← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

نص شعري إسرائيل شعر: مروان كجك تَفَوّقِي تَفَوّقِي ... فَإنّنَا فِي مَاًزِقِ تَلُفّنَا جِرَاحُنَا ... مِنْ أَخْمَصٍ لِمفْرِقِ وَيَدّعِي جَهُولُنَا ... زَعَامَةً لَمْ تُسْبَقِ لَمْ يَشْفِ مِنّا غِلّهُ ... أَوْ يَنْتَظِمْ فِي مَوْثِقِ يَبِيعُنَا نِكَايَةً ... لِمُشْتَرٍ مُسْتَرْزِقِ وَلا يَرَى غَضَاضَةً ... أَوْ رَعْشَةً فَيَتّقِي وَقَدْ طَمَتْ هُمُومُنَا ... وَحِسّنَا لَمْ يَرْتَقِ وَصَوْتُنَا فِي حَلْقِنَا ... يَنَامُ كَالْمُسْتَغرِقِ وَقَلْبُنَا فِي هَجْعَةٍ ... كَأَنّهُ لَمُ يَخْفُقِ وَقُدْسُنَا مَرْهُونَةٌ ... وَالْخُلْفُ فِي تَأَلّقِ *** تَفَوّقِي تَفَوّقِي ... تَفَوّقِي تَفَوّقِي تَفَوّقِي فَإنّنَا ... فِي قِمّةِ التّمَزّقِ يَقُودُنا لِحَتْفِنَا ... مُكَابرٌ لا يَتّقِي يَسُوسُنَا بِغِلْظَةٍ ... كَالْهَائِجِ الْمُمَخْرَقِ وَيَدّعِي حَصَاَفَةً ... لِفَهْمِهِ الْمُسْتَغْلَقِ لَمْ يَدْرِ أَنّ حَظّهُ ... عِنْدَ العَدُوِّ الأَزْرَقِ حَقَارَةٌ وَخِسّةٌ ... وَخُلْفُ كُلِّ مَوْثِقِ قَدْ حُطّ تَحْتَ ذُلِهَا ... كَالطّائِرِ الْمُطَوّقِ إذَا تَأَبّى مَرّةً ... أوْ ضَاقَ بِالتّسَلّقِ حَزّ الْحَديِدُ رَأسَهُ ... كَكُلِّ بَاغٍ أَحْمَق تَفَوّقِي تَفَوّقِي ... تَفَوّقِي تَفَوّقِي

стр. 2417

نص شعري فتاة الشرق وفتاة الغرب شعر: د. عبد الغني أحمد مزهر إلى العلم يا أختاه جوزي المعابرا ... وجذِّي بسيف الحزم فيه المعاذرا إلى المجد والعلياء في موكب الهدى ... جناحاك: تقوى الله والعلمُ للذّرى أيا نجمةً في الشأو سامت كواكباً ... ويا درةً في الصون فاقت جواهرا أشاعوا بأن الشرق جهل وبِنْتَهُ ... جهولٌ وفي أبنائها أجهل الورى حبيسة بيت الزوج لم تألف الفضا ... تؤدي له بالحبس ما كان أمهرا وقالوا فتاة الغرب بنت حضارة ... يشير لها التاريخ بدءاً وآخرا إذا ما تبدّت عطّرَ الجوّ ريحُها ... وألوى إليها كل شيء معطرا وقالوا.. وقالوا والدعايات جمّة ... وتخفي صدور القوم أدهى وأكبرا (ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً) لدوداً للنصحية مُظهرا ذرونا من التخليط واستنطقوا الدنا ... فما تعرف الأيام مَيْناً ولا مِرا وهل يستوي ماء السوابل آجناً ... وخيماً وماء القطر ينهلّ طاهرا وماضرّ ضوءَ الشمس أن قيل محرق ... ولا ضرّ ضوءَ البدر أن يجلب الكرى وما عاب زهرَ الروض نكران فوحه ... وما زال منكوس الطبائع منكرا وإن قلت هذا الدرب وهو نقيضه ... فما ذنب ذي اليمنى إذا كنت أعسرا ويحفظ حق البنت والأخت شرعة ... ويوفي حقوق الزوج والأم مؤثرا وهذي فتاة الشرق أم كريمة ... تعد شباب الجيل سيفاً ومنبرا وليس لها في الغرب حق وحرمة ... إذا لم تكن شيئاً يباع ويُشترى فتلك الملاجي والمبرّات بيتها ... تبيت كأشقى من يبيت وأحقرا فأَحْير من ضَبٍّ إذا ضل جحره ... وأجوع من ذئب إذا بات مقفرا رأيت بعيني لا أقول تخرصاً ... ولا أدّعي زوراً عليهم ولا افترا أموراً عظاماً تصدع الصخر حسرة ... ويدمى لها قلب العفيف تحسرا ففي كل صوب للطهارة مذبحاً ... وفي كل شبر للرذيلة متجرا تقول ذروني إنني اليوم حرّة ... أعيش كما أهوى وأهوى كما أرى أقول لذات الخال لله ناصحاً ... نصيحة من يخشى عليها الدوائرا أفيقي هداك الله يا أخت واحذري ... فذو الحزم يحيى ما أطاق محاذرا ولا تخدعي بالشائعات فربما ... أذلّوا بسيف الشائعات الحرائرا وإن وراء الشائعات صراحة ... ذئاباً جياعاً أو صقوراً كواسرا متى كان فعل الموبقات ثقافة ... ووعياً، وإيثار العفاف تحجرا؟ أتدعى حياةُ العهر فيهم تقدماً وتدعى حياةُ الطهر فينا تأخرا؟

стр. 2418

مرتكزات للفهم والعمل أهمية العلم الشرعي بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال الدعوة إلى الله وظيفة مصطفاة في الأساس لأشرف الخلق، وهم الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، الذين تولى الله حفظهم وتنشئتهم.. وحريّ بمن يقتدي بهم في الوظيفة أن يسعى إلى اقتفاء آثارهم، وتحري طريقتهم في التكوين والنشأة. والركيزة الأولى في تكوين الداعية إلى الله (تعالى) هي العلم، فهو الذي أمر الله به نبيه في أول آية أنزلت عليه، والأمر له ولسائر أمته معه، وعلى ضوء العلم يتم العمل والدعوة. وكما حرس الله بيضة الإسلام بالمجاهدين: حفظ شريعة الإيمان بالعلماء والمتعلمين، والجهاد لا يتم على وجهه الحق إلا بالعلم المفصل بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة، إذن: فالعلم ضرورة شرعية [١] ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن حاجتنا إليه لا تقل عن حاجتنا إلى المأكل والمشرب والملبس والدواء؛ إذ به قوام الدين والدنيا. ولقد كان من أعظم أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر: الجهل، وقلة العلماء العاملين، وسوء الخطط في مراحل الدراسة المختلفة في البلاد الإسلامية، وضعف الهمم والعزائم في الجد والتحصيل، والتخصصات الجزئية التي أضعفت العلوم الشرعية، والانهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، والنظر إلى التخصصات الشرعية نظرة دونية. أقسام العلم الشرعي من حيث الحكم ثلاثة: ١- فرض عين: وهو تعلم ما يتأدى به الواجب العيني. ٢- فرض كفاية: وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في أمور دينهم ودنياهم. ٣- مستحب: وهو التبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية. فضائل العلم وأهله [٢] : إن تذكرها يبعث الهمم، ويجدد العزائم، ويطرد الكسل، ويعين على الجد، وقد جاءت بها نصوص كثيرة جدّاً. فمن فضائل العلم: أنه أول ما خاطب الله به نبيه، فقال: [اقرأ] ، وما أمره بطلب الزيادة من شيء إلا منه [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] [طه: ١١٤] ، ولا غرو: فإنه يورث الإيمان، بل لا يكون الإيمان إلا به، وثمرته اليقين، وهو من علامات الإيمان ودلائل إرادة الله الخير بصاحبه، وهو أجل النعم، فإنه حياة القلب ونوره، والجهل من صفات أهل النار، والعلم ميراث الأنبياء، وهو خير من النوافل، فإنه من أعظم الجهاد، وأجلّ العبادات؛ قال: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله ... ) [٣] . وهو الحماية من الغفلة، وسبيل النجاة، وطريق الجنة، وهو شرف لصاحبه، ورفعة في الدارين، وهو سبيل الكمال، وطريق البركة، ودوام الأجر، وسبيل السعادة، وهو كشاف للحقائق، وإمام العمل، وطريق الهداية، ودواء الأمراض القلبية، وبه ينال صاحبه بركة دعاء النبي ﷺ ، ويستثنى من اللعنة، وتضع له الملائكة أجنحتها، ويُباهي به الله ملائكته. ومن فضائل أهله: أن الله استشهدهم على توحيده، فزكاهم وعدّلهم، ونفى التسوية بينهم وبين غيرهم، فإن الجاهل بمنزلة الأعمى، وأولو العلم هم أهل الذكر، الذين يظهر لهم الحق، وهو آيات بينات في صدورهم، فاستحقوا رفعة الدرجات في الدارين [يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] ... [المجادلة: ١١] ؛ فهم أهل الخشية، والمنتفعون بضرب الله الأمثال، وعدول الأمة. أما آثاره على الأمم فهي متمثلة في: الإيمان بالله (تعالى) ، ومعرفته حق المعرفة، واجتناب المنكرات، والقيام بحقوق كل ذي حق، والسعادة النفسية، وتحكيم شريعة الله. مقارنة بين العلم والمال: العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء. العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله. العلم يزداد بالبذل والعطاء، والمال تذهبه النفقات عدا الصدقة. العلم يرافق صاحبه حتى في قبره، والمال يفارقه بعد موته، إلا ما كان من صدقة جارية. المال يحصل للبر والفاجر، والمسلم والكافر، أما العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن. العالِم يحتاج إليه الملوك ومن دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة. المال يعبِّد صاحبه للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه. العالم قَدْرُه وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله. الغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة. آثار الجهل على الأمم: إن الأمة التي ترضى بالجهل، وتتقاعس عن العلم تدفع الثمن غالياً، والضريبة مضاعفة، ومن آثار الجهل التي شهدت بها السنن الكونية، وسطرها التاريخ على مستوى الفرد، أو المجتمع: انتشار البدع والضلالات في العقائد والعبادات والمعاملات، وضعف الإيمان، وقلة التقوى، وازدياد المعاصي، وضعف الهيبة أمام الأعداء، وتقييد الأمة بأغلال التخلف في جميع المجالات، وكثرة المشكلات الأسرية، والخمول والكسل، وضعف الهمم، والقصور عن إدراك المعالي.. وهي نتائج حتمية للجهل. وشتان بين هذه، وبين ما جعله الله جزاءً حسناً عاجلاً في الدنيا لمن يتعلمون العلم ويعملون به، الذين يحصِّلون الإيمان بالله (تعالى) ، ومعرفته حق المعرفة، فتقل فيهم المنكرات، ويحصل القيام بحقوق كل ذي حق، وتُحكّم شريعة الله، وبذلك تُجتلب السعادة. الأسباب المعينة على طلب العلم (وسائل التعلم) : ١- تقوى الله: قال الله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ... ] [الأنفال: ٢٩] . ٢- كثرة الاستغفار والتوبة والدعاء، والانطراح بين يدي الله (تعالى) ، وسؤاله العلم النافع والعلم الصالح. ٣- ذكر الموت والآخرة، ليعين على شغل الوقت بالنافع. ٤- المحافظة على الأوقات، وحسن ترتيبها، والحرص على استغلالها، بحيث يُعطى كل ذي حق حقه، بدون غلو ولا جفاء، وهذا شرط لا يحصل العلم بدونه. ٥- ترك الفضول من الكلام والسماع والنظر والخلطة والمنام، والاقتصار على ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة من ذلك. ٦- الإكثار من قراءة ما ورد في العلم وفضل أهله، وحال السلف في طلبهم للعلم. ٧- مخالطة من هم أكثر علماً وفهماً؛ لئلا يقنع الطالب بما حصّل من علم، فيحرص على الاستزادة، وليتجنب العُجْب والغرور. ٨- سلوك الوسائل المباشرة للتعلم، مثل: ملازمة العلماء والمشايخ في المساجد والبيوت، والتلقي عنهم، والتعلم في المدارس، والمعاهد، والجامعات، والقراءة مع الزملاء والأصدقاء وطلاب العلم، وكثرة الاطلاع، والقراءات الخاصة المنتقاة المرتبة، وإعداد البحوث الدقيقة، والاستماع إلى الأشرطة النافعة. بعض صفات طالب العلم وآدابه: الإخلاص لله (تعالى) ، قال رسول الله: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عُرْف الجنة يوم القيامة) [٤] ، يعني ريحها. الصبر وتحمل المشاق وسعة الصدر، فإن العلم جهاد لا شهوة. التواضع والحذر من الكبر والغرور. التفرغ للعلم والإقبال عليه، بشرط التوازن وعدم الإخلال بالواجبات الأخرى توقير العلماء وإكرامهم والتأدب معهم، وحفظ مكانتهم، وتوقير مجالسهم، وحسن السؤال والإصغاء. البعد عن الجدال والمراء العقيم. حسن المظهر وجمال الهيئة. واجبات طالب العلم: إن المسؤولية عظيمة، والواجب كبير، ومما يجب على طالب العلم: الورع، والتقوى، والعمل بالعلم، والحرص على نشر العلم وتبليغه مع الحذر من الفتوى بغير علم، والدعوة إلى الله على بصيرة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقدوة الصالحة، والاستمرار في طلب العلم حتى الممات، والجرأة في الحق، والوعي الكامل الشامل بواقع الأمة، ومعرفة سبيل المجرمين. إن الانخراط في سلك العلم الشرعي يعني أن صاحبه وقف نفسه لله، ونذر وقته لخالقه، يتعلم ليعمل ويعلِّم ويدعو ويصلح، وإذا لم يقم طالب العلم بواجبه فمن سيقوم به؟ ! ، ويكفي أن نعلم أنه لو قام عدد كاف من طلاب العلم بواجبهم لما كانت الأمة بهذا المستوى، فإلى الله المشتكى. اقتضاء العلم العمل [٥] : وهو بيت القصيد، والذي يجب التركيز عليه والاهتمام به؛ وذلك لما نرى من كثرة المتعلمين، وقلة العاملين، ولما نشاهد من إعجاب كثير من طلاب العلم بألقابهم ونسيانهم لرسالتهم في أمتهم ومجتمعاتهم؛ حيث لم يدركوا خطورة إهمالهم لأمر الله (تعالى) ورسوله ﷺ ، وأيضاً: لما نلحظ من القصور الواضح في مناهج التعليم، وبخاصة الفصل الواضح بين العلم والعمل، والأمة إنما تحتاج في الحقيقة إلى العلماء المؤثرين العاملين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. إن العلم لا قيمة له بدون العمل، ولذا: تكاثرت النصوص في الكتاب والسنة وكذا أقوال السلف مؤكدة وجوب ربط العلم بالعمل، ومحذرة من الفصل بينهما: كم نقرأ في كل يوم قول الله (تعالى) : [غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ] ... [الفاتحة: ٧] ، قال العلماء: المغضوب عليهم: هم الذين لم يعملوا بعلمهم، ويدخل فيهم اليهود بهذا الوصف، والضالون: هم الذين يعملون على جهل وضلال، ومنهم النصارى، فهل فهمنا المقصود؟ ! وقال (تعالى) : [أََتَاًمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أََنفُسَكُمْ وَأََنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أََفَلا تَعْقِلُونَ] [البقرة: ٤٤] ، وقال: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس) ... وذكر منها: (.. وماذا عمل فيما علم) [٦] ، وكان - ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع [٧] . وقال أبو هريرة: (مثل علم لا يعمل به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله) ، وقال عمر: (لا يغرركم من قرأ القرآن، ولكن انظروا من يعمل به) ، وقال سهيل بن عبد الله: (الدنيا جهل وموات، إلا العلم، والعلم كله حجة، إلا العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص، والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به) . من آفات طالب العلم: وهي آفات مهلكة، أو مضيعة للعلم، أو مسببة لعدم الانتفاع به، ومنها: ١- المعاصي، وهي آفة الآفات؛ لأن العلم هو ما ورث الخشية، قال (تعالى) : [إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] [فاطر: ٢٨] ، والمعاصي تناقض الخشية. ٢- الكبر والغرور، وهو من أسرع الآفات إلى طلبة العلم، والمتعلمين. ٣- المراءاة والمخاصمة والجدل. ٤- كتم العلم، وهو يؤدي إلى نسيانه وذهابه، وكذا: عدم التورع في إطلاق الفتوى، والقول بلا علم. ٥- الانشغال بالدنيا، وكثرة الفضول. ٦- المداهنة في دين الله، والسكوت عن إظهار الحق، وعلى إنكار الباطل. ٧- النسيان، ويكون علاجه: بالمذاكرة، وبذل العلم، وترك أسباب ذهابه، كالمعاصي وغيرها. ملحوظات وتنبيهات: - ينبغي ألا يدفعنا الحديث عن العلم إلى الانقطاع له انقطاعاً يشل حركة بقية جوانب العمل الأخرى، بل لا بد من الشمول والتوازن؛ لأن التخلي عن الدعوة والعمل بحجة طلب العلم خطأ وانحراف، فالواجب: تزامن الأمرين؛ فإن الفصل بين العلم والعمل تفريط وشطط. فالأمة: كما أنها تحتاج العلماء، فإنها تحتاج الدعاة والمجاهدين، وتحتاج كذلك أن يكون هناك متخصصون في العلوم التجريبية بشتى فروعها، ولكن ينبغي ألا ينسى كل هؤلاء حظ أنفسهم من العلم الشرعي الواجب، والاستزادة قدر الإمكان من القدر المستحب. - أيضاً لا بد من الشمول والتوازن في طلب العلم، فيأخذ طالب العلم من كل علم بقدر، ولا مانع بعد ذلك أن يتخصص في علم من العلوم الشرعية بهذا الشرط، وهو أن يكون على صلة وثيقة ببقية التخصصات الأخرى. نسأل الله أن يوفقنا إلى العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2419

المسلمون والعالم حزب الرفاه.. ماذا حقق من خططه في الإصلاح؟ بقلم: مصطفى محمد الطحان تمهيد: نال حزب الرفاه الإسلامي أكثر الأصوات في الانتخابات الأخيرة وإن لم ينل الأغلبية، ومر استلامه السلطة بمخاض طويل، اتضح فيه للجميع مدى الخيبة والمصيبة التي حلت بالأحزاب العلمانية التركية، وتبين أيضاً مدى الحقد الذي يكنه أولئك العلمانيون ضد الإسلام، وفي آخر الأمر: استلم (الرفاه) رئاسة الوزراء لأول مرة في تاريخ تركيا المعاصر بعد انقلاب (أتاتورك) الماسوني، مؤكداً تطلع قطاعات كبيرة من الشعب التركي إلى عودة الإسلام من جديد، مما يضع سابقة لن يصبح بعدها الإسلاميون غرباء على الحياة السياسية بوصفهم اتجاهاً فاعلاً له شعبيته. وما زال العلمانيون يضعون الأحجار في طريق الرفاه، ومنها: ما كان منهم بعد إقامة (أربكان) (احتفالاً رمضانيّاً) ، فقد أثار حزب الشعب اليساري دعوى ضد (أربكان) لمحاكمته، بزعم خرقه الدستور العلماني، والمطالبة بسجنه، وفي هذه المقالة يقدم لنا الأستاذ مصطفى محمد الطحان بحكم متابعته للحدث هذه الدراسة الموثقة، ونحن قد لا نتفق بالضرورة معه في كل ما ذكره، إلا إنها متابعة تستحق القراءة والتأمل، وتستحق الشكر لكاتبها. - البيان - الحديث ما زال مبكراً عن إنجازات حزب الرفاه، حيث لم يكمل بعد سنته الأولى. كما أن الأمر لا يتعلق بحزب الرفاه وحده، فهو شريك حزب الطريق القويم، الأكثر تمثيلاً للاتجاه العلماني الحديث، الذي يضم في صفوفه صقور الجيش والأمن السابقين أمثال (دوغان غوريش) رئيس الأركان السابق، و (محمد أغار) .. وغيرهم، وهو الضمانة الأقوى للدفاع عن العلمانية والحداثة والتعالي القومي. بالإضافة إلى ذلك: فالساحة التركية شديدة التعقيد داخليّاً وخارجيّاً.. فقد قطّعت أسبابها مع محيطها منذ سنين عدة.. وتعلقت بأوروبا التي لم تقدرها كما ينبغي.. فغدت مثقلة بالمشكلات والتوترات، والتضخم الاقتصادي، والحرب الكردية التي تستنزف ثلث ميزانية البلاد، بالإضافة إلى ضرب وحدتها الوطنية. وفي هذه الظروف الصعبة يطالب المراقبون حزب الرفاه بكشف الإنجازات خلال هذه الفترة الوجيزة من حكمه! ! مقابلة مع الرئيس: في مقابلة مع رئيس الوزراء البروفيسور (نجم الدين أربكان) ، بعد أيام من تسلمه منصبه الجديد.. قال: لقد كنّا نعارض الخطط الاقتصادية الحكومية التي تعتمد على القروض والضرائب.. وكنّا نتصور أن دولة غنية مثل تركيا لا يمكن أن تكون منهارة اقتصاديّاً ما لم تكن هناك أيادٍ عابثة تنهب ثروات البلاد.. وعندما أصبحنا في الحكومة واطلعنا عن كثب على الأمور: وجدناها أسوأ بكثير مما كنا نظن، وجدناها فئة محدودة العدد من أرباب الشركات الكبرى (الهولدنغ) تسلطت على الدولة، كل ينهب بأقصى قدرته.. ورجالات الدولة مجرد شركاء لهؤلاء في التسلط والنهب. الديون الداخلية تقترضها الخزينة من هؤلاء.. فيتقاضون على ديونهم ... ١٤٠ % فائدة، أي: بمعدل ٣٧ % على حساب الدولار. البنك المركزي يقترض أموالاً لمدة يوم أو يومين بفائدة ٨٠%، يقترضها أيضاً من هؤلاء. هذه الأمور زادت التضخم ورفعت الأسعار، وأفقرت الشعب، وأفلست الدولة.. لحساب فئة محدودة متحكمة في السياسة والاقتصاد وفي الأمة كلها.. وضبط هذا التسيب يوفر على الدولة خمسة مليارات دولار في السنة على الأقل. رصيدنا من العملات الصعبة يبلغ حالياً (٢١) مليار دولار، منها (١٨) مليار دولار مودعة لدى الغرب بناء على تعليمات البنك الدولي، تتقاضى تركيا عليه ١.٢ %، بينما تدفع أكثر من ١٠% فائدة عن كل قرض تأخذه من هؤلاء.. أليس هذا أمر عجاب..؟ ! عندما نظرنا في الخزينة وجدنا للدولة (١٠٠) ألف حساب بنكي متناثر، يعبث به العابثون.. عندما جمعنا هذه الحسابات في حساب مركزي واحد وجدناه يعادل (١٥) مليار دولار. بالتدقيق السريع وجدنا أن كميات البنزين التي تُشتري لحساب سيارات الدولة وعددها (٣٠٠) ألف سيارة تزيد ثلاث مرات عن الحاجة الحقيقة.. وضبط ذلك يوفر على الدولة ٣٠٠ مليون دولار في السنة. وكم من المصالح الحكومية تهدر بهذه الطريقة ... ! ! أولاً: الانجازات الاقتصادية: لقد أثبتت التجربة المرّة أن النظام العلماني الذي قام في تركيا منذ أكثر من سبعين سنة.. لم يعد صالحاً للاستمرار.. لقد اختفت الطبقة المتوسطة، وأصبحت غالبية السكان الساحقة من الفقراء المحرومين من لقمة عيشهم ومسكنهم وطبابتهم وملبسهم ومدارسهم وجامعاتهم.. والأحزاب على اختلاف ميولها، ورجال الأحزاب على اختلاف أسمائهم، ما هم إلا شركاء في الجريمة، يتنافسون ويتشاكسون للحصول على مغانم أكبر.. كان هذا هو السبب الرئيس الذي اندفع من أجله الناس لتأييد حزب الرفاه.. وعليه: فقد بادر الحزب منذ الأيام الأولى إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية لانتشال هذا الشعب بالقدر المستطاع من وهدة الفقر الذي هو قرين الجريمة والكفر، ومن هذه الإجراءات: رفع أجور موظفي الدولة والمتقاعدين: فقد أصدرت الحكومة قراراً برفع أجور موظفي الدولة والمتقاعدين بنسبة ٥٠%، واستفاد من هذا القانون حوالي ... (٧.٥) مليون موظف ومتقاعد، كما تم رفع رواتب الجيش والبوليس بنسبة أعلى من هذه النسبة، أي: إن نصف الشعب التركي قد تحسنت أحوالهم المعيشية على الفور. وفي الوقت نفسه: تمّ رفع الحد الأدنى للأجور إلى (١٧) مليون ليرة تركية شهريّاً، أي: ما يعادل أكثر من ٢٠٠ دولار.. بعض العمال كانوا يتقاضون أقل من خمسين دولاراً شهريّاً.. فهل بالإمكان أن نتصور كيف كان يعيش هؤلاء في بلاد أصبح كل شيء فيها مكلفاً ... ؟ خطة الرفاه الاقتصادية: أعلن حزب الرفاه خطته الاقتصادية، وتشمل النقاط التالية: -تشجيع استقدام مدخرات العاملين في الخارج. -تسريع عملية التخصيص. -بيع الأراضي والمؤسسات والأبنية التابعة للدولة، التي يستغلها أصحاب النفوذ. -جمع حسابات الدولة في حساب واحد. -تسريع جمع الضرائب.. وخفض قيمتها لمن يدفع أسرع. -استقطاع نسبة ٦% من قيمة الواردات لتشجيع الصادرات. -تحصيل رسوم استخراج المعادن. -الأبنية التي بنيت بدون رخصة رسمية.. ترخص وتباع. وهذه الخطة توفر على الدولة عشرة مليارات دولار. وعلى الرغم من أن الصحف نالت من هذه الخطة ووصفتها بـ (الخيالية) .. إلا إنها الأولى منذ خمسين سنة التي لم تبنَ على مزيد من الضرائب، أو مزيد من القروض، أو مزيد من طبع الأوراق المالية. لقد أعلن (أربكان) في مؤتمر صحفي أن (صندوق الفقراء) الذي كان يُسرق أو يحول إلى مصروفات أخرى.. قد أعيد تشكيله.. ولن يبقى في تركيا محتاج واحد.. وأعطى أرقام تلفونات ليتصل عليها كل محتاج ليأخذ حاجته، وختم كلامه فقال: إن هذه الطبقة التي يتبرأ منها الجميع، نحن أصحابها. ثانياً: الإنجازات الأمنية: إعادة الأكراد إلى قراهم، هذه القضية من أخطر القضايا التي تعاني منها تركيا، وإذا كانت الأحزاب تعلن في شعاراتها حلولاً للقضية الكردية، إلا أنها ظلت مجرد شعارات للاستهلاك، بينما أوكلت هذه الأحزاب القضية للجيش، والجيش لا يعرف غير القتال، وهكذا قتل أكثر من (٣٠) ألفاً من أبناء تركيا (أتراكاً وأكراداً) واستنزف ثلث الميزانية، وهجرت (٢٤٠٠) قرية من (٢٠) محافظة في شرق تركيا وجنوب شرقها، ونزح أكثر من (٢٧٥) ألف كردي من أراضيهم بعد تهديم بيوتهم والقضاء على ثرواتهم الحيوانية، أما حزب الرفاه فإنه يؤمن بالقضية إيماناً حقيقيّاً؛ فالأكراد يمنحونه أصواتهم منذ تأسيسه، والأخوة الإسلامية التي يطرحها الحزب حلاّ لهذه القضية هي الحل الأوحد الذي لا حل سواه. وهذه القضية لم تعد قضية محلية، فلحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل الجيش التركي منذ عام ١٩٨٤م، ويطالب بالانفصال عن تركيا.. لهذا الحزب علاقات مع كل الدول المعادية لتركيا مثل بلغاريا واليونان وسوريا والعراق، وربما إيران.. ولهذا: فحل القضية الكردية لا يكفي فيه الإعلان عن إعادة الأكراد إلى قراهم وتعويضهم.. بل لا بد من الوصول إلى حل حقيقي عن طريق التفاوض.. يحفظ لتركيا وحدتها ويعطي للأكراد هويتهم وحقوقهم، وكذلك لا بد من التصالح مع كل دول الجوار التي تغذي الأكراد وتدربهم وتسلحهم.. ولقد حاول حزب الرفاه القيام بكل ذلك، فلقد صرّح الكاتب الإسلامي (إسماعيل ناجار) لجريدة (صباح) التركية أن رئيس الوزراء كلفه بالاجتماع ببعض الشخصيات الكردية المؤيدة لحزب العمال الكردستاني لاستطلاع أيسر السبل لإيقاف هذا النزيف المستمر. كما إن النائب عن حزب الرفاه (فتح الله أرباش) صرّح بأنه يقوم بمحاولات مشابهة، وأن الحكومة تؤيد وجود إذاعة ومحطة تلفزيونية باللغة الكردية، وصرح نائب رئيس حزب الطريق القويم (محمد جولهان) أن الحزب يؤيد مثل هذا التوجه بشرط أن يُلقي المحاربون أسلحتهم. أما تهيئة الأجواء الخارجية لحل هذه القضية: فالحزب جاد في ذلك.. فلقد بعث وزراءه إلى دمشق وبغداد، وزار (أربكان) إيران.. وجزء رئيس من أهداف هذه الزيارات هو نزع فتيل القضية الكردية، وقد تعهد الرئيس (رفسنجاني) بتعزيز الأمن على الحدود بين البلدين.. الأمر الذي سينعكس إيجاباً على القضية الكردية وعلى علاقات الجيش التركي مع الحكومة الحالية. التمديد لقوة المطرقة لمدة ٥ سنوات: وحزب الرفاه يطالب بانسحاب القوات الغربية التي ترابط في تركيا منذ حرب الخليج بحجة مراقبة شمال العراق وتأمين الحماية لأكراد العراق. ولقد أعلن (أربكان) في البرلمان، يوم التجديد لهذه القوات، وسط مزايدات أحزاب المعارضة، فقال: لقد مددتم لهذه القوات مدة خمس سنوات.. فهل تريدون أن نسحبها في اليوم الأول لوجودنا في السلطة؟ إن هذا بعيد عن الإنصاف! ! ومع ذلك: فلم يوافق الرفاه على التمديد هذه المرة إلا بعد الموافقة على الشروط التالية: صيانة الحدود العراقية، عدم قيام دولة كردية في شمال العراق، توحيد الجهود ضد الإرهاب، تيسير المحادثات بين قادة أكراد شمال العراق وحكومة بغداد، إغلاق معسكر (أرتوش) ، الإسراع في تسليم الأسلحة الأمريكية التي دفعت تركيا ثمنها ولم تتسلمها، زيادة عدد القوات التركية في مركز (زاخو) ، تأمين حرية التجارة بين تركيا والعراق وفتح خط النفط المغلق، تعويض تركيا عن الأضرار التي لحقت بسبب الحصار، تقليل طلعات الطيران المنطلق من (زاخو) إلى النصف، والعمل على نقل مركز هذه القوات من (زاخو) إلى (سيلوب) في تركيا. لم يقبل حزب الرفاه التجديد لهذه القوات إلا بعد أن وقّعت الدول المتحالفة على هذه الشروط، وشروط أخرى وافق عليها البرلمان، وهي: إنهاء حالة الطوارئ في منطقة شرق تركيا بالتدريج، وإعادة الأكراد المهجرين إلى قراهم، وربط الموافقة على وجود قوات المطرقة بمجلس الوزراء في المستقبل. وحسب قول ديبلوماسي غربي: أثبت (أربكان) أنه مفاوض ماهر، وأنه يعرف قيمة ما يقدمه للغرب، وهو وجود عسكري ونفوذ سياسي في المنطقة، وهذا لا يمكن أن يكون بلا ثمن، فهل تعتبر هذه الموافقة الاضطرارية المكبلة بالشروط نوعاً من الإنجاز؟ ! أزمة السجون: بعد تسلم حزب الرفاه السلطة مباشرة، انفجرت أزمة كبيرة في سجون تركيا.. حيث أعلن السجناء اليساريون في مختلف السجون إضراباً عن الطعام، يطالبون بإغلاق سجن إسكي شهير، الذي يسمونه (التابوت) ، ونقلهم إلى سجون أخرى، وتحسين ظروف اعتقالهم، وكانت فرصة لانقضاض الصحافة على حزب الرفاه وعلى وزير العدل (شوكت كازان) ، وتساءل معلق صحفي مشهور هو (محمد ألتان) ، لماذا يحدث هذا؟ ! ، إننا نرى إرهاب الدولة كل ليلة عبر شاشات التلفزيون، نرى الشرطة تركل وتضرب، وتجر شعور بنات شابات، وإذا كانوا يفعلون هذا أمام أعيننا فماذا يفعلون سرّاً..؟ . وتمكن (كازان) بالتعاون مع عدد من الوسطاء من حلّ القضية والاتفاق مع السجناء على إنهاء الاضراب، ونقل المضربين إلى المستشفيات، وتحسين ظروف المعتقلين، وتحسين أوضاع السجون، وكان بإمكان حزب الرفاه التنصل من هذه القضية؛ فقد ورثها عن سابقيه، إلا إنها تكشف مدى الانهيار الأخلاقي في تعامل السلطة مع السجين، وليس الأمر في تركيا وحدها. ثالثاً: الإنجازات الخارجية: لا نعرف بالضبط إذا كانت القوى الحليفة التي شكلت الحكومة مع (أربكان) قد أدركت مغزى تصريحاته، فمنذ اللحظة الأولى أصر (أربكان) على صداقة الغرب والتعاون معه، مع الاهتمام بعلاقات تركيا مع دول الجوار والدول الإسلامية، فالاتحاد الإسلامي إحدى الركائز الخمس التي يقوم عليها برنامج حزب الرفاه، وسواء أأدرك هؤلاء أم لم يدركوا، فقد كان لجولة رئيس الوزراء إلى إيران وباكستان وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا أكثر من مغزى وأكثر من تفسير، وإن كانت زيارته لإيران أثارت العديد من التفسيرات. لقد وقّع (نجم الدين أربكان) مع إيران عقداً تزود بموجبه إيران تركيا بالكهرباء والنفط والغاز لمدة عشرين سنة، قيمة العقد (٢٣) مليار دولار. ولقد استقبلت الإدارة الأمريكية هذا الخبر بكثير من الاستياء، وصدر عن المسؤولين الأمريكان العديد من التعليقات التي تحمل التهديد في طياتها، ولقد ردّ (أربكان) على ذلك بطريقة غير مباشرة، وقال: (إن حقبة جديدة بدأت بين البلدين الجارين المسلمين، وإن هذا الأمر لا يعني السياسة الأمريكية ولا أهدافها) . إن (أربكان) لا ينظر لهذه العلاقات بالمنظار الاقتصادي البحت، وإن كان ذلك مهمّاً للغاية بالنسبة له، ولكنه يرى في ذلك قوة سياسية واستقراراً أمنيّاً يفيد الجميع، فإذا كانت إيران تشجع حزب العمال الكردستاني نكاية بالسياسة التركية السابقة تجاهها، فهي معنية اليوم بالاستقرار من أجل مصالحها. وينظر (أربكان) لهذه المسألة من زاوية أخرى: فهو يرى أن (كلينتون) عندما يعاقب الذين يتعاملون مع إيران، وليبيا، والعراق، وغيرها.. فهو إنما يفعل ذلك استكباراً لا حق له فيه، واستهتاراً بمصالح الشعوب الأخرى، فهل على الشعوب بالتالي أن تستسلم لهذه الهيمنة أم تدافع عن حقوقها؟ ، ثم: هل يحق لتركيا أن تضحي بعشرين مليار دولار قيمة خسارتها عندما تقطع علاقاتها التجارية مع جيرانها، من أجل مصالح الغرب في المنطقة واستيعابها حسب مصالحه..؟ وإذا كان الاتحاد الأوروبي الذي هو شريك أمريكا في (البلطجة السياسية) استنكر قانون (كلينتون) ، أفلا يحق لنا أن ندافع عن مصالحنا مثلهم؟ . إن تحسين العلاقات بين تركيا وإيران ضرورة أمنية واقتصادية واستراتيجية، والتنسيق بينهما في آسيا الوسطى يحقق للبلدين كثيراً من الفوائد. زيارة أربكان لبعض الدول الإسلامية: قام (أربكان) بزيارات شملت إيران وباكستان وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، وللزيارة أسبابها الخارجية، فقد أراد أن يقول لهذه الدول وللعالم المقولة نفسها التي ذكرها للصحفيين بعد عودته: أردنا أن يعرف العالم أن تركيا التي أعرضت عن الدول الإسلامية ردحاً من الزمن عادت إليهم لتتعاون وتتكامل معهم سياسيّاً واقتصاديّاً. وللزيارة كذلك جانب اقتصادي واستراتيجي، فمن أهم مشكلات تركيا: العجز في ميزان تجارتها الخارجية، وهذه الزيارات ستزيد من حجم صادرات تركيا لهذه الدول، خاصة وأن دول آسيا لها موقع مهم في الاقتصاد العالمي؛ فهي تنتج حالياً ٢٠.٨ % من الإنتاج العالمي، وسيزيد هذا الرقم في سنة ٢٠١٩ م إلى ٥٠.٧ %، بينما سيتناقص إنتاج أوروبا وأمريكا واليابان إلى ٣٩.١ %، مما يؤكد أهمية العلاقات مع هذه الدول الصاعدة. وفي إيران: اتفق على ترتيب أمن الحدود المشتركة، وتطوير التعاون التجاري والمواصلات، وإزالة العقبات التي تحول دون تطوير الصادرات، بحيث يرتفع حجمها إلى (٢.٥) مليار دولار في السنة، بدلاً من (٢٠٠) مليون دولار حالياً. وفي باكستان: اتفق على تنفيذ بعض المشاريع المشتركة في الصناعات العسكرية، وأن تتعاون الدول الأربع على إنتاج طائرات للنقل الجوي وطائرات مروحية، وبعض الصناعات الإلكترونية، وصناعة الغواصات، وتطوير محركات توماسان، وتشجيع ذلك عن طريق خفض الجمارك، واستخدام البنك الإسلامي الآسيوي للتنمية في تمويل هذه الصفقات. وفي سنغافورة: اتفق على تدريب الطياريين السنغافوريين على طائرات إف ١٦، وتشجيع الاستثمار في تركيا، وخاصة في المنطقة الحرة الواقعة على البحر الأبيض والبحر الأسود. وفي ماليزيا: اتفق على مشاريع في ميدان الصناعات العسكرية، كالغواصات والدبابات والطائرات، وزيادة استثمارات ماليزيا في صناعة السيارات والمنتجات التكنولوجية والإلكترونية، وتطوير السياحة، ورفع مستوى الصادرات من (٤٠٠) مليون دولار إلى (١.٥) مليار في السنة، واستقدام أعداد كبيرة من العمالة التركية. وفي إندونيسيا: اتفق على زيادة التعاون في ميدان صناعة الطائرات والغواصات والإلكترونيات والدبابات والسيارات. وهكذا حققت هذه الزيارة التي استمرت عشرة أيام زيادة في حجم التجارة الخارجية بمقدار تسعة مليارات دولار، الأمر الذي سيسد العجز في تجارة تركيا الخارجية. وأخيراً: فالإعلام الداخلي فقد توازنه أمام حيوية رئيس الوزراء (نجم الدين أربكان) ، وانسجام حزبي السلطة، والتناغم بين الحكومة والجيش، والتعلق الشعبي بالرفاه.. والإعلام الخارجي ينقل أكاذيب الإعلام الداخلي، لكن الحقيقة لن تغيب عن المتابعين والموضوعيين.

стр. 2420

المسلمون والعالم الاعتداء على السودان.. خلفية تاريخية بقلم: د. جلال الدين محمد صالح في تطور مفاجئ ومريب وجد السودان نفسه أمام هجوم عسكري مباغت يقوده المتمرد الجنوبي (جون قرنق) وحلفاؤه الشماليون من الجبهة الشرقية، وتدعمه كل من إثيوبيا وإريتريا التي أكّد رئيسها (إسياس أفورقي) في أكثر من تصريح له دعم حكومته لكل عمل عسكري يسعى إلى إسقاط نظام الحكم في الخرطوم، بل وأتبع ذلك خطوات عملية تمثلت في توحيد المعارضة السودانية تحت قيادة (جون قرنق) في (أسمرا) ، وإتاحة مجال التدريب العسكري لمجنديها، وتزويدها بكافة التسهيلات الإعلامية والتحركات السياسية اللازمة، هذا غير ما يقوم به هو شخصيّاً في المحافل الرسمية من اتهام السودان بتصدير الإرهاب، وإيواء المتطرفين، فماذا وراء هذه التحالفات المشبوهة التي يرعاها (إسياس أفورقي) ويتقدم مسيرتها؟ . للإجابة على هذا: لا بد من العودة إلى الوراء واستقراء التاريخ؛ حتى تتضح الرؤية، وتكتمل الحلقة، وإلا فمن الصعب تحليل أحداث اليوم بمعزل عن وقائع الأمس، ذلك أن أحداثاً كهذه لا يمكن أن تكون وليدة الساعة وليس لها جذور تاريخية، ولا ارتباطات خارجية. أمور لا بد من إدراكها: وما يحدث حالياً في القرن الإفريقي بعامة، وفي السودان بخاصة لن يتم تحليله بشكل صحيح في نظري على الأقل إلا في إطار هذه الرؤية الشمولية، ومن هنا: فإذا أردنا أن نعرف حقيقة الأحداث الماثلة أمامنا في هذه المنطقة الحيوية من العالم لزمنا إدراك ما يلي: أولاً: أهمية موقعها الاستراتيجي. ثانياً: دورها الإقليمي والدولي في الصراعات العقدية، والاقتصادية. ثالثاً: الصبغة الحضارية المتفاعلة فيها. ولبيان ذلك: أرى ضرورة عرض شيء مما شهدته المنطقة قديماً ولو بشكل مقتضب من صراعات ضد النفوذ، وفرض الهيمنة، فإن ذلك يعيننا على ربط الأحداث بعضها ببعض، وفهمها على نحو متكامل. تعود أهمية هذه المنطقة إلى أهمية وجود البحر الأحمر، حيث ميناء (مصوع) و (عصب) في إريتريا، و (بربرة) في الصومال، و (بورتسودان) ، ... و (سواكن) في السودان، ثم ميناء (جيبوتي) ، وكلها موانئ إسلامية مربوطة ومتصلة بميناء (جدّة) ، والسواحل اليمنية، الأمر الذي يَسّر ولوج الحضارة الإسلامية إليها منذ وقت مبكر، وربط أهلها بمنابع الثقافة الإسلامية عبر التواصل مع منائرها العلمية: (الحرمين الشريفين) في بلاد الحجاز، و (زبيد) في اليمن، و (الأزهر) في مصر، حتى كان من ثمار ذلك: بروز علماء أفاضل يحملون قسطاً من هَمِّ الرسالة الإسلامية، ك (جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي) ، صاحب كتاب (نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية) ، و (عبد الرحمن الجبرتي) صاحب التاريخ المشهور بـ (تاريخ الجبرتي) ، والإمام المجاهد (أحمد قران ١٥٠٦ - ١٥٤٣ م) الذي أرخ لفتوحاته (شهاب الدين أحمد الجيزاني) في كتاب له سماه (فتوح الحبشة) . ولقد مات الإمام المذكور مقتولاً برصاص البرتغاليين الذين استنصر بهم الملك الحبشي آنذاك في صراعه مع المسلمين، ومنذ ذلك الحين ارتبطت سياسات الحبشة بسياسات الأوروبيين وأطماعهم، ففي عام ١٥١٠م كتبت (هيلينا) التي تولت حكم الحبشة (من عام ١٥٠٨ ١٥٤٠م) إلى (عمانويل) ملك البرتغال تقول: (السلام على عمانويل سيد البحار، وقاهر المسلمين القساة الكفرة، تحياتي إليكم، ودعوتي لكم، وصلتنا رسالة من قائد أسطولكم في بحر الهند؛ ليدافع عن عقيدة المسيح، ونحن على استعداد لمنازلة أولئك الكفار بإرسال أكبر عدد من جنودنا في البحر الأحمر، أو إلى مكة وجدّة، لنقضي قضاءً تامّاً على جرثومة الكفار) (١) . وفي عام ١٥٢٠م أبرم حكام الحبشة وثيقة عهد وتحالف مع الدول الأوروبية، ترجمت إلى جميع اللغات الأوروبية، ونصت على توزيع مناطق النفوذ على النحو التالي: (يحتفظ ملك فرنسا بقوة عسكرية في (سواكن) ، ويمتلك ملك أسبانيا (زيلع) ، ويتخذ ملك البرتغال من (مصوع) قاعدة لقواته، وأن تعمل هذه الجيوش ومعها قوات حبشية على غزو جزيرة العرب مهد الإسلام، وطرد الأتراك المسلمين من مصر وغيرها، وأن تمد الحبشة قوات حلفائها بما تحتاجه من رجال، وطعام، وأموال؛ حتى يتم تحقيق هذه الأهداف) (٢) . وكشف جاسوس فارسي يدعي (نور الدين علي تبريزي) قبض عليه المماليك في مصر أن: (نجاشي الحبشة أرسله إلى ملك الفرنجة يدعوه إلى الانضمام إليه لسحق الإسلام، ورفع لواء المسيحية بأن يغزو مصر من ناحية البحر، في الوقت الذي تغزوها فيه جيوش الحبشة من ناحية البر) (٣) . وكان من أهداف القادة البرتغاليين: (تحويل مياه النيل إلى البحر الأحمر لحرمان مصر من ري أراضيها، وتخريب شبكة الري التي كانت قائمة فيها) (٤) . ولما جاء (منليك الحبشي ١٨٦٥ ١٩١٣م) ساند بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا في جهودهم الرامية إلى الاستيلاء على السواحل الصومالية (٥) . وفي عهد الإمبرطور (هيلا سيلاسي) ازداد هذا التواصل صلابة حتى إن عضو الكونجرس الأمريكي (هنري س. ريوس) قال: (كان الجيران المسلمون هم الأعداء التقليديون للملكة الإثيوبية، ومنذ القرن الخامس والأباطرة الإثيوبيون يتمسكون بالمذهب النصراني القبطي، وكانوا في حروبهم الواحدة تلو الأخرى يدافعون عن الإمبراطورية ضد الغزاة المسلمين المحتلين، وقد كان معظم القتال يدور بالقرب من الساحل الشمالي فيما يسمى اليوم إريتريا) (٦) . حقائق على ضوء التاريخ: من خلال هذا العرض التاريخي يمكن أن نصل إلى تقرير ما يلي: أولاً: أن هذه المنطقة هدف مقصود من الغرب لتقويض الوجود الإسلامي ومحاصرة نفوذه، وأن صراعهم مع المسلمين فيها قديم، قدم اكتشاف أهميتها عندهم. ثانياً: أن الهيمنة عليها من الطرف المعادي يشكل تهديداً أمنيّاً، واقتصاديّاً لمن حولها من الدول الإسلامية، ويعدّ أيسر الطرق إلى إخضاعها لسياسات معينة. ثالثاً: أن تحقيق ذلك لا يتم إلا من خلال ربط الحكام المتعاقبين على الحبشة بمشاريع الحضارة الغربية، ومن هنا: كان عزل الكنيسة الحبشية بإيعاز من بريطانيا الملك (ليج إياسو ١٩١٣ ١٩١٧م) الذي أعلن إسلامه (٧) ، وتنصيب (زوديتو (ابنة (منليك) مكانه، وهي التي ورث عنها العرش الإمبراطور (هيلا سيلاسي) الذي استمر حتى عام ١٩٧٤م، وهو العام الذي تحولت فيه إثيوبيا إلى نظام ماركسي متحالف مع الكتلة الاشتراكية تحت زعامة ما كان يعرف بـ (الاتحاد السوفياتي) سابقاً، ثم لم تلبث أن عادت إلى سيرتها الأولى بعد انتصار ثورة (التجراي) بقيادة (ميلس زيناوي) ، و (إسياس أفورقي) على نظام (منجستو هيلا ماريام) بتأييد من الغرب الرأسمالي. فمن هو (ميلس زيناوي) ، ومن هو (إسياس أفورقي) ، وما العلاقة بينهما؟ . (ميلس زيناوي) : هو زعيم الجبهة الشعبية لتحرير (التجراي) ، ينحدر من قبيلة (التجراي) المجاورة لإريتريا شمالاً، التي منها الملك (يوحنا الرابع) (٨) ١٨٧٢ ١٨٨٩م، قتيل الحركة المهدية [*] في معركة (المتى) على الحدود السودانية الإثيوبية، ترأّس (ميلس زيناوي) التحالف الذي أسقط (منجستو هيلا ماريام) وخلفه في حكم الحبشة. إمّا (إسياس أفورقي) : فهو حاكم إريتريا الحالي، التحق بالثورة الإريترية في الستينيات بعد أن قطع دراسته الجامعية في (أديس أبابا) ، وابتعثته الثورة الإريترية إلى (بكّين) ليعود بعد ذلك ويساهم في تأسيس حزب ماركسي (٩) يمتطيه إلى غاياته، كتب وثيقته (نحن وأهدافنا) منذ فجر التحاقه بالثورة، أبرز فيها نزعته الشعوبية المعادية (للعرب) و (الإسلام) ، وقد تمكّن من أن ينفرد بقيادة (الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا) ويوجهها نحو أهدافه. والعلاقة بينه وبين حليفه (ميلس زيناوي) تتمثل فيما يلي: أولاً: أنهما يشتركان في اللغة، والعادات، والدين، والانتماء القومي، ويتجاوران في الموقع الجغرافي. ثانياً: يجمع بينهما حلف سياسي مدعوم من الغرب وإسرائيل، وضعا نواته الأولى وهما في الأدغال، ويقوم على توطيد حكم الأقلية (التجرانية) في إثيوبيا، وإريتريا. ثالثاً: يرتبطان بإسرائيل تمام الارتباط، وينسقان معها في رسم سياساتهما، التي محورها معاداة الوجود (العربي) و (الإسلامي) في المنطقة. كان من آثار تحالفهما: الانقضاض المبكر على جبهة تحرير إريتريا (١٠) عام ١٩٨١م وإجلاؤها إلى السودان؛ باعتبارها تمثل الوجه العربي، وتنتمي إلى جذور إسلامية، والآن يعملان بعد وصولهما إلى السلطة بدعم من القوى الصليبية والصهيونية للحيلولة دون نهضة المشروع الإسلامي في المنطقة، سواء أكان في السودان أو غيره، ويحاولان إعادة تشكيل السودان على النحو الذي يتفق مع أهدافهما ومخططات حلفائهما، إدراكاً منهما لدور السودان، المتميز في نشر الثقافة الإسلامية ولغتها العربية في إفريقيا الشرقية، وحيث إن (جون قرنق) هو العدو التقليدي للوجود العربي والإسلامي في السودان؛ فإنه أنسب من يحمل هذا المشروع بحماس وإخلاص؛ ومن هنا: جرى تنصيبه قائداً عسكريّاً يقود الهجوم حالياً على السودان، وانتصاره يعني بالنسبة لهما تأمين خلفيتهما بالقضاء على مشروع حضاري منافس ومغاير لمشروعهما، ويحكم من قبضتهما على من تحتهما من الشعوب الإسلامية، ويجعل من الثلاثة غصة في حلقوم الدول الإسلامية المجاورة، ويكون لهم أيضاً وزنهم في ترتيب الوضع الأمني، والاقتصادي للمنطقة. أما الزعيمان الشماليان: (الصادق المهدي، ومحمد عثمان الميرغني) ، فإنهما على الرغم مما يعرفانه عن (جون قرنق) وحقده عليهما، وخروجه على نظامهما: فقد رضيا الانضواء تحت لوائه، ومعلوم أن تحالف (جون قرنق) معهما ينتهي بانتهاء غاياته، فهو تحالف مرحلي، والعجيب أن (إسياس أفورقي) حامي هذا التحالف وراعيه، الذي لجأ إليه الصادق المهدي وصف حكومة الأخير بعدم الأهلية للمساهمة في حل المسألة الإريترية عندما سئل عما يمكن أن يقوم به السودان في ظل حكومة (الصادق) إزاء حل القضية الإريترية، بل وبكل تحدٍّ ودون إشعار حكومة الصادق تجرأ (إسياس أفورقي) على عقد اجتماع مع الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) لمدة ساعة على متن طائرته في مطار الخرطوم حول تطورات القضية الإريترية عام ١٩٨٩م، وكان هذا اللقاء أول خطوة في الطريق إلى (أتلانتا) التي شهدت تحت رعاية (جيمي كارتر) اجتماع وفد القيادة الإثيوبية والإريترية، هذا اللقاء الذي تمخض عنه إدانة (منجستو) وتحميله فشل كل المساعي السلمية، وإضفاء وسام (الوطنية) (١١) على جبهة (إسياس أفورقي) الذي توج أخيراً حاكماً على إريتريا بعد لقاء لندن الذي ضمه مع (ميلس زيناوي) و (هيرمان كوهين) رئيس دائرة القرن الإفريقي وقتها في وزارة الخارجية الأمريكية، وتعاقد فيه الثلاثة على المضي قدماً ضمن استراتيجية التحالف التي كان منها استيلاء القوات الإريترية على جزيرة (حنيش الكبرى) ، وتهديد أمن اليمن بأسلوب، قد يكون من بين أهدافه وضع فخ قصد به اصطياد اليمن بإقحامه في حرب منهكة ومهلكة، فضلاً عن الهيمنة على الجزيرة. الخطر يهدد مصر أيضاً: وليست (مصر) أيضاً بمنجاة عن أهداف هذا التحالف، بل هي في أولويات أهدافه، ولكن من خلال بعثرة أمن السودان وإسقاطه في وحل الصراعات العسكرية، حتى يؤول على الأقل إلى ما آل إليه الصومال، وهذا في حد ذاته مكسب للأهداف الصهيونية، وإضعاف لمصر من خلال تطويقها باضطرابات أمنية، أو أنظمة حكم مناقضة لهمومها الثقافية والسياسية، والاقتصادية، ووقتها ستجد (مصر) نفسها مهددة في ثروتها المائية النابعة من النيل، والتي بدأت إسرائيل من الآن بالتعاون مع إثيوبيا في بناء سدود حولها من أجل تصريفها إلى منافع مشتركة بينهما، وقد أبدت مصر فعلاً قلقها وقدمت احتجاجها، واستفسارها عن هذا النشاط. بل إن تحييد (الصومال) بإغراقه في مشكلاته لا يبعد عن أهداف هذا التحالف، إذ نرى النظام الإثيوبي يستبيح بيضته، وينتهك حرمته لضرب ما أسماه بالعناصر الإرهابية المتطرفة، ونرى (إسياس أفورقي) يؤيد هذا الانتهاك ويباركه، وفوق ذلك: يرتب لقاءً بين السفير الإسرائيلي بأسمرا (أريل كريم) ونائب رئيس ووزير خارجية ما عرف (بجمهورية أرض الصومال) ، وقد نصح السفير الوفد بتحرير خطاب إلى (إسحاق رابين) رئيس الوزراء في حينه، وقد حرر الخطاب فعلاً إلى (رابين) في ٣ يوليو ١٩٩٥م، موقعاً من (محمد إبراهيم عجال) الرئيس المنصّب لهذه الدولة المزعومة، وتَضَمّن تخويف (إسرائيل) من خطر (التأثير الإسلامي الذي يهدد المنطقة بأكملها) على حد تعبيره، وتعهد بأن يجعل من جمهورية أرض الصومال (حصناً ضد انتشار الأصولية الإسلامية) .. كل ذلك بعد أن بين أن هذا الخطاب حرر بناءً على نصيحة السفير (أريل كريم) سفير إسرائيل لدى إريتريا (١٢) . هذه هي خلفيات الهجمة العسكرية على السودان، فهل سنبكيه كما بكينا الأندلس من قبل؟ ، وهل نحن أيقاظ أم نيام؟

