دراسات شرعية
جهود الأئمة في حفظ السنّة
بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن المعالم التي قادت المسلمين إلى حفظ
السنة في صدر الإسلام، ثم جهود الخلفاء (الأئمة) وكذلك الصحابة الأعلام (رضي
الله عنهم) . ويواصل الأخ الكاتب في هذه الحلقة بيان جهود الأئمة من السلف ومن
بعدهم.
ثانياً: جهود السلف في حفظ السنة وضبطها:
بذل أئمة الإسلام جهوداً عظيمة في حفظ السنة وتنقيحها، وحمايتها من
تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وقد تمثلت جهودهم في
مسائل عديدة، أذكر منها:
١- حفظ السنّة:
اهتم السلف الصالح بحفظ حديث النبي ﷺ وإتقانه،
وجعلوا ذلك شرطاً من شروط الرواية، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: (يحرم
على الرجل أن يروي حديثاً في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن،
وكاسم الرجل) [١] .
وقد سطر أئمة الحديث أروع الأمثلة في هذا الباب، وأتوا بما يبهر الإنسان
ويعجزه، ومن علامات ذلك:
(أ) غزارة الحفظ:
تميّز بعض الأئمة بكثرة محفوظاتهم وتنوعها، وهناك أمثلة كثيرة جداً على
ذلك، وقد جمع الذهبي تراجم هؤلاء الحفاظ في كتابيه: (سير أعلام النبلاء)
و (تذكرة الحفاظ) وذكر عجائب من علومهم وأحوالهم، ومن أمثلة هذا الباب:
المثال الأول: حفظ الإمام أحمد:
كان الإمام أحمد واسع الحفظ، جمع حديثاً كثيراً، حتى قال أبو زرعة: (كان
أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذتُ
عليه الأبواب) [٢] .
المثال الثاني: حفظ الإمام إسحاق بن راهويه:
قال أبو داود الخفّاف: (سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لكأني أنظر إلى مئة
ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفاً أسردها) . قال: (وأملى علينا إسحاق أحد عشر
ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً، ولا نقص حرفاً) [٣] .
وقال علي بن خشرم: (كان إسحاق بن راهويه يملي سبعين ألف حديث
حفظاً) [٤] .
المثال الثالث: حفظ الإمام عبد الرحمن بن مهدي:
قال القواريري: (أملى عليّ عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث
حفظاً) [٥] .
المثال الرابع: حفظ الإمام الحميدي:
قال الإمام الشافعي: (ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ
لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث) [٦] .
ب- قوة الحفظ ودقته:
على الرغم من كثرة محفوظات الأئمة وتنوعها، إلا أنهم تميزوا بقوة الحافظة، والرعاية الشديدة لمحفوظاتهم، حتى قال الأعمش: (كان هذا العلم عند أقوام كان
أحدهم لأن يخرّ من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً) [٧] .
ولهذا كان الإمام مالك يتحفظ من الباء والتاء والثاء، في حديث رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-[٨] .
ومن الأمثلة على قوّة الحفظ ودقته:
المثال الأول: قوة حفظ الإمام الزهري:
جمع الإمام الزهري علماً عظيماً، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره، مع قوة
وإتقان، فقد قال عن نفسه: (ما استعدت حديثاً قط، وما شككت في حديث إلا حديثاً
واحداً فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت) [٩] .
وقد أراد هشام بن عبد الملك أن يمتحنه، فسأله أن يملي على بعض ولده
أربعمائة حديث، وخرج الزهري، فقال: أين أنتم يا أصحاب الحديث؟ فحدثهم
بتلك الأربعمائة، ثم لقي هشاماً بعد شهر أو نحوه، فقال للزهري: إن ذلك الكتاب
ضاع، فدعا بكاتب فأملاها عليه، ثم قابل بالكتاب الأول فما غادر حرفاً
واحداً) [١٠] .
المثال الثاني: قوة حفظ قتادة بن دعامة:
قال الإمام أحمد: (كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئاً إلا حفظه،
قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها) [١١] .
وقال معمر: (رأيت قتادة قال لابن أبي عروبة: أمسك عليّ المصحف، فقرأ
البقرة، فلم يخطئ حرفاً، فقال: يا أبا النضر، لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني
لسورة البقرة) [١٢] .
ولهذا قال قتادة عن نفسه: (ما قلتُ لمحدث قط أَعِدْ عليّ، وما سمعت أذناي
شيئاً إلا وعاه قلبي) [١٣] .
المثال الثالث: قوة حفظ الإمام أحمد:
كان الإمام أحمد آية في الحفظ والإتقان، على الرغم من كثرة محفوظاته،
حتى قال ابن المديني: (ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن
حنبل) [١٤] .
ومن شدة إتقانه أنه كان يقول لابنه عبد الله: (خذ أي كتاب شئت من كتب
وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد
حتى أخبرك عن الكلام) [١٥] .
المثال الرابع: قوة حفظ ابن أبي شيبة:
قال عمرو الفلاس: (ما رأيت أحداً أحفظ للحديث من ابن أبي شيبة، قدم
علينا مع ابن المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظاً وقام) [١٦] .
ولهذا قال الخطيب البغدادي: (كان متقنا حافظاً مكثراً) [١٧] .
وقال الذهبي: (كان بحراً من بحور العلم، وبه يضرب المثل في قوة
الحفظ) [١٨] .
المثال الخامس: قوة حفظ الإمام البخاري:
قال محمد بن حاتم: (قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك في طلب
الحديث؟ قال: ألهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟
قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكُتّاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى
الداخلي وغيره، وقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن
إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني،
فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه ثم خرج وقال لي:
كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم
كتابه، فقال: صدقت، فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة) [١٩] .
وقصة البخاري لمّا قلبت عليه عشرة أحاديث بأسانيدها ومتونها لامتحانه،
فأعادها عليهم، ثم ساقها على وجهها الصحيح، قصة عجيبة تدل على إمامته في
هذا العلم، وقدرته العظيمة على الحفظ والاستيعاب) [٢٠] .
٢- جمع السنّة وتدوينها:
حرص العلماء على سماع حديث النبي ﷺ ، وتلقيه عن
أئمته من الصحابة والتابعين، ثم حرصوا على جمعه وتدوينه وكتابته، وقد مرّ ذلك
بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: جمع السنة في أواخر القرن الأول:
لعل من أوائل المحاولات لجمع السنة: ما قام به عبد العزيز بن مروان،
حيث كتب إلى كثير بن مرة وكان قد أدرك بحمص سبعين بدرياً من أصحاب
رسول الله ﷺ : (أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول
الله ﷺ من أحاديثهم، إلا حديث أبي هريرة، فإنّه عندنا) [٢١] .
ولما جاء بعده ابنه عمر بن عبد العزيز حرص على جمع السنة، وسلك في
ذلك طريقين:
الأول: كتب إلى أبي بكر ابن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله -
ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا
حديث النبي) [٢٢] .
الثاني: أمر الزهري بجمع السنة، حيث قال الزهري: (أمرنا عمر بن
عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً) [٢٣] .
ولهذا قال الترمذي: (هو واضع علم الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز،
مخافة ضياعه بضياع أهله) [٢٤] .
المرحلة الثانية: تدوين السنة في منتصف القرن الثاني:
قال الذهبي: (لم ينتصف القرن الثاني حتى نشطت حركة تدوين الحديث،
وكان من سبق إليها من رجال هذا القرن: ابن جريج المكي، وابن إسحاق،
ومعمر ابن راشد، وسعيد بن أبي عروبة، وربيع بن صبيح، وسفيان الثوري،
ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن المبارك، ثم تتابع الناس) [٢٥] .
وقال ابن حجر: (ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب
الأخبار لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض
ومنكري الأقدار) [٢٦] .
المرحلة الثالثة: تصنيف السنّة في القرن الثالث:
في بدايات القرن الثالث أخذ التصنيف دوراً جديداً، فظهرت المصنفات:
كمصنف عبد الرزاق [ت٢١١هـ] وابن أبي شيبة [٢٣٥هـ] ، والمسانيد: كمسانيد الحميدي [ت٢١٩هـ] ، وأحمد [ت٢٤١هـ] ، والدارمي [ت هـ] ، والجوامع: كجامع البخاري [ت ٢٥٦هـ] ، وجامع مسلم [ت٢٦١هـ] ، وجامع الترمذي [ت٢٧٩هـ] ، والسنن: كسنن أبي داود [ت ٢٧٥هـ] ، وابن ماجه [ت ٢٧٣هـ] ، والنسائي [ت٣٠٣ هـ] .
وبهذا نتبين أن أئمة السنة بذلوا جهداً عظيماً في جمع السنة وتبويبها، وتركوا
لنا تراثاً غزيراً في عشرات المصنفات والدواوين، حتى أصبحت هذه الأمة تمتلك
بحق أغنى تراث عرفته البشرية، فاللهم لك الحمد والمنة على هذه النعمة العظيمة.
٣- علم الإسناد:
لمّا ظهرت الفتن في أواخر الخلافة الراشدة، بدأ الأئمة في البحث عن
الأسانيد، والنظر في مصادر الروايات، حتى لا يدخل في هذا العلم من ليس من
أهله، قال ابن سيرين: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا:
(سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع ولا
يؤخذ حديثهم) [٢٧] .
والإسناد خصّيصة من خصائص هذه الأمة، تروى به الأحاديث، وتعرف به
الطرق، ولهذا تتابع اهتمام الأئمة بالأسانيد، وأصبح الحديث بلا إسناد لا قيمة له،
ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما
شاء) [٢٨] .
وقال ابن حبان: (ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له، لظهر في هذه
الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم؛ وذاك أنه لم تكن أمة لنبي -صلى الله
عليه وسلم- قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ
أن يزاد في سنة من سنن رسول الله ﷺ ألف ولا واو، كما لا
يتهيأ زيادة مثله في القرآن. فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرت
عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء بما شاء) [٢٩] .
٤- التفتيش في الأسانيد ومنازل الرواة:
كان من ثمرات علم الإسناد: اهتمام العلماء في وقت مبكر جداً بدراسة أحوال
الرواة ومراتبهم، من حيث العدالة والضبط، ومن حيث صحة طرق التحمل
والأداء، من حيث تواريخهم وأشياخهم وتلاميذهم.... ونحو ذلك، وسمي هذا العلم
فيما بعد بـ: (علم الجرح والتعديل) .
وعلم الجرح والتعديل من العلوم الجليلة التي كانت سبباً رئيساً من أسباب
حفظ الدين، والذبّ عن سنة سيد المرسلين، ولهذا قال ابن خلاد ليحيى القطان:
(أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ !
قال يحيى: لأن يكونوا خصماء لي أحب إليّ من أن خصمي المصطفى إذ لم أذبّ
عن حديثه وشريعته) .
وقد اعتنى أئمة الحديث بعلم الرجال عناية فائقة، حتى عده ابن المديني:
(نصف علم الحديث) [٣٠] . ولهذا صنفت مصنفات خاصة في هذا العلم، ورتب
فيه الرواة من حيث القوة والضعف، وبين فيه الذي تقبل روايته من الذي ترد،
ولهذا اشترط الأئمة في الناقد المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً أن يكون بصيراً
بأحوال الرجال، واسع الاطلاع على الأخبار، خبيراً بالحديث وعلله، ويجب أن
يتحلى بالأمانة والورع، وبالفطنة والنباهة، عنده ملكة نقدية راسخة تعينه على
تفهم دقائق العلل وخفايا المسائل.
٥- إرساء قواعد الرواية وأصولها:
لَمّا توسعت الرواية، وكثر النّقَلَة، اهتم علماء الحديث بتقعيد قواعد الرواية،
وبيّنوا أصولها وضوابطها بياناً تفصيلياً، وسمي هذا العلم فيما بعد ب: (علم
مصطلح الحديث) ، وكان من أوائل من كتب فيه: الإمام الشافعي في أجزاء متفرقة
من كتبه، وخاصة كتابه الرسالة، ثم تلميذه عبد الله الحميدي، ثم كتب الإمام مسلم
شيئاً من قوانين الرواية في مقدمة صحيحه، وكتابه التمييز، وكذلك الترمذي في
العلل الصغير. وفي منتصف القرن الرابع ألف الرامهرمزي كتابه الجليل:
(المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) . ثم تتابعت المؤلفات، وكثرت المصنفات
من المطولات والمختصرات.
ومن أشهر قواعد الرواية التي سأشير إليها في هذه المقالة: أنّ أئمة الحديث
وضعوا شروطاً خمسة للرواية الصحيحة التي يعتمد عليها، وهي على سبيل
الاختصار:
الشرط الأول: اتصال الإسناد، وسلامته من الانقطاع.
فكلّ راوٍ لا بد أن يكون قد سمعه ممّن هو فوقه إلى رسول الله ﷺ .
ويعرف الاتصال عادة بمعرفة تواريخ الرواة، ومواليدهم، ووفياتهم،
ورحلاتهم، وأسماء شيوخهم وتلاميذهم، ومتى وأين وكيف تم تتلمذهم على بعضهم. وهكذا، ولهذا قال سفيان الثوري: (لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم
التاريخ) [٣١] .
ومراجعة كتب الجرح والتعديل وتواريخ الرجال والبلدان، تبين الجهد العظيم
الذي بذله الأئمة في تسجيل كل شاردة وواردة في وتواريخ الرجال وسيرهم.
الشرط الثاني: عدالة الرواة في جميع طبقات السند.
ويعرف المحدثون العدالة بأنها: (ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى
والمروءة) [٣٢] . والعدل هو: كل مسلم مميّز سليم من أسباب الفسق وخوارم
المروءة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (العدل من كان فيه خمس خصال: يشهد
الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب (أي: النبيذ) ، ولا تكون في دينه خربة، ولا
يكذب، ولا يكون في عقله شيء) [٣٣] .
الشرط الثالث: ضبط الرواة في جميع الطبقات:
والراوي الضابط: هو الذي يكون متيقظاً غير مغفّل، حافظاً إن حدّث من
حفظه، ضابطاً لكتابه من التبديل والتغيير إن حدث من كتابه، عالماً بمداخل
المعنى إن روى بالمعنى [٣٤] .
ويعرف الراوي بدراسة مروياته، وعرضها على مرويات الآخرين. ولهذا
اهتم الأئمة بتتبع الطرق وجمعها، ودراسة أحوال الرواة في أزمان مختلفة من
أعمارهم، لمعرفة التغيرات التي قد تطرأ على محفوظاتهم، وبذلوا في ذلك جهداً
عظيماً، حتى إنهم لذمتهم وشديد عنايتهم يميزون الخطأ اليسير النادر في أحاديث
الثقات، ويعرفون الصحيح النادر في أحاديث الضعفاء.
وكان بعض النقاد يمتحن الرواة ويتأكد من محفوظاتهم، فها هو ذا حماد بن
سلمة يقول: (كنت أقلب على ثابت البناني حديثه وكانوا يقولون: القُصّاص لا
يحفظون، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، إنما حدثناه أنس، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى) ولهذا كان حماد يقول: (قلبت
أحاديث على ثابت البناني فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش
فانقلبت) [٣٥] .
الشرط الرابع: سلامة الرواية من العلة:
والعلة: هي سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث مع ظهور السلامة
منه. ومعرفة الحديث المعل من أدق علوم الحديث وأغمضها، ولهذا لا يستطيع
تمييز العلل إلا الأئمة الجهابذة، وذلك بجمع الطرق، وتتبع مخارجها، وعرضها
على بعضها، واستقراء أحوال الرواة، وسبر متون الحديث، ثم تطبيق المعايير
النقدية التي وضعها المحدثون.
الشرط الخامس: سلامة الرواية من الشذوذ:
والشذوذ هو: التفرّد، والحديث الشاذ هو: ما رواه المقبول مخالفاً من هو
أوْلى منه، لكثرة عدد أو زيادة حفظ.
ومعرفة الحديث الشاذ من العلوم الدقيقة جداً، حتى قال ابن حجر: (وهو أدق
من المعلل بكثير فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان
في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة، ورزقه الله نهاية
الملكة) [٣٦] .
وتحت كل شرط من هذه الشروط الخمسة توجد تفاصيل وتفريعات كثيرة
تراجع في مظانها، وإنما المقصود الإشارة إلى دقة المحدثين في تمييز المرويات،
وحرصهم على بيان منازل الرواة. وكانت نتيجة ذلك أنهم أصبحوا حصوناً واقية،
ودروعاً حامية، لا يستطيع عابث أو جاهل أو مفرط أن يُدخِل في سنة النبي -
ﷺ ما ليس منها، ولهذا قال الإمام الثوري: (لو همّ رجل أن
يكذب في الحديث، وهو في بيت في جوف بيت لأظهر الله عليه) [٣٧] وها هو ذا
إسحاق بن راهويه يقول: (أحفظ أربعة آلاف حديث مزوّرة. فقيل له: ما معنى
حفظ المزوّرة؟ ! قال: إذا مرّ بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليتُهُ منها
فَلْياً) [٣٨] .
стр. 2522
دراسات شرعية
هل يمكن التعاون بين المسلمين
مع وجود الاختلاف ؟
بقلم: سلمان بن عمر السنيدي
مدخل:
التعاون أمر مطلوب، أوجبه الشرع ولا يستغنى عنه في الواقع، والاختلاف
غير المذموم أمر واقع أقره الشرع ضرورة وفطرة، وبعض الناس يغيب عنه منهج
الإسلام الوسط في أمور شتى من بينها: التعاون حال الاختلاف؛ وحجم وطبيعة
ذلك الخلاف الذي يوجب الإسلام التعاون رغم وجوده، وذلك المطلب الشرعي المهم
هو المحور الذي تدور حوله هذه الدراسة التي نرى أنها تكون مجالاً للنقاش
الموضوعي بين ذوي الاختصاص، والله نسأل للجميع التوفيق والسداد.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
التعاون على البر والتقوى مبدأ شرعي وواجب عام بين المسلمين بنص
القرآن الكريم قال الله (تعالى) : [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى] [المائدة: ٢] ،
والبر إذا اقترن بالتقوى يقصد به ما تعدى نفعه إلى المسلمين من الأعمال المشروعة. والتقوى تختص بما يقتصر نفعه من الأعمال الصالحة على خاصة الإنسان.
وبهذا تحوي دلالات الآية مجالاً خصباً يتسع لكل عمل صالح يتحقق نفعه وخيره
بالتعاون على مستوى الفرد والأمة. وبرغم ما في الآية من وضوح وإشراق وحض
على التعاون؛ يجد الناظر إلى واقع العمل الإسلامي المعاصر أن التعاون بين فئاته
العاملة كثيراً ما يكون محصوراً أو مقيداً أو مشوباً بما يكدره ويعيق الغاية المنشودة
منه؛ إلا ما شاء الله.
أما الخلاف المفرق للألفة، والجهود، والأعمال؛ فإنه يعد من أهم العوائق
التي تحول دون التعاون على البر والتقوى؛ وهذا ما يدعونا إلى التوقف الطويل مع
هذا العائق وتحليله والنظر في حقيقته وما يكون منه مانعاً للتعاون، وما لا يكون
كذلك.
حقيقة الخلاف وأقسامه:
يدعي كل طرف في النزاع وجود عناصر للخلاف تدعو إلى الفرقة والتنافر
تمنع من التعاون على البر والتقوى؛ وبالنظر إلى هذه العناصر نجدها تنقسم إلى
قسمين:
الأول: عناصر مفتعلة: تُذْكَر للتشنيع على الخصم وتكبير هوة النزاع، ولو
توقف الخلاف عليها لأمكن التنازل عنها واحتواؤها وعدم إنكارها؛ بدليل: أنك
تجد في أتباعه من ينكرها وأنصاره غالباً من هو متلبس بمثلها من المخالفات.
الثاني: عناصر حقيقية للخلاف: وإذا نظرنا إلى أسبابها وجدنا أنها تنقسم
إلى قسمين هما:
١- أسباب غير سائغة مثل: التعصب القبلي، أو اتباع الأهواء، أو التنافس
على الزعامة، أو التنافس على الوجاهة والتمكن من التصرف في حقوق عامة من
حفنة مال أو أوقاف، ومنها أسباب يدفعها الثأر الشخصي، ويوجهها رصيد من
الصراعات السابقة حصل فيها تبادل الاتهامات وإلصاق التهم واتهام المقاصد.
٢- أسباب سائغة وهي تنقسم إلى قسمين هما:
أ- أسباب سائغة للخلاف ولكن لا تقتضي التفرق كما هو في الحالات التالية:
الاختلاف في مسائل فرعية من الشريعة.
الاختلاف في مسائل عقائدية ولكنها مما خفي دليلها، أو من الظنيات العلمية
كما اختلف الصدر الأول في رؤية النبي ﷺ لربه.
الاختلاف في مسألة اجتهادية اعتبرها أحد الأطراف بدعة وضلالة.
الاختلاف في مسألة حادثة من النوازل الواقعة التي لم ينقل فيها نص أو
إجماع أو اتفاق، إنما اعتمد كل طرف فيها على نصوص عامة من الكتاب والسنة.
ب- أسباب سائغة للاختلاف بل توجبه وتقتضي التفرق؛ ونمثل له بما يلي:
المخالفة في أصل من أصول الإسلام وهي كثيرة ومن أشهرها: عدم توحيد
الله في تصريف الكون والأحوال، وعدم توحيد الله في أفعال العباد كالدعاء والذبح
ونحوه، تقديم العقل على الكتاب والسنة، نفي صفات الله (تعالى) ، الغلو في تعظيم
الرسول بصرف شيء له من حقوق الله ومقتضيات ألوهيته وربوبيته، الشك في
عدالة الصحابة، وتكفير المسلمين بلا مكفر.
إحياء مخالفات أهل البدع الكبار المشهورة كالخوارج والجهمية والروافض
والمعتزلة والقدرية والجبرية وغلاة الصوفية.
وهنا يأتي السؤال الذي يعقب هذا التقسيم: إلى أي مدى يمنع الاختلافُ
التعاونَ على البر والتقوى؟ وللجواب عليه يتضح أن عناصر الاختلاف لا اعتبار
لها في منع التعاون إلا ما كان منها حقيقيّاً، ولا اعتبار لغير السائغ منها في منع
التعاون، وأما السائغ فما كان منه لا يقتضي التفرق فلا اعتبار له في منع التعاون.
وهنا نجد فداحة خطأ من يتصور عدم التعاون مع وجود أدنى نوع من
الاختلاف، وذلك واضح من وجوه عدة منها:
أن الاختلاف من طبيعة البشر ولا يمكن التخلص منه في العادة، قال الله
(تعالى) : [وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ] (هود: ١١٨-١١٩) ، قال الشاطبي: (فتأملوا رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالاً في العادة) [١] ،
فاشتراط رفع الخلاف لحصول التعاون كاشتراط المستحيل، وهذا فيه تعطيل مبدأ
التعاون الذي دلت على مشروعيته نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.
أن قبول التعاون مع وجود خلاف الذي لا يقتضي التفرق لا يعني بالضرورة
المطالبة بأعلى صور التعاون؛ بل المطالبة بدرجة من التعاون يتحقق فيها الواجب
والمندوب، ويزول فيها المحذور والمكروه، فإن أعلى صور التعاون محمودة،
ولكنها عزيزة الوجود وخاصة وقد بَعُدَ الناس عن نهج النبوة.
ومع تخطئة مبدأ: (ترك التعاون مع وجود الاختلاف) ، يلزم التنبيه إلى ما
يقابله، وهو: أنه لا يدعى إلى التعاون مع كل مخالف بلا شرط وقيد فإن الأصل
عدم التعاون مع وجود اختلاف جذري يقتضي التفرق والمفاصلة، كما هو الحال مع
أصحاب المبادئ العلمانية أو الاشتراكية أو البعثية أو الفرق الباطنية؛ لأن هذا
تعاون على غير البر والتقوى، تقدم فيه المصالح النفعية، وتهضم فيه مبادئ
إسلامية وتعطل فيه أحكام شرعية.
درجات التعاون والاختلاف:
لا يعرف كثير من الناس إلا حالتين: إما التعاون الشامل، والوحدة الكاملة،
أو التنازع والخصومة والمواجهة، وهذا التصور صورة من صور الجهل وضيق
النظر وغياب الحكمة وقلة المعرفة بقواعد الشريعة وأحكامها، وقد يعذر بعض
العامة والجهلة على هذا القصور، ولكن اللوم والتثريب يقع على من بيده زمام
الأمور والطاعة والتوجيه لفئام من الناس، كيف يحجّر سبل التعاون الواسعة،
ويحرم غيره من الانتفاع مما شرع الله من المحبة والألفة والتعاون والتقارب
والتسامح والعفو والتواضع والإحسان إلى الخلق بإصلاح ذات البين؛ وذلك بسبب
مواقف شخصية تجعله يأنف من التواضع والتسامح والعفو والتقارب، ويبالغ في
الصدود والنفرة، ويسارع في اتخاذ المواقف الصارمة، ويبالغ في اتخاذ الأحكام
القاسية، ويغلو في التعامل مع الخصوم والمخالفين، ويتشنج حال التفاهم والحوار
مع إخوانه المسلمين، جاعلاً الناس قسمين: إما موافقاً له متبعاً لقوله فهذا يواليه،
وإلا جعله خصماً له يعاديه.
وهناك مراتب بين التعاون الشامل والوحدة الكاملة، وبين التنازع والخصومة
والمواجهة، ونجدها على درجات تالية:
١- التعاون الشامل والوحدة الكاملة.
٢- التعاون الوثيق والمشاركة الفعالة وتوحد الكلمة.
٣- المحبة والاحترام والتشاور وتبادل المنافع.
٤- الاعتزال بالمعروف وتبادل النصح.
٥- الإعراض وكف الأذى -التعاون السلبي-.
٦- الجفاء والغلظة.
٧- إعلان النقد وإظهار العيوب.
٨- المواجهة ومحاولة القضاء على الآخر.
وهنا يجب التنبيه إلى أن درجة النزاع الأخيرة التي تدعو إلى محاولة القضاء
على الطرف الآخر ينبغي أن تكون تحت نظر مصلحة السياسة الشرعية للأمة
الإسلامية، التي تسعى في الغالب إلى صرف النظر عن هذا الاحتمال في حال
ضعف أهل الحق والسنة والجماعة، وتفكك الأمة وغياب الولاية الشرعية العامة،
ومن ثم تأجيل مباشرته حتى يقوم لهم كيان مستقل استقر أمر الأمة فيه على ولاية
قوية، ذات شوكة وسلطان أمّنت فيه الثغور، وزال سلطان الكفر البواح، وقُضي
فيه على مظاهر الشرك وصرف العبادة لغير الله، عند ذلك ينظر إلى المخالف
نظرة المواجهة والمصادمة ومحاولة القضاء على شوكته إن كان يستحق ذلك، وكان
لا سبيل لدفع الشر والمنكر إلا هذا، وذلك بعد البيان والإعذار.
ثمار التعاون:
١- زيادة الألفة، وتنمية المحبة، وتضييق دائرة الفرقة والعداوة.
٢- عدم إشغال عامة الناس وضعاف الإيمان بتلقي التهم وسماعها وتداولها،
وإشغالهم بدلاً عن ذلك بقضايا العلم النافع والعمل الصالح.
٣- إشغال أصحاب الطاقات المتميزين بالكتابة والخطابة والحجة والبيان بما
هو مفيد ونافع لخدمة الإسلام وأهله، ورصد الباطل وصده، ودحض الفساد
والانحراف من البدع والمنكرات.
٤- قطع الباب على المنافقين والمرجفين الذين يفرحون بنشر العيوب
وتشكيك الناس بدعوة الإصلاح في المجتمع والذين يفرحون بالشماته بالمصلحين.
٥- حسم مادة الخلاف وزوال بذرة الشقاق، لكي لا يثيرها من شاء من
المرجفين، متى شاء وكيف شاء.
٦- إغاظة أصحاب الفساد الذين يفرحون بتفريق الجهود الإصلاحية وضعفها، لينفذوا أغراضهم السيئة بيسر وسهولة، في ظل انشغال أهل الحق بعضهم ببعض، وضعف شوكتهم. وفي حال التعاون توجه الجهود لكشف مخططاتهم الإفسادية،
وقطع السبيل عن تحقيق أهدافهم.
٧- توحد الكلمة وهذا له أثر بالغ في دحض الباطل وأهله، وإرغامهم على
إظهار تعظيم شعائر الله واحترام الدين وأهله.
стр. 2523
دراسات دعوية
النقد الذاتي للواقع الدعوى
الانتقاء النوعي في حوارات المتخالفين نموذجاً
بقلم: سليمان بن عبد العزيز الربعي
تظل مناهج الدعوة إلى الله وآلياتها بحاجة ماسة إلى الترشيد
والمراجعة والتقويم، وليس مما يعيب الدعوة في شيء أن تُعالج مشكلاتها المنهجية
والوسائلية في سياق المناقشة الواعية المتزنة، وأن يُشيع أهلها والمشتغلون فيها
أدبيات (النقد الذاتي) ، بعيداً عن الحساسيات المفرطة والذاتية المعوِّقة، بل ليست
الدعوة ببالغة مناها إلا بممارسة هذا الواجب المقرّر متى اكتملت الشروط الشرعية
فيه.
وها هو النهج القرآني يعالج قضايا الأمة ومشكلاتها ببيان معلن ونقاش
جَهْوَري غير موارب، بل إنه ليقرر هذه الكلية في قوالب زمانية ومضمونية غاية
في التنوع والاختلاف، هادفاً إلى تقريرين مهمين، أما الأول: فكامن في وجوب
معرفة أنّ مصائب الأمة وهمومها مسائل يجب أن تكون تحت المجهر الجمعي رجاء
البرء، وثانيهما: لتأكيد ألا فرق بين تلك المشكلات زمناً وحالاً من جهة العلاج
والتصحيح والإصلاح، فلئن كان (النقد) مطلوباً في أزمنة الرخاء والمواءمة التي
تتيح العمل بمقتضياته، فهو كذلك مطلوب في أزمنة العسرة لتكون إرشاداته ثَمّ في
صميم القلوب المترعة بالضنك، ولتنقش فيها الإيجاب نقش الحجر، وأنت واجد
كل ذلك لا محالة في مناخات التعبير القرآني الفريد، ويمكن أن نقدم على ذلك مثالاً
واحداً: إنه في الدرس المستفاد من التعقيب الإلهي عن استفهام المؤمنين الذين
أصابهم القرح في أحد في ألم وأسى عن سبب مصابهم، بأنه من أنفسهم، ولما لم
يكن الفعل مَرْضِيّاً أيّاً كان؛ فقد نالهم في أول معركة تالية ما به الدرس [١] ، قال
الله (تعالى) : [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] ، أي: أعندما تُصابون
في أُحُدٍ بمصيبة القتل من قِبل المشركين بسبعين منكم والبلاء في المجموع، وأنتم
قد أصبتم منهم في بدر ضعف مصابكم (قتل سبعين وأسر سبعين) ؛ تتساءلون: من
أين لنا هذا ونحن المسلمون وهم المشركون؟ ! ، والجواب: أن هذا العقاب إنما
هو بسببٍ منكم، على خلاف فيه بين أهل العلم: هل بأخذ الفداء من أسارى بدر
بدل الإثخان، أو بمعصية الرماة أمره، أو بمخالفة رأيه في البقاء في المدينة [٢] ،
وأغلب المفسرين على الرأي الأخير [٣] ، ومع إدراك أن البيان الذي نحن فيه لا
يهدف إلى تمحيص السبب، إلا أن من تمامه أي البيان الإشارة إلى أن كل هذه
الأقوال قد تكون مرادة بلا تعارض، والله وحده أعلم، وغايتنا هنا: لفت الأنظار
إلى الدرس العام المستفاد؛ إذ أخذ صفة الصدع، معلناً الحق، ولم يكن البيان
القرآني ليتأخر لظرف قد يُتذرّع بعاقبته زمنيّاً أو نفسيّاً.
وإنك تلحظ كذلك أن الآي الحكيم لم يعمد إلى عرض السبب بقالب تسلية بحت، من شأنه تخفيف وطأة المصاب، بل جاء التعبير بالتسلية المبطنة [قَدْ أَصَبْتُم
مِّثْلَيْهَا] والتذكير الصّراح [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] ، فهو قد (ذكر السبب الذي
أصيبوا به، وذكر القدرة التي هي مناط الجزاء، فذكر عدله فيهم بما ارتكبوه من
السبب، وقدرته عليهم بما نالهم من المكروه) [٤] ، ملتفتاً عن أسلوبه المعهود في
مناسبات شبيهة، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم أن سياقات التسلية التامة إنما
تكون في مناسبات التسليم والإذعان الكامل الفوري، في حين أنّ هذا التميز قد جاء
في مناسبة مغايرة، حيث لم يذعن المخاطبون على القول الثاني لرأي النبي -صلى
الله عليه وسلم- في البقاء في المدينة والتحصن فيها، مع التأكيد على نبل هدفهم
وسموه (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) ، وفائدة أخرى: أن تلحظ أن القرآن
الكريم لم يستعض عن تناول الحادثة المشار إليها بقاعدة عامة يمكن الإلحاق بها،
من مثل قوله (تعالى) : [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ، مع كونها آية مكية سابقة؛ بل جاء التعبير بالتعيين، ليكون
درساً في الطاعة والانقياد، ولأن آية (آل عمران) قد تضمنت معنًى زائداً يدخل في
أهداف ما نحن فيه من بيان منهج القرآن الكريم في الصدع العلني إزاء مشكلات
الأمة؛ إذ إن المولى يختم الآية الكريمة بقوله: [إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ] ، وفي هذا (نكتة لطيفة، وهو أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو
الذي لو شاء صرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتوكلوا على
سواه) [٥] .
وإذا كان ما تقدم بيانه في الشؤون العامة للأمة؛ فلا ريب أن شؤونها
المتفرعة تندرج في هذه القاعدة ويصدق عليها هذا الحكم، وعليه تكون هذه المقدمة
ضرورة في حق المشتغلين والمعنيين بأمر الدعوة إلى الله ﵎ ؛ كي
يمكن لهم التنمية والتطور، وتحقق (الدعوة) الفاعلية والتأثير، فالدعوة والدعاة
بأمس الحاجة إلى المراجعات والتقويم، بشروط الاعتبار الشرعية كما قد سلف
وهي شروط مبثوثة في كتب أهل العلم المنصرفين في بيانها وتوضيحها، ليس
المقام لتقصي أطرافها ودرس مضامينها، بل حسبه التذكير.
ولا ريب بعدُ أن التحديات التي تواجه الدعوة إلى الله (تعالى) كثيرة متعددة،
وإنه ليحسن التذكير بتقسيم لها قد سبقت الإشارة إليه في كتابة سابقة، وهو أن
مشكلات الدعوة ومعوقاتها تنقسم إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: المعوقات المباينة الخارجية.
القسم الثاني: المعوقات الصفّيّة الذاتية.
ولقد سبق في الكتابة المشار إليها آنفاً التأكيد على أنّ تلك المشكلات التي تأتي
من خارج المناخ الدعوي تكون أقل ضرراً وتأثيراً من المعوقات التي تبتلى بها
الدعوة من بعض أهلها أو المحسوبين عليها، فتلك الخارجية مرصودة متوقعة،
بحيث يسهل مواجهتها أو على الأقل التخفيف من نتائجها، أما الذاتية فتحمل في
طياتها من العوامل الفرعية السالبة ما يذهل عن أصول المشكلة ويشتت الجهد.
أسلوب الانتقاء النوعي:
هذا، وإن من أخطر المعوقات الذاتية في ميدان الدعوة إلى الله ،
ما يمكن أن يصطلح عليه بأسلوب (الانتقاء النوعي) من المضامين إبان الخلاف في
آليات الدعوة ومناهجها.
ولهذا الداء الخطير صورتان تمثلان حقيقته، فأما الأولى: فيعمد بعض
المشتغلين بالدعوة أو بعض المحسوبين عليها عند الاختلاف يعمد إلى آثار الآخر
المختلَف معه بالبحث والتنقيب، في محاولة (للظفر) بما يمكن أن يكون إدانة تسجل
على صاحبه، وتحسب للظافر! ! ، وليس مكمن الخطر في إشاعة هذا (الظفر) (! !) ، فتلك قضية أخرى تتصل بأدب النصيحة وفقه الإصلاح والتوجيه، وإنما
الخطر كله أن يكون البحث قائماً على غير ذي بال من الصحة والصدق، بل يكون
لصيق الصلة بـ[لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ] [٦] ، وبـ[فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ] [٧] ،
مجتزءاً، قد بُترت أطرافه واندثر سياقه.
ولئن كنا مأمورين بالعدل مع الأعداء؛ فإنه من باب أوْلى أن نشيعه معشر
الدعاة في مناهجنا وحواراتنا الدعوية، لا سيما الخلاف الذي هو في أغلب الأحايين
خلاف تنوع لا خلاف تضاد؛ إذ الأقربون أولى بالمعروف، وحقّاً: لم تعرف هذه
الصورة السلبية إلا في بيئات المبتدعة وأهل الأهواء الذين يتخذون من (اجتزاء)
السياقات والنصوص القرآنية والحديثية منهجاً مطرداً في تقرير أباطيلهم وبدعياتهم، إنْ في التقرير المجرد الذاتي كما في بعض مصنفاتهم المتجهة للبيان القرآني من
مثل (كشاف) الزمخشري المعتزلي، وإنْ في مناظراتهم مع أئمة السنة والجماعة.
وللمطلع على شيء من حوارات الجهبذ شيخ الإسلام (ابن تيمية) (رحمه الله تعالى)
معهم، أن يقف على نماذج لا تحصى من هذه المناخات الانتقائية في الحوار،
ويقف بعدُ على ما تقرر من أن هذا الأسلوب شائع عند المبتدعة، بل وهم مُعَرّفون
به، وهذا مشين بحق المنتمين إلى أنبل مهمة أن يكونوا متصفين بشيء من هذا
الخلق الرديء، فضلاً عن أن يكون حمادى طاقة بعضهم وهجيراه. والحق الذي لا
مرية فيه بعدئذ أن هذه الصورة من أبشع صور الظلم المتوجه إلى مستقبل الدعوة
بالويل، فهو متعد في السلبية إلى صدقيتها ومناهجها وريادتها، فشؤمه لا يقتصر
على الآحاد.
والصورة الثانية لهذه الآفة لا تقل خطراً عن الصورة الأولى، وهي تتمثل
بأن يقصد المخاصم إلى بعض زلات (خصمه) ، مستتراً بالنصح، متذرعاً بالإعذار، ولعلهم يتقون! ! ، وليست المشكلة ها هنا كذلك في إشاعة الخطأ، فسالفاً قَعّدَ
البيان لمثله، ولربما كان من قبيل الصحة والعافية، وإنما الزلل في منهج (الانتقاء)
الذي يُغفل الحسنات ويقتصر على إشاعة السيئات، لجهة وقوع الممارس في
مخالفات شرعية ومنهجية، فأما الملحظ الشرعي، فلكونه قد جانب العدل مع
الآخرين، ولا مشاحّة في أن إقامة العدل وإشاعته من أعظم مقاصد الشريعة
واستشرافاتها، هذا من ناحية، ومن جهة أخرى: فلأن في هذه الممارسة غمطاً
للناس، وهو من علامات الكبر والعجب (أعاذنا الله تعالى من مرذول الخُلُق) .
والجانب المنهجي يتعلق بأدبية التعامل، فلا شك أن الواقع في شيء من هذه
الآفات يتطلب العدل من الآخرين، وإذا كان من الواجب في حقه المعاملة بالمثل،
والراصد لواقع الآفة يفاجأ بالتناقض الصارخ في مسلكية الوالغين فيها؛ فهم مع
الآخر (انتقائيون) ، وفي التنظير لمحاوراتهم وإبان الشعور بالخطأ يطالبون بالعدل
باللفت إلى النظرة الواقعية المعتدلة! .
وإن السنة في حق هؤلاء أن يربوا أنفسهم على قيم العدل في إبراز جوانب
الخير كما هم متحمسون لإظهار جوانب الخلل إن كان ثَمّ، وإن الديانة والمروءة
تقتضي منهم ألا يجعلوا من محاريب علمهم موئلاً لانتقاص الآخرين وذمهم، إلا مَنْ كان مبتدعاً مخالفاً لمنهاج أهل السنة والجماعة، فمثله يُندب للرد عليه ودفع أباطيله، وإنما النهي عن المخالفين في آليات الدعوة، فإنهم منهم وهم من أولئك، شريطة
موافقة الكتاب والسنة هنا وهناك بكل حال.
إنه في الوقت الذي تنتظر فيه الدعوة من أبنائها وحدة الصف للعمل والإنتاج
تفاجأ بشيوع نماذج الصورة الثانية وانتشارها في المحافل وفي دور العلم، انتشار
النار في الهشيم، فالمخاصِم يقلب عينيه في مصنّف المشنوء رجاء الزلة، ويبث
العيون ويسترق السمع طُلبة للخطأ، وهو في هذا وذاك يُغفل الخير ولا يرجوه،
ويُحصي الشر ويتمناه، يختار الأدنى على الذي هو خير، ينتخب السقطة ويُقصي
المحمدة، إنّه ذاهل عن الخير بالتوجس والنبض والتمني! ، مَثَلُه في ذكر السوء
النزر وودع الحق، مثل الآخذ بأذن الكلب دون طيب النعم، وذاك تشبيه البليغ
الفصيح إذ يقول: (مثل الذي يجلس فيسمع الحكمة ثم لا يحدث عن صاحبه إلا بشر
ما سمع، كمثل رجل أتى راعياً فقال: يا راعي! اجزر لي شاة من غنمك. قال:
اذهب فخذ بأذن خيرها فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم) [٨] .
وأما البحث عن دوافع (الانتقاء النوعي) ، فراجعةٌ في الأعم الأغلب إلى
الجهل، وقد ترجع إلى الهوى، فالمخالف المتوجه إلى ممارسة (الانتقاء) في
صورتيه، إما أن يكون جاهلاً بعاقبة عمله في العاجل، بحيث لا يدرك الآثار
السيئة التي يمكن أن تخلفها هذه الممارسة في صورتيها على الدعوة وواقعها،
وعلى المستويات كافة، أو لا يدرك بجهله آجل الظلم ومآل الغمط في الآخرة، وإما
أنه ذو هوى فتّاك يقوده إلى المعصية، وهو يدرك نتائجها، فلا يلوي في سبيل
تحقيق هواه على شيء، فهو به جاهل، ومن هنا سمّت العرب الهوى هواناً [٩] ،
وهكذا ترى أن الهوى والجهل هما دافعا (الانتقاء النوعي) ، بل هما سبب السيئات
كلها على سبيل الحق، يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية) ﵀ في حديث نفيس
عن سبب المعاصي: (فإن أحداً لا يفعلُ سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة
قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها ... وفي الحقيقة: فالسيئات ترجع إلى الجهل،
وإلا لو كان عالماً علماً نافعاً بأن فعل هذا يضره ضرراً راجحاً، كالسقوط من مكان
عال، أو في نهر يغرقه،.. ونحو ذلك لم يفعله؛ لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه، ومن لم يعلم هذا يضره كالصبي والمجنون..، فالغفلة والشهوة أصل الشر، قال
(تعالى) : [وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً]
[الكهف: ٢٨] ، فالهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل..، ولهذا قال
الصحابة ﵃ : (كل من عصى الله فهو جاهل) ، وفسروا بذلك قوله
(تعالى) : [إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ]
[النساء: ١٧] ، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا: (كل
من عصى الله فهو جاهل) [١٠] .
ومن هنا: أصبح من الواجب اللازم على المشتغلين بالدعوة، أن يطهروا
قلوبهم من أدرانها، لا سيما تلك التي تتعدى آفاتها إلى الدعوة ذاتها، وإن عليهم
تعاهدها بالعلم والعمل وصولاً إلى مراتب التزكية والخيرية، وإن عليهم كذلك أن
يفطنوا وهم فاعلون إن شاء الله لمعوقات الطريق الذاتية، وأن يوقنوا أن العدو
المتربص الذي يعمل على إذكاء الخلاف وبعث الفتنة، إنما يمارس ذلك لإدراكه أن
وقف مسيرة الدعوة بالمشكلات الذاتية أجدى من التعويق بالصد المباين.
لقد آن للدعاة إلى الله وخاصة من وقع في بعض الأخطاء أن
يتعاطوا مع مشاكلهم الزاحفة المتربصة تعاطياً مناسباً لأحجامها من المسؤولية، وأن
تكون مناهجهم العملية والعلمية متسمة بأدبية التمحيص والتصحيح من خلال الكتاب
والسنة وفهم السلف الصالح، بل وإن من الواجب في حقهم أن يستفيدوا من مناهج
المراجعات المختلفة، متسلحين بالتجرد الأمكن، والمجاهدة النفسية، والروح
المتسامحة، والنظرة العميقة النافذة.
حقّاً! إن الأمة لا تنتظر من الواقعين في شيء من بُنَيّات الطريق مجرد
الصفح، بل تترقب التحول السريع إلى ميادين التعاون الجمعي في سبيل تطوير
مناهج الدعوة وآلياتها، يداً بيد، وخطوة بخطوة.
وإنه لا مناص من التأكيد عاقبة أن إشاعة (النقد الذاتي) من دلائل الصحة
والنضج، وأن الخطأ والزلل شأن العمل البشري كله، وليست العصمة لبشر عدا
الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وعليه: فإن الحديث عن (الانتقاء النوعي) ليس
إلا مرحلة من مراحل المراجعة الطويلة الممحصة.
وإنه متى كانت هذه القناعات أساسيات العمل الدعوي في النفوس والتعامل؛
فإن المسيرة بخير وطيب حال.
стр. 2524
مقال
الإرهاب مصطلحاً !
بحث في إشكالية تعريف (الإرهاب)
وسر غموض التعريف
بقلم:أحمد بن صالح السالم
مع ما نلحظه فيما يتعلق بمصطلح (الإرهاب) من إجماع دولي على محاربته،
وتخطيط محكم لاقتلاع جذوره ونسف شجرته، نلحظ أيضاً عدم امتلاك أي من هذه
الدول لتعريف واضح ومقبول لهذا المصطلح.
فلماذا بدا مثلاً (الأفغان) ، و (الإيرلنديون) ، و (الكشميريون) إرهابيين في
نظر أعدائهم الروس، والإنجليز، والهنود، بينما لا يعتبرهم آخرون كذلك؟ ! بل
ما هو الأساس الذي اعتمد عليه الصرب المجرمون في وصم (البوشناق) المساكين
بالإرهاب؟ ! .
ومن هنا تتبين أهمية طرح إشكالية تعريف هذا المصطلح، واستجلاء سر
غموضه، بل تعمد أن يكون غامضاً، من أجل أن نصل أخيراً إلى تقدير مدى
إمكانية إقرار المصطلح واستخدامه.
أولاً: إشكالية التعريف:
أ- المعنى اللغوي:
تبين لنا من خلال استقراء المعاجم العربية الأصلية أنها قد خلت من كلمة
(إرهاب) ، وهي كلمة أقرها المجمع اللغوي وجذرها (رهب) بمعنى خاف.
ومصطلح (الإرهاب) ترجمة حرفية للكلمة الفرنسية (Le Terrorisme)
التي استحدثت أثناء الثورة الفرنسية، وهي ترجمة حرفية أيضاً للكلمة الإنجليزية
(Terrorism) ، ويُعْتَقَدُ أن الترجمة الصحيحة للمصطلح الأجنبي هي كلمة
(إرعاب) ، وليس (إرهاب) [١] .
ب- المعنى الاصطلاحي:
من أجل تأكيد أعمق لإشكالية التعريف الاصطلاحي نشير إلى أن كتاباً [٢]
أُورد فيه من تعريفات الإرهاب ما يزيد على المائة وضعت من قِبَلِ بعض
المتخصصين بين عامي ١٩٣٦م ١٩٨١م.
ونظراً لحاجة التحليل الذي نحن بصدده إلى بعض التعريفات أثبت منها ما
يلي:
١- يعرّف (جي فاوفيتش) ، الإرهاب بأنه: (الأعمال التي من طبيعتها أن
تثير لدى شخص مّا الإحساس بالخوف من خطر مّا بأي صورة) [٣] .
٢- أما (ليمكين) فيعرف الإرهاب بأنه: (يكمن في تخويف الناس بمساعدة
أعمال العنف) [٤] .
٣- ويعرفه (جورج ليفاسير) بأنه: (الاستعمال العمدي والمنتظم لوسائل من
طبيعتها إثارة الرعب بقصد تحقيق أهداف معينة) [٥] .
٤- أما المشروع الفرنسي المقدم عام ١٩٧٢م، للأمم المتحدة فيعرف
الإرهاب بأنه: (عمل بربري شنيع) ، في حين وصفته (فنزويلا) بأنه: (عمل
يخالف الأخلاق الاجتماعية ويشكل اغتصاباً لكرامة الإنسان) [٦] .
ولكي نتمكن بعد استعراض هذه التعريفات من تحليلها بغرض تحديد درجة
دقتها وقياس مدى إمكانية الاعتماد عليها في عملية وصف وضبط وتحديد ما يمكن
تسميته بـ (العمل الإرهابي) ، فإنه لا بد من إيضاح أركان (الإرهاب) .
ج- أركان الإرهاب:
بعد تأمل ما يسمى بـ (العمل الإرهابي) ، يمكن القول بأنه يقوم على أركان
أربعة هي:
١- القائم بالعمل. ٢- الهدف.
٣- الوسيلة. ... ... ٤- المستهدف.
ولكي يكتسب تعريف (الإرهاب) صفة الدقة، ويحظى بدرجة معقولة من
القبول: فإنه لا بد من قيامه على هذه الأركان الأربعة مجتمعة، مع ضرورة اتكائه
على عقيدة أو إيديولوجية معينة، وذلك لتعذر ضبط الهدف والوسيلة إلا بالاعتماد
على مثل هذه العقيدة أو الإيديولوجية.
وبهذا يتبين لنا عدم دقة أي من هذه التعريفات لعدم اصطباغها بالمقومات
الضرورية السابقة واللازمة لاكتساب صفتي الدقة والقبول.
وفي هذا السياق، ومن أجل تقرير وتأكيد حقيقة مهمة نبادر بطرح السؤال
التالي:
لماذا لم تفلح الدول في بلورة تعريف واضح ومقبول للإرهاب؟
السبب في ذلك يعود إلى تباين وتضارب العقائد أو الإيديولوجيات التي
اعتنقتها الدول وارتضتها مناهج حياتية لها ولشعوبها واتخذتها فلسفة تصدر عنها في
سن تشريعاتها ونظمها، فأدى ذلك التباين والتضارب إلى جعل اتكاء التعريف على
عقيدة أو إيديولوجية بعينها أمراً متعذراً ... فتم الاتكاء على الأخلاق الحضارية
والقيم الإنسانية والمعطيات الواقعية! ! ! .
ثانياً: سر غموض المصطلح:
وحتى مع الإقرار بالحقيقة السابقة فإنه يبرز سؤال تعوزه إجابة منطقية مفاده: ألا تستطيع هذه الدول أن تقلل من غموض هذا المصطلح وتظفر بالتالي بتعريف
أكثر دقة وقبولاً وأقرب إلى تحقيق العدل والإنصاف؟
بلى! تستطيع ... بيد أن الكبيرة منها على وجه الخصوص تهدف إلى
ممارسة الإذلال والاضطهاد لأعدائها من خلال المصطلح ذاته، ولا سيما الأعداء
الأيديولوجيين وعلى الأخص الراديكاليين الدينيين (أو بتعبيرهم المتزمتين!) ! .
فأصبحت هذه الدول في جو ضبابية المصطلح لا تتكلف إذا أرادت أن تقضي
على أعدائها (أياً كانوا: شخصاً، جماعةً، حزباً، نظاماً، شعباً) أكثر من أن تشير
ببنانها إلى هذا العدو واصمة إياه بالإرهاب؛ لتنطلق بعد ذلك نحوه بخيلها ورجلها
جيوش العالم التي سبق تجييشها ضد (الإرهاب) دونما تروٍ ولا تثبت، بل ولا
سماعٍ لشاهد آخر! !
ولقد ثبت عن وكالات الاستخبارات الغربية ما يؤكد هذه الحقيقة، فمن ذلك:
ما ثبت عن إحداها قولها: (إن الدوائر الرسمية في الدولة قد تعمد إلى استدراج
(رئيس دولة ما) إلى مغامرة خارجية أو انتقال أعمال إرهابية لتهيئة الأجواء الدولية
لتوجيه ضربة موجعة لهذه الدولة) [٧] .
ومما يفيده هذا الاقتباس أن هدف هذه الدول قد يتعدى إلى ما هو أكبر من
تصفية شخص عادي أو القضاء عليه أو حتى جماعة أو حزب.. وبهذا ندرك سر
تعمد الغموض.. فلماذا يعينهم الآخرون على أنفسهم؟ ! .
وإلى هذا الهدف يضاف هدف آخر لا يقل أهمية عنه، بل هو أهم،
ويتلخص في سعيهم الجاد إلى القضاء على الالتزام الصحيح بالإسلام عقيدة وشريعة
ومنهاج حياة وذلك من خلال إقرارهم واقعياً للمعادلتين التاليتين:
إسلام المعتدلين (في نظرهم) الإرهاب
إسلام المتشددين (في نظرهم) الإرهاب
فهم يصفون الإسلام الذي يساوونه بالإرهاب بأنه أصولية وتطرف! ! .
أما الإسلام الذي لا يصح من وجهة نظرهم أن يُربط بالإرهاب فهو إسلام
المعتدلين! !
هذا بالنسبة للدول الكبيرة، أما الصغيرة منها فمعظمها يرمي إلى تحقيق
الهدف الثاني من وراء استخدام هذا المصطلح الضبابي! ! أما الهدف الأول فمتعذر
لهم وممكن عليهم! ! !
ثالثاً: المصطلح: استخدام أم إحجام؟
وفي نهاية الموضوع نأتي إلى السؤال (الثمرة) الذي يُلِحّ على تحرير إجابة
منهجية له وهو:
هل يسوغ لنا استخدام هذا المصطلح بعد الإقرار بهذه الحقائق والتسليم بها؟ !
والجواب: لا يسوغ استخدامه من وجهة نظري لأسباب من أهمها:
١- أن الله يقول: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا
انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [البقرة: ١٠٤] .
وأجزم بأن الآثار السيئة المترتبة على إقرار هذا المصطلح واستخدامه أكثر
وأخطر من تلك التي قد ترتبت على قول بعض المؤمنين [رَاعِنَا] وهو ما
سيتضح في النقاط التالية.
٢- أننا بإقرار هذا المصطلح واستخدامه قد نمكّن للحاقدين من تنفيذ
مخططاتهم العدوانية.
٣- قد يفيد استخدام المصطلح دون تبيين لماهية الإرهاب المُدان من الناحية
الشرعية بأننا نحكم على بعض الأعمال الجهادية بأنها من الإرهاب! .
٤- لقد تقرر معنى الإرهاب في كثير من الأحيان عند أولئك بأنه الإسلام!
فهل نُدينه نحن بدورنا! !
٥- إن مصطلح (الإرهاب) قد جاء في قوله (جل وعز) : [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ
لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ] [الأنفال: ٦٠] .
رابعاً: مصطلحات بديلة:
لغتنا العربية لغة ثرية في كلماتها، دقيقة في معانيها، واسعة في مصطلحاتها، واضحة في لوازمها، وهي مع ذلك لغة تواكب تطورات العصر وتفي باحتياجاته.
وعليه فإن المصطلحات التي يمكن استخدامها كبديل لمصطلح (الإرهاب)
كثيرة في عددها ومتنوعة في أغراضها، فمنها على سبيل المثال: العنف الإجرام العدوان.
وأخيراً:
أؤكد على أولئك الذين لم يقتنعوا بعدُ بعدم تسويغ استخدام هذا المصطلح،
وعلى أولئك الذين اضطرهم السياق إلى التحدث بلغة القوم، أؤكد عليهم جميعاً بألاّ
يستخدموه على نحو يُشعر بقبولهم العام له، أو بانتفاء الإشكالية في تعريفه، وبألا
يستخدموه على نحو يكرس ما لا يجب تكريسه! ! .
