هموم ثقافية
إشكالية البلورة السياسية للديمقراطية
بقلم:سامي محمد الدلال
في مسيرته النقدية للديمقراطية استعرض الكاتب في حلقات سابقة عدداً من
الإشكاليات التي تواجه هذا المبدأ، فتعرض للمفهوم العام، وزاوية النظر، والبلورة
الثقافية، والبلورة الاقتصادية، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة عرض لإشكالية
أخرى. ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
في البدء نقرر وجود اتفاق على استعمال كثير من مفردات التعبيرات السياسية
من مثل:
-الحرية. -الوحدة. -المساواة. -الاشتراكية.
-الديمقراطية. -العلمانية. -القومية. -الوطنية.
-الحقوق السياسية.. وغيرها.
إن الاختلاف حول الشكل والمضمون لكل مفردة من تلك المفردات هو أحد
إشكاليات البلورة السياسية للديمقراطية.
لقد أخفقت الأنظمة الديمقراطية في بلورة مفهوم موحد لأي من المفردات
المذكورة. إن الإخفاق المشار إليه لم يكن مستغرباً، بل هو متوقع تماماً، بل
الاستغراب، كل الاستغراب، أن يحصل العكس، أي أن يحصل الاتفاق على
مفهوم موحد لتلك المفردات.
إن تفاوت:
مستويات الفهم السياسي.
قدرات التخطيط في الإطار السياسي.
الإمكانات المتوفرة، أو المتاحة، لكل شريحة لها دور في القرار السياسي،
أو التأثير عليه.
الطاقات في استثمار الإمكانات.
إمكانية توظيف ذلك الاستثمار في المنظومة الاستراتيجية العامة للعمل
السياسي.
في القدرة على حشد الجماهير خلف المطالب السياسية.
في استخدام وسائل التعبير عن المشروع السياسي.
الخبرات المكتنزة والمتولدة عن خوض غمار الصراع السياسي.
المرجعيات السياسية، بل والعقدية للمشاركين في البلورة السياسية.
درجة فهم مقصودات تلك المرجعيات في تأصيلاتها السياسية.
استيعاب المرحلة السياسية الخاصة بالدولة قياساً على الخريطة السياسية
الدولية.
وغيرها كثير من ألوان التفاوت.
إن كل ذلك التفاوت بين:
الأحزاب بكافة أطروحاتها السياسية والعقدية.
المثقفين (من اقتصاديين ومحامين وأدباء ومدرسين، محترفين سياسيين
وغيرهم) .
الإسلاميين (بمختلف مدارسهم وجماعاتهم) .
العسكريين (وكثير منهم متسيّسون)
عامة أفراد الشعب (من عمال وفلاحين وموظفين ومهنيين وغيرهم) .
هذا التفاوت يؤدي إلى اضطراب سياسي متعدد الأوجه؛ حيث إن لكل فئة من
الفئات المذكورة نظرة معينة وتفسيراً خاصاً بها إزاء كل عنصر من عناصر
التفاوت المنصوص عليها آنفاً، مما يقود حتماً إلى وقوع الاختلاف بينها بما يفضي
قطعاً إلى صراع سياسي متأجج ترمي كل فئة إلى تغليب فهمها الخاص لتلك
المفردات المذكورة، بما تراه أنه يحقق مصلحتها أو يحقق مصلحة الأغلبية الشعبية
التي ستسير خلف مشروعها السياسي الذي عبّر عن قضاياها، مما ينتج عنه توسيع
القاعدة الجماهيرية لتلك الفئة.
إن المتمعّن في أصل فكرة الديمقراطية، وكذلك المتمعن في الأنظمة التي
عبّرت عنها على أرض الواقع يتبين له بسهولة أن الديمقراطية لم تنجح في نزع
الفتيل من القنبلة السياسية المتعددة الأوجه، بل ساعدت في إشعال ذلك الفتيل مما
أدى إلى تفجر قنابل سياسية كثيرة في الأنظمة التي حكمت بالديمقراطية.
نحن نعتبر ذلك أمراً طبيعياً بسبب ما تضفيه الديمقراطية من سعة في تفسير
تلك المفردات؛ حيث تسعى كل فئة من الأحزاب والمثقفين والإسلاميين
والعسكريين وعامة أفراد الشعب إلى احتكار أكبر حصة ممكنة من القرار السياسي
أو من المشاركة في صنعه.
إن اتساع حصة أي فئة من تلك الفئات سيكون حتماً على حساب تضييق
حصص الفئات الأخرى مما يجعل دخولها في مواجهات على كافة المستويات أمراً
لا مندوحة عنه.
وعندما ترتفع درجة حرارة الصراع بين تلك الفئات تحت المظلة الديمقراطية، ثم تبدأ المواجهات الجماهيرية في مختلف المرافق يأتي دور العسكر شاهرين
سيف الحسم السياسي لصالح المؤسسة العسكرية (وهذا خاص بالعالم الثالث غالباً)
التي تقوم فوراً بحل المجلس النيابي وتعليق الديمقراطية إلى حين ترى أن إعادة
تقديم تلك المنحة (أي الديمقراطية) إلى كافة تلك الفئات سيكون مرضياً للجميع،
وتبدأ الدورة نفسها من جديد.
إن جعبة العسكريين ستكون ملأى بالحجج القوية التي تسوّغ فعلتهم التي
فعلوها. ومن أهم تلك الحجج وضع حد لتوظيف الديمقراطية في خدمة مصالح
فئات بعينها واستغلال المجلس النيابي لتمرير تلك المصالح، وكذلك وضع حد
لتفتيت الوحدة الوطنية التي تجزأت بفعل الصراع السياسي الذي أتاحته المظلة
الديمقراطية. وليس شرطاً أن يتم ذلك من خلال العسكريين، بل يمكن أن يتم ذلك
من خلال السلطة الحاكمة صاحبة القرار السياسي في المنحة الديمقراطية.
وفي كلتا الحالتين، فإن الحكام الجدد سينتهي بهم المطاف إلى الاستيلاء على
مقدرات البلاد لتصب في استثماراتهم الخاصة، حتى إذا ما تنامى الضغط الشعبي
نحو التغيير، وبلغ مرحلة الانفجار أدلوا له بدلو الديمقراطية من جديد، وتتكرر
اللعبة! !
ويبقون هم في الحكم! !
إن أولئك العسكريين ربما كانوا مستقلين، أو واجهات لفئات حزبية أو طائفية
أو عرقية، وفي كل الأحوال فإنهم سيصبغون الوضع السياسي في البلاد بالصبغة
العلمانية، من مثل:
* الاقتصاد السياسي من منظور علماني.
* الثقافة السياسية من منظور علماني
* الإعلام السياسي من منظور علماني.
* السلوك السياسي من منظور علماني.
* المناهج التربوية السياسية من منظور علماني.
* الدراسات السياسية (بحوث ومؤسسات) من منظور علماني ... وهكذا.
إن الوصول إلى إضفاء الصبغة العلمانية في الجانب السياسي للأمور المذكورة
يتطلب:
* تحديد الأهداف المرحلية، ثم النهائية لكل وجه من الأوجه السياسية
المذكورة: (الاقتصاد، الثقافة، الإعلام، السلوك، المناهج، الدراسات) .
* رصد الدعم المالي الذي يحقق الوصول إلى تلك الأهداف.
* إعداد الحشد البشري المؤهل علمياً لتحقيق تلك الغاية، والمكافئ
للاحتىاجات المطلوبة لكل وجه ولكل مرحلة.
* وضع الخطط اللازمة لتلبية الترجمة العملية لكل ذلك.
* المتابعة والتقويم، ليسير الركب العلماني ضمن الخطط المرسومة، ولسد
الثغرات، وتصحيح الأخطاء، واقتراح التعديلات بما يضبط خط سير الموكب
العلماني نحو غايته.
إن المهيمنين على السلطة (سواء كانوا عسكريين أو حزبيين أو طائفيين أو
غير ذلك) سيتخذون من الديمقراطية وسيلة يمكن ضبط إطارها لتحقيق الوصول إلى
تلك الصبغة السياسية العلمانية من خلال تشريعات نيابية تأخذ أوضاعها القانونية
دون أن تتأثر بحل المجلس النيابي بعد ذلك.
إن الإسلاميين عندما يتخذون قرار المشاركة في المجالس النيابية ينبغي لهم
أن يأخذوا كل ما ذكر بعين الاعتبار. وقد شارك الإسلاميون في المؤسسات
السياسية العلمانية على مستوى نواب وعلى مستوى وزراء، وبما أنهم لم يدركوا
المدى العلماني في المؤسسات التي سمحت لهم بولوج تلك القنوات النيابية
والوزارية فهذا يعني قصور فقههم للواقع، بل الأكثر من ذلك، أصبحوا هم جزءاً
من درجات السلم التي ترتقي عليها المؤسسة السياسية الحاكمة للوصول إلى أهدافها
السياسية العلمانية. وإنه من المعلوم أن لجاناً عدة تنبثق من المجلس النيابي لوضع
التصورات للقضايا التي تعرض على المجلس في كافة المجالات. وقد شارك
الإسلاميون في كثير من تلك اللجان. ورغم تلك المشاركة فإن محصلة ما يعرض
على المجلس من الدراسات التي تقدمها اللجان لا تخرج عن الإطار السياسي
العلماني بما لا يوحي بوجود أثر لمشاركة الإسلاميين في أعمال تلك اللجان؛ ذلك
أن الخطوط الموضوعة من قِبَلِ الملأ لعمل اللجان المذكورة مؤطرة مسبقاً بالإطار
العلماني، وفي حال نجاح الإسلاميين في أي لجنة من تلك اللجان في تمرير
دراسات معينة تخرج عن الخط العلماني المحدد لعمل تلك اللجنة فإن إجراءات
معينة تتخذ لإجهاض تلك التوصيات: منها إعداد العدة لإسقاطها بالتصويت في
المجلس، ومنها تأليب الرأي العام ضد نتائجها باستعمال الصحافة وأجهزة الإعلام
المختلفة بما يجعل تلك التوصيات وكأنها ليست في صالح الشعب، فيصبح رفضها
محصلة حاصل، فربما لا تصل حتى إلى مرحلة التصويت عليها، وفي حالة
حدوث ذلك وقد حدث عدداً من المرات فإن النتيجة الطبيعية التي يصل إليها الراصد
أن المؤسسة الحاكمة قد نجحت في الوصول إلى أهدافها المتعلقة بالبلورة السياسية
العلمانية للشعب ومؤسساته.
إن خلاصة ما وصلنا إليه هي أن إشكالية البلورة السياسية الديمقراطية يمكن
رصد أهم معالمها في النقاط التالية:
١- الاختلاف حول تفسير التعبيرات السياسية، وإخفاق الديمقراطية في
توحيد ذلك التفسير.
٢- إن سبب الاختلاف تفاوتات منوعة بين المشاركين في الإطار السياسي.
٣- إن استمرار تلك الاختلافات يؤدي إلى اضطراب سياسي متعدد الأوجه.
٤- إن هذا الاضطراب يحسم لصالح الملأ الحاكم الذي يوجه جميع مضامين
الصراع السياسي وجهة علمانية.
٥- الإسلاميون المحتوون في ذلك الإطار الديمقراطي السياسي العلماني
يصابون برذاذه على مستوى النيابة أو التوزير دون أي فاعلية حقيقية جوهرية
لصالح العمل الإسلامي، بل تستغل مشاركتهم السياسية لصالح توفير واجهة مقبولة
للنظام الحاكم.
стр. 2557
متابعات
تعقيب على تعقيب
حول الحوار مع الشيخ القرضاوى
بقلم: طاهر العتباني
وردنا رد مطول من الأخ الفاضل الأستاذ طاهر العتباني يعقب فيه على
الدكتور محمد بن عبد الله الشباني في محاورته مع الشيخ د. يوسف القرضاوي
الذي تم نشرها في العدد (١١٢) ، وحيث إن المساحة المتاحة في هذه الزاوية لا
تستوعب ما ذكره الأخ الكريم لطوله، فقد اضطررنا إلى اختصار الموضوع بذكر
أهم وقفاته، وهي ما نحسب الكاتب يقصده في تعقيبه، مع العلم أننا عرضنا الرد
كاملاً على الدكتور الشباني فأورد وجهة نظره في آخر المقال والتي لم تسلم من
الاختصار، راجين أن يكون في هذا الحوار ما يوضح الحقيقة التي هي رائد
الجميع، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. والله من وراء القصد،،
-البيان-
لقد قرأت مقال (وقفات متأنية مع آراء فضيلة د. القرضاوي حول العلاقة مع
أهل الكتاب) الذي نشرته (البيان) في العدد (١١٢) وتصورت أن صاحب المقال
وفقه الله قد قرأ كل ما كتبه الدكتور القرضاوي في موضوع التعقيب الذي كتبه، مما
قد أفرد له الدكتور القرضاوي بعض كتبه، ومما ورد في بحوثه المختلفة أو كتبه
الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها.
لكني وجدت الكاتب أخذ أقوال الشيخ من (من مجلة المجتمع الكويتية) ثم بنى
عليها مقاله وآراءه وانتقاداته.
من هنا جاء هذا التعقيب على ذلك التعقيب الذي توخيت فيه أمرين أسأل الله
تعالى أن يبلغني إياهما وهما:
١- رجاء حسن المثوبة بإحسان القصد والوجهة فيه لله تعالى.
٢- أن ينفع الله به قارئه، بأن يصيب الحق أو يقاربه.
أما التعقيب فإنه يتضمن عدة وقفات هي:
الوقفة الأولى: أني أشكر لصاحب المقال حرصه على نفع المسلمين بما لديه
من علم وغيرة، كما ظهر من مقدمته، كذلك أحمد له أدبه الشديد في حديثه عن
الشيخ وجهوده المعروفة من خلال كتبه ومحاضراته ودروسه وخطبه وأبحاثه
وفتاواه وما شارك فيه من الندوات واللقاءات في كثير من أقطار المعمورة، فضلاً
عما ابتلي به عافاه الله من إيذاء واضطهاد بسبب الحق الذي جاهد في سبيله، فجمع
بذلك بين العلم والعمل، والجهاد والتضحية، نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله
أحداً.
ثاني هذه الوقفات: التنبيه على عدد من الملحوظات على الأخ الكاتب في نقده، ومنها:
[١] أن تقويم الآراء والرد عليها يجب أن يراعى فيه جميع أقوال المردود
عليه في موضوع الرد، ولا يكون الرد على عبارات عارضة في حديث مجمل في
مقام معين وظرفٍ محدد؛ وذلك الأصل المنهجي مبناه على عدة أمور:
١- أن الفتوى وهي ألصق وأقرب للدقة والضبط والإحكام وتحرير المسائل
وتنقيحها تراعي ظروف الزمان والمكان ومقتضى الحال والعرف، وهي قاعدة
مشهودة معروفة. فكيف بحديث الناس فيما يعرض لهم من محاورات وأحاديث
للصحف مما هو ليس على سبيل الفتوى.
٢- أن في الكلام ما هو إجمال وما هو تفصيل، وهذا وارد حتى في كتاب
الله تعالى وفي سنة رسوله.
وكما أنه لا يصح النظر إلى نصٍ دون غيره من أقواله -صلى الله عليه
وسلم- في الاستدلال على حقيقة رسالته، وإنما يجب أخذ مجموع النصوص حتى
في استخراج حكم المسألة الواحدة، كذلك فلا يصح أن تلصق تهمة بعالم من علماء
المسلمين لعبارة وردت في حديث له وَهَمَ منها السامع معنى لم يدُر بخلد قائلها،
وهو أنه يحصر الإسلام في الجانب الأخلاقي فقط دون العقيدة والعبادة، وغير ذلك
من جوانب الرسالة الإسلامية عند الوقوف مثلاً أمام الحديث النبوي: (إنما بعثت
لأتمم مكارم الأخلاق) .
٣- أن للكلام اعتباراتٍ ووجوهاً، فعلى الناظر في كلام أي أحد أن ينظر في
وجوهه المختلفة؛ فالجملة من كلام بعض العلماء قد تكون صحيحة من وجه من
الوجوه، فاسدة من وجه أو وجوه كذلك. وموقف الإمام علي ﵁ والإمام
ابن عباس مع الخوارج عند وقوفهم عند قوله تعالى: [إن الحكم إلا لله] معروف
للجميع.
(ب) أنه لو اتُبع هذا المنهج في الرد على أقوال مبتورة مجملة مقطوعة عن
سياقها وظرفها، واعتبر منهجاً في الرد لما سلم لأحدٍ من علماء الأمة شيء مما قال
أو كتب.
(ج) أن كلام المسلم في عمومه يجب أن يحمل على المحمل الحسن إلا أن
تقوم القرينة القاطعة على فساده، فإذا كان الكلام لعالم جليل له خبرته بالعربية
وأصولها وبلاغتها وقواعدها من نحو وصرف، وبالأصول والقواعد والأدلة من
نصوص القرآن ونصوص السنة وجب عندئذ أن يحمل كلامه على أفضل وجوهه
وأحسن تأويلاته.
(د) أن انتقاد عبارة أو جملة أو عدة جمل لعالم استفاضت أبحاثه وتنوعت
وكثرت في جميع جوانب علوم الإسلام، وتلقاها عنه كثير من العلماء وطلبة العلم
بالقبول في مجموعها الأعم على مدار ما يقارب أربعين عاماً، والوقوف أمام هذه
العبارة دون غيرها مما يتصل بموضوعها وتقويم آرائه من خلالها منهج غير
صحيح. ولقد ذكر أهل العلم كابن تيمية في (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) المنهج
الصحيح تجاه أقوال العلماء مما يجب أن يحتذى.
الوقفة الثالثة: أن عالماً مشهوداً له بالعلم والعدالة والبلاء الحسن يجب النظر
إلى مجموع حسناته وجهاده قبل أن يُشنّع على آرائه التي يجتهد فيها فيصيب أو
يخطئ.
لا سيما وأن فضيلة الدكتور القرضاوي حفظه الله وأمد في عمره قد فهم
الإسلام بمعناه الشامل الذي يبدأ من العلم والاعتقاد والعبادات والشعائر حتى جوانب
التشريع في نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والثقاقية وغيرها،
وأسهم في التوعية بذلك للناس كافة.
وأنا لا أعني بكلامي هذا عدم الرد إذا ما لزم الأمر؛ لكن على أن يكون الرد
منهجياً مبنياً على القواعد والأصول التي تُتبع في الرد على العلماء ونقد أقوالهم مما
ألمحت إلى شيء منه.
الوقفة الرابعة: أن صاحب المقال جزاه الله خيراً أفاض في التعقيب على
ثلاث عبارات وردت في حديث الدكتور القرضاوي، ورتب عليها كلاماً كثيراً هو
صحيح من حيث معناه، ومن حيث الاستدلال عليه بآياتٍ وأحاديث؛ ولكنه في غير
موضعه مما اعتبره صاحب المقال رداً يوهم القارئ أن في كلام الدكتور ما يناقض
كلام صاحب المقال فيما ساق من حديث، والأمر غير ذلك!
وأحسب أن صاحب المقال لو تعامل مع هذه العبارات بموضوعية لاستخراج
وجوه الكلام الممكنة أولاً في كل عبارة، وحملها على المحمل الحسن ثانياً، ثم أيد
هذا الذي ذهب إليه بما عُرف من فهم الشيخ للإسلام فهماً صحيحاً مما يدل عليه ما
جاء في بقية كتبه وأبحاثه ودراساته وفتاواه، لو فعل ذلك لكان أصاب الحق
والصواب.
الوقفة الخامسة: أن آراء عالم كالدكتور القرضاوي في العلاقة مع أهل الكتاب
لا تؤخذ من مجرد تصريح أدلى به لمجلة أو جريدة هذا إذا صحت نسبته إليه فعلاً
وإلا فأحياناً تنسب الصحف للناس ما لم يقولوه، أو تنشره مشوهاً لتصرّفها فيه طلباً
للاختصار أو طلباً للتشويق والإثارة مما هو معروف في أعمال الصحف والمجلات؛ بل لعل بعضهم ينقل من كتابات العلماء وآرائهم من كتبهم ما يُنشر مشوهاً مبتوراً
عن سياقه.
ثم إن الدكتور القرضاوي لا يتساهل في مثل موضوع: (العلاقة بأهل الكتاب)
بل إنه ليحرص في هذا الباب على تحرير الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وينبه
حتى في الأمور المباحة بيننا وبينهم على ما يمكن أن يخرج بهذه الإباحة عن
مقصودها الذي شرعها لأجله الشارع الحكيم. كما وضح ذلك في كتابه: (غير
المسلمين في المجتمع الإسلامي) .
وفي ختام هذه الوقفات أود ألا أكون جانبت الصواب، وأسأل الله تعالى أن
يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
* * *
رد الكاتب الدكتور الشباني:
وبعد عرض أصل الموضوع على الكاتب د. محمد بن عبد الله الشباني كتب
وجهة نظره حول ما ورد في التعقيب على النحو التالي:
أود بادئ ذي بدء أن أشكر للأخ طاهر العتباني رده وتعقيبه على ما نشرته
حول ما نسب لفضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله وأحسن الله له
قصده، وجعلنا وإياه ممن يسعى للحق ويهدي إليه.
لقد ترددت كثيراً في التعقيب على تعقيبه ولكن حيث أورد الأخ طاهر بعض
الأمور التي يجب التنبيه عليها لما لها من صلة بأصل المحاورة ولما ظنه من أن
محاورتي لفضيلة الدكتور القرضاوي، هو طعن في مكانة الشيخ القرضاوي، وما
أشار إليه من أن استفادتي من كتب القرضاوي مزعومة، ويعلم الله أنني لم أقصد
من ذلك إلا النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم في أمر له أهميته العقدية، ولم أقصد التقليل أو صرف الناس عن قراءة كتبه كما توهم الأخ العتباني عفا الله
عنا وعنه.
كما أن الأخ العتباني أشار في معرض تعقيبه إلى أنه كان ينبغي عليّ الاتصال
بفضيلته لمناقشته، ولقد قمت بالاتصال، ولكن من خلال الوسيلة التي تم نشر ما
نسب إليه فيها، فقد أرسلت نسخة من محاورتي التي قامت البيان بنشرها لمجلة
المجتمع لعل المجلة أن تقوم بدورها باستيضاح رأي الشيخ القرضاوي وتنشر وجهة
رأيه فيما نسب إليه، ولكن مع الأسف تجوهل الموضوع حتى كتابة هذا التعقيب؛
وللأسباب المشار إليها وحتى لا يلتبس الأمر على قارئ التعقيب فقد ارتأيت أن
أوضح وجهة نظري فيما أورده الأخ العتباني من وقفات على النحو التالي:
أولاً: ما أشير إليه من ضرورة مراعاة جمع أقوال المردود عليه في موضوع
الرد، فأود أن أهمس في أذن الأخ طاهر أنني لم أقصد دراسة كل ما كتبه فضيلة
الشيخ القرضاوي والرد على آرائه؛ فهذا لم يكن هدفي من محاورته؛ وإنما قصدت
من الرد على ما جاء في مجلة المجتمع في الموضوع من آراء تصب في الدعوة
الخطيرة التي يدعى لها في هذه الأيام وهي فكرة وحدة الأديان والتي تنبه لها سماحة
الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة السعودية أطال الله في عمره ونفع الله به فقد
أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة فضيلته فتوى في الموضوع
نشرت في أكثر من مجلة وصحيفة.
ثانياً: ما أشار إليه الأخ، وهو أمر خارج عن نطاق التعقيب، من ضرورة
عدم معارضة العلماء المشهورين الذين بلغوا مكانة عالية من العلم والمعرفة
والإحاطة بفروع العلم وأصوله، وضرورة البحث عن مخارج لأقوالهم في حالة
وقوع أخطاء، والبحث عن تبريرات لهم، وفي حال الرد عليهم ... إلخ. فلي على
ما ذكره ملاحظتان:
١- إن مما أصيبت به الأمة في هذا العصر تقديس من تحب والتغاضي عن
أخطائه، والبحث عن التبريرات لأقواله والتشنيع والتسفيه للمخالف حتى ولو كان
الحق معه؛ وهذا منهج نهى الله عنه حيث إنه يؤدي إلى الانحراف والضلال يقول
تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] [التوبة: ٣١] .
وقد وضح رسول الله ﷺ معنى هذه الآية بحديث عدي بن
حاتم الطائي بأن المقصود بعبادتهم اتباعهم فيما يفتون به مما هو على غير هدى
مستقيم.
٢- إنني لم أخالف المنهجية في الرد؛ حيث اعتمدت فيما أوردته من محاور
على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وكنت حذراً أن أجزم بأن
ما ينشر في الموضوع هو قوله، وكنت كلما نقلت كلاماً عنه أشرت إلى ذلك بعبارة: إن ذلك منسوب إليه؛ تحفظاً من أن يكون هناك تحريف في كلامه؛ وعلى أمل
أن يطلع فضيلته على محاورتي فيرد أو يوضح ما ينسب إليه من ذلك؛ أما عدم
الرد على عالم جليل مثل الدكتور القرضاوي فهو أمر غير مقبول؛ ولنا في سلفنا
الصالح أسوة؛ حيث يقول الإمام مالك: كلّ يؤخذ من كلامه ويُرد إلا صاحب هذه
الحجرة. ومع احترامي وتقديري لجهود الدكتور القرضاوي المعروفة التي أرجو الله
أن يثيبه عليها لكن ذلك لا يمنع من مناقشته وعدم قبول كل ما يقوله على علاته،
والبحث عن تبريرات لما يفتي به؛ فالحق أحق أن يتبع.
ثالثاً: ما أخذته على فضيلة الشيخ من قوله: ( ... إن رسالة الإسلام أخلاقية
بالدرجة الأولى) ورد الكاتب أن أمر مفهوم الأخلاق في الإسلام يختلف عن المفاهيم
الغربية، واستطراده يذكر ما كتب حول مفهوم الأخلاق في الإسلام؛ فأنا لا أختلف
معه حول ما أشار إليه وما أحال عليه؛ لكن أعارض جعل رسالة الإسلام أخلاقية
بالدرجة الأولى؛ فما هو مستند الشيخ من الكتاب والسنة؟ لأن رسالة الإسلام هي
بالدرجة الأولى عقدية بتعبيد الناس لله تعالى، وتحقيق كلمة التوحيد؛ ويا ليت
فضيلة الشيخ يوضح وجهة نظره فيما ذكرت.
