المسلمون والعالم
النصارى في بنجلاديش
دراسة عن دور المنظمات غير الحكومية في نموهم غير العادي
بقلم: محمد نور الزمن
تقوم المنظمات التنصيرية الدولية بعمل دؤوب من أجل تنصير مسلمي
بنجلاديش، مستخدمة في ذلك الوسائل غير المشروعة وغير الأخلاقية [*] ، وذلك
ما توضحه حقائق ومعلومات مدهشة مقتبسة من تقرير حكومي داخلي أعده المدير
العام لقسم المنظمات غير الحكومية لحكومة (بنجلاديش) ، والذي يفضح تصرفات
خطيرة تقوم بها هذه المنظمات، مما يمس سيادة البلاد واستقلالها، فأراد المدير
وهو موظف حكومي جريء إصدار إشعار للفت الأنظار إلى عديد من المنظمات
غير الحكومية ذات النفوذ الواسع، الأمر الذي أدى بسفراء ثلاث دول غربية قوية
تقدم مساعدات للبلاد إلى زيارة (خالدة ضياء) رئيسة الوزراء آنذاك، وهددوها
بقطع المساعدات الغربية لبنجلاديش إن أصرت الحكومة على إصدار الإشعار،
فنقلت السيدة المذعورة عقب هذه الزيارة مدير القسم إلى قسم حكومي آخر؛ من
أجل إرضاء أولئك الأجانب، كما تنازلت عن كل الإشعارات الحكومية في هذا
المجال، اختراقاً لقوانين البلاد وأنظمتها.
لقد انقضّت المنظمات غير الحكومية على بنجلاديش منذ إنشائها، كالنسور
الجائعة، ويتضح ذلك من الآتي:
١- يوجد في بنجلاديش ثلاثون ألف منظمة غير حكومية تملك من مساحة
البلاد٥٤. ٠٠٠ ميل مربع (ولم يسجل لدى الحكومة إلا بعض منها) .
٢- تصرف ثمانية آلاف مليون (تاكا) من مجموع المساعدات الخارجية التي
تبلغ عشرة آلاف مليون (تاكا) سنويّاً إلى المنظمات غير الحكومية، إما مباشرة، أو
تنفق تحت إشرافها باعتبارها جزءاً من ميزانيتها لتنمية البلاد، (دولار أمريكي ٤٠
تاكا بنجالية) ، كما تجمع هذه المنظمات تبرعات أخرى من المؤسسات الأجنبية باسم
تنمية أوضاع السكان الفقراء في (بنجلاديش) .
وبعض هذه المنظمات تصرح علناً بكونها ذات طابع تنصيري، مثل: قوة
الإنقاذ (Salvation Army) ، والبعثة اللوثرية التنصيرية (Lutheran
Christian Mission) ، وكنيسة اليوم السابع (Seventh Day
Adventurist Church..) وما إلى ذلك، لكن بعضها الآخر يخفي نشاطه
تحت ستار أسماء أخرى.
٣- لا تنفق هذه المنظمات إلا جزءاً ضئيلاً من هذه المبالغ الهائلة لصالح
الفقراء، بينما تنفق الباقي منها وهو يشكل ٨٠% إلى ٩٥% منها في مجالات
الرواتب الباهظة للموظفين، والفلل، والسيارات الفخمة، ونشر النصرانية، وفي
صورة منح في مجالات الإسكان والصحة والتعليم.. وغيرها، تعطى للمتنصرين
من المسلمين.
٤- لقد أنشئ مستشفى تبشيري عام ١٩٦٥م في قرية (معلوم جات) من منطقة
(شيتاجانج) التي لم يكد يوجد بها نصراني آنذاك، أما الآن: فقد بلغ عددهم أربعين
ألف نصراني، والنتيجة: تم منع رفع الأذان في مسجد قريب، كما صدر الأمر
بعدم رفع الأذان في ثلاثة مساجد أخرى تقع على بعد عشرة كيلومترات.
٥- لقد ركزت هذه المنظمات غير الحكومية على تنصير المسلمين في
المناطق الحدودية، ونجحت في تنصير عدد كبير من السكان المسلمين؛ لكي توجد
حالة مثل حالة جنوب السودان.
٦- تقوم هذه المنظمات بتوفير الأموال والأسلحة للحركة الانفصالية بقبيلة
(جارو هيل) التي قبلت النصرانية! ، وشنت حرب عصابات ضد الحكومة
البنجلاديشية في مناطق جبلية لـ (شيتاجانج) للحصول على الاستقلال، وكان
المواطنون الأبرياء هم ضحايا هذه الحرب.
٧- هذه المنظمات غير الحكومية قوية جدّاً، وتتمتع بنفوذ واسع في الأوساط
الحكومية، لقد نجح شخص يدعى (بيه. مانكين) ، وهو رئيس منظمة نصرانية
أصولية تدعى (وورلد فيزن World Vision) ، نجح في قبول ترشيحه من ضمن
قائمة حزب (عوامي ليج) ، وفاز بالانتخاب النيابي عن دائرة المنطقة الجبلية لـ
(شيتاجانج) ، وذلك عن طريق دفع خمسمئة ألف تاكا (٢٥ألف دولار أمريكي)
للحزب! ، فقد فاز بأصوات ١٦. ٠٠٠ ناخب نصراني ضد منافسه (تي. إيتش.
خان) محام معروف ووزير سابق في حكومة الحزب البنجالي القومي السابقة، لم
يكن حزب (عوامي ليج) حتى العام الماضي يتمتع بالأغلبية في البلاد، لكن رحلة
الحج التي قامت بها رئيسة الحزب (شيخة حسينة واجد) ، ساعدت في عطف آراء
الشعب نحوها، فاستغلت حجها لإثارة عواطف الجماهير الدينية، وبالتالي: لكسب
أصوات الناخبين لصالح حزب (عوامي ليج) .
٨- كان عدد السكان النصرانيين في عام ١٩٧٢م ٢٠٠. ٠٠٠ نسمة،
وارتفع العدد في عام ١٩٩١م إلى خمسة ملايين! ، بينما من المخطط أن يرتفع
العدد إلى عشرين مليون نصراني في عام ٢٠٢٠م.
٩- تمارس هذه المنظمات التي تبلغ قرابة ٣٠ منظمة أنشطة غير مشروعة،
وقد وافقت حكومة (خالدة ضياء) على تحركات هذه المنظمات المعادية للبلاد رغم
معارضة رئيس الأمن الداخلي لبنجلاديش.
١٠- خصصت في عام ١٩٩٢ ١٩٩٣م ميزانية هائلة لإكمال ١٠١٨
مشروعاً لهذه المنظمات، بلغ قدرها الإجمالي ٣١٥. ٠٨ مليون تاكا بنجالية، ينفق
منها جزء قليل لتحقيق الهدف الأصلي، أما الباقي منها فهو ينفق في مجال التنصير
وتشجيع الارتداد عن الإسلام.
١١- يَعتبر العلمانيون واليساريون من رجال السياسة البنجالية المنظمات غير
الحكومية صديقاً حميماً لهم، ويقفون أمام مكاتبها من أجل الحصول على مبالغ
ينفقونها لصالح مشاريع التنمية الصغيرة في دوائر انتخابهم؛ من أجل كسب
الأصوات.
١٢- تقوم هذه المنظمات بحملات ضد القرآن والسنة النبوية، فلقد صدر
كتاب ألفه كاتب نصراني، هو الدكتور (مارك حنا) وقامت بطبعه مؤسسة نصرانية
اسمها (International Poorways Publications) يحتوي على بيانات من
سبعة (مسلمين بنجاليين) تنصروا فيما بعد، يسبون فيها الإسلام ويستهزؤون به،
شارحين الآيات القرآنية شرحاً خاطئاً، ويتجرؤون على النيل من شخصية رسولنا
الكريم والمس بكرامته، ولقد طبعت منظمة نصرانية أخرى (الجمعية النصرانية
لداكا) الكتاب مترجماً إلى اللغة البنجالية، ووزعته مجاناً.
١٣- يبقى الموظفون الحكوميون صامتين لا يحركهم شيء، أما إذا اجترأ
أحد منهم وجهر بقول ضد هذه الأنشطة فإنه يجد نفسه أمام تهديدات النقل إلى وضع
صعب، وذلك بسبب النفوذ الواسع الذي تتمتع به هذه المنظمات في أوساط الحكومة
العليا، ولا نتوقع حدوث تغيير جذري في الوضع بتغيير الحكومة.
١٤- من أخطر المنصِّرين: المدعو (ريتشارد هالويه) الذي قضى ١٤ سنة
في (إندونيسيا) يعمل بدأب في مجال التنصير، ثم جاء إلى (بنجلاديش) في حقبة
حكومة الرئيس السابق (محمد إرشاد) ، فأنشأ في البلاد منظمة باسم (اتحاد إدارات
التنمية لبنجلاديش) ، بلغت عضويته (١٨٠) منظمة غير حكومية، من مجموع
(٦٣٥) منظمة سجلت لدى الحكومة، وهو يمارس بفضل هذه المنظمات الضغوط
على الحكومة، كما يتمتع بدعم كامل من قبل سفراء ثلاثة من البلدان الغربية القوية
لدى (بنجلاديش) .
١٥- تقوم هذه المنظمات في الغالب، بتوظيف المتنصرين المرتدين، وفي
حالة توظيف مسلم ما فهو يعاني العراقيل في سبيل أداء الصلاة، وإن أراد أن
يصلي فعليه أن يصلي بعيداً عن أنظار أصحاب العمل، لأنهم يكرهون هذا.
ماذا نفعل إذن؟ :
رغم هذه الظروف غير الملائمة، نرى شعاعاً من الأمل، لقد أصدر ثمانون
شخصية بارزة بياناً إنذاريّاً ضد الضغوط المتزايدة للمنظمات غير الحكومية الأجنبية
ومساعديها المحليين، وهذه الشخصيات من فئات العلماء والمحامين والمفكرين،
وعلاوة على ذلك، كلما افتضح أمر التنصير وعلم به الشعب قام كرد فعل بالعمل
المباشر ضد المجرمين.
العلماء والآخرون الذين يتصدون لأنشطة المنظمات غير الحكومية يتعرضون
لهجمات شديدة تشنها الصحف والجرائد الأسبوعية واليومية التي تمتلكها هذه
المنظمات، وحتى الذين على الخط الأمامي لمواجهة الخطر لا يعرفون إلا نزراً
يسيراً من الأنشطة التنصيرية، وما يتنبهون إلا إذا حدث حادث في منطقتهم،
وليس فيهم أحد على إلمام تام بالمخطط الكامل للمنظمات التنصيرية الذي وضعته
لتنصير البلاد، ولا هم على وعي بخطورة الوضع.
سيكون إصدار كتاب يفضح هذه المنظمات بمثابة إنذار للجميع ووثيقة قوية
بأيدي العلماء والمسلمين المعنيين لتعليم الجماهير ومساعدتهم في منع المسلمين
الفقراء من شراء إيمانهم، كما سيكون تحدياً وكبحاً لجماح المنظمات غير الحكومية.
ولأجل ذلك: هناك دراسة لمشروع طبع ١٠. ٠٠٠ نسخة من كتاب صدر
عن مركز الدراسات البنجلاديشية يكشف حقائق مذهلة عن الأنشطة التنصيرية،
ومن ثم: توزيعها مجاناً بتكلفة ١٠٧. ٠٠٠ (تاكا) بنجالية، ويضاف إلى هذه
الميزانية ٧٦. ٠٠٠ تاكا أخرى لتغطية نفقات التحقيق والصّف والتوزيع والدعاية
والإعلان، لقد تمكنا من جمع هذا المبلغ وهو بأيدينا الآن، والحقيقة: أننا كنا قد
خططنا لطبع ١٠٠. ٠٠٠ نسخة باللغة البنجالية للتوزيع المجاني داخل البلاد،
وطبع ٣٠٠٠ نسخة أخرى باللغة الإنجليزية للتوزيع بين أوساط السلك الدبلوماسي
الخارجي، والمفكرين الأعلام، والمتعاطفين معنا في مختلف البلدان الإسلامية،
لكن نفقات الطبع الباهظة تحول دون تحقيق هذا الهدف.
ولكن ليس من المعقول التأخر في الطباعة، لقد طال بنا الانتظار سنتين في
انتظار تحقيق وعود منظمة خيرية وعدت بالطبع، ثم خيبت آمالنا فيما بعد،
فالحاجة ملحة للإسراع في اتخاذ قرار الدعم والمساعدة.
فهل من أحد يمد يد المساعدة إلى المسلمين البنجاليين الفقراء لإنقاذهم من
الفتن والمحن التي تكاد تنزع الإيمان من قلوبهم؟ .
مخطط مستقبلي:
المرحلة الأولى: لقد بدأ العلماء والمسلمون المعنيون العمل على مستوى
صغير، فلقد تقرر من أجل تبادل المعلومات فيما بينهم أن يتم إنشاء لجنة صغيرة
في العاصمة (دكا) تحت رئاسة خطيب معروف، وسيكون من ضمن مهام اللجنة:
الاتصال بجميع ضحايا هذه المنظمات وبجميع من أبدوا اهتمامهم بالقضية، وتحثهم
اللجنة على إنشاء لجان محلية لتعليم الجماهير وعقد مؤتمرات وندوات لشرح تعاليم
عقيدة التوحيد وفضائح عقيدة التثليث، ثم تقوم اللجان المحلية بإرسال ممثليها
لتأليف لجنة مركزية، وستكون اللجنة مترفعة عن الولاء الحزبي السياسي؛ لكي
تشمل كل من يريد أن يساهم فيها بغض النظر عن ولائه السياسي.
الطموح والإمكانات:
المطبوعات:
نقترح طبع الكتب التالية في هذه المرحلة:
- طبع فصول مختارة من كتاب (إظهار الحق) باللغة البنجالية، ذلك الكتاب
المهم الذي ألفه الشيخ (رحمت الله الكيرانوي) بناءً على طلب من السلطان
(عبد الحميد) ، لقد أفحم المؤلف رئيس البعثة التنصيرية في الهند آنذاك (القس فندر) في مناظرة عقدت بمدينة (آجرا) على مقربة من (دلهي) في شهر يناير ١٨٥٤م، ففرالأسقف من الهند وظهر ثانياً في تركيا، فلما سمع القس عن الشيخ أنه جاء من (مكة المكرمة) إلى تركيا للمناظرة فر ثانياً ولم يعقب، فوفر السلطان للشيخ كل التسهيلات؛ لكي يؤلف كتابه التاريخي (إظهار الحق) ، الذي قدم فيه العرض والنقد التحليلي للنصرانية المعاصرة.
- ترجمة بنجالية لموجز كتاب Blood on the Cross (دم على الصليب) . ...
- ترجمة بنجالية لأعمال مختارة للشيخ (أحمد ديدات) .
مكتب متواضع للاتصال والتنظيم:
تكون مهمته: تيسير جهود مكافحة هذه التنظيمات وتنسيقها، وتقدر تكاليف
تأسيسه بـ (٠٠٠ر٥٨٢) تاكا.
أما ميزانية طباعة الكتب فسيعلن عنها بعدما تصبح الكتب جاهزة للطبع.
سيوزع تقرير مجاناً باللغتين البنجالية والإنجليزية، بعد ذلك نتمكن من تقييم
التجاوب معه، والتخطيط للمرحلة الثانية في ضوء مدى التجاوب من داخل البلاد
وخارجها.
لقد بدأنا الأبحاث لوضع صيغة لمشروع القروض الصغيرة وفقاً للشريعة
الإسلامية، وسيقدم المشروع بعد اللمسات الأخيرة إلى المؤسسات الراغبة في
المشاركة فيه، ومن بين هذه المؤسسات: مؤسسة تسمى Islamic Ummah
Corporation Ltd، تعمل في إطار الشريعة الإسلامية، وتستخدم١٠% من
الأرباح لتوفير القروض الصغيرة بهدف القضاء على الفقر.
وكذلك ستنشأ لجنة الدفاع التطوعية، وتشمل المحامين البارزين للدفاع عن
ضحايا المنظمات غير الحكومية، ونحاول تدبير نفقات سفر وإقامة هؤلاء المحامين
الذين سيقدمون خدماتهم بدون مقابل.
الخطة التبشيرية في بنجلاديش:
نقاط من مرتكزات هذه الخطة:
- من المعلوم أن بنجلاديش حصلت على استقلالها حديثاً.
- وُجدت فرص فريدة لتنصير المسلمين فيها.
- لم يعد الإسلام دين الغالبية والحكومة.
- انتشرت بين الناس روح الحرية والتطلع إلى الاستقلال.
- وقد ظهر ضعف العقيدة بين الناس، خاصة بين الطلبة منهم.
- وحدثت حروب وفتن بين المسلمين أنفسهم في سنة ١٩٧١م.
- وقد أبدى بعض الزعماء والعلماء تعاوناً مع الجيش الباكستاني.
- استغلال اعتقاد الباكستانيين أن الإسلام ضعيف في نفوس البنجال.
- وجه النصرانية في بنجلاديش جيد إلى حدٍّ ما.
- بعض الشباب النصارى كانوا مسرورين باشتراكهم في حرب الاستقلال.
- فتح النصارى أبواب بيوتهم لمد يد المساعدة للمحتاجين أثناء الحرب.
- ساهمت الكنائس هناك في إدارة عمليات الإغاثة.
- لندعو الرب أن يمدنا بأفراد متطوعين لنشر النصرانية في بنجلاديش.
- سيلقى عملهم ونشاطهم قبولاً لدى المسلمين.
- وسيعملون في الأرياف، حيث لا يوجد نصارى ولا نصرانية، كمثل
(جمالبور) ، (نتروكونا) ، تنجايل) ، (كيشوركنج) .
- نحن لا نريد فقط أفراداً يدخلون النصرانية، بل نريدهم أن يكونوا دعاة
للنصرانية بين أبناء جلدتهم.
- وسيكون عملهم مدروساً وطبقاً لخطة معينة لنشر النصرانية.
- ولنبتهل إلى الرب أن يوفق الشباب الداعي إلى النصرانية في استمالة
قلوب المسلمين وتنصيرهم.
- ومجلس الكنائس الأسترالي سوف يقدم لنا العون المادي لنشر ديننا.
- وسوف يفتح الرب قلوب المسلمين لقبول دينه.
- والبعثات التبشيرية ستعمل على إحراز النصر المبين في نشر النصرانية.
وبعد: فإنا نذكر بالصورة التي وضعها (برناردشو (من كلمات (نابليون) عن
الإرساليات التبشيرية المسيحية الإنجليزية، وهي كما يلي:
الفوز الأعظم من الحرية والاستقلال الوطني سيطر واتسع في سيطرته إلى
نصف العالم بما يسمى الاستعمار، عندما أراد سوقاً جديداً لمنتجاتٍ ما غير صالحة، هو يرسل الإرساليات لكي تدرِّس المواطنين الأناجيل والسلام، يقتل المواطنون
الإرساليات وهو يحلق ليصلح دفاعات المسيحية، ويحارب لأجلها، ويأخذ السوق
كمكافأة من السماء.
سوف يكون متغير مهم جدّاً أن نلاحظ أن المحاولات المسيحية ممكن أن
تتوقف فقط إذا واجهت محاولات مضادة بالمثل.
وأخيراً:
فالأمة الإسلامية تحمل مسؤولية كبيرة لإنقاذ مسلمي (بنجلاديش) من محاولات
التنصير المتوالية، فإذا لم يكن الرد سريعاً ومناسباً للثقافة والأيديولوجية وأعمال
المنظمات غير الحكومية، سيتعرض أي إنسان للخراب الروحي، وبالتالي تدمير
العقيدة.
وسوف يشرد كل إنسان في بنجلاديش إذا تم السماح للإرساليات التنصيرية
بالعمل في البلاد كما سمح لها في لبنان.
نسأل الله أن يعطينا القوة والشجاعة، وللأمة الإسلامية السيطرة على خطط ...
المنصرين وعملائهم من ذوي الاتجاهات المشبوهة والوقوف في وجهها. ...
стр. 2487
المسلمون والعالم
واقع مسلمي إثيوبيا ودعوة للإنقاذ
بقلم: عبد الله المحتسب
أرض الحبشة أو ما يعرف اليوم بإثيوبيا أرض عرفت في التاريخ الإسلامي
بالأسبقية إلى استضافة أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا
من ديارهم فراراً بدينهم من جهة، ولكون حاكمها النجاشي عادلاً من جهة أخرى،
وقد آمن برسالة الإسلام فيما بعد.
ويمثل المسلمون الآن في تلك الديار ٧٥% من مجموع سكان الحبشة البالغ
عددهم ٥٥ مليون نسمة.
وللدعوة الإسلامية في المنطقة نشاط قوي ولله الحمد، ولا سيما بعد عودة
كثير من الدعاة المتخرجين من جامعات السعودية وغيرها؛ مما ساعد على تنشيط
وانتشار عقيدة أهل السنة والجماعة في أوساط المسلمين، ولم نجد قبل الآن ولله
الحمد ما يحد من نشاط الدعوة إلى الله وإلى المنهج الصحيح في المنطقة، إلا إنه
مع الأسف الشديد قد شهدت الساحة الإثيوبية في الأيام الأخيرة تطورات خطيرة ضد
العمل الدعوي الإسلامي الصحيح، في موقف لا يحسد عليه، بين فرق الضلال
والابتداع المنتسبة للإسلام، وبين فرق التنصير وحملاته، وهذه التطورات
والمستجدات تتمثل في النقاط التالية:
النشاط الرافضي:
ويتمثل في محاولة تغلغله عن طريق بعض الأشخاص المنتسبين إلى العلم،
فعلى الرغم من أنه لا يذكر هناك أي نشاط للرافضة خلال الفترة الماضية على
مستوى البلد، إلا إنه في الآونة الأخيرة نظراً لكون البلاد مفتوحة لكل من يرغب
في ترويج بضاعته قامت بعض العناصر منهم قبل ثلاث سنوات بالتحديد عبر
سفارتهم في البلاد بالاتصال بأحد المشايخ المحليين والعمل معه، حتى استطاعوا
كسبه أخيراً في صفهم، وقد قام بزيارات متكررة لإيران.
هذا وقد تمكن هذا الرجل الآن من أن يُرَشّحَ قبل شهرين تقريباً لمنصب
المفتي للإقليم الرابع عشر (أديس أبابا) وهي عاصمة البلاد.
ومن هنا: بدأ يستفيد من هذا المنصب للتضييق على الدعاة والمصلحين،
وبالذات على الدعاة السلفيين، الذين يسميهم هؤلاء بالوهابيين، بل أعلن هذا
الرجل صراحة وبالحرف الواحد في الاجتماع الذي عقد في عاصمة البلاد قبل
شهرين تقريباً بمناسبة تنصيبه مفتياً للبلاد بأنه: يسعى للقضاء على الوهابيين
وأنشطتهم، ولتوضيح هذه الفقرة أكثر يمكن إيراد بعض التوصيات والقرارات لذلك
الاجتماع، التي كان منها:
- منع إلقاء أي خطبة أو وعظ في داخل المساجد.
- وقف جميع الحلقات العلمية والدروس التي كانت تقام في مساجد العاصمة
من قِبل الدعاة.
وهذا التيار له دعم قوي ماديّاً ومعنويّاً من إيران، وذلك عبر سفارتها في
أديس أبابا.
النشاط الصوفي:
ويتمثل ذلك بتشكيلهم لمجلس العلماء في عاصمة البلاد (أديس أبابا) قبل أقل
من ثلاثة أشهر، ومن شرط العضوية في هذا المجلس ألا يكون العضو من خريجي
الجامعات الإسلامية! ، وبالأخص جامعات السعودية.
فهذا التيار الصوفي تجمع تحت مظلته بعض الصوفيين والقبوريين المتشددين
من داخل العاصمة وخارجها، ومن أهم مشاريعهم وأوليات عملهم في المرحلة
القادمة: القضاء على من يسمونهم بالوهابيين حسب زعمهم، والتصدي لأنشطتهم
الدعوية وغيرها، وذلك بإعداد ونشر بعض الكتب الصوفية والكتب المخالفة لمنهج
أهل السنة والجماعة في باب العقيدة.
النشاط البدعي:
ويتمثل في قيام زعيم جماعة من يسمون بـ (الأحباش) (عبد الله الحبشي)
بزيارة خاطفة للبلاد مع بعض أنصاره، حيث قام بزيارة ميدانية لعدد من الأقاليم:
(أديس أبابا) ، (دردوي) ، و (هرر) ، ووزع في هذه الأقاليم بعض مؤلفاته
ومنشوراته، والتي تتضمن الهجوم على علماء أهل السنة والجماعة وتكفيرهم.
هذا ... وقد وعد الرجل في نهاية هذه الزيارة بعض المتعاطفين معه بفتح
مركز دائم لأنشطته في عاصمة البلاد، تكون مهمته الإشراف على المشاريع التي
تنوي هذه الفرقة تنفيذها في البلاد.
النشاط التنصيري:
يتمثل في وجوده وانتشاره الواسع في المنطقة ونشاطه المكثف، حيث وصل
عدد الإرساليات والجمعيات والمنظمات التنصيرية التي تعمل الآن في البلاد أكثر
من مئة منظمة، وكلها أتت إلى المنطقة بخيلها ورجلها تحت مظلة المساعدات
الإنسانية؛ لتنصير المسلمين، وبخاصة في المناطق التي تعاني من الجفاف
والكوارث الطبيعية.
دعوة للتفكير:
وفي ضوء هذه الظروف والمستجدات التي ذكرناها على الساحة في البلاد
ضد دعاة أهل السنة والجماعة وعلمائهم نود أخانا الكريم أن تعلم بأنه ليس هناك
للمسلمين في الحبشة عامة والدعاة منهم خاصة من يقف معهم ويساندهم إلا الله
، ثم ما يجدونه ويأملونه من إخوانهم الغيورين على دينهم
والمتألمين لواقع أمتهم، لذا: فبالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن إخواننا المسلمين
في الحبشة عامة والدعاة منهم بخاصة، أتقدم لمن يهمه الأمر بالاقتراحات التالية:
تعيين مزيد من الدعاة، سواء من أبناء البلد أو من غيرهم.
دعم المراكز والمؤسسات الإسلامية ذات المنهج الصحيح.
التركيز على دعم المجالس الإسلامية، وبخاصة تلك التي تملك التوجه
الصحيح؛ لأنها هي الجهات الرسمية، ويمكن استغلالها في شتى المجالات.
عقد دورات مكثفة لتأهيل الدعاة وتبصيرهم بالمخاطر وسبل مواجهتها بطرق
غير مثيرة.
تزويد المنطقة بكميات كثيرة من المصاحف بأحجامه المختلفة.
فتح مكتبات إسلامية في عدد من المساجد والجوامع في الحبشة.
التركيز علي نشر الكتاب الإسلامي في البلاد، وذلك باللغات الرئيسة في
المنطقة مثل: الأمهرية، الأورومية، والعربية، وذلك أن غالب سكان الحبشة
وبالذات طبقات المثقفين والطلاب في المدارس والجامعات لا يتمكنون من الاستفادة
من الكتاب الإسلامي باللغة العربية بسبب حاجز اللغة، وهذه النقطة قد تفطنت لها
بعض الفرق المنحرفة، فقامت بتوزيع منشوراتها ومعتقداتها وأفكارها بين المسلمين
وغيرهم باللغات السائدة.
وأخيراً:
نود أن نضع أمامكم حقيقة، وهي: أننا إذا تمكنا من القيام بشيء من هذه
المهمة وتوفيرها ستكون الجولة والمستقبل المشرق إن شاء الله لأهل الحق في
الحبشة..
[وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً] .
стр. 2488
في دائرة الضوء
وعينا ووعيهم بين حدثين
بقلم:سليمان بن عبد العزيز الربعي
في الوقت الذي كانت فيه الجرّافات اليهودية تشرع في أعمال التمهيد لبناء
مستوطنة (جبل أبو غنيم) التي سموها بالعبرية (هارحوما) ، كانت دوائر الإعلام
في بعض البلاد العربية تخصص تلك الفترة لمواكبة الاحتفال بذكرى وفاة مطربهم
الشهير! .
وفي الوقت الذي كان فيه مركز البحوث الاستراتيجية في جامعة (تل أبيب)
يُجري استطلاعاً للرأي حول أعمال البناء في المستوطنة الجديدة لحشد التأييد اللازم؛ كانت تلك الدوائر الإعلامية مشغولة باستطلاع من نوع آخر، كانت شبكات
الإذاعات والتلفزة تُجري اتصالات عشوائية بالمواطنين لمعرفة انطباعاتهم عن
(مطرب الشعب) [١] في (ذكراه الخالدة) [٢] ، مسدية (خدمات جليلة) [٣]
للجماهير في اتصالاتها المستمرة بأقرباء الراحل وجيرانه وأصدقائه؛ كيما يعطوا
المتابع (المتلهف) [٤] أدق التفاصيل اليومية عن (معشوق) [٥] الجميع، في ملبسه
ومشربه، وحركاته وسكناته، بل في طريقة ضحكته.. إي والله! ! .
ولئن أبان استطلاع الرأي اليهودي عن وعي جماهيرهم بقضايا أمتهم اللقيطة، المفروضة، الـ ... ،...؛ فإن الاستطلاع الآخر لم يكن بحمد الله الذي لا يحمد
على مكروه سواه بأقل وعياً وهمّاً؛ إذ تجلت المعارف الخطيرة عن الفن والطرب
وأربابهما؛ أولئك الذين أضافوا إلى الأمة بحسب تعبير أحد المشاركين في الاحتفالية: (مجداً حضاريّاً لا يُنكر) ! ! .
فروق بين الاستطلاعين:
وإذا كان ثمّ تعليق تمكن به قراءة هذه المفارقة بين أمتين متباينتين تبايناً عقديّاً
وواقعيّاً حادّاً يضاف إلى ما يعطيه الحدث نفسه من دلالات فهو التأكيد على وجوب
النظر إليه (أي إلى ذلك الحدث) في سياق القضايا الكبرى التي تشكل بها الأمم سلباً
أو إيجاباً، بحيث يُدرك المتابع أن وعياً يمنح آحاد أمة بلا تاريخ اجتماعي وسياسي
موحد مثل (يهود) قيمة التفاعل المؤثر في مسألة حساسة تتعلق ببعد جوهري يقف
عليه مصيرها وأمنها ومستقبلها، إنما ينتظم على سبيل الحقيقة في سلك مشروع
كبير يهدف إلى صياغة إنسان مسؤول، بحيث ينتج بدوره الهوية في فكره وقدراته
لتستحيل سلوكاً ذا معطى يجاوز الرقم الإحصائي إلى أن يكون بذاته شرطاً مهمّاً في
مسيرة أمته، ليس على مستوى التشييد العفوي فحسب، بل على مستوى العملية
النقدية التي تضطلع بدور التخطيط والتقويم والترشيد للمجريات بعموم.
ومع التأكيد ثانية على أنّ هذا الدور لم يكن ليتأتى جُزافاً، بل سُبق بمراحل
الإعداد والتهيئة لقيمة الوعي في الذوات المسؤولة، من خلال حيثيات بناء الثقة
المطلقة بقضاياهم المصيرية وأحقيتها المادية والتنظيرية، وبالجزم المتناهي بأن
المصير الفردي والجمعي متعلق بالمفردات الصغيرة ونجاح المساعي فيها، تماماً
كما هو مرتبط بالمشكلات الكبرى التي لا يتعدد فيها الحل، بل هو واحد ينطلق من
رؤية مصلحية عامة، بعيداً عن المكاسب الفردية التي تعني في قاموسهم الجمعي
خيانة لا تغتفر، وهي منطلقات ترى في المرجع الديني نصّاً أو وسيطاً القداسة
المطلقة التي تصدر عنه مسلكية الفرد والأمة.
وإلى هذا وفي الجانب المقابل يتبين المراقب أن تخلفاً بحجمٍ ما نجحت في
ترميزه تلك الاحتفالية الليلاء التي لا يمكن أن تقرأ مفردة عن مسلسل هوان الأمة
اللاغبة، إنما يعكس نمطاً فريداً من عدم الوعي الذي تعيشه الأمة، بحيث نجح
العدو المتربص من خلال وسائل كثيرة في استلاب قيمة التفاعل الإيجابي من
العقول والقلوب على السواء من ناحية، ومن ناحية ثانية: استطاع استقطاب ما
تبقى من فكر وتفاعل إلى فضاءات العبث المبرر بحيثيات مضحكة ومبكية في آن.
ولقد كانت جهود الاستلاب والاستقطاب ناجحة إلى مدى بعيد؛ فأمة يعيش
أفرادها هم التأوه الطروب، على أنغامٍ مدغدغة للعواطف والشهوات المستعرة، في
ظل أوضاع عاصفة تتعلق بمصير أمةٍ ومقدّسٍ، لأمة تعيش اغتراباً خطيراً في
المفاهيم والقناعات، وهي أمة لم تعد تنشغل على الحق باعتباريات بقائها، فضلاً
عن النظر في شروط تطورها.
وإن الغريب الذي لا ينقضي منه العجب حقّاً أن تتماهى هذه الممارسة
الموجعة، بخلفية إرثٍ قديم عن الحقوق الضائعة، والمقدسات المغتصبة، و..، و.. إلى آخر هذه المنظومة التي أصبحت لازمة التشكل المظهري بهموم الأمة
وقضاياها (!) .. الأمر الذي يدعونا إلى التأكيد على بعد الأثر الذاتي في المشكلة،
وعدم التسليم لقول المتكئين على نظرية المؤامرة في التبرير أو الهروب من
المسؤولية في الواقع الذي يمس هؤلاء من القضاء المحتوم والقدر الغالب! ، ولئن
كان بيان خطل هذه الرؤية بالتدليل الشرعي على وجوب الدفع بالأسباب المباحة
يمكن أن يُقنع؛ فإن في التأكيد على عدم واقعية هذا التفسير ها هنا خروجاً من
القعود الخُلُوفِي، بإثبات أن للعامل الذاتي دوراً أساساً في تكريس التخلف والاشتغال
بما لا يفيد؛ ذلك أنه في مقابل عقيدة القناعات الواحدة في قضايا الآخر الذي سلف
بيانه آنفاً، بقيت قضايا أمتنا نسبية الحق والباطل، تبعاً لمتغيرات الزمان والمكان،
فما كان بالأمس محرّماً يمكن أن يصبح اليوم قابلاً للنقاش، و (لا) أمس يصح أن
يلوى عنقها لتصبح (نعم) ، وما لا يجوز التنازل عنه قبلاً يخضع بعداً لمداورات
الأيام ومصالح الأعلام..! ، من هنا: أصبح الفعل الجماهيري عاجزاً عن الوقوف
على أرض صلبة تسمح له بالمشاركة المؤثرة، بل وأضحت المسلمات المحترمة
في عقله ووجدانه ضرباً من (الأفكار) التي يصدق عليها التطور الحداثي القائم على
عدمية ثبات المضمون! .
وإلى هذه الحقيقة (المطلقة) لم يكن للمرجعية العقدية في الأعم الأغلب أيّ دور
في ثبات مُسَلّمات الجماهير وإعادتهم إلى الوعي الصحيح في قضاياهم المصيرية،
فأصبح هذا الغثاء بين مطرقة الشك وسندان العبث بفعل فاعل غير مستتر أو
موارب.
الغربة العقدية:
ومن غير ما شك، عُدّ هذا الوعي الرديء من أمارات الغربة العقدية التي
تحدث عنها الصادق المصدوق في قوله: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً ... [٦] ، وتلك الصورة المتحدث عنها تمثل الجرح الأول، أو الصورة الكبرى للغربة
التي تمارسها الأمة الأم في مضامين الكشوفات المعرفية عن كل شيء، إلا معرفة
الشريعة التي كان قَدَرُهَا الوحشة، بحيث لا يدرك منها في كثير من البلاد إلا الرسم
المتعتع والهيكل الغفل، حتى إن المرء ليتهلهل وجهه لرؤية سمة للدين أشفق ألا
يراها في بعض بلاد المسلمين.. والله وحده المستعان! ، أما القلة المحافظة على
قيمة الوعي ذي المنحى المفيد الوسطي، فتعيش هم الغربة الثانية، أو المعنى
المراد في مدلول اللفظ الأسيف؛ إذ تصبح أمة وسط أمة، فريدة في الهم والطرح،
بل وفي الوعي المجرد، وذا هو الجرح الراعف الثاني:
جرحان تمضي الأمتان عليهما ... هذا يسيل، وذاك لا يلتامُ! !
ولئن كنا أوغلنا البيان في خلفيات ما نحن فيه وهو أمر ذو أهمية قصوى آمل
أن يتاح له عرض آخر؛ فإن من المفيد العود على تأكيد أن أزمة الوعي التي
تعيشها أمة الإسلام بوجه عام تعود بكل وضوح إلى البعد عن المصدرين المشرِّعين، مما أودى بالقوامة التربوية والثقافية على مطلق الصّعُد.
حقّاً، إن من يريد أن يقيس مسافات الوعي بين أمتين متباينتين فلا بد له أن
يقف طويلاً عند موقفين شبيهين بما افتتح البيانُ به، إنهما يعودان إلى جريمة
إطلاق النار من قِبَل يهودي على المصلين في مسجد الخليل إبراهيم ﵇
قبل أعوام، إذ بادر الوعي اليهودي بحشد التأييد الشعبي وشبه الرسمي لفعل
(البطل) [٧] (جولدشتاين) من حيث دلالته العقدية والتأثيرية، بل وأصبح قبره
مزاراً قوميّاً وقيمة تربوية ضُمّ إلى قائمة الأماكن التي تُزار، ناهيك عن حجم
الاستفادة من خلفيات الحدث وتوظيفه دينيّاً وأمنيّاً.
وفي المقابل: أنتج الوعي المحسوب على العرب والمسلمين عينة مخجلة؛ إذ
بادر أحد المعلقين إلى الإفصاح عن رأيه في معالجة الحادث من قِبَل بعض المصلين، مؤكداً على أن رد الفعل كان ذا خلفية صراعية، غير مغفل وهوالمخلص أن
(يستنكر) ما قام به (الجاني) ، وإذا كان هذا الوعي يمثل عينة نخبوية؛ فإن عينة
الجماهير كانت ذات طابع وقتي، بالإضافة إلى فشلها الذريع في تقييم الوضع
وإعادة تمثله بوعي حصيف، مجلية وزرَ مَن حملها على اختزال الحل والردع
والثأر في شخص فلان أو علان! ! .
لقد كانت مسافة الوعي بين رد الفعل (الجولدشتايني) ورد الفعل العربي المسلم
بعيدة بُعد ما بين جرافات (أبو غنيم) المسكين وذكرى الراحل، شاسعة بقدر ما بين
الجد واللهو من مسافة لا يمكن أن تُردم، غريبة الاتجاه والتفاعل، إن في المثير
وإنْ في المستجيب، بقدر ما بين المسلك الطيب والرديء من تنافر غريب وتباين
جلي.
سؤال يطرح نفسه:
والتساؤل الممض: كم ينبغي أن ينفق المسلمون من العمل والوقت للوصول
إلى درجة من الوعي ناضجة؟ ، وقبل ذلك: كم من الجهد ينبغي أن يصرف كيما
يقتنعوا بجواب سريع سهل لهذا الأمل، وهو أنه كامن في العودة الحقة إلى الله
وتحقيق العبودية له كما يحب ويرضى؟ .
حقّاً، إنه لمطلب نفيس، وإلى أن يتحقق فلا زال العجب متملكاً العقول من
صورة حية لتغطية الإذاعة اليهودية لأعمال البناء في (أبو غنيم) (!) ، إذ بادر
المذيع إلى سؤال أحد المستوطنين عن مدلول قرار حكومتهم في الشروع في البناء،
فكان جواب المستوطن: إن هذا العمل يُعَدّ لبنة من لبنات العمل اليهودي الذي بدأه
(هيرتزل) ، و (جولدا مائير) ، و (بيجن) ، و (شامير) ، و (جولدشتاين) ! ! .
في هذا الوقت كان المذيع العربي في احتفالية الراحل مشغولاً بمكالمة مع أحد
الأطفال الذين (يعشقون سماع أغاني مطرب الشعب) ، فيتملك الإعجاب المذيع
بدرجة قوية جعلته يجلجل بضحكة مدوية تنم عن الفخر، معقباً بالقول: (إذن،
والله، لا زالت (....) [٨] بألف خير) ، في حين راحت الإذاعة تحتفي بهذه
الإجابة (الواعية) .
ولله الأمر من قبل ومن بعد،
стр. 2489
متابعات
هل يكفي النفي ؟ !
بقلم:محمد بن عبد الرحمن الزامل
حرص د. (محمد يحيى) في كتاباته على المعلومات الحديثة، والأسلوب
المتجدد، والطرح المميز، مما جعلني من مداومي قراءة مقالاته، ولعل ذلك كان
السبب وراء هذا التعقيب أيضاً.
فقد قرأت مقاله المعنون بـ (ثقافة آكلي لحوم البشر) في العدد (١٠٦) ،
فوجدته يسير على المنوال نفسه الذي أَلِفتُه، حتى استوقفتني فقرة تحدث فيها عن
عدة تهم وجهت إلى الإسلام، نفاها عنه جملة وتفصيلاً بلوحة كبيرة كتب عليها (لا) ، دون أن يزيد على ذلك، ربما لأن المقام لم يكن يسمح بالتفصيل.. إلا إنني
أستسمح الدكتور عذراً في طرح بعض الأسئلة حولها:
- كيف تنفي عنا وعن ديننا تهمة الرغبة في السيطرة، والآخر يسمعنا نكرر
أنا مأمورون بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أو
يعطوا الجزية [عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] ؟ .
- أليس من حق هذا الآخر أن يتهمنا برفض الحوار الذي لا يمكن حدوثه إلا
في حال استعداد الطرفين للتنازل، وللتفاوض، ولمزج الأفكار؟ ، ومعلوم أن لدينا
ثوابت لا نتنازل عنها، ولا نفكر في ذلك أصلاً، بل يجب أن ندعو إليها ...
والثرى عن الثريا الفرق بين الدعوة والحوار.
- هل ستكون فكرة التسامح في الإسلام قائمة في ذهنه وهو يعلم أن الإسلام
إن سمح لأهل الملل الأخرى بالبقاء على عقائدهم، وإقامة شعائرهم، فلن يسمح
إطلاقاً بالدعوة لها، أو تحول المسلم إليها؟ .
- لماذا لا يصم الإسلام بالعنف، والإسلام يعد الجهاد وجهاد الطلب بالذات
ذروة سنامه؟ .
هل يمكن أن نمحوا كل هذه التهم، وفق كل هذه المعطيات، بإنكارها فقط؟ ! .
نعم.. كل هذا مما يحق للآخر أن يطرحه، وأن يتساءل عنه، وأن يورده
باعتباره تهماً، إذا كان لا يعرف أو لا يريد أن يعرف سمتين رئيستين للإسلام،
تقنن أداءه، وتحكم تفكير أهله:
أولاً: أنه منهج ينظر للأمور من زاويتين، دنيوية وأخروية، مغايراً بذلك
كل طرق التفكير السائدة اليوم، فحد الردة مثلاً معرة عند التفكير الدنيوي، أما عند
من جعل الجنة هدفاً يصوغ عليه منهجه فهو ضرورة، ولو أن يدخل الناس الجنة
(وهم يقادون إليها بالسلاسل) .
ثانياً: أنه منهج إلهي، خلافاً للمناهج الأخرى، القابلة للزيادة والنقص
والمراجعة والتنقيح، والانحياز والخطأ، لذا: نرى نحن المسلمين انعدام الغرابة
في أن يحكم الناس شرع ربهم، حتى ولو وصمه أعداؤه بحب السيطرة، وعدم
إعطاء الفرصة للآخر.
هاتان السمتان تجعلان الحوار مع أي حضارة أخرى يبدو عندي عديم الفائد [١] ، لغياب المرجعية في هذا الحوار وانعدامها، اللهم إلا أن يدور الحوار حول
المرجعية نفسها، كما هو الشأن في بداية الإسلام، فإما أن نرتد عن ديننا أقول ذلك
ثقة بديني، سائلاً الله الثبات وإما أن يكون الحوار في بقية الأحكام لمجرد التشويش، ليس إلا.
تعقيب الكاتب د. محمد يحيى:
بعد أن أزجي الشكر للأخ الفاضل (محمد بن عبد الرحمن الزامل) على
اهتمامه الكريم بما أكتب: أود أن أذكِّر أنني لم أنف التهم الموجهة ضد الإسلام
بكلمة (لا) فقط، ولكنني رددت على بعضها بتفصيل داخل المقال المذكور، وأيضاً
في غيره من المقالات، وأوضح أنني أفرِّق بين التهم التي توجه إلى الإسلام في
الغرب، وهذه لا أُعنى كثيراً بالرد عليها؛ لأنني أعلم مدى عداوة القوم وعدم
موضوعيتهم، بين ذلك ونفي التهم أو ما يشابهها مما ينقل من هناك إلى هنا ليردده
العلمانيون على مسامع قومنا ويَخْدعوا به من يخدعون، وهذه هي ما أحاول الرد
عليه.. وتعقيباً على ما ذكره الأخ الفاضل في رسالته أقول: إنني ممن لا يهتمون
ولا يفضلون مسألة الحوار مع الغرب التي فرضت فرضاً على الساحة الإسلامية
فيما يشبه الإكراه؛ لكي يضطر المسلمون إلى اتخاذ مواقف دفاعية، أو لينشغلوا
عن واجب الدعوة بالرد على التهم، أو ليقدموا تنازلات فكرية بل وعقدية مهمة؛
فقط لكي يحصلوا على رضا محاوريهم من الغربيين، ويؤسفني أن أشير إلى أسماء
معينة ذات مناصب كبيرة اتخذت هذا المنهج مؤخراً في عدة بلدان إسلامية، منها
(مصر) من حيث أكتب.