والله الموفق،،
стр. 2525
دراسات تربوية
الاهتمام بدعوة المرأة وتربيتها (١ من٢)
بقلم: عبد اللطيف بن محمد الحسن
تعاني الصحوة اليوم من ضعف في طاقاتها العاملة المؤهلة التأهيل اللازم، مما يساعد على محدودية الانتشار، ونخبوية العمل، ومن أشد ذلك تَبِعَةً: عدم تكافؤالجهد المبذول لدعوة المرأة وتربيتها مع الواجب تجاهها، وما ترتب عليه من تنحي المرأة عن ميدان الدعوة، وبخاصة في ظل الدور الإفسادي المركّز الموجّه إلى المرأة المسلمة في جل ديار الإسلام لإبعادها عن رسالتها.
التقصير في دعوة المرأة:
إن نظرة في واقع الصحوة اليوم، ومكان المرأة فيه تنبئ عن ذلك دون عناء، ومن أبرز مظاهر ذلك:
١- قلة الطاقات والكفاءات الدعوية النسائية.
٢- ضعف الاستفادة من هذا القليل؛ لندرة المبادرات الذاتية المستغلة لتلك
الطاقات القليلة، وإهمالها في غالب الخطط الدعوية.
٣- ضعف التكوين الدعوي والتربوي والعلمي لدى الداعيات الموجودات،
وكثير من نساء الدعاة.
٤- ضعف استيعابهن لدور أزواجهن الدعوي المنوط بهم شرعاً مما يفضي
إلى شيء من التذمر، وربما الخصام! !
٥- تفشي الجهل في الأمور الشرعية لدى غالبية النساء.
٦- تأثير الدور العلماني الموجه لإفساد المرأة في الواقع المعاش.
٧- ندرة المؤسسات الدعوية النسائية.
٨- ضعف المؤسسات النسائية الدعوية القائمة غالباً؛ بدليل ضعف الإنتاج،
وكثرة الوقوع في الأخطاء [١] .
أسباب التقصير:
إن مما سبب إهمال المرأة أموراً عدة، هي في الحقيقة عقبات وعوائق،
يصعب معها القيام بالواجب دون معرفتها وتحليلها، والسعي إلى معالجتها وتجاوزها:
-تسليم المجتمع للموروثات الخاطئة عن المرأة، ونظرته المستنقصة لها،
حيث يعتبرها مجرد أداة لحفظ النسل فقط، وأيضاً بمراعاته للعادات والتقاليد التي
ليس لها أصل في الشرع، والتي تحد من الحركة الدعوية للمرأة.
-عدم اقتناع الرجل بمسؤولية المرأة الدعوية، وذلك عندما يحمّل قول الله
(تعالى) : [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣] ، ما لا يحتمل، ويسيء استخدام
حق القوامة، فيمنع المرأة من الخروج لمصلحة دينها ودنياها، وينسى أن المعاشرة
بالمعروف تستلزم إذنه لها فيما لا محذور فيه ولا ضرر، ويسوء الحال أكثر عندما
يكون أنانياً، أو ضيِّق الأفق، لا يفكر إلا في مصلحة شخصه، وأسوأ من ذلك:
عندما يكون غير مستقيم.
-وبشكل أخصّ، فإن من الأسباب: غياب الأولويات لدى الرجل الداعية
الذي أذهله واقع أمته عن الاهتمام ببيته وأهله، واستُنفِدت طاقته في العمل الدعوي
خارج المنزل، فلم يُبق له شيئاً في ظل تخاذل غيره عن القيام بواجبه، مما أرهق
الداعية وأفقده شيئاً من التوازن الضروري.
-والمرأة ذات دور مؤثر في الموضوع؛ وذلك عندما يضعف مستوى الوعي
عند الملتزمات ويقفن دون مستوى النضج المطلوب، وأيضاً: حين تضعف رغبة
المرأة في التضحية، أو تبالغ في التوسع في المباحات والكماليات، مما يضاعف
جهدها داخل المنزل، وحين تصعب عليها الموازنة بين الحق والواجب، وحين
تفقد شيئاً من الموضوعية والتوازن، فتنسى أن عملها داخل بيتها هو جوهر
رسالتها، وتغفل عن أداء دورها فيه، وأيضاً: حين تجهل ترتيب الأولويات
فترتبط بعمل وظيفي يشغلها عن بيتها، فضلاً عن رسالتها الدعوية داخله وخارجه،
وكذلك حين ينقلب الحياء خجلاً من أداء الواجب، فيصير مرضاً خطيراً يفتقر إلى
العلاج.
-ومن الأسباب: محدودية بعض الدعوات الإصلاحية، وعجز أكثرها عن
استيعاب المرأة، وعدم مراجعتها لخططها وبرامجها، وضعف التربية المؤدي إلى
ضعف الشعور بالمسؤولية بالشكل المتكامل.
-ومن الأسباب: الكيد الخارجي والداخلي أيضاً المتمثل في الغزو الفكري،
وخاصة الموجه للمرأة، تحت ستار: تحرير المرأة، مما أقصى المرأة عن رسالتها، وشوّه صورة الإسلام في ذهنها، واستخدمها في غير ما خلقت له، ومنها أيضاً
الأوضاع الجائرة في كثير من بلاد المسلمين التي أقصت الرجال عن ميدان الدعوة، فضلاً عن النساء.
-وهناك أسباب أخرى، مثل: صعوبة المواصلات، وهذا أمر يهون؛ إذ لا
مانع من الدعوة داخل البيت، ومع الجيران والزائرات والأرحام، وفي هذه الحال
على ولي المرأة وكل من يعنيهم الأمر احتساب الأجر، وسعيهم في تذليل هذه العقبة.
أهمية إعداد المرأة الداعية:
ثمة أسباب ومسوغات كثيرة تعكس أهمية ذلك، ومنها:
١- أن المرأة أقدر من الرجل على البيان فيما يخص المجتمع النسائي.
٢- أن المرأة تتأثر بأختها في القول والعمل والسلوك أكثر من تأثرها بالرجل.
٣- أنها أكثر إدراكاً لخصوصيات المجتمع النسائي، ومشكلاته.
٤- قدرتها على الشمولية للجوانب الدعوية النسائية، والتمييز بين الأولويات، لطبيعتها ومعايشتها للوسط النسائي.
٥- أنها أكثر قدرة وحرية في الاتصال بالنساء، سواء بصفة فردية، أو من
خلال المجامع النسائية العامة، التي يكثر فيها لقاء النساء من خلال قنوات الدراسة
والتدريس والعمل والزيارات وغيرها.
٦- أن كثيرات من المسلمات اللاتي يحتجن إلى دعوة وتوجيه وتربية يفتقرن
إلى وجود المحرم الذي يقوم بدعوتهن؛ مما يعني تحتّم قيام بنات جنسهن بهذا الدور
تجاههن.
٧- أن وظيفة المرأة التربوية أوسع من وظيفة الرجل؛ لقيامها بالحمل
والولادة والرضاع والحضانة، مما يجعل الأولاد أكثر التصاقاً وتأثراً بها من الأب،
بالإضافة إلى طول ملازمتها للأولاد في البيت، خاصة قبل بلوغ الأبناء وزواج
البنات، مما يمكنها من تنشئة أولادها كما تريد، وبالتالي فقد تضيِّع كثيراً من جهود
زوجها الدعوية، إذا لم تحمل الهمّ الدعوي الذي يحمله، أو تقتنع بجدواه على الأقل، ولعل في قصة امرأة نوح ﵊ وابنه ما يشير إلى هذا (نسأل
الله السلامة) .
٨- أن للمرأة تأثيراً كبيراً على الزوج، فصلاحها معين على صلاحه،
وأيضاً فإن ضعف قناعتها بأمر دعوته موهن له كثيراً، وفي قصة طلب زوجة
فرعون الإبقاء على موسى ﵇ ما يؤكد هذا، وكذا قصة إسلام عكرمة
بسبب إلحاح زوجه أم حكيم ﵂ [٢] .
٩- تتميز المرأة بجملة من الصفات والخصائص، تؤكد الأهمية، كما ينبغي
وضعها في الحسبان، ومنها:
أ - رقة العاطفة، والحماس لنشر قناعاتها.
ب - ضعف الإرادة، وسرعة التأثر، وحب التقليد.
ج - ضعف التحمل، والميل إلى الفسحة واللهو.
د - كثرة الإلحاح على الرجل ومراجعته، ومحاولة ثني إرادته، وتغيير
قراره [٣] .
آثار قيام المرأة بالدعوة:
-رفع الجهل وإعمال سعة الأفق الفكري، وتوفير كفايات علمية نسائية تكون
مرجعاً للنساء.
-إصلاح السلوك، واختفاء كثير من الممارسات الخاطئة التي أخذت طابع
الظاهرة الاجتماعية في كثير المجتمعات.
-كون الداعية رقيبة على نفسها في حركاتها وسكناتها، مما يقلل متابعة الرجل، وحرصه على ذلك للثقة بها.
-إبراز مكان المرأة في الإسلام وإشعارها بحقوقها وواجباتها؛ لتسعى إلى
أداء الواجب، والمطالبة بالحق الشرعي.
-التوازن في التوجيه، واتحاد الأهداف وتضافر الجهود لتنشئة الجيل المسلم
الصالح.
-سدها ثغرة من ثغرات المجتمع، بوقوفها أمام تيار الفساد الموجه ضد
المسلمين بعامة، والنساء منهن بخاصة.
-إحياء قوة الانتماء للإسلام، بإظهار شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وهي من أعظم شعائره.
-تأمين رافد مالي مهم للدعوة، وهو جانب الإنفاق النسائي في وجوه الخير،
لوفرة ما لديهن عادة، ووجود المال أحياناً من إرث ونحوه، ومن ناحية أخرى:
حفظ مال الزوج من تبديده في الكماليات، للإبقاء عليه معيناً له على الاستمرار في
دعوته [٤] .
المرأة المسلمة مدعوّة وداعية:
كل أمر ونهي عام في خطاب الشارع فإنه شامل للذكر والأنثى قطعاً، والمرأة
داخلة فيه بلا شك، وإنما يوجّهَ الخطاب للذكور تغليباً على الإناث، وهذا أمر سائغ
في اللغة، إلا أن هناك أحكاماً لا خلاف في اختصاصها بالرجال.
وبالمقابل فإن الله ونبيه قد خصّا النساء بأمور دون الرجال، مما
يدل على اعتبار شخصيتها المستقلة عن الرجال، وهذا وذاك يؤكد وجوب التوجه
إلى المرأة بالدعوة والتربية والإصلاح والتوجيه؛ فإنها مخاطبة بدين الله ، مأمورة بالتزام شرعه، مدعوة لامتثال الأوامر، وترك النواهي.
ولذا كان النبي ﷺ يوجه للنساء خطاباً خاصاً بعد حديثه
للرجال، وربما خصهن بيوم يعلمهن فيه دون الرجال [٥] .
ويؤكد الوجوب أيضاً: مسؤولية الرجل عن بيته مسؤولية خاصة، قال الله
: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]
[التحريم: ٦] ، وقال الرسول: (والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤولٌ عن رعيته) [٦] ، وقد أورد البخاري ﵀ في باب: (تعليم الرجل أَمَته وأهله) حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لهم أجران وذكر منهم: رجل كانت عنده أَمَةٌ فأدبها فأحسن تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران) [٧] ، ولا شك أن الاعتناء بالأهل الحرائر في التعليم والتربية آكد من الاعتناء بالإماء.
ويزداد هذا الواجب في حق الداعية؛ لاعتبارات كثيرة لا تخفى، هذا من
ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المرأة مكلفة بالدعوة إلى الله ، ويستفاد
وجوب الدعوة عليها من أدلة كثيرة منها:
١- عموم الأدلة على وجوب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
كقول الله (تعالى) : [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ... ] [آل عمران: ١٠٤] ، ونحوه من الآيات والأحاديث.
٢- تخصيصها بخطاب التكليف بالدعوة؛ كقوله (تعالى) : [يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ
وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] [الأحزاب: ٣٢] ، قال ابن عباس ﵄ في قوله
(تعالى) : [وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] : (أمْرُهن بالمعروف، والنهي عن المنكر) [٨]
وهذا خطاب عام لنساء المؤمنين، وقوله (تعالى) : [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ] [التوبة: ٧١] ، وهذا دليل على وجوب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر عليهن كوجوبه على الرجال، حيث وجدت
الاستطاعة، وكذا قوله: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ... ) ، وفيه:
(والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم) ، والراعي: هو
الحافظ المؤتمن على ما وضع عنده، الملتزم صلاح ما قام عليه.
٣- بعض الأحوال والقرائن والأحكام الشرعية، نحو:
أ- حرمة الاختلاط بين الجنسين؛ مما يعني وجوب قيام داعيات بين صفوف
النساء.
ب- وجود بعض الأحكام الشرعية التي اختصت المرأة بروايتها عن النبي.
ج- صعوبة قيام الدعاة من الرجال بكل ما تحتاجه الدعوة بين النساء؛
لاختصاص المرأة ببعض الأحكام والأعذار الشرعية، التي يصعب إفصاح الرجال
عنها، وتستحيي النساء من السؤال عنها [٩] ، إلى غير ذلك من الأمور التي
يصعب القول معها بغير الوجوب.
حقيقة دور المرأة الدعوي المطلوب:
الناظر في دور المرأة المسلمة في هذا المجال يجد أنه كان لدعم عمل الرجل،
ولا يصح بحال أن يستهان بهذا الدور؛ فإن المرأة تمثل السكن النفسي للرجل،
وهي بذلك تؤدي دوراً دعوياً مهماً؛ لأنه لا يستطيع حل مشكلاته الخاصة إذا كان
مشغول البال، فضلاً عن تحمله أعباء الدعوة. وكم عرفت الدعوات أناساً سقطوا
على طريق الدعوة أو ضعف إنتاجهم؛ لهذا السبب.
وموقف خديجة ﵂ في مواساة النبي ﷺ
ومؤازرته وعونه: أكبر دليل على الأهمية البالغة لهذا الدور. ولقد تأملت في حال
الصحابة ﵃ وسلف الأمة ﵏ في انطلاقهم في كل صقع من
الأرض، مجاهدين ودعاة ومربين ... وغياب بعضهم المدد الطويلة فألفيتها تعطي
أوضح دليل على ما كان لنسائهم من دور فعّال في تربية أبنائهم، الذين كانوا على
خطى آبائهم؛ ديناً ومنهجاً وقوة ومَضَاء! ! .
وجُلّ نساء اليوم لا تعي هذا الدور، ولا تفهمه، ومن باب أوْلى لا تقوم به،
فعندما تزف البنت إلى عش الزوجية تظنه مكاناً للراحة والتدليل، وما درت أنه
بداية الكفاح والتضحية والمسؤولية والعطاء الذي تطرق به باب الجنة، إن قامت به
على وجهه.
ولا يقف دور المرأة عند هذا الحد، فإن لها دوراً قوياً مؤثراً في كونها قدوة
حسنة، كريمة الأخلاق، حسنة المعشر، تقضي حوائج الناس، وتشاركهم همومهم
وأفراحهم مع التزام الشرع إضافة إلى الدعوة المقصودة في انتهاز الفرص المناسبة
للدعوة والتوجيه، مع مراعاة أحوال المدعوات والمدعوين من المحارم [١٠] ، وقد
بلغ نساء السلف في هذا مبلغاً عظيماً.
صور من دعوة المرأة تجلي دورها:
حقاً لقد فهمت المرأة واجبها فبدأت بنفسها، فبادرت بطلب حقها من التعليم
والتربية ولم تبالِ بعد ذلك بما حصلت عليه من متع الحياة الفانية، روى البخاري
عن أبي سعيد ﵁ قال: قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال،
فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن..
الحديث [١١] .
فكانت ثمرة ذلك الفهم النسوي مع ذلك الاهتمام النبوي صوراً مشرقة، أدعو
المرأة المسلمة إلى الوقوف معها.
فهذه (أم سليم) ﵂ تلقن ولدها أنس بن مالك الشهادتين، مع
رفض زوجها مالك بن النضر الإسلام، حتى هلك، فخطبها أبو طلحة وكان مشركاً
فتجعل مهر زواجها الإسلام، فيسلم، فتتزوجه، وتجعل ابنها خادماً لرسول الله -
ﷺ ، وأم حكيم كانت سبباً في إسلام زوجها عكرمة، وعمة عدي
بن حاتم كانت سبباً في إسلامه ﵃ .
وعَمْرَة امرأة حبيب العجمي توقظ زوجها للصلاة ليلاً، وتقول: (قم يا رجل! فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل
الصالحين قد سارت قدّامنا، ونحن قد بقينا) [١٢] ، وأسماء ﵂ نهت
ابنها عبد الله ابن الزبير ﵄ عن قبول خطة غير مرضية خشية
الموت، مع كبر سنها، وحاجتها لابنها، ومن قبل كان لها موقف في صباها يوم
هجرة الرسول، حين سميت (ذات النطاقين) ، وكانت حفصة بنت سيرين (رحمها
الله) تقول: (يا معشر الشباب! خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل
إلا في الشباب) [١٣] ، فإذا كان هذا حالهن في دعوة الرجال، فماذا يُظن بدورهن
بين النساء؟ .
وإذا انتقلنا إلى دائرة أوسع وجدنا للمرأة المسلمة دوراً عظيماً في التضحية
والبذل لدين الله ، فبذلت سمية ﵂ نفسها قتلها أبو جهل
لإسلامها، فكانت أول شهيدة في الإسلام، وأنفقت خديجة ﵂ مالها،
فكانت أول مناصر للدعوة، وكانت رقية ﵂ من المهاجرات إلى
الحبشة أول مرة، وضحّت أم سلمة ﵂ بسبب الهجرة كثيراً، ففارقت
زوجها، وأوذي ولدها، حتى جمع الله شملها، وكان لعائشة ﵂
صولات وجولات في العلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وحضرت أم عمارة يوم أحد، وابنها معها، وقاتلت دفاعاً عن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، وحضر نساء من المسلمين يوم اليرموك، فرددن المنهزمين إلى
صفوف القتال، وكان لرفيدة الأسلمية وغيرها جهد في معالجة جرحى المسلمين ...
والأمثلة أكثر من أن تذكر.
ضوابط عمل المرأة الدعوي:
الدعوة الموجهة إلى المرأة ينبغي أن لا تخرجها عن فطرتها وأنوثتها؛ وهناك
ضوابط مهمة في هذا الباب يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - الأصل: قرار المرأة في البيت، قال (تعالى) : [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] [الأحزاب: ٣٣] ، وقال: (المرأة عورة، فإذا
خرجت من بيتها استشرفها الشيطان حتى ترجع) [١٤] .
٢ - للمرأة أحكام خاصة، لا بد من مراعاتها في أي نشاط دعوي يوجه إليها، أو تقوم به، ومن ذلك:
أ - التزام الحجاب الشرعي بشروطه، مع تغطية الوجه والكفين، فالوجه
موضع الزينة، ومكان المعرفة، والأدلة على وجوب ستره كثيرة.
ب - تحريم سفرها دون محرم، قال: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي ...
محرم) [١٥] .
ج - تحريم خلوتها بالأجانب، لقوله: (لا يخلونّ رجل بامرأة إلا مع ذي
محرم) وفي رواية: (إلا كان الشيطان ثالثهما) [١٦] .
د - تحريم اختلاطها بالرجال الأجانب، فقد قال للنساء: (استأخرن؛ فإنه
ليس لكنّ أن تَحْقُقْن الطريق، عليكن بحافات الطريق) ، فكانت المرأة تلتصق
بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به [١٧] .
هـ تحريم خروجها من بيتها إلا بإذن وليها ... إلى غير ذلك من الضوابط
الشرعية التي لا يجوز الإخلال بها.
٣ - يضرب أعداء الإسلام على هذا الوتر الحسّاس، ويجعلون مثل هذه
الأحكام مدخلاً لوصفهم الإسلام بإهانته المرأة، فتأثر بذلك بعض دعاة الإسلام،
فحصل لديهم تفلّت في هذا الباب، فيتأكد في حق دعاة أهل السنة: ضرورة
الانضباط في ذلك، وعدم التأثر والانصياع لشهوات المجتمع ورغباته.
٤ - الأصل في الدعوة والتصدر للميادين العامة: أنها للرجال، كما كان
الحال عليه في عصر الرسول والقرون المفضلة، وما رواه التاريخ من النماذج
النسائية الفذة لا يقارن أبداً بما روي عن الرجال؛ وذلك مصداق قول النبي: (كمل
من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: آسية: امرأة فرعون، ومريم: بنت
عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) [١٨] ،
فطلبُ مساواة المرأة بالرجل في أمور الدعوة ينافي روح الدعوة أصلاً.
٥ - ولا يعني هذا الكلام إلغاء دور المرأة وتهميشه وإهماله، بل دورها لا
ينكر، وشأنها له أهميته، لكن مع التزام ما سبق [١٩] من ضوابط، وللحديث بقية
في العدد القادم إن شاء الله (تعالى)
стр. 2526
من قضايا المنهج
العلم بالسنن الربانية
(٢ من٢)
بقلم: د.محمد أمحزون
تناول الكاتب في الحلقة الأولى أهمية التعاطي الواعي مع سنن الله في
التاريخ والاجتماع والتماس معالم المنهج الإسلامي في ذلك، وتعرض الكاتب إلى
تفاعل السنن الإلهية وأسلوب عملها وأثرها في المجتمعات، وبين أنها مرتبطة
بالأمر والنهي والطاعة والمعصية، ثم فصّل الكلام عن: الابتلاء والتمحيص
والتمكين، ويواصل في هذه الحلقة بقية الموضوع.
سنن: التغيير، التداول، النصر:
من أهم دلالات سنة التغيير أن الله لا يغير حال قوم حتى يبدلوا
ويغيروا ما بأنفسهم؛ فالتغيير يبدأ من النفس سواء بالارتقاء والارتفاع إلى أعلى،
أو بالانتكاس والهبوط إلى أسفل: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، فإذا وجدت الأسباب فالنتائج تتبعها؛ إذ إن حدوث التغيير من الله
مترتب على حدوثه من البشر سلباً وإيجاباً [١] .
ونتيجة لذلك: فالتغيير في واقع الدعوة ومحيط الدعاة يتوقف على بذلهم ما في
الوسع؛ لتتوجه الجهود إلى العمل الجاد في التغيير الذي يبدأ من داخل النفس،
ومن داخل الصف المسلم، ومن ثَمّ: تنفذ فيهم سنة الله (تعالى) في التغيير؛ بناءً
على تعرضهم لهذه السنة من خلال سلوكهم وأعمالهم: [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩] .
وقد كان النبي ﷺ وأصحابه في مكة يمثلون الجماعة التي
أخذت على عاتقها مسؤولية التغيير وحماية الحق الذي آمنت به، وإن كان من وراء
ذلك جفوة الأهل وسخط العشيرة وعذاب الملأ من قريش ونكالهم.
فلم يصرفهم الاضطهاد والفتنة عن أن يضطلعوا بأعباء الدعوة، ويسعوا
جاهدين إلى تغيير ما بأنفسهم وتغيير واقعهم من واقعٍ شركي إلى واقع إيماني،
فترى تغيير الأنفس في النماذج الكثيرة من الجيل الأول الذي ما إن يشهد أن لا إله
إلا الله، حتى يعود من فوره إلى بيته ليحطم الأصنام التي طالما عبدها، ويقطع
العلائق والوشائج التي طالما وثقها حتى مع أقرب الناس إليه [٢] .
وتلك الحال الإيمانية الحية التي تمت نتيجة المجاهدة للنفس والشيطان قد
أثمرت بالفعل تغييراً جذريّاً وانفصالاً كلياً عن الحياة السابقة، حيث انخلع المسلم
من البيئة الجاهلية وعُرفها وتصورها وعاداتها وروابطها، وتلألأت عقيدة التوحيد
في نفسه، وصار مع المؤمنين، مانحاً إياهم ولاءه وحبه.
وللتنبيه: فإن الفترة السابقة لمبعث النبي ﷺ تعدّ من
أحلك الفترات في تاريخ البشرية وأكثرها ضلالاً وضياعاً؛ ولهذا استحقت المقت
من الله (تعالى) كما أخبر بذلك النبي: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم
عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) [٣] .
فالعالم الأرضي كله يتخبط في ظلمات الأديان المحرفة والوثنيات الكالحة
والأنظمة المستبدة، وحياة الناس في قسم كبير منه هي أقرب إلى حياة السوائم منها
إلى حياة البشر في كل مناحي الحياة، والقسم المتمدن منه وتمثله الدولتان العظميان، فارس والروم كان يخضع لنظام طاغوتي مستبد، ويدين بدين باطل محرّف،
والنظام الاجتماعي في كلتا الدولتين من أبشع النظم في التاريخ من حيث التمييز
العنصري والتفاوت الطبقي [٤] .
وأما عرب الجزيرة فهم في حياتهم القبلية وعاداتهم الراسخة أقرب إلى
الشعوب الهمجية [٥] ، لولا ما خصهم الله به من ميزات إرهاصاً لحمل
الرسالة العظمى إلى أمم الأرض قاطبة.
والحاصل: أن العالم البشري كله كان يعيش حالة مزرية تحتاج إلى جهد
ضخم وعمل هائل لتغيير أوضاعه وعقائده وأنظمته، وانتشال الناس من هذا الواقع
المؤلم الرهيب.
فكان الإعداد لتلك المهمة الضخمة يبدو ظاهراً جليّاً في كل مرحلة من مراحل
الدعوة، بل في كل خطوة من خطواتها، فالأمر كله جدّ ونَصَب وصبر وبلاء.
فمنذ نزلت [قُمْ فَأَنذِرْ] [المدثر: ٢] ، قام النبي ﷺ
قياماً جهاديّاً متواصلاً، نازل به قومه قريش والعرب قاطبة ثم اليهود والدولة
البيزنطية، فجاهد الناس بالقرآن: [وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً] [الفرقان: ٥٢] ،
كما جاهدهم بالحديد حين توفرت له شروط الجهاد حتى يستقيموا على دين الله:
[وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاًسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحديد: ٢٥] .
وهذا ما أعلنه بقوله: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف؛ حتى يعبد الله وحده
لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف
أمري) [٦] .
ومن السنن الربانية: مداولة الأيام بين الناس، من الشدة إلى الرخاء، ومن
الرخاء إلى الشدة، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الهزيمة إلى النصر، قال
(تعالى) : [إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]
[آل عمران: ١٤٠] .
وهذه السنة نافذة بحسب ما تقتضيه سنة تغيير ما بالأنفس: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ
يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الأنفال: ٥٣] .
وهنا يضع الله أيدينا على سر عظيم، وهو ارتباط المداولة بين
الأمم والدول والمجتمعات مع التغيير النفسي والذاتي في الأمة؛ فسقوط الحضارات
ونهوضها، والأمم في ارتفاعها وهبوطها، مرتبطة بهذا التغيير النفسي في مسارها
عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، وهي سنة ماضية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.
يقول (رشيد رضا) ﵀ في (تفسير المنار) : ( ... إن أنعم الله (تعالى)
على الأقوام والأمم منوطة ابتداءً ودواماً بأخلاق وصفات وعقائد وعوائد وأعمال
تقتضيها، فما دامت هذه الشؤون لاصقة بأنفسهم متمكنة منها، كانت تلك النعم ثابتة
بثباتها، ولم يكن الرب الكريم ينتزعها منهم انتزاعاً بغير ظلم ولا ذنب، فإذا هم
غيّروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يترتب عليها من محاسن الأعمال
غيّر الله عندئذٍ ما بأنفسهم وسلب نعمته منهم) [٧] .
وهذا السلب يكون بالإدالة عليهم؛ بتسليط عدو عليهم يستأصل شأفتهم،
ويكون ذلك سبباً في انهيارهم وزوال ملكهم جزاء فسقهم وعصيانهم.
ومن أسباب الفتن وزوال النعم أن يفشو فيهم الظلم، وعدم إقامة العدل،
والجهر بالمعاصي، فيأخذهم الله بالسنن، ويبتليهم بالأمراض والفقر،
ويجعل بأسهم بينهم.
أخرج ابن ماجه بسنده إلى عبد الله ابن عمر ﵄ قال: إنّ
رسول الله ﷺ أقبل علينا بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين!
خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها
إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قومٌ
المكيالَ إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولا خفر قوم العهد إلا سلط
الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بما أنزل
الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم) [٨] .
وقد تكون الإدالة على المسلمين بتخلف النصر عنهم حين يتركون طاعة
الرسول أو يطمعون في الغنيمة كما حدث في غزوة أحد، أو حين يركنون لكثرة
العدد، ويعجبون بأنفسهم، وينسون سندهم الأصيل كما وقع في غزوة حنين.
وحينئذ تكون الدُولة والغلبة لغيرهم بصفة مؤقتة، لحكمة هي استكمال حقيقة
الإيمان ومقتضاه من الأعمال، ومتى تحقق ذلك جاء النصر؛ لأن (الهزيمة في
معركة لا تكون هزيمة إلا إذا تركت آثارها في النفوس هموداً وكلالاً وقنوطاً، فأما
إذا بعثت الهمة، وأذكت الشعلة، وبصّرت بالمزالق، وكشفت عن طبيعة المعركة
وطبيعة العقيدة وطبيعة الطريق: فهي المقدمة الأكيدة للنصر الأكيد) [٩] .
إن سنة النصر لا تتخلف متى استوفيت الشروط، وأهمها: الاستقامة على
منهج الله بطاعة أمره واتباع رسوله، قال (تعالى) : [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] [محمد: ٧] ، وقال (جل ذكره) : [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا
المُرْسَلِينَ (١٧١) إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ (١٧٢) وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ]
[الصافات: ١٧١-١٧٣] .
وجاءت عوامل النصر جلية واضحة في قوله (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا
تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]
[الأنفال: ٤٥- ٤٦] .
ولكن إذا تخلفت هذه الأسباب تخلف النصر بطبيعة الحال، وربما حلت
الهزيمة؛ لأن سنن الله (تعالى) لا تحابي ولا تجامل أحداً من الخلق، ولا تجاري
أهواء البشر، وإنما تساير أعمالهم، وإنّ الذين يرثون الكتاب وراثة بالاسم وشهادة
الميلاد، ولا يترجمون ما فيه من الأوامر والنواهي واقعاً سلوكيّاً، ثم يقولون:
سيغفر لنا! .. لا يستجيب الله لهم حتى يعودوا إلى العمل بما أمرهم الله
في كتابه المنزل [١٠] : [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَاًخُذُونَ عَرَضَ
هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإن يَاًتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاًخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ
الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] الأعراف: ١٦٩ [.
وبناءً على ذلك، فإن السنن لا تحيد ولا تميل مع الأماني، وإنما تتأثر
بالأعمال الجيدة والجهود المنظمة والمخططات المحكمة؛ للوصول إلى النتائج
المحددة المطلوبة.
ومعنى ذلك: أنه لا يمكن أن يكون النصر بغير اتخاذ الأسباب سواءْ أتعلق
الأمر بالمؤمنين أم بالكفار.
سؤال مهم: قد يتبادر إلى الذهن سؤال وجيه وهو: ماذا يحدث لو وافق
المسلمون السنن الإلهية في التغيير واستيفاء شروط النصر، فأخذوا بالأسباب
واستكملوا الإعداد للجهاد، غير أن أعداءهم كانوا أكثر كفاءة منهم تخطيطْا وتنظيمْا
وقوة؟
والجواب: إن المؤمنين حين يغيرون ما بأنفسهم ويستكملون أدوات النصر لا
يضرهم تفوق الأعداء عليهم؛ لأن سنة أخرى تتدخل وهي وعد الله بالتمكين
والنصر لعباده المؤمنين:] وَكَانَ حَقاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ [] الروم: ٤٧ [،
] وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [] النساء: ١٤١ [،] إنَّا لَنَنصُرُ
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [ (غافر: ٥١) .
وقد يتأخر ويبطئ نصر الله لحكمة ما، لكن في نهاية المطاف هو آتٍ لا
محالة:] حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن
نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَاًسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ [] يوسف: ١١٠ [.
стр. 2527
مقال
استراتيجية أسلمة المجتمع
بقلم: د. أحمد إبراهيم خضر
تنبه المراقبون والباحثون الغربيون مؤخراً إلى أن تغلغل النفوذ الإسلامي بين
فئات الشعب المختلفة ليس أمراً اعتباطياً أو مجرد تحركات تحكمها العاطفة نحو
الدين، وإنما هو محصلة استراتيجية جديدة أطلق عليها (أوليفيه روا) عدة مسميات
منها: استراتيجية قرض المجتمع في العمق أو في الداخل، أو السيطرة مجدداً على
المجتمع عبر العمل الاجتماعي أو سياسة تثمير العمل الاجتماعي على صعيد
العادات والممارسات وعلى صعيد الاقتصاد، وأخيراً استراتيجية (النطاقات
المؤسلمة) على غرار المناطق المحررة، كما كان الحال لدى حركات التحرر في
الماضي [١] .
لاحظ (روا) ، وغيره من الباحثين الراصدين لتطورات الحركة الإسلامية أن
هذه الحركة في جملتها، باستثناء بعض فصائلها ومجموعاتها المتشددة، قد غيرت
من استراتيجيتها واتخذت تعبيراً جديداً محافظاً متلوناً أعادت فيه ترتيب الأولويات؛
ليصبح (الاجتماعي) أولاً يتلوه (السياسي) أو يصحبه أو يتباعد عنه مؤقتاً، مع عدم
اللجوء إلى أي تشكيك في الدولة، فالهدف هو عودة الناس إلى ممارسة الإسلام على
أن يرافق ذلك حركة اجتماعية من (تحت) ، دون المرور بالدولة والسلطة، أي
أسلمة المجتمع من جديد عبر (القاعدة) ، وليس عبر (القمة) ، وبمعنى آخر: أن
الحركة الإسلامية قد حولت خطابها من خطاب حول (الدولة) إلى خطاب حول
(المجتمع) .
يرصدون عمل الإسلاميين لماذا؟
رصد الباحثون الغربيون الاختراق الإسلامي للجامعات وللانتخابات الجامعية
والمصانع والإدارات الذي ابتكر (لحُمة) مجتمعية أوهنها ضعف شبكات التضامن
التقليدية: (نواد، مكتبات، دروس مسائية، تكافل وتعاون اجتماعي) ، فاسترجعوا
ما طوره الإسلاميون في الأربعينات من شبكات المدارس والمستوصفات وحتى
الصناعات الصغيرة، وما أنشؤوه من فروع طلابية ومهنية موجهة نحو المهن
الحديثة (محامون، مهندسون، أطباء، معلمون، موظفون) ، وفروعاً عمالية
شجعوا فيها العمل النقابي.
كما رصدوا كذلك سيطرة الإسلاميين على النقابات المهنية (للمهندسين،
والأطباء، والمحامين) ، وعلى المؤسسات المالية، وأن الإسلاميين ما عادوا
ينظرون إلى العلاقات الاجتماعية والاقتصاد على أنها مجرد أنشطة ثانوية، تُصنّفُ
في خانة أعمال التقوى أو أداء فرائض الشرع، بل أصبحوا يعتبرونها ميادين أساساً.
راقب الباحثون الغربيون جهود الإسلاميين من أجل إعادة التأهيل المجتمعي
سواء في المدن أو في الأحياء الشعبية وما استتبع ذلك من تأسيسهم لنواد رياضية
ولتعاونيات تعاضدية ومؤسسات للترويح، وأخرى للحد من غلاء المهور وللرعاية
الطبية، كما راقبوا جهودهم في فصل الجنسين في النطاق العمومي وإفراد نطاقات
خاصة للنساء في المساجد، والأماكن العمومية، واختراع زي جديد خاص (نقاب،
قفازان، معطف) ! ! ، وبمعنى آخر انخراط المرأة الجديد في الدورة الاجتماعية،
كما رصدوا رفض الإسلاميين وسائل التسلية والفنون واللهو الخليع وتصميمهم على
إزالة مواقع المتعة الرخيصة كالمراقص ودور السينما و (الكبريهات) ، هذا بخلاف
نشرهم للأدبيات التي تقدم حقائق بسيطة وضرورية للناس عن الإسلام في صورة
موعظة وتبكيت ولوم، كل ذلك على أساس العودة إلى ما هو جوهري: العبادة
وخشية الله.
دوافع الإصلاح الإسلامي:
لم تكن هذه الأنشطة وغيرها ذات الطابع الاجتماعي مبعثرة بلا ضابط ولا
رابط، وإنما تقولبت في إطار ذي مسارين:
الأول: الإصلاح الفردي بالدعوة.
الثاني: إنشاء نطاقات مؤسلمة.
يتمحور الإصلاح الفردي حول العادات ويأخذ شكل الممارسة الفردية للدعوة،
فالدعاة يبلغون دعوتهم من بيت إلى بيت، وهنا تلتقي الحركة مع بعض الجماعات
العاملة بالدعوة منذ زمن بعيد تلتحم معها وتخترقها وتغلغل فيها أفكارها، فتصحح
لها أخطاءها ومفاهيمها وتغير من أساليبها وتضمها إليها.
يعظ الدعاة الناس أو يوبخونهم لتناسيهم عباداتهم مستفيدين من مُرَكّب
الإحساس بالذنب والاحترام المزود بالحنين الذي يكنه المسلم للدين رغم أنه لا يتقيد
بالفرائض ولا يؤدي العبادات ويحرص أن يقول: إنه مسلم، كما يستفيدون كذلك
من ربط الظروف التي يعيشها الناس من بؤس وتفكك قيمي أو عائلي باستجابتهم
لإغواءات المجتمع وممارساته البعيدة عن الإسلام.
أما عن النطاقات المؤسلمة: فهي إسلامية أو مؤسلمة إما بمصطلحات مكانية
محضة (كالأحياء والمدن) وإما بمصطلحات الممارسات والشبكات (كالمصارف
الإسلامية) ، ويستند هذا المحور على قاعدة أنه (لا بد من استباق المجتمع الإسلامي
والتحضير له بإتمام سيطرة مُثل الإسلام الأصيل على هذه النطاقات دون إقامة
سلطة سياسية أو دولة مضادة) .
وما أن تتكون هذه النطاقات وتصبح واقعاً حتى تسعى الدعوة إلى الحصول
على مباركة الدولة لهذا الأمر الواقع للتوسع به بعد ذلك والتمدد بالمبادئ التي
تتأسس عليها النطاقات الإسلامية إلى المجتمع بأسره.
في هذه النطاقات المؤسلمة تشجع النساء على ارتداء الحجاب ويحظر فيها
تعاطي المشروبات الكحولية ويُرفض الاختلاط بين الجنسين وتُبذل جهود حثيثة
لترقية أخلاقيات المجتمع عبر مكافحة القمار والملاهي والأفلام الإباحية وأحياناً
الموسيقى والمخدرات والجنوح، وهناك محور آخر هو العمل على تكييف الحياة
اليومية مع الشعائر الإسلامية (ضمان مواقيت الصلاة خلال ساعات العمل والطعام
الحلال) .
وأخيراً العمل الحثيث على تكييف النظام المدرسي مع الإسلام بحظر مواد
التدريس التي تتناقض مع الإسلام، وبمنع الاختلاط؛ وما إلى ذلك.
ما الهدف المقصود من كل ذلك؟
خلاصة القول: أن الهدف هنا هو إقامة مجتمع مصغر يكون مسلماً حقاً في
إطار مجتمع لم يُعَدّ أو لم يصبح بعدُ مسلماً.
تتحول هذه النطاقات المؤسلمة فيما بعد إلى مناطق نفوذ، ومن هنا تأتي أهمية
استراتيجيات السيطرة الانتخابية في الانتخابات المحلية.
إصلاح العادات إذن مسألة مركزية لكنها ليست الهدف الوحيد، فهذه النطاقات
المؤسلمة، تخترقها شبكات التعاضد والتكافل الاجتماعي والاقتصادي التي تعوض
عن قصور الدولة، فتمتد إلى أنشطة أخرى كتخصيص حافلات غير مختلطة
والمساعدة في إعارة المحاضرات الجامعية وطبعها وتوزيع الكتب والأدوات
المدرسية على الطلاب، وتأسيس أسواق إسلامية تواجه غلاء الأسواق الرسمية
وهكذا ...
استراتيجية الأسلمة:
ترتكز استراتيجية الأسلمة هذه على عدة قواعد أساس يمكن اختصارها على
النحو التالي:
١- التفرقة بين ما هو (مسلم) وما هو (إسلامي) ، فإنه لا يكفي أن يكون
المجتمع مؤلفاً من مسلمين، بل ينبغي أن يكون إسلامياً في أسسه وبنيته.
٢- أن القضية ليست مجرد بعث لمثال أمة المؤمنين الأولى في زمن النبي -
ﷺ والخلفاء الراشدين الأربعة فحسب، ولكنها السعي الحثيث
لتطبيق الشريعة أيضاً، لإقامة المصلح والرقيب ضد الفساد في المجتمع، وضد
إهمال النصوص الشرعية، وضد الاستعمار وهيمنة الأجنبي والانتهازية السياسية
وانحراف العادات وتغرب المثقفين.
هذه الشريعة هي المصدر الوحيد للقانون وهي معيار السلوك الفردي ومحور
العلاقات الاجتماعية، إنها ليست مجرد قائمة بأسماء الفرائض والمحرمات ولكنها
شريعة حركية فاعلة مُستَبْطنَة ومُعَاشَة، تقفل الدائرة فلا يكون هناك فصل بين ما
هو ديني وما هو سياسي وقانوني واقتصادي واجتماعي.. إلخ.
٣- أن الهدف البعيد هو قيام دولة جامعة وجسم اجتماعي شامل يُنظر إليه
كأمة دينية ضد تفرد الدولة وضد تشرذم المجتمع وضد المجتمع القبلي القديم وضد
المحسوبية والفساد والرشوة والسلطة ذات المقومات غير الإسلامية.
٤- أن الإسلام نظام كامل وجامع لا حاجة له إلى أن (يَتَحَدْثن) أو (يتكيف)
رغم أنه يطبق نموذجه على مجتمع حديث، ففي الوقت الذي يدعو فيه إلى استعادة
عهد (النبوة) واسترجاع استلهام التقوى والتطهر، فإنه يستهدف الاستيلاء على كل
ما هو (حديث) واستيعابه داخل الهوية المستعادة، فهو يسعى إلى التنمية الصناعية
والعمران المدني ومحو الأمية على مستوى جماهيري، وتحصيل العلوم لصالح
المسلمين جميعهم تحت شعار: الشريعة زائد الكهرباء.
ويشهد (روا) على تكيف الإسلاميين المذهل مع متطلبات العالم الحديث
والمدني بدءاً باستخدام التقنيات الحديثة من السلاح إلى وسائل الاتصال وصولاً إلى
تنظيم المظاهرات.
٥- أن التمايز الاجتماعي نتاج أساس وقاعدي فيما يسمى بالخطاب الإسلامي
الموجه إلى مجموعات نوعية مختلفة كالفلاحين والطلاب والعمال والعسكريين،
والمرأة التي ينظر إليها على أنها كائن وليست مجرد أداة للمتعة والإنجاب تمارس
دوراً أساساً في تربية المجتمع وتنخرط في دروته الاجتماعية.
وتدرك هذه الاستراتيجية تماماً أنها تتعامل مع جماهير (تناصرها) أصلاً لكنها
ذات خصائص وسمات لا بد من وضعها في الاعتبار عند مخاطبتها، كما تدرك
أيضاً أنها تواجه قطاعات ترى في (الخطاب) الإسلامي تهديداً لوجودها ومصالحها.
أما عن الجماهير، فهناك جماهير المدن التي تحيا في ظل قيم المدينة الحديثة
(الاستهلاك والترقي الاجتماعي) والتي غادرت بمغادرتها القرية، أشكال التآلف
والتواصل القديمة واحترام المسنين والإجماع، إنها مفتونة بقيم الاستهلاك التي
تعرض في واجهات المحلات في الحواضر الكبرى، وعالمها هو عالم السينما
والمقاهي والجينز ومسلسلات التلفزيون والفيديو ... في الوقت الذي تحيا فيه في
ظل هشاشة المهن الصغيرة والبطالة وتعاني الحرمان في مجتمع استهلاكي ليس في
متناولها. وهناك الشباب الذي لا يقدم له المجتمع أي مستقبل ويحيا في اختلاط
مفرط قياساً إلى ما كان سائداً في المجتمع التقليدي سواء في المدارس والجامعات
والسكن والنقل المشترك بالإضافة إلى ما يبثه التلفزيون والقنوات الفضائية وأعمدة
الالتقاط من نماذج للتحرر الجنسي والأفلام والمجلات، وكذلك التجارب والروايات
عن الحياة في الغرب.
وهناك جماهير القرى في بعض البلدان حيث لا تجد الشعارات الإسلامية لها
صدى في الأرياف ويسيطر عليها ما يسمى (بالإسلام الشعبي) ذي النمط (الصوفي
الكراماتي) الممزوج بالسحر والعادات والأعراف التي تعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، ... ولا تعرف هذه الجماهير من علماء الدين إلا ما ندر، لكن الرصد الغربي لهذا
المسار كشف أن البعث الإسلامي قد تغلب على هذا الإسلام الشعبي واتجه إلى ما
عرّفوه (بالعلم الشعبي بالإسلام) ، وقد ظهر لهم ذلك جلياً في (أفغانستان) ، وآسيا
الوسطى السوفياتية.
عراقيل في الطريق:
أما عن القطاعات المعرقلة لهذه الاستراتيجية فهناك قطاع من العلماء الذين
يؤخذ عليهم طواعيتهم وانصهارهم في ما يؤدي بهم إلى القبول بالعلمانية وبقوانين لا
تتفق مع الشريعة، وإصدارهم فتاوى تصدم وتخالف ما استقر في حس الناس بأنه
من الإسلام، هذا: بالإضافة إلى إقرارهم بإجراء تسوية مع الحداثة الغربية وظهر
ذلك في قبولهم بفصل (الديني) عن (السياسي) مما يؤدي حكماً وبالضرورة إلى
العلمنة.
وهناك أيضاً قطاع المثقفين المتغربين الذين يقبلون مهما كانت مواقفهم
السياسية بفكرة المعرفة العقلية الحديثة الشمولية غير المرتبطة بالدين، وتضم هذه
القطاعات أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين وكتاباً وشعراء وفنانين وصحفيين
يحملون أسماء إسلامية وبعضهم محسوبون من علماء المسلمين.
يعمل هذا القطاع على خلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب في صورة
بحث وعلم وأدب وفن وصحافة، ويهوِّن من شأن العقيدة والشريعة، ويؤولها
ويُحمّلها ما لا تطيق، ويدق باستمرار على ادعاء (رجعيتها) ، ويدعو للتفلت منها
وإبعادها عن مجال الحياة، ويبتدع تصورات ومُثُلاً وقواعد للشعور والسلوك تناقض
وتحطم تصورات العقيدة ومثلها، ويزين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويهه
للتصورات والمثل الإيمانية كما لاحظ ذلك مفكرو جيل الستينات.
خلاصة أطاريح (روا) :
بقي أن نشير إلى النتائج إذ يرى (روا) أن قيام ما يسميه: (الجيوب
الإسلامية) يتم حسب الأوساط الاجتماعية والمناطق أكثر مما يتم حسب البلدان،
فحيث كانت الظروف الاجتماعية والتقاليد مواتية للإسلاميين، استطاعوا أن
يفرضوا مطالبهم دون أن يكون بوسع الدولة أن تعارضهم ولو بكلمة، وأكثر
المناطق تقبلاً لهذه الجهود هي الأحياء الشعبية في المدن الكبرى ومناطق الأقليات
المسلمة في الدول الغربية.
وتسهم هذه الاستراتيجية إلى حد بعيد في إبراز قدرة الإسلام على الحشد
والتعبئة خاصة حينما تكون هناك مواجهة مع آخر يتخذ موقفاً من الإسلام،
فباستثناء ما يحدث في حالة الجهاد التي تحمل الشبان على خوض الحرب غير
عابئين كلية بأي سياق مؤسسي أو سياسي أو عرقي، كما أكد (روا) ، فهناك مواقف
مواجهة بالداخل أفقدت المثقفين العرب صوابهم وجعلتهم يقولون بالحرف الواحد:
(لا شك أن لدى التقدميين والمستنيرين والعلمانيين الكثير مما يمكن تعلمه من قدرة
الجماعات الإسلامية على الحشد والتعبئة وضمان إطاعة القواعد الجماهيرية للأوامر
الصادرة من المستويات العليا) [٢] .
وللبيان كلمة:
لا شك أن الباحث الفرنسي (أوليفيه روا) واحد من الكتاب المتميزين في
طروحاتهم لا سيما في حديثه عن الصحوة الإسلامية، ويعتبر من أميز الكتاب
لموضوعيته، ولكن يبقى أن ما يطرحه في هذا البحث ينقصه المنهجية الإسلامية
الصحيحة التي يفترض إلمامه بها فضلاً على أن الرؤية مهما كانت موضوعية ففيها
نوع من الرجم بالغيب ومحاولة تحميل الأنشطة الإسلامية ما لا تحتمل مما يجعله
يسهم عَلِمَ أو لم يعلم في تقوية الموقف السلبي من الصحوة القائم في كثير من البلدان
ضدها؛ وفاقد الشيء لا يعطيه!
стр. 2528
نص شعري
حيرة
شعر: فيصل عبد الله المشرقي
إن الحياة بدون الحبّ هاوية ... نار تأجج في القلب الظمي ضَرَما
سألته زمناً والقلب في كمد: ... يا صاحِ يا أملي يا أفضل الندما
ما سرّ نائحتى والناس في طرب ... هل بان منزل من تهواه وانصرما؟
قال الحبيب ودمع العين يخنقه: ... يا كاشح الطرف يا من يندب الرمما
جانبْ سفاسف أمر قد علقت به ... إن الأسود تُحاذر أن تُرى بُهما
إني سلكت سبيلاً ليس يسلكه ... إلا من امتلأت أوصاله كرما
آليت أنّ طريقي لست أبرحه ... حتى يرفرف أمري في الورى قُدُما
***
النفس بالنفس في الألواح قد كتبت ... للعبد والحر والأسياد والزعما
فهل تضيع دماء المسلمين سدًى ... في القدس والهند والبلقان يا حُكَما؟
وهل تصير دِما الحيتان غالية ... حتى يكون لها من عطفكم حرما؟
بأي حق جرى القانون عندكمو ... أم كيف سُطِر حتى صار محترما؟
لا يحجب الشمسَ غربالٌ إذا طلعت ... في العالمين تزيل البغي والظُلَما
***
فهل ترى يا رفيقي أن تكون معي ... حتى نقيم من البنيان ما انهدما؟
فما رميت إذِ الكفار قد دُحِروا ... لمّا رميت، بل الله القويّ رمى
القولُ قولُهُ، والخَلْقُ العظيم له ... من شاء دمّره منهم لينتقما
كن في الصفوف وإلا خادماً لهمُ ... أو داعياً لهمُ أو مرشداً فَهِما
أو ساتراً لعيوب قد تُرى جَللاً ... أو كن أُخَيّ من المستَحْسَنين فَمَا
أو جُد أخي بعزيز المال عن رغَبٍ ... حتى نَدُكّ بعزمٍ هذه الأُطُما
واسمع أُخَيّ ندا الأيام، إن لها ... قولاً تردده: يا أكرم الكُرَما
أعط الشحيح دماراً سابغاً تَلَفاً ... وامنح بفضلك كل المنفقين نَمَا
فإن قدِرْت فحقّاً تلك مفخرة ... وإن عجزت فجود العاجزين بِمَا
فدع أذاك وحاذِر أن تُعيقَهُم ... إياك إياك أن تغدو لهم خَصِما
فالفجر لاح وعين الله تحرسه ... والكون صاح، وذاك الظلم قد رُجِمَا
стр. 2529
قراءة في كتاب
النظام العالمي الجديد..
دراسات تحليلية سياسية لبعض المتخصصين
عرض: محمد حيان الحافظ
شهد العالم منذ أواخر عقد الثمانينات وأوائل عقد التسعينات مجموعة من
التحولات الدولية المهمة في شرق الكرة الأرضية وغربها، أسفرت في النهاية عن
ظهور هيكلية دولية جديدة مغايرة لتلك التي سادت مرحلة الحرب الباردة، حيث
كان النظام الدولي آنذاك يتسم بهيكلية القطبية الثنائية والصراع بين الكتلة الشرقية
بزعامة (الاتحاد السوفييتي) السابق والكتلة الغربية بزعامة (الولايات المتحدة
الأمريكية) .
توصيف النظام العالمي الجديد:
وفي خضم هذه التحولات ظهر العديد من الكتابات التي تقدم توصيفاً لهذا
الواقع الدولي الجديد، فبعض المحللين يصف الهيكلية الدولية الحالية بأنها أحادية
القطبية، وآخرون يصفونها بالقطبية المتعددة، وهناك من يصفها بأنها قطبية متعددة
قيد التشكيل، ومنهم الذي ينكر أصلاً وجود نظام دولي جديد، ويصف الهيكلية
الحالية بأنها حالة من الفوضى الدولية.
ولكن لا خلاف على أننا أمام واقع دولي جديد، وأنه مصحوب بطائفة من
التحديات لعالمنا الإسلامي، ولذلك فمن المهم التعرف على نمط توزيع القوة في
العالم ونمط التفاعل السائد، وفي هذا السياق يأتي كتاب (النظام العالمي الجديد) ،
وهو عبارة عن مجموعة أبحاث قدمها عدد من الباحثين في مجال العلاقات الدولية
إلى ندوة (النظام العالمي الجديد) ، التي عقدها مركز البحوث والدراسات السياسية
بجامعة القاهرة [*] .
محاور الدراسة:
يقع الكتاب في أربعمئة وثماني صفحات، وينقسم إلى أربعة أبحاث هي الآتي:
القسم الأول: يتناول الأبعاد النظرية للنظام العالمي الجديد، ويضم هذا القسم
ثلاثة أبحاث:
البحث الأول: للدكتورة (ودودة بدران) ، تناولت فيه الرؤى المختلفة للنظام
العالمي الجديد، من حيث هيكليته ومصادر التهديد فيه، ومسار التفاعلات الدولية،
وهل هو في اتجاه التكتل الاقتصادي الإقليمي أو الاعتماد المتبادل، وتحديد
انعكاسات النظام على إمكانيات العمل الجماعي العالمي، ومكانة الدول النامية في
النظام العالمي الجديد.
ويؤخذ على تحليل الدكتورة (ودودة) الاقتصار على التصورات الغربية،
وعدم تناول رؤى مفكري العالم الإسلامي وباحثيه للنظام العالمي الجديد، وهذا دأب
جل الدارسين في البحوث السياسية الحديثة.
أما البحث الثاني، الذي قدمه الدكتور (عبد المنعم المشاط) : فإنه أيضاً تناول
مسألة هيكلية النظام الدولي الحالي وخصائصه، فبالنسبة لهيكل النظام الدولي
الحالي: فإنه يصفه بأنه (تعددية قطبية قيد التشكيل) ، حيث يستبعد مقولة أن
(الولايات المتحدة) هي قطب القوة الوحيد في العالم؛ وذلك لأنها لم تعد المركز
الوحيد لعملية صنع القرارات الدولية، فضلاً عن أن مفهومها للأمن ليس مفهوماً
عالميّاً، وإنما هو مفهوم (أمريكي) صرف، يرتبط بحماية المصالح الأمريكية في
الداخل والخارج، ويرى أنه إلى جانب (الولايات المتحدة) ، توجد قوى أخرى
تسعى لبناء قدرات عسكرية خاصة بها، ك (اليابان) ، و (ألمانيا) ، خصوصاً بعد
زوال القيود الدستورية التي كانت مفروضة على الدولتين بخصوص التسلح أو
ممارسة نشاطات عسكرية خارج إقليميهما.
أما الخصائص فنذكر منها:
١- نمو كثافة الصراعات العرقية.