رابعاً: لقد أشار الأخ العتباني عند محاولته تفسير ما ينسب إلى الدكتور
القرضاوي في مجلة المجتمع: (لا مانع في الإسلام من أن يقف أتباع الديانات
السماوية الذين يتبعون إبراهيم الخليل ... ) إلى أن الشيخ القرضاوي يقصد حسب
زعم الكاتب تحالف أهل الأديان السماوية الذين يؤمنون بوجود الله ربّاً وخالقاً،
وبالجزاء والحساب، وقد استرسل الأخ العتباني في بيان ذلك.
فإذا كان هذا هو قصد الدكتور القرضاوي كما فهمه الأخ العتباني، فالأمر في
غاية الخطورة؛ لأنه يخالف أصل مبعث الرسول ﵊؛ فمشركو
العرب لم ينكروا ربوبية الله والبعث والجزاء، لكن ذلك لم ينفعهم ف (التوحيد الذي
جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الألوهية له وحده بأن يُشهد أن لا إله إلا الله ولا
يُعبد إلا إياه، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُوالى إلا له، ولا يُعادى إلا فيه، ولا يعمل
إلا لأجله ...
وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية ... فليس كل من أقر بأن الله
تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابداً له دونما سواه ... وعامة المشركين أقروا
بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أنداداً.) [١] ؛ فحاربهم الرسول ﷺ ودعاهم للإيمان، ولم يقبل توحيد
الربوبية منهم؛ فلا بد من تحقيق العبادة لله وحده بتوحيد الألوهية، وكذلك بتوحيد
الأسماء والصفات.
والله أسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا إلى سواء السبيل.
стр. 2558
منتدى القراء
حتى لا تموت الدعوة دماغياً ؟ !
بقلم: عبد الله بن حسن الوادعي
الوفاة الدماغية مصطلح طبي يعني أن يموت دماغ المريض ويتوقف عن
العمل ولكن بقية الأعضاء تبقى عاملة كالقلب والرئة والكُلى ... وغيرها، وحيث
إن الدماغ هو مركز التفكير والإحساس والأوامر فإن هذه الوظائف تُفقد، فيصبح
المريض مجرد جثة هامدة لا يستطيع حَراكاً ولا يُعْمِل فكراً ولا يحسُ ألماً ولا يشعر
بمسؤولية.
وهذه الحالة أو قريب منها هي المرحلة التي تمر بها الدعوة في بعض البلدان؛ فمنذ عدة سنوات كانت الدعوة في قمة نشاطها؛ فعقول الدعاة إلى الله كانت تفكر
وتتأمل لتنتج كل يوم عملاً جديداً ما بين محاضرة أو ندوة أو أمسية أو شريط أو
كتاب إلى غير ذلك مما يصعب حصره.
وحيث كان عقل الدعوة المفكر سليماً فقد كان تأثيره إيجابياً على العاملين في
حقل الدعوة، فيقومون بتنفيذ هذا العمل الدعوي أو ذاك بكل جد وإخلاص فترى
أثره ملموساً وجلياً في أوساط المجتمع الذي هو مادة الدعوة. وما كان ذلك ليحدث
لو لم يكن عقل الدعوة المفكر والمسؤول عن الإحساس سليماً، فقد كان يحس
بالأخطار المحدقة بالدعوة، ويتلمس حاجة الناس إليها، ويعرف مداخلهم ومخارجهم، ويدرك واجبه المنوط به.
ثم دار الزمن، وتعاقبت السنون؛ فإذا بقطار الدعوة يقف أو يكاد فلم نعد نرى
أو نحس جهوداً من أجل الدعوة تبذل، أو صرحاً من أجل الدعوة يُقام، أو وقفاً في
سبيل الدعوة يُبذل، أو نفساً في سبيل الدعوة تتعب، أو فكراً من أجل الدعوة يعمل، أو خاطراً من أجل الدعوة يَهتم أو على الأقل حِسّاً من أجل الدعوة يُستثار!
فأين الخلل يا تُرى؟
* هل عدمت مادة الدعوة وهي المجتمع؟ ! ! * أم هل استنفد رصيد الدعوة
وهو الدين؟ ! !
* أم هل شلت أعضاء الدعاة العاملين في حقلها وهم شباب الصحوة؟ ! !
* أم هل توقف عقل الدعوة المفكر ودماغها الذي كان يحس بالمسؤولية،
وفكرها الذي كان ينتج الأعمال الدعوية؟ هل توقف كل هذا؟ * هل ماتت دماغياً؟ ! !
هذا ما لا يرضاه أي مسلم....... . فإلى الدعوة والعمل المسؤول الهادف
لخدمة الناس كافة بدعوتهم إلى صراط الله المستقيم وبكل السبل المشروعة.
стр. 2559
منتدى القراء
حديث النفس
شعر: مشبب أحمد القحطاني
يا أُمتي والحُزْنُ يَعصِرني علامَ الإنحناءْ! ...
ما بالُ رحلَتِكِ انتهت وخلعتِ ثوبَ الكبرياءْ! ...
لو كان يُسْعِفُني البكاءُ لمُتّ من فَرْط البكاءْ ...
يا أُمّتي هل يصبحُ الأعداءُ يوماً أصدقاءْ؟ ...
رَبّاهُ ماذا قد دهانَا كيفَ ذلّ الأنقِياءْ؟ ! ...
لكأَنّما الأمجادُ شِيدتْ دُونما بذلِ الدّماءْ! ...
قِفْ يا زماني ساعةً واذكر زمانَ الأقوياءْ ...
كم جَلْجَلَ الحقّ المبينُ وطافَ أنحاء الفضاءْ؟ ...
كم طهّرَ الإسلامُ أجساداً وجمّعها الإخاءْ؟ ...
السّقْمُ دَبّ بأُمةٍ تركتْ دروبَ الأنبياءْ ...
ِلو يعلمُ الوسنانُ مِنّا أن في التّقْوى شِفاءْ ...
لاستيقظَ اللّيْثُ الهصورُ وسارَ في جَيْشِ الفِداءْ ...
قُمْ يا رعيلَ اليومِ وارفَعْ ما تهدّم من بناءْ ...
هذي مُصيِبَةُ أُمّتي ولعلّنا نَجِدُ الدّواءْ ...
إنْ طالَ ليلُ الآملينَ فَسَوفَ يُسْفر عَن ضياءْ ...
هَلاّ رَفعنا بالدّعاء أكفّنا نحو السّماءْ ...
وَمَضَتْ رواحِلُنَا على دَرْبِ البطولةِ والفِداءْ ...
يكفي من التاريخِ عاراً أن يسودَ الأشقياءْ ...
стр. 2560
الورقة الأخيرة
ماذا دهى أمة الإسناد ؟ !
بقلم: محمد نجيب لطفي
نحن أمة الإسناد، ما في ذلك من شك؛ وتراثنا العظيم في الحديث النبوي
الشريف وعلومه أعظم دليل على ذلك، حيث يتجلى ذلك بوضوح في دواوين السنة
من صحاح وسنن ومعاجم ومسانيد ومستدركات ومستخرجات وهي من الكثرة والدقة
بمكان، وكذلك في كتب الرجال والجرح والتعديل كل ذلك من مفاخر أمتنا العظيمة
أمة الإسناد الذي تفاخر به العالمين.
نفاخر أن أمم الأرض قاطبة لن تستطيع الوصول إلى عشر معشار ما وصلنا
إليه مهما تطاولت أعناقهم وتمنت نفوسهم.
ولكن! ! ماذا دهى الأمة العظيمة؟ ! أمة الإسناد؟ ! فالناظر في الكتابات
المعاصرة في سوادها الأعظم يؤلمه ويحزنه أن الاهتمام بالإسناد تضاءل إلى حد
كبير جداً، سواءٌ أكان ذلك في المؤلفات والمصنفات، أو في الصحف والمجلات،
أو في الندوات والمحاضرات، أو في الخطب والمناظرات؛ وقد ترتب على ذلك
الأمر المؤسف أمور منها:
١- تهجم بعض الجهلة والمغرضين على السنة والطعن في حفظ الصحابة
للسنة بدعاوى مكرورة نقلاً عن المستشرقين أو الفئات الضالة ممن لها مواقف
معروفة من السنة ونقلتها.
٢- انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة انتشاراً كبيراً مما كان له أسوأ
الأثر على عموم المسلمين بسبب اعتقاد صحة هذه الأحاديث ومن ثَمّ العمل بها.
٣- ضعف مكانة السنة في نفوس المسلمين.
٤- عدم تقدير علوم الحديث كما يجب، والتهاون في حقها.
٥- الرجوع إلى كتب الوعظ والتصوف القديمة والحديثة، والنقل منها بدون
تحقيق.
ولذا: أرى من الواجب الاهتمام بأمور عظيمة، منها:
١- الاهتمام في الجامعات الإسلامية بعامة بالحديث وعلومه اهتماماً بالغاً بدلاً
من الاهتمام بالتصوف وما يسمى بـ (الفلسفة الإسلامية) والمنطق وما يسمى بـ
(علم الكلام) ، وأن تنحو هذه الجامعات منحى المنهج العلمي لسلف الأمة.
٢- علو الهمة في دراسة الحديث وعلومه، والنظر إلى ما فعله الأقدمون
العظماء، أمثال: ابن معين والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وأحمد والنسائي، وغيرهم..
٣- الاهتمام البالغ بتخريج وتحقيق الآثار على سبيل الإلزام في المؤلفات
والمصنفات والجرائد والمجلات.
٤- الاعتقاد بأن للاهتمام بالسنة ودراستها ثواباً جزيلاً؛ وإن الأمل ليحدو كل
غيور في أن تستجيب الأمة لهذا الأمر الخطير الجليل، وتعود كما كانت في
عصورها الذهبية أمة الإسناد.
٥- التحذير من أولئك النفر المرددين لشبه غيرهم، وكشف منطلقاتهم
المشبوهة حيال السنة ورواتها.
[وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ] [الأحزاب: ٤] .
стр. 2561
جمادى الآخرة - ١٤١٨هـ
أكتوبر - ١٩٩٧م
(السنة: ١٢)
стр. 2562
كلمة صغيرة
مفارقات
الشباب هم عماد المستقبل وعدة الأمم لمواجهة النوائب؛ لذا تضع كل أمة من
الأساليب التربوية والعلمية والعملية ما تصنع به شباباً يرفع رايتها ويواصل أمجادها.
والمنطلقات العقدية والإيديولوجية لكل أمة هي أول ما تحرص على ترسيخه
في أذهان بنيها، وهذا ملموس في كل دول العالم.
غير أن الإسلام يكاد يكون الدين الوحيد المحارَب حينما يطلب أن يكون منهج
حياة فاعلاً للشباب؛ وذلك في كثير من الدول الإسلامية لأسباب كثيرة معروفة لا
يتسع المجال لذكرها.
ولذلك رُفِضَ اسم تجمع شبابي إسلامي رياضي تقدمت به دولة خليجية منذ
سنوات حينما عقد فيها مؤتمر إسلامي، ورأت اللجنة الأولمبية العالمية منع ذلك
لعدم الموافقة على أن يكون أي تجمع رياضي دولي ذا انتماء ديني! فاضطرت تلك
الدولة لتسمية الدورة بـ (دورة الصداقة والسلام!) .
لكننا سمعنا مؤخراً عن الدورة الرياضية اليهودية التي لم يجرؤ أحد على
منعها، وأخيراً مؤتمر الشبيبة العالمي في باريس الذي دعي إليه بابا الكاثوليك ليلقي
ما يسمى بالقداس مع استقبال الرئيس الفرنسي شيراك له بكل حفاوة وليقول له إنه
قدوة للجميع. هذا فعلهم مع شبابهم؛ فماذا فعلت أكثر الدول العربية لشبابها سوى
مواصلة تغريبهم، وترسيخ صور الانحراف فيهم بدعاوى التطور والتقدمية؛ هذا
حالهم مع شبابهم، وتلك أحوالنا مع شبابنا!
والله المستعان،،،
стр. 2563
افتتاحية العدد
في ظل الأوضاع القائمة
أحداث.. ومعانٍ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى
يوم الدين، أما بعد:
فلقد شهدت الفترة الماضية مجموعة من الأحداث التي يضمها رباط واحد وإن
تباعدت أماكنها واختلفت أشكالها، كان من أبرزها الهجوم الدنيء والسافر في الوقت
نفسه على شخص الرسول ﷺ ، والقرآن الكريم، في صورة
ملصقات انتشرت على جدران مدينة الخليل، وأتبع ذلك نشر صورة مهينة للسيدة
مريم العذراء على صفحات مجلة يهودية، مما اضطر نتنياهو إلى إعلان (أسفه)
عن تلك الأعمال الساذجة مقارنة مع ما يقوم به (حكماؤهم) ! .. ثم ما كان من
تدنيس جنود يهود لنسخ من القرآن الكريم في إحدى المدارس الفلسطينية وتمزيقهم
لها، وأيضاً تحويل مسجد في مدينة (بئر السبع) إلى متحف، وإلقاء القمامة حوله
للحيلولة دون وصول المصلين إليه..
وفي الشمال من (إسرائيل الكبرى) في حلمهم أعلن (مسعود يلماظ) رئيس
الوزراء التركي العلماني الذي جاء إلى الحكم بانقلاب ديمقراطي نفذ على طريقة
(الهندسة الديمقراطية) ، أعلن أنه ماضٍ بلا رجعة في مشروعه لتمديد زمن التعليم
الإلزامي من خمس سنوات إلى ثمانٍ؛ بقصد الإقلال من أعداد المدارس الشرعية
وتقليص آثارها لدى التلاميذ؛ بدعوى حماية الاتجاه العلماني الأتاتوركي، مع
حفاظه على العلاقات الاستراتيجية بين تركيا و (إسرائيل) .. مما دعا الآلاف من
أنصار التيار الإسلامي إلى الخروج في مظاهرات جابت أكثر من مدينة كبرى،
منذرةً بأنها ستقطع اليد التي تمتد إلى القرآن..
وعلى الجانب الآخر من نهر الأردن جرت محاكمة الجندي (أحمد الدقامسة)
متهماً بقتل ٧ يهوديات بعد استفزازهنّ له وهو يصلي في موقعه، وقد سبق ذلك أنه
سمع بعض اليهود ينادي على كلب لهم باسم: (محمد) ! ! .. ورغم أنه ثبت لدى
المحكمة إصابة الجندي باضطرابات نفسية مَرَضية، إلا أنها حكمت عليه بأقصى
عقوبة في القانون الأردني لجرائم القتل العمد، مما دعا مسؤولين صهاينة للإشادة
بالقضاء الأردني! ! ..
ثم جاء الهجوم التفجيري المزدوج في القدس، الذي أدار المرآة في وجه نجوم
التمثيلية السلمية المملة، ليُرى وجه نتنياهو فزعاً، رافضاً اعتذار (عرفات)
وتعازيه، مع توبيخه على عملية لم تحدث في نطاق سلطته بالوكالة، ولم تنطلق
منها.. وسرعان ما أصدر أوامره للقبض على المئات من المنتمين إلى التيار
الإسلامي أو المتعاطفين مع فصائله ممن لم تثبت بعدُ علاقتهم بالعملية، ولم يقوموا
بأي أعمال عنف (أصحاب رأي وتوجه) ، ليشملهم بضيافته الكريمة في المعتقلات
الفتية للسلطة الناشئة التي تحبو بين يدي المحتل الغاصب؛ وذلك حتى يثبت
لمخرج المسلسل ومنتجه أنه مندمج في دوره، متناغم مع جوقته..
فماذا تعني هذه الأحداث؟ !
لا شك أنها تعني أن التكالب والتداعي المفعم بالتعالي والصلف، والتنمر على
القصعة الإسلامية، من قِبَل أعداء الأمة وصل حدّاً من الجرأة قَلّ أن بلغه في تاريخ
مواجهاتهم التاريخية، وأن هذا التداعي والتعالي يستند إلى اطمئنان مبعثه مسلسل
من التجارب السابقة بأنّ أقصى ما يفعله من بيدهم أزمة الأمور هو إطلاق عيار
(الاستنكار والتنديد والاحتجاج) ! يسكتون به شعوبهم المغلوبة على أمرها! !
فـ (حرية) سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، ونصر أبو زيد الفكرية،
وتصديق (جنون) محرِق المسجد الأقصى، و (ناعوم فريدمان) الذي أطلق النار
على المتسوقين في الخليل، و (جولد شتاين) الذي قتل المصلين في (المسجد
الإبراهيمي) ، والتجاوز عن (الأخطاء غير المقصودة) في المذابح الجماعية التي لم
يكن أولها (دير ياسين) ولا آخرها (صبرا وشاتيلا) ولا (قانا) ..
والسكوت (بواقعية) عن فتح نفق المسجد الأقصى، وعن التصريح لمتطرف
يهودي بأداء طقوسه الدينية داخله، وبناء مستعمرة جبل (أبو غنيم) .. والتهديد
ببناء مستعمرة (باب العمود) و (احترام) الشرعية الدولية في حصار الشعوب في
الشرق والغرب.. ومن قبل ذلك ومعه: فرض القوانين الوضعية الكفرية وتنحية
شريعة الله، ومد الأيادي إلى الغرب النصراني والشرق الملحد؛ مع مد الأرجل
على الشعوب الإسلامية المستكينة ... كلها نماذج تدعم هذا التصور الراسخ لديهم
وتغري قياداتهم وأفرادهم بممارسة المزيد من الحوادث والأفعال التي لا تستحق
سوى المزيد من الأسف ذرّاً للرماد في العيون! ! ..
وتعني أيضاً أن النخبة العلمانية (التي ما زالت تصر على إلصاق نفسها
بالإسلام) تزداد تعانقاً مع الغرب و (إسرائيل) كلما ازدادت توغلاً في علمانيتها،
حتى وصل الأمر بقومي علماني يساري معروف هو الكاتب.. (لطفي الخولي) إلى
أن يصرح لجريدة صهيونية قائلاً: (إنه لا يوجد صراع بين مصر وإسرائيل، بل
إن الصراع هو بين البلدين من جهة وبين الأصولية الدينية الإسلامية واليهودية من
جهة أخرى! ! ، وقال: إن صلاح إسرائيل هو صلاح لنا يقصد العرب! ! وإن
إسرائيل ليست جزءاً في الشرق الأوسط مثل تركيا وإيران، بل هي في قلب
المنطقة، وأمنها وسلامتها ومستقبلها واقتصادها مرتبط باستقرار المنطقة العربية!!) [١] .
ولا غرابة في هذا الموقف من منظّر (قومي) علماني، فزعيمهم الأوحد أيام
المد القومي من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر.. كان قد قبل (إسرائيل) رافداً من
روافد البِرْكة العربية الآسنة بقبوله قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، بل وإلحاحه عليه
وهو القرار الذي يعترف صراحة! بشرعية وجود (إسرائيل) في المنطقة، بل إنه
كان يمد يده بـ (السلام) إليها عبر مشروع ومبادرة (روجرز) ، وبالطبع لم يكن
يتباحث حينها لإلقاء إسرائيل في البحر ولا حتى في النهر.
وتعني هذه الأحداث أيضاً أن روح المقاومة والتململ من الواقع المرير لم
تخمد في الأمة، وأنه كلما ظن أعداؤها أنهم أوشكوا على القضاء عليها خرج لهم
شبيبة لفظوا الدجل العلماني، ولم يتشربوا الذل الاستسلامي، ليسطروا على جبين
الأمة: أن (لا) ، لن نرضى بالدنيّة، وسنقطع الأيدي التي تمتد إلى قرآننا ونبينا ...
فيا أيها الحاكمون بأمرهم ويا رعاة السلام الموهوم.. نؤكد لكم أن هؤلاء
الشبيبة لم يقصدوا أن يعكروا عليكم صفاء مسيرتكم التباحثية التي آلت إلى التداول
حول فتح شارع أو إغلاق نفق أو إيقاف بناء عمارات، كما نؤكد لكم أن هؤلاء
الشبيبة مجانين! ! ، وهل يمزق ستار الوهن العربي اليوم إلا المجانين، لا سيما
أن الدماء التي أريقت في القدس سببها المباشر اليهود أنفسهم حينما نشروا على
جدران الخليل تلك الإساءات لنبينا محمد.
غير أن ما يُؤسف له بل هو المتوقع والذي سبق أن أكدناه كثيراً أن التداعي
على عملية السلام لم تؤتِ ثمارها المتوهمة، ولم تزد اليهود سوى غطرسة
وعنجهية وإذلالاً مستمراً لعرب السلام، وما زالوا مستمرين على نهجهم هذا، ولا
نرى في نظرنا من أمل إلا الوقوف بصلابة أمام العدو، وإفهامه اللغة التي يعرفها،
وذلك بإطلاق الاتجاهات الإسلامية لتحقيق الموقف الصحيح، ليس رد فعل لما
يحصل، بل تقريراً لحقائق شرعية ومنطلقات أساسية تمس حياة الأمة؛ وهذا ما
فطن له اليهود أنفسهم بترشيحهم (الليكود) ليحكم، وها هو ذا يماطل فيما يسمى
بعمليات السلام الموهوم بشكل مستمر وكأن شيئاً من الاتفاقيات السلمية المعقودة
معهم لم يكن.
إننا نثق تماماً أن الملحمة بين المسلمين واليهود ستتم، وحينها سينطق الشجر
والحجر: يا عبد الله! يا مسلم! هذا يهودي ورائي، تعالَ فاقتله، [وَاللَّهُ غَالِبٌ
عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٢١] .
стр. 2564
دراسات شرعية
سنن: الإعداد والتدافع
بقلم: د.محمد أمحزون
إعداد النفوس للجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام هذا الدين؛ إذ من اليقين
الجازم: أنه لا يرفع عن المسلمين ما هم فيه من ذلة ومهانة إلا أن تحيا معاني
الجهاد في نفوسهم لقول النبي: (إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم
بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى
ترجعوا إلى دينكم) [١] .
وهذا الإعداد هو ثمرة الفهم الصحيح والقصد السليم والصبر الطويل، وهو
مهمة ورثة الأنبياء.
وتتجلى سنة الإعداد في قوله (تعالى) : [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن
رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] [الأنفال: ٦٠] .
ويجب أن يشمل هذا الإعداد الجوانب التالية:
* الإعداد العلمي والتفقه في الدين والبصيرة فيه: ليكون الجهاد على بصيرة
وروية ووضوح راية، فيفقه المرء لماذا يجاهد وما هي غايته؟ وكيف يجاهد؟
ومن يجاهد؟ ومتى يجاهد؟ كل ذلك يقوم على العلم والفقه في دين الله [٢] .
* الإعداد التربوي والسلوكي: حيث يتخلق المجاهدون بأخلاق رسول الله -
ﷺ وصحبه؛ فغاية جهادهم لتكون كلمة الله هي العليا، ولا
يتطلعون من وراء جهادهم إلى زعامة أو جاه أو منصب أو مكسب من مكاسب الدنيا.
ويتضمن هذا الإعداد تقوية الصلة بالله (عزو جل) وإخلاص النية والتقرب له
بالطاعات، كما كان النبي ﷺ يربي عليه أصحابه في مكة من
صلاة الليل، وذكر الله وتلاوة القرآن، والتربية على الزهد والتخفف من الدنيا،
والتطلع إلى ما عند الله من الجنة والرضوان.
كما يشمل التربية الجادة للنفوس بإحياء السلوك الإسلامي وأخلاق السلف
الفاضلة، والقضاء على رواسب الأخلاق السيئة، مما يحتاج إلى جهد كبير،
وصبر متين، ونفس طويل، وذلك حتى يتم صقل النفوس وتمحيصها، وأن تربى
على الانطلاق من خلال الشريعة وقواعدها لا من ردود الأفعال العاجلة والعواطف
الملتهبة، كما هو الحال في العهد المكي الذي ظهرت فيه هذه المعاني بوضوح
وجلاء [٣] .
الإعداد المالي: إن القوة المادية كما قيل عصب الحياة الدنيا وقوامها،
والضعيف فيها على مر العصور مقهور مسروق لا يحسب له حساب إلا في ظل
شرع الله حين يحكم، وليس معنى هذا جعل الدعوة شركة تجارية؛ لكنه ينبغي
الاعتماد على الذات في موارد ثابتة؛ وهذا من النفرة التي أمرنا الله
بإعدادها لمواجهة الأعداء ونشر الدين، والاستغناء عن مد يد الاستجداء؛ مما يوفر
للدعوة حرية التحرك، واتخاذ القرار دون ضغوط كابحة للنشاط من أي جهة كانت، إضافة إلى ما توفره القوة المادية من ثقل إعلامي واجتماعي هي بأمس الحاجة
إليه.
وهذا يقوم ابتداءً على ترويض النفوس بالتربية على الإنفاق، وبذل الغالي
والنفيس في سبيل الله، وتخليص النفوس من الشح والحظوظ العاجلة أسوة بسلفنا
الصالح؛ فهذا أبو بكر ﵁ كان يعتق المستضعفين من الرقيق المسلم
بماله؛ فنزلت الآيات الكريمة من سورة الليل: [وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (١٧) الَّذِي
يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ
الأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى] [الليل: ١٧-٢١] [٤] .
كما خرج مع رسول الله ﷺ في هجرته إلى المدينة حاملاً
ماله كله، وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم لإنفاقه في سبيل الله [٥] .
الإعداد الإعلامي: وذلك بالتعريف بأهداف الدعوة ومقاصدها، ليعلم الناس
أن قضية الإسلام قضية عادلة، لا كما يصورها الأعداء بنعوت وأسماء زائفة
تخالف الحقيقة، ففي العهد المكي كان الشعر والخطابة هما الوسيلة المتاحة لنشر
الدعوة والرد على خصومها [٦] ، أما في عصرنا فيمكن توظيف وسائل الإعلام
المقروءة والمسموعة والمرئية للقيام بوظيفة البلاغ المبين، وإيصال رسالة الإسلام
إلى كافة الفئات الاجتماعية؛ حيث يستفيد الدعاة من التطور التقني الهائل في
مجالات الاتصال لتبليغ دعوتهم ونشر أفكارهم.
الإعداد البدني: بغاية تحمل الجهاد ومشاق الطريق؛ وذلك بممارسة الرياضة
البدنية، وركوب الخيل، والسباحة، وتعلم الرماية، لكن قد يقول قائل: ما الدليل
على أنه ﷺ كان يدرب أصحابه على الرماية والرياضة في مكة؟ والجواب: أنهم لم يكونوا في حاجة إلى ذلك؛ فطبيعة نشأتهم وبيئتهم وحياتهم
كانت في الأصل قتالية مدربة جاهزة لا يحتاجون معها إلا إلى مجيء الوقت
المناسب والأمر بالجهاد [٧] .