стр. 2421

المسلمون والعالم جماعة الأحباش.. حقيقتهم واتجاهاتهم (٢ من ٢) بقلم: عبد الرحمن بن عبد الله الحجاج تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن نشأة جماعة الأحباش مفصلاً القول عن مؤسسها، الذي وفد من الحبشة إلى دمشق ثم بيروت، وأردف بالحديث عن الانحرافات العقدية عند تلك الجماعة المباينة لأهل السنة، وذلك في مسائل ثلاث مهمة: عقيدتهم في صفات الله، وتوحيده، وعقيدتهم في رسول الله وسنته، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة عرض بقية الموضوع. - البيان - ٤- أصحاب رسول الله ﷺ والسلف الصالح والأئمة والعلماء: عقيدة الأحباش في أصحاب رسول الله ﷺ فيها شبه كبير من عقيدة الرافضة، فهم يقولون بلا خجل ما يقتضي الطعن في أم المؤمنين عائشة ﵂ [١] ، ويفسقون صاحب رسول الله ﷺ وكاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان ﵁ [٢] ، بل إنهم يقولون عن ... كل من اشترك من الصحابة ضد علي ﵁ : إنه من الدعاة إلى ... النار [٣] [*] ، بل قد بلغت جرأة شيخهم وكأنه دخل في قلب معاوية ﵁ فعرف ما لا يمكن أن يعرفه إلا الله (جل وعلا) أن يقول: (ثم ليُعلم أن معاوية كان قصده من هذا القتال: الدنيا، فلقد كان به الطمع في الملك وفرط الغرام في الرئاسة) [٤] . وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحُد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) [٥] ، وقال الله (تعالى) : [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] ... [الحشر: ١٠] . وقد شابه الأحباش الخوارج في مسائل التكفير، فقد كفّروا كثيراً من علماء المسلمين وأئمتهم ودعاتهم، فهم يطعنون في الإمام الذهبي، ويكفرون ابن خزيمة، ويسمون كتابه (التوحيد) كتاب الشرك، كما يُكفرون ابن القيم وابن كثير (رحمهما الله) ، أما شيخ الإسلام ابن تيمية وإمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب فتكفيرهما على لسان كل حبشي صباح مساء، ولم يسلم أعلام الأمة المعاصرون من تكفير الأحباش، وفي مقدمتهم: المشايخ: الألباني وابن باز وابن عثيمين وسيد سابق.. وغيرهم من العلماء والدعاة والمفكرين. والأحباش يفترون على رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، وهم يستغلون جهل أتباعهم لتمرير تلك المفتريات، ومن أمثلة ذلك: قول شيخهم: (إن مذهب الأشاعرة والماتريدية هو مذهب رسول الله والصحابة والسلف الصالح) [٦] ، أما افتراؤهم على الأئمة والعلماء فحدث ولا حرج، وخاصة على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي افترى عليه شيخهم، حيث ادعى أنه قال: (إن من خالف في مسألة الطلاق فهو كافر) [٧] ، ولكن ابن تيمية يقول: (إن من خالف في مسألة الطلاق فهو مجتهد معذور مأجور عند الله) [٨] .. وأمثال هذه الأكاذيب كثيرة جدّاً في كتب شيخهم، سواء على شيخ الإسلام أو غيره من علماء أهل السنة والجماعة. رابعاً: فتاواهم العجيبة: لم يكتف الأحباش بالفساد في العقيدة، بل تعدوا ذلك إلى الفساد في السلوك. وللأحباش فقه عجيب يدعو إلى التبرج والفجور والمجون. فهم يقللون من شأن المعاصي، مثل لمس المرأة الأجنبية، بل ومفاخذتها! فيجيزونه بحجة أن ذلك من الصغائر [٩] ، وذلك لترويج مذهبهم بين الشباب المراهق المنحل وأصحاب النفوس المريضة، ويفتي الأحباش بجواز الاختلاط بين الرجال والنساء [١٠] ، بل يجيزون للمرأة أن تخرج من بيتها متعطرة متزينة، إذا لم تُرِدْ فتنة الرجال [١١] ! ! ويستدل شيخهم على ذلك بحديث: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) [١٢] ، حيث قال شيخهم: (فقوله: (ليجدوا ريحها) بيان منه أنه لا يحرم على المرأة خروجها متطيبة إلا إذا كان قصدها ذلك) [١٣] ، ولو كان عند هذا الرجل مثقال ذرة من فقه لَعَلِم أن اللام في الحديث ليست للتعليل، بل للصيرورة والعاقبة، كما في قوله (تعالى) : ... [فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُواً وَحَزَناً] [القصص: ٨] ، أي: ليكون عاقبة أمره أو ليصير لهم عدوّاً وحزناً، فهم لم يلتقطوه من أجل أن يكون لهم عدوّاً وحزناً، فهذا لا يقول به عاقل، بل التقطوه ليكون قرة عين لامرأة فرعون، فمعنى الحديث: أن أي امرأة استعطرت ثم خرجت ستكون نتيجة ذلك أن يجد الناس ريحها، وهذا التأويل الذي قاله الحبشي إذا لم يدل على الجهل المطبق، فإنه يدل على تعمد إفساد نساء المسلمين؛ وذلك لأن الأحاديث الواردة في الترهيب من خروج المرأة كثيرة معلومة، كقوله: (أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل) [١٤] ، وقوله: (أيما امرأة أصابت بخوراً، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) [١٥] . ونساء الأحباش في ظل هذا الفقه الأعوج يلبسن الثياب الشفافة الضيقة التي يرى باطن الجسم من ظاهرها، بزعم أن الواجب هو ستر البشرة، كما أفتى لهم مشايخهم [١٦] ، وعندما سئل أحد شيوخهم: إن كثيراً من نساء الأحباش يمشين بين الرجال الأجانب بالبنطلون الضيق جدّاً (الّجينز) ! ، قال: (إننا نجمع بين الموضة والسترة) [١٧] . هذا ما يقوله الأحباش، أما محمد ﷺ فيقول: (صنفان من أهل النار لم أرهما) ، وذكر: (نساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) [١٨] . ولعلنا نختم هذه الإلماحة بفتوى إباحية عجيبة لشيخهم، حيث يقول: (إن مجامعة الخنثى في نهار رمضان لا تفطر، إذا جومع في آلته الزائدة) [١٩] ! ! ! و (إنا لله وإنا إليه راجعون) . خامساً: الفقه الشاذ عند الأحباش: للأحباش فقه شاذ لم يسبقهم إليه أحد، ونذكر هنا أمثلة على هذا الشذوذ الفقهي: ١-إسقاط الزكاة في العملة الورقية، وإيجابها في الذهب والفضة فقط، حيث يقول شيخهم: (لا زكاة في الأثمان غير الذهب والفضة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يذكر زكاة غيرهما) [٢٠] . ٢- فتوى: أن الأم إذا لمست بول طفلها أثناء تنظيفه، فإن ذلك يعتبر كبيرة اقترفتها! ! [٢١] . ٣- اتباع الحيل لترك الواجبات، مثل أكل الثوم والبصل لترك صلاة الجماعة.. وغيرها من الحيل [٢٢] . ٤- التناقض العجيب في الفتوى، حيث تجوز عند الحبشي الصلاة متلبساً بالنجاسة، حتى لو كانت من بول الكلب أو غيرها من النجاسات [٢٣] ، ... وفي المقابل، وفي الكتاب نفسه يقول: (أما قشرة البرغوث أو القملة أو البقة ... أو نحوها فنجسة غير معفوٍّ عنها، فلو صلى بشيء من ذلك فصلاته باطلة، علم به ... أو لا! ! !) [٢٤] . ٥- تتبعهم لشذوذات المذاهب وسقطاتها، ومنها: إجازة الزنا بنساء أهل الكتاب (نكاية) في دينهم [٢٥] . إباحة أخذ الربا من الكفار؛ حيث يزعمون أنه يجوز أخذ مال الكفار في دار الحرب عن طريق الربا [٢٦] . سادساً: المؤسسات والأنشطة: للأحباش عدد كبير من المؤسسات والأنشطة، وذلك لبث أفكارهم وانحرافاتهم الخطيرة. ١- الجمعية: للأحباش جمعية خاصة بهم تسمى (جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية) ، تأسست عام ١٩٨٣م [٢٧] ، ومركزها: بيروت، ولها فروع في كافة المحافظات اللبنانية، وكذلك لها فروع في عدد من دول العالم، كالأردن، وأستراليا، والسويد ، وفرنسا، وأمريكا، وبريطانيا، وبلجيكا، وألمانيا، وروسيا، وتايوان.. وغيرها، ويبلغ عدد هذه الفروع ثلاثة وثلاثين فرعاً، وهي جمعية مشبوهة، هدفها المعلن: التعليم الديني، وبناء المساجد والمدارس، ومساعدة الفقراء والأيتام .. وغير ذلك من أعمال البر، بينما هي تروج للمبادئ المنحرفة لهذه الجماعة. ٢- المدارس: قام الأحباش ببناء مدارس خاصة بهم لجميع المراحل الدراسية، وهم يقيمون في هذه المدارس دورات صيفية دينية، بالإضافة إلى التعليم الشتوي، وذلك لكي ينشروا عقيدتهم بين أبناء المسلمين، ويوجد في هذه المدارس مئات الطلاب والطالبات في شتى المراحل، ومن أمثلة هذه المدارس: (مدارس الثقافة) في كلٍّ من بيروت، وطرابلس، وبعلبك. ٣- الإعلام: كان للأحباش إذاعة محلية خاصة بهم، تبث من بيروت، وينشر من خلالها غثاؤهم وإباحيتهم، ولهم أيضاً مجلة شهرية باسم (منار الهدى) تقوم بنشر مذهبهم، والطعن في أئمة المسلمين وعلمائهم، كما تقوم بعض المجلات والجرائد المحلية والدولية بلقاءات ومقابلات وتحقيقات مطولة مع أقطابهم، الهدف منها: الدعاية لهم، والترويج لهم، والثناء عليهم، كما فعلت جرائد السفير، والنهار، والأنوار، والمسيرة اللبنانية، وكذلك مجلة الوطن العربي، ومجلة الأسبوع العربي.. وغيرها من المجلات والجرائد. أيضاً للأحباش نشاط كبير في التلفزيون اللبناني وغيره من القنوات الخاصة بلبنان، حيث تعرض اللقاءات والدروس، ويعمل الأحباش الآن على تشغيل محطة تلفزيونية خاصة بهم. وللكتب والأشرطة والنشرات دور بارز في ترويج مبادئ هذه الجماعة، ونشر معتقداتهم، وذلك من خلال مؤسستهم المسماة: (مركز الأبحاث والخدمات الثقافية) في بيروت، كما تصدر جمعيتهم تقويماً خاصّاً بهم، يحوي كثيراً من السموم المختلفة في العقيدة والسلوك والفقه وغيرها. ٤- الغناء والطرب والأندية: لدى الأحباش في لبنان عشرون فرقة للغناء والأناشيد الدينية كما يزعمون، وتقوم أناشيدهم الدينية على ترسيخ عقائدهم المنحرفة، مثل نفي العلو لله (تعالى) ، حيث ينشدون: (الله ليس في السماء، وليس له مكان) ! ، وكذلك تبث هذه الأناشيد الشرك بالله، حيث يحرصون على نشر أشعار المتصوفة، كالبوصيري، وابن الفارض.. وغيرهما. ويهتم الأحباش كثيراً بالألعاب الرياضية المختلفة من كرة قدم وسلة وكاراتيه.. وغير ذلك؛ لجذب الشباب والشابات والتودد إليهم وتعليمهم عقيدتهم الفاسدة، بل وتحذيرهم من أهل التوحيد، وأشهر أنديتهم: (نادي الفوز الرياضي) بطرابلس، وكذلك: (مجمع ناجي الرياضي) بطرابلس أيضاً، وهي أندية مختلطة للرجال والنساء، ويركز الأحباش على النساء خاصة، وهذا دأب أعداء الإسلام دائماً! لأن تأثير المرأة عظيم جدّاً في المجتمع، فإذا فسدت: ربت الأجيال على الفساد، وإذا صلحت: تخرج على يديها الأخيار والصالحون والأبطال. وأخيراً: لقد تبين من خلال هذا العرض المختصر لبعض ضلالات الأحباش، ما هم عليه من انحراف في العقيدة والسلوك، واتباع للأهواء، وتلاعب بكتاب الله وسنة نبيه. والأحباش على سذاجة دعوتهم وقلة علمهم ينتشرون بسرعة عجيبة، وقد يكون سبب ذلك: ما لديهم من إمكانات مادية، واختيارات واسعة، يأخذ منها كل صاحب هوى ما يوافق هواه، وأيضاً ما تعلنه هذه الطائفة من الولاء المطلق للحكومات الحاكمة بغير ما أنزل الله. ولعل التحذير من هذه الطائفة يأخذ حجمه الحقيقي بين العلماء وخطباء المساجد وأجهزة الإعلام، لما يمثله هذا المذهب من خطر على العقيدة والأخلاق، وما يثيره من خصومات وجدل في المساجد، وتكفير للمسلمين، وإثارة للفرقة، وبث للفتنة. وهم يعدون العدة الآن لنشر مذهبهم في بلاد الإسلام بين أهل السنة والجماعة، بل في الجزيرة العربية، نسأل الله (تعالى) أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2422

متابعات عفواً ... يا فضيلة المفتي الحق خلاف ما ذكرت بقلم: محمد شاكر الشريف الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ﵌.. أما بعد. فقد اطلعت في عدد جريدة الحياة رقم (١٢٣٢٥) المنشور بتاريخ ١٢/٧/ ١٤١٧هـ، على حديث لمفتي مصر الجديد فضيلة الشيخ (نصر واصل) أجرته معه الجريدة، ورغم ما لي من تحفظات على بعض ما جاء في حديثه السالف، فإن من كلامه الذي استوقفني أكثر من غيره موضوعين: الأول: حديثه عن المرتد المدعو (نصر أبو زيد) . الثاني: حديثه عن إلزام فتوى المفتي للجميع. لكن الذي أود مناقشته في هذه المقالة هو ما جاء من كلامه في الموضوع الثاني، إذ إنني أرى أن الموضوع الأول يظهر فيه وجه الحق لكل من تابع بفهم قضية المذكور، واطلع على بعضٍ من أقواله، وحيثيات الحكم الصادر بحقه، لذا: فإنه لا حاجة لي هنا في الحديث عنه، بل أعود إلى الموضوع الثاني الذي قد يلتبس أو تخفى حقيقته على كثير من الناس. ولنبدأ بذكر أقوال فضيلته في الموضوع المشار إليه حسبما جاء في الجريدة، ثم نتبع ذلك بالمناقشة: يقول عفا الله عنا وعنه ردّاً على سؤال الجريدة: (كيف ترى إصلاح الخلاف القديم بين الأزهر ودار الإفتاء؟) ، يقول: (كانت هناك مشكلة في شأن من له حق الولاية الشرعية على الفتوى في مصر، وأقول: إن هذه الولاية هي للمفتي وحده دون منازع، وفتواه ملزمة، وإن أخطأ فهو مسؤول أمام الله ، والعلاقة بين المفتي وشيخ الأزهر متصلة ومتشابكة إلا إن هناك اختصاصاً لكل منهما، وشيخ الأزهر على قمة المؤسسة العلمية الأزهرية، ومن وظائفها: البحث والاجتهاد، لكنها لا تصدر فتاوى، فهذه يصدرها المفتي؛ لأنه صاحب الحكم الشرعي والولاية الرسمية على الفتوى) . ويقول المفتي ردّاً على سؤال الجريدة: (لكن.. ألا ترون أن مثل هذا الخلاف الذي يمس أموراً حياتية مثل: فوائد المصارف يثير بلبلة لدى الناس؟) . يقول: (الفتوى الرسمية قالت: إن الفوائد حلال؛ لأنها مقبولة من الطرفين، أما الرأي الآخر، فكان اجتهاداً، وتحويله إلى فتوى رغم وجود فتوى رسمية هو الذي خلق تلك البلبلة، والرأي الملزم هو ما قال المفتي، ونحن متمسكون بهذه الفتوى، وأؤكد أن كل فتوى صدرت عن دار الإفتاء ملزمة للجميع) انتهى المقصود منه. وأبادر إلى القول بأنه ليس من مقصودنا ولا يجوز لأحد أن يظن أننا في هذه المناقشة نريد الانتصار لشخص من الأشخاص، إذ المقصود إن شاء الله هو الانتصار للدين، وقد حان الآن وقت الشروع في مناقشة تلك الأقوال: أولاً: إن فتوى المفتي هي إخبار عن أو بيان لحكم الشرع في القضية المعروضة [١] ، والمفتي في حديثنا هنا هو: من تأهل لهذا المنصب واستحقه بضوابطه المعروفة، ولسنا نتحدث عن الأدعياء، فهؤلاء خارجون عن حديثنا، فنقول: لم يَقُمْ الدليل الشرعي على عصمة المفتي فيما يبلغه للناس أو يبينه من أحكام الشرع، كما لم يقم الدليل الشرعي على وجوب التزام جميع المسلمين لما يفتي به، إذ طبيعة عمل المفتي لا تقتضي ذلك الإلزام ولا توجبه. يقول القرافي: (المفتي يجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها، ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص، إن كان المفتي مجتهداً) [٢] ، ثم يبين أن فتواه ليست ملزمة للجميع، ويجوز الفتوى بخلافها حتى وإن كان المفتي هو الإمام الأعظم، فيقول: (النوع السادس: من تصرفات الحكام: الفتاوى في الأحكام في العبادات وغيرها من تحريم الأبضاع، وإباحة الانتفاعة! ، وطهارة المياه، ونجاسة الأعيان، ووجوب الجهاد، وغيره من الواجبات، وليس ذلك بحكم، بل لمن لا يعتقد ذلك أن يفتي بخلاف ما أفتى به الحاكم أو الإمام الأعظم) [٣] . وفي هذا المعنى أيضاً يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية) : (وما يجوز أن يحكم به الحاكم، يجوز أن يفتي به المفتي بالإجماع، بل الفتيا أيسر، فإن الحاكم يُلزِم، والمفتي لا يُلزم) [٤] . ويقول الشاطبي: (المفتي قد أقامه المستفتي مقام الحاكم على نفسه، إلا إنه لا يُلزمه المفتي ما أفتاه به) [٥] . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان ذلك: (قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول ﷺ ، حتى كان صدِّيق الأمة وأفضلها بعد نبيه يقول: (أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) [٦] [٧] . من كل ما تقدم وغيره يتبين أن قول القائل: إن كل فتوى صدرت عن دار الإفتاء، أو عن المفتي، أو عن فلان، هى فتوى ملزمة للجميع.. هو قول بيِّن الخطأ. ثانياً: أن المسلم لا يلزمه أن يقتصر في طلب الفتوى على مفتٍ واحد، بل له أن يستفتي فيما ينزل به أكثر من مفتٍ ممن يثق في علمهم ودينهم و (اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان) [٨] وإذا اختلفت فتوى المفتين عليه، أخذ من تلك الفتاوى ما ترجح لديه منها بحسب قدرته. يقول ابن تيمية في بيان ذلك: (وأما تقليد المستفتي للمفتي، فالذي عليه الأئمة الأربعة، وسائر أئمة العلم: أنه ليس على أحد ولا شُرع له التزام قول شخص معين في كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه إلا رسول الله ﷺ ، لكن منهم من يقول: على المستفتي أن يقلد الأعلم الأورع ممن يمكن استفتاؤه، ومنهم من يقول: بل يخير بين المفتين، [و] إذا كان له نوع تمييز فقد قيل: يتبع أي القولين أرجح عنده بحسب تمييزه، فإن هذا أولى من التخيير المطلق، وقيل: لا يجتهد إلا إذا صار من أهل الاجتهاد، والأول أشبه؛ فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين: إما لرجحان دليله بحسب تمييزه، وإما لكون قائله أعلم وأورع: فله ذلك وإن خالف قوله المذهب) [٩] . ويقول ابن القيم: (فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم، أو الأورع، أو يعدل إلى مفتٍ آخر، فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ ، فيه سبعة مذاهب، أرجحها السابع) [١٠] . ولم يكن من هدي السلف الصالح استفتاء عالم بعينه دون نظرائه من العلماء، والتزام أقواله كلها بحيث لا يخرج عنها، فإن ذلك من البدع الحوادث، ... ... كما ذكره ابن القيم [١١] ، وابن عبد البر [١٢] ، وابن حزم [١٣] ، والشاطبي [١٤] ، ... وولي الله الدهلوي [١٥] ، والفُلاني [١٦] ، وسند بن عنان المالكي [١٧] ، ومحمد حياة السندي [١٨] ، والشوكاني [١٩] . ومن هنا يتضح أن قول القائل: إن الولاية على الفتوى هي للمفتي وحده دون منازع، وأن فتواه ملزمة هو تجنٍّ على الحق وتجاوز للحد، وادعاء ما أنزل الله به من سلطان. ثالثاً: أن الفتوى ليست حكراً على طائفة معينة أو فرد ما، بل كل من استجمع شرائط الفتوى المعتد بها، حُقّ له أن يخبر عن أحكام الشرع؛ إذ الإخبار عن أحكام الشرع وبيانها للناس هو من فروض الكفايات، وليس لأحد أن يحصر الفتوى في فرد أو طائفة بحيث لا تصدر الفتوى إلا منه أو منهم، ويمنع من الفتوى من هو مثلهم ممن تتحقق فيه شروط الفتوى، أخرج الدارمي في سننه من حديث أبي كثير مالك بن مرثد أنه قال: (أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تُنْهَ عن ... الفتيا؟ ، فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت عليّ، لو وضعتم الصّمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها) [٢٠] . قال ابن حجر ﵀ : (إن الذي خاطبه رجل من قريش، وإن الذي نهاه عن الفتيا عثمان ﵁ ، وكان سبب ذلك: أنه كان بالشام، فاختلف مع معاوية في تأويل قوله (تعالى) : [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ] [التوبة: ٣٤] ، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصة، وقال أبو ذر: نزلت فيهم وفينا، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر، فحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذر عن المدينة فسكن الرّبَذَة (بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة) إلى أن مات، رواه النسائي، وفيه دليل على أن أبا ذر كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا؛ لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه؛ لأمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه كما تقدم، ولعله أيضا سمع الوعيد في حق من كتم علماً يعلمه) [٢١] . ويبين شيخ الإسلام ﵀ الحالة التي يمنع فيها العالم من الفتوى بقوله: (وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين، بل يبين له أنه أخطأ، فإن بين له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع، بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة والدعاء إلى ذلك، وجب أن يُمنع من ذلك، ويعاقب إن لم يمتنع، وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين، ولا مَنْعه من ذلك القول، ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول: إن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة كما قاله فلان وفلان من علماء المسلمين) [٢٢] . رابعاً: أن المفتي قد خلط في حديثه ذاك بين الفتوى والقضاء، إذ كثيراً ما يختلط هذا بذاك على العوام أو غير المتخصصين، فكان خلطه في ذلك من ثلاثة وجوه: الأول: عده الفتوى ولاية من الولايات الشرعية، وهذه في القضاء وليست في الفتوى. الثاني: قوله بلزوم كل ما صدر عن دار الإفتاء للجميع، وهذا فيما صدر عن القاضي أو الحاكم في قضايا الأعيان. الثالث: جعله المفتي مفتقراً لكونه مفتياً إلى إسناد هذا الأمر إليه من ولي الأمر، وهذا في القضاء. ولتفصيل هذا الاختلاط الواقع في الحديث عن الفتوى نقول: ١- إن الفتوى ليست ولاية من الولايات الشرعية، وإنما الذي يقال في حقه إنه ولاية مما يمكن أن يشتبه أمره على العوام أو غير المتخصصين إنما هو القضاء، وقد عدد الماوردي في (الأحكام السلطانية) وكذلك أبو يعلى الفراء في كتابه (الأحكام السلطانية) الولايات، فذكر كل واحد منهما القضاء فيما ذكرا من الولايات، ولم يذكر واحد منهم الفتوى، وكذلك عَدّ القرافي في كتابه (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام) الولايات، وقسمها إلى خمسة عشر قسماً، وذكر فيها القضاء، ولم يذكر فيها الإفتاء، وقد ذكر أيضاً شيخ الإسلام (ابن تيمية) في كتابه (السياسة الشرعية) كثيراً من الولايات، وتحدث عن أحكامها، فذكر منها القضاء ولم يذكر الإفتاء، وبالجملة: فلست أعلم أحداً ممن يُعتد به ذكر (الإفتاء) ضمن الولايات. ٢- إن القول الملزم إنما هو للقاضي أو الحاكم (والقاضي والحاكم لفظان مترادفان في اصطلاح الفقهاء) والمفتي إنما له الإخبار، ف (المفتي مخبر محض، والحاكم منفذ وممضٍ) [٢٣] . وقال علاء الدين الطرابلسي (فحقيقة القضاء: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام، ومعنى قولهم: (قضى القاضي) ، أي: ألزم الحق أهله) [٢٤] وقال ابن الشحنة الحنفي: (القضاء في اللغة عبارة عن اللزوم، ولهذا سمي القاضي قاضياً؛ لأنه يلزم الناس، وفي الشرع يراد بالقضاء: فصل الخصومات وقطع المنازعات) [٢٥] . وقال ابن القيم فيما نقله عن أبي عثمان الحداد: (القاضي أيسر مأثماً وأقرب إلى السلامة من الفقيه [يريد المفتي] ؛ لأن الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول، والقاضي شأنه الأناة والتثبت، ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة) انتهى. يقول ابن القيم معقباً: (وقال غيره: المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي؛ لأنه لا يلزم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قبل قوله، وإن شاء تركه، وأما القاضي فإنه يلزم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء، فهو من هذا الوجه خطره أشد) [٢٦] . والشاهد فيه: قوله عن المفتي: إنه (لا يُلزم بفتواه) ، وقوله عن القاضي: إنه (يلزم بقوله) ، والفتوى أوسع مجالاً من القضاء، إذ كل ما يقضي فيه القاضي أو الحاكم يمكن للمفتي أن يفتي فيه، والعكس ليس بصحيح، فليس كل ما يفتي فيه المفتي يمكن أن يقضي فيه القاضي، يقول ابن القيم تعليقاً على ما نقلناه سابقا: (فكلّ خطر على المفتي فهو على القاضي، وعليه من زيادة الخطر ما يختص به، ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى، فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره، وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله، فالمفتي يفتي حكماً عامّاً كليّاً: أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاءً معيناً على شخص معين، فقضاؤه خاص مُلزم، وفتوى العالم عامة غير ملزمة، فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير) [٢٧] . ويقول القرافي في (الفرق بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم) : (اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم البتة، بل الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط، فليس لحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجساً فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله، بل ما يقال في ذلك إنما هو فتيا، إن كانت مذهب السامع عمل بها، وإلا فله تركها والعمل بمذهبه) [٢٨] . ٣- المفتي لا يفتقر في كونه مفتياً إلى جهة تسند إليه أمر الإفتاء غير تحقق شروط المفتين فيه، في حين أن القاضي لا يصير قاضياً بتحقق شروط القضاء فيه حتى يُسنِد إليه أمر القضاء من له الحق في ذلك الإسناد، وهو الخليفة أو من يقوم مقامه، يقول الماوردي: (ولو اتفق أهل بلدٍ قد خلا من قاضٍ على أن قلدوا عليهم قاضياً، فإن كان إمام الوقت موجوداً بطل التقليد، وإن كان مفقوداً صح التقليد ونفذت أحكامه عليهم، فإن تجدد بعد نظره إمام لم يستدم النظر إلا بإذنه، ولم ينقض ما تقدم من حكمه) [٢٩] . ويقول الشيرازي وبنحوه ابن قدامة الحنبلي وابن الهمام الحنفي: (لا تجوز ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو تولية من فوض إليه الإمام؛ لأنها من المصالح العامة) [٣٠] . والمفتي المتحقق فيه شروط الإفتاء له أن يفتي ولا يفتقر ذلك إلى تعيين من جهة ما؛ لأن ذلك من قبيل تبليغ الدين، وبالتالي: فليست هناك فتوى يقال عنها: إنها فتوى رسمية، وأخرى يقال عنها: إنها غير رسمية، طالما أن الفتوى خرجت ممن يحق له أن يفتي، ومعيار الصواب في الفتوى قائم على الالتزام بنصوص الشرع والإفتاء بها أو بموجبها، وليس لفتوى امتياز على فتوى أخرى إلا بانضباطها بذلك المعيار. خامساً: أن الربا حرام بالنص والإجماع المتيقن، لا تُحله فتوى يقال عنها: إنها رسمية أو غير رسمية، وكل فتوى خالفت ذلك التحريم فهي فتوى باطلة يحرُم الإفتاء بها أو العمل بمقتضاها، وليس ما يقال عنه من فوائد البنوك إلا صورة من صور الربا المحرم بالنص والإجماع، وذلك أن حقيقة هذه الفائدة إنما هي (زيادة اشترطت في رأس المال في مقابل الأجل) [٣١] (التأخير) ، سواء أكانت الزيادة مما يعطيها البنك للمودع (المُقرض) أو يأخذها البنك من المقترِض، فكل ذلك من الربا الجلي بيقين. وهذه الصورة المحرمة من صور الربا لا يُحلّها وجود فتوى يقال عنها إنها رسمية قالت بحلها، كما لا يُحِلّها القول بأنها معاملة: (مقبولة من الطرفين) ؛ إذ ليس قبول الطرفين في المعاملات هو الموجب الوحيد للحِل في المعاملات، فالقمار حرام ولو كان برضا الطرفين، والزنا حرام ولو كان برضا الطرفين.. فالرضا وإن كان معتبراً في المعاملات لكنه لا يحل ما حرم الله، وهذا واضح لا إشكال فيه. ومن كل ما تقدم: يتبين لنا أن كلام المفتي على قصره قد احتوى على كثير من الأمور المخالفة للشريعة، من ذلك: ١- قوله إن الإفتاء ولاية. ٢- قوله إن المفتي الذي عينه ولي الأمر هو الذي له حق الفتوى دون غيره من أهل العلم. ٣- قوله إن فتوى المفتي ملزمة لكل الناس. ٤- خلطه وعدم تفريقه بين الإفتاء والقضاء. ٥- قوله بحل فوائد البنوك، ومخالفته في ذلك للإجماع القطعي لعلماء الأمة قديماً وحديثاً. وأخيراً: فإن هذه الأخطاء الكثيرة الكبيرة المتتابعة ليس من السهل غض الطرف عنها، لاسيما وأنها جاءت ممن يتصدر الفتوى. ولعل هذا الحديث الذي أدلى به فضيلة المفتي كان فرصة للتذكير وتبيين هذه الأمور، التي أصبحت تخفى على بعض المفتين في هذا العصر. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يثقل به موازيننا يوم العرض عليه، وأن يرينا الحق حقّاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. ... ... ... ... ... ... ... ... والله من وراء القصد،

стр. 2423

متابعات تعقيب وتوضيح.. حول قبائل البورانا بقلم: د. عبد الرحمن حمود السميط [*] نشرتم بحثاً طيباً عن قبائل البورانا في العدد (١٠٣) ، أهنئ كاتب ذلك البحث، وأرجو أن نرى المزيد من أمثاله، ولكن لي بعض الملحوظات الإضافية: إن معظم البورانا في إثيوبيا كما ذكر الكاتب من الوثنيين أو النصارى، أما البورانا في (كينيا) فأغلبهم مسلمون مع جيوب نصرانية نشأت في غفلة من المسلمين، وخاصة في (مرتي) و (غربة الله) . والرأي الذي أميل إليه: أن البورانا دخلوا الإسلام حديثاً، ولم يأخذوه بجدية وعزم؛ ربما لأن من بلّغهم الإسلام لم يكن على قدر من العلم الشامل؛ لذا: نجدهم نقطة ضعف في مسلمي (كينيا) رغم وجود صحوة إسلامية حديثة في هذه الجيوب. وقد انتبهت المؤسسات الإسلامية إلى وضع تلك القبيلة منذ أوائل الثمانينيات الميلادية، وقامت بجهود مختلفة، ونذكر بالخير (المؤسسة الإسلامية) في (أسيولو) و (المنتدى الإسلامي) في (مرتي) ، وقد بدأت (لجنة مسلمي إفريقيا) في عام ١٩٨٣ م الاهتمام بالعمل وسطهم، وفي عام ١٩٨٨م بدأ تطبيق برنامج (قبائل البورانا) وهو برنامج دعوي تم وضعه خصيصاً لهذه القبائل. وأذكر نتفاً من هذا البرنامج لفائدة القارئ: منطقة مدوغاشي: يسكنها البورانيون والصوماليون، وقد بدأت المنظمات التنصيرية العمل، ففشلوا فشلاً ذريعاً مع الصوماليين، فبدأ تركيزهم ينْصَب على البورانيين، وبنوا مركزاً كبيراً جوارهم، وركزوا كل جهودهم على البورانيين، وأشاعوا بينهم أن الإسلام دين الصوماليين فقط، وحاولوا بذر الفرقة بينهم وبين إخوانهم من الصوماليين. كانت خطتنا هناك أن يقوم ممثلنا في (مدوغاشي) (وهو صومالي) بكفالة عدد من أيتام البورانيين ودفع رسوم الدراسة عن أبنائهم من الطلبة الفقراء (وكلهم فقراء) ، وذبح خروفين من العقائق والنذر التي يتبرع بها المحسنون كل يوم جمعة في الجانب البوراني، ثم توزيعه بالتعاون مع مشايخ قبائلهم على الفقراء والمعوزين، كما أقمنا مركزاً إسلاميّاً كبيراً يشمل مدرسة ومسجداً وداراً للأيتام ومزرعة وداراً لتدريب النساء.. وغيرها، كما تم إعطاء الجانب البوراني اهتماماً أكثر في برامج إفطار الصائم والأضاحي؛ بقصد تقوية إيمانهم وارتباطهم بالإسلام، وهناك بوادر خير طيبة نتجت عن تلك الجهود. منطقة غربة الله: وهي منطقة قريبة من (أسيولو) كان أهلها كلهم من المسلمين، إلا إنهم ضعفوا مع الأسف، وتنصر عدد من أهلها بسبب وجود مركزين للنصارى في المنطقة والإمكانات المالية والبشرية الهائلة التي جندتها الكنيسة لأداء عملها التنصيري. قامت لجنة مسلمي إفريقيا ببناء مدرسة (عصرية/إسلامية) ، تطورت إلى مركز إسلامي متكامل يشمل داراً للأيتام ودار تدريب للنساء ومسجداً وقاعة محاضرات.. إلخ، وعقدت في المنطقة عدة دورات إسلامية للشباب وأئمة المساجد والطلبة من المنطقة كلها، كما تم دفع رسوم الدراسة عن بعض الفقراء، وكُفِلَ أيتام، ونتج عن هذا: أن أصبحت المدرسة الإسلامية من أفضل (خمس مدارس) في الإقليم كله، وأنجبت عدداً من النابهين والنابهات (ولله الحمد) ، كما ارتفع مستوى الإدراك والالتزام بالإسلام في المنطقة؛ مما حدا بعدد من النصارى إلى العودة إلى فطرتهم، وكان آخرهم القسيس (هارون روبا) ، وهو من كبار قسيسي البورانا، وكان مسؤولاً عن كثير من كنائس (الميثودست) ، وأسلم مؤخراً نتيجة الصحوة الإسلامية في المنطقة. منطقة مويالي ومرسابيت: أقامت اللجنة معهدين شرعيين، رغم أنهما كانا جزءاً من برنامج (قبائل الغبرا) إلا إنه تم قبول عدد من أبناء البورانا، وتخرجت الدفعة الأولى من معهد (مرسابيت الشرعي) بعد أربع سنوات دراسة، مع التطبيق الميداني للدعوة خلال الدراسة، وختمت بفترة عملية مدتها ستة شهور في التنقل بين القرى للدعوة فيها. وهناك برامج كثيرة قامت بها لجنة مسلمي إفريقيا كجزء من برنامج (قبائل البورانا) في كينيا، وكنا نتمنى لو استطعنا تقديم المزيد، إلا إن الظروف المالية تمنعنا من تنفيذ معظم بنود البرنامج. ولا يفوتني هنا أن أشيد بما يقوم به عديد من المؤسسات الإسلامية الكبرى، أو ما يقوم به أبناء القبيلة ممن سرت فيهم روح الدعوة. ولكن تبقى منطقة قبائل البورانا في إثيوبيا كالأيتام على موائد اللئام، تنتظر من يسهم في انتشالهم إلى بر الأمان والإيمان بجهود دعوية متميزة لإنقاذهم من الهجمات التنصيرية.

стр. 2424

منتدى القراء النذير العريان بقلم: طارق عبد الفتاح السيد (النذير العريان) هو ذلك الرجل الذي كان يحتل أعلى الجبل أو الهضبة، حتى إذا رأى الأعداء قد اقتربوا لمهاجمة قومه خلع ملابسه ولوّح بها لهم، ينذرهم ويحذرهم من اقتراب العدو، وكونه عرياناً أبلغ في الإنذار؛ ليعلموا أن الأمر جد لا هزل فيه ويعدّوا للأمر عُدته. وفي الواقع: إن الأمة الإسلامية اليوم لتمر بحالة هي أحوج ما تكون فيها إلى هذا (النذير العريان) ، ولن تجد الأمة الإسلامية أنصح ولا أخلص في النصح من دعاة الإسلام والعاملين له، فإن المؤمنين نَصَحة والمنافقين غَشَشَة. إن هؤلاء الدعاة من وجهة نظري مثل كريات الدم البيضاء التي تصد الغزاة (الجراثيم) ، وتعطل تقدمهم وتكاثرهم، فإذا دخلوا الجسد قاومتهم بشدة واستماتة حتى الاستشهاد إذا وجب الأمر. ولا مناص إلا أن يرشح الدعاة أنفسهم ومعهم كل عامل للإسلام لهذا المنصب الخطير، منصب (النذير العريان) ؛ فقدوتهم ﷺ قال فيما أخرجه الشيخان عن أبي موسى ﵁ : (إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً، فقال: يا قوم! ، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا (النذير العريان) ، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق) . نعم.. إنه ﷺ (النذير العريان) ، ونحن بإذن الله (تعالى) ورثته ﷺ الشرعيون، فلا خيار إلا أن نرفع الراية ونقبل هذا المنصب العظيم. وهذا المنصب يقتضي أن يكون الدعاة في كامل قواهم العقلية والذهنية، وأن يتحلوا بما يُطلق عليه (حاسة الاستشعار عن بعد) ، وقبل ذلك وبعده: إخلاص لله ، وعلم شرعي تنجلي أمامه الشبهات.. وبهذه العُدَد نحذر قومنا وننبههم.. وسيؤكد الواقع إن شاء الله صدق حدسنا وظننا، فتثق بنا الجماهير، وقبل ذلك بالحق الذي نحمله.

стр. 2425

الورقة الأخيرة أزمة العقل المبدع بقلم: سالم فرج سعد إن التفرق الذي تشهده الساحة الإسلامية في صفوفها مردّه إلى أسباب، منها: ما يعتور العقل الإسلامي أحياناً من عقم، وغياب التربية الإسلامية المتكاملة لدى الكثيرين.. وهي آفات تعوق حركة المنهج الإسلامي، وتشتت صفه وكلمته؛ لأن من سمات هذا المنهج الرباني الشمول والتوازن [دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً] [الأنعام: ١٦١] ، ومن المتفق عليه بين العاملين في الساحة: أن ضعف التحصيل العلمي، والخلل العقلي في الفهم الشمولي للإسلام، هما سببان رئيسان أيضاً فيما يشهده العمل الإسلامي من تفرق.. لكن تظل أزمة الإبداع في العقل المسلم عائقاً كبيراً دون العلم والعمل؛ لأن هذه الأزمة المشكلة اعتراها قصور وتقصير وغلو وتفريط، وذلك عندما واكبت الحضارة المعاصرة دونما ضوابط شرعية وقواعد علمية، وعندما جمدت على النص وعطلت الفهم الصحيح له، فصارت بين طرفي نقيض. إن الفقه الإسلامي تراث زاخر بالجدية والحيوية، لكن عندما تعتريه آفات المقلدين، وتشنِّج المتعصبين: يذهب بهاؤه، وتُشل حركته.. إذ إن عظمة الهدف وضخامته تفرض جدية الوسيلة، وتفوق المنهج. فإذا سُخّرت أبحاث الفقه مثلاً لإحياء روح العمل والجهاد لنتج عن ذلك الهدف المرجو، ولتلاشت بذلك أزمات كثيرة في حاضرنا الإسلامي. والفقه هو مثال واحد من أمثلة كثيرة في تراثنا الإسلامي الزاهر بالإبداع والهدى والنور، وإبداع العقل المسلم يأتي وفق تلك الإيحاءات الفقهية، والضوابط الشرعية بإخلاص واتباع؛ لأن الدعوة إلى الله عبادة مبناها على التوقيف والنص، وباعتبار استخدام الوسائل المشروعة التي تؤدي الغرض تكون عُرضة للاجتهاد والإبداع، لأن طبيعة الوسائل: التجديد والتطوير. وعندها يأتي معنى القاعدة الفقهية (الوسائل لها أحكام المقاصد) . يقول الشيخ (السعدي) ﵀ : (وهذه القاعدة من أنفع القواعد وأعظمها وأكثرها فوائد، ولعلها يدخل فيها ربع الدين) [١] . ولكن يكون الاجتهاد فيها بشروطه ومؤهلاته، والشأنُ كل الشأن في ألا يكون ثمة أمر محظور يُبطل الوسيلة أو يمنع الانتفاع بها.