٢- التحول إلى تكتلات اقتصادية كبرى كالسوق الأوروبية الموحدة و (آسيا) ..
٣- تضاؤل أهمية الأحلاف في السياسة الدولية.
٤- تدهور الدور الأساسي للمنظمات الإقليمية.
البحث الثالث: للدكتور محمد السيد سليم، وعنوانه: (الأشكال التاريخية
للقطبية الواحدة) ، سلم فيه بداءة بأن النظام الدولي الحالي أحادي القطبية، حيث
تسيطر على بنيان النظام الدولي: (الولايات المتحدة) وشركاؤها أعضاء حلف
(شمال الأطلسي) ، وللتعرف على المستقبل المتوقع لهيكلية القطبية الواحدة، فإنه
قام بتتبع الأشكال التاريخية لنظام القطبية الواحدة باعتبار أن التاريخ هو معمل
التجارب بالنسبة للظواهر الاجتماعية، فاستعرض أربعة نماذج تاريخية لهيكلية
القطبية الواحدة، وخلص الدكتور سليم إلى أن النظام العالمي الحالي هو نظام مؤقت؛ إذ سرعان ما ستتولد بل تولدت بالفعل قوى أخرى منافسة تسعى لموازنة قوة
الدولة المسيطرة، ومن هذه القوى: الاتحاد الأوروبي الذي يتجه إلى الاستقلال عن
(الولايات المتحدة) في الأجل المتوسط.
القسم الثاني: يتناول دور القوى الكبرى في النظام العالمي الجديد، ويتضمن
هذا القسم ثلاثة أبحاث:
تناول البحث الأول منها الذي قدمته د. (نهى المكاوي) مسألتين: الأولى:
مقومات القوة لدى (الولايات المتحدة) ، بجوانبها الاقتصادية والتقنية، وخلصت إلى
وجود تدهور في هذه القوة مقارنة بنظيرتها في (اليابان) و (ألمانيا) ، بينما ترجح
كفة (الولايات المتحدة) في الميدانين السياسي والعسكري.
البحث الثاني: وهو للدكتور (طه عبد العليم) ، يتناول فيه دور (روسيا) في
النظام العالمي الجديد، ومحددات هذا الدور، حيث أشار الباحث إلى أن الدور
(الروسي) سوف يكون مقيداً بعدة اعتبارات، أهمها: حاجة (روسيا) إلى
المساعدات الاقتصادية الغربية، وربط الغرب هذه المساعدات بحدوث تحول كامل
في (روسيا) نحو الرأسمالية، وبالنسبة لمكانة (روسيا) العالمية: فإن الباحث يرى
أنه نظراً للتدهور الواضح في عناصر قوتها؛ فإنها لن تعود قوة عظمى مهيمنة
ومؤثرة في تشكيل النظام العالمي الجديد، وإن كانت ستظل تمارس دور القوة
الإقليمية القائدة في المنطقة التي تقع بها (الجمهوريات) التي استقلت عن (الاتحاد
السوفييتي) السابق، وقد يمتد هذا النفوذ إلى دول الجوار الإقليمي في شرق أوروبا
وغرب آسيا.
وقد أشار الباحث إلى مجموعة من البدائل أمام روسيا في النظام العالمي
الجديد، وهي: البديل الأوروبي، البديل الأوراسي، البديل الواقعي الذي يؤلف
بين البدائل السابقة.
ومع التسليم بما قاله الدكتور (طه) عن عوامل التدهور في قوة روسيا التي
تحول في رأيه دون بلوغ روسيا مصاف القوى العظمى، إلا أنني أعتقد أن عوامل
الضعف هذه لا تمنع (روسيا) من ممارسة دور مؤثر في قضايا خارج النطاق
الإقليمي لما كان يعرف بـ (الاتحاد السوفييتي) ، حيث هددت روسيا باستخدام حق
النقض (الفيتو) ضد أي مشروع قرار يعرض على مجلس الأمن مما لا توافق عليه. وتشارك روسيا الولايات المتحدة في رعاية عملية السلام الحالية بين العرب
وإسرائيل، ومفاد هذا كله: أن روسيا لم تقنع بمجرد أن تكون قوة إقليمية قائدة في
مجال نفوذها، وإنما تريد أيضاً أن تثبت حضورها قوةً عظمى في مناطق أخرى
من العالم.
البحث الثالث: وعنوانه: (القوى الصاعدة في النظام العالمي الجديد..
أوروبا واليابان) ، وهو للدكتورة (هالة سعودي) ، حيث تحلل ركائز القوة المتاحة
لكل من الاتحاد الأوروبي واليابان، ودور كل منهما في النظام العالمي الجديد، وما
إذا كان ممكناً أن يصبحا قطبين أساسين في هذا النظام، وقد خلصت الباحثة إلى
نتيجة مفادها: تصاعد القوة الاقتصادية لكل من الاتحاد الأوروبي واليابان، ودللت
على ذلك بعدد من المؤشرات الكمية، مثل: ارتفاع حجم ناتجها العام، ومتوسط
دخل الفرد، وارتفاع معدل النمو، وترى الباحثة أنه رغم هذا الازدهار لعناصر
القوة، إلا أنه توجد صعوبات تحول دون ترجمة هذه العناصر إلى قوة عسكرية
فعالة، ومن ذلك: القيود الدستورية في اليابان، وتعدد نظم التدريب والتسليح في
جيوش الجماعة الأوروبية، ولكن هذا لا يعني أن هاتين القوتين ستكونان غائبتين
عن مسرح السياسة الدولية؛ إذ أنهما ستلعبان دوراً قياديّاً في القضايا التي لا
يقتضي حسمها استعمال القوة العسكرية، فضلاً عن الدور القيادي في الإقليم المحيط
بكل منهما.
القسم الثالث: يركِّز على دور النظم الفرعية والمنظمات الدولية في النظام
العالمي الجديد، ويتضمن هذا القسم ثلاثة أبحاث:
البحث الأول عنوانه: (النظم الإقليمية في إطار النظام العالمي الجديد) ،
وهو للدكتور (جمال زهران) ، تناول فيه وضع النظم الإقليمية في ظل هيكلية
القطبية الواحدة الحالية، ويقصد بالنظم الإقليمية: شبكة العلاقات والتفاعلات في
منطقةٍ ما تحدد على أساس جغرافي، وقد قام الباحث بتقسيم هذه النظم وفقاً لعلاقتها
بالنظام العالمي الجديد إلى: (نظم محتكرة) ، وأخرى (تنافسية) ، وقد ركز الباحث
على النظام الإقليمي لأوروبا الشرقية، والنظام الإقليمي لأمريكا اللاتينية، والنظام
الإقليمي الآسيوي، والنظام الإقليمي العربي.. مبيناً آليات تأثير النظام العالمي على
دورها، ويرى الباحث أن مسألة استمرارية هذه النظم الإقليمية تتوقف على مدى
تماسكها الداخلي، وتوافر قائد إقليمي، والقدرة على الحركة والمناورة في النظام
العالمي.
البحث الثاني: (الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد) ، وهو للدكتور (حسن
نافعة) ، يتضمن البحث تقييماً عامّاً لدور الأمم المتحدة في النظام الدولي، في ظل
هيكلية القطبية الثنائية، وبين أن المنظمة العالمية بهيكلها التنظيمي الحالي
وإمكاناتها الحالية تواجه مشكلتين مهمتين، كلتاهما من مخلفات حقبة الحرب الباردة، ألا وهما:
١- عدم استكمال الترتيبات الخاصة بنظام الأمن الجماعي، وخصوصاً ما
يتعلق منها بإعمال المادة (٤٣) .
٢- تضخم بيروقراطية الأمم المتحدة على نحو بات يشكل عبئاً ماليّاً كبيراً
على ميزانية المنظمة، ويقترح الباحث في ختام بحثه إجراء إصلاح هيكلي لهذه
المنظمة العالمية يتمثل في ضرورة حدوث توازن بين دور الجمعية العامة ودور
مجلس الأمن، وذلك في إطار نظام مؤسسي يقوم على فصل السلطات التشريعية
والتنفيذية والقضائية، وتحديد قواعد التوازن والرقابة المتبادلة بينهم.
والحقيقة: أن مقترحات الدكتور (حسن نافعة) ما هي إلا أمنيات غير واقعية؛
فالأمم المتحدة ليست حكومة عالمية حتى ينادى بإصلاحها، وإنما هي منظمة تعكس
حقائق القوة في عالم اليوم أكثر من كونها جهازاً لإعمال الشرعية الدولية. إن
إصلاح الأمم المتحدة يجب أن يبدأ بإجراء إصلاحات هيكلية في الدول الأعضاء
وفي المنظومات الإقليمية، بشكل ينتهي إلى ظهور قوى دولية فاعلة وموازنة
للولايات المتحدة، ولها إسهاماتها المالية الكبيرة في ميزانية الأمم المتحدة، وتنسق
فيما بينها في عملية التصويت في الأمم المتحدة، وعندئذ يكون من السهل إصلاح
الأمم المتحدة، بشكل يجعلها أكثر تمثيلاً لإرادة المجتمع الدولي! .
المبحث الثالث: (حركة عدم الانحياز والنظام العالمي الجديد) ، للدكتور
(محمد عز الدين عبد المنعم) ، يتناول مسألتين، هما:
١- كيف يمكن لحركة عدم الانحياز أن تكتسب إمكانية التأثير على صياغة
نظام عالمي جديد والتعامل معه بكفاءة؟
٢- تحديد نقاط الضعف الكامنة في حركة عدم الانحياز، التي تعوقها عن
المشاركة الفعالة في صياغة النظام العالمي الجديد، ومن أبرزها: تكاثر حجم
المشكلات الداخلية لدى الدول الأعضاء، التفاوت المضطرد لمراحل النمو بينهم،
تفاقم المنازعات بين دول الحركة، وتخلف قطاع السياسة الخارجية لدى كثير من
دول الحركة، افتقار هذه الحركة إلى إطار تنظيمي كفء، تعدد تجمعات العالم
الثالث دون صيغة دقيقة ومتفق عليها للتنسيق بين هذه التجمعات، كـ (مجموعة
الـ ١٥) و (مجموعة الـ ٧٧) .
وإنني أرى فيما يتعلق بأسباب ضعف الحركة أن الباحث قد أغفل السبب
الأهم الذي أدى إلى أفول نجم الحركة، وهو ليس فقط منذ ظهور ما يسمى بالنظام
العالمي الجديد، بل أيضاً منذ منتصف السبعينات وحتى الآن، ألا وهو دخول عدد
كبير من الدول الأعضاء في ترتيبات أمنية مع القوى العظمى، أخذت أحياناً مسمى
(اتفاقيات التعاون الأمني والصداقة) ، ورغم أن دول الحركة لم تكن أعضاء بشكل
رسمي في الأحلاف القائمة، إلا أنها كانت تخدم استراتيجية هذه الأحلاف، من
خلال ما تقدمه لها في أراضيها من تسهيلات عسكرية؛ مما أدى إلى تقويض
الأساس الذي بنيت عليه الحركة، وأعتقد أنه لم يعد مجدياً الآن ولا منطقيّاً
الاستمرار في تنظيمٍ فَقَدَ مسوغات وجوده بانتهاء الحرب الباردة؛ فإن من الأفضل
تحري أسس جديدة لإعادة بناء مثل هذا التكتل؛ ليلعب دوراً فعالاً في إصلاح النظام
الدولي.
القسم الرابع، وعنوانه: (الأبعاد الفكرية والمستقبلية للنظام العالمي الجديد) ،
وقد قام بإعداده كل من الدكتور (محمد سيد سليم) ، والدكتور (محمد سيد سعيد) ،
ويتناول هذا القسم مسألتين:
الأولى: تتعلق بالمفاهيم السياسية في إطار النظام العالمي الجديد، حيث أشار
الدكتور (محمد سليم) إلى أن التحولات الدولية قد تركت آثاراً واضحة على مضامين
المفاهيم السياسية ودلالاتها، وظهور مفاهيم جديدة.
الثانية: احتمالات التطور المستقبلي للنظام العالمي الجديد، حيث أورد
الدكتور (محمد سيد سعيد) ثلاثة محددات مباشرة للتطور المستقبلي للنظام العالمي،
وهي: درجة استقرار موقع الهيمنة، والتوترات المتصلة بعولمة الاقتصاد، وأزمة
التكيف المؤسسي مع تفجر الخصوصيات الثقافية بكل أشكالها، وأشار إلى أن
النظام الدولي الحالي قد يتطور إلى واحد من الأشكال الأربعة الآتية: نظام دولي
هرمي، نظام كتلي متوازن، نظام كتلي فوضوي، نظام مشاركة عالمية، وقد
استعرض الباحث كلاّ منها بالتفصيل.
وهكذا.. من خلال الأبحاث العلمية والدراسات التحليلية التي يضمها هذا
الكتاب بأقلام عدد من المتخصصين يتاح للقارئ الوقوف على هيكلية النظام الدولي
في الماضي والحاضر، والمستقبل المتوقع له.
وقد تميز الكتاب بالعرض السلس المبسط للموضوع، والتغطية الشاملة
المتوازنة لعناصره، ومن ثم: فإنه يمثل إضافة قيمة للمكتبة العربية فيما يتعلق
بالدراسات السياسية، وإن كان كما أسلفت تفتقد أبحاثه للرؤية السياسية الإسلامية،
وهذا قصور ولا شك [**] .
стр. 2530
المسلمون والعالم
خمسون عاماً من الفشل..!
أجواء الحرب.. في أحلام السلام
بقلم: عبد العزيز كامل
بالرغم من قناعتنا نحن المسلمين بأن السلام (الدائم) مع اليهود أمر مستحيل،
فضلاً عن كونه أمراً غير مشروع لعدم جواز الاعتراف لهم باغتصاب أرض
فلسطين.. إلا أن كثيراً من القيادات العربية كانت ولا تزال تمني نفسها بإمكانية
تحقيقه، فتخطية البحث في مشروعية تطبيقه، وكانت تلك القيادات تتطلع من
خلال البحث عن (السلام) إلى تحصيل ما عجزوا عن تحقيقه عبر (السلاح) .
ونحن سوف نفترض حسن النية في هذه القيادات، وسوف نفترض أنها فعلاً
أرادت التغلب على اليهود عبر طاولة المفاوضات بدلاً من ساحة الصراعات..
سنستبعد إلى حين ما يعده بعضهم: هواجس التآمر، ووساوس الخيانه، واتهامات
العمالة، وسنقول: إن هؤلاء أرادوا حقاً الانتصاف للأمة من عدوها سلماً بعد أن
عجزوا عن الانتصار لها حرباً.. فهل أفلحت تلك القيادات في السلام بعد أن فشلت
في الحرب ... ؟ ! .
هذا ما سوف نناقشه من خلال استعراض مسيرة الحلول السلمية التي حملها
(قطار السلام) الذي انطلق بعد حرب ١٩٧٣م وهو التاريخ الذي يمثل نصف مدة
الخمسين سنة من الصراع العربي الإسرائيلي منذ بدأ وإلى الآن ... وهذه الحلقة
الأولى لأهم المحطات.
المحطة الأولى: مؤتمر جنيف ١٩٧٤ م:
(الحرب من أجل السلام) : بهذا العنوان، أو بهذه الروح دخل العرب
الحرب الرابعة مع اليهود عام ١٩٧٣م، وأثناء تلك الحرب، وقبل أن تضع
أوزارها، وجه الرئيس المصري السابق (أنور السادات) يوم ١٦ أكتوبر ١٩٧٣م
(أي بعد بدء الحرب بعشرة أيام) رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق
(ريتشارد نيكسون) اقترح فيها مشروعاً للسلام يتضمن الدعوة إلى إيقاف إطلاق
النار على أن تنسحب إسرائيل فوراً من جميع الأراضي العربية التي احتلتها في
حرب يونيو ١٩٦٧م، وأبدى استعداده لحضور مؤتمر سلام دولي لإقرار السلم في
منطقة الشرق الأوسط.
وسرعان ما تحركت الأطراف الدولية وعلى رأسها (واشنطن) و (موسكو)
لإنهاء القتال الذي بدا أنه يمكن أن يهدد الدولة اليهودية، وأسفرت جهودهما عن
صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يدعو لوقف القتال والبدء فوراً في مفاوضات
بهدف إقامة سلم (دائم) و (عادل) ! في الشرق الأوسط، وسارعت مصر وسورية
والأردن و (إسرائيل) أيضاً إلى قبول قرار وقف إطلاق النار، بينما رفضته العراق
ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتبنى مبدأ عبد الناصر وهو أن (ما أخذ
بالقوة لا يمكن أن يسترد بغير القوة) .. وهنا وبسبب عدم وجود أرضية من الثوابت
المشتركة، بدأ التصدع في الجدار العربي، الذي كان ماثلاً أصلاً بسبب الأرض
الهشة التي يقف عليها فمصر بدأت تسير في (عملية السلام) في اتجاه الحل المنفرد، بينما تباينت مواقف الدول العربية الأخرى بما يدل على أن العرب بدأوا عمليه
السلام في مراحلها المبكرة، دون أدنى اتفاق أو تنسيق أو تحديد للثوابت، كما كان
شأنهم عبر عقود الحرب.
ثم جاء وقت انعقاد مؤتمر (جنيف) الذي دعا إليه مجلس الأمن بعد الحرب،
إلا أن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لم يرق لهما أن تُبحث قضية
السلام دولياً، فربما تبرز أنواع من الضغوط عبر القنوات الدولية لا تكون في
صالح اليهود؛ ولهذا تقرر فجأة أن تدخل واشنطن بثقلها لتحويل مجريات الأمور،
فكان أن جاء وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الوقت اليهودي (هنري
كيسنجر) إلى مصر في بداية عام ١٩٧٤م ليجري مباحثات كانت بمثابة مرحلة
التدشين لعملية السلام الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة.
وبدأ العمل على إدخال مصر في مسار الحل المنفرد لدورها الكبير في قضية
الصراع.
المحطة الثانية: كامب ديفيد ١٩٧٨م:
توالت الأحداث لتوصل إلى الهدف المحدد بدقة من قبل، وهو إخراج مصر
من ساحة المعركة مع اليهود، لينكسر بذلك أحد فكي الكماشة التي كان يمكن لها في
وقت من الأوقات أن تكسر ظهر الكيان اليهودي في فلسطين، وكانت (كامب ديفيد)
الاتفاقية التي أوصلت إلى هذا المصير المنتظر، فقد أعلنت الولايات المتحدة في
١٧ سبتمبر ١٩٧٨م عن توصل كل من مصر (وإسرائيل) إلى صيغة اتفاق بينهما
لوضع حد نهائي للنزاع العربي الإسرائيلي، وكان هذا الإعلان بعد سلسلة من
الاجتماعات استمرت (١٣) يوماً، ضمت كلاً من الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي
كارتر) والرئيس المصري السابق (أنور السادات) ورئيس الوزراء الإسرائيلي
الأسبق (مناحيم بيجين) ، وكان ذلك في المنتجع الذي أطلقوا عليه (مخيم داود)
والذي اشتهر إعلامياً باسم (كامب ديفيد) .
وأثمرت هذه الاجتماعات إعلاناً عن توقيع اتفاقيتين منفصلتين:
الأولى: تتعلق بتحديد أسس علاقات السلام بين دولة اليهود والدول العربية
الأخرى، وتدعو بقية دول المواجهة أن تحذو حذر مصر في إنهاء الحروب مع
اليهود، وتنص من جهة أخرى على إقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية
وقطاع غزة، وذلك لمدة خمسة أعوام، دون تحديد موعد البدء بها، أو ما سيكون
عليه الحال بعدها.
أما الوثيقة الثانية: فتحدد أسس معاهدة سلام بين مصر و (إسرائيل) على أن
تنجز وتبرم في فترة لا تتعدى ثلاثة أشهر من تاريخ اجتماعات (كامب ديفيد) ، أما
بنود هذه المعاهدة الثانية، فهي تأكيد لكل الإجراءات التي من شأنها إيقاف أي
أعمال عسكرية بين الطرفين بشكل نهائي، واستعداد كل طرف لممارسة علاقات
طبيعية مع الطرف الآخر، ونصت إحدى بنود هذه الاتفاقية على أنها معاهدة ملزمة، وليس لأحد الطرفين حق نقضها! ومن الجدير ذكره هنا، أن تلك الاتفاقيات
المعلنة، صاحبتها أيضاً اتفاقات سرية؛ فكان هناك اتفاق سري حول لبنان يقضى
بتجريد القوات الفلسطينية والميلشيات اللبنانية من السلاح تدريجاً بإشراف دولي
وعربي! وقد ترجم هذا عملياً بعد ذلك بإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام
١٩٨٢م.
وتتضمن بنود كامب ديفيد اتفاقات سرية أخرى وتتلخص فيما يلي:
١- وعد أمريكي لمصر بزيادة المساعدات المالية والاقتصادية كلما تم تنفيذ
بنود المعاهدة؛ ويتضمن ذلك وعداً أمريكياً آخر بتعويض مصر عن المساعدات
العربية التي يمكن أن تفقدها بإيقافها من قِبَلِ الدول العربية [١] .
٢- اتفاق على تنسيق التعاون بين الاستخبارات المصرية ووكالة
الاستخبارات المركزية الأمريكية (السي أي إيه) ليس فقط يتعلق بالأوضاع في
مصر، بل في إطار المنطقة العربية كلها.
٣- تتعهد أمريكا بتحديث الجيش المصري (ضد من..؟) وتزويده بالأسلحة
الأمريكية التي تعوضه عن الأسلحة السوفييتية عند الاستغناء عنها.
٤- موافقه الرئيس المصري على تسريح قطاع كبير من الجيش المصري،
بحيث تخفض أعداده من ٦٥٠ ألف جندي إلى ٢٥٠ ألف جندي فقط!
٥- السماح باستخدام أمريكا لبعض القواعد العسكرية التي ستتخلى عنها
إسرائيل في سيناء.
٦- إعطاء أمريكا صلاحيات موسعة لاستخدام منطقة شرم الشيخ فيما يخدم
استراتيجتها في المنطقة.
ردود الفعل العربية على اتفاقات كامب ديفيد:
بطبيعة الحال، كان لا بد أن ترفض أكثر الدول العربية اتفاقيات كامب ديفيد، لا لأنها تتضمن اعترافاً بدولة اليهود فتلك دعوى كانت تتردد بين آن وآخر ولكن
لأن هذا الاعتراف جاء بشكل منفرد ودون سابق مشورة، أما الأدبيات القومية أو
الليبرالية أو حتى الثورية، فإنها لم تكن تتضمن مبادئ ثابتة فيما يتعلق بضوابط
الصداقة والعداء.. أو الولاء والبراء، فالدول التي ترتمي في أحضان القوى
الشيوعية الملحدة، أو النصرانية الصليبية، ما الذي يمنعها من إقامة علاقة ود
وصداقة مع دولة يهودية؟
لقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كل محرمات العلمانية يمكن استحلالها، وكل
ممنوعاتها يمكن السماح بها، فليس ثَمّ حرام دائم أو حلال دائم عند من يستمدون
تشريعهم من الأهواء..
ولكن الظروف وقتها كانت لا تسمح إلا بالرفض على مستوى الدول، وأيضاً
على مستوى الشعوب التي صدمت فيما رأته تراجعاً عن ثوابت لا يمكن التراجع
فيها.
لقد أخذ الرفض العربي صورة تشنجية عالية الصوت، لامعة الضوء، ولكنها
سراب يحسبه الظمآن ماءً، وقد أثمر هذا الرفض في النهاية ولادة ما أطلق عليه
وقتها: (جبهة الصمود والتصدي) ! ! تلك الجبهة التي تعهدت بالمضي في المعركة
مع الغاصبين إلى النهاية، وتم الإعلان عن هذه الجبهة في مؤتمر القمة العربي
المنعقد في بغداد ١٩٧٩م، وقد عقدت دول تلك الجبهة بعد ذلك أكثر من مؤتمر
لإحكام المقاطعة العربية للدولة التي خرجت عن (الإرادة العربية) ولكن ... لم يكد
ينقضي عقد من الزمان حتى آل أمر جبهة (الصمود والتصدي) إلى الخمود
والتصدع! فقد بدأ بعض أعضائها في التسلل تحت جنح الظلام إلى معسكر السلام!
المحطة الثالثة: (مؤتمر فاس) :
شرع الرافضون لكامب ديفيد من (الصامدين) يتصدون لطرح مبادرة عربية،
تقول للسلام مع اليهود: نعم، ولكن.. (بشكل جماعي) وكان ذلك في مؤتمر (فاس)
الذي عقد في المغرب بين (٦ ٩/٩/١٩٨٢م) ومن العجيب أن ما علت الأصوات
العربية باستنكاره من اتفاقات كامب ديفيد (الخيانية الانفرادية) قد سطّر بهدوء،
ودون ضجيج في البند السابع من مشروع (فاس) ، ولكن مع الفارق المذكور، وهو
أن الأول كان بمبادرة فردية، والثاني كان بمبادرة شبه جماعية.
وتعد نتائج مؤتمر (فاس) هي الأرضية التي انطلقت منها بعد ذلك كل
مشروعات التسوية بدءاً من الاتفاق الأردني الفلسطيني (٢٢/١١/١٩٨٤م) الداعي
إلى مبدأ (الأرض مقابل السلام) وحتى اتفاقات أوسلو وصدق فيها المثل الشعبي:
(وقعت الفاس في الرأس) !
المحطة الرابعة: مشروع إعلان الدولة الفلسطينية:
في الفترة ما بين ١٩٨٦، ١٩٨٨م، بدأت منظمة التحرير الفلسطينية تنشط
بدورها في إجراء اتصالات مع عناصر إسرائيلية، تمهيداً للدخول في حوار سلمي
مع الدولة اليهودية، وذلك بعد قرار صدر عن المجلس الوطني الفلسطيني في
دورته لعام ١٩٨٦م، يدعو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لوضع خطط بفتح
الاتصال المباشر مع دوائر يهودية وإسرائيلية.
وكانت الإشارات قد بدأت تدل على نية رئيس المنظمة ياسر عرفات إلى
الاعتراف بقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، الذي يدعو إلى اعتراف العرب بدولة
(إسرائيل) بحدود ما قبل حرب ١٩٦٧م، وكان العرب جميعاً قبل ذلك يطلقون على
رفض هذا القرار باعتبار أنه يعني التنازل مقدماً عن ثلثي أرض فلسطين، بل كان
ياسر عرفات يقول ويكرر إنه يقبل أن تقطع يده على أن يقبل بالقرار ٢٤٢! ولكن
عرفات عاد وقبل بالقرار وهو يعده الآن أثمن ورقة في يده! ولكن قبوله وقتها كان
له وقعه وصداه (المؤقت) وحتى يغطي على هذا التراجع المخيف، فقد أوعز إلى
المجلس الوطني الفلسطيني بأن يعلن في دورته التاسعة عشرة عن قيام (دولة
فلسطين المستقلة) ! ثم خطت منظمة (التحرير) خطوة (سلمية) أخرى، حينما ذهب
رئيسها إلى جنيف، وأعلن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٣ ديسمبر ١٩٨٨
ما يلي:
١- أنه على استعداد للتفاوض مع (إسرائيل) .
٢- تتعهد المنظمة أن تتعايش بسلام مع (إسرائيل) وأن تحترم حقها في
العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها.
٣- أن المنظمة تدين أعمال العنف الفردي والجماعي وإرهاب الدولة، ولن
تلجأ إلى شيء من ذلك! ولقد كانت هذه (التوبة) المعلنة كافية لكي تكفر عن
الفلسطينيين أمام الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كل ما اقترفته أيدي الفدائيين
الفلسطينيين والمجاهدين وأبطال الحجارة من (إساءات) في حق اليهود (المظلومين) ! وقد قرت أعين هؤلاء اليهود وأعوانهم بما قال عرفات، حتى إن (جورج
شولتز) وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت علق على خطاب عرفات قائلاً:
إنه انتصار باهر، يدل على أن اللاءات الثلاث العربية الشهيرة في مؤتمر
الخرطوم ١٩٦٧م، تحولت في جنيف لتصبح (نعم) ثلاث مرات أيضاً!
المحطة الخامسة: مؤتمر مدريد:
قبيل حرب الخليج الثانية، كان الفلسطينيون قد سد في وجوههم باب (السلام)
بعد أن عادت الولايات المتحدة ساخطة عليهم بسبب عملية فدائية قامت بها إحدى
الفصائل الفلسطينية التي كانت على علاقة بالمنظمة، وبعد أن توقفت الحرب وفي
يوم ٦ مارس ١٩٩١م، وهو يوم الاحتفال بالنصر، ألقى الرئيس الأمريكي السابق
جورج بوش خطاباً أعلن فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة وبحزم على
تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وقد بدأ (جيمس بيكر) وزير الخارجية
الأمريكي وقتها جولات مكوكية لتهيئة الأوضاع لعملية سلمية جديدة. تتناسب مع
ظروف جديدة، وكان المقرر أن يعقد مؤتمر دولي يكون مجرد واجهة علنية عامة
لمحادثات ثنائية منفصلة بين كل دولة عربية وبين (إسرائيل) أما منظمة التحرير
المعنية أصلاً بموضوع السلام، فقد تقرر استبعادها لموقفها في حرب الخليج، على
أن يكون البديل عنها وفد من فلسطينيي الداخل، وليس من المنظمة وعلى أن يكون
ذلك الوفد أيضاً جزءاً من الوفد الأردني في المؤتمر.
وتقرر أن تكون العاصمة الأسبانية (مدريد) المقر الرسمي لانعقاد المؤتمر
(الواجهة) ثم تجري بعد ذلك المفاوضات في مسارات ثنائية بين كل طرف عربي
على حدة وبين الطرف اليهودي، واختيرت مدريد في ذلك الوقت لأسباب لا تخلو
من إيحاءات ورموز زمانية ومكانية لم تكن خافية.
وقد تجسد الضعف بل الذل العربي في هذا المؤتمر، حيث صال إسحاق
شامير رئيس وزراء (إسرائيل) الأسبق وجال، ولوّح بالتوراة وآياتها، وذكّر
بالتاريخ ودروسه وشرّق وغرّب باسم اليهودية وأمجادها وآمالها وآلامها في القديم
والحديث، وكان هو الزعيم الوحيد من أطراف الصراع الذي حضر بنفسه ولم ينب
أحداً عنه، وكان قد أصر على شروط لا تقبل أنصاف الحلول قبل التفاوض في أي
شيء وكأنما أراد أن يذكّر بها أن الجلوس على مائدة المفاوضات لا يعني النّدّية أو
التكافؤ بين الأطراف؛ وأراد شامير أن يذل العرب والمسلمين في شخص
الفلسطينيين فاشترط هذه الشروط:
١- لا يسمح بمشاركة أي فلسطيني عضو في المجلس الوطني في المؤتمر.
٢- مجرد ذكر منظمة التحرير في المؤتمر يعني انسحاب اليهود.
٣- الإشارة لأي اعتزاز بالانتماء للكفاح الفلسطيني، يعني أن المؤتمر في
حكم الملغي، وسينسحب هو ووفده منه! وكاد يحدث بالفعل ما حذر منه شامير، إذ
أقدم أحد أعضاء الوفد الفلسطيني وهو (صائب عريقات) على وضع الكوفية
الفلسطينية المشهورة على رأسه أثناء الاجتماع فاحتج شامير واحتد، وطلب إزالة
هذه المخالفة فوراً! ! .
فبأي روح يا ترى، وبأي نفسية كانت تجري المفاوضات (السلمية) ومع هذه
الشخصيات (العدوانية) في تركيبها وتكوينها وتفكيرها واعتقادها وأحلامها..؟ !
المهم أن المؤتمر انعقد، وكأنه تظاهرة تحتفي بهوان أمة لم تجد من يتكلم
باسمها أو يدافع عن كرامتها ومقدساتها، وكان من المفاوضات العجيبة بعد انتهاء
المؤتمر أن تُختار النصرانية (حنان عشراوي) لتتكلم باسم القضية الفلسطينية
العربية الإسلامية! ! ولهذا الموضوع بقية في جزئه الثالث في العدد القادم إن شاء
الله.
стр. 2531
المسلمون والعالم
عولمة أم أمركة
(١)
بقلم: حسن قطامش
كتب شاعر عربي شيوعي قصيدة من أربع كلمات يعبر فيها عن شعوره تجاه
الحالة الأمريكية الحالية فقال: الخلق نوعان: إنس وأمريكان.
وسياسي عربي، جمع شعبه وخطب فيهم بصراحته المعهودة قائلاً: في اليوم
الذي كنا نختلف فيه مع الاتحاد السوفييتي كنا نذهب إلى أمريكا، ويوم أن كنا
نختلف مع أمريكا.. نذهب للاتحاد السوفييتي، واليوم لم يعد إلا أمريكا، فأين
نذهب؟ ! (سبحان الله) . هكذا يفكر التائهون.
وسياسي آخر من أرض الجزائر ضاقت به السبل لحل الأزمة الراهنة
واستعصت عليه المسائل فطالب أمريكا بالتدخل لحل الأزمة.
وكاتب عربي مسلم رأس تحرير إحدى المجلات الإسلامية لفترة من الزمن،
طالب بعدم السعي لإسقاط أمريكا، وطالب بالحفاظ عليها دولة وحيدة مهيمنة! !
لأن في سقوطها ضرراً كبيراً؛ إذ إن مصالح العالم كله مرتبطة بها وفي سقوطها
خسارة للعالم! !
لكن الكاتب لم ينس أن يطالب أمريكا أن تكون محترمة لا مستعلية!
هذه نماذج من شرائح عدة في مجتمعاتنا تكشف عن استقرار كبير في شعور
هذه الفئات بسيطرة النموذج الأمريكي على العالم، وهذا الاستقرار فرض على
المشاعر والسلوك الصبغة الأمريكية حتى في أخص الخصوصيات التي استوردت
من ثقافة (اللاثقافة) ، وحضارة (اللاحضارة) ؛ فأصبح من الطبيعي أن تجد وأنت
ساجد لله، في أحد المساجد العلم الأمريكي على جورب يلبسه أحدهم، وإن اعتدلت
قائماً طالعك الـ (تي شيرت) وقد حفر على واجهته وخلفيته حروف.. بل يكفي
الاقتناع التام بجودة المنتج إذا كان أمريكيّاً، مهما كانت جودة منتج آخر من دولة
أخرى.
استقر في نفوس أولئك أن أمريكا نموذج للحرية والعدل والمساواة، ولهذا
صارت أمنية الأماني وحلم الأحلام لدى بعضهم: الحصول على (الجرين كارت)
فضلاً عن السعي الحثيث ودفع الأموال الطائلة للحصول على الجنسية الأمريكية
والمفاخرة بحمل جواز سفر.. أمريكي.
سؤال مهم وهو سبب لما نسطره الآن: ما الذي قدمته أمريكا للعالم؟
والإجابة ستكون من غير تشنج ولا تحيز ومن خلال ما سنراه: لقد قدمت
أمريكا للعالم نموذجاً واحداً، هوالنموذج المصلحي، فلا ثقافة أصيلة، ولا حضارة
إنسانية حقيقية يمكن أن يسجلها لها التاريخ، فنموذج (الأمركة) ليس له وسيلة
لفرضه على العالم إلا ما يرادفه في اللفظ! ! فالأمركة ترادفها (العلمنة) ويرادفها
(المكدلة) نسبة إلى (ماكدونالدز) ، وقد يراد منها (الكوكلة) نسبة إلى (كوكاكولا) !
لم تقدم أمريكا إلا أفلام الجنس، أفلام العنف، الجينز، وهو ما يمكن تسميته
بـ (الثقافة السائلة) الثقافة الاستهلاكية، ثقافة (تعالَ إلى حيث النكهة) .
ولذلك تَعْجَبُ من بعض قومنا أن تكون مشاعرهم تجاه هذه الصرعات غير
الحضارية بتلك الحرارة، ونعجب أكثر من بعض المثقفين الذين يحملون على
عاتقهم هَمّ تسويق النموذج الأمريكي نموذجاً مثالياً جديراً بالتطبيق في جميع مجالاته!
وعندها لا نعجب أبداً من أبناء هذه القبيلة الأمريكية حين يتيهون على الدنيا،
ويطلقون التصاريح الإمبراطورية يفاخرون فيها بأنهم أسياد الدنيا وحكامها؛ ونخشى
أن تزيد هذه التصريحات بعض قومنا عمًى على عمى (ونسأل الله السلامة) .
شهادات مغرورة:
١- (ألبرت بيفريدج) ممثل ولاية (إنديانا) في مجلس الشيوخ الأمريكي يلقي
خطاباً في مجلس ولايته، يقول فيه وكأنه مجلس حكام الدنيا:
(إن الله لم يهيّئ الشعوب الناطقة بالإنجليزية لكي تتأمل نفسها بكسل ودون
طائل، لقد جعل الله منا أساتذة العالم! ! كي نتمكن من نشر النظام حيث تكون
الفوضى، وجعلنا جديرين بالحكم لكي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهرمة،
وبدون هذه القوة، ستعم العالم مرة أخرى البربرية والظلام، وقد اختار الله الشعبَ
الأمريكي دون سائر الأجناس كشعب مختار! ! يقود العالم أخيراً إلى تجديد ذاته) .
أما الرئيس الأسبق (دوايت أيزنهاور) فقد خاطب أمته عام ١٩٥٣م قائلاً:
(لمواجهة تحديات عصرنا حَمّل القدر بلدنا مسؤولية قيادة العالم الحر) ومن تجليات
تلك العنجهية وغرورها ما تفوّه به (وارن كريستوفر) وزير الخارجية السابق في
دراسته التي نشرتها مجلة (فورين بوليسي) (السياسة الخارجية) في نهاية عام
١٩٩٥م بعنوان: قيادة أمريكا فرصة أمريكا على أعتاب القرن الحادي والعشرين،
يقول: (الحقيقة البسيطة هكذا هي أن أحداً، أي أحد آخر لن يقود إذا لم نقم نحن
بتولي مسؤولية القيادة، تصوروا شكل العالم خلال العامين الأخيرين فقط لو كانت
القيادة الأمريكية غائبة! !
إنه ومنذ الثورة الأمريكية يتطلع الناس في كل مكان نحو الولايات المتحدة
التماساً للإلهام في نضالهم من أجل الحرية وحياة أفضل، وثمة أمم أخرى طالما
قبلت بقيادة أمريكا، لا لشيء إلا لأن أمتنا تمتلك إرادة مجربة، واستعداداً سبق
اختباره للدفاع عن شيء ما أكبر منها) .
أما الملياردير الأمريكي ومرشح الرئاسة المستقل، الخاسر ثلاث جولات
(روس بير) فيقول في كتابه: (ليست للبيع بأي ثمن) (إن الأمريكيين محظوظون
من بين شعوب العالم؛ لأنهم يعيشون في أعظم دولة عرفها تاريخ الإنسان! ! وإن
مئات الملايين من الناس يتمنون الوصول إلى ما وصل إليه المواطن الأمريكي
اليوم) .
شهادة من تاجر لا يعرف من الحضارة إلا المادة، فالدولار إله معبود.
وأخيراً إلى من يزعم أنه كُتب على أمريكا تحمل مسؤولية العالم! ! فهذا
(روزفلت) في أعقاب الحرب العالمية الثانية يصرح: (إنّ قدرنا.. هو أمركة العالم، تكلموا بهدوء، واحملوا عصاً غليظة.. وعندئذ يمكن أن تتوغلوا بعيداً) .
ولعل الأغنية التي يرددها الأمريكان خير تعبير عن بلوغ النشوة والعنجهية
ذروتها بامتلاك العالم: (القمر أصبح أرضاً أمريكية، بلاد السوفييت أصبحت
أرضاً أمريكية، المريخ سيصبح أرضاً أمريكية.. وعلى الأرض السلام والخراب) .
بعد هذه المقدمة، نقوم بجولة نستعرض فيها التاريخ الأمريكي منذ بدايته حتى
نتمكن من التوصل إلى رؤية شاملة للولايات المتحدة (سيدة العالم) وحتى تكون
أحكامنا عن تصور واضح ومنطقي لا عن تشنج غير مسوّغ.
كذلك أود أن ألفت الانتباه إلى أن من الأهمية بمكان الوقوف على تصريحات
الساسة وصناع القرار الأمريكيين؛ إذ إن هذه التصريحات هي من أقوى الأدلة
وأوضح البراهين على إثبات المراد بيانه من سياستهم، فهي ليست حشواً للأسطر
أو تسويداً للصفحات بلا داعٍ؛ بل هي مخطط مدروس، فهل نعي ذلك؟
رحلة سريعة في التاريخ الأمريكي:
وقت أن كانت فرنسا قوة مسيطرة، رفعت شعار: (دور فرنسا في تحضير
العالم) ، وحين جاء دور (بريطانيا) رفعت شعار: (عبء الرجل الأبيض) ، ويوم
حكمت أمريكا رفعت شعار: (حق الشعوب في تقرير المصير) وجميعها شعارات
استهلاكية.
لكن التاريخ الأمريكي يبدأ منذ أن رسم البحارة الإيطالي (كولمبوس) خطته
بالإبحار غرباً، ونفذ هذه الخطة بمساعدة ملك أسبانيا وملكتها في نهاية القرن
الخامس عشر الميلادي، ثم أعقبه الإيطالي (أميريكو نسبوتشي) الذي سميت أمريكا
باسمه واستقر الأسبان والبرتغال في أواسط أمريكا (المكسيك والبرازيل) وتوالت
الرحلات، فاكتشف الإنجليز والفرنسيون شرق أمريكا الشمالية فاستقروا فيما صار
بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وقام صراع بين انجلترا وفرنسا حول الأرض
الجديدة، وقامت حرب السنوات السبع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر،
وكان الإنجليز قد تمكنوا من بناء أول (مستوطنة) في أمريكا الشمالية، وهي التي
جذبت العديد من (المستعمرين) إلى أمريكا، حيث بدؤوا تكوين مجتمعهم الجديد، ثم
زادت المستوطنات، وعاش (المستوطنون) تحت الحكم البريطاني، ولكن تجاهلهم
لتطبيق القانون البريطاني أدى إلى الخلاف مع بريطانيا.
وبعد الاستفراد البريطاني في الأرض الجديدة، صدرت بعض الإجراءات
أدت إلى بدء حركة الاستقلال، كزيادة الضرائب على المطبوعات والوثائق، وقد
أثارت هذه التغييرات ردود فعل غاضبة لدى المسَتْعمِرين الذين عارضوها بشدة،
ونجحت الاحتجاجات في إلغاء هذه الإجراءات.
لم يدم الود بين الحكومة البريطانية والمستوطنين الجدد طويلاً، فقد صدرت
قوانين جديدة مثيرة للسخط، وأرسلت بريطانيا قواتها إلى كل من (بوسطن)
و (نيويورك) حيث قتلوا بعض المستوطنين الجدد وهو ما عرف وقتها بـ (مذبحة
بوسطن) ، ورد المستوطنون على ذلك بأن ألقوا الشاي البريطاني في الميناء،
فعاقبتهم (بريطانيا) بما سمي بالقوانين غير المحتملة التي تمثلت في إغلاق الميناء
وإجبار المستعمِرين على إيواء البريطانيين وإطعامهم، فكوّنت اثنتا عشرة مستوطنة
ما سمي بالمجلس القاري الأول بـ (فلاديفيا) الذي أجبر بريطانيا على سحب
القوانين غير المحتملة، وغضب الملك (جورج) على المستعمرات، فاعتدت
جيوشه على مؤن تخص المستعمرات، فكان ذلك سبباً من الأسباب في ابتداء الثورة
الأمريكية على الحكم البريطاني، واستمرت المعارك، وفي يوليو ١٧٧٦م أعلن
المجلس القاري الرابع الاستقلال عن بريطانيا، مكوناً الولايات المتحدة الأمريكية،
واستمرت الحرب الطاحنة بين (أمريكا) وبريطانيا حتى انتصر الأمريكان عام
١٧٨١م، ثم وقعت معاهدة باريس بين الطرفين عام ١٧٨٣م إعلاناً لنهاية الثورة
الأمريكية، وكانت قد تكونت الحكومة الدستورية، وكتب دستور البلاد عام ١٧٨٧م.
ومما يجدر بالذكر أن معظم الذين هاجروا إلى الأرض الجديدة (أمريكا) من
الأوروبيين كانوا من مجرمي الحروب والسجناء الذين ضاقت بهم السجون، ومن
تجار الرقيق، والباحثين عن الذهب؛ فالنزعة الإجرامية والقتالية، وحب السيطرة، وعبادة المال، وتقديم المصلحة الشخصية: سمات غالبة على المستعمِرين
والمستوطنين الجدد، والجميع هنا بلا جذور، وأولئك هم الذين قامت عليهم
الولايات المتحدة، وهم الذين وضعوا دستورها وسياستها ... وللحديث بقية.
стр. 2532
المسلمون والعالم
الانتخابات الإيرانية وخطأ الحسابات
نظرات في خلفيات الانتخابات الإيرانية الأخيرة
بقلم: د. عبد الرحيم البلوشي
١- كتبت جريدة (كيهان) الإيرانية الناطقة بلسان المخابرات الإيرانية قبل
٢يونيو: أن حصون القوى الصديقة الداخلية أخذت في الانهيار، وفي الثاني من
يونيو انهارت هذه الحصون فعلاً في يوم الاقتراع؛ لذا بدأ الآيات والقوى الحاكمة
يركزون على ناطق نوري رئيس البرلمان حيث سموا منافسه الخاتمي: (بني صدر
الثاني) وأصبحت النتيجة أن شعب إيران بأكمله تحرك ضد النظام، وكان رد الفعل
هو الخوف وارتكاب الحماقات، ففي اليوم الخامس من يونيو قام آمر الجيش
الشعبي برفقة (٢٠٠٠) من قواته بمظاهرة مقابل بيت (الخامنئي) وكانوا يهتفون:
(نحن لا نريد بني صدر، الموت لبني صدر، الموت لخاتمي) .
واعترفت جريدة (جمهوري إسلامي) الفارسية في ٣١ من مايو أنه مهما كانت
نتيجة الانتخابات فإن رجال الدين الروحانيين (أي الآيات: ويسمونهم في إيران
أيضاً: روحانيت) ، وكذلك النظام هما الخاسران الأكبران.
إن مناورة النظام على حكم (ولاية الفقيه) [١] وحكومة الشعب وخطر بني
صدر، كانت صفعات مهلكة على وجه النظام.
إن رضا جرندابي في أسبوعية نيمروزط (ص٢١: لندن) اعتبر نجاح
الخاتمي اتحاداً غير ديني للناس ضد ولاية الفقيه.
٢- مع أن العلاقات الإيرانية الأوربية معلقة، إلا أن هناك فضيحتين تتكلمان
عن العلاقات الفاسدة بين آيات إيران وإسرائيل من جهة، وبين إيران وإنجلترا من
جهة ثانية، وهما: (لاري جيت) و (عنبر جيت) [٢] .
أما جريدة كيهان [٣] ، فقد اعتبرت أن أنصار الخاتمي اليوم هم أنفسهم
أنصار بني صدر سابقاً، وقالت: على فرض نجاح الخاتمي، فإننا سنسلك معه ما
سلكه الخميني مع بني صدر.
لكن الضربة المثلى هي ما أوردته مجلة النساء (زنان) الإيرانية، من أن
ناطق نوري قام بقراءة النياحة والتباكي [٤] على قبر الخميني، فسألته المجلة:
هل ستنوح ثانية إذا ما فزت برئاسة البلاد؟ ! ولذا عقبت كيهان بأنهم يستهزئون
بالنياحة! قاصدة ناطق نوري عندما أعلن نفسه مرشحاً للنظام وليس مرشحاً من
جناح معين فإنه بعمله هذا نسف نظام ولاية الفقيه من أساسه.
مناورات الخامنئي:
أخذ خامنئي يناور بادئ ذي بدء حينما منع ترشيح المهندس حسين الموسوي
رئيس الوزراء السابق ولما نجح في ذلك: ظن الجناح اليميني أن الجناح المنافس
لا يوجد لديه مرشح آخر، ولكن بعد أخذ ورد وتردد تم ترشيح آية الله الخاتمي،
وقَبِلَهُ الخامنئي بعد وساطة (خروبي) و (خوئي) (وكلاهما من الآيات) . ولكن
خامنئي لوّح بترشيح ناطق نوري، وفي ٣١ من مايو، قال آية الله مهدوي كني
وهو من أركان نظام ولاية الفقيه قال في جريدة (رسالت) : (إن القائد يميل إلى
ترشيح ناطق نوري) . وفي اليوم نفسه وجه خامنئي أوامره إلى وزير الخارجية
ولايتي بعقد مؤتمر صحفي يقول فيه: إن ناطق نوري هو الأصلح من غيره في
الوقت الذي منع خاتمي من إلقاء كلمته في ملعب أمام ١٠٠ ألف مستمع. وفي
(يونيو) ، أعلن مكتب القائد تشكيكه بما أعلنه الكروبي وخوئيني عن موافقة خامنئي
على ترشيح الخاتمي، مع منع خطبة الخاتمي وإغلاق مكاتبه الانتخابية وتوقيف
الحملات الإعلامية في الإذاعة والتلفاز وهما تحت أمر القائد مباشرة، هكذا
وبسرعة أعلن الخامنئي موقفه العدائي المباشر والصريح من خاتمي، وهنا توهم
الناس أن القائد يدافع عن ناطق نوري، ولذا: فهو ينتخبه كرئيس، وأعلن ١٩٠
نائباً من مجلس الآيات أنهم يعتبرون ناطق نوري هو الأصلح كما فعل ذلك (شورى
حراس الدستور) وبناءً على هذا جعل النظام بقائده ورؤساء القوى المتنفذة، (ناطق
نوري) مرشحهم الانتخابي، الذي يؤيد نظام ولاية الفقيه.
ردود الأفعال العالمية على فوز خاتمي:
لما فاز الخاتمي، أعلنت جريدة الجمهورية الإسلامية والصحف العالمية بحق
أن هزيمة ناطق نوري كانت هزيمة النظام بأكمله؛ لأن ٩٠% من الشعب الإيراني
اقترعوا ضد ولاية الفقيه أمام (١٥٠) من صحفيي العالم الذين كانوا بمثابة مراقبين
للانتخابات. وتقول جريدة (الانقلاب الإسلامي) [٥] : إن عدد المشاركين في
الاقتراع كان متفاوتاً إلى درجة كبيرة، وأعلن أنه كان ما بين ٣٠% إلى ٩٠%،
أما وزارة الداخلية الإيرانية فقد أعلنت أن المقترعين ٨٩% حيث صوّت ٧٠%
لصالح الخاتمي، و٧% لناطق نوري و ٥، ٢% لكل من زواره أي رئيس
السجلات حجة الإسلام، وري شهري رئيس المخابرات الأسبق.
أما وكالتا رويتر وفرانس فقد أعلنتا نقلاً عن مراسليهما أن ٦٠% من الناس
كان لهم حق المشاركة. أما جريدة الانقلاب الإسلامي فقالت: إن الإحصائيات
الواصلة إليها من داخل إيران تفاوتت نسبها من ٦٠% إلى ٣٣%، والآخرون قالوا
إن النسبة ٥٠%.
أما في خارج إيران فقد شارك ٦٠ ألفاً فقط أي ٢ % من المقيمين في الخارج.
وبناء على البيانات الواردة من وزارة الداخلية الإيرانية، فإن المشاركين كانوا
أقل قليلاً من ٣٠% أي ١١ مليوناً، ونسبة المقترعين مهما بلغت فإنها دليل واضح
قاطع على استبداد الآيات ورفض الشعب لهم وعدم شعبيتهم في إيران.
محاولة السلطة إلغاء الانتخابات:
بعد يوم واحد من الاقتراع ذهب أسد الله بادامّيان السكرتير التنفيذي للهيئة
المؤتلفة مع عدد من مديري الدوائر الانتخابية لناطق نوري عن (شورى حراس
الدستور) وطلبوا منهم إلغاء الانتخابات أو على الأقل إلغاء نتائج مراكز الاقتراع
المهمة، حيث أعلن (٧) ملايين صوت لخاتمي لتؤجل الانتخابات إلى الدور الثاني، لكن نظراً إلى الجو المكهرب في الداخل والموقف الذي فرضه حضور (١٥٠)
صحفياً من العالم، فإن إلغاء الانتخابات سيؤدي إلى ردود أفعال عنيفة، ولذلك
كشفت الانتخابات عن ضعف النظام المفرط؛ إذ لم يكن أحد يتصوره بهذا الوهن،
فقد كانوا فيما مضى يختلقون الأصوات ويوجهونها تبعاً لإرادة القائد.
ولكن مع كل هذا فإن جماعة (أنصار حزب الله) [٦] كتبت تحت صور
الخاتمي: إن مصير بني صدر بانتظار الخاتمي.
أما التلفاز الإيطالي: فقد جعل رأي الشعب في الانتخابات الإيرانية مكملاً
لرأي محكمة ميكرونوس؛ لأن رأي المحكمة سلب المشروعية من النظام وتصويت
الشعب أيد هذا الرأي؛ إذ إن الشعب الإيراني فوض خاتمي لإصلاح جذور الآيات. ويقول مراسل نوفكوتيدين [٧] : إن هذا الاقتراع كان زلزلة واقعية، واعتُبِرَ
الخاتمي غورباتشوف إيران.
والصحف الألمانية: جعلت هزيمة الثاني من يونيو هزيمة للنظام، وثورة
صغرى، تقول هامبورغر إنبدبلات [٨] : إن خاتمي يضع قدميه على أرض ملغمة؛ لأنه يواجه من جهةٍ المجلسَ الذي يخالف سياساته، ومن جهة أخرى فإن الناس
الذين انتخبوه ينتظرون منه الكثير.
أما الصحف الفرنسية: فإن ليبراسيون تقول: إن النظام انهزم بشدة في هذا
الاقتراع إلا أن مخالفيه الذين حرموا الاقتراع كمجاهدي خلق وأنصار الشاه وغيرهم
انهزموا أيضاً.
يقول مراسل جورنال دودبانش: إن الشعب الإيراني قال للآيات.. لا.
أما أبزورفر [٩] فإنها اعتبرت الانتخابات ضربة قاضية للمتشددين في النظام.
أما واشنطن بوست [١٠] فقالت عن نتيجة الانتخابات بأنها هزيمة لنظام
الآيات الحاكمين. ويطلق مراسل الجريدة جان لانكستر على الخاتمي: (آية الله
غورباتشوف) .
أما نيويورك تايمز، فتنصح الخاتمي أن لا يتعجل في تطبيق سياساته مثل
بني صدر [١١] .
والصحف الإسرائيلية [١٢] اعتبرت الانتخابات ثورة ثانية.
أما الصحف العربية: فإنها قارنت انتخاب الخاتمي بانتخاب بني صدر؛
حيث إن كلاهما قد انتخب انتخاباً رغماً عن الآيات، وعدت ذلك ضربة قاضية
لأسس النظام، وقارنت بني صدر الثاني ببني صدر الأول.
وكتبت النهار [١٣] : إن الانتخابات في إيران دلت على اختيار الشعب
للتعددية والحرية والأخلاق، وقالت: إن على الخاتمي تغيير إيران الجذري، وإنه
يريد التغيير في السياسة الخارجية إلا أن العائق الوحيد هو الخامنئي.
كتبت الشرق الأوسط [١٤] : مع نجاح الخاتمي بدأ عهد (بروستوريكا) إشارة
إلى عهد غورباتشوف والتغييرات التي حدثت في العهد الشيوعي على يديه قبل
انهيار النظام بالكامل.
وكتبت الأهرام [١٥] : لقد قارن زعماء النظام في الأسابيع الأخيرة بين
خاتمي وبني صدر وبما أن الناس قد اختاروا الخاتمي فهم إذن يريدون العودة إلى
عهد بداية الثورة. ويبدو من الصحف العالمية المذكورة حيال الانتخابات الأخيرة
في إيران: أنها ثورة جديدة. أما (الخامنئي) : فقد قال قبل الاقتراع في جمع من
الحرس الثوري: (انتبهوا لا يخدعنّكم لون العمامة) إشارة إلى لون عمامة الخاتمي
السوداء، أي لا يغرنكم كونه من (السادة) ولذا رسمت مجلة غل آتا الكاريكاتورية
على صندوق الاقتراع: نُدخل في الصندوق الخاتمي ويخرج منه نوري، وتم
إيقاف المجلة بعد ذلك.