ومن السنن التي أوضحها القرآن الكريم: سنة التدافع أو سنة الصراع بين
الحق والباطل، وهي سنة مترتبة على السنة التي قبلها (أي سنة الإعداد) ، كما أنها
ماضية عبر التاريخ الإنساني الطويل، وباقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها:
[وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلاَّ مَن رَّحِمَ
رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] [هود: ١١٨، ١١٩] .
ويحتدم الصراع نتيجة هذا الاختلاف لإقرار الحق أو إقرار الباطل [الَّذِينَ
آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ
الشَّيْطَانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] [النساء: ٧٦] .
وهذا التدافع هو الذي عناه الله بقوله: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ]
[البقرة: ٢٥١] .
وهذا الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (لا تزال طائفة من
أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) [٨] .
وهذه الطائفة المنصورة تجتمع فيها أسباب النصر المعنوية والمادية التي خلقها
الله ، من علم صحيح، وسلوك مستقيم، وأخذ بالمقدمات التي جعلها الله
وسيلة موصلة إلى نتائجها المرجوة؛ وإلا فإن مجرد الإيمان والالتزام بعقيدة أهل
السنة والجماعة دون الأخذ بأسباب التمكين ومقدماته المادية، ودون الالتزام بسنن
الله الكونية الصارمة لا يضمن النصر ولا يكفل الظهور والتمكين في الأرض الذي
وعد الله به عباده الصادقين [٩] .
وقد أوضح الله أن الجهد الإنساني للمؤمنين هو الذي يحسم
الصراع بقدر من الله لصالح المؤمنين: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] .
إن التدافع الذي يعنيه القرآن الكريم من خلال هذه السنة هو الذي يكون لخير
البشرية، وبه يتحقق السلام العالمي، بتحقيق العبودية لله وحده في الأرض،
وإزالة كل طاغوت يُعبد من دون الله، قال (تعالى) : [وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] [الأنفال: ٣٩] .
فالبشرية بدون العبودية لله لا تستطيع أن تسلك قاعدة عليا من
الحق؛ لأن لكل معبود من الشركاء قاعدته الخاصة وسبيله المختلف، ولا سبيل أبداً
لتوحيد هذه القواعد إلا بالتخلص من الشركاء جميعاً، والاتجاه المنقاد المستسلم لله
(تعالى) وحده لا شريك له.
وبين فوضى الأرباب والآلهة والطواغيت والمعبودات ذات الأسماء
والشعارات المختلفة والصور المتباينة يرسم القرآن الكريم للمؤمن الموحد طريقاً
واضحاً أبلجَ لا زلل فيه ولا عثار، محذراً إياه بأن اختياره لغير هذا الطريق أو
تردده في الاستمساك به معناه الكارثة المحققة والخسارة الكبرى: [قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
تَاًمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وَإلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ]
[الزمر: ٦٤-٦٦] .
كما بيّن القرآن الكريم أن عاقبة الصراع تكون دائماً للمؤمنين مهما طال
الطريق وعصف بهم طغيان المشركين: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ] [القصص: ٥] . وقال تعالى: [وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ]
[الأنبياء: ١٠٥] .
والهدف من هذا البيان هو شد عزائم الجماعة المؤمنة في مكة لتعي وتفقه
طبيعة الصراع بين الإيمان والكفر، ولتعد نفسها إعداداً كاملاً، علماً وتربية
وتخطيطاً وتنظيماً لمواجهة أعداء وعوائق الطريق وكثرة الأعداء من الداخل
والخارج، من النفس والعشيرة والأموال والأزواج، ومن الشيطان وجنوده، ومن
المشركين.
وفي ضوء ما بذله المؤمنون من جهد بقيادة الرسول ﷺ ،
ومن خلال ما قدموه من تضحيات في الأموال والأنفس وهجرة الأوطان والأهل،
جاءتهم البشرى بحسم الصراع لفائدتهم واستخلافهم في الأرض: [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ
آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] [النور: ٥٥] .
стр. 2565
دراسات دعوية
الانكفاء إلى الداخل
بقلم: عادل ماجد
إنها فترة زمنية تمر بالمجتمعات على اختلاف صورها، أمةً كانت أو دولة أو
جماعة، وهي من سنن الله في المجتمعات؛ إذ يأتي عليها زمن تعود إلى داخلها
وتترك أراضي كانت وطأتها، وينجزر مدها، وينعكس ذلك على قياداتها وقواعدها؛ فيشعر أولئك بالضعف والضيق، بل يصل إلى اليأس والإحباط.
يقول الله (تعالى) عن هذه الحقيقة: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَاًتِكُم
مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَاًسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [البقرة: ٢١٤] .
قال صاحب الظلال: (.. يتوجه إليهم بأن هذه سنة الله القديمة في تمحيص
المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة، وليكونوا أهلاً لها: أن يدافع أصحاب العقيدة عن
عقيدتهم، وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر، وأن يتراوحوا بين
النصر والهزيمة، حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم لم تزعزعهم شدة، ولم ترهبهم قوة،
ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتن ... استحقوا نصر الله) (هكذا خاطب الله
(تعالى) الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة كلها، وإلى سنته في تربية عباده المختارين الذين يكل إليهم رايته،
وينوط بهم أمانته في الأرض: منهجه وشريعته وهو خطاب مطّرد لكل من يختار) [١] .
وجاء الانكفاء في حياة رسولنا الكريم ﷺ ، فنرى حذيفة
بن اليمان ﵁ يحدثنا عن ذلك في الحديث المتفق عليه: (كنا مع
رسول الله ﷺ فقال: (احصوا لي كم يلفظ بالإسلام؟ قال: قلنا: يا رسول الله! أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: إنكم لا
تدرون لعلكم أن تُبتلوا، قال: فابتُلينا؛ حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سراً) [٢] .
وبنظرة شاملة للتاريخ، قديمه وحديثه، نرى في الأمم ضعفاً بعد قوة،
وضموراً بعد نشوة؛ ولعلنا نقف على صور من ذلك:
١- ما أصاب العلماء في زمن الحجاج من العنت والضعف والمطاردة.
٢- ما أصاب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وطلابه وعلماء عصره من
الفتنة بالقول بخلق القرآن زمن المأمون، فطائفة لقيت حتفها، وأخرى أضحت
سجينة، وثالثة هاربة، ورابعة في بيوتها لا تجرؤ على الكلام، ولا تجد للتحديث
باباً.
٣- وما لقيه شيخ الإسلام ابن تيمية حينما كان مع طلابه في غياهب السجون؛ وأنصاره وأحبابه لا يستطيعون قولاً ولا حراكاً، بل كان كثير من علمه ينشر
بغير اسمه؛ لأن اسمه صار جرماً للمادحين وسلّماً للقادحين.
وشهد هذا القرن الميلادي الذي نحن فيه عدداً من صور الانكفاء لأمم وأحزاب
من أشهرها ما حدث للحزب الشيوعي في القيصرية الروسية عام ١٩٠٥م عندما
سجن وقتل عدد من قادته وزعمائه حتى أضحت عضوية هذا الحزب كفيلة بالإعدام
أو النفي؛ وهذا الحزب هو الذي حكم البلاد بعد عام ١٩١٧م.
وفي نهاية العشرينات من هذا القرن انكفأت أمريكا إلى داخلها؛ فتأثرت
النظرية الرأسمالية بذلك، وشهدت دول عدة انقلابات شيوعية، وصار من المألوف
تغيير الحكم إلى الاشتراكية، ولم تخرج أمريكا من عزلتها إلا عام ١٩٣٩م خلال
الحرب العالمية الثانية عند ضرب اليابان لميناء بيرل هاربر.
لماذا الانكفاء؟
إن الانكفاء إلى الذات ليس حدثاً يسقط فجأة فيصيب من أصاب؛ بل هو:
* تراكم عبر سنوات، وتفاعل خلال أزمنة؛ فالمشكلات الداخلية في البناء
والإدارة والاستراتيجيات تظل تنخر في الجسد حتى يأتي زمن لا تستطيع الأمة
بعدها عطاءً أو صراعاً، فتجذبها مشكلاتها إلى داخلها، وينشغل أهلها بأهلها،
وقاعدتها بقادتها؛ فتضطر الأمة إلى ترك مواقع اكتسبتها، والتراجع عن خطوات
قطعتها.
* والسبب الآخر خارجي: إذ إن المتغيرات على هذه البسيطة ليست بيد أحد
دون غيره؛ فمتى تداعى الجميع، وتكالبت الأمم، وحدّ الآخرون شفراتهم فإنه لا
توصد جبهة إلا وتفتح جبهات، ويتكاثر الأعداء، ويكشف المزيف زيفه، ويلقي
المقنّع قناعه؛ فإذا حوصرت أمة هذه المحاصرة، وضُيّق عليها كل تضييق
اضطرت أن تعود إلى داخلها، وتتمحور حول ذاتها، ويظل الجزر يتكرر فيها
حتى ترجع من حيث بدأت.
أهمية استثمار الانكفاء:
والسؤال الآن: كيف لنا أن نستثمر الانكفاء؟ وكيف نتحوّل بهذه المرحلة إلى
نصر جديد، وأسلوب للكسب؟
نسوق هنا تسع اقتراحات لهذه الحالة عندما تحدث، وقد يزيدها القارئ
ويتوسع فيها:
أولاً: العودة إلى المعيار الشرعي وهو القرآن والسنة لتقويم مسارنا كما فهمه
أهل خير القرون، وأن نتبرأ من كل قول أو عمل أو فكر ليس له في ديننا حظ.
ثانياً: تقويم التاريخ الدعوي من حيث المصالح والمفاسد، وإبراز المصالح
الموهومة والمفاسد المزعومة من غيرها؛ ليكون البناء عليها مستقبلاً أكثر وضوحاً
وأكثر صواباً.
ثالثاً: توسيع دائرة (النقد الذاتي) وقبول الحق ممن جاء به كائناً من كان،
ومشاركة الآخرين في عقولهم باستحثاثهم على التقييم والتقويم.
رابعاً: السعي الحثيث إلى درء الخلاف ما أمكن، واستشعار أهمية الائتلاف
وضرورته بين أهل الحق وأصحاب الصراط القويم؛ ولا سيما في مثل هذه
المرحلة الحرجة.
خامساً: إعادة ترتيب الأولويات الشرعية؛ إذ إن زمن المد والتوسع يجعل
الملحّ قبل المهم؛ واستثمارُ الفرص قد يجعل بعض الزوايا تتضخم على حساب
زوايا مثلها أو أوْلى منها.
سادساً: الاتجاه إلى الفرد وبنائه بناءً صحيحاً، وصياغة تفكيره صياغة
واضحة بعدما طال إهماله في فترات المد. وهذا البناء الخاص عندما يكون همّاً
جمعياً؛ فإنه ينتج أمة قوية بمنهجها وبأفرادها.
سابعاً: تقييم الآخرين في الخنادق المقابلة تقييماً منطقياً بعيداً عن التضخيم
المغالى فيه، أو التحجيم المبالغ فيه؛ فعندما تعطي خصمك قدره الموضوعي فإن
هذا يجعلك قادراً أكثر على وضع الاستراتيجيات الفاعلة بعيداً عن الكر والفر اللذين
كانا منطلقين من ردود أفعال آنية.
ثامناً: كما يستفاد من زمن المد في إذكاء روح العمل والتعاون والمفاعلة
الاجتماعية؛ لذا يجب الإفادة من زمن الانكفاء في إذكاء روح الصبر والقناعة،
وليكون الزمن معيناً لكثير من معاني الصدق والإخلاص التي كان زمن المد مجرد
كلمات وعبارات، فأضحت في بعض البيئات واقعاً يبتلى فيه المؤمنون.
تاسعاً: وضع برنامج مرحلي لتجاوز زمن الانكفاء إلى زمن مد جديد واضح
المعالم، جلي الأهداف، موجه نحو الأمة، متخففٍ من أثقال الماضي وترسباته.
إننا بتفهم هذه المرحلة ودراستها دراسة منهجية شرعية وافية نصبح في
الخيرية التي أرادنا الله لها في قوله (تعالى) : [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس]
[آل عمران:١١٠] والتي أرادها لنا رسوله الكريم في قوله: (عجباً لأمر المؤمن إن
أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً
له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له [٣] .
أسلوب غير مقبول:
وأما الطريق الآخر لهذا الانكفاء فهو التلاوم المنبوذ، وتحميل الأخطاء
للآخرين، وتبادل الاتهام؛ فتمتلئ المرحلة بالمناوشات وتصفية الحسابات، ويكون
الحق فيه للأقوى؛ وعندها تتشرذم الكلمة، وتنفك الآصرة، وتتشتت الرؤية،
وتنتقل الجموع من سيئ إلى أسوأ، ومن مهلكة إلى أخرى، وتشتد دائرة الخناق
حتى يصبح الجميع أثراً بعد عين.
نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا
اجتنابه، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم.
стр. 2566
تأملات دعوية
عوامل النجاح في العمل المؤسسي
بقلم: عبد الله المسلم
إن مجرد ممارسة العمل من خلال مجلس إدارة، أو من خلال جمعية
ومؤسسة خيرية لا ينقل العمل من كونه عملاً فردياً إلى عمل مؤسسي؛ فكثير من
المنظمات والجمعيات الخيرية الإسلامية التي لها لوائح وأنظمة، ومجالس إدارة
وجمعيات عمومية - إنما تمارس العمل الفردي؛ فالمنظمة أو الجمعية لا تعني إلا
فلاناً من الناس؛ فهو صاحب القرار.
وحتى يؤتي العمل المؤسسي ثماره المرجوة، وحتى يُجنب آثار العمل الفردي
كان لابد له من مقومات تسهم في إنجاحه، ومن أهم هذه المقومات:
١- أن يكون مصدر القرارات مجالس الإدارة، أو اللجان المخولة، لا أن
يكون القائد أو الفرد هو مصدر القرار، بل إن القائد يستمد صلاحياته من المجلس،
لا العكس، وأن تملك هذه اللجان مراجعة قرارات القادة ونقضها.
٢- أن تكون لغة الحوار هي اللغة السائدة، وأن يكون التنازل عن الرأي
الشخصي حين يعارض رأي المجموعة أسلوب العاملين بما فيهم القادة، أما حين
يتمسك الفرد برأيه بحجة اقتناعه به؛ فسوف يفقد العمل المؤسسي قيمته.
ومن أعظم الشواهد على ذلك موقف النبي ﷺ حين
استشار أصحابه في أُحُد، حين كان رأيه البقاء في المدينة، بل قد رأى -صلى الله
عليه وسلم- رؤيا تؤيد رأيه، لكنه تنازل عن رأيه لرأي جمهور أصحابه، وحين
انتهت الوقعة وتحققت رؤياه.. لم يَلُم أولئك الذين كان رأيهم الخروج.
٣- التركيز في جداول الأعمال على المنطلقات والأسس، وعلى الخطوط
العامة، دون المسائل الإجرائية، أو تلك التي يكثر الجدل والخلاف حولها، أو
المسائل الإجرائية التي تحتاج لمجرد قرارات إدارية بحتة فهذه يجب أن تترك
للأفراد.
٤- وجود أرضية ومنطلقات مشتركة لدى العاملين، ومن ثم فلابد للمؤسسات
والجمعيات الإسلامية من تحديد ثوابت ومنطلقات أساس في عملها تكون بمثابة إطار
مرجعي للعاملين في هذه القطاعات، وتشكل أصولُ أهل السنة والجماعة أهم هذه
القواعد والأسس.
ثم تكون هناك بعد ذلك منطلقات، ومعالم عامة توجه خط سير العمل تتناسب
مع المرحلة والظروف التي تعيشها المؤسسة، كل ذلك يجب أن يمثل الإطار الذي
ينطلق منه الجميع. أما حين لا تحسم هذه القضايا، أو حين تختلف المنطلقات فقد
لا ينجح العمل المؤسسي في أداء رسالته.
٥- الاعتدال في النظرة للأشخاص؛ إذ تسيطر على كثير من مجتمعات
المسلمين نظرة للأفراد مبالغ فيها، وقد تصل الصورة إلى حد الغلو لدى بعض
الفئات المنحرفة، وحتى أهل السنة الذين سلموا من الغلو وتقديس الأشخاص قد لا
يسلم بعضهم من إعطاء هالة لبعض الأشخاص تترك أثرها في مدى استعداد هؤلاء
لمناقشة رأيهم، أو احتمال رفضه مع بقاء الاحترام والتقدير الشخصي؛ فحين يوجد
أمثال هؤلاء في ميادين العمل، فقد يشكلون ضغطاً وتوجيهاً غير مباشر للآراء.
ولعل عمر ﵁ فطن لهذا المعنى حين عزل زياد بن ابي سفيان، فقال زياد في ذلك: لم عزلتني يا أمير المؤمنين: ألِعَجْزٍ، أم خيانة؟ فقال عمر:
(لم أعزلك لواحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس) [١] . ...
стр. 2567
مقال
النقد الهدَّام
مظاهره - أسبابه - علاجه
بقلم: مراد بن أحمد القدسي
دعاني للكتابة حول هذا الموضوع أهمية التعرف على هذا الخُلُق الذميم الذي
أصبح منتشراً بين بعض شباب الدعوة؛ حيث انبرى للنقد من لا يعرف آدابه ولا
يعرف ما هي الأمور المنتقدة والأسلوب الأمثل للنقد؛ وإسداءً للنصيحة لكل من يقع
في هذا الاتجاه الذميم، ولأهمية بيان آثاره الوخيمة على الدعوة والدعاة، ودفاعاً
عن إخواني الدعاة والعلماء والمصلحين: أضع بين يدي إخواني القراء هذا
الموضوع راجياً من الله التوفيق والسداد.
تعريف النقد:
يأتي النقد في اللغة بمعنيين:
الأول: نقد الشيء بمعنى نقره ليختبره أو ليميز جيده من رديئه.
الثاني: إظهار العيب والمثالب، وغمط الناس وبخسهم أشياءهم فيقال: فلان
ينقد الناس: أي يعيبهم ويغتابهم [١] .
وأهل العلم قسموا النقد إلى قسمين على نحو ما ورد في اللغة.
فسموا أحدهما: النقد البنّاء، وهو النقد الذي يقوّم به صاحبه الخطأ، ويحاول
إصلاحه.
وهو (واجب أو مستحب وهو الذي يحق الحق، ويبطل الباطل، ويهدف إلى
الرشد) [٢] .
وسموا الآخر: النقد الهادم (أو الهدام) . وهو (محرم أو مكروه وهو ما يكون
لدفع الحق أو تحقيق العناد) [٣] .
وهذا فيه إظهار عيب الآخرين للنيل منهم وتشويه سمعتهم والطعن في نياتهم
من غير حجة ولا برهان.
أهميه النقد البناء:
تكمن أهميته في عدة جوانب رئيسة ألخصها فيما يلي:
١- هو نوع من النصيحة تحقيقاً لقول رسول الله: (الدين النصيحة: لله
ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) [٤] .
٢- هو كذلك نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ]
[آل عمران: ١١٠] ولقوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره ... ) [٥] .
٣- وهو نوع من الجرح والتعديل؛ ذلك العلم الذي اختصت به أمتنا المسلمة
والذي حفظ الله به الدين من التحريف والغلو.
٤- كذلك هو نوع من محاسبة النفس لقوله (تعالى) : [وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ] [الحشر: ١٨] ، ولما جاء في الأثر: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا،
وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا) .
مظاهر النقد الهدام:
فإذا عرفنا أهمية النقد البناء؛ فالمناقض له ذو سمات يلمسها المتابع وهي غير
خافية على اللبيب، ومن أهمها:
١- الجرح في شخصية من يوجه إليه النقد: كوصف بعض الدعاة بالميوعة
أو عدم القدرة على نطق بعض الحروف العربية؛ أو أن بضاعته في العلم مزجاة.
وهذا بعيد كل البعد عن التعرض للأخطاء من أجل تقويمها وتبيين الحق من
الباطل؛ مما يجعل الناقد مغرضاً وصاحب هوى. نسأل الله السلامة.
٢- الجرح بلا دليل: فيتعرض بعضهم لجرح الآخرين من غير حجة ولا
برهان؛ وإنما للتشفي، وليصبح النقد مهنة لذلك المنتقد في نقد المخالفين.
فالجرح في أي داعية أو عالم، سواء أكان من أهل السنة أم من المبتدعة
دعوى تحتاج إلى مستند.
والدعاوى إن لم يُقِمْ أصحابُها بيناتٍ، فأصحابُها أدعياءُ
٣- الاعتماد في النقد على حجة واهية:
إما لعدم التثبت، أو لعدم عدالة الناقل، أو لأنه يَهِمُ في خبره، أو تحميل
الكلام ما لا يحتمل؛ وهذا ملحوظ والله المستعان.
٤- تتبع العثرات، وعدم الموازنة بين هفوة الداعية أو العالم وفضائله الكثيرة، بل وغَمْر تلك الفضائل العظيمة من أجل زلة وقع بها.
(ومن مستندات المشنعين) الجراحين: تتبع العثرات وتلمس الزلات؛ فمن ذا
الذي سلم من الخطأ غير أنبياء الله ورسله؟ وكم لبعض المشاهير من العلماء من
زلات لكنها مغتفرة بجانب ما هم عليه من الحق والهدى والخير؟
ولو أخذ كل إنسان بهذا لما بقي معنا أحد، ولصرنا مثل دودة القز تطوي على
نفسها بنفسها حتى تموت) [٦] .
٥- الطعن في النيات والمقاصد: بدعوى أن مقصد ذلك الداعية خبيث والحكم
عليه في نيته بالظن؛ وهذا مسلك خطير؛ فمعرفة ما في السرائر موكول إلى الله
، مثل أن يقال: يظهر السلفية ويبطن الصوفية، أو أنه ذو نية
خبيثة، أو أنه صاحب فتنة ويريدها، أو أنه عدو للسنة.
٦- التندر على الدعاة في المجالس، واستغلال أي فرصة للغمز والطعن
بحجة بيان الحق وتعرية الباطل وأهله؛ وهذا خُلق ذميم.
٧- التهويل: في نقد بعض العلماء أو الدعاة، ورميهم بالكذب أو البدعة، أو
أنهم أخطر من اليهود والنصارى.
٨- الطعن فيما يجيده ذلك الداعية أو العالم؛ فقد يكون بعض أهل العلم يشتغل
في دراسة الحديث فينتقد بأنه ليس لهم همّ إلا: حدثنا وأخبرنا، أو لاهتمامه بفقه
الواقع ومن يعمل فيه؛ فيتنقص بأن ذلك فقه (القواقع) مثلاً؛ بحيثُ يُزْهَدُ من هذا
الفن الذي هو من فروض الكفايات.
أسباب النقد:
سأحاول الإيجاز في عرضها حتى تظهر للعيان ومن أهمها:
١- الغيرة: الغَيْرةُ بالفتح محمودة من أجل دين الله وحرماته، لكنها قد تجر
صاحبها إن لم يتحرز شيئاً فشيئاً حتى يقع في لحوم العلماء والدعاة من حيث لا
يشعر.
وأما الغِيرَة بالكسر فهي مذمومة وهي قرينة الحسد والمقصود بها: هو كلام
العلماء بعضهم في بعض [٧] .
٢- الحسد: وهو يعمي ويصم؛ ومنه التنافس للحصول على جاه أو مال أو
القرب من شيخه أو كسب رضاه فقد يبغي على إخوانه بسبب ذلك.
٣- الهوى: هو كل ما خالف الحق وللنفس فيه حظ ورغبة من الأقوال
والأفعال والمقاصد [٨] ورغبة النفس في الوقوع في أعراض الآخرين.
وكان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه) [٩] .
٤- التقليد والتعصب: (قد يوجد رجل ينقد آخر لا بناءً على علم أو فهم أو
دليل، بل مجرد تقليد أعمى: سمع فلاناً ينقده أو ينتقصه أو يذمه فسار على أثره
بغير هدى ولا برهان) [١٠] وهذا التقليد المذموم كان المشركون يفعلونه وكانوا
يقولون: [إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ] [الزخرف: ٢٢] .
قال ابن مسعود ﵁ : (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً: إن آمن..
آمن، وإن كفر كفر؛ فإنه لا أسوة في الشر) [١١] .
٥- التعالم: لقد كثر المتعالمون في عصرنا، وأصبحت تجد شاباً حدثاً
يتصدر لنقد العلماء، وتفنيد آرائهم وتقويم قولهم، وهذا أمر خطير؛ فإن من أجهل
الناس من يجهل قدر نفسه ويتعدى حدوده) [١٢] [*] .
٦- النفاق وكُرْهُ الحق: إن دسائس المنافقين والكارهين للحق من العلمانيين
بشتى اتجاهاتهم من أقوى أسباب النقد.
فالإخوة الذين يتبعون أعداء الدعوة من حيث يشعرون أو لا يشعرون
سيكونون فريسة سهلة فيما بعدُ لهم، فإنهم قد أعانوا الأعداء على إخوانهم؛ وهل
سيتركهم الأعداء؟ لن يتركوهم كما هو ملموس في الواقع.
٧- سوء الظن: وهو حمل التصرفات، قولاً وفعلاً، على محامل السوء
والشكوك وسوء الظن [١٣] .
٨- وقوع التفرق في الأمة: (وبهؤلاء المشنعين) آل أمر طلائع الأمة وشبابها
إلى أوزاع وأشتات وفرق وأحزاب، وركض وراء السراب، وضياع في المنهج
والقدوة، وما نجا من غمرتها إلا من صحبه التوفيق وعمر الإيمان قلبه. ولا حول
ولا قوة إلا بالله) [١٤] .
٩- بُعد الأمة عن علمائها: إن تصنيف العالم الداعية وهو من أهل السنة
ورميه بالنقائص: ناقض من نواقض الدعوة وإسهام في تقويضها، ونكث الثقة،
وصرف الناس عن الخير، وبذلك ينفتح السبيل للزائغين) [١٥] .
فضلاً عما في ذلك من السعي في الأرض بالفساد؛ لأنه يوقع الشحناء
والبغضاء في صفوف الدعوة الإسلامية، ويعمل على تأخر النصر والتمكين للأمة.
١٠- ضياع الأوقات، وإهدار الجهود والطاقات والقدرات في غير فائدة تعود
على الإسلام والمسلمين.
