خواطر في الدعوة
الحد الأدنى
محمد العبدة
إذا كان واقع المسلمين في هذه الأيام يضطرهم للمطالبة بالحد الأدنى من
التعاون والتنسيق، خوفاً من البديل وهو التشهير والتمزيق، وإذا تحقق هذا التعاون
اعتبر من المكاسب التي يجب المحافظة عليها والتمسك بها، ويقولون. هذا هو
الواقع، ويجب أن نعترف به، ولا نكون مكابرين خياليين نسرح بالأحلام.
إذا كان هذا هو الواقع فنحن نوافقهم ولكن بشرط أن يكون هذا الشعار مؤقتاً؛
لأن أوضاع المسلمين فعلاً تحتاج إلى بداية مثل هذه، ولكن الذي نخشاه ونتخوفه
هو أن يرضوا بهذا الواقع، ويستمر هذا الشعار فترة طويلة فتموت الهمم،
وتسترخي العزائم، ويستمرئ المسلمون هذه الحالة فلا يقومون بالأعمال العظيمة
المطلوبة منهم في هذا العصر بالذات، فنحن نمر بفترات حرجة لا نحتاج إلى
التعاون والتنسيق بل إلى الانصهار في عمل كبير يعيد للمسلم عزته وكرامته،
ويشعره بالثقة المفقودة، يعيد إليه الأمل والرجاء، إننا نحتاج إلى إنكار للذات
بالدرجة الأولى، فهو العقبة الكؤود كما يظهر لي، وتأتي الخطوة التالية بالعمل
الدؤوب الذي لا يعرف الراحة، وإعمال الفكر في مستقبل المسلمين والإسلام،
والطرق الصحيحة التي توحد ولا تفرق.
إن الساعات الحاسمة في التاريخ هي الساعات التي تتحول فيها الأمة كلها إلى
(ورشة عمل) ، كلٌّ له مكانه وكل له مكانته، يشعر كل فرد أنه يشارك في البناء بل
إنه ضروري لهذا البناء، هكذا قام المجتمع الإسلامي الأول عندما شارك المسلمون
كلهم في بناء المسجد بمن فيهم قائد هذا المجتمع رسول الله ﷺ ، وعندما استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين وتنازلوا عن شطر أموالهم، ونفذوا
هذا عملياً ولم يكتفوا بالأدبيات والكلام عن الأخوة الإسلامية أو (يجب علينا أن نبني
مسجداً!) .
وإذا كنا نتكلم عن الحد الأدنى فإن الغربيين قد انتهوا من بحث أمورهم الكبيرة، أمورهم الاستراتيجية وفي اجتماعاتهم الآن يناقشون المشاكل الصغيرة التي لا تزال عالقة مثل مشكلة (الزبدة) كيف تصدر وتستورد، وكيف يصرفون الفائض منها.
وإحياء الأمة ودعوتها إلى استئناف دورها الخيري لا يتأتى إلا بأعمال كبيرة، وإن الحد الأدنى إذا استمر لا ينتج إلا الضعف، الذي يستطيع العيش طويلاً،
ولكنه يبقى ضعفاً، وأخشى أن يسري هذا الداء حتى إلى عباداتنا وأعمالنا فلا نقوم
إلا بالحد الأدنى من المطلوب، وتمر السنون دون أن نحقق عملاً كبيراً يرضي الله
ويغيظ أعداء الإسلام ويشفي صدور قوم مؤمنين.
لا شك أن الخطوة الأولى هي التعاون الصادق، ولكن كم نتمنى أن يتلو هذه
الخطوة خطوات.
стр. 282
نموذج اتخاذ القرار
ف. فروم [١]
عرض وتحليل: طارق عبد الحليم
مقدمة:
يعتمد نجاح قيادة ما في أداء مهامها الموكولة إليها على عدة عناصر متداخلة،
تتفاعل لتحقق الهدف الذي ينشده القائمون على هذا العمل، من تلك العناصر:
١- كفاءة [٢] القيادة وفعاليتها [٣] في الأداء والمتابعة.
٢ - كفاءة الأتباع وفعاليتهم في التلقي والأداء.
٣ - درجة الثقة المتبادلة بين الطرفين.
٤ - المناسبة (الزمانية والمكانية) للمهام المطلوبة في المواقف المختلفة.
٥- الإمكانيات المتاحة اللازمة لأداء الحد الأدنى على أقل تقدير.
ويندرج تحت كل عنصر من تلك العناصر المذكورة عدد من العوامل الفرعية
التي تؤثر على الأداء الناجح الفعال لكل من القيادة من جهة، والمجموعة العاملة من
جهة أخرى، فعلى سبيل المثال، تتحدد كفاءة الأتباع حسب (المستوى العلمي -
درجة التخصص- الصفات الشخصية كدرجة الانضباط.. - درجة التآلف بيد
المجموعة - الخلفية النفسية والاجتماعية ... الخ) .
وحديثنا في هذا البحث يخص أحد مركبات العنصر الأول، أعني (كفاءة
القيادة) وبالتحديد عملية (اتخاذ القرار) ومدى الحاجة إلى المشاركة فيه بين القيادة
والأتباع في المواقف المختلفة من خلال نموذج (اتخاذ القرار) الذي قدمه للمرة
الأولى العالم الأمريكي فيكتور فروم في مجال علم المنظمات والإدارة في ربيع عام
١٩٧٣، ثم طورها بعد ذلك بمعاونة آرثر ييتون.
والنموذج يصلح للتطبيق في مستويات الإدارة كافة بواسطة المسؤول سواء
كان القائد مع بقية أفراد مجلس الإدارة مثلاً، أو كان قائداً تنفيذياً مع أفراد مجموعته
العاملة.
النظرية:
تقوم تلك النظرية على فرضية أن مدى الحاجة إلى المشاركة بين القيادة ...
والأتباع في اتخاذ قرار ما تتحدد حسب الموقف ومتغيراته المختلفة، والتي تملى
بالتالي نمطاً قيادياً محدداً يؤدي إلى أفضل النتائج ويعتمد النموذج المقدم على ثلاث
قواعد يتم خلالها اختيار ذلك النمط به وهي:
أولاً: الأسس التي يتم عليها تحديد متغيرات الموقف.
ثانياً: الأنماط القيادية المختلفة.
ثالثاً: متغيرات الموقف.
وعلى أساس التفاعل بين تلك العوامل الثلاثة يمكن للقيادة تحديد النمط
المطلوب في هذا الموقف المحدد، وسنتناول باختصار ذكر تلك القواعد.
أولاً: أسس اختيار وتعيين متغيرات الموقف:
- نوعية المشكلة المراد البت فيها (كمية أم كيفية؟) .
- درجة اطلاع القائد وفهمه للمشكلة القائمة نظرياً وعملياً.
- درجة اطلاع الأتباع وفهمهم للمشكلة القائمة.
- درجة إمكانية الحصول على معلومات من خارج المجموعة (بشأن المشكلة) .
- تقبل الأفراد لقرارات القيادة وطاعتهم لها.
- درجة الإحساس بالولاء والانتماء للشركة أو المجموعة.
- درجة التعايش والتآلف بين الأتباع.
وتهدف هذه الأسس بجملتها إلى المحافظة على عدة مبادئ منها: (مبدأ
التآلف) ، (مبدأ التخصص) ، (مبدأ الحرص على الكيف) ، وعلى أساسها يتم اختيار
عدد من الأسئلة التي تمثل متغيرات الموقف الراهن.
ثانياً: أنماط القيادة:
تتحدد الأنماط القيادية بثلاثة أنماط (١، ٢، ٣) ، يندرج تحتها خمسة أشكال
من التصرفات القيادية المختلفة (أ، ب، ج، د، هـ) .
١ - قيادة موجهة متحكمة (Autocratic) :
أ- تتخذ القرار بنفسك وحسب معلوماتك الخاصة..
ب - تتخذ القرار بنفسك بعد جمع المعلومات اللازمة من أتباعك.
٢ - قيادة مشاورة (Consultative) :
ج - تشاور أتباعك بطريقة فردية لمعرفة رأيهم ومعلوماتهم ثم تصدر قرارك
بنفسك.
د - تشاور أتباعك بشكل جماعي لاتخاذ القرار بنفسك بعد المشاورة.
٣ - قيادة مشاركة (Participation) :
- تصدر القرار بشكل جماعي بعد المشاورة وأخذ الأصوات.
ثالثاً - متغيرات الموقف:
وفي عشرة أسئلة بنيت على الأسس التي قدمناها في القاعدة الأولى:
١ - في حالة تقبُّل الأفراد للقرار الفردي، هل تتأثر النتائج ذاتها بطريقة اتخاذ القرار؟
٢ - هل لدى القائد العلم الكافي لاتخاذ قرار كفء؟
٣ - هل تتوفر لدى الأتباع معلومات (زائدة على معلومات القيادة) تؤدي إلى تحسين الأداء؟
٤ - هل يعرف القائد نوعية المعلومات المطلوبة، وممن يحصل عليها،
وكيفية جمعها؟
٥ - هل من الضروري أن تتوفر معلومات إضافية لصالح القرار داخل حيز
المجموعة ككل؟
٦ - هل من الممكن جمع معلومات إضافية من مصادر خارجية قبل اتخاذ
القرار؟
٧ - هل تقبُّل القرار من الأتباع مهم وحاسم لضمان حسن التطبيق؟
٨ - إذا كان من المحتم اتخاذ القرار بطريقة فردية (بنفسك) هل أنت متأكد
من تقبل الأتباع له؟
٩ - هل يمكن الوثوق بقدرة الأتباع على اتخاذ قرارات مهمة تتلاءم وأهداف
العمل بشكل عام؟
١٠ - هل من المحتمل حدوث خلافات بين الأتباع على نوعية الحل؟
الطريقة:
يمكن اختيار النمط الأمثل للتصرف القيادي (وبالتالي تحديد الأنماط الممكنة
في حالة القرارات طويلة المدى) في موقف ما بأن يقوم القائد المسؤول بالإجابة عن
الأسئلة السابقة بادئاً بالسؤال الأول ... وحسب الإجابة بنعم أو لا ينتقل إلى السؤال
التالي حتى يصل - عن طريق الشكل المرفق على هيئة شجرة - ليحدد في النهاية
النمط المناسب لاتخاذ القرار.
فمثلاً: في حالة تقبل الأفراد للقرار.
- ولكن النتائج ذاتها تتأثر بطريقة اتخاذ القرار (الفردية أو الجماعية) السؤال
رقم (١) - " نعم " ينتقل المسؤول إلى السؤال رقم (٢) .
- أما إذا كانت النتائج لا تتأثر بطريقة اتخاذ القرار السؤال - " لا " ينتقل
المسؤول إلى السؤال رقم (٧) مباشرة.
وعند الانتقال إلى السؤال رقم (٧) :
- هل تقبل الأفراد للقرار ورضاهم به مهم وحاسم لضمان حسن التطبيق؟
- فإن كانت الإجابة بنعم ... ينتقل المسؤول إلى السؤال رقم (٨) .
- وإذا كانت الإجابة لا؛ يكون النمط المناسب هو (اتخذ القرار بنفسك
وبمعلوماتك) في حالة القرار ذي التأثير قصير المدى ... أو الأنماط ب، ج، د،هـ
على التوالي إذا كان القرار ذا تأثير طويل المدى وهكذا.
ومما تجدر الإشارة إليه أن القرارات ذات التأثير المحدد (قصير المدى) تتحدد
بالنمط المذكور أولاً في النموذج ... ولكن حسب درجة نضوج الأتباع ومع مرور
الزمن فإنه من المناسب العدول إلى الأنماط المجاورة على التوالي (بين القوسين)
خاصة فيما يخص القرارات ذات التأثير المستمر (طويل المدى) .
مثال:
وحتى يسهل الأمر على القارئ، نعتبر مثالاً يعرض طريقة استخدام النموذج
للوصول إلى السلوك القيادي الأمثل.
١- لنفترض أن مديراً لإحدى الإدارات بشركة ما، يعمل تحت إمرته عشرة
من العاملين من ذوي الخبرة المناسبة.
٢ - يتمتع العاملون العشرة بثقة المدير بكفاءتهم وحسمن أدائهم للعمل بشكل
متكافئ.
٣ - أرسلت الإدارة العامة للشركة تطلب ترشيح ثلاثة أفراد من تلك الإدارة
لأداء مهمة بالخارج لفترة من الزمان.
٤ - يعتبر العاملون ذلك السفر أمراً غير مرغوب فيه، كما يعلم المدير ذلك
حيث يحتاج السفر لتغييرات جذرية في أوضاع الحياة الخاصة للمرشح.
أ - أيتخذ القرار بمفرده ويحدد من يقوم بالمهمة؟ .
ب - أم يشاور العاملين معه فيمن يود الذهاب؟ .
ج - أم يجمع العاملين ويتركهم يقلبون الأمر على وجوهه فيما بينهم لتحديد
الأسماء المرشحة؟ .
وللوصول إلى القرار المناسب، نرجع إلى الشكل المرفق لشجرة القرار،
والأسئلة العشرة.
- السؤال الأول: هل تتوقف النتائج (أداء العمل بالخارج) على طريقة اتخاذ
القرار؟ .
والجواب: لا، حيث إن العاملين العشرة متساوون في الكفاءة، والخبرة،
ويتمتعون بثقة الإدارة بقدرتهم على حسن الأداء.
- انتقل إلى السؤال رقم (٧) .
- السؤال السابع: هل تقبل العاملين المرشحين للقرار مهم وحاسم في حسن
التطبيق للعمل والقرار؟ .
والجواب: نعم، حيث إن العامل حين يؤدي أمراً لا يرغب فيه - حتى مع
كفاءته وقدرته وخبرته - لا يكون على المستوى المطلوب من العمل.
- انتقل إلى السؤال رقم (٨) .
- السؤال الثامن: في حالة اتخاذ القرار بشكل فردي، هل الإدارة متأكدة من
تقبل العاملين لذلك القرار دون معارضة؟ .
والجواب: لا، حيث إن القرار بالسفر سيكون له أثر في الحياة الشخصية
للمرشح، والاحتمال الأكبر أن يلقى الترشيح معارضة، ما لم تكن الموافقة مسبقة
عليه.
وبناءً على ذلك التحليل نصل إلى النمط (هـ) والذي يعني: (أن يعقد المدير
اجتماعاً حيث يعرض المسألة على العاملين معه، ويطرح الترشيح للمناقشة حتى
يصل إلى اتفاق على الأسماء الثلاثة.
التعليق:
تعتبر هذه المحاولة التي قدمها (فروم) لبناء القرار على طريقة أكثر عقلية
وتحديداً ودقة من باب النماذج (Model) التي يمكن احتذاؤها.
ولا يزعم المؤلف - كما لا نزعم نحن - أنها أنضج ما يمكن تقديمه في هذا
المجال، بل ولا أنها تغطي المواقف والاحتمالات كافة التي يمكن أن تواجهها قيادة
ما.
ولكن الجديد الذي تقدمه النظرية هو تلك الوسيلة العملية التي يمكن بواسطتها
أن يضع المسؤول المتغيرات كافة التي يواجهها على الورق ليكون اختياره أكثر
تحديداً ودقة، دون أن يهمل عاملاً ما، أو أن يبني قراره على مجرد النتائج التي
يهتدي إليها بعقله بعد تقليب الأمر بينه وبين نفسه مما قد لا يستغرق منه سوى
لحظات قليلة، فتارة يشاور من معه، في حين أن المشاورة قد لا تكون في صالح
القرار أو الجماعة ككل، وتارات يتخطى الجميع ليتخذ قراره بنفسه، في حين هو
أقل علماً بالمشكلة من بعض أتباعه الذين تتوفر لديهم المعلومات الكافية والتخصص
الدقيق.
ومما لا يخفى أنه ليس من المعقول المشاورة في كل أمر صغير أو كبير، كما
أنه ليس من المشروع الاستقلال بالرأي والاستبداد بالقرار على طول الطريق، ولنا
في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في ذلك الأمر وحدوده حين أخذ
بمشورة سعد بن معاذ في بناء العريش في غزوة بدر من حيث هو أهل أعلم وثقة
بهذه الأمور، كما استشار ﷺ الصحابة والأنصار على وجه
التحديد قبل الإقدام على الحرب في بدر، حيث إن موافقتهم كان لها وزن خاص في
النتائج المرتقبة، بينما قرر ﷺ بنفسه في حادثة نعيم بن مسعود
وإرساله ليخذل عن المسلمين إبان غزوة الخندق.
وما يعنينا في هذا الموضع أن نشير إلى أن الأسس التي يقوم عليها تحديد
متغيرات الموقف - والتي قدمناها في القاعدة الأولى - ومتغيرات الموقف نفسها
(والتي قدمناها في الأسئلة العشرة السابقة) تخضع للتغيير والتبديل حسب نوعية
العمل وحسب البيئة التي يراد تطبيق النموذج عليها، بحيث تشمل في كل حالة ما
يناسبها، وما يغطي احتياجات القيادة، وقدرات الأتباع والمواقف المختلفة المحتملة.
ولا يفوتنا أن نوجه نقداً حاسماً لذلك النموذج من حيث إهماله - بشكل يكاد
يكون تاماً - الحالة النفسية والدوافع الداخلية التي قد يصدر عنها القائد والأتباع على
حد سواء في اتخاذ القرارات. وهو - وإن وضع بين الأسس التي يحدد عن
طريقها متغيرات الموقف مبدأ " التآلف والتجانس " بين القيادة والأتباع من جهة،
وبين الأتباع بعضهم البعض من جهة أخرى، إلا أن ذلك لا يعفي من ضرورة
اعتبار الدوافع الذاتية الشخصية التي توجه الأفراد حين اتخاذ قرار ما، والذي قد
يتخلى في أثره الجانب العقلي الميكانيكي الذي عالجه المؤلف في نظريته، بل ويكاد
يتحكم لحد كبير في عملية اتخاذ القرارات داخل المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية.
فمثلاً: قد تقرر قيادة ما الاستغناء عن خدمات أحد أفرادها، نظراً لعداء
شخصي أو حالة نفسية محددة دون الدخول في تفاصيل الأسباب والدوافع ولكن قد
يقرر فرد ما الاستقالة من عمله والانفصال عنه لدوافع خاصة قد لا يصرح بها في
غالب الأحوال. وهو الوضع الذي لم يعالجه " فروم " في نموذجه ولم يحسب له
حساباً في أسسه وقواعده وأسئلته على الرغم من أهميته القصوى والحاسمة.
стр. 283
يحسب أن ماله أخلده
د. مصطفى السيد
ما أشقى القيم عندما يصبح المال وحده لحمتها وسداها، وأتعس بالأمم إذا بات
المال عندها معيار التفاضل ومنهاج التعامل! به ترفع وتضع، وفيه تقدم وتؤخر، وله تسعى وتحفد.
وكم تؤذي السمع، وتستدعي الازدراء قالة أقوام: (فلان رجل) ، وإذا رحت
تسائل هؤلاء الناس: فِيمَ استرجل فيم فلان وجدّ؟ ؛ أجابوا - وبئس الجواب - بثروته المالية ومكانته الاقتصادية!
وحرصاً على إثراء رصيد المسلمين بالمعرفة التاريخية، وعمارة أرواحهم
بأصل القيم، تعاقب القصص القرآني عن الأمم السالفة ليكون من الروافد الفكرية
لمكونات الشخصية الإسلامية.
ولقد ثبت عن الإمام أحمد ﵀ حبه لقصص موسى في القرآن الكريم،والتي توزعت فصولها هذه في كثير من آيات القرآن تحكي جهاد هذا الرسول
الكريم - صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء - وكيف اصطدم بالطغيان السياسي
الذي تمثله دولة فرعون ومواجهة لبذور وجذور الرأسمالية القارونية - التي كان
قارون صنمها البارز ووثنها الشامخ.
وما ذكر في القرآن من قصة قارون مع قومه تتمثل في هذه الآيات من رقم
٧٦ إلى رقم ٨٢ من سورة القصص.
قصة متكاملة العناصر؛ فزمن القصص - فترة رسالة موسى -صلى الله عليه
وسلم-. والأماكن التي شهدت الدعوة مكانها.
ووقائع القصة - وإن انتهت زمناً - فهي مستمرة حياة وإيحاءً، مادام النموذج
الذي عرضت له القصة قائماً في عالم الناس.
وقارون يقوم بدور البطولة بين شخصياتها المتمثلة بقومه عموماً، ثم يتحدد
هذا العموم بفئتين:
الأولى: الدنيويون.
الثانية: أولو العلم.
وموضوع الصراع هو المال - مصدراً وهدفاً ومصرفاً - وتبدأ القصة معرّفة
بقارون هذه الشخصية البائسة التي تعايش ربيع الزمن - وجود النبوة - ولكنها في
شغل عنها بالمال جمعاً وكنزاً، ثم تفتح الآيات أعيننا على الأخطار التي تنتج عن
رأسمالية فرد، فما تكون عليه هذه المخاطر إذا كانت هذه الرأسمالية نظام حياة
وأسلوب حكم؟ ! :
وأولى هذه المخاطر الظلم: [فَبَغَى عَلَيْهِمْ] فالمُتيّم بالمال، والصبّ بجمعه
لا يهتم إلا بما يزيد هذا المال رقماً دون مبالاة بظلم مؤلم أو بغي مؤذٍ.
في ظل هذا الوضع تهان إنسانية الإنسان، ويكون التعامل معه كالتعامل مع
الأشياء.
والخطر الثاني: الفرح: [إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ] ، ويبدو أنه قد لازمه حتى صار خُلقاً له أو كما يقول أهل النحو (صفة مشبِّهة أو صيغة مبالغة) فبلغ به حد الأثرة والبطر، كما يقول القرطبي أو بلغ الحد الذي يُنسي المنعم بالمال كما يقول صاحب " الظلال ".
والخطر الثالث: التوجه الكلي إلى الدنيا وحدها، وهذا ما يستنبط بمفهوم
المخالفة من قوله - تعالى -: [وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ] وكما لا يظن
أن ذلك دعوة إلى مقاطعة الدنيا أتبع (والله أعلم) لقوله: [ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا] وابتغاء وجه الله بالعمل محض الإيمان، فلا يذل المرء للمخلوقين أو يصبح
تحت رحمة أهوائهم إذا اتخذ وجوههم قبلة تحقيقاً لتوحد حب الدنيا في قلبه.
وبعد إشباع شهوة التسلط القاروني بالبغي، وإتراعها بالفرح وما في ذلك من
مكسب إعلامي يجعل من صاحبه حديث الصالونات ومحتكراً للصفحة الاجتماعية
في الجرائد والمجلات - بعد ذلك تمضي بنا الآيات إلى الخطر الرابع وهو الفساد
في الأرض: [وَلا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ] ، وكلمة الفساد ينطوي في أحشائها -
وينضوي تحت راياتها - شرور شتى، وخبائث عدة؛ لأن القارونية لا مكان في
معجمها المادي للأخلاق، بل لا ترى بأساً أن يكون في مقتل الأخلاق دخل مدار
الربح كما في عوائد الربا والفوائد كما في دخول الميسر والخمر والدخان ... إلخ.
والأخطار الأربعة السابقة نتيجة منطقية لرأسمالية قارون التي تدين بالحتمية المادية - وهذه نقطة تلاقٍ مع الشيوعية - التي تجحد قدرة الله في الإعطاء والمنع، والفقر والغنى، وترد ذلك إلى سلطان العقل وثمرة العمل، وتبجح ... قارون: [إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي]- يمثل الأبوة الروحية لكل منزع مادي، فهو كما قال أحد المفسرين: " تَنَفَّجَ بالعلم وتعظم به ".
ومادام قارون يعتقد ألا فضل لله في إيجاد هذا المال فليس له - بالتالي - حكم
في مصاريفه وإنفاقه.
ولكن الآيات ردت على المادية القارونية بأن المادية التاريخية لم تعصم أهلها
- بالرغم مما في يدها من علم ومال -: [أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وأَكْثَرُ جَمْعاً] وما على القوارين إلا التأمل في مصائر الثراء وفعائل المال بأصحابه؛ (إذ لو كان المال يدل على فضل لما أهلكهم) كما يقول القرطبي.
وكأن هذه القارونية قد أخذت على نفسها الميثاق ألا تُبقي عيباً من عيوب
الثراء الذي لم يؤسس على تقوى إلا وكشفته، ها هي الآيات تعرض لنا المنظر
الأخير للإفلاس القيمي عند قارون الذي لم يجد ما يدلل به على حضوره ثرياً إلا
خروجه في زينته (كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد) التي لم يكن الحاضر فيها منه
إلا مظاهرها المادية بعد أن فارقنا إنسانيته أو فارقتنا في سعير المظالم وسعار
الشهوات وسكرة الفرح.
ولقد نقلت الآيات قارون من الجريمة الفردية إلى الجريمة الاجتماعية أو بلغة
الأدب - من الشخص إلى المصطلح ومن الحدث إلى الرمز [١] لتصبح القارونية
عباءة لكل قارون معاصر أو ثري جَحود.
لم يكد قارون يفرغ من عرض ثروته، واستعراض زينته إلا وقد أشعل في
قلوب الدنيويين مشاعر التلهف وشعائر التأسف ألا يكون لهم مثل هذه الثروة: [يَا
لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ] ؛ فجاءت إغاثة اللهفان - شأنها في كل زمان ومكان -
من أهل العلم الذين حذروا من خطورة النظرة السطحية للأمور، والتي تريد
الدنيا للدنيا، ثم لفت أهل العلم الأنظار إلى [ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ] ، فذلكما
الأمران هما المطلوبان والمحبوبان ثواب الله والإيمان به. وفي ذلك تنبيه للدنيويين
على مدار التاريخ - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - أن الثروة قد تدلف
فجأة، ولكن ترويض النفس على الإيمان والعمل الصالح منزلة [وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ
الصَّابِرُونَ] .
وما أن يُنهي أهل العلم كلامهم؛ حتى تغيّب الأرض قارون في ظلماتها -
والعطف بالفاء -[فَخَسَفْنَا] يدل على سرعة الأخذ، والعقوبة بالخسف مناسبة
لسخف المعتقد. وهكذا أصبح هذا الثراء بالرشاء أجدر.
وفاجعة النهاية لا تقل في غناها المعنوي عن مأساة البداية، فهذه الثروة الهائلة
تغور في أعماق البسيطة بثوانٍ كأن لم تكن: [فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ ومَا
كَانُوا مُنظَرِينَ] [الدخان: ٢٩] .
وإذا جاء أمر فإنه يترك كل القوى اللائذة بأهل المال رغبة أو رهبة - عاجزة
عن أي دور: [فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ومَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ] وبقدر ما كان الانتقام فاجعاً لقارون كان مفاجئاً للدنيويين فقد انتزعتهم النهاية
من زيف أحلامهم، وسكرة مشاعرهم لتوقفهم على الأخذ الأليم؛ فيصرخون [وَيْ] لتبصر البصائر ما عجزت عنه النواظر، ويدركون ألا علاقة بين الهداية والثراء؛ فالله: [يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ويَقْدِرُ] .
كما يعترفون بفضل الله عليهم لتدارك رحمته - إياهم - بنصح أولي العلم:
[لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا] ، كما يخرجون بتجربة ناجحة عن مستقبل
الثراء الكافر: [وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ] ، والتعبير بالمضارع [يُفْلِحُ] يفيد
ديمومة الحكم ما وُجدت أطراف القضية.
وإذا كان الفوز في الآخرة هو الفوز، فالطريق إليه يبدأ في الدنيا بتجنُّب
التجبُّر: [لا يُرِيدُونَ عُلُواً] ، ومجانبة الفساد بكل مضامينه: [وَلا فَسَاداً] ،
ولئن قُدر للمبطلين أن يهيمنوا بعض الوقت فلن يتأتى لهم ذلك دائماً أو انتهاءً؛ ... لأن: [الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] .
(لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ينتفع بمعرفته؛ فهذا فعل الأرذال،
ولا تكتمه ما يستضر بجهله؛ فهذا فعل أهل الشر) .
ابن حزم
стр. 284
الإبداع والتقليد عند مقلدي الغرب
محمد حامد الأحمري
صلة المسلمين بالعالم المعاصر في شتى أنواعها لم تعد مجهولة الآثار،
ونتائج هذه الصلة والتأثر بها، ما يتجاوز القدرة على التجاهل، فيعترف به
المتجاهلون والغافلون رغماً عنهم فلم يعودوا قادرين على نكران من يصنع ملابسهم
وسياراتهم وبعض غذائهم، ولكنهم في الجانب الآخر ينكرون أن يكون لعالم
الاستعمار أثر في شيء من حياتهم الفكرية والسلوكية وهذا الجانب هو ما نقصد
الحديث عنه هنا.
لقد اكتسبت الحياة الفكرية في الغرب خبرة طويلة في صراعها مع الدين،
ومرت قرون من الزمن الحاد المتوتر بين الدين ورجاله وبين غيرهم هدمت على
أثر ذلك عروش، ودحرجت آلاف الرؤوس، حتى كان للعلمانية النصر وأقامت
النظم التي تريدها.
وقد تركز عداء الدين في التعليم والثقافة الشعبية ثم الحكم فيما بعد ذلك.
إن الصراع كان في بدايته علمياً (العلم المادي التطبيقي) وفلسفياً، ثم كان
فيما بعد سياسياً، وترابطت هذه العوامل (السياسة) و (العلم) و (الفلسفة) في
إنتاج هذا العالم المشهود الذي طارد الدين جهده ولكن الدين لم يغب أبداً عن ... المعركة حتى في أيامنا هذه والتي يروج أنصار " الليبرالية " أو الاتجاه التحرري من الدين انتصارهم وانهزام عالم الغيب والدين والخرافة أو ما يسمونه " اللامعقول ".
وإنه ليجدر بنا لمعرفة مكانة النصرانية الغربية أن نلاحظ الأحزاب
الديموقراطية المسيحية في أوربا، في ألمانيا، في إيطاليا، اليمينيون في فرنسا وما
أشارت إليه الانتخابات الفرنسية الأخيرة، فضائح القساوسة الأخيرة في أمريكا
(بيكر) و (سواجارت) التي كانت معلومة من قبل ولكنها استُخدمت في الوقت المناسب لأسباب عديدة البعض يعد منها إبعاد القساوسة عن الانتخابات والحكم في أمريكا.
وقد جاء نشر أكثر فضائحهم بعد أن رشح أحد القساوسة نفسه للانتخابات. ثم الكل يعلم دور البابا الحالي في بولندا - وهو من أصل بولندي - دوره في
مظاهرات واحتجاجات العمال في بولندا، وفاليسا الزعيم العمالي البولندي المعارض
للحكم الشيوعى إن هو إلا يد الكنيسة في المعسكر الشيوعي الشرقي، البابا ينفق
وقته في رعاية النصرانية ضد الشيوعية في أمريكا الجنوبية، وإفريقية وغيرها،
يقود التيار الكاثوليكي المتحجر في لعبة الدين والسياسة الواسعة في عالمهم.
يتضح مما سبق أن الحرب الضروس ضد الدين في أوربا وأمريكا وغيرها لم تنتهِ بعدُ لصالح العلمانية وهى بالطبع ليست في صالح الكنيسة، لكن كل منهما
مضطر للآخر، مضطر للحوار والاستفادة والاستغلال، والغرب - بلا شك - مقْدم
على عودة للدين لأسباب عديدة ليس هذا موضع تفصيلها لكن من هذه الأسباب
الفطرة الدينية التي فطر الله الناس عليها والتي غشى عليها لفترة من الزمن الوهج
العلمي والتعلق بالإنتاج الصناعي، ثم عاد العلم ليأخذ موقعه الصحيح يوماً بعد يوم
وما سببه من مادية جافة سئم الناس خشونتها وانفصامها.
وكذلك ازداد اهتمامهم بدراسة ظاهرة الإسلام، وكثرة البحوث والدراسات
حول ذلك؛ لاستكشاف أفضل الطرق لاحتوائه، إضافة إلى موجة الشباب
النصراني المتدين والتي تخرج في شكل دعاة متنقلين من مدينة إلى أخرى،
وينزلون مساكن الجامعات، ويقيمون الخيام للدعوة إلى الدين النصراني، ووجدت
مجموعات متدينة يرفضون المدنية الحديثة ويرفضون وجود أجهزة التلفزيون في
بيوتهم، ويمنعون أبناءهم من التعليم العام لما يرون في كل هذا من الانحراف عن
الدين. وهذه مجموعات جديدة في أمريكا عموماً لا علاقة لها بالأيمش الموجودين
في ولاية أوهايو ولا بالمورمون في ولاية يوتا. وهذه قضايا تؤرق الدول الملحدة
أو العلمانية، يؤرقها أن يسيطر الدين ويحكم، ويؤرقها الفراغ والإلحاد والشيوعية
أن تسود، فهي تحرص على وجود توازن مستمر بين هذه القوى المؤثرة في
المجتمع، وهى ليست قصيرة التجربة في هذا المضمار، لقد نضج التعامل العلماني
مع الديني منذ ما يزيد عن قرنين من الزمن، وعرف كيف يسخر الدين للسياسة،
ويركبه فيكون مطية ذلولاً يعرف كيف يتحكم في شموسها ونفورها لتكون طيعة
مسالمة أليفة.
هذه التجربة الخطيرة في التاريخ يمكن أن نصنفها على أنها اختراع عظيم
جداً يصدّر للعالم المتخلف كما تصدّر له الملابس الجميلة والسيارات الفخمة وهذا
اختراع فخم يقدم للعالم خدمات جليلة في نظرهم أَنَّى لأي جهاز آخر أن يؤديها؟ !
لعل العديد من ضحايا الاستكشاف السابق لا يعلمون بأنهم ضحاياه، إنهم
يسلمون بأن القلص (الإبل) قد هجرت وجاءت السيارة بديلاً قوياً وذهب البعير من
الواجهة، وقد ارتاح فعلاً فما عاد يرحل بليل، ولا يتأوه آهة الرجل الحزين. قسم
كبير من هذه الجمال ذهب إلى المتاحف الحيوانية ينعم ويرفه للفرجة والرؤية فقط،
ويمكن أن يتنزه عليه حول الأهرام وغيرها وليكون في عيون الغريب تحفة قد
تستحق النظر والإعجاب. ولكنه لا أهمية له ولا دور في حياة الناس.
إن سحب البساط من تحت الدين وتجريده من السلاح أحد الصادرات المهمة
من هناك إلى بلاد المسلمين، عكفوا على إنتاجها سنين وليالي وأياماً حتى جاءت
جاهزة. والذي نستيقنه أنه لا يمكن لهذه البضاعة أن تعمل عندنا لزمن طويل،
فبلادنا حارة لا تقوى بضاعتهم على مقاومتها سيأكلها الصدأ وتهوي بها الريح في
مكان سحيق.
طلائع الوهن والتبعية في بلدان العالم الإسلامي فرخت وتوسعت دائرتها من
أفراد ينادى بهم ويشنع عليهم، إلى ظاهرة اجتماعية تملأ هذه البقاع ويمكن أن
نستعير كلمة " طبقة " من مردديها لنقول إن طبقة في عالم المسلمين اليوم تستقر في
المدن عاشت في الغرب أو لم تعش، واعتادت الحياة الغربية وقيمها وآدابها فالحق
في بلادهم ما كان حقاً في الغرب، والباطل في الغرب باطل عندهم. أناس
مسلمون غالباً ما يقومون بأداء شعائر الإسلام واحترامه، ليسوا عملاء للغرب ولا
لحكوماته، قد يكرهون سيطرته وإذلاله للمسلمين، لكنهم مقهورون في أعماقهم
مغلوبون في نفوسهم، في أرواحهم وهممهم، راعهم بهرج الغرب ونظمه ورتابة
حياته وإشباع رغباته الواسعة، أعجبوا بحكوماته وديموقراطيته، انتشوا بهذه
الشهوات فعبدوها، فكل غريب عندهم جليل مقدم وكل شيء من عندهم بدائي
وحقير. يتمنون لبلادهم الخير ولكن ليس الذي أراد الله أو رسوله أن يكون خيراً،
إنما الذي علموه أو رأوه خيراً هناك فهو الخير هنا. هذا قطاع من خيرة شباب
الأمة تعلماً ومكانة يغري أوساط الناس وعامتهم إلى تقليده لمكانته الاجتماعية، لشهاداته، لأسلوب حياته الذي سموه تحضراً أو تمدناً، ولكنه في الحقيقة أجنبي
على كل حال.
هذا القطاع المقطوع من قيمه يقود الأمة للهاوية. إنه يؤخرها، ويعطل
مسارها، ويكبح انطلاقها، لما أصبح في حياته الفردية من عقد لا حصر لها.
والمجتمع الواهن يخادع هذا القطاع بضعفه، فيظن هؤلاء أنهم أقوياء وقدوات في
ديارهم، فيزيدون ترفعاً وتعالياً والتعالي عندهم هو الإغراق في التبعية والتقليد
للمجتمع الغالب، وهذه الفئة تقف سداً مانعاً دون نضوج الأمة ووعيها وتقدمها،
فهي ليست عدواً ولا تقف صراحة معه، وهى فيما تقول بل وتعمل أحياناً - تعادي
الغزاة وتحطم وهي تزعم البناء وتبذل كل جهدها لتكون بلادها وحياتها كأولئك وهي
لن تكون، إنها الفئة التي تحدث عنها سارتر في مقدمته لكتاب فرانتز فانون (معذبو
الأرض) [١] وهي الفئة التي تحدث عنها أرنولد توينبي، أما الأول فقال في
معرض حديثه عن أسلوب صناعة الفكر الشرقي في الغرب (سارتر يتحدث عن
مرحلة الفرد، ونحن نتحدث عن ظاهرة الجماعة، وهناك خلاف فيما نكتب عنه
وفيما يتحدث عنه سارتر، غير أن القضية في النهاية واحدة) يقول: (كنا نحضر
رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء والسادة من إفريقية وآسيا، ونطوف بهم
بعض أيام في أمستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريس؛ فتتغير ملابسهم،
ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويرتدون السترات والسراويل ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو والاستقبال والاستدبار، ويتعلمون لغاتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا ندبر لبعضهم أحياناً زيجة أوربية، نلقنهم أسلوب الحياة بأثاث جديد، وطرز جديدة من الزينة، واستهلاك أوربي جديد وغذاء أوربي، كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أَوْرَبَة بلادهم، ثم نرسلهم إلى بلادهم. وأي بلاد؟ بلاد كانت أبوابها مغلقة دائماً في وجوهنا، ولم نكن نجد منفذاً إليها، كنا بالنسبة إليها رجساً ونجساً وجناً. كنا أعداءً يخافون منا وكأنهم همج ... لم يعرفوا بشراً. لكن منذ أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم، كنا نصيح من أمستردام أو برلين أو باريس (الإخاء البشري) ؛ فيرتد رجْع أصواتنا من أقاصي إفريقية أو الشرق الأوسط أو الأدنى أو الأقصى أو شمال إفريقية! كنا نقول:
(ليحل المذهب الإنساني أو دين الإنسانية محل الأديان المختلفة) وكانوا يرددون أصواتنا هذه من أفواههم وحينما نصمت كانوا يصمتون. ثم كنا واثقين من أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، ليس هذا فحسب بل إنهم سلبوا حق الكلام من مواطنيهم.
هذا هو دور المفكر الذي يتشكل بالشكل الأوربي ويلعب في الدول الإسلامية
دور دليل الطريق في البلاد التي لم يكن المستعمر يعرفها أو يعرف لغاتها. وهو
السوس الذي عمل في الشرق من أجل تثبيت هذه المادة الثقافية والاقتصادية
والأخلاقية والفلسفية والفكرية للاستعمار الغربي داخل هذه الأشجار المورقة الأصيلة
(هذا هو السوس الذي كنا قد صنعناه وسميناه (المفكرين) كانوا عالمين بلغاتنا، وكان قصارى همهم ومنتهى أملهم أن يصبحوا مثلنا، في حين أنهم أشباهنا
وليسوا مثلنا، إنما نخروا من الداخل ثقافة أهلهم، وأديانهم القومية التي تصنع
الحضارات ومُثلهم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة، وأصالتهم الأخلاقية والإنسانية،
وتحت أي شعار وباسم من؟ ، باسم مقاومة الخرافات أو مكافحة الرجعية أو
الوقوف ضد السلفية، وباسم أولئك المفكرين الأوربيين الذين قاوموا الرجعية
والكنيسة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، أمثال غاليليو وكانت وديكارت
وجان جاك روسو وفولتير وغيرهم من الكُتاب الموسوعيين الذين ناضلوا في سبيل
الحرية، كانوا مفكرين بالفعل وأناساً بذلوا أرواحهم في سبيل الحرية - يعني
الحرية من طغيان الكنيسة وأصحاب الملك الإلهي - كانوا نوابغنا الفكريين وعلماءنا
العظام) [٢] انتهى كلام سارتر. وكم كان كلامه معبراً عن هذه المرحلة العصيبة
في حياة المسلمين، وواخجلاً لأتباع سارتر في بلاد المسلمين! ؛ عبدوه في حياته،
وكادوا يهلكون لوفاته وسخروا أقلامهم ومجلاتهم وجرائدهم وكتبهم للثناء عليه وعلى
أفكاره التي سخر منهم فيها كما سبق [٣] ، لكنه خلق الهزيمة والوهن والاستخذاء.
أما توينبى فيقول: (لم يكتفِ الأتراك بتغيير دستورهم - وهو شيء سهل
نسبياً في مجال الإصلاح الدستوري - بل قامت الجمهورية التركية الوليدة بخلع
المُدافع عن الدين الإسلامي - الخليفة - وألغت منصب الخلافة، وجردت رجال
الدين المسلمين وحلت منظماتهم، وأزالت الحجاب عن رأس المرأة، واستنكرت
كل ما يرمز إليه الحجاب، وأجبرت الرجال على ارتداء القبعات التي تمنع لابسيها
من أداء شعائر الصلاة الإسلامية بأكملها، وتبنت القانون المدني السويسري بعد أن
ترجمته إلى التركية، وطبقت قانون الجرائم الإيطالي، وذلك بفرض هذين
القانونين بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني، وغيرت الأحرف العربية
بأحرف لاتينية، وهذا أمر لم يتم إلا بطرح القسم الأكبر من التراث الأدبي العثماني
القديم. ويجب على المراقب الغربي أن يراعي حدود اللياقة فلا يغالط ولا يسخر،
لأن ما يحاول المقلدون الأتراك القيام به هو تغيير وطنهم مما هم فيه إلى حالة كنا
نحن - منذ التقاء الغرب بالإسلام - ننتقدهم لعدم وجودها فيهم، وها هم حاولوا ولو
متأخرين إقامة صورة طبق الأصل لدولة غربية وشعب غربي. وعندما ندرك تماماً هدفهم الذي رموا إليه، لا نستطيع إلا التساؤل بحيرة: هل يبرر هذا الهدف حقاً
الجهد الذي بذلوه في صراعهم لبلوغه؟ !
والآن بعد أن تغير التركي بتحريضنا ورقابتنا، وبعد أن أصبح يفتش عن كل
وسيلة لجعل نفسه مماثلاً لنا وللشعوب الغربية من حوله، الآن نحس نحن بالضيق
والحرج ونميل إلى الشعور بالسخط والحنق، وأن التركي مهما فعل مخطئ في
نظرنا! ثم يقول: (إن حركة المقلدين متبِعة وليست مخترعة مبتدعة، لذا ففي
حالة نجاحها - جدلاً - لن تزيد إلا في كمية المصنوعات التي تنتجها الآلة في
المجتمعات الصناعية، بدل أن تطلق شيئاً من الطاقة المبدعة في النفس البشرية،
وهذه الحركة تزيد كذلك في أعداد المقلدين وتضخم المستعبدين) [٤] .
стр. 285
الثبات على دين الله
-١ -
محمد صالح المنجد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:
فإن الثبات على دين الله مطلب أساسي لكل مسلم صادق يريد سلوك الصراط
المستقيم بعزيمة ورشد.
أهمية الموضوع تكمن في أمور منها:
- وضع المجتمعات الحالية التي يعيش فيها المسلمون، وأنواع الفتن
والمغريات التي بنارها يكتوون، وأصناف الشهوات والشبهات التي بسببها أضحى
الدين غريباً، فنال المتمسكون به مثلاً عجيباً (القابض على دينه كالقابض على
الجمر) .
ولا شك عند كل ذي لُب أن حاجة المسلم اليوم للثبات أعظم من حاجة أخيه
أيام السلف والجهد المطلوب لتحقيقه أكبر.