стр. 2426

ذو الحجة - ١٤١٧هـ أبريل - ١٩٩٧م (السنة: ١١)

стр. 2427

كلمة صغيرة التناقض الإيراني إيران بلد إسلامي قامت فيه ثورة تقول إنها إسلامية، هكذا يزعم إعلامها، وتدعي نصرة المستضعفين، ودستورها يضمن للأقليات غير المسلمة حقوقها الإنسانية، إلا إنها تقف موقفاً عجيباً غريباً من أهل السنة فيها، فهي تناصبهم العداء، وتعمل بكل وحشية لاستئصال علمائهم ورموزهم، وتعمل على تهميشهم وعزلهم عن الحياة، فلا مدارس خاصة بهم سوى المدارس القرآنية المحدودة غير المعترف بشهاداتها، من أجل أن يضطر أبناؤهم إلى الانخراط في مدارسهم، ليتحولوا إلى التشيع أو أن يعيشوا كمّاً مهملاً غير معترف به، وهذا ما يريدونه، لقد وقف علماء السنة مع ثورتهم في بدايتها رغبة في الخروج من ظلم الشاه، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وتعرض علماء السنة للسجن والتعذيب، ثم الاغتيال الذي حصد علماء ومفكرين ودعاة، بدعوى أنهم جواسيس ووهابيون وأعداء للثورة! ! مثل (أحمد مفتي زادة) و (محمد صالح ضيائي) ، و (بهمن شكوري) .. وغيرهم، ممن قتلوا ظلماً وعدواناً وحقداً، ولا يُستغرب ذلك إذا علمنا أنه لا يوجد للسنة مسجد واحد في العاصمة (طهران) ، بينما يوجد في جل المدن الإيرانية دور عبادة لليهود والنصارى وحتى المجوس. فهل من إنصاف ومناصرة لأهل السنة في (إيران) ، وهل يساوون على الأقل بتلك الأقليات تحت ظل حكم (الثورة الإسلامية! !) في إيران؟ ! لنا وطيد الأمل بدعم المسلمين لإخوانهم السنة في إيران بكل ما من شأنه رفع معاناتهم أسوة بغيرهم. ولعله يتيسر لنا في عدد قادم إن شاء الله كشف الحقائق المتعلقة بمأساة أهل السنة ومعاناتهم المزمنة تحت مظلة نظام طهران.

стр. 2428

افتتاحية العدد الحج بين الواجب والواقع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد: فما زالت قوافل الموحدين ولله الحمد تواصل المسير إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، اقتداءً بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم ﵇ منذ أن صدح بالنداء الخالد مطيعاً لأمر الله الذي سجله القرآن الكريم: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاًتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاًتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ... ] [الحج: ٢٧-٢٨] ، واتباعاً لسنة المصطفى ﵊ القائل في حجة الوداع: (خذوا عني ... مناسككم) [١] . فما أن تأتي أشهر الحج إلا وحادي الحب لله (تعالى) ، واتباع سنة المصطفى، يحدو كل مسلم للرحيل إلى الرحاب المقدسة استجابة لله (تعالى) . لكن هل استطاع المسلمون الذين يتجاوزون اليوم مليار نفس أن يعيشوا هذه الفريضة، ويشهدوا المنافع المشار إليها في الآية الكريمة [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ] في العاجلة والآجلة. إن زاد العبادات في مجتمع المسلمين يفترض أن يصبغ حركة المجتمع كله بدينونتهم لله (تعالى) في علاقاتهم، ليظهر في سلوكيات الأفراد فهل بدا واقع المسلمين بارزاً فيه صدى زاد الحج، تلك العبادة التي تمزج بين قلوب المسلمين وترسخ فيها وحدة الشعور ثمرة لوحدة الشعيرة، هل بدا كذلك؟ ، وهل تزود المسلمون من زاد الحج وعاشوا حكمه وهم يطبقون أحكامه على وجه مشروع ومسنون؟ هل تحرك ذلك الموكب من ذوي الرداء الأبيض الناصع بين المشاعر شامة تزين الأرض، يباهي بها الرحمن ملائكته، حجيجاً مترابطي القلوب، مسلمين على منهج الله؟ ، هل بدت حِكمُ الحج العظيمة وآثاره الجليلة متحركة مع ذلك الموكب، تنطق بها جوارح الحجيج وتبدو شاخصة في مناسكهم؟ هل ذابت الفوارق النفسية بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، وذهبت مع ثياب الحِل، وبدت النفوس صافية حانية متآلفة لا يقل صفاؤها عن صفاء ثياب الإحرام؟ الحقيقة: إن اجتماع ذلك الكم الهائل من المسلمين على ذلك الصعيد الطاهر، وإن بدت زيادة عدده ملمحاً إيجابيّاً من ملامح الصحوة وزادت فيه مساحات الالتزام الصحيح أثراً من آثارها، إلا إن مساحات كبيرة منه تجيب سلباً عما سلف من تساؤلات، وذلك لأسباب، منها: -أن كثيراً من المسلمين بعيدون عن الأسس العقدية الصحيحة، وهذا انحراف جلي عن صراط الله المستقيم ومخالفة للهدي النبوي القويم الذي حذر من الشرك الخفي والأصغر، فضلاً عن الأكبر، مما يلزم معه أهمية التوعية بالتوحيد لله وإخلاص العبودية له (جل وعلا) . ومما يؤسف له، التقصير الملموس لدى بعض العلماء وسكوتهم المريب عن تلك المظاهر الشركية، وهم المؤتمنون على رسالة البلاغ المبين، فإلى الله المشتكى! . -أن تلك العبادة أصبحت لدى كثير من المسلمين مجرد رحلات سياحية، تكاد تكون خالية من روحها الإيمانية، بل صارت مجالاً للتفاخر والمباهاة، وكأن الهدف أن يحلي أحدهم اسمه بالحاج فلان، وإذا لم يذكر اعتبر ذلك إهانة له. -وبسبب الجهل السائد لدى كثير من الحجاج بآداب وأخلاقيات تلك الشعيرة ولا سيما في التطبيق العملي للحج من الطواف والسعي، وعند التنقل بين المشاعر انتشر ما يحصل بين الحجاج من سلوكيات غير حميدة، وإيذاء لا مبرر له، مع أن ذلك منهي عنه؛ لقوله (تعالى) : [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِ] [البقرة: ١٩٧] . ومن باب التناصح: فإننا نذكِّر ببعض المسائل المهمة في الموضوع، ومن الله نستمد العون والتوفيق: إن فريضة الحج يجب أن تؤدى وفقاً لما صح من السنة وكما روي عنه، مستحضرين ما فيها من تذكر لمواقف الأنبياء والمرسلين ولا سيما مواقف نبي الله إبراهيم ﵇ من توديع طفله وزوجه هذا البيت في تلك الصحراء اللاهبة بقلب مفعم بالإيمان وهو يقول: [رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] [ابراهيم: ٣٧] ، وكذلك موقف نبينا وقدوتنا محمد (عليه الصلاة والسلام) وهو يحج حجته الأخيرة ومعه الألوف من المسلمين ويلقي عليهم خطبة حجة الوداع، التي وضح فيها معالم الإسلام ومبادئه البارزة، وحسبنا مما قاله ﵊ في تلك الخطبة: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة.. وربا الجاهلية موضوع.. ... اتقوا الله في النساء.. وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله..) [٢] . وتزامن مع هذه الحجة الأخيرة للرسول نزول قوله (تعالى) : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] ، مما يؤكد على اكتمال الإسلام ديناً مهيمناً على حياة المسلم كلها، وأن أي محاولات لتحجيم هذا الدين بدعاوى المبطلين مردودة عليهم، فالتلاعب بدين الله مرفوض تماماً. إن تلك المشاهد والذكريات والمواقف الحبيبة إلى النفوس التي يتذكرها الحاج وهو يؤدي المناسك تعلمنا الإيمان الحق بالله وحسن التوكل عليه، ومن توكل على الله حق التوكل إيماناً ويقيناً بما عند الله آتاه مقاصده [وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً] [الطلاق: ٣] . ولمن وفق لأداء هذه الشعيرة فرصة سانحة لتجديد العهد مع الله (تعالى) ، لما في ذلك من الجزاء الأوفر، يقول الرسول: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [رواه مسلم] . ثم إن الحج مظهر من مظاهر وحدة المسلمين، وفيه تذكير بالحشر يوم المعاد، مع ما فيه من التمرين على الصبر والمصابرة وجهاد النفس والجهاد لمواجهة الأعداء، بل هو من أفضل الأعمال، يقول الرسول عندما سئل عن أي العمل أفضل؟ : (إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ ، قال: ثم الجهاد في سبيل الله.. قيل: ثم ماذا؟ ، قال: حج مبرور) [أخرجه السبعة عدا أبي داود] ، وحينما سألته عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله ﷺ ، نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ ، قال: (لا، ولكن أفضل الجهاد: حج مبرور) [رواه البخاري] . وأخيراً: ننبه إلى نقطة مهمة في الموضوع: فقد جرت على ألسنة كثير من الكتاب والمفكرين دعوى أن الحج مؤتمر إسلامي، وهم بلا شك يقصدون المعاني الطيبة التي تنبثق من اجتماع المسلمين وتدارس أحوالهم، والعمل على حل ما يعتورهم من مشكلات، لكن ذلك مع أهميته ليس هو الهدف الحقيقي من الحج، فالحج لايقصر على النخبة من الناس كما في المؤتمرات، التي لا تقتصر على مكان أو أمكنة بعينها، لكن الحج عبادة وشد وارتحال للبيت العتيق، وهو عامّ لكل من تحقق فيه شروطه من المسلمين. وبالتالي: فالحج شعيرة لها أركانها وواجباتها وشروطها، ما أحوجنا إلى تفهم حكمتها ومعرفة حدودها والاستفادة القصوى منها، وحسبنا الوعد الإلهي لمن أحسنها وأتقنها بأن جزاءه الجنة. والله نسأل أن يتقبل حج المسلمين وأن يجعل حجهم مبروراً وسعيهم مشكوراً.

стр. 2429

في إشراقة آية [فاستقم كما أمرت] بقلم: د. عبد الكريم بكار يقول الله : [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ] [*] . قضية الاستمرار في الامتثال لأمر الله (تعالى) في المنشط والمكره من القضايا الجوهرية في التصور الإسلامي، ومن القضايا الجوهرية كذلك في بنية التشريع وأدبياته، وليس أدل على ذلك من وصية الله (تعالى) لنبيه ﷺ في هذه الآية وفي غيرها بـ (الاستقامة) ، التي هي: (المداومة على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه) . وقد قام ﵊ بإسداء النصح بلزومها لمن سأله عن قول فصل يصلح به جماع أمره، حيث جاء في الصحيح: أن سفيان بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: قلت: (يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم) [١] . ولنا مع هذه الآيات المباركة الوقفات التالية: ١- إن في قوله (جل وعلا) [وَلا تَطْغَوْا] ، وقوله: [وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ] إشارة واضحة إلى ما يعترض سبيل الاستقامة من ملابسات السرّاء والضرّاء، وقد أخبرنا ربنا (جل وعلا) أن من طبيعة البسط والتمكن استدعاءَ البغي والطغيان، حيث قال (سبحانه) : [وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ] [الشورى: ٢٧] . والبغي هو مجاوزة الحد، وهو يتجسد في صور متعددة: فبغي القوة: البطش بالضعفاء، وبغي الجاه والنفوذ: الظلم وأكل الحقوق، وبغي العلم: اعتماد العالم على ما لديه من شهرة ومكانة؛ مما يدفعه إلى القول بغير دليل، ورد أقوال المخالفين من غير حجة ولا برهان، وطغيان المال: التبذير والإسراف والتوسع الزائد في المتع والمرفهات. والعارض الثاني للاستقامة على خلاف الأول، حيث تدفع الطموحات والتطلعات المصلحية والضعف والظروف الصعبة إلى مصانعة الظالمين ومداهنتهم وإشعارهم بالرضا عما هم فيه، والاستفادة من قوتهم وما لديهم من متاع في تحسين الأحوال وتحقيق المكاسب ... مع أن طبيعة الاستقامة والالتزام في هذه الحال تقتضي المناصحة، والهجر، والضغط الأدبي، والتحذير من التمادي في ذلك، وهذا كله منافٍ للركون؛ لكن الشيطان يبرهن دائماً على أنه يملك خبرات مميزة في تزيين الباطل والتلبيس على الخلق، فهو ينسيهم أحكاماً ومواعظ وأدبيات ومواقف وتجارب، ويدفع بهم بعيداً عن كل ذلك! ٢- إن الاستقامة في التحليل النهائي ليست سوى تمحور المسلم حول مبادئه ومعتقداته، مهما كلف ذلك من عنت ومشقة، ومهما ضيع من فرص ومكاسب. وينبغي أن يكون واضحاً: أن المرء إذا أراد أن يعيش وفق مبادئه، ورغب إلى جانب ذلك أن يحقق مصالحه إلى الحد الأقصى، فإنه بذلك يحاول الجمع بين نقيضين، وسيجد أنه لا بد في بعض المواطن من التضحية بأحدهما حتى يستقيم أمر الآخر. إن تحقيق المصلحة على حساب المبدأ يُعدّ انتصاراً لشهوة أو مصلحة آنيّة، أما الانتصار للمبدأ على حساب المصلحة فإنه بمثابة (التربع) على قمة من الشعور بالسعادة والرضا والنصر والحكمة والانسجام والثقة بالنفس، وقد أثبتت المبادئ أنها قادرة على أن تكرر الانتصار المرة تلو المرة، كما أثبت الجري خلف الشهوات دون قيد ولا رادع أنه يحقق نوعاً من المتع والمكاسب الآنيّة، لكنه لا يفتأ أن يرتد على صاحبه بالتدمير الذاتي، حيث ينمو الظاهر على حساب فساد الباطن، ويتألّف الشكل على حساب ضمور المضمون! إن المبدأ أشبه شيء بـ (النظارة) إذا وضعناها على أعيننا، فإن كل شيء يتلّون بلونها، فصاحب المبدأ له طريقته الخاصة في الرؤية والإدراك والتقويم، إنه حين يرى الناس يتسابقون على الاستحواذ على منصب يستغرب من ذلك، ويترفّع؛ لأن مبدأه يقول له شيئاً آخر غير ما تقوله الغرائز للآخرين، وإذا رأى الناس يخبطون في المال الحرام تقززت نفسه؛ لأنه يعلم ضخامة العقوبة التي تنتظر أولئك، وإذا أصيب بمصيبة فإنه يتجلد ويصبر؛ لأنه يرجو المثوبة عليها من الله (تعالى) . إذا قلّبنا النظر في اهتمامات الناس ومناشطهم اليومية فإن من السهل الوقوف على المحور الذي يعلقون عليه توازنهم العام، ويدورون بالتالي في فلكه، وهناك تشاهد من همّه الأكبر النجاح في عمله والمحافظة على سمعته فيه، كما تشاهد من يتمحور حول المتعة، فهو يبحث عنها في كل نادٍ وواد، ومن يتمحور حول المال، فهو يجوب العالم بحثاً عنه، ومن يبحث عن السيطرة والنفوذ، فهو مستعد لأن يفعل أي شيء في سبيل التمكن والتحكم.. وتجد ثلة قليلة بين هذا الطوفان من البشر استهدفت أن تحيا لله، وأن تبحث عن رضوانه، ومن ثم: فإنه يمكن تفسير كل أنشطتها ومقاصدها في ضوء هذا المحور، وهذه الثلة هي التي أُمِر النبيّ - ﷺ أن يفصح عن محورها باعتباره رائدها وهاديها: [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] . إن الذين يعلنون الولاء للمبادئ كثيرون، بل هم أكثر أهل الأرض، ولكن لا برهان على ذلك لدى أكثرهم، ويمكن أن يقال: إن لأكثر الناس دينين: ديناً معلَناً وديناً حقيقيّاً، ودينُ المرء الحقيقي هو الذي يكرِّس حياته من أجله. إن من طبيعة المبدأ أنه يمد من يتمحور حوله بقوى وإمكانات خارقة وخارجة عن رصيده الفعلي، ولذا: فإن التضحيات الجليلة لا تصدر إلا عن أصحاب المبادئ والالتزام، وهم أنفع الناس للناس؛ لأنهم يثرون الحياة دون أن يسحبوا من رصيدها الحيوي، إذ إنهم ينتظرون المكافأة في الآخرة. التمحور حول المبدأ هو الذي يمنح الحياة معنى، ويجعلها تختلف عن حياة السوائم الذليلة التي تحيا من أجل التكاثر ومجرد البقاء! ! المبدأ هو الذي يُضفي على تصرفاتنا الانسجام والمنطقية، ويجعلها واضحة مفهومة. نحن لا ننكر أن الظروف الصعبة تُوهِن من سيطرة المبدأ على السلوك، لكن تلك الظروف هي التي تمنحنا العلامة الفارقة بين أناس تشبّعوا بمبادئهم؛ حتى اختلطت بدمائهم ولحومهم، وأناس لا تمثل المبادئ بالنسبة لهم أكثر من تكميل شكلي لبشريتهم [٢] . ٣- لا يماري أحد في أن الإنسان اكتشف في العصر الحديث من الآيات والسنن ما لم يكتشف عشر معشاره في تاريخ البشرية الطويل، لكن مع هذا فعنصر المخاطرة والإمكانات المفتوحة ما زال قائماً؛ حيث تتحكم في الظاهرة الواحدة عشرات الألوف من العلاقات التي يصعب معها التنبؤ بنتائج الاجتهادات والأنشطة المختلفة، ولا سيما في القضايا الكبرى، كمصائر الأمم والحضارات، وقضايا التقدم والتخلف، وما تنطوي عليه من تفاعلات وتغيرات، وإن الله (جل وعلا) ... قد ضمن لنا نتائج الاستقامة في الدنيا والآخرة، فهي بوجه من الوجوه وعلى نحو من الأنحاء لا تكون إلا خيراً، وإلا في صالح الإنسان، وقد قال الله (جل وعلا) : [إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [الأعراف: ١٢٨] ، وقوله: [لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى] [طه: ١٣٢] ، وقوله: ... [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [الأعراف: ٩٦] . أما من يسلك دروب المعاصي والفجور، ويتبع مغريات الأهواء والشهوات فإنه يظل يتوجس خيفة من سوء العاقبة، لكنه لا يعرف شكل العقوبة، ولا طريقة نزولها ولا توقيتها؛ ليكون الشك والغموض والخوف عاجل جزائه، ومقدمةً للبلاء الذي ينتظره، ثم تكون الخيبة الكبرى والخسارة العظمى! ! إن هناك فترة سماحات تطول أو تقصر بين الانحراف وعواقبه وهذا هو الذي جعل الابتلاء تامّاً، كما أنه هو الذي جرّأ أهل المعاصي على التماري في غيهم، لكن العاقل الحصيف ينظر دائماً إلى الأمام ويتحسس ما هو آتٍ، ويضغط على واقعة من أجل السلامة في مستقبله. ٤- علينا أن نجمع بين النصوص التي تدل على ضرورة الاستقامة والالتزام بالمنهج الرباني، والنصوص التي تفيد رفع الحرج والعنت عن هذه الأمة، من مثل قوله (جل وعلا) : [هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] [الحج: ٧٨] ، وقوله: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] [البقرة: ١٨٥] ، وإذا فعلنا ذلك، فإننا سنفهم من مجموعها أمرين: الأول: هو ضرورة تزويد المسلمين بثقافة شرعية تتضح فيها حدود الواجبات والمباحات والمحظورات، بما يشكل خارطة فكرية واضحة لما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسلم وعلاقاته. الثاني: توفير الظروف والشروط الموضوعية التي تجعل التزام المسلم بدينه ميسوراً، وبعيداً عن الحرج والمشقة التي لا تُحتمل؛ إذ إنه لا يكفي أن تكون التعاليم الإسلامية ضمن الطوق، بل لا بد إلى جانب ذلك من أن تكون الظروف المعيشية العامة التي يحيا فيها المسلم مناسبة ومشجِعة على الالتزام. إنه كلما تعقدت الظروف المطلوبة للعيش الكريم قلّ عدد أولئك الذين يتصرفون ضمن مبادئهم ويلتزمون حدود الشرع، فحين يكون المرتّب الشهري للموظف لا يكفي لسداد أجرة البيت الذي يسكنه فإن شريحة كبيرة من الموظفين سوف تلجأ إلى طرق غير مشروعة في تأمين احتياجاتها اليومية، وآنذاك سيشعرون أن الالتزام التام لا يخلو من العنت، وحينئذ سيكون عدد الملتزمين بالطرق الشرعية في الكسب محدوداً. إن الحضارة الحديثة أضعفت الإرادة بما أوجدته من صنوف اللهو والمتع، وجعلت الشروط المطلوبة للحد الأدنى من العيش الكريم فوق طاقة كثير من الناس، كما أنها أوجدت من الطموحات إلى الكماليات وأشكال المرفِهات ما يتجاوز بكثير الإمكانات المتاحة، وهذا كله جعل الاستقامة على الشرع الحنيف بحاجة إلى نمط من الرجال أرقى، كما جعل من الواجب على الأمة أن تفكر مليّاً في توفير ظروف تساعد على الاستقامة، وتحفز عليها. إن المنهجية الإسلامية تقوم دائماً على ما يمكن أن نسميه بـ (الحلول المركبة) ؛ إذ إن هناك من النصوص والأحكام ما يرفع الوتيرة الروحية للمسلم، كما إن هناك ما يزيد في بصيرته، وهناك ما يدعوه إلى الصبر والجلد، وهناك ما يحفزه على تحسين ظروف عيشه وأدائه، ولا بد أن نمح الفاعلية لكل ذلك حتى يمكن تجسيد المنهج الرباني في حياة الناس. إن الفكر مهما كان قويّاً، وإن الوعي النقدي مهما كان عظيماً، فإن سلوك الناس لن يتغير كثيراً ما لم تنشأ ظروف وأوضاع جديدة تحملهم حملاً على التحول إلى سلوك الطريق الأقوم والأرشد. ويؤسفني القول: إننا لم نستطع إلى الآن أن نبلور نظرية إصلاحية إسلامية معاصرة ومتعمقة في تلمس شروط الاستجابة والظروف الصحيحة والمثلى لها، إلى جانب تلمس مجمل الحساسيات والترابطات والتداعيات التي تشكل المناخ المطلوب لقيام حياة إسلامية راشدة! . إن جل اهتمامنا ينصب على بيان ما يجب عمله، أما البرامج والكيفيات والإجراءات والأطر والسياسات التي يجب اتباعها وتأسيسها من أجل تحويل المبدأ إلى واقع معيش.. فإنها لا تلقى ما تستحقه من اهتمام ومتابعة، والخبرات لدينا في ذلك ما زالت ضئيلة، بل إن هناك مَن يستوحش من الخوض في غمار مثل هذا النوع من البحث، ويعد التعمق في ذلك ضرباً من (الاستغراب) أو الجنوح نحو المادية! ، ومن الدعاة من يدعي أنه عارف بكل ذلك، لكن لو نظرت في إنتاجه المعرفي لم تقف له في هذه السبيل على كتاب أو رسالة، بل على خاطرة أو فكرة. (وما أطيب العرسَ لولا النفقة) ! ! ... ... ... ... ... ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 2430

دراسات شرعية من أخطائنا في عشر ذي الحجة بقلم: محمد بن راشد الغفيلي تمهيد: الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وبعد: فنحن في موسم فاضل من مواسم الله (تعالى) ، ألا وهو (عشر ذي الحجة) ، فيه من الأعمال والنوافل ما يتقرب بها العبد إلى الله (تعالى) لعله أن تصيبه نفحة من نفحاته (تعالى) ، فيسعد به في الدارين، سعادة يأمن بها من الموت وشدته، والقبر وظلمته، والصراط وزلته. و (عشر ذي الحجة) موسم فيه كثير من العبادات المتنوعة التي يمتاز بها عن غيره، قال الحافظ في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولايتأتى ذلك في غيره) [١] . لهذا رأيت تنبيه إخواني القراء إلى الأخطاء التي قد تقع من بعضهم في هذا الموسم؛ رغبة في معرفتها وتجنبها.. والله الموفق. أولاً: أخطاء عامة: ١- مرور عشر ذي الحجة عند بعض العامة دون أن يعيرها أي اهتمام، وهذا خطأ بيِّن؛ لما لها من الفضل العظيم عند الله عن غيرها من الأيام، فقد صح عنه أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر) . ٢- عدم الاكتراث بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد فيها: وهذا الخطأ يقع فيه العامة والخاصة إلا من رحم الله (تعالى) ، فالواجب على المسلم أن يبدأ بالتكبير حال دخول عشر ذي الحجة، وينتهي بنهاية أيام التشريق، لقوله (تعالى) : [وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ....] [الحج: ٢٨] . والأيام المعلومات: العشر، والمعدودات: أيام التشريق، قاله ابن عباس ﵄ [٢] . قال الإمام البخاري: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما) [٣] ، وذلك بشرط ألا يكون التكبير جماعيّاً، ولا تمايل فيه ولا رقص، ولا مصحوباً بموسيقى أو بزيادة أذكار لم ترد في السنة أو بها شركيات، أو يكون به صفات لم ترد عن الرسول. ٣- جهر النساء بالتكبير والتهليل، لأنه لم يرد عن أمهات المؤمنين أنهن كبّرن بأصوات ظاهرة ومسموعة للجميع، فالواجب الحذر من مثل هذا الخطأ وغيره. ٤- أنه أحدث في هذا الزمن زيادات في صيغ التكبير، وهذا خطأ؛ وأصح ما ورد فيه: ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان: قال: كبروا الله: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، ونقل عن سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما [اخرجه جعفر الفريابي في كتاب العيدين] وهو قول الشافعي وزاد: (ولله الحمد) ، وقيل: يكبر ثلاثاً ويزيد: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ، وقيل: يكبر ثنتين، بعدهما: لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد) ، جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعود بنحوه، وبه قال أحمد وإسحاق [٤] . وبهذا نخلص إلى أن هناك صيغتين صحيحتين للتكبير، هما: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً. وما ورد في بعض كتب المذاهب مثل المجموع على جلالة قدر مصنفه من زيادات على تلك الصيغة فهي غير صحيحة، أو لعلها وردت في غير العشر الأواخر. ٥- صيام أيام التشريق، وهذا منهي عنه، كما ورد عن الرسول؛ لأنها أيام عيد، وهي أيام أكل وشرب، لقوله [٥] : (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق: عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) [٦] . ٦- صيام يوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك في عشر ذي الحجة وعليه قضاء رمضان، وهذا خطأ يجب التنبه إليه؛ لأن القضاء فرض والصيام في العشر سنّة، ولا يجوز أن تقدم السنة على الفرض. فمن بقي عليه من أيام رمضان وجب صيام ما عليه، ثم يَشْرع بصيام ما أراد من التطوع. وأما الذين يجمعون القضاء في العشر مع يومي الاثنين والخميس لينالوا الأجور كما يقولون فإن هذا قول لا دليل عليه يركن إليه، ولم يقل به أحد من الصحابة فيما نعلم، ولو صح فيه نص من الآثار لنقل إلينا، والخلط بين العبادات أمره ليس بالهين الذي استهان به أكثر العامة [*] . ثانياً: أخطاء في يوم عرفة: ١- من الأخطاء: عدم صيامه، علماً بأنه من أفضل الأيام في هذه العشر، وهذا خطأ يقع فيه كثير ممن لم يوفق لعمل الخير، فقد ورد عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) [٧] ، وهذا لمن لم يحج؛ لنهيه عن صوم يوم عرفة بعرفات. ٢- قلة الدعاء في يوم عرفة عند أغلب الناس والغفلة عنه عند بعضهم، وهذا خطأ عظيم؛ حيث يُفوِّتُ الشخص على نفسه مزية الدعاء يوم عرفة، فإن الرسول الله ﷺ قال: (خَيْرُ الدّعَاء دعاء يَوْم عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلتُ أنا والنّبِيّونَ مِنْ قَبْلي: لا إلَه إلا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملْكُ، وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ) [٨] . قال ابن عبد البر: (وفيه من الفقه: أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره، وفي فضل يوم عرفة دليل على أن للأيام بعضها فضلاً على بعض؛ إلا أن ذلك لا يُدْرَكُ إلا بالتوفيق، والذي أدركنا من ذلك التوفيق الصحيح: فضل يوم الجمعة، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة؛ وجاء في يوم الاثنين ويوم الخميس ما جاء؛ وليس شيء من هذا يدرك بقياس، ولا فيه للنظر مدخل، وفي الحديث أيضاً: دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب، وفيه أيضاً أن أفضل الذكر: لا إله إلا الله ... ) [٩] . ثالثاً: أخطاء في يوم النحر: ١- عدم الخروج إلى مصلى العيد، بل تجد بعض الناس لا يخرج إلى المصلى، خاصة منهم الشباب، وهذا خطأ؛ لأن هذا اليوم هو من أعظم الأيام، لحديث عبد الله بن قرط ﵁ عن النبير قال: (إن أعظم الأيام عند الله (تعالى) يوم النحر، ثم يوم القر) [١٠] ، يعني: اليوم الذي بعده. ٢- وإذا ما خرج بعضهم خرج بثياب رثة، بحجة أنه سيحلق ويقص أظافره ويتطيب ويستحم بعد ذبح أضحيته، وهذا خطأ، فينبغي للمسلم أن يتأسى بالرسول الله ﷺ بهيئة حسنة وبألبسة جديدة ذات رائحة زكية، لما ورد عن ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين، وقد صح الاغتسال قبل العيد عند بعض السلف من الصحابة والتابعين [١١] . ٣- الأكل قبل صلاة العيد، وهذا مخالف للمشروع، حيث يسن في عيد الأضحى ألا يأكل إلا من أضحيته، لما ورد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: كان الرسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي. قال ابن قيم الجوزية: (وأما في عيد الأضحى، فكان لا يَطْعَمُ حتى يَرجِعَ من المصلى فيأكل من أضحيته) [١٢] . ٤- عدم تأدية صلاة العيد في المصلى، بحجة أنها سنة، وهذا حق، لكن لا ينبغي لمسلم تركها وهو قادر عليها، بل هي من شعائر الإسلام فلزم إظهارها من الجميع كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، ومن تركها بدون عذر فقد أخطأ خطأً عظيماً. ٥- التساهل في عدم سماع الخطبة، فينبغي للمسلم أن يستمع للخطبة لما في هذا من الفضل العظيم. ٦- التساهل في الذهاب والإياب، وهذا خطأ؛ فكان من سنته أن يذهب من طريق ويرجع من طريق آخر. ٧- التساهل بترك تهنئة الناس في العيد، وهذا خطأ؛ فالزيارات وتجمع العوائل مع بعضها، والتهنئة فيما بينهم.. من الأمور المستحبة شرعاً، كأن يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منّا ومنكم، ونحو ذلك من العبارات التي لا محذور فيها. ٨ - اعتقاد بعض الناس زيارة المقبرة للسلام على والد أو قريب متوفى، وهذا خطأ عظيم، فزيارة المقابر في هذا اليوم الفاضل بزعمهم أنهم يعايدون الموتى من البدع المحدثة في الإسلام؛ فإن هذا الصنيع لم يكن يفعله أصحاب رسول الله- ﷺ ، وهم أسبق الناس إلى كل خير، وقد قال الرسول الله - ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [١٣] ، أي: مردود عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : قوله: (لا تتخذوا قبري ... ... عيداً) [١٤] قال: (العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائداً، إما لعود السنة أو لعودة الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك) ، وعلى هذا: إذا اعتاد الإنسان أن يزور المقبرة في يوم العيد من كل سنة بعد صلاة العيد وقع في الأمر المنهي ... عنه [١٥] حيث جعل المقبرة عيداً يعود إليه كل سنة، فيكون فعله هذا مبتدعاً محدثاً؛ لأن الرسول لم يشرعه لنا ولا أمرنا بفعله، فاتخاذه قربة مخالفة له) . ... ... ... ... ... والله نسأل للجميع التوفيق والسداد،

стр. 2431

مقال رؤية: في الاستفادة من الحج بقلم: زيد بن محمد الرماني تمهيد: العبادات في الإسلام بجانب أنها شعائر يؤديها المسلم لكونها مفروضة عليه من ربّه فليس عليه إلا الإذعان والخضوع والامتثال لأوامر الله وإظهار العبودية له فهي أيضاً تحمل في حقيقتها معاني كثيرة، وترسخ أخلاقيات حسنة، وتثمر فوائد اجتماعية كريمة ومتعددة، تعود على المسلم والمجتمع بالخير الكثير. والحج بالتعبير الاقتصادي موسم تجارة، كما هو بالمفهوم الشرعي موسم عبادة، وهو الفريضة التي تلتقي فيها شؤون الدنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة القريبة والبعيدة.. أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقاً رائجة؛ حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء من أطراف الأرض، ويَقْدم الحجيج من كل فجّ ومن كل قطر، معهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض، يتجمع كله في البلد الحرام في وقت واحد، فهو موسم تجارة ومعرض نتاج، وسوق عالمية تقام في كل عام، وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام. ويكون ذلك مثمراً ونافعاً يوم أن تصل البلاد الإسلامية إلى مستوى التميز والإنتاج، بحيث يحدث تبادل السلع والمصنوعات الإسلامية صناعةً وتحويلاً، وتنعكس تلك المنافع قوة للاقتصاد الإسلامي على مدى المعمورة، لا أن يكون الحجيج وسطاء أو (تجار حقيبة) لسلع الشرق والغرب. وعندئذ يكون الحج وسيلة للتعارف والتشاور، وتنسيق الخطط، وتوحيد القوى، وتبادل السلع والمنافع والمعارف والتجارب الإسلامية الواقعية. ولا ينقص ذلك فهم بعضهم من أن الحج ليس مجرد رحلة عفوية يبدّد فيها المسلم وقته وجهده وماله، ولكنه رحلة يبدو فيها جلال التآخي والفوائد والمنافع الخلقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وهنا تبرز وتظهر أهداف الحج عظيمة، إذ هو امتثال لأمر الشرع، وهو زاد إيماني وتربوي، وهو أيضاً فرصة لتبادل المنافع. من حكمة مشروعية الحجّ: لا شك في أن الله (سبحانه) بحكمته وعظمته اختار منذ خلق الإنسان هذا المكان الطيب الطاهر في مكة المكرمة؛ ليشرفه بخصوصية لم يفز بشرفها أي مكان في العالم، حين اختصه بأن يكون مقرّاً لبيته الحرام، ومحلاً لالتقاء وتجمّع المسلمين جميعاً من كل بقاع الدنيا، من الذين منّ الله عليهم فوهبهم الاستطاعة التي تؤهلهم لشرف تلبية نداء الله، فيقصدون هذا البيت العتيق. قال (تعالى) : [إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ] [آل عمران: ٩٦، ٩٧] . وحين نقرأ هذا القول الحكيم في قوله (تعالى) : [إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ] نطمئن معه إلى قول من قال بأن أول من بنى هذا البيت هم ملائكة الرحمن؛ ذلك لأن لفظة (الناس) يطلق على آدم وذريته، ومعنى ذلك أن هذا البيت العتيق وُضِع قبل أو مع أول الناس في الأرض، وهو آدم ﵇ . وقيل: إن هذه الآية جاءت ردّاً من الله على اليهود، حين قالوا إن بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لكونه في الأرض المقدسة ومهبط الأنبياء. فبيّن الله (سبحانه) بهذه الآية مكانة البيت الحرام بمكة المكرمة (البيت العتيق) ؛ منبهاً لهم وللناس جميعاً بأن هذا أول بيت وضع للناس، وأشرف بيت جعل للعبادة [َهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] . في ظلال قوله (تعالى) : [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ... ] [الحج: ٢٨] : حين نتأمل هذه الآية وما فيها من توجيهات ربانية نجد فيها المسائل التالية: أولاً: إن الله (تعالى) لما أمر بالحج في قوله [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ] اختُلف فيها، فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتجر في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة وهي العفو والمغفرة، وبعضهم حملها على الأمرين جميعاً، وهو الأَوْلى. ثانياً: إنما نكّر المنافع؛ لأن المراد والله أعلم منافع مختصة بهذه العبادة، دينية ودنيوية، لا توجد في غيرها من العبادات. يقول ابن الجوزي ﵀ في كتابه (زاد المسير) : (والأصح: مَنْ حملها على منافع الدارين جميعاً؛ لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج، والتجارة تبع) . ويقول عبد الكريم الخطيب في كتابه (التفسير القرآني) : (والمنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله الحرام كثيرة متنوعة، تختلف حظوظ الناس منها، فهناك منافع روحية تفيض من جلال المكان وروعته وبركته، وذلك بما يغشى الروح من هذا الحشر العظيم، الذي حُشر فيه الناس على هيئة واحدة في ملابس الإحرام مجرّدين من متاع الدنيا، وما لبسوا فيها من جاه وسلطان. ولقد أحسن النسفي ﵀ في تصوير هذه الفريضة، وفى عقد الشبه بينها وبين الحياة الآخرة، حيث يقول: فالحاج إذا دخل البادية، لا يتكل فيها إلا على عتاده، ولا يأكل إلا من زاده، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة، وركب بحر الوفاة، لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده. الهدي.. المشكلة والحل: الهدي: يطلق على الحيوان الذي يسوقه الحاج؛ هدية لأهل الحرم من غير سبب موجب، ويطلق على ما وجب على الحاج أو المعتمر بسبب معين كترك واجب أو فعل شيء محظور، أو كالإحصار والتمتع، وهذا هو المراد في قوله (تعالى) : [وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ... ] [الحج: ٣٦] ، يقول القرطبي ﵀ : وسميت هدياً؛ لأن منها ما يُهدى إلى بيت الله والقاطنين فيه من الفقراء والمساكين. إن شراء الهدي والتقرب به إلى الله (سبحانه) ، يعتبر من أوضح أدلة التضحية بالمال، ويعتبر مثالاً صادقاً على اقتران القيم التعبدية الروحية بالقيم الاقتصادية المادية في شعيرة الحج. ولقد كان تكدس لحوم الهدي في منى مثلاً أيام النحر الثلاثة مشكلة تحتاج إلى حلّ، حيث هي عرضة للتعفن والتلف، ومن ثم: إلقائها إلى الحيوانات، أو التصرف غير الاقتصادي الذي لا يفيد المسلمين، بل يضّر بهم وبفقرائهم ومساكينهم، وبالمستحقين. ولذلك، طُرحت بعض الحلول للخروج من هذه المشكلة بحل سليم يساعد في الإفادة من لحوم الهدي.. وفي هذا الصدد يمكن أن نقدّم بعض التوصيات والاقتراحات للإسهام في حل هذه المشكلة، ومن ذلك: ١- تأسيس مؤسسة اقتصادية إسلامية تتولى العناية بهذه اللحوم وتصنيعها وحفظها في معلبات، وإرسالها إلى مستحقيها من المسلمين في بلاد العالم الإسلامي. مع العلم أن البنك الإسلامي للتنمية يتولى حالياً إنشاء ثلاجات كبيرة لحفظ هذه اللحوم بعد تنظيفها، ثم تصديرها إلى الفقراء والمساكين والمجاهدين والمستحقين. ٢- تعليم الحجاج أحكام الهدي، والتي منها أن الحاج المفرِد لا ذبح عليه، بل القارن والمتمتع فقط. ٣- تكوين جمعية خيرية إسلامية تتولى مهمة الإشراف على جمع وتوزيع وتصدير لحوم الهدي للمحتاجين والفقراء والمساكين. المدلول الاقتصادي للحجّ: للحج مدلول اقتصادي كبير؛ ذلكم أنه فرصة للكسب الشرعي، والكسب الأخروي؛ فهو عبادة مالية وبدنية معاً، وثوابهما معلوم للجميع. إن الحج موسم يلتقي فيه العلماء وذوو الخبرات العالمية الإسلامية، من صناعيين، وتجار، ومهنيين، ومن جميع التخصصات المختلفة، وبهذا تُنتهز فرصة الحج؛ لا لهذا الغرض فحسب، بل تكون تابعة غير مقصودة، ولكنها في الواقع فرصة للمؤسسات الإسلامية، وللمسلمين جميعاً، حيث تنمو العلاقات الاقتصادية بين المسلمين؛ إذ يناقشون مشكلات الأمن الغذائي ومشكلات الاقتصاد بصفة عامة، مما يعود عليهم أفراداً وجماعات بالخير العميم. فلنستفد من هؤلاء: يعيش العالم الإسلامي اليوم مرحلة مهمة من مراحل أيامه الفاضلة، ألا وهي موسم الحج، والذي يعود كل عام على المسلمين، حيث يحج كل عام أناس جدد ومسلمون لم يسبق لهم الحج، وفي حجهم تعليم لهم وتربية، فقد جاؤوا من بلاد بعيدة ومن كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، جاؤوا ليكتسبوا رضا الله (جل وعلا) وهم في أمن وطمأنينة، هذه الفئة المؤمنة الصادقة، والتي منها شباب ذوو خبرة وثقافة علمية وتقنية، ولهم اطلاع واسع على بلادهم وما جاورها. فلم لا يستفاد من وجود هؤلاء في مجال الإعلام الإسلامي؟ . إن على الصحافة وهي بحمد الله تشارك في الحج بكل ما تملك من إمكانات مادية وبشرية أن تجعل من الحج فرصة طيبة لمعرفة العالم الإسلامي، والتعريف به في الصحافة على صعيد واسع، وينبغي أن تكثف الجهود في الالتقاء بالشخصيات من ذوي الثقافات المتعددة والمتخصصة؛ لأن في الحجاج أساتذة جامعات، وأعضاء هيئات تدريس، ومديري معاهد متخصصة، ومسؤولين عن روافد الفكر في بلادهم، كل هؤلاء حقيقٌ بنا أن نرى ما عندهم فننقله إلى العالم الإسلامي عبر وسائل الإعلام، مما يضيف رصيداً جديداً للصحافة، ورافداً متميزاً بالإعلام والتعليم لمعشر المسلمين. إن العالم الإسلامي وهو يشعر بالوحدة والعزلة، ليسره أن يسهم في كل مكان بالتعريف بأرضه، بجباله، وبسهوله، بكل بقعة منه لقاطني هذه المعمورة. ولعل هذه الفكرة أن تكون سهلة التنفيذ، أما مصادر المعرفة للصحفيين فإنها متوفرة، فمن الحجاج أنفسهم، ومن الأماكن التي تحتفظ بأسماء الحجاج، وخاصة المطوفين، وجهات أخرى، أعتقد أنها كلها على استعداد لأن تجعل من موسم الحج مائدة فكرية للقارئ المسلم في كل البلاد. ... ... ... ... ... ... ... ... والله ولي التوفيق،

стр. 2432

دراسات دعوية ظواهر الغربة في الصحوة المعاصرة بقلم: جمال شقدار (يحاول كاتب المقال من خلال نظرة متأنية الإشارة إلى بعض ظواهر الغربة في الصحوة الإسلامية المعاصرة، الماثلة على نطاق الجماعات المنتشرة في العالم الإسلامي، ويعتبر هذا المقال مقدمة تعريفية للاتجاه الذي سيسلكه في النقد الذاتي لمناهج وسلوكيات الجماعات والفرق عامة، دون التركيز على جماعة أو فرقة بعينها ... ) . عندما دخل حكيم الأمة [١] أبو الدرداء على زوجه ﵄ كان مغضباً مما رآه تغيراً في الناس عن سنة المصطفى، فقال عبارته المشهورة: (ما أعرف من أمة محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً) [٢] ، هذا مع كونه (رضي الله عنه) لم يعش هذه الغربة طويلاً، فقد لحق بحبيبه، وما رأى الفتن العظام.. مات قبل مقتل عثمان ﵃ جميعاً) . وقد أحسّ بهذه الغربة الإمام راوية الإسلام [٣] خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورفيقه في سفره وإقامته: أنس بن مالك ﵁ الذي عاش بعد أبي الدرداء ما يزيد عن ستين عاماً، فصارح تلميذه الزُهرُي باكياً: (لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت) [٤] . وهذا الإمام ابن الجوزي صاحب البصيرة النافذة والنظر العميق في أحوال خواص الأمة قبل عوامها بعد خمسمئة عام من عصر أبي الدرداء يعلق على موقف حكيم الأمة فيقول: (واعجباً.. كيف لو رآنا اليوم، وما معنا من الشريعة إلا الرسم ..؟ !) [٥] . وقبل أن يظن بعض أهل الصحوة أني أشير بهذه الآثار الثابتة إلى حال عوام الناس اليوم وغربة الإسلام التي تضج بها سلوكياتهم.. أقول: إن غربة الإسلام في العوام متوقعة بعد مرور ما يقرب من ألف وأربعمئة عام على العصر الذهبي لصدر الإسلام، لكن الغريب كل الغرابة أن نعيش الغربة داخل الصحوة ونحن ندّعي أنها جاءت لتنقذ الأمة وتجدد لها دينها الذي ارتضاه ربنا لها..! ! وأجد أنه من العدل والموضوعية قبل أن نتطرق للنقد الذاتي لظاهرة الصحوة أن نذكِّر بأن لها من الإيجابيات الواضحة ما لا ينكرها إلا مكابر، وقد تركت هذه الإيجابيات بصماتها الواضحة على المسلمين اليوم أفراداً ومجتمعات، ولعله يتيسر لنا يوماً إن شاء الله رصد هذه الإيجابيات والكتابة عنها بتوسع [٦] . والحقيقة: إن الناظر بعين البصيرة لظاهرة الصحوة في هذا العصر على اختلاف مناهج فرقها وتعدد اتجاهاتها، يجد كثيراً من الظواهر المَرَضِيّة المتفشية في مجموع الفرق والجماعات، وعلى جميع المستويات العاملة بها، والقارئ لسيرة السلف ﵃ بتمعن سيجد نفسه مضطرّاً إلى أن يعقد المقارنة تلو المقارنة بين حال الصحوة اليوم وما كان عليه السلف في عصر صدر الإسلام [٧] ... وسيرى بسهولة مقدار الغربة عن الإسلام في صحوة اليوم، وله أن يتساءل حينها: أين وحدة المسلمين تحت مظلة الاسم الواحد الذي سماهم به الله في كتابه العزيز [هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ ... ] [الحج: ٧٨] مما هو حاصل اليوم من افتراق (خواص المسلمين) تحت رايات عديدة وأحزاب شتى [كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] [الروم: ٣٢] ، يكيدون ويحاربون بعضهم بعضاً، ويكيلون التهم جزافاً، بدءاً من التبديع ومروراً بالعمالة والتفسيق، وانتهاءً بالتكفير..! ! مدفوعين بقوة الجهل والهوى، جاعلين أنفسهم بما يفعلون في مصاف المفارقين لأهل السنة ... والجماعة [٨] . وله أن يتساءل أيضاً: أين بساطة المعتقد عند السلف ووضوحه عما هو حاصل اليوم من تتبع عقائد الفرق الضالة حذو القذة بالقذة، وتبني أساليب أهل الكلام ومتاهاتهم اللفظية والعقدية؟ بل وأين القلوب الهينة اللينة.. ذات النفوس الخاشعة والعيون الدامعة مما يعاينه أفراد الصحوة على شتى اتجاهاتها من قسوة في القلوب وتفريط في العبادات كمّاً.. وكيفاً..؟ [٩] . ولا شك أن سبب الغربة عامة وغربة الصحوة بشكل خاص هو: البعد عن سنة المصطفى رسول الله ﷺ ، التي تعرف بأفعاله وأقواله الثابتة وبما سار عليه خلفاؤه وأتباعه في القرون المفضلة.. أما سبب الانحراف عن هذه الطريقة فهو كما يلخصه لنا الإمام ابن الجوزي (رحمه الله تعالى) : (إما الجهل بها أو الخروج عليها.. فيجري الإنسان مع الطبع والعادات، وربما اتخذ ما يضاد الشريعة طريقاً) [١٠] . وقلما يجد من عاين أحوال الدعوة وأطوارها شابّاً من أفراد الصحوة لا تنبئ فعاله قبل مقاله عن بعده عن منهج السلف الصالح.. فتجده يشكو قسوة القلب وغلظة الطبع وغياب الخشوع في الصلاة وانشغال اللسان عن ذكر الله [١١] . بل وقد يسقط بعضهم في مهاوي الرذيلة سرّاً، فلا يجد ما ينتشله من هذا التردي سوى التخفي خلف صلاح الظاهر بحجة (إذا بليتم فاستتروا) ، فتكثر البلوى في الخلوة، ولا تكاد تبين في الخلوة، وبدلاً من الشروع في علاجها وتداركها تراه يتستر عليها من الناس دون الله المطلع على السرائر والأحوال. وقلما يجد الناظر ببصيرة فرقة أو جماعة إلا وَهمّها (الدعوي) الأكبر زيادة الأتباع، والمسابقة على (اقتناص) الأفراد والمواقع في المجتمعات، وبدلاً من التركيز على الكيف، كان الكم هو الشاغل الأكبر، ولا شك أن من كثر جمعه تشتت جهده، فيتربى الأتباع تحت هذه العباءات وداخل هذه الأطر في أجواء التسابق (الدعوي) المحموم والتعصب المكشوف، فتنمو علومه ومهاراته (الحركية) على حساب إصلاح النفوس والتخلص من آفات القلوب، وعلى حساب الأنس بالله الذي هو غاية المقصود من كل علم وتعليم، ولا شك أن من كانت هذه أفعالهم فإن لهم (قلوب غافلة عن الله ، إذ لو كانت لها به معرفة لاشتغلت به، وكان أنسها بمناجاته، وإيثارها لطاعاته، وإقبالها على الخلوة به، لكنها لما خلت من هذا تشاغلت بالدنيا، وذلك دنيا مثلها، فإذا خلت بخدمة الله (تعالى) لم تجد لها طعماً، وكان جمع الناس أحب إليها وزيارة الخلق لها أثر عندها، وهذه علامة الخذلان. والنفس لا بد لها مما تُشغل به، فمن اشتغل لخدمة الخلق أعرض عن الحق فإنما يربي رياسته، وذلك مما يوجب الإعراض عن الحق [مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ... ] [الأحزاب: ٤] ) [١٢] . وترى همة الفرد في هذه الجماعات قد اقتصرت في سني حياته (الدعوية) على زيادة أتباع فرقته والذود عن حمى رموز الجماعة، فيضيق مفهوم الولاء والبراء حتى يصل إلى قناعة (من لم يكن معي فهو ضدي) وتكون قاصمة الظهر.. ضيقاً في الأفق، وفرزاً للناس، وتصنيفاً للعاملين في مسار الدعوة للتعامل معهم بمقتضى هذا التصنيف سلباً وإيجاباً، وكم جرّ هذا التصنيف من (قارعة في الديار، بتشويه وجه الحق، والوقوف في سبيله، وضرب للدعوة من حدثاء الأسنان في عظماء الرجال باحتقارهم وازدرائهم، والاستخفاف بهم وبعلومهم، وإطفاء مواهبهم، وإثارة الشحناء والبغضاء بينهم، وهضم لحقوق المسلمين في دينهم وعرضهم، وتحجيم لانتشار الدعوة بينهم، بل صناعة توابيت تقبر فيها أنفاس الدعاة ونفائس دعوتهم) [١٣] . وتطفيف المكيال.. وما أدراك ما تطفيف المكيال؟ ترانا نَزِنُ ما لأنفسنا بدقة، ونحاسب ونلوم من نتعامل معه من الخلق.. كيف أنقصنا؟ ! ولِمَ تَجرّأ على ... ذلك؟ ، ونحن أهل الدعوة الحق، الموقعون باسمه (تعالى) ! ! واغتررنا بما زعمناه لأنفسنا وكررناه في تعاملنا مع الله، فإذا أتينا ما يكرهه (سبحانه) ساغ لنا أن ننتظر منه (تعالى) ما نحبه [١٤] ، وغفلنا أن لا نَسَبَ لأحد مع الله، ونسينا قوله (تعالى) لليهود مؤكداً ميزان العدل عنده (تعالى) : [أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ] [القمر: ٤٣] . ونتيجة حتمية أخرى من نتائج البعد عن منهج السلف: أن تخطئ بعض الفرق والجماعات الموزعة في العالم الإسلامي مرة تلو الأخرى في سعيها للتغيير وإعادة البناء، ويؤدي ذلك إلى ضرب الدعوة وإغلاق مجالات الخير أمام الصالحين، ثم تجيء جماعة أخرى، وفي بلد آخر لتبدأ من الصفر وتقع في التجربة الفاشلة نفسها [١٥] ، ولنرى بأعيننا كيف أننا نفتن في كل عقد مرة أو مرتين ثم لا يكون فينا التائبون ولا يكون فينا المتذكرون! فإذا كان هذا هو حال جماعات الصحوة على الأغلب، وهو كذلك بلا مجاملة ولا خداع، فلا بد من مراجعة للمسار وتقويم للصحوة ذاتها ومنهجها، ولا بد أن يتجرد الناصحون من ذوي البصيرة النافذة والأفق الواسع والمرجعية الشرعية المستقلة لمدارسة ما للصحوة وما عليها، وإن مما ابتليت به الصحوة أن يكتب مثلي على ضعف علمه وقلة خبرته ناقداً وسابراً لأغوارها، فلا حول ولا قوة إلا بالله، غير أن عزائي فيما قلته وسأقوله في هذا المجال: أني مسلمٌ شاء له قدره أن يتطفل على أهل العلم والاختصاص متجرءاً عليهم؛ لعل وعسى أن يتجرد ناصحوهم فيتدارسوا أمر هذه الصحوة ويضعوا لها النقاط على الحروف بميثاق شرف يجمع الأمة مرة أخرى، عوامها وخواصها على ما كان عليه النبي وأصحابه، وليكن حلف فضول جديد، نُدعى له فنجيب. ... ... ... ... ... ... ... ... والله من وراء القصد،

