوا بعضها ببعض [٥٣] . ولكي يحقق الغازي! آماله: اضطر إلى حل المجلس الوطني الكبير، وتشكيل مجلس مؤيد له يوافق على ما جاء في معاهدة لوزان، والمضحك في الأمر: أن ٤٠ (فقط من النواب هم الذين حضروا الاجتماع الذي أعلن فيه عن قيام الجمهورية التركية وإلغاء مؤسسة الخلافة بعد أربعة عشر قرناً من الزمان [٥٤] ، وقد أصدر المجلس القوانين: ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣١ التي تنص على إلغاء الخلافة، وطرد الخليفة وأسرته، وإلغاء وزارة الأوقاف والشرعية والمدارس الدينية [٥٥] ، ويقول عن تلك النكبة الكبرى ذلك المؤرخ: إنها كانت انتصاراً للقومية التركية، واستطاع بذلك الغازي! تحدي بريطانيا وحلفائها، أما عن نقله للعاصمة إلى مدينة أنقرة: فيبرر ذلك بحجة تجريد المدينة (إستانبول) من السلاح والتخلص من الماضي [٥٦] ، فعلاً لقد نجح مصطفى كمال في خداع قطاع كبير من الناس بنفاقه البغيض، لدرجة أن السلطان عبد الحميد الثاني على الرغم من ثاقب نظره صدّق انتصار مصطفى كمال على الحلفاء في معركة جناق قلعة، أو ربما رغبته في حماية البلد هي التي دفعته لتصديق تلك المهزلة، حتى دعا الله أن يتقبل منه عمله ذاك! [٥٧] ، ولم يقف الحد عند ذلك، إذ تسابق الشعراء في الثناء على انتصارات الغازي وتمجيدها، كما حصل مع أمير الشعراء أحمد شوقي، إذا أنشد [٥٨] : الله أكبر كم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدد خالد العرب حذوت حذو صلاح الدين في زمن ... فيه القتال بلا شرع ولا أدب ثم انصدم بعد ذلك كغيره من المسلمين بأعمال الغازي! المناهضة لدين الله، وتأسف على ما فات. ويعلق المؤرخ إحسان حقّي على تلك الأحداث قائلاً: (لقد عاصرت الثورة الكمالية وتأثرت بها؛ لغربة المسلمين ووقوعهم تحت الاحتلال، وانخدعت بها كغيري، بينما استغل هو مشاعر المسلمين وأموالهم، وكان يتظاهر بالإسلام، إذ كان يأمر بقراءة صحيح البخاري قبل المعارك بفترة) ! [٥٩] بينما يأسف مستشرق ألماني حاقد على قصر همة مصطفى كمال الذي آثر التخلي عن المنافع التي كانت دولته جديرة بجنيها لو رغب في إبقائها مركزاً روحيّاً ... للإسلام [٦٠] ، لكن مصطفى كمال كان صريحاً في موقفه من الإسلام، إذ خاطب المجلس الوطني أثناء مناقشة شروط معاهدة لوزان قائلاً: (إن الآوان قد آن لتنظر تركيا إلى مصالحها، وتتجاهل الهنود والعرب، وتنقذ نفسها من تَزَعّم الدول الإسلامية) [٦١] ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أحد النواب الإنجليز كان قد اعترض على استقلال تركيا، فأجابه اللورد كرزون قائلاً: «إن القضية هي أنّ تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة؛ لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها، وهي الخلافة الإسلامية» [٦٢] . بعد أن حقق مصطفى كمال آمال أوروبا التي سعت إليها طوال سبعة قرون تقريباً: هل توقف عند ذلك؟ أم تمادى في محاربته لله ولرسوله؟ . هذا ما سنراه في الحلقة التالية.

стр. 2317

المسلمون والعالم مصر في القرن الواحد والعشرين (قراءة أصولي) (٢ من ٣) بقلم: عبد الرحمن الكناني بعد تمهيد ببيان أهمية طَرْق مثل هذه الموضوعات من قِبَل الإسلاميين؛ لإبداء وجهة نظرهم فيما يطرحه العلمانيون، وتنويه بأن ذلك ينبغي ألا يكون من موقع الهزيمة النفسية: عرض الكاتب في الحلقة السابقة تلخيصاً للدراسة المستقبلية التي طرحها الدكتور أسامة الباز، ثم أبدى بعض الملحوظات العامة على الدراسة، وبدأ في توضيح بعض الملحوظات التفصيلية، التي كان منها: مكانة الإنسان، وتحريره أم الوصاية عليه، وحقيقة الطفرات السياسية.. ويواصل الكاتب ما بدأه من هذه الملحوظات. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - الملحوظة الرابعة: الموقف من الصحوة الإسلامية: يفسر الأستاذ السيد ياسين أسباب ظهور الصحوة الإسلامية بفشل الفلسفات والأيديولوجيات الوضعية (المنافسة للدين) مثل الليبرالية والاشتراكية في الإجابة عن الأسئلة الكبرى لمعنى الحياة وجوهرها، ثم تنافس هذه الفلسفات والأيديولوجيات فيما بينها، وليس بينها وبين الدين، (مما جعل الشباب يعود للدين في صورة موجات من التدين الشعبي، ثم في صورة حركات إسلامية منظمة، انقلب بعضها ليصبح حركات إرهابية صريحة لا تخفي مخططاتها) ، بينما يرصد الدكتور حسن حنفي أسباب بروز (الإحياء الديني) ، فيرى أن (هزيمة ١٩٦٧م كانت أول وأهم هذه الأسباب، ثم تأتي سياسات الانفتاح وما أعقبها من غلاء وبطالة، وزيادة التفاوت بين من يملكون ومن لا يملكون، فضلاً عن ازدياد الفساد الأخلاقي والاجتماعي، وأخيراً يتحدث الباحث عن التوجه إلى الصلح مع إسرائيل والتعاون مع الغرب والولايات المتحدة) . ونلاحظ أن التفسيرات في مجملها تلمح إلى عدم أجدرية الدين برجوع الشباب إليه، ولكننا نلفت نظر المتأمل إلى أن تنافس الأيديولوجيات والفلسفات الوضعية والصراع بينها وحده.. ليس كفيلاً وحتميّاً برجوع الشباب إلى الدين، كما أن هذا الصراع لم يتجاوز دائرة (النخبة الثقافية) ، ولم يكن للجماهير التي (أصابتها موجات التدين الشعبي) احتكاك بهذا الصراع، أما هزيمة ١٩٦٧م: فليست سبباً منطقيّاً لبروز هذه الصحوة؛ فقد كانت الصحوة ممتدة من قبل هذا التاريخ، وإن أخذت بعداً آخر في عمقها واتساعها بعد ١٩٦٧م ليس بسبب الهزيمة نفسها في رأيي ولكن بسبب ظهور فرصة التحرك الدعوي التي أُتيحت نتيجة ضعف النظام وانكساره بعد الهزيمة.. وأما التفسير (الاشتراكي) بالعوامل الاقتصادية والتقارب مع الغرب، فرغم تناقضه مع ما يدعيه آخرون من إنجازات اقتصادية واجتماعية وسياسية حققت بعد (ثورة ١٩٥٢م) ، إلا أنه أيضاً لا يفسر لنا امتداد الصحوة شرقاً وغرباً، في أقطار لا تعاني من ضائقة اقتصادية، بل تعيش في رغد ورخاء، وفي أقطار ما زالت تعلن العداء (للإمبريالية الغربية) ، وتصر على أن فلسطين (من البحر إلى النهر، ومن الجنوب إلى الجنوب) . وحسب الرؤية الأصولية التي نظنها إسلامية صحيحة فإن انتشار الصحوة راجع إلى أن الإسلام هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، والتي هي ملاذ الأفراد الطبيعي عندما يعودون إلى أنفسهم وتتاح لهم فرصة التذكير والتعريف بهذا الدين، وأن الإسلام هو قَدَر هذه الأمة وهويتها التي لا تستطيع بدونه أن يكون لها تميز أممي بين البشر، وُجِدت الصحوة رغم محاولات الصد والمنع والكيد التي تبذل للحيلولة دونها، وهذا ما يحيِّر العلمانيين. وعن الصراع بين التيارات الإسلامية والعلمانيين: يرى الأستاذ/ السيد ياسين أن (الصراع الثقافي: بين العلمانيين وهم أنصار فصل الدين عن الدولة وبين من يزعمون أهليتهم للحديث باسم الإسلام، ويرفعون شعار (الإسلام هو الحل) . وهؤلاء لن يتاح لهم أن يحصلوا على أغلبية مقاعد مجلس الشعب في أي انتخابات حرة ونزيهة؛ لأنهم وهذه حقيقة أساسية لا يمتلكون أي مشروع محدد سوى شعارهم العام الذي يفتقر إلى التحديد، ويعاني فقراً شديداً في المضمون الفكري) . ونلاحظ أن المعاني التي تحتويها هذه الفقرة هي محتوى أنشودة علمانية لا يمل المناوئون للتيار الإسلامي في أكثر من قطر من ترديدها، وتدور حول (فقد البرنامج) ، ولكننا نلفت الانتباه إلى: أولاً: التنافس على مقاعد مجلس الشعب ليس صراعاً ثقافيّاً، والفوز بهذه المقاعد لا يمثل انتصاراً لثقافة على أخرى، بل يمثل مهارة في الإدراة باستخدام الأساليب المشروعة وغير المشروعة، التي أشرنا إلى جانب منها سابقاً: كاستغلال النفوذ، والابتزاز السياسي، والتمويل السخي، إضافة إلى الاعتبارات المناطقية والعائلية، هذا إذا ضربنا صفحاً عن اتهامات التزوير على نطاق كبير. ثانياً: إذا كان هؤلاء الذين يزعمون أهليتهم للحديث باسم الإسلام غير مؤثرين، ولا يملكون برنامجاً، ولن تتاح لهم فرصة نجاح.. فلماذا الخوف منهم، ومطاردتهم، وملاحقتهم، ومنعهم من ممارسة أي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو سياسي؟ ، ثم: أليس العلمانيون يزعمون أيضاً أهليتهم للحديث باسم الإسلام، فما الفرق المؤثر بينهم وبين الإسلاميين عند (المفكرين) وعند الجماهير، إلا الإحساس بصدق التوجه؟ . ثالثاً: الدندنة حول (البرنامج) على طريقة (الرؤية الإسلامية لحل أزمة المواصلات) و (الطرح الإسلامي لمعالجة مشكلة الصرف الصحي! !) ... ليست طريقة صحية في الحوار الفكري والمناوشة السياسية: - فالصحوة الإسلامية تملك بديلاً حضاريّاً متكاملاً ومتميزاً عن غيره لا ينكره من خصومها إلا مكابر. - وهذا البديل الحضاري ليس تصوراً نظريّاً فقط، بل دامت تحت ظله مجتمعات متنوعة الأعراق واللغات ودول عتيدة لقرون عدة، وإن اختلفت درجة قربها أو بعدها منه. - والتيار الإسلامي لم تتح له فرصة العمل الحر حتى يقدم ما عنده، وعندما أتيحت هذه الفرصة تقدم على منافسيه رغم الحضور العلماني المكثف كما حدث في الجزائر، وتركيا أخيراً. - وراية (البرنامج) لا يلوح بها إلا في وجه الإسلاميين، فرغم عدم تمكين الحركة الإسلامية من العمل السياسي المنظم والمعلن، والحجر عليها بدعوى عدم وضوح منهجها وفراغ شعاراتها من محتوى فكري محدد، نجد غض الطرف عن الأحزاب العلمانية وإفساح المجال لها، وذلك رغم (غياب التمايز الواضح بين برامج الأحزاب السياسية، مما يجعلها لا تمثل بدائل حقيقية في نظر الناخبين، وغياب الديمقراطية الداخلية في أغلب الأحزاب القائمة.. وعجز الكثير من أحزاب المعارضة عن القيام بوظيفة التعبير عن المصالح وبلورتها في شكل سياسات وبرامج حزبية) ، وهذه شهادة الدكتور علي الدين هلال في بحث آخر من الدراسة التي نحن بصددها، فلماذا الكيل بمكيالين لشيئين متماثلين؟ ! . - وأخيراً: فينبغي تجاوز الصور والأشكال إلى الحقائق والنتائج، فما هو نصيب (البرامج) العلمانية التي طقطقت بها الأحزاب أو الدولة من التطبيق الفعلي؟ وماذا جلبت هذه البرامج على الفرد والمجتمع طوال الفترة الماضية، حتى نعي حجم الخطر الداهم والفوائد الضائعة على التيار الإسلامي والشعب إذا تخلف عنه (البرنامج) ؟ . وأما الموقف من التعامل مع التيارات الإسلامية: فنرى الدكتور علي الدين هلال الذي ينعى على ضعف أداء الأحزاب السياسية جميعها يفاجئنا بتحديد مشكلة التمثيل السياسي في مصر (في الجماعات التي لجأت لاستخدام العنف والإرهاب كأداة للعمل السياسي؛ فاستخدام العنف يمثل أداة لقهر الآراء المخالفة وتوجيه المواطنين في مسارات معينة دون غيرها برغم أنفهم) .. ولكننا نرى في هذا الكلام خلطاً لبعض الأوراق؛ فالجماعات التي تلجأ (لاستخدام العنف) ترفض المشاركة في العملية السياسية برمتها، وبالتالي: فهي ليست بحاجة (لقهر الآراء المخالفة وتوجيه المواطنين في مسارات معينة) ، إضافة إلى أن أعمالها في الغالب كانت موجهة إلى ما اعتبروه رموزاً للنظام السياسي العلماني، وليست موجهة إلى المواطنين لتوجيههم في مسارات معينة رغم أنفهم كما ذكر الدكتور هلال. كما أن قهر الآراء المخالفة وتوجيه المواطنين في مسارات معينة هو بالضبط ما يتم من قِبَل الدولة؛ كما رأيناها في قرارات منع الحجاب في المدارس، وفي الممارسات الانتخابية المشار إليها، وفي السيطرة والتوجيه الإعلامي المكثف، وفي سن قوانين (بالمقاس) لمواجهة الآراء المخالفة (كقانون الصحافة وتعديله، وقانون النقابات، وقانون المنظمات الأهلية) . وواضح أن الرأي مستقر في المشروع المستقبلي على استبعاد التيارات الإسلامية من المشاركة في الحياة العامة: فبينما يعيب د. علي الدين هلال على الأحزاب السياسية (ضعف) بنيتها، فإنه يشكو من (وجود) التيارات الإسلامية التي يسميها التيارات الأيديولوجية الشمولية هكذا قال: (وتواجه عملية التحول الديمقراطي عقبات عدة، منها:.. ضعف بنية الأحزاب السياسية، ووجود التيارات الأيديولوجية الشمولية) . ويحدد الدكتور هلال دائرة عريضة من الاتفاق بين الأحزاب، تسمح بالعمل المشترك، وتضمن استمرار عملية التحول الديمقراطي في مواجهة التيارات المعادية للديمقراطية. والدكتور الباز نفسه يلمح إلى حق الحكومة في عدم التعامل الديمقراطي مع بعض الأفراد الذين لا يؤمنون إيماناً كاملاً بالديمقراطية، والمفهوم: أن الكلام موجه بصورة أساسية إلى الحركة الإسلامية التي تُتهم بعض فصائلها باستغلال الإطارات الديمقراطية مع عدم الإيمان بها، يقول الدكتور الباز: (ويتصل بعملية الإصلاح السياسي: تعميق الممارسة الديمقراطية وترسيخ قواعدها في الحياة اليومية، بحيث لا تقتصر على خلق التوازن بين الفرد والجماعة وعلى حماية المواطنين وتجمعاتهم من عسف السلطة، وإنما تكون منهجاً ومسلكاً يتبعه المحكومون بقدر ما يلزم به الحكام، ويتطرق إلى مختلف جوانب الحياة والمعاملات التي لا يعيش المجتمع بدونها، فإذا لم يبدأ الفرد بنفسه ويلتزم بالقيم الديمقراطية في كل تعاملاته مع الغير ومع السلطة وإذا لم يستوعب حقيقة أن الديمقراطية هي قيم وأصول قبل أن تكون نظاماً وأشكالاً وقوالب دستورية وقانونية صماء: فإنه يكون قد أهدر حقه في مطالبة الآخرين والمجتمع ككل بالالتزام بالمفهوم الديمقراطي) . وهذا الكلام فيه انتقائية في التطبيق الديمقراطي غير مبررة وغير منتهية؛ فقد كنا نفهم أن الديمقراطية حسب اعتقاد أصحابها توجه فكري قبل أن يكون سياسي، قائم على الاقتناع به قبل أن يكون محققاً لمصلحة ومنتظِراً لمبادلة ومقابلة، وكاشِفاً عما في نفوس الناس، وهي طريقة أقرب ما تكون إلى (التكفير الديمقراطي!) ، إضافة إلى أن هذا المنطق يعطي مبرراً للأفراد لعدم (الالتزام الديمقراطي) ما لم تظهر الحكومة أولاً هذا الالتزام وتتخلص من هذه الانتقائية. هذا أولاً.. وثانياً: أن في هذا الكلام دعوة للاستمرار في مبدأ إعطاء (الديمقراطية على جرعات) وهو ما يؤكده الدكتور الباز بقوله: (فتح المجال للدخول في إصلاح سياسي، بعد توافر القدر اللازم من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية) والحجر على الاتجاهات الحضارية المخالفة للوجهة الرسمية، ووصاية على الشعب.. فمن الذي أعطى لهم حق الحجر على اتجاه دون آخر إلى درجة أن يتساءل الأستاذ/السيد ياسين قائلاً: (ما هو دور الإسلام السياسي في المجتمع المصري، هل يستبعد هذا التيار أم أننا لا نستطيع استبعاده؟) [١] ، فما هي الصلاحية التي تخول لمن يتحدث بهذا الأسلوب أن يحدد من يسمح له بالبقاء ممن يُحكَم عليه بالفناء؟ . إنها قوة السلطة وليست دافعية الحق.. ليس إلا. والعجيب: أن هذا الأسلوب في التعامل هو ما يحذرون لأجله من التيارات الإسلامية، وهو: أنه لو وصلت فصائل من الحركة الإسلامية إلى السلطة: فإنها ستنقلب على (العملية الديمقراطية) وتحجر على أي اتجاه غيرها، وتمنع تداول السلطة، أي إن العلمانيين يمارسون بالفعل ما يُحذِّرون منه بالقول، مع اتهامهم للآخرين بما لم يفعلوه. والأعجب من ذلك في أمر الانتقائية تلك: أن الدولة تعترف وتتعامل بدرجات متفاوتة ببراجماتية وميكيافيلية سياسية مع مسؤولين خارجين من عباءة الحركة الإسلامية ابتعدوا عنها في الحقيقة أو قربوا، كما في حالة التعامل مع مسؤولين من أفغانستان والسودان وتركيا، وهذا يدلنا على أن الصحوة أصبحت واقعاً لا يُنكر في الداخل أو الخارج، مهما حاول بعض العلمانيين تجاهلها أو التعامي عن وجودها. ولكن: هب أن بعض فصائل الحركة الإسلامية استقر رأيها على العمل من خلال الإطارات الديمقراطية مع عدم إيمانها بها.. أليس ذلك هو ما يفعله العلمانيون أنفسهم عندما يُضَمِّنون مضطرين برامجهم الحزبية بند تطبيق الشريعة الإسلامية مع عدم إيمانهم بها لأن في الدستور المصري مادة تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام والشريعة الإسلامية هي المصدر (الرئيسي) للتشريع؟ ! .. وما الذي يضير العلمانيين في هذا المسلك من هذه الفصائل الإسلامية؟ ، أليس الأجدر بهم أن يعاملوهم كما نعامل نحن (الأصوليين!) من ظهرت عليه علامات النفاق (من غير أن تصل إلى البينة الشرعية) ، حيث لا نخرجه من دائرة الانتساب إلى الإسلام إذا لم يتلبس بشرك أو كفر ظاهر؟ ! . إن هذا الأمر يجرنا إلى مسألة مهمة أغفل العلمانيون طرحها رغم منطقيتها، وهي: إذا وصل إنسان ما بناءً على حريته في التفكير والاعتقاد إلى قناعة بعدم الإيمان بالعلمانية التي تروج لها الدولة، وأراد أن يكون مواطناً صالحاً يخدم بلده بما يعتقد أنه صالح بلده وأهله، فما السبيل له لكي يفعل ذلك إذا سدت أمامه الدولة طرق التعبير والدعوة، وحجرت عليه أن يمارس حياته بناءً على اعتقاده؟ .. إنه ليس أمامه إذا لم يكن لديه طاقة على الدعوة إلى الحق والصبر على الأذى إلا: الانزواء والانسحاب من المجتمع الذي صادر عليه حقه في أن يعيش كما يعتقد ويدعو إليه، أو ممارسة العنف لفرض آرائه بالقوة على المجتمع الذي قهر إرادته، أو الدخول في النفاق السياسي والاجتماعي ليوهم نفسه بالاحتفاظ بقناعته ويساير المجتمع مضطراً ليقيم حياته، أو تغيير قناعته والذوبان والانصهار في ذلك المجتمع الذي مارس عليه ضغوطه و (إرهابه) لكي يتخلى عن قناعته، ويسير في ركابه، ويعمل ضمن آليته. ويبدو أن الفرض الأخير هو ما استقر عليه المشروع المستقبلي، وهذا ما يشير إليه الأستاذ/ السيد ياسين بقوله: سوف نجد أن أكبر تحدٍّ سيواجه الدولة والمجتمع معاً هو: كيفية استيعاب حركات الشباب المصري بكافة توجهاته.. وفي ضوء عجز مؤسسات المجتمع بكافة أنواعها بما فيها الأحزاب السياسية عن أن تقدم للشباب ما يجعلهم يحققون مكانتهم الاجتماعية، وبالتالي: فإنه يجب علينا أن نبحث عن وسائل استيعاب الحركة النشيطة والخلاقة للشباب بإدخالهم في وقت مبكر في دوائر صنع القرار ... فإذا تذكرنا موقف الأستاذ ياسين من (الصراع) بين العلمانيين ومن (يزعمون) أهليتهم للحديث باسم الإسلام لأدركنا أن (الاستيعاب) المقصود إذا خوطب شباب الصحوة بهذا الكلام أصلاً ليس المقصود به (الاحتواء) العملي، بل هو (انصهار) الشباب في الرؤية الفكرية العلمانية ومؤسساتها القائمة، وهو ما يعبر عنه أيضاً الدكتور الباز بعبارة قد لا يُختلف عليها إلا بتحديد التوجه: في وقت نحن أشد ما نكون فيه حاجة إلى لم الشمل وتعبئة قوى المجتمع وقدراته لخدمة الأهداف القومية الكبرى. وهذا الانصهار والذوبان ليس فقط على مستوى الانخراط العملي للشباب، بل أيضاً على مستوى القيم التي يحملونها؛ حيث يرى الدكتور حسن حنفي في بحثه عن (الإحياء الديني) أن (الإسلام المستنير (!) ينبغي أن يلتقي مع الواقع والتيارات الأخرى، حيث تعيد التيارات السياسية والفكرية صياغة أسسها ومصادرها، وتبدأ من تراث الناس أنفسهم وبحيث تبدأ الليبرالية من التراث الإسلامي، ويقوم التيار القومي بتجديد نفسه عن طريق ربط القومية بالإسلام؛ لأنه أكبر دعامة لهذا التيار، وتقوم الاشتراكية بالارتباط بمفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام والملكية العامة، وتتخلص من خطابها الماركسي المادي الإلحادي، كما يتخلص الإسلام المستنير من الإسلام الشكلي الشعائري الذي لا يقدم القضايا السياسية والاجتماعية وقضايا التحرر في خطابه، ويهتم فقط بالشكل!) . ويرى الدكتور حنفي أن مفهوم (الإسلام السياسي الحقيقي) (عليه أن يواجه تحديين: أولهما: يتمثل في ضرورة انفتاح الإسلام على التعددية وحق الاختلاف، وعدم جواز تكفير الآخر. ثانيهما: التخلي عن الشعائرية والشكلية، وخوض ساحة المعارك الوطنية، مثل قضايا التخلف والتنمية.. إلخ، أما التحدي الخارجي فيتمثل في كيفية تعامل الإسلام مع نظام عالمي ذي قطب واحد!) . ويتساءل الأصولي الساذج مثلي: وماذا بقي من الإسلام إذن؟ ! أليست هذه صورة صارخة لاستخدام الدين خادماً! للتنمية والأيديولوجيات العلمانية؟ ! . وهل بعد ذلك ذوبان وانصهار؟ نعم.. هناك ذوبان هذا المشروع برمته في الكونية والعالمية؛ حيث يرى الدكتور الباز أن استراتيجية مصر في التعامل مع تطورات مفاهيم المجتمع السياسي التي تبشر بتغير كبير في ثقافتنا (تقوم على مبدأين أساسين:) ... ثانيهما: هو التفاعل المنفتح على التجارب، والثقافات المرتكزة على فكرة تعايش الحضارات والثقافات والأديان، كما يرى الأستاذ ياسين أن المجتمع المصري يحتاج لتجديد شامل للثقافة السياسية؛ لأن السلفية السياسية السائدة سواء كانت إسلامية أو ناصرية أو ماركسية أو حكومية (! !) ليس لها بالقطع أي مستقبل في القرن القادم، وأخيراً يرى الأستاذ ياسين: (أننا نحتاج لرؤية استراتيجية للمجتمع المصري، تحقق الانتقال، بطريقة سلمية وديمقراطية ومتحضرة، إلى عصر الكونية السياسية والاقتصادية والثقافية) . فالمطلوب ليس انصهاراً داخليّاً (للمتدينين) فقط، بل انصهار وذوبان في الكونية والعالمية، على حساب القومية والوطنية التي طالما جعلوها بديلاً للهوية الإسلامية. فمن الذي يسيطر على هذه الكونية والعالمية ويوجهها؟ وأين هوية الأمة ... و (مشروعها) الذي يقوم على رؤية حضارية خاصة؟ ! . هل هناك علاقة بين تعايش الحضارات والثقافات والأديان، والانتقال إلى عصر الكونية، ومواجهة الصحوة الإسلامية؟ ! .. دعوة للتفكّر! ! .

стр. 2318

المسلمون والعالم البحر الأحمر.. والمطامع الصهيونية بقلم: محمد مبارك مسعود لكي يقترب العدو الصهيوني من أهدافه في البحر الأحمر: فهو بحاجة إلى أن يكون له قواعد متقدمة تتحكم في إغلاقه لا تبعد كثيراً عن مضيق باب المندب، الذي ليس بالإمكان دخوله سوى عن طريق موضعين يمكنه السيطرة منهما على المضيق، هما: الجزر اليمنية، والأراضي الواقعة على الساحل الجيبوتي.. غير أن الأخيرة ممتنعة عليه بسبب الوجود العسكري الفرنسي في جيبوتي، ولهذا: لم يجد الصهاينة أخيراً وسيلة إلا عن طريق الجزر اليمنية، ونظام أسياسي أفورقي (حاكم إريتريا الصليبي) ؛ فهو وحده الأداة الطيعة الكفيلة بتحقيق هذا الهدف، وبذلك: يكون العدو الصهيوني قد بدأ بتحقيق مطامعه القديمة التي بدأ قبل ما يقرب من عشرين عاماً يوليها عناية خاصة بعد حرب ١٩٦٧م، حيث أدرك أن أمنه في البحر الأحمر لا يبدأ عند خليج العقبة، وإنما يبدأ من باب المندب، الذي إن أُحكم إغلاقه يشكل تهديداً لأمنه «فإن حصار باب المندب لا يختلف عن حصار مضايق تيران إلا من حيث المسافة؛ لأن الأثر التقييدي المفروض على (إسرائيل) واحد لا يتغير» [١] ، ومع وجود عشرات الجزر المهملة في تلك المنطقة: فقد بدأ العدو في ترتيب علاقات قوية مع إثيوبيا منذ ذلك الوقت تخوله استخدام بعض الجزر التي يستطيع من خلالها تأمين الملاحة الصهيونية، ومراقبة أي وجود عسكري في ... المنطقة، حيث «أجّر» هيلاسي « [الإمبراطور الإثيوبي سابقاً] قاعدة كاغنيو العسكرية في أسمرة بإريتريا إلى الولايات المتحدة، وسمح لإسرائيل بأن تؤسس وجوداً لها في إريتريا» [٢] . وقد نشرت بعض الصحف الأمريكية في مارس ١٩٧٣م أخباراً مفادها: أن (إسرائيل) قد وضعت يدها على بعض الجزر التي تقع في مدخل البحر الأحمر، ومن بينها جزيرة (زقر) التي تعتبر أحدّ أهم الجزر الاستراتيجية التي تتحكم في مضيق باب المندب، ونوقش الأمر بالفعل في الجامعة العربية، وشكلت لجان، وأجرت مسحاً للجزر، وظهر بأن تلك الجزر مهملة بالفعل من قبل اليمن، حيث لا توجد فيها قوات لحمايتها! ، ونترك الحديث للعميد محمد علي الأكوع، الذي كان يومها وزيراً للداخلية اليمنية في حكومة القاضي الحجري عام ١٩٧٢م، حيث ... يقول [٣] : وبعد شهر فوجئت بتليفون من رئيس المجلس الجمهوري آنذاك القاضي الإرياني يعاتبني لبطء الرد على مذكرة الجامعة العربية التي تقول: بأنه بلغ الجامعة أن إهمالنا لجزرنا بالبحر الأحمر قد شجع إسرائيل على احتلالها، وأن الجامعة تنتظر تصحيح خبر ذلك أو نفيه، ولنلاحظ أن الجامعة العربية قد وجهت لنا وحدنا المذكرة عن هذه الجزر.... إلى أن قال: وقد أرسلنا لجنتين: أحدها من الجيش برئاسة رئيس الأركان آنذاك العقيد حسن المسوري، وأخرى أمنية برئاسة المقدم محمد خميس وكان في ذلك الوقت مديراً للأمن الوطني، وكانت النتائج: أن تلك الجزر خالية تماماً من البشر ولا أثر لهم ووجدنا جزرنا بالبحر الأحمر (حنيش الكبرى، وحنيش الصغرى، وزقر، وسيول، والمالح، وأبو علي) كلها خالية من أي علامات تدل على أن أحداً قد وطأت أقدامه أراضيها، وحيث إن مذكرة الجامعة العربية تحملنا مسؤولية حماية جزرنا هذه: فإنا نشرك الجامعة العربية معنا في تحمل تلك المسؤولية، لاعترافنا أننا مقصرون بعدم تأهيلها بالحاميات العسكرية الكافية. وفي ذلك الوقت: دفع هذا الأمر مصر إلى التحرك لدى الدول المطلة على مداخل البحر الأحمر لمناقشة الأمر، لا سيما وأن مصر كانت تعد في ذلك الوقت لحربها مع العدو، التي قامت بالفعل في أكتوبر ١٩٧٣م، وتم إغلاق باب المندب وقتها في وجه الملاحة الإسرائيلية؛ مما دفع العدو إلى السعي بقوة لترسيخ نفوذه في هذه المنطقة. الاستراتيجية الصهيونية في البحر الأحمر [٤] : على الرغم من الاضطرابات والأعاصير السياسية والعسكرية التي عاشتها شواطئ البحر الأحمر، وعلى الرغم من كل النتائج الخطيرة التي ترتبت عليها ونتجت عنها، ظل منفذان يطلان على البحر تحت سيطرة أشكال استعمارية مختلفة، تمثل خطراً من حيث وجودها العسكري في البحر الأحمر: ١ - ميناء إيلات الصهيوني، الذي يمثل إطلالة العدو على مياه البحر الأحمر. ٢ - ساحل إريتريا (ألف كيلو متر) أي: أكثر من نصف طول ساحل البحر الأحمر الغربي بأكمله يخضع للسيطرة الإثيوبية /الإسرائيلية / الأمريكية سابقاً، وحالياً: تحت سيطرة الجبهة الشعبية الصليبية الحاكمة في إريتريا، هذا الوجود البحري المعادي المطل مباشرة على البحر الأحمر يشكل استعماراً استراتيجيّاً ستكون له عواقبه المستقبلية بلا شك ولكي يتحقق الوضوح الكامل للصورة: ينبغي أن نتعرف على الاستراتيجيات العامة في البحر الأحمر، التي بالفعل تضع ثقلها في سبيل السيطرة على تطور الأحداث في البحر الأحمر. ويجب أن نحدد بوضوح القوى العاملة بنشاط في البحر الأحمر: ماذا تريد؟ ، ما حجم وجودها؟ ، ما أهمية وجودها العسكري؟ ، ما أثره على ميزان القوى في البحر الأحمر؟ ، وبالتالي: انعكاس ذلك على ميزان القوى في المنطقة العربية، وبالذات: الدول المطلة على البحر الأحمر. ويمكننا القول: إن الاستراتيجية الصهيونية في البحر الأحمر تعمل على فرض الوجود البحري في مياه البحر الأحمر، وهي في الوقت نفسه: تمثل عنصر الاضطراب والقلق، ليس فقط على أمن المنطقة، ولكن أيضاً: على استقرار واقتصادية كل شبكة النقل العالمي المرتكزة على منافذ البحر الأحمر، وتعمل هذه الاستراتيجية بكل قواها على أن تكون هي المستفيد الأول من كل ضرر أصاب المنطقة أو يصيبها، وإدراكها لأهمية العمق الاستراتيجي لكيانها، وارتباطه العضوي بأمنها، وقدرتها على التوسع العسكري المستقبلي، لذا: بذل العدو خلال العقد السابع من القرن الميلادي جهوداً مضنية في سبيل تعزيز علاقاته، وبخاصة في الشرق الإفريقي المطل على البحر الأحمر باعتباره ممراً مصيريّاً بالنسبة له. من أهدافهم في البحر الأحمر: (بدأت الاستراتيجية الإسرائيلية حيال البحر الأحمر عام ١٩٤٩م بعد تأسيس الوجود الإسرائيلي في خليج العقبة؛ وبهدف الاتصال مع العالم الخارجي عن طريق البحر الأحمر، لتحقيق ذلك الهدف: بدأت إسرائيل بتأسيس وجود لها على البحر الأحمر؛ بغية استخدامه لتحقيق مصالحها العسكرية، والاقتصادية والسياسية) [٥] ، وحيث «يتسم البحر الأحمر، بما في ذلك القرن الإفريقي، بأهمية حيوية واستراتيجية لـ (إسرائيل) ، وعليه: فقد اتبعت (إسرائيل) باستمرار ثلاثة أنماط متداخلة من العمل على تحقيق سيطرتها على البحر الأحمر: تدعيم قواتها المسلحة، وإنشاء علاقات ودية سياسية، ودبلوماسية مع إثيوبيا [ثم: إريتريا أيضاً بعد ... انفصالها] ، واستغلال جزر البحر الأحمر» [٦] . ويمكننا رصد بعض الأهداف الصهيونية في البحر الأحمر، وذلك من خلال: ١- فرض الوجود البحري العسكري الصهيوني في مياه البحر الأحمر وترسيخه، وتأمين مصالح إسرائيل، بما يضمن الاتصال والأمن للخطوط البحرية العسكرية والمدنية الإسرائيلية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، عن طريق البحر الأحمر والطريق البرية من إيلات إلى حيفا وعسقلان؛ ولذلك جنّدت طرادات حراسة سريعة ترافق السفن التجارية التي تحمل بضائع للعدو، مروراً بباب المندب حتى المحيط الهندي، وأمّنت محطات تزويدها بالوقود في الجزر الإريترية: حالب، وفاطمة، وميناء عصب، وجزر دهلك، وبعض الجزر المغتصبة من اليمن مثل: ذكور، وحانش (حنيش) . ٢ - إيجاد عمق استراتيجي ووجود عسكري مباشر يتيح رصد أي نشاط عسكري عربي في المنطقة، بما يتيح لها إمكانات الهجوم المباشر على العرب في باب المندب، ويشتت الجهد العربي العسكري على طول البحر الأحمر. ٣ - استخدام التفوق الإسرائيلي لكسر أي حصار عربي في المستقبل ضد قوات إسرائيل وسفنها في البحر الأحمر، وبخاصة في حالة أي مواجهة عربية إسرائيلية! . ٤ - حماية حركة تجارة العدو الخارجية المتجهة إلى جنوب إفريقيا، وشرقها، وآسيا. ٥ - تأمين ملاحة ناقلات النفط، وإنعاش كل موانئ ونقاط استقبال وتكرير النفط وإعادة تصديره. تدويل البحر الأحمر [٧] : إن للدول العظمى استراتيجيات ليس من اليسير الكشف عن مراميها على الفور، ولكن يمكن رصد ذلك على مراحل متباعدة، وأهم هذه الاستراتيجيات في الوقت الحالي: تدويل البحر الأحمر، فمن رأس الخليج شمالاً، وحتى باب المندب أمام جيبوتي والصومال على مشارف المحيط الهندي، حيث تتسكع الأساطيل البحرية لبعض الدول التي تسمى بالعظمى، في استعراض مكشوف، ينم عن مأرب لا يخفى على الجميع. لقد أعلن أباطرة أوروبا منذ ما يقرب من مئتي عام: أن «من يسيطر على البحر الأحمر يسيطر على العالم» ، ومن بعد ذلك بمئة وخمسين عاماً، في أعقاب الحرب العالمية الأولى سادت نظرية تقول: (لا يمكن السيطرة على أوروبا إلا من جنوبها) ، وجنوب أوروبا هو البحر المتوسط الذي يربط بينها وبين إفريقيا، ثم البحر الأحمر الذي يرى فيه أصحاب هذه النظرية مدخلاً للسيطرة على العالم، والذي تمر به أربعة أخماس المواد الأولية من آسيا وإفريقيا إلى العالم الغربي، وهنا تبرز أهمية باب المندب. نبذة عن باب المندب: وباب المندب يتكون من مضيقين: الأول: صغير، ويقع برمته في الأراضي اليمنية، حيث يقع بين الساحل اليمني وجزيرة ميون اليمنية التي تشق المضيق إلى مضيقين، ويبلغ عرض هذا المضيق الصغير حوالي (ميلاً بحريّاً ونصف الميل) وطوله حوالي (ثلاثة أميال) ، وهذا المضيق الصغير الذي يقع برمته في الأراضي اليمنية كما أسلفنا هو المفضل للملاحة الدولية؛ لخلوه من الشّعَب المرجانية والمخاطر التي تحف بالملاحة في المضيق الكبير الذي يقع بين جزيرة ميون والساحل الإفريقي. والمضيق لم يخضع تاريخيّاً للملاحة الحرة الدولية؛ فقد كانت الملاحة في مضيق باب المندب تحت إشراف الدولة التي تسيطر على المنطقة اليمنية، وباب المندب بعد استقلال اليمن يقع تحت سيطرة اليمن، ويعتبر مياهاً إقليمية بحتة منذ أن انسحبت بريطانيا. واليمن لم ترفض الملاحة فيه لأي دولة، ولكن من حقها أن تغلقه إذا شاءت؛ لأن المضيق الصغير المفضل للملاحة الدولية يقع برمته في أراضي دولة واحدة، لذلك: فإنه يعتبر جزءاً من إقليم الدولة، ولها عليه السيادة المطلقة كسيادتها على إقليمها البري، كما يحق لها فرض الحصار البحري في حالة الحرب، وقد طبقت قواعد الحصار البحري من قِبَل القوات المصرية عند محاصرة باب المندب خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣م في وجه ملاحة العدو وغيرها من السفن القادمة والمتجهة من الأراضي المحتلة وإليها. هذا عن الساحل العربي، أما الساحل الإفريقي: فهناك دولتان (إريتريا، وجيبوتي) تطلان على المضيق، وعلى الرغم من أن الموقف يكاد يكون شبه مستقرٍّ على الساحل العربي، فإنه يزداد تدهوراً في القرن الإفريقي، خاصة أن إريتريا أصبحت رهينة المصالح الغربية، وبالذات: الصهيونية والأمريكية، ومن هنا فإن محصلة الصراع الدائر الآن للهيمنة على هذا المجرى المائي ستؤثر تأثيراً مباشراً على أمن مياه البحر الأحمر، وبالتالي: على استقرار الساحل العربي، وهذا ما يحمل في ثناياه تهديدات، قد تصل إلى الخليج والمناطق المطلة عليه كافة. إريتريا وحصان طروادة: كان للدعم العربي المادي والمعنوي للقضية الإريترية أبعاده ومدلولاته السياسية، ليس باعتبار أن إريتريا هي امتداد عربي إسلامي، أو أنها ثغر من ثغور المسلمين لا بد من استرداده لأهميته الجغرافية والاستراتيجية في القارة الإفريقية، ولكن حقيقة هذا الدعم تنطلق من مرتكزات أخرى غير هذه الحيثيات. لذلك: لم ينقطع المدد العربي طوال سنوات حرب التحرير الإريترية عن الفصائل الإريترية، بل إن اليمن كانت تشكل خطّاً خلفيّاً للثورة الإريترية، ترفدها بالسلاح، وكانت عدن معقلاً للمقاومة الإريترية، ومخزناً للأسلحة، وقاعدة للانطلاق، واستمر هذا الدعم إلى أن سيطر الشيوعيون بقيادة (مانجستو هيلاماريام) على الحبشة، حيث انتقلت المقاومة إلى شمال اليمن، وهناك تحصلت على الدعم الكثير بسبب العداوة من قبل دول الخليج للنظام الموالي لموسكو في عدن آنذاك، وقدّمت اليمن تسهيلات كبيرة للمقاومة الإريترية، من أهمها: إعطاؤهم جزيرة حنيش الكبرى كنقطة انطلاق، منها يتم شحن الأسلحة، وإدخال المقاتلين الذين يتم تدريبهم في اليمن وبعض الدول العربية الأخرى، واستمر الدعم العسكري من الدول العربية منذ عام ١٩٨٦م. وهنا أمر يكرر نفسه: وهو أن هذا الدعم العربي اتخذ في بعض الأحيان أشكالاً سلبية، من خلال محاولة ربط فصائل إريترية معينة بمحاور عربية أو خلافها، وكانت بعض الدول العربية (مثل: اليمن الجنوبي، وسورية) في مراحل معينة قد نفضت يدها من القضية الإريترية إرضاءً للنظام الماركسي آنذاك في أديس أبابا، ثم إرضاءً لموسكو. فهذا هو الواقع الأليم لهذه القضية المهمة التي لم يبذل الإسلاميون جهداً كبيراً من أجلها مثلما عملت بعض الأنظمة العربية من متاجرة ومساومة لأخذ مكاسب سياسية لإرضاء الشرق أو الغرب وياليت الإسلاميين تبنوا قضية الجهاد الإريتري التي تمثله حركة الجهاد الإسلامي الإريتري مثل تبني غيرها من المنظمات الإسلامية في كشمير والفلبين والبوسنة وغيرها، أسوة بما يعمله مجلس الكنائس العالمي وأمريكا والعدو الصهيوني الذين قطعوا شوطاً كبيراً في دعم الأقلية المسيحية الأرثوذكسية صاحبة النفوذ في الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا رغم أن ٧٥% من سكان إريتريا (البالغ عددهم حوالي أربعة ملايين نسمة) هم من المسلمين، فيما لا يزيد عدد المسيحيين عن ٢٠%، و ٥% يتبعون ديانات أخرى، لذلك: فإن الولايات المتحدة قد ركزت جهدها حينما بدأت تتدخل في القرن الإفريقي بقوة في النصف الثاني من العقد التاسع من هذا القرن، وذلك بدعم الجبهة الشعبية التي يتزعمها (أفورقي) التي لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من السكان المسيحيين الذين لا يزيدون بمجموعهم عن ٢٠% من عدد السكان، فيما أهملت كافة الجبهات الأخرى، وأهمها: الجبهات التي تمثل المسلمين وإن كان فكرهم قوميّاً أو علمانيّاً والذين تبلغ نسبتهم ٧٥% من سكان البلاد. وفي (أتلانتا) دعت الولايات المتحدة في عام ١٩٧٩م لندوة، عقدت تحت رعاية الرئيس الأمريكي الأسبق «كارتر» للبحث عن حلول سلمية للنزاعات الإقليمية في إفريقيا، حيث تم اختيار (أسياسي أفورقي) وحده لتمثيل إريتريا، وفي هذا الوقت: ثم تكليف مساعد وزير الخارجية الأمريكية اليهودي «هيرمان كوهين» برسم السياسة الأمريكية في إفريقيا عموماً، والقرن الإفريقي خصوصاً، حيث قام المذكور بترسيخ دعائم «أفورقي» بدعوته في مطلع يونيو ١٩٩١م لحضور مؤتمر لندن، الذي تم فيه الترتيب بين «أفورقي» و «ملس زيناوي» زعيم المعارضة الإثيوبية في ذلك الوقت (الرئيس الإثيوبي حالياً) علماً أن هؤلاء تربطهم صلة قرابة، فهم أبناء خالة، على أن يتم منح إريتريا حق تقرير المصير بعد سقوط العاصمة (أسمرة) في أيدي الإريتريين وهذا ما تم بالفعل في ٢٤ مايو ١٩٩١م وسقوط النظام الاشتراكي لمنجستو هيلامريام. وفي الفترة من مايو ١٩٩١م وحتى إجراء الاستفتاء في ٢٥ إبريل ١٩٩٣م كانت الدولة الصهيونية قد رتبت أوضاعها مع كل النظامين الجديدين في المنطقة (نظام «ملس زيناوي» في إثيوبيا، ونظام «أسياسي أفورقي» في إريتريا) ، وقد بدأت الصورة تتضح حينما ذهب «أفورقي» مرتين متتالتين إلى (إسرائيل) بدعوى العلاج من الحمى الدماغية، الأولى كانت في يناير ١٩٩٣م، والثانية في مارس من العام نفسه، واتضح أن هاتين الزيارتين لم تكونا سوى تتميم للعلاقات الحميمة التي بدأت مع العدو الصهيوني فور إعلان استقلال إريتريا وأنها شملت اتفاقات عسكرية، وزراعية، وتدريبات مشتركة، ووجود صهيوني في جزيرة (دهلك) الاستراتيجية، ومراكز تجسس كما في القاعدة التي توجد في منطقة (دقمجرى) التي تبعد عن أسمرة (٤٠) كيلو متراً، وكذا: المسح البحري في البحر الأحمر من قِبَل خبراء عسكريين صهاينة، وعندما بدأ الاستنكار من قبل بعض الأنظمة لما فعله «أفورقي» ، خرج المذكور على العالم في عدة تصريحات صحفية مؤكداً أن إريتريا ليست عربية، وقال في حوار إلى مجلة (ميدل إيست) ، نشرته في يوليو ١٩٩٣م: «لقد أعلنا عن علاقتنا مع (إسرائيل) منذ وقت طويل، ولم نكن في يوم من الأيام نتعامل في هذا الشأن بأي سرية، وإننا نهدف من هذه العلاقات أن تساهم (إسرائيل) بالنفع على بلادنا» ، وقد أكد المفوض العام الإريتري في فرنسا «دانيال يوهاس» في مقابلة أجراها مع مجلة (الوسط) في فبراير ١٩٩٣م «على أن الإريتريين ليسوا عرباً» . أما الدعم الأمريكي الغربي الصهيوني: فقد وضحته الصحفية الفرنسية ... «ماري سوبيتل» في تقرير نشرته في صحيفة (اللوموند) الفرنسية في أبريل ... ١٩٩٣ م، حينما قالت: «لقد نظر الغرب دائماً إلى إريتريا كحصن منيع أمام الزحف الإسلامي في القرن الإفريقي، ولذلك فهو يدعم» أفورقي «في إريتريا ... و» ملس زيناوي «في أديس أبابا معاً» . وبعد: فهذا هو واقع الجهود الصهيونية في السيطرة على البحر الأحمر، وجزره، ومضايقه.. وتعاون الدول المطلة على البحر نفسه (إثيوبيا والجبهة الحاكمة في إريتريا) التي جعلت نفسها نائبة عن (إسرائيل) عندما عجزت عن الزعم بأن لها حقوقاً في تلك الجزر والمضايق! ! يفضح العلاقات المشبوهة بينها.