علاج النقد الهدام:
يمكن علاج هذه النزعة التي يحاول بعضهم إثارتها وادعاء التعالم بواسطتها
بانتشار الأخلاق الإسلامية في نفوس أهل هذه الفئة ومن ذلك:
١- تذكر الخوف من الله وضرورة حفظ اللسان: عن البراء بن عازب
﵁ قال: قال رسول الله: (الربا اثنان وسبعون باباً، أدناها مثل إتيان
الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) [١٦] .
٢- التجرد في النقد: وعدم الغيرة والحسد والهوى وعدم سوء الظن، فالغيرة
تهلك صاحبها وتجعله في همّ وغم؛ لأنه يحسد الآخرين ويغار منهم، عن أبي
هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله: ( ... لا تحاسدوا، ولا تناجشوا،
ولا تباغضوا، ولا تدابروا) [١٧] .
وأما الهوى فيضل الإنسان عن الحق وإن كان يعرف ذلك، فإذا صار الهوى
هو القائد والدافع صار أصحابه شيعاً يتعصب كل واحد لرأيه، ويعادي من خالفه
ولو كان الحق معه واضحاً؛ لأن الحق ليس مطلوبه) [١٨] .
والأصل في المسلم حسن الظن به: -قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا] [الحجرات: ١٢] (فأمر
الله باجتناب كثير من الظن؛ لأن بعض هذا الكثير إثم) [١٩] .
وفي حادثة الإفك دروس ينبغي لكل مسلم أن يعيها فقوله (تعالى) : [لَوْلا إذْ
سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ]
[النور: ١٢] .
فكما أنه يحسن الظن بنفسه فعليه أن يحسن الظن بإخوانه.
ثم وعظنا الله (تعالى) بقوله: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ] [النور: ١٧] . وفي هذا تحذير أي تحذير لمن يفقه ذلك والله المستعان.
٣- لا بد من الموازنه بين فضائل المنتقَد ومساوئه والحكم على الغالب:
هذا هو هدي النبي: ففي يوم بدر عندما رأى عتبة بن ربيعة بين المشركين
على جمل أحمر قال: (إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر
إن يطيعوه يرشدوا) [٢٠] .
وقال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء
لتركتهم له) ، فيظهر من هذا أن النبي ﷺ كان يذكر محاسن
المشركين.
وهذا هدي السلف الصالح من بعده: قال سعيد بن المسيب: ليس من عالم
ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب؛ ولكن إن كان فضله أكثر من نقصه ذهب
نقصه لفضله؛ كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله) [٢١] .
وقال ابن القيم: (فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأُهدرت محاسنه
لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها) [٢٢] .
وقال الذهبي: (ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه
لاتباع الحق أهدرناه وبدّعناه لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه
وكرمه) [٢٣] .
(وهذا الكلام في الموازنة بين الحسنات والسيئات إنما هو في الحكم على
الأشخاص) [٢٤] وكذلك الهيئات والجماعات.
أما في تصحيح الأخطاء أو ذكر الأمور الحسنة العظيمة والموافقة في الحق:
فإذا كنت في مقام رد خطأ عالم من العلماء فلا يلزم ذكر الحسنات، وعلى هذا فإذا
بينت خطأ إمام فقلت: أخطأ في الأمر الفلاني كفاك ذلك.
إذا كان بعض أهل البدع يجيدون فناً معيناً كعلم البلاغة أو النحو أو الصرف
أو المواريث فأثنيت عليه وذلك في مقام ذكر أي فن، كأن تثني على الزمخشري
بأنه بارع في علم البلاغة فلا بأس.
هذا إذا أمنت الفتنة على السامع، أما إذا كان السامع سيفهم الكلام على غير
وجهه ويظنه حكماً مطلقاً فلا بد من البيان [٢٥] .
٤- عدم رواية كلام الأقران: فقد قعّد السلف قاعدة عظيمة هي: (كلام
الأقران يطوى ولا يروى) . وقد ورد معناها عن السلف، فعن ابن عباس (رضي
الله عنهما) أنه قال: (خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على
بعض؛ فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة) .
يقول الذهبي: (كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لا سيما إذا لاح
لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن
عصراً من العصور سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت
من ذلك كراريس) [٢٦] .
٥- الشعور بالولاء لمن تنتقده:
عندما نوجه أي انتقاد لأي داعيه أو عالم؛ لبيان الخطأ أو الزلة التي وقع
فيها فعلينا ألا نُفرِطَ في الأمر حتى يصبح الكلام فيه حديث المجالس، وكذلك لا
نبغضه بغضاً أشد من أعداء الإسلام المعادين له؛ لأن أصل الولاء ما زال بيننا
وبينه، قال ابن تيمية: (ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد
ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه؛ وهذا هو مذهب أهل
السنة والجماعة)
٦- الاشتغال بأخطائنا نحن:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً ... إن عبت منهم أموراً أنت تأتيها
وأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه ... في كل نفس عماها عن مساويها
عرفتها بعيوب الناس تبصرها ... منهم ولا تبصر العيب الذي فيها [٢٧]
٧- عدم التهويل في الأمور الخلافية التي يسوغ فيها الاجتهاد:
فقد تكون الأمور التي ينتقد عليها بعض الدعاة أو العلماء أمور اجتهادية يسوغ
فيها الخلاف، وقد يكون الخلاف فيها قد حصل عند السلف فيأتي بعضهم مُهوّلاً أن
فلاناً قد خالف في المسألة الفلانية، وأن هذا خلل في المنهج وانحراف عنه؛ وليس
الأمر كذلك؛ فلا ينبغي أن تجرنا الخصومة إلى هذا الحد؛ بل لا بد من الترفق
بإخواننا؛ فإن المخالفة تسوغ في الفروع وفي الأمور الظنية.
٨- الأدب مع العلماء، والرجوع إليهم، ووضع الثقة فيهم:
فالكثير من العلماء يثنون على شخص أو هيئة أو جماعة لما علموا من حالهم
فترى هؤلاء الجراحين لا يقبلون منهم ذلك، ويقبلون ممن هم أقل منهم علماً ودراية؛ فلا بد أولاً إذاً من التأدب مع العلماء في كل الأحوال مع احترام آرائهم والثقة في
علمهم.
قال طاووس بن كيسان: (من السنة أن يوقر العالم) .
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول: (إن من إجلال الله (تعالى) :
إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام
ذي السلطان المقسط) [٢٨] .
نصيحة عامة لمن ابتلي بالجراحين:
استمسكْ بما أنت عليه من الحق المبين من أنوار الوحيين الشريفين وسلوك
جادة السلف الصالحين، ولا يثيرنك تهييج المرجفين وتباين أقوالهم فيك فتزل عن
وقارك فتضل.
لا تبتئس بما يقولون، ولا تحزن لما يفعلون، وخذ بوصية الله سبحانه لعبده
ونبيه نوح ﵇ [وَأُوحِيَ إلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلاَّ مَن قَدْ آمَنَ
فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] (هود: ٣٦) .
ولا يثنينك هذا (الإرجاف) عن موقفك الحق وأنت داع إلى الله على بصيرة؛
فالثباتَ الثباتَ متوكلاً على مولاك؛ والله يتولى الصالحين.
ليكن في سيرتك وسريرتك من النقاء والصفاء والشفقة على الخلق ما يحملك
على استيعاب الآخرين، وكظم الغيظ والإعراض عن عرض من وقع فيك، ولا
تشغل نفسك بذكره، واحتسب ذلك عند الله.
وأنت بهذا كأنما تسفّ الظالم المَلّ؛ والأمور مرهونة بحقائها، [فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاءً] [الرعد: ١٧] والله أسأل للجميع التوفيق والسداد.
стр. 2568
حوار
مع فضيلة: د. عمر الأشقر
حول مسائل علمية ودعوية وفكرية ملحّة
تحرص مجلة البيان على استضافة العلماء والدعاة والمفكرين المسلمين على
صفحاتها للتعريف بهم، والاستفادة من علمهم، وليُبدوا آراءهم في كثير من القضايا
الشرعية والفكرية والعملية التي عادة ما تكون محل اهتمام كثير من القراء الكرام.
ولقد سعدنا بموافقة فضيلة الدكتور عمر الأشقر (حفظه الله) ، على الحوار مع
البيان بالرغم من مشاغله العلمية التي تأخذ حيزاً كبيراً من وقته، وكذلك ظروفه
الصحية مؤخراً عافاه الله ومتعه بالصحة والعافية.
وهو (وفقه الله) معروف على الساحة الإسلامية عالماً فقيهاً وداعية موفقاً له
جهود علمية متميزة في التأصيل الدعوي الشرعي وبخاصة في العقيدة.
ويسرنا أن يشاركنا القراء الكرام الجلوس مع فضيلته والاستئناس بعلمه،
والاستفادة من توجيهاته.
ولما كان الحوار طويلاً لشموله كثيراً من المسائل المتنوعة فقد اضطررنا
لنشره على حلقتين، هذه أولاهما.
-البيان-
س١: يعاني العالم الإسلامي من ضمور في الوعي، وفي الوقت نفسه:
تُخرج المطابع سيلاً من المطبوعات التي لا يستطيع المسلم المعاصر ملاحقتها: فما
تفسيركم لهذه الظاهرة؟ وما الواجب على المسلم حيال هذا الكم من المطبوعات،
إذا أخذنا في الاعتبار ضغوط الحياة اليومية؟
ج١: ضمور الوعي الذي يوصَفُ به العالم الإسلامي الآن ظاهرة بارزة،
ولكنه ليس وصفاً كلياً عاماً؛ ودليل صدق ذلك: وجود قطاع كبير من أهل العلم
وأصحاب التوجه السوي يمتاز بالوعي المستنير، والرأي الحصيف، والعمق في
التعلم والتعليم، وليس ذلك قصراً على الذين درسوا في مدارس العلم الشرعي، بل
رأينا كثيراً من أصحاب التخصصات العلمية نبغوا في العلوم الشرعية، ووعوا
أحوال أمتهم، وعرفوا داءَها وأدواءَها، ولكن هذا الصنف قليل بالنسبة لعموم
المثقفين في العالم الإسلامي، فبعض المثقفين رضعوا ثقافة الغرب وفكره، ووقفوا
في الصف المعادي للإسلام، وآخرون وقفوا بعيداً عن مجال الصراع كأن الأمر لا
يعنيهم، وبعض الذين وقفوا في الصف الموالي للإسلام لم يستوعبوا الإسلام فقهاً
وأهدافاً، ولم يعوا مقاصده وقواعده؛ ولذا: فإن السفين تضطرب بهم، ولا يقرّ لهم
قرار على حال.
إن إغراق كثير من المثقفين من الذين يُحسبون على الإسلام وأهله في
تحصيل متع الدنيا، وانشغال آخرين بالتافه من الأمور، وقضاءهم أوقاتاً طويلة
أمام التلفاز يضيع كثيراً من الأوقات؛ وبذا لا تجد المؤلفات النافعة التي تدفع بها
المطابع كل يوم طريقاً إلى أبواب هؤلاء، وإن وجدت الطريق إلى بيوتهم، فيكون
مصير كثير منها الرفوف، لتكون زينة تحلى بها البيوت.
وبعض الذين لهم نَهَمٌ بالعلم قد لا يحسنون الاختيار لما ينبغي أن يقرأ ويفقه،
فتجدهم يقضون أوقاتاً طويلة في قراءة كتب أقل ما فيها أنها تضيع الوقت، لا أعني
بذلك الغثاء من القصص والمسرحيات الهابطة، ولا الكتب التي كتبها أعداء الإسلام، بل أعني تلك الكتب التي تحسب على الإسلام، ولكنها تمثل انحرافاً فكرياً أو
عقدياً، وقد يكون كاتبها صاحب مقاصد خبيثة يدس السم في العسل.
لقد أدرك المنحرفون عن سواء الصراط أن بضاعتهم التي أضلوا بها أمتنا
دهراً طويلاً قد بارت؛ ولذلك دفعوا ببعض منهم إلى لُبْس ملابس أهل العلم
ومزاحمتهم في الندوات والمحاضرات والتأليف من وجهة النظر الإسلامية؛ ولكنهم
على الحقيقة لم يدخلوا في الصف الإسلامي، لأنهم ما زالوا واقعياً في زمرة أهل
النفاق الذين يمكرون بالإسلام، ولبعض هؤلاء المنافقين ألسنة طويلة، وأقلام ندية
طرية طراوة جلود الأفاعي، وقد زاحم هؤلاء أصحابَ الفكر السوي والمنهج
الأصيل، وأخرجوا سيولاً من المؤلفات، عملت عملها في حرف المسار السوي،
وأخذت تدمر العقول والنفوس، وبدأ بعض البسطاء يُخْدعون بطرح هؤلاء.
وبعض المثقفين الذين تسأل عنهم لم يحسنوا الاختيار؛ فتراهم يقرؤون ما لا
يحتاجون إليه، ويتركون النافع من العلوم التي يحتاجونها، وتحتاج إليها أسرهم
وأمتهم؛ ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يلاحق اليوم ما تدفع به المطابع من
الصحف والمجلات والمؤلفات في تخصصه الدقيق، فضلاً عن أن يلاحق قطاعاً
واسعاً كالعلوم الإسلامية أو الأدبية؛ ولذا فإن على المسلم أن يحسن الاختيار، وأن
يحدد المسار الذي يحتاج إليه، وأهم ذلك ما يفقه به دينه، وبخاصة علوم الإيمان
التي تقر العقيدة في النفوس، وتهدي القلوب، وتبعث على العمل الصالح،
والسلوك القويم، وتقيم الموازين والقيم وفق تعاليم الإسلام العظيم، ويأتي بعد ذلك
العلوم التي تعرّف المسلم بأمته وأحوالها، وما جرى عليها من خطوب، وما تعانيه
من أدواء، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
وأحب أن أبيّن أن قمة العلوم التي تأتي في المرتبة الأولى هي علوم القرآن
والسنة النبوية؛ فإنها تمثل الوحي الإلهي الذي جاءنا بالهدى والنور والحياة، وبهذا
الوحي أحيا الله نفوسنا وأمتنا، وأنقذنا من الظلمات إلى النور، والعلوم الخيرة هي
التي تدور في فلك القرآن والحديث.
س٢: المهتدي إلى طريق الله قد يصعب عليه أن يجد المؤسسة الدعوية التي
تتعهده بالتزكية والتعليم المطلوبين، وإن وجدها فهو يتحير في تعددها وتحزبها ...
فما الذي عليه حتى ينجو بدينه؟
ج٢: هذه القضية ليست قضية المهتدي، بل هي قضية أصحاب الخط
الأصيل؛ فالمهتدي سيتلقف أول من يدعوه إلى الإسلام، وسيظن أن الذي يُعرَض
عليه هو الإسلام، فإن كان الذي تلقفه صاحب كتاب وسنة وُفّق هذا المهتدي أيما
توفيق، وإلا فإن هدايته ناقصة؛ وهذا يوجب على أصحاب المنهج من أتباع أهل
السنة والجماعة الذين فقهوا هذا الدين على نهج الصحابة ومن تبعهم بإحسان أن
يكثفوا جهودهم للدعوة إلى الله، وإقامة مراكز الهداية والتوجيه في شتى بقاع
الأرض، وأن يتلقفوا الذين بدت عليهم علائم الاهتداء إلى طريق الله، وأن يربوهم
على الإيمان، ويقودوهم بالإسلام، ويزكّوا نفوسهم بمنهج الله، ويخلصوهم من
شوائب الشرك والذنوب والمعاصي، ويقيموهم على نهج العبودية الحقة لله رب
العالمين، وعليهم أن يربطوهم بالرباط الوثيق الذي يجعل الدينونة لله رب العالمين، لا أن يُربطوا بالأشخاص والتجمعات، حتى إذا انهارت هذه التجمعات
والأشخاص انهار البناء كله في نفوس هؤلاء. إن الارتباط ينبغي أن يكون بالله
الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا يحول ولا يزول ولا يموت، قبل أن يكون
بالأفراد الذين يزولون ويحولون ويموتون ويتغيرون.
فإذا كان هذا المهتدي في حيرة من أمره، وجاء شاكياً مما هو فيه من الحيرة
وتشابك الطرق، فعند ذلك يُعرض عليه الإسلام الحق، وبخاصة عقيدة الإسلام،
والأهداف الكبرى للإسلام التي تحدد له الوجهة والطريق، قبل أن تُعرض عليه
المشكلات الصغيرة. إن الهدف الكبير الذي يقصده الإسلام هو تكوين الإنسان
الصالح بتحقيق منهج العبودية الحقة لله رب العالمين، وبذلك يحقق الإنسان الغاية
من وجوده فوق ظهر هذه الأرض، [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ]
[الذاريات: ٥٦] .
إن الواجب على الدعاة في كل مكان ربط المهتدين بهذا الحق؛ فهو الذي
يحيي النفوس والقلوب، ويؤتي ثماره بغرس الطمأنينة بالحق الذي انتقل إليه
المهتدون، وحذار حذار من أن يكون الهمّ هو تكثير الأتباع، بدعوة المهتدين إلى
الانضواء تحت الرايات المرفوعة المختلفة؛ فيتمزق المهتدون ويتفرقون، وقد
يرتدّون على أعقابهم فيتحمل الدعاة المتنازعون وزر ردتهم، والله المستعان.
س٣: التمسك بالكتاب والسنة والسير وفق ما يدلان عليه: دعوى عريضة
يدعيها كل فصيل من أبناء الحركة الإسلامية، ثم تختلف بعد ذلك المشارب والأفهام
والتطبيقات.. فهل هناك أسس مشتركة ينبغي أن تجتمع عليها فصائل العمل
الإسلامي بحيث لا تتنافر في عملها الدعوي؟
ج٣: لا شك أنه يوجد تجمعات كثيرة تدعي الانضواء تحت راية الكتاب
والسنة، وعند التحقيق يتبين أن فئات كثيرة منها بعيدة عن هذه الدعوى، كما أن
أقواماً يدّعون أنهم مسلمون، والإسلام منهم براء.
إن القبول بالدين المنزل على عبد الله ورسوله محمد ﷺ
والعمل به يفرق أهل الإسلام عن أهل الكفر والشرك، فالذي يؤمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى، ويقبل بالشريعة
المنزلة على عبد الله ورسوله محمد ﷺ ، ويتبرأ من الشرك
وأهله، هذا مسلم، فإن ادعى الإسلام والإيمانَ من لم يؤمن بأصول الإيمان، ولم
يتابع الرسول ﷺ ويلتزم بشريعته فهو مدّعٍ للإيمان والإسلام؛
وإيمانُه مردود؛ كما يدعي ذلك بعض اليهود والنصارى وغيرهم ممن بقي على
عقيدته ودينه.
فمن قَبِلَ بالإيمان والإسلام، وعرف حدود الإسلام والإيمان، وتابع الصحابة
ومن اتبعهم بإحسان على طريقتهم، وكان الكتاب والسنة هو الحاكم عليه دون
غيرهما: فهذا هو السائر على الدرب القويم والصراط المستقيم.
وقد خالف أصحابَ هذا المنهج أقوامٌ أصّلوا أصولاً وقعّدوا قواعد مخالفة لما
كان عليه الصحابة، فهؤلاء وإن كان اسم الإسلام يجمعنا بهم، إلا أنهم انحرفوا في
مسارهم، وهذه هي الفرق الضالة من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم. وقد
أصّلت كل فرقة من هذه الفرق أصولاً خالفت بها ما كان عليه الصحابة ومن سار
على دربهم من بعدهم، الذين هم أهل السنة والجماعة، وقد وضع أهل السنة
والجماعة أصولاً عاصمة من الزيغ إلى طرق أهل الضلالة من هذه الفرق المنحرفة، وقد اجتهد أهل السنة في تحديد هذه الأصول وتفقيه طلبة العلم بها، حتى لا
ينحرف بهم المسار، وهذه الأصول منها العلمي في مجال العقيدة، ومنها العملي،
ومنها قواعد ضابطة للعلم والعمل، وقد حاول دعاة الفرق الضالة اختراق الحواجز
التي أقامها العلماء بدعوتهم إلى توحيد الأمة الإسلامية بعيداً عن الأصول الضابطة
التي وضعها علماء أهل السنة والجماعة، فأرادونا أن نتفق على الاسم العام الذي
يجمعنا بهم من غير أن يغيّروا ضلالهم، وتمادى بعض هؤلاء بادعاء أنهم سائرون
وفق منهج الصحابة، وأنهم سائرون على سنة رسول الله ﷺ ،
وإذا حققتَ في دعوتهم رأيت أن همهم هو تحطيم الحواجز التي أقامها أهل السنة
كي يبث هؤلاء دعوتهم وفكرهم؛ فهم يمكرون بأهل السنة بدعوات التقارب بينهم
وبين أهل السنة.
وعندما يأتي دعاة أهل السنة إلى مجامع الحوار يُمنَعون من الدعوة الواضحة
الصريحة التي تُظهِر الحق، وتكشف ظلمة الباطل؛ بحجة أن الصراحة تفرق ولا
تجمع، إذن: لماذا الاجتماع؟ وعلامَ يكون التقارب إن مُنِعْنا من إظهار الباطل
الذي تلبّس به هؤلاء؟ إن هذه الدعوات مدخولة مزيفة، وليس مثلها إلا تلك
الدعوات التي تدعو إلى التقارب بين الأديان.
أما الذين ليس لهم إلا صفة واحدة تجمعهم وهي استقامتهم على منهج الكتاب
والسنة وفق الأصول التي جاء بها هذا الدين، وفَقِهَها الرعيلُ الأول، فهؤلاء هم
أهل السنة والجماعة، ولا يزال هؤلاء هم السواد الأعظم في الأمة الإسلامية،
وهؤلاء فيهم العلماء والعوام، وعلماؤهم وعوامهم فيهم المستقيم والمنحرف،
والمنحرف قد يكون انحرافه بدعياً جزئياً أو عملياً بالذنوب والمعاصي كما قال تعالى: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخََيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] [فاطر: ٣٢] .
وقد يوجد في العلماء الذين ينضمون إلى هذا الصف من تلبّس بشيء من
باطل الفرق الأخرى؛ فالباطل قد يَرُوجُ شيء منه على كبار أهل العلم؛ ولكن
هؤلاء على الرغم من ذلك لا يرضون أن يكونوا على منهج مخالف لأهل السنة
والجماعة؛ فهؤلاء من أهل السنة، والباطل الذي تلبسوا به مردود عليهم، فلا
يخرجون من إطار أهل السنة بخطأ اجتهدوا فيه، ولا يُقَرّون على هذا الباطل الذي
راج عليهم.
والحركات التي تُنسب إلى الإسلام وتوصف بأنها حركات إسلامية منها ما هو
داخل في إطار أهل السنة والجماعة، ومنها ما هو في إطار الفرق المخالفة لأهل
السنة والجماعة؛ فالحركات التي في إطار أهل السنة والجماعة، هي التي نشأت
في ديارهم، وتدعو بدعوتهم، وليس لها إلا الكتاب والسنة، فلا تدعو إلى غيرهما، وتنادي بالعودة إلى الإسلام؛ فهذه من أهل السنة والجماعة، على تفاوت بينها في
فقه أصول أهل السنة والجماعة، وعلى تفاوت بينها في الفقه في كتاب الله (تعالى) ، وعلى تفاوت بينها في فقه الأصل الأصيل الذي قام عليه الدين وهو فقه الإيمان،
وتحقيق العبودية لله رب العالمين.
لقد أخطأ فريق عدّ هذه الجماعات فِرَقاً أراد من المسلمين أن يصارعوها
ويقاتلوها ويدمروها، وأحدثَ مثل هذا الموقف شرخاً كبيراً في حياة الأمة الإسلامية
في عصرنا الراهن، فزادنا هؤلاء غفر الله لهم خلافاً ونزاعاً وجدالاً، ولا يمنع هذا
الفهم للحركات الإسلامية المعاصرة في إطار أهل السنة من مناصحة القائمين عليها
وأتباعها، وبيان ما وجد عندها من قصور وخطأ؛ فالدين النصيحة.
وأمراض هذه الجماعات منها ما هو قديم وجد في عصور سابقة، ومنها ما
هو جديد؛ لأنه يتعلق بالدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية في ظل أوضاع بعيدة
عن الإسلام في كثير من ديار الإسلام، والحركة بالإسلام في ظل هذه الأوضاع
التي يعيشها العالم الإسلامي تحتاج إلى فقه للإسلام؛ فكثير من أوضاع المسلمين
اليوم تدخل في إطار النوازل المستجدة التي تحتاج إلى أن تُفْقَهَ في ظل نصوص
الشريعة وقواعدها ومقاصدها؛ والعلماءُ يختلفون في هذا المجال أيما اختلاف،
والاختلافُ في النوازل المستجدة يختلف فيه المجتهدون، ومثل هذا الاختلاف لا
يقطع ما بين العلماء من ود.
إن الذين جعلوا التجمعات الإسلامية فِرَقاً كالخوارج والمعتزلة لم يفقهوا المسألة
حق الفقه، ولم يتبين لهم الصواب في هذه المسألة، وإن كان كثير من أهل العلم
أصاب الحقيقة، وتبين له وجه الحق فيها، والله المستعان.
أما الحركات الإسلامية التي نشأت في رحم الفرق المخالفة لأهل السنة
والجماعة، فإنها تعد من تلك الفرق الضالة، كالجماعات التي نشأت في البلاد
الشيعية، ملتزمة بالأصول التي يقوم عليها مبدأ تلك الفرق من ضلال وانحراف.
وبناء على ما تقدم يظهر لك أن الاتفاق بين الجماعات التي تنسب إلى أهل
السنة والجماعة كبير والخلاف بينها قليل، بل إن الخلاف بينها سببه نشوء كل منها
في ديار بعينها، وعندما يلتقي قادة هذه الجماعات أو أتباعها فإنهم لا يجدون بينهم
اختلافاً كثيراً، بل إن كثيراً من اختلافهم اختلاف شكلي؛ ذلك أن كثيراً من هذه
التجمعات إنما قامت لتكون قوة تأخذ بيد الأمة الإسلامية وتنهض بها، ولم تتوجه
إلى بناء منهج عقدي أو فقهي، وأكثرها إنما يعرض منهجاً لإعادة مجد الإسلام
وتوحيد الأمة وإعادة الشريعة الإسلامية حاكمة للأمة الإسلامية.
