← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

نص شعري لغة الدماء شعر: مشتاق حسين أتدري أم لعلك لست تدري ... بأن الجرح ثغرٌ، أي ثغر! وأن دمَ الضحايا حين يجري ... لسانٌ ناطقٌ بالظلمِ يُزري لسانٌ يلتقي سَمْعَ البرايا ... بصوتٍ من لهاة الحق يسري يجوسُ خلال آذانٍ وإن لمْ ... تَزَلْ تحمي غِوايتَها بِوَقر أن اخسأ أيها النوّام سُحقاً ... لك الويلاتُ مِنْ فَرّي وكَرّي أَتُبْصُرُني وحيداً ثم تغفو ... وَتَتْرُكُني أنوء بحمل إصري لقدْ ألهبْتَ من حَزَنٍ حُرُوفي ... ألا فاطوِ المنامَ وخذ بثأري وَصَيّرْ قلبك الرعديدَ بَرّاً ... إذا ما لَجّ في أمواجِ ذُعرِ لِتَصنعْ فلك ربي للبرايا ... ولا تسأل فديتك أين تجري ألا فاخلع رداءَ الجبن والبسْ ... برودَ النصر كي تحظى بنصرِ إذا لم يقترن حرف بخطوٍ ... فعد للنوم تصحُ غداً لحشرِ إذا الشيطان مسك منه نُصب ... فقم واركض برجلك دون صبرِ شرابٌ من رحيق الوحي يشفي ... ومغتسلٌ ينبّه كل حُرِّ أرى الأقوامَ قد راشت سهاماً ... لقد طاشت سهامكمُ لعمري سُلِبت قريحتى إن لم تروها ... فداءَ الحق في شعري ونثري يد الأشلاء تستعدي فؤادي ... وهيجت الدماءُ غليلَ صدري أسًى ما للمشاعرِ منه واقٍ ... وما لبنات شعري من مَفَرِّ لساني ملك إيماني ووقفٌ ... لأحزاني فلا تعجبْ لشعري إذا أنا لم يكن شعري لهيباً ... يذيبُ جمود قومي كيف عذري؟ ! إذا لم نلق طوقَ النوم عنا ... فما جدوى التّطلعُ نحو فجْرِ؟ !

стр. 2382

المسلمون والعالم بعد الدستور.. الجزائر إلى أين ؟ ! بقلم: عبد العزيز كامل التجربة الجزائرية تجربة متميزة، لا تهم الجزائريين وحدهم.. ولكن ينبغي أن يتوجه إليها الاهتمام العام؛ لما فيها من حقائق عميقة، فلا تزال تلك التجربة أنموذجاً صارخاً وواضحاً في دلالاته وإيحاءاته ودروسه وعبره، فلا أبالغ إن قلت: إن هذا الأنموذج يختصر تجارب أجيال في العمل الإسلامي، رغم القصر الظاهر في عمر هذه التجربة، التي كانت ولا تزال تقذف بالرسائل في كل اتجاه فيه عاملون للإسلام: أن افهموا كذا ... وتنبهوا إلى كذا ... واحذروا من كذا.. فما حدث هناك قابل لأن يتكرر في أنحاء عديدة من عالمنا الإسلامي، إذ تتكرر الوقائع وتتشابه الظروف. لا أبالغ أيضاً إن قلت: إن كل أشكال العمل الإسلامي وأنواعه المعهودة والموجودة في عصرنا قد أكملت تجاربها في ذلك العمر القصير نسبيّاً للحركة الإسلامية هناك، وفي الوقت ذاته: فقد أسفرت كل الاتجاهات المعادية للدين هناك عن أقصى ما يمكن أن تفعله من وسائل المواجهة والكيد والصيد في الماء العكر. ليست قضية الشعب الجزائري الآن قضية شعب قد تسلط عليه (الإرهاب) كما يصور الإعلام الغربي وتَابِعُهُ العربي، بل إنها قضية أمة قد سُلط بعضها على بعض عبر وسطاء لا يقل وصفهم عن (شياطين الإنس) . لهذا فلا بد من وقفات مع المستجدات، وتأملات في الرسالات التي لا تزال تنبعث من الجزائر بدروس عميقة: أولاً: وقفة مع (اللعبة الديمقراطية والألعوبة الدستورية) : الديمقراطية تعني عند أصحابها باختصار: حكم الشعب بالشعب للشعب، وإذا كان مخترعو الديمقراطية في الغرب يعبرون عنها بـ (اللعبة) ، فإن الشعار المذكور للديمقراطية، قد مكن كثيراً من الحكام في عالمنا الإسلامي أن يلعبوا بالشعب لعباً ما بعده لعب؛ نظراً لأن ما أُخذ من ديمقراطية الغرب هو فقط: الاسم، أو الشكل، أو الشعار المفرغ من المضمون الجاد للديمقراطية الغربية، رغم تحفظاتنا وعدم تسليمنا بأنها الأنموذج الأمثل للحكم. إن الثوب الديمقراطي الذي يتسع لكل لابس ما عدا الإسلاميين، يحلو لأصحابه دوماً أن يطرزوه بمطرزات دستورية، تفصّل حسب مقاس كل نظام، وتحاك على هوى كل عهد. وفي الجزائر كما في كثير غيرها شاء كل حاكم أن يكون له دستوره الخاص، فالرئيس (بن بيلا) كان له دستوره، ثم كان لـ (بومدين) دستوره، ثم كان لـ (الشاذلي بن جديد) دستوره، وكان لكل واحد منهم هدفه في تعديل الدستور، وها هو العهد الجديد يأتي بدستور جديد لأهداف جديدة، على رأسها: إبعاد الإسلاميين، أو بالأحرى إبعاد الإسلام من بسط نظامه على بلد الجهاد والفداء والبطولة. إنه وبعد مضي خمس سنوات على إيقاف السلطة العسكرية لعملية الانتخابات التشريعية للحيلولة دون حصول الإسلاميين على الأغلبية في البرلمان، رأت تلك السلطة في صورتها الجديدة: أنه قد آن الأوان لإغلاق ملف (جبهة الإنقاذ) ، وذلك بإلغاء دستور ١٩٨٩م الذي أنهى حكم الحزب الواحد، وسمح بقيام جبهة الإنقاذ، وبالتالي: فقد نُظر إليه على أنه مصدر الأزمة؛ لاحتوائه على (ثغرات) لا تمنع قيام أحزاب أو جمعيات على أساس ديني. لقد عودتنا السلطات في بلاد العالم الثالث على أن تلجأ إلى (لعبة الدستور) لإعطاء خياراتها شرعية إضافية، أو تلجأ إليه تجنباً لتحمل مسؤولية قرارات (تاريخية) ، أو تلجأ إليه للالتفاف على المؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية والضغوط القانونية والبرلمانية ... إن كان لها وجود. إن اللعب بالدستور على طريقة الاستفتاءات التلفزيونية، وهو الأمر الذي يعد جزءاً من اللعبة الديمقراطية في عالمنا، يعد سوءة من سوءات ذلك النظام الوضعي البشري القاصر، الذي لو صلح لقوم فلا يصلح لآخرين، إذ إنه على الأقل في البلاد النامية يختزل قضايا معقدة ومركبة ومصيرية في صيغة سؤال يكون الجواب عليه بـ (نعم) أو (لا) ، دون السؤال عن (كيف) و (لماذا) ! ! . وتكون تلك الإجابات ربما في غالبيتها من أقوام أو أرقام لا تعرف المعنى المراد بالدستور أو الهدف المقصود من تعديله أو تغييره أو تفسيره! . وما دام الأمر لعباً في لعب، فقد أكد مشروع تعديل الدستور: أنه لا يمس الجوهر ولا (الثوابت) ، وإنما يركز على المتغيرات! ومعلوم أن أكبر المتغيرات في الواقع الجزائري الراهن هو ما يتعلق بالنشاط السياسي الإسلامي، ولهذا فقد عُدِّل الدستور كله بدءاً من الديباجة وانتهاءً بالأحكام الأخرى شكلاً، باستثناء مادة واحدة كان التغيير فيها جوهريّاً. المادة التي عُدِّل من أجلها دستور (١٩٨٩م) تنص على: أن (إنشاء الجميعات ذات الطابع السياسي حق معترف به) ، وعلى الرغم من أنها لم تنص صراحة على الإذن بالجمعيات الدينية مثل جبهة الإنقاذ إلا إنها لم تمنع أيضاً من ذلك صراحة، وهذا ما مكن الإنقاذيين من تأسيس الجبهة. وقد تحولت المادة بعد التعديل إلى النص التالي، من المادة (٤٢) : (حق إنشاء الأحزاب السياسية معترف به) ، ثم أضافت: (ولا يجوز تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي ... ) إلخ. وبالطبع، فهذه المادة قد قَنّنَتْ على أعلى مستوًى إعدام شرعية الجبهة الإسلامية، وأيضاً: أي حزب إسلامي قائم أو سيقوم، إلا إذا أثبت أنه (لا ديني) أو قرر ألا يستمد شرعيته من الدستور. لقد تحولت الديمقراطية في الجزائر من لعبة في يد السياسيين إلى لعنة في يد العسكريين، يفرضون بها من خلال الدستور العلمانية فرضاً على شعب كامل من المسلمين. ثانياً: أي سلطة للشعب: لقد دفع الشعب الجزائري ثمناً باهظاً لكي تصل رسالة العلمانيين للناس: لا سلطة للشعب إذا اختار نظام الإسلام، فقد مُنع شعب الجزائر من اختيار ممثليه، مع أن نجاح الحزب الذي اختاره كان في إطار دستوري، أما بعد أن قال الجزائريون كلمتهم، فقد سُلبوا ثمرة تلك الكلمة الحرة، واعتُبر الشعب قاصراً، لم يبلغ سن الرشد، فكان لا بد من فرض (وصاية) مسلحة عليه، حتى يعود إلى الرشد القديم، أيام كان يصفق لكل ناعق! . من العجيب: أن السلطة التي قهرت إرادة الشعب في اختياره الإسلام، واعتبرته لذلك قاصراً؛ تحتكم الآن إلى هذا الشعب، ولا تستحي من النص في الدستور مرة ثانية على أن (الشعب مصدر كل سلطة) وأن (السيادة الوطنية ملك للشعب وحده) ! ! فما أتعس الشعوب في بلادنا، حيث تُتجاهل حيناً، وتُستغل حيناً، وتُنتهك حرمة دمائها وأموالها أحياناً، ومع هذا يتم اللجوء إليها دائماً ليكون قهر الشعوب وفق إرادة شعبية، واستفتاء شعبي! ثالثاً: الدين والسياسة: النص على أن دين الدولة (الرسمي) هو الإسلام، هو نص متكرر في معظم الدساتير الوضعية اللادينية، التي وضعت أصلاً مناقضة للدين ومناهضة لسلطانه القويم، والسلطة الجزائرية رغم كل ما حدث ويحدث تنص في الدستور الجديد على أن دين الدولة هو الإسلام، ولا ندري ... ما الإسلام الذي تريد؟ . أهو إسلام الوجه لله، أم إسلامه لأعداء الله في باريس وواشنطن ولندن؟ ! ومن الطريف: أن الأحزاب الأخرى المعارضة والمتطرفة في علمانيتها، تعارض هذا النص، وتتهم الدولة بأنها ستفسح المجال من جديد لقدوم (الأصولية) ! ! وهي تجهل أو تتجاهل أن هذا النص ليس أكثر من (وصولية) تستغل الدين أبشع استغلال في الأغراض السياسية، فطالما استغل اللادينيون الدين في السياسة، على الرغم من أنهم أعلى الناس صوتاً في التحذير من استغلال الدين في السياسة، ولكن يبدو أن العلمانية فقط من حقها استغلال كل شيء: الشعب، والدستور، والجيش.. والدين نفسه! رابعاً: وحدة الشعب تحت ظل الرايات العلمانية: العلمانيون دمروا وحدة العالم الإسلامي بالقوميات، ثم فجروا وحدة العرب بالوطنيات، وها هم حتى على المستوى الوطني يمزقون وحدة الشعوب بالتحزبات والتناقضات. ووحدة الشعوب حق مقدس عند العلمانيين، إذا ما انتظمت تلك الشعوب خلف قيادتهم وانساقت خلف طروحاتهم، أما إذا لاحت في الأفق بوادر خروج شرائح من تلك الشعوب عن تلك البرامج التسلطية، فلا مناص أمام العلمانيين من ضرب قطاعات تلك الشعوب بعضها ببعض وإشعال نيران الفتنة في صفوفها. إن التقليد الذي تعودت عليه الحركات القومية في مطلع مدها (الثوري) والقائل بأن الشعوب تدار وتساق من فوق بغية التخلص من المستعمر الخارجي، ما تزال تهيمن على تصرفات وسلوكيات النخب السياسية، مع فارق وحيد هو: أنهم حولوا المعركة إلى اتجاه آخر ضد من يرون فيه أنه (مستعمر داخلي) ، فتحول الصراع من تحرير (الوطن) إلى تحرير (المواطن) ، ولن تعدم أي سلطة الحيلة في أن تحول زخم التحدي ضد الطامع الخارجي، إلى تحدٍّ وتجمع ضد الطامح الداخلي. والشواهد حولنا تشير إلى استنفار أكثر الشعوب إلى معارك داخلية بعضها ضد بعض ... فلا بد للثوريين من ثورة أيّاً كانت، ولو كانت ثورة ضد الشعب. خامساً: مَنْ هم الإرهابيون حقاً؟ ! أصبح من المألوف أن نسمع الآن مصطلحات كثيرة تدل على استمرار ثوران الثوار داخليّاً بعد أن بطل مفعول ثورانهم الخارجي، فالثورة الآن، ضد (الأصولية) ، ضد (الإرهاب) ، ضد (التطرف) .. حتى سمعنا ممن ينسب نفسه للعلم والدين، من ينادى بإعلان (الجهاد) ضد التطرف الإسلامي بعد إعلان السلام مع التطرف اليهودي! لا ننكر أن هناك عنفاً غير مقبول ولا مشروع، تزهق تحت وطأته أرواح الأبرياء، وتنتهك وتسفك بسببه الأعراض والدماء ... ولكن نسأل: من الذي فجر ينبوع الصراع في الجزائر وفي غيرها؟ ! أهم الذين ذهبوا مسالمين يحملون مشاريع وبرامج سلمية عبر قنوات (شرعية) للتغيير من خلال كسب التأييد المشروع من الشعب للطريقة التي يختارها في الحكم؟ ! ونسأل: من الذي أنزل الجزائريين العسكريين في الشوارع ضد الجزائريين المدنيين لتصادر بالقوة نتائج انتخابات حرة؟ ، ونسأل: من الذي رفع صوت المدفع والبندقية فوق صوت الناخب في المعركة الانتخابية؟ ، ونسأل: من الذين فتحوا أبواب الفتنة بإغلاق باب الرأي أمام شعب له إرادة نبيلة يحلم بتحقيقها؟ كل منصف يعترف بأن ما يحدث في الجزائر الآن أصبح (فتنة) لا يعرف القاتل فيها لِمَ قَتَل، ولا يعرف المقتول فيها لِمَ قُتل ... ! فالعسكريون ورجال الشرطة يتخفون في ملابس مدنية ليقتلوا مدنيين في ملابس عسكرية! ، والسلطة تضرب من خرج على سلطتها وترى ذلك واجباً! والأمة تخرج على من خرج على دينها وترى ذلك جائزاً! ! ومن الظلم والجور أن يستغل الطرف الذي بيده دولاب أجهزة الإعلام الهائلة التأثير، في قصر الاتهام على طرف واحدٍ فقط بأنه سبب الفتنة والفوضى والقتل والدمار، فالإعلام يعلن عن سابق إصرار وترصد: أن ما يحدث في الجزائر هو من صنع الجماعات الإسلامية! ! . فإذا كان القتل وإزهاق الأرواح غريزة متأصلة لدى الإسلاميين في الجزائر أو غيرها ... فما الذي منعهم قبل ذلك من القتل ومن سفك الدماء ... ثم، لماذا يصادَر حق الإنسان في الدفاع عن نفسه أمام عداء مستحكم يستهدف روحه قبل عرضه وماله.. إن مسألة الثأر والثأر المضاد هي إحدى التفسيرات التي تفرض نفسها لتفسير ما يحدث في الجزائر وما حدث قبل ذلك في مصر وغيرها ... لكن يظل السؤال: على من يقع إثم القتل الأول؟ ! ، إنه على القاتل الأول. وحالة الطوارئ المفروضة على (٢٨) مليون إنسان منذ عام ١٩٩٢م.. الكل يعرف من فرضها ولماذا فرضها، إنها ليست بسبب غزو خارجي، ولا عدوان أجنبي، إنها ليست أكثر من حالة شعور بالكارثة والنازلة الفاجعة لدى السلطة أن استيقظت أمة واختارت الإسلام على العلمانية ... وما أكثر تلك النوازل والطوارئ اليوم في بلدان المسلمين. سادساً: حقوق الإنسان وخرس الشيطان: في خضم الصراع والفتنة تكاد الحقيقة تضيع، مَنْ الجاني، ومَنْ المجني عليه؟ ، ولكن يأبى الله إلا أن تظهر أجزاء من الحقيقة في الدنيا، حيث لن تظهر الحقيقة كاملة إلا يوم يقوم الأشهاد. الحكومة الجزائرية نفسها اعترفت عن طريق وزارة الداخلية في نهاية عام ١٩٩٤م أنه تم قتل عشرين ألفاً من (الإرهابيين) خلال عامين سابقين، بينما ذكر تقرير صدر في مطلع عام ١٩٩٦م عن (المرصد الوطني لحقوق الإنسان) هناك: أن (٥٠٠٢٩) خمسين ألفاً وتسعة وعشرين وصفوا بأنهم إرهابيون قد لقوا مصرعهم على أيدي قوات الأمن، بينما تقول تلك المصادر: إنه تم قتل نحو ألف وأربعمئة من المدنيين على أيدي جماعات المعارضة المسلحة. ومما يدل على أن السلطة تستغل مجرد القوة في تنفيذ أعمال القتل دون رقيب أو حسيب من البشر: ما تواتر ذكره عن مقتل نحو (٩٦) سجيناً من العزل في سجن (سركابي) إثر ما ادّعي عن وجود تمرد في السجن! . ويشاء الله أن يفضح ممارسات السلطة الحاكمة هناك على لسان (منظمة العفو الدولية) التي أصدرت تقريراً عن حقوق الإنسان، حيث جاء فيه: (أصبحت عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، وعمليات القتل العمد، وحوادث الإخفاء والتعذيب، وعمليات الاختطاف، والتهديد بالقتل.. وغير ذلك من الانتهاكات: جزءاً لا يتجزأ من الواقع اليومي في الجزائر ... ) ، وتحت هذه الكلام الخالي من التفاصيل تتناثر المعلومات دون إحصاء دقيق في التقرير الذي صدر في نهاية نوفمبر ١٩٩٦م، ويقع في (٤٠) صفحة وعنوانه: (الخوف والصمت الأزمة المستترة لحقوق الإنسان في الجزائر) ، وقد أبرز التقرير عمليات التمويه والإخفاء المقصودة لما يحدث بالتفصيل في الجزائر، فيقول: (.. أما الجرائم التي ارتكبتها قوات الأمن من قبيل القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والإخفاء.. وغير ذلك من الانتهاكات التي تنفذها قوات الجيش والأمن في القرى والأماكن النائية: فقد حجبت خلف جدار من الصمت والتلعثم..) ! ! ويقول التقرير: (فضلاً عن ذلك: فقد تزايدت القيود المفروضة على وسائل الإعلام الأجنبية حيث مُنِعَ الصحافيون الأجانب من مباشرة عملهم أو أُبعدوا ... بينما حيل بين آخرين وبين دخول البلاد) ، وقال التقرير أيضاً: (لقد دأبت السلطات الجزائرية مراراً على نفي الأنباء التي ذكرتها منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان) . ولكن يبقى السؤال: ماذا فعل العالم تجاه هذا الانتهاك الصارخ لحقوق ... الإنسان؟ ! إن الدولة الجزائرية لم تُعَدْ من الدول الراعية للإرهاب رغم كل هذا ... والسبب واضح، إنها لم تصدر الإرهاب، ولكنها تستورده، أو عندها منه اكتفاء ذاتي! سابعاً: الصراع غير المتكافئ والعدالة الضائعة: عندما تُجيش الجيوش ضد جموع من العزل، فلا بد لهؤلاء العزل يوماً من البحث عن سلاح، دفاعاً عن الحياة فضلاً عن الدين، وقبل أن يكون لجبهة الإنقاذ جيش إنقاذ، وقبل أن تتشكل الميلشيات العسكرية من الجماعات الأخرى، نزل الجيش إلى الشوارع للإرهاب والتهديد والوعيد لمن أعطوا أصواتهم للإسلام، فلم يكن هناك يومها جيش للإنقاذ، ولا جيش للجماعات الإسلامية الأخرى. إن إقحام الجيوش في مثل تلك الصراعات الظالمة، هو إهانة من الأمة لنفسها، فهذا العسكري أو الدركي: على من يطلق النار؟ ، أليس على مسلم مثله قد يكون قريباً أو نسيباً أو جاراً؟ ! ، ومع هذا: فما أكثر ما حُولت مهام الجيش إلى غير أغراضها الأصيلة على يد القيادات العلمانية الطائشة، إذ من المفترض أن للجيش في الجزائر مهمات وصلاحيات خاصة، تتمثل حسب نص المادة (٢٥) من الدستور في (تنظيم الطاقة الدفاعية للأمة ودعمها وتطويرها) ولكن الواضح الآن: أنه قد طرأ فهم خاص لهذه المادة، ويبدو أنه سيطرأ تطوير أكثر في المستقبل، فالدفاع عن (السيادة) يمكن أن يفسر عمليّاً بأنواع من السيادات، مثل: (سيادة القانون) ، و (سيادة الرئيس) ، و (سيادة الجنرال) .. إلخ. ولا يوجد الآن من يوضع هدفاً للدفاع عن السيادة، إلا الإسلاميون الساعون إلى التغيير، والشواهد كلها تدل عن أن الجيش قد نزل بثقله في المعركة، وكان نزوله سبباً في تكبيرها وتوسيع أبعادها. آلاف مؤلفة من الجزائريين تُجيّش ضد جزائريين آخرين.. لمصلحة من؟ ! . القوات شبه العسكرية تضم (٢٤) ألف فرد، وهي تحارب ضد الإسلاميين! والحرس الجمهوري يضم (١٢) ألف فرد، وهو غير بعيد عن المعركة مع الإسلاميين، وقوات (أمن الوطن) تتألف من (١٦) ألف فرد، وهي على استعداد للدفاع عن (الوطن) ضد الإسلاميين، (والحرس الأهلي) (١٦) ألف فرد، وهو مؤهل لقتال الأهل من الإسلاميين، والقوات المسلحة تتألف من (١٢١) ألف فرد، وهي التي تتصدر وتتصدى الآن لحرب شاملة ضد الإسلاميين! ! ، ومؤخراً: شكلت الحكومة ميلشيات خاصة تطلق عليها (جماعات الدفاع الذاتي) للأغراض نفسها، وبعد هذا، يقول المغرضون المبغضون للإسلام: إن الإسلاميين مسؤولون عن قتل (٥٠) ألف شخص في الجزائر! ! . ثامناً: مَنْ الضحية يا ترى؟ ! هل تقرر أن يُعاقب الشعب على جرأته في قول كلمته لصالح الإسلام؟ ! ، إن هناك حرصاً شديداً على أن يكون التغيير لصالح السلطة أولاً وقبل كل شيء، ممثلةً بالطبع في رموز الجيش الحاكم الفعلي للبلاد، وقد كان من العناصر المؤثرة على إحداث التغيير لصالح السلطة في الجزائر: جو الإرهاب الذي نجح في إبقاء الناس قابعيين تحت كابوسه، فالإعلام يضخم الأمور، وقد يفتعل ويبتكر عرض أساليب متنوعة من الرغبة في القتل والفتك بكل مواطن على يد أولئك (المغول) الجدد: الإسلاميين! ؛ مما جعل الأسبقية في اهتمام ذلك المواطن العادي تتركز في البقاء حيّاً، وأصبح مع الوقت لا يهتم على أي حال يحيا وتحت أي حكم يعيش، المهم أن يعيش وينجو من القتل الذي يستهدفه، وصار لسان حال كل إنسان يقول: إذا لم أستطع حياة الإسلام، فلا أقل من الهروب إلى أي حياة. لقد استُغل ذلك كله في دفع أفراد الشعب إلى صناديق الاقتراع للموافقة على اختراع الدستور الجديد، لقد دفعتهم السلطة وهي تعلم مسبقاً بأن ذلك الحجم من التأثير على رأي الناخب لن يمنعه من قول (نعم) للدستور، حتى ولو كان ذاهلاً عن معنى تعديل الدستور أو الهدف من هذا التعديل، أو ما هو الفارق بين الدستور السابق واللاحق! . الجزائريون في دولتهم البترولية الغنية، يعانون من نقص مزمن في المساكن وارتفاع في الأسعار، ويعانون بطالة تصل نسبتها إلى (٢٨%) ، من المحتمل أن تزيد في ظل احتمالات إلغاء مزيد من الوظائف بسبب برامج (الخصخصة) ... ومع كل هذا يُخوف هذا الشعب من الإسلام القادم ... فماذا أعطيتموه (أيها الاشتراكيون العساكر) باشتراكيتكم البائدة التي أفقرت الغني ولم تغن الفقير؟ ! . تاسعاً: البعث الوطني بعد البعث القومي: حتى لا يقع المحظور وتستيقظ في الأمة روح البعث الإسلامي المرتقب، فالعلمانيون يحرصون على إحياء موات أي شيء وبعثه؛ لكي ينافس روح الإسلام المتوثبة في الصعود، المد القومي مات، وقد يأس العلمانيون من إحيائه، والآن يحاولون إنشاء بعث وطني، فكل قطر له خصوصيته وشخصيته وتفرده ... المتميز ... وإذا كان من الممكن إحلاله محل البعث الإسلامي فهذا غاية المنى، ومنتهى الرجاء، وفي الجزائر: استغلت السلطة الإعلام في محاولة هذا البعث، حيث استعملت الأناشيد الوطنية والبرامج الحماسية والتسجيلات التاريخية الوثائقية، لتثير المشاعر وتدغدغ العواطف الجياشة لدى (المواطن) نحو (الوطن) وتعبئها بمشاعر الكراهية ضد (أعداء الوطن) . لقد استغل الإعلاميون كل شيء في محاولة إعادة صياغة الرأي العام، فحتى المباريات الرياضية التي (انتصرت) فيها الجزائر على دول مثل فرنسا وألمانيا، يعاد عرضها، والأغنيات التي تغنت بأمجاد الثورة في الماضي، أعيد بثها، هذا إلى جانب إعطاء الفرصة لكل من يستطيع أن يؤثر برأيه من الشخصيات العامة والمختصة في شتى الميادين، كل هذا ليحل الانتماء الوطني محل الانتماء الإسلامي. عاشراً: محصلة الأوضاع: إن منع السماح بإنشاء أحزاب ذات اتجاه إسلامي بمقتضى الدستور الجديد لن يلغي وجود تلك الأحزاب بداهة، ولكنه حتماً سيغير من طرق وأشكال نشاطها؛ حيث سيدفع وقد دفع بالفعل الكثير من أفرادها إلى العمل تحت الأرض، فالقهر دائماً يولد العناد، والدستور الذي يمنع العمل العلني السلمي، لن يخضع له ولن يؤمن به الذين يُدفعون إلى العمل السري، فما الإشكال الذي حله، وما التغيير الذي أحله تغيير الدستور؟ ! ... إن الدستور الجديد لن يزيد النظام قوة، ولا الدولة هيبة، ولا الوضع استقراراً.. لماذا؟ .. لأن أسباب التناقض وبذور الشقاق لا تزال تنبت الفرقة والبغضاء. لن يغير شيئاً من حقائق الأمور القول بأن التعديل المقترح قد حصل على تأييد أكثر من (٨٥%) من الأصوات؛ لأنه لا يمكن لنا أن نصدق ادعاء أن الشعب الذي وقف متراصّاً خلف جبهة الإنقاذ مصرّاً على العودة إلى الإسلام، هو نفسه الذي يقف الآن مع العسكر ضد الجبهة نفسها، ليبعدها نهائيّاً عن أي حل سياسي، ويقصيها تماماً عن المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة المتوقع إجراؤها خلال العام المقبل. للعلمانيين أن يأمنوا خلال تلك الانتخابات القادمة من مزاحمة أهل الدين لهم، فقد خلا لهم الجو ليبِيضوا ويُصفروا.. وللعالم (الحر) أن يصفق لمذبحة الديمقراطية وسحلها في شوارع الجزائر ... وللأنظمة الشقيقة والصديقة أن تحذو حذو السلطة في الجزائر؛ إذ نجحت في تجربتها الدموية ... ولكن لنا نحن الإسلاميين أن نقول: لا تزال في التجربة فصول! والله نسأل أن يصلح الأحوال وأن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل أعداء الإسلام وأعوانهم.. وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2383

المسلمون والعالم ماذا يبقى من فلسطين؟ (إعلان الحرب على الجهاد) (٣ من ٣) بقلم: حسن أحمد قطامش فَصّل الكاتب الحديث عن مخطط تهويد مدينة القدس، ورَصَد الخطوات العملية لمحو هويتها العربية الإسلامية، ثم عرّج على تصريحات (اللاءات) لزعماء منظمة التحرير، ويواصل في هذه الحلقة معالجة بقية الموضوع. - البيان - (نبرة هادئة يعلوها حزن ذليل.. أو قل: ذل حزين، خرجت كلماته بعفوية.. قال: سيدي، إننا نعتبر قتل الفلسطيني المقاوم لكم.. عملاً وطنيّاً، كما نعتبر قتل الفلسطيني للفلسطيني المقاوم لكم جريمة وطنية! ! وأنا تحملت مسؤولية سقوط (عدد كبير) من المقاومين من أبناء شعبنا برصاص إخوته من الأمن الفلسطيني من أجل أن أحفظ صدقية توقيعي على الاتفاقيات، وأن ألتزم بمسؤلياتي كسلطة وطنية قادرة على الوفاء بتعهداتها) . [الخليج، ع/٦٣٥٤١٠/١٠/١٩٩٦م] . هكذا تكلم (ياسر عرفات) في اللقاء الخاص بينه وبين (نتنياهو) في قمة واشنطن التي انعقدت عقب أحداث فتح نفق الأقصى. ولكلامه مدلولات ومغازٍ ومخازٍ كثيرة، ولكن أشد ما يحزن هو ذلك الاعتراف الصريح بتحمل دماء المسلمين المجاهدين من أجل الوفاء بالعهود مع يهود، فهو قد تعهد أن يكون حارساً أميناً لأمنها وسلامة شعبها واستقراره.. وإلا استبدلوه بأكفأ منه! قال (تعالى) : [وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً] [النساء: ٩٣] ، وإن حرمة دم المسلم عند الله (تعالى) أشد من حرمة بيته الحرام. نعود للوراء قليلاً، ولنستمع لـ (عرفات) ماذا يقول عن أطفال الانتفاضة وشبابها: (إن أطفال الحجارة كرموني بثورتهم في حين أساء إليّ الزعماء والرؤساء العرب في (قمة عمان) ١٩٨٧م، وقد استجابوا لندائي في حين ظل القادة العرب غير مستعدين لسماعي.. أنا لا أستطيع أن أترك أطفال الانتفاضة وشبابها وحدهم؛ فإن ثورتهم هي آخر نفس باقٍ عند الشعب الفلسطيني) . قد يطول الحديث بنا جدّاً إن استعرضنا تفاصيل (الكفاح المسلح) ضد المسلمين المجاهدين من قِبَل السلطة العرفاتية، ولكن حسبنا وقفات نشهد بها على محاولات القضاء على فريضة الجهاد ضد أعداء الله يهود، والقضاء على (آخر نفس باقٍ للشعب الفلسطيني) . وما نظن أن عرفات لا يعرف قول النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم) [١] ! ! وهذا الحديث رواه الصحابي الجليل (عبد الله بن عمر بن الخطاب) (رضي الله عنهما) . قال عرفات لقومه يوم دخل (فاتحاً) غزة! ! إنني أترسم فيكم خطى (عمر بن الخطاب! !) ، ولكن الراجح أن استجابة عرفات لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- ضعيفة! ، والأرجح استجابته (لنصوص) يهود الذين نصحوه بالقضاء على الجهاد. ففي اللقاءات الأولى بين يهود ومنظمة التحرير تكلم (ستيفن كوهين) ممثل المنظمة اليهودية في أمريكا، قائلاً: أنتم في غفلة عن الحقيقة، إن الخطر على منظمة التحرير لم يعد الجيش الإسرائيلي! ! ، وإنما الخطر على شعبية المنظمة وعلى قيادتها وعلى فاعليتها.. هو خطر (حماس) ! !) . وفي لقاء آخر تكلم وزير الصحة الإسرائيلي (إفرام سنيه) : (قبل أن نتفاوض على الحكم الذاتي، لا بد أن نتفاوض على كيفية احتواء التيار الإسلامي، وخصوصاً ذلك الذي تمثله (حماس) ، فقاطعه أحد أعضاء الوفد الفلسطيني معلقاً: إن إسرائيل هي التي أعطت (حماس) تصريحاً بإنشاء الحزب.. فرد قائلاً: أنا أحدثكم بمنتهى الصراحة عن خطر يهددنا كما يهددكم في المستقبل، وأنتم مصرون على العودة إلى الماضي ومحاكمة إجراءاته) [انظر: أوسلو.. قبلها، وبعدها/هيكل/الفصل الثامن] . وبإخلاص منقطع النظير وحفاظاً على العهود، قامت المنظمة بدورها على أكمل وجه، فهذا (محمد دحلان) رئيس أجهزة الأمن السرية الفلسطينية يقول: (أجهزتنا عازمة على تدمير الجناح العسكري لحركة حماس! !) [حوار للوموند الفرنسية، الأنباء، ع/٧١٥٠١١/٤/١٩٩٦م] وهذا سيده (ياسر عرفات) يصرح بعد عملية (بيت ليد) التي هلك فيها (١٩) يهوديّاً يبين المنهجية المتبعة مع الذين (أكرموه) وفي حضور وزير الخارجية الأمريكي وقتها (وارن كريستوفر) : (إننا سنواصل طريقتنا في معالجة ومواجهة هذه القوى المتطرفة، ولن نسمح لهم بمواصلة نشاطهم.. ليس لديّ عصاً سحرية، ولكنني سأبذل قصارى جهدي) . [الشرق الأوسط، ع/٥٩١٦ ٨/٢/١٩٩٦م] . جهود الزعيم إياها: وكان من جهوده هذه أن ساعد على إحباط ما لا يقل عن (٨٠) هجوماً ضد أهداف إسرائيلية في عام ١٩٩٥م فقط، وهو ما أشاد به (كارمي جيلو) رئيس جهاز (الشاباك) ، ولننظر كيف كان حال يهود وقد وقعت فيهم هذه العمليات الاستشهادية؟ فيوم وقعت عملية (بيت ليد) جاء (رابين) مهرولاً إلى موقع الحادث، ثم قال: (إن هذا اليوم يوم رهيب وفظيع وأليم لكل شعب إسرائيل، وقد اجتمع عشرات الآلاف من اليهود من كل مكان للصلاة أمام حائط المبكى من أجل وقف هذه العمليات ضد الإسرائيليين) . [القبس، ع/٧٧٦٦١/٢/١٩٩٥م] . ومن (الاستراتيجيات) الجديدة أن حماس أصبحت تهديداً للدولتين (إسرائيل.. والسلطة العرفاتية) فإن التعاون بينهما مهم وضروري، ففي تصريحه يقول العقيد (توفيق الطبراوي) مدير عام الاستخبارات الفلسطينية في الضفة الغربية: (إن هناك تعاوناً وتنسيقاً بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية، إن هذا التعاون ضروري وفي مصلحة الجانبين) . [الأهرام، ع/٤٠٠٩٨ ١٨/٩/١٩٩٦م] . أما (أمين الهندي) قائد المخابرات العامة الفلسطينية فقد وسع دائرة التعاون حين قال: (التنسيق مع الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية أمر ضروري.. إنه من الضروري أن يوجد تنسيق بين جهازنا و (السي. آي. أيه) من أجل مكافحة الإرهاب) [حوار مجلة المشاهد السياسي، ع/٤ ١٣/٤/١٩٩٦م] ، بل ولقد تخطى الأمر من تنفيذ الأوامر وضرورة التعاون إلى المبادرة لكسب الود وطلب القرب والمحافظة على (صدقية التوقيعات) . وزير التجارة الأمريكي (رونالد بروان) الذي هلك بطائرته فوق البوسنة ... يقول: (لقد تأثرت جدّاً، لأنه وبدون مبادرة مني.. ألزم الرئيس (عرفات) نفسه باجتثاث الإرهاب، من المهم جدّاً وجود مثل هذا الالتزام الذاتي الذي يساعد على دفع عملية السلام) . [الشرق الأوسط، ع/٥٩١٦ ٨/٢/١٩٩٦م] . وبشهادة أخرى لـ (عرفات) من (وارن كريستوفر) : (إن ياسر عرفات أبدى تعاوناً بنسبة مئة بالمئة في معركة مكافحة الإرهاب) . [الوطن، ع/١٧١٢١٢/٣/١٩٩٦م] . فضح اللجنة العرفاتية لمقاومة التيار الإسلامي: وقبل الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة شكل (عرفات) (لجنة الطوارئ المشتركة) وكلفها بوضع خطة لمواجهة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بحيث يضمن عدم وقوع أي عملية فدائية، مما قد يؤثر على فوز (الصديق بيريز) ، وقامت هذه اللجنة بإعداد وثيقة سرية تقوم على ثلاثة محاور: الأول: محور تصفية البنية العسكرية (كتائب القسام) . الثاني: محور التفكيك السياسي. الثالث: محور إرباك حماس في الخارج. وطالبت اللجنة بتنفيذ الإجراءات التالية لتصفية البنية العسكرية على مراحل ثلاث: أ - على المدى القريب (وقد انتهى بانتهاء الانتخابات) . ب - في المدى الاستراتيجي، على النحو التالي: ١- تكثيف الجهد الاستخباري نحو اختراق التنظيم السري لكتائب القسام باستخدام وسائل جديدة. ٢- التصفية الجسدية لعدد من قادة (التنظيم) وعلى فترات متباعدة (وبلا تردد) رغم ما يجره ذلك من عمليات انتقام، فلا بد من هدم المعنويات وتحطيم البنية النفسية التي تخطط وتعمل على تنفيذ العمليات. ٣- الاستمرار في إلقاء اللوم على الأردن ولبنان وسوريا عند حدوث أي عمل إرهابي، حتى لو لم تُثبت المعلومات ذلك، فذلك مدعاة لتخفيف الضغط على السلطة وتوجيه مزيد من الضغوط على قواعد إسناد حماس في تلك الدول. ٤- رصد ومراقبة أساليب العمل والتنقل والتجنيد والاتصال وتبادل المعلومات بشأنها مع أجهزة الأمن في الدول المحيطة. ٥- الضغط على وسائل الإعلام الفلسطينية وغيرها من أجل عدم تغطية الأعمال الإرهابية، بحيث لا تمجد منفذيها، مع ضرورة التركيز على أثرها المدمر على الاقتصاد الفلسطيني و (تجربة السلطة الوطنية) . ٦- ضرب العمل المسلح لحماس يكمن في التصفية الشاملة له على المدى البعيد، ولا شيء غير ذلك، فالتحجيم لهذا العمل مع السماح له بالبقاء ولو في أطر محدودة لا يكفي لقطع الطريق على المشروع البديل لدى المنتمين لحماس، كما أنه بات لا يقنع الإسرائيليين. هذه الوثيقة عرضت على (عرفات) في مارس ١٩٩٦م، وقد تسربت للصحافة، ونشرتها عدة مطبوعات عربية، منها: الحوادث، ١٧/٥/١٩٩٦م، والأسبوع العربي، ١٨/١٢/١٤١٦هـ. وإن كانت هذه وثيقة نظرية في نظر بعض المراقبين وخاصة بعد أن نفت السلطة الوطنية نسبتها إليها بعد تسربها إلا أن هناك خطوات عملية وملموسة على أرض فلسطين تجاه الحركات الجهادية، وخاصة حماس، لقد قامت السلطة العرفاتية بشن حرب شرسة، وبررتها في البيانات الرسمية بأن ما تقوم به الجماعات المسلحة ليست موجهة ضد عملية السلام وضد الإسرائيليين فقط، وإنما موجهة ضد (مصالح الشعب الفلسطيني) و (ضد تجربته الوطنية) ، واعتبار أن دوامة (العنف) القائمة سيكون وقودها الأول: الشعب الفلسطيني، ومكتسباته الوطنية، وحياته المعيشية، ومستقبل أجياله. وعلى هذه الخلفية قامت السلطة بخطوات فاعلة، لعل من أبرزها: ١- حظر نشاط الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية تحت شعار (تأمين الاستقرار والأمن) ووضع هذه التشكيلات في إطار (الإرهاب) والخروج على القانون. ٢- شن نوع من الحرب الاجتماعية على الحركات الإسلامية شملت مداهمةً وإغلاقاً وتفتيشاً للمؤسسات الشعبية والتعليمية والصحية ذات الطابع الإسلامي، خصوصاً دور القرآن، والمساجد، ولجان الزكاة والصدقات، والجامعات، وبعض الجمعيات.. باعتبارها مراكز خيرية تغذي البنية التحتية للحركة. وتبدو هذه الحقيقة ذات أهمية كبيرة، خصوصاً إذا أدركنا الدور المهم الذي أدته المساجد طوال السنوات السابقة في تغذية الصحوة الإسلامية، فهناك ما يزيد عن (٧٥٠) مسجداً في الضفة الغربية، إضافة إلى حوالي (٤٠٠) في قطاع غزة، وقد سارعت السلطة إلى وضع يدها على المساجد ونقل مهمات إداراتها إلى وزارة الأوقاف التابعة لها، بمعنى تحويلها إلى مؤسسات رسمية تأتمر بأمر السلطة وتنفذ سياستها بما فيها التقليل والتأويل لخطوات السلطة في هرولتها نحو وهم السلام، أو على الأصح: الاستسلام للعدو. ٣- انتهاج نوع من الحرب النفسية على القوى الإسلامية، بربط نشاطاتها العسكرية بمفاهيم الإرهاب والتطرف، واتهامها بتبني أفكار ومفاهيم محرفة عن الإسلام ما دامت ترفض النهج السائد في المنطقة. ويشار هنا إلى الدور الخطير الذي تلعبه وسائل الإعلام التابعة للسلطة، خصوصاً الإذاعة والتلفزيون، إذ ركزت هذه الوسائل على النهج نفسه، باعتبار أن (حماس) تمس مصالح الشعب والسلطة والاستقلال والدولة، كما أن الوسائل تلك تخضع لرقابتين مباشرة وغير مباشرة من قبل السلطة الوطنية، ولم تنشر حتى الآن ما يسيء إلى هذه السلطة أو أي نشاط ضدها، وتُركز في المقابل على ضرورة استمرار حسن العلاقات مع الطرف الإسرائيلي وتسوية أي خلافات قد تعترض استكمال المفاوضات بينهما. ٤- اتجاه آخر للحرب ضد الحركة الإسلامية تتمثل في محاولة السلطة إبراز جو من التناقض داخل هذه الحركة، وجَرَت محاولات لإظهار أشكال من الخلافات بين شخصيات (حماس) وتأكيد حدوث انشقاق داخلها (انسحاب شخصيات بارزة فيها لتشكل أحزاباً بديلة) ومحاولة الالتفاف على قيادتها واستمالة مقربين ومحسوبين عليها، والادعاء بأنها مشاركة باطلة وإبراز ما يسمى بالداخل والخارج أو على صعيد القيادتين العسكرية والسياسية داخل حماس. وحقيقة: إن جرم السلطة العرفاتية يتجاوز بكثير تلك الأنظمة التي تحارب الحركات الإسلامية، إذ لدى تلك الأنظمة من الحجج مع تفاهتها وعدم منطقيتها ما تستطيع به أن تصل إلى ما تريده عبر طرق كثيرة، وعلى رأسها الناطقين باسمها من الفئات المعروفة، أما سلطة عرفات فإنها تتحمل مهمة شاقة ووقحة في آن واحد، إذ لا حجج واهية يتعلق بها في حربه تلك ولا فتوى أو حتى قبول شعبي لحماية (يهود) من عمليات المجاهدين. الإسلاميون.. هكذا يُستخدمون؟ والعجيب: أن النظام العرفاتي نفسه كلما ضُيّق عليه الخناق من قبل حكومة يهود لجأ إلى التهديد بتسريح عدد من معتقلي الحركات الإسلامية، وقد ذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن أجهزة الأمن الفلسطينية تحذر (نتيناهو) من أن عملية مكافحة المنظمات الأصولية سوف تزداد صعوبة إذا لم تغير حكومته سياستها! ! . [الحياة، ١٤/٦/١٩٩٦م] . فالسلطة على يقين من أن أولئك المجاهدين هم من يستطيع حقّاً الصمود أمام يهود.. ويهود تعلم ذلك يقيناً.. ولكن (جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) . ونتعجب أيها الكرام من أن (١٣) جنرالاً يرأسون قوات الشرطة الفلسطينية، بينما الجيش الأحمر (الروسي) في أوقات الذروة لم يرأسه أكثر من (جنرالٍ واحد! !) بل لقد بلغ عدد قوات الشرطة ٢٠ ألف عنصر في حين أن جهاز الشرطة الإسرائيلي ١٧ ألف عنصر فقط، بل ونتساءل: لماذا تُوجّه أغلب المعونات التي تصل إلى السلطة إلى جهاز الشرطة؟ ! . إن الأمة حين لا تكرم مجاهديها الصادقين يضرب الله عليها الذل. ونختم بصورة مريرة لهذا الذل ونتبعه بتعليق واحد. سئل (عزيز عمر) محافظ الخليل من قِبَلِ هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) : ما الذي أعدته السلطة عند الانسحاب من الخليل وخاصة ما يخشى من قوع مجازر من قبل المستوطنين؟ ، أجاب: (جملة واحدة أستطيع أن أقولها، هم أعدوا السلاح.. ونحن أعددنا المستشفيات! !) . [بي. بي. سي، ١٥/١١/١٩٩٦م] . لقطة: قام كبير حاخامات مستوطنات (كريات أربع) اليهودية بزيارة في ١٤/٧/ ١٩٩٦م إلى ابن الإرهابي المجرم (باروخ جولدشتاين) في الخليل.. ثم قال له: كن بطلاً.. وسر على خطى أبيك! ! . هكذا يشجع المتدينون وترفع من روحهم المعنوية، ولكن كيف يفعل الحاكمون بأمرهم (بمتدينينا) ، هذا ما توحيه اللقطة التي تغني عن عشرات الصفحات. وحسبنا الله ونعم الوكيل،،

стр. 2384

المسلمون والعالم إريتريا والدور المشبوه للجبهة الصليبية الحاكمة بقلم: محمد مبارك مسعود عندما احتل الإيطاليون ما يعرف اليوم بـ (إريتريا) منذ عام ١٨٩٠م: كان سكانها مجموعة من الشعوب تنتمي إلى إثيوبيا، والسودان، وبعضها من أصول عربية، وعندما كانت محمية إيطالية (١٨٨١م ١٩٤١م) حيث أصدرت الحكومة الإيطالية قراراً بتسميتها بـ (إريتريا) وتعني: البقعة الحمراء، وهي كلمة يونانية الأصل. وفي عام ١٩٥١م وضعت المنطقة التي عرفت بـ (إريتريا) تحت الحكم الفيدرالي مع إثيوبيا، وذلك حتى عام ١٩٦١م، بعد ذلك ضمها (هيلاسلاسي) إلى إثيوبيا، واستمر ذلك حتى عام ١٩٩١م. جغرافية إريتريا: الموقع: تقع إريتريا غرب البحر الأحمر، في القرن الإفريقي، تحدها من الجنوب الشرقي: جيبوتي، ومن الشرق والشمال: البحر الأحمر، ومن الشمال الغربي والغرب: السودان، ومن الجنوب: إثيوبيا. أهمية الموقع: يشكل الموقع الجغرافي لإريتريا أهمية بالغة، من كونها: تشرف على الجزيرة العربية، وتعتبر البوابة الشرقية لإفريقيا التي عن طريقها انتشر الإسلام في شرق إفريقيا، وعبرها كانت الهجرتان لصحابة رسول الله - ﷺ إلى بلاد الحبشة. المساحة: تبلغ مساحة إريتريا (١٢٤ ألف كلم٢) ، وتطل بواجهة بحرية طولية تبلغ حوالي (١٠٨٠كلم٢) على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتملك إريتريا (١٢٦) جزيرة، أهمها: أرخبيل (دهلك) . أهم المدن: - أسمرا: وهي العاصمة، وتعتبر أكبر المدن الإريترية، وتقع في إقليم حماسين. - مصوّع: وتقع في إقليم سمهد على البحر الأحمر، وتعتبر الميناء الرئيس لإريتريا. - عصب: تقع في إقليم دنكاليا على البحر الأحمر، بالقرب من باب المندب، وتعتبر الميناء الثاني لإريتريا. - كِرن: تقع في إقليم سخيت، وهى من أبرز مناطق الوجود الإسلامي الفاعل. - أغددات: تقع في إقليم بركة. - مدينة نقفة: تقع في إقليم الساحل. - مدينة مندفرا: وتقع في إقليم القاش بالقرب من الحدود السودانية. السكان واللغة: كانت إريتريا بحكم موقعها الجغرافي منذ أقدم العصور مسرحاً لاختلاط وانصهار شعوب مختلفة، ولذا: نجد أن سكان إريتريا تختلط فيهم الدماء الحامية والسامية، أما عدد السكان فيبلغ حوالي أربعة ملايين نسمة تقريباً، ويشكل المسلمون أغلبية، فهم أكثر من ٧٥%، والبقية منهم نصارى ووثنيون. وتعتبر اللغة العربية لغة أساسية في إريتريا، كما توجد بجانبها ثماني لهجات محلية. إريتريا والإسلام: دخل الإسلام إريتريا منذ سنوات الدعوة الأولى، حيث حملها المهاجرون الأوائل من الصحابة، ثم توالت هجرات التجار المسلمين والدعاة الذين جاؤوا بدين الفطرة ودخل الإريتريون في دين الله أفواجاً. وابتداءً من عام (٨٠ هـ) كانت جزيرة (دهلك) القريبة من (مصوع) مصدر إشعاع لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية ونشر الدعوة الإسلامية في دول شرق إفريقيا، كما كانت هذه الجزيرة أحد الثغور للجيش الإسلامي في عهد ... ... عبد الملك بن مروان، وكانت جزءاً من أرض الخلافة الإسلامية حتى نهاية القرن التاسع عشر. الموقع الاستراتيجي: إن امتلاك إريتريا لساحل طويل ومجموعة الجزر المهمة على البحر الأحمر باعتباره ذا قيمة استراتيجية دولية جعل إريتريا تتعرض لأطماع دولية وإقليمية مستمرة؛ وذلك بهدف إقامة قواعد عسكرية بها، حتى تتحقق من خلالها: السيطرة على حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر. الاقتراب من مصادر الطاقة النفطية والتحكم فيها. القرب من أهم المقدسات الإسلامية، وهذا يشكل أحد أهم الأهداف الرئيسة للدول المعادية، وعلى رأسها العدو الصهيوني، فقد أقامت إسرائيل قواعد عسكرية، بعد أن سمحت الحكومة الإثيوبية لها ببناء قواعد في الجزء الغربي في إريتريا، وأهم هذه القواعد: قاعدتا (دوراحباب ومكهلاى) ، وهي تقع بالقرب من الحدود الإريترية/ السودانية، وتقوم الطائرات الإسرائيلية بالطيران المباشر من هذه القواعد إلى تل أبيب، كما أن إثيوبيا قد سمحت لإسرائيل ببناء قاعدة بحرية في جزيرتين إريتريتين عند مضيق باب المندب، وهما: جزيرة (حالب) ، وجزيرة (فاطمة) ، وتبعد هاتان الجزيرتان حوالي (٥٠ ميلاً) عن مضيق باب المندب. كما أن إسرائيل تعتبر أسمرة مركزاً إفريقيّاً مهمّاً لمخابراتها، حيث تنطلق توجيهاتها لكل الذين يتعاملون معها في المنطقة، وبخاصة الدول المطلة على البحر الأحمر. إريتريا والاستعمار الصليبي: عندما ضعفت دولة الخلافة العثمانية وقعت إريتريا تحت سيطرة الاستعمار الإيطالي (١٨٨٥م ١٩٤١م) ، الذي سعى لفرض مفاهيمه الصليبية في البلاد، كما عمل على إتاحة فرص التعليم أمام أبناء النصارى الإريتريين في الوقت الذي مارس فيه سياسة التجهيل لأبناء المسلمين، وقد استخدم الشعب الإريتري في حروبه الاستعمارية في شمال إفريقيا وشرقها، وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية: حل الاستعمار البريطاني محل الاستعمار الإيطالي باسم الانتداب (١٩٤١م ١٩٥١م) ، وقد مهد هذا الانتداب الطريق أمام (هيلاسيلاسي) كي يحقق حلم النصارى الإثيوبيين في احتلال إريتريا، ولهذا: فإن مرحلة تقرير المصير في نهاية العقد الخامس ومطلع العقد السادس من القرن الميلادي الحالي شهدت صراعاً كبيراً بين النصارى الإريتريين (الذين كانوا يسعون من خلال حزبهم الصليبي الداعي للانضمام إلى إثيوبيا أندنّت لضم إريتريا إلى إثيوبيا) ، وبين المسلمين الذين كانوا ينادون بالاستقلال التام لإريتريا من خلال حزب (الرابطة) الإسلامية، الذي تأسس في نهاية ١٩٤٦م. وفي هذه المرحلة وقفت كل القوى الصليبية على مستوى المنطقة والعالم خلف النصارى الإريتريين في صراعهم ضد المسلمين، وكان في مقدمة ذلك كل من إثيوبيا وأمريكا وبريطانيا، وفي إطار التآمر الصليبي: صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام (١٩٥٠م) القاضي بربط إريتريا فيدراليّاً مع إثيوبيا. إعلان الكفاح المسلح: وفي الفترة (١٩٦١م ١٩٨٥م) شهدت إريتريا عدداً من الانتفاضات الشعبية، تمخض عنها ميلاد جبهة التحرير الإريترية التي فجرها المسلمون عام ١٩٦١م، في وجه التآمر الصليبي وذلك اعتماداً على إمكاناتهم الذاتية المحدودة، وقد حققت هذه الجبهة انتصارات باهرة على المستعمر الإثيوبي الذي استعان عليها بدعم وخبرات الدول الصليبية وإسرائيل، فضلاً عن قوات الكوماندوز (الخاصة) التي كانت تتكون في غالبيتها من أبناء النصارى الإريتريين الذين تدرب بعض ضباطهم في الكليات العسكرية الإسرائيلية، وقد تم عن طريق هذه الحروب الشرسة تخريب ديار المسلمين وتدمير ممتلكاتهم، وقتل وتشريد جموعهم، وفرض اللجوء الجماعي لكثير منهم إلى الأقطار المجاورة، وبخاصة السودان، الذي ما زال يستضيف أكثر من مليون مهاجر في الإقليم الشرقي. وعلى الصعيد الداخلي لجبهة التحرير الإريترية: فقد تغلغت إلى صفوفها الأحزاب العلمانية فانحرف مسارها الإسلامي، وهيأت المجال لتدفق النصارى إلى صفوفها، وفي بداية العقد الثامن الميلادي: اتسعت الصراعات الحزبية في داخل الجبهة؛ مما أدى إلى انشطارها إلى عدة تنظيمات علمانية، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية، التي انفردت فيما بعد بالساحة بعد حروب تصفوية، وآلت على نفسها حرب الإسلام، ونشر الرذيلة، ونهب الممتلكات، وانتهاك الأعراض، وتحجيم المسلمين، وإبعادهم عن الواجهة إلا من كان علمانيّاً على نهجها. الهجمة الصليبية الجديدة: لما أصبحت حركة الجهاد تقض مضاجع الصليبية في المنطقة، وصارت الصحوة الجهادية تنتقل إلى بقية دول القرن الإفريقي: تحرك الأخطبوط الصليبي المسمى بالنظام الدولي الجديد؛ ليرعى أهداف الصليبية في المنطقة ومصالحه الاستراتيجية فيها، فكانت محادثات أتلانتا ونيروبي بإشراف (كارتر) الرئيس الأمريكي الأسبق، ومحادثات لندن بإشراف (كوهين) اليهودي مسؤول الشؤون الإفريقية في الخارجية الأمريكية، وكانت نتائج المحادثات: توحيد الجبهات الصليبية الإثيوبية في جبهة (إهودق) . كما تم التنسيق بين الجبهة المذكورة والجبهة الشعبية الإريترية (تنظيم صليبي) في شتى المجالات، واستكمالاً للمخطط: قامت رموز النظام العالمي الجديد باتصالات سرية ببعض كبار ضباط الجيش الإثيوبي، وعقدت صفقات سرية أسفرت عن نقل (الفلاشا) من أديس أبابا إلى تل أبيب، واستسلام جيوش نظام (مانجستو هيلا ماريام) أمام القوى الصليبية الجديدة، من غير إبداء أي مقاومة في مايو ١٩٩١م! وتسلمت جبهة (هودق) السلطة في إثيوبيا برئاسة (ملس زيناوي) ، كما تسلمت الجبهة الشعبية السلطة في إريتريا برئاسة (إسياسي أفورقي) ، وفي إطار هذه التطورات: فإن الجبهة الشعبية سعت جاهدة بالتحالف مع جبهة (ملس زيناوي) حكام إثيوبيا الجدد وإلى تأكيد وتدعيم الهيمنة الصليبية في المنطقة عموماً وفي إريتريا على وجه الخصوص، وذلك من خلال السياسات والبرامج التي تنفذها على مختلف الأصعدة، ومنها: أولاً: على الصعيد المحلي: محاربة الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً، من خلال: فرض البرنامج التعليمي للجبهة الشعبية على المدارس والمعاهد الدينية، مما يؤدي إلى زعزعة العقيدة الإسلامية والتعاليم الدينية في نفوس الناشئة. تنفيذ قانونها الخاص بالزواج والمواريث، الذي يبيح زواج النصراني بالمسلمة، ويورث أبناء السفاح، ويشجع على الفاحشة. إثارة النعرات القبلية والطائفية؛ بهدف تفتيت وحدة المسلمين وإضعاف شوكتهم. إلغاء دور المسلمين في مسألة تقرير المصير وتهميشهم في إدارة شؤون البلاد. تغيير البنية الجغرافية والتوزيع السكاني في إريتريا، من خلال توطين النصارى من أبناء إريتريا والتجراي في مواطن المسلمين بمختلف المناطق الإريترية، وخصوصاً في المنخفضات الغربية والشرقية ذات الأراضي الزراعية الخصبة. تعزيز المركز السياسي والاجتماعي للنصارى في إريتريا من خلال إصدار القوانين التي من شأنها ضمان تحقيق ذلك، والتي منها: - قانون منح الجنسية الإريترية للنصارى. - القوانين المنظمة لعملية الاستفتاء التي تتبناها الجبهة الشعبية لصالحها وللمنتسبين لها، ومن أهم ما تستهدفه هذه القوانين: تغليب النسبة السكانية للنصارى على المسلمين في إريتريا؛ مما يساعد على تحقيق الأهداف والنوايا الصليبية، ويضعف دور المسلمين، ويهدد الوجود الإسلامي في إريتريا بخاصة، ومنطقة القرن الإفريقي بعامة. - محاربة اللغة العربية وإبعادها عن الدواوين والمؤسسات الحكومية، وفرض اللغة (التجرينية) لغة رسمية وحيدة؛ مما يضعف الوعي الإسلامي، ويهدد الثقافة الإسلامية والعربية. ثانياً: وعلى الصعيد الإقليمي والدولي: توطيد العلاقات مع نظام (ملس زيناوي) الصليبي في إثيوبيا، والتنسيق معه لضرب المسلمين في كل من إريتريا وإثيوبيا، والسعي لإقامة حلم دولة (أكسوم) النصرانية. رعاية المنظمات والهيئات الكنسية العالمية، وجعل إريتريا منطلقاً للنشاط التنصيري في منطقة القرن الإفريقي بخاصة والقارة الإفريقية بعامة، وإعاقة نشاط المنظمات والهيئات الخيرية الإسلامية داخل إريتريا. الإساءة إلى العلاقات العربية، كالتعاون مع (إسرائيل) ، وإنكار دور العرب والمسلمين في دعم القضية الإريترية، وذلك من أجل قطع علاقة الشعب الإريتري بالشعوب الإسلامية والعربية. السعي الجاد في توطيد العلاقة مع الدول النصرانية والمنظمات الصليبية العالمية، بما يحقق مصالحها الاستراتيجية وأطماعها الصليبية. توطيد وتطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، مما يضر بمصالح الأمة الإسلامية، ويهدد أمن منطقة حوض البحر الأحمر.

