← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

بريد البيان الكويت تودع عالمها (الجراح) (١٣٢٢هـ ١٤١٧هـ) لا تخلو الأرض من بقايا للسلف في كل مكان، ومن هؤلاء: آخر العلماء المعروفين في الكويت، وهو الشيخ (محمد بن سليمان الجراح) الذي توفي عن ٩٥ عاماً، قضاها ﵀ في فعل الخير، والتدريس، والخطابة، والإمامة، والفتوى، أخذ العلم عن علماء بلده مثل المشائخ: عبد الله الدحيان، وهاشم الحنيان، وأحمد الفارسي، وغيرهم من العلماء أمثال: الشيخ عبد العزيز العلجي الإحسائي، ومحمد الشنقيطي، وأحمد عطية الأثري، كان ﵀ حافظاً للقرآن، فقيهاً، بارعاً في النحو والصرف، معظّماً للآثار النبوية، حاضر البديهة.. درس على يديه طلاب العلم، وبعض الوجهاء في الكويت، وله ذكر حسن عندهم، وقد رثوه وأثنوا عليه خيراً، وما أصدق قول ابن مسعود ﵁ : (موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار) .. رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته.

стр. 2347

الورقة الأخيرة الاستسلام بلفظ آخر بقلم: علي العيسى هذا بعضٌ مما يمكن قوله عن استعمال اللفظ في غير موضعه، الصلح مقاسمة، والاستسلام عطاء بلا أخذ، ولا يكفي أن توضع كلمة مكان أخرى ليتحول الواقع إلى مراد المصطلح، فالمصطلح لا يطلق على الأشياء لتتغير حقائق الأشياء، وإنما الأشياء هي التي توجد المصطلح المطابق لواقعها. واليهود الإسرائيليون يخفون ما يصيبهم؛ من أجل الحرب النفسية لعدوهم، ورفع الروح المعنوية لذويهم، ولذا: كرسوا كل جهودهم للسلام بمعنى الاستسلام لهم؛ لأنهم في الواقع كما قال (تعالى) لنا: [وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] [النساء: ١٠٤] ، [إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ ... الظَّالِمِينَ] [آل عمران: ١٤٠] ، إلا إنهم على باطل، والمسلمون على حق، ويجتهدون أن يفعلوا ما يؤمرون: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] [آل عمران: ١٤٢] . واليهود اليوم، وإن كانوا أكثر نفيراً، إلا أنهم أكثر تضرراً لقلتهم، ولأنهم يريدون الاستسلام من عدوهم، لكي يسيطروا على العالم الإسلامي كما يظنون كما سيطروا على العالم الغربي والشرقي المتقدمين عسكريّاً، ولأنهم يودون إتمام ذلك قبل نضج الصحوة الإسلامية وتمكنها. والغريب فقدان كثير من الحجج والمنطق في وسائل الإعلام؛ فمثلاً: اليهود الإسرائيليون يهدمون بيت من يقوم بعملية فدائية، فمن احتج قانوناً وقضاءً بأن أهل البيت لا دخل لهم فيما حصل، وليسوا مسؤولين عنه، والبيت ليس بيت من استشهد، وإنما تحولت ملكيته إن كان يملك أساساً إلى غيره: لم يسمعوا له.. هذا هو الإرهاب، وهذا هو التطرف والعنف والغلو والتشدد والوحشية وضياع حقوق الإنسان والقيم والحضارة ومبادئ النظام الدولي الجديد الواعد بالعدل، ثم: لماذا لم يهدم بيت الإرهابي (جولد شتاين) مجرم مذبحة الخليل؟ ، ولماذا لم يهدم بيت (إيجال عامير) قاتل رابين؟ ، هل وُجِّه مثل هذا السؤال في المحافل الدولية، والصحافة، وكل وسائل الإعلام، ومؤسسات الدعوة إلى حقوق الإنسان، والمحاكم في فلسطين المحتلة وغيرها، والمحاكم الدولية بالذات والأمم المتحدة..؟ ! هذا الكلام يساق لمن يؤمنون بفعالية الإعلام والملاحقة القانونية والحديث عن التعصب والتمييز العنصري. ونتهم اليهود بنقض العهود والمواثيق، فهل نوقع على عهود بدعوى إمكانية نقضها متى ما أحسسنا بقوتنا وقدرتنا، (لا تنهَ عن خُلُق وتأتي مثله) ، لذا: لا ترتبط بعهد لن ترعاه، إن من يتمسك بالإسلام لن يخذله من أسلمنا وأسلم أمره إليه، وما دعوى ضعف الإسلام في المسلمين بمبرر للاستسلام، وإنما هي مبرر للحث على تقوية الإسلام في نفوسنا وسلوكنا وواقعنا.

стр. 2348

شعبان - ١٤١٧هـ يناير - ١٩٩٧م (السنة: ١١)

стр. 2349

كلمة صغيرة زيارات (جاكسون) لماذا ؟ الدور التغريبي الذي تقوم به الحكومات العلمانية في العالم العربي لم يعد مجهولاً، إذ تعد له الميزانيات والخطط التنموية، وتونس بالذات إحدى هذه الدول التي لا يعرف الزائر لها أنه في بلد عربي مسلم؛ لما يوجد فيها من تكشف وتعري النساء، وويل ثم ويل لمن يقف في وجه موليته مانعاً إياها من التفرنج، فإن مصيره السدود والقيود. ومواصلة لذلك الدور المشبوه استدعي (مايكل جاكسون) لتونس مؤخراً، وحشد له الإعلام المؤمم أكثر من ٩٠ ألف نفس في الملعب الرياضي بالعاصمة؛ ليروا رقصه وتمايله الجنوني في الوقت الذي تعيش تونس فيه ضموراً اقتصاديًّا معروفاً، جعل التونسيين من أكثر الجاليات العربية في الخارج طلباً للعيش. ومع ذلك: تصادر الدولة (الاتجاه الإسلامي) وتسجن رموزه وآلافاً من مؤيديه، وتشردهم، وتفتح المجال لكل اتجاه آخر مهما كان منحرفاً! ومما يؤسف له إقامة حفل لهذا الماجن مؤخراً في ماليزيا، لكن الجميل في هذا المقام: أن (مايكل جاكسون) خطط له أن يزور (مصر) فوقف الاتجاه الشعبي و (النقابي) لذلك المخطط بالمرصاد، وأفسده؛ لما عرف عن (جاكسون) من فساد أخلاقي، ومواقف مسيئة للعرب والمسلمين، والانضمام لجماعة صهيونية معروفة هي (شهود يهوه) . إننا نتساءل بكل مرارة: إلى متى تغيب شعوبنا؟ ، وإلى متى يراد إفساد أخلاق شبابها؟ وإلى متى يعمل العابثون لإماتة روح العزة فيها؟ وإلى متى يخوف زوراً وبهتاناً من الاتجاهات الإسلامية الصالحة؟ إن تلك الحملات المشبوهة لم تعد مجهولة الأهداف والنوايا في تلك الدول. [وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] [الشعراء: ٢٧]

стр. 2350

افتتاحية العدد ردة.. ولا أبا بكر لها [*] الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فلقد قال بأبي هو وأمي: ( ... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله) [أخرجه مسلم، كتاب الحج] ، وهذا ما وعاه صحابته الكرام ﵃ ، فكانوا أمناء على العهد، أوفياء لرسالة الإسلام، حيث تحملوا في سبيلها المحن والشدائد حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً؛ فاستقامت دولة الإسلام وعز جانبها طوال القرون المفضلة، إلى أن أصاب الأمة داء الأمم: الفرقة، والانحرافات العقدية، وما تبع ذلك من الاحتلال الأجنبي والتبعية والتقليد، ثم ظهور الملل والنحل كالقاديانية والبهائية والبابية.. وغيرها من الفرق الباطنية التي حكم العلماء المحققون بردتهم، وكان ظهور تلك الفرق بعدما عطلت الشريعة الإسلامية في كثير من البلدان وعطل معها حد الردة؛ مما جرأ زعماء تلك الطوائف المنحرفة على إظهار عقائدهم الضالة، فتبعهم كل ناعق، وسار على دربهم أدعياء التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر من المدرسة العقلانية أو ما يسمى باليسار الإسلامي الذين تبنوا الدعوة إلى محاكمة النصوص الشرعية مثلها مثل النصوص البشرية، وإلغاء حكم الردة، وإباحة زواج المسلمة بغير المسلم! . ومن هنا: جاءت الآراء المشبوهة التي طرحها أمثال (فرج فودة) ، و (سعيد العشماوي) ، و (محمد أحمد خلف الله) ، ثم ما أثاره مؤخراً المدعو (نصر حامد أبو زيد) في كتاباته، ومنها: (مفهوم النص) ، و (إشكاليات القراءة وآليات التأويل) ... و (نقد الخطاب الديني) ، التي دعا فيها إلى محاكمة (النص القرآني) وتأويل تعاليمه، بما يخرجها عن معناها الشرعي، ولقد فشل في نيل درجة (الأستاذية) لما احتوته كتبه من أخطاء وتأويلات باطلة، حيث فضحه العلماء والمفكرون على رءوس الأشهاد، ثم كونت لجنة أخرى من مناصريه بقدرة قادر أجازت أبحاثه، وأعطته الدرجة التي يسعى إليها، لكنه فوجئ بفتوى علماء الأزهر بردته على ضوء ما كتبه من آراء وأفكار منحرفة في حق الإسلام والحكم بالتفريق بينه وبين زوجته، ولما طُعن في الحكم أكده القضاء الوضعي مرة أخرى ورفض نقضه.. ولا يستبعد أن يحاول (اللوبي العلماني) إصدار قرار بتبرئته، وتنصيبه عالما يشار له بالبنان. ويبدو أن ما تعرض له (أبو زيد) زمانه من دفاع مستميت لإلغاء الحكم بردته، ومناصرة التيار العلماني له بكافة فئاته حتى صار حديث المنتديات ومتابعة وسائل الإعلام.. قد أغرى بعض المنهزمين بتبني هذا النهج لينال بدوره شهرة أخرى، حتى ولو على حساب ما يدين به من عقيدة وما ينتسب إليه من دين، فقرأنا عن أستاذ مغمور بجامعة الكويت أنه بدأ بطرح آراء شاذة، والدفاع عن المنحرفين فكريّاً بمقالات صحفية متوالية، ومن آخر ما كتبه: تهجمه على رسالة الرسول، وما زعمه عنه من الفشل في إقامة دولة الإسلام! ويكفينا أن جهة الفتوى هناك أدانت رأي المذكور واعتبرته مسيئاً للرسول. العجيب: أن هذا الرجل كان في بداياته يتظاهر بالدين والدعوة للإسلام، وفتحت له بعض المجلات الإسلامية صفحاتها في لقاءات ومشاركات عديدة، وكانت آراؤه تناصر الاتجاه الإسلامي ضد فلول العلمانية، لكنه انتكس وبات يردد بصفاقة مزاعم العلمانيين ضد التيار الإسلامي الذي يطلقون عليه (الإسلام السياسي) ، مع أن المذكور ترجم رسالة عن الفكر السياسي لدى شيخ الإسلام (ابن تيمية) ، وهذه ظاهرة مَرَضيّة بالفعل تستحق الدراسة، (نسأل الله السلامة) . لقد كان لأمة الإسلام وحكامها على مر التاريخ مواقف حاسمة من الحركات الشاذة والدعوات المشبوهة، التي كانت لا تجرؤ على طرح أفكارها في العلن؛ لخوفها من تطبيق حد الردة على كل منكِر لما علم من الدين بالضرورة. وكذلك من سار على دربهم من المعاصرين، هم عادة ما يكونون ذوي منطلقات مشبوهة وذوي أهداف معدة سلفاً، لهدم الإسلام من الداخل. فما أحوجنا إلى التعامل مع أصحاب هذه الأطاريح المنحرفة بحزم، وبيان انحرافهم عن الصراط المستقيم؛ حتى لا يضللوا غيرهم، وما أشد حاجة الأمة إلى التطبيق صراحة لما تذكره في دساتيرها وأنظمتها من أن دين الدولة هو الإسلام، فإنها مدعوة إلى تطبيق حد الردة باعتباره حكماً شرعيّاً محكماً ورد في الكتاب والسنة، يقول (تعالى) : [وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [المائدة: ٥] ، ويقول: (من بدل دينه فاقتلوه) [متفق عليه] ، وألا تجعل الذوات الحاكمة فقط هي المحمية والمصانة، إذ إن الله ورسوله أولى من غيرهما بالاحترام والتبجيل. ومعلوم للقراء الكرام أن هجوم العلمانيين على الإسلام والسخرية منه ومن المنتسبين له بدعاوى تافهة: سبق أن فضحناها وبينّا أن تلك التهجمات ذات أهداف مكشوفة، وأن المراد هو: الهجوم على الإسلام ذاته، والإسهام فيما أسموه بـ (تجفيف المنابع) .. نسأل الله أن يعاملهم بما يستحقونه. ومن تحصيل الحاصل: أن تلك الاتجاهات المعادية للإسلام قد شجعت على الارتداد عن دين الإسلام في بعض الدول، وعلى سبيل المثال لا الحصر: ما حصل من تنصِّر أحد مواطني الكويت الذي التجأ إلى إحدى كنائسها بعد الحكم عليه بالردة من طائفته، ثم الموقف المتميع حيال هذه الحالة إلى حد أن أتيح له محامياً يدافع عنه، وفي الأخير: سُرِّب المرتد وسافر خارج البلد. وقد ذكر أن هناك أعداداً أخرى أعلنت الردة عن الإسلام، ولا ندري عن مدى صحة ذلك، وكذلك كان الرسام المصري (بيكار) قد تبنى النحلة البهائية في قضية سابقة، وتسوهل معه فيها، وتم إطلاق سراحه. إننا نرى أن الموقف يحتاج إلى وقفة ومزيد تأمل لعلاج هذه المسألة والبحث عن حلول مناسبة لها؛ إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يرتد مسلم بحق عن دينه سوى: ١- ضعيف إيمانٍ ممن وُسوِس له بالشبهات وأغري بالشهوات. ٢- من سقط في شباك المنصرين، فتعرض لغسيل فكري متواصل. ٣- من جهل دينه، وأعرض عن تعلمه، والعمل به، حري به أن يضل ضلالاً بعيداً. ٤- من ألقي من أبناء المسلمين إلى المدارس التنصيرية للدراسة بها، وتشربوا مبادئها. والحلول الناجعة للوقوف في وجه هذا الطوفان الذي يعمل ليل نهار في جل ديار الإسلام هي: قلب تلك المظاهر، والقضاء المبرم على أسبابها، والعمل المتواصل لإيقاف تلك الهجمة التنصيرية القائمة في وسائل الإعلام، وضرورة فسح المجال لدعاة الإسلام كي يقوموا بدورهم ويقولوا كلمتهم في تلك التيارات المنحرفة، وفضح رموز التيار العلماني المنافق الذي يدافع عن المرتدين بدعوى الحرية الشخصية! ، ويعمل على إبراز وتلميع مثل هذه الحالات؛ لإشاعة الفاحشة والانحراف العقدي في الأمة. بقيت مسألتان، هما: أولاً: أن الردة ليست فقط اعتراف فلان من الناس بارتداده عن الإسلام أو إقراره بذلك، وإنما تكون الردة أيضاً بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام الكثيرة، ومنها: بغض شيء جاء به النبي ﷺ ، ولو عمل به ظاهراً. الاستهزاء بشيء من دين الله. الاعتقاد بأنه يمكن الخروج على شريعة ... الإسلام [**] . ثانياً: تظاهر العلمانيين بالإسلام، وفي الوقت نفسه: محاربته بتبني أفكار مضادة له، والدفاع عن الزنادقة والمرتدين.. فعليهم أن يوضحوا للناس حقيقة إسلامهم والتبرؤ من كل ما يناقض الإسلام، أو أن يعلنوا صراحة موقفهم الرافض لهذا الدين، فيعرفهم الناس على حقيقتهم. كم نحن بحاجة ماسة إلى حزم الخليفة الراشد (أبي بكر الصديق) ، وموقفه العظيم من المرتدين، الذي أصر فيه على حربهم.. حتى عادوا إلى الإسلام. والله نسأل أن يقر أعيننا بنصر الإسلام وعز المسلمين، وأن يرينا في أعداء دينه إن لم يهتدوا يوماً أسود، وما ذلك على الله بعزيز

стр. 2351

دراسات شرعية السبيل إلى انحسار البدع بقلم: سلمان عمر السنيدي البدع مظهر نشاز في مجتمع المسلمين، وجرح غائر يستشري في أقطار كثيرة، ويظهر في صور متعددة؛ وما يزال غلاّ كئيباً على عقول المسلمين بالتقليد والتعصب والجهل، وتشكل البدع ظلاماً على الأبصار، يحجب نور السنة وفرقان الاتباع، وكل بدعة في دين الله قديمة كانت أو حديثة لها ما يضادها في شرع الله، مما سطر العلماء فيه جهوداً مكتوبة ومواقف مشهودة. فتكونت لأهل السنة والجماعة سبيل واضحة لمواجهة البدع وأهلها، مما سيظل طريقاً واضحاً له أساليبه، ومنهجه، وأهدافه، وغايته. ولقد كانت جهود العلماء ومواقفهم العظيمة زاداً كشف للأمة عمق هذا السبيل ومتانته، ويمكن تقسيم جهود العلماء في سبيل مقاومة البدع إلى الجهود التالية: أولاً: نشر العلم النافع وإحياء العمل بالسنة: نشر العلم والعمل به غاية ومقصد لذاته؛ وهو كذلك وسيلة لإزالة البدع ودحضها والقضاء عليها. ولقد كان همّاً تحمله الأمة المسلمة، وفي مقدمتها العلماء وطلاب العلم، كلّ يحمله بحسب منزلته وجهده وعلمه؛ وذلك لحفظ الدين وحمايته من النقص والزيادة، ومن التحريف والتعطيل، لقول الرسول: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأوليل الجاهلين) [١] . وفي الشرع المطهر دلائل كثيرة على الحض على حفظ العلم ونشر السنة، ومن ذلك: قوله: (نضّر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلّغه كما سمعه، فرب مُبَلّغ أوعى له من سامع) [٢] . وفي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) [٣] . ومن ثمرات هذا السبيل المبارك: القضاء على البدع، وكسر شوكتها، وتبديد ظلامها أمام سلطان العلم ونور الدليل. وما نبتت للبدع نابتة إلا بقصور هذا الجانب، وما كسفت شمس السنة في بلاد إلا عمتها البدع، وتمكنت فيه المحدثات، وظهرت فيها المنكرات، فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا) [٤] . ثانياً: الوقاية من البدع: إن الوقاية من ظهور البدع من مقاصد الشريعة؛ ولقد جاء التحذير في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من البدع وأسبابها، ويمكن تقسيم النصوص والآثار الواردة في هذا المجال إلى ما يلي: ١- التحذير من اتباع الأهواء، كما في قوله (تعالى) : [وَلا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] [ص:٢٦] وقوله: [وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ] [المائدة:٤٨] ، وقوله: [وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أََهْوَاءََهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذاً لَّمِنَ ... الظَّالِمِينَ] [البقرة: ١٤٥] وقوله: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ] [الجاثية: ٢٣] . ٢- التحذير من التقليد بغير علم، كما عاب الله (تعالى) على من قال: ... [إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون] [الزخرف: ٢٢] . وقال (سبحانه) : [وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أََنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أََلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أََوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ] [البقرة: ١٧٠] . وقد حذر الرسول من تقليد الأمم السابقة: (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم) [٥] . ٣- التحذير من إحداث البدع في الدين، لحديث عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [٦] ، وفي رواية لها أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [٧] ، وعن جرير بن عبد الله أنه سمع الرسول يقول: (ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كتبت عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء) [٨] ، وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله- ﷺ : (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) [٩] . قال مالك: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] ، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً) [١٠] . ٤- التحذير من البدع وأهلها، لحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في خطبته: (وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ... ضلالة) [١١] ، وفي رواية: (وكل محدثة بدعة) [١٢] ، وفي حديث العرباض بن سارية: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) [١٣] . وفي قوله (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ ... ... فِي شَيْءٍ] [الأنعام: ١٥٩] ، قال ابن عطية: (هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد) [١٤] . وفي قوله (تعالى) : [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ] [الأنعام: ١٥٣] ، قال الشاطبي: (والسبل هي أهل البدع، ليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي معاصٍ لم يضعها أحدٌ طريقاً تسلك دائماً على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات) [١٥] . وقال مجاهد في قوله: [وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ] [الأنعام: ١٥٣] : (السبل: البدع والشبهات) [١٦] . وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: (أوصيك بترك ما أحدث المحدثون، وعليك بلزوم السنة؛ فإن السنة إنما سنّها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق) [١٧] ، ويقول ابن القيم: (واشتد نكير السلف والأئمة للبدع، وحذروا منها أشد التحذير؛ إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد من عامة الفواحش والظلم والعدوان) [١٨] ، وقال القاضي أبو يعلى: (أجمع الصحابة والتابعون على مقاطعة المبتدعة) ، وقال البغوي: (وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم) [١٩] ، وقال الغزالي في الإحياء: (السلف اتفقوا على إظهار البغض للظلمة والمبتدعة وكل من عصى معصية متعدية إلى غيره) . ثالثاً: دوافع مواجهة البدع: وتبرز أهمية التصدي للبدع وأهلها فيما يلي: ١- حراسة الدين وحفظه: يقول ابن تيمية: (فالمرصدون للعلم عليهم للأمة حفظ الدين وتبليغه؛ فإذا لم يبلغوا الدين أو ضيعوا حفظه كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين، ولهذا قال الله (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أََنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إلاَّ الَذِينَ تَابُوا وَأََصْلَحُوا وَبَيَّنُوا] [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] ، فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها؛ فلعنهم اللاعنون حتى البهائم) [الفتاوى] . ٢- باب من أبواب الجهاد: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) [٢٠] ، قال شيخ الإسلام: (فالراد على أهل البدع مجاهد؛ حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد..، والنصح واجب في المصالح الدينية الخاصة والعامة؛ ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ ، فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبيّن: أن نفع هذا عام للمسلمين من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفعه بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك: واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فسادهم أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً) [٢١] . ٣- إقامة العدل: وذلك بإقامة ميزان الاعتدال في الولاء والبراء بحق وعلم، وذلك حين تصرف المحبة ويعقد الولاء جهلاً لمن لا يستحقها، وحين يحصل التعدي والجفاء ظلماً لمن لا يستحق ذلك، فالواجب هو التصدي لأهل المخالفات والبدع بالعلم والعدل، ومحو ما ينشره أهل الظلم والجهل من الولاء والبراء بغير علم ولا كتاب منير، قال شيخ الإسلام: (وصار كثير من أهل البدع يعتقدون اعتقاداً هو ضلال، يرونه هو الحق، ويرون كفر من خالفهم في ذلك، وإزاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، ولا ينهون عن البدع، ولايذمون أهل البدع، ولايعاقبونهم، ويقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في موضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب ... والسنة) [٢٢] . مراتب مهمة في كشف البدع: ومن هنا كانت ضرورة انتصاب طائفة للرد على أهل البدع، وكشف حقيقتها، وسبر رؤوسها الداعين إليها، وتحذير الأمة من شرورهم، وذلك برصد الأحداث، وتقديرها، وتقويمها، وتصورها على وجه الواقع، ثم القيام حسب الوسع والطاقة بالمراتب التالية: المرتبة الأولى: الرد على أهل البدع: وذلك بمراعاة المنهج القويم في الرد عليهم، المتضمن ما يلي: ١- كشف تاريخ البدعة وأصل نشأتها وارتباطها بأصحابها الذين أحدثوها، وأنه لا أصل لها في دين الله. ٢- توثيق الرد بالاعتماد على كلام الخصوم في كتبهم ومقالاتهم، وعدم الاكتفاء بالكتب التي تروي أجزاءً من مقالاتهم؛ لأن هذا أبلغ في الحجة وأسلم في النقل. ٣- بيان تناقض المنهج الداعي إلى البدعة مع نفسه، وأن أهله ملزمون بالتناقض أو ترك البدعة. وفي موقف ابن عباس وجداله للخوارج خير مثال على ذلك، حيث قال لهم: أرأيتكم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ما ينقض قولكم، أترجعون؟ ، قالوا: وما لنا لا نرجع، قال: أما أن علي ﵁ حكّم الرجال في دين الله: فإن الله قال عن صيد المحرم: [يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ] ، وقال في المرأة وزوجها: [فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا] ، فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فنشدتكم الله: أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل أو في حكم أرنب ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة؟ ، قالوا: بلى هذا أفضل، قال: أخرجتم من هذه؟ ، قالوا: نعم. قال: فأما قولكم: قاتل، ولم يَسْبِ، ولم يغنم؛ أَفَتَسْبُون أمكم عائشة؟ ! ، فإن قلتم: نسبيها، فنستحل منها ما نستحل من غيرها: فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا: فقد كفرتم، فأنتم تترددون بين ضلالتين، أخرجتم من هذه؟ ، قالوا: بلى. قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن نبي الله- ﷺ يوم الحديبية قال: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ ، فقال أبو سفيان وسهيل ابن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، قال رسول الله: اللهم تعلم أني رسولك، امح يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، قال ابن عباس: فرجع من الخوارج ألفان، وبقي بقيتهم. ولقد كان لعمر بن عبد العزيز مع الخوارج موقفاً آخر حينما جادلهم فقالت طائفة منهم: لسنا نجيبك حتى تكفِّر أهل بيتك وتلعنهم، وتتبرأ منهم، فقال عمر: إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق، أعلموني: هل تبرأتم من فرعون، أو لعنتموه، أو ذكرتموه في شيء من أموركم؟ ، قالوا: لا، قال: كيف وسعكم تركه ولم يصف الله عبداً بأخبث من صفته إياه؟ ، ولا يسعني ترك أهل بيتي ومنهم المحسن والمسيء والمخطئ والمصيب. ٤- تحديد المخالفة ونقض الوصف القائم بالبدعة وذمه، وتحرير موطن الانحراف والضلال. ٥- الإنصاف والعدل مع أصحاب البدعة في ثلاثة مواطن: أ- بالتفريق بينهم وبين من هم أسوأ منهم في الانحراف الابتداعي، وفي هذا يقول ابن تيمية: (ومما ينبغي أن يعرف: أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومنهم من يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد من السنة منه، فيكون محموداً فيما رده من الباطل وما قاله من الحق، لكن قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، ورد باطلاً بباطل أخف منه، وهذا أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون: كان من نوع الخطأ، والله يغفر للمؤمنين خطأهم في ... ... مثل ذلك) [٢٣] . ب- التفريق بين أصحاب البدعة الواحدة، فالداعين إليها يختلفون عن غير الداعين من المقلدين والأتباع، وكذلك من يوالون عليها ويعادون: فإنهم يختلفون عن الذين يجعلونها بمنزلة الخلاف السائغ، يقول ابن تيمية: (السلف يفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكر فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم: فإنه ليس شرّاً من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه بحال كثير منهم) [٢٤] . ج- عدم معاملتهم بمثل ما يعاملون به أهل السنة والجماعة؛ فلا يرد ضلالهم بتكفير أهل القبلة بتكفيرهم.. وهكذا، وإنما يعاملون بما يستحقون. ٦- تنزيل الأحكام على الأقوال والأفعال لا على الأشخاص، إلا بعد يقين، قال شيخ الإسلام: (إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى كفر وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، إن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو حق، ولكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين) [٢٥] ، (وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب، والسنة والإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه) [٢٦] ، (وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) [٢٧] . ٧- فتح باب العودة للخصم واحتواؤه، ومن ذلك: الدعاء له بالهداية والرحمة. المرتبة الثانية: مناظرة رءوس البدعة ومحاجتهم: قال ابن عبد البر: (قال بعض العلماء: كل مجادل عالم، وليس كل عالم مجادل. يعني: أنه ليس كل عالم يتأتى له الحجة، ويحضره الجواب، ويسرع إليه الفهم بمقطع الحجة، ومن كانت هذه خصاله فهو أرفع العلماء وأنفعهم مجالسة ومذاكرة) [٢٨] . قال المزني: (وحق المناظرة أن يراد بها الله ، وأن يقبل منها ما يتبين) [٢٩] ، ويلزم المناظر ما يلي: ١- المطالبة بالدليل؛ لقوله (تعالى) : [قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [البقرة: ١١١] ، وقوله (تعالى) : [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ ... حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] [الأنفال: ٤٢] ، وقوله (تعالى) : [إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا] [يونس:٦٨] . ٢- إحكام النقض: كما قال إبراهيم ﵇ للنمرود حين قال: [أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إبْرَاهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَذِي كَفَرَ] [البقرة: ٢٥٨] ، ولما رأى ابن مسعود ﵁ جماعة يعدون تسبيحهم بالحصى، قال لهم: (والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة) [٣٠] . ٣- الإقناع بالدليل، وذلك يتطلب الأمور التالية: أ- صحة الحجة. ... ... ب- صحة الدلالة. ج - ترتيب الأدلة. ... ... د- ترك التشهي. ٤- حسن الصياغة: وذلك بسلامة اللغة، وسهولتها، والاقتصاد في ... العبارة [٣١] . المرتبة الثالثة: تعزيرهم وكسر شوكتهم: وذلك بمعاقبتهم بما يستحقون من العقوبات الشرعية، من: هجرهم، وترك توقيرهم، ونزع ولايتهم، وحرمانهم من العطاء، وطردهم، وسجنهم، وقتلهم، قال شيخ الإسلام: (من كفّر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم، ببدعة ابتدعها، ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ : فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ولو بالقتل أو القتال؛ فإنه إذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف، وأُكرم المتقون من جميع الطوائف: كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله وتصلح أمر المسلمين) [٣٢] ، وذلك حين تكون لأهل السنة ولاية قائمة. المرتبة الرابعة: إزالة رسومهم: مثل تسوية الأضرحة، ومنع كتبهم، ومنع اجتماعهم على البدع.. ونحو ذلك أسوة برسول الله ﷺ ، حيث قال علي ﵁ لأبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟ : أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً إلا سويته) [٣٣] . وكما فعل عمر بن الخطاب بقطع شجرة (بيعة الرضوان) لما رأى بوادر الغلو فيها قامت أو تكاد. المرتبة الخامسة: الثبات والصبر حال تسلط أهل البدع: ويذكر ابن تيمية ﵀ صوراً من هذا التسلط في فتنة الجهمية ودعوتهم إلى القول بخلق القرآن، فيقول: (امتحنوا الإمام أحمد وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهّم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادات وترك تخليصهم من العدو) [٣٤] . فالواجب والحالة هذه الصبر، والثبات، والتمسك بالدين، والحذر أن تزل قدم بعد ثبوتها، والنظر إلى تسلط الأعداء على أنبياء الله، وكيف كانت العاقبة للمؤمنين، وكيف أن التاريخ يحفظ للصابرين جميل فعلهم بحفظ الدين وتثبيت العامة على الدين. وأما متى يسوغ السكوت عن البدع، فذلك في مقامين: الأول: أن يكون في الرد مفسدة أعظم، فليس كل راد مؤهلاً لذلك، قال شيخ الإسلام: (وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة؛ فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قويّاً من علوج الكفار) [٣٥] . والثاني: أن يلحق الداعي بلاء فادح، فهو مخير بين الأخذ بالعزيمة أو الأخذ بالرخصة الموسعة للمستضعفين من الرجال والنساء.

стр. 2352

دراسات تربوية المفهوم الصحيح للتوكل ومظاهر الانحراف فيه بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل يمكن القول بأن التوكل نصف الدين، ونصفه الثاني هذه (العبادة) ؛ لأن الدين استعانة وعبادة، كما يشير إليه قوله (تعالى) : [إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ... [الفاتحة: ٥] ، وقد ورد التوكل في كثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، ومن ذلك: قوله (تعالى) : [وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [المائدة: ٢٣] ، وقوله (تعالى) : [وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] ... [الطلاق: ٣] . وقال (تعالى) عن أوليائه: [رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ] [الممتحنة: ٤] ، وقال (تعالى) لرسوله: [فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّكَ عَلَى الحَقِّ ... المُبِينِ] [النمل: ٧٩] ، وكذلك: [وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ] [الفرقان: ٥٨] . وأما الأحاديث فكثيرة أيضاً، منها: أ- في الصحيحين: حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب (هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يَكْتَوون، وعلى ربهم يتوكلون) [١] . ب- وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم، حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا له: ... [إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ ... ... الوَكِيلُ] ) [٢] . ج- وفي الترمذي عن عمر ﵁ مرفوعاً: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) [٣] . تعريف التوكل بمعناه الصحيح: التوكل عمل قلبي من أعمال القلوب، وقد وردت له تعريفات كثيرة يكمل بعضها بعضاً لتنتهي مجتمعة إلى حقيقة التوكل ومعناه: أ -فمن ذلك: ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ عن التوكل: (هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، وتفرده بالخلق والتدبير، والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس، فيوجب له هذا اعتماداً عليه، وتفويضاً إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقيناً بكفايته لما توكل عليه فيه) [٤] . ب- ومن ذلك: ما نقله الشيخ محمد العثيمين (حفظه الله) في شرحه لكتاب التوحيد، حيث قال: (التوكل: هو الاعتماد على الله في جلب المطلوب وزوال المكروه، مع فعل الأسباب المأذون فيها) [٥] . تباين الخلق في توكلهم على الله (سبحانه) وأفضلهم في ذلك: وضّح الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) هذه المسألة أتم توضيح بقوله: (فأهل السموات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل، وإن تباين متعلق توكلهم: فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابِّه وتنفيذ أوامره. ودون هؤلاء: من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغاً عن الناس. ودون هؤلاء: من يتوكل عليه في معلوم يناله منه: من رزق، أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة، أو ولد.. ونحو ذلك. ودون هؤلاء: من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش؛ فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالباً إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه. فأفضل التوكل: التوكل في الواجب أعني واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية؛ وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم، ثم الناس بعدُ في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم، فمِنْ متوكل على الله في حصول الملك، ومن متوكل في حصول رغيف) [٦] . التوكل وأنواعه: ١- توكل الموحدين الصادقين: وحقيقته: الاعتماد على الله وحده، والثقة بكفايته مع فعل الأسباب المأذون فيها من غير اعتماد عليها ولا ركون إليها؛ فخالق الأسباب ومسببها هو الله وحده. ٢- التوكل الشركي، وهو نوعان: أ - أكبر، وهو: (الاعتماد الكلي على الأسباب، واعتقاد أنها تؤثر استقلالاً في جلب المنفعة أو دفع المضرة، وهذا من الشرك الأكبر) [٧] . ب - الشرك الأصغر، وهو: (الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه.. وغير ذلك، من غير اعتقاد استقلاليته في التأثير، لكن التعلق به فوق اعتقاد أنه مجرد سبب، مثل اعتماد كثير من الناس على المالية في الراتب، ولهذا تجد أحدهم يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا الراتب أو من يقرر الراتب اعتماد افتقار، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر) [٨] . ٣- التوكل الجائز: (وهو أن يُوكِّلَ الإنسان في فعل يقدر عليه، فيحصل للموكِّل بذلك بعض مطلوبه، فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلا الله وحده) [٩] (كمن وكّل شخصاً في شراء شيء أو بيعه، فهذا لا شيء فيه، لأنه اعتمد عليه، وكأنه يشعر أن المنزلة العليا له فوقه، لأنه جعله نائباً عنه، وقد وكل النبي علي بن أبي طالب أن يذبح ما بقي من هديه، ووكل أبا هريرة على الصدقة، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية) [١٠] ، ولكن توكيل المخلوق غايته أن يفعل بعض المأمور، وهو لا يفعل ذلك إلا بإعانة الله له، فرجع الأمر كله لله وحده. ضوابط الأخذ بالأسباب: الأخذ بالأسباب لا بد له من ضوابط تقي من الوقوع في الشرك الناشئ من التعلق بها والاعتماد عليها، ومن أهم هذه الضوابط ما يلي: ١ - (الاعتقاد بأنها لا تستقل بالمطلوب، بل تُتعاطى من غير ركون إليها، ومع هذا فلها موانع، فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع: لم يحصل المقصود، وهو (سبحانه) ما شاء كان وإن لم يشأ الخلق، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الخلق) [١١] . ٢ - (ألا يعتقد في الشيء أنه سبب إلا بعلم وتحقق، فمن أثبت سبباً بلا علم، أو بما يخالف الشريعة: كان مبطلاً في إثباته، آثماً في اعتقاده) [١٢] ... ٢ - (ألا يعتقد في الشيء أنه سبب إلا بعلم وتحقق، فمن أثبت سبباً بلا. ٣ - (أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يُتخذ شيء منها سبباً، إلا أن يكون مشروعاً، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يتقرب إلى الله بالأعمال الشركية أو البدعية أو نحوها) [١٣] . ٤ - (إذا لم يوجد من الأسباب في تحصيل المطلوب إلا سبباً محرماً: فلا يجوز مباشرته ولا الأخذ به، وتوحد السبب في حقه في التوكل على الله (عز وجل) ، فلم يبق سبب سواه، فإنه من أقوى الأسباب في حصول المراد، ودفع المكروه، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق) [١٤] . ٥ - (إن كان السبب مباحاً، نُظر: هل يضعف القيام به التوكل أو لا يضعفه، فإن أضعفه، وفرق على العبد قلبه، وشتت همه: فترْكه أولى، وإن لم يضعفه: فمباشرته أولى؛ لأن حكمة أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به، فلا تعطل حكمته مهما أمكن القيام بها، لا سيما إذا كان الأخذ بالسبب عبودية لله (عز وجل) ، فيكون العبد قد أتى بعبودية القلب بالتوكل، وعبودية الجوارح بالسبب المنوي به القربة) [١٥] . (إن القيام بالأسباب على نحو ما سبق هو الذي يحقق التوكل، فمن عطل الأسباب المأمور بها لم يصح توكله، كما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه، فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنياً، كما أن من عطلها يكون توكله عجزاً أو عجزه توكلاً) [١٦] . (وسر التوكل وحقيقته هو: اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله (توكلت على الله) مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به، فتوكل اللسان شيء، وتوكل القلب شيء) [١٧] . مظاهر الانحراف في مفهوم التوكل وتطبيقه: بعد أن اتضحت حقيقة التوكل والفهم الصحيح له ومراتب الناس فيه، فيجدر بنا الآن أن نتعرف على بعض مظاهر وصور الانحراف التي طرأت على هذا العمل العظيم من أعمال القلوب، وما كان لهذا الانحراف من أثر سيء على بعض أبناء الأمة في عجزهم، أو تعلقهم بغيرهم، أو تركهم لما يجب الأخذ به.. وما إلى ذلك من الآثار السيئة والنتائج الوخيمة، هذا.. ولقد كان للفكر الصوفي المنحرف، وظهور الفِرَق: أكبر الأثر في انتشار هذه المظاهر من الانحراف، يضاف إلى ذلك: ما ساهم به الغزو الفكري لهذه الأمة من نشر للمذاهب المادية، التي لا تربط النتائج إلا بالمادة المحسوسة، وتلغي جانب الغيب والإيمان بالله وقضائه وقدره وملكه وقهره وعظمته.. وما كان لهذه الأفكار كلها أن تؤثر لو كان العلم وفهم العقيدة الصحيحة منتشراً بين الأمة، ولكن لما وافق هذا جهلاً عند بعض المسلمين بحقيقة هذا الدين وأصوله: نشأ من ذلك بعض المفاهيم المغلوطة للتوكل كما نشأ الضعف في التطبيق لهذه العبادة العظيمة. وفي الفقرات التالية: أستعرض بعض صور الانحراف والضعف في هذا الجانب المهم من جوانب العقيدة، لعلنا نتفقده في أنفسنا أو عند غيرنا؛ حتى نتجنبه، ونحذر منه. ومن أهم مظاهر الانحراف في ذلك ما يلي: ١- النظر إلى التوكل على أنه تواكل وترك للأسباب، والذين وقعوا في هذا الانحراف على صنفين: أ- صنف يعلم أن التوكل لا ينافي فعل الأسباب والأمر واضح عنده بلا شبهة، ولكنه ينطلق من هذا الفهم المنحرف في تبرير عجزه وكسله وتفريطه، فهذا عجزه توكل، وتوكله عجز، وهذا الصنف من الناس لا ينقصه إلا أن يتقي الله ، ولايبرر شهوته بشبهة، وفي ذلك يقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) : (وكثيراً ما يشتبه في هذا الباب: المحمودُ الكامل بالمذموم الناقص. ومنه: اشتباه التوكل بالراحة، وإلقاء حمل الكَلِّ فيظن صاحبه أنه متوكل، ... وإنما هو عامل على عدم الراحة..) [١٨] . ب- أما الصنف الثاني: فقد أُتي من جهله بحقيقة التوكل على الله وجهله بسنن الله (سبحانه) في ارتباط المسببات بالأسباب، وأن الأخذ بالأسباب بضوابطها الموضحة سابقاً لا ينافي التوكل، بل إن تركها قدح في حكمة الله (عز وجل) ، ونقص في العقل، وما علم صاحب هذا الفهم أن التوكل عليه (سبحانه) هو أقوى الأسباب في حصول المطلوب ودفع المكروه، يقول الإمام ابن رجب (رحمه الله تعالى) : (واعلم أن تحقيق التوكل لا يُنافي السعي في الأسباب التي قدّر الله سبحانه المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله (تعالى) أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكّل، فالسّعيُ في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له، والتوكل بالقلب عليه إيمانٌ به، كما قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ] [النساء: ٧١] ) [١٩] . ويتحدث ابن القيم (رحمه الله تعالى) عن توكل الرسول وصحابته الكرام مع أخذهم بالأسباب، فيقول: ( ... وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد، وجميعُ أصحابه، وهم أولو التوكل حقّاً، ... فكانت هممهم ﵃ أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي؛ فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قوى توكله) [٢٠] . ٢- ويقابل الانحرافَ السابق انحرافٌ في الجانب المقابل، ألا وهو الإفراط في فعل الأسباب والتعلق بها محبةً وخوفاً ورجاء، ومعلوم ما في هذا الانحراف من خطر شديد على التوحيد، فهو إما شرك أكبر: إذا اعتقد فاعل الأسباب أنها تؤثر استقلالاً، وإما شرك أصغر: إذا لم يعتقد ذلك، ولكنه تعلق بها وحابى من أجلها، وجعل أكثر اعتماده عليها في حصول المطلوب وزوال المكروه. وما أكثر من يقع منا في هذا الضعف القادح في التوكل على الله ، ولكن ما بين مُقِلٍّ ومكثر، وإن وجد من يحقق التوكل على الله في أمور الدنيا فإن المحققين له في العبادة وأمور الآخرة أقل وأقل، وفي ذلك يقول الشيخ محمد ابن عثيمين (حفظه الله) : (ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل، وأننا لا نشعر حين نقوم بالعبادة أوالعادة بالتوكل على الله والاعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل، بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة، وننسى ما وراء ذلك، فيفوتنا ثواب عظيم وهو ثواب التوكل) [٢١] . ٣- ما ينقل عن بعض غلاة المتصوفة من أن التوكل من مقامات العامة، لا من مقامات الخاصة، ومنشأ هذا الانحراف أتى من ظنهم أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا، كما هو شأن عامة الناس، وهذا غلط، فإن أعظم ما يُتوكل على الله فيه الأمور الدينية، وحفظ الإيمان، وجهاد أعداء الله ، ورجاء ثوابه (سبحانه) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (.. وعلى هذا: فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا، وهو غلط، بل التوكل في الأمور الدينية ... أعظم) [٢٢] . ٤- جبن القلب والخوف من المخلوق: إن مما ينافي حقيقة التوكل: الخوف من المخلوق خوفاً يدفع إلى ترك ما يجب أو فعل ما يحرم، محاباة للمخلوق أو خوفاً من شره، ومثل ذلك يكون أيضاً في الطمع والرغبة، فالطمع في نفع المخلوق أو الخوف من شرِّه إذا أدى إلى ضعف التعلق بالله وضعف الثقة به (سبحانه) ؛ فإن هذا يقدح في التوكل، ويضعفه إن لم يذهبه، ومن تعلق بشيء وُكِلَ إليه، ومن وكل إلى غير الله (عز وجل) ضاع وهلك، وخاب وخسر.. ومما يصلح التمثيل به في عصرنا اليوم على هذا الضعف: ما يعتري بعض الدعاة وهو في دعوته إلى الله من خوف على نفسه أو رزقه أو منصبه، الأمر الذي يؤدي ببعضهم إلى ترك ما هم عليه من تعليم للعلم أو دعوة إلى الله ، والإحجام عن مجالات الخير ونفع الناس، بحجة الحذر والبعد عن الفتن.. والله (سبحانه) أعلم بما في قلوب العالمين. ثم إنه لو كان يغلب على الظن حصول الأذى والابتلاء لكان لذلك بعض الوجه في الأخذ بالرخصة وترك العزيمة، أما وأن الأمر على العكس من ذلك؛ حيث يغلب على الظن عدم التعرض للأذى، فإنه لا تفسير لهذه المواقف إلا ضعف التوكل على الله ، والوسوسة الشديدة، والمبالغة في الخوف، والحذر الزائد من المخلوق الضعيف، وتهويل أمره، وهذا من كيد الشيطان ووسوسته، وكأننا لم نسمع ولم نعِ قوله (تعالى) : [إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [آل عمران: ١٧٥] . يقول صاحب الظلال (رحمه الله تعالى) : (والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل وأن يتضخم الشر، وأن يتبدى قويّاً قادراً قاهراً بطّاشاً جباراً، لا تقف في وجهه معارضة، ولا يصمد له مُدافِع، ولا يغلبه غالب، الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر هكذا، فَتَحْت ستار الخوف والرهبة، وفي ظل الإرهاب والبطش: يفعل أولياؤه في الأرض ما يقر عينه، يقلبون المعروف منكراً، والمنكر معروفا، وينشرون الفساد والباطل والضلال، ويُخفتون صوت الحق والرشد والعدل.. والشيطان ماكر خادع غادر يختفي وراء أوليائه، وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته ... ومن هنا: يكشفه الله ويوقفه عارياً، لا يستره ثوب من كيده ومكره، ويُعرِّف المؤمنين الحقيقة: حقيقة مكره ووسوسته؛ ليكونوا على حذر، فلا يَرهبوا أولياء الشيطان، ولا يخافوهم، فهم وهو أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه ويستند إلى قوته) [٢٣] .

стр. 2353

تأملات دعوية بين المصالح الشخصية والمصالح الدعوية بقلم: محمد بن عبد الله الدويش لاشك أن مراعاة المصالح الشرعية أمر جاء به الدين، بل (إن الله بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها) [١] ، وحيث إن الدعوة تتعامل مع قضايا المجتمع: فهي لا تنفك عن ارتباطها بالمصالح والمفاسد. فأحياناً تصبح الدعوة إلى أمر من الأمور خلافاً للمصلحة، وقد يكون من المصلحة ألا تقال هذه الكلمة، وألا يقف الدعاة هذا الموقف، فقد ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم؛ مراعاة للمصلحة، فعن عائشة ﵂ زوج النبي أن رسول الله ﷺ قال لها: (ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟) فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت، فقال عبد الله ﵁ : لئن كانت عائشة ﵂ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد ... إبراهيم [٢] . إلا أنه قد تدخل عوامل شخصية ذاتية، ويخلط بعض الناس بين مصالح الدعوة ومصالحه الشخصية. فقد يشعر الداعية أن قيامه بهذا الأمر لا يحقق المصلحة، أو أنه يفوت بعض المكاسب، لكنه ينسى في غمرة الأحداث، وسيطرة مطالب النفس ورغباتها أن هذه المصالح لا تعدو أن تكون شخصية، أو أن ما فات لا يعدو أن يكون مكاسب دنيوية. إن من سنة الله ﵎ في الدعوات أن تحتاج لتضحيات، وأن تترتب عليها تبعات، وأن يضحي صاحبها وتفوته مكاسب كان يؤمل فيها، فهل هذا من المصالح التي يجب أن يراعيها الداعية؟ أم إنها من المصالح الشخصية؟ إن من يقرأ كتاب الله يرى ما واجه الأنبياء والمصلحين من أقوامهم، ويرى ما بذلوه من جهد وما قدموه من تضحيات، فيدرك أنها سنة قائمة لمن سار على هذا الطريق، وأننا حين نريد طريقاً نحافظ فيه على مكتسباتنا ومصالحنا الشخصية ونضن بها، فنحن نريد غير طريقهم. وفرق بين أن يسوغ للإنسان ترك الأمر والنهي في موقف معين مع أن ذلك لا يجب عليه، بل ربما كان الأفضل وأن يكون هذا هو المصلحة الشخصية. وقل مثل ذلك في المكاسب الشخصية، فقد يجيِّر الداعية مكاسبه الشخصية ومصالحه للدعوة، فيرى أن حصوله على شهادة، أو توليه لوظيفة مرموقة، أو تحسن أوضاعه الاقتصادية.. مصلحة دعوية لا يسوغ التفريط فيها، ويرى أن الدعاة يجب أن يتميزوا في مستوى تعليمهم، ومظاهرهم، ووظائفهم. نعم: إن ذلك مطلوب، لكن حين ترى ذاك النموذج من الناس الذي يستميت وراء تحقيق هذه المكاسب الشخصية، ويسعى إليها، ويبذل الجهد والوقت من أجلها، وهو لا يبذل لدعوته معشار ما يبذله لتحقيق هذه المكاسب الشخصية.. تدرك أنه حين يحصل على هذه المكاسب فليس بالضرورة انتظار تقديمه المفيد لدعوته، وكم هم الناس الذين دخلوا في ميادين التجارة وطلب المال بحجة أن الداعية يجب أن يستقل في مصدر رزقه، وألا يعتمد على غيره، وأخيراً، حين انفتحت له أبواب الدنيا، استقال من الدعوة، وولاها ظهره، وأقبل على دنياه. ولله در الإمام (الشاطبي) حين قال: (المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية) [٣] . وقال أيضاً: (ومع ذلك: فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس) [٤] . إن استحضار التقوى والتجرد لله ﵎ وسؤاله التوفيق ... والإخلاص، والتوقف ومراجعة النفس عند كل خطوة، إضافة إلى التجرد من ... حب الدنيا والتعلق بها.. كل ذلك مما يعين المرء على تجاوز تلك المهالك.