وفي ظني أن أصحاب هذه التجمعات التي تدعى بالحركات الإسلامية قد
قصروا في حق أنفسهم؛ فالواجب عليهم أن يتوحدوا فيما بينهم، خاصة وأن
الأصول التي يقومون عليها أصول واحدة، فدعوتهم واحدة، وعقيدتهم واحدة،
ودينهم واحد، ورسولهم واحد، وكتابهم واحد، وكثير من الاختلاف الذي بينهم
شكلي، بل إن كثيراً منه قائم على سوء فهم، أو سوء ظن، أو أنه مفتعل.
وعلى فرض أن اجتماعهم في كيان واحد غير ممكن، فالواجب أن يكون
هناك منتديات ومنابر للحوار تجمع هؤلاء، يطرح فيها القضايا الأصول التي تثير
الخلاف، ومتى أدام القائمون على هذه الحركات الاجتماع والتباحث في ظلال
الأدب الإسلامي الذي يلتزم قول الحق بأدب الإسلام من غير تعصب ولا تحامل،
فإن عصراً جديداً سيفتح أمام دعاة الإسلام وأهل العلم، قد يثمر ثماراً طيبة،
ويحطم كثيراً من الظنون والأوهام الخاطئة التي يحملها بعض الدعاة تجاه الآخرين.
إن إحسان الظن بالآخرين وتلمس العذر لهم، ومحاجّتهم بالتي هي أحسن،
وتبصيرهم بالحق من منطلق الود والحب والإخاء والنصح والحكمة يقرّب بين دعاة
الإسلام والعاملين به والمتحركين به، وأنا أقول هذا من خلال تجربة شخصية، فأنا
حبي للإسلام، ودعوتي إلى الحق، وكل من بذل من نفسه وماله للإسلام ونصرته
فهو محل تقديري واحترامي، وله في نفسي إعزاز وإكرام، ولا يمنع ذلك كله من
النصح له من منطلق الحرص عليه، والإحسان له، من غير استعلاء ولا استكبار
ولا صلف، بل هي أخوة الإسلام ومودته، يجادل بالتي هي أحسن، ما دمنا نتفق
في المنهج والأصول، وتجمعنا دعوة أهل السنة والجماعة، وقد حمدت هذا
المسار، ورأيت ما فيه من خير، ولا يمنع ذلك من أن ينالك الأذى من الآخرين إن
كنت كما وصفت، ومع الأذى الصبر، وفق ما أرشد الله إليه في قوله: [وَالْعَصْرِ
(١) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ١-٣] ومع الصبر والأذى يكون الغفران وعدم تتبع
سقطات الآخرين؛ فلقد كان الأسوة القدوة رسول الله ﷺ يغفر
للذين أساؤوا إليه حتى من أهل النفاق والشقاق، وحسبك أنه (عليه الصلاة السلام)
صلى على رأس النفاق ابن أُبَيّ، وألبسه ثوبه، حتى نهاه الله عن الصلاة على مثله
والقيام على قبره.
س٤: ولكن قد ينظر كل فصيل إلى الآخر على أنه معوق لعمله، وأنه كي
يحدث التآلف يجب على الآخر الانضواء تحت لوائه!
ج٤: جواب هذا السؤال قد عُلِمَ أكثره من جواب السؤال السابق، فالجماعات
القائمة على أساس من منهج واحد: منهج أهل السنة والجماعة، التي ليس لها
أصول غير الكتاب والسنة، ينبغي أن تكون جماعة واحدة، فإن عسر عليها ذلك
فينبغي أن تتعاون فيما بينها، وأن تحكّم كل جماعة الإسلام في علاقاتها بالجماعات
الأخرى، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ولا يغتابه، ولا يدل على
عوراته، وينصح له، ويدعو له بظهر الغيب، تسره أفراحه وتحزنه أتراحه،
الأفراد في ذلك والجماعات سواء، فإذا نظرت كل جماعة إلى الأخرى على أنها
معوقة لعملها، مضادة لها، فإن ذلك يحدث النزاع والشقاق من الجماعات، فتسعى
كل جماعة للمكر بالأخرى، والبحث عن عيوبها وأخطائها، فتوجه الجهود إلى غير
الهدف الذي يفرضه عليها دينها، وعند ذلك يكون الفشل [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] .
س٥: بعض المهتمين بشؤون الصحوة يعزو التفرق الحادث بين أفراد هذه
الصحوة إلى أنه ناتج عن أزمة أخلاق وليس عن أزمة فكر، فما مدى موافقتكم على
هذا الرأي؟
ليس هذا القول صحيحاً على إطلاقه؛ فأسباب التفرق والنزاع مختلفة متعددة، وواحد من هذه الأسباب مرده إلى عدم تمسك الفرقاء المتنازعين بأخلاق الإسلام،
وعدم أخذهم بما ألزمهم الله به تجاه إخوانهم في الإسلام؛ ومنهم الجماعات الإسلامية
الدائرة في فلك أهل السنة والجماعة كما سبق بيانه، وأزيد هنا: أن بعض قادة هذه
الجماعات قد يكون همه تأصيل الخلاف، حتى تمتاز جماعته عن غيرها بأصول
خاصة بها، ومحاولة إثارة الخلاف، كي يحافظ على أتباعه، ومن سار مساره،
وقد يدخل على بعضهم حب الرئاسة والهوى، بحيث يكيف النزاع على أنه نزاع
منهجي إسلامي، وهو في الواقع نزاع على المناصب والرئاسات، وبعضهم في
سبيل تكثيره الأتباع والأنصار يطيل في تزكية نفسه وجماعته وذم الآخرين من غير
بينة ولا استبصار، فيدعي في تزكية نفسه وجماعته ما ليس فيهم، ويرمي الآخرين
بما ليس فيهم؛ وكل ذلك داخل في الجانب الأخلاقي والأزمة الأخلاقية. ولكن
الخلاف والنزاع ليس قصراً على ما يقوله هؤلاء؛ فإن الجهل بشيء من الحق الذي
جاء به الإسلام قد يؤدي إلى ظلم الآخرين، وقد تناول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله تعالى في حديثه عن صفة العبادات الظاهرة التي حصل فيها نزاع بين الأمة في
الرواية والرأي تناول أنواع الفساد الذي حصل بسبب ذلك، وهذه الأنواع تصلح
لأن تكون أسباباً للنزاع والخلاف الثائر بين الجماعات في هذه الأيام.
وفي ذلك يعدد ﵀ تلك الأسباب قائلاً:
الأول: جهل كثير من الناس أو أكثرهم بالأمر المشروع المسنون الذي يحبه
الله ورسوله، والذي سنه رسول الله ﷺ لأمته، والذي أمرهم
باتباعه.
الثاني: ظلم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم لبعض، ونعيهم عليهم تارة
بنهيهم عما لم ينه الله عنه، وبغضهم على ما لم يبغضهم الله عليه، وتارة بترك ما
أوجب الله من حقوقهم وصلتهم لعدم موافقتهم لهم على الوجه الذي يؤثرونه حتى إنهم
يقدمون الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال والولايات من يكون مؤخراً عند الله
ورسوله، ويتركون من يكون مقدماً عند الله ورسوله لذلك.
الثالث: اتباع الظن وما تهوى الأنفس حتى يصير كثير منهم متديناً باتباع
الأهواء في هذه الأمور المشروعة، وحتى يصير في كثير من المتفقهة والمتعبدة من
الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن السنة والجماعة كالخوارج
والروافض والمعتزلة، ونحوهم.
الرابع: التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف حتى يصير بعضهم
يبغض بعضاً ويعاديه، ويحب بعضاً ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي
الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي
والسلاح، وببعضهم إلى الهجران والمقاطعة، حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض!
وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله.
والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي أوجبها الله ورسوله، قال (تعالى) : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً] [آل عمران: ١٠٣] وقال: [إنَّ الَذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام: ١٥٩] .
النوع الخامس: ... شك كثير من الناس وطعنهم في كثير مما أهل السنة
والجماعة عليه متفقون، بل وفي بعضها ما عليه أهل الإسلام، بل وبعض ما عليه
سائر الملل متفقون، وذلك من جهة نقلهم وروايتهم تارة، ومن جهة تنازعهم ورأيهم
أخرى.
هذا الذي ذكره شيخ الإسلام ونقلته عنه بشيء من الاختصار يصلح لأن يكون
أسباباً لفرقة الجماعات فيما بينها على تفاوت بينها فيما تلبّست به.
وللحوار مع فضيلة الشيخ عمر بقية في العدد القادم إن شاء الله
ندوات ومحاضرات
التطورات الأخيرة لعملية السلام
والتوقعات المستقبلية
(١من٢)
إعداد/وائل عبد الغني
إيماناً من مجلة البيان بأهمية الدور الإعلامي في معالجة قضايا الأمة معالجة
إسلامية تستند إلى تأصيل شرعي ورؤية علمية، فقد رأينا أن نطرح إحدى قضايا
الأمة في حاضرها على عدد من المختصين ممن عُرِفوا بولائهم للحق ونصرتهم
للدين في ندوة؛ لنحيط بالتطورات الأخيرة لعملية السلام والتوقعات المستقبلية لها
من جميع جوانبها، ونخلص إلى رؤية متكاملة لتلك القضية التي هي قضية
الحاضر والمستقبل في أهم جوانبها.
ضيوف الندوة:
١- الدكتور: محمد عبد المنعم البري رئيس جبهة علماء الأزهر والأستاذ
بكلية الدعوة الإسلامية.
٢- الدكتور: جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعتي القاهرة وأم
القرى سابقاً والباحث والمؤلف المعروف.
٣- الدكتور: حامد عبد الماجد الأستاذ بقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد
والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
٤- الأستاذ: كمال السعيد حبيب الكاتب والمحلل السياسي بعدة صحف عربية.
بداية نرحب بالضيوف الكرام في هذه الندوة التي نأمل أن تبلغ آفاقاً من
الرصد والتحليل تغني القارئ عن كثير من التحليلات التي يشوبها غبش في
التصورات وعدم صفاء في المنطلقات.
فهذا العام هو عام ١٩٩٧م وهذا يعني مرور قرن كامل على مؤتمر بال،
وخمسين عاماً على قيام (إسرائيل) ، وثلاثين عاماً على احتلال القدس، وعشرين
عاماً على أول اتفاقية مع اليهود، والحصاد: تَسَارُعٌ عجيب في الأحداث،
وتضارب في المواقف؛ لذا نحب أن نضع أمامكم القضية بجوانبها لنغطيها جانباً
جانباً، ولتكن نقطة البداية انطلاقاً من عمليات السلام.
* فنريد من الدكتور حامد عبد الماجد رصداً تاريخياً لعملية السلام وتطورها
وأهم الدلالات التي نخرج بها.
* بداية أشكر مجلة البيان ...
إذا أردنا أن نفهم طبيعة عملية (التسوية السياسية) الجارية الآن، فعلينا أن
نعود إلى الاتصالات السرية بين الزعماء العرب والصهاينة في أعقاب نكبة ١٩٦٧م
التي أدت إلى قبول النظام الناصري لمبادرة روجرز في ذلك الوقت، مروراً
بالمفاوضات التي جرت تحت رعاية كيسنجر بعد حرب ١٩٧٣م، تلك المفاوضات
التي مهدت لاتفاقية (كامب ديفيد) ؛ لنجد أن القيادات العربية أبدت استعدادها لقبول
الحلول الوسط (مبدأ التوفيق) ، حيث اختفت شعارات (تحرير الأرض المحتلة)
وتواضعت الآمال لمجرد (إزالة آثار العدوان) بالانحساب إلى حدود ما قبل النكبة.
وتم القبول بمرجعية القرارات الدولية ومنها القراران: ٢٤٢، ٣٣٨؛ اللذان
يكرسان وجود الكيان الصهيوني وشرعيته، وهذه الخلفية تبرز لنا ثلاث حقائق
استمرت في إطارها عملية التسوية السياسية:
الأولى: تغير الرؤية الطبيعية المصيرية لهذا الصراع على الأقل من قِبَلِ
القيادات العربية واختفاء مرجعية (الحقوق العربية) والأراضي المحتلة والمغتصبة
لتحل محلها (التسويات السياسية) و (التنازلات المتبادلة) من خلال قرارات الأمم
المتحدة.
الثانية: اختيار القيادات العربية لمنهج جديد هو (منهج التفاوض السلمي)
الذي جاء بديلاً عن منطق استمر لقرون طويلة إزاء التعامل مع الصراعات
المصيرية، ألا وهو منطق الجهاد وقوة السلاح؛ وبالتالي اعتبرت حرب ١٩٧٣
حرباً (تحريكية) .
الثالثة: أن القيادات والأنظمة الحاكمة بدأت التفاوض وهي في أسوأ أوضاعها
من ناحية فقدان الإرادة السياسية واتبعت أسلوب (التفاوض السري) الذي يجري
تحت رعاية المخابرات الدولية، إلى جانب الاجتماعات المعلنة التي تبدو فيها
الأنظمة أمام الرأي العام الداخلي (متماسكة) وأحياناً (متصلبة) .
وكانت اتفاقية أوسلو (التي تعتبر أسوأ اتفاقية (إذعان) عرفها تاريخ
الصراعات المصيرية) أوضح نموذج لذلك.
* البيان: الأستاذ كمال، هل لديك إضافة؟
أ. كمال: نعم أريد أن أجلّي بُعداً خطيراً في الصراع، وهو غياب الجانب
الإدراكي لطبيعة الصراع لدى القيادات العربية، وأعتقد أن من أخطر استراتيجيات
العدو التي طرقتها القيادة الصهيونية في التعامل مع القيادات والجيوش العربية
محاولة هي تغيير إدراكها عن طريق إقناعها باستحالة حسم الصراع مع اليهود إلا
من خلال السلام! وهذا ما تحقق فعلاً، وهذا يدل على أن الأنظمة العربية لم تكن
جادة في حرب إسرائيل، وهذا الشعور تسرب إلى كل الأجهزة التي كانت موجودة
آنذاك بما في ذلك الجيش؛ والسر في ذلك هو تبني القيادات العربية منهجاً في
الصراع قائماً على استبعاد الدين، واستبعاد الرؤية الصحيحة للصراع!
* إذن هذا يدفعنا للوقوف على بنود اتفاقية أوسلو: ما مدى واقعيتها، وما
حدود تطبيقها الآن؟
د. حامد: بداية جاءت اتفاقية (أوسلو (لتشكل تراجعاً عن صيغة (مدريد) .
اتفاقية أوسلو (١) تحدثت عن اعتراف متبادل بين (دولة إسرائيل) كدولة،
و (منظمة التحرير الفلسطينية) كمجرد ممثل للشعب الفلسطيني دون الإشارة إلى وطن
قومي لهم أو (دولة فلسطين) .
كما أن هذا الاتفاق لم يتطرق لمسائل مهمة، مثل: مسألة المستوطنات،
الحدود، اللاجئين، القدس ... إلخ
ثم تبلور ذلك في اتفاق عملي يكون بداية لحكم ذاتي فلسطيني في غزة وأريحا، أما أوسلو (٢) فهي خاصة بإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي، وتسلم الفلسطينيين
مهام الحكم الذاتي في بقية مدن الضفة الغربية.
أما ما تم تطبيقه بالفعل من هذه الاتفاقية غير المتكافئة بين جانبين فإنه يكاد لا
يذكر؛ فرغم مرور عامين تقريباً إلا أنه لم يحدث تغير ملموس في الاتفاق الذي لا
يشمل سوى ٢٠% من مساحة فلسطين التاريخية مع مواجهته للعديد من التحديات
في تطبيقه، حيث لم يتم إعادة الانتشار في مدن الضفة في التوقيتات المحددة، بل
زاد الحصار على مناطق السلطة الوطنية لملاحقة عناصر حماس. ومع وصول
الليكود إلى السلطة تكشفت النوايا، واتضحت المواقف التي كان يراوغ فيها بيريز، وأعلن نيتن ياهو عن برنامجه الآتي:
١- (الأمن) هو الاعتبار الأول في أي سلام توقعه إسرائيل.
٢- رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة.
٣- تمتع إسرائيل بحرية كاملة في الضفة والقطاع لا سيما في معركتها ضد
(الإرهاب) .
٤- احتفاظ إسرائيل بسيادتها على المناطق ذات الأهمية الأمنية وأيضاً
المستوطنات اليهودية.
٥ - الاحتفاظ بالموارد المائية في الضفة دون تقسيمها.
٦ - القدس الموحدة هي عاصمة إسرائيل الأبدية، وإنهاء كافة أنشطة السلطة
الوطنية في المدينة.
وبهذا يتضح أن حكومة الليكود تنصلت من كافة الاستحقاقات السياسية التي
نصت عليها كافة الاتفاقيات الموقعة، وجمدت عملية التفاوض من جانب واحد تحت
ذرائع أمنية.
* د. عبد المنعم البري: ما موقف الشرع الإسلامي إذن من هذه الهرولة
التي ملأت الآفاق نحو عملية السلام من قِبَلِ العرب؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فإني أشكر مجلة البيان على
هذا الجهد البناء، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل مباركاً نافعاً، وألا يحرمنا أجره.
الهرولة ليست جديدة في تاريخ الصراع؛ ففي القرآن الكريم نرى نظائر لها
في الصدر الأول على يد الضعفاء: [فَتَرَى الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ
يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَاًتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا
عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِين] [المائدة: ٥٢] . واليهود هم اليهود كما صوّرهم
القرآن.. يشهد بذلك تاريخهم وواقعهم، وقد كشفت لنا الأحداث طرفاً من
مخططاتهم لضرب الإسلام والسيطرة على العالم، من أجل ضمان استقرار أبدي
لأمن إسرائيل.
لذا: فالهرولة هي الهرولة في كل وقت، وحكمها محرم بنص الكتاب.
والجديد هو أن جِدهم في قضيتهم أفسح لهم جميع المحافل الدولية، ومكنهم من
التغيير في كل المجالات؛ ولذا طمع ضعاف النفوس في رضاهم!
* وما ثمن هذه الهرولة من جهة إسرائيل أولاً؟
أ. كمال: الصهاينة ثوابتهم لا تتزحزح، ولكن أطماعهم تزيد؛ فهُم جميعاً
بمن فيهم (اليسار والشيوعيون والعلمانيون) يستندون إلى المقولات التوراتية،
ويصيغون صراعاتهم مع العالم الإسلامي على أساس أنه صراع ديني عقدي
مصيري.
أما المهرولون فينظرون للصراع على أنه صراع حدود لا وجود، وأنها
مسألة سياسة لا صلة لها بالأديان؛ ومن هنا نشأ التساهل في الاستسلام لمطالب
اليهود، وبالتالي الهرولة.
أضف إلى ذلك أن استفادة اليهود من المنطلق التاريخي في الحرب كان
مستحضراً من قِبَلِ العقلية الصهيونية بحيث استفادوا منه استفادة عظيمة وهو ثابت
آخر فنرى سيناريوهات الصراع تتكرر بصورة تكاد تكون حرفية؛ فمراسلات
حسين مكماهون تكررت مع السادات بعد ١٩٧٣م، ثم مع عرفات بعد ذلك، حيث
كان يتم التخاطب مع عقلية القائد الذي يدير الصراع من منطلق قائم على تحليل
نفسية هذا القائد؛ وبذلك يتضح أن اليهود يقبضون ولا يدفعون.
* لا شك أن فاتورة الهرولة مكلفة جداً للعرب؛ فما أهم بنود هذه التكاليف؟
أعني: ما أعظم الخسائر من جرّاء هذه الهرولة؟
أ. كمال: الهرولة نجم عنها خسائر عظيمة بدأت بعزل مصر عن أداء
دورها بوصفها دولة مركزية في النظام الإقليمي العربي وقت أن كان هناك نظام
إقليمي عربي؛ وهذا أدى إلى نوع من التحركات الخفية نحو التطبيع أو على الأقل
محاولة تهيئة الرأي العام المعارض لما تستبطنه باقي الأنظمة؛ والعقلية العربية لم
تكن محصنة؛ مما أدى إلى سهولة اختراقها.
وكانت النتيجة أن دخلت إسرائيل في عام ١٩٨٢م عاصمة عربية واحتلتها
لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يكن هناك أي رد فعل عربي
موحد، وجرى تشتيت منظمة التحرير بعد ذلك، ثم تدمير المفاعل النووي العراقي، ثم ضرب منظمة التحرير الفلسطينية في تونس.
أما بعد اتفاقات مدريد وغزة وأريحا.. وانتقال الصراع من الحرب إلى
التفاوض السلمي، وما تبع ذلك من مؤتمرات اقتصادية وأمنية وسكانية أدت إلى
خروج إسرائيل من عزلتها الإقليمية وزيادة نفوذها في إفريقيا وآسيا، بالإضافة إلى
إلغاء المقاطعة بدرجتيها (أ، ب) وبالتالي أدى ذلك إلى انتعاش العدو وتحركه في
كل المجالات؛ لأن المقاطعة كانت تكلفه مليارات الدولارات، ومن ثَمّ زادت قدرته
على التوغل في بنية النظام العربي في أسواقه ومجتمعاته حتى أصبح جزءاً من هذه
البنية أتاحت له عقد الاتفاقيات الاستراتيجية، وإقامة التحالفات بما يمكّن له من
إقامة خططه بصورة أدق وأسرع.
* هل يعني ما سبق تغيير التشكيلة السياسية للمنطقة؟
أ. كمال: إسرائيل كانت تخطط منذ أن قامت كيف تصبح جزءاً من بنية
النظام الإقليمي الذي تنتمي إليه من أجل ضمان بقائها. وهذا ما حدث.
فبعد الهرولة والتحلل العربي التابع لها بدأ طرح نظام بديل هو النظام (الشرق
أوسطي) بحيث تصبح إسرائيل مركزه، وتقوم هي بالسيطرة على ما يمكن أن
نسميه بـ (حركة الموارد الاستراتيجية) المتمثلة في المال والاتصالات والأسواق
والمواد الخام؛ بحيث يقدم العرب الأيدي العاملة والمواد الخام لهذا النظام.
* وهل يعني ذلك انتهاء النظام الإقليمي العربي؟
أ. كمال: لا يمكن الآن أن نقول إن هناك نظاماً إقليمياً عربياً؛ لأن إطلاقنا
لفظ (نظام) يفترض معها وجود منظومة تنظم عمله، وأن هناك حداً أدنى للاتفاق
بين أعضائه يكفل لهم اتخاذ موقف موحد إزاء المخاطر التي تتهددهم بل لا يوجد
تصور موحد عن مسألة إدارة الصراع مع اليهود خاصة بعد صعود نتنياهو إلى سدة
الحكم.
وهذا يبرز الضعف العربي الذي يعكس دلالة رمزية لكيفية تعامل الآخرين
معهم؛ وهو مبدأ سارٍ على علاقات الأفراد والدول على حد سواء؛ وهذا علة كافية
لكثير من القرارات الدولية والإسرائيلية الأخيرة؛ لأن قناعة صناع القرار في
إسرائيل أن العالم العربي ضعيف وعاجز ومفكك، وأنه غير قادر على اتخاذ قرار
موحد؛ يغريها على أن تتعامل مع كل دولة على حدة، ويطلق العنان لمخابراتها في
التعامل مع كثير من مخابرات الدول العربية سراً، ويفتح أمامها الطريق للاستمرار
في تنفيذ خططها، بصرف النظر عن الوجود العربي!
* د. حامد: في كتاب: (مكان بين الأمم إسرائيل والعالم) الذي ألفه نيتن
ياهو فرق بين سلامين:
(سلام الديمقراطيات) وينعدم فيه أي طموح للصراع المسلح، وتحميه الإرادة
الشعبية السائدة في النظم.
وسلام يتم مع الأطراف الديكتاتورية في البلاد اللاديمقراطية، وهو (سلام
الروع) الذي يقوم من خلال القوة؛ وهذا واضح في سياساته هو بالذات.
* د. عبد المنعم: القضية الآن ليست في عدونا بقدر ما هي فينا؛ فأضعف
الإيمان أن تُهيأ النفوس المؤمنة لتعي هذه الحقائق استعداداً للمواجهة الحتمية، وعلى
الحكومات تغيير بعض سياساتها التي تقلل المخاطر.
* نترك الهرولة العربية جانباً ونهرول نحن نحو فلسطين المحتلة لنجيب عن
تساؤلات عدة عن الداخل، ونبدأ بتساؤل عن الفرق بين الليكود والعمل؟
د. جمال عبد الهادي: العمل والليكود وجهان لعملة واحدة؛ فليس هناك
حمائم وصقور؛ فهم جميعاً صقور، الجميع لهم هدف مشترك هو قيام إسرائيل
كبرى من النيل إلى الفرات؛ لذلك لا تجد في دستورهم ما ينص على حدود لهم
حتى الآن! وعلينا أن نعي أن سياسة جميع زعماء الأحزاب الإسرائيلية تصب في
اتجاه واحد هو إنشاء دولة صهيونية عالمية تحكم من أورشليم القدس.
أ. كمال: لا يوجد اختلاف حقيقي بين الليكود والعمل أو المعراخ من جهة
الرؤى الأساس؛ وإذا كان هناك خلاف فهو خلاف في التكتيك وليس في القضايا
الاستراتيجية.
* إذن ما تشيعه وسائل الإعلام العربية عن حزب العمل والمعراخ خديعة!
أ. كمال: نعم؛ وأكبر دليل على ذلك أن معظم المستوطنات التي أقامتها
إسرائيل في الأراضي المحتلة تمت أثناء وجود العمل في الحكم، والفَرْق هو سرية
إقامة المستوطنات خلال فترة حكم حزب العمل، وإعلان سياسة: (لا مستوطنات
قبل وجود حل نهائي) مجرد إعلان.
كذلك فإن فتح أبواب الهجرة إلى إسرائيل كان معظمه في ظل حكم العمل،
وكذلك مسألة التربية القتالية والتطور المستمر للترسانة الحربية، وعقد الاتفاقيات
الاستراتيجية مع الدول الخارجية.
فالفرق: أن العمل أكثر دهاءاً وخبثاً، والليكود أكثر صراحة؛ لأنه يتمثل
القضية الدينية، وهو صريح في الإعلان عن مبادئه وأهدافه، إضافة إلى الخلاف
في التكتيك.
* إذن: لماذا صَعَدَ الليكود في هذا الوقت بالذات؟
أ. كمال: صعود الليكود له دلالة هي: أن الاتجاهات الدينية اليمينية
المتشددة التي تستجيب للأسطورة الصهيونية بدأت تتنامى وتؤثر على الرأي العام
بشدة، وتضغط على صانع القرار؛ لذلك فضلت الليكود على غيره، وهذه القوى
كانت هامشية، وانتقلت لتصبح هي القوى الفاعلة لتشكل المجرى الأساس للتيار
العام داخل إسرائيل.