وبما أن كثيراً من الناس لم يكونوا يريدون المشاركة في الانتخابات إلا أنهم
شاركوا فيها لمواجهة الخامنئي والإعلان عن مخالفتهم له، ولذا لم يستطع القائد
المصاب إخفاء غضبه فصرح بعد انتخاب الخاتمي بأنه: لن يكون مثل رفسنجاني.
المستفاد من الانتخابات:
والدرس الذي يجب استخلاصه من الانتخابات أن عداء هذا النظام للحرية
على حد قول جريدة (الانقلاب الإسلامي) قطعي وأنه لا يمكن الجمع بين منح
الحريات وبقاء النظام، ويقول آية الله (مهدوي كني) صراحة: إن الذين يتكلمون
عن الحرية هم عملاء أمريكا، ويريدون تكرار تجربة ثورة الحركة الدستورية في
إيران. وأما الذين تربطهم بأمريكا وإنجلترا وإسرائيل وألمانية وفرنسا على حد قول
بني صدر سلسلة من الفضائح مثل: (إيران غيت) و (ولاري غيت) ومنبر غيت)
والذين هم شركاء في شبكة الفساد العالمي، فلم تكتشف فضيحة فساد إلا وكانوا
شركاء فيها، والذين يرتبط وجودهم بها بسبب ما ارتكبوا من الجرائم المتتابعة
بالمصالح القومية للدول الغربية خلافاً لما يعلنون ويدعون وهم مع ذلك يستمرون في
حياتهم الدنسة والتمسك بسياساتهم النجسة وهم يعلمون جيداً أن أمريكا لو أرادت
لإيران أن تكون حرة لما حدث الاتفاق الخفي في (أكتوبر سوربرايز) ولما أوصلت
الخونة المفسدين إلى الحكم في إيران وما زال هؤلاء يصرخون أنهم أعداء لأمريكا
ولكنهم يعلمون جيداً أن هذه السفاهات لا تخدع أحداً.
وأهم العِبَر المستفادة من هذه القضية أنه لا يمكن إيجاد حل أبداً من داخل
النظام نفسه ولو كان بدعم من الدول الأجنبية.
وبعد ما قام آمر الجيش الشعبي مع قواته بالتظاهر بإشارة من الخامنئي
باعتباره رئيس القوات المسلحة محاولاً التكشير عن أنيابه للخاتمي، هدد الأخير
بإفشاء الأسرار، ثم هدد مجلس الشورى حراس الدستور بالاستقاله، كما هددت
رابطة مدرسي قم بالاستقالة أيضاً. يقول الآيتان: راستي وكاشاني: إن الكفر بدأ
يحكم إيران. ويقول الطبسي [١٦] نائب خامنئي في مشهد وهو متولي قبر الإمام
الرضا وسادنه: قال الإمام الرضا: إذا فاز الخاتمي فسيظهر الإمام الغائب! !
على كل حال فقد كثرت الاستقالات والتنبؤات والتهديدات، وهناك علامات
استفهام كبيرة حول المسؤولين، فإن بعضهم يعمدون إلى إخفاء المستندات وإتلافها
فقد أقرضوا أنفسهم من بيت مال الدولة الذي تحت أيديهم.
وأصر الخاتمي على إبقاء نوري في رئاسة المجلس، وإن كان فوز خاتمي لا
يدل على أنه الزعيم الأنسب والأحب لدى الشعب، ولكن ذلك يعتبر بمثابة توجيه
صفعة لنظام الآيات. ولا ندري ماذا سيصنع الرئيس الجديد في بحر التماسيح
الحانقة؛ وإن كان هناك خطوط حمراء لا يتجاوزها الجميع! !
стр. 2533
في دائرة الضوء
محاكم التفتيش العلمانية !
بقلم: محمد يحيى
تفاخر العلمانية الأوروبية ويتباهى معها وكلاؤها المحليون في البلاد الإسلامية
بأن أعظم إنجازاتها كانت في إحلال روح التسامح الديني محل التعصب الذي
رمزوا له بمحاكم التفتيش المشهورة في التاريخ، التي لا يذكر أحد في العادة أن
الكثير من ضحاياها كانوا من مسلمي الأندلس المقهورة قبل أن يكونوا من النصارى
أنفسهم، وأياً كانت الحال فقد أقام العلمانيون وعلى مدى ما يقارب العقد من السنين
في بلادنا المسلمة محاكم تفتيش خاصة بهم نصبوها على صفحات الجرائد
والمجلات وموجات الأثير ومنابر الثقافة التي سلمت لهم، بل وجُعلت حكراً خاصاً
بهم، وراحوا في هذه المحاكم يفتشون الضمائر والنيات ويرمون المسلمين والإسلام
بكل نقيصة وجريمة تعن لهم حتى أكثرها غرابة وتهافتاً وبطلاناً، مطمئنين إلى أن
الإسلام ليس له من يذب عنه ويحامي في ظل أوضاع فرضت حتى على رؤساء
بعض الهيئات الدينية المرموقة أن يعلنوا أنهم ليسوا سوى موظفين تصدر لهم
الأوامر فيطيعون ويخرجون على صفحات الجرائد يتهمون المسلمين بالتعصب
ويثنون على الغربيين لتسامحهم.
وقد بلغ السيل الزبى كما يقال في محاكم التفتيش العلمانية هذه واتهاماتها
العبثية إلى حد أنني في أسبوع واحد، بل وفي مجلة واحدة أحصيت عدة منها رأيت
أن أشرك القراء معي في غيظي وحيرتي من وقاحتها: ففي مجلة صادرة من لندن
بتمويل مشبوه المصدر زعمت أنها منبر الفكر والثقافة يكتب فيلسوف شهير في
الأوساط العلمانية (أو هكذا يدعي لنفسه) ليقول: (إننا كعرب لا نهتم عادة إلا
بالأمور الجسدية البدنية بحيث تكون الأجسام في بؤرة الاهتمام، أما قضايا الفكر
فإننا نجعلها في مؤخرة اهتماماتنا، فالأم العربية تدعو لابنها قائلة له: ربنا يجنبك
شر الفكر؛ ومعنى هذا أن الفكر والفلسفة (وهي أعظم صور الفكر) قد أصبحا
مرادفاً للهم والغم) ، والغريب أن هذا الكاتب يمضي ليخصص بقية مقاله في الحديث
عن التيارات الفلسفية السائدة على الساحة العربية: ويخص بالذكر ما يسميه بالتيار
السلفي الأصولي (الإسلامي) فأين إذن هذا الاهتمام بالأجسام ووضعها في بؤرة
الاهتمام كما يقول، بل إنه يمعن في السطحية عندما يتعمد الخلط بين المعنى العامي
الواضح لكلمة الفكر في سياقات محددة: بمعنى التحير والتفكير الملحّ بلا طائل في
محاولة للخروج من مأزق مستحكم، ومعنى الكلمة نفسها في سياقات محددة أخرى
في مجال البحث والدراسة مثلاً، ويتجلى تعسف الكاتب في توجيه التهم وهذا هو
هدف مقالته الأولى عندما يلجأ إلى تلك التقسيمات السطحية العنصرية القديمة التي
تلخص كل خصائص أمة من الأمم في عبارة واحدة مثل: (مادي) أو (روحاني) أو
(خيالي) أو (عقلاني) ، وما أشبه ذلك. وهكذا يحصر الكاتب العرب ويقصد
المسلمين في كلمة واحدة وهي: أنهم أعداء الفكر المنكبون على رعاية الجسد؛ دون
أن يدعم هذا الزعم الواسع العريض إلا بتفسير متعمد سيئ النية لكلمة يعرف الكل
أن معناها عكس ما يقول، بل وحتى وهو يتحدث في مقاله عن تيارات الفكر بين
أعداء الفكر هؤلاء.
وبجوار تلك المقالة يكتب (فيلسوف) يشار إليه بالبنان في أوساط العلمانيين،
بل وتعينه إحدى الدول الغنية أستاذاً جامعياً كبيراً يشرف على سلاسل إنتاجها من
الكتب الفكرية والثقافية، فماذا يقول هذا الفيلسوف؟ إنه لا يتحدث في تلك المجلة
الثقافية الفكرية عن قضايا الفلسفة، ولا يهاجم المسلمين لافتقارهم إلى الفكر ... إلخ، بل ويا للعجب إذ يورد فقرات مطولة من تقارير تكتب في صحف محلية ببلد
عربي مبتلى بتسلط العلمانيين والحرب بين أبنائه، ليخرج من هذه التقارير
المشكوك تماماً في صحتها بأن الإسلاميين (كل الإسلاميين) لا يكنون للمرأة إلا سوء
المآل والحال؛ لأن (الإسلاميين) في هذا البلد يحرقون مدارس البنات (رغم أن
التقارير تتحدث عن حرق كل المدارس بلا تفرقة بين مدارس بنين وبنات) ، ولأنهم
يقتلون الفتيات اللواتي لا يخضعن لرغبات الإرهابيين المسلمين الدنيئة، ويحار
المرء في فهم هذا التدني في مستوى الخصومة إلى حد اعتماد الكتابات الصحفية
الموجهة والكاذبة في معظم الأحيان حول عمليات تقوم بها جهات مشبوهة لا يعلم
أحد حقيقتها، واتخاذ هذه الكتابات، بل الإشاعات والدعاية السوداء حجة موثقة
للطعن في كل دعاة الإسلام وأصحاب الفكر الإسلامي؛ فأين الفلسفة والفكر
والمنطق هنا؟ وهل لم يجد الفيلسوف الكبير ما يقوله إلا هذا؟ وبصرف النظر عن
مجرد الرغبة في الكتابة وقبض الأجر فإن الدافع مرة أخرى واضح جلي وهو سعار
إلقاء الاتهامات أياً كانت.
وبجوار المقالين يكتب (مفكر) علماني آخر ليهاجم دعاة فكر القومية العربية؛
لأن بعضهم ذكر أن (الدين) جزء أصيل من مفهوم القومية العربية مما فتح الباب
للصراعات الطائفية بين العرب الذين اشتبكوا حول: أي دين يسود؟ وبعد أن ينعي
على هؤلاء القوميين العرب مجرد ذكر الدين في تعريفاتهم الذي فتح الباب للمسلمين
لكي يدخلوا إلى الساحة بتعصبهم وقمعهم لغير المسلمين يمضي ليقول: (إن القوة
الإسلامية التي دخلت بلدان المنطقة بحق الفتح أو الغزو تحولت إلى غالبية
اجتماعية كانت لها تصوراتها في الحكم والسياسة والإدارة ومن ثم وضعت بذور
الشقاق الطائفي) ، وهذا الكلام يعني ببساطة شديدة وأيضاً بوضوح شديد إدانة كاملة
وشاملة للإسلام واتهامه بخلق الشقاق الطائفي بمجرد وجوده وطرح تصوراته،
وكأن المطلوب لمنع الشقاق الطائفي هو ألا تكون هناك أغلبيات إسلامية ولا تكون
للمسلمين أي تصورات في الحكم والسياسة والإدارة حتى ينتفي الشقاق الطائفي!
ولو ترجمنا هذا الكلام بصيغة أخرى لا تخرج عن مضمونه لرأينا أن الكاتب يقول: إن الشقاق الطائفي (من المفترض أنه بين المسلمين وغيرهم في المنطقة العربية)
نشأ بسبب قدوم الإسلام واعتناق الغالبية لتعاليمه ثم العمل بشريعته وأحكامه، ولكي
نلغي هذا الشقاق والصراع فمن الأفضل أن نلغي (الدين) ذاته (والمقصود الإسلام
وحده) من تعريف القومية العربية، ولا يسأل الكاتب نفسه: لماذا لا تلغى الأديان
الأخرى وأصحابها وهي على أي حال أقليات صغيرة طالما أن إلغاء الدين هو الحل
الذي يراه محل مشكلة الشقاق الطائفي؟ ثم لماذا يكون الحل لهذا الشقاق هو إلغاء
دين الغالبية العظمى من أبناء هذه الأمة وتنحيته؟ الكاتب بالطبع يقدم الإجابة حين
يتهم هذا الدين أنه وحده المسؤول عن بذر بذور الشقاق وقهر الأديان الأخرى
واضطهادها دون أن يقدم دليلاً واحداً على هذا في مقاله سوى الحديث عن حكاية
(أهل الذمة) التي أثبت العديد من الباحثين الموضوعيين أنها هي التي حفظت
أصحاب الأديان الأخرى من الضياع أو الذوبان في المحيط الإسلامي.
عندما يصل الأمر إلى أن تتجمع كل هذه الاتهامات الحاقدة في حدود بضعة
صفحات في ثلاثة مقالات متجاورة في مجلة واحدة (أي في عدد واحد من هذه
المجلة) التقطها كاتب هذه السطور مصادفة؛ فلنا أن نتخيل مدى شراسة محاكم
التفتيش العلمانية ومدى تهافتها وتعسفها في الطعن في الإسلام والمسلمين.
стр. 2534
هموم ثقافية
إشكالية البلورة الاقتصادية للديمقراطية
بقلم: سامي محمد الدلال
قد بينت سابقاً أن أصحاب المصالح، وأهمها المصالح الاقتصادية هم الفئة
المسيطرة حقيقة على التوجهات التشريعية النابعة من المجالس النيابية.
وبما أن أولئك الطغام لا يفكرون إلا في مصالحهم الذاتية، ولا يطمعون إلا
في إشباع رغباتهم الأنانية، فإن فرصتهم الذهبية في حيازتهم على المنصة
التشريعية النيابية، وهم لا يدَعُونها تفوتهم بحال من الأحوال.
إن من أهم الإنجازات التي يرومون الاضطلاع بتنفيذها: سن القوانين
التشريعية التي تتيح لهم الهيمنة على مقدرات البلاد، ليس فقط في فترة حياتهم
النيابية، بل إلى ما بعد ذلك، حيث تكون القوانين التي شرعوها في الفترة النيابية
مظلة لهم لممارسة أوسع أوجه الاستثمار الاحتكاري حتى بعد انقضاء الفترة النيابية
تلك.
إن المعادلة الصعبة التي يواجهونها في الفترة النيابية هي كيفية صياغة تلك
التشريعات بطريقة تضمن وتكرس مصالحهم ولكن بالْتحاف رغبة أو مصلحة
شعبية! ! ! .
وهنا يبرز دور الإعلام المضلِّل الذي يأخذ على عاتقه بيان الفوائد والثمار
العظيمة التي سيجنيها الشعب المغلوب على أمره من تلك التشريعات التي ظاهرها
الرحمة وباطنها مضطرم بالظلم والحيف والجور وأكل أموال الناس بالباطل.
إن الذي يتابع ما تشرعه المجالس النيابية يرى بسهولة عدم خلو معظم
الدورات النيابية من مسرحية تشريعية من هذا النوع ذي المظهر العسلي والذي
مضمونه السمّ الزعاف.
ولذلك ترى النواب المجلسيين يبذلون جهوداً كبيرة في ساحاتهم الجماهيرية في
محاولات محمومة لإقناع الناخبين بأنهم ما أرادوا من تشريعاتهم تلك إلا المصلحة
الوطنية والخدمة الشعبية. يقولون ذلك، وأكثرهم يعلمون أنهم كاذبون مخادعون
منافقون.
أي إنهم في سبيل خدمة مصالحهم الاقتصادية الذاتية يدوسون بأقدامهم واحدة
من أهم الخصائص الخلقية لدى الإنسان السوي! ! .
إن من أهم الآمال السوداء التي تعشش في عقولهم الباطنة: استرداد ما أنفقوه
في حملاتهم الانتخابية، فضلاً عن وضع القواعد القانونية التي يشيدون عليها
ثراءهم المأمول، إن أولئك النواب لا يلبثون أن يفقدوا مصداقيتهم بعد أن تكشف
الجماهير حقيقة ما تنطوي عليه نفوسهم، إلا أنهم لا يُلقون لذلك بالاً طالما أن ما
صَبَوْا إليه من تشريعات تحمي وتكرس مصالحهم قد تم إنفاذها.
لقد أتاحت المجالس النيابية المجالات الواسعة أمام الأثرياء للسيطرة على
المرافق الاقتصادية الكبرى في بلادهم، بما في ذلك الحيوية منها، كالبترول
والصناعات الثقيلة والخفيفة والمنتوجات الزراعية والحيوانية وغيرها، كما أتاحت
لهم تأسيس الشركات الكبرى ذات الاحتكارات المالية الهائلة، وافتتاح المؤسسات
الاستثمارية الضخمة، وإنشاء المجمعات التسويقية الموسعة، وتشييد المدن
الترفيهية الشاسعة والمشاريع السياحية المنوعة، وسوى ذلك كثير، مما يعود
مدخوله إلى جيوبهم.
إن المناخ الديمقراطي الذي تهب رياحه على تلك الأنظمة يهيئ مثل هذه
البلورة الاقتصادية التي أعطت للإقطاع معنى أشمل مما كان عليه سابقاً بخصوص
الأراضي الزراعية؛ فهو يعتمد اليوم على البيوت المالية التي عمودها البنوك
الربوية التي أصبحت مهيمنة تماماً على الساحات الاقتصادية على جميع المستويات
المحلية والإقليمية والعالمية. إن البنوك الربوية التي تحتضنها الأنظمة الديمقراطية
لم تعد مجرد واسطات للتعاملات المالية، بل أصبحت مجمعات كبيرة للاحتكارات
الاقتصادية بكافة أصنافها وتوزعاتها.
إن استقلال المجالس النيابية بالتشريع وسيطرة النواب العلمانيين على مراسي
تلك المجالس (ولا يمكن أن يسيطر عليها سواهم؛ لأن الديمقراطية مفصلة على قَدِّ
مقاسهم) ، هذا الاستقلال بالتشريع أتاح الفرصة الكاملة وأعطى المجال الموسّع
لإضفاء علمانيتهم على كافة قوانين الشركات والمؤسسات والبنوك، بما جعلها في
واقع الحال تعبيراً عملياً عن علمانية البلورة الاقتصادية للديمقراطية، تلك العلمانية
التي وفّرت الغطاء الفضفاض لاستقدام الخبرات الاقتصادية العلمانية الأجنبية، بما
تتضمن تلك الخبرات من أشخاص من اليهود والنصارى وكل دين وملة، ومن
أعراف تسويقية علمانية تتضمن الإعلانات الخليعة وعروض الأزياء الفاضحة،
وإقامة الحفلات الماجنة، ومسابقات ملكات الجمال باسم السياحة التي تعتبر مرفقاً
اقتصادياً مهمّاً، والدعوة إلى المناسبات التي لا تكاد تنتهي تارة تحت مظلة إحياء
المعالم الأثرية، وأخرى تحت مظلة معارض الفنون التشكيلية، وثالثة تحت مظلة
تجسيد الأعراف من خلال الرقصات الفلوكلورية، وهلم جراً.. كل ذلك لدعم
المجهود الاقتصادي وترويج المواد السلعية والمنتجات المحلية والعالمية.
وفي ظل البلورة الاقتصادية العلمانية تزدهر مكاتب السفر الجوية والبحرية
والبرية لاستقبال الوفود الاقتصادية التي ترافقها غالباً الفرق الغنائية التي تنشر
فسادها من على منصات المسارح المبثوثة في الفنادق والمطاعم وقصور المؤتمرات، سوى تلك المخصصة لذلك الفن الوضيع.
كما تزدهر أيضاً حانات الخمر وصالات لعب القمار، وتكثر الملاهي
والمقاهي التي تدار فيها الكؤوس المحرّمة، وترقص فيها الفتيات رقصاتها الداعرة.
وتزدهر أيضاً بيوت الخنا ويزداد أولاد الزنا.. وتزدهر وتزدهر..
كل ذلك تحت حجة إنعاش الاقتصاد الوطني، ودعم المجهود المالي للدولة! ! . إنني ألجم قلمي عن الاسترسال في بيان أوجه البلورة الاقتصادية الديمقراطية
لحياة الشعوب المسلمة.
إن نتائج على قدر كبير من الخطورة تنجم من هذه البلورة الاقتصادية
للديمقراطية، من أهمها:
١- صياغة التعامل الاقتصادي اليومي للفرد المسلم في إطار علماني، بمعنى: أن المسلم يجد نفسه في واقع يفرض عليه التعامل بالربا والاحتكام إلى التشريعات
العلمانية في جميع شؤونه الاقتصادية، بما في ذلك تأسيس الشركات وافتتاح
المؤسسات وعقد الصفقات وتوثيق المعاملات، بل حتى في المعروض عليه من
أصناف الأطعمة وألوان الأزياء.
٢- استشراء الفساد الأخلاقي وازدياد الانحلال الاجتماعي، وفشو الكذب
والدجل في التعاملات الاقتصادية وسواها.
٣- علمنة الثقافة وذلك من خلال افتتاح المؤسسات الثقافية ذات الدخول
الاقتصادية الفردية أو الاستثمارية.
إن الاعتراض ليس على المؤسسات الثقافية بحد ذاتها، فهى شيء محمود
ومطلوب، بل الاعتراض على علمانية تلك المؤسسات بما تجلبه من ثقافة علمانية
لها طابع تسويقي اقتصادي.
٤- انتشار الرشاوى والمحسوبية، واستشراء الواسطة والوصولية، في
معظم التعاملات المالية، مما يؤدي إلى فساد الذمم وفقدان المصداقية وتفاقم
الانتهازية، مما يتيح الفرصة للوجهاء والمتنفذين أن يكونوا شركاء في الوكالات
والرخص التجارية، بل وفي معظم الصفقات الاقتصادية.
٥- ازدياد فجوة الفارق الطبقي بين الأغنياء والفقراء، بما يؤدي إلى تفاقم
الاحتكاك الاجتماعي، وتصعيد توترات الصراع بين مختلف طبقات المجتمع.
٦- إن مجمل ما ذكرت، هو معارِض لما جاء به الإسلام من العدالة
الاجتماعية، والمناهج الاقتصادية، ولذلك: فإن المجتمعات الديمقراطية متعرضة
إلى غضب الله (تعالى) لا محالة. قال الله : [وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً
أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] [الإسراء: ١٦] .
لقد شارك الإسلاميون في معظم المجالس النيابية في البلاد الإسلامية، فهل
نجحوا في أي بلد منها في الحد من أية ظاهرة من ظواهر الفساد الاقتصادي التي
ذكرتها في هذا المبحث؟ ! .
لا، لم ينجحوا، بل أخفقوا إخفاقاً ذريعاً في كل ذلك. وما زالت المجالس
النيابية تتتابع، وما زال الإسلاميون يلهثون للحصول على بعض كراسيها، والفساد
الاقتصادي يزداد انتشاراً ويتوسع دائرة! ! .
إن مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية، فضلاً عن أنها لم تحقق شيئاً
يذكر في اتجاه الحد من البلورة الاقتصادية للديمقراطية علمانياً، فإنها أيضاً للأسف
أصبحت جزءاً من تلك البلورة العلمانية رغم محاولاتها تسويغ عجزها عن تغيير
الوضع القائم؛ حيث إن القرارات الاقتصادية ذات الصبغة العلمانية يشرعها
المجلس النيابي الذي يشارك فيه إسلاميون، مما يحسب عليهم وإن كانوا
معارضين! ! ! .
стр. 2535
متابعات
حمّى التأليف والنشر .. نظرات في معجم جديد
بقلم: صالح درباش الخزمري
إن من نعم الله على عباده المؤمنين هذه العودة والأوْبة إلى الله (الصحوة
المباركة) التي نلمس آثارها في مجالات عديدة متنوعة، ومن أبرزها ما نراه من
حركة علمية واسعة الانتشار، في مجال التعلم والتعليم، والتحقيق ونشر التراث،
والتأليف والطباعة، وما إلى ذلك؛ حيث ظهرت كتب كثيرة من كتب الأسلاف
العظام محققة مضبوطة، كما ظهرت مؤلفات أخرى عليها طابع الجدّة والابتكار
والأصالة، فنفع الله بها من شاء من عباده.
ولكن ظهر في ثنايا تلك الحركة الدؤوب الجليلة، وتسلل إلى صفوفها بعض
المكدّرات وشيء من العبث والتلاعب باسم التحقيق تارة، وباسم التأليف المبتكر
تارة أخرى؛ وهذه الأفعال جديرة بأن تسمى عبثاً ولعباً ومسخاً.
ولقد نبه بعض الغيورين محذرين من هذا العبث والتعالم، من أمثال الشيخ
العلامة (بكر أبو زيد) وفقه الله الذي له جهود مباركة في هذا المجال ككتابه:
(التعالم وأثره على الفكر والكتاب) ، وكتابه: (حلية طالب العلم) و (الرقابة على
التراث) ... وغيرها.
وألف الأخ الفاضل (محمد آل شاكر) ، كتابه: (أوقفوا هذا العبث بالتراث) ،
بعد أن كان مقالات على صفحات (البيان) .
وألف الأخ الفاضل (أحمد الصويان) كتابه: (الكتاب الإسلامي المعاصر..
نظرات نقدية) ، وغير هؤلاء من الغيورين على تراث الأمة وحياتها العلمية فجزى
الله الجميع خير الجزاء.
ومع هذه التحذيرات الصارخة: فلا يزال العبث مستمراً وفي ازدياد ممن
تصدروا للتأليف والتحقيق قبل أن يتأهلوا لذلك، متشبعين بما لم يُعْطَوْا ضاربين
بهذه الصرخات عرض الحائط:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
وفي الآونة الأخيرة طالعتنا إحدى المكتبات بالرياض بنشر كتاب يحمل عنوان
(معجم ألفاظ العقيدة) ، ويقع الكتاب في أكثر من ٤٨٠ صفحة في مجلد أنيق.
والعنوان كما ترى مهم للغاية وضخم، يستحق أن يتعاون على تأليفه مجموعة
من المتخصصين وحالما طالعته وجدت مؤلفه يقول في مقدمته: إن علم العقيدة
يحوي مصطلحات يغيب معناها عن كثير من طلبة العلم فضلاً عن عامة الناس،
وإنه لم يُسبق إلى هذا العمل، فشمّر عن ساعد الجد وحاول حصر المستطاع من
ألفاظ العقيدة لإفادة الناس، بل طلاب العلم..! !
وإذا نظرنا في هذا الكتاب نَجِدُهُ خِلْواً من التحقيق والتدقيق والتمحيص
المطلوب في المعاجم، بل في كل تأليف، وأما تحرير المصطلحات ونسبة الأقوال
إلى أهلها والتعامل مع المراجع كما ينبغي، فلا تسأل عن شيء من ذلك في هذا
الكتاب؛ كما سنرى أخي القارئ.
ولو تتبعنا الملحوظات عليه لوجدناها كثيرة جداً، لكنني أكتفي بما يؤدي
الغرض ويفي بالمقصود إن شاء الله (تعالى) .
ففي مجال التعريف بالمصطلحات وشرحها الذي هو أساس الكتاب نجد الآتي:
في كثير من الأحيان لا يعرِّف بالمصطلح، وإنما يسترسل في أمور أخرى
لا علاقة لها بالتعريف: كالحكم على هذا المصطلح من حيث الجواز وعدمه، أو
بيان رواية حديث أو غير ذلك من الأمور؛ انظر مثلاً لفظ: الأوعال، البركة،
التعليل، التصوير ... ، وغيرها ككثير من الأسماء والصفات التي يكتفي بإثباتها
دون شرحها وبيان معناها.
وكثير من التعريفات غير تامة، بل هي قاصرة جداً مثل:
١- تعريفه للبراهمة بأنهم (الذين يزعمون أن العقل يغني عن الوحي) وهذا لا
يكفي في تعريفهم.
٢- تعريفه لأصحاب الهياكل حيث استرسل في شرح معنى هذا اللفظ ولم
يبين أنهم من الصابئة.
٣- الجارودية: عرّفها وشرح حالها ولم يذكر أنها إحدى فرق الزيدية.
٤- حدوث العالم حيث نقل عن بعض الكتب المعاصرة: أن ذلك قول معظم
مفكري الإسلام، ونقول: بل هو عقيدة المسلمين جميعاً، وسائرُ أهل الديانات كلهم
يؤمنون بحدوث العالم ووجوده وخلقه بعد أن كان معدوماً وليس خاصاً بفئة من
المفكرين.
والسبب الذي يوقعه في هذه المآخذ نقله من المراجع التي اعتمد عليها دون
تمحيص، وأحياناً يعرّف تعريفات بعيدة عن الصواب، بل هي خطأ مثل:
١- تعريف الإرجاء: فقد تحدّثَ عنه بأنه ظهر في عصر الصحابة، ثم أخذ
يسترسل في بيان أصناف المرجئة وفرقهم دون تحديد لمعنى الإرجاء، والإرجاءُ
الذي يعنيه في عصر الصحابة ليس هو الإرجاء بوصفه فكرةً ومعتقداً وهو الذي
يدخل ضمن معجمه! !
٢- الكلام النفسي لم يوضحه، وإنما نسبه إلى المعتزلة والفلاسفة. ومن
المعلوم عند طلاب العقيدة الذين يؤلف لهم هذا الشيخ معجمه، أن الكلام النفسي أول
من قال به ابن كلاب، ثم تبعه عليه الأشاعرة والماتريدية.
٣- تعريفه للاثني عشرية قال: هي التي تدعي عصمة اثني عشر إماماً (ثم
عدّهم أحد عشر إماماً..! !) وعد منهم (أحمد الباقر! !) ، وصحة اسمه: (محمد
الباقر) ، كما عد منهم فاطمة ﵂ و (فاطمة) ليست منهم.
وهو غير موفق في كثير من تعريفاته:
١- ففي تعريفه للمهدية وصفها بأنها سلفية، وهذا وهْمٌ فهي طريقة صوفية.
٢- وفي تعريفه للسنوسية وصفها أيضاً بأنها سلفية.. وهذا الكلام غير سليم؛
والسبب: أنه نقل من مرجع معاصر لكاتب ليس على منهجية صحيحة في نظراته
وأطاريحه.
٣- وفي تعريفه للزيدية وصف (زيد بن علي) بأنه صاغ نظرية شيعية
متميزة.. (هكذا قال) .
وهو في هذا مجرد ناقل عن غيره دون تمحيص وإلا ف (زيدٌ) ﵀ لم
يكن شيعياً قط، ولم يؤمن بنظريات الشيعة، واقرأ إن شئت كتاب: (الإمام زيد بن
علي المفترى عليه) لشريف الخطيب.
وأحياناً كثيرة يترك مصطلحات السلف لا يعرّفها مع أنه زعم في المقدمة
الحصر ما استطاع، فلم يعرّف مثلاً: الجنة، الحفظة، الكوثر، القرين، المحدّث، الملهم، الإلهام، الرؤيا وغيرها؛ وحتى لفظ العقيدة الذي هو عنوان معجمه
الشامل..! ! فإنه أهمل تعريفه؛ واهتم بتعريف مصطلحات لا أهمية لها كأسماء
بعض الفرق المندثرة كالعلبائية، والبزيغية، والبيهسية، والزروانية والكيومرثية
والرقيونية.. وغيرها مما لا تهم القارئ، وترك التعريف بفرق حية معاصرة مع
أهمية ذلك كالتعريف ببعض طرق الصوفية كالرفاعية، والختمية، وغيرها،
وبعض المذاهب الفكرية المعاصرة: كالرأسمالية والديمقراطية، والحداثة، وغيرها.
وبعض التعريفات ينسبها إلى غير أهلها، كتعريف الكبيرة نَسَبَهُ لابن تيمية،
وهو في الحقيقة لعلماء سابقين عليه من عهد الصحابة فمن بعدهم؛ ولو رجع إلى
كتب التفسير عند قوله (تعالى) : [إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ ... ] [النساء: ٣١] ، ورجع إلى (فتح الباري، ١٢/١٨٣) وكتاب
(الزواجر) للهيتمي لكان أوثق له وأصدق.
وأحياناً يذكر المصطلح ناقلاً له عن غيره دون عزو أو توثيق؛ فيظن القارئ
أنه من مبتكراته، كتعريف الشيعة، إذ نقل تعريف الشهرستاني في الملل والنحل
ولم يعزه إليه. وانظر كذلك ألفاظ: (المعتزلة، الإرجاء، الصوفية ... وغيرها مما
لم يعزُه إلى أحد ... ! !) .
وأما مصادره المعتمدة في هذا المعجم فجلّها حديثة معاصرة مع وجود الأصول
التي أخذ منها هؤلاء المعاصرون:
١- ففي تعريف الماتريدية اعتمد على رسالة صغيرة لأحد الدكاترة مع وجود
مراجع معتمدة غيرها.
٢- وعرف البراهمة معتمداً على كتاب (الرسل والرسالات للشيخ عمر
الأشقر) ، مع أن الأشقر لم يعرّف البراهمة أساساً.
٣- وعرف الرافضة من فتاوى فضيلة الشيخ (محمد العثيمين) مع وجود كتب
الفرق المعتمدة التي عرّفت بهذه الفرقة.
٤- ووثق قصة ابن صياد من كتاب (القيامة الصغرى) للشيخ الأشقر مع
وجود القصة في صحيح مسلم وغيره.
٥- وعرّف بالإنجيل نقلاً عن كتاب الملل والنحل للشهرستاني، وزعم أن
إنجيل (برنابا) اختفى ذكره، ونقول: إنه موجود مترجم، نقله إلى العربية خليل
سعادة وطبعه محمد رشيد رضا، وأعيد طبعه في بيروت مرات.
٦- وعرّف برسائل إخوان الصفا من كتاب (كشف الظنون) مع وجود هذه
الرسائل مطبوعة.
٧- ويحيل أحياناً في بيان المصطلحات السلفية إلى غير كتب السلف،
كإحالته للتوسع في الإيمان وأقوال الفرق فيه إلى كتاب تبصرة الأدلة للنسفي
الماتريدي، مع وجود كتب السنة وتوفرها في توضيح ذلك.
٨- نقل تعريف القرامطة من تسجيل صوتي لأحد المشايخ المعاصرين! !
وهذا قصور ظاهر منه مع وجوده في مصادر قديمة وحديثة متوفرة.
وخلاصة القول في مراجعه: أن جلها من المؤلفات الحديثة التي يغلب عليها
النقل إلا ما ندر، ومؤلف هذا المعجم أفرغ ما ألف من هذه الكتب المعاصرة في
تأليفه:
- فهو قد أفرغ كتاب شرح أسماء الله الحسنى للشيخ سعيد بن وهف القحطاني
في معجمه مع أنه كان بالإمكان الرجوع إلى كتب التفسير عند تفسير الأسماء
الحسنى الواردة في القرآن، وكذلك شروح الحديث، وأيضاً الكتب التي اهتمت
بشرح الأسماء الحسنى عند القدامى.
- وكذلك كتاب الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة د (ناصر القفاري) ،
د (ناصر العقل) ومؤلفاه قد ذكرا: أن كتابهما ألف لأغراضٍ دراسية فقط، فقام
بإفراغه في معجمه على أنه مرجع أساس مع توفره وغيره.
- والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة الصادرة عن الندوة
العالمية للشباب الإسلامي بالرياض وهي التي أوقعته في خطأ تعريف الزيدية [*] .
٤- فتاوى الشيخ (محمد بن عثيمين) (حفظه الله) ، فإنه لا يكاد يخرج عنها
مع وجود فتاوى غيره من أهل العلم من السابقين واللاحقين ممن هم على منهاج
السلف، كفتاوى شيخ الإسلام (ابن تيمية) وغيره من العلماء القدماء والمحدثين.
٥- وأما في الفرق والأديان فمع ما سبق في رقم (٢، ٣) فقد يرجع إلى الملل
والنحل للشهرستاني في أحيان قليلة، ونادراً ما يرجع إلى غيره من كتب الفرق
المتقدمة المعتمدة.
وختاماً نقول: إن تأليف معجم ليس من السهولة بحيث يؤلف بهذا الأسلوب
نقلاً من الكتيبات والرسائل الصغيرة التي طابعها نشر الوعي أكثر من التحرير
والتأصيل، وإصدار معجم بهذه الأهمية يستغرق وقتاً طويلاً من الجمع والتحقيق
والتدقيق والتمحيص والتوثيق والترجيح بين الآراء والأقوال، فلا يأتي إلا بعد
سنوات طوال من الجهد المضني، وقد تأهل مؤلفه ونبغ في العلم ورسخ فيه وعلا
كعبه، وإن أردتم أمثلة على ما أقول فانظروا إلى أيِّ معجم معتمد كيف بلغ مؤلفه
به شأواً عظيماً؛ ودونكم معجم المناهي اللفظية للعلامة (بكر أبو زيد) ، كيف حرره
وأبدع فيه.
أخي القارئ: هذه إشارات عاجلة سريعة على سبيل التمثيل لا الحصر، والله
نسأل للجميع التوفيق والسداد.
стр. 2536
منتدى القراء
السفينة الماخرة
شعر:علي بن جبريل
من خلفِ باقة الأيّام والكثُبِ ... خلفِ تلٍّ من الأمواج مضطربِ
سفينةٌ برزتْ تسعى على مَهلٍ ... تداعبُ الريحَ في رفق وفي دأبِ
تجيء ترقصُ من فرحٍ ومن أملٍ ... ومن حنينٍ ومن حُبٍّ ومن طرَبِ
تسيرُ سيراً حثيثاً في مكابَدةٍ ... تجُرّ هيكلها المضْنِيّ في تعبِ
ربّانها ثغرُه للموج مُبتسمٌ ... يقودُها بثباتٍ، غير مكتئبِ
لا يرعوي لخطوبٍ قد تُلِمّ به ... ما دام معتصماً بالله، ذا أدبِ
تسير في جَلَدٍ رغم العوائق في ... طريقها، لم تخفْ يوماً ولم تهَبِ
سفينة.. لو رأتْ عيناك ملعبها ... وسط البحارِ، وبين الموجِ والصّخبِ
لخالتا -عندها- أن لا نجاة لها ... وأن ركّابها لا شكّ في كُرَبِ
رأيتُها.. والأسى لفّ الرّداء على ... نفسي، وقلبي، ووجداني، ومُطّلبي
ولألأت حينها الأنوارُ طافحةً ... والبشرُ في مُهجتي، والنّورُ شعْشَع بي
واغرورقتْ مقلتي بالدّمعِ في فرحٍ ... وأطلقت عبراتٍ أذهبَتْ وصَبي
فيا سفينتنا.. سيري ولا تقفي ... وأبحري في خضم البحر لا تَهبي
وأيقظي أمتي من طولِ رقدتها ... وحرِّكي الركب من عُجمٍ ومن عربِ
وبيّني سنّة الأسلافِ واضحةً ... وفنّدي كلّ قولٍ جَدّ في لَعِبِ
فقد حُبيتِ بياناً ساحراً سلساً ... يسيرُ حذوَ بيانِ المصطفى العربي
بيانُكِ الحلوُ أرضى كلّ ذي خُلُقٍ ... وذي صلاحٍ، وذي تقوًى، وذي أدبِ
أسيرُ بين روابيكِ التي حسُنتْ ... أنقِّلُ الطّرف من شِعْبٍ إلى شِعَب
فأستلِذّ بيانَ الحقِّ يُطربني ... يا بهجة الروح بين الدين والأدبِ
فشمّري.. شمّري عن ساعدٍ قوِيَتْ ... وأبحري.. أبحري وسط الضبابة بي
تشبّثي عروةَ الرحمن جَاهدةً ... فعُروَةُ الله سلوى كل مغترِبِ
وعروةُ الله أمضى ما نسيرُ به ... وعروةُ الله لا تُبتاع بالذّهبِ
стр. 2537
الورقة الأخيرة
بين هبل وأفروديت
بقلم:محمد الروبي عبد الوهاب
هل تخيلت مرة أن ترتدي ثوباً كتب عليه هُبَل، أو اللات أو العزى أو مناة؟
هل كان لك قميص مكتوب عليه (ودّ) أو لزوجتك أو أختك خمار كتب عليه سواع
أو لطفل من أطفالك رداء جميل مكتوب عليه يعوق أو نسر؟ ماذا سوف يكون رد
فعلك؟ هل توافق على هذا العبث والهراء؟ هل تقف بين يدي الله تصلي وأنت
ترتدي هذه الخبائث التي تمجد الأصنام؟ هل تسير بها في الشارع كي يرى الناس
ذلك الاسم الوثني الذي يتربع على صدرك أو كتب على ظهرك؟ إنني أظن أنك
حين تدرك معنى ذلك العبث والهراء فسوف توقد فيه النار من اللحظة الأولى،
سوف تحكم على البائع بالترويج لعبادة الأوثان وجلب الملابس التي تحمل هذه
الأسماء أو تتهمه بإشاعة الفتنة بين أبناء المسلمين الموحدين وهذا أضعف الإيمان.
غير أنني لاحظت أن في الأسواق مؤامرة خبيثة تحاك خيوطها بإحكام ضدنا،
تستهدف ضرب العقيدة التي هي أعز ما نملك تسير حثيثاً حتى يتملك المرض
جسدنا المنهك من كثرة الفتن التي تركت الحليم حيران يقول: ماذا نفعل؟ فمنذ أن
ظهرت الدعوة لدين الله حاربها الكفار بكل ما توفر لديهم من عدد وعتاد، ووقفوا لها
وقفة الجاحد المنكر، وحاربوها بأساليب المكر والخديعة والدس والمواجهة؛
وهاهم اليوم يعاودون الكرّة مرة ثانية وقد تمكنوا من الولوج إلى منازلنا بل إلى غرف
النوم، وعاشوا معنا وفي دمائنا من خلال البث الفضائي وأصبح كثير من بيوتنا
مرتعاً لهم ولفجورهم ولفسقهم، وساعدناهم نحن باتباع الهوى والنفس وإبليس،
وغرتنا الحياة الدنيا، وأَلْهَانا الأمل حتى سرنا على دربهم دون أن نفكر في إرضاء
الله، بل سارعنا نخطب ود الزوجة والأولاد ولو غضب الله تعالى علينا.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: قلدناهم في ملابسهم، وأصبحنا نرى
الشباب، ويا حسرتنا عليهم، والفتيات، وما أعظم مصابنا فيهن، والأولاد
والأطفال، وما أسوأ تربيتنا لهم، والزوجات، وما أشد غفلتنا عنهن يرتدين
الملابس الفاضحة المكتوب عليها عبارات باللغة الإنجليزية أكثر خدشاً للحياء من
هبل وأمثاله، جاؤوا بها من الرومانيين وأساطيرهم والآلهة التي كانوا يعبدونها،
ومن الإغريق وأيضاً، إلى جانب بعض من أسماء الآلهة الفرعونية، ورأيت أنه
لزاماً عليّ أن أكتب وأوضح هذا الأمر ليكون بياناً للناس حتى لا يوضع لي لجام
من نار يوم القيامة.
وما أكثر الأنواع التي هي عبارة عن سترات (بلوزات) نسائية، وملابس
تخص الرجال والنساء، وكذلك أنواع من أغطية الرأس ذات اللسان الذي يتدلى
على الجبهة ويكتب فوقها أسماء قبيحة تعني مدلولات معينة كما توضحه أسماء آلهة
القوم المزعومة [*]
والله أرجو أن ينفع بها عامة المسلمين ويجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
стр. 2538
جمادى الأولى - ١٤١٨هـ
سبتمبر - ١٩٩٧م
(السنة: ١٢)
стр. 2539
كلمة صغيرة
بروتوكولات
اعتادت بعض الدول على إضافة بعض مراسم الاحتفال الخاصة باستقبال كبار
ضيوفها، فيما يعرف بالبروتوكول (فن التعامل بين الدول والهيئات) ، فهناك بعض
الدول التي تقدم باقة من الزهور يحملها بعض أطفالها إلى الضيف، وهناك دول
أخرى تضع في البروتوكول زيارة قبر الجندي المجهول، ودولة اليهود تصر على
أن يزور الضيف حائط البراق (الذي يسمونه حائط المبكى) معتمراً قلنسوة اليهود
الشهيرة، ومن طقوس بروتوكولهم أيضاً زيارة متحف ضحايا النازية (الهولوكست) ، وتركيا تضع ضمن برامج البروتوكول زيارة ضريح الهالك أتاتورك ووضع إكليل
من الزهور عليه، وكذلك كانت الدولة الشيوعية سابقاً: إذ كان لا بد من زيارة
قبرَيْ: لينين وستالين، وكم وقف الرفاق العرب أمام قبريهما خاشعين وقدموا لهما
قرابين الطاعة قبل أكاليل الزهور!
والقاسم المشترك بين هذه المراسم أنها تحمل دلالة رمزية ومعنى بعيداً يراد
إشراك الزائر فيه.
ولكن أغرب ما رأيناه هو ما ابتدعه بعضهم عند استقبال رجال الحرب اليهود
في بلادهم، حيث تكرر فيما يشبه البروتوكول المفروض تقديم (سيف عربي) إلى
وزير آلة العدو الحربية ثم إلى رئيس أركانه! فما هي الدلالة الرمزية والمعنى
البعيد من هذا الطقس الجديد؟ ! إذا كانوا يقصدون إفهام العالم أنهم سلّموا أسلحتهم
وجيوشهم إلى يهود فهذا قد عرفناه منذ زمن، أم المقصود التذكير المستمر بالخنوع
وإهدار الكرامة..؟ فإننا نذكرهم بأن العزة (لله ولرسوله وللمؤمنين) .
ثم إلى أي مدى ستذلنا (البروتوكولات) ؟ ! وإلى الله المشتكى.
стр. 2540
افتتاحية العدد
بعد سنوات عجاف.. الإنقاذ من جديد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى
يوم الدين، أما بعد:
فلقد خرج أخيراً الشيخ عباسي مدني ومن قبله الشيخ عبد القادر حشاني،
وتبع ذلك العديد من التحليلات السياسية التي تحاول تفسير الموقف الحكومي من
جهة، وموقف جبهة الإنقاذ من جهة أخرى، وموقف الشارع الجزائري والمغاربي
بوجه عام. وبغض النظر عن دقة تلك التحليلات أو عدم دقتها، فإننا نرى أنّه من
المناسب الإشارة إلى المسائل التالية:
المسألة الأولى:
لا شك أن الأحداث المتتابعة، وفترة السجن الطويلة التي قضاها شيوخ الإنقاذ، أعطتهم فرصة كبيرة للنظر والتأمل، ودراسة المواقف السياسية المختلفة التي
تمخضت عنها الأحداث المتلاحقة. ولقد اتضحت طبيعة النظام الجزائري،
ومواقف الأحزاب بمختلف اتجاهاتها السياسية، وتكشفت مواقف الأنظمة الغربية.
وهذا يستوجب إعادة النظر بطبيعة الخطط والشعارات التي تبنتها جبهة الإنقاذ،
وكيفية إدارتها للمواقف العملية.
وإذا أضيف إلى ذلك الرصيد الخصب للتجربة الإسلامية التي اكتسبها الشيخ
عباسي مدني وأصحابه؛ فإنه سيساعدهم بالتأكيد إن شاء الله تعالى على تقويم
الموقف برمته تقويماً شاملاً يدرس كافة الإيجابيات التي تم اكتسابها، وكافة الأخطاء
التي تم الوقوع فيها لأي سبب من الأسباب. ولعل ذلك يعدّ من أولى أولويات
المرحلة القادمة التي ينبغي أن تدرج ضمن خطة جبهة الإنقاذ ليتم الانطلاق منها بعد
ذلك إلى رسم الخطط المستقبلية القريبة والبعيدة.
المسألة الثانية:
بعد الاعتقالات الشاملة التي واجهت جبهة الإنقاذ، والتي أدت إلى غياب أكثر
القيادات الشرعية والسياسية، حدثت شروخ فكرية ومنهجية في جسم الحركة
الإسلامية بعامة، وظهرت بعض الأطروحات العلمية والعملية التي قد ينقصها
العمق الشرعي والأصالة المنهجية، كما تصدعت بعض الصفوف وانفرطت وحدتها، وتعددت البراعم التنظيمية هنا وهناك. وهذا كله يتطلب استنفاراً كبيراً في طاقات
الشيوخ الفضلاء لترميم البناء من الداخل، وإعادة تأطيره، ومعالجة الانحرافات
المنهجية علاجاً شرعياً مؤصلاً.
ونحسب أن شيوخ الإنقاذ بحمد الله تعالى يملكون الأصالة العلمية، والقدرة
الإدارية والفنية، لوضع أيديهم بحكمة على مواضع النقص والخلل، لمعالجتها
بعمق شرعي وبنفس طويل وصدر واسع، مع مراعاة كافة الاعتبارات التي تمر
بها المرحلة الحالية من داخل الجبهة وخارجها.
المسألة الثالثة:
لا شك أن رجالات جبهة الإنقاذ أثبتوا ولله الحمد والمنة بسالة وشجاعة في
تحمل أعباء السجن والملاحقة والتضييق، وضرب الشيوخ أروع الأمثلة في ثباتهم
وصدقهم واستعصائهم على الترويض، فكانوا قدوة ومثلاً يحتذى. نسأل الله تعالى
أن يعظم للجميع الأجر والمثوبة، وأن يرفع درجاتهم، ويعلي منازلهم في الدنيا
والآخرة.
إنّ الطريق لإعلاء كلمة الحق واضح المعالم، بيّن السمات، ولن يقوم به إلا
الخُلّص الأبرار الذين باعوا نفوسهم لله تعالى، وآثروا الباقية على الفانية، ولم
يضرهم من خذلهم أو خالفهم، بل اعتصموا بحبل اله المتين، واقتدوا بهدي سيد
المرسلين، وهانت في أعينهم مختلف المشاق والمصاعب.
وها هنا ينبغي التأكيد على أهمية البناء التربوي الراسخ في الصفوف؛
فتزكية النفس وتهذيبها وبناؤها من أولى أسس التغيير الشامل الذي يتطلع إليه
المخلصون. ولن يبلغ البنيان تمامه إلا بجهد كبير في رعاية المحاضن التربوية.
ولم يكن هذا البعد التربوي غائباً عن صفوف الجبهة في المرحلة السابقة،
ولن نظن بحول الله تعالى أنه سيغيب في المراحل القادمة؛ ولكننا نرجو أن يولى
عناية أكبر، وأهمية أعظم. والجماهير العريضة المتعطشة للحل الإسلامي، والتي
تلتف حول العلماء والمصلحين والدعاة الصادقين تحتاج إلى رعاية تربوية ومنهجية
أصيلة.
فالخطاب الوعظي المجرد مهما كان بليغاً لا يبني رجالاً راسخين، كما أن
العاطفة المتوهجة التي لم تتجذر في أعماق الأرض مهما كانت صادقة قد لا تثبت
أمام الأعاصير والأمواج العاتية! ! ولهذا كان بناء الرجال وإعداد النفوس هو
الطريق الصحيح للتغيير، وما لم تتضافر الجهود لذلك فسوف نظل نعرج ونتعثر! !
المسألة الرابعة:
كشفت أحداث الجزائر السابقة، ومثلها التجارب السابقة للحركات الإسلامية
المختلفة الأهمية الكبرى لوحدة الصف الإسلامي، فذلك هو السبيل الأمثل لمواجهة
جموع الأحزاب العلمانية والأنظمة النفعية التي أجلبت بخيلها ورجلها لوأد الصحوة
الإسلامية بعامة.
ولقد آن الأوان أن يدرك العقلاء والمخلصون في الحركة الإسلامية الجزائرية
بمختلف فصائلها: أن التهارش والتدابر والتقاطع والاشتغال بالأعراض يُعد أفضل
خدمة نقدمها للعلمانيين.
آن الأوان بأن ندرك: أن انكسار فصيل من الفصائل الإسلامية إنما هو
خسارة للعمل الإسلامي بعامة.
آن الأوان أن ندرك: أن القوة الحقيقية لنا إنما هي باتحادنا وتعاوننا على البر
والتقوى، والواجب علينا أن نتعالى على حظوظ النفوس وشهواتها، ونسمو فوق
الهموم الصغيرة والولاءات الحزبية الضعيفة.. وصدق المولى الحق: [وَلا
تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] [الأنفال: ٤٦] .
لقد علق المخلصون في أقطار الأرض آمالاً عريضة على الحركة الإسلامية
في الجزائر، ولا زالوا يتطلعون إلى آفاق رحبة، خاصة أن المعطيات والبيئة
الاجتماعية في الجزائر لا زالت خصبة واعدة بالمزيد من الخيرات، إن شاء الله
تعالى، ونسأل الله أن يعين إخواننا للنهوض من كبوتهم ويسدد
خطاهم. وأن يحفظ الجزائر وأهلها الصالحين بالإسلام وأن يرد عنها كيد الأعداء
المتربصين.
وصلى الله على محمد وآله وسلم،،
стр. 2541
في إشراقة آية
نسوا الله فأنساهم أنفسهم
بقلم: عبد الكريم بكار
يقول الله جل وعلا: [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ
الفَاسِقُونَ] [الحشر: ١٩] .
هذه آية جليلة الشأن في كتاب الله تعالى وهي تضع أيدينا على حقيقة كبرى
من حقائق هذا الوجود، وتمنحنا استبصاراً بشأننا العام، لا يليق بنا أن نتجاوزه
دون أن يملأ حياتنا بمعنى جديد!
ولعلنا في الصفحات التالية نقتبس من نور هذه الآية:
١- إن نسيان الله تعالى يكون على مستويين: مستوى ضعف صلة المسلم به، وتبلد أحاسيسه ومشاعره نحو خالقه جل وعلا ومستوى الإعراض عن هديه
واستدبار منهجه.
وفي إطار المستوى الأول نجد أن لدينا الكثير الكثير من النصوص التي تحث
المسلم على أن يكون كثير الذكر والمراقبة لله تعالى حتى يصل إلى مرحلة الحب له
وفرح الوعي به، والاستئناس بذكره، وقد قال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً] [الأحزاب: ٤١-٤٢] وقال:
[وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ] [العنكبوت: ٤٥] .
وفي الحديث الصحيح: (مثل الذي يذكر ربه ولا يذكره كمثل الحي والميت) [١] ولو رجعنا إلى ما حثت عليه النصوص من الذكر، مما يسمى بعمل اليوم
والليلة لوجدنا أن الالتزام بذلك يجعل المسلم لا يكاد ينفك عن تسبيح وتحميد وتهليل
واستغفار وتضرع ودعاء، ما دام مستيقظاً. إن كثرة ذكر لله تعالى تولّد لدى المسلم
الحياءَ منه وحبه، وتنشّطه للسعي في مرضاته، كما تملأ قلبه بالطمأنينة والأمان
والسعادة؛ لينعم بكل ذلك في أجواء الحياة المادية الصاخبة.
إن الفكر يرسم المسار، ويرشد إلى الطريق الأصلح للحركة والعمل، لكنه لا
يكون أبداً منبعاً للطاقة والعزيمة والإرادة الصلبة، وإن الصلة بالله تعالى والتي هي
لباب كل عبادة هي التي تمدنا بكل ذلك، وإن المعاناة التي يشعر بها المسلم اليوم
من جراء الانفصال بين قيمه وسلوكه، لم تتجذر في حياة كثير من المسلمين إلا
بسبب ما يشعرون به من العجز عن الارتفاع إلى أفق المنهج الذي يؤمنون به؛
وذلك العجز لم يترسخ، ويتأصل إلا بسبب نضوب ينابيع المشاعر الإيمانية في
داخلنا!
إن تيار الشهوات والمغريات الذي يجتاج كل ما يجده أمامه اليوم، لا يقاوم إلا
بتيار روحي فياض، يعب منه المسلمون ما يسمو بهم عن أوحال الملذات والمتع
الدنيوية، ويعوضهم عن نشوتها. ولذا فإن (أدب الوقت) يقتضي من المربين
والعلماء الناصحين وأهل الفضل، التوجيهَ إلى إثراء حياة الشباب والناشئة بالأعمال
الروحية وعلى رأسها الذكر حتى لا يقعوا في مصيدة النسيان واللهو والإعراض عن
الله تعالى.