стр. 2319

المسلمون والعالم الإسلام والمسلمون في تنزانيا (١ من٢) بقلم: سعيد عبيد الله تنزانيا دولة اتحادية تتكون من جزئين: «تنجانيقا، وزنجبار» ، استقلت تنجانيقا عام ١٩٦١م عن الاستعمار البريطاني، أما زنجبار فكانت سلطنة (محمية بريطانية) ، وسلطانها «عبد الله خليفة» ، وكان بجانبه معتمد بريطاني بمثابة الحاكم الرسمي، وكانت أصول الأسرة الحاكمة من عُمان، ولما توفي السلطان عبد الله خلفه ابنه «جلمشيد» ، واستقلت السلطنة في ٣/٨/١٣٨٣هـ الموافق ١٩/١/ ١٩٦٣م، ثم وقع انقلاب في زنجبار في ٢٧/٨/١٣٨٣هـ، أزيح بموجبه السلطان، وأُعلنت الجمهورية بزعامة المدعو: «عبيد كرومي» ، وقتل في الانقلاب (٧٠٠٠٠) مسلم، ووقّع الانقلابيون الوحدة مع تنجانيقا، فقامت دولة تنزانيا عام ١٩٦٤م لأول مرة [١] . القبائل في تنزانيا: يوجد في تنزانيا أكثر من (١٣٠) قبيلة، لكن مع كثرة هذه القبائل: فإن تنزانيا تتميز بعدم وجود العصبيات القبلية، كما أنه أيضا لا توجد قبيلة تشكل الأكثرية في السكان، وتجدر الإشارة إلى أن بعض القبائل في عهد الاستعمار حظيت بفرص التعليم أكثر من غيرها، وهذه القبائل هي: ١ - واتشاغا (في محافظة كليمانجارو) . ٢ - واهايا (في محافظة بوكابا) . ٣ - وانياكيوسا (في محافظة مبيبا) . اللغات: إن اللغة السائدة في تنزانيا هي اللغة السواحيلية التي انتشرت في جميع أطراف تنزانيا، وهي اللغة الأولى الرسمية للدولة، تليها اللغة الإنجليزية، وهناك لهجات ولغات أخرى محلية من فصيلة البانتو. الحكم: تنزانيا دولة علمانية، وعاشت لفترة طويلة تحت نظام الحزب الواحد، وهو الحزب الثوري الحاكم (س. س. أم ... ) ، وهي تعيش الآن منذ آخر عام ١٩٩١م تحت نظام تعدد الأحزاب السياسية، ودستور الدولة مع تصريحه بتعدد الأحزاب إلا أنه ما زال ينص على علمانية الدولة، وعليه: فإنه يحظر أي حزب ينتمي إلى الدين. وتنزانيا مقسمة إلى (٢٥) محافظة، خمس منها في زنجبار (تنزانيا البحر) ، وعشرين في تنجانيقا (تنزانيا البر) ، وكل محافظة من هذه المحافظات لها والٍ يتم اختياره من قبل رئيس الدولة، كما أن كل محافظة أيضا مقسمة إلى ولايات، وكل ولاية لها والٍ يتم اختياره أيضاً من قِبَل رئيس الدولة. دخول الإسلام إلى تنزانيا: دخل الإسلام تنزانيا عن طريق التجار العرب، وكان دخوله قبل النصرانية بمدة طويلة، وهو الدين الذي يشكل نسبة كبيرة من السكان، إذا قيس المسلمون بالطوائف الدينية الأخرى، فأقدم الإحصاءات التي أجريت في عام ١٩٥٨م تشير إلى أن الدين الإسلامي يشكل نسبة ٥٥% قياساً بالديانات الأخرى، أما الإحصاءات التي أجريت في أعوام ١٩٦٨م، ١٩٨٧م، ١٩٨٨م: فلم تتعرض للانتماءات الدينية. هذا ونشير إلى أن نسبة ٥٥% (للمسلمين) التي أشارت إليها إحصاءات عام ١٩٥٧م، يعتقد أنها غير سليمة؛ حيث إن كثيراً من المتابعين يرى أن النسبة الحقيقية للمسلمين في تنزانيا هي ما بين ٦٥% إلى ٧٥%. أوضاع المسلمين هناك: ١ - تعليميّاً: إن الحالة التعليمية للمسلمين في تنزانيا مع تشكيلهم النسبة العليا من السكان سيئة جدّاً؛ حيث إنهم محارَبون في هذا المجال بجماعات التنصير التي بدأت بناء وتعميم المدارس العصرية في تنزانيا، وكانت سياستها بالتعاون مع الاستعمار قائمة على إتاحة فرص التعليم لأبناء النصارى فقط، اللهم إلا من كان لديه الاستعداد لتنصير أبنائه؛ ليحصل على فرص أكثر للتعليم، وهذه السياسة هي التي جعلت المسلمين يمتنعون من إرسال أولادهم إلى المدارس التنصيرية، كما جعلتهم أيضاً يكرهون الاستعمار، ومن ثم: القيام بتأسيس الأحزاب السياسية للمطالبة بالاستقلال، ولهذا: نجد الكثير من مؤسسي الأحزاب السياسية في عهد الاستعمار من المسلمين (في حين أن معظم مؤسسي الأحزاب السياسية الآن بعد وجود نظام تعدد الأحزاب السياسية عام ١٩٩٢م من النصارى) ، ومن نتائج المدارس التنصيرية: أن نجد اليوم بعض من كانوا مسلمين وهم الآن شخصيات بارزة يحملون أسماء مثل: جون رمضان، جورج مبارك، جوسف محمد (وهم من زعماء الأساقفة) ، موسيس ننائوي نائب الأمين العام للحزب الثوري الحاكم (وكان اسمه: موسى علي ننائوي) . واستمرت الحرب في حرمان المسلمين من فرص التعليم حتى بعد الاستقلال الذي كان المسلمون أول من طالب به من أجل التعليم والحفاظ على عقيدتهم. فبعد أن تولى «يوليوس نيريري» منصب رئيس الجمهورية وضع خطة مدروسة لإضعاف قوة المسلمين وحرمانهم من التعليم، ذلك الجانب الحيوي المهم في حياة الأمة، ففي فترة رئاسته التي دامت نحو ثلاثين عاماً لم يضع أي مسؤول مسلم في وزارة التربية والتعليم وهي وزارة لها وزنها في أي دولة، بل لم يكن المسؤولون فيها نصارى فقط، وإنما كانوا أيضاً من رجال الكنيسة، كما أن المسؤولين في المجلس الوطني للامتحانات كانوا أيضاً من رجال الكنيسة. وكان من نتيجة هذه الخطة الخبيثة: أن نجد النسبة العليا من الطلاب في المدارس الابتدائية من المسلمين، حيث تصل نسبتهم إلى ٨٠% لكن هذه النسبة للأسف نجدها تقل كلما اتجهت إلى التعليم الثانوي، لتصل إلى١٠% في التعليم العالي (المعاهد العليا والجامعات) . ولم يتوقف «نيريري» عند ذلك، بل ألغى أيضا (جمعية مسلمي شرق إفريقيا) التي كانت لها حركة إسلامية قوية في البلاد، خاصة في مجال التعليم، حيث كانت تبني وتدير المدارس الابتدائية والثانوية العصرية الإسلامية، فقد ألغى هذه الجمعية وأسس باكواتا (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في تنزانيا) ، وسلّم جميع ممتلكات هذه الجمعية بما في ذلك المدارس إلى باكواتا، وهذه المدارس التي بناها المسلمون بأموالهم من أجل أولادهم المحرومين من فرص التعليم يدرس فيها الآن أولاد المسلمين وغير المسلمين للأسف الشديد، في حين أنه لم يكن يدرس فيها تحت ملكية (جمعية مسلمي شرق إفريقيا) إلا أولاد المسلمين فقط. ولقد حاول المسلمون في عهد «نيريري» افتتاح المدارس العصرية الإسلامية، إلا أنهم كانوا كلما وصلوا وزارة التعليم وجدوا العراقيل، في حين أن الكنيسة كانت يوماً بعد يوم تفتتح المدارس التي لا يدرس فيها إلا أولاد النصارى. ولم يتمكن المسلمون من افتتاح المدارس العصرية الإسلامية المسجلة رسميّاً إلا بعد استقالة «يوليس نيريري» ، وتولي منصب رئيس الجمهورية «علي حسن مويني» ، وكان أول تغيير أجراه هو إسناد منصب وزير التعليم لأول مرة إلى مسلم، هو الأستاذ الدكتور «كيغوما علي ماليما» ، فلقد اكتشف هذا الوزير المسلم خطة الكنيسة في حرمان المسلمين من فرص التعليم، وقام بعمل تعديلات في الوزارة، كان من نتائجها: ١ - حصول انتعاش في ارتفاع نسبة الطلبة المسلمين في المراحل التعليمية المختلفة. ٢ - افتتاح المسلمين قليلاً من المدارس الابتدائية والثانوية العصرية ... الإسلامية. ولكن لم تسكت الكنيسة عن هذه التحولات، بل كتبت عدة مذكرات سرية إلى الرئيس «علي حسن مويني» وضغطت عليه كثيراً؛ مما اضطر الرئيس أخيرا إلى نقل ذلك الوزير المسلم من وزارة التعليم إلى وزارة المالية، لكن مع ذلك جعل الرئيسُ الأمينَ العام لوزارة التعليم مسلماً، وهو السيد «كينيا حسن» ، كما جعل أيضا الأمين العام في وزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا وهي وزارة جديدة الدكتور «محمد بلال» . ومع هذا كله: فإن الأمر ما زال صعباً على المسلمين في هذا المجال؛ فلقد أعلنت الحكومة إلغاء التعليم المجاني الذي أعلنته منذ أكثر من عشرين عاماً، وقررت من جديد أن يساهم أولياء الأمور بتكاليف التعليم، وعليه: أعادت الرسوم الدراسية التي هي عالية جدّاً في التعليم الثانوي والتعليم العالي، الأمر الذي يعجز عنه الكثير من أولياء الأمور المسلمين؛ نتيجة ضعف المستوى الاقتصادي ... للمسلمين. وأما من ناحية التعليم الديني في تنزانيا: فهو أيضاً دون المستوى المطلوب، فمع وجود النسبة العليا من المسلمين فإن هناك ثلاث مدارس فقط على مستوى الإعدادية، فلا يوجد معهد ثانوي ولا جامعة، ولكن توجد في تنزانيا بعض المدارس القرآنية، إلا أن هذه المدارس ليس لها منهج دراسي معتمد، كما أن مستوياتها غير محددة، ومنهج التدريس والتربية فيها ما زال تقليديّاً قديماً وصوفيّاً. أما المدارس القرآنية المعروفة بـ (الكتاتيب، أو الخلوات) فهي كثيرة جدّاً، غير أن معظمها عبارة عن غرف ملصقة ببيوت أشخاص، وليست مدارس مستقلة، فبيئتها غير تعليمية، كما أن أكثر المعلمين، فيها تقليديين، والتدريس فيها متأخر جدّاً. ٢ - اقتصاديّاً: إن المستوى الاقتصادي للمسلمين في تنزانيا ضعيف، وهذا الضعف يأتي بسبب اعتماد اقتصاد تنزانيا أساساً على الزراعة، التي يزاولها أكثر المسلمين في المناطق الساحلية، ويمكن أن يتحسن الوضع الاقتصادي من خلال تطوير الزراعة من حيث نوعية المحاصيل والأساليب الرزاعية، ولكن الحكومة لا ترغب في ذلك. والمجال الوحيد الذي يمكن القول بأن للمسلمين قوة نسبية فيه هو التجارة، لكن مع هذا: فإن معظم البارزين في هذا المجال هم الإخوة من العرب والهنود، وكما يلاحظ: فإن نسبتهم قليلة في عدد السكان، أما الأصليون (الأفارقة) فليس لهم ذكر في مجال التجارة. ومن الملاحظ: أن كبار التجار هم من الهنود الرافضة الاثني عشرية. ٣ - سياسيّاً: بعد أن تولى «جوليوس نيريري» رئاسة الجمهورية ألغى نظام تعدد الأحزاب السياسية، ثم بدأ بإبعاد الشخصيات الإسلامية الملتزمة عن حزبه الحاكم، كما قام أيضاً بحرمان المسلمين من المناصب السياسية، فلم يكن في فترة رئاسته إلا القليل من المسلمين، ومعظمهم كانوا من الذين خلعوا شخصياتهم وانتماءاتهم الإسلامية، وكان معظم أركان الدولة من النصارى. وبعد أن رشح لرئاسة الجمهورية السيد «علي حسن مويني» فإن الكنيسة لم تسكت على ترشيحه ليرأس الجمهورية، غير أن «نيريري» أصر على موقفه. ومنذ بداية فترة رئاسة السيد «علي حسن مويني» فإنه إلى يومنا هذا يحاول أن يوجِد التوازن في المناصب السياسية بين المسلمين والنصارى، لكن الكنيسة تبذل قصارى جهدها في الضغط على الرئيس للتراجع عن هذه السياسة، فعندما بدأ الرئيس «علي حسن» بضم الوجوه الإسلامية والتي لم تكن تبلغ نصف المجلس إلى مجلس الوزراء أقامت الكنيسة الدنيا وأقعدتها، ونشرت عبر الصحف والمجلات المحلية والأجنبية أن الرئيس «علي حسن» يريد أن يجعل تنزانيا دولة إسلامية، كما أن الكنيسة أثارت ضجة أيضاً عندما ولى الرئيس «علي حسن مويني» وزارة التربية والتعليم لمسلم هو الدكتور «كيجوما على ماليما» وضغطت عليه حتى نُقل كما مر سابقاً إلى وزارة المالية. ٤ - الخدمات الصحية: إن الخدمات الصحية في تنزانيا هي من أسوء الخدمات الاجتماعية، فالشعب التنزاني عموماً والمسلمون خصوصاً يعانون الكثير من الأمراض، وأحد أسباب هذا الأمر هو ضعف الخدمات الصحية، والحكومة التنزانية عجزت عن توفير الخدمات الصحية الجيدة لشعبها. إن نسبة كبيرة من السكان في تنزانيا يعيشون في القرى، حيث لا توجد فيها المستشفيات أو المراكز الصحية أو المستوصفات، والجهة الوحيدة التي يمكن القول بأنها حاولت إلى حدٍّ ما الاقتراب من توصيل الخدمات الصحية إلى المناطق القروية هي الكنيسة، التي تملك الكثير من المستشفيات والمراكز الصحية والمستوصفات في القرى، لكن يلاحظ أن هذه الخدمات موجودة في المحافظات والمناطق التي فيها أغلبية السكان من النصارى، وتقل فيها نسبة المسلمين. أما الخدمات الصحية في المدن: فمع وجود المستشفى العام في كل محافظة من محافظات تنزانيا، ومع وجود مستشفى في كل ولاية من ولايات المحافظات، إلا أن المشكلة في هذه المستشفيات الحكومية هي عدم توفر الأدوية والأجهزة الطبية، ويمكن القول: إن عمل الأطباء في هذه المستشفيات الحكومية هو مجرد فحص المريض وكتابة وصفة، أما الأدوية: فالمريض يقوم بنفسه بالبحث عنها في الصيدليات الخاصة، والأدوية في الصيدليات الخاصة غالية جدّاً. هذا: وهناك مستشفيات خاصة على مستوى المستشفيات الحكومية، تملكها الشركات والمؤسسات الدينية التي معظمها كنسية وهندوسية، غير أن الخدمات فيها، وإن كانت جيدة إلى حد كبير، إلا أنها تعتبر من مراكز تنصير المسلمين. وللحديث بقية،،،

стр. 2320

نص شعري القنبلة الإيمانية شعر: فيصل بن محمد الحجي إلى المجاهدين الأبطال في فلسطين الذين يُفجِّرون أنفسَهم في تجمعاتِ اليهود فيَقتلون ويُقتلون ... ! [*] فجّر عيونَكَ إن رآك طغاة ... لا تُغمضَنّ لهم كأنك شاةُ وانْحَرْ بنحرِكَ كلّ سيفٍ.. إنما ... تلقى السيوفَ على لهاك [١] وفاةُ واثقب بجبهتِك الرصاصَ.. كأنه ... خَرَزٌ يُصاغ لزينة وبُرَاةُ أطْلِقْ دماءَك كالرصاص على العدا ... إيّاك أن تتوقّفَ الطلَقَاتُ مُتْ.. مُتْ.. ولا تقنعْ بألفَي ميتةٍ ... فالموت من أجل الحياة حياةُ ليست حياةً أن تعيشَ منعّماً ... في ظلِّ طاغيةٍ له السّجَداتُ ليست صلاةً أن تقومَ لخالقٍ ... وتعيشَ في القلب المريض (اللاتُ) قدماك ما خُلِقَتْ لمشيٍ.. إنما ... خُلقَتْ لِتُسْحقَ تحتها الشهواتُ دُسْها.. تَقَدّم.. وانطحِ الخطرَ الذي ... يخشى ثباتَكَ ... فالحياة ثباتُ في (ذرة) الإيمان معجزةٌ لها ... تعنو (النّواةُ) وتخنسُ (الذراتُ) بُشراك.. ليست جنةً تسعى لها ... بشهادةٍ.. بل إنها جنّاتُ يا أيّها العملاقُ في الزمن الذي ... فيه طغى الأقزام والقَزَمَاتُ يا موكبَ العزِّ الذي لولاه ما ... برقَتْ بليل قنوطِنا البسَمَاتُ نَتْنُ الخيانةِ قد أحال ديارَنا ... مستنقعاً تنمو به الآفاتُ بالنتن أُزكِمَتِ الأنوفُ.. فجُدْ لنا ... يا عِطْرُ ... وَلْتَعْصفْ بنا النّفَحَاتُ لمّا جنودُ الشيخ ياسين انبروا ... عُقِدَتْ بشرم الشيخ مؤتمراتُ ما بالهم..! كي لا يبينَ هلالُنا ... تتدفّقُ الصلبانُ والنجماتُ كلّ يصون ضلالَهُ ... فإلى متى ... من قومنا تتسارع الخُطُواتُ؟ لغة العدالة طَلْسمٌ في عصرنا ... قد أنكرتْها ألسنٌ ولُغَاتُ لغة الجهادِ إذا نَطَقْتَ حروفها ... فَهِمَ الجميعُ.. وذلّت الهاماتُ فاسْلُكْ سبيلَ الصاعدين إلى العُلا ... ولهم بإحدى الحسنيَيْن نجاةُ عيّاش يحيا في طليعة زحفهم ... ودماؤه لجنوده راياتُ ويُطِلُّ (دوداييفُ) بدرَ شهادةٍ ... فيها لأجيال الهدى دَعَواتُ يتجلجَلُ الإقدامُ في أنفاسِهِ ... وبناظريهِ تصهلُ العَزَمَاتُ يا أيها الباكي من استبسالهم ... ستزيد بعد سلامك العَبَراتُ الواهمون.. سبى اليهودُ عقولَهم ... فتضاءلتْ بسرابها الرغباتُ كمن ارتضى بتحيةٍ من زوجه ... في حضن غاصبها ... وسلماً باتوا قد أُلبسوا حُللَ السلام لأنهم ... عرفوا بأن الخائنين عُراةُ هُنّا فهان على البغاث قتالُنا ... حتى غزانا الصربُ والكِرواتُ حَمّلْتُ شع'ري فوق طاقته إلى ... أن خِفْتُ أن (تتكسّرَ) الأبياتُ ولد تمرّد يافعاً.. ونما على ... موج الجراح ومن دمي يقتاتُ أَلِفَ المرارةَ.. فاستحال مذاقُها ... عسلاً.. به تتكامل اللذّاتُ وحروفه انتصَبَتْ تصيحُ تحدِّياً: ... هاتوا لنا من كل همٍّ.. هاتوا وعقيدة التوحيد صَحّحتِ الرؤى ... فانظر لما جاءت به الآياتُ: عاش الذين إلى القبور تسابقوا ... والساكنون قصورهم قد ماتوا

стр. 2321

قراءة في كتاب الخروج إلى اتفاق فوائد من كتاب (فن التفاوض) عرض:نجوى الدمياطي يشيع الاعتقاد بأن التفاوض وأساليبه من مهمات «الدبلوماسيين» ... و «السياسيين» لا غير.. ورغم أهمية هذه الإمكانات والأدوات التفاوضية لهؤلاء إلا أن كلاّ منا لا يخلو من التعرض لمواقف من هذا القبيل يستخدم فيها مهاراته التفاوضية المكتسبة من معارفه وخبراته أيّاً كانت للخروج إلى اتفاقٍ ما، قد يكون لهدفٍ مادي أو لهدف قِيَمي، فقد يكون التفاوض لعقد صفقة صغيرة أو كبيرة، أو لإصلاح ذات بين المسلمين؛ من إصلاح بين أخوين، أو محاولة رأب صدع أسرة على وشك الانهيار، أو للتآلف والتنسيق بين جناحين أو أكثر للعمل الدعوي أو الخيري. وفي كل هذه المواقف وغيرها نشعر بحاجتنا إلى قواعد وأسس تنظم معارفنا وخبراتنا الحياتية؛ للخروج إلى اتفاق يحقق أقرب المتاح وأقصى ما يمكن من المصلحة الشرعية. ولعلنا نلاحظ أن هناك أسلوباً تفاوضيّاً رفيعاً في سيرة المصطفى وصحابته، كما يتجلى ذلك في مفاوضات صلح الحديبية مع مشركي مكة، والاتفاق مع يهود المدينة عند القدوم إليها، وعند غزوة الخندق، ومن قبل: في عرضه نفسه على القبائل وما أثمر ذلك من اتفاق، كبيعة العقبة.. وكمفاوضة عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) لعياش بن أبي ربيعة في خبر الهجرة ... إلى غير ذلك من مواقف كثيرة تسترعي انتباه المتابع، وتدعو أهل الهمة إلى تتبعها، واستخلاص العِبَر منها، ونظمها في قواعد وأسس واضحة. ومنذ غياب ريادة المسلمين رأينا أن الغرب أخذ بناصية هذا الفن، فأصّل له أصولاً، وقعّد له قواعد، ثم أصبحت هذه القواعد سلوكاً منظماً لدى من يعنيهم أمر الاهتمام بهذا الفن، فرأينا كيف يخرجون في مفاوضاتهم بمعظم ما يريدون إن لم يزيدوا عليه، مقابل الآخرين المهزومين عن دينهم وحضارتهم الذين يخرجون في ذلة ومهانة صفر اليدين. ومن منطلق أن (الحكمة ضالة المؤمن) فقد يكون من المفيد عرض بعض الخلاصات من هذا الكتاب الذي هو بعنوان: (فن التفاوض) للكاتب: «ويليام أوري» ، ترجمة: د. «نيفين غراب» . وهو محاولة للتعريف بالعوامل النفسية والاجتماعية التي تساعدنا على إقناع الآخرين، وتجيبنا: كيف يمكن تحويل مواجهة الآخرين لنا إلى تعاون معنا؟ ، وكيف نستطيع تغيير مواقفهم من الصراع ... إلى السعي لإيجاد الحلول والوصول إلى التوافق ما أمكن؟ .. ونعرض لأهم فوائد هذا الكتاب فيما يلي: عوائق التفاوض والاتفاق: يمكن إجمال هذه العوائق فيما يلي: ١ - رد فعلنا: فالعائق الأول ينبع من داخلنا ويظهر في ردود الفعل التي نأتيها أثناء التفاوض. ٢ - مشاعر الآخرين: كالعداوة، والخوف، وعدم الثقة فيمن يفاوضون. ٣ - موقف الآخرين: حيث لا يرى بعضهم التفاوض إلا لوناً من الاستسلام للآخر، ومن ثم: لا يقبلونه أبداً. ٤ - عدم رضا الآخرين: فقد يرفض بعضهم حلولاً مناسبة لمجرد أنها تأتيهم من جهة لا يرضونها. ٥ - قوة الآخرين: فقد يغتر الآخرون بقوتهم، فلا يرون سبباً يدعوهم للتفاوض. سياسة الاختراق: يمكن اجتياز عوائق التفاوض والاتفاق عبر سياسة الاختراق كما يلي: ١ -لا تنفعل.. اذهب إلى الشرفة: أي: لا تجعل الانفعال والغضب يستبد بك، وإذا شعرت بشيء من ذلك، ففرغ انفعالك بالتحول إلى حالة أخرى، فالسيطرة على ردود فعلنا تجاه الآخر تدعو إلى التفكير في مصالحنا من الاتفاق، والتركيز في الحصول على ما نريد. وإيضاح ذلك: أن قوة الآخرين الحقيقية تنبع من خلال قدرتهم على إثارة انفعالنا.. ولذلك فإن الخطوة الأولى في إنجاح التفاوض هي أن نملك القدرة الدائمة على الخروج من دائرة الفعل ورد الفعل، وذلك بالامتناع عن الانفعال.. ففي مواجهة هجوم الآخرين يلزم ما يلي: لا ترد الهجوم.. واعلم أن رد الهجوم لا يخدم مصالحك بل يسيء إلى علاقاتك، فإنك إذا انتصرت في بداية التفاوض، فإن النتيجة النهائية للتفاوض هي الفشل. لا تستسلم: ذلك أن الإذعان والرضوخ الدائم للإنسان الغاضب يشجعه على تكرار هذه المواقف في المستقبل. لا تقطع علاقتك بالآخر: فقطع العلاقات تصرف متسرع، وكثيراً ما نندم عليه، لأن ثمنه يكون باهظاً. ولكي تختار بين الانفعال وعدمه: افصل بين العاطفة والعقل.. فإذا واجهت موقفاً تفاوضيّاً صعباً، فلا تتسرع في أخذ قرار، وحاول أن تُطل من علٍ على ساحة التفاوض لتقويم ما يحدث بهدوء. اعرف نقاط ضعفك.. فمعرفتك «أزرارك الساخنة» يمكنك من السيطرة عليها إذا ضغط عليها الآخر. توقف ولا تقل شيئاً.. فالصمت يعطيك وقتاً للتفكير، وإلا فيمكنك الحصول على هذا الوقت من خلال إعادة ما قاله الآخر مع طلبك منه أن يصحح لك أي خطأ. ٢ - لا تجادل.. اخطُ إلى جانبهم: لكي نتغلب على مخاوف الآخرين وشكوكهم، لا بد أن نحرص على الإصغاء إليهم، وتفهم ما يريدون، والثناء على قدراتهم، والاتفاق معهم كلما كان ذلك ممكناً. وذلك حينما يشعر الطرف الآخر بعدم الثقة فيمن يفاوضه، وحين يغضب، أو يثور.. ولكي نعيد إليه توازنه النفسي والعقلي لا بد أن نقف إلى جانبه عبر: الإصغاء إلى ما يقول.. وهذا يتطلب الصبر والسيطرة على النفس وعدم مقاطعته وإن أخطأ.. وسؤاله بعد كل فقرة من الحوار إن كان لديه شيء يضيفه، ثم تلخيص كلامه مع طلب التصحيح منه. الاعتراف بصحة منطقه.. وهذا لا يعني بالضرورة الاتفاق معه فيما يقول، وإنما يعني قبول رأيه كأحد وجهات النظر القابلة للدراسة، وتقدير خلفيات هذا الرأي. الاتفاق معه قدر الإمكان.. وذلك بالموافقة على النقاط التي توافق عليها بالفعل، والبحث عن الفرص التي نستطيع فيها أن نقول للآخر «نعم» ، مع إعطائه التقدير اللازم والتعبير عن رأينا دون استفزاز، والتأكيد الدائم على أن تمسكنا برأينا لا يعني إلغاء الرأي الآخر. ٣ - لا ترفض.. أعد الصياغة: الرفض لا يؤدي إلا إلى تشدد الآخر، ومن ثم: وجب علينا النظر فيما يقوله الآخرون، ثم إعادة صياغته من خلال بعض الأسئلة التي قد تؤدي إلى حل المشكلة، وذلك أن نقطة التحول في الاختراق التفاوضي تكمن في النجاح في توجيه الآخر بعيداً عن موقفه الأصلي، وفي اتجاه تحديد المصالح، والوصول من خلال كلامه إلى حلول عادلة. ويمكن النجاح في ذلك من خلال: طرح أسئلة تساعد في حل المشكلة.. مثل أن نسأل الآخر: لماذا تريد ذلك؟ ، لماذا تعتبر غيره حلاً غير مقبول؟ .. لماذا لا توافق على حل آخر مثل ( ... ) ؟ ماذا لو فكرنا معاً في صياغة جديدة للحل؟ . طلب النصيحة من الطرف الآخر.. مثل أن نسأله: ماذا تفعل لو كنت مكاني؟ ماذا تقترح عليّ من حلول أخرى؟ .. إلى غير ذلك من الأسئلة المفتوحة، والتي تبدأ بـ كيف؟ .. لماذا؟ .. لماذا لا؟ ... ماذا؟ .. مع تجنب الأسئلة التي تبدأ بـ هل؟ ... أليس؟ ... هل من الممكن؟ ... وغيرها من الأسئلة التي تتيح للآخر فرصة الإجابة بـ (لا) . استخدام قوة الصمت.. فالصمت بعد السؤال يتيح للآخر فرصة التصارع الفكري معه والوصول إلى الإجابة، ولذلك: فإن من واجبنا بعد كل سؤال منا للآخر أن نقاوم إغراء الكلام.. ثم نحاول في السؤال نفسه من زاوية أخرى. ٤ - لا تضغط.. ابنِ لهم جسراً ذهبيّاً: والمقصود هنا: تهيئة وتزيين تراجع الآخر وعبوره إلى مصالحنا ووجهة نظرنا من خلال عرضٍ برّاق له، وذلك من خلال إشراكه في الوصول إلى الحلول، وتسهيل عبوره للهوة بين مصالحه ومصالحنا، مع حفظ ماء وجهه، وإظهار ما توصلنا إليه من اتفاق كما لو كان نصراً له علينا. فقد يرفض الطرف الآخر فكرتنا لأنه يحس أنها ليست فكرته.. أو يرى أننا أغفلنا بعض مصالحه.. أولخوفه من الإحراج أمام أتباعه إذا قبلها.. أو لشعوره بالحيرة أمامها. ولكي تساعد الآخر على تخطي هذه المعوقات: أشركه في الحل.. من خلال جعل أفكاره أساساً للحل المقترح، وطلب الرأي منه فيما نقترحه، وإتاحة الفرصة له للاختيار بين بدائل نطرحها عليه. تعرف على اهتماماته.. وحاول تحقيق مصالحه، واسأل نفسك: هل كنت أقبل هذا العرض لو كنت في موقفه؟ .. ولماذا لا؟ .. ثم حاول إجراء بعض المبادلات معه تكون قليلة التكلفة كثيرة الفائدة. حافظ على ماء وجهه.. فإذا تراجع الآخر عن موقفه، فاحرص على أن تجد له الطريقة المناسبة التي يستطيع بها تقديم الاتفاق لاتباعه كما لو كان نصراً لهم. لا تتعجل إتمام الاتفاق.. فإذا تحير الآخر فيما تعرضه، فأوضح له ما تريد خطوة خطوة، ولا تطلب منه القبول حتى نهاية الاتفاق. ٥ - لا تصعِّد الموقف.. استخدم قوتك للتعليم: وذلك من خلال توضيح واقع التفاوض، ومحاولة تعريف الآخر ثمن عدم الاتفاق، واستعراض أفضل بدائلنا عند فشل التفاوض، والتأكيد على أن هدفنا ليس هزيمة الآخر، وإنما تحقيق مصالح الطرفين. فقد يغتر الآخرون بقوتهم، فيرفضون محاولاتك للتفاوض، فلا تُصعد الموقف بالتهديد، وإنما استخدم قوتك لتعلمهم أن السبيل الوحيد لانتصارهم هو أن تنتصروا معاً.. وأن تفاوضك معهم من أجل الوصول إلى أفضل الطرق لخدمة مصالح الطرفين، ويمكنك ذلك عبر ما يلي: أسئلة اختبار الواقع.. والتي يمكن للآخرين من خلالها التفكير في نتائج عدم الاتفاق، مثل: ماذا تعتقد سيحدث إذا لم نصل إلى اتفاق؟ .. ماذا ستفعل أنت؟ .. وماذا سأفعل أنا؟ .. ولكن مع مراعاة عدم التهديد؛ لأن التهديد يستفز الآخرين ويدفعهم للرفض بشدة. تحديد طريق الحل بوضوح.. وبيان الفرق بين نتائج عدم الاتفاق وقبول عبور الهوة بين مصالحكما فوق جسرك الذهبي.. مع إشعارهم دائماً بأنه ما زال أمامهم مخرج.. ثم التراجع من ناحيتك وتركهم للاختيار الحر. توطيد العلاقة مع الآخر.. والتصرف بلباقة وكرم، ومقاومة الإغراء الغريزي في التباهي بالانتصار على الآخر. وبكلمة موجزة: إن عقد عقدةٍ ما يحتاج إلى طرفين، بينما حل موقف معقد لا يحتاج إلا لطرف واحد قادر على التغلب على عوائق التفاوض والاتفاق، مثل: ردود فعله، ومشاعر الآخرين العدوانية، وشكوكهم، وعدم رضاهم، وغرورهم بقوتهم.. وذلك من خلال استخدام سياسة التفاوض الاختراقية وإتقان (فن التفاوض) .

стр. 2322

في دائرة الضوء ثقافة آكلي لحوم البشر بقلم: د. محمد يحيى صدر منذ أشهر قليلة عن إحدى دور النشر الأمريكية وهي: (ويست فيو) بمدينة (بولدر) بولاية كولورادو كتاب مهم لباحثة أمريكية اسمها (ديبورا روت) ، ... وعنوان الكتاب: (ثقافة آكلي لحوم البشر: الفن، والاستهلاك، وإضفاء ... الطابع السلعي على الفروق) ، وعلى الرغم من غرابة هذا العنوان وصعوبته إلا أن الكتاب نفسه يحتوي على أطاريح مهمة للغاية تكشف العديد من الأساليب الفكرية التي تتبعها الثقافة الغربية في تعاملها مع الثقافات الأخرى، بل وفي تعاملاتها الداخلية في نطاق الحضارة الغربية ذاتها. وعندما تَصِفُ الكاتبة الثقافة الغربية بأنها ثقافة آكلي لحوم البشر فإنها تعني بذلك: أنها تقوم على العنف الشديد، والرغبة الجامحة في الاستحواذ والسيطرة بأي ثمن، وعلى حساب كل شيء، ويتجلى الاتجاه للاستحواذ والتملك والسيطرة في النزعة الاستهلاكية العارمة التي تتسم بها الحضارة الغربية، ولا تتحدث الكاتبة عن الاستهلاك بمعناه الدارج والمألوف من الأكل والشرب واللبس والتمتع بالترف والكماليات، وإنما تقدم لنا تصوراً دقيقاً وجديداً لهذه الكلمة حينما تذكر استهلاك الثقافات والفنون الأخرى من جانب الثقافة الغربية. ونتوقف قليلاً عند هذه الفكرة المهمة: إن الثقافة الغربية لا تستهلك الثقافات والفنون الأخرى بمعنى أنها تأكلها طبعاً، ولا تستهلكها بمعنى أنها تدمرها تماماً وإن كان التدمير يحدث بدرجات متعددة، الاستهلاك المقصود هنا هو: أن الثقافة الغربية تتعامل مع ثقافات وفنون الشعوب الأخرى بطريقة معينة تجعلها لا تعترف بها، ولا تقبلها، ولا تسمح لها بالوجود المستقل إلى جوارها، وتبدأ طريقة التعامل هذه بوضع الثقافات والفنون الأخرى في نطاق تعريفات وتصنيفات وخانات، تختزلها، وتبسطها، وتسهل بالتالي: النظر إليها والتصرف إزاءها. وهذه التصنيفات دائماً ما تضع الفنون والثقافات غير الغربية في موضع متدنٍّ بجانب الثقافة الغربية، فهي الثقافات البربرية كما كان اليونانيون القدامى ينظرون إليها، أو هي ثقافات الشعوب المتوحشة، أو الشعوب الأصلية، أو غير المتحضرين، أو الثقافات الغريبة والبعيدة والساحرة، ومع وضع الثقافات والفنون الأخرى في هذه المراتب المتدنية وداخل أطر وتعريفات تتسم بالتبسيط المخل والتسطيح الشديد، تنتقل الثقافة الغربية إلى مرحلة أخرى أو أسلوب آخر من أساليب التعامل معها. وفي هذه المرحلة الجديدة من مراحل استهلاك الثقافات والفنون الأخرى وهي مرحلة الاستهلاك والاستحواذ تُنتقى عناصر معينة من هذه الثقافات والفنون، بحيث تكون مما لا يهدد الثقافة الغربية، ولا يشكل تحدِّياً لها، وهي في الغالب العناصر المتعلقة ببعض الآثار القديمة والملابس والفنون الشعبية (الفولكلورية) أو العادات الاجتماعية، وبعد انتقاء هذه العناصر تقدم للغربيين في إطار سلع أو أشياء غريبة، يمكن لهم تذوقها أو امتلاكها أو التعرف عليها دونما تهديد لثقافتهم، بل على العكس: فإن هذا الاستهلاك لتلك السلع يغني الثقافة الغربية ذاتها، ويضفي عليها مظهراً خارجيّاً بأنها منفتحة على الثقافات والفنون الأخرى، بينما هي في الواقع ليست منفتحة على الإطلاق، بل مستحوذة على هذه الثقافات بعد عملية طويلة من التشويه والاختصار والتحويل من مظاهر إنسانية حية إلى سلع وأشياء للاستهلاك المأمون. وتشير الكاتبة في هذا الصدد إلى صناعة السياحة في الغرب: حيث تكثر الإعلانات والصور التي تقدم حياة بعض الشعوب غير الغربية في أشكال نمطية وتقليدية مكررة، تبدو متخلفة للغاية عن مستوى حياة الغربيين، كما تبدو بعيدة وغريبة إلى حد لا يمكن الاعتراف به، بل فقط استهلاك واستحواذ ما يصلح منه بعد تنقيته وهندمته. إن هذا العرض لجانب مما ورد في هذا الكتاب المهم قد احتوى على أفكار ضمنها كاتب هذه المقالة للتوضيح والشرح، لكن الخلاصة هي أننا أمام تحليل الأساليب الثقافية الغربية في التعامل مع الثقافات الأخرى، لا نخرج كثيراً عن التحليلات التي يقدمها الكتاب والمثقفون والدارسون الإسلاميون لهذه الثقافة الغربية، وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب وأمثاله؛ فإذا كان الكتاب المسلمون معرضون لاتهام (زائف) بأنهم قد لا يفهمون الثقافة الغربية الفهم الصحيح، أو أنهم غير قادرين على التعمق فيها، أو أنهم يتحاملون عليها بدافع عقدي ... فإن هذا الاتهام لا يمكن ولا يستقيم أن يوجه إلى البحاثة الغربيين، وهم على أي حال أدرى بشعاب حضارتهم، والحق: أن ما تشير إليه هذه الكاتبة من أساليب تتعامل بها الثقافة الغربية مع الثقافات الأخرى: سبق أن لفت النظر إليها العديد من الكتاب والباحثين المسلمين في معرض تحليلهم لمفاهيم الحوار والآخر التي فرضت على ساحة الجدل والمؤتمرات في بعض البلدان العربية في الفترة الأخيرة. لقد ذهب بعض مثقفي الاتجاهات غير الدينية وأيضاً بعض من يفترض أنهم مسلمون، بل حتى أرباب مناصب دينية إلى أن المسلمين، بل وحتى الإسلام ذاته، يعانون من مرض حب السيطرة ورفض الاعتراف بالآخر والحوار معه، ووصل الأمر إلى حد أن مؤتمراً عقد خلال شهر يوليو (١٩٩٦م) في القاهرة سمعت فيه اتهامات موجهة للمسلمين (من مسلمين آخرين، أو يحملون أسماء إسلامية) بأنهم غير متسامحين تجاه أصحاب الأديان الأخرى، وأنهم متعالون متغطرسون. ولم تجد هذه الاتهامات من يفندها أو يرد عليها من بين المشاركين الآخرين في ذلك التجمع الذي نظمه مجلس أعلى للشؤون الإسلامية، وحضره رؤساء دينيون عديدون. لكن هذه الباحثة الأمريكية (وليست هي الوحيدة) تكشف الآن: عمن هو في الحقيقة متعال ورافض للحوار من منطلق عنصري تصفه بأنه أشبه بنزعات آكلي لحوم البشر. والثقافة الغربية كما تثبت الكاتبة لا تعترف بالآخر، أي: بالثقافات والفنون الأخرى، ولا تتحاور معها، بل تخضعها وتستعمرها. وحتى ما يبدو على الظاهر أنه اعتراف بهذه الثقافات الأخرى، ليس في الواقع سوى صور مشوهة منتقاة ومبسطة و (معقمة) تطرح على الغربيين لكي يستحوذوا عليها ويتملكوها من منطلق العلو الثقافي، وباعتبارها سلعاً استهلاكية (السياحة، المنتجات الفنية والحرفية ... إلخ) وليست مظاهر حية لثقافات مستقلة، وذات تاريخ وهوية لكن عيبها الوحيد هو أنها ليست غربية. إذن: رفض الاعتراف والحوار مع الآخر، بل ورفضه، ونفيه، والتعامل معه بأسلوب عنيف استحواذي متحامل.. ليس هو مسلك المسلمين أو اتجاه ثقافتهم، بل هو مسلك الغربيين وطابع الثقافة الغربية، ومن هنا وصفنا كتاب الباحثة الأمريكية بالأهمية؛ لأنها تحلل وبشكل موضوعي تحليلي قوي الحجة أساليب الثقافة الغربية في إخضاع الثقافات الأخرى. ولكن من غرائب وطرائف الاتجاه العلماني في بلادنا: أنهم يأخذون نقائص الثقافة الغربية التي يحاولون التمسح بها، ويرمون بها الثقافة الإسلامية وهي بريئة منها، والأغرب والأطرف: أنهم وهم يزعمون الثقافة والفكر والاستنارة لأنفسهم لا يُقْدمون وهم يوجهون الاتهامات للثقافة الإسلامية على دعم هذه الاتهامات بالحجة والتحليل المقنع، كما تفعل هذه الباحثة الأمريكية وهي توجه الاتهامات نفسها إلى ثقافتها الغربية، ولكن يبدو أن هناك فرقاً بين أهل الثقافة الغربية أنفسهم والمتغربين من أصحاب التيار (اللاديني) ، الذين تحركهم فقط كراهية الإسلام، دون الاكتراث ببناء هذه الكراهية على أسس من الحجة العقلية.