* وهل لاختيار نيتن ياهو دلالة زائدة؟
نيتن ياهو يعبر عن جيل جديد.. فهو يملك جنسية مزدوجة: إسرائيلية
أمريكية، دارس إعلام، صغير في السن نسبياً، رجل مخابراتي وعسكري سابق
وله إنجازاته في ذلك المجال.
وهذا يعكس نوعية إفراز إرادة الرأي العام هناك؛ لإيجاد جيل جديد يغلّب
الحسم العسكري لإيمانه بمعركة هرمجدّون.
لكن نيتن ياهو لا يملك القرار وحده؛ لأن وراءه مؤسسة سياسية تشارك بقوة
في القرار، وتمثل عامل ضغط عليه مما يقلل من مساحة مناوراته السياسية في
التفاوض بالإضافة إلى منطلقاته هو في التعامل مع الواقع، وكذلك الرأي العام.
* نأتي لقضية الأمس واليوم: فالأمس كانت القضية هي القدس، واليوم
القضية هي المستوطنات، وغداً ... فكان لقرار الكونجرس الأمريكي بنقل السفارة
الأمريكية للقدس واعتماد مبلغ ١٠٠ مليون دولار لذلك كان له صداه العالمي
ودلالاته من جهة التوقيت ومن جهة متخذ القرار نفسه ومن جهة الوضع العربي.
فنسأل لماذا هذا التوقيت بالذات؟
د. جمال: هذا التوقيت؛ لأن العرب يمرون بحالة من الضعف والتفكك،
ولأن العدو حقق كل ما يريد: هيمنة اقتصادية إعلامية ثقافية.. تعليمية على العالم، وكذلك على أطراف رد الفعل العربية.
وتم تأمين حوض البحر الأبيض المتوسط القرن الإفريقي ومدخل البحر
الأحمر المساعدات الأمريكية المستمرة محطات الإنذار المبكر القوات الدولية
الموجودة في المنطقة؛ لذلك هو يستعجل الحسم العسكري؛ لأنه بطبيعته عدواني
خاصة بعد أن وقّع مع الولايات المتحدة اتفاقية الدفاع الاستراتيجي ليصبح أي تهديد
لإسرائيل معناه تهديد لأمريكا، وأي تهديد لهم بالتالي يعني قرار حرب.
* وما دلالاته على الجانب الأمريكي؟
أ. كمال: هذا القرار صدر قبل ذلك عام ١٩٩٥م عن مجلس الشيوخ،
وثارت وقتها ضجة. وهذا القرار كان من مجلس الشيوخ فقط، وأعطى الإدارة
الأمريكية فرصة تأجيله ٦ أشهر، واستخدمت الإدارة الأمريكية هذا الحق الذي
يتجدد كل ٦ أشهر حتى عام ١٩٩٩م.
هذا القرار الذي اتخذ أخيراً كان بأغلبية كبيرة؛ ولهذا الأمر، فإن له دلالات
عدة:
أن اليهود استطاعوا اختراق أمريكا بالكامل عن طريق دعايتهم ابتداءً من
البروتستانتية التي تعتبر قراءة توراتية للإنجيل.
وبالتالي وجود تيار ديني قوي داخل المجتمع الأمريكي يلعب دوراً في إنجاح
كلينتون؛ ويؤثر بدوره في السياسة الأمريكية التي تشكل عمود السياسة الغربية.
اختراق المؤسسة الحاكمة الأمريكية بالكامل من قِبَلِ اليهود بدءاً من بلاط
كلينتون وبالتحديد زوجته اليهودية هيلاري، ومروراً بكل مواقع صناعة القرار في
الولايات المتحدة بما في ذلك مدير المخابرات المركزية ووزيرة الخارجية وكل
المواقع الحساسة في مراكز القرار. إذن هناك منظومة واحدة تحرك العقل الغربي
إزاء إسرائيل وإزاء القدس بوصفها بزعمهم عاصمةً موحدة وأبدية لإسرائيل.
د. جمال: كلينتون له توجهاته الصهيونية التي تتعدى كل الحدود التي بلغها
الرؤساء الأمريكيون السابقون عليه؛ وهذا الحوار الذي دار في الكنيست الإسرائيلي
مساء ٢٧/١٠/٩٤ بمناسبة الاتفاق مع الأردن:
تكلم رابين رئيس الوزراء، ثم تكلم نيتن ياهو زعيم المعارضة، ثم تكلم
كلينتون. يقول رابين موجهاً كلامه إلى كلينتون:
تذكر وصية أستاذك في المرحلة الثانوية (القس واو) التي أوصاك بها، وهو
على فراش الموت؛ بأن تحافظ على إسرائيل وترعاها عندما تصبح رئيساً للولايات
المتحدة الأمريكية وهي قوله:
(الإرهاب الإسلامي هو عدو السلام وعدو العالم كله، وعدوكم وسيعبر
البحار والمحيطات ليصل إليكم.
أورشليم كانت وستظل إلى الأبد عاصمة لإسرائيل القلب النابض للشعب
اليهودي) .
ثم كان خطاب كلينتون على ما يلي:
أشعر كأني في بيتي.. لقد حققت إسرائيل أمس جزءاً من حلم الآباء بتوقيعها
للاتفاقات مع الأردن.. هذا السلام هو من أجل الشعب الأمريكي أيضاً.. إننا
نعرف أهمية إسرائيل منذ عهد الرئيس ترومان، وإن بقاءها هو بقاء لكل القيم
العزيزة علينا. أنا ملتزم بالعمل مع الكونغرس لصيانة المستوى الحالي للمعونة
االاقتصادية والعسكرية والتعاون العلمي وتصدير التكنولوجيا المتقدمة لإسرائيل،
كي تبقى في مقدمة التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي للتغلب على مخاطر السلام!
لذا سنرسل لإسرائيل خمس عشرة طائرة (١٥ ف) لتكون قادرة على الدفاع عن
نفسها بنفسها.
لقد أصبحت سوريا جادة للدخول في السلام. إن الجندي الإسرائيلي الذي قتله
الإرهاب مؤخراً، كان أمريكياً أيضاً.. لذا فعلينا مجابهة الإرهاب بصورة حازمة؛
فالتطرف والإرهاب لا زالا يهددانا جميعاً.
نحن نحترم الإسلام وعندنا ملايين من الأمريكيين يستجيبون كل يوم لنداء
الصلاة في المساجد. والصراع هو مع من يثيرون العنف ويريدون تدمير السلام.
الإرهاب يهددنا من الداخل ونقول لتجار الإرهاب لن تحققوا النجاح.
جئت إلى القدس قبل ثلاثة عشر عاماً، وعشت الكتاب المقدس، كتابنا
وكتابكم ... وقلت للقس (واو) الذي أوصاني بشعب إسرائيل وقال لي: (عندما
تصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية فإن الله لن يسامحك أبداً إذا قصرت في
تأمين إسرائيل) ، قلت له: لن أنسى وصيتك بمشيئة الله؛ فإن القدس هي موطن
الكتاب المقدس وستظل إلى أبد الآبدين..
* هل يعني هذا أن القدس خرجت من خيارات التفاوض؟
أ. كمال: في الواقع أن القدس لم تدخل في خيارات التفاوض؛ وإنما الذي
جرى عبارة عن تكتيك لتمرير التهويد؛ فالمتابع لما يجري داخل القدس يومياً يكاد
يُفجع لما يجري لكل البنية الموجودة في القدس الشرقية من أجل تزييفها لتهويدها
بالكامل، وعلى سبيل المثال:
تغيير المناهج الدراسية العربية إلى مناهج إسرائيلية، وإلغاء الإشراف
الأردني عليها، وهو ما يعني تهويد التعليم رغم أن هذا المجال ظل مغلقاً تماماً في
وجههم.
سحب الهويات من المقدسيين بشكل يومي.
الاستيطان؛ وطبعاً مستوطنة أبي غنيم هي التي عرفنا بها وما خفي كثير،
وإلا فإن هناك أربع عشرة مستوطنة أخرى غيرها يجري إقامتها.
التضييق الدائم على التجار العرب عبر سلسلة من الإجراءات: ضرائب
تكسير محلات فرض حصار إجبار على الإغلاق..
الخروج عن حدود القدس القديمة؛ بحيث يجري توسيع حدود القدس الموحدة؛ وهذا طبعاً وأد لأي فكرة للتفاوض.
* إذن: تأخير المفاوضات بالنسبة للقدس كان مجرد لعبة سياسية لا أكثر!
د. حامد: الواقع أن إرجاء المفاوضات بشأن القدس للمرحلة النهائية حتى
تكون إسرائيل قد استكملت خطة تهويدها؛ وبذلك تضع العرب أمام الأمر الواقع!
ولنرجع إلى الوراء قليلاً فقد بادر بن جوريون عام ١٩٤٨م فور إعلان القدس
الغربية عاصمة لإسرائيل إلى إعمال السيطرة على الجزء الشرقي وتهويده؛ وقد
تمكنت إسرائيل على مدى العقود الثلاثة الأخيرة من تحويل ملكية أراضي القدس
الشرقية من ٩٠% في أيدي الفلسطينيين إلى ١٣%فقط، وارتفعت نسبة اليهود في
المدينة إلى ٧٢% مقابل ٢٨% للفلسطينيين.
وقد أقامت الحكومة الإسرائيلية ثلاثة أطواق متتالية من المستوطنات لعزلها
عن بقية الضفة الغربية يضم الخارجي منها ٣ مستوطنات كبرى، والأوسط
٧مستوطنات موزعة على شمال المدينة وجنوبها وشرقها، ويشمل الطوق الداخلي
المجمعات الاستيطانية القابعة في قلب مناطق سكن الفلسطينيين.
وببناء مستوطنة جبل أبي غنيم تتم الحلقة الأخيرة لإتمام السيطرة على القدس
وهي تنفذ مشروع شارون القديم ٢٦ بوابة حول القدس، وهذا يؤدي إلى الدمج التام
بين شطري القدس، وعزل الأحياء العربية، وإنجاز تطويق القدس بالحزام
الاستيطاني، واستكمال تهويدها.
* وما مستقبل المسجد الأقصى في ظل هذه الظروف؟
د: حامد: بالفعل يجري تنفيذ مخطط هدمه عبر أساليب مختلفة كان آخرها
إجراء حفريات بطول ٤٠٠ متر بزعم البحث عن قواعد الهيكل، وإنشاء نفق
طولي تحته يصل إلى بيت لحم بحذاء السور الجنوبي بهدف تقويض دعائم المسجد
وأعمدته.
د: جمال: أحجار الهيكل جاهزة ومرقمة في أمريكا، وتنتظر النقل، والعدو
بين آونة وأخرى يقوم باختلاق بعض المصادمات مثل الإساءة التي وجهت للنبي -
ﷺ وغيرها بقصد قياس ردة الفعل العربية الإسلامية.
وكون ردود الأفعال العربية ضعيفة ولا تتناسب مع فداحة ما يحدث؛ لأنه
جرى ترويض الأمة وتكبيلها بالأغلال عبر حملات من الإجراءات في الفترة
الماضية، واقترن ذلك بعملية غسيل للمخ العربي في مناهج التعليم، وتزوير
أحداث التاريخ؛ لذلك كله لا أستبعد محاولة هدمه لا سمح الله.
فماذا لو وقف ألف مليون مسلم في الشوارع لمدة يوم كامل وفي وقت واحد
يحملون لافتات تفيد أن القدس إسلامية وقد دُوّن على هذه اللافتات التاريخ الحقيقي
للقدس وقرارات الأمم المتحدة؛ مما يثبت حق المسلمين، ويكذب ادعاءات اليهود؛
وذلك كخطاب أخير للنظام العالمي الجديد؟
* إذن هل حسمت مسألة القدس في حس الأنظمة العربية لصالح إسرائيل؟
د. جمال: نعم، أظن ذلك.. وأذكر أن بيجن عند توقيع اتفاقية السلام أرسل
خطاباً إلى كارتر ضمن ملحقات الاتفاقية بأن الكنيست قد اتخذ قراراً باعتبار القدس
عاصمة موحدة لدولة إسرائيل فحوّله كارتر بدوره إلى السادات للعلم، وضمنوه في
ملحقات الاتفاقية.
إذن منذ اللحظة الأولى لتوقيع اتفاقية (كامب ديفيد) ومسألة القدس خارجة عن
طاولة المفاوضات؛ إنما الذي حدث أنه لم يمكن إعلان هذا القرار في ذلك الحين؛
لعدم تهيئة الرأي العام العربي والعالمي لهذا الأمر؛ ومن جهة أخرى لم تكن
إسرائيل قد تحركت بقوة في سبيل تهويد القدس؛ وهي عملية خداع كبيرة؛ فربما
رضوا بالإعلان عن أن القدس موضع مفاوضات إلا أن بناء المستوطنات مستمر،
والهجرة مستمرة، والاستعداد العسكري مستمر، وبالتالي فإن قضية فلسطين
تقلصت؛ فأصبحت المشكلة تتعلق بمستوطنة أبي غنيم بل تعدتها.. فهل تنتهي
المشكلة لو أوقفوا إقامة هذه المستوطنة وحلوا الأزمة؟ ! وهل تُحرر الأرض ويعود
الحق إلى أصحابه، وتنتهي الهجمة الشرسة؟ ! لا، لا نظن ذلك! !
لكن الموضوع هو مزيد من الوقت لتهيئة الرأي العام لتقبّل كأس السم جرعة
جرعة.
стр. 2571
في دائرة الضوء
ماذا وراء الاستنساخ؟ !
(٢ من٢)
خالد أبو الفتوح
استهل الكاتب الحلقة الأولى من المقال بإجابات عن عدة أسئلة طرحها في
بدايته: ما الاستنساخ؟ وماذا وراء الحملة المصاحبة له؟ وما أثر ردود الأفعال
التي تلت ذلك الإعلان؟ ثم صدر كلامه بشرح مفصل عن عملية التكاثر الجنسي
في الإنسان، ثم شرع في شرح ما حدث في عملية الاستنساخ، ثم استعرض تطور
المحاولات التجريبية القريبة من عملية استنساخ (دوللي) . ويواصل الكاتب بقية
الموضوع في هذه الحلقة.
- البيان -
ولكن هناك بعض المخاوف الحقيقية والآمال الواقعية التي قد تنشأ عن تقنية
الاستنساخ، فمن تلك المخاوف:
- القضاء على التوازن الفطري بين الكائنات، وقد أثبتت التجارب خطأ
العبث بهذا التوازن حتى في بعض حالات القضاء على كائنات ضارة لحساب
كائنات أخرى.
- إيقاف التطور الطبيعي في الكائنات الحية، هذا التطور الذي يحدث عن
طريق الطفرات الوراثية عبر الاختلافات التي تتوزع وتنعزل عن طريق الإنجاب
الطبيعي، ولكن الاستنساخ سيقف عند حدٍّ معين (يحدده القائمون عليه) ولا يتعداه.
- واستنساخ نسخ متطابقة ينطوي على خطر جعل الكائنات المتماثلة عرضة
لأمراض معدية واحدة أو لطفيلات قد تقضي مرة واحدة على جميع النسخ.
- ارتفاع النعرة العنصرية القومية والنبرة الجنسية النوعية: وذلك بمحاولة
أصحاب كل عنصر قومي استنساخ المزيد منهم (في حالة الوصول إلى استنساخ
البشر) والاستغناء عمن عداهم فضلاً عن محاولة القضاء عليهم، أما النبرة الجنسية
النوعية فقد عبرت عنها (عالمة) من العلماء بقولها: إنه لم تعد هناك حاجة لدور
ملح للرجل؛ فقد تبين علميّاً أن بإمكان أي امرأة أو حتى عذراء أن تنسخ طفلة منها
على نحو تكنولوجيا النعجة دوللي.. فإذا أضفنا إلى ذلك إمكانية نجاح تجارب
تجرى في بريطانيا لتحقيق فكرة الحمل خارج الرحم الذي قد يؤدي إلى استغناء
الشواذ عن دور المرأة.. لأدركنا أن الإنسان (المتحضر) يضع النوع البشري على
حافة التدمير.. فللعاقل أن يتخيل عالماً كله رجال أو عالماً كله نساء! ، ولنا أن
نتأمل: هل من حكمة الله أن جعل التكاثر والتناسل ناتجاً عن الشهوة البهيمية وليس
راجعاً إلى اختيار عقل الظلوم الجهول؟ .
- اختلال التنظيم الاجتماعي والأخلاقي: ففي عالم البشر المنسوخ لن يكون
هناك مجال للأمومة؛ لأنه ستحل محلها المؤسسات الحاضنة، كما سيصعد بقوة
الاتجاه الناشئ في الغرب حول الأسرة أحادية الأصل (أب فقط أو أم فقط) ، كما
ستنشأ مشاكل عديدة حول علاقة الطفل المستنسخ بمن حوله، فمثلاً إذا أرادت امرأة
متزوجة أن تستنسل نسخة منها، فهل ستكون هذه النسخة ابنة لها أم امتداداً لذاتها؟
فما علاقة زوج المرأة بهذه النسخة: هل سيعتبرها عندما تكبر امتداداً لزوجته
ويعاشرها كما يعاشر زوجته، أم سيكون في حكم المحَرْم لها؟ وما علاقة هذه
النسخة بأسرة المرأة؟ وإذا كبرت هذه الطفلة النسخة وأرادت حمل نسخة من توأمها
الذي فصل عنها وهي جنين، فهل ستعتبر أمّاً لأختها؟ ! بل ماذا لو أرادت هذه
النسخة أن تحمل نسخة أخرى من المرأة الأصل، فهل ستعتبر الطفلة المستنسخة
الجديدة أمّاً لها أم ابنة؟ ! ! .. أضف إلى ذلك: الصراع النفسي الرهيب لهذا
الطفل أو الطفلة المستنسخ عندما يجد نفسه في هذا المجتمع الممزق.. وهذا بالطبع
إذا تجنبنا الحديث عن المتاجرة بمثل هذا الطفل أو استعماله في استخدامات غير
أخلاقية أو غير إنسانية.
- ومن المخاوف أيضاً: إنتاج مسوخ وأجنة مشوهة أثناء تلك التجارب، فمن
يضمن ألا يؤدي هذا العبث بالخلية إلى مخلوقات غريبة ومشوهة؟ وهذا ما قد
يحدث بالفعل حالياً، ولكن يتم كتمانه، ولا يعلن عنه، ثم يكون مصير هذه المسوخ
سلة مهملات العلماء الذين لا يعبؤون بالأرواح.
ومن الآمال الواقعية:
- هذه التقنية تتيح للعلماء فرصة فهم طريقة عمل الجينات وكيفية تطورها
وتخصصها وتميزها ونشاطها في مرحلة التكوين الجنيني المختلفة.
- كما أن الاستنساخ يساعد على الوصول إلى فهم أدق للأمراض الوراثية
والتشوهات الجنينية، فعندما تجرى التجارب والاختبارات على حيوانات متميزة
وراثيّاً عن بعضها فالنتائج قد تأتي على أساس الاختلاف الوراثي للحيوانات وليس
على أساس ردود الفعل لما يتم اختباره، أما إذا حيّدنا هذا العامل وكانت الحيوانات
التي تجرى عليها التجارب نسخاً متطابقة فستصبح النتائج أكثر دقة، وينبني على
ذلك تحديد أفضل السبل لعلاج هذه الأمراض في الإنسان، إضافة إلى إنتاج عقاقير
دوائية باستخدام هذه التقنية.
- ومن الممكن استخدام هذه التقنية في الزراعة النسيجية أو في الإكثار
الحيواني من السلالات شديدة التميز، عن طريق إنتاج كميات كبيرة من هذه
السلالات المتميزة بلحومها وحليبها وصوفها بأسعار زهيدة، وهذا بالطبع إذا ثبت
أن هذه التطبيقات لا تؤثر بالسلب على الإنسان عند استهلاك منتجاتها، فلا بد من
دراسة الآثار بعيدة المدى لهذه التطبيقات.
كما يمكن بهذه التقنية الإكثار من الفصائل النادرة المهددة بالانقراض التي
تعاني صعوبة التكاثر الجنسي وقلة النسل.
- من الممكن أن يفتح الاستنساخ الباب أمام فهم حقائق الشيخوخة واكتشاف
الهفوات والأعطاب الوراثية البسيطة التي تتراكم مع تقدم الإنسان في السن فتظهر
عليه علامات الشيخوخة، وكذا فهم أدق لأمراض خطيرة، كالسرطان.
العلم في خدمة الشيطنة:
فكثيراً ما يظهر أنه ما تزال تقرع أذن ابن آدم العبارة التي ألقاها الشيطان إلى
أبي البشر: -[هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ] [طه: ١٢٠] ، وهنا تظهر رغبة
الإنسان في ذلك الخلد من خلال محاولته إيجاد امتداد لذاته عبر محاولة استنساخ
نفسه، ومن خلال محاولته القضاء على الشيخوخة التي يعتبرها مقدمات نهايته..
وبالطبع لا ضير من محاولة تحسين صحة الإنسان، ولكن لا يظهر أن الصحة فقط
هي التي تشغل ذهنه، بل أيضاً: الهرب من الموت أو البحث عن الخلود.
وأيضاً: من الممكن النظر إلى بعض تطبيقات هذه التقنيات على أنها تطوير
لمبدأ [وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ] [النساء: ١١٩] ، فلم ترد صيغة [وَلآمُرَنُّهُمْ] في القرآن إلا في هذا الموضع وموضع آخر قبله مباشرة يتعلق أيضاً بتغيير
الخِلقة [وَلآمُرَنُّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ] [النساء: ١١٩] ، وهي صيغة تحمل من
علامات التوكيد: لام التوكيد، ونون التوكيد المشددة، إضافة إلى الفعل المضارع
(آمر) الذي هو أوكد درجات الطلب.. وكل ذلك يدل على مدى الإصرار الشيطاني
في تغيير الخِلقة.. وإذا كانت الاستجابة لهذا الأمر من بعض بني آدم بدأت بصور
بسيطة كقطع الأذن والأنف والأطراف، وكالإخصاء والوشم وتفليج الأسنان
والنمص ... فإنها تتطور اليوم وتأخذ بعداً جديداً معقداً يتناسب مع تقدم العلم! الذي
يحاول أن ينتج الآن نعجة آدمية! ! وغيرها من تجارب العبث العلمي التي تحاول
(إنتاج حيوانات لها بعض الصفات التي تنتمي إلى حيوانات أخرى، أو حتى
صفات إنسانية، ولقد تمكنا بهذه الوسيلة من إنتاج فئران معدلة وراثيّاً، كذلك
الخراف، وحيوانات أخرى) بنص كلام الدكتور (هاري جريفن) [١] .
ومن أجلّ الخدمات التي تقدمها التقنية الجديدة للشيطنة: محاولة تعويض
النقص الحادث نتيجة تدمير الأسرة وتزيين قيام (أسرة) الشواذ، فالشيطان الذي
يعمل دوماً على هدم كيان اللبنة الأساس للمجتمع الإنساني قطع أشواطاً في تحقيق
هذا الهدف في الغرب، فترنحت الأسرة الطبيعية وتفككت، وظهرت الأسرة أحادية
الأصل وأسر الشواذ (رجل ورجل أو امرأة وامرأة) .. والآن يمكِّن العلم هؤلاء من
التمتع بشطر زينة الحياة الدنيا (البنون) مع الإبقاء على شذوذهم الجنسي
والاجتماعي.
إلى أين تأخذنا الحضارة الغربية؟ :
تجنح الحضارة الغربية إلى الفردية والذاتية بمنهج أعمى، فمن الملاجئ
والمحاضن التي يلقى فيها الأطفال، إلى دور المسنين التي يلقى فيها الشيوخ الذين
تقطعت بهم سبل الحياة، وعبر الاهتمام بتحقيق أقصى درجات اللذة والمتعة الحسية
مهما كان ثمنها، وبواسطة الاستغلال السيئ للتقنيات الحديثة (الكمبيوتر
الإنترنت..) التي تستغرق هذا الفرد وتعزله داخل ذاته بدون الحاجة إلى أسرة.. نجد هذا الإنسان الذي يصفونه بأنه حيوان اجتماعي يقترب من الحيوانية بقدر ابتعاده عن الاجتماعية، وفي هذا المناخ يكون الحديث عن فرد مستنسخ يعيش منقطعاً عن المجتمع أمراً مطروحاً عندهم.
والحضارة الغربية هي التي رفعت راية التشكيك في أصل الإنسان، رفعتها
عندما لوحت تحت ستار العلم أيضاً بنظرية داروين حول نشأة الإنسان الأولى،
ويريد المغرضون الآن من خلال النعجة (دوللي) التشكيك في نشأته الثانية.
والحضارة الغربية قامت على فكرة الصراع بين الإنسان والطبيعة (وليس
الانسجام بينهما) ، وعلى توهم أنهم في تخريبهم للتوازن الفطري في الأرض إنما
يعيدون ترتيب الطبيعة لإصلاحها والاستفادة منها، بينما الشواهد تشير إلى أن ما
يحدث هو أكبر إفساد في الأرض بيد الإنسان.
والحضارة الغربية عندما فصلت الدين عن كل شيء والعلم من ذلك جعلت
الأخلاق تابعة للعلم، فأصبحت التجارب تسير بغير هدى، وفُقدت الثقة في هدف
هذه التجارب ومآلها؛ فليست المتاجرة بالآمال وتحقيق النزوات والتكسب من
الممارسات غير الأخلاقية ببعيد عن الاستنساخ، ولا توجد ضمانة واحدة لعدم
استخدام مثل هذه التجارب لتحقيق تلك الأغراض، كما لا نستطيع الثقة بالوعود
الأخلاقية لمثل هؤلاء العلماء؛ فالدكتور (ويلموت) الذي صرح لجريدة (الجارديان)
البريطانية عند سؤاله عن الفترة الزمنية المتوقعة لاستنساخ الإنسان.. بأنه يأمل ألا
يحصل ذلك أبداً، ولا يوجد سبب مقنع لذلك.. هو نفسه الذي نفى قبل عام شروعه
في أبحاث الاستنساخ؛ فقد سأله مراسل مجلة (الشبيجل) الألمانية: ولكنكم يا سيدي
أعلنتم قبل سنة من الآن أنكم أقسمتم بالأيمان المغلظة أنكم لم ولن تمضوا في رحلة
الاستنساخ التي نراها قد ولدت أمام أعيننا! ! .. فأجابه الدكتور (ويلموت) : هذا
صحيح، ولكننا أردنا بذلك صرف نظر الآخرين، حتى لا ندخل معهم في ماراثون
بيولوجي، فأنجزناه بكثير من الهدوء والدقة والنضج والنجاح، ألا ترى أننا كنا
محقين بذلك؟ ! [٢] فإلى أين تأخذنا حضارة المعامل الغربية؟ ! .