إن مما صار شائعاً أن ترى بعض العاملين في حقل الدعوة، وقد شُغلوا
بضروب من أعمال الخير، لكن الجانب الروحي لديهم صار ذابلاً، وأقرب إلى
الجفاف بسبب إفراغ طاقاتهم في السعي إلى تحقيق أهداف عامة، كنفع الناس،
أو الدعوة إلى الله تعالى دون أن يستحضروا النية، ودون أن يطبعوا على ذلك اسم
الله تعالى ودون أن يعطروه بشذى من الصلة به، والإحساس العميق بالامتثال لأمره.
وكانت نتيجة ذلك أن فقدت تلك الأنشطة نكهتها وتأثيرها، وقصّرت عن بلوغ
أهدافها، بل صار تسرب حظوظ النفس إليها أمراً قريباً ووارداً. إن البنية العميقة
للثقافة الإسلامية متمحورة على نحو أساسي حول تعظيم الله ومرضاته، وإن المسلم
إذا فقد قوة الشعور بالارتباط بذلك، لن يسعى في إعمار الأرض، وإذا فعل ذلك
فإن عمله لن يكون له أدنى تميز، وسيخبط، ويرتع كما يفعل غيره!
٢- هناك مستوى آخر من نسيان الله جل شأنه يتمثل في تخطيط شؤون الحياة
بعيداً عن الاهتداء بكلماته، والتقيد بالقيود التي فرضها على حركة عباده. وهذا في
الحقيقة هو النسيان الأكبر.
وعند تقليب النظر في واقع أمة الإسلام اليوم نجد أن نسبة محدودة من
المنسوبين لهذه الأمة تلتزم على نحو كلي بفعل الواجبات، وترك المحرمات. وبما
أن الإحصاء حول أي شيء ليس مرغوباً فيه، فإننا لا نعرف، ولا نحزر الاتجاه
الذي تسير فيه تلك النسبة المحدودة من الملتزمين: هل هو النمو، أو هو الانكماش
والانحسار؛ لكن من الواضح أن العديد من القيم والأخلاق الإسلامية العتيدة بدأ يفقد
التأثير في ضبط السلوك، وتكوين المواقف؛ لأسباب عديدة، ليس هنا موضع
ذكرها. وحين تسمع لكلام كثير من ذوي النفوذ والثقافة في الساحات الإسلامية لا
تجد في أحاديثهم وخطابهم العام ما يدل في الشكل أو في الروح على أنهم على شيء
من ذكر الله والدار الآخرة، أو أنهم متأثرون بشيء من منهجيات هذا الدين وأدبياته، على الرغم من أنهم يُذكرون في عداد المسلمين!
وإن مما يلاحظ في هذا السياق أن تطوراً مريعاً قد اجتاح لغة الخطاب لدينا
خلال السنوات العشر الماضية، فقد كانت لدينا قيم موضوعية ثابتة، على من
يستحق الثناء أن يتخلق بها، وقد كان الناس يقولون: فلان طيب (ابن حلال)
خلوق، صالح، مستقيم، تقي، متواضع.. أما اليوم فإن ألفاظ المديح تتمحور
حول عدد من المزايا الشخصية المرتكزة على مهارات معينة، وعلى علاقات
اجتماعية واسعة، هي أشبه بما على (مندوبي المبيعات) أن يتقنوه! وصار يقال:
فلان ناجح، شاطر، اجتماعي (دبلوماسي) حَرِك، مَرِن، أثبت ذاته، وحقق
وجوده.
وفي اعتقادي أن مثل هذا التطور سوف يجعل المجتمع يموج باللصوص
والمرتشين والمحتالين ما دام النجاح، لا الفلاح، هو المنظم الخفي للتراتيبية
الاجتماعية! وقد نعد هذا من أسوأ ما شاهدناه من أشكال التطور الأخلاقي
والاجتماعي والتربوي، وسوف تكون له آثار بعيدة المدى في البنية الأساسية
للشخصية المسلمة على مدى عقود عديدة قادمة!
٣- إن الآية الكريمة صريحة في أن نسيان الله تعالى كان سبباً مباشراً في
جعل المرء ينسى نفسه، وكأن الذي يضيّع نفسه في عاجلها وآجلها، يضيّع الدنيا
فتلفه المشكلات من كل صوب، ويضيع الآخرة بخسران النجاة والفوز بالجنة.
إن نسيان النفس ليس على درجة واحدة، وإن الضرر الذي سيلحق الناس
سيكون بالتالي متفاوتاً، وعلى مقدار النسيان والتضييع لأمر الله تعالى سيكون
التضييع للنفس والدنيا والآخرة.
إن خسران الآخرة للذين ينسون الله، واضح المعالم، ويستوي في معرفته
العامة لدينا والخاصة، لكن التضييع لأمر الدنيا هو الذي يحتاج إلى نوع من البيان، ولعلنا نجلوه في النقطتين التاليتين:
- إن عصر المعلومات الذي يظلنا الآن سيكون والله أعلم أقصر العصور
الحضارية، وسوف يعقبه عصر آخر، هو عصر (الفلسفة) وبحث المسائل الكلية،
وستطرح الأسئلة الكبرى: من أين جئنا، ولماذا نحن هنا، وإلى أين المصير، ما
حدود الطبيعة البشرية، وما ماهية الخير والشر..؟ وإنما نقول ذلك؛ لأن قراءة
التعاقبات التاريخية، تنبئنا أنه حين تصل حالة مّا إلى حدود متقدمة، تبزغ من
الطبيعة البشرية حالة مضادة لها؛ فحين تشتد العقلانية أو التقنيّة في أمة، فإن
أشواقاً تنبعث لكسرها، فينبثق من العقلانيّ العاطفيّ، ومن التقنيّ الفلسفيّ والفكريّ، إنه أحد مظاهر سُنّة التوازن التي بثها الخالق جل وعلا في هذا الكون!
ولذا فإن الهمجيّين وسوقة السوقة وحدهم، هم الذين لا يتشوّفون إلى معرفة
مصيرهم النهائي، وإلى معرفة الغايات الكبرى للوجود!
حين تصير البشرية إلى هذه المرحلة، سيكتشف الذين نسوا الله، أنهم لا
يملكون أي جواب جازم، أو مُقْنع على الأسئلة الكبرى المثارة بإلحاح، بل سيجد
الغرب على نحو خاص أنه قد أحرق كل سفن العودة إلى (الوحي) الذي يُعد المصدر
الوحيد الذي يجيب على تلك الأسئلة.
وقد كان (أينشتاين) يقول: (إن حضارتنا تملك معدات كاملة، ولكنها تفقد
الإحساس بالأهداف الكبرى) ! .
إن كل إصلاح لشؤون البيئة والاقتصاد، وإن أي نوع من المحافظة على
منجزات البشرية، سيقتضي من اليوم فصاعداً تقدماً ملحوظاً على صعيد (الإنسان)
وما لم يحدث هذا التقدم، فإن كل شيء سيكون في مهب الريح! !
والملاحظ بقوة أن الحضارة الحديثة بصبغتها المادية، قد نقلت مجال السيطرة
من الإنسان إلى الأشياء، حيث أضعفت إرادة البشر، وأحاطتها بكل ما يخل
بتوازنها، وهذا يعني أن الحضارة الغربية ببنيتها الحاضرة ليست مؤهلة للنهوض
بالإنسان.
إذا كنا نعتقد أن الطبيعة البشرية واحدة، فهذا يعني أن غايات وجودها يجب
أن تكون واحدة، وهذا هو منطوق الوحي، وهذا ما لا يبصره الإنسان العلماني
اليوم! !
لن تكون الأسئلة المثارة أصيلة إلا إذا كان لها أجوبة موجودة عند جهة مّا
وهذه الجهة لن تكون أبداً الإنسان، فمن تكون إذن؟ ؟
إن العقل البشري خلقه الله تعالى ليكون في الأصل عقلاً عملياً، وهو في
عمله يشبه (الحاسوب) ، وهو كالحاسوب لا يستطيع إدخال تحسينات جوهرية على
المدخلات التي يُغذى بها، وسيكون الأمر مضحكاً إذا عمدنا إلى تشغيل العقل
البشري وتحسين طروحاته وعمله بشيء من منتجاته التي تولى تنظيمها الفلاسفة،
وهم الذين لم يفلحوا في الاتفاق على أي شيء! ! . إن كل شيء اليوم يتقدم إلا
الإنسان فإنه في تدهور مستمر، وإن مما يثير الفَزَع أنه على مدار التاريخ كان
التقدم المادي والعمراني مشفوعاً بانخفاض في وتائر التدين والسمات الإنسانية
الأصيلة، مما يدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يوازن بين مطالبه الروحية
والجسدية، دون عون من خالقه.
ولكن المؤسف مرة أخرى أننا لا نريد أن نعترف بذلك؛ لأن ذلك يقتضي منا
تغييراً هائلاً، نحن غير مستعدين الآن لدفع تكاليفه!
إن نسيان الله تعالى قد أفسد النسيج الإنساني كله، وحين يفسد النسيج العام،
فلن يكون ثمة فائدة تذكر من وراء التعليم والتدريب والتربية، وكيف يمكن إصلاح
خبز أو كعك أو فطير فسد طحينه؟ !
إن ضعف الإنسان على مدار التاريخ كان من عوامل استمرار بقائه، أما اليوم
فقد اجتمع له القوة الغاشمة مع الطيش الشديد، وهذا ما سيسبب الكوارث ما لم
يحدث انعطاف كبير في اتجاه الرشد والهداية والتدين المبصر الأصيل.
ب - إن المهمة الأساسية للرسل ﵈ أن يبصّروا الناس بما يجب
عليهم تجاه خالقهم، وأن يذكّروهم الدار الآخرة ومطالب الفوز فيها: [رَفِيعُ
الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ] [غافر: ١٥] .
ومهمة المصلحين إذا ما أرادوا الاستجابة لدعوتهم أن يُنضحوا من التعاليم
الإسلامية ما يمزجونه بالخيال الخصب والخبرة البشرية والملاحظات الذكية، من
أجل توفير الظروف التي تجعل الناس أقرب إلى الالتزام. وإن هذه الدنيا دار
ابتلاء، ولذا فإن علينا دائماً أن نختار ما يصلح أحوالنا، وإن لكل عصر اختياراته
واجتهاداته. والمشكلة أن الفضائل والقيم والنظم لا تتفق بعضها مع بعض اتفاقاً كلياً، بل إن إقامة كثير منها قد يتطلب التضحية ببعضها الآخر: إذا اخترنا الحرية
الفردية، فقد يقتضي ذلك التضحية بشكل تنظيمي نحن في أمس الحاجة إليه، وإذا
اخترنا العدالة، فقد نُرغَم على التضحية بالرحمة، وإذا اخترنا المساواة، فقد
نضحي بقدر معين من الحرية الفردية..
ومن وجه آخر هل يصح أن نعذب أطفالاً كي ننتزع منهم معلومات عن خونة
أو مجرمين خطرين؟ وهل للمرء أن يقاوم حاكماً ظالماً، ولو أدى ذلك إلى مقتل
والديه أو أطفاله؟ ؟
كل هذا لا يستطيع العقل أن يعطي أجوبة واضحة وقاطعة عنه. وننتهي من
هذا إلى أن كل مجتمع يحتاج إلى مقدار مّا من تلك الفضائل والنظم، كي يجعل
حياته متوازنة ومتسقة، فكيف يتم تحديد ذلك المقدار؟
إن المنهج الرباني لا يحدد لنا على نحو دقيق القدر المطلوب من التماثل
الاجتماعي، ولا القدر المطلوب من الحرية الفردية، أو العدل أو الرحمة.. لكنه
يضيق دوائر الاختيار، ومساحات البحث والاجتهاد؛ والفارق بين المهتدي بنور
الله والمحروم منه كالفارق بين من يبحث عن إبرة في صحراء، ومن يبحث عنها
في غرفة. على الجميع أن يبحث، ولكن حظوظ العثور على المطلوب متفاوتة
تفاوتاً عظيماً، كما أن إمكانات الوقوع في الخطأ، هي الأخرى متفاوتة كذلك.
إن العقل بطبيعة تركيبه لا يستطيع أن يعمل في أي مجال: فلسفي أو تنظيمي
أو تقني إلا إذا أُسعف بإطار توجيهي يهيئ له مقدمات، وبعض المدخلات
الضرورية، وإن المنهج الرباني عقيدةً وشريعةً هو الذي يوفر ذلك الإطار.
في مجال التربية الاجتماعية مثلاً نجد أن الشريعة الغراء حددت لنا محاور
أساسية، يجب أن ترتكز عليها أنشطتنا التربوية، وهي ما سماه أهل الأصل
بالكليات أو الضرورات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وقد تكفّل الفقه الإسلامي بتوفير الأحكام والأدبيات التي ترسم حدود الحركة
التربوية في ظل هذه المحاور الخمسة، كما وضحت المرتبية التي يجب اتباعها
عند ضرورة التضحية ببعضها لحفظ الآخر، على ما هو واضح في كتب الأصول
والفقه؛ فالشأن التربوي لدينا على علاته أفضل مما هو موجود لدى دول كثيرة
متقدمة عمرانياً؛ وذلك بسبب وجود هذا الإطار التوجيهي، وهذا كله مع أن أكثر
الشعوب الإسلامية تعاني من أوضاع معيشية قاسية، والجرائم بأنواعها لدينا أقل،
والتماسك الأسري والاجتماعي أفضل.
إن محنة العقل الذي نسي الله لم يحن أوانها بعدُ، ولكن إذا وصل النمو
الاقتصادي إلى حدوده القصوى، وانتشرت البطالة، وعم ضنك العيش، فسوف
يرى كل المعرضين عن دين الله أن الليبرالية والرأسمالية ليست أفضل ما أنتجه
العقل البشري، وأن الخلاص يتطلب مراجعة جذرية، من أجل العودة إلى سبيل
الرشاد.
الإنجازات الحضارية وسعادة الأفراد، ووحدة الكيان الحضاري، كل ذلك
سيكون على حافة الهاوية إذا لم يضئ كل منعطفات الطريق شعاع من الغاية الكبرى، وإذا لم تتلفع جميعاً بهدي من هدي الله؛ والله غالب على أمره.
стр. 2542
دراسات شرعية
الضحك من منظور شرعي
بقلم: عبد الله عثمان الماضي
تمهيد:
إن عالم الضحك عالمٌ كالبحر واسع الجنبات، يمتد من جانب حتى يصل
بالملحة والنادرة المحبّبة اللطيفة الظريفة إلى عالم الظرف والرّقة، ويمتد من جانب
آخر حتى يصل بالتهكم والهجاء والسخرية إلى عالم المأساة والترويع، ويشتمل فيما
بين ذلك على ألوان من الابتسام، وصنوف متفاوتة في درجات الخِفة والثقل،
ومقادير الحلاوة والمرارة، ومراتب الرفق والعنف، وعناصر الفكر والعاطفة
والنشاط، وأساليب التلميح والتصريح، وما إلى ذلك [١] .
تفسير الضحك:
لقد شغلت ظاهرة الضحك الناس جميعاً على حد سواء: المفكرين منهم أو
القادة أو السواد الأعظم من الناس القديم منهم والحديث، كلّ نظر إلى هذه الظاهرة
متعاملاً معها من خلال اهتمامه واختصاصه.
ورغم كثرة نظريات تفسير الضحك إلا أنها في الغالب لا تخرج عن المعالم
الآتية:
١- المفارقات والجمع بين المواقف المتناقضة.
٢- وضع الشيء في غير موضعه.
٣- التعبير عن السعادة.
٤- المحاكاة والتجاوب مع ضحك شخص آخر (ابتسامة المجاملة) .
٥- حدوث بعض الوقائع المفاجئة التي تتجاوز التصور المنطقي.
مراتب الضحك:
بتتبع هذه المراتب نجدها لا تخرج عن حالات ثلاث هي ما يلي:
أولاً: التبسم:
ويعتبر مبتدأ الضحك، وهو انفراج الفم بلا صوت؛ إذ يمثل أقل الضحك
وأحسنه؛ ويكون غالباً للسرور. قال تعالى: [فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا]
[النمل: ١٩] . قال الزجاج: التبسم أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وكانت البسمة أقرب ما تكون إلى قلب الرسول الخاتم ﷺ
وشفتيه، بل كانت من ضمن وصاياه للناس؛ حتى رفع قدرها إلى مستوى الصدقة
فقال: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) [٢] .
وجعل ﷺ لقاء الناس بوجه طليق أي بوجه باسم من قبيل
المعروف فقال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه
منبسط) [٣] .
ينبغي أن تكون الابتسامة وسيلة لجمع القلوب على الحب وتجديد النفس
للإقبال على الحياة والتعبير عن حمد الله تعالى على نعمائه، وما أوثق علاقة التبسم
بالتسامح إزاء كل الناس وكل الطبقات لتكون السعادة حقاً للجميع.
والابتسامة: هي مفتاح مؤكد النتيجة لفتح حوار محبوب صامت مع الآخرين.
والوجه المبتسم: هو من نعم الله تعالى على الإنسان، وينظر إلى صاحبه
بشيء من الثقة التي لا توحي بها الملامح المتجهمة المنكرة تحت وطأة الآلام
والأحزان.
والمبتسم: يكون في حالة ارتياح نفسي، فهو أقدر على التفكير واختيار
الكلمات الملائمة التي يتعامل بها مع الناس واتخاذ قرار مّا في وقته المناسب.
ثانياً: الضحك:
وهو أعم من التبسم، فكل تبسم ضحك وليس كل ضحك تبسماً؛ ولذلك قال
ابن حجر ﵀: فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بُعد فهو القهقهة وإلا
فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم.
وتسمى الأسنان في مقدم الفم: الضواحك، وهي الثنايا والأنياب وما يليها،
وتسمى النواجذ وهي التي تظهر عند الضحك.
صفة الضحك: خلق الله الضدين: الضحك والبكاء في محل
واحد قال تعالى: [وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى] [النجم: ٤٣] كما خلق الموت والحياة
والذكورة والأنوثة في مادة واحدة [٤] ، وهذا دليل على قدرة الله فهو
خالق لقوتَيِ الضحك والبكاء، كما أنه سبحانه خالق لفعلَيِ الضحك والبكاء [٥] .
استعمالات الضحك:
١- يستعمل الضحك للتعجب المجرد؛ وهذا المعنى قَصْدُ من قال بأن الضحك
يختص بالإنسان دون سواه قال تعالى: [وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ..] [هود:٧١] فضحكها كان للتعجب.
٢- يستعمل الضحك في السرور المجرد كما في قوله تعالى: [وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
مُّسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ] [عبس: ٣٨، ٣٩] .
٣- يستعمل الضحك عند التهكم. قال تعالى: [إنَّ الَذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ
الَذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ] [المطففين: ٢٩، ٣٠] .
ومن أنواع ضحك التهكم:
أ) ضحكة الازدراء.
ب) ضحكة الهزء.
ج) ضحكة السخرية.
٤- يستعمل أيضاً عند الغضب: وهو كثيراً ما يعتري الغضبان إذا اشتد
غضبه. وسببه: تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة
على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكِهِ نفسَه عند الغضب،
وإعراضه عمن أغضبه، وعدم اقتدائه به [٦] .
٥- يستعمل كذلك عند الملاطفة أو الترحيب.
٦- ويستعمل عند الانتصار.
٧- وكذا عند التسلية.
٨- ويستعمل الضحك في الحالة الهستيرية والجنون.
الضحك المندوب: من الأمور المحمودة:
١- مضاحكة الزوجة وملاعبتها قال ﷺ : (تزوجتَ ياجابر؟ فقلت: نعم! فقال: بكراً أم ثيّباً؟ قلت: بل ثيّباً، قال: فهلاّ جارية
تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك ... ) [٧] .
٢- لقاء الناس بوجه طلق لإدخال السرور عليهم كما في حديث جرير ابن
عبد الله، قال: ما رآني رسول الله ﷺ منذ أسلمت إلا تبسم في
وجهي ... [٨] .
وقال ﷺ : ( ... تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) [٩] .
من فوائد الضحك والتبسم:
١- كونه باباً من أبواب الخير والصدقة: عن أبي ذر ﵁ قال:
قال رسول الله: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) الحديث [١٠] .
٢- كسب مودة الناس: كما قال ﷺ : (لن تَسَعُوا الناس
بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه) [١١] .
فينبغي لمن كان عبوساً منقبض الوجه أن يتبسم، ويحسّن خلقه، ويمقت نفسه
على رداءة خلقه، فكل انحراف عن الاعتدال مذموم، ولا بد للنفس من مجاهدة
وتأديب.
قال الجاحظ في مقدمة كتاب البخلاء، شارحاً بعض فضائل الضحك: (وكيف
لا يكون موقعه من سرور النفس عظيماً ومن مصلحة الطباع كبيراً، وهو شيء من
أصل الطباع ومن أساس التركيب؛ لأن الضحك أول خيرٍ يظهر من الصبي، وبه
تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه ويكثر دمه الذي هو علّة سروره ومادة قوته) .
ولفضل خصال الضحك عند العرب فإنها تسمّي أولادها ب: الضحاك وبسام.
ثالثاً: القهقهة:
القهقهة هي الضحك بصوت مرتفع بحيث يُسمع من بُعد.
قالت عائشة ﵂: (ما رأيت رسول الله ﷺ
مستجمعاً ضاحكاً قطّ حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يتبسم) [١٢] .
واللهوات جمع لهاة وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم يعني: ما
يكون ضاحكاً تاماً مقبلاً بكليته على الضحك، بحيث تبدو اللهاة التي في آخر
الفم [١٣] .
ولذلك كان هذا النوع من الضحك مخالفاً لهدي الرسول -صلى الله عليه
وسلم- حيث كان لا يكثر الضحك ولا يقهقهه، أي لا يرفع صوته به، بل كان
وقوراً متزناً هادئاً كما وصفه جابر بن سمرة ﵁ قال: (إن النبي -صلى
الله عليه وسلم- كان طويل الصمت قليل الضحك) [١٤] .
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى بعد أن استعرض عدداً من الأحاديث المتعلقة
بالتبسم والضحك: (والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه ﷺ
كان لا يزيد في معظم أحواله عن التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك؛ والمكروه
في ذلك إنما هو الإكثار منه أو الإفراط؛ لأنه يُذهب الوقار.
آداب الضحك:
١- أن يكون الضحك تبسماً:
كما في حديث جابر بن سمرة ﵁ السابق في وصف رسول الله ( ... وكان لا يضحك إلا تبسماً ... ) .
٢- الإكثار من التبسم، والإقلال من الضحك:
كما في حديث عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁ أنه قال: (ما
رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله) [١٥] .
قال عمر بن الخطاب ﵁: (التبسم دعابة [١٦] وهو أبلغ في
الإيناس من الضحك) .
أما من روى عنه أنه لم يضحك ولم يبتسم مطلقاً، فهو خلاف الأفضل
فالأفضل الضحك اليسير والتبسم.
وأهل العلم في هذا على قسمين:
أ- يكون فضلاً لمن تركه أدباً وخوفاً من الله، وحزناً على نفسه المسكينة،
واستشعاراً لما بعد الموت.
ب- يكون مذموماً لمن فعله حمقاً وكبراً وتصنعاً [١٧] .
٣- الإقلال من الضحك:
فإن كثرته تميت القلب، والإفراط فيه يُذهب الوقار والهيبة.
ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي: (أقِلّ الضحك؛
فإن كثرة الضحك تميت القلب) [١٨] .
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن
أكثر من شيء عُرِفَ به [١٩] .
ولذلك حذر من كثرته العلماء، فقال الماوردي [٢٠] : أما الضحك فإن اعتياده
شاغل عن النظر في الأمور المهمة، مُذْهِبٌ عن الفكر في النوائب الملمة، وليس
لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وُسِمَ به خطر ولا مقدار.
٤- خفض الصوت في الضحك ما أمكن.
٥- أن يضحك مما يُضحَك منه، وهو ما يُتعجب من مثله ويُستغرب وقوعه
ويندر.
فلا تروى الطرف المكذوبة التي لا أصل لها؛ بقصد الإضحاك فقط.
فلقد روي النهي الشديد عن ذلك في الحديث الذي رواه بهز بن حكيم عن أبيه
عن جده قال: قال رسول الله: (ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك به الناس، ويل
له، ويل له) [٢١] .
بعض المناسبات التي ابتسم فيها رسول الله ﷺ أو ضحك:
١- قصة نعيمان وسويبط ﵄:
عن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ قالت: خرج أبو بكر في تجارة إلى
بصرى قبل موت النبي ﷺ بعام ومعه نُعيمان وسويبط بن
حرملة، وكانا شهدا بدراً، وكان نُعيمان على الزاد، وكان سويبط رجلاً مزاحاً،
فقال لنعيمان: أطعمني. قال: حتى يجيء أبو بكر. قال: فلأغيظنك. قال:
فمروا بقوم، فقال لهم سويبط: تشترون مني عبداً لي؟ قالوا: نعم. قال: إنه عبد
له كلام، وهو قائل لكم: (إني حر) فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا
تفسدوا عليّ عبدي. قالوا: لا، بل نشتريه منك. فاشتروه منه بعشر قلائص [٢٢] ، ثم أتوه فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلاً! فقال نُعيمان: إن هذا يستهزئ بكم
وإني حر لست بعبد! ! ! فقالوا: قد أخبرنا خبرك. فانطلقوا به، فجاء أبو بكر.
فأخبروه بذلك، قال: فاتبع القوم ورد عليهم القلائص وأخذ نعيمان. قال: فلما
قدموا على النبي ﷺ وأخبروه، قال: فضحك النبي -صلى الله
عليه وسلم- وأصحابه منه حَوْلاً! [٢٣] .
٢- تبسمه ﷺ على قول صهيب الرومي ﵁:
عن عبد الحميد بن صيفي عن أبيه عن جده صهيب، ﵁، قال:
قدمتُ على النبي ﷺ وبين يديه خبز وتمر. فقال النبي: (ادنُ
فكل) فأخذت آكل من التمر، فقال النبي: (تأكل تمراً وبك رمد) [٢٤] ؟ قال:
فقلت: إني أمضغ من ناحية أخرى! فتبسم رسول الله [٢٥] .
قلت والله أعلم: يظهر من سياق الحديث أنه كان مرمداً في إحدى عينيه فلما
قال ﷺ ذلك أجاب بأنه يمضغ من ناحية أخرى: أي إن كان
في العين اليمنى فهو يمضغ من ناحية اليسرى، وكذا بالعكس.
٣- السباق على الرّجل:
عن عائشة أم المؤمنين، ﵂، قالت: خرجت مع النبي في
بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: (تقدموا) ، فتقدموا
ثم قال لي: (تعالَيْ حتى أسابقك) . فسابقته فسبقته فسكت عني، حتى إذا حملتُ
اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: (تقدموا) فتقدموا ثم
قال: (تعالي حتى أسابقك) . فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: (هذه
بتلك) [٢٦] .
فيه: حُسن معاشرته ﷺ لأهله ومداعبته، ولم يتزوج
رسول الله ﷺ بكراً غير عائشة ﵂، وكانت جارية؛ ففي هذه السن تحب المرأة الضحك والمزاح واللعب كما صح عنه.
العلاج من كثرة الضحك:
تعالج كثرة الضحك بعدة أمور، منها:
١- الإكثار من ذكر الله تعالى.
٢- تذكر عظمة الله تعالى.
٣ - تذكر الموت واليوم الآخر.
٤- مجاهدة النفس في كتم الضحك.
٥- عدم الإكثار من مخالطة الشخصيات الهزلية.
٦- محاولة اعتياد الجدية [٢٧] .
وأخيراً:
فإن موضوع الضحك أوسع من أن تحيط به هذه العجالة، وما ذكرته إنما هو
إضاءات لبعض زواياه، وومضات في بعض جوانبه.
стр. 2543
دراسات تربوية
الاهتمام بدعوة المرأة وتربيتها (٢ من ٢)
بقلم: عبد اللطيف بن محمد الحسن
تحدث الكاتب عن أهمية الدعوة في محيط النساء وأهمية أن تقوم النساء
بالدعوة،وبيَّن الضوابط في خروج المرأة الداعية، بعد أن بيَّن العوائق التي قد تقف أمام حركتها في دعوة بنات جنسها، ويواصل في هذه الحلقة بقية الموضوع. ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
أهداف دعوة النساء:
أعظم معين على بلوغ الأهداف بعد عون الله هو رسم الخطط
العلمية ووضوحها، وتعيين الوسائل والطرق المعينة على الوصول إليها، ومتابعة
العمل فيها بدقة وجدّ، ولعل أهم الأهداف التي ينبغي للداعية رجلاً كان أو امرأة أن
يهتم بها في دعوته في داخل البيت وخارجه، ما يلي [١] :
أولاً: التربية الإيمانية، ويتحقق هذا الهدف بالعناية بوسائل منها: الوعظ
والرقائق، ودراسة أسماء الله وصفاته وآثارها، وآياته في الكون من خلال الوسائل
المتاحة، ودراسة الآيات والأحاديث ذات الصلة بها.
ثانياً: التأهيل العقدي، بتأصيل عقيدة أهل السنة والجماعة إجمالاً، وتأصيل
القضايا ذات البعد العملي كالشرك، والولاء والبراء، وخطر التشبه بغير المسلمين، وذكر ملامح أهل السنة والجماعة.
ثالثاً: التأصيل العلمي والشرعي، بتنمية حب العلم، والاهتمام به، وحفظ
القرآن الكريم، وبعض الدروس والبرامج العلمية.
رابعاً: التأهيل الفكري، بالتوعية بمعرفة التيارات والأفكار المنحرفة،
وخطط الأعداء الماكرة التي كثيراً ما تخدع المرأة بأنواع من زخرف القول وادعاء
إنصافها وتحريرها. ومن التأهيل الفكري أيضاً: توضيح المفاهيم الإسلامية الغائبة
لدى كثيرات في خضم كثير من المناهج القاصرة والبعيدة عن التأصيل الشرعي في
مناهج مدارس البنات في أكثر ديار الإسلام. والحق يقال: إن تعليم البنات في
السعودية يعتبر نموذجاً طيباً للالتزام الشرعي، ويستحق التقدير.
خامساً: التأهيل الدعوي، ويمكن تحقيقه من خلال: تحميل المدعوين همّ
الإسلام والدعوة؛ بتبصيرهم بأحوال المسلمين وجهود الأعداء، وتكوين الثقافة
الدعوية، وبناء المبادرات الذاتية والمشاركة الفعالة في الدعوة، وتنمية الملكات
التي يُحتاج إليها في الدعوة.
سادساً: تنمية الملكات التربوية، نظرياً وعملياً بالاستفادة من الأخطاء وكيفية
التعامل معها، والاستفادة من التجارب التربوية للآخرين ما أمكن ذلك.
سابعاً: تنمية الملكات الاجتماعية، في التعامل مع الآخرين، بتمثّل القدوة
الصالحة في نفسه، والربط بالقدوات، والتعريف بالحقوق والواجبات، وذكر
النماذج الحيّة من حسن الخلق، وبيان كيفية كسب الآخرين.
ثامناً: بناء الحصانة ضد المنكرات، ويتم ذلك ببيان أضرار المعاصي
وخاصة النسائية وسد ذرائعها؛ بإبعاد وسائلها، وتجنب أماكنها.
تاسعاً: ملء الفراغ بالمباح، واستغلاله بالمفيد، ووسائل هذا كثيرة.
طرق إعداد المرأة للدعوة:
وهو المقصود الأهم من الحديث عن هذا الموضوع، وغير ممكن أصلاً أن
تفي كتابة كهذه المقالة بشيء من هذا، غير أن هذا لا يمنع من إشارة تذكّر بجوانب
من الموضوع، وتفتح الذهن لمداخله، وتبقي العهدة في مراجعة ما كتب في
الموضوع لمباشرة العمل، ومما يعوّل عليه في هذا الصدد: رسالة (المرأة المسلمة
المعاصرة، إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة، للدكتور أحمد أبا بطين) [٢] .
أسلوب إعداد المرأة للدعوة:
ولإعداد المرأة الداعية طريقان:
الأول: الإعداد النظري، ويشمل الجوانب التالية:
١- الإعداد العلمي: وهو أمر ضروري في جانبين:
أولهما: المادة العلمية التي تدعو إليها، وتريد تعليمها [٣] .
وثانيهما: العلم بالكيفية المناسبة لعرض تلك المادة.
وقد عني الإسلام بإعطاء المرأة حقها في التعليم، مع التزام الضوابط
الشرعية لذلك، والعلم المقصود هنا: ما يفيد المرأة في دعوتها من العلوم الشرعية، والعلوم المساعدة على فهمها، ولا يجوز بحال أن نجعل العلم عائقاً عن الدعوة،
كحال الكثيرين اليوم، فالواجب التوازن، وكل تدعو حسب علمها وقدرتها.
٢- الإعداد النفسي: بأن تتوفر في الداعية صفات: الإيمان بالله ورسوله،
والإخلاص، والتفاؤل، والجرأة في الحق، والاعتزاز بالإسلام، والصبر،
ومعرفة حال المخاطبين وبيئاتهم.
وهو إعداد غاية في الأهمية لارتباط وظيفة الداعية بالناس، وهم مختلفون في
أديانهم وثقافاتهم وعاداتهم وأخلاقهم وأهوائهم وأهدافهم.
٣- الإعداد الاجتماعي: وهو أن تعيش الداعية الحياة الإسلامية في الأسرة
والمجتمع تطبيقاً عملياً كما تعلمتها نظرياً، وكما تريد للناس أن يكونوا، وذلك
بالتزام دين الله ، والتخلق بأخلاق الإسلام، وأخلاق الدعاة بخاصة،
وإلا كانت الداعية على هامش المجتمع.
ومن أهم عناصر الإعداد الاجتماعي: الشعور بأن الدعوة حق لجميع الناس
يجب بذلها لهم، والصدق والأمانة والكرم والسخاء في حدود ما تملك، والزهد
والعفة، والحلم والعفو، والرحمة، والتواضع، والمودة والتآلف [٤] .
الثاني: الإعداد التطبيقي:
وهو: تهيئة الداعية بالتدريب العملي على فن الإلقاء، والكتابة؛ لنقل دين
الله إلى الناس، عن طريق الخطبة والدرس والمحاضرة والندوة،
والكتابة بأنواعها المختلفة.
وهو أمر في غاية الأهمية؛ إذ الإلقاء والكتابة هما وسيلتا مخاطبة الناس
بالدعوة، وبهما نحصّل الثمرات المرجوّة من الإعداد النظري، فكم من الدعاة مَنْ
يضعف أثره بسبب ضعف إعداده التطبيقي، وقد حصل في هذا الإعداد تقصير
كبير، أسهم في قلة الدعاة المؤثرين.
ويقوم هذا الإعداد على أمرين:
أولاً: فن الإلقاء للمحاضرة أو الدرس أو الندوة، أو الكلمة أو الموعظة أو
الخطبة.. ونحو ذلك.
ويعتمد على عنصرين:
١- إقناع المستمع بمخاطبة عقله بالأدلة والبراهين.
٢- إثارة عاطفته وأحاسيسه ومشاعره وهما أساس التأثير.
ولكل نوع من أنواع الإلقاء خصائصه ومميزاته وفوائده وأسسه وطريقته
الخاصة، ويتطلب الإعدادُ لها جانبين:
أ - النظري: بمعرفة أهمية الخطبة مثلاً وأنواعها وصفات الخطيب.
ب- العملي: بالتطبيق والإلقاء أمام النساء في خطبة في المسجد أو المدرسة
أو مجتمع النساء.. مع مراقبة المتدربة، وملاحظتها وتقويم أخطائها شيئاً فشيئاً.
ثانياً: الكتابة وذلك بإعداد البحوث والمقالات والنشرات ... لنشرها في الكتب
والمجلات والصحف التي طالت كل الناس، وأخذت جزءاً كبيراً من أوقاتهم،
ويعتمد أسلوب الكتابة على عاملين:
١- دقة العبارة وسلامتها.
٢- قوة إقناع القارئ بالمكتوب: بوضوح الدليل، وقوة الاستدلال، والصدق
والتوثيق.
وتعد الكتابة من أنسب وأهم الوسائل الدعوية بالنسبة للمرأة؛ إذ يمكنها الكتابة
وهي في بيتها، فتستغل بها أوقات فراغها، وتصل بما تكتب إلى جميع طبقات
المجتمع. والكتابة كالإلقاء تتطلب إعداداً نظرياً وعملياً ليس هذا مكان تفصيله [٥] .
ميادين دعوة المرأة:
الإنسان مكوّن من روح وجسد، ويمكن تقسيم عمل الداعية بناء على هذا
قسمين:
أولاً: الميادين التربوية: وهي الميادين المتعلقة بتربية الروح وتزكية النفس
وتطهيرها بالإيمان، ويمكن من خلالها مخاطبة عقل الإنسان وروحه، وتتمثل هذه
الميادين في المساجد والمدارس والمؤسسات والجمعيات الدعوية، ونحوها.
ثانياً: الميادين الاجتماعية، وهي الميادين المتعلقة بتربية الجسد من ناحية
النمو والسلامة والصحة النفسية والاجتماعية والجسدية وأخذ الزينة، وتبادل هذه
الخدمات بين الناس بما يخدم التربية الروحية؛ لإبراز الشخصية المسلمة، كما أراد
الله .
وهذان الجانبان الروحي والجسدي مترابطان، وينبغي الوفاء بهما جميعاً
بتوازن؛ لأن تغليب طلروح: رهبانيةٌ، وتغليب الجسد: حيوانيةٌ، وكلاهما مذموم، وكم كانت تلبية الحاجات الجسدية سبباً في إسلام وهداية الكثير، وهو أسلوب
يركز عليه المفسدون وخاصة المنصّرين اليوم؛ لأنه يصةب على الجائع والمريض
والعاري والمشرّد أن يستمع لك ويعي كلامك، بل يكاد ذلك أن يكون محالاً [٦] .
وسائل دعوة المرأة:
يمكن للداعية أن تبث دعوتها في الميادين التربوية والاجتماعية من خلال
الوسائل التالية:
١- المنزل: وهو الميدان الخصب، والوسيلة الأبلغ تأثيراً، ولا غرو أن الله
جعل كلاً من الزوجين راعياً في بيته، وسيسأله الله عن أهله وزوجه، وأمرهما
بوقاية الأهل من النار، ومهما حصل من تقصير من أهل المسؤولية في الدعوة من
خلال الوسائل الأخرى، فإن ذلك مما يزيد مسؤولية الأبوين. والأم لها نصيب كبير
كما تقدم والمسؤوليات التي تشارك فيها الرجل كثيرة أهمها: مسؤولية التربية
الإيمانية، والعلمية، والخلقية، والجسمية، والنفسية، والاجتماعية، والجنسية،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله (تعالى) .
ويتميز المنزل عن بقية الوسائل باجتماع أفراد الأسرة فيه لساعات طويلة،
والتوافق النفسي والاجتماعي بينهم، مما يتيح إمكانية عرض القدوة الصالحة،
والتأثير عبر التوجيه الموزع غير المباشر، والملاحظة المستمرة، والاستفادة من
سائر الفرص والأحوال وتأثير التوجيه والعقاب؛ لكونه بعيداً عن أعين الناس.
٢- المجتمع: من خلال الإحسان إلى ذوي القربى والجيران والمحتاجين،
ودعوتهم وتوجيههم، مما يوحي بترابط أفراد الأمة، وكونهم كالجسد الواحد.
٣- المدرسة: من خلال استغلال المناهج الدراسية، والأنشطة المدرسية في
توجيه الطالبات، وتربيتهن، والعمل على توجيه المدرسات والعاملات وإصلاحهن.
٤- المسجد: حيث يجوز للمرأة الحضور إليه بإذن زوجها، ولا ينبغي له
منعها إذا استأذنته للاستفادة مما يلقى فيه، ومن القدوة الصالحة؛ حيث يرتاد
المسجد النخبة من الناس، وهو مكان مناسب لأنشطة نسائية مفيدة من حلقات تحفيظ
القرآن، وتعليم العلم الشرعي النافع وغيرها.
٥- المستشفيات والسجون ومراكز الرعاية الاجتماعية [٧] .
وعَوْداً على بدء أقول: إن المقصود بالكلام هو العمل، ولا مكان اليوم
للكسالى ولا النائحين. إن إعداد المرأة ميدانُ تنافُسٍ كبير، تتسابق فيه الأمم
والشعوب والملل والمذاهب.
انظر مثلاً: كتاب (المرأة وبرنامج التثقيف المجالس الحسينية نموذجاً)
لـ (عالية مكي) لترى أن الرافضة ينتقلون من مرحلة النياحة، إلى مرحلة أخرى من البناء والتثقيف والإعداد والتربية؛ ليقينهم أن العواطف لا تجدي شيئاً في عالم الصراع اليوم.
ولقد وعت الصوفية هذه الحقيقة، فسعت إلى إقامة حركة نسائية، امتدت في
بلدان عدة، تقوم بتربية المرأة تربية تتفق مع المنهج الصوفي.
فأين المتحرقون من أهل السنة والجماعة حقاً لواقع المرأة المسلمة حتى لا
تكون صيداً سهلاً للمنصّرين وللرافضة والمبتدعة؟
وبعد: فما زالت المرأة تتطلع إلى المزيد من عناية العلماء والدعاة بها، كما
أن الصحوة تنتظر من المرأة الكثير والكثير من التوجيه والإرشاد السليمين من
الإفراط والتفريط.
وما نيل المطالب بالتمني
والله من وراء القصد.
стр. 2544
دراسات دعوية
الفرار إلى الله.. حقيقته والسبيل إليه [*]
بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل
إن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن
والاه، أما بعد:
فإن الناظر اليوم بعين البصر والبصيرة في واقع الأمة الإسلامية وما حل بها
من مصائب وويلات وفتن عظيمة على مستوى كثير من الأفراد والمجتمعات ليأخذ
به الأسى والتوجع مأخذاً بعيداً حتى إن اليأس ليوشك أن يحيط به لولا عظيم الأمل
في وعد الله على لسان رسوله ﷺ الذي يقول فيه:
(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر
الله وهم كذلك) [١] . ومما يُذهب اليأس ويعزي النفوس أيضاً معرفة المسلم بسنن
الله ، في عباده، وإدراك أن ما أصابنا من المصائب والفتن العظيمة إنما
هو من عند أنفسنا، وبسبب ذنوبنا، وبما طرأ على حياتنا من بُعد عن الله عز
وجل، ونسيان للآخرة، وانغماس في الملذات، وإقبال على الدنيا والجري وراءها
والانغماس في متاعها، مما انتشر بسببه كثير من المعاصي والفتن التي انجرف
فيها الكثير إلا من شاء الله.
وما دام أن الداء قد عرف والمرض قد شُخّص فلا يبقى أمام من ينشد النجاة
لنفسه ولأمته إلا مباشرة العلاج؛ وذلك بالفرار إلى الله ، والإنابة إليه،
والاعتصام به سبحانه كما أمر في كتابه العزيز بقوله: [فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم
مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ] [الذاريات: ٥٠] ، وهذا الفرار يعني ترك أسباب سخطه إلى
أسباب مرضاته، والفرار من عقوبته إلى معافاته، ومنه إليه سبحانه كما جاء ذلك
في دعاء سيد المرسلين والمتقين ﷺ حيث قال: (اللهم إني
أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) [٢] .
من أجل ذلك جاءت فكرة الاهتمام بهذه القضية المهمة من الوقفات التربوية
القرآنية، وعلى هدي من تلك الآية الكريمة. ودافعي لذلك أسباب لعل من أهمها:
١- انفتاح الدنيا الشديد، وتغلب الجانب المادي على حياة أكثر الناس وما
ترتب على ذلك من لهث وتكالب على حطامها دون تمييز بين حلال وحرام،
وطيب وخبيث؛ فحصل التنافس الشديد على حطامها، وصار الحب والبغض من
أجلها، بل والقتال عليها. نسأل الله السلامة.
وحصلت الغفلة الشديدة عن الآخرة والغاية التي من أجلها خلقنا، وتحولت
هذه الدنيا الفانية من كونها خادمة ومملوكة إلى أن تكون مالكة مخدومة. لذا فمن
موجبات النصيحة التحذير من فتنة الدنيا وغرورها، والفرار منها إلى الله
والدار الآخرة، وتنبيه الغافلين وحثهم على التوبة والاستعداد للرحيل إلى دار البقاء
والحياة السرمدية.
٢- ظهور المنكرات في أغلب البلدان، وانتشار الفساد بشكل ينذر بالخطر
والعقوبة إن لم يتدارك الله عباده ويرحمهم بالرجوع إليه وإحياء شعيرة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك ببعث الناصرين لدينه والصابرين على
ما أصابهم في ذلك ابتغاء رضوان الله .
٣- ظهور الفتن المتلاطمة في هذا الزمان والتي يرقق بعضها بعضاً، ورؤية
المتساقطين فيها ما بين هالك فيها بقلبه أو بلسانه أو بيده؛ حتى أصبح المسلم يخشى
على نفسه في أي لحظة أن يزل فيها ويسقط، وصار هجيراه قولَ: (ربّ سلّمْ سلّمْ)
و [لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ] [هود: ٤٣] وغدت هذه الفتن من
الكثرة بحيث أصبح من يريد لنفسه النجاة لا يدري بأيها يبدأ بالمقاومة، أم مِن أيها
يفر إلى الله : أمِن فتنة الدنيا وزينتها ومناصبها، أم من الفتنة بالعلم وآفاته
ومبطلاته، أم من فتنة البدع والمعاصي التي طمت وعمت، أم من الفتنة العمياء
التي تدور رحاها اليوم بين المسلمين حيث دب فينا داء الأمم من الفرقة والشحناء
والأهواء والحزبيات الكريهة، حتى صار كل حزب بما لديهم فرحين؟ وإن مما
يزيد هذه الفتنة عمًى وشدة أنها في صفوف الطائفة المنصورة: طائفة أهل السنة
والجماعة. وإن لم يتداركنا الله برحمته، ويسعى المخلصون من أهل السنة في
إخماد هذه الفتنة فإن أمام الأمة ليلَ فتنةٍ طويلاً ثقيلاً يفرح به أعداء الإسلام
ويستبشرون بذلك في مزيد من التسلط والاستعلاء. ولعل في طرح هذا الموضوع
إسهاماً متواضعاً في التماس أسباب النجاة من هذه الفتنة الصماء والداهية الدهماء،
وغيرها من الفتن.
٤- الغربة الشديدة على الإسلام وأهله في أكثر بلدان المسلمين، حيث نُحّيَ
شرع الله، وتسلط الأعداء على أهل الغربة بالنكال والأذى؛ فقلّ النصير والمعين،
ونجم النفاق؛ حتى استوحش أهل الغربة من هذه الحال؛ فكان لا بد من التواصي
معهم على الحق والصبر، لعل الله ، أن يثبت القلوب، وينجي من الفتن، ويكشف الكربة، وينصر حزبه المؤمنين.
٥- التأكيد على الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبينا محمد -صلى الله
عليه وسلم- في التماس سبل النجاة من الفتن والمهلكات، ولفت الأنظار إليهما بعد
أن ابتعد كثير من الناس عنهما، والتأكيد أنه ما من خير إلا دلاّ عليه، وما من شر
إلا حذّرا منه. قال تعالى: [مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ] [الأنعام: ٣٨] ، كما
أن السنة النبوية ما تركت من فتنة ولا شر يأتي على هذه الأمة إلى قيام الساعة إلا
وألمحت إليه، وحذرت منه، وحددت سبيل النجاة منه؛ فلا عذر لنا في ترك ما
فيه حياتنا وسبيل نجاتنا: كتابِ الله وسنةِ نبيه.
وشيء آخر يتعلق بهذا الأمر ألا وهو لفت الأنظار إلى ذلك الانقياد العظيم من
سلفنا الصالح لهدي الكتاب والسنة في الفرار من الشرور والفتن وضرورة الاطلاع
الدائم على تلك المواقف العملية الموفقة من سلفنا الصالح إزاء الفتن، والزوابع،
وضرورة الاقتداء بهم في تلك المواقف النبيلة المهتدية بالكتاب والسنة، وهذا ما
سيرد ذكره في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وقفة مع تفسير قوله تعالى: [فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ] :
قال الله في سورة الذاريات: [فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ
مُّبِينٌ] [الذاريات: ٥٠] يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: ... لما تقدم ما جرى من تكذيب الأمم لأنبيائهم وإهلاكهم؛ لذلك قال الله تعالى ...
لنبيه: قل لهم يا محمد؛ أي قل لقومك: [فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ]
أي فروا من معاصيه إلى طاعته.
وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى معلقاً على الآية نفسها:
(فلما دعا العباد إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته، والإنابة إليه، أمر بما
هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه. أي: الفرار مما يكرهه الله، ظاهراً
وباطناً؛ إلى ما يحبه، ظاهراً وباطناً، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى
الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر. فمن استكمل هذه
الأمور؛ فقد استكمل الدين كله، وزال عنه المرهوب، وحصل له غاية المراد
والمطلوب) .
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (منزلة الفرار) :
(قال الله تعالى: [فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ] فحقيقة الفرار: الهرب من شيء إلى
شيء. وهو نوعان:
فرار السعداء: الفرار إلى الله . وفرار الأشقياء: الفرار منه لا
إليه) [٣] .
وأغلب أقوال المفسرين لا تخرج عن تلك المعاني السابقة في تفسير الآية،
فكلها ترجع إلى معنى واحد في أن المقصود هو: الفرار من المعصية إلى الطاعة؛
أي: الفرار من أسباب غضب الله تعالى إلى أسباب رحمته. والمراد منه الفرار
من غضب الله وما يترتب عليه من العقوبة، إلى رحمته وما يترتب عليها
من المعافاة.
ومن الآيات التي تدخل في معنى الفرار واللجوء إلى الله :
- قوله تعالى عن الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: -
[حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن
لاَّ مَلْجَأََ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ] [التوبة: ١١٨] .
· وقوله تعالى عن خليله إبراهيم ﵊: [وَقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ
إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] [الصافات: ٩٩] .
· وقوله تعالى: [وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] [آل عمران: ١٣٣] .
فاللجوء إليه سبحانه والذهاب والهجرة إليه، والمسارعة إلى مغفرته وجناته:
كلها من معاني الفرار والهجرة إليه سبحانه؛ وذلك بتوحيده والسعي إلى مرضاته
وجنته هرباً من سخطه وعقوبته؛ وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
(وله في كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل
والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجأ والافتقار
في كل نفس إليه. وهجرة إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث
تكون موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته) [٤] . ١هـ.
ومن الأحاديث الواردة: في معنى الفرار إلى الله واللجوء إليه:
قوله: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك،
وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) [٥] .
ومنها أيضاً: ما رواه الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، في صحيحه عن
أبي سعيد الخدري، ﵁، أنه قال: قال رسول الله: (يوشك أن يكون
خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) [٦] .
وسيأتي شرح الحديث عند الكلام عن العزلة وضوابطها إن شاء الله تعالى.
الفتن وأسباب السقوط فيها:
وقوع الفتن سنة ربانية لا تتبدل كما في قوله تعالى: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن
يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ] [العنكبوت: ٢] . وقد كتبها الله
على عباده لحكم عظيمة: منها تميز المؤمنين من غيرهم، ومنها تكفير السيئات
ورفع الدرجات، ومنها غير ذلك مما لا نعلمه. فعن حذيفة ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تُعرض الفتن على القلوب
كالحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها
نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة
ما دامت السموات والأرض، والآخر مرباداً، كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا
ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) [٧] . والحديث عن الفتن وأسبابها يتطلب إفراد
كلمة (الفتن) بالتعريف والشرح، وتوضيح الفرق بين مدلولاتها.
(فالفتن) : وهي بكسر الفاء وفتح التاء، جمع فتنة، قال الأزهري: جماع
معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان، وأصلها مأخوذ من قولك: (فتنت
الفضة والذهب) أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد، ومن هذا قول الله : [يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ] [الذاريات: ١٣] .
أي يحرقون بالنار، وقال ابن الأنباري: فتنت فلانة فلاناً، قال بعضهم:
أمالته.. قال تعالى: [وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ] [الإسراء: ٧٣] أي يميلونك ...
فتنت الرجل عن رأيه أي أزلته عما كان عليه.... والفتنة: الإثم في قوله تعالى:
[وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا] [التوبة: ٤٩] وأما قول
النبي: (إني أرى الفتن خلال بيوتكم) [٨] فإنه يكون القتل والحروب والاختلاف
الذي يكون بين فرق المسلمين إذا تحزبوا، ويكون ما يبلون به من زينة الدنيا
وشهوتها فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها. والفتنة الإضلال في قوله تعالى: -
[مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ..] [الصافات: ١٦٢] يقول ما أنتم بمضلين إلا من أضله
الله.. والفتنة العذاب نحو تعذيب الكفار ضعفة المؤمنين في أول الإسلام ليصدوهم
عن الإيمان، والفتنة الاختبار، والفتنة المحنة، والفتنة المال، والفتنة الأولاد،
والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق، وقيل: الفتنة:
الغلو في التأويل المظلم. يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا أي قد غلا في طلبها.
وجماع الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان) [٩] اهـ.
مما سبق بيانه يتحصل لدينا أن الفتنة تطلق ويراد منها معان كثيرة تدل على
كل معنى منها، ويعرف حسبما ورد بالسياق والقرائن، ومن هذه المعاني:
١- الابتلاء والامتحان. ٢- الميل عن الحق. ٣- الإثم.
٤- القتل والحرب. ٥- الاختلاف والفرقة. ٦- الإضلال.
٧- الكفر. ٨- العذاب، وغير ذلك من المعاني المذمومة.
والآن وبعد أن تبين لنا معنى الفتنة وما يتفرع عنها من المعاني، وبعد أن
تبين لنا خطرها وذم الشرع لها، وجب الحذر منها والهرب والفرار والفزع إلى الله
من شرورها. ومما يساعد على البعد عنها والنجاة منها إذا وقعت معرفة
أسبابها والطرق المؤدية لها؛ لأن معرفة أسباب السقوط فيها تعين على النجاة منها
بإذن الله .
أسباب السقوط في الفتن:
الأسباب المؤدية إلى ملابسة الفتن والسقوط فيها كثيرة؛ لكنها لا تخرج في
مجموعها عن سببين هامين يرجع إليهما جميع الأسباب. وقد ذكر هذين السببين
الإمامان الجليلان ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، رحمهما الله تعالى، وعبرا عن ذلك
بأسلوبين مختلفين لفظاً لكنهما متفقان في المعنى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به، فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر
بالصبر. فالفتنة إما مِنْ تَرْك الحق، وإما من ترك الصبر) [١٠] .
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (الفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي
أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات. وقد يجتمعان للعبدِ. وقد ينفردُ بإحداهما) .
وهما ما ذكره شيخ الإسلام نفسه من الأسباب. فالشبهة إنما تنشأ من ترك
الحق والجهل به، بينما تنشأ الشهوة من ترك الصبر أو ضعفه.
ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك
فسادُ القصد، وحصول الهوى.
وهذه الفتنة تنشأ تارة من فَهْمٍ فاسدٍ، وتارةً من نقلٍ كاذب، وتارةً من حق
ثابت خَفيَ على الرجل فلم يَظْفر به، وتارةً من غرض فاسد وهوى مُتبع، فهي من
عمى في البصيرة، وفسادٍ في الإرادة.
وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: [كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ
مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاقِكُمْ] [التوبة: ٦٩] .
أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها. والخلاق هو النصيب المقدر، ثم
قال: [وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا] [التوبة: ٦٩] فهذا الخوض بالباطل، وهو
الشبهات.
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان، من
الاستمتاع بالخلاق، والخوضِ بالباطل؛ لأنّ فساد الدين إما أن يكون باعتقادِ الباطل
والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.
فالأول: هو البدع وما والاها، وهو فساد من جهة الشبهات. والثاني: فسقُ
الأعمال، وهو فساد من جهة الشهوات.