стр. 2354

متابعات مؤتمر القاهرة الاقتصادي حلقة من حلقات السقوط د. محمد بن عبد الله الشباني عُقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي في ظل ظروف الاستكانة للتبجح الإسرائيلي، والتنصل من مواجهة حقيقة الأهداف اليهودية في المنطقة، والجري خلف سراب الانتعاش الاقتصادي المأمول بعد حلول السلام وقبول اليهود بالتعايش مع الدول العربية ضمن منظومة دول إقليم (الشرق الأوسط) ، التي يكون لدولة اليهود الهيمنة المطلقة في التحكم في شؤونها. إن مؤتمر القاهرة الاقتصادي ما هو إلا حلقة من حلقات دمج الجسد اليهودي في قلب العالم العربي والإسلامي، بمنحه القدرة على الهيمنة على السوق من خلال استغلال خيرات العالم العربي، وتحويل الشعوب العربية إلى شعوب تخدم اليهود ولا حيلة لها إلا قبول ما يمليه اليهود من سياسات تخدم مصالحهم. إن المتمعن والفاحص لنوعية الهيئات والمنظمات التي شاركت في أعمال المؤتمر والموضوعات التي تم طرحها يدرك الأهداف الحقيقية للمؤتمر، باستجابة المؤسسات والمنظمات الإقليمية لما تطلبه المؤسسات المالية الدولية، فمن المنظمات المالية الإقليمية: (صندوق النقد العربي) ، و (صندوق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي) ، و (المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين) ، و (المصرف العربي للتنمية الاقتصادية) ، و (الصندوق الكويتي للتنمية) .. وهي منظمات إقليمية لم تمارس دورها الحقيقي في التنمية، فلو مارست الدور الفاعل ضمن إطار استقلالية القرار عن المنظمات المالية الدولية لما كان واقع الأمة التنموي كما هو مشاهد في الوقت الحاضر. إن الوثيقة الرئيسة التي تم إعدادها من قِبَل (المنتدى الاقتصادي العالمي) ركزت على خمسين ندوة ضمن إطار ما أطلق عليه: بناء المستقبل وإيجاد مناخ استثماري مواتٍ، وتدور محاور هذه الندوات كما أعلن عنها حول كيفية جذب رؤوس الأموال، والإصلاح القانوني، وعلاقة هذا الإصلاح باقتصاديات المنطقة، والعمل على تحرير التجارة. والهدف الذي ترمي إليه حلقات النقاش والمشروعات المطروحة تدور في فلك التمكين لرأس المال اليهودي، المتمثل في المؤسسات البنكية، من التحكم في التوجهات الاقتصادية لمختلف بلدان المنطقة على أساس المنطلقات التي تم بحثها في مؤتمري (عمان) و (الدار البيضاء) ، اللذين قصد فيهما التمكين لدولة اليهود في فلسطين من خلال الاندماج في المنطقة وتحقيق التطبيع الاقتصادي، وإعطاء الفرصة للمال اليهودي لإحكام قبضته على الموارد الاقتصادية المتاحة في المنطقة لخدمة أهداف وأغراض اليهودية العالمية. إن من أهداف هذا المؤتمر: جعل هذه المنطقة التي تزخر بالخيرات حيث يتوفر فيها احتياطي للطاقة تحت سيطرة الهيمنة الرأسمالية اليهودية، التي أحكمت قبضتها على اقتصاديات العالم من خلال تحقيق الهيمنة الاقتصادية. وقد تحقق ذلك من خلال التحكم في الاقتصاد العالمي بناء على ثلاثة محاور، هي: ١- النظام النقدي العالمي، من خلال هيمنة الدولار الأمريكي على وسائل الدفع العالمية، حيث يمثل وسيلة الدفع العالمية المقبولة التي حلت محل الذهب لتغطية إصدارات معظم عملات الدول، وبخاصة دول (العالم الثالث) ، وتتحكم في هذا النظام المؤسسات المالية العالمية المملوكة في معظمها لليهود، ويقوم هذا النظام على التمكين للربا من التحكم في حركة الأموال، من خلال ما يعرف بميكانيكية التغيرات الفعلية والمفتعلة لنسب الفائدة على حركة تداول الأموال، فالربا هو لحمة النظام النقدي، وتقوم المؤسسات المالية الدولية مثل: (البنك الدولي) و (صندوق النقد الدولي) ، بوضع السياسات النقدية والمالية التي تخدم همينة رؤوس الأموال على اقتصاديات دول العالم الثالث والكتلة الشرقية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا بزعامة (الاتحاد السوفييتي) ، ولهذا: نجد العمل الدؤوب من المؤسسات المالية الدولية على تبني جميع دول العالم لمفهوم الخصخصة، وتوجيه سياسات جميع الدول للعمل على إزالة العوائق التي تحد من تحكم الرأسمالية العالمية في اقتصاديات الدول الفقيرة، بالعمل على إغراق تلك الدول في الديون العالمية. ٢- التحكم في حركة رءوس الأموال، من خلال أسواق المال العالمية، التي تتركز في (أمريكا) بالدرجة الأولى، و (أوروبا) بالدرجة الثانية، و (اليابان) بالدرجة الثالثة، وهذه الحركة لرؤوس الأموال تتم السيطرة عليها من خلال السياسات النقدية التي تضعها المؤسسات المالية الأمريكية، التي تتحكم بدورها في المؤسسات المالية الأوروبية واليابانية، من خلال تملكها لمعظم أسهم تلك المؤسسات، ومن أجل ذلك: نجد الدعوة التي تتبناها المؤسسات المالية الدولية بالسماح لرؤوس الأموال بتملك أسهم الشركات والسندات التي تصدرها الحكومات المحلية، وذلك بهدف تحقيق الهيمنة الاقتصادية على اقتصاديات تلك الدول. ٣- التحكم في التجارة العالمية، من خلال إزالة القيود على حركة التجارة، وتكوين الشركات التابعة؛ ولهذا: نجد أن مؤتمر الإيواء الذي عقد في (إستانبول) قد ركز على تغيير السياسات التجارية وحق الاقتراض من رؤوس الأموال الأجنبية من قِبَل الحكومات المحلية للدول النامية، مع تعديل التشريعات لتمكين رؤوس الأموال من حرية الحركة والتملك. إن منطقة (الشرق الأوسط) التي تمثل الحلقة الأخيرة التي تسعى اليهودية العالمية في تحقيق هيمنة رأس المال اليهودي عليها ويتم ذلك من خلال المؤسسات المالية الأمريكية والأوروبية لما لهذه المنطقة من تأثير على اقتصاديات العالم، بسبب موقعها الجغرافي وما تملكه من مواد أولية هائلة يأتي على رأسها البترول، حيث تمتلك منطقة (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) أكثر من نصف احتياطي العالم من الطاقة.. إن هذه المنطقة على مفترق طرق. ومقاومة الهجمة اليهودية والعمل على الحد من تأثيرها أمر يوجبه الدين، حيث إن هذه الهجمة الاقتصادية اليهودية تحمل في ثناياها تعطيل شرع الله، من خلال فرض الربا وجعله لحمة اقتصاديات المنطقة، ومنع أي محاولة للخروج على المنهج الربوي، ومن خلال إغراق المنطقة في اقتصاديات الاستهلاك التي تؤدي إلى إضعاف البنية الاجتماعية والعقائدية، بإشاعة فلسفة المتعة واللذة هدفاً وغاية للحياة. إن مقاومة هذه الهجمة لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الأفراد، بتبنيهم ما يمكن أن يطلق عليه المقاومة السلبية، وتتمثل هذه المقاومة في عدم التعامل مع الشركات والبضائع الإسرائيلية والغربية المناصرة لليهود، والتوجه إلى استهلاك السلع البديلة من المنتجات المحلية أو من منتجات الدول الأقل مساندة لليهود، وتحقيق ذلك لا يتم إلا بقيام العلماء بتوجيه الناس إلى حرمة التعامل مع اليهود والنصارى وأن من يتعامل معهم أو يستثمر أموالهم في بلادهم أو يضعها في بنوكهم يتعتبر محارباً لله ولرسوله ﷺ .

стр. 2355

دراسات تاريخية أتاتورك.. حقيقته، والدور الذي أدّاه (٢ من٢) بقلم: ياسر قارئ في الحلقة الماضية: مهّد الكاتب لموضوعه بذكر مكانة الدولة العثمانية والأوضاع في عهد السلطان عبد الحميد، ثم استعرض بداية حياة مصطفى كمال منذ نشأته، وبروزه على مسرح الأحداث، وعلاقته بالقوى الغربية وما أحدثه من تغييرات جذرية في تركيا.. ويواصل في هذه الحلقة ذكر جوانب أخرى عنه. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - أعماله وتركته: يروي أحد المقربين من مصطفى كمال (ويدعى (مفيد كانصو) ، وقد كان يدوّن تصريحات وخلجات الغازي!) : أنه في إحدى المرات في سنة ١٩١٩م تحدث مصطفى عن أحلامه المستقبلية، فتطرق إلى إلغاء الخلافة وإعلان الجمهورية، ثم فَرْض السفور، وإلغاء الحروف واللغة العربية، ومنع لبس الطربوش، إلا أن (مفيد) لم يتحمّل ذلك، وتوقف عن الكتابة في دفتر مذكراته، وبعد الثورة سأله مصطفى كمال عن البند الذي وصل إليه وأنجزه حسبما انتهت إليه تسجيلاته [١] ، وبناءً على شروط معاهدة لوزان السالفة الذكر، فلا غرابة أن تكون أول أعمال الغازي! هو إقصاء الشريعة ومؤسساتها، وتنحية القانون الإسلامي عن الساحة، وتبنى القانون المدني، ونظام التعليم العلماني، والتقويم الجريجوري النصراني، والحروف اللاتينية؛ ليقطع الصلة بين المسلمين الأتراك وتراثهم الثقافي، وجعل العطلة الأسبوعية يوم الأحد، كما منع ارتداء الزي الإسلامي خارج المسجد، وأغلق جامع (آيا صوفيا) ، وجامع السلطان محمد الفاتح، ومنع الصلاة فيهما بعد أن حولهما إلى متحفين للآثار، وفرض تلاوة القرآن باللغة التركية! ، وكذلك الأذان، كما ألغى قوامة الرجال على النساء، وشجع العصبية القومية [٢] ، ولم يكتف بذلك، بل سمح بزواج الإخوة من الرضاعة، علماً بأنه محرم في الدستور المدني السويسري الذي أخذ عنه! ! ، وقد علّق أحد زبانية أتاتورك على ذلك بقوله: (لقد فقنا حتى المسيحيين) [٣] ، أما الكاتب الفرنسي (موريس برنو) في كتابه (آسيا الإسلامية) فقد سخر من جهل الغازي وسذاجته، إذ قال: (إن القانون المدني السويسري الذي تبناه أتاتورك ناشئ عن مصدرين روماني ونصراني، وإذا لزم أهل كل زمان التجديد بسبب عدم ملائمة القوانين القديمة، فإن على الشعوب تغيير القوانين في كل عصر بصفة مستمرة) [٤] . من جهة أخرى: فقد أعلن الغازي على الملأ أنه عازم على قهر أولئك الفئة المعممة الباحثين عن الديانة، وتكفل هو بتلك المهمة دون سائر رفاقه [٥] ، كما أصدر أمراً بإلغاء تعدد الزوجات، فيما فرض صلاة الذئب الأبيض (معبود الطورانيين القدماء) على الجيش [٦] ، ولقد كانت هذه التغيرات الجذرية في المجتمع التركي من التأثير والتغريب بمكان، لدرجة أن ملك بريطانيا «جورج السادس» أصابه الذهول مما شاهده في زيارته لتركيا بسبب فقدان المجتمع لمظهره وكتابته ولغته ودينه؛ مما لم يحصل في مستعمراته هو [٧] ، وهنا نتذكر شهادة شيخ الإسلام (مصطفى صبري) في أتاتورك، إذ يقول: (إن الرجل مَن لا تجد إنجلترا مثله ولو جدّت في طلبه، من حيث إنه يهدم ماديات الإسلام وأدبياته ولا سيما أدبياته في اليوم، ما لا تهدم إنجلترا نفسها في عام، فلما ثبتت كفاءته وقدرته من هذه الجهات: استخلفته لنفسها وانسحبت من بلادنا) [٨] . أما سلوكه الشخصي: فهو مما يندى له الجبين، لدرجة أنه فاق السلاطين الذين زعم هو وزمرته فسقهم ومجونهم، إذ تحول قصر (جانقايا) مقر إقامته في أنقرة إلى بؤرة للرذيلة والفساد: تزواج ما بين الشاذين جنسيّاً، واغتصاب طالبات المدارس بعد اختطافهن، والاستمتاع بزوجات المسؤولين والتجار مقابل تلبية طلباتهم، وتكديس القصر بالراقصات العاريات، والتحرش بأقارب السفراء، فضلاً عن معاقرة الخمور يوميّاً، بالإضافة إلى سرقة أموال المسلمين وتبرعاتهم، واغتصاب الأراضي الزراعية، وبيع ممتلكاته على الدولة بأضعاف ثمنها، وسلسلة من الاغتيالات السياسية لمعارضيه، بل وبيع أذربيجان المسلمة إلى الروس [٩] ، وقد حاول إشراك شاه إيران أثناء زيارته لأنقرة في هذا الوسط العفن، فقدم له إحدى البغايا لتلبية احتياجاته! ، فاعتذر الشاه [١٠] ، كما أنه أغرق ملك بريطانيا في الخمر حتى الثمالة. وخرج ذات يوم من أحد الفنادق وهو مخمور كعادته، وصادف وقت أذان الفجر، فتعجب من شهرة هذا الرجل (يعني النبي ﷺ ) ، إذ جعل اسمه يتكرر في كل لحظة في العالم! ، فما كان منه إلا أن أمر بإزالة مئذنة ذلك المسجد [١١] ، وطفق بعد ذلك في نصب تماثيل له في طول البلاد وعرضها، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها البلاد، كما استحدث مذهباً جديداً في الإسلام يزعم فيه بأن الإسلام دين تركي، وهو علاقة خاصة وقلبية بين العبد وربه، ومن أجل ذلك: فينبغي استخدام اللغة الأم للإنسان، بمعنى آخر: شرّع أداء الدعاء باللغة التركية. هذا الرجل لم يعرف الاستقرار الأسري في طفولته، وقد لازمه هذا السلوك طيلة حياته على الرغم من أنه تزوج بامرأة ثرية ومن أسرة عريقة، إلا أنها انفصلت عنه بعد مدة قصيرة بسبب فسقه وفجوره، وبالذات مع خالدة أديب، وهي من أبرز الشخصيات النسائية في (الأدب) التركي، وكان أبوها من يهود الدونمة يعمل في قصر السلطان، وهي التي رعت تمثيل أوبرا (رعاة كنعان) في مدرسة كانت تشرف عليها في بيروت، وكالت في تلك الحفلة المديح لليهود، كما عبّرت عن أملها في قيام دولة لهم في فلسطين [١٢] ، وقد شكلت في سنة ١٩٠٨م جمعية (ترقية النساء) لمنح المرأة حرية الانتخاب والقوامة [١٣] ، بل قلّدها الغازي! وزارة المعارف في فترة حكمه [١٤] ، وبالإضافة إلى هذه المحظية: فقد كان يتبنى الفتيات بعد أن يستمتع بهن، ويبتعثهن إلى أوروبا لإتمام دراستهن، وقد غص قصره بهن، إذ كانت الواحدة منهن لا تقضي معه أكثر من أسبوعين فقط [١٥] ، فكم يا ترى منهن تقلدن المناصب فيما بعد؟ ، وما هي ثمار أعمالهن في المجتمع التركي؟ . إن الخمر التي أدمنها منذ شبابه سببت له آلاماً ما برحت تعاوده، حتى كانت نهايته، وقد شاع عنه ذلك السلوك في سائر أنحاء البلاد، وقد كان يجاهر بذلك في الأماكن العامة [١٦] ، ولم تكن تمر عليه وأصحابه وأحبابه يوم وليلة بلا مسكر، على الرغم من أنه سنّ قانوناً يحرّم تعاطي المسكرات [١٧] ، وعلى الرغم من توفر أفضل سبل الرعاية الصحية له إلا أن أحداً لم يتمكن من تشخيص علّته، وبالتالي: علاجه، فهلك حتف أنفه يوم العاشر من أكتوبر سنة ١٩٣٨م، ومن السخف الذي رافق حقبة مرضه: أنه أمر بتكليف مختصين من القوة البحرية بمحاربة النمل الأبيض المهاجر من الصين الذي يسبب له الأعراض التي كان يشكو منها، بينما هي في الواقع من جرّاء إفراطه في تعاطي الخمور [١٨] ، فالرجل وحاشيته من حوله يرفضون الاعتراف بالأمر الواقع والناشئ عن محادّة الله ورسوله ﵊ ! ومما جاء في وصيته بعد تخصيص المبالغ اللازمة لبناته بالتبني: ألا يُصلى عليه صلاة الميت، لكن أخته توسلت إلى المسؤولين بفعل ذلك على حد قول شيخ الإسلام مصطفى صبري [١٩] ، وقد تمت الصلاة في وسط حضور محدود في قصر (دولة بانجه) بإستانبول، حيث وافته المنية في قصور السلاطين الذين أنكر عليهم تلك الحياة المترفة! ولقد تم تحنيط جثته ووضعت في تابوت من الرصاص على عادة النصارى، ولا يُعلم إن كان قد غُسّل وكفن أم لا، ثم نقل الجثمان في ظل موكب مهيب من السفن الحربية للدول الأجنبية إلى مدينة أنقرة، ووضع التابوت أمام مجلس الأمة ليمر الناس عليه ليلاً ونهاراً، وقد أوفدت بريطانيا سَرِيّة كاملة من جنود الحرس للمشاركة [٢٠] ، وقد صرّح خليفته وساعده الأيمن وهو يسير خلف الجنازة بأن (حُبّه عبادة) [٢١] ، بينما علق مستشرق ألماني على غياب أتاتورك قائلاً: (لقد توفي وشعبه في أمسّ الحاجة إليه، تاركاً لهم دولة مصونة من الخارج ومزدهرة في الداخل) [٢٢] ، ويضيف فرنسي آخر: (استطاعت الثورة الكمالية، وبدفع من مؤسسها الملهم، الانطلاق دون مكابدة مؤسسات فات زمانها، وقدمت للعالم صورة لبلد قادر على لعب دور نموذجي في مجمع الأمم المتحضرة) [٢٣] . رفض مصطفى كمال منصب القائد العام للجيش في أول حرب بعد قرار الاتحاديين؛ خشية إلحاق الهزيمة به شخصيّاً، ثم ما لبث أن طالب المجلس بإضفاء لقب (غازي) عليه ومنحه مبلغ أربعة ملايين ليرة مكافأة على انتصاره [٢٤] ، ثم إن الجمعية الوطنية خلعت عليه لقب (أتاتورك) (أي: أبو الأتراك) ، تكريماً له سنة ١٩٣٤م بعد تصديق قانون ألقاب الأسر [٢٥] ، ووالله لا أدري ما هو موقف هؤلاء القوم بعد أن أصبح معروفاً للناس بأن أتاتورك استدعى سفير بريطانيا لدى بلاده وهو على فراش الموت راجياً منه تولي مقاليد البلاد عقب وفاته، كما نشرت ذلك جريدة (الصنداي تايمز) اللندنية، ونقلتها الأهرام المصرية في عدد ١٥/٢/ ١٩٦٨م [٢٦] ، ولا نعجب عندما يروي لنا القنصل المصري في إستانبول (مصطفى السعدني) سنة ١٩٥٢م أن أتاتورك كان يفكر جديّاً في إعلان النصرانية ديناً للبلاد لولا تحذير أعوانه [٢٧] ، ربما لم يعرف قدر الرجل من وسط هؤلاء جميعاً بل وحقيقته سوى بابا الفاتيكان (جون بول الثاني) ، فعندما زار تركيا سنة ١٩٧٩م صرّح قائلاً: (إني أول بابا في التاريخ ينحني باحترام أمام مقبرة أتاتورك، فتركيا بلد له أهميته القصوى دينيّاً وتاريخيّاً) [٢٨] ، أما اليهودي (موئير كوهين) وهو تركي من الدونمة فقال عن أتاتورك: (إنه ليس أسطورة، بل إنسان من لحم ودم، بل إنه فوق الإنسان!) [٢٩] ، والعبارة الأخيرة أما أن تكون معبرة عن عقيدة الشعب المختار التي ينتمي إليها أتاتورك، أو السلوك الشخصي الذي سار عليه والذي وصل به إلى حد التأليه، بينما يطلع علينا مؤرخ مسلم يزعم بأن العلمانية التي فرضها أتاتورك لم تكن تسعى إلى مقاومة الدين بالصورة التي يشيعها أعداؤه [٣٠] ، فلا حول ولا قوة إلا بالله. الورثة وإنفاذ الوصية: يُؤْثَر عن (ميكافيللي) في روايته الشهيرة (الأمير) قوله: (رجحان عقل الأمير (الحاكم) وكفايته يقاسان بصفات المحيطين به، فالأمانة والكفاية والخلق تدل على رجحان عقله، وإلاّ عكس ذلك كان الرأي في الأمير) [٣١] ، وباعتبار هذه المقياس، فإن أتاتورك قد أحاط نفسه بطائفة من الإمعات والنكرات الذين لم يجرؤوا على إخباره بحقيقة مرضه وسبل الشفاء منه، ف (عصمت إينونو) مبعوثه الخاص إلى مؤتمر لوزان ونائبه لفترة طويلة ليس له دور قيادي في ظل وجود ولي نعمته، لكنه كان معجباً بسيده حتى الموت، على طريقة (وزير فرعون) ، على أي حال: فقد انتخبه المجلس الوطني الكبير لرئاسة الجمهورية، وحكم لمدة ستة عشر عاماً (١٣٥٦ ١٣٧٠هـ) ثم انتقل إلى صفوف المعارضة، حتى هلك سنة ١٣٩٣هـ في أنقرة [٣٢] ، والحق يقال: إنه ظل مخلصاً لمبادئ سيده المناهضة للإسلام، فاستمرت سياسة التضييق على دعاة الإسلام حتى عام ١٣٦٩ هـ، حيث حصل بعض الانفراج برئاسة رئيس الوزراء (عدنان مندريس) فأعيد القرآن والأذان بالعربية، وأعيد فتح المدارس الدينية، إلا أنّ الكماليين رفضوا إشراك الدين في السياسة [٣٣] ! ! ، وفي المقابل: نجد أن الولايات المتحدة توجه الصفعات المتتالية للعلمانيين الأتراك، إذ رفض الكونجرس إقراض تركيا خمسة ملايين دولار لـ (عصمت إينونو) وحكومته من أجل تطوير الصناعة (لإبقائه عالة على صدقات الغرب) ، فيما عارض (دين أتشتسون) وزير خارجية أمريكا دعم تركيا عسكريّاً في سنة ١٩٤٦م؛ لشعوره بالقلق من احتمال انتصار تركيا (العلمانية) على الاتحاد السوفييتي (إمبراطورية الشر) [٣٤] ، وبالفعل: فقد أفصحت أمريكا عن هدفها الحقيقي، وهو الاحتفاظ بإدارة الشؤون الاقتصادية؛ بغية عرقلة وصول تركيا إلى التقدم الصناعي، والتأكيد على بقائها دولة زراعية [٣٥] ، وبسبب التوجه العلماني والاعتناق الشديد للمدنية الغربية، وفي مقابل الانفتاح الاقتصادي والسياسي: تمكنت تركيا من المشاركة في المجلس الأوروبي سنة ١٩٤٩م، وحلف الأطلسي سنة ١٩٥٢م، ثم الانتساب إلى السوق الأوروبية سنة ١٩٦٤م [٣٦] . ولا تزال القضية الأخيرة موضع أخذ ورد بين الأوروبيين، ففي نظرهم: تركيا لا تزال دولة إسلامية على الرغم من علمانيتها المعروفة، وفي هذا الجانب كتب رئيس تحرير صحيفة (التايمز) اللندنية معلقاً على انضمام تركيا إلى المجلس الأوروبي: (إنه من المضحك قبول تركيا فيه، حيث لم تكن هناك خصائص الاتحاد والتي تتمثل في التقليد المشترك والدين واللغة) ، فكان رد المندوب التركي للمجلس هو: (إن الدين يجب ألا يؤخذ بعين الاعتبار في العلاقات الدولية، ثم إن تركيا ليست دولة دينية؛ لأنها تبنت العلمانية منذ ربع قرن، وكذلك: فإن اللغة التركية هي من سلالة اللغات الهنغارية والفنلندية، وعليه: فإن الأتراك يعتبرون أنفسهم جزءاً من المدنية الغربية) [٣٧] ، وقد مضى على إعلان الجمهورية أربعة وسبعون عاماً، ولا تزال أوروبا ترفض انضمامها إلى كيانها الاقتصادي! . الشعب يصحو: نتج عن التحول الضئيل عن السياسة الكمالية عودة لمطالبة الشعب بالقوانين الإسلامية، وبالفعل: تمكن أول نائب إسلامي وهو (نجم الدين أربكان) من الوصول إلى منصب الرجل الثاني في الحكومة بتحالفه مع حزب الشعب ذاته الذي أسسه أتاتورك ضمن حكومة ائتلافية، وكان ذلك سنة ١٩٧٧م، إلا أن الكماليين وبالذات العسكريين منهم لم يتحملوا هذه التحولات، فقاموا بانقلاب سنة ١٤٠٠هـ (١٩٨٠م) ، وتم حل البرلمان وإلغاء الأحزاب السياسية [٣٨] ، وقد حاكم العسكريون (أربكان) وأعضاء حزب (السلامة) بتهمة العمل على قيام دولة إسلامية، وتطبيق الشريعة، وافتتاح مدارس للقرآن، وإعادة فتح جامع (آيا صوفيا) ، وتحويل العطلة إلى يوم الجمعة، وتغيير الحروف إلى العربية [٣٩] ، ويظهر أن العسكر قد أدركوا حجم الخطأ! الذي ارتكبه الساسة سابقاً عندما قدموا بعض التنازلات، فبادروا هم كالعادة إلى حل المسألة! استمرت أمريكا وحلفاؤها يرفضون مجرد انضمام تركيا لمفاوضات حلف شمال الأطلسي؛ وذلك بسبب عدم انتمائها إلى الأسرة المسيحية الأوروبية، وعقب انضمامها سنة ١٩٥٢م قامت أمريكا ببناء مئة قاعدة عسكرية في البلاد للتنصت على الاتحاد السوفييتي دون علم المجلس الوطني التركي، ومُنِع الأتراك من دخول تلك القواعد بمن فيهم العسكر [٤٠] ، وفي هذا دلالة على أن الشعور بعدم الثقة لا يزال قائماً، في الوقت الذي قامت فيه حكومة (عدنان مندريس) وتحت إشراف خبراء أمريكيين بتشكيل لجنة تعليمية عليا للتخلص من كل ما تبقى من الكتب القديمة والعزيزة على الأتراك، وفتح الباب أمام منظمة (فيالق السلام) لتقوم بتغيير أفكار المجتمع بحرية مطلقة تماماً [٤١] ، فيما هدد الرئيس (جونسون) حليفه (مندريس) بأن يتركه فريسة للروس إذا غزا جزيرة قبرص، وقد فرضت حكومة الرئيس (نيكسون) حظراً عسكريّاً على تركيا، بعدما تجاهلت التهديد السابق، وغزت قبرص إبان تولي (أربكان) نيابة رئاسة مجلس الوزراء عام ١٩٧٧ م، ولم يرفع الحظر إلا في زمن إدارة الرئيس (كارتر) الذي شعر بخطر تغلغل حزب (الإنقاذ الوطني) بقيادة (أربكان) في الريف التركي واستقطابه ... للشباب [٤٢] . الخاتمة: بعد هذه الرحلة الطويلة عبر الماضي مع هذه الشخصية المثيرة للجدل، نحاول استخلاص العبر والدروس مما مر معنا؛ لأن هذه هي ثمرة العلم بالتاريخ، فالرجل المجهول الأصل والنسب الذي أراد التضحية بالحجاز حيث قبلة المسلمين ومسجد النبي ﷺ ، لكي يحافظ على القدس! (وربما يفسر لنا هذا صحة ما أشيع عن رغبته في إعلان النصرانية ديناً للبلاد) ، ثم خياناته المتتالية للمسلمين في سورية وفلسطين والبلقان وأذربيجان، وانقلابه على السلطان (وحيد) الذي أوفده للأناضول، ثم تجاهل الإنجليز لتسلحه وتمويله، بل واصطناع الأحداث لجعله بطلاً قوميّاً تخضع له جماهير الشعب مثلما حصل مع اليونان في إستانبول وتراقيا، ومروراً بتعهده بإلغاء الخلافة ونفي أسرة الخليفة، ونبذ الإسلام، وانتهاءً بإشاعة الفاحشة في أوساط المسلمين الأتراك.. كل هذه الأعمال قام بها رجل يدّعي الإسلام، فلم يواجه من المتاعب معشار ما لاقته بريطانيا في محاولاتها المستميتة في ثني رعاياها المسلمين عن الحماس لدينهم، وإخوانهم في أرجاء المعمورة، فكيف تسنى له ذلك؟ ! ، وهل الكفر بالله لفظاً، أو عملاً، أو كتابة.. ينبغي أن يصدر من أناس أسماؤهم أوروبية غربية أو شرقية حتى تتحرك العواطف؟ أم أن المسلمين طالما أن القانون صدر عن شخص يحمل اسماً إسلاميّاً، فهذا يكفيهم لقبوله وتنفيذه، أو على الأقل: عدم مقاومته وفضح خطره وخطله؟ . عندما حكم الاتحاديون البلاد عينوا الكونت (أوستورلغ) الإيطالي مستشاراً لوزارة العدل، لأنه أفقه أهل المدينة [٤٣] ! ، إذ لا يوجد في إستانبول كلها عالم بأصول الفقه مثله! ، بينما السلطان (محمد وحيد الدين) السادس يأمر قائد جيشه بالتراجع أمام جيش الكماليين عن فرط حسن ظنه بالغازي [٤٤] ، في الوقت الذي سرت مقولة عند الإنجليز بأن (السلطان وحيد الدين أراد أن يكيد الإنجليز بمصطفى كمال، فكاد الإنجليز السلطان به) [٤٥] ، ذلك الباشا الذي يقول عنه السلطان عبد الحميد الثاني في المرة الوحيدة التي لمحه فيها: (لم يكن يشبه العسكريين العاديين) [٤٦] ، فهل قصد أصله العرقي أم شخصيته الماكرة؟ ، وبعد أن أدى واجبه: عرض عليه منصب الخلافة، فجاء رده الطبيعي: (إن الإنجليز سوف لا يرضون عن هذا) [٤٧] . وإن المرء ليتملكه العجب؛ إذ كيف تنهزم دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الأولى أمام قائد عثماني سبق وأن انهزم أمام الإنجليز في فلسطين حينما كانت إمكاناته أكثر وأكبر، لأنه كان يحقق أهداف إنجلترا وفرنسا في تقسيم البلاد العربية، وحل المشكلة اليهودية على حساب العرب، وكبت الشعور الإسلامي في الهند، وإلغاء السلطة الروحية للخلافة [٤٨] ، لكن عودة أصول أتاتورك إلى يهود دونمة يذهب تلك الحيرة، فتلك الفئة استمالت الضباط، وخدعت الناس بالشعارات الطنانة، وأقحمت الدولة في حرب خاسرة، وإن العلمانيين في العالم الإسلامي مع الأسف يفكرون بالطريقة نفسها، ويرومون تخريب البلاد كما فعل أتاتورك [٤٩] ، فيما يعترف أحد أساطين السياسة في زمانه وهو المستشار النمساوي (بسمارك) : (بأن وجود السلطة العثمانية والمحافظة عليها، وإن كان فيهما كثير من المخالفة للمدنية المسيحية، فهما خير لأوروبا) [٥٠] ، وعلى الرغم من النظرة الطبقية والعصبية الدينية في هذه المقولة، إلا أنها تحمل في طياتها معنًى كبيراً لا يدركه علمانيو زماننا في انتشار التطرف والإرهاب والأصولية كما يزعمون، وهم يشتركون مع أحد المنصرين الألمان الذي أعماه الحقد عن رؤية الحق والخير، فدعى إلى محاربة الإسلام في عقر داره، وبالذات إستانبول حيث الخلافة [٥١] . يبدو أن مشكلة العلمانيين منذ عهد أتاتورك وإلى الآن هي في مصادر تلقيهم للمعلومات، وكما قرّر ذلك أحد المتخصصين في التاريخ العثماني بقوله: (إن اهتمام أوروبا بالعثمانيين بدأ منذ القرن السادس عشر الميلادي، وقد تم تدريس تاريخهم بصورة عدائية، فلما توجه أبناء المسلمين للدراسة هناك في القرن الحالي ورثوا عن الأوروبيين عداء العثمانيين أيضاً) [٥٢] ، وأضيف: أنهم تلقوا منهم حتى معلوماتهم عن الإسلام وشرائعه، فضلّوا وأضلّوا، فلا بد إذن من تصحيح مصدر التلقي عند هؤلاء، وكذلك المسلمين جميعاً؛ حتى لا نظل نوقد الشموع، ونضطر إلى التوقف عن الحركة لمدة دقيقتين، ونصدر الصحف باللون الأسود، حداداً على ذكرى رجال الإنجليز من العلمانيين كما يفعل الأتراك [٥٣] ، وهو ما تفعله تركيا في ذكرى وفاة أتاتورك من كل عام حتى الآن.

стр. 2356

بأقلامهن بارك الله لكِ بقلم:نجوى الدمياطي ابنتي الحبيبة.. هذه الكلمات هي هديتي لكِ في يوم من أجمل أيام العمر الذي تحلم به كل فتاة، إذ هو سنة الحياة، وحكمة الله (تعالى) في بقاء النوع الإنساني وبناء الرابطة الزوجية على المحبة والمودة.. إنه يوم بنائك (بيت الدعوة) .. وهي هدية أرجو الله أن يكون قبولك لها قبول استجابة وعمل، يحقق لكِ به الحياة الطيبة والسعادة الدائمة، ويرزقك الله بها السكينة والمودة والرحمة التي أرادها الله لعباده من الزواج.. فليس هناك حياة أسعد وأقر من حياة تُبْنى على الإسلام، وتضبط علاقاتها شريعة السماء.. ابنتي الحبيبة.. إن غايتك في الحياة هي رضا الله، ووسيلتك إلى هذه الغاية هي (توحيد المشرّع ومتابعة رسوله المبلغ) ، وهذا يعني: أن تقبلي شرع الله وترفضي كل شرع سواه، وتكون كل خطوات حياتك تبعاً لرسول الله.. ولقد رغّب الله في الزواج، وأخبر أنه من آياته (سبحانه) : [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً] [الروم: ٢١] ، وقال (سبحانه) في وصف رسله: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً] [الرعد: ٣٨] ، بل مدح الله أولياءه بسؤال ذلك في دعائهم: ... [وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ] [الفرقان: ٧٤] . كما أن رسول الله ﷺ رغّب في الزواج، وجعله من سننه، فقال: (النكاح سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني ... ) [١] ، وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني) [٢] . ومن هنا ابنتي الحبيبة: فإن زواجك قبول لشرع الله، ومتابعة لرسول الله - ﷺ ، وممارسة لعبادة الله في الزواج، وعبادته في الإنسال، وعبادته في إقامة الحياة وفق شريعته ودينه. ابنتي الحبيبة: إذا كان واجب العبودية لله هو أول واجباتك، فإن أهم واجباتك بعده: أن تكوني سنداً لزوجك وسكنا له، كما أمر ربك: [هُوَ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إلَيْهَا] [الأعراف: ١٨٩] . فكوني ابنتي سنداً لزوجك: بعونه على أداء رسالته التي حُمِّلها في الحياة، واجعلي سكنه إليك دافعاً لانطلاقته القوية فيها، واعلمي ابنتي الغالية أن المرأة إذا تزوجت كان زوجها أَمْلَك لها من أبويها، وكانت طاعة زوجها أوجب.. وهذه عائشة ﵂ حين يخبرها النبي ﷺ ، ويقول لها: (إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك) ، فتقول (رضي الله عنها) :.. ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار ... الآخرة) [٣] . فاجعلي يا ابنتي الحبيبة عائشة ﵂ قدوتك، واعلمي أن طاعتك لزوجك هي طاعة لله وقربة إليه، تعتزين بها وتحرصين عليها؛ لأن مما تحرص عليه المرأة الصالحة: ما أخبر به رسول الله: (إذا صلت المرأة خَمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ) [٤] . ابنتي الحبيبة: اعلمي أنه كما أن من صفات الزوجة الصالحة: أنها إن (أمرها زوجها أطاعته) ، فإن من صفاتها أيضاً: أنها (إن نظر إليها سرّته) .. فاحرصي أن تكوني لزوجك (تحقيق السرور) ، واعملي على أن يراك (شريك الحياة) جميلة دائماً، وتزيني الزينة المباحة، فلك لبس الحرير والذهب، قال: (حُرّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم) رواه الترمذي [٥] ، ولكِ لبس الفضة وأنواع الجواهر.. كما أن من الزينة المباحة: وضع الطيب والكحل واستعمال الحناء.. ومما يحرم من ذلك: ما يمنع نفوذ الماء إلى مواضع الوضوء، من الأصباغ وطلاء الأظافر.. فاحذريها يا ابنتي، واحذري كل زينة محرمة، مثل: وصل الشعر، وما يسمى (الباروكة) ، أو الوشم، أو النمص، أو تفليج الأسنان.. فكل ذلك محرّم، توعد رسول الله ﷺ فاعلته بسوء العقاب، فقال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة) [٦] ، كما لعن رسول الله: (المتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله) [٧] .. فكل ذلك حرام، سواء أصُنع بإذن الزوج أو بغير إذنه، ذلك أن الزوج لا يحل حراماً. ابنتي الغالية.. إن بيتك هو المكان الذي تجدين فيه حقيقة نفسك، وتدركين فيه عظمة دورك.. فليس هناك سكن إلا أن توجِده امرأة بإذن الله، ولا يكون له عطر إلا أن تطلقه زوجة، ولا يشع فيه حنان إلا أن تتولاه أم، ولذلك كان أمر الله: [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣] ، وهو أمر لا يعني ملازمة البيوت وعدم الخروج منها مطلقاً، وإنما يعني أن يكون البيت هو الأصل، والخروج هو الاستثناء الطارئ. فاجعلي ابنتي بيتك هو أصل حياتك، ولا تغادريه إلا لحاجة، فإذا خرجتِ فلا يكون ذلك إلا بإذن زوجك، فإذا إذن لك الزوج بالخروج، فليكن لباسك (الحجاب الشرعي) الذي يستوعب جميع بدنك، ولا يصف جسمك، ولا يشف عنه، واحذري أن يكون به طيب أو يكون ثوب شهرة، أو أن يحتوي على صور لما فيه روح أو صور صلبان، واحرصي ألا يشبه لباس الكافرات أو لباس الرجال.. فإذا خرجت إلى الشارع فلا تستعطري؛ فإنه محرّم، وليكن مشيْك مهذباً يحفظ عليك وقارك ودينك.. ابنتي الحبيبة.. إن الإنسان مدنيّ بالطبع، يحب أن يعيش مع الناس وفي قلب مجتمع، فاحذري ابنتي الوقوع في شبكة العلاقات الاجتماعية المزيفة التي لا تكترث بالمعاصي ولا تصغي إلا للشيطان، واجعلي علاقاتك الاجتماعية على أساس من الإسلام وفي دائرة الاهتمامات الإسلامية.. واجعلي لك صحبة طاهرة من صواحب القلوب المؤمنة والنفوس المجاهدة، كما أوصانا ربنا : [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً] [الكهف: ٢٨] . وحاولي ابنتي أن يكون لك دور في توعية صاحباتك، واجعلي لهن جلسة تحاولين فيها معاً التواصي بالحق والتواصي بالصبر، والارتقاء فكريّاً وأخلاقيّاً عبر التعلم والتحاور.. واعلمي ابنتي أن جماع الخير في الحوار قد ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في أربعة أحاديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت) [٨] ، وقوله: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) [٩] وقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [١٠] ، وقوله: (لا تغضب) [١١] . واعلمي ابنتي أن المرأة والرجل أمام مسؤولية الدعوة إلى الله سواء، قال : [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [التوبة: ٧١] .. فأنت ابنتي الحبيبة الشق الآخر لزوجك، تقفين على ثغر من ثغور الإسلام يناسبك ويحقق هدف الدعوة.. بل إن قيامك بالدعوة إلى الله يجعلك لوناً منسجماً مع صبغة حياتك، مع زوجك، ويفجر ينبوعاً للحب لا يجف بينك وبينه.. ابنتي الحبيبة.. إن للمرأة دور الأم الذي يربطها بالبيت، ولها دور الزوجة الذي يعطي لبيتها الشأن الأكبر في حياتها.. ولكن لها دوراً أيضاً في مجتمعها الذي تعيش فيه صاحبة فكرة وحاملة رسالة، تعمل من أجل تغيير الواقع الفاسد، ليكون واقعاً إسلاميّاً صالحاً.. فكوني ابنتي زهرة المجتمع الذي تعيشين فيه، فلا يسمع منك إلا أطيب الكلام، ولا يرى منك إلا أحسن الفعال.. فإذا شعرت بغربتك بين نساء عصرك: فاقتدي بالصحابيات الجليلات خديجة، وعائشة، وأسماء ... واذكري كيف كانت خديجة صورة للزوجة المجاهدة بالنفس والمال.. وتأملي كيف كانت أسماء صورة أخرى للزوجة المؤمنة المجاهدة مع بطلها الزبير، وقولي كما قالت: (إن جنتي في إيماني، وإن إيماني في قلبي، وإن قلبي ليس لأحد عليه سلطان إلا الله) . ابنتي الحبيبة.. لقد نشأ بيتك ببذرة الحب التي وضعها الله في قلبك وقلب زوجك، ونسمة المودة والرحمة التي جعلها (سبحانه) بينكما.. فحافظي على هذا البيت، واجعلي الحب والصفاء في القلب والنفس هتما أساسه الذي يقوم عليه، وكوني لزوجك سكناً وسنداً: تعيشين همه وتحفظين سره، تهتمين بما يحمل بين جنبيه من نفس، وليس بما يحمل بين يديه من نفيس.. تساهمين معه في الدعوة إلى الله، وتعملين معه على إزالة غربة الإسلام، وقد أوصى بذلك قدوتنا، فقال: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: من هم يا رسول الله؟ ، قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) [١٢] . أسأل الله لكِ التوفيق والبركة.. و.. بارك الله لكِ،،

стр. 2357

نص شعري نفق السلام شعر: فيصل بن محمد الحجي مابال قلبكَ لايذوق مشاعري ... فلي العنا..ولك ارتياح الخاطرِ؟ لو ذاقها لشكا..ومِن همٍّ بكى ... كبكاء ثكلى في ظلام غابرِ لِمَ لا يذوق؟ ألا يُحرِّكهُ الذي ... يجري؟ ألا يُضنيه جَوْرُ الجائِرِ؟ شتان بين ملازم الدرب ... القويم ومَن يسير على الطريق الدائري ليدورَ ما دار الهوى ... ويعيش في ... بُعد ٍعن الإحساس بُعد َ مُهَاجرِ أو لا ترى صهيون جاوز حدّه ... ويُذلَ أهلي في عداءٍ سافرِ؟ أرأيت أقزام اليهود تعملقوا ... واستهزؤوا بعقيدتي وشعائري؟ سرتم بأنفاق السلام..فما الجدا ... إلا المذلة مِن حقود ماكرِ؟ نَفَقُ السلام أبٌ.. ومن أبنائه ... نفقٌ رمى الأقصى بجرحٍ غائرِ نفق تخفى النفاق..وغاص في ... قلب السلام..فأين عين الناظرِ؟ قد أثخنوا القدسَ الأسيرَ وأوغلوا ... فيها بأنفاقٍ لهم وحفائرِ والمسجد الأقصى وَهَت أركانهُ ... وأخاف أن يلقى مصير (البابري) وهل استفاد (البابري) من الألى ... جُنّوا احتجاجاً..في ادعاءٍ خائرِ؟ إلا نقيقَ (ضفَيدعٍ) كتبوا له ... أن يُتَقِنَ التزويرَ فوق منابري؟ وتكاد تحسبه زئيرَ ضياغمٍ ... وَثَبَتْ لتفتكَ بالعدوِّ الغادرِ وتراه إن ظهر العدو كأنه ... (فتخاء تنفر من صفير الصافرِ) (حجَاجُ) هذا العصر أقسى خطة ... فينا..وألطفُ بالعدوِّ الكافرِ سَقَطَاتُه طَمَسَتْ خطايا جدِّهِ ... (الحجّاج) ..بل لاحتْ لنا كمفاخرِ أين الهداية في الدجا ودليلنا ... يرجو الهداية من ضلال (السامري) ؟ يا قدس والأشواق تعصف في دمي ... كيف الوصول إلى جوار مُحاصَرِ؟ يا مَن إلهُ الكونِ بارك حولها ... ليفوز زائرها بحظٍ وافرِ وإليكِ أسري بالنبي محمدٍ ... ليلاً.. ليعرج للقاء النادرِ وإليكِ حجّ الأنبياءُ.. فكلهم ... يتزاحمون على البساط الطاهرِ يا مَن رضعتُ مع الحليب ودادها ... وكتبتُ قصة حبها بدفاتري زيّنتُ أشعاري بها ولأجلها ... رصّعت بالحرف المضيء بشائري أنا لا أخاف من اليهود.. ولا الذي ... خلف اليهود..فإن ربي ناصري لكنني أخشى تمزّقَ صَفِّنا.. ... وفساد أنفسنا..وظُلْمَ الآمرِ أخشى المعاصيَ أن تخلِّفنا بلا ... نصرٍ..من الله المعين الناصرِ أخشى تزاحمَنا على الدنيا التي ... كم أهلكتْ في غابر أو حاضرِ؟ أخشى تبلّدنا.. تقاعُسَنا. . تغافُلَنا ... فلم نعبأ بسيل مخاطرِ والقلبُ يشوي في لظى آلامه ... شيّ الأسير على سياط الآسرِ وتضج في قلبي المنى.. وتُحيلني ... سُحُبُ الرؤى ليثاً بهيئة طائرِ لو أن بعضاً من رؤاي تحققتْ ... وغدوتُ ممتلئاً بعزمٍ ساحرِ لقطعتْ رأسَ خِواننا بقواطعي ... وحفرتُ قبرَ هواننا بأظافري يا فتية الأمل الوضيءِ توحّدوا ... وتيقظوا من خائن متآمرِ وخذوا الحذارَ من الأعادي مرةً ... وخذوه دوماً من صديق غادرِ لا يخدعنكم ادعاء مراوغٍ ... يزهو بألقاب العظيم الثائرِ فالخزي قد يأتي لكم من ناصر ... والعسر قد يأتي لكم من ياسرِ ... شتان بين فؤاد من خاض الوغى ... ينوي الفداءَ..وبين قلب التاجرِ ... جَزِعٌ إذا زأر العدو مهدداً ... ولذا يُبَالغُ في احترام الزائرِ ويجود من خيرات أمتنا التي ... تحيا بلا أمنٍ..بقدرة قادر الله أكرمكم وبارك حملَكم ... علمَ الجهاد..على الطريق العاطرِ يا للجمال..وزحف أمتنا مضى ... والحقّ يصرُخُ: يا كتائب بادري وصواعق التكبير فيها تمتطي ... موج الصهيل إلى اللقاء الظافرِ ومناجل الأبطال تحصد في الوغى ... الأش واكَ..أشواكَ الضلال الداعرِ وطلائع الصبح المنير تعيد ... لي أمجادَ أبائي..كأمسي الدابرِ آن الأوان لكي أعيشَ مكرّماً ... وتفيضَ بالخير العميم بيادري هذا الجهاد طبيبُ أمتنا التي ... مرضتْ بفعل تخاذلٍ وتناحرِ صلّت قوافي الشعر في محرابه ... دوماً وصامت عن سلام خاسرِ أنا شاعر ما دمتُ تحت لوائه ... فإذا نأى عني فلستُ بشاعر

стр. 2358

المسلمون والعالم بعدما انفض السامر هل ينصَّب (رئيس) للعالم ؟ ! بقلم: عبد العزيز كامل بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم، راق لبعض المراقبين أن يطلق على وزير خارجيتها آنذاك «بيكر» لقب: «وزير خارجية العالم» ... في إشارة إلى أن رئيس أمريكا من الآن فصاعداً هو رئيس العالم! ، وقد أصبحت الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة تشعر أنها القوة المسيطرة الرئيسة في أكثر الأماكن حيوية في العالم. وهذا الشعور لا يتأتي من فراغ، فالعلو الأمريكي في ارتفاع مطّرد، يزيده ارتفاعاً ذلك الاقتصاد العملاق الذي يقوم عليه هذا الكيان الضخم، وهو اقتصاد يعتمد في جزء كبير منه على إخضاع اقتصاد العالم واستغلاله. لقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية مؤسسة اقتصادية ضخمة، أو شركات اقتصادية متعددة لها مدير واحد، هو رئيس الولايات المتحدة. فمن هو ذلك الرجل الذي يمكنه أن يتسنم ذلك المنصب الأول في العالم..؟ ، لقد بات معروفاً للجميع منذ الانتخابات الأمريكية لعام ١٩٧٦م وحتى الآن: أنه سيفوز لذلك المنصب كل مرشح يملك تحت تصرفه أكبر قدر من الأموال التي يسخرها لدعايته الانتخابية، فمفتاح النصر هو توفر أكبر قدر من المال لدى المرشح في وقت مبكر. إن من المسلمات الآن: أن الرئيس الأمريكي المرشح للفوز، هو: ذلك الرجل القادر على تمثيلٍ أكبر لمصالح من انتخبوه ... أو بتعبير أدق: من موّلوه ... ! فمن هؤلاء الممولون؟ ومن أولئك الذين لهم مصالح في التمويل؟ ! إن من البدهي أن تتجه الأنظار أولاً إلى عُبّاد المال؛ أولئك الذين عبدوا العجل الذهبي يوماً، ثم أصبحوا عبدة الدرهم والدينار، وهم اليوم عبدة الإسترليني والدولار ... إنهم يهود الذين يسهمون بثلث تمويل الحملات الانتخابية الأمريكية، إلى جانب نشاطهم الحزبي في الانتخابات، وسط صراع محموم لدفع رجل معين للمقدمة، لقاء صفقة مقايضة مريبة. لقد غدت الانتخابات الأمريكية بشكل عملي مزاداً هائلاً، تتنافس فيه الشركات الكبيرة وتنفق عليه الأموال بلا حساب؛ لتؤثر في سير الانتخابات، وإيصال الشخص المطلوب إلى كرسي الرئاسة، وتتم الصفقة عبر خيوط خفية تربط بين المرشح الذي ينفق مئات الملايين على الدعاية الانتخابية، وبين الجهات التي تسعى لتأمين تلك الأموال له. لقد تم التبرع لتنصيب «كلينتون» في ولايته الأولى بنفقات تفوق الإنفاق على أي حدث سابق مشابه، وقد بلغ الإنفاق على حملته الأولى مبلغ (٣٢) مليون دولار، كان أصحابها من الماليين الكبار هم الناخبون الحقيقيون، وتلقى الحزب الديمقراطي في الانتخابات التالية (٧٠) مليون دولار تبرعات في عام واحد، أما الشعب الأمريكي: فهو ليس صاحب الكلمة الأولى كما يُظن في المجيء بالرئيس أو النواب، فالحقائق تقول: إن (٨٥) مليون أمريكي ممن لهم حق التصويت لم يدلوا بأصواتهم في انتخابات عام ١٩٩٢م التي جاءت بكلينتون للمرة الأولى، في حين أن (١١٤) مليون ناخب أمريكي لم يدلوا بأصواتهم في الانتخابات التشريعية التالية. أما الأمريكيون اليهود: فإنهم يقفون صفّاً خلف مجموعات الضغط اليهودية (اللوبي) ممثلاً في منظمة (إيباك) وغيرها، وهذه المنظمة، ليست سوى فريق عمل تحركه «المنظمة الصهيونية العالمية» و ... حكومة إسرائيل، فقد كان يطلق على هذه المجموعة حتى وقت قريب: مجموعة رابين! . والأرقام تشير إلى أن «كلينتون» حصل في الدورة السابقة على ٨٠% من أصوات الجالية اليهودية المقدر عددها بـ (٥. ٨) مليون نسمة، ولقد كررت هذه الجالية تأييدها له في هذه المرة بنسبة مماثلة، لقد تقاضى «بيل كلينتون» من اليهود: السلعة (الأصوات والتبرعات) ، وسيدفع الثمن كما دفعه أول مرة، فقبل بدء الانتخابات قدّر المراقبون أن كل مرشح سيحتاج إلى نحو (٢٠) مليون دولار في عام ١٩٩٥م وحده، ليتمكن من شن حملة قابلة للاستمرار، والمرشح سيضطر للظهور في (٢٠٠ ٢٥٠) احتفال لجمع التبرعات خلال العام نفسه، وعلى هذا: سيحتاج إلى قضاء ٨٠ %على الأقل من وقته في حفلات جمع التبرعات! فهل هناك فريق منظم ومتجانس وقوى يمكن الاعتماد عليه في هذا أكثر من اليهود؟ .. بالطبع لا ... ولهذا انطلق «كلينتون» وراءهم بلا تردد، فقد تعلم من الانتخابات السابقة أن اليهود هم الأمل والرجاء لكل من أراد سكنى البيت الأبيض. جمع «كلينتون» بمساعدة اليهود في عام ١٩٩١م الذي سبق انتخابه للمرة الأولى مبلغ (٣. ٣) مليون دولار، أما في عام ١٩٩٥م: فكان عليه أن يجمع أضعاف هذا المبلغ؛ لأن ثلاثة من المرشحين الجمهوريين المنافسين قد جمع كل واحد منهم أكثر من ضعف ذلك المبلغ في الربع الأول من عام ١٩٩٥م، لقد بدأت حملة إعادة انتخاب كلينتون بقوة دفع على جميع المحاور وفي جميع الاتجاهات وسط أبواق الدعاية اليهودية، بدءاً من المساعدة بريع الأغنية، وانتهاء بثمن الدبابة والبندقية. وقد دشنت الممثلة اليهودية «بربارة سترايسند» مع (٢٠) شخصية فنية حملة التبرعات لحزب كلينتون، وخصصت ريع الحفل الذي بلغ (٣. ٥) مليون دولار لصندوق تمويل الحملة الانتخابية، وتقول الإحصاءات: إنه ما بين عامي ١٩٩٤م و ١٩٩٥م، قدمت ثلاث عشرة شركة لصناعة الأسلحة يملك اليهود أكثرها حصيلة مبيعاتها من الأسلحة للحزب الديمقراطي على شكل تبرعات. واليهود هم اليهود، إنهم لايساندون كلينتون ولا غيره حبّاً في زرقة عيونهم أو رغبة في الدعوة لدينهم، بل إنهم لا يدفعون دولاراً من المال إلا وهم يؤملون من ورائه قنطاراً من المنافع. لقد أدرك كلينتون في الفترة الرئاسية الأولى مسؤوليته تجاه من جاؤوا به إلى السلطة، وأدرك أيضاً أنه بحاجة إليهم بعد فوزه أكثر من حاجته إليهم قبل الفوز؛ فإن تحقيق برنامجه الانتخابي الأول كان مرهوناً باستمرار بوقوف هؤلاء بجانبه، ولهذا أفلتت منه كلمات بعد الفوز الأول فقال متبرماً في إحدى المقابلات: «هل يعني ذلك أن نجاح برنامجي الانتخابي، وبالتالي إعادة انتخابي لفترة ثانية، يعتمد على حفنة من التجار في سوق الأوراق المالية ... ؟ !» . إن الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» مدين إذن لليهود، بل غارق في المديونية لهم، وعليه أن يسدد الدين ويرد الجميل مرتين، وقد كان عند وعده لهم، وكانوا على عهدهم به، فهو كما يقول المراقبون من أكثر الرؤساء الأمريكيين مسارعة إلى إرضاء يهود، بدءاً من كثرة ترديده للتصريحات المؤيدة لهم والقرارات الداعمة لمطالبهم، ومروراً بكثرة ترداده لزيارة كيانهم، وانتهاء بتبنيه لوجهات نظرهم، بل تصديه لفرضها، والدفاع عنها، وقد جاء في برنامجه ... الانتخابي لعام ١٩٩٢م، أن زعامة الحزب الديمقراطي تعتبر القدس عاصمة لهم، وينبغي أن تظل هكذا مدينة موحدة كما هو موقفهم. وبالغت إدارة كلينتون في تأييدها لدرجة أنها اقترحت إنشاء حلف عسكري أمريكي إسرائيلي معلن ورسمي! . أما في برنامجه الانتخابي لعام ١٩٩٦م، فقد اختفت جميع الوعود البراقة فيما يتعلق بعملية السلام على أساس مبادلة الأرض بالسلام، وحل محلها تبنى الرؤية الإسرائيلية الجديدة لسير العملية، وهي ربط السلام بالأمن. وماذا للعرب: أما بالنسبة للعرب والمسلمين (وما أهونهم على صنائع اليهود) : فإن البرنامج الانتخابي لكلينتون في فترة رئاسته الثانية قد أكد على ضرورة دعم العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، شريطة أن تبدي استعداداً للتعايش السلمى وخوض عملية السلام إلى نهايتها. وأما القضية الفلسطينية بوجه خاص: فلم تكن في يوم من الأيام موضوعاً رئيساً في الانتخابات الأمريكية، ومع هذا: لا يزال العرب يتوارثون الوهم بأن (تضغط) الإدارة الجديدة على دولة يهود لصالحهم. والآن، وبعد أن أعيد انتخاب كلينتون، فإن العرب يجددون الوهم في هذا (الضغط) ، والعجيب: أنهم في الوقت الذي يطالبون فيه أمريكا بالضغط، يقومون هم بإفساح المجال للدولة العدو لكي تدخل ضمن نسيج المنطقة، وذلك بإشراكها في المؤتمر الاقتصادي الثالث لدول الشرق الأوسط، أما أمريكا المطالبة بالضغط على دولة يهود: فقد صرح وزير خارجيتها في مناسبة انعقاد المؤتمر بأنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، وفي هذا إشارة إلى أنه يجب على العرب أن يثبِّتوا إقبالهم على السلام اقتصاديّاً، كما أجمعوا على قبوله سياسيّاً. إن عملية السلام في ظل الإدارة الأمريكية قد تستمر؛ لأن استمرارها هو لصالح يهود ولو مرحليّاً، ولكن في أي اتجاه يمكن أن تستمر، إنها ومنذ أن بدأت لا تتقدم خطوة إلا على إيقاعات رتيبة من الضغوط الأمريكية والتنازلات العربية، ولكن الجديد المنتظر في سيرها اليوم هو: التوجه المتزايد لدى اليهود نحو الطموح للقيام بدور القيادة والتحكم في المنطقة عبر «حرب سلمية» قد لا تخلو من حروب تأديبية أو توسعية، وقد تطور هذا الطموح الجموح إلى حدٍّ حدا باليهودي المخضرم «هنري كيسنجر» أن يطالب الأنظمة العربية بحماية إسرائيل (مِنْ مَنْ ... ؟ !) من المعارضين للسلام من منطلقات إسلامية. إن العرب اليوم لا يُحسدون على أحوالهم، فهم مقبلون على مرحلة حرجة وغامضة، وهم يضربون أخماساً في أسداس لما يمكن أن تكون عليه الحال في المستقبل المجهول إذا أمعن (الراعي) لعملية السلام في تسليط الذئب على الغنم! إن سنة الله (تعالى) في إذلال من تخلى عن أمانة حمل الدين لتصدق اليوم وتتجسد في واقع أحوال العرب والمسلمين، حيث ذلوا وما زالوا يُستذلون للأمة ... «الملعونة» ، ببعدهم عن الدين، وصدق عمر بن الخطاب ﵁ : ... «إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله: أذلنا الله» [١] . أما أولئك السادرون في العتو والعلو من اليهود وأوليائهم النصارى، فلا نشك في أن علوهم الكبير سوف يعقبه انخفاض كسير؛ لأن هذه أيضاً سنة من سنن الله (تعالى) ، التي عبر عنها النبي ﷺ بقوله: «حقّ على الله: أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» [٢] . إن هذه سنة ربانية قادمة لا شك فيها، وقد بدأت أولى أماراتها بالنسبة للأمريكان بتفردهم بقيادة العالم، فليس بعد هذا علو، أما اليهود: فقد لاحت بوادر هذه السنة لهم، فهم يرون أنفسهم قد اقتربوا جدّاً من مرحلة القدرة على تنصيب ملك يهودي يحكم العالم (كما يحلمون) ، ولكنهم الآن يكتفون باحتكارهم القدرة على تنصيب ... رئيس العالم!