- كثرة حوادث الردة والنكوص على الأعقاب، والانتكاسات بين المسلمين؛
مما يحمل المسلم على الخوف من أمثال تلك المصائر، ويتلمس وسائل الثبات
للوصول إلى بر آمن.
- ارتباط الموضوع بالقلب؛ الذي يقول النبي ﷺ في
شأنه: (لَقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القِدْر إذا استجمعت غلياناً) [١] .
ويضرب ﵊ للقلب مثلاً آخر فيقول: (إنما سمي
القلب من تقلبه، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة يقلبها
الريح ظهراً لبطن) [٢] ، فسبق قول الشاعر:
ما سمي الإنسان إلا لنسيانه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب
فتثبيت هذا المتقلب برياح الشهوات والشبهات أمر خطير يحتاج لوسائل
جبارة تكافئ ضخامة المهمة وصعوبتها.
ومن رحمة الله بنا أن بيّن لنا في كتابه وعلى لسان نبيه وفي
سيرته وسائل كثيرة للثبات، أستعرض معك - أيها القارئ الكريم - بعضاً منها:
أولاً: الإقبال على القرآن:
القرآن العظيم وسيلة التثبيت الأولى وهو حبل الله المتين، والنور المبين،
من تمسك به عصمه الله ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط
مستقيم.
نص الله على أن وظيفة هذا الكتاب والغاية التي من أجلها أنزله منجّماً مفصلاً
هي التثبيت، فقال -تعالى - في معرض الرد على شُبه الكفار: [وقَالَ الَذِينَ
كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (٣٢)
ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً] [الفرقان: ٣٢، ٣٣] .
كيف يكون القرآن مصدراً للتثبيت؟ !
* لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس بالصلة بالله.
* لأن تلك الآيات تنزل برداً وسلاماً على قلب المؤمن الذي تعصف به رياح
الفتنة، فيطمئن قلبه بذكر الله.
* لأنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن
يقوّم الأوضاع من حوله، وكذا الموازين التي تهيئ له الحكم على الأمور فلا
يضطرب حكمه ولا تتناقض أقواله باختلاف الأحداث والأشخاص.
* إنه يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين
كالأمثلة الحية التي عاشها الصدر الأول.
ما هو أثر قول الله : [مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى] [الضحى:٣] على نفس رسول الله ﷺ لما قال المشركون: ودع ... ... محمد [٣] ؟!
ما هو أثر قول الله : [لِّسَانُ الَذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهَذَا
لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ] [النحل: ١٠٣] لما ادعى كفار قريش أن محمداً -صلى ... الله عليه وسلم- إنما يعلمه بشر وأنه يأخذ القرآن عن نجار رومى بمكة؟!
ما هو أثر قول الله : [أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا] [التوبة: ٤٩]
في نفوس المؤمنين لما قال المنافق [ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي] [التوبة: ٤٩] ؟ !
أليس تثبيتاً على تثبيت، وربطاً على القلوب المؤمنة، ورداً على الشبهات
وإسكاتاً لأهل الباطل..؟
بلى وربى.
ومن هنا نستطيع أن ندرك الفرق بين الذين ربطوا حياتهم بالقرآن وأقبلوا
عليه تلاوة وحفظاً وتفسيراً وتدبراً؛ منه ينطلقون، وإليه يفيئون، وبين مَن جعلوا
كلام البشر جل همهم وشغلهم الشاغل.
ثانياً: التزام شرع الله والعمل الصالح:
قال الله - تعالى -: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا
وفِي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] [إبراهيم: ٢٧] .
قال قتادة: أما [في الحياة الدنيا] فيثبتهم بالخير والعمل الصالح [وفي
الآخرة] في القبر. وكذا روي عن غير واحد من السلف [٤] . وقال سبحانه:
[ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً] [النساء: ١٦٦] ، أي
على الحق.
وهذا بيّن، وإلا فهل نتوقع ثباتاً من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة
إذا أطلت الفتنة برأسها وادلهمّ الخطب؟ ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم
الله إليه صراطاً مستقيماً ويثبتهم بما ثبتوا به أنفسهم في الدنيا.
ثالثاً: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل:
والدليل على ذلك قوله - تعالى -: [وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا
نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] [هود: ١٢٠] .
فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله ﷺ للتسلية
والتفكه، وانما لغرض عظيم هو تثبيت فؤاد رسول الله ﷺ
وأفئدة المؤمنين معه.
فلو تأملت - يا أخي! - قول الله - عز رجل -: [قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا
آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ (٦٩)
وأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ] [الانبياء: ٦٨-٧٠] ، قال ابن عباس: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: (حسبي الله ونعم الوكيل) [٥] .
ألا تشعر بمعنى من معاني الثبات أمام الطغيان والعذاب يدخل نفسك وأنت
تتأمل هذه القصة؟ .
لو تدبرت قول الله في قصة موسى: [فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ
قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ] [الشعراء:
٦١، ٦٢] ، ألا تحس بمعنى آخر من معاني الثبات عند ملاحقة الظالمين، والثبات
في لحظات الشدة وسط صرخات اليائسين وأنت تتدبر هذه القصة؟ .
لو استعرضت قصة سحرة فرعون ذلك المثل العجيب للثلة التي تثبت على
الحق بعدما تبين، ألا ترى أن معنى عظيماً من معانى الثبات يستقر في النفس أمام
تهديدات الظالم وهو يقول: [قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَذِي عَلَّمَكُمُ
السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا
أَشَدُّ عَذَاباً وأَبْقَى] [طه: ٧١]- ثبات القلة المؤمنة الذي لا يشوبه أدنى تراجع
وهم يقولون: [قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا
أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا] [طه: ٧٢] .
وهكذا قصة المؤمن في سورة يس ومؤمن آل فرعون وأصحاب الأخدود
وغيرها يكاد الثبات يكون أعظم دروسها قاطبة.
رابعاً: الدعاء:
من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم:
[رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا] [آل عمران: ٨] ، [رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً
وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا] [البقرة: ٢٥٠] .
ولما كانت (قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد
يصرفه حيث يشاء) [٦] كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول:
(يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك) [٧] .
خامساً: ذكر الله:
وهو من أعظم أسباب التثبيت وتأمل هذا الاقتران بين الأمرين في قوله - عز
وجل -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً] [الأنفال:
٤٥] فجعله الله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد. (وتأمل أبدان فارس
والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها) [٨] بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين
الله كثيراً.
وبماذا استعان يوسف ﵇ في الثبات أمام فتنة المرأة ذات
المنصب والجمال لما دعته إلى نفسها، ألم يدخل في حصن [معاذ الله] ؛
فتكسرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه؟
سادساً: الحرص على أن يسلك المسلم طريقاً صحيحاً:
والطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل
السنة والجماعة طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ذو العقيدة الصافية
والمنهج السليم واتباع السنة والدليل، والتميز عن أعداء الله ومفاصلة أهل الباطل.
وإذا أردت أن تعرف قيمة هذا في الثبات فتأمل وسائل نفسك لماذا ضل كثير
من السابقين واللاحقين وتحيروا ولم تثبت أقدامهم على الصراط المستقيم ولا ماتوا
عليه، أو وصلوا إليه بعدما انقضى جل عمرهم وأضاعوا أوقاتاً ثمينة من حياتهم؟
فترى أحدهم يتنقل في منازل البدع والضلال من الفلسفة إلى عالم الكلام
والاعتزال إلى التحريف إلى التصوف والتفويض والإرجاء ...
وهكذا أهل البدع يتحيرون ويضطربون وانظر كيف حرم أهل الكلام الثبات
عند الممات فقال السلف: أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام.
لكن فكر وتدبر هل رجع أحد من أهل السنة والجماعة عن طريق سخطة بعد
إذ وفقهه وسلكه؟ فقد يتركه لأهواء وشهوات أو لشبهة عرضت لعقله الضعيف،
لكن لا يتركه لأنه قد رأى أصح منه أو تبين له بطلانه. ومصداق هذا مساءلة
هرقل لأبي سفيان عن أتباع محمد ﷺ قال هرقل لأبي سفيان:
فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال
هرقل: (وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب) [٩] .
سمعنا كثيراً عن كبار تنقلوا في منازل البدع أو هداهم الله فتركوا الباطل
وانتقلوا إلى مذهب أهل السنة والجماعة ساخطين على مذاهبهم الأولى، ولكن هل
سمعنا العكس؟ !
فإن أردت الثبات فعليك بسبيل المؤمنين.
- يتبع -
стр. 286
التنصير في العالم العربي
خطط مستمرة
إن بعثات التنصير لا تزال تعمل بإصرار من أجل تحقيق أهدافها، وبخاصة
في أنحاء العالم الإسلامي، والعالم العربي بشكل أخص، وهي تعتبر أن مجال
العمل في صفوف المسلمين في العالم العربي من أشق المهام، وهي قلقة - كعادتها
دائماً - من مزاحمة الإسلام لها، فإذا أحرزت بعض النجاح في البلاد التي تعتبر
مهداً للإسلام فإنها تكسب كسباً مادياً ومعنوياً.
أما الكسب المادي فإنها تكون قد أوجدت القاعدة التي تتكئ عليها من أهل
البلاد الأصليين.
وأما الكسب المعنوي فهو ظهورها أمام من يرعون نشاطات التنصير في العالم، وخاصة في العالم الغربي بأنها حققت شيئاً فتكسب تعاطفهم وحماستهم لتأييدها بما يستطيعون ولذلك فإن التنصير يلح على أن يعمق جذوره في العالم العربي، ويعد من أجل ذلك الدورات والمؤتمرات، ويشرف على النشاطات السرية والعلنية
المرتبطة بمنظمات نشطة في أوربا وأمريكا. وقد أرسل إلى هذه المجلة أحد الدعاة
من أمريكا عدداً من نشرة تبشيرية تصدر هناك تسمى ديت لاين (Date Line) ،
تخطط لأتباعها طرق التنصير، وتحضهم على الانضمام إلى دوراتها التدريبية التي
تعقدها لتأهيلهم للقيام بهذه المهمة.
حول النشرة:
النشرة موجهة أصلاً إلى المسيحيين الذين يهتمون بتنصير المسلمين وبأوضاع
العالم العربي، فهي من جهة تحضهم على التطوع للعمل في هذه البلاد، وتبث في
نفوسهم العزيمة من أجل القيام بهذا العمل الشاق، ثم تلقنهم كيفية نشر أصول
الدعوة المسيحية بين المسلمين عن طريق تقريب وجهات النظر فيما يخص مفهوم
التوحيد والتثليث، ثم تركيز بشكل خاص على القسم الشمالي الغربي من إفريقية
ودعوة (للصلاة) من أجل فتح (المغرب) ، بالإضافة إلى إعلانات تتعلق بهذه
الأنشطة.
تحت عنوان (لابد أن يفتح الباب إذا واصلت قرعه) :
ورد في النشرة ما يلي:
(يا من لهم تمرس أكبر في العمل في ديار الإسلام - أنتم ولا شك تعلمون
أنه لا يسمح للمسلم شرعاً أن يرتد عن دينه ويعتنق ديناً آخر، وقد تستنتجون من
ذلك استحالة العمل بينهم، وكذلك لا مجال للبعثات التنصيرية للعمل هناك، إذ ليس
مصترحاً لها بالنشاط، فقد أسدل الستار وبني الحصن بقوة قد تبدو غير قابلة
للاختراق خاصة في نظر الذين يغفلون عما يصنعه الرب في العالم العربى.
هناك إحساس لدى العاملين في البلاد الإسلامية أننا أمام فتح مبين، صحيح
أن بعض الجهات في العالم الإسلامي أصبحت أكثر تعصباً، ولكنها تبقى أقلية
شديدة البروز فقط، والذي يدفعنا إلى مضاعفة جهودنا الآن هو ما نراه من تغير في
المواقف والمزاج لدى الأغلبية.
إن ما يربو على ٦٥% من سكان العالم العربي الآن هم دون الثلاثين، وفي
دائرة هذه السن تقوى نزعة البحث عن الحقيقة والاستقرار، والعثور على منارة
هادية في خضم الاضطرابات التي تعترضهم وهم يواجهون مشكلات العصر، وفي
الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة المتعلمين فإن نسبة البطالة ارتفعت كذلك. صحيح أن
دعوات التزمت الديني قائمة، ولكن الذين يناصرون الغرب، ويحبذون اتباع سبله
كُثر. ومما يزيد في تعقيد هذه المشكلة الأزمات الإسكانية وعدم الاستقرار
الاقتصادي والاضطرابات الاجتماعية في وقت يسعى فيه الجميع إلى تحسين
مستوى معيشتهم.
هناك بعثات تنصيرية فعالة تعمل حالياً بنجاح في هذه البلاد المنيعة ظاهرياً،
ولكن هذه البعثات تتعرض يومياً لتوترات وضغوط لا يمكن تجاوزها إلا بوسائل
روحانية (! !) فنحن شهود عيان لما تصنع يد الرب في أوضاع قد تبدو مستحيلة،
نحن نشهد نتائج لا يمكن تفسيرها إلا بقبول صلواتنا، إن الصلاة هي جانب من
أعظم جوانب الشعائر التي يجب على الكنيسة في الغرب الاهتمام بها، بإمكاننا
الادعاء بالنجاح في فتح الأبواب على مصاريعها، بإمكاننا دخول أمصار جديدة،
بإمكاننا بعون الله، وبفضل كل صلوات المبشرين وتضحياتهم - تسريب فرق همها
الشاغل هو كسر قبضة الإسلام الحديدية، فقد عُرف العالم العربي بأنه أشد المناطق
صعوبة على وجه الأرض لدخول الإنجيل، ولا يزال غير ملتفت إليه بشكل كافٍ
من قبل رجال الكنيسة نتيجة لجهلهم، إن العالم العربي لم يحصل على هذه السمعة
إلا لقلة المتطوعين للتضحية في سبيل إعلاء كلمة الإنجيل.
نحن نعيش في مجتمع يقيس النجاح بالكم، وكلمتنا هذه نظرة للكيف عن
طريق الطاعة، وعلينا أن ننظر إلى العالم العربي من منظار الرب، فلو أننا
استصعبنا هذه المهمة لكنا قد ظننا نقصاً في قوة الرب، فكأننا نزعم أن هذا المجال
يعجز الرب عن العمل فيه. وقد وصلنا مؤخراً في اجتماعات مؤتمر الكنائس
العالمي في فرنسا إلى اتخاذ قرارات حددنا فيها أهدافنا إلى عام ٢٠٠٠م، وبعد
صلواتنا المكثفة (الحارة) شعرنا أن الرب يحثنا على الانفتاح وعدم التواني في فتح
أبواب جديدة على العالم العربي، وسيركز العدد القادم من ديت لاين Date Line
على الطرق الجريئة التي تدخل في باب المستحيل، صارخاً: افتحوا الأبواب!
دعاء من أجل فتح المغرب!
تحت هذا العنوان تقدم هذه الفقرة لمحة تاريخية عن المغرب من وجهة نظر
مسيحية، ولكنها تعترف - مرغمة - بأن الغالبية الساحقة من سكان المغرب
مسلمون - ما عدا أقلية من اليهود، وأخرى من المسيحيين - من أصل أوربي.
ويدعو كاتب هذه الفقرة أتباعه إلى الصلاة من أجل تحقق حرية أكثر للأديان
في المغرب (يقصد حرية البعثات التنصيرية) ، ويشير إلى جهود الإذاعات
التنصيرية الموجهة إلى الشعب المسلم في المغرب، وكذلك إلى جهود التنصير عن
طريق المراسلة، ويذكر أن حوالى (١٥٠) ألف مغربي تُرسل إليهم الدروس
التنصيرية عبر البريد من أوربا ومن مركز التنصير الخاص بالعالم العربي (A.
W. M.) مع اعترافه بالصعوبات التي تلقاها هذه الجهود إلا أنه مستبشر
بالنتائج إذا سبقها الإصرار والمتابعة.
إرشادات للمتطوعين:
الفقرة التالية فيها تحذير أن تقع نشرات خطط التنصير بأيدي المسلمين لأن
في ذلك خطراً وتعطيلاً لبرامج نشر المسيحية بين المسلمين: مديرنا العام كثيراً ما
ذكرنا بأننا لسنا في نزهة ترفيهية، وإنما نحن في حالة حرب (! !) لهذا فنحن
نؤكد على أهمية الصلاة والدعاء وطلب العون من محبي ومؤيدي الصلاة، ولكي
يكون لصلاتنا معنى، فنحن بحاجة إلى الوقت والجهد وتحمل أعباء العالم الإسلامي، وإلى المعلومات الصحيحة الوافية.
إن كنت تريد الصلاة دورياً والحصول على نشرتنا الشهرية (آخر الأنباء)
فالرجاء إعلامنا بذلك، إن هذه النشرة تحتوي على معلومات سرية حول الصلاة،
ولأننا نعمل في بلاد معادية للمسيحية فهذه النشرة ترتدي طابعاً سرياً لا يجوز أن
يطلع عليه العوام، فلو وقعت هذه المعلومات في أيدٍ غير موثوقة لربما أدى ذلك إلى
عواقب وخيمة؛ لهذا السبب نطلب تزويدنا باسم كنيستك والقس الذي يديرها
لأسباب أمنية فقط! .
طبيعة عمل بعثات التنصير:
تسعى بعثات تنصير العالم العربي أولاً إلى تأسيس كنيسة (يسوع المسيح)
في العالمين البربري والعربي (! !) ولدينا فرق تعمل في صفوف المليوني مسلم
من المغرب العربي في فرنسا، ونبث برامج مراسلة وإذاعية لنشر الإنجيل على
أوسع نطاق ممكن انطلاقاً من مركزنا الإعلامي الموجه إلى العالم العربي.
التحدي:
نهدف - في هذه المرحلة تحديداً - إلى دخول ١٠٠ مدينة جديدة موزعة على
٢٠ دولة حتى في عام ٢٠٠٠م، ونحن ننتظر بشوق وحماسة إمكانية نجاحنا في إيصال هذه البشارة إلى أمكنة لم يسبق أن وصلتها من قبل.
فرصة سانحة:
إن العالم الإسلامي هو أحد الأماكن التي تحظى بالقليل من الرعاية والكثير من
الإهمال من قبل المنصرين حالياً، فخمس سكان العالم اليوم (كذا) مسلمون، وهو
آخر الخطوط الدفاعية الأخيرة التي لابد للإنجيل من اختراقها، فإن كنت ترغب في
مواجهة التحدي وتوسيع الأفق، والتعرف على حاجات العالم الإسلامي الحالية فهلُمّ
للمشاركة في إحدى دوراتنا التدريبية الصيفية، اكتشف حقيقة الإسلام، تعرّف على
ما يؤمن المسلم، وعش معنا تلك اللحظات التي يشترك فيها النصراني مع المسلم
في الرسالة! .
دورات ومهام:
نحن نؤمن بأننا دخلنا في عهد ملىء بالانتصارات داخل العالم، لماذا لا
تشارك في إحدى الدورات التالية، ولا تشهد بنفسك صنع الرب (!) داخل العالم
الإسلامي؟
في مونتريال - تورنتو - فيلادلفيا:
دورات مكثفة حول المسائل الإسلامية والرد المسيحي عليها - تدريب على
الانفتاح المركّز على التنصير عن طريق الصداقة (٤ أسابيع) .
في فرنسا: الخروج إلى مدينة فرنسية نسبة المغاربة فيها كبيرة (٤ أسابيع) .
لندن: دراسات إسلامية والرد المسيحي (أسبوعان) .
في تونس: برنامج توجيهي وخروج، تدريبات في لندن، طِر إلى تونس
وتجول في أرجاء البلاد وزر مدناً كبيرة (٤-٦ أسابيع) .
الشرق الأوسط: برنامج توجيهي ومخيم في عمَّان، جولة في سورية ومصر، برنامج الخروج في لندن (٦-٨ أسابيع) .
المغرب: برنامج توجيهي وخروج في لندن، زيارة برية للمغرب عبر أوربا
(٤-٦ أسابيع) .
هذه دورات مكثفة تحتاج إلى صبر ومتابعة وينبغي أن يتصف راغبو
الالتحاق بها بالوعي وبتزكية موثوقة.
يشتمل البرنامج على خروج واتصال بالمسلمين وباقي نشاطات بعثات
التنصير في العالم العربي، السن المطلوبة: ١٨ فما فوق.
شبهات:
الفقرة التالية فقرة إرشادية لمن يقومون بالتنصير بين المسلمين وما يواجهونه
من صعوبة في الرد على فكرة الشرك والتثليث عند النصارى:
(لا إله إلا الله) يرددها المسلم العادي مراراً كل يوم في صلواته، وإعلاناً
عن عقيدته الإسلامية. والقرآن يعتبر أن أعظم الذنوب وأكبر الكبائر هو الإشراك
بالله. ومع أن القرآن يعترف في مواضع عدة منه بعبادة اليهود والنصارى لإله
واحد؛ فإنه يشير أيضاً إلى أن النصارى يعبدون أكثر من إله، أو أنهم يعبدون
عيسى المسيح من دون الله: [لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ] [المائدة:
٧٣] ، [وإذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن
دُونِ اللَّهِ] [المائدة: ١١٦] ، [لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] [المائدة: ١٧] .
يعتقد كثير من المسلمين أن النصارى مثلّثون يؤمنون بثلاثة آلهة، بدلاً من
حقيقة كوْنهم موحدين (!) يؤمنون بوجوه ثلاثة للإله الواحد. والثالوث هو: الرب،
مريم، عيسى أو: الرب، وعيسى، والروح القدس. وهكذا يعتقد المسلمون أن
النصارى يناقضون في عقيدتهم الركن الأساسي في الإسلام وهو توحيد الله الذي
ليس كمثله شيء، وهكذا يكونون قد سقطوا في وهدة الشرك وعبادة الأصنام.
فعلى المسيحي أن يسارع بطمأنة صديقه المسلم منذ بداية النقاش أن الكتاب
المقدس يشهد بأن الله واحد، وأنه الوحيد الجدير بالعبادة (سفر الخروج ٢٠ /٢-٣)
و (مرقس ١٢/٢٩) .
لابد لنا فعلاً من الاعتراف بأن الله واحد وأنه لا إله إلا هو حتى نكون عباداً
صالحين له، ولكن علينا أن نفهم كنهه وطبيعته وما صنعه من أجلنا تكرماً منه،
وما يطلب منا أن نكون، وأن نعمل على طاعته.
تعليق أخير:
بعد قراءة محتوى هذه النشرة هناك نقاط كثيرة يحسن الوقوف عندها،
ونكتفي ببعضها، موجهين الكلام إلى الذين قد يقعون تحت تأثير هؤلاء المنصرين
فيقفون أمامهم إما حيارى أو متعاطفين:
١ - يتهم هؤلاء المنصرون بعض المسلمين بالتعصب الديني وينسون أنفسهم، ونحن لا ندري بماذا نسمي عملهم هذا الذي يهدف إلى حث المسلمين على ترك
دينهم واتباع الإنجيل، ولئن دل هذا على شيء فإنه يدل على قلة الحياء والتلاعب
بالألفاظ، وهما من أهم صفات المنصرين في كل عصر.
٢- أن دراسة هؤلاء لظروف المسلمين في العالم - وفي العالم العربي بشكل
خاص - تدفعنا إلى أن نكون نحن أولى بذلك ليكون فهمنا للواقع وتحليلنا للظروف
التي يمر بها المسلمون دافعاً للسيطرة على العقبات، وأساساً لمعالجة هذه الأزمات.
٣ - أن أشد ما يثير حنق المنصرين وأتباعهم هو قبضة الإسلام الحديدية؛ لذلك هم يعملون جاهدين لانحلال هذه القبضة عن طريق تشكيك أجيال المسلمين
بدينهم، وزرع المفاهيم الغريبة بينهم.
٤- يصلي هؤلاء من أجل تحقيق حرية الأديان في المغرب، وهم يقصدون
حرية النشاطات التنصيرية في المغرب أكثر مما هي عليه الآن، وهم لو كانوا
منصفين لأقروا بأن المغرب من أكثر الدول تسامحاً مع اليهود والنصارى.
ولأمرٍ ما تركز مراكز التنصير على المغرب العربي، فهو الجزء الأقرب إلى
أوربا وهو جسر العبور إلى باقي العالم العربي وإفريقية، وهو المكان المحتمل منه
الخطر على الحضارة الأوربية أكثر من غيره.
٥ - ليس هناك أصدق ولا أبلغ من وصف حالة المنصرين مع المسلمين بأنها
" حالة حرب " كما ورد في (إرشادات للمتطوعين) وهذا الوصف كلمة حق ينطق
بها العدو من أجل أن يعرف كيده ويحتاط له الاحتياط كله.
أن من فضل الله على المسلمين أن جعل عقيدتهم سهلة واضحة، تتقبلها
الفطرة، وتأبى على! لأساليب الملتوية، والمداورات التشكيكية ولا غرابة في ذلك
فهي عقيدة الرسل جميعاً من لدن آدم إلى الرسول ﷺ . وأن
عقيدة التوحيد هي الأساس الذي يتحطم عليه كل ادعاء، وأي مسلم يقرأ محاولة
هؤلاء المنصرين إثبات أنهم يؤمنون بإله واحد - كإيمان المسلمين - يكتشف أنهم
يتلاعبون بالحقائق، ويسخرون من العقول. وهم إذا أرادوا من المسلم أن يتجاوز
عن وصف القرآن لهم بالكفر في أكثر من موضع فهم أمام أمرين:
أ- أن يشك المسلم بأن هذا القرآن - أو بعضه - كلام الله وهذا كفر صريح
لا يقدم عليه مسلم وهم يطمحون إلى ذلك طبعاً.
ب - أو أن يقولوا له: إن القرآن حين وصف من وصف من النصارى
بالكفر إنما وصف طائفة منهم انقضى أمرها ونحن لسنا منها في شيء، أما نحن
فنرفض التثليث ونؤمن بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد،
وعند ذلك ينتفي عنهم الشرك، وهم لا يثبتون ذلك طبعاً بل يصرون على التثليث
من حيث يوهمون أنهم يقولون بالتوحيد. والمسلم لا يرى فرقاً بين من يؤمن بثلاثة
آلهة وبين من يؤمن بثلاثة وجوه للإله الواحد! ! فكل ذلك كفر.
نعوذ بالله من همزات الشياطين ونفثات المبشرين.
стр. 287
آلام وآمال
شعر: محمد أمين أبو بكر
الأرض ناحت والخطوب جسام ... لكننا بين الأنام نيام
في محنة بسطت سحائب بؤسها ... بكت العراق لهولها والشام
أننام والآفاق ترعد حولنا ... والريح تعصف والضياع طعام
والعقل يصرخ والضمائر تشتكي ... والموت في جل العيون ينام
في حقبة من عمرنا أضحى بها ... يخشى الضياء ويعشق الإظلام
أَوَ ما كفى نوماً يغال حياتنا ... وتموت في ظلماته الأحلام
البعد عن شمس الهداية مأتم ... دفنت مفاخرنا به الأقزام
لِمَ لا تعود إلى الضياء عقولنا ... ويضئ كل دروبنا الإسلام
لم لا يعود إلى الصدارة ركبنا ... يمضي وتخفق فوقه الأعلام
لنقيم أبراج الإباء بهمة ... في ركبها تتهلل الأعوام
فالمجد في ساح البطولة صنعة ... لا الغيد تصنعه ولا الأوهام
والظلم يلتهم الأنام بنابه ... ويضج فيها من لظاه ضرام
هاقد علت بين الديار نوازل ... يهتز منها الترب والآكام
النيل يزأر والفرات مضرَّج ... وضفاف كابل لفها الإجرام
والليل يعوي والزوابع لا تعي ... والقدس في وضح النهار تسام
من قاتل عشق الجريمة بعدما ... سخرت به وبجنده الأقوام
هبوا إلى العلياء إن تراثنا ... في كل أرض سيد وإمام
فإذا استقام على الهداية ركبنا ... يخضر فوق هضابنا الإقدام
وترف أغصان السعادة فوقنا ... وتزول من أصقاعنا الأسقام
стр. 288
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
باكستان ... بعد ضياء الحق
صرح مصدر أمريكى مسؤول أن يولي فورونتسوف نائب وزير الخارجية
السوفياتي حذر السفير الأمريكي في موسكو من أن السوفيات سيلقنون الرئيس
الباكستاني درساً إذا لم يوقف دعمه للمجاهدين الأفغان.
وأضاف المسؤول الأمريكى أننا اعتقدنا أنهم -أي السوفيات- سيقومون
ببعض التفجيرات في أهداف في باكستان، وقد ذهبنا إلى السوفيات وحذرناهم من
تفجير أي أهداف باكستانية وأكدنا لهم اهتمامنا العميق بباكستان، وردوا بقولهم:
إنهم لن يفجروا شيئاً ولكنهم سيلقنون ضياء الحق درساً [١] . كان ذلك حوالي ٧/٨/
١٩٨٨.
وفي ١٥/٨/١٩٨٨ أعلن المسؤولون في الكرملين أن دور باكستان لم يعد من
الممكن احتماله أو التسامح به، وأن الاتحاد السوفياتي يحتفظ لنفسه بحق اتخاذ ما
يرى من الإجراءات ضد هذا الدور [٢] .
وفي ١٧/٨/١٩٨٨ - أي بعد تهديد موسكو بيومين - مات الرئيس الباكستاني
ضياء الحق عندما انفجرت في الجو الطائرة التي كانت تقله من مطار باوالبور إلى
مطار روالبندي، وعثرت فرق البحث التابعة للقوات الجوية الباكستانية على جثث
الرئيس الباكستاني ورئيس أركانه، والسفير الأمريكى وآخرين من كبار الضباط
والمستشارين متناثرة فوق سهل رملي قريب من حدود باكستان مع الهند - أي في
إقليم البنجاب - ونقل ما تبقى من هذه الجثث بعد أن بذلوا جهوداً مضنية للوصول
إلى جثة الرئيس وتمييزها عن غيرها من الجثث، هكذا قالوا، ولربما وضعوا يد
هذا مع صدر أو رأس ذاك!
هكذا ينتهي مصير الإنسان في لحظات بينما هو يخطط لعشرات السنين،
وربما كان الرئيس مشغولاً قبل الموت بثوانٍ بالانتخابات والمعارضة وما يفعل بهذا
وما يدبر لذاك.
قال - تعالى -: [إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي
الأَرْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [لقمان: ٣٤] .
هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله - جل وعلا - بعلمها، ضياء الحق ما كان
يدري أنه سيموت في إقليم البنجاب، الأرض التي ولد ونشأ وترعرع فيها، ورحل
منها مع والديه وأهله عام ١٩٤٧ أي بعد إنشاء باكستان.
ما كان يدري السفير الأمريكي الداهية المتمرس بشؤون العالم الإسلامي أن
طموحه سيقوده إلى هذه النهاية التعيسة، فلربما كان يخطط ليكون رئيساً للولايات
المتحدة الأمريكية ومؤهلاته تسمح له بمثل هذه الطموحات.
لقد ذهل الناس في باكستان لأن الرحلة كانت سرية ولم يعلن عنها، ومبلغ
علمهم أن رئيسهم في إسلام آباد، وها هو يموت في إقليم البنجاب، رئيسهم الذي
لمع نجمه، وعظم شأنه، وأثبت جدارة في الحكم ودهاءً وحنكة في السياسة.
كم نتمنى أن تنقل إلينا بصدق أحاسيس الطغاة [٣] البغاة ومشاعرهم عندما
سمعوا هذا النبأ، لكأننا بهم يخشون من جدران منازلهم ومكاتبهم، وترتعد فرائصهم
من حرسهم وخدمهم، وتتضاعف دقات قلوبهم عندما يركبون حافلة أو طائرة، ألا
ما أتعس حياة الذين يعيشون في قلق واضطراب! ، وما أذل الذين يستبدون
وينكلون بالأبرياء الأحرار ليتلذذوا بالحكم وينعموا بالجاه والمال، ويتناسوا يوماً
يرجعون فيه إلى الله [ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ] [آل عمران:
١٦١] .
أما المؤمنون القانتون المتصدقون فقد أعدوا للموت عدته، وتزودوا بالتقوى
والعمل الصالح، ويعلمون حق العلم أنهم قد يموتون في كل يوم، وفي كل سفر،
ويتشوقون إلى تلك الحياة الأبدية السرمدية التي ليس فيها ظلم ولا قهر ولا طغيان،
ويرجون أن ينعم الله عليهم بجنان الخلد وملك لا يفنى.
ننتقل خطوة أخرى في هذا الموضوع الحساس، وقبل تحليلنا لأبعاد ضياء
الحق، وتحديد هوية القاتلين نريد تسجيل هذه الملحوظات المهمة:
أولاً: مسكين من يقرأ الصحف العربية وحدها ومنها يريد معرفة أوضاع
المسلمين في باكستان بعد مقتل ضياء الحق.
- سيجد فيها صحفيين ينعتون الرئيس الباكستاني الراحل بأقبح النعوت؛ لأنه
حاكم عسكري مستبد، مع أنهم يسبحون بحمد حكام عسكريين يحصون أنفاس
مواطنيهم، ولا يتورعون عن قتل كل من يقول لهم (لا) ، وضياء الحق سمح
بوجود معارضة، وكانت تشتمه وتتآمر ضده، كما سمح لهم بإصدار نشرات
وصحف ومراكز، وأكثر أحزاب المعارضة كانت تتحالف وتتكتل ضده، وما أباد
منطقة ولا مدينة ولا قرية، وإنما كان يواجههم بحنكته السياسية، فما بال هؤلاء
يرون القذى في عيون الناس ولا يرون الجذوع والأغصان في عيونهم؟ !
- سيجد فيها - أي في هذه الصحف - تجاهلاً مؤسفاً لأوضاع المسلمين في
باكستان بعد مقتل ضياء الحق، مع أن باكستان - وكما ذكرنا في مقالات سابقة -
من أكثر دول العالم اهتماماً وحماسة للقضايا العربية، بل ولا تستطيع أية حكومة
من الحكومات المتعاقبة فيها أن تتخذ موقفاً معادياً لمصالح العرب في فلسطين
المحتلة أو في غيرها، وهذه الصحف نفسها استنفرت أشد الاستنفار عند مقتل ... (أنديرا غاندي) رئيسة وزراء الهند السابقة، ووصفتها بأحسن الصفات وأرفعها، مع
أن العلاقات بين الهند وإسرائيل لم تعد سراً من الأسرار، لا نجد سبباً لمعظم
هذه الصحف إلا كرهها للشعوب الإسلامية، وحبها للشعوب العلمانية، ففي صحيفة
عربية يومية دولية تقرأ في عدد من أعدادها الحلقة رقم ٢٠ عن تطورات معركة
الرئاسة اللبنانية، وموضوعات أخرى عن لبنان وطوائف لبنان، وقُطاع طرقها في
حين نشرت هذه الصحيفة خبراً لا يتجاوز بضعة أسطر عن مقتل الرئيس
الباكستاني، وأعقبته في اليوم الثاني بتحليل قصير نقلت فيه سموم وكالات الأنباء
وانتهى الأمر عند هذا الحد، وكأنها تتحدث عن الأرجنتين أو عن السويد [٤] ، أفلا
تكون باكستان عندهم مثل لبنان التي لا نقلل من أهمية المؤامرات التي تدبر ضده؟
ثانياً: من المصادر التي اعتمدنا عليها الصحف الغربية وذلك لسببين:
السبب الأول: لأن ساسة الغرب في واشنطن ولندن وغيرهما على صلة وثيقة برئيس باكستان الراحل ومن سبقه ومن يأتي بعده. يعرفون أسرارهم ومخططاتهم بل ولهم دور مهم في رسم المخططات، والبلدان الغربية ديمقراطية، وبدهي أن تسرب هذه الأسرار - أو ما يسمى بأسرار - إلى كبريات الصحف الغربية لأنها تعمل مع أجهزة مخابرات هذه الدول. والحقيقة أن كبار السياسيين الغربيين يتعمدون نشرهذه الأخبار لإحراج من يسمونهم أصدقاء في دول العالم الثالث وللضغط عليهم.
نعم، إن زعماء الدول الغربية بل رجال المخابرات فيها يعلمون خفايا
ومخططات زعماء إسلام آباد وغير إسلام آباد، في حين لا يعلم كبار العلماء
والدعاة شيئاً ذا بال عن أمور هؤلاء الزعماء، وإذا سئلوا كانت الردود متناقضة،
يكذب آخرها أولها، ومن هؤلاء العلماء من تغلب عليه السطحية، ويصدق كل ما
يقال له.
والسبب الثانى: أن أهم ما تنشره الصحف العربية تقوم بترجمته عن
الصحف الغربية، وهذه - والله - هي البلية بعينها أن يحدثنا الغربيون من
النصارى واليهود عن خفايا أمورنا وأسرارنا، وبعد كل حدث يحدث في بلادنا تتجه
أنظارنا إلى صحفهم وأجهزة إعلامهم لنجد فيها الوثائق والأسرار. وإذا كان الأمر
كذلك فنرجو أن نوفق في غربلة ما ينشرون فنرد أكاذيبهم وما أكثرها، وننقل عنهم
ما يثبت عندنا بعد التمحيص والتثبت.
ثالثاً: تتحكم العواطف في عقول كثير من الإسلاميين في مثل هذه الظروف،
ولا يقبلون شيئاً يصدم عواطفهم وينكأ جراحهم، ولو كان حقاً ومدعوماً بالشواهد
والأدلة. ونحن لا ننكر أن لنا عواطف كما أن لهم عواطف، ونشعر بعظم المصيبة
التي وقعت في بلد نحبه ونحب أهله، ونعرف حجم الضرر الذي لحق بإخواننا
المجاهدين الأبطال من رجال الأفغان، ونعلم أن ضياء الحق أعطاهم عهداً بعد
التوقيع على معاهدة جنيف بأنه لن يتخلى عنهم.. نعرف هذا وغيره لكننا سنقول
في هذا التحليل ما نعتقد أنه حق، ولو كان يصدم عواطف كثير من الناس، والذي
نرجوه من الذين يخالفوننا أن ينظروا في الأدلة التي اعتمدنا عليها، وإن أصروا
بعد هذا على موقفهم فعليهم أن يتذكروا أن هذه المسألة من المسائل التي يجوز فيها
الاجتهاد واختلاف وجهات النظر.
وبعد ذكر هذه الملحوظات ننتقل إلى خطوة أخرى ينتظرها القارئ بفارغ
الصبر، وطبيعة الموضوع تفرض علينا تقسيمه إلى الفقرات التالية:
أولاً - نبذة عن حياة ضياء الحق.
ثانياً - المتهمون بقتل ضياء الحق.
ثالثاً - الدور الأمريكي في باكستان.
رابعاً - باكستان بعد ضياء الحق.
أولاً - نبذة عن حياة ضياء الحق:
ولد ضياء الحق في ١٢/٨/ ١٩٢٤ في مدينة (جولاندار) في مقاطعة
البنجاب، وتلقى تعليمه في كلية (سانت ستيفنز) في دلهي والتحق بعدئذ بالجيش
البريطاني في الهند، وأصبح ضابطاً فيه سنة ١٩٤٥ - سلاح الفرسان - وفي عام
١٩٤٨ رحل مع أسرته إلى كراتشي في دولة باكستان الجديدة وأصبح ضابطاً في
جيشها، وكان يعرف عنه أنه ضابط هادئ منضبط، وليس له طموحات سياسية،
وكان يحب العسكرية كما كان محبوباً بين زملائه ومرؤوسيه.
وفي باكستان واصل علومه العسكرية، وتخرج من كلية الأركان عام ١٩٥٥
ثم عاد ليعمل مدرساً في الكلية المذكورة.
وفي ١٩٦٥ عام شارك في الحرب التي نشبت بين باكستان والهند، وفي عام
١٩٦٩ سافر للأردن وعمل مستشاراً عسكرياً، ومن الجدير بالذكر أن علاقات
الأردن مع باكستان متميزة، وشهد في الأردن معارك أيلول، وفي عام ١٩٧١
شارك في الحرب الهندية الباكستانية التي انتهت بانفصال الجزء الشرقي من
باكستان عن الجزء الغربي، وسميت هذه الدولة (بنغلاديش) .
وفي عام ١٩٧٧م اتخذ الرئيس الباكستاني السابق قراراً بترقية ضياء الحق
إلى رتبة جنرال، وعينه قائداً للجيش، وتجاوز - بوتو - جنرالات آخرين كانوا
هم أقدم من ضياء الحق، وذلك بسبب ثقة بوتو به واطمئنانه إليه.
وفي عام ١٩٧٧م راح بوتو ينكل بخصومه وقاوم تطبيق أحكام الشريعة
الإسلامية، وعمل على نشر الأفكار العلمانية، وثقافة الغرب وأخلاقياته ومفاسده،
فعارضته الجماعات الإسلامية، وأدت هذه المعارضة إلى وقوع قلاقل ... واضطرابات، انتهت باستيلاء الجيش على زمام الأمور في البلاد، وكان ضياء الحق قائد الانقلاب العسكري الذي أطاح بنظام بوتو وقدمه إلى محاكمة، وحكمت عليه المحكمة بالإعدام، وتم إعدامه فعلاً؛ لأنه دبر جريمة قتل أحد معارضيه.
وشكل ضياء الحق حكومة شاركت فيها الجماعات الإسلامية مهمتها تطبيق
أحكام الشريعة الإسلامية غير أنه تراجع فيما بعد أمام معارضة أمريكا والدول
الغربية، وشركائه العسكريين.
وفي عام ١٩٧٩م وقف ضياء الحق إلى جانب المجاهدين الأفغان في حربهم
ضد الغزاة البلاشفة السوفيات، ومهما كان هدفه من تأييد المسلمين الأفغان -
والنيات لا يعلمها إلا علاَّم الغيوب - فقد اكتسب شهرة عالمية، وتعززت علاقاته
مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتدفق المال والسلاح على باكستان بعد فتور في
العلاقات بسبب المفاعل النووي وغيره.
وفي عام ١٩٨١ لعب دوراً مهماً في اللجنة التي شكلها مؤتمر القمة الإسلامي
لتسوية النزاع بين العراق وإيران، وفشلت اللجنة في مهمتها أمام تعنت إيران
وإصرارها على استمرار الحرب، واعتبرت العراق ضياء الحق طرفاً في النزاع
وليس وسيطاً، واتهمته بالانحياز إلى جانب إيران.
توفي في ١٧/٨/١٩٨٨ بعد سقوط طائرته وترك وراءه أرملة وولدين وثلاث
بنات.
ثانياً - المتهمون بقتل ضياء الحق:
من حق القراء علينا أن نطلعهم على أهم ما نشرته الصحف ووكالات الأنباء
عن مقتل الرئيس الباكستاني، وبعد هذا العرض سنقول رأينا ونبين موقفنا والقرائن
التي اعتمدنا عليها.
وخلاصة ما نُشر - فيما اطلعنا عليه - ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- السوفيات والهنود.
٢ - أتباع إيران.
٣ - الجيش الباكستاني.
أولاً: السوفيات والهنود:
قالت صحيفة (أوبزرفر) - في عددها الصادر بتاريخ ٢٨/٨/١٩٨٨ -:
أصبحت السلطات الباكستانية الآن مقتنعة بمسؤولية جهاز المخابرات الهندية عن
تحطم طائرة ضياء الحق. وفشل فريق الخبراء الأمريكي الذي تولى مهام فحص
حطام الطائرة في الوصول إلى معرفة سبب الحادث. غير أن راجيف غاندي
رئيس وزراء الهند أعلن - في أعقاب مقتل الرئيس ضياء الحق - أن حكومته غير
مسؤولة عن الحادث، كما أعلن الحداد لمدة ثلاثة أيام في جميع أنحاء الهند، إلا أن
مسؤولين باكستانيين على مستوى رفيع لاحظوا باهتمام وصول ٣٠٠ من رجال
جناح الأبحاث والتحليل الهندي - أي جهاز المخابرات المسؤول عن القضايا
الخارجية - إلى كابول قبل حادث الطائرة. وتعتقد باكستان بأن هناك تحالفاً بين
المخابرات الهندية وجهاز المخابرات الأفغاني (خاد) ، وجهاز المخابرات السوفياتي
(كيه. جي. بي.) ، ويقال إن جنرالاً سوفياتياً مسؤولاً عن التنسيق بين هذه
الأجهزة الثلاثة.