стр. 2433

نص شعري فارس المنبر شعر: عبد الله الزهراني في هذا العام ١٤١٧هـ انتقل إلى رحمة الله عالمٌ جليل من علماء الإسلام ... قضى حياته في الدعوة إلى الله، وفي الصّدْع بكلمة الحق، وفي الذّبِّ عن حياض الإسلام، تخيّر طريق الدعوة إلى الله بأسلوبه الخاص المؤثر، وعانى في سبيل الله من حَسَدِ الحُسّاد، وعداوة العلمانيين، حتى أُوقف عن الخطابة، فصَبَرَ واحْتَسَبَ؛ وعمل جاهداً على تفسير القرآن حتى أنجزه، ثم لقي ربّه بما قدّم، نسألُ الله له الرحمة والمغفرة، ذاكم هو فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك ﵀ ، وفي رثائه قلتُ هذه الأبيات: بَكَى الْحِجَازُ، وَضَجّتْ مِصْرُ مِنْ أَلَمِ وأَجْرَتِ الدّمْعَ كالْهَطّالِ فِي الدِّيَمِ لِفَقْدِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الشّهْمِ حِينَ ثَوَى فَمَوتُهُ ثُلْمَةٌ لِلْخَيرِ وَاًلقِيمِ لَمّا سَمِعْتُ بموت الشيخ أَفْزَعَنِي كأنّ قَلْبي بسَهْمِ الْحَاسِدينَ رُمِى كَتّمْتُ حُزْنِي، وَنَارُ الصّبِّ تَحْرِقُني جُرْحُ الْحَبيبِ بِقَلْبِي لَيسَ ذَا أَلَمِ الله يَعْلَمُ مَا طافَتْ بِذَاكِرَتِي ذِكْرَاكَ إِلاّ سَكَبْتُ الدّمْعَ مِنْ سَقَمِ مَا زِلْتَ حَيّاً، فَكَمْ مِنْ مَيِّتٍ ذكرت آثاره بينَ أهْلِ الْعِلْمِ والأُمَمِ لِكنّ فِي أُمّةِ الإسْلامِ طَائفَةً مِنْ نَهْرِ طه تَغَذّتْ أَفْضَلَ الْحِكَمِ قُلَوبُهُمْ كَقُلُوبِ الطّيرِ لَيِنَةٍ فِي جَانبِ الْخَيرِ، وَالأَحْلاَمُ كَالْعَلَمِ عَبْدَ الْحَمِيدِ: جَزَاكَ الله مَكْرُمَةً فِي جَنّةِ الْخُلْدِ مَعْصُوماً مِنَ التّهَمِ أَخْلَصْتَ سَعْيَكَ لِلإِسْلامِ مُجْتَهداً حَتّى رَفَعْتَ شِعَارَ الدِّينِ لِلْقِمَمِ شَيّدْتَ لِلدِّينَ أَسْوَاراً وَأَبْنِيَةً ولِلْفَضِيلَةِ رُكْناً غَيرَ مُنْهَدِمِ فِي كُلِّ بَيتٍ يُدَوِّى صُوُتُكُمْ لَهَجاً بِالْحَقِّ يَسْرِى مَسِيرَ النّورِ فِي الظّلَمِ لَمْ تُؤْثِرِ الصّمْتَ حَتّى اهْتَزّ مِنْبَرُكُمْ كالسّيفِ فِي وَجْهِ أَهْلِ البّغْيِ وَالْجُرُمِ كَلامُكُمْ فِي رُبُوعِ الأَرْضِ طَارَ بِهِ إِخْلاَصُكُمْ حِينَ صُغْتُمْ حَرْفَهُ بِدَمِ تَرَكْتَ ذِكْراً لكُمْ في الأَرضِ ينْشُرُهُ فِي الْخَافِقَينِ إِلَهُ البيتِ وَالْحَرَمِ وَالذِّكْرُ عُمْرٌ جَدِيدٌ لَيسَ يُغْفِلُهُ مَنْ كانَ ذَا هِمّةٍ كَالسّيلِ مُحْتَدِمِ عُمِرْتَ دَهْراً فَمَا شَابَتْ عَزَائِمُكُمْ والشّيبُ فِي الرّاًسِ غَيرُ الشّيبِ فِي الْهِمَمِ أَمْسَكْتَ بِالْعُرْوَةِ الْوْثقَى فَمَا سَمِعَتْ أُذْنَاكَ عَنْ لَومِ مَاًفُونٍ وَلا قَزَمِ غَرَفْتَ مِنْ نَهْرِ فَارُوقٍ وَحِكْمَتِهِ وَمِنْ خِصَالِ عَليٍّ أَفْضَلَ الشِيَمِ تَرَكْتَ فَارُوقَ مِصْرٍ أَو خُدِيوِيَهَا وكُلّ أَرْعَنَ جَبّارٍ وُمُنْتَقِمِ لا شَمْسُ بَدْران أَو بَسْيُونِي أَرْهَبَكُمْ فَأَنْتَ ليثٌ، وهُمْ أَدْنى مِنَ الرّخَمِ مَا رَاعَكُمْ سَوطُ جَلادٍ وَشِدّتُهُ وَلاَ عَزَائِمُكُمْ خَارَتْ مِنَ الأَلَمِ فِي سِجْنِ يُوسُفَ عِشتَ الْعُمْرَ مُحْتَسِباً وَالسِجْنُ مَدْرَسَةُ الأَبْطالِ والْبُهَمِ سَوَادُ عَينَيكَ زَادَ الْقَلْبَ فَاجْتَمَعَا عَلَى الْعُلُومِ بِعَزْمٍ غَيرِ مُنْصَرِمِ عَبْدَ الْحَمِيدِ سَأَلْتُ الله مَسْأَلةً أَنْ يَجْعَلَ المُلْتَقى فِي جنّةِ النّعَمِ مَعَ النّبِيِّينَ وَالأَخْيارِ قُدْوَتِنَا مَعَ الرّسُولِ أبي الأيتَامِ وَالْكَرَمِ مَعَ الصّحَابَةِ لا حُزْنٌ وَلا سَقَمٌ وَلا هُمُومٌ، وَلا نَشْكُو مِنَ الْهَرَمِ بَينِي وبَينَكَ دِينُ الله يَجْمَعُنَا مَا جَمّعَتْنَا عُرَى الأَنسَابِ وَاللّحَمِ

стр. 2434

مرتكزات للفهم والعمل الخشوع منزلته، موجباته، آثاره بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال الخشوع: ضراعة القلب، وطمأنينته وسكونه لله (تعالى) ، وانكساره بين يديه، ذلاّ، وافتقاراً، وإيماناً به وبلقائه. ومحل الخشوع: القلب، وثمرته: تظهر على الجوارح، ولذا قيل: إذا ضرع القلب، خشعت الجوارح، وذلك لأن القلب مَلِك البدن، وأمير الأعضاء، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده، فيمثل الخشوع إذن: الانقياد التام لأوامر الله ونواهيه، والعكوف على العمل من غير توانٍ ولا فتور. منزلة الخشوع من الإيمان: الخشوع من الإيمان؛ الذي هو في القلب، وإنما يزيد الإيمان بحياة القلب، وذلك بالاشتغال بالعلم النافع والعمل الصالح، كما أنه ينقص بمرض القلب، ويذهب بموته، وذلك بالانصراف إلى الشبهات والشهوات، فعلى المسلم أن يتعاهد قلبه في جميع أحواله ليدفع عنه القسوة؛ فإنها إذا استبدت به منعته الخشوع. والله يريد من عباده الترقي في سلم الإيمان، ودرجات اليقين، ولذا: عاتب المؤمنين الذين لم يبلغوا قمة الخشوع؛ حيث تدل حركتهم البطيئة على ضعف لا يرضاه الله للعصبة المؤمنة حاملة المنهج الرباني، لتبليغه للناس كافة؛ عاتبهم فقال: [أََلَمْ يَاًنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] [الحديد: ١٦] ، وفي الآية تلويح بما كان عليه أهل الكتاب من قسوة أورثتهم الفسق في الأعمال، ومن هنا كان التحذير الشديد من مآلهم، حيث طال عليهم الزمان، واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم، وذهب إيقانهم. ثم قطع الله دابر اليأس، وبَعَث الأمل؛ فإن القلب القاسي يمكن عودته إلى الله وإقباله عليه؛ كالأرض يحييها الله بعد موتها، قال (تعالى) : [اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [الحديد: ١٧] ، خاطبهم بكل ذلك؛ ليزدادوا قرباً منه (تعالى) ، فتوجل قلوبهم لذكره، وتسكن قلوبهم لأمره؛ ليكونوا من المخبتين، فيتأهلوا لدار كرامته، ويصيروا من أهل النفوس المطمئنة لتُنادى بالنداء الكريم العظيم: [يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي] [الفجر: ٢٧ -٣٠] . هذا هو خشوع الإيمان الذي يريده الله من عباده، ليس منه الزعيق والصياح، ولا الرقص والتصفيق، ولا ضرب الخدود وشق الجيوب. وشتان بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق الذي يبدو على الجوارح تصنعاً وتكلفاً ومراءاة، مع كون القلب غير خاشع، والنفس منطوية على إرادة الشهوات [١] . وقد رأينا ثمرة هذا الخشوع الإيماني في حياة سيد الخاشعين، الذي كان له في الانكسار لله (تعالى) والذل بين يديه أكمل الأحوال، فقد رؤي يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرحى أي الطاحون من البكاء [٢] ، وربما بكى فبلّ حِجْرَه، ولحيته، والأرض تحته [٣] ، وكان كثير الذكر والاستغفار والتوبة، وكذا صاحبه الصديق ﵁ كان وجلاً رقيقاً، إذا صلى أو قرأ القرآن بكى [٤] ، وأما الفاروق فيكفيك أنه مرض مرة لسماع القرآن وعاده الناس في مرضه لا يدرون ما به! وقد أصاب سهمٌ أحدَ الصحابة وهو في صلاته فأزاله ورماه وأتمّ صلاته. ومن السلف من كان يقوم في الصلاة كأنه عمود تقع الطيور على رأسه من شدة سكونه وإطالته، ولهم في ذلك أحوال يطول منها عجبنا؛ لأننا لا نرى ذلك في واقع حياتنا [٥] . مكانة الخشوع وفضائله: والخشوع علم نافع؛ لأن العلم النافع ما أوجب خشية القلوب، لذا: كان يستعيذ من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا تُسمع، فإن القلب الذي لا يخشع: علمه لا ينفع، ودعاؤه لا يسمع. وهذا العلم النافع هو أول ما يرفع من الأمة، كما في الحديث: (أول ما يرفع من الناس الخشوع) [٦] ، وبذهاب الخشوع تكون العبادة بغير روح، وهذا أمر يورث الخوف على القلب، وتفقده دائماً. وفضائل الخشوع كثيرة: فهو يقرب القلب من الله، فيمتلئ نوراً، فينتفع صاحبه بآيات الله الشرعية، والكونية، ويكون له في كل نظرة عِبرة، وعَبْرة. ويقي صاحبه من غوائل العجب والغرور والإدلال والرياء. وبه تُستنزل رحمة الله (تعالى) ، وأعظمها: حصول البشرى [وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ] [الحج: ٣٤] ، وبه ... ينال الأجر العظيم، فالخشوع طريق الفلاح الموصل إلى الجنة: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ] [المؤمنون: ١، ٢] ، ثم قال: [أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ (١٠) الَذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] [المؤمنون: ١٠، ١١] . مواطن الخشوع [٧] : وهي كثيرة، ولكنه ارتبط بالصلاة أكثر من غيرها، فلا يُذكر إلا وينصرف الذهن إليها؛ لأن أعمالها تتضمن الذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، والركوع، والسجود، وهي مواطن الخضوع والبكاء والخشية والتخشع. وقد أمر الله (تعالى) بإقامة الصلاة، وإقامتها تعني: أداءها كما أمر الله ورسوله، بتوجه القلب والجسد كلية إلى الله (تعالى) ، وبالخشوع فيها يجمع المصلي بين طهارة الظاهر والباطن، ثم إن المغفرة وتكفير السيئات ورفعة الدرجات مرتبة على قدر الإحسان في أداء الصلاة، وقد بلغ من منزلة الخشوع فيها أن الله (سبحانه) جعل الصلاة الخاشعة أول صفات المؤمنين المفلحين الوارثين للفردوس، حتى اختلف الفقهاء في الاعتداد بالصلاة التي لا خشوع فيها! ! ، وإن كان يسقط أداؤها، لكن الأجر بعيد. والصلاة مرآة لإيمان المصلي، فخشوعها الباطن مرآة القلب، وخشوعها الظاهر مرآة الجوارح، وفي بيان صلة الخشوع بالإيمان قال (تعالى) : [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ] [المؤمنون: ١، ٢] ، وكما أن كل زيادة في الإيمان تزيد في الخشوع، فإن الصلاة من أعظم أعمال الإيمان، وخشوعها يزيد الإيمان. إن تفاعل المسلم مع صلاته لا ينبغي أن ينفصل عن تفاعله مع بقية إسلامه: علماً، وعبادة، ودعوة، فالذي يعيش الإسلام، ويعيش للإسلام، ويحاول أن يستأنف حياة إسلامية في شخصه ومجتمعه، تنفتح له آفاق من الخشوع عند الصلاة والذكر والتلاوة والتفكر، لا تنفتح لغيره، فيجد لعبادته هذه حلاوة. موجبات الخشوع (الطرق الموصلة إليه) : إن مما يحصّل به المسلم الخشوع: ١- تلقي أوامر الله (تعالى) بالقبول والامتثال، وعدم معارضتها بشهوة أو رأي. ٢- الحرص على الإخلاص، وإخفاء الأعمال عن الخلق قدر المستطاع، ومطالعة عيوب النفس ونقائص الأعمال ومفسداتها من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق، والتقصير في إكمال العمل وإتمامه. ٣- الإشفاق من رد الأعمال وعدم قبولها. ٤- مشاهدة فضل الله وإحسانه، والحياء منه؛ لاطلاعه على تفاصيل ما في القلوب، وتذكر الموقف والمقام بين يديه، والخوف منه، وإظهار الضعف والافتقار إليه والتعلق به دون غيره. ٥- طلب هدايته وتوفيقه وتسديده. ٦- ومن أعظم الطرق: معرفة الله ﷻ بأسمائه الحسنى وصفاته العلا.. والعلم النافع، وهو: العلم بآيات الله الكونية والشرعية، الذي يربط القلب بالله. وكذلك الإكثار من ذكر الموت، والجنة والنار، والإكثار من ذكر الله تضرعاً وخِيفة، ودعائه تضرعاً وخُفية، فإن ذلك أعظم إيماناً وأبلغ في الأدب، والتعظيم، والتضرع، والخشوع، والإخلاص، وجمعية القلب على الله (تعالى) . ويمكن تحصيل ذلك كله بالإقبال على كتاب الله الكريم، مع تعاهد التلاوة، وإدامة النظر، وطول التأمل وكثرة التدبر، الذي يورث الصلة بالله (تعالى) ، والمسارعة في الطاعات، واستباق الخيرات، وهو الأمر الذي لأجله أنزل الله القرآن الكريم. وأما الصلاة: فإن تفصيل الطرق الموصلة إلى الخشوع فيها يطول، ولكن هذه بعض مفاتيحها: ١- العلم بمنزلة الصلاة، والإلمام ببعض أسرارها، وهو الأمر الذي لا يهتم به إلا قليل من الناس. ٢- المحافظة على آدابها الظاهرة حال التطهر والاستعداد لها والخروج إليها، والاعتدال والاطمئنان في كل أركان الصلاة وأجزائها، مما يحقق خشوع الظاهر، فيساعد على خشوع الباطن. ٣- التحقق بخشوع القلب، وتجريده من الرياء، فإنه لا خشوع بلا إخلاص، ولا بد منهما جميعاً، فإن ذهاب أحدهما يتعلق به ذهاب الآخر، قال (تعالى) : ... [فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ] [الماعون: ٤ - ٦] . أما الوساوس والخطرات فأفضل شيء لها: التخلص من الشواغل قبل الدخول في الصلاة، والتحصن ضدها بعد الدخول في الصلاة، وذلك أمر يحتاج إلى طول المجاهدة وإدامة الصبر حتى يبدأ القلب في الخشوع مرة تليها ثانية، حتى يصير الخشوع صفة من صفات القلب اللازمة له، والله المستعان. ٤- تدبر معاني الأقوال، وأسرار الأفعال في الصلاة، وهي مجال خصب وبحر لا ساحل له. ٥- النظر في سير الخاشعين أحياءً وأمواتاً. ٦- قيام الليل، وهو مدرسة تعلم الخشوع والإخلاص. علامات الخشوع: وهي أمارات يتعرف بها الإنسان على حال قلبه، ومنها: حب الصلاة والاشتياق إليها، والمسارعة إليها، وكونها سهلة خفيفة تشرح الصدر ويطمئن لها القلب. حضور القلب عند تلاوة القرآن، والذكر والدعاء، وسماع المواعظ والخطب، وتدبر كل ذلك بيسر وسهولة. دوام الشكر عند حصول النعم واندفاع النقم، وبقاء القلب على وجل من كون ذلك استدراجاً. دوام الصبر عند وقوع البلاء وتلقيه بالرضى والاستسلام والطمأنينة. كثرة التدبر والتأمل والتفكر في مخلوقات الله، وفي حال النفس، وأحوال العصاة، والشفقة عليهم، وسؤال الله العافية. ومما ذكر الله من صفات الخاشعين: الخوف من الله بمجرد ذكر اسمه، والبكاء من خشيته، وعند سماع كلامه، والصبر، وإقامة الصلاة، والإنفاق، وتعظيم شعائر الله، واليقين بملاقاة الله (تعالى) ، والمسارعة في الخيرات، ودعاء الله رغَباً ورهَباً. آثار الخشوع: يضفي الخشوع على الأفراد والأمم آثاراً كثيرة، منها: ١- أنه يبعث الحياة في العمل، فيؤتي ثمرته المرجوة وغايته المقصودة. ٢- أنه يجعل العبادة محببة للنفس، خفيفة غير ثقيلة. ٣- المسارعة إلى الإذعان للحق والدعوة إليه، وبذل غاية الوسع في التعليم والدعوة والتربية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤- توحيد المشاعر والاتجاهات والمقاصد نحو الله (تعالى) لاشريك له، فيتوجه العمل والنشاط والعبادة نحو غاية واحدة، فيحصل من ذلك: إحياء الأمة وقوتها وانتصارها، بصلاة الخاشعين ودعائهم وإخلاصهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وقد لمسنا آثار الخشوع في حياة سلف هذه الأمة الذين قاموا بأمر الله خير قيام، وحملوا لواء العلم والعبادة والدعوة، وما كان ليحصل ذلك لولا ما تحمله قلوبهم من تعظيم الله ومحبته وخشيته. وإذا لم يكن الخشوع صفة الدعاة وحالهم، فإن الخطْب جلل، والمصيبة عظيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نسألك يا مقلب القلوب أن تُلزم قلوبنا خشيتك، وأن تعمرها بتعظيمك، وتملأها بالذل لك [*] .

стр. 2435

بأقلامهن كيف نتحرر من أفكارنا الخاطئة ؟ بقلم:فاطمة محمد الخراز كلّ فرد منا له منظارٌ خاص ينظر من خلاله إلى الأشياء المحيطة به، وكلّ منا له وجهة نظره تجاه الأحداث والمجريات، فهناك من يتعامل مع الأحداث بشيء من الحكمة، وهناك من يرى أن من الحكمة أن يُفل الحديد بالحديد، وهناك من ينظر من عدسة مظلمة فلا يرى سوى لونين: الأسود، والأبيض الممتزج بشيء من الكدرة والظلام، وفي الطرف الآخر: نجد الإنسان الذي أحسن تنظيف عدسته فأصبح يرى الأشياء على حقيقتها الأسود أسود والأبيض أبيض، وكذا: الأخضر، والأحمر، وسائر الألوان، فأصبح يتعامل معها ويمزج بعضها ببعض فيخرج لنا بلوحات رائعة من الرؤية الصحيحة والفهم السليم. وقد تشاهد امرأة تجني على أطفالها بالضرب حيناً وبالتقريع الكلامي حيناً آخر، وقد تسمع وربما تشاهد المعلم الذي يلطم طفلاً على وجهه لأنه لم يحسن فهم مسألة ما، ولو فتشنا في خبايا العقل الباطن لكلٍّ من هذين النموذجين فربما نجد أن الأم ربما تسلك هذا السلوك للتنفيس عن المشاعر المكبوتة لديها تجاه الأب! ، فقد يكون الأب على خلاف معها، فهي تنتقم من الأب من خلال الأطفال دون أن تشعر.. أما بالنسبة للمعلم: فإنّه ربما يكون قد تعرض في صغره لصفعة مماثلة، فهو يريد الانتقام، أو أنه يحمل في طيات نفسه شعوراً بالعظمة جعله يحتقر كل من لم يفهم وكل من يتعثر.. وكل إناءٍ بالذي فيه ينضح. كثيراً ما تتكدر الأسماع عند الإنصات لفئة من الناس جعلت أكل اللحوم البشرية مهنتها السائغة، فهي لا تفتأ في كل مناسبة عن إثارة الزوابع الكلامية، وتطعن في فلان وفلانة وتتفنن بالشماتة من هذا وذاك، إن سمعت خيراً تسترت عليه، وربما ينطبق على هذه الفئة المثل العامي: (كلّ يرى الناس بعين طبعه) .. معنى ذلك: أن المسألة مرتبطةٌ بالطبع، والطبع ناتج عن العادات، والعادات ناتجة عن النوايا، والنوايا تعني الأفكار، إذن: الفكرة هي مصدر الهم والقول والعمل، فإذا كانت الفكرة حسنة اتخذ صاحبها وسيلة حسنة وتوصل إلى قولٍ حسن أو فعل حسن، وإن كانت الفكرة بخلاف ذلك امتطى صاحبها حصاناً جامحاً لم يسرج، فما يلبث أن يجد نفسه واقعاً تحت حوافره، وصدق رسول الله ﷺ حين قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) [١] . إن كثيراً من التخبطات التي يعيشها الأفراد والجماعات ناتجة عن سوء التفكير، وإذا تأملنا حياة إنسانٍ وُفرت له جميع وسائل الرفاهية والراحة والسعادة ثم لم نجده قد حظي بشيء من ذلك أو شعر به، فما علينا إلا أن ننقب في فكره، فالترسبات الفكرية التي مرّ بها الإنسان لها دور كبير في دفع حياته للأمام أو الخلف وإن كانت جيدة، فلا يصح أن نطلق عليها ترسبات، وإنما هي شحنات إيجابية، أما ترسبات الماضي التائهة في محيط النفس والمدفونة في القاع فقد تأتي عليها لحظة فتقفز إلى السطح.. فنرى الإنسان يتصرف تصرفات غير واعية ... وحينما يلام تكون إجابته: لا أدري ما الذي جعلني أتخذ هذا الموقف أو أتفوّه بتلك الكلمة أو أتصرف ذلك التصرف! .. ولم يدرِ أنها مخلفات الماضي التي لم يسعَ إلى طردها من فكره. الإنسان الذي ينظر لنفسه دائماً ويتصرف من منطلق النصرة والثأر لكرامتها ليس إلا إنسان طغت لديه (الأنا) ، فهو أناني محبّ لذاته (لذاته فقط) وليس أحد سواه، ولسان حاله: (أنا ومن بعدي الطوفان) ، فالمهم (هو) ، والمحور (هو) ، وبؤرة العدسة والشعور (هو) .. والإنسان الذي ينظر إلى الناس: كيف يرونني؟ ، وكيف أجعل الوجوه تنصرفُ إليّ؟ ، وكيف يهب الآخرون إجلالاً واحتراماً لي؟ فهذا إنسان جعل نفسه عبداً من عبيد الناس، يلهث ويلهث دون جدوى، كلما رأى الناس تهوى أمراً فعله! ، ولم يعلم أن رضا الناس غاية لا تدرك، ولم يعلم حقيقة معنى قوله (تعالى) : [وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ... اللَّهِ ... ] [الأنعام: ١١٦] . إن الأفكار أيّاً كانت حسنة أوسيئة ما هي إلا بذرة تخرج ثمارها في سلوكنا وتصرفاتنا، وكل فكرة تحدث في وعينا الداخلي قوة تبعثه نحو سلوك معين، وإلى هذا يشير المثل الصيني: (كما تفكرون تكونون) ، فكل إنسان يحمل في نفسه بذور حقد دفينة، سيأتي لها لحظة تظهر فيها شجرة الزقوم.. وكل إنسان يحمل الغرور أو الكبر أو الحسد أو الأنانية ... ولا يُظهر تلك المشاعر، فحتماً سيأتي موقف يخرج غيظ صدره، وسيأتي موقف تُسقى به تلك البذور بماءٍ غساق، لتخرج شجرة طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فوراء كل فكرة هدف يسعى الإنسان للوصول إليه، شعر بذلك أم لم يشعر، ووجود الهدف يولد الفكرة التي تشكل النوايا تجاه هذا الهدف، والفكرة تزرع الأقوال والأفعال، ومن تراكم الأقوال والأفعال تنبثق العادات، ومن العادات ترسخ شجرة الطبائع فيصبح الإنسان متطبعاً بأمرٍ قد يرفضه، ثم يقول: ماذا أفعل؟ ، وهنا يأتي دور الإنسان للبحث عن مخرج ولمحاولة التحرر وتحطيم تلك الترسبات المتمثلة في الأفكار الخاطئة المنبعثة من قلب رازح تحت وطأتها، وبالتالي: يحرز الإنسان النصر على أقواله وأفعاله ويقوِّم ما أعوج منها.. كل شيء في الطبيعة الإنسانية قابل للتحول والتبدل، وأكبر مثال على ذلك: صحابة رسول الله ﵃ أجمعين) ، فقد أمضوا سنين طوالاً تحت وطأة المعصية قبل بعثته، وحين استجابوا لنداء ربهم تمردوا على تلك الطبائع وتحرروا من قيود المعاصي، فملكوا العالم وفتحو مشارق الأرض ومغاربها. فإذا كنت تمتلك طبائع أقضت مضجعك لسوئها فما عليك إلا أن تبني في نفسك عزيمة صادقة على رفض تلك النوايا وتلك الطبائع، ورفضك لها يعتبر نقطة البداية في التغيير وفي التحرر من الأفكار الخاطئة والأقوال المبتذلة والأفعال المتسمة بالفوضى، ليسعك أن تهنأ براحة ضميرك وطمأنينة نفسك. ولكي يتحرر الإنسان من تلك الأفكار فعليه أن يعلن الحرب عليها متسلحاً بسلاحين لا غنى له عنهما: ١- إرادة قوية وعزيمة صادقة على تغيير تلك الأفكار لخطورتها. ٢- إخضاع تلك الأفكار وفق ما يرضي الله. إن العاقل من الناس يفكر دوماً باتجاه صحيح وفي مسار صحيح، متجرداً عن كل ما من شأنه أن يعرقل مسيرة تفكيره من رواسب الماضي ومخاوف المستقبل؛ فرواسب الماضي ومخاوف المستقبل هما العنصران المحركان لكل تفكير خاطئ، ولكل تصرف عشوائي، ولكل نظرة سوداوية، والمسلم في منجاة من ذلك كله؛ لأنه يعلم أن ما حدث له في الماضي هو بقضاء الله وقدره، وحسبه منه أن يأخذ منه عظة وعبرة.. وحسبهُ منه أن لله حكمة فيما يحدث إن لم تبدُ له الآن فستبدو له بعد حين، أما بالنسبة للمستقبل: فهو على يقين من قوله (تعالى) : [قُل لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ... ] [التوبة: ٥١] . حين نزرع في أنفسنا أفكاراً سامية فلا بد أن تكون مغارس بذورها طيبة، فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، فكثير من الناس يتشدقون بالأفكار النبيلة والكلمات اللطيفة ويبنون مدينة الفضيلة، ثم إذا نظرت في أيديهم وجدتها صفراً من تلك القيم والأفكار والمبادئ.. أجل، لقد تعبوا في جمع شرانق دودة القز وواصلوا السهر لنسيج الحرير، ولكن لحظة امتحان إثر موقف مثير يجعلهم يحدثون ثورة عارمة فيتمزق الحرير الذي نسجوه وتتطاير الشرانق.. لقد كانت أفكارهم سامية، ولكن كان ينقصها أهم عامل يبعث فيها الحياة: كان ينقصها الصدق، ولم تكن تلك الأفكار إلا أهدافاً شخصية لواضعيها وللمتغنين بها.. فلنحذر الأفكار الزائفة؛ لأنها ستجعل منا فريسة لمواقف تكشف سوء النوايا، قال الشاعر زهير بن أبي سلمى: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم إذن: لتكن لنا أفكارٌ فاعلة، ولكن ليكن منبتها على أسس شرعية؛ فحين نعلن الحرب على العادات والطبائع علينا أن نجتثها من جذورها حتى لا تخرج لنا على لون أو شكل آخر، ولننظر في خبايا النفس لنكشف النقاب عن سرِّ تلك العادات، ومن ثم: نتخلص منها، فالطبيب يبحث عن سبب المرض ثم يمنح الدواء، والشفاء يكون من عند الله. إن مواقف الاختبار التي يمرّ بها الإنسان كثيرة.. كثيرة جدّاً، وهي جديرة أن تجعله يقف مع نفسه وقفات عدة. حاول ألا يصدر منك ما لا ترضاه.. بل ما لا يرضاه الله من قول أو فعل أو هم أو فكر.. احرص أن تكون الأفكار التي ترتضيها لنفسك من المعدن النفيس، من الكتاب والسنة.. وحينما يمر بك موقف أو تصرف أو يطوف بك طائفٌ ما، فلا تتسرع بإصدار الحكم أو التفوه بكلمة أو اتخاذ قرار معين، بل امنح نفسك فرصة للتروي ومراجعة الحسابات: [إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ] [الأعراف: ٢٠١] ، فإذا الفجائية تأتي مباشرة بعد التذكر [تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ] ، فالإبصار يأتي مباشرة بعد التذكر فيخنس الشيطان ويندحر.. معنى ذلك: أن التذكر منحهم فرصة للتروي والأناة، فقد ورد عن السلف الصالح (رضوان الله عليهم) : (إذا هممت بالنطق بالباطل فاجعل مكانه تسبيحاً) .. إن هذا التسبيح يمنحك فرصة كبرى للتروي، وبالتالي: يدفعك للنجاح في الموقف الذي أنت بصدده. هذا يعني أن المسلم أكثر الناس قدرة على التفكير السليم المجرد عن الأهواء الذاتية؛ فالمسلم حينما يرى نفسه في موقف يفقده احترامه بين الناس، أو يهزّ من شخصيته، أو يغيظه، أو يمنح غيره تفوقاً هو أجدر الناس به.. فما عليه إلا أن يرى الأشياء من منظار نقي لا يخطئ.. منظار: ما التصرف الذي يرضي الله والجدير بخلق المسلم في هذا الموقف؟ .. وحينما يُخضِع المسلم آراءه وفق ما يرضي الله فسيكون على البينة؛ لأن الإنسان، مهما بلغ من رجاحة العقل ومتانة الفكر، فهو في طور الإنسانية المعرضة للخطأ المتكرر.. أما إذا أخضع أفكاره وردود فعله وتصرفاته لله : فإنه سيكون بمنأى عن البوار، وهو الرابح بإذن الله وإن كثرت في طريقه العقبات [أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ] [محمد: ١٤] . مما لا شك فيه أن هناك فرقاً واضحاً بين حكمة الأنبياء ومن سار على دربهم من العلماء والحكماء والعقلاء، بين تلك الحكمة وآراء الناس سواهم، وفرق شاسع بين من يكون على بينة من ربه ومن يتبع هواه. إن المسلم حين يعثر يُقيل عثرته القرآن، وصدق أحد السلف حين قال: (من قرأ القرآن مُتِع بعقله وإن بلغ مئتي سنة) . فكِّر وفق ما يرضي الله، وافعل ما يرضي الله، ستجد أنك على الجادة التي يرضاها الله.

стр. 2436

مقال قصة موسى ﵇ والخضر دراسة تعاقدية بقلم: عدلي علي حماد سورة الكهف من السور المكية، وقد عرضت هذه السورة ثلاث قصص من قصص القرآن العظيم، وهي: قصة أصحاب الكهف، وقصة موسى (عليه السلام) مع الخضر، وقصة ذي القرنين. فقد حكت لنا سورة الكهف بيان أحداث قصة نبي الله موسى ﵇ مع العبد الصالح الخضر، التي سوف أستعرضها بإذن الله في ... دراسة لهذه القصة من ناحية العلاقة التعاقدية التي نشأت بين موسى والخضر، وما هي طبيعتها، والأحكام المستفادة منها، وبالأخص النقاط التالية: ١- طبيعة العلاقة. ٢- الشروط المتبادلة. ٣- الإنذار عند الإخلال بالتعاقد. ٤- فسخ العقد. ٥- آثار فسخ العقد. أولاً: طبيعة العلاقة: تبدأ القصة بذكر عزم موسى ﵇ على الرحلة إلى مَجْمع البحرين في طلب العلم، كما قال (تعالى) : [وَإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً] [الكهف: ٦٠] . وقد ذكر المفسرون أن سبب قول موسى ﵇ لفتاه وهو (يوشع بن نون) هذا الكلام: أنه ذكر له أن هناك عبداً من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه، وقال لفتاه: [لا أَبْرَحُ] ، أي: لا أزال سائراً حتى أبلغ مجمع البحرين، قال قتادة: هما بحر فارس مما يلي المشرق وبحر الروم مما يلي المغرب، وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة، والله أعلم [١] . [فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] [الكهف: ٦٥، ٦٦] ، لقي موسى ﵇ الخضر، وهو عبد صالح وهبه الله نعمة عظيمة من العلم، وفضلاً كبيراً، وهي: الكرامات التي أظهرها الله على يديه، [مِن لَّدُنَّا عِلْماً] ، أي: علماً خالصاً بنا، لا يُعلم إلا بأمرنا، وهو علم الغيوب، وهو العلم الرباني ثمرة الإخلاص، ويسمى (العلم اللدُنِّي) ، يورثه الله لمن يشاء من عباده، قال ابن عطية: (كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه، لا تعطي ظواهر لأحكام أفعاله بحسبها) [٢] . [قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلََى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] ، أي: هل تأذن لي في مرافقتك؛ لأقتبس من علمك ما يرشدني في حياتي؟ ، وهنا يظهر لنا من واقع قصة موسى ﵇ مع الخضر: أن هناك علاقة تعاقدية قد نشأت بينهما، ينطبق عليها تعريف العقد، وهو لغة: (الجمع بين أطراف الشيء وربطه) ، واصطلاحاً: (ارتباط الإيجاب بالقبول الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه) ، وأركان العقد هي: أ - العاقدان، أو طرفا العقد (موسى والخضر) . ب - محل العقد، أو المعقود عليه (مرافقة موسى للخضر) . ج - موضوع العقد (تعليم الخضر لموسى) . د - عناصر العقد (الرحلة في طلب العلم) . ١- صدور طلب المرافقة من موسى (الإيجاب) ، وهي مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع من نبي الله الكريم، وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه، وتعريف الإيجاب: (أنه ما صدر أولاً من أحد المتعاقدين دالاّ على رضاه بالعقد) ، وقال الجمهور: (هو الصادر ممن يكون منه التمليك سواء صدر أولاً أو ثانياً) [٣] : أي: إن القبول كان من موسى والإيجاب من الخضر. ٢- رد الخضر: يظهر منه عدم المخالفة في قبول اتباع موسى ﵇ له، ولكنه تحفظ في القبول التام؛ لعلمه بعدم قدرة موسى ﵇ على الصبر [قَالَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً] [الكهف: ٦٧، ٦٨] ، فبين له طبيعة الرحلة، وهذا أمر مهم، فعلى الطرف المتعاقد أن يوضح للطرف الآخر قبل التعاقد ماهية: أ- المؤهلات المطلوبة من المتعاقد. ب- بيان طبيعة المهمة المطلوبة منه؛ حتى لا يفاجأ بها وتكون سبباً للخلاف، وهي الجهالة المنهي عنها شرعاً. ٣- ويُعَد صدور (القبول) من الخضر مشروطاً [قَالَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً] أي: إنك لا تستطيع الصبر على ما ترى، قال ابن عباس: لن تصبر على صنعي؛ لأني عُلمت من غيب علم ربي [٤] ، ويعتبر هذا قبولاً من الخضر بمرافقة موسى له، حتى وإن لم يصدر بصيغة القبول الصريح، لأنه لما أجابه موسى ﵇ باستعداده للالتزام بالشرط لم يحتج الأمر لصدور قبول ثانٍ من الخضر، وتعريف القبول: (هو ما صدر ممن يصير إليه الملك دالاً على رضاه بما أوجبه الطرف الآخر) ، شرح الخضر سبب اشتراطه ذلك [وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً] ، أي: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر وأنت لاتعلم باطنه. ٤- تأكيد موسى لاستعداده تحمل مشاق الرحلة والالتزام بأوامر الخضر، ... [قَالَ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً] [الكهف: ٦٩] ، أي: ألزمت نفسي طاعتك، فزاد موسى ﵇ على ذلك أن اشترط على نفسه بجانب الصبر على ما يراه من الخضر عدم العصيان لأوامره، مع استثنائه وربط ذلك بمشيئة الله ، كما قال (تعالى) : [وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (٢٣) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ ... ] [الكهف: ٢٣، ٢٤] ، لذا: قال ابن عباس في الرجل يحلف، قال: له أن يستثني ولو إلى سنة [٥] ، كما يستحب الاستثناء في الحلف لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى) [٦] ، وكما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ في قصة سليمان بن داود ﵉ أنه قال: (لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال الرسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته) [٧] . ٥- على هذا الأساس تم إبرام العقد بناء على طلب موسى ﵇ بقوله: [هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] ، سؤال تلطيف على وجه الطلب لا الإلزام والإجبار، فهو إيجاب من موسى يبدي استعداده لاتباع الخضر في مسيرته ورحلته مقابل شيء واحد: أن يعلمه مما عُلم رشداً، وهذا هو محل العقد أو العوض الذي طلبه موسى ﵇ مقابل الاتباع، فيجوز أن يكون العوض ماديّاً، أو عينيّاً، أو خدمة مثل خدمة موسى لشعيب مقابل إنكاحه له إحدى بناته ... [قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاًجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ] [القصص: ٢٧] . فتكون قد تكاملت بذلك أركان العقد من تبادل الإيجاب والقبول، والاتفاق على موضوع العقد، والتزام موسى والخضر بذلك، ولم يكتبا ذلك، ولم يُشهِدا أحداً، مما يدل على أن الكتابة والشهود ليسا من شروط صحة العقد. ثانياً: الشروط المتبادلة: ١- يتضح من الآيات التي مرت بنا أن كل طرف قد أملى شروطه قبل التعاقد، فاشترط موسى ﵇ على نفسه الطاعة وعدم عصيان أوامر الخضر: [وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً] ؛ مما يوضح أن المتعاقد يحق له إملاء الشروط على نفسه بشرط أن يلتزم بها، واشترط الخضر على موسى ﵇ عدم السؤال عن شيء حتى يقدم له البيان (الذكر) ، أي: لا يحق لموسى ﵇ السبق في السؤال أو الاستفسار عن شيء حتى يكون الخضر هو الذي يحدثه عنه: [قَالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً] [الكهف: ٧٠] ، والمعنى: لا تسألني عن شيء حتى أبينه لك بنفسي، فيكون الخضر قد شرط عليه قبل بدء الرحلة ألا يسأله وألا يستفسر عن شيء من تصرفاته حتى يكشف له هو سرها. ٢- ويستفاد أيضاً من القصة: قبول موسى ﵇ المسبق لشرط الخضر رعاية لأدب المتعلم مع العالم؛ لأنه قال [وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً] ، وقد ألزمه الخضر بعدم السؤال، مما يعد قبولاً ضمنيّاً من موسى ﵇ بجميع شروط الخضر، والقبول الضمني يحتج به على المتعاقد إذا استمر في العقد بعد علمه بالشرط، وموسى ﵇ استمر في مصاحبة الخضر بعد علمه بالشرط وإن لم يصدر منه قبول صريح بذلك الشرط. ٣- ويعتبر العقد ناجزاً إذا لم يكن معلقاً على شرط، وإذا كان العقد مشروطاً فينبغي أن يكون الشرط صحيحاً شرعاً، لحديث الرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مئة شرط) [٨] ، كما يجب ألا يكون الشرط منافياً لمقتضى العقد، مثل: أن يقول البائع بعتك السيارة على ألا تركبها خارج البلدة، والشرط ملزم إذا صدر صحيحاً، كما قال شريح القاضي: (من شرط على نفسه شرطاً غير مكره فهو عليه) [٩] . وهناك العديد من أنواع الشروط العقدية التي يمكن أن تقترن بصيغة الإيجاب والقبول الصادر من أحد المتعاقدين، وهي كالتالي: ١- التعليق. ... ... ... ... ٢- التقييد. ... ٣- الإضافة. ١- التعليق: تعليق وجود العقد بوجود شيء آخر، بحيث لا يوجد ما لم يوجد الشيء الآخر، مثل: أن يقول أحد المتعاقدين للآخر: بعتك داري إن رضي شريكي. ٢- المقيدة: صدور الصيغة المنشئة للعقد مقيدة حكمه وآثاره، مثل: أن يقول البائع: بعتك السيارة بشرط أن أركبها إلى بلدة كذا. ٣- المضافة: بأن يتم تأخير أثر العقد لشرط معين كأن يتفق على بدء سريان عقد الإيجار بعد موعد محدد فيكون العقد مضافاً إلى زمن مستقبل [١٠] . إذن: كان هذا أول أمر من الخضر لموسى ﵇ ، والشرط القائم الذي تعاقدا عليه: ألا يبادر موسى ﵇ الخضر بأي سؤال عن أي تصرف يراه حتى يفصح له عن سبب ذلك التصرف، والقاعدة الشرعية المستمدة من حديث الرسول الله ﷺ (المسلمون على شروطهم) [١١] ، وفي رواية أخرى زاد (إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) [١٢] تفيد: أنه إذا ما اشترط المتعاقد لنفسه شرطاً وكان هذا الشرط لا يستوجب حدوث أي مخالفة شرعية، فإن على الطرف الآخر الالتزام بتنفيذ ذلك الشرط، وفي حالة إخلاله بالشرط فمن حق المتعاقد أن يتخذ ما يراه مناسباً لحفظ حقوقه. ثالثاً: الإنذار عند الإخلال بالتعاقد: وتوضح القصة أن موسى ﵇ والخضر شرعا في تنفيذ العقد مباشرة ولكن ظهر أن موسى لم يتمكن من الالتزام بالشرط، وهو عدم السؤال عن أي شيء حتى يحدثه الخضر عن أمر ذلك الشيء. ١- فكانت المخالفة الأولى بسبب سؤاله عن خرق السفينة: [فَانطَلَقَا حَتَّى إذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً] ... ... [الكهف: ٧١] . قال الرسول الله ﷺ في الحديث: (كانت الأولى من موسى نسياناً) [١٣] لذلك كان الخضر معه لطيفاً، ولفت نظره بلطف ونسب الضمير إلى الغائب [قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ] حتى يؤكد على ضرورة التمسك بشرطه الأساس وهو المقدرة على التحكم في نفسه، والصبر على ما يراه من تصرفات لأصحاب السفينة الذين أكرموهم وأركبوهم معهم مجاناً، فكيف يصح أن يخرق الخضر سفينتهم مقابل إحسانهم إليه. والظاهر أن موسى ﵇ نسي فاعتذر [قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً] [الكهف: ٧٣] ، قال القرطبي: (ففيه ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف ولا يتعلق به ... حكم) [١٤] . ولكن يثبت حق المتعاقد في إنذار الطرف المخل بشرط العقد ولفت انتباهه للمخالفة؛ حتى يعود عنها ويقوم بتصحيح وضعه، ولكن بشكل لطيف لا يرهق الطرف الآخر عسراً، ولكن يجعله ينتبه للمخالفة ويتدارك الخطأ فوراً. ٢- أما الواقعة الثانية فكانت أشد استنكاراً، حيث رأى موسى ﵇ منكراً فأنكره فوراً: [فَانطَلَقَا حَتَّى إذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قَالَ إن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً] [الكهف: ٧٤ - ٧٦] ، لم يكن موسى ﵇ ناسياً هذه المرة، ولو نسي لاعتذر، ولكنه قصد إنكار المنكر؛ لذلك استلزم مواجهته بالخطأ من الخضر [قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً] ، خاطبه على وجه التحديد، فقد وقره في الأولى، ثم واجهه في الثانية لعدم العذر له، هنا تظهر عودة موسى وإقراره بالخطأ؛ لأنه خالف وعده مرتين فلم يعد له عذر، فاشترط على نفسه شرطاً جديداً [قَال َ إن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً] أي: قد أعذرت لك في ترك مصاحبتي لمخالفتي لك مرتين، قال ابن العربي: (يدل على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقاً، وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع) [١٥] ، قال القرطبي: (شرط هو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحق شرط أن يوفّى به ما التزمه الأنبياء) [١٦] ، وهذا الشرط الجديد من موسى ﵇ على نفسه هو شرط فاسخ للعقد، أو ما يسمى اليوم بالشرط الجزائي، لم يكن متفقاً عليه بينهما في أول العقد؛ لذلك جاء في الحديث الشريف عن الرسول الله ﷺ أنه قال: (كانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً) [١٧] . ٣- المخالفة الثالثة التي أدت إلى فسخ العقد بدون إنذار: [فَانطَلَقَا حَتَّى إذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ] [الكهف: ٧٧، ٧٨] ، فهذا وقت الفراق حسب قوله؛ لأن مجرد السؤال لثالث مرة موجب لعدم المصاحبة وفسخ العقد فوراً؛ لتحقق الشرط الفاسخ بدون إعذار أو إنذار للطرف الآخر، ويتجلى مدى الأدب النبوي من موسى ﵇ في عدم الإلحاح أو طلب العذر مرة أخرى، بل رضي بتطبيق الشرط عليه وفسخ العقد؛ لأنه قبل بشرطه الذي اشترطه على نفسه كما قال ابن حجر: (دلالة العمل بمقتضى ما دل عليه الشرط، فإن الخضر قال لموسى ﵇ لما أخلف الشرط: ... [هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ] ولم ينكر موسى ﵇ ذلك) [١٨] . رابعاً: فسخ العقد: والمقصود من انحلال العقد هو: زوال الرابطة التعاقدية التي تربط المتعاقدين بموضوع العقد، وهناك عقود لازمة بحق الطرفين كالبيع والإيجار، فسخها كإنشائها، لا يكون إلا باتفاق الطرفين، وكل العقود قابلة للفسخ إلا النكاح والطلاق والعتاق، وأما العقود غير اللازمة بحق الطرفين كالشركة والوكالة فإنها تنفسخ برغبة كل واحد من طرفي التصرف، مثل العقد الذي كان بين موسى (عليه السلام) والخضر فهو عقد غير لازم، لذلك جاز للخضر فسخه بسبب تحقق الشرط الفاسخ من موسى ﵇ ، ويعتبر هذا الفسخ الاتفاقي للعقد مقبولاً شرعاً، بحيث يجعل الطرفان بينهما مدة محددة أو سبباً محدداً ينفسخ العقد بعده، مثل: أن يقول: إن أتممت لك العمل الفلاني خلال ثلاثة أيام فأستحق أجرتي، وإلا فلا أستحق شيئاً، فإن لم يتم العمل في المدة المحددة كما اشترط على نفسه اُعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه بسبب وقوع الشرط الفاسخ، ولذلك: لم يحتج الأمر إلى إعذار أو مواجهة لموسى ﵇ بالخطأ الثالث عندما وقع منه، وهناك حالة أخرى تسمى الانفساخ، وتكون في حالة استحالة تنفيذ العقد، مثل: هلاك عين المبيع قبل تسليمه، أو موت أحد الشريكين في عقد الشركة أو المضاربة [١٩] . خامساً: آثار فسخ العقد: المبدأ العام في نتائج انحلال العقد سواء بالفسخ أو الانفساخ: أنه يوجب إعادة العاقدين إلى سابق وضعهما قبل التعاقد، ولكن يجب أن يرد كل طرف ما عليه للطرف الآخر، فإذا كان الفسخ في عقد البيع وجب التراد، فعلى البائع إعادة الثمن وعلى المشتري رد المبيع، وفي قصتنا: نرى مقابلة الأدب النبوي من موسى ﵇ بالوفاء من الخضر له بالشرط الأساس بالتعليم حتى بعد فسخه للعقد ... [قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاًوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً] [الكهف: ٧٨] وقص عليه أسباب الحوادث الثلاث، وأنها كلها تمت بأمر الله ، لذلك قال ﵊ : (رحم الله أخي موسى وددت أنه صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما، ولو لبث مع صاحبه لأبعد العجب) [٢٠] . ويعتبر تنفيذ الخضر لشرط التعليم بالرغم من فسخ العقد المبرم مع موسى ﵇ ، يعتبر هذا أثراً من آثار العقد التي لا تنتهي أو لا تنقضي بانقضاء العقد؛ لأن الخضر أوجب على نفسه تعليم موسى ﵇ وإن كان اشترط أن يتم ذلك في التوقيت الذي يحدده هو نفسه [حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً] ، مثل عقد الزواج الذي قد ينتهي بالطلاق أثناء حمل الزوجة ومع ذلك فإن ولادتها بعد الطلاق لا تعني عدم صحة نسب المولود للزوج السابق، بل يعتبر منسوباً له، لأنه أثر من آثار عقد الزواج الذي انقضى بالطلاق، ولا يحق للزوج إنكار النسب طالما جاء الولد على فراش الزوجية؛ لحديث المصطفى: (الولد للفراش، وللعاهر ... الحجر) [٢١] . أسأل الله أن أكون قد وفقت في هذا البحث المتواضع بتوضيح بعض الجوانب التعاقدية من واقع هذه القصة العظيمة المليئة بالدروس والعبر، والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 2437

