← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

دراسات شرعية آثار التعبد بأسماء الله وصفاته بقلم: محمد بن عبد الله الزغيبي تمهيد: إن البحث في أسماء الله وصفاته وفق ما جاء في الكتاب والسنة هو من أجلِّ المعارف وأشرفها. ولن نتعرض في هذا البحث المتواضع لكل ما يتعلق بالأسماء الحسنى [١] ، ولكننا سنعرض لجزئية صغيرة، ولكنها مهمة وعظيمة، ألا وهي التعبد [٢] بأسماء الله وصفاته الحسنى، فإنه باب عظيم يضم بين جوانبه مسائل من التعبد، فمنها: إحصاء ألفاظها وعددها، وكذلك: الدعاء بها، وثالثها: ما نحن بصدده، وهو فهم معانيها ومدلولها [٣] . وفهم معانيها ومدلوها له مترادفات أخرى ذكرها ابن القيم في ثنايا كتبه، وهي: إدراك موجبها، وآثارها، ومقتضياتها، ومتعلقها، ولوازمها، وأحكامها.. فكل هذه المترادفات المتقاربة تعني التعبد لله بأسمائه وصفاته، إذ كل اسم له تعبد مختص به علماً ومعرفة وحالاً، وله صفة خاصة، وكل صفة لها مقتضى وفعل، إما لازم، وإما متعدٍّ، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه، وهذا في خلقه، وأمره، وثوابه، وعقابه، وكل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها. ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال. فمثلاً اسم (السميع) من أسماء الله الحسنى، ولا بد من إثبات حكمه ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، ويسمع ضجيج الأصوات، على اختلاف اللغات.. وإدراك هذا الأثر من اسمه (تعالى) يورث العبد حالاً من التعبد والمراقبة والإنابة إلى ربه . واعلم أن التعبد بالأسماء والصفات الحسنى درجات ومراتب وأنواع كما سبق، وكلما زاد علم العبد بالله (جل وعلا) ارتفع في درجة التعبد، وأكمل الناس عبودية هو المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم) (الرحيم) ، أو يحجبه عبودية اسم (المعطي) عن عبودية اسم (المانع) ، أو عبودية اسم (الرحيم) و (العفو) و (الغفور) عن اسمه (المنتقم) ، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء.. ونحو ذلك. وهو (سبحانه) يحب موجب أسمائه وصفاته، فهو عليم ويحب كل عليم، جواد يحب كل جواد، عفو يحب العفو وأهله، حيي يحب الحياء وأهله، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، حليم يحب أهل الحلم [٤] ، وإذا كان (سبحانه) يحب المتصفين بأثر صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف، وهو ما يسمى بالمعية الخاصة. إن معرفة معاني الأسماء والصفات يحقق آثاراً ظاهرة لمن تعبّد لله بها، ومن هذه الآثار: ١- الأنس بالله ولمّ شعث القلب: (وذلك إنما هو أثر تجلي الأسماء والصفات الحسنى على قلب العبد، فترتفع حجب الغفلة والشك والإعراض، ويتم استيلاء سلطان المعرفة على القلب وقد استولى على العبد نور الإيمان بالأسماء والصفات ومعرفتها، ودوام ذكرها، والنظر إلى الواحد الفرد، الأول فليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء، سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا فوق كل شيء بظهوره، وأحاط بكل شيء ببطونه) [٥] . (وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حدٍّ كأنه يكاد يطالع ما اتصف به الرب (سبحانه) من صفات الكمال ونعوت الإجلال، وأحست روحه بالقرب الخاص، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه، فإن حجابه هو نفسه، وقد رفع الله عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته، فأفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب، فصار يعبده كأنه يراه) [٦] . ٢- تعظيم الله : فمن شاهد الصفة فلا بد أن يشاهد متعلقاتها، فإن النظر في متعلقاتها يكسب التعظيم للمتصف بها. فمن شاهد صفة الكلام مثلاً زادته تعظيماً لله (تعالى) ولا بد، إذ لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وأشجار العالم كلها أقلام يُكتب بها كلام الرب (جل جلاله) لفنيت البحار ونفدت الأقلام، وكلام الله لا يفنى ولا ينفد، فمن شاهد الصفات الأخرى بمثل هذه المشاهدة من العلم والقدرة ونحوها، وجال قلبه في عظمتها: ازداد معرفة وتعظيماً لله (سبحانه) [٧] . ٣- إدراك مقتضيات الصفات طريق لإثباتها: فوجود هذا الكون المدبر المحكم الواسع يتطلب ربّاً مالكاً حكيماً عليماً، وكذلك وجود المخلوقات بأنواعها وأشكالها يوجب وجود خالق، ووجود الجناية والتقصير من العبد يوجب إثبات اسم (الغفار) .. وغيره من الأسماء والصفات. ٤- إدراك أسرار الشريعة وحقيقة الأحكام الشرعية: فمن كانت له معرفة بأسماء الله وصفاته، واستقرار آثارها في الخلق والأمر، رأى الخلق والأمر ينتظمان بها أتم انتظام، ورأى سريان آثارها فيها، وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله، وما لا يليق، فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله، فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به، فإذا رأى في بعض الأحكام جوراً أو سفهاً وعبثا ومفسدة، فليعلم أنه ليس من أحكامه ودينه، وأنه بريء منه ورسوله؛ فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم، وبالمصلحة لا بالمفسدة، وبالحكمة لا بالسفة) [٨] . ٥- الطمأنينة: والطمأنينة إلى أسماء الرب وصفاته نوعان: أحدهما: طمأنينة إلى الإيمان بها وإثباتها واعتقادها، وطمأنينة إلى ما تقتضيه وتوجبه من آثار العبودية، فمثلاً: التعبد باسم (القدير) يوجب الطمأنينة إلى القَدَر وإثباته، ويقتضي الطمأنينة إلى مواضع الأقدار التي لا قدرة له على دفعها، فيسلِّم لها، ويرضى بها، ولا يسخط، ولا يشكو، ولا يضطرب إيمانه، فلا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه الله؛ لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه وقبل أن يُخلق. فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها وآثارها في العالم، وهي قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها واعتقادها [٩] . أمثلة توضح كيفية التعبد بمعاني الأسماء والصفات: سنتطرق لبعض الأسماء والصفات، وإلا فإن توضيح ما مضى لجميع الصفات أمر يطول، ولكن يمكن فهم الأسماء والصفات على ما سنذكره: ١- السميع: إذا استشعر العبد بقلبه سمعه (سبحانه) لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، وأن سواء عنده من أسر القول ومن جهر به، ولايشغله من جهر عن سمعه لصوت من أسر، ولا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل هي عنده كصوت واحد، فعلم أن الله يسمعه: فلا يقول إلا خيراً، بل يستحي أن يسمع الله من كلامه ما يخزيه ويفضحه عنده، وإنما يشتد في ألا يسمع منه إلا الكلام الحسن، بل ويكثر منه؛ حتى يحظى عند ربه (سبحانه) [١٠] . ويستشعر أن الله يسمع كلام أعدائه، وأن الله ليس بغافل عنهم ولا يرضى ما يقولون، فعند ذلك يعلم أن الله معه وأنه ناصره لا محالة، وقد قال ابن القيم في النونية معبراً عن هذا المعنى: وهو السميع يرى ويسمع كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان ولكل صوت منه سمع حاضر ... فالسر والإعلان مستويان والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى عليه بعيدها والداني ٢- العزيز: وسنتعرض لطرف من معنى هذا الاسم العظيم، وهو مشاهدة عزة الله (سبحانه) في تقديره (تعالى) على عبده بالمعاصي والذنوب. فيشاهد عزة الله بأن قلّب قلبه وصرّف إرادته على ما يشاء (سبحانه) ، وحال بين العبد وقلبه وأن يعرف أنه مدبّر مقهور، ناصيته بيد غيره، لا عصمة له إلا بعصمته، ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير، في قبضة عزيز حميد [١١] . ٣- الودود: فهو يحب عباده الصالحين ويحبونه؛ فإن العبد إذا شاهد بقلبه غنيّاً كريماً جواداً، عزيزاً قادراً، كل أحد محتاج إليه بالذات، وهو غني بالذات عن كل ما سواه، وهو مع ذلك يود عباده ويحبهم، ويتودد إليهم بإحسانه وتفضله عليهم: كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب [١٢] . ٤- السلام: وحقيقة هذه اللفظة (السلام) هي: البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب، فإذا علمت أن الله هو (السلام) فتعلم أن تجاوزه عنك في معصيتك وذنبك سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة، كما أن عذابه سلام عن أن يكون ظلماً أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله. وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم. وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تعلق أو انتفاع بقربه. فتأمل كيف تضمن اسمه (السلام) كل ما نُزِّه عنه ﵎ ، واستشعر هذا بقلبك؛ فإنه يبعث على تعظيم ربك (سبحانه) [١٣] . ٥- الجبار: ولاسمه (الجبار) ثلاثة معان: ١- أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده ويجبر كسر القلوب المنكسرة، فكم جَبَر من كسير، وأغنى من فقير، وأعز من ذليل، فإذا عرف العبد هذا المعنى تعبد لله بمقتضاه، وسأله بأن يجبر كسره، ويعينه على عبادته. ٢- أنه القهار، فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته، فيستشعر العبد أن أفعاله بقدرة الله، ويعلم أن أعداء الدين لن يصيبوه إلا بما قضى الله وأراد. ٣- أنه العلي بذاته فوق جميع مخلوقاته، فلا يستطيع أحد منهم أن يدنو منه، فيبعثه ذلك على تعظيم ربه وإدراك عزته واستعلائه [١٣] . والله أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ...

стр. 2452

من فتاوى أهل الذكر فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. فتاوى أهل العلم الأثبات هي عصارة علم المفتين وخلاصة فقههم، ومنارات يسترشد بها، هي جواب عن نوازل ومستجدات، وباب لتبليغ دين الله (تعالى) .. ونظراً لأهمية (الفتاوى) ، وتحقيقاً لرغبة القراء، فستقوم (البيان) إن شاء الله (تعالى) بنشر جملة من الفتاوى المهمة، حيث روعي في اختيارها تنوّع موضوعاتها، وعظم الحاجة إليها في هذا العصر، إضافة إلى تنوّع أصحابها زماناً ومكاناً. وفي هذا العدد ننشر فتوى للشيخ (العز بن عبد السلام) [١] (رحمه الله تعالى) ، في مسألة الوساوس والخطرات وسبيل علاجها. سئل الشيخ (العز بن عبد السلام) ﵀ هذا السؤال: رجل مؤدٍّ لفرائض الله ، حافظ لحدوده، سالك طريق الآخرة، قد ابتلي بخواطر تخطر له، فمنها ما يشككه في (الخالق) ، ولا سيما إذا جلس في خلوة للذكر، فتكثر هذه الخواطر عنده، ويفقد حلاوة الذكر، وهو يكابد هذا الأمر نحو عشرين سنة، وكان في ابتداء هذا الأمر يشق عليه وجوده، ثم صار إذا خطر له ذلك الخاطر لا يجد من نفسه تلك الكراهة، فما حكم هذه الخواطر في الجملة؟ ، وما حكمها في وقت غفلته عن الكراهة، وبأي دواء يدفع هذا الوسواس عنه؟ . فأجاب ﵀ : ليست هذه الوساوس من نفس الإنسان، وإنما هي صادرة من فعل الشيطان، ولا إثم على الإنسان فيها؛ لأنها ليست من كسبه وصنعته، ويتوهم الإنسان أنها من نفسه، ولما كان الشيطان يحدث بها القلب، ولا يلقيها إلى السمع يتوهم الإنسان أنها صادرة منه، فيحرج لذلك ويكرهه، من غير أن ينشرح له صدره، ولو كان منه لانشرح له صدره، وقد قام بالوظيفة في كراهة ذلك، كما لو صدر ذلك من إنسان فسمعه بأذنه فكرهه مع العجز عن إزالته، فكذلك كراهة ما يلقيه الشيطان في قلبه هي الوظيفة في ذلك، إذ لا يقدر على دفع الشيطان عن الوسواس، كما لا يقدر على دفع من يعجز عن دفعه من المضلين، وإنما خفّت الكراهة في ذلك في آخر الأمر من جهة أن المعاصي إذا اعتيدت خفت كراهتها، ألا ترى أن أكثر الناس يتركون الصلوات المكتوبات فلا تشتد كما تشتد كراهة الإفطار في شهر رمضان بغير عذر؛ لأن ذلك غير معتاد، فخفة كراهة الوسواس كخفة كراهة ما اعتيد من العصيان، كشرب الخمر وإتيان الذكور وغير ذلك من العصيان، وقد تقع معصية صغيرة غير معتادة فتشتد كراهتها أكثر مما تشتد كراهة الكبائر المعتادة.. ولا طريق لمثل هذا إلا الالتجاء إلى الله (تعالى) في دفع وسواس الشيطان، فإن غرضه بذلك أن يوهم الإنسان أنه قد كفر وأن عبادته لا تقبل مع كفره، ليترك العبادة والطاعة، فإذا عرف العبد أن ذلك صادر من الشيطان لهذا الغرض انقطع الشيطان عن تلك الوساوس؛ إذ لا فائدة له فيها، فإذا عرف أنه لا يُلْتَفَتُ إليه سكن، إذ لا فائدة لسعيه، وقد رأيت كثيراً من العبّاد الذين صح انقطاعهم إلى العبادة ابتلوا بمثل هذا أو بأشد منه، فلما عرّفتهم بما ذكرته لم يلبثوا إلا قليلاً حتى أزال الله (تعالى) عنهم كيد الشيطان؛ لانقطاع طمعه من فائدة سعيه، والله المستعان على دفع الشيطان وعلى دفع مكائد نفس الإنسان [*] .

стр. 2453

دراسات دعوية من جوانب الاقتداء بهدي الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل في مقال سابق بيّنت أهمية معرفة حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وهديهم؛ وذلك لأخذ العبر العظيمة، والاقتداء بهم، والتعزي بما أصابهم، والحصول على الفوز في الدنيا والآخرة باتباعهم. وسيكون التركيز في هذا المقال إن شاء الله (تعالى) بالوقوف على ثلاثة جوانب عظيمة من حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، هي في نظري من أهم جوانب الاقتداء بهم (عليهم الصلاة والسلام) ، وهي كما يلي: أولاً: من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) في قوة العلم بالله (تعالى) ، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد وقوة العبادة. ثانياً: من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) في الأخلاق والسلوك. ثالثاً: من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) في الدعوة والتبليغ. وسيكون تحت كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة تقسيمات أخرى تفصّل فيها بعض الصور والأمثلة الداخلة تحت كل جانب، مع محاولة الربط ما أمكن بواقعنا نحن المسلمين اليوم، وبخاصة ما يتعلق بالدعوة والدعاة في هذا العصر، موضحاً من خلال هذا الربط مدى قربنا أو بعدنا من هذا الهدي الكريم في كل جانب من الجوانب الآنفة الذكر من حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذا هو جهد المقل؛ فما وجدته أخي الكريم من صواب وحق فهو من الله ، وما وجدت فيه من خطأ وخلل فمني ومن الشيطان، فإلى تفصيل ما أشير إليه آنفاً. الجانب الأول: من هديهم في قوة العلم بالله ، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد: إن أعلم الناس بالله هم أنبياؤه ورسله (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذا العلم به (سبحانه) وبأسمائه وصفاته العلا هو الذي أوجد هذه الخشية العظيمة والإيمان الصادق والتوحيد الكامل لله ؛ لأنه كلما كان العبد أعلم وأعرف بربه (سبحانه) كلما كان أشد خوفاً وتعظيماً وعبادة ومحبة وإخلاصاً له، والعكس بالعكس. وإن مما اختص الله (سبحانه) به رسله، ومما منّ به عليهم: تكميل هذا العلم العظيم في نفوسهم، والذي هو أشرف العلوم وأزكاها. وإن المسلم مأمور بطلب هذا العلم الشريف قدر استطاعته اقتداءً بالأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ؛ ولو أنه لن يصل إلى علمهم ولا إيمانهم، لكنه بذلك يقترب منهم ويسعد بثمار هذا العلم العظيم في قلبه وسلوكه وحياته كلها. ومن الأدلة على شرف هذا العلم ما يلي: قول الله (تعالى) : عن إبراهيم ﵊ في دعوته لأبيه: [يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَاًتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِياً] [مريم: ٤٣] ، وقوله (تعالى) عن يعقوب ﵊ : [ ... وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٦٨] . وقوله (تعالى) عن يعقوب ﵊ : [ ... قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [يوسف: ٩٦] . وقوله (تعالى) عن نوح ﵊ أنه قال لقومه: [أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٦٢] . وهذا موسى ﵊ ، مع ما آتاه الله من العلم العظيم، فإنه لم يكتف به، وإنما طلب المزيد.. وقصة سفره (عليه الصلاة والسلام) إلى الخضر ﵇ ليتعلم منه معروفة، وقد قصها الله علينا في كتابه الكريم، والشاهد منها قوله (تعالى) : [قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] [الكهف: ٦٦] ، وللشيخ السعدي ﵀ (تعالى) عند هذه القصة كلام نفيس، فليرجع إليه. وقوله (تعالى) لنبيه محمد: [قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ] [الأنعام: ٥٧] . وقوله عن نفسه عندما تنزه بعض الصحابة عن شيء رخص فيه الرسول، فُبلِّغ ذلك إليه، فخطب، فحمد الله، ثم قال: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ ! ، فو الله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية) [١] . الآثار على نفوس الأنبياء: وبعد سرد هذه الأدلة والتي هي على سبيل المثال لا الحصر نأتي الآن إلى أثر هذه البينات العظيمة في نفوس الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، الناشئة عن هذا العلم الشريف بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا، لعلنا نهتدي بهذه الآثار الإيمانية المباركة ونسعى للتأسي بهم. ومن هذه الآثار ما يلي: أولا: شدة تعظيمهم لله وخوفهم منه: فعلى الرغم من اصطفاء الله (سبحانه) لهم وحبه لهم وقربهم منه.. فإن هذه المزايا لم تزدهم لربهم إلا تعظيماً، ومحبة، وخوفاً منه (سبحانه) ، وخشية. وهذه سنة الله (سبحانه) ؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربه كلما عظّمه في نفسه، وخاف منه (سبحانه) خوف المحب لحبيبه؛ خوفاً يقرب إلى الله ، وخوفاً يهضم العبد عنده نفسه ويحقرها ولا يرى لها فضلاً ولا طوعاً، وإنما يراها أهلاً للظلم والخطيئة والضعف، إن لم يوفق الله (تعالى) صاحبها ويعينه عليها. وهكذا كان شأن الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، والأمثلة في ذلك كثيرة، منها: مناجاة نوح ﵊ لربه بشأن ابنه: وقد جاء ذلك في قصة نوح مع قومه في سورة هود، حيث يقول الله (تعالى) : [وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ] [هود: ٤٥-٤٧] ، ويظهر من هذه الآيات علم نوح ﵊ بربه ، والذي أثمر عنده هذا الأدب العظيم مع ربه والخوف منه (سبحانه) ؛ فتراه وهو يدعو ربه بشأن ابنه الهالك مع الكافرين يختم دعاءه بقوله: [وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ] ، ولم يقل: وأنت أرحم الراحمين، وهذا من كمال علمه ﵊ بأسماء الله البالغة التي اقتضت أن يكون ابن نوح مع الهالكين ولم يكن مع الناجين، ولذلك: ختم نوح ﵇ دعاءه بقوله: [وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ] ، كما يظهر في هذه المناجاة خوف نوح ﵇ من ربه، واتهامه لنفسه بالظلم، وطلبه المغفرة من ربه (سبحانه) ؛ وذلك في قوله: ... [وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ] .. الله أكبر! ، هذا نوح ﵇ الذي أمضى مئات السنين في دعوة قومه، وصبر وصابر، وناله من الأذى والاستهزاء الشيء العظيم، ومع ذلك يختم دعوته بطلب المغفرة والرحمة من ربه (سبحانه) : [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلاَّ تَبَاراً] [نوح: ٢٨] . فماذا نقول نحن المفرطين الظالمين الجاهلين؟ ! .. سبحانك قد ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. هذا إمام الحنفاء وخليل الرحمن يخاف من ذنوبه ويسأل ربه المغفرة والستر، ويطلب من ربه (سبحانه) أن يلحقه بالصالحين، وكأنه ليس منهم! ! . يقول الله (تعالى) : [وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] [الشعراء: ٨٢ ٨٩] . إذن: فما حالنا نحن المقصرين؟ ، ماذا عسانا أن نقول؟ ! ، إنه ليس أمامنا إلا أن نحذو حذو هذا الركب المبارك المطهر ونقول ما أوصى به الرسول أبا بكر الصديق ﵁ عندما سأله أن يعلمه دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) [٢] . تعظيم نبينا محمد لربه (سبحانه) وخوفه منه: ونختم هذه الأمثلة من تعظيم الأنبياء لربهم (سبحانه) وخوفهم منه ببعض الشواهد من تعظيم نبينا محمد لربه وخوفه منه، مع أنه سيد المرسلين، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. ولا غرابة في ذلك؛ فهو كما قال عن نفسه: (فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية) [٣] ، ومما ورد عنه في هذا الشأن: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً) [٤] ؛ ولذلك: ما رؤي رسول الله - ﷺ مستجمعاً ضاحكاً قط؛ إنما كان يتبسم. عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) ، قالت: وإذ تخيّلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرّي عنه، فعرفت ذلك عائشة؛ فسألته، فقال: (لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: [فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ] ) [٥] . عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج رسول الله- ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القَدَر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: (بهذا أمرتم؟ ، أو لهذا خلقتم؟ ، تضربون القرآن بعضه ببعض. بهذا هلكت الأمم قبلكم) [٦] . ثانياً: كثرة ذكرهم لله وشدة تضرعهم ودعائهم له (سبحانه) مع قوة عبادتهم: وهذا الجانب من هديهم (عليهم الصلاة والسلام) ثمرة من ثمار الإيمان الصادق والتوحيد الكامل النابعين من كمال حبهم لله وتعظيمهم له، والمتأمل في هذا الجانب من هديهم ليأخذه العجب والإجلال والحب الخالص لهذه الصفوة المختارة من عباد الله، وهو يرى إخباتهم لربهم (سبحانه) وكثرة ذكرهم له، وتضرعهم ودعاءهم المتواصل لربهم، مع كثرة عبادتهم وطولها وتنوعها.. كل ذلك وهم أولياء الله وأنبياؤه وصفوته من خلقه، وإن في هذا الهدي لعبرة لمن هو دونهم ممن يحسب نفسه من الدعاة المتبعين لهم. نعم.. إن في ذلك لعبرة لمن جاء بعدهم من المحبين لهم في أن يولوا هذا الجانب حقه، وأن يقتدوا بهؤلاء المصطفين الأخيار في كثرة ذكرهم لله ، وكثرة دعائهم وتضرعهم وعبادتهم له (سبحانه) مع ما هم فيه من هم الدعوة والجهاد والانشغال في أمر هذا الدين في الليل والنهار، ولكن كل ذلك لم يشغلهم عن الخلوة بربهم (سبحانه) والتفرغ لذكره ودعائه وعبادته. وفي هذا رد على ما قد يتذرع به بعضنا إذا نبه إلى هذا الجانب المهم في حياة الداعية من التذرع بضيق الوقت وكثرة المشاغل وتعب الجسد وإجهاده في طلب العلم والدعوة إلى الله ، فيدخل الشيطان إلى النفس من هذا الباب (باب التفريط) فيجد الداعية نفسه وقد أهملها في أعظم رافد له في دعوته وأكبر زاد له في طريقه إلى الله.. وأورد الآن نماذج من هذا الهدي المبارك، لعلها أن تشحذ الهمم وتقوي العزائم، ولعلها في الوقت نفسه أن تطامن منا بعض النفوس التي أصابها داء العجب؛ فتشعر وهي تقرأ هذه النماذج بأنها لا زالت مقصرة ومفرطة في جنب الله، فيحصل مقت النفس في ذات الله واحتقارها؛ الاحتقار الذي يؤدي مع الاستعانة بالله إلى علاجها ويقظتها. ومن هذه النماذج ما يلي: * تضرعهم (عليهم الصلاة والسلام) إلى ربهم (سبحانه) وسؤاله قضاء حوائجهم: ذكر الله في آخر سورة الأنبياء مجموعة من أنبيائه ورسله (عليهم الصلاة والسلام) ، وهم يسألون ربهم ويتضرعون إليه في قضاء حوائجهم، ويتوسلون إلى الله بأسمائه وصفاته، كما يتوسلون بفاقتهم وافتقارهم إلى الله . ومن ذلك قول الله (تعالى) : [وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] [الأنبياء: ٨٣، ٨٤] . يقول الإمام ابن القيم ﵀ (تعالى) معلقاً على هذا الدعاء الخاشع من أيوب ﵊ : (جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود طعم المحبة في التملق له، والإقرار له بصفة الرحمة وأنه أرحم الراحمين، والتوسل إليه بصفاته (سبحانه) ، وشدة حاجته هو وفقره، ومتى وجد المبتلى هذا كشفت عنه بلواه) [٧] . وفي قوله (تعالى) : [وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] أي: إن في صبر أيوب (عليه الصلاة والسلام) ودعائه عبرة للعابدين من بعده؛ ليقتدوا بصبره وعبادته ودعائه ويقينه. * خشوعهم وبكاؤهم عند ذكر الله : فبعد أن ذكر الله مجموعة من الأنبياء في سورة مريم أثنى عليهم بقوله (تعالى) : [أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياً] [مريم: ٥٨] . يقول الشيخ السعدي (رحمه الله تعالى) عند هذه الآية: (فهذه خير بيوت العالم اصطفاهم الله، واختارهم واجتباهم، وكان لهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم، المتضمنة للإخبار بالغيوب، وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد. [خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياً] أي: خضعوا لآيات الله، وخضعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة، والسجود لربهم) [٨] . وقوله (تعالى) عن يوسف ﵊ أنه قال: [رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَاًوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ] [يوسف: ١٠١] . يقول السعدي (رحمه الله تعالى) عند هذه الآية: (ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائماً في تثبيت إيمانه) . ويقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) عند هذه الآية أيضاً: (جمعت هذه الدعوة: الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غير الله (سبحانه) ، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء) [٩] . وأختم هذه الأدعية النبوية بذلك الدعاء الذي كثيراً ما كان يلهج به الرسول ويردده؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، فقلت: يا رسول الله ﷺ قد آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ ، قال: (نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) [١٠] . فإذا كان هذا هو حال أنبياء الله وصفوته من خلقه فحري بمن دونهم أن يخاف على نفسه من سوء الخاتمة، فمن ذا الذي يأمن الفتنة بعد أنبياء الله ؟ . * القوة في طاعة الله (تعالى) وعبادته: هذه الصفة العظيمة من أبرز ما في حياة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، حيث إنهم أكثر الناس عبادة وصلاة وإخباتاً لله ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) عند قوله (تعالى) : [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ] [ص: ٤٥] : وعن عطاء الخراساني: [أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ] ، قال: أولو القوة في العبادة والعلم بأمر الله، وعن مجاهد وروي عن قتادة قال: أعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين) [١١] . والشواهد في ذكر عبادة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) كثيرة، منها: قوله (تعالى) على لسان إبراهيم ﵊ : [رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ] [ابراهيم: ٤٠] . وقوله (تعالى) في مدح إسماعيل ﵊ : [وَكَانَ يَاًمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِياً] [مريم: ٥٥] . وقوله (تعالى) في مدح إسحاق ويعقوب: [وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإقَامَ الصَّلاةِ وَإيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ] [الأنبياء: ٧٣] . أما عن نبينا محمد وكثرة عبادته وقوته فيها فهي كثيرة جدّاً، مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. ولا غرابة في ذلك؛ فهو الذي امتلأ قلبه معرفة بربه (سبحانه) وحبّاً وتعظيماً له، وهو الذي قال له ربه (سبحانه) : [يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (٢) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] [المزمل: ١- ٤] ، وهو الذي قال له ربه : [وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً] [الإنسان: ٢٦] ، وقال له: [.... فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياً] [مريم: ٦٥] ، وأكتفي بشاهد من أحواله الكثيرة في عبادته وقوته فيها: فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قام النبي حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ !) [١٢] . وأخيراً: فهذه أحوال المصطفين الأخيار من أنبياء الله ، وما سبق ذكره إن هو إلا جانب يسير وغيض من فيض من صلتهم بالله ، ذكراً وتسبيحاً ودعاءً وصلاة، فهل من مشمر للأخذ بهديهم كما أمر الله [فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] ؟ ، وهل بقي مجال لأحد أن يعتذر بكثرة المشاغل الدعويةوطلب العلم في التفريط في هذا الزاد العظيم؟ . وتبقى مسألة مهمة تبرز للمتأمل في تلك الكلمات والجُمل العطرة الجامعة، والتي تتألف منها أذكارهم وأدعيتهم (عليهم الصلاة والسلام) ، ألا وهي: تجريد التوحيد لله وإخلاص العبادة له وحده. فهل بقي عذر لمن يتوجه إلى الأنبياء أو غيرهم في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو شأنهم مع ربهم في دعائهم له؟ .

стр. 2454

دراسات اقتصادية آراء وتأملات في فقه الزكاة (٣) د. محمد بن عبد الله الشباني تناول الكاتب في الحلقتين الماضيتين مفهوم الزكاة، ثم عرض أنواع الأموال التي تجب زكاتها، بعد تناوله للمعنى اللغوي لكلمة (المال) ، ثم عرض ستة ضوابط تحدد صفة المال الذي تجب فيه الزكاة، وفي هذه الحلقة يتناول بعض التفصيلات. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان- زكاة الأنشطة الزراعية: يمثل القطاع الزراعي أحد المرتكزات الأساسية للنشاط الاقتصادي، فالثروة الزراعية من أهم مصادر الدخل الذي يعتمد عليه مخططو التنمية الاقتصادية في وضع الأسس والبرامج الخاصة بتحقيق النمو الاقتصادي. لقد توسعت الأنشطة الزراعية، فظهرت منتجات زراعية تحقق دخلاً أكبر، مثل: الخضروات، والفواكه والزهور، ويعود ذلك التنوع والتوسع إلى استحداث وسائل وأنظمة فعالة في الإنتاج والتخزين والتسويق. ويتكون الإنتاج الزراعي من قطاعات رئيسة، هي: ١- إنتاج الخضروات. ٢- إنتاج المحاصيل الحقلية. ٣- إنتاج الفاكهة. إن ذلك التوسع والتنوع في الإنتاج الزراعي وتغير أساليب وأشكال التنظيم الإداري للمزارع من حيث الملكية والتخصص الزراعي يستدعي دراسة أحكام الزكاة فيما يتعلق بما استجد من منتجات، وبخاصة أن فقهاء المسلمين قد اختلفوا في وجوب الزكاة لأنواع من المنتجات الزراعية، فمنهم من أوجب الزكاة في كل ما تنتجه الأرض، ومنهم من قصره على أنواع معينة واستثنى بقية الأنواع، وكل فريق يستند في رأيه إلى نصوص وقواعد شرعية، وهناك منتجات زراعية تحتاج إلى دراسة حكم الزكاة فيها على ضوء الواقع المعاصر، مثل الخضروات والزهور، لا سيما وهي تحقق الآن عائداً اقتصاديّاً عالياً. سبب الخلاف: إن سبب اختلاف العلماء حول زكاة المنتجات الزراعية يعود إلى الاختلاف على مناط زكاة المنتجات الزراعية، فهل مناط الزكاة هو الأرض، أو الزرع، أو مجموعهما؟ . فجمهور الفقهاء يقول: إنه للشيء الذي تجب فيه الزكاة، أي: الزروع، أما الإمام (أبو حنيفة) فذهب إلى أنه للشيء الذي هو أصل الوجوب، وهو الأرض، أما (محمد بن رشد القرطبي) فيرى أنه حق لمجموعهما، أي: للأرض والزرع [١] . تترتب على هذا الاختلاف في النظر في مناط الزكاة أحكام شرعية، مثل: حكم ضياع الزكاة وهلاك بعض المال قبل الإخراج، أو موت المكلف الذي لم يخرج الزكاة، أو عند بيع المنتج الزراعي وقد وجبت فيه الزكاة، فعلى من تقع الزكاة، على البائع أم على المشتري والوارث؟ ، وكذلك في حالة الهبة، هل هي على الواهب أو الموهوب له، أما ما تجب فيه الزكاة من الإنتاج النباتي فقد اتفق العلماء على وجوب الزكاة في أربعة أصناف، من الحبوب: الحنطة، والشعير، ومن الثمر: التمر والزبيب [٢] . إن السبب في الاختلاف حول زكاة المنتجات النباتية يعود أولاً إلى جنس النبات، ووفقاً لذلك: فقد قصر بعضهم الزكاة على الأصناف الأربعة السابقة، وقال بهذا (ابن أبي ليلى) ، و (سفيان الثوري) ، و (ابن المبارك) [٣] ، ومنهم من أوجب الزكاة في جميع المنتجات النباتية المدخرة المقتاتة، وهذا هو قول (مالك) ، و (الشافعي) ، ومنهم من أوجب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض، ما عدا الحشيش والحطب والقصب، وأخذ بهذا الرأي (أبو حنيفة) [٤] . علة الاختلاف: وعلة هذا الاختلاف يرجع إلى متعلق الزكاة: هل هو فقط للأصناف الأربعة بعينها، أو إنه يتعدى إلى غيرها إذا وُجدت العلة فيها؟ . ولهذا: فمن قصر العلة على الأعيان فقد قصر الزكاة على الأصناف الأربعة، ومن قال بأن العلة هي الاقتيات، فقد أوجب الزكاة في جميع الأشياء المقتاتة، ولكن من اعتبر أن العلة ليست الاقتيات وإنما متعلق الزكاة هو بالأرض، فقد أوجب الزكاة في جميع ما تخرجه الأرض إلا ما وقع عليه الإجماع، مثل: الحشيش، والحطب، والقصب، وقد خالف بهذا المنهج القياسي، وأخذ بعموم اللفظ مستشهداً بقول الرسول: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريّاً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) [٥] ، واعتبر حرف (ما) الوارد في الحديث بمعنى الذي، و (الذي) من ألفاظ العموم. وقوله (تعالى) : [وَهُوَ الَذِي أََنشَأََ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] [الأنعام: ١٤١] . أما من أخذ بالقياس وجعل العلة الاقتيات: فقد فهم من هذا العموم ومن (الزكاة) أنما قصد منها سد الخلة، وذلك لا يكون غالباً إلا فيما هو قوت، أما من غلّب العموم فإنه يوجبها قياساً على جميع ما تخرجه الأرض إلا ما أخرجه ... الإجماع [٦] . وقد أدى ذلك إلى عدم إيجاب الزكاة في الخضروات؛ بحكم أنها غير مقتاتة ممن يرى أن علة الزكاة هو الاقتيات، وبالتالي: فإن ما تجري به الفتوى في الغالب: عدم وجوب الزكاة في الخضروات والفاكهة، علماً أن زراعة الخضروات والفاكهة والزهور في هذا العصر أصبحت من الأنشطة الزراعية ذات العائد الاقتصادي الجيد، بل إنها تفوق تلك المنتجات النباتية مما يقتات به مثل الحبوب.. كما أن المسقطين لزكاة الخضروات يحتجون زيادة على الأخذ بعلة الاقتيات بعدة أحاديث. وجوب زكاة كل ما يخرج من الأرض: إن واقع الأنشطة الزراعية والمتعلقة بإنتاج الخضروات والفاكهة والزهور حيث أصبحت من الأنشطة الزراعية النباتية المهمة يستوجب دراسة حجج المسقطين للزكاة عن هذه الأنشطة الزراعية، وتبني وجهة نظر الإمام أبي حنيفة، الذي يوجب الزكاة في جميع ما يخرج من الأرض؛ حيث إن هذا الرأي هو الرأي المناسب الذي يتفق مع روح الشريعة ومقاصدها، ولهذا: أرى الأخذ برأي الإمام أبي حنيفة بوجوب الزكاة على جميع ما يخرج من الأرض، لعدة أسباب: ١- أن أدلة المسقطين للخضروات يعتورها الضعف، فلا يجوز العدول عن أصل وجوب زكاة الزروع والأخذ بأحاديث ضعيفة [٧] . ٢- أن التغير الحاصل في أساليب وطرق الزراعة فيما يتعلق بزراعة الخضروات والفاكهة والزهور، والتقدم في أساليب التخزين.. أتاح للمنتجات الخضرية فرصة إطالة عمر الاستفادة منها، مع التطور في وسائل النقل بعيداً عن مراكز الإنتاج؛ مما جعل هذا النوع من النشاط أكبر فائدة للمزارعين من زراعة الحبوب، ولهذا: نجد أن الدول الغنية تعمد إلى تشجيع زراعة الحبوب من خلال شرائها منهم بأسعار أعلى من أسعار منتجات الخضر؛ بقصد توفير احتياجات الناس من الحبوب، وعلى ضوء هذه الحقيقة: فإن قواعد الشريعة وأصولها تقتضي عدم استثنائها حتى تتحقق عدالة توزيع المال وفق مقتضى القاعدة التي حددها الله في قوله (تعالى) : [كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ] [الحشر: ٧] . ٣- أن إنتاج الخضراوات في الماضي لم يكن يُهدف منه إلى تحقيق الثروة والغنى، وإنما كان زراعتها بقصد الاستهلاك العائلي، بعكس ما هو حاصل في هذا العصر، حيث أصبحت من المحاصيل الزراعية ذات المردود الاقتصادي الجيد. تساؤل في محله: إن السؤال الذي قد يطرأ على ذهن القارئ هو: لماذا نوسع مجال أخذ الزكاة، ولا نكتفي بما ورد فيه النص وعدم الخروج على ما ذهب إليه جمهور السلف؟ . إن الإجابة على هذا التساؤل تندرج ضمن فهم أهداف الإسلام بوصفه ديانة وتنظيماً لأحوال الناس، فمن المعروف أن من مقاصد الإسلام: صيانة النفس والعرض، وأن من مستلزمات ذلك: إشباع حاجات الفرد من خلال تحقيق التكافل الاجتماعي، ولتحقيق ذلك فقد شرعت الزكاة، ولم يترك الله (سبحانه) للناس تحديد مَن تٍدفع إليه الزكاة، بل حدد مصارفها؛ بقصد تحقيق الغاية التي من أجلها جعل الله الزكاة ركناً من أركان الإسلام، وإن من مقتضيات تحقيق ذلك: وجوب شمولية الزكاة لجميع مصادر الدخول الاقتصادية، وناتج الأرض يعتبر من أهم مصادر تحقيق الثروة، فاستثناء نوع من الإنتاج بعدم تحقق وجوب الزكاة فيه يظهر عدم عدالة الإسلام (حاشا لله أن يكون الإسلام كذلك) ، بل إن الإسلام قد شمل في أحكامه جميع نواحي الحياة، وقد حاد الناس عن أحكامه، إما جهلاً بها، أو انحرافاً عنها، بقصدٍ أو بغير قصد، وبخاصة في هذا العصر الذي أصبحت مقاليد الأمور فيه بأيدي أعداء الإسلام ظاهراً أو باطناً، فأبعدت الشريعة الإسلامية في كثير من البلدان من أن تحكم الحياة، وتولى زمام الأمر من يدعو إلى فصل الدين عن الحياة، وجعل تنظيم حياة الناس منوطاً بأهواء المضلين عن سبيل الله ومن يرغبون أن تكون الحياة عوجاً. إن أدلة إيجاب الزكاة على الخضراوات والفاكهة والزهور هي تلك الأدلة التي قام عليها حكم وجوب الزكاة في الخارج من الأرض، وهي قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ] [البقرة: ٢٦٧] ، وقوله (تعالى) : [وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] [الأنعام: ١٤١] ، وحديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، الذي جاء فيه: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريّاً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) [٨] ، وحديث جابر ﵁ : أنه سمع النبي ﷺ يقول: (فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سُقي بالسانية نصف العشر) [٩] . على ضوء ذلك: فما هو النصاب والمقدار الذي تجب فيه الزكاة بالنسبة للخضروات وغيرها من الإنتاج النباتي الذي يرى جمهور الفقهاء عدم وجوب الزكاة فيه؟ . قبل الإجابة على هذا التساؤل لا بد من بيان مقدار النصاب والمقدار الذي تجب فيه الزكاة بالنسبة لما أوجب فيه جمهور الفقهاء الزكاة من الناتج النباتي. إن مقدار النصاب الذي تجب فيه الزكاة هو: بلوغ الإنتاج خمسة أوسق، وهذا هو قول جمهور العلماء والصحابة إلا مجاهداً وأبا حنيفة ومن تابعه، فقد أوجبوا الزكاة في قليل ذلك وكثيره، مستدلين بعموم قول الرسول: (فيما سقت السماء والعيون العشر) باعتبار أنه ليس له حول فلا يعتبر له نصاب [١٠] . لكن قول الجمهور أرجح، كما دلت عليه أحاديث الرسول الصحيحة، مثل ما رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، وهذا خاص ويجب تقديمه على العموم وعدم اعتبار الحول؛ لأن اكتمال نمائه يتم باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة الكمال والنماء في سائر الأموال، والنصاب إنما اعتبر ليبلغ حدّاً يتحمل المواساة منه؛ فلهذا اعتبر النصاب؛ حيث إن الصدقة إنما تجب على الأغنياء، ولا يحصل الغنى بدون تحقق النصاب كسائر الأموال الزكائية [١١] . إن السؤال الذي يمكن طرحه بعد أن أخذنا برأي الأحناف في وجوب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض هو: كيف يتم تحديد النصاب بالنسبة لمنتجات الخضروات والفاكهة والزهور.. وغير ذلك من المنتجات النباتية غير المكيلة واليابسة والجافة والرطبة؟ . إن أساليب تسويق هذه المنتجات في الوقت المعاصر، وطرق التخزين والنقل لهذه المنتجات.. يؤدي إلى تكاليف إضافية على الإنتاج، وإذا أخرجنا الزكاة عيناً من هذه الأصناف من الإنتاج النباتي ففيه ضرر على بيت مال المسلمين، أما إذا أخذت الزكاة بعد البيع من إجمالي البيع وبدون احتساب تكاليف الشحن والتسويق والتخزين ففيه ضرر على المزكي. إن الرأي الذي يمكن الأخذ به وفيه تحقيق لمصلحة بيت المال ومصلحة المزكي: أن يتم تحديد الزكاة من خلال تحديد تكلفة الإنتاج للحصة العينية للزكاة منسوبة إلى إجمالي التكاليف مأخوذة من صافي الربح. ففي هذا الأسلوب تجنب للمحاذير التي أشرت إليها، فمثلاً: إذا كان هناك مزارع ينتج طماطم، وكمية الإنتاج بلغت مئة كيلو جرام، وتكلفة الكيلو جرام الواحد: ريال سعودي واحد، فإن الزكاة العينية على أساس أن الإنتاج فيه مؤنة وسقي ٥%، فيتم تحديد الزكاة على النحو التالي: مقدار حصة الزكاة العينية هو: ١٠٠ × ٥% = ٥ كيلو جرام. ومقدار تكلفة حصة الزكاة هو: ٥ × ١ = ٥ ريالات. وإذا قدر أن صافي الربح هو ٥٠ ريالاً، فيتم احتساب الزكاة بقسمة تكلفة إنتاج الحصة العينية وهو خمسة ريالات على إجمالي التكاليف وهو مئة ريال مضروباً في صافي الربح، أي: = ٢. ٥ ريال. إن افتراضنا للأخذ بهذا الرأي في تحديد وعاء الزكاة للمنتجات النباتية غير المكيلة مقاس على ما قاله الفقهاء في تحديد مقدار النصاب في الحبوب غير المصفاة، وفي الثمار بعد الجفاف، يقول ابن قدامة في هذا الخصوص (وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنباً لا يجيء منه خمسة أوسق زبيباً لم يجب عليه شيء؛ لأنه حال وجوب الإخراج منه، فاعتبر النصاب بحاله، وروى الأثرم عنه: أنه يعتبر نصاب النخل والكرم عنباً ورطباً، ويؤخذ منه مثل عشر الرطب تمراً، اختاره أبو بكر، وهذا محمول على أنه أراد: يؤخذ عشر ما يجيء به منه من التمر إذا بلغ رطبتها خمسة أوسق؛ لأن إيجاب قدر عشر الرطب من الثمر إيجاب لأكثر من العشر، وذلك يخالف النص والإجماع فلا يجوز أن يحمل عليه كلام أحمد ولا قول إمام) [١٢] . ووجهة القياس: نقصان العنب بعد الجفاف، والثمر بعد تحوله من الرطب إلى التمر، وفي الخضروات: فإن قيمتها والاستفادة من الإنتاج لا يتحقق إلا من خلال اتباع أساليب التسويق الحديثة من تخزين وتبريد وتغليف ونقل..، وهذه تحتاج إلى تكاليف معينة؛ مما يؤيد ما طرحناه من اقتراح حول ذلك. إن تحديد نصاب المنتجات النباتية الذي إذا بلغ الإنتاج هذا المقدار وجبت فيه الزكاة قد حددته أحاديث الرسول، من ذلك مثلاً قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، وهو حديث متفق عليه، ووفقاً له كما يراه جمهور العلماء فإن الزكاة لا تجب في الخارج من الأرض إلا إذا بلغ خمسة أوسق، وقد خالف أبو حنيفة جمهور العلماء بحيث أوجب الزكاة في قليل ناتج الأرض وكثيره، مستدلاً بعموم حديث رسول الله ﷺ : (فيما سقت السماء والعيون العشر) ، باعتبار أن الناتج من الأرض ليس له حول، فلا يعتبر له نصاب، ولكن هناك أحاديث حددت الأنصبة فيما ليس فيه حول، وإن حديث تحديد النصاب قد خصص عموم الحديث الذي استشهد به الإمام أبو حنيفة، مثل: التخصيص لسائمة الإبل، والفضة، فهذه أموال تجب فيها الزكاة ولم تجب في قليلها، وإن عدم اعتبار الحول بالنسبة لناتج الأرض بسبب اكتمال نمائه يتم باستحصاده لا ببقائه، أما في غير ناتج الأرض فقد اعتبر الحول لأنه مظنة لكمال النماء، والنصاب اعتبر ليبلغ حدّاً يحتمل المواساة فيه [١٣] . لقد حددت الأحاديث الصحيحة مقدار النصاب في الحبوب والثمار على أساس خمسة أوسق، وأجمع العلماء على أن الوسق ستون صاعاً، وخمسة أوسق هي ثلاثمئة صاع، وهو يعادل ٦٥٣ كجم [١٤] . أما تحديد مقدار النصاب للمنتجات التي لا يمكن أن تقدر بالكيل مثل: القطن والزعفران والزهور فقد اختلف في تقديرها على أقوال: ١- على أساس المنتجات غير المكيلة إذا بلغ قيمة الخارج منها قيمة المكيلة. ٢- تقدير قيمة غير المكيل بمئتي درهم بنصاب النقود. ٣- تقدير قيمته بما يعادل وزنها المكيل، وهو ٦٥٣ كجم. ٤- وجوب الزكاة فيما ينتج بدون تحديد نصاب، سواء أكان قليلاً أو كثيراً.. ونحن نأخذ بالرأي الأول [١٥] . وتواجه محصلي الزكاة أو المكلفين فيما يتعلق بإخراج زكاة المنتجات الزراعية مشكلة تحديد وعاء الزكاة، وقد أوجبت السنة النبوية بالنسبة للمنتجات المكيلة والقابلة للتخزين مثل: الحبوب والتمر أسلوب تحديد الوعاء، وذلك بما عرف بـ (الخَرْص) ، حيث يتم بالظن تقدير التمر والزبيب والحبوب الجافة المستخرجة وهي على أشجارها قبل أن تجف، فقد روى أبو داود، وابن ماجة، والترمذي، عن عثمان بن أسيد ﵁ : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم) [١٦] ، ولتجنب الخطأ والإضرار بالمزارعين، فقد أمر رسول الله ﷺ بمراعاة ذلك، فقد روى ابن حبان والحاكم وأبو عبيد والبيهقي في السنن، عن سهل ابن أبي خيثمة، قال: قال رسول الله ﷺ : (وإذا خَرَصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) [١٧] . وهناك ظاهرة تتعلق بالمنتجات المكيلة مثل التمور والزبيب، حيث يتم بيعها قبل جفافها، مثل: بيع التمر رطباً والزبيب عنباً، وهذا يحقق دخلاً نقديّاً أكثر مما لو خرص تمراً أو زبيباً، وإذا جعل نصيب بيت المال بعد اكتمال نضجه وتحوله إلى تمر أو زبيب قد يفوت مصلحة مستحقي الزكاة بهذا، فإنه يمكن أن يتم الخرص في بداية النضج قبل أن يصبح تمراً أو زبيباً، ويحدد مقدار نصيب بيت المال عند الجِذاذ النهائي، ويُرى: كم بيع من الرطب والعنب؟ ، فما نقص عن مقدار الخرص يحسب نصيب بيت المال بعد خصم تكاليف التسويق، فمثلاً: لو قدر أنه تم خرص التمر بثلاثين ألف كيلو جرام، وعند جذاذه أصبح مقداره عشرين ألف كيلو، بنقص قدره عشرة آلاف كيلو التي تمثل مقدار ما نقص من التمر بعد جفافه دون ما تم بيعه، وإذا قدر أن ما تم بيعه رطباً قدره خمسة آلاف كيلو، فإن مقدار الزكاة المقدرة بعد الجذاذ هو عشرون ألفاً مضروباً في ٥%، أي: إن نصيب الزكاة هو ألف كيلو، وما تم بيعه من نصيب بيت المال رطباً يساوي خمسة آلاف مضروباً في ٥%، يساوي مئتين وخمسين كيلو، فإذا كان سعر بيع الكيلو أربعة ريالات، فإن إجمالي بيع حصة الزكاة من الرطب هو: ٢٥٠ × ٤ = ١٠٠٠ ريال، يخصم منها حصة بيت المال في التسويق، فإذا كانت تكلفة التسويق ٢٠% من قيمة البيع: فإن إجمالي تكاليف التسويق الخاص بنصيب بيت المال هو: ١٠٠٠ × ٢٠ % = ٢٠٠ ريال، ويكون نصيب بيت المال من قيمة البيع هو: ١٠٠٠ - ٢٠٠ = ٨٠٠ ريال. أما بالنسبة لمقدار غير المكيل: فقد يصعب الخرص، خاصة الخضروات والزهور وبقية الفواكه؛ لتفاوت النضج؛ حيث لا يتم النضج في وقت واحد، وإنما يتتابع النضج والقطف، فكلما نضجت كمية قطفت وبيعت، حتى يتكامل الإنتاج وتنتهي قدرة الشجرة على الإفراخ. ويرى جمهور العلماء عدم خرص المنتجات النباتية ما عدا النخل والعنب [١٨] ، ولهذا: فإن تحديد مقدار الزكاة يتم لهذه الأنواع من المنتجات من خلال حصر الإنتاج الفعلي الذي تم بيعه والاستفادة منه بعد خصم جميع تكاليف التسويق والنقل والتخزين. من الأمور التي يثور التساؤل حولها: ما يتعلق باستهلاك المُزَارِع مما ينتجه، وهل يتم استثناؤه أو يدخل ضمن الإنتاج وتقع عليه الزكاة؟ . الإجابة على هذا التساؤل تجده في حديث سهل بن أبي خيثمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) [١٩] ، ولتحقيق هذا التوجيه النبوي: يكون خرص الإنتاج الكلي، ثم خصم مقدار الربع أو الثلث مما خرص، لتكون الكمية المتبقية هي التي يقدر عليها مقدار الزكاة، فلو أن الخرص بلغ ثلاثين ألف كيلو، فمقدار ما يتم عليه تحديد الزكاة على أساس الثلث هو عشرون ألف كيلو، وعلى أساس الربع: اثنان وعشرون ألف وستمئة كيلو، هذا بالنسبة للأصناف التي يتم خرصها، أما الأصناف غير الخاضعة للخرص: فإن ما يتم تحديده هو: مقدار ما يتم بيعه، وما يأكله المزارع فلا يضم إلى ما بيع، قياساً على التخفيف فيما يخرص. ومن الأمور التي تثار أيضاً ويدور حولها النقاش فيما يتعلق بخصمها من وعاء الزكاة وكيف يتم معالجتها أمران: الأمر الأول: الديون التي تحملها المُزَارع من أجل الإنفاق على نفسه أو من أجل الزراعة، فالإمام أحمد ﵀ يرى أن الدّيْن الذي عليه من أجل الزراعة يخصم من الناتج، أما الاستدانة من أجل الإنفاق على نفسه وأهله فلا يخصم؛ لأن ما أنفقه على الإنتاج من مؤونته، وقد روي بهذا القول عن ابن عباس (رضي الله عنهما) ، وأما عبد الله ابن عمر ﵄ فهو يرى خصم الديون من إجمالي الناتج [٢٠] ، ونحن نميل إلى الأخذ برأي ابن عمر ﵄ بخصم الديون، سواء ما كان من أجل الزراعة أو من أجل الإنفاق على نفسه وأهله، بشرط أن تكون الديون حَالّة في وقت وجوب الزكاة، وألا تكون وسيلة من وسائل التمويل الرأسمالي، أي: ألا تكون ديون ناشئة بسبب شراء أصول رأسمالية، مثل: المكائن، والحراثات والحصادات، ففي هذه الحالة لا تخصم. الأمر الثاني: أجرة الأرض، فقد اختلف في مدى خصمها من الناتج، فمالك، والثوري، وشريك، وابن المبارك وابن المنذر يرون أن الزكاة على الناتج دون مالك الأرض، أما أبو حنيفة ﵁ فيقول: إن الزكاة على مالك الأرض؛ لأنه من مؤنتها أشبه بالخراج [٢١] . وقد رد ابن قدامة على من يرى أنها على مالك الأرض بقوله: (ولنا: أنه واجب في الزرع فكان على مالكه، كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة وكعشر زرعه في ملكه، ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الأرض؛ لأنه لو كان من مؤنتها لوجب فيها وإن لم تزرع كالخراج، ولوجب على الذمي كالخراج، ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع، ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف الزكاة) [٢٢] ، وعلى ضوء ذلك، فهناك رأيان: الأول: هو مذهب أبي حنيفة، الذى يرى أن الزكاة على مالك الأرض؛ لأن الأجرة من مؤنتها أشبه بالخراج، حيث إن العشر حق الأرض الثابت لا حق الزرع، والأرض هي أرض المالك، وكما إن الأرض تستنمى بالزراعة فهي تستنمى بالإجارة، فكانت الأجرة مقصودة. الثاني: مذهب الجمهور الذين يرون أن العشر على المستأجر؛ لأن العشر حق الزرع لا حق الأرض والمالك لم يخرج له حب ولا ثمر. إن سبب الاختلاف يعود إلى فكرة (على أي شيء تقع الزكاة؟) ، على الأرض، أم على الزرع، أم على مجموعهما كما سبق مناقشته؟ . من الفقهاء المعاصرين (فضيلة د/يوسف القرضاوي) من يرى ضرورة أن يشترك الطرفان في الزكاة، بحيث لا يعفى المستأجر إعفاءً كليّاً من وجوب الزكاة كما ذهب أبو حنيفة، ولا يعفى المالك إعفاءً كليّاً، حيث تجب الزكاة كلها على المستأجر [٢٣] ، ولتطبيق هذا الرأي فقد أخذ بمفهوم صافي الربح من عائد الزروع بعد خصم الديون والنفقات من البذور، بحيث يرفع ما يوازيها من المحصول، ثم يزكى ما بقي إن بلغ نصاباً، ولقد اعتبر أن أجرة الأرض من نفقات الزرع كالخراج، فيجب أن تعد ديناً على المستأجر فيقطع من الخارج ما يقابل الأجرة، على أن يتولى مالك الأرض زكاة ما دفع إليه، بدلاً من المزارع، ممثلاً في الأجرة التي يقبضها [٢٤] ، وبالتالي: فإن فضيلته خصم مقدار الأجرة وترك للمالك حق التصرف بإخراج زكاة الأرض. نحن نتفق مع فضيلته بضرورة مشاركة مالك الأرض في إخراج الزكاة، لكننا نختلف معه في الأسلوب الذي اتبعه. إن الأسلوب الذي أراه يتمثل في أن هناك طريقتين للاتفاق مع المالك: إما أن تكون أجرة الأرض جزءاً من الإنتاج، وبالتالي: الزكاة واجبة على الناتج جميعه باعتبارهما شريكين، فلو فرض أن للمالك ٢٠% من الناتج، وقدر الناتج بثلاثة آلاف كيلو من القمح، فتخضع الزكاة للناتج الإجمالي، أي: ثلاثة آلاف، فمقدار الزكاة باعتبار أنها مسقية بالآلات: ٥%، أي: مئة وخمسون كيلو، والصافي بعد الزكاة هو: ألفان وثمانمئة وخمسون كيلو، فيكون نصيب مالك الأرض هو خمسمئة وسبعون كيلو، بدلا من ستمئة كيلو من إجمالي الناتج، ففي هذه الحالة تم دفع الزكاة مباشرة من المستأجر، لكنها أصبحت من الأجرة لصالح بيت المال حيث اشترك المالك والمستأجر في دفع الزكاة باعتبار أن الزكاة بالزرع نفسه وفق مذهب الجمهور. الطريقة الثانية: إذا كان الإيجار مبلغاً نقديّاً مثلاً، وكانت الأجرة ستمئة ريال، وبلغ الإنتاج ثلاثة آلاف كيلو، وتكلفة الكيلو مثلاً: ريال واحد، أي: إن تكلفة الإنتاج هي ثلاثة آلاف ريال، فيخصم من الإيجار المستحق له مقدار نصيبه من الزكاة، فكمية الزكاة المستحقة على الناتج هي: مئة وخمسون كيلو، ونصيب المالك من الزكاة يحسب باعتبار أن نصيبه من الإنتاج هو ستمئة كيلو فمقدار الزكاة: ثلاثون كيلو، وتكلفة الكيلو: ريال واحد، فمقدار الزكاة: ثلاثون ريالاً، فتخصم مقدار الأجرة خمسمئة وسبعون ريالاًِ، أما الثلاثون ريالاً المخصومة فتعطى لبيت المال، إما نقداً، أو عيناً حسب رغبة ولي الأمر، أخذاً بمفهوم أن الزكاة تؤخذ من عين مال المزكي، وأن المستأجر هو وكيل لبيت المال في تحصيل الزكاة.