وأنا في هذا أتفق مع ما ذهب إليه الأخ (الزامل) في ختام خطابه، أما بالنسبة
لسائر ما جاء في الخطاب فأود أن أقول: إن الدعوة إلى الإسلام في تصوري تسبق
قتال المخالفين، أما وصم الإسلام بالعنف فنحن نستطيع نفيه إذا عرّفنا العنف حق
التعريف، بحيث لا يشمل دعوة الآخرين إلى عقائدهم ومنع ذلك، أو منع تحول
المسلم إليها، وكما قلت: إن الدعوة إلى الإسلام تسبق قتال المخالفين، وهذا أيضاً
رد على تهمة العنف، لكن هذا كله إن أردنا نفي تهم الغربيين وهو ما سبق أن قلت
إنني لا أهتم به، بل أهتم برد التهم والشبهات التي يلقيها عملاؤهم العلمانيون في
الداخل، ولكن مما يساعد على رد هذه التهم أن نذكر أن الحديث عن قتال الآخرين
شيء والواقع القائم شيء آخر، وهذا الواقع يؤكد أن أحداً من دعاة الإسلام
المعتبرين لا يدعو بداراً إلى قتال الغربيين إلا على سبيل الدفاع المشروع، كما أن
أحداً لا يتحدث عن السيطرة على بلادهم، بل فقط عن الدفاع عن بلادنا، أما
الحوار فيفترض أننا نملك أمرنا في يدنا، بحيث ندخل فيه من موقع الثقة بالنفس
وليس من موقع الاعتذار والتنازل، وبحيث يكون الهدف هو الدعوة إلى الإسلام
قبل أن يكون نفي التهم ونبذ ثوابت ديننا.
стр. 2490
منتدى القراء
المرأة وجهاد القلم
بقلم: مريم المحمد
لقد كثرت الزوايا الصحفية والمقابلات والندوات والمقالات التي لا تزال تنال
من الإسلام، فتارة تعترض على بعض تشريعاته، وتارة تهاجم بعض دعاته
وتلمزهم، وتارة تطالب بالتجديد بل مسخ أحكامه ... وهكذا.
وكثيرٌ من شباب الصحوة يعلمون حقيقة هذا الأمر، ولكن قليل أولئك الذين
يبادرون بأداء دورهم المطلوب تجاه هذه المشكلة أو تلك، وهنا تختلف المعوقات،
ما بين معوقات حقيقية يُعذر أهلها وأعذار واهية وقيود مصطنعة وضعها أصحابها
لتسويغ مواقفهم السلبية.
وهناك العديد من الموضوعات والقضايا التي تدعو الحاجة لنقاشها والردّ على
من يتبنّاها، فمثلاً: ما أكثر ما يتطرق المغرضون إلى الحديث عن قضية المرأة،
ودعوى ظلمها في مجتمعاتنا، وهضم حقوقها في ظل عاداتنا وتقاليدنا بخلاف بلدان
الحضارة والنور! المزعومة.... إلخ.
وكأنه ليس في العالم مشكلة سوى هذه المشكلة التي تتواطأ الأقلام بل
والمؤسسات الصحفية والنقابية على عرضها وتكرارها بدعوى أنها هي العائق
الأكبر في مسيرة تقدم الأمة نحو الحضارة والرقي.
صحيح أن هناك بعض القصور وسوء الفهم لقضية المرأة، لكن الإسلام
بريء من أي ظلم للمرأة، وحسبنا قول الرسول في خطبة الوداع من الوصية
بالنساء خيراً بقوله: (فاتقوا الله في النساء) .
موقفنا من التغريب: يلزم فضح هذا الاتجاه وأصحابه بكتابة الردود
والتعقيبات التي توضح خطر هذا التوجه ومَن وراءه، ولذلك فوائد: منها:
١- نقد الصوت الآخر وفضحه والتخفيف من ضغطه وزحفه، لأن تركه في
الساحة دون مُنازل سيشعره بانهزام مقابله، ويغريه بالتقدم والهجوم.
٢- دفع الإحباط وطرد اليأس الذي أخذ يسري وينتشر في بعض النفوس،
مع غفلة عن [إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ] [آل عمران: ١٦٠] .
٣- حفز همم أهل القدرات والطاقات، وحثّهم على المبادرة والعمل البناء.
٤- إظهار نموذج مقبول لطريقة الردّ المنضبطة التي تحتذى ويقتدى بها؛
لأن هناك ردوداً وتعقيبات كُتبت بدافع الحماس والغيرة مع اشتعال العواطف وخبوء
ضوء الفكر فيها، فجاءت لنا بثغرات هوجمت الدعوة من خلالها.
ضوابط للرد والتعقيب:
حتى تكون مناقشتنا موضوعية ومقنعة يلزم الأخذ بالأسباب التالية:
- الإلمام بخلفية كافية عن القضية المطروحة والآراء المتداولة حولها.
- العلم بخلفية كافية عن الكاتب واتجاهه ونمط تفكيره وأسلوب طرحه.
- فهم المقال المراد نقده أو تأييده فهماً جيداً، دون تحميل الكلام ما لا يحتمل.
- الموازنة بين الرد على الفكرة والرد على الأسلوب، وانتقاد الكاتب دون
تجريح أو تهجم، فإن هذا أقوى وأسلم وأدعى للقبول.
- مراعاة الفروق والاختلافات بين الكتّاب (حتى لو تماثلت القضايا
المطروحة) ، فالرد على من يُعرف عنه سوء الاتجاه وخبث الطوية يختلف عن الرد
على من أخطأ عن غير قصد.
- مراعاة الوضوح في عرض الفكرة وجودة العرض والموازنة بين الإسهاب
والاختصار.
- الحذر من الاندفاع العاطفي غير المنضبط والسقوط في العبارات الساقطة
المبتذلة.
- البدء بالأهم فالمهم، والتغاضي عما يمكن التغاضي عنه من صغار المسائل.
- حسن التقسيم والتفريع لنقاط الموضوع؛ مما يعطي المقال قوة وقبولاً؛
ولئلا يمله القارئ.
- الاهتمام بقواعد اللغة العربية وسلامة الأسلوب وصحة الإملاء.
- تدعيم الآراء بالأدلة والبراهين العلمية الشرعية والعقلية.
- الجمع بين القوة والثقة من ناحية، والتواضع ورحابة الصدر وفتح المجال
للنقاش وإبداء وجهات النظر وفق الضوابط الشرعية من ناحية أخرى.
- الحذر من الدخول في قضايا شائكة تفتح ثغرات لردود مقابلة.
- إظهار أن صاحب الرد لا يقف وحده، بل هذا هو موقف كل مسلم غيور
على دينه.
- عرض الرد على بعض أهل العلم والتخصص، واستشارة ذوي الرأي ما
أمكن، دون أن يعوق ذلك سرعة النشر التي قل أن ننتبه لها.
- التنسيق بين عدة أشخاص للتفاعل مع القضية، بإعداد ردود وتعقيبات
موضوعية من جوانب أخرى.
- متابعة الصحيفة أو المجلة للتأكد من نشر الرد، والمهاتفة أو المكاتبة عند
عدم النشر.
- معرفة ردود الفعل على الرد وأثره، سواء من المؤيدين أو من المعارضين، ومتابعة الكتابة مرة أخرى إذا لزم الأمر.
آملة أن يكون فيما ذكرته حافزاً لإخواني وأخواتي للمبادرة بنصرة قضايانا
الدعوية، التي طالما تشدقنا بفهمها ومعرفة أبعادها، دون أن يكون لنا في الواقع
رصيد من نصرتها والدفاع عنها على الوجه المطلوب.
والله من وراء القصد،
стр. 2491
الورقة الأخيرة
نخبة.. استحباب العمى
بقلم: محمد البشر
أخطر مزالق العقل، ومنتهى منازل الجهل، وأحط مسالك الهلكة: أن
يَستحب الإنسان العمى على الهدى، ويُؤْثر الغواية على الجهالة، ويستبدل بالرشاد
التيه والضلال.
ولقد حكى القرآن العظيم قصة أمة بأكملها استحبت العمى على الهدى بعد أن
جاءها الدليل وقامت عليها الحجة، فحلت بها عقوبة الجحود والتنكر والاستحمار:
[وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ] [فصلت: ١٧] ، والهدى المذكور في الآية: هو هدى الدلالة
والبيان، لا هدى التوفيق والاصطفاء، أي إنه تبين لهم بالحجة القاطعة والبرهان
الساطع أن صالحاً مرسل من ربه ومبلغ عنه، فجحدوا دعوته وكذبوا به، فأصابهم
ما أصاب أسلافهم من العتاة والمكذبين والمتكبرين.
وإذا كان عقاب من تبينت له الطريق ووضحت له الحجة جاء (في سياق
الحديث عن قوم ثمود) بصيغ متعددة وألفاظ متنوعة، مثل: الصاعقة، والصيحة،
والرجفة، والتدمير، والدمدمة، والطاغية.. مما يؤكد عظم الذنب وحجم الخطيئة
مع أنهم لم يكفروا بعد إيمان، ولم يرتدوا بعد إسلام فكيف بمن يؤثر العمى على
الهدى إذا كان هدى توفيق واصطفاء وإسلام؟ ! .
إن من النّخب الفكرية والثقافية في وطننا العربي من تريد تكثير سواد حملة
لواء (استحباب العمى) ، وتنويع قاعدة الأتباع لتشمل فئات المجتمع بأكملها، مع
التركيز على الناشئة وصناع القرار؛ لتكتمل منظومة صياغة (جيل العمى) باسم
التنوير، وهي نخبة تجيد فن صياغة الشخصية، وتعدد الأقنعة، وتلون الغايات،
تقتات في بيئة الخوف والذل والصغار والانكسار، لكنها واضحة وصريحة في
هجومها على دعاة الهدى والإنقاذ من العمى.
فهل يَعْقل تعدد أدوار هذه النخبة، وتلوّن رموزها، وتنوع أقنعتها.. مَن
يملك قرار اجتثاثها، وتخليص الأمة من مكائدها؟ ! .
стр. 2492
ربيع الأول - ١٤١٨هـ
يوليو - ١٩٩٧م
(السنة: ١٢)
стр. 2493
كلمة صغيرة
الانتخابات المحسومة
تتسم انتخابات ما يسمى (دول العالم الثالث) ومنها الدول العربية والإسلامية
بأنها تحسم وتعرف نتيجتها قبل نهايتها لأسباب، منها:
*- أننا تعودنا: أن تلك الانتخابات تحسم لصالح الحزب الحاكم بنسبة ٩٩.
٩٩%، وبعد أن صار ذلك محل سخرية الناس تواضعت النسبة إلى ٩٠%،
و٨٥% وربما ٧٥%.
*- أن تلك الأحزاب يقودها الحاكم الفعلي في البلد؛ ومن الطبيعي أن تستخدم
الدول كل إمكاناتها (المالية والإعلامية) ليفوز حزبها في النهاية.
*- تلك الانتخابات تتأثر بالواقع المحلي والدولي سلباً وإيجاباً.
*- الحرب ضد الأحزاب المعارضة التي عادة ما تكون بأساليب عدة، منها:
التحجيم لوسائلها، والترغيب والترهيب لمن يجرؤ أن يكون في صفوفها.
*- تقنين ما يحجِّم تلك الأحزاب ويجعلها هزيلة تافهة بدعاوى المقصود منها: إبعادها عن مكان التأثير والقرار.
*- ردود الأفعال العنيفة ضد الخصوم، وهي في العادة نتيجة طبيعية للظلم.
*- الشكاوى والاعتراضات التي لا تخلو منها أي من تلك الانتخابات التي
تستغل فيها الدولة سلطتها: لا يعار لها أي اهتمام.
*- أعضاء الوفود المراقبة للانتخابات عادة ما يكونون في ضيافة الدولة
وتحت ملاحظاتها، فليس لديهم الإمكانات لتغطيتها تغطية شاملة.
تساءلت صحيفة بريطانية: ما الفرق بين الانتخابات في اليمن والانتخابات
في بريطانيا؟ فأجابت: إن الانتخابات في بريطانيا اعترف فيها المهزوم بهزيمته،
بينما في اليمن حصل العكس وشكا الإصلاح معتبراً أن حقه ضِعف ما ذكر له؛ هذا
هو الفرق، وتلك هي الأسباب. وكما فاز حزب الحكومة في أندونيسيا (جولكار)
فمن المرجح فوز حزب السلطة في الجزائر (التجمع الوطني الديمقراطي) كما هو
المتبع.
стр. 2494
افتتاحية العدد
صحوة الضمير هل تأخذ بعداً أشمل ؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن رصد الواقع ومتابعته ثم التفاعل معه والتأثير فيه، مما يحث عليه ديننا
الحنيف، ولعل في الآيات الكريمات في صدر سورة الروم إشارة إلى ذلك حيث
يقول (تعالى) : [الّم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ]
[الروم: ١ ٤] ، فلفت أنظار الطائفة المؤمنة إلى الصراع الدائر بين قوتين غير
مسلمتين إحداهما: (كتابية) والأخرى (مشركة) ثم التعقيب على ذلك بطبيعة المداولة
بين الأمم؛ فكل ذلك جدير بأن يأخذ منا نصيباً من الاهتمام الذي ينبغي أن ينعكس
على واقعنا واهتماماتنا.. ومن هذا المنطلق تأتي متابعتنا للواقع والتعليق عليه.
ومن ذلك الخبران اللذان لفتا نظرنا ولم يُعَلّق عليهما في كل ما اطلعنا عليه بما
يليق بقيمتهما الحضارية والأخلاقية ولا ندري ما السبب؟
والخبران يتلخصان فيما يلي:
أولاً: اعتذار رئيس دولة البرتغال (جورج سمبايو) في ندوة (التراث العربي
المشترك) ، حيث وصف ما جرى (للمسلمين) من اضطهاد في بلاده منذ قرون عبر
(محاكم التفتيش) بأنه ساعد في تخلف شبه الجزيرة (الإيبيرية) لعدة قرون، مؤكداً
أن بلاده تمتلك الشجاعة للاعتراف بإيجابيات الوجود العربي والإسلامي في هذه
المناطق الذي لا يزال أثره ماثلاً إلى اليوم في اللغة والأسماء والمعمار والخيال
الشعبي ...
... ... ... [الشرق الأوسط، ع/٦٧٤٤، ١٠/١/١٤١٨هـ]
ثانياً: اعتذار الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) في احتفال في البيت الأبيض
في ١٠/١/١٤١٨هـ باسم الولايات المتحدة الأمريكية لنفر من الأمريكيين السود
ممن بقوا على قيد الحياة (أصغرهم يبلغ ٩١ عاماً) ولذوي نحو من ٤٠٠ أسرة
آخرين راحوا ضحية اختبارات طبية عنصرية دامت أربعين عاماً (١٩٣٢ ١٩٧٢م) في مراكز حكومية في مدينة (توتسكيجي) بالألباما وكانت الاختبارات تهدف إلى
الاطلاع على تطور مرض الزهري في غياب أي علاج، وقال لهم: أقدم لكم
اعتذاراتي وأنا متأسف لتأخرها! .
[الوطن، ع/٧٦٣٣، ١١/١/١٤١٨هـ]
ورغم إيجابية الخبرين إلا أنه من خلالهما يتبين للقارئ الكريم حقيقة الحضارة
الغربية التي وإن أسهمت في تطور الإنسانية وإمتاعها من النواحي المادية إلا أن لها
وجهاً آخر يتجلى في العنصرية والظلم والميكيافيلية وإثارة الحروب بين البلدان
لترويج الأسلحة وربما لتجريب نوعيات جديدة منها، إضافة إلى عالم الحروب
السرية المقرر فيها خسارة ما يسمونه دول العالم الثالث أمام الأحلاف الأخرى،
ويمكن الاطلاع على هذا العالم في كتاب (ألعاب الحرب) لـ (توماس إيلن) أحد
اللاعبين الكبار في ذلك العالم الرهيب، وهذه الحضارة ذات الوجهين مهما تظاهرت
بالوجه الإنساني إلا أنها أحدثت من الأضرار في الدول التي ابتليت باستعمارها
وتسلطها وبعض تصرفات المنتمين لها ما يشهد به حتى المنصفون من مفكريها.
إن معاناة الإنسانية والمسلمين بخاصة من المواقف الجاحدة لفضلهم، وما
قامت به محاكم التفتيش من تنصير عن طريق التعذيب والقتل والسحل الذي لم
يشهد له التاريخ مثيلاً، كانت جسيمة وعظيمة. والاعتراف وإن جاء متأخراً من
الرئيس البرتغالي شيء جميل، ولكن ينبغي أن ينعكس إيجابياً على واقع المسلمين
هناك وهم أقلية وفيهم من هم من أهل البلاد نفسها بإعطائهم حقوقهم المدنية وإشهار
مؤسساتهم الإسلامية وافتتاح المدارس والمساجد أسوة بغيرهم من أهل الديانات
الأخرى، ولعل ذلك يكون في الحسبان في أقرب فرصة، ولعله أيضاً يحتاج إلى
جهد وتحرك من المسلمين أهل الشأن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: ترى
ماذا ستكون ردود أفعال الكُتّاب والمؤرخين البرتغاليين حول إعادة الصورة
الصحيحة لواقع الإسلام وتاريخه بعد ذلك الاعتراف وهل ستصحح الصورة أم لا؟
وأملنا كبير في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي هناك في الجامعات والمعاهد
ولدى المؤرخين والباحثين بصورته الصحيحة، فالرجوع إلى الحق خير من
التمادي في الباطل.
* -أما أمريكا فلا شك أن اعتراف رئيسها بتلك المأساة الإنسانية وإن كان
بهدف غلق ملف العلاقات العنصرية في أمريكا إلا أن هذا الموقف إيجابي وإن جاء
متأخراً؛ ولكن هل هذا الاعتراف للمواطنين السود في أمريكا أم لكل خطأ (غير
إنساني) قامت وتقوم به هذه الدولة الكبرى ولا سيما في مواقفها من قضايا الإسلام
والمسلمين؟
فالدستور الأمريكي ما زال يقف من السود بعامة والمسلمين منهم بخاصة موقفاً
غير منصف، وهذا مسجل في دراسات وأبحاث معروفة، والمسلمون لا يُعْطَوْن
الحقوق نفسها التي تعطى لغيرهم وبخاصة (يهود) الذين استطاعوا أن يكوّنوا دولة
في وسط الدولة، وشكلوا (فعاليات) مهمة لها دورها في توجيه سياسات الدولة
وهيمنتها على موقع القرار، ويستطيع اللوبي الصهيوني أن يعمل ما يريد لا سيما
في مواقفه غير المنصفة من القضية الفلسطينية ومناصرة العدو الصهيوني في كل
سياساته العدوانية، ومع هذا الارتباط المصيري بينهما فاليهود هم اليهود ومصالحهم
هي الأوْلى بالرعاية، ولا نستغرب اكتشاف فضائح جديدة للتجسس من قِبَلهم على
أمريكا مثل (قضية الجاسوس ميجا في وزارة الخارجية الأمريكية) ، ولا نعتقد أن
ذلك غريب إذا عرفنا مكر اليهود وخبثهم وعملهم المستمر لصالح أنفسهم ودينهم فقط.
ثم إلى متى تقف أمريكا مواقف غير منصفة من كثير من دول العالم الإسلامي
وتعمل على تحجيم دورها، ولا سيما حيال إجهاض القرارات المصيرية في هيئة
الأمم المتحدة وإحباطها حتى ولو كانت مجرد إدانات شكلية للعدو، فضلاً عن
وقوفها في وجه أي محاولة للحصول على الأسلحة الاستراتيجية والرفض المطلق
لامتلاك (القنبلة النووية) من قبل دولة مسلمة مثل (باكستان) وتهديدها بكل ما تملكه
من مواقف لإلغاء مشاريعها تلك؛ وفي الوقت نفسه لا تحرك ساكناً تجاه امتلاك
جارتها (الهند) لذلك السلاح والتهديد به لإبقائها الدولة الأولى في القارة، وبالتالي
تهديد مصالح المسلمين ومحاصرتهم في المنطقة؟
وشيء آخر أصبح لكثرة ما تحدثت عنه صحافة الغرب بعامة والأمريكية
بخاصة أمراً ممجوجاً لكنه مسألة كبرى عندهم حيال دول العالم الإسلامي بعامة
والإسلاميين منهم على وجه الخصوص هو الاتهام بإشاعة الإرهاب والتطرف وذلك
يتجلى في أمرين:
أولاً: من الناحية الفردية: مضايقة الإسلاميين حتى ولو كانوا يحملون
الجنسية الأمريكية، والعمل بكل بساطة لتسليم أولئك لإسرائيل وغيرها مما
يواجهون معه مصائر معلومة النهاية كما ظهر في أكثر من حالة.
ولقد رأينا كيف يتحوّل أي عمل إرهابي في أمريكا (وبقدرة قادر) إلى تهمة
إجرامية تفسر رجماً بالغيب: أن من ورائها المسلمين، كما حصل في (تفجير
مركز أوكلاهوما الفيدرالي) وما عاناه المسلمون آنذاك من ضغوط نفسية ومضايقات
غير إنسانية؛ وفي النهاية تبين أن وراء الجريمة عصابة من اليمين الأمريكي
المتطرف، فمتى يُنصف الإسلاميون ويعطون حقوقهم أسوة بغيرهم؟
ثانياً: موقف الولايات المتحدة من الدول التي تعلن تبني الاتجاه الإسلامي مثل
السودان، فالموقف الداعي لعزله وحصاره لا يتفق والعدل والإنسانية في شيء، لا
سيما إذا عرفنا رفض السودان لكل الاتهامات التي تُدّعى عليه، وهذا يحتاج إلى
مزيد من الإنصاف ولا نريد أن يعاني المسلمون بجريرة غيرهم من ظلم المجتمع
الدولي وحصاره ثم لا يُنصفون إلا بعد سنوات!
إن صحوة الضمير ظاهرة تستحق التنويه لكنها في الوقت نفسه تقتضي أن
تكون شاملة كل المواقف السلبية تجاه الإنسانية أو الإسلام، فهل يحدث شيء من
الإنصاف وشيء من العدل حيال أمتنا وشعوبنا، أم أن المسألة انتقائية ومظاهر
إعلانية لا غير؟
هذا ما ستثبته الأيام أو تكذبه.
стр. 2495
دراسات شرعية
جهود الأئمة في حفظ السنّة
(١ من٢)
بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان
بلّغ رسول الله ﷺ دين الله (تعالى) أكمل بلاغ وأتمه،
وحرص على تعليم أصحابه وتفهيمهم دلائل الكتاب والسنة، ولقد تتابع اهتمام
السلف الصالح بحفظ السنة ونقلها على الوجه الصحيح منذ عصر الصحابة (رضي
الله عنهم) إلى هذا العصر، حتى إنّ الصحابة ﵃ لاستشعارهم
أهمية هذا الأمر العظيم، نقلوا لنا كل كبير وصغير من حياة النبي -صلى الله
عليه وسلم-، مما يحتاجه الناس في دينهم، سواء أكان ذلك في حال إقامته أو سفره، في سلمه أو حربه، في رضاه أو غضبه، حتى في خاصته مع زوجاته أمهات
المؤمنين ﵅ ، بل وفي شأنه كله [١] ، ولهذا قال: أبو ذر الغفاري
﵁ : تركَنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه
في الهواء، إلا وهو يذكر لنا منه علماً، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار، إلا وقد بُيِّن لكم) [٢] ،
وهذا مصداق قوله: (تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا
هالك) [٣] .
وعلى الرغم من تتابع القرون، وتعاقب الأجيال.. وعلى الرغم من كثرة
الزنادقة والمفسدين، إلا أن الله (تعالى) حفظ سنة نبيه من التبديل والتحريف،
وبذل أئمة الإسلام جهوداً عظيمة جداً في حفظها ورعايتها، ووقفوا سداً منيعاً في
وجوه الزنادقة والعابثين قديماً وحديثاً، وهذه منّة جليلة على هذه الأمة، نحمد الله
(تعالى) عليها حمداً كثيراً.
وقد تمثلت جهود الأئمة في حفظ السنة في مسائل عديدة، أذكر منها:
أولاً: حفظ السنة وضبطها في عصر النبي ﷺ -وعصر
الصحابة:
- حَثّ النبي ﷺ على حفظ السنة ونقلها:
حثّ رسول الله ﷺ على رعاية السنة النبوية ونقلها،
فقال: (بلغوا عني ولو آية) [٤] ، وكان يقول في مناسبات عدة: (وليبلِّغ الشاهد
الغائب) [٥] .
وكان النبي ﷺ حريصاً أشدّ الحرص على أن يُنقل كلامه
نقلاً صحيحاً دقيقاً، ويتبيّن ذلك في الأمور التالية:
أ- ترغيبه في حفظ السنة ونقلها:
رغّب رسول الله ﷺ في حفظ السنة، ودعا لنَقَلَةِ الحديث
بالنضارة والبهاء، فقال: (نضّر الله امرءاً سمع منّا حديثاً، فحفظه حتى يبلغه
غيره، فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه) [٦] .
وكان يقول لأصحابه: (احفظوهنّ وأخبروا بهن مَنْ وراءكم) [٧] .
وقال لمالك بن الحويرث وأصحابه: (لو رجعتم إلى بلادكم فعلّمتموهم) [٨] .
ب- دعاؤه لأصحابه بالفهم والحفظ:
كان رسول الله ﷺ يدعو لبعض أصحابه بالفقه والفهم،
فهو يقول عن ابن عباس ﵄ : (اللهم فقهه في الدين) [٩] ، وكان
يدعو لبعض أصحابه بالحفظ والضبط، فها هو ذا يقول لأصحابه يوماً: (من يبسط
ثوبه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، لم ينس شيئاً سمع مني أبداً) ، قال
أبو هريرة ﵁ : ففعلتُ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئاً سمعته
منه [١٠] .
ج- تكراره الحديث حتى يُفهم عنه:
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : (أنّه
كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، حتى تفهم عنه) [١١] .
د- مراجعته لمحفوظات بعض أصحابه:
عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال: (إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك
الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوّضت أمري إليك، وألجأت ظهري
إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي
أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت
وأنت على الفطرة) .
قال: فردّدتهن لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: (قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت) [١٢] .
هـ تحذيره الشديد من الكذب عليه:
حذر النبي ﷺ تحذيراً شديداً من الكذب عليه، فقال:
(من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) [١٣] ، وقال: (من حدث عني
بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) [١٤] .
وهذا التحذير إنما هو لمن جاء بعد الصحابة ﵃ ، إذ إن
الصحابة عدول بتعديل الله (تعالى) لهم، (فلا يعرف من الصحابة من تعمد الكذب
على رسول الله ﷺ ، وإن كان فيهم من له ذنوب، لكن هذا
الباب ممّا عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم) [١٥] .
وإذنه للصحابة بكتابة الحديث:
كان النبي ﷺ قد نهى أصحابه عن كتابة السنة [١٦] ،
خشية أن تختلط بالقرآن، أو أن يشتغل الناس بها دون القرآن، فلما أمن ذلك أذن
لأصحابه بكتابة السنة زيادة في الضبط والإتقان، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص
﵄ أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه،
ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ ! فأمسكت
عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى
فيه، فقال: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق) [١٧] .
وفي عام الفتح خطب خطبة في مكة، فجاء رجل من أهل اليمن، فقال:
اكتب لي يا رسول الله، فقال رسول الله: (اكتبوا لأبي فلان) [١٨] .
ولهذا كان النبي ﷺ يحث أصحابه على هذا، ويقول:
(قيّدوا العلم بالكتاب) [١٩] .
ثانياً: حرص الصحابة ﵃ على حفظ السنة وضبطها:
كان الصحابة ﵃ يحرصون على الجلوس عند النبي -صلى
الله عليه وسلم- وحفظ حديثه، وكانوا أخلص الناس في طلب العلم وفهمه، وأكتفي
هنا بالمثالين التاليين:
المثال الأول: تناوبهم في الجلوس عند رسول الله ﷺ :
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار
في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنّا نتناوب النزول على رسول الله
ﷺ ، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم
من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك) [٢٠] .
المثال الثاني: الرحلة في طلب الحديث:
كان الصحابة ﵃ يحرصون على طلب الحديث، ويبذلون في
ذلك جهداً عظيماً، حتى قال عبد الله بن مسعود ﵁ : (والله الذي لا
إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من
كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن نزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه) [٢١] .
وقد رحل جابر بن عبد الله ﵁ مسيرة شهر، إلى عبد الله بن
أُنيس ﵁ في حديث واحد [٢٢] .
وعن عطاء: أن أبا أيوب رحل إلى عقبة بن عامر فلما قدم مصر، أخبروا
عقبة فخرج إليه، قال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ في
ستر المسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول: (من ستر مؤمناً على خزية ستر الله عليه يوم القيامة) ، قال:
فأتى أيوب راحلته فركبها، وانصرف إلى المدينة، وما حلّ رحله) [٢٣] .
وهذه الأمثلة تدلّ على تفانٍ عظيم في حفظ السنة، فكانوا قدوة حميدة لمن جاء
بعدهم من التابعين وتابعيهم، ومراجعة كتاب: (الرحلة في طلب الحديث) للخطيب
البغدادي تعطي تصوراً واضحاً عن الجهد الكبير الذي بذله أئمتنا في جمع السنة
وحفظها.
ثالثاً: توقي الصحابة وورعهم في روايتهم عن النبي ﷺ :
كان الصحابة ﵃ يتورعون أشد التورع في الرواية عن النبي
ﷺ ، فعن عمرو بن ميمون قال: كنت آتي ابن مسعود كل
خميس، فإذا قال: سمعت رسول الله ﷺ ، انتفخت أوداجه،
ثم قال: (أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريب ذلك، أو شبيه ذلك، أو كما
قال) [٢٤] . ...
وعن السائب بن يزيد قال: (صحبت عبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن
عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، والمقداد بن الأسود، فلم أسمع أحداً منهم يتحدث
عن رسول الله ﷺ ، إلا أني سمعت طلحة بن عبيد الله يتحدث
عن يوم أحد) [٢٥] .
وعن أبي إدريس: أن أبا الدرداء كان يحدث بالحديث عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، فإذا فرغ منه قال: هذا أو نحو هذا، أو شكله) [٢٦] .
وعن حبيب بن عبيد الرجي قال: (إن كان أبو أمامة ليحدثنا الحديث كالرجل
الذي عليه أن يؤدي ما سمع) [٢٧] .
رابعاً: دقة الصحابة ﵃ في الرواية:
كان الصحابة ﵃ يتحرون الدقة في روايتهم عن النبي -صلى
الله عليه وسلم-، ويتورعون في ذلك أشد التورع؛ فها هو ذا عبد الله بن عمر
يسمع عبيد بن عمير يحدث بحديث رسول الله ﷺ : (مثل
المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين) ، فقال ابن عمر: ويلكم، لا تكذبوا على
رسول الله ﷺ ، إنما قال رسول الله ﷺ :
(مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين) [٢٨] .
ولهذا قال محمد بن علي: (كان ابن عمر إذا سمع الحديث لم يزد فيه، ولم
ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه) [٢٩] .
وكان الأعمش يقول: (كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخرّ من
السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً) [٣٠] .
ومن كان من الصحابة يروي بالمعنى، فإنه يتحرى الدقة في ذلك، فعن
عروة ابن الزبير قال: قالت لي عائشة ﵂ : يا بني يبلغني أنك تكتب
عني الحديث، ثم تعود فتكتبه، فقلت لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه
على غيره، فقالت: هل تسمع في المعنى خلافاً؟ قلت: لا، قالت: لا بأس بذلك [٣١] .
خامساً: تثبت الصحابة ﵃ في سماع الحديث:
إن للرواية عن النبي ﷺ شأناً عظيماً جدّاً، ولذا كان
أصحابه يتثبتون عند السماع، ويتأكدون من صحة النقل، ونقل عنهم في ذلك أمثلة
كثيرة، أذكر منها:
أ- تثبت أبي بكر الصديق ﵁ :
جاءت الجَدّة إلى أبي بكر ﵁ تسأله عن ميراثها، فقال لها: ما
لك في كتاب الله شيء، ولا علمت لك في سنة رسول الله ﷺ
شيئاً، فقال المغيرة بن شعبة ﵁ : حضرت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن
مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذ لها أبو بكر [٣٢] .
ولهذا قال الذهبي في ترجمة أبي بكر الصديق: (وكان أول من احتاط في
قبول الأخبار) [٣٣] .
ب- تثبت عمر بن الخطاب ﵁ :
عن أبي سعيد الخدري قال: (كنا في مجلس عند أبي بن كعب، فأتى أبو
موسى الأشعري مغضباً، حتى وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول
الله ﷺ يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع؟ قال
أبيّ: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت بالأمس فسلمت ثلاثاً،
ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلوما استأذنت حتى
يؤذن لك، قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ ، قال:
فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقالوا: لا يشهد
لك على هذا إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي
عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ ؛ ألهاني عنه الصفق
بالأسواق) [٣٤] وزاد مالك في الموطأ: أن عمر قال لأبي موسى: (أما إني لم تهمك، ولكني أردت ألاّ يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله ﷺ ) [٣٥] . ...
ج- تثبت عائشة بنت أبي بكر ﵂ :
عن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله
بن عمرو مارّ بنا إلى الحج فالقه فسائله، فإنه قد حمل عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- علماً كثيراً، قال: فلقيته، فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، قال عروة: فكان فيما ذكر: أن النبي ﷺ
قال: (إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعاً، ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم
معهم، ويبقى في الناس رؤساء جهال يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون) ، قال
عروة: فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أحدثك أنه سمع
النبي ﷺ يقول هذا؟ ! قال عروة: حتى إذا كان قابل: قالت
له: إن ابن عمرو قد قدم، فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في
العلم، قال: فلقيته فسألته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى.
قال عروة: فلما أخبرتها بذلك، قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزد
فيه شيئاً ولم ينقص شيئاً، وفي رواية للبخاري أنها قالت: والله لقد حفظ عبد الله
بن عمرو [٣٦] .
د- تثبت عبد الله بن عباس ﵁ :
عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدِّث ويقول:
قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ،
فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! ما لي لا
أراك تسمع لحديثي؟ أُحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع!
فقال ابن عباس: (إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلمّا ركب الناس الصعب
والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) [٣٧] .
стр. 2496
من فتاوى أهل الذكر
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
فتاوى أهل العلم الأثبات هي عصارة علم المفتين وخلاصة فقههم، ومنارات
يُسترشد بها، هي جواب عن مسائل ونوازل ومستجدات، وباب لتبليغ دين الله
(تعالى) .. ونظراً لأهمية (الفتاوى) ، وتحقيقاً لرغبة القراء، فستقوم (البيان) إن
شاء الله (تعالى) بنشر جملة من الفتاوى المهمة، حيث روعي في اختيارها تنوّع
موضوعاتها، وعظم الحاجة إليها في هذا العصر، إضافة إلى تنوّع أصحابها زماناً
ومكاناً.
تساءل بعض الأحبة من الشباب عن حقيقة ما هو شائع لدى بعض المنتسبين
للدوحة النبوية من (آل البيت) من دعوى أنه لا يُعاقَب العصاة منهم تكريماً لانتمائهم
لهذا النسب الشريف، وبينما نحن نُعد السؤال لعرضه على أحد علمائنا الأجلاء
وجدنا السؤال نفسه قد طرح على الإمام الشوكاني ﵀ في رسالته (إرشاد
السائل إلى دليل المسائل) [١] ووجدنا جواباً مفيداً في بابه ننقل السؤال والجواب
فيما يلي:
السؤال: حاصله: ما قيل من أن العصاة من أهل بيت النبوة لا يُعاقَبون على
ما يرتكبون من الذنوب بل هم من أهل الجنة على كل حال تكريماً وتشريفاً! هل
ذلك صحيح أم لا؟ .
الجواب: أقول: لا شك ولا ريب أن أهل هذا البيت المطهّر لهم من المزايا
والخصائص والمناقب ما ليس لغيرهم، وقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث
النبوية شاهدة لهم بما خصهم الله به من التشريف والتكريم والتبجيل والتعظيم، وأما
القول: برفع العقوبات عن عصاتهم، وأنهم لا يُخاطَبون بما اقترفوه من المآثم،
ولا يُطالَبُون بما جنوه من العظائم، فهذه مقالة باطلة ليس عليها أثارة من علم، ولم
يصح في ذلك عن الله ولا عن رسوله ﷺ حرف واحد، وجميع
ما أورده علماء السوء المتقربون إلى المتعلِّقين بالرياسات من أهل هذا البيت
الشريف: فهو إما باطل موضوع أو خارج عن محل النزاع؛ بل القرآن أعدل
شاهد وأصدق دليل على زجر قول كل مكابر جاحد فإنه قال في نساء
النبي ﷺ : [مَن يَاًتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ
ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً] [الأحزاب: ٣٠] ، وليس ذلك إلا لما لهن من
رفعة القدر وشرافة المحل بالقرب من رسول الله ﷺ ، وذريتُه
الأطهار هم أحق منهن بهذا المضمار فإنهم أقرب إلى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وأشرف قدراً وأعلى محلاً وأكرم عنصراً وأفخم ذكراً، ولو كان الأمر كما
زعم هذا الزاعم لم يكن لقوله (تعالى) : [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]
[الشعراء: ٢١٤] ، معنى ولا كبير فائدة، وإذا كان المصطفى يقول لفاطمة البتول التي هي بضعة منه يغضبه ما يغضبها ويرضيه ما يرضيها: (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً) فليت شعري مَنْ هذا من أولادها الذي خصه الله بما لم يخصها ورفعه إلى درجة قصّرت عنها؟ !
فأبعد الله علماء السوء وقلل عددهم؛ فإن العاصي من أهل هذا البيت الشريف
المطهر إذا لم يكن مستحقاً على معصيته مضاعفة العقوبة، فأقل الأحوال أن يكون
كسائر الناس.
فيا من شرفه الله بهذا النسب الشريف! إياك أن تغتر بما ينمقه لك أهل
التبديل والتحريف.
стр. 2497
دراسات تربوية
فضيلة الشكر
العُملة النادرة في هذا العصر
(٢ من٢)
بقلم: د. محمد عز الدين توفيق
تطرق الكاتب في الحلقة السابقة إلى توضيح حقيقة الشكر، فبيّن أنه شعبة من
شعب الإيمان، وصفة من صفات الله، وخلق من أخلاق الأنبياء والمؤمنين، ثم
بيّن قلة الشاكرين. وبعد أن ذكر كفر النعمة الذي يقابل الشكر وضح درجات الشكر
ودوائره ... وفي هذه الحلقة يتابع بيان جوانب أخرى من الموضوع.
- البيان-
شكر اللسان:
ولسان المرء يعرب عما في قلبه، فالكلام اللفظي يترجم ما في النفس ويظهره؛ فإذا امتلأ القلب شكراً لله (تعالى) لهج اللسان بذلك، وقد جاء الإسلام ليعلم الناس
كيف يشكرون ربهم بألسنتهم كما يشكرونه بقلوبهم، جاء يعلمهم ماذا يقولون.
وهذه أمثلة لأذكار وأدعية تتضمن الحمد والثناء على الله (تعالى) وشكره على
نعمه وآلائه:
أولاً: إذا أفاق من نومه يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه
النشور) [١] .
ويقول: (الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد عليّ روحي وأذن لي بذكره) [٢] .
ثانياً: وإذا أوى إلى فراشه لينام يقول: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا؛ فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي) [٣] .
ثالثاً: ومن أذكار الصباح والمساء يقول: (اللهم ما أصبح بي من نعمة أو
بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، من قاله حين
يصبح فقد أدى شكر يومه، ومن قاله حين يمسي فقد أدى شكر ليلته) [٤] .
رابعاً: وإذا أراد أن يستغفر فسيد الاستغفار أن يقول: (اللهم أنت ربي لا إله
إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من
شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت، من قاله حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قاله حين
يصبح فمات من يومه دخل الجنة) [٥] ، والاعتراف بالنعمة والاعتراف بالتقصير
في شكرها، في قوله: أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي.
خامساً: وإذا أراد أن يدعو أي دعاء افتتح بالحمد لله أولاً والثناء عليه بما هو
أهله، ثم الصلاة على نبيه، ويذكر بعد ذلك حاجته.
سادساً: وإذا أراد أن يخطب في جمعة أو نكاح أو أي أمر ذي بال افتتح
بالحمد لله كما كان رسول الله ﷺ يفعل، وتسمى خطبته
الافتتاحية بخطبة الحاجة.
سابعاً: وإذا صلى فالحمد في دعاء الاستفتاح وفي سورة الفاتحة وفي الرفع
من الركوع وفي أذكار ما بعد السلام.
فمن أذكار الاستفتاح: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة
وأصيلاً [٦] .
ومن أذكار الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد حمداً
كثيراً طيباً مباركاً فيه [٧] .
أو (ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء
بعد. أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد. وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما
أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) [٨] .
ومن الذكر عقب الصلوات المفروضة أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمده
ثلاثاً وثلاثين، ويكبره ثلاثاً وثلاثين، ويقول تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، من قال ذلك غفر ذنوبه
وإن كانت مثل زبد البحر [٩] .
ومن أدعية التهجد: اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن،
ولك الحمد أنت قَيّام السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات
والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق
والجنة حق والنار حق ومحمد حق والساعة حق [١٠] ... إلى آخر الدعاء.
ثامناً: وإذا أكل أو شرب أو أفطر أو سافر أو سئل عن حاله أو عطس يقول: الحمد لله.
تاسعاً: وإذا أراد أن يحمد ربه في أي ساعة من ليل أو نهار حمده؛ لأنه من
الأذكار المطلقة: (كل تحميدة صدقة) [١١] .
ولو مكث العبد يومه كله يلهج بالحمد لله (تعالى) ما وفّى شكر نعمة واحدة من
النعم الإلهية عليه، فكيف وهي نعم كثيرة لا تحصى؟ وما أهدف الدعاء النبوي
الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: افتقدت النبي -صلى الله عليه
وسلم- ذات ليلة، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما
منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) .
لا يستطيع أحد أن يحصي الثناء على ربه؛ لأنه لا يستطيع أن يحصي نعمه
عليه، فليسأل العون من ربه، وليقل كما قال رسول الله ﷺ :
(يا معاذُ! إني أحبك؛ فلا تَدع أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك
وشكرك وحسن عبادتك) [١٢] .
شكر الجوارح:
والقلب واللسان معدودان في الجوارح والمقصود ما سواهما من بقية أعضاء
الإنسان وحواسه التي يكسب بها أعماله، والحقيقة: أنه ما من عمل يعمله ابن آدم
إلا وهو فيه شاكر لنعم الله أو كافر لها، ويتصور شكر الأعمال باستعمال النعم فيما
يرضي الله (تعالى) وهذا يحتاج إلى فقه في دين الله (تعالى) ؛ لأن العمل الصالح
الذي يرضاه الله (تعالى) يعرف من طريق الوحي قال (تعالى) : [حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ] [الأحقاف: ١٥] ، فسأل العمل الصالح الذي يرضاه الله
عقب سؤاله التوفيق إلى شكر النعمة؛ وهذا دليل أن الشكر باللسان وحده لا يكفي.
وقد جاء في السنة النبوية أن كل آدمي يصبح معافى في بدنه؛ فهو مطالب
بثلاثمئة وستين صدقة يتصدق بها في ذلك اليوم بعدد مفاصل جسمه؛ وتكون هذه
الصدقات هي الشكر اليومي الذي يفك به رقبته من النار.
وعند النظر في روايات الحديث الوارد في ذلك نجد أنه وَسّع معنى الصدقات
فلم يحصرها في الصدقة المالية، بل جعلها أنواعاً من الأعمال الصالحة فيها أذكار
وعبادات، وفيها أعمال اجتماعية، وفيها أعمال مهنية، وفيها أعمال دعوية..
يجمعها وصف البر والخير أو العمل الصالح، فصارت هذه الأعمال الصالحة
المتنوعة فداءً يفدي به العبد نفسه من النار كل يوم.
أخرج مسلم من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: (خُلق
ابن آدم على ستين وثلاثمئة مفصل، فمن ذكر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح
الله، وعزل حجراً عن طريق المسلمين، أو عزل شوكة، أو عزل عظماً، أو أمر
بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمئة السلامى أمسى يومه وقد
زحزح نفسه عن النار) [١٣] .
وقد تتبع ابن رجب الحنبلي (رحمه الله تعالى) روايات هذا الحديث وألفاظه
في شرحه للحديث السادس والعشرين من الأربعين النووية واستخرج منها أنواعاً
كثيرة من الأعمال سماها النبي ﷺ صدقات، كما تتبعها النووي
(رحمه الله تعالى) في الباب الثالث عشر من رياض الصالحين وجعل عنوانه: باب
في بيان كثرة طرق الخير.
واللافت للنظر في هذه الأحاديث هو التصريح بأن تلك الصدقات (أو
الأعمال) تؤدي عن صاحبها شكر يومه، وقد قسّم ابن رجب في شرحه للحديث
السادس والعشرين المشار إليه آنفاً الشكر إلى: واجب ومستحب، فحمل ما ذكر من
الفرائض واجتناب الكبائر على الشكر الواجب، وحمل ما سوى ذلك من أنواع البر
على المستحب.
ولم يكن قصد النبي ﷺ حصر الصدقات في الأعمال التي
ذكر رغم كثرتها بمجموع الروايات؛ وإنما قصد التمثيل، والقاعدة هي أن كل عمل
صالح فهو صدقة تضاف إلى الصدقات الأخرى التي يؤدي بها العبد شكر يومه
ويجب أن يجاوز في مجموعها ثلاثمئة وستين، وهو شكر يتجدد كل يوم فلا يغني
شكر يوم عن شكر يوم غيره؛ والدليل أن الأمثلة ليست للحصر هو حديث جابر
﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل معروف صدقة) [١٤] .
لا تعارض بين شكر الله وشكر الناس:
لأن الله هو الذي أذن بشكرهم إذا استحقوا الشكر قال (تعالى) :
[أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ] [لقمان: ١٤] .
ولا يخفى الفرق بين شكر العبد وشكر الله، فلا أحد في قلب المسلم يعدل ربّه
وخالقه لكنه يعرف لكل ذي فضل فضله، ويكافئ كل صانع معروف بما يستحقه؛
فإن لم يستطع مكافأته شكره ودعا له وقال: جزاك الله خيراً.