رسائل جامعية الحداثة في العالم العربي دراسة عقدية عرض: أحمد سعيد البتاكوشي قام الباحث الأستاذ (محمد بن عبد العزيز العلي) بإعداد رسالة علمية لنيل درجة (الدكتوراه) من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكان عنوان أطروحته: (الحداثة في العالم العربي، دراسة عقدية) ، وقد أجيزت هذه الرسالة سنة ١٤١٥هـ، ومنح الباحث درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى. وقد أشار الباحث في مطلع رسالته إلى أهم أسباب اختياره هذا الموضوع، فذكر منها: ١- كثرة المؤسسات التي تعنى بنشر الحداثة، وحرص الحداثيين على الدعوة إلى مبادئهم.. مما يستدعي كشف مخطاطاتهم وفضح مكائدهم. ٢- ادعاء بعض الحداثيين في الدول العربية أن الحداثة خاصة بالأشكال الأدبية، فلا علاقة لها بالعقائد والأفكار.. فوجب بيان ماهية الحداثة وكذب ذلك الادعاء وبيان ما ينطوي عليه من أخطاء. ٣- جهل كثير من الناس بالحداثة واستغلال هذا الجهل من قبل الحداثيين، لبَثّ أفكارهم عبر ما يسمونه إبداعاتهم، فلزم فضح أفكارهم وإظهارها للناس. ٤- اختفاء كثير من أصحاب الاتجاهات الماركسية والبعثية والعلمانية خلف شعار الحداثة، وبخاصة بعد كشف زيف تلك الاتجاهات ... ومن الصعوبة بمكان اختصار مادة الرسالة في سطور؛ لكثافة المادة وطولها من ناحية، وكثرة تشعبها وتفصيلاتها من ناحية أخرى، ولذا: سأضطر إلى الإشارة إلى بيان خطوطها العريضة باختصار: مخطط البحث: قسّم الباحث رسالته إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، ثم خاتمة. تطرق في المقدمة إلى أهمية الموضوع والتعريف به، ومنهجه في الدراسة، وتحدث في التمهيد عن تعريف بالمصطلحات المتعلقة بالموضوع، كالتراث والتجديد والعصرانية والتنوير والبنيوية، ثم تحدّث عن التجديد الصحيح وضوابطه وتسليط الضوء على التجديد المنحرف وخطورته. أما الباب الأول: فتناول مفهوم الحداثة ونشأتها ومصادرها، ويشمل ثلاثة فصول: ففي الفصل الأول: بيّن مفهوم الحداثة، وحرص على ذكر مفهومها عند أربابها الغربيين، ثم أتبعه ببيان مفهومها عند أصحابها في العالم العربي، مما يتبين معه صدورهما من منبع واحد. وفي الفصل الثاني: تحدث عن جذور الحداثة ومصادرها الفكرية والفلسفية، وبيّن أن مصادر الحداثة في العالم العربي هي الحداثة الغربية وما صدرت عنها من فلسفات، وكذا الماركسية والوجودية، ثم ذكر المصادر الباطنية والصوفية، وبيّن أن كثيراً من الأفكار الحداثية نابعة من ذلك المسلك. وفي الفصل الثالث: استقرأ الباحث نشأة الحداثة وتاريخها، فتحدث عن تاريخها ومكان نشأتها في الغرب، ثم فصّل الحديث عن نشأتها وتاريخها في العالم العربي. وأما الباب الثاني: فهو حديث عن اتجاهات الحداثة، ودعاتها، ووسائل نشرها، وفيه ثلاثة فصول: عَرَض الباحث في الفصل الأول لاتجاهات الحداثة، فعرّف بالاتجاه وأتباعه في الغرب إجمالاً، ثم تحدث عن أتباعه في العالم العربي. وذكر في الفصل الثاني دعاة الحداثة ومواقفهم، وقسّمه إلى قسمين: ففي القسم الأول: تحدّث عن دعاة الحداثة ومنظريها، وفي القسم الثاني: تحدّث عن بعض الأتباع والغوغاء الذين كثرت مقالاتهم دعايةً للحداثة، وليسوا في مكانتهم الحداثية كالقسم الأول. وفي الفصل الثالث: كشف الباحث عن أهم وسائل نشر الحداثة في العالم العربي، كالصحف والمجلات والكتب والأندية والمؤتمرات والمهرجانات. وفي الباب الثالث: تحدّث عن أسس الحداثة وآثارها، ويشتمل على أربعة فصول، بيّن الباحث في الفصل الأول قول الحداثيين بالصراع بين القديم والجديد، ووضح في الفصل الثاني قولهم بضرورة التحول والتطور، مبيناً الأمور التي يرون ضرورة تغييرها وتحويلها، وكشف الباحث في الفصل الثالث عن قولهم برفض ما هو قديم وثابت، فبيّن ما ينطوي عليه هذا الاتجاه من رفضهم لمصادر الدين والعقيدة، ورفضهم علوم الشريعة الإسلامية، ورفضهم اللغة العربية. ودَرَس الباحث في الفصل الرابع آثار انتشار المفاهيم الحداثية في العالم الإسلامي ووسائل مقاومتها. ثم ختم بحثه بخاتمة تحدث فيها عن أهم النتائج التي توصل إليها خلال بحث هذا الموضوع. قراءة في الرسالة: وقد أحسن الباحث في دراسة هذا الموضوع الشائك والطويل، وبذل جهوداً ظاهرة في الكشف عن حقيقة الحداثة وجذورها ونشأتها، كما أبدع في استقراء وتتبع مناشط الحداثيين ومنابرهم، ووسائل نشرهم الحداثة في العالم العربي. وتميّزت الرسالة بتوثيق النقول، والدقة في عزوها، حيث رجع الباحث إلى كتب وكتابات الحداثيين أنفسهم، وتتبع مقالاتهم في مختلف الدول العربية، كما أورد جملة طيبة من أقوال الناقدين للحداثة من النقاد المختصين الذين درسوها عن كثب ووضحوا حقيقتها بجلاء. وقد رجع الباحث إلى ستمئة وأربعين كتاباً، كما تتبع كمّاً هائلاً من أنواع الدوريات، حيث رجع الباحث إلى ما يزيد عن سبعين عنواناً من صحيفة أو مجلة. وتتكون الرسالة من أربعة مجلدات، وبلغت صفحاتها ألفاً وستمئة وخمسين صفحة. ولا تزال الرسالة بحاجة إلى مزيد بحث وتحرير في بيان الحكم الشرعي تجاه مقالات الحداثيين وأفكارهم. ومما يحسن إيراده من هذه الرسالة القيّمة: ما سطّره الباحث في شأن آثار الحداثة في العالم الإسلامي، فذكر منها: ١-إشاعة الفوضى العقدية والثقافية في العالم الإسلامي. يقول الباحث: (ولقد تتبعت كثيراً من الصحف والمجلات والأندية والمهرجانات واللقاءات الأدبية، فتبيّن لي أن أثر الحداثيين جدّ خطير على عقيدة المسلمين، وذلك: أني رأيت أنهم خدعوا كثيراً من الناس، وبخاصة الشباب، فكم قرأت وسمعت لشباب صغار جهّال يتجرؤون على نقد أحكام شرعية ولمز العقائد (الموروثة) والقدح في العلماء، يلمزونهم بوصف (أصحاب الكتب الصفراء) بزعمهم. ٢- إيجاد طبقة معزولة عن المجتمع سياسيّاً وعقديّاً، فالحداثة تتطلع إلى سلطة فوضوية لا تحرم محرماً، ولا تمنع قولاً أو عملاً مهما كان، بدعوى حرية المبدع فيما يقول، وفي العقيدة تدعو الحداثة إلى فلسفة وضعية حديثة، غربية، لا تؤمن بدين ولا تصدر عن أحكام إسلامية (تراثية قديمة) . ٣- انخداع بعض المنتسبين للدعوة الإسلامية من العقلانيين وأمثالهم، ببعض دعاوى الحداثة المتمردة على النصوص الشرعية والالتزام بها، ومن ذلك ما كتبه (هويدي) في الدفاع عن (أدونيس) . ٤- تجرؤ بعض النساء على الأحكام الشرعية بنقدها والخروج عليها، وحجتهن في ذلك: أقوال الحداثيين وشبههم.. ومن ذلك: رفض الحجاب، والمطالبة بالاختلاط، والتمرد على الثوابت الإسلامية المحترمة. ٥- ومن آثار الحداثة: إعلاء شأن الفرق الباطنية والفلسفية والصوفية بدعوى الحرية للجميع. ٦- تغلغل كثير من الحداثيين في وسائل التربية والتعليم والإعلام في العالم الإسلامي.. حتى قال (أدونيس) : (كن معي ... وأستطيع أن أجعل مقالاتك تنشر في أي صحيفة أو مجلة تريدها، ولا تضطرني أن أغلق في وجهك حتى زوايا بريد القراء في أي صحيفة) . يقول الباحث: (وقد تتبعت بعض المناهج الدراسية في بعض الأقسام الجامعية وبخاصة في الجزيرة العربية، وتبيّن لي أن كتب الحداثيين تقرر على الطلاب والطالبات، ووجدت بأيدي الطلاب مذكرات صورت من بعض الكتب الحداثية، وذكروا أن أساتذتهم قرروها عليهم) . وأشار الباحث إلى عزمه القيام بدراسة مفصلة وافية عن تلك الآثار. ثم ذكر وسائل مقاومة الحداثة إجمالاً، ومن ذلك: تربية الأمة على المنهج العقدي القويم، وغرس منهج أهل السنة والجماعة في قلوبهم. تذكير علماء المسلمين بحقيقة مبادئ الحداثة وأهدافها، وفضح أسسها الثائرة على مصادر الدين. فضح الحداثة وكشفها على حقيقتها الفكرية ونزع ما تتستر به من ادعاء للتجديد في الأدب والشعر. المطالبة بدراسة هذا المذهب في المجامع الفقهية على مستوى كبير، من قِبَل علماء المسلمين لبيان حكم الإسلام في دعاته ورموزه المعروفين بمواقفهم السيئة. العمل بشرع الله على كل حداثي يقدح في دين الله (تعالى) وشرعه. نتائج ما توصل إليه البحث: انتهى الباحث في دراسته المطولة هذه إلى العديد من النتائج المهمة، التي منها: ١- الحداثة مذهب عقدي باطني فلسفي يسعى إلى تحديث مصادر التلقي وصرف النظر عن المصادر الشرعية المعتبرة. ٢- الحداثة غريبة على العالم العربي، فهي مستوردة من الحداثة الغربية، وما صدرت عنه من فلسفات، وبخاصة الماركسية والوجودية. ٣- أن الحداثة نشأت في العالم العربي في حدود منتصف القرن العشرين الميلادي، حيث استوردتها الأقليات النصرانية والباطنية إلى لبنان، ومن ثم: نقلها أتباع لهم إلى بقية دول العالم العربي. ٤- أن للحداثة اتجاهات عرفت بها في أول نشأتها، ثم خف تمسك الحداثيين بتلك الاتجاهات، لذا: تجد الحداثي يخلط بين أكثر من اتجاه، والمهم عنده هو الأسس الحداثية التي يتفقون عليها. ٥- أن الحداثة تقوم على عقيدة صراع الأضداد، ومبدأ النقيض، فالحداثة عندهم هي نتيجة صراع الفكر الحديث مع العقائد القديمة. ٦- الحداثيون لا يرفضون كل قديم، وإنما يرفضون منه الثوابت والمسلّمات، أما الظواهر الثورية والتمردية كالخوارج، والقرامطة وأمثالهم.. فإنها محترمة عندهم. وأخيراً: فإن كان لنا ثمة ملحوظة على الرسالة: فهي: أنه كان ينبغي العناية بالمادة الأدبية والنقدية وتقويمها وبيان مدى تناسبها مع مادة البحث، وذلك يعطي للرسالة قيمة علمية إضافية فوق قيمتها الحالية، ولعل ذلك يتدارك قبل طبعها. فالرسالة في وضعها الحالي في نظري أقرب ما تكون للموسوعة التي تجمع كمّاً كبيراً من المعلومات في بابها، إذ ينقصها الدراسة التحليلية والتقويم الأدبي والنقدي التخصصي، وهو محور مهم في أطروحة علمية تخصصية في هذا الموضوع. ولعل القارئ يشاركنا الرأي بأهميته وضرورة تلافي ما عليها من ملحوظات، وأهمية طبعها ليطلع القراء على حقيقة الحداثيين في تراجمهم، وأبحاثهم، وأطروحاتهم، وما يحويه ذلك الكم الهائل من انحرافات عقدية وفكرية في ضوء ما يسمونه إبداعاتهم، وهو في الحقيقة انحرافاتهم الفكرية تحت رداء الأدب والإبداع الأدبي.

стр. 2438

المسلمون والعالم العدواني الثلاثي ... على السودان بقلم: عبد العزيز كامل في مطلع الثمانينيات، تسربت من إسرائيل أنباء عما يسمى بـ (مشروع إنشاء دويلات طائفية) في منطقة الشرق الأوسط، ذلك المشروع الذي أذيعت بعض تفاصيله حينها، بما يكشف عن عزم دولة اليهود بالتواطؤ مع الدول الغربية العمل على إيجاد واقع جديد من التشرذم في المنطقة، يقوم على أساس تقسيم بعض الدول القابلة للتقسيم الطائفي (المذهبي أو الديني أو القبلي) إلى دول طائفية، وهذا بالطبع سيفتح أبواباً من الصراعات والنزاعات التي لا تنتهي، والتي ستعمل على الإضعاف الدائم لتلك الدول، بما يسمح لأصحاب المشروع باستثمار هذه الأوضاع لصالحهم في المنطقة. ومما ذكر وقتها من ملامح ذلك المشروع: سعي تلك الدول الغربية إلى تقسيم العراق إلى كيانات طائفية متعددة (سنة شيعة أكراد) ، والسعي إلى تكريس الطائفية في لبنان وتحويلها إلى كيانات منفصلة، وكذلك الشأن في كل من اليمن التي يمكن أن يستغل التنازع القبلي فيها، ومصر التي يتطلع الأقباط فيها للاستقلال بجنوب مصر وغربها. وكان السودان من ضمن الدول التي أشار المخطط إليها على أنها قابلة للتقسيم الطائفي على أساس الدين، وأن المساعي ستجري لتقسيمه إلى قسمين أو ثلاثة بين الطوائف الإسلامية في الشمال والنصرانية والوثنية في الجنوب. ثم ما لبثنا أن سمعنا عن نشوء ما يسمى بـ (الحركة الشعبية لتحرير السودان) عام ١٩٨٢م بزعامة الصليبي (جون جارانج) ، ثم ازدادت الحرب الأهلية في لبنان اشتعالاً، وظهرت بوادر سعي حقيقي لإنشاء دولة قبطية في مصر، وكُشف عن نشوء حركات قبطية مسلحة في جنوب مصر تكدس الأسلحة في الكنائس والأديرة، وتفاعلت قضية الانفصال بين شطري اليمن حتى وصلت إلى حرب حقيقية في أواسط الثمانينيات، ثم عادت في التسعينيات. ماذا يعني هذا؟ ، إنه يعني أن هناك من يخططون، ويدبرون، ويتصيدون في الماء العكر، وما أكثر العكارة وأقل الصفاء في ماء العرب! . إننا لا نقول بأن الأعداء من اليهود والنصارى قادرون على كل ما يريدون، ولا نزعم أنهم يقولون للشيء كن فيكون، ولكن الشيء المؤكد: أنهم يتحركون في الفراغ الذي نتركه لهم، ويملؤون الثغرات التي نفتحها في حصوننا أمامهم. وماذا ننتظر من أعدى أعدائنا غير ذلك؟ [إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] [الممتحنة: ٢] ، لقد امتدوا في الفراغ الذي تركه المسلمون يوم تنازعت دويلات الطوائف المتصارعة حول بيت المقدس فاجتاحها الصليبيون بحملاتهم، وامتدوا في الفراغ الذي أحدثته دويلات الطوائف المتنازعة في الأندلس، فاستلبها منهم عباد الصليب إلى اليوم، وشتتوا شمل دولة الخلافة في تركيا بعد أن صار الولاء للطين قبل الدين عند العرب والعجم، فتنازعوا تحت رايات القوميات والوطنيات. وعندما جاء الدور على فلسطين، ما كان أحد يتصور أن خلافات العرب والمسلمين ستجمع شتات اليهود بهذه القوة وفي هذا الزمن الوجيز! . ونعود إلى السودان، فنلقي نظرة حول الجولة الجديدة من صراع الأعداء المجتمعين ضد الإخوة المشتتين! . وطن إسلامي يتعرض لخطر ماحق وبلاء داهم من أعداء متربصين من الداخل والخارج، يستهدفون فيه الدين والأرض والعرض، ومع هذا: فأحوال ذوي القربى حوله لا تختلف كثيراً عن أحوال إخوان وجيران أهل الأندلس وقت أن آلت للسقوط أو أحوال المحيطين بأهل بيت المقدس قبيل يوم الاجتياح.. الأحوال هي نفسها، أو صور منها: تردد ... جبن.. تملص.. تجاهل ... شماتة.. تشكيك.. وفي أحسن الأحوال: انشغال! ما حدث في السودان، وما يمكن أن يحدث في المستقبل المنظور، يمثل خارطة جديدة تحدد المواقع والمواقف لكل طرف من الأطراف المشاركة في صنع أحداث عالمنا الإسلامي، ويعيد رسم الولاءات والهويات التي قد يُختلف في فهمها وتعريفها. ومن معطيات هذه الخارطة الجديدة ينبغي للمسلم في السودان وغير السودان أن يعيد النظر في المواقف من حوله؛ ليعرف من يوالي ومن يعادي، فإن الظروف الحرجة فرصٌ لا تُعوض لوضوح الرؤى، وتمايز الصفوف، واستبانة الحق، ففيها تنكشف بعض الغيوب بأمر الله فتكون شهادة، يعظ الله بها عباده [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَلكُمْ عَلَى الغَيْبِ] [آل عمران: ١٧٩] ، وحقّاً لقد ميزت هذه الأزمة كثيراً من الخبيث المختلف في خبثه، رغم أنها لا تزال في مبدء فصولها، وزادت كثيراً من الخبيث وضوحاً رغم الاتفاق على خبثه. ولنستعرض هنا شيئاً من مواقف الخبثاء أطراف التآمر، ولكن قبل ذلك لا بد لنا من مراجعة ثلاث وقائع بالتحديد، أرى أنه يمكننا أن نفسر بها إلى حد كبير أبعاد الفصل الأخير من السلسلة التآمرية على ذلك البلد الصابر. الواقعة الأولى: وتعود إلى شهر نوفمبر ١٩٩٢م، عندما طرحت أمريكا مشروعاً على مجلس الأمن بشأن السودان، وكان يدور حول ما يمكن فعله تجاه ما تعتبره واشنطن وحلفاؤها انتهاكات لحقوق الإنسان في السودان، وتمثل هذا في إعدام رجل سوداني يدعى (تومي) بعد محاكمة علنية أدين خلالها بالتجسس لصالح التمرد في الجنوب، وثبتت مسؤوليته عن إمداد المتمردين بمعلومات تسببت في قتل مئات السودانيين، وصدر بالفعل قرار من الأمم المتحدة بإدانة حكومة البشير لانتهاكها حقوق الإنسان في الجنوب، وقد رفض السودان القرار في حينه، واعتبرته الخرطوم بداية مخطط ضد السودان، وقال عمر البشير وقتها: (إن منظمة الأمم المتحدة أصبحت إدارة من إدارات وزارة الخارجية الأمريكية، وإنها لم تبن قرارها بالإدانة حتى على قوانينها ونظمها ولوائحها) [وكالات الأنباء ١٠/١٢/ ١٩٩٢م] . وتلقف راعي البقر الأسبق (رونالد ريجان) القرار الدولي، ودعا الأمم المتحدة إلى التدخل العسكري في السودان لوقف ما زعمه: (إبادة القبائل السودانية في الجنوب) ! وفي الشهر نفسه من العام المذكور: بدأت الولايات المتحدة بالتنسيق مع الأمم المتحدة تنفيذ عملية غزو الصومال بحوالي ٢٠ إلى ٣٠ ألف جندي مدججين بأحدث الأسلحة بحجة إطعام الجوعى! ، وكان واضحاً وقتها لكل المراقبين أن السودان هو الخطوة التالية، أو المقصودة أصلاً من غزو الصومال، ولكن الغزو فشل، وانسحب الأمريكان أذلة، وقيل وقتها: إن السودان كان له دور في إفشال الغزو، لقيامه بمساندة المجموعات التي خاضت حرب عصابات ضد الغزاة. الواقعة الثانية: وتعود إلى شهر فبراير من عام ١٩٩٣م، عندما زار (بابا) الكاثوليك السودان، حيث هوى من الطائرة ليقبل أرضها! ! ، إنه لم يقبلها بداهة لأنها أرض يقام فيها التوحيد، ولكن لأنها أرض تهتز بغزو الصليبيين! ، ولقد أثبت بتصريحاته المقصود بحركته، إذ خطب في حشد من النصارى هناك وقال: (إن أسماء مسيحيي السودان منقوشة على كف المسيح تخرقها المسامير) [الشرق الأوسط ١٢/٢/١٩٩٣م] ، وأمام حشد آخر من رعيته الكاثوليكية (٢٠٠ ألف خرجوا لاستقباله) قال: (.. إنكم تمارسون حياتكم وأنشطتكم وسط صعوبات جمة، وربما ظننتم أحياناً أن بقية شعوب العالم قد نسيتكم، لكنكم لستم بعيدين أبداً عن (فكر الله وقلبه) ! ! ، ولا تنساكم الكنيسة، وخليفة القديس (بطرس) والمسيحيون في كل مكان يصلّون على الدوام من أجلكم! !) [الحياة ١١/٢/١٩٩٣م] . إن هذه الزيارة التي تجشمها (باباهم) لم تكن لمجرد الوعظ أو إسداء النصح، بل كانت لها أبعاد أخرى أخطر، وقد عبر عنها بنفسه قائلاً: (إنني أعتبر زيارتي للسودان أهم ثاني زيارة خارجية أقوم بها منذ زيارتي إلى بولندا أيام الحكم الشيوعي) [الشرق الأوسط ١٣/٢/١٩٩٣م] ، وهذا التصريح فسرته العديد من الدوائر الدبلوماسية على أنه يعني أن للزيارة أبعاداً خفية قد تتكشف مستقبلاً، حتى إن جريدة (اللوموند) الفرنسية قالت في مقالها الافتتاحي في اليوم التالي للزيارة: (على الصعيد الملموس: فإن انعكاسات زيارة البابا لا يمكن أن تقاس إلا على المدى البعيد) ! الواقعة الثالثة: وتعود إلى أواخر يناير ١٩٩٧م، حيث أُعلن عن تحقيق كشف نفطي كبير في حقل الوحدة بجنوب السودان، وتأكد أن الاحتياطات المحتملة للنفط (٣٤١) مليون برميل، وبلغ إنتاج أول بئر حوالي ١٠ آلاف برميل في اليوم، وهذا الكشف أعلنت عنه شركة (أراكيس إنيرجي) الكندية مع مشاركة صينية وماليزية وسودانية، وزفت هذه الشركة إلى العالم بشرى أنها بدأت ضخ النفط مما ترى أنه أكبر مشروع للطاقة في العالم [جريدة الحياة ٢٩/١/١٩٩٧م] ، ووصفت أوساط أمريكية إمكانات النفط في السودان بأنها ضخمة! . المقصود هنا: أن تلك الشركة الكندية فازت في مناقصة للتنقيب على النفط أمام شركة أمريكية هي شركة (أوكسيدنتال) ، تلك الشركة التي خرجت من المناقصة بقرار من عمر البشير ردّاً على قرار أمريكا بإمداد الدول الثلاث المعادية للسودان (إثيوبيا، وإريتريا، وأوغندا) بما قيمته ٢٥ - ٥٠ مليون دولار من ... الأسلحة! ... أخطر قرار ينفذه البشير: وهذه الواقعة إن صحت بتفاصيلها تلك تجعل هذا القرار أخطر من قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس عام ١٩٥٦م الذي تسبب في العدوان الثلاثي على مصر، ولكن أين المنصفون؟ . إن هذه الوقائع الثلاث من شأنها أن تفسر إلى حد كبير أبعاد ما حدث وما يمكن أن يحدث في السودان بعد بدء الغزو الخارجي، وإذا أضفنا إلى تلك الوقائع بدون تاريخ اتفاق كل من إثيوبيا وإسرائيل على إقامة سدود في الأراضي الإثيوبية تتحكم في المياه المتدفقة إلى مصر والسودان.. فإن خيوط المؤامرة تتكامل ومعالمها تتضح. فالسودان مستهدف دينيّاً وحضاريّاً، ومستهدف عسكريّاً وأمنيّاً، ومستهدف اقتصاديّاً.. بتروليّاً ومائيّاً. مستهدف من حلفٍ ثلاثي: نصراني يهودي علماني. أما أطراف هذا الحلف وأعضاؤه وأدواته، فهذه أخبارهم: أولاً: الولايات المتحدة: تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية منطقة القرن الإفريقي خط الدفاع الثاني عن منطقة الخليج الاستراتيجية، وقد أضيف إلى هذه الأهمية بُعد آخر، وهو ترشيح بعض بلدان تلك المنطقة وعلى رأسها السودان والصومال لأن تكون مصادر ثروة طائلة (النفط في السودان، واليورانيوم في الصومال) . وأمريكا تعلن دائماً أنه يهمها الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي؛ لأهميتها الاستراتيجية البالغة، ولكن يبدو أن الاستقرار بمفهوم الأمريكان هو ألا يقر لأهل الأرض قرار، فلا بد من تسليح شعوب ضد شعوب، وطوائف ضد طوائف، لقد كان لوزير الخارجية الأمريكي السابق (كريستوفر) رحلة إفريقية، الهدف منها حسب ما أعلن: تكثيف الوجود الأمريكي في القارة الإفريقية، وبخاصة في القرن الإفريقي، وترجمت هذه الرغبة عمليّاً كما ذكرنا سابقاً بتقديم أمريكا دعماً عسكريّاً لثلاث من الدول المحيطة بالسودان، يتراوح ما بين ٢٥ إلى ٥٠ مليون دولار، وهذه الدول هي: (إريتريا إثيوبيا أوغندا) . وكان ذلك قبل العدوان على السودان بأقل من شهر، وقد أعلنته جريدة الـ (واشنطن بوست) ولم تنفه الإدارة الأمريكية، في إشارة إلى تبنيها العلني لخطة الهجوم على السودان، وعبّر مستشار الأمن القومي الأمريكي (أنطوني ليك) (يشغل الآن منصب مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية) ، عبر عن نوايا أمريكا المعلنة ضد السودان بقوله: إن واشنطن ستعمل على احتواء السودان من خلال جيرانه: إثيوبيا، إريتريا، أوغندا، مصر! ثانياً: الأمم المتحدة: بات من الحقائق الملموسة أن أمريكا تحارب بخنجر مسموم ذي نصلين، أحدهما: القوة العسكرية، والثاني السلطة التشريعية الدولية من خلال مجلس الأمن (الأمريكي) .. أقصد (الدولي) ، ولهذا فقد أوعزت إليه أن يُحكم طوق الحصار والعقوبات على حكومة السودان؛ لإضعافها، تمهيداً لإسقاطها. ومنذ أيام الأمين (بطرس) الإفريقي ومسلسل الخذلان لأهل السودان لا ينقطع، فعندما احتلت إثيوبيا مواقع ونقاطاً حدودية داخل الأراضي السودانية في ديسمبر ١٩٩٥م، وجهت السودان شكوى إلى مجلس الأمن حول هذا الاعتداء في حينه، إلا إن المجلس لم يقبل هذه الشكوى، وأحالها (بطرس) إلى منظمة الوحدة الإفريقية، باعتبارها في نظره تتعلق بمسألة داخلية إفريقية! ولكن مسألة أخرى داخلية إفريقية حولتها الأمم المتحدة بعد ذلك إلى قضية دولية، وهي حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري على أرض إثيوبيا، إذ اتهمت إثيوبيا المسؤولة عن أمن ضيوفها السودان بالتقصير أمنيّاً، مما تسبب في الحادث، واتهمته بعد ذلك بالضلوع في الحادث دون دليل مثبت، وعلى الرغم مما هو متعارف عليه من أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فقد فتح مجلس الأمن بتلك الحادثة باب العقوبات الدولية على السودان في القرارات (١٠٤٤، ١٠٥٤) ، وتم تصعيد هذه العقوبات إلى حد فرض حظر جوي على السودان! ثالثاً: دول الجوار: كان لا بد من تسريع الخطى نحو الإيقاع بحكومة السودان، بدلاً من الاعتماد على الإيقاع البطيء لمفعول العقوبات الدولية السياسية والاقتصادية، وتقرر إشعال الأرض تحت أقدام السودانيين بنيران مجاورة صليبية، تنفث فيها رياح علمانية، وبدأت حرب قذرة خطط لها بدهاء، بدأت منذ شهر ٩/١٤١٧هـ (١٢/١/١٩٩٧م) إذ هجم الأحباش على منطقة النيل الأزرق في جنوب السودان، واقتحم ما لا يقل عن ستة آلاف جندي نصراني إثيوبي، وألف نصراني جنوبي، وما يقدر بعشرة إلى سبعة عشر ألف علماني من منافقي أو مغفلي المعارضة الشمالية، فاحتلوا مدن (الكرمك) ، و (قيسان) ، و (جوفا) ، وقرى حدودية أخرى، واستهدفوا بعد ذلك مدينة (الدمازين) ذات الأهمية الاستراتيجية؛ لكونها مركزاً لتوليد الطاقة الكهربائية التي تغذي العاصمة الخرطوم، ومرة أخرى تثبت الشرعية الدولية أنها ليست أكثر من شريعة غاب؛ فعندما طلب السودان من مجلس الأمن أن يبعث بمفتشيه للتحقق من وجود دور لدول أجنبية في الهجوم، حالت أمريكا دون إنفاذ ذلك! . وبعد أن احتلت إثيوبيا مدينتي (الكرمك) و (قيسان) وسلمتهما لقوات (جون جارانج) ، سلمته كذلك نقطة (الديم) الحدودية التي يقاس منها منسوب مياه النيل أوقات الفيضان! أما إريتريا: فقد انبعث أشقاها (أفورقي) الصليبي، وسارع إلى الاستجابة المبكرة للدعوة الظالمة بمناصبة السودان العداء، فبادرت حكومته إلى قطع العلاقات مع السودان متهمة إياه بمساعدة تنظيم الجهاد الإسلامي الإريتري. وأقبل حاكم إريتريا على خطوة دبلو (ماشية) هي الأغرب من نوعها في تاريخ العلاقات بين الدول، إذ سلم السفارة السودانية في أسمرا إلى المعارضة، لتجعلها مركزاً للتخطيط والتآمر على الحكومة السودانية! . وأما أوغندا فرئيسها (يوري موسيفيني) صليبي حاقد، حكم أوغندا حكماً صليبيّاً بعد أن كانت إحدى الدول الإسلامية في عهد (عيدي أمين) ، و (يوسيفيني) هذا صديق شخصي وزميل دراسة للأسقف (جارانج) ! أما موقف جارة السودان الشقيقة الكبرى مصر، فهو موقف عجيب غريب من بلد عربي مسلم ضد جار شقيق له، مهما كان الخلاف بينهما. فالسودان عمق استراتيجي لمصر، ولا يؤمَن جانب (جارانج) وعصابته فيما لو آلت الأمور إليهم لا قدر الله، وحينها لا ينفع الندم. رابعاً: إسرائيل: السيطرة على النيل حلم قديم، بل عقيدة عتيدة عند اليهود، فعبارة التوراة المحرفة لا تزال تعلو الكنيست الإسرائيلي: (لنسلِك أعطي هذه الأرض، من النهر الكبير نهر النيل إلى نهر الفرات) ، ونهر النيل (الكبير (لا يمكن السيطرة عليه من رأسه، بل لا بد من جذوره، وإسرائيل اليوم تمد يديها حثيثاً إلى جذوره وأصوله. إن خبراء الحروب وخبراء الاقتصاد في العالم يتحدثون منذ سنوات عن أن الحروب القادمة في الشرق الأوسط ستكون حروب مياه، وها قد بدت معالم أول حرب للمياه، وبأموال السحت اليهودي أو أموال صندوق النقد الدولي يشرع لليهود في بناء السدود هناك، عند الجذور، بالاتفاق مع الأحباش الإثيوبيين، والنصارى الإريتريين، حيث يجري العمل للسيطرة على منطقة البحيرات التي تغذي نهر النيل بموارده المائية من بحيرتي (فيكتوريا) التي ينبع منها النيل الأبيض، و (تانا) التي ينبع منها النيل الأزرق، وهما يلتقيان في الخرطوم. الحكومة الإريترية الآن صناعة إسرائيلية، وإسرائيل هي المصدر الأساس لتسليح هذه الدويلة الصغيرة المستكبرة، الضعيفة المستقوية، وقد أقامت إسرائيل قاعدة عسكرية كبيرة في الأراضي الإريترية عام ١٩٩٤م، تحتوي على أجهزة متطورة ونقاط مراقبة وتجسس يمكن أن تقع تحت طائلتها أراضي السودان وأعالي البحر الأحمر بشواطئه وموانيه، وبسلاح إسرائيل احتل نصارى إريتريا جزيرة (حنيش) ، ليتحقق حلم آخر لليهود، وهو تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة إسرائيلية، بدءاً من ميناء (إيلة) المسمى (إيلات) ، وانتهاءً بمضيق باب المندب الذي تتهدده (حنيش) ! خامساً: الجيش الجنوبي: (جارانج) أو (قرنق) أو (غارانغ) على اختلاف بين الصحف الناطقة بالضاد رجل واضح، ليس في أهدافه غموض أوالتواء، شكل حركة أسماها: (الجيش الشعبي لتحرير السودان) ، نعم.. السودان، كل السودان، فهو يعتبر العرب والمسلمين أقلية وافدة، ويقول: (العرب في الشمال كالبيض في جنوب إفريقيا، وإنهم سيخرجون من السودان كما خرج العرب من الأندلس التي مكثوا فيها قروناً طويلة) ! وبما أن العرب والمسلمين أقلية تحكم السودان كما يزعم فهو لهذا يريد أن (يحرر) كل السودان، ووسيلته في ذلك (حركة تحرير السودان) ، لا جنوب السودان فقط! . إن هذا الحلم الأسطوري لا يزال يساور صنيعة مجلس الكنائس العالمي، ففي حديث أجرته جريدة الشرق الأوسط في ١١/٩/١٤١٧هـ، قال بالحرف الواحد: (هدفنا ليس احتلال أجزاء في الجنوب أو في الشرق، بل تحرير البلد ككل) ! ! فمن أي شيء يريد تحرير البلد ككل، هل من أشخاص الحكومة الحالية؟ ، لا.. فهو يحارب قبل مجيئها، ولكنه يقصد بالطبع توجهها، وهو الإسلام، فهو ما صعد حربه وما سعرها إلا بعد أن بدأت تجربة تطبيق الشريعة الإسلامية في عهد الرئيس الأسبق (جعفر نميري) رغم ما قيل عن أهدافها وقتذاك. والمصيبة: أن الوجه القبيح لـ (جارانج) وجد من يطليه بالأصباغ ويجمله بـ (المكياج) ، ليتحول من انفصالي خائن إلى مصلح وحدوي ناصح، فبعد أن وضع أهل الشمال يمينهم في يمينه أغروه بالمزيد من الطغيان والعصيان، وأمدوه بشرعية ما كان يحلم بها، ووضعوه في المقدمة: مقاتلاً تحت راية الصليب يقود رعاعاً يزعمون التوحيد! ، وما دام الصادق (المهدي) قد وضع يده في يد (جارانج) (الضال) فمن حقه أن يهاجم من يرفعون راية الجهاد ضد جيشه الصليبي، لقد قال: (تتحدث الجبهة عن الحرب باعتبارها جهاداً، لكن جهاد ضد من؟ ، ضد السودانيين؟ ، نحن في التجمع الوطني نمثل السودان كله) ! ، نعم، (جارانج) وطني من التجمع الوطني، والدليل على وطنيته أن رسالته للدكتوراه أعدها عن مشروع قناة (جونقلي) في جنوب السودان، تلك القناة التي كانت من المفترض أن تجمع مياه المستنقعات لتصب في النيل الأبيض، وتوفر ما يزيد على ستة عشر مليار متر مكعب من المياه التي تضيع في بحر الغزال. ماذا فعل (جون) بعد أن أنهى رسالته وبدأ ثورته، لقد أوقف العمل في هذا المشروع، ثم عمد إلى نسف منشآت تلك القناة وطرد مهندسيها المصريين والسودانيين! . إن قوات (جارانج) الآن تتجه الآن بعد الاستيلاء على (الكرمك) و (قيسان) إلى التحكم في ولاية النيل الأزرق، وبالتالي: في ٨٥% من المياه المتدفقة إلى الشمال في مصر والسودان! . فهل بدأت المعارضة تجني ثمار ثورتها الديمقراطية (المسلحة) ؟ ! . سادساً: حقيقة المعارضة: تضم فصائل التجمع الوطني للمعارضة التجمعات التالية: ١- الحزب الاتحادي الديمقراطي، بزعامة (الميرغني) . ٢- مؤتمر البجا القيادة الشرعية. ٣- الحزب الشيوعي السوداني. ٤- حزب الأمة، بزعامة (الصادق المهدي) . ٥- الحركة الشعبية لتحرير السودان، بزعامة (جون جارانج) . وقد حسمت فصائل المعارضة الأربعة الأولى أمرها بتبني الخيار المسلح (الخروج) لمنازلة السلطة القائمة تحت قيادة الفصيل الخامس صاحب الراية الصليبية! ، فهل يمكن أن يدعي رئيس حزب الأمة بعد ذلك أنه (صادق) أو (مهدي) ؟ ! وأكثر من هذا: لقد سئل المهدي سؤالاً صريحاً.. هل تقبل بأن يحكم (جارانج) السودان، وأن تعيش في ظل حكومة سودانية يحكمها هذا الرجل؟ ، فأجاب بلا تلعثم كعادته في الفصاحة: (نعم أقبل.. إذا كان ذلك هو اختيار الشعب في ظل حكم ديمقراطي) [المجتمع العدد ١٢٣٨] ، أقول: أيها الصادق في ديمقراطيتك.. نحن نكفر بهذه الديمقراطية التي تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً. وأخيراً: هناك حقيقة لا بد من تسجيلها، وكلمة لا مناص من قولها، وهي أن التوجه الحالي في السودان لم يصنعه الترابي ولا البشير، بل هو توجه أصيل وعميق في ضمير الشعب السوداني الذي التف حول كل من دعا إلى الإسلام.. لقد التف السودانيون منذ قرن من الزمان حول الحركة المهدية رغم ما شابها من انحراف، وما كان التفافهم حولها إلا لأنها رفعت الراية الإسلامية وقاتلت تحت لوائها الإنجليز النصارى.. والتف السودانيون حول (جعفر نميري) بقوة عندما ادعى الحكم بالشريعة الإسلامية، وحتى المهدي زعيم الأنصار لم يلتف السودانيون قبل ذلك حوله إلا لتدثره بالثوب الإسلامي وادعائه نصرة الدين، فشعب السودان مسلم متدين قبل الترابي وبعده، وقبل البشير وبعده، والذين يحاربون التوجه الإسلامي في السودان، لا يحاربون الترابي ولا البشير، إنما يقفون أمام إرادة أمة اختارت الإسلام منهجاً وسبيلاً. أما الترابي، فلسنا مع طروحاته العقلية أو شطحاته الفلسفية التي نجزم بأن عوام المسلمين والمؤمنين من أهل السودان لا يفهمونها، ولو فهموها ما تبنوها، أما خواصهم وعلماؤهم فالأمل معقود على ريادتهم لصحوة علمية وتربوية تقود هذا الشعب جياش العاطفة إلى الإسلام ... الإسلام وحده، لا إلى الثورات ولا إلى الجبهات.