стр. 2455

تأملات دعوية بطاقة الانتماء بقلم: محمد محمد بدري إذا كنا نتطلع نحو ترشيد للعمل الإسلامي؛ فلا بد لنا من نظرة عميقة في إمكاناته.. وفعالياته.. ونقائصه؛ حتى ندرك دون لبس، أو غموض، أو إيهام أين ينبغي علينا إحداث التغيير في أنفسنا ليغير الله ما بنا: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، فالتغيير إنما يحدث وفق سنن ربانية ثابتة لا تحابي أحداً من الخلق مهما زعم لنفسه من مسوغات المحاباة! ! . ومن سنن الله الثابتة التي لا يفيد معها (تعجّل) الأذكياء، ولا (أوهام) الأصفياء، أنه حين يتوقف أفراد مجتمعٍ ما عن العطاء، ويكتفون بالأخذ: فإن هذا المجتمع يسير من الشلل إلى الفناء.. الفناء البطيء الذي لا يراه إلا العارفون بسنن الله في النفس والمجتمع! ! . فأين نجد أنفسنا من هذه السنة الثابتة؟ . إن منا من يؤكد انتماءه للعمل الإسلامي، بينما هو يقف في مواقع الأخذ والاستهلاك دون أدنى عطاء أو عمل! ! .. فإذا ساءلنا أحد عن دورنا في إحياء الأمة وعودتها إلى قيادة القافلة البشرية من جديد: أخرج كلّ منا بطاقة انتماء لهذا الفصيل أو ذاك من فصائل العمل الإسلامي! ! . .. هكذا، وكأن بطاقة الانتماء تغني عن العمل الجاد والتحرك الواعي! ! . أو كأن فصائل العمل الإسلامي قاعات للنوم والخمول والكسل! ! . فهل هذا هو الانتماء للعمل الإسلامي؟ ! . .. إن الانتماء الحقيقي (وسيلة) إرضاء الرب وإنقاذ الذات.. فهو (بداية) السير، وليس (دليل) اجتياز المراحل.. إن الانتماء الحقيقي ارتباط مصيري بالعمل الإسلامي.. ارتباط يغيرّ منهاج حياة الفرد، بل وآماله وأحلامه [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٢٣] ، هذا هو المفهوم الحقيقي للانتماء.. فإذا انطلقنا بهذا المفهوم من مجرد (التنظير) إلى آفاق (المعالجة) الواقعية للعمل الإسلامي، فلا بد لنا من وسائل، منها: ١- توفير المناخ التربوي الذي يفسح المجال لنمو شخصية أفراد العمل الإسلامي، ويتحول بهم من روح (القطيع) والعمل عبر (التقليد الأعمى) .. إلى روح (الفريق) والعمل على (بصيرة) [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] . ٢- اختيار أساليب العمل القائمة على توجيه العلماء والدعاة الموثوقين ... والمعروفين بصدق معتقدهم وحسن الإمساك بدفة القيادة، مع الأخذ بأكبر قدر من المبادرات الفردية، فيصبح عملنا الإسلامي في إطار وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين: (يسعى بذمتهم أدناهم) .. وقبوله مبادرة امرأة من المسلمين: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) . .. وهكذا عبر هذه الوسائل وغيرها، يمكن إخراج المسلم الذي يتفاعل مع ما حوله تفاعلاً حيّاً، ويعمل للإسلام وسط كل الظروف.. لأنه يدرك أن عمله إنما هو ضمن إطار (عمل) وليس إطار (انتماء) ! . إطار عمل محمود شرعاً [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] . إطار عمل منصور قَدَراً (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله) [رواه مسلم] . إطار عمل يجعل كل فرد في العمل الإسلامي (رِفداً) للعمل، وليس (عبئاً) عليه.. هذا ما أردنا التأكيد عليه في هذه العجالة: وليدرك كل فرد من أفراد العمل الإسلامي أن الانتماء للعمل الإسلامي بعد تجديد الإخلاص لله وتجريد المتابعة لرسوله إنما يعني: العمل الجاد.. الصبر.. المصابرة.. المرابطة.. ذلك أن (العطاء) هو (بطاقة الانتماء) .

стр. 2456

دراسات تاريخية العلم بمقاصد الهجرة وأهدافها بقلم: د. محمد أمحزون تعد الهجرة من أهم متطلبات الدعوة إلى الله (تعالى) ، وهي سنة الله في رسله وأنبيائه وعباده المؤمنين، الذين هاجروا فراراً بدينهم وخوفاً من بطش الظالمين، وهو الأمر الذي عرفه رسول الله ﷺ منذ أول يوم جاءه الوحي، إذ لما ذهبت خديجة ﵂ إلى ورقة بن نوفل، فأخبره رسول الله - ﷺ بما قد رآه، قال له ورقة: (ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك) [١] . ولهذا أدرك النبي ﷺ منذ أول يوم أوحي إليه فيه أنه سيُخرج من بلده، وهو أشرف الخلق وأكرمهم عند الله ، فنصْرُ الله في الدنيا وثوابه في الآخرة إنما ينالهما المرء بالعمل، والنصيحة، والمصابرة على الشدائد، واللجوء إلى الله بالدعاء والاستعانة. ويُستَنبط من هذا الحديث العظيم: أن الهجرة لا تختص بفئة معينة من المؤمنين في زمن معلوم يأتي عليه زمن آخر فتنسخ، بل إنها دائمة ما دام الحق والباطل وما دام الكفر والإسلام، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) [٢] ، وفي رواية: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) [٣] . ولم يكن وعد الله (سبحانه) بتعظيم أمر الهجرة وثواب المهاجر في سبيله إلا بسبب ما يحتمل المهاجر من عناء ومشقة وشدائد ومكابدة الأخطار، لذلك قال (تعالى) : [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ] [الحج: ٥٨، ٥٩] . وقد أوجب الله الهجرة على كل مؤمن؛ لتكثير سواد المسلمين، ولنصرة النبي ﷺ ومواساته بالنفس والنفيس، إذ كانت الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة بحاجة إلى المهاجرين من المؤمنين؛ ليتوطد سلطان الإسلام فيها، حيث يتربص به اليهود والمنافقون، وتحيط به قوى الأعراب المشركين من حول المدينة، ويترصده كفار قريش الذين أقضت الهجرة مضاجعهم، فمضوا يخططون ويعملون للإجهاز على كيان الإسلام الفتي؛ لذلك تتابعت الآيات في الأمر بالهجرة وبيان فضلها وعظيم أجرها، حتى وعد الله (جل ذكره) المهاجرين في سبيله بتمكينهم من مراغمة أعدائهم، والتوسعة عليهم في أرزاقهم، بقوله (سبحانه) : [وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً] [النساء: ١٠٠] . ثم جاء الوعيد شديداً فيمن تباطأ وتثاقل عن الهجرة والجهاد في سبيل الله، وآثر متاع الدنيا على التضحية في سبيل الله، في قوله (تعالى) : [قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاًتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] [التوبة: ٢٤] . قال الشيخ ابن عتيق ﵀ : (وما من أحد يترك الهجرة، إلا وهو يتعذر بشيء من هذه الثمانية، وقد سدّ الله على الناس باب الاعتذار بها، وجعل مَن ترك الهجرة لأجلها أو لأجل واحد منها فاسقاً، وإذا كانت مكة هي أشرف بقاع الأرض، وقد أوجب الله الهجرة منها ولم يجعل محبتها عذراً، فكيف بغيرها من البلدان؟ !) [٤] . وحسماً لأمر الهجرة وجعله فرض عين: قطع الله الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، وذلك في قوله (تعالى) : [فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ] [النساء: ٨٩] . فالذين دخلوا في هذا الدين عقيدة، لكن لم ينضموا إلى المجتمع الذي يقوم على هذه العقيدة، ولم يلتحقوا به فعلاً، لا يعدّون أعضاءً في المجتمع المسلم، ولذا: لم يجعل الله بينهم وبينه ولاية وتناصراً بمعناه الأعم: [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] [الأنفال: ٧٢] . ولما كانت الهجرة بهذه المنزلة، وجب على كل من أسلم أن ينتقل إلى مهاجر رسول الله ﷺ بالمدينة، إلا من استثني من أهل الأعذار من الأطفال والنساء والشيوخ. قال القاضي عياض: (واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سكنى المدينة كان واجباً؛ لنصرة النبي ومواساته بالنفس) [٥] . بل إن الإقامة بعد ذلك في مكة كانت حراماً على من هاجر منها قبل الفتح؛ ولهذا: رثى النبي ﷺ لسعد بن خولة أن مات بمكة [٦] . الحكمة من الهجرة: إن العلم بمقاصد الهجرة وأهدافها أمر ضروري لكل مسلم يهمه أمر إقامة صرح هذا الدين؛ فالنصوص القرآنية التي وردت بصدد الهجرة ما كانت تعالج أمر الهجرة في تلك المرحلة من الزمن فحسب، ولكنها تعالج حالة قائمة في أمر الدعوة، ولذلك: وردت بعض نصوص السنة توضح هذا الأمر. فعن عبد الله بن عمرو ﵁ ، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إنما ستكون هجرة بعد هجرة) [٧] ، وفي حديث آخر: (لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد) [٨] . والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي داود: (والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال) [٩] . وهذا الحكم استنبطه البخاري ﵀ من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم) بقوله: باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر [١٠] . ولذلك: فالهجرة ليست مرحلة تاريخية انتهت بمضي وقتها وأهلها، وأصبحت مَعْلَماً وصفحة من صفحات التاريخ فحسب، وإنما هي صفحة من صفحات السيرة المضيئة التي خلّدها القرآن والسنة، وستظل جزءاً من حركة الدعوة إلى الله (تعالى) [١١] . يقول صاحب الظلال: (ولقد ظل شرط الهجرة قائماً حتى فتح مكة، حين دانت أرض العرب للإسلام وقيادته، وانتظم للناس في مجتمعه، فلا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد وعمل، كما قال رسول الله ﷺ ... ) [١٢] . على أن الحكمة الأساس من الهجرة هي أن رسالة الإسلام جاءت لتنظم شؤون الناس في شتى مجالات الحياة، فهي دستور ومنهج شامل لا بد لتطبيقه من أمة وأرض تقام فيها أحكام الله (تعالى) ، والمسلمون لا يمكن أن يكون لهم وجود فِعلي إلا إذا صبغ الإسلام جميع مرافق حياتهم، وساد نظامه أرضهم، وقامت فيها أحكامه وآدابه، كما تقوم فيها شعائره، وتسود فيها عقائده. لكن إذا تعذر على المسلمين تطبيق أحكام دينهم، وإقامة نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وآدابه الخلقية في بلدهم، وجب عليهم الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيه بأحكام الإسلام وآدابه، تكثيراً لسواد المسلمين، وإعزازاً لأمر الدين، واستعداداً لنصره وتأييده بالنفس والنفيس، وإذا لم يكن للمسلمين بلد تتوافر فيه هذه الشروط، وجب عليهم أن يجتمعوا في بقعة صالحة يقيمون فيها نظام الإسلام تامّاً كاملاً، ويتعاونون على حماية دعوته، واتخاذ الأسباب والوسائل لتحقيق رسالة الإسلام كما جاء بها صاحبها (صلوات الله عليه) وكما فهمها منه أصحابه والتابعون لهم بإحسان [١٣] . وقد غفل عن هذه الظاهرة من أمر الإسلام بعض الذين دخلوا فيه على عهد رسول الله ﷺ ، فلبثوا في وطنهم (مكة) مستضعفين فيها، لا يستطيعون إعلاء كلمة الله لغلبة الباطل يومئذ على الحق، ولا يهاجرون منها إلى المدينة فيقوى بهم الإسلام، فنزل فيهم قول الله : [إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاًوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً] [النساء:٩٧] . وعن شأن هؤلاء روى البخاري (في جامعه الصحيح) عن ابن عباس (رضي الله عنه) في قصة أصحاب بدر: (أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، يأتي السهم فيُرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرب فيقتل، فأنزل الله : [إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ] ) [١٤] . وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح إلى ابن عباس ﵄ قال: (كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستَخْفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فأصيب بعضهم، قال المسلمون: كان أصحابنا مسلمين وأُكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت: [إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ] (الآية) ، قال: فكُتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم التقية، فنزلت هذه الآية: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ] [العنكبوت: ١٠] ) [١٥] . وعند الطبري بسند صحيح إلى ابن عباس ﵁ : (فكتب إليهم المسلمون بذلك (أي بآية: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ] (فحزنوا، فنزلت: [ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [النحل: ١١٠] ، فكتبوا إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم (أي: المشركون) ، فنجا من نجا، وقُتل من قتل) [١٦] . وقال الضحاك: (فنزلت هذه الآية الكريمة [إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ] عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع) [١٧] . ويمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان، متجاوزاً تلك الحالة الخاصة التي كان يواجهها النص في تاريخ معين وفي بيئة معينة، يمضي حكماً عامّاً يلحق كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أي أرض، وتمسكه أمواله ومصالحه، أو قراباته وصداقاته، أو إشفاقه من آلام الهجرة ومتاعبها.. متى كان هناك في الأرض في أي مكان دار للإسلام يأمن فيها على دينه، ويجهر فيها بعقيدته، ويؤدي فيها شعائر دينه) [١٨] . ولما كان الإسلام دين يسر، ومن مبادئه وأحكامه أن تقدر الضرورات بقدرها، وأن يعذر أهلها، كان تمام الآيات السالفة قول الله : [إلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُواً غَفُوراً] [النساء: ٩٨، ٩٩] . ... وفي تفسير قوله (تعالى) : [فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِياً وَلا نَصِيراً] [النساء: ٨٨، ٨٩] ، قال العوفي عن ابن عباس ﵄ : نزلت في قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى: سبحان الله! أو كما قالوا أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟ ! ، فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء، فنزلت: [فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ] (الآية) [١٩] . وهكذا.. إذا كان القرآن الكريم قد أنحى باللائمة على جماعة من المسلمين كانوا في مكة يصلون ويصومون، ولكنهم ارتضوا البقاء تحت أنظمة تخالف الإسلام، فلا قوة لهم على تغييرها، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام في المدينة ليكونوا من جنودها المتحفزين لتغيير تلك الأنظمة، فليعلم أن الإسلام لا يكتفي من أهله بالصلاة والصوم فحسب، بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا أنظمته وآدابه في بيوتهم وأسواقهم وأنديتهم ومجامعهم ودواوين حكمهم، وأن يتوسلوا بجميع الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الغرض الواجب [٢٠] . كما ينبغي أن يعلم أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وأنه تكاليف وتبعات، وأنه إقرار وامتثال وطاعة، وإذ هو كذلك: كان لزاماً أن ينعكس أثره على اللسان والقلب والجوارح، علماً، وعملاً، وسلوكاً.

стр. 2457

دراسات إعلامية التقنية في خدمة الدعوة إلى الله كيف نستفيد من الحاسوب؟ (١من٢) بقلم: حسين السلمان تطورت وسائل الإعلام والاتصال في هذا العصر تطوراً مذهلاً، مما ساهم مساهمة فاعلة في تداخل الشعوب والثقافات، واستطاع الغرب تسخير تلك الوسائل في صناعة الرأي، ونشر هيمنته الفكرية في أكثر الآفاق. ولقد آن الأوان لكي ينهض الدعاة لأداء رسالتهم، ويخاطبوا الناس بلغة العصر، وعلى قدر ثقافتهم، ويسخِّروا وسائل التقنية الحديثة لنشر الدعوة، وبيان الحجة. وفي هذه المقالة لأحد المتخصصين في علم الحاسوب إلمامة مركزة في كيفية الاستفادة من الحاسوب في نشر الدعوة الإسلامية بين المسلمين وغير المسلمين. الحاسوب وسيلة للدعوة: يمكن تقسيم استخدام الحاسوب في الدعوة إلى مجالين، هما: ١ الدعوة بين المسلمين (دعوة الإصلاح) . ٢ دعوة غير المسلمين (دعوة الهداية) . الدعوة بين المسلمين: ويشمل هذا المجال كل الجهود التي قدمت للاستفادة من مزايا الحاسوب، التي تركز بشكل أساس في القدرة على تخزين كم هائل من المعلومات مع سرعة التعامل معها، وأبرز المجالات التي خدمها الحاسوب هي المجالات المتعلقة بالقرآن الكريم والسنة النبوية [١] . دعوة غير المسلمين: دعوة غير المسلمين تتطلب من الداعية إلى الإسلام أن يتعامل مع فئات مختلفة وقدر كبير من المعلومات، واستحضار سريع للأدلة والبراهين في مجالات شتى، ومن الناحية النظرية: فإن البرامج الحاسوبية ستكون ذات أثر فعال في مجال دعوة غير المسلمين؛ نظراً لما يلي: ١- قدرة الحاسوب الرائعة للتعامل مع كم هائل من المعلومات المقروءة والمسموعة والمرئية، واسترجاعها والوصول إليها بسهولة وإتقان. ٢- السبب الآخر الذي يدعو إلى الاعتقاد بنجاح الحاسوب وسيلةً للدعوة هو نجاح البرامج التطبيقية المستخدمة في مجال التعليم؛ ففي مجال التعليم تستخدم برامج الحاسوب في أنماط تعليمية مختلفة، مثل: الشرح، والإلقاء، وطرح التمارين وتصحيحها ونمذجتها، ومحاكاة الظواهر الطبيعية. نظام الدعوة بمساعدة الحاسوب [*] : المقصود من استخدام الحاسوب باعتباره أداة لدعوة غير المسلمين هو تطوير برمجيات لشرح الإسلام وتوضيح أركانه، وتتم عملية التعليم تحت التحكم الكلي من قِبَل المستخدم، من حيث: المواضيع التي يرغب في دراستها، وتحكم سرعة عرض المعلومات، وفي وقت الدرس ومدته. المزايا: من أهم ما يتميز به الحاسوب باعتباره وسيلة للدعوة عن غيره من الوسائل الأخرى ما يلي [٢] : ١- أن إثبات العقائد يتطلب استحضار عدد كبير من الأدلة والبراهين بحيث تتناسب مع نوعيات وأصناف البشر باختلاف ميولهم وأهوائهم ومعلوماتهم السابقة، فالأدلة على وجود الخالق (سبحانه) على سبيل المثال كثيرة وعديدة، يمكن استخلاصها من مختلف العلوم، مثل: الفلك، والفيزياء، والطب، والأحياء، وعلم الأجنة، والجيولوجيا.. وغير ذلك من العلوم، هذا بالإضافة إلى الفلسفة، وعلم المنطق، ويصعب على الداعية البشري أن يستحضر جميع هذه الأدلة من كل هذه العلوم، أما باستخدام الحاسوب وتقنيات المعلومات فإنه يمكن حفظ جميع هذه الأدلة وتصنيفها وفق الموضوعات أو وفق درجة صعوبة الدليل وعمقه، ويستطيع المستخدم أن يختار الأدلة من المواضيع التي تتفق مع ميوله أو مستواه العقلي والمعرفي. ٢- أن برمجيات الحاسوب يمكنها الوصول إلى أماكن بعيدة وإلى المستخدِمين في شتى بقاع المعمورة بتكلفة زهيدة، لذا: فإن نشر الإسلام عن طريق هذه البرمجيات سيكون أقل تكلفة بكثير من الأسلوب التقليدي في إرسال الدعاة إلى هذه المناطق، أيضاً: فإن مستخدِم هذه البرمجيات يملك هذه النسخة منها، وهو بذلك يستطيع استخدامها ساعة يشاء وفي الأوقات التي تناسبه، وهذا لا يتوفر في الأساليب التقليدية للدعوة، حيث لا يتوفر الداعية في كل وقت لكي يخاطب من يحتاج إليه. ٣- أن الغرور والكبرياء وعدم الرغبة في الظهور بمظهر الجاهل أمام الآخرين.. هي بعض أسباب العناد والتمادي في رفض آراء الآخرين وإن كانوا محقين وصائبين، وتعلم الإسلام عن طريق برمجيات الحاسوب يزيل عن النفس هذا الحَرَج، وبذلك فإن المستخدِم يكون من الناحية النفسية أكثر تقبلاً لهذه الأفكار والمفاهيم، وهنا يجب توخي الحرص عند تصميم هذه البرمجيات بحيث لا تثير مشاعر الرفض لدى المستخدم. ٤- يعتبر القرن العشرون الميلادي عصر العلم والمعرفة والتقنية، فقد استطاعت البشرية في الستين سنة الأخيرة من هذا القرن أن تضيف قدراً من العلوم والمعارف التجريبية يفوق بكثير ما أنتجته البشرية منذ بدء خلقها، كذلك فإن هذا العصر شهد تطوراً في التقنية مكن الإنسان من النزول على سطح القمر والخوض في أعماق البحر والوصول بأجهزته إلى مجاهل الفضاء السحيق، وإذا كان الإنسان القديم في غياب العقيدة الصحيحة قد عبد الشمس والقمر وقوى الطبيعة المختلفة، فإن الإنسان في هذا العصر قد اتخذ من عقله ونتاج عقله من علوم وتقنيات آلهة يعبدها من دون الله، والحواسيب هي إحدى أهم الإنجازات البشرية في هذا العصر، وهي تحظى بكثير من الثقة والاحترام لدى عدد غير قليل من الناس، لذلك: فإن الحواسيب باعتبارها وسيلة للدعوة إلى الإسلام قد تكون الأقدر على إقناع تلك الفئة؛ نظراً لتقبلهم لها وارتياحهم النفسي في التعامل معها. ٥- أن معظم مستخدمي الحاسوب هم من الفئات المتعلمة في أي مجتمع من أساتذة جامعات، وطلاب، ومهنيين، وكبار مسؤولين، وتربويين، وهذه الفئات هم في العادة أصحاب التأثير الفعّال في المجتمع، لذا: فإن الوصول إليهم واستمالتهم إلى دين الإسلام يعني التأثير بطريق غير مباشر على أعداد كبيرة أخرى من البشر تتأثر بهذه الفئات. ولكن الذي يجب التأكيد عليه: أن استخدام الحاسوب وسيلة لنشر الإسلام لا يعني الاستغناء عن الوسائل الأخرى، فهذه الوسيلة ليست بديلاً عنها، وإنما هي وسيلة تكمل الجهود الأخرى المبذولة في سبيل نشر الإسلام بين الناس. المجالات المؤثرة: ولكي ننجح في تطوير برمجيات دعوية فعّالة، لا بد من إجراء دراسات وبحوث عميقة في مجالات علم النفس العام، وعلم النفس الديني، والشخصية وتكوينها، والميول والأهواء وتأثيرها، وفن الإقناع والتأثير، ونظريات التعليم والتعلم، وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، وفن التخاطب بين الآلة والإنسان [٣] . ويبين الشكل المرفق: رسماً يوضح مجالات العلوم والمعرفة التي تؤثر بصورة مباشرة على نظم الدعوة بمساعدة الحاسوب: الدعوة بمساعدة الحاسوب. النظم الأساسية: ونظام الدعوة إلى الإسلام بمساعدة الحاسوب هو في جوهره نظام لتشكيل العقيدة وتطويرها، حيث تهدف هذه النظم إلى تغيير ميول المستخدم تجاه دين الإسلام، وإلى تعليمه مفاهيم الإسلام الصحيحة، وإزالة ما يمكن أن يكون لديه من مفاهيم مغلوطة وصورة خاطئة عن الإسلام. وبالنظر إلى أسس العقيدة الإسلامية والتمحص فيها نجد أنها في مجملها تتكون مما يلي [٤] : - مفاهيم متعلقة بالتوحيد. ... ... ... - مفاهيم متعلقة بالنبوة والرسالة - مفاهيم متعلقة بالكتب السماوية ... - تعاليم الشريعة الإسلامية لذا: فإنه يمكن النظر إلى نظام الدعوة بمساعدة الحاسوب على أنه يتكون من مجموعة مترابطة ومتكاملة من الأنظمة التعليمية الحاسوبية، كما يوضحها الشكل (٢) ، وهي كما يلي: شكل (٢) : عناصر نظام الدعوة بمساعدة الحاسوب - نظام تعليم لتوحيد: ويقدم هذا النظام الأدلة والبراهين على وجود الخالق، ويناقش كذلك القضايا المتعلقة بوحدانية المعبود والصفات الإلهية الأخرى. - نظام تعليم النبوة: ويقدم هذا النظام الأدلة والبراهين على نبوة محمد، وأنه آخر المرسلين وخاتم النبيين، كذلك يعرض النظام جوانب من السيرة النبوية. - نظام تعليم القرآن الكريم: ويقدم هذا النظام الأدلة والبراهين على أن القرآن كتاب منزل من الله ، ويشرح النظام أسس العقيدة التي يحويها القرآن الكريم، ويعرض جوانب الإعجاز فيه. - نظام تعليم تعاليم الإسلام: تهدف الأنظمة الثلاثة الأولى إلى إثبات العقائد الأساس للإسلام المتعلقة بالألوهية والنبوة والكتاب، وتقبل هذه المعتقدات والإيمان بها يعني اعتناق المرء للإسلام، والمرحلة التالية هي: معرفة تعاليم الدين الإسلامي وممارستها، ويهدف هذا النظام الأخير إلى شرح تعاليم الإسلام وتبيان أوامر الله (تعالى) ونواهيه. المكونات الأساسية: يتركز تصميم النظام الذكي لتعليم الإسلام على خلاصة التطور في العديد من المجالات، وبصورة خاصة يستفيد النظام من نتائج الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة، ومجال التعليم الذكي بمساعدة الحاسوب، والتطورات في بناء قواعد المعرفة باستخدام النصوص الفوقية، ويبين الشكل (٣) المكونات الأساس لأي نظام تعليمي ذكي، وفيما يلي عرض لهذه المكونات: شكل (٣) : عناصر نظام الدعوة بمساعدة الحاسوب أ- وحدة نمذجة المستخدِم: والهدف من هذه الوحدة هو تطوير نموذج (Model) للمستخدم، وأحد ملامح هذا النموذج أنه يصنف المستخدم وفق محاور متعددة مثل: الجنس، العمر، مستوى الإدراك الذهني، العقائد السابقة، التأهيل العلمي والتخصص، الوضع الاجتماعي، الوضع النفسي، الميول والاتجاهات حيال الأديان بصفة عامة وتجاه الإسلام بصفة خاصة.. إلخ، وسينتج عن هذا النموذج معلومات تحدد الأسلوب الأمثل في دعوة هذا المستخدم: المواضيع المناسبة له، أسلوب الحوار والنقاش، مكامن الخلل العقائدي، تساؤلاته الأساس عن الكون والحياة ... إلخ. ب - وحدة حفظ وعرض المعرفة: ويحتوي هذا الجزء على كل ما يتعلق بالمعرفة في النظام، ويشمل ذلك جميع الموضوعات ذات العلاقة بموضوع النظام، المادة العلمية التي تشكل محتوى الموضوعات، معايير اختيار المادة المعرفية المناسبة للمستخدم، وأساليب عرض النصوص. ج - وحدة التخاطب مع المستخدم: ومهمة هذه الوحدة تيسير التخاطب التفاعلي بين المستخدم والنظام، ويشمل ذلك: تنفيذ المحاورات المتعلقة بنمذجة المستخدم، واستقبال مدخلات المستخدم، وعرض مخرجات وحدة عرض المعلومات. د - وحدة القياس والتقويم: هذه الوحدة ليست جزءاً من مكونات النظام، وإنما الهدف منها: قياس مستوى أداء النظام وتنفيذ عمليات التقويم إذا لزم الأمر، والهدف الأساس لهذه الوحدة هو تحسين أداء النظام والارتقاء به بصورة مستمرة.

стр. 2458

البيان الأدبي يقظة سعاد شعر: عيسى علي آل خماش بانت سعادُ فطال السهدُ والليل ... ولم يكن لأليم البعد تعليلُ وما سعاد هوًى يشدوه شادنُه ... لكنها ملةٌ جاءت وتنزيلُ فأيقظت نؤوماً كان مندثراً ... بين الرمال تناجيه الأباطيلُ وألزمته زمامَ الأمر ممتشقاً ... سيف العدالة لاجورٌ ولا ميلُ لما تغير وجه الأرض واكتملت ... معالم المجد لا قولٌ ولا قيلُ ضاق العدو بهم ذرعاً فأضمرها ... حَربَ الدسائس تمليه القناديلُ هذا وقد شرق الخصم الألد بهم ... أصحابُ عهدٍ قديمٍ والأناجيلُ وكلما أوقدوا للحرب نارَهمُ ... يعود للملةِ الغراءِ تأصيلُ يا أيها الشجن الغادي إلى هدفٍ ... تقسمته البراري والعراقيلُ يقضي علينا بأسباب نحبذها ... كأنها فوقنا طيرٌ أبابيلُ قل للشباب لنا دِينٌ يصيحُ بنا ... حتى متى يشغلنا فنّ وتمثيلُ دعوا التوافه ضنوا بالحياة فما ... حرّ طليق كمن أرداه تكبيلُ ويمكرونَ وعين الله شاهدةٌ ... يملي وليس لوعد الله تبديلُ هناك تسمع للأبطال جلجلة ... ويستحثك تكبيرٌ وتهليلُُ

стр. 2459

البيان الأدبي زَئيرُ الإسلام شعر: محمد عبد الله الهويمل يا جَمرةَ الرّوحِ العَضُوبِ تَضَرمي ... كوني شُعاعاً للفضاءِ الأعظمِ كوني شعاعاً يستطيلُ إلى الثّريا ... والفراقدِ ثمّ كوني سُلّمي ربّ اهتزازةِ شاعرٍ متألمٍ ... آست جروحَ العالمِ المتألمِ يا أمتي كيفَ الذئابُ استأسدت ... والغابُ كلّ الغابِ ملكُ الضيغمِ يا أمتي حولَ الرِّقابِ حبائلٌ ... تُدمي وقيدٌ قد أحاطَ بمِعصمي كم ذا شجاعٍ جُردتْ أسيافُه ... أو في المنابرِ من فصيحٍ أبكمِ كم فرحةٍ ماتت قبيلَ مجيئِها ... أو بسمةٍ عذراءَ تاهتْ عن فمي ولَكَم بحثْتُ عن ابتسامةِ يُتّمٍ ... فَوَجدتها تَكسو شِفاهَ المُجرمِ فالليلُ يمضغنا بأفواهِ الدّجى ... نَحيَا ونقبرُ تحتَ حوتِ المأتمِ ونعيشُ مثلَ الطفلِ يشربُ دمعَه ... رَضَعَ الأسى دهراً ولمّا يُفطمِ فزأرتُ زأرةَ ماردٍ حتى أرى ... خوفَ الفضاءِ أو اهتزازِ الأنجمِ أو ما رأيتَ الشمسَ تَبسِطُ كَفّها ... نَحوي تصافحني ولمْ أتبسمِ والأرضُ تَرْفَعُنِي تباركُ أوبتي ... أو كالسماءِ هوت تُقبّل مَبْسمي قُل للثّريا في عُلوِّ سمائها ... إنّي اصطفيتُك أنْ تكوني توأمي فلقد سمعتُ الدينَ صاحَ بمهجتي ... ولقد رأيت المجدَ يسبحَ في دمي فنزعتُ من وجه الصباحِ صباحَه ... ورميتُه في وجهِ ليلٍ أظلمِ فإذا الحياةُ تسألتْ عن ليلِها ... قد ماتَ ليلُك تحتَ وطأةِ مسلمِ

стр. 2460

البيان الأدبي المثقف مستهلِكاً بقلم: حسام المالكي جاءني صديق شغوف بالأدب وعالمه، وحدثني عن كشف نقدي جديد، تحوّل به مَن تحوّل من نقاد الأدب فجأة إلى باحثين في الشأن الثقافي العام، وكان صاحبي قد أدهشته الفكرة، خصوصاً حين بدأ مروجوها يقرؤون اللغة والثقافة (والدين بالطبع مقومها الأول) من خلال التسليم بفكرة أولية، مفادها: أن الرجل هيمن على عالم الثقافة كله؛ فشَكّله لحسابه الشخصي! وجعل من النوع الرجالي مركزاً مهيمناً، وهمش المرأة ظلماً وعدواناً، ثم لم يزل الأمر كذلك حتى بدأ اتجاه النقد النسوي المعاصر، فكان أن بدأت المرأة تتعلم كيف تكسر تاريخ الهيمنة الطويل هذا! ، وسيستغرق الأمر منها أزماناً مدداً، حتى تستطيع إعادة تشكيل اللغة والثقافة معاً بعيداً عن مركزية الرجل وهيمنته. فقلت له: يا صديقي إن ذلك ليس سوى صرعة غربية من ستينيات قرننا هذا المؤذن بالرحيل، وأنت تعلم مدى شغفنا باستجلاب كل المكدسات الغربية والغريبة، التي عادة ما يبدأ تاريخ صلاحيتها عندنا بعد دخول تاريخ انتهائها عندهم بسنين عدداً، ابتداء من أسلحة القتال العسكرية (التي تجوع لأجل شرائها الشعوب، ثم تُسد صرخة البطن الجائع بنيران تلك المشتريات حين تُصَب عليها لا على العدو) ، ثم مروراً بأسلحة الفكر، التي تعبر عن صراعات عالم آخر، ومشكلاته وخصوصياته، وإن كنا في استهلاك الفكر أكثر زيفاً، خصوصاً حين ننزع عن المنتج ثوبه الأصلي، ثم نضع عليه رقعة شائهة، نكتب فوقها تاريخاً جديداً للصلاحية! ومعه ختمنا المعتاد، وأسماؤنا اللامعة. يا صديقي نحن ما زلنا بعد كل شيء: ذلك المشتري الكسول، الذي يظل طوال عمره زبوناً يستهلك بضائع الآخرين! ، وربما اشترى ما أُعِدّ للاستهلاك غير البشري؛ فصنع منه وجبته الرئيسة! ، متلمِّظا بطعم الورم! الذي يحسبه الشحم واللحم. ألا تذكر وصية جدك المتنبي: أُعيذها نطراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشحمَ فيمن شحمُهُ ورمُ!

стр. 2461

البيان الأدبي حكاية (النص) وما وراءها بقلم: د.محمد يحيى شاع في الكتابات العلمانية في السنوات الأخيرة إطلاق وصف (النص) على القرآن، فأصبحنا نسمع عبارة (النص القرآني) تتردد كثيراً لدى من يتناولون الأمور الدينية الإسلامية من ذوي المنحى العلماني. وقد يبدو لأول وهلة أن هذا المصطلح أو الوصف يستمد أصله من السياق الإسلامي المعروف حول مفهوم (النص) ، والذي يدور حول صفات الوضوح والبيان أو القطعية في الدلالة أو الثبوت.. ولكن القراءة المتأنية في مضامين وإيحاءات استخدام هذا الوصف والمصطلح في الكتابات العلمانية تكشف عن أن مفهوم كلمة (النص) عندها يختلف اختلافاً جليّاً عن مفهوم الدراسات الإسلامية للكلمة ... ويتصل عضويّاً بالمفهوم الغربي الأصيل لهذه الكلمة والفكرة كما تطور منذ عصر النهضة الأوروبية وحتى أقرب المدارس الفكرية في الغرب، كالنفعية، والتأويلية، والحداثة، وما بعد الحداثة، والتفكيكية، والتاريخية، وليس هذا الأسلوب بغريب على أصحاب المذهب (اللاديني) ، فقد تعودوا في أطاريحهم المختلفة على أساليب مما يمكن أن تسمى بالتدليس الفكري، ومنها: التلاعب في استخدام مصطلحات معينة ذات أصل في تراث الفكر الإسلامي، يوهمون أنهم يستعملونها بمعانيها الإسلامية، بينما هم في الواقع يملؤونها بالمضامين والإيحاءات التي اكتسبتها أو أضفيت على مصطلحات مشابهة لها في الغرب وضمن السياق الفكري هناك. ومصطلح (النص) الذي يقرن بالقرآن هو أحد هذه الكلمات الداخلة في إطار تلك العملية من التدليس الفكري، فالذين يستخدمونه في كتاباتهم من العلمانيين قد يوحون في الظاهر بأنهم إنما يلجؤون إلى مصطلح له جذور في التراث الإسلامي والعربي، بينما الحقيقة كما يشي بذلك مضمون اللفظ، كما يتجلى عندهم هي على العكس من ذلك تماماً.. فما هي أبعاد المصطلح الأوروبي الأصل ومضامينه وإيحاءاته التي يكرسونها؟ . إن أبرز ما يميز مفهوم (النص) في الفكر الغربي الحديث هو: نزع القداسة، والتسوية العمياء بين جميع النصوص.. وهذا هو جوهر المدارس التي عرفت في مجملها باسم ما بعد الحداثة والتفكيكية في مركزها، لكن (نزع القداسة) موجود في التراث الفكري الغربي منذ قرون عديدة، وبالتحديد: منذ أن نشطت حركات تأويل وتفاسير الإنجيل والتوراة عندهم والكتابات التحليلية التاريخية التي استعملت المناهج النقدية لتقويض أسس مصداقية هذه النصوص كما تلقاها الغربيون من أسلافهم، صحيح أن الفكر الغربي عرف التفرقة بين النص (المقدس) والنص (الدنيوي) ، ولكن بعد أن تطرق الشك إلى أن هذه النصوص (المقدسة) وحي صادر عن السماء أو عن الإله، وساد الاعتقاد بأنها وضع بشري أو على أحسن الأحوال: جمع وصياغة بشرية عن أصول زعم أنها من الوحي الإلهي، حدثت حالة من التسوية بين كل النصوص بمعنى كل الكتابات أو الأعمال المكتوبة، ولم تعد التفرقة بين (المقدس) و (الدنيوي) تستخدم إلا بمعنى اصطلاحي؛ ليدل على بعض من النصوص التي يعتقد بعضهم من (المؤمنين) أنها وحي سماوي. مصطلح (النص) إذن في السياق الفكري والغربي وحتى قبل أن تعمل فيه معاول مدارس ما بعد الحداثة والتفكيكية عملها الهدام كان بالفعل محملاً بمضمون نزع القداسة أو إنكار أن هناك وحياً إلهيّاً أو (سماويّاً) قد نزل، فكل الكتابات (نصوص) لا تختلف عن بعضها إلا في الأسلوب اللغوي، أو المقصد والغرض العملي منها، أو الأثر الذي تتركه في نفوس قارئيها وعقولهم. وإذا كان مصطلح (النص) محملاّ في جذوره وأصوله التاريخية الغربية بنزع القداسة، وإنكار الأصل الإلهي لبعض النصوص، وتأكيد التسوية بين كل النصوص أو الكتابات على أنها وضع بشري.. فإن مدارس ما بعد الحداثة والتفكيكية قد أتت في العقدين الأخيرين لتكمل على ما تبقى من آثار للقداسة أو التميز لبعض النصوص التي (زُعِم) أنها وحي؛ وذلك لأن جوهر هذه المدارس كان القول بتحطيم أي مضمون ثابت تحتويه نصوص اللغة وتفكيكه وإلغائه، وإدخال النسبية المطلقة على معاني النصوص كلها، وطرح مجموعة من العمليات اللغوية الشكلية البحتة يقال إنها هي التي تنتج المعنى وهي التي تغيره في الآن نفسه، ومن هنا: تعمقت التسوية بين النصوص ونزع القداسة عنها، وهذا النزع مما كان موجوداً أصلاً في استخدامات مفهوم (النص) منذ القرن الماضي. فقد أصبحت كل النصوص في ظل هذه المدارس الحديثة وسواء أكانت أدبية، أم (علمية) ، أم دينية مجرد كميات لغوية، لا تحتوي على مضامين ثابتة، ولا تشير إلى حقائق خالدة، بل فقط (تنتج المعنى) بكميات معينة، تؤدي إلى أن يكون هذا المعنى نسبيّاً ومتغيراً وغير محدد القوام، وبالطبع كانت النصوص (المقدسة) هي الأكثر تأثراً بهذا الاتجاه؛ لأنها هي أكثر النصوص التي كانت تزعم لنفسها أنها تحتوي على حقائق خالدة ومضامين ثابتة وأفكار مطلقة.. وتخرج هذه النصوص من مطحنة التحليل التفكيكي وما بعد الحداثي وقد تحولت إلى ركام من المعاني المتضاربة التي لا تشير إلى أي شيء أبعد من تهومات ذهنية أو معانٍ أخرى.. فالكل في النهاية: (لعبة اللغة) . إن المحصلة النهائية لمفهوم (النص) كما تبلور في الغرب على يد المدارس الفكرية هناك تشير كما أسلفنا إلى عملية متصاعدة من نزع القداسة عن النصوص والكتابات الدينية، ثم إعمال التسوية بين كل أنواع النصوص، وإخضاعها في نهاية المطاف إلى هيمنة بعض العمليات اللغوية الشكلية الآلية، التي تلغي حتى وجود المعنى العلماني نفسه فيها، وتحل محله الإبهام والتميع والغموض و (عدم التحدد) ، ومن هنا: فإن استخدام مفهوم (النص) في الكتابات ذات التوجه العلماني التي تتحدث عن الإسلام وعن القرآن بالتحديد لا يأتي بريئاً من التحيز، ولا يأتي في سياق الفكر والمصطلح الإسلامي كما قد يتصور بعض الطيبين لدى النظرة الأولى، بل يأتي محملاً بكل هذه المضامين والإيحاءات الغربية. ومن هنا: فإن الحديث عن (النص القرآني) في سياق هذه الكتابات العلمانية يلف ويدور حول قضايا بعينها، أصبحت مشهورة الآن من كثرة ترديدها واللغط حولها، وهذه هي قضايا ما يسمى بتاريخية النص القرآني، أي: تشكله عبر فترة تاريخية، أو خضوعه في المعنى والتفسير لاعتبارات التاريخ والعهد الذي (كتب) فيه هذا (النص) كما عبر أحد الكتاب في هذا السياق، ويرتبط بهذه القضية: ما يطرح حول نسبية المعنى القرآني وتغيره بتغير العصور والمفسرين، كما يرتبط بها: الحديث حول (بشرية) النص القرآني، بالقول بأن القرآن قد (كتب) بلهجة عربية معينة، وفي عصر معين، وأنه موجه للبشر؛ ولذلك فإن الطابع البشري يغلب عليه (!) . وبصرف النظر عن التلاعب اللفظي المتضمن في هذا الرأي (وقد يكون هذا موضوعاً لمقال آخر) ، فإنه نابع في الأساس من ذلك المفهوم عن النص الذي جُلب من الفكر الأوروبي بسياقاته المختلفة عن السياق الإسلامي. وفي الخلاصة: فإن مفهوم (النص) الذي يشيع في كتابات العلمانيين الآن في بلادنا الإسلامية مطبقاً على القرآن يتضمن كثيراً من الأفكار التي تهدم أسس الدرس القرآني، ويحول كتاب الله إلى مجرد (كلام بشر) تجوز عليه شتى العمليات الشكلية التي تطبق لتفسير الأعمال الأدبية وتحليلها، وربما جاز التعليق بأن هذا الكلام ليس جديداً عليهم، وإن كان الآن مصاغاً بمصطلحات تزعم الجدة والطابع الفلسفي؛ فقد سبق للمستشرقين وأشياعهم منذ أوائل هذا القرن أن وصفوا القرآن بأنه كالعمل الأدبي الذي يجب أن تطبق عليه أساليب الأدب حتى يفهم، ولا يعني ذلك سوى أن القرآن تأليف بشر، وهي دعوى كفار قريش القديمة نفسها، تعود الآن في ثوب عصري معقد، بينما كانت تطرح في الماضي ببساطة ساذجة.

стр. 2462

البيان الأدبي.. تراجم أدبية البلبل الذي صمت بقلم: أحمد عبد العزيز العامر فقدت ساحة الأدب الإسلامي رجلاً متعدد المواهب، جرت الدعوة في شرايينه شابّاً ومعلمّاً وشاعراً وكاتباً ومتحدثاً، له مشاركات نقدية في تقويم ما يسمى بالشعر الحر، حينما استعرض قصته ومنطلقاته وأهداف رموزه، في كتابه: (جناية الشعر الحر) ، مما دعا إلى مناصبته العداء من جمهرة الحداثيين. لكنه لم يبال بردود أفعالهم، فأعقب ذلك بدراسة نقدية أخرى بعنوان: (بين الأصالة والحداثة) ، وله ديوانا شعر: (جرح الإباء) ، و (رسالة إلى ليلى) . لعلكم عرفتموه، فهو الأستاذ الداعية الأديب (أحمد فرح عقيلان) ، ولد (رحمه الله) ، عام ١٩٢٤م في (الفالوجة) بفلسطين، ونشأ في أسرة علم ودين، ونال الشهادة العليا لمدرسي الثانوية عام ١٩٤٦م، ثم عمل مدرساً للغة العربية في بعض مدن فلسطين، وبعد نكبة ١٩٤٨م، انتقل إلى (خان يونس) ودرّس بها، ثم هاجر إلى السعودية ودرّس في معهد العاصمة النموذجي بالرياض لعدة سنوات، وعمل مديراً للأندية الأدبية برئاسة رعاية الشباب ثم مستشاراً بها إلى أن توفي هذا العام، ولقد عرّف به بعض الكتاب والنقاد، فأعطوه بعض حقه من الدراسة والتعريف، وحللوا شعره، وبينوا مظاهر شاعريته وأدبه، منهم: د. (صالح الشنطي) ، ود. (مأمون فريز جرار) ، و (أحمد الجدع) ، و (حسني أدهم) . لكنه ووجه ﵀ بعد وفاته بعقوق، لا سيما من محبيه، وتلامذته، والأدباء والنقاد الموضوعيين، حيث لم يكتب عنه إلا قليل منهم، ومما يذكر فيشكر ما كتبه الأديب (عبد الله بن سليم الرشيد) في ذكر ما له من شاعرية وما يحمله من هموم إسلامية، ولقد وصف شعره بأنه وعظي، وأنه شاعر واعظ! ، وتساءل: هل من العجب أن يكون الواعظ أديباً، أو الناقد والشاعر واعظاً، هذا إذا فهمنا الوعظ بالمعنى الشامل الذي يدخل فيه التذكير المباشر وغير المباشر كالأسوة الحسنة مثلاً، ومع ذلك: فلا تنافر بين الأدب والوعظ ما دام ذلك الأدب مستوفياً شروط الإبداع صياغة ولفظاً، وكفى بكلام الله واعظاً وهو الحجة البالغة ... [*] . والحقيقة: أن شاعرية (عقيلان) يلمحها المتذوق للشعر في ثنايا ديوانيه بما يهز سامعه هزّاً، ويثيره شجناً، ويحلق بالقارئ إلى آفاق رحبة، يلمس فيها صدق العاطفة وجمال العبارة ووضوحها، وهنا أورد بعض نماذج شعره: - من قصيدته (يقول لنا الشهيد) والتي قالها حينما أُريد نقل رفات الشهداء المصريين فيما أحسبهم بعد حرب ١٩٤٨م على ثرى فلسطين: يقول لنا الشهيد دعو عظامي ... فما في الدين مصري وشامي دعوني واطلبوا ثأري فإني ... لقتل من استباحوا الحق ظامي أليست روضة الشهداء حولي ... ونور المسجد الأقصى أمامي فلسطين الجريح مكان روحي ... ووجهة الأنبياء بها إمامي - ومن قصيدته (شباب وخنافس) يقول: لهفي على ابن الأكرمين مخنفساً ... رخصاً يسابق في الدلال الغيدا مستعبد التفكير خلف عدوه ... كالقرد يقضي عمره تقليدا بسوالفٍ وسلاسلٍ وأظافرٍ ... يعصي الإله لكي يطيع يهودا - ومن قصيدته (صرخة الأقصى) يقول: صوت من المسجد الأقص يناديني ... إلى فدائية الإيمان يدعوني يصيح والصخرة الغراء خاوية ... أين البطولات في الغر الميامين أَبَعْد أن زفني عمرو إلى عمر ... في هالة المجد والقرآن والدين يعربد الكفر مخموراً بمئذنتي ... ويستهين بقدسي كل ملعون؟ - ومن قصيدته (صرخة) يقول: حطمت قيثارتي قطعت أوتاري ... ولّى الغناءُ ودقت ساعة الثار ماذا أغني وتاريخ العروبة في ... مستنقع الذل والتشريد والعار والقدس والمسجد الأقصى وصخرته ... عاد الأذان بها تهريج كفار رحم الله الشيخ، وجمعنا به في الجنة ...