стр. 2323

منتدى القراء تاهت قوافي الشعر عيسى بن سعد آل عوشن في مساء يوم الثلاثاء ٦/٤/١٤١٧هـ وصل إلى مسمعي نبأ وفاة ثلاثة من إخواني في الله في ريعان شبابهم، إثر حادث مؤلم ﵏ وجعلهم في عداد الشهداء) فوفاءً ببعض حقهم، وتذكيراً بشيء من خلالهم، نظمت هذه القصيدة. والبيان بدورها تقتطف بعض أبياتها؛ تقديراً للناظم؛ ومشاركة وجدانية لمشاعره الطيبة. تاهت قوافي الشعر مذ جاء الخبر ... وحروف شعري لم تطق تك الصور فالعين تبكي حسرة وتألماً ... والقلب عانقه اليقين فلا ضجر وأكفكف العبرات مني صابراً ... هذا القضاء، فلا مناص ولا مفر هذي ثرى (تثليث) تسعد بعد أن ... سكن الصحاب بأرضها بيت المدر قد أسلموا الأرواح لله الرحي ... م وحالهم من قبل ذا: مجد أغر طوبى لهم يا صاح قد جاءت لهم ... بشرى تزيل الحزن عنا والكدر من صادقٍ وهو النبي محمد ... فلقد أتى عنه بقول مختصر إن الشباب الناشئين على الهدى ... في ظل مولانا الكريم بلا ضرر بالله لا تسأل كتاب الله عن ... أصحابنا كم رتلوا آي السور ولكم أتوا نحو المساجد رغبة ... في العلم كي يصلوا قمم الظفر ولقد حزنا يا صحاب بفقدكم ... هذا قضا ربي، رضينا بالقدر يا رب فارحمهم وأعظم أجرهم ... وَأْجُرْهُم من هول يوم منتظر يا رب فارحمهم وألهم أهلهم ... صبراً جميلاً، فاز دوماً من صبر يا رب أمّن خوفنا وصحابنا ... يوم القيامة إن تشققت الحفر يا رب أسألك النجاة لإخوتي ... ودخول جناتٍ منوعة الثمر هذي هى الدنيا تقول أنا التي ... فيّ الحوادث والفواجع والعبر

стр. 2324

مدافعة الباطل بالحق علي مطاوع إنّ التكليف الشرعي يأتي متناسباً مع القدرة على القيام به، سواء أكان المكلف فرداً أو جماعة؛ لأن مقصود الشرع هو دفع العنت والمشقة عن الناس، وإظلالهم بظل الإسلام في خاصة شؤونهم وعامتها، وفتح أبواب السعادة أمامهم في الدنيا والآخرة. ولقد كان إعلان كلمة التوحيد إنارة للعقل والقلب بنور الحق، وفتح باب الهداية لسلوك سبيلها بالتعبد لله على شريعته والاستقامة على منهاجه. ولقد اختص الله (تعالى) نبيه محمداً برسالته إلى الناس كافة؛ لينير بها العقول والقلوب بالحق الذي جاءه من عند الله، فتسعد حياتهم في الأولى والآخرة، ولقد كان حمل الرسالة للناس يتناسب مع قدرته النفسية والروحية والجسدية، ومكث فترة يُسِرّ بها إلى من يتوسم فيهم العقل الراجح والنفس الصافية، فآمن به ثلة من خيرة المجتمع المكي، إلى أن كلف بالصدع بالحق الذي نزل عليه، وإنذار الكافرين المستكبرين عن الحق، وبشارة المستجيبين لدعوة الله، وكان الواجب حينها: البيان باللسان من تلاوة آيات الرحمن، ودفع الشبه التي تخيم على عقول الجاهلين، ورفض أباطيل المستكبرين واحتمال ما يصيبه والمؤمنين برسالته من الأذى في ذلك حتى يحكم الله بينه وبين أعداء الله (تعالى) ورسوله - صلى الله عليه وسلم-، ولقد طالت فترة الامتحان، وتعرض الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) للفتنة والإيذاء، وأصبحوا لا يجدون سبيلاً لدفع الأذى عن أنفسهم إلا الهجرة وترك الأوطان؛ لكي يسلم لهم إيمانهم بالله (تعالى) الذي رضوا به بديلاً عن الدنيا وما فيها، فكانت الهجرة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة، وفي المدينة تكون المجتمع وقامت الدولة، واستقر الأمر بيد رسول الله ﷺ وجاء الأمر من الله (تعالى) بالإذن للمسلمين بدفع عدوان الكافرين بقوة السلاح؛ فكانت المعارك والغزوات التي وعى التاريخ منها ما وعى. فهل وعينا نحن العِبَر من سيرة الرسول في مدافعة الباطل بالحق؟ ، وهل أخلصنا نياتنا لله (سبحانه) وصوّبنا متابعتنا لرسوله ﷺ ؛ لتسلم أعمالنا من شوائب الشرك والرياء والبدعة، وننال رضى الله ونصرته؟ ، إننا مَهْما شغلتنا الأشغال والتمسنا لأنفسنا المعاذير، فلن يغير ذلك من حقيقة الأمر شيء: أن مدافعة الباطل بالحق من واجبنا، وفي قدرتنا.

стр. 2325

الورقة الأخيرة احذروا الأستاذ شحاته بقلم:أحمد العويمر قد يتداعى إلى ذهن القارئ لعنوان هذه الكلمة لأول وهلة أن مضمونها تعريف أو دعاية (لفيلم كوميدي) أو (مسرحية هزلية) ! مما يلحظه المار بشوارع بعض العواصم العربية، وإن كان الأمر في الحقيقة ليس كذلك! ، إلا أنه ليس بعيداً عنه كل البعد؛ فالموضوع يدور حول كشف ظاهرة عجيبة وتوجه أعجب مما يحفل به الواقع الفكري في إحدى العواصم العربية: (فالأستاذ شحاته) أو على الأصح: (الشيخ) حسن شحاته رجل غريب الأطوار، متغير التوجهات، ومتناقض الأفكار؛ فهو أصلاً صوفي المشرب، ثم عاد ناقداً لذلك المنهج نقداً سطحيّاً، ثم هو يتبنى (التوجه الخارجي) بتضليل وتبديع من يُخالف منهجه، حيث يرميهم بالضلال.. فالإسلاميون عموماً من وجهة نظره (خوارج) ! ، ومن يسميهم (الوهابية) ! خوارج، و (شيخ الإسلام ابن تيمية) في (النار) ! ، والصحابة في نظره ليسوا كلهم عدول، بل وصل به الانحراف إلى تكفير الصحابي الجليل «معاوية بن أبي سفيان» ﵁ ! ، وهذا أحد فروع عقيدة الرافضة. و (الشيخ شحاته) ليس فرداً واحداً، ولكنه نموذج لبعض المشايخ (المستنيرين) ، وقانا الله شرهم. والمتأمل في هذا النوع من الناس وهذا النمط من التفكير لا يعجزه تحديد هوية مثل هذا الرجل، فهو في نظري خليط من التصوف والإرجائية والتكفيرية! ! ، يُخرج من كلٍّ ما يناسب الحال والمقام، ولا أستبعد أنه صنيعة معدة لإشغال الناس بالقول والرد؛ لأهداف لم تعد مجهولة على أحد، لا سيما إذا عرفنا أن المذكور إمام مسجد مشهور في عاصمة عربية معروفة، ومع أنه تعرض للنقد من بعض العلماء والدعاة في ذلك البلد حيث كشفوا حقيقته وأخطاءه الفكرية والعقدية، إلا أن مجلة (روزا..) اليسارية [*] أجرت معه مؤخراً لقاءً صحفيّاً، وفتحت له المجال لينقد ويهجو بلا وازع من دين ولا رادع من ضمير، فانظر إلى التنسيق بين (اليمين) ... و (اليسار) ! ! . والمسلم الحق مطالب برفض هذه المنطلقات المشبوهة التي ديدنها السب والشتم أو التكفير بلا مسوغ، وهذه التوجهات تؤكد العلاقة الوثيقة بين التصوف والرفض، وتؤكد أيضاً العلاقة الودية بين الاتجاهات المتباينة، إذا كان ذلك في سبيل ضرب التيار الإسلامي. إن هذه الحركات المشبوهة والتوجهات المكشوفة لم تعد تنطلي على أحد سوى الجهلة وأنصاف المتعلمين، والذي يظهر أن هذا الرجل وأمثاله في الغالب حينما يطرحون مثل تلك الأفكار المنكرة ربما يطمحون لأهداف يُخطّط لها ولو على حساب الحق والحقيقة، ولا يُستبعد أن ينال على هذا الغثاء مكسباً ما، ما دام يؤدي ذلك الدور الذي يقوم به الإعلام الرخيص في إيذاء عباد الله وإشغال الناس بما لا طائل من ورائه. إن العزاء لكل مسلم مخلص أن الحق باقٍ ما دامت السموات والأرض، والباطل سيتلاشى كالزبد؛ يقول الله (تعالى) : [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] [الرعد: ١٧] . والله من وراء القصد.

стр. 2326

رجب - ١٤١٧هـ ديسمبر - ١٩٩٦م (السنة: ١١)

стр. 2327

كلمة صغيرة التواصل الحميم تعتز مجلة البيان بثقة قرائها الكرام فيها، وكريم تواصلهم معها: مشاركة، وثناءً، ومتابعة، وتوجيهاً، ولقد استطعنا بتوفيق الله أولاً، ثم بحرص بعض الكتاب الذين شاركوا ويشاركون بالكتابة لنا أن نكسب أقلاماً جديدة وأفكاراً متنوعة، مما يلمسه القارئ في ثنايا أعداد هذه المجلة، ومما سرنا: أن بعض القراء يقترح علينا أن تتطرق المجلة للكتابة عن موضوع بعينه وتتفاعل المجلة تجاهه؛ فأحدهم طلب معالجة (ظاهرة النسيان) معالجة علمية، وهو ما كلفنا به أحد الأخوة المحررين، فكتب دراسة عن هذا الموضوع نشرت في عدد ماضٍ، وقارئ كريم آخر من لبنان تابع الندوة التي عقدت مؤخراً تحت عنوان (مسلمون ومسيحيون معاً من أجل القدس) ، وطالب المجلة أن تكتب عن هذا الموضوع، وسيلمح القارئ طرفاً من المعالجة عن فلسطين والقدس في هذا العدد، على أن نُفَصِّل موقف النصارى من هذه القضية في عددٍ قادم. وترحب البيان بكل تعاون مخلص معها في الكتابة، ولا سيما من أصحاب الفضيلة العلماء والدعاة وطلاب العلم، بما يرونه مناسباً لتوجه المجلة التي تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة ومنهجهم المعروف في التلقي، وستُدرس أي مشاركة تردنا، وسترى النور بإذن الله متى كانت صالحة. والله نسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص في القول والعمل.

стр. 2328

افتتاحية العدد الجهاد الأفغاني إلى أين ؟ ! الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد. فلا شك أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وما ذل المسلمون في عصورهم الأخيرة إلا حين تساهلوا في أداء واجب هذه الفريضة.. التي عمل أعداء الإسلام كل ما يستطيعونه لإطفاء جذوتها ومحاولة إضعاف تأثيرها في النفوس.. فتداعت الأمم على جل ديار الإسلام، وكان من آخرها: الاحتلال الشيوعي البائد لدولة أفغانستان بمؤامرة دنيئة، كان وراءها الفئات الماركسية الأفغانية، فعز ذلك على أبناء أفغانستان المسلمة وتداعى رجالها وعلماؤها وطلاب العلم فيها من كل حدب وصوب للوقوف في وجه الحكم الشيوعي، وبدأ الجهاد عام ١٩٧٥م، وتواصل المد الجهادي وتدافع المسلمون من شتى أقطار الدنيا لنجدة إخوانهم بالنفس والنفيس، انطلاقاً من قول الله (تعالى) : [وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] ... [الأنفال: ٧٢] ، واحتفاء المسلمين بذلك الجهاد الذي هدى الله بسببه أنفساً ضالة، ورفع به رؤوساً خانعة جعله مدرسة كبرى للتربية أقضت مضاجع أعداء ... الإسلام باستمراره حتى قال جنرال غربي: «إن استمرار الجهاد خطر على مصالح الغرب في العالم الإسلامي» وعلى ضوء ذلك قيل: إن الإسلام هو العدو البديل للشيوعية، فبدؤوا بالتخطيط لإسقاط هذا الجهاد، والعمل المتواصل للإساءة إليه، ووصمه بكل نقيصة، فوُسِمَ بالإرهاب، وصار اسم المجاهدين يعني في هذه الحرب الخسيسة تهمة يُرمى بها كل من شارك في ذلك الشرف.. صحيح أن هناك من وقع في أخطاء صريحة وممارسات منحرفة، غير أن ذلك لا يعني تعميم تلك الأخطاء على الجميع، والإساءة إلى تلك الفريضة والمشاركين فيها بدون وجه حق. كانت آمال المسلمين كبيرة في استمرار الجهاد ليؤدي دوره في التربية والبناء، لكن الذي حصل أن النزعة الحزبية سيطرت على الأوضاع هناك، والتوجهات الشخصية تحكمت في أزمة الأمور، فضلاً عما كان من القادة أنفسهم من ذوي المنطلقات الصوفية والقومية الجاهلية، بل وذوي الولاءات والنعرات الطائفية المقيتة، ومن هنالك انقسموا على أنفسهم، وتحاربوا فيما بينهم، وعلى الرغم من إسقاطهم للحكم الشيوعي ودخولهم كابل العاصمة، إلا أنهم فشلوا في إقامة الدولة الإسلامية التي سعوا إلى إقامتها وكانت هدفهم ومبتغى آمالهم، ولا شك أن لذلك أسباباً، من أهمها: -أن المجاهدين لم يوحدوا منهجهم في التلقي المفترض قيامه على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة والبعد عن المنطلقات المشبوهة أيّاً كان نوعها. -النزعة الحزبية القائمة على بناء الأمجاد الشخصية وتلبية الحاجات الذاتية التي لم يصهرها الجهاد في قالب واحد، بعيداً عن كل الشبهات. -ظهور التوجهات القومية والنزعات العنصرية.. حتى كنا نسمع بأن فلانا من القومية (الفلانية) ومن الجنس (العلاني) ، وكأن الإسلام لم يوحد الجميع في بوتقة إيمانية وعقيدة ربانية. -العجز في تمثل كثير من قادة الجهاد حقيقة أخلاق الإسلام القائمة على التعاون والتواد والرحمة ونكران الذات والإيثار، ورفضهم للاتحاد الفعلي الذي يجمعهم كالجسد الواحد. -التحالف مع الفئات المنحرفة عقيدة ومنهجاً، بل وصل الأمر أن يُتَحَالَفَ مع شيوعي عريق مثل «دوستم» يدخل معهم كابل، وأن يرشح طُرُقِيّ ليكون في قمة السلطة، وهذا ما جعل الجهاد يدخل في دوامة ما زال يعاني منها حتى الآن. -عجزهم عن فهم الدروس التي مرت على الحركات الإسلامية المعاصرة وسر فشل كثير منها. ولذلك: حرص المسلمون جميعاً أفراداً وجماعات على مطالبة المجاهدين بأهمية التعاون فيما بينهم، وضرورة أن يكونوا يداً واحدة على من سواهم، بل جُمع قادة الجهاد أكثر من مرة في أكثر من مناسبة ودُعوا لتناسي الإشكالات فيما بينهم للمصلحة العليا ومصلحة بلادهم، غير أنهم ما أن يتفقوا حتى يختلفوا، حتى إن الشعب الأفغاني وجد أن جهاد هذه الجماعات لم يوصله إلا إلى مزيد من الشقاق والعيش الكفاف والإعاقات لكثير من أفراده، بعدما قدم هذا الشعب المجاهد الصابر من الشهداء فيما نحسبهم وا لله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً أكثر من مليون ونصف المليون. وأضحى الشعب كالغريق الذي يتمسك حتى بقشة رغبة في الوصول إلى بر الأمان. وجاءت «حركة طالبان» الجديدة التي برزت بشكل مفاجئ للكثيرين، وأخذت تكتسح المدن والقرى، وتدعو جميع الفصائل الأخرى للتسليم لها. ولعل معاناة هذا الشعب المسكين وخلو الساحة من بديل راشد قد دفعه إلى انتظار أي بديل، حتى ولو كان مجهول التوجه والمستقبل، أملاً في رفع المعاناة التي عاشها طوال عقود سني الحرب العجاف. وبغض النظر عن التقويم الشرعي والواقعي لهذه الحركة، وما هي حقيقتها؟ ، وهل هي مدعومة من جهات مشبوهة؟ ، وما مستقبل أفغانستان تحت سلطتها؟ ، وهل تستمر تلك الحركة أم تتلاشى؟ .. فهذا كله ليس مجاله هنا ولعله يكون في مقال قادم إن شاء الله (تعالى) . لكننا من واقع الأخوة الإسلامية وما تقتضيه من محض النصيحة لإخواننا في الله، ومن دافع الشفقة على هذا الشعب المسلم المغلوب على أمره، ورغبة أن يضطلع المسؤولون في الجهاد الأفغاني ومنهم (حركة طالبان) نذكرهم وكل من يهمه الأمر والذكرى تنفع المؤمنين بما يلي: * ضرورة أن يكون منطلقهم: فهم الإسلام (عقيدة ومنهج حياة) ، بعيداً عن النزاعات الطائفية والقومية والحزبية، والتي يسعى أعداء الإسلام لزرعها بينهم، وأن يكون رائدهم الحق ولا شيء غيره. * الحذر كل الحذر من التحالفات مع الفئات المنحرفة عقديّاً وفكريّاً، والحرص على جمع الكلمة مع أخوة الدرب والمصير، لا سيما من لهم سابقة في الجهاد والدعوة، وأهمية الاستفادة من العلماء في جمع الكلمة وتوحيد الصفوف. * أخذ الدروس والعبر من عدم الوقوع في المنزلقات التي وقع فيها مَن قبلهم من الأخطاء الجسيمة التي أودت ببلادهم للدمار والخراب. * الحذر مما يخطط له الأعداء من تصفية الحركة الإسلامية جميعها بضرب بعضها ببعض، ومن ثم: الإجهاز عليهم جميعاً، تمهيداً لإعادة الحكم السابق من جديد، والذي سيرضى بكل الحلول المطروحة، ومنها علمنة البلاد، وسيكون الجهاد والمجاهدون وقوداً لهذا الاتجاه المطلوب دوليّاً. * ليس من الحكمة مناصبة الآخرين العداء، والتسرع في الحكم، والسرعة في إصدار القرارات بدون روية، مما سيثير الفتن التي ستقيم الدنيا ولا تقعدها. * تأمين الناس وإظهار ديننا الحنيف على حقيقته: دين نهضة وبناء؛ مما يحبب المجاهدين إلى الناس، فيتداعون لنصرتهم. * الحرص على وحدة أفغانستان وعدم تحول الصراع فيها إلى صراع عرقي تتفتت معه البلاد إلى دويلات بدعم من الدول المجاورة. هذا تحللينا لواقع الجهاد الأفغاني، والمنزلقات التي سقط فيها، والأسباب المساعدة للخروج منها. أيها الإخوة في الجهاد ندعوكم لتصحيح المنطلقات وجمع الكلمة وتوحيد الصف والحذر من الشباك التي تنصب للإيقاع بكم وبالمسلمين، وعليكم بالبناء لا الهدم، والتعاون فيما بينكم لا الشقاق والخلاف. [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] [الأنفال: ٤٦] .

стр. 2329

دراسات شرعية فضائل شهر رجب.. في الميزان بقلم: فيصل بن علي البعداني فضّل الله (تعالى) بعض الأيام والليالي والشهور على بعض، حسبما اقتضته حكمته البالغة؛ ليجدّ العباد في وجوه البر، ويكثروا فيها من الأعمال الصالحة، ولكن شياطين الإنس والجن عملوا على صد الناس عن سواء السبيل، وقعدوا لهم كل مرصد؛ ليحولوا بينهم وبين الخير، فزينوا لطائفة من الناس أن مواسم الفضل والرحمة مجال للهو والراحة، وميدان لتعاطي اللذات والشهوات. وحرّضوا طوائف أخرى سواء أكانوا ممن قد يملكون نوايا طيبة ولكن غلب عليهم الجهل بأحكام الدين أو من ذوي المصالح والرياسات الدينية أو الدنيوية الخائفين على مصالحهم وزوال مواقعهم من مزاحمة مواسم الخير والسّنّة مواسم مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، قال حسان بن عطية: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ولايعيدها إليهم إلى يوم القيامة» [١] ، بل قال أيوب السختياني: «ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا زاد من الله بعداً» [٢] . ولعل من أبرز تلك المواسم البدعية: ما يقوم به بعض العباد في كثير من البلدان في شهر رجب، ولذا: فسأحرص في هذه المقالة على تناول بعض أعمال الناس فيه، وعرضها على نصوص الشريعة وكلام أهل العلم، نصحاً للأمة وتذكيراً لهم؛ لعل في ذلك هداية لقلوب، وتفتيحاً لعيونٍ وآذانٍ عاشت في ظلمات البدع وتخبطات الجهل. هل لـ (رجب) فضل على غيره من الشهور؟ قال ابن حجر: «لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه.. حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره» [٣] . وقال أيضاً: «وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب، أو في فضل صيامه، أو صيام شيء منه صريحة: فهي على قسمين: ضعيفة، وموضوعة، ونحن نسوق الضعيفة، ونشير إلى الموضوعة إشارة مفهمة» [٤] ، ثم شرع في سوقها. صلاة الرغائب: أولاً: صفتها: وردت صفتها في حديث موضوع عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ما من أحد يصوم يوم الخميس (أول خميس من رجب) ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة و [إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ] ثلاث مرات، و [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ] اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين، فيقول في سجوده سبعين مرة: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ، ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العزيز الأعظم، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله (تعالى) حاجته، فإنها تقضى» .. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده، ما من عبد ولا أَمَة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال، وورق الأشجار، ويشفع يوم القيامة في سبعمئة من أهل بيته ممن قد استوجب ... النار» [٥] . ثانياً: كلام أهل العلم حولها: قال النووي: «هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها» [٦] . وقال ابن النحاس: «وهي بدعة، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين» [٧] . وقال ابن تيمية: «وأما صلاة الرغائب: فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب، لا جماعة ولا فرادى؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة ... أصلاً» [٨] . وقد أبان الطرطوشي بداية وضعها، فقال: «وأخبرني أبو محمد المقدسي، قال: لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمئة، قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابلس، يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان ... إلى أن قال: وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمئة، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك» [٩] . وقد جزم بوضع حديثها: ابن الجوزي في الموضوعات، والحافظ أبو الخطاب، وأبو شامة [١٠] ، كما جزم ببدعيتها: ابن الحاج [١١] ، وابن رجب، وذكر ذلك عن أبي إسماعيل الأنصاري، وأبي بكر السمعاني، وأبي الفضل بن ناصر [١٢] .. وآخرون [١٣] . ثالثاً: حكم صلاتها جلباً لقلوب العوام: قال أبو شامة: «وكم من إمام قال لي: إنه لا يصليها إلا حفظاً لقلوب العوام عليه، وتمسكاً بمسجده خوفاً من انتزاعه منه (!) ، وفي هذا دخول منهم في الصلاة بغير نية صحيحة، وامتهان الوقوف بين يدي الله (تعالى) ، ولو لم يكن في هذه البدعة سوى هذا لكفى، وكل من آمن بهذه الصلاة أو حسنها فهو متسبب في ذلك، مغرٍ للعوام بما اعتقدوه منها، كاذبين على الشرع بسببها، ولو بُصِّروا وعُرِّفوا هذا سَنَةً بعد سَنَةٍ لأقعلوا عن ذلك وألغوه، لكن تزول رئاسة محبي البدع ومحييها، والله الموفق. وقد كان الرؤساء من أهل الكتاب يمنعهم الإسلام خوف زوال رئاستهم، وفيهم نزل: [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ] [البقرة: ٧٩] » [١٤] . الإسراء والمعراج: من أعظم معجزات النبي ﷺ : الإسراء به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم العروج به السماوات السبع فما فوقها، وقد انتشر في بعض البلدان الاحتفال بذكراها في ليلة السابع والعشرين من رجب، ولا يصح كون ليلة الإسراء في تلك الليلة، قال ابن حجر عن ابن دحية: «وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، قال: وذلك كذب» [١٥] ، وقال ابن رجب: «وروي بإسناد لا يصح، عن القاسم بن محمد، أن الإسراء بالنبي - ﷺ كان في سابع وعشرين من رجب، وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره» [١٦] . وقال ابن تيمية: «لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به» [١٧] . على أنه لو ثبت تعيين ليلة الإسراء والمعراج لما شرع لأحد تخصيصها بشيء؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان أنهم جعلوا لليلة الإسراء مزية عن غيرها، فضلاً عن أن يقيموا احتفالاً بذكراها، بالإضافة إلى ما يتضمنه الاحتفال بها من البدع ... والمنكرات [١٨] . الذبح في رجب وما يشبهه: مطلق الذبح لله في رجب ليس بممنوع كالذبح في غيره من الشهور، لكن كان أهل الجاهلية يذبحون فيه ذبيحة يسمونها: العتيرة، وقد اختلف أهل العلم في حكمها: فذهب الأكثرون إلى أن الإسلام أبطلها، مستدلين بقوله كما عند الشيخين عن أبي هريرة ﵁ : «لا فرع ولا عتيرة» [١٩] . وذهب بعضهم كابن سيرين إلى استحبابها، مستدلين بأحاديث عدة تدل على الجواز، وأجيب عنها بأن حديث أبي هريرة ﵁ أصح منها وأثبت، فيكون العمل عليه دونها، بل قال بعضهم كابن المنذر بالنسخ؛ لتأخر إسلام أبي هريرة، وأن الجواز كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وهذا هو الراجح [٢٠] . قال الحسن: «ليس في الإسلام عتيرة، إنما كانت العتيرة في الجاهلية، كان أحدهم يصوم ويعتر» [٢١] . قال ابن رجب: «ويشبه الذبح في رجب: اتخاذه موسماً وعيداً، كأكل الحلوى ونحوها، وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيداً» [٢٢] . تخصيص رجب بصيام أو اعتكاف: قال ابن رجب: «وأما الصيام: فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه» [٢٣] . وقال ابن تيمية: «وأما صوم رجب بخصوصه: فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات ... وقد روى ابن ماجة في سننه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن صوم رجب، وفي إسناده نظر، لكن صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب، ويقول: لا تشبهوه برمضان ... وأما تخصيصها بالاعتكاف الثلاثة الأشهر: رجب، وشعبان، ورمضان فلا أعلم فيه أمراً، بل كل من صام صوماً مشروعاً وأراد أن يعتكف من صيامه، كان ذلك جائزاً بلا ريب، وإن اعتكف بدون الصيام ففيه قولان مشهوران لأهل ... العلم» [٢٤] . وكونه لم يرد في فضل صيام رجب بخصوصه شيء لا يعني أنه لا صيام تطوع فيه مما وردت النصوص عامة فيه وفي غيره، كالإثنين، والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم وإفطار آخر، وإنما الذي يكره كما ذكر الطرطوشي [٢٥] صومه على أحد ثلاثة أوجه: ١- إذا خصه المسلمون في كل عام حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة، مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان. ٢- اعتقاد أن صومه سنّة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة. ٣- اعتقاد أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على صيام سائر الشهور، وأنه جارٍ مجرى عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض، ولو كان كذلك لبينه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله ولو مرة في العمر، ولما لم يفعل: بطل كونه مخصوصاً بالفضيلة. العمرة في رجب: يحرص بعض الناس على الاعتمار في رجب، اعتقاداً منهم أن للعمرة فيه مزيد مزية، وهذا لا أصل له، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ ، قال: «إن رسول الله اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب، قالت (أي عائشة) : يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهِدُه، وما اعتمر في رجب قط» [٢٦] . قال ابن العطار: «ومما بلغني عن أهل مكة (زادها الله تشريفاً) اعتيادهم كثرة الاعتمار في رجب، وهذا مما لا أعلم له أصلاً» [٢٧] . وقد نص العلامة «ابن باز» [٢٨] على أن أفضل زمان تؤدى فيه العمرة: شهر رمضان؛ لقول النبي ﷺ : «عمرة في رمضان تعدل حجة» ، ثم بعد ذلك: العمرة في ذي القعدة؛ لأن عُمَرَه كلها وقعت في ذي القعدة، وقد قال الله : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] [الأحزاب: ٢١] . الزكاة في رجب: اعتاد بعض أهل البلدان تخصيص رجب بإخراج الزكاة، قال ابن رجب عن ذلك: «ولا أصل لذلك في السُنّة، ولا عُرِف عن أحد من السلف ... وبكل حال: فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول على النصاب، فكل أحدٍ له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تم حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان» ، ثم ذكر جواز تعجيل إخراج الزكاة لاغتنام زمان فاضل كرمضان، أو لاغتنام الصدقة على من لا يوجد مثله في الحاجة عند تمام الحول.. ونحو ذلك [٢٩] . وقال ابن العطار: «وما يفعله الناس في هذه الأزمان من إخراج زكاة أموالهم في رجب دون غيره من الأزمان لا أصل له، بل حكم الشرع أنه يجب إخراج زكاة الأموال عند حولان حولها بشرطه سواء كان رجباً أو غيره» [٣٠] . لا حوادث عظيمة في رجب: قال ابن رجب: «وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك، فروي أن النبي ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل في الخامس والعشرين، ولا يصح شيء من ذلك ... » [٣١] . وقفة مع بعض الدعاة: يمارس بعض الدعاة اليوم أنواعاً من البدع الموسمية كبدع رجب مع اقتناعهم بعدم مشروعيتها؛ بحجة الخوف من عدم اشتغال الناس بغير عبادةٍ، إن هم تركوا ما هم عليه من بدعة. ومع أن البدعة أخطر الذنوب بعد الشرك، إلا أن هذا توجهٌ في الدعوة وطريقة التغيير خطير مخالف لهدي النبي، والواجب: أن يدعى الناس إلى السنة المحضة التي لا تكون استقامة بدونها، قال الثوري: «كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة» [٣٢] . وكان الواجب على هؤلاء أن يتعلموا السنة، ويعلموها، ويدعون أنفسهم ومن حولهم إلى تطبيقها؛ لأن النبي ﷺ يقول: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ، ولله در أبي العالية حين قال لبعض أصحابه: ... «تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم: الإسلام، ولا تنحرفوا عن الصراط المستقيم يميناً وشمالاً، وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين أهلها العداوة ... ... والبغضاء» [٣٣] . ومن قبله قال حذيفة ﵁ : «يا معشر القراء: استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً» [٣٤] . وأخيراً: فإن الدعاة اليوم والأمة معهم مطالَبون بتجريد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في كل شأن، تماماً مثل ما هم مطالبون بتجريد الإخلاص لله ، إن هم أرادوا لأنفسهم نجاةً، ولدينهم نصراً وإعزازاً، قال الله : ... ... [فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] [الكهف: ١١٠] وقال (سبحانه) : [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] . وفق الله الجميع للخير، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

стр. 2330

دراسات شرعية من أحكام اللباس بقلم:عبد الله الإسماعيل من قواعد الشريعة المقررة: أن الأصل في الألبسة الحل، ما لم يرد دليل المنع [١] ، والأدلة على هذا الأصل كثيرة، منها قوله (تعالى) : [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] [البقرة: ٢٩] ، وقوله (تعالى) : [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ] [الأعراف: ٣٢] . فيكون البحث إذن فيما نهى عنه الشرع فيجتنب، وما عداه فيبقى على أصل الإباحة. ما نهى عنه الشرع من الألبسة: أولاً: ما فيه تصاوير ذوات الأرواح وتصاليب: ويكثر في ألبسة النساء والأطفال، وهذه يحرم بيعها وشراؤها ولبسها، إلا بشرط الطمس أو الإزالة. والأدلة على هذا كثيرة، ومنها: ١- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون» [٢] . ٢- عن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة [٣] فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله، ماذا أذنبت؟ ! قال: ما هذه النّمْرقة؟ قلت: لتجلس عليها وتوسدها، قال: إن أصحاب هذه الصّور يعذبون يوم القيامة، يُقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصورة « [٤] . ٣- عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه» [٥] . ثانياً: الإسبال: طول الثوب للرجل له أربع حالات: الحالة الأولى: أن يكون سنّة، وهو نصف الساق. الحالة الثانية: أن يكون مباحاً، وهو ما دون نصف الساق إلى الكعبين (الكعب: العظم النّاتئ عند ملتقى الساق والقدم) . الحالة الثالثة: أن يكون حراماً، وهو ما أسفل من الكعبين. الحالة الرابعة: أن يكون أشد حرمة، وهو أن يجرّه خيلاء. ودليل هذا التفصيل: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «إزْرَة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه» [٦] . وفي هذا الحديث تفصيل للحالات الأربع السابقة، وفيه أيضاً: أن الإسبال محرم وإن كان بدون خيلاء، بل عدّه النبي ﷺ من الخيلاء، فقال لجابر بن سليم ﵁ : «إياك والإسبال؛ فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة» [٧] . وبقيت حالة لم تذكر في الحالات الأربع؛ وهي وضع الإزار على الكعبين، وهي صورة محرّمة؛ لقوله: «موضع الإزار إلى أنصاف الساقين والعَضَلَة، فإن أبيت فمن وراء الساق، ولا حقّ للكعبين في الإزار» [٨] . وهذا الحكم خاص بالرجال كما تقدم، أما النساء: فالإسبال في حقهن مشروع؛ لحديث ابن عمر ﵄ ، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من جرّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه» ، قالت أم سلمة: يا رسول الله، فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ ، قال: «ترخينه شبراً» ، قالت: إذن تنكشف أقدامهنّ، قال: «ترخينه ذراعاً ولا تزدن عليه» [٩] . ثالثاً: ثياب الحرير على الرجال: والأدلة عليه كثيرة، ومنها: حديث أنس ﵁ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من لبس الحرير في الدينا فلَنْ يلْبسه في الآخرة» [١٠] . ويجوز عند الحاجة، كالأمراض الجلدية، فعن أنس ﵁ قال: «رخّص النبي للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما» [١١] . ويجوز أيضاً إذا كان قليلاً: كرقعة في الثوب، أو تطريز، أو في أطراف الثوب.. ونحو ذلك، بشرط ألا يزيد عرضه عن أربع أصابع، فعن سويد بن غَفَلة أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية، فقال: نهى نبي الله عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربع « [١٢] . وعن أبي عثمان النهدي، قال:» أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان، أن رسول الله نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام، قال فيما علمنا أنه يعني الأعلام « [١٣] . رابعاً: كل ما فيه إسراف ومخيلة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:» كلوا، واشربوا، وتصدقوا، والبسوا من غير إسراف ولا ... مخيلة « [١٤] . ولعلّ من أبرز مظاهر الإسراف في اللباس: ما يحصل من كثير من النساء في حفلات الأعراس، ونحوها. خامساً: ما فيه تشبه بالكفار، أو تشبه بالفساق: لقوله ﵊ :» من تشبّه بقوم فهو منهم « [١٥] . والأمثلة على التشبه كثيرة في واقعنا، ومنها: المثال الأول: ما يسمى بالموضات، وهي تشبّه بالكفار إن كانت قادمة من الغرب ونحوه أو تشبه بالفساق، سواء أكان في الثياب أو غيره، وكذا قصات الشعر ... إلخ. ومن الموضات التي انتشرت قريباً: لبس البنطال للنساء، ولو سلمنا بأن ليس فيه تشبه، فإن المحاذير التي توجب منعه إذا لبسته المرأة أمام النساء أو محارمها من الرجال غير الزوج كثيرة ... مع التذكير بأن شكل البنطال كان واسعاً فضفاضاً في بداية تقديمه إلى المسلمين؛ حتى يتقبلوه ويكسروا حاجز التردد والحياء في لبسه، ثم لم نلبث إلا وقد امتلأت الأسواق بأنواع كثيرة من البناطيل الضيقة، التي استساغ لبسها بعض النساء مع الأسف الشديد، فحذار حذار أيتها المؤمنة وأيها الغيور أن نتورط في شراك الشيطان، وحبائل أهل الشرّ. المثال الثاني: لبس الدبلة عند الخِطبة أو عقد الزواج، فهو تشبه ظاهر بالنصارى. المثال الثالث: ثوب العروس الأبيض، ذو الطرحة البيضاء، وقد التزمه عدد كبير من الناس، وهي من عوائد الغرب المستوردة. سادساً: ما فيه تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال: لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً:» لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال « [١٦] . سابعاً: ثوب الشهرة: وهو ما قصد به الترفع الخارج عن العادة، أو التواضع والتخفض الخارج عن العادة [١٧] ، لقوله:» من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلّة يوم القيامة، ثم ألهب فيه ناراً « [١٨] . ثامناً: المشي بنعل واحدة: لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» لا يمشِ أحدكم في نعل واحدة، ليُحفهما أو ليُنعلهما جميعاً « [١٩] . ومن المناسب هنا ذكر بعض السنن المتعلقة بلبس النعل: الأولى: ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:» إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع « [٢٠] . الثانية: الصلاة في النعال: سُئل أنس بن مالك:» أكان النبي يصلي في نعليه؟ قال: نعم « [٢١] ، وثبت من حديث شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم « [٢٢] ، ولم يكن من هديه ﵊ المداومة على لبس النعلين في الصلاة، لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ ، قال: ... » رأيت رسول الله يصلي حافياً ومنتعلاً « [٢٣] ، ومن المناسب: تقييد هذه السنّة بعدم الإيذاء، كما في المساجد المفروشة اليوم. الثالثة: أن يحتفي أحياناً؛ فعن عبد الله بن بريدة ﵁ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال:» كان النبي يأمرنا أن نحتفي أحياناً « [٢٤] . تاسعاً: التختم بالذهب [٢٥] والحديد للرجال: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ :» أنه نهى عن خاتم الذهب « [٢٦] ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي نهى عن خاتم الذهب، وعن خاتم الحديد» [٢٧] . أما قول النبي ﷺ : (اذهب فالتمس ولو خاتماً من ... حديد) [٢٨] : فلا دليل فيه على جواز لبس الخاتم للرجال، لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس [٢٩] ، وإنما فيه جوازه للنساء. أما خاتم الفضة: فجائز للرجال، ويسن عند الحاجة إليه كالقاضي الذي يحتاج إلى خاتم، والدليل: حديث أنس ﵁ : «أن النبي أراد أن يكتب إلى رهط أو ناس من الأعاجم فقيل له: إنهم لايقبلون كتاباً إلا عليه خاتم، فاتخذ النبي خاتماً من فضة، نقشه: محمد رسول الله» [٣٠] . والسنّة: أن يوضع في الخنصر من اليد اليمنى أو اليسرى، وقد نهى النبي ﷺ عن وضعه في الموحِّدة (السبابة) والوسطى، أما البنصر فمسكوت عنه، فيبقى على أصل الإباحة، والأدلة على ذلك: ١- عن أنس ﵁ قال: صنع النبي ﷺ خاتماً، قال: إنا اتخذنا خاتماً ونقشنا فيه نقشاً، فلا ينقشن عليه أحد، قال: فإني لأرى بريقه في خنصره « [٣١] . ٢- ثبت عن النبي ﷺ في عدد من الأحاديث أن النبي - ﷺ وضع الخاتم في اليمنى، وفي أحاديث أخرى أنه وضعه في اليسرى، وقد اختلف أهل العلم في طريق الجمع بينها، ولعل أقرب المسالك جواز الأمرين [٣٢] . ومن تلك النصوص: أ- حديث أنس ﵁ ، قال:» كان خاتم النبي في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليُسري « [٣٣] . ب- عن علي ﵁ :» أن النبي كان يتختم في يمينه « [٣٤] . ٣- عن علي ﵁ قال:» نهاني رسول الله أن أتختم في إصبعي هذه أو هذه، قال: فأومأ إلى الوسطى والتي تليها « [٣٥] ، وعن أبي داود التصريح بذكر الوسطى والسبابة [٣٦] . وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 2331

مرتكزات للفهم والعمل تزكية النفس والحذر من الفتور بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على نبي الهدى، ومن بهديه اهتدى، وبعد: فإن الفلاح مطلب العاملين، وقد رتبه الله (تعالى) على تزكية النفس وتربيتها وتطهيرها، فقال : [قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى] [الأعلى: ١٤] ، وقال: [قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] [الشمس: ٩، ١٠] . وقد بعث الله رسوله ﷺ معلماً ومربياً، فقال: [هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [الجمعة: ٢] ، فكان ﷺ يتعاهد نفوس أصحابه بالتربية والتزكية. وإن إصلاح النفوس وتزكيتها دأبُ السائرين إلى الله (تعالى) : الأنبياء وأتباعهم، فقد كان ﷺ يكابد من دعوة قومه الشدائد، فإذا أظلم الليل انتصب لربه راكعاً وساجداً، يسأله ويرجوه، ويخضع بين يديه ويتذلل له، وقد كان قيام الليل واجباً على المسلمين عاماً كاملاً، وذلك لما له من أثر في إصلاح القلب، وانطلاقة المسلم وثباته في آنٍ معاً، مما يجعله ضرورة ملحة لا غنى عنها. ومن ثَم: كان واجب كل مسلم، وخاصة المشتغلين بالعلم والدعوة أن يجعل من أكبر همه إصلاح نفسه وتهذيبها، وتعاهدها في صلته مع الله، وأخلاقه وسلوكه مع الخلق، ويجعل من ذلك منطلقاً لدعوة الناس وإصلاحهم. التخلية والتحلية والمجاهدة: من أعظم قواعد تربية النفس: تخليتها من اتباع الهوى؛ فإن اتباع الهوى موجب لأمراض لا حصر لها، وعلّة المرض لا تعالج إلا بضدها، فالطريق لمعالجة القلوب: سلوك مسلك المضادة لكل ما تهواه النفس وتميل إليه، وقد جمع الله ذلك كله في كلمة واحدة، فقال : [وَأَمَّا منْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى (٤٠) فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى] [النازعات: ٤٠، ٤١] ، وقال: [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ... ] [العنكبوت: ٦٩] . والأصل المهم في المجاهدة: الوفاء بالعزم، فإذا عزم على ترك شهوة، وابتلاه الله وامتحنه بتيسير أسبابها، فالواجب الصبر والاستمرار، فإن النفس إذا عُوِّدت ترك العزم ألفت ذلك، فَفَسَدَت. ثم يتعين بعد ذلك: تحلية النفس وتعويدها على الخير، حتى تألفه ويكون سجية لها، قال: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرّ الخير يُعطَه، ومن يتق الشر يوقه» [١] ، فإن الأعمال لها أثر يمتد حتى يصل إلى القلب، فكما أن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح: فإن كل فعل يجري على الجوارح قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دَوْر، وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح [٢] . الحذر من الفتور [٣] : فإذا ما تمت تخلية النفس من اتباع الهوى وتحليتها بفعل الخيرات والفضائل: وجب بعد ذلك أن يَنْصبّ الاهتمام على متابعة النفس في فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات والنية في المباحات، فإن النفس من طبعها الكسل والتراخي والفتور. قال: «لكل عمل شَرّة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك» [٤] . قال ابن القيم ﵀ : «تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم، رُجي له أن يعود خيراً مما كان» [٥] . درجات الفتور: إذن: فالفتور أمر لا بد منه، ولكن الفتور درجات وأقسام: ١- أخطرها كسل وفتور عام في جميع الطاعات، مع كره لها، وهذه حال المنافقين. ٢- ثم كسل وفتور في بعض الطاعات، مع عدم رغبة، دون كره لها، وهذه حال كثير من فساق المسلمين. ٣- كسل وفتور سببه بدني، فهناك الرغبة في العبادة، ولكن الكسل والفتور مستمر، وهذه حال كثير من المسلمين. والخطير في هذه الحالة أن العمر يمضي، والأيام تنصرم دون إنتاج ولا عمل يذكر، والأخطر من ذلك: الانتقال إلى حالة أشد منها، فتعظم المصيبة، أو يقع الشبه بالمنافقين في التكاسل عن الطاعات، والتثاقل عن الخيرات؛ لذا: كان النبي ﷺ يستعيذ من العجز، ومن الكسل في الصباح والمساء، ويعلم أصحابه أن يستعيذوا منه. وقد عاتب الله المؤمنين في تثاقلهم عن الجهاد، ودعاهم إلى المسارعة والمبادرة إلى الخيرات، ورغبهم في جزاء السابقين المسارعين إلى الخيرات، وبيّنه لهم. الداعية والفتور: والفتور والكسل داء يدب في الناس على مختلف درجاتهم، وأخطر ما يكون على الدعاة وطلبة العلم، مما يجعل تفاديه قبل حلوله، أو تلافيه بعد نزوله أمراً ضروريّاً، والدفع أسهل من الرفع. ومن هنا: وجب تعاهد النفس؛ لئلا تقع في فتور ينقلها من مرحلة إلى مرحلة، فيتعسر الداء، وتصعب المعالجة؛ لأن أمراض النفس كالنبتة، أسهل ما يكون قلعها وإزالتها أول نباتها، فإذا ما تركت أخذت في النمو والكبر والثبات في الأرض، حتى يحتاج قلعها إلى الرجال والفؤوس، وكذلك أمراض القلوب: تبدأ في ظواهر يسيرة، فإذا أهمل صاحبها علاجها تمكنت منه حتى تكون هيئات راسخة، وطباع ثابتة. لذلك: كان الواجب علينا معشر الدعاة أن نتفحص أنفسنا، ونتأمل أحوالنا: هل نجد شيئاً من مظاهر الفتور؟ ، فنبادر إلى معرفة الأسباب والسعي في العلاج. مظاهر الفتور: مظاهر الفتور كثيرة، منها: التكاسل عن الطاعات، والشعور بالضعف والثقل أثناء أدائها، والغفلة عن الذكر، وقراءة القرآن. الشعور بقسوة القلب، وضعف تأثره بالقرآن والمواعظ. التساهل في ارتكاب المعاصي وإلفها. عدم استشعار المسؤولية والأمانة، وضعف هم الدعوة في القلب. انفصام عرى الأُخُوّة بين المتحابين. الاهتمام بالدنيا، والانشغال بها عن فعل الخير. كثرة الكلام الذي لا طائل تحته، وكثرة الجدال والمراء، والحديث عن الأمجاد، والمشكلات، والانشغال بذلك عن العمل الجاد والمثمر المفيد للأمة. ضعف جذوة الإيمان، وانطفاء الغيرة على محارم الله. ضياع الوقت، وعدم الإفادة منه. عدم الاستعداد للالتزام بشيء، والتهرب من كل عمل جدي. الفوضوية في العمل. خداع النفس؛ بأن يتوهّم بأنه يعمل، لكنه في الحقيقة فارغ، أو عمله بلا هدف. النقد لكل عمل إيجابي. التسويف، والتأجيل، وكثرة الأماني. أسباب الفتور: وإذا تساءلنا: ما أسباب هذا الفتور الذي نعاني منه، وما دواعيه؟ ، فالجواب: إنها كثيرة، متفاوتة في الأهمية، ومنها: عدم الإخلاص في الأعمال، أو عدم مصاحبته؛ بأن يطرأ الرياء على الأعمال. ضعف العلم الشرعي؛ فيضعف علم فضائل الأعمال وثوابها، وفضل الصبر وأثره، ونحو ذلك. تعلق القلب بالدنيا ونسيان الآخرة. فتنة الزوجة والأولاد، فإنها ملهاة عن كثير من الطاعات، إذا لم ينتبه لها. عدم فهم الدين نفسه، وهذا غريب! ، والأغرب: أن يفهم طبيعة الدين، ويتذوق حلاوة الإيمان، ثم ينصرف عن العمل في ميدانه. الوقوع في شيء من المعاصي والمنكرات، وأكل الحرام أو المشتبه بالحرام. عدم وضوح الهدف الذي يدعو من أجله، وهو: طلب مرضاة الله، وتعبيد الناس لرب العالمين، وإقامة دين الله في الأرض. ضعف الإيمان بالهدف، أو الوسيلة الدعوية التي يسلكها. الغلو والتشدد، بحيث ينقلب ذلك سبباً للملل وترك العمل. العقبات والمعوقات الكثيرة في طريق الدعوة والداعية، وتلك سنة الله في الدعاة والدعوات. الفردية وإيثار العزلة، فيدركه الملل والسأم. الجمود في أساليب الدعوة وعدم التفكير في وسائل وأساليب توصل المقصود إلى المدعوين، وتحافظ على أصول الدعوة وروحها، ومن ذلك مثلاً: التنويع في أساليب مخاطبة الناس، كلٍّ حسب مستواه: بالكلمة المسموعة، والمقروءة، بشتى صورها وأشكالها، ومنه: التنويع في كيفية إلقاء دروس العلم والقرآن، من حيث المكان والوسائل. عدم استحضار عداوة الشيطان المستمرة، وأيضاً: عدم استشعار تحدي الكفار للمسلمين، وأنهم يبذلون كل وسيلة لصد المسلمين عن دينهم والكيد لهم. الأوهام ووساوس الشيطان التي تزرع الخوف في القلوب، وتشكك الداعية في سلامة الطريق. أمراض القلوب: كالحسد، وسوء الظن، والغل، وحب الصدارة، والكبر ... التقصير في العبادة وعمل اليوم والليلة من الرواتب والسنن والأذكار والورد اليومي ... استبطاء النصر، واستعجال النتائج. عدم الاستقرار على برنامج أو عمل معين، وترك العمل قبل إتمامه، ثم الانتقال إلى غيره.. وهكذا. النظر إلى مَنْ دونه في العلم والعبادة، وذلك مثبط للهمم. الدخول على أهل الدنيا ومخالطتهم، وفيه مفاسد عظيمة، لا ينجو منها إلا من سلّمه الله. الفتور في معالجة الفتور. علاج الفتور: ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، والفتور من أشد الأمراض المعنوية، وتتأكد خطورته حينما لا يحس به الإنسان حتى ينقله إلى الانحراف، فيقضي عليه والعياذ بالله، ومن هنا تتأكد أهمية العلاج باتخاذ سبل الوقاية منه ابتداء، أو عمل الأسباب التي تذهب به بعد وقوعه، وأهم سبل العلاج: تلافي أسبابه، وذلك أعظم وسيلة للنجاة، وإن القناعة بخطورة هذا المرض ووجوب التخلص منه وقاية وعلاجاً أمر ضروري للإفادة من سبل العلاج، ومنها: الدعاء والاستعانة؛ فإن الله يجيب المضطر إذا دعاه، والمصاب بدينه الذي يخاف على نفسه: أعظم المضطرين، والله هو المستعان على كل خير، ولذا: أوصى النبي ﷺ معاذاً أن يقول دبر كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» . تعاهد الإيمان وتجديده، والحرص على زيادته بكثرة العبادة؛ مما يكون زاداً للمؤمن، ومخففاً عنه عناء الطريق. مراقبة الله، والإكثار من ذكره، ومراقبته تستلزم خوفه وخشيته، وتعظيمه، ومحبته، ورجاءه، والإيمان بعلمه وإحاطته وقدرته، أما الذكر: فهو قوت القلوب، وبه تطمئن، وأعظم ذلك: الصلة بكتاب الله (تعالى) : تلاوة، وفهماً، وتدبراً، وعملاً، وحكماً، وتحاكماً، فإن من لم ينضبط بالقرآن أضله الهوى. الإخلاص والتقوى؛ [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً] [الأنفال: ٢٩] . تصفية القلوب من الأحقاد، والغل، والحسد، وسوء الظن؛ مما يشرح الصدر، ويسلم القلب. طلب العلم، والمواظبة على الدروس وحلق الذكر والمحاضرات؛ فإن العلم طريق الخشية، وهو قوت القلوب. الوسطية والاعتدال في العبادة، وفي عمل الخير. تنظيم الوقت، ومحاسبة النفس. لزوم الجماعة، وتقوية روابط الأخوة. تعاهد الفاترين ومتابعتهم؛ لئلا يؤدي بهم الفتور إلى الانحراف. التربية الشاملة المتكاملة على منهاج النبوة التي تقي من الفتور بإذن الله (تعالى) . تنويع العبادة والعمل، من: الذكر، وقراءة القرآن، والصلاة، وقراءة الكتب المفيدة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقضاء حوائج الناس، وإغاثة الملهوفين ... الاقتداء بالأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، والدعاة المخلصين.. في نشاطهم، وحرصهم على أوقاتهم وأعمالهم. علو الهمة ونبل المقصد والأخذ بالعزيمة، بأن يكون الهمّ: الجنة، والمقصود: مرضاة الله؛ بالسعي في العبادة حتى الموت. الإكثار من ذكر الموت، وخوف سوء الخاتمة، بزيارة المقابر، ورؤية المحتضرين، فإن ذلك يورث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة.. ونسيان الموت: يورث أضداها. جعل ذكر الجنة والنار من الإنسان على بال، وقراءة صفة كلٍّ منهما في كتاب الله (تعالى) وسنة رسوله ﷺ ، فإن ذلك يشحذ الهمم ويذكي العزائم. الحرص على زيادة العمل، والاستمرار فيه، والحذر من التكاسل، خاصة فيما حافظ عليه من عمل، فإن من ترك سنة يوشك أن يترك واجباً.. وهكذا. الصبر والمصابرة؛ فإن طريق العلم والعبادة والدعوة إلى الله طريق شاق وطويل، وكثير المتاعب والمصاعب. نسأل الله أن يثبتنا على دينه ويختم لنا بخاتمة الخير.