стр. 2385

في دائرة الضوء الصفوة والأمة بقلم: محمد محمد بدري في مكة، وحين كان الإسلام يعيش غربته الأولى: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخاطب بدعوته أفراد مجتمعه كافة، ويُؤَثِّر فيهم تأثيراً إيجابيّاً، كان من آثاره: نشأة الجيل القرآني الفريد الذي أزال الله على يديه غربة الإسلام الأولى، وأقام على أكتافه دولته القوية العزيزة. واليوم.. عادت غربة الإسلام ثانية للذين يقولون ربنا الله، يدعون لدينه، ويتبنونه منهاجاً، ويعملون لنصرته، ويتخذون ذلك غاية لهم، حمل الغرباء السعداء بدعاء رسول الله ﷺ لهم بالحسنى، حملوا راية الإسلام لبدء الجولة الثانية لهذا الدين، وليُخْرجِوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.. وبدأ الناس يعودون إلى الإسلام، يريدونه رائقاً صافياً كما أُنْزِل أول مرة بلا غبش ولا ركام. ولا شك أن أخوف ما يخافه خصوم الإسلام: أن تمتد للدعوة الإسلامية جذور في أوساط (الأمة) ، وأن ينشأ لها في (قواعدها) تأييد أو تعاطف.. من أجل ذلك: كانت خططهم دائماً تقوم على محاولة فصل الدعاة إلى الله عن عامة الأمة، فإذا استجابت الدعوة الإسلامية لهذه الخُدْعة، وصنعت هوة بينها وبين الناس تحت أي دعوى فقد انفصلت عن أرضها وقاعدتها، وبدأت طريق الهلاك العاجل أو الآجل! ! ومن هنا: فإننا لا بد أن ندرك أن دعوتنا لا حياة لها إلا بقلب الأمة النابض، وأن عِلْمنا لا بد أن يكون في محاولة هداية أفرادها وإصلاحهم، دون ممالأة أو ذوبان في شهواتهم، بل لأننا ندرك (أن من يعتزل الناس لأنه يحس أنه أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً.. لا يكون قد صنع شيئاً كبيراً.. لقد اختار لنفسه أيسر السبل وأقلها مؤونة.. إن العظمة الحقيقية: أن يخالط المسلم هؤلاء الناس وهو مشبع بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم، وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستواه بقدر ما يستطيع.. وليس معنى هذا أن يتخلى المسلم عن آفاقه العليا ومثله السامية، أو أن يتملق هؤلاء الناس ويثني على رذائلهم، أو أن يشعرهم أنه أعلى منهم أفقاً، بل لا بد من التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر، لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد) [١] . فالداعية الإسلامي: رجل يحب الناس، ويحبه الناس؛ فلا فجوة بينهم وبينه.. وهو في حركته روح تسري في قلب الأمة، فتحييها بالقرآن.. وجسد يسعى في سبيل تحرير الأمة من الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي تمارسه الأنظمة العلمانية المتغربة والغريبة عن الأمة وعن دينها.. وعقل يلمؤه الوعي.. بل العمل الإسلامي: جهاد (أمة) ، وليس جهاد (حزب) أو (جماعة) أو (تنظيم) ، ولذلك: فإن الدعوة الإسلامية تواجه أعداءها بـ (الأمة المسلمة) بعد إحيائها وإخراجها من حالة الالتباس والاغتراب، فتكون مواجهتها لهم مواجهة قوية، وليست مواجهة (غرباء) لا يجدون من يقف معهم أو ينتصر لهم! ! ولكي تصل الدعوة الإسلامية إلى (إحياء الأمة) فإنه من الضروري أن تقوم بترتيب أولويات أعمالها، وتراعي هذا الترتيب في دعوة الناس، وفي تنظيم مراحل علاج المواقع الفاسدة، والبناء للواقع الإسلامي الصالح، وذلك من خلال ما تتبناه من أفكار، ومنهاج للتربية، وأسلوب في العمل.. على النحو التالي: ١- الأفكار: لا بد أن تكون ملكاً للأمة، وليست حكراً على النخبة أو الصفوة، ومن ثم: فلا بد أن تكون باللغة التي تفهمها جماهير الأمة، وتقوم على حل مشكلات الواقع، ورسم خطة المستقبل الأفضل.. فإنها إن كانت كذلك تحوّلت بإذن الله إلى تيار عام كاسح، يغيّر بجهاده المستمر أسس الجاهلية الفكرية والخلقية والثقافية السائدة في كثير من أحوال الأمة. ٢-منهاج التربية: تربية كل فرد على الشعور بأنه (هو) المسؤول عن تغيير واقع الأمة الإسلامية وليس (غيره) .. وأنه يمتلك القدرة على هذا التغيير إذا سعى إليه بروح الائتلاف مع الأمة، والارتباط بجذورها، وعدم العزلة عنها أو مفارقتها.. ولذلك: فإنه لا بد أن يخالط الناس ويصبر على أذاهم؛ لأن ذلك أرضى لله، وأنفع لعباده. ولا شك أن هذا المنهاج التربوي سيُخْرِج بإذن الله دعاة إلى الحق يأخذون بيد كل فرد في الأمة إلى الله، ولا يحصرون أنفسهم بين الجدران، بل يتغلغلون في أوساط الأمة لتبسيط دعوتهم ودرء ما ألحقه بها الطواغيت والمبطلون. ٣- أسلوب العمل: توسيع دائرة العمل للإسلام إلى أبعد حد ممكن، عبر إقامة شبكة متكاملة من الروابط والعلاقات، ومد جسور التواصل مع مختلف طبقات الأمة، بحيث تصبح العلاقة بين (الصفوة) و (عامة) الأمة هي علاقة إيجابية تقوم على الحب المتبادل وتكامل الطاقات لخدمة الإسلام.. في صورة تتفق أو تقترب من قول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٢] ، وقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعض بعضاً) [٣] . ولا شك أن هذا يتطلب من العاملين للإسلام (امتلاك القدرة على فقه التعامل مع المجتمعات، والانفتاح المتزن أكثر، وفتح منافذ جديدة للدعوة، وامتلاك قدر أكبر من المرونة، مع الإبصار الكامل والدقيق والأمين للأهداف، والتقدير للإمكانيات.. ولايعني هذا بحال من الأحوال أن يكون دعاة الإسلام دماً جديداً في قوة الباطل، أو أن يوظف الإسلاميون لغير الأهداف الإسلامية، وإنما يعني: النزول إلى الساحة، وفهم واقع الناس؛ حتى يجيء الأخذ بيدهم ثمرة لهذا الفهم، ذلك أن الناس هم محل الدعوة، وهم جديرون بالشفقة والإنقاذ) [٤] . إن العاملين للإسلام عندما يكونون في الطليعة فإنهم يحصرون دائرة الصراع مع الأنظمة العلمانية التي تجتال الناس عن دينهم وتحمل الأمة على التحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله. ولا تنقل الدعوة الإسلامية الطليعية صراعها ومعركتها إلى الأمة التي يقع عليها الكثير من المظالم، والتي تتطلع لليوم الذي تُحكَم فيه بالإسلام، وبشريعة العدل الرباني. إن الدعوة الإسلامية التي تنفذ إلى أعماق الأمة تمتلك السلاح الأقوى في الصراع بين الإسلام والعلمانية، لأنها تمتلك قلوب عامة الناس بأخلاقها الحسنة وفعالها الطيبة.. بينما تحكم العلمانية الأمة بنظم عسكرية قهرية، فتبقى معزولة عن الأمة ومرفوضة من عامة الناس. ولذلك: فإن الضغط على هذه الأنظمة العلمانية بـ (الأمة) ذات الولاء الثابت للإسلام، قادر إن شاء الله (تعالى) على جرف هذه الأنظمة العلمانية (الورقية) والإلقاء بها في مزابل التاريخ. وبكلمة أخيرة: لا تقدر الدعوة الإسلامية على القيام بدورها ومسؤولياتها كاملة إلا أن تمتلك رصيداً كبيراً في الأمة، وتستند إلى قاعدة عامة قوية، تدخل بها دائرة المفاصلة مع الأنظمة العلمانية لإقامة الحكم الإسلامي.. ولكي تحقق هذا الهدف: لا بد أن تشق الطريق نحو الأمة أكثر وأكثر، فتدخل في نسيجها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، توظف كل ذلك لخدمة أهداف الإسلام، عبر الإحياء الإسلامي الكبير الذي ينساب في خلايا المجتمع، ويسري في روح الأمة، فيحييها بالوحيين.

стр. 2386

الورقة الأخيرة وماذا بعد رمضان ؟ بقلم:فيصل البعداني ها هو الشهر المبارك قد أقبل، وستنصرم أيامه، وتنقضي لياليه، وكما بدأ سينتهي، بعد أن يجتهد المجدون، ويتسابقوا في الخيرات، ويصبح المخلصون يعيشون بين أمل قبول العمل وخشية رده وحبوطه. ولكن في ظني أن هناك أموراً لا بد للساعين إلى الله من اعتبارها والتنبه لها بعد هذا الموسم العظيم سواء في حياتهم الشخصية أو الدعوية؛ وذلك: لأن المطلوب من العبد اتخاذ هذه المواسم محطات للتزود من التقوى، ثم السير بهذا الزاد من محطة إلى أخرى، لا أن يجعل حياة الطاعة مقصورة على تلك المواسم، فمتى مضت مضت طاعته معها! . وليست الإشكالية في اختلاف مقدار العبادة التي يقوم بها العبد في تلك المواسم وفي غيرها، إذ أمر العبادة مهيأ للعبد فيها أكثر من غيرها، فرمضان مثلاً شهر (تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين) ... [أخرجه النسائي، وصححه الألباني] ، ولذا: حين نتأمل في عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أمرنا الله أن نتأسى به نجد أنه كان أكثر اجتهاداً في العبادة في رمضان من غيره، فعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان) [أخرجه مسلم] ، وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) [أخرجه مسلم] . وعليه: فإن المطلوب من العبد أن يداوم على مجالات الخير التي طَرَقها في رمضان، سواء أكانت قيام ليل أو قراءة قرآن أو صدقة تطوع أو دعوة إلى الله .. أو غير ذلك ولو بمقدار أقل؛ لأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، ولأن رسول الله ﷺ كما حدثت عائشة ﵂ : (كان إذا عمل عملاً أثبته) [اخرجه مسلم] . ولو تأمل الإنسان مقدار الخسارة التي يجنيها من جراء بطالته العبادية والدعوية في غير مواسم الخير سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الأمة لوجدها جسيمة. فكم من الأوقات تمضي عليه سدًى مع أن العبد يوم القيامة يتمنى لو أضاف إلى رصيده خيراً مهما قل مقداره وتدنّى أجره ليدرأ عن نفسه عقوبة أو ليرتفع درجة. ولو حسبنا مقدار الأوقات والجهود والإمكانات المضاعة من مجموع أفراد الأمة التي لو استثمرت بشكل جيد لمصلحة الأمة في المجالات المختلفة دعوية أو غيرها لعلمنا حجم الجناية التي تحدثها البطالة والانقطاع عن العمل العبادي في غير مواسم الخيرات على الصعيد الشخصي والجمعي. إن أبرز ما في هذه المواسم المباركة ومنها رمضان أنها تقنع العبد بأن بإمكانه أن يفعل الكثير والكثير متى ما أخذ نفسه بمأخذ الجد وقوّى استعانته وصلته بالله . إنها تجعل من العبد نفسه قدوة عملية لنفسه في غيرها، إذ بإمكانه بأن يفعل في غيرها ما فعل فيها من خيرات، بدليل أنه فعل! ، والتجربة خير برهان، والواقع أكبر دليل، والملهيات والعوائق النفسية والاجتماعية وغيرها التي تجاوزها في موسم الخير يمكنه تجاوزها في غيره كما تجاوزها فيه، والدافع الذي مكنه من تجاوزها ما زال موجوداً، إذ الرب (سبحانه) بالمرصاد، والجنة والنار مخلوقتان، ولكل منهما أهلون. فلنبادر ونحن ما زلنا في هذا الموسم العظيم قبل أن تغلق أبواب الجنان وتفتح أبواب النار وتُطْلق الشياطين أن نرسم لأنفسنا الخطط، ونعد لها البرامج الخيرة التي سنسير عليها حتى الموسم القادم ومحطة التزود الأخرى، آخذين أنفسنا بالجد الذي ابتدأناه في رمضان، مستعينين بالله الذي لا حول ولا قوة لنا معاشر العباد إلا به.

стр. 2387

شوال - ١٤١٧هـ مارس - ١٩٩٧م (السنة: ١١)

стр. 2388

كلمة صغيرة حقوق وعقوق هل سمعتم بالمدعوة (B. B) .. إنها ممثلة فرنسية محالة للاستيداع بعد أن عملت لعقود في هدم أخلاق الغربيين بالإباحية والفجور، وحتى لا تُنسى كما نُسِي غيرها بعدما أسدل عليهم الستار اهتمت بما يسمى بحقوق الحيوان، والحدب عليها من أن تقتّل أو تتخذ رياشاً للزينة، أو أن تُستأصل، فقامت بحملات متواصلة لحماية حقوق الحيوان، نعم حقوق الحيوان.. وليس الإنسان، وقد نقل عن المذكورة أنها تتهم الإسلام والمسلمين بالبطش وعدم الرحمة لذبحهم الذبائح حسب الشريعة، بدون تخدير لها، وفي هذا غِلظة.. هكذا. وحينما تقدم المسلمون بطلب محاكمتها لهذا التهجم على الإسلام رفضت التهم الموجهة إليها.. ونحن لا نستغرب التناقضات الحاصلة في الحياة الغربية من الاهتمام بالتوافه ونسيان الحقائق، ومن ذلك: تناسيهم لحقوق الشعوب المغلوبة على أمرها التي تقتل ليل نهار، وهم الذين استعمروا الشعوب واستولوا على خيراتها وحرموها منها، فأين دعاة حقوق الحيوان من حقوق هذا الإنسان في هذه البلاد؟ ، بل أين هذه المدعوة من حقوق الإنسان في بلادها، حيث يضيق على المسلمين إلى حد المنع الرسمي لكتب فكرية إسلامية، ومنع الفتيات من ارتداء الحجاب؟ ! وأين هؤلاء الدعاة من حقوق الإنسان في فلسطين، بل لدى جيرانهم شرقاً في البوسنة والهرسك، أم أن الإنسان المسلم لم يبلغ بعد درجة الحيوان؟ ! ، فهل يعي الغربيون تلك الحقائق أم أن المسألة ليست سوى استهلاك وجعجعة ودعايات، وهم الذين تتورم أنوفهم حينما يكون الاعتداء على غير المسلمين فقط؟ ! وحتى متى يسمح للاتجاهات العنصرية بالعمل ضد الآخرين كما هو ملموس في الغرب، إن الغرب وحضارته لن تصل إلى مستوى رحمة دين الإسلام مع الإنسان، بل حتى مع الحيوان، جاء في حديث نبوي: (وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) .. فأين رحمتهم بالإنسان والحيوان؟ ، أين الثرى من الثريا؟ ! والله المستعان

стр. 2389

الافتتاحية كلمة في البناء الدعوي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فقد كانت الصحوة الإسلامية في العقود الماضية بحاجة إلى الانتشار والاتساع الأفقي، وتكثير سواد الصالحين، ونحسب أنها ما زالت بحاجة إلى ذلك الانتشار والامتداد، من أجل تبليغ الرسالة، وإقامة الحجة على العباد. ولكنها في هذه المرحلة على وجه الخصوص بحاجة أشد إلى نظرة إلى الداخل، نظرة بعمق داخل الفرد بوصفه فرداً، وداخل الأمة بعامة؛ لتنمية وترسيخ الإيجابيات عقديّاً وعمليّاً، لتمتين قواعد البناء، والاهتمام بالنوعية، ورفع الكفاءة، وذلك يتطلب بلا شك جهداً أكبر في تعميق جذور الدعوة الإسلامية في شتى أنحاء الأرض؛ لكي ترسخ وتقوى ويشتد عودها، ثم تنمو نموّاً محكماً متزناً، بعيداً عن العشوائية والارتجال. ولعلّ من أبرز المعضلات التي تواجه الصحوة الإسلامية في مرحلتها الحالية: ضعف المَلَكة الإدارية لدى كثير من العاملين في الحقل الإسلامي، مما أدى إلى ضعف الخطط وإغفال دراسة الأهداف القريبة والبعيدة، وبناء كثير من المشاريع والبرامج الدعوية على غير أسس علمية، وإنما هي غالباً ردود أفعال آنية غير مدروسة، ومجرد عواطف غير موجهة..! إن بناء الرجال، وتوظيف الطاقات البشرية في مقدمة التصحيح الذي يتطلع إليه المخلصون، إذ إن اكتشاف المعادن الكريمة من الرجال، وإعدادها إعداداً متكاملاً لتحمل أعباء المسؤولية، هو القاعدة الأساس التي تبنى عليها كافة الفعاليات والأنشطة المختلفة. ولا شك في أنّ الصحوة الإسلامية تحوي أعداداً غير قليلة من رجالات الأمة، ولكن نسبة كبيرة من هذه الأعداد تُعَدّ طاقات كامنة خاملة، عاجزة عن الحركة والإنتاج فضلاً عن الابتكار والإبداع! ؛ لكونها مقيدة بآسار من التبعية والاتكالية، فقد أنهكت السلبية والغثائية والتفلت من المسؤولية جسم الأمة الإسلامية في كثير من قطاعاتها، وأصبحت بعض رجالات الأمة أرقاماً هامشية، لا تعْدُ أن تكون تكثيراً لسواد الصالحين فحسب، دون أن يكون لها دور أكثر جدية في العطاء والبناء! ، وصدق الرسول الكريم: (تجدون الناس كأبل مئة، لا يجد الرجل فيها راحلة) [١] . لقد بدت مساحة الخير الواسعة التي امتدت فشملت قطاعات كبيرة من الأمة أرضاً خصبة قابلة للتنمية، والاستنبات والرعاية، وبدا أبناء الصحوة محتاجين إلى اليد التي تنقلهم من العاطفة النقية إلى الإخلاص المؤصل، ومن الثقافة العابرة إلى العلم الراسخ، ومن العبادة الآلية إلى التنسك المخبت، ومن المشاعر الطيبة إلى الوعي الواثق، ومن الشعارات العامة إلى الإيمان الصادق. ونحسب أنه آن الأوان للنهوض من هذه الغفلة، والتخلص من تلك السلبية، فإنّ المهمة الكبرى التي تواجه المصلحين والدعاة والمربين في كثير من المحاضن التربوية: هي اكتشاف تلك الطاقات، وإعادة بناء المحاضن العلمية والتربوية القادرة على احتوائها، وتنميتها، وتوجيهها التوجيه الأمثل، وفق خطط علمية مدروسة، ورؤى منهجية محكمة. إن للتربية الإيمانية المتكاملة أثراً كبيراً في بناء الطاقات، وتنميتها، واستثمارها استثماراً مناسباً.. تأمّل حال العرب قبل الإسلام، وانظر إلى التخلف العقلي والفكري الذي كان يسيطر عليهم، ثم انظر كيف استطاع الإسلام تكوينهم تكويناً جديداً، نقلهم من وهدة الجاهلية وضلالها وسكرتها، إلى نور الإسلام وصفائه وإيجابيته، وأضحى رعاء الشاء قادة للأمم كلها، حين تساقط تحت أقدامهم عرشا كسرى وقيصر. لقد كان من أوائل ما نزَل على رسول الله ﷺ قول الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (٢) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] [المزمل: ١-٤] . تتحدث هذه الآيات عن الإعداد والبناء من أجل تحمل المسؤولية العظيمة: [إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً] ... [المزمل: ٥، ٦] . وكان للصحابة (رضي الله تعالى عنهم) نصيب وافر من هذه التربية الكريمة، قال الله (تعالى) : [إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [المزمل: ٢٠] . إنّ إحياء الشعوب، وبناء الأمم، وصناعة الحضارات، يتطلب جهداً عظيماً، تتآلف فيه كافة الإمكانات والطاقات البشرية منها على وجه الخصوص، ولن يتم ذلك إلا بشحذ الهمم وتقوية العزائم والسعي الحثيث لبناء الرجال. إن الله (تعالى) اختار نبيه محمداً ﷺ ليكون المثل الأعلى والقدوة الحسنة للناس كافة، [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] . فكانت سيرته العطرة منهجاً عمليّاً يعكس الحياة الإسلامية في أسمى صورها، فقد كان الرسول- ﷺ حاكماً عادلاً، وأباً حنوناً، وقائداً موجهاً، وداعية مخلصاً.. فالطريق الحق هو طريقه، والمنهج الكامل هو منهجه، وذلك ما دلنا عليه الهدي الكريم في قوله (تعالى) : [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] .

стр. 2390

في إشراقة آية النفس اللوامة د. محمد عز الدين توفيق في هذا المقال أحاول الحديث عن بعض معاني النفس اللوامة التي أقسم الله تعالى بها في قوله (عز من قائل) : [لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ * ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] [القيامة: ١، ٢] مستفيداً في قراءتي للآية من أبحاث علم النفس المعاصر؛ بقصد توسيع إدراكنا لمعاني هذا القسم الإلهي، ومعرفة بعض المقاصد التي وراء الإقسام بالنفس الإنسانية عندما تتصف بهذه الصفة (صفة اللوم) . أسلوب القسم في القرآن الكريم: سورة القيامة مكية بلا خلاف، وموضوعها يُعرف من أول آية فيها، ولذلك سميت به، وهذا من براعة الاستهلال، عندما تعرف موضوع الكلام من أول جملة تسمعها منه. وتنضم سورة القيامة إلى مجموعة من السور القرآنية المبدوءة بالقسم، والقسم في لغة الناس وكلامهم طريقة في تأكيد ما يخبرون به، فهم يقسمون على الخبر لأنه صحيح، ومهم، ويترتب على جحده من طرف السامع خطر أو ضرر، ويُقسم الشخص على كلامه إذا لمس في الناس تردداً في تصديقه، ولا يلزم أن يكون متهماً عندهم بالكذب، فقد يكون مصدَّقاً فيهم، ولكن غرابة الخبر تدعهم في تردد بين صدق الخبر وغرابة الخبر، فيأتي القسم ليدعم صدق الخبر ويقويه، حتى لا يدعو استغرابه إلى التكذيب به، والذي أخبر به الرسل من أمور الغيب غريباً على الناس وهم في عالم الشهادة؛ فيستدلون لهم بصدقهم في أمور الشهادة أنهم صادقون فيما أخبروا به من أمور الغيب، ومن طرق الاستدلال: القسم. يتكون أسلوب القسم من: مقسم به، ومقسم عليه، وأداة القسم، ومن أمثلة وروده في القرآن: القسم الذي جاء في سورة العصر، والمقسم به هو: الزمان، ... أو صلاة العصر، والمقسم عليه هو: سعي الانسان الذي يجعله اما من أصحاب الحكم العام (الخسران) أو الاستثناء الخاص (النجاة) ، وقد تظهر لنا مناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، وقد لا تظهر، وفي الحالتين فإن اختيار المقسم به والمقسم عليه وتجاورهما في أي موضع من كتاب الله لا يخلو من حكمة ومناسبة. المُقْسَم به في القرآن الكريم: والله يقسم في القرآن بذاته وبمخلوقاته، وقد جاء في كتابه المنزل الإقسام بهما، فمثال الإقسام بذاته فقط قوله (سبحانه) : [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] ... [النساء: ٦٥] ، ومثال الإقسام بالمخلوقات فحسب قوله (تعالى) : [فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم ِ* وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ *إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ] [الواقعة: ٧٥ - ٧٩] ومثال الإقسام بهما معاً قوله ... (تعالى) : [فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ *ومَا لا تُبْصِرُونَ *إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ] [الحاقة: ٣٨ - ٤٠] ، وهذا أعظم قسم في القرآن؛ لأن الله أقسم فيه بكل شيء، ففيه الإقسام بالخالق والمخلوق، وبالغيب والشهادة وبالسماء والأرض، وبالدنيا والآخرة، وتضمن الإخبار بالغيب كله. وإذا كان له (سبحانه) أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وقد أقسم بعدد منها، فلا بد أن تكون في اختيار المقسم به حكمة خاصة غير الحكمة العامة التي يأتي من أجلها القسم، وهي: توكيد المقسم عليه. وقد أبدى العلماء حكمتين للمقسم به في القرآن الكريم: الأولى: توجيه نظر الإنسان إليه؛ لأنه آية من آيات الله، فيكون الإقسام بتلك الآية وسيلة لتوجيه نظر الإنسان إليها وتدبر ما فيها من عبرة، وأكثر أقسام القرآن الكريم من هذا القبيل، فجميع الآيات الكونية والنفسية التي وجه القرآن الكريم النظر إليها بأساليب أخرى جاء الإقسام بها. الثانية: هي التنبيه على قدر المقسم به وفضله وشرفه، كما أقسم (تعالى) بحياة نبيه، تبياناً لشرف هذه الحياة، فإنه أشرف عمر وأبركه بين أعمار الناس، قال (تعالى) في قصة لوط وقومه: [لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ] ... [الحجر: ٧٢] وفي الإقسام بيوم القيامة والنفس اللوامة الحكمتان معاً؛ ففيه لفت النظر إلى الآيات المبثوثة فيهما، وفيه بيان قدر هذا اليوم وقدر هذه النفس. المقسم عليه في القرآن الكريم: لم يقسم في القرآن الكريم على مثل ما يقسم عليه الناس من أمور صغيرة وتافهة، بل أقسم على القضايا الكبيرة، فأقسم على الحق الذي جاء به رسوله إلى الناس، والله هو الحق، ولقاؤه حق، والنبيون حق، والجنة حق، والنار حق، لقد أقسم القرآن الكريم على أعظم أركان الايمان وهو الإيمان بالله فقال : [وَالصَّافَّاتِ صَفاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً *فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً*إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ] [الصافات: ١- ٤] ، وأقسم على صدق نبيه، فقال: [يس * والْقُرْآنِ الحَكِيمِ* إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ] [يس: ١ - ٣] ، وأقسم على صدق القرآن وأنه حق من عند الله، فقال: [فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] [الذاريات: ٢٣] ، وأقسم على صدق البعث وأنه واقع لا محالة، فقال [زَعَمَ الَذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ] ... [التغابن: ٧] . العلاقة بين المقسم به والمقسم عليه: وحيث إن في كل قسم من أقسام القرآن مقسماً به ومقسماً عليه: فلا بد من مناسبة بينهما، فإذا اتحد المقسم به والمقسم عليه وكانا شيئاً واحداً فالمناسبة هي هذا الاتحاد نفسه، كما في سورتنا، حيث جعل (سبحانه) يوم القيامة مقسماً به ومقسماً عليه. وإن اختلف المقسم به والمقسم عليه: فلا بد أن تظهر بعض المناسبات بينهما، ففي قوله (تعالى) [وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى * والنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى * ومَا خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنثَى * إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى] [الليل: ١- ٤] ، كانت المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه: أن الليل والنهار هما وعاء الأعمال، ولا تتصور أعمال الناس خارج الزمن، فهم يتسلمون أعمارهم أقساطاً أقساطاً، ويصنعون منها أعمالاً تيسرهم لليسرى أو للعسرى. وفي قوله (تعالى) [وَالْعَصْرِ*إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ١-٣] أقسم (تعالى) بالعصر، وهو الزمان أو العمر؛ لأن المقسم عليه هو سعي الانسان الذي يجعله إما من أصحاب الحكم العام (الخسران) أو الاستثناء الخاص (النجاة) ، وقد تظهر لنا مناسبة بين مقسم به ومقسم عليه، وقد لا تظهر، وفي هذه الحالة فإن اختيار المقسم به، والمقسم عليه وتجاورهما في أي موضع من كتاب الله لا يخلو من حكمة، ومناسبة. النظر في القسم الوارد في سورة القيامة: فلننظر في القسم الوارد في هذه السورة، لننظر أولاً في هذا الحرف الذي سبق القسم، والذي قد يفهم منه نفي القسم، وليس كذلك: وليس هذا هو الموضع الوحيد الذي جاء فيه القسم مبدوءاً بحرف (لا) ، فقد جاء في سورة البلد [لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ] [البلد: ١] ، وفي سورة الانشقاق: [فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ] [الانشقاق: ١٦] ، وفي سورة الواقعة [فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ] [الواقعة: ٧٥] ، وقد اتفق المفسرون: أن (لا) في هذه المواضع ليست لنفي القسم، بل لتأكيده، والمعنى: (أقسم) ، وأحسن ما قيل في زيادة (لا) على الفعل: أن ذلك مشهور في كلام العرب كأن الخبر من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى قسم، والله (تعالى) أجل وأعظم من أن يحتاج إلى القسم ليصدقه الناس، فهو أصدق القائلين، وإنما أقسم كما قدمنا على ما جرت به عادة الناس في كلامهم من تأكيد الكلام بالإقسام عليه، ثم قدم حرف (لا) لينفي ضرورة القسم، وهذا أبلغ في التأكيد، كما يحدث الرجل القوم بحديث، ثم يقول لهم: إني لست بحاجة أن أقسم لكم على ما قلت؛ فإن دلائله ظاهرة، وصدقه لا يحتاج إلى مزيد تأكيد. ولننظر ثانياً في المقسم به الأول، وهو يوم القيامة: وقد سُمي بيوم القيامة؛ لأن أبرز حدث يقع فيه هو قيام الناس لرب العالمين، فالبعث والحشر والحساب، هذه المواقف الثلاثة يشهدها الناس وهم قيام، فهو يوم القيامة. ولننظر ثالثاً في المقسم به الثاني، وهو النفس اللوامة: وكلام المفسرين في معناها يدور حول معنيين: الأول: أنها النفس البشرية بصفة عامة، مؤمنة أو كافرة، تقية أو فاجرة، فإن كل نفس تلوم صاحبها على أشياء، وإنما يختلف موضوع اللوم والباعث عليه حسبما تدين به كل نفس من مبادئ وتعتنقه من تصورات. الثاني: أنها النفس المؤمنة: فإن نفس المؤمن هي اللوامة، تلومه على كل فعل حتى تطمئن أنه وقع خالصاً، وهذا المعنى الثاني مشتق من الأول، فالنفس المؤمنة تشترك مع غيرها في أصل الصفة، وتتميز بموازينها الخاصة في وضع اللوم موضعه الصحيح، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المعنى العام هو الأظهر؛ لأن له نظائر في أقسام أخرى، مثل القسم الوارد في سورة الشمس، حيث أقسم ... (سبحانه) بالنفس البشرية كما سواها، مؤمنة أو كافرة، تقية أو فاجرة، ونحن سنحتفظ بالمعنيين كليهما لأنهما متكاملان، والاختلاف بينهما اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، كما أن الإقسام بالنفس اللوامة إذا كانت هي النفس البشرية له معنى، وإذا كانت هي النفس المؤمنة له معنى آخر. عندما تكون النفس اللوامة هي النفس البشرية: عندما تكون النفس اللوامة هي النفس البشرية: فإن الإقسام بها في هذه الحالة تنبيه على ما فيها من آيات، وخامة الآيات العقلية والمعرفية، فإن الإقسام بالنفس البشرية وما تتمتع به من ملكات عقلية متعددة دعوة للتفكر في ذلك كله؛ ذلك أن اللوم الذي وصفت به النفس البشرية في هذا القسم نوع من أنواع التفكر، والتفكر إحدى عمليات العقل الداخلية المرتبطة بخاصية الفكر واللغة، فقد اتضح من أبحاث علم النفس المعرفي أن اللغة ليست وسيلة للتخاطب الخارجي فقط، بل هي النظام الأساس الذي يستخدمه الإنسان في التفكير أو الكلام النفسي، واللوم اتجاه من الاتجاهات التي يسير فيها التفكر، فعندما يتجه تفكير الإنسان إلى أعماله ولمراجعتها فهذا لوم، وتذكير الإنسان بالنفس اللوامة دعوة للنظر في آيتين: إحداهما: آية الفكر بصفة عامة، والثانية: آية التذكر بصفة خاصة، لأن النفس إنما تقوم بهذا اللوم بواسطتهما، وليس المجال مجال بسط ما قاله العلم الحديث في آية الفكر، والعجز الذي أصابه عندما حاول بيان الصلة بين الجسم والعقل، فالعلم البشري عندما يصعد من المستوى البيولوجي إلى المستوى العقلي في السلوك الإنساني يلتقي بالتعقيد في قمته، وقد قال أحد العلماء: (إذا وفق النوع البشري في استعمال كل وسائله الحالية لبناء كمبيوتر يمكن أن يفعل كل شيء يقوم به العقل الإنساني سيكون هذا الجهاز بحجم كرتنا الأرضية، ولن يعرف أحد كيف سيبرمجه) . ورغم هذا العجز الذي أصاب العلم البشري في فهم الصلة بين الفكر والسلوك، فإن القرآن الكريم دعا إلى التفكر في آيات الأنفس جسمية وعقلية؛ لأن نظر الاعتبار غير متوقف على نظر التسخير، فإن الجهل بكيفية حدوث عمليات العقل العليا لا يمنع من التفكر فيما يحدثه ويمارسه الإنسان، لقد وصف القرآن الكريم النفس ب (اللوامة) ، وهذا يعني أن اللوم إحدى عملياتها، فالإنسان ليس مجموعة من الاستجابات وردود الأفعال الآلية أو الحيوانية، ولكن الإنسان قوة حية واعية، تفكر وتقرر وتفعل، وحياته الفكرية ممتازة في الاحتفاظ بالمعلومات إذا تم تدريبها، وحصول التذكر المفاجئ لأحداث قديمة دليل على أن الاحتفاظ يحل في كل وقت، أما حجم المعلومات التي تضمها سجلات الذاكرة فقد لا تتسع لها أضخم مكتبات العالم. والإنسان عندما يمارس حياته العادية لا يعي دور الذاكرة في حياته، ولكنه عندما يتصور نفسه بدون ذاكرة سيعلم أنه يرتد إلى لحظة الولادة، وفي هذه الحالة سيعجز عن أبسط الأعمال، ولن يعرف اسمه وعنوان بيته، فالذاكرة هي مدة العمر وجرابه الذي يجمع الخبرات والمعلومات، والغريب: أننا نحمل معنا هذه الصرة ولا نعرف أين هي، فإلى الآن لم يعرف العلماء أين تقع المراكز والأقسام التي نحتفظ فيها بذكرياتنا، وكيف تتم برمجتها في تلك الأقسام، وهناك جملة من النظريات تقدم تفسيرات مختلفة. إن العلماء حائرون في معرفة تلك الورقة وذلك الحبر وتلك الحروف التى يستخدمها عقلنا لتدوين وحفظ ما يصل إليه من معلومات، ولا زال الغموض يكتنف مسلسل الذاكرة الثلاثي: التسجيل والاحتفاظ والاستدعاء، فلماذا يدعو القرآن الكريم إلى النظر في آية التفكير عامة، وآية التذكر خاصة؟ ، ليس الهدف هو فهم كيفية حدوث هذه العمليات، فهذا شأن العلوم البشرية التي تدرس الظواهر من أجل التنبؤ والتسخير، بل الهدف هو: الاعتبار بها، سواء فهم مسلسل حدوثها أو لم يفهم. إن هذه الملكات العقلية اللغوية ليست لحل مشكلات الحياة فقط، وليست لمجرد التكيف مع البيئة والدفاع عن الذات والصراع من أجل البقاء، بل هناك الوظيفة الإنسانية العليا، وهي استعمال هذه الملكات في محاسبة النفس ومراجعتها استعداداً لحساب الآخرة. ورغم أن الذاكرة نفسها سجل تدون فيه أعمال الانسان إلا أننا نؤمن بأن الله ... (تعالى) وكل بكل إنسان ملائكة يدونون أعماله تدوينا مستقلاً عن ذاكرته، ولا يعرض لهذا التدوين ما يعرض للتدوين البشري من الاضطراب أو التحريف، ولأن الإنسان لا يطلع في الدنيا على هذا التدوين الملائكي ليعرف ما فيه: جعل الله له كتاباً -هو الذاكرة - يدون علومه واعماله، وبإمكانه الاطلاع على صفحات هذا الكتاب في أي وقت، ولا يختلف ما فيه عما في الكتاب الآخر إلا في طريقة التدوين. الخلاصة: أن النفس اللوامة، إذا كان المقصود بها هو النفس البشرية، فالإقسام بها لأجل توجيه نظر الإنسان إلى آيات الله في نفسه. إذا كانت النفس اللوامة هي النفس المؤمنة: وإذا كانت النفس اللوامة هي النفس المؤمنة، فالإقسام بها تنويه بقدرها وشرفها عند الله (تعالى) ؛ لأنها وجهت ملكاتها العقلية في مجال التسخير، وهذا تشترك فيه مع بقية النفوس، وفي مجال الاعتبار، وهذا ما تنفرد به، وبه استحقت التنويه، هذا التنويه نالته النفس المؤمنة لأنها استشعرت هذه الملكات الفكرية في أسمى مجال، وهو التهيؤ للقاء الله والتدرب على المحاسبة الشاملة التي ستجرى بين يديه، فأي نفس لوامة يعني القرآن الكريم؟ . لابد أن نتساءل هذا التساؤل؛ لأن اللوم منه ما هو إيجابي وما هو سلبي، فالسلبي هو: اللوم العابر الذي لا أثر له، كما يلوم المرء نفسه، ويعتب عليها إذا سمع موعظة، أو مرت به شدة، فإذا ابتعدت الموعظة وزالت الشدة انمحى أثر ذلك اللوم، وزال وشم ذلك العتاب، فهذه ليست النفس اللوامة التي نوه بها القرآن الكريم حتى جعلها الحق (سبحانه) مقسماً به في إحدى سوره. أما اللوم الإيجابي: فهو اللوم الذى يستمر في النفس وتعقبه محاسبة يتبعها تغيير، فشأننا بهذا اللوم الإيجابي، وعنه نتحدث. كيف يبدأ اللوم في النفس: لقد أكدت آخر الأبحاث في علم النفس المعرفي أن تغير الأفكار هو المدخل الصحيح لتغيير أي استجابات شعورية أو خارجية، وأثبت علماء النفس المعروفون أن كل عمل اختياري يقوم به الإنسان يسبقه نشاط فكري داخلي، وهذا نفسه ما قرره الإسلام الذي دعا إلى البدء بتغيير هذا النشاط المعرفي الداخلي، ولقد اهتم العلماء المسلمون - قبل علماء النفس الحديث - بالخواطر والأفكار الأولى التي تدور في قلب الانسان قبل أن تتحول إلى قرارات وأعمال ظاهرة، وقرروا أن القلب في نشاط دائم، وشبهوه بالرحى الدائرة التي لا تسكن، ولابد لها من شيء تطحنه، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي في الرحى، وبين هؤلاء العلماء أن أحسن طريق لإحداث التغيير في الشخصية هو تغيير الاتجاه الذي تسير فيه الخواطر والأفكار. فما هي الفكرة المركزية التي إذا تغيرت صارت النفس لوامة؟ إنها ليست سوى فكرة الإنسان عن نفسه، حيث تتغير نظرته لأصله وغايته ومصيره، فتتغير- تبعاً لذلك - فى (قراءاته) وتأويلاته للكون والتاريخ والمجتمع والحياة، ويستقبل الوجود والزمان بنظرة جديدة، حتى إنه يتعجب: كيف لم يكن يرى الأشياء من قبل كما يراها الآن رغم قرب هذه النظرة الجديدة منه، فهي في أعماق فطرته، وهي في كل شيء، وفي نفسه، فيكون مثله كما قال الشاعر: ومن العجائب والعجائبُ جَمّة ... قربُ الحبيب وما إليه وصول كالعِيسِ في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول وكما قال الآخر: ومِنْ عَجَبٍ أنّي أحِنّ إليهمُ ... وأسأل عنهم دائماً وهُمُو معي وتطلبهم عيني وهم في سَوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي هذه اللحظة التي تنطلق فيها عملية اللوم تسمى لحظة التوبة، أو لحظة الهداية، وهي الميلاد الثاني؛ لأن به يدرك حكمة الميلاد الأول، وبين الميلادين مشابهات، ففي الميلاد الأول: يكون الرحم مغلقاً من عنقه، ولا يزال عند المخاض ينفتح ويتسع حتى يبلغ سداه، فيخرج الوليد، وفي الميلاد الثاني: يتفتح القلب وتتسع نافذة النور فيه، حتى يبلغ هذا النور أقصاه ويضيء أقطار القلب، فيحصل فيه الايمان، وتحل به الهداية. في الميلاد الأول: يتكلم الأطباء عن تقلصات للرحم تأخذ صورة نبضات متباعدة، ولا تزال تتقارب وتتسارع حتى تزف لحظة الميلاد، وفي الميلاد الثاني أيضاً: تبدأ ومضات متباعدة، ولا تزال تتقارب وتتسارع وتقوى حتى تبدد ظلمة القلب، وتمزق الحجب التي تحجب عنه النور. في الميلاد الأول: يخرج الإنسان من عالم الرحم، وهو عالم ضيق صغير مظلم، إلى عالم واسع فسيح مضيء، وفي الميلاد الثاني: يخرج القلب من تصور ضيق صغير مظلم إلى تصور واسع مضيء يتسع للغيب والشهادة. وقد وصف القرآن الكريم لحظة الهداية بأنها حياة من بعد موت، ونور من بعد ظلمة، فقال (تعالى) : [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا] [الأنعام: ١٢٢] . ودعا كل إنسان أن يعيش هذه اللحظة ويجتاز هذه التجربة التي تشبه القَوْمة التي تأتي بعد رقاد طويل، قال (تعالى) [قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] [سبأ: ٤٦] . أن تقوموا كما يقوم هذا النائم من نومه، فيسمع، ويبصر، ويعقل، وهذا لا يعني أن الإنسان قبل الهداية لم يكن يفكر، بل كان يفكر، لكنه لم يكن يتفكر، وكان يشاهد، لكنه لم يكن يشهد، وكان ينظر، لكنه لم يكن يعتبر، والتفكير غير التفكر، والمشاهد ة غير الشهود، والنظر غير الاعتبار. التفكر (هذه العملية العقلية السامية) يستفيد من كل عمليات التفكير لكنه يختلف عن التفكير المعتاد في كونه لا يسعى الى حل مشكلات، بل إلى الاعتبار بآيات، فالمعارف والإدراكات التي اكتسبهما الشخص بوسائله المعرفية هي نفسها مادة هذا التفكر. بداية النفس اللوامة: يقظة تشتغل منها الوظيفة الإنسانية للسمع والبصر ... والفؤاد، فيخرج الإنسان من دائرة الذين قال الله فيهم [لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ] [الأعراف: ١٧٩] . إنما نفى عنهم في حال الغفلة الوظيفة الإنسانية للأعين والآذان والقلوب ولم ينف الوظيفة الحيوانية (الفسيولوجية) . وأول ثمرات هذه القوَْمة: هو النظر فيما سلف من الإساءة وما تقدم من التقصير، وكان قبل ذلك غافلاً عنه، ناسياً له [ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ونَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ] [الكهف: ٥٧] . وكيف ينسى أو يغفل الآن ومعه فكرة وبصيرة وعزم؟ ! .. ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ .. وإن الفاجر يمضي قُدُماً ما يعاتب نفسه. وهذه المحاسبة، هل تكون قبل العمل أو بعده؟ ... الصحيح أنها قد تكون قبل الفعل أو بعده، وقد ذكر (سبحانه) عن المتقين أنهم يتذكرون قبل الفعل، أو يتذكرون بعده، قال (سبحانه) في لومهم أنفسهم بعد الفعل: [والَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ] [آل عمران: ١٣٥] ، وقال في لومهم أنفسهم قبل الفعل [إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ] [الأعراف: ٢٠١] . واللوم الذي يكون قبل الفعل أنفع من الذي يكون بعده؛ لأن الأول يعترض السوء وهو لازال خاطرة أو فكرة، بينما يمنع الذي يكون بعد الفعل من تكراره فقط. اللوم حراسة للفضاء النفسي: ويمكن تشبيه اللوم قبل الفعل بالحراسة التي تضربها الدول على مجالها الجوي، فترغم كل طائرة غريبة على الانسحاب، وسماء الفكر لدى الإنسان مستهدفة في كل لحظة بخواطر كثيرة: إلهامات ووساوس، فإذا كانت للقلب حراسة فإنه يأذن لخواطر الخير، ويمنع خواطر السوء، كلاهما يجول في الصدر ينتظر الإذن بالهبوط، فيؤذن لإلهامات الملك وتطرد وساوس الشيطان. وإذا أردنا أن نُفَصل هذا المثل أكثر نقول: إن الخاطرة الطارئة تثير رادارات القلب، فيستدعي كافة المعلومات اللازمة لإصدار القرار، وتجري مشاورات مع الأقسام المختصة تنتهي بإصدار حكم على هذه الخاطرة، يكون أساس الرفض أو القبول. اللوم مناعة روحية: كان ذلك تشبيهاً (عسكرياً) ، ويمكن أن نستعير تشبيها آخر من عالم البيولوجيا والطب يقرب إلينا دور اللوم الذي تقوم به النفس قبل الفعل، فمعروف أن الجسم يملك جهازاً دفاعياً يحميه من هجوم الجراثيم، ويتكون هذا الجيش من كتائب، هي عبارة عن مجموعات من الخلايا البيضاء الحية تدور في الجسم وتحاصر المهاجمين وتدمرهم، ومع تكرار المعارك يتكون في الدم ما يشبه (المضادات الحيوية) التي تكون خط مناعة يمنع الجراثيم من اختراق الجسم والدخول فيه، وكذلك اللوم: إذا تكرر أفرز شبيهاً بخط المناعة ذاك، يمنع الوساوس والخواطر من أن تلج وتتحول إلى أفعال. نسأل الله أن يقينا مواضع الزلل، ويرزقنا النفس اللوامة التي تحرس جوارحنا من مضلات الفتن.