ومن المؤكد أن معظم جهود وعمليات جهاز المخابرات الهندي موجهة مباشرة
ضد باكستان، ويعترف المسؤولون في إسلام آباد باختراق جهاز المخابرات الهندي
لقواتها المسلحة على مستويات منخفضة، ويستفيد جهاز المخابرات السوفياتي
ونظيره الأفغاني من هذا الاختراق في عملياتهم المشتركة ضد باكستان.
وجدير بالذكر أنه في صبيحة اليوم الذي تحطمت فيه طائرة الرئيس ضياء
الحق - أطلق (١٤) صاروخاً على المجمع النفطي الكبير في ميناء كراتشي
المعروف باسم كماري ولكن هذه الصواريخ التي يتهم الباكستانيون الهند بإطلاقها -
لم تصب أهدافها، ولو أصابت أهدافها لاشتعل نصف مدينة كراتشي. وتؤكد
تقارير الصحف الباكستانية أن طائرتين عموديتين تابعتين للجيش الأفغاني هبطتا
عن طريق الخطأ في قضاء خرّم الواقع في شمال غرب باكستان كانتا تقلان ضباطاً
سوفيات وهنوداً، ويعتبر وجود الضابط الهندي تأكيداً آخر على التعاون بين دلهي
وكابل وموسكو.
وفي إقليم السند الجنوبي من باكستان - الذي يشهد حالة من الاضطرابات -
تشير أصابع الاتهام إلى عملاء جهاز المخابرات الهندي بتمويل المجموعة المحلية
المنشقة. ويقال إن المساعدات الهندية لهذه المجموعات الانشقاقية هي رد على
الدعم الباكستاني المزعوم للمتطرفين السيخ الذين يطالبون بالاستقلال في إقليم
البنجاب في الهند، ورغم أن دلهى هي كما هو متوقع الطرف الذي تلقي عليه إسلام
آباد مسؤولية معظم المشاكل التي تواجهها إلا أنه مما لا شك فيه أن الهند ونظام
كابول - المدعوم من جانب السوفيات - يعملان معاً ضد المجاهدين الأفغان.
فثمة مصلحة مشتركة تجمع الهند وأفغانستان في الحيلولة دون وصول
المجاهدين الأفغان الذين كانوا يحظون بدعم ومساندة الرئيس ضياء الحق إلى
السلطة في أفغانستان بعد إكمال الانسحاب السوفياتي. وكانت نية الرئيس ضياء
الحق المعلنة أن يحتفل بالانتصار الأخير للمجاهدين، وذلك بأداء الصلاة في
المسجد المركزي في العاصمة كابول. وكانت الهند قلقة من أن انتصار المجاهدين
سوف يرجح ميزان القوى ضد مصلحتها في المنطقة.
- ونقلنا في طليعة هذا التحليل ما نشرته (صنداي تايمز) - في عددها
الصادر بتاريخ ٢٨/٨/١٩٨٨ - عن تهديدات المسؤولين السوفيات في موسكو
العلنية لضياء الحق ونظامه، وأضافت الصحيفة:
(وكانت موسكو قد تعرضت لنكسة كبيرة في ١٣/٨/١٩٨٨ عندما دمر
صاروخان أطلقهما المجاهدون أكداساً هائلة من العتاد خارج مدينة كابول، وقالت
مصادر رسمية أمريكية أن ٥٠٠ من الروس سقطوا قتلى فيما جرح أكثر من ١٠٠٠
آخرين، كما دمرت كميات من الأسلحة التابعة للحكومة كانت كافية لمدة سنة.
وصدرت عدة تصريحات لمسؤولين حكوميين - منهم رئيس الوزراء وغيره
- تشير إلى أن أجهزة الأمن الباكستانية كانت لديها معلومات تفيد أن أعداء ضياء
الحق من. السوفيات وعملائهم في كابول وحلفائهم في دلهي يخططون لقتل ضياء
الحق وأن الأخير أجاب عندما أخبروه: (الموت والحياة بيد الله) .
ثانياً - دور أتباع إيران:
هناك من يقول: إن أتباع إيران وراء تنفيذ هذه الجريمة، ويذكرون شواهد
على ذلك نوجزها فيما يلي:
١- صباح ٥/٨/١٩٨٨ تم قتل المدعو عارف حسين الحسيني رئيس حركة
تطبيق الفقه الجعفري في باكستان، ونفذ القاتل عمله بواسطة مسدس كاتم للصوت،
وألقى المسدس فوق الجثة وفر بعيداً ولم يعثر له على أي أثر، واتهم أنصاره
الحكومة بالقتل في بيان نشرته صحيفة نواي وقت بالأردو بتاريخ ٧/٨/١٩٨٨
وتعهدوا بالثأر له، رغم اهتمام ضياء الحق الشديد بمقتل زعيم الشيعة، وكان أحد
الذين صلوا على الجنازة. كان ذلك قبل مقتل ضياء الحق بعشرة أيام.
٢ - ضياء الحق كان متهماً من قِبَل العراق بانحيازه لإيران، وثبت أنه قدم
لهم مساعدات كثيرة، وغض الطرف عن نشاطهم في باكستان، ومع ذلك
فمؤامرات إيران ضده لم تنقطع، وكانوا يقاومون مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية
بمختلف وسائلهم وطرقهم المعروفة، ولا يتورعون عن التعاون مع أعداء الإسلام
داخل باكستان وخارجها، ولهذا فمن يراقب تحركاتهم خلال السنتين الماضيتين يعلم
أن صِلاتهم مع الهند من جهة ومع الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى كانت قوية جداً، وكانوا يتعاونون مع هاتين الدولتين ضد المسلمين السنة في باكستان. وأفغانستان.
٣ - قالت صحيفة (صنداي تايمز) - في عددها الصادر بتاريخ ٢١/٨/
١٩٨٨:
( ... والشيعة في طليعة الذين يتشوقون لسماع نبأ موت ضياء الحق،
ويكنُّون له كل كراهية لعلاقاته مع أمريكا [٥] ، ولتطبيقه أحكام الشريعة الإسلامية
السنية، ويعتقدون أن ضياء الحق كان وراء اغتيال عارف الحسيني - زعيم
طائفتهم - في منطقة قرب بيشاور، وأقسم أتباعه على الأخذ بالثأر، كما أنهم
احتفلوا حين سماعهم نبأ مقتل ضياء الحق) .
وقالت صحيفه " جارديان " - في عددها الصادر بتاريخ ١٩/٨/١٩٨٨ -:
(وأقام الشيعة احتفالات احتفاءً بمقتل ضياء الحق في مختلف المناطق التي
يكثرون فيها، ومنها براشنار على الحدود الباكستانية الأفغانية وقد اعتقلت الشرطة
الباكستانية مائة منهم لإطلاقهم الأعيرة النارية في الهواء تعبيراً عن فرحتهم، وفي
مدينة مجاورة خرجت جموع السنة في موكب ثأري) .
وذكرت " فايننشيال تايمز " - في عددها الصادر بتاريخ ١٩/٨/١٩٨٨ -:
أن المتشددين الشيعة هم المتهمون بمقتل ضياء الحق.
٤ - ذكرنا في المقال السابق - (باكستان وتحكيم الشريعة الإسلامية) - أن
لأتباع إيران ثقلاً في الجيش - رغم أن نسبتهم من عدد السكان لا تتجاوز ٥% وهم
يزعمون أنها أضعاف هذه النسبة - وأشارت " جارديان " - الصادرة بتاريخ ٢٤/٨
/١٩٨٨م إلى نفوذ الشيعة في سلاح الجو فقالت:
(يجري التحقيق مع أفراد من الأقلية الشيعية يعملون في سلاح الجو
الباكستاني، متهمين بحادث إسقاط الطائرة، ويقول دبلوماسى رفيع المستوى: إن
فريق الخبراء الأمريكي الباكستاني المشترك قد أخبر أن عضواً في طاقم القيادة في
الطائرة الرئاسية كان شيعياً متحمساً وناقماً بسبب اغتيال زعيم الطائفة الشيعية الذي
تم في ٧/٨/١٩٨٨ ويبحث الفريق الآن في احتمال قيام ذلك الضابط - عضو طاقم
القيادة - بوضع قنبلة على متن الطائرة، أو قيام أحد غيره بإحداث أمر ما أدى إلى
خروج الطائرة عن نطاق السيطرة، وحسبما يقوله مصدر دبلوماسى آخر فإن فريق
التحقيق مازال يحقق في النظرية القائلة: إن عمال الشيعة على أرض مطار
باوالبور قاموا بتهريب مواد متفجرة إلى الطائرة، ويصر السياسيون الباكستانيون
أن سقوط الطائرة جاء نتيجة لعمل تخريبي، وأنهم لا يستطيعون الإفصاح عن
هوية الفاعل) .
وإذن فقائد الطائرة - أو عضو في طاقم قيادة الطائرة الرئاسية من الشيعة
المتحمسين لإيران - ووزير دفاع آخر حكومة باكستانية أمر بتشكيلها ضياء الحق -
محمود هارون - من شيعة إيران، فماذا بقي من أسرار أجهزة أمن ضياء الحق؟ ... ومن قبل مر ذكر كثافة وجودهم في سلاح الجو هذا الذي عرفنا - على الرغم من
اطّلاعنا المتواضع - وما لم نعرفه أكثر، والأمر لله من قبل ومن بعد.
ثالثاً - الجيش الباكستاني:
قالت صحيفة (جارديان) - في عددها الصادر بتاريخ ١٩/٨/١٩٨٨ م - ما يلي:
(عندما كان المحققون يفحصون حطام الطائرة سي: ١٣٥ التي تحطمت يوم ٧ /٨/١٩٨٨ والتي كانت تقل ضياء الحق، كانت أصابع الاتهام تتجه إلى الجيش
الباكستاني، وفي خضم عدد من النظريات التي تحاول تفسير لغز الحادث برده إلى
قوى خارجية غير مسماة، وإلى سياسيين متعصبين، يرى المحللون أن البحث عن
القتلة يجب أن يبدأ بين أوساط الجيش ما لم تتم الإجابة عن الأسئلة الحاسمة التي
تبين الظروف التي قتل بها ضياء الحق. وضياء الحق كان لا يسافر في العادة إلا
في وسط احتياطات أمن صارمة، وكان يعتمد في ذلك بشدة على الجيش، كما أنه
كان يصطحب معه على طائرته - طبعاً ليس حباً في الصحبة - فريق من التقنيين
الذين يقومون بخدمة وصيانة الطائرات التي يسافر بها، ويشرف على هذه
الترتيبات المخابرات العسكرية المعروفة باليقظة والحذر لاسيما بعد محاولة الاغتيال
التي جرت في عام، وهناك أجهزة أمنية أخرى تشارك المخابرات العسكرية دورها. وكان ضياء الحق ينتقل - يوم ١٧/٨/١٩٨٨- من قاعدة شديدة الحراسة قرب
بهاوالبور إلى أخرى في روالبندي، والأهم من ذلك أن رحلته غير معلن عنها
وغاية في السرية، وكان من بين ما شملته مشاهدة عرض سري لدبابة (M١)
الأمريكية، ويقول المحللون طالما أنه من الصعب الاعتقاد أنه بمقدور المخابرات
الأفغانية (خاد) أو غيرها جمع معلومات كافية عن تنقلات ضياء الحق بحيث تمكنهم
من وضع قنبلة أو منصة إطلاق صواريخ في طريق الطائرة، فإنه من المرجح أن
يكون ضباط غير موالين للنظام من المخابرات العسكرية قد حصلوا على معلومات
عن رحلات ضياء الحق وتحركاته. والجيش الباكستاني حافل سجله بمثل هذه
المؤامرات. ونظراً لقسوة ضياء الحق مع خصومه، فقد يكون الضباط الكبار الذين
يمكن الاعتماد عليهم أصبحوا أقل من قليل. وفي المرتبة التي تلي ضياء الحق
ورجاله الكبار نجد ضباطاً منقسمين على أنفسهم، وبعضهم يتعاطف مع (بي نظير
بوتو) ، كما أن كثيراً منهم ذوو ثقافة غربية ولهذا يعارضون توجهات ضياء
الحق الإسلامية، وعلى مختلف اتجاهات الضباط فمعظمهم يعارضون تورط
باكستان في أفغانستان) .
وقالت مصادر رسمية باكستانية: (إن إمكانية الوصول إلى الطائرة كانت
مقصورة على شخصيات عسكرية رفيعة المستوى. ويستبعد الخبراء العسكريون أن
يكون سقوط الطائرة بسبب عطل تقني؛ لأن الطائرة سي ١٣٠ من أكثر طائرات
النقل استقراراً في العالم ويمكن أن تحلق بمحرك واحد وأن تهبط في أي مكان يتسع
لها، وهناك متسع في مكان الحادث، ولو كان الأمر ناتجاً عن عطل تقني لكان
الطيار قد اتصل بالراديو ثم حاول الهبوط ولكنه لم يفعل) .
وكالات الأنباء ١٨/٨
وذكرت وكالات الأنباء م عن مصادر رسمية أن السلطات الباكستانية حققت
مع ٥٠٠ شخص بعد أن ألقت القبض عليهم، وذلك في مدينتي باوالبور ومولتان
الشرقيتين، وفي قاعدة (تشاكالا) الجوية القريبة من إسلام آباد، وفي مدينة لاهور
الوسطى، كما ألقت القبض على مسؤولي الأمن وعدد من عمال الأمتعة في مطار
روالبندي الذي أقلعت منه الطائرة. وذكرت وكالة رويتر - في عددها الصادر
بتاريخ ٢٤/٨ نقلاً عن ضابط متقاعد من الجيش -قال: إن المحققين يستجوبون
٥٥ جندياً من سرية المدفعية الثانية والعشرين كانوا يتولون حراسة الطائرة،
وعاملين في سلاح الجو لم يحدد عددهم بخدمة الطائرة وصيانتها خلال وجودها في
باوالبور وطلب الضابط المتقاعد وهو برتبة ميجور كان يخدم سابقاً في السرية
المذكور عدم الكشف عن اسمه.
ونقلت وكالات الأنباء الصادرة بتاريخ ٢١/٨/١٩٨٨ عن الرئيس الباكستاني
بالوكالة قوله:
(إن العدو اخترق الدفاع للبلاد مضيفاً أن لبلاده أعداءً في الداخل والخارج
يمكنهم تنسيق عملهم) .
ومن يتصفح أسماء الذين قتلوا مع ضياء الحق يتعجب من قوة اطلاع الذين
نفذوها. لقد قتل في هذه المجزرة رئيس أركان الجيش الجنرال أخطر عبد الرحمن الذي كان الساعد الأيمن لضياء الحق، وكان يتولى مسؤولية الاتصال مع المجاهدين
الأفغان، ويدربهم على الأسلحة التي تقدمها لهم الولايات المتحدة الأمريكية، وقتل
معه تسعة من كبار الضباط المعروفين بولائهم لضياء الحق، وكانوا أصحاب القرار
في الجيش، وكأن الذين اخترقوا الجيش الباكستاني هم الذين خططوا لهذه الرحلة
ليتخلصوا من جميع الذين يزعجونهم ويقلقونهم، ولينفردوا بعدهم بشؤون الحكم.
وقالت صحيفة (هانغ) - الناطقة بالأردو - إن بعض الأشخاص في المطار
دسوا مادة قابلة للاحتراق في الطائرة، وإذا ما صح هذا الافتراض فأجهزة ... الأمن تريد معرفة أسباب إخفاق معدات الكشف في المطار في معرفة هذه ... المادة.
والذي نراه: أن جيش ضياء الحق هو الذي قتل ضياء الحق، فلو قبلنا
الرواية التي تقول: إن السوفيات وعملاءهم في كابول هم الذين دبروا هذا الحادث
- لكان من مستلزمات قبولنا لها القول: إنهم - أي السوفيات - استخدموا عملاء
لهم في المخابرات أو في سلاح الجو الباكستاني في تنفيذ هذه المهمة، وقُلْ مثل ذلك
عن الهنود والإيرانيين، وهذا الذي حذرنا منه في مقالنا السابق، وهذه هي سيرة
قادة جيوشنا المعاصرة.
وكنا نعلم أن الجهات المسؤولة في إسلام آباد وواشنطن لن تعلن عن هوية
المسؤولين عن هذه الجريمة؛ فالولايات المتحدة الأمريكية لا تريد مواجهة عسكرية
مع السوفيات أو مع الهند أو حتى مع إيران، ولو خسرت رجلاً من أبرز سفرائها
في الخارج، وهذا القول يفسر لنا الخبر التالي:
- (صرح مسؤولون باكستانيون في الأسبوع الأول - الذي أعقب تحطم
الطائرة أي من ٢٢ إلى ٢٧/٨ - أن الولايات المتحدة حريصة على عدم كشف
حقيقة تورط الروس في الحادث) . ونضيف: (وكذلك فإنها حريصة على عدم
كشف تورط الهند وإيران) .
- وذكرت وكالات الأنباء في ٢٠/٨ أن السلطات الباكستانية منعت
الصحافيين - وحتى بعض المسؤولين الحكوميين - من الوصول إلى المنطقة التي
تحطمت فيها الطائرة. وهذا المنع يدل على أنهم لا يريدون الإعلان عن نتائج
التحقيق منذ البداية.
- ونشرت صحيفة (صنداي تايمز) - في عددها الصادر بتاريخ ١١/٩/
١٩٨٨ - الخبر التالي: بات المحققون الباكستانيون مقتنعين أن طائرة ضياء
الحق تحطمت بسبب انفجار قنبلة فيها، وتقول المصادر الرسمية في إسلام آباد أن
ست فرق تحقيق باكستانية وأمريكية توصلت إلى شبه إجماع على أن انفجار قنبلة
كان السبب في سقوط الطائرة وتحطمها.
ويخشى المسؤولون أن يكون الإفصاح عن تورط تخريبي داخلي سبباً في
تقويض الاستقرار السياسي الهش في باكستان؛ ونتيجة لذلك يتوقع المسؤولون
احتمال بقاء نتائج التحقيق سراً دائماً من أسرار الدولة.
وقال مسؤولون باكستانيون: إن مما توصل إليه فريق التحقيق التابع لشركة
لوكهيد - المصنِّعة للطائرة - هو أن الطائرة لم تسقط بسبب عطل ميكانيكى، أما
المحققون العسكريون فهم مقتنعون بأن الأدلة القوية تشير إلى أن الطيار كان قد فقد
السيطرة بعد وقوع انفجار منخفض القوة بالقرب من غرفة قيادة الطائرة. وبشكل
استثنائي فقد اقتصرت التحقيقات على شخصيات عسكرية، وتقول هذه المصادر إن
نتائج التحقيقات تقدم مباشرة إلى الجنرال ميرزا إسلام بيك المسؤول عن عمليات
التحقيق.
وجملة القول فإنهم يخشون من إعلان نتائج التحقيق، ولو كان المتورطون
حزباً أو جماعة من جماعات المعارضة، وكان أصحاب القرار من العسكريين
والمدنيين المسؤولين من أصحاب ضياء الحق ومحبيه لأعلنوا النتائج وكانت هذه
هي فرصتهم للبطش بالمعارضة أو بركن من أركان المعارضة وتعريتها أمام الشعب.
ولو كان المتورطون هم السوفيات والهنود، وكان أصحاب القرار في باكستان
صادقين في قولهم بأنهم لن يغيروا أو يبدلوا من سياسة باكستان الداخلية أو الخارجية
لوجب عليهم الإعلان عن نتائج التحقيق ليحرجوا هاتين الدولتين، ويكسبوا عطف
وتأييد المناهضين للإجرام وسفك الدماء.
فلم يبقَ أمامنا إلا احتمال واحد: أن يكون أتباع إيران هم المدبرين لهذه
الجريمة، وفي هذه الحالة يصعب أن يعلن المسؤولون نتائج التحقيق؛ لأنهم في
هذه الحالة يخشون حربا طائفية في البلاد، وهم لا يمتلكون الجرأة، ولا يريدون أن
يكون مصيرهم كمصير ضياء الحق، والأدلة التي ذكرناها - فيما مضى - على
ترجيح هذا الاحتمال ليست ضعيفة، أما أن الجيش هو الذي قتل ضياء الحق فهذا
مما نجزم به.
عودة إلى تصريحات رئيس الدولة بالوكالة:
نقلت صحيفة (أوبزرفر) في عددها الصادر ٢٨/٨ - عن مسؤولين
باكستانيين في إسلام آباد - اعترافهم باختراق العدو لقواتهم المسلحة.
ونقلت وكالات الأنباء ٢١/٨ - عن الرئيس بالوكالة - قوله: (إن العدو
اخترق الدفاع الداخلي للبلاد أن لبلاده أعداءً في الداخل والخارج يمكنهم تنسيق
عملهم) .
وهذا التصريح لابد أن يُفهم ضمن الأُطُر التالية:
١- جاء في ظروف بالغة الحساسية، لا يستطيع المرء فيها أن يكبت
عواطفه أو يكبح مشاعره، جاء بعد مقتل ضياء الحق بأربعة أيام.
٢ - طبيعة الرئيس الجديد متحفظ، يحب أن يسمع ولا يحب أن يتكلم -
سنذكر في موضع آخر أهم صفاته - ويعزف عن إصدار التصريحات والبيانات.
٣ - صدر هذا التصريح عن رئيس باكستان بالوكالة وهذا يعني أنه يعكس
أكداساً من التقارير الأمنية، ويعبر عن وجهة نظر لجنة التحقيق الباكستانية، ويعبر
أيضاً عن موقف كبار القادة من العسكريين والمدنيين، وبسبب أهمية هذا التصريح
وخطورته نريد أن يعرف كل مسلم في أي مكان من المعمورة ما يلي:
- أن اختراق الأعداء في الداخل والخارج لم يبدأ في ١٧/٨ يوم سقطت
الطائرة وقتل من كان على متنها، ولا قبل هذا التاريخ بعام أو عامين، ولم يكن
قاصراً هذا الاختراق على حرب عام التي انتهت بانفصال باكستان الشرقية عن
الغربية.
- لقد بدأ هذا الاختراق عندما تولى الإنكليز أمر تأسيس هذا الجيش عام
١٩٤٧، وتولوا تدريب ضباطه وتعليمهم وتثقيفهم، ولم يكن هذا التدريب - في
العواصم الغربية - على السلاح بقدر ما كان على الأفكار والمجون والخلاعة
والفجور.
واستمر هذا الاختراق عندما أُسند إلى الأمريكان أمر الإشراف على هذا
الجيش، فكانوا أقل ذكاءً ودهاءً وشجاعة من الإنكليز، ولم يرضِهم ما كان يرضى
به الإنكليز، وأصبح خبراؤهم ومستشاروهم القادة الفعليين لهذا الجيش.
- وبدأ هذا الاختراق عندما خالف القائمون عليه من الباكستانيين تعاليم دينهم
الحنيف ألا نستعين على مشرك بمشرك، وفتحوا الباب على مصراعيه أمام
الباطنيين والقاديانيين والشيوعيين وغيرهم وغيرهم من الملاحدة الفاسقين، وأصبح
هؤلاء قادة في البر والبحر والجو.
ومن يتصفح تاريخنا الإسلامي يعلم أن هؤلاء لم ولن يكونوا مخلصين
لباكستان وغير باكستان من بلدان العالم الإسلامي، ولن يكفوا عن الكيد والاختراق
والتآمر، ولن يتورعوا عن التعاون مع الشيطان وحزب الشيطان ضد المسلمين
الذين يلتزمون منهج الصحابة - رضوان الله عليهم - وقاعدتهم المعروفة مَن ليس
معنا فهو ضدنا. وسوف يستمر هذا الاختراق والتآمر مادام لهؤلاء وجود في
جيوشنا.
- ومهما كانت الظروف التي دعت الرئيس الجديد بالوكالة إلى الإدلاء بهذا
التصريح فقد كان صريحاً وجريئاً، وغيره لا يعترف بهذه الحقيقة، ولا يسمح لأحد
أن ينطق بها، أو يحذر من عواقبها على الرغم من وجود هذه الاختراقات وتكرار
الهزائم بسببها، ففي أعقاب هزيمة ١٩٦٧ لم يقل قائد من قادة دول المواجهة مع
إسرائيل: لقد استطاع العدو اختراق جيشنا، مع أن عجائز هذا البلد تتحدث عن
هذه الاختراقات، ونشرت وثائق عجيبة في العالم عن هذه الاختراقات، وبعض
هذه الوثائق نشرها الرفاق الذين كانوا يشاركون في صنع القرار أيام الهزيمة.
نشروها بعد أن انقلب الود إلى ضده. ووثائق أخرى نشرها كوهين وباروخ نادل
وغيرهما من جواسيس " إسرائيل " الذين زرعتهم في بلادنا.
أما الذين كانوا أسرع من الغزلان في الهزيمة، ولم يطلقوا رصاصة واحدة
ضد العدو، فلقد امتلأت صدورهم وظهورهم وسواعدهم أوسمة وحازوا - فيما بعد
- أعلى المناصب.
ليسأل كل مسلم نفسه:
هل يقبل الاتحاد السوفياتي مسلمين ملتزمين بالإسلام كضباط، بل كجنود في
جيشه ومخابراته؟ !
وهل يقبل اليهود في فلسطين المحتلة مسلماً في جيشه. هذه فلسطين المحتلة
فاسألوا أهلها؟ ! . وقل مثل ذلك عن الهندوس وغيرهم وغيرهم. بل أخبرونا بالله
عليكم عن مسلم سني - ولو كان فاسداً منافقاً - تولى قيادة لواء من ألوية جيش
الخميني أو تولى وزارة من الوزارات في حكوماته المتعاقبة؟ !
فإلى متى يقبل المسلمون أن يكون النصارى والباطنيون والشيوعيون
والملاحدة ضباطاً وقادة في جيوشنا؟ !
وإلى متى نعيش غرباء في أوطاننا؟ !
تنويه
تتمة هذا الموضوع - " باكستان بعد ضياء الحق " - لن تُنشر في أعداد قادمة من " البيان "، وستنشر - مع غيرها من الموضوعات المهمة التي سبق نشرها في
" البيان " - في كتاب مستقل وسيكون بين أيدي القراء في وقت قريب جداً إن شاء
الله.
стр. 289
من ينقذ السودان؟
بالإضافة إلى ما عاناه السودان من الصعوبات المتواصلة، وما يلاقيه من
مختلف المعوقات التي تعوق نموه وتقدمه - فإن كارثة الفيضانات الأخيرة جاءت
لتضيف عبئاً جديداً على كاهل هذا البلد العربي المسلم.
وهكذا أضيفت إلى ما سبقها من الحكم الديكتاتوري، والجفاف الطويل،
والحرب الأهلية ائتي تغذيها القوى الخارجية التي لا يسرها هدوء العرب، ولا
استقرار المسلمين.
فقد داهمت السيول والأمطار السودان فشردت عشرات الآلاف من السكان
وجعلت نهر النيل يفيض ليغرق المساكن والمدخرات، ويدمر المحاصيل الزراعية
ويشل حركة معظم البلد تقريباً.
إن ما يزيد المأساة هو أن هذا الطوفان أضاف إلى معاناة الأعداد الكبيرة من
السكان الذين يسكنون في ضواحي المدن في بيوت متواضعة، وفي أحوال يصعب
وصفها، وأكثرهم من اللاجئين الهاربين من مسرح الحرب الأهلية الدائرة والتي
يشب نارها الصليبيون والذين يدعمونهم من أعداء السودان الخارجيين.
والدروس المستفادة من هذه الكارثة كثيرة منها:
١- إن مساعدات العالم الغني لم تكن كما هو منتظر، وهذا واضح من
اعترافات المسؤولين السودانيين، ومن مقارنة المعونات التي قدمتها هذه الدول بما
قدمته بعض الدول العربية والإسلامية. مع أن هذه الدول الغنية عليها التزام أدبي
بمساعدة الدول الفقيرة أو التي تتعرض للكوارث التي لا يد لها فيها، وهذا يوضح
انحياز هذه الدول وضعف أخلاقياتها.
٢- لقد انتهزت هذه الدول الغنية (الأوربية والأمريكية) هذه المناسبة لتكيل
(عبر مراسليها الصحفيين وإرسالياتها التنصيرية) التهم جزافاً للحكومة السودانية،
وتصفها بالقصور والتمييز في توزيع مواد الإغاثة وقبل وصول هذه المواد أحياناً،
ولم توجه كلمة لوم واحدة للمتمردين وقطاع الطرق الذين يقودهم (جون قرنق)
ونحن نتساءل: تُرى لو كانت الأدوار متبادلة، وقرنق هو الحاكم الشرعي للسودان
ومن اتهمتهم هم المتمردون أين ستميل عواطفها الإنسانية؟ !
٣- يجب على الدول العربية والإسلامية أن تعتمد على نفسها، وتتكافل من
أجل مساعدة بعضها بعضاً، فليس هناك بلد معصوم من الكوارث، وغير معرض
للجوائح والمصائب الجماعية، لعل في ذلك ما يساعد على جمع الشمل، والتنبه
إلى العمل بروح جماعية بين الدول العربية، وتكون للكوارث والمصائب حكمة
وفائدة كما قال الشاعر:
" إن المصائب يجمعن المصابينا "
٤- أن بلداً كالسودان كان ينبغي أن يحسب حساباً لهذه الفيضانات التي وإن
كانت مدمرة في قوتها وغزارتها - لكنها لها سابقة في تاريخ هذا البلد، وعلى هذا
فإن من أشد الضروريات أخذ الاحتياطات اللازمة، وتقديم المعلومات للسكان
القريبين من المناطق المعرضة لذلك أكثر من غيرها، هذا على الأقل، إذا لم يكن
بالإمكان وضع حل يخفف من الآثار المدمرة لهذه الفيضانات.
стр. 290
الانتخابات الرئاسية في لبنان
كان يوم الخميس الموافق للثامن عشر من شهر " آب " المنصرم هو الموعد
المقرر لإجراء الانتخابات الرئاسية في لبنان لتعيين الرئيس الجديد الذي سيخلف
الرئيس الحالى في الأعوام الستة القادمة.
إن الراصد لمجريات الأحداث عن كثب في بلد كلبنان ليدرك تماماً وبدون
عناء أن قرارات رئيسية كالانتخابات الرئاسية وما شاكلها لا يكون لها أن تمضي
دون مباركة من قِبَل واضعي سياسات ذلك البلد ممن تكمن مصالحهم الخاصة في
إبقائه في هذه الدوامة من النكبات والفواجع في انتظار اللحظة المناسبة للإجهاز
عليه تماماً واقتسام أشلائه، وفي طليعتهم الأنظمة الباطنية و " إسرائيل " وأمريكا
وآخرون.
وبغض النظر عمن وضع أو سيوضع على كرسي الرئاسة هذه المرة، فإنه
من المعروف جيداً أن النفوذ الذي يتمتع به شاغل هذا المنصب في لبنان بات لا
يمكّنه من البت في اتخاذ أبسط القرارات السياسية مهما كانت تافهة بل إن سلطاته لا
تكاد تتعدى أسوار قصره، وعلى الرغم من ذلك فإن القوى الخارجية ذات المصالح
الخاصة في لبنان - ما فتئت تسعى جادة لضمان فوز مرشحها الذي ينفذ رغباتها
ليكون فيما بعد ريشتها التي ترسم بها - وبشيء من الشرعية - سياساتها الإجرامية
المستقبلية ضد شعب هذا البلد المنكوب؛ لذا فإنه من غير الحكمة الوقوف طويلاً
عند هذه الانتخابات التي لا تنطوي على أية منفعة مرجوة بالنسبة للمسلمين، ولا
التلهف لمعرفة إفرازاتها، لاسيما أن جميع مرشحي الرئاسة - وكما هو معروف -
من الموارنة المتعصبين لطائفتهم، ولا يبقى لأهل السنة إلا فتات الموائد.
إن ما يجب أن يحرص أبناء السنة في لبنان - على مختلف فئاتهم - على
تحقيقه وإعطاء الأولوية له وفي ظروف حرجة كالتي يمرون بها - هو مبدأ التعاون
والتناصح ونبذ الخلافات الجانبية والوقوف سداً منيعاً في وجه المتآمرين ضدهم،
كما أن عليهم أن يشمروا عن ساعد الجد لإبراز شخصيتهم المستقلة ودورهم المتميز
الواضح تجاه مجريات الأحداث وأن يسعوا ليكونوا هم الوجه الحقيقي للمسلمين
هناك، وأن يفوتوا الفرصة على المتاجرين باسم هذا الدين، كما يجب أن يكون لهم
منبرهم المستقل وأن لا تكون أصواتهم منطلقة من خلال منابر غيرهم من الطوائف
والنِّحَل التي تزخر بها أرض لبنان ممن يُظهرون لهم المودة ويبيتون لهم الحقد
والكراهية الدائمين.
стр. 291
آخر الكوارث في بنغلاديش
رغم اعتياد أهل بنغلاديش الكوارث فإن كارثة هذا العام فريدة من نوعها، فقد تواصل هطول الأمطار، وعمت الفيضانات أغلب أنحاء البلاد، وكان هناك دمار
شامل لكثير من البيوت والمحاصيل الزراعية، حيث إن ٤٧ من ٦٤ محافظة
غطتها المياه ولحقتها أضرار بالغة، أكثر من ٣٣ ألف ميل مربع من البلاد،
وأصبح أكثر من ٢٥ مليون نسمة مشردين بدون مأوى، والأخطر من ذلك كله أن
عمليات الإنقاذ والإغاثة أصبحت غير ممكنة وقد غمرت السيول مطار دكا المركزي
؛ فتعذر نزول الطائرات التي تحمل مواد الإغاثة من أنحاء العالم، وقد تعطلت
حركة النقل والمرور البرية وكذلك خطوط السكك الحديدية توقفت نتيجة للسيول
التي جرفت أكثر من ٢٥٠ جسراً، وأصبحت وسيلة النقل هي السفن والزوارق
عبر السيول التي غمرت الشوارع والساحات والطرق. واضطر الناس إلى شرب
المياه الموحلة والمختلطة بمياه المجاري التي سببت الأمراض السارية. ورغم أنه
ليس هناك إعلان رسمي عن عدد قتلى الفيضانات فقد قُدروا بأكثر من ألفي قتيل،
وهذا غير الأعداد الهائلة من المصابين بحالات الإسهال والتلوث.
وقد انتهت المشكلة الرئيسية إلى نقص في الدواء، والماء الصالح للشرب،
والطعام المطبوخ. وكل ذلك يعتمد على إمكانية هبوط الطائرات في مطار دكا،
تعتبر بنغلاديش من أفقر وأكثر الدول ازدحاماً بالسكان (١١٠) مليون ومعدل الدخل
السنوي (١٢٠) دولار للفرد.
وهناك أضرار بالغة لحقت المحاصيل الزراعية: قصب السكر، والقنب،
والخضار، وقد أتت السيول على كثير من مدخرات الدولة من الحبوب، وعلى
مدخرات السكان من البذور.
والفيضانات تسبب مشكلة دائمة لبنغلاديش لاجتماع عدة أنهار غزيرة على
رقعة أرضها الضيقة، وهذه الأنهار هي: الغانج، براهما بوترا، جاموتا، وماغنا، وما يتفرع عنها من فروع لا تحصى، تفيض كلها على السهل الساحلي وتصب
في بحيرة البنغال.
وقد أصبحت هذه المشكلة صعبة وملحة منذ انحسار بنغلاديش داخل حدودها
الحالية بعد تقسيم شبه القارة الهندية ثم بعد انفصال بنغلاديش عن باكستان، وكل
ذلك طبعاً ببركات الاستعمار البريطاني الذي ظل جاثماً على الهند قروناً طويلة ثم
تركها نهباً للفقر والفرقة.
стр. 292
أخبار حول العالم
انتشار الإسلام
لا يكاد يمضي شهر واحد دون أن تحتل أخبار الإسلام الصفحات الأولى في
الصحف؛ فالإسلام أسرع دين في الانتشار في العالم، ويشكل المسلمون الغالبية
العظمى في إحدى وأربعين دولة، وفي خمسين دولة أخرى يمثل المسلمون أقليات
ضخمة، ويعزى ذلك إلى ارتفاع نسبة المواليد بين المسلمين، ولا يزال الإسلام
يكتسب أرضية واسعة..
ففي مصر - وفي بداية السبعينات - لم يكد يكون هناك طالبة واحدة ترتدي
الحجاب الإسلامي في أروقة الجامعة، أما اليوم فإن الطالبات اللاتي لا يرتدين
الحجاب بِتن يقاطعن من قبل الأخريات المحجبات، وفي ماليزيا ترتدي الفتيات ما
يغطي شعورهن ابتداءً من سن السادسة حتى إذا ما بلغن سن الرشد لبِسن الحجاب
الكامل، وفي تركيا قد بات أداء الصلوات في الأماكن العامة والطرقات ظاهرة ملفتة
للنظر لا سيما في المدن الصغيرة الواقعة في شرق الأناضول التي يتزايد فيها نشاط
الجماعات الدينية، وكانت تركيا قد أعلنت دولة علمانية في العشرينات من قِبَل
زعيمها أتاتورك ذي الاتجاهات الغربية، وفي دولة فقيرة (مالي) يحرص الفتيان
والفتيات على تعلم تلاوة القرآن على الرغم من صعوبة قراءة الأحرف العربية،
وفي السنغال تقوم الدراسات الدينية الإسلامية بنشر آيات القرآن الكريم على ألواح
من الخشب لغرض دراستها، وفي الاتحاد السوفياتي - حيث يبلغ عدد المسلمين من
٥٥ إلى ٦٠ مليوناً وهم الأغلبية في خمس جمهوريات من أصل (١٥) - تخشى
السلطات الحكومية من انتشار الأصولية بين صفوف المسلمين هناك.
" تلغراف " الأسبوعية ٧/٩/١٩٨٨م
*******
ارتفع عدد المسلمين في الولايات المتحدة من حوالي عشرة آلاف مسلم سنة
١٩٠٠ إلى ٣ ملايين مسلم في الوقت الحالي، وينتمي غالبية هؤلاء إلى مهاجرين
قادمين من دول إسلامية، ولكن نرى أن ثلث هذا المجموع أمريكيون ممن اعتنقوا
الإسلام وخاصة من السود.
وفي هولندا قبل وزير الثقافة مؤخراً - نتيجة لضغوط المسلمين مدة عشر
سنوات - باستيراد ١٣ ساعة من البرامج التلفزيونية، وتخصيص ٥٢ ساعة
إذاعية في السنة للدعوة إلى الإسلام باللغة الهولندية.
عن مجلة " إسلامك وورلد ريفيو "
*******
الأطفال يدفعون الثمن
تمخض مؤتمر دولي عقد في مدينة ريمي (إيطاليا) في الأسبوع الثاني من
شهر أيلول عن صورة مروعة عن الاستغلال والإساءة اللذين يلقاهما الأطفال في
دول مختلفة في العالم.
فقد أكد مندوب لبنان الخاص لدى المؤتمر أنه في خلال مدة ثلاثة أشهر من
هذه السنة - نيسان، أيار، حزيران - تم العثور على جثث (١٧) طفلاً في دهاليز
وسلالم أبنية مدينة بيروت.
وتوضح الإحصائيات (التي لم تخضع للتمحيص) القادمة من لبنان كيف
أصبح الأطفال الضحية الأولى للحرب الأهلية، فمنذ عام ١٩٧٥ م وحتى اليوم بلغ
عدد الضحايا من الأطفال اللبنانيين (٧٠٠) ألف مصاب، (١٧) آلاف مفقود،
(١٠٠) ألف يتيم (١٤) ألف مخطوف (عثر على جثث (١٠) آلاف منهم) بالإضافة
إلى (١٠٠) ألف آخرين من المقاتلين المسلحين المنتشرين في الشوارع.
وتكلم متحدث آخر في المؤتمر عن اعتقال الأحداث الذين بلغ عددهم (١١)
ألف في جنوب إفريقية وحدها على سبيل المثال، وعن المتسولين من الأطفال -
(٥٠) ألفاً في أثيوبيا - وكذلك الأطفال المهجورين من قِبَل آبائهم (في الشوارع
(٤٠) مليوناً في أمريكا اللاتينية.
وقدر أحد المسؤولين القياديين في المنطقة عدد الأطفال المجهولين النسب في
إيطاليا بمليون طفل وهو ما يشكل نسبة ٧% من مجموع الأحداث البالغ عددهم
(١٣,٥) مليون.
تايمز ١٣/٩/١٩٨٨
стр. 293
بأقلام القراء
حاجتنا إلى إعلام إسلامي هادف
من غير المعقول أن يتجاهل المسلمون وسائل الإعلام المختلفة الموجودة في
العصر الحديث، وهنا كان على الدعاة المسلمين أن يفكروا في خير الطرق لجعل
وسائل الإعلام الحديثة عوامل إصلاح، لا وسائل فساد، ولا سبيل إلى ذلك إلا
بإيجاد إعلام إسلامي هادف يمنع شباب المسلمين من التأثر بما تحمله وسائل الإعلام
الفاسدة من ألوان الإلحاد والانحلال.
إن الإعلام الإسلامي هو إعلام عقيدة ذو مهمات متشعبة، ومسؤوليات كبرى، وأعباء كثيرة وثقيلة تتوزع على دوائر وتمتد إلى آفاق بعيدة مترامية الأطراف ...
إنه إعلام غير محدود ولا تنتهي رسالته في معركة يخوضها، أو عند فكرة يذود
عنها، أو رأي يضمن له الذيوع والانتشار.
ومجابهة التطورات التي تطرأ على ساحة الصراع العقائدي، وفي ظل التقدم
الحضاري الذين ترافقه أو تنبثق عنه تحولات فكرية وانحرافات حادة تعاني منها
البشرية وتفرض على الإعلام الإسلامي أن يبصّر بها مجتمع المسلمين ويحميه من
شرورها وأخطارها باستمرار وهذا كله يتطلب من الإعلام الإسلامي أن يكون في
مستوى ما هو مدعو للقيام به في وجه تحديات وقوى وخصومات قديمة ومتجددة.
إن المسلم مطالَب بالإعلام والدعوة لدين الله مادام فيه نفس يتردد، ولقد تجلت
جهود المسلمين الأوائل في الإعلام بدين الله وتحمل المكائد والصعاب في سبيل ذلك
وعدم التواني عن المجاهدة والمكابدة على الرغم من مؤامرات الأعداء ومناصبتهم
العداء للإسلام والمسلمين وحسبنا أن نشير إلى سير الصحابة - رضوان الله عليهم
- وما عانوه وما تكبدوه من مشاق في سبيل التبليغ بكل مراتب التبليغ والتبشير
حتى تقدم موكب الإسلام الزاحف عبر الأراضي الشاسعة والبلدان الواسعة بما يشهد
لهؤلاء الدعاة الأبطال.
إنهم كانوا إعلاميين ناجحين بل ودعاة مجاهدين لنشر الإسلام في ربوع العالم
كله، وأما اليوم فإن أولياء أمور المسلمين في مختلف الأقطار الإسلامية والعالمية
مطالبون بأن يضعوا حداً للعبث ومظاهر الفساد في وسائل الاعلام بصورتها الحالية
بأن يراقبوها ويمنعوها من إغراق المسلمين وأبنائهم بالتيارات الضالة المضللة
وإشاعة الفساد والانحلال بينهم وخاصة الشباب.
عوض عبد الله بارحمة
стр. 294
الفكر المطلوب
ناصر بن عبد العزيز آل عبد الكريم
من يظن أن على كل مسلم إدراك المفاهيم الإسلامية والنظرات الواقعية
الإسلامية والنظرات الواقعية للمجتمع الإسلامي وأن يكون لديه تصور شامل لما
يجب أن يكون عليه حال الأمة وأن يدرك المؤامرات التي تحاك ضدها والغزو
الفكري الموجه نحوها.
يخطئ من يظن ذلك لأن المفاهيم ليست متناً أو مقرراً دراسياً يكفي حفظه أو
تكفي مذاكرته فحسب.
إن الفكر الإسلامي - وأي فكر - يختلف مدى إدراك أتباعه كما يختلف هذا
الإدراك من فرد لآخر وذلك حسب مرونة عقل هذا الفرد، وحسب قدرته على
معرفة أسباب الداء واكتشاف الدواء له.
ومن ميزات هذا الدين استيعابه لجميع الطبقات الاجتماعية مهما كان مستواهم
الفكري أو المادي أو قدراتهم ومواهبهم.
ندرك مما ذكر أن المطلوب من كل مسلم أن يدرك ما هو معلوم من الدين
بالضرورة وأن يدرك المفاهيم الأساسية لهذا الدين وأن يكون على حذر من المفاهيم
الخاطئة أو الآراء المغلوطة، وما سوى ذلك فحسب قدرته وموهبته وتخصص، أما
كيف يتسنى له هذا فذلك مبحث آخر.