ولهذا كان السلف يقولون: (احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه
هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه) وكانوا يقولون: (احذروا فتنة العالم الفاجر،
والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون) [١١] .
ويمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي:
١- ترك الحق وعدم السعي للعلم به أو عدم إصابته بسبب شبهة أو تأويل
فاسد؛ ومن هنا تنشأ الفتنة بسبب الجهل أو الفهم الفاسد.
وهذا ما عبر عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: (ترك الحق) ، وعبر
عنه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: (فتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة
العلم) .
٢- ترك الصبر: وأصل الفتنة في هذا السبب هو عدم الصبر على الحق؛
فصاحب هذه الفتنة لا ينقصه العلم بالحق بل يعلمه ولا يجهله؛ ولكنه تركه ضعفاً
وشهوة، وهو يعلم من نفسه أنه تارك للحق.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى،،،
стр. 2545
تأملات دعوية
بين العمل المؤسسي والعمل الفردي
بقلم: عبد الله المسلم
لم يعد اليوم مجالاً للنزاع -في الساحة الفكرية على الأقل -أن العمل المؤسسي
خير وأولى من العمل الفردي الذي لا يزال مرضاً من أمراض التخلف الحضاري
عند مجتمعات المسلمين، وقد يرث الدعاة إلى الله شيئاً من هذه الأمراض من
مجتمعاتهم باعتبارهم نتاجاً لها، ومن ثم فأنت تجد عناصر منتجة في المستوى
الفردي أكثر مما تجدها ضمن أولئك الذين يجيدون العمل الجماعي، وكثير من
الأعمال التي تصنف أنها ناجحة في الميدان الإسلامي وراءها أفراد.
إن العمل المؤسسي يمتاز بمزايا عدة على العمل الفردي منها:
١- أنه يحقق صفة التعاون والجماعية التي حث عليها القرآن الكريم والسنة
النبوية [وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان]
[المائدة:٢] ، وقوله ﷺ : (يد الله مع الجماعة) [١] وقوله ﷺ : (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) [٢] .
والعبادات الإسلامية تؤكد على معنى الجماعية والتعاون، كل ذلك يبعث
رسالة للأمة مفادها أن الجماعة هي الأصل.
٢- عدم الاصطباغ بصبغة الأفراد، ذلك أن العمل الفردي تظهر فيه بصمات
صاحبه واضحة، فضعفه في جانب من الجوانب، أو غلوه في آخر، أو إهماله في
ثالث لابد أن ينعكس على العمل، وقد يقبل بقدر من الضعف والقصور في فرد
باعتبار أن الكمال عزيز، والبشرية صفة ملازمة للعمل البشري، لكن لا يقبل
المستوى نفسه من القصور في العمل الجماعي المؤسسي، وإن كان لابد فيه أيضاً
من قصور، فقد يقبل من مصلح وداعية معين أن يكون لديه قصور وضعف في
الجانب السياسي أو الاقتصادي مثلاً باعتبار أن الفرد لا يمكنه الإحاطة بكل ذلك،
لكن ذلك لا يقبل من مؤسسة دعوية بأكملها؟ إذ هي قادرة على تحقيق هذا التكامل
من خلال مجموع أفرادها.
٣- الاستقرار النسبي للعمل، أما العمل الفردي فيتغير بتغير اقتناعات الأفراد، ويتغير بذهاب قائد ومجيء آخر، يتغير ضعفاً وقوة، أو مضموناً واتجاهاً.
٤ -يمتاز العمل المؤسسي بالقرب من الموضوعية في الأراء أكثر من الذاتية؛ ذلك أن جو المناقشة والحوار الذي يسود العمل المؤسسي يفرض على أصحابه أن
تكون لديهم معايير محددة وموضوعية للقرارات، وهذه الموضوعية تنمو مع نمو
النقاشات والحوارات، أما العمل الفردي فمرده قناعة القائم بالعمل.
٥- العمل المؤسسي أكثر وسطية من العمل الفردي؛ إذ هو يجمع بين كافة
الطاقات والقدرات التي تتفاوت في اتجاهاتها وآرائها الفكرية مما يسهم في اتجاه
الرأي نحو التوسط غالباً، أما العمل الفردي فهو نتاج رأي فرد وتوجه فرد، وحين
يتوسط في أمر يتطرف في آخر.
٦- الاستفادة من كافة الطاقات والقدرات البشرية المتاحة، فهي في العمل
الفردي مجرد أدوات للتنفيذ، تنتظر الإشارة والرأي المحدد من فلان، أما في العمل
المؤسسي فهي طاقات تعمل وتبتكر وتسهم في صنع القرار.
٧- العمل المؤسسي هو العمل الذي يتناسب مع تحديات الواقع اليوم،
فالأعداء الذين يواجهون الدين يواجهونه من خلال عمل مؤسسي منظم، تدعمه
مراكز أبحاث وجهات اتخاذ قرار متقدمة، فهل يمكن أن يواجه هذا الكيد بجهود
فردية؟ !
بل إن العمل التجاري المؤسسي اليوم أكثر نجاحاً من العمل الفردي.
كل ما سبق يؤكد قيمة العمل المؤسسي، وضرورة ممارسته وتجاوز الفرديات، وهذا لا يعني بالضرورة أن العمل المؤسسي معصوم من الخطأ والخلل، لكن
فرص نجاحه أكثر من العمل الفردي، واحتمال الخلل في العمل الفردي أكثر منه
في العمل المؤسسي.
وفي العدد القادم بإذن الله حديث حول عوامل نجاح العمل المؤسسي.
стр. 2546
من فتاوى أهل الذكر
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون
حكم بيع الأراضي العربية لليهود:
رجل مسلم يملك قطعة أرض فضاء، طمع يهودي في شرائها..، فهل يجوزبيعها له شرعاً؟ وقد أجاب على الاستفتاء فضيلة الشيخ حسنين مخلوف مفتي مصر الأسبق.
الجواب: -إن السياسة الصهيونة تقوم على انتزاع البلاد العربية من أهلها،
وإجلائهم عنها بطريق التملك الفردي؛ فيتقدم اليهودي إلى العربي لشراء عقاره
بثمن يغريه، فيقع في الشّرَك، ويتمم الصفقة، ثم يتقدم يهودي آخر إلى مالك آخر
عربي بمثل ذلك، حتى إذا أحاطوا بالقرية ورسخت أقدامهم فيها، وكثر عديدهم بها، أرغموا الباقين من العرب على الهجرة منها بشتى الوسائل الوحشية.
وهكذا ينتقلون من قرية إلى أخرى حتى تسلم البلاد لهم، فيمسي أهلها العرب
وقد جردوا من أملاكهم، وحرموا من أقواتهم، وأُجْلوا عن أوطانهم، وشُرّدوا في
الآفاق عشرات الآلاف شر مشرّد، يعانون الجوع والعري والفاقة، ويشربون كأس
الذل دهاقاً.
فعل اليهود ذلك في فلسطين، ويرومون تنفيذ هذه السياسة في مصر وغيرها
من البلاد العربية الإسلامية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، في ضعة ومذلة، وسكون
ومسكنة، حتى إذا تم لهم الأمر ولو بعد سنين، لبسوا جلود النمور، وكشروا عن
أنياب الشره والانتقام، وأحالوها فلسطين أخرى.
وقد أعدوا العدة لذلك ونحن أغفال نيام ننخدع بمسكنتهم، ونغتر بظواهر
أحوالهم، ونظن أنهم قلة لا يقدرون على كيد، والله يعلم، والتاريخ يشهد أن يهود
العالم عصبة واحدة يشد بعضهم أزر بعض، وينفذون كل ما ترسمه قيادتهم العامة
في الوطن الذي يعيشون فيه ويقتاتون منه، مهما أضر ذلك بأهل الوطن، تلك هي
نتيجة بيع الأراضي العربية لليهود.
والآن وقد وضحت هذه السياسة الخبيثة والخطط الماكرة بأجلى برهان، يجب
أن يكف المسلم عن بيع ملكه لليهودي مهما أغراه الثمن؛ وإلا كان بهذا البيع معيناً
لألد عدو على ضياع بلاد الإسلام، وتمكين أبغض عباد الله إلى الله من التحكم في
ديار المسلمين ورقابهم وأموالهم وأعراضهم بأبشع صور وأدنسها، وهذه معصية
ظاهرة.
إن كل ربح يناله اليهودي في بلادنا قوة له وعُدّة، وإذا كان على كل يهودي
في العالم قسط من المال يؤديه لـ (إسرائيل) لإعزازها وتمكينها من القضاء على
العروبة والإسلام، لا في فلسطين وحدها، بل فيها وفي سائر الأقطار الإسلامية،
وجب أن لا يمكن من ربح يربحه ببيع أو شراء، وإلا كان ذلك وبالاً ومضرة
بالمسلمين.
اليهودي يحرّم على نفسه ويحرم على أهل دينه وقادة شعبه أن يُخرِج من
جيبه مليماً واحداً لمنفعة مسلم إلا إذا جر له ذلك ربحاً مضاعفاً.
واليهودي يحرم على نفسه أن يسدي النصح لمسلم بما ينفعه في دنياه، وأن
يدع مسلماً ينعم بخير دون أن ينغص عيشه ويمتص دمه ويستنزف ماله؛ ومن أجل
ذلك أشاعوا الربا بين المسلمين، وقد حرصوا عليه، وقد نُهوا عنه، كما أخبر الله
تعالى بقوله: [وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ] ...
[النساء: ١٦١] وقوله تعالى: [.. أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ..] [المائدة: ٤٢] .
واليهودي يحرم على نفسه أن يبيع عربياً أو مسلماً شبراً من أرض فلسطين
مهما بذل من ثمن، فما بالنا قد عميت أبصارنا عن هذه الحقائق، وصمت آذاننا،
عن سماع الأنباء الصادقة عن هذه الخطط الشنيعة الماكرة في ديارنا، وأفسحنا لهم
مكان الصدارة في اقتصادياتنا وتركناهم يتحكمون في تجاراتنا وأسواقنا، وهم ألد
أعدائنا كما قال تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] [المائدة: ٨٢] .
لا تبيعوا لهم أيها المسلمون شيئاً من أملاككم مهما بذلوا من ثمن، واحذروهم
في دياركم؛ فإنهم أول الناس حرباً عليكم وخيانة لكم، واعلموا أن البيع لهم معصية
لله، لما فيه من التقوية والتمكين لهم في الأرض، وذلك يسبب خطراً عظيماً
لجماعة المسلمين وقد حرم الشارع كل بيع أعان على معصية، ولذلك حرم بيع
عصير العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً؛ فعن أبي هريرة عند أبي داود، وعن ابن
عباس عند ابن حبان، وعن ابن مسعود عند الحاكم، وعن بريدة عند الطبراني في
الأوسط من طريق محمد بن أحمد بن أبي خيثمة بلفظ: (من حبس العنب أيام
القطف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمراً فقد تقحم النار على
بصيرة) حسنه الحافظ في بلوغ المرام، واستدل به في المنتقى على تحريم كل بيع
أعان على معصية. اهـ. من نيل الأوطار للشوكاني.
ومن هذا يعلم السائل وغيره أنه لا يجوز بيع أرضه لليهودي؛ لأنه مظنة
الإضرار بجماعة المسلمين عامة، وقد علمت أن اليهود عصبة واحدة، وأنهم جميعاً
صهيونيون يدينون لإسرائيل، وبالكيد للعرب والمسلمين بشتى الوسائل، في أقل
الأشياء وأحقرها فضلاً عن أكثرها وأعظمها. والله أعلم.
стр. 2547
نص شعري
رسالة إلى مجاهد [*]
شعر: فيصل بن محمد الحجي
أشرعتَ في وجههم رمحاً فما قدروا ... أن يكسروه وهم في دارهم كُسِروا
أصبحتَ طوداً على أنفاسهم وغدا الس ... جان في إمرة المسجون يأتمرُ
رموك في حفرة فارتدّ باطلهُم ... واكتظت الحفرة الملأى بمن حفروا
بالرغم من فرحتى يبقى بذاكرتي ... ذاك السؤال الذي قد شابَهُ الكدَرُ:
إن عدتَ من أسرك الموقوت هل رجعتْ ... من أسرها أمتي العزلاء يا نمرُ؟
قد غيّبوها لتغدو الأرضُ غابتَهم ... تسعى الوحوش فلا تبقي ولا تذرُ
غابت فكشّرت الأصنام ساخرةً ... لمّا رأتْ أمة التوحيد تندحرُ
غابت وذنبك يا موسى محاولة ... لكي تعود إلى ميدانها مضرُ
مذ غاب عنها لواء (المصطفى) قَبَعَتْ ... خجلى على ضِفّةِ التاريخ تنتظرُ
قد كان (عنترة) المغوارُ فارسَنا ... قد كان لكنه كالوهم يندثرُ
تلقاه يستطلع (التلفاز) منبطحاً ... وقد سَبَتْ عقلَه الأشكالُ والصورُ
في غفلة يحلبُ (الريموتَ) منذهلاً ... عن حب (عبلة) لا عشقٌ ولا وطرُ
ولا زئيرٌ بظهر الخيل صاهلةً ... ولا سيوفٌ كشُهْبِ الليل تنحدرُ
وتلك (عبلة) والأطفال في سغَبٍ ... في موكب (الخبز) في الطابور تنعصرُ
لعلها بعد لأي في مذلتها ... يجني بنوها رغيفَ الخبز إن قدروا
قد كان (خالدُ) سيفُ الله قائدنا ... وكل غاز لنا بالرعب ينجحِرُ
لكن أحفاده هانوا فهان على ... أعدائنا البطش والطغيان والصعَرُ
يا ويحهم سَرَبُ الضحضاح يغرقُهم ... وفي خضمّ الردى أجدادهم مخروا
رُبّوا كتربية الجرذان حين دنا ... سقفُ المذلة كالأقزام قد قصروا
رُبّوا كما شاء (حاخام) اليهود لهم ... حتى يكون لإسرائيله الظفرُ
هُبّي (حماسُ) فما في القوم من أمل ... من بعد ما رضعوا الإذلال بل سكروا
من بعد ما عاد (فرعون) الجبان إلى ... طغيانه وعبيد الغيّ قد سدروا
يلغون يلغون لا يُصغي لهم أحد ... ومن يصيخ لأصفار وإن كثروا..؟
هذي الديار بها سارت مواكبنا ... بالعز والخير حتى جَلّت السّيَرُ
واخضر صخرُ بواديها التي ازدهرت ... من حين كبّر في أجوائها (عمرُ)
كم شَدّ في (الحرمين) الحقّ رايتنا ... في ظلها ننقذ (الأقصى) وننتصرُ
لا تعبئي برموز البخل إن حبسوا ... عنكِ المعونة ها قد أورق الحجرُ
لا تعبئي بحشود الكفر إن قتلت ... أسخى رجالكِِ فالأطفال قد كَبِروا
فالله أقوى وإن شدوا وإن حشدوا ... والله أدرى وإن كادوا وإن مكروا
***
موسى رجعتَ إلى الميدان منتصراً رغم الألى نكثوا بالعهد أو غدروا
فارفعْ عصا الحق واضربْ لا تجامل مَنْ قد أحبطوا ثورةَ الأشبال أو نخروا
وقأل لهم: بعصا (موسى) سنفضحكم كما أذلت عصا (موسى) الألى سحروا
ــ
(*) أعني المجاهد الفلسطيني العائد من الأسر تحرراً الأستاذ موسى أبو
مرزوق، وفقه الله.
стр. 2548
دراسات أدبية
معالم إسلامية في شعر محمود غنيم
بقلم: د.. صابر عبد الدايم
إن الشاعر (محمود غنيم) يُعَدّ في الطليعة من أولئك الشعراء الكبار.. الذين
أخلصوا لفن الشعر.. وهو فن العربية الأول.. وهو ديوان العرب.. وسجل
أمجادهم، ومناط فخارهم ... ولقد كان الشاعر (محمود غنيم) ﵀ وسيظل
(في طليعة من أنجبتهم مصر من شعراء العربية وأدبائها، فحولة وأصالة، وصدقاً
والتزاماً، فقد تميز شعره بغزارة الفكر، والثقافة الواسعة، والصياغة المحبوكة؛
لمعرفته بأصول اللغة العربية، وأسرارها، وحلاوة الإيقاع لحسه المرهف
وشاعريته الأصيلة) .
وتمثل الرؤية الإسلامية في شعر (محمود غنيم) تياراً رئيساً في مرحلته
الشعرية الخصبة الممتدة.. وآيةُ ذلك: أن ديوانه الأخير الذي أعدّه وَبوّبه، ثم طُبع
بعد وفاته، جعل عُنْوانَه: (مع الإسلام والعروبة) ، وكأنه يعلن أن الرؤية الإسلامية
من خلال التصور الإسلامي هو المنهج الذي ارتضاه سلوكاً.. وتعبيراً فنيّاً يقدم من
خلاله خطابه الأدبي للناس..، وهو على يقين أن الرؤية الإسلامية في الشعر
المعاصر لا تقتصر على الشعر الديني المباشر المتمثل في شعر المناجاة والتضرّع،
وشعر الوعظ..، وكذلك تستوحي هذه الرؤية جَوّ الحضارة الإسلامية في مواقفه
وشخوصه، وأماكنه وأزمنته، ولا تَرْوي هذه الرؤية الشعريةُ الإسلاميةُ في
صياغتها الفنية التاريخَ في صورة سردية تقريرية، بل تمتزج بروح ذلك التاريخ،
وتشكل منه واقعاً له شخصيته ونفاذه وتأثيره.
وحين نرْصد المظاهر الإسلامية في شعر الشاعر (محمود غنيم) ندرك أنه
يخصص جانباً من دواوينه، ويجعله تحت هذا المسمّى: (إسْلاميات) .. وأرى أن
هذا التخصيص يفرض حصاراً على رؤية الشاعر الإسلامية.. ويُقيِّدها؛ لأن
الشاعر، مهما تعددت أغراض الشعر لديه في دواوينه، فهي تدور حول محور
الإسلام، منه تنطلق، وإليه تعود.
وقد نشأ الشاعر في بيئة دينية محافظة، وبدأ تعلّمه في الأزهر، وفي مدرسة
القضاء الشرعي، وفي دار العلوم..
هذه البيئات كان لها أثرها العميق في توجه الشاعر، وفي اتساع آفاق الرؤية
الإسلامية وتأثيرها في شاعريته، وهو يصور هذه المعالم الرئيسة في تكوين
وجدانه، وصقل مواهبه.. فيقول منوِّهاً بقريته (مليج) وبالمعاهد العلمية التي تلقى
فيها العلم:
سلام عليها في (مليج) مثابةً ... حفِظت بها السبع القصار المثانيا
سلام على (دار القضاء) وأهلها ... وربْع من العرفان أصبح خاويا
لقد وأَدُوها منذ خمسين حجة ... وما زال قلبي غائر الجرح داميا
سلام على (دار العلوم) وعهدها ... وهيهات هذا العهد يرجع ثانيا
رياض غَرفْتُ العلم من غرفاتها ... وأوْدَعْتُ فيها بضعة من شبابيا
أروح إليها كل يوم وأغْتديي ... إلى العلم عطشاناً من العلم راويا
ورؤية (محمود غنيم) الشعرية الدائرة في فلك التصور الإسلامي يمكن أن
نحدد بعض معالمها في الظواهر الآتية:
أولاً: الرؤية الحضارية للمدّ الإسلامي:
وهذه الرؤية الحضارية للوجود الإسلامي في بعض تجاربه الشعرية يبثها من
وحْي زيارته للأراضي المقدسة حين قام بأداء فريضة الحج.. فهو يبث المكان
أشْجانه، ويشتاق إلى المشاعر المقدّسة، وفي الوقت ذاته: لا ينسى واقع المسلمين، فيدعوهم أن يكونوا على قلب رجل واحد، وأن يكونوا أمة واحدة كما أراد لهم الله
. يقول (محمود غنيم) :
دَارَ النبوة ذَنبْي عنكِ أبعدني ... وحسن ظنِّي بربِّي مِنك أدْناني
ما غبْتِ عني وإن لم يمتلئْ بصري ... من أهلك الصِّيد أو من رَبْعِكِ الغاني
قد كنتُ ألقاكِ في لَوْحي وفي كُتُبي ... وفي سطور أحاديثي وقرآني
ما زلتِ رسْماً جميلاً في مخيّلتي ... حتى كأنّا التقينا منذُ أزمانِ
ثم يشيد الشاعر بفضل رسالة الإسلام التي انطلقت من مكة المكرمة ومن
المدينة المنورة.. ويصور ذلك متأثراً بمهنته في رحاب التربية والتعليم:
هنا بنى المصْلحُ الأميّ جامعةً ... على أساسين من عِلْم وعرْفانِ
ربّى العتيق أبا بكرٍ بها.. وأبا ... حفْصٍ، وربّى عليّاً، وابن عَفّانِ
طُلاّبُها في ربوع العالم انتشروا ... مبشرين بإصلاح وعُمْران
ساسوا الشعوب بأحكام الكتاب فما ... أحسّ شعب بجورٍ أو بطغيان [١]
وتمتزج هذه الرؤية الحضارية لدور الإسلام الفاعل والمؤثر في حركة الحياة
بمشاعر التضرع والمناجاة.. والاعتراف بفضل الله ، ففي نهاية قصيدة: (في أرض النبوة) يتأثر الشاعر بمعاني القرآن الكريم ... في أسلوب مشرق
واضح.. ويناجي ربّه في تضرع وخشوع:
يا ربِّ قد عشْتُ في دنْياي مغترباً ... ويْلاَهُ إن أغتربْ في العالم الثاني
أستغفر الله من كفران نعمته ... بل فوق ما أستحقّ.. الله أعطاني
ألم يجدْني أخا غيٍّ فأرشدني ... وهائماً غيْر ذي ماًوى فآواني؟
ألم يجدْني أخا جهْل فعلّمني ... وعائلاً غيْر ذي وُجْد فأغْناني
لبيك ملء فمي.. لبيك ملء فمي ... يا رب يا رب من قلبي ووجْداني
ثانياً: الأحداث والمواقف الإسلامية:
وحينما نتأمل هذا المعْلَم من معالم رؤية الشاعر الإسلامية نجد أنه لم يُعْنَ
بتسجيل الأحداث التاريخية الإسلامية عناية كبيرة، حيث لم يسجِّل المناسبات
الإسلامية التي أَلِفَ الشعراء أن ينظموا في ظرْفها الزمني قصائدهم كلما حان موعد
المناسبة، وكأن الشاعر (محمود غنيم) يعلن بهذا المسْلك الفني أنّ التاريخ الإسلامي
ليس أحداثاً تُرْوى، ولا أطلالاً ننوح عليها، بل يتجاوز التاريخ هذه الأحداث إلى
التغلغل في صميم الحياة الإسلامية الناطقة بالوجه الحضاري للإسلام.
ولنتأمل تصويره الرائع في قصيدته (الركب المقدّس) وهو يتابع الهجرة
المباركة من مكة إلى المدينة المنوّرة.. ويَرْصد آثار ذلك الحدث الإسلامي الكبير..
حيث يتساءل في عزة وإيمان:
أيّ دين ذلك الدين الذي ... ... حوّل الأفْكار عن كُلِّ اتجاهْ
صَهَر الأنْفس حتى لم تَعُدْ ... تدرك الأنفس شيئاً ما عداهْ
كم أبٍ خاصم في الله ابنَه ... وأخ حارب في الله أخاهْ
باسمه أمسى يسوس الأرض مَنْ ... يحلب النوق ومن يَرْعى الشياهْ
ويجوب البحر من لم يَرَهُ ... غير طيف من خيالٍ في كراهْ
ناشراً من فوقه أعْلامه ... تفزع العقْبان منْها والبزاهْ
ثالثاً: التأملية في ظلال الرؤية الإسلامية:
إن التأمل في شعر (محمود غنيم) لا يمثل تياراً رئيساً، فشعره ينزع إلى
تجسيد العاطفة، وإذكاء المشاعر، ولا يقحم تجربته في شعاب الفكر.. بحيث تخبو
العاطفة.. ويعلو صوت الذهن، وإيقاع الفكر.. وشاعريته لم تبتعد كثيراً عن آفاق
التجربة التأملية، ولكن التأمل في شعر (محمود غنيم) ممتزج بالعواطف الحارّة،
والمشاعر الإنسانية الدافئة، ولا يلقيه التأمل بعيداً عن ظلال الرؤية الإسلامية.
وأهم جوانب التأمل النابع من رؤية الشاعر الإسلامية.. ما يلي:
أ - التأمل الشعري ورحلات الفضاء:
وللشاعر مطولات في هذا الاتجاه..، وهو يتأمل هذه الظاهرة العلمية،
ويحلِّق في آفاق الفضاء، ولكنه يظل مرتبطاً بالأرض، حريصاً على رخاء
البشرية، متمسكاً بحبل الله المتين.. يقول الشاعر بعد تأمل حدث الصعود إلى
القمر:
تعالى الله إن العلم نور ... سناهُ من سناهُ مستعارُ
أفوق الأرض يُضمن ليت شعري ... بهذا الكشف للعلم انتشارُ؟
ويُرْسى للسلام به أساس ... ويكتب للحضارة الازدهارُ؟
أمانٍ تلك إنْ هي أخطأتنا ... فلا نصرٌ هناك بل اندحارُ
ثم ينتهي الشاعر من تأملاته إلى الاحتماء بمظلة الإيمان، ودائرة التوحيد،
ولم تنته به التأملات إلى القلق أو الشك.. وإنما لأنه شاعر مسلم تنطلق تجاربه من
نبع إيمانه الفياض بالتسليم المطلق لخالق الكون.. نجده يقول:
سلوا الأفلاك إذ طرتم إليها ... أكان لها من الضحك انفجارُ؟
وقبلكمُ بنى هامانُ صرحاً ... فكاد النجم يدركه انهيارُ
أضعتم في الهواء كنوز مالٍ ... وملء الأرض بؤس وافتقار
ب - تأمّلُ الطبيعة وتوظيفها في تشكيل التجربة الشعرية:
والطبيعة في تجربة (محمود غنيم) الشعرية التأملية تظل عاملاً خارجيّاً وتصل
في بعض تجاربه إلى مرتبة (الاشتراك) مثل تجارب الرومانسيين.. ولا تتجاوز
الطبيعة هاتين المرتبتين إلى مرتبة الفناء الوجداني في مشاهد الطبيعة ومرائيها..
واتخاذها معادلاً موضوعيّاً أو بديلاً عن الذات.. شأن الرمزيين الذين تتحد ذواتهم
بكائنات الطبيعة ومشاهدها وظواهرها المتعددة.
وفي قصيدة (نيسان) يتجوّل الشاعر في عوالم الطبيعة؛ ويبدع في وصف
مغانيها ومجانيها، ويتأمل مرائيها ومراميها.. وهو يبدع أيما إبداع في هذا الجانب
الوصفي المحلِّق.. وفي نهاية القصيدة يرسم لوحة إيمانية تأملية مستمدة إيقاعها
العذب من أجواء الرؤية الإسلامية. ولنتأمل هذه النفثات الشعرية الإيمانية الصادقة!
تعالَوْا نبتكر عهداً جديداً ... عُمّ الخيرُ فيه واليسارُ
شهدت بأن لله اقتداراً ... وغير الله ليس له اقتدارُ
وأن الجهل للإنسان مَهْما ... يزدْ علماً ومعرفة شعارُ
وأن وراء هذا الكون ربّاً ... له في الكون أسْرارٌ كبارُ
والشاعر يعلن بهذه التأملات الإيمانية أن الكون في المنظور الإيماني مسرح
التأملات؛ والشاعر يعود من رحلة التأملات بزاد روحيّ عميق وزاد أدبي مؤثر
ناضج بخصائص التجربة الإسلامية، وهذه التأملات لا تقود الأديب المسلم إلى
الهروب والارتماء في أحضان الطبيعة، ولا تجعل من الطبيعة إلهاً يعبده الأدباء،
ولا تتخذ من الغاب فردوس الشاعر المفقود، ومهاجره الآمن، ومستقر أحلامه،
هرباً من عالم الناس ودنيا الواقع، بل تصبح هذه الطبيعة مرآة مجلُوّة يرى فيها
الأديب نفسه وأمانيه وأحلامه: من جبالها يستمد مفردات الشموخ والإباء، ومن
بحارها يستلهم مشاعر الحب والنقاء والصفاء، ويتلقى دروس السموّ والعطاء،
ومن تقلبات فصولها يرسم للنفس طريق رؤاها، فهي صورة من وهج الصيف،
ودفء الربيع، وجدب الخريف، وخصب الشتاء [٢] .
وللشاعر (محمود غنيم) مع الطبيعة تجارب تأملية عديدة، فهو ابن الريف
الأصيل، وهو عاشق الريف، وشاعر الجمال الموهوب، وعاشقه، وللبحر صداقة
وألفة ووجود في عالم الشاعر الأثير.. ومن خلاله يستجلي معالم القدرة الإلهية ...
ويتأمّل بديع صنْعة الخالق، وجلال آثاره.
ولنصغ إلى هذه التأملات الشعرية الممزوجة بسوانح الفكر وعبق العلم:
إنه يخاطب البحر.. في لغة شعرية شفيفة، وحوارٍ مقنع جذاب، وصور
شعرية مبتكرة:
سبحان من صوّر الدنيا فأبدعها ... فقل لربِّك ربِّ العرش: سبحانُ
آيات ربّك تترى في الوجود فهل ... للمرء عين؟ وهل للمرء وِجْدانُ؟
كل البقاع محاريب له صنعت ... وكل ما تَسْمع الآذان قرآنُ
ثم يواصل الشاعر هذه التأملات الإيمانية في رحاب الطبيعة الكونية.
ومن عيون قصائده وتجاربه الشعرية: قصيدة (راهب الحقل) وهي مزيج من
التأملات الفكرية والروحية.. مع عاطفة رومانسية دافئة ونزعة واقعية إيجابية
تنزع إلى جماليات الكون، وإضفاء ظلال الرؤية الإسلامية المشعة ببريق الصفاء
والنقاء.
إن الشاعر (محمود غنيم) يصوِّر في براعة واقتدار (الفلاح) تصويراً تأمليّاً
إيجابيّاً بلغ فيه ذروة الفن الشعري، يقول في لغة رقيقة هامسة:
قالوا عليك: أجاجُ الماء، قلتُ لهم ... بل ماؤك العذْب سيال بكل فمِ
ألمْ يحوِّلْ شعاع الشمس ماءك مِنْ ... ملح أجاجٍ إلى عذْب من الدِّيمِ؟
لولاه ما هطلت وطفاءُ أو هدلت ... ورقاءُ أوْ قبّلَتْ كأس شفاه ظمي
لم ينتسب شجر إلا إليك أباً ... ولا انتمى زهَرٌ إلا إليك نُمِي
سَرَيْتَ في طبقات الأرض مُنْسرباً ... فكيْف أصبَحْتَ تيجاناً من القممِ؟
وكيف طرْتَ بلا ريش وأجنحة ... في حالق الجوِّ كالعقبان والرخمِ؟
وبعد:
فالشاعر الكبير.. ما يزال صوته الشعري يدوِّي في عالم الشعر والشعراء
بآثاره الشعرية العظيمة، وشاعريته الخصبة العميقة المحلقة.
стр. 2549
إصدارات أدبية
مجلة: الأدب الإسلامي
صدر مؤخراً في قالب جميل العدد الأخير من مجلة الأدب الإسلامي وهي
تقف على مشارف عامها الرابع متضمناً العديد من الدراسات والبحوث منها: تاريخ
الأدب العربي للرافعي للدكتور محمد رجب البيومي، ودراسة تطبيقية في رواية
الهجرة من أفغانستان لمرال معروف، والتي تصور مخازي الاحتلال الشيوعي في
أواخر السبعينيات لأفغانستان من إعداد الدكتور حلمي القاعود، والأسلوبية وإعجاز
القرآن لطارق شلبي، والصور الشعرية عند د. عدنان نحوي لمحمود السيد الدغيم، وحافظ الحكمي بين الشعر والنثر للدكتور محمد الشويعر، ويضم العدد إبداعات
شعرية منوعة من الشعر العمودي والتفعيلة ومن شعر الشعوب الإسلامية قصيدة
للشاعر التركي عاكف إيتان، وتعقيب على قصيدة للشاعر البنغالي روح الأمين
خان، ومن مكتبة الأدب الإسلامي تم عرض كتابين هما من قضايا الأدب الإسلامي
لصالح آدم بيلو، وكتاب في النقد الأدبي الإسلامي للدكتور إبراهيم عوضين،
وكذلك عرضت رسالة جامعية عن الرؤية الإسلامية في شعر محمود حسن إسماعيل، وهكذا يستمر عطاء الأدب الإسلامي في تنوعه وغزارته وتجديده وأصالته عبر
هذه المجلة المتخصصة. وهي لسان حال رابطة الأدب الإسلامي العالمية التي آلت
على نفسها أن تكون دائماً في خدمة قضايا الأمة الإسلامية عن طريق الكلمة الهادفة
الملتزمة بتعاليم الإسلام وهي أحوج ما تكون إلى تشجيع كل مسلم حريص على
إيصال الكلمة المؤمنة والرأي الهادف للجميع وذلك بالدعم والاشتراك، متمنين لها
المزيد من التقدم والنجاح.
عناوين المجلة في البلاد العربية:
* المملكة العربية السعودية/ الرياض ص. ب ٥٥٤٤٦/ الرمز البريدي١١٥٣٤ ...
*هاتف: ٤٩٣٤٠٨٧ *فاكس: ٤٩٢٠٦٩٣/٤٠٣٦٠٨٢
* القاهرة ص. ب ٩٦ رمسيس * المغرب وجدّه ص. ب ٢٣٨
* الأردن عمان ص. ب ٤١١١٤١٦٤٨
стр. 2550
نص شعري
غربة الإسلام
شعر: فتحي الجندي
بينما كنت أحضّر لكتاب: (غزوة فريدة ودروس عديدة) عن غزوة ذي قَرَد
وبطلها: (سلمة بن الأكوع ﵁ جرى القلم بهذه القصيدة: ...
في زمن الغُربة يا ولدي ... أحدو للحق فهل تَسمعْ؟
أبواقُ الفتنة يا ولدي ... تنبحنا في أرضٍ بلقع
ضوضاءُ الفتنة تنهشنا ... وبسوط الباغي تتلفّع
أبناءُ (سلول) يا ولدي ... منعوا (رايتنا) أن تُرفع
يخشون العبد إذا صلّى ... والفُحْشُ لديهم لا يُمنع
هذي يا ولدي قصّتنا ... والبغي علينا يتربّع
ونداء الحق غدا غرضاً ... في كل جوانبها الأربع
والحق الأبلج قد وضعوا ... في كلْتَا عيْنَيْهِ أُصْبَع
والعبدُ الصلحُ في سجن ... وبكفّ أبي جهلٍ يُصفع
عبّاد (الذات) لكم جدّوا ... واجتهدوا في رصْد الرّكّع
إن سمعوا (قرآناً) خافوا ... فالسلطة منهم قد تُنزع
كم عقروا خيلاً يا ولدي ... ضجرت من قيد لا يُرفع
وبكت إسلاماً مكبوتاً ... ورقاب فوارسها تقطع
ولأجل الحق لكم نُرمى ... بالبغي - صغيري - ونُبدّع
فاكْفُر بالطاغوت العاتي ... ولغير الباري لا تركع
***
يا خيلَ الله متى يأتي ... بطلٌ في ثوب (ابن الأكوع)
يا ماجدَ (غزوةِ ذي قَرَدٍ) ... قد صرنا وسْط المستنقع
وكلابُ الصيد تُلاحقنا ... بنيوبِ سكاكينٍ تقطع
فأعرنْي رجْلَيْكَ لأعْدو ... فأنا في قيدي أتوجّع
وأعرنْي صَوْتَك لأُنادي: ... (سيجيءُ الحقّ ولنْ يُقمع)
(سيجيءُ الحقّ ولنْ يُقمع)
(سيجيءُ الحقّ ولنْ يُقمع)
(سيجيءُ الحقّ ولنْ يُقمع)
стр. 2551
المسلمون والعالم
النظام الجزائري.. والبحث عن الشرعية !
بقلم: د.يوسف الصغير
لقد حاول الجيش الجزائري منذ بداية الانقلاب العسكري وإلغائه نتائج
الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ أن يبحث عن الشرعية، فمن مجلس انتقالي، إلى استيراد أحد رموز حرب التحرير (بوضياف) الذي لم يشارك في الحكم
وبالتالي لا يتحمل أوزاره، وقد قتلوه بعدئذٍ لما أحسوا أنه يريد أن يمارس السلطة
حقيقة، وفي نهاية المطاف جاؤوا (بزروال) الذي يبدو أنه يتصرف كأنه يسير على
حبل مشدود؛ فهو تارة يدعو إلى المصالحة ويُخرج شيخي جبهة الإنقاذ من السجن
إلى الإقامة الجبرية؛ ومن ناحية أخرى تزداد وتيرة العمليات العسكرية والأمنية،
وهو في الوقت نفسه يؤيد الحوار والاستئصال! وقد تطورت الأوضاع بحيث
أصبحت مسرحية البحث عن الشرعية لا تكفي لها الأختام المحلية المزورة، بل إن
هناك رغبة عالمية في إعطاء النظام العسكري الشرعية؛ لأنه الوحيد القادر على
مواجهة الإسلاميين وتأخير وصولهم إلى الحكم، فلم يعد يكفي مندوبو الجامعة
العربية الذين بدوا مندهشين من المهمة الجديدة وهي مراقبة تطبيق الديمقراطية في
الوطن العربي! حتى رأينا ويا للعجب مشاركة الغرب في إخراج المسرحية بصورة
مباشرة؛ فقد شارك في ذلك مندوبون من بريطانيا وأمريكا على حين اعتذرت فرنسا
عن المشاركة (لأن شهادتها مجروحة) .
وبالنظر في الانتخابات الأخيرة وما سبقها فإن هناك جملة ملحوظات منها ما
يأتي:
أولاً: لقد صِيغ نظام الانتخابات الجديد بحيث لا يكون لـ (المجلس الشعبي
الوطني) سلطة مؤثّرة، ولا يكون هناك إمكانية سيطرة أي طرف على الأغلبية؛
حتى ولو حصل أحد الأحزاب على أكثر الأصوات متقدماً بذلك على غيره من
الأحزاب؛ فإن رئيس الدولة يمكنه تكليف رئيسٍ للحكومة ولو من خارج الأحزاب،
إضافة إلى أن هناك مجلساً ثانياً أعلى وهو مجلس الأمة ثلثه مُعَيّن من قِبَلِ رئيس
الدولة، وثلثاه منتخب من خلال المجلس الشعبي والمجالس الولائية!
ثانياً: لقد نص النظام الجديد على أن (أحد عشر حزباً) فقط يحق لها دخول
الانتخابات وهي التي تتفق والشروط الجديدة التي من بينها ألا يكون الحزب قائماً
على مبدأ ديني أو لغة أو جهة؛ بمعنى أن تكون الأحزاب بدون هوية مميزة؛ ومن
المعروف أن المقصود: هو ألا يكون هناك أي حزب إسلامي صريح؛ فقد أُجبرت
الأحزاب على حذف ما يشير إلى الإسلام في اسمها، فمثلاً: (حركة النهضة
الإسلامية) أصبحت: (حركة النهضة) وحركة: (المجتمع الإسلامي حماس)
أصبحت: (حركة مجتمع السلم) .
ثالثاً: لقد قام النظام بتشجيع أو تدبير انشقاقات عديدة في جبهة التحرير
الوطني وجبهة القوى الاشتراكية في محاولة لفك ارتباطهما مع جبهة الإنقاذ. وقد
اضطر (حسين آيت أحمد) للاشتراك في الانتخابات الأخيرة من أجل المحافظة على
تماسك حزبه.
أما جبهة التحرير الوطني فقد كانت قطاعات منها بدايةً تشجع الانقلاب على
الأمين العام السابق عبد الحميد مهري الذي كان مصراً على مشاركة جبهة الإنقاذ في
أي حلٍ؛ مع الإيحاء للانقلابيين أن جبهة التحرير ستكون هي حزب الرئاسة.
رابعاً: لقد حرص النظام في هذه الانتخابات على دخول حزب جديد يمثل
النظام الذي كان قبل ذلك يعتمد على بعض الأحزاب القائمة مثل: حزب التجمع من
أجل الثقافة (الفرانكفوني البربري) و (حزب حماس الإسلامي) وذلك من أجل
إعطاء إحساس باستمرار التعددية الحزبية. أما الآن فقد كوّن النظام حزبه الخاص
(الوطني الديمقراطي) حتى إن محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم أطلق عليه
اسم: (الطفل المدلل) تمييزاً له عن الأطفال غير المدللين!
خامساً: وهي أهم قضية: أن النظام ومع أنه روّض معظم الأحزاب
الموجودة وكوّن حزبه الخاص، فإنه لم يجرؤ على تكرار تجربة انتخابية فيها
احتمال الإخفاق والتفريط في السلطة؛ ولهذا فإنه لم يسمح لأكبر قوة شعبية في
البلاد بالمشاركة.
ولنتخيل أن كلينتون أصدر قراراً بحل الحزب الجمهوري المنافس للديمقراطي، وسمح بتشكيل عشرات الأحزاب الصغيرة التي ليس لها شعبية، ثم دخل
انتخابات تشرف على نتائجها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومندوبون عن أعرق
الدول الديمقراطية (بريطانيا) ليعلن بعدئذٍ فوز الحزب الديمقراطي فوزاً كاسحاً؛
فهل هذا يدل على شعبية حزبه المطلقة؟ بالطبع لا؛ بل ولا يُتوقع أن تشارك
المنظمات الشعبية والدولية السابقة بهذه المهزلة؛ فكيف يُحَلّ أكبر حزب منافس
وتكون هناك ديمقراطية؟ وكم كان (جون ميجور) قبل هزيمته يتمنى لو أن النظام
البريطاني يخوّله أن يصدر قراراً بحل حزب العمال قبل الانتخابات، ليخوض بعد
ذلك انتخابات نزيهة مع حزب الخضر!
ونحن هنا لا نقول فقط: لماذا يتم حظر جبهة الإنقاذ، وهل تكون هناك
انتخابات نزيهة إثر ذلك؟ بل نسجل هنا سقوط ما يسمى بالديمقراطية الغربية التي
ختمت بشرعية النسخة المعدلة من الديمقراطية أو النسخة المعدة للتصدير للدول
الإسلامية ألا وهي حكم (حزب النظام) مع عدد من الأحزاب الاسمية الصورية؛ مع
الحظر الرسمي لأي حزب إسلامي؛ وهذه الديمقراطية مطبقة بنجاح في عدد من
الدول الإسلامية! ! وهناك محاولة لإرساء قواعدها في الجزائر وتركيا.
نعم لقد أرسلت بريطانيا وأمريكا مندوبيها ليقولوا: إن الانتخابات نزيهة! ولم
يقع فيها تزوير واسع للأصوات ولم يتحقق ذلك الأمل ليتم دعم النظام الديمقراطي
الجديد والتواصل معه بكل حرية من أجل الوقوف ضد الإرهاب الإسلامي! !
سادساً: حيث إن الدعاية الانتخابية العادية غير كافية لدفع الناس للمشاركة،
فقد طبق في الجزائر أسلوب جديد مخترع؛ فقبل كل انتخابات سواءً لتعديل
الدستور أو الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية تطغى على وسائل الإعلام المحلية
أنباء مجازر رهيبة تقتل فيها النساء والأطفال والشيوخ، ويبالغ الإعلام المرئي في
نقل مشاهد الصور المشوهة وبقع الدماء على الأرض والجدران، وكيف قتل
الأبرياء بالسكاكين والمناشير، وأن المهاجمين كتبوا شعارات إسلامية على الجدران
بدماء الضحايا. وكان الخطاب المحلي الموجه وصداه الخارجي يصران على أن
الإسلاميين هم الذين يرتكبون كل هذه المجازر مع تكرر نفي جبهه الإنقاذ
لمسؤوليتها وإدانتها بل واتهامها النظام وميليشياته بارتكاب تلك الفظاعات، وذلك
في الوقت الذي بدأت تتكشف فيه بعض الحقائق، وهي كما يلي:
١- كثير من الضحايا هم من عوائل المجاهدين في جبهه الإنقاذ، وإشاعة
النظام أن المجازر تحدث نتيجه الحرب بين الإسلاميين أنفسهم! !
٢- القرى والمناطق التي وقعت فيها أبشع عمليات الذبح هي التي ظلت
رافضة تسلم السلاح من الحكومة والمشاركة في ما يسمى بالمقاومة الشعبية أو الدفاع
الذاتي.
٣- تتركز المجازر في البلدات والقرى التي تشكلت حول المزارع الضخمة
التي خلفها المستعمرون الفرنسيون في سهل (متيجه) الخصب وقد شاع أن جماعات
القتل تخدم خطة لإخلاء هذه المناطق من أجل إعادة توزيعها على المتنفذين الجدد.
٤- لوحظ أن المجرمين كانوا ينفذون جرائمهم وهم في منتهى الاطمئنان مع
أن تسليحهم يقتصر غالباً على السكاكين والبلطات، وبعد خروجهم من القرى تأتي
قوات الأمن مع الوفود الإعلامية.
٥- لقد تتابعت الانفجارات العنيفة في بدايه شهر رمضان المبارك الماضي في
أسواق ومقاهي العاصمة الجزائرية عن طريق سيارات مفخخة؛ وذلك في أيام
متتالية؛ وقد وجهت أصابع الاتهام إلى أطراف في النظام نظراً لكمية المتفجرات
الكبيرة التي لا يمكن للإسلاميين تدبيرها ونقلها داخل العاصمة التي تكثر فيها
الحواجز الأمنية بالإضافة إلى استهداف أماكن تعتبر معاقل للإسلاميين.
٦- تواتر اختراق المخابرات الجزائرية لبعض الجماعات المسلحة إلى
مستويات قيادية عليا، وبالتالي توريطها في أعمال منافية للشرع ونسبتها للعموم؛
مع ملاحظة ضعف العلم الشرعي عند بعض هذه الجماعات وسيادة روح الانتقام من
تجاوزات النظام في حق أهاليهم.
٧- يلاحظ في الوقت نفسه تغير نبرة الإعلام الغربي تجاه الأحداث؛ فمن
عبارة: (قام المتطرفون بـ ... ) إلى (حدثت مجزرة ... يعتقد أن الإسلاميين
المتطرفين قاموا بها) إلى (حدثت ... وتنسب هذه الأعمال عادةً إلى ... ) .
٨- يحرص النظام بشدة على تعتيم أخبار الصراع العسكري مع الإسلاميين؛
حيث يمنع وجود المراسلين الأجانب، ويحظر على وسائل الإعلام المحلية نشر أي
أخبار إلا التي ترد من قِبَلِ وزارة الداخلية. وبعملية بسيطة فإنه إذا كان يقدر عدد
القتلى بين ستين ومائة ألف في خمس سنوات فإنه يعني حوالي خمسين قتيلاً يومياً.
نعم من أجل شرذمة من العسكريين الذين يسيطرون على كل شيء في الجزائر يقتل
يومياً خمسون فرداً لا يسمع عنهم أحد، بل ويطرح النظام في هذه المرحلة أسلوباً
استئصالياً جديداً؛ فبدلاً من الاستئصال الخاص للإسلاميين يطرح الآن وبدون حياء
أو وجل أسلوب الاستئصال العام للمناطق التي ينبت ويتوالد فيها التطرف (كما
زعموا) .
هل الانتخابات حل للأزمة القائمة؟
وأخيراً: هل تمثل هذه الانتخابات حلاً لمشكلة الجزائر؟ بالطبع: لا؛ وهذا
ما أجمع عليه المراقبون، ولكن في تصوري أن ما يجري سيجعل الصراع أكثر
تميزاً؛ فإذا كانت جبهة الإنقاذ تباطأت في المبادرة بالعمل العسكري مما ترك
الفرصة لنشوء جماعات كثيرة غير منضبطة؛ فإن اشتراك الجبهة أيضاً في (عقد
روما) كان يعطي غير الإسلاميين دوراً في حال سقوط النظام مع عدم مشاركتهم في
الصراع المسلح. إن على الجبهة وهي تقف الآن وحيدة في الجانب السياسي أن
تستغل بقوةٍ ميزةَ أنها تمثل الآن المعارضة السياسية الجادة الوحيدة بعد تدجين بقية
فصائل المعارضة، والتركيز على كسر شوكة النظام، وهذا لا يكون إلا بالعمل
الجاد على جمع شتات الجماعات المسلحة المنضبطة بضوابط الشرع؛ مع تحييد
ومحاصرة المجموعات المخترَقة من قِبَلِ النظام أو التي لا تسير على المنهج
الشرعي الصحيح.
إن إطلاق سراح الشيخ (عبد القادر حشاني) بعد محاكمة صورية ثم ما تبعه
من إطلاق زعيم (الإنقاذ) الشيخ الدكتور (عباسي مدني) مع ما صدر له من أوامر
بعدم التعامل مع وسائل الإعلام يدل ذلك كله على أن الجزائر مقبلة على مرحلة
جديدة تواجه فيها جبهةُ الإنقاذ الاختبارَ الأخير الذي يوجب عليها أن تكون فيه على
مستوى الأحداث، وأن يكون لها موقف موحد مبني على نظر ودراسة، وأن
يحذركل مسؤول فيها على ألاّ يكون له رأي فردي خاص يتخذه في مكان عام أو في
مقابلة صحفية ثم يكون بعدئذٍ مثاراً للجدل؛ بل يجب أن يكون هناك موقف
استراتيجي ثابت مبني على دراسة شرعية تأخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات؛
فالنظام لم يتخل عن منهجه الاستئصالي، بل اتجه للجمع بين (الاستئصال الأمني)
و (الاستئصال السياسي) .
وسياسة النظام المستقبلية تعتمد على تقديره الخاص للوضع؛ فهو بين أمرين:
أحدهما: الإحساس بأنه وصل إلى نهاية النفق المسدود؛ فالقوة العسكرية لم
تنجح، والمناورة السياسية الجديدة ليست ذات قيمة واقعية؛ وبالتالي يجب الحوار
مع الجبهة والوصول معها إلى حل وسط يكون أحد أركان جبهة الإنقاذ جسر الحوار
فيه.
والثاني: الإحساس بالانتصار، وأن الجبهة لم تعد تشكل خطراً على النظام،
وأن النظام قادر على التعامل والتعايش مع مستوى المواجهة الحالية بحيث يضبط
الأمن في المدن الكبرى، ويحرص على حماية خطوط أنابيب النفط والغاز؛ أما
بقية البلد فيترك فيها الأمر للصراع بين ميليشيا النظام وجماعات الإسلاميين.
أخي القارئ الكريم: إن الصراع في الجزائر هو صراع شامل؛ وإذا كنا لا
نحس بنقص الإمكانات العسكرية للإسلاميين، فإننا نحس وبقوه بضعف الجانب
الإعلامي الواضح؛ فليس لهم صحف ناطقة باسمهم، بل وإذا كان ثمة متحدث
رسمي في الخارج فإنه ليس على اتصال سريع أو مستمر بالداخل؛ ولهذا فإن
البيان المنسوب لأي جماعة يوجب الانتظار فترة قبل القطع بنسبته إليها، وذلك من
خلال عدم صدور بيان نفي له؛ ولهذا تُدبّج المقالات أن فلاناً هو مفتي الجماعات
المسلحة، وأنه يفتي وأفتى، ثم تفاجأ بالصحيفة تنشر اعتذارها للشيخ وتعترف
بكذب المعلومات المنشورة، وأن السبب في هذا الخطأ أن المصدر لم يكن موثوقاً،
بل ويصبح أحد الأشخاص غير الجزائريين والبعيد عن الجزائر دليلاً على نسبة
المجازر للإسلاميين بتصريحات غوغائية لا ندري ما هو هدفه منها. يجب أن
يكون للإسلاميين قنوات فعالة لتبليغ مواقفها الرسمية، وأن لا يكون اسمها مباحاً
لكل غالٍ ومنافق؛ بل إن كثيراً من البيانات المنسوبة للإسلاميين تبين أنها مدسوسة
من قِبَلِ المخابرات الجزائرية!
نسأل الله أن يلطف بشعب الجزائر المسلم، وأن يرزقه الحكام الصالحين
الذين يعيدونه لمنهجه الإسلامي الأصيل؛ وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 2552
المسلمون والعالم
عولمة أم أمركة؟
الخلق الأمريكي! !
(٢)
بقلم: حسن قطامش
تحدث الكاتب في الحلقة الماضية عن استقرار أمريكا نموذجاً يقتدى به في
نفوس شرائح من مجتمعاتنا، ثم تحدث عن الشهادات من بعض رموز المجتمع
الأمريكي حول ضرورة ريادتهم للعالم، ثم بدأ في تصفح التاريخ الأمريكي محاولاً
الكشف عن أصل هذا المجتمع، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة إيضاح جوانب
أخرى من الموضوع. ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - الاستقلال عن بريطانيا أعظم المفاخر الأمريكية:
يلخص الأمريكيون منجزاتهم الكبيرة وأمجادهم في ثلاثة أمور: الاستقلال،
الاتحاد، الدستور؛ وأهمها على الإطلاق: الاستقلال عن التاج البريطاني.
وأصبحت وثيقة الاستقلال وثيقة تاريخية يجب أن يعرفها الكبير والصغير على حد
سواء؛ ولخاصية هذه الوثيقة نعرض نصوصاً منها لأهميتها ومناسبتها في
موضوعنا.
عندما يصبح ضرورياً في سياق الأحداث البشرية أن يفصم شعب الروابط
السياسية التي كانت تربطه بشعب آخر، وأن يحتل بين دول الأرض المكانة
المنفصلة والمتساوية التي تؤهلها له قوانين الطبيعة، ورب الطبيعة، فإن الاحترام
اللائق لرأي الجنس البشري يطالبه أن يعلن الأسباب التي أجبرته على الانفصال.
ونحن نؤمن بأن هذه الحقائق بدهية (وأن جميع البشر خُلقوا متساويين، وأن
خالقهم حباهم بحقوق معينة غير قابلة للإسقاط أو التنازل عنها، من بينها: حق
الحياة، والحرية، وطلب السعادة) .
وتاريخ مُلك بريطانيا العظمى تاريخ إضرار متكرر، واغتصاب مستمر،
هدفه الثابت المباشر هو الطغيان المطلق على هذه الولايات.. فلقد أنشأ عدداً كبيراً
من المناصب الجديدة، وبعث هنا أسراباً حاشدة من الموظفين والضباط لإرهاق
شعبنا، واستنزاف أقواتنا وأبقى بين ظهرانينا في وقت السلم جيوشاً دائمة بدون
موافقة الهيئات التشريعية، وجعل العسكريين مستقلين، وفي مكانة أرفع من
السلطات المدنية، وعمل مع آخرين لجعلنا خاضعين لولاية قانونية غريبة على
دستورنا! ! ولا تعترف بها قوانيننا بأن وافق على قراراتها التشريعية المزعومة.
ولأنه أقام أي الحاكم البريطاني قوات مسلحة كبيرة بين ظهرانينا، وحماهم
بمحاكمات هزلية في العقاب على جرائم القتل التي يمكن أن يقترفوها ضد أهالي
هذه الولايات، ولأنه قطع صلاتنا التجارية مع كل أنحاء العالم، ولأنه حرمنا في
حالات كثيرة من مزايا المحاكمة أمام محلفين، ولأنه نقلنا وراء البحار لنحاكم على
جرائم مزعومة، ولأنه نزع منا مواثيقنا، وألغى أثمن قوانيننا، ولأنه فعل كل هذا، فقد أعلن أننا محرومون من حمايته، وشن الحرب علينا، لقد نهب بحارنا وسلب
سواحلنا، وأحرق مدننا، ودمر حياة شعبنا، وهو في الوقت ذاته ينقل جيوشاً
ضخمة من الأجانب المرتزقة ليُتم أعمال الموت والتخريب والطغيان التي بدأها فعلاً
بوسائل القسوة والخيانة التي لا يوجد لها مثيل في أشد عهود الهمجية.