стр. 2359

المسلمون والعالم مؤتمر.. (مسلمون ومسيحيون من أجل القدس) عرض وتقويم بقلم: صفوت وصفي كانت القدس إسلامية منذ فتحها المسلمون في عهد الخليفة الراشد (عمر بن الخطاب) ﵁ ، وحتى عصر السقوط العربي، حين استولى يهود عليها عامي ١٩٤٨م، ١٩٦٧م، عدا فترة الاحتلال الصليبي التي أنهاها القائد المسلم «صلاح الدين الأيوبي» بتحريرها. ولا شك أن كل عمل ينطلق من الرغبة في استعادة الأرض المحتلة مطلوب، ولا سيما في عصورنا المتأخرة التي اشتبكت فيها المصالح، واستطاع (إخوان القردة والخنازير) أن يوطدوا أقدامهم فيما احتلوه من الأراضي العربية، واستطاعوا بكل الوسائل الشيطانية أن يغروا الدول والشعوب بتأييدهم، وبخاصة الدول الغربية وبمكر منقطع النظير مدعين أحقيتهم الكاذبة في أرض الميعاد بزعمهم، بعدما زيفوا التاريخ ليوافق مزاعمهم في الأرض المحتلة، ولا عجب، فقد زيفوا حتى كتبهم المقدسة. لقد تم عقد مؤتمر (مسلمون ومسيحيون من أجل القدس) في بيروت بلبنان في الفترة من ١٤ إلى ١٦ يونية ١٩٩٦م بدعوة من مجلس كنائس الشرق الأوسط، والفريق العربي للحوار المسيحي/الإسلامي، وقيادات إسلامية ومسيحية.. بهدف تبليغ العالم بموقف الجميع حيال مدينة القدس، واحتلالها من العدو الصهيوني. المؤتمر: إيجابيات وسلبيات: وحتى نكون موضوعيين في الموقف من هذا المؤتمر وأمثاله فلا بد من قول الحق، وإن كنا نختلف مع الداعين لهذا المؤتمر في المنهج والمنطلقات، فلقد علّمَنا ديننا الإنصاف بقوله (تعالى) : [وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [المائدة: ٨] ، فمما يحسب للمؤتمر ما يلي: ١- ما ذكره المؤتمرون من أن القدس مأسورة باحتلالها من الصهاينة، ولا بد من عودتها إلى جسم فلسطين. ٢- لا يوجد سلطة في العالم لها حق تهويد القدس أو تدويلها أو نزع صفتها الأساسية. ٣- دعوة المنظمات والهيئات الإسلامية والمسيحية بأن يكون شغلها الشاغل تحرير القدس، وأن تصرف له كل جهد ودعم. ٤- دعوة المسلمين والمسيحيين معاً للوقوف إلى جانب الحقوق الفلسطينية المشروعة. ٥- دعوة الدول العربية والسلطة الفلسطينية لتوحيد موقفها من قضية القدس، باعتبارها أمانة في أعناق الجميع، لتعود لعروبتها و (التعددية الدينية) ! ٦- على (إسرائيل) باعتبارها (سلطة محتلة) أن تكف عن أي إجراء من شأنه إغلاق القدس أمام أبنائها وكل أبناء الشعب الفلسطيني و (المؤمنين) كافة، والتوقف عن أي تدبير يؤدي إلى تبديل وجه القدس في سكانها وجغرافيتها. ٧- عدم الاعتراف بشرعية أي ممثلية أو بعثة أجنبية لدى (إسرائيل) تتخذ من القدس مقرّاً لها، وإن حصل هذا: فيعتبر عملاً عدائيّاً عند الجميع. ولا ندري ما هو الإجراء العملي الذي اتخذه المؤتمرون ولاسيما النصارى منهم بالتنسيق مع بني ملتهم من نصارى الغرب، وكيف السبيل إلى كشف خطر الاتجاهات الصهيونية لدى فئات من النصارى أصبحوا أنصاراً لـ (يهود) ، بل وصهاينة أكثر منهم. السلبيات في مثل هذا المؤتمر: ١- إن تلك التجمعات التي دعت له، زيادة على منطلقاتها الكنسية والقومية، إلا إنها تتبنى أطاريح مشبوهة، مثل: (التعددية الدينية) ، و (الحوار الإسلامي/المسيحي) ، الذي عادة ما يكون لصالح النصرانية والتنصير على حساب الإسلام، ولا يهمهم حكم الإسلام في هذه المواضيع الذي سنراه مبسوطاً إن شاء الله. ٢- إن ما يطرح في مثل هذا المؤتمر من أفكار وجيهة هي في نظري ليست سوى هالات إعلامية ليس إلا، فالعلاقة بين اليهود والنصارى وثيقة، توضحها الصلات الحميمة بين دول الغرب النصرانية عامة والكيان الصهيوني. ٣- وموقف الإنجيل من اليهود صريح جدّاً، كما سيتبين لك أخي القارئ فيما بعد، ومع ذلك: وجدنا الفاتيكان يعيد العلاقات مع اليهود ويتنازل حتى عن عقيدتهم المشهورة وإن كانت باطلة بقتلهم وصلبهم للمسيح، بعد اعتراف الفاتيكان بدولة (إسرائيل) ودعوته إلى إزالة العداء التاريخي بين أتباع الديانتين، وصدرت بذلك وثيقة رسمية، أذاعها رئيس أساقفة بالتيمور، ونشرت في ١٢/١٢/١٩٦٩م [١] ، ومع ذلك: لم نر موقفاً للمؤتمرين من هذه الوثيقة. ٤- يجب أن يُفَرّق بين الولاء من ناحية، والتسامح والمعاملة بالحسنى من ناحية أخرى، فقد قال (تعالى) : [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] ... [الممتحنة: ٨] ، والمعنى الصحيح كما رجحه ابن جرير: [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ] من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتَصِلُوهم وتقسطوا إليهم؛ لأن الله (تعالى) عم في الآية جميع من كانت تلك صفته، فلم يخص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لمن قال: إن ذلك منسوخاً كما ذكره ابن جرير في تفسيره (٢٨/٦٦) [٢] . ٥- سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما قد يختلطان عند بعض المسلمين ممن لم تتضح لديهم الرؤيا بحقيقة هذا الدين ووظيفته، فالسماحة التي جاء بها الإسلام مع أهل الكتاب لا تعني الولاء لهم، بل إن هذا ما حذر منه القرآن، ومن هنا: يحاولون تمييع المفاصلة بين المسلمين وأهل الكتاب باسم التسامح والتقريب؛ إذ إنهم يخطئون في فهم الدين، كما يخطئون في فهم التسامح [٣] . ٦- إن الدعوة إلى ما يسمى (زمالة الأديان) أو الدعوة للتقارب معها: دعوة مشبوهة، تخالف أصول الإسلام المعروفة القائمة على المفاصلة العقدية مع الأديان التي نسخها الإسلام، وهذه الدعوة معروفة لدى المدرسة العقلية الحديثة، وكانت صحيفة العروة الوثقى ميداناً لهذا الباب، بدعوى إزالة الاختلاف والشقاق بين الأديان الثلاثة [٤] . بيان أن النصارى حلفاء اليهود: في البداية: أؤكد للقارئ الكريم أن مشكلة فلسطين بدأت بتواطؤ من النصارى ضد مسلمي فلسطين، فقد نكثوا بالعهد الذي قطعه رهبانهم للخليفة الراشد «عمر بن الخطاب» ﵁ في العهدة العمرية المعروفة [٥] ، واشترطوا ضمن ما اشترطوه: ألا يدخل القدس اليهود ولا اللصوص، وبقي النصارى هناك لهم أمان الذمة حتى عصر الإحياء النصراني في أوروبا (١٠٩٦م ١٢٩١م) حيث كانت زعامة البابوية وسيطرتها على ملوك أوروبا آنذاك، فرأوا أن وحدة أوروبا وأمانها لا بد لاستمراره بتوحيد القوى فيما بينهم والعداوة لفئة واحدة، هم (المسلمون) ، وتخليص (كنيسة القيامة) من الكفار (المسلمين) . وحينما دعا «سمعان الثاني» بطريك القدس إلى الحرب الصليبية والقضاء على الإسلام وإنقاذ كنائسهم، وكان حكام المسلمين آنذاك هم العبيديون، وكان واليهم على القدس هو «افتخار الدولة» ، وبعد محاصرة الصليبيين للقدس (٤٠) يوماً: طلب التسليم، على أن ينسحب هو وجيشه إلى (برج داود) وأن يسلم لهم مبلغاً كبيراً من المال مقابل إبقاء حرسه، ثم دخل الصليبيون بعدها القدس بنشوة النصر، فأخذوا يقتلون المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً بلا تمييز، حتى وصل الدم إلى الركب كما نقل «ريتسمان» النصراني، ووصف ابن الجوزي سقوط القدس شهادة عيان، وذكر أنهم قتلوا ما يزيد على (٧٠) ألف مسلم، وسرقوا قناديل المسجد من الذهب والفضة، وبعد أن وحد المسلمون كلمتهم وجمعوا صفوفهم: استردوا القدس على يد القائد المسلم «صلاح الدين الأيوبي» في معركة حطين، التي أظهر فيها من البلاء والفروسية والتسامح ما جعله محل إعجاب وتقدير حتى مؤرخي الصليبية أنفسهم. ثم سقطت القدس عام ١٩١٧م عندما احتلتها جيوش الإنجليز في نهاية الحرب العالمية الأولى، وبقيت تحت حكمهم (٣٠) عاماً، وضعوا البلاد أثناءها في ظروف سياسية واقتصادية سيئة، وسمحوا بهجرة كثير من اليهود إلى فلسطين، وأعطى وزير خارجيتهم وعده المشؤوم (وعد بلفور) بإقامة وطن قومي لليهود في ... فلسطين [٦] . والغريب أن لنصارى العرب في لبنان موقفاً مشيناً، حينما طالبوا بكيان لليهود في فلسطين منذ عام ١٩٣٥م، ثم عام ١٩٤٥م (قبل ولادة دولة يهود) [٧] . اعتقادات النصارى تدعم اليهود: تعتقد بعض طوائف النصارى أن بناء الهيكل الثالث سيؤدي إلى ظهور المسيح مرة أخرى، وبموجب هذه العقيدة يحصل التحالف والدعم من النصارى لليهود. وعندما عقد المجمع العالمي الثاني للكنائس المسيحية في (أفانستون) سنة ١٩٥٤م: أكد أن هذا المبدأ أو هذه العقيدة لدى النصارى تتطلب حدوث ثلاثة أمور حتى يجيء المسيح (بزعمهم) ، وهي: ١- قيام دولة إسرائيل. ... ... ... ٢- اتخاذ القدس عاصمة لها. ٣- إعادة بناء الهيكل (طبعاً على أنقاض المسجد الأقصى) . وقد ألّفت الكاتبة الأمريكية المنصِّرة «جريس هالسيل» كتابها (النية القاتلة المبشرون البروتستانت على درب الحروب النووية) [٨] ، وبه معلومات عن العلاقة الوثيقة بين اليهود والنصارى من أجل تنفيذ تلك الأهداف الشيطانية، وهذا مشهور لدى كثير من نصارى أمريكا، ويؤمن بها حتى بعض رؤسائها ... المعاصرين، حيث يؤمنون بمجيء يوم يحدث فيه صدام بين قوى الخير والشر (الهرمجدون) [٩] ، وفي استفتاء أجرته مؤسسة (بانكلوفيتش الأمريكية) أظهر أن ٣٩% من الشعب الأمريكي يؤمنون بذلك، وهو ما يعادل (٨٥) مليون أمريكي تقريباً، وهؤلاء النصارى هم المسيحيون الصهاينة، وهم أتباع الكنيسة (الإنجليكانية) ، يقول «جورج دلاوب» في كتابه (الدين في أمريكا) : إن أولئك: مَن تنصروا مرة أخرى، ويؤمنون بالمسيح مخلّصاً، ويوسمون إعلاميّاً بالمسيحيين الأصوليين، ولهم جهود إعلامية كبرى، ويتحكمون في الانتخابات الأمريكية، وإليهم ولغيرهم يعزى الولاء الأمريكي لإسرائيل، ومن أبرز رموزهم: المنصر الشهير «سويجارت» . ماذا يقول اليهود عن النصارى: الذي يظهر أن اليهود من خلال مكرهم بالأديان بعامة والنصرانية بخاصة يعتمون على آرائهم عن النصرانية والمسيح ﵇ ، ولو علم عامة النصارى ما قيل عنهم وبخاصة في كتاب (التلمود) لأبغضوهم ولعنوهم ليل نهار، فلننظر ماذا قال التلمود عن النصارى: يقول الأب «آي. بي. براناتيس» في استعراضه لتعاليم الحاخامات اليهود السرية، في كتاب (فضح التلمود) : يقول التلمود عن المسيح: إنه كان ابناً غير شرعي، حملته أمه خلال فترة الحيض، وإنه مجنون ومشعوذ ومضلل، صلب (!) ، ثم دفن في جهنم، فنصّبه أتباعه وثناً لهم يعبد. من الطبيعي أن المُضلّل والوثني لا يستطيع تعليم شيء سوى الكذب والهرطقة اللتين يعوزهما التفكير السليم، ويستحيل على العقل إداركها. وإن المسيحيين وثنيون، وأسوأ أنواع الناس، وأنهم أكثر سوءاً من الأتراك (المسلمين) ، وأنهم لا يستحقون أن يكونوا بشراً، بل هم بهائم بأشكال آدمية، وأصلهم شيطان بهيمي. إن طقوس النصارى وعباداتهم وثنية، وكهنتهم كذلك، وصلواتهم هي صلوات أثيمة وعدوانية للرب، وفي الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان (وصايا التلمود فيما يتعلق بالمسيحيين) ما يلي: يفرض على اليهودي تجنب المسيحيين، وتجنب الاحتكاك والتعامل معهم، لأسباب: فهم لا يستحقون المشاركة والطريقة اليهودية للحياة، ولأنهم نجسون وثنيون وقتلة. العمل بكل ما يستطيعون لإفناء المسيحيين.. فالتلمود يلزم بالتهجم على المسيحيين على نحو غير مباشر على الأقل، أي: إلحاق الضرر بهم بكل طريقة، وعلى اليهودي انتظار الظرف السانح لقتل المسيحيين وبدون رحمة [١٠] ، فهذه المعلومات يجهلها كثير من النصارى، ولجهل النصارى بتلك المواقف ضدهم من اليهود: فهم يتعاطفون معهم من تأثير وسائل إعلامهم، غير أن قليلاً جدّاً من النصارى من يعرف ما قاله اليهود عنهم، ولذلك: فهم يقفون من اليهود موقف المعادي، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: «الأنبا شنودة الثالث» بطريرك الكنيسة القبطية بمصر، حيث وضح في محاضرة له ما قاله كتابهم المقدس عن اليهود من أنهم شعب عنيد مكابر مؤذٍ للأنبياء، فقد أتعبوا نبيهم موسى (عليه السلام) ، وأنهم شعب شرير عابد للأصنام، وأنه لا يوجد فيهم صالح واحد، وأنهم نقضوا عهد الرب وعبدوا آلهة غريبة، ومجدوا أصنامها.. كل هذا فضلاً عن كفرهم بالمسيح وسبهم له ولوالدته [١١] . الحوار مع أهل الكتاب بشروط: وإن كان هذا المؤتمر يندرج تحت إطار (الحوار) فلا يعني ذلك رفض الحوار جملة وتفصيلاً، ولكن يمكن الحكم على الحوار من خلال معرفة أهدافه [١٢] : هل هي مشروعة أم لا؟ ، فإن كانت مشروعة فحيهلا، ومنها: الدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة عليهم ببيان محاسن الإسلام والدفاع عنه. بيان ما هم عليه من باطل سواء بتحريفهم لكتبهم، أو انحرافهم عن منهج الأنبياء، أو إشراكهم بالله. الحوار معهم للرد على شبهاتهم وطعنهم في الإسلام، كإثبات رسالة الرسول، وأن الإسلام خاتم الرسالات. الحوار معهم لتحقيق مصالح المسلمين المشروعة، وكشف شبهاتهم التي ينصرون بها جهال المسلمين. أهداف غير مشروعة للحوار معهم: وأكثر الحوارات التي تدور مع أهل الكتاب يقوم بها بعض الفئات التي ينقصها العلم الشرعي الصحيح، إذ يشوب تلك الحوارات الموالاة لهم، مستدلين بمثل قوله (تعالى) : [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [الممتحنة: ٨] ، وهذا كما سبق الإشارة إليه خلط بين السماحة التي تدعو إلى البر بهم وحسن معاملتهم في المجتمع الإسلامي،.. والولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللمؤمنين، فضلاً على أن الله (تعالى) قال: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ] [المجادلة: ٢٢] ، ولخطر موالاة الكفار والمشركين جاءت النصوص الصحيحة بتحريم كل ذريعة إلى ذلك، ومنها: التشبه بهم، حتى في الأمور الظاهرة اليسيرة؛ لأنها قد تؤدي إلى مودتهم القلبية. الحوار معهم من أجل التقارب، وهذا مثل التنازل عن شيء من الدين، أو أخذ شيء من دينهم، أو مشاركتهم في عبادتهم.. فهذا مردود ومرفوض. مسلك التقارب في إقرارهم على دينهم، وتصحيحه لهم، أو مدحه باعتباره ديناً صحيحاً، أو مساواته بالإسلام بدعوى أنه دين سماوي.. فهذا لا يقر أيضاً.. أما ما ورد من مثل قوله (تعالى) : [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ] [المائدة: ٨٢] ، فهذه الآية نزلت فيمن أسلم من النصارى كما قاله كل المفسرون. وأخيراً: فإن التعاون الذي يبديه بعض النصارى لصالح القضية الفلسطينية ولصالح مدينة القدس هو جهد مشكور، لكن الأولى أن يبدأ حوارهم فيما بينهم أولاً لتحديد موقف إخوانهم النصارى لا سيما في الغرب من اليهود وكيف يوقف أولئك النصارى دعمهم للصهاينة المحتلين لفلسطين، وثانياً: أهمية أن يعمل النصارى العرب جهوداً متواصلة بتوعية بني ملتهم، وبيان خطر اليهود عليهم، وإظهار موقف اليهود من دينهم ومن نبيهم ومن كتبهم المقدسة، ولعل في ذلك ما يحدث ردود أفعال جذرية لصالح القضية الفلسطينية وكشف ألاعيب اليهود لخدمة مخططاتهم واستخدام النصارى حلفاء لهم. ولا مانع من الحوار مع أهل الكتاب بالشروط المشار إليها للوصول إلى الحق، أما الحوار بشكله الذي يتم وبمخالفاته الشرعية: فإن ضرره أكثر من نفعه. والله من وراء القصد،،،

стр. 2360

المسلمون والعالم ماذا يبقى من فلسطين؟ (٢ من ٣) القدس والمستوطنات بقلم: حسن أحمد قطامش عرض الكاتب في الحلقة الأولى، كيف أثبت الواقع كذب الشعارات الطنانة التي كان يطلقها زعماء (التحرير) وأساطين المنظمات الفلسطينية وأوضح مسلسل الاستلاب للأراضي المحتلة، حتى أصبح الفلسطينيون قلة مجردة من السيادة ومحرومة من الثروات، واستحوذ اليهود على الأرض والثروات، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة عرض جوانب أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - قدسنا.. والمستوطنات: «لم أدرك أبداً أن مدينة القدس قد تهودت إلى هذا الحد كما أدرك ذلك ... الآن! !» .. هذا ما صرح به أحد المسؤولين الفلسطينيين وهو «محمد حسين» لرفاقه الذين يبحثون السبل والخطط لمواجهة السياسة (الإسرائيلية) في المدينة. إن الأمر جد مفجع مع هذه الأرقام وهذه الخطط اليهودية لتغيير المدينة بأكملها. يقول «خليل التفكجي» مدير دائرة الخرائط في «جمعية الدراسات العربية» في القدس: لقد سيطروا على ٣٤% من مساحة القدس، وحولوا ٤٠% من أراضيها مناطق خضراء يمنع البناء عليها، وصادروا ٥% من مساحة أراضيها لشق الطرق، وأخرجوا ٧% من مساحة أراضيها من التنظيم، فيما يقيم المقدسيون الآن على ١٠% فقط من مساحة القدس، لم يبق الآن سوى ٤% من المساحة كلها « [الحياة، ع/١٢١٦٣ ١٥/٦/ ١٩٩٦م] . كان عدد سكان القدس العربية (١٧٠) ألفاً، إلا أن الاضطهاد الذي مارسته إسرائيل ضدهم أجبر نحو (٧٠) ألفاً منهم على ترك المدينة للإقامة في القرى الفلسطينية المجاورة، وتقول» توفا إلينسون « (الناطقة باسم وزارة الداخلية الإسرائيلية) : إن ثلاثة آلاف فلسطيني من القدس الشرقية حصلوا على الجنسية الإسرائيلية عام ١٩٩٤م، أي أكثر من ضعف العدد في العام ١٩٩٣م [الحياة، ع/ ١١٦٥٦ ١٧/٨/ ١٤١٥هـ] . ومنذ نحو سنتين لجأت مؤسسات الحكومة (الإسرائيلية) إلى سحب حق المواطنة» الهوية الشخصية «من الفلسطينيات المقيمات مع أزواجهن خارج القدس، وذلك بهدف تقليل عدد المسلمين في القدس، ودفعهم إلى الحصول على الجنسية (الإسرائيلية) ، وخلف الكواليس: بدأت مؤسسة التأمين الوطني (الإسرائيلية) (الضمان الاجتماعي) تشجيع السكان على الحصول على الجنسية (الإسرائيلية) ؛ للحصول على امتيازات أفضل، فيما طالبت مؤسسات (إسرائيلية) ؛ عديدة موظفيها العرب بالحصول على الجنسية (الإسرائيلية) مقابل الاستمرار في العمل لديها [انظر: الحياة، ع/١٢١٦٣١٥/٦/١٩٩٦م] . المشكلة أكبر من أي تصور؛ إذ إن عدد الذين يفقدون حقهم في أن يكونوا مواطنين في مدينة القدس يتراوح ما بين ٥٠ ٦٠ ألف فلسطيني، فعدد سكان مدينة القدس حالياً (٥٦٧) ألف نسمة، الفلسطنيون منهم (١٧٠) ألفاً، منهم تسعة آلاف حصلوا على الجنسية (الإسرائيلية) ، فالهدف واضح من تحويل الكثافة السكانية لصالح اليهود، حتى إذا جاء التفاوض حول القدس، فالأغلبية يومها (لا قدر الله) (إسرائيلية) ، فلا مجال وقتها للحديث عن سلطة فلسطينية على أغلبية (إسرائيلية) . وفي التقرير الذي نشرته منظمة (بيت تسليم) المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، ذكرت أن في عام ١٩٦٧م كان أكثر من ٨٥% من الأراضي ملكاً للفلسطينيين، واليوم: لم يبق لهم سوى ١٣% من مساحة القدس [الشرق الأوسط، ع/٦٤١٣ ١٩/٦/١٩٩٦م] . والآن، وبعد فوز حزب الليكود في الانتخابات بجانب بقية الأحزاب اليمينية: فلقد أصبحت المشكلة أكبر حجماً؛ إذ إن رأس الحكومة ليكودي، ورئيس بلدية القدس» أيهودا أولمرت «ليكودي، وسيخلفه في رئاسة البلدية المتطرف ... » شموئي مائير «من حزب (مفدال) ، حزب الوطنيين المتدينين، والذي يوصف بأنه (البلدوزر) ؛ وذلك لتهديده الدائم بهدم (٢٠٠٠) منزل، قال إنها بنيت بدون ترخيص في القدس، هذا (البلدوزر) لديه خطة استيطانية (نسأل الله أن يعجل به قبل أن يبدأها» تتلخص في المشاريع التالية: ١- بناء (١٧٠٠) وحدة سكنية قرب شارع القدس، (معاليه أدوميم) (مستوطنة يهودية كبيرة، على طريق القدس/أريحا) وذلك بهدف إيجاد تواصل إقليمي يهودي بين حي بسفات زئيف (شمال غرب القدس) والتلة الفرنسية (حي الشيخ جراح) ، ولتنفيذ هذا المخطط (الذي يطلق عليه: بوابة الشرق) سيتم مصادرة (٨٢٧) دونماً من أراضي القدس. ٢- إقامة (١٣٢) وحدة سكنية استيطانية على أراضي حي رأس العامود، وهو المشروع الذي رفض تنفيذه وزير الداخلية السابق «حاييم رامون» ، وقد صادقت على هذا المشروع اللجان (الإسرائيلية) ، ويبقى إقراره من وزير الداخلية الجديد. ٣- إقامة (٦٥٠٠) وحدة سكنية استيطانية على أراضي جبل أبو غنيم (بين بيت ساحور وقرية أم طوبا) لإسكان المتدينين اليهود، وسيطلق على هذه المستوطنة اسم (هارجوماه) وهي ستسد الثغرة الأخيرة في السلسلة الاستيطانية التي تحيط بمدينة القدس. ٤- إقامة مئات الوحدات السكنية على (٣٥٠) دونماً من أراضي قرية (أبو دليس) قرب القدس، وهي أرض منعت (إسرائيل) مع بداية احتلالها للقدس البناء عليها بحجة أنها أرض زراعية. ٥- بناء عشرات الوحدات السكنية الاستيطانية على أرض جبل الزيتون (المطل على المسجد الأقصى المبارك) سكناً لطلاب مدرسة «بيت أرومط» التلمودية المتطرفة. ٦- ولعل أبرز المخططات الاستيطانية وأكثرها إمكانية للتطبيق: استيطان بلدة القدس القديمة وقرية سلوان، إذ يدور الحديث عن وجود (٢٨) منزلاً سيتم إسكان المستوطنين بها قريباً في قرية سلوان، وذلك في مسعى لتحويل القرية إلى ما يسمى (مدينة داود) أما بلدة القدس القديمة فيدور الحديث عن وجود عشرات المنازل التي سيتم التوطين فيها قريباً [الحياة، ع/١٢١٦٤ ١٥/٦/١٩٩٦م] . وأخيراً: نكتفي بالخبر التالي دون سرد تفاصيله المحزنة: ذكرت تقارير نشرت في (إسرائيل) أن حكومة «نتنياهو» بدأت بإعداد خطة عملية أولية لتنفيذ قرارها المتعلق باستئناف أنشطة البناء والتوسع الاستيطاني في الأراضي ... الفلسطينية، وذلك بالتنسيق مع مجلس المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتهدف هذه الخطط إلى إقامة (١١) كتلة استيطانية وأربعة أحزمة أمنية، أحدها حول القدس [صحيفة الخليج، ع/٦٢٩٠٧/٨/١٩٩٦م، والرأي العام، ع/١٠٦٤٦ ١٤/٨/ ١٩٩٦م] . والآن نعود للسؤال المطروح: ماذا يبقى من فلسطين؟ ! ، وما هي التحركات التي اتخذتها السلطة الوطنية تجاه ما يجري تحت سمعها وبصرها؟ . وبموضوعية: فكما نقبنا عن مخططات يهود نقبنا كذلك عن «تصريحات» و «لاءات» السلطة، فما وجدناه سنذكره. ١- ياسر عرفات: عاصمة دولتنا المستقلة هي القدس، ومن لا يعجبه.. فليشرب من بحر غزة.. [حوار لمجلة الحوادث، ع/٢٠٤٦ ١٩/ ١/١٩٩٦م] . ٢- ياسر عرفات: الدولة الفلسطينية قادمة، ولن تكون لها عاصمة غير القدس، ونحن مسؤولون عن ذلك [الخليج، ع/٦٢٢٨ ٦/٦/١٩٩٦م] . ٣- ياسر عرفات في قمة العقبة الثلاثية: إن الدولة الفلسطينية ستعلن قريباً، وعاصمتها القدس الشريف، وهذا خيار الشعب الفلسطيني، ولا يمكن لأحد الوقوف أمامه [الأنباء، ع/٧٢٠٤ ٥/٦/ ١٩٩٦م] . ٤- ياسر عرفات: هل كان هناك اتفاق مع حزب العمل وشمعون بيريز على قيام الدولة الفلسطينية؟ ج: لقد قلت مثل هذا الكلام بوضوح كوضوح الشمس مع رئيس الوزراء الراحل رابين ومع شمعون بيريز رئيس الوزراء الحالي، وها أنا أقوله في بداية عهد نتنياهو: إن موقف فلسطين لا يتغير، ويجب أن تُفهم الانتخابات التشريعية والرئاسية على أنها تكريس للسيادة الفلسطينية فوق الأرض الفلسطينية [حوار للشرق الأوسط، ع/٦٤٠٩ ١٥/ ٦/ ١٩٩٦م] . ونذكّر عرفات بحديثين، الأول: لبيريز الذي قالها واضحة كوضوح الشمس، قال فيه: «بإمكان عرفات أن يستمر في أحلامه بدولة فلسطينية عاصمتها القدس، ومع ذلك فإن إسرائيل لن تعطي موافقتها» [الشرق الأوسط، ع/٦٣٦٦ ٣/٥/ ١٩٩٦م] . الثاني: نتنياهو: «لا يوجد الآن إمكانية لأن نتفق مع السلطة الفلسطينية على الوضع النهائي، لأن الوضع النهائي للقدس، ويبدو أنها إحدى القضايا غير القابلة للحل» [الرأي العام، ع/ ١٠٦٤٤ ١٢/٨/ ١٩٩٦م] . وفي يوم ٥/٩/١٩٩٦م اجتمع نتنياهو بحزب الليكود، وقال لهم: يمكنكم أن تحلموا كل ليلة.. وستستيقظون كل صباح لتجدوا أنه لا وجود لدولة فلسطينية! ! ، لا وجود لدولة فلسطينية، ولن تقوم دولة فلسطينية [القبس، ع/٨٣٣٧، والرأي العام، ع/١٠٦٧٠ ٧/٩/١٩٩٦م] . ٥- فريح أبو مدين/ وزير العدل في حديث عن المستوطنات: حين يصادرون أرضي ومستقبلي ومياهي يعتبر ذلك بمنزلة إعلان حرب، والحرب تؤدي إلى حمام دم [الأنباء، ع /٧٢٥٩٣١/٧/١٩٩٦م] . ٦- أحمد قريع (أبو العلاء) / رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني: إنه ما لم يتم حل مشكلة القدس، وما لم يتم إعادة المدينة للفلسطينيين، فإن عملية السلام ستتوقف [الوطن، ع/٧٣٤١٢٠/٧/١٩٩٦م] . ٧- والآن، وأخيراً: لنرى ماذا لدى المسؤول المكلف بملف القدس: فيصل الحسيني: أ- إن الوضع في مدينة القدس كفيل بتهديد عملية السلام بالانهيار، الأمر الذي يستلزم موقفاً حازماً وحاسماً. ب- إن القدس تتعرض الآن إلى عزل سياسي، وذلك من أجل شطبها من اهتمامات المواطن الفلسطيني، وإن هذا العزل أثر على الوضع الاقتصادي والتجاري [الخليج، ع/٦٢٨١ ٢٩/٧/١٩٩٦م] بعد السماح لليهود المتطرفين بدخول المسجد الأقصى. ج- القدس لن تكون قرباناً لأي اتفاق سياسي [الاتحاد، ع/ ٧٨٠٣ ٢٩/٦/ ١٩٩٦م] . د - القدس خط أحمر.. وعودتها إلى السيادة الفلسطينية حتمية. [حوار لعكاظ، ع/١٠٩٤٧٣/٨/١٩٩٦م أثناء الزيارة الأخيرة للمملكة العربية السعودية] . هـ- س: هل أنتم متفائلون حقيقة بإنجاز حل يعيد القدس الشرقية ويثبت حق لاجئي ٤٨ في العودة لأرضهم، ويزيل المستوطنات؟ . ج: لدينا أهداف، ويجب أن نفهم أن لدى كل شعب من الشعوب آمالاً وتقاليد وعقائد وتاريخاً طويلاً، وهي مجتمعة تمثل تطلعاته المستقبلية، وتشكل السقف العالي الذي يطمح في الوصول إليه، مع أنه ليس بالضرورة أن يصله دائماً.. فمن حقنا العودة، ومن حق كل فلسطيني أن يعود إلى المنزل الذي يسكنه أبوه أو جده في السابق، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون هذا هو ما نسعى إليه أو ننجح في تحقيقه عمليّاً! ! «. وحول سؤال عن المعارضة الفلسطينية في الداخل قال: المعارضة موجودة، فعندما أرى أمامي أحد قادة الجبهة الشعبية أو الديمقراطية فأنا ملتزم بالحديث معه ... وعندما تقام مستوطنة.. نذهب» للتظاهر «معاً. [حوار مع صحيفة الاتحاد، ع/ ٧٧٦٩٢٠/٥/١٩٩٦م] . ٨- صحيفة يديعوت أحرونوت: إسرائيل تفكر بأن تقترح على الفلسطينيين بناء قدس ثانية كعاصمة لكيانهم السياسي المستقل. [الوطن، ع /٧٢٨٢٢٢/٥/ ١٩٩٦م] . ٩- فيصل الحسيني: نؤيد تحويل٠ المدينة إلى عاصمتين، إحداهما للفلسطينيين، وأخرى لليهود، على أن تكونا مفتوحتين. [الحياة، ع/١٢١٤١٢٣/ ٥/١٩٩٦م] . ١٠- مصطفى اللداوي/ممثل حركة حماس في بيروت: السلطة الفلسطينية وإسرائيل اتفقتا على إيجاد قدس بديلة محاذية لرام الله. [المستقلة، ع/٩٤ ٢٦/٢/ ١٩٩٦م] . وأخيراً: فقد تتابعت الأحداث بشكل مأساوي؛ فقد أقدم (بيبي) لإرضاء صديقه (أيهودا أولمرت) رئيس بلدية القدس، وإرضاء حلفائه اليمينيين، ووافق على فتح نفق» الحشمو نائيم «نفق الأقصى، وهو عبارة عن قناة مائية اكتشفت في القرن الماضي وبقيت منسية! ! ، إلى أن اهتمت بتنظيمها وزارة الأديان عام ١٩٨٧م، وأوصلتها بنفق البراق الممتد نحو (٥٠٠ متر) تحت حائط المبكى، وذلك ضمن سلسلة الحفريات التي يقوم بها يهود لهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكلهم المزعوم، وعندها هب المسلمون في أرض فلسطين: كانت مواجهة دموية توفي خلالها (٩٦) شخصاً، وجرح (١٠٨٦) آخرين، وهذا العمل الإجرامي اليهودي كان من شأنه أن يحدث تغيراً كبيراً في مفاهيم (القوم) وأقوالهم وأعمالهم، ولكن كالعادة: لم يكن تجاه هذا العمل إلا العادة ذاتها: الجعجعة الكلامية. فلقد أصدرت السلطة الفلسطينية مرسوماً، وزع على السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية في الخارج، وكان مما جاء فيه: إن الشعب الفلسطيني ومنذ اليوم الأول لانطلاقة عملية السلام في المنطقة اختار طريق السلام عن قناعة وإيمان، باعتبار السلام الذي اختاره (خياراً استراتيجيّاً لا رجعة فيه) . ووضعت شروطاً لإعادة مفاوضات السلام على ضوء الاتفاقيات التي ولدت السلام الهزيل، ثم حلت قمة واشنطن، ثم فشلت القمة، وبقي النفق مفتوحاً، وأعيد التفاوض حول مسألة إعادة الانتشار في الخليل، والذي رفض في (الفقرة ثانياً) من البيان، وعادت لعبة الكراسي الموسيقية مرة أخرى، وقد سمعنا من التصريحات ما يضيق المقام عن حصره، والتي منها:» إعلان الجهاد « ... و» تكوين جيش إسلامي للدفاع عن الحرم المقدس «.. وإلى.. قطع المفاوضات! وهي مزايدات، أول من يعرف كذبها: الشعب الفلسطيني نفسه. هذا ما حصدناه من تصريحات (أصحاب القضية) بعد ما رأيناه من» أفعال « أبناء القردة والخنازير.. وهو غيض من فيض، يؤلم كل مسلم أن تصير التنازلات إلى هذا الحد المرير من الذل والمهانة.. ونتسائل: بأي ثمن باعوا الأرض؟ ! ، وما الذي بقي منها؟ ، وماذا نحن فاعلون؟ ! . ... ... ... ... ... ... ... وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2361

هموم ثقافية إشكالية التعبير العملي عن الديمقراطية (٢) بقلم: سامي محمد صالح الدلال تعرض الكاتب في الحلقة الأولى بالتوضيح لإشكاليات التعبير العملي عن الديمقراطية فعالج: إشكالية التعريف، وإشكالية البلورة الاجتماعية للديمقراطية، ملقياً الضوء على ظاهرتي التفاوت الطبقي والتنوع الديني، ويواصل في هذه الحلقة عرض جوانب أخرى من الموضوع. - البيان - التعدد التكويني: أقصد بذلك: الأعراق والأجناس والقبائل التي يتألف الشعب من مجموعها، وكذلك هي الممُثّلة أيضاً في المجلس النيابي. إن الذي قلناه بخصوص التفكك الاجتماعي الناشئ من تعدد الأديان في إطار المفهوم الديمقراطي، ينطبق هنا أيضاً، مع ملاحظة التفاوت الذي يضفي مزيداً من التفتت في حالتنا هذه. ذلك أن المنتسبين إلى كل دين، من المسلمين واليهود والنصارى يتكونون من أعراق وأجناس وقبائل شتى، ولكل عرق وجنس وقبيلة حصيلة عادات وأعراف اجتماعية في إطار المفهوم الاجتماعي لذلك الدين المنتسبين إليه. إن السهام الديمقراطية المنطلقة من قوس مفهومها الاجتماعي المقنن والمتلون بصبغتها، إن لم تُصِبْ مقتلاً في العلاقات الاجتماعية لتلك الأعراق والأجناس والقبائل، فإنها على الأقل تؤدي إلى جروح غائرة في تلك العلاقات، ليست فقط غير قابلة للاندمال، بل هي متجددة ومتفجرة دائماً! ! وهذا يعني باللغة العملية الواقعية تفتيتاً شاملاً لوحدة المجتمع الإسلامي، تلك الوحدة التي أمرنا الله (تعالى) بالمحافظة عليها من خلال اعتصامنا بكتابه وسنة نبيه، قال (تعالى) : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] . فهلا انتبه الإسلاميون النيابيون إلى هذه الحقيقة؟ ! ! مثال توضيحي: أقر المجلس النيابي الاختلاط في التعليم الثانوي. نطبق الحالة على مستوى القبيلة: ١- بعض عائلات القبيلة ممن يضفون على أنفسهم صفة العصرية والتقدم سيسارعون إلى تأييد قرار المجلس النيابي، عائلات أخرى من القبيلة نفسها ممن لهم سمت التمسك بالإسلام سيسارعون إلى رفض قرار المجلس النيابي، النتيجة هي: احتدام الصراع الاجتماعي بين المؤيدين والرافضين. ٢- ننتقل إلى دائرة أضيق، وهي دائرة العائلة الواحدة: الأب والأم الغيوران على بناتهما سيرفضان إرسال بناتهما إلى تلك المدارس الثانوية التي أُقر فيها الاختلاط، لكنهما سيوافقان في الأغلب على إرسال أولادهما الذكور إلى تلك المدارس؛ لعدم توفر البديل! . الأولاد الذكور سيتعرفون على بنات في تلك المدارس، سينشأ عنها في الأغلب علاقات قد تصل إلى حالة انهيار جدار العفة، مما يترتب عليه حالة من الانفصال الاجتماعي بين عائلتي الطرفين، لا يستبعد أن تتصاعد إلى مراحل التصفية الجسدية المؤطرة بالمحافظة على العرض. النتيجة: تفتت العائلة اجتماعيّاً. تفتت القبيلة اجتماعيّاً. إيجاد حالة صراع اجتماعي ذي طبيعة مستغرقة في الزمن. على نسق المثال المذكور يمكن أن تساق أمثلة أخرى تبين حالة الانفصام الاجتماعي للأعراق والأجناس التي قد تنشأ بسبب قرارات نيابية! ! التباين الثقافي: إن التباين الثقافي بين الأفراد في إطار الدين الواحد أمر طبيعي، والخلل المؤثر اجتماعيًّا الناشئ عنه يمكن احتواؤه، وليس عن هذا حديثنا. بل حديثنا عن أثر التباين الثقافي بين المنتسبين للأديان والطوائف المختلفة على بلورة الواقع الاجتماعي في المجتمع المحكوم ديمقراطيّاً. ولا نشك أن الثقافة مهما لبست من أكسية علمانية فإن حامليها لا يستطيعون إخفاء ألوان أجسادهم ذات الألوان المصطبغة ثقافيّاً بالدين أو الطائفة التي ينتسبون إليها. إن الثقافة ليست مجرد مجموع المعارف المكتنزة ذهنيّاً، بل هي أيضاً: إبراز الصياغة المعرفية العملية المجسدة والموضحة لتلك المكتنزات، ولا يختلف اثنان على أن العلاقات الاجتماعية وما يتجلى عنها من آثار نتيجة تداخلاتها أو اندماجاتها هي واحدة من تلك الصياغات المعرفية. فالثقافة الإسلامية لها أثر معرفي في صياغة العلاقات الاجتماعية بين المسلمين، وكذلك: فإن الثقافة اليهودية، والثقافة النصرانية.. لهما أثران معرفيان في صياغة العلاقات الاجتماعية بين اليهود وبين النصارى، كلٍّ على حدة. إن هذه الصياغات المعرفية المعبِّرة عن اللون الثقافي لكلٍّ من منتسبي الأديان المذكورة ليست وليدة العقود المتأخرة [١] التي سادت فيها الديمقراطية، بل هي محصلة المجموع التراكمي لحصيلة خمسة عشر قرناً بالنسبة للمسلمين، وأكثر من ذلك بالنسبة لليهود والنصارى، وبالتالي: فإن العلاقات الاجتماعية المتأثرة بتلك الثقافات تخضع للمعادلة نفسها لذلك المجموع التراكمي. وإننا على يقين تام بأن الديمقراطية لن تتمكن خلال عقود قليلة من الإطاحة بذلك المجموع التراكمي الممتد عبر القرون. إن النتاج الثقافي للديمقراطية هو من لون خاص، ليس إسلاميّاً ولا يهوديّاً ولا نصرانيّاً، بل هو مزيج من ذلك كله، إضافة لغيره من الثقافات العلمانية ذات المضامين الإلحادية والقومية والوطنية. إن هذا النتاج الثقافي سيفرز علاقات اجتماعية جديدة، ليست مألوفة لدى أتباع الأديان الثلاثة، مما يترتب عليه اصطدام هذه العلاقات الاجتماعية الوليدة بالعلاقات الاجتماعية السائدة، وبما أن الانضباط الترابطي في العلاقات الاجتماعية لدى اليهود والنصارى مصاب بالترهل الشديد والتآكل البيّن: فإن الثقافة الديمقراطية الناشئة ستكون أكثر قدرة على التغلغل لدى أولئك، في حين أنها ستصطدم بمعوقات كثيرة لدى محاولة التأثير على العلاقات الاجتماعية لدى المسلمين؛ بسبب ما لديهم من مضادات ثقافية ذاتية من الكتاب والسنة وتراث سلف الأمة تركت آثارها البارزة في أدق تفاصيل العلاقات الاجتماعية بين المسلمين. إن النتيجة المتوقعة لتفاوت تأثير الثقافة الديمقراطية على منتسبي الأديان الثلاثة ستؤدي حتماً إلى تعميق العلاقات الاجتماعية بينهم. وهذا يعني: أن البلورة الاجتماعية الناشئة عن التباين الثقافي المذكور ستكون ذات طابع تهديمي وتهشيمي في ظل الواقع الديمقراطي لنظام حاكم، وإن هذا التهديم والتهشيم سيكونان أعمق أثراً لدى المسلمين مقارنة مع غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى. الاستقطاب الحزبي النوعي: في ظل الديمقراطية: فإن حرية تشكيل الأحزاب مطلقة للجميع، وهذا يعني إنارة الضوء الأخضر لكل فئة سياسية أو طائفة دينية أو مجموعة عرقية أو فئة قبلية لأن تشكل حزباً خاصّاً بها، ومن خلال هذا الحزب فإنها تدفع بأكبر عدد من مرشحيها ليكونوا نواباً في المجلس النيابي، إن النواب الفائزين بكراسي المجلس تمثل مجموعاتهم الأحزاب التي يمثلونها، وهذا يعني أنهم يعتبرون واجهة لنظرة أحزابهم لمجموع العلاقات الإنسانية، التي منها العلاقات الاجتماعية، فإذا كان نواب طائفة معينة يشكلون أغلبية المجلس النيابي كطائفة الشيعة في إيران مثلاً فإن الشق الاجتماعي من التشريعات والقوانين الصادرة عن المجلس ستعمِّم ألوان علاقاتها الاجتماعية على مجموع الشعب عن طريق القانون، وهذا ينطبق أيضاً على الفئات السياسية المعبِّرة عن نفسها حزبيّاً، كحزب البعث مثلاً. وهذا يعني أن تلك الطائفة أو الفئة المهيمنة حزبيّاً على المجلس النيابي ستسعى لبلورة الواقع الاجتماعي ليكون متماشياً مع ما هي عليه، وهذا يدخلها في صراع اجتماعي، أحد طرفيه يملك قوة القانون وإمكانية الدولة، والآخر مجرد من هذين السلاحين معاً، وإن إيران تعتبر من أحسن الأمثلة لبيان كيفية حدوث هذا الصراع والنتائج المترتبة عليه، حيث إن الطائفة الشيعية تريد فرض علاقاتها الاجتماعية المنبثقة من العقيدة الشيعية على السّنة، وذلك عن طريق الدستور وباستعمال إمكانات الدولة الهائلة، مما ولّد صراعاً شاملاً، تضمّن فيما تضمّن صراع العلاقات الاجتماعية، وهذا لون من ألوان إشكالية البلورة الاجتماعية للديمقراطية. إن قبول بعض الإسلاميين للديمقراطية وانخراطهم في تلافيفها يجعلهم وجهاً لوجه مع هذه الحقائق البيّنة، حيث إنهم لن يتمكنوا من بلورة اجتماعية إسلامية من خلال الديمقراطية إلا إذا كانوا أغلبية في المجالس النيابية التي لا يملكون مفاتيح التحكم في دروبها ومساراتها؛ مما يحول بينهم وبين حصولهم على الأغلبية المتمكّنة، وإن الجزائر لتعتبر خير مثال على قلب ظهر المجن على الإسلاميين؛ لأنهم شكلوا في الانتخابات النيابية أغلبية فائزة لكنها غير متمكنة، مع ملاحظة أن سبيل التمكن للإسلاميين عن طريق الديمقراطية هو طريق مسدود، إن لم يكن محليّاً فدوليّاً، لكن الواقع الحالي يبين اجتماع الاثنين معاً! ! ولذلك: نقول للإسلاميين النيابيين: طالما أن طريق الديمقراطية الذي تسعون من خلاله فيما تسعون إليه إلى توطيد الاستقرار الاجتماعي هو طريق مسدود، فلماذا لا توظفون تلك الجهود المضنية المبذولة في غير ما طائل ولا فائدة في الإطار الصحيح الذي تبنى دعائمه على سلوك المنهج النبوي في الدعوة إلى الله (تعالى) ، بما يتضمن ذلك من ملابسات منوعة لأشكال كثيرة من ألوان الصراع مع أعداء الإسلام، مهما تنوعت عقائدهم وتعددت راياتهم. نوعية الحكم السلطوي: وأقصد بها المؤسسة الحاكمة صاحبة السلطة، حيث إن لكل مؤسسة حاكمة نظرة معينة في صياغة البلورة الاجتماعية، وذلك بحسب الآلية الفكرية أو المنطلقات النظرية التي تشكل مرجعيتها لدى الممارسة العملية. وفيما عدا المرجعية الإسلامية، فإن جميع المدارس السلطوية المستظلة بالديمقراطية تحاول التدرج في صياغة البلورة الاجتماعية، آخذة بيدها نحو العلمانية الإباحية. وبما أن المجتمعات الإسلامية تملك رصيداً دينيّاً من التمنّع الذاتي، فإن وصول تلك المدارس عبر الديمقراطية إلى أهدافها سيستغرق زمناً طويلاً فيما يخص البلاد الإسلامية. لقد بيّنت سابقاً أن مالكي الحكم السلطوي، سواء أكانوا حزباً، أوطائفة، أو قبيلة، أو فئة سياسية، أو طغمة عسكرية ديكتاتورية، أو أي لون آخر غير إسلامي، سيحاول كل منهم أن يصبغ العلاقات الاجتماعية بصبغته الخاصة، وأن ذلك سيقود نحو شكل أو أشكال من الصراع الاجتماعي، يحاول كل طرف من أطرافه أن يعزز فيه مواقعه من جهة، وأن يحرز إلى صفّه مواقع جديدة من جهة أخرى، مما سيؤدي بطبيعة الحال إلى الاحتكاكات الاجتماعية التي تأخذ أحياناً مسارات حادة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن العلمانية الإباحية هي القاسم المشترك للبلورة الاجتماعية غير الإسلامية، فإن الصراع المتوقع في العالم الإسلامي على المستوى الاجتماعي سيكون بين هذه الصبغة العلمانية والصبغة الإسلامية. إن هذا الصراع سيشمل كافة المرافق الرسمية، أي: مؤسسات الدولة، كمجلس الأمة، والوزارات، وسائر المنتميات الحكومية، ويشمل أيضاً: جميع الشرائح الشعبية على مختلف مواقعها الجغرافية والنوعية. في المنظور الواقعي: فإن الإسلاميين النيابيين لن يشكلوا أغلبية في أي مجلس نيابي، وإذا حصل ذلك مرة في مجلسٍ ما، فلن يكون له طابع الديمومة والاستمرار وذلك بسبب وجهات نظر موضوعية تبرر هذه الوجهة. وهذا يعني أن نتيجة الصراع في الساحة التشريعية على مستوى التقنين الاجتماعي محسومة سلفاً لصالح الوجهة العلمانية، (ومثال ذلك في دولة الكويت مثلاً: فقد فشل الإسلاميون النيابيون في إقرار هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها سلطة حكومية، تدعم عملها في إطار إرجاع مؤشر التوازن الاجتماعي إلى حالة الاستقرار وفق الشريعة الإسلامية) . وأما على الساحة الشعبية: فإن العلمانية الاجتماعية ستمارس جميع أنشطتها تحت مظلة قانونية صاغ بنودها الحكم السلطوي العلماني. إن أبرز الانبثاقات الاجتماعية تحت تلك المظلة هي ما يلي: ١- السفور ومحاربة الحجاب. ٢- الاختلاط في جميع المرافق الرسمية والشعبية، في إطار غير منضبط، وجو ينعدم فيه الاحتشام. ٣- التفكك الأسري بسبب الطلاق، الناشئ عن استحداث علاقات محرمة من جهة الرجال أو النساء على السواء، أو بسبب انعتاق الأبناء من ضوابط المراقبة الأسرية، مما يؤدي إلى إقامة اتصالات غير شرعية قد تصل إلى مرحلة الزنا، ينشأ عنها جيل من الأولاد غير الشرعيين، مما يجعل للإجهاض وجهاً ضاغطاً ذا تيار شعبي، يبرر إيجاد غطاء قانوني له. وهناك أسباب أخرى كثيرة. ٤- فشو الجريمة، التي يزداد أوار اضطرامها بسبب عدم الاحتكام لأحكام الحدود الشرعية. ٥ - استفحال ظاهرة الانتحار بسبب حالة اليأس النفسي، أو الاضطراب العاطفي.. أو غير ذلك. ٦- إباحة الخمور، مع ما يتبع ذلك من سلبيات خطيرة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع. ٧- انتشار المرافق السياحية والترفيهية ذات الطابع الانفتاحي، ويدخل في ذلك: النوادي السياحية، والسواحل البحرية، والسينمات، والملاهي الليلية، وقاعات عروض الأزياء أو ملكات الجمال، وسوى ذلك. ٨- المؤسسات الإعلامية، من إذاعة وتلفزيون وصحافة ونشر، وما يتخلل برامجها وصفحاتها من دعوات سافرة للتحلل الاجتماعي والفساد الأخلاقي. ٩- سوء استخدام وسائل الاتصالات الحديثة، حيث أصبحت معبراً سريعاً مُختصِراً للزمن والجهد، يتم من خلالها ترتيب المواعيد المحرمة، واستشعار الحالات الجنسية المتخيلة، بما اصطلح على تسميته الزنا عبر الهاتف! ! ١٠- ازدياد الفقير فقراً والغني غنًى؛ بسبب جشع الأغنياء المسيطرين على المجالس النيابية، حيث يستغلونها لصالح تشريع قوانين تدعم مصالحهم، يرتكز أكثرها على استمرار ازدياد النزف المادي من جيوب أفراد الشعب على شكل ضرائب، أو رسوم، أو مجهود حربي.. أو ما شابه ذلك، مما يعزز فشو الرشوة والمحسوبية وأمراض الجشع المالي. وهناك انبثاقات اجتماعية أخرى سوى التي ذكرتها. إن نوعية الحكم السلطوي لها أثر بالغ في تكريس كل ذلك، أو الحد منه، أو إلغائه، وإنني أقول باطمئنان: إن الحد من ذلك أو إلغاءه لن يتم إلا عن طريق الحكم بالإسلام. وبما أن الإسلام لن يتم الحكم به من خلال الديمقراطية، وبما أن الإسلاميين النيابيين لا يزالون يشاركون في (اللعبة) الديمقراطية دون أي تأثير لهم يذكر في تصحيح المسار الاجتماعي: فإن جميع تلك الانبثاقات ستتوطد دعائمها وتستشري آثارها، مما يعني أن البلورة الاجتماعية الناشئة من الحكم السلطوي القائم الآن في البلاد الإسلامية على أسس ديمقراطية هي بلورة علمانية، سماتها الغالبة هي الفساد والخلاعة والبذاءة (أَجَلّكم الله) . وهكذا: يتبين لنا أن إشكالية البلورة الاجتماعية للديمقراطية من الزاوية العملية تمثلت فيما يلي: التفاوت الطبقي. التنوع الديني. التعدد التكويني. التباين الثقافي. الاستقطاب الحزبي النوعي. نوعية الحكم السلطوي. وسنتكلم في الحلقات المقبلة إن شاء الله عن إشكالية البلورة الثقافية للديمقراطية، ثم البلورة الاقتصادية للديمقراطية، معقبين ذلك بالحديث عن إشكالية النتائج.