هناك من يشكر المخلوق ولا يشكر الخالق، وهناك من يشكر الخالق ولا
يشكر المخلوق؛ وهدي الإسلام أن يشكر الخالق والمخلوق، وفي الحديث [١٥] :
(لا يشكر الله من لا يشكر الناس) ، أن الله (تعالى) لا يقبل شكر عبده له إذا لم يشكر
من أجرى النعمة على يديه، أو يكون المعنى: أن من كان من طبعه كفر نعمة
الناس كان من عادته كفر نعمة الله.
لا تنظر إلى ما ليس عندك وتنسى ما عندك!
تعرف النعم بدوامها، وتعرف بزوالها، وتعرف بالمقارنة، وتعرف بالتفكر.
ومن الآفات التي تضعف شكر العبد كثرة نظره إلى ما عند غيره من النعم فينسى ما
عنده أو يحتقره، والمنهج السليم أن ينظر ما عنده ويقارنه بما ليس عند غيره؛
فيحمد الله على ما أولاه وآتاه، ويسأل ما ليس عنده من الله وحده، قال الله (عز
وجل) : [لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ] [ابراهيم: ٧] وقال
(تعالى) : [وَلا تَتََمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ] [النساء: ٣٢] .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛
فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله) .
وحتى لا يحيك في صدر المؤمن شيء إذا رأى من يفضله في النعم فإنه ينبغي
أن يذكر بأن النعم ابتلاء يتبعه حساب فعليه أن يُقبل على ما آتاه الله منها فيؤدي
شكره ويسأل الله من فضله والإعانة على الشكر، قال (تعالى) : [وَهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ
خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
العِقَابِ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [الأنعام: ١٦٥] .
وقال (تعالى) : [ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ] [التكاثر: ٨] .
الشكر ووسطية الإسلام:
قد يشتط بعض الناس في فهم شكر ما أسبغ الله عليهم من النعم إلى الدرجة
التي يشددون فيها على أنفسهم ويحملونها على التقشف الشديد والحرمان من الطيبات
بدعوى العجز عن الشكر والخوف من الحساب، وهذا مخالف لهدي الإسلام؛
فالشكر لا يتعارض مع الانتفاع بالنعم إذا كان في حدود الاعتدال؛ قال (تعالى) :
[كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأََرْضِ مُفْسِدِينَ] [البقرة: ٦٠] ، وقال
(تعالى) : [يَا أََيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأََرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [البقرة: ١٦٨] ، ومن اتباعه التبذير والإسراف،
وقال (سبحانه) : [يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إن
كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ] [البقرة: ١٧٢] ، فليس الشكر بتحريم الحلال بل بإحلال الحلال
وتحريم الحرام: [لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن
رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ] [سبأ: ١٥] .
ولو كان شرطاً في الانتفاع بالنعمة أداء ثمنها من الشكر لما وفّت أعمال العبد
كلها بنعمة واحدة؛ فالاعتراف بالنعمة والاجتهاد في شكرها هو المطلوب، والله
(سبحانه) هو الذي يحب إذا أنعم على عبد أن يرى أثر نعمته عليه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 2498
دراسات دعوية
النقد الذاتي خطوة على الطريق
بقلم: يوسف عمر قوش
النقد الذاتي هو إحدى العمليات الأكثر ضرورة وإلحاحاً في حياة الفرد
والجماعة ويقصد به: المراجعة الدائمة، والتقييم المستمر الذي يجب أن يقوم به
الفرد أو الجماعة دون توقف ضمن مجموعة من الضوابط السليمة التي تكفل لهذه
العملية أن تنمو وتتطور وتتواصل بشكل كامل وموضوعية تامة.
ولذا فإننا لا نعجب حين نجد القرآن يُقسِم بتلك النفس التي تعيش دوماً عملية
اللوم والمعايبة، والمراجعة لذاتها، أو بالأحرى لصاحبها؛ تحاسبه، وتدفعه إلى
تصحيح أخطائه، والندم عليها، والعزم على تلافيها في المستقبل أملاً في النجاة
يوم الحساب الأعظم.. يوم القيامة: [لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ
اللَّوَّامَةِ] [القيامة: ١، ٢] .
إن المعطيات والمقدمات الصحيحة توصل إلى النتائج الصحيحة، ذلك قانون
من قوانين هذا الكون، وسنّة من سنن الحياة، وإن على من يُخفق أو يصل إلى
نتائج خاطئة تخالف الأهداف التي وضعها نصب عينيه، عليه أن يبحث جيداً
وبعمق وصدق في أسباب إخفاقه وهزيمته، لكن مثل هذا كان عليه ألا ينتظر
الإخفاق، بل كان من الواجب عليه أن يتابع باستمرار، ويتفحص أولاً بأوّل مدى
صلاحية المواد المتفاعلة (المدخلات) وشروط التفاعل (الوسائل والإمكانيات
وظروف الواقع) ، وذلك كي لا يتوقف هذا التفاعل فجأة أو ينحرف عن مساره
فيؤدي ذلك إلى كارثة قد لا يدركها إلا بعد فوات الأوان.
إننا أمام سنة من سنن الله التي لا تتغير ولا تنحرف، بل تسير بشكل ثابت
وفي مسارٍ ثابت، [فَلَن تََجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً]
[فاطر: ٤٣] ، وإن هذه السنّة، بل وجميع السنن الكونية لم تخلق للمسلم فحسب لكنها خلقت للإنسان الذي يعيش في هذا الكون، فالأقدر على فهمها ووعيها واستيعابها هو دون شك الأقدر على تسخيرها لنفسه والاستفادة منها لصالحه؛ فسنن الله ليس
حكراً على فرد دون غيره أو جماعة دون أخرى، وفي حين أنها تصطدم بمن يسير
في عكس اتجاهها أو يناقضها فإنها أداة طيّعة في يد من يعيها ويستوعبها ويسير
وفقها.
ضرورة النقد الذاتي:
وعملية النقد الذاتي مهمة وضرورية في التغيير والبناء سواء على صعيد
الفرد أو الجماعة؛ لأن عملية التغيير التي تتم دائماً وعلى مراحل تتطلب بعد كل
مرحلة وقفة مراجعة وتأمّل وتقييم يتمّ من خلالها اكتشاف الخلل وتشخيصه، ووضع
العلاج المناسب له بغية تعديل الانحراف وتقويم الاعوجاج.
إن السير وفق السنن الكونية يقتضي إرساء منهج للنقد الذاتي يهدف إلى منع
حالة الفوضى والترهّل التي قد تصيب الفرد أو الجماعة في حال غياب هذه العملية
الحيوية.
إنني على قناعة تامة أننا نعيش ومنذ وقت ليس بالقليل أزمة النقد الذاتي،
وأزمة استخلاص العبر. إننا نعيش إشكالية التناقض مع نظرياتنا وقناعاتنا ومبادئنا
وأفكارنا رغم أننا نمتلك أو ندّعي امتلاك المنهج الذي يدعونا دائماً إلى التفكّر
والتأمل، والقراءة والنظر، واكتساب الخبرة واستخلاص العبر، والاستفادة من
قصص التاريخ وأحداثه وأمثاله!
إن الكثير من التساؤلات التي تبدو معقدة وصعبة تجد جواباً لها إذا وعينا
حركة التاريخ، ونواميس الكون، وسنن الحضارات.
وعملية النقد الذاتي لكي تأخذ شكلها المتكامل لا بد أن تشمل باستمرار مراجعة
النظرية (الاستراتيجية) التي ننطلق أو انطلقنا منها، وكذلك مراجعة أسلوب العمل
(التكتيك) أو وسائل العمل وأدواته، وذلك رغبة في الوصول إلى الصواب وتلافي
الأخطاء.
خصائص النقد الذاتي:
لعملية النقد الذاتي سمات مهمة يجب أن تتوفر فيها كي تحقق هذه العملية
أهدافها وتخرج في صورتها الرائعة، هذه الصفات هي:
١- الشمولية. ٢- الاستمرارية. ٣- الموضوعية.
١- الشمولية: وهذا يعني: أن النقد الذاتي يجب أن يكون شاملاً بحيث
يتعرض لكل عناصر الصحوة وقياداتها دون استثناء، ولتاريخها بأكمله، وواقعها
وحاضرها، ومنهجها وأهدافها، وأساليبها ووسائلها، واستراتيجياتها وتكتيكاتها،
ورؤيتها المستقبلية، كل ذلك وغيره يجب أن يخضع لعملية النقد التي يجب أن لا
يُعفى منها أحد أو شيء؛ فيصبح فوق النقد أو خارج الدائرة.
٢- الاستمرارية: إن النقد الذاتي عملية دائمة ومستمرة ومتواصلة ويجب أن
تكون كذلك، ويجب الحفاظ على ذلك بأيّ ثمن، أي يجب عدم إيقافها في أيّ زمان
ومكان ولأي سبب كان، سواء على صعيد الفرد أو الجماعة؛ وذلك لضرورتها
وأهميتها وحيويتها فهي كالماء والهواء والغذاء للإنسان والجماعة، وإذا تمّ الاستغناء
عنها أو تعطيلها فإن الجسد يصاب بالمرض والموت والتعفن والتحلل.
إن عملية النقد الذاتي يجب أن لا تكون خاضعة في توقيتها للأهواء والأمزجة
بحيث يتم الاستنفار لها في المناسبات المختلفة وللمناسبات المختلفة، بل يجب أن
تلازمنا حتى نشعر بأنها جزء منّا لا نستطيع التخلي عنه في أي وقت من الأوقات.
٣- الموضوعية: وهي تعني التزام جانب العدل في الحكم، والنزاهة في
الموقف، وعدم التحيّز أو التعصب بدون حق.
والموضوعية أهم صفات النقد الذاتي؛ لأن النقد إذا خرج على الموضوعية
كان نقداً ظالماً وسلبياً وغير بنّاء؛ ومن هنا فإننا أمام نوعين من النقد:
١- نقد موضوعي غير متحيز ولا متعصب يهدف إلى البناء، والتغيير
والتقدم نحو الأفضل.
٢- نقد غير موضوعي وهو متحيز ومتعصب لا يعمل على البناء، بل على
الهدم والتراجع إلى الأسوأ؛ لأن الإصرار على الخطأ خطيئة.
صفات الناقد:
وحتى يكتمل حديثنا عن النقد الذاتي لا بد من التطرق إلى الصفات التي يجب
أن يتحلّى بها الناقد، ومن هذه الصفات ما يلي:
١- الوعي: والمقصود بالوعي هنا أن على الناقد أن يكون عالماً بطبيعة
الظاهرة التي يريد نقدها، ويفضّل أن يكون خبيراً بها [فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيراً]
[الفرقان: ٥٩] ، [وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ] (فاطر: ١٤) .
ولا يمكن أن يكون واعياً وخبيراً بها إذا لم يدرس تاريخ الظاهرة فيربط
ماضيها بحاضرها مما يمكّنه من تصوّر الظاهرة في شكلها الكلّي المتكامل والمتداخل
والمتشابك، ويمكّنه بالتالي من تشخيص الخلل الذي يريد انتقاده ويحاول علاجه.
إن رؤية الأحداث كلاّ على حدة، والنظر إلى الأمور منفصلة عن بعضها،
والتفكير في الأشياء منفردة، أو باختصار: ما يطلق عليه المفكر الجزائري (مالك
ابن نبي) مصطلح: (الذريّة في التفكير) يقود بلا شك إلى ضياع الوقت، ويؤدي
إلى عملية نقد غير مجدية يدور فيها صاحبها حول نفسه، ويراوح مكانه دون أن
ينطلق بنفسه أو بجماعته خطوة واحدة.
٢- الإخلاص: إن الدافع لذكر الإخلاص هنا هو أن الوعي أو العلم أو
الخبرة قد لا يجدي نفعاً إذا صاحبته الأهواء والمطامع والشهوات؛ فالأهواء
والمصالح الخاصة تدفع بالأفراد أحياناً إلى نقدٍ غير نزيه وغير عادل، أما إذا كان
الإخلاص هو الدافع وأعني بالإخلاص: الحرص على المصلحة العامة والتفاني في
سبيلها فإن النقد هنا وبدون شك لن يهدف إلى إرضاء جهة معينة أو مجاملتها، كما
أنه لن ينبع من كراهية جهة أخرى أو الحقد عليها.
وكما أن النقد إذا لم يرافقه الوعي والعلم قد يتحول إلى ضربٍ من اللغو
والهراء والمراء، فإنه إذا لم يرافقه الإخلاص والتجرد عن الهوى قد يتحول إلى
شيء من الطعن والتجريح والتشويه والتشهير.
٣- الالتزام: فعلى الناقد أن لا يمارس عملاً ينقده لفظاً، وإلا ذهب نقده
أدراج الرياح، لذا يجب عليه أن يعمل بما يقول فقد [كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا
مَا لا تَفْعَلُونَ] [الصف: ٣] ، فمن انتقد عملاً مّا، وجب عليه اعتزاله.
مجالات النقد الذاتي:
تتم عملية النقد الذاتي على صعيدين: صعيد الفرد وصعيد المجموعة، فالفرد
قد يوجّه النقد لنفسه على أخطاء ارتكبها، والمجموعة أيضاً قد تتناول في داخلها
نقداً لعناصر ثلاثة هي:
١- المنهج. ٢- القيادة. ٣ الأفراد.
فأيّ مرضٍ أو خلل أو انحراف ينشأ في مجموعة ما، فإنما يكون ناتجاً عن
خللٍ في أحد العناصر الثلاثة المذكورة: (المنهج، القيادة، الأفراد) .
والنقد يجب أن يوجه أولاً إلى منهج المجموعة؛ لأنه هو الذي يصنع القيادات
والأفراد، فإذا كان المنهج سليماً وخالياً من النقائص والثغرات والتناقضات، فإن
النقد يجب أن يتجه إلى القيادة نفسها من حيث كفاءتها وقدراتها والتزامها وإخلاصها، فإذا كانت القيادة خالية من العيوب، بعيدة عن الانحراف فإن النقد سيوجّه إلى
أفراد الجماعة على اعتبار أن الخلل كامنٌ فيهم أو كائنٌ بينهم.
من هنا أقول: إن النقد الذاتي يجب أن يطال منهج الصحوة الإسلامية
ودعاتها وأبناءها بحيث لا يبقى أحدٌ فوق النقد، أما أن يبقى المنهج والقيادة خارج
دائرة النقد خوفاً من خدش قدسيتهما، فإن ذلك يحوّل هذه العملية الرائعة البنّاءة إلى
عملية ترقيعية تؤدي مع مرور الوقت إلى تفاقم المرض وانفجار الموقف.
النقد الذاتي والجماعات الإسلامية:
إن النقد الذاتي لا يعفى منه الإنسان المسلم كما لا يعفى منه كُثُرٌ من المنتسبين
للدعوة، فالنقد الذاتي ليس منحة تمنحها أي جماعة لأبنائها وتمنّ عليهم بها، إنه
حقّ منحنا الله إياه، أو بالأحرى هو واجب كلّفنا الله به، وأمرنا
أن نقوم به، وهو عبادة نتقرب بها إلى الله، وإذا فرّطنا في هذه العبادة فسوف
نُحاسَب من قِبَلِ الله (تعالى) عليها.
يجب أن ننقد منهجنا وقيادتنا وأنفسنا، وربما يسأل سائل هنا: كيف ينقد أبناء
الحركة الإسلامية منهجَها، ومنهجُها هو الإسلام؟ ! وكيف ينتقدون قادتهم، وهم
يمثلون الإسلام؟ ! ! .
وللإجابة على هذه التساؤلات وغيرها أقول: إنه جائز للمنضوين في سلك
الدعوة، بل واجب عليهم أن يوجهوا نقدهم لمنهجهم ولقادتهم ولا يخافوا في ذلك
لومة لائم، وعليهم أن يدركوا أن منهج الله شيء ومنهج غيره شيء آخر؛ فمنهج
الله هو الإسلام كما أنزل على محمد، ومنهج الجماعة أياً كانت هو المنهج الذي
وضعه مؤسسوها وقادتها؛ إذ أخذوا من الإسلام ما أخذوا ووضعوا من اجتهاداتهم ما
وضعوا، واجتهاد البشر قد يخطئ وقد يصيب.
لذا فإنني أؤكد هنا أن لا قدسية لمنهج غير منهج الله، ولا عصمة لأحدٍ بعد
رسول الله ﷺ .
وأخيراً: فإن النقد الذاتي عملية مهمة وضرورية ولازمة لكل زمان، وهي
عملية لها خصائصها التي يجب ألا تفارقها، كما أن للناقد أيضاً صفاته التي يجب
أن تلازمه، وللنقد الذاتي أيضاً مجالاته التي يتمّ فيها.
وأعود مؤكداً: أن على كل فرد أن يمارس النقد الذاتي داخل نفسه، وداخل
أسرته وبيته، وداخل جماعته ومجتمعه، ويعمل على التشجيع عليه باستمرار،
وإن من يدّعي أن النقد يثير الفتن ويمزّق الصفوف لا بد له أن يعلم جيداً أن
الصمت والسكوت أشد خطراً وهو الذي يمزّق ويهدم، أما النقد الذاتي الموضوعي
والمنصف فيوحّد ويبني.
والله، نسأل للجميع التوفيق والسداد،
стр. 2499
بأقلامهن
قلتُ لصاحبتي.. وقالت لي ! !
حوار.. دعوي
بقلم:نجوى الدمياطي
.. هي إحدى ذوات القلوب المؤمنة والنفوس المجاهدة..
وقد اعتدنا أن نلتقي في جلسة نتواصى فيها بالحق وبالصبر، ونحاول فيها
الارتقاء بأنفسنا فكرياً وسلوكياً عبر التعلم والتحاور في مسائل شرعية.
وفي يوم.. دخلت عليّ غاضبة وهي تردد: (لا فائدة.. لا فائدة) .
.. ولم تنتظر سؤالي عن سبب ذلك، حتى بادرتني قائلة: لقد اكتشفت أنني
كنت غبية، بل بلهاء ساذجة! ! .
.. حاولت تهدئتها، ثم سألتها: ماذا حدث؟ .. فلم ترد جواباً.
قلت: اهدئي وقصّي عليّ الأمر فربما أستطيع مساعدتك!
قالت: أتعرفين (فلانة) كم ساعدتها وأحسنت إليها؟ .
أتعرفين (فلانة) كم أهديت لها وتوددت إليها؟ .
أتعرفين (فلانة) كم بذلت مالي وجهدي من أجلها؟ .
.. لقد اجتمعن عليّ، واختلقن حولي الشائعات والافتراءات التي لا حصر
لها..
إني لا أجد أي تفسير لموقفهن ضدي.. ولكني أعرف التفسير الصحيح
لمواقفي السابقة معهن.. لقد كنت غبية.. بلهاء.. ساذجة.
قلت: اهدئي: صاحبتي وأختي.. اهدئي فإن هذه التجربة الصغيرة التي
مررت بها هي رصيد كبير لإدراك سنة من سنن الله في خلقه، تلك السنن التي
يمثل النظر للأفراد والمجتمعات والأحداث من خلالها الوقاية من أن تجمح بنا
العوامل النفسية إلى التشاؤم المفرط، أو التفاؤل الذي تشم منه رائحة السذاجة..
والعلاج لأغلب مشكلاتنا الاجتماعية! !
قالت: هل هذا هو وقت فلسفة؟ .
قلت: النظر إلى سنن الله في خلقه ليس فلسفة بالمعنى الذي تقصدينه.... بل النظر إلى سنن الله في حياة البشر هو نظر في قوانين ثابتة مطردة لا
تحابي أحداً مهما زعم لنفسه من مسوغات المحاباة، ولا تتغير مهما تعجل الأذكياء
أو توهم الأصفياء [فَلَن تََجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً]
[فاطر: ٤٣] .
قالت: وما علاقة ذلك بما نتحدث عنه؟ .
قلت: لقد أمرنا رسول الله ﷺ بالنظر السنني في مواقف
البشر فقال: (تجدون الناس كإبلٍ مئةٍ، لا يجد الرجل فيها راحلة) [١] .
فكما أننا قد لا نجد في مئة من الإبل الواحدة التي تصلح لعبور المفازات وسير
المسافات؛ فكذلك البشر! ! .. قلّ أن تجد فيهم متكامل الصفات نسبياً ... فإذا رأينا
تساقط العناصر الإسلامية لم نَرَ في ذلك أمراً عجباً أو مفاجئاً.. بل هو أمر طبيعيّ!!.
قالت: طبيعي! .. تريدين أن نرضى بواقعنا الأليم، ونقبل واقع هذه
الأوساط الدنسة الحقيرة؟ ! .
قلت: لم أقصد ذلك أبداً.. بل يجب علينا أن نحاول الارتقاء بأنفسنا إلى
المستويات السامقة، والأخذ بيد من يسقط بقدر ما نستطيع..
إنما قصدت ألا يؤثر تساقط الأخريات فينا، فيكون مصيرنا نحن أيضاً هو
السقوط! ! .
ثم.. أريد أن أحدثك حول كلمة: (الأوساط الدنسة) التي ذكرتها؟ ! .
قالت: ماذا تقصدين؟ إنها أوساط دنسة حقيرة بالفعل! ! .
قلت: لماذا لا نرى الأشياء حولنا إلا (دنسة حقيرة) أو (طاهرة مقدسة) ؟ ! .
لماذا لا نرى في الآخرين الخير كما نرى فيهم الشرور؟ ! .
لماذا لا تكون نظرتنا إليهم بأن (نعتقد فيهم الخير، ونعرّفهم بأحسن الأوصاف
التي اتصفوا بها، ولو بمجرد الإسلام) كما أخبر الإمام الشاطبي.
لماذا لا نتقبل منهم أحسن ما عملوا، ونتجاوز عن أخطائهم معنا؟ .
لماذا لا نفتش عن أعمالهم الطيبة، وندفن السيئات منهم ونعرض عنها؟ .
إن كل بني آدم خطاء.. فلماذا يسهل علينا رؤية الآخرين خطائين، ولا
تحدثنا أنفسنا ولو للحظة أننا قد نكون المخطئين؟ ! .
قالت: وما الخطأ الذي وقعت فيه وأنا أعامل من ذكرتهن لك؟ .. اللهم إلا إن
كان إحساني إليهن هو الخطأ.
قلت: الإحسان لا يكون خطأً أبداً.. ولكن الإحسان ليس هدايا وصدقات وبذل
مال وإطعام طعام فقط، بل الإحسان عمل أخلاقي شامل يتناول كل ما هو معاملة
طيبة، وأقوال حسنة.. وقد أشار القرآن إلى هذا المفهوم الواسع للإحسان فقال
(تعالى) : [قُوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌ حَلِيمٌ]
[البقرة: ٢٦٣] .
قالت: لا أخفيك سراً.. إني أحس اليأس في إصلاح من حولي! ! .
قلت: لا يا أختاه.. انبذي عنك اليأس، واستمسكي بالثبات والصبر، فإنه
(يجب علينا أن نثبت على الحق، وليس علينا أن نأخذ بمجامع الخلق إليه، إذ ليس
ذلك إلينا، بل الله وحده هو الهادي والمضل، وقال ربنا (سبحانه) : [إنَّمَا أَنتَ
نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ] [هود: ١٢] .. فالتزمي أختاه هذه الوصية ولا
تطلبي الناس بما ليس لك، واطلبي نفسك بما قلت من الحق، والله يعينني وإياك
على القيام بحقه) .. هذه هي وصية الإمام الشاطبي ﵀ [٢] .
قالت: وكيف السبيل إلى ذلك؟ .
قلت: بأن نتخلى عن المصادمات الحادة مع الآخرين، ونسلك معهم طريقاً
يتسم باللين والتدرج في معالجة الأمور؛ بمعنى أن نتمسك بالحق كله، مع المرونة
في الدعوة لهذا الحق كما أخبر الإمام الشاطبي ﵀ : (فرأيت الهلاك في
اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عنّي من الله شيئاً فأخذت في ذلك على
حكم التدريج في الأمور) [٣] .
قالت: إن الإنانية وحب الذات قد ملأت قلوب الناس..
قلت: نعم.. إن أكثر الشرور إنما تأتي من إيثار الذات (من الأنانية)
والتحاسد والكراهية والبغضاء والتدابر.. وعلاجُ هذه الأمراض النفسية البغيضة:
اتباعُ الشريعة فيما جاءت به من محبة الناس ومواساتهم والإحسان إليهم..
ولقد علمنا القرآن: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ
وَلِيٌّ حَمِيمٌ] (فصلت: ٣٤) .
.. قد يكون هذا أمراً صعباً، ولكنه ليس مستحيلاً.. فقط يحتاج إلى الصبر، ولذلك كان تعقيب القرآن على الآية: [وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ]
[فصلت: ٣٥] .
فهل يمكن أن نرتقي بأنفسنا إلى هذا المستوى السامق؟ .
هل يمكن أن نُعلّم أنفسنا الدفع بالتي هي أحسن؟ .
هل يمكن أن نجتث جذور الكراهية والحسد والغل.. تلك الجذور الخبيثة التي
تجعل حياتنا وحياة الآخرين جحيماً؟ ! .
[ ... وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ] [المطففين: ٢٦] .
قالت: إن مشكلتنا معقدة.. إني أراها أحيانا مستحيلة الحل! ! .
قلت: إنها معقدة بالفعل.. ولكنها ليست مستحيلة على العلاج، بل إنني حين
أسمع شكواك وشكوى أخريات من سوء أوضاعنا وعدم رضاهن عن واقعنا.. حين
أسمع ذلك كله لا أخاف ولا أحزن! ! .. إن هذا (القلق) من واقعنا هو (أرضية
الحل) .. هو المناخ الذي يساعد على ظهور الحلول لما نحن فيه، وخاصة إذا آمنا
بإمكانية صنع البديل، إذا آمنا بإمكانية التغيير..
إن مدخلنا إلى هذا التغيير، هو تغيير ما بأنفسنا.. فحين نغير ما بأنفسنا،
فإن الجو سيتهيأ للتغيير وفق سنة الله التي لا تتغير ولا تتخلف [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] .
ومدار هذا التغيير في التعامل مع الآخرين قاعدة عظيمة ذكرها الإمام ابن القيم
بقوله: (كن مع الحق بلا خَلْق، ومع الخلق بلا نفس) [٤] .
فتأملي أختاه هاتين الكلمتين، فإنهما مع اختصارهما قد جمعا قواعد السلوك،
وكل خلق جميل..
إن فساد الأعمال إنما ينشأ من توسيط الخلق بينك وبين الله (تعالى) وفساد
الأخلاق وتوسيط نفسك بينك وبين خلقه..
فمتى عزلت الخَلْق حال كونك مع الله.. وعزلت نفسك حال كونك مع الخلق.. فقد فزت في الدنيا والآخرة..
قالت: ألا ترين أن فكرة أن نعيش مع الناس بلا نفس فكرة صعبة؟ .
قلت: نعم.. قد تكون فكرة صعبة، ولكنها هي طريق تزكية النفس،
وطريق تغيير الآخر..
إنها طريقة أهل السنة والجماعة الذين ينصرون الحق ويرحمون الخلق..
إنها طريقة من يقيمون علاقاتهم مع كل الأمة وفي قلوبهم الرضا عن أفرادها
باعتبارهم إخوة.. وكيف لا يرضونهم إخوة لهم، وقد رضيهم الله عبيداً له؟ ! .
أختي الحبيبة.. إن مجتمعنا ليس (فلانة) و (فلانة) ..
ليس أنا وأنت.. إنه أكبر منذ ذلك بكثير.. وإذا كان يمر بمرحلة من مراحله
مليئة بالمشكلات، فإن طريقنا إلى حل مشكلاته هو أن نعرف جوانب النقص في
أنفسنا، فلا ننكرها ولا نخفيها، وإنما نواجهها بصراحة ليكون ذلك بداية الشفاء من
أمراض الأمة..
قالت: سبحان الله.. كيف غاب ذلك عني؟ ..
إن تبرئة الذات واتهام الآخرين ليس طريق القرآن وليس طريق السنة.. ففي
القرآن [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] [آل عمران: ١٦٥] .
وفي السنة من دعاء النبي ﷺ : (اللهم اغفر لي هزلي
وجِدِّي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي) ..
قلت: نعم.. أختي الحبيبة.. إن نقصنا يدفعنا إلى ذم الآخرين بدل أن نبحث
في ذواتنا..
إن طريق الحل لواقعنا المريض، أن نذبح غرورنا.. وننحر التعالي في
نفوسنا.. أن نتخلص من الكبر الذي لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه..
فهل يمكن أن نواجه الحقيقة المرة؟ .
وهل نتعلم كيف نحول المرارة إلى حلاوة؟ .
.. لا بد من محاولة للتغلب على نقائصنا.. ذلك أن هذه المحاولة هي طريق
الفلاح في الدنيا والآخرة.
[وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ]
[العنكبوت: ٦٩] .
стр. 2500
مقال
في الصراع الفكري
ملاحظات على معركة حسن حنفي
وجبهة علماء الأزهر
بقلم: جمال سلطان
على طريقة المسلسلات التلفزيونية السمجة والمملة، ظهرت حلقة جديدة من
تمثيلية المفكرين الأحرار المضطهدين في مصر، من قِبَلِ الإسلاميين المتطرفين،
وكانت الحلقة الجديدة، هي تلك المتعلقة بحادثة الدكتور (حسن حنفي) ، أستاذ
الفلسفة في جامعة القاهرة. وحاصل (السيناريو) : أن الدكتور (يحيى إسماعيل) ،
الأستاذ بجامعة الأزهر، والأمين العام لجبهة علماء الأزهر نشر مقالاً سماه (بياناً)
يهاجم فيه أفكار الدكتور (حسن حنفي) ، ويصفها بأنها أفكار تدميرية، ولكن المقالة
التي سلمها للصحيفة التي قامت بنشرها، كانت مكتوبة على أوراق خاصة بجبهة
علماء الأزهر، وقد ختمها الرجل بوصفه الأمين العام لجبهة علماء الأزهر، وهنا
قامت الدنيا ولم تقعد بعد: هجوماً على الأزهر وجبهة علماء الأزهر، وعلى
الإسلاميين سلفاً وخلفاً، وتحدثت هذه الحملات عن دعوى (تكفير حسن حنفي) ،
وأن (جبهة علماء الأزهر) هي مجرد واجهة لتنظيمات إسلامية غير مشروعة،
ونحو ذلك من طلقات طائشة كثيرة، يصعب إحصاؤها، مما نشر في الصحافة
المصرية والعربية خارج (مصر) ، ولم يشفع للدكتور (يحيى إسماعيل) ما أعلنه
مراراً من أنه لا يكفر (حسن حنفي) وإنما هو يفضح ما يراه انحرافاً فكرياً في كتبه
ومقالاته، كما لم ينفع البيان الذي أصدره رئيس جبهة علماء الأزهر الشيخ (محمد
عبد المنعم البري) ، الذي أعلن فيه أن ما سمي ببيان من جبهة علماء الأزهر ضد
(حسن حنفي) ، ما هو إلا مقال للدكتور (يحيى إسماعيل) يعبر عن اجتهاده ورؤيته
ولا يعبر بالضرورة عن جبهة علماء الأزهر؛ وذلك أن هناك الآن في (مصر) وفي
بعض العواصم العربية ميليشيات ثقافية وإعلامية علمانية مدربة تدريباً عالياً على
صناعة الفتنة، وافتعال المعارك الثقافية، واصطناع وسائل التشويش والتشويه
للفكر الإسلامي ودعائمه ورموزه السياسية والثقافية والدينية، وما إن تصدر طلقة
الإعلان عن بدء الموقعة، حتى تجد هذه الميليشيات تتحرك بصخب واسع،
وتنسيق بديع، مما يحدث دوامة ثقافية وإعلامية تضيع فيها حقائق المواقف،
وتضل فيها العقول والأفهام، خاصة لمن لا يدري خلفيات الأمور وآليات عمل هذه
الميليشيات، وهذا ما حدث مع قضية (حسن حنفي) ، وما حدث من قبله مع
(نصر أبو زيد) ، وما سوف يقع غداً في تمثيلية جديدة آتية لا محالة.
ولكن واقعة الدكتور (حسن حنفي) تكشف لنا عن غفلة كبيرة في الساحة
الإسلامية في مقابل الوعي الكبير للعلمانيين بطبيعة المعركة التاريخية، والفاصلة
اليوم بين الإسلام والمناهج الوافدة؛ وذلك أن هناك قطاعاً من الدعاة لا ينتبه إلى
حساسيات الصراع الفكري ومستوياته وموازناته، وكذلك أولويات المواجهة،
وبالتالي؛ يحدث كثيراً أن يخسر الدعاة معارك مهمة كان بمقدورهم أن يكسبوها
بيسر بالغ، لو فهموا خلفيات المواقف الفكرية، ولم يتوقفوا عند السطح الظاهر،
ولو أدركوا تناقضات الأفكار والنفوس في المعسكر العلماني، وفي مشكلة (حسن
حنفي) تجلت هذه المسألة بشكل واضح؛ والحقيقة أن إثارة معركة مع (حسن حنفي)
في هذا الوقت، لم يكن له ما يسوِّغه أبداً، ومن أي وجه من الوجوه؛ فالأخطاء
العقدية والفكرية عند الرجل، قديمة، وليست جديدة، والكتب المشار إليها صدرت
قبل سنوات، ومرت دون أن يشعر بها أحد، كذلك فإن أسلوب (حسن حنفي)
المسهب والمطنب في التأليف يجعل القارئ غير المتخصص زاهداً في قراءته،
ولذلك لم يشعر أحد بأي خطر فكري لـ (حسن حنفي) يستحق هذه الضجة الكبرى،
إلا بعد البيان الذي نشره الدكتور (يحيى إسماعيل) ، وأنا شخصياً كتبت منذ سنوات
نقداً لبعض آراء (حسن حنفي) ، ونشرت ذلك النقد في بعض كتبي، ومرّ النقد كما
مرّ كلامه هو نفسه، دون أن يثير الكثير من الانتباه، ولو استقبلت من أمري ما
استدبرت لما فعلت ذلك، فلماذا إذن ننشط الآن لإحياء وترويج الفكر المنحرف
المهمل والمنسي ونجذب الانتباه إليه بدعوى الرد عليه؟ ! كذلك فإن الدكتور (حسن
حنفي) يمثل هذه الأيام شرخاً نفسياً عميقاً في معسكر العلمانية؛ وذلك أن حرصه
على أن يقدم نفسه بوصفه مفكراً إسلامياً متحرراً ومستنيراً ونصيراً للمستضعفين،
جعله يهاجم بقوة وجرأة الأقلام والرموز العلمانية المتحالفة مع الفساد، التي لا
تتوقف عن التخويف من الإسلاميين، وإغراء السلطة بهم، ويصف هذه الرموز
العلمانية من اليمين واليسار بالانتهازية والظلامية، وأنها مجرد واجهات للقمع
الثقافي والسياسي الذي تتعرض له الصحوة الإسلامية، في الوقت نفسه الذي
يتعاطف فيه بوضوح مع الحركات الإسلامية سياسياً ونفسياً وإن كان يختلف معها
بطبيعة الحال فكرياً، وقد شهدت بنفسي مواجهة مثيرة بين (حسن حنفي) وبعض
أقطاب العلمانية في (مصر) ، في إحدى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب،
الذي انعقد في شهر يناير الماضي (كانون الثاني ١٩٩٧م) ، وقذف الرجل في
وجوههم اتهامات دامغة وخطيرة، ودافع عن الإسلاميين ووجودهم وحقهم المشروع
في الوجود الثقافي والسياسي، حتى إنني لما جاء دوري للكلام أثنيت على الرجل
وحييت شجاعته لدرجة أن الشاعر المصري (أحمد عبد المعطي حجازي) وهو من
رموز العلمانية قاطعني بتشنج واتهمني بمحاباة (حسن حنفي) لأنه يحابي الإسلاميين!
ولقد حرصت على مقابلة (حسن حنفي) وتحاورت معه، واستمعت إليه أكثر
مما تحدثت، حيث وجدته شخصية قلقة، ومترددة، ومتعاطفة إلى أبعد مدى مع
الإسلاميين، وكنت أدرك من خلال دراستي لبعض كتبه أن قناعات الرجل الفكرية
والاعتقادية في قضايا الدين بوجه عام مادية، والإيمان بالغيب عنده مسألة فيها نظر!، وهو متأثر كثيراً بالفيلسوف اليهودي الشهير (باروخ اسبينوزا) ، وبتجربة ما
يسمى (لاهوت التحرر) في نضال شعوب أمريكا اللاتينية، حيث تحالفت الكنيسة
مع الحركات الماركسية، وهو ينظر من هذه الناحية إلى الصحوة الإسلامية والفكر
الديني كمجرد أدوات للنضال الوطني، وحشد طاقات الشعوب، والماركسية هي
قاعدة التفكير عنده، ولذلك تجده يتحاشى المواجهات الفكرية مع المفكرين
الإسلاميين، ويتجنب طرح قضايا الاعتقاد في الندوات العامة، بل إن تأثير (حسن
حنفي) على طلابه في الجامعة محدود جداً ولايكاد يذكر، على غير عادة أمثاله من
أصحاب الأفكار اللادينية، وذلك أن مشروع (حسن حنفي) هو سياسي اجتماعي
بالدرجة الأولى والأساس، ولذلك تجنب ورفض حتى الآن قبول دعوة مناظرة
الدكتور (يحيى إسماعيل) ، وذلك أن أفكاره هي مما لا يصمد طويلاً في ساحة النقد
العلمي الإسلامي، وهذا ما يدركه هو نفسه قبل غيره.
وسط هذه الأجواء، وبهذه الخلفيات، يبدو لي أن إثارة معركة (عقائدية) مع
(حسن حنفي) دون غيره من عشرات العلمانيين الأكثر غلظة وبشاعة وسفاهة،
تمثل نوعاً من سوء التقدير غير المسوّغ، وغير المفهوم؛ والمثير للدهشة أن
هؤلاء العلمانيين الذين يكرهون (حسن حنفي) من صميم قلوبهم ويحاصرونه
ويحاربونه، هم الذين يتاجرون الآن بقضيته، ويتقدمون بوصفهم كتائب المدافعين
عنه ضد الأصوليين والمتطرفين!
إن الصراع الفكري، مثل الصراع السياسي أو العسكري، يحتاج إلى فنون
خاصة في إدارة معاركه، وليس يكفي أن تكون صاحب الحق حتى تنتصر، وإنما
يحتاج الحق إلى حكمة وتخطيط وذكاء ووعي بالواقع، واقع الناس وواقع الصراع
فيه، وبدون ذلك فإننا مهما أخلصنا نكون قد أسأنا إلى الحق وأهله.
стр. 2501
دراسات اقتصادية
آراء وتأملات في فقه الزكاة
(٥)
د. محمد بن عبد الله الشباني
استأنف الكاتب حديثه في الحلقة الماضية عن صور الإنتاج الزراعي، حيث
فصّلَ الحديث عن زكاة الثروة الحيوانية ومنتجاتها مسترسلاً في الحديث عن
الدواجن بوصفها نوعاً من الثروة الحيوانية وقد كيّفها فقهياً وخلص إلى أن فيها زكاة
محدِّداً نصابها ومقدارها. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة طرح مرئياته عن الزكاة
في عسل النحل. ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
عرفنا حكم زكاة الدواجن حسب ما توصلنا إليه بإلحاق حكمها بحكم زكاة
العسل وهنا نفصل حكم زكاة العسل ومقداره على النحو التالي:
أولاً: إن العسل من الطيبات التي أنعم الله بها على عباده، وقد سميت سورة
من سور القرآن بسورة النحل، وقد أشار المولى إلى النحل بوصفه
مخلوقاً من مخلوقات الله التي يجب على الإنسان أن يتفكر في طبيعتها ويستدل بها
على عظمة الخالق، يقول (تعالى) : [وَأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ
الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ
رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أََلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُُونَ] [النحل: ٦٨، ٦٩] ، والجامع بين النحل باعتباره ثروة حيوانية
والأنعام: أن كلا النوعين ينتج عنهما شراب فيه غذاء للناس، يقول (تعالى) : [
وَإنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً
لِّلشَّارِبِينَ] [النحل: ٦٦] .
ثانياً: اختلف فقهاء المسلمين في وجوب الزكاة في العسل على قولين:
الأول: من يقول بوجوب الزكاة في العسل، وهم الأحناف، وقد اشترطوا ألا
يكون النحل في أرض خراجية؛ لأن الأرض الخراجية يُدفع عنها الخراج، ولا
يجتمع حقان لله في مال واحد بسبب واحد، ويروى ذلك عن الإمام أحمد، حيث
سئل: هل في العسل زكاة؟ قال: نعم، أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر؛ قد
أخذ عمر منهم الزكاة.. قلتَ ذلك على أنهم تطوعوا به؟ ، قال: لا، بل أخذه منهم، ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري، وسليمان بن موسى،
والأوزاعي، وإسحق كما ذكر ذلك ابن قدامة [١] .
الثاني: من يرى عدم وجوب الزكاة في العسل، وهم: الإمام مالك،
والشافعي، وابن أبي ليلى، والحسن، وصالح، وابن المنذر.
ثالثاً: استدل الموجبون لزكاة العسل بأدلة، منها ما رواه الدارقطني، وابن
ماجة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- أنه أخذ من العسل العشر [٢] ، وفي حديث آخر في سنن أبي داود والنسائي
عن عبد الله ابن عمرو، قال: جاء هلال (أحد بني مُتْعَان) إلى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي له وادياً يقال له سَلَبَة فحمى
له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب
﵁ كتب سفيان ابن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك،
فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ من
عشور نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء [٣] ، وفي
حديث آخر رواه أحمد وابن ماجة عن أبي سيارة المُتّقِي، قال: قلت يا رسول الله- ﷺ : إن لي نحلاً، قال: أدِّ العُشْرَ، قلت: يا رسول الله -
ﷺ ، احمها لي، فحماها لي) [٤] .
كما روى (البيهقي) عن سعد بن أبي ذباب أن النبي ﷺ
استعمله على قومه، وأن سعداً: قال لهم: أدوا العشر في العسل، وأنه أتى به
عمر، فقبضه، فباعه، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين [٥] ، وروى الترمذي
من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (في العسل كل
عشرة أزُقٍ زق) [٦] ، وفي أسانيد هذه الأحاديث ضعف، ولكن بعضها يقوي
بعضاً [٧] .
رابعاً: أما المانعون لزكاة العسل فقد احتجوا بأمرين:
١- ما قاله ابن المنذر: إنه ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا
إجماع.
٢- إنه مائع خارج من حيوان، فأشبه اللبن، واللبن لا زكاة فيه بالإجماع.
خامساً: إن العسل مال يتحقق من خلال تربية النحل واستخراجه منه، وقد
أصبح للعسل في الوقت المعاصر مزارع متخصصة في تربيته من أجل استخراج
العسل وبيعه، ويتحقق من مزاولة نشاط تربية النحل فضل مال، وكسب، وبالتالي: فإنه مال تجب فيه الزكاة، وقد قال بهذا الرأي من الفقهاء المعاصرين فضيلة
الدكتور (القرضاوي) ، ونحن نميل إلى الأخذ به ونتفق معه على الأدلة التي أيد بها
رأيه، وهي [٨] :
١- أن عموم النصوص المتعلقة بوجوب الزكاة لم تفرق بين مال وآخر، مثل
قوله (تعالى) : [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً] ، وقوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ] [البقرة: ٢٦٧] ، وقوله
(تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ] [البقرة: ٢٥٤] .. وغير ذلك
من الآيات والأحاديث.
٢- القياس على ما فرض الله فيه الزكاة من الزروع والثمار، فالدخل الناتج
من استغلال الأرض يشبه الدخل الناتج من استغلال النحل.
٣- للآثار والأحاديث التي وردت في ذلك من طرق مختلفة يقوي بعضها
بعضاً، وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها؛ فمُرسَلُها يعضد بمسندها.
٤- أما احتجاج المانعين بأنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن، ولا زكاة
في اللبن إجماعاً، فالجواب: ما قاله صاحب المغني: إن اللبن قد وجبت الزكاة في
أصله، وهو السائمة، بخلاف العسل [٩] .
أما بالنسبة لقياس الدواجن بالنحل في حكم الزكاة فيعود إلى عدة أمور، هي:
١- عموم نصوص وجوب الزكاة على كل مال وكل كسب.
٢- أن وجوب الزكاة في النحل والدواجن ليس في أصليهما وإنما فيما ينتج
عنهما.
٣- التشابه في عمليات التربية والاستغلال، من حيث إنتاج خلايا النحل
لزيادة الإنتاج وتكثيره، واتباع أساليب تقنية في زيادة كميات الإنتاج في كل من
النحل والدواجن.
٤- أن صناعة الدواجن وما ينتج عنها من بيض ولحوم تشبه صناعة تكثير
خلايا النحل لإنتاج العسل بقصد الربح وتحقيق الكسب.
سادساً: مقدار الواجب إخراجه: إن المقدار الواجب إخراجه وفق رأي
الموجبين لزكاة العسل هو العشر، قياساً على الزرع والثمر [١٠] ، وقد استدلوا بما
رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان
يؤخذ في زمانه من قرب العسل، من عشر قربات قربة من أوسطها [١١] ، وكذا
بما روى سلمان بن موسى، أن أبا سيارة المتّقِي قال: (قلت: يا رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- إن لي نحلاً، قال: أَدِّ العشر، قال: فاحمِ إذن جبلها، قال: فحماه
له) [١٢] .
وعلى ضوء هذه الآثار يمكن تحديد زكاة العسل وفق الجهد المبذول والكلفة
قياساً على الزرع الذي يكون فيه كلفة، ففيه نصف العشر، وما لم يكن فيه كلفة
ففيه العشر من الإنتاج قبل تكاليف الإنتاج، وهذا مبني على أمرين: الأول:
حديث أبي سيارة المتّقي؛ حيث إن النحل الذي كان يؤدي زكاته كان يرعى في
جبال معينة، ومنع الرعي فيه بالحمى، وليس لأبي سيارة جهد سوى جمع العسل،
فهو أشبه بالزروع التي تسقى على المطر، حيث ورد النص على أن فيها العشر،
وأن فيما سقي بالنضح نصف العشر، كما روى البخاري من حديث ابن عمر
﵄ قوله: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريّاً: العشر، وفيما
سقي بالنضح: نصف العشر) [١٣] .