стр. 2439

المسلمون والعالم لماذا يهمش المسلمون في الهند ؟ ! بقلم: د. محمد منظور عالم الهند دولة علمانية ديمقراطية وهي فيدرالية في طبيعتها، وهي متعددة الأديان، متعددة اللغات، متعددة الثقافات. مر المسلمون في الهند بعد الاستقلال والتقسيم بمراحل مختلفة. ففي العقدين الأولين أي الخمسينيات والستينيات كانوا يعانون من: ١- أزمة الزعامة نتيجة للهجرة إلى باكستان. ٢- الحالة النفسية المتصفة بالخوف الشديد نتيجة للمذابح التي تعرض لها المسلمون. أما السبعينيات فيمكن أن نسميها حقبة إدراك الضعف. كما يمكن أن نسمي الثمانينيات حقبة تأكيد الذات. وتمثل التسعينيات فترة توسع في تأكيد الذات من خلال حركة الوحدة بين الأمة الإسلامية. وكان الأثر الكبير للعقدين الأولين متمثلاً في روح البطء والتكاسل السارية في جسد الأمة الإسلامية، وكان المبرر الذي يتم اللجوء إليه هو (القَدَر) ! ومن ثم: الابتعاد عن المشاركة في التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية. لقد كان المسلمون في حالة قلق وضيق بشأن هويتهم، وهو الأمر الذي أجبرهم على أن تكون لديهم مدارس دينية عديدة دون أن يكون لديهم تعليم عصري. خلال الفترة نفسها كان عامل الخوف الذي عانى منه المسلمون في تزايد، مما جعل منهم (بنكاً للأصوات) تحت تصرف زعماء حزب المؤتمر الهندي، فقد قدم هؤلاء وعوداً لم تنفذ قط، وسمي ذلك فيما بعد: النفاق، وذلك من قبل الحزب الهندوسي المتطرف، لذلك: فإن المسلمين وقعوا في فخ الوعود الزائفة. في الفترة نفسها استُخدمت منظمة هندوسية متطرفة، هي (R. S.S) ، لنشر دعاية مسمومة ضد المسلمين واصفة إياهم بالخونة، بدعوى أن ولاءهم ليس للهند ولكن لباكستان، ونتيجة لذلك: فإن المسلمين تم إبعادهم من المجالات العسكرية وعن المناصب الاستراتيجية، ولم يكن حصولهم على الوظائف يتناسب مع عددهم إلى مجموع السكان في الهند. وقد أدى تأكيد المسلمين لوجودهم في السبعينيات في حقل التعليم والاقتصاد إلى إثارة حالة استنفار بين المتطرفين والسياسيين الهندوس، فبدؤوا بالتحريض على إثارة الاضطرابات الطائفية في مناطق مختارة تزدهر فيها أحوال المسلمين، وقد تم استخدام سياسة الترهيب والترغيب من قبل المنظمات الهندوسية المتطرفة والسياسيين الهندوس، لكن مثيري الطائفية من الهندوس لم يوفقوا والحمد لله في جعل المسلمين يتخلون عن تأكيدهم بوجودهم، وقد أدى ذلك إلى تصعيد الحركة الطائفية الهندوسية إلى ذروتها، الأمر الذي أدى إلى هدم بعض المساجد، ومن أشهرها المسجد البابري. لقد كان هدم ذلك المسجد أكثر النقاط السوداء قتامة في وجه الهند العلماني الديمقراطي! ! لكن الطائفية كانت من تفريخ وتنفيذ الحكومات المركزية وحكومات الولايات، وكان ذلك يمثل تأكيداً بأن ديمقراطيتهم زائفة، وقد بادر المثقفون المسلمون والعلماء والباحثون والنشيطون في المجال الاجتماعي إلى وضع خطط مختلفة وبرامج متنوعة لتحقيق الارتقاء الاجتماعي والتعليمي والسياسي والاقتصادي للمسلمين. وعن طريق التخطيط المحسوب بشكل جيد فإن المسلمين نجحوا الآن في القيام بدور محدود في السياسة والتعليم والاقتصاد وإن كان لا يتناسب مع عددهم. إن الحكومات الحالية حكومة فيدرالية بدعم من ١٣ -١٤ حزب سياسي، وتريد الحكومة أن تجعل الهند بمثابة (الولايات المتحدة الهندية) ، وذلك من خلال نقل السلطات إلى الحكومات الإقليمية هي ونصيبها في الإيرادات، وذلك من خلال تنفيذ تقارير لجنة (ساركاريا) ، هذه العملية سوف تؤمن القدر الأفضل من السلطة لحكومات الولايات. تغير تاريخي ودلالته: يعتبر تولي (ديفي جودا) (أحد أبناء الطوائف المتخلفة المطحونة) الزعامة حدثاً تاريخيّاً، فقد أصبح رئيساً لوزراء الهند مؤخراً، وهذا المنصب كان محجوزاً على الدوام للبراهمة، وحتى في مجموع الوزارات لم يحصل البراهمة إلا على ... ١٠ % من المناصب، في حين كان نصيبهم في كافة الحكومات السابقة لا يقل عن ٦٠ %. هذا التغير سوف يكون له حسب رؤيتي الأثر العميق في سير الأمور مستقبلاً، وذلك للآتي: أولاً: وقبل كل شيء سوف يؤدي ذلك إلى زيادة نطاق الصراع بين الطوائف الدنيا والطوائف العليا الهندوسية؛ من أجل السيطرة على الحكم وأخذ نصيبها في كل أنواع الموارد. ثانياً: أنه قد يتم تطوير علاقة وتفاهم أفضل بين الطوائف الدنيا والمسلمين، نتيجة للتنسيق السياسي والخروج من نطاق مؤامرة البراهمة. ثالثاً: أن الطوائف الدنيا التي كانت تعاني من اضطهاد البراهمة عبر قرون عن طريق الاستغلال الديني وإبعادهم عن التعليم سوف تخرج على حظيرة الهندوسية، وسوف تعاني هذه الطائفة من مشكلات الهوية أو من أزمات أخرى في السنوات العشرين القادمة، مما سوف يعزز في الحقيقة نطاق الدعوة؛ فهذه الطوائف المتدنية تمثل غالبية السكان في الحقيقة، فنسبتها تبلغ ٥٧% من إجمالي عدد السكان. هذه الأزمات التي ستجابههم والتي تتعلق بالهوية سوف يكون لها تأثير عميق على التكوين السكاني الذي سوف يغير من كيميائية السياسة في الهند. وحينها فالعدالة الاجتماعية سوف تجد مكانها المناسب، كما إن تقاسم السلطة القائم على التمثيل النسبي سوف يكون بمثابة النظام السياسي. إن النقاط التي ورد ذكرها سابقاً تجعل من الواضح تماماً أن السياسة الهندية سوف يكون لها آليات فيدرالية تتصف بالاختلاف والصراع والنضال، وهي أمور يتعين أن يلعب كل عنصر من عناصر تكوينها دوره فيها، فأي طائفة تخفق في أخذ نصيبها الذي تستحقه بما يناسب طلبها سوف تخسر خسارة عظيمة. تكمن القوة لأخذ النصيب المستحق في السلطة في: ١- التعليم. ... ... ... ... ... ٢- الاقتصاد. ٣- الوعي الاجتماعي. ... ... ٤- الوعي السياسي. هذه العناصر الأربعة تعتمد إلى حد كبير على نوعية المناخ السياسي والاقتصادي السائد في البلاد وماهية المنافذ المتاحة داخل وخارج البلاد. ويعاني المسلمون للأسف من الضعف والتخلف والتعرض للمخاطر، فالتحيز والتمييز يوجدان مناخاً غير مواتٍ للاستفادة من التعبئة العامة المنفذة في مجال التوظيف، والاستثمار، والاقتصاد، والأعمال، والتجارة، وذلك يجعلهم في وضع هامشي. المسلمون في الواقع في حاجة إلى دفعة شد وجذب كبيرة، تتطلب الحكمة في تأمين فرصة نشر التعليم، مع الإيمان من الأساس، ومن أولى المراحل بالتعليم الفني والتعليم في مجال الإدارة، وذلك لاغتنام المستقبل في ضوء ما يسمى بالنظام العالمي الجديد.

стр. 2440

المسلمون والعالم إريتريا.. الوعد الكاذب بالحرية مظاهر العلمنة والتنصير في توجهات الجبهة الحاكمة (١ من ٢) بقلم: جمال سعيد حسن اتخذ الصراع في القرن الإفريقي أشكالاً متعددة وشعارات كثيرة، فهناك صراعات قبلية وقومية وإقليمية ودولية، ولكن الأبرز والأهم كان الصراع العقدي، صراع بين الحق والباطل، صراع بين الإسلام والنصرانية على وجه الخصوص. فإذا خصصنا الحديث عن الصراع في إريتريا منذ ظهور قضيتها في مناقشات الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية نجد أن القرار الذي اتخذ في شأنها كان يراعي مصالح إثيوبيا النصرانية التي غدت جزيرة نصرانية في بحر مسلم، وقد كان يحكم إثيوبيا الإمبراطور الهالك (هيلاسلاسي) ، وبعد الانقلاب العسكري الشيوعي عام ١٩٧٤م بقيت إريتريا تحت الاحتلال الإثيوبي، حتى إذا ما يئس النظام العالمي الجديد من استمرار إريتريا تحت الحكم الإثيوبي النصراني عمد إلى تسليم السلطة فيها للجبهة الشعبية بقيادة (إسياس أفورقي) ، وتسليم السلطة في إثيوبيا إلى جبهة التجراي بقيادة (ميلس زيناوي) ، وذلك بعد مؤامرات حيكت في كل من (أتلاتنا) بقيادة الرئيس الأسبق للولايات المتحدة (جيمي كارتر) عام ١٩٩٠م، وفي (لندن) بقيادة (هيرمان كوهين) مسؤول القرن الإفريقي في الخارجية الأمريكية عام ١٩٩١م، وبهذا تمكنت الجبهة الشعبية ذات التوجهات الصليبية من تملك زمام الأمر في إريتريا. مظاهر ظلم المسلمين: وقد ظن كثير من الإريتريين أن فجر الحرية قد انبلج في بلادهم بخروج الجيش الإثيوبي منها بعد صراع مرير وانتظار طويل استمر ثلاثين عاماً، ولكن هذا الفجر لم يكن إلا فجراً كاذباً للحرية، فها هي الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة! ! كما زعمت منذ أن كونت حكومتها في إريتريا عام ١٩٩١م، تعيث فيها ألواناً شتى من الاضطهاد ضد المسلمين هناك، وتُظهر بين فترة وأخرى ممارسات تنم عن الحقد الدفين الذي تكنه للإسلام والمسلمين. وسوف أتناول في هذه المقالة مجمل الأحوال السائدة في إريتريا منذ تولت تلك الجبهة الصليبية مقاليد الحكم، مع التركيز على الآثار المترتبة لهذا الحكم على المسلمين وانتشار الدعوة الإسلامية فيها، وذلك من خلال النقاط التالية: أولاً: الاعتقالات والاغتيالات: تملك الجبهة الشعبية جهازاً خاصّاً مرتبطاً بالرئيس مباشرة، مهمته الحفاظ على أمن (حزب الجبهة الشعبية) الحاكم، ويرمز إلى هذا الجهاز بـ (٠٧) ولهذا الجهاز صلاحيات تفوق صلاحيات وزير الداخلية، ويحق له القيام بإجراءات تصل إلى حد التصفية الجسدية دون مساءلة من أحد، وغالب أفراده غير معروفين، وكذا جميع أعماله سرية إلى أبعد الحدود، وقد قام في فترة ما بعد التحرير باعتقالات منظمة طالت المؤسسة العسكرية في تنظيم الجبهة الشعبية، وخاصة بعد عملية الاحتجاج التي قادها الجيش قبيل عملية الاستفتاء، كما قام هذا الجهاز بالتصفية الجسدية لبعض العناصر غير المرغوب فيها داخل التنظيم، على الرغم من أنها قيادات مشهورة. كما قام هذا الجهاز بانتهاك صارخ لأدنى حقوق الإنسان، باعتقال عدد من الدعاة ومعلمي العلوم الإسلامية والعربية وبعض النشيطين في العمل الدعوي من الشباب، فبعد أشهر قليلة من دخول الجبهة الشعبية (أسمرا) تم اعتقال بعض معلمي المعاهد العلمية الذين كان لهم نشاط بارز في توعية الشباب وإقامة الدروس العامة في المساجد في مدينة (كرن) و (أسمرا) ، ثم استمرت عمليات الاعتقال على فترات متفاوتة شملت مرة أخرى معلمي المعاهد والمدارس الإسلامية والنشيطين من شباب الصحوة في كل من العاصمة (أسمرا) ومدينة (كرن) و (حقات) ، وغيرها من المدن الإريترية، وقد كانت بعض هذه الاعتقالات تجري في وقت متأخر من الليل، بينما بعضها الآخر يتم في وضح النهار، كما تم بعضها في أوقات متتالية، وقد وقعت آخر هذه الحملات المسعورة في العام المنصرم ١٩٩٦م في مدينة (قندع) ، حيث طالت بعض خريجي الجامعات الإسلامية الذين كان لهم نشاط ملحوظ في تعليم الناس الإسلام، والأدهى والأمرّ: أن حكومة الجبهة الشعبية تنفي نفياً قاطعاً أن تكون هي التي تعتقل هؤلاء المواطنين، وتنكر على ذوي المعتقلين أن يكون أحد منهم في سجونها. ولو أردنا أن نخرج بتحليل قريب لهذه الممارسة العجيبة نجد أن الجبهة الشعبية تسعى لاستئصال أي فكر يخالف الأفكار المشبوهة التي تسعى لصب الشعب الإريتري في قوالبها. إن الذين شملتهم الحكومة الشعبية بالاعتقال الجائر لم يكن لهم أي نشاط سياسي مريب يهدد من وحدة الشعب الإريتري أو يعرض المصالح الوطنية للخطر ولكن الجبهة الشعبية تنظر إلى الإسلام نظرة ريب وعداء، انطلاقاً من أهدافها الصليبية المعروفة، فهي لا تريد إلا مصدراً واحداً لتربية النشء وتوعية الجماهير ومعلمي العلوم الإسلامية يمثلون في نظرها حَمَلة أفكار منافسة يمكن أن تنتج جيلاً متطرفاً بزعمهم يهدد الأمن العام للدولة والشعب، بل يبدو من الممارسات التي تصدر عن نظام الجبهة الشعبية الحاكمة أنها لا تريد أن تسمع للإسلام صوتاً، ولا أن ترى للمسلمين في إريتريا شخصية وعزّاً والتزاماً بالدين.. وإلا فماذا تقول في إقدامها بسجن عناصر ممن يمارسون الدعوة بالحكمة والحسنى في منطقة (سرايي) في عام ١٩٩٣م. ثانياً: محاربة العلوم الإسلامية واللغة العربية بشكل خاص: كان من الطبيعي أن تتحول برامج المدارس الحكومية التي كانت تشرف عليها الحكومة الإثيوبية إلى البرنامج الجديد للحكومة الإريترية بعد نهاية الاحتلال الإثيوبي، ولكن الشيء غير الطبيعي والمؤسف حقّاً: أن تتحرك أعين الساسة في الحكومة الشعبية المشبوهة إلى المدارس الإسلامية والمعاهد الدينية التي بذل الأهالي في سبيل إقامتها الغالي والنفيس سعياً لاستمرار نبع العلوم الإسلامية والعربية في إريتريا عبر هذه المؤسسات. وقد بعثت وزارة التعليم إلى هذه المدارس والمعاهد بتعليمات تطالبها بأن تسير وفق خطة التعليم الخاصة ببرامج الجبهة الشعبية، وهو برنامج علماني بحت لا يسمح بتدريس العلوم الدينية إلا ساعة واحدة في الأسبوع تكون على شكل موعظة عامة للطلاب، فهو برنامج لا يخدم إلا الأهداف الصليبية الساعية إلى تفريغ العقول المسلمة من دينها، وتكوين جيل مذبذب، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وعندما حاول المدرسون والمثقفون الوقوف أمام هذا التسلط؛ زج بهم في السجون، ولا يعرف مكانهم حتى هذا اليوم، وسارت خطط (الشعبية) في خطى حثيثة نحو إجبار القائمين على المعاهد والمدارس الإسلامية بالسير كما تريد. ثالثاً: استفزاز المسلمين بسياسة تجفيف المنابع: وتمكنت الجبهة على ضوء ما ذكرنا من الوصول إلى النتائج التالية: ١- إغلاق بعض المعاهد الدينية تماماً، وعدم إصدار تراخيص لإنشاء مثل هذه المعاهد مستقبلاً. ٢- وما استمر في عمله فقد فُرِّغ من رسالته التي أنشئ من أجلها، وهي نشر العلوم الإسلامية الشرعية والعربية في إريتريا. ٣- حصر الجهود الأهلية التعليمية للمسلمين في الكتاتيب (الخلاوي القرآنية) في المساجد أو غيرها، مع المراقبة التامة لها حتى لا تعلِّم غير القرآن شيئاً من العلوم الدينية، بل وحتى الأناشيد الإسلامية [١] . وتدعي حكومة الشعبية أن إقدامها على إجبار المدارس الإسلامية انتهاج خطة التعليم الحكومية يأتي حماية لمستقبل الطلاب الذين لن يجدوا فرصة للتعليم العالي أو العمل في الوظائف الحكومية إن هم استمروا في المدارس الإسلامية، وهذا تفكير يرمي إلى إقصاء الاعتبارات العقدية للمسلمين، فالعلم الشرعي في نظر الفرد المسلم منه ما هو فرض عين يجب على كل مسلم أن يتعلمه، ومنه ما هو فرض كفائي، ومنه ما هو دون ذلك، فتحصيل العلم الشرعي في حد ذاته يكون عبادة، فهل تريد الشعبية إغلاق باب من أبواب العبادة التي يؤمن بها المسلمون في إريتريا بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان؟ ، إننا نفهم أن المقصود من ذلك هو تجفيف المنابع، وذلك ما يلجأ إليه أعداء الإسلام في السنين الأخيرة. الأهداف البعيدة من سياستها تلك: وعلى كلٍّ فإن الهدف الحقيقي لمساعي الشعبية في حربها المعلنة ضد المعاهد الدينية والمدارس الإسلامية ينحصر فيما يلي: ١- تربية الأجيال القادمة وفق برنامج الجبهة الشعبية الهادف إلى تكوين شعب يؤمن بنهجها الفكري والسياسي والثقافي الصليبي المغلف بطبقة من العلمانية الهشة. ٢- تجفيف منابع التدين والتي تسميها الجبهة الشعبية بمنابع التطرف الديني! ... ٣- إذلال المسلمين واستضعافهم والسيطرة على مقدراتهم. ٤- تحجيم اللغة العربية والحد من انتشارها وتوسعها حتى تتلاشى من الوجود تماماً في إريتريا، وقد دأبت الجبهة الشعبية منذ نشأتها في تحجيم اللغة العربية وإقصائها من الحياة الثقافية والعلمية والسياسية على الرغم من المطالبات الكثيرة جدّاً من الشعب بإعطاء اللغة العربية مكانتها الطبيعية في إريتريا، وليس أدل على ذلك من استفسارات الجماهير الكثيرة عن وضع اللغة العربية في إريتريا التي توجه إلى قيادة الشعبية بدءاً بالرئيس إلى آخر قيادي لديها في جميع اجتماعاتها المهمة وغير المهمة، وعلى الرغم من ذلك فإن حكومة الشعبية ما زالت تأبى أن تعطي آذاناً صاغية لهذه المطالب، ضاربة بعرض الحائط دعوى الديمقراطية والعدالة اللتين تدعيهما، وقد أصمت بهذه الدعوى القاصي والداني من الشعب الإريتري. والحقيقة: أن الحكومة لم تتجرأ باتخاذ قرار يعلن إلغاء اللغة العربية رسميّاً من دوائرها الحكومية أو التعليمية أو الحياة العامة، مع أنه لا يستبعد أن يحدث هذا بل هناك إرهاصات تدل على ذلك من خلال أحاديث الرئيس الإريتري، إذ الأمر الواقع هناك تحجيم لدورها وتضييق على منابعها، مع أنه ما زالت تصدر صحيفة أسبوعية باللغة العربية، وهناك بعض المدارس الابتدائية التي تدرس باللغة العربية. ويبدو من برنامج الجبهة الشعبية أنها تسير الآن إلى جعل اللغة الإنجليزية لغة العلم والثقافة، بينما تكون اللغة التجرينية التي تعد اللغة الرئيسة للنصارى في إريتريا اللغة العامة للشعب، بينما تبقى اللغة العربية لتزيين اللوحات الحائطية أمام بعض مقرات الحكومة، والأماكن التجارية، وبعض الأوراق الرسمية. والصراع مع اللغة العربية في إريتريا لا يرتكز على منطلقات قومية، سواء أكان الموقف الرافض للغة العربية المتمثل في حكومة (إسياس أفورقي) أو الموقف المطالب بنشرها وترسيمها في إريتريا، إنما المنطلق الأساس لهذا الصراع منطلق عقدي، فـ (إسياس) يعرف كما تعرف الجماهير المسلمة في إريتريا أن اللغة العربية وسيلة رئيسة في فهم الدين الإسلامي، وعلى رأسه فهم القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبها يرتبط المسلمون في إريتريا بتاريخهم المجيد وبحاضرهم الأليم مع العالم الإسلامي، وهذا هو محط النظر من الطرفين، مما يجعل الصراع عقديّاً أكثر منه قوميّاً أو ثقافيّاً بحتاً. التقسيم الإداري للدولة ودوافعه: لعل المرء يقول إن لكل دولة الحق في إجراء تقسيم إداري على أرضها بما تراه مناسبًاً ويخدم المصلحة العامة للوطن والمواطنين، بحيث يخدم خطط التنمية للبلاد بأسرها، وهذا هو السبب المعلن الذي اعتمدت عليه حكومة الشعبية في إعادة تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم إدارية في مايو ١٩٩٥م، حسبما جاء في الجريدة الرسمية للبلاد (إريتريا الحديثة) ، ع/٥٧/٢٠/٥/١٩٩٥م. والعاقل يدرك أن الهدف من هذا التقسيم لم يكن كما أُعلن عنه تنمويّاً أو غير ذلك من الاعتبارات الوطنية، بل كان تقسيماً ماكراً يخدم النظام القائم في البلاد ويكرس من سيطرته المحكمة على المسلمين سياسيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً، حيث يظهر من التقسيم أن جميع أقاليم البلاد ما عدا إقليم (عصب) أُدخل فيه جزء من إقليم (حماسين) مسقط رأس (إسياس) ، ومركز السكان النصارى في إريتريا مما يعني أن زمرة (إسياس) ستسيطر على المجالس الأهلية للأقاليم الإدارية التي قرر إعلان التقسيم الإداري تكوينها في جميع الأقاليم، وستفرض عليها لغتها وثقافتها واتجاهها السياسي، كما أن هذه الزمرة ستجد الفرصة سانحة في رفع مستواها الاقتصادي، من خلال استثمارها للأراضي الزراعية التي كانت تابعة في الأصل للمناطق الإسلامية. المهاجرون الإريتريون: يقدر عدد المهاجرين الموجودين في السودان وحدها ما يقارب نصف مليون نسمة، وأغلبهم من المسلمين، ويرفض هؤلاء العودة إلى ديارهم ووطنهم في ظل الظروف الراهنة؛ وذلك اعتقاداً منهم أن سياسة دولة (إسياس أفورقي) إرهابية لا يمكن أن يأمن الإنسان فيها على دينه وعرضه وكرامته. وعلى الرغم من أن الوضع المادي لهؤلاء المهاجرين صعب للغاية إلا أنهم يفضلون العيش بحرية في ظل الوضع الاقتصادي المتردي بعيداً عن الأهل، بل الموت جوعاً، بدلاً من الموت فزعاً وقهراً في ظل الحرية المصطنعة والإرهاب الفكري الطائفي والسياسي الذي تمارسه الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا. وتدعي الحكومة في إريتريا بأنها ساعية إلى إعادة اللاجئين إلى وطنهم تدريجيّاً، وأنها حريصة على ذلك كل الحرص، إلا إن الواقع ينفي ذلك، فهي لم تبذل من الناحية الإدارية والمالية أي جهد يستحق الذكر، ويبدو أن لها حسابات مادية، وأكثر منه سياسية لهذه القضية، فهي تعلم أن الصحوة الإسلامية والمعارضة السياسية والعسكرية تنشط بشكل واضح في وسط هؤلاء المهاجرين واللاجئين، وإعادتهم إلى الوطن في ظل الظروف الراهنة تسبب متاعب لها لا يحمد عقباها، والحكومة في غنى عنها، ففضلت الانتظار والتريث، وبل والمماطلة. نسأل الله (العلي العظيم) أن يعجل بفجر الحرية الصادق لإريتريا والإريتريين.

стр. 2441

نص شعري المسجد الأقصى شعر: جعفر محمود عكاشة قَدْ كُنتُ أَشْربُ حَسْرتي ... مِنْ بَعد أَخْبارِ المَساءْ وأسُوقُ أَحْلامي إلى ... رَتْلِ النّفايةِ والفَناءْ هِيَ عادَتي في كُلِّ يَومٍ ... أَمْتَطي خَيْلَ الفَضاءْ هَلْ يكْنُسُ الشّرفاءُ بعدَ ... اليَومِ أَذْيال الرّياءْ؟ وَهَلِ القَضيّةُ أَنْ نكونَ ... وبعدَها تَقَعُ السّماءْ؟ وَهَلِ الدّيانَةُ أَصْبَحتْ ... سِرّاً يُمارَسُ في الخَفاءْ وَهَوَيْتُ مِنْ بُرْجٍ لِهامانٍ ... على صَوْتِ النّداءْ أَبَتاهُ ما اسْمُ القِبْلةِ ... الأُولى ومَنْ سَكَنَ الفَضاءْ فَنَظرْتُ صَوْبَ صَغيرتي ... والدّمْعُ حَرّق في الرِّداءْ ماذا لَعلّي أنْ أُجيبَ ... وقَدْ تَلَجّمني الحَياءْ؟ سَرْجُ الجَبانِ سَلامَةٌ ... وسلاحُهُ فيها الرّخاءْ لكنْ سَأوجِزُ قصّةَ ... الوَطنِ الذّبيحِ بِلا افْتراءْ فَلَرُبّ مُنْتَصِبٍ يُعالجُ ... ما بِجَنْبيّ اكْتِواءْ فالقِبْلَةُ الأُولى مَحَطّةُ ... ... مَهْبِطٍ للأَنْبياءْ أمّا الفَضاءُ مُبارَكٌ ... والله يَفْعلُ ما يَشاءْ والمْسجدُ الأَقْصى عَروسٌ ... غالَها مَهْرُ الإباءْ والله أوْرثَهُ النَبيّ ... مُحمّداً حامي اللِواءْ مُذْ عَهْدِ فاروقِ الصّحابَةِ ... كانَ يَمْنَعُهُ الفِداءْ واليومَ يَرْزَحُ تحْتَ نَيْرِ ... الهَدْمِ طُوبى للبِناءْ والعُهْدَةُ العُمريّةُ المُثْلى ... ... تُطالِبُ بالجَلاءْ كُلّ الذين تهوّدُوا ... وبِنابِهمْ حُفِرَ البَلاءْ جَعَلُوا مِنَ النّفَق ... المُريبِ شَرارَةً للإنْتهاءْ ولَسَوْفَ يَعْلَمُ جَمْعُهم ... أَنّا صَناديدُ اللِقاءْ لله دَرّ حجارَةٍ قَلَعتْ ... معَ القَيْدِ الغُثاءْ تُلْقي بِأَيْدٍ بَرّةٍ تَهَبُ ... المنيّةَ دُونَ داءْ والله أكْبرُ عنْدَما أَنْ ... يُخْلِصَ العَربُ الوَلاءْ بِيَدٍ مُوحّدَةٍ وأَذِّنْ ... أَنّ نَصْرَ الله جَاءْ ماذا دَهاكِ بُنَيّتي؟ ... هَتَفَتْ تَرانيمُ الحِداءْ إنّ القّضيّةَ أَنْ نكونَ ... وبَعدَها تَقَعُ السّماءْ

стр. 2442

في دائرة الضوء السقوط في الانهزامية بقلم: د. محمد يحيى أدى بروز الصوت العلماني في الساحة الفكرية في البلاد العربية خلال السنوات الماضية إلى إحداث ضغوط قوية على بعض الناطقين باسم الإسلام من أرباب المناصب الرسمية، ولّدت بدورها تناقضات صارخة فيما يصرح به هؤلاء الذين يفترض أنهم مهتمون بالإسلام بحكم مناصبهم على الأقل إن لم يكن بحكم دينهم، ومن النماذج التي التقطتها عفويّاً من بين عشرات الأمثلة: ما صرح به وزير للأوقاف في بلد عربي كبير لإحدى المجلات الأسبوعية عندما سئل عن رأيه في حالة حدوث تناقض بين القانون الوضعي وما ينص عليه الإسلام، وكانت إجابة الوزير بما يلي: (إذا تعارض القانون الوضعي مع ما نص عليه الإسلام: نبحث عندئذ عما فيه المصلحة بالنسبة للمسلمين.. فمصلحة المجتمع لها القول الفصل في هذه القضية) . والمشكلة في هذه الإجابة التي أوردت نصها أنها ملتفّة وتثير من المشاكل الكثير، كما لو أن صاحبها لا يريد أن يجيب إجابة مباشرة؛ خوفاً من نفوذ العلمانيين أو ربما تأثراً بفكرهم وميلاً إليه. الإجابة المباشرة فيما نفترض تقول: إنه إذا حدث تعارض بين القانون الوضعي وما نص عليه الإسلام، فإننا في هذه الحالة نمضي ونحكِّم ما نص عليه الإسلام، لأننا مؤمنون به، أو نمضي ونحكِّم القانون الوضعي إذا كنا علمانيين، لكن الإجابة التي أوردها الوزير وهو فيما يقال أستاذ متخصص في الدراسات الإسلامية تقول: إنه في حالة حدوث هذا التعارض نبحث عما فيه المصلحة بالنسبة للمسلمين، أي نبحث في القانون الوضعي وفي الإسلام عن أيهما يحقق مصلحة المسلمين! كان يمكن للأستاذ الجامعي المتخصص أن يقول: إن الإسلام لا بد أنه يحقق مصلحة المسلمين، وهذا بدهي؛ لأنه من غير المتصور أن يأتي دين ليهدم مصلحة من يؤمنون به، وكان يمكن للأستاذ الجامعي أن يقول: إن القانون الوضعي الذي يتعارض مع ما نص عليه الإسلام لا يمكن أن يحقق مصلحة المسلمين، وإن الشريعة الإسلامية بها من السعة والرحابة ما يحقق كل المصالح المشروعة، لكن الأستاذ الوزير يترك المسألة معلقة بين القانون الوضعي والإسلام، ويجعل من مصلحة المسلمين (وهو يحولها فيما بعد إلى ما يسميه بمصلحة المجتمع وهو تعبير أكثر عمومية وإيهاماً) القول الفيصل في هذا الأمر، وكأن الإسلام يستوي مع القانون الوضعي من ناحية أن كلاهما يمكن أن يحقق مصلحة. وأيضاً من ناحية عدم التيقن من طبيعة المصلحة التي يحققها أي منهما، وربما نقول من باب درء الشك: إن الأستاذ الوزير يتصور إمكانية أن يصدر قانون وضعيّ ما، يحقق مصلحة المسلمين في مجال غير موجود في الشريعة الإسلامية، لكن هذه الشريعة تحتوي على مبدأ الاجتهاد الذي يُمكِّن من بسط أحكامها ومبادئها الكلية العامة على شتى مجالات الحياة الجزئية والفرعية والمتغيرة، بحيث يمكن في هذه الحالة القول بأن حكم الشريعة قد أُعمل في هذه الحالات الجزئية ليحقق مصلحة المسلمين أو المجتمع، لكن السؤال الموجه إلى الأستاذ لم يكن يدور حول قضية المصلحة (وهي قضية للشريعة الإسلامية فيها ضوابط وأصول) وإنما دار حول قضية التصرف في حالة وقوع التناقض بين القانون الوضعي وما نص عليه الإسلام، إن السؤال الموجه مُحْكَم إلى درجة كبيرة، لأنه يتحدث عن التصرف في حالة حدوث التعارض بين قانون وضعي (أي علماني) وبين صريح الإسلام حيث ذكرت عبارة (ما نص عليه الإسلام) ، وإزاء هذا الوضوح والتحديد في السؤال كان يجب على المجيب أن يكون واضحاً محدداً، وإلا وقع في اللف والدوران، وهذا الالتفاف الذي لاحظناه في الإجابة المذكورة هو ما نعنيه عندما نتحدث عن ضغوط ونفوذ وتأثير العلمانية الذي يشوه فكر بعض المتصدرين للحديث باسم الإسلام، ويجعلهم يتراجعون حتى عن إظهار بدهيات معروفة؛ خوفاً من إغضاب هذا النفوذ، أو كما قلنا: ميلاً قلبيّاً إليه. فكيف يمكن أن يشك مسلم فضلاً عن أستاذ جامعي دارس في أن الإسلام يمكن أن يحقق مصلحة المسلمين؟ بل كيف يتوقف هذا المسلم فضلاً عن الأستاذ الجامعي الدارس ولا يُرجِّح كفة شرع الإسلام في حالة حدوث تعارض وتناقض مع القانون الوضعي، وكيف لا يذكر المسلم فضلاً عن الأستاذ الجامعي الدارس لمن طرح عليه السؤال أن للإسلام طرقه ووسائله واجتهادات علمائه ورخصه يحقق بها كلها مجتمعة مصلحة المسلمين، بل كيف يمكن للمسلم فضلاً عن الأستاذ الجامعي المتخصص أن يعلن أن الإسلام قد لا يحقق مصلحة المسلمين، وهذا هو المستفاد من إجابة الوزير، فهو يجعل الأولوية والكلمة العليا لمصلحة المجتمع كما يقول التي هي عنده المعيار والفيصل الذي يقاس به الإسلام وما نص عليه، كما يقاس به القانون الوضعي، ويختار من كليهما ما يحقق مصلحة المجتمع، ويطرح منهما ويرفض ما لا يحقق مصلحة المجتمع، ثم: ما هي مصلحة المجتمع؟ ، وهل المقصود المجتمع المسلم أم غيره؟ ، ومن الذي يحدد هذه المصلحة؟ ، وهذه نقطة مهمة؛ فمن الواضح من كلام الوزير أن الإسلام لا يمكن أن يكون هو المنوط به تحديد مصلحة المجتمع، لأنه هو نفسه تحت المحك والاختبار ليتبين ما إذا كان يحقق تلك المصلحة أم لا، لا بد إذن أن الذي سيحدد مصلحة المجتمع طرف ... آخر..، يحددها، ثم ينظر بعد ذلك في أحكام الإسلام وأحكام القانون الوضعي: أيهما يفي بهذه المصلحة، فيأخذ ما يتراءى له ولو كان القانون الوضعي، ويطرح الآخر ولو كان الإسلام وأحكامه! نحن إذن نصل إلى وضع غريب يصدر عن أستاذ جامعي مسلم ومتخصص في الدراسات الإسلامية، بل ويجلس في منصب يتحكم منه في سائر الشؤون الإسلامية والدروس والمواعظ الدينية ومجمل مضمون الفكر الإسلامي، يسأل هذا الأستاذ سؤالاً واضحاً محدداً حول ما يحدث في حال التناقض بين القانون الوضعي وصريح الإسلام، فلا يجيب الإجابة المباشرة، بل يذهب إلى التسوية بين القانون الوضعي وشريعة الإسلام في القبول والرفض، ويجعل من مصلحة المجتمع (وهي تعبير مبهم) القول الفصل ومعيار الحكم في القضية، ويسلب من الإسلام حق تحديد ماهية مصلحة المجتمع، كما يسلب منه دعوى تحقيق مصلحة المسلمين، ويجعلها محل نظر وفحص وتدقيق ومراجعة من جهات من الواضح أنها غير إسلامية؛ لأنها حالياً تعلو على الإسلام وتنفرد بتحديد ما إذا كان هذا الإسلام يصلح لتحقيق مصلحة المسلمين أم لا! لماذا كل هذا اللف والدوران إزاء سؤال واضح ومحدد لايسمح إلا بإجابة واضحة محددة؟ ، الإجابة هي: أن ضغوط الفكر العلماني ونفوذه قد وصل في عالمنا العربي المسلم إلى أبعاد واسعة ومستويات عالية، بحيث أصبح الجالس في منصب يفترض أنه إسلامي يتحرج أو يخاف أن يدلي برأي واضح وقاطع يناصر الإسلام الذي يفترض منه على الأقل بحكم المنصب والتخصص أن يناصره.

стр. 2443

متابعات وقفات متأنية مع آراء د. القرضاوي حول العلاقة مع أهل الكتاب بقلم: د. محمد بن عبد الله الشباني نشرت مجلة المجتمع في عددها رقم (١٢٣٣) خبرا نسبت فيه أقوالاً لفضيلة الدكتور الشيخ (يوسف القرضاوي) حول مقابلته مع المفكر الفرنسي المسلم (رجاء جارودي) ، الذي أُثيرت حول بعض آرائه عن الإسلام شبهات وصلت إلى الحكم بردته، لقد نفى الشيخ (القرضاوي) ما زُعم من ردة (جارودي) ، وقد أوردت المجلة في سياق خبرها أقوالاً نسبتها لفضيلة الشيخ (القرضاوي) لا يمكن تجاهلها، حيث إنها تتعارض مع المفاهيم الأساس للعقيدة الإسلامية حول علاقة الإسلام باليهودية والنصرانية، ولكون هذه الأقوال منسوبة لعالم من العلماء المشهورين، الذين لهم مواقف مشكورة محمودة تجاه الإسلام والذب عنه، فإن مناقشة ما نسب إلى فضيلته يعود إلى أمرين: الأول: وجوب اتباع المنهج الذي أمر به رسول الله من واجب أداء النصح وفق ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ ، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) . الثاني: أن ما ورد من أقوال نسبت إلى عالم جليل ونشرت في مجلة يقرؤها جمع غفير من المسلمين وفيها مخالفة لمفاهيم إسلامية ترتبط بالعقيدة من ناحية، وبالولاء والبراء من ناحية أخرى.. مما لا يصح تجاهله مهما كان قدر قائله، فإن الله قد أوجب على كل من يعرف الحق أن يظهره ولو كان في منزلة أقل ممن صدرت عنه هذه المخالفة، يقول (تعالى) : [إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ] [البقرة: ١٥٩] ، وقبل الدخول في مناقشة ما ورد في تلك الأقوال أود أن أسجل عدة أمور أساس لحواري هذا؛ حتى لا يساء الفهم، وهي: أولاً: أنني أكن احتراماً شديداً لفضيلة الشيخ (القرضاوي) ، ولقد استفدت من علمه من خلال كتبه، وما نشره، وإن لم أحظ بمقابلته، وإن ما سوف يتم من معارضة لبعض ما نسب إليه لا يقلل من شأنه، ولا من علمه، ولا من حاجة الأمة إلى آرائه، ولا من فضله، ولنا فيما فعله وقاله شيخ الإسلام (ابن تيمية) عند رده بعض آراء الفقيه الإمام (محمد بن حزم) أسوة، فقد جاء في الفتاوى قوله: (وأبو محمد مع كثرة علمه وتبحره، وما يأتي به من الفوائد العظيمة له من الأقوال المنكرة الشاذة ما يعجب منه، كما يعجب مما يأتي به من الأقوال الحسنة ... الفائقة) [١] . ثانياً: أن واجب النصح لكتاب الله، وسنة رسوله، ولعلماء الأمة، وعامتهم يقتضي عدم السكوت على أي شيء يمس الثوابت الدينية، وأن هذا الواجب لا يقتصر على فئة معينة، وإنما يتعدى ذلك إلى عموم الأمة، حيث يجب إظهار الحق ممن يعرفه، والالتزام به، والاستماع إليه وقبوله من قائله، ولو كان الاعتراض على قول صادر ممن له منزلة علمية أعلى من المعترض، فلنا في صحابة رسول الله أسوة، فقد ورد في الأثر أن الخليفة (عمر بن الخطاب) ﵁ عزم على تحديد المهور وأعلن ذلك على المنبر، ولكن امرأة من سائر أفراد الأمة اعترضت عليه وأدلت بالدليل، فما كان من عمر ﵁ إلا أن عدل عن رأيه وأعلن خطأه. إن الاعتراضات التي سأتناولها والتي وردت فيما نُسب إلى فضيلته تتمثل في الأمور التالية: أولاً: ما ذكر من أن رسالة الإسلام في جوهرها أخلاقية بالدرجة الأولى، فقد ورد هذا القول عندما أشار فضيلته عند رده لتهمة الردة التي وجهت إلى (جارودي) ، حيث قال وفق ما نسبته المجلة: (إن الرجل ما زال على خطه الأول الذي يعبر عن الإسلام الصحيح الذي يُدين الحضارة الغربية ويؤيد الشعوب المستضعفة، ويقف في صف الفقراء ضد الطواغيت المستكبرين في الأرض، فالرجل ضد الظلم والطغيان، ومع العدل والإحسان والرحمة، وهي أخلاقيات من جوهر الإسلام الذي هو رسالة أخلاقية بالدرجة الأولى) . إن القول بأن رسالة الإسلام في الدرجة الأولى هي رسالة أخلاقية غير صحيح، ويتناقض مع ما جاء في القرآن الكريم، حيث إن الرسالة الأساس والأولى للإسلام هي: إخراج الناس من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده لا شريك له، أما الأخلاق فهي تبع ولازم من لوازم الإيمان بالله، فالقول بأن رسالة الإسلام أخلاقية في الدرجة الأولى يتناقض مع حقيقة دعوة الإسلام، فموضوع الأخلاق وما يندرج تحته أمر فلسفي تحكمه الأعراف الإنسانية والمجمعة على كثير من الفضائل، حيث يشترك في الإقرار بها والدعوة إلى الأخذ بها: المسلم الموحِّد، والملحد الكافر الذي لا يؤمن بأي إله، والوثني الذي يعبد مع الله آلهة أخرى، وأهل الكتاب الذين بدلوا تعاليم أنبيائهم من اليهود والنصارى فعبدوا غير الله وشرعوا شرائع لم يأمر الله بها، فمنع الظلم، والإحسان إلى الفقراء، والرحمة بالضعفاء.. وغير ذلك من الصفات الأخلاقية الحسنة مقبولة، وجميع البشر يدعون إليها؛ فميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ حقوق الإنسان المقرّة من قِبَل هيئة الأمم المتحدة، وما يعرف بالشرعية الدولية.. فيها أمور أخلاقية لا يعترض عليها أي فرد مسلم أو غير مسلم، فهي أمور مشتركة؛ ولهذا: لا يمكن أن يقال إن رسالة الإسلام أخلاقية في الدرجة الأولى، والنصوص من القرآن الكريم قد أوضحت أن رسالة الإسلام الأولى هي توحيد الله (تعالى) وإفراده بالعبادة، يقول الله (تعالى) : [قُلْ أََغَيْرَ اللَّهِ أََتَّخِذُ وَلِياً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأََرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أََنْ أََكُونَ أََوَّلَ مَنْ أََسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ] [الأنعام: ١٤] ، لقد فسر ابن كثير هذه الآية بقوله: (لا أتخذ وليّاً إلا الله وحده لا شريك له؛ فإنه فاطر السماوات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق [هُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ] أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم) [٢] ، ولتأكيد أن رسالة الإسلام هي تحقيق عبادة الله وحده وأن على أهل الكتاب تصحيح عقيدتهم، جاءت آية سورة النساء تؤكد هذا المعنى في قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نّطْمِسَ وجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْماً عَظِيماً] [النساء: ٤٧، ٤٨] ، وقد عقب ابن كثير على هذه الآية بعد أن أشار إلى أن الله (تعالى) أمر أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على رسوله محمد من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم، عقّب بقوله: (.. ثم أخبر (تعالى) أنه لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك أي: من الذنوب لمن يشاء أي: من عباده) [٣] ، ثم أورد أحاديث حول أهمية الإيمان بالله وأنه أساس الأمر في الإسلام، ومن تلك الأحاديث: ما رواه النسائي عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) ، وحديث ابن مسعود الذي ورد في الصحيحين أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ ، قال: أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك) ، وهذه النصوص وغيرها تؤكد أن رسالة الإسلام في الدرجة الأولى ليست أخلاقية فقط، وإنما هي إخراج الناس من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، وأن الأخلاق تبع لذلك، ولهذا: فقد فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) هذه الحقيقة، يقول ربعي بن عامر ﵁ حيث أجاب رستم على سؤاله (عمّ جاء بالمسلمين لمحاربة ... الفرس؟) بقوله: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) . ثانياً: ما ذكره من أن الحرب مع اليهود في فلسطين ليست حرباً دينية، بمعنى أنها ليست من أجل العقيدة، وقد نسبت المجلة إليه قوله: (إنه يفهم قصد جارودي ويؤيده في أن حربنا مع اليهود ليست حرباً دينية، بمعنى أنها ليست من أجل العقيدة، فنحن نحارب اليهود لأنهم استعمروا أرض فلسطين لا لكونهم يهوداً، فاليهودية دين سماوي يعترف به الإسلام، وقد عاش اليهود في ظل الدولة الإسلامية من عهد النبي وحتى اليوم في حرية لم يجدوها في ظل أي دين آخر) ، فإن كان فضيلته يقصد أن اليهود لا يقاتلون ولا يضطهدون لكونهم يهوداً، وأن قتالهم في فلسطين ليس دينيّاً، بمعنى: أن كونهم يهوداً ليس سبباً وحيداً في قتالهم، فهذا لا غبار عليه وإن كان قتالهم ودفعهم باعتبارهم معتدين على أرض إسلامية جهاداً إسلاميّاً مشروعاً وواجباً يقوم به المسلم ثمرة لإيمانه، وليس الأمر عند المسلم مجرد منازلة عسكرية أو سياسية ضد مستعمر احتل وطنه فحسب، ولقد حاربهم الرسول وجاهدهم، ولكن لم يشن المسلمون ضدهم حرب إبادة عنصرية بسبب الدين، بل بقي في ظل الإسلام وتحت سلطان شريعته يهود ونصارى بوصفهم أهل ذمة يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، أما إجلاء الرسول لهم، فلكون ذلك خصوصية لجزيرة العرب التي أمر الرسول ألا يجتمع فيها دينان. وفيما يتعلق بهذا الأمر فهناك جانبان: الجانب الأول: أن واقع الصراع الحالي مع اليهود هو صراع قائم على فكر لا يلتزم بالإسلام، وبالتالي: فهي حرب غير دينية ولم تقم على أساس إزالة الحكم اليهودي وإحلال الحكم الإسلامي محله، وإنما الصراع معهم قائم على أساس الأرض، ونحن نتفق معه في هذا الجانب إذا كان يقصد مجرد وصف حالة الصراع القائم، ولهذا كانت حصيلة الفكر الذي يصارع اليهود على أرض فلسطين الانهزام والاستسلام لهم في الأخير. الجانب الثاني: أن الحرب مع اليهود من الناحية العقائدية أمر يوجبه الإسلام ويأمر به، وينبغي أن يقوم صراعنا مع اليهود في هذا العصر على أساسه، حيث إن لهم صولة وجولة، والإسلام لا يعترف ولا يسلم بقيام دولة يهودية تمارس السلطة والحكم على ديار المسلمين، وما حرب الرسول لليهود وإجلاؤهم عن المدينة وقتاله لقريظة عام الأحزاب، وما جاء من أمر بقتالهم في سورة الأحزاب، ومحاربة بني النضير وما نزل فيهم في سورة الحشر، ومحاربة يهود خيبر بعد صلح الحديبية، وما جاء في ذلك من ذكر في سورة الفتح.. إلا دلالات عملية بوجوب إزالة شوكة اليهود، تنفيذاً لأمر الله بقتال أهل الكتاب في قوله (تعالى) : ... ... [قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] ، يقول ابن كثير مفسراً لهذه الآية [٤] : (وهذه الآية الكريمة أول أمر بقتال أهل الكتاب بعدما تهدمت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجاً واستقامت جزيرة العرب.. أَمَرَ الله رسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى) . وقد أوضح (ابن تيمية) قضية مقاتلة أهل الكتاب تعليقاً على هذه الآية بقوله: (وقد خرج الرسول الله ﷺ لقتالهم بنفسه عام تبوك، واستنفر لقتالهم جميع المؤمنين، ولم يأذن لأحد من القادرين على الغزو في التخلف، ومن تخلف لأنه لم ير قتالهم واجباً كان كافراً، وإن أظهر الإسلام كان منافقاً ملعوناً، بيّن الله أنه لا يغفر لهم ونهى نبيه عن الصلاة عليهم، وأنزل في ذلك جمهور سورة براءة بالنقل المتواتر، حتى بيّن كفر الذين استأذنوه في ترك الخروج معه لقتال النصارى) [٥] ، وقد سبق غزوة تبوك أن بعث الرسول إلى زعماء النصارى في الشام ومصر رسله بكتبه ﵊ ، والتي دعاهم إلى دخول الإسلام، ثم أعقب هذه الكتب بعث مؤتة، فكانت أول مناوشة حربية مع النصارى، وبعد انتقال الرسول ﵊ إلى الرفيق الأعلى واصل خليفتاه من بعده ... أبو بكر وعمر ﵄ محاربة النصارى في الشام حتى تمكنت دولة الخلافة من نشر الإسلام وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، أما حرية ممارسة الدين فهي مكفولة لمن يعيش في ظل الحكم الإسلامي، لكن مقاتلة أهل الكتاب الذين يناهضون المسلمين ويحيكون المؤامرات لهم ويستذلونهم ويمنعون نور الإسلام من أن يستضي به من يريد هداية الله.. أمر مجمع عليه من قِبَل سلف هذه الأمة. ثالثاً: لقد نُسب إلى الشيخ (القرضاوي) أنه قال: (لا مانع في الإسلام من أن يقف أتباع الديانات السماوية الذين يتبعون إبراهيم الخليل ﵇ في خندق واحد، وقد يختلفون في بعض الأمور، لكن بينهم من الأصول المشتركة ما يجمعهم ضد الذين ينادون بوحدانية الدولار، ووحدة السوق، ويعتبرون أنه لا إله إلا المادة) . إن هذا القول يناقض أصول الإسلام وحقائق التوحيد التي جاء بها الإسلام، ومن هنا فلا بد من محاورة فضيلته، وما نسب إليه من هذا القول لا يُقَر عليه، وهو قول لم يكن من الممكن تصور صدوره من عالم فقيه من علماء المسلمين، وقبل مناقشة هذا القول لابد من إيضاح حقيقة أساس، وهي: أن أصل الدين الصحيح واحد منذ آدم ﵇ وحتى رسولنا محمد، وهو دين الإسلام، فقد أكد القرآن هذه الحقيقة في كثير من الآيات، ومن ذلك قوله (تعالى) : [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ] [البقرة: ١٣٠ ١٣٢] ، وقد أوضح القرآن الكريم تحريف اليهود للتوراة وتحريف النصارى للإنجيل، بحيث ابتعد اليهود والنصارى عن أصل الدين، فابتدع كل منهم ديناً جديداً يختلف في أصوله وقواعده عن دين الإسلام، وبالتالي: فليست هناك أي أصول مشتركة بين الإسلام واليهودية والنصرانية فيما يتعلق بأصول الاعتقاد. إن محاورة فضيلته فيما نسب إليه من هذا القول يتمثل في الآتي: ذكره أن الديانات السماوية والمقصود بها اليهودية والنصرانية والإسلام كلها تتبع إبراهيم ﵊ ، وبالتالي: فأتباعها يشتركون في ذلك، قول يخالف صريح القرآن الكريم، يقول (تعالى) في سورة البقرة: [أََمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأََسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أََوْ نَصَارَى قُلْ أََأََنتُمْ أََعْلَمُ أََمِ اللَّهُ وَمَنْ أََظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] [البقرة: ١٤٠] ، لقد علق ابن كثير على هذه الآية بقوله: (ثم أنكر (تعالى) عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية، فقال: [قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ] ، يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى) [٦] ، وقد ذكر ابن كثير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديّاً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيّاً، فأنزل الله (تعالى) : [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإنجِيلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [آل عمران: ... ٦٥] ) [٧] ، وفي سياق تفسيره لقوله (تعالى) : [هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ... ] [الحج: ٧٨] نسب ابن كثير لمجاهد قوله: (الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر؛ [وَفِي هَذَا] : يعني: القرآن، وكذا قال غيره) ، وقد علق ابن كثير على ذلك بقوله: (قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه (تعالى) قال: [هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] ، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول (صلوات الله وسلامه عليه) بأنه ملة أبيهم الخليل، ثم ذكر منته (تعالى) على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: [هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن ... قَبْلُ] ، أي: من قبل هذا القرآن) ، ثم أورد بعد ذلك حديث حارث الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ ، قال: نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله) [٨] ، وعلى ضوء هذا الحديث النبوي: فلا ينبغي أن يطالب باجتماع اليهود والنصارى في خندق واحد؛ حيث إنهم ليسوا من أتباع إبراهيم ﵇ كما رد الله عليهم في كتابه، وإن الاجتماع معهم إنما يتم وفق قوله (تعالى) : [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] ... [آل عمران: ٦٤] . ليس هناك أصول مشتركة مع اليهود والنصارى، فهم مشركون كفرة، قد حكم الله عليهم بالكفر، وإن من يدرس التوراة والتلمود والأناجيل ليعرف معرفة تامة أن اليهودية والنصرانية قد انحرفتا عن دعوة موسى وعيسى ﵉ ، وقد أوضح القرآن الكريم شرك كلا الديانتين بعد التحريف، وأن أتباعهما قد ... ضلوا، يقول (تعالى) : [وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً وَاحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣٠، ٣١] ، فما هي الأصول المشتركة بين الإسلام واليهودية والنصرانية المحرفتين بعد توضيح أن اليهود والنصارى مشركون وأن أقوالهم تتفق مع أقوال المشركين. إن الاختلاف بين الإسلام والنصرانية واليهودية اختلاف جذري وليس اختلافاً في بعض الأمور كما نُسب ذلك إلى فضيلة الشيخ (القرضاوي) ، بل إن الاختلاف حاصل في حقيقة أصل الإيمان ومفهومه، حيث يفترق الإسلام عن المسيحية واليهودية. الاختلاف بين الإسلام واليهودية اختلاف لا يشمل فقط أصل الاعتقاد، بل يشمل الشرائع والحلال والحرام والأخلاق.. وغير ذلك، فاليهود كما ذكر (ابن تيمية) : (يُشَبهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص المختصة بالمخلوق، التي يجب تنزيه الرب (سبحانه) عنها، كقول من قال منهم: إنه فقير، وإنه بخيل، وإنه تعب لما خلق السماوات والأرض. والنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال المختصة بالخالق التي ليس له فيها مثل، كقولهم: إن المسيح هو الله، وابن الله، وكل من القولين يستلزم الآخر، والنصارى أيضاً يصفون اللاهوت بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، ويسبون الله سبّاً ما سبه أياه أحد من البشر ... واليهود تزعم أن الله يمتنع منه أن ينسخ مما شرعه، كما يمتنع ما لا يدخل في القدرة، أو ما ينافي العلم والحكمة، والنصارى يجوِّزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله الذي بعث به رسله، فيحللوا ما حرم، كما حللوا الخنزير وغيره من الخبائث، بل لم يحرموا شيئاً، ويحرمون ما حلل، كما يحرمون في رهبانيتهم التي ابتدعوها وحرموا فيها من الطيبات ما أحله الله، ويسقطون ما أوجب، كما أسقطوا الختان وغيره، وأنواع الطهارة من الغسل وإزالة النجاسة وغير ذلك، ويوجبون ما أسقط كما أوجبوا من القوانين ما لم يوجبه الله وأنبياؤه ... واليهود بالغوا في اجتناب النجاسات وتحريم الطيبات، والنصارى استحلوا الخبائث وملابسة النجاسات) [٩] . تنبيه مهم: قد يُستدل ببعض الآيات الواردة في القرآن عن علاقة أهل الكتاب بالمسلمين وأن الإسلام مدحهم في بعض آيات القرآن، فمن ذلك قوله (تعالى) : [مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ] [آل عمران: ١١٣، ١١٤] ، وقد علق (ابن تيمية) على هذه الآية بقوله: (فهذه الآية لا اختصاص فيها للنصارى، بل هي مذكورة بعد قوله (تعالى) : [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ... الفَاسِقُونَ ... ] [آل عمران: ١١٠] ) ، إلى أن قال: (والآية إذا تناولت النصارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود، والله (تعالى) إنما أثنى على مَن آمن مِن أهل الكتاب، كما قال (تعالى) : [وَإنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ ... إلَيْكُمْ ... ] [آل عمران: ١٩٩] ، وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الآخرى (في آل عمران) نزلت في النجاشي ونحوه ممن آمن بالرسول الله ﷺ ، لكنه لم تمكنه الهجرة إلى الرسول الله ﷺ ، ولا العمل بشرائع الإسلام؛ لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام، وقد قيل: إن الرسول الله ﷺ إنما صلى عليه لما مات ... لأجل هذا..) [١٠] . ومن الآيات التي تثير الأشكال في أذهان بعض الناس: قوله (تعالى) : [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ] [المائدة: ٨٢] ، فقد يستدل بهذه الآية بأن أفعال النصارى حسنة، وأن الله نفى عنهم الشرك بقوله [الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] أشد الناس عداوة للذين آمنوا، والذين قالوا إنا نصارى أقربهم مودة، لقد رد (ابن تيمية) ﵀ على من احتج بهذه الشبه بقوله: (والجواب أن يقال: تمام الكلام: [وَإذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ... ] [المائدة: ٨٣] فهو (سبحانه) لم يعد بالثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد الذين قال فيهم: [وَإذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] ، والشاهدون هم الذين شهدوا له بالرسالة، فشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهم الشهداء الذين قال فيهم: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدََاءََ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة: ١٤٣] ) [١١] ، (فإن كان دينهم حقّاً لزم كفر اليهود، وإن كان باطلاً لزم بطلان دينهم، فلا بد من بطلان أحد الدينين، فيمتنع أن تكون الآية مدحتهما وقد سوت بينهما، فعلم أنها لم تمدح واحداً منهما بعد النسخ والتبديل، وإنما معنى الآية: أن المؤمنين بمحمد، والذين هادوا: الذين اتبعوا موسى ﵇ وهم الذين كانوا على شرعه قبل النسخ والتبديل، والنصارى: الذين اتبعوا المسيح ﵇ وهم الذين كانوا على شريعته قبل النسخ والتبديل، والصابئين وهم الصابئون الحنفاء كالذين كانوا من العرب وغيرهم على دين إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق قبل التبديل والنسخ، فإن العرب من ولد إسماعيل وغيره الذين كانوا جيران البيت العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل كانوا حنفاء على ملة إبراهيم إلى أن غير دينه بعض ولاة خزاعة ... وكذلك بنو إسحاق الذين كانوا قبل مبعث موسى متمسكين بدين إبراهيم كانوا من السعداء المحمودين.. فهؤلاء الذين كانوا على دين موسى والمسيح وإبراهيم ونحوهم هم الذين مدحهم الله (تعالى) [١٢] .