стр. 2362

في دائرة الضوء هل الإسلام دين علماني ؟ ! ! العلمانيون.. وعلمنة الإسلام بقلم: د.محمد يحيى أثارت الفكرَ في نفسي عبارةٌ وردت عرضاً ولعلها بحسن نية في مقال لكاتب يتحدث عن تشكيل الحكومة التركية برئاسة «نجم الدين أربكان» زعيم حزب الرفاه. قال الكاتب: إن هناك حقيقة غائبة في الإعلام الإسلامي، ألا وهي: وجود تقارب بين العلمانية في رفضها للكهنوت والإسلام في رفضه المماثل لادعاء الحق الإلهي كما جاء في المقال. والحق: إن القول أو الزعم بوجود تقارب أو تشابه بين العلمانية والإسلام ليس بجديد، لقد ذهب كثيرون غير الكاتب مثلاً منذ فترة إلى القول نفسه، حيث قالوا: إن الإسلام بطبعه دين علماني؛ لأنه يهتم بأمور الدنيا والحياة الحاضرة بدلاً من أمور الآخرة، وقالوا: إن الإسلام والعلمانية يلتقيان في الإيمان بالعقل وتحبيذه، وفي اعتناق الديمقراطية والليبرالية، وفي الاهتمام بالنزعات المادية، وقبل كل شيء: في الإيمان بالتوجه الإنساني (هيومانزم) وقبول مبادئ النسبية والتاريخية وما أشبهها. وقبل الخوض في هذه الدعوى العريضة ينبغي أن نوضح سياقها: فهي تجيء في معرض محاولة اكتساب القبول للعلمانية بين الجماهير المسلمة، بتصويرها وكأنها تكاد تتفق بل تتطابق مع الإسلام، وهي محاولة تعمل كذلك وفي الاتجاه المقابل إلى تطويع الإسلام للعلمانية، بإلغاء تميزه وتفرده، وهويته التشريعية والعقائدية، ولكن في كلتا الحالتين فإن الهدف واحد، سواء في أسلمة العلمانية أو علمنة الإسلام، وهو: نزع الخشية الجماهيرية من العلمانية باعتبارها نبتاً غربيّاً غريباً، يراد فرضه على الواقع الإسلامي. ونلاحظ في هذا الصدد أن تلك العملية مرحلية فقط، وأنها تتم في سياقٍ تكون فيه العلمانية جديدة أو غير متمكنة إلى الحد الكامل؛ مما يستدعي القيام بالتمويه والخداع وتصوير الإسلام بأنه علمانية أو العلمانية على أنها الإسلام، ولكن ما أن تتمكن العلمانية فإن الخطاب يتغير إلى لغة الإقصاء والإبعاد والرفض، وهذا هو ما تشير إليه، ليس فقط التجارب التاريخية القديمة في تركيا أو إيران أو أفغانستان، بل التجارب الراهنة، وبالذات في الوسط الثقافي والفكري في بلدان كمصر والجزائر مثلاً. والسؤال الذي ينبغي مواجهته رأساً هو: هل يوجد تقارب بأي درجة بين الإسلام والعلمانية؟ ، وهل يكفي مجرد ذكر رؤوس مواضيع، يوحى بأن فيها تشابهاً في المواقف للقول بوجود مثل هذا التقارب؟ ، والأهم من هذا كله: هل يوجد تشابه أو تقارب حقيقي في المواقف، أم إن المسألة لا تعدو عملية تفسير وتأويل وتأول بارعة ماكرة توحي بوجود مثل هذا التقارب؟ ، ولنأخذ هذا التساؤل الأخير مدخلاً لنا، ونسأل: هل فعلاً يوجد تقارب بين العلمانية والإسلام لمجرد مثلاً أن هذه ترفض الكهنوت وهذا يرفضه؟ ، لقد ساق الكاتب المشار إليه هذا المثال باعتباره حقيقة لا يتطرق إليها الشك، وقد تكون كذلك، لكن ذكر الأمور على هذا المستوى من العمومية والتجريد يدخلنا إلى حد الإبهام والغموض، فهل حقّاً ترفض العلمانية الكهنوت؟ ! ، إننا نجد تكريساً له في مفهوم «أوجست كومت» أحد أبرز دعاة الوضعية إلى دين صناعي فلسفي تكون له كنيسة وكهنوت خاص به، وهل ترفض العلمانية الكهنوت أم إنها ترفض الكنيسة كلها والدين (المسيحي والإسلامي) والعقائد والأفكار الدينية، حتى ولو كانت بدون كهنوت؟ . إن القول برفض العلمانية للكهنوت يخفي حقيقة أن العلمانية ترفض الدين نفسه، وإلا فإن البروتستانتية وهي مذهب مسيحي كبير ترفض الكهنوت الكنسي، حتى وهي تدعو في تجلياتها الحديثة إلى أصولية مسيحية طاغية ومتطرفة. وبالمثل: فهل عندما يرفض الإسلام الكهنوت يرفض معه الدين والعقيدة؟ لا أحد يستطيع القول بذلك؛ لأن الإسلام نفسه دين. وإذا قلنا: إن الإسلام يرفض الكهنوت، فإن هذا يعني أنه يرفض الأسلوب الكنسي المعروف، في ضرورة وجود عناصر خاصة لا تكتمل العبادة ولا ترفع إلا بها، بل لا يكتمل الدين والإيمان نفسه إلا بمباركتها وتطويبها، لكن هذا لا يستتبع أبداً رفض وجود فئة من الفقهاء والعلماء تدرس الدين، عقيدته وشريعته، وتتخصص فيهما، وتنصح وتوجه غيرها من فئات الأمة التي لا تسمح لها ظروف الحياة وكفاحها بمثل هذا التخصص، لكن هذا لا يمنع أي فرد أو أي جماعة من الدراسة والتخصص والاطلاع على هذا النحو، فالدين مفتوح، وهذا هو معنى رفض الإسلام للكهنوت. ونلاحظ أن العلمانيين عندما يرفعون الصوت عالياً بأن الإسلام يرفض الكهنوت، فإنهم يقصدون كما تدل الأحداث رفض آراء وفتاوى وشروحات الفقهاء والعلماء المسلمين التي تزعجهم؛ لقيامها على العلم الصحيح بالإسلام. وينطبق التحليل نفسه على سائر النقاط التي يقال عادة: إن هناك تقارباً بين الإسلام والعلمانية فيها، والتي كان حظ بعضها في المعالجة وفيراً، كمفهوم الديمقراطية والليبرالية بين الإسلام والعلمانية مثلاً، أو مفهوم العقل فيهما، ولكننا هنا نضرب مثلاً لرأس موضوع آخر يقال إن فيه مِثْلَ هذا التقارب، ألا وهو: التركيز على النزعة الإنسانية، أو ما يعرف بـ (الهيومانزم) ، لقد قيل كلام كثير عن التقاء الإسلام بالعلمانية في هذه النقطة؛ لأن الإسلام قد كرم الإنسان وأعلى من شأنه؛ بينما تدعي العلمانية في جوهرها أنها هي الفكر الذي جعل من الإنسان ... «معيار كل شيء» ، كما يقول المثل العلماني الأشهر، ولكن: هل إعلاء الإسلام لشأن الإنسان مثل إعلاء العلمانية لشأنه؟ من الواضح أن الاتجاهين على طرفي نقيض في هذه الناحية؛ فالعلمانية تجعل الإنسان (ككائن مجرد مطلق) بديلاً عن الإله الذي رفضته أو أبعدته عن العالم، وتجعله الواضع لكل القيم والمعايير، كما تجعله الهدف الأسمى الذي يصب كل شيء في خدمته مهما كان، أما الإسلام: فلا يجعل الإنسان على هذه الدرجة أو الكيفية من التأله والإطلاق والغائية، كما أنه ليس هو واضع القيم العليا والمبادئ الكلية، وهو يستمد تكريمه من خالقه، وليس من مجرد كينونته هو، كما أن هذا التكريم مقصور على النواحي المادية الدنيوية بالنسبة للجميع، لكنه في الآخرة يقتصر على المؤمنين المقبولين وحدهم. إذن: نلاحظ مرة أخرى أن هناك خلطاً متعمداً، فيكفي عند هؤلاء أن يجيء في القرآن أن الله كرم بني آدم حتى تعقد المقارنات مع العلمانية التي كرمت الإنسان كما زعمت حتى وإن كان العالم قد عرف في عهود العلمانية من الجرائم في حق الإنسانية والإنسان ما لم يعرفه في عهود الوثنية والأديان السالفة. إن الطرح القائل بوجود تقارب بين مواقف الإسلام والعلمانية حول عدد معين من القضايا الفكرية والاجتماعية يعبر في ضحالته عن اتجاه في المحاججة، نلمسه عند بعضهم في تناولهم لشتى المسائل والأفكار، ونعني بهذا الاتجاه المعيب: الوقوف عند ظواهر المصطلحات أو على معانيها الأولية المبهمة غير الدقيقة؛ مما يسهل تمرير أي موقف، ويسهل كذلك من القول بالتقارب أو حتى التماثل بين ذلك المذهب وتلك الفلسفة، ولكن ما إن نبدأ في بحث دقيق حول نطاق المعاني والمضامين المبثوثة في مصطلحات أو مقولات معينة.. إلا ونلاحظ الفروق الجلية بين المذاهب، ومن الأمثلة على ذلك: مفهوم «الإله» في الإسلام والمسيحية، فقد درج بعض الناس على القول بتوحد الأديان السماوية كما يطلق عليها؛ لأنها كلها تعبد الإله نفسه! ، ولكن مفهوم «الألوهية» في الإسلام يختلف اختلافاً نوعيّاً وجذريّاً عن مفهوم «الرب» في النصرانية المتداولة، أو في اليهودية. وقد يكون لدعوى التقارب بين الإسلام والعلمانية مبرراتها السياسية الآنية عند بعض أولئك ممن ينشغلون بالمناورات والتحركات السياسية، لكنها غير مبررة ولا منطقية في عرف الفكر الصحيح.

стр. 2363

منتدى القراء الندم الفاعل بقلم: عبد الهادي الحسيني إنّ المتأمل في أحوال معيشة النّاس: يجدها تجيش بمعانٍ شتى، وتفور بانفعالات متنوعة، يستطيع العاقل أن يقبس منها قبسات تعضده في سيره إلى الله (تعالى) . فثمة صور من النّدم والتّحسّر تتردّد أصداؤها في حياتنا، فنجد التاجر يعتصره الندم على فوات صفقة تجارية كانت سترفع أرصدته عالياً، ونجد الطالب يعض أصبع الندم على ضياع درجات قليلة كانت سترفع معدله الدراسي شيئاً ما، ونجد الموظف يأكله التحسر أكلاً على فوات فرصة وظيفية كان معلقاً عليها آمالاً في تحسين حالته المادية! .. وصور وصور أخرى تضج بها حياتنا.. والصبغة العامة لها: أنها دنيوية بحتة! . بيد أن هناك صورة مضيئة لامعة لندم مطلوب وتحسر مرغوب، ولا نعجب لذاك؛ فالأسلاف قد برعوا وبرزوا في كل أمر! .. ندم رائع! .. رائع في هدفه، رائع في مقصده، رائع في منبعه، رائع في سببه، رائع في كل شيء، وكم هو رائع أن يحدث ذلك! ، ولعلنا نستمطر ذاكرة صحيح البخاري ليجود علينا بهذه اللوحة الندمية الرائعة: «قال أنس: يا رسول الله ﷺ ، غبت عن أول قتال قاتلتَ فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتالهم ليرين ما أفعل» .. فقط هكذا! والنتيجة: «فلم تعرفه إلا أخته ببنانه» ! .. أرأيتم الروعة والجمال! كم هو رائع هذا الندم الفاعل الدافع للعمل، لا ذاك الندم المؤدي إلى ضرب أخماس في أسداس! ندم دافع للمضي قدماً في دروب الخير المعشوشبة بالأجر، لا المؤدي إلى اجترار «اللّوّات» [١] . ندم مبيد للتحسر والقنوط، ندم محفز للعمل، وتحسر مرغوب في عمل أعظم من العمل الفائت! انظروا لأنس ﵁ يمضي سراعاً للعمل المنتج المثمر لنصرة دين الله بدافع الندم على ما مضى من فوات قربة يتقرب بها للمولى، وإن كانت تلك القربى روحه التي بين جنبيه! . فتحول عنده الندم من مجهض للإمكانات والقدرات إلى ندم حافز أو ملهم لتكرير واستغلال المهام القادمة، وغدا ندمه مُلهباً للحماس المطارد لكل جزئيات الدعة والسكون في نفسه. فيا من أَلِفَ العيش في فضاءات السكون والجمود، ويا مَن مضت عليه سنة الفتور والركود ... قم وانفض أردية الخمول وانهض من حضيض الفتور إلى قُنّة الفاعلية، ومن مهامة الكسل إلى صدر الإيجابية، وليكن لك من هذا الندم نصيب! فمتى نهب جميعاً لخدمة أمتنا على كافة الصعد، قائلين: «ليرين الله ما أفعل» ؟

стр. 2364

منتدى القراء حول الوحدة الإسلامية بقلم: علي إبراهيم محمد يظل البحث عن الوحدة الإسلامية همّاً يؤرق الكثير من أبناء هذه الأمة الغيورين على لمِّ شتاتها وتوحيد صفها، فالخلافات قد شلت أياديها وأصبحت تهدد مستقبل الدعوة الإسلامية، وتشيع الكراهية والبغضاء بين المسلمين، بل قد يمتد الأمر إلى أن يحمل المسلم السلاح ضد أخيه المسلم. وإذن: فالبحث عن وحدة الصف الإسلامي لا يقل أهمية عن البحث عن مَصْل يقضي على فيروس الإيدز! ، فكم من مقالات كتبت وخطب ألقيت تحض المسلمين على الاجتماع وعدم إتاحة الفرصة للخلافات الهامشية أن تصنع فجوات بينهم وتحيلهم إلى أشتاتٍ وشراذم، ولكنها ذهبت أدراج الرياح، فها نحن نواجه التفرق والتنازع الفكري المتواصل الذي أخذ يباعد بين أفراد المجتمع المسلم، فأصبح المسلمون عازفين عن مواجهة المحن صفّاً واحداً في أمور تتطلب التماسك وتناسي الخلافات، وقد تجلى ذلك في كثير من التجارب الجهادية، ولم ينتبه المسلمون إلى هذه القضية الخطيرة، حتى أصبحت نكسة مؤلمة أفضت إلى تناحر وقتال داخلي، وأخذ بعضهم يبيح دماء بعض! ! . إن الاختلاف في الفقه والفهم للآيات والأحاديث أمر لا مفر منه، وقد حدث ذلك في عهد الصحابة، ولكن لم يكن ذلك الاختلاف يدعوهم إلى التباغض، ولم يحاول أحدهم أن يقصر المسلمين على فهمه. ومن حِكَم الله البالغة: ألا يكون الناس أمة واحدة، ومَن ﵏ يجتمعون على الحق، كما ورد في قوله (تعالى) : [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] (هود: ١١٨، ١١٩) . وقد قال ابن عباس في هذه الآية: إن الله خلقهم للرحمة، أي: لم يخلقهم للاختلاف، فالمسلم ملزم باتباع النبي، ولا يجوز التعصب للعلماء والمذاهب، فمن صح دليله فهو المتبع، فهذا الإمام مالك يقول: «كل بني آدم يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر» ، وأشار بيده إلى قبر النبي ﷺ . أما في مسألة العقيدة: فقد كان الصحابة (رضوان الله عليهم) مجتمعين على عقيدة التوحيد اجتماع البنيان المرصوص.

стр. 2365

الدولة ... ... ... عدد الدورات ... ... الدولة ... ... عدد الدورات ------------------------------------------------- لندن ... ... ... ... ١٤ ... ... ... نيجيريا ... ... ١٦ السودان ... ... ... ٢ ... ... ... بنجلاديش ... ... ٨ كينيا ... ... ... ... ١٨ ... ... الحبشة ... ... ... ٣ تشاد ... ... ... ... ٤ ... ... ... مالي ... ... ... ٩ غانا ... ... ... ... ٧ ... ... ... أوغندا ... ... ... ٥ الصومال ... ... ... ٦ ص ٩٥ الدولة ... ... عدد المخيمات ------------------------ كينيا ... ... ... ٩ مالي ... ... ... ٥ الحبشة ... ... ... ١ السودان ... ... ٢ جامبيا ... ... ... ١ غانا ... ... ... ٢ السنغال ... ... ١ بريطانيا ... ... ٨ نيجيريا ... ... ... ٢ تشاد ... ... ... ٣ توجو ... ... ... ١ ص ٩٧ الدولة ... ... عدد المدارس ... ... ... ... ملاحظات ------------------------------------------------- بريطانيا ... ... ١ كينيا ... ... ... ٨ ... ... ... منها: (٤) روضة، و (٣) ... ... ... ... ... ... ابتدائية، و (١) ثانوية. غانا ... ... ... ٩ ... ... ... منها: (٢) روضة، و (٣) ... ... ... ... ... ... ابتدائية، و (٣) إعداية، (١) ... ... ... ... ... ... ... ... ثانوية. تشاد ... ... ... ١ بنجلاديش ... ... ١ ... ... ... ... ... ابتدائية الدولة ... ... عدد المدارس ... ... ... ملاحظات ------------------------------------------------- كينيا ... ... ... ٣١ تشاد ... ... ... ١ نيجيريا ... ... ... ١ ... ... ... ... للمرحلة الثانوية ص ٩٨ الدولة ... ... ... ... عدد الكتب --------------------------- غانا ... ... ... ... ١١٠٨٤٤ كينيا ... ... ... ... ٥٢٢٥٠ مالي ... ... ... ... ١٧٠٠٠ السنغال ... ... ... ٢٥٠٠ الصومال ... ... ... ٣٠٠٠ أوغندا ... ... ... ... ١٠٠٠ بنين ... ... ... ... ١٨٠٠٠ توجو ... ... ... ... ٤٨٢٠٦ ص ١٠٠ الدولة ... ... ... عدد القوافل ---------------------------- كينيا ... ... ... ١٦ غانا ... ... ... ١١ الصومال وجيبوتي ... ١١ مالي ... ... ... ١٦ السودان ... ... ... ٣ تشاد ... ... ... ٣ أوغندا ... ... ... ٣ الحبشة ... ... ... ٢ بنجلاديش ... ... ٥ نيجيريا ... ... ... ٢١ عدد ١٠١ الدولة ... ... عدد المساجد ... عدد المساجد ... ... المجموع ... ... التي تم تنفيذها ... التي تحت التنفيذ ------------------------------------------------- الحبشة ... ... ١٧ ... ... ٣ ... ... ... ... ٢٠ إريتريا ... ... ٢ ... ... ... ٢ ... ... ... ... ٤ أوغندا ... ... ... ٨ ... ... ... ١ ... ... ... ... ٩ باكستان ... ... ٤١ ... ... ... - ... ... ... ٤١ أفغانستان ... ... ١ ... ... ... - ... ... ... ... ١ بنجلاديش ... ... ٨٠ ... ... ... ٦ ... ... ... ٨٦ تشاد ... ... ... ١٢ ... ... ... - ... ... ... ... ١٢ توجو ... ... ... ٣ ... ... ... - ... ... ... ... ٣ بنين ... ... ... ١ ... ... ... - ... ... ... ١ الجمهوريات الإسلامية ٤ ... ... ... - ... ... ... ٤ السنغال ... ... ١ ... ... ... ١ ... ... ... ٢ السودان ... ... ٨ ... ... ... ٤ ... ... ... ١٢ الصومال ... ... ١٦ ... ... ... - ... ... ... ١٦ غانا ... ... ... ١٩ ... ... ... ٦ ... ... ... ٢٥ الفلبين ... ... ٥ ... ... ... ١ ... ... ... ٦ كينيا ... ... ... ١٧ ... ... ... ٢ ... ... ... ١٩ مالي ... ... ... ٧ ... ... ... ٥ ... ... ... ١٢ نيجيريا ... ... ٣ ... ... ... ٨ ... ... ... ١١ الهند ... ... ٣ ... ... ... ٢ ... ... ... ٥ جيبوتي ... ... - ... ... ... ١ ... ... ... ١ تنزانيا ... ... ٢ ... ... ... - ... ... ... ٢ ------------------------------------------------- المجموع ... ٢٥٠ ... ... ... ٤٢ ... ... ... ٢٩٢ ... ------------------------------------------------- الدولة ... ... ... ... عدد المكتبات الكبيرة ... ... عدد المكتبات ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الصغيرة ------------------------------------------------- بريطانيا ... ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ـ كينيا ... ... ... ... ... ٣ ... ... ... ... ... ١٧ مالي ... ... ... ... ... ٤ ... ... ... ... ... ٤ غانا ... ... ... ... ... ٢ ... ... ... ... ... ـ الصومال ... ... ... ... ٧ ... ... ... ... ... ٧ السنغال ... ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ١ بنجلاديش ... ... ... ... ٣ ... ... ... ... ... ١ السودان ... ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ـ تشاد ... ... ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ١ أوغندا ... ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ـ الحبشة ... ... ... ... ـ ... ... ... ... ٥.٥سمعية نيجريا ... ... ... ... ـ ... ... ... ... ... ٢ ص ١٠٤ -------------------------------------- الدولة ... ... ... ... عدد المكتبات -------------------------------------- كينيا ... ... ... ... ... ١٨٨ غانا ... ... ... ... ... ١٤١ مالي ... ... ... ... ... ٥٠ بنجلاديش ... ... ... ... ١١٠ تشاد ... ... ... ... ... ١٥٠ الصومال ... ... ... ... ٤٥ أوغندا ... ... ... ... ... ٢٥ توجو ... ... ... ... ... ٢ ص ١٠٨ ---------------------------------------------- الدولة ... ... ... عدد الآبار ... ... ... ... ملاحظات ---------------------------------------------- غانا ... ... ... ٣١ ... ... ... ... ... ـ مالي ... ... ... ٨ ... ... ... ... ... ـ الحبشة ... ... ... ٩ ... ... ... ... ... ـ كينيا ... ... ... ١٤ ... ... منها بئر ارتوازي واحد بالإضافة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... إلى خمسة خزانات مياه الصومال ... ... ... ١٤ ... ... ... ... ... ـ توجو ... ... ... ١١ ... ... ... ... ... ـ بنجلاديش ... ... ٣٦ ... ... ... منها (٤) آبار ارتوازية. تشاد ... ... ... ٩ ... ... ... منها بئر بالطاقة الشمسية. بنين ... ... ... ١١ ... ... ... ... ... ـ باكستان ... ... ... ١٢ ... ... ... ... ... ـ أوغندا ... ... ... ٢ ... ... ... ... ... ـ جنوب شرق آسيا ... ٥ ... ... ... ... ... ـ السنغال ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ـ نيجيريا ... ... ... ٩ ... ... ... ... ... ـ

стр. 2366

من ثمرات المنتدى التقرير السنوي لأنشطة المنتدى الإسلامي المقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فيسرنا في هذا التقرير أن نقدم وصفاً شاملاً ومختصراً لأنشطة المنتدى الإسلامي في مختلف مواقع العمل، سائلين الله (تعالى) أن يبارك في جهودنا، ويسدد خطانا، ويجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى. ويتضح ابتداءً من خلال هذا التقرير حرص المنتدى الإسلامي على الجانب الدعوي، فهو أحد الأهداف الرئيسة التي يسعى لتحقيقها، رغبةً في نشر رسالة التوحيد، وأداءً لأمانة البلاغ، التي كلفنا الله (تعالى) بحملها إلى جميع الأمم، وجميع الأنشطة الأخرى (التعليمية، والإغاثية، والاجتماعية.. ونحوها) إنما تُسخّر التسخير الأمثل لخدمة الهدف الدعوي الأساس. ونتيجة لتوسع العمل وتعدد مجالاته، اتخذت إدارة المنتدى الإسلامي عدداً من الإجراءات التنظيمية التي تكفل المتابعة الدقيقة لسير البرامج وفق الأسس العلمية المتقنة، بعيداً عن الارتجال والعفوية، ومن هذه الإجراءات: ١- رسم خطط واضحة للعمل، حددت فيها الأهداف والوسائل، بحيث ينمو العمل نمواً صحيحاً. ٢- افتتاح مكاتب فرعية للإشراف على الأنشطة ميدانيّاً، حيث بلغ عدد مكاتب المنتدى الإسلامي ومجلة البيان (١٤) مكتباً. ٣- تكوين لجنة للتقويم والتخطيط، تهدف إلى دراسة الإنجازات الماضية وتقويمها تقويماً ميدانيّاً، وتتلمس جوانب القوة لاستثمارها وتنميتها، وجوانب النقص لمعالجتها وتصحيحها بشكل مستمر. ٤- تكوين لجنة علمية، تهدف إلى إعداد الدراسات الشرعية والتربوية التي تحتاجها المكاتب الميدانية واللجان الدعوية. وفيما يلي عرض مختصر لبعض أنشطة المنتدى الإسلامي: أولاً: برامج تعيين الدعاة والأئمة والمدرسين: يعد برنامج تعيين الدعاة والأئمة والمدرسين من أبرز البرامج التعليمية التي يقوم بها المنتدى الإسلامي، حيث تم تعيين (٥٠٠) داعية ومدرساً، يقومون بالتعليم والدعوة والإمامة، في عدد غير قليل من الدول، مثل: كينيا، وأوغندا، والصومال، وجيبوتي، ومالي، ونيجيريا، وغانا، وبنين، وتوجو، وبنجلاديش، وإثيوبيا ... وغيرها. وقد وضع المنتدى الإسلامي برامج دعوية وتعليمية لكل داعية ومدرس، تختلف باختلاف المناطق والقدرات. وللرفع من كفاءة الدعاة العلمية والعملية، فقد أعد المنتدى سلسلة من الدراسات التي تعين الدعاة في تنفيذ برامجهم على الوجه الصحيح، ومنها: ١- سلسلة الدراسات الشرعية المتخصصة التي تعالج بعض الانحرافات المنهجية والعقدية في مواقع العمل، مثل: (الاتباع في ضوء الوحيين، التوسل: المشروع والممنوع آل البيت: منزلتهم، وخصائصهم، والغلو فيهم محبة النبي - ﷺ بين السنة والبدعة.. ونحوها) . ٢- سلسلة الدروس الرمضانية، وتنقسم إلى قسمين: أ- الدروس الفقهية. ... ب- الدروس العقدية التربوية. ٣- الرسائل الدعوية: وهي رسائل دعوية شهرية يزود بها الدعاة في الموقع، وتهدف إلى تذكيرهم بعظيم مسؤوليتهم، وتعالج المشكلات التي تواجههم في واقعهم العملي، وتكون هذه الرسائل أوراق عمل يتذاكر فيها الدعاة وينصح بعضهم بعضاً. ويحرص المنتدى على تزويد الدعاة بالكتب والمراجع العلمية والدعوية التي تسهل لهم العملية التعليمية والدعوية. ثانياً: الأنشطة الدعوية والتربوية: يقوم المنتدى بأنشطة دعوية وتربوية متعددة منها: ١- الدورات الشرعية: تهدف هذه الدورات إلى تصحيح وترشيد العمل الإسلامي، ورفع المستوى العلمي، والوعي الدعوي، لدى الدعاة، وتأصيل ذلك تأصيلاً شرعيّاً مبنيّاً على الكتاب والسنة الصحيحة ومنهج السلف الصالح. وقد بلغ عدد الدورات الشرعية (٩٢) دورة، شارك فيها نخبة من المتخصصين والأساتذة وطلبة العلم، وقدمت فيها دورس متخصصة في: العقيدة، والتفسير، والفقه وأصوله، والحديث وعلومه، وفقه الدعوة، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي ... وكانت الدورات موزعة كالتالي: الدولة عدد الدورات الدولة عدد الدورات لندن ١٤ نيجيريا ١٦ السودان ٢ بنجلاديش ٨ كينيا ١٨ الحبشة ٣ تشاد ٤ مالي ٩ غانا ٧ أوغندا ٥ الصومال ٦ وقد كان لهذه الدورات آثار علمية ودعوية كبيرة، ولله الحمد والمنة. ٢- الملتقيات الدعوية: تهدف هذه الملتقيات إلى معالجة مشكلات الدعوة والدعاة، وتنمية القدرات العلمية والدعوية لدى المشاركين. وقد تم بحمد الله (تعالى) عقد (٣٥) ملتقى دعويّاً، في عدد من الدول، موزعة كالتالي: بريطانيا: (٢٢) ملتقى دَعَويّاً. غانا: ملتقيان دعويان. كينيا: ثلاثة ملتقيات دعوية. السنغال: ملتقى دعوي. توجو: ملتقى دعوي. مالي: ملتقيان دعويان. الصومال: ملتقى دعوي. أوغندا: ملتقى دعوي. نيجيريا: ملتقيان دعويان. ٣ -المخيمات الشبابية التربوية: يحرص المنتدى الإسلامي على إقامة المخيمات الشبابية والطلابية؛ لدورها الكبير في إيجاد المحاضن التربوية التي تربي الشباب، وتنشر الوعي الإسلامي في صفوفهم، وقد بلغ عدد المخيمات التربوية التي أقيمت (٣٥) مخيماً، وهي موزعة كالتالي: الدولة عدد المخيمات كينيا ٩ مالي ٥ الحبشة ١ السودان ٢ جامبيا ١ غانا ٢ السنغال ١ بريطانيا ٨ نيجيريا ٢ تشاد ٣ توجو ١ ٤- الدورات الإدارية: تهدف هذه الدورات إلى تنظيم العمل وضبطه، والارتقاء به نحو الأفضل، درءاً للفوضوية والارتجال، وقد أقيمت ست دورات متخصصة في هذا المجال، بالإضافة إلى عدد من الدروس والمحاضرات في أكثر مكاتب المنتدى، وهذه الدورات هي: ١- دورة في الإدارة المدرسية وطرق التدريس، أقيمت في غانا. ٢- دورة في الإدارة وأساليب التخطيط والتنظيم، أقيمت على هامش الملتقى الثالث في توجو. ٣- دورة في طرق تنظيم الدورات والأنشطة العلمية والتربوية في توجو. ٤- دورة تدريبية في الإدارة العامة وشؤون المشاريع في نيروبي. ٥- ورشة العمل الأولى لرؤساء الأقسام والأفرع بمكتب نيروبي. ٦- دورة تدريبية لأقسام السكرتارية في كينيا. ٥- المحاضرات والدروس العلمية: يواصل المنتدى الإسلامي منذ إنشائه عقد الدروس الشرعية والمحاضرات العلمية في مركزه الرئيس في لندن، ومن هذه الدروس الأسبوعية المنتظمة: أ - دروس في العقيدة، من كتاب: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. ب- دروس في علم الحديث، من كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري. ج - دروس في الفقه، من كتاب: سبل السلام (خاصة بالنساء) . د - دروس في التفسير، يعقبها محاضرة أسبوعية. هـ - دروس مختارة للناطقين بالإنجليزية. هذا بالإضافة إلى أن كل داعية تابع للمنتدى في جميع المكاتب يكلف بالتعليم وعقد الدروس العلمية في المساجد، كما يقوم الدعاة بإلقاء الخطب والمحاضرات في شتى المعارف الإسلامية في المدارس والمعاهد والمساجد والتجمعات العامة، فدعاة مكتب مالي على سبيل المثال يلقون (٨١٦) درساً علميّاً في المساجد شهريّاً، ... و (١١٦) محاضرة عامة شهريّاً، ودعاة مكتب كينيا يلقون (٢٣٤٠) درساً علميّاً و (٤٦٨) محاضرة في مختلف العلوم الشرعية. ثالثا: الأنشطة التعليمية: ١- المدارس النظامية: ويقصد بها المدارس التي تلتزم بتدريس العلوم العصرية المقررة في البلد الذي تقام فيها، بالإضافة إلى تدريس العلوم الشرعية المعدة من قبل المنتدى، وبهذا يجمع الطالب بين الثقافتين، ويستطيع المواصلة في الجامعات الحكومية في أي تخصص يريد، وبذلك نضمن إن شاء الله وجود مسلمين أكفاء في مختلف القطاعات الحكومية. وقد بلغ إجمالي عدد المدارس (٢٠) مدرسة، وهي موزعة كالتالي: الدولة عدد المدارس ملاحظات بريطانيا ١ كينيا ٨ منها: (٤) روضة، و (٣) ابتدائية، (١) ثانوية غانا ٩ منها: (٢) روضة،و (٣) إعدادية، و (١) ثانوية تشاد ١ بنجلادش ١ ابتدائية ٢- المدارس الشرعية: يهتم المنتدى اهتماماً بالغاً بإنشاء وتشغيل المدارس الشرعية؛ لنشر العلم الصحيح، ورفع الجهل عن أبناء المسلمين، وقد بلغ عدد هذه المدارس (٣٣) مدرسة، موزعة كالتالي: الدولة عدد المدارس ملاحظات كينيا ٣١ للمرحلة الثانوية. تشاد ١ نيجيريا ١ ٣- معاهد إعداد الدعاة: الاهتمام بتنمية الطاقات وإعداد الدعاة له أهمية كبيرة جدّاً في إنجاح العمل الدعوي، ولهذا: سعى المنتدى الإسلامي لافتتاح عدد من المعاهد العليا لإعداد الدعاة، واكتمل إعداد المناهج العلمية، والخطط الدراسية، ولكن تأخر افتتاحها بسبب بعض الإشكالات النظامية في الدول المعنية، ومن أهم هذه المعاهد: معهدا إعداد الدعاة في مالي ونيجيريا: حيث جهزت المباني، وذللت العقبات النظامية، وسوف يبدأ العمل في معهد مالي بداية العام القادم، إن شاء الله. ٤- توزيع المناهج الدراسية: تفتقر كثير من المدارس الإسلامية في إفريقيا إلى المناهج الدراسية، بسبب ضعف إمكاناتها المادية، فهذا يؤدي في الغالب إلى ضعف المستوى العلمي للطلاب؛ ولهذا: سعى المنتدى الإسلامي إلى توزيع المناهج الدراسية على بعض هذه المدارس، حيث بلغ عدد الكتب الموزعة تقريبا: (٢٥٢٨٠٠) كتاب، موزعة كالتالي: الدولة عدد الكتب غانا ١١٠٨٤٤ كينيا ٥٢٢٥٠ مالي ١٧٧٠٠٠ السنغال ٢٥٠٠ الصومال ٣٠٠٠ أوغندا ١٠٠٠ بنين ١٨٠٠٠ توجو ٤٨٢٠٦ رابعاً: تحفيظ القرآن الكريم: يهتم المنتدى الإسلامي اهتماماً خاصّاً بكتاب الله ، حفظاً، وتلاوة، ودراسة، ويسعى لتربية النشء المسلم على آدابه وتوجيهاته، وذلك من خلال إقامة خلوات وحلقات لتحفيظ القرآن الكريم، ويبلغ عدد الحلقات التي يشرف عليها المنتدى (٣٣٠) حلقة تتوزع في عدد كبير من الدول بالإضافة إلى أربعة مراكز لتحفيظ القرآن في مخيمات اللاجئين الإرتيريين في شرق السودان. وقد أعد المنتدى الإسلامي خطه متكاملة للارتقاء بمستوى الحلقات إداريّاً وتربويّاً وفنيّاً، وقد دونت هذه الخطة في كتاب تحت الطبع، سوف يوزع لعموم القراء إن شاء الله، ووضع المنتدى أيضاً منهجاً علميّاً رديفاً في العلوم الشرعية: التوحيد، والفقه، والتفسير، والسيرة، والآداب الإسلامية، كما يحرص المنتدى الإسلامي على الرفع من قدرات المشرفين على الحلقات والمدرسين فيها، وذلك بعقد الدورات العلمية لهم، ومنها: ١- دورة شرعية لمدرسي حلقات تحفيظ القرآن الكريم في توجو. ٢- دورة شرعية لمدرسي حلقات تحفيظ القرآن الكريم في غانا. ٣- دورتان تدريبيتان لمدرسي حلقات تحفيظ القرآن الكريم في مالي. ٤- دورة تدريبية لمعلمي الحلقات في أوغندا. هذا بالإضافة إلى الدورات المحلية التي يعقدها المشرفون الميدانيون مع مدرسيهم بين فترة وأخرى. وقد وزعت مكاتب المنتدى أعداداً كبيرة جدًّا من المصاحف، بالإضافة إلى توزيع ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية، والفرنسية والصومالية. خامساً: القوافل الدعوية: المناطق الإسلامية مناطق واسعة مترامية الأطراف، وقد انتشر الإسلام بحمد الله في مختلف الأدغال والقرى النائية، ولكن غلب الجهل في عامة المسلمين في المدن الرئيسة فضلا عن القرى والهجر النائية، مما جعل البدع والشركيات والسحر ينتشر في أوساط الجهلة من المسلمين. ولتعسر تعيين الدعاة في كل المناطق المحتاجة، ولصعوبة الانتقال من منطقة إلى أخرى، كلف المنتدى الإسلامي دعاته بإعداد القوافل الدعوية للوصول إلى المسلمين وغيرهم، ونشر العقيدة الصحيحة بينهم، ومحاربة البدع والخرافات. ومن أجل أن يكون تأثير القافلة على المستوى الأمثل، رأى المنتدى الإسلامي أن يُرْسِل مع بعض القوافل طيبياً لعلاج المرضى، كما تحمل القافلة أحياناً بعض الملابس والمواد الغذائية لتأليف الناس، وبعض الكتب باللغات المحلية. وقد نفّذت (ولله الحمد) (٩٠) قافلة دعوية موزعة كالتالي: الدولة عدد القوافل كينيا ١٦ غانا ١١ الصومال وجيبوتي ١١ مالي ١٦ السودان ٣ تشاد ٢ أوغندا ٣ الحبشة ٢ بنجلاديش ٥ نيجيريا ٢١ وقد كان لهذه القوافل (والحمد لله) أثر محمود، ونتائج إيجابية كبيرة، لعل من أبرزها إسلام (٦٢) وثنيًّا في قافلة واحدة قام بتنفيذها مكتب مالي. وفي كينيا أسلم (ولله الحمد) في عام ١٤١٦هـ ١٤١٧هـ: (٣٥٠٠) شخصاً، وفي نيجيريا أسلم (١٦٤) شخصاً. ونتيجة لهذا الإقبال العظيم للدخول في الإسلام، فقد حرص المنتدى الإسلامي على متابعة هؤلاء المهتدين بطرائق مختلفة، منها: ١- إنشاء مركز محو الأمية للمهتدين الجدد في منطقة (كسومو) في كينيا. ٢- في كل قرية يكثر فيها المهتدون يعين عندهم داعية يجيد لغتهم المحلية؛ ليتابع تعليمهم. ٣- الجولات الدعوية الدورية للدعاة في مختلف المناطق والقرى. سادساً: بناء المساجد: قام المنتدى ببناء (٢٤٦) مَسجداً وجامعاً في دول مختلفة، منها (٣٧) مسجداً تحت التنفيذ، وهي كالتالي: الدولة عدد المساجد عدد المساجد المجموع التي تم تنفيذها التي تحت التنفيد --------------------------------------------- الحبشة ١٧ ٣ ٢٠ إريتريا ٢ ٢ ٤ أوغندا ٨ ١ ٩ باكستان ٤١ - ٤١ أفغانستان ١ - ١ بنجلاديش ٨٠ ٦ ٨٦ تشاد ١٢ - ١٢ توجو ٣ - ٣ بنين ١ - ١ الجمهوريات الإسلامية ٤ - ٤ السنغال ١ ١ ٢ السودان ٨ ٤ ١٢ الصومال ١٦٦ - ١٦ غانا ١٩ ٦ ٢٥ الفلبين ٥ ١ ٦ كينيا ١٧ ٢ ١٩ مالي ٧ ٥ ١٢ نيجيريا ٣ ٨ ١١ الهند ٣ ٢ ٥ جيبوتي - ١ ١ تنزانيا ٢ - ٢ ويحرص المنتدى الإسلامي على الاختيار الأمثل لموقع المسجد، وتسجيل ملكيته رسميًّا، كما يسعى كذلك لإحياء رسالة المسجد، وتنشيطه دعويّاً، بتعيين داعية مؤهل في كل مسجد يقوم المنتدى ببنائه، ليتولى إمامة المسلمين، وإقامة الدروس الشرعية، والمواعظ، وحلقات تحفيظ القرآن. سابعاً: المراكز الإسلامية: رغبة من المنتدى الإسلامي في تركيز العمل الدعوي، وبنائه بناءً متيناً: فقد وافقت الإدارة على إقامة أربعة مراكز إسلامية، وهي: ١- المركز الإسلامي في نيجيريا كانو: وقد بدأ البناء منذ مدة، وسوف يفتتح المسجد ومصلى النساء في شهر رمضان المبارك ١٤١٧هـ. ٢- المركز الإسلامي في بنجلاديش، وقد بدأ البناء فيه منذ مدة. ٣- المركز الإسلامي في غانا أكرا: وقد بدأت الإجراءات الأولية لشراء مبنًى كبير، وأرض مجاورة له، ليقام عليها المسجد إن شاء الله (تعالى) . ٤- المركز الإسلامي في كينيا نيروبي: تم شراء الأرض وتسجيلها رسميّاً، والعمل جارٍ لإعداد المخططات الهندسية للمشروع. ويحتوي كل مركز على: ١- مسجد جامع كبير. ٢- مصلى للنساء. ٣- مكتبة باللغة العربية والإنجليزية واللغات المحلية. ٤- مكتبة سمعية ومرئية. ٥- فصول مدرسية. ٦- مبانٍ إدارية. ثامناً: المكتبات العامة ومكتبة طالب العلم: للكتاب الإسلامي دور كبير في نشر العلم، ونشر العقيدة الإسلامية الصحيحة، وبسبب ندرة الكتاب الإسلامي وقلة المراجع العلمية في كثير من الدول، سعى المنتدى الإسلامي إلى توفير الكتب والمراجع العلمية بعدة وسائل، منها: ١- المكتبات العامة: وهي نوعان: مكتبة كبيرة: توضع في المدن الرئيسة، وفي أماكن التجمعات الكبيرة للدعاة. مكتبة صغيرة: توضع في المساجد والمدارس ونحوها. وتم انتقاء الكتب بناءً على الاحتياجات الأساس للدعاة في كثير من البلاد. وبلغ عدد المكتبات التي جهزت حتى الآن (٦٣) مكتبة، موزعة كالتالي: الدولة عدد المكتبات عدد المكتبات الصغيرة بريطانيا ١ - كينيا ٣ ١٧ مالي ٤ ٤ غانا ٢ - الصومال ٧ ٧ السنغال ... ... ١ ١ بنجلاديش ٣ ١ السودان ... ١ - تشاد ١ ١ توجو - ١ أوغندا ١ - الحبشة ... - ٥ و٥ سمعية نيجيريا ... - ٢ ٢- مكتبة طالب العلم: يحرص المنتدى الإسلامي على تنمية قدرات الدعاة العلمية، ورفع مستوياتهم الشرعية، وذلك بتوفير مكتبة صغيرة لكل داعية، تحتوي على الأصول العلمية المهمة، ولكي يكون الاختيار متلائماً مع قدرات الدعاة وضعت قائمتان: الأولى: للدعاة الجامعيين. الثانية: للدعاة غير الجامعيين. وقد بلغ عدد مكتبات طالب العلم التي وزعت (٧١١) مكتبة، موزعة كالتالي: الدولة عدد المكتبات كينيا ١٨٨ غانا ١٤١ مالي ٥٠ بنجلاديش ١١٠ تشاد ١٥٠ الصومال ٤٥ أوغندا ٢٥ توجو ٢ ٣- توزيع الكتاب والشريط الإسلاميين: * عدد المصاحف الموزعة: ٢٨. ٠٠٠ مصحف. * عدد الكتب الإسلامية: ٢٣٩. ٤٠٩ كتب. * عدد الأشرطة: ١٠٥. ٠٠٠ شريط. تاسعاً: مطبوعات المنتدى الإسلامي: ١- مجلة البيان: بدأ المنتدى الإسلامي بإصدارها في عام ١٤٠٦هـ، لتوزع في مختلف أنحاء العالم. وقد اعتمد المنتدى (٤٥٠٠) اشتراكاً شهريّاً مجانيّاً في عدد من الدول، إسهاماً منه في إيصال كلمة الحق والهدى إلى الدعاة وطلاب العلم الذين لايستطيعون شراء المجلة، بالإضافة إلى العديد من الجمعيات الإسلامية والمعاهد والمراكز. ٢- نشرة المنار: وهي نشرة صغيرة تصدر باللغة الإنجليزية وتوزع في بريطانيا وأمريكا، ومكاتب المنتدى في إفريقيا في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، وتتناول هذه النشرة بعض البحوث الميسرة في العلوم الإسلامية. ٣- مجلة النصيحة: وهي مجلة دعوية جديدة تصدر باللغة الإنجليزية والسواحيلية في كينيا، بدأ إصدارها من شهر رمضان ١٤١٥هـ، ولنجاح هذه المجلة سوف تطور وتوزع إن شاء الله في الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية. ٤- كتاب المنتدى: يقوم المنتدى الإسلامي بطباعة الكتب والرسائل المفيدة مع الحرص على حسن الاختيار والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة، ومن هذه الإصدارات: * التجديد في الإسلام. * رؤية إسلامية للاستشراق. * اعتقاد أهل السنة في الصحابة. * علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام. * الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي. * البداوة والحضارة. * خواطر في الدعوة، ج١، ٢. * الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أصوله وضوابطه. * تجربة المنتدى الإسلامي في العمل الدعوي. * أيعيد التاريخ نفسه؟ ! . * على من تعرض الصور؟ ! . * فن التعامل مع الناس.. وغيرها. وسوف يصدر قريبا إن شاء الله كتاب: المدارس والكتاتيب القرآنية.. وقفات تربوية وإدارية. ٥- طباعة الكتب المترجمة: قام المنتدى الإسلامي بطباعة عدد من الكتب الإسلامية المترجمة إلى عدد من اللغات، ووزعت في عدد من دول العالم، ومنها: * الأصول الثلاثة، (باللغة الفرنسية) . * الأصول الثلاثة، (بلغة الهوسا) . * الخطوط العريضة، (بلغة الهوسا) . * وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة، للشيخ ابن باز، (بالإنجليزية) . * وجوب أداء الصلاة جماعة، لابن باز، (بالفرنسية) . * رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية، (بالبنغالية) . * عقيدة أهل السنة والجماعة، لجميل زينو، (بالبنغالية) . * صفة صلاة النبي ﷺ ووجوب صلاة الجماعة، ... لابن باز، (بالسواحيلية) . * الطهارة والصلاة، لابن عثيمين، (بالسواحيلية) . * الدروس المهمة لعامة الأمة، لابن باز، (بالسواحيلية) . * توجيهات إسلامية، لجميل زينو، (بالبنغالية) . * كشف الشبهات للإمام محمد بن عبد الوهاب، (بالسواحيلية) . * حصن المسلم، (بالسواحيلية) . * المرأة في الإسلام، (بالسواحيلية) . * مختصر العقيدة الإسلامية، لمحمد جميل زينو، (بالسواحيلية) . بالإضافة إلى أن المنتدى الإسلامي يسعى لتوفير الكتاب الإسلامي باللغات المختلفة من الأسواق، ويوزعها في دول العالم. عاشراً: النشاط الإغاثي والاجتماعي: المنتدى الإسلامي مؤسسة دعوية في الأصل، ولكنه يقدم أنشطة اجتماعية وصحية متعددة، كما يساهم في إغاثة المنكوبين وإعانة الملهوفين من المسلمين، ومن البرامج التي تم تنفيذها: ١- المراكز الإغاثية: قام المنتدى الإسلامي بإنشاء (٢٨) مركزاً إغاثياً، استفاد منها ( ... ١٥) شخص يوميا، موزعة كالتالي: أ- كينيا: (٢٣ «مركزاً إغاثيا للاجئين الصوماليين، واستمرت لمدة سنتين ، استفاد منها: (١١٧٠٠) شخص يوميًّا، وقد أغلقت جميعها لنزوح اللاجئين إلى مواقع أخرى. ويوجد الآن سبعة مراكز تغذية للطلاب في منطقة مرتي، يقدم كل منها وجبة واحدة، ما عدا مركز واحد يقدم ثلاثة وجبات يوميّاً، ويستفيد من هذه المراكز الآن (٢٠٢٠) شخصاً يوميّاً. ب - بنجلاديش: أقيم مركز إغاثي استمر لمدة سنتين، وتم إغلاقه لانقضاء الحاجة منه. ج - الصومال: مركزان إغاثيان، ثم إغلاقهما أخيراً. د - إثيوبيا: مركزان إغاثيان، تم إغلاقهما أخيراً. ٢- الأعمال الإغاثية العامة: وتشمل توزيع المواد الغذائية واللباس والكساء والدواء، حيث قام المنتدى الإسلامي بأعمال إغاثية متعددة في الصومال، وبنجلاديش للمتضررين من الفيضانات والأعاصير، والبورماويين بسبب الحروب، وجبيوتي، ومالي.. وغيرها. ويصاحب هذه الأنشطة برامج دعوية مكثفة من دعاة المنتدى الإسلامي. ٣- برنامج إفطار صائم: اعتاد المنتدى الإسلامي تنفيذ البرنامج سنويّاً في عدد من دول العالم، وقد بلغ عدد الوجبات التي تم توزيعها في رمضان ١٤١٣هـ (١٦٨، ٨٤٩) وجبة، شملت (١٨) دولة، وأما في رمضان ١٤١٤هـ فقد بلغ عدد الوجبات (٦٧٧، ٣٢٦) وجبة، شملت (١٦) دولة، وفي رمضان ١٤١٥هـ بلغ عدد الوجبات (٧٠٠، ٧٨٤) وجبة، شملت (١٦) دولة، وفي رمضان ١٤١٦هـ بلغ عدد الوجبات (٣٥٠. ٨٧١) وجبة، شملت (١١) دولة. وفي الغالب: يصاحب الإفطار دروس وعظية وعلمية وتربوية يعدها دعاة المنتدى الإسلامي؛ مما يكون له أثر مبارك (ولله الحمد والشكر) . وقد بلغ عدد الدروس العلمية في إفطار عام ١٤١٦هـ (٣١٢٦) درساً، ... و (٥١٠) محاضرات، و (١٠٦٧) كلمة توجيهية. ٤- برنامج الأضاحي: يقوم المنتدى الإسلامي سنويّاً بتنفيذ برنامج الأضاحي في عدد من دول العالم، وذلك لتوزيعها على فقراء المسلمين، وقد بلغ عدد الأضاحي حتى نهاية عام ١٤١٦ هـ (٢٤٣٨١) أضحية، بالإضافة إلى ذبح العقائق والكفارات والنذور؛ لتوزيعها على المحتاجين. ٥- حفر الآبار: بسبب تتابع الجفاف ومواسم القحط التي سادت أجزاءً من القارة الإفريقية، وزيادة حاجة المسلمين إلى مصادر نقية للمياه، عمل المنتدى ولا زال يعمل على سد حاجة المسلمين في بعض المناطق من المياه الصالحة للشرب، وقد حفر المنتدى الإسلامي حتى الآن (١٧٢) بئراً في عدد من الدول، موزعة كالتالي: الدولة عدد الآبار ملاحظات غانا ٣١ - مالي ٨ - الحبشة ... ٩ - كينيا ١٤ منها بئر ارتوازي واحد، بالإضافة إلى خمسة خزانات للمياه. الصومال ١١ - توجو ٣٦ - بنجلاديش ٩ منها (٤) آبار ارتوازية. تشاد ١١ منها بئر بالطاقة الشمسية. بنين ١٢ - باكستا ن ٢ - أوغندا ٥ - جنوب شرق آسيا ١ - السنغال ٩ - وقد بدأ المنتدى بمشروع جديد لحفر الآبار الارتوازية في السودان باسم (عيون الحياة» ، وجهز المشروع بمختلف التجهيزات الفنية والآلية اللازمة، وبناء على الخطة المرسومة فسوف يحفر (١٢) بئراً سنويّاً إن شاء الله (تعالى) ، تم تنفيذ (٢٤) بئراً حتى الآن، ولله الحمد. ٦- كفالة الأيتام: يكفل المنتدى الإسلامي (٢٥٨) يتيماً موزعين في عدد من الدول كفالة تامة، تشمل الغذاء والكساء والتعليم. وفي ختام هذا التقرير الموجز: نسأل الله ﵎ أن يبارك في هذه الجهود الخيرية وأن يخلص النيات، وأن يتقبلها بواسع فضله، وأن يوفقنا لإكمال هذه المسيرة على الوجه الذي يرضيه، وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى. وصلِّ اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2367

الورقة الأخيرة لا.. لوظيفة التزوير بقلم: علي بن موسى ليس غريباً أن يطفو فوق السطح بعض من امتهن تزوير وتزييف وعي القارئ، من الذين باعوا عقولهم وأفئدتهم للكفر وأهله، ليس بغريب أن يَلمَعَ هؤلاء وأن تتاح لهم فرص نشر ضلالهم وتضليلهم للأمة. فمن ضلالات القوم: ما يحاول هؤلاء المشبوهون إشاعته بين القراء، ومن ثم بين قطاعات الأمة كافة.. من أن الإسلام لا صلة له بالسياسة ولا بالحكم، وهي شنشنة نعرفها من أخزم، وضلالتهم هذه ليست بمستغربة منهم، ومن اتخذ طريق العلمنة والإلحاد له نهجاً فلا عجب منه أن يقول: إن الإسلام لا صلة له بالسياسة، فليس بعد الكفر ذنب، لكن الذي يدفعنا إلى الكتابة عن هذا الأمر: هو حماية بعض الأغرار من الانسياق وراء فجورهم وكفرهم وضلالهم؛ درءاً للمفسدة ومنعاً للضلالة والردة من الاستشراء، فإن من حق الأمة على كل ذي قلم وفكر أن ينهض لحماية كافة المسلمين من هذه الشرذمة الناكصة عن دينها. إن الإسلام دين ودنيا، دين ينظم حياة الأمة في دنياها وأخراها، دين كامل تام لا نقص فيه ولا عوجاً، قال الله (تعالى) : [إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ] ... [آل عمران: ١٩] ، وقال (تعالى) : [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينََ] [آل عمران: ٨٥] ، فالإسلام إذن: منهج حياة كامل ينظم جميع جوانب الحياة بما في ذلك السياسة والحكم، يقول الله (تعالى) : [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ] [المائدة: ٤٩] . لقد تكرر لفظ «حكم» واشتقاقاته المختلفة كثيراً وبخاصة صيغة الأمر ... «احكم» ، وهذا له دلالة قطعية أن الأمر للوجوب، وقد قال (تعالى) لنبيه: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ] [الجاثية: ١٨] ، فشريعة الإسلام مهيمنة هيمنة كاملة على الحياة، كلها رحمة ... وعدل، لا ظلم ولا جور فيها، فماذا يقول أعداء الحق والحقيقة من العلمانيين ومن لف لفهم؟ ! ، غير أننا نذكرهم بقوله (تعالى) : [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] ، فهل يَعْقل ذلك أولئك المزورون لرسالتهم، الذين يعملون لتضليل الناس؟ لكن حسبهم قوله (تعالى) : [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ] [الأعراف: ١٧٩] .