نسأل الله التوفيق والسداد وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 295
خطوة في المسار الصحيح
هناك قصور ملحوظ في مجال العلم الشرعي يتفق عليه جل العاملين في حقل
الدعوة الإسلامية، وهو راجع إلى أسباب كثيرة لا مجال للخوض في تفاصيلها،
وأهمها عدم الاهتمام المتعمد، والإهمال المقصود لهذا الجانب من قبل الذين
يمسكون بجانب التخطيط التربوي للأجيال الإسلامية.
وهذا القصور لا يستدرك - ولا يزال - عن طريق المحاضرات التي تعقد
هنا وهناك، وتخضع لاعتبارات أغلبها لا يقوم على أساس تزويد المسلم
بالمعلومات المحددة والواضحة والأساسية التي يبنون عليها فهمهم للواقع الذي
يعيشون فيه. وإدراكاً من " المنتدى الإسلامي " لذلك، وحرصاً منه على تقديم
النافع من العلم الشرعي في حدود الطاقة، ودون إنفاق الجهود في الشكوى والتذمر
واقتراح الحلول الكثيرة التي يبقى أكثرها حبراً على ورق! فقد عقد دورة مكثفة
(ولمدة أسبوعين من ٥/٨/١٩٨٨ إلى ١٩/٨) للعلوم الشرعية، ودعا إليها الراغبين
من الإخوة الذين يديرون بعض الأنشطة الإسلامية في أوربا، وقدم المادة المدروسة
بعض الأساتذة المختصين في علوم العقيدة، وأصول الفقه، وأصول الحديث،
والتفسير، واللغة العربية.
وقد أعطيت فكرة مكثفة عن بعض العلوم الإسلامية ومصطلحاتها، وهي وإن
لم تكن كافية إلا أنها تساعد على تأصيل الأفكار، وإزالة الغموض عن بعض ما
يشكل عند مطالعة كتب العلم الشرعي، وقد أكد على الجانب العملى التطبيقي من
هذه العلوم دون الخوض في دقائقها والتي لا تهم إلا المختصين والمتفرغين.
بالإضافة إلى دروس تقويمية ألقت أضواءً على مسيرة الفكر الإسلامي الحديث،
والإضافات التي أضافها إلى الثقافة الإسلامية بشكل عام، والتحديات التي لازالت
تعترض مسيرة هذا الفكر ليأخذ دوره الصحيح في بناء شخصية المسلم الفكرية
المتماسكة، وقد تركت الدورة صدًى طيباً ومشجعاً في نفوس المشاركين يدعو إلى
مواصلة السير إعداداً وتحسيناً.
стр. 296
ربيع الآخر - ١٤٠٩هـ
ديسمبر - ١٩٨٨م
(السنة: ٣)
стр. 297
الافتتاحية
تزوير التاريخ
بعض من يطلقون على أنفسهم صفة دارسي التاريخ روجوا - ويروجون -
مقولات لا يسأمون من ترديدها وتكرارها، وهذه المقولات لا تساق في معرض
وضع وتحديد الأسس الصحيحة لدراسة التاريخ، بل تقحم في ثنايا حديثهم الموجه
دائماً للهجوم على كل ما له صلة بالإسلام، فيتخذونها تكأة للتنفير من الرموز
الإسلامية: حضارة وشخصيات، ودعوة لنبذ كل ما له علاقة بهذا التاريخ تحت
دعاوى أصبحت مملولة وممجوجة مثل: التطور، التقدم، النهضة، التحرر..
وهؤلاء الذين اتخذوا التاريخ مجالاً لنفث سمومهم غالبًا ما يخرجون بنتيجة،
هي: أننا حتى نبرأ من تلك العيوب - التي توصلوا إليها بدراستهم القاصرة،
ونياتهم الفاسدة -، لا بد لنا من اتخاذ العلمانية مبدءًا للحياة، فنفرق بين ما هو دين
وما هو دنيا، ونعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، ونقيم حياتنا على العلم البعيد
عن العواطف، ونبنيها على التخطيط الذي يعطي نتائج محايدة، ونتيح تكافؤ
الفرص للجميع، فيُعطى كل ما يستحقه، ونخرج من دوامة الاختلاف والتفرق،
وهكذا لا يكون التاريخ حِكراً على شخص أو أشخاص، وإنما يقوم على جهد
جماعي يؤدي كل فرد فيه واجبه، ويعرف له حقه.
هذا هو مجمل الفكرة التي تدور في فكر الذين أرادوا للأجيال الإسلامية - في
ظل الاستعمار الغربي - أن ترسخ في نفوسهم، واستدلوا عليها بصنوف من
التزوير والتهويش، فرموا التاريخ الإسلامي بأنه تاريخ أشخاص، وأبرزوا من هذا
التاريخ كل الجوانب السلبية، وكتموا كل الجوانب المضيئة، وحملوا الإسلام
والحضارة الإسلامية وزر كل مخالف عاش في ظلالها، ومرغوا - بكل خِسَّة
ووقاحة وظلم واضح - كل الصفحات المشرقة بالتراب، وسودوا الكتب الكثيرة
بأهواء نفوسهم وخزاياهم، وأسقطوا على كل مكرمة عيوبهم فاستحالت مثلبة،
وسلبوا حق الدفاع من المتهم، فكانوا خصوماً وقضاة في ثوب واحد.
هكذا كان، وهكذا انكشف عن المسلمين عصر، وحل عصر.
ماذا نجد إذا نظرنا خلفنا خلال قرن، وهي الفترة التي نُحِّيَ الإسلام بالقوة
عن أن يقول كلمته في حياة الناس؟
يكفينا في هذا المجال أن ننظر إلى هدفين من أهداف العلمانيين هما:
العلمانية نفسها، ثم الحرية.
أما إذا نظرنا إلى الهدف الأول، وهو العلمانية:
فلا أحد يستطيع القول: إن المسلمين يعيشون في ظل شرعية إسلامية،
(وهذا لحسن حظ من يشمئزون عند ذكر الإسلام) ، حتى الزاوية الضيقة جدًا التي
سمح للإسلام - عن غير طيب خاطر طبعاً - أن يبقى فيها، وهي زاوية الأحوال
الشخصية، تُتَحَيَّف مرة من هنا، ومرة من هناك، وياما أكثر المناسبات التي رأينا
وسمعنا وقرأنا عنها، حيث يقف ساقط أو ساقطة يتنقص أخص ما يخص المسلمين
من أحكام كالطلاق، وتعدد الزوجات، ومسائل الإِرث، والولاية في الزواج وغير
ذلك، ويصب جام غضبه على هذا الدين وأهله، بين تصفيق السفهاء وتشجيع
المشجعين، دون أن يؤذن لمسلم بالرد على هذه التهجمات المسعورة والترهات
الباطلة.
لقد خلت الساحة للعلمانية أن تسود، وبعد أن كانت مطمحاً لدعاة التغريب في
أواخر عهد الدولة العثمانية، أصبحت حقيقة واقعة بعد القضاء عليها، وتولت
فرضها بالحديد والنار الدول الصليبية المستعمرة، ثم النخبُ الحاكمة المستظهرة بها
بعد ذلك.
ولكن آية علمانية تلك التي طبقت على العالم الإسلامي؛ هل هي العلمانية
الغربية بنصها، والتي كانت المثل الأعلى والنموذج المحتذى؟
لا!
ففي حين نادت علمانية الغرب بالفصل بين الكنيسة والدولة، وجعلت كل
جبهة مستقلة كل الاستقلال عن الأخرى؛ فلا الكنيسة تتدخل بشؤون الدولة، ولا
الدولة تتدخل بشؤون الكنيسة ونشاطها الخاص، وليس لها كلمة لا في إرسالياتها،
ولا في برامجها داخل الكنيسة، ولا في أوقافها، وأموالها.
نقول: بينما كانت علمانية الغرب المقتدى به هي هذه، إذا بنا نرى علمانية
أخرى كأنما صنعت لنا خصيصاً،
فلم تكُ تصلح إلا (لنا) ... ولم (نك نصلح) إلا لها! !
علمانية تفترس كل شيء، وتتدخل في كل شيء، وتجتاح كل شيء، حتى
البيوت والمساجد، لا تتدخل في أخص خصائص الإسلام فحسب؛ بل هي التي
تفتي وتشرع وتحدد للمسلم: ماذا يجب أن يقرأ، وماذا يجب أن يسمع، وماذا يجب
أن يأخذ، وماذا يجب أن يدع، علمانية تعطي الحرية لكل الأديان إلا الإسلام،
وتتأدب عند دخول كل معابد الملل والنحل إلا الإسلام.
فهل آل أمر العلمانية إلى أن تصير إلى هذه الصورة؟ ، وهل على المسلم من
سبيل إذا ما طوى جوانحه على مقت هذه العلمانية، ومقت دعاتها، وأسرّ وجهر
بالبراءة منها، وتربص بها حتى يحين موعد رميها في وجوه أصحابها؟ !
إن الباحث في تاريخ تطبيق العلمانية على الشعوب الإسلامية ليهوله أن يرى
أن كل الكوارث التي حلت بهم مرجعها إلى هذه الوصفة الحمقاء، ولا أحد يستطيع
أن يدعي أن ما نعاني منه، وما عانينا خلال الفترة السابقة، قد حصل في ظل
هيمنة إسلامية، أو توجه له أدنى علاقة بالإسلام كنظام مستقل متفرد شامل، بل إن
الانهيار الاقتصادي المتمثل بالديون التي ترهق كاهل الشعوب الإسلامية؛
والأزمات التي تشغل بالها، والانهيار الحضاري المتمثل في فقدان الثقة بالنفس؛
وشيوع الاتكالية، والفساد، والتسلط، والبطالة المقنعة، وضعف الكفايات،
وهجرة الأدمغة.. كل ذلك هو بعض أعراض فصل المجتمعات الإسلامية عن قيمها
التي تستمد منها مبرر وجودها، هذه القيم التي لا يمكن أن نجد لها مصدراً صحيحاً
خارج الإسلام.
الهدف الثاني هو: الحرية.
والحرية شعار ومصطلح قد يثير الالتباس، ويعطي معاني مختلفة باختلاف
الأمكنة والأزمنة التي يرفع فيها، وباختلاف الأشخاص الذين يرفعونه.
فبينما كانت الحرية تعني في عصر الاستعمار إخراجه من البلاد، والاستقلال
عن وصايته وتدخله في شؤون الشعوب المستعمرة! أصبحت بعد الاستقلال شعاراً
يحمل مضامين أخرى:
- فهي عند عبيد الغرب: التحرر من سيطرة الأفكار الإسلامية.
- وهي عند فريق من الفقراء: التحرر من تسلط الأغنياء والرأسماليين.
- وهي عند الأقليات: التحرر من سلطان الأغلبية، وهكذا..
وفي ظل الغموض الذي يحيط بهذا الاصطلاح الفضفاض الذي فتن - ومازال
يفتن - الناس تسربت إلى حياتنا مؤثرات نعاني أشد المعاناة من أجل التخلص منها، وانقلب معنى الحرية في كثير من الأحيان إلى ضده، وتقلص وانحسر في أحيان
أخرى لينعم بخيره فرد أو عائلة أو طبقة صغيرة أو نخبة هي التي تملك حق فهم
معناه وشرحه وتفسيره، ووضع الحواشي والتعليقات على متنه؛ أما غيرها ممن
هو خارج نطاق هذا الأكليروس [١] الزائف فليس له إلا حق السمع والطاعة.
من قال: إن حكم الكنائس في العصور الوسطى قد ولى بعد الثورة الفرنسية
إلى غير رجعة؟ ! لقد انتقل عبر ما يسمى بعملية " تناسخ الأرواح " لتحل روحه
في عصر ما بعد الاستعمار! !
إن من بركات الحرية التي نعيش فيها أن يضرب بحجاب صفيق على كل
الحوادث والشخصيات التي كان لها أثر لا يمكن إنكاره في تحرر الشعوب من
شرور المستعمرين الغاصبين، وإبقائها في الظل، وبتر كل ما يتعلق بها من الكتب
والدوريات، في حين توجه الأنظار والأفكار إلى شخص واحد من أجل غرس
حقيقة: أن الأمة قد خلقت من أظافر قدميه، وخيراتها نبعت من تحت أخمصيه!
إن أمة يقودها فرد يقنع نفسه بذلك، ويصدق تملق المتملقين الذين يخدعونه
بتملقهم الرخيص هذا، فيسلطهم على رقاب العباد والبلاد، لهي أمة مقضي عليها
بالفشل في أي مجال تخوض.
آخر ما حملته الأخبار: أن الحكومة التونسية قد أعادت الاعتبار إلى الشيخ
عبد العزيز الثعالبي بعد أن أسدل عليه ستار كثيف من التجاهل المتعمد والإهمال
المفروض طيلة حكم بورقيبة.
والشيخ عبد العزيز الثعالبي (١٨٧٤-١٩٤٤) زعيم تونسي، وخطيب،
وكاتب، أبرز مناهضي الاستعمار الفرنسي، نفته فرنسا من تونس، فعاش متنقلاً
بين مصر وسورية والعراق والحجاز والهند، مشاركاً في الحركات الوطنية،
مقاوماً الاستعمار الفرنسي، عاملاً على التعاون بين حركات التحرير في بلاد
المغرب العربي.
ناوأه بورقيبة وأنصاره العداء لأنه أراد الحفاظ على هوية تونس العربية
الإسلامية، بينما أراد هؤلاء ربطها بالغرب، وبفرنسا خاصة، وعمل بورقيبة
خلال حكمه على محو آثار الشيخ الثعالبي وتصفية دوره من كتب التاريخ، بل
أصبح يتهكم عليه كثيراً في خطبه.
ما الجريمة التي اقترفها الشيخ الثعالبي فدعت الحاكم السابق أن يصب عليه
جام سفهه وغضبه؟ ليست إلا اعتباره تونس بلداً عربياً إسلامياً، وليس ولاية من
ولايات فرنسا، ولا تربطها بأوربا أية صلة.
ليس الغرض من الحديث عن الشيخ الثعالبي باعتباره فرداً؛ ولكن الهدف
الإشارة إلى ما يمثله من قيم وفكر وتوجه، وكذلك ليس القصد هنا شن هجوم على
حاكم تونس السابق بعد أن جرد من سلطانه، واستراح الناس من هَيْله وهيلمانه -
فهذا متروك للتاريخ الذي احتكره لنفسه قرابة أربعين عاماً -، وإنما القصد:
الوصول إلى ما كان يمثله من أفكار (العلمانية المصنَّعة) ، والحرية (حرية بطانته)
التي ربطت بلداً عربياً إسلامياً ربطاً متعسفاً بالغرب، وحولته إلى منتجع يعيث به
هؤلاء فساداً، بينما عاش التونسي أزمات خانقة، ليس له من الأمر شيء، إلا أن
ينام ويصحو على أخبار دمى يتلاعب بها ذاك الأفاك العابث الأثيم.
كذلك لم نشر إلى هذه الحادثة إلا إشارة؛ لأنها تمثل ظاهرة في تاريخنا
الحديث في كثير من البلاد الإسلامية: يُعلل الناس بأكاذيب، وتتلى على أسماعهم
أباطيل فترة تطول أو تقصر، ثم يأتي الله بأمره، [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا
يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] .
стр. 298
وقفه مع آية
[إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً]
[الإسراء: ٩]
" أضواء البيان " - للشيخ الشنقيطي (٣ / ٣٩٦ - ٣٩٧) .
... ومن هدي القرآن الذي هو أقوم؛ هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك
بالدين، فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإسلام من أن التقدم
لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإسلام باطلٌ لا أساس له، والقرآن الكريم يدعو إلى
التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين، ولكن ذلك التقدم في
حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية، قال تعالى: [وأَعِدُّوا
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] ، وقال: [وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ
وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ] يدل على الاستعداد
لمكافحة العدو في حدود الدين الحنيف، وداود من أنبياء (سورة الأنعام) المذكورين
فيها في قوله تعالى [ومِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ] ، وقد قال تعالى مخاطباً لنبينا -صلى الله
عليه وسلم- وعليهم بعد أن ذكرهم: [أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] .
وقد ثبت في " صحيح البخاري " عن مجاهد أنه سأل ابن عباس- رضي الله
عنهما-: من أين أخذت السجدة في " ص "؟ ، فقال: أو ما تقرأ: [ومِن ذُرِّيَّتِهِ
دَاوُودَ ... أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] ، فسجدها داود، فسجدها رسول
الله ﷺ .
فدل ذلك على أنا مخاطبون بما تضمنته الآية مما أمر به داود. فعلينا أن
نستعد لكفاح العدو مع التمسك بديننا، وانظر قوله تعالى: [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ] ، فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة ولو بلغت القوة من
التطور ما بلغت. فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود
على الحالات الأُول إذا طرأ تطور جديد، ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين.
стр. 299
هجر المبتدع
الشيخ بكر أبو زيد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنه في حال من انفتاح ما كان يخشاه النبي ﷺ على أمته
في قوله ﵊: (أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر
أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم،
فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) [١] .
وانفتاح العالم بعضه على بعض، حتى كثرت في ديار الإسلام الأخلاط،
وداهمت الأعاجم العرب، وكثر فيهم أهل الفرق، يحملون معهم جراثيم المرض
العقدي والسلوكي.
وفي وسط من تداعي الأمم كما قال ﷺ : (يوشك أن
تداعى عليكم الأمم من كل أفق ... ) [٢] ، وأمام هذا: غياب رؤوس أهل العلم
حيناً، وقعودهم عن تبصير الأمة في الاعتقاد أحياناً، وفي حال غفلة سرت إلى
مناهج التعليم بضعف التأهيل العقدي، وتثبيت مسلمات الاعتقاد في أفئدة الشباب،
وقيام عوامل الصد والصدود عن غرس العقيدة السلفية وتعاهدها في عقول الأمة.
فى أسباب تمور بالمسلمين موراً، يجمعها غايتان:
الأولى: كسر حاجز (الولاء والبراء) بين المسلم والكافر، وبين السني
والبدعي، وهو ما يسمى في التركيب المولَّد باسم: (الحاجز النفسي) ، فيكسر
تحت شعارات مضللة: (التسامح) (تأليف القلوب) (نبذ: الشذوذ والت طرف
والتعصب) ، (الإنسانية) [٣] ، ونحوها من الألفاظ ذات البريق، والتي حقيقتها
(مؤامرات تخريبية) تجتمع لغاية القضاء على المسلم المتميز وعلى الإسلام.
الثانية: فُشو (الأمية الدينية) حتى ينفرط العقد وتتمزق الأمة، ويسقط المسلم
بلا ثمن في أيديهم وتحت لواء حزبياتهم، إلى غير ذلك مما يعايشه المسلمون في
قالب: (أزمة فكرية غثائية حادة) أفقدتهم التوازن في حياتهم، وزلزلت السند
الاجتماعي للمسلم (وحدة العقيدة) ، كلٌّ بقدر ما علَّ من هذه الأسباب ونهل، فصار
الدخل، وثار الدخن وضعفت البصيرة، ووجد أهل الأهواء والبدع مجالاً فسيحاً
لنثر بدعهم ونشرها، حتى أصبحت في كف كل لافظ، وذلك من كل أمر تعبدي
محدث لا دليل عليه (خارج عن دائرة وقف العبادات على النص ومورده) .
فامتدت من المبتدعة الأعناق، وظهر الزيغ، وعاثوا في الأرض الفساد،
وتاجرت الأهواء بأقوام بعد أقوام، فكم سمعنا بالآلاف من المسلمين وبالبلد من ديار
الإسلام يعتقدون طرقاً ونحلاً محاها الإسلام.
إلى آخر ما هنالك من الويلات، التي يتقلب المسلمون في حرارتها،
ويتجرعون مرارتها، وإن كان أهل الأهواء في بعض الولايات الإسلامية هم:
مغمورون، مقموعون، وبدعهم مغمورة مقهورة، بل منهم كثير يؤوبون لرشدهم،
فحمداً لله على توفيقه، لكن من ورائهم سرب يحاولون اقتحام العقبة، لكسر الحاجز
النفسي وتكثيف الأمية الدينية في ظواهر لا يخفى ظهور بصماتها في ساحة
المعاصرة وأمام العين الباصرة.
والشأن هنا في تذكير المسلم بالأسباب الشرعية الواقعية من " المد البدعي،
واستشرائه بين المسلمين، والوعاء الشامل لهذه الذكرى ":
القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، والتبصير في الدين،
وتخليص المنطقة الإسلامية من شوائب البدع والخرافات والأهواء والضلالات،
وتثبيت قواعد الاعتقاد السلفي المتميز على ضوء الكتاب والسنة في نفوس الأمة.
ومن أبرز معالم التميز العقدي فيها، وبالغ الحفاوة بالسنة والاعتصام بها،
وحفظ بيضة الإسلام عما يدنسها:
نصب عامل " الولاء والبراء " فيها، ومنه: إنزال العقوبات الشرعية على
المبتدعة، إذا ذكروا فلم يتذكروا، ونهوا فلم ينتهوا، إعمالاً لاستصلاحهم وهدايتهم
وأوبتهم بعد غربتهم في مهاوي البدع والضياع، وتشييداً للحاجز بين السنة والبدعة، وحاجز النفرة بين السني والبدعي، وقمعاً للمبتدعة وبدعهم، وتحجيماً لهم ولها
عن الفساد في الأرض، وتسرب الزيغ في الاعتقاد، ليبقى الظهور للسنن صافية
من الكدر، نقية من علائق الأهواء وشوائب البدع، جارية على منهاج النبوة وقفو
الأثر، وفي ظهور السنة أعظم دعوة إليها ودلالة عليها، وهذا كله عين النصح
للأمة.
فالبصيرة إذاً في العقوبات الشرعية للمبتدع: باب من الفقه الأكبر كبير،
وشأنه عظيم، وهو رأس في واجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصل
من أصول الاعتقاد بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ولهذا تراه بارز المعالم في
كتب الاعتقاد السلفي " اعتقاد أهل السنة والجماعة ".
كل هذا تحت سلطان القاعدة العقدية الكبرى (الولاء والبراء) [٤] التي
مدارها على الحب والبغض في الله تعالى، الذي هو (أصل الدين) وعليه تدور
رحى العبودية.
وهذه العقوبات الشرعية التي كان يتعامل بها السلف مع أهل البدع والأهواء،
متنوعة ومتعددة في مجالات:
الرواية، والشهادة، والصلاة خلفهم وعليهم، وعدم توليتهم مناصب العدالة
كالإمامة والقضاء، والتحذير منهم ومن بدعهم وتعزيرهم بالهجر، إلى آخر ما تراه
مروياً في كتب السنة والاعتقاد، مما حررت مجموعه في " أصول الإسلام لدرء
البدع عن الأحكام ".
وما في هذه الرسالة هو في خصوص (الزجر بالهجر للمبتدع ديانة) [٥]
لأهميته في: التميز، والردع، وعموم المطالبة به، ولأنه أصبح في الغالب من
(السنن المهجورة) ، تحت العوامل المذكورة في صدر هذه المقدمة، لهذا رأيت إفراده بهذه الرسالة إحياءً لهذه السنة، ونشراً لها بضوابطها الشرعية التي تحفظ للمبتدع كرامته مسلماً، وتكشف بدعته بوصفه مبتدعاً، ما لم تكن مكفرة كبدعة: القدر [٦] ، والباب، والبهاء ... وتحفظ على أهل السنة والجماعة كف بدعته ومداخلتها في صفوفهم، وهذا واجب باتفاق المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في بيان وجوب النصح
لصالح الإسلام والمسلمين:
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في
أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل
البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من
جنس الجهاد في سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم
على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر
هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن
هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم
يفسدون القلوب ابتداءً ا. هـ. [٧] .
هذا وما سيمر نظرك عليه في هذه الرسالة، فإنه ينتظم في جملته: أحكام
الهجر الشرعي للكافر والمبتدع الضال ببدعته والعاصي المجاهر بمعصيته، لكن
صار نسج الكلام وجلب الروايات والنقول في " هجر المبتدع "، لأن ضرره أعظم
وخطره أشد، كما مر بك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-،
ويأتي له نظائر إن شاء الله تعالى.
وتجد رؤوس المعتبرات في هذه الرسالة على ما يلي:
١ - مقاصد الإسلام في الهجر.
٢ - أنواعه.
٣ - شروطه.
٤ - صفته.
٥ - منزلة هجر المبتدع من الاعتقاد.
٦ - الأدلة العلمية من الكتاب والسنة والإجماع.
٧ - إعمال الصحابة فمن بعدهم له في مواجهة المبتدع.
٨ - ضوابط الهجر في الشرع.
٩ - عقوبة من والى المبتدعة.
١٠ - التحذير من إشاعة البدعة.
فاللهم (ارزقنا هدياً قاصداً) [٨] و (جنِّبنا منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء) .
المبحث الأول
مقاصد الإسلام في الهجر:
فوائد الهجر للمبتدع التي قصدها الشرع كثيرة، منها ما يعود إلى الهاجرين
القائمين بهذه الوظيفة الشرعية العقدية، ومنها ما يعود إلى المهجور وإلى عامة
المسلمين، وإلى حماية السنن من البدع والأهواء، فالهجر الشرعي ومنه (هجر
المبتدعة) : عقوبة زجرية متعددة الغايات والمقاصد الشرعية المحمودة، وهي على ما يلي:
١ - أن (الزجر بالهجر) عقوبة شرعية للمهجور، فهي من جنس الجهاد في
سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وأداء لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، تقرباً إلى الله تعالى بواجب الحب والبغض فيه .
٢ - بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في هذه البدعة وتحذيرهم.
٣ - تحجيم انتشار البدعة.
٤ - قمع المبتدع وزجره، ليضعف عن نشر بدعته، فإنه إذا حصلت
مقاطعته والنفرة منه بات كالثعلب في جحره.
أما معاشرته ومخالطته، وترك تحسيسه ببدعته: فهذا تزكية له، وتنشيط
وتغرير بالعامة، إذ العامي مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالباً، فلابد إذاً من
الحجر على المبتدع استصلاحاً للديانة وأحوال الجماعة، وهو ألزم من الحجر
الصحي لاستصلاح الأبدان.
وبعد أن نقل الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعض الآثار في النهي عن توقير
المبتدع، قال:
(فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر، لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام.
وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به والعمل بما
ينافيه.
وأيضاً فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام:
أحدهما: التفات العامة والجهال إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنه
أفضل الناس، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على
بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم.
والثانية: أنه إذا وقر من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على
انتشار الابتداع في كل شيء.
وعلى كل حال فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه اهـ[٩] .
٥- إعطاء ضمانة للسنن من شائبة البدع ومداخلتها لصفاء السنن. والله أعلم.
المبحث الثاني
أنواع الهجر: وهى ثلاثة:
الأول: الهجر ديانة، أي: (الهجر لحق الله تعالى) وهو من عمل أهل
التقوى، في: هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعاً أو عاصياً.
وهذا النوع من الهجر للفجار على قسمين:
١ - هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره
صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة.
قال الله تعالى: [والرُّجْزَ فَاهْجُرْ] ، وقال سبحانه: [واهْجُرْهُمْ هَجْراً
جَمِيلاً] . وقال تعالى: [وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ
الظَّالِمِينَ] [١٠] .
وقال تعالى: [وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
ويُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذاً مِّثْلُهُمْ] ، وفي
الحديث أن النبي ﷺ قال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) .
٢ - هجر تعزير: وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم
على الفجار كالمبتدع، على وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر،
حتى يتوب المبتدع ويفيء.
وهذا القسم هو الذي تدور عليه الأبحاث في هذه الرسالة المباركة.
وهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل
الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها.
تنبيه: في هجر الكافر:
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:
(قال الطبري: قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي، وقد
استشكل كون هجران الفاسق أو المبتدع مشروعاً ولا يشرع هجران الكافر، وهو
أشد جرماً منهما لكونهم من أهل التوحيد في الجملة.
وأجاب ابن بطال: بأن لله أحكاماً فيها مصالح للعباد وهو أعلم بشأنها وعليهم
التسليم لأمره فيها، فجنح إلى أنه تعبد لا يعقل معناه.
وأجاب غيره: بأن الهجران على مرتبتين: الهجران بالقلب، والهجران
باللسان، فهجران الكافر بالقلب وبترك التودد والتعاون والتناصر لا سيما إذا كان
حربياً، وإنما لم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، بخلاف
العاصي المسلم فإنه ينزجر بذلك غالباً، ويشترك كل من الكافر والعاصي في
مشروعية مكالمته بالدعاء إلى الطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما
المشروع ترك المكالمة بالموادة ونحوها " اهـ[١١] .
والظاهر ما قاله النووي -رحمه الله تعالى- من أن للمسلم هجر الكافر من
غير تقييد [١٢] ، لما هو معلوم من الأصل الشرعي العام من تحريم موالاة الكفار،
والتحذير من موادتهم وتعظيم ما يؤدي إلى ذلك، ونصب الأسباب الموصلة إلى
ظهور المسلم عليهم كما في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله -
ﷺ قال: " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم
في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " رواه أحمد ومسلم وغيرهما. والنصوص في
تحريم موالاة الكافرين من الكتاب والسنة وآثار السلف كثيرة مشهورة، والله أعلم
[١٣] .
- يتبع -
стр. 300
خواطر في الدعوة
رجل الفطرة
محمد العبدة
يرجع الداعية - في بحثه الدؤوب عن أصحاب الفطر السليمة الذين لا
يحملون بين جوانحهم عوامل الضعف والهزيمة النفسية - إلى سيرة مُعلِّم الخير
محمد ﷺ ، ليستلهم منها معالم تنير له الطريق.
ومن الدروس المستفادة من السيرة النبوية أن الله بعث أكرم
خلقه من بيئة لا هي بالحضرية المدنية المغرقة في الترف وفنون النعيم والملذات،
ولا هي بالبدوية الجافية البعيدة عن التمدن والعمل المشترك، فالأسر القرشية لم
تصل بعد إلى تعقيدات المدنية، ولم تأسرها الشكليات والمظاهر، ولا يزال شباب
قريش يألفون الخشونة والفروسية، رغم عيشهم في بيئة تجارية مبتعدين عن خلق
المذلة والمراوغة التي يألفها من استحكمت فيه عوائد الترف، أو عاش تحت قهر
الاستبداد والبحث عن لقمة العيش في بيئة مادية لا رحمة فيها ولا شفقة.
ولا نعني من هذا أنه لا بد من العيش في قرى أو مدن صغيرة -كمكة عند
البعثة-، فهذه سطحية في التفكير وسذاجة، ولكن المقصود هو: العيش في أجواء
الفطرة السليمة، أجواء التخفف من القيود التي تكبل المسلم عن الانطلاق في دعوته، هذه القيود التي لم يأت بها شرع ولا حكم بها عقل، ولكن دواعي الانحطاط هي
التي تهتف بها.
فالدعوة لا يتم أمرها ولا يقوى عودها إلا برجال تعودوا الخشونة، تتجافى
جنوبهم عن الانغماس في النعيم، كلما سمعوا هيعة طاروا إليها.
والرجل الذي عاش حياته راضياً بالقليل، بل خائفاً من ذهاب هذا القليل،
عاش يسمع وصايا والدته تحذره وتخوفه من أي عمل عدا العمل الذي سيعيش منه،
هذا الرجل قد انغرس في نفسه الضعف، وأصبح بعيداً جداً عن المغامرة وركوب
المصاعب، فهو دائماً يخاف من المجهول، يخاف من المستقبل، يفكر دائماً في
الاحتياطات اللازمة لتدبير (العيش) .
هذا الرجل الذي يحمل أتعاب مدينة مرت عليها قرون وهي تعيش تحت قهر
كل متغلب، وتألف كل قادم، هو لا شك يشعر بضآلة نفسه وقصور همته، ولا
يسمح لتفكيره بأن يخطر له ذكر الأعمال الكبيرة والمشروعات العظيمة، بل إذا
حمل فكرة قوية يمسخها إلى (نصف) فكرةٍ يؤوِّلها حتى تتمشى مع ضعفه وانحطاطه، فهو دائماً في منتصف طريق ونصف نهضة، لا هو بالبادىء، ولا هو بالمنتهي، فإذا تعلم ودرس أصبح نصف دارس أو نصف طبيب، وإذا كان موظفاً يحس أنه
جزء صغير من آلة ضخمة، فمثل هذا لا يساعد على التحفز لعمل كبير، فهو
رجل (الحد الأدنى) .
ونحن نريد رجل الفطرة الذي يملك حيوية الاندفاع والتضحية، فيه بساطة
وسمو، فإذا عقل الإسلام وفقهه فقد جمع (نوراً على نور) ، وهو الرجل المؤهل
للتغيير.
стр. 301
حق الرسول ﷺ على أمته
د. سليمان العايد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن
لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد:
فإن الله خلق البشرية لغاية واضحة، وهي غاية شريفة بمقدار ما يحققها
الإنسان ترتفع منزلته عند الله، هذه الغاية هي: عبادته وحده كما قال تعالى: ... [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ، وقال تعالى: [ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] ، وقد
كانت بداية البشرية التوحيد؛ فكانت عليه حقبة من الزمن ثم ضلت عنه، كما جاء
ذلك في الحديث الذي رواه مسلم في (صحيحه) ، قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم
عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم) . قال ابن عباس: (بين آدم ونوح ...
عشرة قرون، كلهم على التوحيد، ثم طرأً الشرك عليهم بعد إيمان، وأرسل الله
الرسل للبشرية ليردوهم إلى الحق ويذودوهم عن حياض الشرك، [قُلْنَا اهْبِطُوا
مِنْهَا جَمِيعاً فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] .
وكان مبدأ الشرك من الغلو في الصالحين وإنزالهم فوق منزلتهم، واعتقاد أن
الخير يأتي عن طريقهم، وأنه لا يُوصَل إلى الله إلا بهم. قال المفسرون في تفسير
قوله تعالى: [وقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وداً ولا سُوَاعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ
ونَسْراً] قالوا: " هذه أسماء رجال صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون
بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين يقتدون بهم: لو صورناهم لكانوا عوناً لنا على
العبادة، ولذكرتنا صورهم فعل الخير، فصوروهم، فلما انقرض ذلك الجيل،
وجاء مَن بعدهم: أوحى إليهم إبليس بأن آباءهم كانوا يعبدون تلك الصور، وبهم
يسقون المطر، فعبدوهم) .
وهذا يدلنا على أن مبدأ الانحراف عن التوحيد إلى الشرك إنما كان بسبب
الغلو في بعض من يظن بهم الصلاح.
وقد حذر نبي هذه الأمة، محمد بن عبد الله ﷺ أمته أن
تقع فيما وقعت به الأمم السابقة من الغلو والإطراء الذي لا تسيغه الشريعة، ولا
يقبل به عقل سليم ولا يقره منطق قويم، حذرنا بقوله فيما رواه عنه عمر بن
الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تطروني كما أطرت
النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله) متفق عليه. وقد كان من شأن
النصارى أنهم قالوا في عيسى: هو الله، وبعضهم قال: هو ابن الله، وبعضهم قال: هو ثالث ثلاثة، كما حكى الله عنهم تلك الأقوال؛ ورد عليهم قولهم، فقال: [وإذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ
قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا
فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي
بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُم] .
وقد غلا إخوانهم اليهود من قبل مثل هذا الغلو حين قالوا: عزير ابن الله،
كما قال تعالى عنهم: [وقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ
اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] .
وقد جاء التحذير عاماً عن الغلو في كل شيء، قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) رواه أحمد والترمذي
وابن ماجه. وقال رسول الله ﷺ فيما رواه عنه ابن مسعود:
(هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً) رواه مسلم. وقد أخبر رسول الهدى أن هذه الأمة ستقلد الأمم السابقة فقال: (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ، حتى لو
دخلوا جحر ضب لدخلتموه) متفق عليه.
وقد كان من متابعة الأمم السابقة: الغلو في الصالحين والأنبياء، ومن أمثلة
ذلك: غلو بعض الناس بالنبي محمد، ﷺ ، فيعتقد أنه يعلم الغيب
كما قال القائل:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وفات هؤلاء قوله تعالى: [ولَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ ومَا
مَسَّنِيَ السُّوءُ] . ورسول الله ﷺ لا يدري متى وقت الساعة
كما جاء في حديث جبريل- ﵇.
وبعضهم يعبد الله ومحمداً، فيصرفون له شيئاً من العبادة، ويجعلونه نداً لله،
وبعضهم يقول:
إن الله خلق آدم وجميع المخلوقات من أجل الرسول محمد -صلى الله عليه
وسلم-.
وبعضهم يعتقد أن الأرزاق من كفه ﷺ ، وهذا مناقض
لقوله تعالى: [قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي
مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ] .
والغلو لا يقف عند حدٍّ، وإنما يجمعه أنه تجاوز القدر الصحيح، فالرسول
محمد ﷺ هو محمد بن عبد الله، رسول الله، ونبيه، وعبده،
لا يجوز هذه المنزلة، وهو سيد ولد آدم، والشافع لهم يوم الحشر بإذن الله كما قال
تعالى: [قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ
واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ] .
وقال رسول الله ﷺ : (إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل
القديد) ، وكل مسلمٍ يقول: (أشهد أن محمداً عبده ورسوله- وذلك في تشهد الصلاة) . ...
فكون الرسول بشراً لا ينقص من قدره، ولا يجعلنا نرفض الاقتداء به كما
قال المشركون، [أبشراً مِّنَّا واحِدًاً نَّتَّبِعُهُ إنَّا إذًاً لَّفِي ضَلالٍ وسُعُرٍ] ، بل إن
بشريته هي التي تجعل منه القدوة التي نقتدي بها، والأسوة التي نتأساها، وقد
اختار الله نبيه من خير الناس كما قال رسول الله ﷺ : (فأنا
خيار من خيار من خيار) . واختاره لأعظم عملٍ، وهو الرسالة وتبليغ دينه
للعالمين، [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] وقد استغرب المشركون اختياره دون
واحد من العظماء، [وقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ ... عَظِيمٍ] ، ورباه الله على أحسن الخلق، [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] .
وقد قام بالبلاغ أتم قيام، وبلّغ رسالته للعاملين أتم بلاغ، كما قالت عائشة:
من قال لكم إن محمداً كتم شيئاً مما أوحاه الله فقد أعْظم الفرية، ولو كان مُخفياً شيئاً
لأخفى قوله: [وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَن ... تَخْشَاهُ] . وقد تحمل في سبيل تبليغ دعوته صنوف الأذى، والاضطهاد، وكابد
المشقات حتى نصره الله وبلغ دينه.
وله -في ذلك -على كل مسلم أجر، وله على كل مسلم حق، فما هو حق
الرسول ﷺ على أمته؟ ؛ أهو إطراؤه -وقد نهى عنه-؟ ؛ أم
هو المدائح وفيها من الغلو الشيء الكثير؟ ؛ أم هو صرف شيء من العبادة إليه
كالاستشفاع والاستغاثة ودعائه من دون الله؟
إن كل هذا يناقض أمر الرسول ﷺ ، وقد نهى عنه أشد
النهي كما تقدم، إذن ما هي حقوق الرسول ﷺ على أمته؟
يمكن أن نجمل تلك الحقوق في أربعة أمور:
١- تصديقه، والإيمان به، واتباع سنته وطاعته.
٢- محبته ﷺ ، ومحبة سنته، ومحبة ما يحبه.
٣ - توقيره وتعزيره.
٤ - الصلاة والسلام عليه.
وسنتعرض لهذه الأمور بذكر الأدلة عليها من القرآن والسنة، فنقول:
١ - تصديقه، والإيمان به، واتباع سنته وطاعته، وهذا هو معنى شهادة:
أن محمداً رسول الله، قال تعالى: [فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير] ، وقال: [ومَن لَّمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
سَعِيراً] .
وقد أمر الله عباده بطاعة نبيه فقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأَنتُمْ تَسْمَعُونَ] .
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ
قال: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال:
من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري والحاكم.
وقد أمر الله عباده المؤمنين باتباع نبيه، والاقتداء بسنته، فقال: [قُلْ إن
كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] ، و: ... [فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِمَاتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] .
ورغَّب في قبول حكمه، والتسليم لقضائه والرضى بأمره، [فَلا ورَبِّكَ لا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ
ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] ، وقد جعل الله عبده محمداً قدوة المؤمنين وأسوة المتأسين، [لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ ... كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] ، وحذر من مخالفته، والخروج عن أمره [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ، [ومَن يُشَاقِقِ
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ
جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيراً] [النساء: ١١٥] .
٢- محبته ﷺ ، قال ﷺ : (لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) رواه الشيخان،
وأخرجا عن أنس أيضاً: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله
ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن
يعود في الكفر بعد إذ أنجاه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) .
وقال عمر للنبي ﷺ : (لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا
نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي ﷺ : لن يؤمن أحدكم
حتى أكون أحب إليه من نفسه، فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب
إليَّ من نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي ﷺ : الآن يا عمر) ، رواه البخاري. (وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: متى
الساعة يا رسول الله؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة
ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت) رواه
مسلم والبخاري.
ولمحبته ﷺ علامات، منها: الاقتداء به، وإيثار شرعه، وتقديمه على أهواء النفس، وذكره بالصلاة عليه كما شرع، ومحبة أصحابه وما
يحبه ﷺ كحب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأزواجه مثل،
عائشة التي سُئل رسول الله ﷺ : (من أحب الناس إليك فقال:
عائشة، قالوا: من الرجال، قال: أبوها) .
٣ - تعزيره وتوقيره، وتعظيم أمره: قال تعالى: [إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً
ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلا]
[الفتح / ٨ - ١٩] ، وروى مسلم عن عمرو بن العاص قال: (وما كان أحد أحب
إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق
أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ
عيني منه) .
وخير تعظيم لرسول الله تعظيم سنته.
٤ -الصلاة والسلام عليه: لقوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً] ، والصلاة من الله: ثناؤه على
أنبيائه، والصلاة من الملائكة: الاستغفار، ومن الناس: الدعاء والتعظيم والتكريم.
والصلاة عليه من أعظم الذكر، روى الإمام أحمد عن عامر بن ربيعة قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى عليّ صلاة لم تزل
الملائكة تصلي عليه ما صلَّى عليَّ، فليقلَّ عبدٌ من ذلك أو ليكثر) . وروى عبد
الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب ﵄ عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- أنه قال: (إن جبريل أتاني فبشرني: أن الله يقول لك: من صلى عليك صليتُ عليه، ومن سلم عليك سلمتُ عليه، فسجدتُ لله -عز
وجل- شكراً) .
وروى الترمذي عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة) . قال أبو عيسى: هذا حديث
حسن غريب.
وتتأكد الصلاة على النبي ﷺ في مواضع وأعمال، منها:
١- إذا ورد ذكر النبي ﷺ ، لقوله: (البخيل من ذكرت
عنده فلم يصلِّ عليَّ) رواه أحمد وإسماعيل القاضي، وعن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ﷺ : (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي،
ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف
رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة) رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
ومثل هذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة عليه كما ذكر، وقال بعضهم بوجوبها
كلما ذكر، وقال بعض آخر: تجب أول مرة، وتسن فيما بعد.
٢ -الصلاة عليه في المجالس، لقوله ﷺ عن أبي هريرة: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) .
٣- الصلاة عليه عند سماع المؤذن، لقوله ﷺ : (إذا
سمعتم مؤذناً فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلى الله
عليه بها عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من
عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) رواه
أحمد ومسلم وغيرهما.
٤- الصلاة عليه عند دخول المسجد والخروج منه، وعند المرور بالمساجد،
لأنه ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: (اللهم
اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك) . وإذا خرج: (صلى على محمد
وسلَّم، ثم قال: (اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) . رواه أحمد.
ولقول علي بن أبي طالب ﵁: (إذا مررتم بالمساجد فصلوا
على النبي ﷺ ) ، رواه إسماعيل القاضي في كتاب (الصلاة) .
٥- الصلاة عليه في التشهد الأخير، وهو ركن من أركان الصلاة أو واجب،
وأما الصلاة عليه في التشهد الأول: فهي مستحبة.
٦- الصلاة عليه في صلاة الجنائز، فإن من السنة أن يقرأ في التكبيرة
الأولى بفاتحة الكتاب، وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ ، وفي
الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنَّا بعده.
٧ - الصلاة عليه بين تكبيرات صلاة العيد، لما رواه إسماعيل، عن علقمة، وعن ابن مسعود، وأبي موسى، وحذيفة.