العلم الإنساني بين النسبية والتقديس:
هناك من يريدون منا التسليم لكل ما يخرج من المعامل والمختبرات والسير
خلفه على أنه (سائبة) لا ينبغي التعرض لها ولا توجيهها ولا لومها، وهذا ما يلحّ
عليه مراراً الدكتور (خالص جلبي) ، حيث يكرر على سبيل المثال النص التالي في
حلقتين متتابعتين (٢ ٣) حول الاستنساخ [٣] : (لا حدود للبحث العلمي، ولا يمكن
محاصرته؛ فطبيعته تقدمية، ولا خوف من التفكير! ، لأن أعظم ما في الإنسان
جهاز التفكير، فالتفكير قاعدة الإيمان وأداته المعرفية، لشق الطريق إلى فضاءات
معرفية لا نهائية، ولكن الخوف كل الخوف من إغلاق العقل، ومصادرة الفكر،
وممارسة الإرهاب عليه، ولا حاجة لإعلان الوصاية الأخلاقية على العلم، فهو
يمشي بقوته الأخلاقية الذاتية، فيحور ويحرر الإنسان والعالم..) .
وإرهاب الدكتور (خالص) للمخالفين له بعبارة (.. ومصادرة الفكر،
وممارسة الإرهاب عليه..) لن يمنعنا من مناقشة كلامه؛ فأي فكر يقصد الدكتور
(خالص) أن لا خوف منه، ويخاف من مصادرته؟ هل هو مطلق التفكير أم أن
لذلك حدوداً؟ أليست الوجودية والشيوعية والصهيونية فكراً؟ بل أليس للإرهاب
فكر؟ ! وما معنى (لا حدود للبحث العلمي) ؟ ! .. إن الغرب عندما فصل الدين عن
كل شيء كان مما فصله عنه: العلم، فأصبح (لا حاجة لإعلان الوصاية الأخلاقية
على العلم) ! ..
إننا بوصفنا مسلمين نؤمن أن دين الله يهمين على كل شيء في الحياة ويوجهه
[قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] [الأنعام: ١٦٢] ،
[وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] ، ونؤمن أن الشرع
الصحيح يوافق دوماً العقل الصريح.. ولكن ما هو الموقف إذا تناقض الشرع
(الصحيح) مع ما يُظن أنه عقل صريح؟ .. إن غير المسلم لا يعبأ بما ورد في
الشرع؛ لأنه غير مؤمن به أصلاً، أما المسلم فإنه يثق في كلام الله المنزل بعلمه
ولا يمضي خلف ما يظنه الظانون علماً ولو كان خارجاً من معامل التجارب، فعندما
نعلم مثلاً من كلام الله (جل وعلا) عن أصل الإنسان: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن
سُلالَةٍ مِّن طِينٍ] [المؤمنون: ١٢] ، [وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن
صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ] [الحجر: ٢٨] .. إلى غير ذلك من الآيات الصريحة،
ثم تأتي نظرية داروين التي يعوزها البرهان العلمي الدقيق، والتي طالما نوّه
الدكتور (خالص) بمضمونها وبصاحبها لتقول لنا إن الإنسان ناسئ عن تطور
مخلوقات أخرى وارتقائها.. فإن موقف المسلم هو إهدار تلك النظرية وتكذيبها بلا
تردد ولا وجل من وصم دعاة تقديس العلم له بالتحجر والتخلف ومصادرة الفكر،
معلناً [قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ] [يونس: ١٨]
وهذا يدعونا إلى إلقاء نظرة حول حقيقة مسيرة الإنسان العلمية التي يسعى
فيها لتحقيق ما يراه مصلحته ورفاهته؛ فالإنسان في لهثه العلمي إنما هو في سباق
لاكتشاف جهله: جهله بعالم المجهول (مجهول الزمان والمكان والكم والكيف) الذي
يطرقه فتنكشف له حقائق كانت حاضرة ولا يشاهدها..، وجهله الذي يراه عندما
يكتشف مخاطر ومضاعفات وخطأ ما ظنه سابقاً إنجازات علمية هائلة، والتي كانت
غائبة عنه حينما [ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا] [يونس: ٢٤] ، يحاول الإنسان
اختراق هذا المجهول عن طريق التجربة الحسية، والحفريات والتوثيق، والتأمل
والتحليل، والاستقراء والإحصاء، وأحياناً عن طريق الحدس والتوهم.. والمسلم
يستفيد بما صلح من ذلك كله إضافة إلى وسيلة لا ينتفع بها غيره، ألا وهي العلم
بالغيب الذي يخبره به الرسول..
فإذا كان الأمر كذلك فإن المسلم لا يحجر على العلم الإنساني ولكنه لا ينساق
خلفه انسياقاً أعمى، بل يضعه في موضعه الصحيح: أن نسبته مهما بلغ إلى علم
الله: [وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً] [الإسراء: ٨٥] ، [وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ
عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ] [البقرة: ٢٥٥] ، [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ٢٣٢] ، وأن مصدر هذا العلم في النهاية من الله: [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ] [البقرة: ٢٨٢] ، [وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ١٥١] ، [عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] [العلق: ٥] .. ويبقى العلم الحقيقي الشامل الذي لا يُنقض ولا تشوبه آفة الجهل السابق أو الآني أو اللاحق.. هو علم الله: [ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أََنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأََرْضِ وَأََنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] [المائدة: ٩٧] ،
[عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ... ] [المؤمنون: ٩٢] ، [يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ] ...
[البقرة: ٢٥٥] ، [وَمَا يَعْلَمُ تَاًوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ] [آل عمران: ٧] ، ولكن الإنسان
عندما يغفل عن حقيقة علمه فإنه يمضي بطراً ببعض إنجازاته التي يظن أنها لا
يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ينظر إلى مسيرته الماضية فيراها
ظلمات وجهالات، يتعجب من جهل من سبقوه وينتشي بما وصل إليه من هذه
الإنجازات، ثم يأتي مَن بعده ويتقدم قليلاً في طريق محو الجهل، فيحقق إنجازات
أخرى تبطل الإنجازات السابقة التي ينظر إليها من جديد فيراها ضرباً من العبث!.. وهكذا دواليك تسير مسيرة التقدم الإنساني.. فإذا تناولنا أبسط الأمثلة ممثلاً في
الطعام الذي يطعمه الإنسان المعاصر نجد أن اكتشاف المبيدات الحشرية الكيماوية
في الزراعة والمواد الحافظة في صناعة الطعام المعلب كان إنجازاً مهمّاً.. والآن
يُنظر إليها على أنها سموم تسري في جسد الإنسان عبر الطعام.. ومؤخراً أعلن
علماء بريطانيون أنهم يخشون من أن العسل المصنع من تطوير لقاحات نباتية
جديدة عن طريق الهندسة الوراثية قد يشكل خطراً على صحة الإنسان [٤] .. وفي
السابق كان اكتشاف معدن الألومنيوم وتطويعه في صناعات شتى ومنها أواني
الطعام يعد إنجازاً مهمّاً، وبعد ذلك اكتشفوا دلائل على خطورة طهو الطعام في
الأواني الألمونية؛ لدخول ذراتها الصغيرة في جسم الإنسان مختلطة بالطعام مما
ينتج عنه مشكلة التسمم الألموني.. وجنون البقر البريطاني ثبت أنه نتيجة تلاعب
العلماء بفطرة الحيوانات النباتية، حيث دأبوا منذ أكثر من ٧٠ عاماً على إطعام
حيوانات التسمين النباتية أعلافاً تحتوي على بقايا فضلات حيوانات أخرى ميتة؛
رغبة في الربح السريع.. وثقب الأوزون المزعوم الذي يهدد الأرض ومن عليها،
هل كان إلا نتيجة مخلفات بعض المبتكرات الصناعية المتقدمة ... وليس ببعيد عن
موضوعنا الأدوية ذات الآثار الجانبية التي قد يؤدي بعضها إلى السرطان (عافانا
الله وإياكم) ، وتكنولوجيا صناعة السلاح والمخدرات.
وحتى ولادة (دوللي) ما هي إلا إحدى تغيرات المفاهيم في علم البيولوجيا الذي
شهد فيما لا يزيد عن القرن تغييرات متسارعة، يخطئ اللاحق فيها السابق أو يزيل
عنه جهالته.
ويمكننا تلخيص المقصود فيما سبق بما قاله (تاوته تشنج) : (إن إنجازات
الإنسان التكنولوجية والتنظيمية إنما هي شَرَك لاصطياده) ، ويعبر عن ذلك أيضاً
(مارك أوزيون) بقوله: (حالما ينطلق التقدم فلن يوقفه أحد، وهذا التقدم ذو الأوجه
المتعددة لا يكف بالوقت نفسه عن تعقيد الحياة) [٥] .
وبالطبع فليس المقصد من عرض ما سبق إيقاف عجلة التقدم والبحث ولا
الرجوع بها إلى الوراء، ولكن المقصد: أن يوضع علم الإنسان في موقعه؛ حتى
لا نرى ذا العقل الرشيد منبهراً بالأحداث الجزئية التي قد تُنْقَض بعد حين.. وأن
يخرج الإنسان من حالة [فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ العِلْمِ] (غافر: ٨٣) التي تقود إلى
حالة [وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا] [يونس: ٢٤] التي تكون عاقبتها [أَتَاهَا
أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ] [يونس: ٢٤] ..
عندما يأتي الدجال (أعاذنا الله من فتنته) يكون معه ماء ونار، وقد أمرنا
رسول الله ﷺ أن نكذب حواسنا ونلقي بأنفسنا في النار؛ فإنها
ماء بارد.. أما الذي يقدم بين يدي العلم النبوي فإنه يتبع الدجال ويلقي نفسه في
النار يظنها الماء الزلال..!
موقف علماء الشريعة:
تباينت مواقف علماء الشريعة من الاستنساخ تبايناً قد يعبر عن واقع الأمة؛
فهناك طائفة تحدثت بتوازن وهدوء بعد أن استوعبت ما وصلها من معلومات حول
هذا الموضوع، وطائفة أخرى توقفت عن الحديث في الموضوع من أصله إلى أن
تتضح الأمور..
ولكن هناك طائفة أخرى ليست قليلة تسرعت في الحديث حول الموضوع
بغير رويّة ولا دراسة، وجاءت ردود أفعال بعضهم مشوبة بشيء من الانفعال،
معلنة أن الناس تكاثروا على وجه الأرض حتى كادت تضيق الأرض بأهلها، وأننا
لسنا في حاجة إلى مثل تلك التجارب! ! ، وأن من يقومون بهذه التجارب إنما
يفعلون ذلك للتسلية! ! .. إلى غير ذلك من الأقوال والاستدلالات التي لم يقف
فهمي القاصر على وجه دلالتها في الموضوع، مثل قوله (تعالى) : -[وَالْبَلَدُ
الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِداً] [الأعراف: ٥٨] ،
وما روي عن عمر ﵁ أنه قال: (المرأة الحمقاء لاتلد إلا أحمق) ! !.. متخيلين أنهم بذلك يدفعون عن حمى العقيدة من يحاول استلاب صفة الخلق من
الله! ! .
ولكن ما يعنينا هنا هو النظر إلى طريقة المعالجة:
فتسرع العلماء بالرفض أو القبول يذكرنا بموقف آخرين عندما ظهرت تجربة
طفل الأنابيب، ثم بعدما اتضحت الأمور واستقرت هدأت الاجتهادات أو كادت.
كما إن الانفعال في الرفض غير المبرر أو القبول غير المقنع يحمل في طياته
علامات الانهزام النفسي والحضاري:
يظهر هذا الانهزام في مجرد المقارنة بين الله (جلا وعلا) وأحد خلقه في أمرٍ
لم يدّعِ أحد من المشركين القيام به ولا إسناده إلى شركائهم، وحتى أصحاب (دوللي)
لم يدعوا خلقها، فهذه المقارنة تنزل من قدر الله (جلا وعلا) بقدر ما ترفع من قدر
المخلوق، حتى وإن انتصر في النهاية لله ، وفي مثل هذه المقارنة يقول
الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
وقال آخر:
إذا أنت فضلت ام رءاً ذا براعة ... على ناقص كان المديح من النقص
ويظهر أيضاً في الرفض المطلق ومحاولة إغلاق باب الحوار حول
الموضوع، فهذا المسلك يشي بأن الرافض يخشى مناقشة الموضوع نتيجة ضعفه،
وأنه يخفي عورة منهجه بدفن رأسه في الرمال.
كما يظهر أيضاً في القبول غير الحذر المصحوب بتعليق لافتة (الإسلام دين
العلم والتطور) .. وهو بالطبع كذلك، ولكن بعض المتحدثين يتحدث وكأنه تسيطر
عليه عقدة اضطهاد الكنيسة لجاليليو، وهذا هو المسلك نفسه الذي يتبعه بعضهم عند
الحديث عن سماحة الشريعة وعدالتها وإنصافها للمرأة، ثم محاولة إظهار توافقها مع
أصول القوانين الغربية، أو تلفيق الشورى مع الديمقراطية والعدالة الإسلامية مع
الاشتراكية ...
وأخيراً يظهر في محاولة الاختباء خلف بابا الكاثوليك وكلينتون والمؤسسات
الغربية، وإبراز أن المسلمين ليسوا وحدهم الذين يحذرون من الاستنساخ، كقول
أحدهم: (والعالم الغربي حرم هذا تحريماً قاطعاً، ونحن أولى بالتحريم) ، وقول
الآخر: (إنه من حسن الطالع! أن الذين لا يدينون بالإسلام لا يتفقون مع
الاستنساخ الجيني بشكل عام فضلاً عن الاستنساخ الجيني للبشر) .. فكأن ليس
لعلماء المسلمين الأهلية وحدهم أن يقولوا رأيهم ويعلنوه لو كان مخالفاً للآخرين.
стр. 2572
المسلمون والعالم
بعد مرور مئة عام على المؤتمر الأول لدهاة هيون؟
دولة اليهود بين العجز والإعجاز
بقلم: عبد العزيز كامل
(لو أردت أن اختصر مؤتمر بازل في كلمة واحدة، لقلت: في بازل أسست
الدولة الصهيونية، إن العالم سيرى بعد خمسين سنة على وجه التأكيد هذه الدولة) .
هذا ما سطره مؤسس الصهيونية الحديثة بقلمه في مذكراته قبل نحو قرن من
الزمان تعليقاً على المؤتمر الأول لقادة اليهود، الذي انعقد في مدينة بازل بسويسرا
سنة ١٨٩٧م، وذلك في الجزء الثاني من مذكراته وبالتحديد في صفحة (٥٨١) .
فهل كان هرتزل من المتنبئين بالغيب، الذين كشفت لهم أسراره وأستاره
عندما بشر بقيام دولة اليهود بعد خمسين عاماً؟ .. لا.. لا! .
إنه في رأيي لم يكن أكثر من لص، أسس عصابة للسطو على بيت مأهول
وسط قرية كبيرة، عبر طريق وعر طويل، فظل هو وعصابته يتحسبون لأخطار
الطريق، وعقبات الوصول، واحتمالات التصدي، وتوقعات الثأر والانتصار؛
ففوجئوا جميعاً بسرعة الوصول وإنجاز المأمول، بسبب واحد، وهو: أن الطريق
خلت من الشرطة، والقرية افتقرت إلى الساهرين، وأهل البيت كانوا نائمين؛ فمن
يصدق أن مقولة هرتزل تحققت قولاً وعملاً في موعدها المحدد؟ !
إن مؤتمر بازل هذا انعقد في الفترة ما بين ٢٩ ٣١ أغسطس عام ١٨٩٧م،
وبالفعل، لم تنقضِ الأعوام الخمسون بعدها حتى أُعلِنَت دولة اليهود في مايو
١٩٤٨م.
وها نحن نعيش زمن انقضاء الخمسين الثانية بعد استيلاء العصابة على البيت، وبعد أن أعلنوا عن سكناه وملكيته إلى الأبد؛ رغم أنف كل أهل القرية!
وها هي الأجيال تلو الأجيال من العصابة تتوارث الإصرار على النجاح
والانتصار بالعمل، وها هي أيضاً الأجيال تلو الأجيال من أهل القرية تتوارث
التواصي بالأمل بالعودة.. الأمل بالتحرير.. الأمل بالنصر، مجرد أمل مع قليل
من العمل حتى صاح فيهم متكلموهم أخيراً: لا داعي للأمل! بل لا داعي للعمل!!
هل يقال بعد ذلك: إن هرتزل تنبأ (بمعجزة) إنشاء دولة (إسرائيل) ؟
إنني أقول: إن تلك لو كانت (معجزة) لما كان السبب فيها (إعجاز) العقل
اليهودي المستهدي بالتوراة وبرؤى الأنبياء كما يرددون ويكررون بقدر ما كان
السبب هو (عجز) العقل العربي بعد أن أريد عزله عن هدي النبوة ووحي السماء،
نعم! لقد صادف التفاف اليهود حول باطلهم التفات قومنا عن الحق الذي معهم،
وتوافق إقبالهم على دينهم، مع الإدبار عن ديننا!
كثيراً ما حاولنا تجاهل هذه الحقيقة، فرددنا مراراً: أن زعماء اليهود، بدءاً
من هرتزل، وحتى بن جوريون وبيجن ورابين (علمانيون) لا صلة لهم بعقائد
التوراة، ولا تأويلات التلمود!
أتدري أيها القارئ ما الحدث الذي أوجد فكرة (الدولة اليهودية) عند هرتزل
قبل مائة عام؟ اسمع ذلك منه، يقول متحدثاً في مذكراته عن رؤيا رآها: (ظهر
لي المسيح (الملك) على صورة رجل مسن في مظهر العظمة والوقار، فطوقني
بذراعيه، وحملني بعيداً على أجنحة الريح ... والتقينا على إحدى تلك الغيوم
القزحية بصورة موسى، فالتفت المسيح إلى موسى مخاطباً إياه: من أجل هذا
الصبي كنت أصلي) ، إلا أنه قال لي: اذهب وأعلن لليهود بأنني سوف آتي عما
قريب لأجترح المعجزات الكبيرة، وأسدي الأعمال العظيمة لشعبي وللعالم) .
ونحن نعرف أن عقيدة (المسيح المنتظر) محور يدور حوله المسلسل التاريخي
اليهودي القديم والمعاصر، وهي عقيدة لا يستطيع أحد أن يدعي أنها فكرة علمانية!
وفي الصفحة الأولى من يومياته، نجد هرتزل يتحدث عن (الأرض الموعودة)
التي اتخذها عنواناً لرواية عقد العزم على كتابتها، وهي التي قرر بعد ذلك أن
يترجمها إلى برنامج عملي. أما كيف دفعته تلك الأحلام والعقائد إلى السير في
طريق إكمال البرنامج فيقول: (شُغلت لمدة خلت بعمل لا حدّ لعظمته، ولا أعرف
الآن ما إذا كنت سأمضي به حتى النهاية، يتراءى لي كحلم جبار، لكنه استحوذ
عليّ أياماً وأسابيع إلى ما وراء حدود الوعي، يرافقني أنى توجهت، ويرفرف فوق
حديثي اليومي، ثم يتطلع من خلف ظهري إلى عملي الصحفي التافه لدرجة
السخرية، يزعجني ويسكرني، من السابق لأوانه الظن بما سيؤول إليه أمره، لكن
تجاربي قد علمتني أنه حتى ولو كان حلماً، فهو شيء عظيم) ! (يوميات هرتزل
ج ١ ص٣) .
لقد تجاوز هرتزل مجاراة النفس مع الأحلام بوصفها أحلاماً، ولكنه أيقظ تلك
الأحلام من سبات ألفي عام، وشرع ينظم وينسق الأفكار المتعلقة بالآلام وآمال
اليهود لكي يصل إلى عرضها على شكل مشروع (حل) أمام كبار المتمولين اليهود،
أمثال البارون (دي هيرش) ومجلس إدارة أسرة (روتشيلد) ، ولم يكن اليهود يملكون
في ذلك الوقت إلا المال، الذي كانوا لا يدرون ماذا يفعلون به!
وعبر عامين كان يصيد فيها الأفكار من فضاء الخواطر، تبلورت الفكرة في
رأس هرتزل ودوّنها في كراسة، صارت بعد ذلك كتاباً باسم (الدولة اليهودية) وكان
ذلك عام ١٨٩٦م، ووصف ما دوّنه بأنه (محاولة لإيجاد حل عصري للمسألة
اليهودية) وبعد ذلك بعام، جمع هرتزل أساطين اليهودية في العالم لمناقشة أفكاره،
وكان المؤتمر الأول في مدينة بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م، الذي استمر في الانعقاد
بشكل دوري، حتى يومنا هذا.
لقد تمكن الأب الروحي لليهود المعاصرين (تيودور هرتزل) من استقطاب
مختلف الاتجاهات والتيارات الصهيونية السائدة بين يهود العالم في ذلك الوقت،
لكي يجمعهم على هدف واحد لا يختلفون عليه ولا ينفضّون من حوله وهو: إعادة
اليهودية إلى المجد من خلال دولة، ولكن أي دولة؟ ! قال هرتزل: (إن الشعار
الذي يجب أن نرفعه هو: دولة داود وسليمان) !
ولم تكن هناك دولة لداود وسليمان ﵉ إلا في فلسطين، ولكن
(فلسطين) كانت تطلق على مساحة تفوق بكثير حدود فلسطين المعروفة الآن
جغرافياً، لتشمل جميع الأراضي اللبنانية والسورية والأردنية وبعض الأراضي
العراقية والمصرية، وأراضي من شمال الجزيرة العربية، وهذه الأراضي في
جملتها هي ما اصطلحت برامج التوسع اليهودي على تسميته بـ (إسرائيل الكبرى) ، الذي حددته نصوص العهد القديم بأرض الميعاد، من النيل إلى الفرات.
والذي يعنينا هنا، أن المؤتمر الصهيوني الأول الذي دعا إليه هرتزل، حدد
هدف الصهيونية القديم في عبارة معاصرة وهو: (إيجاد وطن للشعب اليهودي
يضمنه القانون الدولي العام) .
أما الوسائل التي اعتبرها المؤتمر الصهيوني كفيلة بتحقيق ذلك الهدف فهي:
أولاً: تعمير كل ما يمكن من الأراضي الفلسطينية بسكانٍ يهود مستقرين، من
عمال وزراعيين وصناعيين، لإنشاء أجيال تتشبث بالأرض، ويستحيل اقتلاعها
أو إجلاؤها.
ثانياً: تشجيع وتنظيم هجرة اليهود في العالم إلى أرض فلسطين لتكثيف
الوجود اليهودي فيها، وربط هذه الهجرة بمنظمات محلية ودولية.
ثالثاً: بعث الشخصية اليهودية، بما ينبغي أن تحمله من مشاعر وعقائد
وشعائر وتقاليد على المستوى الفردي والجماعي، وذلك بإحياء ما اندرس من تراث
الديانة اليهودية نظرياً وعملياً.
رابعاً: العمل على ضمان موافقة القوى الدولية على إنشاء هذا الكيان عند
تهيؤ الفرصة لإعلانة.
ولم يضيّع اليهود الوقت في التشاغل بالخلافات رغم تشعبها بينهم في كل
العصور ولكنهم تخطوا الدعوة إلى ما تتحد عليه القلوب، إلى السير خلف ما تحتمه
العقول.
ولم يكد يمضي وقت طويل بعد انعقاد المؤتمر الأول، حتى كانت المساعي
اليهودية الجماعية نحو الهدف والشعار، تتحرك في خطوات وئيدة، لكن نتائجها
أكيدة، وإذا أرض (داود وسليمان) تبرز إلى الوجود تحت اسم نبي ثالث هو يعقوب
أو (إسرائيل) !
ولنلق الآن نظرة على السنوات التي أعقبت المؤتمر الأول، وكيف سارت
الأمور فيها، لنرى العلاقة بين (الأمل) و (العمل) عند اليهود في عصورهم الأخيرة، ولنقارن بعد ذلك بينها وبين العلاقة بين (الأمل) و (العمل) عندنا نحن المسلمين
في عصورنا المتأخرة.
* في عام ١٨٩٨م أي في العام التالي للمؤتمر الأول وحّد هرتزل الجماعات
اليهودية ولمّ شعثها في كيان واحد، واستطاع كسب تأييدها لمشروعه، وتمكن من
رص صفوفها خلف برنامجه.
* في عام ١٨٩٩م، تم تأسيس المصرف اليهودي، الذي كُلّف بمهمة تمويل
نشاطات الاستيطان في فلسطين، وتأمين الخدمات المالية التي تحتاجها الحركة
الصهيونية الموحدة.
* في عام ١٩٠١م، تأسس (الصندوق القومي اليهودي) ليكون مسؤولاً عن
شراء الأراضي في فلسطين من أصحابها العرب لتمليكها لليهود.
* في عام ١٩٠٣م قرر المؤتمر الصهيوني تركيز جهود الحركة اليهودية
العالمية على أرض فلسطين وحدها، دون تشتيت الجهود في أماكن أخرى في العالم، اقتُرحت على اليهود لتأسيس دولة لهم فيها كأوغندا أو العريش.
* في عام ١٩٠٧م قرر المؤتمر الصهيوني السادس أن يتولى بنفسه مهمة
مباشرة النشاط الاستيطاني الاستعماري في أرض فلسطين، وشكّل من أجل هذا
شركة تعمل كفرع من فروع (المصرف القومي اليهودي) .
* في عام ١٩٠٨م، أطلق أحد الاقتصاديين اليهود شعار: (التغلغل
الاقتصادي) ووضع برنامجاً لتنفيذه باعتبار أن الاقتصاد هو المحرك الفعال للسياسة، إذا أُحسِن استغلاله.
* في عام ١٩١٣م قررت الحركة الصهيونية إنشاء (الجامعة العبرية) في
فلسطين، لتتولى مشروع البعث الديني اليهودي بشكل أكاديمي منظم يضمن تنشئة
الكوادر المخلصة للمبادئ الصهيونية.