الثاني: أن إنشاء مزارع تربية النحل أصبح ذا كلفة من حيث التغذية،
والعناية من حيث رعاية الخلايا، وما يسبب ذلك من جهد مكلف يحتاج إلى رأس
مال للحصول على إنتاج من العسل مربح، فأشبه الزرع الذي يسقى بالسائبة أي
يبذل فيه جهد وكلفة.
وجه إلحاق الدواجن بالنحل:
وعلى ضوء ما سبق: فقد ألحقت صناعة الدواجن بالعسل في الحكم لتشابه
الطبيعة، وعلى ذلك: يتم تحديد مقدار الواجب في الدواجن بنصف العشر، حيث
إن تكلفة التغذية والآلات والحظائر وغير ذلك من مؤنة الإنتاج مثل ما يحصل في
الزرع من سقي وجلب الماء، ومَثَل العسل الذي يكون في الجبال والذي لا يستدعي
جهداً مثل ما يتم إنتاجه من المزارع الخاصة بإنتاج العسل.
وبالتالي: فإن مقدار الواجب هو: نصف العشر، أي ٥% من إجمالي
المبيعات، وعدم خصم أي مصروفات تشغيلية بما في ذلك قيمة الفراخ الخاصة
بإنتاج بيض التسمين والأمهات اللاتي ينتجن البيض المخصب، أما بالنسبة
للنصاب: فإن تحديده ملحق بنصاب العسل الذي قيست عليه منتجات الدواجن،
وحيث إنه لم ترد آثار في تحديد نصاب العسل فقد اختُلف في نصابه، فيرى أبو
حنيفة أن في قليله وكثيره الزكاة بناء على أصله في الحيوان والثمار [١٤] .
أما صاحبه أبو يوسف: فقد اعتبر أن النصاب هو خمسة أوسق من أدنى ما
يكال كالشعير، واستدلوا بقول النبي ﷺ : ليس فيما دون خمسة
أوسق صدقة، أما الإمام أحمد: فيرى النصاب مئة وستين رطلاً بالبغدادي، ومئة
وأربعة وأربعين بالمصري، والراجح كما ذكره الشيخ القرضاوي [١٥] أن يقدر
النصاب بقيمة خمسة أوسق، أي ٦٥٣كيلو جراماً من أوسط ما يوسق كالقمح
باعتباره أوسط الأقوات العالمية، وقد جعل الشارع نصاب الزروع والثمار خمسة
أوسق، والعسل مقاس عليهما، فتجعل الأوسق هي الأصل في نصابه، وهو ما
نأخذ به؛ لاتفاقه مع أصل القياس، وبالتالي: فإن مقدار النصاب الذي تجب فيه
الزكاة يعادل ٦٥٣ كيلو جراماً من القمح قياساً، وذلك من قيمة إجمالي بيع
الدواجن [١٦] .
زكاة المنتجات الحيوانية:
من الأنشطة الاقتصادية ذات المردود الاقتصادي والمرتبط بالثروة الحيوانية:
تربية حيوانات غير سائمة تتخذ لإنتاج الألبان، وهذه المشروعات أصبحت تدر
دخلاً وفيراً على أصحابها، كما أن بعض الأنعام تربى في مزارع خاصة من أجل
تسمينها وتوالدها لبيع لحومها وأصوافها.
لقد اختلف في وجوب الزكاة على المنتجات الحيوانية (الألبان) ، حيث أجمع
على أنه لا زكاة فيما يخرج من الحيوان، إلا العسل الذي اختلف فيه [١٧] . إن
قدماء الفقهاء ﵏ لم يتطرقوا إلى معالجة وضع الحيوانات التي تربى من
أجل ما تنتجه من ألبان؛ لعدم ظهور الحاجة لذلك في الماضي، بخلاف عصرنا
الحاضر؛ حيث أصبح إنتاج الألبان وما ينتج عنها من منتجات صناعية غذائية..
تجارة رابحة ومصدراً من مصادر الدخل وتحقيق الثروة.
ومن الفقهاء المعاصرين الذين تطرقوا لزكاة منتجات الثروة الحيوانية: فضيلة
الشيخ القرضاوي، حيث أوجب الزكاة على هذه المنتجات مقاسة على العسل من
حيث إن العسل خارج من حيوان، واللبن خارج من حيوان وقد استرشد لرأيه بما
فرق به الفقهاء بين لبن السائمة وعسل النحل، حيث منع أخذ الزكاة من اللبن
الخارج من السائمة على أساس أن أصل الزكاة وجبت في أصل السائمة، بخلاف
العسل، والمفهوم من هذا: أن ما لم تجب الزكاة في أصله تجب في نمائه وإنتاجه،
وبالتالي: قاس ألبان البقر والجمال ونحوها من المنتجات الحيوانية على عسل
النحل؛ فإن كلاّ منهما خارج من حيوان لم تجب الزكاة في أصله [١٨] ، قد أشار
ابن قدامة في المغني إلى ذلك، حيث فرق بين وجوب الزكاة في العسل وعدم
وجوبه في اللبن بقوله: (أما اللبن فإن الزكاة وجبت في أصله وهي السائمة،
بخلاف العسل) [١٩] ، وبهذا فإن قياس منتجات الحيوان بالعسل في وجوب الزكاة
إنما يعود إلى عدة أمور، منها:
١- أن النحل ليس فيه زكاة كحيوان، إنما الزكاة فيما نتج منه ما دام أن
الزكاة لم تجب في النحل وإنما وجبت فيما نتج منه، فيؤخذ من ذلك قاعدة أصولية:
أن كل ما لم تجب الزكاة في أصله وجبت في نتاجه ونمائه مثل الزرع بالنسبة
للأرض، فالأرض لا زكاة فيها وإنما الزكاة فيما نتج منها.. وهكذا بالنسبة لبقية
الأشياء، وعليه تقاس الأبقار الموقوفة على إنتاج الألبان.
٢- أن سقوط الزكاة في بعض أقوال أهل العلم عن بهيمة الأنعام المعلوفة أو
العاملة واشتراط السوم استند على قاعدة أصولية، وهي: معارضة القياس لعموم
الخطاب في قوله ﵊ : (في أربعين شاة شاة) [٢٠] ، وقد أوضح
الفقهاء أن السائمة مقصود منها النماء والربح، وهو الموجود فيها أكثر ذلك،
والزكاة إنما هي فضلات الأموال، وفضلات الأموال إنما توجد أكثر في الأموال
السائمة، وبالتالي: فقد خصص القياس عموم اللفظ الوارد في الحديث، وما دام قد
أصبح النماء سبباً في قصر الزكاة على السائمة كما ذكره ابن قدامة بقوله: (وصف
النماء معتبر في الزكاة، والمعلوفة يستغرق علفُها نماءَها، إلا أن يعدّها
للتجارة) [٢١] فإن تعلّق وصفها بالنماء ليس في ذاتها، وإنما فيما ينتج عن إعلافها، فالعلف إنما يقصد به تحويله إلى لبن، فهي تُعلف من أجل إنماء اللبن، بالتالي: فيتحقق فيها صفة الربح؛ حيث إن الإنفاق عليها بإعلافها قصد منه تحقيق الربح بما تدره من لبن يتحقق به الحصول على الربح، فالنماء حاصل من خلال ما يتحقق من فضلات خارجة عن بهيمة الأنعام، وبالتالي: وجبت الزكاة فيما نتج منها.
نصاب المنتجات الحيوانية:
يتحدد نصاب المنتجات الحيوانية كالألبان وملحقاتها بنصاب العسل؛ لوجود
الرابطة القياسية بين العسل والمنتجات الحيوانية؛ فالنحل حيوان لا تجب في أصله
زكاة، وإنما تجب على ما ينتج عنه، واللبن مثلاً ناتج من البقر ولكن البقر غير
سائمة وغير معدة للنماء بذاتها، فهي أشبه بالنحل، فالزكاة على ما ينتج عنها،
وبالتالي: فتؤخذ الزكاة من إنتاجها، ويتحدد النصاب إذا بلغ قيمة ما يباع بما يعادل
قيمة خمسة أوسق من القمح؛ باعتباره قوتاً من أوسط الأقوات مثل نصاب العسل،
وما قيل عن نصاب العسل ومقداره يقال عن نصاب المنتجات الحيوانية
ومقدارها [٢٢] .
стр. 2502
تأملات دعوية
الدعاة والبعد الزمني الغائب
بقلم: عبد الله المسلم
حين خرج النبي ﷺ إلى الطائف ليبحث عن مجال أنسب
وأخصب للدعوة، وفعل معه أهل الطائف ما فعلوا، وصف هذه الحال بقوله:
(فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي
فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع
قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم،
فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال: يا محمد! فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت
أن أُطْبق عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن
يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً) [١] .
لقد قال هذه المقالة عقب هذا الحدث وآثاره لمّا تزل بعدُ ماثلة، ولم يقلها وهو
في جلسة تفكير هادئة.
والأمر نفسه نجده في سيرة نوح ﵇ حين لبث يدعو قومه ألف سنة
إلا خمسين عاماً، وحين دعا ربه على قومه قال: [وَلا يَلِدُوا إلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً]
[نوح: ٢٧] ، إذ كان ﵇ يؤمل بذريتهم وأولادهم، فلما يئس من هذه
الذرية دعا ربه عليهم.
إن هذين الموقفين ليعطيان المسلم دلالة على البعد الزمني في تفكير الأنبياء
﵈ وتخطيطهم للدعوة، وهو بُعْدٌ تعاني الأمة اليوم من فقده كثيراً، إنه
مرض ورثه بعض الدعاة والخيِّرين من عقلية المجتمعات الإسلامية التي لا تفكر إلا
فيما تزرعه اليوم وتحصده في الغد وتأكله في اليوم الثالث.
ولقد كان من نتائج غياب البعد الزمني في تفكير الدعاة:
١- الابتعاد عن الأعمال المنتجة العميقة الأثر التي تحتاج إلى وقت وجهد
للقيام بها، ولا تظهر آثارها في الزمن القريب، والعنايةُ أكثر بالأعمال سريعة
الأثر وقريبة النتائج، وهي مهما علا شأنها لا يسوِّغ أن تكون بحال هي الميدان
الوحيد الذي يفكر فيه الدعاة.
٢- غياب الرؤية البعيدة والنظر الاستراتيجي العميق للواقع، وعدم دراسة
المتغيرات التي تحكمه واتجاهاتها، مما يوقع المجتمعات الإسلامية أمام المفاجآت،
ويحرمها من التوقع المسبق للمشكلات، ومن ثم الإعداد لها ومواجهتها، وذلك
واجب ينبغي أن يقوم بأعبائه الدعاة إلى الله .
٣- التسرع في التقويم، والحكم على كثير من الجهود الدعوية التي ربما
لاتظهر آثارها في الزمن القريب المنظور، وترتب على ذلك اعتبار الابتلاءات
التي تصيب الدعوة دلائل فشل وإخفاق، وافتراض ثبات الأوضاع القائمة بكل
متغيراتها وظروفها.
إننا اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في طريقة تفكيرنا، وإعطاء الأمور ما
تستحقه من الوقت مما يؤمل معه أن تنتقل الدعوة إلى مواقع ومساحات كانت قد
حرمت منها، وأن تتسع النظرة ويبعد الأفق.
إننا حين نتأمل شاباً مستجمع القوى والنشاط، يملك قدرات وخبرات،
وحيوية وفتوة، ندرك أن عقدين من الزمان كانت على الأقل هي فترة بنائه توافر
عليها عوامل ومؤثرات عدة لا يمكن أن ينفرد عامل منها في مسؤولية عن جانب
واحد من جوانب شخصيته، فهل نحن نفكر اليوم ولو على الأقل على مدى عقدين
من الزمان؟ فليت الذين عمرهم في الصحوة ربما يقصر عن هذه الفترة يدركون أن
عمر الأجيال والمجتمعات لا يقارن بعمر الأفراد، فكيف، والأمر كذلك، نطالب
المجتمعات بنضج في وقت ربما لا ينتظر فيه نضج فرد من الأفراد؟
وواقع المجتمعات الإسلامية اليوم لم يكن نتاج قفزة هائلة إنما هو نتاج عوامل
عدة أثرت وساهمت مجتمعة في صياغته، يضاف إلى ذلك عشرات من السنين،
فكيف يراد إصلاح هذا الواقع في سنيات عدة؟
стр. 2503
من قضايا المنهج
العلم بالسنن الربانية
(١ من٢)
بقلم: د.محمد أمحزون
لقد وجه القرآن الكريم المسلمين نحو الوعي بعالم الشهادة، فحثهم على النظر
والتدبر والاستقراء؛ للكشف على قوانين المادة وسنن الاجتماع، كما نبّه إلى أهمية
التعرف على السنن التاريخية، والإفادة من ذلك في الاعتبار وبناء الحضارة وكيفية
المحافظة عليها من السقوط.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذه السنن، فذكرها نصّاً في بعض الأحيان [١] ، ولم يذكرها أحياناً أخرى نصّاً، وإنما فهمت من النص دلالة وفحوى [٢] ، ...
وذكرها تارة مضافة إلى الله (تباركت وتقدست أسماؤه) [٣] ، وذكرها تارة أخرى
مضافة إلى أقوام [٤] .
وللإشارة، فإن هذه السنن تعمل مجتمعة ومتسلسلة، فيكون في حصيلتها في
الحياة البشرية ما هو كائن بقدر الله .
وقد نبه الله (جل ثناؤه) المسلمين إلى أن هذه السنن صارمة؛ تتسم بالاطراد
والشمول والثبات، كما في قوله (تعالى) : [فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتََ الأَوَّلِينَ فَلَن
تََجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] [فاطر: ٤٣] ، وقوله (تعالى) :
[سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً] [الإسراء: ٧٧] .
فينبغي إذنْ معرفتها وتدبرها واستيعابها والاستفادة منها، لقوله (تعالى) :
[يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ...
[النساء: ٢٦] .
ومن خلال السنن في كتاب الله (تعالى) وسنة رسوله نفهم التاريخ على حقيقته، ونعرف عوامل البناء والأمن والاستقرار والتقدم، وعوامل الهدم والخوف
والانحطاط والتخلف.
على أن هذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي، والطاعة والمعصية، والإيمان
والكفر، والتوحيد والشرك، فالإنسان إذا أتى الأمر واجتنب النهي ووقف عند حدود
الله، أصاب خير السنة الربانية، وإذا أهمل الأمر وخالفه وارتكب المنهي عنه
ووقع في حدود الله، أصاب شر السنة الربانية [٥] .
وقد انتبه إلى أثر السنن في المجتمعات والاعتبار بها (ابن تيمية) ﵀
فقال: (ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد
فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها؛ لأن الاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم
نظيره كالأمثال المضروبة في القرآن) [٦] .
إن معرفة أثر السنن في الأنفس والمجتمعات ضروري لمعرفة طبيعة هذا
الدين وطبيعة الجاهلية المقابلة.
... وقد جاء الحديث عنها في القرآن المكي، في مواضع كثيرة، وجاء
تصويرها في مواقف كثيرة؛ ليفهم المسلمون طبيعة الصراع بين الجاهلية والإسلام
على حقيقته، وليكونوا على بيّنة من مباينة السبل واختلاف المناهج والتوجهات
والأهداف بينهم وبين الكافرين.
ومن أمثال ذلك: قوله (تعالى) : [وَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ
أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ] [ابراهيم: ١٣، ١٤] .
وقوله (تعالى) : [قَالَ المَلأُ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ
افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ
فِيهَا إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ] [الأعراف: ٨٨-٨٩] .
ومن هنا تأتي أهمية ربط عمل الدعاة بالجهد والعمل وفق السنن التي لا
تحابي فرداً على حساب فرد آخر، أو مجتمعاً على حساب مجتمع آخر، فالنتائج
التي قد يتطلع إليها على وجه الأرض أكثر المؤمنين إيماناً وأشدهم ورعاً وتقوى
سوف يجنيها أكثر الكافرين كفراً وأشدهم فسقاً وفجوراً، إذا وافق المقدمات
الصحيحة المؤدية إليها، وربط الأسباب بمسبباتها، بينما ينتظرها المؤمن ارتكازاً
على إيمانه وحده واعتماداً على ورعه وتقواه، دون أن يطلبها من مقدماتها التي
خلقها الله طريقاً إليها، فأنى يستجاب له! [٧] .
ومرجع ذلك إلى أن السنن الربانية في الحياة البشرية دقيقة كل الدقة، منتظمة
أشد الانتظام، لا تحيد ولا تميل، ولا تجامل ولا تحابي، ولا تتأثر بالأماني وإنما
بالأعمال، وهي في دقتها وانتظامها وجديتها كالسنن الكونية سواء بسواء [٨] .
سنن: الابتلاء، التمحيص، التمكين:
ومن أهم هذه السنن التي نبّه إليها القرآن الكريم: سنة الابتلاء، فهي تضع
المؤمن على محك الاختبار، لقوله (تعالى) : [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا
آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الكَاذِبِينَ] [العنكبوت: ٢، ٣] ، وقوله (جل ثناؤه) : [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ
وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ] [الأنبياء: ٣٥] ، وقوله (عز من قائل) : [إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ] [المؤمنون: ٣٠] .
ومن ثبات تلك السنة أنها قد بسطت في وحي الله وعلمها أناس قبل أن تقرأ
في القرآن الكريم، فهذا (ورقة بن نوفل) الذي كان لديه علم بما عند أهل الكتاب
يقول للنبي بعد سماعه خبر نزول الوحي لأول مرة: (يا ليتني فيها جذعاً، ليتني
أكون حيّاً إذ يخرجك قومك) ، فيسأله النبي ﷺ في تعجب:
(أَوَمخرجي هم؟ !) ، قال: (نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي)
(الحديث) [٩] .
وهذا قيصر الروم يقول في حديثه مع أبي سفيان: (سألتك كيف كان قتالكم
إياه، فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل: تبتلى، ثم تكون لهم
العاقبة) [١٠] .
وجاء في الحديث الصحيح: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك
كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: ربي، إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استَخْرِجْهم كما استخرجوك،
واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن
أطاعك من عصاك) [١١] .
في هذا الحديث دلالة اعتبار ذلك الواقع الضخم ومراعاته، وكذلك ضخامة
التكليف وبدء الحمل، كما يوضح مع ذلك كيف تلتقي السنن الربانية، ومنها سنة
اشتراط الجهد البشري وابتلاء بعض الناس ببعض، مع سنة العهد الرباني بنصر
دينه وأوليائه وإن طال الابتلاء، فهما مقترنتان متضافرتان تعملان عملاً واحداً في
نهاية المطاف [١٢] .
ولعلم الله أن الابتلاء هو الوسيلة لتمييز الصفوف وتمحيص
القلوب، جعله سنة ماضية، فحملُ الأمانة لا يصلح له كل الناس، بل يحتاج إلى
قوم مختارين، وهم الصفوة الذين يعدّون لهذا الأمر إعداداً خاصّاً ليحسنوا القيام به.
ويضرب (محمد قطب) مثلاً لذلك قائلاً: (أرأيت لو أنّ قائداً أراد إعداد جنوده
للفوز في معركة صعبة ضارية، أيكون من الرحمة بهم أن يخفف لهم التدريب
ويهوِّن لهم الإعداد، أم تكون الرحمة الحقيقية بهم أن يشدد عليهم في التدريب،
على قدر ما تقتضيه المعركة الضارية التي يعدِّهم من أجلها؟ والمؤمنون هم حزب
الله وجنوده ولله المثل الأعلى والمعركة التي يعدهم من أجلها هي المعركة العظمى:
(معركة الحق والباطل، التي ينصر فيها الله الحق على يد أولئك الجنود حسبما
اقتضت مشيئته وجرت سنته) [١٣] .
ومن النتائج المترتبة على سنة الابتلاء لاحقاً: سنة التمحيص، فالمؤمن من
جهة يتعرض للمحنة، فيُصقل معدنه من أثرها، وينضج بها كما ينضج الطعام
بالنار، والمنافق من جهة ثانية لا يستطيع الصمود أمام الفتنة فتخور قواه وتنحل
عراه وينكص على عقبيه؛ ولهذا جعل الله (تعالى) التمحيص مَعْبراً لتنقية الصف
المؤمن من أدعياء الإيمان، فيقع به التمييز بين الدر الثمين والخرز الخسيس، كما
في قوله (تعالى) : [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ
مِنَ الطَّيِّبِ] [آل عمران: ١٧٩] ، وقوله (تعالى) : [وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ
وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] [آل عمران: ١٥٤] .
وعلى ضوء سنة التمحيص تتحقق سنة أخرى، وهي سنة التمكين، إذ يمكّن
الله للمؤمنين في الأرض بعد أن يثبتوا جدارتهم واستحقاقهم للنصر
بلجوئهم إليه وحده في وقت المحنة، وتجردهم له، وتطلعهم إليه في زمن الشدة،
مستيقنين من نزول نصره بعد الأخذ بكافة الأسباب المأمور بها شرعاً من صبر
وتقوى وإعداد.
وقد أدرك أهل العلم والبصيرة هذه الحقيقة؛ فعندما سئل الإمام الشافعي
﵀ : (أيما أفضل للرجل: أن يمكّن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى) [١٤] .
ومحصّلة هذه السنن: أن بعضها يمسك برقاب بعض كحلقات السلسلة يشد
بعضها بعضاً، فلا تمكين بلا تمحيص، ولا تمحيص بلا ابتلاء؛ إذ متى تحققت
أوائلها تحققت أواخراها، إنها سنن ساطعة وحقائق ثابتة.
وجدير بالإشارة أن الحكمة من صرامة وثبات السنن الربانية هو أن تنضبط
الموازين وتستقر معايير الحكم على الأشياء والمواقف والأحداث والرجال؛ لكن من
ناحية أخرى: لا ينبغي أن يغتر المؤمن بهذا الاطراد والاستمرار؛ لأنه قد يورث
الغفلة، قال (تعالى) : [لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَذِينَ كَفَرُوا فِي البِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ
مَاًوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ] [آل عمران: ١٩٦-١٩٧] .
فحين يشاهد المؤمن الكفار وهم يسعون في الأرض ويمكّنون اقتصاديّاً
وسياسيّاً وعسكريّاً، وتفيض عليهم كنوز الأرض وخيراتها، فليعلم أن ذلك ليس
(تمكين الرضا) ، بل يندرج ضمن (تمكين الاستدراج) أو سنة الإملاء؛ فمن سنن
الله الجارية أن يملي للكفار قبل أن يهلكهم: [وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ
ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإلَيَّ المَصِيرُ] [الحج: ٤٨] .
كما ينبغي ألا يغتر المؤمن بديمومة وامتداد النعم، فدوامها ينسي عادة أنها قد
تزول في الدنيا بسبب من الأسباب، أو تضمحل وتذهب بموت الإنسان، ولذلك
نبّه القرآن الكريم إلى الاعتبار بفنائها وزوالها: [أَفَرَأَيْتَ إن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)
ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ]
[الشعراء: ٢٠٥: ٢٠٧] .
وللحديث بقية،
стр. 2504
البيان الأدبي
لغة الخطاب
شعر: حفيظ بن عجب الدوسري
مهلاً فقد زال الشباب وودّعَ الليلُ الصِّحابْ ...
وانظر فقد وقف الزمان مخاطباً لك في الترابْ ...
وتأمل الماضي الذي قد صيغ من لَحنِ العذابْ ...
واسأل تواريخ الزمان عن الحساب بلا حسابْ: ...
هل نحن نحيا هكذا بين الحقيقة والسّرابْ ...
هل نحن نمضي هكذا؟ لا والذي فَرَض الكتابْ ...
بل نحن نحيا للعبادة والحياةِ على الصّوابْ ...
نحيا نطيع الله حتى لو بقينا في اغْتِرَابْ ...
حتى ولو كانت حِراب الظالمين على الرِّقابْ ...
سنظل نعبد ربنا حتى ولو زاد الضّبابْ ...
حتى ولو نبحت كلاب الغاصبين فلن نهابْ ...
ضحكت ذِئاب القوم حتى بان للشفتين نابْ ...
فعلمت أن حياتهم قد صار يحكمها الذئابْ ...
وسمعت صوتاً كالعواء فقلت هل تعوي الكلابْ ...
عهدي بها نباحة ما بالها لغة الخطابْ؟ ...
قالوا: تغيّر كل شيء صار كالعَجِبِ العُجَابْ ...
دُبِغَ الإهاب فما تغير في الإهاب سوى الإهابْ ...
وتبدلت كل الثياب ونحن لم نُبلِ الثيابْ ...
هذا لأنا لا نذل ولا نخون ولا نُعابْ ...
دوماً يصيح خطيبنا! لا لن نرُدّ له الجوابْ ...
فلتزرعوا الخير الذي تحيا به الأرض اليبابْ ...
ولتشربوا ماء السحاب لتعتلوا فوق السّحابْ ...
فلربّما نفع الخضاب إذا دنا منه الرّبابْ ...
ولربّما عشنا دهوراً نستفيد من الصعابْ ...
لنزيل عُرْفَ الجاهلية إنه عُرْفُ الخرابْ ...
يا مَنْ تُرِيدُ العيش مثل الماء بالعسل المُذابْ ...
وتريد أن تحيا بلا تعبٍ ولا كدٍ ولا فتحٍ لبابْ ...
لن يستقيم العيش إن لم تُستذلّ لك الهِضَابْ ...
أو أن تسير فتقطع الصحراء بحثاً عن شرابْ ...
فاذكر إلهك دائماً إنّ الإنابة في الإيابْ ...
стр. 2505
البيان الأدبي.. دراسات أدبية
الإبداع في الشعر العربي
بقلم: إبراهيم نهار العنزي
الشعر ملكة يمتلكها الشعراء، وموهبة يتميز بها ذوو الشعور المرهف
والأحاسيس الجامحة والعواطف الجياشة، فهم يعبرون بشعرهم عما يحسون به إزاء
ما يواجهونه في حياتهم من حزن وفرح، وغضب ورضا، وحب وكره، والشعر
صعب كما قال الحطيئة:
الشعر صعبٌ وطويلٌ سُلّمهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمهْ
زلّت به إلى الحضيض قدمهْ ...
فإذا كان قول الشعر ونظمه صعباً؛ فإن الإبداع في الشعر أصعب، بل في
غاية الصعوبة. وقد تفنن الشعراء منذ القدم في كيفية الإبداع في الشعر حتى
عصرنا الحديث، وتنافس الشعراء في هذا الإبداع، فيلقي كل شاعر ما في جعبته
من نتاج شعري حتى تولد لنا عبر التاريخ هذا الموروث من الدواوين الشعرية عبر
العصور التي مرت بها الأمة الإسلامية والعربية والتي حفظت لنا التراث الأدبي
الجم لعدد كبير من الشعراء المشهورين والمبدعين. والإبداع في الشعر لا يكون إلاّ
إذا توفرت ظروفه، وتهيأت أسبابه، ووجدت عوامله، ومن أهم هذه العوامل:
أولاً: الموهبة الشعرية التي قد تكون كامنة في الشاعر ذاته ولا تخرج إلى
النور إلا بمحاولاته الشعرية التي تكشف الستار عن هذه الملكة الفطرية.
ثانياً: العزيمة والرغبة الصادقة في الإبداع الشعري، ولا يكونان إلا إذا توفر
الإنتاج الجيد الذي يحاول الارتقاء بالشعر إلى آفاقٍ أرحب وأوسع.
ولا بد أن يتوفر لدى الشاعر مجموعة كبيرة من الأفكار التي تفرزها مخيلته،
وتكون هذه الأفكار غير مطروقة من قبل، عند ذلك يكون الشاعر قد وصل إلى
محطة من محطات الإبداع الشعري.
ثالثاً: ثقافة الشاعر، وثروته العلمية، واطلاعه على مختلف العلوم، والأخذ
من كل علم بطرف؛ لأن ثقافة الشاعر تنعكس في إنتاجه الشعري، وقد يدرج كثيراً
من معلوماته التي اكتسبها في أبياته الشعرية.
رابعاً: معرفة الشاعر وإحاطته بالنحو العربي والمسائل النحوية؛ لأن فهمه
للنحو ينعكس في إنتاجه الشعري، ولهذا يجب أن يكون ما يكتبه من شعر مطابقاً
لكلام العرب وللغتهم الفصيحة في عصور الاحتجاج. وقد قعّد علماء اللغة الأوائل
اللغة العربية لتيسير فهمها على دارسيها لِمَا طرأ على اللغة الأم من تغيير بعد
عصور الاحتجاج للأسباب والظروف التي مرت بها الأمة العربية والإسلامية في
تاريخها المجيد، فعلى الشاعر أن يولي النحو بالغ اهتمامه، ولا يتأفف من طلب
مسائله وكثرتها، ولا يكون حاله كقول القائل:
أفٍّ من النحو وأصحابه ... قد صار من أصحابه نفطويهْ
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي صراخاً عليهْ
خامساً: إلمام الشاعر باللغة والمفردات والاشتقاق وذلك من خلال اطلاعه
على كتب الصرف والمعاجم اللغوية ومعرفة دلالات المفردات ومعانيها واشتقاقاتها،
واطلاعه يكون على قدر ما تسعفه نفسه.
سادساً: معرفة الشاعر بالتراكيب البلاغية والصور البيانية، وذلك من خلال
قراءة النصوص البيانية التي تحتوي على مثل هذه التراكيب البلاغية، التي تشتمل
على أنواع البديع من طباق وجناس وتورية ورد أعجازٍ على صدورها والتشبيه
والاستعارة والالتفات وغيرها من أنواع البديع. وأعظم نصٍ ينبغي على الشاعر أن
يطلع عليه هو القرآن الكريم؛ لأنه المصدر الخالد والمعين الذي لا ينضب
والمعجزة البيانية الكبرى التي تحدّت أولي البيان وأرباب الفصاحة واللسان؛ فهو
أعظم مصدر نهل من معينه الصافي معظم الشعراء المبدعين بدايةً من صدر الإسلام
وحتى عصرنا هذا، فعلى سبيل المثال، لا الحصر: تأمّل هذه الآيات وما تحويه
من تشبيهٍ بلاغيٍّ راقٍ، قال (تعالى) : [كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ] [المدثر: ٥٠] ،
وأيضاً في قوله (تعالى) : [يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ] [القارعة: ٤] ،
وأيضاً في قوله (تعالى) : [وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغَضَبُ] [الأعراف: ١٥٤] .
والصور البيانية والبلاغية في القرآن الكريم كثيرة جداً.
وكذلك ينبغي على الشاعر الاطلاع على الأحاديث النبوية الشريفة التي تمثل
قمّة البلاغة البشرية؛ لأنها كلام المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى وهو أفصح
العرب وقد أوتي جوامع الكلم، فيتأمل الشاعر ما تحويه هذه الأحاديث من صور
بيانية وبلاغية.
وكذلك الاطلاع على النصوص الأدبية التي كتبها الأدباء المتميزون في تراثنا
الأدبي، والاطلاع على كتب البلاغة وما فيها من تفاصيل لعناصر البلاغة التي
تثري ملكة الشعر عند الشاعر، وتعزز من جمال التذوق الشعري لديه. ولعل
اطلاعه على شعر شعراء الصنعة والبديع الذين اشتهروا في العصر العباسي يثري
هذا الجانب لدى الشاعر، فمن الشعراء المتميزين في البديع: (أبو تمام) ،
و (البحتري) ، و (ابن الرومي) على سبيل المثال.
ومعظم الشعراء يستخدم البديع ليدل على قدرته في التلاعب بالألفاظ والمعاني
وصياغتها كيفما يشاء، مثل قول أبي تمام:
فغرّبتُ حتى لم أجد ذكر مشرقٍ ... وشرّقتُ حتى قد نسيت المغاربا
أو كما قال أبو الطيب:
لنا ملكٌ لا يطعم النوم ... همّه مماتٌ لحيٍّ أو حياةٌ لميتِ
سابعاً: الاطلاع على الموروث الشعري للشعراء السابقين والاستفادة من هذا
الموروث في سبيل الارتقاء بالذوق الشعري والإحساس بجمال ما ابتكره الآخرون
من صور شعرية تندرج في ثنايا قصائدهم مما يعزز الملكة الشعرية لدى الشاعر
المطلع، وينمي معرفته بشعر مَنْ قَبْلَهُ محاولاً بذلك التقليد والمحاكاة.
ثامناً: التقليد والمحاكاة وهذه هي النقلة التي تؤدي إلى الإبداع فيما بعد، وهي
من أهم العوامل التي تصل بالشاعر إلى الإبداع والارتقاء الشعري.
فعندما يقلد الشاعر شاعراً مبدعاً من الشعراء السابقين عن طريق معارضته
لقصيدةٍ مشهورة من قصائد ذلك الشاعر السابق محاولاً من خلال هذه المعارضة
التقليد بالمحاذاة والمحاكاة للارتقاء بهذا العمل الشعري الجديد، سواء وصل هذا
العمل إلى مستوى تلك القصيدة المقلّدة (الأصل) أم لم يصل، فإنه يعتبر معزِّراً
ومثرياً لشاعرية الشاعر (المعارض) ودافعاً له نحو الإبداع.
تاسعاً: أهمية الاطلاع على جيد الشعر: قديمه وحديثه، والاستمرار على
ذلك حتى تستقيم الملكة الشعرية بالاطلاع على روائع أولئك الشعراء.
فإن تهيأت تلك الظروف بهذه العوامل فعند ذلك ينشأ الإبداع في الشعر من
خلال ما ينتجه الشاعر، وما عليه سوى اختيار الموضوعات الجديدة التي لم تطرق
بأسلوب جديد وبفكرة مبتكرة حتى تنفذ في أفئدة القارئين والمستمعين، ويحظى
قائلها عندئذٍ بتقدير الجميع.
стр. 2506
البيان الأدبي
حسرة وعتاب
شعر: محمد بن عبد الرحمن المقرن
كيف أُبْدِي بأَحْرفي ما أريدُ ... وبماذا تراه يحكي القصيدُ
كلّ يومٍ تدقّ بابي عظاتٌ ... ويهزّ الفؤادَ خطبٌ جديدُ
ويح نفسي ألم تفق من هواها؟ ... أوَما هزّ خافقيها الوعيدُ؟
آهِ من يوم سكرتي ومماتي ... حينما أنثني وروحي تجودُ
أستغيثُ الطبيبَ ماذا جرى لي؟ ... قيل: هذا ما كنت منه تحيدُ
لم تُغِثْني دموعُ من كان حولي ... لا ولا عدة الطبيبِ تفيدُ
آه من عمرٍ استقلّ بذنبي ... رَكْبَه، ليته إليّ يعودُ
لست أدري: أبين جنبيّ قلبٌ ... أم هو اليوم من عنادي حديد؟ !
أنا من يستبيح كسبَ الخطايا ... ما بعمري سوى الذنوب رصيدُ
أتلهّى برحمة الله، ويلي! ... إنما أخذُه أليمٌ شديدُ
أوَما آنَ أن أعدّ ليومٍ ... من رؤى هوله يشيبُ الوليدُ
عندها يفرق العباد: شقيٌ ... في لظى النار أو رضيّ سعيدُ
كيف يحلو بلذة الذنب كأس ... وبقعر الجحيم ماءٌ صديدُ؟ !
كيف أجرو على المعاصي وفي الن ... ار حميم تذوب منه الجلود؟ !
تلك ذكرى لمن له اليوم قلبٌ ... ولمن ألقى السمع وهو شهيدُ
إنما زخرف الحياة سرابٌ ... والتقى واحة وظلّ مديدُ
إن حَيينَا بنشوة المال عمراً ... واحتوتنا على النعيم عهودُ
فالجنا منه بعد حينٍ عجيبٌ: ... كفنٌ عن قوامِنا لا يزيدُ
стр. 2507
خاطرة أدبية
أدب الحرفة
خالد أبو الفتوح
الأصل في الأدب أنه تعبير جميل ومميّز عن مجموعة من الانفعالات العاطفية
أو الفكرية، يصعب على صاحبها كتمها حين نضجها، فيقوم بإخراجها في صورة
إبداعية، متقولبة بأحد الأشكال الأدبية المختلفة (شعر قصة مقال مسرحية....)
حاملة خلفية الكاتب الثقافية، وملامح شخصيته الأخلاقية، وسماته النفسية، وحالته
المزاجية الآنيّة.
ولكن.. ماذا إذا قرر كاتب أن (يمتهن) الأدب؟ ! .
إنه يبحث حينها عن أصول (الصنعة) ، ويتكلف الالتزام بها؛ ليستر بها
جفاف انفعالاته التي قد يستدعيها فتتأبى عليه وتستعصي.. ثم مع الدربة والمكابدة
يتمرس كاتبنا على اصطناع المعايشة والانفعال، ويصبح (محترفاً) يستطيع تفصيل
أي فكرة على حسب الطلب! ، فتخرج حينئذ قطع أدبية (استرتش) على قدر
المطلوب تماماً، كما تُنتَج أيضاً قطع (فري سايز) تصلح لجميع المقاسات،
وترضي جميع الأذواق، فالمهم: إرضاء (الزبون) .
إن معظم من عاشوا تجربة الكتابة الأدبية يدركون أن ولادة تعبير عن فكرة أو
إحساس تمر بمراحل ومعاناة ولادة كائن حي، حيث يتم الحمل بالتلاقح مع حدث أو
فكرة أخرى، يعقبها سعادة ونشوة بالموجود الجديد، الذي ينمو ويكبر، يتحرك في
باطن صاحبه الذي تظهر عليه علامات الحمل، وقد تؤدي به إلى حالة من القلق
والاضطراب يصعب فهمها على من ابتلوا بالعقم.. ويخشى الحامل على حمله،
ويتعهده، حتى يتم نضجه، فيطلب الخروج والانفصال عن صاحبه، ولا يتحمل
الأديب بقاءه في باطنه ولو أبقاه ربما يموت أو يولد مشوّهاً، فيحدث مخاض الولادة، وهي أصعب وألذ اللحظات، يستعذب الأديب فيها الألم.. إلى أن تخرج سالمة
إحدى بنات أفكاره.. فيطوف بها سعيداً، يلبسها أجمل ثوب، يعرِّفها إلى كل من
يلقاه.. وقد تموت فيحزن عليها أشد الحزن، وقد تنمو وتكبر وتنتشر في الآفاق،
فيفرح أيما فرح، وينظر إلى بنات أفكاره فيراها (عرائس من نور) ..
ثم يموت الكاتب وتبقى بناته بإذن الله تتزاوج، وتتكاثر، وتلد، وتنتشر في
الثنايا.. وقد تنفعه بعد موته إذا كانت نبتاً صالحاً.
стр. 2508
البيان الأدبي
قصة قصيرة
ثم انتبهت
بقلم: نورة بنت سعيد الصفار
الشمس تلم أشعتها راحلة نحو الغروب، والحديقة الكبيرة في القصر الواسع
ضجت بأصوات الطيور العائدة إلى أعشاشها، والظلام بدأ ينشر أجنحته على الكون، فأنيرت الأضواء في القصر الفخم، وانتشرت روائح العطور مع الزهور يحملها
هواء هادئ.
فتحت البوابة ودلفت سيارة كبيرة فخمة، فوقفت، وخرج منها رجل يظهر
للرائي كأنه في الثلاثين من عمره إلا أنه تجاوز الخمسين، دلف إلى منزله وكان
ضائق النفس، فقد خسر صفقة كانت ستدر عليه أرباحاً طائلة، ولكن ... ها قد
انتهى حلمه بالنسبة لها ... على العموم لن تكون أول ولا آخر صفقة، فالأيام طويلة
والحياة لا زالت تفتح له ذراعيها بكل جمالها، هكذا خاطب نفسه وهو متجه إلى
غرفته، وفتح جهاز التكييف، واستلقى على سريره فالحر شديد، آه هذا كتيب
جديد.. نعم لا بد أنه من ابني (المعاملات الربوية) لقد بلغت به الجرأة بأن يتهمني
بالربا، هذا الولد العاق الأحمق المعقد الذي يترك أحسن الجامعات الأوروبية التي
عرضت عليه.
ألقى الكتاب بعيداً، وفتح جهاز التسجيل ليستمع إلى موسيقى هادئة قد تساعد
على نومه! لكنه سمع من بعيد صوت الأذان فتردد في إغلاق جهاز التسجيل،
وأخيراً قرر أن يغلقه بنفسه، ثم راح يفكر: هل يذهب إلى الصلاة أم لا ... همس
في أعماقه بأنه أحسن من غيره؛ فهو أحياناً يصلي مع الجماعة وكثيراً جداً يصلي
في البيت، وهناك من لا يصلون أبداً، فهو أحسن منهم بالطبع.
ارتاحت نفسه لهذا الخاطر، استرخى وأخذ يفكر في المستقبل، وتذكر آخر
رحلة له فابتسم.. تذكر آخر فتاة قابلها كانت تظنه شاباً ودهشت حين علمت أن له
من الأولاد عشرة أغلبهم متزوج وفي الجامعات، فامتلأ نشوة وفرحاً ... آه ما أجمل
الدنيا، ما أجمل السفر والتلذذ بالمناظر بـ (الكازينوهات) وما فيها! أطلق لنفسه
عنان الأحلام وراح يسبح في بحيرة الأوهام فأخذته وطارت به بعيداً فغرق في
سبات عميق.
ولم يفق إلا على صوت مريع هز الدنيا كلها واضطربت السماوات والأرض، أحس أنه في مكان ضيق لا يستطيع الحراك منه، إلا أن المكان اضطرب
اضطراباً شديداً لسماع الصوت المفزع، فانفرج فخرج منه أشعث أغبر عارياً،
كان الصوت مفزعاً مريعاً يكاد يمزقه، أحس أن أحشاءه تقطعت وأن عروقه
انفجرت.
الفزع العظيم يتجلى في عينيه ولم ينتبه إلا وهو خارج ذلك الشيء الذي
عرف فيما بعد أنه قبره ... الصوت لا زال يدوي في أعماقه: الخوف من كل شيء
حوله، صار كالمجنون يدور ويبحث عن شيء يختبئ فيه، تمنى لو يموت ويرتاح
من هذا الفزع ولكن هيهات أن يتسنى له ذلك فلا موت بعد اليوم، أراد أن يختبئ
في أعماق الأرض فإذا هي تمور ... ركض قاصداً كهوف الجبال فإذا هي تسير
وتتفتت وتطير.
كان يدور ويذهب ويجيء والآلام تحوطه، يبحث عن شيء لا يعرفه، وبعد
أن أضناه التعب علم أنه يبحث عن نفسه فوجدها كامنة في جسمه، تحسس عظامه
وأعضاءه فعلم أنه هو.. فخر صعقاً، وحينما أفاق تحسس الوخزة في قلبه فتذكر
الدنيا.. قبل قليل كنت في غرفتي الهادئة وعلى سريري الجميل.. المريح.. ماذا
حدث الآن؟ هل هذه هي الآخرة؟ ! ما أسرع أيام الدنيا كأنني ما مكثت فيها غير
ساعة، يا ويلتاه إن كانت هذه هي الآخرة؛ لأنني لم أتزود لها.. يا حسرة على ما
فرطت في جنب الله.
حينما كان يحدث نفسه وهو يجري سقط في حشد من الناس الساقطين فمشى
عليه حشد من الناس الزائغين.. المسرعين، وكلما حاول النهوض سقط، وبعد مدة
من الزمان ظنها أعواماً استطاع أن ينهض.. كانت الشمس قد اقتربت من الأرض
أكثر، فأصبحت الأرض كالجمرة تحرق قدميه وهو يحاول أن يرفعهما عنها..
أحس أن دماغه يغلي من الشمس، العرق يتصبب من جسمه، والعطش بلغ به
منتهاه، حوله خلق غارقون في بحار من العرق يحاولون التنفس، فجزع لمنظرهم، لا يزال يركض، لمح من بعيد حوض ماء كبيراً حوله أناس قد ارتووا من الماء،
فاتجه نحوهم وجر أقدامه وجسده المنهك يخوض في عرقه يلهث وهو يصطدم
بجثث لاهثة مثله، فأخذ يحاول الجري والتحامل على نفسه وبعد مدة من الزمان
أحسها أعواماً: وصل إلى المكان فحيل بينه وبين الماء فصرخ: أريد أن أشرب
ولو قطرة، فقيل له: ارجع فهذا حوض النبي ﷺ ولا يَرِدُهُ إلا
الذين أطاعوا الله ورسوله وأخلصوا لله ورفعوا رايته بالجهاد في سبيله.. بالسيف،
بالكلمة.. بالقلم، هذا الحوض لمن خشي الرحمن بالغيب، لمن تبع ما أمر به
الرسول وانتهى عما نهى عنه.. فاذهب.
وألقي بعيداً، كان العرق قد بلغ ركبتيه فوخزه قلبه، تذكر كم كان في الدنيا
يشمت بالعابدين، كم مرة استهزأ بالملتزمين، ورماهم بالتعقيد والانحطاط، تحسر
على نفسه حينما تذكر أنه كان يفتخر بالسفر إلى بلاد الفجور والكفر، كان يعدها
مفخرة، صرخ: ما أغباني، عض أصابع الندم، جحظت عيناه، وهو يتذكر أنه
في سفراته تلك قد اغترف من نهر الشهوات إلى أن ارتوى؛ فحيل بينه وبين هذا
النهر فصرخ: تَعْساً لي، ما أحقر أحلامي كلها كانت في الدنيا، يا ويلتاه ما أشقاني.. وخر مغشياً عليه، وحينما أفاق كان قد أبعد بعيداً عن النهر فأخذ يركض لاهثاً..
يخوض في عرقه وكان في كل لحظة يتمثل الفزع أمام عينيه يكاد أن يتمزق ولسانه
قد أصبح عظماً وفي أثناء ذلك رأى من بعيد ظلاً كبيراً بارداً فيه جمع غفير من
الخلق يستظلون به.. فقال في نفسه: هؤلاء مرتاحون ونحن نعاني من هذا الحر
والعذاب، لماذا لا أذهب معهم؟ اتجه نحوهم يجرجر نفسه من عذاب إلى عذاب،
أنفاسه لا يكاد يستردها لكثرة ما لاقاه من النصب والتعب وحينما اقترب من الظل
سمع صوتاً شجياً يرتل قوله (تعالى) : [وَقِيلَ اليَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا] [الجاثية: ٣٤] ، فعرف الصوت، إنه صوت حبيبه.. ابنه.. فلذة كبده،
فناداه: ابني تعال، انتشلني من هذا العذاب، لا تجعلهم يطردونني كما طردوا
غيري، فقال الابن: لست بأبي، فقال الأب: أنا أبوك في الدنيا تذكر جيداً.