стр. 2463

مقال وداعاً أيها العام ! ! بقلم:محمد إدريس وقفت أمام يوميتي لأنزع آخر ورقة بها لآخر يوم من عمر العام المنصرم ١٤١٧هـ، وعلى غير عادتي تثاقلت يدي هذه المرة، وهي تمتد إليها، وانتابني إحساس نبه في وجداني شعوراً، ما كنت أأبه له على مدى أكثر من ٣٥٠ يوماً قد انتهت! ! ، لقد أحسست بإشفاق عليها، وقد تراءت لي كأنها تحتضر، وترنو إلى يدي في فزع وذل؛ كأنها تطلب مني أن أمهلها لحظات تودّع فيها هذه الحياة! ! ، فعدلت عن نزعها، ورحت أتأمل هذه الورقة الأخيرة، واعترتني رهبة عندما عرفت أنني في الحقيقة بنزعها، قد نزعت حزمة من أيام عمري، لأطوي بها في سجلي الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وبما فيها من خير وغيره. إن هذه اليومية (الشاهد) المحتضرة تشبه عمر أي مخلوق، وإنها تتناقص أيامها مثلما تتناقص أعمارنا يوماً بعد يوم، وكما يتناقص بتراكمات الحقب والسنين عمرُ الزمان، وكل المخلوقات في تناقص مطّرد حتى تنتهي إلى الزوال؛ [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإكْرَامِ] [الرحمن: ٢٦، ٢٧] . إن كل المخلوقات تنتهي أعمارها، وتمضي حيث شاء الله لها، وتُطوى! ، إلا هذا المخلوق (الإنسان) فإنه الوحيد الذي يبقى متبوعاً بعد رحيله من هذه الدنيا، وموقوفاً للحساب والجزاء. عدت من ذهولي، وأخذت استحث ذاكرتي القاصرة؛ علّها تسترجع بعض ما رسب وعلق بها من أحداث العام المنصرم، قبل أن تغمرها دوائر النسيان، ووقفت طويلاً أستعرض ذلك الشريط الطويل (العمر) ، يا سبحان الله العظيم! ! .. إنه شريط عجيب حقّاً، فقد اكتظ اكتظاظاً، وأفعم إفعاماً؛ لقد اكتظ بالحوادث المختلفة، والأحداث المتباينة، والأعمال الحقيرة والجليلة، عنّي وعن غيري ممن لا حصر لهم، من الذين مرّوا أمام عدسة هذا الشريط بالصوت والصورة! ! . ثم مرّت أمامي لقطات متتالية مؤلمة مؤلمة وحزينة حزينة، من واقع كثير من المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها. أحبائي القراء المحترمين، إن استرجاع وعرض كل لقطات شريط عامنا المنصرم عن أحوال أمتنا في هذه العجالة وفي هذه المساحة المحددة صعب جدّاً، كما لا أحب أن أثقل به عليكم أكثر، ولنتركه مستوراً ليوم العرض الأكبر، ندعوه (تعالى) ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنه البر الرحيم، ولكني أحبّ أن أذكر بنزر قليل مجملٍ من غير تفصيل، وإن الذكرى تنفع المؤمنين. وعليه: فإن ما أحزنني عن حالنا كان كثيراً كثيراً؛ وإن ما أسرّني منه كان قليلاً! ! ، ولست أدري من أين أبدأ الكلام؟ ! ، وعمّ أتكلّم؟ . المبدأ بأرض الكنانة؟ ، أم عن ضفاف النيلين الأبيض والأزرق؟ ، أم عن الجبل الأخضر؟ ، أم عن جامع الزيتونة المقهور؟ ، أم عن موطن ابن باديس المستلب؟ ، أم عن جامع القرويين النائم؟ ، أم عن معاقل الشناقطة الأعلام المتخلف؟ ، أم عن بلاد الرافدين المغلوبة على أمرها؟ ، أو عن الشام المهيضة الجناح؟ ، أم عن فلسطين السليبة؟ ، أم عن اليمن السعيد؟ ، أم عن بخارى والسند؟ ، أم عن أخوات البوسنة؟ ، أم عن مسلمي الهند؟ .. أَم.. أَم.. أَم.. لكني رأيت فيها كلها عجباً عجاباً، رأيت فيها ليلاً أغدف، ونهاراً أكلف، أرضاً صلعاءَ، وسماءً جلواء؛ ورأيت فيها باطلاً عسوقاً [١] ، وظلماً عنوقاً، عِزة بالأثم وجوراً، وحقّاً مقهوراً، وباطلاً منصوراً! ! ، ورأيت ردّةً وشركاً واغتراباً، ومسخاً وفجوراً، وتَجِنِّياً وسفوراً! ! ! . رأيت فيها استكانة وذلة! ! ، ودَعَةً واستمراءً وغفلة! ! ، وصمتاً مهلاّ! ! . نعم.. لقد رأيت فيها طواغيت قد عادوا بطغواهم، والمستضعفين المغلوبين يعانون من جبروتهم وظلمهم، ولا ملجأ لهم إلا الله. نعم.. لقد رأيت فيها قابيل يقتل هابيل ظلماً وعدواناً. رأيت فيها نوحاً ﵇ يواصل رسالته، ومع القلة المؤمنة يصنع سفينته، ليرحل عن دنيا الناس، والغرباء ينتظرون الطوفان ليجرف المتجبرين.. فطوبى للغرباء الصابرين! . ورأيت فيها النمرود يحاول حرق إبراهيم ﵇ ، وإبراهيمَ، وإبراهيمَ، وإبراهيمَ، ويعتدي على عرضهم وأهلهم، وينفيه من أرضه، والقوم من جبروته مبهورين ومقهورين، بل هم يتفرجون! . ورأيت فيها قارون لم تكفِه خزائن الأرض كلها، ومع عصابته خطفوا كل مفاتيح الخزائن، فأفلسوا البلاد، وعاثوا فيها الفساد، وأهلكوا الحرث والنسل.. قومه يتضورون جوعاً، ويمجدونه كذباً وزوراً! ! . رأيت فيها فرعون لا يزال معانداً متألهاً، يكفر بموسى ﵇ ، وبرب موسى، وبرسالة موسى، ويأتي الطاغوت يعلن على الملأ بِقِحَة وصفاقة المتجبرين: بأنه لا ربّ سواه؛ وقومه له يسجدون، وهم راغمون، ولا ساكناً يحرّكون، ولا واقعهم إلى الأحسن يغيرون. رأيت العزيز يسجن الصديق، ويرمي به في غياهب السجون، ولكنه يمضي في طغيانه، لأن البطانة تطريه، وإذا غضب ترضيه! ! . ولكن الذي ملأني رعباً وغيظاً، وهلعاً وحنقاً، عندما رأيت، وكما يراه كل المسلمين، عندما رأيت الإسلام لا يزال مكبّلاً بالسلاسل في كثير من ديار الإسلام، يرسف في قيوده، ويساق إلى قفص الاتهام، للمرة السبعين، منذ عشرات العقود من السنين لا يزال مُداناً، وفي كل عام بدون اتهام، ليطيلوا محاكمته، ويمدّدوا في عقوبته وسجنه! ! ، فلقد أجمع المحلفون، والقانونيون، وفقهاء السياسة.. بحكم المتحضرين والمتنورين، وبشهادات الشهود الموثقين، لقد أجمعوا على اتهامه في هذا العام بأخطر اتهام، بأنه عين التطرف والإرهاب.. والهتيفة يُؤمِّنون. وهنا أتوقف؛ فالحديث ذو شجون.... . وإن الأمر جدّ مهول، جدّ مهول، جدّ مهول، دعاة الإسلام يحاكمون، أم إن دين الله أصبح في عهد ادعياء الديمقراطية في (قفص الاتهام) ؟ ! . لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهالني الأمر، وأشفقت على أولئك المضطهدين، تلك الفئة الصالحة المبتلاة، وأشفقت عليها من صبرها الطويل الطويل! ! ، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. مددت يدي وانتزعت الورقة الأخيرة؛ لتبدأ البداية الجديدة. لعام جديد، بأمل كبير، ودعاء صادق أن يقيض الله لهذا الدين مَن ينصره، ومن يتبناه ويحكِّمه في أمتنا المأسورة في كثير من البلدان بالقوانين التي ما أنزل الله بها من سلطان، سائلاً الله أن ينصر الإسلام، وأن يعز المسلمين، وأن يرينا في أعداء دينه وشانئيه يوماً أسود، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2464

هموم ثقافية المسلمون على مشارف القرن الواحد والعشرين (١ من٢) بقلم: د. محمد طاهر حكيم كيف يستقبل المسلمون القرن الجديد؟ ! .. موضوع يكثر الحديث عنه منذ عدة سنوات ويشغل بال كثيرين من مفكري الأمة. إن الأيام والشهور والسنين والقرون شهود على الإنسان أو شهود له، وهي شهود على الأمم والشعوب والحضارات أو شهود لها. وشهادة القرن العشرين للأمة الإسلامية كُتب منها كثير وبقي منها قليل، ليس أمام هذا القرن إلا بضع سنوات.. نسأل الله أن تكون سنين خير ورخاء واستقرار على الأمة الإسلامية. فكيف هو واقع المسلمين الذين يزيد تعدادهم على ألف مليون نسمة، وينتشرون على ربع مساحة اليابسة من (جاكرتا) شرقاً إلى (طنجة) غرباً، كيف واقعهم اليوم في مجالات العلم والمعرفة والبحث العلمي والتقني والاقتصاد والاجتماع والعلاقات المحلية والدولية؟ ، وما المخاطر والمشكلات التي تواجههم على عتبة القرن الواحد والعشرين؟ ، ثم: ما آفاق المستقبل للأمة الإسلامية؟ . هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذا المقال إن شاء الله (تعالى) : أولاً: واقع الأمة في مجال العلم والمعرفة والبحث العلمي والتقني: إن نسبة الأمية بين المسلمين تبلغ ما بين ٥٠% إلى ٨٠%، بينما تقل نسبة الأمية عن ٢% في دول الشمال، وأي مصيبة أكبر من أن تكون أمة [اقْراً] لا تقرأ، جاء في دراسة أعدها (منتدى الفكر العربي) عن مستقبل الأمية بالوطن العربي ما يلي: (يبلغ إجمالي الأميين في الوطن العربي نحو ٣٣ مليوناً في عام ١٩٩٤م) . إن مشكلة الأمية بكل أبعادها ليست مشكلة تعليمية أو تربوية فحسب، بل هي في الأساس مشكلة حضارية، لذا: فإن القضاء عليها ليس فقط استثماراً له مردوده الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، بل يُشكّل وهذا هو الأهم شرطاً أساساً ولازماً للتطور واللحاق بالركب الحضاري، وإنه لمن نافلة القول أن أؤكد أنه من المستحيل قيام تقدم علمي وتقني في ظل الواقع الحالي، لهذا كان من الطبيعي أن تتعثر جميعُ خطط محاولات اللحاق بركب التطور العلمي والتقني؛ لأن الحدود الدنيا من المقومات العلمية والبشرية اللازمة لا تتوفر للدول الإسلامية، بل لا تمكن منها من قبل الغرب. والواقع: أن فجوة التخلف بيننا وبين العالم المتقدم في مجال العلم والتقنية فجوة هائلة، تزداد اتساعاً بمرور الأيام، ومع أن الإحصائيات عن هذه الفجوة غير متوفرة بشكل جيد، إلا إن الدراسة التي قُدمت لمنظمة المؤتمر الإسلامي في اجتماعها الذي انعقد في (إسلام آباد) في الفترة من ١٠ ١٣ مايو ١٩٨٣م، تذكر بأن هناك حوالي ٤٥ ألفاً من العلماء والمهندسين في حَقْلي البحث والتطوير العلمي والتقني في العالم الإسلامي بأكمله، وهذا العدد لا يقارن بعدد العلماء والمهندسين العاملين في (اليابان) وحدها، وهو حوالي نصف مليون باحث، وفي (الاتحاد السوفييتي) سابقاً يبلغ أكثر من مليون ونصف المليون. وأما في حقل (الفيزياء والذرّة) : فقد نشرت اللجنة المركزية للمخابرات الأمريكية تقريراً قبل بضع سنوات فيما يتعلق ببعض دول العالم الثالث، جاء فيه: (أن هناك مئتي ألف عالم نووي يعملون في الهند، وخمسين ألفاً في إسرائيل، وخمسة آلاف في باكستان) . ومن أبلغ المؤشرات على عمق هذه الفجوة واتساعها: تدني إنفاق الدول الإسلامية على الاهتمام بالبحث العلمي وتوظيفه من أجل التنمية، فقد ذكر الدكتور (زغلول النجار) أن الدول المتقدمة تنفق ما بين ٣% و ٤% من دخلها العام على البحث العلمي والتقني، في حين نجد أن إنفاق الدول الإسلامية والعربية لا يتعدى ٢,.%، فكل من (إندونيسيا) ، و (إيران) ، و (باكستان) على سبيل المثال أنفقت ٢. ,%، بينما أنفقت كل من (بنجلاديش) ، و (السودان) ٣,.%، و (مصر) ٧,.% في السبعينيات، وإذا ترجمنا هذه النسبة إلى ما يقابلها من الدولارات فإنها تعادل ما يقرب من (٥٥٠) دولاراً عن كل فرد في (أمريكا) ، و (١٠) دولارات في الدول الإسلامية. وتبلغ نسبة العلماء والتقنيين إلى مجموع تعداد السكان في الدول الإسلامية رقماً لا يذكر إذا قورن بنسبتهم في دول التقدم العلمي، إذ تتراوح بين عشرين في المليون في دولة (بنجلاديش) ، و١٩٠ في المليون في (مصر) ، بينما تتراوح بين ٤٣٠٠ في المليون في أوروبا وأمريكا، و٨٢٠٠ في المليون في (الصين) و (الاتحاد السوفييتي) سابقاً [١] . ولكن الأمرّ من هذا كله: أنه في الوقت الذي تدفع فيه الشعوب الإسلامية ثمن تعليم وتطوير هذه العقول، يجني الغرب الثمرة، حيث إن أعداداً كبيرة من هذه العقول تهاجر إلى الغرب وتصبح النتيجة مزيداً من التخلف التقني في المجتمعات الإسلامية وزيادة مُطّردة في التقنية الحديثة التي نستوردها من الغرب والتي تشارك في تطويرها عقولنا الإسلامية المهاجرة. فقد ذكرت هيئات عالمية مثل (منظمة اليونسكو) ، و (منظمة التجارة العالمية) و (لجان الجمعية العامة للأمم المتحدة) الحقائق الآتية: أ - أن ما يقرب من مليون من الكفاءات العالية والتقنيات الفنية المؤهّلة علميّاً هاجروا من دول العالم النامي إلى أمريكا وأوروبا خلال الفترة ١٩٧٢م ١٩٩٠م. ب - أن ٧٠% من الأطباء و ٦٥% من المهندسين من البلاد الإسلامية هاجروا إلى الخارج، وأن من بين كل مئة يبعثون للخارج على نفقة الدول العربية لنيل درجات الماجستير والدكتوراة يبقى منهم ٤٠% في الخارج ويهاجرون هجرة نهائية، و ٢٠% يهاجرون هجرة مؤقتة. ج - بلغت هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء العرب إلى الغرب حتى سنة ١٩٧٦م ما نسبته: ٥٠% من الأطباء، و ٢٣% من المهندسين، و١٥% من علماء الطبيعة. د - أن ما بين ٥٠% ٧٠% من خريجي كليات الطب في (باكستان) يهاجرون سنويّاً إلى الغرب خلال العقد الأخير، وفي المتوسط: يهاجر مئة عالم وفني وتقني يوميّاً إلى الغرب. هـ قدّر مكتب خدمات (الكونجرس) في أمريكا أنه في عامي ١٩٧١م ١٩٧٢م فقدت الدول الإسلامية نتيجة هجرة كفاءاتها العلمية استثمارات تقدر بـ (٤٦٤) مليون دولار، وتبدو خسارة الكفاءات أكثر مأساوية بالنسبة إلى بعض الدول النامية، حيث فقدت (بنجلاديش) ١٧% من المهندسين، وفي الثمانينيات: انتقل ثلث الكفاءات العلمية من إفريقيا إلى أوروبا، وخسرت (غانا) وحدها ٦٠% من أطبائها. وإذا أخذنا في الاعتبار أن هذه المناطق تعاني أصلاً من نقص الكفاءات وسوء الخدمات الصحية يَظهر بوضوح حجمُ مأساتها، فنصف سكان إفريقيا لا يحصلون على خدمات صحية، وثلث سكانها لا يعرفون القراءة والكتابة، وحوالي ثلثي سكان (بنجلاديش) من الأميين، في حين لا يوجد إلا ما نسبته طبيب واحد لكل ١٥ ألف نسمة في (غانا) ، بينما يوجد في الدول المتقدمة طبيب لكل ٤٦٠ نسمة [٢] . أنا لا أبحث هنا في أسباب الطرد من هنا والجذب من هناك، والاستبعاد من هنا والاستقطاب من هناك، ولكن الاستنتاج الوحيد الذي يمكن الخروج به هو أن السياسة التنموية المحبِطة التي تنتجها الدول الإسلامية هي الدافع الرئيس لهجرة الكفاءات العلمية. والأمرّ بعد هذا كله: أن كثيراً من أصحاب القرار في العالم الإسلامي يفضلون حُثالات الغرب والشرق من غير المسلمين على الكفاءات الإسلامية المتميزة، انطلاقاً من مركبات النقص العديدة تجاه أصحاب العيون الزرق بصفة عامة، على الرّغم من أن الممارسة قد أثبتت أن هؤلاء لا يخرج كثير منهم عن كونهم عملاء للاستخبارات الأجنبية أو للحملات التنصيرية، وكما أثبتت الأيام أن أي مشروع نفذ بأيدٍ غير إسلامية هو فُرصة ضُيعت على أبناء الإسلام وإلى الأبد، وكان من الأصلح أن يُنفّذ بأيدي أبنائها [٣] . هذا هو واقع الأمة العلمي والتقني على مشارف القرن الواحد والعشرين، فهل إلى سبيل لإصلاح الواقع؟ . فما واقعها الاقتصادي؟ : إن الغالبية العظمى من سكان الدول الإسلامية اليوم (باستثناء الدول النفطية) تعيش تحت الحد الأدنى للكفاف اللازم لصون كرامة الإنسان، وقد ذكرت في مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الذي انعقد في (كوبنهاجن) الأمور الآتية: أ - عدد الفقراء في الدول النامية يبلغ ١. ٣ مليار نسمة، أي: خمس سكان الأرض تقريباً، ٦١% منهم في إفريقيا، و ٣١% من آسيا. ب - أغنى عشر دول في العالم هي: (سويسرا) ودخل الفرد فيها ٣٦. ٤١٠ دولار، ثم (لوكسمبرج) ، ثم (اليابان) ، ثم (الدنمارك) ، ف (النرويج) ، ف (السويد) ، ف (أمريكا) ، ف (أيسلندا) ، ف (ألمانيا) ، وأخيراً: (الكويت) ، ويبلغ دخل الفرد فيها ٣٥٠، ٢٣ دولاراً للفرد، والأخيرة هي المسلمة فقط. ج - أفقر عشر دول في العالم هي: (موزمبيق) ، ودخل الفرد فيها ٨٠ دولاراً فقط، ثم (تنزانيا) ، ف (إثيوبيا) ، ف (سيراليون) ، (نيبال) ، (فيتنام) ، (بوروندي) ، (أوغندا) ، (رواندا) ، وأخيراً: (تشاد) ، ويبلغ دخل الفرد فيها: ٢٠٠ دولار للفرد، وواضح أن ثلاثاً منها مسلمة، وهي: (تشاد) و (أوغندا) و (تنزانيا) . د - فيما يتعلق بالعالم العربي: فقد ذكر المصدر أن ثلث سكان العالم العربي فقراء [٤] . ويمكن تقسيم العالم الإسلامي اليوم من حيث نصيب الفرد من الدخل إلى أربع شرائح: ١- دول ذات دخول منخفضة: لا تتعدى أربعمئة دولار للفرد في السنة، من هذه الدول: (إريتريا) ، (أفغانستان) ، (بنجلاديش) ، (تنزانيا) ، (غينيا) ، ... (موريتانيا) ، (الصومال) ، ... وغيرها. ٢- دول ذات دخول متوسطة: تتراوح بين أربعمئة وثمانمئة دولار، أو يزيد قليلاً، منها: (الجزائر) ، (تركيا) ، (مصر) ، (العراق) ، (المغرب) ، (تونس) ... وغيرها. ٣- دول ذات دخول فوق المتوسط: تصل إلى ٣٠٠٠ دولار، مثل (ماليزيا) . ٤- دول ذات دخول مرتفعة: وتشمل دول الخليج النفطية، و (بروناي) . ويرجع السبب الرئيس لهذا التباين الكبير في متوسط دخول هذه الشرائح إلى عامل التجزئة، والكيانات المصطنعة التي رسمتْ حدودَها الراهنة القوى الاستعمارية العالمية؛ لتبقى الأمة الإسلامية على هذه الصورة من التفتت الذي لا يُمكّن أيّاً من دولها من القيام بذاته أو من تشكيل وحدة اجتماعية أو اقتصادية متكاملة أو حتى شبه متكاملة. وإمعاناً في هذا التفتيت: وظفت القوى الاستعمارية ولا تزال مبررات الفُرفة بين هذه الكيانات من خلافات حدودية، وسياسية، وقبلية، وعرقية، وطائفية، وفكرية.. وغيرها في الإبقاء على فرقتها، واشتعال الحروب الباردة والساخنة بينها والعداوات الشخصية بين زعاماتها [٥] . وتأتي بعد هذا مشكلة الديون، وتفصيلها كالآتي: إجمالي الديون المستحقة على الدول النامية المدينة (١٢٣ دولة) بلغت أكثر من ١٨١٢ مليار دولار عام ١٩٩٣م، منها ١٩٤ مليار دولار على الدول العربية، وتقدر خدمة هذه الديون (الربا) بحوالي ١٨ مليار دولار سنويّاً، وهذه الديون تمثل ٧٥% من إجمالي الناتج المحلي العربي. وتبلغ ديون الدول الإسلامية عموماً بنحو ٥٠٠ مليار دولار عام ١٩٩٣م. وعلى العموم: فإن مارد الربا يحصد ما تزرعه الدول النامية في صورة فوائد للديون، فإذا ذهب ٤٥% من الناتج القومي للمسلمين إلى الديون وفوائدها، وذهب مثله تقريباً على السلاح والدفاع، فماذا بقي للتعليم والبحث العلمي والصحة والتنمية الاجتماعية؟ . على سبيل المثال: تبلغ ديون (باكستان) نحو ٢٤ مليار دولار، ويذهب ثلث الناتج القومي في مقابل الديون وفوائدها، ونحو ٤٥% للدفاع والجيش، فماذا بقي للتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية؟ ، وهكذا حال بقية الدول الإسلامية التي تزيد ديون بعضها على ديون باكستان، فمثلاً ديون تركيا تزيد على ٥١ مليار دولار، وديون مصر تزيد على ٤٠ مليار دولار، وديون الجزائر تزيد على ٢٦ مليار دولار.. وهكذا [٦] . مخاطر أخرى للديون: وهذه الديون التي ندفع عليها فوائد عالية وتسبب الهم والغم للشعوب، هذه الديون لا تزيدنا إلا فقراً وضعفاً، لأنها: أولاً: تكون مشروطة بشروط مجحفة ظالمة تضر بهذه الشعوب واقتصادياتها. ثانياً: أن ٤٠% من عمليات الدعم المالي الغربي تذهب لصالح الخبراء الأجانب في الدول الإسلامية مقابل بعض الدراسات التي لا جدوى لها، والتي تأتي غالباً غير ملائمة لظروف واحتياجات الدول الإسلامية، وهو ما يعني أن الغرب يأخذ بالشمال ما يعطيه باليمين تحت مسمى (مساعدات) ، من دون فائدة حقيقية. ثالثاً: أن ٨٥% من استثمارات ومساعدات البلدان الغربية للعالم الإسلامي في مشروعات غير إنتاجية (استهلاكية خدمية) لا تخدم الاقتصاد المحلي، وليس لها علاقة بتطوير الإمكانات الذاتية للإنتاج، من أمثلة ذلك: مشاريع الفنادق الضخمة، والملاعب الرياضية الشاسعة، والملاهي ودور الأوبرا الفخمة، والبارات الكبيرة.. وغيرها من صور الترف والإفساد التي لا تحتاجها الدول الفقيرة في المراحل الأولى من نموها على الأقل.

стр. 2465

حوار حوار مع الشيخ /علي أكبر عبد العزيز سربازي المتحدث الرسمي لجمعية الدفاع عن حقوق أهل السنة في إيران مندوب المجلة نظراً للتعتيم الذي ضرب على أهل السنة في إيران، وما يعانونه من اضطهاد ومضايقات، فقد كانت فرصة سانحة للقاء مع الشيخ (علي أكبر عبد العزيز سربازي) المتحدث باسم جمعية الدفاع عن حقوق أهل السنة والجماعة في إيران والحوار معه، لإطلاع قراء على واقع إخواننا أهل السنة في إيران، في حديث مفصل عن شؤونهم وشجونهم، وقد جاء الحوار على النحو التالي: أ -من المعلوم تاريخيّاً أن بلاد فارس كانت في الأصل بلاداً للسنة بكافة شعوبها، لكن الحكام الرافضة حولوا هذا الشعب بطريقتهم الخاصة إلى العقيدة الرافضية، فما الأسباب التي حولت هذه الشعوب عن السنة؟ . كما تعلمون أن إيران منذ أن دخلها الإسلام في عهد الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب) ﵁ كانت تحت حكم أهل السنة والجماعة بكافة شعوبها حتى (عام ٩٠٧هـ) ولكن أعداء الإسلام يتآمرون على الإسلام والمسلمين في إيران، وفي حين كانت الأمة الإسلامية مشغولة في الحروب الصليبية ضد أعداء الإسلام اغتنموا هذه الفرصة وبحثوا عن شخص يبيع دينه فوجدوه في (أردبيل) ، ألا وهو (صفي الدين الأردبيلي) مؤسس الدولة الصفوية التي قامت آنذاك بحرب شرسة ضد الخلافة العثمانية بأنواع الكيد والمكر، وأضعفوا شوكة المسلمين بضرب المسلمين من الوراء كما هى عادة المنافقين في صدر الإسلام، وفي داخل (إيران) بدؤوا بتدمير وقتل وإبادة المسلمين (السنة) في جميع المدن الإيرانية الرئيسة، حتى إنهم كانوا يقتلون الآلاف في اليوم الواحد، ثم ضيقوا الحياة على المسلمين السنة بشتى الوسائل من المطاردة والقتل والتشريد، وبخاصة قتل العلماء والدعاة، مما أدى إلى تشيع عدد كبير من السنة، وهروب عدد أكبر إلى المناطق الجبلية والحدودية وهي أماكن تجمعهم الحالية، حصل كل هذا والعالم الإسلامي يغط في نوم عميق وغفلة عن أحوال إخوانهم في إيران، حتى لم يبق منهم متمسكاً بالسنة سوى٢٠% فقط من عدد السكان. - حدثونا عن واقع أهل السنة في إيران حالياً: مناطقهم، وعددهم؟ يعيش أهل السنة في إيران اليوم في حال من البؤس والشقاء وتحت مؤامرة كبيرة محاطون بها، لذا: يخيم عليهم الظلم والجور والتشريد والإبادة الجماعية، مما انعكس عليهم بالتخلف في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتخلف في فهم الدين أيضاً من جراء قتل العلماء والدعاة، والإهانة المتوالية لمعتقداتهم ومضايقتهم في أعراضهم وشرفهم من قِبَل الحكومة الحالية وجلاديها الحاقدين الظالمين. ويعيش أهل السنة عموماً في المناطق الحدودية وعلى أطراف إيران، ومعظم الشعب في مناطق السنة هم على عقيدة أهل السنة والجماعة، علماً بأن استيطان الشيعة في مناطق السنة زاد بشكل رهيب بعد الثورة، حيث تحولت المناطق التي كانت نسبتها ٩٩% من السنة إلى ٧٠% فقط، و٨٠%، خاصة (كردستان) الإيرانية، و (بلوشستان) ، و (هرمز تان) ، و (تركمن صحراء) .. ويوجد عدد كبير من السنة في مناطق (خراسان) ، و (مازندران) ، و (طوالش) ، والعاصمة (طهران) ، و (أذربيجان الشرقية) ، ومحافظة (كرمنشاه) ، ومحافظة (باختران) . ويوجد عدد غير قليل أيضاً في المدن الرئيسة، مثل: (شيراز) ، و (كرمان) ، و (مشهد) ، ويبلغ عدد أهل السنة من (١٥ ٢٠) مليوناً، علماً بأن الحكومة لا تعطي إحصائية دقيقة لعددهم، اتباعاً لنهجها في تهميشهم ومضايقتهم ومحاولة إذابتهم في شعوبها ذات العقيدة الرافضية. ويشكل أهل السنة والجماعة في إيران حوالي ثلث سكانها، ويبلغ سكان إيران خمسة وستين مليوناً، حسب إحصائيات الحكومة الأخيرة. - ما هي حال أهل السنة قبل الثورة الإيرانية في عهد الشاه، وهل تحسن وضعهم أم سار نحو الأسوأ؟ مع الأسف، كان أهل السنة في عهد الشاه أيضاً يعانون من الحرمان والفقر وعدم اهتمام المسؤولين بأوضاعهم الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا بسبب نفوذ رموز الرافضة في حكومة الشاه، ولكن لم يكن هناك تعرض لأهل السنة في عقيدتهم، وإبادة جماعية، أو تخريب المساجد، أو منع لبناء المدارس الدينية، فقد كان المسلمون في حرية نسبية في الدين والتجارة والعمل، ولكن بعد الثورة مع الأسف ومنذ دخول (الخميني) إلى إيران توالت أنواع من المشكلات والمصائب على الشعب السني المسلم بعامة، وقد ألمحنا إلى شيء من ذلك. - يعاني أهل السنة حالياً كما كتب بعض علمائهم ودعاتهم معاناة كثيرة، فما هي مظاهر تلك المعاناة؟ ، وما الأسباب التي يُلجأ إليها للإيقاع بالمسلمين؟ . معاناة الشعب السني المسلم تتمثل في الحرب الاعتقادية، والهجوم الثقافي ضد أهل السنة بجميع إمكانات الدولة وقدراتها، ويفترض في دولة غنية مثل إيران إتاحة التنمية لجميع شعوبها ما دامت تدعي الإسلام ونصرة المستضعفين، لكن التضييق على السنة، ومحاربتهم في أرزاقهم، ومنعهم من الوظائف العليا ذات الأهمية هو الوضع القائم الفعلي، فضلاً عن المضايقة لعقيدتهم، وذلك بنشر وتوزيع كتب ضد معتقدات أهل السنة وما يدينون به، وتشكيك الناس بمعتقداتهم، وتشويه التاريخ الإسلامي، وتحريف حقائق التاريخ، وإرسال مجموعات كبيرة من دعاة الرافضة في مناطق أهل السنة لترغيبهم في عقائد الرافضة المنحرفة، وتشجيعهم على ذلك بالأموال والمغريات، والاستفادة من الإذاعة والتلفزيون لنشر عقائدهم وإعطاء صورة غير صحيحة عن معتقدات أهل السنة والجماعة، والإهانة لأصحاب رسول الله، والإهانة لأمهات المؤمنين، خاصة (عائشة) ، و (حفصة) ﵄ ، والسخرية بالشخصيات المسلمة السابقة، أمثال أئمة الحديث والفقه بصورة خاصة. ومعاناة السنة من الجهة السياسية واضحة، فلا يوجد أي شخص ممثل للسنة في إيران، فهم لا يوظفون أهل السنة في المناصب الرئيسة في الوزارات والدوائر المهمة بالدولة، وحتى المناصب غير المهمة لا تعطى بسهولة للسنة علماً بأن ٨٠% من الموظفين في مناطق السنة هم من الروافض، ويحاولون بأقصى جهدهم الوقوف أمام ترشيح مرشحي السنة في البرلمان، بحيث لا يقبلون المرشح من قِبَل الناس، ويرشحون الرافضة غير المستوطنين في مناطق السنة، أو يأتون بمن باع دينه مثل مرشح مدينة (إيرانشهر) السابق (نور محمد ربوشة) ، ومرشح (خراسان) من (تربت جام) السيد (مجددي) ، وأمثال أولئك من الذين لا يرتاح لهم السنة؛ لأنهم صنائع معدة سلفاً. أما اجتماعيّاً: فيُعامَل أهل السنة في (إيران) كأجانب مثل (الباكستاني، أو الأفغاني) ، بحيث لا يكنون لأحدهم أي احترام ولا تقدير، بل هم مثار السخرية، وبخاصة في المدن الكبرى، ولا يحس السني في (إيران) بأنه من أهل هذا البلد، وتحاول الحكومة أن تجعل المواطن السني مواطناً من الدرجة الثانية بل الثالثة، وتصرف على ذلك أموالاً طائلة. أما اقتصاديّاً: فسياسة الحكومة الظالمة أن تسد جميع موارد الحياة في وجوه أهل السنة، بحيث لا يسمح لهم بالعمل التجاري من الاستيراد والتصدير وفتح المصانع والشركات، في حين تعطى للرافضة من مناطق أخرى مثل هذه الامتيازات إضافة إلى التسهيلات الأخرى، أما المنتسب إلى السنّة: فيشجع على التهريب وبيع المخدرات علناً من قبل الحرس الثوري والمنظمات الحكومية الأخرى ولكن إذا غيّر أحد من السنة دينه تعطى له مكافأة كبيرة، ويصدر الأمر بفتح شركة، وممارسة الاستيراد من الدول المجاورة، ويرفع من شأنه، كما إنهم يشجعون السنة ليتجسسوا لمصلحة الحكومة واغتيال العلماء والمخالفين لهم، ويعطونهم مقابل ذلك الملايين. - هل لأهل السنة مدارس خاصة بهم؟ أم إنهم يضطرون لإدخال أبنائهم مدارس الرافضة، وبالتالي: يتعرضون لغسيل مخ بما يطرح في المنهج الحكومي القائم على عقيدة القوم؟ . لا يوجد لأهل السنة مدارس خاصة أبداً، ولا يستطيعون ذلك مهما بذلوا من ثمن، ومن ثم: يضطر أهل السنة لإدخال أبنائهم مدارس الحكومة، وهناك يبدأ غسيل مخ الطفل السني من قبل مدرسين مدربين على ذلك، تم بعثهم إلى المناطق السنية خاصة، فتجد الطفل السني يحفظ جميع معتقدات الرافضة، فلا يعرف شيئاً عن دينه إلا من رحم ربي. - ما هي حال المدارس القرآنية المسموح بها؟ ، وما مدى إمكانية فتحها؟ ، وهل يمكن للمتخرجين منها العمل في الوظائف والمشاركة في الحياة العامة باعتبارهم مواطنين إيرانيين؟ منذ زمن الشاه أوجد أهل السنة مدارس قرآنية دينية، ولم تتعرض لها حكومة الشاه، ولكن بعد الثورة بدأت الحكومة بوضع عراقيل متعددة أمام فتح مدارس جديدة أو تنظيم المدارس القديمة، حيث يحاولون التدخل في شؤون هذه المدارس، علماً بأن المدارس الدينية تبدأ من مرحلة تحفيظ القرآن والابتدائية إلى أن يتخرج الطالب عالم دين ومتخصصاً في الشريعة، ولكن لا يعتبر هذا التعليم رسميّاً من قبل الحكومة، بل يقبض على الطالب خلال دراسته ويرسل إلى التجنيد الإجباري، وقد فتحت مكاتب من قبل الزعيم الروحي لإيران (سيد علي خامنئي) ؛ للسيطرة والرقابة على مدارس ومساجد أهل السنة، وهدفها: الإرهاب، والتقليل من عطاء أهل السنة، ثم التدخل في شؤون المدارس والمساجد، والإجبار على تسجيل هذه المدارس والمساجد في الأوقاف الحكومية، ويحاول هذا المكتب التفريق بين الناس والعلماء، وبين الناس وزعماء القبائل، وإيجاد حروب متعددة بين القبائل، ونصب زعماء غير مؤهلين على القبائل من قِبَل مكتب (الخامنئي) عيوناً لهم.. وجدير بالذكر أنهم اصطادوا عدداً غير قليل من علماء السنة؛ ليكونوا مستفيدين من مكانتهم في هدم عقيدة أهل السنة والجماعة. - لوحظ منذ سنوات وبعد الثورة استهداف العلماء والدعاة ورموز السنة بالاغتيال، مَن أشهر العلماء الذين قتلوا؟ ، وبأي مبرر قتلوا؟ الحكومة القائمة لا تطيق أحداً يقف أمام زحفها لإبادة أهل السنة والجماعة في إيران، وحينما يحاول أحد العلماء تثقيف أهل السنة أو الدفاع عن حقوقهم يتعرض لأنواع التعذيب والقتل والسجن والمطاردة في الداخل والخارج، وأصدق شاهد على ذلك: الشهداء فيما نحسبهم: العلامة (أحمد مفتي زادة) ، والأستاذ (ناصر سبحاني) ، والشيخ (محمد صلح ضيائي) ، والدكتور (مظفريان) ، والدكتور (أحمد ميرين سياد) ، والشيخ (عبد الملك ملا زاده) ابن الشيخ (عبد العزيز سربازي) مفتي (بلوشستان، وخراسان، وتركمن صحراء) وأحد نواب مجلس (جنرتان) ، والشهيد (عبد الناصر جمشيد زاهي) ، والأخ (فاروق خرساد) ، والشيخ (ملا محمد ربيعي) ، والشيخ (عبد الحق جعفري) ، والشيخ (عبد الوهاب خراساني) ... وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم، حيث عانى هؤلاء أشد أنواع التعذيب من نتف الشعر، وكسر الذراع والرقبة، وصب الأحماض على البدن، والضرب بالسياط، والإهانة في الدين والعِرض، وصولاً إلى قتلهم برصاص الـ (كلاشينكوف) اغتيالاً وقتلاً في الخارج والداخل. - على ضوء معاناة المسلمين السنة في إيران وما يلاقونه من اضطهاد، عزمتم على إنشاء جمعية للدفاع عن حقوق أهل السنة في إيران، هل لكم أن تحدثونا عنها: دافع قيامها، مؤسسيها، ومصادر تمويلها؟ . ما ذكرناه سابقاً من الدمار والقتل والإبادة لأهل السنة والجماعة في إيران اضطر أهل العلم والفتوى والمخلصين من الشعب السني المسلم في الداخل والخارج إلى التفكير في إنشاء (جمعية الدفاع عن حقوق أهل السنة في إيران) ؛ لكي تكون محوراً أساساً لتجميع أهل السنة والجماعة، ومن ثم: العمل على محاولة نجاتهم من مكر دعاة الرافضة بنشر الكتب والمجلات التي تشرح عقائد أهل السنة والجماعة، وتحريك الإعلام العالمي لشرح معاناة أهل السنة وما يلاقونه من الإبادة والدمار من قِبَل حكومة إيران الرافضية، وأسست هذه الجمعية خارج إيران، علماً بأنه غير مسموح لأهل السنة إيجاد حركة أو جمعية داخل إيران، ومؤسسو هذه الجمعية من العلماء المعروفين بزهدهم وتقواهم وتاريخهم الحافل بالجهاد والدفاع عن حقوق السنة وشرف الصحابة ولا نزكيهم على الله ومصادر التمويل ذاتية من بعض أهل السنة أنفسهم الموجودين خارج إيران، وجدير بالذكر أننا نعاني من مشكلات اقتصادية شديدة تضعف مواصلة مسيرتنا، ولا شك أن الطريق مليء بالأشواك والعراقيل من قِبَل حكومة الرافضة الحاقدة، ولكننا عازمون على إيصال صوتنا للعالم، حتى يعرف العالم ما نعانيه من ظلم واضطهاد. - ما مدى تفاعل أهل السنة من الإيرانيين بإنشاء هذه الجمعية؟ . يتفاءل كثير من أهل السنة الإيرانيين خيراً بإنشاء هذه الجمعية، ووصلتنا مئات الاتصالات من الداخل والخارج تشجيعاً وتأييداً لذلك، غير أن أملهم الوحيد بعد الله في إخوانهم المهاجرين الموجودين بالخارج، ومؤسسو هذه الجمعية هم: السيد الشيخ (محيي الدين) ، عين رئيساً لهذه الجمعية، والشيخ (حفظه الله) قضى مدة طويلة من حياته في سجون الرافضة، وعذب تعذيباً شديداً يظهر في أنحاء جسده ويعرفه الشعب السني الإيراني تماماً. والشيخ المجاهد (نظر محمد) أميناً عامّاً للجمعية، والشيخ (حفظه الله) كان عضواً في المجلس الإيراني الأول بعد الثورة لفترة أربع سنوات، وكانت له مواقف شجاعة في الدفاع عن شعبه المظلوم؛ ولهذا السبب بعد الانتهاء من الدورة الأولى للمجلس لم يرشح للمرة الثانية، ورُفض من قِبَل الحكومة، وسجن لفترة ثلاث سنوات صاحبها أنواع من الإهانات والتعذيب في سجن (إيفين) بـ (طهران) العاصمة. - يوجد مستشار لدى رئيس دولة إيران (رفسنجاني) لشؤون أهل السنة، ما رأيكم في هذا المستشار؟ ، وهل استفاد أهل السنة عن طريق هذا الرجل؟ ، وما تقويمكم لدوره؟ . نعم يوجد مستشار سني لدى الرئيس الإيراني، وهذا يشكل أسلوب خداع للعالم الإسلامي بدعوى أن حقوق أهل السنة في إيران مكفولة، علماً بأن هذا المستشار إنسان لا يملك أي نفوذ، واختيار الحكومة له مقصود، وهو ألعوبه لدى الرافضة يلعبون به كما يريدون، ويذهبون به إلى شتى دول العالم ليعلن أن أهل السنة بألف خير في إيران، والحقيقة عكس ذلك تماماً. لو كانت الحكومة صادقة في ادعائها بأن إيران دولة إسلامية لا تفرق بين المسلمين لعينت وزراء أو وكلاء من أهل السنة أو بعض المسؤولين في مناطقهم، علماً بأن من أهل السنة مَنْ لديهم الكفاءة والعلم، ولكن الأمر يؤكد عدم اعتبارهم مواطنين، فكيف يوضعون مسؤولين؟ . - هل هناك حركات ومناهج عاملة في إطار المسلمين السنة، وما مدى التنسيق بينهم؟ ، وما مدى التقارب الفكري والعقدي والمنهجي أيضاً؟ . لا يوجد حركات أخرى حالياً، الحركات السابقة مثل المجلس الأعلى لأهل السنة في إيران، ومنظمة مجاهدي أهل سنة إيران، وغيرهما من المنظمات غير المعروفة انضمت إلى هذه الجمعية، واتفقوا على أن يعملوا باسم (جمعية الدفاع عن حقوق أهل السنة في إيران) . - ما هو المطلوب تقديمه فيما ترون من المسلمين أفراداً وهيئات للمسلمين السنة في إيران؟ . المطلوب من المسلمين دعم قضيتنا ماديّاً ومعنويّاً؛ لأنها تتعلق بالعقيدة، ونحن إن كنا لا نرتبط نسباً فإننا نرتبط في العقيدة [إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء: ٩٢] . ولو غفل المسلمون عن قضية إخوانهم أهل السنة والجماعة في إيران فسيكون هذا ذنب عظيم، وعليهم حينئذ أن ينتظروا سقوط السنة كما سقطت فلسطين، وكما سقطت الأندلس وغيرها من البلدان، نسأل الله السلامة والعافية. - ما هي منهجية ومخططات الرافضة في الغزو الفكري للسنة؟ . هدفهم الوحيد: إبادة أهل السنة تماماً، وتشويه تاريخهم، والسيطرة على الأماكن المقدسة وزعامة العالم الإسلامي، بزعم إرجاع الخلافة إلى أهل البيت، وإذا أمعنتم النظر في العالم الإسلامي ترون الرافضة يتحركون حركة دائبة بشتى أنواع الأساليب، من فتح المدارس، وبذل الأموال لتغيير مذاهب أهل السنة، ونشر كتبهم، وأخذ الأولاد إلى إيران لتدريسهم في قم وغيرها مذهب الشيعة.. وهذا معروف للجميع. - ما هي توقعاتكم للمرحلة المقبلة؟ . نتوقع خيراً إن شاء الله بوقوف فعاليات العالم الإسلامي بأكمله معنا، وسنعمل جاهدين بإذنه (تعالى) على وقف الزحف الشيعي ومخططاته تجاه المسلمين السنة، وليعلم المسلمون في العالم من العلماء والدعاة والمفكرين حقيقة الرافضة ولا يغترون بدعاويهم للتقارب مع أهل السنة، وكيف إنهم يزعمون كذباً بواسطة عقيدتهم في (التقية) أنهم أنصار الوحدة وأنصار المستضعفين، وهم أعداء العقيدة وأعداء أهل السنة في إيران، في بلادهم، وكيف أنهم يهدمون مساجد أهل السنة ولا يطيقون لها وجوداً، ولا يسمحون ببنائها، وندعو أدعياء الموضوعية الذين يزعمون أن خلافنا معهم في الفروع إلى معرفة معاناتنا هناك في بلدنا ومناطقنا؛ ليعلموا أنهم صبوا علينا من العذاب والاضطهاد ما لم يصب على اليهود والنصارى الذين مكنوهم من بناء معابدهم بينما يهدمون مساجدنا جهاراً نهاراً بدعاوى مكشوفة، كبناء حديقة أو فتح شارع، والحقيقة: أنهم لا يطيقون للسنة وجوداً، لكن هل يعي إخواننا ذلك؟.. هذا ما نرجوه وندعو له، والله المستعان،،،

стр. 2466

المسلمون والعالم لا ... لن تضيع القدس ! عبد العزيز كامل درجت بعض الأوساط العلمانية مؤخراً على تكرار القول بأن القدس قد ضاعت وانتهى أمرها كما انتهى أمر الأندلس من قبل، وذلك بعد أن تكشفت أبعاد الخطوة الأخيرة في إقرار بناء مستوطنة يهودية في جبل (أبو غنيم) قرب القدس الشرقية، وتناست هذه الأوساط أنها على مدى عقود طويلة خلت كانت تنفخ في بوق الدعاية الكاذبة التي كانت تتاجر بقضية القدس تحت مسميات مختلفة؛ كانت الأمة خلالها تخدّر بالوعود الوهمية من قبيل: إلقاء إسرائيل في البحر،.. أو حرق نصف إسرائيل، و ... تحرير كل شبر من الأرض العربية، أو ... تحرير كل بوصة وكل حبة رمل، أو النضال حتى آخر قطرة في الدم العربي.. إلى آخر هذه الجعجعات التي كنا نسمعها ولا نرى معها طحناً! . والآن ... وقد بات (المناضلون) يعترفون بأن لا سبيل لتحرير القدس إلا في عالم الخيال والمثال.. من حقنا أن نقول لهؤلاء: لِمَ إذن زيفتم الحقائق طيلة هذه العقود؟ .. لِمَ تصدرتم في واجهة الصراع ولستم أهلاً له..؟ ! ، لماذا حُلتم بين الشعوب وأداء واجبها في جهاد عدو لا خلاف على وجوب جهاده..؟ ، لماذا أقصيتم عن سبق إصرار وتعمد رفع الراية الإسلامية في إدارة الصراع، ورفعتم بدلاً منها الرايات العلمانية العُميِّة في تلك المعركة العقدية أصلاً؟ . الآن وقد بدا للعيان أن العلمانية العربية فشلت في الحرب، وفشلت في السلام.. آن الأوان لأن نقول لهم: كفى! ... كفى ضياعاً، كفى تنازلاً.. كفى تخاذلاً، اتركوا الساحة للرجال، أو للأطفال، أو ... للحجارة! ! . تلك الحجارة التي أوقفتموها بعد أن خدعتموها بـ (مدريد) ، و (أوسلو) ، و (واشنطن) .. إن استدعاء حقائق التاريخ القريب، لتبين لنا بوضوح أن هناك جريمة كاملة اقترفت بإبعاد الإسلام عن المعركة، ولكننا لا زلنا مصرين نحن العرب على أن تَصْدُق فينا كلمة (ديان) الهالك: (العرب لا يقرؤون ... وإذا قرؤوا لا يفهمون ... وإذا فهموا لا يعملون! !) ، ولا نستطيع أن نعقب على مقالته إلا بتلك الكلمة النبوية المأثورة: (صدقك.. وهو كذوب) ! ، فقد صدق وصفه، فالعرب دائماً بغير الإسلام لا شيء، فالإسلام وحده هو الذي يربيهم، ويزكيهم، ويقويهم، ويزرع فيهم العزة والمسؤولية، وصدق عمر ﵁ : (لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) . لقد ابتغى العرب العزة في عصورهم المتأخرة بغير هذا الدين، ابتغوها في القوميات ... وفي الوطنيات ... وفي الانتماءات البائدة والفاسدة.. فماذا كانت النتيجة؟ .. إنها (الذل) .. ولا توجد كلمة أبلغ من هذه الكلمة، (ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) ، والقدس التي يبشروننا بضياعها ويرِّوضون المشاعر والأسماع على نغمة اليأس من رجوعها، هذه المدينة المقدسة، اختزَلَت تاريخاً من الذل العربي في ظل الرايات غير الإسلامية، وإذا كانت قضية فلسطين هي القضية المحورية والمركزية للعرب والمسلمين في الزمن المعاصر، فإن قضية القدس هي محور هذه القضية ومركزها، فهي مركز المركز ومحور المحور، وما هذا إلا لأن تلك المدينة هي ثالث أقدس أرض بعد الحرمين الشريفين، ولقد استمدت قداستها من وجود أرض المسجد الأقصى فيها، ذلك المسجد الذي بارك الله حوله. ولكي نتذكر كيف اختُصر الصراع في مدينة القدس.. لنسترجع من ذاكرة التاريخ أبرز المحطات على طريق التضييع، حيث كان الأعداء دائماً يمثلون (الفعل) ونمثل نحن ردود الأفعال أو الأقوال، العشوائية والارتجالية والحماسية الخطابية. - ففي ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م، صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وكان أساسه إنشاء دولتين: دولة عربية، ودولة يهودية، ضمن حدود جغرافية معينة، وشمل القرار جزءاً يتضمن أحكاماً خاصة بمدينة القدس، حيث جُعلت تحت نظام دولي خاص لمدة عشر سنوات، تسند إدارتها خلالها إلى مجلس وصاية تابع للأمم المتحدة، يرأسه حاكم غير عربي وغير يهودي، فهو حاكم من قبل الأمم المتحدة، ويعاونه جهاز من الإداريين التابعين للأمم المتحدة أيضاً، ولكن العرب رفضوا قرار التقسيم، وكانوا على حق في ذلك الرفض، ولكنهم لم يعدوا للبديل الصحيح، وهو الاستعداد لمنازلة فاصلة لإخراج عصابات اليهود. - في ١٥ مايو عام ١٩٤٨م، استغل اليهود رفض العرب لقرار التقسيم، وأعلنوا من جانب واحد قيام الدولة اليهودية (إسرائيل) على القسم الذي فرضته الأمم المتحدة لهم، ودخلت الجيوش العربية حرباً لم تستعد لها ضد (إسرائيل) ، وانتهت الحرب بهزيمة تلك الجيوش العربية! . - في مطلع عام ١٩٤٩م، تقدمت الدولة اليهودية بطلب عضوية الأمم المتحدة، فوعدت بالقبول على شرط أن تقر بالوضع الخاص للقدس من حيث تقسيمها بين العرب واليهود في الشؤون البلدية، ومع إبقائها في وضع التدويل سياسيّاً، وبادرت (إسرائيل) بتقديم هذا التعهد، وبموجبه قُبلت في الأمم المتحدة. - في ٤ مارس ١٩٤٩م، صدر القرار بقبولها عضواً بالأمم المتحدة، ولم تلبث دولة اليهود بعد قبولها أن أعلنت رفضها توحيد القدس تحت قيادة دولية، ولم تكتف بهذا الرفض نظريّاً، بل سارعت عمليّاً إلى فرض أمر واقع جديد، فنقلت بعض مصالحها الرسمية إلى المدينة نفسها. - في ٢٣ يناير ١٩٥٠م، أعلنت إسرائيل القدس الغربية عاصمة لها. - في ٥ يونيو ١٩٦٧م، اجتاح الجيش الإسرائيلي الشق العربي من مدينة القدس، في الحرب التي هزمت فيها الجيوش العربية مرة أخرى، والتي احتل اليهود فيها أيضاً أجزاءً كبيرة من (مصر) ، و (سورية) ، و (الأردن) ، وظل المجتمع الدولي ينظر إلى القدس الشرقية على أنها أرض عربية محتلة، بينما كان اليهود ينظرون إليها على أنها أرض إسرائيلية محررة، واستولى اليهود في العام نفسه على ٤٠% من الأراضي في القدس، وأقاموا عليها مستعمرات ومستوطنات يهودية. - وفي ١٩٧٩م، أعلن (مناحم بيجن) أن القدس الموحدة (شرقية وغربية) هي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، ووصل عدد اليهود في القدس الشرقية إلى ١٩ ألف يهودي. - في عام ١٩٩٠م، تمت مصادرة عدة آلاف من (الدونمات) ؛ لتوسيع الأحياء القديمة لصالح اليهود، وبنوا فيها مطاراً دوليّاً. - في آخر عام ١٩٩٢م، بلغ مجموع سكان القدس ٥٥٥ ألف نسمة، منهم ١٥٥ألف نسمة من الفلسطينيين، و٤٠٠ ألف يهودي، ولا يحصل الفلسطينيون إلا على ٥% من موازنة بلدية القدس. - في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣م، اتفقت (إسرائيل) مع منظمة التحرير الفلسطينية فيما سُمِّي بـ (إعلان المبادئ) على تأجيل بحث موضوع القدس إلى ما بعد عامين!. - في ٢٦ ديسمبر ١٩٩٤م، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يمنع السلطة الفلسطينية من مزاولة نشاطها من داخل القدس. - في مايو ١٩٩٥م، أمرت السلطات الإسرائيلية بإخلاء عدد من المؤسسات الفلسطينية الموجودة في القدس، وفي هذا العام استولى اليهود على ٤٤٠٠ دونم، بهدف دعم الاستيطان، وتولى (نتنياهو (بنفسه قبل انتخابه رئيساً للوزراء الإشراف على تنفيذ هذا الاستيطان. - وبنهاية عام ١٩٩٥م، لم يبق للفلسطينيين في القدس إلا ٢١% من الأرض، هي في أغلبيتها مناطق جبلية وعرة، لا يصلح للسكن منها إلا نحو ٤% فقط، واتخذت الدولة اليهودية في تلك الأثناء أربعة قرارات مهمة تتجه نحو إتمام تهويد القدس (العربية الشرقية) ، وهذه القرارات هي: ١- تحويل الإدارة البلدية للمدينة من إدارة عربية فلسطينية إلى إدارة يهودية. ٢- تحويل النظام القضائي من نظام شرعي إسلامي إلى نظام يهودي. ٣- تحويل اللوائح والإجراءات والقوانين في المدينة إلى الطابع اليهودي. ٤- تغيير أسماء الشوارع والطرق والساحات العربية، واستبدالها بأسماء يهودية صهيونية. - في عام ١٩٩٦م، جاء موعد بحث موضوع القدس في المفاوضات المؤجلة، وكانت إسرائيل قد أسرعت قبلها في تغيير وضع القدس، حتى قال أحد المسؤولين الإسرائيليين: (الآن.. يستحيل على عرفات أن يزعم أن القدس الشرقية عاصمته.. إن تقسيم المدينة من جديد سيعد أمراً مستحيلاً) وأصدر (نتنياهو) ٢٣ قراراً استيطانيّاً جديداً خلال أشهر قليلة من عمر حكومته. - في سنة ١٩٩٧م، وبعد أن كاد ابتلاع القدس (الشرقية العربية) يكتمل، بدأت (إسرائيل) في الاستيلاء على مناطق أخرى محيطة بالقدس الشرقية، فجاء قرار الاستيطان اليهودي في منطقة جبل (أبو غنيم) ، بحيث تشرف على الطريق الذي يصل بين القدس الشرقية ومدينة بيت لحم، وكانت قد تمت مصادرة الأراضي في تلك المنطقة عام ١٩٩١م، ومستوطنة (أبو غنيم) يمكن أن تتسع لنحو ٢٥ ألف مستوطن يهودي، فهي حي كامل وليست مجرد مستوطنة صغيرة، ولهذا: فإن هذه المستوطنة الكبيرة من شأنها أن تؤكد التفوق السكاني لصالح اليهود في القدس الشرقية. هم يبنون، ونحن نشجب: ومن يوم الإعلان عن بدء العمل في إنشاء مستوطنة (أبو غنيم) ، ومشاعر السخط والاحتجاج والتبرم العربي تحدث دويّاً عالميّاً، ولكن بلا صدى، فهي كمفرقعات المناسبات لا تخيف أحداً، ولا تغير واقعاً.. وهذا بالتالي يشجع اليهود أن يتَحَدّوا مَن أمامهم ويسخروا منهم، فالساحة حولهم خاوية، إلا من أطفال عادوا إلى حمل الأحجار، وهم ممنوعون من حمل السلاح مهما بلغ الأمر! . قال (نتنياهو (وهو يخاطب جمعاً من أنصاره: (أشعر أنني قوي جدّاً، وكما تعلمون فإن لي خصلة، هي أنني أحب التحديات، ولكن الأهم: أحب النصر فيها.. وسوف ننتصر ... ! !) . هل تضيع القدس؟ : نعود فنقول: هل حقّاً ضاعت القدس بلا رجعة كما يروج العلمانيون العرب؟!. نقول: لا.. لن يستمر ضياعها، فرغم كل مظاهر القتامة والعتامة التي توحي بها مشاهد الحاضر المهزوم والمستقبل الغامض المأزوم، ورغم تكدس معالم الفشل العربي سياسيّاً وعسكريّاً وعقائديّاً وقانونيّاً في ظل العلمانية المتسلطة المنهزمة.. رغم كل هذا: فإننا نرى من وراء ذلك فتحاً قريباً، توهجت أنواره، لتكشف عن رايات أمل تخفق في سماء مدينة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) . ليس هذا تحدثاً من منطق السياسة القاصرة، ولا من منطلق خرافة ذاهلة، ولا هو من معطيات الواقع المرير، ولكنها روح من الأمل الدافع للعمل، الذي تغرسه فينا أهل الإسلام حقائق الوحي، وهدايات النبوة الخاتمة. نعم: لن تضيع القدس؛ لأن الله الذي كرمها بسكن الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، لن يديمها سكناً لقتلة الأنبياء، والأرض التي كان لها شأنها وقداستها في الزمان الأول، سيظل لها الشأن والقداسة في الزمان الآخر؛ لأن قدسية المكان لا تؤثر فيها صروف الزمان، بل قد عَلِمْنا من إخبار نبينا أن هذه الأرض بيت المقدس سوف تكون موئلاً لأهل الإيمان كلما تقارب الزمان. قال رسول الله ﷺ : (بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام) [١] . ولكن في أي بقاع الشام؟ ، يقول ﵊ : (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين على الحق، إلى أن تقوم الساعة) [٢] . فلسطين أرض الملحمة: هناك سيكون الجهاد الحقيقي، وهناك ستنزل الخلافة.. نعم الخلافة؛ فعن أبي حوالة الأزدي ﵁ قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي أو قال: على هامتي ثم قال: (يا ابن حواله: إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل، والبلايا، والأمور العظام) [٣] . فأرض بيت المقدس رغم كل ما نرى سوف تكون بؤرة الأحداث العالمية القادمة، ومنطلقاً لكتائب أهل الإيمان فيما يستقبل من الزمان، ولا ينبغي أن يستغرب أهل الإسلام انبعاث شرارة الأمل من تلك الأرض التي كانت في غالب عمر الدنيا قبل الإسلام أرضاً للتوحيد والإيمان، ثم كانت بعد البعثة النبوية معقلاً للقوة ومعقداً للعزة تحت راية القرآن. وإذا كانت مكة هي مهبط الوحي ومهد الرسالة في عمر الإسلام في الزمن الأول، فإن بيت المقدس هو حصن الإيمان وقلعته في الزمن الآخر. يقول (ابن تيمية) ﵀ : (وقد دل الكتاب والسنة وما رُوي عن الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، مع ما عُلم بالحس والعقل، أن الخلق والأمر ابتداءً من مكة أم القرى، فهي أم الخلق، وفيها ابتدأت الرسالة المحمدية التي طبق نورها الأرض، وهي التي جعلها الله قياماً للناس، إليها يصلون ويحجون، ويقوم بها ما شاء الله من مصالح دينهم ودنياهم، فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل المذكورة أن ملك النبوة بالشام، والحشر إليها، فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر، وهناك يحشر الخلق، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام، وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس، فأول الأمة خير من آخرها، كما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى الشام كما أسرى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) [٤] . وهذه الفضائل ليست متعلقة بآخر الزمان فقط، بل إن مناقب بيت المقدس وما حوله من أرض الشام كانت تدفع على مر الزمان في تاريخ الإسلام إلى الانطلاق من تلك الأرض لإقامة الدين وإحياء الجهاد. يقول (ابن تيمية) ﵀ أيضاً: (ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء، وهي أحد ما اعتمدته في تحضيض المسلمين على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر، واستدعائي العسكر المصري إلى الشام، وتثبيت الشامي فيه) [٥] . فإذا كانت أرض بيت المقدس وما حوله هي الصخرة التي تحطمت عندها أكبر التحديات في الماضي (في تبوك، واليرموك، وحطين، وعين جالوت) . فإن الطغيان اليهودي اليوم لن يكون إلا حلقة في تلك السلسلة الخبيثة، التي لا تفصم عراها إلا بالدين والعقيدة والتوحيد ... ولن يفل الحديد إلا الحديد. [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] .