стр. 2368

رمضان - ١٤١٧هـ فبراير - ١٩٩٧م (السنة: ١١)

стр. 2369

كلمة صغيرة وما تخفي صدورهم أكبر منذ أن ظهر ما يسمى بالنظام العالمي الجديد والمسلمون يكتوون بنيرانه دون غيرهم، فالمواقف الجارحة، والقرارات الصارمة، والعدوان المبيّت، والحصار، والمقاطعة.. لم نسمع بأنها طبقت بحق غيرهم، مع وجود الباعث القوي من ممارسات قمعية واعتداءات سافرة. ولم نر يوماً قيام هيئة الأمم ومجلس أمنها (المزعوم) بتطبيق قراراته الحازمة والحاسمة ضد دول غير إسلامية (إلا تحلة القسم) . نعم قد يحكم بعض بلاد المسلمين طواغيت وجبابرة يسومون شعوبهم سوء العذاب، وقد يرتكبون من الموبقات ما الله به عليم.. ولكن: ما ذنب الشعوب التي تحاصَر وتجوّع وتُهَدّد بهدم بنيتها الأساسية بدعاوى تافهة واتهامات معلبة لم تعد تنطلي على أحد؟ العجيب: أن هيئة الأمم في مواقفها من السودان صارت مثاراً للسخرية من كل متابع، فاتهامها بالإرهاب وتصديره وإعداد معسكرات لمن يسمون بالمتطرفين.. أصبح دعايات ممجوجة؛ فليس هناك أكثر إرهاباً من الصهاينة والصرب، وليس هناك تصدير للإرهاب مثل ما يحصل من دول لم تعد مجهولة كبعض الدول المحيطة بالسودان التي جعلت من حدودها مجالاً لتدريب المعارضين والتدخل في شؤونه الداخلية، بل إن من العاملين تحت لواء الأمم المتحدة وبعض الدول الغربية من يتدخل في السودان ويجتاح أراضيه ليل نهار. فشيئاً من الموضوعية، وشيئاً من الصدق، ولتطبق العقوبات على كل المجرمين، بما فيهم (يهود) الذين يعربدون في فلسطين وجنوب لبنان بدون حسيب ولا رقيب. ومرحى للمعارضة السودانية (الشريفة) التي صارت تحت قيادة (الصليبي جرنج) ، وعلى الشعب السوداني الأبي أن يعرف من هو حقّاً أولى بالنصرة، ونحن لا نزكي السودان بقدر ما ندعوه للمزيد من الأسلمة الحقيقية. لكننا نحذر من الظلم والسكوت عليه.

стр. 2370

افتتاحية العدد رمضان فرصة للتغيير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالأيام تمر مر السحاب، وتمضي السنون سراعاً، وجلنا في غمرة الحياة ساهون، وقل من يتذكر أو يتدبر واقعنا ومصيرنا مع أننا نقرأ قول الله (تعالى) : ... [وَهُوَ الَذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً] ... [الفرقان: ٦٢] . والمسلم في عمره المحدود وأيامه القصيرة في الحياة قد عوضه الله (تعالى) بمواسم الخير، وأعطاه من شرف الزمان والمكان ما يستطيع به أن يعوض أي تقصير في حياته إذا وفق لاستغلالها والعمل فيها، ومن تلك المواسم: شهر رمضان المبارك، يقول الله (تعالى) : [يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [البقرة: ١٨٣] ، (إنه نداء رباني حبيب لعباده المؤمنين يذكرهم بحقيقتهم الأصيلة، ثم يقرر بعد ذلك النداء: أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين، وأن الغاية الأولى هي إعداد القلوب للتقوى والخشية من الله، هكذا تبرز الغاية الكبرى من الصوم.. والتقوى هي التي توقظ القلوب لتؤدي هذه الفريضة طاعةً لله وإيثاراً لرضاه. والمخاطبون بهذا القرآن من الرعيل الأول ومن تبعهم بإحسان يعلمون مقام التقوى عند الله ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها) [*] . ولهذا الشهر الكريم من الخصائص التي ميزه الله بها دون غيره من الشهور ما يساعد على أن يكون فرصة لزيادة معدلات التغيير والتصحيح في حياة كل فرد، بل في حياة الأمة جمعاء، يقول الرسول: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وسلسلت الشياطين) [اخرجه الترمذي] ، وفي رواية أخرى: (إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة) . هذه الفرصة العظيمة سانحة في هذا الشهر المبارك حيث تصفو النفوس، وترق القلوب، فيؤوب العباد إلى ربهم ويقومون بين يديه. وليعلم كل منا أنه يساهم بقسط وافر في تردي الحال وتأخر النصر إذا لم ينتهز فرصة رمضان لزيادة رصيده من الصالحات، وتصفية ما عليه من الآثام، حيث هو لبنة في بناء الأمة التي وعد الله بتغيير واقعها إلى أحسن وحالها إلى أفضل إن هم غيروا ما بأنفسهم: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا ... بِأَنفُسِهِمْ....] [الرعد: ١١] . ما أحوجنا معشر المسلمين كافة إلى وقفة محاسبة، كل منا مع نفسه في هذه الأيام الفاضلة، نراجع أحوالنا لا سيما من أسرف وفرط في جنب الله ومن قصّر في حق أهله أو حق من ولاه الله رعايته، ومن زلت به القدم وفرط في حقوق إخوانه المسلمين فلم يسلموا من أذاه. إنها فرصة لأن يتساءل فيها كل منا مع نفسه: حتى متى يبقى ضالاً عن صراط الله المستقيم، وهو يعلم أن الطريق الصحيح هو ما دعا إليه البشير النذير وأن خلافه ونقيضه هو الضلال المبين؟ ، لماذا أكون [كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً] [النحل: ٩٢] ؟ ! . إن الاستمرار على الحق والعض عليه بالنواجذ، والعودة إلى رحاب الله، وترك ما ألفته النفس من لهو وهوى قديكون الفكاك منه صعباً كما قال الشاعر: النفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم لكنْ لا بد من إرادة قوية واستشعار لواجب التغيير، وبخاصة إذا آمنا إيماناً جازماً أننا معرضون للخطر وسوء الخاتمة إن لم يتداركنا الله برحمته، فما أحوجنا إلى الصبر والمصابرة حتى نلقى الله وهو عنا راضٍ. قال رسول الله ﷺ : (إن من ورائكم أياماً الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله خمسين منهم أو خمسين منا؟ قال خمسين منكم) [رواه أبو داود] . إننا معشر المسلمين حكاماً ومحكومين يجب أن نصطلح مع الله، وهذا الشهر الكريم فرصة وأي فرصة. فمن الحاكمين بأمرهم اليوم من يحارب الله ورسوله جهاراً نهاراً، فأنّى له أن يوفق وأنّى له أن يمكّن، وأنّى له أن يختم له بخير، فإن كانوا مسلمين حقّاً؛ فليعلنوا حقيقة إسلامهم، وليحكِّموا شريعة الله، وليوطدوا العزم على السير بهدي الإسلام، وليغيروا وفق منهاجه، فليس الأمر مجرد دعوى. الدعاوى إذا لم يقم علي ... ها دليل فأصحابها أدعياء وهنا أيضاً دعوة لكل جماعة أو فئة تنتمي إلى الإسلام وتدعو إلى ذلك أن تحقق ولاءها لله (تعالى) وأن تجرد متابعتها للرسول ﷺ ، فكم رأينا في الواقع من يزعمون أنهم من الداعين إلى الإسلام، بينما هم في العقيدة منحرفون، وعن السنة زائغون، وعن آداب وأخلاق الإسلام متخلون. وقصارى ما عندهم: الكلام والخصام والحزبية المقيتة واللدد في الخصومة، فما أحوج المنتمين إلى سلك الدعوة إلى الله لتمثل الإسلام في منطلقاتهم وتعاملاتهم والولاء للمسلمين والبراء من أعداء الدين. فهل يكون هذا الشهر فرصة للعودة إلى الله وسلوك صراط الله المستقيم؟ ! عسى ولعل. وأخيراً: ندعو كل مفكر وكاتب مسلم ممن اتخذ الكتابة مهنة ومصدر رزق ألا يزل به القلم ويتبنى الأطاريح المنحرفة والآراء الفجة فيما يزعمونه علاجاً للمشكلات، لأننا قَلّ أن نجد من هؤلاء الكتاب من يسلك السبيل السوي فيما يسود به الصفحات؛ لكثرة ما يقولون بلا علم، ولجُل ما ينقدون بلا فهم؛ فضلاً عن هجومهم المتوالي على الدعاة والطعن في نواياهم واتهامهم بما هم منه براء. فهؤلاء إن كانوا غير مسلمين فليس بعد الكفر ذنب؛ وإن كانوا مسلمين فعليهم أن يتوبوا إلى الله؛ وأن يستشعروا الأمانة الملقاة على عواتقهم؛ وعليهم ألا يتسببوا في أذى إخوانهم والإساءة لهم والتحريض ضدهم بلا دليل؛ وعند الله تجتمع الخصوم. فلعل في هذا الشهر المبارك ما يوضح الرؤية الشاملة في الموقف من الإسلام ودعاته؛ وألا يكونوا أذناباً لأعداء الله في الهجوم على الإسلام والتخويف منه بمناسبة وغير مناسبة. ولعل في هذه الأيام الفاضلة ما يعين على تجاوز الأخطاء وتناسي الإحن، والعودة إلى الحق وعدم التمادي في الباطل، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ . والله أسأل أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. وصلِّ اللهم وسلم على البشير النذير وعلى آله وصحبه وسلم..

стр. 2371

في إشراقة آية [ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون] [*] بقلم: د.عبد الكريم بكار في هذه الآية الكريمة إخبار عن قاعدة من قواعد الخلق، وناموس من نواميس الوجود؛ وهي في الوقت نفسه: دليل على أن القرآن من عند اللطيف الخبير الذي أحاط بكل شيء علماً. إن المعرفة والتقدم العلمي الذي كان متوفراً في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- لايمكِّن على أي نحو من الكشف عن قاعدة (الزوجية) في الوجود، بل إن ما كان في حوزة الناس آنذاك من استقراء واطلاع لم يكن كافياً للكشف عن ظاهرة (الزوجية) في (الأحياء) فضلاً عن ميادين الوجود المختلفة، وإن الكشوفات الكونية المتسارعة؛ تميط اللثام في كل يوم عن أشكال من التزاوج والاقتران والارتباط في ميادين الحياة كافة، وعلى مستويات مختلفة، ابتداءً بالذرة، وانتهاءً بالمجرة؛ مما يُضيف شواهد جديدة على صدق محمد ﷺ . ولنا مع هذه الآيات وقفات عدة، نوضحها في الحروف الصغيرة الآتية: ١- إن فَطْر الله (جل وعلا) للكون على المزاوجة دليل إضافي على المغايرة بين المخلوق والخالق المتفرد في ذاته وصفاته وأفعاله؛ حيث إن ما يترسخ في الخبرة البشرية على الدوام من أن الخلق واحد، ويخضع لقوانين واحدة، وتحكم حركتَه ونموه وانهياره قواعدُ واحدة.. إن كل ذلك يدل على توحد الخالق (جل ثناؤه) الذي أوجد كل ذلك التنظيم الدقيق المعجز. وفي ختم الآية بقوله [لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] إشارة واضحة إلى هذا المعنى، حيث يدرك الناس تفرد الخالق وأَحَديته من خلال ما يشاهدون من ظواهر تزاوج الأشياء وتركيبها، وارتباطاتها، وتوازناتها على نحو يستحيل معه العبث، والارتجال والمصادفة. وكأن في الآية بعد هذا وذاك إيحاءً إلى أهمية استثمار المعرفة بسنن الله في الخلق في غرس الإيمان وتقويته، والارتقاء في إدراك واجبات العبودية وآدابها. ٢- إن ظاهرة الزوجية ليست دليلاً على وحدانية الخالق (جل وعلا) فحسب، وإنما هي دليل على نقص المخلوقات وافتقارها لغيرها، حيث لا تتحدد معاني الأشياء وقيمها الحقيقية من خلال ذواتها، وإنما من خلال كونها أجزاءً في تركيبات أعم، وفي هذا الصدد فإنه يمكن القول: إنه عند تدقيق النظر لا يخلو شيء عن تركيب! . لولا معرفة الناس بالقبح لما كان للجمال أي معنى أو قيمة إضافية؛ ولذا قالوا: إن للشوهاء فضلاً على الحسناء؛ إذ لولاها لما عُرف فضل الحسناء. ما فضل التنظيم لولا الفوضى، والذكاء لولا الغباء، والغنى لولا الفقر، والفضيلة لولا الرذيلة، والنهار لولا الليل، والحلو لولا المر ... أشياء لا حصر لها، ولا تستمد قوامها من ذاتها، وإنما من خلال غيرها! ! وهكذا: فالخلق، وما يَتَغَنّوْنَ به من خصائص فقراء فقراً مزدوجاً، فقراً إلى الخالق الموجد، وفقراً إلى مخلوق آخر، يجعل له معنى! ومن وجه آخر: فإن طبيعة العلاقة الزوجية تميل إلى المرونة، وذات أوساط متدرجة؛ فالغنى درجات، وكذلك الفقر، وقل نحو ذلك في الذكاء والغباء، والجمال والقبح، والاستقامة والانحراف ... حيث تلامس أدنى درجات الأول أعلى درجات الثاني؛ مما يشكِّل مناطق برزخية متأرجحة، هذه الوظيفة للعلاقات الزوجية تكسر من حدة تفرد كل طرف، وتجعل الخصائص الفائقة نسبية، فتتطامن، وجوانب النقص اعتبارية، فتشمخ، وكأنها بذلك تتهيأ للتعاون والاندماج عوضاً عن التنافس والصدام. وكأن ذلك يوحي إلينا بإيجاد الأرضيات المشتركة، والعدول عن النفخ في الخصوصيات الاجتهادية الذي يحولها إلى حواجز منيعة وقواطع حقيقية بين أبناء التيار الواحد، والأمة الواحدة! ، وهكذا: فإذا كنا عاجزين عن أن نستشف من النصوص ما يساعدنا على صياغة علاقات ومواقف جيدة ومنتجة.. فإن علينا أن نتعلم من إيحاءات السنن الكونية ما نُصلح به حياتنا الاجتماعية، وعلاقاتنا الأخوية؛ حيث إننا في نهاية الأمر جزء من الظاهرة الكونية الكبرى. ٣- الإخصاب أوضح نتائج التزاوج بين الأشياء، وهو أوضح ما يكون في التقاء الأزواج من الإنسان والحيوان؛ فمن خلال لقاء الزوجين يتم حفظ النوع وإعتاؤه بنسل على درجة كبيرة من التنوع والتعدد. ولا يقلّ الإخصاب في الأشياء المعنوية والمادية عنه في الكائنات الحية؛ فمن عناصر الأرض التي لا تزيد عن المئة إلا قليلاً يوجد بين أيدي الناس اليوم ما يزيد على مليونين من المصنوعات! ، وعلى الرغم من صرامة القوانين والخصائص الكيميائية يوجد في الأسواق ما يزيد على ثمانين ألف نوع من المركبات الكيميائية، كما أنه يطرح منها في الأسواق كلّ عام أكثر من ألفي نوع جديد! . هذه الخصوبة الهائلة هي نتيجة مباشرة لألوان التزاوج التي تتم بين العناصر المختلفة. ومما لا ينبغي أن يعزب عن البال أن اللقاء السعيد بين العناصر المختلفة يجب أن يتسم بالمزيد من العناية والدقة والتجربة، إذا ما أردنا إنجاباً وخصوبة على مستوى عالٍ من الجودة؛ ولهذا السبب أخذ التقدم في علوم الكيمياء يعتمد على الرياضيات أكثر فأكثر، وقد كان من قبل يعتمد على التجربة، حيث تمنح الرياضيات مستويات من الدقة، لا توفرها التجربة. وقد أصبح من مقاييس التقدم العلمي الشائعة: قدرة دولة من الدول على إنتاج (المواد الجديدة) ذات المواصفات الفائقة، والمواد الجديدة لا تتخلق إلا من خلال التزاوج بين عناصر لم يسبق لقاؤها على النحو الجديد، وبالنسب الجديدة. اللقاء بين الأفكار والثقافات لا يقل خصوبة عن اللقاء بين العناصر الطبيعية، وهو الآخر يحتاج حاجة ماسّة إلى وعي وفطنة وحذق، حتى يكون منجباً، والقاعدة في هذا: أنه إذا التقت فكرتان ضمن شروط إيجابية، فإنه ينتج عن ذلك اللقاء فكرة ثالثة، هي أرقى منهما جميعاً؛ حيث تؤدي المزاوجة بينهما إلى نضج وتبلور كل منهما، وحيث يتخلص كل منهما من أجزائه المعطوبة من خلال المقارنة ونمو الوعي النقدي، لكن ذلك لا يتم إلا إذا اتّسم حاملو الفكرتين بالكثير من الموضوعية والشفافية والهدوء والمرونة الذهنية والرؤية المركبة، ونحن نلاحظ في هذا السياق أن أكثر من يذهب من إخواننا للدراسة في الغرب ينقسمون إلى فريقين: فريق يُفتَتَن بما يراه هناك من تنظيم وتقدم صناعي ورعاية لحقوق الإنسان، فيشغله ذلك عن إدراك بذور الانهيار في تلك المجتمعات، وجوانب التخلف فيها، ويؤدي ذلك به إلى الزهادة فيما لديه، والاستحياء من طرحه على مسامع القوم. أما الفريق الثاني: فإنه بِداعٍ من الكبر أو الخوف ينغلق على نفسه، ويتتبع بجدية نادرة كل الجوانب السلبية لديهم، لكنه يعجز عن تلمس أسرار النهوض والخيوط الدقيقة التي تمد التقدم المادي الهائل الذي أحرزوه بالحيوية والاستمرار. ويعود هذا الصنف في العادة بنُتَف من المعلومات والمقولات والخبرات التي لا تتكافأ أبداً مع الجهد والمال اللذين بُذلا خلال سنوات عدة، ولا يلامس هذا الصنف أبداً آفاق المنهجية الفكرية والتنظيمية والأخلاقية والثقافية التي تقف خلف (الحضارة الغربية) ، فكأنه ما سافر ولا اطلع ولا تعلم! إن احتكاك الثقافات والأفكار والمناهج المختلفة قديكون عامل انحسار وهدم وتمزيق، وقد يكون عامل إثراء وتصحيح وتطوير، والمهم في ذلك أبداً هو شروط ذلك الاحتكاك والخلفيات، والأسس التي يقوم عليها.. إن العزلة والانغلاق لا يكونان أبداً خياراً جيداً إلا إذا كانت شروط التزاوج سيئة وغير متكافئة، وإذا ما استطعنا توفير الشروط الجيدة لذلك فإن في تلاقح الأفكار والثقافات من عوامل التجديد والنفع والغنى ما لا يمكن التعبير عنه! . ٤- إن قاعدة اللقاء في ظاهرة الزوجية الكونية هي التخالف، وليست التوافق، فاللقاء الخصب المنجب يجب أن يتم بين متخالفين ومتباينين، ومن ثم: فإن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على التخالف، على المستويات العضوية والعقلية والنفسية، وهذا التخالف هو الشرط الأساس لوجود ظاهرة (التكامل) والتعاون، حيث يظهر لكل واحد من الزوجين: أن كمال البنية المشتركة بينهما وهو الأسرة لا يأتي من أيٍّ منهما على انفراد، وإنما من خلال اللقاء الإيجابي بينهما، وتكميل أحدهما للآخر. ليس إدراك التكامل في ظاهرة الزوجية في الخلق متيسرَ الإدراك واللمس في كل وقت؛ إذ كثيراً ما تتغلب علينا النظرة الأحادية، فنتعامل مع الأشياء على أنها عناصر مفردة، ونغفل عن كونها عناصر في تراكيب أعم! ولنضرب لذلك بعض الأمثلة: أ - إن تضخم الجانب العاطفي لدى المرأة على النحو المعروف يُنظر إليه عادة على أنه الحلقة الأضعف في تركيبها النفسي، كما أننا ننظر النظرة نفسها إلى ما نحسّه من تضخم (عقلانية) الرجل وبرودة عواطفه. فإذا نظرنا إلى كل منهما على أنه طرف في تركيب واحد هو الأسرة أدركنا أن ما خلناه نقصاً هو في الحقيقة مظهر كمال، وعامل توازن وانسجام، إذ إن طبيعة وظيفة المرأة في رعاية الأطفال ذوي الشفافية والرهافة المطلقة.. تتطلب مشاعر وعواطف كالتي عند المرأة، وطبيعة وظيفة الرجل في قيادة الأسرة، ومعاناة طلب الرزق، وخوض المواقف الصعبة.. تتطلب من قوة الشكيمة وتماسك الشخصية كالذي نجده عند الرجل. إن دعاة تحرير المرأة لم ينظروا هذه النظرة، فدفعوها إلى المطالبة بالمساواة مع الرجل، وأدى ذلك إلى الإخلال بالتوازن الأسري، وكثرت حوادث الطلاق، وكُلِّفت المرأة بالقيام بأعمال لا يتحملها تكوينها ولا جملتها العصبيّة، والأخطر من ذلك: انتشار مظاهر الشذوذ واستغناء النساء بالنساء! ! ب- إننا كثيراً ما نصوِّر (القلق) على أنه مرض نفسي، وهو كذلك عندما يتجاوز حدوداً معيّنة، لكن حين نتذكر أن الطمأنينة كثيراً ما تكون زائفة ومبنية على معطيات موهومة، وهي حينئذ أخطر من القلق وأشد فتكاً بوجود الإنسان، ولذا: فإن بعض صور القلق ولا سيما (القلق المعرفي) تكون ضرورية لتوازن الشخصية، وللوعي بالمصير وتدارك الأخطار قبل فوات الأوان. ج- إذا نظرنا نظرة أحادية إلى ثبات المبادئ والتشبث الشديد بها، فسوف نراه جموداً وعائقاً في سبيل التطور، وربما دفع ذلك ببعض الناس إلى التفريط بها أو إلى الثورة عليها. وإذا نظرنا إلى (التطور) على أنه مجموعة من التغيرات المستقلة، فسوف نراه (تفلتاً) وطيشاً وخيانة للأصالة ... ولكن حين نسلك كلاً من الثبات والتطور في ظاهرة (الزوجية) الكونية، فسوف يتبين لنا أن ثبات الأصول والمبادئ والنواميس ليس جموداً ولا عائقاً للتغير المطلوب، وإنما هو سمة أساسية لطبيعتها؛ إذ لا يستطيع المبدأ أداء وظيفته إلا من خلال ثبوته واستمراره، كما أننا سنجد أن جمود المبادئ شرط أساس لجعل التطور ذا معنى، ولإبقائه تحت السيطرة، وفي الاتجاه الصحيح. والتطور في الأدوات والأساليب والخطط والأشكال ليس تفلتاً، بل إنه ضروري للمحافظة على المبدأ والجوهر والهدف؛ إذ إن صروف الأيام والليالي تعطب بعض جوانب المناهج والخطط والأشياء، وليس هناك حلّ لذلك سوى التخلي عن الأجزاء المعطوبة، وإحلال غيرها محلها. وإن تحويل الأشياء إلى بنًي ثبوتية في سياق وسط مائج بالتغير والتطور لا يعني سوى التضحية بالأصل والفرع، والجوهر والمظهر، والمبدأ والوسيلة ... وهكذا: فما يُظن نقصاً في بعض الأشياء يتحول إلى ضرب من ضروب الكمال إذا ما نظرنا إليه على أنه جزء من كل، وعنصر في تركيب أشمل. ٥- خَلَق الله (جل ثناؤه) الدنيا داراً للابتلاء، فوفّر فيها كلّ شروط الابتلاء، ومن ثم: فإنه حيث يكون أمام المرء مجال للاختيار، يكون في الحقيقة منغمساً في حالة ابتلاء، سواء أأخذ بأحد الخيارات، أو ظل عاطلاً عن اتخاذ قرار. كثيراً ما تتيح ظاهرة (الزوجية) مجالات للاختيار والابتلاء، وكثيراً ما يجد الإنسان نفسه مأموراً بالتوازن الدقيق في التعامل مع الظواهر الزوجية؛ لأن الإخلال به يعني خروجاً عن المنهج الرباني، وقد يعني ظلماً للنفس أو تفويت مصلحة كبرى. وحتى يكون الابتلاء تامّاً، فإن الله (جل وعلا) قد فطر الإنسان على قابلية قوية للانجذاب نحو أحد المتقابلات وإهمال غيره؛ مما يجعلني أذهب إلى أن الإخلال بالتوازن المطلوب في هذه المسألة، يكاد يكون أصلاً! ومن هنا: فإن الموقف الصحيح كثيراً ما يتطلب نوعاً عالياً من اليقظة الفكرية والشعورية، وإلا: فما أسهل الانحراف إلى طرف على حساب طرف آخر! عند تقليب النظر في واقعنا التاريخي، وواقعنا المعيش، نجد أن عدم إقامة التوازن بين الأشياء المتزاوجة كان سبباً لانحرافات كثيرة، إذ كثيراً ما نرى جماعة تهتم بالفكر والتنظير ورسم الخطط والتحليل السياسي، لكنها تهمل جانب الروح والأخلاق، وجانب السلوك؛ مما جعلها فقيرة في جنود التنفيذ وأرباب الهمم العالية، وجعلها بالتالي قليلة العطاء والتضحية! .. ونجد في المقابل: جماعات تركز على مسائل صفاء القلوب وحسن السلوك، لكنك لا تجد عندها أدنى وعي بأدب الوقت ومتطلبات العصر، وقد يكون عدد أتباعها عشرات الألوف، ثم إنك لا تعثر فيهم على مفكر واحد مرموق! ، وكثيراً ما يقودها ذلك إلى أن تكون ألعوبة في يد القوى المتنفذة، مما يدفعها إلى حتفها ويجعل ضررها لا يقل عن نفعها! . في الماضي البعيد قامت مزاوجة في بنية التربية والتعليم بين علوم الشريعة والعلوم الحياتية والكونية، وقد أنجب ذلك الاقتران حضارة إسلامية زاهية باهرة، ثم أخذت علوم الحياة تنسحب من المناهج والحلق الدراسية شيئاً فشيئاً، حتى جهلت الأمة أبجديات المعرفة في الطبيعة والكون والصناعة، ووصلت إلى الحضيض، واليوم ترتكب الأمة الخطأ نفسه على نحو معكوس، حيث تَرَاجع نصيب العلوم الشرعية في المناهج الدراسية في أكثر البلدان الإسلامية، كما تراجعت المفردات القيمية والأخلاقية في لغة التربية والإعلام، وكان حصاد ذلك: أعداداً كبيرة من البشر تحيط بالكثير من المعارف المختلفة، لكنها تجهل بدهيات وأساسيات في عباداتها ومعاملاتها! ، وصار لدينا اليوم كمّ هائل من المفردات التي تحث على النشاط والفاعلية والنجاح والتنظيم وحيازة الثروة وتحقيق الذات.. على حين تنوسيت المفردات التي تغرس أخلاق الصلاح والاستقامة والبعد عن الحرام، والإقبال على الآخرة.. ولا بد أن الناس بدؤوا يشعرون بعواقب هذا الخلل من خلال انتشار اللصوصية وهي أصناف، والرشوة، والشره المادي، والأنانية، والانغماس في الشهوات، وقطع الأرحام، ونسيان الله والدار الآخرة. ٦- إذا كانت (الزوجية) تمثل قاعدة مهمة من قواعد خلق الوجود، فإن ذلك يعني أن ننسجم نحن مع تلك القاعدة، ونحاول أن نمتلك رؤية مركّبة للأشياء، ما دام ليس هناك شيء لا ينتمي إلى مركبٍ ما على وجه من الوجوه. وامتلاك هذه الرؤية سيكون ضروريّاً للمحافظة على توازننا العقلي والنفسي، وضروريّاً لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وعلى سبيل المثال: فإنه مهما بلغ صلاح الأفراد والجماعات، فلا ينبغي أن نفسر ما نراه لهم من تصرفات على أساس المبادئ وحدها، فهناك مبادئ، وهناك مصالح أيضاً، وليس في هذه الأرض من يستطيع النفض عن مصالحه على نحو كامل. وفي مقابل هذا: فإن السواد الأعظم يحاولون تحقيق مصالحهم في إطار المبادئ التي يؤمنون بها، ما وجدوا أن ذلك ممكن، وبما أن المبادئ والمصالح طرفان في تركيب زوجي واحد، فإن احتمال جور الإنسان على أحدهما لحساب الآخر، يظل أمراً وارداً، بل يكون في كثير من الأحيان أمراً لا مفر منه، ولست أقصد من وراء هذا شيئاً سوى الاستبصار في فهم سلوك الناس، وفهم خلفياته، ومحاولة تفسيره على أنه يتم وفق موازنات، وفي سياق ضرورات وطموحات، وتحت ضغوط وأحياناً تهديدات، وهذا مهم في الاقتداء والإعذار وأمور أخرى.. الرؤية المركبة تجعلنا نبصر القصور الذاتي إلى جانب التآمر الخارجي، وإعطاء كلٍّ منهما وزنه وتأثيره الحقيقي، كما أنها تجعلنا نشعر بنعمة الرخاء وفيوض النعم إلى جانب الإحساس بالحساب والسؤال عنها يوم القيامة. بالرؤية المركبة ندرك الصبر وعواقبه، والظلم ومآلاته، وبذلك يتم لنا توسيع مجال الرؤية؛ لنقف على طرفي الموازنة وعنصري المزاوجة، وبذلك نجسِّر العلاقة بين الأطراف المتنافسة والمتحالفة، ونحاول أن نرى الأرضية المشتركة التي تجمع بينها.

стр. 2372

دراسات شرعية النفاق والمنافقون .. تنبيهات وأخطار بقلم: د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف (إن بلية الإسلام بالمنافقين شديدة جدّاً؛ لأنهم منسوبون إليه، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ ، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟ ، وكم من عَلَم له قد طمسوه؟ ، وكم ضربوا بمعاول الشّبه في أصول غراسه ليقلعوها، فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سريّة بعد سريّة، يزعمون أنهم بذلك مصلحون، [أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] [البقرة: ١٢] ) . هذا بعض ما سطّره ابن القيم ﵀ في التحذير من النفاق ... والمنافقين [١] ، الذي هو موضوع هذه المقالة، وسيكون الحديث عن خطر النفاق والمنافقين من خلال ما يلي: ١- خطر المنافقين داهم: فالمنافقون أعظم خطراً وضرراً من الكفار المجاهرين، كما أن المنافقين أغلظ كفراً وأشد عذاباً. قال ابن القيم عنهم: (طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال (تعالى) : [إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً] [النساء: ١٤٥] ، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبليةُ المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال (تعالى) : [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] [المنافقون: ٤] ، ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، والمراد: إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوّاً من الكفار المجاهرين، فإن الحرب مع أولئك ساعة أو أياماً، ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل، صباحاً ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم ... وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل من النار لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، ووصل إليهم من معرفة الإيمان ما لم يصل إلى المنابذين بالعدواة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفراً، وأخبث قلوباً، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم، قال (تعالى) عن المنافقين: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ] [المنافقون: ٣] ) [٢] . ٢- تحذير القرآن منهم: حذّر القرآن الكريم من النفاق وصفات المنافقين في آيات كثيرة، فكان الحديث عن النفاق والمنافقين في القرآن في سبع عشرة سورة مدنية من ثلاثين سورة، واستغرق ذلك قرابة ثلاثمئة وأربعين آية، حتى قال ابن القيم ﵀ : (كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم) [٣] . ٣- تحذير الرسول ﷺ من النفاق: خاف النبي ﷺ على أمته من النفاق والمنافقين، وحذّر وأنذر من سلوك المنافقين، وحذر من الوقوع في شُعَب النفاق في أحاديث كثيرة. فعن عمران بن حصين ﵄ مرفوعاً: (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي: منافق عليم اللسان) [٤] . قال المناوي في التفسير [١/٥٢] : (كل منافق عليم اللسان: أي: عالم للعلم، منطلق اللسان به، لكنه جاهل القلب والعمل، فاسد العقيدة، مغر للناس بشقاشقه وتفحصه وتقعره في الكلام) . وقال المناوي أيضاً [١/٣٠٩] : (أي: كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكل بها، وأبهة يتعزز بها، يدعو الناس إلى الله، ويفرّ هو منه) . ٤- خوف السلف الصالح على أنفسهم من النفاق: كان سلفنا الصالح ﵏ مع عمق إيمانهم وكمال علمهم يخافون النفاق أيما خوف، فقد أخرج البخاري تعليقاً أن ابن أبي مليكة ﵀ قال: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه) . قال الحافط ابن حجر [الفتح١/١١١] : (والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلِّهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، ... وأبو هريرة ... فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجلّ من هؤلاء كعليّ، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم..) . وكان أبو الدرداء ﵁ إذا فرغ من التشهد في الصلاة يتعوذ بالله من النفاق، ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم: وما لك يا أبا الدرداء أنت ... والنفاق؟ فقال دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيُخلع منه [٥] . وكان الحسن البصري ﵀ يقول: (ما خافه -النفاق- إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق) [أخرجه البخاري تعليقاً] [٦] . وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: (ومن يأمن على نفسه النفاق) ! [٧] . يقول ابن القيم: (وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر يقول لحذيفة: ناشدتك الله، هل سماني رسول الله مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً [٨] ، يعني لا أفتح عليّ هذا الباب في تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يَبرأ من النفاق غيرك) [٩] . فتأمل رحمك الله ما عليه أولئك الأسلاف الأبرار من خوف شديد من النفاق ودواعيه، ثم انظر إلى حال الأكثرين منا في هذا الزمان، فمع ضعف الإيمان وغلبة الجهل تجد الأمن من النفاق والغفلة عنه! .. فالله المستعان. ٥- المنافقون كثر: ومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين: أنهم كثيرون، منتشرون في بقاع الأرض، كما قال الحسن البصري ﵀ : (لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات) [١٠] . وقال ابن القيم: (كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض، وفي أحواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسبابُ المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة ﵁ رجلاً يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك) [١١] . ولا يعني ذلك تعميم الحكم بالنفاق على الأكثرية والأغلبية، فإن النفاق شُعَب وأنواع، كما أن الكفر شعب وأنواع، والمعاصي بريد الكفر، فكذا من كان متهماً بنفاق فهم على أنواع متعددة، كما وضحه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعاً واحداً، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم مَن فيه إيمان ونفاق، وفيهم مَن إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك: صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكن يعاتبون عليه قبل ذلك..) [١٢] . ٦- سهولة الانخداع بهم: فالمنافقون أصحاب تذبذب وتقلب، وأرباب خداع وتلبيس، فيتكلمون بمعسول الكلام، وفصيح الخطاب، ويظهرون للناس في هيئة حسنة، ومظهر جذاب، فربما انخدع لهم الفئام من المسلمين، فمالوا إليهم وأصغوا إلى قولهم وتدليسهم، قال (تعالى) : [وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ] [التوبة: ٤٧] ، وقال (سبحانه) : [وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ] [المنافقون: ٤] . إن هذا التلون والتذبذب يجعل خطرهم كبيراً، وشرهم مستطيراً، حيث يخفون كفرهم وضلالهم، ويتظاهرون بالإيمان والاهتداء. ولذا: خفي على كثير من المسلمين حال بعض الزنادقة (المنافقين) في القديم والحديث، وكما قال الذهبي ﵀ في شأن الحلاج: (فهو صوفي الزي والظاهر، متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن: فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي ﷺ منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يعلم بهم، قال (تعالى) : [وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ] [التوبة: ١٠١] ، فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى: أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵊ على العلماء من أمته) [١٣] . ٧- انتشار النفاق الأصغر في مجتمعاتنا: ومما يؤكد خطر النفاق: أن الكثير من شعب النفاق الأصغر الذي لا يُخرج عن الملة قد عمت وطمت في مجتمعات المسلمين، كالكذب، وخلف الوعد، والرياء، والخيانة، والجبن، وترك الجهاد في سبيل الله (تعالى) ، وعدم تحديث النفس بذلك. ومع أن هذه الخصال من النفاق الأصغر، لكنها قد تؤول إلى النفاق الأكبر المخرج من الملة، وفي هذا يقول ابن رجب: (والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، فكما يُخشى على من أصرّ على المعصية أن يُسلب الإيمان عند الموت، كذلك يخشى على من أصر على النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقاً خالصاً) [١٤] . بل استفحل الأمر، وعظم النفاق حتى صرنا نشاهد صوراً أو أنواعاً من النفاق الأكبر في بلاد المسلمين، ومن ذلك: الاستهزاء بدين الله (تعالى) ، والفرح والسرور بانخفاض دين الإسلام وهزيمة المسلمين، وكذا العكس..، والإعراض التام عن حكم الله (تعالى) ، ومظاهرة الكفار ضد المسلمين ... إن على الدعاة إلى الله أن يَحْذروا مكايد المنافقين ومسالكهم، فلا ينخدعوا بهم، أو يتساهلوا معهم، وأن يعنى الدعاة بمعرفة النفاق وخطره وشعبه؛ مخافة أن يصيبهم، وأن يتعرفوا على مكايد المنافقين ومخططاتهم في الماضي والحاضر لكي لا يقعوا في شراكهم، وأن يجتهد المصلحون في تحقيق تزكية النفوس وتربية الأجيال على الإيمان الصحيح، والقيام بالعبادة ظاهراً وباطناً، فالمنافقون أرباب ظواهر لا بواطن، وسيدرك الصادقون في إيمانهم أولئك المنافقين من خلال لحن القول، كما قال (سبحانه) : [وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ] [محمد: ٣٠] . قال شيخ الإسلام: (فمعرفة المنافقين في لحن القول ثابتة مُقْسَم عليها، لكن هذا يكون إذا تكلموا، وأما معرفتهم بالسيما فهو موقوف على مشيئة الله) [١٥] . وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ : ما أسرّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على وجهه وفلتات لسانه. ٨- الرد على منكري النفاق: وأشير إلى مسألة مهمة، وهي: أن النفاق موجود وواقع، خلافاً لمن أنكره من طوائف المرجئة، فقد زعم صنف من المرجئة أنه ليس في هذه الأمة ... نفاق [١٦] . قيل للحسن البصري: إن قوماً يزعمون أن لا نفاق، ولا يخافون النفاق، فقال الحسن: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحبّ إليّ من طلاع (ملء) الأرض ذهباً [١٧] . وقال سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاثة،.. وذكر منها: نحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق [١٨] . وحمل أولئك المرجئة حديث عبد الله بن عمرو: (أربع من كن فيه كان ... منافقاً ... ) على المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، حيث تلبسوا بهذه الخصال الأربع [١٩] . وليس لهم أن يحتجوا بما أخرجه البخاري عن حذيفة ﵁ ، حيث قال: (إنما كان النفاق على عهد النبي ﷺ ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان) ؛ حيث قال الحافظ ابن حجر ﵀ : (والذي يظهر: أن حذيفة لم يرد نفي الوقوع، وإنما أراد نفي اتفاق الحكم؛ لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي - ﷺ كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده: فمن أظهر شيئاً فإنه يؤخذ به ولا يترك لمصلحة التآلف لعدم الاحتياج إلى ذلك) [٢٠] . وبالإضافة إلى ذلك: فقد نصّ حذيفة على وقوع النفاق بعد عهد النبوة في عدة أقوال، ومن ذلك قوله ﵁ : (المنافقون الذين فيكم شرّ من المنافقين الذين كانوا على عهد الرسول ﷺ ، فقيل له: وكيف ذاك؟ ، فقال: إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء يعلنون) [٢١] . وجاء رجل من المرجئة لأيوب السختياني، فقال: إنما هو الكفر والإيمان، فقال أيوب: أرأيت قوله: [وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ] [التوبة: ١٠٦] ، أمؤمنون هم أم كفار؟ فسكت الرجل، فقال أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية في القرآن فيها ذكر النفاق فإني أخافها على ... نفسي! [٢٢] . ولعل هذا الأثر يكشف سبب إنكار أولئك المرجئة للنفاق، فهذا المرجئ ... يقول: ﷺ إنما هو الكفر والإيمان، ومقصوده: أن الإيمان شيء واحد إذا ثبت بعضه ثبت جميعه، وإذا زال بعضه زال جميعه، فلا يجتمع عندهم في العبد إيمان وكفر أو نفاق أصغر، ولذا: احتج عليه أيوب بالآية الكريمة [وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ..] فهذا صنف جمعوا بين إيمان ومعاصٍ، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فأمْرهم إلى الله (تعالى) ، فليسوا من أهل الإيمان المطلق التام، كما أنهم ليسوا كفاراً مطلقاً. وقد غلط المرجئة في ذلك، فليس الإيمان شيئاً أو شعبة واحدة، بل إن الإيمان شعب متعددة كما في حديث شعب الإيمان وكذلك الكفر والنفاق شعب متعددة. ويدل على ذلك: ما رواه أبو هريرة مرفوعاً: (ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، فقال رجل: يا رسول الله، ذهبت اثنتان، وبقيت واحدة؟ قال: فإن عليه شعبة من نفاق ما بقي منهن ... شيء) [٢٣] . قال الذهبي: (وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب، كما أن الإيمان ذو شعب ويزيد وينقص..) [٢٤] . وقال شيخ الإسلام: (وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة..) [٢٥] . وأمر آخر، وهو: أن مقالة الكرامية، وهم من طوائف المرجئة، بأن الإيمان: قول باللسان، قد تكون سبباً في إنكارهم النفاق ونفيه، فالمنافق عندهم مؤمن، مع أن الله (تعالى) قد نفى الإيمان عن المنافقين بقوله (سبحانه) : [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ] [البقرة: ٨] . كما أن غلاة المرجئة الجهمية ومن تبعهم ينكرون الأعمال القلبية، فيخرجونها عن مسمى الإيمان، فالإيمان عندهم معرفة أو تصديق بلا عمل قلبي. وهذا لا يعدّ إيماناً صحيحاً ولا مقبولاً، فالتصديق بلا نية أو عمل قلبي ... نفاق [٢٦] ، فجعلوا هذا التصديق هو الإيمان، وبطبيعة الحال سينكرون النفاق.. والله أعلم. ٩- الموقف إزاء المنافقين: أما عن الموقف والواجب تجاه المنافقين فيتمثل في جملة أمور، منها: ١- النهي عن موالاتهم والركون إليهم، كما قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَاًلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] ... [آل عمران: ١١٨، ١١٩] . ٢- زجرهم ووعظهم: لقوله (تعالى) : [أُوْلَئِكَ الَذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً] [النساء: ٦٣] . ٣- عدم المجادلة أو الدفاع عنهم، حيث قال (تعالى) : [إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (١٠٦) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً] [النساء: ١٠٥- ١٠٧] . ٤- جهادهم والغلظة عليهم: لقوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاًوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] [التوبة: ٧٣] . ٥- تحقيرهم وعدم تسويدهم: فعن بريدة بن الحصيب مرفوعاً: (لا تقولوا للمنافق (سيّد) ، فإنه إنّ يك سيداً فقد أسخطتم ربكم [٢٧] . وكان حذيفة يؤيس (يحتقر) المنافقين [٢٨] . ٦- عدم الصلاة عليهم، امتثالاً لقوله (تعالى) : [وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ] [التوبة: ٨٤] . ١٠- تنبيهات مهمة: ونذكر في نهاية هذه المقالة جملة من التنبيهات: أولاً: علينا أن نفرق بين المداهنة وهي من خصال المنافقين وشعب النفاق والمداراة، فالمداهنة: مجاراة أهل الكفر والفسق في باطلهم، وأما المداراة فهي: مداراة أهل الكفر والفسق اتقاء شرهم، أو تأليفاً لقلوبهم. فالمداهن صاحب تلون وتذبذب، ويَلْقى كل طائفة بما تهوى، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تجدون شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء ... بوجه) [٢٩] . قال القرطبي: (إنما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لأن حاله حال المنافق، إذ هو متعلق بالباطل وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس، وقال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق ومحض كذب) [٣٠] . فالمداهنة محرمة ومذمومة، بخلاف المداراة؛ فقد سلكها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عندما: (استأذن رجل في الدخول على النبي ﷺ ، فقال: (بئس أخو العشيرة) فلما جلس تَطلّق له النبي ﷺ في وجهه، وانبسط له، فسألته عائشة، فقال: يا عائشة متى عهدتيني فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله: من تَرَكه الناس مخافة فحشه) [٣١] . وقد بيّن أهل العلم الفرق بين المداراة والمداهنة، ومراد النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسلكه تجاه ذلك الرجل.. (قال القاضي عياض: الفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدين، أو الدنيا، أو هما معاً، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي - ﷺ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة) [٣٢] . وقال ابن بطال: (حيث ذمه كان لقصد التعريف بحاله، وحيث تَلَقّاه بالبشر كان لتأليفه، أو لاتقاء شره، فما قصد بالحالتين إلا نفع المسلمين، ويؤيده أنه لم يصفه في حال لقائه بأنه فاضل ولا صالح) [٣٣] . ثانياً: ينبغي أن نفرِّق بين النفاق وما يعرض القلب من الغفلة والتغير بعد الخشوع والإخبات. يقول ابن رجب: (لما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال.. أن يكون ذلك منه نفاقاً، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأُسيْديِّ أنه مرّ بأبي بكر الصديق ﵁ (فقال: كيف أنت يا حنظلة، قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول، قال: نكون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله - ﷺ عافسنا [اشتغلنا بـ] الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيراً، فقال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأخبره حنظلة بحاله، فقال ﵊ : (والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) [٣٤] . وقال النووي: (وأصل النفاق: إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك منافقاً، فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك) [٣٥] . والمقصود: أن أمر النفاق شيء، والغفلة والذهول شيء آخر، حيث يرد هذا التغير على القلب، لكنه أمر عارض يصيب القلب ساعة، فيستغفر العبد ربه وينيب. ثالثاً: أن نفرِّق بين قبول الحق من كل شخص سواءً أكان مؤمناً أو كافراً أو منافقاً، وبين موالاة ذلك الشخص ومودته، فالمنافق إذا قال صواباً، فإنه يقبل هذا الصواب منه، ومع ذلك فله واجب العداوة والبغضاء بحسب نفاقه، وفي المقابل: فإن العالم الفاضل أو الداعية الصادق، وإن وقع في زلة أو عثرة، فلا يُوَافَق على زلته وعثرته، لكن يبقى له حق الولاء والنصرة حسب إيمانه وتقواه. كما قال معاذ بن جبل ﵁ : (واحذروا زيغة الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فاقبلوا الحق؛ فإن على الحق نوراً) [٣٦] . فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من النفاق، وأن يختم لنا بالإيمان وبالله التوفيق ,