стр. 2332

مقال تأملات في فقه الجهاد (١ من ٢) بقلم: د.محمد بن عبد العزيز الشباني ترتبط قوة المجتمع الإسلامي بمدى تمسكه والتزامه بأسس وقواعد الإيمان الذي يرتكز عليها البناء العقائدي للإسلام، وممارسته للتشريعات والأحكام التي تمثل المنهج السلوكي لأفراد الأمة، في مجتمع يقوم تنظيمه السياسي والاجتماعي والاقتصادي على هذه التشريعات والأحكام. إن ضعف المجتمع الإسلامي وانهزامه يرتبط مباشرة بابتعاده وخروجه عن أحكام الإسلام، سواء أكان منها ما يرتبط بسلوكيات الفرد، أو بالتنظيمات الاجتماعية التي يجب على المجتمع المسلم الالتزام بها، لحماية المجتمع المسلم وإبقائه مرتبطاً بمرتكزاته العقائدية والتشريعية المنظمة لأموره؛ فقد وضع الإسلام منهجاً أوجب على كل فرد من أفراد مجتمع المسلمين ممارسته، كل بحسب طاقته وقدرته وعلمه، يتمثل هذا المنهج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال جهاد اليد واللسان والقلب، فموضوع الجهاد أكبر من أن يقصر على قتال الكفار من النصارى واليهود وغيرهم. لقد ورد لفظ الجهاد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة من القرآن، تدور كلها حول المفهوم الشامل للمجاهدة والمدافعة، يقول الإمام الماوردي في تفسيره لقول الله (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ] [البقرة: ٢١٨] : « (وجاهدوا) يعني: قاتلوا، وأصل المجاهدة: المفاعلة من قولهم: جهد كذا، إذا أَكَدّه وشق عليه، فإن كان الفعل من اثنين، كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة، قيل: فلان يجاهد فلاناً» [١] ، ويشير صاحب تفسير (غرائب القرآن) إلى مفهوم الجهاد، فيقول: «والمجاهدة من (الجَهد) بالفتح، الذي هو المشقة، أو من (الجُهد) بالضم: الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل جهد كذا، إذا أَكَدّه وشق عليه، فإن كان الفعل من اثنين، كل واحد منهما يكابد العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله، كالمساعدة: ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصل القوة» [٢] ، ويوضح الحافظ ابن حجر ﵀ في (فتح الباري) مفهوم الجهاد بقوله: «الجِهاد (بكسر الجيم) ، أصله لغةً: المشقة، يقال: جهدت جهاداً إذا بلغت المشقة، وشرعاً: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، فأما مجاهدة النفس: فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان: فعلى ذم ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات، أما مجاهدة الكفار: فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساد: فباليد، ثم اللسان، ثم القلب» [٣] . إن المتتبع لآيات القرآن الكريم التي ذكر فيها لفظ (الجهاد) ضمن المفهوم العام الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر يمكنه حصر متعلقاتها بالآتي: ١- مغالبة الكفار ومقاتلتهم، أي: المواجهة الحربية وقتالهم؛ لإلزامهم بالدخول في الإسلام، مثل مشركي العرب، أو بدفع الجزية وفتح المجال أمام من يرغب في الدخول في الإسلام بإزالة الخوف وتحقيق مبدأ «لا إكراه في الدين» ، ومن الآيات المؤكدة لهذا المعنى: قوله (تعالى) : [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] [آل عمران: ١٤٢] ، ... وقوله (تعالى) : [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاً] [الأنفال: ٧٤] ، وقوله (تعالى) : ... ... [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الصف: ١٠، ١١] . ٢- بذل المال للجهاد: وإطلاق لفظ الجهاد على بذل المال، وقد قدّم المال على النفس في معظم الآيات التي تحدثت عن الجهاد؛ لما له من دور في تحقيق غاية الجهاد، ومن ذلك قوله (تعالى) : [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] ... [الحجرات: ١٥] ، وقوله (تعالى) : [الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ] [التوبة: ٢٠] . ٣- جهاد الكلمة: من خلال الدعوة إلى الله، ورد شبهات المنافقين والكافرين بالحجة والبرهان، والعمل على نشر الحق والخير، ومنع المنكرات الفعلية والقولية من خلال الكلمة الصادقة والحجة القاطعة، يقول الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] [التحريم: ٩] ، ومعروف أن المنافقين يمارسون حياتهم ضمن المجتمع المسلم، ولكنهم يمارسون الكفر من خلال الكيد للإسلام بقول الكلمة السيئة؛ لصرف الناس عن الحق وتشويه الأفكار والأحكام الإسلامية؛ بقصد بذر بذور الشك، ولقد صور القرآن الكريم تلك الأساليب من الكيد للإسلام خلال العهد النبوي وذلك: بالتحالف مع اليهود ومشركي العرب بزعامة قريش في عدد من آيات الكتاب الحكيم، وحيث إن مجابهة المنافقين لا تتم من خلال المواجهة العسكرية، وإنما من خلال الكلمة، فقد كان لجهاد الكلمة مكانة رفيعة وبارزة في الدفاع عن الأساس العقدي والتشريعي للمجتمع المسلم، ولهذا: وجه الله رسوله إلى الاستعانة بالقرآن الكريم للرد عليهم، يقول (تعالى) مخاطباً رسوله ومن معه ومن بعده من المؤمنين: [فَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً] [الفرقان: ٥٢] ، ويفسر ابن كثير هذه الآية بقوله: « (وجاهدهم) ، أي: بالقرآن، قاله ابن عباس، جهاداً كبيراً، كما قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ] ... الآية [٤] ، وقوله (تعالى) : [وَمَن جَاهَدَ فَإنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ] [العنكبوت: ٦] ، قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوماً من الدهر بسيف» [٥] . ٤- مغالبة النفس وجهادها: بمنعها من الوقوع في الشرك والكفر والفسوق وارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب، ويطلق القرآن على هذه المدافعة النفسية لفظ الجهاد، يقول (تعالى) : [وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ] [لقمان: ١٥] فقد نزلت هذه الآية في سعد بن مالك ﵁ وموقفه من أمه، وكان بارّاً بها، ومع ذلك: لم يتابعها على دينها مع ما يبذله من بر وطاعة وحسن خلق معها، كما أن من المجاهدة: الصبر على تحمل الأذى في سبيل العقيدة، والالتزام بما أمر الله به من فعل، وترك ما نهى الله عنه من فعل، يقول (تعالى) : [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩] ، وقد ذكر ابن كثير عن ابن أبي حاتم عن أبي أحمد من أهل عكا تفسيراً لمفهوم هذه الآية أنه قال: «الذين يعملون بما يعلمون: يهديهم الله لما لا يعلمون» ، وهذا لا يحصل إلا بمجاهدة النفس. يرتبط الجهاد حسب المفاهيم السابقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حيث إن الجهاد هو وسيلة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبدون ممارسة المجتمع المسلم بمختلف فئاته وفقاً للضوابط الشرعية وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإن الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام يفقد دوره الحافظ لقيم ومبادئ وتشريعات الإسلام، ولهذا: فهناك التلازم فيما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ ، قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» [٦] . فهذا الحديث يؤكد التلازم بين الجهاد بالمعنى العام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل واضح؛ حيث يحدد أن الإيمان الذي يمثل الركيزة التي يقوم عليها البناء الاجتماعي للمجتمع المسلم إنما يقوم على مجاهدة أولئك الذين يريدون أن ينحرف المجتمع المسلم عن مساره قولاً وفعلاً، فمقاومتهم جهاد، وعليه: يأتي التوجيه النبوي لمجموع أفراد الأمة بوجوب تغيير المنكر، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «.. من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [٧] . لقد جاءت لفظة (المنكر) في هذا الحديث بصيغة التنكير التي تفيد العموم، وقد ذكر الحسن بن محمد النيسابوري في كتابه غرائب القرآن عند تفسيره لقوله (تعالى) : [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: «إن لفظ (الخير) جنس، تحته نوعان: الترغيب في فعل ما ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته، والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان، فقال: ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر [اي: أتبع كلمة (الخير) المشتملة على النوعين، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر] ، واختلفوا في أن كلمة (مِنْ) في قوله (منكم) للتبيين أو للتبعيض، فذهبت طائفة إلى أنها للتبيين؛ لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه.. وقال آخرون: إنها للتبعيض، إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعلماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر» [٨] . أنواع وأشكال الجهاد: إن مراتب الجهاد المرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتحدد في ثلاثة أشكال حسبما حددها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على النحو التالي: أولاً: الجهاد العسكري، وهو جهاد يقصد منه إزالة المنكر الذي يحتاج إلى استخدام القوة لتغييره.. والمنكر الذي يحتاج إلى استخدام القوة من خلال الجهاد العسكري ينقسم بدوره إلى: جهاد لنشر الإسلام، باعتبار أن أكبر المنكرات هو الصد عن الإسلام من خلال محاربة الإسلام والمسلمين ومنع الناس من أن يعبدوا الله وفق ما شرعه.. وإلى جهاد لصد الكفار من اليهود والنصارى ممن استباح ديار المسلمين واحتلهم واستذلهم وحاربهم وحارب كل من سعى لتطبيق منهج الله وشرعه في ديار الإسلام من خلال التهديد بمختلف صوره قولاً وفعلاً. هذا الجانب من الجهاد قد ضعف، بل أصبح من الأمور التي يُتكلم فيها على استحياء، فنجد المقولة التي يُراد لها أن تتعمق في العقل المسلم: إن الإسلام دين يدعو إلى السلام، ولو كان السلام يقوم على التمكين لغير شرع الله! ، وبالتالي: فلا يجوز محاربة الكفر وإعلان الجهاد لتبليغ رسالة الإسلام وإزالة الطواغيت التي تصد الناس عن سماع واتباع الحق، من أجل ذلك: فقد قامت الدعوة إلى عقد الندوات والمؤتمرات الداعية إلى التقارب بين الأديان ونبذ الصراع مع الباطل ومسالمته، مع أن سنة الله قائمة على استمرار الصراع بين الحق والباطل. إن الجهاد العسكري ضد الدول الكافرة التي تحارب الإسلام؛ فتصد عن سبيل الله، أو تساعد وتناصر القوى الظالمة والجبابرة من أجل إبقاء المجتمع المسلم تحت عبوديتها، والعمل على تجذير الفرقة، والتمكين لأعداء الإسلام من المنافقين والملحدين من استعباد المسلمين.. هذا الجهاد أمر أوجبه الله على المسلمين، لقد جاءت نصوص القرآن واضحة جلية بهذا الخصوص، فمن ذلك قوله (تعالى) : [فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] [النساء: ٧٤] ، وقوله (تعالى) : [وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِياً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً (٧٥) الَذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] [النساء: ٧٥، ٧٦] ، وقوله (تعالى) : [قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] ، إن دلالة هذه الآيات صريحة بأمر قتال جميع قوى الكفر ممن يحاربون الإسلام ويمنعون عباد الله من الانضواء تحت شريعة الله، بل يظاهر بعضهم بعضاً لمحاربة الإسلام ودعاته والمطالبين بتحكيم شرعه، من هنا: فإن واجب الأمة السعي لتوجيه الجهد والطاقة لإحياء مفهوم الجهاد ومناصرة المستضعفين من المسلمين، الذين تنتهك حرماتهم، وتستباح ديارهم، ويُخرجون من ديارهم لا ذنب لهم إلا أنهم مسلمون، وقد أوجب الله جهاد هذه الفئة ممن يظاهر ويناصر أعداء المسلمين في قوله (تعالى) : [إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [الممتحنة: ٩] ، ومن مفهوم هذه الآية: فإن أي موالاة ومناصرة وخضوع لتلك القوى الكافرة اقتصاديّاً وإعلاميّاً سيجلب مقت الله وعذابه، فقد حذرنا رسول الله من الوقوع في ذلك بالحديث الذي جاء فيه: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [٩] ، وهذا الحديث يصور واقع الأمة الإسلامية وما وصلت إليه من ذل ومهانة، بحيث أصبح بعضها يلجأ لحل مشاكلها ونزاعاتها فيما بينها إلى دول الكفر من النصارى واليهود لحلها ونيل النصرة منها، مع أن الله (تعالى) قال في كتابه: [ ... لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ] [التوبة: ٨] ، وقال (تعالى) : [إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ] [الممتحنة: ٢] . إن التجربة التاريخية المعاصرة توضح هذه الحقيقة التي أشار إليها القرآن عن مدى الحقد والغل الذي يكنّه النصارى واليهود حتى مع استسلام المسلمين وخضوعهم لهم، وصدق الله: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى] [البقرة: ١٢٠] . من الفتن المظلمة في هذا العصر فيما يتعلق بمفهوم الجهاد: أن أعداء الله من المنافقين الذين ابتليت بهم الأمة عمدوا إلى تحريف العبارات عن مدلولاتها ومعانيها لتوافق أهواءهم وأهواء من باعوا أنفسهم له، فمن ذلك: استخدام لفظ الجهاد وأدلته لدفع كثير من البسطاء ممن يدفعه الحماس الديني والرغبة في الاستشهاد والانخراط في القتال باسم الجهاد وباسم الاستشهاد؛ لتحقيق أغراض، الله عليم بها، وكذلك: إطلاق لفظ الشهيد على أولئك الذين يقتلون تحت راية وطنية أو قومية أو مذهبية أو طائفية؛ بقصد تحقيق مكاسب سياسية تخدم قوى الكفر من النصارى واليهود. المفهوم الصحيح للجهاد: المعنى الصحيح للجهاد هو ما فسره الرسول الكريم ﵊ في الحديث الذي رواه البخاري، عن أبي موسى ﵁ قال: «قال أعرابي للنبي: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، من في سبيل الله؟ ، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل ... الله» (١٠) ، ويعلق الإمام ابن حجر على هذا الحديث فيقول: «وفي إجابة النبي ﷺ بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كلمه؛ لأنه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله لاحتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة» [١١] . إن على المسلمين أفراداً أو جماعاتٍ أن يكونوا على حذر من الدعوات التي تطلق باسم الجهاد، فلا ينخدع المسلم بكل من رفع راية الجهاد، وزعم أن رايته راية إسلامية، وعليه أن يتحقق من صحة دعوى الجهاد التي يطلقها الزعماء والقادة وأتباعهم ممن يزعم العلم والصلاح، وذلك بعدة أمور، من أهمها ما يلي: ١- النظر إلى المنهج الفكري للداعي للجهاد، وهل هو منهج إسلامي أم غير إسلامي، وهل من يدعو للجهاد يمارس الإسلام قولاً وسلوكاً وتنظيماً ونظاماً، أم إن الدعوة جاءت لجذب الأنصار وللتضليل مع أن منهج الداعي في منظمته أو دولته يتعارض مع الإسلام ومبادئه؟ ، لهذا: ينبغي النظر بدقة إلى واقع الداعي، ومدى التزامه بالإسلام فعليّاً من عدمه. ٢- دراسة وتمحيص التاريخ الشخصي للقادة الذين ينادون بالجهاد ومُنظِري ذلك من أتباع القادة من المفكرين الذين يؤطرون لهؤلاء القادة من خلال دراسة مدى سلامة عقيدتهم وسلوكهم قبل وصولهم إلى مراكز القيادة، وهل كانوا ذوي ارتباطات سابقة مع أعداء الله من ولاء وعمالة وخيانة ونفاق؟ ، وعلى ضوء هذا يتم تحديد صدق دعوة ذلك الزعيم من عدمها؛ فإذا كان القائد الداعي إلى الجهاد معروفاً بعدائه السابق للإسلام وتشريعاته، بل كان حرباً على التوجهات الإسلامية، عليه: فلا يمكن الركون إليه ولا إعانته، حتى ولو أظهر للناس عند الحاجة مظاهر الإسلام لخداعهم. ٣- معرفة أهداف القتال ومراميه، الذي من أجله طلب من الناس القيام بواجب الجهاد، فهل هذا القتال من أجل محاربة الكفار وصد عدوانهم على مجتمع يعيش فيه المسلمون، أو محاربة وجودهم في أرض الإسلام؟ ، ففي هذه الحالة ينبغي تلبية الداعي ولو كان فاسقاً في نفسه ومنحرفاً في سلوكه، وإن كان الغرض من القتال هو العمل على إقامة حكم يلتزم بشرع الله وذلك بتحكيم الإسلام في كل أمور الحياة فينبغي عندئذ: وضوح هذا الهدف وأن يكون ذلك سياسة معلنة لا غموض ولا لبس فيها، وليس من أجل الاستهلاك وخداع الناس وتضليلهم، ولهذا: لا بد من التأكد من صحة هذه الدعوى من خلال قيام الداعي بالممارسة العملية لتطبيق الشريعة قبل وبعد إعلان الجهاد، وعدم التسويف حتى تنتهي الأزمة ويتم الانتصار، ثم يقلب الزعيم ظهر المجن لأولئك البسطاء من الناس ممن خدعهم. ٤- التأكد من نوعية القيادة لمختلف مستويات المجموعة أو الدولة التي تعلن الجهاد، فهل هي نوعية ملتزمة في سلوكها وعقيدتها بالإسلام، وهل سياساتها وعلاقاتها تجري على ضوء تعاليم الإسلام، أم إن المسألة دعايات ومظاهر فقط، وربما تكون وليدة ردود أفعال لمآزق وقعت فيها الأنظمة، فيكون الهدف حشد الرأي العام في مناصرتها، فهذا ما يجب معرفته بحق. فإذا تأكد المسلم من توافر هذه الشروط والأحوال فيمن يدعو لجهاد أعداء الله من الكفار، وأصبح للداعي تميز مكاني؛ فأصبح للجماعة المنادية للجهاد أرض تمارس فيها حكم الله، ومن موضعها يتم الانطلاق للجهاد، فعندئذ يصبح الجهاد فرضاً على كل قادر، بل إن الهجرة لهذا المكان واجبة على القادرين لمناصرة المسلمين، وهذا ما فعله رسول الله ﷺ حينما هاجر إلى المدينة، وأصبح للمسلمين دار إسلام ودار منعة؛ حيث وُجدت القيادة، وأصبح للأمة قائد يتولى أمرها، أما قبل ذلك، وخلال مرحلة الضعف في مكة: فإن رسول الله - ﷺ منع المسلمين من مقاتلة كفار مكة، وأوجب عليهم تحمل الأذى.

стр. 2333

ملف العدد حتى لا ننسى فلسطين فاتحة الملف فلسطين الأرض المباركة إسلامية من قديم الأزل، وليس فقط منذ فتحها المسلمون على يد الخليفة الراشد «عمر بن الخطاب» ﵁ فالفتح الإسلامي كان وصلاً لمعالم التوحيد وتجديداً للعهد على ملة إبراهيم. وقضية فلسطين محورية في حياة المسلمين من حيثيات ثلاث: قَدْر الأرض المقدسة وعزيز مكانتها، ومن حيث: طرف الصراع فيها (اليهود) الذين يتولون كبر الحرب على المسلمين وينسجون مكائد الإجرام ضدهم، والثالثة: من حيث قدرية الصراع معهم الذي ما تركنا الرسول ﷺ إلا نصحنا بأبعاده، ودلنا على فاعل أدوات إدارته وأمضى أسلحة التعامل فيه، حيث يصدع صدى مبشراته: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعالَ فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» الحديث رواه مسلم وأحمد. إن هذه الأرض إسلامية مهما تكالبت عليها الخطوب، وحتى بعدما تحول الشمم العربي من لاءاته الثلاث الشهيرة إلى الاستسلام، عفواً: السلام، بل الهرولة إلى السلام وكأنه مغنم وفتح! . وحتى لا ننسى (فلسطين) يجيء هذا الملف محتوياً على عدد من المشاركات التي تعالج هذه القضية من أبعاد مختلفة، راجين أن نكون قد وفقنا للتذكير بهذا الهدف الكبير والأمانة العظمى. ومع ما وصلنا إليه من ضعف فإن أمل العودة يجب إلا يغيب عن أذهاننا، ولنذكر به أجيالنا ونرضعهم حبه وأنه لا شك قريب؛ لأن اليأس جاء في القرآن الكريم قرين الكفر [إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] [يوسف: ٨٧] . والله من وراء القصد،،،

стр. 2334

ملف العدد (حتى لا ننسى فلسطين) المسجد الأقصى.. والزلزال القادم بقلم: عبد العزيز كامل لا يغيب عن علم المطلع على تاريخ النبوات، أن لكل أمة قبلة تتجه إليها في صلواتها وعبادتها، فكما أن لنا نحن أهل الإسلام قبلة هي الكعبة المشرفة، فقد كان لكل من أصحاب الديانات السماوية السابقة قبلة يتجهون إليها [وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا] [البقرة: ١٤٨] ، وكان هذا التوجه عند أصحاب كل ملة جزءاً من شريعتهم، ولكن الأمر الذي جدّ بعد بعثة الرسول الخاتم ﷺ أن تلك الشرائع نُسخت وأُلغي العمل بها، وبالتالي: فقد نسخت شرعية كل قبلة يُتجه إليها إلا الكعبة المشرفة، فهي وحدها التي تقبل العبادة بالتوجه إليها، وهي أيضاً لا تقبل إلا من موحد مسلم. والمشكلة: أن هؤلاء المتبعين للشرائع المنسوخة لم يعترفوا وخاصة اليهود منهم بذلك النسخ، ولم يؤمنوا بالشريعة التي جاء بها النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم-، وهم بالتالي قد ظلوا متشبثين بالقبلة التي كانوا عليها [وَلَئِنْ أََتَيْتَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ... ] [البقرة: ١٤٥] . إن قبلة اليهود منذ كانوا، وإلى اليوم هي المعبد الذي شيده سليمان (عليه السلام) ، والذي يطلقون عليه: (هيكل سليمان) ، وهو الاسم التاريخي القديم للمسجد الأقصى قبل أن يتحول إلى إرث الأمة الإسلامية، والمعروف تاريخيّاً أن ذلك المعبد قد دُمِّر مرتين، المرة الأولى على يد الملك البابلي «بختنصر» عام (٥٨٧ قبل الميلاد) ، والمرة الثانية عام (٧٠ ميلادي) على يد الإمبراطور الروماني «طيطس» ، حيث دمره تدميراً كاملاً، ولم يبقَ منه إلا جزءاً من السور في الجهة الجنوبية الغربية لساحة المعبد، وهو الجزء الذي ظل باقياً حتى بعثة الرسول ﷺ ، وهو الذي رُبط فيه (البراق) في ليلة الإسراء والمعراج، وهو نفسه السور الذي تسميه اليهود اليوم بـ (حائط المبكى) ، وقد جاء ذكر التدميرَين (الأول والثاني) في القرآن الكريم في أول سورة الإسراء. والمقصود هنا: أن اليهود ظلوا يتجهون إلى ناحية ذلك الهيكل في صلواتهم منذ ذلك التاريخ، وظلوا يتشوقون ويتشوفون إلى يومٍ يستطيعون فيه إعادة بناء ذلك الهيكل الذي يدْعُونه اليوم بـ (الهيكل الثالث) . ولم تسنح الفرصة لليهود طوال ما يقرب من ألفي عام لتحقيق حلمهم التاريخي، إلا في هذا القرن، بعد أن عادوا للاستيطان في أرض فلسطين، وظل حلمهم يقترب من التحقيق شيئاً فشيئاً، حتى اقترب جدّاً باحتلالهم لمدينة القدس بعد حرب عام ١٩٦٧م، حيث وقع المسجد الأقصى أسيراً تحت أيديهم، ولكن الأمور لم تكن بالسهولة التي يستطيعون معها في الحال أن يُقدموا على إنفاذ رغباتهم المحمومة في هدم المسجد الإسلامي وبناء المعبد اليهودي مكانه، فلجؤوا إلى الحيل والمكائد والمؤامرات للوصول إلى ذلك الهدف. عندما بدأ الاحتلال الإسرائيلي للقدس، لم يكن ظاهراً من حائط المبنى القديم إلا (٢٨) متراً فقط، وكان الباقي محجوباً بالأبنية والمنازل المكونة لما يعرف بـ (حي المغاربة) ، ذلك الحي الذي أقدمت السلطات اليهودية في عام ١٩٦٧م على هدمه؛ لكي تكشف بقية حائط المبكى، ووسعت الطريق المقابل له، بحيث أصبح ساحة كبيرة جعلها اليهود مركزاً دينيّاً مؤقتاً لعبادتهم، وكان هذا الإجراء هو أول مرحلة من ضمن عشر مراحل من تلك المؤامرة (مؤامرة الحفريات) ، التي تمت تحت زعم البحث عن أي آثار تاريخية للهيكل المهدوم منذ ما يقرب من ألفي عام، هذا هو الهدف الظاهر، أما الهدف الباطن فيظهر لنا من خلال استعراض مختصر لتلك المراحل العشر: المرحلة الأولى: وهي تلك التي هدم اليهود فيها حي المغاربة نهائيّاً لتكون الأرض جاهزة لأي أعمال حفر وتنقيب، وقد استمرت الحفريات في هذه المرحلة سنة كاملة، ووصل عمقها إلى (١٤) متراً. المرحلة الثانية: واستمرت فيها عمليات الهدم في الأحياء الإسلامية مع إجلاء سكانها العرب، وفي هذه المرحلة حدث حريق المسجد الأقصى عام ١٩٦٩م. المرحلة الثالثة: استمرت خلال الأعوام (١٩٧٠م ١٩٧٢م) وبدأ فيها شق الأنفاق تحت أسوار المسجد الأقصى من جانبيها الجنوبي والغربي، حتى نفذت إلى الأرضية الداخلية تحت ساحة المسجد، وشملت هذه المرحلة الاستيلاء على أبنية إسلامية كثيرة، منها: مبنى المحكمة الشرعية. المرحلة الرابعة: (عام ١٩٧٣م) ، حيث اقتربت الحفريات من الجدار الغربي للمسجد الأقصى، وتغلغلت مسافة طويلة تحته، ووصلت أعماق الحفريات وقتها إلى أكثر من ثلاثة عشر متراً. المرحلة الخامسة: (عام ١٩٧٤م) ، وفيها توسعت الحفريات أفقيّاً تحت الجدار الغربي. المرحلة السادسة: (١٩٧٥م ١٩٧٦م) ، وفيها أزال اليهود أثناء التوسع في الحفريات مقبرة للمسلمين تضم رفات الصحابيين الجليلين عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس ﵄ . المرحلة السابعة: (١٩٧٧م) ، وصلت الحفريات إلى تحت مسجد النساء داخل المسجد الأقصى، وتمت فيها موافقة لجنة وزارية إسرائيلية على مشروع بضم أقسام أخرى من الأراضي المجاورة للساحة، وهدم ما عليها بعمق تسعة أمتار. المرحلة الثامنة: (١٩٧٩م) ، وبدأت فيها حفريات جديدة قرب حائط البراق، وتم شق نفق طويل، وتقرر الاستمرار فيه حتى يخترق المسجد الشريف من غربه إلى شرقه، وقد تم تحصين هذا النفق بالأسمنت المسلح، وأقيم كنيس يهودي صغير، افتتحه رسميّاً رئيس الدولة اليهودية ورئيس وزرائه. المرحلة التاسعة: (١٩٨٦م) ، وفيها استشرت الحفريات من كل جانب، وتم إجلاء أعداد كبيرة من السكان من القدس القديمة، وأغلقت السلطات الإسرائيلية مستشفى فلسطينيّاً، واغتصبت بيوتاً عربية كثيرة، وسكن «شارون» وزير الدفاع السابق ووزير الإسكان الحالي في واحدة منها! ، تأكيداً على تهويد القدس. المرحلة العاشرة: (عام ١٩٨٨م) ، وقد بدأت بشراسة، فازداد التوغل تحت أرضية الساحة وحولها، وبينما يقوم الحراس المسلمون بحماية المسجد من الداخل ضد أي اعتداء، إذا بالحفارين اليهود يتوغلون في الحفريات من المحيط الخارج عن الأسوار، ومن الأحياء التي تسيطر عليها القوات العسكرية اليهودية سيطرة تامة، وتركزت الحفريات على الطبقات التحتية لتفريغها من التربة. وكانت هذه المرحلة من أخطر المراحل؛ لأنها كانت تهدف إلى تفريغ الأتربة والصخور من تحت المسجد الأقصى ومسجد الصخرة لترك المسجدين قائمين على فراغ، ليكونا لا قدر الله عرضة للانهيار أو السقوط بفعل أي تقلبات مناخية أو هزات أرضية، أو حتى صوت عالٍ تسببه طائرة تخترق حاجز الصوت..! ! النفق ليس جديداً: إذن: فأمر النفق (أو الأنفاق) ليس جديداً، فهذا النفق قد بُدئ العمل فيه منذ ثمانية عشر عاماً، إلا أنه تم إكمال حفره في ليلة عيد الغفران اليهودي لهذا العام، وتم افتتاحه رسميّاً يوم الثلاثاء ٢٤ سبتمبتر الماضي في احتفال شارك فيه «إيهودا ألمرت» رئيس بلدية القدس، ومندوبون عن وزارة الشؤون الدينية، ويبلغ طول النفق ٤٥٧ متراً، وقد وضع الإسرائيليون بوابة حديدية عند نهايته، وفرضوا عليه حراسة عسكرية مشددة بموافقة مباشرة من (بنيامين نتنياهو) . وإذا كان حفر النفق جزءاً من مؤامرة الحفريات التي تهدف إلى تفريغ الأرض تحت المسجد الأقصى تمهيداً لهدمه، فإن هناك هدفاً آخر من افتتاحه رسميّاً وسط هذا الضجيج الإعلامي الدولي، وهو الترويج لدعاية أن القدس ليست هي ما يراه العالم اليوم، وإنما هي (أورشليم) الموجودة تحت سطح المدينة، والتي سيعملون على إخراجها من باطن الأرض أو باطن التاريخ من جديد، ويُذكر هنا أيضاً: أن هناك الآن ما يطلق عليه اليهود (إسطبلات سليمان) التي يقول اليهود: إنها كانت مكاناً يجمع فيه سليمان ﵇ الدواب التي يستعملها في حروبه وفتوحاته، ومكان هذه الإسطبلات أيضاً: أسفل الجهة الجنوبية للمسجد الأقصى. فاليهود إذن نقلوا جزءاً من الصراع إلى تحت الأرض، وهم يدعون يوماً بعد يوم أن هذا الجزء أو ذلك الجزء تحت الأرض هو ملك خاص لهم، وليهنأ العرب والمسلمون بملكية الدور الثاني أو الثالث أو الرابع من تلك الأدوار التي بنيت فوق الأراضي المملوكة للغير! . أما إذا هدمت تلك الأدوار أو سقطت لأي عارض.. فالملك سيعود لأصحاب الأرض ... ولكن أي أرض؟ إنها (أرض إسرائيل) كلها، أو (أرض التوراة) ، أو (أرض الميعاد) .. من النيل إلى الفرات، تلك الأرض التي لا قيمة لها عندهم إلا بالقدس، ولا قيمة للقدس عندهم إلا بإكمال بناء الهيكل الثالث فيها، لتكتمل ملامح الدولة الدينية لذلك الكيان العبري اليهودي، إن هذا ما درج على قوله أساطينهم منذ (بن جوريون) ، ... و (بيجن) ، و (نتنياهو) : «لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل» . ومنذ فترة في منتصف عام ١٩٩٥م تقريباً عرض الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات على الصحفيين مجموعة من الصور والقطع المعدنية الإسرائيلية الحديثة التي تظهر فيها القدس بدون المسجد الأقصى وقبة الصخرة.. وعرض التلفزيون الإسرائيلي نفسه في منتصف عام ١٩٩٥م صوراً مأخوذة من إدارة مدرسة دينية في القدس، وقد اختفت فيها معالم المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، وظهر مكانها منظراً لهيكل سليمان قائماً مكانها، وذلك في البرنامج التلفزيوني (مباط شني) . وقد نشرت صحيفة (يديعوت أحرنوت) الإسرائيلية قصة هذه الصور بقلم أحد الصحفيين اليهود «نرهار سميلانسكي» ، حيث قال: «إن اليهود المتدينين يعكفون بين آن وآخر على دراسة الخطط المعدة لشن هجوم على المسجد في الوقت المناسب لتدميره عن آخره، حتى يفرضوا أمراً واقعاً جديداً، وقال:» إنهم يعرفون جيداً كيف سيتم إخلاء بقايا المسجدين وجثث المصلين قبل الاحتفال بـ (عيد أنوار الهيكل) ! ! «. إن شيئاً واحداً في تقديري هو الذي يوقف ويؤخر القرار الأخير بالهدم على المستوى الإسرائيلي الرسمي، وهو عدم معرفة أبعاد ردود الفعل الإسلامية إذا نفذت المؤامرة، وعلى أي حال فهم يجرون كل مدة (بروفة) لقياس مقادير ردود الأفعال، وهي (مطمئنة) لهم على كل حال على المستوى العربي والإسلامي، فهى لا تعدو أن تكون فورة تتبعها غورة، وكان آخر البروفات: حدث افتتاح النفق. يقول القادمون من الأرض المحتلة: إن السلطات الإسرائيلية تستخدم في أعمال الحفر تحت الأقصى والأبنية المجاورة آلات خاصة، تطلق اهتزازات ذات قوة صوتية عالية، بقصد خلخلة أسس المسجد وتفكيك أركانه المتماسكة، حتى يسهل تداعي أسسه بعد ذلك، إذن: فقدسية المكان لدى اليهود غير قابلة للنقاش، وتأجيل قضية القدس إلى آخر مراحل المفاوضات السلمية، ما هو إلا تضييع للوقت وإعطاؤهم فرصة لتحقيق مخططاتهم. ولكن هناك أمراً ينبغي التنبيه عليه، وهو أن اليهود الذين يدينون بتقديس تلك البقاع المكانية، لهم أيضاً مقدسات زمانية لا تقل عندهم قدسية، وهم قوم مغرمون بالرموز والطقوس ذات الايحاءات، وكثيراً ما يحبون الجمع بين مناسبتي الزمان والمكان (كما حدث مؤخراً في افتتاح النفق ليلة عيد الغفران اليهودي) . فاليهود الذين يقدسون (القدس المكان) يعدون الآن للاحتفال زمنيّاً بما يسمى (القدس ٣٠٠٠) وهو احتفال لإحياء ذكرى مرور ثلاثة آلاف عام على بناء القدس على يد النبي الملك سليمان ﵇ ، وهم أيضاً يقدسون (الهيكل المكان) ، ويعدون الآن للاحتفال ببناء سليمان لذلك المعبد ضمن بنائه للمدينة المقدسة قبل ثلاثة آلاف عام. واليهود يعدون أيضاً للاحتفال في العام القادم بمرور مئة عام على مولد فكرة الدولة اليهودية على يد زعيم الصهيونية الحديثة» تيودور هرتزل «عندما أصدر كتابه المسمى (الدولة اليهودية) التي اجتمع لأجل إقامتها أساطين اليهود في مؤتمر (بازل) بسويسرا عام ١٨٩٧م. واليهود سوف يحتفلون في العام القادم (١٩٩٧م) بمرور ٥٠ عاماً على إعلان إنشاء تلك الدولة اليهودية (إسرائيل) التي أعلن عن تأسيسها في ١٤ مايو ١٩٤٧م، إذن: فالعام أو الأعوام القليلة القادمة هي أعوام حبلى بالأحداث والعلم عند الله، ولكن إذا سارت الأمور على حسب ما يخطط له اليهود (نسأل الله أن يخزيهم ويدحرهم) : فإن مرحلة تدشين الهيكل الثالث قد اقتربت ... والمسلمون في غفلة وسبات عميق وطويل، لا أظن أنهم سيفيقون منه إلا على وقع أحداث كبرى. واليهود يروجون من اليوم لدعاية أن المسجد المقام فوق جبل المعبد سوف يُهدم بفعل إلهي (كرامة لليهود) ! ! ! هذا إذا لم يستعجل بعض (المتطرفين) منهم أو أصحاب (الهوس الديني) بتقريب موعد هذا الحدث! . إنهم، بمعنى آخر وبعد أن أكملوا أكبر الأشواط في مؤامرة الحفريات ينتظرون زلزالاً طبيعيّاً، أو صناعيّاً (كذلك الذي تحدثه التجارب النووية) لكي يخلصهم من ذلك المسجد الإسلامي العريق (المسجد الأقصى) ، ويوصلهم إلى إعادة بناء معبدهم اليهودي العتيق (الهيكل الثالث) ... ونحن المسلمين في انتظار زلزال معنوي آخر يوقظ أحاسيسنا وينقذ مسجدنا ... إننا وهم ... على موعد مع الزلزال! ! ... ... ... ... ... ... ... ... ونسأل الله السلامة!