стр. 2467

المسلمون والعالم بعض الأضواء على الأحداث الأخيرة في ألبانيا بقلم:عبد الله الألباني كي نفهم الأحداث الجارية في ألبانيا، فسنعود إلى الوراء فترة ليست بعيدة؛ فالتطور الأخير في ألبانيا ارتبط بعاملين مهمين جدّاً في الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية، هما: العامل الأول: الأزمة السياسية الناجمة عن الانتخابات البرلمانية التي أثارت جدلاً واسعاً، والتي جرت في ٢٦/٥/١٩٩٦م، ولم تعترف الأحزاب المعارضة بنتائجها، مما ترتب عليه: انسحابهم من البرلمان، الأمر الذي تسبب في أزمة سياسية حقيقية، وصلت إلى مسامع الدول الأوروبية، وأقرت بها فيما بعد، بعدما انتهت من بحثها ومناقشتها مع المتخصصين على أعلى المستويات السياسية.. أما أمريكا: فقد اكتفت بمجموعة توصيات، منها: النظر في إجراء انتخابات مبكرة، وهذه العملية أثارت الرأي العام، وكانت بمثابة نقطة سوداء في ثوب ديمقراطيتهم، وتجاهلاً لحقوق الإنسان، وحتى للتعبير عن حرية رأيه في اختيار من يقوده.. وتركت هذه العملية أثاراً سلبية على شعب ألبانيا حيال المجتمع الأوروبي، وحتى الأمريكي، وحيال ديمقراطيته المزيفة. العامل الثاني: الشركات الربوية وتأثيرها على حياة البلد، [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] [البقرة: ٢٧٦] ، وللأسف الشديد: لم يسلم من هذه الفتنة فتنة الكسب من الربا سوى قليل ممن رحم ربي، حتى الذين لا يملكون شيئاً اقترضوا من أخرين لوضع المال في الشركات وأخذ فائدة ربوية! ، ففي الأعوام الأربعة الأخيرة في ألبانيا تفاقمت ظاهرة الشركات الربوية، فبعض هذه الشركات رفعت نسب الأرباح الربوية لتجذب أعلى نسبة من المودعين، وبالتالي: رؤوس الأموال، وحسب بعض الإحصائيات فإن هذه الأموال بلغت قريباً من ٥، ١ مليار دولار، وكانت شركات مثل: (سوديا جافيري) ، (بوبولي) تعطي فائدة ربوية على الأموال المودعة بدون مشروعات تغطيها، بينما شركات أخرى مثل (فيفا) ، (كامبيري) ، (جاليتسا) ، (سيلفا) .. وغيرها، كانت لديها بعض المشروعات التي يمكن أن تستخدم فقط في الدعايات، بل إن معظم هذه المشروعات كان يدور حول إنتاج الخمور والسجائر. ومن جهة أخرى: فهذه الشركات كانت تدير أموالها بدون توفر ضمانات بنكية من أحد البنوك الحكومية. ومن المعلوم حسب بعض الإحصائيات أن ظاهرة الشركات الربوية جذبت أكثر من ثلث الشعب الألباني، وكان أكثر هؤلاء المودعين في مدينة (فلورا) ، وقد تراوحت نسب الفوائد الربوية الموزعة على المودعين من ٨ ١٠% شهريّاً للشركات العادية، وقد وصلت إلى ٣٠% ٥٠% في شركات (سوديا، وجافيري، وبوبولي) ، مما أثار الدهشة في كافة الأوساط المحلية والعالمية، لا سيما في النصف الأخير من العام المنقضي (١٩٩٦م) . من ناحية أخرى: فقد حاول السياسيون ورجال الدولة إيجاد حلول لتقليل خطورة هذه الظاهرة، واضعين في الاعتبار ثقة الناس في بعض هذه الشركات، والتي اعتبرت الحكومة أنه ليس من واجبها كشف نظافة هذه الأموال أم لا، وقد سبق لقوى المعارضة أن حاولت إظهار خطورة هذا الأمر، ولكن ليس بالشكل القوي المطلوب، ولطالما حمّلت الحكومةَ مسؤولية مراقبة هذه الشركات، وظل الوضع هكذا حتى زار ألبانيا وفد من (FBI) ، وحذر من تفاقم هذه الأزمة ومن جراء ارتفاع نسب الفائدة بدون ضوابط اقتصادية تحكمها، وقد أثبتوا هذه المخاوف في تداولاتهم مع الحكومة، الأمر الذي لا يستطيع أن ينكره أحد. وفي تطور أخير للمشكلة قامت الحكومة بالتحذير من تفاقم هذه الأزمة، كما أتى التحذير من مؤسسات أخرى أجنبية محلية ودولية، وقد ألغيت زيارة كان من المزمع أن يقوم بها رئيس الوزراء الألباني السابق إلى إيطاليا بسبب رفض الحكومة الألبانية تبرير موقفها تجاه الشركات الربوية لنظيرتها الإيطالية. ورغم كل هذه المخاوف وهذه القلاقل إلا إن الشعب ما تقاعس عن المزيد من الإيداعات، وكان عدد المودعين يزيد يوماً بعد يوم وحتى بعد ظهور علامات للسرقة، حيث حاول أحد أصحاب هذه الشركات الهرب ومعه ١٣. ٥ مليون دولار. في منتصف نوفمبر ١٩٩٦م ظهرت أول علامة من علامات إفلاس واحدة من أقدم هذه الشركات بعد أربع سنوات من التعامل مع الشعب، وهي شركة (سوديا) ، بعد أن نمى في حس الشعب أن هذه الشركات مدعومة من الحكومة، وأنها لا يمكن أن تنتهي في يوم واحد، بل سيكتب لها الاستمرار، ولكن إفلاس (سوديا) وإعلان الحكومة عن عدم ثقتها في هذه الشركات أوجد عند الشعب كبتاً نفسيّاً واجتماعيّاً، مما عبر عنه بعض الناس بقليل من الاشتباك مع قوات الشرطة في العاصمة (تيرانا) ، ومنذ ذلك الوقت بدأت الحكومة في التفكير الجدي للتقييم الموضوعي للأمور ومحاولة الوصول للطريقة المثلى لحل هذه الأزمة وعلاجها قبل أن تصير طامة على الشعب، ومن هذا المنطلق قام البرلمان بتشكيل لجنة مختصة لمراقبة أنشطة هذه الشركات الربوية، أما الصحف المحلية، فقد ذكرت جانباً من التكهنات بشأن هذه الأرباح الخيالية، فمنهم من قال إنها عملية غسيل للأموال، ومنهم من قال إنها عملية تهريب مخدرات وأسلحة.. وغير ذلك من التكهنات. وبدأت المخاوف التي أثارتها الجهات المختلفة تجاه هذه الشركات بالظهور، حيث بدأت بعض الشركات بتحديد تعاملاتها على أساس أنها ستعطي النسب المئوية فقط دون إعطاء رأس المال حيث كان المتبع أن تعطي الشركة الفائدة مع رأس المال في الوقت نفسه، وتدع الحرية لإعادة الإيداع للناس، ومنهم من خفض النسبة التي كان يعطيها. ورغم الغموض الذي كان يحيط بعمل اللجنة التي شكلها البرلمان وتلك التي شكلتها الحكومة لمتابعة عمل هذه الشركات إلا إنهم فاجؤوا الشعب بنتيجة المراقبة، وهي أن هذه الشركات مؤسسة على شكل تراكمي هرمي، وأن الشركات التي لديها بعض المشروعات لا يتناسب حجم مشروعاتها مع الإيداعات، أي: إنها هي الأخرى مؤسسة على شكل تراكمي هرمي. ثم تلت هذه المرحلة أن وضعت الحكومة يدها على الأموال التي تخص شركتي (بوبولي) ، و (جافيري) في البنك الحكومي وتقدر بحوالي ٢٧٠ مليون دولار، وحملت على عاتقها مهمة إعادة هذه الأموال إلى المودعين، وفي الوقت ذاته: أصدرت الحكومة قراراً بحظر نشاط هذه الشركات، وفوراً تم القبض على رؤسائها، الذين صرحوا بدورهم بأنهم قادرين على رد أموال المودعين إذا تركتهم الحكومة، وقد نشرت الصحف هذه التصريحات، في حين أن الحكومة صرحت بأنها سترد فقط ٥٢% ٦٠% من أموال المودعين، حيث إن هذا هو الرقم المتاح الذي بحوزتها من أرصدة هذه الشركات، مما دفع الناس بإلقاء اللوم على الحكومة لفقدان مدخراتهم وأموالهم. وفي مدن (لوشيليا) ، و (فيري) ، و (بيرات) دوى صراع محتدم بين قوات الشرطة والأهالي، وسبب هذا الصراع إقامة الحواجز في الشوارع، فبدأت النيران تشتعل في المكاتب المحلية وأقسام الشرطة والبلديات والمحاكم ومكاتب الحزب الديمقراطي الحاكم في تلك المدن، واتخذت الحكومة التدابير اللازمة للسيطرة على الموقف، وسمحت لقوات الجيش بحراسة المنشآت المهمة، وفي هذه الأثناء: انطلقت شرارة جديدة زادت الموقف التهاباً، فقد أثار خبر إفلاس شركة (جاليتسا) الشركة التي أكثر مودعيها من مدينتي (فيري) ، و (فلورا) الجماهير الغاضبة، والذي أثار المودعين أكثر: أنه وحسب التقارير تم تقدير مشروعات هذه الشركة بما مجموعه ٢٦ مليون دولار، في الوقت الذي بلغت فيه أموال المودعين قرابة ٣٥٠ مليون دولار، ومن هنا، واعتماداً على مجموعة استقراءات، منها: أن هذه الشركة ساندت الحزب الديمقراطي والحكومة في الدعاية الانتخابية الأخيرة، ومن جهة أخرى: كانت الحكومة توليها اهتماماً واضحاً، فبناءً على هذين الأمرين، استيقن الشعب أن هناك صلة وثيقة بين الحكومة وهذه الشركات المشبوهة، ومن هنا: ظهرت تطلعات أحزاب المعارضة بضرورة الاتجاه إلى الحلول السياسية، مستغلة في ذلك الوقتَ الذي آلت إليه الظروف الأخيرة ونقمة الشارع على الحكومة، وفي لحظة تاريخية لم يسبق لها مثيل: اجتمعت كل قوى المعارضة على هدف واحد، وتشكلت لجنة ديمقراطية من كافة الأحزاب المعارضة (يمينية، ووسط، ويسارية) ، وكذلك من بعض السياسيين القدامى، وبدأت هذه اللجنة عقد لقاءات ومحاولة تنظيم مسيرات احتجاج، مطالبين فيها ليس فقط بإرجاع الأموال ولكن كذلك باستقالة حكومة (ألكسندر ماكسي) ، وكذلك نددوا باستخدام أساليب العنف مع الشعب من قِبَل قوات الشرطة والشيكو، ونددوا كذلك بتعنت الحكومة بجميع أفرادها. ورغم محاولات الحكومة إخماد هذه التظاهرات والمسيرات إلا إن الوضع كان يزداد تفاقماً، وانتقل دوي المظاهرات في معظم مدن ألبانيا، وكان منها بطبيعة الحال ما هو سلمي، ومنها ما استخدم فيها العنف وبخاصة في الجنوب، لا سيما في مدينة (فلورا) ، التي صارت مركزاً للتظاهرات والمسيرات والاشتباكات، التي خلفت وراءها ضحايا من أبناء البلد قتلى وجرحى، وقد أذاعت بعض الإذاعات العالمية جانباً منها، وأعقبت هذه العمليات ضربة أخرى ساهمت في تفجير الموقف، وهي: قيام بعض الطلبة من جامعة (فلورا) بتنظيم إضراب واعتصام في مقر الجامعة، تنفيذاً لقرار غالبية الطلاب، وكلما تجاهلت الحكومة طلبات المتظاهرين ازدادت نقمة الشعب عليها، وازداد الإصرار، فمعروف عن هذا الشعب صلابته وعناده، ولما لم يصغ الرئيس لطلبهم بإقالة حكومة (ماكسي) ولا وضع تصوره لحل مشكلات المودعين في شركة (جاليتسا) ، اتخذت أعمال العنف شكلاً جديداً لم يكن في الحسبان، وهو الشكل المسلح، إثر ترك الجيش والشرطة مواقعهم دون مقاومة تذكر، وانضمت بعض قيادات من الجيش والشرطة إلى المتمردين في الجنوب، وتم عزل بعض القيادات الأخرى، ومن المعروف أن شكل التمرد بدأ بدون ترتيب ولا إعداد، ثم ما لبث أن أخذ شكلاً جديداً، وهو تكوين جبهة لها قيادة وقادة، وكان القادة من أعمدة الجيش الشيوعي السابق، ومعروف كيف كانت تدريباتهم واستعداداتهم في ذلك الوقت. كما زادت طلبات المتمردين طلباً جديداً، وهو استقالة الرئيس (صالح بريشة) ... وعلى الرغم من محاولة الحكومة الاستفادة من النجاح الذي حققته في انتخابات مايو ١٩٩٦م، ومحاولتهم التحايل بإعادة تشكيل حكومة جديدة إلا إن الحزب الديمقراطي نفسه بدا غير مكترث بطلبات المتمردين، ولم يقدم الحزب الديمقراطي أي تنازلات على الرغم من تفاقم الموقف. ثم تعاقبت المدن واحدة تلو الأخرى في الانضمام إلى المتمردين في (فلورا) ، مبتدئة في (سراندا) ، ومنتهية في (دلفينا) ، مروراً بـ (تبالينا) و (مماليا) ، ثم اختتمت في (جيروكاسترا) ، وصار كل القطاع الجنوبي المتاخم لحدود (اليونان) بعيداً عن سيطرة الحكومة، وكذلك مصدر ضغط عليها، وتكونت في كل مدينة تنظيمات أسمت نفسها بـ (الإنقاذ الوطني) طالبت بضرورة الاستماع إلى برنامجهم الجديد، وفي هذا الوقت: أخطأت الحكومة أيضاً، حيث فرضت قانون الطوارئ، وطالبت المتمردين بتسليم أسلحتهم خلال يومين وعدم اللجوء للعنف في المناطق الجنوبية الملتهبة، وكان لهذا الخطأ عواقب وخيمة جدّاً، حيث لم يستمع المتمردون للنداءات الحكومية، وكذا لم تستطع الحكومة السيطرة على الموقف، وبدت تدخلات أجنبية غير معلنة لدعم مواقف المتمردين، وظهرت بوادر الشيوعية الحمراء بشراستها المعهودة تظهر من جديد. وبعد هذا التطور الخطير السريع جدّاً للأحداث، الأمر الذي لم يسبق له مثيل، بدأت التحركات الدبلوماسية الأوروبية بثلاث زيارات متتابعة من عدة منظمات أوروبية، والمفوضية العليا، وبعض الموظفين في الإدارة الأمريكية، وبدهي أن يظهر اهتمام دول الجوار لا سيما إيطاليا، واليونان واللتان تلعبان دوراً مهمّاً في السياسة الألبانية، وكذا في السياسة الأوروبية حيث يتركز اهتمامها في محاولة تقليل الهجرات الجماعية إلى أراضيها؛ لأن كثيراً من الألبانيين سافر إلى هناك للعمل، ومنهم من يتاجر في المخدرات والأعراض والعياذ بالله. وعلى ضوء هذا الاهتمام أو تلك المخاوف: كانت زيارة نائب وزير خارجية اليونان لألبانيا، ثم تبعتها زيارة وزير خارجية إيطاليا، ومن جهة أخرى: شاركت تركيا صديقتها وجارتها ألبانيا المشاعر، وعبرت لها عن أملها في الوصول لحل سريع للأزمة. وفور تسرب الأنباء عن تسلح معظم أبناء الشعب إلى بلاد الجوار من المحتمل أن يكون لهم دور في ذلك تزايدت المخاوف، لا سيما وأن منطقة البلقان تعج بالمشاكلات وليست البوسنة ذات الاستقرار الهش منهم ببعيد ودائماً تساورهم مخاوف من احتمال اندلاع الحرب مرة ثانية في البوسنة وزحفها إلى مختلف دول البلقان. وبفقدان سيطرة الحكومة وجيشها في ألبانيا على منطقة (جيروكاسترا) بالطبع كانت قبلها بعض المدن الأخرى اضطر (صالح بريشة) لتقديم بعض التنازلات، والتي أصر في البداية على عدم تقديمها، وهي: إقالة حكومة (ماكسي) وإجراء حوار سياسي مع كافة الأحزاب الأخرى؛ للوصول لتشكيل حكومة جديدة، في حين أن الأخبار من الجنوب لم تتحسن، بل إن الموقف ازداد سوءاً، والأزمة آخذة في الاشتعال، وتوسع المتمردون في فرض سيطرتهم على عدة مدن أخرى، مثل: (بيرمت) ، و (بيرات) ، و (سكارابار) .. وغيرها، مما أثار مخاوف دول المنطقة من قيام حرب أهلية، وفي هذه الأثناء: دعا الرئيس (صالح بريشة) جميع الأحزاب للالتفاف حول مائدة المفاوضات، واقترح عليهم تشكيل حكومة انتقالية أسماها حكومة المصالحة الوطنية، يتم تمثيل جميع الأحزاب التي فازت بنسبة معتبرة في انتخابات مايو ١٩٩٦م فيها، ثم يتبع ذلك إجراء انتخابات أخرى في شهر يونية (حزيران) ١٩٩٧م، وبعد يومين من المداولات تم تشكيل الحكومة من رئيس وزراء (باشكيم محمد فيلو (من الحزب الاشتراكي (الشيوعي سابقاً) ، وكان يشغل منصب عمدة مدينة (جيروكاسترا) ، ووزير للداخلية من الحزب الديمقراطي، ووزير الدفاع من الحزب الاشتراكي، والوزراء الآخرين كذلك من مختلف الأحزاب. ورغم هذا إلا إن المتمردين أصروا على المطالبة باستقالة (صالح بريشة) ، الأمر الذي آثار مخاوف أهل الشمال الجبليين والذين يساندون الرئيس (بريشة) ، الذي يتمع بتأييد كبير جدّاً على مستوى أهل الشمال، حيث قد أعطاهم بصفتهم من بلدته امتيازات كبيرة، وفتح لهم باب الهجرة لـ (تيرانا) وما حولها، وفوق هذا: فقبيلة (بريشة) لها مؤيدون كذلك في إقليم (كوسوفو) على الحدود مع (ألبانيا) ، وفي تطور سريع جدّاً للأزمة خلال يومين من تشكيل الحكومة الانتقالية: وجدنا أن السلاح صار كذلك مع أهل الشمال، وتم الاستيلاء على معظم مخازن الذخيرة والسلاح، وكان في البداية على حد زعم بعض المصادر الرسمية لمواجهة احتمالية زحف متمردي الجنوب إلى (تيرانا) للإطاحة بالرئيس (صالح بريشة) حسب ما أشاعته بعض المصادر الداخلية في ألبانيا، وأصبحت البلد بلا حكومة، ولا نظام، ولا أمن، وحل على الناس الخوف والفزع وترقب الموت وهجوم المسلحين في أي وقت، واختفت عن الأنظار الملابس الرسمية سواء لمنسوبي الجيش أو الشرطة، وفتحت أبواب السجون على مصاريعها، وبدأت أعمال السطو المسلح على المخازن والمدارس والمصانع والمحلات التجارية وعلى المشاريع التي تحت الإنشاء.. وغيرها من المنشآت، وصار منظر الشباب المسلحين في الشارع ظاهرة عادية في العاصمة (تيرانا) ، وسمع دوي الطلقات النارية في الليل وفي وضح النهار، الأمر الذي كان يفزع الكبار فضلاً عن الأطفال، وبحرب نفسية من نوع آخر وعبر وكالات الأنباء العالمية والمحلية بدأت النداءات من معظم دول العالم بترحيل رعاياها من ألبانيا، ولا سيما أمريكا التي كانت تنادي رعاياها في ألبانيا بأساليب متعددة، كأن العالم ليس فيه إلا الأمريكان! ! ، وبدأت عمليات الإجلاء بالطائرات الهليكوبتر الحربية إلى إيطاليا، وزادت نسبة الوافدين إلى الموانئ الألبانية للسفر إلى إيطاليا، حتى أصبح المعدل اليومي ألف شخص. بدأت حكومة المصالحة الوطنية أولى خطواتها على مسار العمل السياسي بعد الاجتماع مع بعض المسؤولين الأوروبيين، وطلبوا بصفة رسمية المساعدة المسلحة من دول أوروبا، ولكن ترددت الدول في تقديم تلك المساعدة، وفي الاجتماع الذي دعا إليه (فرانيسكي) وزراء خارجية دول التعاون الأوروبي إلى ضرورة تقديم المساعدة العسكرية لإعادة الأمن تلبية لنداءات الحكومة الجديدة ورئيس الجمهورية انقسم المجتمعون إلى فريقين: الأول: مؤيد، ويضم: إيطاليا، واليونان، وفرنسا، وإسبانيا، وهولندا، والآخر: معارض، ويضم: ألمانيا، وبريطانيا، والسويد. وعندما تقاعست هذه الدول عن تقديم المساعدة العسكرية لألبانيا: لجأت الحكومة إلى محاولة علاج الأمر بما تستطيع، فقامت باستدعاء قوات الشرطة والجيش حتى الذين في الاحتياط والمتقاعدين بعد عام ١٩٩٠م بعد إغرائهم برفع رواتبهم، وتم تشكيل فريق لإعادة الأمن في البلاد، ونظراً للإغراء المادي، وكذلك لوجود بعض العناصر الوطنية في البلد والتي رأت من الضرورة تكاتف الجهود لحل هذه الأزمة: عاد أصحاب الملابس الرسمية يظهرون من جديد، وقاموا بعمل دوريات، وفرض ساعات حظر تجول محدودة مَن يتجاوزها يتعرض للمساءلة العاجلة، حتى إنهم قد قتلوا بعض الأشخاص ممن لم يستجيبوا لندائهم بالتوقف بالسيارات، وتكررت النداءات بتسليم الأسلحة، وأستطيع القول: إن هذا الأمر من الصعب جدّاً أن يتم بسرعة، ولكن هناك بعض النتائج لا بأس بها. وقد عاد الهدوء النسبي في الشارع رغم تسميته بالهدوء الذي يسبق العاصفة إلا إن ذلك مطلوب أيضاً لإعادة ترتيب الصفوف وتنظيمها، وعادت الحياة بشكل نسبي إلى طبيعتها، وقامت الحكومة بعمل نداءات لجميع الموظفين في الدوائر الحكومية بالحضور للعمل وإلا سيفقدون وظائفهم في الحال. وعلى صعيد آخر: فقد تم إرسال وفد من دول الاتحاد الأوروبي مكون من ١١ عضواً، واجتمعوا مع رئيس الوزراء الألباني والرئيس (بريشة) وعدد من كبار رجال الدولة في ميناء (دورس) على متن سفينة حربية، وخرجوا بمجموعة توصيات ومحاور رئيسة لمساعدة ألبانيا، منها تقديم: ١- المساعدات الإنسانية. ٢- المساعدات المالية والاقتصادية. ٣- مساعدة بشأن عودة الحياة إلى طبيعتها. الإصرار على إقالة (بريشة) : وفي تطور آخر للأحداث: قامت منظمة (الجنوب الألباني) بإعطاء مهلة للرئيس (صالح بريشة) حتى يوم ٢٠/٣/١٩٩٧م لتقديم استقالته، وإلا فلن يعترفوا بحكومة (فينو) ، وسيأتون إلى تيرانا للإطاحة بالرئيس، ولكن في رسالة قوية أرسلها الرئيس (بريشة) أعلن فيها الموقف السابق نفسه، وأنه لن يترك الرئاسة إلا إذا خسر حزبه في الانتخابات القادمة. وقد سمعت أثناء كتابة هذه السطور أن المعارضة الجنوبية تنازلت عن موقفها، وأقرت بالحكومة الانتقالية، ودعت إلى انتظار نتائج الانتخابات القادمة. بعض المعلومات السريعة: ١- السفيرة الأمريكية الحالية في ألبانيا هي نفسها التي كانت موجودة في العراق أيام حرب الخليج! ! . ٢- مدير المخابرات الأمريكية في ألبانيا يوناني الأصل. ٣- حاول وزير الدفاع السابق الهرب، فأعادوه، ثم تمكن أخيراً من الفرار، ويُتهم بأن له علاقة وثيقة بعمليات بيع السلاح الألباني. ٤- اللصوص ومحترفو الإجرام الذين خرجوا من السجون هم الذين يسببون كل أحداث الرعب وأعمال السرقة في البلد. ٥- يحتمي الرئيس (صالح بريشة) في مقر قصر التشريفات وسط حراسة مشددة جدّاً من أهل الشمال المسلحين. ونحن في مجلة البيان: نعرض الواقع المؤلم الذي آلت إليه الحال في (ألبانيا) أفقر دول أوروبا، والتي لم ينقذها الغرب كما هو دأبه مع بني جنسه لكون جل الألبان من المسلمين، حتى ولو كانوا في غالبيتهم مسلمين بالحفيظة فقط، إذ إن الكابوس الشيوعي الذي حل بها منذ سنوات قد مسخ جل أهلها، حتى أنك لا تفرقهم عن سواهم من غير المسلمين. وهناك جهود دعوية موفقة لإعادة الإسلام لشعب ألبانيا المسلم، وأعمال خيرية نالها الأذى من جراء الفتنة التي عصفت بهذه الدولة، ولعلنا نتناولها في مقال قادم إن شاء الله (تعالى) . والله نسأل أن يمن بالاستقرار والطمأنينة على هذا الشعب، وأن تعود أحواله سلاماً واطمئناناً ورغد عيش، وعودة إلى الله. وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2468

المسلمون والعالم إريتريا.. الوعد الكاذب بالحرية مظاهر العلمنة والتنصير في توجهات الجبهة الحاكمة (٢من٢) بقلم: جمال سعيد حسن تطرق الحديث في الحلقة الأولى إلى تاريخ إريتريا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى استقلالها عن الهيمنة الإثيوبية عام ١٩٩١م وتسليم الحكم فيها للجبهة الشعبية الصليبية، وما اتخذته من وراء ذلك، وبيان حقيقة التقسيم الإداري للبلد لتأكيد هيمنة النصارى، وبيان موقفهم من المهجرين المسلمين، وعلاقات الجوار الساخنة، وضلوع الحكومة في مؤامرة تدويل الصراع في البحر الأحمر لصالح الأعداء والمستفيدين منه ضد أهله، ويواصل الكاتب عرضه لمحاور باقية من الموضوع. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان- العلاقات مع دول الجوار والصراع في البحر الأحمر: كان من المفترض على دولة مستقلة حديثاً أن تسعى لخطب ود دول الجوار؛ لترسيخ وضعها السياسي والاقتصادي، ولكن الأمر في إريتريا كان على العكس من ذلك، فقد استَعْدَت الجبهة الشعبية بعض الدول العربية الجارة وغير الجارة، فقبل إعلان الاستقلال رسميّاً بدأت وسائل إعلامها بشن حملات عدائية ضد (السعودية، وسوريا) ، وفي نهاية عام ١٩٩٤م، قطعت علاقاتها الدبلوماسية رسميّاً مع السودان، وسلمت السفارة السودانية في إريتريا للمعارضة السودانية، بحجة أن السودان بدت منها مظاهر عدائية، وأنها تدعم المجاهدين الإريتريين، متناسية موقف السودان التاريخي المؤيد والداعم للقضية الإريترية في فترة النضال الذي استمر ثلاثين عاماً، ثم ظهرت قضية جديدة افتعلها النظام في (أسمرا) ، وذلك في بداية عام ١٩٩٦م، وهي قضية (جزر حنيش) في البحر الأحمر، وعلى الرغم من أن الخلافات بين دول الجوار في مسائل الحدود طبيعية في هذا العصر، وتعاني منه كثير من الدول، إلا إن الأسلوب الذي سلكته حكومة (إسياس) لم يكن حضاريّاً ولا مهذباً، بل كان أسلوباً ينم عن الحقد الدفين الذي لا يراعي حقوق الجوار، يصطنع حرباً وطنية ضد دولة جارة، ادعى النظام في (أسمرا) أنها اعتدت على الأراضي الوطنية لإريتريا، فذهب إلى الخيار العسكري لحل الخلاف، بالإضافة إلى التحرشات العسكرية المتكررة أيضاً ضد دولة (جيبوتي) . ومن جانب آخر نجد العلاقة مع دول الجوار الأخرى متينة وقوية تتجاوز المعاهدات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.. إلخ، وتطمح للترابط (الكونفدرالي) كما هو الحال مع إثيوبيا، كما أن العلاقة بـ (كينيا، وأوغندا) ممتازة جدّاً. نخرج مما سبق: أن منهج حكومة الجبهة الشعبية في تكوين علاقتها وصداقاتها يختص بالمتانة والقوة مع الدول التي تحمل الصبغة الصليبية، بينما كان نصيب دول الجوار المسلمة: الحرب، والعداء، مما يعني أن (إسياس) يسعى جاهداً إلى إيجاد حاجز كبير بين الشعب الإريتري وجيرانه المسلمين، بالإضافة إلى أن هناك مؤامرة كبرى تحاك في شرق إفريقيا، كلها تشير إلى ترابط الدول النصرانية في مواجهة الدول الإسلامية، وتحجيم انتشار الإسلام في المنطقة، فكل من (إريتريا، وإثيوبيا، وأوغندا) تقف موقف العداء السافر ضد الحكومة السودانية، وتدعم بالإضافة إلى كينيا (جون قرنق) النصراني، وذلك حيال توجه السودان الإسلامي المعلن، وإمكان انتشار تأثيره على منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا. وإذا أضفنا إلى كل ما سبق العلاقة الحميمة التي يتمتع بها النظام في (أسمرا) بالدولة اليهودية، والتعاون المطلق في المجالات الأمنية والدفاع والاقتصاد.. فلا نستغرب سلوك النظام القائم في إريتريا هذا المسلك المشين والمسيء للشعب الإريتري، ف (إسرائيل) ما زالت تسعى منذ نشأتها للسيطرة على المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر، وما (إسياس) إلا مجرد أداة ينفذ رغبات القوى النصرانية والصهيونية العالمية. الاقتصاد: يسيطر حزب الجبهة الشعبية متمثلاً في جهازه الذي يرمز إليه بـ (٠٩) على الاقتصاد الإريتري الضعيف أصلاً، وأصبح هذا الجهاز عائقاً أمام التطور الاقتصادي للبلاد وللمواطنين، فكل الامتيازات الاقتصادية من استثمار واستيراد وتصدير متاحة لهذا الجهاز الذي أصبح يمارس منافسة غير شريفة وغير متكافئة مع التجار، ويدعي هذا الجهاز أن هدفه خدمة المواطنين ووقايتهم من جشع التجار غير المحدود، بينما الأهداف الحقيقية غير المعلنة هي تحقيق دخل مالي كبير لحزب الجبهة الشعبية، وإتاحة فرصة العمل لأعضاء الحزب، ومن ثم: سيطرة هذا الحزب بواسطة هذا الجهاز على مقومات الاقتصاد الإريتري واحتكار مقدرات الشعب واسترقاقه سياسيّاً وثقافيّاً عبر وسائل لقمة العيش. الدستور ومجموعة القوانين: لا شك أن التقنين والتنظيم في الأمور الإدارية على مستوى الأفراد والجماعات والدول سمة حضارية متى ما حُققت العدالة والمساواة وتجنب الظلم، ولكن الخلاف والجدل يُظهر ماهية تلك النظم ونوعية المراسيم التي تصاغ بها ليلتزمها الفرد والمجتمع، وقد أصدرت الجبهة الشعبية منذ استيلائها على إريتريا وتربعها على عرش الحكم في (أسمرا) عدداً من القوانين التي كانت مثار الاستغراب ومن ثم: الرفض من قبل الشعب الإريتري أجمع. وقد كان قانون الجنسية الذي سبق عملية الاستفتاء على استقلال إريتريا من المراسيم التي لم يستسيغها الشعب الإريتري، حيث فُتح المجال لكل من هب ودب للحصول على الجنسية الإريترية، وحسب الواقع المعاش فإن المستفيد الرئيس من هذا القانون كان نصارى إقليم (تجراي) الإثيوبي، وبهذا كثر سواد النصارى في إريتريا في ظل غياب المسلمين في مخيمات اللاجئين في السودان والدول العربية، مما يؤثر مستقبلاً على الأمن العام لإريتريا ويحدث معه خلل في تركيبة المجتمع الإريتري لصالح النصارى. ومن القوانين الأكثر جدلاً والأشد رفضاً من قبل المسلمين: قانون التجنيد الإجباري الذي ألزم الفتيان والفتيات على حد سواء بالمشاركة في التدريب العسكري والخدمة العسكرية لمدة سنتين، وقد قبل الشعب الإريتري على مضض تجنيد الشباب لما يعرفه من أن الهدف من تجنيدهم ليس الدفاع عن الوطن والشرف، بل لأغراض أخرى في نفس (إسياس) ، منها: صياغة جيش جديد بعقلية جديدة تتناسب والمرحلة القادمة من مرحلة الحكم في إريتريا، لأن الجيش الشعبي السابق فيه بقية من روح الثورة بل الجهاد الذي قد يرفض توجهات (إسياس) الدكتاتورية والارتماء في أحضان الصهاينة والغرب. أما تجنيد الفتيات فقد رفضه المسلمون من منطلق شرعي بحت، وما زالت المواجهات بين النظام والشعب مستمرة في هذا الشأن، وقد تعرض كثير من الفتيات والآباء والأمهات لعقوبة السجن من جراء رفضهم تنفيذ هذا القرار الجائر، بل وصل الحال في بعض مناطق إريتريا أن واجهوا جنود النظام بالعصى والهراوات والسيوف عندما حاولوا أخذ الفتيات قسراً لتجنيدهن. والمتأمل للأمر يدرك أن الاتجاه إلى تجنيد الفتاة المسلمة ليس الغرض منه سد النقص في عدد المدافعين عن إريتريا، ولا تنفيذ المساواة المزعومة بين الرجال والنساء، إنما الغرض تربية الفتاة المسلمة على أفكار ومبادئ تناوئ العقيدة الإسلامية وما ينبثق منها من شريعة وأخلاق وفضائل. أما آخر المراسيم مكراً فقد كان المرسوم التشريعي رقم ٧٣ لعام ١٩٩٥م، الذي نص على عدم أحقية المؤسسات الدينية في القيام بأعمال إغاثة أو خدمات اجتماعية بالوكالة عن حكومات أو مؤسسات أجنبية، وهو القرار الذي عرف باسم مرسوم تنظيم عمل المؤسسات الدينية، وقد حدد النظام في الوقت نفسه وجه التعامل مع الجهات الخارجية، بحيث يكون عبر أجهزة الدولة الرسمية. والغرض من هذا القرار هو تحجيم عمل المعاهد والمدارس الإسلامية وشل العمل الدعوي الإسلامي في إريتريا؛ لأنه من المعلوم أن المؤسسات الإسلامية في إريتريا تقوم على الجهد الأهلي، وبما أن الشعب الإريتري عاش ثلاثين عاماً في حرب قاسية فَقَدَ فيها كثيراً من مقوماته الاقتصادية، فإن العمل الدعوي هناك أصبح لا يستغني عن الاتصال بالمؤسسات الخيرية والتطوعية في العالم الإسلامي، وذلك بغية الحصول على العون المادي والعلمي والأدبي، إنه في حاجة إلى المؤسسات الرسمية في الدول الإسلامية (من جامعات ووزارات) التي توفر له منحاً دراسية للطلاب، وإرسال الدعاة ومعلمي اللغة العربية والعلوم الشرعية، إلا إن هذا المرسوم يقف عائقاً الآن أمام هذه المساعدات التي كان من الممكن أن تسهم في مسيرة الدعوة الإسلامية في إريتريا، وهذا هو المقصود تماماً. ولهذا ولغيره من الأسباب نجد اليوم إريتريا تخلو من المؤسسات الإسلامية الخيرية، بينما تعج بالمؤسسات التنصيرية التي تعمل ليل نهار في بناء الكنائس وتقديم خدمات الإغاثة والعلاج في ربوع إريتريا! ! . حقيقة دستور الدولة: وقد تم تتويج هذه القوانين جميعاً في نهاية المطاف بالدستور الذي صدرت مسودته في يوليو ١٩٩٦م، وهو دستور علماني بحت، بل علماني متطرف حسب تعبير الدكتور (جلال الدين محمد صالح) في جريدة (المستقلة) العدد ١٢٨ تاريخ ٩/٦/١٤١٧هـ ٢١/١٠/ ١٩٩٦م لم يراع ديانة شعبه بل لم يراع العادات والتقاليد والموروثات الثقافية للشعب الإريتري كما زُعم في ديباجته. وقد تعمد الدستور تهميش الجوانب الفكرية والثقافية والاجتماعية، والتركيز علي الجوانب الإدارية والفنية البحتة في معظم فقراته، وأعطى الأجهزة التنفيذية في الدولة مجالاً واسعاً لإصدار قوانين وتشريعات تنظم عمل الأجهزة الحكومية. وقفات مع الدستور: على الرغم من ذلك فإننا سوف نتناول منه عدداً من القضايا التي ما زالت تثير ردود الأفعال المتفاوتة، وتسبب الجدل والنقاش الحاد في اللقاءات التي تعقدها لجنة الدستور مع الشعب الإريتري في الداخل والخارج، وهذه القضايا هي: ١- اللغة: نص الدستور في الفقرة الثالثة من المادة الرابعة على أن (مساواة جميع اللغات في إريتريا مصانة) ، ولم يحدد اللغة الرسمية للبلاد، بل ترك الأمر بهذا الشكل عمداً، وفي ذلك دغدغة لمشاعر العامة وتلاعب بعواطفهم، فمن ذا الذي يكره المساواة؟ ! ، وإذا قيل لأي مواطن: إن لغته الأم متساوية مع جميع اللغات الأخرى التي في بلده فسوف يتقبل الأمر بكل سرور، إلا إن العمل بهذا النص بعيد عن الواقع ولا يقبله عاقل؛ لأن المساواة تعني أن تتعامل الحكومة مع جميع لغات إريتريا بنظرة واحدة وبقدر واحد في التعليم والإعلام وإصدار المراسيم والمكاتبات، والخطب الرسمية ... إلخ، فيفترض بناءً على ذلك أن يُلم جميع موظفي الدولة باللغات الإريترية على الأقل إن لم يتقنوها، ومعلوم أن في إريتريا تسع لغات مختلفة، تتحدث بها تسع مجموعات لغوية، تسميها الجبهة الشعبية (قوميات) . وقد حاولت حكومة الجبهة الشعبية تنفيذ هذا الأمر في مجال التعليم الابتدائي، حيث حاولت إيجاد مدارس ابتدائية في القرى تدرس بلغة أهل المنطقة حتى إذا لم تكن حروفها مكتوبة، فبدأت بكتابتها بالحروف اللاتينية والبعض الآخر بالحروف التجرينية (لغة أغلب نصارى إريتريا وشمال إثيوبيا) ، إلا إن الأمر لم يحقق المساواة الحقيقية للغات وأهلها، ففي المدن التي تختلط فيها القبائل والأعراق والمجموعات اللغوية لم تستطع الوفاء بهذا الأمر، ففي مدينة (كرن) مثلاً لا توجد مدرسة تدرس بلغة (البلين) مع أن أغلب سكان هذه المدينة من المتحدثين بهذه اللغة، بل بالعكس من ذلك فإن أكبر مدرستين حكوميتين تدرسان باللغة التجرينية مع أهلها أقلية في المدينة المذكورة. وإذا نُظر إلى هذا القرار من منظور الوحدة الوطنية التي تُرجع إليها الجبهة جميع نظرياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية نجد أن لهذا الأمر تأثيراً سلبيّاً، حيث إن تعلم كل مجموعة لغوية بلغتها الخاصة مع عدم وجود لغة وطنية واحدة أو اثنتين يتعلمها جميع أفراد الشعب يضع حاجزاً بين أفراد الشعب الواحد، ويؤثر على تفاهمهم وتعاملهم اليومي وأنشطتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية، فمن أين يأتي هؤلاء الموظفون الذين يعرفون جميع اللغات الإريترية والحال هكذا؟ . إلا إن النتيجة النهائية لهذا النص الدستوري: تفتيت وحدة المسلمين في إريتريا بإيجاد حاجز لغوي ومزاج ثقافي فكري محدود فيما بينهم حيث إن وجودهم ينتشر في المجموعات اللغوية التسع، وإبعادهم عن خيارهم للغة العربية التي ما زالوا ينادون بها، وفرض الأمر الواقع بنشر اللغة التجرينية وإسقاط اللغة العربية كما أسلفنا. ٢- المرأة: وجدت المرأة في الدستور الإريتري ذكراً لحاجة خبيثة في نفس (إسياس) الماكرة، فقد جاء في الفقرة الثانية من المادة السابعة: (تعتبر ممنوعة كل الممارسات التي تنتهك حقوق المرأة، أو تحط من شأنها، أو تقلل من دورها، أو تعيق من مشاركتها) . والفقرة بهذا الشكل عامة يمكن تفسيرها تفسيراً مقبولاً، ولكن.. ما هي الحقوق التي تقصدها الفقرة والمنهي عن انتهاكها؟ . إن الحقوق المعتبرة لدى الدستور لا تخرج حسب ممارسات الجبهة الشعبية عن الحقوق التي نادى بها مؤتمر (بكين) النسائي في عام ١٩٩٥م والذي أثار مشاعر المسلمين، بل ومشاعر (بابا الفاتيكان) ، وقد شاركت إريتريا في هذا المؤتمر بوفد نسائي كبير رفيع المستوى من عناصر حزب الجبهة الشعبية، وقد احتفت وسائل الإعلام الإريترية بهذا المؤتمر وأيدت قراراته بدون تحفظ. فالمقصود إذن: ضمان جميع الحقوق والأدوار التي تنافي الشرع الإسلامي السمح وأخلاقه الحميدة، فقد يُعد في نظرهم الحجاب مما يحط من شأن المرأة، ونصيبها الشرعي من الإرث انتهاك لحقوقها في المساواة، وإبعادها عن الاختلاط والخلوة بالرجال مما يعِيق مشاركتها.... وهكذا. ٣- الأسرة والزواج: فيما يتعلق بالأسرة والزواج حدد الدستور في الفقرة الثانية من المادة (٢٢) طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، قائلاً: (من حق الرجل والمرأة اللذين بلغا السن القانوني أن يتزوجا ويؤسسا أسرة بحرية، وبملء إرادتهما، ودون أي شكل من أشكال التمييز، كما يكون لهما حقوق وواجبات متساوية في كل المسائل الأسرية) . وبهذا يحق لغير المسلم سواء أكان يهوديّاً أو نصرانيّاً أو وثنيّاً أن ينكح مسلمة، وكذا بالعكس، حيث لا تمييز في الدين وغيره، ولا يهم أن يكون الزواج بعقد تتوفر فيه الشروط الشرعية من شهود وولي أم لا، كما إن المساواة في كل المسائل الأسرية تعني أن الزوجين يتساويان في النفقات الخاصة بأمور الأسرة من مهر وسكن وملبس ومأكل ومشرب، وأن يكون الطلاق في يديهما بالتساوي، وأن ترث المرأة زوجها بالمقدار الذي يرثها زوجها، وأن تكون القوامة لهما، وما أدري هل تعدد المرأة الأزواج إذا عدد الرجل زوجاته أم إن التعدد محرم في نظر الدستور؟ ! إذن: فلا مكان بمقتضى هذا الدستور لقوله (تعالى) : [إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] [الطلاق: ١] ، وقوله (تعالى) : [وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] [النساء: ٤] ، وقوله (تعالى) : [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ] [النساء: ١١] ، وقوله (تعالى) : [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا] [النساء: ٣٤] ، وقوله (تعالى) : [فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ] [النساء: ٣] ، وقوله: (لا نكاح إلا بولي) .. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث النبوية، مما يعني هدم نظام الأسرة في الإسلام، والاعتداء الصارخ على حرية الشعب الإريتري في ممارسة عقيدته ودينه الذي ارتضاه لنفسه وارتضاه الله له من قبل. ٤- القَسَم: جاء في المادة (٣٥) في القَسَم الخاص بأعضاء المجلس الوطني، والمادة (٤٥) الخاصة بقسم رئيس الدولة، والمادة (٥١) الخاصة بقسم القضاة أن صيغة القسم تكون: (أقسم باسم شهداء إريتريا ... ) . وهذا يعني أن يتناول المسلم باباً من أبواب الشرك بالله إذا قدر له أن يكون عضواً في البرلمان، أو رئيساً للدولة، أو قاضياً في محكمة! ، إلا إذا كان المقصود أن تولي هذه المناصب مما لا ينبغي أن يتولاها المسلم في إريتريا، فماذا يرتجى ممن استهل عمله بأعظم ذنب يرتكبه الإنسان في حياته الدنيا كلها؟ ! . ولم تترك هذه المادة للمرء فرصة في أن يضمر ما يعتقده في القسم، بحيث تكون على حسب اعتقاده، بأن تكون الصياغة مثلاً: (أقسم أن كذا وكذا) بل تم تعمد صياغة القسم بهذا الأسلوب، مبالغة في إبعاد الناس عن دينهم، وتطرفا في علمنة الدستور. ٥- المحاكم الشرعية: معلوم أن المحاكم الشرعية في إريتريا (استئنافية وعادية) ما زالت تعمل منذ عهد الخلافة العثمانية، ومروراً بعهود الاحتلال الغربي (إيطاليا، وبريطانيا) ، ثم الاحتلال (الإثيوبي) ، وعندما تحدثت مسودة الدستور الإريتري عن القضاء والمحاكم لم تذكر المحاكم الشرعية بشيء، لا بالإلغاء الصريح أوالبقاء الصريح، ولكن يبدو أن المراد هو موت المحاكم الشرعية بطريقة تلقائية بعيداً عن الإثارة؛ فالفقرة الثالثة من المادة الثانية تقول: (يعتبر هذا الدستور أعلى قانون ومصدراً لكل القوانين الإريترية؛ لذا: فإن أي قانون أو أوامر أو ممارسات لا تتماشى مع نصوصه وروحه تعتبر لاغية) (هكذا) ! ! . وقد أحال الدستور صلاحيات تنظيم وأداء المحاكم الدنيا وفترة عمل قضاتها إلى القانون في المادة (٥٠) ، ولا تدخل المحاكم الشرعية ضمن المحاكم الدنيا المزمع تكوينها، لأن المحاكم الشرعية مختلفة عنها تماماً، كما إن أحكامها تتعارض قطعاً مع نصوص الدستور، كالفقرة الثانية من المادة (٢٢) الخاصة بالزواج والأسرة على سبيل المثال. إذن: فإن إقصاء المحاكم الشرعية عن الحياة في إريتريا أمر مؤكد، حتى وإن أصبحت قاصرة على الأحوال الشخصية. ٦- ملكية الأرض: كانت حكومة الشعبية قد سبقت دستورها في إصدار قانون يجعل ملكية الأرض للدولة، وقد نص الدستور الجديد في الفقرة الثانية من المادة (٢٣) على (أن الأرض وكل الثروات الطبيعية ملك للدولة، وحقوق المواطنين في استخدام الأرض تتحدد قانوناً) . وقد فتح هذا القانون الباب على مصراعيه للنصارى للنزوح إلى مناطق المسلمين الواسعة، واغتصاب أراضيهم (بالطرق القانونية) ، ومعلوم أن المساحة التي يمتلكها المسلمون في إريتريا لا تقل عن ٨٠% من مساحة إريتريا، وأغلبها صالح للزراعة والرعي. وبهذا يتضح أن المقصود من وراء هذا القانون هو التلاعب بالتركيبة السكانية لمناطق إريتريا، ودعم النصارى اقتصاديّاً على حساب إفقار المسلمين الذين ما زال أكثرهم يعيشون في مخيمات المهاجرين واللاجئين في السودان، ويعمل كثير منهم أيضاً في دول الخليج العربي. وفي الختام: يمكن أن نخلص من هذه الجولة القصيرة إلى أن الخطى سائرة في إريتريا وفق مخطط نصراني مدروس يصب في نهاية المطاف لتحقيق حلم المنصِرين بجعل (إفريقيا نصرانية عام ٢٠٠٠! !) . [وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] . مما يلزم أن يتداعى المسلمون الإريتريون لتحديد موقفهم حيال ما صاغته الجبهة الشعبية من أنظمة وقوانين تؤكد الوجهة النصرانية لهذه البلاد الإسلامية لصالح فئة محدودة. ويؤكد العمل بكل الوسائل المتاحة لإيقاف المد النصراني الجائر عند حده، وعلى كل المسلمين تحديد موقفهم من هذه الدولة العميلة التي ناصبتهم العداء وصارت مخلب قط لصالح أعدائهم.