стр. 2391

دراسات شرعية مقدمة في التنوع المشروع (صفة الصلاة أنموذجاً) (١ من٢) بقلم: سلمان بن عمر السنيدي مدخل: العبادات التي فعلها النبي ﷺ على أنواع، لا يلزم أن يرجح نوع منها دون غيره بلا مرجح؛ أو يفعل واحد منها مع هجر الأنواع الأخرى، بل كمال العمل بالسنة: أن يفعل ما فعله الرسول ﷺ من أنواع العبادات على الصفة التي فعلها من غير كراهة لشيء من ذلك، قال شيخ الإسلام تأكيداً لهذا الأمر: (العبادات التي فعلها النبي ﷺ على أنواع، يشرع فعلها على جميع تلك الأنواع، لا يكره منها شيء، وذلك مثل: الجهر بالقراءة في قيام الليل والمخافتة؛ وأنواع القراءات التي أنزل القرآن عليها، ومثل الترجيع في الأذان وتركه، ومثل إفراد الإقامة وتثنيتها، وإن قيل إن بعض تلك الأنواع أفضل، فالاقتداء بالنبي ﷺ في أن يفعل هذا تارة وهذا تارة أفضل من لزوم أحد الأمرين وهجر الآخر كالاستفتاح ... فجميع ما شرعه الرسول ﷺ له حكمة ومقصود؛ فلا يهمل ما شرعه من المستحبات) [١] . وقال ﵀ : (الصواب: مذهب أهل الحديث ومَن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي؛ لا يكرهون شيئاً من ذلك؛ وليس لأحد أن يكره ما سن رسول الله؛ والوسط: أنه لا يكره هذا ولا هذا، ومن تمام السنة في هذا: أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا في مكان وهذا في مكان؛ وهذا أصل مستمر في جميع صفات العبادات أقوالها وأفعالها) [٢] . ولابن القيم ﵀ كلام نفيس عند ذكر منهجه في تأليف كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) ، قال ﵀ : (وليس مقصودنا إلا ذكر هديه -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يفعله هو؛ فإنه قبلة القصد وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله شيء؛ ونحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز وما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله) [٣] . وذكر الشوكاني ما يشبه القاعدة في ذلك، فقال: (والحق إن صح تعدد الواقعة: أن الأحاديث المشتملة على زيادة يتعين الأخذ بها؛ لعدم منافاتها للمراد) [٤] . وقد أكد الشاطبي في الموافقات على التوسط في ذلك، وهو تحري الأعم الأغلب والأكثر والمداومة على ما هو مشهور وإن كان العمل على وفق الآخر لا حرج فيه، وقد حذر من ملازمة العمل النادر، فقال: (أما لو عمل بالقليل دائماً للزمه أمور: أحدها: المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليها، وفي مخالفة السلف الأولين ما فيها. والثاني: استلزام ترك ما داوموا عليه، إذ الفرض أنهم داوموا على خلاف هذه الآثار، فإدامة العمل على موافقة ما لم يداوموا عليه مخالفة لما داوموا عليه. والثالث: أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه واشتهار ما خالفه؛ إذ الاقتداء بالأفعال أبلغ من الاقتداء بالأقوال؛ فإذا وقع ذلك ممن يقتدى به كان أشد، فالحذر الحذر من مخالفة الأولين! ؛ فلو كان ثم فضل ما، لكان الأولون أحق به، والله المستعان) [٥] . وتعليقاً على حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قال فيه: (لا يجعل أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته، يرى أن حقّاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره) ، يقول ابن المُنيّر: (وفيه أن المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها؛ لأن التيامن مستحب في كل شيء، أي من أمور العبادات، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقدوا وجوبه: أشار إلى كراهيته) [٦] . متى يكون التنوع مشروعاً؟ يشترط للعمل بالتنوع بين الصفات المتعددة في أي عبادة شرطان: الأول: صحة الدليل الذي يفيد نوعاً من الصفات المشروعة في العبادة. الثاني: خلو المسألة من تعارض لا يقبل التنوع، فيصار إلى ترجيح إحدى الصفات؛ وهذا يكون غالباً إذا كانت الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة واختلفت فيها الروايات، فلا سبيل إلى التنوع؛ بل لا بد من الترجيح لأحد الوجهين أو الصفتين، فإن وجود التعارض صارف لوجود التنوع؛ يقول الشاطبي ﵀ : (وهو واضح في أن العمل العام هو المعتمد، على أي وجه كان، وفي أي محل وقع، ولا يلتفت إلى قلائل ما نقل، ولا نوادر الأفعال إذا عارضها الأمر العام والكثير ... وبسبب ذلك: ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين، فلا يسامح نفسه في العمل بالقليل، إلا قليلاً، وعند الحاجة، ومس الضرورة، إن اقتضى معنى التخيير ولم يخف نسخ العمل، أو عدم صحة في الدليل، أو احتمالاً لا ينهض به الدليل أن يكون حجة، أو ما أشبه ذلك) [٧] ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (إن جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثراً يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك، بل يشرع ذلك كله) [٨] . مراتب التنوع المشروع من حيث الطريق الذي جاء به التنوع: المرتبة الأولى: ما دل قول الرسول ﷺ على تنوعه وجاء في رواية واحدة، ومثاله: تنوع القراءات الوارد في حديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، حيث قرأ كل واحد منهما سورة الفرقان بقراءة مختلفة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لكل واحد منهما: (هكذا أنزلت) [٩] . المرتبة الثانية: ما دل قول الصحابي على مشروعية كلا النوعين، ومثاله: ما رواه ابن مسعود ﵁ من تنوع انصرافه ﷺ من القبلة بعد انقضاء الصلاة عن اليمين وعن الشمال، حيث قال ﵁ : (قد رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ينصرف عن شماله) [١٠] ، ومفهوم كلامه أن الرسول ﷺ فعل كلا النوعين. المرتبة الثالثة: ما انفرد صحابي أو أكثر بذكر نوع من هديه ﷺ ، وانفرد غيره بذكر نوع آخر، ومثاله: تنوع الأذان، وتنوع التشهدات في الصلاة، وعامة التنوعات من هذا المرتبة. مراتب التنوع المشروع من حيث درجة التنوع: يمكن تقسيم التنوع المشروع بحسب درجة التنوع إلى ثلاث مراتب، كما يلي: المرتبة الأولى: التنوع المطلق، وهو ما يتساوى فيه الفضل بين الأنواع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (فإذا كان الرسول ﷺ قد شرع تلك الأنواع، إما بقوله وإما بعمله، وكثير منها لم يفضل بعضها على بعض: كانت التسوية بينها من العدل، والتفضيل من الظلم؛ وكثير مما تتنازع الطوائف من الأمة في تفاضل أنواعه لا يكون بينها تفاضل، بل هي متساوية، وقد يكون ما يختص به أحدهما مقاوماً لما يختص به الآخر، ثم تجد أحدهم يسأل: أيهما أفضل هذا أو هذا؟ ، وهي مسألة فاسدة؛ فإن السؤال عن التعيين فرع ثبوت الأصل، فمن قال: إن بينهما تفاضلاً حتى نطلب عين الفاضل! والواجب أن يقال: هذان متماثلان؛ أو متفاضلان، وإن كانا متفاضلين: فهل التفاضل مطلقاً، أو فيه تفصيل، بحيث يكون هذا أفضل في وقت، وهذا أفضل في وقت؟) [١١] . المرتبة الثانية: تنوع يكون فيه أحد الأنواع أفضل؛ لكونه أشهر وأكثر استعمالاً، ويؤخذ ذلك من وصف الصحابة لفعله ﷺ ، أو ما نقل من فعل الصحابة وهديهم، أو ما اشتهر من فعل السلف الصالح وطريقتهم السائرة. واختلفت تسمية هذا الفرق بين النوعين عند الفقهاء، وفيما يلي بعض أقوالهم التي توضح اختلاف تسميتهم: فمنهم من (يسمي المشهور: السنة المؤكدة، وغيره: غير المؤكدة) [١٢] . ومنهم من (يسمي السنة: ما واظب عليه النبي ﷺ ، والمستحب: ما فعله مرة، أو مرتين، أو أحياناً، ولم يواظب عليه) ، نُقل ذلك عن القاضي حسن والبغوي والخوارزمي من الشافعية [١٣] . ومنهم من (يسمي السنة: ما واظب ﷺ على فعله مع تركٍ ما بلا عذر، وما لم يواظب عليه: مندوباً ومستحبّاً وإن لم يفعله بعدما رغّب فيه) [١٤] . وقال ابن الهمام ﵀ : (حديث (من ثابر على ثنتي عشرة ركعة ... ) ، إنما يصلح دليل الندب والاستحباب لا السنة؛ لما عرفت أن السنة لا تثبت إلا بنقل مواظبته) [١٥] . وأما عن وصف الصحابة ﵃ صلاة النبي: (أنه كان يفعل كذا ... ) فيقول ابن دقيق العيد: (كان) تشعر بكثرة الفعل أو المداومة، وقد تستعمل في مجرد وقوعه) [١٦] . قال شيخ الإسلام ﵀ : (يستحب بعض المأثور ويفضل على بعض إذا قام دليل يوجب ذلك التفضيل ولا يكره الآخر) [١٧] . وقد أشار الشاطبي (رحمه الله تعالى) إلى هذه المرتبة: حيث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد يكون فعله في عبادةٍ ما مستمرّاً على طريقة معينة، ولكنه يُؤثِر أحياناً قليلة فعلاً مخالفاً للأول، إما من جهة الكثرة أو الوقت أو الحال، فيتبعه في ذلك الصحابة والسلف الصالح، وحكمه الذي ينبغي فيه: الموافقة للعمل الغالب كائناً ما كان؛ وترك القليل أو تقليله حسبما فعلوه، ولا بد من تحري ما تحروا وموافقة ما داوموا عليه، وإن فرض أنه يقتضي التخيير؛ فعملهم إذا حقق النظر فيه لا يقتضي مطلق التخيير؛ بل اقتضى أن ما داوموا عليه هو الأولى في الجملة وإن كان العمل الواقع على وفق الآخر لا حرج فيه، وأما الأئمة والعلماء والفضلاء المقتدى بهم: فإن هؤلاء منتصبون لأن يقتدى بهم فيما يفعلون، فيوشك أن يعتقد بهم الجاهل بالفعل إذا رأى العالم مداوماً عليه أنه واجب، وسد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع [١٨] . وقد يفعل المرجوح أحياناً لمصلحة راجحة، وعن ذلك يقول شيخ الإسلام: (قد يكون ترك المستحبات لغرض راجح أفضل من فعله، بل الواجبات كذلك، ومعلوم أن ائتلاف الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك مستحبّاً، ويكون فعله أفضل إذا كانت مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب، ولو كان أحدهما أفضل لم يجز أن يُظلم من يختار المفضول، ولا يذم، ولا يعاب، بإجماع المسلمين، ولا يجوز التفرقة بذلك بين الأمة، ولا أن يعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون من أتى بغير ذلك المستحب من أمور أخرى واجبة ومستحبة أفضل بكثير؛ ولا يجوز أن تجعل المستحبات بمنزلة الواجبات بحيث يمتنع الرجل من تركها ويرى أنه خرج من دينه، أو عصى الله ورسوله) [١٩] . المرتبة الثالثة: التنوع المقيد، وهو ما يكون فيه أنواع مشروعة تفعل للحاجة، أو للتعليم، أو لبيان الجواز.. ونحو ذلك، كما علم جبريل رسول الله ﷺ أوقات الصلاة، فصلى به في أول الوقت وفي آخر الوقت [٢٠] . وقسم الشاطبي اختلاف أفعاله ﷺ إلى قسمين: الأول: أن يكون له سبب، كتأخير صلاة الظهر للإبراد، وحكم هذا النوع: أن يتبع السبب. الثاني: ألا يتبين لذلك سبب [٢١] ، فيجعل فعله ﷺ حادثة عين لا يقاس عليها، كالخاص به. أقسام المَوَاطن من حيث اجتماع الأنواع فيها وعدمه: القسم الأول: مواطن لا تجتمع فيها الصفات المتنوعة، بل ينوب بعضها عن بعض، فيأتي الإنسان مرّة بصفة، ومرّة أخرى بصفة أخرى، مثل: أنواع الأذان، وأنواع التشهدات. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : (ومعلوم أنه لا يمكن المكلف أن يجمع في العبادة المتنوعة بين النوعين في الوقت الواحد: لا يمكنه أن يأتي بتشهدين معاً، ولا بقراءتين معاً، ولا بصلاتي خوف معاً، وإن فعل ذلك مرتين كان ذلك منهيّاً عنه، فالجمع بين هذه الأنواع محرم تارة، ومكروه أخرى ... ، وذلك من وجوه: الوجه الأول: ليس سنة، بل خلاف المسنون؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقل ذلك جميعه جميعاً، وإنما كان يقول هذا تارة وهذا تارة، إن كان الأمران ثابتين عنه فالجمع بينهما ليس سنة، بل بدعة وإن كان جائزاً. الوجه الثاني: أن جمع ألفاظ الدعاء والذكر الواحد على وجه التعبد مثل جمع حروف القراء كلهم على سبيل التلاوة والتدبر بدعة مكروهة قبيحة، إلا على سبيل الدرس والحفظ. الوجه الثالث: أن الأذكار المشروعة أيضاً لو لفّق الرجل له تشهداً من التشهدات المأثورة فجمع بين حديث ابن مسعود وصلواته وزاكيات تشهد عمر ومباركات ابن عباس، بحيث يقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات والمباركات والزاكيات، لم يشرع له ذلك، ولم يستحب؛ فغيره أولى بعدم الاستحباب. الوجه الرابع: أن هذا إنما يفعله من ذهب إلى كثرة الحروف والألفاظ، وقد ينقص المعنى أو يتغير بذلك، ولو تدبر القول لعلم أن كل واحد من المأثور يحصل المقصود وإن كان بعضها يحصله أكمل، فإنه إذا قال: ... (اللهم صلِّ على محمد وآل محمد) ، أو قال: (اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته) ، فأزواجه وذريته من آله بلا شك، أو هم آله، فإذا جمع بينهما وقال: (على آل محمد، وأزواجه وذريته) لم يكن قد تدبر المشروع. فالحاصل: أن أحد الذكرين، إن وافق الآخر في أصل المعنى، كان كالقراءتين اللتين معناهما واحد وإن كان المعنى متنوعاً: كان كالقراءتين المتنوعتي المعنى، وعلى التقديرين: فالجمع بينهما في وقت واحد لا يشرع، وأما الجمع في صلوات الخوف أو التشهدات أو الإقامة أو نحو ذلك بين نوعين: فمنهي عنه باتفاق المسلمين) [٢٢] . القسم الثاني: مواطن يشرع للإنسان فيها صفة يفعلها أحياناً، ويتركها أحياناً، مثل ارتفاع صوته بالقراءة بالآية والآيتين فيما حقه الإسرار، فيكون المشروع فيها يدور بين الفعل والترك. القسم الثالث: مواطن يمكن للإنسان أن يأتي بالصفات المتعددة المشروعة بعد إتيانه ... بالواجب، مثل: أذكار الركوع، وأذكار السجود. اهتمام العلماء بالتنوع المشروع: لقد اهتم العلماء بالتنوع المشروع: ففي طبقة الصحابة ﵃ كانوا يقرؤون القرآن بقراءات متنوعة كما سمعوها من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان ﷺ يقرهم على ذلك التنوع، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله؛ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره [٢٣] في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته برادئه [٢٤] ، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ ، قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت [٢٥] ، فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها؛ فقال رسول الله: أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعت يقرأ، فقال رسول الله: كذلك أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله: كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه) [٢٦] . وكذلك أنكر عبد الله بن مسعود ﵁ من يستمر على صفة واحدة في موطن شُرع فيه التنوع، وجعل ذلك من مكر الشيطان بالإنسان؛ حيث ألزم نفسه بعمل لم يلتزمه النبي ﷺ ، فقال ﵁ : (لا يجعل أحدكم نصيبِاً للشيطان من صلاته: ألا ينصرف إلا عن يمينه، وقد رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ينصرف عن شماله) [٢٧] . ولقد اختلف اهتمام العلماء بالتنوع المشروع، فأخذ صوراً متعددة: فابن خزيمة ﵀ في صحيحه يعبر عن التنوع المشروع بتعبير آخر، فيقول في باب ترجيع الأذان: (وهذا من جنس اختلاف المباح؛ فمباح أن يؤذن فيرجع في الأذان ويثني الإقامة، ومباح أن يثني الأذان ويفرد الإقامة؛ إذ قد صح كلا الأمرين من النبي) [٢٨] ، وأورد أربعة مواطن يعبر عنها بالاختلاف المباح في كتاب الصلاة من صحيحه. وأما محمد بن رشد القرطبي ﵀ فيذكر في ذلك ما يشبه القاعدة، فيقول: (فإن الأفعال المختلفة أولى أن تحمل على التخيير منها على التعارض) ، ويعلق على من ذهب مذهب التخيير بينها بأنه قول حسن [٢٩] . أما ابن تيمية ﵀ فقد أخذ اهتمامه بالتنوع المشروع صوراً عدة: منها: حثه على الأخذ بالتنوع المشروع وعدم كراهيته شيئاً من ذلك، وجعلها ك القاعدة العامة. ومنها: بيانه أن الأخذ بهذه القاعدة يجعل كثيراً من اختلاف المذاهب يزول، ويبقي اختلاف اختياراتهم بين السنن المشروعة، وذلك طريق إلى اجتماع الأمة بموافقة هديه؛ حيث إن السنة مقرونة بالجماعة. وذكر ﵀ وجوهاً خمسة تدعو إلى التنوع المشروع، وأنه أفضل من المداومة على نوع واحد، وتقدم ذكره لأربعة وجوه تدل على ضعف الجمع في عبادة واحدة بين نوعين في وقت واحد، وذكر اثني عشر موضعاً للتنوع المشروع، جمعها في قوله: (جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثراً يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك، بل يشرع ذلك كله كما قلنا في أنواع صلاة الخوف، وفي نوعي الأذان: الترجيع وتركه، ونوعي الإقامة: شفعها وإفرادها، وفي أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتاحات، وأنواع الاستعاذات، وأنواع القراءات، وأنواع تكبيرات العيد الزوائد، وأنواع صلاة الجنازة، وسجود السهو، والقنوت قبل الركوع وبعده، والتحميد: بإثبات الواو وحذفها، وغير ... ذلك) [٣٠] . أما الشاطبي ﵀ فقد أفرد المسألة الثانية عشرة من كتاب الأدلة الشرعية في الموافقات لذلك، فقال: (كل دليل شرعي لا يخلو: أ- أن يكون معمولاً به في السلف المتقدمين دائماً أو أكثريّاً. ب- أو لا يكون معمولاً به إلا قليلاً أو في وقت ما. ج- أو لا يثبت به عمل) [٣١] . ثم أكد المثابرة على ما هو الأعم والأكثر من عمل السلف المتقدمين وإن كان العمل على وفق الآخر لا حرج فيه، ثم ذكر أمثلة على ذلك، وقد تميز بذكر لوازم المداومة على العمل القليل [٣٢] . أما ابن مفلح ﵀ فينقل ما يشبه القاعدة في ذلك عن شيخه تقي الدين في تنوع الاستفتاح: (قال شيخنا: الأفضل أن يأتي بكل نوع أحياناً، وكذا قاله في أنواع صلاة الخوف وغير ذلك، وأن المفضول قد يكون فاضلاً لمن انتفاعه ... به أتم) [٣٣] . ويعلق المرداوي موضحاً السبب في ذلك التنوع، فيقول: (وهو الصواب؛ جمعاً بين الأدلة) [٣٤] . وأما الشوكاني ﵀ فإنه يوافق ابن تيمية في قاعدة الأخذ بالسنن وتنوعها دون هجر بعضها أو اختيار نوع دون غيره، وأكد على الأخذ بالأحاديث المشتملة على زيادات ثابتة، ولا يصار إلى الترجيح إلا إذا كانت الحادثة ... واحدة [٣٥] . أما من العلماء المعاصرين: فإن المحدث محمد ناصر الدين الألباني (حفظه الله) له في ذلك كتاب قيم هو (صفة صلاة النبي) ضمنه جل الصفات المتنوعة في الصلاة من التكبير إلى التسليم، دون ذكر الأذان والإقامة والأذكار بعد السلام وصلاة الخوف، وأما صفات الصلاة على الميت: فذكرها في كتابه الجنائز، وفي كتاب صفة الصلاة ذكر الأحاديث دون ذكرٍ لاختيارات الفقهاء، متمثلاً القاعدة التي أكدها في مقدمة كتابه، وهي: الأخذ بجميع السنن الثابتة دون هجر شيء منها، وكان يعبر عن تفاوت التنوع في هديه ﷺ بكلمات، منها قوله: (وتارة يفعل) ، و (ربما يقول) ، و (أحياناً يفعل) .. حيث ترك للقارئ تمييز المشهور من السنة: الأكثر فعلاً من النادر أو الأقل فعلاً، وذكر في كتابه اثني عشر موطناً يشرع فيها التنوع. وأما سماحة الشيخ (عبد العزيز بن باز) (حفظه الله) : ففي كتابه (صفة صلاة النبي) على صغر حجمه، ذكر خمسة مواطن تتنوع فيها الصفات المشروعة، وقال مبيناً القاعدة في ذلك: (لثبوت الصفتين عن النبي ﷺ ، الأفضل أن يفعل هذا تارة وهذا تارة) [٣٦] . وأما الشيخ (محمد بن صالح العثيمين) (حفظه الله) : فقد أخذ اهتمامه بالصفات المتنوعة في الصلاة تقسيمه للعلماء تجاه العبادات الواردة على وجوه متنوعة، فذكر من يرى أن الأفضل الاقتصار على واحدة، ومن يرى فعل جميعها في أوقات شتى، ومن يرى جمع ما يمكن جمعه، وصحح القول الثاني، ومن جملة اهتمامه: ذكره فوائد لفعل العبادات الواردة على وجوه متنوعة، وقال: (وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن العبادات إذا وردت على وجوه متنوعة فإنها تفعل على هذه الوجوه، على هذا مرة، وعلى هذا مرة) [٣٧] .

стр. 2392

دراسات اقتصادية آراء وتأملات في فقه الزكاة (١) بقلم: د. محمد بن عبد الله الشباني يتميز الإسلام بمنهجية متفردة، حيث يعمل على تحقيق التوازن بين الحاجات المادية والروحية، ضمن تنظيم يعطي للحياة الدنيا دورها والآخرة دورها، بدون تفريط ولا إفراط، [وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ] [القصص: ٧٧] ، [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ] [الأعراف: ٣٢] . تتمثل هذه المنهجية في الاهتمام بالفرد باعتباره مناط التكليف، لذلك: فقد وضع قواعد وسن شرائع تمثل في مجموعها نمطية السلوك الذي ينبغي على الإنسان المسلم التزامه، حتى تتحقق خلافته لله في الأرض، كما يريدها الله، وفق العهد الذي أخذه الله على بني آدم. يتميز دين الإسلام بأنه الدين الذي جمع في إهابه الواجبات التي ينبغي للفرد القيام بها تجاه خالقه، والواجبات التي عليه القيام بها تجاه أخيه الإنسان، فتنتظم الحياة الإنسانية، فلا يكون انفصال بين متطلبات الحياة الآخرة ومتطلبات الحياة الدنيا، وإنما هناك رابط يجمع بينهما. من الشواهد على حقيقة الارتباط بين عبادة الله وأداء الحقوق المالية تجاه المجتمع: ما نجده من اقتران الصلاة والزكاة في آيات القرآن الكريم، حيث نلاحظ أن الصلاة، التي هي الشعيرة المحسوسة لتأكيد خضوع الإنسان لله تقرن دائماً بالزكاة، التي تمثل الجانب المالي في تنظيم المجتمع، يقول الله (تعالى) : ... [وَأََقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] [البقرة: ٤٣] ، ويقول: [وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياً] [مريم: ٣١] . الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهو الركن الذي لا يصبح الإنسان مسلماً حقّاً إلا إذا أداه، فهي واسطة العقد، وهي الرابطة بين صحة الاعتقاد والعبادة، فالصلاة والصيام والحج عبادات بدنية، والزكاة تمثل جسر الإيمان الذي يربط بين ظواهر ومؤشرات ودلائل الاعتقاد.. وواقع الحياة، حيث يتحقق التلازم بين الاعتقاد والعبادة من جانب، والتكافل الاقتصادي لأفراد المجتمع من جانب آخر، فيتحقق مفهوم الإسلام الذي يقوم على أساس أن الدين لا ينفصل عن واقع الحياة، وأنه يعمد إلى إسعاد الناس في حياتهم الدنيا كما يسعدهم في حياتهم الآخرة. إن دور الزكاة في تحقيق التوازن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي دور مهم، لكن واقع المجتمعات الإسلامية في هذا العصر لا يعطي لهذا الأمر أهمية، فتُرك الأمر للأفراد في تأدية الزكاة، وغُيِّر وجهها، واستبدلت الضرائب وغيرها من وسائل الجباية بالزكوات، وأصبحت التنظيمات المالية الحالية لا تعطي أهمية لدور الزكاة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتكافل الاجتماعي، وتحقيق ما ينادي به الاقتصاديون المعاصرون من إقامة دولة الرفاهية، فحلت الأنظمة المالية القائمة على النظام الربوي محل النظام المالي الإسلامي، الذي يقوم على منهج مغاير للفكر الفلسفي الذي تقوم عليه التنظيمات المالية المطبقة حالياً، والمقتبسة من النظام ... الغربي [١] . المفهوم السائد لدى كثير من الناس عن الزكاة أنها نوع من التصدق لا علاقة لها بتنظيم شؤون الدولة المالية، وليست جزءاً من التنظيم الاجتماعي، وبالتالي: فإن الزكاة هى جزء من التراث الأخلاقي الذي لا يمكن أن يقوم عليه البناء المالي للمجتمع، هذا المفهوم الخاطئ يرجع في أساسه إلى عدم فهم حقيقة الزكاة، والجهل التام بالتراث الفقهي المالي، مما ينتج عنه هذا المفهوم القاصر لدور الزكاة في المجتمعات الإسلامية. إن الزكاة هي التنظيم المالي الوحيد في التشريعات المالية التي عرفها البشر المخصصة للإنفاق على احتياجات الأفراد الذين لا يجدون كفايتهم، ولم تقتصر الزكاة على نوع معين من الدخل، بل شملت كل مصادر الدخل، كما أنها تميزت بشمولية المشاركين في دفعها، حيث ظلت الحد الأدنى الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، مع ملاحظة طبيعة المال، فربطت وجوب الزكاة في بعضه على مرور الحول مثل النقدين والتجارة والأنعام، وبعضه الآخر في تاريخ تحققه مثل الزروع أو الركاز أو المعادن. إن الزكاة هي التنظيم المالي القادر على تحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع، والتقليل من التفاوت بين مختلف الأفراد والجماعات، وغرس روح التعاطف والمودة بين مختلف الأفراد، لذا: فلا بد من معرفة أحكامها وكيفية تحديد وعائها، ومقدارها حسب الأموال التي تجب فيها، وحسب واقع الأنشطة الاقتصادية المعاصرة، والتي تعددت وتنوعت، وما صاحب ذلك من ازدياد حجم الثروات ووسائل تبادلها، مع بروز أشكال من الأعمال الاقتصادية لم تكن معروفة في الماضي؛ مما يوجب دراستها وبيان التخريج الفقهي الملحِق لها بنوع المال الذي ورد فيه النص، وبالتالي: مقدار نصاب زكاتها والأحكام المتعلقة بذلك. إن الغاية من نشر هذه المجموعة من الحلقات هو دراسة ومناقشة أحكام الزكاة المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية المعاصرة، التي من أمثلتها: مزارع الدواجن، والخضروات، والعقارات، والمصانع، والمناجم، وشركات الخدمات، ومقاولات البناء، والصيانة.. وغير ذلك من الأنشطة الاقتصادية التي يثور حولها كثير من التساؤلات فيما يتعلق بكيفية تحديد زكاتها. مفهوم الزكاة وشمولها: لفهم أحكام الزكاة باعتبار أنها الركن الثالث من أركان الإسلام: لا بد من تحديد معنى الزكاة لغة، حيث يفيد اللفظ معنى النماء والزيادة، فأصل (الزكاة) : من زكا الشيء، إذا نما وزاد، وفي لسان العرب: فإن الزكاة تعني الطهارة والنماء والبركة، ولقد وردت هذه المعاني في القرآن والحديث، أما المفهوم المرتبط بالمال وفق المدلول الشرعي فيوضحه ابن قدامة بقوله: (الزكاة من الزكاء والنماء والزيادة، سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه، يقال: زكا الزرع إذا كثر ريعه، وزكت النفقة إذا بورك فيها، وهي في الشريعة: حق يجب في المال، فعند إطلاق لفظها في موارد الشريعة ينصرف إلى ذلك) [٢] . من الألفاظ الدالة على الزكاة وفق المفهوم الشرعي التي إذا استخدمت عُرف أن المقصود هو الركن الثالث من أركان الإسلام: لفظ (الصدقة) ، ولتداخل المعنى بين لفظي الصدقة والزكاة، فقد حدد الإمام الماوردي معنى التطابق للفظين، فهو يقول: (الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، ويفترق الاسم ويتفق المسمى) [٣] . ويؤكد هذا المفهوم (ورود لفظ الصدقة بمعنى الزكاة) ما جاء في القرآن الكريم، حيث جاءت آيات الصدقة وقصد بها الزكاة، كما في قوله (تعالى) : [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] [التوبة: ١٠٣] ، وقوله: [وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ] [التوبة: ٥٨] . لكن العرف صرف معنى الصدقة، فأصبحت عنواناً على التطوع، وما تجود به النفس على المتسولين وغيرهم، وأصبح لا يُدرَك مدلول الآيات القرآنية لدى عامة الناس عند تلاوتها، حيث ارتبط مفهوم الصدقة بالتطوع لا بالإلزام والوجوب. إن دلالة لفظ (الصدقة) يُفهم من أصل مادة الكلمة، يقول القاضي ابن العربي بهذا الخصوص: إن مدلول لفظ الصدقة حسب مادتها (مأخوذ من الصدق في مساواة الفعل للقول والاعتقاد) [٤] . إن هذا المفهوم الذي أشار إليه ابن العربي ﵀ يرتكز على مفهوم أساس يقوم عليه الإسلام، وهو التلازم بين الفعل، والقول، والاعتقاد، فلا يكمل الاعتقاد بدون قول، كما لا يكمل القول بدون فعل، فالتلازم بين هذه الأمور الثلاثة لحمة عقيدة الإسلام ومرتكزها. إن ارتباط الزكاة بالعقيدة وكونها جزءاً أساساً لا يكتمل الإيمان إلا بها.. يدل عليه ما ورد من آيات عن الزكاة في العهد المكي، حيث لم تتكون بعد الدولة الإسلامية، ولم تتحدد أنواع الأموال والمقادير الواجب إخراجها، إنما كانت الإشارة إلى الزكاة في هذه الفترة باعتبار أنها جزء من الاعتقاد، مما يوضح ويؤكد مدى التلازم بين الإيمان بالله والعبودية، والالتزام تجاه الجماعة المسلمة في الحياة الدنيا، ففي سورة الأعراف أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في قوله (تعالى) : [وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إنَّا هُدْنَا إلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أََشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأََكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ] [الأعراف: ١٥٦] ، لقد جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن بني إسرائيل وطلبِ موسى ﵊ المغفرة من ربه، حيث كانت الإجابة بنفيها عن قومه لأسباب، من أهمها: أن المغفرة لا تعطى إلا لمن اتقى وآتى الزكاة، فغضب الله يحيق بأولئك الذين لايعطون حق الله في أموالهم التي منحهم الله أياها، هذا الارتباط بين الإيمان القلبي والسلوك المادي تؤكده كذلك سورة مريم حكاية عن عيسى ﵇ ، في قوله (تعالى) : [وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياً] [مريم: ٣١] ، وفي السورة نفسها عندما مدح الله نبيه ورسوله إسماعيل ﵊ أشار إلى هذه الحقيقة بقوله: [وَكَانَ يَاًمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِياً] [مريم: ٥٥] .. وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن الزكاة في العهد المكي، حيث أوضحت أن الزكاة جزء أساس لاستكمال حقيقة الإيمان. إن رسالة الإسلام هي إيجاد المجتمع المؤمن الذي يرعى أغنياؤه فقراءه، وتربية للفئة المؤمنة التي التحقت بالركب الإسلامي في مكة، بأن عقيدة الإسلام لا تفصل واقع الحياة عن العقيدة، وأن التكافل الاجتماعي أحد المقومات الأساس للمجتمع الذي يريده الإسلام، كما إنها تأكيد للأجيال المسلمة ممن يدخل الإسلام بعد تكوين دولته وقيام السلطة المسؤولة عن تنفيذ أحكام الله أن الإسلام دين لا يؤدي دوره الفاعل في الحياة الإنسانية إذا لم يقم المال بدوره في تحقيق الحياة الآمنة المستقرة. إن آيات القرآن الكريم التي نزلت في المدينة أعلنت بكل وضوح وجوب الزكاة، في سورة البقرة جاء أمر الوجوب في قوله (تعالى) : [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] [البقرة: ١١٠] ، بعد الإشارة إلى الرغبة لدى أهل الكتاب في صرف المسلمين عن الإيمان في قوله (تعالى) : [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاًتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [البقرة: ١٠٩] ، وكأن الله ينبه المؤمنين إلى أن الإيمان الذي يرغب الكفار في صرف المسلمين عنه تتمثل مظاهره في الصلاة والزكاة، فتَرْك واحدة من هاتين العبادتين تحقيق لأمنية الكافرين. كما نجد هذا المفهوم يظهر أكثر وضوحاً عند تحديد الإطار التنظيمي لجماعة الأمة المسلمة، بأنها تلك الجماعة الملتزمة بأداء الصلاة والزكاة، وأن المشركين لا يمكن دخولهم حظيرة الجماعة إلا إذا أدوا هاتين الشعيرتين، ويحدد في سورة التوبة أن الزكاة جزء من إطار العلاقة التي تُبنى عليها الجماعة المسلمة، والتي تتميز بها عن بقية الجماعات الأخرى، في قوله (تعالى) : [فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [التوبة: ٥] ، وفي السورة نفسها: حدد مفهوم الأخوة الإسلامية، وإطار بنائها، ومن هو الذي يحق له الانتماء إليها ممن لا يكون منها، وذلك عندما تحدث عن المشركين، وعهودهم، وما تضمره قلوبهم، وأن شرط دخولهم في حظيرة الجماعة المسلمة يتحدد وفق ما جاء في قوله (تعالى) : [فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] [التوبة: ١١] . لهذا نجد كيف فهم خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه) هذا التلازم بعد أن التحق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى وارتدت بعض قبائل العرب وزعمت أن الزكاة شيء كان يأخذه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم وبموته ينتهي هذا الالتزام، فقد أطلقها مدوية في سمع التاريخ قائلاً: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. إن من المفاهيم الأساس للزكاة، التي ينبغي إدراكها ومعرفتها: أن الزكاة من أهم المقومات التي يتميز بها المجتمع المسلم، وتعطيل الزكاة والتهرب من أدائها علامة من علامات انحراف المجتمع، وبروز النفاق، ويؤكد القرآن هذا المفهوم في قوله (تعالى) : [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [التوبة: ٧١] . أما المنافقون: فهم أولئك القابضون على أيديهم، فهم لا ينفقون، مخالفين لكل ما فيه خير وصلاح، يقول (تعالى) : [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَاًمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ] [التوبة: ٦٧] . تجب الزكاة وفق هذا المفهوم كما أجمع عليه علماء الإسلام على كل مسلم، بالغ، عاقل، حر، مالك نصاب الزكاة وفق شروطها، فالزكاة لا تجب على غير المسلم، فلا يطالب بها الكافر، ولهذا: وجب فصل موارد الزكاة عن الموارد الأخرى التي تتحصل عليها الدولة؛ لأن طبيعة الزكاة وأغراضها والأهداف التي من أجلها شُرعت تختلف عن الأموال الأخرى التي قد يقوم ولي الأمر بجبايتها لمصلحة ظاهرة، فالزكاة لا تسقط بعدم وجود الحاجة إليها ولا تسقط باستبدالها بموارد أخرى، فهى تملك خصوصية ارتباطها بطبيعة التنظيم الاجتماعي للجماعة المسلمة الذي يسعى إلى تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي القائم على الأخوة الإيمانية، بجانب ارتباطها بالاعتقاد، فإخراجها يرتبط بالإيمان، فهي لا تدفع لقاء منفعة مباشرة كما في الرسوم والضرائب وغير ذلك من أنواع الجبايات التي تفرضها الدول على رعاياها لتحقيق مصلحة ومنفعة عامة. لم يحدد القرآن الكريم جميع الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا شروط وجوبها ولا مقاديرها، ولكن السنة النبوية القولية والعملية فصّلت ما أجمله القرآن، وبينت ما أبهمه، وخصصت ما عمّمَهُ، فالرسول ﷺ مكلف ببيان ما أنزل الله من القرآن، وهذا ما يقرره قوله (تعالى) : [وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤٤] . لقد أشار القرآن إلى بعض أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة، وأجمل بقية الأموال بكلمة عامة، وهي كلمة (أموال) ، كما في قوله (تعالى) : [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] [التوبة: ١٠٣] ، وفي قوله (تعالى) : [وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ] [الذاريات: ١٩] . أما الأموال التي حددها فهي: أولاً: الذهب والفضة، كما في قوله (تعالى) : [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] [التوبة: ٣٤] . ثانياً: الزروع والثمار، كما في قوله (تعالى) : [كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] [الأنعام: ١٤١] . ثالثاً: الكسب من التجارة وغيرها، كما في قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ] [البقرة: ٢٦٧] . رابعاً: الخارج من الأرض من معدن وغيره، كما في قوله (تعالى) : [وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ] [البقرة: ٢٦٧] . إن شمولية الزكاة لجميع الأموال يعود إلى المفهوم اللغوي لكلمة (المال) كما جاءت في القرآن الكريم، والذي يُدخل كل ما يرغب الناس في اقتنائه وامتلاكه، وقد جاء في لسان العرب: (المال: ما ملكته من جميع الأشياء..، والجمع: أموال، وفي الحديث: نهى عن إضاعة المال، قيل: أراد به الحيوان، أي: يُحسَن إليه ولا يهمَل، وقيل: إضاعته: إنفاقه في الحرام والمعاصي وما لا يحبه الله،.. قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أُطلِق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم) [٥] .

стр. 2393

نص شعري أهزوجة للعيد شعر: محمد بن سعد العجلان إخواننا المنكوبون في جل ديار الإسلام، ماذا عساهم أن يقولوا وهم يستقبلون العيد؟ قتل وتعذيب وتشريد ... فمتى سيغمر كوننا العيد! ومتى متى يا أمتي فرحي! ... ومتى متى ستزغرد الغيد! في كل أرض صرخة لفم ... دوّت فدوّت بالصدى البيد لكننا نلهو فلا غضب ... نبدي ولا الإيثار موجود وكأن وقراً قد تغلغل في ... آذاننا فالسمع مسدود صرب وصهيون تمزقنا ... وسلاحنا في الصدر تنهيد! والمجلس المأمول في شغل ... عنا يماطل فوقه الهود والنخوة القعساء صادرها ... متفرد في الرأي نمرود وإذا العروبة تنبري شيعاً ... عادت إليها الأزمن السود يا أمة شاخ الزمان بها ... وعلت محياها التجاعيد عاث الخلاف بها وفرقها ... بُعْدٌ عن الإسلام مشهود الهدي فيها وهي ضائعة ... يقتادها القيثار والعود قد خدرت بفم منغمة ... شغلت بها والسيف مغمود في كل يوم يستباح بها ... دم يقامر فيه عربيد يا أمتي ما ضاع يرجعه ... سيف به الإيمان معقود يا أمتي هذا الكتاب لنا ... ولنا به عز وتسويد فإذا به سِرْنا سيغمرنا ... نصر من الرحمن موعود

стр. 2394

دراسات إعلامية الإعلام من المنطلق الغربي إلى التأصيل الإسلامي (٢ من ٢) بقلم: أحمد حسن محمد تناول الكاتب في الحلقة السابقة: أثر الحضارة الغربية في المسيرة الإعلامية بعامة، وأوضح مدى التدفق الإعلامي الغربي نحو المجتمع الإسلامي، واتجاهات الإعلام الغربي وآثاره، ثم انتقل إلى الحديث عن الدعوة الإسلامية والإعلام، فبيّن أهمية الإعلام الدعوي، معرجاً إلى الحديث عن مميزات الدعوة الإسلامية التي يفصِّلها وجوانب أخرى في هذه الحلقة. - البيان - أولاً: الطبيعة الإعلامية للدعوة الإسلامية: فالدعوة الإسلامية ذات طبيعة إعلامية مميزة ولها سماتها التي تؤكد قدرتها على إبراز كافة عناصر الرسالة الإعلامية القادرة على التعامل بإيجابية بما يجعلها في مكان الريادة والقدرة في مجال الدراسات الإعلامية المعاصرة. فحملتها أتباع دعوة المُرسِلُ فيها هو الحق : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَدَاعِياً إلَى اللَّهِ بِإذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً] [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] ، [وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً] [الإسراء: ١٠٥] . ومضمون الرسالة هو التوحيد وعبادة الله في الأرض: [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] [النحل: ٣٦] . والوسيلة هي الوحي الذي هو التعليم السري الصادر عن الله (تعالى) الوارد إلى الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام) [١] : [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] [الحج: ٧٥] ، [وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ] [الشورى: ٥١] . والدعاة إلى الله هم وسائل تحمل رسالة الله للناس، وهم أهل العلم والاختصاص: [فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] [التوبة: ١٢٢] . والمتلقي للرسالة هي البشرية جميعها، بل والجن أيضاً، حيث إن الرسالة الإسلامية تخاطب الإنسان لأن مادتها الإنسان ذاته [٢] : [الّر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] [إبراهيم: ١] ، [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً] [النساء: ١] [٣] . ثانياً: قدرة الدعوة الإسلامية على استيعاب الوسائل المتاحة: نظراً لأن هذه الدعوة هي قَدَر هذه الأمة وغايتها [٤] : فقد أصبح لزاماً عليها أن تبحث عن كل الوسائل المتاحة والممكنة للقيام بوظيفة البلاغ المبين وتقديم رسالة الإسلام. وإذا كان الغرب قد حقق تقدماً في وسائل الإعلام وتقنياته فإن الإسلام لا يقف حائلاً دون الاستفادة من هذه التقنيات لتكون في خدمة الدعوة الإسلامية إذا ما توفر شرطان أساسان: أ - أن يكون استخدام الوسائل لا يعني بالضروة نقل الأفكار والاتجاهات.. فالوسائل أجهزة محايدة تنقل ما يطلب منها. ب - أن يكون استخدام الوسائل الحديثة لا يعني فساد الوسائل الرئيسة في الدعوة الإسلامية، التي جاءت في الهدي القرآني والسنة المطهرة، وبالتالي: لا يعني تركها وإبعادها عن الاستخدام في الساحة الإعلامية. وبذلك فإن الأمة الإسلامية تستطيع تقديم رصيدها الثقافي والحضاري مستفيدة من التطور التقني في مجال وسائل الإعلام الحديثة بجانب ما تتمتع به الوسائل الإسلامية المتميزة في مجال الدعوة الإسلامية من فاعلية وقدرة على المعايشة والاستمرار، بل إن الوسائل التقنية الحديثة يمكن استيعابها ضمن الوسائل الإسلامية المتميزة، مثل: استخدام التسجيلات ومكبرات الصوت في المساجد التي تعتبر منابر حية للدعوة الإسلامية، وكذلك في مجتمعات المسلمين التعبدية مثل صلاة الجمعة ومواسم الحج، فإن الأقمار الصناعية الحديثة وما تقدمه من خدمات إعلامية عالية تقوم بدور كبير إذا ما أحسن استخدامها للإعلام بالرسالة الإسلامية، ليس فقط على المستوى المحلي بل على المستوى الدولي والعالمي. وتظل العبرة قائمة بمدى الاستفادة التي تفيد منها الدعوة الإسلامية من كافة المخترعات الحديثة في كافة المجالات والنظم، حيث إن الأصل هو نشدان رضا الله بخدمة الإسلام في مجالات العلوم الضرورية لرقي الأمة المسلمة وعزتها، وهذا الشرط ليس ضروريّاً لكل جهد يسهم بقصد أو عن غير قصد في مسيرة التطبيق الإسلامي؛ فكم من كافر أسهم في إثراء العلوم الإسلامية، وكم من مسلم أسهم في تشويه التراث المعرفي للإسلام، فالعبرة إذن بنتيجة المساهمة، فإن كانت موافقة للإسلام فلا مانع من الاستفادة منها [٥] ، وعلى ذلك يتأكد أن استخدام ما أنتجه الغرب غير المسلم ليس كله مرفوضاً لمجرد أنه غربي غير مسلم، بل إن الرفض والقبول يتوقفان على ما يحقق لهذا الدين من نفع وانتشار، مع التفريق بين نية المسلم في الاستخدام والاستفادة ونية الكفار في الاختراع والإنتاج. ثالثاً: تمايز المسيرة الإسلامية ومتعلقاتها: إذا كان الغرب قد رفض الدين نتيجة لمواقف معادية وتناقضات بين تطلعات الناس وما فرضه رجال الدين عندهم من قيود.. فإن العالم الإسلامي لم يصطدم يوماً بأصول عقيدته، وإذا كانت بعض السلبيات قد ظهرت في مجال الأسلوب الدعوي، فإن مَرَدّ ذلك يعود غالباً إلى التطبيق الخاطئ الصادر عن فهم بعيد عن الأصول الثابتة، وليس خطأ في أصل الشريعة ومنهاجها ... ذلك لأن الإسلام يتمتع بمصدريه الأساسين الثابتين (القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، التي وصلت بحمد الله إلى درجة عالية من التوثيق والثبات، فضلاً عن حفظ الله (سبحانه) للقرآن الكريم [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] ،) وظل هذان المصدران وسيظلان بإذن الله مرجعاً موثوقاً لكل من يريد البحث والاستقصاء، وفيصلاً لكل خلاف يخرج بالمسلمين عن الأصول الشرعية الكبيرة. ومن جانب آخر: فإن الدين الإسلامي لم يكن بمعزل عن الحياة البشرية والنشاط اليومي بما يحمله من توجيهات للمسلم بضرورة الذكر المتصل، والعبادة بأوقاتها المحددة، وضوابط التعامل اليومي في الأسرة والجماعة والمجتمع، بجانب أخلاقيات العلاقات الدولية في السلم والحرب. وبذلك: فإن الإسلام يحمل إعلاماً لا يحتمل ما حدث من انفصام بين الخطاب الديني والخطاب الدنيوي (كما حدث في الغرب) ، حيث ظلت له القدرة على تحقيق المصالح الدنيوية وإرضاء أذواق الناس وحاجاتهم من المتعة والتسلية ضمن إطاره الذي لا يخرجه عن الشرع الذي أباح كل هذه الأنشطة وفق شروطها بعكس الرسالة الإعلامية التنصيرية من محطات نصرانية. وبذلك: فإن الرسالة الإعلامية الإسلامية تتعدى إلى مجالات متنوعة دون التقيد بحيز ضيق، حيث إن الدعوة الإسلامية هي دعوة للإيمان، مقترنة بالدعوة إلى العلم، والعبادة، والعمل، والفكر، وتنمية الروح والوجدان ... ويظل الفصل بين ما هو ديني وما هو غير ديني أمراً ترفضه طبيعة الإسلام ويؤثر كثيراً على الرسالة الإعلامية المسلمة؛ إذ يحصر العقيدة والدين في مكان ضيق ويبعده عن مفهومه الواسع، والأمر إذن يتطلب رفض الاتجاه الغربي الذي يقدم القضايا الدنيوية والحياتية بعيداً عن قيم التوجه الأخلاقي، حيث تتحلل هذه القضايا من الالتزام بهذه القيم.. مما أوجد حشداً من الصحف والمجلات والوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية (في الغرب) تمارس ألواناً من الفساد والتضليل والانحلال، تسرب معظمها إلى بلاد المسلمين في غيبة الالتزام الإسلامي الصحيح، فأصبحت تهدد أبناء الأمة في أعز ما تملكه من قيم ومبادئ [٦] . المنطلقات الأساس للإعلام الإسلامي: إن الإعلام باعتباره نتاجاً لنشاط بشري إنما يأتي معبراً عن قيم ومبادئ وأفكار المصدر الذي تصدر عنه الرسالة الإعلامية ... فقد جاء الإعلام الغربي متأثراً بالمادية، باحثاً عن اللذة والرفاهية، بينما كان الإعلام الشيوعي مدعّماً بمفاهيم الإلحاد وسيطرة الطبقة العاملة، في حين أن الإعلام النازي كان يركز على سيادة الدم الأزرق والعنصرية القومية، معلناً شعار (ألمانيا فوق الجميع) . وتتفق كل هذه الاتجاهات على تأصيل السيطرة وبسط النفوذ الفكري والاقتصادي على كافة الشعوب النامية لضمان التبعية والخضوع لها. ويأتي الإعلام الإسلامي مختلفاً في منطلقاته؛ حيث يعبر عن الإسلام دين القيم والمبادئ، التي تتمثل فيما يلي: ١- منطلق العقيدة التي تقوم على فطرة البشر، وتستقيم مع متطلبات الحياة الإنسانية، وتعطي للفرد معنى الحرية من قيود الدنيا وشهواتها، فلا يخضع إلا لله رب العالمين وبذلك تتحقق حرية التعبير والسلوك والفكر في إطار تحكمه قيم السماء؛ لأن الهدف هو إرضاء الله (تعالى) وليس المكسب الدنيوي فقط. ٢- منطلق العلم، الذي هو طريق المعرفة، فقد جاءت آيات الله (سبحانه) واضحة، تفرق بين العالم والجاهل، والرسالة الإعلامية تؤتي ثمارها بقدر ما يتوفر لها من زاد علمي صحيح. ٣- الأخلاق، وهي سمة الإنسانية الفاضلة ودستور التعامل بين البشر، فيصدر الإعلام عن نفْس تعرف الصدق والأمانة والطهارة عن إيمان وامتثال، وليس عن تقليد ومحاكاة. ٤- منطلق الإنسانية، بما تحمله من معاني الرحمة والتكافل والتعاطف، وما تعنيه من أخوة بين البشر ورغبة في التعايش والتعاون المثمر. والإعلام الذي يحمل سمات الإنسانية هو أقدر من غيره على التأثير والتجاوب. ٥- الجمال وحسن العرض، وهي أمور تحقق الارتياح النفسي، لذا: فقد دعا الإسلام إلى الجمال في الملبس والتعامل والحديث والسكن. ٦- منطلق المصلحة العامة للأمة والحرص على أمن المجتمع واستقراره بعيداً عن الإشاعة المغرضة والتحريض الهدام ضد فئات المجتمع وقادته، بل دعوة صادقة لمسؤولية مشتركة تحفظ كيان الأمة وتنشر الخير للناس جميعاً [٧] . هذه هي بعض المنطلقات الأساس للإعلام الإسلامي، التي يمكن أن تكون أساساً يحقق تمايز الرسالة الإعلامية في المجتمع المسلم عن غيرها في المجتمعات الأخرى، وحتى يتحقق هذا التمايز في التطبيق العملي، فإننا نوصي بالتوجيهات الآتية التي في مجملها خلاصة للعرض السابق في هذا البحث: توصيات ومقترحات: ١- رفع العزلة عما أطلق عليه (إعلام ديني) والذي جعل المفاهيم الإسلامية محصورة في بعض البرامج والمقالات المنفصلة عن بقية الموضوعات المطروحة في الوسائل الأخرى، مما أدى إلى عزل الدين عن الحياة المعاشَة وحصره في مفاهيم العبادة والتشريع، بخلاف طبيعة الدين الإسلامي الذي يعايش الناس في كل أمور حياتهم الدينية والدنيوية وينظم أنشطتهم سواء في المسجد أو ملعب الرياضة أو أماكن العمل من مكاتب ومزارع ومتاجر ومصانع، كما يعالج قضايا الأمة السياسية والاقتصادية والعلمية والفنية ... والإعلام بطبيعته يتفاعل مع كل هذه الأمور إبلاغاً وتوجيهاً ونقداً، وفي تقسيمه إلى إعلام ديني وآخر دنيوي ما يتعارض مع وحدة التوجيه واستقامة التربية ويؤدي إلى ازدواجية الرأي والمعالجة، فيصبح إعلاماً متناقضاً في رسالته ومضمونه. ٢- أن يكون الخطاب الإعلامي الصادر عن الأمة المسلمة خطاباً شاملاً لكل البشر على طول الزمان وسعة المكان، حيث إن الإسلام جاء للناس جميعاً: ... [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] وكانت الرسالة السماوية التي قام عليها رسول الله ﷺ مؤكدة لهذا المعنى الذي اختص بها سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام) : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [سبأ: ٢٨] ، وصدع بها رسول الله ﷺ استجابة لأمر الحق (سبحانه) : [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] [الأعراف: ١٥٨] . فالخطاب الإسلامي ليس وقفاً على أمة دون غيرها، بل هو خطاب عالمي أزلي، والرسالة الإعلامية الدعوية هي ترجمة لهذا المفهوم القائم على هدي الوحي المنزل. ٣- التأهيل الأمثل والإعداد السليم للقائمين على الإعلام الذي يحمل رسالة الإسلام، أو بمعنى آخر: إعداد القائم بالاتصال في مجال الإعلام إعداداً إسلاميّاً متكاملاً ... فقد عني الإعلام الغربي كثيراً بكل من له صلة بالرسالة الإعلامية، ونشأت نظرية (حارس البوابة) والذي يقوم على صناعة المعلومة قبل بثها ... وقد عني الإسلام كثيراً بحملة الرسالات وأصحاب البلاغ المبين، فاصطفى رسله من حملة رسالته من أحسن الخلق، وأصدقهم قولاً، وأفضلهم أخلاقاً: [وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِياً] [مريم: ٤١] ، [وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوسَى إنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِياً] [مريم: ٥١] ، [وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِياً] [مريم: ٥٤] ، [وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِياً] [مريم: ٥٦] ، [أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياً] [مريم: ٥٨] . وكان خاتم الرسل (عليهم الصلاة والسلام) هو نبي هذه الأمة، ورسولها المصطفى ﵊ [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى] [النجم: ٣-٥] . فقد أعده الله (سبحانه) لهذه الرسالة ليكون القدوة والأسوة والنموذج الأعلى للداعية الصادق: [يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (٢) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَّبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً] [المزمل: ١-٩] . ثم أعطاه الله من الخير في حياته الدنيا والآخرة، [وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ العَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ] [الحجر: ٨٧-٨٨] ، فاستحق بذلك أن يكون صاحب الخلق القويم والسلوك الأمثل: [ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ... [القلم: ١-٤] . والإعلام الإسلامي هو الامتداد الأمثل لرسالة هؤلاء الرسل، وعليه حمل أمانة التبليغ لإقامة أمة الرسالة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] ، وذلك على شرط الحق والثبات: [وَالْعَصْرِ (١) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ١٣] . ولما كان الإعلام في عصرنا الحاضر قد تعددت وسائله وأساليبه: فقد أصبحت الضرورة قائمة لإعداد إعلاميين، أو بمعنى أدق: حملة رسالة لكل وسيلة من هذه الوسائل بما يتيح استخدامها الاستخدام الأمثل، ويعطي للمسلم القدر الكافي على التعامل السليم مع الجمهور المتلقي، ويشمل ذلك بجانب الصفات الأخلاقية والعقدية الأساس: الإعداد المهني السليم لحامل الرسالة في كافة المجالات، مثل: مجال الخطابة في المساجد والمحافل والتجمعات. مجال المناظرة والحوار والندوة. مجال الكتابة الصحفية والأدبية. مجال الإلقاء الإذاعي والتلفازي. مجال الإعداد البرامجي في الإذاعة والتلفاز. الإخراج، التمثيل، الثقافة، الإنشاد. مجال المعارض. مجال المؤتمرات. على أن يقوم هذا الإعداد وفق برامج تدريبية مدروسة ذات أهداف واضحة على أيدٍ مخلصة واعية وخبيرة. وبذلك يتحقق للإعلام أصالته الإسلامية وتمايزه عن الصبغة الغربية.