стр. 2444

منتدى القراء الرد على شاتم الرسول ﷺ بقلم:مبارك عامر بقنه عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يكون دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم قوم من جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا) [١] . الحديث يخبر عن أمر غيبي، وهو من معجزات الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدالة على صدق ما يقوله ويخبر به من أمر الغيب؛ فها نحن نرى اليوم أُناساً يتكلمون بألسنتنا، ويلبسون زيّنا، ويعيشون بيننا، يدْعون بكل أسلوب وبكل طريقة إلى القدح في هذا الدين؛ بل والشتم في صاحب هذه الدعوة الخالدة رسول الله ﷺ . بالأمس القريب كان الشتم بلسان أعجمي [٢] ، واليوم بلسان عربي [٣] ، قد طرح لباس التقوى، وجلباب الحياء، وجنّد نفسه لمحاربة هذه الدعوة الخالدة، فلا إيمان يردعه، ولا احترام أو أدب أو حبّاً للرسول يمنعه، ولا خوفاً من عقوبة يوقفه. وإنني والله لأعجب أشد العجب؛ كيف يجرؤ مسلم على وجه الأرض أن يقول: إن محمداً (قد فشل في دعوته) [كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً] [الكهف: ٥] . هذا الرسول الله ﷺ الذي اصطفاه الله، ورفع من قدره، وجعله خير خلقه.. فاشل؟ ، إن هذا لشيءٌ عُجاب، فوالله ما سمعنا بهذا من قبل، إن هذا إلا اختلاق، إن كان محمد قد فشل في دعوته، فمن ذا الذي قد نجح في دعوته إذن؟ ، وتوضيحاً لخطأ وخطر هذه الدعاوى غير المسؤولة، أقول وبالله التوفيق: إن هذا الكلام الباطل يلزم منه إلزامات كثيرة، أذكر بعضاً منها: أولاً: القدح في الله ؛ لأن الله يقول: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ] [الأحزاب: ٢١] ، فكيف يكون لنا أسوة في رجل فاشل في دعوته؟ ؛ ثم يكتم الله ذلك ولا يبينه لنا، ولا يعاتب نبيه ﷺ ، ولا يبين الأسلوب الأمثل في الدعوة، فهذا يخالف الحق ويخالف قول الله (تعالى) : [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ] [النساء: ٢٦] . ثانياً: القدح في الرسول الكريم قدح في عقله وعلمه؛ لأن الغالب أن الفشل يأتي نتيجة نقص في العقل والعلم، حيث لا يتصرف بحكمة وعلم، ولا يعرف أفضل الطرق في الدعوة، وعليه: فابتلاؤه ﵊ وتلقيه الأذى من قومه كان نتيجة عن أخطاء ارتكبها الرسول في دعوته لقومه، وهذا باطل في حقه لأنه مسدد بالوحيين. ثالثاً: الطعن في الرسول طعن في الدين، فمن فشل في دعوته يكون فاشلاً في نقل الرسالة وتبليغ الناس ما أمر الله ، وهذا خلاف الواقع. رابعاً: القدح في نجاح دعوته قدح في أصحابه؛ لأن إذا كان صاحب الرسالة وهو القدوة المتبع قد فشل، فمن باب أولى أن يلحق الفشل بالصحابة والتابعين وكل من اتبعه. خامساً: عذر المشركين والكفار بعدم استجابتهم للرسول، حيث إن الرسول قد فشل بزعمه في إظهار محاسن الإسلام كاملة، ولم يحسن الدعوة، فكان لهم الحق في عدم اتباعه وهذا لا يقول به مسلم. سادساً: جهل أمة محمد من عهد الصحابة إلى عهد هذا الرجل، حيث لم يلحظوا هذه الدعوى حيال الرسول الله ﷺ ، فلم يُذكر أن أحداً من أمة محمد ادعى فشل الرسول الله ﷺ في دعوته، وإن كان ما يقول المذكور حق فإنه يلزم من ذلك جهل أمة محمد، أو أنهم قد علموا ذلك ولكن تواطؤوا على كتمانه. هذه بعض الإلزامات، والحقائق، التي بعضها يخرِج من الدين، فكيف بها كلها؟ ! وإنني أريد أن أسأل الدكتور: هل ترضى أن يقول لك أحد إنك رجل ... (فاشل) ؟ الجواب: معروف، لأنه ليس هناك أحد يريد أن ينسب إلى الفشل حتى ولو كان فاشلاً، فكيف ترضى بأن ينسب الرسول إلى الفشل؟ ألم تعلم أن الله قد عاتب قوماً رفعوا أصواتهم عند رسول الله وحذّرهم من أن تحبط أعمالهم، فقال : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ] [الحجرات: ٢] ، والله للذي قلت لهو أشد من رفع الصوت عند رسول الله، أفلا تخشى أن يحبط الله عملك؟ ! وقولك: إنه قد فشل في دعوته، كلام باطل يرده الواقع؛ فلو كان قد فشل في دعوته لما بَقِيَت إلى هذا الزمان، ولما انتشرت في جميع أنحاء المعمورة، بل إنه قد تجاوز أتباعه المليار من المسلمين، فهل هذا يسمى فشل! ! ولا يقتضي الأمر من عدم دخول قريش في الإسلام في بداية الدعوة فشل الرسول في تبليغ الرسالة ودعوتهم إلى الله، كلا والله؛ لأن أساس الدعوة إلى الله هي البلاغ وليست إلزام الناس وإرغامهم على الدخول في دين الله، وكونهم لم يستجيبوا للرسول فهذه حكمة الله وإرادته وليس فشلاً من الرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كنت تمارس الدعوة إلى الله لعلمت ماذا تعني الدعوة ولما تجرأت وتفوهت بما تقول، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل. وفي الختام: لا أريد أن أطيل، فالأمر بيّن ولا يحتاج إلى إطالة، فالعدو يشهد قبل الصديق ببراعة ونجاح الرسول في دعوته، ولا ينكر هذا إلا معاند، ألم يأن لهؤلاء أن يحترموا عقيدتنا، وإن يلجموا ألسنتهم عن نبينا، وأن يتركوا الطعن والقدح في ديننا من خلاله، وليسلكوا باباً آخر للشهرة؟ علّهم يجدون بغيتهم.

стр. 2445

منتدى القراء نبذة عن العلامة عبد الله بن زيد آل محمود ﵀ بقلم: علي بن عبد العزيز الشبل إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) ، قاله في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في ... الصحيحين، ولذا قال أبو عبد الله الشافعي ﵀ : إذا ما مات ذو علم وتقوى ... فقد ثُلمت من الإسلام ثُلمة فإنه بموت العلماء يستحكم الجهل، ويتقاصر الزمان ليبلغ آخره، إيذاناً بقيام الساعة؛ لأن موت العلماء زوال للعلم، ورفع العلم عَلَم من أعلام النبوة على قرب الساعة، لما في الصحيحين من حديث أنس ﵁ مرفوعاً: (من أشراط الساعة) . ولقد رزئ المسلمون بعامة، وأهل الخليج بخاصة بموت ركن من علمائهم، وأحد أعمدة القضاء الشرعي، لبث قائماً به أكثر من خمسين حولاً. إنه الشيخ القاضي الفقيه (عبد الله بن زيد آل محمود) رئيس المحاكم الشرعية بقطر والذي توفاه مولاه في أواخر شهر رمضان الماضي. ولد الشيخ عبد الله سنة ١٣٢٩هـ بحوطة بني تميم جنوب الرياض، من أسرة من كرائم أسر بلده، ثم توجه إلى طلب العلم، فبدأ بالقرآن، فحفظه وهو صغير، ثم شغف بالعلم مع ما وهبه الله من استعداد ذهني، حيث فاق زملاءه في الطلب، وتقدم إماماً على جماعته في الصلاة والتراويح، ولم يتجاوز السادسة عشرة! وقد وفق بالدراسة على أئمة الدعوة السلفية في زمنه، فأخذ عنهم العلم الشرعي، ومنهم: ١- مفتي الديار السعودية العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩هـ) . ٢- العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع (ت: ١٣٨٥هـ) ٣- الشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري (ت: ١٣٨٧هـ) ، وهو الشهير بأبي حبيب. ٤- الشيخ عبد الملك بن الشيخ إبراهيم بن عبد الملك بن حسين آل الشيخ. نبوغه في العلم: ومن شواهد نبوغ الشيخ ابن محمود: استظهاره للمتون الشرعية في مناهج الدعوة السلفية، ومنها: في العقيدة: الأصول الثلاثة، وكشف الشبهات، وكتاب التوحيد، للشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ، والواسطية، لشيخ الإسلام (ابن تيمية) . وفي الحديث: بلوغ المرام، للحافظ (ابن حجر) ، وعمدة الحديث، للحافظ (عبد الغني المقدسي) . وفي أصول الحديث: ألفية الحديث، (للسيوطي) . وفي الفقه: آداب المشي إلى الصلاة، واختصار المقنع الشهير (بزاد المستقنع) ، ونظم المقنع لابن عبد القوي أو مختصره. وفي العربية: الأجرومية، وقطر الندى، ونظم المفردات. وتلكم هي ركيزة العلم التي عليها تدور معالم فياض العلم في ابتداء الطلب. ولما رحل الشيخ (محمد بن مانع) من قطر، شغر مكانه فيها، فرشح له تلميذه النجيب الشيخ (عبد الله بن محمود) ، بمباركة من الملك (عبد العزيز آل سعود) والشيخ (عبد الله آل ثاني) ، فتوجه الشيخ إليها بعد حج سنة ١٣٥٩ هـ قاضياً ومفتياً وعالماً، ولم يزل فيها إلى أن توفي، مع تردده إلى مسقط رأسه ومرتع صباه (الحوطة) جنوب مدينة الرياض. فسدّ مكانه في قطر بقيامه بالقضاء الشرعي وتأسيس نظامه، وبث العلم، والمنافحة عن العقيدة، وله أكثر من ثلاثين رسالة في فنون من العلوم الشرعية والرد على بعض المنحرفين، جمعت في ثلاثة مجلدات، وكانت له آراء محل حوار مع بعض إخوانه من علماء السعودية، أمثال الشيخ (عبد الله بن حميد) ، والشيخ (عبد العزيز رشيد) . وقد تم أجله وانتقل إلى مثواه الأخير في ٢٨/٩/ ١٤١٧هـ عن نحو (٩٠) عاماً. فما أجدرنا أن نقف عند تجارب العلماء وأساليب اجتهاداتهم؛ لنستلهم منهم الأسوة في العلم والعمل، ونسلك طريقهم؛ حتى نسعد بسلامة المنهج وحسن المقصد. فاللهم اغفر له وارفع درجته ووالديه وعلماء المسلمين، وزكِّ عقبه وتلاميذه ومحبيه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 2446

منتدى القراء نَعَم.. جاء العيد شعر: فيصل المشرقي في هذا الجوّ المشحون بالأحداث والأعاصير كما وصفه الأخ علي بن جبريل في قصيدته وحينما جاء العيد، صاح فتى من الشيشان وهتف إلى الأمة الإسلامية بأن النصر قريب، وقد تلوح ملامحه تبدو من خلال انتصار الشعب الشيشاني. وهذه الأبيات جذوة أمل في هذا الليل المظلم، واستثناء من قصيدة الأخ الكريم. (عيد بأية حال عدت يا عيد) ... شيشان بالنصر عمّتها الزغاريدُ وعمت الفرحة الكبرى مرابعها ... أصيلة الوجه تزجيها التغاريدُ الحزُن ولّى فلا عادت ملامحه ... (يا ليت دونك بيداً دونها بيدُ) يا عالم الأمس اليومَ قد رجعت ... أيامنا الغرّ، لا ليلاتك السّودُ في فتية قال يوم الرّوع فارسهم ... غداً تعود.. فوافته المواعيد هَبّوا إلى الحرب لا ميل ولا كُشُف ... وجنّحوا لسلام حينما نودوا شيشان حيّتكِ من هذى الورى مُهَجٌ ... تفديك بالروح لو عاداك عربيد فيك السلام وفيك الحبّ، جَمّلهُ ... سماحةُ الوجه والإيمانُ والجود ترابك التبر لولا أنه ذهب ... وأهلك الناس لولا أنهم صيدُ الآن يا ريم لا ذئبٌ ولا أسدٌ ... فامرح بأرضك إن الوصل ممدود ويا نسائم لا عادتك عاصفة ... ولا أتاك كئيب الوجه رِعديد أطياب (منشم) [١] قد ضاعت روائحها ... وزال من فوق وجه الأرض صِنديد فلتهنؤوا شهداء الدين إن لكم ... جنات عدن وفيها الطلح منضود (عيد سيعدٌ نَعَم لو أمتى انتصرت) ... وشاع في الأرض إيمانٌ وتوحيد عذراً (لجبريل) [٢] لم أقصد مخالفةً ... (أما وأمّتُنا ثكلى فلا عيد)

стр. 2447

الورقة الأخيرة شاعر الخليفة.. والصحافة العربية ! بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان تهتم وسائل الإعلام العالمية بالتجديد والتنويع لجذب القراء وتشويقهم، أما الأبواق العربية فقد أخذت بطرف من هذه الفكرة سبيلاً للتغير والتلون، فما يكون صحيحاً وفتحاً كبيراً في هذا اليوم، يكون باطلاً وعملاً لا قيمة له في الغد، فلا توجد ثوابت منطقية أو إعلامية، فكل شيء متحول ومتجدد إلا (الرغبات السياسية) ..! الكاتب يُعدّ قوميّاً في هذه السنة، وطنيّاً في السنة الأخرى، ثوريّاً في الثالثة.. وصل بعض هؤلاء الكتاب إلى قمة الإبداع في التزوير وقلب الحقائق، فالكاتب المتمكن هو الأقدر على الكذب والتلفيق، وتسمية الأمور بغير مسمياتها..! ! حرب ١٩٦٧م ليست هزيمة، بل هي نكسة.. بل انتصار عظيم؛ لأن الزعيم العربي الملهم! لا زال على عرشه، عاضّاً عليه بالنواجذ..! (بيريز) الأمس مجرم سفاك إرهابي.. أما (بيريز) اليوم فهو حمل وديع وطفل بريء محب للحرية والسلام..! . (إسرائيل) الدولة الصهيونية المحتلة المغتصبة ... أصبحت بين عشية وضحاها دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة، لها كما لغيرها! الحق في أن تعيش بسلام مع جاراتها الصديقات..! الثابت الوحيد الذي لا يتغير بتغير الأقنعة والشعارات، ولا يتبدل ... بتبدل المصالح والتقلبات النفعية، هو الهجوم على الإسلاميين.. المتطرفين.. الإرهابيين.. (! !) ولعلّ بعض الكتبة في صحافتنا العربية من أحفاد ذلك الشاعر الفاطمي الذي رأى الزلزال يهز مصر، فتتساقط الضحايا، وتهدم الممتلكات، ويعم الخوف والهلع ... فتجود قريحته الإعلامية بأبيات خاطب فيها الخليفة.. قال فيها: ما زلزلت مصر من خطب ألمّ بها لكنها رقصت من عدلكم طربا.... فلعل زلزال ١٩٩٢م في مصر كان ناتجاً من كثرة المتفجرات والقنابل اليدوية التي يحتفظ بها الأصوليون في إمبابة وأسيوط..! ! وصدق الصادق المصدوق: (إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) [١] .

стр. 2448

المحرم - ١٤١٨هـ مايو - ١٩٩٧م (السنة: ١٢)

стр. 2449

كلمة صغيرة حين ينطق الحجر التحرير منذ قيام حكومة الليكود (التجمع الصهيوني المتطرف) ، وهي تستفز مشاعر الأمة الإسلامية جمعاء، وتستهتر بالرأي العام العالمي كافة، وعلى الرغم من توقيع اتفاق (أوسلو) وما تبعه من لقاءات أعطت الفلسطينيين ما يسمى بالحكم الذاتي (الهزيل) ، الذي سبق وأن قلنا إنه مجرد لعبة يهودية كلعبة (الكامب) ولعبة (وادي عربة) فيما بعد للاستفراد بالدول العربية واحدة واحدة من ناحية، وإدخال العدو في جسم الأمة من ناحية أخرى، ولإعطائه شرعية يستغل فيها قوى الأمة بعد تعطيل المقاطعة معه وليقوي اقتصاده على حسابها. إن بناء مستعمرة (أبو غنيم) ليس سوى استمرار للسياسة الاستيطانية الثابتة مع مخالفتها لكل الاتفاقات التي وقعها (الليكود) ليقرر في النهاية بهذه المستعمرة استكمال الحصار وتطويق القدس بسلسلة من المستوطنات بلغت العشر، عزل بها المدينة المقدسة وأهلها عن باقي أبناء الشعب الفلسطيني، لتصبح القدس العاصمة الموحدة لهم، ويتعذر معها أي حل سياسي لتقسيمها أو طرحها على طاولة المفاوضات. إن الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره عاد بعد بناء تلك المستعمرة إلى الحجارة؛ ليؤدب يهود ويزرع فيهم الخوف والقلق الذي ينعكس سلباً على واقعهم الحياتي، وها هي حكومة (نتن ياهو) تترنح، وها هو يطالب بحكومة ائتلافية، وربما تسقط حكومته بالفعل. لقد نطق الحجر من جديد في يد شباب فلسطين المسلم الذي وقف ضد إرهاب الليكود ومن يدعمه، فهل نعين إخواننا في فلسطين بالدعم الحقيقي أم نكون عوناً لليهود ضد إخواننا بالضرب على أيديهم تحقيقاً لرغبة الصهاينة في إبعاد شباب الإسلام من المواجهة.

стр. 2450

الافتتاحية على أعتاب العام الثاني عشر واقع البيان وبيان الواقع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان والأكملان على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد: فنحمد الله المستحق للحمد، ونشكره (تعالى) على ما هدانا إليه من نعمة الإسلام والتوفيق لقول كلمة الحق، ونشر منهج الصدق، والتحذير من سبل الباطل: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [الأنعام: ١٥٣] . فبهذا العدد (١١٣) تدخل مجلة البيان سنتها (الثانية عشرة) وهي عاقدة العزم على الاستمرار فيما انطلقت منه، بالعض بالنواجذ على ما دعت إليه منذ عددها الأول الصادر في غرة ذي الحجة ١٤٠٦هـ، والذي أكدت فيه إشعار إخواننا في الدين وأشقائنا في الهدف إلى أن هذه المجلة قد قامت على أسس راسخة ومنطلقات ثابتة، ونؤكد على الخطوط العريضة لها المتمثلة فيما يلي: -أننا دعاة إلى الله، نحرص على اتباع الوحيين، ونعمل جاهدين على السير وفق نهج سلفنا الصالح في القرون المفضلة ومن تبعهم بإحسان. -نتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة ونسير على منهجهم في التلقي، بعيداً عن غلو الغالين وانحراف المبطلين. - نتلمس هموم الأمة ومشكلاتها في المشرق والمغرب، ونسعى لتعريف الناس بها ومعالجتها قدر الطاقة بعمق واتزان. - نحرص على معالجة انحرافات الأمة من منظور شرعي راسخ، ونتجنب التهويل والتهوين. - ندعو إلى الشمول في طرح الإسلام المتكامل عقيدة وعبادة ومنهج حياة. - نضع أيدينا في أيدي كل المخلصين العاملين في سلك الدعوة إلى الله على بصيرة، فلسنا لسان حزب أو دعاة طائفية أو إقليمية. - نمقت العمل الارتجالي والنهج الفوضوي، ونرى في السيرة النبوية ومنهج الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) أسلوباً أمثل لتوصيل رسالة الإسلام للناس كافة. وربما نقصر أو نخطئ.. ولكننا نفتح قلوبنا لتقبل النصح والتوجيه والتصحيح، وقد وضعنا استبانة في عدد سابق للمساعدة في تحقيق هذا الهدف. وقفة مهمة: حقيقة ثابتة يجب أن نعيها ونعلمها علم اليقين: أن الإعلام الإسلامي اليوم لم يواكب النهضة الحضارية التي نعاصرها وينبغي أن تمر بها جل ديار الإسلام، ولا نكون مغالين لو قلنا إن تخلفنا الإعلامي هو نتيجة طبيعية لتخلف واقعنا الحضاري.. بل هو ثمرة للتناقض المرير الذي نعيشه في كثير من ديار الإسلام بين ما تدعيه دساتيرها من اعتبارها دولاً مسلمة وأن الإسلام فيها (مصدر من مصادر التشريع!!) ، بين ذلك والواقع البائس لها نتيجة تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم، حتى لم يبق منها سوى (أطلال الأحوال الشخصية) التي تتعرض بين وقت وآخر لموجات التطوير والمسخ والتحريف، لمواكبة الغرب والشرق في اتجاهاتهم المادية والليبرالية، حتى إنه على سبيل المثال لا الحصر شُرِّع منع تعدد الزوجات في دستور إحدى الدول العربية، ويجرّم من يفعل ذلك، في الوقت الذي يعتبر الزنا الصريح برضا الطرفين حرية شخصية، فأي تناقض أكبر من هذا؟ ، (إنا لله وإنا إليه راجعون) . ومن صور التناقض العجيب الذي نلمسه ونشاهده: تقنين منع الاتجاه الإسلامي بوصفه أحد المنطلقات الفاعلة في المجتمعات المسلمة بدعاوى غريبة وعجيبة، مثل: الادعاء بأن الاتجاه الإسلامي للجميع وليس لفئة دون غيرها، فضلاً عما ينسب للاتجاهات الإسلامية من ضلوع في التطرف والإرهاب، نعم.. قد تحصل من بعض المنتسبين للتيار الإسلامي مخالفات ومآخذ، لكن ليس من العدل تعميم ذلك على كل منتمٍ لهذا التيار، فهذا ظلم ولا يصح لمن يتحرى العدل أن يقع فيه، فلماذا يباح الرأي لفئات معينة من المجتمع دون غيرها؟ . لكن الهدف معروف سلفاً، وهو الضرب على وتر خاص، والتأكيد على نهج بعينه، ثم تكرار القول حياله حتى ولو بالباطل إلى أن يصبح حقيقة مقررة في النفوس، وهذا ما علمهم إياه كبيرهم الذي علمهم الإفك، حينما قال: (اكذب.. اكذب حتى يصدقك الناس) . ويُرَد على هذه الادعاءات الباطلة والدعاوى الكاذبة بأن الاتجاهات المقبولة لديهم بكافة منطلقاتها ليست حكراً على أهلها وذويها دون غيرهم، لكن الهدف المقصود لم يعد خافياً على أي متابع، وهو مصادرة الإسلام ذاته، وتجريم دعاته، وتحجيم تأثيره في المجتمع؛ ليبقى الحاكمون بأمرهم هم السادة والممسكون بأزِمّة الأمور، فعلى أمتنا بكافة فعالياتها معرفة تلك المؤامرة وكشفها للجميع. ومما يؤسف له: أن دعاة الإسلام في جل ديارهم لم يستطيعوا استغلال الإعلام استغلالاً صحيحاً، ولم يستفيدوا من معطياته الاستفادة المرجوة؛ لأسباب، منها: * ضعف الإمكانات البشرية والتقنية، مما ينعكس سلباً على الأداء الإعلامي لديهم؛ الذي لم يعد له مجال سوى ما هو مقروء فقط، وتبعاً لحدود معينة؛ مما أفقد الدعاة إلى الله أساليب فاعلة في إيصال دعوتهم ومنهجهم إلى الناس كافة. * النزعات الحزبية الضيقة التي ترى في نفسها أنها نسيج وحدها وما عداها لا قيمة له، لمجرد مخالفتها في الاتجاه. * ويتبع ذلك: الانغلاق على الذات والعمل في المحيط الإقليمي، والترفع عن المحاسبة والنقد الهادف، مما جعلها لا تستفيد من تصويبات الآخرين، وبالتالي: السقوط في عقدة التعالي والترفع عن مراجعة الخطأ، وهذا هو الخطأ بعينه. * محاولة هدم جهود الآخرين والوصول إلى الطعن في النيات بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها: تصنيف الناس والادعاء عليهم بالزور والبهتان لمجرد الخلاف معهم في الرأي، إلى أن يصل الأمر إلى البحث عن الزلات وتتبع العثرات، بينما الكفار والمبتدعة بمنجاة عن تتبعهم وكشف أخطائهم، فهذا والله أمر عجيب، فحسبنا الله ونعم الوكيل. أيها الأحبة: كم نحن بحاجة ماسة إلى وقفة محاسبة لنا معشر العاملين في حقل الإعلام الإسلامي، والتعاون على وضع ما يمكن تسميته (ميثاق شرف) ؛ لتأصيل منهجنا الإعلامي في الحياة، وبيان السبل الصحيحة لإيصال الدعوة الإسلامية للناس كافة، طبقاً للآداب الإسلامية والأخلاق الربانية، بعيداً عن النزعات الفئوية والمناهج الحزبية والتوجهات الطائفية، بل انطلاقاً من مثل قوله (تعالى) : [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] . نعم.. طرحت رؤى وأفكار في هذا الباب، سواء في أطاريح رسمية أو دراسات علمية، لكنها لا تخلو من مآخذ وسلبيات.. والميثاق الذي ندعو إليه بالإضافة إلى الأسس المنهجية الشرعية التي أومأنا إلى شيء منها يلزم أن تتجلى فيه السمات التالية: أن يكون منهاج دعوة إلى الأخوة الإسلامية التي تربط المسلمين بعقيدتهم الصحيحة، لقوله (تعالى) : [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] ، والتحذير من كل الاتجاهات المنحرفة من التغريب الاجتماعي والعلمنة الفكرية والانحرافات العقدية والغلو الديني. لا خلاف فيما ورد فيه نص شرعي محكم، والخلاف وارد في المسائل الفرعية، ولذا: ندعو إلى جمع الكلمة ووحدة الصف ونبذ الاختلاف وما ينطوي عليه من حقد وكراهية وبغضاء. لا يمكن بحال من الأحوال الشماتة بإخواننا في العقيدة ومناصرة أعدائهم لمجرد الخلاف في الرأي.. إننا بهذه المناسبة الطيبة ندعو أصحاب الفضيلة مشايخنا العلماء وإخواننا الدعاة والمفكرين.. إلى مشاركة (البيان) في إيصال دعوة الحق للناس ونشر الفضائل ونبذ الرذائل، والعمل على المزيد من التواصل لكشف مخططات أعداء الإسلام وتعريف الناس بالإسلام كله. والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يرينا الحق حقّاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

стр. 2451

دراسات شرعية آثار التعبد بأسماء الله وصفاته بقلم: محمد بن عبد الله الزغيبي تمهيد: إن البحث في أسماء الله وصفاته وفق ما جاء في الكتاب والسنة هو من أجلِّ المعارف وأشرفها. ولن نتعرض في هذا البحث المتواضع لكل ما يتعلق بالأسماء الحسنى [١] ، ولكننا سنعرض لجزئية صغيرة، ولكنها مهمة وعظيمة، ألا وهي التعبد [٢] بأسماء الله وصفاته الحسنى، فإنه باب عظيم يضم بين جوانبه مسائل من التعبد، فمنها: إحصاء ألفاظها وعددها، وكذلك: الدعاء بها، وثالثها: ما نحن بصدده، وهو فهم معانيها ومدلولها [٣] . وفهم معانيها ومدلوها له مترادفات أخرى ذكرها ابن القيم في ثنايا كتبه، وهي: إدراك موجبها، وآثارها، ومقتضياتها، ومتعلقها، ولوازمها، وأحكامها.. فكل هذه المترادفات المتقاربة تعني التعبد لله بأسمائه وصفاته، إذ كل اسم له تعبد مختص به علماً ومعرفة وحالاً، وله صفة خاصة، وكل صفة لها مقتضى وفعل، إما لازم، وإما متعدٍّ، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه، وهذا في خلقه، وأمره، وثوابه، وعقابه، وكل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها. ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال. فمثلاً اسم (السميع) من أسماء الله الحسنى، ولا بد من إثبات حكمه ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، ويسمع ضجيج الأصوات، على اختلاف اللغات.. وإدراك هذا الأثر من اسمه (تعالى) يورث العبد حالاً من التعبد والمراقبة والإنابة إلى ربه . واعلم أن التعبد بالأسماء والصفات الحسنى درجات ومراتب وأنواع كما سبق، وكلما زاد علم العبد بالله (جل وعلا) ارتفع في درجة التعبد، وأكمل الناس عبودية هو المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم) (الرحيم) ، أو يحجبه عبودية اسم (المعطي) عن عبودية اسم (المانع) ، أو عبودية اسم (الرحيم) و (العفو) و (الغفور) عن اسمه (المنتقم) ، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء.. ونحو ذلك. وهو (سبحانه) يحب موجب أسمائه وصفاته، فهو عليم ويحب كل عليم، جواد يحب كل جواد، عفو يحب العفو وأهله، حيي يحب الحياء وأهله، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، حليم يحب أهل الحلم [٤] ، وإذا كان (سبحانه) يحب المتصفين بأثر صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف، وهو ما يسمى بالمعية الخاصة. إن معرفة معاني الأسماء والصفات يحقق آثاراً ظاهرة لمن تعبّد لله بها، ومن هذه الآثار: ١- الأنس بالله ولمّ شعث القلب: (وذلك إنما هو أثر تجلي الأسماء والصفات الحسنى على قلب العبد، فترتفع حجب الغفلة والشك والإعراض، ويتم استيلاء سلطان المعرفة على القلب وقد استولى على العبد نور الإيمان بالأسماء والصفات ومعرفتها، ودوام ذكرها، والنظر إلى الواحد الفرد، الأول فليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء، سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا فوق كل شيء بظهوره، وأحاط بكل شيء ببطونه) [٥] . (وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حدٍّ كأنه يكاد يطالع ما اتصف به الرب (سبحانه) من صفات الكمال ونعوت الإجلال، وأحست روحه بالقرب الخاص، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه، فإن حجابه هو نفسه، وقد رفع الله عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته، فأفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب، فصار يعبده كأنه يراه) [٦] . ٢- تعظيم الله : فمن شاهد الصفة فلا بد أن يشاهد متعلقاتها، فإن النظر في متعلقاتها يكسب التعظيم للمتصف بها. فمن شاهد صفة الكلام مثلاً زادته تعظيماً لله (تعالى) ولا بد، إذ لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وأشجار العالم كلها أقلام يُكتب بها كلام الرب (جل جلاله) لفنيت البحار ونفدت الأقلام، وكلام الله لا يفنى ولا ينفد، فمن شاهد الصفات الأخرى بمثل هذه المشاهدة من العلم والقدرة ونحوها، وجال قلبه في عظمتها: ازداد معرفة وتعظيماً لله (سبحانه) [٧] . ٣- إدراك مقتضيات الصفات طريق لإثباتها: فوجود هذا الكون المدبر المحكم الواسع يتطلب ربّاً مالكاً حكيماً عليماً، وكذلك وجود المخلوقات بأنواعها وأشكالها يوجب وجود خالق، ووجود الجناية والتقصير من العبد يوجب إثبات اسم (الغفار) .. وغيره من الأسماء والصفات. ٤- إدراك أسرار الشريعة وحقيقة الأحكام الشرعية: فمن كانت له معرفة بأسماء الله وصفاته، واستقرار آثارها في الخلق والأمر، رأى الخلق والأمر ينتظمان بها أتم انتظام، ورأى سريان آثارها فيها، وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله، وما لا يليق، فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله، فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به، فإذا رأى في بعض الأحكام جوراً أو سفهاً وعبثا ومفسدة، فليعلم أنه ليس من أحكامه ودينه، وأنه بريء منه ورسوله؛ فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم، وبالمصلحة لا بالمفسدة، وبالحكمة لا بالسفة) [٨] . ٥- الطمأنينة: والطمأنينة إلى أسماء الرب وصفاته نوعان: أحدهما: طمأنينة إلى الإيمان بها وإثباتها واعتقادها، وطمأنينة إلى ما تقتضيه وتوجبه من آثار العبودية، فمثلاً: التعبد باسم (القدير) يوجب الطمأنينة إلى القَدَر وإثباته، ويقتضي الطمأنينة إلى مواضع الأقدار التي لا قدرة له على دفعها، فيسلِّم لها، ويرضى بها، ولا يسخط، ولا يشكو، ولا يضطرب إيمانه، فلا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه الله؛ لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه وقبل أن يُخلق. فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها وآثارها في العالم، وهي قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها واعتقادها [٩] . أمثلة توضح كيفية التعبد بمعاني الأسماء والصفات: سنتطرق لبعض الأسماء والصفات، وإلا فإن توضيح ما مضى لجميع الصفات أمر يطول، ولكن يمكن فهم الأسماء والصفات على ما سنذكره: ١- السميع: إذا استشعر العبد بقلبه سمعه (سبحانه) لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، وأن سواء عنده من أسر القول ومن جهر به، ولايشغله من جهر عن سمعه لصوت من أسر، ولا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل هي عنده كصوت واحد، فعلم أن الله يسمعه: فلا يقول إلا خيراً، بل يستحي أن يسمع الله من كلامه ما يخزيه ويفضحه عنده، وإنما يشتد في ألا يسمع منه إلا الكلام الحسن، بل ويكثر منه؛ حتى يحظى عند ربه (سبحانه) [١٠] . ويستشعر أن الله يسمع كلام أعدائه، وأن الله ليس بغافل عنهم ولا يرضى ما يقولون، فعند ذلك يعلم أن الله معه وأنه ناصره لا محالة، وقد قال ابن القيم في النونية معبراً عن هذا المعنى: وهو السميع يرى ويسمع كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان ولكل صوت منه سمع حاضر ... فالسر والإعلان مستويان والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى عليه بعيدها والداني ٢- العزيز: وسنتعرض لطرف من معنى هذا الاسم العظيم، وهو مشاهدة عزة الله (سبحانه) في تقديره (تعالى) على عبده بالمعاصي والذنوب. فيشاهد عزة الله بأن قلّب قلبه وصرّف إرادته على ما يشاء (سبحانه) ، وحال بين العبد وقلبه وأن يعرف أنه مدبّر مقهور، ناصيته بيد غيره، لا عصمة له إلا بعصمته، ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير، في قبضة عزيز حميد [١١] . ٣- الودود: فهو يحب عباده الصالحين ويحبونه؛ فإن العبد إذا شاهد بقلبه غنيّاً كريماً جواداً، عزيزاً قادراً، كل أحد محتاج إليه بالذات، وهو غني بالذات عن كل ما سواه، وهو مع ذلك يود عباده ويحبهم، ويتودد إليهم بإحسانه وتفضله عليهم: كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب [١٢] . ٤- السلام: وحقيقة هذه اللفظة (السلام) هي: البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب، فإذا علمت أن الله هو (السلام) فتعلم أن تجاوزه عنك في معصيتك وذنبك سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة، كما أن عذابه سلام عن أن يكون ظلماً أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله. وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم. وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تعلق أو انتفاع بقربه. فتأمل كيف تضمن اسمه (السلام) كل ما نُزِّه عنه ﵎ ، واستشعر هذا بقلبك؛ فإنه يبعث على تعظيم ربك (سبحانه) [١٣] . ٥- الجبار: ولاسمه (الجبار) ثلاثة معان: ١- أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده ويجبر كسر القلوب المنكسرة، فكم جَبَر من كسير، وأغنى من فقير، وأعز من ذليل، فإذا عرف العبد هذا المعنى تعبد لله بمقتضاه، وسأله بأن يجبر كسره، ويعينه على عبادته. ٢- أنه القهار، فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته، فيستشعر العبد أن أفعاله بقدرة الله، ويعلم أن أعداء الدين لن يصيبوه إلا بما قضى الله وأراد. ٣- أنه العلي بذاته فوق جميع مخلوقاته، فلا يستطيع أحد منهم أن يدنو منه، فيبعثه ذلك على تعظيم ربه وإدراك عزته واستعلائه [١٣] . والله أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ...

стр. 2452

من فتاوى أهل الذكر فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. فتاوى أهل العلم الأثبات هي عصارة علم المفتين وخلاصة فقههم، ومنارات يسترشد بها، هي جواب عن نوازل ومستجدات، وباب لتبليغ دين الله (تعالى) .. ونظراً لأهمية (الفتاوى) ، وتحقيقاً لرغبة القراء، فستقوم (البيان) إن شاء الله (تعالى) بنشر جملة من الفتاوى المهمة، حيث روعي في اختيارها تنوّع موضوعاتها، وعظم الحاجة إليها في هذا العصر، إضافة إلى تنوّع أصحابها زماناً ومكاناً. وفي هذا العدد ننشر فتوى للشيخ (العز بن عبد السلام) [١] (رحمه الله تعالى) ، في مسألة الوساوس والخطرات وسبيل علاجها. سئل الشيخ (العز بن عبد السلام) ﵀ هذا السؤال: رجل مؤدٍّ لفرائض الله ، حافظ لحدوده، سالك طريق الآخرة، قد ابتلي بخواطر تخطر له، فمنها ما يشككه في (الخالق) ، ولا سيما إذا جلس في خلوة للذكر، فتكثر هذه الخواطر عنده، ويفقد حلاوة الذكر، وهو يكابد هذا الأمر نحو عشرين سنة، وكان في ابتداء هذا الأمر يشق عليه وجوده، ثم صار إذا خطر له ذلك الخاطر لا يجد من نفسه تلك الكراهة، فما حكم هذه الخواطر في الجملة؟ ، وما حكمها في وقت غفلته عن الكراهة، وبأي دواء يدفع هذا الوسواس عنه؟ . فأجاب ﵀ : ليست هذه الوساوس من نفس الإنسان، وإنما هي صادرة من فعل الشيطان، ولا إثم على الإنسان فيها؛ لأنها ليست من كسبه وصنعته، ويتوهم الإنسان أنها من نفسه، ولما كان الشيطان يحدث بها القلب، ولا يلقيها إلى السمع يتوهم الإنسان أنها صادرة منه، فيحرج لذلك ويكرهه، من غير أن ينشرح له صدره، ولو كان منه لانشرح له صدره، وقد قام بالوظيفة في كراهة ذلك، كما لو صدر ذلك من إنسان فسمعه بأذنه فكرهه مع العجز عن إزالته، فكذلك كراهة ما يلقيه الشيطان في قلبه هي الوظيفة في ذلك، إذ لا يقدر على دفع الشيطان عن الوسواس، كما لا يقدر على دفع من يعجز عن دفعه من المضلين، وإنما خفّت الكراهة في ذلك في آخر الأمر من جهة أن المعاصي إذا اعتيدت خفت كراهتها، ألا ترى أن أكثر الناس يتركون الصلوات المكتوبات فلا تشتد كما تشتد كراهة الإفطار في شهر رمضان بغير عذر؛ لأن ذلك غير معتاد، فخفة كراهة الوسواس كخفة كراهة ما اعتيد من العصيان، كشرب الخمر وإتيان الذكور وغير ذلك من العصيان، وقد تقع معصية صغيرة غير معتادة فتشتد كراهتها أكثر مما تشتد كراهة الكبائر المعتادة.. ولا طريق لمثل هذا إلا الالتجاء إلى الله (تعالى) في دفع وسواس الشيطان، فإن غرضه بذلك أن يوهم الإنسان أنه قد كفر وأن عبادته لا تقبل مع كفره، ليترك العبادة والطاعة، فإذا عرف العبد أن ذلك صادر من الشيطان لهذا الغرض انقطع الشيطان عن تلك الوساوس؛ إذ لا فائدة له فيها، فإذا عرف أنه لا يُلْتَفَتُ إليه سكن، إذ لا فائدة لسعيه، وقد رأيت كثيراً من العبّاد الذين صح انقطاعهم إلى العبادة ابتلوا بمثل هذا أو بأشد منه، فلما عرّفتهم بما ذكرته لم يلبثوا إلا قليلاً حتى أزال الله (تعالى) عنهم كيد الشيطان؛ لانقطاع طمعه من فائدة سعيه، والله المستعان على دفع الشيطان وعلى دفع مكائد نفس الإنسان [*] .