стр. 2469

متابعات أعبدة للشيطان في مصر ؟ ! مظاهر الخلل وأسبابه وعلاجه بقلم: صفوت وصفي في الوقت الذي كان المسلمون متوجهين فيه إلى الله بالصيام والقيام وأداء الصلوات في شهر رمضان المنصرم لعام ١٤١٧هـ قضّ مضاجع المسلمين بعامة ومسلمي مصر بخاصة ما أعلن عن اكتشاف شبكة من الشباب التافهين الذين يتبنون ما يسمى بـ (عبادة الشيطان) ، وهو وإن كان نهجاً وثنيّاً قديماً إلا إن بعض الاتجاهات الإلحادية المعاصرة أعادته من جديد بوسائل جديدة. وقد أثارت هذه القضية الرأي العام بمصر، لا سيما وأن جل المضبوطين من أبناء الذوات! ، أو ما يعرف بالطبقة (الأرستقراطية) من بعض أبناء المسؤولين والفنانين.. وغيرهم، وقد استطاع الأمن تسجيل حفلاتهم ورصد حركاتهم وما يقومون به من طقوس.. وأثبتت اعترافاتهم أثناء التحقيق معهم أن ما دفعهم إلى ذلك عاملان: (المخدرات) ، و (الجنس) .. وهما كافيان لتداعي الشباب الفارغ من العمل والمفرغ عقله من القيم والأخلاق للانضواء تحت لواء هذا التوجه. ومما يؤسف له أنه رغم الزخم الإعلامي الذي سلط على هذه الفئة على مدى الأشهر الماضية، وتأكيد ضلوع أولئك الشباب في الوقوع في هذه الطقوس المنحرفة واعترافهم بها [١] إلا إن النيابة أخلت سبيل جميع المتهمين بعد المطالبة بإعدامهم، وذلك بحجة أن القانون المصري لا يعاقب على فكر مهما كان! ، مع أن القانون المصري نفسه يعاقب على مثل ذلك كما في قانون العقوبات المادة (٩٨) وكذلك المادة (١٦٠) . كيف بدأت هذه الشبكة؟ : تنتشر عبادة الشيطان لدى اليهود، وتعرف بجماعة (إخوة الشياطين) ، ومقرها (تل أبيب) و (إيلات) ، وتتخذ (النجمة السداسية والصليب المقلوب) شعاراً لها، ولها وجود في ألمانيا، وفرنسا، واليابان، وجنوب إفريقيا.. وقد أقام مواطن أمريكي يدعى (انوان ساندرو لافي) ويظهر من اسمه أنه يهودي كنيسة ومحفلاً شيطانيّاً بأمريكا عام ١٩٦٦م، ليمارس فيه هو وأتباعه طقوس عبادة الشيطان، وكانوا يتناولون عقاقير الهلوسة، ويعمدون الأعضاء بالدم، وينبشون القبور، ويعملون على تحطيم دور العبادة وإحراقها. المذهب يتسلل إلى مصر: وترجع بدايات ظهور هذا التوجه المنحرف والفكر الشاذ في مصر عند بداية السبعينيات الميلادية من خلال (الروك) لاجتذاب الشباب، ثم أخذت الأحداث تتابع على النحو التالي: في شهري أكتوبر ونوفمبر عام ١٩٩٣م نظمت أول حفلة لهم، وأقيمت في ملعب التنس باستاد القاهرة، ووصفت بأنها كانت مرتعاً للجنس والمخدرات، ثم تعددت الحفلات في مناطق المعادي، والزمالك، والإسكندرية.. وعادة ما يصيب عبدة الشيطان حالات هيستيرية عبر استخدامهم موسيقى (الروك) . وبعد التحقيق مع أعضاء الشبكة أكدوا أن مجموعة من اليهود وراء زرع هذه الأفكار الغريبة في مصر خلال العامين الماضيين، عن طريق الجنس والمخدرات داخل المناطق المنعزلة، أو في الصحراء، أو على شواطئ البحار ليلاً.. وأنهم عادة ما يستخدمون القطط والكلاب قرابين للشيطان. أن إحدى الدول الأجنبية قدمت للجماعة العديد من المساعدات التي تشجع على قيامهم بطقوسهم الغريبة في بعض الأماكن المعينة. تم إلقاء القبض على صاحب شركة تسجيلات فنية يحمل الجنسيتين المصرية والكندية يروج الأشرطة الغنائية التي تتضمن أفكار هذه الشبكة المشبوهة، والتي يعتبر المغني المشهور (ألفيس بريسلي) الأب الروحي لها. من يدافع عن هؤلاء في مصر: في الوقت الذي صدم فيه الشعب المصري بهذا التوجه المنحرف وتساءلوا عن دور الأسرة والمدرسة والإعلام والتوعية والأزهر، وهل يعقل أن يعبد الشيطان في مصر أرض الإيمان والعلم؟ .. في هذه الظروف نجد إحدى الدور الاستعمارية التي تشغل مسمى (الجامعة الأمريكية) بالقاهرة، وعلى صفحات جريدتها (القافلة) ، تنشر معلقة على الموضوع وردود الأفعال الرافضة له على صفحات كثير من الصحف والمجلات المصرية، نجدها تقول بكل بجاحة: (إن ما تنشره الصحف المصرية عن هذا الموضوع هو نوع من الاعتداء على حرية الرأي وتوجيه الاتهام بالكفر إلى شباب لا يهمه شيئاً سوى سماع الموسيقى الأجنبية المختلفة..) هكذا! . دوافع انضمام الشباب لهم: من واقع تتبعي لهذه المشكلة يتبين لي أن دافع المنضوين لها ما يلي: هناك كثير من الشبان في مصر يهتمون بسماع موسيقى (الروك آند رول) وتعلم الرقص الغربي معها بأساليب تتميز بالصراخ والضجيج والحركات السريعة التي أشبه ما تكون بحركات التشنج والاضطراب العقلي. تعبر هذه الفئة عن نفسها من خلال الرقصات الموسيقية، ويعملون على وشم أجسادهم عن طريق السفر إلى إحدى قرى سيناء السياحية، حيث يوجد محترفون لعمليات الوشم وبعضهم لجأ إلى رسم كلمات غريبة على ملابسهم السوداء وتدوين شعارات ملفتة للأنظار تصل إلى حد السباب والشتم. ينظمون حفلات موسيقية من نوع خاص في أماكن وفنادق متفرقة، مع توزيع إعلانات هذه الحفلات في مناطق تجمع الشباب في الجامعات والأندية والمراكز الأجنبية. ومن خلال استطلاع نشرته مجلة (الوسط) اللندنية مع بعض أعضاء هذه الجماعة يتبين من أفكارهم ما يلي: تقول (أ. أ) مغنية فرقة (فابير) وطالبة بكلية التجارة: (من خلال الحفلات تعرفت على شباب ليس أمامه أي شيء يفعله، وفي كثير من الأحيان يدمن المخدرات ولا يعرف ما يقوم به، ويهزون رؤوسهم على طريقة المغنيين الغربيين للفت الأنظار لهم، ولو كان هذا عن طريق الزعم بأنهم يعبدون الشيطان!) . ويقول (م. ع) مضيف جوي: هناك محاولات للتقليد الأعمى لكل ما يجري في الغرب من دون تمييز أو اهتمام بمعنى ذلك التقليد. ويقول طالب في كلية التجارة: إننا نعرف أن ما نفعله شيء غريب، لكنها التسلية! ! . ردود الفعل في المجتمع المصري: بعد اكتشاف هذه الشبكة والجماعة المنحرفة واعتقال أعضائها تبين بالفعل أنها فئة ضالة، تأثرت بهذا الفكر والسلوك عن طريق الوسائل التي سبقت الإشارة إلى بعضها؛ مما أصاب الرأي العام بصدمة عنيفة، وتساءلوا: أحقّاً يُعبد الشيطان في مصر، مصر بلد الأزهر وبلد العلماء؟ . وكانت ردود الأفعال على المستوى الرسمي والفكري على النحو التالي: ١- استنكر! مجلس الشورى المصري في جلسة برئاسة د/ مصطفى كمال حلمي، ظاهرة الانحراف الديني المتمثلة في هذه الجماعة المنحرفة، وطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية على هؤلاء الخارجين عن الدين! ! . ٢- وقال الشيخ (نصر فريد واصل) مفتي مصر: إنهم سقطوا ضحية الشيطان؛ لضعف إيمانهم وانحراف أفكارهم؛ لأن الشيطان لا يقترب ممن آمن بربه، ولكنه يسيطر على الإنسان نتيجة ضعف! إيمانه، وقال: إنهم مرتدون عن الدين. ٣- وقال د. (سعد ظلام) الأستاذ بجامعة الأزهر: إننا أهملنا شبابنا حينما انطلقنا نجلب لهم الإشباع المادي، وتركناهم بلا رقيب ولا هداية، ولم نربهم بالدين والقيم. ٤- ويقول د. (فكري عبد العزيز) (استشاري الطب النفسي) : إن التحليل النفسي لهؤلاء الشباب يظهر أنهم فئة (سيكوباتية) فاقدة الأهلية، تحقق ملذاتها، وتنظر إلى إرضاء الجسد والذات، وقد وصلت إلى كل هذا نتيجة الحرمان الأسري، وعدم وجود الأب أو بديله في هذه المرحلة، مع عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي، وعدم وجود المثل الذي يحتذى. أسباب هذه الظاهرة: ولا شك أن هذا الاتجاه ظاهرة شر ومظهر انحراف في سير المجتمعات، فما أسباب وجود هذه الظاهرة؟ . سبقت الإشارة إلى دوافع هذا التوجه الشاذ لدى هذه الفئة من الشباب، لكن المتابع والباحث المدقق والمتأمل لما وراء السطور يلمس أن هناك أسباباً ساعدت في نشوء هذا النهج المنحرف، يمكن إجمالها فيما يلي: ١- سياسة تجفيف المنابع التي ازداد أوارها بعد عملية السلام مع العدو الصهيوني، حيث انبثق عنها ما يعرف بعمليات تطبيع العلاقات مع اليهود، والتي استتبعت غربلة المناهج الدراسية، وإجراء كثير من التعديلات والحذف لصالح هذا التوجه، فضلاً عما هو موجود أساساً من تحجيم لمواد التربية الإسلامية وعدم اعتبارها في سلم الدرجات للطلاب والطالبات في جل البلدان الإسلامية، مما لا يقيم لها الاعتبار المفروض لدى الطلاب، فأنّى لهذه المواد أن تربي الأجيال تربية إسلامية تجعل منهم مبغضين للانحرافات الفكرية بكل جسارة وشمم. ٢- دور الإعلام المتواصل عن طريق وسائله المنوعة من مقروءة ومسموعة ومرئية في إثارة نزوات الشباب من الجنسين وإشغالهم بالفكر الهابط الرديء والأغاني الماجنة، والأفلام الخليعة. ٣- سوء استغلال شبكات الاتصالات الحديثة (الإنترنت) ، التي تحوي برامج تروج لمثل هذا الفكر المنحرف، وتوصل مستجداته وطقوسه ومبادئه لمتابعيه بأحدث ما يتوصل إليه مَن يتابعون هذه النزعات الشيطانية، وقد تلقى هؤلاء الشباب معلوماتهم عن عبادة الشيطان عن طريق هذا الجهاز، وقد أثبتت التحقيقات أن ٩٠% من المعلومات التي حصلوا عليها من هذا التوجه المنحرف كان عن طريق هذه الشبكة. ٤- تحجيم التوعية الإسلامية من برامج ومحاضرات وندوات عن طريق العلماء والدعاة، ولا سيما في الجامعات والنوادي والمراكز التربوية، بدعوى أن لمن يلقونها أهدافاً غير مرضي عنها، ولا ندري أي أهداف للداعين إلى الله والعلماء والمفكرين المسلمين سوى توعية الأجيال بالإسلام الحق والفكر الرشيد والبيان للمخططات العلمانية التي تهدف إلى تدمير الشخصية المسلمة والمجتمعات المؤمنة؟ ! ، إلا إن كان هذا غير مرغوب فيه، فذاك شيء آخر، ولا ندري لمصلحة من يتم ذلك. ٥- الحياة المترفة والمتفلتة التي تعيشها أسر هؤلاء الشباب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، من شيوع التبرج والسفور، والاختلاط بين الجنسين، وترك مسؤولية تربية الأبناء للخدم أو للمدارس الداخلية، والتي عادة ما تكون أجنبية الولاء. ٦- مثل هذه الجماعات تكون مدعومة كما سبقت الإشارة إليه من جهات أجنبية ذات أهداف مشبوهة وذات خطط مرسومة، ودعمهم لمثل تلك النزعات بالأموال يساعد في استمرارهم في طقوسهم الشيطانية، ومثل تلك الجهات الأجنبية معروفة في دعمها للاتجاهات المنحرفة، كما هو شأنهم في دعم جمعيات تحرر المرأة من قيمها وأخلاقها، وكما يدعمون سياسات تحديد النسل، وتشجيع الأبحاث التي تتبنى إحياء الفكر الباطني والعنصري ... ٧- المدارس المختلطة بين الجنسين في كثير من الدول العربية، وبخاصة في الجامعات، ووضع المناهج المختلطة، ووصول الأمر إلى تدريب هؤلاء الشباب من الجنسين في دورات ومعسكرات مختلطة.. لا شك أنها وسيلة لإشاعة الفاحشة بينهم، يتهدم معها الوازع الخلقي في نفوسهم. ٨- السياسة الأمنية المتطرفة حيال الاتجاهات الإسلامية في بعض الدول العربية، والتي لا تفرق بين صالح وطالح، ولا بين معتدل وغالٍ (منحرف) ، وهذا تصور ليس مرده إلى الجهل وحده بتلك الاتجاهات المختلفة، وإنما هدفه ضرب الاتجاهات الإسلامية عموماً بدعاوى ساذجة لم تعد تنطلي على أحد. ولا شك أن هذه السياسة فاشلة، وقد أحدثت ردود فعل معاكسة للعنف المضاد، ذهب ضحيته المئات من القتلى، ولا ندري لمصلحة من؟ . ولا شك أن السياسات القمعية فاشلة، وما كان لهذه السياسة أن تتم لولا ما تشيعه أقلام العلمانيين وأذنابهم من الهجوم على التوجهات الإسلامية واتهامها ليل نهار بادعاء أنها تهدف إلى قلب المجتمعات وتغيير أنظمة الحكم، وهي حرب مسمومة، بل هي مكر الليل والنهار لتهميش الإسلام في المجتمعات [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَاًبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] [التوبة: ٣٢] . علاج هذه الظاهرة: ولا شك أن أي ظاهرة انحراف لها أسبابها ولها علاجها، أما العلاج فهو القضاء على كل مبررات نشوئها وإيقافها بكل قوة وحزم، ويمكن اتخاذ إجراءات معينة في نظري تتمثل فيما يلي: ١- تجريم أولياء أمور هؤلاء الشباب ولو أدبيّاً وتحميلهم جزءاً كبيراً من مسؤولية انحراف أبنائهم، حيث تركوا الحبل لأبنائهم على الغارب بتساهلهم في مسؤولية تربية هؤلاء الشباب؛ مما أدى بهم إلى الوقوع في هذه التوجهات الفكرية الشاذة والمنحرفة. ٢- أهمية وضع النظم التي تجرم مثل هذه الاتجاهات الشاذة، إذ إن الدساتير الحالية لا تجازي فاعليها إلا بأقل القليل، وأهمية تطبيق (حد الردة) بعد استيفاء أركانه، ولا شك أن تطبيقه مع أحد المجرمين سيردع كل من تسول له نفسه الوقوع في مثل تلك الانحرافات. ٣- ضرورة إيجاد المحاضن التربوية الصالحة التي يجد فيها الشباب ما يشبع ميولهم وينمي هواياتهم، وإدامة هذه المحاضن على مدار العام، وضرورة ترشيد عمل الأندية الرياضية وتطعيمها بالتوعية الدينية والفكرية. ٤- أهمية أداء وسائل الإعلام وبخاصة المرئية منها دورها الريادي في التوعية والتوجيه، وألا تجاري القنوات الفضائية التي كثيراً ما تعمل على إشاعة الخلاعة والمجون، حتى أصبح ذلك رسالة لها في كثير من محطاتها. ٥- تجريم بعض الكتاب الذين دأبهم تضليل الأمة بإشاعة الاتجاهات العلمانية، وتضليل الشباب، ومهاجمة التيارات الإسلامية بدون وجه حق، إلى درجة أن أصبح السمت الإسلامي عندهم علامة على التطرف والإرهاب، وهذا افتراء وإفك وقذف للإسلام والملتزمين به بدعاوى باطلة أصجت سامجة وممجوجة، فمثل تلك الأقلام هي التي توجد ردود الأفعال المعاكسة التي ربما أدت إلى النزوع للغلو المرفوض شرعاً. من الخطورة بمكان اعتبار هذا التوجه كأن لم يكن، وتناسيه، سواء بضغوط معينة أو بتسامح، ما لم يعالج هؤلاء الشباب بتوبتهم أولاً، ثم بالعلاج المتوالي بإصلاح الفكر بدورات تثقيفية متخصصة، أما دعوى أنه لا توجد حقيقة لهذه الجماعة كما نُشر فهذا دفن للرؤوس في الرمال. والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه خير الإسلام والمسلمين. مراجع تم الاستفادة منها: ١- إبليس، لعباس محمود العقاد. ٢- عبدة الشيطان، لـ (محمد فوزي) ، نشرته (الأنباء) الكويتية في ١٧ حلقة بدءاً من العدد (٧٤٤٦) في ٥/١/١٩٩٧م. ٣- مجلة الوسط، العدد ٢٦٢، الصادر في ٣/٢/١٩٩٧م. ٤ - صحيفة الرياض، العدد ١٠٤٥١، الصادر في ٢٥/٩/١٤١٧هـ. ٥ - جريدة الحياة اللندنية، العدد الصادر في ٧/١٠/١٤١٧هـ.

стр. 2470

الورقة الأخيرة كلمات.. ومعان بقلم: د. محمد بن ظافر الشهري في تعريف الأشياء مزية عظيمة تبرر الوقت والجهد الذي يبذل في سبيل الوصول إلى تعريف جامع مانع لبعض المصطلحات، وكما أنه لا مشاحة في الاصطلاح؛ فإنه ينبغي ألا يكون اصطلاح مع المشاحة، فليس هناك كبير فرق بين أن نعبر عن (الكمبيوتر) بـ (الحاسوب) أو (الحاسب الآلي) ، ولكن المشكلة أن نستعمل مصطلح (الدين يسر) مثلاً ونحن غير متفقين بل متناقضين أحياناً في فهمنا للمعنى المراد. لقد أصبح العالم اليوم مثل المدينة الواحدة، وليس ذلك لتوفر وسائط النقل السريعة فحسب؛ بل لأن التداخل الثقافي المتسارع بوصفه نتيجة حتمية للثورة الإعلامية العارمة يكرس هذه الحقيقة يوماً بعد يوم، وهكذا، فقد انتشرت مصطلحات كثيرة على ألسن الناس، أو في أذهانهم على أقل تقدير، دون أن يكون لها تعريفات موحدة تُلْزِم المتحدث بالموضوعية وتعطي السامع حق التمحيص. فلنأخذ مصطلح (التشدد) على سبيل المثال، وهو من الألفاظ التي كثر تداولها في هذا الزمن، ففي بيئةٍ ما يكون المتشدد في الدين هو الذي لا يأخذ بالرخص التي يحب الله أن تؤتى كما يحب أن تؤتى العزائم، وفي بيئة أخرى: يكون المتشدد بل ربما المتطرف هو الذي يصلي المكتوبات في المسجد.. وتكمن الخطورة في أن هذا البون الشاسع (المشاحة) في تعريف (التشدد) يمكن أن يختزله غزاة الفكر بالتركيز على المصطلح وإهمال التعريف. ولكي يكتسب المجتمع المستهدف (المسلم طبعاً!) القدرة على تمييز السموم الفكرية فيتجنبها، ينبغي أن تنمى لديه ملكة التمحيص؛ حتى لا يكون كالمريد الصوفي الذي لا يحق له أن يراجع الولي (زعموا!) في شيء مما يقول أو يفعل، ولا بد للتمحيص أن يكون موضوعيّاً، حتى لا يتحول إلى رفض مطلق لكل طرح تشم فيه رائحة الآخر، والموضوعية تقتضي وجود موازين مرجعية يمكن بواسطتها تحديد الموقف من كل شيء، قبولاً أو رفضاً. إن تميز الإسلام بوجود هذه الموازين وبراءتها من الخلل، يؤهل المسلم ليكون أبعد الناس عن الانسياق الأعمى وراء الشعارات المضلة مهما كان بريقها.. وصلى الله على الصادق المصدوق إذ يقول: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض) [١] .

стр. 2471

صفر - ١٤١٨هـ يونيو - ١٩٩٧م (السنة: ١٢)

стр. 2472

كلمة صغيرة ولاؤهم لمن ؟ تذكرنا أخبار تركيا بأحداث الجزائر، حيث انبرى الجيش في كلا البلدين وائداً الجنين، ومهدداً الأم أن تئد ابنها الرضيع أو تحبسه حبساً مطلقاً، فلا يقرب (الشارع السياسي) أبداً. ضاق الجيش في (الجزائر) أو قل قادته بخيار الشعب، وما إن علموا أن الجنين بدأ حركته داخل البطن بإعلان نتائج المرحلة الأولى حتى أجهز عليه سيف (فرعون موسى) ، ولقد دفع الشعب (الجزائري) ولا يزال يدفع ثمن ذلك البغي من قادة الجيش حينما سرقوا إرادته. ولا يحسبن القارئ أننا نزكي كل ردود الأفعال التي أعقبت ذلك البغي، ولكن الرجم لا يكون لابن الزنى؛ تخلصاً من المشكلة، وإنما الرجم لمن زنى أو زنت [جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ] [المائدة: ٣٨] ، ودائماً يركز دعاة (الاستئصال) على تجريم ابن الزنى؛ لأنه ليس له شرعية! ، لقد ظلموه بجريرة غيره، وحاكموه وهم أصل الجريمة. واعترض الجيش التركي على الحد الأدنى من الحجاب الإسلامي (تغطية الرأس للنساء) ، حيث ضاق قادة الجيش بتجويزه، وليس بفرضه، وهو ما يدخل في نطاق (حقوق الإنسان والحرية الشخصية) بمعيار علمانيتهم، كما اعترض الجيش على مدارس القرآن، في الوقت الذي فُتحت فيه الكنائس وأُعيد ترميمها في كل بلد شيوعيّاً كان أو اشتراكيّاً بمباركة ومشاركة من الغرب. هل أصبح الجيش هو العصا التي يُهشّم بها كل بروز ولو كان ضئيلاً لأي وجه إسلامي، حتى ولو كان شاحب اللون، هزيل القوة؟ ! . قديماً قال تقدمي كبير! ! : (إن الاستعمار لا بد أن يحمل عصاه ويرحل) .. وقد رحل، ولكنه ترك عصاه يحركها بالتحكم عن بعد. فهل لنا أن نتسائل: تلك الجيوش، وتلكم القادة الذين يأكلون، ويشربون، ويلبسون، من دماء شعوبهم.. ولاؤهم لمن؟ ! .

стр. 2473

افتتاحية العدد هذا موقف العلمانية من الإسلام وهذا موقفنا منها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الصراع بين الحق والباطل حقيقة أزلية معروفة عبر التاريخ، وهو سنة يعرفها كل متدبر وتالٍ لآيات الذكر الحكيم، ويجدها في المواجهة بين الأنبياء وأعدائهم من الكافرين برسالتهم، ويتكرر بصور مماثلة عبر العصور بين الدعاة والمصلحين ومناوئيهم حينما يقفون بكل تبجح أمام الحق وأهله، رافضين جملة وتفصيلاً ما يدعو الدعاة إليه من حق وما يطالبون به من تحكيم لشريعة الله، فالعلمانية بخيلها ورجلها تقف بكل صلف ضد أي توجه إسلامي يقوم في أي بلد مسلم مثيرة الشبهات ضده والإساءات المتوالية لكل منتمٍ له، بدعاوى أن أولئك رجعيون ومتطرفون وإرهابيون؛ لهدم هذه الاتجاهات أمام الشعوب، وتخويفها منها بالكذب والتزوير. لقد وصف الله المنافقين أوصافاً دقيقة، تنبئ عن حقيقة ما يضمرونه من سوء في الوقت الذي يتظاهرون فيه بالإسلام، وكأنه وصف لجوقة العلمانيين في عالمنا الإسلامي اليوم، يقول (جل وعلا) : [وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأََرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أََلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] [البقرة: ١١، ١٢] . إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع، بل يضيفون إليهما السفه والادعاء..، والذين يفسدون أشنع الفساد ويقولون: إنهم مصلحون، كثيرون جدّاً في كل زمان، يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم، فيتعذر على أولئك أن يشعروا بفساد أعمالهم؛ لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية، ولا يستند إلى أسس شرعية. إن ظهور الإسلام هو بداية غيظ ورعب لأعداء هذا الدين وخصوم المنتمين له في كل حين، فهو يؤذيهم ويخيفهم؛ لأنه من القوة والمتانة بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغٍ، ويكرهه كل مفسد.. لما فيه من حق أبلج ومنهج قويم، فهو مضاد للباطل والبغي والفساد؛ ومن ثم: لا يطيقه المبطلون والبغاة والمفسدون، لذلك يرصدون لأهله، ليفتنوهم عنه. علمانيو تركيا نموذجاً: وصورة هذا العداء السافر لم تتبين بشكل واضح جلي كما تتضح اليوم في الحرب الشعواء التي يشنها العلمانيون على أهل الإسلام ودعاته في كثير من ديار الإسلام، وبشكل أخص فيما يقوم به تلاميذ الرجل الصنم (أتاتورك) من دعاة الطورانية الملحدة سواء من الأحزاب العلمانية التركية أو عن طريق الجيش التركي الذي يعتبر نفسه حامي الدستور العلماني هناك، وهذا الولاء الذي يدينون به له والذي جعل (أتاتورك) يحكمهم به من قبره لم يأت من فراغ، فهو نتيجة بناء أسسه المذكور المشبوه بانتمائه للدونمة ذوي الأصول والاتجاهات اليهودية، ومواقفه من الإسلام تؤكد ذلك، والعساكر الممسكون بأَزِمّة الأمور اليوم هم خريجو المؤسسة العسكرية التابعة للجيش الذي تحول إلى مفرخ للقادة والضباط المؤمنين بالمبادئ الطورانية، وجل ضباط الجيش التركي هم من ذلك الصنف؛ فلا عجب أن نراهم حماة لتلك المبادئ العلمانية المتطرفة التي لا تطيق للإسلام صوتاً، فضلاً عن أن يحكم أو يعمل في الهواء الطلق، ولذلك: كان لهذا الجيش موقفه الصارم من التدخل المباشر في تعديل أي مسار ضد أي تجاوز للمبادئ العلمانية منذ عام ١٩٦٠م، حينما تدخل لإيقاف حكومة (عدنان مندريس) الذي أعلن في برنامج حزبه الذي نال به الأغلبية وترأس الحكومة آنذاك منادياً بفتح مدارس تحفيظ القرآن، وإعادة الأذان بالعربية! .. فما كان من قادة الجيش ذوي الاتجاهات نفسها إلا أن أسقطوا الحكومة، وأعدموا رئيسها وبعض وزرائه؛ بدعوى الخروج عن (المبادئ الكمالية) ! ثم حصل التدخل عام ١٩٧٠م مرة أخرى، ثم في عام ١٩٨١م.. فموقفهم من الإسلام موقف حياة أو موت كما ذكروا، ولولا الخوف من العواقب الوخيمة للانقلاب العسكري الآن لأوقفوا (أربكان) الذي استطاع بكل دبلوماسية أن يقف في وجوههم وأن يفتح العيون أمام الجميع على تدخلاتهم التسلطية في أعمال الحكومة المنتخبة عن طريق ما يسمى بـ (مجلس الأمن القومي التركي) بشكل لا يمكن أن يحدث في أي بلد متحضر. والأخذ والرد الحاصل من التدخل العسكري ضد حكومة (أربكان) ومحاولة إسقاطها بالتعاون مع الأحزاب العلمانية الهزيلة يكشف إلى أي مدى وصل العداء القائم بين الإسلام والعلمانية، ويكشف أيضاً هلعهم من أي مظاهر إسلامية مهما كانت محدوديتها، وهذا الخوف من عودة الإسلام مرجعه إلى الخوف على أنفسهم؛ لكثرة ما طغوا وبغوا في البلاد، فكم أذلوا الناس واستباحوا كرامتهم؟ ، وكم أساؤوا إلى دينهم وعقيدتهم بدعوى الحفاظ على المبادئ الأتاتوركية؟ ، ولا ندري لحساب من يجري هذا الإرهاب العلماني على الأمة والرفض المطلق للعودة لما تدين به الأمة وتعتز؟ ولماذا الصمت المريب من المجتمع الدولي على خروقات الديمقراطية! التي يهمهم أمرها؟ . إن العلمانية ليست كما يشاع مجرد فصل الدين عن الدولة، بل هي في نهاية الأمر وحقيقته: فصل الدين عن الحياة، ليتصرف الحاكمون بأمرهم على إشاعة الباطل وتدجين الأمة على قبول الهوان والتبعية للأعداء بتقنين الباطل وحكم الطاغوت. ومن العجب أن يتحدث نفر من المنسوبين للإسلام بكل سذاجة وبورع بارد حينما يدعوننا ألا نتحدث عن خطر العلمانية، وألا نفضح العلمانيين، وألا نتهمهم بالخروج والضلال المبين. كيف لا نتهمهم بكل ذلك وأهدافهم أصبحت مكشوفة للجميع؟ وكيف لا نفضحهم وأفكارهم الرافضة للدين بانت لكل ذي عينين؟ وكيف لا نحذر الناس من شرورهم وتلك هي مواقفهم واضحة من الإسلام وعلمائه ودعاته والمنتسبين إليه؟ أين الحرية الشخصية التي تضمنتها دساتيرهم إياها ذرّاً للرماد في العيون؟ ... أين حقوق الشعوب في تعلم ما تدين به؟ بل أين مظاهر الإسلام حتى الشكلية ... منها؟ ! ... لقد أكد كثير من علماء الإسلام أن حقيقة العلمانية هي رفض للدين أن يكون حاكماً، بتنحية الإسلام عن الحياة في كل الأمور؛ والآن تقاتل العلمانية لمنع تحكيم الإسلام وعودته من جديد حتى بالوسائل الديمقراطية التي يتشدقون بها ليل نهار. فما هو موقف علماء المسلمين منها؟ . يقول سماحة الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) أحد العلماء الأعلام في هذا العصر في إحدى فتاويه: ( ... وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو أن هدي غير رسول الله ﷺ أحسن من هدي الرسول، فهو كافر، كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد، أو تحكيم غيرها، فهو كافر ضال) . ويضيف سماحته في فتوى أخرى: ( ... فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله، ويرون أن ذلك جائز لهم، أو أن ذلك أولى من التحاكم إلى شريعة الله، لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الإسلام، ويكونون بذلك كفاراً ظالمين فاسقين) [١] . هذه هي العلمانية أيها الناس وهذا هو حكمها، فهي تلك التصورات القاصرة والمشبوهة عن الإسلام، وأحكامه، وأصوله، وهذا ما يدين به رموز العلمانية في كل بلد مهما تظاهروا زوراً بخلاف ذلك. فاعرفوا العلمانية حق المعرفة واكفروا بها؛ لمصادمتها لدينكم، ولمعارضتها لأصول عقيدتكم، والواقع أكبر دليل على ذلك.. فإلى متى نتجاهل ذلك، ونؤول الحقائق؟ ، ثم حتى متى يتمسك بعض السذج بذلك الورع البارد الذي ينم عن مدى الجهل بالإسلام نفسه؟ ! . إننا نذكر الجميع بأن تلك هي مواقف العلمانية والعلمانيين من الإسلام، وذلك هو حكم الإسلام فيهم: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] .

стр. 2474

دراسات شرعية الاستغفار.. أهميته وحاجتنا إليه بقلم: سلمان بن عمر السنيدي استغفار الله والمداومة عليه جاء الأمر به من الله (تعالى) لنبيه في قوله (تعالى) : [فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ] [غافر: ٥٥] ، وفي قوله (تعالى) : [وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً] [النساء: ١٠٦] ، وفي قوله (تعالى) : [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ] [محمد: ١٩] ، وفي قوله (تعالى) : [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً] [النصر: ٣] . ولقد استجاب رسول الله ﷺ لهذا الأمر خير استجابة؛ فعن عائشة ﵂ قالت: (ما صلى النبي صلاة بعد أن نزلت [إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ] إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) [١] . وعنها ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ يتأول القرآن) [٢] . وكان يكثر الاستغفار في غير الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) [٣] . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة) [٤] . وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) في المجلس قبل أن يقوم مئة مرة) [٥] . وعن ابن عمر ﵄ قال: (إنا كنا لنعد لرسول الله في المجلس: (رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم) مئة مرة) [٦] . وعن الأغر المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) [٧] . وقيل في معنى قوله: (إنه ليغان على قلبي) عدة معانٍ، وهي: المراد بـ (الغين) : الفتور عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمرٍ ما عدّ ذلك ذنباً، فاستغفر عنه، وحُكي عن عياض. وقيل: هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس. وقيل: هي حالة كمثل جفن العين حين يسبل ليدفع القذى، فإنه يمنع الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال [٨] . نماذج من استغفاره: ولقد أخذ استغفاره نماذج عدة في مواطن كثيرة، منها: استغفاره بعد السلام من الفريضة، وعند الخروج من الخلاء، وفي خطبة الحاجة، وعند النوم، وفي كفارة المجلس.. وغيرها، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: بعد الفراغ من الوضوء: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول قال بعد الوضوء: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) [٩] . عند القيام لصلاة الليل: عن ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمدٌ حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت) [١٠] . في استفتاح الصلاة: عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة، قال: أحسبه قال: هنيّةً، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتُك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ ، قال: أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياى بالماء والثلج والبَرَد) [١١] . في آخر الصلاة: عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) [١٢] . عند موته: عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصغيت إليه قبل أن يموت وهو مسند إليّ ظهره يقول: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى) [١٣] . وفي عامة دعائه: عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير) [١٤] . استشكال ورَدّه: واستشكل وقوع الاستغفار من النبي وهو معصوم؛ فالاستغفار يستدعي وقوع المعصية، وأجاب العلماء على ذلك بعدة أجوبة، منها: قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد. وقال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهاداً في العبادة لما أعطاهم الله (تعالى) من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير، فكأن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله (تعالى) . وقال القرطبي في (المفهم) : (وقوع الخطيئة من الأنبياء جائز؛ لأنهم مكلفون، فيخافون وقوع ذلك ويتعوذون منه) [١٥] . حث الأمة على الاستغفار: عَدّ ابن كثير أمر الله لنبيه ﷺ بالاستغفار تهييجاً للأمة على طلب المغفرة، إذ كيف يكون خطاب أفراد الأمة إذا أمر نبيها بالاستغفار؟ [١٦] . وجاء في الكتاب العزيز حث على الاستغفار وترغيب فيه والثناء على أهله، في مثل قوله (تعالى) : [وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [المزمل: ٢٠] ، ومن ذلك: قوله (تعالى) : [وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] [آل عمران: ١٧] . يقول ابن كثير عن فضيلة الاستغفار وقت الأسحار: وثبت في الصحيحين عن جماعة من الصحابة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ينزل ربنا ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ ، هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) [١٧] . وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: من كل الليل أوتر من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السّحَر [١٨] . وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. وعن حاطب قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت، فإذا هو ابن مسعود ﵁ .. وعن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة [١٩] . تعليم النبي ﷺ الاستغفار لأصحابه: ومن مظاهر اهتمامه بالاستغفار: تعليمه لأصحابه، بل لخيرة أصحابه، وصاحبه في الهجرة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: إن أبا بكر الصديق قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي وفي بيتي. قال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) [٢٠] . وعن قوله: (مغفرة من عندك) قال الطيبي: دل التنكير على أن المطلوب غفران عظيم لا يحيط به وصف، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين، أحدهما: الإشارة إلى التوحيد، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي، والثاني: أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من عمل حسن ولا غيره، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي فقال: المعنى: هب لي مغفرة تفضلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي [٢١] . ومن اهتمامه بشأن الاستغفار: تعليمه للرجل حديث الإسلام دعاءً يبدأ بالاستغفار، فعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: كان الرجل إذا أسلم علّمه النبي الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني) [٢٢] . إن الأمة في هديه محتاجة إلى اللهج بالاستغفار، ابتداءً من حديث العهد بالإسلام إلى خير الأمة وصدِّيقها، فكيف بمن جاء بعدهم؟ ! . ومن مظاهر حث الأمة على الاستغفار: ترغيبهم في سيد الاستغفار، فعن شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سيد الاستغفار: أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) [٢٣] . قال ابن حجر: (وفي ذلك إعلام لأمته أن أحداً لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم، فرفق الله بعباده، فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم. وقال ابن أبي جمرة: جمع في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه هو الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذ عليه، والرجاء بما وعده به، والاستغفار من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى النفس، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو) [٢٤] . وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) [٢٥] . الحاجة إلى الاستغفار: قال ابن القيم ﵀ في بيان حاجة العبد للتوبة والاستغفار: (انسب أعمالك وأحوالك إلى عظيم جلال الله، وما يستحقه، وما هو له أهل، فإن رأيتها وافية بذلك مكافأة له فلا حاجة حينئذ إلى التوبة، وإذا رأيت أن أضعاف أضعاف ما قمت به من صدق، وإخلاص، وإنابة، وتوكل، وزهد، وعبادة: لا يفي بأيسر حق له عليك، ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك، وأن ما يستحقه لجلاله وعظمته أعظم وأجل وأكبر مما يقوم به الخلق: رأيت ضرورة التوبة، وأنها نهاية كل عارف وغاية كل سالك، وإذا لم يكن للقيام بحقيقة العبودية سبيل فعلى التوبة المعول ... ولولا تنسم روحه التوبة لحال اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين، هذا لو قام بما ينبغي عليه من حقوق لربه، فكيف والغفلة والتقصير والتفريط والتهاون وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات على حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها؟ !) [٢٦] . وعن ابن مسعود ﵁ قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا) [٢٧] . قال ابن حجر: (المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم: أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيء. وقال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة) [٢٨] . ثمار الاستغفار: أولاً: غفران جميع الذنوب، ويشمل ذلك ذنوب العبد التي لم يحصها أو نسيها وقد أحصاها الله عليه مهما صغرت أو مضت عليه السنون، وقد حكى الله عن أناس غفلوا عن أعمالهم ففجأتهم يوم القيامة، قال الله عنهم: [وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ] [الزمر: ٤٧] . ثانياً: الدخول على الله من باب الخضوع والخشية والإخبات، وهذا يورث التواضع باطناً وظاهراً. ثالثاً: الاقتداء بالرسول، وظاهرٌ ما في الاقتداء به من البركة وحصول الخيرات. رابعاً: الاعتراف بالتقصير في الطاعات والخوف من الذنوب هو مطية الإقبال على التزود من النوافل وعمل الصالحات والاستكثار من الحسنات. خامساً: المحافظة على سلامة القلب وصفائه من آثار الذنوب، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب: صقل قلبه) [٢٩] . وقد قال رسول الله ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) [٣٠] .

стр. 2475

دراسات شرعية المنتقدون على الصحيحين والرد على عليهم بقلم: أحمد بن حسن آل عامر ما من كتاب ألّفه أحد من البشر إلا وقد تعرّض للنقد، فلم يسلم من النقد أحد، وهذا النقد قد يكون صواباً وقد يكون خلاف ذلك، ومن أجلّ الكتب التي تعرضت للنقد صحيحا البخاري ومسلم. والذين انتقدوا الصحيحين على صنفين: الصنف الأول: بعض المعاصرين، وأكثرهم من المبتدعة، كأهل المدرسة العقلية، والإباضية، والشيعة، وهؤلاء ردوا كثيراً من الأحاديث التي في الصحيحين؛ لأنها تخالف مذاهبهم أو لا توافق عقولهم وأهواءهم [١] . وهذا الصنف ليس هو موضوعنا؛ لأن نقدهم قام على أسس هاوية، واختلافنا معهم غالباً يكون في منهج التلقي؛ مما يجعل الوصول إلى إقناعهم أمراً صعباً جدّاً [*] . الصنف الثاني: وهم الذين أتطرق إلى أقوالهم والإجابة عنها، وهم بعض الحفاظ من أهل العلم ممن تأخروا عن البخاري ومسلم (رحمهما الله تعالى) ، فاستدركوا عليهما بعض الأحاديث، وقد اعتبروا أن البخاري ومسلم قد أخَلا بشروطهما فيها، وقد رد عليهم بعض العلماء ممن جاؤوا بعدهم، وهؤلاء نحسبهم لا يريدون إلا الحق ويبحثون عن الصواب، ولا شك أن الرد عليهم يقتضي دراسات علمية مطولة وأبحاثاً موثقة في علم الحديث، وهذا المقال مجرد إشارات وتنبيهات ليس إلا. وقد ذكر أهل العلم ك (ابن حجر العسقلاني) ، و (النووي) وغيرهما الذين انتقدوا على الصحيحين، فكان أشهرهم ثلاثة: الأول: الحافظ (أبو الحسن الدارقطني) (٣٨٥هـ) : فقد استدرك وتتبع (البخاري) و (مسلم) ، فكان بذلك من المنتقدين، وصنف في ذلك كتابين: الكتاب الأول: (الإلزامات) : وهو كتاب ذكر فيه أحاديث يرى أنها على شرط (البخاري) و (مسلم) ، أو على شرط أحدهما ولم يخرّجاها، وقد بلغت سبعين حديثاً. فهو بذلك يُلزم (البخاري) و (مسلم) بإخراجهما [٢] . الجواب عن هذا النقد: ١- أن هذه الإلزامات من (الدارقطني) ﵀ ليست بلازمة؛ لأن (البخاري) و (مسلم) لم يلتزما أن يخرجا في صحيحيهما كل حديث صحيح، ولذلك قال (البخاري) : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح فهو أكثر، وصرح (مسلم) أنه ليس كل صحيح أخرجه [٣] . ٢- أن بعض هذه الإلزامات قد أخرج (البخاري) و (مسلم) ما يغني عنها من طرق أخرى عن صحابة آخرين، وليس معنى هذا أنه لا فائدة من الطرق الأخرى، بل هي تُقوّي الحديث وتزيده صحة، ولكن ما ذكره (البخاري) و (مسلم) طريق قوي لا يحتاج إلى طريق يقويه، وإن جاء طريق يقويه فهو خير إلى خير، ولكن لا يُعتبر هذا نقداً. وعلى هذا: لا يلزم (البخاري) و (مسلم) ما ألزمهما (الدارقطني) . الكتاب الثاني: (التتبع) : وانتقد فيه (الدارقطني) من أحاديث الصحيحين مئتي حديث، مما يرى أن له علة، وقد بلغت أحاديثه بالعد ثمانية عشر ومئتي حديث [٤] . الجواب عن هذا النقد: أن هذه الاستدراكات من (الدارقطني) هي في الصناعة الحديثية لا في المتون، وليس معنى هذا أنه لا قيمة للانتقادات في الصناعة الحديثية، فرب محدث يرحل من أجل سند الحديث الواحد، والمتن ثابت لديه من طريق آخر [٥] . وقد كان منهج (الدارقطني) في التتبع يدور مع القرائن ولا يلتزم طريقاً معيناً، فأحياناً يرجح بالكثرة، وأحياناً بالحفظ، وقد توخى بمسلكه هذا طريق فحول العلماء والنقاد، مثل: (عبد الرحمن بن مهدي) ، و (يحيى القطان) ، و (أحمد بن حنبل) وأمثالهم [٦] . الثاني: (أبو مسعود الدمشقي) (٤٠١هـ) : ذكر (النووي) أن من المنتقدين (أبا مسعود الدمشقي) ، وأن له استدراكاً على الصحيحين، وقد يكون المقصود بذلك: كتاب (أطراف الصحيحين) له، وهذا الكتاب لا ندري هل هو مخطوط أم مفقود، وعلى هذا لا نستطيع الرد عليه؛ لعدم معرفة ما الذي انتقده (أبو مسعود الدمشقي) على الصحيحين. الثالث: الحافظ أبو علي الغساني (٤٩٨هـ) : ألف كتابه (التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قِبَل الرواه) قسم البخاري. وموضوع كتاب (الغساني) ﵀ هو التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيح، وذلك فيما يخص الأسانيد وأسماء الرواة، والحمل فيها على الرواة عن (البخاري) ، لا ممن هم فوق (البخاري) أو من (البخاري) نفسه إلا في مواطن قليلة. فيقول (رحمة الله تعالى عليه) : (هذا كتاب يتضمن التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين، وذلك فيما يخص الأسانيد وأسماء الرواة، والحمل فيها على نقلة الكتابين عن (البخاري) و (مسلم) (رحمهما الله) وبيان الصواب في ذلك) [٧] . ومن خلال قوله (رحمه الله تعالى) فإنه لا يعتبر من المنتقدين كما ذكر ذلك الحافظ (ابن حجر العسقلاني) عن (النووي) ؛ إذ إن الأوهام التي ذكرها ليست من (البخاري) نفسه ولا ممن هو فوقه، وإنما هي من الرواة عن (البخاري) . وعلى هذا يخرج (أبو علي الغساني) من المنتقدين على الصحيحين. والخلاصة من هذا المبحث: أن الأحاديث الواردة في الصحيحين صحيحة، لا مطعن فيها؛ ولذلك نقل (النووي) إجماع العلماء على صحة الأحاديث الواردة في الصحيحين كما في كتابه (تهذيب الأسماء واللغات) . ونقل الإجماع كذلك (سراج الدين البلقيني) ، وكذلك شيخ الإسلام (ابن تيمية) .. وغيرهم كثير، وأما ما انتقد به بعض العلماء على الصحيحين فقد أجاب عليها العلماء كما ذكرنا سابقاً. وفق الله الجميع إلى ما يحبه ويرضاه.

стр. 2476

من فتاوى أهل الذكر فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. فتاوى أهل العلم الأثبات هي عصارة علم المفتين وخلاصة فقههم، ومنارات يسترشد بها، هي جواب عن نوازل ومستجدات، وباب لتبليغ دين الله (تعالى) .. ونظراً لأهمية (الفتاوى) ، وتحقيقاً لرغبة القراء، فستقوم (البيان) إن شاء الله (تعالى) بنشر جملة من الفتاوى المهمة، حيث روعي في اختيارها تنوّع موضوعاتها، وعظم الحاجة إليها في هذا العصر، إضافة إلى تنوّع أصحابها زماناً ومكاناً. مدخل: مسألة وصول ثواب الطاعات إلى الأموات من المسائل التي تنازع العلماء فيها قديماً وحديثاً، وأقوالهم في هذه المسألة على طرفين ووسط كما هو الغالب في المسائل العلمية والعملية، فمنهم من أنكر أن الميت ينتفع بشيء من القربات ألبتة كما هو حال أهل الكلام، ومنهم من توسع في ذلك فادعى أن الميت ينتفع بكل ما أهدي إليه، والحق وسط بين هذين الطرفين كما هو محرر في هذه الفتوى التي صدرت من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برقم (٤٨٣٥) برئاسة سماحة الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) (حفظه الله) ونائبه الشيخ العلامة (عبد الرزاق عفيفي) ﵀ ، وعضوية فضيلة الشيخ (عبد الله بن قعود) (حفظه الله) . والسؤال: هل يجوز إيصال الثواب للميت بالأعمال الحسنة عامة؟ ، وهل يجوز عقد مجلس لختم القرآن ثم إيصال ثواب القراءة للموتى حتى الأنبياء؟ الجواب: أولاً: الصحيح من أقوال العلماء: أن فعل القرب من حيٍّ لميت مسلم لا يجوز إلا في حدود ما ورد الشرع بفعله، مثل: الدعاء له، والاستغفار، والحج، والعمرة، والصدقة عنه، والضحية، وصوم الواجب عمن مات وعليه صوم واجب. ثانياً: قراءة القرآن بنية أن يكون ثوابها للميت لا تجوز؛ لأنها لم ترد عن المصطفى (صلوات الله وسلامه عليه) ، والأمر كما قدمنا بالفقرة الأولى: أنه لا يجوز فعل قربة من حي لميت مسلم، إلا في حدود ما ورد الشرع به، وثبت عن النبي ﷺ أنه كان يزور القبور، ويدعو للأموات بأدعية علّمها أصحابه وتعلموها عنه، من ذلك: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) ، ولم يثبت عنه أنه قرأ سورة من القرآن، أو آيات منه للأموات، مع كثرة زيارته لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعاً لفعله، وبينه لأصحابه؛ رغبة في الثواب، ورحمةً بالأمة، وأداءً لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه (تعالى) بقوله: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [التوبة: ١٢٨] ، فلمّا لم يفعل ذلك مع وجود أسبابه دل على أنه غير مشروع، وقد عرف ذلك أصحابه ﵃ ، فاقتفوا أثره، واكتفوا بالعبرة والدعاء للأموات عند زيارتهم، ولم يثبت عنهم أنهم قرؤوا قرآناً للأموات، فإن القراءة لهم بدعة محدثة، وقد ثبت عنه أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . ومما تقدم يعلم أنه لا يجوز عقد مجلس لختم القرآن للغرض المذكور. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2477

تأملات دعوية العلم والدعوة والصراع المفتعل بقلم: عبد لله المسلم تعد دعوى التعارض بين طلب العلم والدعوة إلى الله من أكثر القضايا الساخنة في أدبيات الصحوة الإسلامية اليوم، ويأخذ نقاش هذه القضية مكاناً رحباً في الكتابات الدعوية، وفي المناقشات والمداولات، وفي التساؤلات التي تطرح على المهتمين. ومنشأ الصراع والجدل حول هذه القضية يتمثل في أن فئة من الناس ترى أن ارتباط العلم بالدعوة ارتباط وثيق؛ فالدعوة بلا علم دعوة بلا رصيد، بل حقيقة الدعوة هي تبليغ ما يعلمه المرء من الدين الصحيح للناس، ومن ثم: فلا يسوغ لدى هؤلاء المشاركة في الدعوة لمن لم يتأهل التأهل العلمي الكافي. وتنظر فئة أخرى إلى أن مشكلات المسلمين اليوم عديدة، وأنها تحتاج لحشد الطاقات وجمع الجهود، ويرون أن التفرغ للتحصيل العلمي يعطل كثيراً من هذه الطاقات التي يحتاج إليها الصف الدعوي، ويضيف هؤلاء: أن طلب العلم لا ينتهي بصاحبه إلا حين يغادر الدنيا، ثم إن كثيراً من مشكلات المسلمين في نظرهم لا تحتاج إلى كبير علم في معالجتها ومواجهتها. ومهما حاول أي كاتب البحث المستفيض في القضية والسعي لوضع النقاط على الحروف فيها.. فستبقى مجالاً للنقاش والأخذ والعطاء؛ فحجم هذه القضية أكبر من أن يحيط به كاتب غير مبرأ من الهوى والمقررات السابقة، وهذه محاولة لوضع إضاءات على الطريق، علها أن تقرب المسافة بين فئات ممن يعيشون جدلاً حول هذا القضية: ١- إن على جيل الصحوة أن يضع التحصيل العلمي ضمن أولوياته، ويجب على المؤسسات والجمعيات الإسلامية أن تضع رفع المستوى العلمي ضمن برامجها الدعوية. ٢- إن على الدعاة تبني برامج لتعليم الناس، وأن تستفيد هذه البرامج من معطيات التقدم المادي ونتاج التقنية المعاصرة في ذلك. ٣- لا ينبغي التهوين من شأن العلم وقيمته، أو احتقار من يعنى بطلبه وجمع مسائله. ٤- الإخلال بذلك يحول الدعوة إلى ميدان من التخبط والاضطراب، ويفتح مجالاً واسعاً للآراء الشخصية والاجتهادات الفردية، ويؤدي إلى الانحراف والزيغ. ٥- دعوة عامة المسلمين لترك المنكرات الظاهرة، وفعل الواجبات المعلومة من دين الله بالضرورة.. أمر يجب على جميع المسلمين. ٦- دعوة المرء لأمر محدد يعلمه، ونشره للعلم في حدود ما يعلم.. أمر ربى النبي- ﷺ عليه أصحابه، فقال: (بلغوا عني ولو آية) [١] ، وقال ﷺ : (نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه؛ فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) [٢] . ٧- هناك مشاركات دعوية مهمة يمكن أن يقوم بها كل فرد مسلم مهما قل نصيبه من العلم ما دام قادراً عليها، ومن ذلك: الأعمال الإغاثية، والإدارة الدعوية، والأعمال المساندة للدعاة وأهل العلم، كالرصد والأرشفة والتوثيق. ٨- هناك أعمال دعوية ضرورية تشتد الحاجة فيها إلى أصحاب التخصصات، ... كالترجمة، والكتابة الأدبية، والنقد، والأعمال المالية، والتطوير الإداري ... وغيرها، وكل هذه الأعمال تعتبر اليوم من ضرورات العمل الدعوي. ٩- حين لا يوجد لدى أحد من الشباب الحماس للعلم الشرعي (أعني: القدر الزائد عن الحد المفروض) فينبغي ألا تبدد طاقته في حمله على ذلك، بل يجب صرف جهده إلى ما يفيد، وإلى ذلك يشير ابن القيم ﵀ بقوله: (ومما ينبغي أن يتعمد: حال الصبي، وما هو مستعدّ له من الأعمال، ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوقٌ له، فلا يحمله على غيره، ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن حمله على غير ما هو مستعدّ له لم يفلح، وفاته ما هو مهيأ له) [٣] .