لقد أجبر الحاكم البريطاني مواطنينا الذين أسرهم في أعالي البحار أن يحملوا
السلاح ضد وطنهم، ويصبحوا جلادين لأصدقائهم وإخوتهم، وأن يقتلوا أنفسهم
بأيديهم.. وقد أثار الشقاقات الداخلية في ما بيننا، وحاول أن يستقدم سكان حدودنا
الذين لا يعرفون الرحمة والذين لا قانون لهم إلا الحرب، والقضاء على جميع
الأعمار والأجناس والأحوال.
وفي جميع هذه المظالم، قدمنا الالتماسات للإنصاف بكل تواضع وخضوع،
ولكن كان الجواب الوحيد على التماساتنا المتكررة هو الإساءة المتكررة، ولم نكن
في أي وقت من الأوقات مقصرين في حق إخواننا البريطانيين، فقد أنذرناهم بين
وقت وآخر بمحاولات مجلسهم التشريعي أن يمد سلطة ولايته علينا، وذكرناهم
بظروف هجرتنا واستقرارنا هنا، وناشدنا عدالتهم ونخوتهم الفطرية، أن يستنكروا
هذه الاعتداءات التي لا بد أن تفصم روابطنا وصلاتنا؛ ولكنهم أيضاً صموا آذانهم
عن صوت العدالة، ورابطة الدم.
من أجل ذلك لا بد لنا أن نذعن لحكم الضرورة التي تملي علينا الانفصال،
ونجعلهم كما نجعل بقية العالم أعداء في الحرب، أصدقاء في السلم.
لذا فإننا نحن ممثلي الولايات المتحدة في مؤتمرنا العام، المجتمع هنا نُشهد
(الله جل ثناؤه) على صواب مقصدنا، ونعلن باسم شعب هذه المستعمرات (الطيب) ! وبسلطاته، أن هذه المستعمرات المتحدة، هي في حقيقتها وبموجب حقها ينبغي
أن تكون ولايات حرة مستقلة، وأنها تحررت من كل ولاء للتاج البريطاني، وأن
كل الروابط السياسية بينها وبين دولة بريطانيا العظمى قد انفصمت تماماً، وأنها من
حيث هي ولايات حرة مستقلة لها كل السلطات الكاملة في شن الحرب، وإقرار
السلم وعقد المحالفات، وإنشاء العلاقات التجارية، وإتيان كل الأعمال والأمور
التي يحق للدول المستقلة أن تمارسها.
وتدعيماً لهذا الإعلان، معتمدين بثبات وعزيمة على حماية العناية الإلهية
نتعاهد تعاهداً متبادلاً على صيانة أرواحنا، وشرفنا المقدس) .
بقراءة سريعة لهذه الوثيقة، ودون علم بأنها وثيقة استقلال الأمريكيين عن
التاج البريطاني نظن لأول وهلة أنها على سبيل المثال من الشعب العراقي، أو
الليبي، أو على أسوأ تقدير الشعب الكوبي، ولكن أن تكون ذات صلة بالأمريكيين
فهذا أمر مستبعد إلى أقصى درجة، قد يقول قائل: تغير الأحوال والصراعات
العالمية، جعلها تعدل من مبادئها، والسياسة لا مبدأ لها، قد نسلم بهذا الافتراض إن
كان هناك زمن كبير بين هذه الوثيقة، وبين التبدلات الجذرية التطبيقية لها. ولكن
أن تكون هذه الوثيقة كتبت في وقت مُورِسَ خلاله أبشع صنوف التصفية وأشدها
همجية ضد صاحب الأرض الحقيقي، فهذا يجعلنا نلقي بالوثيقة برمتها في مزبلة
التزييف والتضليل السياسي.
ونستعرض الآن للتدليل على ذلك نموذجين وقعا خلال كتابة الوثيقة، بل
وقبلها وبعدها، ثم نرى: هل هناك ما يدعو لأن تفاخر أمريكا بهذه الوثيقة؟ أم أن
ما جاء فيها هو خاص بشعب الله المختار فقط؟
ولعل ذكر هذه النماذج عقب الوثيقة التي يفاخر بها الأمريكيون يسقطها برمتها
إلى حضيض التزييف التاريخي للحقائق التي ما يزال الكثير منها ماثلاً ولم يُمْحَ من
الذاكرة.
الأول: النموذج الهندي.. الأحمر:
الشعب الأصلي الذي عاش في أمريكا قبل الاستعمار الأوروبي لها ليسوا
هنوداً، وليسوا حمراً، ولكن هكذا راق للمحتلين أن يسموهم، وهم الذين عُبر عنهم
في الوثيقة بـ (سكان حدودنا الذين لا يعرفون الرحمة، والذين لا قانون لهم إلا
الحرب والقضاء على جميع الأعمار والأجناس والأحوال) .
ونتساءل أولاً: مَنْ صاحبُ الأرض الحقيقي؟ ونتلوه بسؤال آخر: ألم
يكونوا (بشراً متساوين، وأن خالقهم حباهم بحقوق معينة غير قابلة للإسقاط أو
التنازل عنها والتي من بينها: حق الحياة والحرية وطلب السعادة؟) أم أن هذا
خاص بالشعوب الناطقة بالإنجليزية المستحقة لحماية الله؟ ! لقد استعمل الأمريكان
لتطهير الأرض التي احتلوها من شعبها أبشع الوسائل والطرق التي لا تقارن بها
(أشد العهود الهمجية) وعندما وطئت أقدام المستوطنين الأرض الجديدة كان بها نحو
مليون هندي، وكانت العلاقات في بادئ الأمر ودية، ولكن المهاجرين أخذوا
يستولون على الأراضي بشكل متزايد، فبدأ ينشب القتال بين الجانبين، كان هذا
قبل الاستقلال عن التاج البريطاني، وقد يعزوه الأمريكيون إلى بريطانيا العظمى! ! وبعد الاستقلال عقدت (الحكومة الأمريكية) عدة معاهدات مع الهنود، وتعهد
الهنود بالحفاظ على السلم مع المهاجرين، غير أن كثيراً من هذه المعاهدات كانت
تخرق؛ وذلك بسبب دخول المهاجرين إلى أراضي حددت للهنود، ونتج عن ذلك
حروب في منتهى الشراسة ومنها معركة (بيكووت) التي شنت لمقتل أحد
المستوطنين، وأحرق فيها ٧٠٠ هندي، وقبض على معظم من تبقى من الهنود
وعرضوهم للبيع بسوق النخاسة في (برمودا) ، والجدير بالذكر أن الأمريكيين في
هذه الموقعة اتفقوا مع بعض القبائل الهندية ليتعاونوا معهم على قتل إخوانهم الهنود، وقد زعم الأمريكيون في وثيقتهم أن الحاكم البريطاني أجبر إخوانهم الأسرى على
حمل السلاح ضد وطنهم، وأصبحوا جلادين لأصدقائهم وإخوتهم! ! وكان هذا الذي
حدث للهنود عقب كتابة الوثيقة.
وأصدرت الحكومة الجديدة بعد ذلك قانوناً بإزاحة الهنود من أماكنهم إلى غربي
الولايات المتحدة؛ وذلك لإعطاء أراضيهم للمهاجرين، وكان ذلك عام ١٨٣٠م،
وهُجّر إلى المناطق الجديدة أكثر من ٧٠. ٠٠٠ ألف هندي، فمات كثير منهم في
الطريق الشاق الطويل، وعرفت هذه الرحلة تاريخياً بـ (رحلة الدموع) .
لم يكتف الأمريكان بذلك، فلم يمض وقت طويل حتى أخذ المهاجرون في
الاندفاع نحو الغرب متوغلين في الأراضي التي خصصت للهنود، وكان مما زاد
الطين بلة أن اكتشف الذهب في هذه المناطق، فرحل كثير من عباد المال إلى هناك، وكانوا يقتلون الحيوانات البرية التي كان الهنود يعتمدون عليها في طعامهم،
وقاتل الهنود دفاعاً عما تبقى من الأرض، ولكنهم هزموا في نهاية الأمر؛ ولكن
للإنصاف والعدل فقد كانت الحكومة الأمريكية عادلة ومنصفة! ! إذ نقلتهم من هذه
الأرض إلى أماكن مخصصة (مستوطنات مغلقة) ! !
انخفض عدد الهنود بعد هذه المراحل من الحرب والتشريد والطرد إلى ٣٥٠
ألفاً فقط، أي أُبيد على يد الأمريكيين ٧٥٠ ألفاً، وكان هذا هو الرأي الأمريكي في
تقرير مصير الشعب الهندي الأحمر!
الثاني: النموذج الأفريقي.. الأسمر:
وتزامناً مع الحالة الهندية كان الزنوج يُنتزعون من الساحل الغربي لأفريقيا،
وكانت تجارة الرقيق تقوم بها مجموعات كبيرة من الشركات والأفراد الأمريكيين،
وكانت هذه التجارة تدر أرباحاً وثروات هائلة؛ إذ كان العبيد يباعون مقايضة مقابل
التبغ والأرز! ! وكانوا بطبيعة الحال يعملون أشق الأعمال وأخطرها، ويُحرَمون
من كل شيء، حتى الذي ورد في وثيقة الاستقلال. ومع بداية سنة ١٨٥٠م بلغ
عدد العبيد ٣. ٢٠٠. ٠٠٠ مليون من بين سكان أمريكا الذين كان عددهم ٢٣
مليوناً، وكان الرق غالباً في الجنوب الأمريكي، وبدأت دعوات في الشمال تطالب
بإلغاء الرق، وكان ذلك في بداية عام ١٨٦١م، وكان سكان الجنوب الذين
يرفضون إلغاء الرق يقارب عددهم ٩ ملايين شخص منهم ٣. ٥ مليون عبد، أي
أن لكل شخصين من البيض شخصاً من العبيد، وانفصلت الولايات الجنوبية عن
الاتحاد، وبدأت الحرب الأهلية الأمريكية (حرب الأشقاء ١٨٦١ ١٨٦٥م) ونذكر
نموذجاً واحداً من معارك هذه الحرب، وهي معركة (جتسبيرج) التي سقط فيها
خلال ثلاثة أيام فقط ٤٥. ٠٠٠ ألف أمريكي ما بين قتيل وجريح ومفقود وأسير! ! واغتيل بعدها (إبراهام لنكولن) قبل أن يحسم الخلاف على الرق.
أمريكا.. نموذج علماني شامل:
أمريكا قارة بكر عذراء، مواردها هائلة، أراضيها شاسعة، بعيدة عن العالم
القديم، فلم تستنزف ثرواتها في حروب كبيرة ولا احتلال، فالخير الذي أودعه
الباري فيها ما زال بوفرته، وهو ما ساعد على قيام دولة كبيرة غنية،
تستغني عن غيرها، وهذه العوامل ساعدت أمريكا على الظهور كقوة كبيرة في
العالم.
هذه القارة الجديدة الهائلة كانت مطمع المهاجرين الأوروبيين، وكان الذين
سبقوا بالاستيطان يراسلون ذويهم وأصدقاءهم قائلين: هلموا إلى أمريكا.. لقد
وجدنا شوارعها مفروشة ذهباً، وكان كما ذكرت عدد كبير من أولئك من مجرمي
الحروب ونزلاء السجون وتجار الرقيق والباحثين عن الذهب والمال، وقد وجدوا
في الأرض الجديدة متنفساً كبيراً عن الذي عايشوه في أوروبا، من كبت واضطهاد، وفرصة كذلك للثراء، فرصة لأن يكونوا أمة شابة تقف أمام قارتهم الهرمة،
فأنشأت هذه العوامل هذه النفوس، وعملت هذه النفوس على إحياء مبدأ واحد فقط:
(المصلحة) ، فمن مصلحة المهاجرين إبادة الشعب الأصلي للأرض كي لا يكون
للأرض صاحب آخر يفجر الثورات، فنقلوا هذا الشعب إلى.. العالم الآخر! !
واقتضت المصلحة كذلك انتزاع شعب آخر من أرضه قهرياً، واستعباده في
الأرض الجديدة.. شعب يعزل عن أرضه أفريقيا ويزرع هناك، بلا هوية، بلا
دين، بلا صلات، فنقلوه كذلك من دنيا إلى ... دنيا أخرى لا يرتبط معها بأي
رابط.
واقتضت المصلحة كذلك أن تفتح الأرض الجديدة على مصراعيها لشذاذ
الآفاق من كل الدنيا للعمل على إحياء الأرض الجديدة؛ ولكن شريطة التخلي عن
الدين والعرق والأخلاق. الشرط الوحيد للبقاء لهذه الفئة من الناس: أن تذوب
ذوباناً كاملاً في ذلك المجتمع، تعمل فقط، تأكل فقط، تتلذذ بما شاءت.. فقط.
ولهذا وغيره كانت أمريكا نموذجاً مثالياً للعلمانية الشاملة، فهي أرض بدأت
من الصفر، بدأ الحياة فيها قوم لا خلاق لهم، كان أكبر همهم هو التخلص من
الثقافة الأوروبية والنمط الأوروبي الذي كان يمثل لهم نمطاً من احتلال الأرواح
والأجساد معاً؛ لذا كانت نشأة أمريكا متحررة من كل شيء، تبيح لشعبها كل شيء، فلم يكن (لنشأتها) وازع ديني يمنعها من التحرر، ولا أخلاق تحكم التصرفات،
حتى أولئك الذين هاجروا إليها من غير الأوروبيين كانوا على استعداد للذوبان فيها، كونهم هربوا من مجتمعاتهم، فكان شعورهم كشعور المستوطنين حين تركوا
أوروبا.
إن فهم تلك الأبعاد للنشأة الأمريكية هام جداً وضروري جداً لكي يكون
مستحضراً ونحن نتعامل مع هذا النموذج المسيطر، وحتى لا نعجب أو نغتر أو
يصيبنا الجزع ونحن نرى هذا الانتفاش الهش. إن الشيء الوحيد الذي يهتم به
الأمريكي هو مصلحته، وأن يعيش مستمتعاً: يأكل بشراهة، يشرب كأنه لم يذق
الشراب من قبل، المهم أن يستمتع، وهذا مما أشارت إليه (الواشنطن بوست) في
افتتاحيتها عقب الإعلان عن فوز (كلينتون) بالرئاسة الأمريكية مرة أخرى قائلة:
(الأمريكيون مهتمون فقط بأمور الزبدة والخبز، ويعتبرون النظام السياسي.. مجرد
جهاز إداري، إن هذه النزعة لتهميش الوظيفة السياسية المؤسساتية تفسر إعادة
انتخاب الأمريكيين لـ (كلينتون) رغم وعيهم لتجاوزاته الأخلاقية؛ لأن همهم أن
يكون رئيساً إدارياً جيداً، وليس نموذجاً للأخلاق والمثالية) .
كذلك هناك النزعة التوسعية المتأصلة في النفس الأمريكية، وعقلية
المستوطن المحتل الذي يقيم حياته على رفات غيره من البشر؛ هذه العقلية
التوسعية، صارت كذلك مدعاة للفخر والمباهاة، ففي الحوار الذي أجرته مجلة
(أتلانتك) ونشرت مجلة (المجلة) جزءاً منه مع د. (بنجامين سوارتز) الخبير في
الاستراتيجية الأمريكية في معهد السياسة العالمية في (نيويورك) أجاب عن السؤال
التالي: لماذا تريد أمريكا أن تحكم؟ فأجاب: ربما السؤال الصحيح، لماذا تظن
أمريكا أن من واجبها أن تحكم العالم؟ والإجابة هي أن التوسع جزء من التراث
الأمريكي، في الماضي كان التوسع جغرافياً بتأسيس ولايات أمريكية في مناطق
الهنود الحمر، حتى وصلنا إلى المحيط الهادي، ثم أسسنا ولاية في جزر (هاواي) ، ثم وقفنا أمام طموح الآسيويين أنفسهم، ولهذا تحول التوسع الأمريكي بعد الحرب
العالمية الثانية وخلال الخمسين سنة الماضية.. إلى توسع اقتصادي.
وللحديث بقية.
стр. 2553
المسلمون والعالم
خمسون عاماً من الفشل..!
أجواء الحرب.. في أحلام السلام
(٣من٣)
بقلم: عبد العزيز كامل
مرّ الكاتب في مقالين سابقين على محطات الفشل العلماني في إدارة الصراع
العربي الإسرائيلي، فكان من محطات الحرب: نكبة ١٩٤٨م، والعدوان الثلاثي
١٩٥٦م، ونكبة ١٩٦٧م، وحرب التحريك ١٩٧٣م، ومن محطات الفشل في
السلام: مؤتمر جنيف ١٩٧٤م، وكامب ديفيد ١٩٧٨م، ومؤتمر فاس ١٩٨٢،
ومشروع إعلان الدولة الفلسطينية، ومؤتمر مدريد ١٩٩١م، ويواصل الكاتب
الوقوف على محطات أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
المحطة السادسة: محادثات المسارات المتعددة في واشنطن:
بعد الانتهاء من مؤتمر مدريد، اختيرت واشنطن لتكون مقراً لاجتماعات
مسارات التفاوض الثنائية، ودارت المحادثات على مسارات منفصلة كما هو متفق
عليه أو كما أرادت (إسرائيل) فقد كانت تخطط لإضاعة الوقت في هذه المفاوضات
لتشتيت جهود العرب والاستفراد بكل طرف على حدة، لكي تستثمر هذا الوقت
لصالحها بتنفيذ برامج ومخططات تحتاج إلى تغطية، وقد ظهرت هذه النية بعد ذلك
على لسان (شامير) الذي قال: (كنت أريد للمفاوضات في واشنطن أن تمتد عشر
سنوات، حتى تستكمل خطط الاستيطان، وحتى لا تبقى أرض فلسطينية يتم
التفاوض عليها ... ) ! ! نعم أليسوا يهوداً؟ .
لقد حرص هؤلاء الأعداء على إضاعة الوقت فعلاً، حتى إن بعض (القضايا)
التي جرت مناقشتها بين الوفد الإسرائيلي والأردني مثلاً، كان منها: التعاون من
أجل مقاومة توالد البعوض في وادي الأردن! وكان منها ضرورة التنسيق للتوصل
إلى حل في مشكلة الحمام البري الطائر الذي يطير من الأراضي الأردنية ليتغذى
على الغلال في الصوامع الإسرائيلية! !
أما القضايا الجادة على كل المسارات فكانت تؤجل باستمرار، وكانت وفود
اليهود تردد دائماًَ قناعتها بأن من أصول التفاوض الصحيح حل المشكلات الصغيرة
أولاً ثم التفرغ للمشكلات الكبيرة. ومع كل هذا الهوان، فقد كان المفاوض العربي
والفلسطيني يشعر في نفسه بذلك الهوان، بغض النظر عن القضايا التي تناقش،
يعبر عن ذلك (د. حيدر عبد الشافي) بقوله: (نحن وفد منقسم على نفسه، وفي
الحقيقة فنحن أربعة عشر عضواً فلسطينياً وكل عضو فينا وفد مستقل، وكل واحد
منا يمثل نفسه، وله اتصالاته وله ميادينه) ! ! وكان من الطبيعي مع كل هذا أن
تكون نتائج مسارات واشنطن.. الفشل! !
المحطة السابعة: اتفاقيات أوسلو:
بعد فشل محادثات المسارات المتعددة في واشنطن، اتجهت الأنظار إلى (أوسلو) عاصمة النرويج، وكان ذلك عقب ظهورعدد من المستجدات على الساحة العربية والدولية منها:
١- انتقال رئاسة الوزراء في (إسرائيل) إلى حزب العمل برئاسة (إسحاق
رابين) بعد سقوط (إسحاق شامير) زعيم حزب الليكود.
٢- أن منظمة التحرير من خلال محادثات واشنطن ظهر أنها مستعدة نفسياً
وعملياً لإعطاء كل شيء مقابل الاعتراف بها، وأنها سوف ترحب بأي تعاون من
شأنه ألا ينقل الوصاية على القضية الفلسطينية من يد المنظمة إلى أيدي (حماس) .
٣- حرص كل أجهزة المخابرات ومراكز الدراسات في إسرائيل وغيرها
على إظهار وإبراز أن هناك قوة إسلامية عارمة يمكن أن تكتسح أكثر من ساحة
عربية ومن ضمنها فلسطين في ظل التشرذم والفشل العربي، وأن تلك الموجه
الإسلامية يمكن لها أن تقفز إلى واجهة الأحداث ليرى اليهود أنفسهم وجهاً لوجه أمام
مبارز جديد لم يتعودوا على منازلته، وقد عبر عن هذا التخوف أحد الوزراء في
حكومة رابين عندما قال: (إن الحركة الإسلامية ستتصاعد، وستؤدي إلى تقوية
التيار الديني في (إسرائيل) نفسها، وأستطيع أن أقول: إن المتشددين الإسلاميين
والمتشددين اليهود سيلتقون في ساحة المواجهة هنا على أرض فلسطين، وعندها
سيخرج الأمر من أيدينا تماماً) !
وكان (رابين) يرى لأجل ذلك أنه لا مانع من الاعتراف بالمنظمة بعد اعترافها
بـ (إسرائيل) وبحقها في حياة آمنه ضمن حدود معترف بها، وكان في ذلك مخالفاً
لسلفه (شامير) وقد سوّغ وجهة نظره بقوله: (إن المنظمة إذا وضعت بصمتها على
ورقة الاستسلام، فلن يستطيع أحد أن يزايد على (أصحاب الشأن (! ...
وبدأ الفلسطينيون عبر قنوات اتصال سرية في التفاوض مع الإسرائيليين
لإبرام اتفاق (منفرد) ، وأثمرت هذه الاتصالات في الوصول إلى اتفاق مبدئي أطلق
عليه: (غزة وأريحا أولاً) وكان المفاوضون قد اتفقوا في أوسلو على ألا يكرروا
الخطأ الذي حدث في واشنطن من الوفد الفلسطيني وهو المطالبة بالبدء
بالموضوعات الصعبة الرئيسية مثل: حق تقرير المصير، والمستوطنات،
ومستقبل القدس. واختاروا أن يكون البدء بأمور عملية تقبل التنفيذ، ووقع الاختيارعلى (غزة وأريحا أولاً) بمعنى تمكين الفلسطينيين من حكم هاتين المنطقتين حكماً ذاتياً، وكانت هذه مبادرة إسرائيلية صرفة، صادفت هوىً لدى القيادة الفلسطينية،وقد تم التوصل إليها بينهما دون شراكة من أي طرف ثالث.
وقد أراد الإسرائيليون بهذه الاتفاقية أن يضربوا عدداً من العصافير بحجر
واحد في هذه المرحلة وذلك بما يلي:
١- التخلص من قطاع غزة المزدحم والمزعج، والمليء بأسباب التوتر
الأمني والعلل الاقتصادية والكثافة السكانية العربية.
٢- إرضاء غرور القيادة الفلسطينية المتطلعة إلى زعامة وهمية على دولة
غير واقعية لن تفيد الشعب الفلسطيني، ولن تضر الشعب الإسرائيلي.
٣- إيهام العالم بعدالة الصفقة اليهودية في آخر فصول القضية الفلسطينية.
٤- عزل القوى العربية غير الراغبة في السلام إن وجدت بإعطاء البرهان
على أن أصحاب القضية قد ألقوا البندقية.
٥- احتواء التيار الإسلامي المتصاعد في غزة على يد الشرطة الفلسطينية بعد أن عجزت الشرطة الإسرائيلية عن القضاء عليها.
وبعد خمس جولات من المباحثات في أوسلو، تم التوصل في (٨/٥/١٩٩٣م)
إلى ما يسمى وقتها بـ (اتفاق إعلان المبادئ) المتعلق بمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً
في غزة وأريحا، وكان بيريز متحمساً للإسراع في إبرام ذلك الاتفاق الذي تفتقت
عنه قريحته، فقد كان يراه فرصة تاريخية لا تعوض في مثل ذلك الظرف الذي
كان يقتضي الاعتراف بالعدو الذي لم يعد عدواً (منظمة التحرير) ؛ لأن البديل هو
كابوس لا يمكن تصوره، ولذلك قال: (إن البديل الوحيد لمنظمة التحرير إذا
تجاوزناها هو (حماس) وحماس لن تعترف أبداً بإمكانية السلام معنا..) !
وما كان لاتفاق أوسلو أن يخرج إلى الوجود، إلا بعد أن تم تأجيل كل القضايا
الأساسية وهي: (القدس) (الحدود) (المستوطنات) . وبالرغم من أن الاتفاق أسوأ
مما كان ينتظره المتشائمون، حيث إنه لا يحقق الحد الأدنى من الثوابت الفلسطينية، إلا أن ياسر عرفات كان يحب أن يطلق عليه: (سلام الشجعان) .
وفي مقابل قبول الاتفاق على مضض من بعض العرب بسبب إجحافه
بالفلسطينيين في أرضهم، فإن الإسرائيليين عمهم الفرح به، حتى إن أحد الوزراء
الإسرائيليين وهو (يوسي ساريد) علق عليه قائلاً: (إن إسرائيل اليوم خلقت من
جديد، فمنذ إنشائها لم تكن الدولة شرعية في المنطقة التي قامت فيها، واليوم (١٣
سبتمبر ١٩٩٣م) اكتسبت إسرائيل شرعية الاعتراف بها) هذا على مستوى العارفين
بالأمور من الإسرائيليين، أما قطاعات الشعب التي ساءها أن ترى (عرفات) داخل
أرض الميعاد مرة أخرى، فقد هالهم هذا التغيير، ولكن رابين طمأنهم وهدأ من
روعهم، وخاطبهم ولما يجف مداد الاتفاق قائلاً: (إنه لن يكون هناك انسحاب
إسرائيلي، ولكن: إعادة انتشار، و (السلطة) للفلسطينيين سوف تكون تحت
سيطرة (الدولة الإسرائيلية) وحتى الأرض، فليس هناك اتفاق بشأنها، ولكن بشأن
البشر الذين يسكنون عليها.
أما الأموال التي ستأتي لتلك السلطة الفلسطينية، فلن تصل إلى أيديها مباشرة
بل ستمر عبر قنوات دولية تضمن سلامة مصارفها) !
ثم بدأ تنفيذ بعض بنود الاتفاق، واستقدمت أعداد من المقاتلين الفلسطينيين
السابقين الذين كانو قد تفرقوا في عدد من البلدان العربية، لتتشكل منهم كتائب
شرطة لمكافحة الشغب أو بالأحرى: مكافحة الشعب، إذا أراد أن ينتفض مرة
أخرى، ومع كل هذا التنازل.. فإن الطرف اليهودي كان يتعامل مع الطرف
الفلسطيني بالازدراء كله، والمكر والخداع كله، وكعادة اليهود في التملص من
العهود، فإنهم لم يصبروا على (اتفاق أوسلو) رغم حيفه وجوره، وعادوا إلى
التمثيلية المكرورة وهي (تعدد فهم النص) تلك التمثيلية التي درجوا على اللجوء
إليها كلما أرادوا التحريف أو التزييف، فيقولون: النص هكذا، ولكننا نفهم منه كذا.. وأنتم تفهمون منه كذا، وبهذا في كل مرة يتخلصون من أي التزام، ويتبرؤون
من كل مسؤولية، لقد قال رابين قبل مصرعه: (إنني اكتشفت أن هناك قراءتين
لاتفاق أوسلو: قراءة فلسطينية وقراءة إسرائيلية، ونحن أمام تفسيرات مختلفة
لقضية كنت أظنها واضحة في الاتفاق، وقال: (إن فجوة الاتفاق بيننا وبين عرفات
واسعة) .
بمثل هذه التصريحات، وفي ظل تلك المواقف التي توجهها الرغبة في
التلاعب، تجري فصول العملية السلمية، فما كان يفهم (شامير) من قواعد اللعبة،
يمكن أن يختلف غداً عما فهمه (بيريز) ، وما كان مسلّماً به عند رابين، يمكن أن
ينقلب على أعقابه في مفهوم (نيتنياهو) ! وما تعاهدت عليه حكومة (الليكود) اليوم،
ليس ملزماً لحكومة العمل غداً. وهكذا تتوالى الفصول في عملية السلام المهزول
نقضاً للوعود، ونكثاً للعهود.
وبهذا تم التوسع في بناء المستوطنات، وبهذا تقرر الانتهاء من أمر (مصير
القدس) قبل أن يأتي موعد التفاوض بشأنها، وبهذا يجري الآن العمل لنقل السفارة
الأمريكية إليها، ليمثل هذا أرضية دولية للاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة أبدية
لإسرائيل.
والظاهر أن أوان الفصل الأخير من فصول عملية السلام قد آذن بالأفول،
حيث نعاه عرفات إلى العالم في تصريح له في زيارته الأخيرة إلى فرنسا (١يوليو
١٩٩٧م) قال فيه: (إن نتنياهو قد اتخذ قراراً وسوف ينفذه، وهو إعادة احتلال
غزة وأريحا) ! فهل سيبدأ بغزة وأريحا.. أولاً؟
نقول للقيادات العربية التي وضعت نفسها في واجهة القضية الإسلامية: ليتكم
قرأتم أو فهمتم من كتاب الله وصفين وخصلتين من اليهود لم ولن يتخلوا عنهما: -
الأولى: أنهم لا عهد لهم مع أحد. قال الله تعالى: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ
فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ] [البقرة: ١٠٠] .
والثانية: أنهم لا أمان لهم. قال تعالى: [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا
اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً] [المائدة: ٦٤] .
إذن، فقطار (السلام) ، لا يركبه اليهود إلا للوصول عبر محطاته إلى ميدان
الحرب؛ وهذا أمر واضح لمن راقب أحوال القوم في القديم والحديث. [وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِياً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ
عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا] [النساء: ٤٥، ٤٦] اللهم كف عنا بأسهم
في الحرب، ومكرهم في السلام.
стр. 2554
في دائرة الضوء
الاستنساخ.. حقيقته وما وراءه
د.محمد بن عبد الله الشباني
مدخل:
حفل المجتمع العلمي مؤخراً بحدث علميٍ خطير هو الاستنساخ الجيني قال
عنه أحد علماء الفيزياء النووية: (جوزيف روتيلان) : إن إطلاق العنان له بدون
ضوابط قد يقود إلى عواقب ومخاطر تفوق أخطار الأسلحة النووية. وقد لقي هذا
الموضوع اهتماماً عظيماً من قِبَلِ كثير من العلماء والمفكرين. وقد كُتِبَ عنه العديد
من الدراسات المختلفة، وعُقِدت حوله كثير من الحلقات العلمية والندوات التي
تناولته بالبحث والدراسة والتحليل.
ولقد ورد للبيان دراستان علميتان مرتبطتان بالمنطلق الإسلامي العقدي
والفكري؛ آثرنا نشرهما معاً في (دائرة الضوء) آملين أن تسهما في التوعية
بالموضوع والتعريف بأبعاده بلا تهاون أو تهويل.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان-
أولاً: البعد العقدي لعملية الاستنساخ
في الآونة الأخيرة أبرز الإعلام المقروء والمرئي قضية الاستنساخ الجيني وما
توصل إليه العلم البشري، بعد أن أذن الله بذلك، من اكتشاف بعض أسرار الخلق؛
وذلك بمعرفة كيفية استنساخ النعجة (دوللي) ومن قبلها استنساخ عجول في اسكتلندا
من جينات الأبقار.
لقد صاحب نجاح تجربة النعجة دوللي زخم إعلامي أخذ أبعاداً عقدية، وبدا
لكل من كان في نفسه مرض أن يستغل الخبر للترويج للإلحاد، وتضخيم الأمر،
وإظهار الحدث بأنه نوع من تحدي الله في خلقه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً
كبيراً فمن ذلك مثلاً مقالة لنزار قباني بعنوان: هل يمكن استنساخ المتنبي؟ التي
نشرتها صحيفة الحياة في عددها الصادر بتاريخ ٥ ذي القعدة عام ١٤١٧هـ حيث
جاء في تلك المقالة قوله: (ومعناه أن العلماء بدأوا بتحدي السماء..! ومعنى هذا
أيضاً أن الإنسان لم يَعُدْ له رب يؤمن به، ويركع في محرابه، ويصلي له،
ويطلب رضاه وغفرانه.. لأن المختبرات العلمية أخذت مكان الرب) وفي مكان
آخر من مقالته يقول: (كان أسهل على الله أن يستعمل قالباً واحداً لصناعة البشر
مثلما تفعل مصانع البلاط والقراميد والأحذية والملابس الجاهزة؛ ولكن الله فنان
عظيم لا يكرر نفسه! ولا يكرر عباده! ولا يعيد تصاميمه القديمة أبداً! ... ) . إن
هذا الكفر الذي ينشر بين الناس في بلاد المسلمين ليقرأه من قلّت بضاعته في الدين
ممن هو على جرف هارٍ سرعان ما يسقط في هوة الكفر وخاصة في زمن كثرت
فيه الفتن، وتكلم فيه الرويبضة، وأصبح للكفر جولة وصولة ودولة!
إن التصدي لهذا الأمر ينبغي ألا يتجه إلى الحكم الفقهي ومدى جواز وعدم
جواز الاستنساخ فقط، وإنما الأمر يتعدى ذلك إلى النظر إلى الموضوع من جانبه
العقدي، ومدى خطورة العبث الذي ينشر بقصد إضلال الناس وحرفهم بأسلوب
ماكر يتمثل باستخدام العلمية، وما توصل إليه العلم من كشف لأسرار كانت مجهولة؛ لحرف الناس عن الطريق المستقيم إلى الطرق المنحرفة تنفيذاً للمحاولات
المستمرة والدائمة من عدو بني آدم إبليس الذي أخبر الله عنه في آيات كثيرة من
القرآن الكريم، وعمله على إضلال الناس كما في قوله تعالى:
[قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ] [الأعراف: ١٦] وقوله: [قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ]
[سورة ص: ٨٢، ٨٣] .
لقد تعدى موضوع خبر استنساخ النعجة (دوللي) إلى التحدث عن إمكانية
استنساخ البشر، وإمكانية إعادة الأموات باستنساخهم، وأخذَ الإعلام الذي يهدف
إلى ترسيخ الإلحاد معالجة هذا الخبر ليس بأسلوب عقلي وعلمي وإنما بانتهاج
أسلوب الإيحاء إلى أن الإنسان قد أصبح قادراً على التحكم في حياته وبقائه؛ ولهذا
فإن من الواجب النظر إلى الموضوع من زاوية مدى التأثير على سلامة الاعتقاد
فيما يتعلق بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
إن الجوانب التي سوف أتطرق إليها في هذه المقالة عن موضوع الاستنساخ
ستنحصر في فهم حقيقة الاستنساخ وفق ما نشر عن ذلك من قِبَلِ المختصين، ثم
مناقشة مدى تصادم عملية الاستنساخ مع حقيقة الخلق التي يتفرد بها الرب المعبود،
وهل تعرض القرآن إلى موضوع ما يحدث الآن من عبث فيما يتعلق بالحيوانات،
وما هو موقف القرآن من إمكانية استنساخ البشر بالحصول على نسخة كاملة لإنسان
حي مرغوب في استنساخه، وهل أسس خلق الإنسان كما حكاها القرآن تماثل أسس
خلق بقية المخلوقات، وهل يتفرد الإنسان بخاصية في الخلق عن بقية المخلوقات؟
لمعرفة حقيقة هذا الأمر الذي صوّره الإعلام في صورة تجلت فيما للإعلام من
دور في قلب الحقائق والعمل على تغيير مفاهيم الناس؛ فالذي تم تصويره حول
إمكانية استنساخ البشر أنه أمر أصبح من شبه المؤكد وإن كان في حقيقته مجرد
خيال علمي وفرقعة إعلامية قصد من ورائها التضليل وزرع الشك في المرتكزات
العقدية للإنسان المؤمن بالله الخالق لكل شيء. لقد كانت ردة الفعل لدى بعض ممن
ينتسب إلى العلم الشرعي بالنظر إلى الموضوع من زاوية مدى تأثير ذلك على
البناء الأسري، وحماية الإسلام للحاجات الخمس، وضرورة حماية الناس من هذا
العبث باعتبار أن ما أشير إليه من إمكانية استنساخ البشر أصبح شبه مؤكد وحقيقة
ثابتة.
الاستنساخ فرقعة إعلامية: إن قضية الضجيج الإعلامي الذي صاحب
قضية استنساخ النعجة (دوللي) هو أسلوب قديم يتبدل ظاهره ولا يتبدل جوهره؛
فقد سبق أن استمر الضجيج ولا زال في بعض الدوائر وإن انكشفت حقيقته وهو ما
يتعلق بنظرية دارْوِن عن أصل الإنسان القردي؛ فكلما اكتشف الإنسان شيئاً من
قدرة الله ذات ارتباط بقضية وجوده وحياته وموته ونشوره وعلاقته بخالقه استُغل
هذا الاكتشاف لإضلال الناس بصدهم عن سبيل الله.
إن أسلوب التكاثر والتناسل الذي أوجده الله على هذه الأرض يأخذ ثلاثة أنواع
هي [١] :
١ - التكاثر اللاجنسي: ويتم التكاثر وفق هذا النوع بالانتشار أو التبرعم أو
التجدد، أي ليس هناك حيوانات منوية أو بويضات مثل حيوانات البرافسيون.
٢ - التكاثر الجنسي: ويتم ذلك من خلال اتحاد الحيوان المنوي (المشيج
المذكر) مع البويضة (المشيج المؤنث) ومن اتحادهما تتكون النطفة الأمشاج
(البويضة المخصبة) التي من خلالها يتم الاستنساخ بطريقة الانقسام والتفليج حيث
يتكون الجنين.
٣ - التكاثر العذري: حيث يتم التكاثر من خلال البويضة لوحدها دون تدخل
الحيوان المنوي حيث يتم تكوين جنين كامل، وهذا ما يحدث خلال تكاثر دودة القز
أو النحل وغير ذلك من الحشرات.
وقد تم استخدام هذه الطريقة في التكاثر العذري الاصطناعي، وقد تم تطبيقه
على العديد من الحيوانات وخاصة (الحيوانات اللافقارية) وبعض الحيوانات الفقارية
مثل الضفادع والفئران. أما ما تم من استنساخ النعجة (دوللي) فهو ما يعرف
بالاستنساخ الجيني بالزراعة في بويضة أخرى. ونظرية الاستزراع النووي تقوم
على أساس أن أي خلية في جسم أي كائن حي تحتوي على جميع الجينات
والصفات والشفرات الوراثية الكاملة، وهي توجد في حالتين: الأولى: في حالة
استقرار نهائي وراثي لا يتطلب المرور بمراحل تكوين أخرى؛ حيث يمكن فيما إذا
أتيحت لها الفرصة أن تنمو كخلية أولية وتنتج نسخة كاملة ومتطابقة للكائن الحي
نفسه من جديد، ولكن خلايا الحيوانات المنوية عند الذكر والخلايا المكونة لنويات
البويضات عند الأنثى كلاهما يختلف عن باقي خلايا الجسم في أمرين: الأول: أن
كلاً منهما يحمل صفات وراثية زائدة عما تحمله الخلايا الأخرى وهي الصفات
الخاصة بتحديد النوع (ذكر أنثى) والثاني: أن كلاً منهما في حالة نهائية غير
مستقرة من ناحية الشفرات الوراثية، وتحتاج للمرور بمراحل تكوين أخرى، ولكن
عندما تقوم الحيوانات المنوية باختراق البويضات لتخصيبها يتحدان معاً ويكونان
خلية أولية جديدة، ثم تستكمل باقي المراحل الأخرى.
إن ما حدث في تجربة النعجة دوللي هو ما تم أخذه من خلية في حالة استقرار
نهائي وراثي قام بوضعها في بويضة منزوعة النواة، وتم توحيدهما من خلال
شرارة كهربائية بحيث تم الإعادة إلى الأصل الأول وكأنه حيوان منوي حيث
انقسمت الخلية إلى مراحل هي ٢٤٨١٦ وهكذا تم إدخالها في رحم أنثى حيث
استكملت دورتها.
إن دورة البويضة المنزوعة النواة هي إعادة الخلية إلى حالتها البدائية الخاصة
بها حيث تصبح الخلية المنزوعة من الكائن الحي المراد استنساخه بمثابة الحيوان
المنوي الملقح للبويضة. ولكن الاختلاف هو عزل الكروموزومات الخاصة بالخلية
المزروعة في هذه البويضة المنزوعة النواة، وبالتالي فإن ما حدث هو تغيير في
أسلوب التلقيح بأخذ المورثات الخاصة بالشيء المراد استنساخه ثم إكمال دورة
الخلق وفق سنة الله في الإيجاد، فالأمر لا يعدو استغلال ما وضعه الله من سر في
البويضة المخصبة التي تعد بداية تكون أي كائن حي [٢] في حدث هو تنبيه الخلية
في الانقسام فقط. فما حدث من فتح الله لهذا الجانب من المعرفة إنما هو تحقيق
لوعد الله في كتابه في قوله تعالى: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقّ] [فصلت: ٥٣] .
درسان مهمان: إن استنساخ الحيوانات ومحاولة العبث بما فتح الله على
إنسان هذا العصر من المعارف والعلوم أمر لا بد من حدوثه لأمرين:
الأول: امتحان البشر من خلال فتنة الغرور بالعلم وتخيله مفتاحاً لسيطرة
البشر على الكون؛ فما يحدث الآن من مقولات حول إمكانية قدرة البشر على تغيير
خلق الله، وبالتالي الحلم بالوصول إلى التحكم في مصير الإنسانية وتحقيق مقولة
الإلحاد بالتطور الذاتي، بجانب ما في ذلك من إقامة الحجة على الناس بما أوتوا من
العلم الذي من خلاله تمكنوا من معرفة بعض أسرار الكون مما أصبح فتنة لهم تحقيقاً
لوعد الله في قوله تعالى:
[أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] [العنكبوت: ٢-٣] .
الثاني: تحقق ما أخبر الله عنه في كتابه بأن الشيطان الذي سلطه الله على
الناس ليكون أداة الاختبار والامتحان لمدى استجابة الإنسان لفطرة الله بالإيمان به؛
حيث أعطي القدرة على إضلال الإنسان، وأنه يعمد إلى ذلك حسب ما أخبر الله
عن ذلك عند محاورته لله في بدء خلق الإنسان في قوله تعالى: [وَلأُضِلَّنَّهُمْ
وَلأُمَنِِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ
الشَّيْطَانَ وَلِياً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً] [النساء: ١١٩] ومن خلال هذا
الخبر عن الله فيما سيتخذ الشيطان من وسيلة للإضلال نعلم بأنه سيعمد إلى دفع
الناس لتغيير خلق الله في الأنعام فيما لا فائدة ولا منفعة من ورائه.
من صور العبث العلمي: من ذلك ما تناقلته وكالات الأنباء من قيام علماء
أمريكا بزرع مجموعة من خلايا دماغ جيني طائر الفرّي (السمان) في دماغ جيني
دجاجة؛ وكانت النتيجة قيام الدجاجة بالتغريد وتحريك رأسها مثل طائر الفري؛
فهذا نوع إن صح من العبث بما أفاضه الله من علم على الناس [٣] .
إن خبر استنساخ النعجة (دوللي) وما أثير حولها من جدل عن إمكانية
استنساخ البشر؛ حيث وصل الأمر بوسائل الإعلام أنها أكدت الأمر وأنه لن تمر
سوى سنوات قليلة للحصول على نسخ بشرية [٤] ولكون هذا الأمر له بعدٌ عقدي
حيث إن الإنسان كائن مغاير في جميع صفاته ومكوناته وغاية وجوده عن بقية
المخلوقات؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن استنساخ الإنسان على ضوء ما
ورد في القرآن الكريم، وما هي نظرة القرآن الكريم تجاه خلق الإنسان، وهل
يتعارض وجود نسخ أخرى مكررة لأي إنسان مع مفهوم الجزاء والعقاب للإنسان
يوم القيامة كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم أي: من سيقع عليه العقاب: الأصل،
أو النسخ المكررة؟
إن المتمعن في آيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف يجد أن أساس
خلق الإنسان يختلف عن بقية المخلوقات الحية الأخرى التي تعيش على الأرض،
وأن الإنسان يتميز بخاصية فريدة عن بقية المخلوقات حيث أخبر الله أنه عندما خلق
آدم فقد تفرد خلقه بأن نفخ فيه من روحه؛ ولهذا أمر الله ملائكته بما فيهم إبليس
بالسجود لآدم، وأنه نفخ فيه من روحه يقول تعالى: [وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي
خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حََمَأٍ مَّسْنُونٍ (٢٨) فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي
فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ] [الحجر: ٢٨، ٢٩] وقوله تعالى: [إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي
خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ... ] [سورة ص الآيات من ٧١ إلى ٧٤] . إن ما يثيره
الإعلام المعاصر من إيحاء للناس بأن العلماء أوشكوا على إمكانية إيجاد نسخ بشرية، وأن استعادة الهالكين قد أصبحت قريبة الحدوث [٥] إنما هي محاولة الشيطان
الأزلية لإضلال الناس بتزيينه رغبة الإنسان بالعمل على طلب الخلود؛ وذلك
بالبحث عن كيفية تحقيق ذلك بمعرفة سر خلق الإنسان. يقول تعالى: [وَإذْ قُلْنَا
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ
وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى
(١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ
أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى] [طه: ١١٦-١٢٠] وكذلك الآية ٢٠ من
سورة الأعراف هي في الموضوع نفسه، وبسبب هذه الحقيقة التي يسعى الشيطان
ليضل الناس وفقاً لهذه الرغبة الدفينة يقول الله عن ذلك في القرآن الكريم: [وَإذْ
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) مَّا
أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً]
[الكهف: ٥٠، ٥١] ففي هذه الآية تأكيد أن الشيطان سوف يسعى إلى دفع الناس
إلى هذا ولكن الله قد حكم أن ذلك لن يتحقق؛ لأن الغاية التي يسعى إليها الشيطان
وأتباعه من البشر هو العمل على نشر الضلال.
*لا يمكن إعادة نسخ الإنسان: -إن إمكانية إيجاد نسخ مكررة للإنسان على
ضوء القرآن الكريم غير ممكنة للأسباب التالية:
١ - إن الله أخبر في كتابه أن نسل الإنسان بعد آدم سيكون من سلالة من ماء
مهين أي من الحيوان المنوي، وبالتالي استحالة أخذ أي خلية أخرى لتحل محل
الخلية التي يحتوي عليها الحيوان المنوي، يقول تعالى في كتابه في سورة السجدة:
[الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن
سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ] [السجدة: ٧، ٨] ومعنى هذه الآية كما أشار ابن كثير في
تفسيره: أنهم يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهذا التفسير مأخوذ من قول الله تعالى في سورة الطارق: [فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ
خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (٦) َخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ] [الطارق:٧٥] وهذه الآيات الواردة عن خلق الإنسان وتكاثره قد حددت بآيات محكمة غير قابلة
للتأويل. وقد أشار الدكتور رأفت الشافعي استشاري أمراض النساء والتوليد إلى
حقيقة هامة في أن ما يقال وينشر عن موضوع أخذ خلية من جسم شخص مّا لتخلط
مع بويضة مزروعة النواة وبعد ذلك توضع في رحم سيدة؛ أي: خروج مخلوق
للحياة من سيدة واحدة دون الحاجة إلى رجل أمر يشبه ما يذاع في أفلام الرسوم
المتحركة، ويدل على صحة ذلك بقوله: إن عملية التلقيح الصناعي وطفل الأنابيب
الذي يقوم على أخذ بويضة من رحم المرأة ثم تلقح بالحيوان المنوي داخل الأنبوب
حيث يبدأ بعد ذلك تخليق جنين بأطواره الأولى ثم يزرع في رحم المرأة، فإن
حوالي ٩٥% من حالات زرع الأجنة وعملية التلقيح الصناعي لا تنجح [٦] فإذا
كان الاستنساخ أصعب من عملية التلقيح الصناعي ونسبة الإخفاق كبيرة وفق طريقة
أسهل ولا تخرج عما أشار إليه القرآن؛ فكيف بأمر مخالف؟ ويؤكد الدكتور
عزالدين فوزي أستاذ أمراض النساء بجامعة عين شمس [٧] اختلاف خلق الإنسان عن
بقية المخلوقات بقوله: (إن التكاثر الطبيعي يتم من خلال اتحاد الحيوان المنوي
بالبويضة التي تنمو في الرحم بعد انقسامها. ومن المعروف أن كل خلية في
الإنسان تتكون من ٤٦ كروموزوماً، وهذه الكروموزومات ٢٣ منها في البويضة
و٢٣ في الحيوان المنوي وبعد اتحادها يصبح عددها ٤٦ كروموزوماً، وهذا
الأسلوب في الزواج هو الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات؛ لذلك فإنه حتى
مع افتراض نجاح هذا الأسلوب في الحيوان فمن الصعب نجاحه مع الإنسان،
خاصة أنه ليست هناك خلية قادرة على الانقسام وتكوين مخلوق جديد سوى البويضة
الملقحة التي تنقسم إلى خليتين أو أربع أو ثمان وأحياناً أكثر) .
٢ - لقد أشار القرآن الكريم إلى مراحل الخلق للإنسان التي تشبه بقية الخلق
للمخلوقات الأخرى من حيث مراحل نمو الخلايا وحركتها إلى أن يكتمل التكوين
الجسمي ثم يدخل عنصر مغاير في عملية خلق الإنسان التي يتميز بها عن بقية
الكائنات الحية، يقول الله تعالى في سورة المؤمنون: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن
سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَاًنَاهُ خَلْقاً آخَرَ
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ] [المؤمنون: ١٢-١٤] يقول ابن كثير مفسراً لهذه الآية: (ثم جعلناه نطفة: هذا الضمير عائد على جنس الإنسان) كما قال في الآية الأخرى: [وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ] [السجدة: ٧] يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له إلى
قدر معلوم. فقدرنا فنعم القادرون: أي مدة معلومة وأجل معين استحكم، ونقل من
حال إلى حال وصفة إلى صفة، ولهذا قال هنا (ثم خلقنا النطفة علقة) أي ثم سيرنا
النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وهو ظهره، وترائب المرأة
وهي عظام صدرها ما بين الترقوه إلى السرة، فصارت علقة حمراء على شكل
العلقة مستطيلة ... ثم استشهد لهذه المرحلة بأحاديث تؤكد تفرد الإنسان عن بقية
المخلوقات بهذه الخاصية: منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن
مسعود عن رسول الله: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون
علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح
ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد.. إلخ)
وحديث حذيفة بن أسيد الفقاري الذي رواه أحمد في مسنده برواية مقاربة
لسابقتها [٨] .
إن هذه الأحاديث التي أوردها ابن كثير ورواها أئمة الحديث تؤكد حقيقة تفرد
الإنسان بحقيقة أن كل فرد من أفراده يُنفخ فيه روح مغايرة لروح الحياة التي يشترك
فيها الإنسان مع بقية المخلوقات وذلك بنفخة الملك حيث إن هذه النفخة أمر ضرورة
لتغيير خلق الإنسان من الحيوان ليصبح سميعاً بصيراً ذا عقل وفكر وعواطف وهي
صفات لا توجد إلا في الإنسان؛ ولقد أوضح رسول الله ﷺ
ضرورة امتزاج الحيوان المنوي بالبويضة.
٣ - تفرد الإنسان عن بقية المخلوقات الأخرى بأن جسده المادي الحي يحتوي
على روح مغايرة في طبيعتها عن الحياة التي يشترك فيها الإنسان مع بقية
المخلوقات الأخرى الحية ولهذا نجد تأكيد هذه الخاصية في القرآن الكريم سواء
عندما تحدث عن خلق آدم ﵇ أو عند خلق المسيح ﵇ أو عند خلق
بقيه البشر. لقد حاول العلماء معرفة حقيقة النفس الإنسانية والروح، واختلف فيها
الفلاسفة كما اختلفت الأديان في النظر إلى الروح وحقيقتها، وجاء القرآن الكريم
والسنة النبوية لتقرر حقيقة نفس الإنسان وروحه التي هي جزء داخل في جسمه
وهي في الوقت نفسه مغايرة له. لقد دار النزاع حول حقيقة النفس: هل هي جزء
من أجزاء البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، ذكر ذلك
ابن القيم في كتابه (الروح) ويعقب ابن القيم على الوجه الثالث وهو أن الروح جسم
مخالف بالماهية للجسم المحسوس من الأقوال التي أوردها الرازي بقوله: (وهذا
القول هو الصواب في المسألة وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة) ثم ساق عدداً
كبيراً من الأدلة منها قوله تعالى: [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي
مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى]
[الزمر: ٤٢] . وبقوله تعالى: [وَهُوَ الَذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ] [الأنعام: ٦٠] ثم ذكر عدداً من الأحاديث الكثيرة الصحيحة حول قبض الأرواح عند الموت وغيرها من الأحاديث التي تؤكد خاصية الروح في الإنسان عن بقية المخلوقات.
٤ - لقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة ما يحدث يوم القيامة من المجادلة بين
المؤمنين في الجنة وقرنائهم في النار، يقول تعالى في سورة الصافات: [فَأَقْبَلَ
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ
أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ
أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إن كِدتَّ لَتُرْدِينِ]
[الصافات: ٥٠٥٦] فهذه الآيات تشير إلى تأكيد حقيقة تعرّف الأفراد بعضهم على
بعض. يقول الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآيات: هو الرجل المشرك يكون له
الصاحب في الدنيا من أهل الدنيا، فيقول له المشرك: إنك لتصدق بأنك مبعوث من
بعد الموت أئذا كنا تراباً؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة، وأدخل المؤمن الجنة،
وأدخل المشرك النار، فاطلع المؤمن فرأى صاحبه في سواء الجحيم) فهذه الآيات
من سورة الصافات تؤكد منافاة إمكانية الحصول على نسخ بشرية؛ فلو قلنا بإمكانية
ذلك فكيف يُعرف الأصل من النسخ؟ ومن سوف يعذب: الأصل أم النسخ إذا ماتت
هذه النسخ؟ فهل تجازى على أعمال من استنسخت منه؟ أم لا؟ وإذا بقيت حية
وارتكبت آثاماً إضافية: فهل يجازى الأصل بما اقترفته النسخ أم لا يجازى؟ ولهذا
فإن عملية الاستنساخ وفقاً لهذه الآيات أمر غير ممكن؛ لأن عملية التعرف كما
أشارت إليها هذه الآيات سيكون أمراً صعباً لعدم إمكانية التميز بين الأصل والنسخ،
ويؤيد هذا الأمر ما جاء في سورة الأعراف حيث وصفت حالة من حالات التخاطب
والمناقشة بين المؤمنين والكافرين ومعرفة الأشخاص من خلال أشكالهم يقول تعالى: [وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ
الجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ
أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ
رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ]
[الأعراف: ٤٦-٤٨] يوضح ابن كثير ﵀ معنى الآية فيقول: (يقول الله
تعالى إخباراً عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم
يعرفونهم في النار بسيماهم: ما أغنى عنكم جمعكم أي كثرتكم وما كنتم تستكبرون،
أي: لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله بل صرتم إلى ما أنتم فيه من
العذاب والنكال. وقال حذيفة: إن أصحاب الأعراف قوم تكاتفت أعمالهم فقصّرت
بهم حسناتهم عن الجنة، وقصّرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف
يعرفون الناس بسيماهم) [٩] ومن هذه الآيات ندرك أن عملية الاستنساخ كما يروّج
لها الإعلام والذي يقوم على علمية الحصول على نسخة مطابقة للأصل أي تعدد
النسخ للفرد الواحد بأنه يتعارض مع نص هذه الآية التي تؤكد على تمايز الأفراد؛
فإيجاد نسخ من الفرد الواحد يعني وجود أفراد متعددين للفرد الواحد؛ فمن يكون
الأصل؟ ومن يكون النسخة؟
إن عملية استنساخ البشر أمر غير ممكن الحصول مهما حاول المضلون ممن
يريد صرف الناس عن الصراط المستقيم، وإن التجربة التاريخية لنظرية دارون
حول أصل الإنسان وكيف استطاع الملاحدة بما توفر لهم من سيطرة إعلامية أن
يجعلوا أعداداً كبيرة من الناس تؤمن بنظريته حتى كشف العلم مؤخراً زيفها، وإن
الدعاية لتأكيد إمكانية استنساخ البشر والترويج لها تخرج من المشكلة نفسها التي
خرجت منها نظرية دارون، وسيكون المصير واحداً، وصدق الله العظيم: -
[وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] [الإسراء: ٨١] .