стр. 2395

محاضرات وندوات نجيب محفوظ خلفية فكرية لفنه الروائي (٢ من ٢) بقلم: د. مصطفى السيد عرض الكاتب في الحلقة الماضية المناخ الثقافي والاجتماعي قبل مولد (نجيب محفوظ) ، ثم أوضح الخلفية الثقافية والفكرية لهذا الروائي، وأخذ يعرض أثر هذه الخلفية في رواياته وانعكاسها على أبطال هذه الروايات ... ويواصل الكاتب عرض جوانب أخرى من الموضوع. - البيان - إن هؤلاء الأبطال ومثلهم كثير في الرواية العربية، كبطل (موسم الهجرة إلى الشمال) لـ (الطيب صالح) ، وبطل (الحي اللاتيني) لـ (سهيل إدريس) .. ليسوا إلا تجسيداً وإن كان متفاوتاً في درجته وحدته للخروج على ميراث الأمة الديني وتراثها الأدبي، تمهيداً لإيجاد قراء يحاكون هؤلاء، وبذلك تزلزل الرواية عبر نصوصها وشخوصها ومن ثمّ: عبر قرائها قواعد البُنى الفكرية للأمة، تمهيداً لاستيلاء شرائح نخبوية تتبنى الفكر الغربي ويضمحل الحس الديني والنص الشرعي في قلوبها وعقولها وسلوكها. وكيف تكون النتائج السابقة مستنكرة على الرواية العربية التي يقومها أحد النقاد بقوله: (الرواية العربية الجديدة التي شكل الواقع بؤرتها ومادتها، رواية الفضيحة والعري والحرائق والهزيمة والجنس) [١] . يفهم المسلم أن يكون لأمثال (سارتر) و (همنجواي) و (كامي) و (دستوفسكي) وأضرابهم أزمتهم الروحية بوصفهم نتاجاً لمسيحية محرفة وحضارة ممزقة، ولكن ما هو متعذر على الفهم أن يكون لمحفوظ هذه الأزمة التي تحدث في أكثر رواياته! هل كانت أزمة مصطنعة لتضع الرواية العربية في مصاف الرواية الغربية بوصف القلق أحد أهم مؤهلات الأخيرة؟ ! ! ، أم كان القلق يعكس أزمة حقيقية للكاتب، سببها ابتعاده أو إبعاده عن قراءة واعية ومراجعة دائمة للإسلام، راضياً من الفكر العربي بـ (سلامة موسى) ، الذي قد لا يحمل من مؤهلات هذا الفكر إلا اللسان العربي؟ وإذا كان محفوظ قارئاً نهماً للفكر الغربي لا سيما في عالم الرواية وعلم الفلسفة، وكان معنيّاً كما صرح غير مرة بمتابعة الجديد في هذين الأمرين، فإنه على العكس من ذلك: يتجمد في ثقافته الإسلامية، مكتفياً بخلاصة أو ملخص إن أغنت مسلماً عاديّاً فكيف تغني أكبر كاتب روائي عربي؟ . إن ثقافته العقدية جاءت واضحة في مقالاته التي كتبها في شبابه (١٩٣٠م) في مجلة (شيخه) (سلامة موسى) ، وإن هذه الثقافة كما يقول الدكتور (عبد المحسن بدر) : (استمر يكتبها حتى وصل إلى مرحلة الرجولة، وهذه الفترة من حياة الإنسان هي فترة تكوينه لقيمته الاجتماعية والثقافية التي تعمق وتنضج الفترات التالية من عمره، ومن النادر أن تتحول بعد هذه الفترة تحولاً جذريّاً) [٢] . يقول محفوظ في (المجلة الجديدة) سنة ١٩٣٠م، ص ١٤٦٨، في أحد مقالاته التي يشير إليها الدكتور بدر: (لا نبتئس بقرب زوال المعتقدات البالية، ولا ندعو المفكرين إلى الكف عن بحثها ونقدها) . ما المعتقدات البالية التي يريد هذا الشاب ألا يبتئس لزوالها، ولا يمنع المفكرين من نقدها؟ . أليست هي ما جاء على لسان (كمال) في (السكرية) آنفاً؟ وفي مقابل ما يعيشه أبطاله بوصفهم امتداداً مباشراً أو غير مباشر له: ما يعيشونه من الانفلات من ربقة الدّين، بل التجرؤ الصادم لمشاعرنا على نقده، نجد الكاتب يعقد صلحاً نهائيّاً مع العلم الذي تحدّر إليه من (سلامة موسى) وأمثاله، فيقول سنة ١٩٧٠م: (لعل الإيمان الوحيد الحاضر في قلبي هو الإيمان بالعلم وبالمنهج العلمي!) [٣] . وإذا سلم الباحث لبعض النقاد بأن هَدَف محفوظ (الوصول إلى ما يشبه علمنة الدين وتديين العلم) [٤] فإن هذا أيضاً يظل إسلاميّاً غير مقبول؛ لأنه لا يعدو إحياء مذهب المعتزلة بأثواب جديدة. إن ما خطه (نجيب محفوظ) من أعمال روائية وقصة قصيرة لم تلق فنيّاً في حدود ما قرأت نقداً شديداً باستثناء ما كتبه د. (عبد المحسن طه بدر) ، ولكن المعركة حول القيم الفكرية لأعماله الروائية لم يَخْبُ أوارها، وما أخاله يخبو ما دامت هذه الأعمال يرتفع فيها صوت الفكر على صوت الفن، وتتصدى بجلد وإصرار لنقد المفاهيم القائمة في المجتمع والدعوة إلى قيم وأفكار تضاد عقيدة المجتمع وهويته في أحايين كثيرة، يقول على لسان أحد أبطاله في (السكرية) : (حسن أن تدرسوا الماركسية، ولكن تذكروا أنها وإن تكن ضرورة تاريخية، إلا أن حتميتها ليست من نوع حتمية الظاهرات الفلكية، إنها لن توجد إلا بإرادة البشر وجهادهم، فواجبنا الأول ليس في أن نتفلسف كثيراً، ولكن في أن نملأ وعي الطبقة الكادحة بمعنى الدور التاريخي الذي عليها أن تلعبه لإنقاذ نفسها والعالم جميعاً) [٥] . قد لا يحتاج القارئ إلى دليل يؤكد أن الكاتب قد تخلى عن دوره الروائي إلى الدور التحريضي، حتى ليمكننا القول: إن الفقرة السابقة نشرة حزبية وليست فقرة روائية. وإذا كان (نجيب محفوظ) قد يمم وجهه شطر (الحارة) القاهرية، ولم يتجاوزها في أكثر أعماله، جاعلاً من الحارة الفضاء المكاني لأدبه والإطار الموضوعي لأفكاره، فهو لم يعرف عنه أدنى تعاطف مع هذه الحارة، ولم ير منها غير الجوانب المظلمة، ولم يُقدّم في أعماله إلا الشخصيات التي أشربت في قلبها الشر، وأهلكت الحرث والنسل، لا تنتقل من سيء إلا إلى ما هو أسوأ، ولا تغادر منكراً إلا إلى ما هو أنكر، حتى ليخيل للقارئ أنه يقرأ عن أناس لم يعد في حياتهم مثقال ذرة من دين أو خير، أو يعيش في مجتمع أقرب إلى الجحيم منه إلى المجتمعات السوية. ولقد كان الكاتب متورطاً إلى حد كبير فيما أخذه على أبطاله ورآه سبباً لانحرافهم، فقد اعترف بمعاقرته الخمر كما مر بنا قريباً، و (لقد سمح لنفسه ابتداءً من سنة ١٩٤٥م بكتابة سيناريو عدد كبير من الأفلام، فيها الكثير من الأفلام التي تخضع للمقاييس الفنية الهابطة للسينما المصرية، وقد يدهش المرء حين يعلم أن كاتبنا الكبير هو كاتب سيناريو أفلام مثل: (ريا وسكينة) ، و (المنتقم) ، و (عنتر وعبلة) ، و (لك يوم يا ظالم) [٦] . ويتهمه ناقد آخر بتوظيفه فنه لأغراض مادية رخيصة، وخدمة مآرب أخلاقية خسيسة عندما يتجنى على أبطاله وطبقتهم، وإظهارهم بصور غاية في الانحلال، تهييجاً للغرائز واستدراراً لأموال منتجي الأفلام، وذلك عندما (يرصد نماذج مشوهة وساقطة وعاجزة لكي يضعها في أعماله، ويتجنى بعد ذلك على صدق وحقيقة ما يحصل في قلب الواقع المصري من طرح جديد دائم لنماذج إنسانية بين الثوريين، وبين فتيات الجامعة بالذات، وهو يعرف سلفاً ما سيعقب ذلك من استخدام هذه النماذج في السينما المصرية التجارية، ومنتجي الأفلام التجارية الرخيصة الذين يزيدون في تشويه الصورة وتملق غرائز متدنية للمتفرج، سواء في الجنس أو تزييف صورة الثوري اليساري في رواياته، [لقد كان] الأمر يتعلق بإلحاح (نجيب محفوظ) على أن يظل روائي المرحلة الجديدة، وشاهداً على لوحة الصراع الدرامي في مجتمعنا، ولقد كان في اعتقادي بعيداً عن التقاط حقيقة أزمة الفتاة المتعلمة، التي لها موقفها السياسي، والتي تقف مع الرجل ضد كل ما يسلب الإنسان حريته وأحلامه في تقدم طبقته المسحوقة. إن (سمارة بهجت) ، و (سوسن حماد) ، و (زينب دياب) [*] للأسف لا وجود لهن إلا في الاتساق الشكلي لبناء الرواية بمواصفات جاهزة عند نجيب محفوظ، أما الفتاة المصرية المثقفة والمناضلة فلم تلتقطها عدسته الروائية، فهي بعيدة عن عالمه، لأنه هو أيضاً بعيد عن عالمها أيّاً كانت حسن نياته) [٧] . ومن العجيب أن يكون موقف الكاتب من مجتمع الطبقات الشعبية منبثقاً من رؤية طبقية لا من نظرة قيمية، وذلك عندما يمنح إعجابه الفتيات الأرستقراطيات، ويمنعه عن نساء الطبقة العاملة! . يقول الدكتور (عبد المحسن بدر) من حديث له في مكتبه (الأهرام) : (الأرستقراطيات جديرات بالإعجاب، أيّ متعلمةٍ أو رقيقة كانت أرستقراطية، أما سيدات الطبقة العاملة فأرضيات) [٨] . يقول هذا الكلام في الوقت الذي يرسم نده ومعاصره (إحسان عبد القدوس) (ت ١٩٨٩م) صورة مظلمة للطبقة الأرستقراطية عموماً، وصورة حالكة في السواد والتردي الأخلاقي لنساء هذه الطبقة على وجه الخصوص (حيث إنه ما من كاتب استطاع أن يصور الشرائح العليا من البورجوازية المصرية مثله، فقد استطاع النفاذ إلى واقع الحياة الاجتماعية في (الزمالك) ، و (جاردن سيتي) ، واخترق بأعماله الحصار المضروب على (نادي الجزيرة) ، لكي لا تقترب منه أعين الدهماء والصعاليك من أبناء الشعب، ولولا كتاباته لسقط هذا الجانب المهم من الذاكرة التاريخية) [٩] . هل تمالأ الكاتبان ليكملا الحصار على المرأة، فيشوه أحدهما سمعة هذه الطبقة، ويشكك الآخر في عفة الطبقة الأخرى؟ ! وهل بات الفن نوعاً من القذف العشوائي لأخلاقيات المجتمع؛ لييأس المصلحون والتربويون؟ وهل يليق بكاتب بمكانة الأستاذ (نجيب محفوظ) أن يتخذ موقفاً مسبقاً قبْليّاً من المرأة العاملة، فيصمها بالأرضية، وينحاز آليّاً إلى المرأة الأرستقراطية فيجعل الرقة والأرستقراطية وجهين لعملة واحدة؟ وما الفرصة المتاحة للمرأة العاملة (امرأة الحارة) بمستقبل أفضل إن كان الكاتب قد حكم بألاّ مستقبل لها أصلاً؟ ثم: أليس من الجمود الفني أن تكون الشخصية جامدة، ولا تمتلك إمكانات النمو والتطور؟ إن ما حققه الكاتب وما يحققه أي كاتب من مستوى فني متقدم لا يمنع مساءلته، ولا يسقط حق الأمة عبر نقادها ومثقفيها في محاكمة المضامين الفكرية للأعمال الأدبية، لا سيما أعمال المشهورين الذين تتعاقب الأجيال على قراءتهم والتفاعل الإيجابي والسلبي مع هذه القراءة. ومما شجعني على إيلاء الجانب الفكري في أدب محفوظ هذا الاهتمام هو ما قاله بعض الروائيين والنقاد عن محفوظ: إنه مفكر يتقنع بالقناع الروائي. يقول الروائي السوداني (الطيب صالح) : (وليس نجيب محفوظ في اعتقادي رائد الرواية العربية الأول، لكنه من أعظم المفكرين في العالم العربي، وتقوم اقتراحاته كمفكر وليس ككاتب [**] [١٠] . ويقول الدكتور (مصري حنورة) : (لنتفق مبدئيّاً على أن نجيب محفوظ مفكر قبل أن يكون فناناً؛ وأنه لا يكتب أساساً بحثاً عن قيم جمالية، أو استعراضاً لأساليب بلاغية، وإن كان هذا يتم دون عمد منه، كذلك فهو لا يهتم في المقام الأول بأن يقدّم تطويراً لتكنيك فني، حيث إن كل ذلك خارج عن دائرة اهتمام هذا المبدع، فشاغله الأساسي هو قضايا مجتمعه وهموم الإنسان، أي إنه وفقاً لمنظورنا يغلب عليه الجانب المعرفي) [١١] . ويقول ناقد ثالث: (إن المرحلة الجديدة التي دخلت إليها الرواية على يد نجيب محفوظ تتلخص في عدة مميزات، منها: الاهتمام بـ (هموم الفكر) [١٢] . ويقول ناقد رابع: (نظراً لأن الأسلوب الروائي عند نجيب محفوظ أسلوب واضح، وسهل، وخالٍ من التراكيب المفتعلة، وأقرب إلى اللغة العادية، يظل التحليل الأسلوبي لأعماله الروائية محدود الأثر، ونظراً لأن الأعمال الروائية لـ (نجيب محفوظ) تكاد تخلو من الصور الفنية أو المركبة، مثل (وغنى الماء في القنينة) لوصف قرقرة الجوزة، فإن تحليلها يظل أيضاً محدوداً، لذلك يظل النقد البنيوي لمعرفة المعمار الروائي عند (نجيب محفوظ) وأنماطه المثالية السائدة والمتكررة في أعماله الروائية: هو الأكثر غنى للكشف عن العالم الروائي عنده، ويظل النقد الاجتماعي كذلك هو الكاشف للنص الروائي الذي يعكس الواقع الاجتماعي الثقافي والديني والسياسي هو الأكثر مباشرة على الاقتراب من هذا العالم الروائي) [١٣] . ولعل القارئ الكريم يعذرني إن أطلت في هذه النقول لأسباب، أهمها: - أن أدب (نجيب محفوظ) دخل كل بيت تقريباً، إما مقروءاً، وإما مرئيّاً على شاشة (التلفاز) ، وإما مسموعاً من (المذياع) ، ومن حق القارئ على الكاتب وواجب الأخير أن يبين ما فيها من فكر هابط وفن سامق. - قول الناقد (سيد قطب) ﵀ : (إن الناقد في الشرق العربي لا ينهض لتصحيح مقاييس الفن وحدها، ولكن ينهض لتصحيح معايير الأخلاق أيضاً) [١٤] . - ولأن همسات المجتمع تلقين للبطل، وهجمات البطل تجسيم لأحلام المجتمع، فإن معايير البطولة التي تتفاعل معها ولا سيما تفاعلنا مع أبطال كاتب مقروء باستمرار وواسع الانتشار ك (نجيب محفوظ) ينبغي ألاّ تكون فنية محضة. ولعله من ذلك كله يكتسب الحديث عن الخلفية الفكرية لـ (نجيب محفوظ) مشروعيته ويستمد أهميته.

стр. 2396

قراءة في كتاب السقوط من الداخل .. ترجمات ودراسات في المجتمع الأمريكي تأليف / د. محمد بن سعود البشر عرض: محمد حيان الحافظ تمهيد: تحرص مجلة البيان على عرض بعض الكتب والدراسات المتميزة في مختلف فنون المعرفة، مما يفيد القارئ، وينوع ثقافته، ويؤصل وعيه، وقد سبق أن نشرت البيان عرضاً لكتاب آخر للمؤلف نفسه بعنوان (يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة) [*] ، جاء فيه أن مثل هذه الدراسات وإن كانت موجهة أصلاً للشعب الأمريكي، إلا أنها مفيدة لنا معشر المسلمين، فإن دراسة واقع المجتمعات الغربية التي لها علاقات متشابكة مع عالمنا الإسلامي لها أهمية بالغة من عدة جوانب، لعل أبرزها: رصد ظاهرة تأثر الضعيف بالقوي، وظاهرة التقليد عموماً، إضافة إلى استشراف مستقبل هذه الأمم ورصد زمن أفول تلك الحضارات؛ مما يشد أزر المسلمين بعامة، ويدفع المسلمين ممن يعيشون في تلك المجتمعات إلى الاستفادة من الواقع المتردي في عرض دين الإسلام، ولعله يكون عامل نجاة لهم إن آمنوا به. كما أنها تكشف كيف أن عقلاء تلك المجتمعات يحذرون بني قومهم من خطر السقوط؛ لما هم عليه من انحرافات، بينما يخرج من بين قومنا من يعمل جاهداً ليل نهار بإغرائنا بشتى الوسائل حتى نسير وفقاً لتلك الفلسفات المادية والنفعية في الحياة؛ جهلاً منهم وربما تجاهلاً ليسهموا بتغريب مجتمعاتنا وربطها بالتبعية والتقليد. وهيا نتصفح معاً هذا العرض الموجز لهذا الكتاب. - البيان - بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وتحلل الهياكل التنظيمية للكتلة الشرقية، ازداد سطوع نجم الولايات المتحدة في سماء السياسة الدولية، وذهب كثير من المراقبين إلى اعتبارها القوة العظمى في العالم، مستدلين على ذلك بالدور الذي لعبته في تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام ١٩٩١م. بيد أن فريقاً آخر من المحللين والباحثين في مجال العلاقات الدولية يرون أن الولايات المتحدة، وإن كانت تتمتع في الوقت الحالي بمقومات القوة العظمى، إلا أنها تحمل في ذاتها بذور اضمحلالها؛ ففيها من عوامل الضعف الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والسكاني والإداري ما يكفي لانحدارها قريباً وهزيمتها في المنافسة الآتية من كل من الاتحاد الأوروبي واليابان. ويأتي كتاب (السقوط من الداخل) ليسلط الأضواء على نقاط الضعف الموجودة في كلٍّ من الدولة والمجتمع في أمريكا، وما يميز هذا الكتاب عن غيره: أنه شخّص عِلَل المجتمع الأمريكي استناداً إلى شهادات أمريكية مهمة لها وزنها ومكانتها العلمية. والكتاب يقع في (١٤٠) صفحة، ويتضمن (٦) دراسات، الخامسة منها أعدها المؤلف دراسة شخصية له في موضوعها، أما الأخريات: فإن دور المؤلف فيها قد اقتصر على ترجمتها إلى العربية وتقريبها، وتمتاز هذه الدراسات في مجملها بأنها تمثل انعكاساً صادقاً لحقيقة المجتمع الأمريكي وليست انطباعات شخصية لمؤلفيها، كما أنها معززة بالأرقام والجداول الإحصائية الموثقة. الدراسة الأولى: (يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة) : هي دراسة أنجزها باحثان أمريكيان، هما: (جيمس باترسون) و (بيتر كيم) تناولت واقع المجتمع الأمريكي في شتى مناحي الحياة من دينية وسياسية وثقافية واقتصادية وإعلامية، وتمتاز الدراسة بأنها تصف ملامح المجتمع الأمريكي من خلال لقاءات ميدانية أجراها المؤلفان مع عينة كبيرة من الشعب الأمريكي، وأهم الحقائق التي تضمنتها الدراسة ما يلي: - فقدان ثقة المواطنين في قياداتهم السياسية والدينية، وذلك بسبب غياب القدوة، وأدى ذلك إلى اختلاط المعايير وعدم احترام تعاليم الدين؛ لأنها خاطئة حسبما ظهر لهم. - الحياة الشخصية لعامة الشعب الأمريكي تتسم بالنفاق، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، هذا بالإضافة إلى الكذب الذي أصبح عادة في حياة الفرد الأمريكي! - انتشار الزنا، حيث تشيع الخيانة الزوجية هناك، فأكثر من ثلث الأمريكيين المتزوجين كانت لهم أو لا يزالون مرتبطين بعلاقات جنسية غير ... شرعية، وغالبية الشعب الأمريكي تؤمن بأن الاتصال الجنسي مع شخص آخر ... غير الزوج أو الزوجة جائز ومباح. - كثرة جرائم القتل والانتحار والاغتصاب، فنسبة من ارتكبوا جرائم بأنواعها المختلفة يصل إلى ٣٩% من مجموع الشعب الأمريكي، وعدد جرائم القتل بلغ (٢٥) ألف جريمة سنويّاً، ونتيجة لذلك: ينفرط عقد الأمن، ويتضاعف عدد السجناء، وتتزايد حالات عقوبة الإعدام. الدراسة الثانية: (نحن القوة الأولى: أين تقف أمريكا، وأين تسقط في النظام العالمي الجديد؟) أصدر هذا الكتاب (أندرو شابيرو) في عام ١٩٩٢م، كشف فيه المؤلف مواطن الضعف وملامح الانهيار في بنية المجتمع الأمريكي السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.. وغيرها، وذلك في سياق تفنيده لمقولة: إن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة العظمى الأولى في العالم، تلك المقولة التي وردت على لسان الرئيس الأمريكي السابق (جورج بوش) بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، ويرى المؤلف أن الولايات المتحدة هي القوة الأولى، من حيث مؤشرات القوة الاقتصادية والعسكرية، إلا أن عوامل الضعف والتدهور تسري في الوقت ذاته في شتى القطاعات، فمثلاً: تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في الإنفاق على الشؤون الصحية، إلا أنها الدولة الأولى في عدد الوفيات والموت الجماعي للأطفال الرضع، وقد عقد المؤلف مقارنة بين الولايات المتحدة و (١٨) دولة صناعية أخرى، هي: أستراليا، والنمسا، وبلجيكا، وكندا، والدانمارك، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، وأيرلندا، وإيطاليا، واليابان، وهولندا، ونيوزيلندا، والنرويج، وإسبانيا، والسويد، وسويسرا، وبريطانيا. ثم استعرض المؤلف بعد ذلك بشكل أكثر تفصيلاً، مظاهر الضعف في الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها دولة، والتي تشمل مختلف القطاعات: السياسية، والاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية. فبالنسبة للقطاعات السياسية: يرى المؤلف أن ثقة الشعب الأمريكي في الحياة السياسية مهزوزة، وذلك نظراً لما يراه من فساد سياسي وأخلاقي يتجلى في إنفاق بعض المرشحين لعضوية الكونجرس ملايين الدولارات على حملاتهم الانتخابية، ومن مؤشرات الضعف السياسي في الولايات المتحدة: تضخم مديونيتها للأمم المتحدة، وعدم قبولها لتوصيات منظمات ولجان حقوق الإنسان، وضآلة مساهمتها في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث تحتل المرتبة الثامنة عشرة في هذا المجال. وفي الاقتصاد: يلاحظ أن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في العالم في عدد المليونيرات، بينما تضم في الوقت ذاته أكبر نسبة من الأطفال البائسين الذين يعيشون فقراً مدقعاً، حيث يعيش خُمْس الأطفال الأمريكيين وعُشر المواطنين البالغين في فقر مدقع، كما يوجد بالولايات المتحدة ما يقرب من ثلاثة ملايين مواطن بلا سكن، ٤٦% من المواطنين السود، و١٥% من أصول إسبانية أو برتغالية أو أمريكية لاتينية. وفي مجال الدفاع: تعتبر الولايات المتحدة هي الدولة الأولى في العالم من حيث الإنفاق الدفاعي، ولكن هذا يأتي على حساب مجالات أخرى، كالرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي، وفي المقابل: تعاني الولايات المتحدة من عجز كبير في الميزانية العامة، بحيث وصل العجز في عام ١٩٩١م إلى ما يقارب (٢٧٩) بليون دولار، وفي عام ١٩٩٢م وصل إلى (٣٦٢) بليون دولار. أما الديون الخارجية: فقد وصلت إلى (٤٠٠) بليون دولار، وهذا فقط جزء من المديونية العامة للدولة التي تصل إلى (٢، ٢) ترليون دولار. وفي التعليم: يلاحظ ارتفاع معدل الأمية، حيث يبلغ عدد الأميين (٢٧) مليوناً، كما يتدنى مستوى التحصيل العلمي في صفوف الطلاب، وبالنسبة لنسبة العلماء إلى المواطنين، فإنها ٥٥ لكل ١٠٠٠ مواطن، وهي دون النسبة الموجودة في الدول المتقدمة الأخرى. وفي مجال الحياة الاجتماعية: تقع في الولايات المتحدة أكثر من عشرين ألف جريمة سنويّاً، بمعدل جريمة واحدة كل ٢٥ دقيقة، وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الصناعية في عدد حالات الاغتصاب المسجلة رسميّاً، أما جرائم تعاطي المخدرات: فعددها مليون جريمة سنويّاً، وتتزايد فيها حالات تعاطي الكوكايين والماراجوانا، كذلك تشيع في المجتمع الممارسات الجنسية غير الشرعية، إذ تصاب! فتاة واحدة من بين كل عشر فتيات بين سن الـ ١٥ والـ ١٩ بأعراض الحمل نتيجة الممارسة الجنسية غير المشروعة، كذلك تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى من بين الدول الصناعية في عدد حالات الإصابة بالإيدز، ولقد مات بسبب هذا المرض أكثر من ١٣٠.٠٠٠ أمريكي، وقبل حلول عام ١٩٩٣ م أصيب أكثر من ٤٨٠.٠٠٠ أمريكي بالمرض نفسه. الدراسة الثالثة: (دولة من شعبين: البيض والسود.. تمييز، وانفصال وعداء، وعدم مساواة) : وهي بقلم البروفسور (أندرو هيكر) ، وصدرت في عام ١٩٩٢م، وقد تناول فيها قضية التمييز العنصري في الولايات المتحدة بين المواطنين البيض والمواطنين السود، وانعكاساتها على المجتمع الأمريكي، حيث استعرض المؤلف المتاعب والمضايقات التي يتعرض لها السود من قِبَل البيض على المستوى الشعبي وعلى المستوى المؤسسي، حيث تحدث المؤلف عما أسماه بـ (العرقية المؤسساتية) التي قد تحدث في الكنيسة أو الجامعة أو الشركات التجارية أو الدوائر الرسمية الحكومية كالمباحث الفيدرالية ومديرية أمن (لوس أنجلوس) ، كذلك تناول المؤلف موقف كل من المحافظين البيض والليبراليين من السود، وذكر المؤلف أن السود لا يزالون يواجهون مضايقات من جراء وضع العقبات أمام توظيفهم، ويختم البحث بإثارة نقطة على صعيد العنصرية السياسية، تتمثل في كون عملية الاقتراع في الانتخابات تتم وفقاً للأصل العرقي للمرشح، بمعنى أن كثيراً من الناخبين البيض في الولايات المتحدة يصوتون للمرشح الأبيض، بينما يصوت السود لصالح المرشح الأسود. وننتقل إلى الدراسة الرابعة، وعنوانها: (السقوط التراجيدي.. أمريكا عام ٢٠٢٠م) : وقد أصدرها الجنرال المتقاعد (هاميلتون هوز) في عام ١٩٩٢م، وهو رجل أمريكي شغل عدة مناصب عسكرية مهمة في بلاده، والكتاب يتناول الخصائص العامة للمجتمع الأمريكي في شتى مناحي الحياة: السياسة، والاقتصاد، والصحة، والتعليم، والمخدرات، والجريمة، والأخلاق، مع تركيز واضح على الفساد السياسي في الحكومة والدستور والقانون الجنائي، ويرى المؤلف أن العالم لم يعد ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة فريدة في العالم، وأن أهم علل المجتمع الأمريكي: تردي الأخلاق، ويظهر ذلك في الممارسات الجنسية الشاذة، كما يتحدث المؤلف عن الجريمة والقانون الجنائي الأمريكي، فيذكر أن معدلات الجريمة قد ارتفعت، وذلك بسبب فساد القانون الجنائي الأمريكي، إذ يوجد تساهل كبير في إصدار الأحكام القضائية على المجرمين، كذلك يعاني المجتمع الأمريكي من عجز في الميزانية وتضخم المديونية؛ نتيجة للفساد السياسي والاقتصادي وعجز الحكومة عن إيجاد حلول لمشكلات تعاني منها البلاد، مثل: مشكلة الجريمة، والمخدرات، والعجز في الميزانية، وارتفاع الضرائب، وتردي النظام التعليمي، والعنصرية، ويختم المؤلف كتابه بالتعبير عن قلقه على الولايات المتحدة التي لن تستمر طويلاً في كونها القوة العظمى الوحيدة في العالم؛ وذلك مرده إلى الانحطاط الأخلاقي وانهيار القيم على كافة المستويات: المجتمع، والكونجرس، والقضاء. الدراسة الخامسة: (البيت الأبيض.. تسييس الشذوذ في وضح النهار) : وهي لمؤلف الكتاب الذي نعرض كتابه: د. (محمد بن سعود البشر) ، تناول فيها حركة الشواذ جنسيّاً في المجتمع الأمريكي وازدهار نشاطهم في عهد الرئيس الأمريكي الحالي (بيل كلينتون) ، حيث إنهم ساندوا حملته الانتخابية، ولذلك كافأهم بعد تنصيبه بأن اعترف بمطالبهم، ووعد بالعمل على تلبيتها في رسالته التي بعث بها إليهم وهم يتظاهرون أمام البيت الأبيض في السادس والعشرين من أبريل ١٩٩٣م، ويذكر المؤلف أن ظهور فئة الشاذين جنسيّاً يرجع إلى عقد السبعينيات، أما نشاط هذه الفئة فقد امتد ليشمل مجالات عديدة من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والترفيهية، ويذكر المؤلف أن من أهم وأخطر أسباب ظاهرة الشواذ جنسيّاً في المجتمع الأمريكي: التغلغل اليهودي في مراكز القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع الأمريكي، وما سببه من (شذوذ) حضاري في واقع الحياة الاجتماعية في أمريكا، فليس صحيحاً أن الحركة اليهودية موجهة ضد المسلمين فقط، وإنما هي حركة تهدف إلى تدمير الأخلاق، وانتشار الفاحشة، وهدم مبادئ الدين للمجتمعات الغربية أيضاً، فهم أحد أسباب طغيان المادية والانحطاط الأخلاقي الذي نشاهده اليوم في عالم الغرب. الدراسة السادسة: (ليست للبيع بأي ثمن ... .. كيف نحفظ أمريكا لأطفالنا؟) : ... وهي لـ (روس بيرو) ، رجل الأعمال الأمريكي الشهير الذي رشح نفسه لانتخابات الرئاسة الأمريكية ١٩٩٢م، وهزم فيها أمام مرشح الحزب الديمقراطي (بيل كلينتون) . يناقش هذا الكتاب المشكلات التي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، مع اهتمام واضح بالوضع المتردي للاقتصاد الأمريكي الذي يعزوه في الأساس إلى فساد الحكومة والكونجرس، ويذكر (بيرو) أن أمريكا هي أكثر الدول الصناعية عنفاً، وأن نظام التعليم فيها هو أقل الأنظمة التعليمية كفاءة مقارنة بأنظمة التعليم في الدول الصناعية، ويذكر أيضاً أن هناك غلاءً فاحشاً في الخدمات الصحية، كما أن علامات التصدع والانهيار بدأت تظهر على الطرق السريعة والجسور والأنفاق، ويلوم (بيرو) الساسة الأمريكيين لعدم جديتهم في تطبيق الفلسفة الرأسمالية، وانشغالهم بدلاً من ذلك بفرض القوانين، وزيادة معدلات الضرائب، وجمع الأموال .. لتمويل الحملات السياسية، وعن الدّين العام: ذكر (بيرو) أنه بلغ أكثر من أربعة تريليونات دولار، وأن ديون الولايات المتحدة قد زادت بمقدار ثلاثة تريليونات خلال اثنتي عشرة سنة فقط، وهو ما يعني: أن الزيادة كانت بمعدل تريليون واحد لكل فترة رئاسية، وعن البطالة في الولايات المتحدة، قال (بيرو) : إن الشركات الكبرى هناك أخذت في تقليص حجمها، وتقليل كميات إنتاجها، وتسريح بعض مستخدميها، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، حيث فقد المجتمع الأمريكي أكثر من ٧٠٠ ألف وظيفة في القطاع الصناعي الخاص) ، ويختم بيرو كتابه بالحديث عن فقر الأطفال في بلاده، حيث يذكر أن خُمْس أطفال أمريكا يعيشون في مستوى الفقر المعروف دوليّاً.

стр. 2397

المسلمون والعالم جماعة الأحباش.. حقيقتهم وآراؤهم بقلم: عبد الرحمن بن عبد الله الحجاج لا شك أن الابتداع في الدين قد ذمته نصوص السنة صراحة ونصوص الكتاب ضمناً، والبدعة مذمومة ذم الكفر إذا كانت مكفرة، وذم الفسوق والعصيان إذا كانت أدنى من ذلك، ومن عموم النصح للمسلمين: تعرية الفرق والجماعات والمذاهب المبتدعة، وكشف عقائدهم الباطلة.. ومن تلك الجماعات: جماعة الأحباش، التي سوف نستعرض في هذه المقالة واقعها وما هي عليه من الضلال والانحراف. أولاً: تاريخ ونشأة الأحباش: ينتسب الأحباش إلى شيخهم عبد الله الهرري الحبشي، والهرري نسبة إلى بلاد (هرر) في الحبشة، وينسب نفسه إلى بني عبد الدار، وقد جاء إلى بلاد الشام سنة ١٣٧٠هـ (١٩٥٠م) [١] تقريباً. وقد بدأ في نشر عقيدته الفاسدة في سوريا، حيث وجد بعض القبول عند بعض مشايخ الطرق الصوفية، وقد تصدى للحبشي وأفكاره المنحرفة الشيخ (محمد ناصر الدين الألباني) ، فإن له عدة ردود عليه ومقالات في نقده، أهمها: كتاب (تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره) ، وكتاب (الرد على التعقيب الحثيث) ، حيث رد فيهما على الحبشي، وبيّن قلة علمه في الحديث. ولما لم يجد الحبشي في سوريا أرضاً خصبة لترويج عقيدته الفاسدة وأفكاره المنحرفة، انتقل إلى لبنان واستغل ظروف اضطراب البلاد في حربها الأهلية الأخيرة بعد عام ١٩٧٥م، واتخذ من بيروت مستقراً له في منطقة (برج أبي حيدر) ، ثم أخذ يتردد على طرابلس، ويجالس الناس في المقاهي، ويجمعهم حوله، ويؤول لهم الرؤى والأحلام، ويروي لهم القصص، فاجتذبهم من هذا الباب؛ حيث إن عوام الناس بطبعهم يحبون القصص والقصاصين والخرافة وتفسير الأحلام. وبهذا الأسلوب تزايد أتباعه، وخاصة أن في مذهب الأحباش ما تشتهيه الأنفس المريضة من اللهو واللعب، بل إن كل مريد يجد مراده في هذا المذهب، فمريد التصوف والخرافات يجد مراده، ومريد الانحراف الخلقي يجد بغيته بما ستراه من تأويلات باطلة، وكل صاحب هوى يجد شهوته. ويزعم الأحباش أنهم أهل السنة والجماعة! وهم أبعد الناس عنها، بل هم أعداء السنة الذين يكيدون لها، وقد حذر منهم كثير من أهل العلم، منهم: الشيخ الألباني، كما ذكرنا سابقاً، والشيخ عبد العزيز بن باز، حيث يقول: (إن هذه الطائفة معروفة لدينا، فهي طائفة ضالة، ورئيسهم المدعو عبد الله الحبشي معروف بانحرافه وضلاله، فالواجب مقاطعتهم وإنكار عقيدتهم الباطلة، وتحذير الناس منهم، ومن الاستماع لهم، أو قبول ما يقولون) [٢] . وقد صدرت بعض الكتب للرد على هذه الطائفة الضالة، منها: (الرد على الشيخ الحبشي) ، عثمان الصافي. (استواء الله على العرش) ، أسامة القصاص. (الاستواء بين التنزيه والتشويه) ، عوض منصور. (إطلاق الأعنة في الكشف عن مخالفات الحبشي للكتاب والسنة) ، للهاشمي. (الرد على عبد الله الحبشي) ، عبد الله محمد الشامي. (بين أهل السنة وأهل الفتنة) ، عبد الله الشامي. (شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة) ، عبد الرحمن دمشقية. (موسوعة أهل السنة في نقد أصول وشبهات أهل البدعة) ، وهو كتاب ضخم، يقع في حوالي خمسمئة صفحة، لم يصدر حتى الآن، لعبد الرحمن دمشقية. ثانياً: عقيدة الأحباش: عقيدة الأحباش عقيدة فاسدة مباينة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وهي خليط من عقائد الفرق الضالة، وهي عقيدة متناقضة، وتتضح معالم الانحراف والضلال لديهم فيما يلي: ١- صفات الله : ينفي الأحباش جميع الصفات التي وصف الله (جل وعلا) بها نفسه، ولا يثبتون إلا ما تتخيله عقولهم القاصرة، زاعمين أنهم بِرَدِّ هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ينزهون الله، وهم يُكَفِّرُون كل من يثبت هذه الصفات لله، ويتهمونه بأنه مشبه ومجسم. وللأحباش طريقة عجيبة في نفي صفات الله (جل وعلا) أو كما يقولون: لتنزيهه، وذلك بمقارنته بالمخلوق، فيقولون: المخلوق له يد، فالله منزه عن اليد، والمخلوق له قدم، فالله منزه عن القدم، والمخلوق له عينان، فالله منزه عن العينين، ويتجاهلون أن الله ليس كمثله شيء، وأن صفاته ليست كصفات المخلوقين، فإثبات هذه الصفات كما يليق بجلاله لا يستلزم تمثيله بمخلوقاته. وقد وصل الأمر بالأحباش إلى كلام عن اللسان والحنجرة والأسنان، بل إلى الإليتين! ! ، فقالوا: (إذا قلنا: إن الله مستو على العرش، فمعنى ذلك أن له إليتين) [٣] ، انظر إلى هذه الجرأة في حق الله (جل وعلا) وإلى هذا الجهل ... المطبق.. [سبحانه وتعالى عما يقولون علوَْا كبيرْا] . ويقوم الأحباش بنفي بعض الصفات عن الله (تعالى) تفصيليّاً بطريقة بدعية، ويقارنون ذات الله بذوات المخلوقين، فيقولون: الله ليس كالرجل الضخم، الله ليس كذا وكذا، مما يطبع في ذهن السامع صوراً وأشكالاً وتفكراً في ذات الله ، وقد ورد عن ابن عباس ﵁ موقوفاً، وروي مرفوعاً إلى النبي: (تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله) [٤] . والمعلوم أن طريقة القرآن في الغالب هي أن نفي النقائص عن الله يكون مجملاً، وإثبات الكمال لله يكون مفصلاً، بخلاف طريقة أهل البدع التي تقوم على النفي المفصل والإثبات المجمل، وأيضاً: إن هذا النفي المفصل والذي يسميه الأحباش تنزيهاً يعتبر ذمّاً وليس مدحاً؛ فلو قلت لرجل: أنت لست سارقاً ولا زانياً ولا كلباً ولا قذراً.. إلخ.. ألا يغضب هذا الرجل، ويعتبر هذا التنزيه عن هذه النقائص ذمّاً؟ ، فكيف بمقام رب العالمين، (سبحانه وتعالى عما يقولون علوّاً كبيراً) . وقد أورد الله (تعالى) في كتابه العظيم هذا النفي مجملاً، فقال: [هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياً] [مريم: ٦٥] ، وقال: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] [الشورى: ١١] ، وقال: ... [لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ] [الإخلاص: ٣، ٤] . ولكن أنّى لهم أن يفقهوا العقيدة الصحيحة في الله (تعالى) ، وفاقد الشيء ... لا يعطيه. ٢- توحيد الله (جل وعلا) : التوحيد عند الأحباش هو توحيد الربوبية فقط، وهو توحيد الله بأفعاله، كالاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق.. وقد تأثروا في ذلك بالفلاسفة والمتكلمين، وهذا التوحيد آمن به حتى مشركو قريش، يقول (تعالى) : [وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] [العنكبوت: ٦١] ويقول: [وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] [العنكبوت: ٦٣] ، ولكن هذا التوحيد لم يكتمل لديهم، ولو اكتمل لم ينفعهم؛ لأنه يلزم معه توحيد الألوهية، وهو توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والاستعاذة.. والأحباش هم أعظم الناس نقضاً لتوحيد الألوهية؛ حيث أباحوا الشرك الأكبر، كدعاء الأولياء، والأموات، والاستغاثة بهم.. وفي هذا يقول شيخهم: (الاستغاثة بغير الله والاستعانة لا تعتبر شركاً، كما زعم بعض الناس، فلو قال قائل: يا رسول الله.. المدد! ، فهو صار كافراً عندهم) [٥] ويقول: (إني لأعجب من هؤلاء الذين يكفرون المسلمين لمجرد التمسح بقبر وليّ أو قولهم: يا رسول الله المدد) [٦] ، وقال شيخهم عن حكم من يستغيث بالأموات ويدعوهم، كأن يقول: يا سيد يا بدوي أغثني، يا سيدي دسوقي المدد.. فقال: (يجوز ذلك، فإنه يجوز أغثني يا بدوي، ساعدني يا بدوي) فقيل له: إن الأرواح تكون في برزخ معين، فكيف يستغاث بهم وهم بعيدون؟ فأجاب بقوله: (الله (تعالى) يكرمهم بأن يسمعهم كلاماً بعيداً وهم في قبورهم، فيدعون لهذا الإنسان وينقذه، وأحياناً: يخرجون من قبورهم فيقضون حوائج المستغيثين بهم، ثم يعودون إلى قبورهم) [٧] . وهذا والله من أعظم الشرك والعياذ بالله، وكأنهم لا يقرؤون قول الله (تعالى) : [وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً] [الجن: ١٨] ، وقوله (تعالى) : ... [إن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ] [فاطر: ١٤] ، وقوله عن رسول الله: [إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى] [النمل: ٨٠] ، وقوله (تعالى) على لسان رسوله: [قُلْ إنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَراً وَلا رَشَداً] [الجن: ٢١] ، [قُل لاَّ أََمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَراً إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [الأعراف: ١٨٨] . ثم: ألا يعلم هؤلاء أنهم بهذا الدعاء يعبدون موتاهم؟ ! ، كما أخبر (عليه الصلاة والسلام) بقوله: (الدعاء هو العبادة) [٨] ، وقوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) [٩] . ٣- رسول الله ﷺ وسنته: عقيدة الأحباش في رسول الله ﷺ عقيدة غريبة عجيبة، فهم غلاة في مواطن، وجفاة في مواطن أخرى؛ حيث يستغيثون به، ويطلبون منه المدد والعون، ويجعلون ذلك من القربات ومن دواعي محبته، بل من لوازمها أحياناً، فهم مخالفون معاندون لأمره وهديه ﷺ ، حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله) [١٠] ، وعندما قال أحد أصحابه: ما شاء الله وشئت، قال: (جعلتني لله عدلاً، ما شاء الله وحده) [١١] . ومن جهة أخرى: فالأحباش مجحفون في حقه ﷺ بعدم اتباعهم هديه، ثم بقولهم وإعلانهم أنه يكفي أن يصلي المسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة واحدة في عمره كله.. وأهل السنة والجماعة الذين يدعي هؤلاء أنهم منهم يقولون بمشروعية وتأكيد الصلاة عليه ﷺ في مواطن كثيرة، وأن تاركها آثم، وخاصة عند ذكره ﷺ ، حيث قال: (رَغِمَ أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليّ) [١٢] ، وقال أيضاً: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ) [١٣] ، والأحباش مخالفون لسنته -صلى الله عليه وسلم- أشد الخلاف، ولهم شغف بالبدع، كبدعة الاستغاثة به -صلى الله عليه وسلم-، وبدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وهذه من ضروريات مذهبهم، وهم يحتفلون بها على أكبر نطاق، ويقيمون لذلك صالات الاحتفالات الكبيرة، ويحتفلون بالمناسبات البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويملؤون الشوارع بإعلاناتهم لذلك، بل إنه في بعض البلاد ينقل التلفزيون هذه الاحتفالات باسم الإسلام. ولا يكتفي الأحباش بهذه البدع، بل تعدى ذلك إلى خرافات المتصوفة وانحرافاتهم، فهم أي الأحباش يعظّمون أئمة يعظّمون أئمة التصوف الزنادقة، ويترضون عنهم، ويطعنون فيمن يتكلم فيهم بسوء، ويتهمونه بأنه يكفّر علماء المسلمين [١٤] .

стр. 2398

المسلمون والعالم جهود الرافضة.. في الجزر الفلبينية بقلم: محمد بن عبد الله المهاجر مدخل: لما كنت من الراصدين لنشاط الروافض في الفلبين منذ سنوات: فقد توقفت عند كل ذلك طويلاً، متأملاً ما يبذلونه من جهود كبيرة لنشر مبادئهم في أوساط المسلمين بالفلبين كما سيتضح من هذا الموضوع. وقررتُ مستعيناً بالله كشف تلك الأفاعيل التي تجتاح هذه البلاد على حين غفلة من بعض أهلها. فتعالوا معي للاطلاع على تلك الحقائق والوقوف على آليات تحركهم من ... ناحية، والتعرف على الخطر الداهم الذي يُهدد مسلمي هذه البلاد في دينهم من ناحية أخرى! ! متى ... وكيف دخل الرافضة الفلبين؟ ! يحدد بعض المراقبين عام ١٩٦٦م بداية لدخول الشيعة إلى الفلبين، ومنذ ذلك التاريخ وحتى العام ١٩٧٦م، كان نشاط الشيعة يقتصر على مجهودات فردية غير منظمة لعدد من الطلاب الإيرانيين الوافدين للدراسة في الجامعات الفلبينية، إلى أن وقعت حادثة أدت إلى توقف هذا النشاط بشكل مؤقت، حيث قتل اثنان من أولئك الطلاب الإيرانيين الذين كانوا يدرسون في جامعة (مينداناو (الحكومية، وكانوا من أبرز الناشطين في الدعوة لمذهبهم بين مسلمي (مينداناو (، وذلك في ظروف غامضة، ولم يعرف حتى اليوم الدافع وراء القتل أو من هم منفذوه. والجدير بالذكر أن من العوامل المهمة التي ساعدت أولئك الطلاب على حرية الحركة والانتشار: خصوصية العلاقات السياسية المتميزة التي كانت تربط دولة الفلبين سابقاً بقيادة (ماركوس) ودولة إيران بقيادة (الشاه رضا بهلوي) حيث كان الاثنان من أوفى عملاء أمريكا في تلك الحقبة الزمنية البائدة. وعلى إثر وصول (خميني) إلى كرسي الحكم في طهران أخذت حكومة الآيات على عاتقها تصدير دين الرفض وخرافات (خميني) وأمثاله، التي بثوها عبر منشوراتهم عن طريق وسائل إعلامهم الأخرى. ومن هنا: تحولت سفارات إيران في الخارج إلى بؤر لنشر مذهبهم، ولما كانت سفارتهم في الفلبين من أكبر أوكارهم بالخارج، ومن أكثرها حركة وإمكانات: فقد عرّض ذلك مسلمي الفلبين لجرعة كبيرة من دعاياتهم، هذا بالإضافة لعدة عوامل أخرى حفزت الرافضة وجعلتهم يولون اهتماماً كبيراً لاختراق المجتمع المسلم الفلبيني السني، ومن أهم هذه العوامل ما يلي: ١- تأثر بعض القبائل الفلبينية المسلمة بعادات واعتقادات الشيعة، وإقامة الاحتفالات الشيعية البدعية التي ورثوها من قديم الزمان، حيث إن دعاة الإسلام الأوائل الذين قدموا لجزر الفلبين من حضرموت بجنوب الجزيرة العربية كانوا من الصوفية الذين يشتركون مع الرافضة في المظاهر البدعية المعروفة، وقد تلقت منهم هذه القبائل الإسلام على نحو ما يعتقده أولئك، ولا زالت حتى اليوم بقايا من هذه المعتقدات والمظاهر بين تلك القبائل. ٢- يشكل المسلمون في الفلبين نسبة مقدارها (١٢%) من مجموع السكان، وهي نسبة لا بأس بها لأقلية تتجمع في جزيرة من جزر الجنوب الثلاث مما يسهل عملية انتشار الدعوة بين صفوفهم. ٣- تردي الحالة الاجتماعية والاقتصادية لمسلمي الفلبين وحاجتهم الماسة للمساعدة، حيث يمكن الدخول عليهم من هذا الباب الواسع. ٤- وجود سفارة إيرانية ذات إمكانات كبيرة وعدد غفير من الطلاب الإيرانيين الدارسين في الجامعات الفلبينية المختلفة، والذين ينظمون أنفسهم تحت ما يسمى بـ (اتحاد الطلاب الإيرانيين بالفلبين) . ٥- انتشار الجهل والتخلف بين كثير من المسلمين في الفلبين؛ مما يجعلهم صيداً سهلاً لأصحاب المذاهب المنحرفة والاتجاهات الهدامة. الطرق والوسائل التي اتبعها الرافضة: لقد اتبع الرافضة طرقاً شتى وفاعلة للوصول لأهدافهم، من أهمها ما يلي: ١- الإغراء بالمال: لقد كان المال من أقوى الوسائل التي أغروا بها مسلمي الفلبين، فقد دخلوا إلى الفلبين بأموال كثيرة لثقتهم بالأثر القوي جدّاً لهذا العنصر في بلد يعاني مسلموه من فقر شديد، فاستغلوا حاجة الناس أسوأ استغلال، تماماً كما يفعل المنصرون، ولعلنا نستطيع القول بداية بأن نسبة النجاح التي حققوها في الفلبين إنما وصلوا إليها فقط بما ينفقونه من أموال. ٢- توجيه الدعوات للعلماء والدعاة لزيارة إيران: لقد حرص الرافضة منذ البداية على توجيه دعوات رسمية للعلماء والدعاة من أهل السنة لزيارة إيران ويقومون بتقديم كل التسهيلات اللازمة لهم من مصاريف وتذاكر سفر وتأشيرات وتنظيم لقاءات رسمية مع رؤساء ومسؤولي الحكومة في طهران، بل وحتى إصدار وثائق سفر إيرانية خاصة لبعضهم، وتسفير من يريد عن طريق أوروبا بطريقة غير مباشرة؛ حتى لا تعرف ذلك عنه الحكومة الفلبينية، مع عدم وضع تأشيرات في جواز سفره الأصلي. والمؤسف أنه قل أن يَسْلَم أحد من مسلمي الفلبين ممن زار إيران من التشيع باستثناء اثنين فقط من العلماء. ٣- تنظيم المؤتمرات والندوات: ينظم الروافض الإيرانيون في الفلبين مؤتمرات وندوات ينفقون عليها أموالاً ليست قليلة، وغالباً ما تعقد هذه الندوات والمؤتمرات في المناسبات الدينية الشيعية مثل عاشوراء وغيرها أو المناسبات الوطنية الإيرانية، وقد أعد أول مؤتمر لهم في الفلبين في عام ١٩٨٤م، في محافظة (لاجونا) المجاورة لمنطقة العاصمة (مانيلا) ، وقد أشرف على ذلك المؤتمر الإيراني المدعو (علي مرزا) وهو أنشط رافضي في الفلبين في مجال الدعوة لمذهبه، وتقول بعض المصادر الفلبينية أن (مرزا) هذا مرتبط بأجهزة الاستخبارات الإيرانية. وقد دعي لهذا المؤتمر أكثر من سبعين من العلماء المحليين تحت شعار (توحيد صفوف علماء مسلمي الفلبين) وفي ختام المؤتمر وجهت الدعوة الرسمية لسبعة من المؤتمرين لزيارة (طهران) ، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم يشكل خمسة من أولئك السبعة الدعامة الرئيسة للدعوة الرافضية في الفلبين، وعلى رأس هؤلاء: المدعو (علوم الدين سعيد) والذي لقّبُوه بإمام الفلبين! ! . أما عن الندوات العامة: فإنهم يستغلونها لدعوة العوام وإيقاع جهال الناس في شراكهم. ٤- وسائل الإعلام: يقوم الرافضة في الفلبين باستغلال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة، خاصة المقروءة بشكل واسع، فيقومون بنشر كتبهم ومطبوعاتهم باللغات العربية والإنجليزية، وقد قام المدعو (علوم الدين سعيد) بترجمة بعض الكتب الشيعية إلى اللغة المحلية (المراناو) ، ويقومون بتوزيع هذه المطبوعات على المدارس والمعاهد الإسلامية وحتى الأشخاص عن طريق عناوينهم البريدية، دون علم أصحاب هذه العناوين، ومن أشهر تلك الكتب التي يقومون بتوزيعها كتاب (ثم اهتديت) . أما عن الوسائل المسموعة: فيقوم الروافض المحليين بتأجير بعض ساعات الإرسال في إذاعة مدينة (مراوي) الإسلامية، ويتعمدون خلال ذلك مهاجمة علماء ودعاة أهل السنة كما أن القسم الثقافي في سفارة إيران في (مانيلا) يقوم ببث برنامج أسبوعي عبر ما يسمى بـ (إذاعة الهداية صوت الإرشاد) DWBL. هذا بالإضافة إلى توزيع الآلاف من صور (خميني) و (خامنئي) أمام المساجد في أيام الجمع والمناسبات والاحتفالات الدينية. ٥- تأسيس مكتبات عامة ومساجد ومدارس خاصة: لقد عمد الرافضة الإيرانيون بالتعاون مع الرافضة المحليين إلى إنشاء ثلاث مكتبات عامة في مواقع تَجمّع المسلمين، فأقاموا اثنتين في مدينة (مراوي) حيث تبلغ نسبة المسلمين فيها ٩٥%من السكان، الأولى أطلقوا عليها (مكتبة حزب الله) ، ويقوم بالإشراف عليها بعض المثقفين ثقافة غربية من أبناء الفلبين، وملحق بهذه المكتبة مطبعة لطباعة الكتب، أما المكتبة الثانية: فهي (مكتبة وردة الزمان) ويقوم بالإشراف عليها بعض العلماء الذين تشيعوا، أما الثالثة: فقد أُنشئت بضاحية (تاجيج) بالقرب من مدينة (مانيلا) ويطلق عليها (مكتبة الإمام خميني) . أما عن مساجد الرافضة في الفلبين: فقد لجؤوا لإنشاء مساجد خاصة بهم لإقامة شعائرهم وطقوسهم الخاصة، وذلك بعد أن ضيق عليهم الدعاة والأئمة المخلصين الخناق، ولم يمكنوهم من اعتلاء منابر مساجد أهل السنة كما كان الحال قبل معرفة حقيقة هذه الدعوة. ويقع مسجدهم الرئيس في مدينة (مراوي) بجزيرة (مينداناو) ، وملحق به مدرسة لأطفال المسلمين، ويتولى الإمامة فيه (علوم الدين سعيد) ، ويطلق عليه (مسجد كربلاء) ، أما المسجد الثاني: فيقع في مدينة (باكولود) بجزيرة (بيسايس) بوسط الفلبين، والثالث: ببلدية (ألاباتج) بالقرب من (مانيلا) بجزيرة (لوزون) ، وبهذا يكونون قد غطوا الجزر الثلاث الرئيسة لدولة الفلبين بمساجدهم. ويجدر أن نشير إلى أنهم قد تمكنوا بإغراءات مادية من السيطرة على المدرسة العربية الواقعة بقرية (مهارليكا) من ضواحي (مانيلا) ، وقد أدخلوا ... في منهجها الدراسي مادة اللغة الفارسية على حساب اللغة العربية! ! ٦- المنظمات والجمعيات: وحتى يتمكن الروافض من اختراق المجتمع المسلم بفئاته المختلفة فقد أقاموا ثلاث جمعيات متعددة، لكل جمعية نشاط موجه لقطاع معين من المجتمع المسلم، فالأولى وهي عامة تسمى (منظمة أهل البيت) ، ومقرها الرئيس مدينة (مراوي) ، وعلى رأسها إمام الرافضة في الفلبين، وينضوي تحت لوائها عدد ممن بدل جلده من العلماء، أمثال: (علي سلطان) ، و (جنيد علي) ، و (عبد الفتاح لاوي) . أما الجمعية الثانية ونشاطها موجه للشباب بشكل خاص فيطلق عليها: (مؤسسة حزب الله) ، ويتولى الإشراف عليها مجموعة من ذوي الثقافة الغربية، ومقرها مدينة (مراوي) أيضاً، والجمعية الثالثة: جمعية نسائية، وتسمى (مؤسسة فاطمة) ، وتقع في مدينة (مانيلا) ، وتضم بعض النسوة العلمانيات ومجموعة من النساء معتنقات الإسلام حديثاً. ٧- زواج الإيرانيين من النصرانيات الفلبينيات: لما كان عدد الإيرانيين خاصة الطلاب في الفلبين كبيراً: فقد لجؤوا لطريقة جديدة لتكثير سوادهم ونشر مذهبهم، وهي الزواج من الفتيات النصرانيات الفلبينيات، وبذلك نجحوا في إخراج جيل فلبيني جديد رافضي قلباً وقالباً! ! مدى إقبال المسلمين على المذهب الشيعي: يمكن القول بأنهم في البداية أدخلوا المذهب الشيعي على مسلمي الفلبين، فنجحوا في جذب أعداد غير قليلة إلى دعوتهم، وسارت في ركابهم أعداد أخرى، ولم يكن ليتصدى لهم أحد، معتمدين على جهل كثير من مسلمي هذه البلاد بحقيقة دعوتهم، ومروجين لشعاراتهم الزائفة، إلا أنه مع عودة الدفعات الأولى من الدعاة الفلبينيين الذين أتموا دراساتهم الشرعية في الدول الإسلامية، بدأت الأمور تأخذ منحًى آخر، حيث قاد هؤلاء حملات التصدي لدعوة الرافضة، وتصاعد هذا التصدي حتى أخذت الدعوة الرافضية في الانحسار، وتنبه عوام الناس لحقيقة دعوتهم، وعاد كثير منهم إلى الحق تاركين خلفهم بقية من المنتفعين، وعماة الجهل، وأصحاب العقد النفسية الذين وجدوا لأنفسهم متنفساً في الدعم الإيراني المادي والمعنوي، وكان للجمعيات الخيرية العاملة في الدعوة إلى الله في الفلبين جهود مشكورة في بيان مكر وخداع الرافضة في الدعاية لمذهبهم، حيث كشفوا كثيراً من مخططاتهم بوسائل الدعوة، ومنها: ١- الدراسة في المدارس الإسلامية. ٢- نشر الكتب الشرعية التي توضح انحرافاتهم العقدية وترجمتها. ٣- الدروس الدعوية والمحاضرات التي تبين حقيقة هذا الدين دون زيادة أو نقصان [*] . الحصاد المر: منذ أن عمل الرافضة على نشر دعوتهم بين المجتمع الفلبيني المسلم ولم يحصد مسلمو هذه البلاد إلا مزيداً من التناحر والخلافات وشق الصفوف، هذا في الوقت الذي هم في أمس الحاجة بوصفهم أقلية لجمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم! ! نعم، فلم يدخل الرافضة على مسلمي الفلبين حاملين معهم الغذاء والدواء كما يفعل المنصرون ودعاة المذاهب الشيطانية الأخرى، إنما دخلوا عليهم حاملين السب واللعن والطعن والتسفيه لأهل السنة والجماعة وعلمائهم سلفاً وخلفاً، مما أشعل الفتنة (لعن الله من أيقظها) بين الإخوة في الدين، وغدت محطة إذاعة مدينة (مراوي) ميداناً للتهجم على أهل السنة وعرض الخلافات بين أبناء المجتمع الواحد، هذا في دولة يتربص بمسلميها عدو صليبي حاقد! ! ومن ناحية أخرى: ساد اتجاه جديد بين عوام الناس، وهو: أنه كلما عرض عليهم رأي فقهي في مسألةٍ ما سارعوا مباشرة بمقارنتها بمذهب الرفض في المسألة ذاتها. كما أنه قد ترتب على الخلاف بين علماء السنة ودعاة الرفض المحليين حالة من البلبلة وعدم الثقة في العلماء والدعاة عامة، سعد بها الزعماء السياسيون العلمانيون وعملوا على تأجيجها لتوطيد مراكزهم والاستئثار بقيادة المجتمع المسلم. كما أنهم تمكنوا من دعوة بعض النصارى فاعتنقوا دين الرفض، وأصبحوا يشكلون طابوراً خامساً لهم، أما الأمر المؤسف فهو نجاحهم في التأثير على بعض الطلاب العرب الذين يدرسون في الفلبين، وذلك عن طريق صرف أموال لهم بصفة دورية وتسهيل الزنا باسم المتعة! ! دور علماء السنة في التصدي للمد الرافضي: لقد أجمع العديد من علماء ودعاة الفلبين المخلصين ممن نحسبهم كذلك أجمعوا أمرهم على التصدي لجهود الرافضة، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير، حيث استخدموا منابر المساجد لتوعية المسلمين، وقام بعضهم بترجمة بعض الكتب إلى اللغات المحلية لهذا الخصوص. كما أنه كانت لـ (اتحاد الطلبة المسلمين بالفلبين) وهو اتحاد للطلاب الدارسين في الفلبين من الدول الإسلامية جهود محمودة في هذا السبيل، لذا: فيعتبر الرافضة هذا الاتحاد عدوهم اللدود في الفلبين، وعداوتهم لأعضائه ظاهرة جدّاً. قبل الختام: وأخيراً لا بد من التنبيه إلى أنه على الرغم من انحسار الموجة العاتية لدعوة الرافضة في الفلبين، فإنهم لم يستسلموا، ولا زال سعيهم حثيثاً لتحقيق أهدافهم، لذا : لا يمكن بحال غض الطرف عن نشاطهم وحركتهم، خاصة بعد أن لجؤوا إلى تغيير آلية حركتهم من العلن إلى السر في غالب الأحيان بعد أن تصدى لهم العلماء والدعاة، وأصبح من يتبع مذهبهم يخفي ذلك عمن حوله، ويتظاهر تُقية! باتباع أهل السنة، ومن هنا: فأرى أنه لا بد على المسلمين في الداخل والخارج العمل على تحقيق التوصيات التالية: أولاً: لا بد لزاماً على المجامع العلمية والهيئات والمنظمات الإسلامية وعلماء الأمة جميعاً إعلان التبرؤ من البدع الرافضية الاعتقادية والعملية، وإعلانها صريحة جلية ببيان المخالفات المعروفة بين أصولهم المعتبرة عندهم ومنهج أهل السنة والجماعة. ثانياً: الاهتمام بأمر مسلمي الفلبين وتوفير الدعوة والتربية الإسلامية الصحيحة لهم، واستغلال أموال المساعدات التي تقدم لهم استغلالاً فعّالاً، وضرورة تعاون الجمعيات الإسلامية القائمة بجهود مشكورة في هذا الباب فيما بينها، وتوحيد صفوفها لمواجهة ذلك الغزو الخطير. ثالثاً: قيام الجهات والجمعيات المهتمة بطباعة المزيد من الكتب والنشرات التي تفضح مخططات الرافضة وتفند مزاعمهم الضالة، وترجمتها لعدة لغات مختلفة ما أمكن لذلك سبيلاً. رابعاً: ضرورة قيام الدعاة الفلبينيين بواجباتهم كاملة، وإعطاء مواجهة الدعوة الرافضية القدر المناسب من نشاطاتهم، حتى لا تقوم لهذه الدعوة قائمة، ولا يرتفع لها لواء فوق أرض الفلبين مهما أجلبوا لذلك من جهود، وذلك بالتذكير بالتباين الجذري بين عقيدتهم والعقيدة الإسلامية الصحيحة. والله نسأل أن يوفق العاملين المصلحين لما فيه الخير والصلاح، وأن يحبط كيد المرجفين ودعاة المبادئ المنحرفة، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2399