٨- تستحب الصلاة عليه عند ختم الدعاء، لقول عمر: (الدعاء موقوف بين
السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك) رواه الترمذي بسند
صحيح.
٩- يوم الجمعة وليلته يستحب الإكثار فيه من الصلاة عليه، لقوله -صلى الله
عليه وسلم-: (من أفضل أيامكم يوم الجمعة، ففيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه
النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت - يعنى: وقد بليت؟
قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) رواه أحمد وأبو داود
والنسائي وابن ماجه، وقد ذهب الإمامان الشافعي وأحمد إلى وجوب الصلاة عليه
والسلام في خطبتي الجمعة. ولا تصح الخطبتان إلا بذلك.
стр. 302
نقد
قراءة في فكر مالك بن نبي
-٢ -
محمد العبدة
مشكلة الحضارة:
ينطلق فكر ابن نبي من سؤال لا يزال يلح على المسلمين منذ أن صدموا
بالحضارة الغربية وهى تطرق الأبواب وتدخل من كل المنافذ، وكان السؤال: ما
هي أسباب تقهقر المسلمين؟ وما هي شروط النهضة ليستعيد المسلمون دورهم
وفاعليتهم المفقودة وليكونوا شهداء على الناس؟ . وكانت الإجابة عن هذا السؤال
هي محور كتابات وأقوال الذين تصدوا لحركة الإصلاح والنهوض بالأمة على
اختلافهم في القرب أو البعد عن الصواب. بل إن كثيراً منهم كانوا (لا يعالجون
المرض بقدر ما يعالجون أعراضه) [١] ، وأما الإجابة المتبادرة: (لابد من العودة
للدين) فهي وإن كانت صحيحة بلا شك ولكنها بحاجة إلى تفاصيل، فعندما ندخل
في عمق الموضوع ونبدأ بالعمل سنجد أن هذا المسلم المقتنع بهذا الجواب يحمل بين
جنتبيه أمراضاً اجتماعية وفكرية ونفسية تعيقه عن فهم الكتاب والسنة فهماً صحيحاً، ليتحول هذا الفهم إلى فعالية للتغيير، وهذه الأمراض كانت نتيجة تراكم عصور
من الابتعاد عن العلم النافع والعمل المثمر، فالأمة الإسلامية (كالفارس الذي أفلت
الركاب من قدميه ولم يسترده بعد، فهو يحاول أن يستعيد توازنه) [٢] .
كيف نصوغ عقل هذا المسلم مرة أخرى حتى يعود إلى فعاليته؟ من هنا
ينطلق ابن نبي ليقول: (إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية،
ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) [٣] . فالمسلم الآن
لا يعيش حالة (حضارة) وإنما هو من بقايا حضارة وهي الحضارة الإسلامية طبعاً،
ولابد من إدخاله مرة ثانية في دورتها، فالإنسان السابق على الحضارة (العربي قبل
البعثة مثلاً) هو مثل جُزَيء الماء قبل وصوله إلى خزان ينتج الكهرباء، فهذا
الجزيء منطو على طاقة مذخورة، قابل لتأدية عمل نافع، ولكن هذا الجزيء يفقد
طاقته بعد أن استنفذها في إنتاج الكهرباء، وإذا أردنا أن نعيد له قوته علينا أن
نرفعه مرة ثانية إلى مكان عال، أو أن يتبخر ثم يتكثف ليعود جزءاً من طاقة مائية
تقع قبل خزان معين) [٤] .
ورفع المسلم إلى هذا المكان السامق لا يتم إلا بشحنة إيمانية عالية وأخلاق
كأخلاق الصحابة، ولا يتم هذا إلا (بتوتر روحي) حسب تعبير مالك.
ماذا يقصد بالحضارة؟
(هي: مجموع الشروط الأخلاقية والمادية، التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم
لكل فرد من أفراده - في كل طور من أطواره -وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة
المساعدة الضرورية) [٥] ، أو: (هي: إنتاج فكرة حية تطبع على مجتمع الدفعة التي تجعله يدخل التاريخ) [٦] ، (هي ليست كل شكل من أشكال التنظيم للحياة البشرية في أي مجتمع كان، ولكنها شكل نوعي خاص بالمجتمعات النامية واستعداد هذه المجتمعات لأداء وظيفة معينة) [٧] ، وهي جوهر الوجود للمجتمع، وعكسها هو: الهمجية والعودة إلى البدائية المترحلة [٨] ، فالعرب انتقلوا بالإسلام إلى حضارة، والشعوب الأخرى انتقلت بعقيدة من العقائد إلى حضارة، فهي قدرٌ محتوم لمجتمع يتحرك لبناء نفسه ولأهداف معينة.
أما العوامل التي تشكل الحضارة؛ فقد صاغها على شكل المعادلة التالية:
ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت. ولكن هذه المعادلة لابد لها من
مُركّب أو مفاعل، وهذا المركب هو (الدين) سواء كان ديناً حقاً كالإسلام، أو بقايا
دين أو عقيدة تبلغ عند أصحابها مبلغ الدين في الحماسة لها والتضحية في سبيلها.
(لكي نقيم حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات، وإنما بأن نحل هذه
المشكلات الثلاث من أساسها) [٩] ، فالحضارة لا تستورد ولا تفصل لكل أمة على
مقاسها، وهي التي تلد منتجاتها وليس العكس.
من هذه التعاريف يتبين لنا أن: ابن نبي له تعريفه الخاص للحضارة، فهي
شكل راق من الحياة الأخلاقية والمادية، وهناك حضارة إسلامية، حضارة غربية
... إلخ.
وحسب تعريفه هذا: فإن الصين الحديثة أقلعت باتجاه حضارة، فقد اجتمع
لها الحماس للفكر واستخدام التراب والوقت، وقبْلها اليابان وروسيا ... ورغم أهمية
هذه المعادلة بالنسبة للعالم الإسلامي الذي لم يقلع بعد. ورغم نقد أبن نبي للحضارة
الغربية المادية وجشعها، فإن رائحة المادية تفوح من هذه التعاريف، فروسيا أقامت
نهضتها الصناعية بعد أن قتلت وشردت الملايين، وقُل مثل ذلك في الصين، فهل
المهم هو استغلال الوقت والتراب ولو على حساب الإنسانية؟ ! وأما العنصر
الأخلاقي أو الروحي (Ethes) أو ما أسماه (الفكرة الدينية) التي يكون أصلها من
السماء، فقد استوحاها من (كسرلنج) الذي يقول: (وكان أعظم ارتكاز حضارة
أوربا على روحها الدينية) .
ويعرف الروح الدينية: (ولست أعني بالروح ذلك الشيء الدال على منطق
أو عقل أو مبادئ مجردة، وإنما هو بصفة عامة: ذلك الشعور القوي في الإنسان،
والذي تصدر عنه مخترعاته وتصوراته وتبليغه لرسالته، وقدرته الخفية على
إدراك الأشياء) [١٠] .
فهذا المفكر يعتبر أن (الروح المسيحية) و (مبدأها الخلقي) هما القاعدتان
اللتان شيدت عليهما أوربا سيادتها التاريخية، وجاء مالك وأخذ عنه هذه الفكرة
ووضعها قاعدة عامة لكل الحضارات، وأخذ عنه أيضاً وعن (شبنجلر) تقسيمه
لدورة الحضارة إلى المراحل الثلاث: روحية، وعقلية، وغرائزية، وإن كان ابن
خلدون قبلهم قد قال بمثل هذا ولكنه تكلم على الدول ولم يتكلم عن الحضارات،
ومقولة: (أنه لا توجد حضارة إلا وللدين أثر فيها) صحيحة من حيث الجملة، وقد
قال بها ابن تيمية أيضاً [١١] ، ولكن يبقى الإشكال هو: وضع الإسلام موضع
المساواة مع أي فكرة دينية واعتباره شعلة أخلاقية تصلح لتركيب المعادلة، هنا
موضع الخطورة والنقص، فالمفكر (كسرلنج) عندما يتكلم عن النصرانية يتكلم عنها
كجزء من الأجزاء المكونة للحضارة الغربية، ولكن الإسلام دين شامل وليس مبدأ
أخلاقياً فحسب، وقاعدته الأساسية هي التوحيد الذي ينبني عليه الأخلاق والآداب
والتشريعات ... وما يعتبر فناً رائعاً عند من يكتب عن الحضارات يعتبر حراماً في
الإسلام.
والواقع أن ابن نبي غير واضح في هذه المسألة، فنراه واعياً لمسألة الشمولية
عندما يعتبر العصر الراشدي هو النموذج دائماً وتعاطفه وتأييده للحركات الإسلامية، مثل: حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحركة جمعية العلماء في الجزائر،
وربما يكون ضعفه في العلوم الشرعية هو الذي جعله يقع في أخطاء توحي بعدم
الشمولية، وخاصة في موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية.
ومع ذلك فإن طرحه لمشكلة الحضارة بمعناها الواسع هو من الأهمية بمكان،
ولذلك سنمضي معه في وقفته الطويلة عند هذا الموضوع.
إن ارتفاع المسلم إلى مستوى (حضارة) (فيتعلم كيف يعيش في جماعة،
ويدرك في الوقت ذاته الأهمية الرئيسية لشبكة العلاقات الاجتماعية) [١٢] ، ويتعلم
كيف يكون لبنة في (البنيان المرصوص) ، هذا الارتفاع لابد منه وهو المطلوب
الآن، بينما نرى في الواقع أن المسلم الذي لا ينقصه الإخلاص لا يستطيع مجابهة
مشاكله وكيف يحلها، لأنه تعلم وأخذ شهادات مدرسية ولكنه لم يتثقف، ولم يتشرب
من بيئته في المنزل والمدرسة كيف يكون فعّالاً، وكيف يقوم بأعمال مشتركة مع
الآخرين، والإسلام عندما رفع العرب إلى مستوى (حضارة) عدّل من طباعهم حتى
تكون وسطاً، ووضعهم بين حدّي الوعد والوعيد، وعدل من غرائز الإنسان ولم
يكبتها (حرّم الزنا وشجع الزواج) ؟ ، وهكذا دخل العربي وغير العربي في حضارة
الإسلام، وأصبحت شخصية المسلم شخصية سوية ليس فيها عُقد نفسية أو اجتماعية، وعندما عُزل خالد بن الوليد- ﵁ عن قيادة الجيوش في الشام لم
يُحدث عزله أي مشكلة، ولو حصلت هذه الحادثة بعد بضعة عقود من السنين
لزلزلت الأرض.
والمسلم الذي هو (خارج من حضارة) -كما يعبر مالك بن نبي- يتصرف
بأنانية مفرطة، قد تضخمت عنده (الأنا) ؛ فلا يرى إلا نفسه ولا يهتم إلا بمصلحته
الخاصة، ولا يستطيع أن يقوم بعمل تعاوني مع غيره، وإذا ذهبت إلى منزل هذا
المسلم (الطيب) ستجد آثار تضييع المال ودون قصد منه في كثير من الأحيان،
فأولاده يحطمون كل شيء، وبقايا الطعام تتناثر فوق السجاد الفاخر، والأم الجاهلة
تنظر إليهم وكأن شيئاً لم يكن، ولأنه لم يرتب أموره الاقتصادية تذهب أمواله إلى
أصحاب المصانع في الغرب والشرق لتكون عوناً لهم على المسلمين، مع أنه يعلم
أن الرسول ﷺ نهانا عن (إضاعة المال) . وعندما أراد بلد
كأندونيسيا النهوض باقتصاده استدعى الخبير المشهور (شاخت) ، ولكن خطط هذا
الخبير لم تنجح في أندونيسيا ونجحت في ألمانيا الغربية، والسبب هو: أن الشعب
الأندونيسي لم يرق بعد إلى مستوى (حضارة) .
وعندما يتم استيراد الأجهزة الحديثة من أفضل ما أنتجته التقنية الغربية لا
يستفاد منها كثيراً في بلادنا، لأنه لا يوجد جو اجتماعي ثقافي يحيط بها ويحفظها،
فالنظم الاستبدادية جعلت العقول العلمية تهاجر إلى الغرب.
هذا ما يقصده مالك بن نبي عندما يبدأ ويعيد في موضوع الحضارة، وأن
المسلم لا يعيش ولا يتنفس الثقافة الملائمة له، وإنما يحمل أمراض بيئته المتخلفة
وهو لا يشعر، ونحن نوافقه من هذا الجانب، ولذلك سنبدأ بعرض بعض المعوقات
التي يراها مانعة من دخول المسلم في (بادرة حضارة) وتعرقل مساعيه للانطلاق
والنهوض:
القابلية للاستعمار:
عندما يستعرض مالك بن نبي التاريخ الإسلامي يقسمه إلى فترات ثلاث:
١- الفترة الروحية التي دخل المسلمون فيها إلى حضارة إسلامية: وتبدأ
ببداية البعثة النبوية وتنتهي عند معركة صفين، وتتميز هذه الفترة (بأروع صور
الزهد والتقشف التي كان الرسول ﷺ مثلها الأعلى، كما تتميز
بالتضحية من قبل الصحابة مثل: أبي بكر وعثمان وعمر ... ) [١٣] .
وفي هذه الفترة خضعت كل النوازع للإيمان، وغابت كل الأنانيات
والعصبيات، واندفع المسلم بكل طاقاته وإمكاناته، وكانت شبكة العلاقات
الاجتماعية على أقوى ما يتصوره إنسان، وبلغة علم النفس: فإن الفرد يكون في
أحسن ظروفه ويعيش التوازن الدقيق بين: الروح والعقل، أو بين: الروح والمادة.
٢- الفترة العقلية: وتمثل أوج ازدهارها المدنية الإسلامية كالفترة الأموية
والعباسية الأولى، وفيها تدون العلوم وتتأسس المدينة ويستبحر العمران- كما يعبر
ابن خلدون. (بيد أن العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز، فتشرع في التمرد
بالتدريج) [١٤] ، وتضعف قليلاً شبكة العلاقات الاجتماعية ولكن المجتمع يستمر
قوياً بالاندفاع الأول؛ حتى يصل لمرحلة تنتهي فيها قوة الاندفاع كمحرك استنفذ
آخر قطرة من وقوده، وتنتهي هذه الفترة بانتهاء عصر دولة الموحدين في المغرب.
٣ - مرحلة الغرائز التي تستمر حتى بداية هذا القرن: حيث يحاول العالم
الإسلامي النهوض، وفي هذه الفترة تتغلب الغرائز الفردية والتفكك الاجتماعي،
ويعيش المسلم على هامش التاريخ، والمجتمع مكوَّن من أفراد لا ينقصهم التدين في
كثير من الأحيان ولكنه تدين فردي، فهو يحاول إنقاذ نفسه في الآخرة، ولكن لم
يعد يملك التماسك الاجتماعي وتسخير ما خلق الله له لبناء حضارة، فهم أفراد من
بقايا حضارة يحملون بين جنوبهم ما يسميه مالك بن نبي (القابلية للاستعمار) ،
فالمجتمعات الإسلامية المعاصرة لم تُستعمر إلا لوجود هذه القابلية لديها، وقد
يتعرض بلد من البلدان للاحتلال والغزو ولكنه يقاوم، أما الاستعمار فهو صفات
نفسية في المستَعمِر والمستعمَر، فهناك فرق بين الاستعمار والاحتلال، وقد
استعمرت بريطانيا بلداً كبيراً كالهند ولكن إقليماً صغيراً كإيرلندا الشمالية استعصى
عليها، وإن بلداً كاليمن لم يدخله الاستعمار ولكنه مصاب بنفس أمراض العالم
الإسلامي.
وقبل أن نمضي مع مالك بن نبي في تحليله للفترة الثالثة، لابد من إبداء
تحفظ على هذا التقسيم الحاد للتاريخ الإسلامي الذي يبدو فيه أقرب إلى عقلية
المهندس [١٥] منه إلى عقلية المؤرخ، فتركيزه على صِفِّين جعل حكمه قاسياً على
الفترة التي أعقبتها، بل وقع في أخطاء تاريخية وشرعية، والضعف العلمي الذي
غلب على الأمة الإسلامية إنما هو بعد القرن التاسع وليس بعد الموحدين مباشرة.
وقد عبر ابن خلدون عن هذه الحالة بنبرة الأسى والحزن: (وكأني بالمشرق قد
نزل به ما قد نزل بالمغرب ولكن على مقدار ونسبة عمران، وكأنما لسان السكون
ينادي في العالم بالنوم والخمول فأجاب) [١٦] ، ومجيء دولة قوية كالدولة العثمانية لم يغير من الناحية الحضارية شيئاً، حتى إذا جاء القرن الثاني عشر الهجري كانت
الأمة الإسلامية في غاية الضعف والتمزق. (وأصبحت دوافع الحياة فاترة، يعبر
عنها قول أحدهم عندما يسأل عن مهمة حياته: (نأكل القوت وننتظر ... الموت) [١٧] .
إن الأمراض الاجتماعية والنفسية التي يركز عليها مالك بن نبي ربما تظهر
لبادي الرأي أنها صغيرة وليست هي مشكلة المسلمين الرئيسية، والجواب على ذلك: أننا حتى لو اعتبرناها صغيرة ولكنها مهمة جداً لأنها كحبات الرمل التي تستطيع
إيقاف آلة ضخمة.
الشلل الأخلاقي:
إن أخطر مرض أصاب المسلمين هو الانفصام بين النموذج القرآني والتطبيق
العملي، فقد انعدمت الدوافع الآلية التي حركت الرعيل الأول من الصحابة [١٨] .
ويلخِّصها قول الفرزدق الشاعر للحسين بن علي ﵁ واصفاً
أهل العراق: (قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية) ، وبدأ ضمير المسلم يتهرب من الحقائق المنزلة (وحركة الخوارج والمعتزلة مثال على ذلك) [١٩] ، ولكن هذا
المرض ازداد فشواً في مجتمع (ما بعد الموحدين) ، فأصبح المسلم نتيجة لغروره لا
يحاسب نفسه، ولا يعترف بأخطائه، وأصبحت المعادلة: (بما أن الإسلام دين
كامل وبما أنه مسلم، فالنتيجة أنه كامل، وبذلك اختلت أي حركة عنده لزيادة الجهد
والتقدم) [٢٠] .
ونتيجة لهذا الخلل ضعفت الروابط الاجتماعية: (فعالم الأشخاص لا يتألف
ضمن منهج تربوي، يهتم بالأخلاق) [٢١] ، وهذا التآلف مهم جداً، قال تعالى: ... [لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ] ؟ [الأنفال / ٦٣] ، ومبدأ المؤاخاة الذي قام بين المهاجرين والأنصار أصبح من
الخطابات السعيدة، والأخوَّة الإسلامية أصبحت كلاماً للزينة وشعور تحجر في
نطاق الأدبيات [٢٢] ، وهذا الضعف يقصد به المجتمع ككل ولا يقصد به كل فرد،
فلا يزال في الأمة (كأفراد) خير كثير، ولا يزال الناس في الريف أقرب للفطرة.
عدم الفعالية:
وكان من نتائج هذا الانفصام الأخلاقي: أن المسلم يحمل أفكاراً صحيحة
ولكنه لا يستطيع تطبيقها في دنيا الواقع، كفريسة تعرضت للشلل حتى يسهل
ابتلاعها، لأن البيئة التي تحيط به وتغذيه بثقافتها أصبح مثلها الأعلى هو الزهد
الأعجمي والصوفية أصحاب المرقعات، ولا يتمثلون بعمر بن الخطاب أو بعبد الله
بن المبارك أو الإمام مالك، (والمسلم في هذه الحالة إنما يغالط نفسه، فيهرب إلى
هذه التعلات الصوفية الكاذبة) [٢٣] ، وفي المقابل: نجد عند الغربيين أفكاراً قد لا
تثبت أمام النقد الموجه لها ولكنهم استخدموها إلى أقصى ما يستطيعون، مثل: فكرة
(التقدم) ، والمسلم يحمل القرآن ولكنه لا يستفيد منه كثيراً في التخطيط لنهضة قادمة، فعقلية ما بعد الموحدين تشله عن الإبداع، هناك خلل في طريقة تفكيره، فعندما
اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية لم يستفد منها المجتمع الإسلامي لأنه لم يكن على
المستوى الثقافي الذي يحيط هذا الاختراع بالرعاية، والمشكلة: (أن مجتمع ما بعد
التحضر يسير إلى الخلف بعد أن انحرف عن طريق حضارته وانقطعت صلته ... بها) [٢٤] .
أمثلة على هذا الخلل:
١- ذهان السهولة (مرض السهولة) : يميل المسلم في تقويمه للأشياء إما للغلو
فيها أو للحط من قيمتها، ويتمثل هذا في نوعين من الأمراض: فإما أن الأمور
سهلة جداً ولا تحتاج إلى تعب وكد فكر، والحل بسيط، وإما أن الأمور مستحيلة،
وأبرز مثال على مرض (السهولة) : قضية فلسطين، فقد قيل: إن إخراج اليهود
سيتحقق بعد أشهر، ولو نفخنا عليهم نفخة واحدة لطاروا، ولكنهم في الحقيقة لم
يطيروا، (وهناك من يظن أنه بخطبة رنانة تحل مشاكل المسلمين، وبعضهم يكره
أن تدعوه إلى تفكير عميق في موضوع ما من الموضوعات لأنه يؤثر السهولة
ويكتفي بتفسير سطحي، وعندما تخطط السياسة طبقاً لمبدأ السهولة فإنها سوف
تجتذب إلى تيارها كثيراً من الناس ذوي النوايا الطيبة، الذين يقدرون الأشياء بناء
على سهولات الحاضر لا على صعوبات المستقبل) [٢٥]
وأيسر طريق لأصحاب السياسات الانتهازية أن يستخدموا كلمات مثل:
الاستعمار والإمبريالية والوطنية؛ للتغرير بالشعوب، هذه الكلمات التي (تليق جداً
لتشحيم المنحدر حتى يكون الانزلاق عليه نحو السهولة ميسوراً جداً) [٢٦] .
٢ - ذهان الاستحالة: وقد يحدث العكس، فيرى المسلم أن الأمور مستحيلة
ويقف أمامها عاجزاً، وهي في الحقيقة غير مستحيلة ولكن ربما يضخمها عمداً حتى
لا يتعب نفسه في الحل، أو أنه يشعر بضآلة نفسه وصغر همته فيحكم عليها
بالاستحالة، وقد مرت فترة كانت بعض الشعوب تنظر إلى صعوبة إخراج
المستعمر من بلادها [٢٧] . وقد تجد اليوم بعض المسلمين الذين ينتظرون (معجزة
الرجل الوحيد) كأن يأتي صلاح الدين آخر ليوحد المسلمين من جديد، ويعتقدون
استحالة أية محاولة لاستئناف حياة إسلامية.
٣- طغيان الأشياء: عندما يكون مجتمع ما في حالة نهوض يجب أن يتحقق
الانسجام والتوازن بين هذه العوالم (الأشياء والأشخاص والأفكار) ، ولكن الحقيقة أن
النزعة (الكمية) هي المسيطرة، (فلا يسأل المؤلف عن الموضوع الذي تناوله في
بحثه، وإنما يسأل عن عدد صفحات الكتاب، وقد يقع المؤلف نفسه في هذه النزعة
فيفتخر بأنه أخرج كتاباً من كذا صفحة) [٢٨] .
وعندما تريد إحدى المصالح الحكومية تجهيز مقرها: تزوده بعدد خيالي من
المكاتب، بحيث يتعذر توفير المكان اللازم لها، والموظف الكبير يجب أن يكون
في غرفته أربعة تلفونات وخمس أجهزة تكييف، ومشكلة التنمية تعالج بزيادة
الضرائب التي تشل جميع أوجه النشاط الفردي، وفي هذه الأجواء يظن الفرد أن
(التكديس) هو الحضارة، فيشتري منتجات الغرب بكميات أكثر مما يحتاج له، ... (وإذا كان مجتمع ما قبل التحضر فقيراً في عالم الأشياء، فإن مجتمع ما بعد التحضر
مكتظ بالأشياء ولكنها خالية من الحياة) [٢٩] .
-يتبع-
стр. 303
الثبات على دين الله
-٢ -
محمد صالح المنجد
التربية: التربية الإيمانية العلمية الواعية المتدرجة عامل أساسي من عوامل الثبات.
التربية الإيمانية: التي تحيي القلب والضمير بالخوف والرجاء والمحبة،
المنافية للجفاف الناتج من البعد عن نصوص القرآن والسنة، والعكوف على أقاويل
الرجال.
التربية العلمية: القائمة على الدليل الصحيح، المنافية للتقليد والإمعية الذميمة.
التربية الواعية: التي تعرف سبيل المجرمين، وتدرس خطط أعداء الإسلام، وتحيط بالواقع علماً، وبالأحداث فهماً وتقويماً، المنافية للانغلاق والتقوقع على
البيئات الصغيرة المحدودة.
التربية المتدرجة: التي تسير بالمسلم شيئاً فشيئاً، ترتقي به في مدارج كماله بتخطيط موزون، والمنافية للارتجال والتسرع والقفزات المحطِّمة. ...
ولكي ندرك أهمية هذا العنصر من عناصر الثبات، فلنعد إلى سيرة رسول
الله ﷺ ونسائل أنفسنا: ما هو مصدر ثبات صحابة النبي -
ﷺ في مكة إبَّان فترة الاضطهاد؟ كيف ثبت بلال وخباب
ومصعب وآل ياسر وغيرهم من المستضعفين وحتى كبار الصحابة في حصار
الشِّعب وغيره؟ هل يمكن أن يكون ثباتهم بغير تربية عميقة من مشكاة النبوة ثقَّلت
شخصياتهم؟ لنأخذ رجلاً صحابياً مثل: خباب ابن الأرت ﵁ الذي
كانت مولاته تُحْمي أسياخ الحديد حتى تحمَر، ثم تطرحه عليها عاري الظهر فلا
يطفئها إلا ودك (شحم) ظهره حين يسيل عليها، ما الذي جعله يصبر على هذا كله؟
و" بلال " تحت الصخرة في الرمضاء، و " سميَّة " في الأغلال والسلاسل ...
وسؤال منبثق من موقف آخر في العهد المدني، من الذين ثبتوا مع النبي -صلى
الله عليه وسلم- في حنين لما انهزم أكثر المسلمين؟ هل هم مسلمة الفتح الذين
خرج أكثرهم طلباً للغنائم، وحديثو العهد بالإسلام؟ كلا ... إن غالب من ثبت هم
أولئك الصفوة المؤمنة التي تلقت قدراً عظيماً من التربية على رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، لو لم تكن هناك تربية تُرى هل سيثبت هؤلاء؟
ثامناً - الثقة بالطريق:
لا شك أنه كلما ازدادت الثقة بالطريق الذي يسلكه المسلم كان ثباته عليه أكبر ... ولهذا وسائل منها:
- استشعار أن الصراط المستقيم الذي تسلكه ليس جديداّ ولا وليد قرنك
وزمانك، وإنما هو طريق عتيق [١] ، قد سار فيه من قبل من الأنبياء والصديقين
والعلماء والشهداء والصالحين، فتزول غربتك، وتتبدل وحشتك أُنساً، وكآبتك
فرحاً وسروراً، لأنك تشعر بأن أولئك كلهم أخوة لك في الطريق والمنهج.
- الشعور بالاصطفاء، قال الله : [الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ
الَذِينَ اصْطَفَى] [النمل: ٥٩] ، [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا] ... [فاطر: ٣٢] ، [وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ] [يوسف: ٦]
وكما أن الله اصطفى الأنبياء؛ فللصالحين نصيب من ذلك الاصطفاء وهو: ما
ورثوه من علوم الأنبياء.
ماذا يكون شعورك لو أن الله خلقك جماداً، أو حيواناً، أو كافراً ملحداً، أو
داعية إلى بدعة، أو فاسقاً، أو مسلماً غير داعية لإسلامه، أو داعية في طريق
متعدد الأخطاء؟
ألا ترى أن شعورك باصطفاء الله لك؛ وأن جعلك داعية من دعاة أهل السنة
والجماعة من عوامل ثباتك على منهجك وطريقك؟
تاسعاً - الالتفاف حول العناصر المثبتة:
تلك العناصر التي من صفاتها ما أخبرنا به ﵊: (إن
من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر) [٢] .
البحث عن العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين، والالتفاف حولهم معينٌ كبير على الثبات، حتى قال بعض السلف: ثبَّت الله المسلمين برجلين: (أبي بكر) يوم
الردة، و " الإمام أحمد " يوم المحنة.
وهنا تبرز الأخوة الإسلامية كمصدر أساسي للتثبيت، فإخوانك الصالحون هم
العون لك في الطريق، والركن الشديد الذي تأوي إليه؛ فيثبتونك بما معهم من آيات
الله والحكمة ... الْزمْهم وِعِش في أكنافهم، وإياك والوحدة فتخطفك الشياطين.
عاشراً - الثقة بنصر الله وأن المستقبل للإسلام:
نحتاج إلى الثبات كثيراً عند تأخر النصر، حتى لا تزل الأقدام بعد ثبوتها.
قال تعالى: [وكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ومَا ضَعُفُوا ومَا اسْتَكَانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * ومَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ *
فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ] [ال عمران: ١٤٦-١٤٨] .
ولما أراد رسول الله ﷺ أن يثبت أصحابه المعذبين
أخبرهم بأن المستقبل للإسلام في أوقات التعذيب والمحن؛ فماذا قال؟
جاء في حديث خباب عند البخاري: (ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير
الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه) [٣] .
فعرْض أحاديث البشارة بأن المستقبل للإسلام على الناشئة مهمٌّ في تربيتهم
على الثبات.
حادي عشر- معرفة حقيقة الباطل وعدم الاغترار به:
في قول الله : [لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَذِينَ كَفَرُوا فِي البِلادِ] ... [ال عمران: ١٩٦] تسريةٌ عن المؤمنين وتثبيت.
وفي قوله : [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً] [الرعد: ١٧] عبرةٌ
لأولي الألباب في عدم الخوف من الباطل والاستسلام له.
ومن طريقة القرآن فضحُ أهل الباطل وتعريةُ أهدافهم ووسائلهم [وكَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] [الأنعام: ٥٥] ، حتى لا يؤخذ
المسلمون على حين غرة، وحتى يعرفوا من أين يؤتى الإسلام، وكم سمعنا ورأينا
حركات تهاوت ودعاة زلت أقدامهم؛ ففقدوا الثبات لما أتوا من حيث لم يحتسبوا
بسبب جهلهم بأعدائهم.
الثاني عشر - استجماع الأخلاق المعينة على الثبات:
وعلى رأسها: الصبر، ففي حديث الصحيحين: (ما أُعطي أحدٌ قط خيراً
وأوسع من الصبر) ، وأشد الصبر: عند الصدمة الأولى، وإذا أصيب المرء بما لم
يتوقع تحصل النكسة ويزول الثبات إذا عُدم الصبر. تأمل فيما قاله ابن الجوزي -
﵀: (رأيت كبيراً قارب الثمانين وكان يحافظ على الجماعة، فمات ولدٌ
لابنته، فقال: ما ينبغي لأحدٍ أن يدعو، فإنه ما يستجيب. ثم قال: إن الله تعالى
يعاند فما يترك لنا ولداً) [٤] . تعالى الله عن قوله علواً كبيراً.
لما أُصيب المسلمون في أُحد لم يكونوا ليتوقعوا تلك المصيبة لأن الله وعدهم
بالنصر، فعلمهم الله بدرس شديد بالدماء والشهداء: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ
أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] [آل عمران: ١٦٥] .
ماذا حصل من عند أنفسهم:
- فشلتم،
- وتنازعتم في الأمر،
- وعصيتم،
- منكم من يريد الدنيا.
مواطن الثبات:
وهي كثيرة تحتاج إلى تفصيلٍ، نكتفي بسرد بعضها في هذا المقام:
أولاً: الثبات في الفتن:
التقلبات التي تصيب القلوب سببها الفتن، فإذا تعرض القلب لفتن السراء
والضراء فلا يثبت إلا أصحاب البصيرة الذين عمّر الإيمان قلوبهم. ومن أنواع
الفتن:
- فتن المال: [ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ
الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضُونَ] [التوبة: ٧٥-
٧٦] .
- فتنة الجاه: [واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا
واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً] [الكهف: ٢٨]
- فتنة الزوجة: [إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ] [التغابن:
١٤] .
- فتنة الأولاد: " الولد مجبنة مبخلة محزنة " [٥] .
- فتنة الاضطهاد والطغيان والظلم: ويمثلها أروع تمثيل قول الله -عز
وجل-: [قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ * إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وهُمْ
عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ
* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [البروج: ٤-٥] .
وروى البخاري عن خباب ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله -
ﷺ وهو متوسد برده في ظل الكعبة. فقال ﵇: (قد
كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها فيؤتى بالمنشار،
فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه،
ما يبعده عن دينه ... ) .
- فتنة الدجال: وهي أعظم فتن المحيا: " يا أيها الناس؛ إنها لم تكن فتنة
على وجه الأرض منذ ذرأ الله آدم أعظم من فتنة الدجال ... يا عباد الله، أيها
الناس؛ فاثبتوا، فإني سأصفه صفة لم يصفها إياه قبل نبيٌّ ... ) [٦] .
وعن مراحل ثبات القلوب وزيغها أمام الفتن: يقول النبي -صلى الله عليه
وسلم-: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشربها
نكتت في قلبه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير
القلب أبيض مثل الصفا؛ لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود
مُربَّداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرب من ... هواه) [٧] .
ثانياً: الثبات في الجهاد:
[يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا] [الأنفال: ٤٥] .
ثالثاً: الثبات على المنهج:
[مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٢٣] ، مبادئهم أغلى من أرواحهم، إصرار لا يعرف التنازل ...
رابعاً: الثبات عند الممات:
[إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا
تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] [فصلت: ٣٠] .
اللهم اجعلنا منهم، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 304
الزيارة بين النساء
على ضوء الكتاب والسنة
خولة درويش
أهمية الوقت لدى المرأة وأضرار إضاعته:
لقد جرت العادة في أكثر بلادنا الشرقية: أن تخصص المرأة فترةَ بعد العصر
لاستقبال صديقاتها، أو زيارتهن على اختلافٍ في طريقة الزيارة أهي دورية منظمة
أم عفوية؟ ، وأياً كانت الحال لا يخلو البيت يومها من إعلان حالة طوارئ فيها.
فاستعدادات فوق العادة، تستنزف الجهد، وتضيع الوقت، وتبعثر المال. وتحول
يوم الاستقبال إلى مباراة بين الأسر فيما يقدم للضيوف، وفي إبراز مظهر البيت
ولباس أهله.
ولو سئلت غالبية النساء عن الهدف من هذه الزيارة؟ لكان أحسن ما يفصحن
به: إنه التلاقي لقتل الوقت والتسلية ودفع السأم والملل عنهن.
ولا أدري هل الوقت إلا عمر الإنسان الذي يسأل عنه؟ ومتى السؤال؟ إنه
يوم الفزع الأكبر.. يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله.
عن أبي بردة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
(لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ ، وعن
علمه ما عمل به؟ ، وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ، وعن جسمه فيما
أبلاه؟) [١] .
ومن السائل؟ إنه رب العالمين الذي خلق الجن والإنس لعبادته لا للهو ولا
للتسلية؛ [لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إن كُنَّا فَاعِلِينَ] [الأنبياء: ١٧] .
فماذا نقول لرب العالمين إذا سألنا عن الوقت المهدور الذي إن لم يخل من
المحرمات فلا يخلو من لغو الكلام والثرثرة التي ذمها الرسول -صلى الله عليه
وسلم-: (إن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون المتشدقون والمتفيهقون) ؟ [٢] .
ومن أضاع وقته فقد أضاع جزءاً لا يعوض من حياته، وجديرٌ أن تطول
عليه حسرته، وهل الوقت للمرأة وحدها؟ ! أين حق الزوج والأولاد؟ ومتى تؤدي
حقوق مجتمعها وأمتها الإسلامية؟
لمن تترك مهمتها إذا كان همها الخروج من البيت واللهو الفارغ؟ وقد تقول
إحداهن: إنها أدت واجباتها، ظناً منها أن مهمتها محصورة في التنظيف وإرضاء
الزوج والإنجاب، وإن التفتت إلى تربية من أنجبتهم فقد لا يتعدى اهتمامها إطعامهم
وكسوتهم المناسبة ودراستهم المتفوقة.
لا يا أختاه، فأنت مربية الأجيال، وممولة للمجتمع المسلم ببناته من نساء
ورجال، إن واجبي وواجبك التربية الرشيدة لأبنائنا، وإعدادهم إعداداً إسلامياً
يجعلهم قادرين على حمل الأمانة والنهوض بالأمة وبناء المجتمع الفاضل المنشود.
فإن تركتُ وإياكِ أبناءنا والتفتنا للتسلية فقد خلفنا أبناءً هم الأيتام حقاً رغم
وجود أبويهم، إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً، بل من فقد
والديه بالموت قد يجد من يشفق عليه ويرعاه ويحنو عليه، أما من فقدهما في اللهو
عنه: فأنى يجد من يرحمه ويفطن لمأساته، فالمرأة المشغولة بنفسها دائماً لن تجد
الوقت الكافي للإشراف على فلذات كبدها وتوجيههم ومتابعتهم والأنس بهم، مما
يساعدها على أداء رسالتها وإرضاء ربها.
صحيحٌ أن الدنيا - هي دار الامتحان - مليئة بالمتاعب والصعاب وفي اللقاء
تسلية ومؤانسة ... لكن هل التسلية غاية من تشعر أنها على ثغر من ثغور الإسلام،
فلا يؤتى من قبلها؟ أم هي غاية العابثات؟ أمَا وإن الترويح ضروري بين الفينة
والأخرى فليكن على غير حساب الأخريات وأوقاتهن ... ! !
كثيراً ما نشكو من غزو أعدائنا الفكري ... وأننا مستهدفون محاربون، فهل
أعددنا العدة لمجابهتهم، أو على الأقل هل حصَّنا أنفسنا ضدهم روحياً وثقافياً
لنطالب بالتسلية؟ ولا تنصر الدعوات وتنتشر بالتشكي والأسى.
إن ما نعانيه يوجب علينا أن نراعي واقعنا على أسس إسلامية لنستطيع
النهوض من كبوتنا، وإلا ستبقى آمالنا سراباً وأمانينا حلماً نرجو أن يتحقق،
وهيهات أن يتحقق بدون عمل وجهد وجهاد. [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا]
[العنكبوت: ٦٩] .
إن العقوبات التي يوقعها الله في أمتنا ما هي إلا لتخاذلنا عن نصرة ديننا وعدم
القيام بواجبنا، والانهزامات التي أصابتنا قد ساهمت بها المرأة من حيث لا تدري،
يوم بدأ دورها ينحسر وتخلت عن القيام بواجبها كما ينبغي في التربية والتنشئة
والتعليم.
وهذه الحقيقة المؤلمة التي تدمي القلب وتحز في النفس، تدفعنا في الوقت
نفسه إلى الاستفادة من أوقاتنا للقيام بمهمتنا التي سنسأل عنها: " المرأة راعية في
بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها " [٣] .
فلنقم بواجبنا في تربية رجال وأمهات المستقبل ثم لنلتفت إلى التسلية. هذا
وإن الرسول ﷺ دلنا على طريقة لإبعاد الهم عن النفس؛ ألا
وهى: توثيق الصلة بالله، نقبل عليه بالطاعات، ونجعل همنا الدار الآخرة، فما
الهم إلا نتيجة الحرص على الفانية.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: " من كانت الآخرة همه: جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته
الدنيا وهى راغمة، ومن كانت الدنيا همه: جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه
شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدِّر له " [٤] .
ولقد قال تعالى مبيناً مدى الضيق والضنك، والعيش النكد الذي يكون به
الغافل المعرض عن ذكر الله، وذلك في الدنيا قبل الآخرة: [ومَنْ أَعْرَضَ عَن
ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى
وقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى] [طه: ١٢٦]
فلنجعل غايتنا رضا الله تعالى، وسبيلنا اتباع شريعته، عندها: نشعر أنه لا
فراغ يثقل على النفس ويجلب الهم والحزن، بل أوقاتنا معمورة بذكر الله وطاعته،
والحياة كلها تصبح عبادة وقُربة، واستفادة من كل لحظة في حياة الإنسان عملاً
بقول المصطفى ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل
موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك
قبل فقرك " [٥] .
وإن كان ابن الجوزي قد عجب من أهل زمانه وإضاعتهم للوقت فقال:
(رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، وإن طال الليل فبحديثٍ لا ينفع أو
بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر، وإن طال النهار فبالنوم وهم في أطراف النهار على
دجلة أو في الأسواق نشبههم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر، ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد للرحيل، إلا أنهم
يتفاوتون، وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته بما ينفق في بلد الإقامة) [٦] .
فماذا نقول نحن عن الناس في زماننا؟ ! وقد أصبح العبث الفارغ أساس حياة
أكثرهم، والتبرم بالحياة سبباً في أمراض نفسية غريبة، وصار الضيق والهلع من
المجهول شبحاً يطارد ضعاف النفوس والإيمان؟ !
إن أساليبهم في اللهو وإضاعة الأوقات تفوق الخيال: فبعد السهر والسحر
على شتى البرامج في وسائل اللهو الحديثة المحرمة والمباحة، النوم حتى الضحى،
واللهاث بقية النهار للدنيا فقط، وفي أعمال الدنيا.. وكثرة النوم والتناوم هو شأن
الخاملين اللاهين. أما الجادون: فيحرصون على أوقاتهم حرص الشحيح على ماله
أو أشد حرصاً. حقاً: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ... والفراغ) [٧] .
أيهما أفضل المخالطة أم الانفراد؟
وكأني بك أختي المسلمة تتساءلين: وهل هذا يعني البعد عن الناس وعدم
الاختلاط بهم؟
(إن اختيار المخالطة مطلقاً خطأ، واختيار الانفراد مطلقاً خطأ) [٨] ،
والإسلام دين تجمع وألفة، والاختلاط بالناس والتعارف بينهم من تعاليمه الأساسية،
وقد فضل الرسول ﷺ المسلم الذي يخالط الناس على ذلك الذي
هجرهم ونأى عنهم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من
الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [٩] ، وكيف يكون الإحسان للجيران
والأقارب إلا بمواصلتهم ومعرفة أحوالهم؟
فكم من زيارة دلت على خير في الدنيا والآخرة مسحت بها المسلمة آلام أختها
المصابة، تقوي عزيمتها، تشد أزرها وتدفعها إلى الصبر، تحس عندها حسن
الظن بالله وقرب الفرج، تشاركها أفراحها، تعلمها ما تجهله من أمور الدنيا والدين، تتناصح وإياها وتتشاور لما فيه خيرها وخير المسلمين. أما المخالطة العشوائية
التي لا يأبه لها كثير من النساء: فما هي إلا مظهر من مظاهر انهزام المرأة
وتخاذلها عن القيام بواجباتها الأسرية، وهروب من التبعات المنزلية لتمضي مع
صويحباتها فترة لهو ولغو. وهى حالة مرضية من حيث الهدف والمضمون.
فحري بنا أن نسعى حثيثاً للعلاج قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله. [ويَوْمَ يَعَضُّ
الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ
فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنسَانِ خَذُولاً]
[الفرقان: ٢٧-٢٩] .
ولما للمرأة من مكانة عظيمة في توجيه الناشئة وغرس العقيدة الصافية في
نفوس الأبناء -أجيال المستقبل، كان لابد من محاولة جادة للاستفادة من وقتها وعدم
إضاعته سدى في مجاملات تافهة، ومظاهر فارغة.
لقد كانت المرأة أما وزوجة خير عون على الخير لما تطلعت نحوه، وشر
دافع نحو الخراب والدمار لما سعت إليه. كانت مطية للأفكار الهدامة في القرن
العشرين، وستكون مشعل نور للأجيال إن تمسكت بعقيدتها ودينها.
والله أسأل: أن يجعل هذه المحاولة لبنة تعين الأسرة المسلمة على إكمال
رسالتها، وأن يلهم مسلمة عصرنا رشدها لتعود كسالفتها الصالحة مرشدة لكل خير
وفضيلة.