стр. 2453

دراسات دعوية من جوانب الاقتداء بهدي الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل في مقال سابق بيّنت أهمية معرفة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وهديهم؛ وذلك لأخذ العبر العظيمة، والاقتداء بهم، والتعزي بما أصابهم، والحصول على الفوز في الدنيا والآخرة باتباعهم. وسيكون التركيز في هذا المقال إن شاء الله (تعالى) بالوقوف على ثلاثة جوانب عظيمة من حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، هي في نظري من أهم جوانب الاقتداء بهم (عليهم الصلاة والسلام) ، وهي كما يلي: أولاً: من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) في قوة العلم بالله (تعالى) ، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد وقوة العبادة. ثانياً: من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) في الأخلاق والسلوك. ثالثاً: من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) في الدعوة والتبليغ. وسيكون تحت كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة تقسيمات أخرى تفصّل فيها بعض الصور والأمثلة الداخلة تحت كل جانب، مع محاولة الربط ما أمكن بواقعنا نحن المسلمين اليوم، وبخاصة ما يتعلق بالدعوة والدعاة في هذا العصر، موضحاً من خلال هذا الربط مدى قربنا أو بعدنا من هذا الهدي الكريم في كل جانب من الجوانب الآنفة الذكر من حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذا هو جهد المقل؛ فما وجدته أخي الكريم من صواب وحق فهو من الله ، وما وجدت فيه من خطأ وخلل فمني ومن الشيطان، فإلى تفصيل ما أشير إليه آنفاً. الجانب الأول: من هديهم في قوة العلم بالله ، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد: إن أعلم الناس بالله هم أنبياؤه ورسله (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذا العلم به (سبحانه) وبأسمائه وصفاته العلا هو الذي أوجد هذه الخشية العظيمة والإيمان الصادق والتوحيد الكامل لله ؛ لأنه كلما كان العبد أعلم وأعرف بربه (سبحانه) كلما كان أشد خوفاً وتعظيماً وعبادة ومحبة وإخلاصاً له، والعكس بالعكس. وإن مما اختص الله (سبحانه) به رسله، ومما منّ به عليهم: تكميل هذا العلم العظيم في نفوسهم، والذي هو أشرف العلوم وأزكاها. وإن المسلم مأمور بطلب هذا العلم الشريف قدر استطاعته اقتداءً بالأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ؛ ولو أنه لن يصل إلى علمهم ولا إيمانهم، لكنه بذلك يقترب منهم ويسعد بثمار هذا العلم العظيم في قلبه وسلوكه وحياته كلها. ومن الأدلة على شرف هذا العلم ما يلي: قول الله (تعالى) : عن إبراهيم ﵊ في دعوته لأبيه: [يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَاًتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِياً] [مريم: ٤٣] ، وقوله (تعالى) عن يعقوب ﵊ : [ ... وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٦٨] . وقوله (تعالى) عن يعقوب ﵊ : [ ... قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [يوسف: ٩٦] . وقوله (تعالى) عن نوح ﵊ أنه قال لقومه: [أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٦٢] . وهذا موسى ﵊ ، مع ما آتاه الله من العلم العظيم، فإنه لم يكتف به، وإنما طلب المزيد.. وقصة سفره (عليه الصلاة والسلام) إلى الخضر ﵇ ليتعلم منه معروفة، وقد قصها الله علينا في كتابه الكريم، والشاهد منها قوله (تعالى) : [قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] [الكهف: ٦٦] ، وللشيخ السعدي ﵀ (تعالى) عند هذه القصة كلام نفيس، فليرجع إليه. وقوله (تعالى) لنبيه محمد: [قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ] [الأنعام: ٥٧] . وقوله عن نفسه عندما تنزه بعض الصحابة عن شيء رخص فيه الرسول، فُبلِّغ ذلك إليه، فخطب، فحمد الله، ثم قال: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ ! ، فو الله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية) [١] . الآثار على نفوس الأنبياء: وبعد سرد هذه الأدلة والتي هي على سبيل المثال لا الحصر نأتي الآن إلى أثر هذه البينات العظيمة في نفوس الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، الناشئة عن هذا العلم الشريف بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا، لعلنا نهتدي بهذه الآثار الإيمانية المباركة ونسعى للتأسي بهم. ومن هذه الآثار ما يلي: أولا: شدة تعظيمهم لله وخوفهم منه: فعلى الرغم من اصطفاء الله (سبحانه) لهم وحبه لهم وقربهم منه.. فإن هذه المزايا لم تزدهم لربهم إلا تعظيماً، ومحبة، وخوفاً منه (سبحانه) ، وخشية. وهذه سنة الله (سبحانه) ؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربه كلما عظّمه في نفسه، وخاف منه (سبحانه) خوف المحب لحبيبه؛ خوفاً يقرب إلى الله ، وخوفاً يهضم العبد عنده نفسه ويحقرها ولا يرى لها فضلاً ولا طوعاً، وإنما يراها أهلاً للظلم والخطيئة والضعف، إن لم يوفق الله (تعالى) صاحبها ويعينه عليها. وهكذا كان شأن الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، والأمثلة في ذلك كثيرة، منها: مناجاة نوح ﵊ لربه بشأن ابنه: وقد جاء ذلك في قصة نوح مع قومه في سورة هود، حيث يقول الله (تعالى) : [وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ] [هود: ٤٥-٤٧] ، ويظهر من هذه الآيات علم نوح ﵊ بربه ، والذي أثمر عنده هذا الأدب العظيم مع ربه والخوف منه (سبحانه) ؛ فتراه وهو يدعو ربه بشأن ابنه الهالك مع الكافرين يختم دعاءه بقوله: [وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ] ، ولم يقل: وأنت أرحم الراحمين، وهذا من كمال علمه ﵊ بأسماء الله البالغة التي اقتضت أن يكون ابن نوح مع الهالكين ولم يكن مع الناجين، ولذلك: ختم نوح ﵇ دعاءه بقوله: [وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ] ، كما يظهر في هذه المناجاة خوف نوح ﵇ من ربه، واتهامه لنفسه بالظلم، وطلبه المغفرة من ربه (سبحانه) ؛ وذلك في قوله: ... [وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ] .. الله أكبر! ، هذا نوح ﵇ الذي أمضى مئات السنين في دعوة قومه، وصبر وصابر، وناله من الأذى والاستهزاء الشيء العظيم، ومع ذلك يختم دعوته بطلب المغفرة والرحمة من ربه (سبحانه) : [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلاَّ تَبَاراً] [نوح: ٢٨] . فماذا نقول نحن المفرطين الظالمين الجاهلين؟ ! .. سبحانك قد ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. هذا إمام الحنفاء وخليل الرحمن يخاف من ذنوبه ويسأل ربه المغفرة والستر، ويطلب من ربه (سبحانه) أن يلحقه بالصالحين، وكأنه ليس منهم! ! . يقول الله (تعالى) : [وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] [الشعراء: ٨٢ ٨٩] . إذن: فما حالنا نحن المقصرين؟ ، ماذا عسانا أن نقول؟ ! ، إنه ليس أمامنا إلا أن نحذو حذو هذا الركب المبارك المطهر ونقول ما أوصى به الرسول أبا بكر الصديق ﵁ عندما سأله أن يعلمه دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) [٢] . تعظيم نبينا محمد لربه (سبحانه) وخوفه منه: ونختم هذه الأمثلة من تعظيم الأنبياء لربهم (سبحانه) وخوفهم منه ببعض الشواهد من تعظيم نبينا محمد لربه وخوفه منه، مع أنه سيد المرسلين، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. ولا غرابة في ذلك؛ فهو كما قال عن نفسه: (فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية) [٣] ، ومما ورد عنه في هذا الشأن: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً) [٤] ؛ ولذلك: ما رؤي رسول الله - ﷺ مستجمعاً ضاحكاً قط؛ إنما كان يتبسم. عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) ، قالت: وإذ تخيّلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرّي عنه، فعرفت ذلك عائشة؛ فسألته، فقال: (لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: [فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ] ) [٥] . عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج رسول الله- ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القَدَر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: (بهذا أمرتم؟ ، أو لهذا خلقتم؟ ، تضربون القرآن بعضه ببعض. بهذا هلكت الأمم قبلكم) [٦] . ثانياً: كثرة ذكرهم لله وشدة تضرعهم ودعائهم له (سبحانه) مع قوة عبادتهم: وهذا الجانب من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) ثمرة من ثمار الإيمان الصادق والتوحيد الكامل النابعين من كمال حبهم لله وتعظيمهم له، والمتأمل في هذا الجانب من هديهم ليأخذه العجب والإجلال والحب الخالص لهذه الصفوة المختارة من عباد الله، وهو يرى إخباتهم لربهم (سبحانه) وكثرة ذكرهم له، وتضرعهم ودعاءهم المتواصل لربهم، مع كثرة عبادتهم وطولها وتنوعها.. كل ذلك وهم أولياء الله وأنبياؤه وصفوته من خلقه، وإن في هذا الهدي لعبرة لمن هو دونهم ممن يحسب نفسه من الدعاة المتبعين لهم. نعم.. إن في ذلك لعبرة لمن جاء بعدهم من المحبين لهم في أن يولوا هذا الجانب حقه، وأن يقتدوا بهؤلاء المصطفين الأخيار في كثرة ذكرهم لله ، وكثرة دعائهم وتضرعهم وعبادتهم له (سبحانه) مع ما هم فيه من هم الدعوة والجهاد والانشغال في أمر هذا الدين في الليل والنهار، ولكن كل ذلك لم يشغلهم عن الخلوة بربهم (سبحانه) والتفرغ لذكره ودعائه وعبادته. وفي هذا رد على ما قد يتذرع به بعضنا إذا نبه إلى هذا الجانب المهم في حياة الداعية من التذرع بضيق الوقت وكثرة المشاغل وتعب الجسد وإجهاده في طلب العلم والدعوة إلى الله ، فيدخل الشيطان إلى النفس من هذا الباب (باب التفريط) فيجد الداعية نفسه وقد أهملها في أعظم رافد له في دعوته وأكبر زاد له في طريقه إلى الله.. وأورد الآن نماذج من هذا الهدي المبارك، لعلها أن تشحذ الهمم وتقوي العزائم، ولعلها في الوقت نفسه أن تطامن منا بعض النفوس التي أصابها داء العجب؛ فتشعر وهي تقرأ هذه النماذج بأنها لا زالت مقصرة ومفرطة في جنب الله، فيحصل مقت النفس في ذات الله واحتقارها؛ الاحتقار الذي يؤدي مع الاستعانة بالله إلى علاجها ويقظتها. ومن هذه النماذج ما يلي: * تضرعهم (عليهم الصلاة والسلام) إلى ربهم (سبحانه) وسؤاله قضاء حوائجهم: ذكر الله في آخر سورة الأنبياء مجموعة من أنبيائه ورسله (عليهم الصلاة والسلام) ، وهم يسألون ربهم ويتضرعون إليه في قضاء حوائجهم، ويتوسلون إلى الله بأسمائه وصفاته، كما يتوسلون بفاقتهم وافتقارهم إلى الله . ومن ذلك قول الله (تعالى) : [وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] [الأنبياء: ٨٣، ٨٤] . يقول الإمام ابن القيم ﵀ (تعالى) معلقاً على هذا الدعاء الخاشع من أيوب ﵊ : (جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود طعم المحبة في التملق له، والإقرار له بصفة الرحمة وأنه أرحم الراحمين، والتوسل إليه بصفاته (سبحانه) ، وشدة حاجته هو وفقره، ومتى وجد المبتلى هذا كشفت عنه بلواه) [٧] . وفي قوله (تعالى) : [وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] أي: إن في صبر أيوب (عليه الصلاة والسلام) ودعائه عبرة للعابدين من بعده؛ ليقتدوا بصبره وعبادته ودعائه ويقينه. * خشوعهم وبكاؤهم عند ذكر الله : فبعد أن ذكر الله مجموعة من الأنبياء في سورة مريم أثنى عليهم بقوله (تعالى) : [أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياً] [مريم: ٥٨] . يقول الشيخ السعدي (رحمه الله تعالى) عند هذه الآية: (فهذه خير بيوت العالم اصطفاهم الله، واختارهم واجتباهم، وكان لهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم، المتضمنة للإخبار بالغيوب، وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد. [خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياً] أي: خضعوا لآيات الله، وخضعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة، والسجود لربهم) [٨] . وقوله (تعالى) عن يوسف ﵊ أنه قال: [رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَاًوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ] [يوسف: ١٠١] . يقول السعدي (رحمه الله تعالى) عند هذه الآية: (ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائماً في تثبيت إيمانه) . ويقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) عند هذه الآية أيضاً: (جمعت هذه الدعوة: الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غير الله (سبحانه) ، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء) [٩] . وأختم هذه الأدعية النبوية بذلك الدعاء الذي كثيراً ما كان يلهج به الرسول ويردده؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، فقلت: يا رسول الله ﷺ قد آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ ، قال: (نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) [١٠] . فإذا كان هذا هو حال أنبياء الله وصفوته من خلقه فحري بمن دونهم أن يخاف على نفسه من سوء الخاتمة، فمن ذا الذي يأمن الفتنة بعد أنبياء الله ؟ . * القوة في طاعة الله (تعالى) وعبادته: هذه الصفة العظيمة من أبرز ما في حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، حيث إنهم أكثر الناس عبادة وصلاة وإخباتاً لله ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) عند قوله (تعالى) : [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ] [ص: ٤٥] : وعن عطاء الخراساني: [أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ] ، قال: أولو القوة في العبادة والعلم بأمر الله، وعن مجاهد وروي عن قتادة قال: أعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين) [١١] . والشواهد في ذكر عبادة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) كثيرة، منها: قوله (تعالى) على لسان إبراهيم ﵊ : [رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ] [ابراهيم: ٤٠] . وقوله (تعالى) في مدح إسماعيل ﵊ : [وَكَانَ يَاًمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِياً] [مريم: ٥٥] . وقوله (تعالى) في مدح إسحاق ويعقوب: [وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإقَامَ الصَّلاةِ وَإيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ] [الأنبياء: ٧٣] . أما عن نبينا محمد وكثرة عبادته وقوته فيها فهي كثيرة جدّاً، مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. ولا غرابة في ذلك؛ فهو الذي امتلأ قلبه معرفة بربه (سبحانه) وحبّاً وتعظيماً له، وهو الذي قال له ربه (سبحانه) : [يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (٢) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] [المزمل: ١- ٤] ، وهو الذي قال له ربه : [وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً] [الإنسان: ٢٦] ، وقال له: [.... فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياً] [مريم: ٦٥] ، وأكتفي بشاهد من أحواله الكثيرة في عبادته وقوته فيها: فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قام النبي حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ !) [١٢] . وأخيراً: فهذه أحوال المصطفين الأخيار من أنبياء الله ، وما سبق ذكره إن هو إلا جانب يسير وغيض من فيض من صلتهم بالله ، ذكراً وتسبيحاً ودعاءً وصلاة، فهل من مشمر للأخذ بهديهم كما أمر الله [فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] ؟ ، وهل بقي مجال لأحد أن يعتذر بكثرة المشاغل الدعويةوطلب العلم في التفريط في هذا الزاد العظيم؟ . وتبقى مسألة مهمة تبرز للمتأمل في تلك الكلمات والجُمل العطرة الجامعة، والتي تتألف منها أذكارهم وأدعيتهم (عليهم الصلاة والسلام) ، ألا وهي: تجريد التوحيد لله وإخلاص العبادة له وحده. فهل بقي عذر لمن يتوجه إلى الأنبياء أو غيرهم في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو شأنهم مع ربهم في دعائهم له؟ .

стр. 2454

دراسات اقتصادية آراء وتأملات في فقه الزكاة (٣) د. محمد بن عبد الله الشباني تناول الكاتب في الحلقتين الماضيتين مفهوم الزكاة، ثم عرض أنواع الأموال التي تجب زكاتها، بعد تناوله للمعنى اللغوي لكلمة (المال) ، ثم عرض ستة ضوابط تحدد صفة المال الذي تجب فيه الزكاة، وفي هذه الحلقة يتناول بعض التفصيلات. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان- زكاة الأنشطة الزراعية: يمثل القطاع الزراعي أحد المرتكزات الأساسية للنشاط الاقتصادي، فالثروة الزراعية من أهم مصادر الدخل الذي يعتمد عليه مخططو التنمية الاقتصادية في وضع الأسس والبرامج الخاصة بتحقيق النمو الاقتصادي. لقد توسعت الأنشطة الزراعية، فظهرت منتجات زراعية تحقق دخلاً أكبر، مثل: الخضروات، والفواكه والزهور، ويعود ذلك التنوع والتوسع إلى استحداث وسائل وأنظمة فعالة في الإنتاج والتخزين والتسويق. ويتكون الإنتاج الزراعي من قطاعات رئيسة، هي: ١- إنتاج الخضروات. ٢- إنتاج المحاصيل الحقلية. ٣- إنتاج الفاكهة. إن ذلك التوسع والتنوع في الإنتاج الزراعي وتغير أساليب وأشكال التنظيم الإداري للمزارع من حيث الملكية والتخصص الزراعي يستدعي دراسة أحكام الزكاة فيما يتعلق بما استجد من منتجات، وبخاصة أن فقهاء المسلمين قد اختلفوا في وجوب الزكاة لأنواع من المنتجات الزراعية، فمنهم من أوجب الزكاة في كل ما تنتجه الأرض، ومنهم من قصره على أنواع معينة واستثنى بقية الأنواع، وكل فريق يستند في رأيه إلى نصوص وقواعد شرعية، وهناك منتجات زراعية تحتاج إلى دراسة حكم الزكاة فيها على ضوء الواقع المعاصر، مثل الخضروات والزهور، لا سيما وهي تحقق الآن عائداً اقتصاديّاً عالياً. سبب الخلاف: إن سبب اختلاف العلماء حول زكاة المنتجات الزراعية يعود إلى الاختلاف على مناط زكاة المنتجات الزراعية، فهل مناط الزكاة هو الأرض، أو الزرع، أو مجموعهما؟ . فجمهور الفقهاء يقول: إنه للشيء الذي تجب فيه الزكاة، أي: الزروع، أما الإمام (أبو حنيفة) فذهب إلى أنه للشيء الذي هو أصل الوجوب، وهو الأرض، أما (محمد بن رشد القرطبي) فيرى أنه حق لمجموعهما، أي: للأرض والزرع [١] . تترتب على هذا الاختلاف في النظر في مناط الزكاة أحكام شرعية، مثل: حكم ضياع الزكاة وهلاك بعض المال قبل الإخراج، أو موت المكلف الذي لم يخرج الزكاة، أو عند بيع المنتج الزراعي وقد وجبت فيه الزكاة، فعلى من تقع الزكاة، على البائع أم على المشتري والوارث؟ ، وكذلك في حالة الهبة، هل هي على الواهب أو الموهوب له، أما ما تجب فيه الزكاة من الإنتاج النباتي فقد اتفق العلماء على وجوب الزكاة في أربعة أصناف، من الحبوب: الحنطة، والشعير، ومن الثمر: التمر والزبيب [٢] . إن السبب في الاختلاف حول زكاة المنتجات النباتية يعود أولاً إلى جنس النبات، ووفقاً لذلك: فقد قصر بعضهم الزكاة على الأصناف الأربعة السابقة، وقال بهذا (ابن أبي ليلى) ، و (سفيان الثوري) ، و (ابن المبارك) [٣] ، ومنهم من أوجب الزكاة في جميع المنتجات النباتية المدخرة المقتاتة، وهذا هو قول (مالك) ، و (الشافعي) ، ومنهم من أوجب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض، ما عدا الحشيش والحطب والقصب، وأخذ بهذا الرأي (أبو حنيفة) [٤] . علة الاختلاف: وعلة هذا الاختلاف يرجع إلى متعلق الزكاة: هل هو فقط للأصناف الأربعة بعينها، أو إنه يتعدى إلى غيرها إذا وُجدت العلة فيها؟ . ولهذا: فمن قصر العلة على الأعيان فقد قصر الزكاة على الأصناف الأربعة، ومن قال بأن العلة هي الاقتيات، فقد أوجب الزكاة في جميع الأشياء المقتاتة، ولكن من اعتبر أن العلة ليست الاقتيات وإنما متعلق الزكاة هو بالأرض، فقد أوجب الزكاة في جميع ما تخرجه الأرض إلا ما وقع عليه الإجماع، مثل: الحشيش، والحطب، والقصب، وقد خالف بهذا المنهج القياسي، وأخذ بعموم اللفظ مستشهداً بقول الرسول: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريّاً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) [٥] ، واعتبر حرف (ما) الوارد في الحديث بمعنى الذي، و (الذي) من ألفاظ العموم. وقوله (تعالى) : [وَهُوَ الَذِي أََنشَأََ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] [الأنعام: ١٤١] . أما من أخذ بالقياس وجعل العلة الاقتيات: فقد فهم من هذا العموم ومن (الزكاة) أنما قصد منها سد الخلة، وذلك لا يكون غالباً إلا فيما هو قوت، أما من غلّب العموم فإنه يوجبها قياساً على جميع ما تخرجه الأرض إلا ما أخرجه ... الإجماع [٦] . وقد أدى ذلك إلى عدم إيجاب الزكاة في الخضروات؛ بحكم أنها غير مقتاتة ممن يرى أن علة الزكاة هو الاقتيات، وبالتالي: فإن ما تجري به الفتوى في الغالب: عدم وجوب الزكاة في الخضروات والفاكهة، علماً أن زراعة الخضروات والفاكهة والزهور في هذا العصر أصبحت من الأنشطة الزراعية ذات العائد الاقتصادي الجيد، بل إنها تفوق تلك المنتجات النباتية مما يقتات به مثل الحبوب.. كما أن المسقطين لزكاة الخضروات يحتجون زيادة على الأخذ بعلة الاقتيات بعدة أحاديث. وجوب زكاة كل ما يخرج من الأرض: إن واقع الأنشطة الزراعية والمتعلقة بإنتاج الخضروات والفاكهة والزهور حيث أصبحت من الأنشطة الزراعية النباتية المهمة يستوجب دراسة حجج المسقطين للزكاة عن هذه الأنشطة الزراعية، وتبني وجهة نظر الإمام أبي حنيفة، الذي يوجب الزكاة في جميع ما يخرج من الأرض؛ حيث إن هذا الرأي هو الرأي المناسب الذي يتفق مع روح الشريعة ومقاصدها، ولهذا: أرى الأخذ برأي الإمام أبي حنيفة بوجوب الزكاة على جميع ما يخرج من الأرض، لعدة أسباب: ١- أن أدلة المسقطين للخضروات يعتورها الضعف، فلا يجوز العدول عن أصل وجوب زكاة الزروع والأخذ بأحاديث ضعيفة [٧] . ٢- أن التغير الحاصل في أساليب وطرق الزراعة فيما يتعلق بزراعة الخضروات والفاكهة والزهور، والتقدم في أساليب التخزين.. أتاح للمنتجات الخضرية فرصة إطالة عمر الاستفادة منها، مع التطور في وسائل النقل بعيداً عن مراكز الإنتاج؛ مما جعل هذا النوع من النشاط أكبر فائدة للمزارعين من زراعة الحبوب، ولهذا: نجد أن الدول الغنية تعمد إلى تشجيع زراعة الحبوب من خلال شرائها منهم بأسعار أعلى من أسعار منتجات الخضر؛ بقصد توفير احتياجات الناس من الحبوب، وعلى ضوء هذه الحقيقة: فإن قواعد الشريعة وأصولها تقتضي عدم استثنائها حتى تتحقق عدالة توزيع المال وفق مقتضى القاعدة التي حددها الله في قوله (تعالى) : [كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ] [الحشر: ٧] . ٣- أن إنتاج الخضراوات في الماضي لم يكن يُهدف منه إلى تحقيق الثروة والغنى، وإنما كان زراعتها بقصد الاستهلاك العائلي، بعكس ما هو حاصل في هذا العصر، حيث أصبحت من المحاصيل الزراعية ذات المردود الاقتصادي الجيد. تساؤل في محله: إن السؤال الذي قد يطرأ على ذهن القارئ هو: لماذا نوسع مجال أخذ الزكاة، ولا نكتفي بما ورد فيه النص وعدم الخروج على ما ذهب إليه جمهور السلف؟ . إن الإجابة على هذا التساؤل تندرج ضمن فهم أهداف الإسلام بوصفه ديانة وتنظيماً لأحوال الناس، فمن المعروف أن من مقاصد الإسلام: صيانة النفس والعرض، وأن من مستلزمات ذلك: إشباع حاجات الفرد من خلال تحقيق التكافل الاجتماعي، ولتحقيق ذلك فقد شرعت الزكاة، ولم يترك الله (سبحانه) للناس تحديد مَن تٍدفع إليه الزكاة، بل حدد مصارفها؛ بقصد تحقيق الغاية التي من أجلها جعل الله الزكاة ركناً من أركان الإسلام، وإن من مقتضيات تحقيق ذلك: وجوب شمولية الزكاة لجميع مصادر الدخول الاقتصادية، وناتج الأرض يعتبر من أهم مصادر تحقيق الثروة، فاستثناء نوع من الإنتاج بعدم تحقق وجوب الزكاة فيه يظهر عدم عدالة الإسلام (حاشا لله أن يكون الإسلام كذلك) ، بل إن الإسلام قد شمل في أحكامه جميع نواحي الحياة، وقد حاد الناس عن أحكامه، إما جهلاً بها، أو انحرافاً عنها، بقصدٍ أو بغير قصد، وبخاصة في هذا العصر الذي أصبحت مقاليد الأمور فيه بأيدي أعداء الإسلام ظاهراً أو باطناً، فأبعدت الشريعة الإسلامية في كثير من البلدان من أن تحكم الحياة، وتولى زمام الأمر من يدعو إلى فصل الدين عن الحياة، وجعل تنظيم حياة الناس منوطاً بأهواء المضلين عن سبيل الله ومن يرغبون أن تكون الحياة عوجاً. إن أدلة إيجاب الزكاة على الخضراوات والفاكهة والزهور هي تلك الأدلة التي قام عليها حكم وجوب الزكاة في الخارج من الأرض، وهي قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ] [البقرة: ٢٦٧] ، وقوله (تعالى) : [وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] [الأنعام: ١٤١] ، وحديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، الذي جاء فيه: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريّاً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) [٨] ، وحديث جابر ﵁ : أنه سمع النبي ﷺ يقول: (فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سُقي بالسانية نصف العشر) [٩] . على ضوء ذلك: فما هو النصاب والمقدار الذي تجب فيه الزكاة بالنسبة للخضروات وغيرها من الإنتاج النباتي الذي يرى جمهور الفقهاء عدم وجوب الزكاة فيه؟ . قبل الإجابة على هذا التساؤل لا بد من بيان مقدار النصاب والمقدار الذي تجب فيه الزكاة بالنسبة لما أوجب فيه جمهور الفقهاء الزكاة من الناتج النباتي. إن مقدار النصاب الذي تجب فيه الزكاة هو: بلوغ الإنتاج خمسة أوسق، وهذا هو قول جمهور العلماء والصحابة إلا مجاهداً وأبا حنيفة ومن تابعه، فقد أوجبوا الزكاة في قليل ذلك وكثيره، مستدلين بعموم قول الرسول: (فيما سقت السماء والعيون العشر) باعتبار أنه ليس له حول فلا يعتبر له نصاب [١٠] . لكن قول الجمهور أرجح، كما دلت عليه أحاديث الرسول الصحيحة، مثل ما رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، وهذا خاص ويجب تقديمه على العموم وعدم اعتبار الحول؛ لأن اكتمال نمائه يتم باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة الكمال والنماء في سائر الأموال، والنصاب إنما اعتبر ليبلغ حدّاً يتحمل المواساة منه؛ فلهذا اعتبر النصاب؛ حيث إن الصدقة إنما تجب على الأغنياء، ولا يحصل الغنى بدون تحقق النصاب كسائر الأموال الزكائية [١١] . إن السؤال الذي يمكن طرحه بعد أن أخذنا برأي الأحناف في وجوب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض هو: كيف يتم تحديد النصاب بالنسبة لمنتجات الخضروات والفاكهة والزهور.. وغير ذلك من المنتجات النباتية غير المكيلة واليابسة والجافة والرطبة؟ . إن أساليب تسويق هذه المنتجات في الوقت المعاصر، وطرق التخزين والنقل لهذه المنتجات.. يؤدي إلى تكاليف إضافية على الإنتاج، وإذا أخرجنا الزكاة عيناً من هذه الأصناف من الإنتاج النباتي ففيه ضرر على بيت مال المسلمين، أما إذا أخذت الزكاة بعد البيع من إجمالي البيع وبدون احتساب تكاليف الشحن والتسويق والتخزين ففيه ضرر على المزكي. إن الرأي الذي يمكن الأخذ به وفيه تحقيق لمصلحة بيت المال ومصلحة المزكي: أن يتم تحديد الزكاة من خلال تحديد تكلفة الإنتاج للحصة العينية للزكاة منسوبة إلى إجمالي التكاليف مأخوذة من صافي الربح. ففي هذا الأسلوب تجنب للمحاذير التي أشرت إليها، فمثلاً: إذا كان هناك مزارع ينتج طماطم، وكمية الإنتاج بلغت مئة كيلو جرام، وتكلفة الكيلو جرام الواحد: ريال سعودي واحد، فإن الزكاة العينية على أساس أن الإنتاج فيه مؤنة وسقي ٥%، فيتم تحديد الزكاة على النحو التالي: مقدار حصة الزكاة العينية هو: ١٠٠ × ٥% = ٥ كيلو جرام. ومقدار تكلفة حصة الزكاة هو: ٥ × ١ = ٥ ريالات. وإذا قدر أن صافي الربح هو ٥٠ ريالاً، فيتم احتساب الزكاة بقسمة تكلفة إنتاج الحصة العينية وهو خمسة ريالات على إجمالي التكاليف وهو مئة ريال مضروباً في صافي الربح، أي: = ٢. ٥ ريال. إن افتراضنا للأخذ بهذا الرأي في تحديد وعاء الزكاة للمنتجات النباتية غير المكيلة مقاس على ما قاله الفقهاء في تحديد مقدار النصاب في الحبوب غير المصفاة، وفي الثمار بعد الجفاف، يقول ابن قدامة في هذا الخصوص (وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنباً لا يجيء منه خمسة أوسق زبيباً لم يجب عليه شيء؛ لأنه حال وجوب الإخراج منه، فاعتبر النصاب بحاله، وروى الأثرم عنه: أنه يعتبر نصاب النخل والكرم عنباً ورطباً، ويؤخذ منه مثل عشر الرطب تمراً، اختاره أبو بكر، وهذا محمول على أنه أراد: يؤخذ عشر ما يجيء به منه من التمر إذا بلغ رطبتها خمسة أوسق؛ لأن إيجاب قدر عشر الرطب من الثمر إيجاب لأكثر من العشر، وذلك يخالف النص والإجماع فلا يجوز أن يحمل عليه كلام أحمد ولا قول إمام) [١٢] . ووجهة القياس: نقصان العنب بعد الجفاف، والثمر بعد تحوله من الرطب إلى التمر، وفي الخضروات: فإن قيمتها والاستفادة من الإنتاج لا يتحقق إلا من خلال اتباع أساليب التسويق الحديثة من تخزين وتبريد وتغليف ونقل..، وهذه تحتاج إلى تكاليف معينة؛ مما يؤيد ما طرحناه من اقتراح حول ذلك. إن تحديد نصاب المنتجات النباتية الذي إذا بلغ الإنتاج هذا المقدار وجبت فيه الزكاة قد حددته أحاديث الرسول، من ذلك مثلاً قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، وهو حديث متفق عليه، ووفقاً له كما يراه جمهور العلماء فإن الزكاة لا تجب في الخارج من الأرض إلا إذا بلغ خمسة أوسق، وقد خالف أبو حنيفة جمهور العلماء بحيث أوجب الزكاة في قليل ناتج الأرض وكثيره، مستدلاً بعموم حديث رسول الله ﷺ : (فيما سقت السماء والعيون العشر) ، باعتبار أن الناتج من الأرض ليس له حول، فلا يعتبر له نصاب، ولكن هناك أحاديث حددت الأنصبة فيما ليس فيه حول، وإن حديث تحديد النصاب قد خصص عموم الحديث الذي استشهد به الإمام أبو حنيفة، مثل: التخصيص لسائمة الإبل، والفضة، فهذه أموال تجب فيها الزكاة ولم تجب في قليلها، وإن عدم اعتبار الحول بالنسبة لناتج الأرض بسبب اكتمال نمائه يتم باستحصاده لا ببقائه، أما في غير ناتج الأرض فقد اعتبر الحول لأنه مظنة لكمال النماء، والنصاب اعتبر ليبلغ حدّاً يحتمل المواساة فيه [١٣] . لقد حددت الأحاديث الصحيحة مقدار النصاب في الحبوب والثمار على أساس خمسة أوسق، وأجمع العلماء على أن الوسق ستون صاعاً، وخمسة أوسق هي ثلاثمئة صاع، وهو يعادل ٦٥٣ كجم [١٤] . أما تحديد مقدار النصاب للمنتجات التي لا يمكن أن تقدر بالكيل مثل: القطن والزعفران والزهور فقد اختلف في تقديرها على أقوال: ١- على أساس المنتجات غير المكيلة إذا بلغ قيمة الخارج منها قيمة المكيلة. ٢- تقدير قيمة غير المكيل بمئتي درهم بنصاب النقود. ٣- تقدير قيمته بما يعادل وزنها المكيل، وهو ٦٥٣ كجم. ٤- وجوب الزكاة فيما ينتج بدون تحديد نصاب، سواء أكان قليلاً أو كثيراً.. ونحن نأخذ بالرأي الأول [١٥] . وتواجه محصلي الزكاة أو المكلفين فيما يتعلق بإخراج زكاة المنتجات الزراعية مشكلة تحديد وعاء الزكاة، وقد أوجبت السنة النبوية بالنسبة للمنتجات المكيلة والقابلة للتخزين مثل: الحبوب والتمر أسلوب تحديد الوعاء، وذلك بما عرف بـ (الخَرْص) ، حيث يتم بالظن تقدير التمر والزبيب والحبوب الجافة المستخرجة وهي على أشجارها قبل أن تجف، فقد روى أبو داود، وابن ماجة، والترمذي، عن عثمان بن أسيد ﵁ : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم) [١٦] ، ولتجنب الخطأ والإضرار بالمزارعين، فقد أمر رسول الله ﷺ بمراعاة ذلك، فقد روى ابن حبان والحاكم وأبو عبيد والبيهقي في السنن، عن سهل ابن أبي خيثمة، قال: قال رسول الله ﷺ : (وإذا خَرَصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) [١٧] . وهناك ظاهرة تتعلق بالمنتجات المكيلة مثل التمور والزبيب، حيث يتم بيعها قبل جفافها، مثل: بيع التمر رطباً والزبيب عنباً، وهذا يحقق دخلاً نقديّاً أكثر مما لو خرص تمراً أو زبيباً، وإذا جعل نصيب بيت المال بعد اكتمال نضجه وتحوله إلى تمر أو زبيب قد يفوت مصلحة مستحقي الزكاة بهذا، فإنه يمكن أن يتم الخرص في بداية النضج قبل أن يصبح تمراً أو زبيباً، ويحدد مقدار نصيب بيت المال عند الجِذاذ النهائي، ويُرى: كم بيع من الرطب والعنب؟ ، فما نقص عن مقدار الخرص يحسب نصيب بيت المال بعد خصم تكاليف التسويق، فمثلاً: لو قدر أنه تم خرص التمر بثلاثين ألف كيلو جرام، وعند جذاذه أصبح مقداره عشرين ألف كيلو، بنقص قدره عشرة آلاف كيلو التي تمثل مقدار ما نقص من التمر بعد جفافه دون ما تم بيعه، وإذا قدر أن ما تم بيعه رطباً قدره خمسة آلاف كيلو، فإن مقدار الزكاة المقدرة بعد الجذاذ هو عشرون ألفاً مضروباً في ٥%، أي: إن نصيب الزكاة هو ألف كيلو، وما تم بيعه من نصيب بيت المال رطباً يساوي خمسة آلاف مضروباً في ٥%، يساوي مئتين وخمسين كيلو، فإذا كان سعر بيع الكيلو أربعة ريالات، فإن إجمالي بيع حصة الزكاة من الرطب هو: ٢٥٠ × ٤ = ١٠٠٠ ريال، يخصم منها حصة بيت المال في التسويق، فإذا كانت تكلفة التسويق ٢٠% من قيمة البيع: فإن إجمالي تكاليف التسويق الخاص بنصيب بيت المال هو: ١٠٠٠ × ٢٠ % = ٢٠٠ ريال، ويكون نصيب بيت المال من قيمة البيع هو: ١٠٠٠ - ٢٠٠ = ٨٠٠ ريال. أما بالنسبة لمقدار غير المكيل: فقد يصعب الخرص، خاصة الخضروات والزهور وبقية الفواكه؛ لتفاوت النضج؛ حيث لا يتم النضج في وقت واحد، وإنما يتتابع النضج والقطف، فكلما نضجت كمية قطفت وبيعت، حتى يتكامل الإنتاج وتنتهي قدرة الشجرة على الإفراخ. ويرى جمهور العلماء عدم خرص المنتجات النباتية ما عدا النخل والعنب [١٨] ، ولهذا: فإن تحديد مقدار الزكاة يتم لهذه الأنواع من المنتجات من خلال حصر الإنتاج الفعلي الذي تم بيعه والاستفادة منه بعد خصم جميع تكاليف التسويق والنقل والتخزين. من الأمور التي يثور التساؤل حولها: ما يتعلق باستهلاك المُزَارِع مما ينتجه، وهل يتم استثناؤه أو يدخل ضمن الإنتاج وتقع عليه الزكاة؟ . الإجابة على هذا التساؤل تجده في حديث سهل بن أبي خيثمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) [١٩] ، ولتحقيق هذا التوجيه النبوي: يكون خرص الإنتاج الكلي، ثم خصم مقدار الربع أو الثلث مما خرص، لتكون الكمية المتبقية هي التي يقدر عليها مقدار الزكاة، فلو أن الخرص بلغ ثلاثين ألف كيلو، فمقدار ما يتم عليه تحديد الزكاة على أساس الثلث هو عشرون ألف كيلو، وعلى أساس الربع: اثنان وعشرون ألف وستمئة كيلو، هذا بالنسبة للأصناف التي يتم خرصها، أما الأصناف غير الخاضعة للخرص: فإن ما يتم تحديده هو: مقدار ما يتم بيعه، وما يأكله المزارع فلا يضم إلى ما بيع، قياساً على التخفيف فيما يخرص. ومن الأمور التي تثار أيضاً ويدور حولها النقاش فيما يتعلق بخصمها من وعاء الزكاة وكيف يتم معالجتها أمران: الأمر الأول: الديون التي تحملها المُزَارع من أجل الإنفاق على نفسه أو من أجل الزراعة، فالإمام أحمد ﵀ يرى أن الدّيْن الذي عليه من أجل الزراعة يخصم من الناتج، أما الاستدانة من أجل الإنفاق على نفسه وأهله فلا يخصم؛ لأن ما أنفقه على الإنتاج من مؤونته، وقد روي بهذا القول عن ابن عباس (رضي الله عنهما) ، وأما عبد الله ابن عمر ﵄ فهو يرى خصم الديون من إجمالي الناتج [٢٠] ، ونحن نميل إلى الأخذ برأي ابن عمر ﵄ بخصم الديون، سواء ما كان من أجل الزراعة أو من أجل الإنفاق على نفسه وأهله، بشرط أن تكون الديون حَالّة في وقت وجوب الزكاة، وألا تكون وسيلة من وسائل التمويل الرأسمالي، أي: ألا تكون ديون ناشئة بسبب شراء أصول رأسمالية، مثل: المكائن، والحراثات والحصادات، ففي هذه الحالة لا تخصم. الأمر الثاني: أجرة الأرض، فقد اختلف في مدى خصمها من الناتج، فمالك، والثوري، وشريك، وابن المبارك وابن المنذر يرون أن الزكاة على الناتج دون مالك الأرض، أما أبو حنيفة ﵁ فيقول: إن الزكاة على مالك الأرض؛ لأنه من مؤنتها أشبه بالخراج [٢١] . وقد رد ابن قدامة على من يرى أنها على مالك الأرض بقوله: (ولنا: أنه واجب في الزرع فكان على مالكه، كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة وكعشر زرعه في ملكه، ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الأرض؛ لأنه لو كان من مؤنتها لوجب فيها وإن لم تزرع كالخراج، ولوجب على الذمي كالخراج، ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع، ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف الزكاة) [٢٢] ، وعلى ضوء ذلك، فهناك رأيان: الأول: هو مذهب أبي حنيفة، الذى يرى أن الزكاة على مالك الأرض؛ لأن الأجرة من مؤنتها أشبه بالخراج، حيث إن العشر حق الأرض الثابت لا حق الزرع، والأرض هي أرض المالك، وكما إن الأرض تستنمى بالزراعة فهي تستنمى بالإجارة، فكانت الأجرة مقصودة. الثاني: مذهب الجمهور الذين يرون أن العشر على المستأجر؛ لأن العشر حق الزرع لا حق الأرض والمالك لم يخرج له حب ولا ثمر. إن سبب الاختلاف يعود إلى فكرة (على أي شيء تقع الزكاة؟) ، على الأرض، أم على الزرع، أم على مجموعهما كما سبق مناقشته؟ . من الفقهاء المعاصرين (فضيلة د/يوسف القرضاوي) من يرى ضرورة أن يشترك الطرفان في الزكاة، بحيث لا يعفى المستأجر إعفاءً كليّاً من وجوب الزكاة كما ذهب أبو حنيفة، ولا يعفى المالك إعفاءً كليّاً، حيث تجب الزكاة كلها على المستأجر [٢٣] ، ولتطبيق هذا الرأي فقد أخذ بمفهوم صافي الربح من عائد الزروع بعد خصم الديون والنفقات من البذور، بحيث يرفع ما يوازيها من المحصول، ثم يزكى ما بقي إن بلغ نصاباً، ولقد اعتبر أن أجرة الأرض من نفقات الزرع كالخراج، فيجب أن تعد ديناً على المستأجر فيقطع من الخارج ما يقابل الأجرة، على أن يتولى مالك الأرض زكاة ما دفع إليه، بدلاً من المزارع، ممثلاً في الأجرة التي يقبضها [٢٤] ، وبالتالي: فإن فضيلته خصم مقدار الأجرة وترك للمالك حق التصرف بإخراج زكاة الأرض. نحن نتفق مع فضيلته بضرورة مشاركة مالك الأرض في إخراج الزكاة، لكننا نختلف معه في الأسلوب الذي اتبعه. إن الأسلوب الذي أراه يتمثل في أن هناك طريقتين للاتفاق مع المالك: إما أن تكون أجرة الأرض جزءاً من الإنتاج، وبالتالي: الزكاة واجبة على الناتج جميعه باعتبارهما شريكين، فلو فرض أن للمالك ٢٠% من الناتج، وقدر الناتج بثلاثة آلاف كيلو من القمح، فتخضع الزكاة للناتج الإجمالي، أي: ثلاثة آلاف، فمقدار الزكاة باعتبار أنها مسقية بالآلات: ٥%، أي: مئة وخمسون كيلو، والصافي بعد الزكاة هو: ألفان وثمانمئة وخمسون كيلو، فيكون نصيب مالك الأرض هو خمسمئة وسبعون كيلو، بدلا من ستمئة كيلو من إجمالي الناتج، ففي هذه الحالة تم دفع الزكاة مباشرة من المستأجر، لكنها أصبحت من الأجرة لصالح بيت المال حيث اشترك المالك والمستأجر في دفع الزكاة باعتبار أن الزكاة بالزرع نفسه وفق مذهب الجمهور. الطريقة الثانية: إذا كان الإيجار مبلغاً نقديّاً مثلاً، وكانت الأجرة ستمئة ريال، وبلغ الإنتاج ثلاثة آلاف كيلو، وتكلفة الكيلو مثلاً: ريال واحد، أي: إن تكلفة الإنتاج هي ثلاثة آلاف ريال، فيخصم من الإيجار المستحق له مقدار نصيبه من الزكاة، فكمية الزكاة المستحقة على الناتج هي: مئة وخمسون كيلو، ونصيب المالك من الزكاة يحسب باعتبار أن نصيبه من الإنتاج هو ستمئة كيلو فمقدار الزكاة: ثلاثون كيلو، وتكلفة الكيلو: ريال واحد، فمقدار الزكاة: ثلاثون ريالاً، فتخصم مقدار الأجرة خمسمئة وسبعون ريالاًِ، أما الثلاثون ريالاً المخصومة فتعطى لبيت المال، إما نقداً، أو عيناً حسب رغبة ولي الأمر، أخذاً بمفهوم أن الزكاة تؤخذ من عين مال المزكي، وأن المستأجر هو وكيل لبيت المال في تحصيل الزكاة.

стр. 2455

تأملات دعوية بطاقة الانتماء بقلم: محمد محمد بدري إذا كنا نتطلع نحو ترشيد للعمل الإسلامي؛ فلا بد لنا من نظرة عميقة في إمكاناته.. وفعالياته.. ونقائصه؛ حتى ندرك دون لبس، أو غموض، أو إيهام أين ينبغي علينا إحداث التغيير في أنفسنا ليغير الله ما بنا: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، فالتغيير إنما يحدث وفق سنن ربانية ثابتة لا تحابي أحداً من الخلق مهما زعم لنفسه من مسوغات المحاباة! ! . ومن سنن الله الثابتة التي لا يفيد معها (تعجّل) الأذكياء، ولا (أوهام) الأصفياء، أنه حين يتوقف أفراد مجتمعٍ ما عن العطاء، ويكتفون بالأخذ: فإن هذا المجتمع يسير من الشلل إلى الفناء.. الفناء البطيء الذي لا يراه إلا العارفون بسنن الله في النفس والمجتمع! ! . فأين نجد أنفسنا من هذه السنة الثابتة؟ . إن منا من يؤكد انتماءه للعمل الإسلامي، بينما هو يقف في مواقع الأخذ والاستهلاك دون أدنى عطاء أو عمل! ! .. فإذا ساءلنا أحد عن دورنا في إحياء الأمة وعودتها إلى قيادة القافلة البشرية من جديد: أخرج كلّ منا بطاقة انتماء لهذا الفصيل أو ذاك من فصائل العمل الإسلامي! ! . .. هكذا، وكأن بطاقة الانتماء تغني عن العمل الجاد والتحرك الواعي! ! . أو كأن فصائل العمل الإسلامي قاعات للنوم والخمول والكسل! ! . فهل هذا هو الانتماء للعمل الإسلامي؟ ! . .. إن الانتماء الحقيقي (وسيلة) إرضاء الرب وإنقاذ الذات.. فهو (بداية) السير، وليس (دليل) اجتياز المراحل.. إن الانتماء الحقيقي ارتباط مصيري بالعمل الإسلامي.. ارتباط يغيرّ منهاج حياة الفرد، بل وآماله وأحلامه [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٢٣] ، هذا هو المفهوم الحقيقي للانتماء.. فإذا انطلقنا بهذا المفهوم من مجرد (التنظير) إلى آفاق (المعالجة) الواقعية للعمل الإسلامي، فلا بد لنا من وسائل، منها: ١- توفير المناخ التربوي الذي يفسح المجال لنمو شخصية أفراد العمل الإسلامي، ويتحول بهم من روح (القطيع) والعمل عبر (التقليد الأعمى) .. إلى روح (الفريق) والعمل على (بصيرة) [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] . ٢- اختيار أساليب العمل القائمة على توجيه العلماء والدعاة الموثوقين ... والمعروفين بصدق معتقدهم وحسن الإمساك بدفة القيادة، مع الأخذ بأكبر قدر من المبادرات الفردية، فيصبح عملنا الإسلامي في إطار وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين: (يسعى بذمتهم أدناهم) .. وقبوله مبادرة امرأة من المسلمين: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) . .. وهكذا عبر هذه الوسائل وغيرها، يمكن إخراج المسلم الذي يتفاعل مع ما حوله تفاعلاً حيّاً، ويعمل للإسلام وسط كل الظروف.. لأنه يدرك أن عمله إنما هو ضمن إطار (عمل) وليس إطار (انتماء) ! . إطار عمل محمود شرعاً [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] . إطار عمل منصور قَدَراً (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله) [رواه مسلم] . إطار عمل يجعل كل فرد في العمل الإسلامي (رِفداً) للعمل، وليس (عبئاً) عليه.. هذا ما أردنا التأكيد عليه في هذه العجالة: وليدرك كل فرد من أفراد العمل الإسلامي أن الانتماء للعمل الإسلامي بعد تجديد الإخلاص لله وتجريد المتابعة لرسوله إنما يعني: العمل الجاد.. الصبر.. المصابرة.. المرابطة.. ذلك أن (العطاء) هو (بطاقة الانتماء) .
следующие страницы →