стр. 2335

ملف العدد (حتى لا ننسى فلسطين) الفلسطينيون بين فكي الكماشة بقلم:عبد الملك محمود من القصص الرمزية المعروفة أن امرأة كانت لا تملك شيئاً يسد رمق أولادها من الجوع فوضعت على النار قِدراً فيه ماء وحصى وهم جلوس حول أمهم يبكون ويتضاغَوْن، وهي تسكتهم وتلهيهم وكأن هناك في القدر طعاماً سينضج.. هذا هو شعور المراقب للمفاوضات العربية الإسرائيلية منذ سنوات، فحالنا مع تمثيليات السلام المصطنع مع اليهود تشابه هذا الوضع التمثيلي، حيث إنها تمثل حوار الطرشان الذي لا يمكن أن يصل إلى نتيجة. على الجانب الفلسطيني الآن وبعد مرور ثلاث سنوات على اتفاق أوسلو (تم في ١٣/٩/١٩٩٣م) يتساءل كثير من الناس بمرارة خصوصاً الفلسطينيون في فلسطين وعلى الأخص سكان الضفة والقطاع عما جنوه من وراء اتفاقات السلام مع إسرائيل؟ إن السياسة التي عودتنا عليها منظمة التحرير تؤكد أنها لا تخرج من حفرة إلا لتقع في هاوية، وقد دفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً مقابل مواقف المنظمة وتخبطاتها السياسية والفكرية الخرقاء، وها هي المنظمة، وبعد رحلة طويلة فاشلة وبعد سلسلة تنازلات ما لها من قرار، تعود إلى نقطة الصفر لتشكل مع بداية هذا الشهر (أكتوبر) خمس لجان للمفاوضات مع إسرائيل، وكأن عشرات اللجان السابقة لا تكفي. حنظل السلام: لقد كانت السلطة الفلسطينية ولا زالت تروِّج لأحلام وهمية ووعود كاذبة عن الخيرات والبركات التي ستنتج من السلام، كما أن جزءاً من الفلسطينيين هلل لاتفاقات السلام وأبدى سعادته للمستقبل المشرق، ربما كان الدافع لهم حالة الإحباط التي عانوها، باعتبار أنه لن يكون هناك ما هو أسوأ مما هم فيه، من جهة أخرى: ساهم أصحاب المسارات التفاوضية الأخرى والإعلام العربي الرسمي خصوصاً بشكل كبير في إشاعة أجواء كاذبة من التفاؤل المبالغ فيه: بأن السلام القادم للمنطقة يحمل في طياته الخير والرخاء، وما علينا سوى الخلود إلى الراحة والانتظار، لقد كان تيار الواقعية السياسية العربي ينفخ في هذا، ويحاول صبغ حاضرنا ومستقبلنا بموجة من الحزن واليأس والتقزم أمام اليهود. لكن الواقع المرير الآن يكذب كل أحلام السلام، وبإجراء (جردة حساب) بسيطة يمكن مقارنة الوضع الحالي مع السابق ليرى المرء مدى مرارة هذا الوضع: بالنسبة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة: فما تم هو انسحابات صورية لا قيمة لها، وبعضها واضح الجدوى لإسرائيل كالانسحاب من غزة وأريحا. أما على الصعيد الاقتصادي: فالمعاناة والجوع غاية في الشدة، خصوصاً بعد الحصار الاقتصادي الذي فرضته إسرائيل منذ سبعة أشهر، كما أن البطالة تبلغ أعلى النسب عالميّاً، وتتحدث وسائل الإعلام عن صور مؤلمة من البؤس والفقر والغلاء، ولكن الحديث عن معاناة الناس هناك خصوصاً في قطاع غزة وواقعهم المرير يتجاوز بكثير حدود التغطية الإعلامية في وسائل الإعلام. وإذا ما انتقلنا إلى الحديث عن الظروف الأمنية: فإن الصورة مأساوية، وسنشير لاحقاً إلى شيء منها. ثلثا الشعب الفلسطيني يرزحون تحت الاحتلال الإسرائيلي، والثلث الباقي يعيشون تحت سلطة تمارس ألواناً بشعة من القهر والظلم والتعذيب. موضوع اللاجئين: يبدو أن الكلام فيه أصبح ضرباً من الخيال، ولا أمل في حله، حتى ولو اجتمعت لجان مختلفة لهذه القضية. مسألة المعتقلين: لا زال الآلاف يرزحون في سجون العدو الصهيوني، والغالبية العظمى منهم من الإسلاميين، وقد قامت السلطة الفلسطينية باستضافة من تبقى منهم في سجونها. على صعيد المفاوضات: فإن ما يتم إنجازه هو الشق الأمني الذي يصب في صالح العدو، أما الأمور الأخرى فلا مجال لتحقيقها. أما القدس: فسنشير لاحقاً إلى بعض المخططات الإسرائيلية حولها. المستوطنات والهجرة اليهودية: إن عملية السلام المزعومة لم تَحُل دون زيادة المستوطنات وزيادة المهاجرين اليهود خلال عهد رابين بيريز، فما هي الحكمة من استمرار المفاوضات؟ وأخيراً وليس آخراً: حكومة جديدة للعدو لا تقيم وزناً لكل الاتفاقات السابقة، التي أمضى عرفات وأتباعه بل وأنظمة أخرى سنوات للحصول عليها، هذه المكتسبات (! !) ذهبت أدراج الرياح تحت جرافات «شارون» لبناء المستوطنات وتوسيعها، وتلاشت مع وطأة الجوع الذي يعاني منه قطاع غزة. ومع هذا.. فالسلطة الفسلطينية مستمرة في دوامة التنازلات التي لا تنتهي والاتفاقات التي لا تنجز، وتقزمت الأهداف الكبيرة إلى جزئيات، فلا زالت المنظمة تسيطر على قطعة محدودة من الأرض، كانت إسرائيل تحلم بالتخلص منها زمناً طويلاً، أكثر من ثلاث سنوات من وعود.. مجرد وعود في مسيرة أوسلو البائسة، مارست السلطة خلال هذه الفترة ألواناً من التضليل. من ناحية أخرى: ينبغي الإشارة إلى عنصر آخر في هذه المعادلة البائسة، وهو طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، حيث إنها تسعى إلى تعثر اتفاقات أوسلو وانسحابات إسرائيل الشكلية من الخليل والمواعيد الأخرى، ومع هذا: فالمنظمة لم تهتم بإعادة النظر في المعاهدات والاتفاقات مع إسرائيل، وقد أثبت اليهود أن المراوغة والكذب أحد أهم الأسهم في كنانتهم طوال التاريخ، فهم قوم خيانة وخديعة ولؤم. بين فكي الكماشة: لبيان صورة المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل، سنكتفي هنا بالإشارة إلى صورتين: الأولى: شكل الحكومة الإسرائيلية الحالية، والثانية: السلطة العرفاتية.. فالفلسطينيون لا يعانون فقط من الاحتلال اليهودي، بل ربما يعانون أشد من ذلك من سلطة عرفات. الحكم الإسرائيلي: إحدى أهم الأوراق الإسرائيلية المعروفة هي لعبة الانتخابات وسياسة تبادل الأدوار بين الحمائم والصقور، ووفقاً للعبة الانتخابات: فاز (بنيامين نتنياهو) بمنصب رئيس الوزراء، وتبددت كل أحلام اللاهثين وراء السلام بمجيء حكومة الليكود، يقودها (نتنياهو) ، ولا ندري، لعل في توليه للحكم خيراً في كشف اليهود للذين يفرقون بين الحمائم والصقور. لم يجن عرفات وسلطته إلا الفشل والخسارة تلو الخسارة، ومن أوجه الخيبة: أن وضع عرفات كل إمكاناته في سبيل فوز بيريز في الانتخابات، بما في ذلك تشجيع فلسطيني ٤٨ لانتخاب بيريز، وشن حملة أمنية شرسة ضد المعارضة، وزج المئات منهم في السجون؛ للحيلولة دون قيام عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية. للتعرف على شخصية (نتنياهو) والحكومة التي يقودها إليكم هذا المثال: أثناء تظاهرات الطلاب الصينيين والأحداث الدامية في ساحة (تيانمين) في بكين، اقترح (نتنياهو) على الحكومة الإسرائيلية أن تقوم باستغلال انشغال العالم في الحدث وتهجير الفلسطينيين بسرعة، وذكر أنه إذا سنحت له الفرصة فإنه سيقوم بذلك.. هذا نموذج من أطاريح (نتنياهو) ، أما الأطاريح الأخرى فلا تقل عنه، ولاءاته الانتخابية مشهورة: (لا لتقسيم القدس لا للدولة الفلسطينية لا للانسحاب من الجولان) ، وشعاراته الداعية إلى زيادة الاستيطان، والحق الشرعي لليهودي في الاستيطان في أي مكان في أرض إسرائيل.. كل ذلك معروف للجميع. لقد بدأ (نتنياهو) حياته عسكريّاً إرهابيّاً في مجموعة نظمها (إرييل شارون) لنسف بيوت الفلسطينيين في غارات ليلية، كما أنه جمع في حكومته بعض أشهر المجرمين مثل (شارون) ، حتى إن ستة وزراء في حكومته شاركوا في الهجوم على مطار بيروت المدني سنة ١٩٦٨م، أو خططوا لتنفيذ نسف طائرات مدنية [الحياة ٤/١٠/١٩٩٦] ، ولكم أن تتصوروا دولة فيها وزير مثل (شارون) ، ووزير البيئة (رفائيل إيتان) رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي سابقاً خلال غزو لبنان، الذي كان له دور رئيس خلال مذابح (صبرا وشاتيلا) ، التي راح ضحيتها مئات الفلسطينيين، والذي يصف الفلسطينيين بأنهم صراصير [دي ديلي تلجراف الأنباء ١٨/٣/١٤١٧هـ] . حال المفاوضات: حول سياسة (نتنياهو) : من المتوقع أن يعمد إلى إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان أسوة بسلفه في قيادة الليكود (شامير) ؛ لإضاعة الوقت وإطالته للضغط على الأطراف العربية، وخلالها يكون العدو الصهيوني قد أوجد كثيراً من الحقائق الجديدة على الأرض، وبخاصة ما يتعلق بالاستيطان ومصادرة الأراضي، وإقامة الطرق الالتفافية، هذه المحاور تنبئ عن المستقبل الغامض للمفاوضات، وربما أبدى (نتنياهو) بعض المرونة المحدودة مستقبلاً في خطاباته وتكتيكاته، ولكنها ستكون للمراوغة وكسب الوقت. (نتنياهو) الذي يحتقر العرب والمسلمين [١] يريد إذلال عرفات، وهو لا يقيم وزناً لما اتفق عليه طبقاً لسياسة اليهود الذين أخبرنا الله (سبحانه) العليم بأنه: لا عهد لهم ولا ميثاق (أليس من العجيب أن يصرح شنودة بأن (اليهود لا عهد لهم ولا ذمة، ولا يحترمون عهودهم) [الحياة ٤/١٠/١٩٩٦ م] بينما يصر بعض الزعماء على وصف (نتنياهو) بأنه رجل يحترم كلمته ومواقفه؟) ، وقد أصاب الإحباط أركان السلطة الفلسطينية، لأن الاتفاقات مع اليهود قد توقفت عمليّاً. الأحداث الأخيرة: لم تكد تمر مناسبة مرور ثلاثة أعوام على الاتفاق دون درس بليغ ومؤلم، ف (نتنياهو) يوغل في تحدي المسلمين (والعالم أيضاً) ، فيفتتح نفقاً طوله ٤٥٧ متراً يهدد أساسات المسجد الأقصى، وتقوم الجموع الغاضبة بالاحتجاج والتظاهرات العارمة التي تذكرنا بالانتفاضة ويواجهها العدو بالحديد والنار، ويسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى، ولم يترك اليهود في هذه المواجهات حتى رجال السلطة الفلسطينية، فقد أصيب اثنان من وزراء عرفات، وشوهدت صور الجنود اليهود وهم يضربون بعض رجال السلطة، بالإضافة إلى إصابة بعض الشخصيات المعروفة، وتلك كانت صورة أخرى تبين مدى هوان عرفات ورجاله وأنه لا قيمة لهم ولا حصانة، كما تكررت هذه الصورة سابقاً عند كل معبر يمر فيه رجال عرفات وأعضاء المجلس التشريعي. مفاوضات عرفات نتنياهو: المفاوضات في أمريكا باءت بالفشل وبلغت قمة الخيبة لعرفات، ولو كان لديه كرامة أو عزة لذهب إلى تونس مباشرة ولم يعد إلى غزة. ونظراً لأن السلطة الفلسطينية لا تملك شيئاً من عناصر القوة: فإنها كلما شعرت بأزمة خانقة تلوح بورقة الشعب الفلسطيني وقدرته على العودة إلى الانتفاضة وإلحاق أضرار كبيرة بالكيان الإسرائيلي وبعملية السلام برمتها، وربما تعمد السلطة إلى إطلاق سراح بعض ناشطي حماس، أو يطلق عرفات بعض التصريحات بأن الانتفاضة ستعود، مع أنه لم يكن له دور في بدايتها أصلاً. القدس: يعتقد اليهود أنه لا كيان حقيقي لهم دون (أورشليم) ، وبالتالي: فإن مخططاتهم لتهويد مدينة القدس تجري على قدم وساق، وقد وضع عام ٢٠٠٠ موعداً نهائيّاً لانتهاء حلقات هذا المسلسل الطويل، ولو تتبعنا الإجراءات التي مرت بها هذه المخططات لطال الأمر، لقد تم هدم نحو ٥٠٠ مسجد خلال الفترات الماضية في منطقة القدس، وتم تحويل بعض المقابر إلى مواقف للسيارات، ونشط بعض رؤساء البلديات اليهود خصوصاً «إيهودا أولمرت» في ذلك، كان المسلمون يملكون ما نسبته ٨٢% من مساحة القدس عام ١٩٤٨م، أما الآن: فإن النسبة أصبحت معاكسة، حيث يقع ما نسبته ٩٦% من المساحة تحت أيدي اليهود، وقد تعاقبت الحكومات الإسرائيلية على هذه السياسة. وفي الآونة الأخيرة: ازدادت (حمى) تهويد القدس وتتالت الأحداث والمؤشرات التي تؤكد مضي رئيس الوزراء الإسرائيلي في تطبيق وعوده الانتخابية، لتحقيق أحلام ناخبيه في جعل القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ثم قام بإغلاق المؤسسات الفلسطينية في القدس المحتلة، واعتبر ذلك شرطاً لاستمرار المفاوضات، وأخذ يلوح بهذه الورقة، وإلا فلا ... وقد أعد نائب رئيس بلدية القدس (شمويل مائير) بالتنسيق مع منظمة (اتريت كوهانيم) المتطرفة خطة للاستيلاء على القدس الشرقية، تتضمن إغلاق خمسين مؤسسة فلسطينية، ومن هذه المؤسسات: بيت الشرق، وبعض المؤسسات الخيرية الفلسطينية [العالم اليوم ١٣/٤/١٤١٧هـ] وقد رضخت سلطة عرفات للمطالب الإسرائيلية، ووافقت على إغلاق هذه المؤسسات. وقامت الحكومة الإسرائيلية، بوسائل كثيرة لمصادرة أراضي الفلسطينيين بوسائل مختلفة، والتضييق على الموجودين في القدس الشرقية على سبيل المثال: عندما قام أحد المواطنين بتجديد الدور العلوي لبيته قامت السلطات اليهودية بهدمه بحجة عدم وجود ترخيص بالبناء، وتتالت هذه الأمور، ثم جاء أخيراً وليس آخراً افتتاح النفق الذي اكتشفه عالم الحفريات الإنجليزي «رون» في منتصف القرن الماضي، وقد افتتحه اليهود في تحد سافر للمسلمين والعالم كله، حتى تم تصويت مجلس الأمن بأعضائه الأربعة عشر ولم يعارضه سوى الولايات المتحدة، يريد اليهود تهويد القدس في أسرع وقت؛ فنسبة اليهود المتعصبين لدينهم المنحرف أعلى نسبة، وهناك جمعيات مختلفة تخطط لبناء «هيكل سليمان» ، وبالمناسبة: فإن هذا النفق المحفور تحت المسجد الأقصى قد أعلن عنه منذ ١٥ عاماً (عام ١٩٨١م) فماذا ستكون ردة الفعل يا ترى؟ قد يذكر بعضنا بمرارة ما هي ردة الفعل على حادث إحراق المسجد الأقصى عام ١٩٦٩م، حين اجتمع زعماء البلاد الإسلامية، وكان موقفهم التعبير في بيانهم الختامي عن (أعمق القلق) في قلوب ٦٠٠ مليون مسلم، هم تعداد المسلمين آنذاك، كان ذلك وقت أن كانت هناك بقية من روح العداوة لليهود، والبيانات النارية كانت تخدم الحكام، أما الآن: فلا مكان لتلك الشعارات، والسلطات الإسرائيلية ماضية في خططها ولا تنوي التراجع، كيف ... و (نتنياهو) يؤكد في المقابلات المتتالية معه أن العرب ينفعلون بسرعة ويبردون بسرعة؟ ! ! الحاصل: أن اليهود يخططون الآن لإنشاء معبد الهيكل، ويعتقدون أن جبل الهيكل هو باحة المسجد الأقصى. المستوطنات: تخطط الحكومة الإسرائيلية لزيادة عدد المستوطنين اليهود في الضفة البالغ عددهم (١٤٠) ألفاً بصورة كبيرة، وذلك برفع القيود على بناء المستوطنات التي كانت مفروضة سابقاً، رغم مخالفة ذلك لاتفاقات أوسلو بشكل واضح، وقد قرر مجلس المستوطنين زيادة المستوطنين إلى نصف مليون خلال السنوات القريبة القادمة، وتتضمن هذه الخطط التي تدعمها الحكومة بناء ثماني مستوطنات. [القبس ١٤/٣/١٤١٧هـ] . لقد كان تعيين (شارون) وزيراً للبنى التحتية يهدف إلى تحقيق الأحلام التوسعية اليهودية، ودعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وزيادة عدد المستوطنات، تمده في ذلك وزارة ثرية تتمتع بميزانية تقدر بسبعة بلايين دولار، وقد بدأ (شارون) بتكثيف أنشطته لشراء أراضٍ في الضفة الغربية تحت غطاء مسميات أشخاص وشركات مسجلة في أوروبا وقبرص وغيرها، مدعوماً في ذلك بمئات الملايين من الدولارات التي خصصتها حكومة ليكود السابقة لهذا الغرض، وقد كشف النقاب عن بعض الصفقات المشبوهة التي كادت تتم عن طريق سماسرة من العملاء العرب [الحياة ٢٧/٣/١٤١٧هـ] .. (شارون) أعلن في أول مؤتمر له بعد توليه الوزارة عن عزمه بناء مدينة جديدة قرب الخط الأخضر بين (الخليل) و (بئر سبع) ، كما أعلن من جهة أخرى: تكثيف الاستيطان في الخليل وتوسيع (بئر سبع) لتصبح قادرة على استيعاب نصف مليون شخص، وتحدث عن مشاريع أخرى، وقال: (لقد انتخبت الحكومة لكي تنفذ هذه السياسة) [الحياة ١٦/٣/١٤١٧هـ] ، وأكد (نتنياهو) على أنه سيعمل على زيادة الاستيطان في الأراضي المحتلة بنسبة ٥٠% خلال السنوات الأربع القادمة. فإذا ما استمر الاستيطان على هذا النمط المحموم، فعلى ماذا ستفاوض المنظمة مستقبلاً، وقد ابتعلت إسرائيل الأرض كلها؟ ! . أما الإنجازات التي حققها الفلسطينيون فهاكم بعضها: حكم وسلطة وهمية: لقد أدرك الجميع أن سلطة عرفات غير مسموح لها بممارسة أي سلطة أوسيادة، اللهم إلا سلطة القمع والإرهاب لمواطنيها، ومن العجيب أنه رغم صغر المساحة التي تسيطر عليه سلطة عرفات فإنها اتسعت لاعتقال آلاف الشباب الذي ينشد الكرامة والعزة، لقد حققت سلطة عرفات بعد عامين من السلطة الوهمية هدفاً ذهبيّاً لإسرائيل كانت تسعى إليه، حيث خلصتها من كابوس غزة، وأراحتها من المتاعب اليومية مع الفلسطينيين في ظل الانتفاضة [الحياة ٧/٤/١٤١٧هـ] . ولعل أبرز وأول إنجازات هذه السلطة هو ضرب النشاط الإسلامي الفاعل في فلسطين، وقد أثبتت السلطة الفسلطينية طوال الفترة الماضية أنها مجرد سلطة تتلقى الأوامر من حكومة إسرائيل للقضاء على عدوها التقليدي والمتمثل في حركتَي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي، وقد تجلى هذا الأمر في سجن قيادات وعناصر العمل الإسلامي، وبرز في ضرب الجمعيات الإسلامية ... الاجتماعية، بل وظهر في محاولة عرفات السيطرة على المساجد في خطوة عجز عنها كثير من الأنظمة الطاغوتية الأخرى، ويشير المراقبون إلى دور رئيس للسلطة الفلسطينية في التعاون مع السلطات الإسرائيلية في قتل بعض قيادات حماس العسكرية والجهاد الإسلامي، وفي هذا الإطار لا يستبعد ما ذكره (بيريز) في مقابلة مع صحيفة (نوفيل أوبسرفاتور) من أنه اتفق مع عرفات على تأجيل الانسحاب من الخليل في الموعد المحدد؛ لخشية عرفات من سيطرة حماس على المدينة، وذلك في أعقاب هجمات حماس الانتحارية [رويتر والوكالات في ٤/ ١٠/ ١٩٩٦م] ، ومع هذا وذاك: لم يستح عرفات من الحديث عن تدبير الأصوليين في الخارج (! !) محاولات انقلاب ضد السلطة الفلسطينية [صحيفة الوطن ٢٠/ ٨ / ١٩٩٦م] .. لقد سعت المنظمة مدعومة بكل الخبرات والإمكانات العسكرية والأمنية والسياسية والمالية الإسرائيلية والغربية، ومقتبسة كل تجارب الأنظمة الديكتاتورية القمعية في محاربة الشعوب، سعت إلى سحق الحركة الإسلامية في فلسطين وتصفيتها أو تفريغها من مضمونها، وبث الفتن والفرقة بينها، ونحن نحذر إخواننا. هذه الحرب للإسلاميين يقابلها عند اليهود دعم لا بل تنفيذ لأوامر حاخامات اليهود ورجال دينهم، خصوصاً بعد أن قويت شوكة الأحزاب الدينية في إسرائيل، وأصبح لهم (٢٩) نائباً في الكنيست. سِجِل السلطة في التعذيب والقهر: لا أحد خارج بطانة عرفات يعرف كم هي عدد الأجهزة الأمنية الواقعة تحت سيطرته، فالتخمينات المعلنة تشير إلى أنها بين (٦) و (١٠) أجهزة، وتقول الاستخبارات الإسرائيلية: إنها ثمانية تضم (٣٠٠٠٠) شخص، ولعل القارئ الكريم يذكر أن كثيراً من قيادات وعناصر هذه الأجهزة تلقى تدريبات خاصة في بعض البلدان المجاورة حيث توجد أشرس آلات القمع العربية، وطبقاً لاتفاقات أوسلو العلنية والسرية: فإن المطلوب من رجال أمن عرفات مكافحة الإرهاب مستخدماً (جميع الإجراءات الضرورية) ، وبناءً على ذلك: قامت سلطة عرفات باعتقال ما يزيد عن ألفي شخص في هذا الإطار، ويتحدث الذين أطلق سراحهم عن عمليات تعذيب منتظمة بشعة [الأنباء، ع (٧٢٧٩) نقلاً عن نيوزويك] ، ويذكر مقال الـ (نيوزويك) أيضاً أن الدبلوماسيين في المنطقة يوافقون على أن سجل عرفات في مجال حقوق الإنسان (فظيع جدّاً) ، وعندما كان رجال عرفات يدخلون بيتاً من البيوت كانوا يعيثون فيه فساداً، يكسرون ويحطمون، فما هي الحكمة من هذه الأفعال الشائنة رغم أنهم يعتقلون صاحب البيت؟ ! . تشير صحيفة (الأوبزيرفور) إلى أن الشهادات التي جمعها ناشطون في مجال حقوق الإنسان تشير إلى أن قادة شرطة عرفات (التي يبلغ عدد أفرادها ٤٥ ألف شخص) ملطخون بالفضائح التي تتراوح ما بين الخطف والاغتصاب والابتزاز وسرقة الأراضي [الأنباء ٩/٨/١٩٩٦م] . وفي الحقيقة: فإن هذا القمع والاعتداء لم يقتصر على حماس (العدو التقليدي للسلطة) ، بل أصاب بعض المنتمين إلى فتح (صقور فتح) ومَن يناهضون العملية السلمية والمدافعين عن حقوق الإنسان. وهذه شهادة من داخل البيت: يقول (حسام خضر) عضو المجلس التشريعي الفلسطيني: (أستطيع أن أقول: إن هناك عمليات تعذيب منظمة في سجون عرفات، لقد كنت أنا نفسي نزيلاً مخضرماً في سجون إسرائيل، حيث اعتقلني الإسرائيليون (٢٣) مرة، ولكن ما يجري في سجوننا الآن هو أسوأ بكثير مما عرفناه في السجون الإسرائيلية خلال (٢٧) عاماً من الاحتلال) [الأنباء ٩/٨/ ١٩٩٦م، ترجمة مقال في الأوبزيرفور] . في مقابل هذا القمع والتعذيب: هناك صورة مناقضة تبين مخططات عرفات ومنظمته للشعب الفلسطيني: لقد دأب عرفات ورجاله على ترديد معزوفات سخيفة حول (الانتعاش السياحي) و (هونج كونج الشرق الأوسط) ، وكان من أبرز ما بدؤوا به وشجعوه: إنشاء نوادٍ مختلفة للفسق والمجون، ومن هذه المنتجعات: نادي النورس الذي كلف ملايين الدولارات، [انظر: القبس، رويتر ١٣/٤/١٤١٧ هـ] كما يتناقل الناس الحديث عن صور أخرى من الفساد لم تكن موجودة سابقاً، خصوصاً خلال سني الانتفتاضة، فهل نشر الفساد مقصود؟ تلك صورة لبعض ما يعانيه الفلسطينيون. ... ... ... ... ... ... والله المستعان،،

стр. 2336

ملف العدد (حتى لا ننسى فلسطين) إسرائيل.. دولة خارجة عن القانون الدولي .. بالأدلة بقلم: ياسر قارئ بانتهاء الحرب العالمية الثانية، اتخذت الدول) المتحضرة! (من هيئة الأمم المتحدة منبراً للحوار ومرجعاً لفض النزاعات بين الدول، وقد وقعت المعاهدات والمواثيق التي) تضمن (السلام والاستقرار في العالم، والتقليل من الجرائم البشعة في حق الإنسانية، والأخذ على يد المعتدي، ونصرة المظلوم، وضمان الرفاهية، والرعاية الصحية للشعوب.. لكن العالم المتحضر ما فتئ يقدم عجائبه بل وتناقضاته للمجتمع الدولي، ومن ذلك: اعتراف الهيئة الأممية بما كان يعرف عندنا بالكيان الصهيوني أو دولة العدو (إسرائيل) على رفات الفلسطينيين ودمائهم ومقدّراتهم، فذاك الشعب المشرد لا بد له من ملاذ آمن يفيء إليه، بينما تكون أوروبا قد نجحت في التخلص من آفة هذا الشعب المتوحش البربري، ولكن (دولة إسرائيل) وساستها العسكريين أبوْا إلا أن يفضحوا شعور الأوروبيين المتحضرين نحو المسلمين، فالإشكناز وهم اليهود الأوروبيون الذين يمسكون بأزمّة الأمور هناك انتهكوا القانون الدولي مراراً وتكراراً، فيما اكتفت الدول الأم لأولئك السفاحين بالتنديد والاستنكار، في الوقت الذي ظلت الهبات المالية والتبرعات والمعونات العسكرية تتدفق فيه إلى مملكة الرب! لقد أقدم الكيان الصهيوني ولا يزال على الاعتداء على دول (الجوار) العربي وعلى جبهات مختلفة، ضارباً عرض الحائط بالقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، وفي ظل صراع المعسكرين (الشرقي والغربي) ، معرِّضاً المنطقة لخطر وويلات حرب شاملة مدمرة، وعلى الرغم من ذلك: فقد أحجم العالم المتحضر عن ردع المعتدي والأخذ على يديه حسبما تمليه قرارات الأمم المتحدة، وظل يقدم له الدعم والمساندة، وكأنه رأس حربة لأوروبا في قلب العالم الإسلامي، بينما مارس الضغوط المختلفة على المظلومين والضحايا بدعوى ضرورة ضبط النفس واللجوء إلى الحوار والمفاوضات، وقد اكتشف العالم الآن سياسة الصهاينة التفاوضية على حقيقتها؛ لذلك: فلا بد من التذكير بممارسات تلك العصابة الهمجية خلال سني الحرب الباردة وما بعدها وانتهاكاتها لمعاهدات الأمم المتحدة؛ حتى لا ننخدع بالحوار المزعوم أو الاتفاقيات المبرمة، فدولة تخرق قانون العالم الدولي منذ نصف قرن من الزمان على الرغم من تبعات ذلك التصرف حسبما ينص عليه من عقوبات وفي ظل استقطاب عقائدي مرير: لا يتوقع منها أن تحترم اتفاقيات أو معاهدات تبرمها مع كيانات هامشية على مسرح السياسة العالمي ممن ليس لها وزن اقتصادي أو اعتبار أدبي يحميها من امتهان حقوقها وكرامتها، فقد دأبت دولة العدو على شن الاعتداءات العسكرية، والقيام بالقرصنة الجوية، وإساءة استخدام وسائل الاتصالات، وتسخيرها للجاسوسية، وازدراء واحتقار حقوق الإنسان، بَلْهَ الاعتداء على أعضاء الهيئة الدولية، كل ذلك في زمن الحرب، فكيف إذا غُلّت الأيدي بالسلام؟ ! وفيما يلي سنعرض نماذج من خرق الصهاينة للقوانين والأعراف الدولية على مدى نصف قرن تقريباً (هو عمر هذا العضو الدخيل الذي زرع في قلب دار الإسلام) ، تشتمل تلك المخالفات على نواحٍ متعددة، منها: ما يتعلق بالزراعة والاقتصاد، وحقوق الإنسان، والقرصنة الجوية، والاعتداء على الأمم المتحدة نفسها، ثم التجسس، فالاعتداءات العسكرية المستمرة على الدول المجاورة. أولاً: الزراعة والاقتصاد: دمرت الآلة العسكرية الصهيونية في شهر سبتمبر سنة ١٩٦٩م قسماً من قناة الغور الشرقي في الأردن، وهو جزء من مشروع ساهمت فيه الولايات المتحدة لتنمية البلد زراعيّاً واقتصاديّاً، لكن ذلك العمل الإجرامي قضى على المحاصيل الزراعية، والأخطر من ذلك: أنه أثر على منسوب المياه في المنطقة، ثم أكمل المجرمون مهمتهم ودمروا ما تبقى من المشروع في مطلع السنة التالية [١] ، وبعد ثماني سنوات من تلك الحادثة: قام الصهاينة بالهجوم على لبنان، وتم تدمير المؤسسات الصناعية والحرفية والممتلكات الشخصية والمرافق الحيوية، وكذلك القطاع الزراعي ومنشآته وموارده المائية [٢] ، ومن المعلوم أن (إسرائيل) تخشى من دور لبنان الاقتصادي القوي في المنطقة؛ لذلك فهي تسعى وحلفاؤها لفرض مشروع السوق الشرق أوسطية، لسحب البساط من تحتها، ولتسخير إمكانات وموارد المنطقة لانتشال الاقتصاد الإسرائيلي من الغرق في ظل الكساد العالمي وتخفيض الموازنات الدولية، ولم يكتف الأعداء بذلك، بل قاموا بتوريد البضائع الإسرائيلية والقبرصية إلى لبنان، ثم أعادوا تصديرها على أنها منتجات لبنانية! ، كل ذلك في مخالفة صريحة وواضحة للاتفاقيات التجارية الدولية التي نصت عليها بنود مفاوضات التجارة والتعرفة الدولية التي كانت قائمة في ذلك الوقت! ، أما فيما يتعلق بشريان الحياة الاقتصادية في المنطقة والعالم، فقد استعمل اليهود أسلوب التهديد بالسلاح مع بعثة تابعة لشركة النفط الأمريكية) إمكو) التي كانت تقوم بأعمال التنقيب في مياه منطقة الطور، فيما كان الصهاينة يقومون بأعمال التنقيب عن البترول في صحراء سيناء المصرية التي كانت واقعة تحت احتلالهم، الأمر الذي اعتبرته أمريكا أنه غير قانوني، إلا أنّ ذلك لم يكن كافياً لثني اليهود عن عزمهم [٣] . مما سبق يتضح لنا رغبة العدو في إبقاء المنطقة وشعوبها تحت رحمة البضائع المستوردة باهظة الثمن، وتجريدها من كل المقومات الأساس لتدشين صناعة ثقيلة وحرّة؛ مما يضمن استقلاليتها السياسية قبل الاقتصادية، وأيضاً من الدور الهدام الذي تقوم به دولة يهود: إحجام الشركات والمؤسسات العالمية عن المشاركة في أسواق المنطقة، لكونها بؤرة للصراعات ولا تتمتع بالاستقرار المطلوب للصناعة الحديثة، فتكتفي باستنزاف الأموال الطائلة إلى الخارج عبر التصدير لسلع في جملتها استهلاكية لا تسمن ولا تغني من جوع. ثانياً: حقوق الإنسان: على الرغم مما تمارسه دولة يهود من العنصرية ضد طائفة السفارديم (اليهود الشرقيين) لكونهم من أصول عربية، إذ لا يتمتعون بالوظائف والمزايا التي يحصل عليها أقرانهم من الإشكناز الغربيين، إلا أنّ هذا لا يشفع لها في ظل القانون الدولي بانتهاك حقوق المواطنين الفلسطينيين أصحاب الدار الأصليين، ولا رعايا الدول المجاورة وبالذات العزّل من السلاح حسبما نصت عليه معاهدة لاهاي (١٩٠٧م) وجنيف الرابع (١٩٤٩م) ، اللتين نصتا على حماية المدنيين خلال الحرب، إلا أن الحقد والاستعلاء اليهودي يأبى إلا أن يُطل بوجهه الكالح، ومن ذلك: ما حصل في مدينة السويس من ضرب للسكان وأماكن كثافتهم، فيما يتأسف وزير دفاعهم الهالك ) موشي دايان (على تمثالين منصوبين على رصيف الميناء هناك [٤] ، أما في لبنان فقد استخدمت يهود قنابل تنفجر بعد مرور خمس وأربعين دقيقة من سقوطها، أي: عندما تبدأ عملية إسعاف المرضى والجرحى من الهجمات السابقة، وبالتالي: تحصد أكبر عدد ممكن من الأبرياء [٥] ، بل وتنّكر الصهاينة لوعود قطعوها لأمريكا بعدم استخدام القنابل العنقودية المحرّمة دوليّاً إلا في حالة الدفاع فقط [٦] ، ولم يشبع حقد العدو عدد الأبرياء الذين سقطوا في لبنان وفلسطين، فاتجهت الحكومة الصهيونية إلى الحرب العراقية الإيرانية داعمة إيران لإذكاء نار الحرب، علماً بأن الأمم المتحدة كانت قد فرضت حظراً دوليّاً يقضي بعدم مساندة أي من الدولتين [٧] ، ولم يعد سرّاً حجم الدور الصهيوني في ذلك بعد فضيحة إيران (كونترا) التي شهدتها أروقة مجلس الشيوخ الأمريكي في العقد الماضي. وعلى جبهة لبنان: ترفض (إسرائيل) الانصياع لقرار مجلس الأمن في سنة ١٩٨١م بوقف القتال وإرسال مراقبين إلى بيروت المحتلة، بل واقتحمت بيروت الغربية [٨] ، أما على الجانب الفلسطيني: فإن دولة يهود على الرغم من هدمها لمنازل الفلسطينيين وإجلائهم عن أراضيهم ونفيهم وسجنهم، إلا أنها تمانع في منحهم الجنسية الإسرائيلية حتى لمن تقدم بذلك منهم! ! [٩] ، علماً بأن ذلك مخالف لميثاق حقوق الإنسان الذي صدّقت عليه دولة يهود، والسبب في ذلك: هو ما صرح به) بن جوريون (بقوله:) هم معتادون على العادات والتقاليد العربية، وأنا لا أرغب في هذا النوع من الحضارة، فنحن لا نريد أن يصبح الإسرائيليون عرباً ( [١٠] ، أما (موشي دايان) فيعبر عن ذلك قائلاً:) نحن نسعى إلى دولة يهودية، لا دولة مزدوجة القومية ( [١١] .. تلكم هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط التي يتعاطف معها العالم المتحضر، فأصحاب الأرض مرفوضون ومنبوذون كما لوكانوا في الهند الطبقية، وقد أقر بشرعية وجودهم) دايان (نفسه، إذ قال:) لقد جئنا إلى فلسطين والعرب يقيمون فيها، وبنينا القرى اليهودية مكان العربية، فليس هناك أي مكان في هذا البلد لم يكن يقيم فيه سكان عرب في الماضي ( [١٢] ولكن المسلمين لا بواكي لهم! ! في سنة ١٩٨١م نشرت الجمعية الإسرائيلية لحقوق الإنسان تقريراً حول معاملة العرب حسب قول أحد المحاضرين للجنود المتوجهين إلى مدينة الخليل: ... ) إن العرب ليسوا بشراً، ويجب معاملتهم كالحيوانات ( [١٣] ، وهذا يذكرنا بالتصريحات التي صدرت من بعض أركان المؤسسة العسكرية الصهيونية في أعقاب مذبحة (قانا) في جنوب لبنان مؤخراً، فعلى الرغم من السلام الشجاع الذي انتُزع من بعض الأطراف العربية! ! إلا أن العقيدة اليهودية التلمودية لا تزال راسخة كالجبال، فيما ألقى بعض المنسوبين للإسلام بالولاء والبراء خلف القضبان وأحكموا عليها القيود. ثالثاً: القرصنة الجوية: لم تتورع تلك الشرذمة من شذاذ الآفاق عن اعتراض الطائرات المدنية المحمية بموجب اتفاقية (وارسو) للطيران المدني، وإخضاع ركابها للتفتيش الدقيق على مرأى ومسمع من العالم المتمدن، ففي أغسطس سنة ١٩٧٣م اعترضت طائرتان مقاتلتان من الجيش الإسرائيلي طائرة ركاب مدنية في رحلتها من بيروت إلى بغداد، وأجبرتها على الهبوط، واقتيد واحد وثمانون راكباً تحت السلاح للتحقيق لبضع ساعات، على الرغم من إعلان أمريكا انتقادها لذلك العمل البربري ووصفه بالتعدي على القانون الدولي [١٤] ، ولأن الهيئة الأممية لا تمارس من السلطات والصلاحيات إلا بقدر ما تسمح به الدول النافذة في مجلس الأمن: فقد مرت الحادثة بلا عقاب أو حساب، وكأن أرواح العرب وحرياتهم لا تشملها المواثيق الدولية التي يتشدق الغرب بأنها قمة ما توصل إليه العقل البشري والحضارة الغربية، وينذر الجميع من الدول الهامشية بالانصياع لها، لهذا: فقد كررت العصابة الصهيونية عملية القرصنة في ربيع عام ١٩٨٦م، إذ أجبرت طائرة خاصة أقلعت من ليبيا على الهبوط في قاعدة (رامات دافيد) الجوية قرب مدينة حيفا ظنّاً بأن على متنها بعض أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية ... الأشاوس [١٥] . وفي مجال الطيران المدني وتجاوزات اليهود للاتفاقيات الدولية يقول ... ) فيكتور إستروفسكي (وهو ضابط سابق في المخابرات الإسرائيلية: إن الطائرة المحملة بالوقود في مهمة ضرب المفاعل النووي العراقي سنة ١٩٨١م كانت مصبوغة بشعار شركة الخطوط الأيرلندية؛ للتمويه بأنها طائرة ركاب مدنية تقوم برحلة في المنطقة [١٦] ، بالإضافة إلى ذلك: فإن جميع الطائرات التابعة لشركة الطيران الإسرائيلية (العال) مزودة بكاميرات متطورة للغاية لغرض التجسس، وقد قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتزويدها بالكاميرات، وهذا العمل مخالف لميثاق الطيران المدني الموقع في (شيكاغو) الذي يحرّم استعمال الطائرات التجارية لغير الغرض المخصصة له [١٧] . رابعاً: التطاول على هيئة الأمم المتحدة ذاتها: كما قيل في الأثر: من أمن العقوبة أساء الأدب، فقد برهن اليهود على ذلك من خلال موقفهم من القانون الدولي كما مر معنا، بل وأدى بهم العنت والغطرسة إلى إهانة ممثلي المنظمة الدولية والاعتداء على أفرادها ومنشآتها، ومن ذلك: ما حصل من الجيش الإسرائيلي في الرابع عشر من شهر يوليو سنة ١٩٦٧م، حين قصف الفندق الذي يقيم فيه مراقبو الهدنة التابعون للأمم المتحدة، فيما قام الجنود بنهب مقر قيادة قوات الطوارئ الدولية بمدينة غزة [١٨] . وحيث إن اليهود لم يقع عليهم من جرّاء ذلك العمل عقاب يردعهم: فقد كرروا فعلتهم مرة أخرى في صيف سنة ١٩٨٢م حيال قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، إذ قامت زوارق من البحرية الإسرائيلية بمطاردة سفن الأسطول الأمريكي المشارك في القوة، بينما قام) إرييل شارون) وزير دفاع يهود آنذاك باستفزاز القوات الأوروبية والأمريكية أثناء ترحيل الفلسطينيين بإعادة بعض السفن المغادرة والقيام بتصوير الميناء [١٩] ، ربما لأعمال وخطط مستقبلية، وقد عملت الشيء نفسه للموانئ الليبية من خلال السفن التي تجوب تلك المناطق [٢٠] . ونظراً لأن الأمريكيين يؤمنون بأنّ) من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر (فيما يتعلق باليهود واليهود وحدهم، لذلك لم يعاقبوا شباب البحرية اليهودية أو زبدة العالم كما وصفهم) إميل حبيبي (، وهذا شجع تلك الطغمة البشرية على الأصح بإطلاق النار على رائد الجيش الأمريكي عضو هيئة مراقبة الهدنة في مطلع سنة ١٩٨٣م [٢١] . خامساً: استخدام الوسائل الدولية المصرح بها للتجسس: خير ما يجسد هذا الخرق الشنيع لقوانين الأمم المتحدة هو حادثة الطائرة الليبية التي أسقطتها القوات الجوية الإسرائيلية في ٢١ /٢/ ١٩٧٣م، بحجة أنها حلّقت فوق منطقة عسكرية حسّاسة والتقطت صوراً لها، وأنها لم تستجب للإجراءات الدولية المتبعة [٢٢] ، والسؤال الطبيعي هو: لماذا افترض الطيارون الإسرائيليون أن الطائرة التقطت صوراً للمنطقة؟ ، والجواب: هو ما أشرت إليه سابقاً من اعتماد إسرائيل على الطائرات المدنية في جمع الصور والمعلومات خلال رحلاتها، وقد حاول الصهاينة رشوة مضيف فرنسي لكي يزور شهادته، خاصة بعد تبين وحشية اليهود، إذ قاموا بإطلاق النار على صالة/مقصورة الركاب والطائرة تشتعل وتهوي إلى الأرض! ! ، بينما تكفلت أمريكا بإلغاء كل إشارة في تحقيق منظمة الطيران الدولي تدين إسرائيل أو تُعرّض بها، ومن المفارقات الأمريكية التي يطول منها العجب: هو تنديد الرئيس الأمريكي) ريجان (بعد عقد من الزمان بإسقاط الاتحاد السوفييتي لطائرة الركاب الكورية، فصرح ... قائلاً:) إن القتل للمدنيين الأبرياء هو قضية خطيرة بين الاتحاد السوفييتي والمتحضرين.. ( [٢٣] ، بقي أن نذكِّر أولئك المهتمين بحقوق الإنسان بأن الجنود اليهود قاموا بنهب أمتعة ركاب الطائرة المحطمة، لكن الضمير الصهيوني تحرك هذه المرة وقدّم أربعة جنود للمحكمة العسكرية [٢٤] ، ومكافأة لها على هذا الشعور المرهف فقد تبرعت أمريكا بالمزيد من طائرات (فانتوم ٤) التي أسقطت الطائرة الليبية، وكذلك طائرات (سكاي هوك ٤) بقيمة (٢٢٠) مليون دولار [٢٥] . كذلك: لم تسلم خطوط الاتصالات الدولية من العبث الصهيوني والخرق الفاضح لكل المواثيق الدولية التي ساقتها للبشرية الحضارة الغربية، فهذا شاهد يهودي أنّبَه بقية ضمير حي أو مغنم شخصي، يقر باستخدام حكومته متمثلة بجهاز مخابراتها خط البحر الأبيض المتوسط المرتبط بالأقمار الصناعية الذي تبث عليه أغلب الاتصالات العربية الهاتفية، للحصول على المعلومات عبر التصنت المحرّم دوليّاً على هذه الوسائل [٢٦] . كما يجد اليهود أرضاً خصبة في مصانع السلاح الغربية، حيث يتم تجنيد بعض المتعاونين من ضعاف النفوس أو أصحاب الولاء المزدوج؛ للتجسس على الأقطار العربية والصفقات التي تبرمها، وبالتالي: تبني حكومة صهيون عليها ردود أفعالها ومساوماتها للحكومة الغربية، وقد تقرر أحياناً استخدام الحل الأخير كما حصل مع المفاعل النووي العراقي إذ أوفدت الموساد خمسة مخربين وعالماً نوويّاً إلى داخل مصنع (دوسوبريكيه) في بلدة (لاسين) بفرنسا وقاموا بتفجير ... أجزائه، والتساؤل هو: كيف تمكن أولئك النفر من التسلل إلى المصنع، علماً بأنه تتم فيه أيضاً صناعة محركات طائرات الميراج المقاتلة؟ [٢٧] ، هذا يعني: أن حجم التواطؤ كبير جدّاً، ويشمل مسؤولين كباراً؛ لكون الميراج تمثل فخر الصناعة والتقنية الفرنسية، مما يتطلب وجود حماية كبيرة جدّاً لها، في عالم انتقلت فيه الجاسوسية من المخزون العسكري إلى التقنية الحديثة في حد ذاتها! ، كما تبرز إلى حيز الوجود قضية المواطنين اليهود من رعايا الدول الغربية ومدى إخلاصهم لبلادهم، أو تغلب عواطفهم الدينية على القومية /الوطنية. سادساً: الاعتداءات العسكرية: في هذه الفقرة ليس التركيز على الحروب أو الغارات العسكرية التي شنتها الآلة الصهيونية، بقدر ما هو منصب على التجاوزات الصريحة لمجمل القرارات الدولية المتعلقة بالحرب وقوانينها، ففي حرب الأيام الستة (النكبة الكبرى) عام ١٩٦٧م، استخدمت إسرائيل مع مصر دبابات ومدّرعات وأزياء عسكرية مصرية كانوا قد استولوا عليها (أو ربما طلوها بالعلم المصري) ، وبالتالي: انخدع الجيش المصري بتلك الحيلة، علماً بأن مواثيق (لاهاي) المتعلقة بالحرب وضوابطها تنص في المادة الثالثة والعشرين على عدم) إساءة استعمال علم الهدنة أو العلم الوطني أو الشارات أو الأزياء العسكرية الخاصة بالعدو [٢٨] . أما على الجبهة اللبنانية التي حمى وطيسها عقب اتفاقية (كامب ديفيد) ، التي حيّدت الجانب المصري في صراع المنطقة: فقد قامت إسرائيل بخروق للقوانين الدولية في مجالات شتى، منها على سبيل المثال: قيام السلطات الإسرائيلية المحتلة للبنان بتنظيم رحلات سياحية في لبنان، واستخدام مطارها الدولي المحتل متبعة سياسية فرض الأمر الواقع [٢٩] ، ومع ذلك: لم يفرض عليها المجتمع الدولي أي حظر، ومما يؤكد حقيقة سياسة استعراض العضلات: انطلاق الطائرات الحربية الإسرائيلية من شبه جزيرة سيناء عام ١٩٨١م، واختراق الأجواء الدولية دونما استئذان من الدول المعنية، وضرب المفاعل النووي العراقي [٣٠] .. الجدير بالذكر: أن سيناء كانت ترزح تحت الاحتلال، ويحرّم القانون الدولي استعمال الأراضي المحتلة للأعمال العدوانية وغيرها. بالإضافة إلى ذلك: قامت (إسرائيل) ومنذ عام ١٩٧٥م بدعم حزب الكتائب النصراني بالسلاح والصواريخ والدبابات، فضلاً عن إرسالها قرابة خمسة وعشرين ألف جندي إلى لبنان في سنة ١٩٧٨م [٣١] ، مما يخالف القانون الدولي القاضي بعدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية للغير، إلا أنّ المخالفات الصهيونية لا تعترف بحدود؛ ولذلك فقد أقدم) إرييل شارون) بنفسه على وضع خطة إدخال ميليشيات حزب الكتائب إلى المخيمات الفلسطينية سنة ١٩٨٢م، وما ترتب على ذلك من مذابح وحشية في (صبرا وشاتيلا) [٣٢] ، كل هذه المخالفات الصريحة لمواثيق حقوق الإنسان وحدود الدول وأمنها تتم تحت سمع وبصر العالم، فلا يحرّك (المتحضرون) ساكناً، وكأن أولئك البشر لا يشملهم القانون الدولي الموقر! ولا عجب من أن يحدث أكثر من هذا كله إذا كانت (إسرائيل) تتمتع بدعم من القوى العظمى، فقد أقر أحد الموارنة المشهورون بأن وزير الخارجية الأمريكية ... (ألكسندر هيج (كان يعلم بالغزو الإسرائيلي للبنان في مايو ١٩٨١م وأعطى الضوء الأخضر للعملية [٣٣] . لم تحل الاختلافات العقائدية فضلاً عن الحالة الاجتماعية والموقع الجغرافي بين الصلف الصهيوني وانتهاك حقوق المسلمين حتى في أقصى الكرة الأرضية؛ فها هي المخابرات الإسرائيلية تقوم بتدريب قوات مختارة من) نمور التاميل ( الذين يشنون حرباً على الحكومة السيرلانكية وتبيع لهم السلاح، ومعلوم للجميع معاملة هذه الفئة للمسلمين هناك، والأعجب من ذلك: مساعدة (إسرائيل) للجيش الحكومي السيرلانكي، ومساعدة الحكومة على الاحتيال على البنك الدولي وبعض المستثمرين لدفع ثمن الأسلحة [٣٤] ، مرة أخرى تتدخل (إسرائيل) في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة وعضو في المجتمع الدولي، وتشعل نار الحرب الأهلية فيها، وتمد طرفي النزاع بالسلاح، ملقية بالقانون العالمي خلف ظهرها، علماً بأنها قد وقعت على ميثاق الأمم المتحدة الذي يحض الدول كلها على نشر السلام في العالم والمساعدة على استتبابه بين الشعوب. ولقد قامت دولة يهود سنة ١٩٧٩م بإجراء تجربة نووية في جنوب المحيط الأطلسي بالتعاون مع نظام جنوب إفريقيا العنصري الذي وفّر لها المكان الملائم مقابل تبادل التقنية الإسرائيلية في ذلك المجال، وعلى الرغم من أن (إسرائيل) ترفض الاعتراف بوجود برنامجها النووي الذي أسسه) شمعون بيريز (بتمويل ودعم من فرنسا في العقد السابع من هذا القرن الميلادي، وبالتالي: رفض الانضمام والانصياع للمعاهدة الدولية التي تحد من انتشار الأسلحة النووية.. إلا أنّ الحكومة الأمريكية هي الأخرى قد تعامت عن قصد عن تلك التجربة، بل وقامت إدارة الرئيس (كارتر) بحجب معلومات سياسية وعسكرية عن لجنة فنية كانت تحقق في الموضوع حتى توصي بخطأ القمر الصناعي الذي رصد التجربة؛ لئلا تضطر إلى معاقبة (إسرائيل) حسب قانون المعاهدة المذكورة وكذلك التشريعات الأمريكية في هذا المجال [٣٥] . وأخيراً: فيما سبق عرضت نماذج من خرق دولة صهيون للقانون الدولي، وليست الاختراقات محصورة في ذلك، بل هذا هو ما سمح به الحيز ومصادر المعلومات، ويكفينا أن نأخذ العبرة مما مر معنا، فالدولة اليهودية التي ترفض توضيح حدودها السياسية [٣٦] ، لأن لديها أهدافاً وأطماعاً لم تحققها بعد، والكيان الذي لا يزال يفتقر إلى دستور مكتوب [٣٧] ، علماً بأنه يزعم اعتناق الديمقراطية التي تثبت الحقوق والواجبات ... يقوم بتنفيذ سياسة المندوب السامي في زمن الاحتلال العسكري، ولكن تحت مظلة العالم الغربي المفتون بالتنظيم والحقوق، ومن أخصها تلك المتعلقة بالإنسان، فإسرائيل تدمر البنية الاقتصادية لدول المنطقة بطرق ... مختلفة، وتسعى جاهدة ومن ورائها الحلفاء الغربيون إلى تكوين (سوق شرق أوسطية) تكفل الرفاهية للشعب المختار على حساب شعوب المنطقة برمتها، وقد وصفها الصحفي الإسرائيلي) يعقوب تيمرمان) بأنها: (جنوب إفريقيا في المنطقة، تحيل العمال العرب إلى مواطنين من الدرجة الثانية لخدمتها، فيما تحولت إلى بروسيا [*] الشرق في توسعها وسيطرتها ( [٣٨] . ترى بعد كل هذا: من يستطيع أن يضمن الحقوق العربية التي تدور حولها المفاوضات؟ ، ومن لديه القوة الكافية لمعاقبة (إسرائيل) إذا تخلت عن عهودها؟ ، وكيف والحالة هذه يثق المفاوضون العرب والمؤيدون لعملية السلام بالديمقراطية الصهيونية؟ لقد رأينا كيف فعلت إسرائيل باتفاقيات أوسلو على أرض الواقع، فلماذا الإصرار والمراهنة على عملية مصيرها الفشل الذريع؟ . أهو فقدان الثقة بالله؟ أم فقدان الثقة بالنفس؟ أم الخوف من المستقبل؟ أين أمتي عن مبشرات النهاية المحتومة لليهود؟ .. ألم يقرؤوا القرآن؟ ألم يراجعوا السنة؟ .. أم على قلوب أقفالها..؟ ! .