فقال الابن: لست بأبي لا أعرفك، وهذا الظل لا يستظل به إلا من كان فيه
صفة من سبع يعرفهم الله وملائكته، وأنت لست منهم.
تذكر أنه لم يعدّ شيئاً يذكر يوضع له في ميزان حسناته، فصلاته لم تكن كاملة، وليس فيها خشوع، والزكاة لا يخرجها كاملة، الصدقات تمنعه نفسه الشحيحة من
الجود بها، الصوم لم يكن لوجه الله، بل عادة اعتاد عليها، لم يخطر على باله
الحج أو العمرة على كثرة أمواله، كان يفضل أن يسافر إلى الدولة التي سوف تشبع
رغباته ويسوّف بالحج والعمرة.
ارتعدت فرائصه حينما رأى الصحف تتطاير في الهواء، ولفت نظره ابنه
قادماً من بعيد بوجه كأنه فلقة القمر، يحمل كتابه بيمينه، يكاد من الفرحة أن يطير
في الهواء يصيح فرحاً في كل من يقابله من الخلق أو الملائكة قائلاً: هاؤم اقرأوا
كتابيه.. هاؤم اقرأوا كتابيه.. فبلع الأب ريقه الذي أشفى على الجفاف، ونظر إلى
يده الشمال وكأنه يحذرها أن تلتقط الكتاب، ورفع يده اليمين واقترب متعثراً لاهثاً
وأمسك بكتابه فنظر فإذا هو ممسك به بالشمال.. صرخ ... وخرّ راكعاً، وهو
يقول: ما أغنى عني ماليه، وتحسر في نفسه وهو يردد: هلك عني سلطانيه،
كانت صرخاته تتردد في أعماقه وصداها قد ضج به الكون فانتكست رجلاه،
وأصبح خلفه أمامه، وأمامه خلفه، فسقط في هاوية عظيمة ليس لها قرار وهو
يصيح.. لا.. لا.
في تلك اللحظة كان قد سقط عن سريره، وسمع أهله صرخته فأقبلوا عليه،
أخذه ابنه وضمه إلى صدره وقرأ عليه قرآناً فهدأ واطمأنت نفسه، فتح عينيه،
وحينما تيقن أنه لا يزال حياً، وأن الذي مر عليه إنما كان حلماً خر مغشياً عليه من
الفرحة، ولكنه ما لبث أن أفاق مبتسماً عازماً على إعادة حساباته من جديد! .
стр. 2509
المسلمون والعالم
الصراع العربي (الإسرائيلي) تحت الرايات العلمانية
خمسون عاماً من الفشل..!
(١من٢)
بقلم: عبد العزيز كامل
تجري الاستعدادات في دولة اليهود على قدم وساق للاحتفال في العام القادم
بذكرى مرور (٥٠ عاماً) على إعلان (دولة إسرائيل) تلك الدولة المسخ التي
زرعتها أحقاد الغرب، بينما تعهدتها بالرِّي والنماء أخطاء العرب.
نعم، فما كانت (إسرائيل) لتبقى وتعلو، أو لتوجد أصلاً، لولا سلسلة من
أخطاء تترادف، وخطايا تتراكم، ممن وضعوا أنفسهم في واجهة هذا الصراع
الديني الاعتقادي، حيث تعمد هؤلاء عن سابق إصرار وترصد أن يفرغوا هذا
الصراع من محتواه الاعتقادي وخلفيته الدينية من جانبنا، في مقابل تعمد الآخرين
عن سابق إصرار وترصد أيضاً أن يصبغوه بالصبغة العقائدية في كل جزئياته،
بدءاً من اختيار اسم هذه الدولة (إسرائيل) ورمزها (نجمة داود) ودستورها (التوراة
والتلمود) وشعارها (أرض الميعاد) وحلمها التاريخي إعادة بناء (هيكل سليمان) في
(أورشليم القدس) حيث يتطلع اليهود لمجيء ملك من نسل داود يحكم العالم! .
أما بنو قومنا، فتحت الرايات العلمانية المتعددة، قد جدوا واجتهدوا في إبعاد
الإسلام عن المعركة، وإقصاء القرآن عن توجيهها، وتنحية العقيدة الحقة عن
مواجهة العقيدة الباطلة، بل بالغوا في ذلك حتى استبعدوا المسلمين غير العرب من
المشاركة في المعركة ابتداء، فأطلقوا على هذا الصراع: (الصراع العربي
الإسرائيلي) مرة، و (معركة القومية العربية) مرة أخرى، و (أزمة الشرق
الأوسط) مرة ثالثة. بينما كان في الإمكان حشد الأمة الإسلامية كلها خلف الأمة
العربية في هذا الصراع الحضاري المصيري بين أمة الإسلام وأمة يهود.
ولكن الذي حصل ولا يزال يحصل أن القيادات العلمانية تصر على التصدي
لمعركة ليست لها ولا أهلها، وتأبى التنازل عن مبادئها المنافية للدين، على
الرغم من كل أنواع الفشل الذي جرّته على الأمة عبر خمسين عاماً من عمر هذا
الصراع.
ولما كانت هذه الأعوام الخمسون قد انقضى نصفها في الحروب الخاسرة،
بينما انقضى نصفها الآخر في عمليات السلام الفاشلة، فسوف نبدأ أولاً باستعراض
جولات تلك الحروب في النصف الأول من عمر الصراع (١٩٤٨-١٩٧٣م) ثم نثنِّي
بمسارات ومراحل العملية السلمية في المرحلة الثانية من (١٩٧٣-١٩٩٧م) .
الجولة الأولى: حرب أيار (مايو) ١٩٤٨م
انتهت هذه الحرب إلى نتيجة مذهلة؛ إذ تعرضت سبعة جيوش تابعة لسبع دول عربية لهزيمة منكرة، لا أقول أمام جيش لدولة واحدة، ولكن أمام عدة منظمات يهودية شبه عسكرية، وهي تلك التي تم توحيدها بعد ذلك تحت اسم (جيش الدفاع الإسرائيلي) فما الذي حدث..؟
يمكننا التعرف على ذلك من خلال اللقطات التاريخية التالية:
* - بعدما أصدرت الأمم المتحدة قرارها الظالم في نوفمبر ١٩٤٧م بتقسيم
فلسطين بين العرب واليهود، سارع القادة السياسيون العرب إلى اتخاذ قرار بدخول
حرب شاملة ل (تأديب) عصابات اليهود، وكان ذلك القرار حماسياً ارتجالياً، لم
يسبقه إعداد أو تخطيط، وقد عارض القادة العسكريون قرار الحرب بشدة في هذا
التوقيت، وحذروا منه أشد التحذير.
* - فوجئ القادة العسكريون باتخاذ القرار السياسي الفعلي بالحرب، قبل بدء
تلك الحرب بيومين أو ثلاثة، في وقت لم يكن لدى معظم الجيوش العربية حتى
ميزانية تسمح بدخول حرب، ولم يكن قد جرى تدريبها بعدُ على الدخول في
حروب شاملة.
* -اجتمع رؤساء أركان كل من (مصر والعراق والأردن وسوريا ولبنان)
قبل الحرب وأعلنوا الاتفاق على إعداد ما لا يقل عن خمس فرق عسكرية كاملة
الاستعداد والتسليح مع ستة أسراب من المقاتلات والقاذفات، بحيث تكون جميعاً
خاضعة لقيادة عربية موحدة، ولكن هذا الاتفاق لم ير النور، فلم يتم إعداد الفرق،
ولم تدبر الأسراب ولم توحد القيادة!
* -لم توضع خطة منسقة للجيوش العربية لخوض الحرب، بل حُدد لكل
جيش هدف يصل إليه، وأُجِّل التنسيق إلى ما بعد وصول كل جيش إلى هدفه!
* -لم يتجاوز عدد الجنود العرب الذين سيقوا إلى الحرب خمسة عشر ألف
جندي، في حين حشد اليهود نحو ستين ألف مقاتل مجهزين تجهيزاً كاملاً للمعركة
التي لم يقرروا هم البدء فيها.
* - دخلت الجيوش العربية الحرب في ١٥ مايو ١٩٤٨م، دون أي معلومات
عن العدو، بل كانت غالبية تلك الجيوش تقاتل في أرض تجهل طبيعتها وطريقة
القتال فيها.
* - كان الفيلق الأردني هو الأجود من حيث التدريب والتسليح، ولكنه مع
الأسف كان تحت قيادة الجنرال البريطاني النصراني (جلوب) .
* - بالرغم من كل هذا، فقد دفعت العاطفة الإسلامية الجنود العرب إلى
إحراز عدة نجاحات في بداية الحرب، كادت أن تحوِّل الدفة لصالحهم ضد اليهود
المعروفين بالجبن الشديد في القتال، ولكن حكومتي (بريطانيا وأمريكا) أحستا بذلك
الخطر، فسارعتا إلى دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار بفرض الهدنة
اعتباراً من يوم ٨ يوليو ١٩٤٨م ولمدة شهر كامل.
* - مرة أخرى سقط السياسيون في العجلة، ووافقوا على الهدنة، فتنازلوا
بذلك لليهود عن عنصر المبادأة أو المبادرة، وحرص العرب على أن يظهروا
بمظهر الحريص على احترام (الشرعية الدولية) ! التي لم تحترمهم، والتي زرعت
اليهود في أرضهم.
* - حرص اليهود على استغلال كل دقيقة من فترة الهدنة لتغيير موازين
القوى لصالحهم، وسخروا أشد السخرية من غباء القرار العربي بقبول الهدنة،
حتى إن (مناحم بيجن) كتب وقتها يقول: (إننا لا نعرف حتى الآن كيف ولماذا
قبلت الدول العربية الهدنة، بعد أن كان الموقف العسكري في صالحها تماماً) !
* - بعد انتهاء شهر الهدنة، كان اليهود قد نجحوا في تسلم زمام المبادرة
سياسياً وعسكرياً، ثم بدؤوا في حرب استنزاف للجيوش العربية كلاً على حدة، فقد
عادت الحرب ثانية، وكان اليهود هم البادئون هذه المرة، فنفذوا ضربة جوية
مفاجئة لمطار العريش في (مصر) ، وهو المطار الذي كان يعتمد عليه الجيش
المصري؛ لأن بقية المطارات كانت خاضعة للمحتل الإنجليزي، ثم أعقب ذلك
قصف جوي لتجمعات الجيش البرية في كل قطاعات القتال مما أدى إلى حالة من
الفوضى والارتباك.
* - بعد أن حقق اليهود قدراً كبيراً من النجاح وأصبحوا في حاجة إلى فرصة
لالتقاط الأنفاس، أصدر مجلس الأمن قراراً ثانياً بالهدنة، واستجاب العرب مرة
أخرى فأعطوا لليهود فرصة ثانية للمزيد من لمِّ الشمل واستعادة النشاط!
* -عادت الحرب للمرة الثالثة بمعارك متفرقة هنا وهناك، إلى أن أصدر
مجلس الأمن قراره الثالث بإيقاف الحرب نهائيّاً بعد أن فشلت كل الجهود العربية في
إجلاء اليهود عن الأراضي التي احتلوها في فلسطين، وهو ما يعني بعبارة أخرى:
الهزيمة في تلك الحرب والفشل في تحقيق أي من أهدافها!
ومما يجدر ذكره هنا، أن عقد الأربعينات الذي جرت فيه تلك الحرب، قد
شهد انتعاشاً في الشعور بالانتماء القومي العربي، حيث بدأ العرب وقتها في الفصل
بين مفهومي (الأمة العربية) و (الأمة الإسلامية) وتُوِّج هذا الشعور القومي بإنشاء
(الجامعة العربية) رداً على من كانوا ينادون بالعودة إلى (الجامعة الإسلامية) .
الجولة الثانية: حرب ١٩٥٦م:
جاءت الجولة الثانية بعد أن آلت السلطة في بعض الدول العربية إلى أنظمة
ثورية، دعت نفسها بالتقدمية، وكان النظام الثوري العسكري في (مصر) هو
المتزعم لها، وقد عدّ من أهدافه الرئيسة المعلنة: تحرير (فلسطين) والقضاء على
دولة (إسرائيل) ، وجعل من هذا الهدف إلى جانب توحيد العرب تحت راية القومية
العربية قضية يبني بها المجد والزعامة، فماذا كان مسلك الثوريين العساكر بعد أن
تسلموا دفة الصراع مع اليهود..؟ هذا ما توضحه المشاهد التاريخية التالية:
-كان أول عمل قام به (قائد الثورة) (جمال عبد الناصر) بعد تسلمه منصب
الرئاسة رسمياً هو تأميم قناة السويس في ٢٦ تموز (يوليو) ١٩٥٦م، وكان ذلك
قراراً دعائياً اتخذ دون دراسة أو تحسب لما يمكن أن يترتب عليه من نتائج، وقد
جاء رد فعل على صريح لوزير الخارجية الأمريكي وقتها (فوستر دالاس) قال فيه: إن الاقتصاد المصري منهار.
-ثار الغرب لهذا القرار، وخاصة ما كان من (إنجلترا وفرنسا) حيث أخذتا
في الإعداد لإجراء حاسم وتواترت الأنباء عن حشود إنجليزية وفرنسية في
(قبرص) استعداداً لعمل عسكري ضد (مصر) بالاشتراك مع دولة اليهود، ولكن
(عبد الناصر) لم يكترث، ولم يأخذ هذه التهديدات مأخذ الجد، بل كان هناك
استرخاء عسكري بالرغم مما يجري، حتى إن القيادة المصرية خففت من أعداد
القوات المعدة للقتال لأسباب غير مفهومة.
-عندما بدأت نذر الحرب كان اليهود يحتفظون بالتفوق العسكري مقارنة
بالإمكانات المصرية التي يفترض أنها أكبر وأقوى الإمكانات العربية، فقد كان
التفوق ظاهراً حتى في الجانب العددي البشري، فكان التفوق في المشاة بنسبة ١: ٣ لصالح اليهود، وفي القوات البرية (الدبابات) بنسبة ١: ١.٨ لصالح اليهود، ...
وفي سلاح المدفعية بنسبة ١: ٢.٥ لصالح اليهود أيضاً.
-نسق اليهود جهودهم مع حلفائهم استعداداً للحرب، فاتفقوا مع فرنسا على
تأمين الغطاء الجوي الكافي للمدن الإسرائيلية وعلى أن يتولى السلاح البحري تأمين
حراسة السواحل الإسرائيلية، وأن تشارك القوات الفرنسية بالقتال ضد أي دولة
عربية تدخل الحرب إلى جانب (مصر) ، وأُسند إلى السلاح الجوي البريطاني مهمة
تدمير الطيران المصري على الأرض.
-وأخيراً اقتنعت القيادة الثورية بأن أمر الحرب جد لا هزل فيه، فبدأت في
تركيز الجهود على حماية سيناء من الشرق، بينما أهملت الجبهة الجنوبية إهمالاً
مريباً، حيث كان من الغريب أن يخصص لهذه المنطقة الحيوية نحو ١٢٠ جندياً
من المشاة لحمايتها! ! .
-وبدأت الحرب في ٢٩ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٥٦م بمهاجمة الخط الأقل
خطراً في نظر القيادة المصرية، وهو المنطقة الجنوبية من سيناء، وأعلن اليهود
أنهم يقاتلون على بعد ٤٠ كيلو متراً من قناة السويس، حتى يعطوا الذريعة لكل من
إنجلترا وفرنسا للتدخل العسكري، بحجة حماية حرية الملاحة الدولية في قناة
السويس.
-وبالفعل أقدم سلاح الجو البريطاني على ضرب الطيران المصري على
الأرض، واضطر المصريون للقتال دون غطاء جوي على مختلف المحاور،
وأبلى المقاتلون المصريون بلاءً حسناً في القتال، لولا أن الأوامر صدرت من
القاهرة، للقوات الرئيسة بالانسحاب بعد إنذار أرسلت به إنجلترا وفرنسا، وبدأ
الانسحاب ليلة ٣١ أكتوبر ١٩٥٦م، من قطاع إثر قطاع مما سبب حالة من
الارتباك والاضطراب.
-وفي ظل غياب أي غطاء جوي أو طبيعي من جبال أو أشجار، كان
الانسحاب شاقاً ومكلفاً، فقد أصبحت القوات المنسحبة هدفاً مكشوفاً أمام الطائرات
النفاثة المغيرة والمحملة بكل أنواع الأسلحة المدمرة والحارقة.
وهكذا انتهت الحرب بهزيمة الجيش المصري وإهانته في حرب بدأتها الدعاية
وأوصلها الغرور إلى أسوأ نهاية، فقد احتُلت سيناء ولم تنسحب إسرائيل منها إلا
بعد أن ضمنت السماح لها بالملاحة في خليج العقبة كيف تشاء.
وكان لـ (بريطانيا) (صديق العرب المفضل دائماً) الدور الأكبر في تقديم
الجيش المصري لقمة سائغة لإخوان القردة والخنازير.
الجولة الثالثة: حرب يونيو ١٩٦٧م
هي الحرب الثانية في العهد لثوري التقدمي الوحدوي الاشتراكي ... العلماني! وقد كانت عاراً لم تُمسح آثاره إلى اليوم، حيث كان الهدف الرئيس لها احتلال القدس، فتحقق الاحتلال، ولم يتم التحرير إلى اليوم لا سلماً ولا حرباً. وهذه بعض المشاهد التاريخية للكارثة التي سميت زوراً (نكسة) !
-تضخم الغرور في الذات اليهودية بعدما تم إحرازه من انتصارات رخيصة
على شعوب مغلوبة على أمرها، ولم تكد تنقضي عشر سنوات على حرب ١٩٥٦م
حتى تفتحت شهية اليهود لحرب جديدة، ففي شهر ديسمبر ١٩٦٦م أعلن (ليفي
إشكول) رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت، نية بلاده في دخول حرب جديدة
ضد العرب وهدد بغزو (سوريا) ، في لهجة جديدة وغير معهودة من اليهود
المتظاهرين أبداً بالمسكنة والاستضعاف.
-وفي عام ١٩٦٧م لم ينقض شهر نيسان (إبريل) منه حتى كان اليهود قد
نفذوا ما توعدوا به؛ فشن سلاحهم الجوي هجوماً ضخماً ضد (سوريا) ، وفي الشهر
التالي هدد الهالك (إسحاق رابين) بدخول دمشق، بعد افتعال مشكلة وأزمة بسبب
تحويل مجرى نهر الأردن، وقيام أعمال فدائية ضد دولة اليهود من داخل (سوريا) .
-وكان هذا الهجوم الإسرائيلي ضد (سوريا) رسالة موجهة أيضاً إلى (مصر) ، التي كان قادتها منهمكين أو غارقين في المستنقع اليمني، حيث الحرب الظالمة
التي أقحم فيها الجيش المصري للقتال هناك نصرة للقوى (التقدمية) ضد القوى
(الرجعية) ! وبدلاً من أن تتنبه تلك القيادة للخطر، وتسعى لحشد القوة ضد العدو
الحقيقي المتربص من وراء الحدود، اكتفى الثوار بنشر قوات بغرض الردع
والتخويف واستعراض القوة في (سيناء) .
-اعتبر اليهود ذلك الاستعراض بمثابة إعلان حرب من (مصر) ، وأعلن
(موشي دايان) وقتها أن (مصر) هي العدو الحقيقي وليست (سوريا) ، وأن على
(إسرائيل) أن تتفرغ لحربها وأصبح قرار الحرب في إسرائيل في حكم المنتهى منه، ولم يبق إلا انتظار الذريعة المناسبة.
-ومرة أخرى قدم النظام الثوري الذريعة لليهود المتربصين، فصدر قرار
بمنع الملاحة في خليج العقبة الذي تنتقل منه البضائع من وإلى (إسرائيل) .
وانتشرت القوات المصرية على خليج العقبة بعد انسحاب قوات الطوارئ
الدولية منه، وزاد الطين بلة أن جرى الإعلان عن توقيع ميثاق دفاع مشترك بين
(مصر) و (الأردن) بالرغم من الخلافات التي كانت قائمة بينهما.
-لم يعد هناك وقت للتفكير لدى دولة اليهود، فشكّل رئيس وزرائها حكومة
حرب وأدخل فيها (موشي دايان) وزيراً للدفاع، لينفذ توعده بالانتقام من (مصر) ،
وكانت القوات الإسرائيلية قد أتمت استعداداتها التي بدأتها منذ زمن لخوض الحرب
الشاملة في حين كانت القوات المصرية غير مستعدة حتى مساء الرابع من يونيو من
العام نفسه.
-وفي صباح الخامس من يونيو ١٩٦٧م، قام اليهود بشن الحرب، معلنين
أنهم في وضع دفاع عن النفس بعد أن حشدت مصر قواتها في سيناء، وأغلقت
خليج العقبة؛ وأحلت قواتها محل قوات الأمم المتحدة، وبدأ اليهود في توجيه
ضربة جوية مفاجئة ضد القواعد الجوية العربية في كل من (مصر) و (سوريا)
و (الأردن) و (العراق) ، وأطلق على هذه العملية (ضربة صهيون) !
-انطلق الطيران اليهودي كله من مرابضه (١٥٠ طائرة) وتوجه نحو ١٩
قاعدة مصرية جوية موزعة في أنحاء (مصر) (الدلتا سيناء الصعيد) لتدكها وهي
على الأرض وبعد خمس عشرة دقيقة من بدء الحرب كان الجنرال (مردخاي هود)
قائد سلاح الجو الإسرائيلي في لقاء مع ممثلي الصحافة الإسرائيلية والعالمية، حيث
زف إليهم البشرى بتلك المذبحة الجوية وقال: لقد دمرنا الحصيلة الكبرى من
طائرات العدو، منها (٣٠٩) طائرة في (مصر) ، و (٦٠) طائرة في (سوريا) ،
و (٢٩) طائرة في (الأردن) و (١٢) طائرة في (العراق) ، وطائرة واحدة في (لبنان) ، في حين لم تخسر (إسرائيل (إلا (١٩) طائرة! ! .
-يعود السبب في هذا الحدث المفجع في تاريخ الحروب الحديثة إلى عدد من
الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها القيادات العربية، ومنها:
إساءة تقدير قوة العدو، وإهدار الاستفادة بالقدرات الذاتية، ويعود أيضاً إلى
سبب آخر مهم، وهو: أن القيادة المصرية كانت قد قررت القبول بتلقي الضربة
الأولى نزولاً على نصائح (السوفييت) ، حيث قدرت الخسائر المتوقعة في حال تلقي
الضربة الأولى بما يتراوح بين ١٥ ٢٠% من مجموع القوة الجوية العربية،
واعتبرت القيادة السياسية هذه النسبة ضئيلة، وتُعد تضحية مقبولة في مقابل إظهار
(إسرائيل) بمظهر البادئ بالعدوان أمام الرأي العام العالمي! ! !
-أما الحرب البرية الرئيسية بعد ذلك، التي دارت رحاها في سيناء، فيكفي
أن نتصور ساحة قتال مكشوفة أمام طيران معادٍ، يصول ويجول فيها وينتقي
الأهداف التي يشتهيها دون أي عائق من جيش مأمور بالانسحاب لا بالمقاومة!
-وبالرغم من كل عوامل الفشل التي بدأت بها المعركة، إلا أن دفاعاً
مستميتاً من الجنود، حاول في بعض الجهات مقاومة الهزيمة ببسالة نادرة، حتى
إن القادة الإسرائيليين أنفسهم اعترفوا بحدوث موجة من الاضطراب سادت صفوفهم
في المحور الشمالي بسبب المقاومة العنيفة.
-وأجمع عسكريون كثيرون على أن القيادة العسكرية المصرية لو كانت قد
دبرت هجمة مضادة لإجهاض الهجوم الإسرائيلي في ذلك الوقت لكان لذلك تأثير في
تغيير مجرى المعركة غير أنها أصيبت بالشلل المعنوي بسبب الضربة الجوية
المفاجئة فاكتفت بإصدار أوامر الانسحاب، مما تسبب في فقد الجيش المصري لـ
٨٠% من سلاحه، وفقد عشرة آلاف جندي، وألف وخمسمئة ضابط، ووقوع
خمسة عشر ألف جندي، ونحو خمسمئة ضابط أسرى في يد العدو، ولم تتوقف
الحرب على الجبهة المصرية إلا بعد أن طلبت مصر وقف إطلاق النار على جبهتها
معلنة بذلك التسليم بالهزيمة.
-التفت اليهود بعد ذلك إلى الجبهة الأردنية، فاحتلوا الضفة الغربية، فطلبت
الأردن وقف إطلاق النار وسلمت بالهزيمة، ثم اتجه اليهود إلى سوريا واحتلوا
مرتفعات الجولان مع قاعدتها مدينة القنيطرة، ثم أعلن عن وقف إطلاق النار؛
وبذلك انتهت الجولة العسكرية الثالثة، وأعلن الرئيس المصري أنه يتحمل مسؤولية
الهزيمة؛ وأنه لذلك سوف يتخلى عن السلطة، ولكن الجماهير التي خدرتها
الشعارات الثورية، تقبلت الهزيمة والتضحية بالأرض والدم والوطن، ولكنها لن
تقبل التفريط في الزعيم ولو قادها إلى الجحيم! .
الجولة الرابعة: حرب أكتوبر ١٩٧٣م
درجت أوساط كثيرة على وصف حرب أكتوبر عام ١٩٧٣م بأنها حرب (التحريك) وليست حرب (التحرير) كما اشتهرت على الألسنة. ومن العجيب أن الرئيس المصري الحالي نفسه قد وصفها علناً بذلك الوصف، فهل في الأمر من سر؟ ! الظاهر أن ذلك الوصف فيه شيء من الصحة، إذ إن الأمور بعد هزيمة عام ١٩٦٧م، كانت تتجه نحو الحل السلمي، حتى إن ... (عبد الناصر) نفسه قد قبل في آخر حياته بمبادرة أمريكية للسلام بين العرب وإسرائيل، وهي مبادرة (روجرز) ولكن جو الإحباط بعد أن تبينت الشعوب حجم الكارثة، ومشاعر السخط على القيادات العربية التي تسببت فيها، بالإضافة إلى استمرار احتلال اليهود لما احتلوه في تلك الحرب في (مصر وسورية والأردن وفلسطين) ، كل ذلك حال دون إمكانية الإقدام على توقيع معاهدات صلح مع اليهود، تقرهم فيه الزعامات العربية من موقف ضعف على البقاء والعيش في أرض فلسطين، كان لا بد إذن من عمل شيء كبير، يكون نقطة انطلاق نحو إنهاء حالة الحرب مع اليهود إلى الآن..!
ولأن هذه الخطوة المطلوبة أعني إنهاء الصراع مع اليهود كانت كبيرة في
حجمها، خطيرة في أبعادها، ومثيرة في تفاصيلها، فقد كان لا بد من تخفيف وقعها
على الشعوب قدر المستطاع وعلى مراحل؛ ولهذا كان الإعداد لحرب (التحريك)
التي وُضِعَ لها سيناريو مسبق في ردهات وكواليس السياسة الدولية.
وكان هذا السيناريو يقضي باستعادة الجيش المصري والنظام معه لهيبته
باسترجاع جزء من شبه جزيرة سيناء التي أضاعها النظام الثوري نفسه في مرحلة
سابقة، وفي الوقت نفسه يحفظ لقادة اليهود ماء وجوههم أمام شعبهم فيلتفون حول
هذا النصر، ويفرغونه من محتواه من الناحية العسكرية ثم من الناحية السياسية.
وقد تم الأمر على هذا النحو:
في يوم السادس من تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٧٣م الموافق للعاشر من
رمضان ١٣٩٣هـ، اجتازت القوات المصرية قناة السويس، وانتقلت إلى الضفة
الشرقية، واقتحمت خط (بارليف) الحصين، لتأخذ مواقع دفاعية بعد عشرة كيلو
مترات من شاطئ القناة في داخل سيناء، ولم تعط للقوات المسلحة بعد ذلك أي
صلاحية لتتابع تقدمها في سيناء لإكمال تحريرها مع وجود الإمكانية لذلك، حتى إن
رئيس الأركان نفسه في الجيش المصري (سعد الدين الشاذلي) قد اختلف مع القيادة
السياسية واتهمها بالتواطؤ، وعاش سنوات طويلة في منفاه الاختياري خارج البلاد.
وبعد عشرة أيام من بدء الحرب وإحراز تلك الانتصارات فيها لصالح العرب، عبرت عدة دبابات يهودية قناة السويس من منطقة (الدفرسوار) وفتحت ثغرة في
صفوف القوات المصرية، ثم تتابع تقدم الدبابات اليهودية، وانتشرت على طول
القناة من ضفتها الغربية، وحاصرت مدن القناة، وحجزت القوات المصرية في
سيناء، وبهذا انقطعت وسائل الاتصال بين قطاعات الجيش المصري، وبدت
(إسرائيل) أمام مواطنيها ومؤيديها في الداخل والخارج منتصرة، حيث تمكنت من
أسر القوات المصرية كلها في سيناء، والالتفاف عليها؛ بينما كانت الدعاية
المصرية والعربية تصور العبور على أنه من أعظم الانتصارات، وانتهت الحرب
عند ذلك الحد بإعلان وقف إطلاق النار، في وضع لا يسمح للمصريين بادعاء
النصر الشامل، ولا يمنع اليهود من ادعاء الثأر الكامل. وبعد انتهاء الحرب
مباشرة بدأ تدشين العملية السلمية بين مصر وإسرائيل في مراحلها المبكرة، وذلك
بزيارة قام بها وزير الخارجية الأمريكي (اليهودي) (هنري كيسنجر) لمصر، حيث
اتفق مع القيادة على فض الاشتباك بين المصريين والإسرائيليين والاتجاه نحو حل
النزاع في الشرق الأوسط بالطرق السلمية.
وهنا أمر ينبغي تنبيه القارئ إليه، وهو أننا لا نشكك في إمكانية تحقيق
النصر على اليهود، ولا في إخلاص الجنود الذين قاتلوا وقتلوا، بل لا نقلل من
أهمية دور التعبئة المادية والمعنوية للمعركة هذه المرة، ولكننا نعبر فقط عن قناعة
بأن هذا النصر الجزئي كان حجة أقامها الله على العرب والمسلمين في إمكان
نصرهم على عدوهم ولو كانوا أذلة، وأنه كان يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو
نهضة ووحدة عربية وإسلامية شاملة، ولكن أعداء الأمة أصروا أن يجعلوا منه
نقطة انطلاق أيضاً، ولكن إلى نكبة وفرقة عربية وإسلامية شاملة ... وهذا ما كان
في النصف الثاني من عمر الصراع، عبر خمسين عاماً من الضياع....
وللحديث بقية.
стр. 2510
المسلمون والعالم
دور الرافضة في إندونيسيا
بقلم: فريد أحمد
مدخل:
إندونيسيا دولة مسلمة يبلغ عدد سكانها ١٤٧ مليون نسمة، و٦٠% منهم في
جزيرتي (جاوه ومادوره) ويؤلف المسلمون ٨٩% من مجموع السكان وهم من
أهل السنة ولغتهم الرسمية الأندونيسية ويدرس إلى جانبها الإنجليزية لغة ثانية.
عاش مسلمو إندونيسيا تحت الاستعمار الأوروبي لمدة ثلاثة قرون، وبعد مقاومة
طويلة استقلت عام ١٣٦٤هـ الموافق ١٩٤٥م، وقام رئيسها الأول (أحمد سوكارنو
(بحرب ضد الإسلام بالاستعانة بالشيوعيين والنصارى، حيث فتح لهم مجالات
العمل على مصراعيها وقد أسس المسلمون حزب (ماشومي) وهو المجلس
الاستشاري لمسلمي (إندونيسيا) برئاسة الدكتور (محمد ناصر) ﵀ الذي
تولى رئاسة الوزراء لعدة مرات، ولكن (سوكارنو) حل الحزب عام ١٩٦٠م،
واعتقل زعماءه وقادته ونفذ في غيابهم سياسته المعادية للإسلام، وأسس نهج (باتشا
سيلا) وهو خليط من البوذية والنصرانية والإسلام وما زالت الحكومة تسير على
نهجه في حزب الحكومة (جولكار) الذي نال كالمألوف في الانتخابات الأخيرة أكثرية
ساحقة بينما نال (حزب التنمية الموحدة) ذو الاتجاه الإسلامي المرتبة الثانية [١] .
- البيان -
وكاتب هذه السطور ممن عايش انتشار الرافضة في (إندونيسيا) منذ البداية
وذلك بعد ثورتهم البائسة [٢] في عام ١٩٧٩م، وشاهد كيف كان موظفو السفارة
الإيرانية دعاةً ميدانيين للرفض حتى إن السفير (عبد العظيم) آنذاك كان يتجول في
المدن البعيدة، وكانت النواة المستجيبة لهذه الجهود فئة الصوفية هناك. وقد بدأت
الجهود الرافضية بتبادل الزيارات وإهداء الكتب وعرض الأفلام ونشر مجلة
(القدس) ؛ مما أثار ألباب الشباب المتحمسين بلهيب الثورة، ومما زاد الطين بلة
وجود فئة من المساندين لدعوة التقريب من العلماء المعاصرين. والسفارة الإيرانية
تمتلك برامج قريبة المدى وبعيدة المدى وهي تعمل ليل نهار في نشر مذهبها وكان
موظفوها يستدرجون الناس في تعاملهم بالظهور بالأخلاق الطيبة، ولما توطدت
علاقة (حسين الحبشي) بالسفارة الإيرانية (وهو صاحب المعهد الإسلامي في
نانجيل) بدأ يرسل خريجي المعهد إلى (قم) بـ (إيران) عن طريق (ماليزيا)
و (باكستان) وبعد أربع سنوات أو أكثر رجع هؤلاء الشباب وأصبحوا دعاة للرفض:
بعضهم بالمواربة وبعضهم بالمصارحة، ولما كثر أفرادهم عددهم بالمئات قاموا
بتنظيم أنفسهم وتوزيع المهام حسب المدن والحاجة، وذلك بربط المدعوين من عامة
الناس بعلماء الشيعة، وبجهودهم المتواصلة قامت أكثر من أربعين مؤسسة شيعية
تنتشر الآن في أنحاء البلاد.
دور الرافضة في التربية والتعليم:
كانت الضجة نتيجة انتشار توجه الرافضة قد وصلت قمتها في التسعينات
بخروج الفتاوى وإصدار الكتب وإقامة المحاضرات والمناظرات، ولكنها هدأت بعد
ذلك؛ ويبدو أنهم رأوا تغيير تخطيطهم وبدؤوا ينسحبون من الميدان الدعوي بشكل
ظاهر ويعملون عن طريق الحلقات وإقامة المحاضرات العلمية بزعمهم وبالتعليم
المنظم؛ فظهرت جامعة في (بونجيت جاكرتا) باسم (الزهراء) يمولها أحد رجال
الأعمال (اسمه فاضل محمد) وحلقات كثيرة، منها حلقة في (جيبنانج تشمبيداك) كل
ليلة سبت، وظهر معهد (مطهري) في (باندونج) يرأسه (جلال الدين رحمت)
(دكتور في السياسة من أستراليا) وظهر معهد خاص في (بكالونجان) يرأسه (أحمد
بارقبة) (زعيم الرافضة حالياً بلا منازع) ، ولكن الناس ممن يقيمون حول المعهد
قاموا بتخريبه، فأغلق ثم فتح مرة أخرى، وهو يشرف على الدعاة الروافض،
ويقوم كذلك بالجولات التشييعية أيضاً، كما ظهر معهد الحجة في (جمبر) أشرف
عليه (عشماوي) ، وتنتشر أيضاً عشرات المعاهد الأخرى التي تقوم الآن بمهمة
تعليم التشيع أمثال المعهد الإسلامي (بانجيل) . وظهرت مؤسسات تربوية أخرى
شبه رسمية تدرس فيها مواد شيعية؛ كما قاموا بإدخال الأساتذة الشيعيين إلى
الجامعات والمعاهد والمدارس؛ لينشروا عقائد الشيعة بطريقة المقارنة أو ما يسمى
التقريب بين السنة والشيعة؛ ومعلوم أن هذه الأساليب تجري لتمرير عقائد القوم
ومنطلقاتهم المخالفة لأهل السنة [٣] .
دور الرافضة في الإعلام:
إن من أنجح السبل التي اتخذها الرافضة في نشر عقائدهم: طباعة الكتب عن
طريق دور نشر متعددة، منها: (الميزان) في باندونج، و (فردوس) و (الهداية)
في جاكرتا، وغيرها كثير جداً، وأخطر الكتب إطلاقاً:
١- المراجعات وهي عبارة عن حوار مختلَق بين عالم الشيعة (عبد الحسين
شرف الدين) وعالم السنة شيخ الأزهر (سليم البشري) [٤] .
٢- السقيفة أول افتراق الأمة لـ (عمر هاشم) (طبيب في لمبونج) من
الحضارمة العلويين.
٣- ثم اهتديت لمؤلفه د. (محمد التونسي) وهو عبارة عن تصورات صوفي
مغفل يظهر تأثره ببدعيات الشيعة فيتحول لمذهبهم والقصة فيما يبدو ملفقة
مصطنعة [٥] .
وهناك مجلات تصرح بوضوح أنها تدعو إلى التشيع أمثال مجلة القدس التي
تصدرها السفارة الإيرانية، ومجلة الحكمة التي يصدرها (جلال الدين) وبطانته من
(باندونج) ومجلة الحجة التي يصدرها (عشماوي) من (جمير) ومجلات أخرى لا
تصرح بتشيعها لكنها تدعو إلى ذلك بطريقة غير مباشرة. وهناك مجلاتٌ الأمر
جلي في خطوط سياستها أمثال مجلة (الأمة) من جاكرتا.
دور الرافضة في الحكومة: ولما رأى الرافضة محاولات أهل السنة لمنع
عقائدهم عن طريق الحكومة ببيان رسمي استدركوا الأمر وحاولوا الاتصال برجال
الحكومة الأقوياء وجعلوهم يزورون (إيران) ليروها عن كثب، ثم يقوموا بحملة
دعائية لرئيس الجمهورية، وأقنعو الرئيس حتى وافق على زيارة (إيران) لتوثيق
العلاقة الثنائية بين البلدين، وكان الهدف أول الأمر اقتصادياً، ولكن فيما بعد طلبت
الحكومة الإيرانية من الرئيس (سوهارتو) القيام بالتعاون التربوي، ولكن الرئيس
علق الموضوع حتى يستشير مجلس العلماء، وفي الآونة الأخيرة جاء طلب آخر
وبشكل رسمي لإرسال الطلاب الأندونيسيين إلى إيران بالمنح الدراسية ولا ندري
هل وافقت الحكومة الأندونيسية على ذلك أم لا؟
دورهم في أوساط المثقفين والعلماء: من المعلوم أن المثقفين الأندونيسيين
يحبون الفلسفة؛ فقام بعضهم بتسويق أفكار أساطين الشيعة المتفلسفين لنفث روح
الحماسة في الشباب المتحمسين حيث يقيمون الندوات واللقاءات العلمية بزعمهم
والدورات ومنها دورة لمجموعة من العلماء الشباب الناهضين في (جاكرتا) قبل
شهر تقريباً، فدعاتهم نشطون جداً؛ لأنهم متفرغون للتشييع يناقشون المثقفين
والعلماء وغيرهم.
سبل مواجهتهم في إندونيسيا:
١- متابعة أعمال الرافضة بشكل عام ومستمر، ومتابعة الكتب المطبوعة
والمجلات بشكل خاص ودراستها، وبعد ذلك تنشر الخلاصة من خلال نشرة شهرية
بعنوان: معلومات عن الشيعة في (إندونيسيا) ، ثم توزع على الجهات المختصة
بالمهمة أو الجهات التي تتأثر بالشيعة.
٢- نشر الدراسات الموجزة بالكتيبات عن أضرار عقائد الشيعة وطباعة
الكتب التي ترد عليهم.
٣- إقامة الندوات والمحاضرات عن الشيعة التي تكشف حقيقة مذهبهم.
٤- إقامة الدورات الطويلة لإعداد الكوادر التي تهتم بنقد الشيعة.
٥- توفير الكتب والمراجع الشيعية حتى نتمكن من الرجوع إلى أصولها.
٦- نشر الأشرطة المسجلة عن الشيعة.
٧- استضافة العلماء والمفكرين العرب المهتمين بموضوع الشيعة لإلقاء
المحاضرات في الدورات الخاصة أو في المدن الكبيرة التي فيها أثر للشيعة.
أما البرامج قريبة المدى فهي:
١- متابعة الكتب والمطبوعات الأخرى التي أصدرها الرافضة؛ ويبدأ بحصر
المطبوعات المتداولة في الأسواق، ثم تطبع الخلاصة من هذه الدراسة.
٢- نسخ الأشرطة وتوزيعها مثل: (حقيقة القوم) للأستاذين محمد با عبد الله
ونبهان حسين.
٣- عقد خمس حلقات علمية لمجموعة الدعاة في كل منطقة لتوجيههم وزيادة
وعيهم والإجابة عمّا لديهم من شُبه.
ومما يسعد كل مسلم قيام معهد الدراسات والبحوث الإسلامية بإندونيسيا وهو
مؤسسة خيرية تقوم بمهمة متابعة ومواجهة الفرق المنحرفة وخاصة تيار الرافضة
ولهم جهود طيبة في مكافحة التيارات الفكرية المنحرفة.
والله نسأل أن يكفي مسلمي إندونيسيا مخططات الرافضة الفاسدة، وأن يعيننا
على فضح الحلف المشبوه بين الرافضة والصوفية.
الرافضة يواصلون جهودهم في (شرق إفريقيا)
من ضمن المخططات التي رسمها الرافضة لهذه المنطقة إنشاء جامعة في
(كينيا) لتغطي شرق إفريقيا من أجل ترسيخ اتجاهاتهم العقدية، وقد صرح بهذا
السفير الإيراني (محمد طبطباني) ، وقال: إن هذه الخطة تم الاتفاق عليها منذ
١٩٩٠م بمناسبة التبادل الثقافي، ونشرت صحيفة (استندر) الكينية هذا الخبر في
يوم ١٤/٥/١٩٩٧م رقم ٢٥٨١١ ص٤، وبناء على مصادر أخرى تدل على أن
الحكومة الإيرانية تسعى لتشييع منطقة شرق إفريقيا خلال ٢٠ سنة، وقد مهدت
لهذه الخطة بتقديم المنح الدراسية الكثيرة لأبناء المسلمين ليذهبوا إلى (إيران) ، ...
و (لبنان) إضافة إلى فتح مراكز ثقافية في المدن الكبرى مثل (نيروبي) ، و (ممباسا)
وغيرها إضافة إلى المدارس العصرية في الدول الثلاث، وهم يمارسون أنشطتهم
متسترين بشعارات الوحدة، ومحاربة (أمريكا) .
وقد تعاطف مع الرافضة معظم الفنانين والعقلانيين والخرافيين، وشكلوا ما
يسمى بـ (المجلس الأعلى للعلماء) ، ويعقدون مؤتمرات على مستوى شرق إفريقيا، ويضعون استراتيجيات لمحاربة السلفية! التي يسمونها الأصولية ويطلقون على
السلفيين عملاء اليهود على حد زعمهم. (عاملهم الله بما يستحقون) .
وإن تلك الجهود والممارسات لتستحق الوقفات الواعية، التي تتبعها خطوات
جادة من كل مسلم غيور في نطاق ما يستطيع للوقوف أمامها والتعاون مع كل ذي
شأن على التصدي لها: [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ]
[الأنفال: ٣٠] .
стр. 2511
المسلمون والعالم
اليمن بعد الانتخابات الأخيرة
رؤية متابع
بقلم: أيمن بن سعيد
بعد هزيمة الحزب الاشتراكي اليمني في حرب عام ١٩٩٤م، وخروج
الحكومة اليمنية فيها منتصرة، كان من المفترض أن تتم مكافأة التجمع اليمني
للإصلاح على موقفه الكبير المؤثِّر في تلك الحرب وتجييشه الشارع اليمني لصالح
الوحدة وإعطائه للحرب مع الاشتراكي بعداً عقدياً، لكن قيادات المؤتمر الشعبي
العام فيما بعد أعطت لكوادر الحزب السياسية والعسكرية والاجتماعية الضوء
الأخضر لتحجيم حزب الإصلاح والحد من تحقيقه لأي مكاسب جديدة يتجاوز بها
الخطوط الحمراء المرسومة سلفاً؛ وانطلاقاً من ذلك فقد تم إضعاف الوزارات
الخدمية التي أُوكِلت إلى الإصلاح بتحديد موازناتها المادية، بحيث لا تسمح لمن
يكون على رأسها بتقديم خدمات جيدة للناس؛ خوفاً من زيادة شعبيته ونفوذه، كما
تم إضعاف تأثير وزراء الإصلاح داخل وزاراتهم، حتى صار بعضهم ليس له كلمة
على صغار الموظفين في وزارته فضلاً عن كبارهم؟
كما أُجْبِرَ حزب الإصلاح في كثير من الأحيان على تنفيذ برامج حكومية
تتعارض مع أهدافه ومبادئه.
وتم عملياً رفض أطاريح الإصلاح لتحسين الوضع الإداري السيئ داخل
أجهزة الدولة، ومكافحة السلبيات التي تعاني منها تلك الأجهزة، وبالتالي صار
عامة الشعب اليمني لا يحسون بنتاجٍ حسن من مشاركة الإصلاح في السلطة، هذا
إن لم يزدد الأمر بالنسبة لهم سوءاً نتيجة ما سمي بالإصلاحات الاقتصادية
بمرحلتيها الأولى والثانية التي طلبها صندوق النقد الدولي من اليمن وتحملت آثارها
السلبية عامة الشعب؛ نتيجة زيادة أسعار المواد الأساس مع التدهور المريع للقيمة
الشرائية للريال اليمني وقتاً بعد آخر.
الإعداد للانتخابات:
وحين قربت الانتخابات اليمنية الأخيرة التي خطط لها المؤتمر الشعبي العام
لصالحه تخطيطاً جيداً؛ نتيجة كونه الحزب الذي بيده كل الإمكانات المالية (أنفق
حزب المؤتمر في الانتخابات الأخيرة عدة بلايين ريال) وغيرها مثل: الإعلام
والجيش والأمن العام والأمن السياسي والحكام المحليين في المحافظات وجل شيوخ
القبائل واللجنة العليا للانتخابات وجل اللجان الفرعية لها.. حين ذاك تم حساب
الأصوات جيداً في كل دائرة وأجريت تنقلات لمعسكرات الجيش، حسب ما تتطلبه
ظروف كل دائرة انتخابية.