- يتبع-
стр. 305
كتاب في مقال
الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن
عرض وتقديم: محمد عبد الرحمن آل الشيخ
الاهتمام بالقرآن وتفسيره مظهر من أهم مظاهر الاهتمام بالإسلام، ومنذ
عصر الإسلام الأول ومكتبة التفسير تزداد غنى وتضخماً، حتى أصبح القارئ اليوم
يجد نفسه في حيرة أمام هذه الكتب ومناهجهاً، فلا يكاد يسلم له اختيار، ولا تستقيم
له قراءة، إذا لم يبذل جهداً كبيراً في اختيار الكتاب والكاتب، من هذا المنطلق
عنى جماعة من علماء المسلمين بأصول التفسير ومنهجه، فكتبوا -عن التفسير
وتاريخه ومراحل تطوره، وكتبوا عن المفسرين واتجاهاتهم وغاياتهم، ليخلصوا
بعد ذلك إلى منهج واضح في التعامل مع المفسرين في كتبهم، تعين القارئ المسلم
في تناوله لكتب التفسير، وتجعل أمامه معايير واضحة في القبول والرد لأي فكرة
أو عبارة.
ويعد الشيخ الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ واحداً من علماء
المسلمين الذين تخصصوا في التفسير وعلمه، فعاش مع الأولين والآخرين من
خلال قراءته لكتبهم المطبوعة والمخطوطة، ويكفي شاهداً على مكانته في هذا
المجال كتابه القيم (التفسير والمفسرون) ، غير أن للشيخ كتيباً آخر - وإن كان
جزء كبير منه مأخوذاً من الكتاب الأول - يقع في حوالى مائة صفحة تحت عنوان: (الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن دوافعها ودفعها) ، ومع صغر حجم الكتاب
إلا أنه وفي الموضوع توفية جيدة، وأبان فيه كثيراً من أحوال الذين دخلوا عالم
التفسير ولكن لم تسلم مؤلفاتهم من انحرافات وأخطاء، ولا نعني بها الأخطاء
الفردية الجانبية، بل المنهجي منها، حيث يلتزم المؤلف في تفسيره منهجاً غير
سليم في تناول النصوص القرآنية يخالف أهل السنة.
والكتاب يقع في مقدمة وتسع مقالات، تكلم في المقدمة عن تدرج التفسير،
وعن مبدأ ظهور الانحراف، ثم في المقالات التسع: ذكر أحوال تسعة اتجاهات
تناولت القرآن تناولاً فيه انحراف في جانب من جوانب منهجها.
المقدمة:
تكلمت المقدمة أولاً عن: تدرج التفسير، فتكلم المؤلف في البداية عن تفسير
النبي ﷺ القرآن للصحابة، وذكر خلاف العلماء حول: هل
فسر النبي ﷺ القرآن جميعه للصحابة أم بعضه؟ واختار: أن
النبي ﷺ إنما فسر معظم القرآن، وأن هناك أشياء لم يفسرها
للصحابة مثل ما استأثر الله بعلمه، أو ما تعرفه العرب بلغتها، أو ما يعرفه المرء
من القرآن بداهة، أما الأمور التي هي من اختصاص العلماء فهي التي كانت مجال
التفسير كبيان المجمل، وتخصيص العام وتقييد المطلق ... وغير ذلك مما خفي
معناه والتبس المراد به.
ثم جاء بعد ذلك عصر التابعين الذين أخذوا التفسير مشافهة من الصحابة،
وزادوا على ذلك باجتهاداتهم بمقدار ما زاد من الغموض الذي كان يتزايد كلما بعُد
الناس عن عصر النبي ﷺ . وهكذا استمر تنقل التفسير بين
الطبقات، يزداد الناس بعداً عن عصر النبي ﷺ وتزداد
اجتهادات العلماء لسد تلك الفجوة، حتى ظهر عصر التدوين.
ويقسم المؤلف مراحل التفسير منذ عصر التدوين إلى يومنا هذا إلى أربع
مراحل؛ فيجعل:
الأولى: يوم كان التفسير جزءاً من كتب الحديث، وكان التفسير بالمأثور
يروى بأسانيده، وأحياناً يفرد له باب داخل كتب الحديث.
والمرحلة الثانية: يوم انفصل التفسير في كتبه المستقلة، ومن أعلام هذه
المرحلة - عند المؤلف -: ابن ماجه (ت:٢٣٧هـ) وابن جرير الطبري (ت:
٣١٠هـ) وغيرهما، وقد عدّ الكاتب هاتين المرحلتين من المراحل الخيِّرة في ... تاريخ تدوين التفسير بالمأثور.
ولكن المرحلة الثالثة: لم تكن كسابقتيها، حيث شهدت ظهور تفاسير لم تعتن
كثيراً بالأسانيد وإثباتها، بل عمدت إلى اختصارها وذكر أقوال السلف من غير سند، ومأخذ الكاتب على هذه المرحلة ننقله بعبارته؛ حيث يقول: (فدخل الوضع في
التفسير، والتبس الصحيح بالعليل، وكان هذا مبدأ ظهور الوضع في التفسير.
ثم تأتي المرحلة الرابعة: وهي أوسع المراحل حيث امتدت من العصر
العباسي إلى هذا اليوم، يقول- ﵀: فبعد أن كان التفسير مقصوراً على
رواية ما نقل عن سلف هذه الأمة، وجدناه يتجاوز هذه الخطوة إلى تدوين تفاسير
اختلط فيها الفهم العقلي بالتفسير النقلي، وكان ذلك على تدرج ملحوظ، فبدأ أولاً
على هيئة محاولات فهم شخصي وترجيح بعض الأقوال على بعض، وكان هذا
أمراً مقبولاً مادام يرجع الجانب العقلي منه إلى حدود اللغة ودلالة كلمات القرآن.
ولكن جانب الفهم العقلي أخذ يخرج عن إطاره المقبول مع مرور الزمن، إلى أن
وصل إلى مرحلة قال عنها: حتى وُجد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة لا
تكاد تتصل بالتفسير إلا عن بُعد عظيم.
واشتملت المقدمة كذلك على مبحث في: مبدأ ظهور تلك الاتجاهات المنحرفة، مع دراسة تحليلية موجزة لأسباب ذلك.
ليس من الصعب على من يقرأ كلام المؤلف أن يخلص إلى أنه يرجع أسباب
تلك الانحرافات إلى عاملين: أولهما: حذف الأسانيد، والعامل الآخر: اتجاه أهل
الرأي في تفسير القرآن، حيث يقول: ولاشك في أن انتهاء التفسير بالرأي إلى
إخضاعه لميولٍ شخصية ومذاهب عقدية وغير عقدية فتح على المسلمين باب شر
عظيم. ولهذا العامل عنده سببان:
أولهما: أن يعتقد المفسر معنى من المعاني، ثم يريد أن يحمل ألفاظ القرآن
على ذلك المعنى قسراً، وإن كان ما قصد إليه معنى حساً، ولكن لا علاقة له بالآية، كمن فسر قوله تعالى: [ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن
دِيَارِكُم] [النساء / ٦٦] ، بأن قتل النفس هنا: مخالفتها، والخروج من الديار هو: إخراج حب الدنيا من القلوب. وقد يكون المعنى الذي قصد إليه خطأ أصلاً، ومع
هذا يريد أن يحمل كلام الله عليه، ومثل على ذلك بمن فسر قوله تعالى: [واذْكُرِ
اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلاً] [المزمل /٨] اذكر اسم ربك الذي هو أنت، أي:
اعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله.
والسبب الثاني: أن يقف المفسر مع ظاهر اللفظ، دون نظر في حال القوم
الذين نزل فيهم القرآن، أو سبب نزول الآية.
وبعد هذه المقدمة، بدأ في تناول الاتجاهات المنحرفة وهي:
١ - اتجاه الإخباريين والقصاص.
٢ - اتجاه أصحاب المذاهب النحوية.
٣ - اتجاه من يجهل قواعد النحو.
٤ - اتجاه المعتزلة.
٥ - اتجاه الشيعة.
٦ -- اتجاه الخوارج.
٧ - اتجاه الصوفية.
٨ - اتجاه أصحاب التفسير العلمي.
٩ - اتجاه مدعي التجديد.
وقد استغرق الكلام على هذه الاتجاهات بقية الكتاب، وسنقتصر في هذا
المقال على ذكر اتجاهين اثنين، أحدهما قديم والآخر حديث، هما: الشيعة ومدعي
التجديد.
وقد نهج المؤلف في دراسته لهذه الاتجاهات نهجاً تحليلاً موفقاً، فبدأ وقدم لكل
اتجاه بمقدمة موجزة تكلم فيها عن مذهب القوم وبعض عقائدهم التي تخالف عقائد
أهل السنة، ثم أخذ أمثلة من تفاسيرهم، وذكر انحرافاتهم فيها، وكيف أوّلوا آيات
القرآن لتوافق آراءهم ومذاهبهم، ويتبع ذلك غالباً بالرد على ادعاءاتهم، وإبطال
تأويلاتهم.
الاتجاهات المنحرفة في تفسير الشيعة:
بدأ الحديث عن الشيعة بذكر أقسامهم من جهة غلوهم في أمير المؤمنين علي
بن أبى طالب- ﵁، ولخص بعد ذلك عقائد الإمامية الإثني عشرية
القائلين بإمامة اثني عشر إماماً، فقال: وللإمامية الإثني عشرية تعاليم، أشهرها:
العصمة والمهدية والرجعة والتقية. وأتبع ذلك بشرح موجز لكل عقيدة من هذه
العقائد.
وتكلم بعد ذلك عن تفاسير القوم، وضرب أمثلة لكيفية اعتسافهم لآيات القرآن
الكريم لتوافق عقائدهم، وحسبنا أن نورد هنا مثالاً واحداً مما ورد في الكتاب، فقد
نقل عن البحراني في تفسير للآيتين ٨، ٩ من سورة الذاريات: [إنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ
مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ] أنه قال: يروى عن أبي جعفر أنه قال في تفسيرها: اختلف في ولاية هذه الأمة، فمن استقام على ولاية عليِّ دخل الجنة، ومن خالف
ولاية عليِّ دخل النار، وأما قوله: [يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ] قال: يعني علياً، ومن
أفك عن ولايته أفك عن الجنة. ثم يرد المؤلف على هذا الانحراف رداً منهجياً جيداً
حيث يقول: ولسنا بحاجة إلى الإطالة في إبطال هذا الاتجاه، بعدما أثبت لنا علماء
الحديث ونقاده أن كل الروايات في ولاية علي ليس لها أساس من الصحة، وأنها
من وضع الشيعة أنفسهم ليروجوا بها مذهبهم في الإمامة والأئمة.
القارئ لهذا الفصل من الكتاب يصل في نهايته إلى حيث أراد الكاتب: من أن
تفاسير القوم لم توضع بتجرد وإخلاص، ولا يمكن اعتبارها تفاسير للقرآن بقدر ما
يمكن اعتبارها قنوات لصب أفكار الشيعة وعقائدهم من خلالها.
الاتجاهات المنحرفة في التفسير لبعض مدعي التجديد:
إذا كان الكاتب قد التزم الاتزان في العبارة، والهدوء في المناقشة والرد -
وهو خُلق جيد -، فإنه هنا وإن لم يخرج عن هذا الإطار إلا أنه استخدم عباراتٍ
أشد وأسلوباً أقوى مع أصحاب هذا الاتجاه، ولعل ذلك عائد إلى أنه عدّ بعضهم ممن
يريد الكيد للإسلام وأهله، وبعضهم ممن أقحم نفسه في هذا المجال وليس من
أصحابه، فنجد المؤلف في هذا الفصل بعد أن ذكر أن الإسلام بُلي بقوم كادوا له،
وعملوا على هدمه، نراه يقول بعد ذلك: مني الإسلام بهذا من أيامه الأولى، ومني
بمثل هذا في أحدث عصوره، فظهر في هذا القرن أشخاص يتأولون القرآن على
غير تأويله، ويلوونه إلى ما يوافق شهواتهم، ويقضي حاجات نفوسهم ... فمنهم
من حسب أن التجديد ولو بتحريف كتاب الله تعالى سبب لظهوره وشهرته في
المحيط العلمي، فذهب يفسر كتاب الله تفسيراً لا تقره لغة القرآن، ولا يتفق مع
قواعد الدين العامة، ومنهم من تلقى من العلم حظاً يسيراً لا يرقى به إلى مستوى
العلماء، ولكنه اغتر بما لديه فحسب أنه بلغ مبلغ الراسخين في العلم، ونسي أنه
قل في علم اللغة نصيبه، وخف في علم الشريعة وزنه، ... فأخذ يهذي بأفكار
فاسدة تتنافى مع ما قرره علماء اللغة وأئمة الدين.
بهذا الأسلوب وبهذه الروح تناول الكاتب أصحاب هذا الاتجاه.
ومن أصحاب هذا المنهج: صاحب كتاب (الهداية والعرفان في تفسير القرآن
بالقرآن) ، وقد ثار على هذا الكتاب علماء الأزهر حتى صودر ومنع، فقد تسلط
صاحب هذا التفسير على معجزات الأنبياء وجردها من معانيها الإعجازية، فلا
عيسى عنده ينفخ في الطين فيصير طيراً بإذن الله، ولا هو يبرئ الأكمه والأبرص
ولا يحيي الموتى بإذن الله. ومما نقله عنه المؤلف في تفسيره لقوله تعالى ... [وسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنَّا فَاعِلِينَ] [الأنبياء: ٧٩] ، يقول: ... [يُسَبِّحْنَ] يعبر عما تظهره الجبال من المعادن التي كان يسخرها داود في صناعته
الحربية، [والطَّيْرَ] يطلق على كل ذي جناح، وكل سريع السير من الخيل
والقطارات البخارية والطيارات الهوائية، وفسر قوله تعالى: [ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ
عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا] [الأنبياء: ٨١] يقول: ... [تَجْرِي بِأَمْرِهِ] الآن تجري بأمر الدول الأوربية وإشاراتها في التلغراف والتلفونات
الهوائية.
فليس بعد ذلك من عجب أن يقسو الذهبي ﵀-على هذا المفسر ويقول
عنه: وهذا بلا شك خروج صريح عن مدلولات النصوص القرآنية وإلحاد في آيات
الله .
وبعد، فهذا هو الكتاب كما قرأته، لا يخلو كل قارئ له من أن يصل في
نهايته إلى معرفة الانحرافات التي قد ترد على كتب التفسير وأسبابها، ولا يخلو
القارئ كذلك أن يستنتج من إجمال الكتاب المنهج الصحيح في التفسير، الذي به
نستطيع قبول قول المفسر أو رده، ولم يتوسع ﵀ في ذلك، ولم
يعرضه عرضاً مستقلاً، لأن عنوان الكتاب مقصور على الاتجاهات المنحرفة،
ولكن يمكن أن نستنتج جانباً من ذلك من خلال كلامه وردوده، فأهم مقومات المنهج
الصحيح فيما ذكر: الاهتمام بالأسانيد وتمحيصها ليعلم الصحيح من الدخيل،
ويضاف إلى ذلك التجرد في تناول الآيات القرآنية دون إخضاعها لمؤثرات
ومقررات سابقة.
стр. 306
قل موتوا بغيظكم
حكمت الحريري
ذكر ياقوت الحموي في كتاب (معجم البلدان) قصة تتعلق بموقف عمر بن
عبد العزيز من جامع دمشق الذي بني في عهد الوليد بن عبد الملك، فقال: (لما
ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: إني أرى في أموال مسجد دمشق
كثرة، فقد أُنفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما استدركت منها فردت إلى بيت
المال، أنزع هذا الرخام والفسيفساء، وأنزع هذه السلاسل وأصير بدلها حبالاً،
فاشتد على أهل دمشق، حتى وردت عشرة رجال من ملك الروم إلى دمشق فسألوا
أن يؤذن لهم في دخول المسجد، فأذن لهم أن يدخلوا من باب البريد، فوكل بهم
رجلاً يعرف لغتهم ويسمع كلامهم وينهي قولهم إلى عمر من حيث لا يعلمون،
فمروا في الصحن حتى استقبلوا القبلة فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد، فنكس رئيسهم
رأسه واصفر لونه، فقالوا له في ذلك، فقال: إنا كنا معاشر أهل رومية نتحدث أن
بقاء العرب قليل، فلما رأيت ما بنوا علمتُ أن لهم مدة لابد أن يبلغوها، فلما أخبر
عمر بن عبد العزيز بذلك قال: إني أرى مسجدكم هذا غيظاً على الكفار، وترك ما
همّ به) .
تلك هي القلوب الخفاقة المتعلقة بربها والتي عزفت عن الركون
إلى الدنيا وشهوات النفس، وارتفعت فوق الإحن، ولم تعرقلها السلبيات، فتجد أن
مواقف أولئك الرجال عزة لدين الله، متمثلة لقول بارئها وواعية له: [أَذِلَّةٍ عَلَى
المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ] وغيظاً لأعداء الله [لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ] .
والذي جعلني أتذكر قصة عمر بن عبد العزيز ﵁ وموقفه ذاك: نظرة كبار المؤرخين والمفكرين من أعداء الإسلام وموقفهم من الحركات ...
الإسلامية المجددة منها خاصة، والتي تعمل على تجديد معالم الدين وإعادة الروح
الإسلامية الخالصة الحقيقية إلى أبناء الأمة الإسلامية، تلك الحركات التي لم تقبل
الانقياد للأفكار الغربية الملحدة، ولم تخضع وتنكسر للحاقدين على الإسلام.
وسأذكر فيما يلي موقف بعض الحاقدين على تلك الحركات المجددة لدين
الإسلام، فيصفها بصورة مشوهة، ويظهر التحامل وعدم الرضا منها.
وصدق الله : [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ] وقوله- : [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ
اسْتَطَاعُوا] .
وأول المواقف التي أريد التعرض لها والحديث عنها: لأحد مشاهير
المؤرخين الأوربيين " أرنولد توينبى " وذلك في محاضرتين ألقاهما ما بين عامي
١٩٤٧-١٩٥٢، وقد ترجمهما الدكتور نبيل صبحي الطويل إلى اللغة العربية في
كتيب بعنوان " الإسلام والغرب والمستقبل "، وطبع للمرة الأولى عام ١٣٨٩ هـ
١٩٦٩م.
تحدث توينبى في محاضرته الأولى عن بداية العلاقة بين الإسلام والغرب،
وذكر أنها بدأت في القرن السابع الميلادي، حينما حرر المسلمون سلسلة من الدول
الشرقية من سيطرة الرومان، من سورية شرقاً إلى أسبانيا غرباً، بعد أن كانت
تحت الحكم الروماني مدة ألف عام تقريباً. واستمر الفتح الإسلامي حتى شمل جميع
بلاد الهند، وانتشر أيضاً في أندونيسيا والصين شرقاً، وفي أفريقيا الاستوائية
جنوباً، وكل ما تبقى من العالم المسيحي الشرقي في آسيا الوسطى، وجنوب شرقي
أوروبا خضع في القرنين الرابع عشر والخامس عشر لحكم المسلمين العثمانيين،
وبقي علم الهلال يرفرف فوق السواحل الشرقية لبحر الإدرياتيك حتى عام ١٩١٢،
وبعد أن فشل الأتراك للمرة الثانية في حصار فيينا عام ١٦٨٣ بدأ الهجوم الغربي
المعاكس على العالم الإسلامي.
ولم يكن هذا الهجوم رداً مباشراً مماثلاً للغزو الصليبي، بل كان تطويقاً
للإسلام عن طريق السيطرة على المحيطات، ونجح الغرب في عقد الحبل حول
عنق الإسلام في أواخر القرن السادس عشر، ولم يتم الخناق إلا في القرن التاسع
عشر. [الإسلام والغرب والمستقبل: ١٦-١٨] .
وفي هذه الفترة الزمنية: أدرك العثمانيون أنهم بحاجة إلى التقنية الغربية،
أي: بعد فشلهم بمائة سنة من حصار فيينا خاصة في المجال العسكري، وكان
مصطفى كمال واحداً من الضباط الذين تشربوا الأفكار الغربية حينما كانوا يتعلمون
الفنون الحربية الغربية، وكان هدف هذا العسكري هو التغريب الكامل لتركيا
وفرض برنامجه على الناس بقوة القانون، فتحرير المرأة وإزالة الدين الإسلامي
وفرض الأحرف اللاتينية بدل الأبجدية العربية كل ذلك شرِّع بقوانين ما بين
(١٩٢٢-١٩٢٨) (ص ٢٥) .
ثم يقول: (من المؤكد أن الشعب التركي بوحي من أتاتورك قد خدم العالم
الإسلامي كله! ! ! عندما حاول حل المسألة الغربية المشتركة باقتباسه الحياة
الغربية الحديثة كلها بدون أية تحفظات والقومية الغربية جزء منها) (ص ٢٩) .
هذا هو ملخص المحاضرة الأولى لتوينبي:
ولكن ... إنه لمنطق عجيب أن يدعي توينبي بأن مصطفى كمال أتاتورك خدم
العالم الإسلامي! !
أية خدمة هي التي يقول عنها توينبي قبل قليل، إن أتاتورك أزال الدين
الإسلامي! ! وحرر المرأة! ! وذلك يعني بأنه أخرجها من سترها وحشمتها سافرة
عارية، وأصبحت سلعة رخيصة كما هي حال المرأة في الغرب.
وأية خدمة قام بها مصطفى كمال بتغيير الحروف العربية ووضع بدلها
الحروف اللاتينية! !
ولكن العجب ينقضي عندما يعلم المسلم: أن هذا هو منطق الحاقدين على
الإسلام وأهله، خدمته هي القضاء عليه! والكلام لا يحتاج إلى طول تعليق.
وأما المحاضرة الثانية والتي عنوانها: (الإسلام والغرب والمستقبل) فلا أريد
التعرض لكل ما ذكره توينبي فيها، بل أكتفي بالتركيز على موضع الشاهد من
القصة التي أوردتها في البداية.
بعد غزو الغرب للعالم الإسلامي، فإنه انقسم إلى قسمين شأنه في ذلك شأن
كل المجتمعات المغلوبة التي تواجه مجتمعاً آخر متحضراً، وفي هذا يقول توينبي
كما هو في النص المترجم: (كلما واجه مجتمع متحضر مثل هذا الموقف - أي:
الغزو - أمام مجتمع متفوق آخر نجد طريقين لا ثالث لهما للرد على هذا التحدي
فريق أصبح متمسكاً متحمساً متعصباً (ZEALOT) وفريق ثاني أصبح مقلداً
متكيفاً (HERODION) ، ويعرض توينبي الفريق الأول (المتحمس) بأنه الإنسان
الذي يتهرب من الشيء المجهول ويلجأ للشيء العادي المتعارف عليه. ويذكر أن
ممثلي هذا الطريق - المتحمس - في العالم الإسلامي المعاصر: (هم تلك الحركات السلفية أمثال السنوسية في شمال أفريقيا، والوهابية في أواسط شبه جزيرة العرب) .
ويعتبر أن من الخصائص الملحوظة عند هؤلاء المتحمسين هي أن معاقلهم
تقع في مناطق مجدبة قليلة السكان، بعيدة عن الطرق الرئيسية الموصلة إلى العالم
الحديث.
ثم يذكر أيضاً من الأمثلة على المتحمسين في العالم الإسلامي: الإمام (يحيى
حميد الدين) في صنعاء، ومن الأمثلة على المقلدين التي يذكرها توينبي: محمد
على باشا - في مصر، ومصطفى كمال أتاتورك.
وكما ذكرت فيما سبق من حرصي على نقل مقاطع مترجمة حرفياً من أقوال
توينبي ليكون القارئ على بينة من نظرة الحقد التي ينظرها الصليبيون إلى العالم
الإسلامي، وما تخفي صدورهم أكبر تجاه الحركات الإسلامية الأصيلة، حيث
يصفها بالتعصب والتحمس وعدم استعمال العقل والتفكير ...
وفي حالة حصول المواجهة بين الغرب وأولئك المتحمسين المتعصبين على
حد تعبيره يقول: (ولكن المتحمس المسلح ببندقية أوتوماتيكية لم يعد ذلك المتحمس
المتصوف التقي، لأنه باستعماله لأسلحة الغرب قد وطئ أرضاً دنسة، ولاشك أنه
إذا فكر في الأمر -وقليلاً ما يفعل ذلك لأن سلوكه في الأساس غريزي غير
عقلاني- يقول في نفسه: لن أتعدى الحدود التي وصلتها في تعاملي مع الغرب) .
وفي مقطع آخر يقارن توينبي بين المقلدين والمتحمسين، فيتحامل على
المتحمسين ويلمز بهم وينتقصهم، فيقول: (والواقع أن حركة المقلدين المسلمين
هي أكثر فعالية وتأثيراً من حركة المتحمسين ... لهذا يلجأ المتحمس إلى الماضي
كالنعامة التي تحاول وأد رأسها في الرمال لتختبئ من ملاحقيها، أما المقلد فيواجه
الحاضر بشجاعة، ويحاول اكتشاف المستقبل، فالمتحمس تسيره الغريزة، والمقلد
يسيره العقل) .
ثم تعرض مرة أخرى إلى الحديث عن الثورة التي حصلت في تركيا- أي:
في عهد مصطفى كمال-، وأن ثورته لم تقتصر على تغيير الدستور، فيقول: "
قامت الجمهورية التركية الوليدة بخلع المدافع عن الدين الإسلامي - الخليفة -،
وألغت منصبه، وجردت رجال الدين المسلمين، وحلت منظماتهم، وأزالت
الحجاب عن رأس المرأة واستنكرت كل ما يرمز إليه الحجاب، وأجبرت الرجال
على ارتداء القبعات التي تمنع لابسيها من أداء شعائر الصلاة الإسلامية التقليدية ...
وكنست الشريعة الإسلامية بأكملها ".
كل هذه الأعمال التي قام بها مصطفى كمال تعتبر إصلاحية، وخدمة للعالم
الإسلامي في نظر توينبي! ! ومهما حصل من أخطاء في طريقة التنفيذ فلهم
عذرهم المقبول حسب رأيه، وفي محاولة تبريره لتلك الجرائم يقول توينبي: (ولقد
قامت ثورة المقلدين الأتراك بهذه الروح فواجهت عقبات ضخمة ومعاكسات شديدة،
حتى أن أي مراقب متفائل يضع في حسابه احتمالات قيام أخطاء فاحشة بل حتى
جرائم، ويرجو للثورة النجاح في القيام بأعبائها الهائلة) .
ومن الشعوب التي يعتبرها أيضاً من المتحمسين المتعصبين: قبائل الباتان
التي قامت ضد الطاغوت الذي كان يحكم أفغانستان الملك (أمان الله) ، ثم يتحدث
عن نوعية الاصطدامات التي تقع بين المتحمسين من المسلمين والمقلدين الذين
ينتسبون للإسلام ظاهراً ويعادونه خفية وباطناً، بل ربما تنكروا للإسلام ظاهراً
وباطناً، يقول: (ويمكن أن نلاحظ في سياق بحثنا أن أي اصطدام وقع ويقع بين
المتحمسين وأبناء جلدتهم من المقلدين المسلمين، يلقى المتحمسون فيه عناء شديداً،
ويعاملهم المقلدون معاملة قاسية لا يتجاسر الغربيون على القيام بها، فالغربيون
يعذبون المتحمسين بالسياط، أما المقلدون المسلمون فيعذبونهم بالعقارب) .
والأمر الذي يخشاه توينبي ويحذر من عودته هو الوحدة الإسلامية وعودة
الإسلام إلى الساحة مرة أخرى كما كان عليه من قبل ليلعب دوره الرئيسي في
القضاء على الفساد الناتج عن امتداد الغزو الغربي الذي يرافقه التفرقة العنصرية،
والاختلال الطبقي وغيرها من مفاسد الحضارة الغربية، وفي ذلك يقول توينبي:
(أما في المستقبل البعيد: فيمكن التكهن باحتمال قيام الإسلام بالإسهام في أوجه جديدة للدين، وهذه الاحتمالات المتعددة تتوقف على الوجهة السعيدة التي سيتمخض عنها
وضع الإنسانية الحاضر) (ص ٦٨) .
ثم يقول: (صحيح أن هذه الإمكانية المدمرة للإسلام لا تظهر الآن حتمية
الوقوع؛ لأن الكلمة المؤثرة (الوحدة الإسلامية) .. بدأت مؤخراً تفقد سيطرتها التي
كانت على عقول المسلمين) ، ثم يقول: (فحركة الوحدة الإسلامية نفسانياً هي
الدعوة المثلى التي تسري في عروق المسلمين المتحمسين أمثال الوهابيين
والسنوسيين، إلا أن هذا الاستعداد النفسي للوحدة يصطدم بعقوبات تكنيكية) (ص
٦٨) .
ثم يعبر عن خشيته من عودة الوحدة الإسلامية بعبارات واضحة جلية، وهذا
ما يختم به محاضرته فيقول: (صحيح أن الوحدة الإسلامية نائمة، ولكن يجب أن
نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ، إذا ثارت البروليتاريا العالمية للعالم المتغرب
ضد السيطرة الغربية، ونادت بزعامة معادية للغرب، فقد يكون لهذا العداء نتائج
نفسانية لا حصر لها في إيقاظ الروح النضالية للإسلام، حتى ولو أنها نامت نومة
أهل الكهف، إذ يمكن لهذا النداء أن يوقظ أصداء التاريخ البطولي للإسلام.
هناك مناسبتان تاريخيتان كان الإسلام فيهما رمز سمو المجتمع الشرقي في
انتصاره على الدخيل الغربي، ففي عهد الخلفاء الراشدين بعد الرسول -صلى الله
عليه وسلم-: (حرر الإسلام سورية ومصر من السيطرة اليونانية التي أثقلت
كاهلهما مدة ألف عام تقريباً) ، وفي عهد (نورالدين) و (صلاح الدين) و ... (المماليك) : احتفظ الإسلام بقلعته أمام هجمات الصليبيين والمغول، فإذا سبب
الوضع الدولي الآن حرباً عنصرية، يمكن للإسلام أن يتحرك ليلعب دوره التاريخي
مرة أخرى، وأرجو ألا يتحقق ذلك (ص ٧٣) .
أخي القارئ الكريم: هذا هو كلام المؤرخ الأوربي الشهير الذي يُعتبر أسوة
لأبناء جلدته ومن شاكلهم في الحقد على هذا الدين وعلى تلك الحركات الأصيلة،
وهذه الكلمات التي يختم بها محاضرته: (أرجو ألا يتحقق ذلك) ! ! يرجو ألا تعود
الوحدة الإسلامية؛ لتقف الأمة في مكانها الرائد، ولتقوم بدورها المطلوب في إنقاذ
الشعوب وتحريرها من سيطرة الطواغيت والأنظمة الجاهلية بكل مسمياتها،
وإعادتها إلى نظام توحيد الألوهية الذي دعت إليه جميع الرسل، وتنفيذ قول الله -
: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ] .
إن مما يغيظ الحاقدين على الإسلام ويثير حنقهم: تلك الحركات التي يتهمها
بالتعصب والحماس ... الوهابية والسنوسية وقبائل الباتان، تلك الحركات التي
يحكم توينبي بأن نهايتها الموت المحقق والفناء الكامل، لأنها تواجه الحضارة
الغربية.
ولقد خيب الله تعالى ظن توينبي وأمثاله؛ إذ ظنوا أنهم سيقضون على
الأصوات التي ارتفعت تنادي بالعودة إلى شرع الله والأيادي التي حملت السلام
لتذود عن دين الله.
ظن أن ما فعله محمد علي باشا بإشارة من الإنكليز والفرنسيين في ضرب
الحركة الوهابية في عقر دارها، ظن أنها ستنتهي إلى الأبد، وهيهات له ذلك، فلقد
تأثر بأفكار محمد بن عبد الوهاب معظم الحركات الإسلامية في شرق العالم وغربه.
وظن أن ما فعله الملك (أمان الله) مع قبائل الباتان في قيامه ضدهم وتعاونه
مع الانكليز للقضاء عليهم في أفغانستان ظن أنهم قد قضي عليهم وانتهوا، فكيف لو
اطلع توينبي ورأي ما يحدث بأفغانستان على أيدي من يصفهم بالمتعصبين
المتحمسين، من مواجهتهم لأظلم وأشرس وأشد طواغيت الأرض من الشيوعيين،
لقد أرغم هؤلاء المتحمسون أنف الروس والشيوعيين وأذاقوهم كؤوس المنون
وبالرغم من كل ما تعده من مكر الليل والنهار.
ونسأل الله أن يجعل كيد الخائنين في نحورهم، فما كان الروس يتوقعون أن
تحدث لهم مثل هذه المذلة باحتلالهم لأفغانستان، الذي كانوا يظنونه: أن احتلال
أفغانستان كسب مهم لروسيا وخطوة عملية بضمهم أفغانستان للإمبراطورية
الشيوعية، وذلك لكثرة خيرات أفغانستان وثرواتها، ولكن (رُب حتف امرئ فيما
تمناه) .
إنني أهيب بالمخلصين من دعاة الإسلام وحملة رايته بشتى أصنافهم، شيباً
وشباباً، علماء وطلاب علم، وأدعوهم إلى أن يتمثلوا موقف الخليفة الراشد مجدد
القرن الأول عمر بن العزيز ﵁ في كل ما يغيظ أعداء الله وأعداء
هذا الدين [١] .
فلنقوِّ ونؤازر كل ما يغيظ أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ ،
وبذلك ننال رضى الله تعالى، ونحقق معنى الموالاة لأولياء الله والبراءة من أعداء
الله، وبذلك يتحقق قول الله : [لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن
دُونِ المُؤْمِنِينَ] ، وقوله تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ
مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ] ، وقول النبي ﷺ : (أوثق عرى
الإيمان الحب في الله والبغض في الله) ، ثم لينطلق لسان المؤمن بربه وسنة نبيه -
﵊ بعد قراءة هذا المقال بقول الله تعالى: [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] .
стр. 307
أدب وتاريخ - قصة قصيرة
الأشباح
علي محمد
كانت عقارب الساعة متعبة متثاقلة، تقترب من الحادية عشرة مساءً، عندما
كان السيد حمدي يقطع الطريق المتلوي الذي تشخص إليه عيون الأشجار الكهلة
الكثيفة، زائغة مضطربة تحت أشعة ضوء القمر التي تدس أنفها في كل زاوية،
فاضحة أسرار الظلام مشكلة أخيلةً، جميلة حيناً، محيرة حيناً، مخيفة حيناً آخر،
بينما تأخذ النسمات الشمالية اللطيفة الباردة دورها في تحريك الأخيلة يمنة ويسرة،
وتعبث بالأوراق والأغصان، محدثة أصواتاً ترمز أو لا ترمز إلى شيء.
وكان الحديث الذي دار في تلك الأمسية عن الجن والعفاريت يملأ وعيه،
ويعشش بين ضلوعه، وما أن بدأت بعض الحصيات تتطاير بفعل الحركة المرنة
لمؤخرة حذائه الإسفنجي الصيفي حتى بدأ بإسقاط كل ما دار في تلك الأمسية على
محاوره الذاتية النفسية، معللاً كل حركة، ومؤولاً كل خيال، مستخدماً كل
معلوماته في الجغرافيا وعلم الاجتماع.
هذه الحركة الخشنة البطيئة المرعبة عند تلك الشجرة الضخمة، أقرب ما
تكون إلى حركة شمهورش ملك الجن الأحمر ... وهذه رمانة وهيلانة ... تحاولان
النزول بهدوء من فوق ذلك الحائط بحركة رشيقة أشبه بحركة اللصوص الظرفاء نَ
نَعم، إنهما يقتربان لكن؟ ! من هذا الذي يرمي علي الحصى من الخلف؟
- هل أضمروا لي شراً يا ترى؟
- ماذا يريدون؟
- هل سيقتادونني مثل اللجان الشعبية إلى حيث لا أدري؟
- لكنّ موقفي المعلن لم يكن ضدهم في الحديث الذي دار منذ قليل! ! أم.. أم؟ !
- كما أنني لم أسخر من بقرة سيدنا الشيخ علي! !
- وكيف أسخر منها وهى الكرامة الحية التي تناقلها أفاضل الناس، يوم أن
قالت قولتها المشهورة: " إما حراثة وإما حليب " حين أتعبها الشيخ علي بالحراثة؟
- لكن يا ترى هل يستطيعون أن يعلموا ما دار في خلدي؟ لا أعتقد ذلك.
فالله يقول على لسانهم: [وأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ
أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً] ؟ !
- لكن أرى أنهم يريدون بي شراً ... كل الدلائل تشير إلى ذلك؟ !
- ماذا عملت يا ترى؟
- أكان علي أن أرد على زملائي الذين سخروا من حراس مقام بقرة سيدنا؟
- إنهم يقتربون! !
- ياإلهي! !
الحركة تزداد من هنا، وهذا الشيخ قادم إلي من هناك، آه الحصى بدأ يتكاثر
علي ... لقد أصبحت على مقربة من المقام.. علي أن أسرع ... علي أن أسرع
قبل أن يصيبني مكروه ...
- لكن يا ترى هل هؤلاء من الجن المؤمنين أم من الكافرين؟
- وإن كانوا من المؤمنين، فلماذا يضمرون لي الشر؟
- وإن كانوا من الكافرين، فما شأنهم بحراسة المقام؟
- وكيف يستعين سيدنا الشيخ علي بالجن؟ !
- ألم يسمع قول الله : [وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ
بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً] ؟
- (ومع ازدياد حركته يزداد تطاير الحصى، وتزداد حركة أخيلة الأشجار،
وتزداد نبضات قلبه خوفاً وهلعاً) .
- يا إلهي! !
-كيف يقول لنا الأستاذ فهمان: أن كل هذه الأشياء خرافات نسجتها العجائز؟
- إن وجود الجن حقيقة، كما قال : [وخَلَقَ الجَانَّ مِن مَّارِجٍ
مِّن نَّارٍ] ، وأنهم يروننا ولا نراهم حقيقة، كما قال أيضاً: [إنَّهُ
يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ] .
- كما أن كلام الست درية خانم عن جارتها أم الهبرة عن الإسكافي أبي كارم
[أن رجلاً سافر إلى أحد الأودية هناك، فوجدوه مشلولاً، عاجزاً عن النطق من
كثرة ما ضربه الجن على رأسه] كلامٌ متصل السند، لا يعتريه شك، وبالتالي ...
وبالتالي..
- وبالتالي، فاسأل الله : أن يحفظني من بطشهم هذه الليلة،
فإنه لا قوة لهم مع الله ولا حيلة، ألم يقل على لسانهم: [وأَنَّا ظَنَنَّا أَن
لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ ولَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً] ؟
ولما تجاوز المقام بسلام، توقَّف توقُّف الحذر، يتلفت يمنةً ويسرةً، بل تسلق
أحد الجدران متشجعاً من حيث الظاهر، يكاد ينخلع قلبه هلعاً من الداخل، راقب
المكان بدقة، فلما لم يعد يرى أو يسمع شيئاً، تابع مسيره إلى البيت مسرعاً مطمئناً
بعض الشيء.
وفجأة ينتصب على يمين الطريق ماردٌ عملاق عجيب مخيف، يرتفع رأسه
فوق الأشجار، انهارت أقدام حمدي، وانعقد لسانه، وأيقن بالهلاك، ووجد نفسه -
بشكل لا إرادي- يركض ويركض، لاهثاً، مسرعاً، خائفاً مرتعداً. وكان كلما
أسرع يزداد عدد الحصى المتطاير، وتزداد سرعة الأخيلة، التي تعني هجوم
مرجانة وشمهورش وكل حراس المقام.
سقط على الأرض مراراً، تحامل على نفسه، ولم يشعر بالجروح في ركبتيه
ويديه، أخذ يصيح بشكل عفوي: يا رب ... يا رب ... سلِّم.. سلِّم، وصل إلى
البيت، تلفت عشرات المرات المتتالية، وراء، أمام، يمين، يسار، فتح باب
البيت أسرع من البصر، دلف إلى غرفته، اندس في الفراش، غطى وجهه
باللحاف، أخذ اللحاف يرتفع وينخفض متجاوباً مع حركة الصدر الخائف
المضطرب.
وكان كلما هدأ روعه، وأغفى إغفاءة قصيرة، هبَّ من نومه فزعاً، مرتعداً، ينادي هناك.. هناك. ...
وأحست الحاجة زهدية بالموقف دون أن تدري ما السبب، وبدأت تتعوذ بالله
من الشيطان الرجيم، وتقراً الفاتحة، والمعوذات، وأشعلت مبخرتها لتطرد الأرواح
الشريرة.
سلامتك يا ابني.. سلامتك يا حبيبي.
وفي الصباح كان على حمدي أن يقطع نفس الطريق ذاهباً إلى مدرسته،
ومشى حمدي بخطى خائفة حذرة، خاصة عندما اقترب من مكان الشبح الذي رآه
بالأمس.
- وفجأة؟ ! ! تسمَّر في مكانه. إنه هو ... نعم ... نعم.. إنه هو، هذا هو
رأسه، فوق تلك الشجرة، يا إلهي! ! ! ؟
- أنا أعلم أن الأشباح لا تظهر في النهار؟
- أنا إذاً مطلوب، مطلوب من دولة الأشباح، ليلاً أو نهاراً.
- لكن ماذا عملت؟
- إنه يتحرك ... يتحرك.
وانتبه زميله فائز، فسأله مستغرباً: ما بك يا حمدي؟ !
- ألا ترى الشبح؟
- وأي شبح؟
- ذلك المارد على تلك الشجرة.
- ذاك؟
- نعم ذاك.
- ذاك خيال وضعه جدي لإخافة العصافير حتى لا تأكل المشمش، وليس
لإخافة الشبان أمثالك.
- تداخل حمدي في بعضه خجلاً، وابتسم ابتسامة شاحبة اللون، وقال
بانكسار: إن جدك على ما يبدو صانع ماهر للتماثيل.
стр. 308
الانطلاقة الكبرى
شعر: محمد ظافر الشهري
كابد القيدَ لحمُها والعظامُ ... وبنو قوها شِباعٌ نِيام
هي في الأسر والهوان حَصَانٌ ... لم يدنس جنابَها الظلام
كلما أصبح الصباحُ عليها ... حملتها وقيدَها الأقدام
فتطيل الوقوف تنشدُ نوراً ... فلقد ساد ليلَها الإعتام
فإذا استيأست.. جثت، فقُواها ... أنهكتها القروحُ والآلام
وأشدُّ العُجابِ أن ذويها ... يشهدون العذابَ وهي تُسام
ذي فلسطينُ في القيود تنادي ... وتطيل النداءَ.. وا.. إسلام
بعد أن سلَّمت مقاليدها الفا ... روقَ أضحى يسوسها الحاخام
فأُذيقت من العذاب صنوفاً ... كتبتَها ... فكلت الأقدام
واستمات اليهود في ضيمها جُبـ ... ناً، ولكنما الجبان يضام
وإذا قصَّرت سهامُ يهودٍ ... ساندتها من الصليبِ سهام
أين منها الرجال يُعْنُون بالعر ... ض، وان كان دونه الإعدام
كم حلمنا بردها وبكينا ... ثم خابَ البكاءُ والأحلام
لن يُذِلَّ اليهود رقصُ سعادٍ ... أو تغني - فيُصرعون - هيام
كيف يرجى لنجدة القدس من ... قد أثقلته الذنوبُ والآثام
قد أضعناكِ يا فلسطينُ لمَّا ... فتنتنا الخمورُ والأنغام
وشعار القرومِ كلَّ زمان ... لا يَفُلُّ الحسامَ إلا الحسامُ
ما أضاع الأميُر من أرضها شبـ ... راً فما كان شأنه الإجرام
غير أن الجدود كانوا عمالي ... قاً.. وقد جاء بعدهم أقزام
ضيع الخَلْفُ قدسهم ونَسَوها ... وتتالت عليهم الأعوام
يذكر القدس في المحافل يومٌ ... كل عام.. وتُعرض الأيام
وكأن الجهاد صار مباحاً ... بعضَ يوم وما عداه حرام
غير أن الجهاد في ذلك اليو ... م أغانٍ مثيرةٌ وكلام
وخلال الظلام شب ضياءٌ ... فتلاشى بنوره الإظلام
فعتاد المجاهدين حصاةٌ ... ودروع المجاهدين لثام
فتذكرتُ وعد خيرِ رسولٍ ... صلواتٌ تحفُّهُ وسلام
فكلام النبي ليس وربي ... تعتريه الشكوك والأوهام
سَنَحُسُّ اليهود نحصدهم حص ... داً.. وتنهار عندها الأصنام
وتسود البلادَ رايةُ حقٍ ... رايةٌ تنحني لها الأعلام
стр. 309
معالم من تاريخ الخلفاء الراشدين
محمد بن صامل السلمي
الخلفاء الراشدون هم الأئمة الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي
الله عنهم أجمعين-، وهم الذين خلفوا رسول الله ﷺ في قيادة
الأمة، ومدة خلافتهم من انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى في ١٢
ربيع الأول سنة ١١هـ إلى مقتل علي بن أي طالب في ١٧ رمضان سنة ... ٤٠ هـ[١] : تسع وعشرون سنة وستة أشهر وخمسة أيام.