стр. 2337

ملف العدد (حتى لا ننسى فلسطين) ماذا يبقى من فلسطين؟ (قراءة في ملف التنازلات) (١ من ٣) بقلم: حسن أحمد قطامش ما زالت الآثار السلبية لفوز (نتنياهو) زعيم تكتل الليكود برئاسة الحكومة الصهيونية مستمرة، وما زالت عنجهيته تلقي بظلالها على مسار السلام المزعوم، وما زال العرب اللاهثون وراء أوهام السلام يتلقون ضرباته الموجعة ومواقفه التشنجية، لا سيما لاءاته: لا لعودة القدس.. لا للدولة الفلسطينية.. لا للانسحاب من الجولان. جاءت هذه اللاءات وكأنها مصمّمة على مقاس اللاءات العربية الشهيرة التي ولدت ولادة قيصرية في قمة الخرطوم عقب هزيمة ١٩٦٧م: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض. أدركنا من شعاراتهم تلك حجم الاستخفاف والاستغفال للشعوب المسكينة التي طالما دغدغت وسائل إعلامهم مشاعرها باللاءات، والتي تمنت تحقيق شيء منها، فالناس تلهث وراء من يحقق أحلامها.. ولو بالشعارات. وحين كان الوطيس حامياً لم يعلم كثير من الناس ما يدار من وراء الظهور، فقد كان إن أُحسن الظن جدّاً هناك بقية من حياء، أو قل في حقيقة الأمر: لم يكن من السهل على الشعوب تقبل هذا الكيان الدخيل كجار له حق الجوار بعدما فعل ما فعل، لم تكن هناك وسيلة يومها للحفاظ على مكاسب الحكم إلا بهذه اللاءات. لم يكن من السهل يومها أن تتنازل منظمات وجبهات عن خطاباتها ... (الاستراتيجية) أو عن (الأيديولوجيا (التي تربت عليها نخبها الفكرية والمسلحة. لم يكن هذا ولا غيره ممكناً وقوميتهم العربية! تدرّس للفتيان والفتيات في المراحل المتوسطة على أنها دين جديد. لكن ما كان مثبتاً صار منفياً، وكان لهم كثير مما أرادوا، انجلت الحقيقة وأعلنوها بكل عنترية ومن (موقف القوة (: إننا ننادي بالسلام! ! ونرى القوم اليوم وقد تعالت لهم لاءات أخرى رنانة، يثبتون وينفون، ولكن ما عادت الشعوب هي الشعوب، فصاروا هم في واد، والناس في وادٍ آخر. سقطت كل الأقنعة، وفتحت (كل الأبواب (الموصدة بمبادئ (الكفاح حتى التحرير (و (الخنادق لا الفنادق (.. فتحت على مصاريعها للسلام والمفاوضات، وتبارى القوم في إثبات الأحقية بلقب المفاوض السري الأول مع بني صهيون. ويذكرنا ذلك بقصة ذكرها حسنين هيكل في كتابه (أكتوبر.. السلاح والسياسة (: أن (هنري كيسنجر ((اليهودي الألماني الأصل) وزير خارجية أمريكا الأسبق، عندما تردد على مصر أكثر من مرة، كان الساسة الحضور يتبارون في احتضانه وتقبيله؛ ليثبت كل منهم للآخر أنه على معرفة به، مما حدا بـ (كيسنجر) أن يُخْبِرَ الرئيس (نيكسون (بشكه في نفسه من كثرة المقبِلين له من الرجال..! ! [ص ٧٢٦] . والعجيب أن اللاءات القديمة كانت تعيش دهراً حتى يأتي زمان انقلابها.. أما اليوم: ف (لا) الصباح هي (نعم) المساء. ونأتي الآن على هذه القواميس الجديدة، وهي نصوص حرفية لتصريحات صحفية لم نُحرف فيها حرفاً.. ولنبدأ بـ (أصحاب القضية) ، ثم (مملكة السلام الدافئ جدّاً (، ثم (أرض السلام البارد (، ثم نأتي على أصحاب (التطبيع الاقتصادي (المتواري! ! ... ثم نأتي على العموميات للخطاب الظاهر والباطن في دفتر التنازلات ... لبني صهيون، ولننظر: ما الذي يبقى من فلسطين بعد كل ذلك؟ ! أولاً: أصحاب القضية: أ - العرفاتيون ينقضون الميثاق: لا أريد أن أستبق الحديث عن خطر نقض الميثاق الوطني الفلسطيني، وعن محو ذاكرة شعب بأكمله، وتحويل الجهاد بمحاربة يهود إلى تطرف وإرهاب، ولكن سنترك للميثاق نفسه الحديث، وسنذكر نص المواد التي تضمنها الميثاق الذي أُلغي، ثم نذكر بعدها النصوص التي نُقض بها بُنْيان الأول، ثم ... التهديد مرة أخرى للعودة للميثاق القديم! ! فلا عجب، ولنجري بعدها المقارنة بين ... ... (استراتيجيات الأمس (و (تكتيك اليوم (! ! من نصوص الميثاق القديم: المادة [١] : (إن فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة لا تتجزأ (. المادة (٩) : (إن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك (استراتيجية (وليس (تكتيكاً (. المادة (١٩) : (إن تقسيم فلسطين الذي جرى عام ١٩٤٧م وقيام دولة إسرائيل باطل من أساسه، مهما طال عليه الزمن؛ لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه، ومناقضته للمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمها: حق تقرير المصير (. المادة (٢٠) : (باطل كل من تصريح بلفور، وصك الانتداب، وما ترتب عليهما، وإن دعوى الترابط التاريخي والروحي بين اليهود وفلسطين لا تتفق مع حقائق التاريخ ولا مع مقومات الدولة في مفهومها الصحيح، وإن اليهودية بوصفها ديناً سماويّاً ليست قومية ذات وجود مستقل، وكذلك: فإن اليهود ليسوا شعباً واحداً له شخصيته المستقلة، وإنما هم مواطنون في الدول التي ينتمون إليها (. المادة (٢١) : (إن الشعب العربي الفلسطيني معبراً عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فسلطين تحريراً كاملاً، ويرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية أو تدويلها (. كانت هذه بعض بنود الميثاق الذي أُقر في العام ١٩٦٤م، وتم تعديله في العام ١٩٦٨م.. لم يمر عليه إلا ثلاثة عقود فقط حتى انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في غزة مرة أخرى يوم ٢٢ إبريل ١٩٩٦م، وقرر ما يلي: (يؤكد المجلس التزامات منظمة التحرير الفسلطينية في اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو/١ (والاتفاق المؤقت في القاهرة، ورسائل الاعتراف المتبادل الموقعة في ٩ سبتمبر (أيلول) ١٩٩٣م، والاتفاقية الإسرائيلية المرحلية حول الضفة وقطاع غزة (أوسلو/٢ (الموقعة في ٢٨ سبتمبر (أيلول) ١٩٩٥م، وقرار المجلس المركزي الموقع في ٢٨/١٠/١٩٩٣م، الذي وافق على المشاركة في مؤتمر مدريد، وإذ يستند إلى المبادئ التي انعقد على أساسها مؤتمر مدريد للسلام، ومفاوضات واشنطن.. يقول: أولاً: يُعدّل الميثاق الوطني الفلسطيني بإلغاء البنود التي تتعارض مع رسائل الاعتراف بين منظمة التحرير وحكومة إسرائيل يومي ٩، ١٠/٩/١٩٩٣م. ثانياً: يكلف المجلس الوطني الفلسطيني اللجنة القانونية بإعادة صياغة الميثاق الوطني، وعرضه على المجلس المركزي في أول اجتماع له (. فبين الميثاق، وتعديل الميثاق ... لا تعليق. إن الأساس الإلزامي لإلغاء أو حذف بنود الميثاق الوطني وردت أساساً في رسالتي التعهدات اللتين قدمهما ياسر عرفات باسم المنظمة في ٩ سبتمبر ١٩٩٣م إلى كل من رئيس وزراء إسرائيل (رابين (، ووزير خارجية النرويج، واللتين يسميهما المجلس الوطني: (الرسائل المتبادلة (! ! ولقد تضمنت الرسالتان تعهدات رئيسة، هي: ١- الاعتراف بحق (إسرائيل (في الوجود. ٢- قبول قراري مجلس الأمن الدولي: ٢٤٢، ٣٣٨. ٣- الالتزام بعملية السلام في الشرق الأوسط، وبتسوية سلمية للنزاع مع إسرائيل. ٤- التخلي عن اللجوء إلى (الإرهاب (وغيره من أعمال (العنف (، وتحمل مسؤولية ضبط جميع عناصر المنظمة وأفرادها، والتأكد من امتثالهم، ومنع أي مخالفات، و (معاقبة المخالفين (. ٥- التعهد بأن يقوم المجلس الوطني الفلسطيني بتعديلات في ميثاق المنظمة؛ لإلغاء البنود التي تنكر على (إسرائيل (حقها في الوجود. وفي تلك الآونة: صدرت تصريحات لكبار القادة (من أصحاب القضية والكفاح المسلح) نقف على بعضها الآن، فيها النفي، وفيها الإثبات، ولكن في القاموس الجديد للنفاق السياسي: ياسر عرفات: إن هذا الميثاق ليس ميثاقي، ولا ميثاق الثورة الفلسطينية، ولم يكن ميثاق حركة فتح، لأن ميثاق فتح وميثاقي هو الدولة الديمقراطية ... العلمانية! ! ، وهو الذي انتخبت على أساسه رئيساً لمنظمة التحرير، وليس بناءً على الميثاق السابق. [الشرق الأوسط ع/٦٣٦٢ ٢٩/٤/١٩٩٦م، مقال بلال الحسن عضو المجلس الوطني] . عرفات: فقرة تدمير إسرائيل لاغية، وباطلة، وعفا عليها الزمن [الخليج ع /٦١٠٤ ١/٢/١٩٩٦م] . وفي باريس، في عام ١٩٨٨م، استقبل الرئيس الفرنسي (ميتران (ياسر عرفات، مما اعتُبِر اعترافاً بمنظمة التحرير، واجتمع وزير خارجية فرنسا وقتها (آلان دوما (وعرفات، وتكلم معه (كصديق (، وقال: إنك لا تتصور كم سوف تكلف هذه المقابلة الرئيس (ميتران (سياسيّاً أمام الرأي العام، وإذا سمحت، فإنني أقترح عليك أن تقدم له شيئاً في المقابل، إنك أعطيت كثيراً لـ (جورج شولتز (وزير خارجية أمريكا وقتها، ومن حق (ميتران (أن تساعده.. ثم اقترح عليه (دوما (أن يعلن تخليه عن مواد الميثاق الوطني التي تختص بإسرائيل (عدم الاعتراف بها وتدميرها.. إلخ) ، فرد عرفات بأنه مستعد لذلك، والآن، وللصحفيين الواقفين في انتظار أمام مكتب وزير الخارجية.. ثم سأله عرفات عن كلمة بالفرنسية تؤدي المعنى الذي يريده وزير خارجية فرنسا، فاقترح عليه أن يقول للصحفيين: إنه يعتبر ميثاق منظمة التحرير: (CADUV (، أي: مُلْغًى، وليس له مفعول! ! ! ( [القنوات السرية العالم اليوم ع/١٧١٦ ٢٣/ ٩ /١٩٩٦م] . نايف حواتمة: (الميثاق ليس مقدساً وبعض بنوده شاخت، وعفا عليها الزمن ( [الخليج ع/٦١٠٩ ٦/٢/٩٦م] . محمود عباس: (أبو مازن (: (عدلنا الميثاق سنة ١٩٨٨م (!) ، والمطلوب إشهار التعديل ( [حوار للاتحاد، ع/٧٦٧٣ ٢٩/١/٢٩٦] . وتقول السيدة (ماري كلير) أرملة رئيس وزراء فرنسا الأسبق (بيير ... فرانس) : التي عقد في بيتها أول لقاء سري على حد قولها بين اليهود ... والفلسطينيين (مَثّلهم فيه عصام السرطاوي، الذي قتل في البرتغال عام ١٩٨٤م) وكان ذلك في باريس عام ١٩٧٦م، تقول: (إنه بعد وفاة زوجها التقت عرفات في تونس عام ١٩٨٩م، وأبلغته بعد زيارتها لتل أبيب أن العثرة القائمة أمام قيام حوار فلسطيني/ إسرائيلي هي: ميثاق المنظمة الذي يدعو لرمي إسرائيل في البحر، وأبلغته: أن عليه أن يشطبها من الميثاق؛ لأنهم أي: الفسلطينيون غير قادرين على ذلك، فأخبرها عرفات بأن تلك المقولة أصبحت لاغية وباطلة المفعول ( [حوار لعكاظ ع/ ١٠٩٤٦ ١/٨/١٩٩٦م] ، هذه السيدة اسمها الأصلي (ليلى شكوريل (، يهودية من أسرة شكوريل المصرية الشهيرة، وهي لا تزال مهتمة بقضايا إسرائيل/فلسطين، من تأثير اهتمام زوجها بها، وقد كان يهوديّاً أيضاً. وعليه: فقد صَدَق أبو مازن فيما قاله، لقد كان الثمن الذي يدّعيه الفلسطينيون لقاء الاعتراف ونقض الميثاق هو: وعد من يهود بقيام دولة فلسطينية، ومع رحيل الواعد والوعد، وتشدد الخلف (نتنياهو) : حاول القوم النكوص مرة أخرى ومحاولة رمي إسرائيل في ( ... ((!) ، فهذا رئيس المجلس الوطني الفلسطيني (سليم الزعنون (في حوار أجرته معه صحيفة (العالم اليوم (يجيب على السؤال التالي: س: هل هناك خيارات أخرى بعد إلغاء نص القضاء على إسرائيل؟ ج: عندما قررنا إلغاء الميثاق الوطني كان مقابل اعتراف (شيمون بيريز ( وحكومته بقيام دولة فلسطينية، وإذا لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات الموقعة ... معها، فسوف نعيد نص الميثاق الخاص بالقضاء على إسرائيل! س: ما هي البدائل المتوافرة لدى السلطة الوطنية لاستخدامها في حال استمرار (نتنياهو) في تشدده ورفضه تنفيذ الاتفاقيات؟ ج: نحن نراهن على استنهاض القوى المحبة للسلام والمؤيدة له داخل إسرائيل، وهي بالمناسبة قوى مهمة ومؤثرة في الوقت نفسه، وسنظل نخاطب المجتمع الدولي لهدف مساعدتنا في استرداد حقوقنا المشروعة، وسنحافظ على ما حققناه على الأرض بكل الوسائل، حتى إذا استدعى الأمر أن نتحلى بالصبر طوال السنوات الأربع القادمة مدة حكم نتنياهو [يا لها من وسائل] مع الاستمرار في النضال على كل الجبهات.. [العالم اليوم ع/١٦٦٢ ٢٣/ ٧/١٩٩٦م] . كان هذا رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، أما رئيس المجلس التشريعي ... (أحمد قريع (، الذي يمثل مع الزعنون على حد قول عرفات هيكل الدولة، فقد سُئل من قِبل محطة (بي. بي. سي (عن:، ماذا ستفعلون إذا استمر (نتنياهو) في مواقفه المتشددة؟ فأجاب: سنفعل كل شيء، ما الذي لا نستطيع أن ... نفعله؟ ! إنها ستكون مواجهة بمعنى الكلمة، مواجهة سياسية، مواجهة دبلوماسية الانتفاضة! ! .. [مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية ٢٦/٢/١٤١٧هـ، ١٢/٧/ ١٩٩٦م] . فيا معشر العقلاء.. من نصدق من أولئك الساسة العظام.. حَمَلة ... ... (القضية (؟ ! ب: الدولة الفلسطينية وعاصمتها.. (القدس) (١) : قبل البدء في عرض تصريحات القوم حول الدولة والعاصمة: نلقي نظرة سريعة حول هذه الدولة والقدس العاصمة الأبدية لها، ولننظر: هل تصلح هذه التصريحات مع هذا الواقع.. أم هي جعجعة كلامية؟ ! - مساحة الأرض: بعد عقود من الحروب والتشتت والمعاناة نجري مقارنة بين حقوق الفلسطينيين المشروعة، وبين ما قدمته لهم إسرائيل من (تنازلات (من خلال اتفاقيات السلام! ! تبلغ مساحة الأرض الفلسطينية وهي جوهر الصراع (٢٦.٣٢٠.٠٠٠) دونم، وذلك في عام ١٩١٧م، وعندما أنشئت الدولة اليهودية عام ١٩٤٨م كانت مساحة الأرض اليهودية (١.٤٩١.٦٩٩) دونماً، أي ٥. ٧% من مساحة فلسطين، ومنها انطلق الجيش الصهيوني ليحتل باقي فلسطين وأجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان. والآن أعطت اتفاقية السلام السلطة الوطنية الفلسطينية ما مساحته (١.٨٦٠.٠٠٠) دونم، والعجيب: أن هذه المساحة وهي غزة والضفة تساوي تقريباً مساحة الأرض اليهودية عام ١٩٤٨م، فكأنما تبادل الفلسطينيون واليهود أراضيهم، فأخذ الفلسطينيون ٦% وأعطوا اليهود ٩٤% من فلسطين! . - المياه: تبلغ مصادر المياه في الضفة الغربية وغزة ٧٠٠ مليون م٣/سنة، تأخذ منها يهود ٤٢٠ مليون م٣/سنة، والفلسطينيون (١.٥٠٠.٠٠٠) نسمة يحصلون على ١١٥ مليون م٣/ سنة، والمستوطنون (١٣٠.٠٠٠ نسمة) يحصلون على ٥٠ مليون م٣/سنة، أي: إن نصيب المستوطن من المياه خمسة أضعاف نصيب الفلسطيني. - عدد السكان: يبلغ عدد الفلسطينيين الآن (٧.٧٠٠.٠٠٠ نسمة) ، منهم حوالي مليون (١٢%) في إسرائيل، و ٢.٢٥٥.٠٠٠ نسمة (٢٩%) في الضفة وغزة، ويبقى ٤.٥٠٠.٠٠٠ فلسطيني في الشتات يمثلون أكثر من ثلثي الشعب، بينما يبلغ عدد السكان اليهود في إسرائيل الآن ٤.٥٠٠.٠٠٠ نسمة، كان عددهم عند احتلالهم فلسطين ٦٠٥.٩٠٠ منهم ٢٥٠.٠٠٠ يحملون الجنسية الفلسطينية، والباقون أغراب، وبالزيادة الطبيعية أصبح عدد يهود ١٩٤٨م في العام الماضي (١٩٩٥م) ١.٦٨٢.٠٠٠، وهذا يعني أن ٢.٨٠٠.٠٠٠ يهودي استُجلبوا من الخارج، لإحلالهم محل ٤.٥٠٠.٠٠٠ فلسطيني طردوا من ديارهم، بمعنى أن اتفاقية السلام أسبغت الشرعية على حقوق ٢.٨٠٠.٠٠٠ مستورد، وحرمت حقوق ٤.٥٠٠.٠٠٠ فلسطيني من العودة لوطنه.

стр. 2338

المسلمون والعالم مصر في القرن الواحد والعشرين.. قراءة أصولي.. (٣ من ٣) بقلم: عبد الرحمن الكناني عرض الكاتب في الحلقتين الماضيتين لأهم نقاط الدراسة المستقبلية عن مصر التي قدمها الدكتور/ أسامة الباز، ثم بدأ في نقد هذه الدراسة بذكر ست ملحوظات عامة عليها، وأخذ في عرض بعض الملحوظات التفصيلية، كان آخرها: الموقف من الصحوة الإسلامية، حيث تعرّض لأسباب ظهور الصحوة، والصراع بينها وبين العلمانيين، ورؤية أصحاب الدراسة لطريقة التعامل معها.. ويواصل الكاتب قراءته للدراسة. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - الملحوظة الخامسة: عن المرأة والسكان: رغم أن الدكتورة مديحة السفطي (أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية، ومستشارة الأمم المتحدة ووكالة التنمية الأمريكية، وعضو المجالس المتخصصة) تحاول أن تجمع بين التوجهات الدولية نحو المرأة: من زيادة فرص ومجالات التساوي في الحقوق بين الرجل والمرأة، والاهتمام بالمرأة من زاوية (حقوق الإنسان) ، تحاول أن تجمع بين ذلك ووجوب (تعاملنا مع المؤتمرات العالمية بشكل انتقائي، فنأخذ من المؤتمرات الدولية وقراراتها ما يتفق مع تقاليدنا، ونترك كل ما يخالف إسلامنا «وهو تحفظ مشكور من الدكتورة السفطي، ولكن يبدو أن التصور المنقوص لعلاقة الإسلام بالحياة الاجتماعية حال دون وضع تصور صحيح، والغالب أن الدكتورة تقصد بهذا التحفظ رفض اللغط الدولي الدائر حول حقوق الشاذين جنسيّاً و (الأشكال الجديدة) للأسرة، ولكنها تفتح المجال أمام قضايا أخرى قد ترى فيها التقاءً مع تحرك الأمم المتحدة، وإلا فلن يكون هناك مجال للحديث عن هذا التحرك، وهذا ما عبرت عنه الدكتورة بأن (هناك اتجاهاً دوليّاً نحو زيادة فرص ومجالات التساوي في الحقوق بين الرجل والمرأة) ، فإن المرأة المصرية (برغم أنها استطاعت أن تحقق مكاسب في المجتمع، إلا أنها لم تنجح في الحصول على المساواة مع الرجل) .. فإذا كانت المرأة المصرية قد حصلت على إلزام للدولة بموجب دستور ١٩٧١م (بحماية الأمومة والطفولة، ومن ثم: سن التشريعات التي تعطي للمرأة بعضاً من الحقوق، ومنها الحقوق السياسية) ، كما توفر للمرأة زيادة نسبة مشاركة المرأة في العمل، وفي انخراطها بالمراحل التعليمية المختلفة، وزيادة مجالات التوظيف، وإذا علمنا أنه ليس هناك أي تفريق بين الرجل والمرأة في الأجور ومجالات التعليم أو التوظيف، فما هي المساواة المقصودة التي لم تحصل عليها المرأة، إننا نرى أنه لم يبق إلا المساواة في الميراث وحق التطليق، وهو ما يدندن عليه كثيراً بعض متطرفي (العلمانية النسائية) . والدكتورة السفطي تركز على عمل المرأة، فإضافة إلى ما تقره من (مكاسب) في هذا المجال تشير إلى زيادة نسبة تمثيل المرأة في سوق العمل نتيجة هجرة العمالة المصرية للخارج، كما ترى (أن تحرير المرأة يؤدي إلى رفع الأعباء عن كاهل الأسرة، عن طريق مساهمتها في زيادة الدخل) .. فما المقصود بـ (التحرير) ؟ ! نعرض فيما يلي إلمامة بالنتائج (الاجتماعية) و (الاقتصادية) لمساهمة المرأة في زيادة الدخل [١] : يقول الدكتور أحمد إبراهيم عبد الهادي، أستاذ إدارة الأعمال بكلية التجارة جامعة بنها: (في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد النساء بالقوى العاملة بالمنظمات المصرية، وبالإضافة إلى التوقعات الخاصة بتزايدهن بمعدلات سريعة في الإدارة بشكل عام وفي الإدارة الحكومية بشكل خاص: فإن الاختلافات في التكوين البيولوجي والنفسي والقدرات العقلية بين النساء والرجال في المتوسط، وأيضاً: اختلاف تأثير العوامل الاجتماعية والتنظيمية ينتج عنها تأثيرات سلبية في مدى فعالية النساء في العمل أو الإدارة ... ولقد قام الباحث بدراسة علمية تناولت العوامل المؤثرة في سلوك المرأة المديرة مع التطبيق على بعض المنظمات في مصر) أوضح فيها صراع الأدوار الذي تعيشه المرأة العاملة: من سيطرة مشكلات رعاية الأطفال، ودور المرأة نحو زوجها، والتأثيرات الصحية والنفسية والاجتماعية، ومظاهر التوتر النفسي والقلق ... وميخائيل جورباتشوف (الرفيق) يقول في (البيروسترويكا) : (إن المرأة تعمل في مجال البحث العلمي، وفي الإنتاج والخدمات، وتشارك في النشاط الإبداعي، ولم يعد لديها وقت للقيام بواجباتها اليومية في المنزل (العمل المنزلي) ، وتربية الأطفال، وإقامة جو أسري طيب) . (في ٢٣/١٢/١٩٨٥م تقدم مجموعة من أطباء الأطفال بمذكرة للدكتور عاطف عبيد وزير شؤون مجلس الوزراء تدعو إلى مساعدة الأم المصرية للقيام بأهم وظائفها المتمثلة في رعاية الأطفال وتنشئتهم التنشئة الصحية السليمة ... وأيضاً حماية الاقتصاد المصري من استنزاف ميزانيته في استيراد الألبان ... الصناعية..) . وفي (٢١/٣/١٩٨٧م: أصدر رئيس هيئة القطاع العام للغزل والنسيج قراراً بمنع تعيين السيدات في ثلاثين شركة غزل ونسيج، وقال: إنه استند في قراره هذا إلى أن العائد من عمل المرأة لا يتجاوز ٢٠% مما يحققه الرجل) .. وذلك بخلاف التصريحات والقرارات التي صدرت منذ ١٩٧١م حول إنتاجية المرأة المنخفضة، والرغبة في تشغيل المرأة نصف أيام العمل الرسمية، ومشروعات قوانين لمنح المرأة العاملة إجازة (١٠) سنوات بنصف الأجر ... فإذا أضفنا إلى تلك الآثار: نسبة البطالة المرتفعة بين الشباب التي تسهم المرأة العاملة في ارتفاعها بينهم، والتي يتعاظم أثرها على الرجل بخلاف المرأة في مجتمعاتنا وما ينتج عن الفراغ المصاحب لذلك من مشكلات نفسية واجتماعية وأمنية ... لوقفنا حائرين أمام الإصرار على خروج المرأة إلى العمل. ولكن جانباً من هذه الحيرة يزول إذا طالعنا الآتي [٢] : (في ٦/١/١٩٧٢م: نشرت الصحف أن الدكتور أحمد السيد درويش وزير الصحة حينئذ بحث مع أعضاء البنك الدولي للإنشاء والتعمير الاتجاه إلى إيجاد فرص عمل ملائمة لكل امرأة عاطلة في مصر؛ لإمكان رفع مستواها الاقتصادي، وشغل وقت فراغها الطويل كوسيلة فعالة من وسائل تنظيم الأسرة في مصر.. على أساس أن المرأة ذات الدخل المناسب أقل إنجاباً وأحرص على تنظيم أسرتها) ، وفي (٢٠/١/ ١٩٨٦م: ناقش المجلس القومي للسكان برئاسة د. ماهر مهران مقرر المجلس إعداد خطة قومية للتوسع في تشغيل المرأة المصرية على مدى خمس سنوات، باعتبار أن ذلك هو الحل الأمثل والوحيد لأزمة السكان في مصر.. بعد أن أثبتت الأبحاث العلمية أن المرأة العاملة أقل خصوبة وإنجاباً! !) . وهذا ما يقرره أيضاً الدكتور محمد السيد غلاب في المشروع المستقبلي الذي نحن بصدده؛ حيث يقول: إن (انتشار التعليم واهتمام المرأة بالعمل، لهما أثرهما في الحد من الزيادة السكانية) . ويبدو أن الأمر مستقر في المشروع المستقبلي على الحد من الزيادة السكانية، فإضافة إلى ما نصح به الدكتور غلاب يضع الدكتور الباز من أهم ركائز رؤيته المستقبلية: وضع خطة شاملة لتنمية المورد البشري في مصر، تقوم أولاً على ضبط النمو السكاني، بحيث ينخفض إلى أقل من ٢%، وذلك باستخدام وسائل أكثر فعالية في الترويج لمفاهيم تنظيم الأسرة وإقناع الجماهير في المناطق الريفية وفي الأحياء الشعبية في المدن بأفضلية الأسرة الصغيرة القادرة» ، ولا يخفى على القارئ أن (تنظيم الأسرة) هو الاسم الجديد لـ (تحديد النسل) ، وهذا ما وضحه الدكتور الباز بـ (أفضلية الأسرة الصغيرة) . ولا يظهر في المشروع: هل الإصرار على الحد من الزيادة السكانية والوقوف عند حد الـ ٧٠ مليون بسبب خطر الزيادة السكانية نفسها أم لعجز الدولة عن تأهيل واستثمار وتوظيف هذه الزيادة؟ ! ، ولكن هناك إشارات في الدراسة تلمح إلى إدراك أهمية القوة البشرية، منها ما ذكره الدكتور غلاب نفسه من (أن الزيادة السكانية لم تكن أبداً عبئاً، ولا يصح أن تعتبر كذلك في القرن القادم؛ فهي التي مكنت مصر من التقدم في كل العصور) ، وفي دراسة أخرى: يشير الدكتور مصطفى الفقي إلى أن من أهم العوامل المؤثرة في دور مصر عربيّاً: (اعتبار مصر مستودع الثروة البشرية) . وفي هذه الإشارات توافق مع منطق العقل والتاريخ؛ يقول الأستاذ خورشيد أحمد: (القوة الغالبة لا تكون في المستقبل إلا للبلاد التي تتمتع بزيادة السكان، وتتحلى في الوقت ذاته بالعلوم الفنية، فليس ثمة شيء يستطيع أن يحتفظ لأمم الغرب بسيادتها وقيادتها العالمية سوى أن تعمل على نشر حركة تحديد النسل ومنع الحمل في بلاد آسيا وإفريقيا؛ لأجل هذا: فإن البلاد الغربية تعمل اليوم وسعها لزيادة سكانها، ولكنها في الوقت نفسه تستعين بأحسن ما عندها من أساليب الدعاية لتعميم حركة تحديد النسل في البلاد الآسيوية والإفريقية) [٣] . ويقول أيضاً: (وما أصدق الأستاذ (أورجانسكي) في قوله: وفي المستقبل، إنما تكون القوة أكثر عند المعسكر الذي يكون عنده الأفراد أكثر) [٤] . ويقول في الكتاب نفسه: (مما لا يخفى على طالب لعلم التاريخ: أن تعدد السكان له أهمية سياسية جذرية، ولذا: فإن كل حضارة أو قوة عالمية قد أولت جل اهتمامها إلى زيادة أفرادها في عصرها الإنشائي والتعميري، ولذا: فإن المؤرخ المعروف الأستاذ (ويل ديورانت) يعد كثرة السكان من أهم أسباب التقدم المدني وأيضاً يعدها الأستاذ (آرنولد توينبي) من تلك التحديات الأساسية التي ردّاً عليها يخرج إلى عالم الوجود تقدم أي حضارة إنسانية) [٥] . فهل عرف العلمانيون بعضاً من حكمة حث الرسول على التكاثر والتناسل والتوالد؟ ! الملحوظة السادسة: الاقتصاد والإنجازات! الثورية: التطور السريع الذي شهده الاقتصاد المصري منذ قيام حركة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م (لاحظ أنه لا تُذكر هنا الصحوة الإسلامية والأسباب الاقتصادية لظهورها) هذا التطور الذي يحدثنا عنه الدكتور/إبراهيم حلمي عبد الرحمن، وما أدى إليه من (نمو كبير في قطاع الصناعة والخدمات، وإلى تحويل مصر تدريجيّاً من دولة زراعية أساساً إلى دولة أصبحت مساهمة القطاع الزراعي فيها لا تتجاوز ٢٠% من الناتج المحلي، لكن الضغوط الخارجية والحروب المتتالية في ثلاثة عقود أرهقت الاقتصاد القومي، ثم عاد الاقتصاد المصري أخيراً إلى مرحلة التنمية السريعة في الثمانينات) . هذا التطور حقيقته: تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة التصحر، وعدم مواكبة الزراعة لأساليب متطورة ومتقدمة، وهجر الفلاح المصري للعمل في مجال الزراعة.. الحال الذي أدى لما هو معروف من تحويل مصر إلى بلد مستورد لقُوته بعد أن كان سلة غذاء، حيث أصبحت مصر الآن تستورد ٦٠% من حاجاتها الغذائية، وكمثال على ذلك [٦] : فالقمح الغذاء الأساس في مصر تعتبر مصر أكبر مشترٍ له من أمريكا (أكثر من مليون طن) ، كما تعتبر مصر ثالث أكبر مستورد في العالم للقمح والدقيق، وذلك نتيجة سياسة مقصودة، فقد وصل الأمر إلى قطع المياه لأكثر من شهر عن إحدى القرى، فتم تدمير آلاف الأفدنة المزروعة بالقمح، وفي أخرى: أُغرقت الأراضي بالمياه، مما أحدث خسائر مماثلة، وفي ثالثة: زرعت بذور البطيخ فأصابت التربة بما جعلها غير صالحة لزراعة القمح.. كما أن فيروسات وأمراضاً تستعصي على السيطرة أُدخلت عن طريق البذور المستوردة.. وكان تدمير (٣٥٠٠٠٠) فدان بسبب مقاومة الفيروسات بمبيدات مستوردة، ونفقت ٦٠% من الثروة الحيوانية نتيجة أمراض حيوانات مستوردة.. وقد بلغت كارثة القطن حد استيراد مصر من أمريكا حالياً (١٩٦٠٠) طن قطن قصير التيلة، بخسارة بلغت ٥٠٠ مليون دولار ... وجدير بالذكر أن الصهاينة سربوا عبر الحدود المصرية (٨٥) نوعاً من البذور والمخصبات المحقونة بهرمونات ضارة، فضلاً عن ثمانين نوعاً آخر من المبيدات السامة الممنوعة دوليّاً.. وحقيقة هذا التطور أيضاً: تخلف صناعي كبير مقارنة بتجارب مواكبة زمنيّاً للتجربة المصرية (التجربة اليابانية، ثم التجربة الكورية) ، كما أن هناك تغافلاً عن أن (شماعة إرهاق الاقتصاد المصري بالحروب) قد تحطمت منذ ما يقرب من ربع قرن، وظهرت خلال هذه الفترة الأخيرة قفزات اقتصادية كبيرة في دول أقل في الإمكانات كثيراً من مصر (النمور الآسيوية السبعة وتوابعها) . وهذا التطور (السريع) والعودة إلى مرحلة التنمية (السريعة) في الثمانينات صاحبه تطور سريع أيضاً في حجم الديون المثقلة بها الدولة والحكومة، فبالإضافة للدين الخارجي الذي تتضارب التقديرات حوله، والذي بلغ (٥٥) بليون دولار عام ١٩٩١م قبل تخفيضه إلى (٤٠) بليون دولار بعد إسقاط الشريحة الأخيرة، لمشاركة مصر في حرب الخليج وموقفها من قضية (سلام الشرق الأوسط) [٧] ، بخلاف فوائد خدمة الدين المتراكمة، بالإضافة إلى ذلك الدين: هناك الدين العام المحلي (المقدر بنحو ١٢٢. ٧ بليون جنيه (نحو ٣٧ بليون دولار) تمثل ٨٠ في المئة من إجمالي الناتج المحلي المتوقع في الخطة ١٩٩٦ ١٩٩٧م، إضافة إلى نحو ١٦. ٣ بليون جنيه تمثل أعباء خدمة الدين المحلي والفوائد المستحقة، ليبلغ إجمالي الدين العام وفوائده: نحو ١٣٩ بليون جنيه (٤١ بليون دولار) تمثتل ٨٦ في المئة من الناتج الإجمالي الحقيقي ... وتشير الأرقام إلى ارتفاع أرقام الدين المحلي المتوجب على الحكومة من الأفراد والمصارف والشركات والهيئات العامة من ١١ بليون جنيه عام ١٩٨١م إلى نحو ١٣٤ بليوناً و٧٠٠ مليون جنيه بنهاية عام ١٩٩٥م، بنسبة زيادة مقدارها ١٢٢٥ في المئة، أي ١٢ ضعفاً خلال ١٤ عاماً.. ويعزو خبراء اقتصاديون تضخم هذه المديونية إلى تزايد حجم النفقات الحكومية في ظل ثبات حجم الإيرادات ... واعتماد الحكومة على الاستدانة من الداخل.. لسد العجز في الموازنة..) [٨] . الملحوظة السابعة: هدف تنمية القوة: تحفظ الدكتور الباز على خفض الإنفاق العسكري، مشيراً إلى (أن ما يتهامس به البعض أحياناً، ويروجه في أحيان أخرى، عن وجوب خفض الإنفاق العسكري لصالح الإنفاق المدني ... هو نظر خاطئ وغير سليم في تقديري المتواضع؛ لأننا لا بد أن ندرك أن المجتمع لا يمكن أن يكون قويّاً متماسكاً ومنيعاً، مستعصياً على التهديدات وأخطار الانهيار والتمزق إلا إذا كانت الدولة قوية ... ) و (لا يفكر في المساس بقدرة مصر العسكرية في السنوات المقبلة إلا ساذج أو واهم ينخدع بالقشور، ولا يحيط بالظواهر المركبة المعقدة من زاوياها المختلفة) . وإذا كنا نقدر للدكتور الباز هذا الموقف، ونفهم (التهديدات) على أنها الأخطار الخارجية حيث (إن الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط التي نعيش فيها لم تستقر بعد بالدرجة الكافية) وحيث لا بد (أن نحث دولها على تبني مفهوم جديد للأمن، يقوم على تحقيق الأمن المتوازن المتكافئ الذي لا يتمتع فيه طرف بميزة نسبية تخل بالتوازن المطلوب) ، إلا أن المقصود بـ (أخطار الانهيار والتمزق) لم يكن واضحاً، فهل المقصود هو المخطط الصهيوني لتقسيم مصر إلى أربعة محاور جغرافية، وهو ما حذر منه تفصيلاً الدكتور حامد ربيع أستاذ العلوم السياسية ذو المكانة العالمية، وكتب ذلك في مجلة (الأهرام الاقتصادي) العدد ٧٣٣ في ٣١/١/ ١٩٨٣م وما بعده، وأورده الدكتور جمال عبد الهادي في الجزء الثالث من كتاب (الطريق إلى بيت المقدس) ، كما أورد نص وثائقه الصهيونية الكاتب الفرنسي (روجيه جارودي) في كتابه (فلسطين أرض الرسالات الإلهية) ، أم إن المقصود أخطار أخرى، قد تنشأ على (الحكومة) نتيجة تنامي اتجاهات غير مرغوب فيها! وإذا كان موقف الدكتور الباز واضحاً في هذا الجانب (الحفاظ على قدرة مصر العسكرية) إلا أن طرح اللواء أحمد فخر في الدراسة الخاصة لتحديد دور المؤسسة العسكرية المصرية كان غير محدد، غير أنه أجاب لنا عن تساؤلنا السابق الأخير، حيث افترض أن منطقتنا يمكتن أن تشهد أحد سيناريوهين سيؤثران على دور المؤسسة العسكرية:.. (السيناريو الثاني: فيتمثل في عدم نجاح السلام، ومحاولة القوى الجديدة التي تظهر خارج الإطار المؤسسي صياغة الأحداث بما يتلاءم مع أهدافها، وفي حالة حدوث هذا السيناريو: فإن دور المؤسسة العسكرية في الدولة التي ستنجو من مخاطر تفكك السلطة المركزية سيصبح دوراً أساسيّاً مسيطراً لمواجهة التهديدات الداخلية أو الخارجية) ، ومن غريب هذا الطرح: أنه لم يهتم بمعالجة كيفية مواجهة التهديد الخارجي المحوري والطبيعي، وهو الدولة الصهيونية! ! أما السيناريو الأول فكان: (سيناريو نجاح السلام، وفيه سيتم الاختيار بين عدة مفاهيم للأمن، منها مفهوم الأمن الجماعي، والأمن الشامل، والأمن المشترك، والأمن بالتعاون) ، وهو ما تحفظ عليه الدكتور الباز بتبنيه (تحقيق الأمن المتوازن المتكافئ) . وإذا تحقق هذا السيناريو كما في طرح اللواء فخر، فإن هناك دوراً جديداً: (طبيعة هذا الدور ستفرض على المؤسسة العسكرية إحداث تغييرات في هيكلها، وإن اختيار مصر للمشاركة في توجهات النظام الدولي الجديد مثل المشاركة مع قوات الأمم المتحدة في قوات حفظ السلام سوف يؤدي إلى تغير في شكل ومهام بعض عناصر المؤسسة العسكرية) .. تصريحات مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأمريكية في حديث إلى الصحفيين حول زيارة الوزير (بيري) لمصر أوضحت وأكدت لنا طرح اللواء فخر، حيث يقول المسؤول: (وثمة موضوع آخر، وهو أن لنا بعض برامج المساعدات الأمنية الرئيسية التي نناقشها دائماً بالطبع، وسنتحدث عن الاستمرار في تحديث القوات المسلحة المصرية، وأيضاً كما تعلمون عما هو ضروري للاستقرار الإقليمي ومصالح الولايات المتحدة بالتأكيد. وما تسفر عنه مجموعة القضايا عندما توضع في مجملها أمام أبصاركم هو: أن تتمكن مصر من اللعب في ساحات شتى في المنطقة وبالتضافر مع الولايات المتحدة، وكما ذكرت سابقاً: كان اشتراك المصريين في الخليج أمراً مهمّاً، واشتركوا في حفظ السلام في الصومال، واشتركوا في قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة التي عملت على حفظ السلام في البوسنة، كما أنهم سيشتركون أيضاً في القوة الدولية في البوسنة، ولذلك وإن لم تتوافر قوات مقاتلة عصرية وقوات حسنة التدريب قادرة على النهوض بمهام دقيقة لحفظ السلام، فسوف لا يكون بوسعها الاشتراك في هذه الأمور) [٩] . فهل ستكون القوات المسلحة المصرية ترساً في الآلة العسكرية الأمريكية؟ !.. مجرد سؤال! الملحوظة الثامنة: تحديات غير مطروقة: هناك بعض التحديات لم تتطرق الدراسة إلى الإجابة عليها، ومن ذلك: أ -كيفية القفز عبر الهوة التكنولوجية الواسعة للحاق بالدول الرائدة فيها، فقد تحدثت الدراسة عن أهمية معالجة التخلف التكنولوجي الذي تعيشه البلاد، وأي منصف وليس الإسلاميون فقط يعتبر أن هذا التخلف أحد أسباب التبعية والتغريب، كما أن أمة تعد نفسها للريادة الحضارية لا ينبغي لها أن تتخلف عن الأخذ بأسباب الرقي التقني والمدنية. ولكن الدراسة مع إدراكها لأهمية هذا الموضوع إلا أنها لم تعطنا رؤية واضحة للنهوض من هذا التخلف، في ضوء: أ - عِظَم الهوة بين الواقع الذي تعيشه البلاد والنموذج الذي تريد اللحاق به. ب - عدم سماح الدول المالكة لهذه التقنيات بانتقالها إلى غيرها، وبخاصة بعد اتفاقية الجات. ج - هجرة العقول والكفاءات المتميزة التي تزخر بها البلاد إلى الخارج، نتيجة: عدم تقديرها، والافتقار إلى المناخ الملائم لاستثمار إمكاناتها، كأثر من تخلف العقلية الإدارية التي تتحكم في توجيه واستثمار هذه العقول. -مواجهة التهديد النووي الإسرائيلي في ظل الإمكانات المصرية المحدودة والمكبلة بالقوى الدولية، والإصرار الإسرائيلي على التفوق النوعي والكمي للأسلحة الاستراتيجية وأسلحة الدمار الشامل. -مواجهة مخططات تقسيم مصر المشار إليها في الملحوظة السابعة في حال خروجها إلى حيز التنفيذ، وبخاصة أن هناك مؤشرات على التمهيد لهذا المخطط الذي وُقِّت عام ١٩٩٧م لتنفيذه بمشاريع وإجراءات رصدها الدكتور حامد ربيع وتابعها الدكتور جمال عبد الهادي، ولا يُستبعد منها العمل على إبراز (التراث النوبي) ومحاولة إدراج مشكلة (الأقلية النوبية) إضافة إلى الأقباط على جدول أعمال مؤتمر الأقليات الذي كان مزمعاً عقده في القاهرة برعاية د/سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكية. -عوّل كثير من المشاركين في الدراسة على مكانة مصر والثقل الكبير الذي تتمتع به بناءً على موقعها على الخارطة السياسية الإقليمية والدولية، والتي تعمل على تشكيلها القوى الدولية، فماذا لو حاولت هذه القوى تهميش وعزل مصر، مثلما ظهر التلويح بذلك (تحريض مسؤولين إسرائيليتين لأمريكا على فرض عقوبات على مصر) في أزمة صواريخ سكود الكورية الشمالية؟ ! . -كيفية النهوض في ظل الدين الخارجي الكبير، وكيفية الاعتماد على العالم الغربي اقتصاديّاً مع الاستقلال عنه رياديّاً وسياسيّاً، حتى تكون مصر (قوة كبرى إقليميّاً وإحدى القوى الفعالة دوليّاً، دولة لا تنصاع لأي قوة مهما كبرت وبلغت من أسباب الرفعة والتقدم، ولا تقبل أن تكون تابعة أو ممالئة لقوة، كانت ما كانت) على حد تعبير الدكتور الباز. وأخيراً: فنعيد ما ذُكر في أول الحلقة الأولى من هذا المقال، من أن الإسلاميين يجب أن يرقبوا واقعهم ويتابعوه كلّ بحسب قدراته وإمكاناته، وينقدوا ما يُطرح نقداً متوازناً منصفاً، ويظهروا بدون تردد عوار المناهج الوضعية، كما نذكِّر بأن هذا النقد لمثل هذا المشروع لا يهدف إلى (تصحيحه وإصلاحه) ؛ لأن ما قام على باطل فهو باطل، والعلمانية أساس منبتّ الصلة عن ديننا وأمتنا، لا يصلح أن يجمّل ببعض الوصفات أو الصبغات الإسلامية! .. فإذا لم يكن الإسلام هو البديل، فما هو البديل؟ !