المسلمون والعالم مالي.. من يسبق إلى احتلال القلوب ؟ ! بقلم: مندوب المجلة المتجول تعتبر جمهورية مالي من كبريات دول غرب إفريقيا مساحة، حيث تبلغ مساحتها ١.٢٤٠.٠٠٠ كم٢ تقريباً. وتقع في الوسط الشمالي الغربي لإفريقيا، وتحدها شرقاً جمهورية النيجر، وغرباً جمهوريتا السنغال وغينيا، وشمالاً جمهوريتا موريتانيا والجزائر، وجنوباً جمهوريتا ساحل العاج وبوركينا فاسو. تتألف جمهورية مالي من ثمانية أقاليم إدارية، هي: كاي، وكوليكورو، وسيكاسو، وسيقو، وموبتي، وتبمكتو، وغاو، وكيدال، والعاصمة باماكو. ويبلغ عدد السكان حوالي (٨) ملايين نسمة تقريباً، وتتكون أجناسهم من: السود: وهم الأغلبية، منهم البامارا، والفلاتة، والسركولي، والصونغاي، وسنيفو، وبوزو، والدغوني، والمالكي، وسومونوا، ومانيكا،.. وغيرهم.. والبيض: ومنهم البيضان والطوارق. واللغات في مالي كثيرة جدّاً، ولكل جنس لغته ولهجته، أما اللغة الرسمية فهي الفرنسية. وتوزيع الأديان في مالي كالتالي: ١- الإسلام، ونسبة المسلمين ٩٥%. ٢- النصرانية، ويوجد من طوائفها: الكاثوليك، البروتستانت، شهود ... ... ... يهوه، الرسالة الجديدة، السبتية أو المجاتية. ٣- الوثنية. مالي والإسلام: تعتبر جهود بعض المنتسبين إلى الطرق الصوفية سبباً في انتشار الإسلام في دولة مالي إن لم يكن في أغلب الدول الإفريقية، ولكن صاحب ذلك انتشار بعض العقائد الفاسدة والعبادات البدعية، وبعد ظهور الدعوة الإصلاحية في نجد على يد الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ﵀ وتوافد المسلمين إلى مكة في موسم الحج ومكثهم هناك، وبرجوع هؤلاء من الحرمين الشريفين قبل تأسيس الجامعات: بدأت الدعوة السلفية في مالي (مع العلم أن المنطقة لم تخل من أفراد أهل السنة) ، وفي الخمسينيات من هذا القرن الميلادي بدأت بشائر الدعوة السلفية تظهر في الآفاق، وفي عام ١٩٤٨م بدأت أولى المصادمات في باماكو بين رواد الدعوة السلفية وأهل الطرق الصوفية، الأمر الذي تسبب في خسائر فادحة. ومنذ وقت مبكر كان قد التحق عدد من أبناء مالي بالحرمين الشريفين والأزهر قبل تأسيس الجامعات الحديثة؛ لطلب العلم ونشره في البلاد بعد عودتهم، مثل: الشيخ (أحمد حماه الله) ، والشيخ (محمد عبد القادر ذكري) ، والشيخ (يعقوب كمارا) ، والشيخ (محمد السنوسي) ، وعندما منّ الله على المسلمين بفتح الجامعات بمختلف الدول العربية والإسلامية بادر عدد كبير من أبناء مالي بالالتحاق في تلك الجامعات، ونال كثير منهم الألقاب العلمية المختلفة. ويوجد في مالي عدد كبير من هؤلاء الخريجين الذين يقومون بخدمة الإسلام والمسلمين في مجالات التدريس والخطابة والإمامة والوعظ والإرشاد والفتوى. لكن الواقع الأليم الذي خلّفه النظام الغربي والعلماني والغزو الفكري قلل من دور هؤلاء العاملين في الإصلاح الاجتماعي. وفي العقد الأخير خاصة بدأت الصحوة الإسلامية الرشيدة تأخذ مجراها الطبيعي في المفاهيم وتوضيح الأهداف وتصويب المسيرة، وذلك عن طريق: ١- دروس المساجد، وخطب الجمعة. ٢- توزيع المصاحف والكتب وخاصة المترجمة إلى اللغة الفرنسية على المثقفين: طلبة وموظفين. ٣- توزيع الشريط الإسلامي الميسر. ٤- تسيير القوافل الدعوية والإغاثية. ٥- تنظيم الدورات والملتقيات. ٦- تنظيم المخيمات الطلابية والشبابية. ٧- التعليم في المدارس النظامية والكتاتيب. وقد ركزت الدعوة السلفية جهودها في تأسيس المساجد والمدارس بشكل واضح، وهي تعاني من مشكلة خطيرة للغاية، وهي عدم وجود مفتٍ عام أو إمام موحد تجتمع عليه الكلمة ويرجع إليه، مع وجود أئمة للفتوى على مستوى العرف العام، إلا أن كل تجمع قد يميل إلى هذا المفتي أو ذاك، وفي نظري: إن هذه المشكلة جاءت نتيجة لعدم تمكن هذه الجماعات من نيل نصيبها من التربية الإسلامية الجادة وخاصة باب الولاء والبراء، إضافة إلى أن السلطات لم تعط فرصة لهذه الدعوة لتنمو وتؤدي واجبها على النحو المطلوب، بل كانت هناك محاولات كثيرة لعرقلة هذه الدعوة، إضافة إلى جهل كثير من المستجيبين لها لدورهم الذي يجب عليهم القيام به. المؤسسات الدعوية في مالي: مما سبق يتضح أن أهم المؤسسات الدعوية في مالي هي: المساجد، والمدارس، والهيئات، والجمعيات. ١- المساجد: دور المسجد في الدعوة إلى الله دور مهم ومعروف، وإمام المسجد في مالي له مكانة كبيرة وعالية جدّاً، حتى أن الإمام يكون أحياناً هو القاضي أو المفتي في شؤون الحياة كلها. والمساجد السلفية في باماكو خاصة وفي مالي عامة لعبت دورها في تصحيح المفاهيم، حيث تولى إمامتها مشايخ وشباب جامعيون، مما جعل المسجد يتمتع بأعلى سلطة لتوجيه المسلمين وإرشادهم، ونسأل الله دوام التوفيق والسداد. ولقد كان أهل السنة ممنوعين من بناء المساجد باسمهم، وكان أكثرهم يصلي الجمعة مع أعضاء بعثة المهندسين المصريين الذين كانوا يشتغلون في بناء فندق الصداقة في باماكو. وكان الشيخ الحاج (موركي منغاني) قد تبرع بجزء من منزله، واتخذ أول مسجد جامع لأهل السنة في باماكو في (باجالا) عام ١٩٦٨م، وهو المسجد الذي يعرف الآن بمسجد النور، ومن ثم: توالى إنشاء المساجد في العاصمة (باماكو) وخارجها بعد الانقلاب العسكري الذي تم بقيادة (موسى تراوري) . ولا يوجد في الوقت الحاضر أي قيود على بناء المساجد طالما التزم المسلمون الحكمة واتحدت كلمتهم وتواصوا على الحق والصبر، وبحمد الله يوجد في (باماكو) العاصمة مئة مسجد لأهل السنة، غير تلك التي توجد في بقية الأقاليم والقرى المجاورة. ٢- المدارس الإسلامية: لا يخفى أن المدرسة دار تربية وتعليم، ومرعى للتكوين والإعداد، وكذا: تعتبر المدارس من أهم المؤسسات الدعوية التي يجب على المسلمين الاعتناء بها والحرص عليها. وفي عام ١٩٤٦م، بدأ تأسيس المدارس الإسلامية في مالي على النمط المعروف حالياً، فأسس الحاج (محمود باه) مدرسة في (كاي) ، و (سعد عمر توري) في (سيقو) ، وتم تأسيس أول مدرسة سلفية في (باماكو) على يد جمعية الشباب المسلمين، وتولى إدارة المدرسة الشيخ (أحمد حماه الله يتابري) . ثم توالى إنشاء المدارس العربية والإسلامية على الرغم من المضايقات من قبل السلطات الاستعمارية آنذاك. وتوجد في مالي أكثر من (٣٠٠) مدرسة عربية إسلامية، وكلها أهلية، مما يدعو أهل الخير والفضل والخبرة إلى الاهتمام والمبادرة بالمساهمة في تسيير هذه المدارس، وتوجيهها وتزويدها بالمناهج والكتب والمدرسين. ومن أهم المشاكل التي تواجهها المدارس الإسلامية ما يلي: ١- عدم وجود منهج متكامل يدرس فيها. ٢- الافتقار إلى معهد لتكوين أو تدريب المعلمين. ٣- ندرة الكتاب المدرسي. ٤- عشوائية نظام الامتحانات. ٥- غياب التنسيق بين المدارس والمسؤولين فيها. أما المدارس الحكومية: فبعد استقلال مالي عام ١٩٦٠م كان المستعمرون قد تمكنوا من تغيير لغة التعليم من العربية إلى الفرنسية، وصارت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد، ومن ثم: اتجه الناس إلى تعلم اللغة الفرنسية حسب منهج مرسوم من قبل المستعمر الفرنسي، وانتشرت المدارس الفرنسية في كل أنحاء البلاد، وقصدها الطلاب والطالبات، إما رغبة أو رهبة، ومنذ وقت مبكر قامت السلطات في مالي بافتتاح المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وكذلك بعض المدارس المهنية والمعاهد العليا في العاصمة وفي المدن الرئيسة، كما تم إيفاد عدد كبير إلى الخارج للدراسة الجامعية، وكان الاتحاد السوفييتي يحظى بنصيب الأسد، كما أوفد إلى فرنسا والجزائر ودول أخرى حسب خطة مرسومة. ٣- الهيئات الإسلامية في مالي: بدأ ظهور الهيئات الإسلامية في مالي منذ عشر سنوات تقريباً، وذلك عن طريق فتح مكاتب تقوم بتسيير أعمال تلك الهيئات، أو اختيار مندوب يشرف على الأعمال التي تتبناها. وفيما يلي نذكر أسماء بعض الهيئات التي يوجد لها مكتب أو مندوب يقوم بتسيير أعمالها: ١- المنتدى الإسلامي. ٢- مؤسسة الحرمين الخيرية. ٣- جمعية إحياء التراث الإسلامي. ٤- مكتب لجنة مسلمي إفريقيا. ٥- المركز الثقافي الإسلامي. ٦- مؤسسة إبراهيم البراهيم الخيرية. ٧- هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية. ٨- مكتب الوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة. ٩- مكتب الجمعية الإسلامية العالمية للدعوة. كما أن الرافضة افتتحوا منذ فترة مركزاً لبث مذهبهم من خلاله. ٤- الجمعيات الإسلامية في مالي: منذ عام ١٩٧٩م تم تأسيس أول جمعية إسلامية في مالي، وهي: (جمعية مالي للاتحاد وتقدم الإسلام) ، وهي الجمعية الوحيدة لعموم مسلمي مالي، وذلك بتوجيه ومبادرة من الحكومة. وكانت اجتماعات الجمعية تعقد بحضور مندوب الحكومة، وذلك حتى نهاية حكم (موسى تراوري) للبلاد. المرأة في مالي: بالرجوع إلى عهد ما قبل الاستعمار نجد أن المرأة في مالي قد نالت حظها في التربية الإسلامية الجادة، حيث شاركت بدور بارز في تربية النشء وملازمة بيت الزوجية، وفي عهد الاستعمار ومع وجود عدد كبير من المنصرين بمفاهيمهم المخالفة للإسلام وبسلوكهم وبدينهم وبقوانين معاملامتهم المنحرفة: تأثرت المرأة في العالم بصفة عامة وفي مالي بصفة خاصة بهذه المؤثرات التي شكلت ظواهر ومظاهر اجتماعية ذات أبعاد خطيرة، متأثرة بمنهج التعليم العلماني وبرامجه وأدواته وأساليب التثقيف العام من الصحف والمجلات والسينما والمسرح والفن والإعلام المقروء والمسموع والمرئي.. وتوجد في مالي أكثر من خمس منظمات نسائية غير حكومية، كلها تعمل في خط لا تراعي فيه الحكم الشرعي في تصرفاتها ونشاطاتها، وأما التجمعات النسائية الإسلامية في مالي فكثيرة أيضاً، يقودها في الغالب نساء متقاعدات تعودن القيادة في عملهن الوظيفي، والغرض من هذه التجمعات: تعليم أحكام الصلاة والقراءة والكتابة (مستوى محو الأمية) ، وبعضها لتعليم الخياطة والتطريز، وتخلو الساحة من وجود مراكز نسائية متكاملة، إلا إن (الجمعية الإسلامية للإصلاح) و (جمعية الشباب المسلم) استطاعتا تكوين فروع نسائية نشيطة على نطاق واسع في البلاد، ومعظم رواد هذه الفروع من الشابات المتعلمات تعليماً عربيّاً وفرنسيّاً، وكذلك (جمعية عباد الرحمن) و (جمعية ليما) اللتين تضمان عدداً كبيراً من النساء في صفوفهما. التنصير في مالي: لا يمكن إغفال دور المنصرين الذي سبقت حركتهم تواجد الاستعمار في مالي، بل إن حركات التنصير هي التي مهدت الطريق للاستعمار. وللتنصير في مالي تواجد كبير وإمكانات ضخمة، يعملون من خلالها في المجتمع، ويعتبر إقليم (كاي) في منطقة (كيتا) كعبة المنصّرين التي يحجون إليها كل عام، ويبرز وجودهم في المناطق التالية: منطقة (كولو كاني) ، و (سان) ، ... و (بنجاغارا) ، و (الدغوي) ، و (كاتي) . ويقومون بتقديم المساعدات للسكان، كالعلاج، وبناء المدارس الحكومية، وتوفير اللوازم الدراسية، وبناء المستوصفات، وتوزيع الغذاء والملابس، وبناء المشاريع الزراعية والحيوانية، وكفالة المنصّرين.. وغير ذلك. ويوجد في منطقة (سان) ذات الجو الحار على سبيل المثال منصِّر فرنسي يبلغ من العمر (٨٣) سنة! ! استطاع بناء مجمع يضم عيادة طبية، وروضة للأطفال، ومعهداً، بالإضافة إلى كنيسة كبيرة. ولكن يعتبر تأثير المنصرين محدوداً مقارنةً بالجهود والمساعدات التي يقدمونها [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ] [الأنفال: ٣٦] . وبعد: فإن نسبة ارتفاع المسلمين في هذه الدولة الإفريقية، وتقبل أهلها لمنهج أهل السنة والجماعة، وعدم ترسخ العقائد الصوفية في أغلب مجتمعه، وانتشار العلم الديني بين الشباب.. لعلامة خير تبشر بمستقبل إسلامي زاهر في هذه الدولة الفقيرة، السبب الذي يجعلنا ننادي الهيئات الخيرية المتواجدة في مالي لمضاعفة الجهد، مع عدم إغفالنا لنشاط بعض الهيئات المتميز. ونسأل الله أن يعلي كلمته وينصر دينه وعباده.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2400

نص شعري معاناة داعٍ إلى الله شعر: وفاء بنت عبد الله الدعاة إلى الله يعملون جاهدين لتبليغ أوامر الله ونواهيه وفقاً لكتاب الله ورسوله وبفهم السلف الصالح، وطريقهم ليس مفروشاً بالورود، وقد صورت حال (داعٍ إلى الله) وما قد يواجهه في بعض المجتمعات الإسلامية من مضايقات، أرجو أن أكون وفقت لنقل هذه الصورة. سائرٌ في ربى الزمن ... طارقٌ بابَ ذي المننْ حامل بين أضلعي ... لوعة من لظى الشجنْ صابر في مضرتي ... أبتغي الجنة الثمنْ بين قوم تململوا ... وأذاقونيَ الإحنْ كل هذا لأنني ... قلت: ما الدهر مؤتمنْ قلت يا قوم احتذروا ... أنْ تميلوا إلى الفِتنْ جئت بالحب مشفقاً ... أنْ تضلوا خطى السَنَنْ *** في دجى الليل قَهقَهوا ... صافحوا راحة العَفَنْ وأنا بِتّ ضارعاً ... مَنْ لقومي سِواك مَنْ؟ ويح قومي بصيفهم ... حسرة ضيعوا اللبنْ قولهم عند دعوتي ... هوِّن الأمر لا تُجَنْ إنما الدين هيّن ... حَلّ بالقلب واقترنْ إنما الله غافر الذ ... نب رحماك فاصمتنْ! *** وأنا الهون منهجي ... ما سيرضيهمو إذنْ؟ ذاع صيتي بريبة ... ظِلْتُ في الناس ممتهنْ كل هذا لأنني ... قد وعى قلبي (اتزِن) [*] والذي ينشر الخنا ... لا يرى غيره الحسنْ يا لقومي متى أرى ... عَوْدهم يخضل الفَنَنْ أغفلوا الدين وارتضوا ... غربتي واشتروا الوسنْ قل لهم صابر أنا ... لو دنى أو نأى الوطنْ وسأحيا بدعوتي ... لله مَنْ سواهُ مَنْ؟

стр. 2401

متابعات و.. عبد الناصر تحت المجهر بقلم: أحمد عبد الله المصري دفعني ما نشرته البيان في العددين (١٠٦، ١٠٧) ، تحت عنوان: (أتاتورك حقيقته والدور الذي أداه) ، إلى الكتابة عن (جمال عبد الناصر) ، نظراً لوجود تشابه بين الشخصيتين من عدة وجوه، مع تماثل الدور الذي قاما به. ويمكن إجمال أوجه التماثل فيما بينهما فيما يأتي: الميلاد والنشأة: هناك كلام كثير حول يهودية (مصطفى كمال أتاتورك) وانتسابه إلى طائفة الدونمة، وعلاقاته باليهود والمحافل الماسونية وصداقاته لشخصيات يهودية، كذلك التحاقه بالجيش بعد حصوله على الثانوية العسكرية، وأنه كان على صلة بالإنجليز. كذلك عبد الناصر: فقد ذكر بعض الكتاب وجود دلائل حول مدى نسبته لليهود؛ إذ لما بلغ من العمر ثماني سنوات [١] أرسله والده إلى القاهرة لاستكمال دراسته، فكان يقطن مع إحدى قريبات والدته في حي اليهود في منطقة الموسكي (٥ شارع خميس العدسي) . وذكر الدكتور علي شلش [٢] : أن سيدة يهودية تدعى مدام (يعقوب فرج شمويل) كان عبد الناصر يدين لها بالفضل؛ لأنها هي التي رعته في طفولته بعد وفاة أمه، وكانت تعامله كأحد أبنائها، وذكر (حسن التهامي) أن هذه السيدة قريبة والدته.. فإذا كانت قريبة والدته يهودية فتكون والدته كذلك، ولا يخفى أن نسب الشخص عند اليهود لأمه وليس لأبيه، ثم: لماذا اختار أبوه سيدة يهودية لرعايته قريبة كانت أو بعيدة؟ ولماذا حارة اليهود شبه المغلقة على اليهود وقتها؟ ، وهل ضاقت القاهرة كلها إلا من حارة اليهود؟ .. وقد استمر عبد الناصر في حارة اليهود حتى رتبة (الملازم أول) وعمره (٢٤) عاماً. يقول اللواء (محمد نجيب) (أول رئيس لجمهورية مصر) للواء (عبد المنعم عبد الرؤوف) عام ١٩٧٩: (عبد الناصر أصله يهودي، من يهود الشرق الذين جاءوا من اليمن) [٣] . ويقول (جلال كشك) : (أعترف أن مثل هذه النصوص التي يقدمها هيكل تجعل التفسير القائل بيهودية عبد الناصر يلح إلحاحاً لا يمكن مقاومته..) [٤] . الصلات المشبوهة: تذكر الكتب والمراجع صلة أتاتورك باليهود والإنجليز، وكذلك عبد الناصر: كان على صلة مستمرة باليهود والأمريكان قبل الثورة وبعدها [٥] ، ففي عام ... ١٩٤٨م، أثناء حصار (الفالوجا) ، كان يقوم بالاتصال مع كل من (بروجام ... كوهين) ، و (إيجال آلون) ، وفي عام ١٩٥٠م عاد إلى (تل أبيب) ليدلهم على جثث قتلاهم في حرب ١٩٤٨م كطلب الحكومة الإسرائيلية! ، ومكث هناك أكثر من عشرة أيام اجتمع خلالها كثيراً مع (إيجال آلون) . وذكر زملاء عبد الناصر في الكتيبة السادسة [٦] احتمال نجاح إسرائيل في تجنيد عبد الناصر لحسابها بواسطة (إيجال آلون) ، وأنه كان يحمل مشاعر الحب لليهود منذ صباه، وارتبط بصداقات مع الفتيان اليهود بالحارة رفاق عمره. وكان عبد الناصر عضواً بالتنظيم الشيوعي (حدتو) ، الذي يرأسه اليهودي (هنري كورييل) ، وضمن أعضائه (ماري روزنيئال) و (مارسيل ليون) ، و (إيلي شوارتز) صهر (موشيه ديان) (قائد جيش إسرائيل في حرب ١٩٦٧م) . واستمرت صلة عبد الناصر باليهود حتى وفاته، ولم تنقطع أبداً. أما عن صلة عبد الناصر بالولايات المتحدة الأمريكية، والمماثلة لصلة أتاتورك بإنجلترا، فقد بدأت عام ١٩٤٩م مع السفير الأمريكي (كافري) كما تقول بعض المصادر، أو مع الملحق العسكري الأمريكي (دافيد إيفان) من عام ١٩٥٠م إلى ١٩٥٢م، واستمرت مع (كيرميس روزفيلت) مندوب المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط، و (مايلز كوبلاند) مندوب المخابرات الأمريكية في القاهرة، واستمرت علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية طوال حياته كذلك ولم تنقطع أبداً، رغم الصلة والتغطية الظاهرة لعلاقته بروسيا [٧] . التلميع والدور البطولي: ظهر أتاتورك بأنه دَحَر قوات الحلفاء في (جناق قلعة) ، وأن جيشه هاجم مستودعات الأسلحة، والذخائر التابعة للحلفاء، وأنهم أرسلوا ما حصلوا عليه باعتباره غنائم حرب. وقام الحلفاء بتحريض اليونان على غزو (إستانبول) ، ثم توقف الهجوم اليوناني وانسحب أمام قوات أتاتورك (تماماً كانسحاب قوات إنجلترا وفرنسا وإسرائيل من مصر عام ١٩٥٦م) . وقامت الدعاية الغربية بتضخيم الحادثة؛ لتُظهر أتاتورك منقذاً للبلاد من عدوها (والشيء نفسه حدث مع عبد الناصر) . وهكذا يلمِّع الأجانب أذنابهم دائماً، ويصنعون منهم أبطالاً، لكن الحقائق قلّ من يعرفها، والله المستعان. فقد بالغت الدعاية الواسعة بإظهار أتاتورك بصورة البطل المغوار الذي هزم الحلفاء، وخاصة الإنجليز واليونان، حتى تسابق الشعراء في الثناء عليه وعلى انتصاراته، فأنشد أحمد شوقي مخاطباً أتاتورك قبل أن تتضح له حقيقته: الله أكبر كم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدّد خالد العرب أما الدعاية الواسعة والدور البطولي المزعوم، فقد كان مع عبد الناصر أكبر وأضخم بكثير، فقد ذُكر أن السفير الأمريكي (كافري) استدعى مسؤول الدعاية السوداء في المخابرات الأمريكية [٨] ، ليقوم بتخطيط إعلامي يهدف إلى تصعيد نجومية عبد الناصر، وقد أجرى عبد الناصر بعض التعديلات عليها واحتفظ بنسخة عنده، وسلمت نسخة لـ (عبد القادر حاتم) وزير الإعلام حينها ليقوم تنفيذ دوره. ومن أساليب الدعاية وإضفاء البطولة على عبد الناصر: (حادث المنشية) المنسق مع المندوب المذكور عام ١٩٥٤م، وظهوره بصورة البطل الشجاع، وتعاطف الشعب معه على إثر هذا الحادث. ومن أساليب الدعاية معه كذلك: تنسيق واستغلال تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦م، وإظهاره بمظهر المتحدي للغرب، ثم هجوم الدول الثلاث وانسحابها بعد أن تم تحقيق الدور البطولي له باستعادة القناة وانسحاب القوات المعتدية، وكان للولايات المتحدة دور كبير في إتمام الانسحاب. ومن مسرحيات التلميع له كذلك: طلب تمويل بناء السد العالي، ورفض الولايات المتحدة الأمريكية، ثم اللجوء إلى روسيا، ومن ثم: بناء السد العالي، واستغلال ذلك والظهور بمظهر المتحدي لأمريكا كذلك. وكان من هذه التمثيليات: طلب السلاح من الغرب، ثم رفض هذا الطلب، وعمل صفقة ضخمة مع (تشيكوسلوفاكيا) ، رغم أنف الولايات المتحدة كما يبدو، الأمر الذي أظهره بمظهر البطل القومي الذي لم يرضخ لأكبر دولة في العالم. وغير ذلك كثير، مثل: تأميم المصانع والشركات.. وغيرها. وقد اشتركت أجهزة الإعلام المصرية، ودور التعليم [*] ، والإعلام العالمي شرقاً وغرباً في تمجيد البطل، وإعلاء شأنه، حتى تضاءل أمامه أي زعيم، ودونه أي بطل. وقد تكرر ذلك في المناسبات المختلفة، وفي غير المناسبات، ولعل إخراج فيلم سينمائي أخيراً في مصر اسمه (ناصر ٥٦) وعرضه في (١٤) دار عرض في وقت واحد يسير في هذا الطريق، أو لعله لإبراز وتلميع بقايا فلوله الذين لم يعد لهم قبول شعبي، والعجيب: أن يتم ذلك بعد فضائح حكمه وهزائم جيشه خاصة عام ١٩٦٧م، وفساد حاشيته. لكن عندما تضعف ذاكرة أفراد الأمة يستطيع المتاجرون بالفن والقيم التلاعب بعواطفها وقلب الحقائق، ليصنعوا من الأقزام عمالقة وأبطالاً. الاستبداد والتجبر: من سمات هؤلاء الحكام: قسوة القلب، وحب السلطة والظهور، وهكذا كان أتاتورك جباراً وطاغية، يقول: (سوف أجعل كل إنسان ينفذ رغباتي ويطيع أوامري، ولن أقبل نقداً أو نصيحة، سأسير في طريقي الخاص وسوف تنفذون أنتم جميعاً ما أريده دون مناقشة) [٩] . ويقول عبد الناصر نظير هذا الكلام: (اسمع يا فريد ... أقول لك اللي في نفسي واخلص.. أنا عندي فكرة مستوْليّة عليّ، ولا أعرف بأن كانت غلط ولا صح! ! .. إنما أنا عايز في خلال سنتين.. ثلاثة، أَوْصَل إلى أني أضغط على زر البلد تتحرك زي ما أنا عايز.. وأضغط على زر البلد تقف! !) [١٠] .. وقد كان، وتم له ذلك فيما بعد. واتسمت فترة حكمه كلها بالطغيان والاستبداد، واعتقال الآلاف، والمحاكمات الصورية، والسجن والإعدامات، ولم تنجُ فئة من ذلك أبداً، وإن كان للإسلاميين النصيب الأوفر: (فلقد استطاعت (الثورة) القضاء على كل معارضيها، حتى هؤلاء الذين شاركوا في صنع الثورة، ولا اعتراض على أي قرار تتخذه الحكومة، فالكل يصفق للقرار، ويصفق لإلغائه، طالما أنه من السلطة ... فلم يعد في مصر صحافة ولا برلمان له رأي أو صوت، ولا مجلس وزاري له حق النقاش) [١١] . ولا يقف الكلام عن عبد الناصر عند حد معين، ولقد تكلم فيه كثيرون: زملاؤه السابقون في الجيش، أو الثورة، أو الحكم.. أصدقاؤه.. معارفه [١٢] . وعبر عن شخصيته في هذا المجال (مايلز كوبلاند) : فقد (سئل مرة، إذا خُيّر عبد الناصر بين التنازل عن السلطة أو دمار مصر؟ ، فقلت: بلا تردد سيختار البقاء في السلطة) [١٣] . تقديم الخدمات لأعداء الإسلام: قدم أتاتورك خدمات عظيمة لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى في مجالات كثيرة، أهمها: إلغاء الخلافة، وفصل الدين عن الدولة، والاتجاه الحاد نحو التمكين للعلمانيين. وكذلك فعل عبد الناصر، أو هكذا نَفّذ ما طُلب منه بعناية فائقة سواء ما يختص بمصر فقط، أو المنطقة العربية، أو ما يتعلق بالقضية الفسلطينية، ونخص بالذكر الخدمات والمكاسب التي حققها لليهود، وبإيجاز: ١-مقتل البطل أحمد عبد العزيز: وهو قائد الفدائيين في حرب فلسطين، وكان أعد خطة للاستيلاء على القدس التي حاصرها بعشرين ألف فدائي، وفي اليوم السابق للهجوم، ذهب إليه (صلاح سالم) زميل عبد الناصر في الثورة، وعند معسكر عبد الناصر، أطلق عليه الرصاص من جهة (صلاح سالم) ، ولم تتم له إسعافات طبية حتى فارق الحياة، وفشل بالتالي الهجوم (١٤) . ٢- حرب ١٩٥٦م، ١٩٦٧م: حيث الهزيمة والخسائر الفادحة في الأموال والعتاد والأرواح بدور عبد الناصر الرئيس في ذلك [١٥] . ٣- حرب اليمن عام ١٩٦٤م: حيث أُنفقت الأموال الطائلة، وقتل أكثر من ١٠٠.٠٠٠ من الجيش المصري، هذا إلى جانب خسائر العتاد والأسلحة، وإلى جانب الخسائر في الجانب اليمني، وإشعال فتنة الانقسامات والحروب بين الأمة. ٤-الوحدة الفاشلة مع سوريا: والتي كانت مثالاً على استبداد عبد الناصر وسفهه وسوء تدبيره في الإنفاق والسياسة هو وزمرته، وتم أثناءها استصلاح وردم بحيرة الحولة، بعد أن منع عبد الناصر القوات المسلحة من التعرض للقوات الإسرائيلية، كما كان يحدث قبل هذه الوحدة. ولا نريد أن نستطرد أكثر من هذا؛ فغيرها كثير، وقد ذكرنا بعض الأمثلة فقط للدلالة على ما نقول. آثار الحكم: لم يتوقف التغيير والإفساد على فترة حكم أتاتورك، بل أمتدت إلى ما بعد موته حتى الآن، بل كثيراً منها يُحمى ويُفرض بقوة القانون. أما عبد الناصر فالتغيير الذي تم في عهده امتد وزاد وانتشر بشكل عجيب، وشمل معظم المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والزراعية.. وغيرها، وأهم التغييرات: التغيير الاجتماعي والنفسي في تركيبة الإنسان المصري، ولولا ضيق المكان لأفسحنا لذلك كلاماً مستقلاً، ويمكن الرجوع بشأنه إلى الكتب المختصة [١٦] ، وبنظرة تأمل واحدة إلى الواقع؛ فسنرى فرقاً هائلاً بينه وبين ما قبل عبد الناصر وللبيان كلمة: حقيقة نشكر الكاتب على تجشمه عناء المتابعة والربط بين شخصيتين من أخطر ما مر بتاريخ الإسلام المعاصر، حيث كان لهما من الآثار السلبية والجهود الكبرى والمحاولات المتتابعة لوأد الإسلام وتغريب مجتمعاته، إلا أن الله أبطل كيدهم وجعل عاقبة المحنة التي مرت بالإسلام ودعاته في عهديهما خيراً.. وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... أتاح لها لسان حسود والحقيقة: إن اتهام (عبد الناصر) أو غيره بأنه يهودي أو من أصل يهودي ينبغي ألا يعوّل عليه كثيراً؛ فإنه ينبغي أن يُنظر إلى الأعمال ذاتها بغض النظر عن أصل صاحبها ونسبه، كما أن ما حصل من كيد ومكر ضد الإسلام ودعاته سواء أكان من رجل مسلم أو من متظاهر بالإسلام له دلالته على إبطال كيد الكائدين، إذ لا يمكن أن تكون العاقبة النهائية: فلاح تلك الجهود في أداء أدوارها؛ لأن الله ناصر دينه ومعلي كلمته، ومن يكيد للإسلام سيفضحه الله جزاءً وفاقاً، سواء في دنياه أو في أخراه، ولكن.. هل يتعظ أعداء الدين والمتربصون به وبدعاته ... السوء؟ ، هل يعقلون ذلك أم إنهم لا يعقلون؟ .. [وَلَقَدْ ذَرَاًنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ] [الأعراف: ١٧٩] . - البيان -

стр. 2402

في دائرة الضوء تحولات التعبير.. عن الفكر الإسلامي المعاصر بقلم: د. محمد يحيى شهد الخطاب الدعوي أو الفكري الإسلامي (وأنا أفضل أن أسميه بالحديث تجنباً للمصطلح الآخر غير الدقيق) تحولات عدة في السنوات الأخيرة، كادت تنحرف به بعيداً عن المسار الصحيح، ولو كانت هذه التحولات حدثت استجابة طوعية متدبرة لمتغيرات طرأت على الساحة، أو كانت من علامات النضج والتطور إلى الأفضل: لكانت مما يستحق الترحيب والتشجيع، إلا إنها في نظري وقعت تحت ضغط ظروف وأوضاع غير طبيعية وغير مقبولة فُرضت على هذا الحديث الفكري الذي أقصد به الكتابات الإسلامية المتحدثة عن هذا الدين، ولعل أبرز هذه الضغوط: تلك الضجة القبيحة المثارة في أجهزة الإعلام ومن ورائها دوائر ثقافية واجتماعية وسياسية في الغرب بل وفي أنحاء عدة من العالم الإسلامي ضد مجمل الأوضاع الإسلامية، وهي ضجة صاحبتها تحركات سياسية وأمنية أثمرت اضطرابات وصراعات زادت الأمور بلبلة واضطراباً، وقد ولدت هذه الضغوط الشديدة التحولات التي أعنيها في الحديث الديني المعاصر، ولا سيما ما يصدر منه عن جهات وهيئات تقع بحكم طابعها تحت سيطرة أو تأثير الدوائر صاحبة الحملة على الإسلام. وإذا أردنا أن ندخل مباشرة إلى وصف معالم تلك التحولات دون أن نسهب في تفصيل الضغوط والظروف غير الموضوعية التي أدت إليها، للاحظنا على الفور تحول نبرة الحديث الديني ومحتواه من الطرح الإيجابي الواثق وأكاد أقول (الهجومي) لولا الإيحاءات السيئة التي قد تحيط بهذه الكلمة إلى نوع من الموقف الدفاعي والاعتذاري والتبريري الذي كان قسمة من قسمات الحديث الديني البارزة في عنفوان الهجمة الغربية الاستعمارية والعلمانية في مطلع هذا القرن وأواخر القرن الماضي. ويلمح المرء سمات هذه الردة أو التراجع في الحديث الديني كأشد ما تكون في نفي تهم التطرف والإرهاب والتعصب عن الإسلام والمسلمين في وجه الطرح الدائم لهذه الاتهامات في الأجهزة المعادية، ويصاب المرء بالدهشة الشديدة بل وبالهلع عندما يجد أن معظم الحديث الديني الإسلامي في الوقت الراهن يخصص للرد على هذه الاتهامات، إلى حد أن نفي التهم أصبح طقساً مقدساً من طقوس الكتابة الإسلامية. ويتصور المتابع لهذه الكتابات ومنها ما يصدر عن مراجع دينية وعلمية رسمية مرموقة المناصب أن الإسلام لا يحتوي من المبادئ إلا مبدأ نفي تهمة التطرف والأصولية عنه، وأن هذا الدين ما نزل إلا ليعلن أنه العقيدة التي لا تُغضِب الآخرين ولا تختلف معهم، وتمتزج بهذه الكتابات والأطاريح الاعتذارية نبرة من الاستخذاء والإحساس بالدونية، وتكون عقدة بالذنب تجاه غير المسلمين، الذين يفترض أن الإسلام قد عاداهم وظلمهم طيلة عهده بالوجود، وأذكر أنني طالعت في أواخر جمادى الأولى مقالاً صحفيّاً يتناول لقاء وزير للشؤون الدينية في بلد مسلم كبير مع وفد من التجار الألمان، وهالني أن الرجل لم يتحدث إليهم بكلمة واحدة تعرفهم بمبادئ الإسلام أو عقيدته، بل تركز حديثه على موضوع واحد فقط، وهو طمأنة زواره أن الإسلام بريء من التطرف والإرهاب، وكأنه يسم إخوانه المسلمين بهذه التهم ثم يحاول الاعتذار للأجانب الذين لا يهتمون إلا بالصفقات التجارية عن هؤلاء المسلمين، وقد وصل الأمر إلى أن العديد من المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك في العالمين العربي والإسلامي من جانب المؤسسات الدينية لا تبحث إلا في قضية نفي التهم المختلفة عن الإسلام من التعصب إلى انتقاص حقوق المرأة والإنسان. إن للجانب الدفاعي في الفكر الإسلامي دوراً لا ينكر في الذب عن تعاليم الدين وعقيدته ودحض الشبهات والافتراءات ببيان الحقائق جلية ناصعة، لكن لا يعني هذا أن الحديث الديني ينبغي أن يكون كله مكرّساً لهذا الجانب، أو أن الدفاع عن الدين في وجه الاتهامات لا بد وأن يتحول إلى نوع من الاعتذار المستخذي أو التبرير دونما حاجة إلى تبرير، كما أن القيام بواجب الدفاع الفكري عن الدين لا يعني تناول كل اتهام يوجه إلى هذا الدين من أي مصدر كان، لا سيما وأننا نشهد في هذه الفترة سهولة وسيولة في توجيه الاتهامات إلى الإسلام من كل حدب وصوب، حتى من جانب صحف الدرجة الثالثة والأقلام المشبوهة التي لا يستطيع المرء الرد عليها دون أن يحط من قدر نفسه بمجرد النزول إلى مستوى مخاطبتها، والفكر الدفاعي الواعي والمتزن لا يمكن أن يستدرج إلى الدوران في حلقة مفرغة من الرد (اللانهائي) الواحد على تهمة واحدة توجه بشكل (لا نهائي) أيضاً كما هو الحال في تهم التطرف والإرهاب والأصولية التي نسمعها الآن توجه منذ أكثر من عقد من الزمان وبالحدة نفسها والصيغ المبسطة ذاتها دون أن يفلح الرد والنفي الدائم لها من جانب المسلمين في التخفيف منها أو إسكاتها، ولا بد لنا أن ندرك في هذا الصدد: أن توجيه الاتهامات والشبهات إلى الإسلام والمسلمين لا يكون مدفوعاً إلا في حالات قليلة بالرغبة الصادقة في المعرفة أو بسوء الفهم أو نقصه، فالباعث الأكبر وراء هذا التوجيه الملح لِكَمٍّ محدودٍ من الاتهامات المبسطة المطروحة بشكل دائم رغم كل الردود عليها هو تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وإشغالهم بالرد عليها، وحصر تنوع وثراء الفكر الإسلامي في نطاق ضيق لا يتعدى مجرد نفي تهم محفوظة مكررة بمقولات معادة مملة، كتلك الكتابات التي نعهدها والتي لا تفتأ تجتر مقولات حقوق المرأة أو الأطفال أو العمال في الإسلام في وجه الاتهامات، دون أن تقدم لنا أطاريح إيجابية حول كيفية ضمان هذه الحقوق في دنيا الواقع، أو تربط مفاهيم الحقوق بالإطار الإسلامي الأوسع. ويبدو على ضوء ما نراه حولنا من تردي الحديث الإسلامي إلى هوة الاعتذار والتبرير وعُقَد الدونية والذنب: أن ما ابتغاه القائمون على الطرح الرتيب للاتهامات ضد الإسلام قد تحقق بشكل كبير، فالتركيز الشديد على مجرد نفي الاتهامات ومحاولة الرد عليها، ثم الرد مرة ثانية بعد إعادة طرحها.. وهكذا دواليك: قد حرم الفكر الإسلامي من تقديم أي أطاريح إيجابية حول ماهية الإسلام، وطبيعة عقيدته وشريعته، ومعالم حلوله لقضايا الحياة والإنسانية، ويزداد العجب والغيظ عندما نجد من متابعتنا لما يجري في الغرب أن الفكر الكنسي النصراني هناك الذي هو بحاجة شديدة إلى الدفاع عنه في مواجهة اتهامات حقيقية وخطيرة ظلت توجه إليه على مدى سنين أو حتى قرون لا يشغل نفسه في هذه الفترة بالرد على الاتهامات، بل يطرح النصرانية بشكل إيجابي يبرز أنها تقدم الحلول لمشكلات المجتمعات الغربية! ! ، وأنها تستطيع معالجة أوجه الفشل والقصور في المذاهب العلمانية نفسها التي كانت حتى عهد قريب تتعالى على نصرانية الكنائس وتصوب إليها الاتهامات في مقتل، وهكذا.. فالفكر النصراني وهو واقع في وضع ضعف حقيقي لا يرد ولا يستدرج إلى حلقة الفكر الدفاعي التبريري المفرغة، في حين أن الفكر الإسلامي وهو القوى الواثق والواقف على أرض صلبة يجثو على ركبتيه؛ ليعتذر عن نفسه ويبرر مجرد وجوده أمام اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا توجه لغرض معرفة الحق، بل للكيد وللاستدراج إلى فخ الدفاع السلبي المعاد غير المقنع، وقد بلغ التردي في هوة الاعتذار والتبرير مداه حينما أصبحنا نجد أن جوانب عديدة من الشريعة والأخلاق والقيم الإسلامية يجري تجاهلها بل وإسقاطها من بنية الفكر الديني نفسه خوفاً من ألا تُعجب الأجانب وتصبح عرضة لتوجيه اتهامات جديدة، وهكذا خفت الحديث أو اختفى عن تطبيق الشريعة الإسلامية، أو إعداد العدة للجهاد، أو تكريس الجهود لنشر الدعوة الإسلامية، أو رعاية قيم الفضيلة والعفة والتماسك الأسري والحياء، إن أحداً لا يستطيع الآن في الحديث أو الخطاب الديني الإسلامي أن يتحدث مثلاً عن ضرورة طاعة المرأة لزوجها، أو تطبيق الحدود الشرعية، أو النهوض لمحاربة غير المسلمين المتسلطين على بلاد الإسلام، فكل هذا الحديث ممنوع في ظل سيادة نزعة دفاعية اعتذارية قد رتبت وجودها على مجرد النفي الدائم والأزلي لاتهامات دائمة وأزلية. إن هذا هو إحدى قسمات التحول في الحديث الديني المعاصر نتيجة لخضوع بعض المتحدثين أو أكثرهم، للضغوط والظروف التي سلطت على هذا الخطاب.