стр. 2478

دراسات إعلامية التقنية في خدمة الدعوة إلى الله كيف نستفيد من الحاسوب؟ (٢من٢) بقلم:حسين السلمان تحدث الكاتب في الحلقة الماضية عن أهمية الحاسوب (الكمبيوتر) في الدعوة بين المسلمين ودعوة غير المسلمين، ثم تحدث عن مزايا الدعوة بمساعدة الحاسوب والمجالات التي يؤثر فيها، وأخيراً عرض للنظم والمكونات الأساس التي يرى أنه ينبغي أن يرتكز عليها نظام تعليم الإسلام من خلال هذه الآلة.. وفي هذا الحلقة يعرض جوانب أخرى.. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان- ٤- نظام تعليم القرآن الكريم: هو النظام الأساس الثالث من الأنظمة المكونة لنظام الدعوة بمساعدة الحاسوب، ويمثل أكبر هذه الأنظمة وأضخمها، حيث يشمل ضمناً النظامين السابقين: الأول (العقيدة) ، والثاني (النبوة) ، ويمكن تطبيق الأساليب المتبعة في بناء هذا النظام على بقية الأنظمة. وسيتم فيما يلي عرض بعض النتائج الأولية التي تم الحصول عليها في مشروع تطوير نظام تعليم القرآن الكريم. التعرف على المواد العلمية أو المواضيع: يُعتبر تحديد المواد العلمية والمواضيع التي ينبغي أن يشملها نظام القرآن من أهم مراحل بناء هذا النظام، ويعتمد هذا التحديد على الخبرة في الدعوة، التي لا بد من التماسها من مصادر هذه الخبرة، وبالنسبة لنظام القرآن: تم اتباع خطوتين أساسين في هذه المرحلة، هما [١] : ١- مراجعة الكتب والمراجع المتخصصة التي تناقش قضايا القرآن وتشرح علومه المختلفة، والهدف من هذه الخطوة هو عمل تحديد أولي للمواضيع التي تناقشها هذه الكتب خاصة الكتب الدعوية التي تهتم بتعريف غير المسلمين بالقرآن ويشمل ذلك: الكتب التي تعرِّف بالكتب السماوية الأخرى مثل: الإنجيل، وذلك بهدف تحديد المواضيع التي هي محل اختلاف كبير بين القرآن وكتب الأديان الأخرى. ٢- تصميم استبانة رأي وتوزيعها على الدعاة النشيطين؛ لمعرفة آرائهم والاستفادة من خبراتهم، باعتبار ذلك وسيلة للتعرف على المواضيع ذات الاهتمام للمستخدمين، وقد رُؤي أن يتم توزيع هذه الاستبانة على المهتمين بدعوة غير المسلمين، سواء أكانوا من الدعاة البارزين، أو الذين قضوا فترة بين ظهراني غير المسلمين، إما للدراسة أو للعمل. وتتكون الاستبانة بشكل عام من جزئين: الأول: يتكون من أسئلة هدفها الحصول على معلومات عن معبِّئ الاستبانة، وتشمل معلومات شخصية، ومعلومات تدل على مدى تمرسه في الدعوة بين غير المسلمين، أما الجزء الثاني من الاستبانة: فإنه يحتوي على أسئلة تطلب من معبئ الاستبانة أن يختار المواضيع والقضايا الرئيسة التي يرى أنها تهم غير المسلمين ويجب تغطيتها في البرنامج [٢] . وكما ذُكر سابقاً: فإنه تم بشكل أولي تحديد المواضيع المطلوبة، وذلك من خلال مراجعة الكتب والمراجع التي تناقش مختلف علوم القرآن، وفي الاستبانة طُلِبَ من معبئها أن يضع درجة من ١ إلى ١٠ أمام كل موضوع؛ للحكم على أهميته، حيث (١٠) تعني الأكثر أهمية، و (١) تعني الأقل أهمية، وقد تم توزيع أكثر من (١٥٠) نسخة من الاستبانة في ثلاث دول: داخل السعودية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بريطانيا، وقد رجعت (١١٥) نسخة منها، أي إنه تم تجميع ما نسبته ٧٦% من عدد النماذج الموزعة، وهذه نسبة جيدة تدل على اهتمام الأشخاص الذين تم اختيارهم لتعبئة النماذج. المقابلات مع الخبراء في الدعوة: في الفقرة السابقة تم شرح إحدى وسائل استخلاص الخبرات والمعرفة من الدعاة، وهي الاستبانات، ولكن تلك الوسيلة محدودة إلى حدٍّ ما، وتكمن فائدتها الكبرى في قياس مدى اتفاق الآراء تجاه قضايا محددة، أما الطريقة المثلى لاستخلاص الخبرة من الدعاة فهي إجراء مقابلات مفتوحة مع هؤلاء الدعاة، بحيث يمكن استخلاص الخبرة منهم بطريقة تفاعلية. وقد تم اختيار الدعاة لعمل المقابلات معهم من بين الدعاة ذوي الخبرة الطويلة في مجال الدعوة، وأيضاً من بين أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الذين درسوا في البلاد الأجنبية، كذلك تضمنت العينة عدداً من المسلمين الذين كانوا أساساً معتنقين ديانات أخرى ثم هداهم الله للإسلام. النتائج: ١- تحديد أهمية المواضيع وترتيبها: اشتملت الاستبانة على (١٦) موضوعاً رئيساً، وتم تحديد أهمية كل موضوع من الموضوعات بالاستناد إلى نتائج الاستبانة، وقد جرى حساب المتوسط الحسابي لكل موضوع من هذه المواضيع وبالتالي: ترتيب أهميتها بناءً على قيمة متوسطها الحسابي، وقد جرى عمل تحليل شرائحي لمعرفة آراء المستفتين بحسب شرائحهم، وهنا تم تحديد أربع شرائح: الشريحة الأولى: تشمل كل العينة، والشريحة الثانية: تشمل الخبراء (بحسب تصنيفهم لأنفسهم) ، والشريحة الثالثة: تشمل النشيطين في الدعوة، والشريحة الأخيرة: تشمل الذين قضوا عشر سنوات أو أكثر في بلدان غير المسلمين. ويبين الجدول رقم (١) ترتيب المواضيع بحسب اختيار كل شريحة من الشرائح المذكورة أعلاه، ويوضح هذا الجدول أهمية موضوعات معينة، مثل: موضوع التوحيد، وموضوع الرسالة وخاصة رسالة محمد، والمواضيع التي تشمل التعريف بالقرآن. جدول (١) : ترتيب المواضيع بحسب نتائج الاستبانة ---------------------------------------------- كل العينة الخبراء النشيطون ١٠ سنوات ---------------------------------------------- التوحيد التوحيد التوحيد ... التوحيد الرسل ... ... التعريف الرسل ... ... ... الرسل المصادر الغرض المصادر ... المصادر التعريف الرسل التعريف ... التعريف المعجزات المعجزات الغرض ... الغرض الكون الإنسان المعجزات الأسرة والمجتمع الأسرة والمجتمع المصادر العدالة ... العدالة شبهات العدالة الأخلاق ... المعجزات الإنسان الأخلاق الأسرة والمجتمع الأخلاق الغرض الكون الكون ... الكون الأخلاق ... الأسرة والمجتمع العلم التجريبي ... الإنسان العدالة ... نماذج ... الإنسان ... ... ... شبهات العلم التجريبي شبهات جمع القرآن جمع القرآن نماذج ... الاقتصاد شبهات ... العلم التجريبي الاقتصاد العلم التجريبي الاقتصاد ... الاقتصاد جمع القرآن جمع القرآن نماذج ... نماذج --------------------------------------------- ٢- تحديد صفات المستخدمين: إن معرفة كل النواحي المتعلقة بمستخدمي البرنامج من غير المسلمين سواء الناحية الشخصية، مثل: العمر، والحالة الاجتماعية.. أو الناحية العلمية، كالتخصص، والمؤهل العلمي، أو الناحية الاقتصادية ومستوى الدخل، وغيرها من النواحي.. تؤدي ولا شك إلى توجيه الحوار وطريقة العرض بشكل يحقق أكبر فائدة ممكنة من استخدام مثل هذه البرمجيات، بل إن معرفة هذه النواحي وأخذها أساساً في عملية التحاور والعرض مع المستخدم تؤدي إلى توفير الجهود وضمان فاعلية أكثر من نتائج هذه البرامج، فالمستخدم يجد أن النظام كأنما صمم له شخصيّاً. وتحديد صفات المستخدمين التي على ضوئها يتم تصميم محتوى المواضيع هو الأساس في بناء نموذج المستخدم، وقد تمت الاستفادة من مصدرين أساسين لتحديد صفات المستخدمين: الأول: هو الكتب والمراجع المتخصصة في الدعوة، والمصدر الثاني: هو المقابلات التي تمت مع الخبراء في الدعوة، ويبين الشكل (٤) الصفات الرئيسة التي تم تحديدها محاور لتصنيف المستخدمين. ٣- نمذجة المستخدمين: المقصود بنمذجة المستخدمين هو: أن يكون لكل مستخدم نموذج خاص، وهذا النموذج يعتمد هنا على الموضوع الذي سوف يتم عرضه، وأهم خصائص المستخدم التي تؤثر في هذا الموضوع، ففي برنامج تعليم القرآن هناك أكثر من (١٦) موضوعاً رئيساً سوف يتم عرضها للمستخدم، وكل موضوع سوف يُعرض بأسلوب يناسب المستخدم، فالموضوع الواحد يعرض بأساليب متنوعة ومحتوى مختلف، والمواضيع التي يحويها البرنامج تعرض للمستخدم الواحد بأساليب ونماذج مختلفة. ويمكن التعبير عن النمذجة كما يلي: شكل رقم (٤) : الصفات الأساس للمستخدم طريقة نمذجة المستخدم: وقد تم إيجاد العلاقة بين كل موضوع رئيس وصفات المستخدم التي تؤثر في محتوى الموضوع وطريقة عرضه، وهنا سوف نوضح هذه النمذجة لموضوع واحد على سبيل المثال، وهو (التوحيد) . التوحيد: هناك ثلاث صفات رئيسة للمستخدم تؤثر في موضوع التوحيد، وهذه الصفات هي: ١- العمر. ٢- الدين. ٣- التخصص. ويمكن تفصيل هذه الصفات كما يلي: الصفة ... ... ... ... ... ... ... ... الرمز العمر: ١- دون ١٥عاما. ... ... ... ... ... [D١] ٢- فوق ١٥عاما. ... ... ... ... ... [D٢] الدين: ١- ملحد. ... ... ... ... ... ... [١١] ٢- هندوسي/ بوذي. ... ... ... ... [١٢] ٣- يهودي / نصراني. ... ... ... ... [١٣] ٤- مسلم. ... ... ... ... ... ... [١٤] ٥- غير ذلك. ... ... ... ... ... ... [١٥] التخصص: ١- تاريخ، دين، فلسفة. ... ... ... ... [E١] ٢- تربية، نفس، اجتماع، قانون. ... [E٢] ٣- رياضيات، حاسب، هندسة، فيزياء. [E٣] ٤- طب، كيمياء. ... ... [E٤] ٥- غير ذلك. ... ... ... ... ... ... [E٥] ويمكن تمثيل هذه العلاقة بشكل مرسوم، كما في الشكل (٥) الذي يبين أنه يوجد نموذج لموضوع التوحيد لفئة العمر (دون ١٥ عاماً) ، أما بالنسبة لفئة العمر (فوق ١٥ عاماً) فإنه توجد خمس فئات للدين، وتوجد خمسة نماذج بحسب التخصص لكل فئة من فئات الدين، أي إنه يمكن أن يوجد ٢٥ نموذجاً للتوحيد لفئات المستخدمين (فوق ١٥ عاماً) ، وإذا أضفنا إلى ذلك نموذج العمر (دون ١٥ عاماً) يصبح مجموع عدد النماذج لموضوع التوحيد: ٢٦ نموذجاً، وهذا بالطبع عدد كبير من النماذج، وربما يمكن دمج بعضها مع نماذج أخرى عند التطوير الفعلي لها. شكل رقم (٥) : الصفات الأساس للمستخدم

стр. 2479

بأقلامهن أعذار من لا ترتدي الحجاب وبيان تهافتها بقلم: د. هويدا إسماعيل اركبي يا أختاه قطار التوبة قبل أن يرحل عن محطتك. تأملي يا أختاه في هذا العرض اليوم قبل الغد. فكري فيه يا أختاه من الآن. أحمد الله (تعالى) كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم الذي رسم الطريق إلى رضوان الله وجنته. فكان ذلك الطريق مستقيماً، تحف جنباته الفضيلة، ويحفَلُ بطيب الأخلاق، ويزدان بزينة الطهر والستر والعفاف. وكان طريقاً يقود شِقّي المجتمع الإنساني الرجل والمرأة إلى مرافئ الاطمئنان والسعادة في الدنيا والآخرة. فكان من ذلك: أن أوجب المولى ﵎ على المرأة الحجاب؛ صوناً لعفافها، وحفاظاً على شرفها، وعنواناً لإيمانها. من أجل ذلك كان المجتمع الذي يبتعد عن منهج الله ويتنكّبُ طريقه المستقيم: مجتمعاً مريضاً يحتاج إلى العلاج الذي يقوده إلى الشفاء والسعادة. ومن الصور التي تدل على ابتعاد المجتمع عن ذلك الطريق، وتوضح بدقة مقدار انحرافه وتحلله: تفشي ظاهرة السّفور والتبرج بين الفتيات. وهذه الظاهرة نجد أنها أصبحت للأسف من سمات المجتمع الإسلامي، رغم انتشار الزي الإسلامي فيه، فما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الانحراف؟ . للإجابة على هذا السؤال الذي طرحناه على فئات مختلفة من الفتيات كانت الحصيلة: عشرة أعذار رئيسة، وعند الفحص والتمحيص بدى لنا كم هي واهية تلك الأعذار. معاً أختي المسلمة نتصفح هذه السطور؛ لنتعرف من خلالها على أسباب الإعراض عن الحجاب، ونناقشها كلاّ على حدة: العذر الأول: قالت الأولى: (أنا لم أقتنع بعد بالحجاب) . نسأل هذه الأخت سؤالين: الأول: هل هي مقتنعة أصلاً بصحة دين الإسلام؟ . إجابتها بالطبع: نعم مقتنعة؛ فهي تقول: (لا إله إلا الله) ، ويعتبر هذا اقتناعها بالعقيدة، وهي تقول (محمد رسول الله) ، ويعتبر هذا اقتناعها بالشريعة، فهي مقتنعة بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهجاً للحياة. الثاني: هل الحجاب من شريعة الإسلام وواجباته؟ . لو أخلصت هذه الأخت وبحثت في الأمر بحث من يريد الحقيقة لقالت: نعم. فالله (تعالى) الذي تؤمن بألوهيته أمر بالحجاب في كتابه، والرسول الكريم الذي تؤمن برسالته أمر بالحجاب في سنته. وهو لعن المتبرجات السافرات. فماذا نسمي من يقتنع بصحة الإسلام ولا يفعل ما أمره الله (تعالى) به ورسوله الكريم؟ هو على أي حال لا يدخل مع الذين قال الله فيهم: [إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [النور: ٥١] . خلاصة الأمر: إذا كانت هذه الأخت مقتنعة بالإسلام، فكيف لا تقتنع بأوامره؟ ... العذر الثاني: قالت الثانية: (أنا مقتنعة بوجوب الزي الشرعي، ولكن والدتي تمنعني لبسه، وإذا عصيتها دخلت النار) . يجيب على عذر هذه الأخت أكرم خلق الله، رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بقول وجيز حكيم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله) [١] . مكانة الوالدين في الإسلام وبخاصة الأم سامية رفيعة، بل الله (تعالى) قرنها بأعظم الأمور وهي عبادته وتوحيده في كثير من الآيات، كما قال (تعالى) : [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً] [النساء: ٣٦] . فطاعة الوالدين لا يحد منها إلا أمر واحد هو: أمرهما بمعصية الله، قال (تعالى) : [وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا] [لقمان: ١٥] . ولا يمنع عدم طاعتهما في المعصية من الإحسان إليهما وبرهما؛ قال (تعالى) : [وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً] . خلاصة الأمر: كيف تطيعين أمك وتعصين الله الذي خلقك وخلق أمك؟ العذر الثالث: أما الثالثة فتقول: (إمكانياتي المادية لا تكفي لاستبدال ملابسي بأخرى شرعية) . أختنا هذه إحدى اثنتين: إما صادقة مخلصة، وإما كاذبة متملصة تريد حجاباً متبرجاً صارخ الألوان، يجاري موضة العصر، غالي الثمن. نبدأ بأختنا الصادقة المخلصة: هل تعلمين يا أختاه أن المرأة المسلمة لا يجوز لها الخروج من المنزل بأي حال من الأحوال حتى يستوفي لباسها الشروط المعتبرة في الحجاب الشرعي والواجب على كل مسلمة تعلمها، وإذا كنت تتعلمين أمور الدنيا فكيف لا تتعلمين الأمور التي تنجيك من عذاب الله وغضبه بعد الموت..؟ ! ألم يقل الله (تعالى) : [فَاسْأََلُوا أََهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [النحل: ٤٣] ، فتعلمي يا أختي شروط الحجاب. فإذا كان لا بد من خروجك فلا تخرجي إلا بالحجاب الشرعي؛ إرضاءً للرحمن، وإذلالاً للشيطان؛ وذلك لأن مفسدة خروجك سافرة متبرجة أكبر من مصلحة خروجك للضرورة. يا أختي لو صَدَقَتْ نيّتُك وصحّتْ عزيمتُك لامتدت إليك ألف يدٍ خيِّرة، ولسهل الله (تعالى) لك الأمور! ، أليس هو القائل: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ] [الطلاق: ٢، ٣] ؟ أما أختنا المتملصة، فلها نقول: الكرامة وسمو القدر عند الله (تعالى) لا تكون بزركشة الثياب وبهرجة الألوان ومجاراة أهل العصر، وإنما تكون بطاعة الله ورسوله والالتزام بالشريعة الطاهرة والحجاب الإسلامي الصحيح، واسمعي قول الله (تعالى) : [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] . خلاصة الأمر: في سبيل رضوان الله (تعالى) ، ودخول جنته: يهون كل غالٍ ونفيس من نفس أو مال. العذر الرابع: جاء دور الرابعة، فقالت: (الجو حار في بلادي وأنا لا أتحمله، فكيف إذا لبست الحجاب؟) .. لمثل هذه يقول الله (تعالى) : [قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ] [التوبة: ٨١] . كيف تقارنين حرّ بلادك بحر نار جهنم؟ اعلمي أختي أن الشيطان قد اصطادك بإحدى حبائله الواهية، ليخرجك من حر الدنيا إلى نار جهنم، فأنقذي نفسك من شباكه، واجعلي من حر الشمس نعمةً لا نقمة، إذ هو يذكرك بشدة عذاب الله (تعالى) الذي يفوق هذا الحر أضعافاً مضاعفة، فترجعي إلى أمر الله وتضحي براحة الدنيا في سبيل النجاة من النار، التي قال (تعالى) عن أهلها: [لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً (٢٤) إلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً] [النبأ: ٢٤، ٢٥] . خلاصة الأمر: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. العذر الخامس: لنستمع الآن إلى عذر الخامسة، حيث قالت: أخاف إذا التزمت بالحجاب أن أخلعه مرة أخرى؛ فقد رأيت كثيرات يفعلن ذلك! ! . وإليها أقول: لو كان كل الناس يفكرون بمنطقك هذا لتركوا الدين جملة وتفصيلاً، ولتركوا الصلاة؛ لأن بعضهم يخاف تركها، ولتركوا الصيام؛ لأن كثيرين يخافون من تركه.. إلخ.. أرأيت كيف نصَبَ الشيطان حبائله مرة أخرى فصدك عن الهدى؟ . والله (تعالى) يحب استمرار الطاعة حتى ولو كانت قليلة أو كانت مستحبة، فكيف إذا كانت واجباً مفروضاً مثل الحجاب؟ ! . قال: (أَحَبّ العمل إلى الله أدومه وإن قل) .. لماذا لم تبحثي عن الأسباب التي أدت بهؤلاء إلى ترك الحجاب حتى تجتنبيها وتعملي على تفاديها؟ . لماذا لم تبحثي عن أسباب الثبات على الهداية والحق حتى تلتزميها؟ . فمن تلك الأسباب: الإكثار من الدعاء بثبات القلب على الدين كما كان يفعل النبي ﷺ ، وكذلك: الصلاة والخشوع، قال (تعالى) : [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ] [البقرة: ٤٥] ، ومنها: الالتزام بكل شرائع الإسلام ومنها: الحجاب قال (تعالى) : [وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً] [النساء: ٦٦] . خلاصة الأمر: لو تمسكت بأسباب الهداية وذُقتِ حلاوة الإيمان لما تركتِ أوامر الله (تعالى) بعد أن تلتزميها. العذر السادس: الآن ها هي ذي السادسة، فما قولها؟ قالت: قيل لي: (إذا لبست الحجاب فلن يتزوجك أحد، لذلك سأترك هذا الأمر حتى أتزوج) . إن زوجاً يريدك سافرة متبرجة عاصية لله هو زوج غير جدير بك، هو زوج لا يغار على محارم الله، ولا يغار عليك، ولا يعينك على دخول الجنة والنجاة من النار. إن بيتاً بني من أساسه على معصية الله وإغضابه حَقّ على الله (تعالى) أن يكتب له الشقاء في الدنيا والآخرة، كما قال (تعالى) : [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى] [طه: ١٢٤] . وبعدُ، فإن الزواج نعمة من الله يعطيها من يشاء، فكم من متحجبة تزوجت، وكم من سافرة لم تتزوج. وإذا قلت: إن تبرجي وسفوري هو وسيلة لغاية طاهرة، ألا وهي الزواج، فإن الغاية الطاهرة لا تبيح الوسيلة الفاجرة في الإسلام، فإذا شرفت الغاية فلا بد من طهارة الوسيلة؛ لأن قاعدة الإسلام تقول: (الوسائل لها أحكام المقاصد) . خلاصة الأمر: لا بارك الله في زواج قام على المعصية والفجور. العذر السابع: وما قولك أيتها السابعة؟ قالت: (لا أتحجب؛ عملاً بقول الله (تعالى) : [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ] [الضحى: ١١] ، فكيف أخفي ما أنعم الله به عليّ من شعر ناعم وجمال فاتن؟ . أختنا هذه تلتزم بكتاب الله وأوامره ما دامت هذه الأوامر توافق هواها وفهمها!، ... وتترك هذه الأوامر نفسها حين لا تعجبها، وإلا فلماذا لم تلتزم بقوله (تعالى) : [ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا] [النور: ٣١] ، وبقوله (سبحانه) : [يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ] [الأحزاب: ٥٩] . بقولك هذا يا أختاه تكونين قد شرعت لنفسك ما نهى الله (تعالى) عنه، وهو التبرج والسفور، والسبب: عدم رغبتك في الالتزام. إن أكبر نعمة أنعم الله بها علينا هي نعمة الإيمان والهداية، ومن ذلك: الحجاب الشرعي، فلماذا لم تظهري وتتحدثي بأكبر النعم عليك؟ . خلاصة الأمر: هل هناك نعمة أكبر للمرأة من الهداية والحجاب؟ . العذر الثامن: نأتي إلى أختنا الثامنة، التي تقول: (أعرف أن الحجاب واجب، ولكنني سألتزم به عندما يهديني الله) . نسأل هذه الأخت عن الخطوات التي اتخذتها حتى تنال هذه الهداية الربانية؟ ... فنحن نعرف أن الله (تعالى) قد جعل بحكمته لكل شيء سبباً، فكان من ذلك أن المريض يتناول الدواء كي يشفى، والمسافر يركب العربة أو الدابة حتى يصل غايته، والأمثلة لا حصر لها. فهل سعت أختنا هذه جادة في طلب الهداية، وبذلت أسبابها من: دعاء الله (تعالى) مخلصة كما قال (تعالى) : [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] [الفاتحة: ٦] ، ومجالسة الصالحات؛ فإنهن خير معين على الهداية والاستمرار فيها، حتى يهديها الله (تعالى) ، ويزيدها هدى، ويلهمها رشدها وتقواها، فتلتزم أوامره (تعالى) وتلبس الحجاب الذي أمر به المؤمنات؟ . خلاصة الأمر: لو كانت هذه الأخت جادة في طلب الهداية لبذلت أسبابها فنالتها. العذر التاسع: وما قول أختنا التاسعة؟ ، قالت: (الوقت لم يحن بعد، وأنا ما زلت صغيرة على الحجاب، وسألتزم بالحجاب بعد أن أكبر، وبعد أن أحج!) . ملك الموت، أيتها الأخت، زائر يقف على بابك ينتظر أمر الله (تعالى) حتى يفتحه عليك في أي لحظة من لحظات عمرك. قال (تعالى) : [فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاًخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ] [الأعراف: ٣٤] ، الموت يا أختاه لا يعرف صغيرة ولا كبيرة، وربما جاء لك وأنت مقيمة على هذه المعصية العظيمة تحاربين رب العزة بسفورك وتبرجك. يا أختاه سَابقي إلى الطاعة مع المسابقين، استجابة لدعوة الله ﵎ : [سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ] [الحديد: ٢١] . يا أختاه: لا تنسي الله (تعالى) فينساك، بأن يصرف عنك رحمته في الدنيا والآخرة، وينسيك نفسك، فلا تعطينها حقها من طاعة الله وعبادته.. قال (تعالى) عن المنافقين: [نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ] [التوبة: ٦٧] ، وقال (تعالى) : [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ] [الحشر: ١٩] ، أختاه: تحجبي في صغر السن عن فعل المعاصي؛ لأن الله شديد العقاب سائلك يوم القيامة عن شبابك وكل لحظات عمرك. خلاصة الأمر: ما أطول الأمل! ! ، كيف تضمني الحياة إلى الغد؟ . العذر العاشر: وأخيراً قالت العاشرة: (أخشى إن التزمت بالزي الشرعي أن يطلق علي اسم جماعة معينة وأنا أكره التحزب) . أختاه في الإسلام: إن في الإسلام حزبين فقط لا غير، ذكرهما الله العظيم في كتابه الكريم، الحزب الأول: هو حزب الله، الذي ينصره الله (تعالى) بطاعة أوامره واجتناب معاصيه، والحزب الثاني: هو حزب الشيطان الرجيم، الذي يعصي الرحمن، ويكثر في الأرض الفساد، وأنت حين تلتزمين أوامر الله ومن بينها الحجاب تصيرين مع حزب الله المفلحين، وحين تتبرجين وتُبْدين مفاتنك تركبين سفينة الشيطان وأوليائه من المنافقين والكفار، وبئس أولئك رفيقاً. أرأيتِ كيف تفرِّين من الله إلى الشيطان، وتستبدلين الخبيث بالطيب، ففري يا أختي إلى الله، وطبقي شرائعه [فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ] [الذاريات: ٥٠] ، فالحجاب عبادة سامية لا تخضع لآراء الناس وتوجيهاتهم واختياراتهم؛ لأن الذي شرعها هو الخالق الحكيم. خلاصة الأمر: في سبيل إرضاء الله (تعالى) ورجاء رحمته والفوز بجنته: اضربي بأقوال شياطين الإنس والجن عرض الحائط، وعضي على الشرع بالنواجذ، واقتدي بأمهات المؤمنين والصحابيات العالمات المجاهدات. خاتمة: الآن يا أختاه أحدثك حديث الصراحة: جسدك معروض في سوق الشيطان، يغوي قلوب العباد: خصلات شعر بادية، ملابس ضيقة تظهر ثنايا جسمك، ملابس قصيرة تبين ساقيك وقدميك، ملابس مبهرجة مزركشة معطرة تغضب الرحمن وترضي الشيطان.. كل يوم يمضي عليك بهذه الحال يزيدك من الله بعداً ومن الشيطان قرباً، كل يوم تنصبّ عليك لعنة من السماء وغضب حتى تتوبي، كل يوم تقتربين من القبر ويستعد ملك الموت لقبض روحك: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] [آل عمران: ١٨٥] . اركبي يا أختاه قطار التوبة قبل أن يرحل عن محطتك. تأملي يا أختاه في هذا العرض اليوم قبل الغد. فكِّري فيه يا أختاه الآن قبل فوات الأوان.

стр. 2480

دراسات اقتصادية آراء وتأملات في فقه الزكاة (٤) د. محمد بن عبد الله الشباني تحدث الكاتب في الحلقات الماضية عن الزكاة من حيث مفهومها اللغوي، وأنواع الأموال التي تستخرج منها، والضوابط التي تحدد صفة هذه الأموال.. ثم عرض لزكاة الأنشطة الزراعية، وبخاصة صور الإنتاج الزراعي في العصر الحديث، وفي هذه الحلقة يعرض الكاتب آراءه في صور أخرى من الأنشطة الاقتصادية. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان- زكاة الثروة الحيوانية ومنتجاتها: من نعم الله (تعالى) على عباده أن خلق لهم أنواعاً مختلفة من الحيوان؛ لينتفعوا بها، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، ولقد نبه الله عباده إلى هذه الحقيقة من نعمه، يقول (تعالى) : [وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاًكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [النحل: ٥ ٧] ، ويقول (سبحانه) : [أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَاًكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ] [يس: ٧١ ٧٣] . لقد أوجب الله في هذه الأنعام حقوقاً ينبغي القيام بها، وإن من أوجب الواجبات: إخراج زكاتها. إن من نعم الله (تعالى) على الخلق أن كشف لهم في هذا العصر من المعارف والعلوم ما تطورت به وسائل الاستفادة من الحيوان، حيث مكنه الله من معرفة كيفية الحصول على سلالات حيوانات مخصصة لإنتاج أنواع محددة من المنتجات، فهناك أساليب لتربية أنواع من الحيوان مخصص لإنتاج اللحم، أو لإنتاج الحليب، وكذلك بالنسبة للدجاج: فهناك دجاج مخصص للحم، ودجاج مخصص للبيض. تنقسم الثروة الحيوانية إلى نوعين: الأول: الأنعام، وتشمل: الأبقار، والجواميس، والأغنام، والجمال، فتنوعت أغراض استغلالها اقتصاديّاً، فمنها ما هو لإنتاج الحليب، ومنها ما هو لإنتاج اللحم. الثاني: الطيور الداجنة، مثل: الدجاج الرومي، والبط، والأوز، والحمام.. حيث تنوعت أغراض استغلالها اقتصاديّاً في إنتاج بيض الأكل، وبيض التفقيس، وإنتاج الأفراخ التي تربى لغرض إنتاج الطيور الخاصة بإنتاج البيض، أو لإنتاج الطير اللاحم. إن الثروة الفقهية لعلماء المسلمين لم تتطرق لزكاة الثروة الحيوانية، أو زكاة منتجاتها إلا لنوعية معينة، وهي الأنعام، ممثلة في: الإبل، والغنم، والبقر، والخيل، بشرط أن تكون سائمة، وبالتالي: لم تناقش كثيراً من مكونات الثروة الحيوانية المستجدة في الوقت الحاضر، حيث لم تكن الحالات الأخرى ذات قيمة فيما مضى، ولم تمارس بالشكل والأسلوب المعاصر، حيث أصبح لها مكان في تكوين الثروة ونمائها، مثل: تسمين الأغنام والأبقار، وتربية الدواجن.. وغير ذلك من الوسائل المستخدمة في زيادة الاستفادة من الثروة الحيوانية وتكثيرها، وأصبح الاشتغال في هذا النشاط يحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة للاستفادة من معطيات هذا النشاط الاقتصادي. يرتبط الحكم الشرعي لهذا النوع من النشاط الاقتصادي بعموم الحكم المتعلق بالأموال، وبالتالي: فإن وجوب أخذ الزكاة وتحديد نصابها أمر مهم في هذا العصر، من ناحية أن أي مسلم يمارس هذا النشاط يرغب في معرفة حكم زكاة هذه الأموال وطريقة تحديدها، ومن ناحية أخرى: فإن للفقراء حقوقاً في أموال الأغنياء. إن تنمية الثروة الحيوانية على أسس اقتصادية تستوجب صرف مبالغ كبيرة على توفر الظروف البيئية لتحقيق الغايات من الاستثمار في هذا النشاط الاقتصادي، فمثلاً: تربى الأبقار: إما من أجل الحليب، أو من أجل اللحم، أو للغرضين معاً، ويتطلب ذلك تكاليف كبيرة، سواء فيما يتعلق بتوفير الظروف البيئية المناسبة، أو أساليب التقنية ذات التكلفة العالية، أوالعناية الصحية اللازمة للإبقاء على قدراتها الإنتاجية.. على ضوء هذه الحقيقة: فإن ممارسة نشاط تنمية الثروة الحيوانية أصبح نشاطاً اقتصاديّاً جديداً مغايراً لما كان في السابق، من حيث أن تربية الأنعام تقوم على أساس التوالد فقط، ويتم تغذيتها من الكلأ الذي لا يحتاج إلى استنبات. لهذا فإن الثروة الحيوانية تتوزع إلى قسمين: ١- قسم يقتنى للتسمين والتوالد من أجل بيعها بعد تسمينها وتحقيق التوالد والتناسل، ومن ثم: بيعها لغرض استغلال لحمها، على أن تتم التغذية من خلال استنبات الحشائش أو شرائحها في المزارع المتخصصة في ذلك، وليس من خلال الرعي في المراعي، أو ما يعرف بـ (السوم) . ٢- قسم يقتنى لغرض الحصول على ناتجها وبيعه، مثل اقتناء الأبقار والجواميس بقصد الحصول على الحليب بصفته منتجاً يتم بيعه، أو الدجاج بقصد إنتاج البيض أو لأجل اللحم، وعلى ضوء هذه الحقائق: فإننا سوف نناقش في هذه الحلقة زكاة الدواجن، وزكاة المنتجات الحيوانية والألبان؛ حيث إن هذه الأنشطة المتعلقة بالثروة الحيوانية من الأمور المستجدة التي يثور حولها النقاش والتساؤل. زكاة الدواجن: استطاع الإنسان بما أوتي من علم، وما فتح الله عليه من خزائن المعرفة أن يتوصل إلى أساليب في جعل الطيور مصدراً مهمّاً لتغذية الإنسان، وخاصة: الدجاج، والديك الرومي، والطيور المائية، مثل: البط، والأوز، واستخدام أساليب علمية متقدمة في إنتاج البيض، وإنتاج اللحوم من هذه الدواجن.. في فترات زمنية قصيرة وبكميات كبيرة، حيث تمكن من جعلها مصدراً أساساً من مصادر توفير اللحوم والتغذية. لقد ساعد على ذلك تطور علم الدواجن، الذي هو فرع من فروع العلوم الزراعية العامة، حيث يختص هذا العلم بدراسة كيفية تربية الدواجن وتحسينها من ناحية تحسين التركيب الوراثي، وأسس تغذيتها، من حيث تقدير احتياجات الدواجن من العناصر الغذائية، وغير ذلك من الجوانب الغنية التي تتعلق بتحسين الإنتاج وتقليص الفترات الزمنية للإنتاج، مع العناية بتوفير العناصر الأساس لمكونات اللحوم فيها أو مكونات البيض المنتج منها. إن النشاط الخاص بتربية الدواجن من الأنشطة الاقتصادية الحديثة والمستجدة، فهذا النشاط لم يتسع إلا في أواسط القرن العشرين، وعليه: فإن كتب الفقه في السابق لم تتطرق إلى ذلك؛ لعدم ظهور الحاجة حينها، حيث إن تربية الدواجن كانت منزلية وللاستهلاك الخاص، وليس من أجل تحقيق الغنى والثروة. وبحث طبيعة هذا النوع من النشاط، ومناقشة أحكام الزكاة المتعلقة به لم يتم التطرق له والبحث فيه لأحد من الفقهاء المعاصرين حسب علمي ما عدا فضيلة الدكتور (يوسف القرضاوي) ، فقد تعرض له عَرَضاً في كتابه (فقه الزكاة) عندما تحدث عن المنتجات الحيوانية بقوله: (والقاعدة التي نخرج بها هنا: أن ما لم تجب الزكاة في أصله تجب في نمائه وإنتاجه، كالزرع بالنسبة للأرض، والعسل بالنسبة للنحل، والألبان بالنسبة للأنعام، والبيض بالنسبة للدجاج، والحرير بالنسبة للدود) [١] . إن تحديد الحكم الشرعي، وتحديد مقدار الزكاة ونصابها يستدعي أدراك طبيعة النشاط، وكيفية إنشاء المشروعات، وكيفية الإنتاج.. حتى يمكن تصور الحكم الشرعي لهذا النوع من النشاط. وقفة مع الثروة الداجنة: إن عملية ما يطلق عليه (صناعة الدواجن) ، تمر بعدد من الحلقات التي تسهم في العملية الإنتاجية لهذه الصناعة، والتي يمكن إيجازها على النحو التالي: ١- عمليات التفقيس: ففي هذه العمليات يتم إنتاج الأفراخ التي تربى لغرض إنتاج اللحم، أو لإنتاج البيض، وتحتاج هذه العملية إلى وجود (ماكينات) كبيرة تستوعب آلاف البيض، والطريقة في عمليات التفقيس مستوحاة من الأسلوب الذي تتبعه الطيور الداجنة، مثل: الدجاج، والديك الرومي، والبط، ولكن بأساليب تساعد على تخفيض المدة التي تستغرقها الدجاجة في عملية التفقيس الطبيعية التي ألهمها الله للدجاج. ٢- عمليات إنتاج أمهات الدجاج: وهذه العمليات هي التي تمد عمليات التفقيس بالبيض المخصب، وبالتالي: تزويد مشروعات إنتاج الدجاج اللاحم، أو الدجاج البياض بأفراخ اللحم، أو أفراخ البيض، وفي هذه العمليات يتم اختبار الأفراخ الجيدة، وبعد نضجها الجنسي الذي يتم بعد مضي ما بين ٢١ إلى ٢٦ أسبوعاً يتم وضع كل ذكر واحد مع عشر دجاجات، ويتم الحصول على نسبة إخصاب بعد عشرة إلى أربعة عشر يوماً من بدء وضع الذكور مع الإناث، وبهذا يتم إتاحة فرصة للذكور لتلقيح كافة الإناث. ٣- عمليات إنتاج الدجاج اللاحم: حيث يتم شراء الصيصان من المشروعات المنتجة للأفراخ، وهي مشروعات التفقيس، والتي تقوم بتزويد هذه المشروعات بهذا النوع الخاص من الصيصان. ٤- عمليات إنتاج البيض: ويتم تزويدها بالأفراخ المخصصة لإنتاج البيض من مشروعات التفقيس. وكل عملية من العمليات السابقة تختلف في طبيعتها وأساليب المعالجة الفنية والتغذية عن غيرها، بحيث يمكن أن يُكَوّن مشروع متكامل من هذه العمليات كلها، وقد يكون هناك مشروع لكل عملية من العمليات، ويتم البيع فيما بين هذه العمليات. على ضوء ما سبق ندرك أن عملية إنتاج الدواجن أصبحت صناعة تجارية تدر على المستثمر فيها عائداً ماليّاً على ما يستثمر فيها من أموال. كيف نزكي هذه المشاريع: والسؤال الذي يفرض نفسه من ناحية وعاء الزكاة هو: ما هو مقدار النصاب الواجب؟ ، وأي نوع من الأموال يتم إلحاق هذه المشروعات به؟ ، وبالتالي: بم تقاس به؟ .. إن الأموال التي وردت فيها أدلة شرعية في تحديد أنصبتها، ومقدار الواجب فيها وقت إخراج الزكاة منها هي: سائمة بهيمة الأنعام، والزروع، وعروض التجارة، والمعادن، والنقد، فهل تلحق الدواجن بالمستغلات أم بالأموال المستفادة؟ ... إن أدلة وجوب الزكاة على مشروعات الدواجن هي أدلة عموم وجوب الزكاة في الأموال، كما في قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ] [البقرة: ٢٦٧] ، فما يتم الحصول عليه من مال، أوثروة ناتجة عن ممارسة نشاط صناعة الدواجن وتربيتها هو من الكسب الطيب المشمول بقوله (تعالى) : [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] [التوبة: ١٠٣] ، و (المال) عام يشمل كل شيء متحول ومملوك، والمال مفرد (الأموال) ويشمل كل ما يرغب الناس في اقتنائه وامتلاكه من الأشياء [٢] . أي نوع من الأموال تلحق به هذه المشاريع: الأمر بالنسبة لمشروعات صناعة الدواجن وتربيتها يعود إلى: أي نوع من أنواع الأموال يمكن قياسه عليها؟ ، وما هو النصاب ومقداره؟ . من خلال الاستعراض الموجز لطبيعة صناعة الدواجن وتربيتها نلحظ عدة أمور، هي: ١- أنها ملحقة بالثروة الحيوانية من حيث النماء والتناسل، فهي مثل البقر، والغنم.. وغيرها من الأنعام، من حيث أنها تتكاثر بالتوالد، ومن حيث أصول تواجدها، فالدجاجة طير ينتج نتجاً هو البيضة؛ والبيضة إما: أن تؤكل، أو تفقس وينتج عنها فرخة تربى: إما من أجل تكوين أمهات دجاج لإنتاج اللحم، أو دجاج لإنتاج البيض، فعملية التناسل وفترة النمو اللازم للاكتمال من أجل اللحم أو البيض مرتبطة بدورة الإنتاج نفسها بالنسبة للحيوانات. ٢- أن بعض مراحل صناعة الدواجن تشبه مراحل التناسل في الأنعام، فالدجاج يربى من أجل إنتاج البيض المخصب، فهو أصل ينتج عنه ناتج مثل البقر المخصص لإنتاج الحليب، وينطبق ذلك على مشروع الدجاج البياض الذي يكون مهمته الأصلية إنتاج البيض؛ فهو يربى من أجل إنتاج بيض المائدة، والدجاج اللاحم، والذي تربى أفراخه من أجل زيادة الوزن عند حد معين، ثم يذبح ويباع، أي: إنه يشبه الأغنام التي تشترى لأجل التسمين. ٣- بعض مشروعات الدواجن تتكون من جميع مراحل صناعة الدواجن، أي: إن منها مراحل لإنتاج أمهات الدجاج، ومراحل لإنتاج البيض، وإنتاج الفراخ، وإنتاج الدجاج اللاحم. ٤- أن هذه الصناعة تحتاج إلى معرفة أساليب كيفية التربية لكل نوع من أنواع هذه المراحل، وتحتاج إلى رؤوس أموال لتوفير الأجهزة اللازمة لتوفير المستلزمات الضرورية لإنتاج البيض واللحم، التي هي المنتج النهائي المطلوب من المستهلكين. على ضوء ذلك: فهل يمكن إلحاق مشروعات الدواجن بعروض التجارة أم لا؟ إن مفهوم (عروض التجارة) كما عرّفه (ابن قدامة) بقوله: (غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه، من: النبات، والحيوان، والعقار، وسائر المال، فمن ملك عرضاً للتجارة فحال عليه الحول وهو نصاب: قوّمَه في آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته، وهو: ربع عشر قيمته) [٣] ، كما يحدد (ابن رشد) مفهوم (العروض) بأنه ما قصد به التجارة بقوله: (اتفقوا على أن لا زكاة في العروض التي لم يقصدها التجارة) [٤] ، والمعنى اللغوي للعروض هو: كل ما خالف النقد من متاع الدنيا وأثاثها. وقال الإمام (النووي) : (مال التجارة: كل ما قصد الاتجار منه اكتساب المِلك بمعاوضة المال: مال تجارة) . فهل صناعة الدواجن تعتبر من عروض التجارة، وبالتالي: تعطى حكم عروض التجارة؟ . إن طبيعة صناعة الدواجن التي أوضحناها فيما سبق لا تتصف بصفة التجارة، حيث إنه لا يتم الاتجار بأعيان معينة؛ فالمشروع الذي ينتج أفراخ الدجاج اللاحم والبياض، يقوم بشراء البيض المخصب ممن ينتج هذا البيض من مشروعات الأمهات، ويتولى إجراء عملية التفقيس، ثم التسمين لفترة محدودة، بعدها يبيع المنتج، فصناعة الدواجن ليست أعمالاً تجارية، وإنما هي تشبه ما ينتج عن الحيوان، مثل الحليب الناتج، فأمهات الدجاج تنتج البيض المخصب، الذي ينتج عنه أفراخ لإنتاج اللحم أو البيض، فالأصل هو دجاج الأمهات اللائي ينتجن بيضاً مخصباً لإنتاج دجاج بيض الأكل، أو بيضاً مخصباً لإنتاج دجاج اللحم، وبالتالي: فإن الجامع بين الدجاج والنحل هو ما ينتج عنهما، فالعسل ناتج من النحلة، وأمهات الدجاج ينتج عنهن دجاج لإنتاج البيض أو أفراخ يتم تسمينها من أجل اللحم.. فالجامع هو بقاء الأصل وبيع المنتج.

стр. 2481

مرتكزات الوسطية من أبرز خصائص هذه الأمة بقلم:عبد الحكيم بن محمد بلال إن سنة الله في خلقه للكون والحياة: التكامل والتوازن، وقد خلق (جل وعلا) الإنسان في أحسن تقويم، وجعله يحوي جوانب كثيرة مختلفة: عقلاً، وروحاً، وجسداً، وعواطف، ومشاعر، ولكلٍّ منها حق، ولا يمكن الوفاء بكل حقوقها إلا بتوازن يكمِّلها جميعاً، ولا يغلِّب جانباً منها على حساب جانب آخر. وذلك التوازن هو: الوسطية التي جاء بها الإسلام، وهي الصراط المستقيم. حتى نفهم الوسطية [١] : لا تخرج معاني الوسطية عن: العدل والفضل والخيرية، والنِّصف والبينية، والتوسط بين طرفين، فقد استقر عند العرب أنهم إذا أطلقوا كلمة (الوسط) أرادوا معاني: الخير والعدل والنّصَفَة، والجودة والرفعة والمكانة العالية. ولا يصح إطلاق مصطلح (الوسطية) على أمر إلا إذا توفرت فيه صفتان: ١- الخيرية، أو ما يدل عليها. ٢- البينية، سواء أكانت حسية أو معنوية. كما يقصد بالتوازن في الشريعة الإسلامية: النظر في كل الجوانب، وعدم طغيان جانب على آخر، وذلك باجتناب الغلو والجفاء.. ولا بد من فهم حقيقة هذين الأمرين؛ لتفهم حقيقة الوسطية والتوازن، فإنه لا يمكن تحقيقها إلا بعد الفهم السليم لها. معالم في فهم الوسطية: أولاً: الغلو والإفراط: قال الله (تعالى) : [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ] [النساء: ١٧١] ، وقال: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) [٢] . والغلو: المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد، فحقيقته: مبالغة في الالتزام في الدين، وليس خروجاً عنه في الأصل، ويكون متعلقاً بفقه النصوص، أو الأحكام، أو الحكم على الآخرين، وكما يكون فعلاً فإنه يكون تركاً، كترك النوم وتحريم الطيبات، وليس منه: طلب الأكمل من العبادة، بل هو تجاوز الأكمل إلى المشقة، ومعلوم أن الحكم بالغلو على شخص أو فعل لا يجوز إلا بالكتاب والسنة، ولا يقدر عليه إلا العلماء. وقد أُتِيتْ بعض الدعوات والحركات من هذا الباب، فاستلزم الحذر منه، ومعرفة آفاته ومظاهره وأسبابه ليحذر منه. فمن أخطار الغلو في الدين وعيوبه وآثاره [٣] : ١- كراهية الناس ونفورهم، وانفضاض الأنصار، قال: (إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة) [٤] . ٢- الفتور أو الانقطاع، فالإنسان ملول، وطاقته محدودة. وقد وضح طبيعة هذا الدين فقال: (إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة) [٥] . فبَيّن أنه لا يتعمق أحد في العبادة، ويترك الرفق كالرهبان إلا عجز، فيُغلب. ٣- التقصير في الحقوق والواجبات الأخرى، وانظر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو ﵄ : (فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام) ..؛ (فإن لزوجك عليك حقّاً، ولزورك عليك حقّاً، ولجسدك عليك حقّاً) [٦] . ٤- تضييع العمر فيما لا فائدة فيه، بل ما فيه الضرر. ٥- الفرقة والتمزق في الصف الإسلامي، وهو ما نشاهده ونعيشه كثيراً. وللغلو مظاهر كثيرة، منها [٧] : كثرة الافتراضات والسؤالات عما لم يقع، والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو تضييع الواجب، والعدول عن الرخصة في موضعها إلى العزيمة، والاشتغال بمسائل الفروع على حساب الأصول، واستفراغ الجهد في المختلف فيه مع إهمال المجمع عليه، علماً وعملاً، ومن المظاهر أيضاً: التعصب للرأي، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، وإلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم به الله، والتشديد في غير محله، ككونه في غير مكانه أو زمانه أو أهله، ومنها: الغلظة والجفاء والخشونة في غير الجهاد وإقامة الحدود، وسوء الظن بالآخرين، وتهمتهم وإدانتهم، والسقوط في هاوية التكفير بلا ضوابط شرعية. أسباب الغلو: وللغلو دوافع وأسباب، منها: البيئة الغالية، أو المستخدمة للشدة والضغط والإكراه، ومنها: التكوين النفسي والفكري لبعض المغالين، والذكاء مع الفراغ وعدم البصيرة بالأولويات، والاعتماد على النفس من أول الأمر في تحصيل العلم أو المعرفة، أو التلقي عن الجاهلين، مع خلو الساحة من العلماء الذين يضبطون الفكر والتصور والسلوك، والتصدر للفتوى والاجتهاد قبل الاستواء والنضج. الرغبة في الطاعة مع الجهل بالسنة. وقد يكون من الأسباب أحياناً: الحظوظ النفسية، والإغراء بالدنيا. ومن أبلغ الأسباب تأثيراً: تعطيل شرع الله في الأرض، والعلمنة الصريحة، وإعراض أكثر المسلمين عن دينهم، متمثلاً في: كثرة البدع والعقائد الفاسدة، والإعراض عن منهج السلف، وشيوع الفساد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التقصير في القيام بذلك، وشيوع الظلم، وتحكم الكافرين في مصالح المسلمين، ومحاربة التمسك بالدين، والجفوة بين العلماء والشباب، والخلل في مناهج بعض الدعوات، مع وجود قوة العاطفة لدى فئات من الشباب. وقد كان النبي ﷺ ينكر كل بادرة غلو، وينهى عن ذلك أشد النهي، كما في قصة النفر الثلاثة، الذين عزموا على الصيام، والقيام، وترك النساء [٨] ، وأخبر أيضاً بهلكة المتنطعين [٩] ، وأراد أن ينكل بمن واصلوا معه في الصيام [١٠] ، وقد نهاهم عنه، ليرتدعوا.. وما ذاك إلا لأن الغلو شطط وانحراف وبُعْدٌ عن الصراط المستقيم، ونافذة على الانحراف والضلال. ثانياً: التفريط والجفاء: التفريط هو: التضييع، والتقصير، والترك، ومنشؤه غالباً: التساهل والتهاون. والجفاء هو: الترك، والبعد، ويستعمل غالباً فيما فيه قصد الأمر، من الترك والبعد وسوء الخلق. ومن مظاهر التفريط: تأخير الصلاة عن وقتها، وترك إنكار المنكرات، وإهمال تربية الأولاد، وترك الأخذ بالأسباب، والغلظة في المعاملة، والسلبية تجاه الاهتمام بواقع المسلمين. ويبدو خطر التفريط واضحاً في كونه عين العجز والكسل، ولا يتحقق به أمر الله (تعالى) كما أراده (سبحانه) ، وأنه يقطع الإنسان عن كثير من الأجور والدرجات، فقد يخرجه من دائرة أولياء الله الصالحين، وقد يعرضه للوعيد والعقوبة، وقد يجره إلى الانحراف (والعياذ بالله) . وسببه إما أن يكون: الجهل، أو الكسل. فأما الكسل: فما أكثر ما استعاذ النبي ﷺ من العجز والكسل؛ الكسل الناتج من إيثار العاجلة، ونسيان الآخرة، وهو نوع من الظلم. وأما الجهل: فداء عضال، وأَقْبِحْ باتصاف الداعية به، خاصة إذا كان الإخلال بالقدر الواجب من العلم، المتعين أو الكفائي، أو حتى القدر المستحب. وقد يكون السبب في التفريط: الاستجابة لضغط الواقع، أو الهروب من تهمة التطرف والغلو.. ونحو ذلك مما يكون في الغالب إفرازاً لانحراف في المنهج، ومظهراً من مظاهر الانحراف في الفهم. ثالثاً: الصراط المستقيم: وهذا المعلم لا يمكن فهم الوسطية دون فهمه، ومعناه: الطريق الواضح الهادي، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه، وهو كتاب الله، أو الإسلام، أو الرسول، أو السنة والجماعة، وحاصل كل ذلك: المتابعة لله ورسوله. ومعنى الصراط المستقيم يدل على الوسطية في مفهومها الشرعي الاصطلاحي، فمثلاً في سورة الفاتحة جعله الله طريق الخيار الذين أنعم عليهم، وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضالين، وفي سورة البقرة ذكره ثم ربطه بالوسطية، فقال: [يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] [البقرة: ١٤٢، ١٤٣] ، فالصراط المستقيم يمثل أعلى درجات الوسطية. والقرآن الكريم، وكذا سنة النبي ﷺ ، يرشدان إلى التوسط، ويذمان التقصير والغلو، وسورة الفاتحة قد وضعت القاعدة والمنطلق، ورسمت المنهج، وحددت معالمه، ثم جاءت الآيات مقررة، قال الله (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ يَاًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ] [النحل: ٩٠] ، وقال (تعالى) : [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ] [الأعراف: ٢٩] ، والعدل في كل الأمور: لزوم الحد فيها، وألا يغلو ويتجاوز الحد، كما لا يقصر ويدع بعض الحق. وانظر إلى الوسطية واضحة في مثل قوله (تعالى) : [وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً] [الفرقان: ٦٧] ، وفي قوله (تعالى) : [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا] [القصص: ٧٧] ، وقوله (تعالى) : [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً] [البقرة: ٢٠١] ، وفي دعائه: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي ... ) [١١] . وكذا: فإن الوسطية سمة ثابتة بارزة في كل باب من أبواب الإسلام: في الاعتقاد، والتشريع، والتكليف، والعبادة، والشهادة والحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والأخلاق والمعاملة، وكسب المال وإنفاقه، ومطالب النفس وشهواتها.. ملامح الوسطية وسماتها وضوابطها: وتحديد ذلك ضروري؛ لتتميز الوسطية عن غيرها، ولئلا تكون مجالاً لأصحاب الأهواء والشهوات، ومن تلك الملامح: ١- الخيرية: وهي تحقيق الإيمان الشامل، يحوطه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٢- الاستقامة: وهي لزوم المنهج المستقيم بلا انحراف، فالوسطية لا تعني التنازل أو التميع أبداً. ٣- البينية: وذلك واضح في كل أبواب الدين، فالصراط المستقيم بين صراطي المغضوب عليهم والضالين. ٤- اليسر ورفع الحرج: وهي سمة لازمة للوسطية. ٥- العدل والحكمة: وقد فسر النبي ﷺ الوسط بالعد [١٢] ، وذلك هو معنى الخيار؛ وذلك لأن خيار الناس: عدولهم. والوسطية أمر نسبي يخضع تحديده لعدة عوامل لا بد من مراعاتها، ولا يتحقق ذلك إلا بإتقان الحكمة. مثال تطبيقي للوسطية: فعل السنن: تتمثل مظاهر البعد عن السنة في اتجاهين [١٣] : الاتجاه الأول: التفريط والجفاء، ومن مظاهره: عدم العناية بها، ودعوى تقسيم الإسلام إلى لب وقشور، والانشغال بالقضايا المعاصرة فقط. الاتجاه الثاني: الغلو، ومن مظاهره: تتبع الغرائب من السنن، والاهتمام بها على حساب الواجبات، والاهتمام بها على حساب القضايا المعاصرة، والإكثار من طرحها وإثارتها، والتكلف والتشدد في تطبيقها. والواجب: العناية بالإسلام جملة وتفصيلاً، بالسنة والواجبات، مع الحرص على إحياء السنن المهجورة، كالتبكير للصلاة، والتبكير للجمعة، وقيام الليل، والجلوس في المسجد للذكر بعد الصبح، لما لذلك من أثر في إحياء القلوب، وإزالة قسوتها.. ولا بد من التحلي بالحكمة والتأني، وعدم التكلف، ولايسوغ الإكثار من طرحها وإثارتها على حساب ما هو أهم منها، بل يكفي تأصيلها. نحو تربية متكاملة متوازنة: إن التربية التي نحتاجها اليوم هي التي تأخذ الإسلام جملة وتفصيلاً، وتراعي شخصية الفرد بجميع جوانبها وأبعادها، مع التوازن في تربية الجوانب المختلفة: العقلية، والمعرفية، والوجدانية، كما توازن أيضاً في رعاية الجانب الواحد، كالجانب العقلي مثلاً، وهذا بالنسبة للفرد. وعلى صعيد المجتمع: ينبغي ألا تكون التربية نخبوية تخص فئة من الناس دون غيرهم، وتهمل بقية الفئات، كما ينبغي أن تتكامل كل المؤسسات التربوية وتتظافر جهودها، وأن تتكامل الجهود داخل المؤسسة التربوية الواحدة، وكذلك أن تتكامل في استخدام الوسائل التربوية. ومما يعين على ذلك: التفكير، والتخطيط، والترتيب للعملية التربوية، ووضع الأهداف الواضحة المنضبطة بالضوابط الشرعية مع المراجعة المستمرة؛ لتلافي الأخطاء، وألا تكون التربية مجرد استجابة لردود الأفعال. ومما يجب التنبه له: أن التوازن والتكامل لا يعني أن يحمل كل شخص قدراً متساوياً من كل جانب؛ وذلك لاختلاف الأشخاص في القدرات والمواهب، ولحاجة الأمة إلى أبواب كثيرة تستدعي أن تُعنى بكل جانب فئةٌ من الفئات، كما لا يعني التوازن: ترك التخصص [١٤] . وجدير بالذكر: أن فهم الوسطية تزول به إشكالات كثيرة، يكثر السؤال عنها بسبب عدم فهم الوسطية كالتوفيق بين: العلم، والعبادة، والدعوة، والجهاد ... إلخ. تلاميذ المدرسة النبوية: وقد كان نتاج تربية النبي ﷺ لصحابته أن عُرفوا باستجابتهم لأمر الله (تعالى) ، ومسارعتهم إلى الطاعة، حتى صار لهم في كل ميدان سهم، مع تحقيق التوازن في أنفسهم بحيث لا يُغلِّبون جانباً على حساب آخر، وتحقيقه أيضاً في المجتمع؛ حيث كان منهم متخصصون في كل ميدان هم أساتذته ومراجعه، ولم يكن ينكر بعضهم على بعض من ذلك شيئاً، بل كان من سجيتهم أن يعرف بعضهم حقوق بعض، ﵃. واليوم نقول ما قاله قديماً معاوية بن قرة ﵀ : (من يدلني على رجل بكّاء بالليل، بسّام بالنهار؟) [١٥] . وختاماً: عن الحسن قال: (السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا) [١٦] .