وإذا أضيفت لها خلافة الحسن بن علي (من مقتل أبيه عن تنازله لمعاوية بن
أبي سفيان ٢٥ ربيع الأول سنة٤١هـ) [٢] تكون ثلاثين سنة بالتمام، وقد اختصوا
بوصف الراشدين لصفات تميزوا بها في سلوكهم الذاتي وفي إدارتهم لشؤون الأمة
ورعايتهم لدينها وعقيدتها وحفاظهم على النهج الذي جاء به رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- من الدعوة، والجهاد، وإقامة العدل، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر.
والرشد ضد الغي والهوى وهو الاستقامة الكاملة على المنهاج النبوي، وقد
جاء وصفهم بهذه الصفة في حديث العرباض بن سارية ﵁: " ...
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ،
وإياكم ومحدثات الأمور " [٣] .
كما جاء وصف خلافتهم في بعض الأحاديث النبوية: أخرج الإمام أحمد في
مسنده عن حذيفة- ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون
خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها
... ) الحديث [٤] .
وفي حديث سفينة ﵁ تحديد لزمن الخلافة الراشدة، قال رسول الله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من
يشاء) [٥] ، قال سفينة: أَمست خلافة أبي بكر ﵁-سنتين، وخلافة
عمر ﵁-عشر سنين، وخلافة عثمان ﵁ اثني عشر
سنة، وخلافة علي ﵁-ست سنين.
وقد تميز عصرهم من بين سائر عصور الدول الإسلامية بجملة من المميزات
التي تميزه عن غيره، وصار العصر الراشدي مع عصر النبوة معلماً بارزاً
ونموذجاً مكتملاً، تسعى الأمة الإسلامية وكل مصلح إلى محاولة الوصول إلى ذلك
المستوى السامق الرفيع، ويجعله كل داعية نصب عينيه فيحاول في دعوته رفع
الأمة إلى مستوى ذلك العصر أو قريباً منه، ويجعله معلماً من معالم التأسي والقدوة
للأجيال الإسلامية، ومن ثم صار كل مصلح وكل حاكم عادل وكل إمام مجتهد يقاس
بهذا العصر ويوزن بميزانه، حتى لقب كثير من العلماء الخليفة الأموي عمر بن
عبد العزيز (خامس الخلفاء الراشدين) [٦] ، ونسبوه إليهم، وذلك لأنه سار بسيرتهم، وسلك طريقهم، وأعاد في خلافته رغم قصرها (٩٩-١٠١هـ) معالم نهجهم، وأحيا
طريقتهم في الحكم والإدارة وسياسة الرعية.
وفي هذه المقالة نتعرف على بعض معالم عصر الخلفاء الراشدين -رضي الله
عنهم-؛ لتكون مثالاً يحتذى وصدىً يهتدى بها في طريق الدعوة إلى الله.
١- توحيد مصدر التلقي:
ومصدر التلقي هو الكتاب والسنة المطهرة، وهذه قضية مهمة جداً، فما وقع
التفرق والاختلاف إلا عندما قصَّرَ المسلمون في فهم الكتاب والسنة وزاحموهما
بمصادر ومقررات خارجية من فلسفات الأمم وأهواء النفوس، والبشرية لا يمكن
لها أن تتقارب وتتوحد إلا إذا وحدت مصادر فهمها وتلقيها، فإن الناظر في
الفلسفات البشرية والمذاهب الفكرية والسياسات العملية يجد بينها بونا ً شاسعاً
واختلافاً كبيراً يصل إلى التضاد والتناقض، ولذلك فإنه لا سبيل لوحدتها وإزالة ما
بينها من اختلاف وتناقض، ويبرأ من النقص والهوى ويخضع له الجميع سوى
وحي الله المنزل في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، لأنه من تشريع
الله الخالق لكل شيء، الحكيم الخبير الذي أحاط علمه بكل شيء، قال تعالى: ... [ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياً] [مريم: ٦٤] ،وقال تعالى: [لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ] [البقرة: ٢٥٥] ، وقال: [وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً] [النساء: ٢٦] ، وقال تعالى:
[الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَداً ولَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وخَلَقَ
كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً] [الفرقان: ٢] ، وقال تعالى: [ولَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ
فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [الأعراف: ٥٢] ، وقال تعالى: ... [واللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] [الحجرات: ١٦]
فما كان الخلفاء الراشدون يتلقون أو يأخذون نظمهم ولا سياستهم ولا مناهج
علمهم وكافة أمورهم إلا من الكتاب المنزل من الله والسنة الموحى بها إلى رسول
الله ﷺ ، ولم يكن الاقتصار منهم على الوحي الرباني عن فقر
في العلوم والثقافة في عصرهم ولكنه عن علم وقصد واتباع لأمر الله وأمر رسوله
ﷺ ، قال تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا
ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ] [الجاثية: ١٨] .
فكل ما خالف الوحي فهو هوى وجهل وعمى، وقال تعالى: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [الروم: ٣٠] .
ولقد غضب رسول الله ﷺ عندما رأى في يد عمر بن
الخطاب صحيفة من التوراة وقال: (لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والذي نفسي بيده
لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني) [٧] ، وأقوال الخلفاء الراشدين بعد وفاة رسول الله ﷺ ومواقفهم توضح ذلك وتبينه.
قال الخليفة الأول صديق هذه الأمة بعد أن بويع بالخلافة في خطبة عامة:
إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني [٨] .
وقال عمر الخطاب ﵁: (قد كنت أرى أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم -سيدبر أمرنا- أي: يكون آخرنا -، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به
هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وإن الله قد جمع أمركم
على خيركم [٩] (يعني: أبا بكر) .
وقال أيضاً: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما
أعزنا الله به أذلنا الله) [١٠] . فالاعتصام بالكتاب والسنة والتلقي منهما قضية
مسلمة لا تقبل النقاش، ولقد استمرت الأمة على هذا الفهم قروناً، ولكنها أصيبت
في الأعْصُر المتأخرة بالانحرافات حتى جهلت المسلمات ووجد من أبنائها من يجادل
في هذا، بل وربما وجد فيمن ينتسبون إلى الدعوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
٢- حماية جانب العقيدة:
لقد جاءت الشريعة بسد باب الذرائع المؤدية إلى الشرك ومحاربة البدع والمحدثات في الدين، ولهذا لم يكن الخلفاء الراشدون وظيفتهم تقف عند حفظ الأمن
والحكم بين الناس، بل إنها تتعدى ذلك لتشمل كافة مصالح الأمة الدنيوية والأخروية، ومن ثم قاموا على نشر العقيدة الصحيحة وسدوا كافة المنافذ المؤدية إلى الابتداع
في الدين أو النقص منه أو الانحراف في فهمه، وقاوموا كل مبتدع أو مشكك في
الدين، وطبقوا قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس
منه فهو رد) [١١] .
والوقائع التاريخية والمواقف المنقولة عنهم في هذا المعنى، كثيرة نذكر نماذج
منها:
- موقف الصديق ﵁-في الردة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه
وسلم-، فقد واجه المرتدين بكل قوة وصلابة وحزم وشجاعة، ورفض مهادنة
مانعي الزكاة رغم قلة الجند الإسلامي ومشورة كثير من الصحابة له بذلك منهم عمر
بن الخطاب، فقال ﵁ قولته الشهيرة: (والله لأقاتلن من فرق بين
الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم
عليه) [١٢] .
وقال لعمر بن الخطاب: (أجبار في الجاهلية، خوار في الإسلام؟ إنه قد
انقطع الوحي وتم الدين، أوَ ينقص وأنا حي؟ [١٣] .. فهو يعلم ﵁
أن واجب الخليفة حراسة الدين من الزيادة والنقصان، لذلك قال مستفهماً هذا
الاستفهام: (أو ينقص وأنا حي؟) أي: إن ذلك غير ممكن ولا أقبل به أبداً مادمت
حياً، ولذلك قال أيضاً: (والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف في يدي، ولو لم يبق
في القرى غيري) [١٤] .
- مواقف عمر بن الخطاب كثيرة: فقد كان ﵁-شديداً على أهل
الأهواء والبدع، فقد ضرب صبيغ بن عسل التميمي بجريد النخل وعراجينه عندما
أخذ يثير بعض الأسئلة المشككة، حتى قال له: والله لقد ذهب ما أجد يا أمير
المؤمنين، ثم بعث به إلى والي البصرة أبي موسى الأشعري وأمره بمنعه من
مخالطة الناس، فحجز حتى تاب واستقام أمره وأقلع عن بدعته [١٥] وقولته ﵁ عند تقبيله الحجر الأسود: (إني أعلم أنك حجر لا
تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما ... قبلتك) [١٦] ... دليل واضح على المتابعة الدقيقة لرسول الله ﷺ
وإبعاد لأي اعتقاد ينشأ عند بعض الناس بأن الحجر ينفع أو يضر بذاته.
وكذلك قطعه للشجرة التي بايع تحتها رسول ﷺ أهل
الحديبية بيعة الرضوان، عندما بلغه أن بعض الناس يقصدها بعبادة كالصلاة عندها
أو الدعاء والتبرك بها [١٧] .
- موقف عثمان ﵁ في سد باب الفتنة والاختلاف في القرآن
الكريم: حيث سارع -عندما قدم عليه حذيفة بن اليمان من أرمينية وأخبره بما رأى
من الاختلاف في قراءة القرآن- إلى الأمر بكتابة مصحف واحد من عدة نسخ،
وبعث إلى كل قطر وناحية نسخة، وأمر بإحراق بقية النسخ والصحف الموجودة
عند الناس، فجمع الناس على مصحف واحد، وقطع الله بعمله هذا دابر الفتنة،
وحقق الله على يديه صيانة كتابه وحفظه من الزيادة والنقصان [١٨] .
- قتال علي ﵁ للخوارج وللشيعة الذين غلوا فيه حتى ألَّهوه -
﵁ فنصحهم عن ذلك، ثم لمَّا لم ينتهوا أمر بإحراقهم بالنار، وقال:
(لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناراً ودعوت قنبراً) [١٩] .
-يتبع-
стр. 310
عمر المختار في ذكرى استشهاده
حسن علي أحمد
في السادس عشر من شهر أيلول (سبتمبر) عام١٩٣١ اعتلى البطل عمر
المختار - وقد جاوز السبعين من عمره - أعواد المشنقة بعد جهاد طويل دام قرابة
الثلاثين عاماً، حارب فيها الفرنسيين في مملكة كانم وواداي في نيجيريا والسودان، وعمل على نشر الإسلام في تلك البلاد ما شاء الله له، ثم عاد ليحارب الإنجليز
في مصر، وليقضي بقية عمره بعد ذلك في قتال الإيطاليين الذين جاءوا مستكبرين
محتلين لبلاده ومغتصبين لأرضه، فكانت له وقائع مشهودة ومواقف محمودة،
وأبلى في الجهاد بمن معه من المؤمنين الصادقين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
كله لله -جل وعلا-.
قالت عنه صحيفة التايمز البريطانية في مقال نشرته في اليوم التالي لإعدامه
تحت عنوان (نصر إيطالي) : (حقق الإيطاليون انتصاراً خطيراً ونجاحاً حاسماً
في حملتهم على المتمردين السنوسيين في برقة، فقد أسروا وأعدموا الرجل الرهيب
عمر المختار شيخ القبيلة العنيف الضاري ... ) ، ثم تستمر الصحيفة حتى تقول:
(ومن المحتمل جداً أن مصيره سيشل مقاومة بقية الثوار، والمختار الذي لم يقبل أي
منحة مالية من إيطاليا، وأنفق كل ما عنده في سبيل الجهاد وعاش على ما كان
يقدمه له أتباعه، واعتبر الاتفاقيات مع الكفار مجرد قصاصات ورق، كان محل
إعجاب لحماسته وإخلاصه الديني، كما كان مرموقاً لشجاعته وإقدامه) .
ونحن نقول:
ومليحة شهدت لها ضراتها ... والفضل ما شهدت به الأعداء
لقد كانت حياة المختار مكرسة كلها للعلم والدعوة والجهاد؛ طلب العلم في
الزوايا التي أنشأتها الحركة السنوسية، ثم كان أحد روادها في الدعوة وتربية الناس، حتى نادى منادي الجهاد فقضى بقية عمره معتلياً صهوة جواده، ممسكاً بسلاحه،
لم يهادن أبداً، ولم يستسلم لعدوه، بل قارعه مقارعة الند للند، رغم قلة الإمكانات
ورغم عدم التكافؤ في العدد والعدة، ولكنه استعلاء الإيمان وقوة اليقين، الذي ازداد
صلابة وعمقاً في ميادين الجهاد وساحات المعارك، إن جهاد المختار سيظل معلماً
بارزاً في تاريخ ليبيا وتاريخ الأمة الإسلامية كلها وسيظل دليلاً على أن الإسلام
صنع - ولا يزال- نماذج عظيمة من البطولات على مر العصور، وعلى أن
العطاء الحقيقي إنما هو عطاء الإيمان.
وفاءً ببعض حق عمر المختار علينا: نقف معه هذه الوقفة القصيرة، نستذكر
فيها أحد الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وثبتوا على الحق الذي آمنوا له،
نستعرض فيها شيئاً من حياته، والعوامل التي جعلت منه بطلاً شجاعاً غير هياب
ولا وَجِل، جاهد ﵀ -إعلاءً للحق وأهله وإزراءً للباطل وأتباعه، حياة هذا
المجاهد تستحق الدراسة والاعتبار، فدروس التاريخ هي أبلغ الدروس، والجيل
الذي لا يتعلم من تلك الدروس ولا يستفيد ممن سبقوه لا يمكن له أن يقود حركة
التاريخ قيادة صحيحة، ولا أن يحقق أهدافه المنشودة.
ولد البطل عمر المختار بن عمر المنفي في منطقة البطنان من برقة عام
(١٢٧٧هـ) ١٨٥٨م، ويرجع نسبه إلى بيت فرحان من قبيلة المنفة. وكانت نشأته في بيت عز وكرم، تحيط به شهامة العرب وحرية البادية، طلب العلم في زاوية
جنزور، ثم انتقل إلى زاوية الجغبوب التي كانت مركز قيادة الحركة السنوسية
آنذاك، حيث أتيحت له الفرصة أن يتلقى العلم على يدي بعض المشايخ الذين كان
لهم دور رئيسي في نشر الدعوة الإسلامية، أمثال: السيد الزروالي المغربي
الجواني، والعلامة فالح بن محمد بن عبد الله الظاهري المدني، وقد ظهرت عليه
علامات النباهة ورجاحة العقل منذ الصغر، وظل محل إعجاب وثناء كل من عرفه، حتى لقي ربه مقبلاً غير مدبر، فكان ذلك أكبر دليل على صدقه في
التعامل مع الناس وفي إقباله على الله.
وبعد فترة قصيرة عينه السيد المهدي السنوسي شيخاً على زاوية القصور في
الجبل الأخضر فقام بأعباء المهمة خير قيام، من تعليم الناس أمور دينهم إلى فض
المنازعات بين القبائل والسعي في مصالحهم وجمع كلمتهم، وسار في الناس سيرة
غبطه عليها العقلاء وزادت من مهابته عند غيرهم، ومما تجدر الإشارة إليه هنا:
أن اختياره للقيام على أمور هذه الزاوية كان مقصوداً من قبل المهدي السنوسي،
حيث إن هذه الزاوية كانت في أرض قبيلة العبيد التي عرفت بشدة الشكيمة
وصعوبة المراس، فوفقه الله في سياسة هذه القبيلة، ونجح في ترويضها بما أودع
فيه من صفات القيادة والحكمة.
ثم كلف بأمر الجهاد في واداي، فقارع الاستعمار الفرنسي الذي كان قد بدأ
زحفه إلى وسط أفريقيا، فبذل الوسع حتى لفت الأنظار عزمه وحزمه وفراسته،
قال عنه المهدي السنوسي: (لو كانت لدينا عشرة مثل المختار لاكتفينا) وبقي في
واداي يعمل على نشر الإسلام ودعوة الناس وتربيتهم إلى جانب قتال الفرنسيين
وحماية بلاد المسلمين، وكانت المناطق التي يتولى المختار قيادتها وحراستها أمنع
من جبهة الأسد، ولا يخفى ما في ذلك من إدراك القيادي المسلم لواجبه تجاه دينه
ووطنه.
وفي عام ١٩٠٦م: رجع إلى الجبل الأخضر ليستأنف عمله في زاوية
القصور، ولكن ذلك لم يكن يستمر طويلاً، فقد كانت المعارك قد بدأت بين الحركة
السنوسية والبريطانيين في منطقة البردي ومساعد والسلوم على الحدود الليبية
المصرية، ولقد شهد عام ١٩٠٨ أشد المعارك ضراوة والتي انتهت بضم منطقة
السلوم إلى الأراضي المصرية تحت ضغوط بريطانيا على الدولة العثمانية، وعاد
الشيخ إلى زاوية القصور يدير شئونها مرة أخرى، حتى امتدت يد الفاشست الآثمة
إلى التراب الليبي، وهب المختار كعادته ليكون في طليعة من لبى نداء الجهاد،
وهب ليقود حركة وقفت في مواجهة الغزاة عشرين عاماً، سطّر فيها المختار ومن
معه من المجاهدين الأبطال ملاحم أسطورية تحدث عن عظمها وقوتها الأعداء قبل
الأصدقاء؛ ولقد ذكر الجنرال رودلفو جراستياني في كتابه الذي سماه (برقة الهادئة)
يقصد أنها هادئة بعد إعدام المختار والقضاء على حركة الجهاد فيها: إنه نشبت
بينه وبين المختار ٢٦٣ معركة ومواجهة في مدة عشرين شهراً فقط، فأعْظم به من
بطل، وأَكرم به من شهيد.
وفي عام ١٩٢٣: أُسندت إليه النيابة العامة للحركة السنوسية وقيادة الجهاد
في برقة، وعلى الرغم من الشدائد التي عاشتها البلاد قاطبة نتيجة لانتشار الطاعون
والأوبئة، وتمكن الإيطاليين من السيطرة على المناطق الغربية من ليبيا، وانقطاع
الإمدادات على قلتها والتي كانت تأتي من مصر عن طريق زاوية الجغبوب. وعلى
الرغم من أن مناطق المعارك لم تزد مساحتها على بضع عشرات من الأميال، ومن
أن المختار جاوز الستين من عمره، على الرغم من هذا كله: كان على إيطاليا
وجنرالاتها أن تخوض حرباً لا هوادة فيها لمدة ثمانية أعوام أخرى كانت أصب
وأطول سني الحرب كلها، ولقد جردت إيطاليا كل ما لديها.. آلاف الجنود والمدافع
والدبابات والطائرات والضباط والقادة الذين تخرجوا من الكليات العسكرية المتقدمة
والتي كانت مصدراً يفخر به الغرب على المسلمين، لكن الذي لم يدركه الإيطاليون
وأدركه المختار: أن المقاييس في مثل هذه الأحوال لا تخضع دائماً للتقديرات
المادية، فقوة الإيمان وعزائم الرجال وتجرُّدهم في سبيل الله يرجح الموازين
ويخزي الظالمين.
ونستمع إلى كلمات المختار من وراء السنين، تجلو الهمة والعزيمة
والإصرار التي يتميز بها عندما دعي إلى التفاوض مع إيطاليا: (إنا حاربناكم
ثمانية عشرة سنة، ولا نزال بعون الله نحاربكم، ولن تنالوا منا بالتهديد) إلى أن
يقول: (لن أبرح الجبل الأخضر مدة حياتي ولن يستريح الطليان فيه حتى توارى
لحيتي في التراب) .
إن أمة مثل هذه لا سبيل لقهرها إلا بالقضاء عليها، وما أحوج المسلمين اليوم
لأن يدركوا مثل هذه العبرة، وأن يتعلموا مثل هذا الدرس.
ولم يبق أمام إيطاليا إلا خيار واحد، وهو: أن تقطع عن المجاهدين كل
إمكانية للإمداد، فجمعوا كل الليبيين في برقة في معسكرات اعتقال جماعية مع
ماشيتهم وأغنامهم، وأحرقوا بعد ذلك الأخضر واليابس، ومدوا الأسلاك الشائكة
على طول الحدود الليبية المصرية، لكن ذلك لم يكن ليفت في عضد المجاهدين
الذين وطنوا أنفسهم على إحدى الحسنيين، فاستمروا في قتالهم شهوراً عديدة، حتى
كان يوم الجمعة ٢٨ ربيع الثاني ١٣٥١هـ (١١سبتمبر ١٩٣١م) ؛ إذ فاجأتهم كتيبة
من الجيش الإيطالي في جنوب قرية سلنطة، ودارت بين الطرفين معركة سقط فيها
أكثر المجاهدين وقتل جواد المختار فوقع به على الأرض جريحاً، وقاتل حتى
نفذت ذخيرته، فأسره بعض الجنود الذين تعرفوا عليه، وكان ذلك إيذاناً بانتهاء
الجهاد والمقاومة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وفي يوم الأربعاء الثاني من جمادى الأولى ١٣٥١هـ (١٦سبتمبر١٩٣١م)
وفي مدينة سلوق: جئ بالمعتقلين وبجمع غفير من الناس ليشهدوا الإعدام، ووضع
الجلاد الحبل حول عنقه وصعدت روحه الطيبة تشكو إلى ربها عنت الطواغيت
وظلم الظالمين - أسكنه الله فسيح جناته، وجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء-.
لقد كان جهاد المختار ورفاقه ضد الإيطاليين درساً من الدروس العظيمة
لرفض الظلم والاستعباد والمضي في ثبات على طريق الجهاد مهما كانت الظروف
والإمكانيات، ولعل من المفيد هنا أن نعرض بإيجاز بعضاً من السمات والخصال
التي كونت شخصية عمر المختار، فتوحدت خلفه صفوف الليبيين وأصبح علماً
على جهادهم، وانتشرت أخبار بطولاته فأيقظت الرأي العام الإسلامي والعالمي،
فصارت الصحافة تعنى عناية جادة بمصير ليبيا، وكانت قد تناقص اهتمامها بعد
انسحاب الأتراك من الحرب عام ١٩١٢م:
-إن أوضح سمات المختار -ولاشك- هي: قوة إيمانه بالله، وصدق توكله
عليه، كما كان ظاهراً في كل أقواله وأفعاله، كما أن ذلك أيضاً هو مصدر كل
صفاته الحميدة الأخرى من الشجاعة والثبات والمروءة، وكيف لا وهو الذي تربى
وقضى عمره في حركة إسلامية كان لها الدور الرئيسي في بعث الإيمان في تلك
البلاد، وإحياء ما اندرس من معالم الدين والدعوة إليه وتربية الناس على ذلك [١] ، لقد نشأ المختار في بيئة أكسبته الفقه في الدين، وعلمته الدعوة إليه، وأعْظمت
في عينه فضيلة الجهاد، ولا أدل على ذلك من أنه قضى عمره يجاهد أعداء الإسلام، ويصارع أعظمهم جبروتاً وكبراً على أرض ليبيا وخارجها، ولا شيء يصقل
إيمان المسلم ويزيد من توكله على ربه كساحات المعارك ومقارعة الباطل والظالمين. ومع هذا الإيمان الراسخ كان عمر المختار واسع الأفق عالماً بواقعه، مدركاً
لما يجري حوله متابعاً له، وقد كان ذلك أكبر عون له على صحة مواقفه وقوتها
التي فرضت الاحترام من أعدائه قبل أصدقائه، وما أعظم أن يجتمع الإيمان والفقه
بالواقع، وما أقبح أن يتفرقا. ولئن كان هذا واضحاً جلياً في كل مواقف المختار
وآرائه، إلا أنه يتجلى كأوضح ما يكون في إدراكه لعدم جدوى المفاوضات السياسية
والمهادنات مع الحكومة الإيطالية التي وقع فيها - للأسف - كثير من قادة الجهاد
الليبي، فكانت نتائجها سلبية سيئة، وكذلك في اعتماده على الإمكانيات المتوفرة
لديه، وعدم التجائه إلى الشرق أو الغرب طلباً للعون السياسي أو المادي:
والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
- شخصيته القيادية وقدرته على تأليف قلوب من حوله وتوجيههم، كما أثبت
ذلك في إدارته لشؤون زاوية القصور وفي نجاحه في قيادة الجهاد بمراحله
ومتطلباته المختلفة: من التخطيط للمعارك وقيادتها، إلى متابعة أصداء الجهاد في
الداخل والخارج والتفاعل معها.
وننقل هنا ما جاء في رسالة بعثها للأمير شكيب أرسلان الذي بذل جهداً
إعلامياً كبيراً في الدفاع عن الجهاد الليبي وتوضيحه للعالم، يقول فيها: " إنه من
خادم المسلمين عمر المختار إلى الأمير أخينا في الله الأمير شكيب أرسلان -حفظه
الله-: قد قرأنا ما دبجه يراعكم السيال عن فضائح الطليان وما اقترفته الأيدي
الأثيمة من الظلم والعدوان بهذه الديار، فإنني وعموم إخواني المجاهدين نقدم لمقامكم
السامي خالص الشكر وعظيم الممنونية.
كل ما ذكرتموه مما اقترفته أيدي الإيطاليين هو قليل من كثير، وقد اقتصدتم
وأحفظتم كثيراً، ولو يُذكر للعالم كل ما يقع من الإيطاليين! لا توجد أذن تصغي لما
يروى من استحالة وقوعه، والحقيقة - والله وملائكته شهود - أنه صحيح، وإننا
في الدفاع عن ديننا ووطننا صامدون، وعلى الله في نصرنا متوكلون، وقد قال
تعالى: [وَكَانَ حَقًا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
في ٢٠ ذي الحجة سنة ١٣٤٩هـ[٢]
-العقلية العسكرية الفذة التي اكتسبها من خلال حياته في الزوايا التابعة
للحركة السنوسية، حيث كان التدريب على أعمال الجهاد جزءاً أساسياً من برنامج
الحياة فيها.
يقول الأمير شكيب أرسلان يصف ذلك، وكان قد زار ليبيا والتقى بمجاهديها حدثني السيد أحمد الشريف: أن عمه المهدي كان عنده خمسون بندقية خاصة به، وكان يتعهدها بالمسح والتنظيف بيده، لا يرضى أن يمسحها أحد من أتباعه قصداً وعمداً ليقتدي به الناس ويحتفلوا بأمر الجهاد وعدته وعتاده، وكان نهار الجمعة يوماً خاصاً بالتمرينات الحربية من طراد ورماية وما أشبه ذلك. فكان السيد يجلس في مرقبٍ عالٍ، والفرسان تنقسم صفين، ويبدأ الطراد فلا ينتهي إلا في آخر النهار [٣] ، هذا بالإضافة إلى الخبرة الطويلة التي اكتسبها من ميادين القتال حتى أصبح ذا كفاءة عالية في استخدام المتوفر من القدرات وفي استغلال طبيعة ميدان المعركة، وذلك بشهادة القادة من أعدائه كما يذكر جراتسياني عنه: أنه ترك المواجهة في الصحراء واتخذ من الجبال مقراً له، فكان ذلك من أكبر العوائق أمام الإيطاليين في صراعهم مع المجاهدين.
- وفي هذا كله كانت أقواله تصدقها الفعال، بل إن الصدق كان من أبرز
سماته على الإطلاق، الصدق مع الله.. الصدق مع النفس، ومع الآخرين حتى إن
كانوا ألد الأعداء.. حتى أمام المحكمة التي حكمت عليه بالإعدام ...
- هل أنت قائد الثوار ضد الحكومة الإيطالية؟ .
- هل حاربت الدولة وحرضت الناس على ذلك؟ .
- هل أشهرت السلاح في وجه القوات الإيطالية واشتركت في القتال فعلياً؟
- هل أمرت بتحصيل الأعشار من الأهالي؟ .
- هل أمرت بقتل الطيارين اللذين وقعا في الأسر؟ .
أجاب عن كل هذا ب: " نعم "، باستثناء حادثة الطيارين اللذين نفى علمه
بمقتلهما ﵀ رحمة واسعة- إن شعباً أنجب المختار وأمثاله من المجاهدين
لن يعقم أبداً.
إن من أكبر الدروس التي نتعلمها من حياة هذا المجاهد البطل هو: أن الجهاد
من أجل حماية العقيدة ونشرها وإقامتها في واقع الحياة، وبذل المهج والأرواح في
سبيل ذلك هو من أسمى غايات المسلم، وأن القيادة الشرعية إنما هي في حقيقتها
قيادة جهادية تعمل على ذلك وعلى تخليص المسلم من الظلم والإذلال، كما تعمل
على نشر العلم وبيانه، وأنه لتحقيق ذلك لابد من وجود الصلة القوية بين العالم أو
الداعية والمجتمع عن طريق العلاقة الوثيقة بالناس وبواقعهم وما يعانونه من
مشكلات.
стр. 311
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
رأي في أحداث الجزائر
هذا أول عدد من أعداد مجلتنا (البيان) يصدر بعد الأحداث الدامية التي
شهدتها الجزائر في ٨/١٠/١٩٨٨، وما كنا لندع هذا الحدث الأليم يمر دون أن
نقول رأينا فيه، لأن الشعب الجزائري المؤمن عزيزٌ علينا، ما يؤلمه يؤلمنا وما
يسره يسرنا، ولن ينسى المسلمون في كل مكان جزائر المليون شهيد الذين بذلوا
الغالي والنفيس من أجل أن يعود بلدهم إسلامياً عربياً لا أثر فيه للصليبية ولا للكفر
والإلحاد.
وقد حاول العلمانيون بعد الاستقلال نشر الشيوعية والإلحاد، ولكن الله أخذهم
أخذ عزيزٍ مقتدر، وجعلهم عبرة لمن يعتبر، وبقيت كتائب ابن باديس والإبراهيمي
والتبسي ترفع راية: (لا إله إلا الله. محمد رسول الله) خفاقة عالية، يرفعونها في
المساجد والجامعات والمدن والأرياف والثكنات وفي كل مكان.
إذن: ليس غريباً أن نعيش مع إخواننا في محنتهم ... بل كنا نراقب فساد
نظام الحزب الواحد، وما يجره على الجزائر من دمار وويلات، ولسنا وحدنا الذين
نقول هذا القول، لقد قاله المسؤول الأول في الجزائر -رئيس الجمهورية-، ففي
١٩ سبتمبر الماضي ألقى خطاباً أمام أعضاء لجان التنسيق في الولايات تحدث فيه
عن المشكلات الاقتصادية المستعصية، وقال بالحرف الواحد: " إن هناك بعض
العناصر في النظام تثار حولها الشبهات، ولن نقبل أبداً بأن يستمر هؤلاء الأفراد
في السلطة ... وقال بأن بعض هؤلاء المسؤولين في القمة ويعملون داخل مؤسسات
تابعة للحزب وللحكومة وفي أجهزة أخرى، وهاجم المؤسسات الاقتصادية الوطنية
لأنها لا تؤدي دورها المطلوب ".
ولم تكن هذه الفضائح سراً من الأسرار، لقد كان يتحدث عنها المواطن
العادي، وتنشرها الصحف داخل الجزائر وخارجها، ومن الأمثلة على ذلك: قضية
اختلاس البنك المركزي، ولم يكن المختلسون نكرات في السلطة ...
ومما ينبغي أن يعرفه كل عاقل منصف: أن المسؤول الذي لا يعمل في سبيل
الله، ولا يعرف الخوف من الله طريقاً إلى قلبه؛ سوف يسرق ويظلم ويفسد،
وينهب ويدمر البلاد والعباد.. وهو يزعم أنه مصلح وعادل وزاهد وفقير لا يملك
من حطام الدنيا شيئاً ... والجزائريون وغيرهم وغيرهم يعرفون أمثلة كثيرة تؤكد
صحة ما نقول.
ونتيجة لذلك: فقد سبقت الأحداث أزمة اقتصادية خانقة، فكثير من المواد
الضرورية: كالزيت، والدقيق، والخضروات، واللحوم اختفت من الأسواق،
وكثر العاطلون عن العمل الذين يقرعون أبواب الوزارات والمؤسسات بحثاً عن
وظيفة ولا يجدون من يجيبهم ويسد حاجتهم، ونسبة البطالة ١٧% من السكان
القادرين على العمل.
والأدهى من ذلك والأمر قضية السكن: فالجزائر ثاني دولة إفريقية من حيث
المساحة، ومع ذلك ففيها أزمة سكن، مع أن مساحتها تتسع لخمسة أمثال عدد
سكانها، والمشكلة كل المشكلة في الإجراءات الاشتراكية التي فرضها " بومدين "،
وسلفه " بن بلا " ولا يزال النظام غير قادر على التخلص منها ... فالذين وجدوا
سكناً يعيشون في غرف لا يحسدون عليها، فالأسرة التي يبلغ عدد أفرادها عشرة
يعيشون في حجرتين صغيرتين ... وبكل أسف هناك الكثير الكثير من يتمنى مثل
هذا السكن.
وهذه المآسي لا تبرر المذبحة التي وقعت بين المتظاهرين والجيش، فمن حق
المواطنين أن يطالبوا بحقوقهم، ويعبروا عن مشاعرهم، وينددوا بالظلم والظالمين ولكن ليس من حقهم أن يعتدوا على المؤسسات والمرافق العامة، ويلحقوا بها
أضراراً فادحة، وقد بلغت كمية الخسائر ١٧٠ مليون دولار ... والذين أتلفوا هذه
الأمور لا يدركون أبعاد القاعدة الإسلامية التي سنها رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: " لا ضرر ولا ضرار ".
ومن حق رجال الأمن والجيش أن يحافظوا على الأمن، ولكن ليس من حقهم
حصد أرواح المتظاهرين، وقد بلغ عدد القتلى عدة مئات، ومن بين القتلى أطفال
ونساء كانوا في شرفات منازلهم ... فالجيش من الشعب، ووظيفته أن يقاتل أعداء
المسلمين، وليست وظيفته مقاتلة الشعب ... وكم نتمنى أن يتحقق الوعي عند
الجندي المسلم بحيث لو أصدر قائده الأمر إليه ليطلق النار على رواد المساجد أو
الأبرياء من المواطنين لرفض ذلك وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)
لن أقتل أخي المسلم، فاقتلوني إن شئتم، لن أقتله ... لو تحقق هذا الوعي لما كنا
في مثل هذا الذل والهوان، ولما كانت الفجوة واسعة جداً بين الحاكم والمحكوم،
ولما نظر المواطن إلى العسكري نظرة يشوبها الحقد والكراهية أو الحذر والخوف.
والذين كانوا يتابعون الأحداث يعلمون أن وكالات الأنباء والصحف العالمية
والعربية أجمعت على شيء واحد ... وكان هذا الذي أجمعت عليه عارياً عن
الصحة ملفقاً ليس فيه عدل ولا حق ... أجمعوا على اتهام (الأصوليين) بالأحداث.
وهم يخترعون أسماء ويلصقونها بالإسلاميين كقولهم (أصولي.. متشدد) وما
إلى ذلك من أسماء كاذبة. والأنكى من ذلك: أن صحفاً ومجلات عربية تتبع نظاماً
عربياً " عفلقياً " شنت حملة ظالمة على الداعية الشيخ علي بلحاج، وزعمت أنه
يتردد على إيران، وأن له علاقات وثيقة مع السفير الإيراني في الجزائر ... وأن
إيران كانت وراء هذه الأحداث من خلال الشيخ (علي بلحاج) .
يا هؤلاء: أنتم تظنون بغيركم كما تظنون بأنفسكم، فأنتم تتقاضون أموالاً من
النظام العفلقي، وتنشرون المعلومات التي تأمر بها أجهزة مخابرات هذا النظام الذي
لم يتعظ ولم يرعو ... ونحن على صفحات مجلتنا نخاطب أسيادكم فنقول لهم:
الشيخ على بلحاج - ولا نزكي على الله أحداً والحي لا تؤمن فتنته - ليس
نكرة، ولستم أهلاً للحديث عنه ... إنه داعية من دعاة أهل السنة والجماعة عقيدة
وسلوكاً ونظام حياة، وهو يعرف إيران الخميني كغيره من علماء أهل السنة
المتأسين بسلف هذه الأمة من رجال خير القرون، ومن كان هذا مسلكه ومنهجه
يرفض إقامة علاقة مع سفير إيران، كما يرفض زيارة إيران.
يا هؤلاء: ليس خلافنا مع إيران على أمتار أو كيلومترات -من الأراضي أو
الماء، ولا نتبع نظاماً من الأنظمة فإذا سوَّى هذا النظام خلافاته مع إيران تبعناه في
السلم والحرب كما تفعل الصحف المأجورة ... إن خلافنا معهم عميق الجذور ...
ونحن الذين ندرسكم عن أخطار الشعوبيين وموقفهم الخبيث من رسول الله
وأصحابه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.. بل نتوقع أن يأتي يوم
تتفقون معهم، ويجمع بينكم وبينهم عداوة أهل السنة كما فعل ويفعل ابن حزبكم
الباطني! !
ولذلك نقول لكم بلغة جازمة: إن الشيخ علي بلحاج لم يزر إيران، وليس له أي علاقة بسفير إيران أو بأحد الزعماء الجزائريين المتعاونين مع إيران. ...
وليس له علاقة بالأحداث الدموية، كان يرى أن يقوم بمظاهرة سلمية، غير
أن حكيم علماء الجزائر الشيخ سحنون -حفظه الله- أقنعه أن لا يفعل؛ فاستجاب له، وما كان موجوداً في مسجد (بلكور) في يوم المظاهرة، والإسلاميون لا يملكون
سلطة ليمنعوا المظاهرة.
فهل تجدون في أنفسكم شجاعة لتصحيح الخطأ الذي أخطأتموه؟ !
نجزم بأنكم لن تفعلوا؛ لأن احتمال حسن النية غير وارد عندكم، ولأن إحدى
مجلاتكم المأجورة مختصة بالكذب على الإسلاميين، وقبل هجومها على دعاة
الإسلام في الجزائر كانت تهاجم الإسلاميين في بلاد الشام، الذين ظنوا أن في
التحالف معكم يحققون خيراً لبلدهم، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار.
إن خير حلٍ نراه: أن يتفق الإسلاميون على مقاطعة صحفكم وتحذير الأمة
من أكاذيبها.
أما محاولاتكم لتأليب النظام الجزائري ضد الإسلاميين، فيكفينا في الرد عليكم
قوله تعالى: [الَذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَاناً
وقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ] .
يا دعاة الإسلام في الجزائر: إن الإجماع الإعلامي العالمي الكاذب يعبر عن
خوف الدوائر الاستعمارية وعملائها من وعي الإسلاميين ونشاطهم في الجزائر،
فكونوا على يقظة وحذر ووحدوا صفوفكم وحذار من الخلاف والفرقة، أما منهج
هذه الوحدة فهو الذي أنزله الله وبلغنا إياه رسول الله ﷺ إنه
منهج أهل السنة والجماعة، وليس قول هذا ولا شعار ذاك، واعلموا أن أية وحدة
أو تقارب محكوم عليه بالفشل إذا تجاهل دعاتها المنهج.
واستفيدوا يا إخواننا من أخطاء الماضي القريب، ولتكن معرفتكم بواقعكم
المعاصر دقيقة ... والدعاة الذين يجهلون السياسة أو الذين يفصلون بين السياسة
والمنهج يخسرون خسراناً عظيماً.
وحذار حذار من أهل الغلو؛ فلقد كانوا سبباً في كوارث عديدة أربكت العمل
الإسلامي وأعاقت تقدمه، وويل لجماعة يقودها شباب أغرار يجهلون أصول دينهم، ويجهلون مشكلات عصرهم، ولا يقبلون النصح، ولا يتعظون من أخطائهم أو
أخطاء غيرهم.
وأخيراً: اعلموا أننا وحدنا - أعني: دعاة الإسلام - الذين نعبر بصدق
وأمانة عن آلام هذا الشعب وبؤسه؛ فالأسرة الكبيرة التي تسكن في غرفة أو
غرفتين من أسرنا، والعاطل عن العمل أخونا أو ابننا، أما غيرنا فيتاجر بالفقراء
والعمال من أجل أن يصل ثانية! إلى كرسي الحكم، وإذا وصل فسوف ينهب
ويفسد ويسفر عن وجهه الأول الكالح، ويتنكر لكلماته الطيبة التي كان يقولها عن
الإسلام أحياناً.
فاقطعوا الطريق عليه وعلى غيره، ولا تقبلوا قيادة غير رجالكم الذين لا
يعصون لله أمراً.
نسأل الله أن يجمع بين قلوبنا، ويشتت صفوف عدونا، ويجعل لنا من بعد
عسر يسراً، إنه سميع مجيب.
стр. 312
المجاهدون الأفغان
إرادة فولاذية استعداداً للمعركة النهائية
في قرى إقليم لوغار الواقع إلى الجنوب قليلاً من كابل، يبدو أن كل الأسباب
تدل على أن نتيجة الحرب أصبحت لمصلحة المجاهدين الأفغان وأنصارهم من
المدنيين؛ فقد طوق المجاهدون الأفغان العاصمة الإقليمية هناك، وبات شريط من
المباني الآيلة للسقوط طوله نصف ميل هو آخر معاقل الحكومة في هذا الإقليم.
كما سيطر المجاهدون على الطريق المؤدية إلى الشمال باتجاه العاصمة،
وقطعوا خطوط الإمداد الحكومية الحيوية إلى ثلاثة أقاليم.
وفي كل يوم، تصل الحافلات المحمّلة بالمدنيين من كابل، ويتحدث هؤلاء
عن تعمق الصراعات بين صفوف الحزب الشيوعي الحاكم، وكذلك عن احتمال
سقوط النظام المدعوم من قبل موسكو - وهو ما يراه معظمهم أمراً يتعذر الحيلولة
دونه - عند اكتمال انسحاب القوات السوفييتية.
وكانت القوات السوفييتية قد أوقفت انسحابها يوم ٤/١١/١٩٨٨م في أعقاب
تزايد هجمات المجاهدين، وكان النائب الأول لوزير الخارجية السوفييتي قد صرح
بأن هجمات المجاهدين على الوحدات السوفييتية -منذ بدء الانسحاب السوفييتي- قد
بلغت (٥٥٠) هجمة، وأن تلك الهجمات قد شملت (٨٨) هجوماً بالصواريخ
و (٤٤٠) هجوماً آخر على نقاط حراسة عسكرية سوفييتية، وتمخضت عن سقوط
(٧٥٠) قتيلاً في العاصمة وحدها.
ومن ناحية أخرى فقد حذر النظام الحاكم في كابل من أنه سيقوم باستخدام
صواريخ سكود السوفييتية البعيدة المدى والتي زُود بها حديثاً من قبل موسكو، ضد
قواعد المجاهدين في محاولة منه للحد من تزايد قصفهم.
الأوبزرفر ٣٠ / ١٠ /١٩٨٨ م، التايمز ٥ / ١١ /١٩٨٨م
стр. 313
محنة التعليم الإسلامي في إندونيسيا
إذا كان من الصعب إلغاء التعليم الإسلامي بصراحة في بلد ذي أغلبية إسلامية، فإن من السهل جداً الاحتيال على هذا التعليم حتى لا يؤدى النتائج المنتظرة، وذلك عندما يأتي دور التنفيذ لتوصيات الدولة في هذا المجال، فإن الجهات التي يوكل إليها تنفيذ التوصيات تعرف عملها جيداً، فتقوم بالواجب خير قيام، حيث إن هذه الجهات غالباً ما تكون غير راضية لا عن الإسلام ولا عن ما يتعلق به من تربية وتعليم، فتؤتمن على أمر يسوءها أن يكون من ورائه نتيجة إيجابية تعود على المعنيين الذين شرع لهم (ومن استرعى الذئب ظلم) .
هذا ما حصل في بلد يشكل المسلمون فيه الأكثرية الساحقة من السكان، ولكن
لأجل خواطر الأقليات الأخرى فيه يحرم الأطفال المسلمون من معرفة حدود هويتهم
الإسلامية ويخضعون لتعاليم أخلاقية مائعة لا لون لها.