стр. 2403

منتدى القراء وجاء العيد شعر: علي بن جبريل في هذا الجو المشحون بالأحداث والأعاصير! وفي هذه الساعة المُترعة بأخبار المسلمين المُسِرّة والمحزنة! ! يجيء العيد.. فأتساءل..! ويتساءل الغيورون على الأمّة الإسلامية في كثير من بقاع الأرض..! هذه التساؤلات المترجمة لحال المنكوبين من المسلمين. عيدٌ.. بربّك هل تحلو الأناشيدُ؟ أم هل تُرى في الدّنا تعلو التغاريدُ؟ عيدٌ.. بربك ما هذا يحلّ بنا؟ أُنسٌ وعُرسٌ.. أم تنكيلٌ وتسهيدُ؟ عيدٌ.. بربّك هل ترجوا السرورَ لنا يا عيد؟ أم إنها الأحزانُ يا عيدُ؟ هل إنها الفرحةُ الغمراء تأسِرنا أم إنه اليأس يضنينا وتنكيدُ؟ هل إنه الطيبُ والحلوى يُجاء بها أم إنه صوتُ رشّاشٍ وبارودُ؟ يا عيدُ.. أقبلْتَ والمأساةُ ما برحِتْ ... ترجو الخلاص، وخيطُ القهرِ ممدودُ فأمّتي لم تَزَلْ يا عيدُ في كمدٍ قتلٌ ونهب وإحراقٌ وتشريدُ وأمّتي لم تزلْ في الذلِّ غارقةٌ بيعٌ وحبس وإرغامٌ وتعبيدُ وأمّتي لم تزل في القيد مُوثقَةٌ يسومُها السوءَ طاغوتٌ وصنديدُ وأمّتي لم تزل في الشرقِ مُكلَمةٌ وأمّتي لم تزل في الغرب تهديدُ وإخوةُ الدينِ من عُرْبٍ ومن عَجمٍ سهامهم للعدا: شجبٌ وتنديدُ كيف السرور وأرض المسلمين لظًى؟ كيف الهناءُ و (أقصى) الشرق موؤودُ؟ فمسجدُ القدسِ واأسفي يدنّسه شعب اليهودِ، ويُذْكي النار (ليكودُ) [١] والأرض ترجف من عُهرٍ ومن دنَسٍ أما الديار فتنصيرٌ وتهويدُ يا عيد فَجْرُك يُدمي الروحَ مُذْ يبدو يا عيد يومُك بالآلامِ مقصودُ هلاّ تغرّبْتَ عن داري وعن بلدي؟ هلاّ ترحّلت كي يصفو لنا عيد فنظرةٌ منك نحو الشرقِ ثاقبةٌ تُلين قلبَك حتماً وهو جلمودُ *** أتيتَ يا عيد والأيام مترعة ومن معانيك: تغييرٌ وتجديدُ فقد رأيت ظروفَ المسلمين، فلم ... يُرحمْ لنا صِبيةٌ مأواهمُ البيدُ انظر.. ترى طفليَ الباكي طفولتَه ... ثيابُه رثّةٌ، أقدامُه سُود يداه ما حملتْ حلوًى ملوّنةً ... كالطيفِ، أو لامست أثوابَه (عودُ) انظر إلى دمعِه الرقراقِ يسكبُه ... وقلبُه مُترَعٌ بالهمِّ، محشودُ يودّ لو عاش في أكنافِ أسرته ... لكنّه تائهٌ في الكونِ، مطرودُ وجئتَ يا عيد ترجو البشر يأسِرُنا ... فكيف يركضُ من في القيدِ مصفودُ؟ *** عذراً أيا عيدُ، فلترحلْ إلى أمَدٍ ... كيما تزول عن الوجه التجَاعيدُ عيدٌ سعيدٌ.. نعم.. لو أمتي انتصرتْ ... أمّا وأمّتنا ثكلى فلا عيدُ إذا رأيت ديار المسلمين غدتْ ... مأمونة؛ عندها فلتأتِ يا عيدُ فعندها تصدح الأطيارُ هانئةً ... وبلبلٌ يُرسلُ الألحانَ، غِرّيدُ

стр. 2404

الورقة الأخيرة علمهم يا (تشارلز) CHARLS'.. TEACH THEM! بقلم: أحمد العويمر من نافلة القول: التأكيد على أن الإسلام دين له من المعطيات والأحكام والرؤى ما يحل به مشكلات الحياة جميعها؛ ولذلك كنا وما نزال نؤمن إيماناً قاطعاً بأن الإسلام هو الحل لواقعنا المعاش، وأن التخبطات التي أبى أفراخ العلمانية في عالمنا العربي والإسلامي إلا إرغام مجتمعاتنا للولوج فيها لم تزدنا إلا تردياً ويقيناً أن تغريب مجتمعاتنا ليس المراد به إلا إفسادها وفرنجتها وإبعادها عن الصراط المستقيم، وهذا ما آل إليه حال كثير من تلك المجتمعات التي ابتليت بحكم من يسمون بـ (الليبراليين) عسكريين أو مدنيين، أو على الأصح: (العلمانيين المتطرفين) الذين دأبوا على ترويج مقولة: إن الطريق لنهضة أمتنا ليس سوى السير وراء الغرب في مسيرته العلمانية، ولسان حالهم جميعاً: ما قاله كبيرهم الذي علمهم الإفك (لتُؤخَذ الحضارة الغربية بخيرها وشرها، وحلوها ومرها) . فماذا استفدنا من آرائهم الزائفة تلك سوى أن صرنا في آخر الركب، فلا نحن الذين تمسكنا بمبادئنا، ولا نحن الذين صارت لنا مكانة مرموقة، مع أن الغرب نفسه وفي قرارة نفسه يسخر من تلك المجتمعات الممسوخة، ويرفض أن تكون جزءاً من منظومته الحضارية، كما يفعل الغرب مع تركيا في محاولاتها للدخول في (السوق الأوروبية المشتركة) أو الاستفادة من معطياتها، وكما هو موقف الغرب بكافة فئاته من قضايانا الملحة مع ذلك الواقع المؤلم. يصر العلمانيون في بلادنا على المزيد من التغريب والسقوط، وفي الوقت نفسه: يصرون على محاربة أسلمة مجتمعاتنا، ومواجهة الدعاة لأسلمة المعرفة، والإصرار على إبعاد أمتنا عن مصدر عزتها وفخارها، بل وتقنين الأنظمة والدساتير التي تؤكد علمنة البلدان وإبعادها عن العودة لهويتها الحقيقية. العجيب: أن رجلاً بمكانة (الأمير تشارلز) مع كونه غير مسلم فهو أعرف بحقيقة ديننا الحنيف من كثير من علمانيينا؛ إذ له من الوقفات والآراء والمواقف ما أشاد فيها بالإسلام، حيث دعا إلى الاستفادة من معطياته، وأنحى باللائمة على أمته بخاصة والغرب بعامة على المادية المفرطة والسقوط الأخلاقي المفجع الذي يتردون فيه؛ مما يؤذن بخطر عظيم، ومن ذلك: كلمته في (مركز الدراسات الإسلامية في جامعة إكسفورد) ، التي أشاد فيها بدور الإسلام في نهضة الحضارة الغربية، ودعوته للاستفادة من الإسلام في عدالته وتسامحه وشموله. وكذلك: ما أدلى به في كلمته المتميزة التي ألقاها مؤخراً في (مؤتمر بناء الجسور بين الإسلام والغرب) في لندن، ومما قاله: (إن القيم الإسلامية تساعد على استعادة الرؤية المتكاملة لما يجري في عالمنا الفسيح) . فمتى يعي العلمانيون العرب الذين يصرون على تغريب مجتمعاتنا الإسلامية ولا يعيرون آداب وأخلاق الإسلام أدنى اهتمام. ومتى يعرفون حقيقة ديننا وأهميته؟ وأنه ليس لنا فقط، وإنما للإنسانية بعامة. إننا نذكرهم بأهمية العودة للجذور، فنحن أمة أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، فهل يعون ذلك، أم على قلوب أقفالها؟

стр. 2405

ذو القعدة - ١٤١٧هـ مارس - ١٩٩٧م (السنة: ١١)

стр. 2406

كلمة صغيرة عبدة الشيطان العبثية وغيبة الهدف اللتان تسيطران على الحياة الغربية، أوجدا تصدّعاً نفسيّاً، وخواءً روحيّاً سيطرا على الناس هناك، وظهرت آثاره في التخبط الفكري الذي يعيث في نفوسهم فساداً، ولهذا تعددت المنظمات الفكرية و (الروحية) ، وتباينت معتقداتها وتوجهاتها.. حتى إن بعضها تتبنى عبادة الشيطان! ، وتمارس كل أنواع التفلت والشذوذ. والغريب: أنّ تلك المنظمات سعت لتصدير هذا الفكر المنحل إلى بعض البلاد الإسلامية، تريد غزوها في عقول شبابها، والأكثر غرابة: أن منهم من استجاب لهذه الدعوة، فقد أعلن مؤخراً في (مصر) عن ضبط تنظيم لـ (عبدة الشيطان) من أبناء طبقة الفنانين والمسؤولين كما ذكرت الصحف، كما أُعلن أن للتنظيم صلة ببعض تلك المنظمات الغربية، وبغض النظر عن الدوافع السياسية التي دعت مصر لاعتقال بعض أفراد هذا التنظيم، وتصعيده إعلاميّاً، فإنه يدل دلالة واضحة على عمق الانحراف النفسي والفكري الذي ينخر في نفوس بعض الشباب. ولنا أن نتسأل: هل الدولة بكافة فعاليتها معفاة من تلك المسؤولية..؟ ! إن هذا التخبط الفكري والخواء النفسي نتيجة حتمية لسياسة التغريب والعلمنة المكثفة، وفتح أبواب العبث والانحلال على مصاريعها، كما أنه نتيجة حتمية لسياسة تجفيف المنابع، وملاحقة منابر الدعوة الإسلامية، خاصة أن التحقيقات المعلنة ذكرت بأن تعاطي المخدرات، وارتياد الخمارات، ودور اللهو، والشاليهات السياحية..! ! سلوكيات رئيسة في تجمعاتهم. ولعله يتسنى رصد أشمل لهذه الظاهرة في عدد قادم إن شاء الله.

стр. 2407

افتتاحية العدد ماذا وراء التحالف المشبوه ؟ ! الصلة الوثيقة التي أوجدها الإسلام بين معتنقيه نادرة المثال في أصالتها وديمومتها، وحسبنا أنّ ديننا الحنيف جعل العلاقة بين المسلمين مثل علاقة أجزاء الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالتأثر السريع، يقول البشير النذير: (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، ف (الجسد أصل كالشجرة، وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها، كالشجرة إذا حُرك غصن من أغصانها اهتزت كلها بالتحرك والاضطراب) [*] . هكذا كان حال المسلمين في ارتباطهم وتعاونهم مع شكاية بسيطة، فكيف يكون حالهم مع النوازل والطوام؟ .. لا شك أن العلاقة أكبر والتعاون أشد، وذلك حينما يناصَبون العداء ويوقف في طريق نهضتهم، وكيف يكون الحال حينما تقوم فئات منسوبة إلى الإسلام بالتعاون مع أعداء الإسلام الحقيقيين لجلب منافع ذاتية أو مصالح متوهمة؟ ! وإلا كيف يفسر تعاون جناحي المعارضة السودانية الممثلة في شخص كل من زعيمي حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي الديمقراطي ووضع أيديهما في يد الصليبي الحاقد: (جون قرنق) والهجوم على دولة السودان بعد أن فعلا ما فعلا في الحياة السياسة في ذلك البلد؟ ، ولا يُغَضّ الطرف عما يُعرف عن حقيقة هذين الحزبين وانحرافاتهما العقدية والبدعية، وكذلك انحرافاتهما السياسية النفعية وجنايتهما على الحياة السياسية في السودان على ضوء تاريخهما. وللحقيقة والتاريخ فقد بيّنّا أكثر من مرة مآخذنا على النظام القائم، وما زلنا نطالبه بالتصحيح والمزيد من الأسلمة، بعيداً عن أي شعارات مبهمة، أو اتجاهات حزبية، أو انحرافات فكرية. لكننا نعلم كما يعلم غيرنا أن السودان دولة على الأقل تعلن تبني الإسلام ظاهراً، وتنادي بتطبيق الشريعة. وترفض أن ينتزع سيادتها المتآمرون عليها الذين استطاعوا في فترات عديدة من تاريخها بوسائلهم الميكيافيلية استغلال ضعفها، وتحريك الفعاليات الحاكمة فيها من وراء الكواليس، وجعل الجيب النصراني الجنوبي وسيلة ضغط لإضعاف السودان وابتزازه والتدخل في شؤونه الداخلية، وبخاصة حينما يكون الأمر متعلقاً بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا ما ترفضه الحكومة الحالية؛ مما جعلها تتعرض لعداوة الغرب وأذنابه. وما يتعرض له السودان من ضغوط ومضايقات واتهامات ممجوجة ومكرورة إلا دليل على ما نقول، فلماذا لم يتعرض لهذه العداوة إبان الحكم العسكري والطائفي في كثير من فترات تاريخه المعاصر..؟ ! الغريب: أن حزبي المعارضة المذكورَيْن محسوبان على الإسلام باعتبارهما في الأصل من الطرق الصوفية، لكن بعض رموزهما اتخذوا الدين فيما يظهر ستاراً لتحقيق مصالح طائفية ضيقة، ولا نشك في مدى معرفتهما بخطورة ما يفعلان، وهما اليوم مخلب قط في يد العدو الصليبي، يحاربان إخوانهم في الدين! ! ، ثم ماذا عن حقيقة (الولاء والبراء) الذي هو أصل من أصول العقيدة أكده القرآن كثيراً، في مثل قوله (تعالى) : [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..] [المجادلة: ٢٢] . إن ما فعله الحزبان يذكرنا بالأدوار المشبوهة لفرق الضلال وصلاتها المعروفة بأعدائنا عبر التاريخ؛ مما يعيد للذهن تلك العلاقات المريبة، فهل يكون ما عملاه إعادة لتلك المهازل التاريخية؟ ! بقي لنا في هذا المقام وقفات وتنبيهات نلخصها فيما يلي: أولاً: أن الاعتداء الآثم الذي اجتمع فيه نصارى إثيوبيا، وإريتريا، وأوغندا، ونصارى الجنوب، وتعاونهم فيما بينهم.. على دولة السودان، يؤكد العلاقة الوثيقة بين الذين كفروا في الوقوف ضد كل مظهر إسلامي، وصدق الله العظيم: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ..] [البقرة: ١٢٠] . ثانياً: نعتقد أن هذا التحالف المشبوه ليس مؤامرة عابرة بسبب خلاف سياسي مع الحكومة السودانية، بل هو تحالف استراتيجي يمتد ليهدد الأمة العربية والإسلامية بأسرها، فهو حلقة من حلقات التعاون العسكري الصهيوني مع دول القرن الإفريقي، الذي بدأ في وقت مبكر، وكان من أبرز معالمه: - إقامة عدد من القواعد العسكرية اليهودية في كل من إثيوبيا وإريتريا، وما تبع ذلك من المناورات الميدانية المشتركة، التي تهدف إلى تطويق البلاد العربية من الجهة الجنوبية، وفتح ثغرات عسكرية لمواجهة أمتنا من جهات مختلفة. - احتلال جزيرة (حنيش) اليمنية الاستراتيجية، بالتعاون بين إريتريا والعدو الصهيوني للسيطرة على الملاحة البحرية في البحر الأحمر، والتحكم بالممرات الجنوبية في مضيق باب المندب. - دخول يهود بشكل مكشوف في الصراع الدائر في منطقة البحيرات العظمى للسيطرة على مجاري الأنهار ومنابع المياه، ولإحكام السيطرة على دول نهر النيل، وتهديد أمنها، (وخاصة السودان ومصر) . ثالثاً: أنّ الحركات الانفصالية النصرانية في جنوب السودان بقيادة (جون قرنق) ، صنيعة الاستعمار البريطاني منذ الأيام الأولى للاستقلال، وُجدَت لزعزعة الأمن في السودان وخلخلة أركانه، ويراد من ذلك أمور، منها: - إشغال السودان بالحروب لتعطيل برامج التنمية، وإفقاره، ومحاصرته اقتصاديّاً، خاصة أن السودان يملك أرضاً زراعية خصبة يمكن أن تكون مصدر دخل اقتصادي كبير، ليس للسودان فحسب، بل للأمة العربية كلها. - الوقوف في وجه المد الإسلامي في القارة الإفريقية، إذ إن السودان هو البوابة الإسلامية لإفريقيا السوداء. ومن المعلوم أن جميع الحكومات السابقة فشلت فشلاً ذريعاً في الوقوف أمام الحركات الانفصالية (وخاصة حكومة الصادق المهدي الأخيرة! !) ، حيث توغلت عصابات جون قرنق داخل الأراضي السودانية، وهددت الخرطوم، فلما جاءت الحكومة الحالية استطاعت أن تحرر الأراضي السودانية المحتلة، وتقف في وجه الانفصاليين النصارى، وتتبع فلولهم في إثيوبيا وأوغندا، وهذا الموقف بلا شك أزعج الدول الغربية التي رمت بثقلها العسكري والسياسي لدعم (قرنق الصليبي) ، ثم كان هذا التحالف المشبوه تحت القيادة العسكرية لهذا (الزعيم) ؛ لفتح ثغرات متعددة على السودان؛ حتى يعجز عن السيطرة على منطقة الجنوب، ومن ثم: تمهيد الطريق لانهياره من الداخل. رابعاً: لا شك بأن التحالف بين الانفصاليين الجنوبيين والمعارضة الشمالية، له دلائل وعلامات كثيرة، منها: -إفلاس المعارضة الشمالية، وعجزها عن اتخاذ قرار مسؤول يخدم السودان فقد كانوا يعارضون الحركات الانفصالية الجنوبية، ولكن المصالح والأهواء جعلتهم ينسون ثوابتهم الحزبية، ويبيعون أرض السودان بثمن بخس. -عدم مقدرة عصابات نصارى الجنوب على تحقيق أهدافها، خاصة بعد التصدع السياسي والعسكري الذي أصاب جيوش قرنق، مما جعله يمد يده للتنسيق مع المعارضة الشمالية، على الرغم من عدائه السابق لها. -عجز المعارضة السابقة بشتى فصائلها عن زعزعة الحكومة الحالية أو إسقاطها من الداخل، ممّا ينبئ بأن الشارع السوداني ليس مع المعارضة، مما جعلهم يلجؤون إلى التحالف مع دول الجوار النصرانية..! ! وأخيراً: فإننا أمام واقع مأساوي مزعج، تحالف فيه الأعداء ضد بلد مسلم، فعلينا فَهْم الأهداف الاستراتيجية الخطيرة لذلك التحالف، وألا نكون عوناً للأعداء ضد إخواننا لمجرد خلافات أو مصالح، ولنحذر من السقوط في أيدي الأعداء والتعاون معهم ضد ديننا وعقيدتنا. ومما يؤسف له: الشماتة الظاهرة بدون مبرر مقبول في متابعة بعض الصحف العربية للحدث، بل وفرحهم بسقوط بعض المواقع الحكومية الأمامية! ! وبين عجز العرب وكيد الغرب الأيام حبلى، والله نسأل أن يصلح الأحوال وأن يرفع عن أمة الإسلام ما يحاك ضدها من مؤامرات. وما يثار بين أبنائها من فتن ... ... ... ... ... والله من وراء القصد،

стр. 2408

دراسات شرعية أحكام قضاء الصلوات الخمس بقلم: عبد الله الإسماعيل مدخل: الصلاة.. وما أدراك ما الصلاة، فريضة محكمة، هي أحد أركان الإسلام الخمسة، افترضها الله (تعالى) على نبينا محمد ﷺ في السماوات العلى، ووجوب أدائها ثابت بالكتاب والسنة ومعلوم للجميع، وقد تساهل في أدائها كثير من الناس لأعذار ما أنزل الله بها من سلطان، بل تركها بعضهم مطلقاً، نسأل الله العافية، وقد تنازع العلماء في حكم تاركها سلفاً وخلفاً إلا إن القول الراجح الذي نراه هو ما حرره العلامة الشيخ (محمد العثيمين) بقوله: إذا رَدَدْنا هذا النزاع إلى الكتاب والسنة وجدنا أنهما يدلان على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبرالمخرج من الملة، وساق الأدلة على ذلك [١] .. ولمعالجة موضوع قضاء الصلوات الخمس يتناول الكاتب الكريم هذا المبحث بدراسة علمية، نسأل الله أن ينفع بها الجميع. - البيان - ينقسم الناس من حيث وجوب القضاء وعدمه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من يجب عليهم القضاء بالإجماع، وهم: ١ - النائم. ٢- الناسي. ٣- السكران. أما النائم والناسي: فقد حكى الإجماع عليهما ابن حزم في (المحلى) [٢/١٠] وابن القيم حكى الاتفاق في كتابه (الصلاة) [ص ٥١] ، ومن أدلة السنة عليه: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: (إذا رقد أحدكم ... عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي] ) [٢] . وأما السكران: فقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب القضاء عليه، كابن المنذر في كتابه (الإجماع) [ص ١٠] ، وقال ابن حزم في المحلى [٣] : (وأما من سكر حتى خرج وقت الصلاة، أو نام عنها حتى خرج وقتها، ففرض على هؤلاء خاصّة أن يصلوها أبدًاً.. وهذا كله إجماع متيقن) ، وقال ابن قدامة [٤] : (لا نعلم فيه خلافاً) . القسم الثاني: من لا يجب عليهم القضاء بالإجماع، وهم: ١ - الحائض والنفساء. ... ... ... ٢- الكافر الأصلي. أما الحائض والنفساء: فقد حكى الإجماع على عدم وجوب القضاء عليها جمع من أهل العلم، منهم ابن المنذر في كتابه (الإجماع) [ص ٩] ، وابن حزم في (المحلى) [٢/٨] ، والنووي في (المجموع) [١/٣٨٣] ، ومن أدلة السنة: حديث معاذة (رحمها الله) قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريّة [٥] أنت؟ قلت: لست بحروريّة، ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) [٦] . أما الكافر الأصلي: فقد حكي الإجماع على أنه إذا أسلم لم يجب عليه قضاء الصلاة [٧] ، ومن أدلة الكتاب: قوله (تعالى) : [قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ] [الأنفال: ٣٨] ، ومن السنة: قوله: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟) [٨] . القسم الثالث: من هم محل خلاف بين العلماء، وهم: ١- المجنون: والخلاف فيه ضعيف، والراجح أن المجنون لا يقضي ما تركه زمن الجنون، وهو قول جماهير الأمّة [٩] ، والأدلة في ذلك كثيرة، ومنها: حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، قال: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) [١٠] . ٢- المرتد: والراجح أنه لا يقضي ما تركه زمن الردّة، وهو قول الجمهور، والأدلة عليه كثيرة، منها: أ - القياس على الكافر الأصلي، فكما أن الكافر الأصلي لا يجب عليه القضاء بالإجماع، فكذا المرتد بجامع الكفر. ب - أن الذين ارتدوا زمن النبي ﷺ كعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وغيره مكثوا على الردة زمناً ثم أسلموا، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء، وكذا: من أسلم من المرتدين في زمن أبي بكر الصديق ﵁ لم يؤمروا بقضاء ما تركوه زمن الرِّدة، ولو أمروا لنقل إلينا [١١] . ج - ولأن في إبجاب القضاء عليه تنفيراً له من التوبة مع طول زمن الردّة، بل تكون التوبة في حقه عذاباً إذا ألزمناه بالقضاء. ٣- المغمى عليه: وقد اختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال، الراجح منها: أن المغمى عليه لا يقضي ما تركه زمن الإغماء؛ طال الإغماء أو قصر، وهو مذهب المالكيّة [١٢] ، والشافعيّة [١٣] ، وقول طاووس، والحسن البصري، وابن سيرين، والزهري، وأبي ثور [١٤] ، وابن حزم [١٥] . والدليل: أن المغمى عليه فاقد لمناط التكليف وهو العقل فأشبه المجنون، ويعضد هذا التعليل أثر ابن عمر ﵄ : (أنه أغمى عليه فذهب عقله، فلم يقض الصلاة) [١٦] . واستدل القائلون بمشروعية القضاء بأثرين: الأول: عن يزيد مولى عمار: (أن عمار بن ياسر ﵁ أغمى عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلّى الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء) . الثاني: عن أبي مجلز قال: قيل لعمران بن حصين: إن سمرة بن جندب يقول في المغمى عليه: يقضي مع كل صلاة مثلها، فقآل عمران: ليس كما يقول، يقضيهن جميعاً) . وأثر عمار ضعيف؛ فقد أخرجه عبد الرزاق [ح/٤١٥٦] ، والدارقطني: [٢/ ٨١] ، والبيهقي [١/٣٨٨] ، كلهم من طريق السدي عن يزيد مولى عمّار، ويزيد مجهول (انظر نصب الراية، ٢/١٧٧) ، والسدي قال عنه ابن حجر: (صدوق يَهِم، ورُمي بالتشيّع) [التقريب، ص ١٠٨] ، وقال الشافعي: (هذا ليس بثابت عن عمّار) [نصب الراية، ٢/١٧٧] ، وقال ابن التركماني: (وسنده ضعيف) [الجوهر النقي، ١/٣٨٨] . وأثر عمران ضعيف أيضاً؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة [٢/٢٦٩] بإسناد رجاله ثقات، إلا إن أبا مجلز لم يلق سمرة ولا عمران، كما صرح بذلك ابن المديني [انظر تهذيب الكمال، ٣١/١٧٨] ، فالإسناد ضعيف بهذا الانقطاع. وبضعف الأثرين يكون أثر ابن عمر ﵄ سالماً من المعارض. ٤- من زال عقله بدواء، كالبنج [١٧] قديماً، والآن يستعمل المخدِّر لإجراء العمليات الجراحيّة في المستشفيات. والراجح فيه: وجوب القضاء عليه، وهو مذهب الحنفيّة [١٨] ، ... والحنابلة [١٩] قياساً على النوم بجامع زوال الإدراك تماماً، وعدم امتداده، وعدم ثبوت الولاية فيهما [٢٠] . أما إلحاقه بالمغمى عليه فبعيد؛ لأن الإغماء آفة ليس للعبد فيها أي قصد، بخلاف زوال العقل بالدواء، فإنه يكون بقصد من العبد، وغالباً ما يعلم المريض بأنه سيخدّر تخديراً تاماً، ولو تركه لما زال عقله. ٥- تارك الصلاة عمداً؛ أي: من ترك الصلاة عمداً بلا عذر حتى خرج وقتها، سواء أكانت صلاة واحدة، أو فروضاً كثيرة. والخلاف في هذه المسألة قوي جدّاً، وجماهير العلماء على وجوب القضاء. والقول الآخر: بعدم وجوب القضاء، وهو قول الحسن البصري [٢١] ، وابن حزم [٢٢] ، واختيار ابن تيمية [٢٣] ﵏ ، واختاره من العلماء المعاصرين: الشيخ (ابن باز) ، والشيخ (ابن عثيمين) [٢٤] (حفظمها الله) . ولعل القول الثاني هو الأقرب إلى الرجحان، وهو: أن الصلاة لا تقضى ولو كانت فريضة واحدة لجملة من الأدلة، منها: ١- حديث عائشة ﵂ : أن رسول الله ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [٢٥] . ٢- أن القضاء لا يجب إلا بأمر جديد، ولم يرد أمر جديد بقضاء الصلاة لمن تركها عمداً [٢٦] ، وإنما ورد في حق النائم والناسي. ٣- أن تارك الصلاة قد يكون مرتدّاً، والمرتد لايشرع في حقه القضاء كما سبق. والله (تعالى) أعلم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.

стр. 2409

دراسات شرعية مقدمة في التنوع المشروع.. صفة الصلاة أنموذجاً (٢ من٢) بقلم: سلمان بن عمر السنيدي تحدث الكاتب في أولى الحلقتين عن تنوع العبادات التي وردت عن الرسول- ﷺ ، وكيف أن المطلوب: الإتيان بأنواعها جميعاً، ثم تحدث عن شرطي التنوع، فمراتبه، ثم أوضح أقسام مواطن التنوع، من حيث اجتماع الأنواع فيها وعدمه، ووقف الحديث عند اهتمام العلماء قديماً وحديثاً بالتنوع، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة عرض بقية الموضوع. - البيان - آثار العمل بالتنوع المشروع: ومما ينبغي الإشارة إليه: أنه لا بد أن يسبق العمل بالتنوع المشروع: استظهار الأدلة لكل نوع، وتحرير محل الخلاف، وبيان الاختيار بين اجتهادات الفقهاء، وتوجيه تنوع الصفات المشروعة، ومعرفة الغالب على صلاة النبي - ﷺ ، وما هو سبب الاختلاف، هل هو لبيان صفة جديدة، أم هو لبيان الجواز، أم هو لحاجة عارضة.. وإذا تبين ذلك وتوجه العمل بالتنوع المشروع: فإن له آثاراً يمكن توضيحها كما يلي: ١- طريق إلى الاتفاق ورفع الخلاف: يحصل بدراسة الصفات المتنوعة الثابتة عن النبي ﷺ وبيان تنوع فعله لها: إزالة الخلاف الصوري المستند على اختلاف الاختيار بين الصفات الثابتة المتنوعة. وانظر إلى اختيارات الأئمة بين أنواع السنة الثابتة، فربما نقل المتأخرون الاختيار ونسبوه لأحد المذاهب القائمة، فنظر مَن هو غير مؤهل إلى أنه اختلاف قائم يحتاج إلى ترجيح، فيركن إلى أحدها تقليداً لإمامه، ويهجر سواه باعتباره مرجوحاً أو خطأ أو بدعة وضلالة. ولكن إذا حصل تعلم هدي النبي ﷺ وما جاء عنه من التنوع المشروع: زال السبب لهذا الاختلاف، واعتبرت الصفات المتنوعة المشروعة من الهدي الذي يسوغ فعله كما كان يفعله. ولقد اشتهر نقل صفة صلاة النبي ﷺ عن ابن عباس، وأبي حميد الساعدي، ووائل بن حجر.. وغيرهم ﵃ أجمعين) ، وقد اختلفوا في نقلهم بحسب ما رأوه من صلاته ﷺ ، يقول النووي ﵀ : (الجمع بين حديث ابن عباس وأحاديث أبي حميد ووائل هو: أن النبي ﷺ كانت له في الصلاة أحوال، حال يفعل فيها هذا، وحال يفعل فيها ذاك، كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك من أنواعها، كما هو معلوم من أحواله ﷺ ، وكان يفعل العبادة على نوعين وأنواع؛ ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل بينهما على أنه المختار والأَوْلى، فالحاصل أن كليهما سنّة، لكن إحدى السنّتين أكثر وأشهر) [١] . والنووي ﵀ يحكي الإنكار على من جعل التنوع المشروع خلافاً يحتاج إلى ترجيح، ويرى أنه صفات مشروعة، فيقول: (وأنكروا على إمام الحرمين والغزالي حيث حكياه أوجهاً، وهي أقوال مشهورة) [٢] . وابن رشد القرطبي ينبه على طريق الأخذ بالتخيير بين الأحاديث المختلفة دون تصور التعارض بينها، فلا يحتاج إلى ترجيح، فيقول عن الفقهاء: (وسبب اختلافهم: اختلاف ظنونهم في الأرجح منها، فمن غلب على ظنه حديثٌ ما من هذه الأحاديث: مال إليه، وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن هذا كله للتخيير) [٣] . ويشرح ابن تيمية نشأة الخلاف، وكيف بدأ بتفضيل أمرٍ لم يفضل، وذلك بالمداومة عليه وهجر ما سواه، فيقول: (والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي ويدعو ويذكر على وجه مشروع، وأَخَذَ ذلك الوجه عنه أصحابه وأهل بقعته، وقد تكون تلك الوجوه سواء، وقد يكون بعضها أفضل، فجاء في الخلف من يريد أن يجعل اختياره لما اختاره لفضله، فجاء الآخر فعارضه في ذلك، ونشأ من ذلك أهواء مردية مضلة، فقد يكون النوعان سواء عند الله ورسوله، فترى كل طائفة طريقها أفضل، وتحب من يوافقها على ذلك، وتُعْرض عمن يفعل ذلك الآخر، فيفضلون ما سوى الله بينه، ويسوون ما فضل الله بينه، وهذا باب من أبواب التفرق والاختلاف الذي دخل على الأمة، وقد نهى عنه الكتاب والسنة، وقد نهى النبي - ﷺ عن عين هذا الاختلاف) [٤] . وقال ﵀ موضحاً أن هجر المشروع سبب إلى نسيانه، ومن ثم: طريق إلى الاختلاف والعداوة: (وهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة والبغضاء بين الأمة، قال (تعالى) : [وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ] [المائدة: ١٤] ، فأخبر (سبحانه) أن نسيانهم حظّاً مما ذكروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، فإذا اتبع الرجل جميع المشروع المسنون، واستعمل الأنواع المشروعة، هذا تارة، وهذا تارة، كان قد حفظت السنة علماً وعملاً، وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك) [٥] . وقال ﵀ في بيان آثار المداومة على ما لم يداوم عليه الرسول: (مبدأ المداومة على ذلك يورث اعتقاداً ومحبة غير مشروعين، ثم يخرج إلى المدح والذم، والأمر والنهي بغير حق، ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين من جنس أخلاق الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج في الجاهلية.. ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع ... من غير استحقاق شرعي ... ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال، كما وقع في بعض أرض المشرق، ومبدأ ذلك: تفضيل ما لم تفضله الشريعة والمداومة عليه، وإن لم يعتقد فضله سبباً لاتخاذه فاضلاً اعتقاداً وإرادة: فتكون المداومة على ذلك: إما منهيّاً عنها وإما مفضولة، والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول ﷺ أفضل ... وأكمل) [٦] ، ويوضح ابن تيمية ﵀ علاقة هجر ما ثبت في السنة بالتفرق والاختلاف، فيقول: (هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره، قد يفضي إلى جعل السنة بدعةً، والمستحب واجباً، ويفضي ذلك إلى التفرق ... ، مع أن الجميع حسن قد أمر به النبي ﷺ ، وإن الضلالة حق الضلالة أن ينهى عما أمر به النبي) [٧] . ويقول ﵀ : (فإذا كان التنازع في الاستحباب: عُلم الإجماع على جواز ذلك وإجزائه في العبادات، ولم يكن التنازع في الاختيار ضارّاً، بل قد يكون النوعان سواء، وإن رجّح بعض الناس بعضها، ولو كان أحدها أفضل لم يجز أن يظلم من يختار المفضول) [٨] . ويقول ﵀ في بيان أن العمل بالتنوع المشروع يورث الاتفاق والألفة: (إن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها، وزوال كثرة التفرق والاختلاف والأهواء بينها، وهذه مصلحة عظيمة، ودفع مفسدة عظيمة، ندب الكتاب والسنة إليها) [٩] . وقال الشاطبي: (يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنهم لم يقرؤوا بما قرؤوا به على إنكار غيره، بل على إجازته والإقرار بصحته، وإنما وقع الخلاف بينهم في الاختيارات، وليس في الحقيقة باختلاف؛ فإن المرويات على الصحة منها لا يختلفون فيها) [١٠] . وهكذا يكون الأخذ بالسنن المتنوعة طريقاً إلى الاتفاق والائتلاف. ويحسن أن نختم هذا الأثر بمسألة ذكرها ابن القيم ﵀ ، فقد أفاد وأجاد في تطبيق ما تقدم ذكره من أخذه بالتنوع المشروع فيما ثبت من هديه -صلى الله عليه وسلم- في موطن من مواطن الخلاف، فقال ﵀ : (أهل الحديث هم أسعد الناس بالحديث، يقنتون حيث قنت رسول الله ﷺ ، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا: فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ويرونه بدعة ولا فاعله مخالفاً للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفاً للسنة، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وإذا جهر به الإمام أحياناً ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك؛ فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا أيضاً: جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهدات، وأنواع الأذان والإقامة) [١١] . ٢- كمال الاقتداء: لقد أمر الله عباده بالاقتداء بنبيه ﷺ في قوله (تعالى) : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] ، وخصّ النبي ﷺ عبادات بمزيد اعتناء , فقال في حق الصلاة: (صلوا كما رأيتموني أصلي) [١٢] . ومن كمال الاقتداء: فعل كل ما ثبت عنه ﷺ وعدم الاقتصار على نوع دون نوع، بل من اتباع السنة: عدم هجر شيء منه وتعطيله، وإن من كمال الديانة ورسوخ العلم وسلامة المذهب: تتبع السنن ولزومها والحرص على أدائها بآدابها. قال أبو عثمان الجبري: من أمّر السنة على نفسه قولاً وعملاً نطق بالحكمة. وقال شاه الكرماني: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشبهات، وعمّر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعوّد نفسه أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة. وقال أبو العباس بن عطاء: أعظم غفلة: غفلة العبد عن ربه ، وغفلته عن أوامره، وغفلته عن آداب معاملته. وقال إبراهيم الخوّاص: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم: من اتبع العلم، واستعمله، واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم. وقال أبو حمزة البغدادي: من علم طريق الحق، سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة سنة الرسول ﷺ في أحواله وأفعاله وأقواله. وقال عبد الله بن منازل: لم يُبْتَلَ أحد بتضييع السنن إلا يوشك أن يبتلى بالبدع [١٣] . وقال الخطيب البغدادي: (وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام، باستعمال آثار رسول الله ﷺ ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله (تعالى) يقول: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ) [١٤] . وقال الغزالي: (اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة والاقتداء برسول الله - ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته، حتى في هيئة أكله وقيامه، ونومه وكلامه) . عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (لا يجعل أحدكم نصيباً للشيطان من صلاته: أن لا ينصرف إلا عن يمينه، وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيراً ينصرف عن شماله) [١٥] . فالشيطان حريص على نقل العبادة الحية التي يستشعر فيها الإنسان كمال الاقتداء بنبيه ﷺ إلى عبادة شبه ميتة، تفعل تباعاً لا روح فيها ولا استشعار لحقيقة الاقتداء والتأسي، لذلك عدّ ابن مسعود فعل الإنسان حالة واحدة على وجه الالتزام والتقيّد وجعله مثل الواجب الحتم الذي لا يفعل غيره.. عدّ ذلك إعطاءً للشيطان نصيباً من الصلاة، والله أعلم، حتى قال ابن قدامة: (وفي اتباع السنة: بركة موافقة الشرع، ورضا الرب ، ورفع الدرجات، وراحة القلب، ودَعَة البدن، وترغيم الشيطان، وسلوك الصراط المستقيم) [١٦] . وقال شيخ الإسلام عن العمل بالتنوع المشروع: (والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول ﷺ أفضل وأكمل. هذا هو اتباع السنة والشريعة؛ فإن النبي ﷺ إذا كان قد فعل هذا تارة وهذا تارة، أو لم يداوم على أحدهما: كان موافقته في ذلك هو التأسي والاتباع المشروع، وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعله لأنه فعله) [١٧] . وقال شيخ الإسلام: (وإن قيل: إن بعض تلك الأنواع أفضل، فالاقتداء بالنبي ﷺ في أن يفعل هذا تارة وهذا تارة: أفضل من لزوم أحد الأمرين وهجر الآخر) [١٨] . ٣- إحياء السنة: قال: (تقدموا فَاًتموا بي، وليأتم بكم مَن بعدكم) [١٩] . قال ابن حجر: (وقيل: معناه تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا) [٢٠] . ولقد أخذ الصحابة بهذه الوصية حق الأخذ، فرمقوا صلاته -صلى الله عليه وسلم- منفرداً، وإماماً، في بيته، وفي المسجد، في ليل، ونهار، فوصفوا صلاته وما فيها من حركات وسكنات وسكتات وهيئات، حتى سألوا عما خفي عليهم، فقد روى البخاري ومسلم قول أبي هريرة: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ ، فأخبره بدعاء الاستفتاح: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... ) ، الحديث متفق عليه، ويقول ابن حجر معلقا على ذلك: (وفيه: ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النبي ﷺ في حركاته وسكناته، وإسراره وإعلانه، حتى حفظ الله بهم الدين) [٢١] . فعلموا ذلك، وعملوا به، وعلّموه من بعدهم من التابعين، حتى صار ورثاً تفيض به دواوين الإسلام وكتب الفقهاء (رحمهم الله تعالى) . والعلم بالتنوع المشروع طريق للدعوة إلى جميع ما جاء به الشرع المطهر من الصور المختلفة للعبادة الواحدة، ومعلوم ما في ذلك من إحياء للسنة ونشرها وجعلها ظاهرة معروفة سائرة بين الناس، ومعلوم ما في تعليم صورة واحدة من السنة من القصور في نشر السنة كاملة، وربما عُلِّل ذلك الاقتصار بالتدرج في تعليم الناس، ولكن التدرج يدل على عقد العزم على تعليم ونشر عامة السنن المتنوعة الثابتة عن النبي ﷺ ، فإذا تحقق ذلك زال المحذور. وإنك لترى وجوهاً من السنن مهجورة، تكاد تندثر بسبب إهمالها؛ لأن (هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره، قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة) [٢٢] . والعبادات الواردة على وجوه متنوعة يتنوع العمل فيها لبقاء السنة حية؛ لأنه لو أخذ الناس بوجه وتركوا الآخر لمات الوجه الآخر، فلا يمكن أن تبقى السنة حية إلا إذا كنا نعمل بهذا مرة وبهذا مرة. قال شيخ الإسلام ﵀ : (إن المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع؛ وذلك سبب لنسيانه والإعراض عنه حتى يُعتقد أنه ليس من الدين، بحيث يصير في نفوس كثير من العامة أنه ليس من الدين، وفي نفوس خاصة هذه العامة: عملهم مخالف علمهم؛ فإن علماءهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون بيان ذلك، إما خشية من الخلق، وإما اشتراء بآيات الله ثمناً قليلاً من الرئاسة والمال؛ كما كان عليه أهل الكتاب، كما قد رأينا من تعود أن لايسمع إقامة إلا موتورة أو مشفوعة فإذا سمع الإقامة الأخرى نفر منها وأنكرها، ويصير كأنه سمع أذاناً ليس أذان المسلمين، وكذلك من اعتاد القنوت قبل الركوع أو بعده، فإذا اتبع الرجل جميع المشروع، واستعمل الأنواع المشروعة: حفظ السنة علماً وعملاً، ونكتة هذا الوجه: أنه وإن جاز الاقتصار على فعل نوع، لكن حفظ النوع الآخر من الدين، ليعلم أنه جائز مشروع، وفي العمل به تارة حفظ الشريعة، وترك ذلك قد يكون سبباً لإضاعته ونسيانه) [٢٣] . ٤- حفظ السنة وتذكرها: والعمل بالسنة على وجوه متنوعة سبب في حفظ السنة؛ لأنك لو أهملت إحدى الصفتين نسيت ولم تحفظ. وصح عن علي ﵁ أنه قال: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) [٢٤] ، (وقال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فأعمل به) [٢٥] . وحين أراد ابن الهمام أن يذكر حديث علي بن أبي طالب ﵁ في الاستفتاح الطويل الذي رواه مسلم، قال: (نسوقه إعانة على حفظ ألفاظ السنة ليتبرك بها في النوافل) [٢٦] . ٥- حضور القلب: العمل بصور الصفات المتنوعة يساعد على استحضار النية وحضور القلب؛ (لأن كثيراً من الناس إذا أخذ بسنة واحدة صار يفعلها على سبيل العادة، ولكن إذا كان يعود نفسه أن يقول أو يعمل هذا مرة وهذا مرة صار منتبهاً للسنة) [٢٧] ، وصار غير شارد في صلاته وعبادته، طارداً للسآمة والخمول عن عبادته، مستحضراً الإخلاص لله والاقتداء بنبيه ﵊ ، وهذا من أقوى الأسباب التي تعين العبد على الخشوع في صلاته، ومن ثم: تحصيل الأثر المرجو من ذلك الوعد في قوله (تعالى) : [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ] [المؤمنون: ١، ٢] ، وقوله- ﷺ : (خمس صلوات افترضهن الله ، من أحسن وضوءهن، وصلاتهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن: كان له على الله أن يغفر له) [٢٨] . ٦- طريق للمسابقة إلى الخيرات: يحصل بنشر الصفات المتنوعة تقريب أبواب مشروعة للتسابق إلى فعل الخيرات، وإن من المعلوم أن الاقتصار على ميادين محدودة في الدعوة إلى الله، أو على أبواب أوّليّة، إنما يكون محموداً إذا كان لتحبيب فئة من الغافلين المقصرين في جنب الله إلى فعل السنن والتزود من الطاعات، أما أن يكون هذا هو غاية ما يدعو إليه الداعون على مدى سنوات عديدة فلا، وإنه لحقّ للنفوس التي قطعت شوطاً في الاستقامة على أمر الله والتنافس في الخيرات أن تقرب أمامها جميع الأبواب المشروعة لفعل الخيرات. ٧- العمل بالأنواع المشروعة يخرج الجائز المسنون من أن يشبّه بالواجب: فإن المداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب، ولهذا: أكثر هؤلاء المداومين على بعض الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه وقلب غيره، أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات؛ لأجل العادة التي جعلت الجائز كالواجب [٢٩] . ٨- في العمل بالأنواع المشروعة تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع؛ (فإن كل نوع لا بد له من خاصة، وإن كان مرجوحاً، فكيف إذا كان مساوياً، وقد يكون المرجوح راجحاً في مواضع) [٣٠] . ٩ - العمل بالأنواع المشروعة وضع لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله، ولا أثارة من علم؛ فإن مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحٌ له على غيره، ترجيحاً يحب من يوافقه عليه، ولا يحب من لا يوافقه عليه، بل ربما أبغضه بحيث ينكر عليه تركه له، ويكون ذلك سبباً لترك حقوق له وعليه يوجب أن ذلك يصير إصراً عليه لا يمكنه تركه، وغلاّ في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما أمر به، وقد يوقعه في بعض ما نُهِيَ عنه [٣١] . وهذا مصداق قول عبد الله بن مسعود ﵁ : (لا يجعل أحدكم نصيباً للشيطان من صلاته أن لا ينصرف إلا عن يمنيه ... ) الحديث متفق عليه. ١٠- العمل بالأنواع المشروعة عدل بين شرائع الدين: (فإن الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل: التسوية بين المتماثلين، ومن أعظم العدل: العدل بين الأمور الدينية، فإن العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال كالقصاص والمواريث وإن كان واجباً، وتركه ظلم فالعدل في أمر الدين أعظم منه، وهو العدل بين شرائع الدين وبين أهله، فإذا كان الشارع قد ساوى بين عملين أو عاملين: كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم، وإذا فضّل بينهما: كانت التسوية كذلك، والتفضيل أو التسوية بالظن وهوى النفوس من جنس دين الكفار، فإن جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدهم دينه، إما ظنّاً، أو هوًى، وإما اعتقاداً، وإما اقتصاداً، وهو سبب التمسك به وذم غيره، فإذا كان رسول الله قد شرع تلك الأنواع، إما بقوله، وإما بفعله، وكثير منها لم يفضل بعضها على بعض: كانت التسوية بينها من العدل، والتفضيل من الظلم) [٣٢] . نسأل الله أن يفقهنا في الدين ويهدينا سبل الرشاد.

стр. 2410

دراسات شرعية مسألة في رمي الجمرات بقلم: الشيخ/ عبد الله بن حسن القعود الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبعد: فإن شبه المجيزين لرمي جمرات اليوم الحادي عشر في الليلة التالية له، وكذلك رمي جمرات اليوم الثاني عشر في الليلة التالية له، هي فيما يظهر لي ما يلي: ١- قولهم: إن الرسول ﷺ رمى نهاراً، ولم يحدد نهاية وقت الرمي. ٢- عموم حديث البخاري: أن رجلاً قال يوم العيد لرسول الله: رميت بعدما أمسيت، فقال: (لا حرج) . ٣- قولهم: ليلة العاشر أُتبعت باليوم الذي قبلها باعتبارها وقت وقوف بعرفة، فكذلك تتبع الليلة التالية للحادي عشر به باعتبارها وقت رمي، وكذلك التالية للثاني عشر. ٤- حديث: أنه ﵊ رخص للرعاء أن يرموا ليلاً. ٥- عمومات نصوص التيسير ورفع الحرج. والجواب عند من يرى أن الأصل في وقت رمي جمرات أيام التشريق: انتهاؤه بغروب الشمس وهو الحق ما يلي: ١- الأصل في العبادات التوقف حتى يقوم الدليل، سواءً في إنشائها أو كيفيتها أو وقتها، فقياس الليلة التالية للحادي عشر وكذلك الليلة التالية للثاني عشر على ليلة العاشر لا يجوز؛ فلا قياس في العبادات، والكل مجمعون على أن الليلة التالية للثالث عشر لا تتبعه. ٢- الأصل في العبادات الأخذ بالحقائق والمسميات الشرعية، لا بمجرد الألفاظ اللغوية فحسب، كمسمى الصلاة، ومسمى الزكاة، ومسمى الوضوء، والتيمم.. ومسمى اليوم كما هو معروف في الصيام وغيره: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ٣- أفعال الرسول ﷺ بيانٌ لواجب مجمل في الحج، وما كان بياناً لواجب مجمل فهو واجب إلا ما خرج بدليل، وقد رمى (عليه الصلاة والسلام) يوم العيد ضحًى، ورمى أيام التشريق بعد زوال الشمس، وإن ابن عمر ﵁ المعروف بتحريه، الذي جاء عنه: (كنا نتحين) ، روى عنه البيهقي قوله: (من نسي أيام الجمار أو قال: رمي الجمار إلى الليل: فلا يرمِ حتى تزول الشمس) ، وقوله: (من غربت له الشمس في أوسط أيام التشريق فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد) . ٤- حديث (رميت بعدما أمسيت) جاء في رمي جمرة العقبة يوم العيد لا في جمرات أيام التشريق، على اختلاف في تفسير هذا المساء: أهو ما بعد الزوال، أم ما بعد الغروب إلى غياب الشفق، أم هو إلى نصف الليل، والظاهر: إنه في هذا الحديث ما بعد الزوال؛ لقرائن الحال، وسبق أن لا قياس في العبادات. ٥- حديث (أن الرسول ﷺ رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأية ساعة شاؤوا من النهار) سنده ضعيف، ولفظه فيه إطلاق يستوجب النظر، وهو قوله: أية ساعة، وعلى فرض صحته فهو يدل على أن الرمي نهاراً لا ليلاً؛ لأن الرخصة يقابلها عزيمة. ٦- دعوى أن الرسول ﷺ لم يحدد آخر وقت الرمي محل نظر، بل فيها تجاوز في القول والرأي بلا مستند؛ فالصحابة والمسلمون يعرفون مسمى اليوم، وفي قوله: (.. ثم يرمون ليومين، ثم يرمون يوم النفر) ، وقول الله (سبحانه) : [فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ] [البقرة: ٢٠٣] ، ما يدل على مسمى اليوم الشرعي في الحج، ثم أيهما أقرب إلى الحق وأحوط في هذا الأمر، أهو الذي يأخذ بالحقائق الشرعية ومسمى اليوم لغة وشرعاً، أم الذي يمد وقت الرمي إلى نصف الليل أو إلى الفجر أو إلى غير حدٍّ بدون دليل على التمديد، وذا يلزم من تفوه بمقولته الجريئة: الرسول لم يحدد. أما ما قيل من وجود زحام ومشقة تبيح الرمي ليلاً: فقد أُجيب عنه في النقل الآتي، ولمزيد الفائدة أذكر للقارئ الكريم أن سماحة مفتي المملكة في وقته الشيخ (محمد بن إبراهيم آل الشيخ) ، وسماحة والدنا الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) ، وعدداً من المشايخ (رحم الله الجميع أحياءً وأمواتاً) قرروا في مواجهتهم للشيخ (عبد الله المحمود) في فتواه بجواز الرمي ليلاً: أن وقت رمي الجمرات أيام التشريق: ما بين الزوال إلى غروب الشمس [١] ، وأن سماحة الشيخ (عبد الله بن محمد بن حميد) رئيس المجلس الأعلى للقضاء في حياته ﵀ كتب عندما استفتوه بجواز الرمي ليلاً ما نصه: (لا يجوز رمي الجمرات ليلاً؛ للأمور الآتية: أولاً: لم يُنقل عن الرسول ﷺ أنه رمى ليلاً، أو أقره، وهو القائل (صلوات الله وسلامه عليه) : (خذوا عني مناسككم) ، وما عرف الرمي قربة إلا بفعله ﷺ ، ولا شيء أحسن من التمسك بهديه، والاقتداء بأفعاله، والأخذ بما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها الذين هم القدوة، فقد جرى عمل الصحابة (رضوان الله عليهم) في حجهم أنهم لا يرمون إلا نهاراً، وكثير منهم يحج في كل عام، فما ثبت أن أحداً منهم رمى ليلاً. ثانياً: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ ، قال: رمى رسول الله ﷺ يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك: فإذا زالت الشمس، ورميه ﷺ جمرة العقبة يوم النحر ضحى وفي أيام التشريق بعد الزوال: دليل على الوجوب؛ لأنه فعله ﷺ مشرعاً لأمته على وجه الامتثال والتفسير، فكان حكمه حكم الأمر.. وهو داخل في عموم قوله: (خذوا عني مناسككم) ، قال شيخ الإسلام (ابن تيمية) ﵀ في شرح العمدة: (والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر) . ثالثاً: ما رواه البيهقي في سننه عن ابن عمر ﵁ : (من نسي أيام الجمار أو قال: رمي الجمار إلى الليل فلا يرمِ حتى تزول الشمس من الغد، فهذا صريح من ابن عمر ﵁ بأن من نسي رمي الجمار إلى الليل أنه لا يرمي حتى تزول الشمس من الغد، ولو لم يكن في معلوم ابن عمر منع الرمي ليلاً لما قال: لا يرم حتى تزول الشمس. رابعاً: مما يدل على منع الرمي ليلاً: ما رواه مالك في الموطأ، عن ... يحيى بن سعيد، عن عطاء ابن أبي رباح: أنه سمعه يذكر أنه رخص للرعاء أن يرموا بالليل، يقول في الزمن الأول، والتعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل. ومثله ما رواه البيهقي في السنن، والطحاوي في شرح معاني الآثار، عن عطاء ابن أبي رباح، قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله: (الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار) . خامساً: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ ، قال: (كان رسول الله ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، فقال: رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج..) فهذا صريح في وقوع الرمي نهاراً؛ فالمساء يقصد به ما بعد الزوال، لأن لغة العرب يسمون ما بعده مساءً وعشاءً ورواحاً، كما في الموطأ عن القاسم بن محمد أنه قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي، وإنما يريد تأخيرها عن الوقت الذي في شدة الحر إلى وقت الإبراد، ولوقوع السؤال يوم النحر، إذ لا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس، قال الموفق: ولأن القائل: (رميت بعدما أمسيت) أشكل عليه رميه مساء بعد الزوال؛ لعلمه أن النبي ﷺ رمى يوم النحر ضحًى، وأن رميه لم يوافق زمن رمي النبي ﷺ ، فلهذا قال: رميت بعدما أمسيت، فاحتاج إلى أن يسأله بقوله: (رميت بعدما أمسيت) ، أي: إن رميه وقع في آخر النهار، ورمي النبي ﷺ كان في أوله، فقال له الرسول: ارمِ ولا حرج، ولأن رمي الجمار عبادة نهارية أشبه بالصوم لا يقع ليلاً، وقد استمر عمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ﵃ في اختصاص رميهم بالنهار، والخير والبركة في اتباع سبيلهم والاقتداء بآثارهم وعدم الخروج عما كانوا عليه (رضوان الله عليهم أجمعين) ، وهذا القول هو مذهب الإمام أحمد، ومذهب أهل الحديث، وقول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي. ودعوى وقوع المشقة وكثرة الزحام في الرمي لكثرة الوافدين يبيح الرمي ليلاً، مردودة بأن المشقة وكثرة الزحام موجود في زمن النبي ﷺ ، ومع هذا لم يرخص لهم في الرمي ليلاً ولا في أيام التشريق قبل الزوال كما في حديث أم جندب ﵂ أن النبي ﷺ قال: (يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضاً، فإذا رميت الجمرة، فارموا بمثل حصى الخذف) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه) [٢] ، والله اعلم. وبالله التوفيق، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2411