стр. 2339

المسلمون والعالم الإسلام والمسلمون في تنزانيا (٢ من٢) بقلم:سعيد عبيد الله بعد استعراض لتاريخ هذه الدولة وكيف دخلها الإسلام، وبعد إطلالة على أوضاع المسلمين هناك، يواصل الكاتب معالجة بقية الموضوع، مذكراً ببعض الأمور التي يرى أنها في حاجة للعناية بها من أجل النهوض بالعمل الإسلامي في تلك البلاد: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - ١- الاهتمام بالتعليم: أهم الخدمات التعليمية التي تدعو الضرورة إلى توفيرها للمسلمين هناك، وهي: -المدارس الابتدائية الإسلامية العصرية: إن التعليم الابتدائي هو الأساس في تكوين شخصية المسلم المتميز. وحكومة تنزانيا تحت رئاسة الرئيس السابق «جوليوس نيريري» ، الحاقد على الإسلام لم تسمح بافتتاح مدارس ابتدائية غير حكومية، والهدف من ذلك هو: منع المسلمين من تربية النشء على المنهج الإسلامي، وبالتالي: تكوين شخصية علمانية ليسهل السيطرة على المسلمين، وقد حقق بعض النجاح في هذه الخطة الخبيثة، إلا أن المسلمين لما رأوا هذا الخطر بدؤوا يطالبون بحقوقهم، وكان نتيجة ذلك: أن سُمح لهم بافتتاح مدارس بالمرحلة الابتدائية، فما على المسلمين إلا انتهاز هذه الفرصة الذهبية. -المدارس الثانوية والمعاهد الفنية الإسلامية: التعليم الثانوي الذي يؤهل للتعليم العالي، والمدارس الفنية سيساعدان المسلمين على مواصلة التعليم وتعلم الحرف التي تساعدهم على الاعتماد على النفس بعد الله والاشتغال بأعمال طيبة، بدلا من البطالة التي تجرهم إلى ما لا يحمد عقباه. -المعاهد الدينية: هناك حاجة أيضاً إلى وجود المعاهد الدينية، فالمعاهد الموجودة الآن في تنرانيا غير كافية من حيث العدد ومن حيث المستوى التعليمي، حيث إنها على مستوى (المرحلة المتوسطة) فقط، فالحاجة ماسة إلى وجود معاهد أخرى ذات مستويات أعلى. -دور تأهيل المسلمات: كما يحتاج المسلمون إلى مراكز لتأهيل النساء اللاتي تحتاجهن المدارس والمستوصفات ودور الأيتام التي ترعى أبناء المسلمين. -معاهد إعداد المعلمين: هناك حاجة أيضاً إلى معاهد إعداد المعلمين، حيث سيساعد ذلك في إعداد المعلمين المسلمين للتدريس في المدارس الابتدائية والثانوية الإسلامية، حيث إن المعلمين في هذه المدارس تم أعدادهم في المعاهد الحكومية أو الكنسية التي لا تلتزم في إعداد المعلمين بأي التزامات سلوكية؛ مما يسبب تخريج معلمين غير ملتزمين إسلاميّاً. ٢- الدعوة في حصص الدين الإسلامي في المدارس الحكومية: وعلى المسلمين أن يستغلوا فرصة إتاحة الحكومة التنزانية تدريس الديانات في مدارسها، بالعمل على الاهتمام بتدريس حصص الدين الإسلامي، واستغلالها مساحةً دعوية مهمة، وحماية لأبناء المسلمين من التنصير الذي قد يقعون تحت طائلته إذا حضروا حصص الدين النصراني في حالة عدم وجود من يدرِّس الإسلام. ٣- إقامة دروس تقوية: هناك أيضاً الحاجة إلى إقامة دروس تقوية للطلبة المسلمين الدارسين في المدارس الحكومية والخاصة؛ لكي يتفوقوا في دروسهم ويتفوقوا في الامتحانات، ونقترح أن تقام هذه الدروس في المدارس القرآنية، وفي المساجد، وذلك لربط هؤلاء الطلاب بالبيئة الإسلامية، كما نرى الحاجة إلى دروس في الثقافة الإسلامية مع دروس التقوية، وذلك من أجل ربط الطلبة بثقافتهم الإسلامية. ٤- إقامة محطات الإذاعة والتلفزة الإسلامية: لا شك أن محطة الإذاعة والتلفزيون لها دور كبير في التثقيف والتوعية والتعليم، حيث تستطيع بما تبثه عبر برامجها المسموعة والمرئية اختراق حواجز الزمان والمكان لتصل إلى المستمعين والمشاهدين بسهولة، والمحطات الإسلامية لا توجد في تنزانيا، بل لا توجد في شرق إفريقيا كلها، تلك المنطقة التي تتكلم باللغة السواحيلية، في حين تملك الكنيسة أربع إذاعات، وهي موجودة في مدينة (موشي) ، ومدينة (عروشا) ، ومدينة (سونغيا) ، كما أن لها محطة تلفزيونية في مدينة (دار السلام) ، كما أن للرافضة محطة تلفزيونية في مدينة (دار السلام) . ولأهمية الحاجة إلى وجود محطات إذاعية وتلفزيونية إسلامية في تنزانيا التي ستنقذ المسلمين في جميع دول شرق إفريقيا طلب رئيس الجمهورية التنزانية السيد (علي حسن مويني) من الأمين العام للجنة مسلمي إفريقيا الدكتور (عبد الرحمن السميط) في لقائه مع الرئيس في منزله في دار السلام عام ١٩٩١م أن تفتح المؤسسة المذكورة الإذاعة الإسلامية (إذاعة القرآن الكريم) في تنزانيا، ولعل ذلك يكون في خطة المؤسسة المذكورة وحسب أولوياتها الدعوية في إفريقيا. والجدير بالذكر: أن الحكومة التنزانية قد وافقت على وجود الإذاعات والتلفزيونات الخاصة في تنزانيا، والنصارى قد انتهزوا هذه الفرصة. ٥- إقامة الدورات التدريبية: ونرى أن تكون إقامة هذه الدورات لتحقيق أهداف عدة، منها: ١- رفع الكفاءة العلمية والدعوية للدعاة. ٢- تدريب الدعاة والمعلمين على طرق تدريس المنهج الشرعي في العقيدة والعبادة والسلوك. ٣- التنبيه على بعض البدع السائدة، التي اعتادها العوام؛ لما ألفوه من الطرق الصوفية على وجه الخصوص. ٦- إقامة الندوات العلمية والثقافية: هناك حاجة أيضاً إلى إقامة الندوات العلمية والثقافية الإسلامية لتوضيح الحقائق الإسلامية ومعالجة القضايا الإسلامية المختلفة، خاصة تلك الشبهات المثارة من قبل أعداء الإسلام. ٧- إقامة المكتبات الصوتية والمرئية الإسلامية: نظراً لانتشار وسائل الإعلام الحديثة من المسجلات والفيديو التي يقتنيها الآن كثير من الناس: فإن هناك حاجة إلى اقتحام هذا المجال دعويّاً، وذلك بافتتاح المكتبات الصوتية والمرئية الإسلامية لبيع ونشر أشرطة الكاسيت والفيديو الإسلامية التي تحوي القرآن الكريم ومحاضرات ودروساً ومواعظ، وهناك حاجة إلى أن تكون هذه المحاضرات والدروس والمواعظ باللغة السواحيلية والإنجليزية والعربية. ٨- مكتبات بيع الكتب: وهناك حاجة إلى إنشاء مكتبات للمراجع والكتب الإسلامية، وخاصة المراجع المهمة في العلوم الشرعية؛ فمعظم المسلمين والدارسين على الخصوص يحتاجون إلى هذه الكتب، لكنها غير متوفرة، وبما أن هذه الكتب ليس من السهل توزيعها مجاناً: فالأحسن بيعها بسعر التكلفة مساهمة في دعم طلبة العلم وتشجيعهم على اقتناء الكتب الإسلامية المفيدة. كما أن هناك حاجة إلى وجود المكتبات العامة، وهذه المكتبات ستساعد من ليس لديه القدرة على شراء الكتب على الاستفادة من هذه الكتب في المكتبات في المحافظات. ٩- نشر الكتاب الإسلامي: هناك حاجة إلى نشر الكتاب الإسلامي في تنزانيا باللغة السواحيلية، وأهم الكتب التي نرى الحاجة إلى نشرها هي التي تتكلم عن: ١- العقيدة الإسلامية الصحيحة، حيث إن كثيراً من القضايا العقدية مشوهة ومغلوطة لدى كثير من المسلمين. ٢- ما يتطرق للتصور الصحيح للإسلام. ٣- الردود على الشبهات المثارة ضد الإسلام. ٤- القضايا الشرعية، من فقه (خاصة أركان الإسلام) وغيره. ٥- السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين، والأذكار. ١٠- إصدار النشرات الإسلامية: هناك حاجة أيضاً إلى إصدار النشرات الإسلامية باللغة السواحيلية، لتتحدث تلك النشرات عن المعاني الإسلامية والمقاصد التربوية لهذه الموضوعات، على أن تكون طباعة الكتب والنشرات طباعة جيدة أنيقة تجذب القارئ لقراءتها واقتنائها. ١١- القوافل الدعوية: إن القوافل لها أهمية من ناحية الاستطلاع والتعرف على واقع المسلمين واحتياجاتهم وظروفهم، ومن ثم: القيام بواجب الدعوة فيما بينهم. وقد أخبرنا أحد الأطباء المسلمين وهو الدكتور (هارون عمر) الذي يشارك في القوافل الدعوية التي يقيمها مركز شباب الأنصار في محافظة (تانغا) بالتعاون مع الندوة العالمية للشباب الإسلامي، أن هذه القوافل خاصة إذا ركزت على القرى تستطيع أن تقضي على كثير من الانحرافات العقدية، وقال: إن كثيراً من المسلمين في القرى نتيجة الجهل بالإسلام الصحيح، والفقر، وقلة الخدمات الصحية إذا مرضوا سرعان ما يلجؤون إلى المنجمين والمشعوذين؛ ولهذا: تجد كثيراً من حالات تعليق التمائم في القرى بين عامة الناس نتيجة جهلهم بالدين الصحيح. فالقافلة تستطيع القضاء على هذا، حيث يقوم الطبيب المرافق للقافلة بالكشف على المريض ويعطيه الدواء المناسب، والمشائخ من جانبهم يوضحون للمسلمين العقيدة السليمة والإسلام الصحيح، وبذلك: استطاعت تلك القوافل القضاء على كثير من الانحرافات، وبالتالي: إيصال الدعوة وتصحيح العقائد. ١٢- مساعدة بعض المنظمات الإسلامية المحلية: هناك حاجة في نظرنا إلى مساعدة بعض المنظمات الإسلامية المحلية النشيطة من أجل أن تواصل أنشطتها، وأهم هذه المنظمات التي نرى أنها تحتاج إلى المساعدات هي: ١- جمعية مركز الأنصار للشباب المسلم، (تانغا) . ٢- جماعة أنصار السنة، (دار السلام) . ٣- جماعة أنصار السنة، (عروشا) . ٤- اتحاد المدرسين المسلمين في تنزانيا، (دار السلام) . ٥- اتحاد الطلبة المسلمين في جامعة دار السلام. ٦- معهد مروة الإسلامي، (امتوارا) . ١٣- الاهتمام بالدعاة: بما أن تنزانيا ذات مساحة كبيرة: فإن هناك حاجة إلى دعاة كثيرين، بل وهناك حاجة أيضاً إلى الاهتمام والعناية بهم، فمما لا يماري فيه أحد: أن جل الأعمال الدعوية ونجاح الدعوة نفسها يعتمد بعد الله على هؤلاء الدعاة، ولذلك: كان من الأهمية بمكان العناية بالدعاة بتوفير ما يسد الحاجات الضرورية لعيشهم اليومي من سكن، وقوت، وعلاج، وكسوة.. وأيضاً: توفير ما يعين على عملهم من وسائل؛ لكي يبذلوا المزيد من الجهد ويتفرغوا للدعوة.

стр. 2340

البيان الأدبي.. دراسات أدبية معالم على طريق الأدب الإسلامي.. المرجعية التعبيرية والتصويرية والدلالية (٢ من ٣) بقلم: طاهر العتباني قدم الكاتب في الحلقة الأولى تفصيلاً المعايير والأسس التي بنى عليها متبنو مصطلح (الأدب الإسلامي) مقومات قبوله ووجوده، ثم بدأ بإلقاء الضوء على بعض قضايا الأدب من منظور إسلامي، معالجاً قضايا: التنظير والنموذج، والشكل والمضمون، ويواصل في هذه الحلقة معالجة قضايا أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - لا شك أن كل عملٍ أدبي ينتمي إلى فكر معين أو تصور محدد يحمل في مضامينه ونسيجه الداخلي سماتِ هذا الفكر وذلك التصور الذي ينتمي إليه، لا مجرد الفكرة التي يعبر عنها والدلالات التي يشير إليها. ولقد رأينا كيف أن النموذج الغربي في القصيدة والقصة والمسرحية والرواية حمل إلى جانب الفكرة التي يحملها والدلالة التي يعبر عنها ويريد إيصالها للقارئ، حمل معها إلى جانب ذلك في نسيجه الداخلي من أدوات التعبير المختلفة من الاستعارات والمجازات والصور التعبيرية.. قسطاً وفيراً من الصور والمجازات والإشارات التي تضرب في عمق التاريخ الغربي منذ العهد اليوناني وحتى العهد الروماني النصراني، وتمتح من قيمه التاريخية والفلسفية والمثيولوجية. لقد رأينا كيف أن (الفردوس المفقود) (لميلتون) ، و (كوميديا) دانتي، ومسرحيات شكسبير، والشعر الرومانسي ... وغير ذلك، رأينا كيف حملت هذه الأعمال الأدبية الكبرى روحاً نصرانية، واتخذت من الكتاب المقدس (الأسفار والأناجيل المحرفة) ، وكذلك التاريخ الأوروبي منذ العهد اليوناني بأساطيره وآلهته المتعددة، التي مثلت العقائد الوثنية في ذلك العهد.. إطاراً مرجعيّاً انطلقت منه، لا في موضوعات هذه الأعمال فحسب، بل كذلك في بنائها الداخلي وصورها التعبيرية مما يمكن أن نسمّيه: المرجعية التعبيرية، والتصويرية، والدلالية. ثم انتقل هذا التأثير إلى الأدب العربي المعاصر، فوجدنا الشعراء والمسرحيين والروائيين يعتمدون كما اعتمد أولئك الغربيون على التاريخ اليوناني بأساطيره ووثنياته، وكذلك التاريخ الروماني والأوروبي بماديته، بشكل عام، كمرجعية تعبيرية وتصويرية ودلالية، فشاع في الشعر العربي المعاصر استخدام الأسطورة للتعبير عن الفكرة وتصوير القضية التي يراد طرحها على المتلقي. وكمثال مبكر على ما نقول: يمكن مراجعة بعض قصائد الشابي، وعلي محمود طه، وعبد الرحمن شكري.. على سبيل المثال، لنرى كيف استخدم هؤلاء هذه الأساطير في أشعارهم منذ وقتٍ مبكر. فعند علي محمود طه مثلاً نرى كيف سيطر عليه جو الأسطورة اليونانية مما ذكر طرفاً منه في مقدمة ديوانه (أرواح وأشباح) . وفي الأعمال المسرحية المبكرة رأينا كيف اتخذ توفيق الحكيم من أسطورة (جالاتيا) و (بجماليون) مرجعية تعبيرية، ودلالية لعرض فكرة قلق الفنان أو ... الأديب إزاء فنه، وكذلك غيرها من مسرحياته. ثم ما انتصف القرن الحالي حتى شاع هذا الأمر في أدب الشعراء والكتاب والمسرحيين والروائيين العرب، وأصبح شعر ما بعد العقد السادس من هذا القرن إلى يومنا هذا تهيمن على صوره ومرجعيته التعبيرية أساطير اليونان والرومان وتاريخهم، وكذلك أساطير الفترات السابقة للعصر الإسلامي، كأساطير بلاد الرافدين والآشوريين والفراعنة.. وغيرها من الفترات التي انقطعت حضاريّاً بعد ظهور الإسلام، مثل أسطورة (عشتار) في العراق، وأمثالها في العصر الفرعوني، كقصة (إيزيس وأوزوريس) الفرعونية.. وغيرها. كل هذا سيطر على الأدب العربي المعاصر، وأصبح يشكل مرجعيته التعبيرية والتصويرية والدلالية. ونذكر على سبيل المثال عدداً من أولئك الذين شاع في شعرهم الاتكاء على مثل ذلك من أساطير ووثنيات وميثولوجيات كإطار مرجعي وتعبيري للصورة، والدلالة، بل والفكر. من هؤلاء: السياب، ونازك، والبياتي من العراق، وما تلاهم من أجيال الحداثة، وفي مصر: صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وبعض أشعار أمل دنقل، وفي سوريا وبلاد الشام: أدونيس، ومحمود درويش، وسعيد عقل، ونزار قباني.. وغيرهم، وفي السودان: محمد الفيتوري وغيره. ولم يعد الأمر يقتصر على الاستعانة في التعبير بعناصر مستمدة من هذه الأساطير وما تدور حوله من الحديث حول الآلهة! وصراعها مع بعضها ومع بني البشر، بل إن الأمر تعدى ذلك كله لتصبح الأفكار النصرانية كفكرة الخطيئة والصلب وفكرة الخلاص، والاستهزاء بلفظ الإله فَيَرِدُ في أي سياق وفي أي نمط تعبيري يقضي على قداسة هذه الكلمة ومفهومها في فكر المسلم وعقيدته، أصبح كل ذلك أدوات تعبيرية وتصويرية، حتى لقد وصل الأمر بأحد نقاد الحداثة أن يقول: (الحداثة انقطاع معرفي؛ ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث في كتب ابن خلدون الأربعة أو اللغة المؤسساتية أو الفكر الديني، وكون الله مركز الوجود، الحداثة انقطاع لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني، وكون الإنسان مركز الوجود. الحداثة ليست انقطاعاً نسبيّاً فقط، بل هي أعنف شرخٍ يضرب الثقافة العربية في تاريخها الطويل، ليس في الثقافة العربية ما يعادل هذا الانشراخ المعرفي والروحي والشعوري الذي يكاد يكون انبتاتاً لا انقطاعاً وانفصالاً عن الجذور، لا يبقى فيه من رابط سوى اللغة بأكثر دلالتها أوليةً، أي بكونها قاموساً مشتركاً للتواصل) [١] . هذه هي الصورة التي وصل إليها فكر الحداثيين وتصورهم الفني والأدبي والمعرفي لتراثنا وتاريخنا وفكرنا الإسلامي واللغة العربية التي هي الوعاء الذي يحمل ذلك كله، ولقد جاء شعر الحداثيين مؤازراً لهذه التصورات مُطَبِّقاً لها، وأصبح الاستهزاء بكل ما يرمز إلى الإسلام والدين في نفوس أبناء الأمة هدفاً رئيساً لكتابات الحداثيين: يقول عبد المنعم رمضان وهو من أجيال الحداثة المصرية في العقد الثامن في ديوان له بعنوان (الغبار) ، يقول تحت عنوان (جسد) : جسد يدخل في جسدٍ يتوالد هذا الرحم الواضح مثل الأرض يصير مساحة أغرابٍ أخرى تتحاذى والناس هنا يمشون على الأعشاب الناس هنا يقصون الله (!) عن الجمرات الدافئة المسكونة الناس هنا أوردةٌ تطفو ساعة يطلق فيها اليشمك والجنيّ وبارحة النسيان [٢] وأستطيع أن أقول: إن هذا الديوان وأمثاله كثير يكاد يغص بمثل هذه الترهات والأباطيل، التي أعجب كيف تسمى شعراً؟ ! ، وكيف تنشرها مؤسسات فكرية وثقافية رسمية في بلادنا؟ [٣] . ويمكن مراجعة دواوين وإصدارات وقصائد كلٍّ من رفعت سلام، وحلمي ... سالم، وحسن طلب، ومحمد أبو دومة.. لنقف على كثير من الغثاء، والشذوذ، والانحراف الفكري والفني. كما يمكن مراجعة ما تنشره حالياً مجلة (إبداع) المصرية وغيرها من المجلات الأدبية المتخصصة في أقطار العالم العربي. ما الدور المطلوب: ماذا على الشاعر المسلم والروائي المسلم والمسرحي إزاء ذلك كله؟ . إن على الأديب المسلم مهمةً مضاعفةً في عمله الفني، إن عليه أن يمتد ببصره وبصيرته الفنية إلى مصادره المعرفية والثقافية الإسلامية، وأولها: القرآن، وثانيها: السنة، وثالثها: تاريخ الإسلام وسير عظمائه وأبطاله ووقائعه وأحداثه؛ ليتخذ من هذا كله وسيلةً تعبيرية ومرجعية دلالية، بحيث يستوحي ذلك كله ويستلهمه في أعماله الأدبية، فبلاغة القرآن، وصوره، وتعابيره، وقصصه، وما يدخل في تضاعيف ذلك كله: يجب أن يستثمره الشاعر والأديب لكي يبني نسيج عمله الأدبي الداخلي، ويرسم صوره واستعاراته ومجازاته ووسائله التعبيرية داخل عمله الأدبي من خلال ذلك كله، فيصبح العمل الأدبي من أي النواحي أتيتَه عملاً إسلاميّاً، إذا درسته فكريّاً: طالعتك مفاهيم الإسلام وعقائده وتصوراته للكون والحياة والإنسان، وإذا درسته فنيّاً وتعبيريّاً: طالعتك روح القرآن والسنة وتعبيراتهما ومجازاتهما وأساليبهما التعبيرية والدلالية [٤] . ففي ديوان (نقوش إسلامية على الحجر الفلسطيني) [٥] يستعمل الشاعر الفلسطيني محمود مفلح صور القرآن ودلالالته وصور السنة النبوية والسيرة والتاريخ الإسلامي كخطوط أساسية للصورة الشعرية، ولقد استطاع باقتدار أن يجعل نسيج القصيدة وبناءها الداخلي ينطق كما ينطق مضمونها وموضوعها بسَمْتِها الإسلامي الأصيل. وفي قصيدة (قال الهدهد) للشاعر نصار عبد الله استلهام جميل لقصة (هدهد سليمان) في التعبير عن واقع العالم العربي اليوم، يقول الشاعر نصار عبد الله في (قال الهدهد) : قال الهدهد: في كل زمانٍ عاش سليمان وسليمان الآن يسألني في بعض الأحيان عن نبأٍ من سبأٍ أو ما يشبهُ سبأً فأقول له: إني من كل مكانٍ أحمل نبأ إني شاهدت بلاداً يحكمها أفاقون وكذابون ولصوصٌ محتالون وسفاحون وذبّاحون هَداهِدَهمْ ومُوَلّون محاريب معابدهمْ نحو موائدهم ومصلون لم يسمع أحد منهم عن ملك سليمان [٦] . والقصيدة بطولها في ديوان الشاعر (قصائد للصغار والكبار) . وفي قصيدة (القدس حين تغيب عن موكب الهجرة) للشاعر أسامة عبد الرحمن استلهام رائع للتاريخ الإسلامي في الصور والتعبيرات والدلالات، يقول الشاعر في قصيدته تلك: على صعيدك من وهج البراق سنا ... يكاد يخترق المكسيك والصينا أكاد ألمح فيك وقع حافرهُ.. ... أكاد أسمع همسات النبيينا أكاد في الحرم الأقصى وساحَته ... أرى النبي وقد أمّ الممصلينا [٧] وفي قصيدة (لو تقرئين صحائفي) يقول أسامة عبد الرحمن أيضاً: ما بال خيل بني (أمية) أجفلت ... ما بالها نكصت على الأعقابِ ما بال صقر قريش داهمه الأسى ... كالليل حتى صار مثل غرابِ ما بال «حلق» أقفرت جناتها ... وخلت من الأطيار والأطيابِ ما بال قاهرة المعزِّ تسربلتْ ... بالذل فوق شواطئٍ وروابي ما بال تاريخي الطويل تمكنت ... منه سموم الرجف المرتابِ [٨] إن بإمكان الشاعر المسلم، والروائي المسلم، والقصاص والمسرحي المسلم.. أن يستعينوا بهذا التراث والتاريخ كله ليفجر من خلال استلهامه له أعمق الصور تأثيراً، وأعظم القيم التعبيرية جمالاً، في إطار الرؤية الإسلامية للأدب. ومن يطالع (قاتل حمزة) و (عمر يظهر في القدس) من الأعمال الروائية لنجيب الكيلاني، وكذلك من يطالع مسرحيات علي أحمد باكثير: يجد كيف استفاد هؤلاء من الصور القرآنية والتاريخ الإسلامي في نسيج وبناء العمل الأدبي شعراً، ومسرحية، وقصة، وروايةً. وإذا كان الشاعر الحداثي المعاصر قد استعمل أيضاً التراث العربي والتاريخ الإسلامي، بل والتناص مع نصوص القرآن والسنة، فإن الملاحظ كذلك على ما استعمل من ذلك كله أنه اقتصر في مجال التاريخ الإسلامي والتراث العربي على الشواذ من هذا التاريخ والتراث، ممن عرفوا بأفكار شاذة أو آراء متناقضة مع العقيدة الإسلامية: فالحلاج، وابن عربي، وإخوان الصفا، وغلاة الباطنيين.. وغيرهم ممن عُرفوا بالشذوذ الفكري أو الأخلاقي عبر تاريخنا المشرق المضيء يصبحون في أعمال المعاصرين من الشعراء والمسرحيين والروائيين، أبطالاً ونماذج. كذلك أسيء فهم مواقف كثير من عظماء هذا التاريخ في أعمال المعاصرين الأدبية، وتم تفسيرها تفسيراً مناقضاً للفكر الإسلامي الصحيح والتصور الإسلامي القويم، أو تم الاعتماد على الروايات الضعيفة والمكذوبة فيما يتعلق بأخبارهم ومواقفهم. ففي مسرحيته (الرجل المجهول) لعز الدين إسماعيل: يصور الخلاف الذي وقع بين عثمان بن عفان وأبي ذر الغفاري ﵄ صراعاً على المال والسلطان، وهذا افتراء وتزوير. وفي مسرحية (مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور: يجعل الشاعر (الحلاج) أحد أبطال التاريخ الإسلامي، رغم ما ثبت من قوله بفكرة (الحلول والاتحاد) التي تناقض عقيدة الإسلام الصحيحة، ويعتمد المؤلف فيها على كتاب عن الحلاج كتبه المستشرق الغربي الفرنسي (لوي ماسينيون) [٩] . وكذلك من الحداثيين المعاصرين (مهدي بندق) في مسرحيته (غيلان الدمشقي) ، التي استهزأ فيها بمواقف رجل من التابعين هو (رجاء بن حيوة) الذي قيل فيه: (برجاء بن حيوة وأمثاله نُنْصَر) [١٠] ، كما سخر من الحجاب الإسلامي في جرأةٍ عجيبة وتطاولٍ غريب.. ولا تزال هذه النماذج تملأ مكتباتنا ومؤسساتنا الثقافية يوماً بعد يوم. إن على الأديب المسلم أن يقف موقف المدافع والمصحح لذلك كله؛ إذ عليه وهو ينسج عمله الأدبي شعراً كان أو قصةً أو روايةً أو مسرحية أن يكون القرآن الكريم والسنة المطهرة ومواقف التاريخ الإسلامي والتراث العربي حاضرة في وجدانه، يختار منها ما يناسب موضوعه وقضيته التي يطرحها في عمله الأدبي، كما أن عليه أن يعي دلالات الصور القرآنية، ودلالات القصص القرآني، فيستخدمها الاستخدام الذي يترك الأثر الإسلامي المطلوب، أو على الأقل: الأثر الذي لا يتناقض مع التصور الإسلامي في نهاية الأمر. ولقد استعمل الحداثيون الصورة القرآنية، والتعبير القرآني، ولكنهم حين عكسوا دلالالتها وصورها، وقلبوا معانيها في كتاباتهم إلى معاني مناقضة للتصور الإسلامي: تركوا بها في نفس القارئ أثراً غير حميد، ومعنًى يناقض ما سيقت له في سياقها القرآني، ومن ذلك: ما يقوله عبد المنعم رمضان تحت عنوان ... (الرسوله / ٢) [١١] : (إني أشتاق إلى شجر الزقوم، وأحسب نفسي امرأةً حين أمرر رجلي فوق شواظٍ من نارٍ ونحاس، أنفذ من أقطار الأرض بسلطاني، وأمر إلى آنيتي، أشرب شرب الهيم، وأفرد جسمي فوق فراشٍ من عهن منفوش، لا يألفه غيْري، فتباركت تباركت، التف على جسمي بذراعيك، وآكلني من شجر الحنطة؛ حتى نعلم أنا عريانان، تفوح لنا رائحةٌ، وبأوراق التين تغطيني وتغطي نفسك) . وهكذا أصبح هذا الهوس غير الواعي، والهرطقة غير المحكومة بأي قانون لغوي أو فني.. هي الشائعة فيما يُكتب اليوم. إن على الأديب المسلم أن يصوغَ عقل قارئه من خلال تأكيد المعاني القرآنية والصور والدلالات الإسلامية، وإبراز الجوانب المشرقة في التاريخ الإسلامي، والتأكيد على أن ما حدث من خروج على قيم الحضارة الإسلامية من أحداثٍ تاريخية يؤكد القاعدة، ولا يعطي لهذه المواقف الشاذة إلا كونها شواذّ في التاريخ الإسلامي، حينما خرجت بعض حقبه أو رجاله عن المفهوم الصحيح للإسلام وتصوره للكون والحياة والإنسان، أو عن مقتضى ذلك التصور. كما أن الشعر العربي بتاريخه الطويل يمكن أن يكون إطاراً مرجعيّاً من خلال صوره وقضاياه وتعبيراته، يمكن أن يدخل ضمن الإطار المرجعي للصور والتعبيرات والدلالات لدى الشاعر والأديب المسلم المعاصر، ويستطيع لو أحسن استيعابه أن يخرج من كل ذلك بمذاقاتٍ فنيةٍ مختلفٍ ألوانها ولها رونق المعاصرة في آن واحد، وليعالج من خلال ذلك كله قضايا عصره وأمته من المنظور الإسلامي الصحيح. فعلى الأديب المسلم مهمةٌ مضاعفةٌ: إن عليه أن يتمثل كل ذلك في أدبه ويوجهه الوجهة الإسلامية التي تترك في نفس القارئ الأثر الإسلامي المطلوب في العمل الأدبي الإسلامي، فقد يستخدم الشاعر أو الأديب في موضوعه رمزاً إسلاميّاً أو موضوعاً من الموضوعات الإسلامية، ثم ينظر إليها نظرة علمانيةً غربيّةً، ويضفي عليها روحاً مغايرةً للتصور الإسلامي للأدب، فيخرج بها عن دلالتها الحقيقية ورؤياها الإسلامية الأصيلة. كما أن استلهام صور القرآن والسنة ومجازاتهما وتعبيراتهما ودلالاتهما وقصصهما وأحداث السير والتاريخ الإسلامي.. لا يعني عدم استلهام التراث الإنساني بصفة عامة والاستفادة منه، ولكن على شرط أن يدخل ذلك في إطار التأثير الإسلامي المطلوب، وألا يسرف الشاعر أو الأديب في استخدامه، مُعْرضاً عن تراثه الحقيقي، وإطاره المرجعي الأصيل؛ فعليه إذن أن يراعي النسب، ويدرك إلى أي جانب ينتسب، وهل الأَوْلى أن يمتح من مائه المعين، أم يدلي دلوه في ركام الثقافات والأفكار والتصورات المناقضة لتصوره الإسلامي الصحيح وفكره المتميز؟ ! ويمكن مراجعة قصيدة (الخيزران والبلوط) لنصار عبد الله، حيث استعمل الشاعر حكاية الخيزران والبلوط التي كتبها الشاعر الفرنسي (فولتير) ، واستطاع استثمارها فنيّاً ليرسم لنا صورة الصراع الاجتماعي الذي ينتهب أجيال الكبار، وينتهي بالهلاك لكل من يدخل هذا الصراع، ويبقى جيل الصغار في النهاية هو الذي يصنع المستقبل، ويبقى فيه الأمل بإعطاء الحياة معنًى جديداً، بعد أن أكل الحقد والضغينة والكبرياء أجيال الكبار. ونقتطف هنا مقطعاً من هذه القصيدة، للشاعر نصار عبد الله: وفجأةً أرعدت السماء واهتزت الضفاف بالزلزالْ ومادت الجبالْ تدحرج البلوط داهساً بجذعه العيدان والسيقان الخيزران صار قطعةً من العجين في يد العجان * * * وانفجر النجيل ضاحكاً إني أنا المنتصر الوحيد في النهايهْ أنا الذي أهمله الكبار في الحوارْ ولم تُشر إليه أسطر الحكايهْ [١٢] وهكذا تتكامل النظرة في الأدب الإسلامي لكل جوانب المعرفة الإنسانية، فتقبل من المعارف الإنسانية والثقافات والأفكار ما يتفق مع التصور الإسلامي، أو ما لا يختلف عنه، في إطار الحكمة التي هي ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحق الناس بها.

стр. 2341

نص شعري أينَ البَرَاء ؟ شعر: مروان كجك كان الصحابي الجليل البراء بن مالك إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون: «يا براء أقسم على ربك؛ فيقسم على الله؛ فينهزم الكفار» ، فتساءلتُ: أين بيننا من هو مثل البراء؟ ، وتداعت هذه القصيدة: أَيْنَ (الْبَرَاءُ) فَقَدْ هَجَمْ ... لَيْلٌ، وَأَقْبَلَت الظّلَمْ وَاسْوَدّتِ الآفَاقُ حَتْ ... تَى حَارَ فِيها مَنْ حَلُمْ وَتَوَالَتِ الأَوْهَامُ في ... نا حَامِلاتٍ كُلّ هَمّ لَمْ يَبْقَ فِينَا مِفْصَلٌ ... إلاّ تَخَلّعَ أَوْ رَزَمْ لَمْ يَبْقَ فِينَا مِئْزَرٌ ... إلاّ تَمَزّقَ وَانْخَرَمْ هَذِىِ يَدِي مَشْلُولَةٌ ... وَلِسَانُ حَالِيَ قَدْ بَكِمْ وَالنّاسُ يَا رَبّاهُ أَضْ ... حَوْا فِي الْحَظِيرَةِ كَالْغَنَمْ يَلْهُو بِهَا الرّاعِي الْغَشُو ... مُ وَيَستبِدّ بِهَا صَنَمْ وَيَذُودُهَا عَنْ دَارِهَا ... لِصّ وتَحْسَبُهُ حَكَمْ تُلْقِيِ لَهُ بِنَشِيدِها ... وتقولُ: يَارَبّ النِّعَمْ أَمْرِعْ لَنَا بَطْحَاءَنا ... فَالنّبْتُ أَعْطبَهُ الصّرَمْ *** أَيْنَ (الْبَراءُ) فَقَدْ طَمَا ... خَطْبٌ وَضَجّ الْمُزْدَحَمْ وَتَنَاوَبَتْ فِتَنٌ عَلَى ... أَهْلِ الْقُرَى وَالظّلْمُ عَمّ وَالْمُسْلِمُونَ تَمَزّقُوا ... شِيَعاً وَأَضْحَوْا كَالنّعَمْ يَلْهُو بِهِمْ دَاعٍ غَشُو ... مٌ جَاهِلٌ لا يَنْهضِمْ حَتّى غَدَوْا لا شَوْكَةٌ ... لَهُمُ تُهابُ وتُحْتَرَمْ لَم يَبْقَ مِنْ أَهْلِي سِوَى ... شَبَحٍ يَعِيشُ بِغَيْرِ دَمْ مَاتَ الْحيَاءُ وَسُكِّرَتْ ... أَبْصَارُهُمْ عَنْ كُلِّ ذَمْ وَتَعَطّلَتْ أَسْمَاعُهُمْ ... وَتلاوَمُوا فِيمَا انْهَدَمْ وَتَوَسّمُوا النّصْرَ الْمُؤَزّرَ ... بِالْمَدَائِحِ وَالْقَلَمْ وَنَسَوْا بِأَنّ اوَ ثُمّ ... السّيْفَ للنّصْرِ الأَتَمْ *** أَيْنَ (الْبَرَاءُ) أَيَا جُنُو ... د الله يُدْرِكُ مَا الأَلَمْ أَيْنَ الأُخُوّةُ وَالْمَحَبّةُ ... وَالكَفَالَةُ وَالرّحِمْ أَيْنَ القَنَاعَةُ وَالشّهَامَةُ ... وَالرّجُولَةُ وَالْكَرَمْ بَاتَتْ بِلا مَعْنًى ... وَضاعَتْ فِي سَوَالِيفِ الْقِدَمْ أَضْحَتْ حِكَايَاتٍ يَرُوقُ ... سَمَاعُهَا لِمَنِ انْهَزَمْ *** أَيْنَ (الْبَرَاءُ) أَحِبّتِي ... يَمْضِي وَيَمْتَشِقُ الْقَسَمْ؟ فَالنّصْرُ لَيْسَ بِهَوْجَةٍ ... بَلْهَاءَ أَوْ خفرِ الذِّمَمْ وَالنّصْرُ لَيْسَ تَعِلّةً ... للنّفْسِ كَافِرَةِ النِّعَمْ هُوَ لِلْجُنُودِ الْمُؤمِنِي ... نَ بِرَبِّهِمْ وَذَوي الهِمَمْ لِلْمُسْلِمِينَ الطائِعِي ... نَ الصّاعِدِينَ إلَى القِمَمْ الذّاكِرِينَ اوَ في ... خَلْوَاتِهِمْ، أَهْلِ القِيَمْ الْمُخْبِتِينَ لِرَبِّهِمْ ... صُدُقِ الرّجُولَةِ وَالشِّيَمْ لِلْمَاجِدِينَ الْبَاذِلِي ... نَ حُظُوظَهُمْ لأخٍ وَعَمْ أَكْرِمْ بِهِمْ جُنداً إذَا ... حُمّ الفِدَا، كَيْفاً وَكَمْ هُمْ قِلّةٌ فِي الْخَلْقِ لَكِنْ ... لا يُجَارِيهِمْ عَلَمْ [١] هُمْ فِتْيَةٌ قَدْ آمَنُوا ... بِالله وَاجْتَنَبُوا الْحُرُمْ لَوْ أَقْسَمُوا يَوْماً عَلى ... رَبِّ السّمَا لأَبَرّهُمْ

стр. 2342

قصة قصيرة ولم ترفع الجلسة بقلم: خالد أبو الفتوح امتطيت خيالي، عسى أن يقودني إلى واقعي، شحذت قلمي، وتوجهت لحضور وقائع الجلسة، ولأن الموقع كان (شديد الحراسة) ؛ فقد استعملت سلاحاً فعّالاً في التعامل مع هذه الحالة، وهو سلاح (الوضوء) ، كما إنني تحصنت بـ (آية الكرسي، والمعوذات) .. وبعد ضروب من المناورات والمغامرات: تمكنت من اتخاذ ساتر في إحدى الزوايا مرصداً لي؛ لمتابعة ما يجري.. حبست أنفاسي، أرهفت سمعي، وأطرقت رأسي، محاولاً لمح ما استطيعه بطرف بصري.. قاعة كبيرة، يغلب عليها مظاهر البذخ والترف، يتصاعد من جنباتها دخان أسود، ولأمرٍ ما فإن الإضاءة كانت تقتصر على مشاعل من نار علقت على الأعمدة التي بدت كأعمدة المعابد الرومانية.. كان الحضور (الأباليس الصغار) يجلسون على مقاعد وثيرة، حتى كأن الجالس عليها يبدو متكئاً، كما أن الضوء والظل كان دقيقاً، بحيث يجلس كل عضو نصفه في الضوء والنصف الآخر في الظل.. الكرسي الإبليسي يبدو أنه مصنوع من حوض زجاجي ممتلئ بالماء، يعلوه شعار دولته، استطعت لمح الحية والشمس من مكوناته، يضيء الشعار شعلة نار كبيرة، ذكرتني بشعلة تمثال الحرية الشهير دائمة الاشتعال، أو شعلة الألعاب الأوليمبية.. فجأة.. انقطعت همهمات الحضور، وأخذوا في الوقوف.. دوّت في القاعة أصوات موسيقية.. سددت آذاني بأصابعي، وظللت أرقب الموقف.. فإذا بإبليس يدخل القاعة في مَخْيَلة وعنجهية وكبر، يلاحقه جمع كبير من المصورين، بينما يفسح له حراسه الشخصيون الطريق.. شق طريقه وسط تصفيق الأباليس الصغار وصفيرهم.. أخذ مكانه على كرسيه المائي، ثم أخذ الحضور في الجلوس.. رفعت أصابعي عن آذاني.. صمت مطبق يخيم على (المجلس الإبليسي) ، خشيت معه أن تُسمع دقات قلبي، ولكني استعنت بالله.. بدد إبليس مخاوفي من افتضاح أمري، حيث بدأ جلبةً مفتتحاً الجلسة: باسم الذات نبدأ الجلسة.. أيها الأباليس.. يا شياطين الجن والأنس.. لقد مر العمل الإبليسي بمراحل.. أحد الأباليس الصغار من وسط القاعة يقف مقاطعاً وهاتفاً: عاش مؤسس الإمبراطورية الشيطانية.. باسم جميع الأبالسة والشياطين نجدد الولاء والفداء. إبليس: لقد مر عملنا بمراحل عديدة، وبذلنا جهوداً مضنية، حتى وصلنا إلى نتائج مرضية، ولكنها لا تكفي لإشباع رغباتنا، وتحقيق أهدافنا.. إن النكسة التي لحقتنا عندما بُعث خاتم النبيين، بعد كبير نجاحنا في نشر الشرك والفساد، تكاد تتكرر مرة أخرى الآن بخروج أتباع صادقين لهذا النبي من جديد، يحاولون تطبيق ما دعا إليه.. لقد سبق أن قلت لكم: إنني لا أخشى الاشتراكية والصعاليك المرتزقين منها، ولا الرأسمالية والأباطرة المنتفعين بها، وقد تمكنا من يهود وعبدة المسيح، وأصبح عبدتي وأتباعي ينتشرون في أطناب الأرض ... لم تبق إلا هذه الأمة، التي كلما أوشكت أن أتمكن منها استعصت عليّ وأفلتت من يدي.. سنضرب بيد من حديد على هؤلاء الشرذمة الذين يعملون على إفاقة البشرية ويحذرونها منا.. لم تبق إلا قفزة واحدة.. قفزة واحدة وأحقق أهدافي، لن أدعهم يفسدون سلطاني.. ولكني الآن أرغب في الاطمئنان عليكم.. سأسمع منكم، ولتستفيدوا من بعضكم، ليبدأ (جونليس) .. يقف أقرب الأبالسة الصغار إليه من جهة اليسار، يرتب هندامه في ثقة، ويبدأ الكلام: سيدي الرئيس، لقد كنا وما زلنا نركز على هدم البنية التحتية للإنسانية، وذلك بالعمل على القضاء على الأسرة، وكان ذلك يتم عادة بالتحريش بين الزوجين حتى يقع الطلاق، ولكني اتبعت منذ فترة تكتيكاً جديداً، وهو التركيز على (العمليات الكبيرة) ، فبدل أن أهدم المجتمع أسرةً أسرة عملت على نسف هذا الشكل الاجتماعي من أساسه، وذلك بعقد المؤتمرات والندوات للتنفير من هذا الشكل، والدعوة إلى ذلك، بل إلزام جميع الأنظمة التابعة لنا بالعمل لذلك، وقد أثمرت هذه العمليات في معظم البشر، عدا الأمة التي حذر فخامتكم منها.. فأرى تعميم هذا الأسلوب والتركيز عليه. إبليجور: أوافق (جونليس) على رأيه؛ فبدل الاقتصار على غانية تغوي فرداً أو مجموعة: يمكننا نشر الرذيلة في هذه الأمة على نطاق واسع عن طريق العمليات الكبيرة: بَثّ إباحي يصل إلى كل بيت، صور فاضحة لمن يملك ثمن جريدة أو مجلة، أدوات زينة رخيصة، ثم بالعمليات الكبيرة أيضاً نصعِّب الفضيلة: أزمة إسكان، غلاء مهور ... ويمكننا على هذا النسق إغراق الشعوب في الديون؛ لتذل لنا رقاب الأمة بأكملها، ونستطيع قيادها.. كما يمكننا بهذه العمليات إثارة القلاقل والفتن؛ لتفتيت القوى الكبيرة فيها واستنزافها.. ولكن تبقى الشرذمة التي حذرتم منها سيادة الرئيس هي العائق أمامنا. إبليس: وماذا ترون في أمرها؟ . إبلينوف: أرى فخامة الرئيس اتباع أسلوب (النّفَس الطويل) مع سياسة تجفيف المنابع التي بدأتها منذ وقت بعيد، حيث ستنتهي هذه الشرذمة مع الزمن، ولا يخرج غيرهم بعد تجفيف المنابع. إبليس: مع أهمية ما ذكرت يا إبلينوف، ولكن الاكتفاء بذلك يُعد سذاجة. زيزاليس: سيدي ومعلمي.. لقد فكرت في الأمر جيداً، فاستقر رأيي على خطة، أقطع بأنها أفضل السبل، وقد اقتفيت فيها معلمي أثر تجربتك مع أبي البشر.. والخطة مزيج من سياسة الغرور وسياسة الخطوة خطوة، وتقضي بأن نُبقي بعض المظاهر الخادعة لهم؛ ليغتروا بها، ونعمل على الإفساد من الداخل خطوة خطوة، فيسكنون لهذا المظهر ولايقاوموننا، وخطوة خطوة أيضاً يألفون ما ألقيناه إليهم.. فمثلاً: ندعهم يُصلّون في الظاهر، وباطنهم يعبد الشهوات، ونحرص على اكتفائهم بمظاهر احتشام نسائهم، وفي المقابل: نعمل على أن يكنّ مثل نسائنا في الباطن، كما يمكن أن نلهيهم عن محاربة اتِّبَاعِ فخامتكم بإقامة احتفالات ومظاهر دينية.. وحتى.. وحتى محاربة صور محدودة من الشرك الصغير.. إبليس (مقاطعاً وغاضباً) : لا.. لا.. كفى يا زيزا.. لا أريد أن أسمع هذا الكلام.. اجلسي يا زيزاليس.. لا أريد أن يُحارب الشرك في أي صورة مهما صغرت.. لا بد أن تعلموا جميعاً أننا الآن في مركز قوة، وعدونا في أضعف حالاته، ولا بد أن ننتهز الفرصة.. إن ما ذكرتيه أسلوب صحيح، ولكنه ليس الأسلوب الوحيد.. أريد حلاً للإجهاز على الفريسة ... هالني ما يضمرونه، بل يظهرونه، أخذت أهدئ من روعي بقراءة آية الكرسي والمعوذات مرة أخرى.. ما زال إبليس يواصل كلامه.. ثم سكت.. وتابع.. إبليس (ضاغطاً على النبرات) : هناك شيءٌ ما غيْرُ مريح يحدث في هذه القاعة.. ما الذي يجري بيننا؟ ! .. أدركت أنه آن أوان عودتي من (برلمان إبليس) ، خصوصاً وقد أشرف الفجر على الدخول، لممت شتاتي، وشرعت أبحث عن مسلك للعودة، مكتفياً بما وقفت عليه من دخائلهم.. ولكن.. لم ترفع الجلسة..