стр. 2373

دراسات شرعية حكم التهنئة بدخول شهر رمضان بقلم: عمر بن عبد الله المقبل هذا بحث مختصر حول: (حكم التهنئة بدخول شهر رمضان) ، حاولت أن أجمع فيه أطرافه، ملتمساً في ذلك طلب الحق إن شاء الله (تعالى) . قبل البدء بذكر حكم المسألة لا بد من تأصيل موضوع (التهنئة) . فيقال: التهاني من حيث الأصل من باب العادات، والتي الأصل فيها الإباحة، حتى يأتي دليل يخصها، فينقل حكمها من الإباحة إلى حكم آخر. قال الشيخ العلامة (عبد الرحمن ابن سعدي) (رحمه الله تعالى) في منظومة القواعد. والأصلُ في عاداتنا الإباحةْ ... حتى يجيءَ صارفُ الإباحةْ وليس مشروعاً من الأمور ... غير الذي في شرعنا مذكور [١] ثم قال ﵀ معلقاً على ذلك: (وهذان الأصلان العظيمان ذكرهما شيخ الإسلام ﵀ في كتبه، وذكر أن الأصل الذي بنى عليه الإمام أحمد مذهبه: أن العادات الأصل فيها الإباحة، فلا يحرم منها إلاّ ما ورد تحريمه ... إلى أن قال: فالعادات هي ما اعتاد الناس من المآكل والمشارب، وأصناف الملابس والذهاب والمجيء، وسائر التصرفات المعتادة، فلا يحرم منها إلاّ ما حرّمه الله ورسوله، إما نصّاً صريحاً، أو يدخل في عموم، أو قياسٍ صحيح، وإلاّ فسائر العادات حلال، والدليل على حلها قوله (تعالى) : [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] [البقرة: ٢٩] ، فهذا يدل على أنه خلق لنا ما في الأرض جميعه لننتفع به على أيّ وجهٍ من وجوه ... الانتفاع) [٢] . وإذا كانت التهاني من باب العادات، فلا ينكر منها إلاّ ما أنكره الشرع، ولذا مرّر الإسلام جملة من العادات التي كانت عند العرب، بل رغب في بعضها، وحرّم بعضها، كالسجود للتحية. حكم التهنئة بدخول الشهر الكريم: روى ابن خزيمة ﵀ في صحيحه (٣/١٩١) عن سلمان (رضي الله عنه) قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يومٍ من شعبان، فقال: (أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة،....) الحديث. قال ابن رجب ﵀ : ( ... هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضهم بعضاً في شهر رمضان) [٣] . وإنما تأخر الاستدلال به على مسألتنا لأنه لم يثبت، بل هو حديث منكر كما قال الإمام أبو حاتم الرازي [٤] ، ولذا: بوّب عليه الإمام ابن خزيمة في صحيحه بقوله: (باب فضائل شهر رمضان، إن صحّ الخبر) [٥] . وفي سنده (علي بن زيد بن جُدْعان) وهو (ضعيف) [٦] . وذهب الجمهور من الفقهاء إلى أن التهنئة بالعيد لا بأس بها، بل ذهب بعضهم إلى مشروعيتها، وفيها أربع روايات عن الإمام أحمد ﵀ ، ذكرها ابن مفلح ﵀ في (الآداب الشرعية) ، وذكر أن ما روي عنه من أنها لا بأس بها هي أشهر الروايات عنه [٧] . (قال الإمام أحمد ﵀ : ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد: تقبّل الله منا ومنك. وقال حرب: سئل أحمد عن قول الناس: تقبل الله منا ومنكم؟ قال: لا بأس، يرويه أهل الشام عن أبي أمامة، قيل: وواثلة بن الأسقع، قال: نعم، قيل: فلا تكره أن يقال: (هذا يوم العيد) ؟ ، قال: لا....) [٨] . فيقال: إذا كانت التهنئة بالعيد هذا حكمها، فإن جوازها في دخول شهر رمضان الذي هو موسمٌ من أعظم مواسم الطاعات، وتنزل الرحمات، ومضاعفة الحسنات، والتجارة مع الله.. من باب أولى، والله أعلم. تحقيق بعض العلماء في المسألة: ومما يُستدَل به على جواز ذلك أيضاً: قصة كعب بن مالك ﵁ الثابتة في الصحيحين من البشارة له ولصاحبه بتوبة الله عليهما، وقيام طلحة (رضي الله تعالى عنه) إليه. قال ابن القيم ﵀ ضمن سياقه لفوائد تلك القصة: (وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل، ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية، وأن الأَوْلى أن يقال: يهنك بما أعطاك الله، وما منّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام، فإن فيه تولية النعمة ربّها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها) [٩] . ولا ريب أن بلوغ شهر رمضان وإدراكه نعمةٌ دينية، فهي أولى وأحرى بأن يُهنّأ المسلم على بلوغها، كيف وقد أثر عن السلف أنهم كانوا يسألون الله (عز وجل) ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وفي الستة الأخرى يسألونه القبول؟ ، ونحن نرى العشرات ونسمع عن أضعافهم ممن يموتون قبل بلوغهم الشهر. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ : (ويحتج لعموم التهنئة لما يحدث من نعمة، أو يندفع من نقمة: بمشروعية سجود الشكر، والتعزية [١٠] ، وبما في الصحيحين عن كعب بن مالك ... ) [١١] . ونقل القليوبي عن ابن حجر أن التهنئة بالأعياد والشهور والأعوام مندوبة. وقد ذكر الحافظ المنذري أن الحافظ أبي الحسن المقدسي سُئِل عن التهنئة في أوائل الشهور والسنين: أهو بدعة أم لا؟ ، فأجاب: بأن الناس لم يزالوا مختلفين في ذلك، قال: والذي أراه أنه مباح، ليس بسنة ولا بدعة [١٢] . خلاصة المسألة: وبعد هذا العرض الموجز يظهر أن الأمر واسع في التهنئة بدخول الشهر، لا يُمنع منها، ولا ينكر على من تركها، والله أعلم. هذا، وقد سألت شيخنا العلامة (محمد بن صالح العثيمين) عن التهنئة بدخول شهر رمضان، فقال: (طيبة جدّاً) ، وذلك في يوم الأحد ٨/٩/١٤١٦هـ، حال بحثي في هذه المسألة، والتي أسأل الله أن أكون قد وفقت فيها للصواب، فإن كان كذلك فمن الله وحده، وإن كان ما قلته خطأً فأنا أهلٌ له، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 2374

مقال تأملات في فقه الجهاد (٢ من ٢) بقلم: د. محمد بن عبد الله الشباني بدأ الكاتب في الحلقة السابقة مقاله ببيان العلاقة الاضطرادية بين قوة ... المجتمع الإسلامي وعزته وتطبيق أحكام الإسلام، ثم شرع في بيان أنواع الجهاد وأشكاله، وفصل الكلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره من صور الجهاد، ثم طفق يتحدث عن القتال والنزال، مبيناً المفهوم الصحيح لتلك الصورة من صور الجهاد، وانتهى به الحديث إلى أهداف القتال ومراميه، وكذلك صفات القيادة التي يجب توفرها في دعاته، ويواصل حديثه عما بقي من صور الجهاد في هذه الحلقة. - البيان - ثانياً: جهاد الكلمة: النوع الثاني من أنواع الجهاد في تغيير المنكر هو جهاد الكلمة، الذي يمثل أفضل الجهاد؛ لما للكلمة من تأثير في تغيير المجتمعات، فجميع الحركات التي حدثت في التاريخ كان للكلمة المكانة الأوفر في إحداث تلك التغيرات، لقد وجه الرسول ﵊ الأمة إلى أهمية جهاد الكلمة، وأعطاها المنزلة الرفيعة؛ حيث إن لها دوراً مؤثراً وفاعلاً في تغيير المجتمعات، وتحويلها من مجتمعات مسلوبة الإرادة إلى مجتمعات حية متفاعلة، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتردع الظالم، وتمنع الظلم أن يكون له مرتع في كيان الأمة، من تلك الأحاديث الموجهة لجهاد الكلمة: ما رواه أحمد والطبراني في قوله (عليه الصلاة والسلام) : (أحب الجهاد إلى الله: كلمة حق تقال لإمام جائر) [١] ، وقوله (عليه الصلاة والسلام) في الحديث الذي رواه الترمذي: (أفضل الجهاد: كلمة عدل عند سلطان جائر) [٢] ، وما رواه النسائي من أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد وضع رجله في الغَرْز: أيّ الجهاد أفضل؟ ، قال: (كلمة حق عند سلطان جائر) [٣] ، وكذلك قوله ﵊ : (أفضل الشهداء رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) ، وقوله- ﷺ : (سيد الشهداء: حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [٤] ، ومن جملة هذه الأحاديث يتضح ما للكلمة من مكانة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط أشد الارتباط بالجهاد من خلال الكلمة الصادقة الجريئة، بل إن لها دوراً أكثر تأثيراً على تغيير المجتمعات وإصلاح أحوالها بدلاً من حمل السلاح والعمل على تغيير المنكر باليد، لهذا: نجد كثيراً من الأحاديث تنهى عن الخروج على الحاكم الجائر ذى المنعة والقوة؛ لأن الخروج عليه لا يحقق الهدف من إقامة المعروف وإزالة المنكر؛ حيث إن للحاكم المقيم للمنكر والمساند له وسائل عديدة للتأثير على الناس يفوق ما تملكه الفئة التي تسعى إلى تغيير المنكر وإقامة الحق؛ لهذا جاءت الأحاديث تنفر من هذا المسلك في المجتمع الذي يقل فيه العلم وتمارس فيه شعائر الإسلام التعبدية، فقد روى مسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁ ، قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك) [٥] ، وقوله ﵊ (كما رواه مسلم والترمذي وأبو داود من حديث أم سلمة ﵂ أن الرسول ﵊ قال: (ستكون عليكم أئمة تعرفون منهم وتنكرون، فمن أنكر بلسانه فقد برئ، ومن أنكر بقلبه فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، فقيل: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ ، قال: لا، ما صلوا) [٦] وحديث ابن عباس الذي رواه مسلم والبخاري أن الرسول (عليه الصلاة والسلام) قال: (من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية) [٧] ، إن هذه الأحاديث تؤكد حقيقتين: الأولى: أن الخروج المسلح لا يجوز إلا إذا وصل الأمر بالحاكم إلى الكفر البواح أو منع الشعائر التعبدية التي ترتبط بالحياة الفردية المباشرة، أما إذا كان الأمر يتصل بالمظالم المادية: فإنه لا يجوز ذلك، حيث أرشد الرسول ﵊ إلى ذلك، كما رواه أبو داود عن أبي ذر ﵁ أنه قال: قال رسول الله: (كيف أنتم وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء، قلت: إذن والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي، ثم أضرب به حتى ألقاك، أو ألحقك، قال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ .. تصبر حتى تلقاني) [٨] . الثانية: ضرورة الإنكار باللسان وتبيان الحق لأولئك المخالفين؛ فإن البراءة من المسؤولية أمام الله لا تكون إلا بقول الحق، والتاريخ الإسلامي شاهد على تأثير الكلمة ودورها في إنكار المنكر، وتحقيق التغيير، وردع الباطل.. أكثر من استخدام القوة، ففي عهد المأمون ومن جاء بعده من خلفاء بني العباس، حيث ظهرت بدعة خلق القرآن وإجبار الناس على ذلك، فقد كانت هناك جبهتان للمناهضة: الأولى: جبهة أحمد بن نصر الخزاعي ﵀ صاحب الإمام أحمد بن حنبل، وأحد العلماء المشهورين، حيث عمد إلى استخدام القوة لإزالة المنكر ومجابهته، فانتهى أمره إلى قتله وصلبه وتفرق أصحابه. أما الثانية: فكانت بقيادة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ، الذي ناهض هذه البدعة وأنكرها بلسانه، وتحمل المشقة والسجن، وانتهى الأمر بانتصاره، والرجوع إلى الحق، وحماية عقيدة الإسلام من التبديل والتشويه، وكان لصلابته وتحمله الأذى الأثر البالغ بأن تتابع المجاهدون بالجهر بقول الحق، فقتل منهم أعداد كثيرة، وسجن أعداد كثيرة، ولكن كانت النهاية هزيمة فكر المعتزلة الذي تبنته الدولة العباسية في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وانتصار نهج السلف الصالح أخيراً. أهمية الجهاد بالكلمة: إن قيمة جهاد الكلمة وبلوغ ممارسها منزلة سيد الشهداء في سبيل الله كما أخبر بذلك الرسول ﵊ إنما تعود إلى الأمور التالية: ١- أن الكلمة الشجاعة القوية تعرض صاحبها للمخاطر والمهالك؛ لأن المجاهد في الميدان ضد الكفار يجاهد في معركة جلية، وهو بين احتمالين: نصر وعزة في الدنيا، أو شهادة يذوق فيها الموت مرة واحدة، أما مجاهد الكلمة: فهو فرد أعزل أمام سلطة ذات بأس شديد، واحتمال هلاكه أكثر من سلامته. ٢- المجاهد بالكلمة الصادقة في معركة خفية مبهمة عند الناس، ولاسيما في زمن انتشار البدع وضعف الإسلام وقلة حماته، وبالتالي: فهو يتعرض ميِّتاً وحيّاً للتشويه والتجريم، فهو عند السلطة التي لا تحكم بالإسلام مرتكب خيانة ومجرم سياسي خطير، فيتسنى لها إلصاق التهم به واستخدام كل الوسائل المؤثرة لديها لتحقيق ذلك من خلال الشرطة، والإعلام، وتحريف الكلم والحقائق.. واعتبار قول الحق انحرافاً ورجعيةً، والاحتساب بذلك في نظرها فتنة وجريمة وخروج على السلطة الحاكمة بأمرها. ٣- إن مجاهد الكلمة معرض للفتنة أكثر من مجاهد السلاح واليد، والنجاة من الفتنة أشق؛ لأن فتنة التعذيب والسجن قد تسبب الانهيار العصبي والكآبة، فقد ينقلب من صف المصلحين إلى نقيضهم. ومن هنا: ندرك مغزى ورود نصوص الجهاد والأمر بالمعروف، مثل قوله (تعالى) : [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] ، ومن هذه الآية يفهم أن كلمة الحق واجب عيني على جماعة القادرين من أهل العلم والدراية، كالعلماء ورجال الفكر والمختصين في الميادين التي يشيع فيها المنكر. إن جهاد الكلمة لا يمكن أن يحقق هدفه في إزالة المنكر وأشاعة المعروف إلا إذا تعاون المجتمع كله تحقيقاً لقوله (تعالى) : [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة: ٢] ، إن من المفاهيم الخاطئة حول جهاد الكلمة عند بعض الناس: تحميل العلماء فقط كل مسؤولياتهم ليريحوا أنفسهم من عناء المجاهدة، والرسول ﵊ لم يشترط أن يكون قائل كلمة الحق والعدل فقيهاً مجتهداً أو عالماً أو مفكراً أو طالب علم؛ لأن قول كلمة الحق واجب عام على الخاصة والعامة، كل بحسب حاله، والشريعة لم تشترط أن يكون المجاهد بالكلمة والآمر بالمعروف عالماً، وإنما يُشْتَرط أن يكون الآمر بالخير على بصيرة فيما يأمر به، عالماً بالحكم الشرعي فيما يأمر به أو ينهى عنه. إن مفهوم السلطان الجائر كما جاء في الأحاديث يشمل كل متسلط لا تتوافر فيه العدالة والكفاية والعدل والمشاورة، فغالباً ما يكون السلطان طائفة مذهبية أو هيئة حزبية لا يستطيع أحد معارضتها، ومن فعل ذلك: فقد يتعرض للأذى والمطاردة، فعبارة (السلطان الجائر) تتضمن أمرين: الأول: السلطة التي يخضع لها رغبة فيها أو رهبة منها، فكل من خافه الناس ورجوه فهو سلطان، والثاني: الجور، وكل من حاد عن الطريق المستقيم فهو جائر، وكل جائر لا يتوقع منه المعاملة بالعدل والإنصاف. ثالثاً: الجهاد بالقلب: النوع الثالث من أنواع الجهاد هو الجهاد بالقلب، وقد أشار إلى ذلك الحديثُ الذي رواه مسلم: (ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن) [٩] ، وهذا الجهاد هو رخصة أباحها الله للذين لا يستطيعون الجهاد باليد أو بالكلمة، ولكن لهذه الرخصة ضوابطها وشروطها، ولها إطارها الذي ينبغي أن يفهم فيه جهاد القلب، والذي يمكن تسميته (الجهاد الصامت) . والجهاد بالقلب له دور فعال ومؤثر في تغيير المنكر وإقامة المعروف، وممارسته في واقع حياتهم، واتباع أوامر الدين في خاصة أنفسهم، وعدم مناصرة الظلمة ممن يحكمون بغير ما أنزل الله..، وإذا لم يتوفر ذلك: فإن الجهاد يصبح فرضاً، كما في قوله (تعالى) : [انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً] [التوبة: ٤١] ؛ لأن بقاء المنكر يعني التعرض للهلاك كما أشار إلى ذلك القرآن في قوله (تعالى) : [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً] [الأنفال: ٢٥] ، وقول الرسول (عليه الصلاة والسلام) : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [١٠] . إن من أسباب ضعف وعدم بروز الجهاد بالقلب في الحياة الإسلامية: ما أشار إليه الحديث الذي رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود، والذي قال فيه المصطفى ﵊ : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتقِ الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض) ، ثم قال: [لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ] إلى قوله [فَاسِقُونَ] ، ثم قال الرسول (عليه الصلاة والسلام) : (كلا والله، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليعلننكم كما لعنهم) [١١] ، فالحديث أشار إلى حقيقة واضحة، وهي: أن الناهين عن المنكر من بني إسرائيل لم يعتزلوا أولئك الممارسين له، بل مارسوا الحياة العامة معهم، فلم يشعروهم بالعداوة من خلال اعتزالهم ومنابذتهم. يتم تحقيق الجهاد بالقلب من خلال تطبيق التوجيهات النبوية التي أشار إليها الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم، الذي جاء فيه: (يهلك أمتي هذا الحيّ من قريش، قالوا: فما تأمرنا؟ ، قال: لو أن الناس اعتزلوهم) [١٢] ، فهذا الحديث يشير إلى أسلوب الجهاد بالقلب الذي ينبغي عمله لجميع الناس عندما يرون تفشي المنكر، وهو: تنفيذ الاعتزال كحركة جماعية، فالرسول ﵊ لم يقل: لو اعتزلتموهم أنتم، بل قال: لو أن الناس اعتزلوهم. وهذا أسلوب سلمي.. مع تجنب المجالسة والمخالطة لأولئك المعتدين والمنحِّين لشرع الله. هذه اجتهادات وتأملات، آمل أن أكون قد لامست فيها الحقيقة، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان. والله أسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

стр. 2375

دراسات إعلامية الإعلام من المنطلق الغربي إلى التأصيل الإسلامي (١ من ٢) بقلم: أحمد حسن محمد مدخل: في عصرنا الحاضر تطورت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وفق تقنيات عالية، بما أكسبها قدرة ملموسة على الاستقطاب والتأثير والتوجيه، حيث وجدت من الحضارة الغربية عناية بالغة، وقام الغرب بتطويرها لدعم المفاهيم والأفكار التي يؤمن بها، مما جعل الإعلام أسيراً للإبداع الأوروبي بما توفرت لوسائله من أسباب التقدم التقني والتجديد والإبداع، ليكون سلاحاً خطيراً يتعدى دوره الترويحي والإخباري، ليعمل على تبديل المفاهيم وصناعة الاتجاهات، حاملاً لقيم ومفاهيم تحكم قواعد التلقي والتثقيف بصورة تحقق التأثير المطلوب، ليس في المجتمع الغربي فقط، بل في كافة المجتمعات والدول بما فيها المجتمع ... الإسلامي [١] . ولما كانت الدعوة الإسلامية هي قدر أمتنا الإسلامية: فقد أصبح لزاماً عليها أن تنظر للإعلام باعتباره قوة لمسيرة المسلمين واتجاهاتهم الفكرية والعقدية أمام هذا الغزو الغربي، والذي لا يمثل بالطبع النموذج المطلوب وفق الهدي الإسلامي.. مما يتطلب محاولات جادة لتأصيل الإعلام، ليكون عنصراً فاعلاً في مسيرة الدعوة الإسلامية. أثر الحضارة الغربية في المسيرة الإعلامية الحديثة: من المعلوم أن الحضارة الغربية المعاصرة قامت على إثر الصدام الذي حدث بين المجتمع الأوروبي والكنيسة، أي: بين المجتمع ورجال الدين، نتيجة لمواقف الكنيسة ضد العلماء والمفكرين آنذاك، وبالتالي: ظهر الاستبداد الكنسي على كافة مظاهر الحياة ومناشطها [٢] . وانسحب العداء ليتعدى رجال الدين النصراني ويشمل الدين أيّ دين؛ مما أحدث المفاصلة الكاملة بين الفكر الديني والعقل الأوروبي في كافة أنشطة الحياة، فظهر الاتجاه المادي المتحلل من تعاليم الدين ليحكم المسيرة العلمية والفكرية للنهضة الأوروبية [٣] ، ولما كان الإعلام واحداً من هموم هذه النهضة: فقد جاء متأثراً بهذه المفاصلة، ومع التطور الهائل في تقنيات الإعلام وتجدد وسائله: فإن هذه المفاصلة ظهرت في اتجاهين مختلفين في المسيرة الإعلامية الأوروبية. الاتجاه الأول: الإعلام المادي الدنيوي الذي ابتعد عن الالتزام بالمثل والقيم، واتجه نحو إشباع الميول والغرائز والإلهاء دون النظر إلى كون ذلك حراماً أو حلالاً، حتى أصبح أقرب للتجارة، والكسب منه إلى التوجيه والتبصير، فاتجه نحو الجماهير والعامة سعياً وراء التسويق والكسب المادي؛ مما كرس الاتجاهات الرخيصة، فظهرت صحف وأفلام الجنس والإغراء، وقد ساعد اليهود كثيراً في دعم هذا الاتجاه [٤] . الاتجاه الثاني: الإعلام الموجّه، والذي استخدمته بعض المنظمات والمؤسسات في أوروبا ودولها لدعم اتجاهاتها ونشر أفكارها والتأثير بها على شعوب العالم بعد أن أثبتت الخبرة السياسية المعاصرة أن الإدارة الإعلامية هي إحدى الأدوات المهمة في مجال تنفيذ السياسة الخارجية، مما يندرج تحت ما يطلق عليه بعض الباحثين اسم (الأدوات الرمزية لتنفيذ السياسة الخارجية) ، تلك الأدوات التي تهدف إلى التأثير على مفاهيم الآخرين في الوحدات الدولية الأخرى [٥] . التدفق الإعلامي الغربي نحو المجتمع الإسلامي: لقد استهدف الإعلام الغربي الأوروبي بشقيه (المادي والموجه) العالم الإسلامي ضمن ما استهدفه من المجتمعات، لا سيما في العالم النامي. ففي الوقت الذي بدأت فيه أوروبا نهضتها الحديثة بعيدة عن الدين كان العالم الإسلامي يعيش حالة تخلف واضح قعد به تماماً عن أسباب التجديد والإبداع، وفق قيمه ومثله العليا [٦] ، بينما العقل الأوروبي يعيش نشاطاً إنسانيّاً متجدداً متحرراً من القيود، بعيداً عن الإسلام الذي لم يعرفه لقصور المسلمين عن ذلك، وبذلك وقع العالم الإسلامي والعالم العربي أسير هذا الإبداع الأوروبي المتنامي. ولما كان الإعلام واحداً من أهم قضايا الفكر وناتجاً أساساً لقيم الحضارة المتجددة: فقد سقط بدوره أمام الزحف الغربي الذي يقود ثورة هائلة في عالم الاتصال، فأصبح إعلاماً تابعاً معتمداً في أدائه لوظائفه على الخارج.. وهذه التبعية تبدأ من استيراده الآلات والتقنيات، وتنتهي باستيراد البرامج والمواد الإعلامية المعلبة [٧] ، حيث بلغت ما تستورده أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي من المواد الغربية والمعلومات أكثر من ٩٠% من مجموع ما تبثه من برامج وأخبار، وسيطرت وكالات الأنباء الكبرى وكلها غربية، بل يهودية في معظمها على أكثر من ٨٠% من البث الإعلامي العالمي [٨] . وتصدر الولايات المتحدة وحدها أكثر من مئة ألف ساعة سنويّاً من البرامج التلفازية، فضلاً عن السيطرة على السوق الدولية للمعلومات والاتصال في العالم بواسطة مؤسسات وتجمعات رأسمالية أمريكية [٩] . ونتج عن هذا التدفق الغربي: أن أصبحت المنطقة الإسلامية بعامة والعالم العربي بصفة خاصة تعيش في ظل الثقافة الغربية بفضل ما تبثه أجهزة الإعلام التي لم تجد المقاومة الفاعلة من الشخصية الذاتية للمجتمع المسلم، والتي كانت وليدة لا تمتلك مصادر التجديد والابتكار؛ مما جعلها مقلدة أكثر من كونها مجددة مبدعة. ومما ساعد على ذلك التأثير: اختلاط البلاد الإسلامية والعربية بالمجتمع الغربي، فحمل طلاب البعثات والزائرون من الوسائل الترفيهية والمعنوية والفكرية من بلاد الغرب أكثر مما حملوه من وسائل الصناعة والتقنية، وظلت المنطقة تعيش مستورِدة: إما لفقرها المادي، أو لعجزها البشري. ومع غياب الأصالة الإسلامية: فإن الأمر تعدى إلى محاولة إبعاد الثقافة الإسلامية نفسها المتمثلة في القيم الخلقية والعقدية في نفوس أبناء الأمة المسلمة متأثرة بذلك بقناعة عزل الدين عن أمور الحياة كلها. اتجاهات الإعلام الغربي وآثاره: لم تكن الرسالة الإعلامية الغربية محايدة، بل كانت تحمل أهدافها وأغراضها للعالم الإسلامي بصفة خاصة، الذي كان في معظمه تحت الاستعمار الأوروبي، وعندما قامت حركات الاستقلال حاولت أوروبا استبدال الاحتلال الفكري بالاحتلال العسكري؛ مما كان سبباً أساساً في هذا التدفق الإعلامي باتجاهيه: التحرري المنحل، والثقافي الموجه والمنظم. أما الاتجاه التحرري المنحل: فقد جاء مجرداً من قيم الدين، بل وقيم الإنسان المعتدل، فزخر بالقيم الهابطة؛ مما أوجد حشداً من الصحف والمجلات والوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية تمارس ألواناً من الفساد والتضليل والانحلال، تسرب معظمها إلى بلاد المسلمين في غيبة من الالتزام الصحيح، فأصبحت تمثل تهديداً لأبناء الأمة في أعز ما تملكه من قيم ومبادئ [١٠] . وأصبحت الوسيلة الإعلامية تعمل على إلهاء الأمة المسلمة لتعيش حالة ضياع تقرب من حالة كثير من مجتمعاتهم، وصدق الله العظيم: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ] [النساء: ٤٤] . وقد تركت هذه النزعة الانحلالية آثارها على المجتمع المسلم، حيث انساقت بعض وسائل الإعلام نحو القيم الهابطة التي تتعارض مع هدي الإسلام، فزخرت بالبرامج الرديئة، ففقدت النصائح التربوية آثارها في نفوس الأبناء والأجيال الصاعدة، كما احتلت مواد البث الإعلامي الغربي مكان الوظيفة التربوية للمدرسة والبيت، فأصبحت الأجيال المسلمة تعيش تناقضاً بين ما تتلقاه وتسمعه من وسائل الإعلام وما تقدمه لها المدرسة وينصح به الآباء [١١] . أما الاتجاه الثقافي الموجه: فقد تصدرته الكنيسة والجمعيات الدينية الغربية، في محاولة للتنصير بين أبناء المسلمين في البلاد النامية، وجاء مسانداً للحملات والمنظمات الكنسية التي تنتشر في معظم أنحاء العالم الإسلامي في إفريقيا وآسيا على وجه الخصوص، امتداداً لحركة التغريب التي بدأت في تركيا المسلمة، فظهرت العديد من المطبوعات من صحف ومجلات ونشرات، ثم استخدمت الإذاعة على المستوى القومي والشعبي، حيث استقلت بعض الهيئات الدينية النصرانية بمحطات خاصة كما حدث في البرتغال وإيطاليا وهولندا. وفي عصرنا الحاضر: فإن حملات التنصير ما زالت تعمل من خلال وسائل الإعلام المختلفة، مثل إذاعة (مونت كارلو) ، و (صوت الغفران) ، و (مركز النهضة) [١٢] ، وحيث تبث إذاعة (الفاتيكان) وحدها عبر ست موجات قصيرة، بثلاثين لغة عالمية، تعمل ضمن ٤٠ محطة إذاعية تنصيرية، تبث أكثر من ألف ساعة أسبوعيّاً. هذا بخلاف الصهيونية العالمية التي تسخر أكثر من (٩٥٤) صحيفة ومجلة، تصدر في (٧٧) دولة، تقوم عليها مجموعة كبيرة من محطات البث الإذاعي والتلفازي ومؤسسات الإنتاج المسرحي والسينمائي [١٣] . كما صاحب هذه الموجة من الإعلام الموجه حمى بث مشابهة استهدفت الإسلام والمسلمين في حملات مباشرة، فظهرت كتابات تطعن في عقائد المسلمين وتتناول الأنبياء والرسل بالتشكيك في رسالتهم وسيرتهم، بل إن بعض الاتجاهات العقائدية المشبوهة قامت أخيراً بتبني حملة إعلامية منظمة ضد المسلمين، انتصاراً لآرائهم الضالة فأنشؤوا شبكات إذاعية تبث برامجها، مستهدفة المسلمين في آسيا والخليج وإفريقيا [١٤] . الدعوة الإسلامية والإعلام: أهمية الإعلام الدعوي: حسب العرض السابق: نلمس أن الإعلام يعتبر من أهم أدوات الأمة داخليّاً وخارجيّاً، ويعكس بالضرورة حقيقة الأوضاع السياسية والفكرية، ويقود الرأي العام في الداخل نحو التماسك الاجتماعي، مما يتطلب ضرورة الوصول إلى برنامج عام متميز يحقق إبراز رموز الأمة وحَمَلة الفكر فيها، مع افتراض درجة عالية من النقاء والوضوح. وتظهر الأهمية أكثر عندما يكون للأمة فكر وعقيدة تسعى لنشرها وحمايتها عن إيمان وصدق ويقين.. وأمة المسلمين تحمل عقيدة الإسلام ورسالة التوحيد، فهى ولا شك في حاجة إلى تبليغ ما تحمله، ليس عن رغبة في الظهور، ولكن عن يقين وإيمان بأن ما تقدمه للناس هو الأصلح لهم والأنفع لدنياهم وآخرتهم. وأمام إحكام السيطرة الغربية على وسائل الإعلام: فإن مخاطبة الغرب بأفكاره ومبادئه التي هي في غير صالح المسلمين تتم مباشرة لشعوب العالم الثالث، وضمنها الشعوب الإسلامية، مما أثر كثيراً في معظم المجتمعات الإسلامية على حساب دعوتها وعقيدتها، حتى كادت أن تضيع ملامح الدين الحق بين إفراط وتسيب وتشدد ومغالاة. ولعل مما يؤكد سوء النية في التدفق الإعلامي الغربي (الذي سارت عليه معظم الأجهزة الإعلامية في كثير من بلاد المسلمين أنفسهم) : ما تقوم به من حملات للنيل من الإسلام والمسلمين والطعن في معتقداتهم للنيل من عقيدة الأمة وتاريخها وتراثها بعامة، وبتشويه سيرة العلماء فيها، حتى أصبح التاريخ الإسلامي في الإعلام المعاصر لا يمثل سوى مواقف الثأر والغدر والتبذير، بل العشق والغرام. الإعلام الإسلامي بين الواقع والواجب: صحيح أن هناك محاولات ظهرت فيها بعض الزوارق الصغيرة تحاول الإبحار مع تيار الحق، تلك هي المجلات والصحف الإسلامية ثم التلفاز بعد ذلك لتحمل صوراً توجيهية وبرامج تتعلق بالدعوة الإسلامية منها قراءة للقرآن الكريم، أو حديث ديني، أو ندوة، أو كلمة وعظ وإرشاد.. وبجانب بعض المحاولات التمثيلية والكتابات المسرحية، غير أنها اتسمت بقلة الإمكانات المادية نتج عنها ضعف في الإخراج وسوء الطباعة، رغم ما تحتويه بعضها من معلومات طيبة، مما جعلها غير قادرة على الوقوف في مواجهة المنافسة مع غيرها من الوسائل الحديثة [١٥] . ولكنها في النهاية صدرت تحت مسمى البرامج الدينية أو الصفحات الإسلامية في الصحف، بما كرس مفهوم المفاصلة بين ما تقدمه وسائل الإعلام من مواد عامة متنوعة وتلك التي حملت اسم الدين، فجعلها في عزلة، تعزيزاً للنظرة الغربية التي قامت على الفصل بين علوم الدنيا وعلوم الدين، متعارضة بذلك مع طبيعة الإسلام المتكامل الذي يجعل الحياة كلها عبادة. ومما زاد عزلة هذه البرامج التي قدمت تحت مظلة الدين: أنها لم تحظ بنصيبها من الفن الإعلامي في التجديد والتسويق، وظهرت غريبة، وساعد على غربتها: تدني مستوياتها إخراجاً وتقديماً بالنسبة إلى غيرها من البرامج الترويحية والمنوعات والرياضة ... إلخ. لهذه الأسباب وغيرها: تظهر الحاجة إلى إعلام ملتزم يحمل الدعوة الإسلامية بكل مفاهيمها وشمولها، مستقلاً عن المفهوم الغربي باتجاهاته المادية والعنصرية، حتى لا تقوم تلك الازدواجية بين ما هو برنامج ديني أقرب إلى الجمود منه إلى الحركة والعطاء، وما هو برنامج غير ديني مقيد بآداب المجتمع وقواعد الشرع، وبذلك يتحقق القضاء على الانفصام القائم بين الإعلام وبرامجه والشخصية السوية والنظرة المستقيمة، وبما يحرر الدعوة الإسلامية نفسها من هذه الأطر والنماذج التقليدية التي هي عليها في كثير من وسائل الإعلام للاستفادة من مميزات عدة تتميز بها هذه الدعوة الإسلامية، نذكر منها: أولاً: الطبيعة الإعلامية للدعوة الإسلامية. ثانياً: قدرة الدعوة الإسلامية على استيعاب الوسائل المتاحة. ثالثاً: تمايز المسيرة الإسلامية ومنطلقاتها. وسنحاول أن نلقي الضوء باختصار على كل ميزة من هذه المميزات اعتباراً من الحلقة التالية إن شاء الله (تعالى) مع استكمال باقي الموضوع.

стр. 2376

محاضرات وندوات نجيب محفوظ.. خلفية فكرية لفنه الروائي (١ من ٢) بقلم: د. مصطفى السيد ولد نجيب محفوظ في ١١/١٢/١٩١١م في وقت لم تكن الساحة الثقافية في مصر تعيش لحظة المخاض بين يدي ميلاد ثقافة جديدة مبهمة المعالم ملتبسة الخطوط، لم يكن الأمر كذلك؛ لأنه منذ تولى (محمد علي) (١٧٦٩م ١٨٤٩م) حكم مصر بدأ مشروع تهميش جزء كبير من الإسلام وإقصائه عن الحضور الشامل في وجدان كثيرين من أفراد المجتمع وسلوكهم، كما جرى إبعاده عن أكثر مؤسسات الدولة، وحصره في المساجد والجوامع، وإضعاف أكبر معاقله التاريخية في أرض الكنانة (الأزهر الشريف) ، وذلك لحساب المدارس والبعثات الأجنبية التي شكلت العمود الفقري للبنية الثقافية الجديدة، ولقد سبقت البعثات التي أرسلها (محمد علي) إلى فرنسا هذه المدارس ومدارس البعثات الأجنبية إلى زحزحة الأزهر والأزهريين عن مكانتهم التاريخية بوصفهما مرجعين تربويين وعلميين في مصر وخارجها ... أيضاً. ولقد أدى تقلص دور الأزهر والأزهريين في الحياة المصرية وتمدد المشروع الغربي إلى فتح كثير من منافذ البلاد الفكرية والثقافية أمام ذلك المشروع، ولا سيما شطره الفرنسي الذي أراد نابليون أن يجعل من أرض الكنانة أولى البلاد الإسلامية التي يزرع في تربتها بذور الثورة الفرنسية (١٧٨٩م) . يقرأ (جومار) الخبير الفرنسي الذي رافق نابليون في حملته على مصر، ثم أصبح مشرفاً على المبتعثين المصريين أيام (محمد علي) إلى فرنسا، يقرأ إجاباتهم فيعلق عليها قائلاً: (يظهر من فحوى كتاباتهم: أنهم قبل أن يكتبوا يفكرون بعقل فرنسي لا بعقل عربي، فمن المنتظر أن الخرافات الشرقية ستمحى من عقولهم تدريجيّاً) [١] . هكذا يرى هذا الفرنسي في هؤلاء المبتعثين بداية واعدة تؤذن بتفتت البنية العقلية العربية والهوية الإسلامية لهؤلاء الطلبة، فيقربهم ذلك من اعتماد المرجعية العقلية للحضارة الغربية ويعدهم للدوران في فلكها. دور رفاعة الطهطاوي: لقد ترتب على مشروع (محمد علي) انكماشاً وتهميشاً لدور الأزهر التاريخي والمستقبلي [٢] ، ومما يبعث على الأسى: أن هذا التراجع للأزهر شيوخاً وطلاباً قد تم على أيدي بعض الأزهريين، ويعد الأزهري (رفاعة الطهطاوي) (ولد عام ١٨٠١م) ضمن هذا السياق (ممثلاً حالة نموذجية لوضع العالِم ضمن مشروع (محمد علي) التحديثي، ف (الطهطاوي) نشأ وتشكل في سياق التجربة الجديدة، ووجد في الشيخ (حسن العطار) (أستاذه، وشيخ الأزهر فيما بعد) القدوة والموجه، فالشيخ (حسن العطار) هو من العلماء القلائل الذين فتنتهم علوم المحتل الفرنسي ووقعوا تحت وطأتها، إن حداثة سن (الطهطاوي) ، والمرجعية الفكرية التي مثلها بالنسبة إليه الشيخ (العطار) ، مضافاً إلى ذلك نشأته الفقيرة: جعلت من الآفاق التي فتحتها أمامه سياسة (محمد علي) الأسس التي صاغت توجهه اللاحق عبر مختلف الكتابات التي حبّرها بعد رجوعه من فرنسا والتي شكلت تعبيراً دقيقاً عن واقع العالم الملحق بمنطق الدولة الناشئة، والمشارك في تنفيذ سياستها انطلاقاً من موقعه هذا) [٣] . ولم ينته دور هؤلاء الأزهريين (القلائل) عند حدود المشاركة العلمية والعملية في التغريب الذي بدأ على استحياء أيام (محمد علي) ليصبح مشروعاً شاملاً في أيام محفوظ، لم ينته دورهم عند حدود تلك المشاركة، بل تطور إلى مدح ما قام به (محمد علي) ، يقول (رفاعة الطهطاوي) : (لو لم يكن للمرحوم (محمد علي) من المحاسن إلا تحديد المخالطات المصرية مع الدول الأجنبية لكفاه ذلك، فلقد أذهب عنها داء الوحشة والانفراد، وآنسها بوصال أبناء الممالك الأخرى لنشر المنافع العمومية، واكتساب السبق في ميدان التقدمية) [٤] . وهكذا تحول الشيخ (رفاعة) إلى مجرد باحث عن كل ما يبرر ويدعم سياسات (محمد علي) التحديثية التي كانت أساس الانفتاح على الغرب، وقد وصل في أحايين كثيرة إلى حدود التهور والفجاجة، لقد كان المتوقع أمام المأزق الحضاري أيام (محمد علي) العودة إلى التجربة الإسلامية الراشدة، لتحصين الأمة بدينها، لا باستعارة حضارة لم تأت بتقدم، ولم ترتق بدين يمتلك عناصر الرقي ويحفظ على الأمة وحدتها وشخصيتها ورسالتها. دعاة التغريب ورموزه: وبمرور الزمان أخذ الاتجاه نحو تغريب المجتمع العربي المسلم في مصر، ومن ثم: بقية العالم العربي، أخذ يشتد ساعده ويكثر مساعدوه، ويتغلغل فكراً ومفكرين في شؤون الحياة كلها، ويتقدم نحو مواقع كانت تاريخيّاً وقفاً على دعاة التوجه الإسلامي. وكان في دعم الدولة ممثلة بالخديوي (إسماعيل) حفيد (محمد علي) أقوى الأسباب التي مكنت للمشروع الغربي في مصر، يضاف إلى ذلك: ضعف الدولة العثمانية التي آذنت شمسها بمغيب، وزاد الطين بلة: غياب مخطط إسلامي يوقف التداعي الداخلي.. هذه الأمور وأمور أخرى ليس هنا موضع سردها تركت الساحة العربية المسلمة مشرّعة على شتى الاحتمالات، تستقبل شتى التحديات واهنة القوى مشتتة الرأي؛ فاشرأبت أعناق دعاة التغريب من المثقفين لتقصر المرجعية الحضارية على لندن وباريس، وجأر (أحمد لطفي السيد) (١٨٧٠م ١٩٦٣م) بدعوته إلى الليبرالية الغربية، ومحاربته للجامعة الإسلامية، جاعلاً من سلبيات الحكم العثماني منطلقاً لمجابهة أي توجه إسلامي، ومن إشرافه على الجامعة المصرية (١٩٢٥م ١٩٤١م) فرصة لا تفوّت لتأسيس هذه الجامعة توجهاً ولوائح ومناهج على أصول الفكر الليبرالي الغربي. وبالجملة: فلقد (انتقل الفكر القومي على يد (لطفي السيد) إلى مرحلة جديدة، وقد تميز فكره السياسي بالخصائص التي ميزت فكرة الطهطاوي، وهي: الإيمان ب: القومية المصرية، والديمقراطية الليبرالية؛ والدعوة إلى نقل مقومات الحضارة الغربية، وإن تميز بأن تفكيره أكثر علمانية كما يتضح من مهاجمته لفكرة الجامعة الإسلامية) [٥] . دور علي عبد الرازق الانهزامي: في هذا المناخ الليبرالي أخرج (علي عبد الرازق) كتاب (الإسلام وأصول الحكم) سنة ١٩٢٥م، مكملاً بذلك الشطر الآخر من دعوة (أحمد لطفي السيد) الذي استمات في الدفاع عن القيم الغربية وتقديمها للشرق العربي المسلم بوصفها الدواء الشافي لكل علل التأخر والتخبط، لقد أراد (علي عبد الرازق) أن ينهض بالشطر الأهم من هذه الهجمة المتمثل بالدعوة الكاذبة القائلة بخلو الإسلام من العناصر اللازمة لقيام دولة، وأن كل ما في الإسلام عن هذا الجانب لا يعدو بعض القيم الأخلاقية التي هي أضعف من أن تشكل دولة بالمفهوم القديم لهذه الكلمة، فأنّى لها أن تكوّن عناصر قيام دولة بالمفهوم المعاصر؟ الأدباء والدعوة لليبرالية: ولم تكد العاصفة التي أحدثها (الإسلام وأصول الحكم) تهدأ حتى يفاجأ العرب المسلمون في مصر وخارجها بكتاب (في الشعر الجاهلي) سنة ١٩٢٦م، لا ليمثل ثرثرة حول قضايا أدبية تتسع لأكثر من رأي، بل للتشكيك في صدق الحقائق التاريخية الموجودة في القرآن الكريم، وإذا كان الجمهور المصري من عامة وعلماء وأحزاب أكثرهم قد أدانوا الكتاب الضرار، فإن (أحمد لطفي السيد) عمل بكل ما في وسعة مستغلاً حربة البحث العلمي واستقلالية الجامعة، ليواري بها السوأة الفكرية للكتاب والكاتب، داعماً مثل هذه البحوث المشبوهة وأصحابها الذين صُنعوا على أعين الغرب. في هذا المناخ القاتم الذي يعد امتداداً لمشروع (محمد علي) ، و (رفاعة الطهطاوي) ، و (حسن العطار) ، وما كان يحمل من بذور حضارية نافعة غطت عليها وألغتها سيطرة الروح الغربية الطاغية على دعوته ودعاته، ثم تجلّى هذا المشروع بداعية جَلَد ضاعف فيه من الجرعة الغربية، وقلّت فيه الروح الإسلامية الواهنة التي صاحبت دعاة المشروع الأوائل، قصدت بذلك من أطلق عليه لقب أستاذ الجيل: (أحمد لطفي السيد) ، ولم يكن (لطفي السيد) يعمل وحيداً، بل آزره (علي عبد الرازق) و (طه حسين) من خلال ما كتبا، وأخيراً: يأتي تراجع الأزهر؛ ليزيد الطين بلة، ويبلغ السيل الزبى والحزام الطبيين ... بيئة نجيب محفوظ وثقافته: في هذا المناخ القاتم يولد هذا الروائي الكبير ليمتص هذا الثقافة، ويغذو قلبه وعقله بفكرها ومفكريها، يولد في مثل هذا المناخ الملوث الذي يشكل حصاراً وتحدياً لكل محاولات البعث الإسلامي، يتنفس محفوظ في هذا الجو، وتتأسس ثقافته، ومن ثم: إبداعه الروائي، تأسيساً يجعل منه اللسان الروائي لتجمع (الضرار) . لم يكن محفوظ ليتردد في الانتماء الثقافي والروائي والسياسي إلى تجمع (الضرار) الذي يمكِّن عمليّاً وفي العمق للفكر الذي يتناقض مع الدين، في الوقت الذي يعلن فيه الضراريون أنهم لا يعملون إلا لبعث الدين [وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ الحُسْنَى] [التوبة: ١٠٧] . وإذا كان الفكر الغربي يجد بعض المسوغات لتسويقه في بلاد المسلمين بما يمتلك من منجزات في الميدان التقني، فبم نفسر انحياز الأستاذ (نجيب محفوظ) لفكر منقرض مذموم في الكتاب والسنة؟ ، وكيف نفهم قوله لـ (جمال الغيطاني) الكاتب الروائي: (إن العصر الفرعوني هو المرحلة المضيئة في مواجهة الواقع المر الذي كنا نعيشه) [٦] . ولقد أتيحت لهذا الروائي الموسوعي الفرصة لكي يطل على الثقافة الإسلامية من موقع علمي وموثوق، وذلك عندما سجل رسالة الماجستير عن (علم الجمال عند المسلمين) بإشراف العلامة الشيخ (مصطفى عبد الرازق) (رحمه الله تعالى) ، وكانت الفرصة لو تمّت ستتيح للكاتب الاطلاع على الثقافة الإسلامية من مصادرها التي يعتد بها، لا من المشعوذين الذين ازدحمت قصصته ورواياته بشخوصهم وآرائهم، إن الجلوس مع أمثال الشيخ (مصطفى عبد الرازق) كان سيشكل مكسباً عظيم العائد والمردود لهذا الروائي المتمكن، لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، واستعاض بالشيخ (مصطفى عبد الرازق) أصدقاء كان يشرب معهم الشيشة ويحتسي بعض كؤوس الويسكي والاستماع إلى أم كلثوم [٧] . تتلمذه على (سلامة موسى) : كما استبدل بالشيخ رأساً من رؤوس الفكر الغريب عن روح الأمة وعن تجربتها ومسيرتها، قصدت بذلك (سلامة موسى) الذي يقول عنه محفوظ: (وكان لـ (سلامة موسى) أثر قوي في تفكيري؛ فقد وجهني إلى شيئين مهمين هما: العلم، والاشتراكية، ومنذ دخلا مخي لم يخرجا حتى الآن) [٨] . إن (سلامة موسى) قد وجهه إلى العلم الذي جعل (كمال عبد الجواد) يقول على لسان الكاتب في (قصر الشوق) : (أبونا آدم؟ ! ، لا أب لي، ليكن أبي قرداً إذا شاءت الحقيقة، إنه خير من آدميين لا عدد لهم، لو كنت من سلالة نبي حقّاً ما سخرت مني سخريتها القاتلة) [٩] . لعله ليس من المبالغة القول: إن التصور الإسلامي بما يمنح المؤمن من القدرة على تجاوز اليأس والإحباط، واستبدال التفاؤل بالتشاؤم، إن هذا التصور عندما غاب عن رؤية الكاتب لمستقبل الصراع العالمي للإنسان فإنه جعل هذه الرؤية (لا تحمل أملاً في خلاص الإنسان، ولا حلماً بالخلاص، والأديب الذي يكتب بمثل هذه الرؤية، لا يُنتَظر منه أن يعيد تشكيل الواقع ليكشف عن رؤية جديدة للإنسان والواقع، وغاية ما يمكن أن يقدمه هو الوقوف عند حدود تصوير الواقع الذي يراه في صورة مأساة كاملة ومستمرة) [١٠] . إن غياب هذا التصور قد أفقد الكاتب تلك النزعة المتفائلة والواعدة بمستقبل أفضل للإنسان، تلك النزعة التي أخذها أمثال (ديكنز) و (تولستوي) و (همنجواي) من نصرانية محرفة، فباعدت بين أدبهم واليأس والقتامة، في حين كان بمقدور كاتبنا أن يفيد من روضة الإسلام (اللامتناهية) في هذا الموضوع، ومن روحية الشعب المصري المفطور على الكفاح المتفائل، والمكتشف بحسه الروحي لحزم النور في ليالي الظلام المتكاثف. لقد أدار الكاتب ظهره، ونأى بقلمه عن الاستفادة من الكنوز الروحية لمصر الإسلامية، وراح ينقل الهموم الغربية إلى الرواية العربية نقلاً جعل بعض النقاد يقول: (إن جرأة مشروع محفوظ في (حكاية بلا بداية ولا نهاية) .. وهو طي صفحة التصور الديني للعالم، وتكريس التصور العلمي بديلاً له ووريثاً، وأن التصور الديني للعالم قد دبت فيه الشيخوخة، وفَقَد القدرة مثله مثل الشرايين حين تصاب بالتيبس على الاستجابة لمتطلبات العصر الذي لا سنة له غير التغير) [١١] . وبقدر ما كان محفوظ يباعد ما بينه وبين التصور الإسلامي ويقترب من الغرب المقيم من خلال مثقفيه ومسوقيه من العرب، والغرب البعيد في دياره وأوطانه.. بقدر ما كان يفعل ذلك كانت أزمته تكبر وكان يسقطها على أبطاله مع كثير من التعسف والقسر الفني والموضوعي للشخصيات لتكون مطواعة لتصورات الكاتب. لقد ظهر ذلك جليّاً في رواياته (اللص والكلاب) ، و (السمان والخريف) ، ... و (الطريق والشحاذ) ، وأجلى ما يكون في (دنيا الله) ، و (حكاية بلا بداية ولا نهاية) ولينفجر مدوياً فادحاً وفاضحاً في آن معاً في (أولاد حارتنا) . ولعلي اكتفي بشواهد من (الثلاثية) التي جسدت هذه الأزمة: تأتي أقوال (كمال) بن السيد أحمد عبد الجواد أحد أبطال الثلاثية (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) [١٢] لتجسد بصورة صارخة عمق الأزمة الروحية لمحفوظ، مبرزة رؤيته القاتمة للدين، سواء بقيمته المعنوية في حفظ كيان الفرد والأمة، أو لجهة دوره في الصراع المستقبلي، بوصفه أحد أهم عناصر النصر في هذا الصراع، إن لم يكن بتطبيقه وفهمه الفهم الدقيق عنصر النصر الوحيد. وأقوال (كمال عبد الجواد) وغيره من أبطال محفوظ لا تظهر أزمة الكاتب الروحية وموقفه من الدين فحسب، بل تبلور انعكاس أفكار (سلامة موسى) في الكاتب ودعوة (محمد علي) و (رفاعة) إلى التغريب التي كانت لها تجلياتها في مختلف مجالات الحياة العربية المسلمة في مصر، وكتابات محفوظ تمثل في إنتاجها أحد أهم هذه التجليات. ولقد دندن أكثر النقاد عن العلاقة بين محفوظ وأبطاله عامة و (كمال عبد الجواد) بصورة خاصة، وإذا كان النقاد قد وقفوا على أرضية صلبة في استكشاف معالم العلاقة بين كل من (نجيب محفوظ) و (كمال عبد الجواد) بوصف جهدهم عملاً مشروعاً من الناحية النقدية، فهم قد تركوا إبداعات مهمة في رصد هذه العلاقة وإثبات وشائج القربى بينهما، ومما أكد على عمق العلاقة: مقولات الكاتب نفسه التي أصّلت مقولات النقاد ورسخت ما ذهبوا إليه [١٣] . يقول محفوظ: (الثلاثية، وأولاد حارتنا، والحرافيش: هم أحب أعمالي إلى نفسي، في الثلاثية كما قلت: جزء كبير من نفسي، يتمثل في شخصية (كمال عبد الجواد) ، إن أزمة كمال هي أزمتي، وجانب كبير من معاناته هي معاناتي، من هنا يجيء حبي للثلاثية وحنيني إليها) [١٤] . لنستمع إلى ما أورده الكاتب على لسان (كمال عبد الجواد) ، ولِنَرَ المسافة البعيدة التي قطعها في البعد عن الدين، ووقوعه في حيرة وشك قاتلين: (سيكون - أي: كمال- في تحرره من الدّين أقرب إلى الله مما كان في إيمانه به) [١٥] ، ويقول كمال مناجياً نفسه في (قصر الشوق) : (كان كأنما يود أن ينعي إلى الناس عقيدته، لقد ثبتت عقيدته طوال العامين الماضيين أمام عواصف الشك التي أرسلها (المعري) و (الخيام) ، حتى هوت عليها قبضة العلم الحديدية فكانت القاضية، على أنني لست كافراً! ، لا زلت أؤمن بالله، أما الدين! ، أين الدّين؟ ! ، ذهب كما ذهب رأس الحسين، وكما ذهبت عايدة -حبيبته-، وكما ذهبت ثقتي بنفسي، كفى عذاباً وخداعاً، لن تعبث بي الأوهام بعد اليوم، أبونا آدم؟ ! ، لا أب لي، ليكن أبي قرداً إن شاءت الحقيقة، إنه خير من آدميين لا عدد لهم، لو كنت من سلالة نبي حقّاً ما سخرت مني سخريتها القاتلة) [١٦] . إن (كمال عبد الجواد) ، ومن قبله (إسماعيل) بطل (قنديل أم هاشم) لـ (يحيى حقي) ، وبطل (الأيام) و (أديب) لـ (طه حسين) ، و (محسن) بطل (عصفور من الشرق) لـ (توفيق الحكيم) ليسوا إلا فتية من سلالة (رفاعة الطهطاوي) [١٧] .