دراسات دعوية لماذا ندرس حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ بقلم:عبد العزيز بن ناصر الجليِّل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فإن مهمة الرسل (عليهم الصلاة السلام) مهمة عظيمة شريفة، يجب أن يعرفها الناس ويفقهوها، ويعرفوا حقوق هؤلاء الرسل الكرام ويتخذوها منهاجاً، يهتدون بهديه، وبخاصة من نسب نفسه إلى الدعوة إلى الله (تعالى) ، حيث يتعين عليه دراسة حياة رسل الله ليترسم طريقهم إن أراد الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. ولما كانت حياتهم (عليهم الصلاة والسلام) هي حياة الكمّل من الناس، الذين اختارهم الله عن علم وحكمة، واصطفاهم على البشر: كان لا بد أن نتعرف على هذه الحياة المباركة، التي صُنعت على عين الله ﵎ ، كما كان لزاماً على من أراد لنفسه النجاة في الدنيا والآخرة فرداً كان أو جماعة أن يدرس هذه الحياة المباركة، وبخاصة في عصور الغربة والغرباء كعصرنا الحاضر؛ علّها أن تكون نبراساً لحياتنا، ونجاة لأمتنا مما هي فيه في كثير من البلدان من واقع أليم. ويمكن إبراز أهمية دراسة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) من خلال أمور كثيرة، أهمها ما يلي: أولاً: لأننا مأمورون من الله بالاقتداء بهم والتأسي بهديهم، وفي ذلك طاعة لله (سبحانه) وعبادة له قبل كل شيء، ومن هذه الآيات: ما ذكره الله في سورة الأنعام من شأن بعض أنبيائه ورسله، ثم ختم هذه الآيات بأمر الرسول ﷺ بالاقتداء بهديهم، والأمر له -صلى الله عليه وسلم- أمر لأمته، قال الله (تعالى) : [وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ... الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٨٧) ... ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُوْلَئِكَ الَذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ] [الأنعام: ٨٣ ٩٠] . قال الطبري (رحمه الله تعالى) عند الآية الأخيرة: [أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] : (يقول الله (تعالى ذكره) : [أُوْلَئِكَ] هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم الله لدين الحق، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه، والعمل بما فيه من أمر الله، والانتهاء عما فيه من نهيه، فوفقهم (جل ثناؤه) لذلك، [فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] ، يقول (تعالى ذكره) : فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم [اقْتَدِهْ] يا محمد، أي: فاعمل وخذ به واسلكه، فإنه عمل لله فيه رضاً، ومنهاج من سلكه اهتدى) [١] . والأمر له ﷺ أمر لأمته، لقوله (تعالى) : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] . وقال صاحب المنار (رحمه الله تعالى) : (فمعنى الجملة على هذا: أولئك الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في الآيات المتلوة آنفاً والموصوفون في الآية الأخيرة بإيتاء الله إياهم الكتاب والحكم والنبوة، هم الذين هداهم الله (تعالى) الهداية الكاملة، فبهداهم دون ما يغايره ويخالفه من أعمال غيرهم وهفوات بعضهم اقتد أيها الرسول فيما يتناوله كسبك وعملك، مما بعثت به من تبليغ الدعوة وإقامة الحجة، والصبر على التكذيب والجحود وإيذاء أهل العناد والجحود، ومقلدة الآباء والجدود، وإعطاء كل حال حقها من مكارم الأخلاق وأحاسن الأعمال، كالصبر والشكر، والشجاعة والحلم، والإيثار والزهد، والسخاء والبذل، والحكم ... بالعدل) [٢] . ومن الآيات التي ورد فيها أيضاً الأمر بالاقتداء بهدي الأنبياء: قوله (تعالى) : [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ] [الممتحنة: ٤] . قال الشوكاني (رحمه الله تعالى) : (وقوله تعالى: [فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ] متعلق بأسوة أو بحسنة، أو هو نعت لأسوة، أو حال من الضمير المستتر في حسنة، أو خبر كان، و [لَكُمْ] للبيان، [وَالَّذِينَ مَعَهُ] هم أصحابه المؤمنون، وقال ابن زيد: هم الأنبياء) [٣] . ومن الآيات الواردة في الأمر بالاهتداء بهدي الأنبياء: ما شرعه الله (عز وجل) في سورة الفاتحة في كل صلاة أن ندعوه (سبحانه) بأن يهدينا صراطهم المستقيم، وذلك في قوله (تعالى) : [ ... اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أََنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ... ] ، وأول من يدخل في وصف المنعَم عليهم هم أنبياء الله (تعالى) وأتباعهم؛ وذلك لقوله (تعالى) بعد أن ذكر جملة من الأنبياء الكرام في سورة مريم: [أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياً] [مريم: ٥٨] . ثانياً: لأن حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) هي الحياة المعصومة، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة، وما أُمروا بتبليغه؛ ذلك لأن الله (تعالى) اجتباهم ... واصطفاهم عن علم وحكمة؛ قال (تعالى) : [ ... وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا....] ، وقال (سبحانه) عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم الصلاة والسلام) : ... [إنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ] [سورة (ص) : ٤٦، ٤٧] ، وقال عن نبيه موسى ﵊ : [ ... وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي] [طه: ٣٩] ، وقال عن علمه (سبحانه) بمن يختار من رسله: [ ... اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ] [الأنعام: ١٢٤] ، وقال ... (سبحانه) : [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ... ] [الحج: ٧٥] ، والآيات في ذلك كثيرة، والحاصل منها: أن من اصطفاه الله واجتباه لرسالته هم أولى بالاتباع والاقتداء؛ وذلك لحفظ الله لهم وعصمته لهم من الزلل والانحراف، ولو وقع منهم الخطأ لم يُقَرّوا على ذلك، فحري بمن هذه صفاتهم أن يُقتدى بهم، وتُدرس حياتهم، ويُتعرف على هديهم؛ وذلك لضمان الاهتداء وعدم الانحراف، لهداية الله لهم وعصمته لهم، فيتم الاقتداء من المقتدين وهم في غاية الاطمئنان على صحة ما يأخذونه ويقتدون به وسلامته من الانحراف. ثالثاً: في دراسة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) أكبر العظات والعبر للدعاة إلى الله في كل مكان وزمان؛ سواءً ما يتعلق بالإيمان العظيم والتوحيد الصادق الذي عليه أنبياء الله ، أو فيما يتعلق بأخلاقهم وسلوكهم، أو بهديهم ومنهجهم، وصبرهم في الدعوة، والصراع مع الباطل وأهله، وإبراز هذه الجوانب من حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) هو من أهم أغراض ورود قصص الأنبياء في القرآن الكريم؛ حيث لم تأت لمجرد التسلية والمعرفة التاريخية فقط، وإنما جاءت للاقتداء والتأسي بتوحيدهم لله والدعوة إليه، والتعزي بحياتهم وصبرهم وجهادهم؛ حتى لا تفتر عزائم الدعاة ويضعف صبرهم، فلهم في هذا السلف المبارك أكبر عزاء وقدوة في الثبات وشحذ الهمم. يقول شيخ الإسلام (رحمه الله تعالى) : (وفي قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم؛ فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك، ويعلموا أنه قد ابتلي به من هو خير منهم، وكانت العاقبة إلى خير، فليتيقن المرتاب، ويتب المذنب، ويقو إيمان المؤمنين، فبها يصح الاتساء بالأنبياء) [٤] . رابعاً: وتأتي دراسة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) في عصرنا الحاضر ونحن في أشد الحاجة إلى دراستها من أي وقت مضى؛ وذلك لما يشهده عصرنا من غربة في أحوال كثير من المسلمين وفرقة بين دعاة الحق، وتسلط الأعداء، وكيد المنافقين، وتخبط في بعض المناهج الدعوية ما بين يائس، ومداهن، ومستعجل، وهذا يبرز أهمية التعرف على حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) في واقعنا المعاصر؛ لعلّ في الدراسة المتجردة الواعية لهذه الحياة المباركة أن يقي الله (سبحانه) بها من التخبط والانحراف، وأن يهدينا بها إلى الصراط المستقيم الذي يوحد صفوفنا، ويبطل كيد أعدائنا، ويوصلنا في النهاية إلى النصر والتمكين الذي نصر الله به أنبياءه والمتبعين لهم بإحسان. خامساً: في دراسة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) تعرف على سنن الله في التغيير، وتعرف على سننه (سبحانه) في الدفع والمدافعة، كما أنها تكشف للدعاة إلى الله ذلك الصراع الطويل المرير بين الحق والباطل، وفي هذا أكبر العزاء لأهل الحق؛ وذلك لإيمانهم بحتمية هذا الصراع، وأن الدولة والعاقبة في نهاية الأمر للحق وأهله، وهذا كله لا يبرز بوضوح كما يبرز في حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وصراعهم مع أقوامهم: بالحجة والبيان، والهجرة، والجهاد، حتى أتاهم الله (تعالى) بنصره وتمكينه؛ قال (تعالى) : [ ... وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] [البقرة: ٢٥١] ، وقال (تعالى) : [ ... وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] ، وقال (تعالى) : [ ... وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] [آل عمران: ١٤٠] ، وقال (سبحانه) عن السنن: [قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] [آل عمران: ١٣٧] ، وإن في التعرف على هذه السنن الربانية لأعظم فائدة في تجنب الأخطاء وتوقي موارد الهلكة، ومعرفة أسباب النصر والتمكين. يقول الإمام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) : (ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها؛ لأن الاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره؛ كالأمثال المضروبة في ... القرآن) [٥] . ومن السنن التي يمكن التعرف عليها من خلال دراسة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ما يلي: ١- سوء عاقبة المكذبين للرسل وإهلاكهم. ٢- نصره (سبحانه) لعباده المؤمنين. ٣- مداولة الأيام بين الناس من الشدة إلى الرخاء. ٤- زوال الأمم بسبب الترف، والفساد، وفشو الظلم، والتجبر على الناس. ٥- أن البشر يتحملون مسؤوليتهم في الخير والشر. ٦- أن انهيار الأمم وهلاكها يكون بأجل. ٧- أن الابتلاء للمؤمنين سنة جارية. ٨- تقرير سنة التدافع والصراع بين الحق والباطل (٦) . سادساً: ولعل في دراسة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) بصدق ورغبة في اتباع هديهم سبيلاً إلى الانتظام في سلكهم والسير في قافلتهم المباركة، ولعل الله أن يلحق من هذه نيته بركبهم الميمون، وأن يحشره في زمرتهم، فيصدق عليه قول الله (تعالى) : [وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكََ مَعَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً] [النساء: ٦٩، ٧٠] ، نسأله (سبحانه) أن يفيض علينا رضاه وجنته، وأن ينعم علينا باللحوق بهذه الصفوة المباركة باتباعنا لهم، وحبنا إياهم، وإن قصرت أعمالنا وأحوالنا عنهم كثيراً كثيراً. فعن أنس ﵁ : (أن رجلاً سأل الرسول ﷺ عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: (وما أعددت لها؟) قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: (أنت مع من أحببت) ، قال أنس: فأنا أحب النبي - ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم) [٧] . يعلق الشيخ السعدي (رحمه الله تعالى) على صفات عباد الرحمن الواردة في آخر سورة الفرقان ورسل الله (عليهم الصلاة والسلام) أول من تصدق عليهم هذه الصفات فيقول: (ما أعلى هذه الصفات، وأرفع هذه الهمم، وأجل هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس، وأطهر تلك القلوب، وأصفى هؤلاء الصفوة، وأتقى هؤلاء السادة ... ولله منّة الله على عباده، أن بيّن لهم أوصافهم، ونعت لهم هيئاتهم، وبين لهم هممهم، وأوضح لهم أجورهم؛ ليشتاقوا إلى الاتصاف بهم، ويبذلوا جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي منّ عليهم وأكرمهم الذي فضْلُه في كل مكان وزمان، وفي كل وقت وأوان أن يهديهم كما هداهم، ويتولاهم بتربيته الخاصة كما تولاهم، فاللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك، لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرّاً، ولا نقدر على مثقال ذرة من الخير إن لم تيسر ذلك لنا، فإنا ضعفاء عاجزون من كل وجه، نشهد أنك إن وكلتنا إلى أنفسنا طرفة عين وكلتنا إلى ضعف وعجز وخطيئة، فلا نثق يا ربنا إلا برحمتك التي بها خلقتنا ورزقتنا وأنعمت علينا بما أنعمت من النعم الظاهرة والباطنة، فارحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك، فلا خاب من سألك ورجاك) [٨] .

стр. 2412

دراسات اقتصادية آراء وتأملات في فقه الزكاة (٢) د. محمد بن عبد الله الشباني في الحلقة السابقة تمت مناقشة أنواع الأموال التي أشار القرآن الكريم إلى وجوب زكاتها، وإلى المفهوم اللغوي لكلمة المال، وفي هذه الحلقة سيتم مناقشة القواعد والضوابط والشروط التي تحدد صفة المال الذي تجب فيه الزكاة: ضوابط ما يجب زكاته من أموال: يختلف المعنى الشرعي للمال لدى فقهاء المذاهب، فمنهم من يرى: أن المال هو كل ما يمكن حيازته والانتفاع به على وجه معتاد، وقد اختُلف حول مفهوم الحيازة لدى الشافعية والمالكية والحنابلة، إذ لا يقتصر مفهوم الحيازة على إمكان إحرازه بنفسه، بل يكتفى بحيازة أصله ومصدره، وبحسب هذا المفهوم للحيازة تكون المنافع أموالاً [١] . على ضوء ما سبق من مفهوم للمال سواء وفق المفهوم اللغوي أو الشرعي، فهل يمكن اعتبار كل ما يملكه الإنسان مما له قيمة مالاً، وبالتالي تجب فيه الزكاة مهما يكن مقداره ومهما تكن الحاجة إليه؟ . إن الإجابة على هذا التساؤل تتم من خلال دراسة ضوابط وشروط المال الذي تجب فيه الزكاة. وتتمثل هذه الضوابط والقواعد في الأمور التالية: الضابط الأول: تمام الملك: ويقصد به الحيازة وحق التصرف فيه، أما حقيقة الملك فهي لله وحده؛ فهو منشئه وخالقه وواهبه ورازقه، يقول (تعالى) : [وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَذِي آتَاكُمْ] [النور: ٣٣] ، ويقول: [وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ] [الحديد: ٧] ، أما ملك الإنسان للمال فهو ملك حيازة وتصرف وانتفاع، لا تملك إيجاد وإنشاء؛ لهذا نرى أن القرآن الكريم حينما يضيف المال إلى الإنسان فهو يؤكد هذا المعنى، كما في قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ] [المنافقون: ٩] ، وقوله (تعالى) : [يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ] [الهمزة: ٣] ، وقوله (تعالى) : [مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ] [المسد: ٢] ، فتمام الملك في المفهوم الشرعي كما عرّفه القرافي في (الفروق) هو: (حكم شرعي قُدِّر وجوده في عين أو في منفعة، يقتضي تمكين من أضيف إليه من الأشخاص من انتفاعه بالعين أو بالمنفعة أو الاعتياض عنها ما لم يوجد مانع من ذلك) (٢) . يرتب هذا الشرط على المال بعض الأحكام، من حيث أن يكون مرجوّاً غير ميئوس منه، وهذا الأمر يقتضي إما وجوب الزكاة أو عدم وجوبها، فمثلاً عدم وجوب الزكاة على أموال الدولة التي تجبيها مثل أموال الزكاة أو ما تمتلكه ملكية عامة مثل المرافق المنتجة المملوكة بالكامل للدولة، حيث إن عائد هذه الملكية وأصل المال يرجع إلى المسلمين بأجمعهم، وما تكسبه الدولة من هذا المال تصرفه على مصالح المسلمين. كما يترتب على مفهوم تمام الملك موضوع الديون ومدى وجوب الزكاة فيها، وعلى من تجب؟ على الدائن أم المدين؟ ومتى يتحقق الوجوب؟ إن موضوع الديون من الموضوعات المهمة بالنسبة لتحديد وعاء الزكاة؛ ولهذا: نرى اختلاف الفقهاء ﵏ حول الديون ومدى وجوب الزكاة فيها، ويقسم جمهور الفقهاء الدّين إلى نوعين: ١- دين مرجو الأداء، بأن يكون لدى موسر مقر بالدين، فهذا يزكى مع المال في كل حول، وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام رأي علماء السلف في ذلك بأن يزكى مع المال الحاضر؛ لما رواه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا أخرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد. كما روى ذلك عن عثمان ﵁ وأنه كان يقول: (إن الصدقة تجب في الدين الذي لو شئت تقاضيته من صاحبه، والذي هو على مليء تدعه حياء أو مصانعة، ففيه الصدقة) ، كما روى عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: (كل دين لك ترجو أخذه فإن عليك زكاته كلما حال الحول) ، كما روى ذلك عن جابر بن عبد الله ﵁ ، وقد وافق عدد من التابعين هؤلاء الصحابة، منهم: مجاهد، ومروان بن مهران [٣] . ٢- الدين غير المرجو تحصيله، ففيه مذاهب، هي: الأول: تزكيته عند القبض لما مضى من السنين، وهو مذهب علي وتابعه ابن عباس ﵃ ، فكان علي ﵁ يقول في الدين المشكوك فيه: (إن كان صادقاً فيزكه إذا قبضه لما مضى) ، ويقول ابن عباس (رضي الله عنه) : (إذا لم ترج أخذه فلا تزكه حتى تأخذه، فإذا أخذته: فزكِّ عنه ما عليه) . الثاني: تزكيته عند القبض لسنة واحدة، وهو مذهب الحسن، فقد روى أبو عبيد عنه أنه كان يقول: (إذا كان للرجل دين حيث لا يرجوه فأخذه بعد: فليؤد زكاته سنة واحدة) [٤] . وكان يقول بذلك عمر بن عبد العزيز ﵁ ، فقد روى عنه ... ميمون بن مهران قائلا: (كتب إليّ عمر بن عبد العزيز في مال رده عليّ رجل، فأمرني أن آخذ منه زكاة ما مضى من السنين، ثم أردفني كتاباً أنه كان مالاً ضماراً فخذ منه زكاة عامه) [٥] . الثالث: أنه لا زكاة عليه، وهو مذهب أبي حنيفة، باعتباره مثل المال المستفاد، يستأنف به صاحبه الحول، فلا زكاة فيه [٦] . وقد اختار أبو عبيد القاسم بن سلام الرأي الأول فيما يتعلق بالدين المرجو: أنه لا زكاة فيه حتى يتم قبضه وتزكيته عما مضى، وعلل رأيه بقوله: ... (وإنما اختاروا من اختار منهم تزكية الدين مع عين المال؛ لأن من ترك ذلك حتى يصير إلى القبض لم يكن يقف من زكاة دينه على حد، ولم يقم بأدائها؛ وذلك أن الدين ربما اقتضاه ربه متقطعاً كالدراهم الخمسة والعشرة وأكثر من ذلك وأقل، فهو يحتاج في كل درهم يقتضيه مما فوق ذلك إلى معرفة ما غاب عنه من السنين، والشهور والأيام، ثم يخرج من زكاته لحساب ما يصيبه، وفي أقل من هذا ما تكون الملامة والتفريط، ولهذا: أخذوا بالاحتياط، فقالوا: تزكيته مع جملة ماله في رأس الحول، وهو عندي وجه الأمر، وهذا كله في الدين المرجو الذي يكون على الثقات) [٧] . ونحن نميل إلى هذا الرأي فيما يتعلق بالدين المرجو، أما بالنسبة للدين غير المرجو والمشكوك في تحصيله: فنميل إلى الأخذ بالمذهب الثاني، وقد أخذ به من الفقهاء المعاصرين: فضيلة الدكتور (القرضاوي) [٨] ، وهو أن يتم تزكيته عند قبضه لعام واحد، باعتباره ميئوساً منه، وأنه بمثابة المال المستفاد الذي يتم إخراج زكاته عند تحصيله دون اشتراط الحول. إن الأخذ بهذا الرأي سوف يحقق أمرين: أولهما: عدم إضاعة حق الفقراء والمساكين عند تحصيله. ثانيهما: أنه لو تم احتساب زكاته عما مضى لكل سنة فقد يكون فيه ضرر على صاحب المال، فقد تستغرق الزكاة الدّين جميعه، كما قد يصعب تحديد فترات الحول، وخاصة بالنسبة للتجار الذين يتعاملون مع أعداد كبيرة من المدينين. الضابط الثاني: النماء: يقصد بالنماء: أن المال الذي تؤخذ منه الزكاة يكون نامياً بذاته، بالتوالد، والتناسل، والتجارات، أو قابلاً للنماء، والذي من شأنه أن يدر على مالكه ربحاً أو غلة أو إيراداً، بحيث يكون هو نفسه نماءً أو فضلاً وزيادة، مثل مدخرات النقود. إن الحكمة من اشتراط النماء كما ذكر ابن قدامة: أن (الزكاة إنما وجبت مواساة، ولم نعتبر حقيقة النماء؛ لكثرة اختلافه وعدم ضبطه، ولأن ما اعتبرت مظنته لم يلتفت إلى حقيقته، كالحكم مع الأسباب، ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط؛ كي لا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد مرات، فينفد مال المالك) [٩] ، ويحدد الكاساني الحكمة من ذلك في (بدائع الصنائع) من زاوية أخرى، فيقول: (ولا نعني به حقيقة النماء؛ لأن ذلك غير معتبر، وإنما نعني به كون المال معدّاً للاستثمار بالتجارة أو الإسامة؛ لأن الإسامة سبب لحصول الدر والنسل والسِّمَن، والتجارة سبب لحصول الربح، فيقام السبب مقام المسبب ويعلق الحكم به، كالسفر مع المشقة.. ونحو ذلك) [١٠] . إن تأثير هذا الضابط على الأموال التي تجب فيها الزكاة يتمثل في مدى شمولية واتساع الأموال الخاضعة للزكاة، وهو مجال اختلف فيه الفقهاء، فمثلاً لا يأخذ ابن حزم بشرط النماء، وإنما يطبق الزكاة على الأصناف التي أخذ منها النبي ﷺ الزكاة، وبالتالي: فهو لا يوجب الزكاة، على الأصناف الأخرى، أما من جعل من ضوابط المال الخاضع للزكاة ضابط النماء: فقد أفسح المجال لخضوع جميع الأموال مهما تنوعت وتغيرت أنماطها، وقد دلت آيات القرآن الكريم والأحاديث التي أوجبت الحقوق في الأموال على ذلك، ولا يتم استثناء بعض الأموال من الزكاة إلا بدليل شرعي يخرجها من هذا الضابط. الضابط الثالث: بلوغ النصاب: يضع هذا الضابط حدّاً للمال الذي تجب فيه الزكاة، والذي يتمثل في بلوغ النصاب، فإذا بلغ المال هذا الحد وجبت فيه الزكاة، وما لم يبلغه المال فلا زكاة فيه، وبالتالي: فإن مقدار الزكاة يتفاوت بتفاوت المال وفق تفاوت الأنصبة، وقد حددت السنة الأنصبة لمختلف أنواع الأموال بحيث لا يستوجب المال الزكاة إلا إذا بلغها، كما ربطت الأنصبة بجنس المال. إن اعتبار النصاب أحد الضوابط في اشتراط وجوب الزكاة فيه إرشاد إلى الغاية من فرض الزكاة، فالغاية منها: تحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة، وقيام أغنياء الأمة بكفالة فقرائها والمحتاجين من ذوي النوائب. ومقدار الأنصبة وتحديدها قد يفهم منه الإرشاد إلى الحدود الدنيا لكفاية الإنسان وضرورة الاسترشاد بذلك بدراسة حجم الأموال التي تخرج الإنسان من دائرة الفقر إلى دائرة الغنى. إن من الإشكاليات التي تطرح حول مقادير الأنصبة: ثباتها، فمثلاً: إن قيمة مئتي درهم أو خمسة أوسق قد لا تكفي حاجة الإنسان إذا نظر إلى أن الأنصبة تمثل حدود الفقر والغنى، وعليه: فهل يمكن رفع مقدار الأنصبة بما يعادل الزيادة في تغير قيمتها بمرور الزمن؟ . إن هذا التساؤل مهم إذا نُظر إلى الأنصبة باعتبارها حدود الإعفاء، واعتبار الزكاة ضريبة، أي: نظر إلى الزكاة باعتبارها أداة من أدوات المالية العامة، وبالتالي: فيعتبر النصاب هو حد الإعفاء، ومن هنا: ينبغي النظر في رفع النصاب باعتباره حد الإعفاء وفق التغير في قيمة السلع والمنافع. إن الرد على ذلك وفق ما أشرنا إليه في الحلقة الماضية: أن أصل الزكاة عبادة، يجب على الفرد المسلم أداؤها إذا توفر لديه النصاب، وتحديد النصاب أمر توقيفي، لذا: تظهر ضرورة قياس أنصبة الأموال المستجدة بالأموال التي ورد فيها النص. إن بعض الباحثين المعاصرين عند مناقشته لأنصبة الزكاة أو التعرض لأحكام الزكاة ينظر للأمر من زاوية التشريعات المالية المعاصرة، وبموجب هذه النظرة: فقد يحدث مخالفة الأحكام الواردة في الأحاديث النبوية المتعلقة بالزكاة، كما ينبني على هذه النظرة أن الشريعة الإسلامية تحاكي في تشريعها المالي النظام المالي المعاصر، والذي يضع حدوداً للإعفاء لمقابلة احتياجات الممولين، ولكن الشريعة بكمالها لم تغفل هذا الجانب من تأثير التغير في قيمة النصاب، حيث تم استيعاب ذلك من خلال الضابط الرابع، وهو: الفضل عن الحوائج الأصلية. الضابط الرابع: الفضل عن الحوائج الأصلية: إن وجوب الزكاة في المال وفق ما يذهب إليه الأحناف لا يجب إلا إذا كان النصاب فاضلاً عن الحاجة الأصلية لمالكه، وقد استُدل بأحاديث، منها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (إنما الصدقة عن ظهر غنى) [١١] ، وفي رواية: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) ، وما ورد عن الصحابة في تفسيرهم لقوله (تعالى) : [وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ] [البقرة: ٢١٩] ، فعن ابن عباس ﵄ : العفو: ما يفضل عن أهلك، وقد ذكر ابن كثير أن هذا القول قال به ابن عمر، ومن التابعين: مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وترد بقية المذاهب على ذلك بعدم اشتراط هذا الضابط بحمل الحديث وما جاء في تفسير الآية على صدقة التطوع والإنفاق المندوب لا الواجب، وعلى هذا: لا يمكن اعتبار أنه لا يزكى إلا ما فضل عن حاجة الشخص حيث إن الحاجة نطاقها واسع حتى ولو حددت بالأمور الأساسية، كما أن الأحاديث الواردة في الزكاة والسنة الفعلية للرسول ﷺ لم تعمد إلى تحديد الحوائج الأصلية، وقد كانت الزكاة تؤخذ ممن توفر لديه النصاب بدون نظر إلى الحاجة، كما يُرَد على ذلك: بأن شرطي النماء والنصاب كافيان عن اشتراط الفائض عن الحوائج؛ لأنه لا صدقة إلا عن ظهر غنى حقيقي، فلا يمكن حينئذ أن يصل المال إلى النصاب والإنسان لا يكفي حاجته الأساسية، كما أن شرط الحول يقتضي أن الإنسان سيقوم بالصرف على حاجته من ماله، فإذا حل الحول وهناك فائض وصل حد النصاب: فإن ذلك مؤشر على سداد الإنسان لحاجته. الضابط الخامس: السلامة من الدين: يقصد بهذا الضابط: ألا يكون مالك النصاب مديناً لأحد دَيْناً يستغرق نصاب الزكاة، أو ينقصه عن النصاب، ففي هذه الحالة لا زكاة عليه. لقد اختلف الفقهاء حول هذا الضابط، وهل يتم استقطاع الديون الواجبة على مالك المال من وعاء الزكاة؟ . واختلف الفقهاء في استقطاع الديون الواجبة على مالك المال (المكلف) من وعاء الزكاة، فبالنسبة للأموال الباطنة (النقود وعروض التجارة) فإن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أن الدّين يمنع وجوب الزكاة أو ينقص بقَدْره قيمتها، وذهب بعض الفقهاء (فيما يتعلق بالأموال الظاهرة) إلى أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة فيها، حيث إن تعلق الزكاة فيها أظهر، وبذلك: فالزكاة أوكد، وقد قال بهذا مالك والأوزاعي والشافعي، وورد عن أحمد [١٢] . وبالنسبة للدين في الزروع: فقد اختلف ابن عمر وابن عباس (رضي الله عنهما) كما ذكره ابن قدامة، حيث قال: (روي عن أحمد أنه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر: يُخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله، ويزكي ما بقي، وقال الآخر: يخرج ما استدان على ثمرته، ويزكي ما بقي، وإليه أذهب: أن لا يزكي ما أنفق على ثمرته خاصة ويزكي ما بقي) [١٣] . وعلى ضوء ما سبق ووفقاً لهذا الضابط: فإنه يمكن تحقيق وعاء الزكاة بالديون المستحقة على صاحب المال، ولكن يشترط أن يلاحظ ضرورة ثبات الدين وصحته، وقيام صاحب المال بالسداد في وقت حلوله، وألا يماطل به وفق ما أشار إليه عثمان بن عفان ﵁ كما روى ذلك أبو عبيد عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم) [١٤] . الضابط السادس: الحول: إن مفهوم الحول هو: أن يمر على المال اثنا عشر شهراً عربيّاً، وهذا الشرط خاص بالنقود والثروة الحيوانية وعروض التجارة، أما ناتج الأرض والمستخرج من المعادن والكنوز ونحوها من الأموال المستفادة فلا يشترط لها مرور الحول. إن علة عدم تطبيق ضابط الحول على جميع الأموال أشار إليها الإمام ابن قدامة بقوله: (الفرق بين ما اعتبر له الحول وما لم يعتبر له: أن ما اعتبر له الحول مرصد للنماء، فالماشية مرصدة للدر والنسل، وعروض التجارة مرصدة للربح، وكذا: الأثمان، فاعتبر له الحول؛ لأنه مظنة النماء؛ ليكون إخراج الزكاة من الربح، فإنه أسهل وأيسر، ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة، ولم نعتبر حقيقة النماء؛ لكثرة اختلافه وعدم ضبطه، ولأن ما اعتبرت مظنته لم يلتفت إلى حقيقته، كالحكم مع الأسباب، ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط كيلا يفضى إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد مرات، فينفد مال المالك، أما الزروع والثمار: فهي نماء في نفسها، تتكامل عند إخراج الزكاة منها، فتؤخذ الزكاة منها حينئذ، ثم تعود في النقص لا في النماء، فلا تجب فيها زكاة ثانية؛ لعدم إرصادها للنماء، والخارج من المعدن مستفاد خارج من الأرض بمنزلة الزرع والثمر، إلا إنه إن كان من جنس الأثمان ففيه الزكاة عن كل حول؛ لأنه مظنة للنماء، من حيث إن الأثمان قيم الأموال ورأس مال التجارات، وبهذا تحصل المضاربة والشركة وهي مخلوقة لذلك، فكانت بأصلها وخلقتها كمال التجارة المعد لها) [١٥] . إن اشتراط الحول كضابط من ضوابط المال الذي تجب فيه الزكاة، قد قسم على ضوئه الأموال إلى نوعين: ما أجمع عليه جمهور الفقهاء، ويشمل الذهب والفضة والماشية، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة (رضي الله عنهم) ، ولانتشار العمل به [١٦] ، أما بالنسبة لبقية الأصناف الأخرى من الأموال مما لا يشترط فيه الحول: فقد اختلف الصحابة والتابعون فيه: فقد جاء عن ابن مسعود وابن عباس ومعاوية ﵃ وجوب تزكية المال عند استفادته دون اشتراط الحول، وجمهور الصحابة ومنهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ على خلافهم، وهذا يتعلق بالمال المستفاد من غير جنس ما عنده. ويقصد بالمال المستفاد: كل مال يدخل في ملكية الشخص بعد أن لم يكن له، وتنقسم الأموال المستفادة إلى قسمين: أموال تجب فيها الزكاة عند الحصول عليها، مثل: الزروع والثمار والمعادن إذا بلغت النصاب، وقسم يدخل ضمن الأموال الحولية، مثل: النقود، وعروض التجارة، والماشية، وقد أشار ابن قدامة إلى أحوال المال بالنسبة للأموال الحولية، وقسمها إلى قسمين [١٧] : القسم الأول: المستفاد مما يعتبر له الحول ولا مال سواه وبلغ النصاب، أو كان له مال من جنسه لا يبلغ نصاباً فبلغ بالمستفاد نصاباً: فإن وجوب الزكاة تتم عند تمام الحول فيه. النوع الثاني: إن كان عنده نصاب من جنس المال المستفاد، وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون المستفاد من النماء كربح مال التجارة ونتاج السائمة فيضم إلى ما عنده من أصله، ويعتبر حولُ المال المستفاد حولَ أصله، وهذا متفق عليه بين العلماء، الثاني: أن يكون المستفاد من غير جنس ماله: فلا يُضَم هذا المال إلى ما عنده في زمن الحول ولا في النصاب، فإن بلغ نصاب زكاة بعد مضي حول على اكتسابه وإن لم يبلغ النصاب: فلا شيء فيه، وهذا قول جمهور العلماء، لكن روي عن ابن مسعود وابن عباس ومعاوية ﵃ أن الزكاة تجب فيه حين استفادته. الثالث: أن يكون المال المستفاد من جنس نصاب ما عنده، وقد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل، مثل: أن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول، فيُعطى مئة، ففي هذه الحالة اختلف فيها: هل تجب على الماشية الزكاة أم لا، قال الشافعي: إنه لا تجب فيها الزكاة حتى يمضي حول عليها، وأما أبو حنيفة فيرى أن يضم إلى ما عنده في الحول فيزكيهما جميعاً عند تمام حول المال الذي كان عنده، إلا أن يكون عوضاً عن مال مزكى.

стр. 2413

البيان الأدبي حوار حوار مع د. حسن الأمراني حول مرجعيات الاستشراق المعاصر أجرى الحوار: محمد بن عمر توطئة: تعد ظاهرة الاستشراق من أبرز الظواهر الثقافية التي تبقى مفتوحة للسؤال والقراءة؛ لأن أغلب الأسئلة التي تؤسس هذه الظاهرة الثقافية هي من نوع الأسئلة التي يغلب عليها طابع الإثارة والإغراء بالمتابعة. لكن أكثر أسئلة الاستشراق إثارة واستفزازاً هي تلك الأسئلة التي اختارت التعايش مع لحظة السقوط الحضاري وتجربة الانهيار الغريب التي عاشتها الأمة الإسلامية. لقد كانت نية الاستشراق من هذا التوجه: العمل على تكريس هذه التجربة واستمراريتها في نسيج الثقافة الإسلامية المعاصرة. فالاستشراق توجّه خاصة إلى ثقافة السقوط، وبالمقابل أغفل ثقافة البناء، كل ذلك تحت غطاء البحث العلمي والفضول الفكري والمعرفي. إنه انطباع أولي استخلصناه من نص الحوار الذي أجريناه مع الدكتور (حسن الأمراني) [١] الذي أنجز عملاً جامعيّاً اختار له عنوان: (المتنبي في كتابات المستشرقين الفرنسيين) [٢] ، وقد أثار في هذه الدراسة كثيراً من القضايا التي تمس الاستشراق بشكل مباشر، ومن أهم هذه القضايا: الاستشراق: الموضوع، المنهج، المرجع، ... ومن أهم المحاور والقضايا التي تستوقف الباحث والقارئ لهذا البحث: قضية اشتغال الاستشراق الفرنسي بشعر وأدب المتنبي، من حيث هو لحظة تاريخية وحضارية تعبر عن السقوط والانهيار، وتنشد البناء، وتبحث عن السبل الكفيلة بالخروج من هذا السقوط والانهيار الحضاري. وهذا الاعتناء بهذه اللحظة بالذات، أدى بالاستشراق إلى إغفال الجوانب الأخرى المُشَكِّلة لأدب المتنبي، خاصة الفني ... وهذا الإغفال له ما يبرره إذا أدركنا النوايا والخلفيات التي كانت توجه قراءة المستشرقين للتراث العربي الإسلامي.. وهذا نص الحوار: أ- من الأفكار التي راجت كثيراً في فضائنا الثقافي مؤخراً: فكرة نهاية الاستشراق؛ لأن المعطيات الثقافية والحضارية التي كانت من وراء نشأة هذه الظاهرة لم تعد مستمرة في هذا الفضاء، وهذا ما حَوّل الاستشراق من ظاهرة ثقافية إلى ظاهرة تاريخية.. ما هو تعليقكم على هذا الفهم؟ . - قد ينتهي الاستشراق مصطلحاً، ولكنه لا ينتهي فكرة، ولعله اليوم أشد ما يكون ارتباطاً بالمؤسسات الغربية وخدمة لمصالحها، فمنذ نشأة الاستشراق كان همه المعرفة المرتبطة بالغلبة والهيمنة، ولئن كان في فترة من الفترات مرتبطاً أشد الارتباط بالكنيسة، ولا سيما منذ قرار مجمع (فيينا الكنسي، ١٣١١م ١٣١٢م) ، فإنه ما فتئ يغير جلده دون أن يغير أهدافه ومقاصده. إن المستشرقين كانوا أول من دعا إلى تدمير آليات الاستشراق التقليدي؛ لشعورهم بأنه استنفذ أغراضه، ولا بد له إن أراد أن يستمر في الحياة من أن يغير أدواته، وتلك كانت الأغراض من وراء صيحة (ماكسيم رودنسون) ، إن عزوف المستشرقين منذ فترة عن هذا المصطلح، ورفضهم أن ينعتوا به، واكتشافهم بدائل أخرى ك (الاستعراب) .. لم يكن الهدف من ورائه الدقة العلمية كما يريدون أن يوهمونا بذلك بقدر ما كان تخلصاً ممّا يحمله المصطلح القديم من ظلال استعمارية وتحكمية. وإن وجود فئة من المستشرقين المعتدلين أو الموضوعيين أو حتى المتعاطفين مع القضايا الإسلامية لا ينفي القاعدة بقدر ما يؤكدها، لأن أولئك يمثلون استثناء، والشاذ لا حكم له كما يقال. وهل يشك عاقل في أن الذين يخدمون (الإمبريالية الغربية) تحت اسم (الخبراء) هم مستشرقون من نوع جديد؟ ، إن ما قدّمه (برنار لويس) وأضرابه مثلاً لا يقارن بما قدمه أسلافهم. ب -الدكتور حسن الأمراني: لقد أنجزتم أطروحة جامعية حول الاستشراق الفرنسي وكلفكم هذا الإنجاز زيارة كثير من مكتبات فرنسا، نود أن تقدموا للقارئ أهم المستويات المعرفية التي تؤسس الاستشراق الفرنسي وتميزه عن غيره من أنواع الاستشراق. - يجب ألا ننسى أن فرنسا وبريطانيا تمثلان حالة متفردة في علاقتهما بالعالم الإسلامي، فهما (الإمبراطوريتان) الاستعماريتان اللتان بسطتا سلطانهما على معظم العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر الميلادي والنصف الأول من هذا القرن، كما أن ماضيهما مرتبط أكثر من غيرهما من دول الغرب بالحروب الصليبية، ولذلك: كانت العلاقة بين هاتين الدولتين والعالم الإسلامي علاقة احتكاك حربي وتدافع ومغالبة أكثر مما كانت علاقة تواصل حضاري. ولقد انعكس هذا الإرث الثقيل على التراث الاستشراقي لهما، ولذلك: تجد أن الذين يصنفون عادة ضمن المتعاطفين مع التراث الإسلامي من المستشرقين، من أمثال (ماسينيون) كانوا من أشد الناس ولاءً للفكر الاستعماري، ولذلك: كان (ماسينيون) نفسه مستشاراً لشؤون الاستعمار، كما إنه كان من أشد الدعاة إلى إحياء اللهجات المحلية في البلدان الإسلامية وإحلالها محل العربية، أي إنه كان يدفع ببحوثه وكشوفاته في اتجاهين اثنين لا يتعارضان في نهاية المطاف: الاتجاه الأول هو: تمجيد الشخصيات الفلسفية في تاريخ الإسلام وبعثها نموذجاً ومثالاً ينبغي أن يحتذى، والاتجاه الثاني: تشجيع النزاعات التفتيتية والتفكيكية داخل المجتمع الإسلامي، فما بالك إذا تجاوزنا (ماسينيون) إلى سواه من المستشرقين المعروفين بعدائهم السافر للمجال الحضاري الذي يتخذونه مرتكزاً لدراساتهم. أما المعتدلون منهم، من أمثال (جيل كيبل) ، و (أندريه ميكال) ، فإنهم يحسون بغربة قاتلة داخل مجتمعاتهم، ويشعرون بأن أصواتهم لا تكاد تسمع، لا في الغرب ولا في العالم الإسلامي. ج- هناك ظاهرة تبدو غريبة في استنتاجات المستشرقين، ذلك بأن أغلب المستشرقين نعتوا الثقافة الإسلامية بأنها حضارة نص! ، بماذا تفسرون هذا الاستنتاج؟ . - بدلاً من أن نتساءل: هل الحضارة الإسلامية حضارة نص أم ليست ... كذلك؟ لا بد أن ندرك طبيعة المعرفة الاستشراقية، هذه المعرفة التي ظلت تفتقد إلى العمق والشمولية، وهذه السمة هي التي ما تزال عالقة بما يمكن تسميته: الاستشراق الدائري، الذي يعتبر (محمد أركون) علماً بارزاً من أعلامه. لقد كانت المعرفة الاستشراقية في منطلقها معرفة خبرية، تقوم على ما يصل إلى المؤسسة الاستشراقية من أخبار لا تخلو من أوهام، يسوقها بعض الرحالة، أو نسجها الخيال الشعبي، ومما لا شك فيه أن المعرفة الخبرية من مقومات العلم في الإسلام، ولكن شرطها: الصحة، وهو الشرط المفقود في المعرفة الاستشراقية، ويكفي أن نقرأ (أنشودة رولان) لندرك طبيعة تلك المعرفة المشوهة التي تجعل المسلمين بزعمه وثنيين مشركين، يؤمنون بثلاثة آلهة: (أبولون، وترافاكان، ومحمد) . وقد كان يغذي هذا الاتجاه ما ظهر عند طلائع المستشرقين، من أمثال (جيوم بوستل) (١٥١٠ ١٥٨١م) ، الذي قيل عنه إنه كان من دعاة الوحدة بين المسلمين والمسيحيين! ، ومع ذلك لم يستطع أن يتخلص من النظرة التي ترى أن من فوائد تعلم العربية أنها تعين على مجادلة أعداء المسيح من المسلمين! ! ثم تحولت هذه المعرفة إلى معرفة نصيّة عندما قام (ديربيلو) (١٦٢٥ - ١٦٩٥ م) بتأليف كتابه (المكتبة الشرقية) ، هذا الكتاب الذي يعد أول كتاب غربي يضم معارف عن الشرق الإسلامي في شكل موسوعة معجمية، وبذلك انتقلت المعرفة، مع (ديربيلو) من الخبر إلى النص، أي: إلى استنباط المعرفة المتعلقة بالشرق الإسلامي، من كتب المشارقة أنفسهم. وستمر فترة من الوقت قبل أن يُضاف إلى هذا المصدر المعرفي مصدر آخر هو المصدر العيني. وكان الفرق بين هذه المرحلة وسابقتها: أن إحداهما كانت غارقة في الماضي، بينما جمعت الأخرى بين الماضي والحاضر. وقد كان الاستشراق الحديث والمعاصر بحاجة إلى جهد كبير لتخليص المعرفة الاستشراقية مما علق بها من قصور، نتيجة قصور مصادر المعرفة. د- الأستاذ حسن الأمراني، تنزعون في الكتابة نحو مجالات مختلفة: الإبداع النقد الكتابة الفكرية.. لكن الذي جمع هذه الكتابات هو أنها تعبير عن زمن السقوط وتشخيص للحظة الانهيار الفكري والحضاري الذي تعيشه الأمة الإسلامية.. من خلال هذا المُعطى نود منكم كلمة أخيرة لقراء مجلة (البيان) ؟ - لا أدري أي هاجس دفع بي وأنا أعد دراستي عن المتنبي في دراسات المستشرقين إلى أن أُعْنَى عناية خاصة بلحظة من التاريخ فيه من واقعنا المعاصر تشابه كبير، فقد تبين لي أن تلك اللحظة هي لحظة الانهيار الحضاري التي قام المتنبي في وجهها صارخاً مستصرخاً باحثاً عن الفتى الذي يستطيع أن يحقق معه رسالته، فكان (سيف الدولة) [على ما فيه] أقرب ما يكون إلى الصورة المثال التي كان يحلم بها الشاعر، فلذلك ربط مصيره بمصيره، وقد عني المستشرقون بهذه اللحظة بالذات أكثر مما عنوا بدراسة الجانب الفني من شعر أبي الطيب، وذهبوا في تفسير تلك اللحظات مذاهب شتى لم تكن تخلو من الشطط. ولا يشك أحد أننا نعيش لحظة من أشد لحظات الانهيار الحضاري الذي يواكبه تغطرس الاستكبار التدميري، وأمام هذا الواقع لا مفر من صيحةٍ تنبه الغافلين، وتستل من الظلمة فجراً، فلا عجب إذن أن يكون هنالك خيط جامع عندي بين الإبداع والإنتاج الفكري، وهذا الخيط هو صرخة الألم التي قد تكون من جهة المصدر كصرخة ابن أبي موسى الغساني في غرناطة، ولكنها من جهة الأثر بحكم كونها صرخة جماعية لا فردية قد تكون كصرخة قطز في (عين جالوت) .. ولعلها كما قال (الكواكبي) [*] : كلمة حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غداً بالأوتاد.

стр. 2414

قصة قصيرة قبل الهاوية بقلم: د. مجدي الطويل [وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحَافِرَةِ] آيات سمعها المُلحن الكبير في المذياع فإذا جَرْس نبراتها يأسر تفكيره، وإذا به يدندن بها، وتتقاذف (الجمل الموسيقية) في رأسه.. ويتمتم: عظيم.. عظيم! اجتمع في النادي مع (شلته) المفضلة.. صحفي كبير، نائب رئيس تحرير جريدة (التنوير) ، وكاتب، وشاعر، وموسيقي.. أخذ يحدثهم عن المشروع الذي ينويه: تلحين مقدمة سورة النازعات بجرسها الموسيقي الخطير.. فإذا بهم ينهالون عليه بالثناء.. رائع، إنك لقادر على تلحين الكلام العادي فما بالك بكلام القرآن! ! .. سوف تضيف جديداً للقرآن! ! .. إنه التفسير الموسيقي للقرآن! ! ، ولسوف يخلدك التاريخ! .. إنك لرائد من رواد التنوير بهذا العمل الضخم، ولسوف تنقل الأمةَ من الجمود والتخلف إلى النورانية والعالمية.. وانهالت عليه كلماتهم بالمديح .. انتفخت أوداج الرجل وَشرَع في تركيب الجمل الموسيقية.. والنّااازعاات ... وشرد في جُملِه عنهم، فاستأذنوه، وقال له الصحفي: سوف أنشر الخبر، إن هذا عمل حضاري كبير. ومرت الأيام على الملحن وهو حابس نفسه بين جدران معمله الموسيقي في منزله الهادئ.. وأخذ يلحن، ثم يعيد التلحين، وقد استجمع كل مهارات صنعته.. إنه القرآن العظيم، أعظم النصوص وأقدسها.. فيجب أن يكون العمل على هذا المستوى.... يجب أن تكون الموسيقى معبّرة عن الجلال والمهابة والغموض ... والقدرة.. قطع الهاتف حبل أفكاره.. قرأت أنك ستلحن مطلع سورة النازعات، عمل رائع، لو أخذته منك سيكون رصيداً طيباً لمجموعتي الدينية! .. واستمرت المغنية المشهورة تخاطبه، واسترسلت: لن يستطيع أحد غيري أداء هذه المعاني.. سوف أبهر بها الجمهور.. وقاطعها قائلاً: سوف أفكر.. ما زال الأمر في بدايته.. واتصل به آخر، كاتب تنويري كبير: إن عِمَم الأزهر سوف تُهاجمك.. لا تبال فهم جامدون وكلنا نقف وراءك نؤازرك، إنهم لا يفهمون عظمة هذا الدين وسماحته، إن ما تفعله الآن سوف يخرج منه طاقة هائلة بلغة العصر.. سوف يخلدك التاريخ كما خلد كبار الموسيقيين الذين لحنوا للكنيسة، إنه عمل متأخر قليلاً، ولكنه يجب أن يبدأ. ردّ عليه بالشكر وأنّ الأمر لا يأخذ عنده كل هذه الأبعاد، فكل ما يفكر فيه هو استغلال الجرس الموسيقي الموجود في كلمات القرآن! ! وأنه سيحاول المحافظة على ذلك بالجمل الموسيقية اليسيرة التراكيب والعميقة المعنى ذات التأثير في الشعور والوجدان. اتصل به آخر من الملحنين الذي حذره من غلبة التجريد على الموسيقى دون التطبيق الواقعي من الموسيقى الشعبية.. وعده أنه سيبذل قصارى جهده وأنه يعتبر نفسه في صلاة وعبادة! .. وطلب منه الدعاء. ملّ الرجل بيته قبل الفجر بقليل فقرر أن يذهب إلى الناس حيث أَلِفَ ذلك دائماً.. قرر الذهاب إلى منطقة الأزهر؛ حيث الزحام الشعبي الذي يستوحي منه موسيقاه الشعبية في أعماله.. وبعد قليل وجد نفسه في أحضان المنطقة.. رائحة البخور الندية تملأ الصدور وشواهد التاريخ القديم تضفي الغموض والراحة على النفس.. اختفى بين الناس ومع الناس.. يستوحي هذه المنطقة القديمة بسحرها الغامض وتراثها القديم.. وأخذ ينظر إلى الأزهر من بعيد بأحجاره ومآذنه وشموخه المعماري الفريد.. وأُذّن لصلاة الفجر، وكان هذا هو ميعاد انصرافه. همّ بالانصراف لولا أن قابله صديق قديم متجه إلى الأزهر، أخذه بالأحضان .. أين أنت يا رجل؟ .. مَرّ عُمْر.. ولكن أخبارك عندنا.. اسمك يملأ وسائل الإعلام. أنت؟ .. وأين أنت الآن؟ .. أنا مدرس للشريعة في جامعة الأزهر، تزوجت وعندي أولاد، وحالي طيبة والحمد لله، هيا بنا قبل أن تضيع علينا الصلاة.. تردّد المُلحن وتلعثم.. ولكن الصديق القديم جذبه كما كان يجذبه في الماضي: هيا يا رجل حتى لا تضيع منك الجوهرة.. وبحد الحياء ذهب معه.. توضأ، ودخل المسجد.. كم مر عليّ من زمن لا أصلي؟ .. يا الله! .. زمن طويل.. الأزهر بديع في الفجر.. وهذا الباب الحجري الضيق الذي يكاد ينكتم فيه نفسك ثم تعبره لتجد رحابة في فناء المسجد الواسع المترامي الأطراف.. وكأنك قد تحررت من قيودك وقيود المجتمع والناس.. شعر بارتياح كبير، وقال لنفسه: هذه هي الحالة المثالية لتلحين المشروع.. ليتني آخذ ركناً هنا.. وقطع صوت الإقامة عليه تفكيره، وجذبه صديقه ليقوم للصلاة.. الله أكبر، واستمع إلى الإمام: [وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطَاتِ ... نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً.... .] . انتبه الملحن إلى الكلمات.. أي قَدَر هذا.. وترددت الكلمات في جنبات المسجد الرحب وانعكست جميعها في آذانه الصاغية.. أي مهابة وأي غموض وأي جلال.. واشتغل اللحن في رأسه وتداخل مع الألفاظ القرآنية تصارعه ... ويصارعها.. جذبه صاحبه للركوع ثم للسجود.. هكذا حتى انتهت الصلاة. نظر إليه صاحبه بعد الصلاة في شفقة ومحبة.. وقال له: أين كنت؟ ، ما هذا الذهول البادي على وجهك.. فرد عليه: لقد كنت أصلي! .. فتعجب صاحبه من الرد الغامض.. ولاحقه الملحن: أتعرف تفسيراً لما قرأه الإمام؟ .. ابتسم صاحبه وصمت هنيهة من الزمن، ثم قال: (النازعات غرقاً) : هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم بشدة، (والناشطات نشطاً) : هي الملائكة تنشّط نفس المؤمن فتقبضها، (والسابحات) : هي الملائكة تَسْبح وتُسبّح في الفضاء الكوني كله، (والسابقات) : هي الملائكة التي سبقت الإنسان لعبادة الله الواحد القهار، (والمدبرات أمراً) : هي الملائكة المُدبرة لما أُمِرَت به من أوامر الله (سبحانه وتعالى) .. قال الملحن: إذن، فالحديث عن الملائكة؟ ! قال له صاحبه: نعم، فهم خلق الله الذين لا يعصون له أمراً. إنه حديث نادر لا يأتي إلا من عند الله؛ فهو وحده القادر على وصف أعمالهم، ومن يستطيع أن يخبر بذلك غيره؟ .. انتبه الملحن لهذا التفسير وازدادت نفسه تشوقاً لمعرفة المزيد من المعاني.. زاده صاحبه واصفاً مشاهد نهاية الدنيا، والبعث، والنشور.. تعجب الملحن وازداد ذهوله.. يا له من حديث.. أي صورة هذه؟ .. أي غموض؟ .. ملائكة لا ندري عن خلقهم شيئاً، يروحون ويجيئون في هذا الكون الفسيح، ثم هذا اليوم العظيم بهذه الصورة المخيفة المرعبة.. وتابع صاحبه: يا صديقي، إنه يوم عظيم، يجب أن يعمل له العاملون.. والله لو أننا عبدنا الله صلاةً وتسبيحاً، وجاهدنا صباحاً ومساءً ما ضمنّا ماذا ... يُعمل بنا في هذا اليوم؟ ... وسأل الملحن في شغف: أين أستطيع أن أجد هذا التفسير؟ .. ودلّه صاحبه على مكانه.. واستأذن الملحن وقد بدى عليه الإجهاد من يوم طويل حافل.. وانصرف إلى بيته. عكف الملحن على كتاب التفسير وانشغل مع الصور والمعاني التي يحفل بها النص الذي يريد تلحينه.. ووجد نفسه يعرج إلى القرآن من أوله.. علّه يعطيني إلهاماً لمشروعي! .. وبدء فيه: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ..] ، [الّم (١) ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ..] . [اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَاًخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ... ] . [لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ... ] ، [وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ..] . [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ..] . [لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... ] [اقْراً بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَاً وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ ... لَيَطْغَى..] . وقرأ: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ] . تملّكته التلاوة والمعاني والصور أياماً انقطع فيها عن العالم.. العالم الذي ينتظر منه ولادة المشروع العظيم.. التفسير الموسيقي للقرآن.. وحاول العودة إلى ما بدأه ولكنه استحقر ما دار بخلده.. استرجع أعمال الموسيقيين في الترانيم ... الكَنَسيّة.. فلم تلهمه معاني تتقارب إلى ما يشعر به من جلال ومهابة وخوف ووَجَل ورجاء وتمنّي وحسرة وندم وإشراق واستمتاع حسّي وذهني.. ما الذي سأضيفه للبشرية؟ .. وكيف أستطيع أن أعبر عن ذلك كلّه؟ . شعر بالعجز.. بل شعر أنه يتجرأ على الله.. ودبّ الخوف في قلبه، فقطّع كلّ ما كتبه وأحرق تسجيلاته.. ثم توضأ وانغمس في صلاة طويلة طوال الليل، وقرأ فيها: [وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ... ] .