стр. 2343

نص شعري محبوبتي شعر: مشبب أحمد القحطاني هزّني الشوقُ يا أنيسَ حياتي ... واستثار الفؤادَ بالذكرياتِ ورماني بألفِ سهمٍ مصيبٍ ... رُبّ سهمٍ أصاب عينَ حياتي أكتبُ الشعرَ والأماني عِذابٌ ... ليتَ عُمْري كهذه اللحظاتِ يَذْبلُ الروضُ في الخريفِ وقلبي ... دائمُ الزهوِ طيِّب الثّمراتِ قلتُ للّيلِ هل لطولِكَ حدّ؟ ... شُدّ رحلاً فقد أردت وفاتي أستقي النورَ من شروقِ خليلي ... أبتني المجدَ في كياني وذاتي يا هوى النفسِ كم تعاظمْتَ حُسناً ... كن كما كنتَ يا عظيم الهِباتِ أَلْبسِ الصبّ من معانيك ثوباً ... وارم للنفسِ أجملَ الحسناتِ لا تلوموا تلهّفِي واشتياقي ... إن في الوصل بُغْيَتي ونجاتي قل لمجنون ليلى: أَقيسٌ ... هل ترى الحبّ في عيونِ البناتِ؟ عِشْتَ يا قيسُ ثم مُتّ وحيداً ... أينَ ليلى وأين عَهْد الصِّلاتِ؟ ! كم رمى العشقُ في فؤادكَ سهماً ... كم قضى الهجرُ فيك روحَ الكماةِ خَذْ من القول جملةً باختصارٍ ... (إن حُبِّي لدعوتي والدّعاةِ) صادقُ الود من معاني قصيدي ... أسأل الله أن يديم ثباتِي

стр. 2344

منتدى القراء طلب العلم بين السلف والخلف بقلم: طارق محمد العمودي من المسلّمات المعروفة: أنّ علماءنا الجهابذة (رحمة الله عليهم) لم يطلبوا العلم براحة النفس والجسد، ولم تكن مجالسهم شكلية تضيع في القيل والقال، بل ذاقوا أنواع المعاناة والمشقة والصبر، الأمر الذي تعجز الأسطر عن وصفه، وضربوا في ذلك أروع الأمثلة مما لا تجده في علماء أمة من الأمم السابقة؛ حيث كانت مجالسهم ذات هيبة لما يتلى ويذكر فيها من الآيات والأحاديث، تتنزل عليها الرحمات وتحفها الملائكة. ولذلك: هجروا في سبيل طلب العلم النوم، والراحة، والدعة، وسائر اللذات، قال أبو أحمد نصر بن أحمد العياضي الفقيه السمرقندي: (لا ينال هذا العلم إلا من عطّل دُكانه، وخرّب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله إليه فلم يشهد جنازته) [١] . وقال الإمام بدر الدين بن جماعة معلقاً: (وهذا كله، وإن كانت فيه مبالغة، فالمقصود به أنه لا بد فيه من جمع القلب، واجتماع الفكر ... ) [٢] وذلك في طلب العلم والحرص عليه. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: رأى رجل مع أبي محبرةً، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين؟ يعني: ومعك المحبرة تحملها؟ ! فقال: (مع المحبرة إلى المقبرة) [٣] . وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: (كنت في إحدى سفراتي ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو، ونعلاه في يده، فأخذ أبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي؟ إلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان؟ قال: إلى ... الموت) [٤] . وقال الحافظ ابن كثير عن أمير المؤمنين في الحديث (الإمام البخاري) : (وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريباً من عشرين مرة) [٥] . وهذا الحافظ محمد بن فتوح الحميدي الأندلسي: كان ينسخ بالليل في الحر، فكان يجلس في إجّانة ماء وهي إناء يغسل فيه الثياب يتبرد به [٦] . وكانت هممهم العالية في طلب العلم تعينهم على الصبر على الفقر وشظف العيش ومرارته، قال الإمام الشافعي ﵀ : (لا يطلب أحد العلم ... بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه ببذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح) [٧] . وهذا ابن القاسم يقول عن شيخه إمام دار الهجرة مالك بن أنس: (أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه) [٨] . وذكر عمرُ بن حفص الإمامَ البخاري، فقال: إنهم فقدوا البخاري أياماً من كتابة الحديث بالبصرة، قال: فطلبناه، فوجدناه في بيته وهو عريان، وقد نفد ما عنده، ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث [٩] . وهذا إمام الشافعية في زمانه أبو إسحاق الشيرازي صاحب (المهذب) في الفقه الشافعي، الذي أشبعه العلماء شرحاً وتحقيقاً وتخريجاً، كان لا يملك شيئاً من الدنيا، فبلغ به الفقر مبلغه، حتى كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً، ولقد كان يأتيه طلبة العلم في سكنه، فيقوم لهم نصف قومة، ليس يعتدل قائماً من العري، كي لا يظهر منه شيء! ! [١٠] . وهذا الإمام الواعظ ابن الجوزي يقول عن نفسه: (ولم أقنع بفن واحد، بل كنت أسمع الفقه والحديث، وأَتْبَعُ الزهاد، ثم قرأت اللغة، ولم أترك أحداً ممن يروي ويعظ، ولا غريباً يَقْدُم إلا وأحضره، وأتخير الفضائل، ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث، فينقطع نَفَسي من العدو لئلا أُسبق، وكنت أصبح وليس لي مأكل، وأُمسي وليس لي مأكل، ما أذلني الله لمخلوق قط، ولو شرحت أحوالي لطال الشرح) (١١) . والصور المشرقة من هذا النوع في حياة علمائنا كثيرة. إنّ المرء ذا التدين العادي، الذي قد لا يكون دارساً للشريعة، ليعجب من هذه الصور والأمثلة الصادقة، والتي دلت على علو همة أصحابها، فيتأثر بها. وأحرى أن يؤثر ذلك في طلبة العلم والدعاة والمربين اليوم. ولكننا نجد فئة اليوم نسبت نفسها إلى العلم والوعظ، استبدلوا (الهاتف الجوال) و (البيجر) بالمحابر، والمصاحف ذات الحجم الصغير، والمسواك الذي ما كان يدعه رسول الله ﷺ في كل وقت مما أكّد سنيته، أقول: استبدلوا هذا بذاك، فأصبحت جيوب ثيابهم منتفخة بها من غير حاجة أحياناً، ولكن من باب التفاخر والترف والإسراف في صرف المال في غير محله. ولست ممن يصدون عن الانتفاع بوسائل التقنية الحديثة، ولكن ليس الأمر باندفاع من غير حاجة، فيكون من باب الترف والمباهاة والزهو. وبدلاً من أن يجمعهم موعظة أو تدارس لطلب علم، أصبح يجمعهم ما هو أدنى من ذلك بكثير من اللعب واللهو مثلاً، وقد يكون على حساب أوقات فاضلة نص عليها الشرع. وأصبح المجلس يمر بالساعات من غير إلقاء فائدة، ومن غير ذكر لله، ولا ذكر لرسول الله ﷺ ، وأبدلوه بالكلام السطحي، وبآخر موديلات السيارات وأسعارها، أو بنقد الآخرين ونسيان نقد أنفسهم أولاً، وأخشى أن يكون ذلك حسرة يوم القيامة. ومنهم من يتصدى لإمامةِ مسجد أو الأذان فيه، مع أخذ الأجرة عليه والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ومع ذلك: فحضوره قليل لانشغاله بوظيفته الأساسية أو بتجارة.. أو غير ذلك مما لا يشفع له، فبأي حق يأخذ هذا الأجر. ولا تسأل بعد ذلك عن الصورة السلبية التي تكونت عند المصلين بسبب هذا الفعل. هذه بعض الصور السلبية التي داخلت بعض طلبة العلم والدعاة والمربين في يومنا هذا، وهم قلة ولله الحمد، وكلمتي خاصة بهم. والله نسأل لنا ولهم العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2345

هموم ثقافية إشكالية التعبير العملي عن الديمقراطية (١) بقلم: سامي محمد صالح الدلال ما إن نتجاوز المعاني النظرية لمفهوم الديمقراطية وفق المدارس التي ذكرتها إلى التطبيقات العملية لتلك المدارس: حتى نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام الإشكاليات التالية: - إشكالية التعريف. - إشكالية البلورة الاجتماعية للديمقراطية. - إشكالية البلورة الثقافية للديمقراطية. - إشكالية البلورة الاقتصادية للديمقراطية. إشكالية التعريف: قد اصطُلح على تعريف الديمقراطية بأنها «حكم الشعب بالشعب، أي: (السيادة للشعب) ، ولدى التطبيق العملي انقسم الناس في طريقة التعبير الواقعي عن هذا التعريف؛ ومن هنا: نشأت المدارس المختلفة التي عبر كل منها عن فهمه للديمقراطية بأسلوب يختلف عن الآخر، فمن أين نشأ هذا الاختلاف؟ لقد نشأ الاختلاف من تنوع زاوية النظر لكل كلمة من كلمات التعريف المذكور، مما دفع إلى سطح الواقع تفسيرات شتى لذلك التعريف. فكلمة (الحكم) ، وكلمة (الشعب) ، وكلمة (السيادة) أو (بالشعب) ، لم يتم الاتفاق على تفسيرها. إن كلمة (الحكم) لها معانٍ تعبيرية شتى: فمعناها لدى المدرسة الليبرالية: أن المجلس النيابي المعبِّر عن الشعب يضع الدستور الذي تقوم الحكومة على تنفيذ بنوده. ومعناها لدى المدرسة الاشتراكية: أن مجلس الشعب المعبِّر عن اتحاد القوى العاملة يسن التشريعات التي تقوم الحكومة بتنفيذها بعد إقرارها مما يسمى باللجنة المركزية. ومعناها لدى المدرسة الديكتاتورية: أن المجلس النيابي هو أداة تشريع القوانين التي تكرِّس هيمنة الملأ الطاغوتي، ورغم أنه منتخب من قبل الشعب بطريقة خاصة إلا أنه يعامل طوعاً لإرادة الطغمة الديكتاتورية الحاكمة، فهو معبِّر عنها وليس معبِّراً عن الشعب. ويلاحظ في هذه المدارس الثلاث أن مزاولة (الحكم) من المنظور الأمني تتم من خلال مؤسسات تمارس أفعالاً بشعة، بما لها من صلاحيات تستمدها من التعابير الفضفاضة للقوانين؛ فمؤسسات المباحث والمخابرات العسكرية وتوابعهما تعتبر مؤسسات مغلقة لا يكاد يعلم أعضاء المجلس النيابي عنها شيئاً. ومعناها لدى المدرسة الجبرية: أنها وسيلة لحل إشكال تناقضات التعايش القسري في دولة واحدة لطوائف وأديان شتى؛ لذلك: فإن كلمة» الحكم «لدى هذه المدرسة هي معنى اصطلاحي لواقع متناقض التوجهات، أفرز في واجهته أشخاصاً اختص كل منهم برئاسة مرفق دستوري (رئاسة الدولة، رئاسة الحكومة، رئاسة المجلس النيابي، قيادة الجيش، قيادة الأمن العام..) . ومعناها لدى المدرسة المصلحية: أنها وسيلة دستورية لتحقيق مصالح أعضاء المجلس النيابي بغطاء شعبي مصطنع. ومعناها لدى المدرسة الإسلامية النيابية: أنها مجرد وسيلة متاحة يمكن استغلالها من خلال المشاركة الجزئية وإن كانت محدودة جدّاً، على أمل أن تتسع هذه المحدودية لتشكل أغلبية ساحقة في المستقبل البعيد، فيتمكن الإسلاميون من تنفيذ أحكام الشريعة بتقنينات نيابية. فالنتيجة التي وصلنا إليها هي: لا يوجد اتفاق على تفسير عملي لكلمة (الحكم) بين المدارس الديمقراطية المختلفة. وأما كلمة (الشعب) : فهي أيضاً محل خلاف عند التطبيق. فمن هم أفراد الشعب؟ ! . هناك نظرتان رئيستان في هذا الصدد. الأولى: أنهم الأفراد الذين يقعون ضمن حدود جغرافية معترف بها دوليّاً، ويعبِّر عنهم نظام سياسي حاكم. إن جميع المدارس الديمقراطية تعترف نظريّاً بهذا التعريف. الثانية: أن الشعب هو مجموع الأفراد الذين يطبّق عليهم القانون، وهم العامة أو الغوغاء، أي: الذين لم يسجِّلوا عضويتهم في الحزب الحاكم. وأما المنضوون في الحزب الحاكم فهم إما فوق القانون، أو يطبّق عليهم القانون بطريقة خاصة، فهم بهذا المعنى فوق الشعب! ! وتشمل هذه النظرة المدرستين الاشتراكية والديكتاتورية. وهذا يعني: أنه لا يوجد اتفاق على تفسير عملي لكلمة (الشعب) بين المدارس الديمقراطية المختلفة. وأما كلمة (السيادة) ، أو (بالشعب) : فهي أيضاً لها مفاهيم منوعة لدى المدارس الديمقراطية. ففي المدرسة الليبرالية: الشعب لا يحكم نفسه، بل هناك أفراد مقتدرون ماليّاً، ولهم وجاهات اجتماعية، يبحرون على متن سفنها التي تلقي مراسيها تحت قبة المجلس النيابي، فيمارسون التشريع وفق ما يرونه هم، وليس وفق ما يراه الشعب، فهم أقلية يحكمون أغلبية، لكنهم لا يعبرون عنها تعبيراً حقيقيّاً وشاملاً. فالديمقراطية في المدرسة الليبرالية هي حكم الأغلبية بالأقلية مع ملاحظة تناقض المصالح بين الأغلبية والأقلية، التي تعني أن الأقلية تستثمر طاقات الأغلبية، أي طاقات الشعب، لتحقيق مصالحها أولاً، ولا يضر أن تلك المصالح قد يشاركهم فيها الشعب بشكل جزئي. وأما في المدرسة الاشتراكية: فالسيادة هي لمجموع القوى العاملة من خلال ممثليها في مجلس الشعب، ولا بد أن يكونوا حزبيين حُكماً، أي: إن مفهوم الديمقراطية في هذه المدرسة هو: حكم الشعب بالحزب الحاكم. وأما في المدرسة الديكتاتورية: فالمجلس النيابي ليس سوى صورة مجردة من الأبعاد والألوان، مهمتها تشريع القوانين التي تخدم الطغمة الديكتاتورية الحاكمة، فمفهوم الديمقراطية في هذه المدرسة هو حكم الشعب بالطاغوت الديكتاتوري. وأما في المدرسة الجبرية: فمعناها حكم الشعب أي حكم الطوائف المكونة للشعب بقوانين يصطلح على سنِّها مجموع ممثلي الطوائف في المجلس النيابي، أي إن الأحكام التي تنفذ على طائفة معينة منها ليست أحكامها الخاصة، بل ولا حتى المعبرة عنها، ذلك أنه لا توجد أحكام تنفذ على كل طائفة بشكل مستقل في هذه المدرسة، وهذا يعني أن مفهوم الديمقراطية في هذه المدرسة هو حكم الطائفة، من أي دين كانت أو من أي عرق، بواسطة مجموع آراء جميع الطوائف المشكلة للشعب من خلال قوانين يتفق على سنّها. وأما في المدرسة المصلحية: فمعناها حكم الشعب بواسطة القوانين التي يشرعها أصحاب المصالح الذين وجدوا في حياض المجالس النيابية مرتعاً خصباً ومقبولاً، للوصول من خلاله إلى مآربهم، فمفهوم الديمقراطية في هذه المدرسة هو حكم الشعب بأصحاب المصالح. وأما في المدرسة الإسلامية النيابية فهي بحسب ما يكونون فيه من مدارس، فهم ليس لهم وضع مستقل. لكنهم يقولون: إن مفهوم الديمقراطية عندهم هو حكم الشعب من خلال مجلس نيابي تتمثل فيه جميع الطوائف والأديان والأحزاب، فهو حكم الشعب بممثلي الطوائف والأديان والأحزاب. ومن ذلك يتبين لنا: أنه لا يوجد اتفاق على تفسير عملي لكلمة (السيادة) أو (بالشعب) بين المدارس الديمقراطية المختلفة. إذن: إن إشكالية التعريف تتناول كل كلمة من كلمات مفهوم الديمقراطية، وليس هناك اتفاق بين المدارس المختلفة على أي كلمة من كلمات تعريف الديمقراطية، مما نتج عنه اختلاف التعبيرات العملية للديمقراطية في الإطار السياسي وغيره من الأطر. إشكالية البلورة الاجتماعية للديمقراطية [١] : إن التحدي الذي تواجهه أي مدرسة من مدارس مفهوم الديمقراطية التي ذكرتها هو مدى النجاح الذي تحققه في بلورة الصياغة الاجتماعية لمجموع الشعب؛ بحيث تتوافق مع أفكار وأهداف تلك المدرسة. ولكي تتضح أمامنا صورة هذا التحدي فلا بد من تكثيف الضوء على الأجزاء الرئيسة والمعالم البارزة التي تجتذب بصر الناظر إلى تلك الصورة، وهي كالتالي: -التفاوت الطبقي: إن التفاوت الطبقي يعتبر ظاهرة تكاد تعم جميع مجتمعات الأرض دون استثناء، وإن العلاقة الجدلية للصراع بين تكريس هيمنة الأغنياء واستخلاص حقوق الفقراء تتوسع دائرتها يوماً بعد يوم، أما متوسطو الدخل فهم وإن كانوا يؤيدون مطالب الفقراء، ويكرهون تسلط الأغنياء، إلا إنهم ينؤون بأنفسهم عن الوقوع بين فكي كماشة ذلك الصراع الذي يمكن أن يتطور إلى ثورة غير مسيطر على توجهاتها ولا على اضطرام أوارها. وعندما اصطلح الجميع على الاستظلال بمظلة الديمقراطية: فشل ذلك الحل في برمجة مشروع عملي لتفكيك تلك العلاقة الجدلية للصراع، لإعادة ترتيب مفاصل الربط فيها وتغيير مجرى قنواتها، بل يمكن القول باطمئنان: إن الديمقراطية كرّست إبقاء ذلك الصراع بغطاء دستوري، فُصِلت بنوده بحيث تحمي مصالح الأغنياء، والمفارقة العجيبة في ذلك: أنه يتم بدعم من أصوات الفقراء! ! وعند التحقيق نرى بوضوح: أن الديمقراطية لم تنجح في بلورة لحمة اجتماعية من زاوية نظر التفاوت الطبقي، وهذا لا يختص بمدرسة واحدة، بل بجميع المدارس. -التنوع الديني: إن الجميع متفقون على أن كل دين يضفي على أتباعه ثوباً معيناً من العلاقات الاجتماعية، سواء على مستوى الأفراد أو مستوى الأسر أو مستوى الوحدات الاجتماعية (عائلات، قبائل ... ) . وبالتالي: فإن لكل دين أحكامه وتشريعاته، سواء أكان ذلك للمسلمين أو للنصارى أو لليهود [٢] . إن الديمقراطية جاءت لتقول لكل هؤلاء: ألقوا ما عندكم من أحكام وتشريعات، وتعالوا نصطلح على أحكام وتشريعات جديدة يوافق عليها الجميع. وبمعنى آخر تقول: ألغوا الصيغ الاجتماعية التي انفرزت من تلك الأحكام والتشريعات عبر القرون، وتعالوا لنوجد صيغة اجتماعية موحدة بجرة قلم نيابي! ! وأنّى لأي نوع من الديمقراطية أن تنجح في فعل ذلك؟ ! إلا أن معنى الديمقراطية يفرض عليها أن تلج نفق تلك المفارقة الصعبة، وهذا يعني أنه لا بد لممثلي الأديان في مجلس النواب من الاتفاق على تشريعات توفيقية، ولا بد للشعب أن ينصاع لها. وهذا يعني غرس بذور المواجهة بين: ١- المجلس النيابي من جهة، والمنتسبين لكل دين من جهة أخرى، والغلبة في هذه المواجهة هي للمجلس النيابي، إذا نظرنا إليها من زاوية قدرته على إمرار ما يريد بقوة القانون. إن الانكسار النفسي الذي يتولد في صدور المنتسبين لتلك الأديان يغذي حالة الاستعداد للتمرد في يوم من الأيام بسبب التشتت الاجتماعي الذي أصبح مقنناً بواسطة المجلس النيابي. ٢- المنتسبين لكل دين بعضهم ضد بعض، فالمسلمون سيؤيدون التشريعات التي تتوافق مع دينهم وسيعتبرون ذلك انتصاراً له، في حين يعارض ذلك اليهود والنصارى، وهذان الأخيران سيؤيدان التشريعات التي تتوافق مع ما هم عليه، وسيعارضهم المسلمون، وسيترتب على هذا مزيد من تعميق وتكريس التباعد والتناقض الاجتماعيين، وهذا بدوره سيوجد لوناً إضافيّاً من الصراع، ذا قاعدة اجتماعية وإطار تخاصمي تشريعي. ٣- المنتسبين للدين الواحد بعضهم ضد بعض، ذلك أن القوانين التشريعية الجديدة التي يشرعها المجلس النيابي قد تلاقي توافقاً مع أهواء بعض المنتسبين لذلك الدين، رغم أنها تتناقض مع تشريعات وأحكام دينهم. فيتقمّصونها، ويدافعون عنها، مع استعدادهم للمواجهة الفعلية مع التيار المتمسك بدينه، وهذا بدوره سيفتت اللحمة الاجتماعية للمنتسبين للدين الواحد. ولنتصور كيفية حدوث ذلك، أضرب مثالاً واحداً: مثال: -أقر المجلس النيابي فعل الشذوذ. المسلمون والنصارى واليهود رفضوا ذلك، لكن المجلس النيابي انتصر بقوة القانون (الحالة الأولى) . -أقر المجلس النيابي شرب الخمر. المسلمون رفضوا، النصارى، واليهود وافقوا، لقد كرّس هذا القانون المواجهة بين الطرفين (الحالة الثانية) . -أقر المجلس النيابي الإجهاض. المتمسكون بدينهم من الأديان الثلاثة رفضوا ذلك، غير المتمسكين وافقوا عليه؛ لأنه يوافق أهواءهم (الحالة الثالثة) . إن الصدام الاجتماعي سيقع بين الموافقين والرافضين في الحالات الثلاث، انتهى المثال. وما يهمني هنا هو: الإشارة إلى أن مبدأ التنوع الديني في موقع إصدار التشريعات وسن القوانين مرفوض إسلاميّاً، إلا أن موافقة الإسلاميين المجلسيين على الديمقراطية والمشاركة في المجالس النيابية جعل هذا المرفوض مقبولاً عندهم حكماً، لكنهم اختلفوا في تفسير هذا القبول، فمنهم من قال بقبوله ضرورة، ومنهم من قال بقبوله منهجاً، إن هذا الاختلاف في التفسير له أثره البيّن في تفتيت اللحمة الاجتماعية على مستوى القابلين بالديمقراطية. إن سبب هذا التفتيت هو التفاوت الحاصل عند تعبيرهم العملي عن ذلك. ومثاله: إن الذين يقولون بقبوله ضرورة يصرّون على التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، وهذا يعني الارتقاء الاجتماعي الشمولي من حضيص الواقع إلى قمة الإسلام، لكن الذين يقولون بقبوله منهجاً قد لا يطالبون بالتطبيق الكلي للشريعة الإسلامية مراعاة لليهود والنصارى، وإذا طالبوا بها فإنهم قد [٣] لا يطالبون بتطبيقها فوراً للسبب نفسه، إن الإفرازات الاجتماعية لهذين الطرحين تأخذ مساري المجابهة والمواجهة في تسارع حثيث على مدرج الصدام! ! إن تلك المواجهة لن تنحصر في إطار الممثلين الإسلاميين في المجلس النيابي، بل ستتسع دائرتها لتشمل أنصار الطرفين في عموم الشعب. المواجهة الاجتماعية الأخرى ستقع بين المؤيدين من المسلمين للمشروع الديمقراطي والمعارضين له، ذلك أن المؤيدين للمشروع الديمقراطي ستصطبغ حياتهم الاجتماعية بالألوان المفرزة من قبل المجلس، في حين أن المؤيدين للمشروع الإسلامي (إن صح التعبير) [٤] سيجاهدون من أجل الحفاظ على حياتهم الاجتماعية المتميزة بالانتماء الإسلامي أي: اللون أو الصبغة الإسلامية، [صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ] [البقرة: ١٣٨] . إن التفاوت في التعبير الاجتماعي بين المؤيدين للديمقراطية والمعارضين لها سيؤدي إلى خلل في اللحمة الاجتماعية، تحمل في طياتها بذور الصدام أيضاً! !

стр. 2346

بريد البيان الكويت تودع عالمها (الجراح) (١٣٢٢هـ ١٤١٧هـ) لا تخلو الأرض من بقايا للسلف في كل مكان، ومن هؤلاء: آخر العلماء المعروفين في الكويت، وهو الشيخ (محمد بن سليمان الجراح) الذي توفي عن ٩٥ عاماً، قضاها ﵀ في فعل الخير، والتدريس، والخطابة، والإمامة، والفتوى، أخذ العلم عن علماء بلده مثل المشائخ: عبد الله الدحيان، وهاشم الحنيان، وأحمد الفارسي، وغيرهم من العلماء أمثال: الشيخ عبد العزيز العلجي الإحسائي، ومحمد الشنقيطي، وأحمد عطية الأثري، كان ﵀ حافظاً للقرآن، فقيهاً، بارعاً في النحو والصرف، معظّماً للآثار النبوية، حاضر البديهة.. درس على يديه طلاب العلم، وبعض الوجهاء في الكويت، وله ذكر حسن عندهم، وقد رثوه وأثنوا عليه خيراً، وما أصدق قول ابن مسعود ﵁ : (موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار) .. رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته.

стр. 2347

الورقة الأخيرة الاستسلام بلفظ آخر بقلم: علي العيسى هذا بعضٌ مما يمكن قوله عن استعمال اللفظ في غير موضعه، الصلح مقاسمة، والاستسلام عطاء بلا أخذ، ولا يكفي أن توضع كلمة مكان أخرى ليتحول الواقع إلى مراد المصطلح، فالمصطلح لا يطلق على الأشياء لتتغير حقائق الأشياء، وإنما الأشياء هي التي توجد المصطلح المطابق لواقعها. واليهود الإسرائيليون يخفون ما يصيبهم؛ من أجل الحرب النفسية لعدوهم، ورفع الروح المعنوية لذويهم، ولذا: كرسوا كل جهودهم للسلام بمعنى الاستسلام لهم؛ لأنهم في الواقع كما قال (تعالى) لنا: [وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] [النساء: ١٠٤] ، [إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ ... الظَّالِمِينَ] [آل عمران: ١٤٠] ، إلا إنهم على باطل، والمسلمون على حق، ويجتهدون أن يفعلوا ما يؤمرون: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] [آل عمران: ١٤٢] . واليهود اليوم، وإن كانوا أكثر نفيراً، إلا أنهم أكثر تضرراً لقلتهم، ولأنهم يريدون الاستسلام من عدوهم، لكي يسيطروا على العالم الإسلامي كما يظنون كما سيطروا على العالم الغربي والشرقي المتقدمين عسكريّاً، ولأنهم يودون إتمام ذلك قبل نضج الصحوة الإسلامية وتمكنها. والغريب فقدان كثير من الحجج والمنطق في وسائل الإعلام؛ فمثلاً: اليهود الإسرائيليون يهدمون بيت من يقوم بعملية فدائية، فمن احتج قانوناً وقضاءً بأن أهل البيت لا دخل لهم فيما حصل، وليسوا مسؤولين عنه، والبيت ليس بيت من استشهد، وإنما تحولت ملكيته إن كان يملك أساساً إلى غيره: لم يسمعوا له.. هذا هو الإرهاب، وهذا هو التطرف والعنف والغلو والتشدد والوحشية وضياع حقوق الإنسان والقيم والحضارة ومبادئ النظام الدولي الجديد الواعد بالعدل، ثم: لماذا لم يهدم بيت الإرهابي (جولد شتاين) مجرم مذبحة الخليل؟ ، ولماذا لم يهدم بيت (إيجال عامير) قاتل رابين؟ ، هل وُجِّه مثل هذا السؤال في المحافل الدولية، والصحافة، وكل وسائل الإعلام، ومؤسسات الدعوة إلى حقوق الإنسان، والمحاكم في فلسطين المحتلة وغيرها، والمحاكم الدولية بالذات والأمم المتحدة..؟ ! هذا الكلام يساق لمن يؤمنون بفعالية الإعلام والملاحقة القانونية والحديث عن التعصب والتمييز العنصري. ونتهم اليهود بنقض العهود والمواثيق، فهل نوقع على عهود بدعوى إمكانية نقضها متى ما أحسسنا بقوتنا وقدرتنا، (لا تنهَ عن خُلُق وتأتي مثله) ، لذا: لا ترتبط بعهد لن ترعاه، إن من يتمسك بالإسلام لن يخذله من أسلمنا وأسلم أمره إليه، وما دعوى ضعف الإسلام في المسلمين بمبرر للاستسلام، وإنما هي مبرر للحث على تقوية الإسلام في نفوسنا وسلوكنا وواقعنا.

стр. 2348

شعبان - ١٤١٧هـ يناير - ١٩٩٧م (السنة: ١١)

стр. 2349

كلمة صغيرة زيارات (جاكسون) لماذا ؟ الدور التغريبي الذي تقوم به الحكومات العلمانية في العالم العربي لم يعد مجهولاً، إذ تعد له الميزانيات والخطط التنموية، وتونس بالذات إحدى هذه الدول التي لا يعرف الزائر لها أنه في بلد عربي مسلم؛ لما يوجد فيها من تكشف وتعري النساء، وويل ثم ويل لمن يقف في وجه موليته مانعاً إياها من التفرنج، فإن مصيره السدود والقيود. ومواصلة لذلك الدور المشبوه استدعي (مايكل جاكسون) لتونس مؤخراً، وحشد له الإعلام المؤمم أكثر من ٩٠ ألف نفس في الملعب الرياضي بالعاصمة؛ ليروا رقصه وتمايله الجنوني في الوقت الذي تعيش تونس فيه ضموراً اقتصاديًّا معروفاً، جعل التونسيين من أكثر الجاليات العربية في الخارج طلباً للعيش. ومع ذلك: تصادر الدولة (الاتجاه الإسلامي) وتسجن رموزه وآلافاً من مؤيديه، وتشردهم، وتفتح المجال لكل اتجاه آخر مهما كان منحرفاً! ومما يؤسف له إقامة حفل لهذا الماجن مؤخراً في ماليزيا، لكن الجميل في هذا المقام: أن (مايكل جاكسون) خطط له أن يزور (مصر) فوقف الاتجاه الشعبي و (النقابي) لذلك المخطط بالمرصاد، وأفسده؛ لما عرف عن (جاكسون) من فساد أخلاقي، ومواقف مسيئة للعرب والمسلمين، والانضمام لجماعة صهيونية معروفة هي (شهود يهوه) . إننا نتساءل بكل مرارة: إلى متى تغيب شعوبنا؟ ، وإلى متى يراد إفساد أخلاق شبابها؟ وإلى متى يعمل العابثون لإماتة روح العزة فيها؟ وإلى متى يخوف زوراً وبهتاناً من الاتجاهات الإسلامية الصالحة؟ إن تلك الحملات المشبوهة لم تعد مجهولة الأهداف والنوايا في تلك الدول. [وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] [الشعراء: ٢٧]

стр. 2350

افتتاحية العدد ردة.. ولا أبا بكر لها [*] الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فلقد قال بأبي هو وأمي: ( ... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله) [أخرجه مسلم، كتاب الحج] ، وهذا ما وعاه صحابته الكرام ﵃ ، فكانوا أمناء على العهد، أوفياء لرسالة الإسلام، حيث تحملوا في سبيلها المحن والشدائد حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً؛ فاستقامت دولة الإسلام وعز جانبها طوال القرون المفضلة، إلى أن أصاب الأمة داء الأمم: الفرقة، والانحرافات العقدية، وما تبع ذلك من الاحتلال الأجنبي والتبعية والتقليد، ثم ظهور الملل والنحل كالقاديانية والبهائية والبابية.. وغيرها من الفرق الباطنية التي حكم العلماء المحققون بردتهم، وكان ظهور تلك الفرق بعدما عطلت الشريعة الإسلامية في كثير من البلدان وعطل معها حد الردة؛ مما جرأ زعماء تلك الطوائف المنحرفة على إظهار عقائدهم الضالة، فتبعهم كل ناعق، وسار على دربهم أدعياء التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر من المدرسة العقلانية أو ما يسمى باليسار الإسلامي الذين تبنوا الدعوة إلى محاكمة النصوص الشرعية مثلها مثل النصوص البشرية، وإلغاء حكم الردة، وإباحة زواج المسلمة بغير المسلم! . ومن هنا: جاءت الآراء المشبوهة التي طرحها أمثال (فرج فودة) ، و (سعيد العشماوي) ، و (محمد أحمد خلف الله) ، ثم ما أثاره مؤخراً المدعو (نصر حامد أبو زيد) في كتاباته، ومنها: (مفهوم النص) ، و (إشكاليات القراءة وآليات التأويل) ... و (نقد الخطاب الديني) ، التي دعا فيها إلى محاكمة (النص القرآني) وتأويل تعاليمه، بما يخرجها عن معناها الشرعي، ولقد فشل في نيل درجة (الأستاذية) لما احتوته كتبه من أخطاء وتأويلات باطلة، حيث فضحه العلماء والمفكرون على رءوس الأشهاد، ثم كونت لجنة أخرى من مناصريه بقدرة قادر أجازت أبحاثه، وأعطته الدرجة التي يسعى إليها، لكنه فوجئ بفتوى علماء الأزهر بردته على ضوء ما كتبه من آراء وأفكار منحرفة في حق الإسلام والحكم بالتفريق بينه وبين زوجته، ولما طُعن في الحكم أكده القضاء الوضعي مرة أخرى ورفض نقضه.. ولا يستبعد أن يحاول (اللوبي العلماني) إصدار قرار بتبرئته، وتنصيبه عالما يشار له بالبنان. ويبدو أن ما تعرض له (أبو زيد) زمانه من دفاع مستميت لإلغاء الحكم بردته، ومناصرة التيار العلماني له بكافة فئاته حتى صار حديث المنتديات ومتابعة وسائل الإعلام.. قد أغرى بعض المنهزمين بتبني هذا النهج لينال بدوره شهرة أخرى، حتى ولو على حساب ما يدين به من عقيدة وما ينتسب إليه من دين، فقرأنا عن أستاذ مغمور بجامعة الكويت أنه بدأ بطرح آراء شاذة، والدفاع عن المنحرفين فكريّاً بمقالات صحفية متوالية، ومن آخر ما كتبه: تهجمه على رسالة الرسول، وما زعمه عنه من الفشل في إقامة دولة الإسلام! ويكفينا أن جهة الفتوى هناك أدانت رأي المذكور واعتبرته مسيئاً للرسول. العجيب: أن هذا الرجل كان في بداياته يتظاهر بالدين والدعوة للإسلام، وفتحت له بعض المجلات الإسلامية صفحاتها في لقاءات ومشاركات عديدة، وكانت آراؤه تناصر الاتجاه الإسلامي ضد فلول العلمانية، لكنه انتكس وبات يردد بصفاقة مزاعم العلمانيين ضد التيار الإسلامي الذي يطلقون عليه (الإسلام السياسي) ، مع أن المذكور ترجم رسالة عن الفكر السياسي لدى شيخ الإسلام (ابن تيمية) ، وهذه ظاهرة مَرَضيّة بالفعل تستحق الدراسة، (نسأل الله السلامة) . لقد كان لأمة الإسلام وحكامها على مر التاريخ مواقف حاسمة من الحركات الشاذة والدعوات المشبوهة، التي كانت لا تجرؤ على طرح أفكارها في العلن؛ لخوفها من تطبيق حد الردة على كل منكِر لما علم من الدين بالضرورة. وكذلك من سار على دربهم من المعاصرين، هم عادة ما يكونون ذوي منطلقات مشبوهة وذوي أهداف معدة سلفاً، لهدم الإسلام من الداخل. فما أحوجنا إلى التعامل مع أصحاب هذه الأطاريح المنحرفة بحزم، وبيان انحرافهم عن الصراط المستقيم؛ حتى لا يضللوا غيرهم، وما أشد حاجة الأمة إلى التطبيق صراحة لما تذكره في دساتيرها وأنظمتها من أن دين الدولة هو الإسلام، فإنها مدعوة إلى تطبيق حد الردة باعتباره حكماً شرعيّاً محكماً ورد في الكتاب والسنة، يقول (تعالى) : [وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [المائدة: ٥] ، ويقول: (من بدل دينه فاقتلوه) [متفق عليه] ، وألا تجعل الذوات الحاكمة فقط هي المحمية والمصانة، إذ إن الله ورسوله أولى من غيرهما بالاحترام والتبجيل. ومعلوم للقراء الكرام أن هجوم العلمانيين على الإسلام والسخرية منه ومن المنتسبين له بدعاوى تافهة: سبق أن فضحناها وبينّا أن تلك التهجمات ذات أهداف مكشوفة، وأن المراد هو: الهجوم على الإسلام ذاته، والإسهام فيما أسموه بـ (تجفيف المنابع) .. نسأل الله أن يعاملهم بما يستحقونه. ومن تحصيل الحاصل: أن تلك الاتجاهات المعادية للإسلام قد شجعت على الارتداد عن دين الإسلام في بعض الدول، وعلى سبيل المثال لا الحصر: ما حصل من تنصِّر أحد مواطني الكويت الذي التجأ إلى إحدى كنائسها بعد الحكم عليه بالردة من طائفته، ثم الموقف المتميع حيال هذه الحالة إلى حد أن أتيح له محامياً يدافع عنه، وفي الأخير: سُرِّب المرتد وسافر خارج البلد. وقد ذكر أن هناك أعداداً أخرى أعلنت الردة عن الإسلام، ولا ندري عن مدى صحة ذلك، وكذلك كان الرسام المصري (بيكار) قد تبنى النحلة البهائية في قضية سابقة، وتسوهل معه فيها، وتم إطلاق سراحه. إننا نرى أن الموقف يحتاج إلى وقفة ومزيد تأمل لعلاج هذه المسألة والبحث عن حلول مناسبة لها؛ إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يرتد مسلم بحق عن دينه سوى: ١- ضعيف إيمانٍ ممن وُسوِس له بالشبهات وأغري بالشهوات. ٢- من سقط في شباك المنصرين، فتعرض لغسيل فكري متواصل. ٣- من جهل دينه، وأعرض عن تعلمه، والعمل به، حري به أن يضل ضلالاً بعيداً. ٤- من ألقي من أبناء المسلمين إلى المدارس التنصيرية للدراسة بها، وتشربوا مبادئها. والحلول الناجعة للوقوف في وجه هذا الطوفان الذي يعمل ليل نهار في جل ديار الإسلام هي: قلب تلك المظاهر، والقضاء المبرم على أسبابها، والعمل المتواصل لإيقاف تلك الهجمة التنصيرية القائمة في وسائل الإعلام، وضرورة فسح المجال لدعاة الإسلام كي يقوموا بدورهم ويقولوا كلمتهم في تلك التيارات المنحرفة، وفضح رموز التيار العلماني المنافق الذي يدافع عن المرتدين بدعوى الحرية الشخصية! ، ويعمل على إبراز وتلميع مثل هذه الحالات؛ لإشاعة الفاحشة والانحراف العقدي في الأمة. بقيت مسألتان، هما: أولاً: أن الردة ليست فقط اعتراف فلان من الناس بارتداده عن الإسلام أو إقراره بذلك، وإنما تكون الردة أيضاً بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام الكثيرة، ومنها: بغض شيء جاء به النبي ﷺ ، ولو عمل به ظاهراً. الاستهزاء بشيء من دين الله. الاعتقاد بأنه يمكن الخروج على شريعة ... الإسلام [**] . ثانياً: تظاهر العلمانيين بالإسلام، وفي الوقت نفسه: محاربته بتبني أفكار مضادة له، والدفاع عن الزنادقة والمرتدين.. فعليهم أن يوضحوا للناس حقيقة إسلامهم والتبرؤ من كل ما يناقض الإسلام، أو أن يعلنوا صراحة موقفهم الرافض لهذا الدين، فيعرفهم الناس على حقيقتهم. كم نحن بحاجة ماسة إلى حزم الخليفة الراشد (أبي بكر الصديق) ، وموقفه العظيم من المرتدين، الذي أصر فيه على حربهم.. حتى عادوا إلى الإسلام. والله نسأل أن يقر أعيننا بنصر الإسلام وعز المسلمين، وأن يرينا في أعداء دينه إن لم يهتدوا يوماً أسود، وما ذلك على الله بعزيز
следующие страницы →