стр. 2482

هموم ثقافية المسلمون على مشارف القرن الواحد والعشرين (٢ من٢) بقلم: د. محمد طاهر حكيم تناول الكاتب في الحلقة السابقة واقع الأمة في المجالات العلمية والتقنية، فبيّن الهوّة الواسعة بين واقعها وموقعها المفترض، ثم قسم العالم الإسلامي في معرض بيانه لواقعه الاقتصادي حسب ارتفاع الدخل وانخفاضه.. وأخيراً: عرض لمشكلة الديون وأخطارها.. وفي هذه الحلقة يستكمل جوانب أخرى. - البيان- الخطر الرابع للديون: إن المساعدات الغربية تأتي مصحوبة ومتوازية مع بضائع أجنبية ومع احتكارات غربية لسلع بعينها، وترتبط هذه المساعدات بنهب المواد الخام في صورة تصدير إلى الدول الأجنبية [١] . ثم بعد هذا، والأمرّ من كل ما تقدم: التنازل أو شبه التنازل عن السيادة الوطنية أو الاستقلال الاقتصادي، أو حتى التدخل في شؤون الأفراد الدينية! . وفيما يلي نذكر مثالين [٢] فقط: ١- وافقت مصر في يوليو ١٩٩٤م على شروط صندوق النقد الدولي، ومن بين هذه الشروط: وضع احتياطي البنك المركزي المصري تحت رقابة الصندوق، وهذا يعتبر في رأي كثير من المراقبين مساساً بسيادة السلطات النقدية المصرية. ٢- في زيارة قام بها وفد من صندوق النقد الدولي إلى صنعاء في نهاية مايو وأوائل يونيو لعام ١٩٩٥م وضع الوفد توصيتين مهمتين إلى الحكومة اليمنية، وذلك مقابل منحها مساعدات تبلغ قيمتها (٢٨٠) مليون دولار على مدى اثني عشر شهراً. أما التوصية الأولى: فهي كما جاءت على لسان خبير اقتصادي يمني ونشرتها وكالة الأنباء الفرنسية تتمثل في: (الحد من نفوذ التيار الإسلامي داخل المؤسسات الحكومية) . أما التوصية الثانية: فهي (إلغاء قرار إنشاء البنك الإسلامي) الذي كانت الحكومة اليمنية قد وافقت مبدئيّاً على إنشائه في شهر إبريل من العام نفسه. ثم إن المؤسف والمحزن: أن هذه الأموال التي نستقرضها هي في الأصل من أموال العرب والمسلمين، فالعالم الإسلامي مدين كبير ودائن أكبر، فقد ذكرت التقارير أن هناك نحو ٨٠٠ مليار دولار من الأموال العربية والإسلامية تستثمر في بنوك الدول الكبرى، وإنه لمن السخرية بعد هذا أن تدّعي الدول الكبرى أن فائض أموالها يُستثمر اليوم في دول العالم الثالث على هيئة قروض حكومية، فكأنها تستعبد المسلمين بأموال المسلمين، وتغرق المقرض والمستقرض في أوحال الربا، وكان الأجدر بأموال المسلمين أن تُتَداول بينهم بغير وِصاية أو ابتزاز من أعدائهم أو اضطرار إلى الخروج على أوامر ربهم والخوض في كبيرة الربا. يأتي بعد هذا: اعتماد الدول الإسلامية على الاستيراد من الدول الأخرى، بدلاً من التكامل الاقتصادي والصناعي والزراعي فيما بينها، مما أدى إلى خنق كثير من الأنشطة الصناعية والزراعية في العالم الإسلامي، وإلى استنزاف أموال المسلمين واستغلالهم من قبل الدول الكبيرة وتكتلاتها الصناعية والتجارية والزراعية المختلفة. إن ما يدفعه العالم الإسلامي سنويّاً في الاستيراد يكفي لإقامة كبرى الصناعات، فقد ذكرت التقارير الرسمية: أنه قد بلغ حجم الصادرات بين الدول العربية ١٢. ٨٨ مليار دولار سنة ١٩٩٣م، أي حوالي ٩% من إجمالي صادرات هذه الدول التي تقدر بـ ١٤٢. ٣ مليار دولار، وبلغ حجم الواردات داخل العالم العربي ١,١١مليار دولار في السنة ذاتها، مما يمثل ٨. ٧% من إجمالي الواردات العربية الذي بلغ ١٢٦. ٦ مليار دولار عام ١٩٩٣م طبقاً للإحصاءات التي نشرها صندوق النقد العربي الذي مقره في (أبوظبي) . وأما حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية فلا يُمثل أكثر من ٦% (نعم، أكرر: ٦%) من تجاراتها الدولية [٣] . مصادر الغذاء: وأما الغذاء: فإن الأمة الإسلامية باتت تعتمد فيه على الاستيراد من الخارج، فهي تستورد ٦٥% من احتياجاتها من القمح، و ٧٤% من السكر، و٦٢% من الزيوت النباتية.. في مقابل بلايين الدولارات سنويّاً، رغم أنها تملك الأراضي الواسعة الصالحة للزراعة، ففي العالم العربي على سبيل المثال ١٣٣ مليون هكتار لأراضٍ صالحة للزراعة، لا يستغل منها سوى ٣٢% فقط. وفي يوم ١٦ أكتوبر الماضي وبمناسبة يوم الغذاء العالمي ذكرت التقارير: ١- أن متوسط الاستثمارات الزراعية في الوطن العربي لا يتجاوز أكثر من ٥ , ٧% من حجم الاستثمارات العامة خلال النصف الأول من عقد التسعينيات الميلادية. ٢- التكاليف الناتجة عن الفجوة الغذائية بين الإنتاج والاستهلاك ارتفعت من ٦٠٠ مليون دولار عام ١٩٧٠م إلى (٢٠) مليار دولار عام ١٩٩٤م. ٣- استوردت الدول العربية من المواد الغذائية عام ١٩٩٤م ما قيمته ٢١ مليار دولار، علماً بأن هذه القيمة لم تتجاوز عام ١٩٧١م مبلغ ٢. ٥ مليار دولار، ويقول الدكتور (فلاح سعيد جبر) أمين عام الاتحاد العربي للصناعات الغذائية: إنه من المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم العربي إلى ٢٩٥ مليون نسمة سنة ٢٠٠٠م (والبالغ عدده الآن ٢٤٠ مليون نسمة) ، وبالتالي: فقد ترتفع الفاتورة الغذائية إلى ٥٠ مليار دولار عام ٢٠٠٠م. وأما الدول الإسلامية، فقد استوردت من الغذاء عام ١٩٨٩م ما يعادل ٢٨. ٥ مليار دولار من الدول الأخرى، وصدّرت من المواد الغذائية ما قيمته ١٠ مليار دولار، وهذا رقم ضئيل إذا وضع في الحسبان كثرة عدد هذه الدول [٤] . هذا، وإن من المتوقع أن يزداد الوضع سوءاً بعد أن وقّعت أغلب دول العالم الإسلامي والعربي على اتفاقية (الجات) ، التي سيتم بموجبها إلغاء كافة أنواع الدعم الزراعي الذي تقدمه الحكومات على بعض السلع الضرورية. وكذلك ستلغي هذه الاتفاقية كافة أنواع الامتيازات التي كانت تسمح لكل دولة أن تحدد السقوف الجمركية المناسبة لحماية منتجاتها الوطنية، وبالتالي: سيؤدي هذا إلى ارتفاع أسعار فاتورة الغذاء بنسبة ٣٠% عن سعرها الحالي. الحاجة الملحة إلى الاتحاد: وتأتي بعد هذا حالة التشرذم والتشتت والتفرق التي تعيشها الدول الإسلامية وهي تستقبل القرن الواحد والعشرين، كيف يمكن لهذه الدول أو الدويلات والكيانات الصغيرة أن تتعايش مع التكتلات الكبرى التي تتكامل فيها الطاقات البشرية والموارد الطبيعية، مثل: (أوروبا الموحدة) ، ونمور شرق آسيا، وأمريكا، والصين.. وغيرها؟ . إنه لمن المحزن والمؤسف حقّاً: أنه لم تُتخذ أو لم تتحقق بعدُ خطوة عملية جادة من أجل وحدة الأمة، على الرغم من وحدة العقيدة التي تربطها، وعلى الرغم من تجاور الأرض، وتشابك المصالح، وتشابه الطبيعة الجغرافية والمناخية، واتفاق العادات والعبادات والأخلاق والسلوك، ووحدة الأعداء، ووضوح الرؤية لدى الكافة. رغم أن الحاجة شديدة وملحة للوحدة الإسلامية عن أي وقت مضى، خاصة بعد اغتصاب فلسطين، والاعتداء على البلاد والعباد في البوسنة وكشمير وبورما..، وتقتيل الأطفال والشيوخ، والنساء، وانتهاك الحرمات، وملء السجون والمعتقلات بالمسلمين، واستخدام الأسلحة الكيميائية والجرثومية المحرمة دوليّاً ضدهم، وبعد حروب باردة وساخنة ومؤامرات مستمرة.. رغم كل هذا إلا إن الوضع كما هو مع وجود منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية والاتحادات الإقليمية المختلفة، فإننا لم نزدد إلا تفرقاً واختلافاً! ، إننا لم نع الدرس كما وعته أوروبا الغربية، فبدأت على الرغم مما بينها من اختلافات عرقية ولغوية وعقائدية وتاريخية وتنافسات على السوق الدولية ومصالح متعارضة تتجه إلى الوحدة، وحققتها في فترة وجيزة [٥] . وإنها لمصادفة عجيبة ولكنها تُجَسِّد مفارقة لا تخلو من مغزى ودلالة أن الوحدة الأوروبية والوحدة العربية بدأتا في وقت واحد تقريباً، فقد ولدت فكرة التعاون الاقتصادي العربي في سنة ١٩٤٥م، بينما دعا رئيس الوزراء البريطاني إلى إقامة اتحاد الدول الأوروبية في سنة ١٩٤٦م، وتكوّن المجلس الاقتصادي العربي في سنة ١٩٥٠م، بينما ولد اتحاد أوروبا للفحم والصلب سنة ١٩٥١م [٦] . وحين وُقِّعت اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية في سنة ١٩٥٧م كانت مفاوضات تأسيس المجموعة الأوروبية قد انتهت وجرى التوقيع على (معاهدة روما) التي كانت بمثابة إعلان عن ميلاد المجموعة في العام ذاته، وبعدما قرر مجلس الوحدة الاقتصادية إنشاء السوق العربية المشتركة في سنة ١٩٦٤م ثم توحيد الجمارك الأوروبية في سنة ١٩٦٨م، وإذ أنشئ في سنة ١٩٧٣م صندوق النقد العربي فإن النظام النقدي الأوروبي واكبه في الميلاد حيث قام سنة ١٩٧٩م، وفي العام نفسه جرى انتخاب البرلمان الأوروبي مباشرة من قبل شعوب الدول الأعضاء، وفي ديسمبر ١٩٩١م وقّع زعماء اثنتى عشرة دولة أوروبية في (ماستريخت) اتفاقية الاتحاد الأوروبي، التي تنص على تحقيق الوحدة الاقتصادية والنقدية بما في ذلك اعتماد عملة أوروبية موحّدة بحلول عام ١٩٩٩م، وكذلك تحويل المجموعة الأوروبية إلى اتحاد سياسي مع منح البرلمان الأوروبي مزيداً من الصلاحيات، وعليه، ومنذ ١/١١/١٩٩٣م: أطلق مسمى الاتحاد الأوروبي على المجموعة الأوروبية، وتحققت الوحدة الأوروبية اقتصاديّاً وسياسيّاً. إذا كان هذا هو النموذج الأوروبي للوحدة فإن التحرك الوحيد الذي حدث على مستوى الأمة من ذلك الحين وحتى اللحظة الراهنة تمثل في اجتماع المسؤولين لمناقشة قضية تثبيت الأمن ومكافحة التطرف والإرهاب! . مآزق العالم الإسلامي وتحدياته: إن العالم الإسلامي يُقبل على القرن الواحد والعشرين بكمٍّ هائل من التحديات والمشاكل والمآزق الأخرى، منها: مأزق حضاري: ويتمثل في غياب المشروع الحضاري المستقل النابع من ضمير الأمة محققاً أحلامها وآمالها، وفي ظل النخب المتغربة القابضة على زمام السلطة ومنابر التوجيه والإرشاد في كثير من الدول وهيمنة المشروع الليبرالي الغربي.. فإن فرص صياغة ذلك المشروع المرتقب تصبح عسيرة إلى حد كبير. أليس من المؤلم والمحزن أن دول العالم الإسلامي وقد مضى على استقلال أكثرها نحو نصف قرن لا تملك مشروعاً مستقلاً للمستقبل، وكانت إلى وقت قريب تحاول أن تستفيد من التناقض الموجود بين الشرق والغرب لتحتمي في خندق أحدهما في محاولتها الحفاظ على نفسها، ولكن زوال الاتحاد السوفييتي أبقى ظهر تلك الدول مكشوفاً، إذ وجدت نفسها أمام المشروع الغربي وعليها أن تختار: إما أن تلحق به وتدور في فَلَكه، وإما أن تبحث لنفسها عن خندق من نوع آخر تحتمي به شريطة أن تكون مستعدة لدفع ثمن ذلك الخيار، فإن لم تجد ولن تجد فسيظل باب الإسلام خياراً لا مناص من اللجوء إليه لتأسيس المشروع الحضاري المستقبلي. مأزق التشرذم: الذي ظهر بوضوح في الآونة الأخيرة، ويتمثل في تفجير الصراعات المذهبية والقومية والعرقية، الذي يسعى بعض المغرضين إلى تأجيجها في مختلف دول العالم الإسلامي، وهذا لا يخفى على أي متابع. مأزق أهل الشتات: ويتمثل في أفواج اللاجئين والمهجّرين الذين يزيد عددهم على ١٨ مليوناً، ٨٠% منهم من النساء والأطفال لا يجدون ملجأً ولا مأوى، هذا بالإضافة إلى الأقليات المسلمة في كل من الهند، وبورما، والفلبين.. وغيرها، وأما البلاد المغتصبة في فلسطين، وكشمير، والبوسنة.. فذلك مأزق آخر. مأزق التنصير: ويتمثل في تعاظم فتنة المؤسسات التنصيرية في العديد من بلدان العالم الإسلامي، ولا سيما في مناطق اللاجئين وضحايا الجفاف والحروب في آسيا وإفريقيا، وأكثر هؤلاء من المسلمين الذين صاروا مهددين في عقائدهم وعقائد أبنائهم [٧] . هذا باختصار هو واقع العالم الإسلامي في مستهل القرن الواحد والعشرين. مقومات بناء الأمة: ومن الواضح أن هذا الواقع ليس وليد صُدفة فقط، وإن كنا نحن المسلمين ننتظر القَدَر من الله لتغييره، إلا إننا ننسى أن هذا الواقع لا يتغير إلا بالأسباب التي سنها الله لتغييره: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد:١١] . إن الأمة الإسلامية تملك المقومات الكافية لتغيير هذا الواقع، وهي (آفاق المستقبل) لو أحسنا التعامل معها، فإن المستقبل لهذه الأمة في القرن الواحد والعشرين بإذن الله. وقبل أن أذكر هذه المقومات أؤكد أنه لابد للمسلمين أن يعيدوا في أنفسهم إحياء معنيين أصليين مهمين، وهما: شمول الإسلام، والوحدة الإسلامية، فإذا آمنت القيادة الفكرية والسياسية في عالمنا الإسلامي المعاصر بهذين الأصلين الأساسين الشرعيين، ودعت إليهما، وعملت جاهدة على تحقيقهما بخطى وئيدة متزنة، وتخطيط يتسم ببعد النظر وعمق الرؤية حينها.. يتبلور الأمل في إمكانية نهضة الأمة من كبوتها واجتياز فترة التخلف التي عاشتها إن شاء الله [٨] . أما المقومات التي تملكها الأمة فهي متنوعة وكثيرة، من أهمها كما ذكر الدكتور النجار: ١- مقومات بشرية: حيث يبلغ عدد المسلمين أكثر من ألف ومئتي مليون نسمة، ويمثل هذا العدد قرابة ربع سكان العالم، ويضم الملايين من العلماء والمهندسين والأطباء والأدباء والمفكرين والمتخصصين في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية، ويمثل ذلك أكبر تجمع بشري على وجه الأرض تربطه عقيدة واحدة. ٢- مقومات أرضية: تبلغ مساحة دول العالم الإسلامي أكثر من أربعين مليون كيلو متر مربع، ويمثل ذلك أكثر من ربع مساحة اليابسة، ويزيد من قيمة تلك المساحة الشاسعة: اتصالها مع بعضها، وتوسطها دول العالم، وتكاملها من ناحية المناخ والتضاريس وطبيعة الأرض، وتعدد ثرواتها، وتنوع مصادر الحياة فيها، وكثافة سكانها، وعراقة حضارتها، وقدم ارتباطها بالرسالات الإلهية. ٣- مقومات بحرية: يطل العالم الإسلامي على مسطحات مائية عديدة، تخترقها أهم خطوط المواصلات البحرية في العالم، وله موانئ مهمة على كل من المحيطات: الأطلسي، والهندي، والهادي، وعلى البحار: الأبيض، والأحمر، والأسود، وبحر قزوين، كما يتحكم في مداخل كل من المحيط الهندي والبحر الأحمر وكذا: الأبيض والأسود، هذا بالإضافة إلى عدد من المسطحات والقنوات المائية المهمة التي تعتبر إسلامية بأكملها، مثل: البحر الأحمر، والخليج العربي، وبحر عُمان، والبحر العربي، وقناة السويس. ٤- مقومات اقتصادية: وهذه تشتمل على مقومات زراعية وحيوانية عديدة ومصادر للطاقة، وثروات تعدينية لم تُقّدر تقديراً نهائيّاً بعد، ومنشآت صناعية مختلفة، يمكن إيجازها فيما يلي: أ- الثروة الزراعية: وتتمثل في أكثر من أربعمئة مليون من الأفدنة المزروعة في مناطق مختلفة، وتشكل هذه المساحة نسبة ١١% من الأرض المزروعة في العالم، و٣٩٤ مليون هكتاراً من الغابات، هذا بالإضافة إلى مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، والتي لم تزرع بعد. ب- مصادر الطاقة: يملك العالم الإسلامي ما يتراوح بين ٧٢% إلى ٧٧% من احتياطي النفط العالمي، وأكثر من ٢٥% من احتياطي الغاز الطبيعي، ونحو ٤٥% من احتياطي اليورانيوم. ج- الثروة المعدنية: على الرغم من أن معظم أراضي العالم الإسلامي لم يتم مسحها بعد مسحاً علميّاً مفصّلاً باستخدام الوسائل التقنية الحديثة إلا إن الدراسات المحدودة التي أجريت حتى الآن أثبتت وجود العديد من الخامات المعدنية، مثل: القصدير (٢٥% من احتياطي العالم) ، والكروم ٢٣%، والفوسفات ٤٥%، والمنجنيز ٩. ٢%، والرصاص ٦%، وغيرها من الخامات المعدنية العديدة. وربما كان تأخر المسلمين في اكتشاف ثرواتهم التعدينية واستغلالها لحكمة لا يعلمها إلا الله، وذلك لأن العالم قد استنفد ثرواته من خامات المعادن أو كاد نتيجة لعملية الاستنزاف التي تعرضت لها تلك الخامات، وهنا تبرز خامات العالم الإسلامي احتياطيّاً مأمولاً، ولكنه يحتاج إلى الكفاءات العلمية والتقنية القادرة على استخراجه وتصنيعه، وإلى الرجال القادرين على حمايته من شَرَه الدول الصناعية. د- مقومات تعليمية وتدريبية: تضم دول العالم الإسلامي اليوم أكثر من ٢٢٤ جامعة، و٣٣٥ معهداً عالياً من المعاهد المتخصصة، بالإضافة إلى ما يفوق التسعمئة من مراكز البحوث وأكاديميات العلوم والتقنية، وخمسة عشر مركزاً ومؤسسة للطاقة الذرية والنظائر المشعة (يتركز خمسة منها في باكستان، وثلاثة في تركيا، واثنان في مصر، ومركز واحد في كل من: الجزائر وإيران وتونس وأفغانستان، وكان أحدها في العراق) . وتملك دول إسلامية عديدة قاعدة صلبة في الصناعات الثقيلة والتقنية المتقدمة، وتصنع الطائرات والسيارات والقاطرات ومنتجات هندسية وكيميائية وكهربائية ومنسوجات ومعادن وبناء سفن.. وغير ذلك، مثل: ماليزيا، وإندونيسيا، وتركيا، ثم باكستان، فمصر.. وغيرها. وقبل هذا كله: نملك أعظم مقومات التقدم البشري المتمثل في الإسلام ورسالته الخالدة، الرسالة التي نزلت للناس كافة، والتي بدأ العالم يتلمس طريقه إليها في ظرف لم تعرف له البشرية نظيراً من قبل، بعد أن سئموا الحياة المادية الخاوية الخالية من الروح، وإن المعطيات الكلية للعلوم في هذا العصر قد تجمعت لتؤكد على ضرورة الإيمان بالله وعلى صدق الرسالة المحمدية. فهل يدرك المسلمون ذلك فيبادروا بجمع طاقاتهم المبعثرة في خطة محكمة هدفها إعادة بعث الأمة على أسس إسلامية سليمة، وهداية الإنسانية إلى نور الرسالة التي حملوا أمانتها، فإذا فعلوا ذلك فإن المستقبل في القرن الواحد والعشرين يكون لهم بإذن الله، وتفتح لهم الدنيا، وتجثوا أمامهم الأمم، وهنا تحضرني كلمة للأستاذ (ت. ب إيرفنج) الأستاذ بجامعة (تنسي) الأمريكية حينما وقف مخاطباً تجمعاً للمسلمين في مدينة (جلاسجو) ببريطانيا منذ سنوات قائلاً: (إنكم لن تستطيعوا أن تنافسوا الدول الكبرى علميّاً أو تقنيّاً أو اقتصاديّاً أو سياسيّاً أو عسكريّاً، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا تلك الدول تجثوا على ركبها أمامكم بالإسلام، أفيقوا من غفلتكم لقيمة هذا النور الذي تحملون والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض، تعلموا الإسلام وطبقوه، واحملوه لغيركم من البشر تنفتح أمامكم الدنيا ويدين لكم كل ذي سلطان، أعطوني أربعين شابّاً ممن يفهمون هذا الدين فهماً عميقاً، ويطبقونه على حياتهم تطبيقاً دقيقاً، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر وأسلوبه وأنا أفتح بهم الأمريكيتين!) [٩] . فهل نفهم هذا الكلام ونعيه ونطبقه، ونعمل جاهدين لإدراك قيمة ديننا في واقعنا؟ .. آمل ذلك.

стр. 2483

نص شعري إلى أمتي شعر: عبد الله الزهراني وَاقِفٌ فِي حِمَى الْحَرَمْ ... قاصِدٌ بَابَ ذِي الْكَرَمْ طَارِقٌ بَابَ وَاحِدٍ ... يَغْفِرُ الْجُرْم وَاللّمَمْ خَلَقَ الكونَ كُلّهُ ... لَيسَ يَسْهُو وَلا يَهمْ قَدْ تَعَالى جَلالُهُ ... عَلّمَ النّاسَ بِالْقَلَمْ بَابُهُ ليسَ دُونَهُ ... مِنْ حِجَابٍ، وَلا حَشَمْ *** بَينَ جَنْبَيّ خَافِقٌ ... يَتَشَكّى مِنَ الأَلَمْ ألَمِي جُرْحُ أُمّتِي ... جَلَبَ الْهَمّ وَالسّأَمْ كُلّمَا قُلْتُ جُرْحُهَا ... سَوفَ يَبْرَى وَيَلْتَئمْ رَاشَهَا سَهْمُ حَاسِدٍ ... بِالعَدَاوَاتِ قَدْ وُسِمْ سَيفُهَا كَانَ مُصْلَتاً ... فَنَبَا السّيفُ وَانْثَلَمْ أَنْشَبَ الذّلّ نَابَهُ ... فَبَدَا السّقْمُ وَالْوَرَمْ شَفّني حَالُ إِخْوَتِي ... فِي عِرَاقٍ وَفِي شأَمْ فِي رُبَى الْقُدْسِ إِخْوَةٌ ... فِيهِمُ الْحُزْنُ مُرْتَسِمْ فِيهِمُ الظّلمُ قَدْ عَدَا ... فِيهِمُ الْفَقْرُ قَدْ جَثَمْ أينَ يَمّمْتُ نَاظِرِي ... رَاعَنِي الذّلّ وَالْغَشَمْ لا تَسَلْ عَنْ جِرَاحِهِمْ ... إِنّ رَبِّي لِمَنْ ظُلِمْ *** آهِ مِنْ حَالِ أُمّتِي ... فَقَدَتْ عِزّها الأَشَمْ نَسِيَتْ يَومَ خَيبَرٍ ... يَومَ صُهْيُونَ قَدْ وَجَمْ نَسِيَتْ كُلّ وَقْعَةٍ ... فِعْلُهَا يَسْبِقُ الْكَلِمْ تَرَكَتْ هَدْيَ رَبِّهَا ... وَتَخَلّتْ عَنِ الْقِيَمْ وَاسْتَهَانَتْ بِدِينهَا ... فَأَتَى الْجِيلُ فِي صَمَمْ كَانَ مُلْكُ الدّنا لَهَا ... كَانَتِ الْخَصْمَ وَالْحَكَمْ زَلْزَلَتْ عَرْشَ فَارِسٍ ... دَكْدَكَتْ كُلّ مُنْهَزِمْ أَوَلَمّا أَصَابَهَا ... هَولُ خَطْبٍ بِهَا أَلَمْ عَاتَبَ الْقَومُ بَعْضَهُمْ ... ونَسُوا عَاقِبَةَ إرَمْ إِنّ لله غَضْبَةً ... قَدْ أُعِدّتْ لِمَنْ ظُلِمْ *** طَرَحَ الْقَومُ كَرْبَهُمْ ... فِي حِمَى هَيْئَةِ الأُمَمْ وَتَشَكّوا لِمَجْلِسٍ ... مَزّقَ الْعَدْلَ وَالشِّيَمْ ونَسَوْا بَابَ ربِّهم ... كاشفِ الكربِ والغُمَمْ كَيفَ نَشْكُوا لخَصْمِنَا ... وهو بالحقد يضطرم كَيفَ نَشْكُوا لِكَافِرٍ ... قَنّنَ الظّلْمَ وَالنِّقَمْ يَالَهَا مِنْ مَهَازِلٍ ... تَجْلِبُ الشّيبَ وَالْهَرَمْ كَيَفَ نَبْنِي وَغَيرُنَا ... يَعْشَقُ الْهَدْمَ وَالرِّمَمْ ليتَ شِعْرِي إِلى مَتَى ... تَدَاعَى نَحْوَنا الأُمَمْ *** رُبّمَا عَزّ قُومُنَا ... رُبّمَا الْفَجْرُ قَدْ قَدِمْ فَنَرَى الْحَقّ عَالِياً ... وَنَرَى الذّلّ قَدْ حُسِمْ وَنَرَى الْغيثَ قدْ همَعْ ... وَنَرَى الليلَ قَدْ خُتِمْ وَنَرَى كُلّ رَوضَةٍ ... غُصْنُهَا مَادَ وَانْسَجَمْ وَنَرَى الْبَدْرَ ضَاحِكاً ... وَنَرَى الشّمْسَ تَبْتَسِمْ

стр. 2484

دراسات تربوية فضيلة الشكر.. العملة النادرة في هذا العصر (١ من٢) بقلم: د. محمد عز الدين توفيق الشكر هو: الاعتراف بالإحسان [١] ، يقال: شكرتُ الله، وشكرتُ لله، وشكرتُ نعمة الله ... والشكر مثل الحمد، إلا إن الحمد أعم منه، فإنك تحمد الإنسان على صفاته الجميلة، وتحمده على معروفه وإحسانه، لكنك لا تشكره إلا على معروفه دون صفاته. وأصل الاستعمال اللغوي للشكر هو ظهور أثر الغذاء في جسم الحيوان، فالشّكور من الدواب: ما يكفيه العلف القليل، أو الذي يسمن على علف قليل، فيكون الشكر هو: ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيماناً، وفي لسانه حمداً وثناءً، وفي جوارحه عبادة وطاعة، ويكون القليل من النعمة مستوجباً للشكر الكثير، فكيف بالكثير منها؟ ! . الشكر شعبة من شعب الإيمان: وشعب الإيمان هي صفاته وأخلاقه المتفرعة عنه، مثل: الصبر، والرضا، والتوبة، والإنابة، والخوف، والرجاء، والرغبة، والرهبة، والتقوى، والورع، والخشوع، والإخبات، والإحسان، والعبادة. هذه الشعب، وإن كانت جميعها تتفرع عن الإيمان، فهى آثاره في باطن المؤمن وظاهره، إلا إن بينها فروقاً تميز بعضها عن بعض، وبعضها أعم من بعض، ومن شعب الإيمان الجامعة: الشكر؛ فإن كثيراً من الشعب الأخرى تطبيق عملي له، كما إن شعباً أخرى تطبيق عملي للصبر الذي يقابله، فيكون الإيمان نصفين: نصف شكر، ونصف صبر. وقد اقترن الصبر والشكر في كتاب الله (تعالى) في مواضع، مثل قوله (تعالى) : [إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] [إبراهيم: ٥] . فالشكر على النعمة يقابله الصبر على الضراء، وفي الحديث: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) [٢] . ويتداخل الشكر والصبر في شعب عديدة، فيبدو الشكر أعم من الصبر من بعض الوجوه، والصبر أعم من الشكر من وجوه أخرى، ومما يبدو به الشكر أعم: أنه يكون على كل ما قضى الله (تعالى) ، بما في ذلك ما يستوجب الصبر، فالمؤمن يشكر ربه على ما نزل به من ضراء ويصبر، وشكره ذلك لإيمانه الراسخ بأن الله (تعالى) حكيم رحيم، فالخير فيما اختاره، وما ظنه العبد مصيبة هو بعاقبته نعمة، ويكفي أن الله (تعالى) يكفِّر بها خطاياه ويكتبها له في حسناته إلى يوم يلقاه، والمقصود: أن كل ما يستوجب صبر المؤمن فإن الشكر يخالطه، فهو بهذا المعنى أعم من الصبر. والشكر صفة من صفات الله : فقبل أن يُشَرف الحق (سبحانه وتعالى) عباده بدعوتهم إلى التخلق بالشكر أخبرهم أنه في حقه صفة من صفات كماله، فمن أسمائه الحسنى: (الشّكُور) ، لا يبخس العبادَ أعمالهم، ولا يظلمهم حقهم، بل يجزي بالحسنة أضعافها، ويجزي بالسيئة مثلها وقد يعفو ويغفر، يثني على عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويضاعف أجرهم وثوابهم، قال (عز وجل) : [مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً] [النساء:١٤٧] . وقال (سبحانه) : [إن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ] [التغابن: ١٧] ، ويوم القيامة: يرى الناس من هذه الصفة الإلهية ما لم يروه في الدنيا، وعند ذلك يقول المؤمنون ما قال الله عنهم في كتابه: [وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ] [فاطر: ٣٤] . والشكر خلق من أخلاق الأنبياء: فهم أول من اقتبس من نور هذه الصفة الإلهية، فشكروا الله (تعالى) فشكر الله لهم، قال (تعالى) عن نوح ﵇ : [إنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً] [الإسراء: ٣] ، وقال عن إبراهيم ﵇ : [إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ] [النحل: ١٢٠] ، وقال عن سليمان ﵇ لما رأى عرش بلقيس مستقرّاً عنده: [فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ] [النمل: ٤٠] ، وكان نبينا محمد أول الشاكرين، فقد قام بواجب الشكر على أكمل وجه، وامتثل لأمر ربه الذي قال له: [بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ] [الزمر: ٦٦] ؛ أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ ، قالت: (كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً) ؛ فهو النبي ﷺ الذي لا يلحقه أحد في معرفة النعمة وتعظيمها وشكرها بالقلب واللسان والجوارح. والشكر خلق من أخلاق المؤمنين: وإنما كان الشكر من أخلاقهم لأن الإيمان يُعَلِّمهم أنهم وما يملكون لله، وما هم فيه من نعم محضُ فضل الله، فكيف لا يشكرون؟ ، ويعلمهم أنهم إذا شكروا الله (تعالى) فإنما يشكرون لأنفسهم؛ لأن خير هذا الشكر يعود إليهم، والله غني عنهم، قال الله (تعالى) : [يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ] [البقرة: ١٧٢] ، وقال (سبحانه) : [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ] [لقمان: ١٢] . الشكر في الناس قليل: إذا كان الشكر من صفات الأنبياء والمؤمنين، فإنه ليس كذلك عند كل الناس؛ فالانتفاع بالنعم والغفلة عن المنعم بها سمة أكثر البشر، على الرغم من ظهورها وكثرتها وإحاطتها بهم من كل جانب، [وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ] [الأعراف: ١٠] ، وقوله (تعالى) : [وَهُوَ الَذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ] [المؤمنون: ٧٨] ، وقوله (تعالى) : [وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ] [سبأ: ١٣] . تقصير أهل هذا الزمان في الشكر: ولو كان الناس يُحْدثون لكل نعمة شكراً، لكان أهل هذا الزمان أَشكر لله من كل من سبقهم، لكثرة ما فتح الله عليهم من نعمة، آثرهم بها على غيرهم، فهم يشتركون مع السابقين في نعم لا تحصى، ويزيدون عليهم بنعم أخرى لم يعرفها المتقدمون على الرغم من وجودها في الأرض، وإنما تمكنوا من اكتشافها في هذا العصر لتقدم علومهم، والعلوم هبة العقل، والعقل هبة الله الأكرم الذي علم الإنسان ما لم يعلم. لقد حصل تطور هائل في الإنتاج الزراعي والحيواني، وفي النقل ووسائل المواصلات، وفي اللباس والزينة، وفي الكسب والاحتراف، وفي السكن والفراش والأثاث، وفي الطب والعلاج، وفي الإعلام والتواصل، وفي كل مجال تقريباً نجد تطوراً كبيراً غيّر ظروف الناس نحو الأحسن ومكّنهم في الأرض ما لم يمكن لمن قبلهم. ويبدو موقف هذا الجيل صعباً عندما يلقى ربه، بالنظر إلى المفارقة العجيبة بين ازدياد النعم وتناقص الشكر، فالنعم تزيد والشكر ينقص، وصدق الله: [إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ] [البقرة: ٢٤٣] . الشكر يقابله الكفر: فشكر النعمة: ذكرها ونشرها، وكفرها: جحدها وحجبها، قال الله (تعالى) : [وَمَن شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ] [النمل: ٤٠] ، وقال : [إن تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ] [الزمر: ٧] . ومن أسباب كفر النعم: الغفلة عنها ونسيانها؛ أو تفسير مصدرها تفسيراً باطلاً، فتصده شبهات أو شهوات عن رؤية النعم أو رؤية المنعم بها، وإذا تسلطت الشبهات والشهوات على قلب ابن آدم كثرت فيه الأفكار الباطلة والإرادات الفاسدة، ومن ذلك: ما ذكره الله (تعالى) عن قارون عندما ذكّره قومه بأن ما أدركه من مال نعمة من الله، فليحسن كما أحسن الله إليه [قَالَ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي] [القصص: ٧٨] ، وظن أن تلك الأسباب التي أدرك بها ذلك المال نتيجة علمه ومهارته، وغاب عنه أنه وما يملك لله وحده، وأنه لا يرد عن نفسه ولا عن ماله الهلاك إذا شاء الله (تعالى) أن يهلكه أو يهلك ماله، وكذلك كان، لكنه لم ينتفع بآيات الله لما نزلت به، وإنما انتفع بها من اغتر به من قومه، أما هو فقد ذهب عِبرة لمن خلفه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ الغير به. فحتى لا يكفر العبد نعمة الله يجب أن ينظر إلى ما وراء الوسائط والأسباب حتى لا تحجبه الوسائط عن رؤية المنعِم الذي قدرها، قال (تعالى) : [وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ....] [النحل: ٥٣] . الشكر درجات: إذا كانت النعم تتفاضل، فهل يتفاضل الشكر؟ ، والجواب: نعم، فالشكر أشبه بمتصل يبدأ بأسوأ درجات الكفر وينتهي بأعلى درجات الشكر، فإذا كان الكافر محروماً من هذا الخلق ولا حظ له فيه، فإن المؤمنين بعد اشتراكهم في أصل الصفة يتفاوتون فيها زيادة ونقصاً، بل تتفاوت أحوال الواحد منهم، فلا يكون شكره على درجة واحدة في كل أوقاته ومراحل عمره، وحتى ينافس المسلم على هذه الدرجات: ينبغي أن يدخل حلبة السباق متسلحاً بالعلم اللازم، وذلك بأن يعرف مراتب الشكر الثلاث، وهي: شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح. شكر القلب: أول الشكر: علم، ومحله: القلب، فيعلم أن الله (تعالى) هو المنعم بكل النعم التي يتقلب فيها، فالالتفات إلى النعمة وحدها لا يجعل القلب شاكراً حتى يفسر: هذه النعمة من أين جاءت؟ ، ومَنْ ساقها إلى الإنسان؟ ، وما دور الأسباب التي حصلت بها؟ . وقد جاء القرآن الكريم ليدفع جميع التفسيرات التي تنسب النعم لغير الله، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ] [فاطر: ٣] ، وقال : [أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ] [العنكبوت: ٦٧] . إن رصد النعم، والتعرف إليها، وتسميتها.. مرحلة تمهيدية لابد منها لشكر القلب، ولذلك أمر القرآن الكريم بإحصاء النعم ليكتشف الإنسان كثرتها وعجزه عن الإحاطة بها، فيعتبر بما عرف منها وأحصى، ويعتبر بما عجز عن معرفته وإحصائه، ولا يفهم من الآية الآتية عكس هذا؛ لأنها جاءت عقب مجموعة من النعم سماها القرآن الكريم وعدها، ثم قال: [وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [النحل: ١٨] . وهناك طرق يمكن أن يسلكها القلب ليجمع بها في عالمه الذهني ما يوجد من النعم في العالم الخارجي، ومنها: ردها إلى أصولها، فالنعم أصول وفروع، فالصحة نعمة أصلية، يتفرع عنها: الحركة، والمشي، والعمل، والرياضة، والأكل، والشرب، والنوم، والسفر، والتعلم.. ومثل الصحة: الوقت، والعلم، والمال.. فهي نعم أصلية تندرج تحت كل واحدة نعم لا تحصى. ومن هذه الطرق: ضم النعم إلى ما يجانسها ويشابهها، ونستطيع أن نصف النعم التي أنعم الله بها علينا في ثلاث دوائر، تضم كل واحدة عدداً لا يحصى من النعم. فالأولى: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مخلوقات، فهي نعم متفرعة عن نعمة الخلق والإيجاد، والثانية: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا آدميين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الآدمية والإنسانية، والثالثة: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مسلمين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الهداية والإيمان. فالدائرة الأولى: تشمل سلسلة لا تنتهي من الترتيبات الكونية جعلت حياتنا على هذا الكوكب ممكنة، وقد عرف الإنسان اليوم ما لم يكن يعرفه أسلافه عن هذه الترتيبات، وعرف من دقتها أن أي خلل يقع في واحد منها يجعل الحياة على الأرض مستحيلة.. وعلى سبيل المثال: لو كانت الأرض أقرب إلى الشمس مما هي عليه الآن لكانت كالكواكب القريبة منها كوكباً ملتهباً وساخناً تصل حرارته إلى بضع مئات، ولو كان القمر أقرب إلى الأرض منه الآن لارتفع المد في البحار إلى الدرجة التي تغرق فيها المناطق الساحلية المأهولة، وإذا زاد المد أزالت الأمواج أعلى قمم الجبال في أيام، ولو لم يكن للأرض غلاف هوائي لم يمكن وجود حياة، ولو لم يكن فيها ماء لم يظهر كائن حي واحد، ولو لم تكن تدور على نفسها وحول الشمس لم يمكن بقاؤها في مدارها، بل إن وقوفوها للحظة واحدة يعني اجتذاب الشمس لها وفناءها السريع بالاندماج مع هذا النجم المشتعل الذي يزود الأرض بحاجتها من الضوء وهو على بعد مئة وخمسين مليوناً من الكيلومترات.. والأمثلة لا تحصى. والدائرة الثانية: تجمع النعم التي خص الله بها الإنسان من دون سائر الحيوانات التي تشاركه الحياة على الأرض، ومنها: أنه (سبحانه) خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله عاقلاً ناطقاً، وسخر له ما في السموات والأرض، وأنزل إليه الكتب، وبعث إليه الرسل، ووعده على الإيمان والطاعة بالجنة. فهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه النجوم، والجبال، والبحار، والأنهار والأشجار، والدواب، والأنعام، والأسماك، والمعادن، والثمار.. كلها سخرة له، يأكل، ويلبس، ويفترش، ويدخر، ويتنزه.. فتمت نعمة الله عليه بما أعطاه من قدرة على التسخير، وبما جعل في هذا الكون من استعداد للتسخير. [أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً] [لقمان: ٢٠] ، [اللَّهُ الَذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ الإنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] [ابراهيم: ٣٢، ٣٤] ، [وَهُوَ الَذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَاًكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِياً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [النحل: ١٤ ١٨] ، [وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَاًسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ] [النحل: ٨١ ٨٣] . والدائرة الثالثة: تشمل النعم التي خص الله بها المؤمنين دون سائر الناس، وأعظمها في الدنيا هي: نعمة الإيمان نفسه، وأعظمها في الآخرة: رضوان الله (تعالى) ، ورؤيته، وجواره في جنته، وصحبة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من عباده. [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [الحجرات: ١٧] ، [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] . وتتفرع عن نعمة الهداية والإيمان نعم كثيرة، منها: الأمن، والسكينة، والمغفرة، والرحمة، والتيسير، والرزق الواسع، والبركة في المال والعمل والأهل.. وغيرها كثير. هذه دوائر ثلاث تصنف النعم حسب أنواعها وأجناسها. أما اكتشاف النعم والتعرف عليها تفصيلاً فله طريقان، هما: الوحي، والعقل، فالكتاب والسنة ذكرا نِعماً كثيرة، وأرشدا إلى وجوه المنافع الكامنة فيها، وبيّنا طريق شكرها.. والعلوم البشرية طبيعية، وإنسانية اكتشفت نعماً أخرى، ولا زالت تكشف نعماً جديدة أو منافع جديدة لنعم معروفة. كثير من النعم لا يحتاج الإنسان إلى العلوم المتخصصة ليعرف منافعها وفوائدها، لكن هذه العلوم تُوسِّعُ معارف الإنسان، فيعرف منها ما لا يعرفه بالنظر العادي أو بالتجربة العادية، فالحواس الخمس، واللسان والفم، واليدان والرجلان، والماء والهواء، والطعام واللباس، والشمس والقمر، والليل والنهار.. نِعَم يستطيع كل إنسان أن يعد منافعها، ولكن العلوم التي درست هذه النعم تعرف عنها أكثر مما يعرفه الشخص العادي، فهذه العلوم في مسيرتها الطويلة كشفت بقصد أو بغير قصد من وجوه المنافع في الشيء الواحد ما يجعل نعمة واحدة من نِعَم الله نعم لا تحصى، وهذا وجه آخر في معنى قول الله (تعالى) : [وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا] [النحل: ١٨] ؛ لأن إحصاءها لا يمكن إلا وهي محصورة، فكيف وهي تتجدد، وتزيد، ويظهر في نعم معروفة ما لم يكن معروفاً؟ ، فكيف يحصي الإنسان شيئاً لا ينحصر؟ . يقول الله (تعالى) : [فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ] [الطارق: ٥] . ويقول (سبحانه) : [فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إلَى طَعَامِه] [عبس: ٢٤] . فلو قام الإنسان برحلة عقلية مع الجنين في أطوار خلقه حتى يصير إنساناً سويّاً، وقام برحلة مماثلة مع الطعام خارج الجسم ثم داخل الجسم حتى يصير غائطاً وبولاً.. ما استطاع أن يحصي نعم الله عليه في هاتين الرحلتين اللتين يمر بالأولى مرّاً، أو يمر بالثانية آلاف المرات، فيكف إذا استعان بما قاله علم الأجنّة عن الرحلة الأولى وما قاله علم الفسيولوجيا عن الثانية؟ ، ومع كل نعمة احتمالات عقلية أخرى لِما كان سيحدث من أنواع الاختلالات والأعراض والإصابات لو لم تسر الأمور سيراً طبيعيّاً، فالنعم تعرف بما يقابلها من المحن، وكثيراً ما نجد في القرآن الكريم التذكير بالنعمة وبالاحتمالات العقلية المقابلة، كقوله (تعالى) : [أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ] [الواقعة: ٦٨ ٧٠] . أي: لو نشاء جعلناه مالحاً، ولو تبخرت مياه البحر مرة واحدة بأملاحها لسقطت الأمطار مالحة، فأفسدت الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية لكنها تتبخر دون أن تحمل معها الأملاح فتسقط ماءً عذباً. شكر القلب وفتنة الشيطان: لا يمكن أن يسلك الإنسان طريق الشكر دون أن يعرض له الشيطان بفتنته، بل سيقعد له بكل وجه، ويأتيه من كل طريق، ليُغفل قلبه عن ذكر الله وشكره، قال (تعالى) : [ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] [الأعراف: ١٧] . فلا بد من كسب هذه الجولة والتصدي لهذه الفتنة ودفع وساوسه عن القلب، وهي شبهات تفسر النعمة بالباطل أو شهوات تصرف القلب عن الالتفات إلى النعمة عند الانتفاع بها، فإذا تحرر القلب من هذه الوسوسة فاللسان والجوارح تبع له، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده.

стр. 2485

المسلمون والعالم ليبيا.. وسراب الدولة الجماهيرية بقلم:محمد علي محمد في ليبيا أو (الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى!) أصدر برلمانها أو ما يسمى بـ (المؤتمر الشعبي العام) عقوبات جماعية هي الأولى من نوعها في العالم العربي الإسلامي الحديث، ضد كل من يخالف أو يقاوم هذا النظام، على شكل قانون أطلق عليه: (ميثاق الشرف) ! ، والذي يهدف إلى مكافحة ما أسماه بالجريمة الجماعية التي تشَكل وفق تعريف هذا القانون العجيب (التعطيل لسلطة الشعب) ، وبموجب هذا القرار تتعرض عائلة (المخالف) أو قبيلته لعقوبات سياسية واقتصادية ما لم تتبرأ منه ومن أفعاله التي يعاقب عليها، ومن العقوبات التي توقع على المستحقين لها: الحرمان من الخدمات الحياتية كالماء، والكهرباء، والهاتف، ووقود المنازل والسيارات، والخدمات الإدارية، والسلع التموينية، والمخصصات المالية. هذه العقوبات المنتهكة لأدنى حقوق الإنسان فضلاً عن مخالفتها للشريعة الإسلامية لم تأت من فراغ، وإنما هي (بنات أفكار) (العقيد) التي ضمنها (كتابه الأخضر) ، وفي هذا المقال يعرض الكاتب لوقفات من واقع (المؤتمر الشعبي) ولجانه الشعبية، والأسس التي يُحكم بها شعب ليبيا المغلوب على أمره. والله نسأل أن يصلح الأحوال، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. - البيان- في ٢/٣/١٩٩٧م مرت على (ليبيا) الذكرى العشرون على إعلان قيام سلطة الشعب المستندة على تعاليم (الكتاب الأخضر) الذي يبشر الشعوب بالهداية إلى طريق الديمقراطية [١] ، لمؤلفه (الملازم ثان) (معمّر القذافي) القائد، والمفكر، والمعلم، والملهم، والقائد الأممي، ومهندس النهر الصناعي العظيم، صانع أول جماهيرية في التاريخ ... إلى آخر الألقاب! ! . إن من حق الباحث بعد مرور هذه السنوات العجاف أن يتساءل عن مصير هذه التجربة، تجربة سلطة الشعب في ليبيا، وكيف كانت التجربة؟ ، خصوصاً وأن الذي يشرف على إخراجها وتنفيذها هو المؤلف نفسه، الذي توفرت له جميع الإمكانات الهائلة والفرصة المواتية لتطبيق أفكاره، وبحرية واسعة، فقد كانت تجربته هذه تحميها وتقرها وتدعمها سلطة دولة وثروتها وسلاحها، فكيف كانت الحصيلة لهذا الشعب الذي عانى ويعاني من هذه المحنة حتى يومنا هذا؟ . البناء الفكري للتجربة: أصدر (القذافي) الفصل الأول من الكتاب الأخضر عام ١٩٧٦م، وهو الفصل المخصص لمناقشة شكل الديمقراطية، وقد جاء في البيان الصادر بإعلان سلطة الشعب ٢/٣/١٩٧٧م، أنه (اهتداء بمقولات الكتاب الأخضر..) ، لذا: فإن الأساس الفكري للتجربة يعتمد على (الكتاب الأخضر) مباشرة، الذي يقرر بأسلوب جازم قطعي أن (المؤتمرات الشعبية هي الوسيلة الوحيدة للديمقراطية الشعبية) [٢] ، وينفي بالأسلوب نفسه (أن أي نظام للحكم خلافاً لهذا الأسلوب (أسلوب المؤتمرات الشعبية) هو نظام غير ديمقراطي) [٣] ، (فلا ديمقراطية بدون مؤتمرات شعبية واللجان في كل مكان) [٤] ، أما فكرة المؤتمرات الشعبية فتقوم كما جاء في كتابه الأخضر على النحو التالي: ١- يقسم الشعب إلى مؤتمرات شعبية أساس في كل حي أو محلة. ٢- يختار كل مؤتمر أمانة له. ٣- من مجموع أمانات المؤتمر تتكون مؤتمرات شعبية أعلى. ٤- تختار جماهير تلك المؤتمرات الشعبية لجاناً إدارية؛ لتحل محل الإدارة الحكومية، فتصبح كل المرافق في المجتمع تدار بواسطة لجان شعبية. ٥- تصير اللجان الشعبية التي تدير المرافق مسؤولة أمام المؤتمرات الشعبية الأساس، التي تملي عليها السياسات وتراقبها في تنفيذها. ٦- ما تتناوله تلك المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية يرسم في صورته النهائية في مؤتمر الشعب العام، الذي تلتقي فيه أمانات المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية. ٧- ما يصفه مؤتمر الشعب العام الذي يجتمع دوريّاً أوسنويّاً يطرح بالتالي على المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية؛ ليبدأ التنفيذ من قِبَل اللجان الشعبية المسؤولة أمام المؤتمرات الشعبية الأساس [٥] . وقد وصف (القذافي) أسلوبه بأنه نظام بديع وعملي [٦] . وإذن: فقد انحلت مشكلة الديمقراطية نهائيّاً في العالم [٧] بذلك الأسلوب المزعوم. من عقدة العظمة والغرور ينطلق (القذافي) في (كتابه الأخضر) ويقرر بطريقة الأستاذ الملهم أنه جاء بالحلول النهائية والحتمية لجميع مشكلات العالم عبر التاريخ، وبأسلوب لا يحتمل النقاش أو المراجعة أو الجدال، ولم يبق أمام الجماهير إلا الكفاح للقضاء على كافة أشكال الحكم الديكتاتورية السائدة في العالم الآن [٨] . وإذا كانت الفلسفات والشرائع الأرضية تشهد تهافتها وتساقطها حيناً بعد حين، وأن ما يبقيها ويجعل لها بعض القبول عند الناس هو ما تحمله من بقية وحي، أو أثارة من علم، أو شيء من حكمة.. فإن ما أبقى فكرة سلطة الشعب والكتاب الأخضر ما هو إلا الإرهاب والقمع والقهر. إذ إن الكتاب الأخضر جاء خلواً من أي فكر صحيح، بل هي أوهام رجل مصاب بعقدة العظمة، وتمكن على حين غفلة من الناس، وانفرد بالسلطة، فزينت له أوهامه أنه مفكر، وأنه رسول الصحراء كما نقلت الصحفية الإيطالية (إيزابيلا بيانكو (في كتابها عنه: (رسول الصحراء) ، ولن تجد مثالاً في التاريخ يمكن أن تقربه إلى أفكار الكتاب (الأخضر) أقرب من (قرآن مسيلمة) أو أفكار ووسائل الحاكم الفاطمي، أو دين (جلال أكبر) الحاكم المغولي، أو فلسفة الثورة لعبد الناصر.. وهذه الأفكار الشاذة مصيرها الدفن في مزبلة التاريخ. التجربة والممارسة: باشر (القذافي) بقوة السلطة وقهرها تنفيذ أفكاره على الشعب الليبي المغلوب على أمره في أواخر عام ١٩٧٦م، وخدع في البداية شعبه بدعوته لتطبيق الشريعة الإسلامية والزخم الإعلامي الذي قام به إعلامه حول هذا المشروع، إلا إن ذلك لم يطبق فعليّاً، وربما كان ذرّاً للرماد في العيون، ثم تنزل عليه (الوحل) بأفكار كتابه الأخضر، وديمقراطيته إياها لم يجر فيها استفتاء على الشعب: هل يرغب في تطبيق الكتاب الأخضر أم لا؟ ؛ لأن الاستفتاء كما يقول تدجيل على الديمقراط [٩] ، وإنما سيق الناس وحشروا إلى تلك المؤتمرات حشراً، إما رغبة وإما رهبة، فقد كانت جميع المعاملات والإجراءات من إصدار الرخص والتوظيف والجوازات والتأشيرات.. وغيرها لا يمكن الحصول عليها إلا إذا أثبت المواطن حضوره للمؤتمرات الشعبية عن طريق بطاقة الحضور، وكانت تغلق المحلات والإدارات ليتمكن المواطنون من الحضور إلى تلك المؤتمرات. وإذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه كما يقولون، فإنه في أول جلسة لمؤتمر الشعب العام في ٢/٣/١٩٧٧م والمنقولة مباشرة عبر التلفزيون الحكومي تمت مناقشة الاسم الرسمي للدولة (القذافية) ، وكانت المؤتمرات الشعبية قد قررت أن يظل الاسم كما هو عليه، أو اقترحت: جمهورية ليبيا الإسلامية أو العربية ... إلخ، فألقى (القذافي) بهذه القرارات في سلة المهملات وهي ملزمة حسب كتابه الأخضر واختار اسماً عجيباً لا يحسده عليه أحد، ليصبح أطول اسم في تاريخ الدول كما سبقت الإشارة إليه. هذه هي البداية، أما تطبيق الأفكار فقد جرى على نحو عجيب كما سنرى: أسلوب اختيار المتنفذين: كان اختيار أمانات المؤتمرات وأعضاء اللجان الشعبية يتم دائماً في غرفة اللجان الثورية، ويلقى بالاسم خارجاً ليتم التصفيق والهتاف وصيحات الإجماع، هذا في المحِلات والأحياء، أما على مستوى الدولة فإن الاختيار والتعيين يتم من قبل (القذافي) مباشرة، ويوعز لأحد الأعضاء أن يطالب به! . أما قرارات الدولة (الجماهيرية) سواء أكانت قرارات مهمة أو تافهة، وحتى قرار بداية شهر رمضان أو العيد، فإنها تتخذ في خيمة القائد، وأصبحت عبارة (الموضوع في الخيمة) مألوفة، ولا يجرؤ أمين اللجنة الشعبية العامة (رئيس مجلس الوزراء) على اتخاذ أي قرار مهما كان، وإنما مهمته تنحصر في تتبع مقر إقامة (القذافي) المتنقل دائماً والجري وراءه لالتقاط قراراته، ثم إعلانها متى ما أجازها الزعيم! . ومن المعروف لدى الليبيين أن قرارات تغيير العملة، وإلغاء التجارة، والحرب على تشاد، وتأميم الشركات والمساكن، وفرض الجندية.. وغيرها لم تعرض ولم تناقش على المؤتمرات، ولو أنها عرضت لم يكن يتغير من الأمر شيء! ولقد علم الشعب بهذه القرارات عن طريق الإعلانات أو الإذاعات الخارجية! . ومن المعروف أن القرارات تتخذ وتنفذ قبل انعقاد المؤتمرات الشعبية، ثم تدعى لكي توافق على القرارات السارية! ، وأصبح من التقليد المعروف (للزعيم) قبل انعقاد المؤتمرات بيوم أن يظهر في التلفزيون الوحيد الخاص به، ليستعرض مع شعبه البنود المعروضة للنقاش في اليوم التالي، كالأستاذ مع تلميذه ليلة الامتحان، ويقرر لهم ما يريد، لينطلق (الهتيفة) الثوريون يرددون ما قاله، وسميت هذه العملية بترشيد الجماهير. وبفضل تلك الأساليب أصبح الشعب يكذب على نفسه، وحاكمه يكذب عليه، وأصبحت ليبيا المسكينة مسرحاً سخيفاً كبيراً لأكبر مأساة في تاريخها، سميت زوراً وبهتاناً: عصر الجماهير وسلطة الشعب. أما اللجان الشعبية فقد نشأت بعد خطاب (زوارة) في شهر ربيع الأول عام ١٩٧٣م، فيما يعرف بخطاب النقاط الخمس وإعلان الثورة الشعبية، ولكن لم تطلق يد اللجان الشعبية بالكامل إلا في إعلان سلطة الشعب، فعاثت في الأرض فساداً، تهلك الحرث والنسل، وتخرب وتدمر جميع مرافق وخدمات الدولة.. فالجامعة ترأسها لجنة من الطلاب الثوريين الفاشلين، والمرافق العامة كالصحة والتعليم والبريد يرأسها نفر من الوصوليين؛ فالمستشفى يديره ممرض (معروف السيرة) ، والتعليم يديره مشرف خدمات متهرب من العمل من العينة نفسها، والبريد يرأسه معروف بالرشوة.. وهلمّ جرّا، أما الشركات: فيرأسها أناس غير متخصصين، وأصبحت المرافق والخدمات والشركات نهباً موزعاً لهم، واستأثر بالقسط الأكبر منها الأتباع ورجال المخابرات والمقربون.. فهذا عصر الدجل، وكل لجنة شعبية من هؤلاء تتغير أو تبقى بعد عمليات ما سُمي بـ (التصعيد) ، ومن قفز من أهل الخير والفضل خطأً إلى هذه اللجان أسقطت عضويته بقرار من اللجنة الثورية، أو هُمِّش، أو لفقت له تهمة، أو ينساق في تيار (الإنجازات الثورية) حتى ولو لم يقتنع بها؛ ليسلم من المصير المجهول! . وظهرت طائفة في المجتمع معروفة بالسرقة من الأموال العامة، كالفئات التي تظهر بعد الحروب والأزمات، تعيش بأساليب غير نظامية مما يسمى بأغنياء الحرب. ولا تسأل بعد ذلك عن حال الخدمات والمرافق والبنية الأساس للبلاد، فما لم تحطمه الفوضى والتسيب أدركته السرقة والنهب، وساعد (الزعيم) على هذا الوضع الوحشي بالتأخير المتعمد للمرتبات، حتى حطمت الدولة (الجماهيرية) الرقم القياسي لتأخير المرتبات، فقد وصلت في بعض القطاعات إلى ٨ أشهر مؤجلة! ، أما تأخير المرتبات لبعض الأفراد فقد وصل إلى سنة! أو أكثر، وذلك في دولة بترولية تعم أرضها بالخيرات! . والوحيدة التي سلمت من هذه الفوضى إلى حدٍّ ما هي شركات النفط؛ لأنها ببساطة مقسمة قسمة (ضيزى) بين القذافي وجلود. من بركات الجماهيرية: منذ قامت ثورة الفاتح من سبتمبر أو الانقلاب (القذافي) ، وليبيا تعاني الأمرين من سوء الأحوال والاضطرابات السياسية؛ نتيجة هذا الحكم العجيب، ومن المظاهر السلبية التي يعانيها الشعب المغلوب على أمره ما يلي: -الإذلال والقهر والإرهاب للشعب، فقد صار المكان المفضل للقذافي هو ساحات المؤتمرات الشعبية؛ حيث يعدم المعارضون وعلى رأسهم الإسلاميون. -تدمير البنية الأساس لجميع مرافق وخدمات البلاد، بنشر الفوضى والنهب وحماية القائمين على ذلك. -إفساد الأخلاق والقيم، ونشر معاني تدني الأخلاق والرذيلة والرشوة وانتهاك الحرمات. -تشجيع النعرات القبلية والجهوية بين أبناء البلد، وإثارة الفتن بينهم. -تسليط اللجان الثورية ورجال المخابرات على عامة الناس. -هجرة العقول المتميزة، وقتل ذوي الكفاءات، وتقديم الأراذل والسفهاء. والأهم من ذلك وقبله وبعده: تعبيد الناس لطاغوت يسومهم سوء العذاب، وإخضاع الناس لشرعه من دون الله. وأختم حديثي بالذي هو خير: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ] [النور: ٣٩] . [أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [التوبة: ١٠٩] . والله نسأل أن ييسر لبلادنا من ينقذها من أفكار العقيد الضالة وأساليبه الغوغائية التي لم تنل منها بلادنا سوى التأخر والضعف والحصار. فعسى أن يقيض الله لنا من يحكم بشرع الله ليرد لبلادنا كرامتها ومكانتها، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 2486