стр. 2555
في دائرة الضوء
ثانياً: ماذا وراء الاستنساخ؟ !
(١ من٢)
خالد أبو الفتوح
أثارت أجهزة الإعلام (العالمية والمحلية) في الأيام الماضية ضجة كبيرة حول
كشف علمي كان المفترض أن يمر كغيره من التجارب العلمية ويمضي إلى سبيله..
ولكن حجم الإثارة الذي فاجأ أصحاب الاكتشاف أنفسهم أعطى لهذا الكشف أبعاداً
ودلالات تتجاوز اعتبار المسألة مجرد الإعلان عن كشف علمي مثير، كما أن ردود
الأفعال المختلفة التي أتبعت هذه الحملة أظهرت لنا أو أكدت مكنون بعض الفئات،
حيث صُوِّر الأمر على أنه إحدى حلقات الصراع بين العلم والدين، وتركت آخرين
في حيرة من أمرهم، لا يدرون أو لا يريدون أن يدروا بما يدور حولهم..
فما هو الاستنساخ (أو الاستنسال) الجيني (أو الخلوي) ؟ وماذا وراء الحملة
المصاحبة للإعلان عن مولد النعجة (دوللي) ؟ وما أثر ردود الأفعال التي تلت هذا
الإعلان؟ :
قبل أن نعرض لعملية الاستنساخ كما شرحها بعض العلماء وتناقلته أجهزة
الإعلام نود تقديم إلماحة عن عملية التكاثر الطبيعي لدى الإنسان؛ حتى يتبين لنا
الجديد في الاستنساخ والفرق بينه وبين التكاثر الطبيعي:
يحتوي ماء الرجل المقذوف في رحم المرأة على عدد من الحيوانات المنوية
يتراوح بين ٢٠٠ ٦٠٠ مليون حيوان منوي، يحتوي كل منها على جميع الصفات
والشفرات الوراثية الكاملة للرجل في صورة نشطة (غير مستقرة وغير نهائية) من
خلال ٢٣ صبغيّاً (كروموسوماً) ، وفي مسافة حوالي عشرة سنتيمترات تقطع هذه
الحيوانات المنوية رحلة شبهها علماء وراثة التكوين بأنها أشبه بسباق جري طويل
لمسافة أكثر من ٢٠٠٠ كيلو متراً بين ٢٠٠ ٦٠٠ مليون رجل.. وفي النهاية يصل
أفضل الحيوانات المنوية وأقواها وأصحها ليخصب البييضة الصحيحة الناضجة..
تلك البييضة التي تحمل هي الأخرى جميع الصفات والشفرات الوراثية الكاملة
للمرأة في صورة نشطة (غير مستقرة وغير نهائية) من خلال ٢٣ صبغيّاً أيضاً.
وبعد إخصاب البييضة بالحيوان المنوي واتحادهما تتكون خلية أوليّة جديدة
تأخذ نصف صفاتها من الرجل، والنصف الآخر من المرأة، وتختلطان معاً لتتكون
خلية الجنين الأوليّة التي تحتوي على خليط من ٤٦ صبغيّاً (كروموسوماً) تمثل ٢٣
زوجاً، تحمل ١٠٠ ألف مورّث (جين) ، تعتبر خليطاً من صفات الرجل والمرأة،
حدثت بينها انعزالات وتبادلات بين الاختلافات الوراثية للأب والأم لتنتج صفات
جديدة خاصة بهذا الجنين الجديد، ثم تتحول هذه الخلية الأولية الجديدة إلى حالة
اكتمال واستقرار نهائي (غير نشطة) ، وتبدأ في النمو والتكاثر بواسطة انقسام
الخلية إلى خليتين ثم أربع ثم ثمانٍ.. وهكذا، بحيث تحمل كل خلية ناتجة صفات
الخلية الأولى نفسها [١] ، وبعد عدة انقسامات أولية تتخصص كل خلية في وظيفة
من الوظائف تنشط فيها المورثات الخاصة بتلك الصفة، وتعمل على تكوينها
وإبرازها، فتخصص مجموعات من الخلايا لتكوّن بدايات أعضاء الجنين المختلفة،
فتخصص مجموعة للقلب، وأخرى للمخ، وغيرها للعين ... وهكذا، بينما تظل
المورّثات (الجينات) الأخرى في كل خلية متخصصة في حالة كُمون، إلى أن يتم
الخلق وينمو الجنين ويكبر، حتى يأذن الله بخروجه من الرحم وبداية مرحلة جديدة
من مراحل نموه وحياته.
هذا ما اكتشفه العلماء في التكاثر الطبيعي [٢] ، فما الذي أحدثوه في التكاثر
بالاستنساخ [٣] ؟ .
تناقلت وسائل الإعلام أن استنساخ النعجة (دوللي) تم عبر الخطوات التالية:
١- أُخذت خلية جسدية من ضرع النعجة المراد استنساخها (ولنسمها: س) ،
ثم وضعت في محلول مغذٍّ خفيف جدّاً، يسمح لها بالبقاء بكامل مورثاتها، ولكن لا
يعزز قدرتها على التكاثر أو الانقسام (تجويع الخلية) .
٢- تم استخراج نواة هذه الخلية وعزلها، فأصبح لدينا نواة تحتوي على
كامل صفات النعجة المراد استنساخها (س) .
٣- تم توفير بييضة من نعجة أخرى (ولنسمها: ص) .
٤- استخرجت النواة (التي تحمل الصفات الوراثية لهذه النعجة ص) من
البييضة، فأصبحت هذه البييضة خالية من أي صفة وراثية للنعجة (ص) ، لكنها
تحتوي على بروتينات وجزيئات في هيولى الخلية (السيتوبلازم) ، وهذه لها دور
في تشغيل الجينات وتنشيطها، وستعمل هذه البييضة المفرغة في الخطوة التالية
كحاضن لنواة الخلية (س) توفر لها البيئة المناسبة لنموها.
٥- وضعت نواة خلية النعجة (س) بجوار البييضة المفرغة من نواتها للنعجة
(ص) ، وباستخدام تقنية الحث الكهربائي تم دمجهما معاً، فنتج لدينا بييضة بداخلها
نواة تحمل جينات الصفات الوراثية للنعجة (س) .
٦- وبصدمة كهربائية أخرى تحاكي انبثاق الطاقة الطبيعي عند التخصيب
الطبيعي تبدأ الخلية في الانقسام [٤] .
٧- بعد ستة أيام زُرِع الجنين في رحم نعجة ثالثة [٥] لإكمال مراحل الحمل
طبيعيّاً.
٨- بعد مرحلة الحمل وضعت النعجة الحامل وليداً هو النعجة (دوللي) نسخة
طبق الأصل من النعجة (س) .
هذا هو ما تم عمله حسبما أُعلن، وبه يتضح أن (كل ما فعله العلم هو قفزة
نوعية جديدة في تقليد فطرة الله في بعض مخلوقاته، فكما سارت سنة الخلق
بالتكاثر والانقسام، استطاع الذكاء الذي وهبه الله للإنسان فك الموجود ثم إعادة
تركيبه، وذلك بعد التعرف على قانون تكوين هذه المخلوقات ودفعه في مجرى
مختلف، فلم يتم التعامل مع القانون بإلغائه، بل بالتعامل مع صرامته بقانون آخر،
فكما ندفع النهر في غير مجراه، ونجري الكهرباء في سلك، أمكن للعلماء دفع
خيوط المادة الوراثية للالتحام ببييضة نزعت منها مادتها الوراثية، فالبييضة تتلمظ
فاغرة فاها لاستعادة توازنها الفطري، فتم إقناعها أن مادتها الوراثية التي سلبت
منها قد عادت إليها في هيئة نواة الخلية المراد استنساخها) [٦] .
تطور العلم التجريبي قبل (دوللي) :
لم تكن تجربة النعجة (دوللي) منبتة عن التطور العلمي التجريبي في هذا
المجال؛ فاستعراض تاريخ محاولات اللعب بالخلايا منذ بدايته يؤكد أن استنساخ
النعجة (دوللي) لم يكن إلا محطة في طريق طويل لم تعرف بعدُ نهايته:
فأول تجربة تلقيح صناعي في العالم أجريت عام ١٧٩٩م.
ويقال إن فكرة الاستنساخ نفسها طرحت في العقد الثالث من هذا القرن
الميلادي في (ألمانيا) بدافع التمييز العنصري، وبعد مجيء (هتلر) إلى السلطة
بدأت الأفكار تدخل حيز التنفيذ، لكن التقنية المتوفرة وقتها خذلته.
ثم كانت أول محاولة لعمل أجنة أنابيب في الحيوانات عام ١٩٤٤م من قبل
كلٍّ من (روك) و (مينكين) (J. Rock & M. F. Menkin)
وفي سنة ١٩٥١م تمت أول تجربة ناجحة للتلقيح خارج الرحم.
وتمكن العلماء سنة ١٩٥٢م من تجميد الحيوانات المنوية للأبقار وإعادة
التلقيح بها، ونجحت التجربة، وبذلك نشأت فكرة بنك الحيوانات المنوية.
وعلى إثر ذلك تم في عام ١٩٥٣م تلقيح أول امرأة بحيوانات منوية مجلوبة
من بنك حيوانات منوية، وقد تم الحمل وأنتجت مولوداً.
وفي عامي ١٩٥٤م و١٩٥٥م بدأت تجارب استنساخ على الضفادع، وكان
القصد منها: فَهْمَ ما تكوِّنه نواة خلية عندما تزرع في بييضة، حيث تمكن
الأمريكيان (بريجر) و (كينج) من زرع خلايا جنينية من طور مبكر من أطوار
النمو الجنيني للضفادع في بييضة، ونجحت التجارب في بعض الحالات وأعطت
ضفدعة كاملة.
وفي بداية الستينيات طوّر البريطاني (جوردون) التقنية السابقة بأخذ خلايا
من جنين ضفدعة في طور متقدم من النمو وزرعها في بييضة، وحصل على نتائج
إيجابية إلا إنها لم تكن قاطعة، حيث كان عدد المحاولات الناجحة ١١ محاولة من
أصل ٧٠٧ محاولة أجراها، ولكن تعتبر هذه التجارب بداية تدشين الاستنساخ
الجسدي.
وفي بداية الستينيات أيضاً تمكن العلماء من استنساخ النباتات بتقنية متقدمة.
وفي عام ١٩٧٠م أخرج الأمريكي (ألفين توفلر) كتاباً بعنوان: (صدمة
المستقبل) وعرض فيه فكرة أن الإنسان قد يستطيع أو ينبغي عليه التحكم بنوعية
السلالات البشرية، وأن من الممكن إنتاج الكائنات البشرية بلا محدودية كإنتاج
السلع في المعامل والمصانع! ! .
وفي عام ١٩٧٢م تم تجميد أجنة الفئران (وليس الخلايا فقط) لإعادة زراعتها.
أما أول ولادة لطفل تم حمله خارج الرحم (أطفال أنابيب الاختبار) فكانت
للطفلة الإنجليزية (لويزا براون) عام ١٩٧٨م.
وفي عام ١٩٨١م بدأت تجارب استنساخ الأجنة على الأبقار.
وبدأ عهد (البيوض والأرحام المستأجرة) في عام ١٩٨٣م، حيث حملت
امرأة بتلقيح مني زوجها ببييضة امرأة غريبة، ثم زرعت الخلية الملقحة في رحمها.
ونجح استنساخ العجول والخرفان بطريقة الاستنساخ الجنسي (التوأمة
الصناعية) عام ١٩٨٦م، حيث خرجت سبعة عجول توائم.
وفي عام ١٩٩٢م تمت ولادة غير عادية، حيث حملت الإيطالية (روزانا
ديلاكورتي) البالغة من العمر (٦٢) سنة، بوضع بيضة امرأة مجهولة ملقحة بمني
زوجها في رحمها.
وتجربة أخرى قام بها علماء أمريكيون في مركز أبحاث القرود في
(أوريجون) ، حيث استنسخوا توأماً من القردة من فصيلة الرس بواسطة خلية
جنينية واحدة (قبل الانقسام الرابع إلى أكثر من ٨ خلايا) ، ولم يتم استنساخ القرد
من قرد حي بالغ كما في النعجة (دوللي) ، ولكن تكمن أهمية هذه التجربة عند
هؤلاء العلماء بأنها إشارة إلى أن هذا النجاح في القردة يعني نجاحه عند الإنسان؛
فالقردة أقرب الحيوانات الثديية للإنسان.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٩٣م وأثناء انعقاد مؤتمر جمعية الخصوبة
الأمريكية بـ (مونتريال) بكندا أعلن مدير معهد الإخصاب الصناعي بجامعة (ورج
واشنطن) بأمريكا الدكتور (يري هول) عن نجاحه هو والدكتور (روبرت ستيلمان)
في إنتاج توائم بشرية من خلية جنينية واحدة، حيث اختارا لتجاربهما أجنة مشوهة
محكوماً عليها بالموت المبكر، وقاما بشطر ١٧ جنيناً مجهريّاً، ليصبح عددهم ٤٨
جنيناً، بتقنية أقرب إلى ما يحدث بصورة طبيعية داخل رحم الأم عندما يحدث
انقسام البييضة المخصبة وينفصل كل قسم حاملاً نسخة من نواة البييضة المخصبة
الأصل، فينشأ التوأم المتطابق، وفي إطار هذه التجربة تم فصل الخليتين الأوليين
كيميائيّاً واحتفظ العالمان بإحداهما مجمدة، وبعد عزل كل خلية منقسمة عن الأخرى
أعادا إغلاق الغشاء المحّي، مستخدمين غشاءً صناعيّاً مأخوذاً من مادة هلامية
(جيل) مكونةٍ من بعض الطحالب البحرية؛ ليحدث ما كان يحدثه الغشاء الطبيعي
من تطور ونمو في حالة التوأمة الطبيعية، وبعد نموها شطروها مرة أخرى،
وفعلوا بها ما فعلوا بالأولى ... وهكذا نجحت التجربة وحصلا على ٤٨ نسخة
جنينية منشطرة، ولكن لم يعش أي من هذه الأجنة أكثر من ستة أيام؛ نظراً
للتشوهات القاتلة المصاحبة لها.
وفي عام ١٩٩٥م تمكن العلماء اليابانيون من تلقيح بييضة بواسطة خلية
جسدية واحدة.
وفي مطلع عام ١٩٩٦م اقتربت التجارب من مرحلة النعجة (دوللي) ، عندما
أعلن عن ولادة خروفين بطريقة الاستنساخ، حيث أخذوا خلايا من جنين يبلغ من
العمر ٩ أيام، وتركوا الخلايا تتكاثر خارج منظومة الانقسام الرابع، ثم أخذوا خلية
من التركيبة الجديدة وزرعوها في بييضة غير ملقحة، ونجحت ٥ تجارب من
٢٤٤ تجربة، مات منها ثلاثة خرفان، وعاش الخروفان اللذان أعلن عنهما..
ونلاحظ هنا أن الخلايا جنينية أيضاً ولكنها تجاوزت مرحلة الانقسام الرابع، أي
دخلت مرحلة التخصص.
وأخيراً وبعد أبحاث تكلفت زهاء ٩٢ مليون دولار أعلن في ٢٣ فبراير
(شباط) ١٩٩٧م عن ولادة النعجة (دوللي) التي تميزت بأنها:
١- ليست نتيجة تلقيح بحيوان منوي.
٢- الخلية المزروعة في البييضة غير مأخوذة من خلايا جنينية، بل من جسد
بالغ (يبلغ عمر النعجة التي استنسخت ٦ سنوات) .
٣- أنها تحمل صفات نعجة واحدة هي النعجة المستنسخة.
ورغم تميزها إلا إنها تعتبر إحدى الحلقات المتصلة في سلسلة التجارب
المعنية بهذا المجال [٧] ، ولكن فصل هذه الحلقة عن تلك السلسلة أعطاها عنصر
المفاجأة، ثم جاءت وسائل الإعلام بعد ذلك بآليتها الرهيبة لتصنع هالة كبيرة حول
الحدث، الذي تجاوزت مدلولاته وردود الأفعال حوله حدود الكشف العلمي، ولعلنا
نتناول بعض أبعاد هذا الحدث في النقاط التالية:
الاستنساخ.. مخاوف وآمال:
تحدث العلماء عن مخاوف كثيرة من الاستنساخ وصلت إلى حد الوهم، كما
تحدثوا عن آمال عريضة وصلت إلى حد الأحلام، وقد أسقطوا بين هذه الأوهام
وتلك الأحلام المنطق العلمي الذي خرج من رَحِمه كشف النعجة (دوللي) .
ومن أعجب هذه المخاوف: الخوف من أن تستطيع هذه التقنية استنساخ أمثال
(هتلر) و (ستالين) ، رغم أن أمثالهما ليسا في حاجة إلى استنساخ؛ فجهابذة
مخابرات العالم الأول تنتج لنا أجيالاً متطورة من هذه النماذج في مختبر العالم
الثالث بدون حاجة إلى تقنية الدكتور (ويلموت) .. وعلميّاً: فإنه لا يمكن حتى الآن
إجراء عملية الاستنساخ إلا من خلية حية، كما أن السلوكيات الشخصية لا تتحكم
فيها العوامل الوراثية فقط، بل تشارك معها وبقدر كبير ظروف البيئة المحيطة
والخبرة والثقافة المكتسبتين، الأمر الذي يجعل الشخص المستَنسَخ بفرض حدوث
ذلك يختلف عن نسخته؛ نظراً لاستحالة تكرار هذه الظروف نفسها.
كما تخوفوا في هذا الشأن من إنتاج الإنسان فائق القدرات (السوبر) ،
واستخدام ذلك الإنسان في أغراض إجرامية أو غير إنسانية.. ولكن الاستنساخ غير
معني بإنتاج هذا الإنسان؛ فهو تكرار لجسدٍ ما، أما الإنسان (السوبر) فمجال أبحاثه
هو علم الهندسة الوراثية ... وهل الإنسان في حاجة إلى هذه التقنية لإنتاج ذلك
الإنسان؟ !
ومن المخاوف المختلطة بالآمال: فتح المجال أمام إنتاج (قطع غيار إنسانية)
لتعويض المرضى الذين يعانون من تلف بعض أجهزتهم أو قصورها في القيام
بوظيفتها، حيث ستكون (قطعة الغيار) المستنسخة تحمل صفات المريض نفسها،
وعليه: فلا مجال لرفض الجسم لذلك العضو الجديد، والخوف هنا يكمن في
التعامل غير الإنساني مع النسخة البديلة التي ستؤخذ منها قطعة الغيار ثم يلقى بما
تبقى منه في سلة المهملات.. ولكن إلى الآن لم يقدم أصحاب هذا الأمل طريقة
علمية وعملية لتحقيقه خاصة مع الاختلاف المفترض بين عمر الأصل وعمر البديل. ... والاقتراح الأقرب إلى التطبيق: استنساخ العضو المراد استبداله بشكل منفصل،
(وهذا غير ممكن؛ لأن العضو لا ينمو ولا يتشكل إلا من خلال كيان متكامل يمد
هذا العضو بالإحساس والأوامر العصبية والدم والهرمونات.. لكي ينمو ويتشكل
ويستطيع القيام بوظائفه، وإلا فإنه سينتج نسيجاً فقط وليس عضواً متكاملاً) [٨] .
وقالوا: إن الاستنساخ سيقضي على مشكلة العقم! ونسوا أن الاستنساخ ليس
إنجاباً من زوجين، فالطفل الناتج إذا فرض نجاح ذلك يحمل صفات أحد الزوجين
فقط، كما إنه توأم متطابق له وليس ابناً، إضافة إلى أن هذا المستنسَخ من الأصل
العقيم سيكون عقيماً أيضاً.
ولكن هناك بعض المخاوف الحقيقية والآمال الواقعية التي قد تنشأ عن تقنية
الاستنساخ..
وهذا ما سنطالعه في العدد القادم إن شاء الله (تعالى) .
стр. 2556
هموم ثقافية
إشكالية البلورة السياسية للديمقراطية
بقلم:سامي محمد الدلال
في مسيرته النقدية للديمقراطية استعرض الكاتب في حلقات سابقة عدداً من
الإشكاليات التي تواجه هذا المبدأ، فتعرض للمفهوم العام، وزاوية النظر، والبلورة
الثقافية، والبلورة الاقتصادية، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة عرض لإشكالية
أخرى. ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
في البدء نقرر وجود اتفاق على استعمال كثير من مفردات التعبيرات السياسية
من مثل:
-الحرية. -الوحدة. -المساواة. -الاشتراكية.
-الديمقراطية. -العلمانية. -القومية. -الوطنية.
-الحقوق السياسية.. وغيرها.
إن الاختلاف حول الشكل والمضمون لكل مفردة من تلك المفردات هو أحد
إشكاليات البلورة السياسية للديمقراطية.
لقد أخفقت الأنظمة الديمقراطية في بلورة مفهوم موحد لأي من المفردات
المذكورة. إن الإخفاق المشار إليه لم يكن مستغرباً، بل هو متوقع تماماً، بل
الاستغراب، كل الاستغراب، أن يحصل العكس، أي أن يحصل الاتفاق على
مفهوم موحد لتلك المفردات.
إن تفاوت:
مستويات الفهم السياسي.
قدرات التخطيط في الإطار السياسي.
الإمكانات المتوفرة، أو المتاحة، لكل شريحة لها دور في القرار السياسي،
أو التأثير عليه.
الطاقات في استثمار الإمكانات.
إمكانية توظيف ذلك الاستثمار في المنظومة الاستراتيجية العامة للعمل
السياسي.
في القدرة على حشد الجماهير خلف المطالب السياسية.
في استخدام وسائل التعبير عن المشروع السياسي.
الخبرات المكتنزة والمتولدة عن خوض غمار الصراع السياسي.
المرجعيات السياسية، بل والعقدية للمشاركين في البلورة السياسية.
درجة فهم مقصودات تلك المرجعيات في تأصيلاتها السياسية.
استيعاب المرحلة السياسية الخاصة بالدولة قياساً على الخريطة السياسية
الدولية.
وغيرها كثير من ألوان التفاوت.
إن كل ذلك التفاوت بين:
الأحزاب بكافة أطروحاتها السياسية والعقدية.
المثقفين (من اقتصاديين ومحامين وأدباء ومدرسين، محترفين سياسيين
وغيرهم) .
الإسلاميين (بمختلف مدارسهم وجماعاتهم) .
العسكريين (وكثير منهم متسيّسون)
عامة أفراد الشعب (من عمال وفلاحين وموظفين ومهنيين وغيرهم) .
هذا التفاوت يؤدي إلى اضطراب سياسي متعدد الأوجه؛ حيث إن لكل فئة من
الفئات المذكورة نظرة معينة وتفسيراً خاصاً بها إزاء كل عنصر من عناصر
التفاوت المنصوص عليها آنفاً، مما يقود حتماً إلى وقوع الاختلاف بينها بما يفضي
قطعاً إلى صراع سياسي متأجج ترمي كل فئة إلى تغليب فهمها الخاص لتلك
المفردات المذكورة، بما تراه أنه يحقق مصلحتها أو يحقق مصلحة الأغلبية الشعبية
التي ستسير خلف مشروعها السياسي الذي عبّر عن قضاياها، مما ينتج عنه توسيع
القاعدة الجماهيرية لتلك الفئة.
إن المتمعّن في أصل فكرة الديمقراطية، وكذلك المتمعن في الأنظمة التي
عبّرت عنها على أرض الواقع يتبين له بسهولة أن الديمقراطية لم تنجح في نزع
الفتيل من القنبلة السياسية المتعددة الأوجه، بل ساعدت في إشعال ذلك الفتيل مما
أدى إلى تفجر قنابل سياسية كثيرة في الأنظمة التي حكمت بالديمقراطية.
نحن نعتبر ذلك أمراً طبيعياً بسبب ما تضفيه الديمقراطية من سعة في تفسير
تلك المفردات؛ حيث تسعى كل فئة من الأحزاب والمثقفين والإسلاميين
والعسكريين وعامة أفراد الشعب إلى احتكار أكبر حصة ممكنة من القرار السياسي
أو من المشاركة في صنعه.
إن اتساع حصة أي فئة من تلك الفئات سيكون حتماً على حساب تضييق
حصص الفئات الأخرى مما يجعل دخولها في مواجهات على كافة المستويات أمراً
لا مندوحة عنه.
وعندما ترتفع درجة حرارة الصراع بين تلك الفئات تحت المظلة الديمقراطية، ثم تبدأ المواجهات الجماهيرية في مختلف المرافق يأتي دور العسكر شاهرين
سيف الحسم السياسي لصالح المؤسسة العسكرية (وهذا خاص بالعالم الثالث غالباً)
التي تقوم فوراً بحل المجلس النيابي وتعليق الديمقراطية إلى حين ترى أن إعادة
تقديم تلك المنحة (أي الديمقراطية) إلى كافة تلك الفئات سيكون مرضياً للجميع،
وتبدأ الدورة نفسها من جديد.
إن جعبة العسكريين ستكون ملأى بالحجج القوية التي تسوّغ فعلتهم التي
فعلوها. ومن أهم تلك الحجج وضع حد لتوظيف الديمقراطية في خدمة مصالح
فئات بعينها واستغلال المجلس النيابي لتمرير تلك المصالح، وكذلك وضع حد
لتفتيت الوحدة الوطنية التي تجزأت بفعل الصراع السياسي الذي أتاحته المظلة
الديمقراطية. وليس شرطاً أن يتم ذلك من خلال العسكريين، بل يمكن أن يتم ذلك
من خلال السلطة الحاكمة صاحبة القرار السياسي في المنحة الديمقراطية.
وفي كلتا الحالتين، فإن الحكام الجدد سينتهي بهم المطاف إلى الاستيلاء على
مقدرات البلاد لتصب في استثماراتهم الخاصة، حتى إذا ما تنامى الضغط الشعبي
نحو التغيير، وبلغ مرحلة الانفجار أدلوا له بدلو الديمقراطية من جديد، وتتكرر
اللعبة! !
ويبقون هم في الحكم! !
إن أولئك العسكريين ربما كانوا مستقلين، أو واجهات لفئات حزبية أو طائفية
أو عرقية، وفي كل الأحوال فإنهم سيصبغون الوضع السياسي في البلاد بالصبغة
العلمانية، من مثل:
* الاقتصاد السياسي من منظور علماني.
* الثقافة السياسية من منظور علماني
* الإعلام السياسي من منظور علماني.
* السلوك السياسي من منظور علماني.
* المناهج التربوية السياسية من منظور علماني.
* الدراسات السياسية (بحوث ومؤسسات) من منظور علماني ... وهكذا.
إن الوصول إلى إضفاء الصبغة العلمانية في الجانب السياسي للأمور المذكورة
يتطلب:
* تحديد الأهداف المرحلية، ثم النهائية لكل وجه من الأوجه السياسية
المذكورة: (الاقتصاد، الثقافة، الإعلام، السلوك، المناهج، الدراسات) .
* رصد الدعم المالي الذي يحقق الوصول إلى تلك الأهداف.
* إعداد الحشد البشري المؤهل علمياً لتحقيق تلك الغاية، والمكافئ
للاحتىاجات المطلوبة لكل وجه ولكل مرحلة.
* وضع الخطط اللازمة لتلبية الترجمة العملية لكل ذلك.
* المتابعة والتقويم، ليسير الركب العلماني ضمن الخطط المرسومة، ولسد
الثغرات، وتصحيح الأخطاء، واقتراح التعديلات بما يضبط خط سير الموكب
العلماني نحو غايته.
إن المهيمنين على السلطة (سواء كانوا عسكريين أو حزبيين أو طائفيين أو
غير ذلك) سيتخذون من الديمقراطية وسيلة يمكن ضبط إطارها لتحقيق الوصول إلى
تلك الصبغة السياسية العلمانية من خلال تشريعات نيابية تأخذ أوضاعها القانونية
دون أن تتأثر بحل المجلس النيابي بعد ذلك.
إن الإسلاميين عندما يتخذون قرار المشاركة في المجالس النيابية ينبغي لهم
أن يأخذوا كل ما ذكر بعين الاعتبار. وقد شارك الإسلاميون في المؤسسات
السياسية العلمانية على مستوى نواب وعلى مستوى وزراء، وبما أنهم لم يدركوا
المدى العلماني في المؤسسات التي سمحت لهم بولوج تلك القنوات النيابية
والوزارية فهذا يعني قصور فقههم للواقع، بل الأكثر من ذلك، أصبحوا هم جزءاً
من درجات السلم التي ترتقي عليها المؤسسة السياسية الحاكمة للوصول إلى أهدافها
السياسية العلمانية. وإنه من المعلوم أن لجاناً عدة تنبثق من المجلس النيابي لوضع
التصورات للقضايا التي تعرض على المجلس في كافة المجالات. وقد شارك
الإسلاميون في كثير من تلك اللجان. ورغم تلك المشاركة فإن محصلة ما يعرض
على المجلس من الدراسات التي تقدمها اللجان لا تخرج عن الإطار السياسي
العلماني بما لا يوحي بوجود أثر لمشاركة الإسلاميين في أعمال تلك اللجان؛ ذلك
أن الخطوط الموضوعة من قِبَلِ الملأ لعمل اللجان المذكورة مؤطرة مسبقاً بالإطار
العلماني، وفي حال نجاح الإسلاميين في أي لجنة من تلك اللجان في تمرير
دراسات معينة تخرج عن الخط العلماني المحدد لعمل تلك اللجنة فإن إجراءات
معينة تتخذ لإجهاض تلك التوصيات: منها إعداد العدة لإسقاطها بالتصويت في
المجلس، ومنها تأليب الرأي العام ضد نتائجها باستعمال الصحافة وأجهزة الإعلام
المختلفة بما يجعل تلك التوصيات وكأنها ليست في صالح الشعب، فيصبح رفضها
محصلة حاصل، فربما لا تصل حتى إلى مرحلة التصويت عليها، وفي حالة
حدوث ذلك وقد حدث عدداً من المرات فإن النتيجة الطبيعية التي يصل إليها الراصد
أن المؤسسة الحاكمة قد نجحت في الوصول إلى أهدافها المتعلقة بالبلورة السياسية
العلمانية للشعب ومؤسساته.
إن خلاصة ما وصلنا إليه هي أن إشكالية البلورة السياسية الديمقراطية يمكن
رصد أهم معالمها في النقاط التالية:
١- الاختلاف حول تفسير التعبيرات السياسية، وإخفاق الديمقراطية في
توحيد ذلك التفسير.
٢- إن سبب الاختلاف تفاوتات منوعة بين المشاركين في الإطار السياسي.
٣- إن استمرار تلك الاختلافات يؤدي إلى اضطراب سياسي متعدد الأوجه.
٤- إن هذا الاضطراب يحسم لصالح الملأ الحاكم الذي يوجه جميع مضامين
الصراع السياسي وجهة علمانية.
٥- الإسلاميون المحتوون في ذلك الإطار الديمقراطي السياسي العلماني
يصابون برذاذه على مستوى النيابة أو التوزير دون أي فاعلية حقيقية جوهرية
لصالح العمل الإسلامي، بل تستغل مشاركتهم السياسية لصالح توفير واجهة مقبولة
للنظام الحاكم.
стр. 2557
متابعات
تعقيب على تعقيب
حول الحوار مع الشيخ القرضاوى
بقلم: طاهر العتباني
وردنا رد مطول من الأخ الفاضل الأستاذ طاهر العتباني يعقب فيه على
الدكتور محمد بن عبد الله الشباني في محاورته مع الشيخ د. يوسف القرضاوي
الذي تم نشرها في العدد (١١٢) ، وحيث إن المساحة المتاحة في هذه الزاوية لا
تستوعب ما ذكره الأخ الكريم لطوله، فقد اضطررنا إلى اختصار الموضوع بذكر
أهم وقفاته، وهي ما نحسب الكاتب يقصده في تعقيبه، مع العلم أننا عرضنا الرد
كاملاً على الدكتور الشباني فأورد وجهة نظره في آخر المقال والتي لم تسلم من
الاختصار، راجين أن يكون في هذا الحوار ما يوضح الحقيقة التي هي رائد
الجميع، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. والله من وراء القصد،،
-البيان-
لقد قرأت مقال (وقفات متأنية مع آراء فضيلة د. القرضاوي حول العلاقة مع
أهل الكتاب) الذي نشرته (البيان) في العدد (١١٢) وتصورت أن صاحب المقال
وفقه الله قد قرأ كل ما كتبه الدكتور القرضاوي في موضوع التعقيب الذي كتبه، مما
قد أفرد له الدكتور القرضاوي بعض كتبه، ومما ورد في بحوثه المختلفة أو كتبه
الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها.
لكني وجدت الكاتب أخذ أقوال الشيخ من (من مجلة المجتمع الكويتية) ثم بنى
عليها مقاله وآراءه وانتقاداته.
من هنا جاء هذا التعقيب على ذلك التعقيب الذي توخيت فيه أمرين أسأل الله
تعالى أن يبلغني إياهما وهما:
١- رجاء حسن المثوبة بإحسان القصد والوجهة فيه لله تعالى.
٢- أن ينفع الله به قارئه، بأن يصيب الحق أو يقاربه.
أما التعقيب فإنه يتضمن عدة وقفات هي:
الوقفة الأولى: أني أشكر لصاحب المقال حرصه على نفع المسلمين بما لديه
من علم وغيرة، كما ظهر من مقدمته، كذلك أحمد له أدبه الشديد في حديثه عن
الشيخ وجهوده المعروفة من خلال كتبه ومحاضراته ودروسه وخطبه وأبحاثه
وفتاواه وما شارك فيه من الندوات واللقاءات في كثير من أقطار المعمورة، فضلاً
عما ابتلي به عافاه الله من إيذاء واضطهاد بسبب الحق الذي جاهد في سبيله، فجمع
بذلك بين العلم والعمل، والجهاد والتضحية، نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله
أحداً.
ثاني هذه الوقفات: التنبيه على عدد من الملحوظات على الأخ الكاتب في نقده، ومنها:
[١] أن تقويم الآراء والرد عليها يجب أن يراعى فيه جميع أقوال المردود
عليه في موضوع الرد، ولا يكون الرد على عبارات عارضة في حديث مجمل في
مقام معين وظرفٍ محدد؛ وذلك الأصل المنهجي مبناه على عدة أمور:
١- أن الفتوى وهي ألصق وأقرب للدقة والضبط والإحكام وتحرير المسائل
وتنقيحها تراعي ظروف الزمان والمكان ومقتضى الحال والعرف، وهي قاعدة
مشهودة معروفة. فكيف بحديث الناس فيما يعرض لهم من محاورات وأحاديث
للصحف مما هو ليس على سبيل الفتوى.
٢- أن في الكلام ما هو إجمال وما هو تفصيل، وهذا وارد حتى في كتاب
الله تعالى وفي سنة رسوله.
وكما أنه لا يصح النظر إلى نصٍ دون غيره من أقواله -صلى الله عليه
وسلم- في الاستدلال على حقيقة رسالته، وإنما يجب أخذ مجموع النصوص حتى
في استخراج حكم المسألة الواحدة، كذلك فلا يصح أن تلصق تهمة بعالم من علماء
المسلمين لعبارة وردت في حديث له وَهَمَ منها السامع معنى لم يدُر بخلد قائلها،
وهو أنه يحصر الإسلام في الجانب الأخلاقي فقط دون العقيدة والعبادة، وغير ذلك
من جوانب الرسالة الإسلامية عند الوقوف مثلاً أمام الحديث النبوي: (إنما بعثت
لأتمم مكارم الأخلاق) .
٣- أن للكلام اعتباراتٍ ووجوهاً، فعلى الناظر في كلام أي أحد أن ينظر في
وجوهه المختلفة؛ فالجملة من كلام بعض العلماء قد تكون صحيحة من وجه من
الوجوه، فاسدة من وجه أو وجوه كذلك. وموقف الإمام علي ﵁ والإمام
ابن عباس مع الخوارج عند وقوفهم عند قوله تعالى: [إن الحكم إلا لله] معروف
للجميع.
(ب) أنه لو اتُبع هذا المنهج في الرد على أقوال مبتورة مجملة مقطوعة عن
سياقها وظرفها، واعتبر منهجاً في الرد لما سلم لأحدٍ من علماء الأمة شيء مما قال
أو كتب.
(ج) أن كلام المسلم في عمومه يجب أن يحمل على المحمل الحسن إلا أن
تقوم القرينة القاطعة على فساده، فإذا كان الكلام لعالم جليل له خبرته بالعربية
وأصولها وبلاغتها وقواعدها من نحو وصرف، وبالأصول والقواعد والأدلة من
نصوص القرآن ونصوص السنة وجب عندئذ أن يحمل كلامه على أفضل وجوهه
وأحسن تأويلاته.
(د) أن انتقاد عبارة أو جملة أو عدة جمل لعالم استفاضت أبحاثه وتنوعت
وكثرت في جميع جوانب علوم الإسلام، وتلقاها عنه كثير من العلماء وطلبة العلم
بالقبول في مجموعها الأعم على مدار ما يقارب أربعين عاماً، والوقوف أمام هذه
العبارة دون غيرها مما يتصل بموضوعها وتقويم آرائه من خلالها منهج غير
صحيح. ولقد ذكر أهل العلم كابن تيمية في (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) المنهج
الصحيح تجاه أقوال العلماء مما يجب أن يحتذى.
الوقفة الثالثة: أن عالماً مشهوداً له بالعلم والعدالة والبلاء الحسن يجب النظر
إلى مجموع حسناته وجهاده قبل أن يُشنّع على آرائه التي يجتهد فيها فيصيب أو
يخطئ.
لا سيما وأن فضيلة الدكتور القرضاوي حفظه الله وأمد في عمره قد فهم
الإسلام بمعناه الشامل الذي يبدأ من العلم والاعتقاد والعبادات والشعائر حتى جوانب
التشريع في نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والثقاقية وغيرها،
وأسهم في التوعية بذلك للناس كافة.
وأنا لا أعني بكلامي هذا عدم الرد إذا ما لزم الأمر؛ لكن على أن يكون الرد
منهجياً مبنياً على القواعد والأصول التي تُتبع في الرد على العلماء ونقد أقوالهم مما
ألمحت إلى شيء منه.
الوقفة الرابعة: أن صاحب المقال جزاه الله خيراً أفاض في التعقيب على
ثلاث عبارات وردت في حديث الدكتور القرضاوي، ورتب عليها كلاماً كثيراً هو
صحيح من حيث معناه، ومن حيث الاستدلال عليه بآياتٍ وأحاديث؛ ولكنه في غير
موضعه مما اعتبره صاحب المقال رداً يوهم القارئ أن في كلام الدكتور ما يناقض
كلام صاحب المقال فيما ساق من حديث، والأمر غير ذلك!
وأحسب أن صاحب المقال لو تعامل مع هذه العبارات بموضوعية لاستخراج
وجوه الكلام الممكنة أولاً في كل عبارة، وحملها على المحمل الحسن ثانياً، ثم أيد
هذا الذي ذهب إليه بما عُرف من فهم الشيخ للإسلام فهماً صحيحاً مما يدل عليه ما
جاء في بقية كتبه وأبحاثه ودراساته وفتاواه، لو فعل ذلك لكان أصاب الحق
والصواب.
الوقفة الخامسة: أن آراء عالم كالدكتور القرضاوي في العلاقة مع أهل الكتاب
لا تؤخذ من مجرد تصريح أدلى به لمجلة أو جريدة هذا إذا صحت نسبته إليه فعلاً
وإلا فأحياناً تنسب الصحف للناس ما لم يقولوه، أو تنشره مشوهاً لتصرّفها فيه طلباً
للاختصار أو طلباً للتشويق والإثارة مما هو معروف في أعمال الصحف والمجلات؛ بل لعل بعضهم ينقل من كتابات العلماء وآرائهم من كتبهم ما يُنشر مشوهاً مبتوراً
عن سياقه.
ثم إن الدكتور القرضاوي لا يتساهل في مثل موضوع: (العلاقة بأهل الكتاب)
بل إنه ليحرص في هذا الباب على تحرير الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وينبه
حتى في الأمور المباحة بيننا وبينهم على ما يمكن أن يخرج بهذه الإباحة عن
مقصودها الذي شرعها لأجله الشارع الحكيم. كما وضح ذلك في كتابه: (غير
المسلمين في المجتمع الإسلامي) .
وفي ختام هذه الوقفات أود ألا أكون جانبت الصواب، وأسأل الله تعالى أن
يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
* * *
رد الكاتب الدكتور الشباني:
وبعد عرض أصل الموضوع على الكاتب د. محمد بن عبد الله الشباني كتب
وجهة نظره حول ما ورد في التعقيب على النحو التالي:
أود بادئ ذي بدء أن أشكر للأخ طاهر العتباني رده وتعقيبه على ما نشرته
حول ما نسب لفضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله وأحسن الله له
قصده، وجعلنا وإياه ممن يسعى للحق ويهدي إليه.
لقد ترددت كثيراً في التعقيب على تعقيبه ولكن حيث أورد الأخ طاهر بعض
الأمور التي يجب التنبيه عليها لما لها من صلة بأصل المحاورة ولما ظنه من أن
محاورتي لفضيلة الدكتور القرضاوي، هو طعن في مكانة الشيخ القرضاوي، وما
أشار إليه من أن استفادتي من كتب القرضاوي مزعومة، ويعلم الله أنني لم أقصد
من ذلك إلا النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم في أمر له أهميته العقدية، ولم أقصد التقليل أو صرف الناس عن قراءة كتبه كما توهم الأخ العتباني عفا الله
عنا وعنه.
كما أن الأخ العتباني أشار في معرض تعقيبه إلى أنه كان ينبغي عليّ الاتصال
بفضيلته لمناقشته، ولقد قمت بالاتصال، ولكن من خلال الوسيلة التي تم نشر ما
نسب إليه فيها، فقد أرسلت نسخة من محاورتي التي قامت البيان بنشرها لمجلة
المجتمع لعل المجلة أن تقوم بدورها باستيضاح رأي الشيخ القرضاوي وتنشر وجهة
رأيه فيما نسب إليه، ولكن مع الأسف تجوهل الموضوع حتى كتابة هذا التعقيب؛
وللأسباب المشار إليها وحتى لا يلتبس الأمر على قارئ التعقيب فقد ارتأيت أن
أوضح وجهة نظري فيما أورده الأخ العتباني من وقفات على النحو التالي:
أولاً: ما أشير إليه من ضرورة مراعاة جمع أقوال المردود عليه في موضوع
الرد، فأود أن أهمس في أذن الأخ طاهر أنني لم أقصد دراسة كل ما كتبه فضيلة
الشيخ القرضاوي والرد على آرائه؛ فهذا لم يكن هدفي من محاورته؛ وإنما قصدت
من الرد على ما جاء في مجلة المجتمع في الموضوع من آراء تصب في الدعوة
الخطيرة التي يدعى لها في هذه الأيام وهي فكرة وحدة الأديان والتي تنبه لها سماحة
الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة السعودية أطال الله في عمره ونفع الله به فقد
أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة فضيلته فتوى في الموضوع
نشرت في أكثر من مجلة وصحيفة.
ثانياً: ما أشار إليه الأخ، وهو أمر خارج عن نطاق التعقيب، من ضرورة
عدم معارضة العلماء المشهورين الذين بلغوا مكانة عالية من العلم والمعرفة
والإحاطة بفروع العلم وأصوله، وضرورة البحث عن مخارج لأقوالهم في حالة
وقوع أخطاء، والبحث عن تبريرات لهم، وفي حال الرد عليهم ... إلخ. فلي على
ما ذكره ملاحظتان:
١- إن مما أصيبت به الأمة في هذا العصر تقديس من تحب والتغاضي عن
أخطائه، والبحث عن التبريرات لأقواله والتشنيع والتسفيه للمخالف حتى ولو كان
الحق معه؛ وهذا منهج نهى الله عنه حيث إنه يؤدي إلى الانحراف والضلال يقول
تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] [التوبة: ٣١] .
وقد وضح رسول الله ﷺ معنى هذه الآية بحديث عدي بن
حاتم الطائي بأن المقصود بعبادتهم اتباعهم فيما يفتون به مما هو على غير هدى
مستقيم.
٢- إنني لم أخالف المنهجية في الرد؛ حيث اعتمدت فيما أوردته من محاور
على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وكنت حذراً أن أجزم بأن
ما ينشر في الموضوع هو قوله، وكنت كلما نقلت كلاماً عنه أشرت إلى ذلك بعبارة: إن ذلك منسوب إليه؛ تحفظاً من أن يكون هناك تحريف في كلامه؛ وعلى أمل
أن يطلع فضيلته على محاورتي فيرد أو يوضح ما ينسب إليه من ذلك؛ أما عدم
الرد على عالم جليل مثل الدكتور القرضاوي فهو أمر غير مقبول؛ ولنا في سلفنا
الصالح أسوة؛ حيث يقول الإمام مالك: كلّ يؤخذ من كلامه ويُرد إلا صاحب هذه
الحجرة. ومع احترامي وتقديري لجهود الدكتور القرضاوي المعروفة التي أرجو الله
أن يثيبه عليها لكن ذلك لا يمنع من مناقشته وعدم قبول كل ما يقوله على علاته،
والبحث عن تبريرات لما يفتي به؛ فالحق أحق أن يتبع.
ثالثاً: ما أخذته على فضيلة الشيخ من قوله: ( ... إن رسالة الإسلام أخلاقية
بالدرجة الأولى) ورد الكاتب أن أمر مفهوم الأخلاق في الإسلام يختلف عن المفاهيم
الغربية، واستطراده يذكر ما كتب حول مفهوم الأخلاق في الإسلام؛ فأنا لا أختلف
معه حول ما أشار إليه وما أحال عليه؛ لكن أعارض جعل رسالة الإسلام أخلاقية
بالدرجة الأولى؛ فما هو مستند الشيخ من الكتاب والسنة؟ لأن رسالة الإسلام هي
بالدرجة الأولى عقدية بتعبيد الناس لله تعالى، وتحقيق كلمة التوحيد؛ ويا ليت
فضيلة الشيخ يوضح وجهة نظره فيما ذكرت.
رابعاً: لقد أشار الأخ العتباني عند محاولته تفسير ما ينسب إلى الدكتور
القرضاوي في مجلة المجتمع: (لا مانع في الإسلام من أن يقف أتباع الديانات
السماوية الذين يتبعون إبراهيم الخليل ... ) إلى أن الشيخ القرضاوي يقصد حسب
زعم الكاتب تحالف أهل الأديان السماوية الذين يؤمنون بوجود الله ربّاً وخالقاً،
وبالجزاء والحساب، وقد استرسل الأخ العتباني في بيان ذلك.
فإذا كان هذا هو قصد الدكتور القرضاوي كما فهمه الأخ العتباني، فالأمر في
غاية الخطورة؛ لأنه يخالف أصل مبعث الرسول ﵊؛ فمشركو
العرب لم ينكروا ربوبية الله والبعث والجزاء، لكن ذلك لم ينفعهم ف (التوحيد الذي
جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الألوهية له وحده بأن يُشهد أن لا إله إلا الله ولا
يُعبد إلا إياه، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُوالى إلا له، ولا يُعادى إلا فيه، ولا يعمل
إلا لأجله ...
وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية ... فليس كل من أقر بأن الله
تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابداً له دونما سواه ... وعامة المشركين أقروا
بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أنداداً.) [١] ؛ فحاربهم الرسول ﷺ ودعاهم للإيمان، ولم يقبل توحيد
الربوبية منهم؛ فلا بد من تحقيق العبادة لله وحده بتوحيد الألوهية، وكذلك بتوحيد
الأسماء والصفات.
والله أسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا إلى سواء السبيل.
стр. 2558
منتدى القراء
حتى لا تموت الدعوة دماغياً ؟ !
بقلم: عبد الله بن حسن الوادعي
الوفاة الدماغية مصطلح طبي يعني أن يموت دماغ المريض ويتوقف عن
العمل ولكن بقية الأعضاء تبقى عاملة كالقلب والرئة والكُلى ... وغيرها، وحيث
إن الدماغ هو مركز التفكير والإحساس والأوامر فإن هذه الوظائف تُفقد، فيصبح
المريض مجرد جثة هامدة لا يستطيع حَراكاً ولا يُعْمِل فكراً ولا يحسُ ألماً ولا يشعر
بمسؤولية.
وهذه الحالة أو قريب منها هي المرحلة التي تمر بها الدعوة في بعض البلدان؛ فمنذ عدة سنوات كانت الدعوة في قمة نشاطها؛ فعقول الدعاة إلى الله كانت تفكر
وتتأمل لتنتج كل يوم عملاً جديداً ما بين محاضرة أو ندوة أو أمسية أو شريط أو
كتاب إلى غير ذلك مما يصعب حصره.
وحيث كان عقل الدعوة المفكر سليماً فقد كان تأثيره إيجابياً على العاملين في
حقل الدعوة، فيقومون بتنفيذ هذا العمل الدعوي أو ذاك بكل جد وإخلاص فترى
أثره ملموساً وجلياً في أوساط المجتمع الذي هو مادة الدعوة. وما كان ذلك ليحدث
لو لم يكن عقل الدعوة المفكر والمسؤول عن الإحساس سليماً، فقد كان يحس
بالأخطار المحدقة بالدعوة، ويتلمس حاجة الناس إليها، ويعرف مداخلهم ومخارجهم، ويدرك واجبه المنوط به.
ثم دار الزمن، وتعاقبت السنون؛ فإذا بقطار الدعوة يقف أو يكاد فلم نعد نرى
أو نحس جهوداً من أجل الدعوة تبذل، أو صرحاً من أجل الدعوة يُقام، أو وقفاً في
سبيل الدعوة يُبذل، أو نفساً في سبيل الدعوة تتعب، أو فكراً من أجل الدعوة يعمل، أو خاطراً من أجل الدعوة يَهتم أو على الأقل حِسّاً من أجل الدعوة يُستثار!
فأين الخلل يا تُرى؟
* هل عدمت مادة الدعوة وهي المجتمع؟ ! ! * أم هل استنفد رصيد الدعوة
وهو الدين؟ ! !
* أم هل شلت أعضاء الدعاة العاملين في حقلها وهم شباب الصحوة؟ ! !
* أم هل توقف عقل الدعوة المفكر ودماغها الذي كان يحس بالمسؤولية،
وفكرها الذي كان ينتج الأعمال الدعوية؟ هل توقف كل هذا؟ * هل ماتت دماغياً؟ ! !
هذا ما لا يرضاه أي مسلم....... . فإلى الدعوة والعمل المسؤول الهادف
لخدمة الناس كافة بدعوتهم إلى صراط الله المستقيم وبكل السبل المشروعة.
стр. 2559
منتدى القراء
حديث النفس
شعر: مشبب أحمد القحطاني
يا أُمتي والحُزْنُ يَعصِرني علامَ الإنحناءْ! ...
ما بالُ رحلَتِكِ انتهت وخلعتِ ثوبَ الكبرياءْ! ...
لو كان يُسْعِفُني البكاءُ لمُتّ من فَرْط البكاءْ ...
يا أُمّتي هل يصبحُ الأعداءُ يوماً أصدقاءْ؟ ...
رَبّاهُ ماذا قد دهانَا كيفَ ذلّ الأنقِياءْ؟ ! ...
لكأَنّما الأمجادُ شِيدتْ دُونما بذلِ الدّماءْ! ...
قِفْ يا زماني ساعةً واذكر زمانَ الأقوياءْ ...
كم جَلْجَلَ الحقّ المبينُ وطافَ أنحاء الفضاءْ؟ ...
كم طهّرَ الإسلامُ أجساداً وجمّعها الإخاءْ؟ ...
السّقْمُ دَبّ بأُمةٍ تركتْ دروبَ الأنبياءْ ...
ِلو يعلمُ الوسنانُ مِنّا أن في التّقْوى شِفاءْ ...
لاستيقظَ اللّيْثُ الهصورُ وسارَ في جَيْشِ الفِداءْ ...
قُمْ يا رعيلَ اليومِ وارفَعْ ما تهدّم من بناءْ ...
هذي مُصيِبَةُ أُمّتي ولعلّنا نَجِدُ الدّواءْ ...
إنْ طالَ ليلُ الآملينَ فَسَوفَ يُسْفر عَن ضياءْ ...
هَلاّ رَفعنا بالدّعاء أكفّنا نحو السّماءْ ...
وَمَضَتْ رواحِلُنَا على دَرْبِ البطولةِ والفِداءْ ...
يكفي من التاريخِ عاراً أن يسودَ الأشقياءْ ...
стр. 2560
الورقة الأخيرة
ماذا دهى أمة الإسناد ؟ !
بقلم: محمد نجيب لطفي
نحن أمة الإسناد، ما في ذلك من شك؛ وتراثنا العظيم في الحديث النبوي
الشريف وعلومه أعظم دليل على ذلك، حيث يتجلى ذلك بوضوح في دواوين السنة
من صحاح وسنن ومعاجم ومسانيد ومستدركات ومستخرجات وهي من الكثرة والدقة
بمكان، وكذلك في كتب الرجال والجرح والتعديل كل ذلك من مفاخر أمتنا العظيمة
أمة الإسناد الذي تفاخر به العالمين.
نفاخر أن أمم الأرض قاطبة لن تستطيع الوصول إلى عشر معشار ما وصلنا
إليه مهما تطاولت أعناقهم وتمنت نفوسهم.
ولكن! ! ماذا دهى الأمة العظيمة؟ ! أمة الإسناد؟ ! فالناظر في الكتابات
المعاصرة في سوادها الأعظم يؤلمه ويحزنه أن الاهتمام بالإسناد تضاءل إلى حد
كبير جداً، سواءٌ أكان ذلك في المؤلفات والمصنفات، أو في الصحف والمجلات،
أو في الندوات والمحاضرات، أو في الخطب والمناظرات؛ وقد ترتب على ذلك
الأمر المؤسف أمور منها:
١- تهجم بعض الجهلة والمغرضين على السنة والطعن في حفظ الصحابة
للسنة بدعاوى مكرورة نقلاً عن المستشرقين أو الفئات الضالة ممن لها مواقف
معروفة من السنة ونقلتها.
٢- انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة انتشاراً كبيراً مما كان له أسوأ
الأثر على عموم المسلمين بسبب اعتقاد صحة هذه الأحاديث ومن ثَمّ العمل بها.
٣- ضعف مكانة السنة في نفوس المسلمين.
٤- عدم تقدير علوم الحديث كما يجب، والتهاون في حقها.
٥- الرجوع إلى كتب الوعظ والتصوف القديمة والحديثة، والنقل منها بدون
تحقيق.
ولذا: أرى من الواجب الاهتمام بأمور عظيمة، منها:
١- الاهتمام في الجامعات الإسلامية بعامة بالحديث وعلومه اهتماماً بالغاً بدلاً
من الاهتمام بالتصوف وما يسمى بـ (الفلسفة الإسلامية) والمنطق وما يسمى بـ
(علم الكلام) ، وأن تنحو هذه الجامعات منحى المنهج العلمي لسلف الأمة.
٢- علو الهمة في دراسة الحديث وعلومه، والنظر إلى ما فعله الأقدمون
العظماء، أمثال: ابن معين والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وأحمد والنسائي، وغيرهم..
٣- الاهتمام البالغ بتخريج وتحقيق الآثار على سبيل الإلزام في المؤلفات
والمصنفات والجرائد والمجلات.
٤- الاعتقاد بأن للاهتمام بالسنة ودراستها ثواباً جزيلاً؛ وإن الأمل ليحدو كل
غيور في أن تستجيب الأمة لهذا الأمر الخطير الجليل، وتعود كما كانت في
عصورها الذهبية أمة الإسناد.
٥- التحذير من أولئك النفر المرددين لشبه غيرهم، وكشف منطلقاتهم
المشبوهة حيال السنة ورواتها.
[وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ] [الأحزاب: ٤] .