ولقد كان المؤتمر الشعبي العام يهدف من ذلك: تحقيق أغلبية مريحة داخل
مجلس النواب، هذا بالنسبة له، أما بالنسبة إلى حزب الإصلاح فقد كان المؤتمر
الشعبي العام يهدف إلى تحقيق أمرين:
الأول: عدم تجاوز حزب الإصلاح سقفاً محدداً من الأصوات داخل مجلس
النواب أي عدد مقاعده في مجلس النواب الماضي لكي يظهر بمظهر الضعيف في
الداخل والخارج، وليتم الإثبات للدوائر المهتمة إقليمياً ودولياً بالصحوة الإسلامية
في اليمن أن الصحوة لا تعدو أن تكون أداة طيّعة تبرز متى احتيج إليها في مواجهة
الأعداء، ويهوِّن من شأنها وتقزّم متى تطلب الأمر ذلك، وليكون ذلك أيضاً ذريعة
أمام الشعب اليمني لممارسات التضييق على الصحوة ومكتسباتها بعد الانتخابات.
الثاني: أن يتم منع بعض رموز التجمع اليمني للإصلاح التي يتهمونها
بالتشدد العقائدي من الوصول إلى مجلس النواب، وذلك بهدف تحسين صورة اليمن
في الخارج كما صرح بذلك مسؤول يمني كبير لصحيفة الحياة ونشرته في عددها
(١٢٤٨٠) .
ولقد استطاع المؤتمر الشعبي العام بإمكانات الدولة التي بيده أن يسيِّر الأحداث
بعد ذلك ويكيفها لصالحه إلى أن حانت الانتخابات وجاءت مرحلة الاقتراع فالفرز
فإعلان النتائج، المعروفة: (٢٢٦) نائباً للمؤتمر الشعبي العام، (٦٣) نائباً
للإصلاح مع المستقلين المؤيدين له، (٣) نواب للوحدوي الناصري، نائبين للبعث
العربي الاشتراكي.
وللحقيقة فإنه مما ساعد المؤتمر في الوصول إلى هذه النتائج توظيفه بشكل
مباشر أو غير مباشر لبعض الرموز الإسلامية وطلابها ممن لهم موقف متشنج من
حزب الإصلاح ويسعون إلى تشويه سمعته ورموزه، بل وصل الأمر ببعض أولئك
الطلاب إلى مهاجمة دعاة الإصلاح في مقابل الدفاع بشكل مباشر عن حزب المؤتمر
ومرشحيه، ويتجاوز الأمر ذلك في أحيان أخرى إلى أن يتحول بعض أولئك إلى
دعاة انتخابيين لمرشح المؤتمر؛ بل تجاوز ذلك إلى حد أن بعضهم رشح نفسه في
بعض الدوائر ليحول دون فوز مرشح الإصلاح.
وفي ظني: أن حزب الإصلاح أيضاً قد ساعد المؤتمر الشعبي على الوصول
إلى هذه النتيجة سواء من خلال بعض قيادييه المحسوبين على السلطة وهم من
العناصر التي تشارك بقوة في صناعة قرار حزب الإصلاح.
أو من خلال التزكية للمؤتمر في أوساط الشعب اليمني وادعاء ألا فروق
جوهرية بين الحزبين، بينما في المقابل يَصِمُ المؤتمر حزب الإصلاح بالتشدد
ويدعي أحد أمنائه المساعدين أن استلام الإصلاح للسلطة يعني عودة البلاد إلى
عصور الظلام!
أو من خلال سوء الاختيار لبعض ممثلي الإصلاح في دوائر كثيرة نتيجة
اختياره أشخاصاً لا يحسنون معاملة الناس، أو أفراداً لا يمتون إلى الالتزام بصلة.
أو من خلال السكوت عن نقد القيادات الفاسدة داخل أجهزة الدولة وعدم بيان
عوارها للشارع اليمني ليحذر منها، ويتقي شرها.
أو عدم الوضوح أحياناً في الانطلاق من رؤية إسلامية جلية في التعامل مع
الأحداث، وعدم مخاطبة الشارع بخطاب إسلامي بدلاً من الخطاب الوطني.
ومع إدراكنا للعوائق المانعة داخلياً وخارجياً على الأقل من وجهة نظر
الإصلاح من القيام بتبني هاتين القضيتين الأخيرتين بجلاء، والوقوع في معضلة
الحرص على حماية الصحوة ومكتسباتها وما يتطلب ذلك من مداراة الظالمين أو
مقارعتهم وما يحمل ذلك في طياته من مشكلات لا تخفى في بلدان العالم الثالث، إلا
أن ما أشرنا إليه آنفاً له دوره فيما آلت إليه النتائج. والله المستعان.
ماذا بعد الانتخابات؟
أعلنت الدوائر المعنية بالأمر في كثير من العواصم الغربية رضاها عن
النتائج التي تحققت، وطالبت بمزيد من الانفتاح الذي يعني التحرر من قيم الشعب
اليمني ومعتقداته، والسير الحثيث في تبني القيم الغربية وتقاليد الحياة هناك [وَلَن
تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] .
ولذا: فإن أبرز القضايا التي من المتوقع أن تبادر الحكومة اليمنية الجديدة إلى
تنفيذها فيما أراه والله أعلم ما يلي:
- احتمال العمل على زعزعة بعض مكتسبات الصحوة الإسلامية وأبرزها
المعاهد العلمية التي يتهمها بعض من حاد عن الصواب بأنها معاهد تخرج متطرفين
يكفِّرون المجتمع؛ وهذا ادعاء باطل وشنشنة نعرفها من أخزم.
- تضييق حرية التعبير والكلمة وبخاصة من قبل ذوي المواقف المعهودة من
الصحوة والمخالفين لها عقدياً نسأل الله أن يهديهم وأن يكفينا شر ما يخططون له.
- استهداف المرأة اليمنية المحافظة، ومحاولة إخراجها من وقارها وحشمتها،
وقد كان ذلك واضحاً في البرنامج الانتخابي (للمؤتمر) ، والتصريحات الصحفية
لكبار قياداته، كما كان ذلك واضحاً أيضاً من خلال اتهام حزب الإصلاح باضطهاد
المرأة ومنعها من حقوقها، وأجلى من كل ذلك: دعوة المتحدث باسم خارجية أعتى
دولة غربية القيادة اليمنية إلى المزيد من تحرير المرأة اليمنية وإعطائها المزيد من
حقوقها!
- تشويه صورة الإسلاميين واتهامهم بالإرهاب، وبالتالي إزاحة كثير منهم
عن مواقعهم الرسمية والاجتماعية، أو شراء ذمم من يستطاع شراء ذمته منهم.
نسأل الله السلامة.
- الدعم القوي لبعض الطوائف البدعية المعادية للصحوة الإسلامية ومكتسباتها، ... ومد يد العون لبعض فصائل الصحوة الإسلامية التي بينها وبين تجمع الإصلاح
اختلافات في بعض وسائل المعالجة والتغيير نكاية بالإصلاح من جهة، وتحسيناً
لصورة المؤتمر الإسلامية من جهة ثانية، وتعميقاً للخلاف بين فصائل الصحوة
الإسلامية من جهة ثالثة.
المطلوب من الإسلاميين في هذه المرحلة:
في ظني أن المطلوب من الإسلاميين في اليمن في هذه المرحلة الكثير والكثير
وفقاً لما يلي:
١- حسن الظن بالله والثقة به والاعتماد عليه وحده؛ لأن ما شاء
كان وما لم يشأ لم يكن، وما أصاب العباد لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن
ليصيبهم، والله عند ظن عباده به فليظنوا به ما شاؤوا.
٢- التوبة والإقلاع عن الذنوب، فما نزل بلاء إلا بذنب ولارفع إلا بتوبة،
قال الله [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ]
[الشورى: ٣٠] ، وعلى قيادة الصحوة وعلمائها داخل الإصلاح وخارجه العمل
على التخلص من تسويغ كافة الإخفاقات بنظرية المؤامرة مع وجودها ومحاسبة
الذات أولاً، والسعي الجاد لاكتشاف الأخطاء وجوانب النقص والقصور، والعمل
على معالجتها وتلافيها.
٣- المزيد من العمق في الانضباط الشرعي في اتخاذ المواقف، وعدم الحيدة
عن الحق إرضاء للخلق؛ فمن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى
عنه الناس، ومن أسخط الله برضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس؛
وفي اعتقادي أن هذه قضية جوهرية لا بد من استيعابها، والعمل على تصحيح
الأخطاء الكثيرة الواقعة حيالها قبل أن يُنْدَم حين لات مندم.
٤- تحويل القناعات النظرية والعلمية في وحدة الكلمة واجتماع الصف لدى
فصائل الصحوة الإسلامية إلى مواقف عملية لا تقل عن تنسيق الجهود واتحاد
المواقف في القضايا الرئيسة، والتجرد عن الهوى وحظوظ النفس والعقلية الضيقة
التي تنطلق من مبدأ: أنّ من لم يكن معها فهو ضدها؛ لأن الجميع مستهدف، ولا
يظنن ظان من أبناء الصحوة أن أخاه هو المستهدف وحده؛ فإن ظن ذلك فقد أُكِل
حقيقة يوم أكل الثور الأبيض.
٥- إدراك طبيعة التغيير الذي حصل في المؤتمر الشعبي العام وتحوله من
مظلة يجلس تحتها كافة الفئات الشعبية والتوجهات الفكرية إلى حزب أخذ ينحو
منحًى فكرياً ويقيم تنظيماً هرمياً بعد أخذه للأغلبية المريحة ولنا أمل في قيادة
المؤتمر ألا يتراءى لها عدم الحاجة في الزمن القريب إلى الحركة الإسلامية التي
كانت الوسيلة لمواجهة أعدائها الذين كانوا يحتكمون إلى السلاح كلما لاح الخلاف
قبل الوحدة وبعدها.
كما إن لنا أملاً ألا تنجر قيادة المؤتمر إلى التضييق على الحركة الإسلامية
تحت تأثير ذوي العداء العقدي أو الشخصي لرموز الصحوة ومكتسباتها، وأن تأخذ
في اعتبارها أن الحركة الإسلامية رقم يصعب تخطيه. والدخول في محاولة الكبت
له قد يقود البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي نسأل الله أن يكفي البلاد شره
وهو ما يتنافى مع متطلبات شعار الإصلاح والتنمية الذي ترفعه الحكومة ومع
الاستهداف الخارجي الذي تعاني منه اليمن و (حنيش) خير شاهد.
٦- الاهتمام بالتربية ونشر العلم الشرعي؛ فإن ذلك هو الدرع الواقي من
الانزلاق في دركات كثير من المعاصي، وهو السبيل لعبادة الله على بصيرة،
والثبات على الحق في مواجهة فتن شياطين الجن والإنس على سواء.
والمتأمل في واقع الحركة الإسلامية المنضوية تحت راية تجمع الإصلاح
يلاحظ تهميشاً لهذا الجانب وبخاصة في السنوات الأخيرة، والاكتفاء بمجرد
الانضواء تحت راية الحزب والحصول على بطاقته، ولعل هذا هو السر في تأييد
كثير من أبناء الشعب اليمني المسلم بقوة لمن لا يُظن في دينه خيرٌ من ناحية فكرية
أو سلوكية؛ مما يتطلب من الدعاة الاعتناء بالدعوة والتربية الإيمانية والعمق الكبير
في ذلك.
٧- التنويع والتجديد في الوسائل الدعوية المناسبة لكافة أبناء الشعب اليمني
مع ضرورة عدم التفلت من الضوابط الشرعية والاعتناء بكافة فئاته وعلى وجه
الخصوص المرأة التي يريد لها الأعداء أن تكون سلعة رخيصة يُسْتَمتَع بها في
سوق النخاسة متسترين تحت شعارات الحرية والمساواة بينها وبين الرجل في
الحقوق والواجبات.
ومن المتأكد على الدعاة وأهل العلم إدراك جوانب القصور الكبيرة في دعوتهم
للمرأة وتعليمهم لها، ومبادرتهم إلى رفع صور الظلم المختلفة التي قد تعاني منها
بعض النسوة في المجتمع، وعدم الاكتفاء بالمظاهر الاجتماعية المحافظة وسط
النساء اليمنيات في أكثر مناطق اليمن ما لم تكن تلك المحافظة نابعة من بُعد عقدي
لا من مجرد تقليد اجتماعي كما هو واقع الكثيرات لأن أعراف المجتمعات وتقاليدها
تتبدل من وقت لآخر، ولعل في تجربة بعض المجتمعات الإسلامية وما كان من
الانتكاسات التي أصيبت بها المرأة في محافظتها على دينها مع أن تلك المجتمعات
كانت قبل ردح من الزمن أكثر محافظة من المرأة اليمنية في الوقت الراهن لعلّ في
ذلك خير دليل على ما قدمنا.
إيجابيات في الانتخابات:
ولعل من حسنات هذه الانتخابات أنها عادت ببعض رموز الإصلاح العلمية
المعروفة بنشاطها الدعوي والتربوي إلى أوساط الناس ليقوموا بواجبهم حيال ذلك.
ولعل من حسناتها أيضاً: أنها قد تكون أعادت الاهتمام بهذا الجانب لدى كثير
من الإصلاحيين إلى الموقع الذي يجب أن يكونوا عليه بعد أن كانوا يراهنون على
التغيير نحو الأصلح عن طريق المجلس النيابي الذي لا يعدو أن يكون سوى أداة
طيعة بيد من بيده سلطة الحل والعقد، فإذا جاوز المجلس قدره فطريقه الحل أو ...
وتجربة الجزائر خير شاهد. وغيرها كثير مما يعرفه المتابعون.
وختاماً: فالمرحلة القادمة والله أعلم شائكة، والأمر يحتاج إلى اعتماد على
الله ولجوء إليه ثم بُعد نظر وروية. والتفكيرُ بهدوء وواقعية لا يعني التنازل عن
مكتسبات الصحوة تحت تأثير الجبن والخوف من الأعداء، ولا يعني التهور
والوقوع في إشكالات ومواقف غير مسؤولة نتيجة عدم تقدير قوة الصحوة تقديراً
صحيحاً ووضعها في موضعها المناسب؛ لأن جر شباب الصحوة إلى المواجهة
هدف لجهات كثيرة في الخارج والداخل، وتكرار تجارب بعض الدول في القضاء
على المكتسبات الإسلامية في المجتمع، والتضييق على شباب الصحوة، وفتنتهم،
هَمّ للدوائر المعنية بمحاربة الصحوة في بلداننا الإسلامية.
ولذا فإن الفردية في اتخاذ المواقف من قِبَلِ شباب الصحوة أو إحدى الفصائل
الإسلامية مرفوضة.
والالتفاف حول العلماء والدعاة الربانيين واجب متحتم.
نسأل الله أن يصلح الأحوال بمنه وكرمه، وأن يحمي اليمن وأهله وعلماءه ودعاته، ويكفيهم شر الأشرار وكيد الفجار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 2512
هموم ثقافية
إشكالية البلورة الثقافية للديمقراطية
بقلم: سامي محمد الدلال
مدخل:
تعرض الكاتب في حلقات سابقة إلى عرض رؤية إسلامية لإشكاليات مفهوم
الديمقراطية، ثم إلى تحليل إشكالية زاوية النظر للديمقراطية.. فتطرق إلى
المقصود بالديمقراطية ومبادئها وتطبيقاتها في المجالات الفردية والجماعية، ثم
عرض كيف تختلف النظرة إليها بحسب الناظرين سواء أكانوا حكاماً أم أحزاباً..
وتناول أيضاً اختلاف مفهومها بحسب اختلاف المكان والزمان..
ويواصل الكاتب في هذا المقال عرض أبعاد أخرى لهذا الموضوع المهم.
-البيان -
هل تنجح الديمقراطية في بلورة ثقافية ذات أبعاد محددة للمجتمع المحكوم بها؟ وما هي الآليات العملية التي تصيغ تلك البلورة؟ وإلى أي مدى كمّي وكيفي
تتغلغل تلك البلورة في المقوِّمات التي تشكل النسيج الثقافي لذلك المجتمع؟ وما أثر
كل ذلك على الموروث الحضاري الإسلامي وعلى بعثرة المعالم المؤصلة من الكتاب
والسنة في أذهان الإسلاميين النيابيين؟
هذه الأسئلة، وغيرها، تبرز إطار إشكالية البلورة الثقافية للديمقراطية.
وللإجابة على تلك الأسئلة لا بد أن نسبر أغوار التأثيرات الثقافية الناتجة عن
الحكم الديمقراطي، مع ملاحظة أننا نخص بالحديث البلاد الإسلامية، إلا ما أشير
إليه بخلاف ذلك. وابتداء نتساءل عن طبيعة الإفرازات الثقافية المنبثقة من
المجالس النيابية وعن أهدافها.
فأما عن طبيعة إفرازاتها فهي:
أ- إفراز ثقافي علماني:
وهذا أمر بدهي طالما أن ثقافة الأغلبية البرلمانية علمانية، أي منعتقة عن
الالتزام الديني، وقد يكون أصحاب هذه الثقافة العلمانية من المنتسبين للدين
الإسلامي أو من النصارى أو من اليهود أو من المرتدين أو من الكفار الأصليين.
إن هؤلاء وإن تنوعت مشاربهم الثقافية واختلفت تبعاً لذلك توجهاتهم المعرفية، فإن
إطاراً واحداً يضمّهم جميعاً، أو قل إن شئت: هناك صبغة واحدة تصبغهم جميعاً؛
ذلك الإطار وتلك الصبغة هي العلمانية، وبما أن كل إناء بما فيه ينضح، فإن
الإفراز الثقافي لهذه (التركيبة) سيكون علمانياً، قولاً واحداً! ! .
ذو توجه غربي:
إن الثقافة العلمانية، وإن تنوعت مغذياتها، إلا أن الثقافة العلمانية الغربية
تحتفظ بمراكز الثقل، وبشكل أكثر تحديداً أقول: إن النواب الديمقراطيين، وإن
كانت ثقافاتهم العلمانية المنتسبة لأدبيات انتماءاتهم الدينية أو المذهبية لها رصيد ما
في صياغة أفكارهم التصورية أو إنتاجاتهم الكتابية، إلا أنها لا تشغل إلا حيزاً
صغيراً من مجمل الثقافة العلمانية لديهم، في حين تحتل الثقافة العلمانية الغربية
الحيز الأوْفى، حيث إنها النتاج الطبيعي للمناهج التعليمية التي بلورت أفكار
وتوجهات أولئك النواب، كما أنها أيضاً نتاج الكم الهائل من دور الترجمة والنشر
المرئي والمسموع والمقروء التي تتبنى الضخ اليومي لمفردات وتراكيب الثقافة
الغربية العلمانية باللغة العربية واللغات الأجنبية من خلال مؤسسات كبرى
استطاعت باستخدام أحدث الوسائل التقنية الوصول إلى جميع الطبقات الشعبية على
مختلف أعمارهم ومهنهم وأجناسهم، وإن النواب المشار إليهم يمثلون طلائع ركب
تلك الثقافة العلمانية الغربية.
وأما أهدافها فهي:
١- خدمة النظام الحاكم:
لا أتكلم هنا عن المعارضة النيابية، فهي جزء لا يتجزأ من اللعبة الديمقراطية، ولذلك فهي دوماً أقلية، دورها لا يتجاوز المسحة التجميلية التي مهمتها تزيين
المهرجان النيابي، لتؤكد للجميع أن الذي أمامهم هو بالفعل كيان ديمقراطي! ! .
أما الأغلبية النيابية فهم لحمة النظام الحاكم وسداه، ويستمدون منه مكوثهم في
المجلس، بل المجلس النيابي كله يستمد وجوده أو عدمه، من رضا النظام الحاكم
أو سخطه! ! .
وبما أن الأنظمة الحاكمة، كلها أو معظمها، أنظمة علمانية، فإن الإفراز
الثقافي للمجلس النيابي ينبغي أن يكون منصبّاً في دعم ديمومة ذلك النظام وتأصيل
علمانيته! ! .
وهنا يأتي دور المجلس النيابي في سن القوانين التي تؤكد استمرارية ذلك
الاتجاه وتوطّد أطره، وذلك من خلال إتاحة الفرصة المغطاة قانونياً للجمعيات
الثقافية، والأقلام الصحفية والمؤلفات الأدبية والمؤسسات الإعلامية لممارسة جميع
التعابير العلمانية التي تسبِّح بحمد النظام العلماني الحاكم وتدعم مشروعيته.
٢- صياغة مجتمع علماني غربي المنهج:
لا يستطيع النواب العلمانيون الاحتفاظ بكراسيهم النيابية إلا إذا نجحوا في
إضفاء الصبغة الثقافية العلمانية الغربية على المجتمع الإسلامي.
إن واحداً من التحديات المهمة التي يواجهها النواب العلمانيون هو قدرتهم على
مواصلة التقدم في ذلك الاتجاه، وهم يعتبرون أنفسهم في سباق مع الزمن، خشية
أن يسبقهم الإسلاميون إلى المواقع المفصلية التي تشكل قواعد الانطلاق في التغيير
الثقافي.
إن تطعيم المجالس النيابية بعدد ضئيل من الإسلاميين يساعد كثيراً في تحقيق
تلك البغية، حيث يتخذ العلمانيون من وجود أولئك النواب في المجلس دريئة
يمررون عبرها مشاريعهم الثقافية العلمانية، وعندما يحتدم النقاش يقول النواب
العلمانيون: لماذا تعارضون أيها الإسلاميون توجهات الشعب الثقافية؟ ! لو كان
الشعب يؤيد توجهاتكم لكنتم أنتم الأكثرية النيابية، أما وإن الشعب قد قال كلمته
وانتخبنا نوابه، فعلينا أن نعبر عن إرادته الثقافية العلمانية! وليس الواقع كما قالوا، إنما هي حجة يتذرعون بها لتمرير القوانين التي يُبث من خلال تطبيقها الفكر
الثقافي العلماني على أوسع نطاق.
إن النواب العلمانيين يحرصون كل الحرص على استغلال سني وجودهم في
المجلس للوصول إلى تلك النتيجة، حيث إن نجاحهم في ذلك يضمن لهم أو
لأعوانهم من العلمانيين استمرار السيطرة على المجلس النيابي، مصدر سن
القوانين ومنبر الرقابة على التنفيذ.
إن الوصول إلى تحقيق تلك الأهداف التي يراد تعميم نتائجها من خلال طبيعة
الإفرازات الثقافية المنبثقة عن المجالس النيابية يتطلب حل إشكاليات الصدام بين
المنبثق عن المجالس النيابية والمنبثق عن مختلف المنابع الثقافية للأديان والطوائف
والأعراق والفئات السياسية المتنوعة، وذلك في المجالات الثقافية التالية:
- الثقافة الدينية (وهي ثقافة علمانية فيما يخص المجالس النيابية) .
- الثقافة السياسية.
- الثقافة الفكرية.
- الثقافة الاقتصادية.
- الثقافة العامة.
- الثقافة الاجتماعية والترفيهية.
- الثقافة التخصصية (كالإعلام والمحاماة والهندسة والطب والتدريس
وغيرها) .
إن الناتج المتوقع من المجالس النيابية هو سعيها الحثيث لصياغة جميع أنواع
الثقافة المذكورة صياغة علمانية، ولأجل ذلك: فإنها توفر كافة الإمكانات القانونية
والتمويلية للوصول إلى تلك البغية، مع ما يتطلبه ذلك من افتتاح مؤسسات ونوادٍ
وشركات ومنتديات وملتقيات ودور نشر ومطابع، وإعداد دورات تدريبية لتخريج
(كوادر) وظيفية متخصصة توكل إليها مهمات تحقيق تلك الأهداف في البلورة
الثقافية الديمقراطية العلمانية.
فما هو التجهيز والإعداد لدى الإسلاميين لمقابلة هذه البلورة الثقافية
الديمقراطية؟ ! ! .
إن الحكم بالديمقراطية يوفر إمكانات النجاح للخط الثقافي العلماني من خلال
قنوات كثيرة، منها:
- مناهج التربية.
- مناهج الإعلام.
- مناهج الترفيه.
- امتلاك وسائل النشر.
- التغطية المالية المقتدرة.
- الدعم البشري التخصصي على المستويين المحلي والدولي.
علماً أن مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية لا تستطيع توفير السيطرة
على أي قناة من القنوات المذكورة؛ لأنهم أقلية في المعتاد، وإذا حصلوا على
الأغلبية تحركت جحافل الملأ فصادرت الديمقراطية (كالجزائر مثلاً) .
وعلى العموم، فإن الامتداد الثقافي الإسلامي عمقاً ومساحة يحمل في طياته
حالياً كثيراً من عوامل الوهن، منها:
- عدم امتلاكه قرار وضع المناهج التربوية في المحافل التعليمية (المدارس
والجامعات والدراسات العليا) ، ولذلك فهو يمارس توجيهاً تربوياً محدوداً لا يتجاوز
غالباً مجموع الأفراد المنتسبين إليه، وحتى هذا التوجيه فيه خلل ودخن.
- افتقاره للإمكانات والمنابر الإعلامية مما يؤدي إلى محدودية صدعه الثقافي.
- عدم جديته في استغلال المساحات المتاحة لتوفير مناهج ترفيهية ذات
مضمون وتوجيه إسلامي ثقافي.
- تعثره في استغلال وسائل النشر الثقافي؛ وذلك لأسباب ذاتية وأخرى
خارجية من أهمها مقص الرقيب الإعلامي الحكومي.
- ضعف الموارد المالية المخصصة للبث الثقافي الإسلامي.
- قلة أعداد الفريق البشري التخصصي في المجالات الثقافية المختلفة،
إضافة إلى تواضع الخبرات وضعف استغلال التقنيات الثقافية المتطورة.
وبناء على ما تقدم، فإن محصلة الصراع هي في صالح بلورة ثقافية علمانية
في ظل الأنظمة الديمقراطية الحالية؛ ذلك أننا إذا اعتبرنا أن طرفي الصراع هما
الإسلاميون والعلمانيون فإن الإمكانات المتاحة للعلمانيين هي أعظم وأكبر بكثير من
نظيراتها المتاحة للإسلاميين، فلا يوجد أدنى تكافؤ في المسألة حيث إن النظام
العلماني الحاكم يضع جميع إمكاناته الهائلة في خدمة الخط العلماني، بما يعطي
العلمانيين قوة برلمانية حتى وإن لم يشكلوا الأغلبية، فكيف لو كانوا هم الأغلبية؟
إن مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية يضفي مزيداً من المشروعية الرسمية
والشعبية على المشروع الثقافي العلماني؛ ذلك لأنهم طرف محسوب على بلورة
صياغاته النهائية، علماً أنهم لم يشاركوا في تلك الصياغات العلمانية الثقافية (هذا
إذا أحسنا الظن في الموضوع، وإلا فإن الواقع المشاهد لكثير من الإسلاميين
النيابيين يؤكد وُلُوجَهم في ألوان إيجابية مدعمة للمشروع الثقافي العلماني! !) .
إن الساحة الثقافية في البلاد الإسلامية الديمقراطية وإن شهدت وتشهد صراعاً
غير متكافئ بين الثقافتين الإسلامية والعلمانية، إلا أنها تشهد صراعاً حقيقياً متكافئاً
بين المشاريع الثقافية العلمانية بعضها إزاء بعض مما تساعد حرارته على إضفاء
جوّ من الدفء على البرود الثقافي السائد، ذلك الدفء الذي تتسرب نفحاته العلمانية
إلى أذهان وعقول المثقفين أو رائدي الثقافة بما ينتج عنه بلورة ثقافية ديمقراطية
على المستوى المجتمعي بكافة شرائحه ومختلف فئاته وتنوع طبقاته.
إن ذلك سيؤدي إلى مزيد من ترسيخ وتجذير المفاهيم الديمقراطية على كافة
المستويات الثقافية السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والتخصصية، خلافاً
لما قرره المفكر الغربي المشهور (نعوم شومسكي) في كتابه (إعاقة الديمقراطية)
بقوله: (إن مفهوم الديمقراطية في الثقافة السياسية السائدة، إنما هو مفهوم يتلاشى
حتى بصفته مثلاً أعلى مجرداً) [١] .
إن الذي ذكره (شومسكي) ربما استقاه من الواقع الغربي رغم أننا لا نسلِّم له
بمقولته تلك بالنسبة للغرب ولكن بالنسبة للمثقفين في البلاد الإسلامية من العلمانيين
وكثير من الإسلاميين تعتبر الديمقراطية في الثقافة السياسية مثلاً أعلى! ! وكل ذلك
على حساب الإسلام وثقافته المؤصلة بالكتاب والسنة.
стр. 2513
في دائرة الضوء
الحقيقة التي يتجاهلها العلمانيون:
الإسلام ليس كنيسة ! !
بقلم: د. محمد يحيى
من الجوانب المهملة في السجال الدائر بين أصحاب الفكرالعلماني
(اللاديني) وأنصار الفكر الإسلامي سؤال يتجاهله الأولون عمداً ويسعون إلى
إخفائه من المناقشة، ألا وهو: إلى أين يكون مصير الإسلام؟ ومن يقوم به عندما
يفصل عن الدولة كما يطالبون؟ . وقد يتبادر إلى الذهن أن الإجابة هي: الناس
(أي جموع المسلمين) ، أو فئة العلماء والفقهاء، أو ما اصطلح على تسميته
بالمؤسسات الدينية وهي جامعات ومعاهد تعليمية في الأساس والأصل، لكن هذه
الإجابات خادعة؛ فالناس لا يقدرون على كفالة أو حمل دين والقيام به وبكل شؤونه
إذا ظلوا مجرد آحاد وأفراد متفرقين وإن كثروا، حيث لا تجعل منهم كيانات
مؤسسية قوية تعلو على مستوى الفرد المنعزل أو حتى الجماعة المفككة، والعلماء
والفقهاء مدرسون وباحثون وناقلو علم على أحسن الأحوال، وليسوا مؤهلين أو
قادرين على تولي شؤون الدين إذا ما فصل عن المؤسسة القادرة على ذلك وهي
الدولة. أما عن المؤسسات الدينية فهي الأخرى في أساسها معاهد تعليمية أضيفت
عليها في بعض الدول أوضاع رسمية بروتوكولية استجابة لسلطان الدين في نفوس
الشعوب، لكنها سرعان ما سحبت أو خبت أنوارها مع تدخلات دوائر الحكم
العلمانية فيها.
إننا عندما نتحدث عن القيام بشؤون الدين لا نقصد مجرد الإيمان به وتلقينه
للأبناء وهو ما قد تقوم به الأسر والأفراد، ولا نقصد مجرد البحث في جوانبه
ونقلها تعليماً إلى المجتمع المحيط مع الحفاظ على تراثه الفكري والعقدي، فالقيام
بشؤون الدين وكفالته بالمعنى الواسع يعني: وجود قوة حاملة بمصطلح علم
الاجتماع ترى نفسها مسؤولة عن الدين بحكم إيمانها به، كما تكون قادرة بفضل
إمكاناتها على تحقيق مطالب هذه المسؤولية: من نشر للدين في الخارج، وترسيخ
له في الداخل، ودفاع عنه بكل وسائل الدفاع، مع إعمال تعاليمه، وإنفاذ شريعته،
وتحقيق قيمه ومثله من خلال شتى السياسات، وعلى كل المستويات، هذه القوة
الحاملة ينبغي أن تتخذ من الدين المرجعية العليا لها أو (الأيديولوجية) والعقيدة
السياسية والاجتماعية والثقافية، ومن الجلي أن آحاد المسلمين أو حتى جماعاتهم
المحدودة ومؤسساتهم التعليمية لا تستطيع النهوض بهذه المسؤولية، ليس فقط
لافتقارهم إلى الإمكانات والسلطات التي تضمن لهم هذا الأداء، بل لسبب بسيط جدّاً، وهو أنهم لم يُعَدّوا للقيام بتلك المهمة.
كان للإسلام دائماً دولة تكفله وتقوم به، ويضعف كثيراً أو يختفي إن ضاعت
هذه الدولة، كما تشهد بذلك حالة الأندلس وحالة الدولة العثمانية لا سيما بالنسبة
للشعوب التابعة لها خارج نطاق شبه جزيرة الأناضول.
وسنوات البعثة النبوية في مكة كانت سنوات استضعاف، ولولا حفظ الله
الدينَ خلالها لضاع، ويجب ألا ننسى أن المسلمين الأوائل كانوا أيضاً جزءاً من
النسق الاجتماعي العربي، وإن كانوا خالفوه في قضية العقيدة الجوهرية، والدولة
أو الدول الإسلامية على مر التاريخ الإسلامي هي التي دفعت عن المسلمين غائلة
العدوان الخارجي من قوى الكفر، وهي التي أوجدت السبل والظروف لتستقر
المجتمعات الإسلامية على إيمانها وممارسته، وهي التي قامت على وظائف العدالة، كما وفرت القواعد المادية لتقوم المؤسسات التعليمية والعلمية بوظائفها الحيوية،
وإذا ضاعت الدولة الإسلامية كما حدث ويحدث في العصر الحديث سقطت كل هذه
المهام وبقي المسلمون ومعهم مؤسساتهم التعليمية والعلمية عارين عن أي حماية
ومعرضين لكل عوامل الغزو والاجتياح من أعداء الإسلام في الداخل والخارج دون
قوة تذود عنهم. ويزيد الأمر سوءاً عندما تحل محل الدولة الإسلامية الذاهبة دولة
يسيطر عليها إن صراحة أو ضمناً أصحاب الفكر العلماني ذي النزعة المتغربة على
اختلاف مشاربهم، هنا تتحول الدولة من الدفاع عن الإسلام والذب عنه والقيام
بشؤونه ورعاية مصالحه وتطبيق شريعته وأحكامه إلى العداء له والكيد وتحطيم
بنيانه وهدمه وتفريق جمعه وإضعاف شوكته، والواقع المشهود يدل على ذلك.
إن أصل الخلط وسوء الفهم المتعمد يعود إلى الحديث عن الدين والدولة
والفصل بينهما بعمومية تتجاهل الفرق بين الإسلام والمسيحية كما تطورت تاريخيّاً، وهذا الفارق الجوهري والحيوي هو مؤسسة الكنيسة في مختلف مذاهبها،
فالكنيسة بوصفها بيتاً تاريخيّاً هي المؤسسة التي قامت على المسيحية من ناحية
النشر والترويج والمحافظة عليها ولمّ شعث المؤمنين بها، والكنيسة مؤسسة شاملة
حقّاً وذلك وفق المفهوم العلمي وهي ليست كذلك لأن لها ممتلكات وأراضي ومباني،
بل ومعاهد تعليمية وعلمية وهيئات إعلامية ودور نشر.. إلخ، فكل هذه قد تنزع
منها في فترات الانكسار والجَذْر التي قد تتعرض لها، والتي تعرضت لها فعلاً إبان
الثورة الفرنسية والثورة الروسية مثلاً، ولكن الكنيسة مؤسسة بمعنى: أنها تنظيم
هرمي يقوم على فئة منظمة ومنضبطة بلوائح وقوانين تحدد مهامها وواجباتها
وأدوارها، وهي فئة الكهنوت التي يحكمها القانون الكنسي. ووجود الكهنوت بهيكله
التنظيمي والهرمي وقانونه يُوجِد مؤسسة تعلو على الأفراد وتتوفر لها إمكانية
الاستمرارية وتجديد الذات والبقاء، دون أن تذهب وتموت بذهاب الأفراد المشكلين
لسلك الكهنوت وموتهم، الكنيسة وفق هذا التصور مؤسسة ذات نواة وهيكل أساس
قابل للتوسع والامتداد والامتلاء في فترات الاستقرار والظروف الاجتماعية المواتية
أو الانكماش والتقوقع على الذات مع الاحتفاظ بالدين المحمول، وذلك في فترات
القهر أو الاضطراب.
والكنيسة الحاملة للمسيحية ليست مجرد تجميع للمؤمنين داخل مبنى، وليست
مجرد هيئة تعليمية تلقن الأفراد تعاليم دينهم، لكنها بجانب ذلك كما أسلفنا مؤسسة
شاملة ترى نفسها حاملة وحامية للدين ومسؤولة عنه. صحيح أنه لا توجد للكنائس
جيوش، لكنها في فترات القوة تهيمن على الدولة التي تعمل في نطاقها، وتجعل
من جيشها جيشاً مدافعاً عن النصرانية ومهاجماً في سبيل فرضها بالقوة، أما في
فترات الضعف فهي لا تذوي أو تموت لعدم وجود جيش لها أو عدم وجود الإمكانات
والسلطات الأخرى للدولة؛ ذلك لأنها تبقى حتى في ظل أشد الأنظمة عداءً لها وكما
حدث في ظل بعض الأنظمة العلمانية الحديثة الشرسة في فرنسا الثورة أو في النظام
السوفييتي معترفاً بها رسميّاً وقانونيّاً بوصفها الجهة المسؤولة عن الدين النصراني
حتى لو أُضْعِفَتْ قوتها.
عندما يدور الحديث إذن في الغرب عن الفصل بين الدين (أو الكنيسة) والدولة
فإن ذلك الحديث لا يرمي إلى عداوة للدين أو ينوي تصفيته؛ لأن فصله عن الدولة
لا يعني ضياع وجوده أو قوامه، ولا يعني انعدام المؤسسة الحاملة والكافلة له؛ إذ
ستبقى الكنيسة هي ممثلة هذه القوة، وكل ما يرمي إليه حديث فصل الكنيسة عن
الدولة في الغرب هو إحداث إجراء تنظيمي إداري يفصل بين مجالات الاختصاص، وهو ما تتسع النصرانية له؛ لغياب الشريعة المفصلة بها، لكن العكس هو ما
يحدث في الإسلام عندما يفصل عن الدولة، إذ يفقد في هذه الحالة القوة الحاملة له
ولا يجد لها بديلاً كما قد يتصور بعضهم في عدد من المؤسسات الأخرى (جامعات
أو وزارات أوقاف وشؤون دينية) ؛ لأن هذه المؤسسات ليست بحكم النشأة والوظيفة
والتكوين مؤهلة لأن تكون قوة حاملة للإسلام، بل هي في أحسن الظروف حاملة
لبعض جوانب الإسلام العلمية أو الاجتماعية. ومما يلحظ: أن محاولات تحويل
بعض هذه الهيئات المحدودة إلى مؤسسات قائمة بالإسلام تُخفق لهذا السبب، ومع
ذلك: يصر العلمانيون على القيام بها؛ إما لإخفاء حقيقة ما يفعلونه بالإسلام لدى
فصله عن الدولة وهو في الحقيقة تضييع له وإما لإدراكهم أن حصر سعة الإسلام
وحبسها في هيئات ضيقة وجعله احتكاراً لهذه الهيئات يؤدي في الواقع إلى إضعاف
الإسلام بشدة، بل وإلى إنهائه؛ لأن الجماهير لا تؤمن بهذه المؤسسات قوًى حاملة
للإسلام.
إن فصل الإسلام عن الدولة يعد قتلاً له، ويزيد الأمر سوءاً كما قلنا عندما
تكون الدولة الآتية علمانية التوجه؛ لأنها في هذه الحالة تستغل كل القوى
والإمكانات والسلطات التي كانت تدافع عن الإسلام وتضعها ضده.
стр. 2514
منتدى القراء
الشيخ إسماعيل الأنصاري..
العالم الذي فقدناه
بقلم: عبد الله بن محمد الهلالي
قال الله (تعالى) : [أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاًتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ
يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ] [الرعد: ٤١] .
قال ابن كثير في تفسيره (٢/٥٢١) : (.... وقال ابن عباس في رواية:
خرابها بموت علمائها، وفقهائها، وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضاً: هو
موت العلماء وفي هذا المعنى ...
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى يمت عالم منها يمت طرفُ
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها وإن أبى عاد في أكنافها التلفُ
ففي يوم الجمعة الموافق ٢٦/١١/١٤١٧هـ، وفي مدينة الرياض، أقيمت
صلاة الجنازة على جثمان الشيخ (إسماعيل الأنصاري) (رحمه الله تعالى رحمة
واسعة وغفر له) ، وذلك بعد صلاة الجمعة بالجامع الكبير.
وهذه نبذة مختصرة جداً عن حياته.
مولده ونشأته: ولد الشيخ في صحراء إفريقيا سنة ١٣٤٠هـ، وتلقى هناك مبادئ العلوم؛ فحفظ القرآن عن ظهر قلب، وقرأ في العقائد والفقه والنحو والبلاغة والأصول والمصطلح وغيرها من العلوم على مشايخ تلك البلاد.
ثم هاجر فضيلته إلى الحرمين الشريفين، ووصل إلى مكة عام ١٣٦٩هـ
واستقر بها.
أعماله: تولى فضيلته التدريس في المدرسة الصّولتية عام ١٣٧٠هـ، وفي
عام ١٣٧٢هـ أخذ إجازة التدريس بالمسجد الحرام، ثم في عام ١٣٧٤هـ انتدب
للتدريس في المعهد العلمي بالرياض، وأخيراً عين باحثاً بدار الإفتاء في عام
١٣٨٢هـ بأمر من سماحة الشيخ (محمد بن إبراهيم) ﵀ ، واستمر في
عمله هذا حتى أعياه المرض ولازم البيت.
آثاره: للشيخ عدة مؤلفات تمتاز بالدقة في البحث، كما تدل على سعة
اطلاعه ﵀ منها:
١- حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين.
٢- القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل.
كما قام الشيخ بتصحيح طائفة من الكتب العلمية، وعلق عليها تعليقاً زادها
فائدة، وعلماً، منها:
١- الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي.
٢- الصارم المنكي في الرد على السبكي لابن عبد الهادي.
وللشيخ أيضاً عدة مقالات علمية تبلغ مجلدين لو جمعت.
شهاداته العلمية: أعطي فضيلته شهادة علمية موقعة من سماحة الشيخ (عبد العزيز بن باز) (حفظه الله تعالى) ، ومن فضيلة الشيخ (عبد الرزاق عفيفي ﵀ قرّرا فيها: أنه من العلماء الأجلاء، وأن مستواه العلمي يفوق مستوى كثير من حملة الشهادات العليا في الوقت الحاضر.
كما أجازه العلامة الشيخ (حمود بن عبد الله التويجري) ﵀ ، وللشيخ
إسماعيل (ثبت) متداول بأسانيده [١] .
لقد فقدنا عالماً جليلاً فنسأل الله أن يخلفنا خيراً منه.
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 2515
ضراعة
شعر: صالح بن عبد الكريم العبودي
أنت أدرى بما يُكِنُّ ضميري ... وجناني وخاطري وشعوري
فُضِحَ السر قبل أن يُخلَقَ السرّ ... إذ كان من عليم بصير
إن بحثي عن الهروب لحمق ... وضياع يتيه فيه نفوري
نحن في قبضة الإله أسارى ... يا منى النفس للضعيف الأسير
السموات والكواكب تعنو ... في خضوع لربها، مستجير
كيف لا وهن قبضة في يديه ... مسلمات لربهن القدير
كيف أنجو من العقاب وجرمي ... في يدَيْ عالمِ بأمري، خبير
يا إلهي عرفت منك وجودي، ... وحياتي، وحاضِري، ومصيري
مذ هديتَ الفؤاد درباً قويماً ... سبح الفكر في فضاء منير
لا يهاب الظلام مهما تغشّى ... عالمَ الناس من سكون مثير
مطمئن يروح خلف رؤاه ... محرزاتٍ لكل معنى كبير
стр. 2516
بأبي أنت وأمي
يا رسول الله ﷺ
بقلم: تركي بن عتيبي الغامدي
(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) ، (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .
هذا ما كان من النبي ﷺ ﷺ قبل
أربعة عشر قرناً من الزمان في قومه، وبذلك والله فلتهنأ البشرية كلها إلى يوم
القيامة بالرحمة المهداة في قوله وأفعاله، ومن أجل ذلك؛ فلتفخر أمتنا بنبيها العظيم، ولتستخلص الحكم السامية من السيرة العطرة، والسنة الثابتة، وما كان من حياته
المجاهدة.
فهو بأبي وأمي، في أشد حالات الحزن، والأذى، والألم، يُخيّر من قِبَل الله
في قومه، فيختار العفو، فيقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا
يعلمون) .
وهو بأبي وأمي في أعظم صور الفتح والنصر المبين، والقوة، والعزة،
والمنعة، والتأييد والتمكين، وكل الخيارات في يده: يُخَيّر في مكة بما فيها من
كفرة وأصنام، فيختار العفو، فيقول: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .
من يفعل ذلك بقومه، من يفعل ذلك من أجل الإنسان والإنسانية، من يفعل
ذلك من أجل تحقيق معنى استخلاف الله للإنسان على هذه الأرض لتنفيذ
شريعته في خلقه، من يفعل ذلك لتكون هناك أسمى صور التسامح بين الحاكم
والمحكوم من يفعل ذلك كله غير النبي؟ .
فمن يقتدي به من أمته ﷺ ؛ فيعفو هذا عن القاتل،
ويعفو هذا عن دَيْن له عند صاحبه، وتعفو هذه عن زلة لسان جارتها، من يفعل
ذلك وغيره؟ .
إن لنبينا العظيم بهذين الموقفين العظيمين دَيْناً كبيراً لا يمكن سداده، وسيبقى
في أعناق البشر، حتى يقتدوا بسنته عبادة وحياة.
فبالله عليكم.. ماذا عساها أن تكون الحياة، وماذا كان سيسود فيها، لو لم
يحدث ذلك من النبي ﷺ ﷺ ؟ .
أعتقد أنها كانت ستكون كما نرى حالها اليوم وقد سادت شريعة الإنسان الظالم
الجهول في غير مكان من هذا العالم، بعيداً عن الإسلام وشريعته السماوية السمحة.
ويكفي أن النبي ﷺ الحبيب محمداً - صلى الله عليه
وسلم - بذلك قد قدّم للبشرية ولأمته، أكبر الأدلة على سمو أخلاقه الكريمة، وسمو
رسالته الخالدة، وخيرية المؤمنين بها بين الناس، وأن ذلك هَدْيٌ يُقتدى به في حكم
البشر وفيما بينهم أبد الدهر، فبأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ -
стр. 2517
الورقة الأخيرة
ومن يبكيهم بعد عمر ؟ !