стр. 2377

هموم ثقافية السقوط عند اللحظة الفارقة بقلم: د.أحمد إبراهيم خضر لبعض الكتاب علامة فارقة تميزه عن غيره، فهو صاحب مبدأ لا يتغير، وبعضهم متقلب الفكر يميل مع الريح أنّى مالت، ولا سيما إذا وجد فيها مصلحة ما أو أداءً لدور معدّ سلفاً، وحديثي عن رجل من النوع الثاني، اتسم زيادة على ما ذكرت بعداء شديد للفكر الإسلامي ورواده المعاصرين، وهو مع كل توجه منحرف لأدعياء الفكر الإسلامي، إذ هم عنده رموز لا تمس، وإن هلكوا فهم في تصوره شهداء، إنه المدعو (غالي شكري) . فمن هو (غالي شكري) هذا؟ ! ، وأين هو الآن؟ . إنه حامل حقيبة (سلامة موسى) كما وصفه الأستاذ (محمود شاكر) [١] . (غالي شكري) هو الكاتب القبطي الماركسي المعروف، رئيس تحرير مجلة (القاهرة) اليسارية، صاحب (النهضة والسقوط) ، و (الماركسية والأدب) ، و (قضية الجنس في الأدب) ، و (ثورة المعتزل) و (المنتمي) ، و (نجيب محفوظ في خط المواجهة) .. إلخ. هو التلميذ التابع لـ (لويس عوض) كما يقول عن نفسه. كوّنَت فكره: الترجمات الروسية والفرنسية، ومطبوعات دار التقدم بموسكو، وأفكار (لينين) و (يلنجانوف) و (ماركس) و (إنجلز) [٢] . صحب (غالي شكري) (سلامة موسى) ست سنوات (كصحبة (أوجست كونت) الشاب (سان سيمون) العجوز) وكان من أهم قرائه، وأكثرهم نبشاً في فكره، وأقدرهم على الإشارة إلى مواطن ريادته! .. احتفى (سلامة موسى) بتلميذه (غالي شكري) ، ودعاه إلى زيارته في بيته، ومدّ له يد العون، وقيل عنه: إنه ابن ... أخته [٣] ، لقن (سلامة موسى) تلميذه الجديد معلومات جديدة عن (فرويد) ... و (نيتشه) و (شو) ، و (تولستوي) ، ثم علّمه كيف يحول هذه المعلومات إلى خبرة حية ومزاج عقلي، في وقت لم يكن في بيت (غالي شكري) إلا كتاب واحد، هو (الإنجيل) [٤] . معظم أفكار (غالي شكري) ترديد لأفكار (سلامة موسى) ، هذا الأخير الذي يزعم أن (الله) فكرة! ، والدين هو الإنسانية، وفرنسا هي القبلة [٥] ، والتعليم لا بد أن يكون أوروبيّاً لا سلطان للدين عليه ولا دخول له فيه، هذا الأستاذ هو صاحب مقولة (نحن في حاجة إلى ثقافة حرة أبعد ما تكون عن الأديان) ، لغة القرآن عند (سلامة موسى) لغة بدوية لا تكاد تكفل الأداء إذا تعرضت لحالة مدنية كتلك التي نعيش بين ظهرانيها [٦] . أصدر (غالي شكري) مجلته (القاهرة) متسلحة بما يسمونه بالفكر الحر والمتقدم في خط المواجهة الأول للدفاع عن العقلانية من أجل صياغة مشروع ثقافي وفكري مستنير [٧] ، ضد دعاة الجمود والتخلف المتمسكين بالموروثات دون تغيير ، الذين يقدمون القرابين للسلف الصالح [٨] ، تماماً مثلما أصدر (سلامة موسى) مجلته (الجديد) اليسارية العلمانية الجريئة. (سلامة موسى) هو أول من أصدر كتاباً بالعربية في مصر عن الفكر الاشتراكي، وهو الذي صدّر صورة (كارل ماركس) في العدد الرابع من مجلة الهلال، التي كان يرأس تحريرها عام ١٩٢١م.. تقلد (غالي شكري) خطى (سلامة موسى) نحو الاشتراكية مثلما تقلدها (لويس عوض) و (نجيب محفوظ) من قبله [٩] ، ولما سئل (نجيب محفوظ) عن تأثره بعلمانية (سلامة موسى) ، وإلى أي مدى ظهر هذا التأثير على ملامح شخصيته؟ ، أجاب ضمن ما قاله بالحرف الواحد: (لهذا أشعر بالإجلال لـ (سلامة موسى) ولخدمته لهذا الوطن ودعوته للاشتراكية.. (بلاش) اشتراكية لأنها كلمة سيئة السمعة) [١٠] . (غالي شكري) و (سلامة موسى) من أصحاب المشروع الثقافي الطائفي، وكان الأخير ينظر إلى نفسه كمثقف عربي طائفي [١١] ، لكنه أخفى تعصبه الطائفي تحت عباءة الاشتراكية مثلما أخفاه (غالي شكري) تحت عباءة الماركسية، نادى (سلامة موسى) بالتعقيم الاختياري [١٢] ، ودعا إلى ضبط النسل، في الوقت الذي أنجب فيه ثلاثة صبيان وخمس بنات! ! ، [١٣] أما (غالي شكري) الذي يقول عن نفسه أنه درس القرآن قراءة وتدويناً، وحفظه عن ظهر قلب [١٤] : فقد جعل مجلته منبراً ينادي بالعلمانية، وقلعة للماركسية وأفسح مساحات كبيرة فيها لـ (ألبير قصيرى) و (جورج عبد المسيح بشاي) و (سمير صادق حنا) و (مجدي فرج) و (ماري إلياس) و (ميخائيل جرجس) و (جرجس شكري) و (إلهام غالي) ... و (توفيق حنا) يرسمون ويتحدثون عن (دليل الحيارى في أعمال النصارى) و (مع المسيح ذلك أفضل) وعن (الأقليات والألحان القبطية وامتداداتها الفرعونية) .. إلخ [١٥] ، والأخطر من ذلك: الترويج لفكرة الإلحاد [١٦] . وإذا كان (سلامة موسى) قد وضع التجارب فوق العقائد، وأخرج الدين من دائرة علاقة الإنسان بالحكومة، وحكم بالموت على كل من يؤمن بتدخل الدين في أصول المعاملات بين الناس من تجارة وزواج وامتلاك [١٧] ، فإن تلميذه (غالي شكري) قد تعرض بخبث للإسلام والإسلاميين، تارة في ثنايا مدحه لتفاعل الحضارة العربية الإسلامية مع غيرها، وتارة ثانية تحت دعاوى الإرهاب والتطرف، وأخيراً: تحت مظلة الديمقراطية وحرية الفكر والتعبير. (غالي شكري) هو الذي كتب قائلاً: (إن ميراثنا الحضاري يقبل التغيير والتجدد، فلا يجوز أن نسمح لدعاة الجمود بالإبقاء على موروثاتنا دون تغيير، ومن ثم: لا يجوز أن نقدم القرابين للسلف الصالح) ، ولهذا استمات حتى أعاد من على منبره اليساري نشر كتاب (في الشعر الجاهلي) لـ (طه حسين) ، ودعوة (شادي عبد السلام) لإحياء الفرعونية، كما نشر محاكمة (نصر حامد أبو زيد) تحت عنوان (وثيقة إعدام مثقف مصري) [١٨] . وخصص مساحة كبيرة لنشر محاكمة (محمد محمود طه) زعيم الإخوان الجمهوريين في السودان [١٩] الذي ارتد عن الإسلام وأُمهل ثلاثة أيام ليتوب، لكنه لم يتب؛ فأعدم شنقاً في صباح الجمعة ٢٧ ربيع الثاني ١٤٠٥هـ الموافق ١٨/١/ ١٩٨٥م بتهمة الزندقة ومعارضة تطبيق الشريعة الإسلامية. (محمد محمود طه) ، رجل يمتاز بقدرة فائقة على المجادلة والملاحاة، أسس حزبه الجمهوري سنة ١٩٤٥م، قال بآراء دينية منحرفة مصحوبة بكثير من الآراء الشخصية لم يقل بها أي عالم من علماء المسلمين وأئمتهم، قال: إنه صاحب الرسالة الثانية التي تلقاها من الله نفسه كفاحاً بدون واسطة ليرفع وصاية الشريعة الإسلامية عن الرجال والنساء؛ ولهذا أسقط التكاليف الشرعية عن الإنسان في مرحلة من المراحل لاكتمال صلاحه، ولعدم وجود داع للعبادة بعدها.. الجهاد عنده ليس أصلا في الإسلام، ولا الحجاب، ولا الزكاة، وتعدد الزوجات كذلك، والدين عنده هو الصدأ والدنس، أما القرآن: فهو شعر ملتزم، وموسيقا عُلوية، يعلِّم كل شيء ولا يعلِّم شيئاً بعينه، حرّض الجنوبيين المسيحيين في السودان ضد تطبيق الشريعة، وروج لفكرة الإنسان الكامل الذي هو زوج الله (! !) [٢٠] . لهذه الأسباب، ولسبب آخر مهم، هو دعوته إلى ما يسميه بالمساواة الاقتصادية التي تبدأ بالاشتراكية وتتطور نحو الشيوعية، ومناداته بالفردية المطلقة، بمعنى أن يكون لكل فرد شريعته الفردية، خلع عليه اليساريون ألقاباً وصفات عديدة، منها: الأستاذ الشهيد المفكر الإسلامي صاحب الدماء الزكية كاتب صفحات النور في تاريخ الفكر والاستنارة، وأعدوا له فيلماً بعنوان (القتلة يحاكمون ... الشهيد) [٢١] . (غالي شكري) يريد شابّاً متديناً من طراز خاص جدّاً، أهم ما فيه أنه لا يقدم القرابين للسلف الصالح! ! ولكنه نسخة مطابقة لشخصية (أحمد عبد الجواد) في ثلاثية نجيب محفوظ. يقول (غالي شكري) عن (أحمد عبد الجواد) : (فهو المؤمن المتدين الذي يقضي لياليه بين الخلان شارباً، وبين العوالم راقصاً، وبين النساء متهالكاً نشوان طروباً، دون أن يفرض على الوعي أي تناقض بين أداء الفرائض وفرضها على أفراد عائلته، والحياة الليلية الملونة.. شخصيته مزدوجة حقّاً! ، ولكن ما أبعدها عن التمزق؛ فلا إحساس بالذنب، ولا عذاب للضمير، وإنما انسجام تام بين الوجهين كأنهما وجه واحد) [٢٢] . (غالي شكري) كأستاذه (سلامة موسى) من دعاة (المتوسطية) نسبة إلى انتماء مصر إلى أوروبا عبر المتوسط لا العرب، وشكل الاستعلاء على العرب والسلام مع إسرائيل جزءاً من أطروحته الوطنية الثقافية مع (نجيب محفوظ) قبل عام ١٩٥٢م وبعده [٢٣] ، ولكنه لما دعي إلى احتفال ولادة معجم البابطين للشعراء المعاصرين في الكويت تلوّن وقال: (فمن يملك التاريخ الواحد وسمات الأمة الواحدة لا يمكن أن يختلف مع زميله [٢٤] ، رغم أنه قال قبل ذلك: (إن اللغة والدين والتاريخ المشترك أحياناً بين المصريين وغيرهم من العرب لا تقيم شمل أمة أو قومية) [٢٥] . ولأن العدو واحد عندهم جميعاً، هم الذين يطلق عليهم (غالي شكري) : (الجهلاء، خصوم العقل، الذين تمكنوا من رفع الصوت عالياً في البرلمان ضد الشعر والنثر واللون، وفي ساحات المحاكم، وفي الغرف المغلقة داخل الجامعات) [٢٦] ، تناسى ما قاله بالأمس من أن الصحراء تفصل بين مصر والعرب، وأن المتوسط هو الذي يربط بينها وبين أوروبا (!) ، ليقول اليوم: (أصحاب المال العرب) قدموا نموذجاً رفيعاً على أن العطاء الثقافي هو أعظم أنواع العطاء [٢٧] . حينما تعرض (نجيب محفوظ) لمحاولة اغتياله بعث إليه (غالي شكري) يواسيه، ويقول له: إنه تعلم منه ومن تجربة اغتياله شجاعة العقل والتعقل، وشجاعة الإصرار إلى حد الاستبسال، وإنه صامد متمسك بالعقلانية، ولن يتخلى لحظة واحدة لرعد العواصف الهوجاء الطائشة العمياء، حاملاً الراية ذات النجوم الثلاث (الحرية، والمعرفة، والعدالة) [٢٨] . هذا ما قاله (غالي شكري) ، لكنه (عند اللحظة الفارقة) التي سمع فيها بحادث (أديس أبابا) سقط مصاباً بجلطة في الدماغ، فأصبح عاجزاً عن التفكير والحركة معاً، فحملوه إلى قبلته (باريس) على كرسي متحرك. ومع سقوط غالي شكري (تصاعدت في كل أركان الضمير الثقافي العربي صيحات الفزع، فليس ذلك العقل اللامع مما يمكن تعويضه، خاصة في هذه الفترة الحرجة من عمر المأزق الثقافي العربي) هكذا اعترف الحواريون [٢٩] ، أما لحظة انهيار الحواريين فقد كتبوها بأيديهم في النص التالي: (ما الذي سيحدث لو (لا قدر الله!) وأصيب الرئيس، إلى أين سنتجه؟ ، وماذا سنكون؟ ، من هو القادم؟ ، ما هي صفاته؟ ، كيف سيسلك معنا؟ ، وهل سينتهي الأمر عند هذا الحد، أم إنها هوجة كبرى ستأتي على الأخضر واليابس في هذا البلد الذي لم يعد يحتمل المزيد؟ لا بد أن (غالي شكري) قد أحس بهذا كله لأن الأرض دارت به، ولأن الألم تصاعد إلى رأسه [٣٠] . الوزراء يتقدمهم كبيرهم، والمثقفون من كبار المسؤولين.. وغيرهم التقوا حول (غالي شكري) في أزمته هذه.. (كانت الجموع من حولي، من اللحظة الأولى خير عنوان على هذا الشوق العارم) أثبت الجميع (.. على اختلاف اتجاهاتهم أنهم حريصون ليس على غالي شكري بالتحديد، ولكن على ما يمثله غالي شكري من قيم ومبادئ في الحياة المصرية) .. هكذا توهم غالي شكري. (لقد كنتم جميعاً أهم كثيراً من العصا في يدي لتعلم المشي من جديد، كنتم جميعاً أهم من المقعد المتحرك تحتى في قطع المسافات قبل أن ينقلني مجدداً إلى الحركة الطبيعية، إنكم كنتم حولي في أقسى اللحظات، وسوف أذكر ما حييت كيف أن بعضكم قد ترك مسرات الحياة وعادني في وقت صعب) .. هكذا قال (غالي شكري) . وعاد (غالي شكري) إلى منبره مرة أخرى (خشية على مستقبل الفكر في مصر) وما يمثله للحياة المصرية من قيم ومبادئ [٣١] كما توهم. لكن الحال لم يدم طويلاً، إذ سقط (غالي شكري) مرة أخرى مصاباً بجلطة ثانية في دماغه، واختلف الأمر هذه المرة، فهؤلاء الذين تركوا مسرات الحياة وعادوه في وقت صعب.. لم يكونوا يفعلون ذلك من أجله، إنما من أجل شيء آخر نتلمسه في النص التالي الذي كتبوه بأيديهم ومن فوق منبرهم: (إلا أن هناك في الحياة الثقافية سلوكاً أخلاقيّاً تكرر إلى حد ما يشبه الظاهرة كاملة الأركان، وهذه الظاهرة هي ما يعبر عنه المثل الشعبي العميق (عايزين جنازة ويشبعوا فيها لطم) ! .. في هذا السياق هناك من كانوا ينتظرون غياب (غالي شكري) في حالة شبه نشوة حبيسة؛ وذلك للقفز بسرعة الزمن إلى مكانه ومكانته) . لم تنته الصورة بعد، ولم يسقط (غالي شكري) وحده، إنما سقطت القمم الثقافية الواحد بعد الآخر، هذا (سمير سرحان) سقط مصاباً باضطراب في نبضات القلب، وهذا (جمال الغيطاني) تعطلت صمامات قلبه، وهذا الرمز الكبير (جابر عصفور) سقط مصاباً بمرض السكري ... [٣٢] . ورغم أن هذا هو قدر الله عليهم جميعاً، [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ] [البقرة: ٢٠] ، لكنهم ما لانوا وما استكانوا وما عادوا إلى الله أو تضرعوا إليه، فقد كانت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، فباتوا يفلسفون ما حدث بأنه (هو الثمن الذي يدفعه أبطال الفكر على مدار التاريخ في سبيل الحرية والعقلانية.. هذا هو الثمن الذي يدفعه المثقف المستنير منذ (ابن رشد) إلى ... (محمد عبده) ، و (عبد الرحمن الكواكبي) ، و (قاسم أمين) ، و (مصطفى عبد الرازق) ، و (أحمد أمين) ، و (أحمد لطفي السيد) ، و (طه حسين) ، و (توفيق الحكيم) ، و (يوسف إدريس) ، و (جمال حمدان) ، و (نجيب محفوظ) ... إلخ.. إن المثقف المستنير، سيظل يدفع الثمن مادام يلح على التصدي لمختلف تيارات التخلف، فيعمل ليل نهار من أجل التطور والتنمية ويحارب الإرهاب بمختلف صوره) [٣٣] . إن الله (تعالى) يأخذ المكذبين برسله بالبأساء والضراء، لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى، وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد متى كانت فيها بقية ... هكذا قال علماء الإسلام. لكن الفطرة حينما تبلغ حدّاً معيناً من الفساد: لا تتدبر، ولا تتذكّر، ولا ينفع معها الإنذار ولا التذكر.. هكذا قالوا أيضاً. إن من رزقه الله بصيرة نافذة عَلِمَ سخافة عقول هؤلاء، وأنهم من أهل الضلال المبين، لا يفقهون ولا يتدبرون القول؛ ولهذا فإن كشف عوراتهم، وبيان فضائحهم، وفساد قواعدهم.. من أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: (إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله) ، وقال: (اهجهم أو هاجهم وجبريل معك) ، وقال: (اللهم أيده بروح القدس ما دام ينافح عن رسولك، وقال عن هجائه لهم: (والذي نفسي بيده لهو أشد فيهم من النبل) [٣٤] .

стр. 2378

البيان الأدبي - نصوص شعرية - مؤتمر الشهداء .. (محاولة لمسرحة الشعر) إعداد [*] :محمد الصالح حسن - هل تذهب إلى اجتماع هذا المساء يا صلاح؟ ! . بادر إبراهيم ذو الثمانية عشر ربيعاً صديقه صلاح بالسؤال، ليرد عليه: وماذا سنفعل في هذا الاجتماع؟ سيناقشون الحوادث الأخيرة للمجاهدين في سبيل استقلال أرض الإسراء والمعراج. وماذا في ذلك من جديد يا أخي؟ إن هذا الاجتماع لن يتكرر! ! ، لقد دُعيَ إليه ممثلو الحل السلمي، وفوق ذلك: دُعيَ إليه أربعة من الشهداء.. أحدهم من شهداء حرب ٤٨، والآخر من شهداء مذبحة صبرا وشاتيلا، والثالث من شهداء مذبحة الخليل، ورابعهم من شهداء عمليات عز الدين القسام. حدّق صلاح في وجه إبراهيم مندهشاً، ولكنه لم يستطع أن يقول شيئاً.. إن إبراهيم نفسه هو أحد الشهداء! ! في المساء، كان صلاح يتخذ مقعده في المدرسة المغلقة، التي اتخذت مركزاً للمؤتمر، وقد اكتظت بكثير من الحضور، بالطبع لم يندهش صلاح عندما رأى عدداً من الحاضرين يرتدي أكفانه البيضاء بينما جُرحه يثعب دماً، يملأ القاعة برائحة تشبه المسك. صعد المنبر مدير المؤتمر بعد تلاوة آيات من القرآن ليبتدئ الحديث: في أول الأمر أسأل: هل ضيع الدم مجراه؟ أم أن هذي الجرائد قد سرقت لونه؟ وهل هذه الأرض حد يضيق ويكبر كي نكبر الآن ثم نضيق كيفما شاءت الريح أو شاءت الأنظمة؟ في أول الأمر أسأل: هل نغلق الحلم في وجه أيامنا القادمة؟ حدثت جلبة في القاعة بعد هذه المقدمة المباغتة، ثم استدعى مدير المؤتمر أحد الأطفال من الصفوف الأمامية ليلقي كلمة الافتتاح: نحن جيل الحروب.. نحن جيل السباحة في الدم.. ألقت بنا السفن الورقية فوق ثلوج العدم نحن جيل الألم لم نر القدس إلا تصاوير لم نتكلم سوى لغة العرب الفاتحين لم نتسلم سوى راية العرب النازحين ولم نتعلم سوى أن هذا الرصاص مفاتيح باب فلسطين فاشهد لنا يا قلم أننا لم ننم أننا لم نقف بين (لا) و (نعم) أكمل المقدم حديثه قائلاً: سنسمح لممثل الحل السلمي بالحديث أولاً؛ حيث إن وقته الثمين مليء بالمقابلات والمفاوضات ولن يسمح له بالاستمرار معنا إلى آخر المؤتمر. صعد الممثل منبر القاعة وانطلق في حديثه: أخيراً تعلمت أن جهاد اليهود ضلال..! وبوابة.. للمجاعة! وأن عِناق اليهود شجاعة! وأن نضالي الحقيقي تفريغ ذاكرتي.. من حكايا دمائي المضاعة! ووهم القتال.. وحسبك من شر لفظٍ سماعه فقط.. طلقوا وهمكم واتبعوني فإني كرهت سجون الكرامة! ! أنا خلف وجه الصقور اختنقت عقوداً.. فما أجمل الآن وجه النعامة! عندما أنهى الرجل حديثه اندفع أحد الشهداء الذين كانوا يجلسون على المنصة وقد تركوا تحتهم بركة من الدماء، اندفع قائلاً: كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم في كل كف؟ إن سهماً أتاني من الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف فالدم الآن صار وساماً وشارة لا تصالح، ولو توجوك بتاج الإمارة عندما سمع صلاح والده الشهيد انبرى واقفاً وهو يقول بصوت مدوٍّ: أقول لكم: لا نهاية للدم.. هل في المدينة يضرب بالبوقِ، ثم يظل الجنود على سرر النوم؟ هل يرفع الفخ من ساحة الحقل.. كي تطمئن العصافير؟ إن الحمام المطوق ليس يقدم بيضته للثعابين.. حتى يسود السلام، فكيف أقدم رأس أبي ثمناً؟ بعد كلام صلاح قام مجموعة من الشباب الحاضرين ليهتفوا بصوت واحد: ستبقى الدماء أول الضوء.. والماء أول من منح الناس قاماتهم كي يروا مجدهم وستبقى الدماء.. ونَتْبعها مثلما يَتْبع القلب في نبضه آخر الأنبياء حاول مدير المؤتمر تهدئة الموقف المتفجر في القاعة بعد أن امتلأت بالضجيج: فقال مؤكداً كلام الحضور: من يجرؤ الآن أن يخفض العَلَم القرمزي الذي رفعته الجماجم أو يبيع رغيف الدم الساخن المتخثر فوق الرمال أو يمد يداً للعظام التي ما استكانت (وكانت رجال..) كي تكون قوائم مائدة للتواقيع أو قلماً أو عصاً في المراسم؟ . ثم أردف: والآن، أيها السادة، مع ضيف المؤتمر.. الشهيد محمد أحد أعضاء خلايا عز الدين القسام، ويحكي لنا قصتَه الشهيدُ إبراهيم، فليتفضل. صعد إبراهيم إلى المنبر وعندما همّ بالحديث سبقته دموعه، فتحامل على نفسه وهو يحكي قصة معلمه الشهيد محمد: اشترى في المساء قهوة، وشطيرة واشترى شمعتين، وغدارة، وذخيرة وزجاجة ماء! عندما أطلق النار كانت يد القدس فوق الزناد ليس من أجل أن يتفاوض من يتفاوض.. من حول مائدة مستديرة ليس من أجل أن يأكل السادة الكستناء كان صوت البكاء قد ارتفع في القاعة عندما تقدم إبراهيم إلى محمد سائلاً: كان يمكن أن تنحني لتظل على قيد خبزك أو تدفع العشب عن باب بيتك كي لا يدل عليك وتُقتل، كالفأر أو كالحصان! كان يمكن أن تشرب الكأس مرّاً وتطوي ضلوعك حين تهان كان يمكن أن تلجم الخيل فيك ويصدح صوتك بين القيان ونعرف أنك حين أنيخوا.. جمحت وحين اطمأنوا قتلت الأمان وها أنت تعبر هذي الشوارع مَن حدّث الضوء عنك ليومئ هذا الصباح إليك ويهتف مبتهجاً.. هو ذا (الإنسان) كانت عيني محمد محدقة إلى الداخل وهو يتذكر إخوانه من الشهداء الذين قضوا نحبهم قبله وهو يجيب: هو الدم يرفع قاماتنا فوق هذا الحطام هو الدم يستنهض الأرض فينا فلا عاصم اليوم إلا من اختزن العشب في جرحه ثم نام كتبنا لأحبابنا جثة وانتظرنا بريد العظام وما وصلتنا رسائلهم بعد ما وصلتنا عناوينهم في الظلام كان المشهد دراميّاً بعد كلمات الشهيد محمد.. فقد غصت القاعة بالنحيب المختلط بالهتاف، وتحول المقدِّم إلى شهيد مذبحة صبرا وشاتيلا قائلاً: أيها الإخوة الأعزاء، إن معنا شهيداً فريداً هذه الليلة، إنه مصعب الذي صُلِب وعذب حتى الموت.. تقدم إليه مدير اللقاء يحاوره بينما يرد عليه الشهيد بالنظرات؛ فقد قطع لسان قبل أن يصلب: على ضوء صوتك ننزف حزن السنين الطويلة تنساب فينا اخضراراً ورملاً ونسأل: هل قتلونا كثيراً؟ ! تقول: انظروا لجراحي تُجِب ونسأل: هل قيدوك طويلاً؟ ! تقول: انظروا للغصون تجب على ضوء صوتك نعزف نبضاً فتنساب فينا غناءً وخيلاً نسأل: هل صلبوك طويلاً؟ ! تجيب خروقُ المسامير في راحتيك.. وفي نظراتك على ضوء وجهك نغفو قليلاً لنبدأ في الفجر موسمنا وبينما كان صلاح يراقب الحوار وقد دمعت عيناه، أحس بحنين إلى الحديث مع أبيه؛ فإنه لم يحاوره منذ عشرة أعوام عندما طبع على خده قبلة لم يره بعدها، فقام منطلقاً إليه، إلا أنه ما أن قارب على الوصول إلى المنصة إذ بالشهداء الأربعة ومعهم إبراهيم يرتفعون كأنما تحملهم الملائكة ويتردد في القاعة أصوات تسابيح وتحاميد غاية في العذوبة. إلى أعلى.. إلى أعلى.. حيث يختفون بين ضجيج الأفواه وصمت العيون الذاهلة.. انظروا.. انظروا.. هتف صلاح من على المنصة وهو يمسك بقطرات من دماء أبيه دمهم ناصع كالحصى سجّلوا في بياض العناقيد أحلامهم هل ترون الثمار التي خلفوها؟ وإذ توصد الأرض أبوابها، ترتديهم نجوم السماء فلا يرجعون قل لهم يا أمير الجنادب أن يرجعوا قل لهم إننا نعتلي تحت شمس سديمية طائر الذكريات ربما يرجعون فلقد صار للجلد لون التراب، ولا شيء في الأفق إلا صهيل الجنون ويتجمع حول صلاح جميع الحضور.. المقاعد.. العصافير.. الكلمات التي قيلت منذ قليل.. رجال يرتدون أكفانهم إلا أنهم لم يقيدوا في سجل الشهداء بعد، يتجمع الجميع ليهتفوا: سنطلع من كل بيت تشتت من كل جرح تفتت من كل طفل هوى في البياض القتيل توحدت الأرض فينا فكل قتيل سيصبح جيل وكل بنفسجة أحرقوها ستغدو بنفسجة المستحيل أفاق صلاح على هذا الهتاف المدوي من إغفاءته القصيرة قبل أن ينطق بالشهادتين، ويلحق بأبيه..

стр. 2379

دراسات أدبية معالم على طريق الأدب الإسلامي (٣ من٣) الروح الإسلامية في العمل الأدبي بقلم: طاهر العتباني فصّل الكاتب في الحلقة الأولى المعايير والأسس التي بنى عليها مَن تبنّى مصطلح (الأدب الإسلامي) مقومات قبوله ووجوده، ثم تحدث في الحلقة الثانية عن مضامين الأدب، حيث يحمل كل أدب سمات الفكر الذي ينتمي إليه ونسيجه، ثم تحدث عن دور الأديب المسلم ومعالم تبعاته ووجوب استلهامه صور القرآن والسنة ودلالالتهما وتعبيراتهما أصلاً ينطلق منه، ويواصل الكاتب في حلقته الأخيرة بقية الموضوع. - البيان - قد يتصور بعضنا أن الأدب الإسلامي شعراً أو قصةً، روايةً أو مسرحية يجب أن تكون موضوعاته ما ورد في المنهج الإسلامي من مفاهيم وعقائد وعبادات وشرائع ونماذج إسلامية تاريخية كشخصيات الصحابة والتابعين، وما يتبع ذلك من أحداث إسلامية أو مناسبات كذكرى الهجرة والإسراء، والغزوات التي خاضها ... النبي ﷺ وصحابته ... وما إلى ذلك من مفاهيم إسلامية مجردة ومعانٍ دينيةٍ خالصة دون أن يتطرق ذلك الأدب إلى الحديث عن الهموم الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية والإنسانية بشكل عام، وبدون أن يصوّر الشر الذي وقعت فيه مجتمعات العالم اليوم إسلامية كانت أو غير إسلامية. والحق كما نراه في نظرية الأدب الإسلامي أن هذا الذي ذُكر، وإن كان جانباً من جوانب الموضوعات التي يمكن للأديب المسلم أن يطرحها، فليس ذلك هو ما نريده فقط للأدب الإسلامي. إن الأدب الإسلامي يجب أن ينغرس في هموم الواقع الذي يحياه المسلمون على المستوى الفردي والجماعي والعالمي، ويمكن أن يكون موضوعه أي موضوع في أي جانب من جوانب الحياة البشرية، وكذلك الكون كله بسمائه وأرضه وآفاقه، وبعالميه: الغيب والشهادة.. كل ذلك مما يجب على الأدب الإسلامي أن يتناوله ويضرب فيه بسهم. إنه كما يكون تصويراً للخير والفضيلة وتحبيبها إلى النفوس، فكذلك يكون تصويراً للرذيلة والتنفير منها وإظهارها في صورتها القبيحة التي ترفضها الفطر السوية وتأباها النفوس المستقيمة. إن إسلامية الأدب لا تعني محاصرة الأديب فيما يكتب، وتقييد ما يختاره من موضوعات، ولكن إسلامية الأدب تعني هيمنة روح الإسلام على العمل الأدبي في جملته وتفصيلاته، بحيث يترك في النهاية الأثر الإسلامي المطلوب في نفس القارئ، ولقد تُطالعنا كثير من الصحف والمجلات الإسلامية بقصائد عن الإسلام تحت مسمّى الشعر الإسلامي، تتناول حادث هجرته، أو حادث الإسراء والمعراج، أو ذكرى بدر.. أو غيرها من هذه الموضوعات، ويعالجها كتابها معالجةً تاريخيةً بحتة، تشعر وأنت تقرؤها أن كاتبها لا يعيش في هذا العصر الذي نحياه بقضاياه وتطوراته ومتغيراته وأحداثه ومشاكله التي يهمنا كمسلمين من جوانبها الشيء ... الكثير. ... لماذا لا يكون الحديث عن الإسراء مدخلاً إلى الحديث عن القدس والمشكلة الفلسطينية كإحدى مشاكل المسلمين وقضاياهم الراهنة مثلاً؟ إن المرجوّ ممن يعالج مثل هذه الموضوعات الإسلامية من الأدباء أن ينتقل بها من مفاهيمها الإسلامية المجردة ليسلط الضوء على الواقع الإسلامي المتدهور المتخلف الذي يَرِين على العالم الإسلامي اليوم، عرضاً ومعالجة. إنه لا يذكرنا بهذه الأحداث في صورة شعرية، وصور أدبية فقط، ولكنه يجب أن ينقلنا إلى معايشة واقعنا اليوم من خلالها في الصغيرة والكبيرة من أمور حياتنا، إن الأدب الإسلامي مطالب أن ينقل لنا الروح الإسلامية في كل ما يطرحه من موضوعات، وليخترْ بعد ذلك من الموضوعات ما يشاء، وليكن علاج هذه القضايا المطروحة من خلال المنظور الإسلامي والتصور الإسلامي الصحيح. فإذا كانت روح العمل الإسلامي الأدبي روحاً إسلامية يمكن استشعارها من خلال الاقتراب من النص الأدبي والإحساس بها في كل تفاصيله وجزئياته: فإن الكون كله بمجاله الواسع، والحياة الاجتماعية بكل تفصيلاتها وبما فيها من خيرٍ وشرٍّ.. كل ذلك يمكن أن يكون موضوعاً للأدب الإسلامي. ولندلل على ذلك [١] : في وصف الجبل لابن خفاجة الأندلسي روح إسلامية تطالعك في موضوع وصفيّ بحتّ، ولكنه ينتقل بهذا الغرض إلى رحاب التصور الإسلامي الفسيح، ويتخذ من ذلك فرصةً عظيمة للتأمل والتفكر في الكون الفسيح والحياة والموت والزمن وتجاربه المختلفة. يقول ابن خفاجة الأندلسيّ في هذه القصيدة: أصخت إليهِ وَهْو أخرسُ صامتٌ ... فحدّثني ليل السّرى بالعجائبِ وقال ألا كم كنت ملجأ قاتلٍ ... وموطنَ أواهٍ تبتّلَ تائبِ وكم مرّ بي من مُدْلجٍ ومؤوّبٍ ... وقال بظلي من مطىٍّ وراكبِ ولاطمَ من نكبِ الرياح معاطفي ... وزاهم من خضر البحارِ غواربي فما كان إلا أن طوتهم يد الردى ... وطارت بهم ريح النوى والنوائبِ وفي سينية شوقي نموذج رائعٌ للتأمل في التاريخ ودورته والمجد الإسلامي الذي ظل قروناً في الأندلس، وفيها يقول شوقي وهو يعارض سينية البحتري الشهيرة: وعظ البحتريّ إيوان كسرى ... وشفتني القصور من عبد شمس ويقول في مطلعها: اختلاف النهارِ والليل يُنسي ... اذكرا لي الصبا وأيام أنسي يا ابنة اليمِّ ما أبوكِ بخيلٌ ... ما له مولعاً بمنعٍ وحَبْسِ ... أحرامٌ على بلابله الدوحُ ... ... حلالٌ للطير من كل جنس والقصيدة رغم أن فيها حديثاً عن منفى شوقي إلى الأندلس، إلا أن التأمل في تاريخ الأندلس وقصورها وحضارتها، وما أبقته يد المسلمين فيها من روائع حضارية يعطيها سمةً إسلامية واضحة وتشعر بالروح الإسلامية تتغلغل في كل بيتٍ من أبياتها فتحسها في الألفاظ والصور التعبيرية والمعاني التي يطرحها، مما يشعرك أنك أمام نموذج رائع للأدب الإسلامي. وشعر أبي فراس الحمداني، حين أُسر في أيدي الروم نموذج جيد للروح الإسلامية والمشاعر المرهفة لأسير مسلم في يد أعدائه، ومن ذلك قوله: أُسِرْتُ وما صَحْبي بعزلٍ لدى الوغى ... ولا فرسي مُهرٌ ولا رَبُّهُ غَمْرُ ولكن إذا جُمَّ القضاءُ على امرئٍ ... فليس له بَرُّ يقيهِ ولا بحرُ وقال أصيحابي: الفرارُ أو الرَّدى ... فقلتُ: هما أمران أحلاهما مُرُّ ولكنني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسْرُ يقولون لي بعتَ السلامة بالردى ... فقلت: أما والله ما نالني خسْرُ وهل بتجافى عنِّي الموتُ ساعةً ... إذا ما تجافي عَنِّيَ الأسْرُ والضرّ وهكذا الأديب المسلم شاعراً كان أو روائيّاً أو مسرحيّاً: تطل روح الإسلام من كل موضوع من الموضوعات التي يتناولها وكل قضية من القضايا التي يطرحها. وفي المسرح الإسلامي: كان (علي أحمد باكثير) نموذجاً رائعاً في مسرحياته التي تناول فيها الموضوعات غير الإسلامية، نراه لم يتنازل عن تصوره الإسلامي وروحه الإسلامية في كل ما كتب، يقول الدكتور نجيب الكيلاني: (وإذا ما نظرنا إلى مسرح (باكثير) وجدنا منه: التاريخي، والأسطوري، والسياسي، والاجتماعي، وهذا لا يخل بوجهة النظر القائلة بأنه رائد المسرح الإسلامي؛ فالمسرحيات الأسطورية مثل (مأساة أوديب) نراه يغير فيها الأحداث وينفي الصراع مع الآلهة، ويضع الصراع بين أوديب والكاهن، وينظر إلى القدر والجبر والاختيار نظرةً خاصة يستوحيها من المنهج الإسلامي، وهو أمرٌ أكده النقاد الذين كتبوا عن مسرح باكثير وأخضعوه للتحليل والتفسير، من هنا: فإن (باكثير) ظل متمثلاً لعقيدته يعيش بها ولها، وينثرها في مسرحياته القصيرة والطويلة، ويثبتها في قصصه وشعره، وقد حدا هذا بأحد النقاد أن يعلن أن (باكثير) هو الكاتب الوحيد الذي التزم بخطٍّ معين طوال حياته الأدبية، لا يحيد عنه ولا يفرط فيه) [٢] . مجمل القول: إن الأدب الإسلامي وهو بإزاء موضوعاته المتنوعة وقضاياه المتعددة لا يغيب عن مبدعه أنه يحمل هم الإسلام وروحه في كل أعماله، لا على سبيل الإلزام الخارجي، بل إن ذلك يكون طبيعيّاً غير مفتعلٍ عندما تتشكل الرؤيا الفكرية والتصويرية للكون والحياة والإنسان على أساس التصور الإسلامي، وينشأ جيلٌ من أبناء الإسلام المبدعين في كل مجالات الإبداع الأدبي، يكونون قد تربوا على مائدة الفكر الإسلامي الصحيح، والروح الإسلامية التي تنبثق انبثاقاً من تسرّب تصورات القرآن والسنة، وتمتزج بالواقع وتلتحم به لتُخرج مذاقاتٍ مختلفاً ألوانها، ولكنها جميعاً تحيا في إطار التصور الإسلامي الصحيح. إن كل هذا لا يتحقق إلا مع التربية الوجدانية والأدبية التي يرسمها الإسلام، فتكون أداةً لتشكيل الوجدان المسلم، وهذا ما قد نفرد له حديثاً آخر في فرصة قادمة إن شاء الله.

стр. 2380

نص شعري الحُلم شعر: عبد الله متعب السميح دعتني ابنتي والعبرة تغالبها لأرى ما تفعله عنجهية الصهاينة وهم يواجهون انتفاضة الشعب الفلسطيني وجهاده البطولي، فإذا آليات الحقد تضرب الشعب الأعزل بشيوخه وأطفاله ونسائه، وتساءلت: لماذا يهرول القوم إلى السلام المزعوم مع ذلك العدو اللدود؟ ؛ فتداعت هذه الأبيات: جاءت تغالب ما وارته غصتها ... والحزن في صوتها المغلول يضطرم قالت دماءٌ وأشلاءٌ مبعثرةٌ ... وهامةٌ يتنزى فوقها قدم شيخٌ أسيرٌ تهاوت فوق كاهله ... معاول الحقد إذ يغتاله الهرم ماذا ترى؟ حقبةً عجفاء موحلةً ... وأمة في عراء الذل تنهدم تعسفتها سياسات الألى سقطوا ... فيما استطابوا وأردوها بما زعموا تعاورتها رياح الوهن فارتكنت ... لكل جرفٍ تمطى فوقه العدم يا أمةً رسفت في بؤسها زمناً ... أين الكتاب وأين السيف والقلم تبعثرت في قفار الصمت أسئلتي ... ولذت بالصبر حتى ملّني الألم فهل لعينيّ من نجواك بارقةٌ ... يشدو بها الليل أو تزهو بها الديم هل يورق الدرب بالآمال إذ عصفت ... غوائل الجدب والأرزاء تحتدم وهل لمن أدلجوا في حزنهم قمرٌ ... يجلو الطريق الذي عاثت به الظلم هل سوف يبزغ في آفاقنا أملٌ ... ويستفيق على علاّته الحلم نعم وإني بإيماني على ثقةٍ ... من أن فجراً وراء الأفق يرتسم لابد آتٍ.. خيول الحق تسبقه ... والبيد تحضنه شوقاً وتبتسم

стр. 2381

نص شعري لغة الدماء شعر: مشتاق حسين أتدري أم لعلك لست تدري ... بأن الجرح ثغرٌ، أي ثغر! وأن دمَ الضحايا حين يجري ... لسانٌ ناطقٌ بالظلمِ يُزري لسانٌ يلتقي سَمْعَ البرايا ... بصوتٍ من لهاة الحق يسري يجوسُ خلال آذانٍ وإن لمْ ... تَزَلْ تحمي غِوايتَها بِوَقر أن اخسأ أيها النوّام سُحقاً ... لك الويلاتُ مِنْ فَرّي وكَرّي أَتُبْصُرُني وحيداً ثم تغفو ... وَتَتْرُكُني أنوء بحمل إصري لقدْ ألهبْتَ من حَزَنٍ حُرُوفي ... ألا فاطوِ المنامَ وخذ بثأري وَصَيّرْ قلبك الرعديدَ بَرّاً ... إذا ما لَجّ في أمواجِ ذُعرِ لِتَصنعْ فلك ربي للبرايا ... ولا تسأل فديتك أين تجري ألا فاخلع رداءَ الجبن والبسْ ... برودَ النصر كي تحظى بنصرِ إذا لم يقترن حرف بخطوٍ ... فعد للنوم تصحُ غداً لحشرِ إذا الشيطان مسك منه نُصب ... فقم واركض برجلك دون صبرِ شرابٌ من رحيق الوحي يشفي ... ومغتسلٌ ينبّه كل حُرِّ أرى الأقوامَ قد راشت سهاماً ... لقد طاشت سهامكمُ لعمري سُلِبت قريحتى إن لم تروها ... فداءَ الحق في شعري ونثري يد الأشلاء تستعدي فؤادي ... وهيجت الدماءُ غليلَ صدري أسًى ما للمشاعرِ منه واقٍ ... وما لبنات شعري من مَفَرِّ لساني ملك إيماني ووقفٌ ... لأحزاني فلا تعجبْ لشعري إذا أنا لم يكن شعري لهيباً ... يذيبُ جمود قومي كيف عذري؟ ! إذا لم نلق طوقَ النوم عنا ... فما جدوى التّطلعُ نحو فجْرِ؟ !