стр. 2415

سباعيات هروب شعر: د.محمد بن ظافر الشهري رأى الناسُ فيما يرى النائمون ... وللنوم في الشرع حكم الجنون كأنّ اليهود غداً يجنحون ... لسلْمٍ وبعد غدٍ يُسْلِمون وأنهمُ يوقفون البناء ... وها همْ أولاءِ مضوا يبتنون وأن (نتنياهُ) إن فازَ لانَ ... فلا هوَ لانَ (ولا يحزنون) وأن اليهود إذا غادروا ... سيخلفهم بشرٌ يَرْحَمون فلما صحوا علموا أنهمْ ... رأوا صُوراً أبداً لن تكون فَفَرّوا إلى النوم أُنْساً به ... فقد وجدوا فيه ما يشتهون

стр. 2416

نص شعري إسرائيل شعر: مروان كجك تَفَوّقِي تَفَوّقِي ... فَإنّنَا فِي مَاًزِقِ تَلُفّنَا جِرَاحُنَا ... مِنْ أَخْمَصٍ لِمفْرِقِ وَيَدّعِي جَهُولُنَا ... زَعَامَةً لَمْ تُسْبَقِ لَمْ يَشْفِ مِنّا غِلّهُ ... أَوْ يَنْتَظِمْ فِي مَوْثِقِ يَبِيعُنَا نِكَايَةً ... لِمُشْتَرٍ مُسْتَرْزِقِ وَلا يَرَى غَضَاضَةً ... أَوْ رَعْشَةً فَيَتّقِي وَقَدْ طَمَتْ هُمُومُنَا ... وَحِسّنَا لَمْ يَرْتَقِ وَصَوْتُنَا فِي حَلْقِنَا ... يَنَامُ كَالْمُسْتَغرِقِ وَقَلْبُنَا فِي هَجْعَةٍ ... كَأَنّهُ لَمُ يَخْفُقِ وَقُدْسُنَا مَرْهُونَةٌ ... وَالْخُلْفُ فِي تَأَلّقِ *** تَفَوّقِي تَفَوّقِي ... تَفَوّقِي تَفَوّقِي تَفَوّقِي فَإنّنَا ... فِي قِمّةِ التّمَزّقِ يَقُودُنا لِحَتْفِنَا ... مُكَابرٌ لا يَتّقِي يَسُوسُنَا بِغِلْظَةٍ ... كَالْهَائِجِ الْمُمَخْرَقِ وَيَدّعِي حَصَاَفَةً ... لِفَهْمِهِ الْمُسْتَغْلَقِ لَمْ يَدْرِ أَنّ حَظّهُ ... عِنْدَ العَدُوِّ الأَزْرَقِ حَقَارَةٌ وَخِسّةٌ ... وَخُلْفُ كُلِّ مَوْثِقِ قَدْ حُطّ تَحْتَ ذُلِهَا ... كَالطّائِرِ الْمُطَوّقِ إذَا تَأَبّى مَرّةً ... أوْ ضَاقَ بِالتّسَلّقِ حَزّ الْحَديِدُ رَأسَهُ ... كَكُلِّ بَاغٍ أَحْمَق تَفَوّقِي تَفَوّقِي ... تَفَوّقِي تَفَوّقِي

стр. 2417

نص شعري فتاة الشرق وفتاة الغرب شعر: د. عبد الغني أحمد مزهر إلى العلم يا أختاه جوزي المعابرا ... وجذِّي بسيف الحزم فيه المعاذرا إلى المجد والعلياء في موكب الهدى ... جناحاك: تقوى الله والعلمُ للذّرى أيا نجمةً في الشأو سامت كواكباً ... ويا درةً في الصون فاقت جواهرا أشاعوا بأن الشرق جهل وبِنْتَهُ ... جهولٌ وفي أبنائها أجهل الورى حبيسة بيت الزوج لم تألف الفضا ... تؤدي له بالحبس ما كان أمهرا وقالوا فتاة الغرب بنت حضارة ... يشير لها التاريخ بدءاً وآخرا إذا ما تبدّت عطّرَ الجوّ ريحُها ... وألوى إليها كل شيء معطرا وقالوا.. وقالوا والدعايات جمّة ... وتخفي صدور القوم أدهى وأكبرا (ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً) لدوداً للنصحية مُظهرا ذرونا من التخليط واستنطقوا الدنا ... فما تعرف الأيام مَيْناً ولا مِرا وهل يستوي ماء السوابل آجناً ... وخيماً وماء القطر ينهلّ طاهرا وماضرّ ضوءَ الشمس أن قيل محرق ... ولا ضرّ ضوءَ البدر أن يجلب الكرى وما عاب زهرَ الروض نكران فوحه ... وما زال منكوس الطبائع منكرا وإن قلت هذا الدرب وهو نقيضه ... فما ذنب ذي اليمنى إذا كنت أعسرا ويحفظ حق البنت والأخت شرعة ... ويوفي حقوق الزوج والأم مؤثرا وهذي فتاة الشرق أم كريمة ... تعد شباب الجيل سيفاً ومنبرا وليس لها في الغرب حق وحرمة ... إذا لم تكن شيئاً يباع ويُشترى فتلك الملاجي والمبرّات بيتها ... تبيت كأشقى من يبيت وأحقرا فأَحْير من ضَبٍّ إذا ضل جحره ... وأجوع من ذئب إذا بات مقفرا رأيت بعيني لا أقول تخرصاً ... ولا أدّعي زوراً عليهم ولا افترا أموراً عظاماً تصدع الصخر حسرة ... ويدمى لها قلب العفيف تحسرا ففي كل صوب للطهارة مذبحاً ... وفي كل شبر للرذيلة متجرا تقول ذروني إنني اليوم حرّة ... أعيش كما أهوى وأهوى كما أرى أقول لذات الخال لله ناصحاً ... نصيحة من يخشى عليها الدوائرا أفيقي هداك الله يا أخت واحذري ... فذو الحزم يحيى ما أطاق محاذرا ولا تخدعي بالشائعات فربما ... أذلّوا بسيف الشائعات الحرائرا وإن وراء الشائعات صراحة ... ذئاباً جياعاً أو صقوراً كواسرا متى كان فعل الموبقات ثقافة ... ووعياً، وإيثار العفاف تحجرا؟ أتدعى حياةُ العهر فيهم تقدماً وتدعى حياةُ الطهر فينا تأخرا؟

стр. 2418

مرتكزات للفهم والعمل أهمية العلم الشرعي بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال الدعوة إلى الله وظيفة مصطفاة في الأساس لأشرف الخلق، وهم الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، الذين تولى الله حفظهم وتنشئتهم.. وحريّ بمن يقتدي بهم في الوظيفة أن يسعى إلى اقتفاء آثارهم، وتحري طريقتهم في التكوين والنشأة. والركيزة الأولى في تكوين الداعية إلى الله (تعالى) هي العلم، فهو الذي أمر الله به نبيه في أول آية أنزلت عليه، والأمر له ولسائر أمته معه، وعلى ضوء العلم يتم العمل والدعوة. وكما حرس الله بيضة الإسلام بالمجاهدين: حفظ شريعة الإيمان بالعلماء والمتعلمين، والجهاد لا يتم على وجهه الحق إلا بالعلم المفصل بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة، إذن: فالعلم ضرورة شرعية [١] ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن حاجتنا إليه لا تقل عن حاجتنا إلى المأكل والمشرب والملبس والدواء؛ إذ به قوام الدين والدنيا. ولقد كان من أعظم أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر: الجهل، وقلة العلماء العاملين، وسوء الخطط في مراحل الدراسة المختلفة في البلاد الإسلامية، وضعف الهمم والعزائم في الجد والتحصيل، والتخصصات الجزئية التي أضعفت العلوم الشرعية، والانهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، والنظر إلى التخصصات الشرعية نظرة دونية. أقسام العلم الشرعي من حيث الحكم ثلاثة: ١- فرض عين: وهو تعلم ما يتأدى به الواجب العيني. ٢- فرض كفاية: وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في أمور دينهم ودنياهم. ٣- مستحب: وهو التبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية. فضائل العلم وأهله [٢] : إن تذكرها يبعث الهمم، ويجدد العزائم، ويطرد الكسل، ويعين على الجد، وقد جاءت بها نصوص كثيرة جدّاً. فمن فضائل العلم: أنه أول ما خاطب الله به نبيه، فقال: [اقرأ] ، وما أمره بطلب الزيادة من شيء إلا منه [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] [طه: ١١٤] ، ولا غرو: فإنه يورث الإيمان، بل لا يكون الإيمان إلا به، وثمرته اليقين، وهو من علامات الإيمان ودلائل إرادة الله الخير بصاحبه، وهو أجل النعم، فإنه حياة القلب ونوره، والجهل من صفات أهل النار، والعلم ميراث الأنبياء، وهو خير من النوافل، فإنه من أعظم الجهاد، وأجلّ العبادات؛ قال: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله ... ) [٣] . وهو الحماية من الغفلة، وسبيل النجاة، وطريق الجنة، وهو شرف لصاحبه، ورفعة في الدارين، وهو سبيل الكمال، وطريق البركة، ودوام الأجر، وسبيل السعادة، وهو كشاف للحقائق، وإمام العمل، وطريق الهداية، ودواء الأمراض القلبية، وبه ينال صاحبه بركة دعاء النبي ﷺ ، ويستثنى من اللعنة، وتضع له الملائكة أجنحتها، ويُباهي به الله ملائكته. ومن فضائل أهله: أن الله استشهدهم على توحيده، فزكاهم وعدّلهم، ونفى التسوية بينهم وبين غيرهم، فإن الجاهل بمنزلة الأعمى، وأولو العلم هم أهل الذكر، الذين يظهر لهم الحق، وهو آيات بينات في صدورهم، فاستحقوا رفعة الدرجات في الدارين [يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] ... [المجادلة: ١١] ؛ فهم أهل الخشية، والمنتفعون بضرب الله الأمثال، وعدول الأمة. أما آثاره على الأمم فهي متمثلة في: الإيمان بالله (تعالى) ، ومعرفته حق المعرفة، واجتناب المنكرات، والقيام بحقوق كل ذي حق، والسعادة النفسية، وتحكيم شريعة الله. مقارنة بين العلم والمال: العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء. العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله. العلم يزداد بالبذل والعطاء، والمال تذهبه النفقات عدا الصدقة. العلم يرافق صاحبه حتى في قبره، والمال يفارقه بعد موته، إلا ما كان من صدقة جارية. المال يحصل للبر والفاجر، والمسلم والكافر، أما العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن. العالِم يحتاج إليه الملوك ومن دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة. المال يعبِّد صاحبه للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه. العالم قَدْرُه وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله. الغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة. آثار الجهل على الأمم: إن الأمة التي ترضى بالجهل، وتتقاعس عن العلم تدفع الثمن غالياً، والضريبة مضاعفة، ومن آثار الجهل التي شهدت بها السنن الكونية، وسطرها التاريخ على مستوى الفرد، أو المجتمع: انتشار البدع والضلالات في العقائد والعبادات والمعاملات، وضعف الإيمان، وقلة التقوى، وازدياد المعاصي، وضعف الهيبة أمام الأعداء، وتقييد الأمة بأغلال التخلف في جميع المجالات، وكثرة المشكلات الأسرية، والخمول والكسل، وضعف الهمم، والقصور عن إدراك المعالي.. وهي نتائج حتمية للجهل. وشتان بين هذه، وبين ما جعله الله جزاءً حسناً عاجلاً في الدنيا لمن يتعلمون العلم ويعملون به، الذين يحصِّلون الإيمان بالله (تعالى) ، ومعرفته حق المعرفة، فتقل فيهم المنكرات، ويحصل القيام بحقوق كل ذي حق، وتُحكّم شريعة الله، وبذلك تُجتلب السعادة. الأسباب المعينة على طلب العلم (وسائل التعلم) : ١- تقوى الله: قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ... ] [الأنفال: ٢٩] . ٢- كثرة الاستغفار والتوبة والدعاء، والانطراح بين يدي الله (تعالى) ، وسؤاله العلم النافع والعلم الصالح. ٣- ذكر الموت والآخرة، ليعين على شغل الوقت بالنافع. ٤- المحافظة على الأوقات، وحسن ترتيبها، والحرص على استغلالها، بحيث يُعطى كل ذي حق حقه، بدون غلو ولا جفاء، وهذا شرط لا يحصل العلم بدونه. ٥- ترك الفضول من الكلام والسماع والنظر والخلطة والمنام، والاقتصار على ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة من ذلك. ٦- الإكثار من قراءة ما ورد في العلم وفضل أهله، وحال السلف في طلبهم للعلم. ٧- مخالطة من هم أكثر علماً وفهماً؛ لئلا يقنع الطالب بما حصّل من علم، فيحرص على الاستزادة، وليتجنب العُجْب والغرور. ٨- سلوك الوسائل المباشرة للتعلم، مثل: ملازمة العلماء والمشايخ في المساجد والبيوت، والتلقي عنهم، والتعلم في المدارس، والمعاهد، والجامعات، والقراءة مع الزملاء والأصدقاء وطلاب العلم، وكثرة الاطلاع، والقراءات الخاصة المنتقاة المرتبة، وإعداد البحوث الدقيقة، والاستماع إلى الأشرطة النافعة. بعض صفات طالب العلم وآدابه: الإخلاص لله (تعالى) ، قال رسول الله: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عُرْف الجنة يوم القيامة) [٤] ، يعني ريحها. الصبر وتحمل المشاق وسعة الصدر، فإن العلم جهاد لا شهوة. التواضع والحذر من الكبر والغرور. التفرغ للعلم والإقبال عليه، بشرط التوازن وعدم الإخلال بالواجبات الأخرى توقير العلماء وإكرامهم والتأدب معهم، وحفظ مكانتهم، وتوقير مجالسهم، وحسن السؤال والإصغاء. البعد عن الجدال والمراء العقيم. حسن المظهر وجمال الهيئة. واجبات طالب العلم: إن المسؤولية عظيمة، والواجب كبير، ومما يجب على طالب العلم: الورع، والتقوى، والعمل بالعلم، والحرص على نشر العلم وتبليغه مع الحذر من الفتوى بغير علم، والدعوة إلى الله على بصيرة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقدوة الصالحة، والاستمرار في طلب العلم حتى الممات، والجرأة في الحق، والوعي الكامل الشامل بواقع الأمة، ومعرفة سبيل المجرمين. إن الانخراط في سلك العلم الشرعي يعني أن صاحبه وقف نفسه لله، ونذر وقته لخالقه، يتعلم ليعمل ويعلِّم ويدعو ويصلح، وإذا لم يقم طالب العلم بواجبه فمن سيقوم به؟ ! ، ويكفي أن نعلم أنه لو قام عدد كاف من طلاب العلم بواجبهم لما كانت الأمة بهذا المستوى، فإلى الله المشتكى. اقتضاء العلم العمل [٥] : وهو بيت القصيد، والذي يجب التركيز عليه والاهتمام به؛ وذلك لما نرى من كثرة المتعلمين، وقلة العاملين، ولما نشاهد من إعجاب كثير من طلاب العلم بألقابهم ونسيانهم لرسالتهم في أمتهم ومجتمعاتهم؛ حيث لم يدركوا خطورة إهمالهم لأمر الله (تعالى) ورسوله ﷺ ، وأيضاً: لما نلحظ من القصور الواضح في مناهج التعليم، وبخاصة الفصل الواضح بين العلم والعمل، والأمة إنما تحتاج في الحقيقة إلى العلماء المؤثرين العاملين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. إن العلم لا قيمة له بدون العمل، ولذا: تكاثرت النصوص في الكتاب والسنة وكذا أقوال السلف مؤكدة وجوب ربط العلم بالعمل، ومحذرة من الفصل بينهما: كم نقرأ في كل يوم قول الله (تعالى) : [غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ] ... [الفاتحة: ٧] ، قال العلماء: المغضوب عليهم: هم الذين لم يعملوا بعلمهم، ويدخل فيهم اليهود بهذا الوصف، والضالون: هم الذين يعملون على جهل وضلال، ومنهم النصارى، فهل فهمنا المقصود؟ ! وقال (تعالى) : [أََتَاًمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أََنفُسَكُمْ وَأََنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أََفَلا تَعْقِلُونَ] [البقرة: ٤٤] ، وقال: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس) ... وذكر منها: (.. وماذا عمل فيما علم) [٦] ، وكان - ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع [٧] . وقال أبو هريرة: (مثل علم لا يعمل به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله) ، وقال عمر: (لا يغرركم من قرأ القرآن، ولكن انظروا من يعمل به) ، وقال سهيل بن عبد الله: (الدنيا جهل وموات، إلا العلم، والعلم كله حجة، إلا العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص، والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به) . من آفات طالب العلم: وهي آفات مهلكة، أو مضيعة للعلم، أو مسببة لعدم الانتفاع به، ومنها: ١- المعاصي، وهي آفة الآفات؛ لأن العلم هو ما ورث الخشية، قال (تعالى) : [إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] [فاطر: ٢٨] ، والمعاصي تناقض الخشية. ٢- الكبر والغرور، وهو من أسرع الآفات إلى طلبة العلم، والمتعلمين. ٣- المراءاة والمخاصمة والجدل. ٤- كتم العلم، وهو يؤدي إلى نسيانه وذهابه، وكذا: عدم التورع في إطلاق الفتوى، والقول بلا علم. ٥- الانشغال بالدنيا، وكثرة الفضول. ٦- المداهنة في دين الله، والسكوت عن إظهار الحق، وعلى إنكار الباطل. ٧- النسيان، ويكون علاجه: بالمذاكرة، وبذل العلم، وترك أسباب ذهابه، كالمعاصي وغيرها. ملحوظات وتنبيهات: - ينبغي ألا يدفعنا الحديث عن العلم إلى الانقطاع له انقطاعاً يشل حركة بقية جوانب العمل الأخرى، بل لا بد من الشمول والتوازن؛ لأن التخلي عن الدعوة والعمل بحجة طلب العلم خطأ وانحراف، فالواجب: تزامن الأمرين؛ فإن الفصل بين العلم والعمل تفريط وشطط. فالأمة: كما أنها تحتاج العلماء، فإنها تحتاج الدعاة والمجاهدين، وتحتاج كذلك أن يكون هناك متخصصون في العلوم التجريبية بشتى فروعها، ولكن ينبغي ألا ينسى كل هؤلاء حظ أنفسهم من العلم الشرعي الواجب، والاستزادة قدر الإمكان من القدر المستحب. - أيضاً لا بد من الشمول والتوازن في طلب العلم، فيأخذ طالب العلم من كل علم بقدر، ولا مانع بعد ذلك أن يتخصص في علم من العلوم الشرعية بهذا الشرط، وهو أن يكون على صلة وثيقة ببقية التخصصات الأخرى. نسأل الله أن يوفقنا إلى العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2419

المسلمون والعالم حزب الرفاه.. ماذا حقق من خططه في الإصلاح؟ بقلم: مصطفى محمد الطحان تمهيد: نال حزب الرفاه الإسلامي أكثر الأصوات في الانتخابات الأخيرة وإن لم ينل الأغلبية، ومر استلامه السلطة بمخاض طويل، اتضح فيه للجميع مدى الخيبة والمصيبة التي حلت بالأحزاب العلمانية التركية، وتبين أيضاً مدى الحقد الذي يكنه أولئك العلمانيون ضد الإسلام، وفي آخر الأمر: استلم (الرفاه) رئاسة الوزراء لأول مرة في تاريخ تركيا المعاصر بعد انقلاب (أتاتورك) الماسوني، مؤكداً تطلع قطاعات كبيرة من الشعب التركي إلى عودة الإسلام من جديد، مما يضع سابقة لن يصبح بعدها الإسلاميون غرباء على الحياة السياسية بوصفهم اتجاهاً فاعلاً له شعبيته. وما زال العلمانيون يضعون الأحجار في طريق الرفاه، ومنها: ما كان منهم بعد إقامة (أربكان) (احتفالاً رمضانيّاً) ، فقد أثار حزب الشعب اليساري دعوى ضد (أربكان) لمحاكمته، بزعم خرقه الدستور العلماني، والمطالبة بسجنه، وفي هذه المقالة يقدم لنا الأستاذ مصطفى محمد الطحان بحكم متابعته للحدث هذه الدراسة الموثقة، ونحن قد لا نتفق بالضرورة معه في كل ما ذكره، إلا إنها متابعة تستحق القراءة والتأمل، وتستحق الشكر لكاتبها. - البيان - الحديث ما زال مبكراً عن إنجازات حزب الرفاه، حيث لم يكمل بعد سنته الأولى. كما أن الأمر لا يتعلق بحزب الرفاه وحده، فهو شريك حزب الطريق القويم، الأكثر تمثيلاً للاتجاه العلماني الحديث، الذي يضم في صفوفه صقور الجيش والأمن السابقين أمثال (دوغان غوريش) رئيس الأركان السابق، و (محمد أغار) .. وغيرهم، وهو الضمانة الأقوى للدفاع عن العلمانية والحداثة والتعالي القومي. بالإضافة إلى ذلك: فالساحة التركية شديدة التعقيد داخليّاً وخارجيّاً.. فقد قطّعت أسبابها مع محيطها منذ سنين عدة.. وتعلقت بأوروبا التي لم تقدرها كما ينبغي.. فغدت مثقلة بالمشكلات والتوترات، والتضخم الاقتصادي، والحرب الكردية التي تستنزف ثلث ميزانية البلاد، بالإضافة إلى ضرب وحدتها الوطنية. وفي هذه الظروف الصعبة يطالب المراقبون حزب الرفاه بكشف الإنجازات خلال هذه الفترة الوجيزة من حكمه! ! مقابلة مع الرئيس: في مقابلة مع رئيس الوزراء البروفيسور (نجم الدين أربكان) ، بعد أيام من تسلمه منصبه الجديد.. قال: لقد كنّا نعارض الخطط الاقتصادية الحكومية التي تعتمد على القروض والضرائب.. وكنّا نتصور أن دولة غنية مثل تركيا لا يمكن أن تكون منهارة اقتصاديّاً ما لم تكن هناك أيادٍ عابثة تنهب ثروات البلاد.. وعندما أصبحنا في الحكومة واطلعنا عن كثب على الأمور: وجدناها أسوأ بكثير مما كنا نظن، وجدناها فئة محدودة العدد من أرباب الشركات الكبرى (الهولدنغ) تسلطت على الدولة، كل ينهب بأقصى قدرته.. ورجالات الدولة مجرد شركاء لهؤلاء في التسلط والنهب. الديون الداخلية تقترضها الخزينة من هؤلاء.. فيتقاضون على ديونهم ... ١٤٠ % فائدة، أي: بمعدل ٣٧ % على حساب الدولار. البنك المركزي يقترض أموالاً لمدة يوم أو يومين بفائدة ٨٠%، يقترضها أيضاً من هؤلاء. هذه الأمور زادت التضخم ورفعت الأسعار، وأفقرت الشعب، وأفلست الدولة.. لحساب فئة محدودة متحكمة في السياسة والاقتصاد وفي الأمة كلها.. وضبط هذا التسيب يوفر على الدولة خمسة مليارات دولار في السنة على الأقل. رصيدنا من العملات الصعبة يبلغ حالياً (٢١) مليار دولار، منها (١٨) مليار دولار مودعة لدى الغرب بناء على تعليمات البنك الدولي، تتقاضى تركيا عليه ١.٢ %، بينما تدفع أكثر من ١٠% فائدة عن كل قرض تأخذه من هؤلاء.. أليس هذا أمر عجاب..؟ ! عندما نظرنا في الخزينة وجدنا للدولة (١٠٠) ألف حساب بنكي متناثر، يعبث به العابثون.. عندما جمعنا هذه الحسابات في حساب مركزي واحد وجدناه يعادل (١٥) مليار دولار. بالتدقيق السريع وجدنا أن كميات البنزين التي تُشتري لحساب سيارات الدولة وعددها (٣٠٠) ألف سيارة تزيد ثلاث مرات عن الحاجة الحقيقة.. وضبط ذلك يوفر على الدولة ٣٠٠ مليون دولار في السنة. وكم من المصالح الحكومية تهدر بهذه الطريقة ... ! ! أولاً: الانجازات الاقتصادية: لقد أثبتت التجربة المرّة أن النظام العلماني الذي قام في تركيا منذ أكثر من سبعين سنة.. لم يعد صالحاً للاستمرار.. لقد اختفت الطبقة المتوسطة، وأصبحت غالبية السكان الساحقة من الفقراء المحرومين من لقمة عيشهم ومسكنهم وطبابتهم وملبسهم ومدارسهم وجامعاتهم.. والأحزاب على اختلاف ميولها، ورجال الأحزاب على اختلاف أسمائهم، ما هم إلا شركاء في الجريمة، يتنافسون ويتشاكسون للحصول على مغانم أكبر.. كان هذا هو السبب الرئيس الذي اندفع من أجله الناس لتأييد حزب الرفاه.. وعليه: فقد بادر الحزب منذ الأيام الأولى إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية لانتشال هذا الشعب بالقدر المستطاع من وهدة الفقر الذي هو قرين الجريمة والكفر، ومن هذه الإجراءات: رفع أجور موظفي الدولة والمتقاعدين: فقد أصدرت الحكومة قراراً برفع أجور موظفي الدولة والمتقاعدين بنسبة ٥٠%، واستفاد من هذا القانون حوالي ... (٧.٥) مليون موظف ومتقاعد، كما تم رفع رواتب الجيش والبوليس بنسبة أعلى من هذه النسبة، أي: إن نصف الشعب التركي قد تحسنت أحوالهم المعيشية على الفور. وفي الوقت نفسه: تمّ رفع الحد الأدنى للأجور إلى (١٧) مليون ليرة تركية شهريّاً، أي: ما يعادل أكثر من ٢٠٠ دولار.. بعض العمال كانوا يتقاضون أقل من خمسين دولاراً شهريّاً.. فهل بالإمكان أن نتصور كيف كان يعيش هؤلاء في بلاد أصبح كل شيء فيها مكلفاً ... ؟ خطة الرفاه الاقتصادية: أعلن حزب الرفاه خطته الاقتصادية، وتشمل النقاط التالية: -تشجيع استقدام مدخرات العاملين في الخارج. -تسريع عملية التخصيص. -بيع الأراضي والمؤسسات والأبنية التابعة للدولة، التي يستغلها أصحاب النفوذ. -جمع حسابات الدولة في حساب واحد. -تسريع جمع الضرائب.. وخفض قيمتها لمن يدفع أسرع. -استقطاع نسبة ٦% من قيمة الواردات لتشجيع الصادرات. -تحصيل رسوم استخراج المعادن. -الأبنية التي بنيت بدون رخصة رسمية.. ترخص وتباع. وهذه الخطة توفر على الدولة عشرة مليارات دولار. وعلى الرغم من أن الصحف نالت من هذه الخطة ووصفتها بـ (الخيالية) .. إلا إنها الأولى منذ خمسين سنة التي لم تبنَ على مزيد من الضرائب، أو مزيد من القروض، أو مزيد من طبع الأوراق المالية. لقد أعلن (أربكان) في مؤتمر صحفي أن (صندوق الفقراء) الذي كان يُسرق أو يحول إلى مصروفات أخرى.. قد أعيد تشكيله.. ولن يبقى في تركيا محتاج واحد.. وأعطى أرقام تلفونات ليتصل عليها كل محتاج ليأخذ حاجته، وختم كلامه فقال: إن هذه الطبقة التي يتبرأ منها الجميع، نحن أصحابها. ثانياً: الإنجازات الأمنية: إعادة الأكراد إلى قراهم، هذه القضية من أخطر القضايا التي تعاني منها تركيا، وإذا كانت الأحزاب تعلن في شعاراتها حلولاً للقضية الكردية، إلا أنها ظلت مجرد شعارات للاستهلاك، بينما أوكلت هذه الأحزاب القضية للجيش، والجيش لا يعرف غير القتال، وهكذا قتل أكثر من (٣٠) ألفاً من أبناء تركيا (أتراكاً وأكراداً) واستنزف ثلث الميزانية، وهجرت (٢٤٠٠) قرية من (٢٠) محافظة في شرق تركيا وجنوب شرقها، ونزح أكثر من (٢٧٥) ألف كردي من أراضيهم بعد تهديم بيوتهم والقضاء على ثرواتهم الحيوانية، أما حزب الرفاه فإنه يؤمن بالقضية إيماناً حقيقيّاً؛ فالأكراد يمنحونه أصواتهم منذ تأسيسه، والأخوة الإسلامية التي يطرحها الحزب حلاّ لهذه القضية هي الحل الأوحد الذي لا حل سواه. وهذه القضية لم تعد قضية محلية، فلحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل الجيش التركي منذ عام ١٩٨٤م، ويطالب بالانفصال عن تركيا.. لهذا الحزب علاقات مع كل الدول المعادية لتركيا مثل بلغاريا واليونان وسوريا والعراق، وربما إيران.. ولهذا: فحل القضية الكردية لا يكفي فيه الإعلان عن إعادة الأكراد إلى قراهم وتعويضهم.. بل لا بد من الوصول إلى حل حقيقي عن طريق التفاوض.. يحفظ لتركيا وحدتها ويعطي للأكراد هويتهم وحقوقهم، وكذلك لا بد من التصالح مع كل دول الجوار التي تغذي الأكراد وتدربهم وتسلحهم.. ولقد حاول حزب الرفاه القيام بكل ذلك، فلقد صرّح الكاتب الإسلامي (إسماعيل ناجار) لجريدة (صباح) التركية أن رئيس الوزراء كلفه بالاجتماع ببعض الشخصيات الكردية المؤيدة لحزب العمال الكردستاني لاستطلاع أيسر السبل لإيقاف هذا النزيف المستمر. كما إن النائب عن حزب الرفاه (فتح الله أرباش) صرّح بأنه يقوم بمحاولات مشابهة، وأن الحكومة تؤيد وجود إذاعة ومحطة تلفزيونية باللغة الكردية، وصرح نائب رئيس حزب الطريق القويم (محمد جولهان) أن الحزب يؤيد مثل هذا التوجه بشرط أن يُلقي المحاربون أسلحتهم. أما تهيئة الأجواء الخارجية لحل هذه القضية: فالحزب جاد في ذلك.. فلقد بعث وزراءه إلى دمشق وبغداد، وزار (أربكان) إيران.. وجزء رئيس من أهداف هذه الزيارات هو نزع فتيل القضية الكردية، وقد تعهد الرئيس (رفسنجاني) بتعزيز الأمن على الحدود بين البلدين.. الأمر الذي سينعكس إيجاباً على القضية الكردية وعلى علاقات الجيش التركي مع الحكومة الحالية. التمديد لقوة المطرقة لمدة ٥ سنوات: وحزب الرفاه يطالب بانسحاب القوات الغربية التي ترابط في تركيا منذ حرب الخليج بحجة مراقبة شمال العراق وتأمين الحماية لأكراد العراق. ولقد أعلن (أربكان) في البرلمان، يوم التجديد لهذه القوات، وسط مزايدات أحزاب المعارضة، فقال: لقد مددتم لهذه القوات مدة خمس سنوات.. فهل تريدون أن نسحبها في اليوم الأول لوجودنا في السلطة؟ إن هذا بعيد عن الإنصاف! ! ومع ذلك: فلم يوافق الرفاه على التمديد هذه المرة إلا بعد الموافقة على الشروط التالية: صيانة الحدود العراقية، عدم قيام دولة كردية في شمال العراق، توحيد الجهود ضد الإرهاب، تيسير المحادثات بين قادة أكراد شمال العراق وحكومة بغداد، إغلاق معسكر (أرتوش) ، الإسراع في تسليم الأسلحة الأمريكية التي دفعت تركيا ثمنها ولم تتسلمها، زيادة عدد القوات التركية في مركز (زاخو) ، تأمين حرية التجارة بين تركيا والعراق وفتح خط النفط المغلق، تعويض تركيا عن الأضرار التي لحقت بسبب الحصار، تقليل طلعات الطيران المنطلق من (زاخو) إلى النصف، والعمل على نقل مركز هذه القوات من (زاخو) إلى (سيلوب) في تركيا. لم يقبل حزب الرفاه التجديد لهذه القوات إلا بعد أن وقّعت الدول المتحالفة على هذه الشروط، وشروط أخرى وافق عليها البرلمان، وهي: إنهاء حالة الطوارئ في منطقة شرق تركيا بالتدريج، وإعادة الأكراد المهجرين إلى قراهم، وربط الموافقة على وجود قوات المطرقة بمجلس الوزراء في المستقبل. وحسب قول ديبلوماسي غربي: أثبت (أربكان) أنه مفاوض ماهر، وأنه يعرف قيمة ما يقدمه للغرب، وهو وجود عسكري ونفوذ سياسي في المنطقة، وهذا لا يمكن أن يكون بلا ثمن، فهل تعتبر هذه الموافقة الاضطرارية المكبلة بالشروط نوعاً من الإنجاز؟ ! أزمة السجون: بعد تسلم حزب الرفاه السلطة مباشرة، انفجرت أزمة كبيرة في سجون تركيا.. حيث أعلن السجناء اليساريون في مختلف السجون إضراباً عن الطعام، يطالبون بإغلاق سجن إسكي شهير، الذي يسمونه (التابوت) ، ونقلهم إلى سجون أخرى، وتحسين ظروف اعتقالهم، وكانت فرصة لانقضاض الصحافة على حزب الرفاه وعلى وزير العدل (شوكت كازان) ، وتساءل معلق صحفي مشهور هو (محمد ألتان) ، لماذا يحدث هذا؟ ! ، إننا نرى إرهاب الدولة كل ليلة عبر شاشات التلفزيون، نرى الشرطة تركل وتضرب، وتجر شعور بنات شابات، وإذا كانوا يفعلون هذا أمام أعيننا فماذا يفعلون سرّاً..؟ . وتمكن (كازان) بالتعاون مع عدد من الوسطاء من حلّ القضية والاتفاق مع السجناء على إنهاء الاضراب، ونقل المضربين إلى المستشفيات، وتحسين ظروف المعتقلين، وتحسين أوضاع السجون، وكان بإمكان حزب الرفاه التنصل من هذه القضية؛ فقد ورثها عن سابقيه، إلا إنها تكشف مدى الانهيار الأخلاقي في تعامل السلطة مع السجين، وليس الأمر في تركيا وحدها. ثالثاً: الإنجازات الخارجية: لا نعرف بالضبط إذا كانت القوى الحليفة التي شكلت الحكومة مع (أربكان) قد أدركت مغزى تصريحاته، فمنذ اللحظة الأولى أصر (أربكان) على صداقة الغرب والتعاون معه، مع الاهتمام بعلاقات تركيا مع دول الجوار والدول الإسلامية، فالاتحاد الإسلامي إحدى الركائز الخمس التي يقوم عليها برنامج حزب الرفاه، وسواء أأدرك هؤلاء أم لم يدركوا، فقد كان لجولة رئيس الوزراء إلى إيران وباكستان وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا أكثر من مغزى وأكثر من تفسير، وإن كانت زيارته لإيران أثارت العديد من التفسيرات. لقد وقّع (نجم الدين أربكان) مع إيران عقداً تزود بموجبه إيران تركيا بالكهرباء والنفط والغاز لمدة عشرين سنة، قيمة العقد (٢٣) مليار دولار. ولقد استقبلت الإدارة الأمريكية هذا الخبر بكثير من الاستياء، وصدر عن المسؤولين الأمريكان العديد من التعليقات التي تحمل التهديد في طياتها، ولقد ردّ (أربكان) على ذلك بطريقة غير مباشرة، وقال: (إن حقبة جديدة بدأت بين البلدين الجارين المسلمين، وإن هذا الأمر لا يعني السياسة الأمريكية ولا أهدافها) . إن (أربكان) لا ينظر لهذه العلاقات بالمنظار الاقتصادي البحت، وإن كان ذلك مهمّاً للغاية بالنسبة له، ولكنه يرى في ذلك قوة سياسية واستقراراً أمنيّاً يفيد الجميع، فإذا كانت إيران تشجع حزب العمال الكردستاني نكاية بالسياسة التركية السابقة تجاهها، فهي معنية اليوم بالاستقرار من أجل مصالحها. وينظر (أربكان) لهذه المسألة من زاوية أخرى: فهو يرى أن (كلينتون) عندما يعاقب الذين يتعاملون مع إيران، وليبيا، والعراق، وغيرها.. فهو إنما يفعل ذلك استكباراً لا حق له فيه، واستهتاراً بمصالح الشعوب الأخرى، فهل على الشعوب بالتالي أن تستسلم لهذه الهيمنة أم تدافع عن حقوقها؟ ، ثم: هل يحق لتركيا أن تضحي بعشرين مليار دولار قيمة خسارتها عندما تقطع علاقاتها التجارية مع جيرانها، من أجل مصالح الغرب في المنطقة واستيعابها حسب مصالحه..؟ وإذا كان الاتحاد الأوروبي الذي هو شريك أمريكا في (البلطجة السياسية) استنكر قانون (كلينتون) ، أفلا يحق لنا أن ندافع عن مصالحنا مثلهم؟ . إن تحسين العلاقات بين تركيا وإيران ضرورة أمنية واقتصادية واستراتيجية، والتنسيق بينهما في آسيا الوسطى يحقق للبلدين كثيراً من الفوائد. زيارة أربكان لبعض الدول الإسلامية: قام (أربكان) بزيارات شملت إيران وباكستان وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، وللزيارة أسبابها الخارجية، فقد أراد أن يقول لهذه الدول وللعالم المقولة نفسها التي ذكرها للصحفيين بعد عودته: أردنا أن يعرف العالم أن تركيا التي أعرضت عن الدول الإسلامية ردحاً من الزمن عادت إليهم لتتعاون وتتكامل معهم سياسيّاً واقتصاديّاً. وللزيارة كذلك جانب اقتصادي واستراتيجي، فمن أهم مشكلات تركيا: العجز في ميزان تجارتها الخارجية، وهذه الزيارات ستزيد من حجم صادرات تركيا لهذه الدول، خاصة وأن دول آسيا لها موقع مهم في الاقتصاد العالمي؛ فهي تنتج حالياً ٢٠.٨ % من الإنتاج العالمي، وسيزيد هذا الرقم في سنة ٢٠١٩ م إلى ٥٠.٧ %، بينما سيتناقص إنتاج أوروبا وأمريكا واليابان إلى ٣٩.١ %، مما يؤكد أهمية العلاقات مع هذه الدول الصاعدة. وفي إيران: اتفق على ترتيب أمن الحدود المشتركة، وتطوير التعاون التجاري والمواصلات، وإزالة العقبات التي تحول دون تطوير الصادرات، بحيث يرتفع حجمها إلى (٢.٥) مليار دولار في السنة، بدلاً من (٢٠٠) مليون دولار حالياً. وفي باكستان: اتفق على تنفيذ بعض المشاريع المشتركة في الصناعات العسكرية، وأن تتعاون الدول الأربع على إنتاج طائرات للنقل الجوي وطائرات مروحية، وبعض الصناعات الإلكترونية، وصناعة الغواصات، وتطوير محركات توماسان، وتشجيع ذلك عن طريق خفض الجمارك، واستخدام البنك الإسلامي الآسيوي للتنمية في تمويل هذه الصفقات. وفي سنغافورة: اتفق على تدريب الطياريين السنغافوريين على طائرات إف ١٦، وتشجيع الاستثمار في تركيا، وخاصة في المنطقة الحرة الواقعة على البحر الأبيض والبحر الأسود. وفي ماليزيا: اتفق على مشاريع في ميدان الصناعات العسكرية، كالغواصات والدبابات والطائرات، وزيادة استثمارات ماليزيا في صناعة السيارات والمنتجات التكنولوجية والإلكترونية، وتطوير السياحة، ورفع مستوى الصادرات من (٤٠٠) مليون دولار إلى (١.٥) مليار في السنة، واستقدام أعداد كبيرة من العمالة التركية. وفي إندونيسيا: اتفق على زيادة التعاون في ميدان صناعة الطائرات والغواصات والإلكترونيات والدبابات والسيارات. وهكذا حققت هذه الزيارة التي استمرت عشرة أيام زيادة في حجم التجارة الخارجية بمقدار تسعة مليارات دولار، الأمر الذي سيسد العجز في تجارة تركيا الخارجية. وأخيراً: فالإعلام الداخلي فقد توازنه أمام حيوية رئيس الوزراء (نجم الدين أربكان) ، وانسجام حزبي السلطة، والتناغم بين الحكومة والجيش، والتعلق الشعبي بالرفاه.. والإعلام الخارجي ينقل أكاذيب الإعلام الداخلي، لكن الحقيقة لن تغيب عن المتابعين والموضوعيين.

стр. 2420

المسلمون والعالم الاعتداء على السودان.. خلفية تاريخية بقلم: د. جلال الدين محمد صالح في تطور مفاجئ ومريب وجد السودان نفسه أمام هجوم عسكري مباغت يقوده المتمرد الجنوبي (جون قرنق) وحلفاؤه الشماليون من الجبهة الشرقية، وتدعمه كل من إثيوبيا وإريتريا التي أكّد رئيسها (إسياس أفورقي) في أكثر من تصريح له دعم حكومته لكل عمل عسكري يسعى إلى إسقاط نظام الحكم في الخرطوم، بل وأتبع ذلك خطوات عملية تمثلت في توحيد المعارضة السودانية تحت قيادة (جون قرنق) في (أسمرا) ، وإتاحة مجال التدريب العسكري لمجنديها، وتزويدها بكافة التسهيلات الإعلامية والتحركات السياسية اللازمة، هذا غير ما يقوم به هو شخصيّاً في المحافل الرسمية من اتهام السودان بتصدير الإرهاب، وإيواء المتطرفين، فماذا وراء هذه التحالفات المشبوهة التي يرعاها (إسياس أفورقي) ويتقدم مسيرتها؟ . للإجابة على هذا: لا بد من العودة إلى الوراء واستقراء التاريخ؛ حتى تتضح الرؤية، وتكتمل الحلقة، وإلا فمن الصعب تحليل أحداث اليوم بمعزل عن وقائع الأمس، ذلك أن أحداثاً كهذه لا يمكن أن تكون وليدة الساعة وليس لها جذور تاريخية، ولا ارتباطات خارجية. أمور لا بد من إدراكها: وما يحدث حالياً في القرن الإفريقي بعامة، وفي السودان بخاصة لن يتم تحليله بشكل صحيح في نظري على الأقل إلا في إطار هذه الرؤية الشمولية، ومن هنا: فإذا أردنا أن نعرف حقيقة الأحداث الماثلة أمامنا في هذه المنطقة الحيوية من العالم لزمنا إدراك ما يلي: أولاً: أهمية موقعها الاستراتيجي. ثانياً: دورها الإقليمي والدولي في الصراعات العقدية، والاقتصادية. ثالثاً: الصبغة الحضارية المتفاعلة فيها. ولبيان ذلك: أرى ضرورة عرض شيء مما شهدته المنطقة قديماً ولو بشكل مقتضب من صراعات ضد النفوذ، وفرض الهيمنة، فإن ذلك يعيننا على ربط الأحداث بعضها ببعض، وفهمها على نحو متكامل. تعود أهمية هذه المنطقة إلى أهمية وجود البحر الأحمر، حيث ميناء (مصوع) و (عصب) في إريتريا، و (بربرة) في الصومال، و (بورتسودان) ، ... و (سواكن) في السودان، ثم ميناء (جيبوتي) ، وكلها موانئ إسلامية مربوطة ومتصلة بميناء (جدّة) ، والسواحل اليمنية، الأمر الذي يَسّر ولوج الحضارة الإسلامية إليها منذ وقت مبكر، وربط أهلها بمنابع الثقافة الإسلامية عبر التواصل مع منائرها العلمية: (الحرمين الشريفين) في بلاد الحجاز، و (زبيد) في اليمن، و (الأزهر) في مصر، حتى كان من ثمار ذلك: بروز علماء أفاضل يحملون قسطاً من هَمِّ الرسالة الإسلامية، ك (جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي) ، صاحب كتاب (نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية) ، و (عبد الرحمن الجبرتي) صاحب التاريخ المشهور بـ (تاريخ الجبرتي) ، والإمام المجاهد (أحمد قران ١٥٠٦ - ١٥٤٣ م) الذي أرخ لفتوحاته (شهاب الدين أحمد الجيزاني) في كتاب له سماه (فتوح الحبشة) . ولقد مات الإمام المذكور مقتولاً برصاص البرتغاليين الذين استنصر بهم الملك الحبشي آنذاك في صراعه مع المسلمين، ومنذ ذلك الحين ارتبطت سياسات الحبشة بسياسات الأوروبيين وأطماعهم، ففي عام ١٥١٠م كتبت (هيلينا) التي تولت حكم الحبشة (من عام ١٥٠٨ ١٥٤٠م) إلى (عمانويل) ملك البرتغال تقول: (السلام على عمانويل سيد البحار، وقاهر المسلمين القساة الكفرة، تحياتي إليكم، ودعوتي لكم، وصلتنا رسالة من قائد أسطولكم في بحر الهند؛ ليدافع عن عقيدة المسيح، ونحن على استعداد لمنازلة أولئك الكفار بإرسال أكبر عدد من جنودنا في البحر الأحمر، أو إلى مكة وجدّة، لنقضي قضاءً تامّاً على جرثومة الكفار) (١) . وفي عام ١٥٢٠م أبرم حكام الحبشة وثيقة عهد وتحالف مع الدول الأوروبية، ترجمت إلى جميع اللغات الأوروبية، ونصت على توزيع مناطق النفوذ على النحو التالي: (يحتفظ ملك فرنسا بقوة عسكرية في (سواكن) ، ويمتلك ملك أسبانيا (زيلع) ، ويتخذ ملك البرتغال من (مصوع) قاعدة لقواته، وأن تعمل هذه الجيوش ومعها قوات حبشية على غزو جزيرة العرب مهد الإسلام، وطرد الأتراك المسلمين من مصر وغيرها، وأن تمد الحبشة قوات حلفائها بما تحتاجه من رجال، وطعام، وأموال؛ حتى يتم تحقيق هذه الأهداف) (٢) . وكشف جاسوس فارسي يدعي (نور الدين علي تبريزي) قبض عليه المماليك في مصر أن: (نجاشي الحبشة أرسله إلى ملك الفرنجة يدعوه إلى الانضمام إليه لسحق الإسلام، ورفع لواء المسيحية بأن يغزو مصر من ناحية البحر، في الوقت الذي تغزوها فيه جيوش الحبشة من ناحية البر) (٣) . وكان من أهداف القادة البرتغاليين: (تحويل مياه النيل إلى البحر الأحمر لحرمان مصر من ري أراضيها، وتخريب شبكة الري التي كانت قائمة فيها) (٤) . ولما جاء (منليك الحبشي ١٨٦٥ ١٩١٣م) ساند بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا في جهودهم الرامية إلى الاستيلاء على السواحل الصومالية (٥) . وفي عهد الإمبرطور (هيلا سيلاسي) ازداد هذا التواصل صلابة حتى إن عضو الكونجرس الأمريكي (هنري س. ريوس) قال: (كان الجيران المسلمون هم الأعداء التقليديون للملكة الإثيوبية، ومنذ القرن الخامس والأباطرة الإثيوبيون يتمسكون بالمذهب النصراني القبطي، وكانوا في حروبهم الواحدة تلو الأخرى يدافعون عن الإمبراطورية ضد الغزاة المسلمين المحتلين، وقد كان معظم القتال يدور بالقرب من الساحل الشمالي فيما يسمى اليوم إريتريا) (٦) . حقائق على ضوء التاريخ: من خلال هذا العرض التاريخي يمكن أن نصل إلى تقرير ما يلي: أولاً: أن هذه المنطقة هدف مقصود من الغرب لتقويض الوجود الإسلامي ومحاصرة نفوذه، وأن صراعهم مع المسلمين فيها قديم، قدم اكتشاف أهميتها عندهم. ثانياً: أن الهيمنة عليها من الطرف المعادي يشكل تهديداً أمنيّاً، واقتصاديّاً لمن حولها من الدول الإسلامية، ويعدّ أيسر الطرق إلى إخضاعها لسياسات معينة. ثالثاً: أن تحقيق ذلك لا يتم إلا من خلال ربط الحكام المتعاقبين على الحبشة بمشاريع الحضارة الغربية، ومن هنا: كان عزل الكنيسة الحبشية بإيعاز من بريطانيا الملك (ليج إياسو ١٩١٣ ١٩١٧م) الذي أعلن إسلامه (٧) ، وتنصيب (زوديتو (ابنة (منليك) مكانه، وهي التي ورث عنها العرش الإمبراطور (هيلا سيلاسي) الذي استمر حتى عام ١٩٧٤م، وهو العام الذي تحولت فيه إثيوبيا إلى نظام ماركسي متحالف مع الكتلة الاشتراكية تحت زعامة ما كان يعرف بـ (الاتحاد السوفياتي) سابقاً، ثم لم تلبث أن عادت إلى سيرتها الأولى بعد انتصار ثورة (التجراي) بقيادة (ميلس زيناوي) ، و (إسياس أفورقي) على نظام (منجستو هيلا ماريام) بتأييد من الغرب الرأسمالي. فمن هو (ميلس زيناوي) ، ومن هو (إسياس أفورقي) ، وما العلاقة بينهما؟ . (ميلس زيناوي) : هو زعيم الجبهة الشعبية لتحرير (التجراي) ، ينحدر من قبيلة (التجراي) المجاورة لإريتريا شمالاً، التي منها الملك (يوحنا الرابع) (٨) ١٨٧٢ ١٨٨٩م، قتيل الحركة المهدية [*] في معركة (المتى) على الحدود السودانية الإثيوبية، ترأّس (ميلس زيناوي) التحالف الذي أسقط (منجستو هيلا ماريام) وخلفه في حكم الحبشة. إمّا (إسياس أفورقي) : فهو حاكم إريتريا الحالي، التحق بالثورة الإريترية في الستينيات بعد أن قطع دراسته الجامعية في (أديس أبابا) ، وابتعثته الثورة الإريترية إلى (بكّين) ليعود بعد ذلك ويساهم في تأسيس حزب ماركسي (٩) يمتطيه إلى غاياته، كتب وثيقته (نحن وأهدافنا) منذ فجر التحاقه بالثورة، أبرز فيها نزعته الشعوبية المعادية (للعرب) و (الإسلام) ، وقد تمكّن من أن ينفرد بقيادة (الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا) ويوجهها نحو أهدافه. والعلاقة بينه وبين حليفه (ميلس زيناوي) تتمثل فيما يلي: أولاً: أنهما يشتركان في اللغة، والعادات، والدين، والانتماء القومي، ويتجاوران في الموقع الجغرافي. ثانياً: يجمع بينهما حلف سياسي مدعوم من الغرب وإسرائيل، وضعا نواته الأولى وهما في الأدغال، ويقوم على توطيد حكم الأقلية (التجرانية) في إثيوبيا، وإريتريا. ثالثاً: يرتبطان بإسرائيل تمام الارتباط، وينسقان معها في رسم سياساتهما، التي محورها معاداة الوجود (العربي) و (الإسلامي) في المنطقة. كان من آثار تحالفهما: الانقضاض المبكر على جبهة تحرير إريتريا (١٠) عام ١٩٨١م وإجلاؤها إلى السودان؛ باعتبارها تمثل الوجه العربي، وتنتمي إلى جذور إسلامية، والآن يعملان بعد وصولهما إلى السلطة بدعم من القوى الصليبية والصهيونية للحيلولة دون نهضة المشروع الإسلامي في المنطقة، سواء أكان في السودان أو غيره، ويحاولان إعادة تشكيل السودان على النحو الذي يتفق مع أهدافهما ومخططات حلفائهما، إدراكاً منهما لدور السودان، المتميز في نشر الثقافة الإسلامية ولغتها العربية في إفريقيا الشرقية، وحيث إن (جون قرنق) هو العدو التقليدي للوجود العربي والإسلامي في السودان؛ فإنه أنسب من يحمل هذا المشروع بحماس وإخلاص؛ ومن هنا: جرى تنصيبه قائداً عسكريّاً يقود الهجوم حالياً على السودان، وانتصاره يعني بالنسبة لهما تأمين خلفيتهما بالقضاء على مشروع حضاري منافس ومغاير لمشروعهما، ويحكم من قبضتهما على من تحتهما من الشعوب الإسلامية، ويجعل من الثلاثة غصة في حلقوم الدول الإسلامية المجاورة، ويكون لهم أيضاً وزنهم في ترتيب الوضع الأمني، والاقتصادي للمنطقة. أما الزعيمان الشماليان: (الصادق المهدي، ومحمد عثمان الميرغني) ، فإنهما على الرغم مما يعرفانه عن (جون قرنق) وحقده عليهما، وخروجه على نظامهما: فقد رضيا الانضواء تحت لوائه، ومعلوم أن تحالف (جون قرنق) معهما ينتهي بانتهاء غاياته، فهو تحالف مرحلي، والعجيب أن (إسياس أفورقي) حامي هذا التحالف وراعيه، الذي لجأ إليه الصادق المهدي وصف حكومة الأخير بعدم الأهلية للمساهمة في حل المسألة الإريترية عندما سئل عما يمكن أن يقوم به السودان في ظل حكومة (الصادق) إزاء حل القضية الإريترية، بل وبكل تحدٍّ ودون إشعار حكومة الصادق تجرأ (إسياس أفورقي) على عقد اجتماع مع الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) لمدة ساعة على متن طائرته في مطار الخرطوم حول تطورات القضية الإريترية عام ١٩٨٩م، وكان هذا اللقاء أول خطوة في الطريق إلى (أتلانتا) التي شهدت تحت رعاية (جيمي كارتر) اجتماع وفد القيادة الإثيوبية والإريترية، هذا اللقاء الذي تمخض عنه إدانة (منجستو) وتحميله فشل كل المساعي السلمية، وإضفاء وسام (الوطنية) (١١) على جبهة (إسياس أفورقي) الذي توج أخيراً حاكماً على إريتريا بعد لقاء لندن الذي ضمه مع (ميلس زيناوي) و (هيرمان كوهين) رئيس دائرة القرن الإفريقي وقتها في وزارة الخارجية الأمريكية، وتعاقد فيه الثلاثة على المضي قدماً ضمن استراتيجية التحالف التي كان منها استيلاء القوات الإريترية على جزيرة (حنيش الكبرى) ، وتهديد أمن اليمن بأسلوب، قد يكون من بين أهدافه وضع فخ قصد به اصطياد اليمن بإقحامه في حرب منهكة ومهلكة، فضلاً عن الهيمنة على الجزيرة. الخطر يهدد مصر أيضاً: وليست (مصر) أيضاً بمنجاة عن أهداف هذا التحالف، بل هي في أولويات أهدافه، ولكن من خلال بعثرة أمن السودان وإسقاطه في وحل الصراعات العسكرية، حتى يؤول على الأقل إلى ما آل إليه الصومال، وهذا في حد ذاته مكسب للأهداف الصهيونية، وإضعاف لمصر من خلال تطويقها باضطرابات أمنية، أو أنظمة حكم مناقضة لهمومها الثقافية والسياسية، والاقتصادية، ووقتها ستجد (مصر) نفسها مهددة في ثروتها المائية النابعة من النيل، والتي بدأت إسرائيل من الآن بالتعاون مع إثيوبيا في بناء سدود حولها من أجل تصريفها إلى منافع مشتركة بينهما، وقد أبدت مصر فعلاً قلقها وقدمت احتجاجها، واستفسارها عن هذا النشاط. بل إن تحييد (الصومال) بإغراقه في مشكلاته لا يبعد عن أهداف هذا التحالف، إذ نرى النظام الإثيوبي يستبيح بيضته، وينتهك حرمته لضرب ما أسماه بالعناصر الإرهابية المتطرفة، ونرى (إسياس أفورقي) يؤيد هذا الانتهاك ويباركه، وفوق ذلك: يرتب لقاءً بين السفير الإسرائيلي بأسمرا (أريل كريم) ونائب رئيس ووزير خارجية ما عرف (بجمهورية أرض الصومال) ، وقد نصح السفير الوفد بتحرير خطاب إلى (إسحاق رابين) رئيس الوزراء في حينه، وقد حرر الخطاب فعلاً إلى (رابين) في ٣ يوليو ١٩٩٥م، موقعاً من (محمد إبراهيم عجال) الرئيس المنصّب لهذه الدولة المزعومة، وتَضَمّن تخويف (إسرائيل) من خطر (التأثير الإسلامي الذي يهدد المنطقة بأكملها) على حد تعبيره، وتعهد بأن يجعل من جمهورية أرض الصومال (حصناً ضد انتشار الأصولية الإسلامية) .. كل ذلك بعد أن بين أن هذا الخطاب حرر بناءً على نصيحة السفير (أريل كريم) سفير إسرائيل لدى إريتريا (١٢) . هذه هي خلفيات الهجمة العسكرية على السودان، فهل سنبكيه كما بكينا الأندلس من قبل؟ ، وهل نحن أيقاظ أم نيام؟
следующие страницы →