بقلم: حسن أحمد قطامش
ذكر ابن كثير في تاريخه، أن السائب بن الأقرع قدم على عمر بن الخطاب
﵁ يبشره بنصر المسلمين في معركة (نهاوند) ، فسأله عمر عن قتلى
المسلمين، فعدّ فلاناً وفلاناً من أعيان الناس وأشرافهم، ثم قال لعمر: وآخرون من
أفناد الناس لا يعرفهم أمير المؤمنين.. فجعل عمر يبكي ويقول: (وما ضرهم ألا
يعرفهم أمير المؤمنين؟ ! لكن الله يعرفهم، وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون
بمعرفة عمر؟ !) [١] .
قسم الله (تعالى) الناس إلى مؤمنين وكافرين، وغَلّب الكفار في العدد [وَمَا
أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ] [يوسف: ١٠٣] ، ومن هذا القسم مَنْ هم أهل
رأي وفكر وسيادة، وهم فيهم قلة قليلة جدّاً، وعند المسلمين كذلك أهل حكمة وعلم
ورأي ووجاهة، وهم قلة كذلك، وهذا مُشَاهَدٌ معلوم، فترى أهل التراجم والسير
يختمون أحداث السنة بذكر من توفي فيها من (الأعيان) ! ! .
وجيوش المسلمين التي كانت تخرج للغزو والجهاد بألوف مؤلفة لا تذكر كتب
التاريخ لنا منهم إلا القادة والأمراء وأهل الرأي، فماذا عن بقية الجيش؟ ماذا إذن
عن بقية الناس الذين هم (أفناد الناس) الذين ليسوا بأهل حلٍّ ولا عقد ولا رأي ولا
إمارة؟ من هم خارج دائرة السلطة والذين يمكن تسميتهم بـ (الرأي العام) على حد
المصطلح الشائع.
خرجوا في سبيل الله، وكُتبوا في ديوان أهل الجنات شهداء [عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ] [آل عمران: ١٦٩] ، قاموا بأشرف الأعمال وأجلها ولم يُشَر إليهم ببيان
ولا بنان، وما دعوا إلى مؤتمر أو اجتماع محترم، بل كانوا ناساً وسط الناس
يعملون لله وحده وما ضر أحدهم أن يكون هكذا، ما اشترط يوماً لعمله أن يكون
رئيساً موجِّهاً ولا أميراً مطاعاً، بل كان همه: رضا الله، وأولئك النفر من الناس،
ومما قال فيهم سيد الناس ﵊ : (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في
سبيل الله، أشعث رأسه، مُغبرّ قدماه، إن كان في السّاقة.. كان في الساقة، وإن
كان في الحراسة.. كان في الحراسة، إن استأذن ... لم يؤذن له! ! ، وإن شفع..
لم يُشفّع! !) [٢] .
إذن ما الذي يُضير أولئك إن لم يعرفهم أمير المؤمنين؟ من الممكن أن
يضيرهم إن كان عملهم لذات أمير المؤمنين، ولكن يكفيهم أن الله يعرفهم ويعرف
سرائرهم.
ما الذي يضيرنا إن عبدْنا الله وحده، ولم نعبُد ذواتنا حين نَشْرُطُ للعمل لله أن
نكون في موقع القيادة والإمارة ظناً أننا أصحاب قدرات ومواهب خاصة، ولا
يمكننا العمل وسط (العامة) ! ! .
إن وقفة مهمة نحتاج إليها لإعادة النظر في ذواتنا، وإلى النظر إلى (أفناد
الناس) بمنظار الوعي، فهم بحاجة إلى (أعيان الناس) ليعُبِّدوهم لله وحده، ولا
يضيرهم ألا يعرفهم أمير المؤمنين.
стр. 2518
ربيع الآخر - ١٤١٨هـ
أغسطس - ١٩٩٧م
(السنة: ١٢)
стр. 2519
كلمة صغيرة
هم العدو فاحذرهم
كان المنافقون في صدر الإسلام أشد الأعداء عليه؛ لذلك حذر الله منهم كثيراً
بل وأنزل فيهم سورة كاملة (المنافقون) ، ولخطورة منهجهم وخبث طويتهم جعلهم
الله في الدرك الأسفل من النار، وعصرنا له منافقوه الذين ابتليت أمتنا بهم وهم
العلمانيون الذين يزيد حنقهم وغضبهم عند كشف أوراقهم، ويدّعون زوراً وبهتاناً
أنهم مسلمون مع أن مبادئهم وأفكارهم تناقض الإسلام عقيدة ومنهجاً، وهم سواء
أكانوا من الاتجاه الليبرالي، أو الاتجاه الماركسي أعداء هذا الدين وأعداء دعاته،
ولعل المتابعين لما تنشره صحافتنا ومجلاتنا العربية رأوا ذلك رأي العين حينما قال
أحد رموزهم الرأسماليين (وهو باشا سابق) في مقابلة معه إنه يكره الشيوعيين
والناصريين وإحدى الجماعات الإسلامية التي ذكرها بالاسم، ورأينا أحد ممثلي
الجانب الآخر وهو ممن اهتموا بالكتابة الظالمة عن الإسلاميين في كثير من
دراساته حتى قال عنهم ما لم يقله مالك في الخمر.
فما يدين به أولئك الكتاب من عداء للإسلام ودعاته يظهر على فلتات ألسنتهم
وفي جل كتاباتهم؛ حيث يضيقون ذرعاً دائماً بالعاملين في الصف الإسلامي،
ويفضلون التعامل مع اليهود والنصارى، بل ومع الشياطين على أن يتعاملوا مع
دعاة الإسلام! !
فأين الموضوعية؟ وأين الحرية؟ وأين الديمقراطية التي يتشدق بها هؤلاء؟
بل أين الإسلام الذي يدّعونه؟ ، إنه عداء عقيدة، ومن هنا جاء الخلاف.
стр. 2520
افتتاحية العدد
الإسلام قادم..
رغم السدود والقيود
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله
وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد،،
فإن المتابع لواقع أمتنا وما ابتلاها الله به بكثير من الأحزاب العلمانية الحاكمة
ووسائل إعلامها التي تواصل عملها الدؤوب للصد عن دين الله والتخويف منه؛
لعداوتهم لهذا الدين والرعب من أن يعود، وخوفاً من فضح تلك التوجهات الظالمة
وكشف مكرها المستمر يعجب المتابع لهذه الحال، وإن كان الشيء من معدنه لا
يستغرب.
والمتابع بصفة خاصة للحالة التركية يجد هذا العداء جلياً، وسبق أن بينا
حقيقة تلك (المافيا العسكرية) الممسكة بأزمّة الأمور هناك في حربها للمد الإسلامي
في تركيا ومواقفها التسلطية حيال (حزب الرفاه) الذي يعلم الجميع مدى تساهله
وتسامحه فضلاً عمّا أعلنه من قبولٍ للعبة الديمقراطية، وما ذاقه الرفاه من الضغوط
المتوالية لقرارات ما يسمى بـ (مجلس الأمن القومي) وبخاصة تحركاته المشبوهة
لإحراج الرفاه مثل تدخله العسكري في العراق بدعوى مطاردة حزب العمال الكردي، وكذلك العلاقات العسكرية المكشوفة مع الصهاينة وإجراء المناورات معهم في هذه
الآونة بالذات، وإصرارهم على إقفال مدارس تحفيظ القرآن ومعاهد الأئمة
والخطباء مما اضطر (أربكان) إزاء تلك الضغوط للاستقالة قبل نهاية فترته
الرئاسية. ويستمر ضغط المؤسسة العسكرية على بعض النواب في الحزب الحليف
(الطريق القويم) للانسحاب ترغيباً وترهيباً حتى فقدوا الأغلبية تمهيداً لقيام الحكومة
الجديدة برئاسة العلماني المتطرف (يلماظ) الذي يحاول إنجاح وزارته بالتأكيد على
النهج الأتاتوركي ومجاملة العسكر مع أن وزارته على كف عفريت كما يقال ولو
نجحت في الثقة بها برلمانياً لما نجحت في أداء رسالتها المفترضة لفساد عناصرها
وعدم تجانسهم؛ بل وتناقضهم؛ مما سينعكس سلباً على أدائها ويجعلها للسقوط
أقرب؛ كل ذلك بمباركة الرئيس (ديميريل) الذي ما زال هلعاً لطرده لمرتين
سابقتين من قِبَل العسكر. مما يؤكد حقيقة أن تلك العصابات الحاكمة لا تعير
الديمقراطية أدنى اهتمام، زيادةً على أنها ترفض الإسلام، وهي أقرب ما تكون
لأتباع زعيم الدونمة المعروف (سبتاي بن زفي) فهؤلاء العسكر والعلمانيون من
كُتّاب وحزبيين وإعلاميين من واقع عدائهم الصريح للإسلام ورفضه جملة وتفصيلاً
لا يماري أحد منهم من أنه من فلول تلك الطائفة التي تظاهرت بالإسلام وما زالوا
ينفذون تعاليم زعيمهم الهالك [*] . والغريب أن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا
ترى تدخل الجيش في شؤون الحكومة المنتخبة ديمقراطياً بشكل سافر ولم تحرك
ساكناً كعادتها، ولم يهمها سوى الاعتراض على حكم محكمة النقض الإداري
المصري المتعلق بختان البنات! ! ، بل إن من رموزها من كتب وحذر من حزب
الرفاه واختراقه للجيش بشكل يهدد مستقبل قواعدهم العسكرية هناك؛ فالمسألة
ضمان مصالحهم فحسب؛ وعلى الديمقراطية السلام! !
أما الأحزاب العلمانية الأخرى في بلدان عالمنا الإسلامي فإن مواقفها وإن
كانت ظاهراً أقل عداءً للإسلام من النموذج التركي فإنهم بمنطلقاتهم الفكرية
وإيديولوجياتهم العقائدية لا يقلون حرباً للإسلام عن تلك الطغمة الفاجرة؛ ويظهر
ذلك فيما يلي:
* رفضهم الإسلام شريعة ومنهج حياة ومطالبتهم بتحجيمه حتى لا يتجاوز
دُور العبادة.
* وقوفهم ضد أي توجه إسلامي مهما كان ورفضه واتهامه بالإرهاب
والتطرف والظلامية.
* الإسلاميون سواء أكانوا دعاة عقيدة، أم رواد فكر، أم عاملون في مجالات
التنمية والأعمال الخيرية غيرُ مرضي عنهم؛ بدعوى أن لهم أهدافاً مبيتة
ومخططات بعيدة المدى وأنهم بهذه الأعمال يستحوزون محبة الناس لهم!
* ديمقراطية هؤلاء العلمانيين التي يتشدقون بها ليس فيها أي فسحة للرأي
الآخر المخالف لهم؛ في الوقت الذي تحكم فيه الأحزاب المسيحية دولاً في أوربا
الغربية، ويحكم تكتل الليكود المتطرف دولة الصهاينة، بل وتقوم في الفاتيكان دولة
لها سفراؤها حتى في بعض تلك الدول ولها تدخلها المكشوف في الشؤون السياسية
في بعض البلدان كما حصل أثناء زيارة بابا الفاتيكان إلى لبنان وما أصدره مما سمي
بـ (الإرشاد الرسولي) وهو في حقيقته مخطط مرسوم لتوحيد القوى النصرانية في
لبنان في إطار ما دعي بـ (سياسة التوازن العادل) لتبقى للنصارى الأغلبية والنفوذ
القائمان الآن.
فلماذا يقف هؤلاء الأعداء في بلداننا ضد الإسلام وضد الداعين إليه بدعاوى
ما أنزل الله بها من سلطان، ويجعلون همّهم مصادرة أي اتجاه إسلامي وإن رُشّح
من الشعب نفسه؟ فديمقراطيتهم فُصّلت على مقاساتهم، لذا نجد ظاهرة الإطاحة
بالإسلاميين باتهامات معدة سلفاً منها: انتماؤهم لتيارات محظورة، أو أنهم يشكلون
خطراً على الوحدة الوطنية! التي هي أصلاً على جرف هار لضعف الأسس التي
قامت عليها فذلك معروف للجميع.
إن تلك الضغوط التي تصبّ ظلماً وعدواناً ضد الإسلاميين والداعين إلى
ضرورة التحاكم إلى شريعة الله لا تزيد هؤلاء العاملين والداعين سوى اليقين بأن
ذلك امتحان وابتلاء من الله، ثم إن الشعوب المسلمة تعرف حقاً المصلح من المفسد.
حقاً إن دين الله باقٍ مهما استبد الطغاة الحاكمون بأمرهم في حرب الإسلام
ودعاته وهذه حقيقة علّمنا إياها الله جل وعلا بقوله: [هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣٣] يقول
صاحب الظلال ﵀ موضحاً انتشار هذا الدين في صدر الإسلام ثم كيف تخلى
عنه أهله (خطوة فخطوة ... بفعل عوامل داخلة في تركيبة المجتمعات الإسلامية من
ناحية، وبفعل الحرب الطويلة المدى المنوعة الأساليب التي أعلنها عليهم أعداؤهم؛
لكن هذا ليس نهاية المطاف ... إن وعد الله قائم ينتظر العصبة المسلمة التي تحمل
الراية وتمضي مبتدئة من نقطة البدء التي بدأت بها خطوات الرسول وهو يحمل
دين الحق ويتحرك بنور الله) (١٦٤٤/ج٣) .
ولعل من مبشرات انتصار هذا الدين ما نشرته وكالة الأنباء الإسلامية مؤخراً
عن (الكتاب الدولي للكنائس) الذي ذكر فيه أن النصارى يمثلون ربع سكان العالم
وعددهم ٦، ١ بليون نسمة، والمسلمون يمثلون خمس سكان العالم وعددهم بليون
نسمة وأكثر، ولكن عدد المسلمين يتزايد بمعدل ٨٢ ألف نسمة يومياً نتيجة دخول
كثيرين للإسلام ونتيجة للإنجاب المستمر لدى المسلمات وإذا استمر هذا المعدل فإن
الإسلام سيصبح الدين الأول في العالم عام ٢٠٥٨م؛ فضلاً عما نشرته الوكالة
نفسها من أن غالبية شباب أوربا يقولون: إن الدين النصراني ليس له أهمية في
حياتهم؛ مما دفع المنصّرين إلى إعلان الطوارئ لتوجيه أعمالهم لإعادة أولئك إلى
دياناتهم.
إن ديننا الحنيف دين واقعية ووضوح وإنسانية وأخلاقية، ويرفض الظلم
والعدوان، ويقدم الحلول الجذرية لمشكلات العالم بكل موضوعية بعيداً عن الإفراط
والتفريط، وهذا ليس ادعاءً بل له رصيده من التجربة في عصور الإسلام السابقة
واللاحقة، وقد قدم بعض علماء الإسلام أكثر من نموذج لدساتير الدولة الإسلامية
وهي جاهزة للتطبيق ونتساءل: حتى متى تعطل ولمصلحة من يحال دون تنفيذها،
ومن المتواطئون ضدها؟ وهذا لا يخفى على اللبيب معرفة من وراءه؟ وكل ذلك
يجب ألا يوهن همم المسلمين أو يثبط عزائمهم.
إن كيد الأعداء ضد الإسلام ودعاته مستمر؛ لكنهم سيبوؤون إن شاء الله
بالخسار والدمار، فالإسلام قادم رغم كل السدود والقيود وصدق الله العظيم: [وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ]
[الأنبياء: ١٠٥] .
стр. 2521
دراسات شرعية
جهود الأئمة في حفظ السنّة
بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن المعالم التي قادت المسلمين إلى حفظ
السنة في صدر الإسلام، ثم جهود الخلفاء (الأئمة) وكذلك الصحابة الأعلام (رضي
الله عنهم) . ويواصل الأخ الكاتب في هذه الحلقة بيان جهود الأئمة من السلف ومن
بعدهم.
ثانياً: جهود السلف في حفظ السنة وضبطها:
بذل أئمة الإسلام جهوداً عظيمة في حفظ السنة وتنقيحها، وحمايتها من
تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وقد تمثلت جهودهم في
مسائل عديدة، أذكر منها:
١- حفظ السنّة:
اهتم السلف الصالح بحفظ حديث النبي ﷺ وإتقانه،
وجعلوا ذلك شرطاً من شروط الرواية، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: (يحرم
على الرجل أن يروي حديثاً في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن،
وكاسم الرجل) [١] .
وقد سطر أئمة الحديث أروع الأمثلة في هذا الباب، وأتوا بما يبهر الإنسان
ويعجزه، ومن علامات ذلك:
(أ) غزارة الحفظ:
تميّز بعض الأئمة بكثرة محفوظاتهم وتنوعها، وهناك أمثلة كثيرة جداً على
ذلك، وقد جمع الذهبي تراجم هؤلاء الحفاظ في كتابيه: (سير أعلام النبلاء)
و (تذكرة الحفاظ) وذكر عجائب من علومهم وأحوالهم، ومن أمثلة هذا الباب:
المثال الأول: حفظ الإمام أحمد:
كان الإمام أحمد واسع الحفظ، جمع حديثاً كثيراً، حتى قال أبو زرعة: (كان
أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذتُ
عليه الأبواب) [٢] .
المثال الثاني: حفظ الإمام إسحاق بن راهويه:
قال أبو داود الخفّاف: (سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لكأني أنظر إلى مئة
ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفاً أسردها) . قال: (وأملى علينا إسحاق أحد عشر
ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً، ولا نقص حرفاً) [٣] .
وقال علي بن خشرم: (كان إسحاق بن راهويه يملي سبعين ألف حديث
حفظاً) [٤] .
المثال الثالث: حفظ الإمام عبد الرحمن بن مهدي:
قال القواريري: (أملى عليّ عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث
حفظاً) [٥] .
المثال الرابع: حفظ الإمام الحميدي:
قال الإمام الشافعي: (ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ
لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث) [٦] .
ب- قوة الحفظ ودقته:
على الرغم من كثرة محفوظات الأئمة وتنوعها، إلا أنهم تميزوا بقوة الحافظة، والرعاية الشديدة لمحفوظاتهم، حتى قال الأعمش: (كان هذا العلم عند أقوام كان
أحدهم لأن يخرّ من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً) [٧] .
ولهذا كان الإمام مالك يتحفظ من الباء والتاء والثاء، في حديث رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-[٨] .
ومن الأمثلة على قوّة الحفظ ودقته:
المثال الأول: قوة حفظ الإمام الزهري:
جمع الإمام الزهري علماً عظيماً، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره، مع قوة
وإتقان، فقد قال عن نفسه: (ما استعدت حديثاً قط، وما شككت في حديث إلا حديثاً
واحداً فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت) [٩] .
وقد أراد هشام بن عبد الملك أن يمتحنه، فسأله أن يملي على بعض ولده
أربعمائة حديث، وخرج الزهري، فقال: أين أنتم يا أصحاب الحديث؟ فحدثهم
بتلك الأربعمائة، ثم لقي هشاماً بعد شهر أو نحوه، فقال للزهري: إن ذلك الكتاب
ضاع، فدعا بكاتب فأملاها عليه، ثم قابل بالكتاب الأول فما غادر حرفاً
واحداً) [١٠] .
المثال الثاني: قوة حفظ قتادة بن دعامة:
قال الإمام أحمد: (كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئاً إلا حفظه،
قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها) [١١] .
وقال معمر: (رأيت قتادة قال لابن أبي عروبة: أمسك عليّ المصحف، فقرأ
البقرة، فلم يخطئ حرفاً، فقال: يا أبا النضر، لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني
لسورة البقرة) [١٢] .
ولهذا قال قتادة عن نفسه: (ما قلتُ لمحدث قط أَعِدْ عليّ، وما سمعت أذناي
شيئاً إلا وعاه قلبي) [١٣] .
المثال الثالث: قوة حفظ الإمام أحمد:
كان الإمام أحمد آية في الحفظ والإتقان، على الرغم من كثرة محفوظاته،
حتى قال ابن المديني: (ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن
حنبل) [١٤] .
ومن شدة إتقانه أنه كان يقول لابنه عبد الله: (خذ أي كتاب شئت من كتب
وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد
حتى أخبرك عن الكلام) [١٥] .
المثال الرابع: قوة حفظ ابن أبي شيبة:
قال عمرو الفلاس: (ما رأيت أحداً أحفظ للحديث من ابن أبي شيبة، قدم
علينا مع ابن المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظاً وقام) [١٦] .
ولهذا قال الخطيب البغدادي: (كان متقنا حافظاً مكثراً) [١٧] .
وقال الذهبي: (كان بحراً من بحور العلم، وبه يضرب المثل في قوة
الحفظ) [١٨] .
المثال الخامس: قوة حفظ الإمام البخاري:
قال محمد بن حاتم: (قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك في طلب
الحديث؟ قال: ألهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟
قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكُتّاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى
الداخلي وغيره، وقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن
إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني،
فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه ثم خرج وقال لي:
كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم
كتابه، فقال: صدقت، فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة) [١٩] .
وقصة البخاري لمّا قلبت عليه عشرة أحاديث بأسانيدها ومتونها لامتحانه،
فأعادها عليهم، ثم ساقها على وجهها الصحيح، قصة عجيبة تدل على إمامته في
هذا العلم، وقدرته العظيمة على الحفظ والاستيعاب) [٢٠] .
٢- جمع السنّة وتدوينها:
حرص العلماء على سماع حديث النبي ﷺ ، وتلقيه عن
أئمته من الصحابة والتابعين، ثم حرصوا على جمعه وتدوينه وكتابته، وقد مرّ ذلك
بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: جمع السنة في أواخر القرن الأول:
لعل من أوائل المحاولات لجمع السنة: ما قام به عبد العزيز بن مروان،
حيث كتب إلى كثير بن مرة وكان قد أدرك بحمص سبعين بدرياً من أصحاب
رسول الله ﷺ : (أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول
الله ﷺ من أحاديثهم، إلا حديث أبي هريرة، فإنّه عندنا) [٢١] .
ولما جاء بعده ابنه عمر بن عبد العزيز حرص على جمع السنة، وسلك في
ذلك طريقين:
الأول: كتب إلى أبي بكر ابن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله -
ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا
حديث النبي) [٢٢] .
الثاني: أمر الزهري بجمع السنة، حيث قال الزهري: (أمرنا عمر بن
عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً) [٢٣] .
ولهذا قال الترمذي: (هو واضع علم الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز،
مخافة ضياعه بضياع أهله) [٢٤] .
المرحلة الثانية: تدوين السنة في منتصف القرن الثاني:
قال الذهبي: (لم ينتصف القرن الثاني حتى نشطت حركة تدوين الحديث،
وكان من سبق إليها من رجال هذا القرن: ابن جريج المكي، وابن إسحاق،
ومعمر ابن راشد، وسعيد بن أبي عروبة، وربيع بن صبيح، وسفيان الثوري،
ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن المبارك، ثم تتابع الناس) [٢٥] .
وقال ابن حجر: (ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب
الأخبار لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض
ومنكري الأقدار) [٢٦] .
المرحلة الثالثة: تصنيف السنّة في القرن الثالث:
في بدايات القرن الثالث أخذ التصنيف دوراً جديداً، فظهرت المصنفات:
كمصنف عبد الرزاق [ت٢١١هـ] وابن أبي شيبة [٢٣٥هـ] ، والمسانيد: كمسانيد الحميدي [ت٢١٩هـ] ، وأحمد [ت٢٤١هـ] ، والدارمي [ت هـ] ، والجوامع: كجامع البخاري [ت ٢٥٦هـ] ، وجامع مسلم [ت٢٦١هـ] ، وجامع الترمذي [ت٢٧٩هـ] ، والسنن: كسنن أبي داود [ت ٢٧٥هـ] ، وابن ماجه [ت ٢٧٣هـ] ، والنسائي [ت٣٠٣ هـ] .
وبهذا نتبين أن أئمة السنة بذلوا جهداً عظيماً في جمع السنة وتبويبها، وتركوا
لنا تراثاً غزيراً في عشرات المصنفات والدواوين، حتى أصبحت هذه الأمة تمتلك
بحق أغنى تراث عرفته البشرية، فاللهم لك الحمد والمنة على هذه النعمة العظيمة.
٣- علم الإسناد:
لمّا ظهرت الفتن في أواخر الخلافة الراشدة، بدأ الأئمة في البحث عن
الأسانيد، والنظر في مصادر الروايات، حتى لا يدخل في هذا العلم من ليس من
أهله، قال ابن سيرين: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا:
(سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع ولا
يؤخذ حديثهم) [٢٧] .
والإسناد خصّيصة من خصائص هذه الأمة، تروى به الأحاديث، وتعرف به
الطرق، ولهذا تتابع اهتمام الأئمة بالأسانيد، وأصبح الحديث بلا إسناد لا قيمة له،
ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما
شاء) [٢٨] .
وقال ابن حبان: (ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له، لظهر في هذه
الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم؛ وذاك أنه لم تكن أمة لنبي -صلى الله
عليه وسلم- قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ
أن يزاد في سنة من سنن رسول الله ﷺ ألف ولا واو، كما لا
يتهيأ زيادة مثله في القرآن. فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرت
عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء بما شاء) [٢٩] .
٤- التفتيش في الأسانيد ومنازل الرواة:
كان من ثمرات علم الإسناد: اهتمام العلماء في وقت مبكر جداً بدراسة أحوال
الرواة ومراتبهم، من حيث العدالة والضبط، ومن حيث صحة طرق التحمل
والأداء، من حيث تواريخهم وأشياخهم وتلاميذهم.... ونحو ذلك، وسمي هذا العلم
فيما بعد بـ: (علم الجرح والتعديل) .
وعلم الجرح والتعديل من العلوم الجليلة التي كانت سبباً رئيساً من أسباب
حفظ الدين، والذبّ عن سنة سيد المرسلين، ولهذا قال ابن خلاد ليحيى القطان:
(أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ !
قال يحيى: لأن يكونوا خصماء لي أحب إليّ من أن خصمي المصطفى إذ لم أذبّ
عن حديثه وشريعته) .
وقد اعتنى أئمة الحديث بعلم الرجال عناية فائقة، حتى عده ابن المديني:
(نصف علم الحديث) [٣٠] . ولهذا صنفت مصنفات خاصة في هذا العلم، ورتب
فيه الرواة من حيث القوة والضعف، وبين فيه الذي تقبل روايته من الذي ترد،
ولهذا اشترط الأئمة في الناقد المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً أن يكون بصيراً
بأحوال الرجال، واسع الاطلاع على الأخبار، خبيراً بالحديث وعلله، ويجب أن
يتحلى بالأمانة والورع، وبالفطنة والنباهة، عنده ملكة نقدية راسخة تعينه على
تفهم دقائق العلل وخفايا المسائل.
٥- إرساء قواعد الرواية وأصولها:
لَمّا توسعت الرواية، وكثر النّقَلَة، اهتم علماء الحديث بتقعيد قواعد الرواية،
وبيّنوا أصولها وضوابطها بياناً تفصيلياً، وسمي هذا العلم فيما بعد ب: (علم
مصطلح الحديث) ، وكان من أوائل من كتب فيه: الإمام الشافعي في أجزاء متفرقة
من كتبه، وخاصة كتابه الرسالة، ثم تلميذه عبد الله الحميدي، ثم كتب الإمام مسلم
شيئاً من قوانين الرواية في مقدمة صحيحه، وكتابه التمييز، وكذلك الترمذي في
العلل الصغير. وفي منتصف القرن الرابع ألف الرامهرمزي كتابه الجليل:
(المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) . ثم تتابعت المؤلفات، وكثرت المصنفات
من المطولات والمختصرات.
ومن أشهر قواعد الرواية التي سأشير إليها في هذه المقالة: أنّ أئمة الحديث
وضعوا شروطاً خمسة للرواية الصحيحة التي يعتمد عليها، وهي على سبيل
الاختصار:
الشرط الأول: اتصال الإسناد، وسلامته من الانقطاع.
فكلّ راوٍ لا بد أن يكون قد سمعه ممّن هو فوقه إلى رسول الله ﷺ .
ويعرف الاتصال عادة بمعرفة تواريخ الرواة، ومواليدهم، ووفياتهم،
ورحلاتهم، وأسماء شيوخهم وتلاميذهم، ومتى وأين وكيف تم تتلمذهم على بعضهم. وهكذا، ولهذا قال سفيان الثوري: (لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم
التاريخ) [٣١] .
ومراجعة كتب الجرح والتعديل وتواريخ الرجال والبلدان، تبين الجهد العظيم
الذي بذله الأئمة في تسجيل كل شاردة وواردة في وتواريخ الرجال وسيرهم.
الشرط الثاني: عدالة الرواة في جميع طبقات السند.
ويعرف المحدثون العدالة بأنها: (ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى
والمروءة) [٣٢] . والعدل هو: كل مسلم مميّز سليم من أسباب الفسق وخوارم
المروءة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (العدل من كان فيه خمس خصال: يشهد
الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب (أي: النبيذ) ، ولا تكون في دينه خربة، ولا
يكذب، ولا يكون في عقله شيء) [٣٣] .
الشرط الثالث: ضبط الرواة في جميع الطبقات:
والراوي الضابط: هو الذي يكون متيقظاً غير مغفّل، حافظاً إن حدّث من
حفظه، ضابطاً لكتابه من التبديل والتغيير إن حدث من كتابه، عالماً بمداخل
المعنى إن روى بالمعنى [٣٤] .
ويعرف الراوي بدراسة مروياته، وعرضها على مرويات الآخرين. ولهذا
اهتم الأئمة بتتبع الطرق وجمعها، ودراسة أحوال الرواة في أزمان مختلفة من
أعمارهم، لمعرفة التغيرات التي قد تطرأ على محفوظاتهم، وبذلوا في ذلك جهداً
عظيماً، حتى إنهم لذمتهم وشديد عنايتهم يميزون الخطأ اليسير النادر في أحاديث
الثقات، ويعرفون الصحيح النادر في أحاديث الضعفاء.
وكان بعض النقاد يمتحن الرواة ويتأكد من محفوظاتهم، فها هو ذا حماد بن
سلمة يقول: (كنت أقلب على ثابت البناني حديثه وكانوا يقولون: القُصّاص لا
يحفظون، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، إنما حدثناه أنس، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى) ولهذا كان حماد يقول: (قلبت
أحاديث على ثابت البناني فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش
فانقلبت) [٣٥] .
الشرط الرابع: سلامة الرواية من العلة:
والعلة: هي سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث مع ظهور السلامة
منه. ومعرفة الحديث المعل من أدق علوم الحديث وأغمضها، ولهذا لا يستطيع
تمييز العلل إلا الأئمة الجهابذة، وذلك بجمع الطرق، وتتبع مخارجها، وعرضها
على بعضها، واستقراء أحوال الرواة، وسبر متون الحديث، ثم تطبيق المعايير
النقدية التي وضعها المحدثون.
الشرط الخامس: سلامة الرواية من الشذوذ:
والشذوذ هو: التفرّد، والحديث الشاذ هو: ما رواه المقبول مخالفاً من هو
أوْلى منه، لكثرة عدد أو زيادة حفظ.
ومعرفة الحديث الشاذ من العلوم الدقيقة جداً، حتى قال ابن حجر: (وهو أدق
من المعلل بكثير فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان
في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة، ورزقه الله نهاية
الملكة) [٣٦] .
وتحت كل شرط من هذه الشروط الخمسة توجد تفاصيل وتفريعات كثيرة
تراجع في مظانها، وإنما المقصود الإشارة إلى دقة المحدثين في تمييز المرويات،
وحرصهم على بيان منازل الرواة. وكانت نتيجة ذلك أنهم أصبحوا حصوناً واقية،
ودروعاً حامية، لا يستطيع عابث أو جاهل أو مفرط أن يُدخِل في سنة النبي -
ﷺ ما ليس منها، ولهذا قال الإمام الثوري: (لو همّ رجل أن
يكذب في الحديث، وهو في بيت في جوف بيت لأظهر الله عليه) [٣٧] وها هو ذا
إسحاق بن راهويه يقول: (أحفظ أربعة آلاف حديث مزوّرة. فقيل له: ما معنى
حفظ المزوّرة؟ ! قال: إذا مرّ بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليتُهُ منها
فَلْياً) [٣٨] .
стр. 2522
دراسات شرعية
هل يمكن التعاون بين المسلمين
مع وجود الاختلاف ؟
بقلم: سلمان بن عمر السنيدي
مدخل:
التعاون أمر مطلوب، أوجبه الشرع ولا يستغنى عنه في الواقع، والاختلاف
غير المذموم أمر واقع أقره الشرع ضرورة وفطرة، وبعض الناس يغيب عنه منهج
الإسلام الوسط في أمور شتى من بينها: التعاون حال الاختلاف؛ وحجم وطبيعة
ذلك الخلاف الذي يوجب الإسلام التعاون رغم وجوده، وذلك المطلب الشرعي المهم
هو المحور الذي تدور حوله هذه الدراسة التي نرى أنها تكون مجالاً للنقاش
الموضوعي بين ذوي الاختصاص، والله نسأل للجميع التوفيق والسداد.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
التعاون على البر والتقوى مبدأ شرعي وواجب عام بين المسلمين بنص
القرآن الكريم قال الله (تعالى) : [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى] [المائدة: ٢] ،
والبر إذا اقترن بالتقوى يقصد به ما تعدى نفعه إلى المسلمين من الأعمال المشروعة. والتقوى تختص بما يقتصر نفعه من الأعمال الصالحة على خاصة الإنسان.
وبهذا تحوي دلالات الآية مجالاً خصباً يتسع لكل عمل صالح يتحقق نفعه وخيره
بالتعاون على مستوى الفرد والأمة. وبرغم ما في الآية من وضوح وإشراق وحض
على التعاون؛ يجد الناظر إلى واقع العمل الإسلامي المعاصر أن التعاون بين فئاته
العاملة كثيراً ما يكون محصوراً أو مقيداً أو مشوباً بما يكدره ويعيق الغاية المنشودة
منه؛ إلا ما شاء الله.
أما الخلاف المفرق للألفة، والجهود، والأعمال؛ فإنه يعد من أهم العوائق
التي تحول دون التعاون على البر والتقوى؛ وهذا ما يدعونا إلى التوقف الطويل مع
هذا العائق وتحليله والنظر في حقيقته وما يكون منه مانعاً للتعاون، وما لا يكون
كذلك.
حقيقة الخلاف وأقسامه:
يدعي كل طرف في النزاع وجود عناصر للخلاف تدعو إلى الفرقة والتنافر
تمنع من التعاون على البر والتقوى؛ وبالنظر إلى هذه العناصر نجدها تنقسم إلى
قسمين:
الأول: عناصر مفتعلة: تُذْكَر للتشنيع على الخصم وتكبير هوة النزاع، ولو
توقف الخلاف عليها لأمكن التنازل عنها واحتواؤها وعدم إنكارها؛ بدليل: أنك
تجد في أتباعه من ينكرها وأنصاره غالباً من هو متلبس بمثلها من المخالفات.
الثاني: عناصر حقيقية للخلاف: وإذا نظرنا إلى أسبابها وجدنا أنها تنقسم
إلى قسمين هما:
١- أسباب غير سائغة مثل: التعصب القبلي، أو اتباع الأهواء، أو التنافس
على الزعامة، أو التنافس على الوجاهة والتمكن من التصرف في حقوق عامة من
حفنة مال أو أوقاف، ومنها أسباب يدفعها الثأر الشخصي، ويوجهها رصيد من
الصراعات السابقة حصل فيها تبادل الاتهامات وإلصاق التهم واتهام المقاصد.
٢- أسباب سائغة وهي تنقسم إلى قسمين هما:
أ- أسباب سائغة للخلاف ولكن لا تقتضي التفرق كما هو في الحالات التالية:
الاختلاف في مسائل فرعية من الشريعة.
الاختلاف في مسائل عقائدية ولكنها مما خفي دليلها، أو من الظنيات العلمية
كما اختلف الصدر الأول في رؤية النبي ﷺ لربه.
الاختلاف في مسألة اجتهادية اعتبرها أحد الأطراف بدعة وضلالة.
الاختلاف في مسألة حادثة من النوازل الواقعة التي لم ينقل فيها نص أو
إجماع أو اتفاق، إنما اعتمد كل طرف فيها على نصوص عامة من الكتاب والسنة.
ب- أسباب سائغة للاختلاف بل توجبه وتقتضي التفرق؛ ونمثل له بما يلي:
المخالفة في أصل من أصول الإسلام وهي كثيرة ومن أشهرها: عدم توحيد
الله في تصريف الكون والأحوال، وعدم توحيد الله في أفعال العباد كالدعاء والذبح
ونحوه، تقديم العقل على الكتاب والسنة، نفي صفات الله (تعالى) ، الغلو في تعظيم
الرسول بصرف شيء له من حقوق الله ومقتضيات ألوهيته وربوبيته، الشك في
عدالة الصحابة، وتكفير المسلمين بلا مكفر.
إحياء مخالفات أهل البدع الكبار المشهورة كالخوارج والجهمية والروافض
والمعتزلة والقدرية والجبرية وغلاة الصوفية.
وهنا يأتي السؤال الذي يعقب هذا التقسيم: إلى أي مدى يمنع الاختلافُ
التعاونَ على البر والتقوى؟ وللجواب عليه يتضح أن عناصر الاختلاف لا اعتبار
لها في منع التعاون إلا ما كان منها حقيقيّاً، ولا اعتبار لغير السائغ منها في منع
التعاون، وأما السائغ فما كان منه لا يقتضي التفرق فلا اعتبار له في منع التعاون.
وهنا نجد فداحة خطأ من يتصور عدم التعاون مع وجود أدنى نوع من
الاختلاف، وذلك واضح من وجوه عدة منها:
أن الاختلاف من طبيعة البشر ولا يمكن التخلص منه في العادة، قال الله
(تعالى) : [وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ] (هود: ١١٨-١١٩) ، قال الشاطبي: (فتأملوا رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالاً في العادة) [١] ،
فاشتراط رفع الخلاف لحصول التعاون كاشتراط المستحيل، وهذا فيه تعطيل مبدأ
التعاون الذي دلت على مشروعيته نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.
أن قبول التعاون مع وجود خلاف الذي لا يقتضي التفرق لا يعني بالضرورة
المطالبة بأعلى صور التعاون؛ بل المطالبة بدرجة من التعاون يتحقق فيها الواجب
والمندوب، ويزول فيها المحذور والمكروه، فإن أعلى صور التعاون محمودة،
ولكنها عزيزة الوجود وخاصة وقد بَعُدَ الناس عن نهج النبوة.
ومع تخطئة مبدأ: (ترك التعاون مع وجود الاختلاف) ، يلزم التنبيه إلى ما
يقابله، وهو: أنه لا يدعى إلى التعاون مع كل مخالف بلا شرط وقيد فإن الأصل
عدم التعاون مع وجود اختلاف جذري يقتضي التفرق والمفاصلة، كما هو الحال مع
أصحاب المبادئ العلمانية أو الاشتراكية أو البعثية أو الفرق الباطنية؛ لأن هذا
تعاون على غير البر والتقوى، تقدم فيه المصالح النفعية، وتهضم فيه مبادئ
إسلامية وتعطل فيه أحكام شرعية.
درجات التعاون والاختلاف:
لا يعرف كثير من الناس إلا حالتين: إما التعاون الشامل، والوحدة الكاملة،
أو التنازع والخصومة والمواجهة، وهذا التصور صورة من صور الجهل وضيق
النظر وغياب الحكمة وقلة المعرفة بقواعد الشريعة وأحكامها، وقد يعذر بعض
العامة والجهلة على هذا القصور، ولكن اللوم والتثريب يقع على من بيده زمام
الأمور والطاعة والتوجيه لفئام من الناس، كيف يحجّر سبل التعاون الواسعة،
ويحرم غيره من الانتفاع مما شرع الله من المحبة والألفة والتعاون والتقارب
والتسامح والعفو والتواضع والإحسان إلى الخلق بإصلاح ذات البين؛ وذلك بسبب
مواقف شخصية تجعله يأنف من التواضع والتسامح والعفو والتقارب، ويبالغ في
الصدود والنفرة، ويسارع في اتخاذ المواقف الصارمة، ويبالغ في اتخاذ الأحكام
القاسية، ويغلو في التعامل مع الخصوم والمخالفين، ويتشنج حال التفاهم والحوار
مع إخوانه المسلمين، جاعلاً الناس قسمين: إما موافقاً له متبعاً لقوله فهذا يواليه،
وإلا جعله خصماً له يعاديه.
وهناك مراتب بين التعاون الشامل والوحدة الكاملة، وبين التنازع والخصومة
والمواجهة، ونجدها على درجات تالية:
١- التعاون الشامل والوحدة الكاملة.
٢- التعاون الوثيق والمشاركة الفعالة وتوحد الكلمة.
٣- المحبة والاحترام والتشاور وتبادل المنافع.
٤- الاعتزال بالمعروف وتبادل النصح.
٥- الإعراض وكف الأذى -التعاون السلبي-.
٦- الجفاء والغلظة.
٧- إعلان النقد وإظهار العيوب.
٨- المواجهة ومحاولة القضاء على الآخر.
وهنا يجب التنبيه إلى أن درجة النزاع الأخيرة التي تدعو إلى محاولة القضاء
على الطرف الآخر ينبغي أن تكون تحت نظر مصلحة السياسة الشرعية للأمة
الإسلامية، التي تسعى في الغالب إلى صرف النظر عن هذا الاحتمال في حال
ضعف أهل الحق والسنة والجماعة، وتفكك الأمة وغياب الولاية الشرعية العامة،
ومن ثم تأجيل مباشرته حتى يقوم لهم كيان مستقل استقر أمر الأمة فيه على ولاية
قوية، ذات شوكة وسلطان أمّنت فيه الثغور، وزال سلطان الكفر البواح، وقُضي
فيه على مظاهر الشرك وصرف العبادة لغير الله، عند ذلك ينظر إلى المخالف
نظرة المواجهة والمصادمة ومحاولة القضاء على شوكته إن كان يستحق ذلك، وكان
لا سبيل لدفع الشر والمنكر إلا هذا، وذلك بعد البيان والإعذار.
ثمار التعاون:
١- زيادة الألفة، وتنمية المحبة، وتضييق دائرة الفرقة والعداوة.
٢- عدم إشغال عامة الناس وضعاف الإيمان بتلقي التهم وسماعها وتداولها،
وإشغالهم بدلاً عن ذلك بقضايا العلم النافع والعمل الصالح.
٣- إشغال أصحاب الطاقات المتميزين بالكتابة والخطابة والحجة والبيان بما
هو مفيد ونافع لخدمة الإسلام وأهله، ورصد الباطل وصده، ودحض الفساد
والانحراف من البدع والمنكرات.
٤- قطع الباب على المنافقين والمرجفين الذين يفرحون بنشر العيوب
وتشكيك الناس بدعوة الإصلاح في المجتمع والذين يفرحون بالشماته بالمصلحين.
٥- حسم مادة الخلاف وزوال بذرة الشقاق، لكي لا يثيرها من شاء من
المرجفين، متى شاء وكيف شاء.
٦- إغاظة أصحاب الفساد الذين يفرحون بتفريق الجهود الإصلاحية وضعفها، لينفذوا أغراضهم السيئة بيسر وسهولة، في ظل انشغال أهل الحق بعضهم ببعض، وضعف شوكتهم. وفي حال التعاون توجه الجهود لكشف مخططاتهم الإفسادية،
وقطع السبيل عن تحقيق أهدافهم.
٧- توحد الكلمة وهذا له أثر بالغ في دحض الباطل وأهله، وإرغامهم على
إظهار تعظيم شعائر الله واحترام الدين وأهله.
стр. 2523
دراسات دعوية
النقد الذاتي للواقع الدعوى
الانتقاء النوعي في حوارات المتخالفين نموذجاً
بقلم: سليمان بن عبد العزيز الربعي
تظل مناهج الدعوة إلى الله وآلياتها بحاجة ماسة إلى الترشيد
والمراجعة والتقويم، وليس مما يعيب الدعوة في شيء أن تُعالج مشكلاتها المنهجية
والوسائلية في سياق المناقشة الواعية المتزنة، وأن يُشيع أهلها والمشتغلون فيها
أدبيات (النقد الذاتي) ، بعيداً عن الحساسيات المفرطة والذاتية المعوِّقة، بل ليست
الدعوة ببالغة مناها إلا بممارسة هذا الواجب المقرّر متى اكتملت الشروط الشرعية
فيه.
وها هو النهج القرآني يعالج قضايا الأمة ومشكلاتها ببيان معلن ونقاش
جَهْوَري غير موارب، بل إنه ليقرر هذه الكلية في قوالب زمانية ومضمونية غاية
في التنوع والاختلاف، هادفاً إلى تقريرين مهمين، أما الأول: فكامن في وجوب
معرفة أنّ مصائب الأمة وهمومها مسائل يجب أن تكون تحت المجهر الجمعي رجاء
البرء، وثانيهما: لتأكيد ألا فرق بين تلك المشكلات زمناً وحالاً من جهة العلاج
والتصحيح والإصلاح، فلئن كان (النقد) مطلوباً في أزمنة الرخاء والمواءمة التي
تتيح العمل بمقتضياته، فهو كذلك مطلوب في أزمنة العسرة لتكون إرشاداته ثَمّ في
صميم القلوب المترعة بالضنك، ولتنقش فيها الإيجاب نقش الحجر، وأنت واجد
كل ذلك لا محالة في مناخات التعبير القرآني الفريد، ويمكن أن نقدم على ذلك مثالاً
واحداً: إنه في الدرس المستفاد من التعقيب الإلهي عن استفهام المؤمنين الذين
أصابهم القرح في أحد في ألم وأسى عن سبب مصابهم، بأنه من أنفسهم، ولما لم
يكن الفعل مَرْضِيّاً أيّاً كان؛ فقد نالهم في أول معركة تالية ما به الدرس [١] ، قال
الله (تعالى) : [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] ، أي: أعندما تُصابون
في أُحُدٍ بمصيبة القتل من قِبل المشركين بسبعين منكم والبلاء في المجموع، وأنتم
قد أصبتم منهم في بدر ضعف مصابكم (قتل سبعين وأسر سبعين) ؛ تتساءلون: من
أين لنا هذا ونحن المسلمون وهم المشركون؟ ! ، والجواب: أن هذا العقاب إنما
هو بسببٍ منكم، على خلاف فيه بين أهل العلم: هل بأخذ الفداء من أسارى بدر
بدل الإثخان، أو بمعصية الرماة أمره، أو بمخالفة رأيه في البقاء في المدينة [٢] ،
وأغلب المفسرين على الرأي الأخير [٣] ، ومع إدراك أن البيان الذي نحن فيه لا
يهدف إلى تمحيص السبب، إلا أن من تمامه أي البيان الإشارة إلى أن كل هذه
الأقوال قد تكون مرادة بلا تعارض، والله وحده أعلم، وغايتنا هنا: لفت الأنظار
إلى الدرس العام المستفاد؛ إذ أخذ صفة الصدع، معلناً الحق، ولم يكن البيان
القرآني ليتأخر لظرف قد يُتذرّع بعاقبته زمنيّاً أو نفسيّاً.