فقد أقر تشريع جديد في أندونيسيا يهمل التعليم الديني الإسلامي في المدارس
الحكومية، ويوضع بدلاً منه معلومات عامة مستوحاة من (البلانثسيلا) وهي مجموعة مبادئ مستحدثة تقوم على أسس وثنية وتاريخية وقومية واتخذتها ... حكومة أندونيسيا لتكون بدلاً عن العقيدة الدينية.
حتى المدارس الخاصة التي يمكن أن توفر تعليماً إسلامياً يسد بعض النقص
الذي تسببه المناهج الرسمية قد سحب البساط من تحت أقدامها وستصبح غير
معترف بها، وهكذا فما على المسلمين إلا أن يهملوا دينهم رسمياً وشعبياً ويذوبوا
في خضم الأقليات الصينية واليابانية والمسيحية التي تتحكم بها.
وقد يكون هذا التخلي منطقياً ولكن بشرط أن يقابله تخل آخر من هذه الإقليمية
عن خصوصياتها وشراهتها لابتلاع الأكثرية، فهل هذا هو حالها؟ ! لا، بل إن
هذه التشريعات ما وضعت إلا لتقويتها وزيادة سطوتها لافتراس الأغلبية الصامتة
التي تجرد من كل أسباب المقاومة يوماً بعد يوم.
إن النظام الحاكم في أندونيسيا نظام أقلية قام على أساس العنف والمكر،
تحتكر السلطة فيه حفنة من العسكريين الفاسدين وأصحاب رؤوس الأموال من
الصينيين والنصارى، وزيادة في سوئه فإنه يتلقى الدعم من الشركات المتعددة
الجنسيات في الخارج ومن مجلس الكنائس العالمي الذي يصر على تنصير هذا البلد
بأعداد مسلميه الهائلة.
وهناك ظاهرة تلفت النظر وهي الهجرة الصينية الكثيفة منذ بداية السبعينات إلى الآن، أفواج هائلة من الصينيين تأتي عبر سنغافورة وهونج كونج بشكل غير قانوني، ولكن بتآمر مع الأوساط الرسمية في البلاد، ومن المعتاد ملاحظة (أندونيسيين) في كثير من المدن يحملون كافة الأوراق الثبوتية والوثائق التي تثبت
أندونيسيتهم رغم ملامحهم الصينية ورغم أنهم لا يتكلمون كلمة واحدة من اللغة
الأندونيسية.
المشكلة نفسها التي حصلت للخليج حصلت في أندونيسيا هناك.
إن النظام التعليمي في أندونيسيا متجه إلى الانقسام إلى شعبين:
١- الشعبة العامة وهي تعليم كمي متجه إلى عامة الشعب همه محو الأمية
دون عمق.
٢- الشعبة الخاصة وهي تعليم نوعي ونخبوي يسعى إلى تخريج طبقة هي
المؤهلة للإمساك بزمام البلاد، وقيادة نتاج الشعبة العامة، وهذا غالباً ما يكون تحت
سيطرة وتمويل وتوجيه البعثات النصرانية.
الداء واحد في كل البلاد الإسلامية وهو يقظة الأعداء وتصميمهم وتعاونهم فيما
بينهم، وغفلة المسلمين، وذهاب ريحهم في الخلافات.
هل ينتظرون إلا أن يصبحوا أقلية حتى ينتبهوا إلى المشاكل التي تعصف بهم
فيحافظوا على وجودهم من الانقراض؟ ! .
стр. 314
حدث في زنجبار
إذا أردت بطاقة للعبور إلى الشهرة، أو لتسلم منصب مهم، فالأمر لا يحتاج
إلى مؤهلات كثيرة ومعقدة، كل ما هو مطلوب أن تقف على منصة في اجتماع عام
لحزب أو منظمة وتهاجم الإسلام، أو شيئاً من تعاليمه، وعندها ستصبح نجماً
شهيرا، وبطلاً مكافحاً، ومناضلاً وطنياً، ولكن ضد مَنْ؟ ليس ضد الإسلام طبعاً! ولكن ضد الرجعية والتخلف وعدم مسايرة التطور وروح العصر.... إلى آخر ما
في جعبة مهاجمي الإسلام والمسلمين بالهجوم على شرعه ومبادئه.
هذا ما حصل في تانزانيا المؤلفة من اتحاد ما كان يعرف بـ (تانجنيقا
وزنجبار) . فقد وقفت عضوة في الاتحاد النسائي الذي هو منظمة تابعة للحزب لحاكم في البلاد: حزب السفاح نيريري الذي لازال له تأثير كبير في مجرى الحياة هناك على الرغم من أنه ليس الرئيس الفعلي للدولة - وقفت لتكيل التهم والهجوم على الشريعة الإسلامية، وطالبت بإزالة كل ما يمت إلى هذه الشريعة بصلة من قوانين، وخاصة قضية تعدد الزوجات.
ولدى معرفة المسلمين بهذا الهجوم المشين على دينهم وعلى عقيدتهم أعلنوا
احتجاجهم على ذلك، والنتيجة المنتظرة معروفة، كما يحصل في كل أرض
إسلامية للمسلم عندما يعبر عن رفضه للتهجم على دينه بأي وسيلة، تتدخل قوات
الأمن لا بخراطيم الماء والقنابل الدخانية بل بالذخيرة الحية، فيسقط القتلى
والجرحى، وعندما لا تستطيع الأجهزة الرسمية نفى سقوط القتلى تقلل عددهم إلى
الحدود الدنيا: قتيل أو قتيلان وبضعة (!) جرحى.
ومن جهة أخرى: فقد أقالت وزارة التربية أربعة مدرسين زعمت أنهم
متورطون في مؤامرات سياسية للتحريض على العصيان وبث الفوضى في
المدارس، وقد ورد بمرسوم لوزارة التربية أنه سيعاد تعيين الموظفين المعنيين في
وقت لاحق في وظائف أخرى.
وقد كان من جملة الاتهامات لهؤلاء تشويههم لسياسة البلاد وتورطهم في
أعمال تخريبية. ووجهت إنذارات إلى مدرسين آخرين ومسؤولين في وزارة
التربية بجزيرة (بامبا) أقيلوا من أعمالهم بانتظار مزيد من التحقيقات.
والقضية في زنجبار ليست هي تهجم " آني " على دين أهل البلاد، بل هي
أبعد من ذلك، وجذورها تعود إلى (الاتحاد بالإكراه) الذي حصل للجزيرة مع البر
الإفريقي، نتيجة للقصف بالقنابل، والمذابح الجماعية التي قام بها الكاثوليكي
المتعصب جوليوس نيريري وأنصاره ضد أهل البلاد ذوي الأغلبية العربية
الإسلامية.
وفي ظل هذا الاتحاد بين جهتين غير متكافئتين تراجعت أهمية الجزيرة التي
كانت مركزاً اقتصادياً كبير الأهمية في شرق أفريقيا، وغدت مكاناً مهملاً حين
جردتها القوى الصليبية من تأثيرها، وهي ماضية لتجريدها حتى من وجهها
وهويتها.
стр. 315
أخبار حول العالم
الإحصائيات تؤيد الفروق الطبيعية بين الجنسين
جميع المحاولات المحمومة لدى العاملين دعاة المساواة بين الجنسين، مدعي
البحث العلمي المجرد، المعادين للتفرقة الجنسية؛ والأمهات اللاتي يشتغلن في
أعمال ميكانيكية، والأقارب الذين يشترون لبنات أقاربهم آلات ميكانيكية، كل هذه
الجهود باءت بالفشل، فالبنات الصغيرات اخترن أن يكن ممرضات، وطبيبات،
لا مهندسات.
فقد أجرت شركة " كالاردو بوسر " لصناعة الحلوى دراسة ميدانية لطلبات
السوق، فسألت (٥٧٩) طفلاً تتراوح أعمارهم بين ٧ و١١ سنة عن رغباتهم في
العمل عندما يكبرون، فكان معظم الأجوبة-إن لم تكن كلها - تقليدية (يقصد كل
جنس اختار ما يناسبه) ، فقد عبر ١٧% من البنات عن رغبتهن في أن يصبحن
ممرضات، واختار. ١٠% منهن الحلاقة، في حين حبذ ٩% منهن التعليم. أما
البقية فقد كن يتطلعن إلى العمل كطبيبات للحيوانات، أو مضيفات في شركات
الطيران، أو سكرتيرات أو بائعات في الأسواق المركزية ولم تحبذ الهندسة إلا بنت
واحدة، ولم تختر أية واحدة العمل في إطفاء الحرائق أو أبحاث الفضاء أو القوات
المسلحة.
أما الذكور، ففضل أكثرهم الرياضة - ١٧% منهم، واختار ١٤% منهم
الالتحاق بالشرطة مقابل ٥% لدى البنات، والباقون اختاروا قيادة الطائرات وأعمال
البناء والنجارة والأعمال الميكانيكية وقيادة الشاحنات، ولم يختر أحد منهم التمريض
أو الحلاقة واختار اثنان فقط التعليم.
وقد فضل ١٠% من الفتيات العمل مع الأطفال والرضع بينما رفض الذكور
ذلك، وفي حين اختار ٥.١٢% من الذكور العمل في مجالات السيارات
والدراجات وغيرها من وسائل النقل فإن نسبة الفتيات التي اختارت ذلك لا تزيد
عن ١%.
الاندبندنت ١ / ٩ /١٩٨٨
* * *
غزل شيوعي يهودي
أعلنت اللجنة العالمية للهجرة يوم ٢ /١١ أن هجرة اليهود من الاتحاد
السوفييتي قد وصلت أعلى حد لها في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي منذ عام
١٩٨٠ م حيث بلغ عدد اليهود الذين سمح لهم بالمغادرة في ذلك الشهر وحده
(٢٤٧٣) فرداً.
وأضافت اللجنة أن الاتحاد السوفييتي كان قد سمح لـ (١٤٢٨٨) يهودي
بالمغادرة هذا العام وأن (١٢٣٢) منهم فقط توجهوا إلى فلسطين.
ومن جهة أخرى فقد وافق مسؤولون سوفييت على السماح بتدريس اللغة
العبرية وهو ما كان يعتبر في الماضي جريمة تستحق العقوبة كما تمت الموافقة
على السماح لليهود بالمشاركة بالمؤتمر اليهودي العالمي، جاء ذلك على لسان
مسؤول في المؤتمر المذكور.
وفي برلين الشرقية حيّا رئيس المؤتمر اليهودي العالمي الزائر موقف
الحكومة الشيوعية تجاه اليهود الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية على أيدي
النازيين واستعدادها لدفع تعويضات مالية مرضية لليهود الذين يقيمون حالياً خارج
ألمانيا الشرقية. وذكر أن التعويضات ستبلغ (٦٠) مليون دولار. وينظر إلى
موقف الحكومة الألمانية هذا على أنه محاولة لتمهيد الطريق لإقامة علاقات
دبلوماسية مع إسرائيل، وكان رئيس الوزراء الألماني الشرقي قد ألمح بشكل
واضح قبوله بحق إسرائيل بالوجود.
الجارديان ١٩/١٠/٨٨، التايمز٣/١١/٨٨
стр. 316
عندما تكيل الصحف الغربية بصاعين !
أدى رئيس الوزراء التركي فريضة الحج العام المنصرم، وهو حدث كان
ينبغي أن يكون عادياً جداً وأن يمر دون الوقوف عنده، ولكن الصحف الغربية التي
عودتنا على الكيل بصاعين، فيما يخص الأمور الدينية، وعلى سلوك سبيل
التهويل وتحميل تصرفات بعض الناس دلالات بعيدة لم يعجبها هذا الأمر، كما لم
يعجب العلمانيين داخل تركيا، فمن جهة أشارت هذه الصحف إلى أن أوزال أول
رئيس وزراء تركي بعد زوال الدولة العثمانية يؤدي فريضة الحج، ومن جهة تبدي
أسفها لذلك العمل الذي " لابد أنه قد سبب آلاماً لروح كمال أتاتورك في قبره " كما
عبرت عن ذلك بعض الصحف البريطانية.
والغريب أن هذه الصحف لا تستغرب إذا قام أي زعيم غربي بأي عمل له
دلالة دينية، بل تنوه بذلك وتشيد به، فقد أفردت كافة الصحف الغربية صفحات
للصور والتعليقات التي رافقت زيارة تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا للاتحاد
السوفييتي وأكثر تلك الاهتمامات انصرف إلى زيارتها للكنائس التي رفع عنها
الحظر، وكذلك أحيط تعاطفها مع جماعة التضامن في بولندا بدعاية كبيرة، وكذلك
حجها إلى قبر القس الذي قتلته الشرطة هناك لتعاطفه مع حركة التضامن، بل إنها
استشارت بابا الفاتيكان قبل زيارتها لبولندا.
هل للوقاحة حد عند هؤلاء الذين يسرهم أن يكون المسؤول المسلم لا دين له
خشية أن يؤذي قيامه بشعائر دينيه روح طاغية في قبره، وما الذي يجعل لهؤلاء
حقاً في إظهار عواطفهم الدينية، بينما يعتبر ذلك مستهجناً من مسؤول في بلد يدين
أهله بالإسلام؟ أم أن للعلمانية في المجتمعات الإسلامية معاني أخرى؟ ! .
стр. 317
جمادى الآخرة - ١٤٠٩هـ
فبراير - ١٩٨٩م
(السنة: ٣)
стр. 318
الافتتاحية
إلى أين يتجه التعليم ... ؟
إن مشكلة التعليم من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة مستمرة، وتنبع أهميتها
من الحاجة الملحة للعلم بمفهومه الواسع الشامل لبناء المجتمعات الحديثة، وإن
الرواد في كل مجتمع هم رجال التربية والتعليم، فهم القادة الحقيقيون، بعيداً عن
مظاهر البروز والادعاء، وهم الذين يقع عليهم العبء الأكبر في توجيه الأجيال
وتسليحها بالأهداف الصحيحة، والوسائل الفعالة، وأي نجاح للمجتمع ينبغي أن
يرجع في النهاية إليهم، كما أن أي إخفاق في مسيرة هذا المجتمع فمرده إلى قيادتهم، وإلى الخطأ في الأسس التي اختيروا بمقتضاها.
نظرة عجلى:
لو ألقينا نظرة سريعة على الأربعين عاماً الماضية من أجل تقويم الحركة
العلمية والتعليمية في أوطاننا؛ فسوف نعثر على جانبين، لكل منهما أنصاره
وحججه، أما سبب التحديد بهذه المدة فلأن هذه المدة هي التي أعقبت خروج
الأجانب الناصبين من بلادنا على وجه التقريب، وأصبحنا مالكين زمام أنفسنا،
ونقرر مصائرنا بعيداً عن الوصايا - وإن كانت هذه النقطة مجال جدل طويل ليس
مكانه -.
وأربعون عاماً فترة كافية ولا بأس فيها في حساب الأرباح والخسائر لأمة من
الأمم، أو لمجتمع من المجتمعات.
الجانب التفاؤلي:
لقد خرج المستعمر الأجنبي وجميع أفراد الأمة يحدوهم الأمل، وتملؤهم
الحماسة لبناء المستقبل، وكان عليهم أن يتلافوا التقصير الذي رزحت تحته أمتهم
قروناً طويلة، وأن ينتشلوها مما صارت إليه من التخلف والتبعية المفروضة التي
تضافرت على فرضها عوامل داخلية وخارجية، ولم يكن من حلٍ غير العلم، كماً
ونوعاً.
إن العدل يقتضينا أن نفرح ونبتهج عند مقارنتنا لحالنا الآن بحالنا عشية
خروج الاستعمار فإن نسبة المتعلمين إلى مجموع السكان قد ارتفعت ارتفاعاً مطرداً، ولا تزال في ارتفاع، وقد تضاعفت إلى جانب ذلك عدد المدارس عشرات
المرات، وإن مما يحسب لهذه الفترة هو إلزامية التعليم الابتدائي في أغلب البلاد
العربية، وبعد أن كان التعليم الجامعي وقفاً على الفئات الميسورة والغنية صار كذلك
حقا للفئات الفقيرة، واقتحم المتعلمون من هذه الفئات ما كان مقصوراً على غيرهم،
وتبوؤوا أمكنة كانت بعيدة المنال، فأصبحت ممكنة بفضل التعليم.
ويمكن تلخيص الجوانب الحسنة في مسيرة التعليم، والتي ينظر إليها
المتفائلون بما يلي:
أصبح التعليم ضرورة اجتماعية بعد أن كان ترفاً وميزة لفئة معينة.
تحول المجتمع كله إلى مهتم بالتعليم، ومشارك في إنجازاته ودفع نهضته.
بفضل التعليم ارتفع المستوى الاجتماعي لفئات وطبقات في المجتمع كانت
تعيش معيشة هامشية.
أزال التعليم كثيراً من الفوارق والأمراض الاجتماعية التي كانت ترجع
بالسوء على بنية المجتمع.
جعل جميع أفراد الأمة يشعرون بذواتهم، ويقدرون إمكاناتهم وحقيقتهم في
الوجود، وعزز الثقة الجماعية بالنفس.
هذه أمثلة للجوانب الإيجابية للنهضة التعليمية يمكن أن يضاف إليها كثير من
النقاط الأخرى.
الجانب التشاؤمي:
على الرغم من الاعتراف بكل مزايا الفترة الماضية فيما يتعلق بالإنجازات
التعليمية على المستوى الفردي والعام؛ إلا أنه يبقى الكثير الذي لابد من أن يطرح، ومن ذلك.
لقد كان الاعتقاد أن تنمحي الأمية من المجتمعات العربية ولكن هذا لم يحدث.
والأمر الطبيعي أن تكون البدايات بسيطة ومتواضعة، ثم تقوى وتشتد،
ولكن المشاهد أن نوعية التعليم قبل أربعين سنة كانت أفضل مما هي عليه الآن -
وهذه قضية لا يختلف عليها أحد - صحيح أن تقدماً حصل من الناحية العددية،
ولكنه تقدم سطحي، وتمدد أفقي على حساب العمق والجودة.
ومن السلبيات التي انحطت بالتعليم النظرة الخاطئة إليه، واعتباره وسيلة
لرفع المستوى المادي، دون اعتباره غاية قائمة بنفسها.
إذا أحب أحد أن يناقش التعليم على مستوى العالم العربي فإنه يلحظ شيئاً من
التفاوت الذي أدى إلى خلل وعيب في البناء التعليمي، فبينما نجد بلاداً كانت فيها.
النهضة التعليمية أسبق منها في غيرها؛ نجد أن هذه البلاد السابقة قد هبط مستوى
التعليم فيها لأنها أصبحت معنية بسد النقص والحاجة عند غيرها من جهة، وكذلك
فإن الحالة المادية أصبحت تتحكم بالمستوى التعليمي، فنظراً للضائقة المالية التي
تعيشها هذه الدول فقد أصبح تخريج الخريجين عندها استثماراً (وهذا من حيث المبدأ
لا غبار عليه ولا مانع منه بشرط مراعاة جودة الإنتاج) وترتب على ذلك أن
انصرف المعنيون إلى تكثير عدد المتخرجين لتغطية الطلب في السوق، وكان ذلك
على حساب النوعية المؤهلة تأهيلاً كافياً.
اهتزاز قيمة المعلم الاجتماعية، وتقويمه تقويماً مادياً فقط، فبينما ارتفع
المستوى المادي بتسارع شديد لكثير من أصحاب المهن والحرف اليدوية التي لا
تتطلب إعداداً علمياً أو تثقيفياً، وأصبح هؤلاء ذوي امتيازات مادية لا تنكر ولا
تحجب؛ ظل المستوى المادي للمعلم متخلفاً، والتحسينات التي تزاد عليه تحبو
حبواً بالمقارنة مع ارتفاع مستويات المعيشة والغلاء التي تضرب المجتمعات عامة،
ومجتمعاتنا العربية بصورة خاصة.
وأصبحت مهنة التعليم من المهن المحتقرة في المجتمع، وهذه حقيقة لا يمكن
أن تنكر، على الرغم من كل ما يقال من كلام إنشائي في مناسبات تكريم المعلم،
بل إن هذا المدح غير العملي، والإشادة الباردة بالمعلم ودوره في المجتمع ليست إلا
من قبيل معالجة خلل موجود في النظرة العامة السائدة تجاه مهنة التعليم، ولو سألت
معلم أو مدرس سؤالا بسيطاً: هل يحب لولده أن يمتهن مهنة التعليم في مستقبل
حياته؟ لكان الجواب بالقطع: لا.
إن لهذا دلالة يجب أن يقف المرء عندها، وأن يحللها تحليلاً يقفه على أسبابها
ودوافعها ونتائجها. وعندما يشعر المعلم أنه أصبح مهاناً لا من قبل الأغنياء
والميسورين الذي جُلِبَ كي يعلم أولادهم فحسب! بل من قبل فئات أخرى متخلفة
علماً وفكراً عنه، ولها نفس منبته، ومنحدرة من مستوى اجتماعي قريب من
مستواه؛ عندما يعيش المعلم هذا الشعور، فهل يلام على قلة إخلاصه وموت
طموحه نحو تقديم الأفضل؟ !
هذه لمحات حول قضية هبوط المستوى التعليمي في مدارسنا، وتظل هذه
القضية طويلة ومتشعبة وبحاجة إلى بحث وتحليل، وحسبنا أننا أشرنا إشارة إلى
ذلك، وأننا فتحنا الباب للقراء الكرام لتناول هذه المسألة المهمة بالتفصيل والتعليق.
وإننا نرحب بالمساهمة في ذلك على صفحات مجلة (البيان) على أن تكون
المعالجة عامة لا تخص بلداً دون بلد، ولا تتناول من الظواهر إلا ماله تعلق
بالضعف العام الذي انحدر إليه المستوى التعليمي، وأسباب ذلك، ونسبة ارتباط كل
منها بالمناهج، أو الخطط التعليمية، أو خطط إعداد المعلمين.
وعلى الله قصد السبيل..
стр. 319
مجددون معاصرون
حسن البنا
رد على اعتراض
اتصل بنا عدد من الأخوة الأفاضل وقالوا ماذا تقولون عن بعض هؤلاء
العلماء المعاصرين الذين نعتموهم بالتجديد؟ ... ألا ترون أنهم من مدارس مختلفة
لا يجمعها جامع، ولا يربط بينها رابط؟ ... هل تريدون إرضاء الناس كلهم مع أن
إرضائهم غاية لا تدرك؟ ! غفر الله لهؤلاء الأخوة الكرام! المشكلة أنهم من طلاب
العلم، وطالب العلم يحترم آراء الآخرين، ولا يتسرع في إصدار الأحكام أو التهم.
وكما وعدنا القراء، سوف نمضي في الحديث عن كوكبة من العلماء
المعاصرين الذين نفع الله بهم، وسنذكر الجوانب التجديدية لكل علم من الأعلام،
وفى الحلقة الأخيرة نجيب على أسئلة الذين اتصلوا بنا والذين لم يتصلوا بنا،
ونوضح انسجام ما نكتبه مع المنهج الذي التزمنا به في بداية هذا البحث. ومن حقنا
على إخواننا أن يقرأوا ما نكتبه بإمعان وتجرد! ! فإن وافقونا فخير وبركة، وإن
خالفونا فالمسألة من المسائل التي يجوز فيها الخلاف، نسأل الله أن يرزقنا وإخواننا
الصبر والتجرد، إنه سميع مجيب.
حسن البنا
لن نتحدث حديثاً تقليدياً عن ولادة حسن البنا ﵀ وسيرة حياته،
فالرجل ليس مجهولاً، وهناك عشرات الكتب التي كتبت عنه، ناهيكم عن كتبه
التي لا تكاد تخلو منها مكتبة، وسوف نقسم الموضوع إلى دروس، محاولين
الاختصار قدر الاستطاعة:
الدرس الأول:
ولد حسن البنا ﵀ عام ١٩٠٦، وأسس جماعة الإخوان المسلمين
عام ١٩٢٨، وقتله أعداء الله عام ١٩٤٩، وهكذا تكون سني عمره عندما أسس
حركة الإخوان ٢٢ عاماً وعندما توفاه الله ٤٣ عاماً. وكان خلال هذه الفترة حديث
الناس في مصر كلها، وفى البلدان العربية، بل وفي العالم كله. ولم يكن -رحمه
الله- متفرغاً للعمل الإسلامي، فلقد كان مدرساً معظم النهار، وكان رب أسرة ينفق
عليها، ويرعى شؤونها، وكان مؤسس جماعة إسلامية كبيرة تنتشر شُعبها
ومراكزها في جميع أرجاء مصر.
إذا نظرنا إلى سيرة البنا وهو طالب صغير في أوائل المرحلة الإعدادية نجد
أنفسنا أمام طالب يختلف عن غيره من طلبة عصره، بل ومن طلبة هذا العصر ...
ها هو يتحدث عن نفسه فيقول بأنه يقسم وقته (بين الدرس نهاراً، وتعلم صناعة
الساعات التي أغرم بها بعد الانصراف من المدرسة إلي صلاة العشاء، ويستذكر
الدروس بعد ذلك إلى النوم، ويحفظ حصته من القرآن الكريم بعد صلاة الصبح
حتى يذهب إلى المدرسة) . [مذكرات الدعوة والداعية /١٢] .
ننتقل من الحديث عن البنا وهو طالب في الإعدادية إلى الحديث عنه وهو
قائد جماعة: يخطط لها يربى جمهور شبابها ... يحاضر هنا وهناك.. يؤسس
الصحف والمجلات ويديرها.. وهو إلى جانب هذا وذاك مدرس في مدارس الدولة، وفى العطلة الصيفية هل كان يستجم مع عائلته في قرية هادئة ليس فيها صخب
ولا ضوضاء؟ ! هل كان يغادر مصر للسياحة والمتعة المشروعة؟ !
إن حياة المجدد لا تعرف إيثار العافية والراحة، لاسيما وهو يشعر بأن لأهل
الأرياف والمناطق النائية حقاً عليه وعلى إخوانه، فرحلة من رحلاته بدأت في ١١
ربيع الثاني وانتهت في ٩ جمادى الأولى من عام ١٣٥٢ زار خلالها: أبو صوير
شرقية، الإسماعيلية، السويس، بور سعيد، الدقهلية بفروعها، طنطا، شبراخيت، المحمودية [بحيرة] ، دمنهور [بحيرة] ، شلنج [قليوبية] . [المذكرات/١١٥٤] .
ويقول أحد مرافقيه:
(كان يقطع الوجه القبلي كله بلداً بلداً، وقرية قرية في عشرين يوماً، في بعض الأحيان يصبح في بنى سويف، ويتغدى في ببا، ويمسي في الواسطي، ويبيت في الفيوم ... وهكذا كان ينام ساعة أو بعض ساعة، وفي الوقت الذي يضع فيه رأسه على الوسادة ينام ونحن نتحدث من حوله) .
[الإخوان المسلمون والمجتمع المصري/١٤] .
أليس في حياة هذا الرجل درس للكسالى الذين يقتلهم الفراغ ومع ذلك يتحدثون
عن ضيق الوقت؟ !
أو ليس في حياة هذا الداعية المجدد عبرة للذين يتباكون على واقع المسلمين
اليوم، ولا يقدمون للعمل الإسلامي إلا فضلات أوقاتهم؟ فالوظائف تستهلك معظم
أوقاتهم، والزوجة تستهلك بقية الوقت وهى لا تفتأ تردد (خيركم خيركم لأهله)
والمسكين يخلط بين فهم خاطئ للحديث وبين طاعة امرأة لا يرضيها في كثير من
الحالات إلا أن تستحوذ عليه وتحول بينه وبين الناس الطيبين، وبينه وبين الدعوة
والجهاد في سبيل الله.
أرأيتم كيف يبارك الله بأوقات العلماء المخلصين، فأولاد حسن البنا فيما كتبوه
قالوا: لقد بذل جهداً في تربيتنا، وكان يجلس معنا ويداعبنا، وشقيق البنا قال فيما
كتبه: لقد كان أستاذي وأخي. ولم ينس فضله عليه في تربيته وإعداده، ومما
يجدر ذكره أن حسن البنا كان النجل الأكبر لأبيه الشيخ عبد الرحمن البنا الشهير
بالساعاتي.
الدرس الثاني:
اتصل حسن البنا ﵀ بعلماء عصره وسمع منهم وناقشهم، وكان
يعترف بفضلهم فيما كتبه من مذكرات.
وعندما أعلن الطاغية أتاتورك عن هدم الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤، كان
عمر البنا ١٨ سنة وكان في أوج عطائه، يتحدثون عن هذه المصيبة التي رزئ بها
الإسلام والمسلمون، ويتنادون لعقد مؤتمرات وندوات - كعادتهم - يطالبون فيها
بعودة الخلافة ... وكان رشيد رضا في مجلته - المنار - ينادي بالجماعة والعمل
الجماعي، وأنه لا سبيل إلى مواجهة أعداء الإسلام إلا بوجود جماعة ... ومع ذلك
بقيت أفكار رشيد رضا نظرية، ولم ينجح أو بالأحرى لم يسع إلى تأسيس هذه
الجماعة.
ومن جهة أخرى فقد رافق هدم الخلافة انتشار الفساد والنشاط الصليبي الهدام
في مصر ... أشار البنا ﵀ في مواضع مختلفة في مذكراته إلى هذه
الآفات) انظر إلى ما كتبه تحت عنوان: موجة الإلحاد والإباحية في مصر، ص
٤٩، وما كتبه عن التبشير، ص١٤٧ من مذكراته) .
فكان الشيخ حسن البنا ﵀ كالليث الجريح لا يهداً ولا يستقر ...
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتصل بالعلماء ويكتب إلى المسؤولين ...
أنظر إلى لقائه مع الشيخ يوسف الدجوي [علم من أعلام الصوفية وخصم من كبار
خصوم الدعوة السلفية] ، تحدث ﵀ عن هذا اللقاء بأدب ولكنه أوضح
مقصده، فصور لنا أن الشيخ كان يائساً:
(وانتهى ذلك كله إلى أنه لا فائدة من كل الجهود ... وأوصاني أن أعمل
بقدر الاستطاعة، وأدع النتائج لله، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) .
ويصور لنا مشهداً آخر في هذه المقابلة يوم أن قدم الشيخ محمد سعد حلويات
رمضان، وتعمد البنا أن يجلس إلى جانب الشيخ الدجوي، وأخذ الدجوي حلوى
وقدمها إلى البنا ليأكلها فرفض الأخير تناولها وقال. (لو كانت رغبتي بهذه النقل
وأمثاله لاستطعت أن أشتري بقرش وأظل في منزلي ولا أتكلف مشقة زيارتكم)
وانطلق يتحدث عن الفساد والإلحاد وواجب العلماء.
وإذا كان الشيخ الكبير الدجوي يائساً فالمجدد لا ييأس ولا يتراجع.. أنظر إليه
يقول: (لم يعجبني طبعا هذا القول) .... وأمام إصرار البنا أمر الدجوي برفع
الحلوى دون أن يتناولوا منها شيئا، واتفقوا على عقد اجتماع يضم نخبة من العلماء، وتم ذلك، وأسفرت هذه اللقاءات عن ظهور مجلة الفتح التي كان يرأس تحريرها
محب الدين الخطيب. [المذكرات/١٥١] .
كانت أجواء ومجالس أمثال هذا الشيخ لا تسمح لشاب صغير أن يخاطب
الشيخ بهذا الأسلوب. قال البنا: (وكنت أتكلم في حماسة وتأثر وشدة، من قلب
محترق مكلوم، فانبرى بعض العلماء الجالسين يرد علي في قسوة كذلك، ويتهمني
بأنني أسأت إلى الشيخ وخاطبته بما لا يليق، وأسأت إلى العلماء والأزهر، وأسأت
بذلك إلى الإسلام القوي العزيز، والإسلام لا يضعف أبداً والله تكفل بنصره)
[المذكرات/٥٢] .
وكان- ﵀ -يعلم أن هذه الجهود ستبقى ضعيفة جزئية لأسباب لا تغيب
عن ذهن ألمعي مثله، وليس هذا الذي يتطلع إليه المجددون، إذن لابد من عمل
جماعي شامل ... وعرف البنا العمل الجماعي مذ كان طالبا في الإعدادية، فلقد كان
رئيس إدارة (جمعية الأخلاق الأدبية) وكان لهذه الجمعية نظام داخلي ... ثم أسس
بعد حين (جمعية منع المحرمات) وكان مع زملائه يرسلون رسائل للعصاة
والمقصرين يأمرونهم فيها بالمعروف وينهونهم عن المنكر، وكان عمره آنذاك ثلاثة
عشر عاماً.
وانتسب إلى الطريقة الحصافية، وكان عمره أربعة عشر عاما، وبايع شيخ
الطريقة وأسس مع أحمد السكري (جمعية الحصافية الخيرية) ، وكانت مهمتها نشر
الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات، ثم تخلى عن الطريقة والجمعية
عندما أدرك أن حاجة المسلمين أكبر من ذلك بكثير.
وفى القاهرة - وكان عمره ستة عشر عاما - انتسب إلى (جمعية مكارم
الأخلاق الإسلامية) ، وإلى (جمعية الشبان المسلمين) . قال ﵀: (وأذكر أنني كتبت تواً إلى عبد الحميد بك سعيد معلناً اشتراكي بالجمعية، وواظبت
على دفع الاشتراك ... ) .
وكان الدافع إلى انتسابه إلى هذه الجمعيات كلها رغبته في الإصلاح،
وشعوره بأهمية العمل في جماعة، ولعل هذه الجماعات كانت تتناسب مع وعيه في
تلك المرحلة غير أنه يكتشف بعد قليل أن دورها جزئي محدود، وإذن لابد من
جماعة تتسم بالشمولية، ولهذا أسس جماعة الإخوان المسلمين عام١٩٢٨، وحدد
فقرات هذا المنهاج في النقاط التالية:
١-نريد أولاً الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي
عمله وفي تصرفه. فهذا هو تكويننا الفردي.
٢- ونريد البيت المسلم ... ونحن لهذا نعنى بالمرأة، ونعنى بالطفولة.
٣- ونريد بعد ذلك الشعب المسلم في ذلك كله.
٤- ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب إلى المسجد ...
ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل
الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم
الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام.
٥- ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي.
٦-ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سعدت
بالإسلام حيناً من الدهر.
٧-ونريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم ... وأن نعمم بها آفاق
الأرض، وأن نخضع لها كل جبار.
ثم يقول: بأن ناساً سيقولون هذا خيال وأوهام. وذلك هو الوهن الذي قذف
في قلوب هذه الأمة، فمكن لأعدائها فيها ... ثم قال: وإنما نعلن في وضوح
وصراحة أن كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهاج ولا يعمل لتحقيقه لا حظ له في
الإسلام [١] فليبحث له عن فكرة أخرى يدين بها ويعمل لها.
وليس في الطريقة الحصافية في جمعية الشباب المسلمين أو في جمعية مكارم
الأخلاق مثل هذه الأهداف التي رسمها البنا ﵀ لجماعته.
الدرس الثالث:
عندما قطع البنا مراحل مهمة في بناء جماعته، وعندما توسعت هذه الجماعة
وعظم شأنها في مصر، وكثر أتباعها، كان لابد أن يضع لها منهجاً علمياً تتربى
عليه، ولهذا فقد طلب من الشيخ (سيد سابق) - وكان من كبار العاملين في هذه
الجماعة - أن يقوم بتأليف كتاب في الفقه، واتفق معه على سمات هذا الكتاب،
فقام سيد سابق بتأليف كتاب (فقه السنة) ، وكتب الشيخ حسن البنا تقدمته، وأصبح
مقرراً في منهج الجماعة.
وكان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - كما عودنا - منصفا عندما عدَّ
تأليف وتدريس هذا الكتاب مكرمة من مكارم البنا ﵀، لاسيما وقد جاء هذا
الحدث في وقت كانت تهيمن الصوفية والمذهبية على أجواء العلماء والمعاهد
والجماعات الإسلامية في مصر، ووجد هذا الكتاب والحمد لله رواجا واسعا وطبع
طبعات كثيرة، وفى هذا دليل على أن المستقبل للسنة وليس للتقليد، وللتعصب
المذهبي المذموم.
وأراد ﵀ تربية أتباعه على التمسك بالكتاب والسنة، وحذرهم من
البدع والجمود والخرافات، ومن تقديس أقوال الرجال وتقديمها على الكتاب والسنة، قال ﵀:
(وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﷺ ، وكل
ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله
وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص - فيما اختلف فيه - بطعن
أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا) . [رسالة التعاليم] .
ولاشك أن كلاً يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﷺ ،
والبنا ﵀ بلباقته وحسن تعبيره، يصور لنا بشكل آخر تجربته مع الطرق
وشيوخ الصوفية، ومن غير شك كان يحزن من شدة تقديس الأتباع والمريدين
لشيوخهم، انظر إليه وهو يحدثنا عن أتباع الشيخ الدجوي كيف ردوا عليه بقسوة
لأنه خاطب الشيخ بما لا يليق ... وبإساءته للشيخ أساء للعلماء والأزهر والإسلام ... والبنا أراد من الشيخ أن ينهض لمحاربة الفساد والإلحاد في مصر فكيف أساء
للإسلام؟ ! .
وهؤلاء تربوا على أن شيخهم لا يقول إلا الحق، وهو ظل الله في الأرض،
وأوامره ونواهيه دين لا يجوز مخالفتها أو الخروج عليها! ! والبنا لا يريد هذه
التربية المنحرفة.
لا يريد أن يكون بين أتباعه كما كان الدجوي بين أتباعه، ولهذا علمهم وأكد
في رسالة التعاليم بأنه ليس معصوماً، ويجب أن لا يقبلوا من كلامه إلا ما كان
موافقاً للكتاب والسنة، ومن خالف ذلك فقد أساء للبنا ودعوته.
الدرس الرابع:
واجهته كما واجهت غيره من المجددين صعوبات كثيرة، وتحديات جمة، فما
تراجع، ولا ضعف، ولا قبل الدنية في دينه ودعوته.
- حاربه المستعمرون الإنجليز بوسائلهم المعروفة.
- وحاربه فاروق وزبانيته، وهم الذين دبروا محاولة اغتياله.
- وحاربه حزب الوفد بإمكاناتهم الضخمة، وشنوا عليه حملة إعلامية كاذبة
ظالمة، وكانت صحفهم تخرج كل يوم وفيها تشهير هابط بحسن البنا وأهدافه
ونواياه، والناس يتأثرون بالإعلام، وكان قادة حزب الوفد مزيجا من العلمانيين
والأقباط.
- وحاربته بقية الأحزاب الأخرى بوسائل لا تختلف عن الوسائل التي
استخدمها حزب الوفد.
- وحاربه شيوخ السلطة لأن أسيادهم - فاروق والوفد - حاربوا البنا، ولأن
الناس التفوا حول البنا، وانفضوا من حولهم وتناقص عدد الذين يقبلون أيديهم.
- وحاربه ضعاف النفوس من رفاق دربه الذين لم يجدوا عنده ما كانوا
ينتظرون من أطماع، فتخلوا عنه، وانضموا إلى حزب الوفد، واستخدمهم الحزب
في حملته الإعلامية الفاجرة ضد حسن البنا.
وكان الرجل يتوقع مثل هذه المعوقات، وتنبأ بها منذ بداية الطريق، وكان قد
وضع لها الحلول الناجعة ... ومن هنا نخرج بفائدتين:
الأولى:
هذه الأحزاب الجاهلية كالوفد والبعث وغيرهما ليس فيها خير ولا أمانة،
وقادتهم يعلمون أن أهواءهم تتعارض مع تعاليم الإسلام وأهدافه، فقد يصدقون في
تحالفهم مع الشيوعية والصليبية والاستعمار الغربي والباطنية أما مع الإسلام
فيستحيل، والله حذرنا منهم بقوله: [ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ] [هود: ١١٣]
وقال: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ
ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ...] [المجادلة: ٢٢]
الثانية:
يظن بعض السذج أو المهزومين أنه من الممكن أن تقوم دعوة لها أهداف نبيلة، وأن تتسع هذه الدعوة وتحقق أهدافها دون أن تواجهها تحديات وافتراءات وأباطيل، أو قد يتحدثون عن الصعوبات، لكن حديثهم يبقى نظرياً، فإذا أصبحت التحديات
حقيقة، ضعفوا وارتبكوا واضطربوا، وفي حالة الاضطراب والضعف ينحون
باللائمة على أفراد منهم لأنهم سبب هذا البلاء ... ليت هؤلاء يدرسون في كتاب الله
وسنة رسوله ﷺ سنن الله في ابتلاء الدعاة والجماعات
الإسلامية... ليتهم يطيلون التأمل في قراءة وتدبر معاني قوله تعالى:
[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ
البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا
إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [البقرة: ٢١٤] .
وقوله:
[الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ * ولَقَدْ فَتَنَّا
الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] [العنكبوت: ١-٣] .
لقد اشترى الإنكليز وفاروق والأحزاب ذمم بعض كبار الأدباء والمفكرين،
وكتب أحدهم ذات مرة يقول بأن حسن البنا من أصول يهودية، ودليله على ذلك أنه
يعمل في تصليح الساعات وهذه الصناعة يحتكرها اليهود ... ولسنا في صدد الرد
على أقوال هذا المفتري، ولكن نشير إلى أن مثل هذا القول اتهم به الرافضة ومن
يدور في فلكهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومن قبل اتهم
المشركون والمنافقون واليهود رسول الله وأهل بيته وأصحابه صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه وسلم بمختلف الاتهامات الشنيعة الباطلة.
وقصارى القول مضى خصوم البنا ... مضى فاروق وإذا ذُكِرْ تذكر انحرافاته
وفساده، وسوء حاشيته ... ومضى الإنكليز وأعوان الإنكليز غير مأسوف عليهم ... ومضى قادة الأحزاب الجاهلية بأوزارهم، وبقى ذكر حسن البنا الطيب العطر
ليس في مصر وحدها بل في العالم كله [فَأَمَّا الزَّبَدُ فيذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ
فيمْكُثُ] [الرعد/١٧] .
стр. 320
خواطر في الدعوة
لا تقولوا الباطل
محمد العبدة
أخذ الله العهد على العلماء ومن يتصدى للدعوة أن لا يكتموا العلم، ويبينوه
للناس، ولا يخشوا أحدا إلا الله، وقد كان شرار أهل الكتاب علماؤهم ورهبانهم
بما يكتمون من البينات وبما يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، وفضل الله هذه الأمة
فجعل علماءها خيارها، فأعطوا الكلمة حقها ورعوها حق رعايتها، والأمثلة في
تاريخنا كثيرة، جاء في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أن أبا جعفر
الأنباري قال له عندما امتحن ليقول بأقوال المعتزلة الباطلة: (يا هذا أنت اليوم
رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت
لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولابد من الموت، فاتق الله ولا تجب فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله)
[سير أعلام النبلاء ١١/٢] .
وجاء أيضاً: قال المروذي: يا أستاذ إن الله قال [ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] ، قال: يا مروزي اخرج فانظر، فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقاً لا
يحصيهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم المروذي: ماذا
تعملون؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد ونكتبه، فدخل فأخبره، فقال: يا مروذي:
أضلُّ هؤلاء كلهم.
أراد هذا الإمام المبجل أن يضحي بنفسه ولا يفسد عقائد الناس لأنه متبع
ومقتدى به، وبعض من يقتدي بهم اليوم من الدعاة، وفى غمرة فقدان الوعي
الشامل والاجتهاد الدعوي الصائب يقعون في ما استطاع الإمام أحمد أن يبتعد عنه،
سواء بتزكية من لا يستحق التزكية، أو بتبرير لأوضاع غير سليمة، فيتبعهم
الناس ويؤملون الخير ويستبشرون، ولكن آمالهم تخيب بعدئذ.
وإذا كنا نحن المسلمين مأمورين بقول الحق في تقويم الناس، وأن نعدل حتى
في لحظات الغضب والشنآن؛ فهذا في معرض التقويم الشامل فنقول عن الشجاع
شجاع ولو كان كافرا أو فاسقا، ونقول عن فلان أنه خدم بلاده وأفادها من ناحية
دنيوية في معرض الاعتراف بالواقع، وهذا كله عندما تكون الصورة واضحة في
أذهان الناس ولا نلبس عليهم أمور دينهم.
ونحن نعلم أنه لا أحد يكره أمثال هؤلاء الدعاة على أقوال تحسب على الإسلام
والمسلمين وهى ليست بذاك، وقد يظنون أن هذا فيه مصلحة للدين ولكن الحقيقة أن
مفسدتها أكثر من مصلحتها. ولذلك نقول لهؤلاء مخلصين مشفقين: إذا كنتم لا
تستطيعون قول الحق فلا تقولوا الباطل، وذاك أضعف الإيمان.