стр. 2382

المسلمون والعالم بعد الدستور.. الجزائر إلى أين ؟ ! بقلم: عبد العزيز كامل التجربة الجزائرية تجربة متميزة، لا تهم الجزائريين وحدهم.. ولكن ينبغي أن يتوجه إليها الاهتمام العام؛ لما فيها من حقائق عميقة، فلا تزال تلك التجربة أنموذجاً صارخاً وواضحاً في دلالاته وإيحاءاته ودروسه وعبره، فلا أبالغ إن قلت: إن هذا الأنموذج يختصر تجارب أجيال في العمل الإسلامي، رغم القصر الظاهر في عمر هذه التجربة، التي كانت ولا تزال تقذف بالرسائل في كل اتجاه فيه عاملون للإسلام: أن افهموا كذا ... وتنبهوا إلى كذا ... واحذروا من كذا.. فما حدث هناك قابل لأن يتكرر في أنحاء عديدة من عالمنا الإسلامي، إذ تتكرر الوقائع وتتشابه الظروف. لا أبالغ أيضاً إن قلت: إن كل أشكال العمل الإسلامي وأنواعه المعهودة والموجودة في عصرنا قد أكملت تجاربها في ذلك العمر القصير نسبيّاً للحركة الإسلامية هناك، وفي الوقت ذاته: فقد أسفرت كل الاتجاهات المعادية للدين هناك عن أقصى ما يمكن أن تفعله من وسائل المواجهة والكيد والصيد في الماء العكر. ليست قضية الشعب الجزائري الآن قضية شعب قد تسلط عليه (الإرهاب) كما يصور الإعلام الغربي وتَابِعُهُ العربي، بل إنها قضية أمة قد سُلط بعضها على بعض عبر وسطاء لا يقل وصفهم عن (شياطين الإنس) . لهذا فلا بد من وقفات مع المستجدات، وتأملات في الرسالات التي لا تزال تنبعث من الجزائر بدروس عميقة: أولاً: وقفة مع (اللعبة الديمقراطية والألعوبة الدستورية) : الديمقراطية تعني عند أصحابها باختصار: حكم الشعب بالشعب للشعب، وإذا كان مخترعو الديمقراطية في الغرب يعبرون عنها بـ (اللعبة) ، فإن الشعار المذكور للديمقراطية، قد مكن كثيراً من الحكام في عالمنا الإسلامي أن يلعبوا بالشعب لعباً ما بعده لعب؛ نظراً لأن ما أُخذ من ديمقراطية الغرب هو فقط: الاسم، أو الشكل، أو الشعار المفرغ من المضمون الجاد للديمقراطية الغربية، رغم تحفظاتنا وعدم تسليمنا بأنها الأنموذج الأمثل للحكم. إن الثوب الديمقراطي الذي يتسع لكل لابس ما عدا الإسلاميين، يحلو لأصحابه دوماً أن يطرزوه بمطرزات دستورية، تفصّل حسب مقاس كل نظام، وتحاك على هوى كل عهد. وفي الجزائر كما في كثير غيرها شاء كل حاكم أن يكون له دستوره الخاص، فالرئيس (بن بيلا) كان له دستوره، ثم كان لـ (بومدين) دستوره، ثم كان لـ (الشاذلي بن جديد) دستوره، وكان لكل واحد منهم هدفه في تعديل الدستور، وها هو العهد الجديد يأتي بدستور جديد لأهداف جديدة، على رأسها: إبعاد الإسلاميين، أو بالأحرى إبعاد الإسلام من بسط نظامه على بلد الجهاد والفداء والبطولة. إنه وبعد مضي خمس سنوات على إيقاف السلطة العسكرية لعملية الانتخابات التشريعية للحيلولة دون حصول الإسلاميين على الأغلبية في البرلمان، رأت تلك السلطة في صورتها الجديدة: أنه قد آن الأوان لإغلاق ملف (جبهة الإنقاذ) ، وذلك بإلغاء دستور ١٩٨٩م الذي أنهى حكم الحزب الواحد، وسمح بقيام جبهة الإنقاذ، وبالتالي: فقد نُظر إليه على أنه مصدر الأزمة؛ لاحتوائه على (ثغرات) لا تمنع قيام أحزاب أو جمعيات على أساس ديني. لقد عودتنا السلطات في بلاد العالم الثالث على أن تلجأ إلى (لعبة الدستور) لإعطاء خياراتها شرعية إضافية، أو تلجأ إليه تجنباً لتحمل مسؤولية قرارات (تاريخية) ، أو تلجأ إليه للالتفاف على المؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية والضغوط القانونية والبرلمانية ... إن كان لها وجود. إن اللعب بالدستور على طريقة الاستفتاءات التلفزيونية، وهو الأمر الذي يعد جزءاً من اللعبة الديمقراطية في عالمنا، يعد سوءة من سوءات ذلك النظام الوضعي البشري القاصر، الذي لو صلح لقوم فلا يصلح لآخرين، إذ إنه على الأقل في البلاد النامية يختزل قضايا معقدة ومركبة ومصيرية في صيغة سؤال يكون الجواب عليه بـ (نعم) أو (لا) ، دون السؤال عن (كيف) و (لماذا) ! ! . وتكون تلك الإجابات ربما في غالبيتها من أقوام أو أرقام لا تعرف المعنى المراد بالدستور أو الهدف المقصود من تعديله أو تغييره أو تفسيره! . وما دام الأمر لعباً في لعب، فقد أكد مشروع تعديل الدستور: أنه لا يمس الجوهر ولا (الثوابت) ، وإنما يركز على المتغيرات! ومعلوم أن أكبر المتغيرات في الواقع الجزائري الراهن هو ما يتعلق بالنشاط السياسي الإسلامي، ولهذا فقد عُدِّل الدستور كله بدءاً من الديباجة وانتهاءً بالأحكام الأخرى شكلاً، باستثناء مادة واحدة كان التغيير فيها جوهريّاً. المادة التي عُدِّل من أجلها دستور (١٩٨٩م) تنص على: أن (إنشاء الجميعات ذات الطابع السياسي حق معترف به) ، وعلى الرغم من أنها لم تنص صراحة على الإذن بالجمعيات الدينية مثل جبهة الإنقاذ إلا إنها لم تمنع أيضاً من ذلك صراحة، وهذا ما مكن الإنقاذيين من تأسيس الجبهة. وقد تحولت المادة بعد التعديل إلى النص التالي، من المادة (٤٢) : (حق إنشاء الأحزاب السياسية معترف به) ، ثم أضافت: (ولا يجوز تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي ... ) إلخ. وبالطبع، فهذه المادة قد قَنّنَتْ على أعلى مستوًى إعدام شرعية الجبهة الإسلامية، وأيضاً: أي حزب إسلامي قائم أو سيقوم، إلا إذا أثبت أنه (لا ديني) أو قرر ألا يستمد شرعيته من الدستور. لقد تحولت الديمقراطية في الجزائر من لعبة في يد السياسيين إلى لعنة في يد العسكريين، يفرضون بها من خلال الدستور العلمانية فرضاً على شعب كامل من المسلمين. ثانياً: أي سلطة للشعب: لقد دفع الشعب الجزائري ثمناً باهظاً لكي تصل رسالة العلمانيين للناس: لا سلطة للشعب إذا اختار نظام الإسلام، فقد مُنع شعب الجزائر من اختيار ممثليه، مع أن نجاح الحزب الذي اختاره كان في إطار دستوري، أما بعد أن قال الجزائريون كلمتهم، فقد سُلبوا ثمرة تلك الكلمة الحرة، واعتُبر الشعب قاصراً، لم يبلغ سن الرشد، فكان لا بد من فرض (وصاية) مسلحة عليه، حتى يعود إلى الرشد القديم، أيام كان يصفق لكل ناعق! . من العجيب: أن السلطة التي قهرت إرادة الشعب في اختياره الإسلام، واعتبرته لذلك قاصراً؛ تحتكم الآن إلى هذا الشعب، ولا تستحي من النص في الدستور مرة ثانية على أن (الشعب مصدر كل سلطة) وأن (السيادة الوطنية ملك للشعب وحده) ! ! فما أتعس الشعوب في بلادنا، حيث تُتجاهل حيناً، وتُستغل حيناً، وتُنتهك حرمة دمائها وأموالها أحياناً، ومع هذا يتم اللجوء إليها دائماً ليكون قهر الشعوب وفق إرادة شعبية، واستفتاء شعبي! ثالثاً: الدين والسياسة: النص على أن دين الدولة (الرسمي) هو الإسلام، هو نص متكرر في معظم الدساتير الوضعية اللادينية، التي وضعت أصلاً مناقضة للدين ومناهضة لسلطانه القويم، والسلطة الجزائرية رغم كل ما حدث ويحدث تنص في الدستور الجديد على أن دين الدولة هو الإسلام، ولا ندري ... ما الإسلام الذي تريد؟ . أهو إسلام الوجه لله، أم إسلامه لأعداء الله في باريس وواشنطن ولندن؟ ! ومن الطريف: أن الأحزاب الأخرى المعارضة والمتطرفة في علمانيتها، تعارض هذا النص، وتتهم الدولة بأنها ستفسح المجال من جديد لقدوم (الأصولية) ! ! وهي تجهل أو تتجاهل أن هذا النص ليس أكثر من (وصولية) تستغل الدين أبشع استغلال في الأغراض السياسية، فطالما استغل اللادينيون الدين في السياسة، على الرغم من أنهم أعلى الناس صوتاً في التحذير من استغلال الدين في السياسة، ولكن يبدو أن العلمانية فقط من حقها استغلال كل شيء: الشعب، والدستور، والجيش.. والدين نفسه! رابعاً: وحدة الشعب تحت ظل الرايات العلمانية: العلمانيون دمروا وحدة العالم الإسلامي بالقوميات، ثم فجروا وحدة العرب بالوطنيات، وها هم حتى على المستوى الوطني يمزقون وحدة الشعوب بالتحزبات والتناقضات. ووحدة الشعوب حق مقدس عند العلمانيين، إذا ما انتظمت تلك الشعوب خلف قيادتهم وانساقت خلف طروحاتهم، أما إذا لاحت في الأفق بوادر خروج شرائح من تلك الشعوب عن تلك البرامج التسلطية، فلا مناص أمام العلمانيين من ضرب قطاعات تلك الشعوب بعضها ببعض وإشعال نيران الفتنة في صفوفها. إن التقليد الذي تعودت عليه الحركات القومية في مطلع مدها (الثوري) والقائل بأن الشعوب تدار وتساق من فوق بغية التخلص من المستعمر الخارجي، ما تزال تهيمن على تصرفات وسلوكيات النخب السياسية، مع فارق وحيد هو: أنهم حولوا المعركة إلى اتجاه آخر ضد من يرون فيه أنه (مستعمر داخلي) ، فتحول الصراع من تحرير (الوطن) إلى تحرير (المواطن) ، ولن تعدم أي سلطة الحيلة في أن تحول زخم التحدي ضد الطامع الخارجي، إلى تحدٍّ وتجمع ضد الطامح الداخلي. والشواهد حولنا تشير إلى استنفار أكثر الشعوب إلى معارك داخلية بعضها ضد بعض ... فلا بد للثوريين من ثورة أيّاً كانت، ولو كانت ثورة ضد الشعب. خامساً: مَنْ هم الإرهابيون حقاً؟ ! أصبح من المألوف أن نسمع الآن مصطلحات كثيرة تدل على استمرار ثوران الثوار داخليّاً بعد أن بطل مفعول ثورانهم الخارجي، فالثورة الآن، ضد (الأصولية) ، ضد (الإرهاب) ، ضد (التطرف) .. حتى سمعنا ممن ينسب نفسه للعلم والدين، من ينادى بإعلان (الجهاد) ضد التطرف الإسلامي بعد إعلان السلام مع التطرف اليهودي! لا ننكر أن هناك عنفاً غير مقبول ولا مشروع، تزهق تحت وطأته أرواح الأبرياء، وتنتهك وتسفك بسببه الأعراض والدماء ... ولكن نسأل: من الذي فجر ينبوع الصراع في الجزائر وفي غيرها؟ ! أهم الذين ذهبوا مسالمين يحملون مشاريع وبرامج سلمية عبر قنوات (شرعية) للتغيير من خلال كسب التأييد المشروع من الشعب للطريقة التي يختارها في الحكم؟ ! ونسأل: من الذي أنزل الجزائريين العسكريين في الشوارع ضد الجزائريين المدنيين لتصادر بالقوة نتائج انتخابات حرة؟ ، ونسأل: من الذي رفع صوت المدفع والبندقية فوق صوت الناخب في المعركة الانتخابية؟ ، ونسأل: من الذين فتحوا أبواب الفتنة بإغلاق باب الرأي أمام شعب له إرادة نبيلة يحلم بتحقيقها؟ كل منصف يعترف بأن ما يحدث في الجزائر الآن أصبح (فتنة) لا يعرف القاتل فيها لِمَ قَتَل، ولا يعرف المقتول فيها لِمَ قُتل ... ! فالعسكريون ورجال الشرطة يتخفون في ملابس مدنية ليقتلوا مدنيين في ملابس عسكرية! ، والسلطة تضرب من خرج على سلطتها وترى ذلك واجباً! والأمة تخرج على من خرج على دينها وترى ذلك جائزاً! ! ومن الظلم والجور أن يستغل الطرف الذي بيده دولاب أجهزة الإعلام الهائلة التأثير، في قصر الاتهام على طرف واحدٍ فقط بأنه سبب الفتنة والفوضى والقتل والدمار، فالإعلام يعلن عن سابق إصرار وترصد: أن ما يحدث في الجزائر هو من صنع الجماعات الإسلامية! ! . فإذا كان القتل وإزهاق الأرواح غريزة متأصلة لدى الإسلاميين في الجزائر أو غيرها ... فما الذي منعهم قبل ذلك من القتل ومن سفك الدماء ... ثم، لماذا يصادَر حق الإنسان في الدفاع عن نفسه أمام عداء مستحكم يستهدف روحه قبل عرضه وماله.. إن مسألة الثأر والثأر المضاد هي إحدى التفسيرات التي تفرض نفسها لتفسير ما يحدث في الجزائر وما حدث قبل ذلك في مصر وغيرها ... لكن يظل السؤال: على من يقع إثم القتل الأول؟ ! ، إنه على القاتل الأول. وحالة الطوارئ المفروضة على (٢٨) مليون إنسان منذ عام ١٩٩٢م.. الكل يعرف من فرضها ولماذا فرضها، إنها ليست بسبب غزو خارجي، ولا عدوان أجنبي، إنها ليست أكثر من حالة شعور بالكارثة والنازلة الفاجعة لدى السلطة أن استيقظت أمة واختارت الإسلام على العلمانية ... وما أكثر تلك النوازل والطوارئ اليوم في بلدان المسلمين. سادساً: حقوق الإنسان وخرس الشيطان: في خضم الصراع والفتنة تكاد الحقيقة تضيع، مَنْ الجاني، ومَنْ المجني عليه؟ ، ولكن يأبى الله إلا أن تظهر أجزاء من الحقيقة في الدنيا، حيث لن تظهر الحقيقة كاملة إلا يوم يقوم الأشهاد. الحكومة الجزائرية نفسها اعترفت عن طريق وزارة الداخلية في نهاية عام ١٩٩٤م أنه تم قتل عشرين ألفاً من (الإرهابيين) خلال عامين سابقين، بينما ذكر تقرير صدر في مطلع عام ١٩٩٦م عن (المرصد الوطني لحقوق الإنسان) هناك: أن (٥٠٠٢٩) خمسين ألفاً وتسعة وعشرين وصفوا بأنهم إرهابيون قد لقوا مصرعهم على أيدي قوات الأمن، بينما تقول تلك المصادر: إنه تم قتل نحو ألف وأربعمئة من المدنيين على أيدي جماعات المعارضة المسلحة. ومما يدل على أن السلطة تستغل مجرد القوة في تنفيذ أعمال القتل دون رقيب أو حسيب من البشر: ما تواتر ذكره عن مقتل نحو (٩٦) سجيناً من العزل في سجن (سركابي) إثر ما ادّعي عن وجود تمرد في السجن! . ويشاء الله أن يفضح ممارسات السلطة الحاكمة هناك على لسان (منظمة العفو الدولية) التي أصدرت تقريراً عن حقوق الإنسان، حيث جاء فيه: (أصبحت عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، وعمليات القتل العمد، وحوادث الإخفاء والتعذيب، وعمليات الاختطاف، والتهديد بالقتل.. وغير ذلك من الانتهاكات: جزءاً لا يتجزأ من الواقع اليومي في الجزائر ... ) ، وتحت هذه الكلام الخالي من التفاصيل تتناثر المعلومات دون إحصاء دقيق في التقرير الذي صدر في نهاية نوفمبر ١٩٩٦م، ويقع في (٤٠) صفحة وعنوانه: (الخوف والصمت الأزمة المستترة لحقوق الإنسان في الجزائر) ، وقد أبرز التقرير عمليات التمويه والإخفاء المقصودة لما يحدث بالتفصيل في الجزائر، فيقول: (.. أما الجرائم التي ارتكبتها قوات الأمن من قبيل القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والإخفاء.. وغير ذلك من الانتهاكات التي تنفذها قوات الجيش والأمن في القرى والأماكن النائية: فقد حجبت خلف جدار من الصمت والتلعثم..) ! ! ويقول التقرير: (فضلاً عن ذلك: فقد تزايدت القيود المفروضة على وسائل الإعلام الأجنبية حيث مُنِعَ الصحافيون الأجانب من مباشرة عملهم أو أُبعدوا ... بينما حيل بين آخرين وبين دخول البلاد) ، وقال التقرير أيضاً: (لقد دأبت السلطات الجزائرية مراراً على نفي الأنباء التي ذكرتها منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان) . ولكن يبقى السؤال: ماذا فعل العالم تجاه هذا الانتهاك الصارخ لحقوق ... الإنسان؟ ! إن الدولة الجزائرية لم تُعَدْ من الدول الراعية للإرهاب رغم كل هذا ... والسبب واضح، إنها لم تصدر الإرهاب، ولكنها تستورده، أو عندها منه اكتفاء ذاتي! سابعاً: الصراع غير المتكافئ والعدالة الضائعة: عندما تُجيش الجيوش ضد جموع من العزل، فلا بد لهؤلاء العزل يوماً من البحث عن سلاح، دفاعاً عن الحياة فضلاً عن الدين، وقبل أن يكون لجبهة الإنقاذ جيش إنقاذ، وقبل أن تتشكل الميلشيات العسكرية من الجماعات الأخرى، نزل الجيش إلى الشوارع للإرهاب والتهديد والوعيد لمن أعطوا أصواتهم للإسلام، فلم يكن هناك يومها جيش للإنقاذ، ولا جيش للجماعات الإسلامية الأخرى. إن إقحام الجيوش في مثل تلك الصراعات الظالمة، هو إهانة من الأمة لنفسها، فهذا العسكري أو الدركي: على من يطلق النار؟ ، أليس على مسلم مثله قد يكون قريباً أو نسيباً أو جاراً؟ ! ، ومع هذا: فما أكثر ما حُولت مهام الجيش إلى غير أغراضها الأصيلة على يد القيادات العلمانية الطائشة، إذ من المفترض أن للجيش في الجزائر مهمات وصلاحيات خاصة، تتمثل حسب نص المادة (٢٥) من الدستور في (تنظيم الطاقة الدفاعية للأمة ودعمها وتطويرها) ولكن الواضح الآن: أنه قد طرأ فهم خاص لهذه المادة، ويبدو أنه سيطرأ تطوير أكثر في المستقبل، فالدفاع عن (السيادة) يمكن أن يفسر عمليّاً بأنواع من السيادات، مثل: (سيادة القانون) ، و (سيادة الرئيس) ، و (سيادة الجنرال) .. إلخ. ولا يوجد الآن من يوضع هدفاً للدفاع عن السيادة، إلا الإسلاميون الساعون إلى التغيير، والشواهد كلها تدل عن أن الجيش قد نزل بثقله في المعركة، وكان نزوله سبباً في تكبيرها وتوسيع أبعادها. آلاف مؤلفة من الجزائريين تُجيّش ضد جزائريين آخرين.. لمصلحة من؟ ! . القوات شبه العسكرية تضم (٢٤) ألف فرد، وهي تحارب ضد الإسلاميين! والحرس الجمهوري يضم (١٢) ألف فرد، وهو غير بعيد عن المعركة مع الإسلاميين، وقوات (أمن الوطن) تتألف من (١٦) ألف فرد، وهي على استعداد للدفاع عن (الوطن) ضد الإسلاميين، (والحرس الأهلي) (١٦) ألف فرد، وهو مؤهل لقتال الأهل من الإسلاميين، والقوات المسلحة تتألف من (١٢١) ألف فرد، وهي التي تتصدر وتتصدى الآن لحرب شاملة ضد الإسلاميين! ! ، ومؤخراً: شكلت الحكومة ميلشيات خاصة تطلق عليها (جماعات الدفاع الذاتي) للأغراض نفسها، وبعد هذا، يقول المغرضون المبغضون للإسلام: إن الإسلاميين مسؤولون عن قتل (٥٠) ألف شخص في الجزائر! ! . ثامناً: مَنْ الضحية يا ترى؟ ! هل تقرر أن يُعاقب الشعب على جرأته في قول كلمته لصالح الإسلام؟ ! ، إن هناك حرصاً شديداً على أن يكون التغيير لصالح السلطة أولاً وقبل كل شيء، ممثلةً بالطبع في رموز الجيش الحاكم الفعلي للبلاد، وقد كان من العناصر المؤثرة على إحداث التغيير لصالح السلطة في الجزائر: جو الإرهاب الذي نجح في إبقاء الناس قابعيين تحت كابوسه، فالإعلام يضخم الأمور، وقد يفتعل ويبتكر عرض أساليب متنوعة من الرغبة في القتل والفتك بكل مواطن على يد أولئك (المغول) الجدد: الإسلاميين! ؛ مما جعل الأسبقية في اهتمام ذلك المواطن العادي تتركز في البقاء حيّاً، وأصبح مع الوقت لا يهتم على أي حال يحيا وتحت أي حكم يعيش، المهم أن يعيش وينجو من القتل الذي يستهدفه، وصار لسان حال كل إنسان يقول: إذا لم أستطع حياة الإسلام، فلا أقل من الهروب إلى أي حياة. لقد استُغل ذلك كله في دفع أفراد الشعب إلى صناديق الاقتراع للموافقة على اختراع الدستور الجديد، لقد دفعتهم السلطة وهي تعلم مسبقاً بأن ذلك الحجم من التأثير على رأي الناخب لن يمنعه من قول (نعم) للدستور، حتى ولو كان ذاهلاً عن معنى تعديل الدستور أو الهدف من هذا التعديل، أو ما هو الفارق بين الدستور السابق واللاحق! . الجزائريون في دولتهم البترولية الغنية، يعانون من نقص مزمن في المساكن وارتفاع في الأسعار، ويعانون بطالة تصل نسبتها إلى (٢٨%) ، من المحتمل أن تزيد في ظل احتمالات إلغاء مزيد من الوظائف بسبب برامج (الخصخصة) ... ومع كل هذا يُخوف هذا الشعب من الإسلام القادم ... فماذا أعطيتموه (أيها الاشتراكيون العساكر) باشتراكيتكم البائدة التي أفقرت الغني ولم تغن الفقير؟ ! . تاسعاً: البعث الوطني بعد البعث القومي: حتى لا يقع المحظور وتستيقظ في الأمة روح البعث الإسلامي المرتقب، فالعلمانيون يحرصون على إحياء موات أي شيء وبعثه؛ لكي ينافس روح الإسلام المتوثبة في الصعود، المد القومي مات، وقد يأس العلمانيون من إحيائه، والآن يحاولون إنشاء بعث وطني، فكل قطر له خصوصيته وشخصيته وتفرده ... المتميز ... وإذا كان من الممكن إحلاله محل البعث الإسلامي فهذا غاية المنى، ومنتهى الرجاء، وفي الجزائر: استغلت السلطة الإعلام في محاولة هذا البعث، حيث استعملت الأناشيد الوطنية والبرامج الحماسية والتسجيلات التاريخية الوثائقية، لتثير المشاعر وتدغدغ العواطف الجياشة لدى (المواطن) نحو (الوطن) وتعبئها بمشاعر الكراهية ضد (أعداء الوطن) . لقد استغل الإعلاميون كل شيء في محاولة إعادة صياغة الرأي العام، فحتى المباريات الرياضية التي (انتصرت) فيها الجزائر على دول مثل فرنسا وألمانيا، يعاد عرضها، والأغنيات التي تغنت بأمجاد الثورة في الماضي، أعيد بثها، هذا إلى جانب إعطاء الفرصة لكل من يستطيع أن يؤثر برأيه من الشخصيات العامة والمختصة في شتى الميادين، كل هذا ليحل الانتماء الوطني محل الانتماء الإسلامي. عاشراً: محصلة الأوضاع: إن منع السماح بإنشاء أحزاب ذات اتجاه إسلامي بمقتضى الدستور الجديد لن يلغي وجود تلك الأحزاب بداهة، ولكنه حتماً سيغير من طرق وأشكال نشاطها؛ حيث سيدفع وقد دفع بالفعل الكثير من أفرادها إلى العمل تحت الأرض، فالقهر دائماً يولد العناد، والدستور الذي يمنع العمل العلني السلمي، لن يخضع له ولن يؤمن به الذين يُدفعون إلى العمل السري، فما الإشكال الذي حله، وما التغيير الذي أحله تغيير الدستور؟ ! ... إن الدستور الجديد لن يزيد النظام قوة، ولا الدولة هيبة، ولا الوضع استقراراً.. لماذا؟ .. لأن أسباب التناقض وبذور الشقاق لا تزال تنبت الفرقة والبغضاء. لن يغير شيئاً من حقائق الأمور القول بأن التعديل المقترح قد حصل على تأييد أكثر من (٨٥%) من الأصوات؛ لأنه لا يمكن لنا أن نصدق ادعاء أن الشعب الذي وقف متراصّاً خلف جبهة الإنقاذ مصرّاً على العودة إلى الإسلام، هو نفسه الذي يقف الآن مع العسكر ضد الجبهة نفسها، ليبعدها نهائيّاً عن أي حل سياسي، ويقصيها تماماً عن المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة المتوقع إجراؤها خلال العام المقبل. للعلمانيين أن يأمنوا خلال تلك الانتخابات القادمة من مزاحمة أهل الدين لهم، فقد خلا لهم الجو ليبِيضوا ويُصفروا.. وللعالم (الحر) أن يصفق لمذبحة الديمقراطية وسحلها في شوارع الجزائر ... وللأنظمة الشقيقة والصديقة أن تحذو حذو السلطة في الجزائر؛ إذ نجحت في تجربتها الدموية ... ولكن لنا نحن الإسلاميين أن نقول: لا تزال في التجربة فصول! والله نسأل أن يصلح الأحوال وأن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل أعداء الإسلام وأعوانهم.. وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2383

المسلمون والعالم ماذا يبقى من فلسطين؟ (إعلان الحرب على الجهاد) (٣ من ٣) بقلم: حسن أحمد قطامش فَصّل الكاتب الحديث عن مخطط تهويد مدينة القدس، ورَصَد الخطوات العملية لمحو هويتها العربية الإسلامية، ثم عرّج على تصريحات (اللاءات) لزعماء منظمة التحرير، ويواصل في هذه الحلقة معالجة بقية الموضوع. - البيان - (نبرة هادئة يعلوها حزن ذليل.. أو قل: ذل حزين، خرجت كلماته بعفوية.. قال: سيدي، إننا نعتبر قتل الفلسطيني المقاوم لكم.. عملاً وطنيّاً، كما نعتبر قتل الفلسطيني للفلسطيني المقاوم لكم جريمة وطنية! ! وأنا تحملت مسؤولية سقوط (عدد كبير) من المقاومين من أبناء شعبنا برصاص إخوته من الأمن الفلسطيني من أجل أن أحفظ صدقية توقيعي على الاتفاقيات، وأن ألتزم بمسؤلياتي كسلطة وطنية قادرة على الوفاء بتعهداتها) . [الخليج، ع/٦٣٥٤١٠/١٠/١٩٩٦م] . هكذا تكلم (ياسر عرفات) في اللقاء الخاص بينه وبين (نتنياهو) في قمة واشنطن التي انعقدت عقب أحداث فتح نفق الأقصى. ولكلامه مدلولات ومغازٍ ومخازٍ كثيرة، ولكن أشد ما يحزن هو ذلك الاعتراف الصريح بتحمل دماء المسلمين المجاهدين من أجل الوفاء بالعهود مع يهود، فهو قد تعهد أن يكون حارساً أميناً لأمنها وسلامة شعبها واستقراره.. وإلا استبدلوه بأكفأ منه! قال (تعالى) : [وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً] [النساء: ٩٣] ، وإن حرمة دم المسلم عند الله (تعالى) أشد من حرمة بيته الحرام. نعود للوراء قليلاً، ولنستمع لـ (عرفات) ماذا يقول عن أطفال الانتفاضة وشبابها: (إن أطفال الحجارة كرموني بثورتهم في حين أساء إليّ الزعماء والرؤساء العرب في (قمة عمان) ١٩٨٧م، وقد استجابوا لندائي في حين ظل القادة العرب غير مستعدين لسماعي.. أنا لا أستطيع أن أترك أطفال الانتفاضة وشبابها وحدهم؛ فإن ثورتهم هي آخر نفس باقٍ عند الشعب الفلسطيني) . قد يطول الحديث بنا جدّاً إن استعرضنا تفاصيل (الكفاح المسلح) ضد المسلمين المجاهدين من قِبَل السلطة العرفاتية، ولكن حسبنا وقفات نشهد بها على محاولات القضاء على فريضة الجهاد ضد أعداء الله يهود، والقضاء على (آخر نفس باقٍ للشعب الفلسطيني) . وما نظن أن عرفات لا يعرف قول النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم) [١] ! ! وهذا الحديث رواه الصحابي الجليل (عبد الله بن عمر بن الخطاب) (رضي الله عنهما) . قال عرفات لقومه يوم دخل (فاتحاً) غزة! ! إنني أترسم فيكم خطى (عمر بن الخطاب! !) ، ولكن الراجح أن استجابة عرفات لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- ضعيفة! ، والأرجح استجابته (لنصوص) يهود الذين نصحوه بالقضاء على الجهاد. ففي اللقاءات الأولى بين يهود ومنظمة التحرير تكلم (ستيفن كوهين) ممثل المنظمة اليهودية في أمريكا، قائلاً: أنتم في غفلة عن الحقيقة، إن الخطر على منظمة التحرير لم يعد الجيش الإسرائيلي! ! ، وإنما الخطر على شعبية المنظمة وعلى قيادتها وعلى فاعليتها.. هو خطر (حماس) ! !) . وفي لقاء آخر تكلم وزير الصحة الإسرائيلي (إفرام سنيه) : (قبل أن نتفاوض على الحكم الذاتي، لا بد أن نتفاوض على كيفية احتواء التيار الإسلامي، وخصوصاً ذلك الذي تمثله (حماس) ، فقاطعه أحد أعضاء الوفد الفلسطيني معلقاً: إن إسرائيل هي التي أعطت (حماس) تصريحاً بإنشاء الحزب.. فرد قائلاً: أنا أحدثكم بمنتهى الصراحة عن خطر يهددنا كما يهددكم في المستقبل، وأنتم مصرون على العودة إلى الماضي ومحاكمة إجراءاته) [انظر: أوسلو.. قبلها، وبعدها/هيكل/الفصل الثامن] . وبإخلاص منقطع النظير وحفاظاً على العهود، قامت المنظمة بدورها على أكمل وجه، فهذا (محمد دحلان) رئيس أجهزة الأمن السرية الفلسطينية يقول: (أجهزتنا عازمة على تدمير الجناح العسكري لحركة حماس! !) [حوار للوموند الفرنسية، الأنباء، ع/٧١٥٠١١/٤/١٩٩٦م] وهذا سيده (ياسر عرفات) يصرح بعد عملية (بيت ليد) التي هلك فيها (١٩) يهوديّاً يبين المنهجية المتبعة مع الذين (أكرموه) وفي حضور وزير الخارجية الأمريكي وقتها (وارن كريستوفر) : (إننا سنواصل طريقتنا في معالجة ومواجهة هذه القوى المتطرفة، ولن نسمح لهم بمواصلة نشاطهم.. ليس لديّ عصاً سحرية، ولكنني سأبذل قصارى جهدي) . [الشرق الأوسط، ع/٥٩١٦ ٨/٢/١٩٩٦م] . جهود الزعيم إياها: وكان من جهوده هذه أن ساعد على إحباط ما لا يقل عن (٨٠) هجوماً ضد أهداف إسرائيلية في عام ١٩٩٥م فقط، وهو ما أشاد به (كارمي جيلو) رئيس جهاز (الشاباك) ، ولننظر كيف كان حال يهود وقد وقعت فيهم هذه العمليات الاستشهادية؟ فيوم وقعت عملية (بيت ليد) جاء (رابين) مهرولاً إلى موقع الحادث، ثم قال: (إن هذا اليوم يوم رهيب وفظيع وأليم لكل شعب إسرائيل، وقد اجتمع عشرات الآلاف من اليهود من كل مكان للصلاة أمام حائط المبكى من أجل وقف هذه العمليات ضد الإسرائيليين) . [القبس، ع/٧٧٦٦١/٢/١٩٩٥م] . ومن (الاستراتيجيات) الجديدة أن حماس أصبحت تهديداً للدولتين (إسرائيل.. والسلطة العرفاتية) فإن التعاون بينهما مهم وضروري، ففي تصريحه يقول العقيد (توفيق الطبراوي) مدير عام الاستخبارات الفلسطينية في الضفة الغربية: (إن هناك تعاوناً وتنسيقاً بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية، إن هذا التعاون ضروري وفي مصلحة الجانبين) . [الأهرام، ع/٤٠٠٩٨ ١٨/٩/١٩٩٦م] . أما (أمين الهندي) قائد المخابرات العامة الفلسطينية فقد وسع دائرة التعاون حين قال: (التنسيق مع الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية أمر ضروري.. إنه من الضروري أن يوجد تنسيق بين جهازنا و (السي. آي. أيه) من أجل مكافحة الإرهاب) [حوار مجلة المشاهد السياسي، ع/٤ ١٣/٤/١٩٩٦م] ، بل ولقد تخطى الأمر من تنفيذ الأوامر وضرورة التعاون إلى المبادرة لكسب الود وطلب القرب والمحافظة على (صدقية التوقيعات) . وزير التجارة الأمريكي (رونالد بروان) الذي هلك بطائرته فوق البوسنة ... يقول: (لقد تأثرت جدّاً، لأنه وبدون مبادرة مني.. ألزم الرئيس (عرفات) نفسه باجتثاث الإرهاب، من المهم جدّاً وجود مثل هذا الالتزام الذاتي الذي يساعد على دفع عملية السلام) . [الشرق الأوسط، ع/٥٩١٦ ٨/٢/١٩٩٦م] . وبشهادة أخرى لـ (عرفات) من (وارن كريستوفر) : (إن ياسر عرفات أبدى تعاوناً بنسبة مئة بالمئة في معركة مكافحة الإرهاب) . [الوطن، ع/١٧١٢١٢/٣/١٩٩٦م] . فضح اللجنة العرفاتية لمقاومة التيار الإسلامي: وقبل الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة شكل (عرفات) (لجنة الطوارئ المشتركة) وكلفها بوضع خطة لمواجهة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بحيث يضمن عدم وقوع أي عملية فدائية، مما قد يؤثر على فوز (الصديق بيريز) ، وقامت هذه اللجنة بإعداد وثيقة سرية تقوم على ثلاثة محاور: الأول: محور تصفية البنية العسكرية (كتائب القسام) . الثاني: محور التفكيك السياسي. الثالث: محور إرباك حماس في الخارج. وطالبت اللجنة بتنفيذ الإجراءات التالية لتصفية البنية العسكرية على مراحل ثلاث: أ - على المدى القريب (وقد انتهى بانتهاء الانتخابات) . ب - في المدى الاستراتيجي، على النحو التالي: ١- تكثيف الجهد الاستخباري نحو اختراق التنظيم السري لكتائب القسام باستخدام وسائل جديدة. ٢- التصفية الجسدية لعدد من قادة (التنظيم) وعلى فترات متباعدة (وبلا تردد) رغم ما يجره ذلك من عمليات انتقام، فلا بد من هدم المعنويات وتحطيم البنية النفسية التي تخطط وتعمل على تنفيذ العمليات. ٣- الاستمرار في إلقاء اللوم على الأردن ولبنان وسوريا عند حدوث أي عمل إرهابي، حتى لو لم تُثبت المعلومات ذلك، فذلك مدعاة لتخفيف الضغط على السلطة وتوجيه مزيد من الضغوط على قواعد إسناد حماس في تلك الدول. ٤- رصد ومراقبة أساليب العمل والتنقل والتجنيد والاتصال وتبادل المعلومات بشأنها مع أجهزة الأمن في الدول المحيطة. ٥- الضغط على وسائل الإعلام الفلسطينية وغيرها من أجل عدم تغطية الأعمال الإرهابية، بحيث لا تمجد منفذيها، مع ضرورة التركيز على أثرها المدمر على الاقتصاد الفلسطيني و (تجربة السلطة الوطنية) . ٦- ضرب العمل المسلح لحماس يكمن في التصفية الشاملة له على المدى البعيد، ولا شيء غير ذلك، فالتحجيم لهذا العمل مع السماح له بالبقاء ولو في أطر محدودة لا يكفي لقطع الطريق على المشروع البديل لدى المنتمين لحماس، كما أنه بات لا يقنع الإسرائيليين. هذه الوثيقة عرضت على (عرفات) في مارس ١٩٩٦م، وقد تسربت للصحافة، ونشرتها عدة مطبوعات عربية، منها: الحوادث، ١٧/٥/١٩٩٦م، والأسبوع العربي، ١٨/١٢/١٤١٦هـ. وإن كانت هذه وثيقة نظرية في نظر بعض المراقبين وخاصة بعد أن نفت السلطة الوطنية نسبتها إليها بعد تسربها إلا أن هناك خطوات عملية وملموسة على أرض فلسطين تجاه الحركات الجهادية، وخاصة حماس، لقد قامت السلطة العرفاتية بشن حرب شرسة، وبررتها في البيانات الرسمية بأن ما تقوم به الجماعات المسلحة ليست موجهة ضد عملية السلام وضد الإسرائيليين فقط، وإنما موجهة ضد (مصالح الشعب الفلسطيني) و (ضد تجربته الوطنية) ، واعتبار أن دوامة (العنف) القائمة سيكون وقودها الأول: الشعب الفلسطيني، ومكتسباته الوطنية، وحياته المعيشية، ومستقبل أجياله. وعلى هذه الخلفية قامت السلطة بخطوات فاعلة، لعل من أبرزها: ١- حظر نشاط الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية تحت شعار (تأمين الاستقرار والأمن) ووضع هذه التشكيلات في إطار (الإرهاب) والخروج على القانون. ٢- شن نوع من الحرب الاجتماعية على الحركات الإسلامية شملت مداهمةً وإغلاقاً وتفتيشاً للمؤسسات الشعبية والتعليمية والصحية ذات الطابع الإسلامي، خصوصاً دور القرآن، والمساجد، ولجان الزكاة والصدقات، والجامعات، وبعض الجمعيات.. باعتبارها مراكز خيرية تغذي البنية التحتية للحركة. وتبدو هذه الحقيقة ذات أهمية كبيرة، خصوصاً إذا أدركنا الدور المهم الذي أدته المساجد طوال السنوات السابقة في تغذية الصحوة الإسلامية، فهناك ما يزيد عن (٧٥٠) مسجداً في الضفة الغربية، إضافة إلى حوالي (٤٠٠) في قطاع غزة، وقد سارعت السلطة إلى وضع يدها على المساجد ونقل مهمات إداراتها إلى وزارة الأوقاف التابعة لها، بمعنى تحويلها إلى مؤسسات رسمية تأتمر بأمر السلطة وتنفذ سياستها بما فيها التقليل والتأويل لخطوات السلطة في هرولتها نحو وهم السلام، أو على الأصح: الاستسلام للعدو. ٣- انتهاج نوع من الحرب النفسية على القوى الإسلامية، بربط نشاطاتها العسكرية بمفاهيم الإرهاب والتطرف، واتهامها بتبني أفكار ومفاهيم محرفة عن الإسلام ما دامت ترفض النهج السائد في المنطقة. ويشار هنا إلى الدور الخطير الذي تلعبه وسائل الإعلام التابعة للسلطة، خصوصاً الإذاعة والتلفزيون، إذ ركزت هذه الوسائل على النهج نفسه، باعتبار أن (حماس) تمس مصالح الشعب والسلطة والاستقلال والدولة، كما أن الوسائل تلك تخضع لرقابتين مباشرة وغير مباشرة من قبل السلطة الوطنية، ولم تنشر حتى الآن ما يسيء إلى هذه السلطة أو أي نشاط ضدها، وتُركز في المقابل على ضرورة استمرار حسن العلاقات مع الطرف الإسرائيلي وتسوية أي خلافات قد تعترض استكمال المفاوضات بينهما. ٤- اتجاه آخر للحرب ضد الحركة الإسلامية تتمثل في محاولة السلطة إبراز جو من التناقض داخل هذه الحركة، وجَرَت محاولات لإظهار أشكال من الخلافات بين شخصيات (حماس) وتأكيد حدوث انشقاق داخلها (انسحاب شخصيات بارزة فيها لتشكل أحزاباً بديلة) ومحاولة الالتفاف على قيادتها واستمالة مقربين ومحسوبين عليها، والادعاء بأنها مشاركة باطلة وإبراز ما يسمى بالداخل والخارج أو على صعيد القيادتين العسكرية والسياسية داخل حماس. وحقيقة: إن جرم السلطة العرفاتية يتجاوز بكثير تلك الأنظمة التي تحارب الحركات الإسلامية، إذ لدى تلك الأنظمة من الحجج مع تفاهتها وعدم منطقيتها ما تستطيع به أن تصل إلى ما تريده عبر طرق كثيرة، وعلى رأسها الناطقين باسمها من الفئات المعروفة، أما سلطة عرفات فإنها تتحمل مهمة شاقة ووقحة في آن واحد، إذ لا حجج واهية يتعلق بها في حربه تلك ولا فتوى أو حتى قبول شعبي لحماية (يهود) من عمليات المجاهدين. الإسلاميون.. هكذا يُستخدمون؟ والعجيب: أن النظام العرفاتي نفسه كلما ضُيّق عليه الخناق من قبل حكومة يهود لجأ إلى التهديد بتسريح عدد من معتقلي الحركات الإسلامية، وقد ذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن أجهزة الأمن الفلسطينية تحذر (نتيناهو) من أن عملية مكافحة المنظمات الأصولية سوف تزداد صعوبة إذا لم تغير حكومته سياستها! ! . [الحياة، ١٤/٦/١٩٩٦م] . فالسلطة على يقين من أن أولئك المجاهدين هم من يستطيع حقّاً الصمود أمام يهود.. ويهود تعلم ذلك يقيناً.. ولكن (جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) . ونتعجب أيها الكرام من أن (١٣) جنرالاً يرأسون قوات الشرطة الفلسطينية، بينما الجيش الأحمر (الروسي) في أوقات الذروة لم يرأسه أكثر من (جنرالٍ واحد! !) بل لقد بلغ عدد قوات الشرطة ٢٠ ألف عنصر في حين أن جهاز الشرطة الإسرائيلي ١٧ ألف عنصر فقط، بل ونتساءل: لماذا تُوجّه أغلب المعونات التي تصل إلى السلطة إلى جهاز الشرطة؟ ! . إن الأمة حين لا تكرم مجاهديها الصادقين يضرب الله عليها الذل. ونختم بصورة مريرة لهذا الذل ونتبعه بتعليق واحد. سئل (عزيز عمر) محافظ الخليل من قِبَلِ هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) : ما الذي أعدته السلطة عند الانسحاب من الخليل وخاصة ما يخشى من قوع مجازر من قبل المستوطنين؟ ، أجاب: (جملة واحدة أستطيع أن أقولها، هم أعدوا السلاح.. ونحن أعددنا المستشفيات! !) . [بي. بي. سي، ١٥/١١/١٩٩٦م] . لقطة: قام كبير حاخامات مستوطنات (كريات أربع) اليهودية بزيارة في ١٤/٧/ ١٩٩٦م إلى ابن الإرهابي المجرم (باروخ جولدشتاين) في الخليل.. ثم قال له: كن بطلاً.. وسر على خطى أبيك! ! . هكذا يشجع المتدينون وترفع من روحهم المعنوية، ولكن كيف يفعل الحاكمون بأمرهم (بمتدينينا) ، هذا ما توحيه اللقطة التي تغني عن عشرات الصفحات. وحسبنا الله ونعم الوكيل،،

стр. 2384

المسلمون والعالم إريتريا والدور المشبوه للجبهة الصليبية الحاكمة بقلم: محمد مبارك مسعود عندما احتل الإيطاليون ما يعرف اليوم بـ (إريتريا) منذ عام ١٨٩٠م: كان سكانها مجموعة من الشعوب تنتمي إلى إثيوبيا، والسودان، وبعضها من أصول عربية، وعندما كانت محمية إيطالية (١٨٨١م ١٩٤١م) حيث أصدرت الحكومة الإيطالية قراراً بتسميتها بـ (إريتريا) وتعني: البقعة الحمراء، وهي كلمة يونانية الأصل. وفي عام ١٩٥١م وضعت المنطقة التي عرفت بـ (إريتريا) تحت الحكم الفيدرالي مع إثيوبيا، وذلك حتى عام ١٩٦١م، بعد ذلك ضمها (هيلاسلاسي) إلى إثيوبيا، واستمر ذلك حتى عام ١٩٩١م. جغرافية إريتريا: الموقع: تقع إريتريا غرب البحر الأحمر، في القرن الإفريقي، تحدها من الجنوب الشرقي: جيبوتي، ومن الشرق والشمال: البحر الأحمر، ومن الشمال الغربي والغرب: السودان، ومن الجنوب: إثيوبيا. أهمية الموقع: يشكل الموقع الجغرافي لإريتريا أهمية بالغة، من كونها: تشرف على الجزيرة العربية، وتعتبر البوابة الشرقية لإفريقيا التي عن طريقها انتشر الإسلام في شرق إفريقيا، وعبرها كانت الهجرتان لصحابة رسول الله - ﷺ إلى بلاد الحبشة. المساحة: تبلغ مساحة إريتريا (١٢٤ ألف كلم٢) ، وتطل بواجهة بحرية طولية تبلغ حوالي (١٠٨٠كلم٢) على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتملك إريتريا (١٢٦) جزيرة، أهمها: أرخبيل (دهلك) . أهم المدن: - أسمرا: وهي العاصمة، وتعتبر أكبر المدن الإريترية، وتقع في إقليم حماسين. - مصوّع: وتقع في إقليم سمهد على البحر الأحمر، وتعتبر الميناء الرئيس لإريتريا. - عصب: تقع في إقليم دنكاليا على البحر الأحمر، بالقرب من باب المندب، وتعتبر الميناء الثاني لإريتريا. - كِرن: تقع في إقليم سخيت، وهى من أبرز مناطق الوجود الإسلامي الفاعل. - أغددات: تقع في إقليم بركة. - مدينة نقفة: تقع في إقليم الساحل. - مدينة مندفرا: وتقع في إقليم القاش بالقرب من الحدود السودانية. السكان واللغة: كانت إريتريا بحكم موقعها الجغرافي منذ أقدم العصور مسرحاً لاختلاط وانصهار شعوب مختلفة، ولذا: نجد أن سكان إريتريا تختلط فيهم الدماء الحامية والسامية، أما عدد السكان فيبلغ حوالي أربعة ملايين نسمة تقريباً، ويشكل المسلمون أغلبية، فهم أكثر من ٧٥%، والبقية منهم نصارى ووثنيون. وتعتبر اللغة العربية لغة أساسية في إريتريا، كما توجد بجانبها ثماني لهجات محلية. إريتريا والإسلام: دخل الإسلام إريتريا منذ سنوات الدعوة الأولى، حيث حملها المهاجرون الأوائل من الصحابة، ثم توالت هجرات التجار المسلمين والدعاة الذين جاؤوا بدين الفطرة ودخل الإريتريون في دين الله أفواجاً. وابتداءً من عام (٨٠ هـ) كانت جزيرة (دهلك) القريبة من (مصوع) مصدر إشعاع لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية ونشر الدعوة الإسلامية في دول شرق إفريقيا، كما كانت هذه الجزيرة أحد الثغور للجيش الإسلامي في عهد ... ... عبد الملك بن مروان، وكانت جزءاً من أرض الخلافة الإسلامية حتى نهاية القرن التاسع عشر. الموقع الاستراتيجي: إن امتلاك إريتريا لساحل طويل ومجموعة الجزر المهمة على البحر الأحمر باعتباره ذا قيمة استراتيجية دولية جعل إريتريا تتعرض لأطماع دولية وإقليمية مستمرة؛ وذلك بهدف إقامة قواعد عسكرية بها، حتى تتحقق من خلالها: السيطرة على حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر. الاقتراب من مصادر الطاقة النفطية والتحكم فيها. القرب من أهم المقدسات الإسلامية، وهذا يشكل أحد أهم الأهداف الرئيسة للدول المعادية، وعلى رأسها العدو الصهيوني، فقد أقامت إسرائيل قواعد عسكرية، بعد أن سمحت الحكومة الإثيوبية لها ببناء قواعد في الجزء الغربي في إريتريا، وأهم هذه القواعد: قاعدتا (دوراحباب ومكهلاى) ، وهي تقع بالقرب من الحدود الإريترية/ السودانية، وتقوم الطائرات الإسرائيلية بالطيران المباشر من هذه القواعد إلى تل أبيب، كما أن إثيوبيا قد سمحت لإسرائيل ببناء قاعدة بحرية في جزيرتين إريتريتين عند مضيق باب المندب، وهما: جزيرة (حالب) ، وجزيرة (فاطمة) ، وتبعد هاتان الجزيرتان حوالي (٥٠ ميلاً) عن مضيق باب المندب. كما أن إسرائيل تعتبر أسمرة مركزاً إفريقيّاً مهمّاً لمخابراتها، حيث تنطلق توجيهاتها لكل الذين يتعاملون معها في المنطقة، وبخاصة الدول المطلة على البحر الأحمر. إريتريا والاستعمار الصليبي: عندما ضعفت دولة الخلافة العثمانية وقعت إريتريا تحت سيطرة الاستعمار الإيطالي (١٨٨٥م ١٩٤١م) ، الذي سعى لفرض مفاهيمه الصليبية في البلاد، كما عمل على إتاحة فرص التعليم أمام أبناء النصارى الإريتريين في الوقت الذي مارس فيه سياسة التجهيل لأبناء المسلمين، وقد استخدم الشعب الإريتري في حروبه الاستعمارية في شمال إفريقيا وشرقها، وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية: حل الاستعمار البريطاني محل الاستعمار الإيطالي باسم الانتداب (١٩٤١م ١٩٥١م) ، وقد مهد هذا الانتداب الطريق أمام (هيلاسيلاسي) كي يحقق حلم النصارى الإثيوبيين في احتلال إريتريا، ولهذا: فإن مرحلة تقرير المصير في نهاية العقد الخامس ومطلع العقد السادس من القرن الميلادي الحالي شهدت صراعاً كبيراً بين النصارى الإريتريين (الذين كانوا يسعون من خلال حزبهم الصليبي الداعي للانضمام إلى إثيوبيا أندنّت لضم إريتريا إلى إثيوبيا) ، وبين المسلمين الذين كانوا ينادون بالاستقلال التام لإريتريا من خلال حزب (الرابطة) الإسلامية، الذي تأسس في نهاية ١٩٤٦م. وفي هذه المرحلة وقفت كل القوى الصليبية على مستوى المنطقة والعالم خلف النصارى الإريتريين في صراعهم ضد المسلمين، وكان في مقدمة ذلك كل من إثيوبيا وأمريكا وبريطانيا، وفي إطار التآمر الصليبي: صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام (١٩٥٠م) القاضي بربط إريتريا فيدراليّاً مع إثيوبيا. إعلان الكفاح المسلح: وفي الفترة (١٩٦١م ١٩٨٥م) شهدت إريتريا عدداً من الانتفاضات الشعبية، تمخض عنها ميلاد جبهة التحرير الإريترية التي فجرها المسلمون عام ١٩٦١م، في وجه التآمر الصليبي وذلك اعتماداً على إمكاناتهم الذاتية المحدودة، وقد حققت هذه الجبهة انتصارات باهرة على المستعمر الإثيوبي الذي استعان عليها بدعم وخبرات الدول الصليبية وإسرائيل، فضلاً عن قوات الكوماندوز (الخاصة) التي كانت تتكون في غالبيتها من أبناء النصارى الإريتريين الذين تدرب بعض ضباطهم في الكليات العسكرية الإسرائيلية، وقد تم عن طريق هذه الحروب الشرسة تخريب ديار المسلمين وتدمير ممتلكاتهم، وقتل وتشريد جموعهم، وفرض اللجوء الجماعي لكثير منهم إلى الأقطار المجاورة، وبخاصة السودان، الذي ما زال يستضيف أكثر من مليون مهاجر في الإقليم الشرقي. وعلى الصعيد الداخلي لجبهة التحرير الإريترية: فقد تغلغت إلى صفوفها الأحزاب العلمانية فانحرف مسارها الإسلامي، وهيأت المجال لتدفق النصارى إلى صفوفها، وفي بداية العقد الثامن الميلادي: اتسعت الصراعات الحزبية في داخل الجبهة؛ مما أدى إلى انشطارها إلى عدة تنظيمات علمانية، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية، التي انفردت فيما بعد بالساحة بعد حروب تصفوية، وآلت على نفسها حرب الإسلام، ونشر الرذيلة، ونهب الممتلكات، وانتهاك الأعراض، وتحجيم المسلمين، وإبعادهم عن الواجهة إلا من كان علمانيّاً على نهجها. الهجمة الصليبية الجديدة: لما أصبحت حركة الجهاد تقض مضاجع الصليبية في المنطقة، وصارت الصحوة الجهادية تنتقل إلى بقية دول القرن الإفريقي: تحرك الأخطبوط الصليبي المسمى بالنظام الدولي الجديد؛ ليرعى أهداف الصليبية في المنطقة ومصالحه الاستراتيجية فيها، فكانت محادثات أتلانتا ونيروبي بإشراف (كارتر) الرئيس الأمريكي الأسبق، ومحادثات لندن بإشراف (كوهين) اليهودي مسؤول الشؤون الإفريقية في الخارجية الأمريكية، وكانت نتائج المحادثات: توحيد الجبهات الصليبية الإثيوبية في جبهة (إهودق) . كما تم التنسيق بين الجبهة المذكورة والجبهة الشعبية الإريترية (تنظيم صليبي) في شتى المجالات، واستكمالاً للمخطط: قامت رموز النظام العالمي الجديد باتصالات سرية ببعض كبار ضباط الجيش الإثيوبي، وعقدت صفقات سرية أسفرت عن نقل (الفلاشا) من أديس أبابا إلى تل أبيب، واستسلام جيوش نظام (مانجستو هيلا ماريام) أمام القوى الصليبية الجديدة، من غير إبداء أي مقاومة في مايو ١٩٩١م! وتسلمت جبهة (هودق) السلطة في إثيوبيا برئاسة (ملس زيناوي) ، كما تسلمت الجبهة الشعبية السلطة في إريتريا برئاسة (إسياسي أفورقي) ، وفي إطار هذه التطورات: فإن الجبهة الشعبية سعت جاهدة بالتحالف مع جبهة (ملس زيناوي) حكام إثيوبيا الجدد وإلى تأكيد وتدعيم الهيمنة الصليبية في المنطقة عموماً وفي إريتريا على وجه الخصوص، وذلك من خلال السياسات والبرامج التي تنفذها على مختلف الأصعدة، ومنها: أولاً: على الصعيد المحلي: محاربة الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً، من خلال: فرض البرنامج التعليمي للجبهة الشعبية على المدارس والمعاهد الدينية، مما يؤدي إلى زعزعة العقيدة الإسلامية والتعاليم الدينية في نفوس الناشئة. تنفيذ قانونها الخاص بالزواج والمواريث، الذي يبيح زواج النصراني بالمسلمة، ويورث أبناء السفاح، ويشجع على الفاحشة. إثارة النعرات القبلية والطائفية؛ بهدف تفتيت وحدة المسلمين وإضعاف شوكتهم. إلغاء دور المسلمين في مسألة تقرير المصير وتهميشهم في إدارة شؤون البلاد. تغيير البنية الجغرافية والتوزيع السكاني في إريتريا، من خلال توطين النصارى من أبناء إريتريا والتجراي في مواطن المسلمين بمختلف المناطق الإريترية، وخصوصاً في المنخفضات الغربية والشرقية ذات الأراضي الزراعية الخصبة. تعزيز المركز السياسي والاجتماعي للنصارى في إريتريا من خلال إصدار القوانين التي من شأنها ضمان تحقيق ذلك، والتي منها: - قانون منح الجنسية الإريترية للنصارى. - القوانين المنظمة لعملية الاستفتاء التي تتبناها الجبهة الشعبية لصالحها وللمنتسبين لها، ومن أهم ما تستهدفه هذه القوانين: تغليب النسبة السكانية للنصارى على المسلمين في إريتريا؛ مما يساعد على تحقيق الأهداف والنوايا الصليبية، ويضعف دور المسلمين، ويهدد الوجود الإسلامي في إريتريا بخاصة، ومنطقة القرن الإفريقي بعامة. - محاربة اللغة العربية وإبعادها عن الدواوين والمؤسسات الحكومية، وفرض اللغة (التجرينية) لغة رسمية وحيدة؛ مما يضعف الوعي الإسلامي، ويهدد الثقافة الإسلامية والعربية. ثانياً: وعلى الصعيد الإقليمي والدولي: توطيد العلاقات مع نظام (ملس زيناوي) الصليبي في إثيوبيا، والتنسيق معه لضرب المسلمين في كل من إريتريا وإثيوبيا، والسعي لإقامة حلم دولة (أكسوم) النصرانية. رعاية المنظمات والهيئات الكنسية العالمية، وجعل إريتريا منطلقاً للنشاط التنصيري في منطقة القرن الإفريقي بخاصة والقارة الإفريقية بعامة، وإعاقة نشاط المنظمات والهيئات الخيرية الإسلامية داخل إريتريا. الإساءة إلى العلاقات العربية، كالتعاون مع (إسرائيل) ، وإنكار دور العرب والمسلمين في دعم القضية الإريترية، وذلك من أجل قطع علاقة الشعب الإريتري بالشعوب الإسلامية والعربية. السعي الجاد في توطيد العلاقة مع الدول النصرانية والمنظمات الصليبية العالمية، بما يحقق مصالحها الاستراتيجية وأطماعها الصليبية. توطيد وتطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، مما يضر بمصالح الأمة الإسلامية، ويهدد أمن منطقة حوض البحر الأحمر.

стр. 2385

في دائرة الضوء الصفوة والأمة بقلم: محمد محمد بدري في مكة، وحين كان الإسلام يعيش غربته الأولى: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخاطب بدعوته أفراد مجتمعه كافة، ويُؤَثِّر فيهم تأثيراً إيجابيّاً، كان من آثاره: نشأة الجيل القرآني الفريد الذي أزال الله على يديه غربة الإسلام الأولى، وأقام على أكتافه دولته القوية العزيزة. واليوم.. عادت غربة الإسلام ثانية للذين يقولون ربنا الله، يدعون لدينه، ويتبنونه منهاجاً، ويعملون لنصرته، ويتخذون ذلك غاية لهم، حمل الغرباء السعداء بدعاء رسول الله ﷺ لهم بالحسنى، حملوا راية الإسلام لبدء الجولة الثانية لهذا الدين، وليُخْرجِوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.. وبدأ الناس يعودون إلى الإسلام، يريدونه رائقاً صافياً كما أُنْزِل أول مرة بلا غبش ولا ركام. ولا شك أن أخوف ما يخافه خصوم الإسلام: أن تمتد للدعوة الإسلامية جذور في أوساط (الأمة) ، وأن ينشأ لها في (قواعدها) تأييد أو تعاطف.. من أجل ذلك: كانت خططهم دائماً تقوم على محاولة فصل الدعاة إلى الله عن عامة الأمة، فإذا استجابت الدعوة الإسلامية لهذه الخُدْعة، وصنعت هوة بينها وبين الناس تحت أي دعوى فقد انفصلت عن أرضها وقاعدتها، وبدأت طريق الهلاك العاجل أو الآجل! ! ومن هنا: فإننا لا بد أن ندرك أن دعوتنا لا حياة لها إلا بقلب الأمة النابض، وأن عِلْمنا لا بد أن يكون في محاولة هداية أفرادها وإصلاحهم، دون ممالأة أو ذوبان في شهواتهم، بل لأننا ندرك (أن من يعتزل الناس لأنه يحس أنه أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً.. لا يكون قد صنع شيئاً كبيراً.. لقد اختار لنفسه أيسر السبل وأقلها مؤونة.. إن العظمة الحقيقية: أن يخالط المسلم هؤلاء الناس وهو مشبع بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم، وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستواه بقدر ما يستطيع.. وليس معنى هذا أن يتخلى المسلم عن آفاقه العليا ومثله السامية، أو أن يتملق هؤلاء الناس ويثني على رذائلهم، أو أن يشعرهم أنه أعلى منهم أفقاً، بل لا بد من التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر، لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد) [١] . فالداعية الإسلامي: رجل يحب الناس، ويحبه الناس؛ فلا فجوة بينهم وبينه.. وهو في حركته روح تسري في قلب الأمة، فتحييها بالقرآن.. وجسد يسعى في سبيل تحرير الأمة من الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي تمارسه الأنظمة العلمانية المتغربة والغريبة عن الأمة وعن دينها.. وعقل يلمؤه الوعي.. بل العمل الإسلامي: جهاد (أمة) ، وليس جهاد (حزب) أو (جماعة) أو (تنظيم) ، ولذلك: فإن الدعوة الإسلامية تواجه أعداءها بـ (الأمة المسلمة) بعد إحيائها وإخراجها من حالة الالتباس والاغتراب، فتكون مواجهتها لهم مواجهة قوية، وليست مواجهة (غرباء) لا يجدون من يقف معهم أو ينتصر لهم! ! ولكي تصل الدعوة الإسلامية إلى (إحياء الأمة) فإنه من الضروري أن تقوم بترتيب أولويات أعمالها، وتراعي هذا الترتيب في دعوة الناس، وفي تنظيم مراحل علاج المواقع الفاسدة، والبناء للواقع الإسلامي الصالح، وذلك من خلال ما تتبناه من أفكار، ومنهاج للتربية، وأسلوب في العمل.. على النحو التالي: ١- الأفكار: لا بد أن تكون ملكاً للأمة، وليست حكراً على النخبة أو الصفوة، ومن ثم: فلا بد أن تكون باللغة التي تفهمها جماهير الأمة، وتقوم على حل مشكلات الواقع، ورسم خطة المستقبل الأفضل.. فإنها إن كانت كذلك تحوّلت بإذن الله إلى تيار عام كاسح، يغيّر بجهاده المستمر أسس الجاهلية الفكرية والخلقية والثقافية السائدة في كثير من أحوال الأمة. ٢-منهاج التربية: تربية كل فرد على الشعور بأنه (هو) المسؤول عن تغيير واقع الأمة الإسلامية وليس (غيره) .. وأنه يمتلك القدرة على هذا التغيير إذا سعى إليه بروح الائتلاف مع الأمة، والارتباط بجذورها، وعدم العزلة عنها أو مفارقتها.. ولذلك: فإنه لا بد أن يخالط الناس ويصبر على أذاهم؛ لأن ذلك أرضى لله، وأنفع لعباده. ولا شك أن هذا المنهاج التربوي سيُخْرِج بإذن الله دعاة إلى الحق يأخذون بيد كل فرد في الأمة إلى الله، ولا يحصرون أنفسهم بين الجدران، بل يتغلغلون في أوساط الأمة لتبسيط دعوتهم ودرء ما ألحقه بها الطواغيت والمبطلون. ٣- أسلوب العمل: توسيع دائرة العمل للإسلام إلى أبعد حد ممكن، عبر إقامة شبكة متكاملة من الروابط والعلاقات، ومد جسور التواصل مع مختلف طبقات الأمة، بحيث تصبح العلاقة بين (الصفوة) و (عامة) الأمة هي علاقة إيجابية تقوم على الحب المتبادل وتكامل الطاقات لخدمة الإسلام.. في صورة تتفق أو تقترب من قول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٢] ، وقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعض بعضاً) [٣] . ولا شك أن هذا يتطلب من العاملين للإسلام (امتلاك القدرة على فقه التعامل مع المجتمعات، والانفتاح المتزن أكثر، وفتح منافذ جديدة للدعوة، وامتلاك قدر أكبر من المرونة، مع الإبصار الكامل والدقيق والأمين للأهداف، والتقدير للإمكانيات.. ولايعني هذا بحال من الأحوال أن يكون دعاة الإسلام دماً جديداً في قوة الباطل، أو أن يوظف الإسلاميون لغير الأهداف الإسلامية، وإنما يعني: النزول إلى الساحة، وفهم واقع الناس؛ حتى يجيء الأخذ بيدهم ثمرة لهذا الفهم، ذلك أن الناس هم محل الدعوة، وهم جديرون بالشفقة والإنقاذ) [٤] . إن العاملين للإسلام عندما يكونون في الطليعة فإنهم يحصرون دائرة الصراع مع الأنظمة العلمانية التي تجتال الناس عن دينهم وتحمل الأمة على التحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله. ولا تنقل الدعوة الإسلامية الطليعية صراعها ومعركتها إلى الأمة التي يقع عليها الكثير من المظالم، والتي تتطلع لليوم الذي تُحكَم فيه بالإسلام، وبشريعة العدل الرباني. إن الدعوة الإسلامية التي تنفذ إلى أعماق الأمة تمتلك السلاح الأقوى في الصراع بين الإسلام والعلمانية، لأنها تمتلك قلوب عامة الناس بأخلاقها الحسنة وفعالها الطيبة.. بينما تحكم العلمانية الأمة بنظم عسكرية قهرية، فتبقى معزولة عن الأمة ومرفوضة من عامة الناس. ولذلك: فإن الضغط على هذه الأنظمة العلمانية بـ (الأمة) ذات الولاء الثابت للإسلام، قادر إن شاء الله (تعالى) على جرف هذه الأنظمة العلمانية (الورقية) والإلقاء بها في مزابل التاريخ. وبكلمة أخيرة: لا تقدر الدعوة الإسلامية على القيام بدورها ومسؤولياتها كاملة إلا أن تمتلك رصيداً كبيراً في الأمة، وتستند إلى قاعدة عامة قوية، تدخل بها دائرة المفاصلة مع الأنظمة العلمانية لإقامة الحكم الإسلامي.. ولكي تحقق هذا الهدف: لا بد أن تشق الطريق نحو الأمة أكثر وأكثر، فتدخل في نسيجها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، توظف كل ذلك لخدمة أهداف الإسلام، عبر الإحياء الإسلامي الكبير الذي ينساب في خلايا المجتمع، ويسري في روح الأمة، فيحييها بالوحيين.
следующие страницы →