وإنك تلحظ كذلك أن الآي الحكيم لم يعمد إلى عرض السبب بقالب تسلية بحت، من شأنه تخفيف وطأة المصاب، بل جاء التعبير بالتسلية المبطنة [قَدْ أَصَبْتُم
مِّثْلَيْهَا] والتذكير الصّراح [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] ، فهو قد (ذكر السبب الذي
أصيبوا به، وذكر القدرة التي هي مناط الجزاء، فذكر عدله فيهم بما ارتكبوه من
السبب، وقدرته عليهم بما نالهم من المكروه) [٤] ، ملتفتاً عن أسلوبه المعهود في
مناسبات شبيهة، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم أن سياقات التسلية التامة إنما
تكون في مناسبات التسليم والإذعان الكامل الفوري، في حين أنّ هذا التميز قد جاء
في مناسبة مغايرة، حيث لم يذعن المخاطبون على القول الثاني لرأي النبي -صلى
الله عليه وسلم- في البقاء في المدينة والتحصن فيها، مع التأكيد على نبل هدفهم
وسموه (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) ، وفائدة أخرى: أن تلحظ أن القرآن
الكريم لم يستعض عن تناول الحادثة المشار إليها بقاعدة عامة يمكن الإلحاق بها،
من مثل قوله (تعالى) : [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ، مع كونها آية مكية سابقة؛ بل جاء التعبير بالتعيين، ليكون
درساً في الطاعة والانقياد، ولأن آية (آل عمران) قد تضمنت معنًى زائداً يدخل في
أهداف ما نحن فيه من بيان منهج القرآن الكريم في الصدع العلني إزاء مشكلات
الأمة؛ إذ إن المولى يختم الآية الكريمة بقوله: [إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ] ، وفي هذا (نكتة لطيفة، وهو أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو
الذي لو شاء صرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتوكلوا على
سواه) [٥] .
وإذا كان ما تقدم بيانه في الشؤون العامة للأمة؛ فلا ريب أن شؤونها
المتفرعة تندرج في هذه القاعدة ويصدق عليها هذا الحكم، وعليه تكون هذه المقدمة
ضرورة في حق المشتغلين والمعنيين بأمر الدعوة إلى الله ﵎ ؛ كي
يمكن لهم التنمية والتطور، وتحقق (الدعوة) الفاعلية والتأثير، فالدعوة والدعاة
بأمس الحاجة إلى المراجعات والتقويم، بشروط الاعتبار الشرعية كما قد سلف
وهي شروط مبثوثة في كتب أهل العلم المنصرفين في بيانها وتوضيحها، ليس
المقام لتقصي أطرافها ودرس مضامينها، بل حسبه التذكير.
ولا ريب بعدُ أن التحديات التي تواجه الدعوة إلى الله (تعالى) كثيرة متعددة،
وإنه ليحسن التذكير بتقسيم لها قد سبقت الإشارة إليه في كتابة سابقة، وهو أن
مشكلات الدعوة ومعوقاتها تنقسم إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: المعوقات المباينة الخارجية.
القسم الثاني: المعوقات الصفّيّة الذاتية.
ولقد سبق في الكتابة المشار إليها آنفاً التأكيد على أنّ تلك المشكلات التي تأتي
من خارج المناخ الدعوي تكون أقل ضرراً وتأثيراً من المعوقات التي تبتلى بها
الدعوة من بعض أهلها أو المحسوبين عليها، فتلك الخارجية مرصودة متوقعة،
بحيث يسهل مواجهتها أو على الأقل التخفيف من نتائجها، أما الذاتية فتحمل في
طياتها من العوامل الفرعية السالبة ما يذهل عن أصول المشكلة ويشتت الجهد.
أسلوب الانتقاء النوعي:
هذا، وإن من أخطر المعوقات الذاتية في ميدان الدعوة إلى الله ،
ما يمكن أن يصطلح عليه بأسلوب (الانتقاء النوعي) من المضامين إبان الخلاف في
آليات الدعوة ومناهجها.
ولهذا الداء الخطير صورتان تمثلان حقيقته، فأما الأولى: فيعمد بعض
المشتغلين بالدعوة أو بعض المحسوبين عليها عند الاختلاف يعمد إلى آثار الآخر
المختلَف معه بالبحث والتنقيب، في محاولة (للظفر) بما يمكن أن يكون إدانة تسجل
على صاحبه، وتحسب للظافر! ! ، وليس مكمن الخطر في إشاعة هذا (الظفر) (! !) ، فتلك قضية أخرى تتصل بأدب النصيحة وفقه الإصلاح والتوجيه، وإنما
الخطر كله أن يكون البحث قائماً على غير ذي بال من الصحة والصدق، بل يكون
لصيق الصلة بـ[لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ] [٦] ، وبـ[فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ] [٧] ،
مجتزءاً، قد بُترت أطرافه واندثر سياقه.
ولئن كنا مأمورين بالعدل مع الأعداء؛ فإنه من باب أوْلى أن نشيعه معشر
الدعاة في مناهجنا وحواراتنا الدعوية، لا سيما الخلاف الذي هو في أغلب الأحايين
خلاف تنوع لا خلاف تضاد؛ إذ الأقربون أولى بالمعروف، وحقّاً: لم تعرف هذه
الصورة السلبية إلا في بيئات المبتدعة وأهل الأهواء الذين يتخذون من (اجتزاء)
السياقات والنصوص القرآنية والحديثية منهجاً مطرداً في تقرير أباطيلهم وبدعياتهم، إنْ في التقرير المجرد الذاتي كما في بعض مصنفاتهم المتجهة للبيان القرآني من
مثل (كشاف) الزمخشري المعتزلي، وإنْ في مناظراتهم مع أئمة السنة والجماعة.
وللمطلع على شيء من حوارات الجهبذ شيخ الإسلام (ابن تيمية) (رحمه الله تعالى)
معهم، أن يقف على نماذج لا تحصى من هذه المناخات الانتقائية في الحوار،
ويقف بعدُ على ما تقرر من أن هذا الأسلوب شائع عند المبتدعة، بل وهم مُعَرّفون
به، وهذا مشين بحق المنتمين إلى أنبل مهمة أن يكونوا متصفين بشيء من هذا
الخلق الرديء، فضلاً عن أن يكون حمادى طاقة بعضهم وهجيراه. والحق الذي لا
مرية فيه بعدئذ أن هذه الصورة من أبشع صور الظلم المتوجه إلى مستقبل الدعوة
بالويل، فهو متعد في السلبية إلى صدقيتها ومناهجها وريادتها، فشؤمه لا يقتصر
على الآحاد.
والصورة الثانية لهذه الآفة لا تقل خطراً عن الصورة الأولى، وهي تتمثل
بأن يقصد المخاصم إلى بعض زلات (خصمه) ، مستتراً بالنصح، متذرعاً بالإعذار، ولعلهم يتقون! ! ، وليست المشكلة ها هنا كذلك في إشاعة الخطأ، فسالفاً قَعّدَ
البيان لمثله، ولربما كان من قبيل الصحة والعافية، وإنما الزلل في منهج (الانتقاء)
الذي يُغفل الحسنات ويقتصر على إشاعة السيئات، لجهة وقوع الممارس في
مخالفات شرعية ومنهجية، فأما الملحظ الشرعي، فلكونه قد جانب العدل مع
الآخرين، ولا مشاحّة في أن إقامة العدل وإشاعته من أعظم مقاصد الشريعة
واستشرافاتها، هذا من ناحية، ومن جهة أخرى: فلأن في هذه الممارسة غمطاً
للناس، وهو من علامات الكبر والعجب (أعاذنا الله تعالى من مرذول الخُلُق) .
والجانب المنهجي يتعلق بأدبية التعامل، فلا شك أن الواقع في شيء من هذه
الآفات يتطلب العدل من الآخرين، وإذا كان من الواجب في حقه المعاملة بالمثل،
والراصد لواقع الآفة يفاجأ بالتناقض الصارخ في مسلكية الوالغين فيها؛ فهم مع
الآخر (انتقائيون) ، وفي التنظير لمحاوراتهم وإبان الشعور بالخطأ يطالبون بالعدل
باللفت إلى النظرة الواقعية المعتدلة! .
وإن السنة في حق هؤلاء أن يربوا أنفسهم على قيم العدل في إبراز جوانب
الخير كما هم متحمسون لإظهار جوانب الخلل إن كان ثَمّ، وإن الديانة والمروءة
تقتضي منهم ألا يجعلوا من محاريب علمهم موئلاً لانتقاص الآخرين وذمهم، إلا مَنْ كان مبتدعاً مخالفاً لمنهاج أهل السنة والجماعة، فمثله يُندب للرد عليه ودفع أباطيله، وإنما النهي عن المخالفين في آليات الدعوة، فإنهم منهم وهم من أولئك، شريطة
موافقة الكتاب والسنة هنا وهناك بكل حال.
إنه في الوقت الذي تنتظر فيه الدعوة من أبنائها وحدة الصف للعمل والإنتاج
تفاجأ بشيوع نماذج الصورة الثانية وانتشارها في المحافل وفي دور العلم، انتشار
النار في الهشيم، فالمخاصِم يقلب عينيه في مصنّف المشنوء رجاء الزلة، ويبث
العيون ويسترق السمع طُلبة للخطأ، وهو في هذا وذاك يُغفل الخير ولا يرجوه،
ويُحصي الشر ويتمناه، يختار الأدنى على الذي هو خير، ينتخب السقطة ويُقصي
المحمدة، إنّه ذاهل عن الخير بالتوجس والنبض والتمني! ، مَثَلُه في ذكر السوء
النزر وودع الحق، مثل الآخذ بأذن الكلب دون طيب النعم، وذاك تشبيه البليغ
الفصيح إذ يقول: (مثل الذي يجلس فيسمع الحكمة ثم لا يحدث عن صاحبه إلا بشر
ما سمع، كمثل رجل أتى راعياً فقال: يا راعي! اجزر لي شاة من غنمك. قال:
اذهب فخذ بأذن خيرها فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم) [٨] .
وأما البحث عن دوافع (الانتقاء النوعي) ، فراجعةٌ في الأعم الأغلب إلى
الجهل، وقد ترجع إلى الهوى، فالمخالف المتوجه إلى ممارسة (الانتقاء) في
صورتيه، إما أن يكون جاهلاً بعاقبة عمله في العاجل، بحيث لا يدرك الآثار
السيئة التي يمكن أن تخلفها هذه الممارسة في صورتيها على الدعوة وواقعها،
وعلى المستويات كافة، أو لا يدرك بجهله آجل الظلم ومآل الغمط في الآخرة، وإما
أنه ذو هوى فتّاك يقوده إلى المعصية، وهو يدرك نتائجها، فلا يلوي في سبيل
تحقيق هواه على شيء، فهو به جاهل، ومن هنا سمّت العرب الهوى هواناً [٩] ،
وهكذا ترى أن الهوى والجهل هما دافعا (الانتقاء النوعي) ، بل هما سبب السيئات
كلها على سبيل الحق، يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية) ﵀ في حديث نفيس
عن سبب المعاصي: (فإن أحداً لا يفعلُ سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة
قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها ... وفي الحقيقة: فالسيئات ترجع إلى الجهل،
وإلا لو كان عالماً علماً نافعاً بأن فعل هذا يضره ضرراً راجحاً، كالسقوط من مكان
عال، أو في نهر يغرقه،.. ونحو ذلك لم يفعله؛ لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه، ومن لم يعلم هذا يضره كالصبي والمجنون..، فالغفلة والشهوة أصل الشر، قال
(تعالى) : [وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً]
[الكهف: ٢٨] ، فالهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل..، ولهذا قال
الصحابة ﵃ : (كل من عصى الله فهو جاهل) ، وفسروا بذلك قوله
(تعالى) : [إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ]
[النساء: ١٧] ، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا: (كل
من عصى الله فهو جاهل) [١٠] .
ومن هنا: أصبح من الواجب اللازم على المشتغلين بالدعوة، أن يطهروا
قلوبهم من أدرانها، لا سيما تلك التي تتعدى آفاتها إلى الدعوة ذاتها، وإن عليهم
تعاهدها بالعلم والعمل وصولاً إلى مراتب التزكية والخيرية، وإن عليهم كذلك أن
يفطنوا وهم فاعلون إن شاء الله لمعوقات الطريق الذاتية، وأن يوقنوا أن العدو
المتربص الذي يعمل على إذكاء الخلاف وبعث الفتنة، إنما يمارس ذلك لإدراكه أن
وقف مسيرة الدعوة بالمشكلات الذاتية أجدى من التعويق بالصد المباين.
لقد آن للدعاة إلى الله وخاصة من وقع في بعض الأخطاء أن
يتعاطوا مع مشاكلهم الزاحفة المتربصة تعاطياً مناسباً لأحجامها من المسؤولية، وأن
تكون مناهجهم العملية والعلمية متسمة بأدبية التمحيص والتصحيح من خلال الكتاب
والسنة وفهم السلف الصالح، بل وإن من الواجب في حقهم أن يستفيدوا من مناهج
المراجعات المختلفة، متسلحين بالتجرد الأمكن، والمجاهدة النفسية، والروح
المتسامحة، والنظرة العميقة النافذة.
حقّاً! إن الأمة لا تنتظر من الواقعين في شيء من بُنَيّات الطريق مجرد
الصفح، بل تترقب التحول السريع إلى ميادين التعاون الجمعي في سبيل تطوير
مناهج الدعوة وآلياتها، يداً بيد، وخطوة بخطوة.
وإنه لا مناص من التأكيد عاقبة أن إشاعة (النقد الذاتي) من دلائل الصحة
والنضج، وأن الخطأ والزلل شأن العمل البشري كله، وليست العصمة لبشر عدا
الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وعليه: فإن الحديث عن (الانتقاء النوعي) ليس
إلا مرحلة من مراحل المراجعة الطويلة الممحصة.
وإنه متى كانت هذه القناعات أساسيات العمل الدعوي في النفوس والتعامل؛
فإن المسيرة بخير وطيب حال.
стр. 2524
مقال
الإرهاب مصطلحاً !
بحث في إشكالية تعريف (الإرهاب)
وسر غموض التعريف
بقلم:أحمد بن صالح السالم
مع ما نلحظه فيما يتعلق بمصطلح (الإرهاب) من إجماع دولي على محاربته،
وتخطيط محكم لاقتلاع جذوره ونسف شجرته، نلحظ أيضاً عدم امتلاك أي من هذه
الدول لتعريف واضح ومقبول لهذا المصطلح.
فلماذا بدا مثلاً (الأفغان) ، و (الإيرلنديون) ، و (الكشميريون) إرهابيين في
نظر أعدائهم الروس، والإنجليز، والهنود، بينما لا يعتبرهم آخرون كذلك؟ ! بل
ما هو الأساس الذي اعتمد عليه الصرب المجرمون في وصم (البوشناق) المساكين
بالإرهاب؟ ! .
ومن هنا تتبين أهمية طرح إشكالية تعريف هذا المصطلح، واستجلاء سر
غموضه، بل تعمد أن يكون غامضاً، من أجل أن نصل أخيراً إلى تقدير مدى
إمكانية إقرار المصطلح واستخدامه.
أولاً: إشكالية التعريف:
أ- المعنى اللغوي:
تبين لنا من خلال استقراء المعاجم العربية الأصلية أنها قد خلت من كلمة
(إرهاب) ، وهي كلمة أقرها المجمع اللغوي وجذرها (رهب) بمعنى خاف.
ومصطلح (الإرهاب) ترجمة حرفية للكلمة الفرنسية (Le Terrorisme)
التي استحدثت أثناء الثورة الفرنسية، وهي ترجمة حرفية أيضاً للكلمة الإنجليزية
(Terrorism) ، ويُعْتَقَدُ أن الترجمة الصحيحة للمصطلح الأجنبي هي كلمة
(إرعاب) ، وليس (إرهاب) [١] .
ب- المعنى الاصطلاحي:
من أجل تأكيد أعمق لإشكالية التعريف الاصطلاحي نشير إلى أن كتاباً [٢]
أُورد فيه من تعريفات الإرهاب ما يزيد على المائة وضعت من قِبَلِ بعض
المتخصصين بين عامي ١٩٣٦م ١٩٨١م.
ونظراً لحاجة التحليل الذي نحن بصدده إلى بعض التعريفات أثبت منها ما
يلي:
١- يعرّف (جي فاوفيتش) ، الإرهاب بأنه: (الأعمال التي من طبيعتها أن
تثير لدى شخص مّا الإحساس بالخوف من خطر مّا بأي صورة) [٣] .
٢- أما (ليمكين) فيعرف الإرهاب بأنه: (يكمن في تخويف الناس بمساعدة
أعمال العنف) [٤] .
٣- ويعرفه (جورج ليفاسير) بأنه: (الاستعمال العمدي والمنتظم لوسائل من
طبيعتها إثارة الرعب بقصد تحقيق أهداف معينة) [٥] .
٤- أما المشروع الفرنسي المقدم عام ١٩٧٢م، للأمم المتحدة فيعرف
الإرهاب بأنه: (عمل بربري شنيع) ، في حين وصفته (فنزويلا) بأنه: (عمل
يخالف الأخلاق الاجتماعية ويشكل اغتصاباً لكرامة الإنسان) [٦] .
ولكي نتمكن بعد استعراض هذه التعريفات من تحليلها بغرض تحديد درجة
دقتها وقياس مدى إمكانية الاعتماد عليها في عملية وصف وضبط وتحديد ما يمكن
تسميته بـ (العمل الإرهابي) ، فإنه لا بد من إيضاح أركان (الإرهاب) .
ج- أركان الإرهاب:
بعد تأمل ما يسمى بـ (العمل الإرهابي) ، يمكن القول بأنه يقوم على أركان
أربعة هي:
١- القائم بالعمل. ٢- الهدف.
٣- الوسيلة. ... ... ٤- المستهدف.
ولكي يكتسب تعريف (الإرهاب) صفة الدقة، ويحظى بدرجة معقولة من
القبول: فإنه لا بد من قيامه على هذه الأركان الأربعة مجتمعة، مع ضرورة اتكائه
على عقيدة أو إيديولوجية معينة، وذلك لتعذر ضبط الهدف والوسيلة إلا بالاعتماد
على مثل هذه العقيدة أو الإيديولوجية.
وبهذا يتبين لنا عدم دقة أي من هذه التعريفات لعدم اصطباغها بالمقومات
الضرورية السابقة واللازمة لاكتساب صفتي الدقة والقبول.
وفي هذا السياق، ومن أجل تقرير وتأكيد حقيقة مهمة نبادر بطرح السؤال
التالي:
لماذا لم تفلح الدول في بلورة تعريف واضح ومقبول للإرهاب؟
السبب في ذلك يعود إلى تباين وتضارب العقائد أو الإيديولوجيات التي
اعتنقتها الدول وارتضتها مناهج حياتية لها ولشعوبها واتخذتها فلسفة تصدر عنها في
سن تشريعاتها ونظمها، فأدى ذلك التباين والتضارب إلى جعل اتكاء التعريف على
عقيدة أو إيديولوجية بعينها أمراً متعذراً ... فتم الاتكاء على الأخلاق الحضارية
والقيم الإنسانية والمعطيات الواقعية! ! ! .
ثانياً: سر غموض المصطلح:
وحتى مع الإقرار بالحقيقة السابقة فإنه يبرز سؤال تعوزه إجابة منطقية مفاده: ألا تستطيع هذه الدول أن تقلل من غموض هذا المصطلح وتظفر بالتالي بتعريف
أكثر دقة وقبولاً وأقرب إلى تحقيق العدل والإنصاف؟
بلى! تستطيع ... بيد أن الكبيرة منها على وجه الخصوص تهدف إلى
ممارسة الإذلال والاضطهاد لأعدائها من خلال المصطلح ذاته، ولا سيما الأعداء
الأيديولوجيين وعلى الأخص الراديكاليين الدينيين (أو بتعبيرهم المتزمتين!) ! .
فأصبحت هذه الدول في جو ضبابية المصطلح لا تتكلف إذا أرادت أن تقضي
على أعدائها (أياً كانوا: شخصاً، جماعةً، حزباً، نظاماً، شعباً) أكثر من أن تشير
ببنانها إلى هذا العدو واصمة إياه بالإرهاب؛ لتنطلق بعد ذلك نحوه بخيلها ورجلها
جيوش العالم التي سبق تجييشها ضد (الإرهاب) دونما تروٍ ولا تثبت، بل ولا
سماعٍ لشاهد آخر! !
ولقد ثبت عن وكالات الاستخبارات الغربية ما يؤكد هذه الحقيقة، فمن ذلك:
ما ثبت عن إحداها قولها: (إن الدوائر الرسمية في الدولة قد تعمد إلى استدراج
(رئيس دولة ما) إلى مغامرة خارجية أو انتقال أعمال إرهابية لتهيئة الأجواء الدولية
لتوجيه ضربة موجعة لهذه الدولة) [٧] .
ومما يفيده هذا الاقتباس أن هدف هذه الدول قد يتعدى إلى ما هو أكبر من
تصفية شخص عادي أو القضاء عليه أو حتى جماعة أو حزب.. وبهذا ندرك سر
تعمد الغموض.. فلماذا يعينهم الآخرون على أنفسهم؟ ! .
وإلى هذا الهدف يضاف هدف آخر لا يقل أهمية عنه، بل هو أهم،
ويتلخص في سعيهم الجاد إلى القضاء على الالتزام الصحيح بالإسلام عقيدة وشريعة
ومنهاج حياة وذلك من خلال إقرارهم واقعياً للمعادلتين التاليتين:
إسلام المعتدلين (في نظرهم) الإرهاب
إسلام المتشددين (في نظرهم) الإرهاب
فهم يصفون الإسلام الذي يساوونه بالإرهاب بأنه أصولية وتطرف! ! .
أما الإسلام الذي لا يصح من وجهة نظرهم أن يُربط بالإرهاب فهو إسلام
المعتدلين! !
هذا بالنسبة للدول الكبيرة، أما الصغيرة منها فمعظمها يرمي إلى تحقيق
الهدف الثاني من وراء استخدام هذا المصطلح الضبابي! ! أما الهدف الأول فمتعذر
لهم وممكن عليهم! ! !
ثالثاً: المصطلح: استخدام أم إحجام؟
وفي نهاية الموضوع نأتي إلى السؤال (الثمرة) الذي يُلِحّ على تحرير إجابة
منهجية له وهو:
هل يسوغ لنا استخدام هذا المصطلح بعد الإقرار بهذه الحقائق والتسليم بها؟ !
والجواب: لا يسوغ استخدامه من وجهة نظري لأسباب من أهمها:
١- أن الله يقول: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا
انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [البقرة: ١٠٤] .
وأجزم بأن الآثار السيئة المترتبة على إقرار هذا المصطلح واستخدامه أكثر
وأخطر من تلك التي قد ترتبت على قول بعض المؤمنين [رَاعِنَا] وهو ما
سيتضح في النقاط التالية.
٢- أننا بإقرار هذا المصطلح واستخدامه قد نمكّن للحاقدين من تنفيذ
مخططاتهم العدوانية.
٣- قد يفيد استخدام المصطلح دون تبيين لماهية الإرهاب المُدان من الناحية
الشرعية بأننا نحكم على بعض الأعمال الجهادية بأنها من الإرهاب! .
٤- لقد تقرر معنى الإرهاب في كثير من الأحيان عند أولئك بأنه الإسلام!
فهل نُدينه نحن بدورنا! !
٥- إن مصطلح (الإرهاب) قد جاء في قوله (جل وعز) : [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ
لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ] [الأنفال: ٦٠] .
رابعاً: مصطلحات بديلة:
لغتنا العربية لغة ثرية في كلماتها، دقيقة في معانيها، واسعة في مصطلحاتها، واضحة في لوازمها، وهي مع ذلك لغة تواكب تطورات العصر وتفي باحتياجاته.
وعليه فإن المصطلحات التي يمكن استخدامها كبديل لمصطلح (الإرهاب)
كثيرة في عددها ومتنوعة في أغراضها، فمنها على سبيل المثال: العنف الإجرام العدوان.
وأخيراً:
أؤكد على أولئك الذين لم يقتنعوا بعدُ بعدم تسويغ استخدام هذا المصطلح،
وعلى أولئك الذين اضطرهم السياق إلى التحدث بلغة القوم، أؤكد عليهم جميعاً بألاّ
يستخدموه على نحو يُشعر بقبولهم العام له، أو بانتفاء الإشكالية في تعريفه، وبألا
يستخدموه على نحو يكرس ما لا يجب تكريسه! ! .
والله الموفق،،
стр. 2525
دراسات تربوية
الاهتمام بدعوة المرأة وتربيتها (١ من٢)
بقلم: عبد اللطيف بن محمد الحسن
تعاني الصحوة اليوم من ضعف في طاقاتها العاملة المؤهلة التأهيل اللازم، مما يساعد على محدودية الانتشار، ونخبوية العمل، ومن أشد ذلك تَبِعَةً: عدم تكافؤالجهد المبذول لدعوة المرأة وتربيتها مع الواجب تجاهها، وما ترتب عليه من تنحي المرأة عن ميدان الدعوة، وبخاصة في ظل الدور الإفسادي المركّز الموجّه إلى المرأة المسلمة في جل ديار الإسلام لإبعادها عن رسالتها.
التقصير في دعوة المرأة:
إن نظرة في واقع الصحوة اليوم، ومكان المرأة فيه تنبئ عن ذلك دون عناء، ومن أبرز مظاهر ذلك:
١- قلة الطاقات والكفاءات الدعوية النسائية.
٢- ضعف الاستفادة من هذا القليل؛ لندرة المبادرات الذاتية المستغلة لتلك
الطاقات القليلة، وإهمالها في غالب الخطط الدعوية.
٣- ضعف التكوين الدعوي والتربوي والعلمي لدى الداعيات الموجودات،
وكثير من نساء الدعاة.
٤- ضعف استيعابهن لدور أزواجهن الدعوي المنوط بهم شرعاً مما يفضي
إلى شيء من التذمر، وربما الخصام! !
٥- تفشي الجهل في الأمور الشرعية لدى غالبية النساء.
٦- تأثير الدور العلماني الموجه لإفساد المرأة في الواقع المعاش.
٧- ندرة المؤسسات الدعوية النسائية.
٨- ضعف المؤسسات النسائية الدعوية القائمة غالباً؛ بدليل ضعف الإنتاج،
وكثرة الوقوع في الأخطاء [١] .
أسباب التقصير:
إن مما سبب إهمال المرأة أموراً عدة، هي في الحقيقة عقبات وعوائق،
يصعب معها القيام بالواجب دون معرفتها وتحليلها، والسعي إلى معالجتها وتجاوزها:
-تسليم المجتمع للموروثات الخاطئة عن المرأة، ونظرته المستنقصة لها،
حيث يعتبرها مجرد أداة لحفظ النسل فقط، وأيضاً بمراعاته للعادات والتقاليد التي
ليس لها أصل في الشرع، والتي تحد من الحركة الدعوية للمرأة.
-عدم اقتناع الرجل بمسؤولية المرأة الدعوية، وذلك عندما يحمّل قول الله
(تعالى) : [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣] ، ما لا يحتمل، ويسيء استخدام
حق القوامة، فيمنع المرأة من الخروج لمصلحة دينها ودنياها، وينسى أن المعاشرة
بالمعروف تستلزم إذنه لها فيما لا محذور فيه ولا ضرر، ويسوء الحال أكثر عندما
يكون أنانياً، أو ضيِّق الأفق، لا يفكر إلا في مصلحة شخصه، وأسوأ من ذلك:
عندما يكون غير مستقيم.
-وبشكل أخصّ، فإن من الأسباب: غياب الأولويات لدى الرجل الداعية
الذي أذهله واقع أمته عن الاهتمام ببيته وأهله، واستُنفِدت طاقته في العمل الدعوي
خارج المنزل، فلم يُبق له شيئاً في ظل تخاذل غيره عن القيام بواجبه، مما أرهق
الداعية وأفقده شيئاً من التوازن الضروري.
-والمرأة ذات دور مؤثر في الموضوع؛ وذلك عندما يضعف مستوى الوعي
عند الملتزمات ويقفن دون مستوى النضج المطلوب، وأيضاً: حين تضعف رغبة
المرأة في التضحية، أو تبالغ في التوسع في المباحات والكماليات، مما يضاعف
جهدها داخل المنزل، وحين تصعب عليها الموازنة بين الحق والواجب، وحين
تفقد شيئاً من الموضوعية والتوازن، فتنسى أن عملها داخل بيتها هو جوهر
رسالتها، وتغفل عن أداء دورها فيه، وأيضاً: حين تجهل ترتيب الأولويات
فترتبط بعمل وظيفي يشغلها عن بيتها، فضلاً عن رسالتها الدعوية داخله وخارجه،
وكذلك حين ينقلب الحياء خجلاً من أداء الواجب، فيصير مرضاً خطيراً يفتقر إلى
العلاج.
-ومن الأسباب: محدودية بعض الدعوات الإصلاحية، وعجز أكثرها عن
استيعاب المرأة، وعدم مراجعتها لخططها وبرامجها، وضعف التربية المؤدي إلى
ضعف الشعور بالمسؤولية بالشكل المتكامل.
-ومن الأسباب: الكيد الخارجي والداخلي أيضاً المتمثل في الغزو الفكري،
وخاصة الموجه للمرأة، تحت ستار: تحرير المرأة، مما أقصى المرأة عن رسالتها، وشوّه صورة الإسلام في ذهنها، واستخدمها في غير ما خلقت له، ومنها أيضاً
الأوضاع الجائرة في كثير من بلاد المسلمين التي أقصت الرجال عن ميدان الدعوة، فضلاً عن النساء.
-وهناك أسباب أخرى، مثل: صعوبة المواصلات، وهذا أمر يهون؛ إذ لا
مانع من الدعوة داخل البيت، ومع الجيران والزائرات والأرحام، وفي هذه الحال
على ولي المرأة وكل من يعنيهم الأمر احتساب الأجر، وسعيهم في تذليل هذه العقبة.
أهمية إعداد المرأة الداعية:
ثمة أسباب ومسوغات كثيرة تعكس أهمية ذلك، ومنها:
١- أن المرأة أقدر من الرجل على البيان فيما يخص المجتمع النسائي.
٢- أن المرأة تتأثر بأختها في القول والعمل والسلوك أكثر من تأثرها بالرجل.
٣- أنها أكثر إدراكاً لخصوصيات المجتمع النسائي، ومشكلاته.
٤- قدرتها على الشمولية للجوانب الدعوية النسائية، والتمييز بين الأولويات، لطبيعتها ومعايشتها للوسط النسائي.
٥- أنها أكثر قدرة وحرية في الاتصال بالنساء، سواء بصفة فردية، أو من
خلال المجامع النسائية العامة، التي يكثر فيها لقاء النساء من خلال قنوات الدراسة
والتدريس والعمل والزيارات وغيرها.
٦- أن كثيرات من المسلمات اللاتي يحتجن إلى دعوة وتوجيه وتربية يفتقرن
إلى وجود المحرم الذي يقوم بدعوتهن؛ مما يعني تحتّم قيام بنات جنسهن بهذا الدور
تجاههن.
٧- أن وظيفة المرأة التربوية أوسع من وظيفة الرجل؛ لقيامها بالحمل
والولادة والرضاع والحضانة، مما يجعل الأولاد أكثر التصاقاً وتأثراً بها من الأب،
بالإضافة إلى طول ملازمتها للأولاد في البيت، خاصة قبل بلوغ الأبناء وزواج
البنات، مما يمكنها من تنشئة أولادها كما تريد، وبالتالي فقد تضيِّع كثيراً من جهود
زوجها الدعوية، إذا لم تحمل الهمّ الدعوي الذي يحمله، أو تقتنع بجدواه على الأقل، ولعل في قصة امرأة نوح ﵊ وابنه ما يشير إلى هذا (نسأل
الله السلامة) .
٨- أن للمرأة تأثيراً كبيراً على الزوج، فصلاحها معين على صلاحه،
وأيضاً فإن ضعف قناعتها بأمر دعوته موهن له كثيراً، وفي قصة طلب زوجة
فرعون الإبقاء على موسى ﵇ ما يؤكد هذا، وكذا قصة إسلام عكرمة
بسبب إلحاح زوجه أم حكيم ﵂ [٢] .
٩- تتميز المرأة بجملة من الصفات والخصائص، تؤكد الأهمية، كما ينبغي
وضعها في الحسبان، ومنها:
أ - رقة العاطفة، والحماس لنشر قناعاتها.
ب - ضعف الإرادة، وسرعة التأثر، وحب التقليد.
ج - ضعف التحمل، والميل إلى الفسحة واللهو.
د - كثرة الإلحاح على الرجل ومراجعته، ومحاولة ثني إرادته، وتغيير
قراره [٣] .
آثار قيام المرأة بالدعوة:
-رفع الجهل وإعمال سعة الأفق الفكري، وتوفير كفايات علمية نسائية تكون
مرجعاً للنساء.
-إصلاح السلوك، واختفاء كثير من الممارسات الخاطئة التي أخذت طابع
الظاهرة الاجتماعية في كثير المجتمعات.
-كون الداعية رقيبة على نفسها في حركاتها وسكناتها، مما يقلل متابعة الرجل، وحرصه على ذلك للثقة بها.
-إبراز مكان المرأة في الإسلام وإشعارها بحقوقها وواجباتها؛ لتسعى إلى
أداء الواجب، والمطالبة بالحق الشرعي.
-التوازن في التوجيه، واتحاد الأهداف وتضافر الجهود لتنشئة الجيل المسلم
الصالح.
-سدها ثغرة من ثغرات المجتمع، بوقوفها أمام تيار الفساد الموجه ضد
المسلمين بعامة، والنساء منهن بخاصة.
-إحياء قوة الانتماء للإسلام، بإظهار شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وهي من أعظم شعائره.
-تأمين رافد مالي مهم للدعوة، وهو جانب الإنفاق النسائي في وجوه الخير،
لوفرة ما لديهن عادة، ووجود المال أحياناً من إرث ونحوه، ومن ناحية أخرى:
حفظ مال الزوج من تبديده في الكماليات، للإبقاء عليه معيناً له على الاستمرار في
دعوته [٤] .
المرأة المسلمة مدعوّة وداعية:
كل أمر ونهي عام في خطاب الشارع فإنه شامل للذكر والأنثى قطعاً، والمرأة
داخلة فيه بلا شك، وإنما يوجّهَ الخطاب للذكور تغليباً على الإناث، وهذا أمر سائغ
في اللغة، إلا أن هناك أحكاماً لا خلاف في اختصاصها بالرجال.
وبالمقابل فإن الله ونبيه قد خصّا النساء بأمور دون الرجال، مما
يدل على اعتبار شخصيتها المستقلة عن الرجال، وهذا وذاك يؤكد وجوب التوجه
إلى المرأة بالدعوة والتربية والإصلاح والتوجيه؛ فإنها مخاطبة بدين الله ، مأمورة بالتزام شرعه، مدعوة لامتثال الأوامر، وترك النواهي.
ولذا كان النبي ﷺ يوجه للنساء خطاباً خاصاً بعد حديثه
للرجال، وربما خصهن بيوم يعلمهن فيه دون الرجال [٥] .
ويؤكد الوجوب أيضاً: مسؤولية الرجل عن بيته مسؤولية خاصة، قال الله
: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]
[التحريم: ٦] ، وقال الرسول: (والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤولٌ عن رعيته) [٦] ، وقد أورد البخاري ﵀ في باب: (تعليم الرجل أَمَته وأهله) حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لهم أجران وذكر منهم: رجل كانت عنده أَمَةٌ فأدبها فأحسن تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران) [٧] ، ولا شك أن الاعتناء بالأهل الحرائر في التعليم والتربية آكد من الاعتناء بالإماء.
ويزداد هذا الواجب في حق الداعية؛ لاعتبارات كثيرة لا تخفى، هذا من
ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المرأة مكلفة بالدعوة إلى الله ، ويستفاد
وجوب الدعوة عليها من أدلة كثيرة منها:
١- عموم الأدلة على وجوب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
كقول الله (تعالى) : [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ... ] [آل عمران: ١٠٤] ، ونحوه من الآيات والأحاديث.
٢- تخصيصها بخطاب التكليف بالدعوة؛ كقوله (تعالى) : [يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ
وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] [الأحزاب: ٣٢] ، قال ابن عباس ﵄ في قوله
(تعالى) : [وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] : (أمْرُهن بالمعروف، والنهي عن المنكر) [٨]
وهذا خطاب عام لنساء المؤمنين، وقوله (تعالى) : [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ] [التوبة: ٧١] ، وهذا دليل على وجوب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر عليهن كوجوبه على الرجال، حيث وجدت
الاستطاعة، وكذا قوله: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ... ) ، وفيه:
(والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم) ، والراعي: هو
الحافظ المؤتمن على ما وضع عنده، الملتزم صلاح ما قام عليه.
٣- بعض الأحوال والقرائن والأحكام الشرعية، نحو:
أ- حرمة الاختلاط بين الجنسين؛ مما يعني وجوب قيام داعيات بين صفوف
النساء.
ب- وجود بعض الأحكام الشرعية التي اختصت المرأة بروايتها عن النبي.
ج- صعوبة قيام الدعاة من الرجال بكل ما تحتاجه الدعوة بين النساء؛
لاختصاص المرأة ببعض الأحكام والأعذار الشرعية، التي يصعب إفصاح الرجال
عنها، وتستحيي النساء من السؤال عنها [٩] ، إلى غير ذلك من الأمور التي
يصعب القول معها بغير الوجوب.
حقيقة دور المرأة الدعوي المطلوب:
الناظر في دور المرأة المسلمة في هذا المجال يجد أنه كان لدعم عمل الرجل،
ولا يصح بحال أن يستهان بهذا الدور؛ فإن المرأة تمثل السكن النفسي للرجل،
وهي بذلك تؤدي دوراً دعوياً مهماً؛ لأنه لا يستطيع حل مشكلاته الخاصة إذا كان
مشغول البال، فضلاً عن تحمله أعباء الدعوة. وكم عرفت الدعوات أناساً سقطوا
على طريق الدعوة أو ضعف إنتاجهم؛ لهذا السبب.
وموقف خديجة ﵂ في مواساة النبي ﷺ
ومؤازرته وعونه: أكبر دليل على الأهمية البالغة لهذا الدور. ولقد تأملت في حال
الصحابة ﵃ وسلف الأمة ﵏ في انطلاقهم في كل صقع من
الأرض، مجاهدين ودعاة ومربين ... وغياب بعضهم المدد الطويلة فألفيتها تعطي
أوضح دليل على ما كان لنسائهم من دور فعّال في تربية أبنائهم، الذين كانوا على
خطى آبائهم؛ ديناً ومنهجاً وقوة ومَضَاء! ! .
وجُلّ نساء اليوم لا تعي هذا الدور، ولا تفهمه، ومن باب أوْلى لا تقوم به،
فعندما تزف البنت إلى عش الزوجية تظنه مكاناً للراحة والتدليل، وما درت أنه
بداية الكفاح والتضحية والمسؤولية والعطاء الذي تطرق به باب الجنة، إن قامت به
على وجهه.
ولا يقف دور المرأة عند هذا الحد، فإن لها دوراً قوياً مؤثراً في كونها قدوة
حسنة، كريمة الأخلاق، حسنة المعشر، تقضي حوائج الناس، وتشاركهم همومهم
وأفراحهم مع التزام الشرع إضافة إلى الدعوة المقصودة في انتهاز الفرص المناسبة
للدعوة والتوجيه، مع مراعاة أحوال المدعوات والمدعوين من المحارم [١٠] ، وقد
بلغ نساء السلف في هذا مبلغاً عظيماً.
صور من دعوة المرأة تجلي دورها:
حقاً لقد فهمت المرأة واجبها فبدأت بنفسها، فبادرت بطلب حقها من التعليم
والتربية ولم تبالِ بعد ذلك بما حصلت عليه من متع الحياة الفانية، روى البخاري
عن أبي سعيد ﵁ قال: قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال،
فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن..
الحديث [١١] .
فكانت ثمرة ذلك الفهم النسوي مع ذلك الاهتمام النبوي صوراً مشرقة، أدعو
المرأة المسلمة إلى الوقوف معها.
فهذه (أم سليم) ﵂ تلقن ولدها أنس بن مالك الشهادتين، مع
رفض زوجها مالك بن النضر الإسلام، حتى هلك، فخطبها أبو طلحة وكان مشركاً
فتجعل مهر زواجها الإسلام، فيسلم، فتتزوجه، وتجعل ابنها خادماً لرسول الله -
ﷺ ، وأم حكيم كانت سبباً في إسلام زوجها عكرمة، وعمة عدي
بن حاتم كانت سبباً في إسلامه ﵃ .
وعَمْرَة امرأة حبيب العجمي توقظ زوجها للصلاة ليلاً، وتقول: (قم يا رجل! فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل
الصالحين قد سارت قدّامنا، ونحن قد بقينا) [١٢] ، وأسماء ﵂ نهت
ابنها عبد الله ابن الزبير ﵄ عن قبول خطة غير مرضية خشية
الموت، مع كبر سنها، وحاجتها لابنها، ومن قبل كان لها موقف في صباها يوم
هجرة الرسول، حين سميت (ذات النطاقين) ، وكانت حفصة بنت سيرين (رحمها
الله) تقول: (يا معشر الشباب! خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل
إلا في الشباب) [١٣] ، فإذا كان هذا حالهن في دعوة الرجال، فماذا يُظن بدورهن
بين النساء؟ .
وإذا انتقلنا إلى دائرة أوسع وجدنا للمرأة المسلمة دوراً عظيماً في التضحية
والبذل لدين الله ، فبذلت سمية ﵂ نفسها قتلها أبو جهل
لإسلامها، فكانت أول شهيدة في الإسلام، وأنفقت خديجة ﵂ مالها،
فكانت أول مناصر للدعوة، وكانت رقية ﵂ من المهاجرات إلى
الحبشة أول مرة، وضحّت أم سلمة ﵂ بسبب الهجرة كثيراً، ففارقت
زوجها، وأوذي ولدها، حتى جمع الله شملها، وكان لعائشة ﵂
صولات وجولات في العلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وحضرت أم عمارة يوم أحد، وابنها معها، وقاتلت دفاعاً عن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، وحضر نساء من المسلمين يوم اليرموك، فرددن المنهزمين إلى
صفوف القتال، وكان لرفيدة الأسلمية وغيرها جهد في معالجة جرحى المسلمين ...
والأمثلة أكثر من أن تذكر.
ضوابط عمل المرأة الدعوي:
الدعوة الموجهة إلى المرأة ينبغي أن لا تخرجها عن فطرتها وأنوثتها؛ وهناك
ضوابط مهمة في هذا الباب يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - الأصل: قرار المرأة في البيت، قال (تعالى) : [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] [الأحزاب: ٣٣] ، وقال: (المرأة عورة، فإذا
خرجت من بيتها استشرفها الشيطان حتى ترجع) [١٤] .
٢ - للمرأة أحكام خاصة، لا بد من مراعاتها في أي نشاط دعوي يوجه إليها، أو تقوم به، ومن ذلك:
أ - التزام الحجاب الشرعي بشروطه، مع تغطية الوجه والكفين، فالوجه
موضع الزينة، ومكان المعرفة، والأدلة على وجوب ستره كثيرة.
ب - تحريم سفرها دون محرم، قال: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي ...
محرم) [١٥] .
ج - تحريم خلوتها بالأجانب، لقوله: (لا يخلونّ رجل بامرأة إلا مع ذي
محرم) وفي رواية: (إلا كان الشيطان ثالثهما) [١٦] .
د - تحريم اختلاطها بالرجال الأجانب، فقد قال للنساء: (استأخرن؛ فإنه
ليس لكنّ أن تَحْقُقْن الطريق، عليكن بحافات الطريق) ، فكانت المرأة تلتصق
بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به [١٧] .
هـ تحريم خروجها من بيتها إلا بإذن وليها ... إلى غير ذلك من الضوابط
الشرعية التي لا يجوز الإخلال بها.
٣ - يضرب أعداء الإسلام على هذا الوتر الحسّاس، ويجعلون مثل هذه
الأحكام مدخلاً لوصفهم الإسلام بإهانته المرأة، فتأثر بذلك بعض دعاة الإسلام،
فحصل لديهم تفلّت في هذا الباب، فيتأكد في حق دعاة أهل السنة: ضرورة
الانضباط في ذلك، وعدم التأثر والانصياع لشهوات المجتمع ورغباته.
٤ - الأصل في الدعوة والتصدر للميادين العامة: أنها للرجال، كما كان
الحال عليه في عصر الرسول والقرون المفضلة، وما رواه التاريخ من النماذج
النسائية الفذة لا يقارن أبداً بما روي عن الرجال؛ وذلك مصداق قول النبي: (كمل
من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: آسية: امرأة فرعون، ومريم: بنت
عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) [١٨] ،
فطلبُ مساواة المرأة بالرجل في أمور الدعوة ينافي روح الدعوة أصلاً.
٥ - ولا يعني هذا الكلام إلغاء دور المرأة وتهميشه وإهماله، بل دورها لا
ينكر، وشأنها له أهميته، لكن مع التزام ما سبق [١٩] من ضوابط، وللحديث بقية
في العدد القادم إن شاء الله (تعالى)