المسلمون والعالم النصارى في بنجلاديش دراسة عن دور المنظمات غير الحكومية في نموهم غير العادي بقلم: محمد نور الزمن تقوم المنظمات التنصيرية الدولية بعمل دؤوب من أجل تنصير مسلمي بنجلاديش، مستخدمة في ذلك الوسائل غير المشروعة وغير الأخلاقية [*] ، وذلك ما توضحه حقائق ومعلومات مدهشة مقتبسة من تقرير حكومي داخلي أعده المدير العام لقسم المنظمات غير الحكومية لحكومة (بنجلاديش) ، والذي يفضح تصرفات خطيرة تقوم بها هذه المنظمات، مما يمس سيادة البلاد واستقلالها، فأراد المدير وهو موظف حكومي جريء إصدار إشعار للفت الأنظار إلى عديد من المنظمات غير الحكومية ذات النفوذ الواسع، الأمر الذي أدى بسفراء ثلاث دول غربية قوية تقدم مساعدات للبلاد إلى زيارة (خالدة ضياء) رئيسة الوزراء آنذاك، وهددوها بقطع المساعدات الغربية لبنجلاديش إن أصرت الحكومة على إصدار الإشعار، فنقلت السيدة المذعورة عقب هذه الزيارة مدير القسم إلى قسم حكومي آخر؛ من أجل إرضاء أولئك الأجانب، كما تنازلت عن كل الإشعارات الحكومية في هذا المجال، اختراقاً لقوانين البلاد وأنظمتها. لقد انقضّت المنظمات غير الحكومية على بنجلاديش منذ إنشائها، كالنسور الجائعة، ويتضح ذلك من الآتي: ١- يوجد في بنجلاديش ثلاثون ألف منظمة غير حكومية تملك من مساحة البلاد٥٤. ٠٠٠ ميل مربع (ولم يسجل لدى الحكومة إلا بعض منها) . ٢- تصرف ثمانية آلاف مليون (تاكا) من مجموع المساعدات الخارجية التي تبلغ عشرة آلاف مليون (تاكا) سنويّاً إلى المنظمات غير الحكومية، إما مباشرة، أو تنفق تحت إشرافها باعتبارها جزءاً من ميزانيتها لتنمية البلاد، (دولار أمريكي ٤٠ تاكا بنجالية) ، كما تجمع هذه المنظمات تبرعات أخرى من المؤسسات الأجنبية باسم تنمية أوضاع السكان الفقراء في (بنجلاديش) . وبعض هذه المنظمات تصرح علناً بكونها ذات طابع تنصيري، مثل: قوة الإنقاذ (Salvation Army) ، والبعثة اللوثرية التنصيرية (Lutheran Christian Mission) ، وكنيسة اليوم السابع (Seventh Day Adventurist Church..) وما إلى ذلك، لكن بعضها الآخر يخفي نشاطه تحت ستار أسماء أخرى. ٣- لا تنفق هذه المنظمات إلا جزءاً ضئيلاً من هذه المبالغ الهائلة لصالح الفقراء، بينما تنفق الباقي منها وهو يشكل ٨٠% إلى ٩٥% منها في مجالات الرواتب الباهظة للموظفين، والفلل، والسيارات الفخمة، ونشر النصرانية، وفي صورة منح في مجالات الإسكان والصحة والتعليم.. وغيرها، تعطى للمتنصرين من المسلمين. ٤- لقد أنشئ مستشفى تبشيري عام ١٩٦٥م في قرية (معلوم جات) من منطقة (شيتاجانج) التي لم يكد يوجد بها نصراني آنذاك، أما الآن: فقد بلغ عددهم أربعين ألف نصراني، والنتيجة: تم منع رفع الأذان في مسجد قريب، كما صدر الأمر بعدم رفع الأذان في ثلاثة مساجد أخرى تقع على بعد عشرة كيلومترات. ٥- لقد ركزت هذه المنظمات غير الحكومية على تنصير المسلمين في المناطق الحدودية، ونجحت في تنصير عدد كبير من السكان المسلمين؛ لكي توجد حالة مثل حالة جنوب السودان. ٦- تقوم هذه المنظمات بتوفير الأموال والأسلحة للحركة الانفصالية بقبيلة (جارو هيل) التي قبلت النصرانية! ، وشنت حرب عصابات ضد الحكومة البنجلاديشية في مناطق جبلية لـ (شيتاجانج) للحصول على الاستقلال، وكان المواطنون الأبرياء هم ضحايا هذه الحرب. ٧- هذه المنظمات غير الحكومية قوية جدّاً، وتتمتع بنفوذ واسع في الأوساط الحكومية، لقد نجح شخص يدعى (بيه. مانكين) ، وهو رئيس منظمة نصرانية أصولية تدعى (وورلد فيزن World Vision) ، نجح في قبول ترشيحه من ضمن قائمة حزب (عوامي ليج) ، وفاز بالانتخاب النيابي عن دائرة المنطقة الجبلية لـ (شيتاجانج) ، وذلك عن طريق دفع خمسمئة ألف تاكا (٢٥ألف دولار أمريكي) للحزب! ، فقد فاز بأصوات ١٦. ٠٠٠ ناخب نصراني ضد منافسه (تي. إيتش. خان) محام معروف ووزير سابق في حكومة الحزب البنجالي القومي السابقة، لم يكن حزب (عوامي ليج) حتى العام الماضي يتمتع بالأغلبية في البلاد، لكن رحلة الحج التي قامت بها رئيسة الحزب (شيخة حسينة واجد) ، ساعدت في عطف آراء الشعب نحوها، فاستغلت حجها لإثارة عواطف الجماهير الدينية، وبالتالي: لكسب أصوات الناخبين لصالح حزب (عوامي ليج) . ٨- كان عدد السكان النصرانيين في عام ١٩٧٢م ٢٠٠. ٠٠٠ نسمة، وارتفع العدد في عام ١٩٩١م إلى خمسة ملايين! ، بينما من المخطط أن يرتفع العدد إلى عشرين مليون نصراني في عام ٢٠٢٠م. ٩- تمارس هذه المنظمات التي تبلغ قرابة ٣٠ منظمة أنشطة غير مشروعة، وقد وافقت حكومة (خالدة ضياء) على تحركات هذه المنظمات المعادية للبلاد رغم معارضة رئيس الأمن الداخلي لبنجلاديش. ١٠- خصصت في عام ١٩٩٢ ١٩٩٣م ميزانية هائلة لإكمال ١٠١٨ مشروعاً لهذه المنظمات، بلغ قدرها الإجمالي ٣١٥. ٠٨ مليون تاكا بنجالية، ينفق منها جزء قليل لتحقيق الهدف الأصلي، أما الباقي منها فهو ينفق في مجال التنصير وتشجيع الارتداد عن الإسلام. ١١- يَعتبر العلمانيون واليساريون من رجال السياسة البنجالية المنظمات غير الحكومية صديقاً حميماً لهم، ويقفون أمام مكاتبها من أجل الحصول على مبالغ ينفقونها لصالح مشاريع التنمية الصغيرة في دوائر انتخابهم؛ من أجل كسب الأصوات. ١٢- تقوم هذه المنظمات بحملات ضد القرآن والسنة النبوية، فلقد صدر كتاب ألفه كاتب نصراني، هو الدكتور (مارك حنا) وقامت بطبعه مؤسسة نصرانية اسمها (International Poorways Publications) يحتوي على بيانات من سبعة (مسلمين بنجاليين) تنصروا فيما بعد، يسبون فيها الإسلام ويستهزؤون به، شارحين الآيات القرآنية شرحاً خاطئاً، ويتجرؤون على النيل من شخصية رسولنا الكريم والمس بكرامته، ولقد طبعت منظمة نصرانية أخرى (الجمعية النصرانية لداكا) الكتاب مترجماً إلى اللغة البنجالية، ووزعته مجاناً. ١٣- يبقى الموظفون الحكوميون صامتين لا يحركهم شيء، أما إذا اجترأ أحد منهم وجهر بقول ضد هذه الأنشطة فإنه يجد نفسه أمام تهديدات النقل إلى وضع صعب، وذلك بسبب النفوذ الواسع الذي تتمتع به هذه المنظمات في أوساط الحكومة العليا، ولا نتوقع حدوث تغيير جذري في الوضع بتغيير الحكومة. ١٤- من أخطر المنصِّرين: المدعو (ريتشارد هالويه) الذي قضى ١٤ سنة في (إندونيسيا) يعمل بدأب في مجال التنصير، ثم جاء إلى (بنجلاديش) في حقبة حكومة الرئيس السابق (محمد إرشاد) ، فأنشأ في البلاد منظمة باسم (اتحاد إدارات التنمية لبنجلاديش) ، بلغت عضويته (١٨٠) منظمة غير حكومية، من مجموع (٦٣٥) منظمة سجلت لدى الحكومة، وهو يمارس بفضل هذه المنظمات الضغوط على الحكومة، كما يتمتع بدعم كامل من قبل سفراء ثلاثة من البلدان الغربية القوية لدى (بنجلاديش) . ١٥- تقوم هذه المنظمات في الغالب، بتوظيف المتنصرين المرتدين، وفي حالة توظيف مسلم ما فهو يعاني العراقيل في سبيل أداء الصلاة، وإن أراد أن يصلي فعليه أن يصلي بعيداً عن أنظار أصحاب العمل، لأنهم يكرهون هذا. ماذا نفعل إذن؟ : رغم هذه الظروف غير الملائمة، نرى شعاعاً من الأمل، لقد أصدر ثمانون شخصية بارزة بياناً إنذاريّاً ضد الضغوط المتزايدة للمنظمات غير الحكومية الأجنبية ومساعديها المحليين، وهذه الشخصيات من فئات العلماء والمحامين والمفكرين، وعلاوة على ذلك، كلما افتضح أمر التنصير وعلم به الشعب قام كرد فعل بالعمل المباشر ضد المجرمين. العلماء والآخرون الذين يتصدون لأنشطة المنظمات غير الحكومية يتعرضون لهجمات شديدة تشنها الصحف والجرائد الأسبوعية واليومية التي تمتلكها هذه المنظمات، وحتى الذين على الخط الأمامي لمواجهة الخطر لا يعرفون إلا نزراً يسيراً من الأنشطة التنصيرية، وما يتنبهون إلا إذا حدث حادث في منطقتهم، وليس فيهم أحد على إلمام تام بالمخطط الكامل للمنظمات التنصيرية الذي وضعته لتنصير البلاد، ولا هم على وعي بخطورة الوضع. سيكون إصدار كتاب يفضح هذه المنظمات بمثابة إنذار للجميع ووثيقة قوية بأيدي العلماء والمسلمين المعنيين لتعليم الجماهير ومساعدتهم في منع المسلمين الفقراء من شراء إيمانهم، كما سيكون تحدياً وكبحاً لجماح المنظمات غير الحكومية. ولأجل ذلك: هناك دراسة لمشروع طبع ١٠. ٠٠٠ نسخة من كتاب صدر عن مركز الدراسات البنجلاديشية يكشف حقائق مذهلة عن الأنشطة التنصيرية، ومن ثم: توزيعها مجاناً بتكلفة ١٠٧. ٠٠٠ (تاكا) بنجالية، ويضاف إلى هذه الميزانية ٧٦. ٠٠٠ تاكا أخرى لتغطية نفقات التحقيق والصّف والتوزيع والدعاية والإعلان، لقد تمكنا من جمع هذا المبلغ وهو بأيدينا الآن، والحقيقة: أننا كنا قد خططنا لطبع ١٠٠. ٠٠٠ نسخة باللغة البنجالية للتوزيع المجاني داخل البلاد، وطبع ٣٠٠٠ نسخة أخرى باللغة الإنجليزية للتوزيع بين أوساط السلك الدبلوماسي الخارجي، والمفكرين الأعلام، والمتعاطفين معنا في مختلف البلدان الإسلامية، لكن نفقات الطبع الباهظة تحول دون تحقيق هذا الهدف. ولكن ليس من المعقول التأخر في الطباعة، لقد طال بنا الانتظار سنتين في انتظار تحقيق وعود منظمة خيرية وعدت بالطبع، ثم خيبت آمالنا فيما بعد، فالحاجة ملحة للإسراع في اتخاذ قرار الدعم والمساعدة. فهل من أحد يمد يد المساعدة إلى المسلمين البنجاليين الفقراء لإنقاذهم من الفتن والمحن التي تكاد تنزع الإيمان من قلوبهم؟ . مخطط مستقبلي: المرحلة الأولى: لقد بدأ العلماء والمسلمون المعنيون العمل على مستوى صغير، فلقد تقرر من أجل تبادل المعلومات فيما بينهم أن يتم إنشاء لجنة صغيرة في العاصمة (دكا) تحت رئاسة خطيب معروف، وسيكون من ضمن مهام اللجنة: الاتصال بجميع ضحايا هذه المنظمات وبجميع من أبدوا اهتمامهم بالقضية، وتحثهم اللجنة على إنشاء لجان محلية لتعليم الجماهير وعقد مؤتمرات وندوات لشرح تعاليم عقيدة التوحيد وفضائح عقيدة التثليث، ثم تقوم اللجان المحلية بإرسال ممثليها لتأليف لجنة مركزية، وستكون اللجنة مترفعة عن الولاء الحزبي السياسي؛ لكي تشمل كل من يريد أن يساهم فيها بغض النظر عن ولائه السياسي. الطموح والإمكانات: المطبوعات: نقترح طبع الكتب التالية في هذه المرحلة: - طبع فصول مختارة من كتاب (إظهار الحق) باللغة البنجالية، ذلك الكتاب المهم الذي ألفه الشيخ (رحمت الله الكيرانوي) بناءً على طلب من السلطان (عبد الحميد) ، لقد أفحم المؤلف رئيس البعثة التنصيرية في الهند آنذاك (القس فندر) في مناظرة عقدت بمدينة (آجرا) على مقربة من (دلهي) في شهر يناير ١٨٥٤م، ففرالأسقف من الهند وظهر ثانياً في تركيا، فلما سمع القس عن الشيخ أنه جاء من (مكة المكرمة) إلى تركيا للمناظرة فر ثانياً ولم يعقب، فوفر السلطان للشيخ كل التسهيلات؛ لكي يؤلف كتابه التاريخي (إظهار الحق) ، الذي قدم فيه العرض والنقد التحليلي للنصرانية المعاصرة. - ترجمة بنجالية لموجز كتاب Blood on the Cross (دم على الصليب) . ... - ترجمة بنجالية لأعمال مختارة للشيخ (أحمد ديدات) . مكتب متواضع للاتصال والتنظيم: تكون مهمته: تيسير جهود مكافحة هذه التنظيمات وتنسيقها، وتقدر تكاليف تأسيسه بـ (٠٠٠ر٥٨٢) تاكا. أما ميزانية طباعة الكتب فسيعلن عنها بعدما تصبح الكتب جاهزة للطبع. سيوزع تقرير مجاناً باللغتين البنجالية والإنجليزية، بعد ذلك نتمكن من تقييم التجاوب معه، والتخطيط للمرحلة الثانية في ضوء مدى التجاوب من داخل البلاد وخارجها. لقد بدأنا الأبحاث لوضع صيغة لمشروع القروض الصغيرة وفقاً للشريعة الإسلامية، وسيقدم المشروع بعد اللمسات الأخيرة إلى المؤسسات الراغبة في المشاركة فيه، ومن بين هذه المؤسسات: مؤسسة تسمى Islamic Ummah Corporation Ltd، تعمل في إطار الشريعة الإسلامية، وتستخدم١٠% من الأرباح لتوفير القروض الصغيرة بهدف القضاء على الفقر. وكذلك ستنشأ لجنة الدفاع التطوعية، وتشمل المحامين البارزين للدفاع عن ضحايا المنظمات غير الحكومية، ونحاول تدبير نفقات سفر وإقامة هؤلاء المحامين الذين سيقدمون خدماتهم بدون مقابل. الخطة التبشيرية في بنجلاديش: نقاط من مرتكزات هذه الخطة: - من المعلوم أن بنجلاديش حصلت على استقلالها حديثاً. - وُجدت فرص فريدة لتنصير المسلمين فيها. - لم يعد الإسلام دين الغالبية والحكومة. - انتشرت بين الناس روح الحرية والتطلع إلى الاستقلال. - وقد ظهر ضعف العقيدة بين الناس، خاصة بين الطلبة منهم. - وحدثت حروب وفتن بين المسلمين أنفسهم في سنة ١٩٧١م. - وقد أبدى بعض الزعماء والعلماء تعاوناً مع الجيش الباكستاني. - استغلال اعتقاد الباكستانيين أن الإسلام ضعيف في نفوس البنجال. - وجه النصرانية في بنجلاديش جيد إلى حدٍّ ما. - بعض الشباب النصارى كانوا مسرورين باشتراكهم في حرب الاستقلال. - فتح النصارى أبواب بيوتهم لمد يد المساعدة للمحتاجين أثناء الحرب. - ساهمت الكنائس هناك في إدارة عمليات الإغاثة. - لندعو الرب أن يمدنا بأفراد متطوعين لنشر النصرانية في بنجلاديش. - سيلقى عملهم ونشاطهم قبولاً لدى المسلمين. - وسيعملون في الأرياف، حيث لا يوجد نصارى ولا نصرانية، كمثل (جمالبور) ، (نتروكونا) ، تنجايل) ، (كيشوركنج) . - نحن لا نريد فقط أفراداً يدخلون النصرانية، بل نريدهم أن يكونوا دعاة للنصرانية بين أبناء جلدتهم. - وسيكون عملهم مدروساً وطبقاً لخطة معينة لنشر النصرانية. - ولنبتهل إلى الرب أن يوفق الشباب الداعي إلى النصرانية في استمالة قلوب المسلمين وتنصيرهم. - ومجلس الكنائس الأسترالي سوف يقدم لنا العون المادي لنشر ديننا. - وسوف يفتح الرب قلوب المسلمين لقبول دينه. - والبعثات التبشيرية ستعمل على إحراز النصر المبين في نشر النصرانية. وبعد: فإنا نذكر بالصورة التي وضعها (برناردشو (من كلمات (نابليون) عن الإرساليات التبشيرية المسيحية الإنجليزية، وهي كما يلي: الفوز الأعظم من الحرية والاستقلال الوطني سيطر واتسع في سيطرته إلى نصف العالم بما يسمى الاستعمار، عندما أراد سوقاً جديداً لمنتجاتٍ ما غير صالحة، هو يرسل الإرساليات لكي تدرِّس المواطنين الأناجيل والسلام، يقتل المواطنون الإرساليات وهو يحلق ليصلح دفاعات المسيحية، ويحارب لأجلها، ويأخذ السوق كمكافأة من السماء. سوف يكون متغير مهم جدّاً أن نلاحظ أن المحاولات المسيحية ممكن أن تتوقف فقط إذا واجهت محاولات مضادة بالمثل. وأخيراً: فالأمة الإسلامية تحمل مسؤولية كبيرة لإنقاذ مسلمي (بنجلاديش) من محاولات التنصير المتوالية، فإذا لم يكن الرد سريعاً ومناسباً للثقافة والأيديولوجية وأعمال المنظمات غير الحكومية، سيتعرض أي إنسان للخراب الروحي، وبالتالي تدمير العقيدة. وسوف يشرد كل إنسان في بنجلاديش إذا تم السماح للإرساليات التنصيرية بالعمل في البلاد كما سمح لها في لبنان. نسأل الله أن يعطينا القوة والشجاعة، وللأمة الإسلامية السيطرة على خطط ... المنصرين وعملائهم من ذوي الاتجاهات المشبوهة والوقوف في وجهها. ...

стр. 2487

المسلمون والعالم واقع مسلمي إثيوبيا ودعوة للإنقاذ بقلم: عبد الله المحتسب أرض الحبشة أو ما يعرف اليوم بإثيوبيا أرض عرفت في التاريخ الإسلامي بالأسبقية إلى استضافة أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا من ديارهم فراراً بدينهم من جهة، ولكون حاكمها النجاشي عادلاً من جهة أخرى، وقد آمن برسالة الإسلام فيما بعد. ويمثل المسلمون الآن في تلك الديار ٧٥% من مجموع سكان الحبشة البالغ عددهم ٥٥ مليون نسمة. وللدعوة الإسلامية في المنطقة نشاط قوي ولله الحمد، ولا سيما بعد عودة كثير من الدعاة المتخرجين من جامعات السعودية وغيرها؛ مما ساعد على تنشيط وانتشار عقيدة أهل السنة والجماعة في أوساط المسلمين، ولم نجد قبل الآن ولله الحمد ما يحد من نشاط الدعوة إلى الله وإلى المنهج الصحيح في المنطقة، إلا إنه مع الأسف الشديد قد شهدت الساحة الإثيوبية في الأيام الأخيرة تطورات خطيرة ضد العمل الدعوي الإسلامي الصحيح، في موقف لا يحسد عليه، بين فرق الضلال والابتداع المنتسبة للإسلام، وبين فرق التنصير وحملاته، وهذه التطورات والمستجدات تتمثل في النقاط التالية: النشاط الرافضي: ويتمثل في محاولة تغلغله عن طريق بعض الأشخاص المنتسبين إلى العلم، فعلى الرغم من أنه لا يذكر هناك أي نشاط للرافضة خلال الفترة الماضية على مستوى البلد، إلا إنه في الآونة الأخيرة نظراً لكون البلاد مفتوحة لكل من يرغب في ترويج بضاعته قامت بعض العناصر منهم قبل ثلاث سنوات بالتحديد عبر سفارتهم في البلاد بالاتصال بأحد المشايخ المحليين والعمل معه، حتى استطاعوا كسبه أخيراً في صفهم، وقد قام بزيارات متكررة لإيران. هذا وقد تمكن هذا الرجل الآن من أن يُرَشّحَ قبل شهرين تقريباً لمنصب المفتي للإقليم الرابع عشر (أديس أبابا) وهي عاصمة البلاد. ومن هنا: بدأ يستفيد من هذا المنصب للتضييق على الدعاة والمصلحين، وبالذات على الدعاة السلفيين، الذين يسميهم هؤلاء بالوهابيين، بل أعلن هذا الرجل صراحة وبالحرف الواحد في الاجتماع الذي عقد في عاصمة البلاد قبل شهرين تقريباً بمناسبة تنصيبه مفتياً للبلاد بأنه: يسعى للقضاء على الوهابيين وأنشطتهم، ولتوضيح هذه الفقرة أكثر يمكن إيراد بعض التوصيات والقرارات لذلك الاجتماع، التي كان منها: - منع إلقاء أي خطبة أو وعظ في داخل المساجد. - وقف جميع الحلقات العلمية والدروس التي كانت تقام في مساجد العاصمة من قِبل الدعاة. وهذا التيار له دعم قوي ماديّاً ومعنويّاً من إيران، وذلك عبر سفارتها في أديس أبابا. النشاط الصوفي: ويتمثل ذلك بتشكيلهم لمجلس العلماء في عاصمة البلاد (أديس أبابا) قبل أقل من ثلاثة أشهر، ومن شرط العضوية في هذا المجلس ألا يكون العضو من خريجي الجامعات الإسلامية! ، وبالأخص جامعات السعودية. فهذا التيار الصوفي تجمع تحت مظلته بعض الصوفيين والقبوريين المتشددين من داخل العاصمة وخارجها، ومن أهم مشاريعهم وأوليات عملهم في المرحلة القادمة: القضاء على من يسمونهم بالوهابيين حسب زعمهم، والتصدي لأنشطتهم الدعوية وغيرها، وذلك بإعداد ونشر بعض الكتب الصوفية والكتب المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة في باب العقيدة. النشاط البدعي: ويتمثل في قيام زعيم جماعة من يسمون بـ (الأحباش) (عبد الله الحبشي) بزيارة خاطفة للبلاد مع بعض أنصاره، حيث قام بزيارة ميدانية لعدد من الأقاليم: (أديس أبابا) ، (دردوي) ، و (هرر) ، ووزع في هذه الأقاليم بعض مؤلفاته ومنشوراته، والتي تتضمن الهجوم على علماء أهل السنة والجماعة وتكفيرهم. هذا ... وقد وعد الرجل في نهاية هذه الزيارة بعض المتعاطفين معه بفتح مركز دائم لأنشطته في عاصمة البلاد، تكون مهمته الإشراف على المشاريع التي تنوي هذه الفرقة تنفيذها في البلاد. النشاط التنصيري: يتمثل في وجوده وانتشاره الواسع في المنطقة ونشاطه المكثف، حيث وصل عدد الإرساليات والجمعيات والمنظمات التنصيرية التي تعمل الآن في البلاد أكثر من مئة منظمة، وكلها أتت إلى المنطقة بخيلها ورجلها تحت مظلة المساعدات الإنسانية؛ لتنصير المسلمين، وبخاصة في المناطق التي تعاني من الجفاف والكوارث الطبيعية. دعوة للتفكير: وفي ضوء هذه الظروف والمستجدات التي ذكرناها على الساحة في البلاد ضد دعاة أهل السنة والجماعة وعلمائهم نود أخانا الكريم أن تعلم بأنه ليس هناك للمسلمين في الحبشة عامة والدعاة منهم خاصة من يقف معهم ويساندهم إلا الله ، ثم ما يجدونه ويأملونه من إخوانهم الغيورين على دينهم والمتألمين لواقع أمتهم، لذا: فبالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن إخواننا المسلمين في الحبشة عامة والدعاة منهم بخاصة، أتقدم لمن يهمه الأمر بالاقتراحات التالية: تعيين مزيد من الدعاة، سواء من أبناء البلد أو من غيرهم. دعم المراكز والمؤسسات الإسلامية ذات المنهج الصحيح. التركيز على دعم المجالس الإسلامية، وبخاصة تلك التي تملك التوجه الصحيح؛ لأنها هي الجهات الرسمية، ويمكن استغلالها في شتى المجالات. عقد دورات مكثفة لتأهيل الدعاة وتبصيرهم بالمخاطر وسبل مواجهتها بطرق غير مثيرة. تزويد المنطقة بكميات كثيرة من المصاحف بأحجامه المختلفة. فتح مكتبات إسلامية في عدد من المساجد والجوامع في الحبشة. التركيز علي نشر الكتاب الإسلامي في البلاد، وذلك باللغات الرئيسة في المنطقة مثل: الأمهرية، الأورومية، والعربية، وذلك أن غالب سكان الحبشة وبالذات طبقات المثقفين والطلاب في المدارس والجامعات لا يتمكنون من الاستفادة من الكتاب الإسلامي باللغة العربية بسبب حاجز اللغة، وهذه النقطة قد تفطنت لها بعض الفرق المنحرفة، فقامت بتوزيع منشوراتها ومعتقداتها وأفكارها بين المسلمين وغيرهم باللغات السائدة. وأخيراً: نود أن نضع أمامكم حقيقة، وهي: أننا إذا تمكنا من القيام بشيء من هذه المهمة وتوفيرها ستكون الجولة والمستقبل المشرق إن شاء الله لأهل الحق في الحبشة.. [وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً] .

стр. 2488

في دائرة الضوء وعينا ووعيهم بين حدثين بقلم:سليمان بن عبد العزيز الربعي في الوقت الذي كانت فيه الجرّافات اليهودية تشرع في أعمال التمهيد لبناء مستوطنة (جبل أبو غنيم) التي سموها بالعبرية (هارحوما) ، كانت دوائر الإعلام في بعض البلاد العربية تخصص تلك الفترة لمواكبة الاحتفال بذكرى وفاة مطربهم الشهير! . وفي الوقت الذي كان فيه مركز البحوث الاستراتيجية في جامعة (تل أبيب) يُجري استطلاعاً للرأي حول أعمال البناء في المستوطنة الجديدة لحشد التأييد اللازم؛ كانت تلك الدوائر الإعلامية مشغولة باستطلاع من نوع آخر، كانت شبكات الإذاعات والتلفزة تُجري اتصالات عشوائية بالمواطنين لمعرفة انطباعاتهم عن (مطرب الشعب) [١] في (ذكراه الخالدة) [٢] ، مسدية (خدمات جليلة) [٣] للجماهير في اتصالاتها المستمرة بأقرباء الراحل وجيرانه وأصدقائه؛ كيما يعطوا المتابع (المتلهف) [٤] أدق التفاصيل اليومية عن (معشوق) [٥] الجميع، في ملبسه ومشربه، وحركاته وسكناته، بل في طريقة ضحكته.. إي والله! ! . ولئن أبان استطلاع الرأي اليهودي عن وعي جماهيرهم بقضايا أمتهم اللقيطة، المفروضة، الـ ... ،...؛ فإن الاستطلاع الآخر لم يكن بحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه بأقل وعياً وهمّاً؛ إذ تجلت المعارف الخطيرة عن الفن والطرب وأربابهما؛ أولئك الذين أضافوا إلى الأمة بحسب تعبير أحد المشاركين في الاحتفالية: (مجداً حضاريّاً لا يُنكر) ! ! . فروق بين الاستطلاعين: وإذا كان ثمّ تعليق تمكن به قراءة هذه المفارقة بين أمتين متباينتين تبايناً عقديّاً وواقعيّاً حادّاً يضاف إلى ما يعطيه الحدث نفسه من دلالات فهو التأكيد على وجوب النظر إليه (أي إلى ذلك الحدث) في سياق القضايا الكبرى التي تشكل بها الأمم سلباً أو إيجاباً، بحيث يُدرك المتابع أن وعياً يمنح آحاد أمة بلا تاريخ اجتماعي وسياسي موحد مثل (يهود) قيمة التفاعل المؤثر في مسألة حساسة تتعلق ببعد جوهري يقف عليه مصيرها وأمنها ومستقبلها، إنما ينتظم على سبيل الحقيقة في سلك مشروع كبير يهدف إلى صياغة إنسان مسؤول، بحيث ينتج بدوره الهوية في فكره وقدراته لتستحيل سلوكاً ذا معطى يجاوز الرقم الإحصائي إلى أن يكون بذاته شرطاً مهمّاً في مسيرة أمته، ليس على مستوى التشييد العفوي فحسب، بل على مستوى العملية النقدية التي تضطلع بدور التخطيط والتقويم والترشيد للمجريات بعموم. ومع التأكيد ثانية على أنّ هذا الدور لم يكن ليتأتى جُزافاً، بل سُبق بمراحل الإعداد والتهيئة لقيمة الوعي في الذوات المسؤولة، من خلال حيثيات بناء الثقة المطلقة بقضاياهم المصيرية وأحقيتها المادية والتنظيرية، وبالجزم المتناهي بأن المصير الفردي والجمعي متعلق بالمفردات الصغيرة ونجاح المساعي فيها، تماماً كما هو مرتبط بالمشكلات الكبرى التي لا يتعدد فيها الحل، بل هو واحد ينطلق من رؤية مصلحية عامة، بعيداً عن المكاسب الفردية التي تعني في قاموسهم الجمعي خيانة لا تغتفر، وهي منطلقات ترى في المرجع الديني نصّاً أو وسيطاً القداسة المطلقة التي تصدر عنه مسلكية الفرد والأمة. وإلى هذا وفي الجانب المقابل يتبين المراقب أن تخلفاً بحجمٍ ما نجحت في ترميزه تلك الاحتفالية الليلاء التي لا يمكن أن تقرأ مفردة عن مسلسل هوان الأمة اللاغبة، إنما يعكس نمطاً فريداً من عدم الوعي الذي تعيشه الأمة، بحيث نجح العدو المتربص من خلال وسائل كثيرة في استلاب قيمة التفاعل الإيجابي من العقول والقلوب على السواء من ناحية، ومن ناحية ثانية: استطاع استقطاب ما تبقى من فكر وتفاعل إلى فضاءات العبث المبرر بحيثيات مضحكة ومبكية في آن. ولقد كانت جهود الاستلاب والاستقطاب ناجحة إلى مدى بعيد؛ فأمة يعيش أفرادها هم التأوه الطروب، على أنغامٍ مدغدغة للعواطف والشهوات المستعرة، في ظل أوضاع عاصفة تتعلق بمصير أمةٍ ومقدّسٍ، لأمة تعيش اغتراباً خطيراً في المفاهيم والقناعات، وهي أمة لم تعد تنشغل على الحق باعتباريات بقائها، فضلاً عن النظر في شروط تطورها. وإن الغريب الذي لا ينقضي منه العجب حقّاً أن تتماهى هذه الممارسة الموجعة، بخلفية إرثٍ قديم عن الحقوق الضائعة، والمقدسات المغتصبة، و..، و.. إلى آخر هذه المنظومة التي أصبحت لازمة التشكل المظهري بهموم الأمة وقضاياها (!) .. الأمر الذي يدعونا إلى التأكيد على بعد الأثر الذاتي في المشكلة، وعدم التسليم لقول المتكئين على نظرية المؤامرة في التبرير أو الهروب من المسؤولية في الواقع الذي يمس هؤلاء من القضاء المحتوم والقدر الغالب! ، ولئن كان بيان خطل هذه الرؤية بالتدليل الشرعي على وجوب الدفع بالأسباب المباحة يمكن أن يُقنع؛ فإن في التأكيد على عدم واقعية هذا التفسير ها هنا خروجاً من القعود الخُلُوفِي، بإثبات أن للعامل الذاتي دوراً أساساً في تكريس التخلف والاشتغال بما لا يفيد؛ ذلك أنه في مقابل عقيدة القناعات الواحدة في قضايا الآخر الذي سلف بيانه آنفاً، بقيت قضايا أمتنا نسبية الحق والباطل، تبعاً لمتغيرات الزمان والمكان، فما كان بالأمس محرّماً يمكن أن يصبح اليوم قابلاً للنقاش، و (لا) أمس يصح أن يلوى عنقها لتصبح (نعم) ، وما لا يجوز التنازل عنه قبلاً يخضع بعداً لمداورات الأيام ومصالح الأعلام..! ، من هنا: أصبح الفعل الجماهيري عاجزاً عن الوقوف على أرض صلبة تسمح له بالمشاركة المؤثرة، بل وأضحت المسلمات المحترمة في عقله ووجدانه ضرباً من (الأفكار) التي يصدق عليها التطور الحداثي القائم على عدمية ثبات المضمون! . وإلى هذه الحقيقة (المطلقة) لم يكن للمرجعية العقدية في الأعم الأغلب أيّ دور في ثبات مُسَلّمات الجماهير وإعادتهم إلى الوعي الصحيح في قضاياهم المصيرية، فأصبح هذا الغثاء بين مطرقة الشك وسندان العبث بفعل فاعل غير مستتر أو موارب. الغربة العقدية: ومن غير ما شك، عُدّ هذا الوعي الرديء من أمارات الغربة العقدية التي تحدث عنها الصادق المصدوق في قوله: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً ... [٦] ، وتلك الصورة المتحدث عنها تمثل الجرح الأول، أو الصورة الكبرى للغربة التي تمارسها الأمة الأم في مضامين الكشوفات المعرفية عن كل شيء، إلا معرفة الشريعة التي كان قَدَرُهَا الوحشة، بحيث لا يدرك منها في كثير من البلاد إلا الرسم المتعتع والهيكل الغفل، حتى إن المرء ليتهلهل وجهه لرؤية سمة للدين أشفق ألا يراها في بعض بلاد المسلمين.. والله وحده المستعان! ، أما القلة المحافظة على قيمة الوعي ذي المنحى المفيد الوسطي، فتعيش هم الغربة الثانية، أو المعنى المراد في مدلول اللفظ الأسيف؛ إذ تصبح أمة وسط أمة، فريدة في الهم والطرح، بل وفي الوعي المجرد، وذا هو الجرح الراعف الثاني: جرحان تمضي الأمتان عليهما ... هذا يسيل، وذاك لا يلتامُ! ! ولئن كنا أوغلنا البيان في خلفيات ما نحن فيه وهو أمر ذو أهمية قصوى آمل أن يتاح له عرض آخر؛ فإن من المفيد العود على تأكيد أن أزمة الوعي التي تعيشها أمة الإسلام بوجه عام تعود بكل وضوح إلى البعد عن المصدرين المشرِّعين، مما أودى بالقوامة التربوية والثقافية على مطلق الصّعُد. حقّاً، إن من يريد أن يقيس مسافات الوعي بين أمتين متباينتين فلا بد له أن يقف طويلاً عند موقفين شبيهين بما افتتح البيانُ به، إنهما يعودان إلى جريمة إطلاق النار من قِبَل يهودي على المصلين في مسجد الخليل إبراهيم ﵇ قبل أعوام، إذ بادر الوعي اليهودي بحشد التأييد الشعبي وشبه الرسمي لفعل (البطل) [٧] (جولدشتاين) من حيث دلالته العقدية والتأثيرية، بل وأصبح قبره مزاراً قوميّاً وقيمة تربوية ضُمّ إلى قائمة الأماكن التي تُزار، ناهيك عن حجم الاستفادة من خلفيات الحدث وتوظيفه دينيّاً وأمنيّاً. وفي المقابل: أنتج الوعي المحسوب على العرب والمسلمين عينة مخجلة؛ إذ بادر أحد المعلقين إلى الإفصاح عن رأيه في معالجة الحادث من قِبَل بعض المصلين، مؤكداً على أن رد الفعل كان ذا خلفية صراعية، غير مغفل وهوالمخلص أن (يستنكر) ما قام به (الجاني) ، وإذا كان هذا الوعي يمثل عينة نخبوية؛ فإن عينة الجماهير كانت ذات طابع وقتي، بالإضافة إلى فشلها الذريع في تقييم الوضع وإعادة تمثله بوعي حصيف، مجلية وزرَ مَن حملها على اختزال الحل والردع والثأر في شخص فلان أو علان! ! . لقد كانت مسافة الوعي بين رد الفعل (الجولدشتايني) ورد الفعل العربي المسلم بعيدة بُعد ما بين جرافات (أبو غنيم) المسكين وذكرى الراحل، شاسعة بقدر ما بين الجد واللهو من مسافة لا يمكن أن تُردم، غريبة الاتجاه والتفاعل، إن في المثير وإنْ في المستجيب، بقدر ما بين المسلك الطيب والرديء من تنافر غريب وتباين جلي. سؤال يطرح نفسه: والتساؤل الممض: كم ينبغي أن ينفق المسلمون من العمل والوقت للوصول إلى درجة من الوعي ناضجة؟ ، وقبل ذلك: كم من الجهد ينبغي أن يصرف كيما يقتنعوا بجواب سريع سهل لهذا الأمل، وهو أنه كامن في العودة الحقة إلى الله وتحقيق العبودية له كما يحب ويرضى؟ . حقّاً، إنه لمطلب نفيس، وإلى أن يتحقق فلا زال العجب متملكاً العقول من صورة حية لتغطية الإذاعة اليهودية لأعمال البناء في (أبو غنيم) (!) ، إذ بادر المذيع إلى سؤال أحد المستوطنين عن مدلول قرار حكومتهم في الشروع في البناء، فكان جواب المستوطن: إن هذا العمل يُعَدّ لبنة من لبنات العمل اليهودي الذي بدأه (هيرتزل) ، و (جولدا مائير) ، و (بيجن) ، و (شامير) ، و (جولدشتاين) ! ! . في هذا الوقت كان المذيع العربي في احتفالية الراحل مشغولاً بمكالمة مع أحد الأطفال الذين (يعشقون سماع أغاني مطرب الشعب) ، فيتملك الإعجاب المذيع بدرجة قوية جعلته يجلجل بضحكة مدوية تنم عن الفخر، معقباً بالقول: (إذن، والله، لا زالت (....) [٨] بألف خير) ، في حين راحت الإذاعة تحتفي بهذه الإجابة (الواعية) . ولله الأمر من قبل ومن بعد،

стр. 2489

متابعات هل يكفي النفي ؟ ! بقلم:محمد بن عبد الرحمن الزامل حرص د. (محمد يحيى) في كتاباته على المعلومات الحديثة، والأسلوب المتجدد، والطرح المميز، مما جعلني من مداومي قراءة مقالاته، ولعل ذلك كان السبب وراء هذا التعقيب أيضاً. فقد قرأت مقاله المعنون بـ (ثقافة آكلي لحوم البشر) في العدد (١٠٦) ، فوجدته يسير على المنوال نفسه الذي أَلِفتُه، حتى استوقفتني فقرة تحدث فيها عن عدة تهم وجهت إلى الإسلام، نفاها عنه جملة وتفصيلاً بلوحة كبيرة كتب عليها (لا) ، دون أن يزيد على ذلك، ربما لأن المقام لم يكن يسمح بالتفصيل.. إلا إنني أستسمح الدكتور عذراً في طرح بعض الأسئلة حولها: - كيف تنفي عنا وعن ديننا تهمة الرغبة في السيطرة، والآخر يسمعنا نكرر أنا مأمورون بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أو يعطوا الجزية [عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] ؟ . - أليس من حق هذا الآخر أن يتهمنا برفض الحوار الذي لا يمكن حدوثه إلا في حال استعداد الطرفين للتنازل، وللتفاوض، ولمزج الأفكار؟ ، ومعلوم أن لدينا ثوابت لا نتنازل عنها، ولا نفكر في ذلك أصلاً، بل يجب أن ندعو إليها ... والثرى عن الثريا الفرق بين الدعوة والحوار. - هل ستكون فكرة التسامح في الإسلام قائمة في ذهنه وهو يعلم أن الإسلام إن سمح لأهل الملل الأخرى بالبقاء على عقائدهم، وإقامة شعائرهم، فلن يسمح إطلاقاً بالدعوة لها، أو تحول المسلم إليها؟ . - لماذا لا يصم الإسلام بالعنف، والإسلام يعد الجهاد وجهاد الطلب بالذات ذروة سنامه؟ . هل يمكن أن نمحوا كل هذه التهم، وفق كل هذه المعطيات، بإنكارها فقط؟ ! . نعم.. كل هذا مما يحق للآخر أن يطرحه، وأن يتساءل عنه، وأن يورده باعتباره تهماً، إذا كان لا يعرف أو لا يريد أن يعرف سمتين رئيستين للإسلام، تقنن أداءه، وتحكم تفكير أهله: أولاً: أنه منهج ينظر للأمور من زاويتين، دنيوية وأخروية، مغايراً بذلك كل طرق التفكير السائدة اليوم، فحد الردة مثلاً معرة عند التفكير الدنيوي، أما عند من جعل الجنة هدفاً يصوغ عليه منهجه فهو ضرورة، ولو أن يدخل الناس الجنة (وهم يقادون إليها بالسلاسل) . ثانياً: أنه منهج إلهي، خلافاً للمناهج الأخرى، القابلة للزيادة والنقص والمراجعة والتنقيح، والانحياز والخطأ، لذا: نرى نحن المسلمين انعدام الغرابة في أن يحكم الناس شرع ربهم، حتى ولو وصمه أعداؤه بحب السيطرة، وعدم إعطاء الفرصة للآخر. هاتان السمتان تجعلان الحوار مع أي حضارة أخرى يبدو عندي عديم الفائد [١] ، لغياب المرجعية في هذا الحوار وانعدامها، اللهم إلا أن يدور الحوار حول المرجعية نفسها، كما هو الشأن في بداية الإسلام، فإما أن نرتد عن ديننا أقول ذلك ثقة بديني، سائلاً الله الثبات وإما أن يكون الحوار في بقية الأحكام لمجرد التشويش، ليس إلا. تعقيب الكاتب د. محمد يحيى: بعد أن أزجي الشكر للأخ الفاضل (محمد بن عبد الرحمن الزامل) على اهتمامه الكريم بما أكتب: أود أن أذكِّر أنني لم أنف التهم الموجهة ضد الإسلام بكلمة (لا) فقط، ولكنني رددت على بعضها بتفصيل داخل المقال المذكور، وأيضاً في غيره من المقالات، وأوضح أنني أفرِّق بين التهم التي توجه إلى الإسلام في الغرب، وهذه لا أُعنى كثيراً بالرد عليها؛ لأنني أعلم مدى عداوة القوم وعدم موضوعيتهم، بين ذلك ونفي التهم أو ما يشابهها مما ينقل من هناك إلى هنا ليردده العلمانيون على مسامع قومنا ويَخْدعوا به من يخدعون، وهذه هي ما أحاول الرد عليه.. وتعقيباً على ما ذكره الأخ الفاضل في رسالته أقول: إنني ممن لا يهتمون ولا يفضلون مسألة الحوار مع الغرب التي فرضت فرضاً على الساحة الإسلامية فيما يشبه الإكراه؛ لكي يضطر المسلمون إلى اتخاذ مواقف دفاعية، أو لينشغلوا عن واجب الدعوة بالرد على التهم، أو ليقدموا تنازلات فكرية بل وعقدية مهمة؛ فقط لكي يحصلوا على رضا محاوريهم من الغربيين، ويؤسفني أن أشير إلى أسماء معينة ذات مناصب كبيرة اتخذت هذا المنهج مؤخراً في عدة بلدان إسلامية، منها (مصر) من حيث أكتب. وأنا في هذا أتفق مع ما ذهب إليه الأخ (الزامل) في ختام خطابه، أما بالنسبة لسائر ما جاء في الخطاب فأود أن أقول: إن الدعوة إلى الإسلام في تصوري تسبق قتال المخالفين، أما وصم الإسلام بالعنف فنحن نستطيع نفيه إذا عرّفنا العنف حق التعريف، بحيث لا يشمل دعوة الآخرين إلى عقائدهم ومنع ذلك، أو منع تحول المسلم إليها، وكما قلت: إن الدعوة إلى الإسلام تسبق قتال المخالفين، وهذا أيضاً رد على تهمة العنف، لكن هذا كله إن أردنا نفي تهم الغربيين وهو ما سبق أن قلت إنني لا أهتم به، بل أهتم برد التهم والشبهات التي يلقيها عملاؤهم العلمانيون في الداخل، ولكن مما يساعد على رد هذه التهم أن نذكر أن الحديث عن قتال الآخرين شيء والواقع القائم شيء آخر، وهذا الواقع يؤكد أن أحداً من دعاة الإسلام المعتبرين لا يدعو بداراً إلى قتال الغربيين إلا على سبيل الدفاع المشروع، كما أن أحداً لا يتحدث عن السيطرة على بلادهم، بل فقط عن الدفاع عن بلادنا، أما الحوار فيفترض أننا نملك أمرنا في يدنا، بحيث ندخل فيه من موقع الثقة بالنفس وليس من موقع الاعتذار والتنازل، وبحيث يكون الهدف هو الدعوة إلى الإسلام قبل أن يكون نفي التهم ونبذ ثوابت ديننا.

стр. 2490

منتدى القراء المرأة وجهاد القلم بقلم: مريم المحمد لقد كثرت الزوايا الصحفية والمقابلات والندوات والمقالات التي لا تزال تنال من الإسلام، فتارة تعترض على بعض تشريعاته، وتارة تهاجم بعض دعاته وتلمزهم، وتارة تطالب بالتجديد بل مسخ أحكامه ... وهكذا. وكثيرٌ من شباب الصحوة يعلمون حقيقة هذا الأمر، ولكن قليل أولئك الذين يبادرون بأداء دورهم المطلوب تجاه هذه المشكلة أو تلك، وهنا تختلف المعوقات، ما بين معوقات حقيقية يُعذر أهلها وأعذار واهية وقيود مصطنعة وضعها أصحابها لتسويغ مواقفهم السلبية. وهناك العديد من الموضوعات والقضايا التي تدعو الحاجة لنقاشها والردّ على من يتبنّاها، فمثلاً: ما أكثر ما يتطرق المغرضون إلى الحديث عن قضية المرأة، ودعوى ظلمها في مجتمعاتنا، وهضم حقوقها في ظل عاداتنا وتقاليدنا بخلاف بلدان الحضارة والنور! المزعومة.... إلخ. وكأنه ليس في العالم مشكلة سوى هذه المشكلة التي تتواطأ الأقلام بل والمؤسسات الصحفية والنقابية على عرضها وتكرارها بدعوى أنها هي العائق الأكبر في مسيرة تقدم الأمة نحو الحضارة والرقي. صحيح أن هناك بعض القصور وسوء الفهم لقضية المرأة، لكن الإسلام بريء من أي ظلم للمرأة، وحسبنا قول الرسول في خطبة الوداع من الوصية بالنساء خيراً بقوله: (فاتقوا الله في النساء) . موقفنا من التغريب: يلزم فضح هذا الاتجاه وأصحابه بكتابة الردود والتعقيبات التي توضح خطر هذا التوجه ومَن وراءه، ولذلك فوائد: منها: ١- نقد الصوت الآخر وفضحه والتخفيف من ضغطه وزحفه، لأن تركه في الساحة دون مُنازل سيشعره بانهزام مقابله، ويغريه بالتقدم والهجوم. ٢- دفع الإحباط وطرد اليأس الذي أخذ يسري وينتشر في بعض النفوس، مع غفلة عن [إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ] [آل عمران: ١٦٠] . ٣- حفز همم أهل القدرات والطاقات، وحثّهم على المبادرة والعمل البناء. ٤- إظهار نموذج مقبول لطريقة الردّ المنضبطة التي تحتذى ويقتدى بها؛ لأن هناك ردوداً وتعقيبات كُتبت بدافع الحماس والغيرة مع اشتعال العواطف وخبوء ضوء الفكر فيها، فجاءت لنا بثغرات هوجمت الدعوة من خلالها. ضوابط للرد والتعقيب: حتى تكون مناقشتنا موضوعية ومقنعة يلزم الأخذ بالأسباب التالية: - الإلمام بخلفية كافية عن القضية المطروحة والآراء المتداولة حولها. - العلم بخلفية كافية عن الكاتب واتجاهه ونمط تفكيره وأسلوب طرحه. - فهم المقال المراد نقده أو تأييده فهماً جيداً، دون تحميل الكلام ما لا يحتمل. - الموازنة بين الرد على الفكرة والرد على الأسلوب، وانتقاد الكاتب دون تجريح أو تهجم، فإن هذا أقوى وأسلم وأدعى للقبول. - مراعاة الفروق والاختلافات بين الكتّاب (حتى لو تماثلت القضايا المطروحة) ، فالرد على من يُعرف عنه سوء الاتجاه وخبث الطوية يختلف عن الرد على من أخطأ عن غير قصد. - مراعاة الوضوح في عرض الفكرة وجودة العرض والموازنة بين الإسهاب والاختصار. - الحذر من الاندفاع العاطفي غير المنضبط والسقوط في العبارات الساقطة المبتذلة. - البدء بالأهم فالمهم، والتغاضي عما يمكن التغاضي عنه من صغار المسائل. - حسن التقسيم والتفريع لنقاط الموضوع؛ مما يعطي المقال قوة وقبولاً؛ ولئلا يمله القارئ. - الاهتمام بقواعد اللغة العربية وسلامة الأسلوب وصحة الإملاء. - تدعيم الآراء بالأدلة والبراهين العلمية الشرعية والعقلية. - الجمع بين القوة والثقة من ناحية، والتواضع ورحابة الصدر وفتح المجال للنقاش وإبداء وجهات النظر وفق الضوابط الشرعية من ناحية أخرى. - الحذر من الدخول في قضايا شائكة تفتح ثغرات لردود مقابلة. - إظهار أن صاحب الرد لا يقف وحده، بل هذا هو موقف كل مسلم غيور على دينه. - عرض الرد على بعض أهل العلم والتخصص، واستشارة ذوي الرأي ما أمكن، دون أن يعوق ذلك سرعة النشر التي قل أن ننتبه لها. - التنسيق بين عدة أشخاص للتفاعل مع القضية، بإعداد ردود وتعقيبات موضوعية من جوانب أخرى. - متابعة الصحيفة أو المجلة للتأكد من نشر الرد، والمهاتفة أو المكاتبة عند عدم النشر. - معرفة ردود الفعل على الرد وأثره، سواء من المؤيدين أو من المعارضين، ومتابعة الكتابة مرة أخرى إذا لزم الأمر. آملة أن يكون فيما ذكرته حافزاً لإخواني وأخواتي للمبادرة بنصرة قضايانا الدعوية، التي طالما تشدقنا بفهمها ومعرفة أبعادها، دون أن يكون لنا في الواقع رصيد من نصرتها والدفاع عنها على الوجه المطلوب. والله من وراء القصد،
следующие страницы →