* في عام ١٩١٤م، نشبت الحرب العالمية الأولى، فكانت نقطة انطلاق
جديد للحركة الصهيونية ومؤتمراتها، حاولت من خلالها السعي للحصول على
كسب التأييد الدولي للقضية اليهودية؛ نظراً لما حدث خلال هذه الحرب من تعرض
قطاعات من اليهود للإبادة في أفران الغاز على يد الزعيم الألماني الحانق على
اليهود (أدولف هتلر) .
* في عام ١٩١٧م، أثمرت جهود المؤتمرين اليهود في الوصول إلى
استصدار (وعد بلفور) الذي أعطت بريطانيا بمقتضاه الحق القانوني لليهود بإنشاء
وطن قومي لهم في فلسطين، وقد كانت هذه مرحلة فاصلة في تاريخ اليهود
المعاصر، حتى إن أحد الصهيونيين المعاصرين [١] ، حدد تاريخ الصهيونية في
مراحل محددة فقال: (إذا أمعنا النظر، نرى أن تاريخ الصهيونية ينقسم إلى أربعة
أزمنة مختلفة: الأول: زمن التوراة، والثاني: الزمن السابق لهرتزل، والثالث:
الزمن المعاصر لهرتزل، والرابع: الزمن التالي لتصريح بلفور) .
وتتسلسل القصة بعد ذلك بما هو معروف بعد وعد بلفور؛ حيث وجد اليهود
في هذا الوعد فرصة تاريخية حقيقية سنحت لهم للمرة الأولى منذ أكثر من ألفي عام
لكي يحققوا ما بشرهم به نبيهم الكذاب (تيودور هرتزل) !
لقد حقق اليهود خلال المئة عام المنصرمة كثيراً من أحلامهم التي كانت كما
يقول الشاعر: حلماً فخاطراً فاحتمالاً، ثم أضحت حقيقة لا خيالاً، ولكن هل خلت
مخيلاتهم من الأحلام المستقبلية الآن؟ ! وهل توقفت أطماعهم عند هذا الحد من
العلو فقالوا: كفى؟ ! . أبداً، فما تزال جعبتهم ملأى بالأطماع، وما تزال الأهداف
أمامهم ينتظر كل منها سهمه في تراخٍينا وخمولنا؛ والذي أريد قوله: إن الصراع
الذي استمر قرناً ولا يزال مستمراً؛ مرشح للاستمرار عهوداً وعقوداً أخرى؛ فماذا
يا ترى دبر اليهود لمئة عام أخرى قادمة..؟ ! وماذا يا ترى أعددنا نحن المسلمين
لمواجهتهم ولو لعشر أعوام قادمة؟
بقي أن أشير إلى أن البرنامج المفصل لإفساد العالم على يد اليهود، والذي
اشتهر باسم: (بروتوكولات حكماء صهيون) كان قد بدأ في وضعه منذ المؤتمر
الأول لفيف من عتاة زعماء اليهود، يمثلون خمسين جمعية يهودية، ولم يكونوا
يخططون فقط للسيطرة على فلسطين، بل كانوا يخططون للسيطرة على العالم
منطلقين منها، ومن (أورشليم) لتثبيت عرش الحكومة العالمية برئاسة ملك من نسل
داود ومن هناك وعبر وسائل ووسائط سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية، يستغل
اليهود فيها جهود غير اليهود ويوظفونها لمصلحتهم هم، جاء في البروتوكول الثالث: (وحينما يأتي أوان تتويج حاكمنا العالمي سنتمسك بهذه الوسائل نفسها، أي نستغل
الغوغاء كيما نحطم كل شيء قد يثبت أنه عقبة في طريقنا) .
وجاء فيه: (إن المحفل الماسوني المنتشر في كل أنحاء العالم ليعمل في غفلة
كقناع لأغراضنا، ولكن الفائدة التي نحن دائبون على تحقيقها من هذه القوة في
خطة عملنا في مركز قيادتنا ما تزال على الدوام غير معروفة للعالم كثيراً) .
وجاء في البروتوكول الخامس: (إننا نقرأ في شريعة الأنبياء أننا مختارون
من الله لنحكم الأرض، وقد منحنا الله العبقرية كي نكون قادرين على القيام بهذا
العمل. إن كان في معسكر أعدائنا عبقري فقد يحاربنا، ولكن القادم الجديد لن يكون
كفؤاً إلا لأيد عريقة كأيدينا ... إن القتال المتأخر بيننا سيكون ذا طبيعة مقهورة لم
ير العالم مثيلاً لها من قبل، والوقت متأخر بالنسبة لعباقرتهم، وإن عجلات جهاز
الدولة كلها تحركها قوة، وهذه القوة في أيدينا، هي التي تسمى.. الذهب) ! .
إذن فالبروتوكولات تحدثنا عن صراع لم تنته أكثر فصوله..
أما نحن ... فإننا نكتفي بالشك والتشكيك في البروتوكولات ومن وضعوها
ومن نشروها.. ونغمض العين عمن نفذوها أو معظمها، ونظل نوغل في التغافل
والتهرب، حتى نفاجأ بأن دولة اليهود (الصغيرة) قد أعدت لكل عاصمة عربية ما
لا يقل عن عشر قنابل نووية.. وعندها علت الأصوات: نحن عاجزون، نحن
مضطرون. نحن مدفوعون إلى الاستسلام.. عفواً إلى السلام ... بل سلام
الشجعان!
стр. 2573
المسلمون والعالم
حلف الأطلسي هل يرفع الرايات
الصليبية بعدما لوَّح بها؟
بقلم:حسن قطامش [*]
في الثاني والعشرين من إبريل عام ١٩٩٣م لم يكن مضى على استلام الرئيس
الأمريكي (بل كلينتون) للحكم أكثر من ثلاثة أشهر، حين أقام احتفالاً في العاصمة
الأمريكية بمناسبة افتتاح متحف المحرقة اليهودية، وبحضور عدد من رؤساء
أوروبا بشرقها وغربها، في ذلك اليوم وقف رئيس وزراء الكيان الصهيوني الهالك
(رابين) خطيباً يقول:
(إننا لسنا متأكدين بعدُ من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تماماً خطر
الأصولية الإسلامية والدور الحاسم لإسرائيل في محاربتها، إن مقاومتنا ضد
الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على
حقيقة أن هذا خطر جاد وحقيقي يهدد السلام العالمي) .
في ذلك الحفل هطلت الأمطار وسادت الفوضى، وذهب حرس الرئيس
كلينتون للبحث عن مظلات ليحتمي بها الضيوف، وفجأة ودون ترتيب بروتوكولي
وجد الرئيس التشيكي (فاتسلاف هافل) نفسه إلى جانب الرئيس الأمريكي يحتميان
ببعضهما. انتهز هافل الفرصة وقال: سيدي الرئيس! لماذا لا تفكر في تحريك
مجتمع حلف الأطلنطي بقيمه المشتركة، وأنظمة دفاعاته إلى الشرق ليضم الدول
الديمقراطية الجديدة في وسط أوروبا؟
هذا المشهد السينمائي الأخير يروّج له ساسة أمريكان على أنه الموحي والملهم
للرئيس بفكرة توسيع (الناتو) شرقاً؛ كي يبعدوا واقعية التخطيط المسبق لتوسيع
الحلف ولمحاولة إخفاء الأهداف الحقيقية وراء ذلك، ولتبدو الصورة استجابة رحيمة
من رئيس عطوف على أوروبا الشرقية التي خرجت من العباءة الشيوعية لترى
النور الغربي. ويبدو أن الأمريكان أخفقوا في هذا السيناريو الهوليودي غير
المحبوك عن قصة التوسعة للحلف، التي سنعود إليها من أولها.
أنشئ حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، بعد الحرب العالمية الثانية، ليكون
وسيلة دفاعية ضد ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، وكانت دول أوروبا وحلفاؤها
تشعر بالقلق تجاه السياسة السوفييتية التوسعية بعد أن ووجهت بالحاجة إلى إعادة
بناء اقتصادها لفترة ما بعد الحرب. وبعد أن قامت الحكومات الغربية بتنفيذ
تعهداتها على نفسها خلال سني الحرب بتخفيض مؤسساتها الدفاعية الخاصة،
وتسريح القوات العسكرية، فوجئت هذه الحكومات بالتحركات السوفييتية للمحافظة
على قواتها العسكرية بكامل عددها وعتادها، وازدادت المخاوف عندما فرض
السوفييت أشكالاً من الحكومات الشيوعية على العديد من دول وسط أوروبا وشرقها؛ ونتيجة لذلك سعت الحكومات الغربية إلى تحالف جديد لفترة ما بعد الحرب
العالمية لتأمين الدفاعات الأوربية ضد احتمالات التهديد السوفييتي، وكانت النواة
الأولى للحلف وضعت في بروكسل، عام ١٩٤٨م بتوقيع معاهدة تعاون أمني ودفاع
مشترك لمدة خمسين عاماً بين كل من فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورج وهولندا
وبريطانيا، ثم أعلن عن تأسيس الحلف رسمياً بوصفه منظمة دفاعية في ٤ أبريل
١٩٤٩م بإضافة البرتغال وإيطاليا والولايات المتحدة وكندا وأيسلاندا والنرويج
والدنمارك، ثم انضمت في عام ١٩٥١م كل من اليونان وتركيا ثم ألمانيا، والتحقت
أسبانيا في العام ١٩٨١م سياسياً فقط.
وتشمل وثيقة الحلف الرئيسة معاهدة للتعاون الاقتصادي والسياسي
والاجتماعي بين الدول الموقعة يستهدف بشكل رسمي ترسيخ القيم الغربية، أما
شعار الحلف فهو: (الاعتداء على دولة واحدة ... اعتداء على الجميع) .
ويبلغ حجم قوات الحلف مجتمعة، بدوله الست عشرة ١، ٤ مليون جندي!! بينما تصل ميزانية الدفاع لهذه الدول مجتمعة ٨، ٤٣٧ بليون دولار.
ماذا يعني توسيع الحلف.. شرقاً؟
بعد هدوء الضجيج الشديد الذي أثارته قمم هلسنكي، ودنفر، ومدريد بين
روسيا ورئاسة الناتو الأمريكية استقر الأمر على الموافقة على إدخال كل من بولندا
والمجر والتشيك أعضاء جدداً في الحلف من كتلة أوربا الشرقية، على أن يظل
الباب مفتوحاً أمام دولٍ أخرى حين تستوفي الشروط الأطلسية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يكن حلف الأطلسي (الناتو) أقيم
لمناهضة التطلعات التوسعية للاتحاد السوفييتي البائد؟ وأن الحلف معني أساساً بذلك؟ فلماذا إذن بقاء الحلف فضلاً عن توسعته؟
ونجيب أولاً عن ذلك من خلال مرئيات السياسة الأطلسية الرسمية، أما
الإجابة الأخرى فلها شأن آخر، والوجه الرسمي المعلن تجيب عنه سيدة الخارجية
الأمريكية في مقال نشر في (لوس أنجلوس تايمز) ونقلته جريدة القبس في
١٣ /٧/ ١٩٩٧م، تقول أولبرايت: إن توسعة حلف الناتو لها أسباب أربعة:
الأول: أن توسيع الناتو سيجعله أقوى وأكثر تماسكاً؛، فشركاؤنا الجدد
يشاركوننا قيمنا وتطلعاتنا الأساسية لأوروبا والعالم.
الثاني: أن توسيع الحلف يقلل من مخاطر مشاركة جنود أمريكيين في حرب
أخرى داخل أوروبا.
الثالث: أن توسيع الناتو سيساعدنا في الدفاع عن مكتسبات أوروبا
الديمقراطية والسلمية والاندماجية.
الرابع: تصحيح أخطاء الماضي، فقبل ثلاث سنوات قررنا أنه إذا كان
الحلف لم يعد من مؤسسات الحرب الباردة التي تستهدف روسيا، فإن من غير
المنطقي أن تقصر عضويته على الدول الأعضاء في حقبة الحرب الباردة.
الموقف الروسي:
كذلك سنبدأ بالصورة المعلنة من الموقف الروسي، فالاتحاد السوفييتي هو
السبب الرئيس لقيام حلف شمال الأطلسي لوقف تطلعاته التوسعية في أوروبا، ومع
الانهيار المدوي للاتحاد، اغتر الغرب، وبدأ بتنفيذ خططه التي منها توسيع حلف
الأطلسي ليقف بقواته وعتاده على الأبواب الروسية لمنع أي نوايا لإعادة بناء
الإمبراطورية الشيوعية، وكذلك تطويق المنافذ الروسية إلى أوروبا، ومنع امتداد
نفوذها، فليس هناك معنى لضم المجر وتشيكا، وبولندا التي كانت مقراً لحلف
وارسو وهي دول شيوعية سابقاً قريبة من الحدود الروسية، بل والوعد لدول أخرى
أشد قرباً (دول البلطيق) ليس هناك معنى لكل ذلك إلا إذلال الأمبراطورية الشيوعية
التي طالما أجهدت الغرب في سني الحرب الباردة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
ولكن كيف تقبل روسيا بهذا الوضع، ولماذا؟
كما هو معروف في العلاقات السياسية أنه ليس هناك عداوت دائمة، ولا
صداقات دائمة، بل هناك مصالح فقط، وعليه فإن الوضع الروسي الآن لا يسمح
بمواجهة الغرب والوقوف أمامه لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا عسكرياً.
فالجيش الأحمر فقد لونه واعتل دمه، وأنياب الدببة تساقطت، فالحكومة لا
تستطيع أن توفر له سوى وجبة طعام واحدة خلال اليوم الواحد! !
وهذا يعني أن الاقتصاد الروسي في حالة انهيار شديد؛ ومعنى أن تحاول
روسيا إعادة بناء جيشها فإن ذلك فيه القضاء على حلم الانتعاش الاقتصادي.
وإن الارتباط بالغرب الأمريكي الآن يمكن اعتباره متماشياً مع العصر
الأمريكي حتى إشعار آخر.
هناك أيضاً الخوف الروسي من العملاق الصيني، وهي الجارة الكبيرة التي
يتوقع أن يكون لها تأثير كبير في الساحة الدولية خلال سنوات قليلة، مع الخوف
الأكثر من الطمع الصيني في أراضي سيبيريا القليلة السكان؛ فالانضواء تحت
الجناح الغربي مصلحة روسية بلا شك.
أيضاً كان على يلتسن أن يرد الجميل للرئيس كلينتون الذي دعمه بفريق من
الخبراء الأمريكيين لإدارة حملته الانتخابية ومساعدته للفوز بالرئاسة مؤخراً.
والأهم من ذلك كله أن روسيا ليس لديها ما يحفزها على التخلي عن الغرب
من أجله، فها هي تترك العرب المشارقة والمغاربة إلى مصيرهم الجديد.
ومع ذلك فروسيا تمتلك ما يخشاه الغرب، وهو السلاح النووي، وهو ما
يدفعها للتفاوض بقوة للحصول على أكبر ثمن ممكن نظير قبول كل هذا الذل، وهذا
ما كان مثار مناقشات في الفترة الأخيرة تمخضت عن اتفاق روسي أطلسي يكون
لروسيا فيه حق الجلوس على الموائد الدبلوماسية للحلف للإصغاء والمراقبة
والاقتراح والمشاورة.. ولكن دون أن تقرر شيئاً، وتم التوقيع على ذلك، وعقب
التوقيع مباشرة أعلن صندوق النقد الدولي عن تحويل عشرة بلايين دولار قرضاً
لروسيا، وتم تحويل ٧٠٠ مليون دولار منها فوراً.
حقيقة القصة.. والقصة الحقيقية:
كان هذا هو الوجه المعلن من التوسيع، ويظهر منه التعمد الرسمي أن هذه
الخريطة الجديدة للعالم بحكومتها الأطلسية وقيادتها الغربية النصرانية ليس للمسلمين
علاقة بها ولا ارتباط.
فعلى الصعيد القومي العربي لم يعد هناك للعرب المشارقة أو المغاربة أي
تحالفات يمكن الركون إليها؛ فالتوسع الأطلسي والتخاذل الروسي كانا المسمار
الأخير في نعش التحالفات العربية؛ بحيث لا يبقى معارض للإملاءات الأمريكية
والغربية، ولكن يبدو حتى الآن أن عرب الشرق غير مصدقين بانتهاء روسيا كدولة
عظمى يمكن الركون إليها عند غضب القبلة الغربية، أما عرب الغرب فإن الناتو
قد وضع قواته على أراضيهم قبل توسيعه إلى شرق أوروبا عبر تحالفات ثنائية
دفاعية وتدريبية، فليس هناك حاجة إلى ضمها إلى الناتو اسمياً، فالواقع أبلغ.
إذن فما قصة حلف شمال الأطلسي مع العالم الإسلامي، والظاهرة الإسلامية
خاصة؟
بدايةً: أي حلف لا بد أن يكون له عدو، وإلا ما كان لوجوده أي فائدة،
والإسلام للغرب النصراني عدو دائم وليس عدواً جديداً [وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى
يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] .
ففي التاسع والعاشر من يونيو ١٩٩٤م عقد اجتماع ضخم في (اسطنبول)
لاحظ المكان شارك فيه أربعون وزيراً للخارجية والدفاع بالدول الغربية في
اجتماعين منفصلين، ضم الأول وزراء حلف شمال الأطلسي الذي يضم كافة الدول
الأوروبية سواء الشرقية منها أو الغربية وكذلك ضم الاجتماع روسيا! ! وكان
محور الاجتماعين يدور حول وضع خطة لمواجهة الخطر القادم بعد زوال الشيوعية، وبعد عشرات الاجتماعات التي عقدت بين الوزراء الأعضاء في الحلف كُلّف
الأمين العام للحلف (ويلي كلايس) رسمياً بإعداد ورقة عمل للحلف عن خطر
الأصولية الإسلامية، كونها تشكل التهديد الأخطر بعد زوال الشيوعية، وبعد إعداد
كلايس للتقرير صرح في فبراير ١٩٩٥م خلال مؤتمر أمني عقد في ألمانيا أنه:
(منذ انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية، قبل خمس سنوات، برز الدعاة
المسلمون المتطرفون ربما كأخطر تهديد يواجه التحالف والأمن الغربي) الأنباء
١٢/ ٢/١٩٩٥م عن الواشنطن بوست.
وقبل ذلك بأيام صرح في حديث لصحيفة ألمانية قائلاً: (إن الأصولية هي
على الأقل خطيرة كما كانت الشيوعية، ونرجوكم ألا تقللوا من شأن هذا الخطر) .
كانت تصريحات كلايس ملخصاً لورقة العمل التي كلف بإعدادها وبدأ في
تنفيذها كاستراتيجية جديدة للحلف التي بها يتفرغ تماماً لمحاربة دين الله العزيز
الحكيم!
إرهاصات ما قبل التصريح والنتائج:
لم يكن الاجتماع ولا التصريح من قادة الأطلسي هو البداية الحقيقية لقيام
الحلف النصراني بإعلان الحرب على المسلمين، ففي العام ١٩٩٢م، وفي بداية
حرب البوسنة صرح وزير الإعلام الصربي قائلاً: (نحن طلائع الحروب الصليبية
الجديدة) وعندما تجاوز الصرب الحدود التي رسمت تكفل حلف شمال الأطلسي
بحفظ السلام في البوسنة! ! وفي ٧/٩/١٩٩١م ومع استقلال الشيشان حذرت
صحيفة الأندبندنت في تقرير لها من أن الأصولية الإسلامية ستكون البديل للأنظمة
القائمة في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي سابقاً، وحذرت من تنامي
المد الإسلامي السريع في هذه المناطق.
وفي افتتاحية للصاندي تايمز: (إن الغرب والاتحاد السوفييتي ينبغي أن
يستعدا لمواجهة إسفين إسلامي أصولي هائل يمتد من شواطئ البحر المتوسط في
شمال إفريقيا إلى آسيا الوسطى إلى حدود الصين) .
وفي العام ١٩٩١م كذلك صرح الجنرال هيلموت فالمان قائد الفيلق الأوروبي
عقب الانهيار السوفييتي: (كل شيء واضح الآن! ! إن محور التهديد ضد أوروبا
انتقل نحو الجنوب! !) .
وفي ٢٢/ ٤/ ١٩٩٣م كان حفل افتتاح متحف المحرقة اليهودية في واشنطن
وخطاب رابين الذي أشرت إليه سابقاً.
وفي العام نفسه ظهرت مقالة د. صموئيل هنتغتون (صدام الحضارات) التي
تحولت بعد ذلك إلى كتاب يقول فيها: إن الإسلام أصبح الخطر الجديد على الغرب
بعد زوال الشيوعية.
وفي ٢٩/١/ ٩٤م وعقب عودته من واشنطن والاجتماع مع كلينتون، صرح
المستشار الألماني هيلموت كول في اجتماع ضم ٢٠٠ من كبار المسؤولين الغربيين
المهتمين بشؤون الدفاع قائلاً:
(لا يسعني إلا أن أنصح الغربيين بأن يستفيقوا من سباتهم! ! هناك خطر
حدوث مواجهة مع ٨٠٠ مليون مسلم في العالم) .
ويأتي وزير الدفاع الفرنسي حينها (فرانسوا ليوتار) ليقول: (إن الأصولية
الإسلامية تغرز خنجرها عميقاً في صدر أوروبا وإفريقيا) .
ويبدو أن هذا التصريح لم يرق لوزير الاقتصاد الألماني، فزايد عليه قائلاً:
إن فرنسا لم تعد منذ فترة طويلة هي البلد الوحيد المهدد، وإن التطرف الإسلامي
يهدد ألمانيا أكثر فأكثر! ! ثم تساءل: لماذا علينا أن نسمح بدون حدود ببناء مساجد
وإدخال نمط الحياة الإسلامية إلى بلادنا؛ بينما لا ترفع هناك في الوقت نفسه القيود
المفروضة على المسيحيين والتمييز بحقهم؟
وفي ٦/ ٨/١٩٩٤م نشرت مجلة (الإيكونومست) دراسة مهمة تحت عنوان:
(الإسلام والغرب، يقولون إنها الحرب المقبلة) وتدور الدراسة حول تحليل الصراع
القائم والقادم بين الإسلام والغرب.
وفي ٦/٢/١٩٩٥م قدم نيوت جنجريتش للمجلس عقب فوزه بمنصب رئيس
مجلس النواب الأمريكي (الكونجرس) خطة مكونة من أربع نقاط لمواجهة (الإرهاب
الإسلامي) المزعوم وقال: إن تطوير خطة استراتيجية متماسكة لمقاومة الإرهاب
الإسلامي، يجب أن يكون لها الأولوية الأولى، إن علينا أن نتجاوز لغة العقوبات
الاقتصادية والإدانات السياسية، إن من واجبنا أن نساعد الجزائر أن تعيش! ! وأن
نساعد على استمرار السياسات العلمانية في مصر وتركيا، إن هذا من شأنه أن
يشل (القوى الاستبدادية) سواء تلك التي تقتل الإسرائيليين في الضفة الغربية، أو
تقتل الأمريكيين في نيويورك، إن الأصولية تعني إعلان الحرب على الحضارة
الحالية للعالم، وعلينا أن نتعامل مع هذا الموقف على أنه فعلاً (حرب معلنة) .
وفي ٦/٢/١٩٩٥م اجتمع وليام بيري وزير الدفاع الأمريكي السابق مع عدد
من كبار المسؤولين في حلف شمال الأطلسي خلال ندوة رسمية عقدت في ميونخ،
وصرح قائلاً:
إن حالة عدم الاستقرار التي تنتشر على طول المتوسط لا تهدد الأنظمة
الصديقة في شمال إفريقيا فحسب، بل تهدد أوروبا أيضاً.
وأخيراً في ٧/٢/١٩٩٥م كان تصريح ويلي كلايس الأمين العام السابق لحلف
شمال الأطلسي آنف الذكر.
لم يكن هذا الكم من التصريحات النصرانية الأطلسية العدائية إلا قطرة في
بحر من العداء النصراني لدين الله (تعالى) [قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا
تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] [آل عمران: ١١٨] .
وفي شهر يوليو الماضي ١٩٩٧م كانت الصياغة النهائية للمشروع الأطلسي
الجديد بزعامة أمريكية كالتي كانت في قمة مدريد التي سبقتها بقليل قمتا هلسنكي
ودنفر، وقد اتضح الدور بصورة أكثر جلاء عبر الصحافة العالمية، فنشرت
الهيرالدتربيون مقالاً تحت عنوان: (حلف شمال الأطلسي معني بمواجهة مد
الانبعاث الإسلامي) ونشرته جريدة الأنباء في ٢١/٣/١٩٩٧م وجاء فيه: إن تحالف
الأطلسي الجديد لا يصوّب أسلحته النووية وقوات الانتشار السريع نحو الشرق! !
يقصد به روسيا ولكن حلف الأطلسي ينظر بقلق في اتجاه آخر، إلى جنوب وشرق
أوروبا، فهو يتساءل عن كيفية منع صدام حسين آخر من القيام بمحاولة للاستيلاء
على نفط الخليج، وكيفية السيطرة على اندفاعات الانبعاث الإسلامي في الجزائر
ومصر وإيران، وكيفية التعامل بيد ثابتة مع الإضرابات في آسيا الوسطى، وكيفية
حدوث تفكك دموي لمعظم إفريقيا؛ هذا هو برنامج حلف الأطلسي الجديد لمرحلة ما
بعد الحرب الباردة.
لقد أصبح لدينا مقومات تحالف دائم للديمقراطيات الغربية، وجيش قائم
وجاهز للتعامل مع أي أزمات يمكن أن نواجهها في غرب آسيا وشمال إفريقيا خلال
القرن المقبل اهـ.
إن المسلمين الآن لا يواجهون حلفاً من ست عشرة دولة سيضاف إليها ثلاثة
أخرى هذا العام وثلاثة أخرى عام ١٩٩٩م وهي دول البلطيق ولكننا نواجه حلفاً
يتكون من أربع وأربعين دولة! ! وهو يعتبر أكبر تحالف في التاريخ، فإن ثمة
مجلساً ظهر في ٣٠/٥/١٩٩٧م يسمى: (المجلس الأوروبي للتعاون الأطلسي) وقد
عقدت اجتماعاته عقب قمة مدريد في يوليو السابق بحضور الدول الست عشرة
المعلنة وثمان وعشرين دولة أخرى وقّعت مع الحلف ميثاقاً خاصاً، ومن بينها كل
دول الاتحاد السوفييتي السابق، وقد صرح وليام كوهين وزير الدفاع الأمريكي
اليهودي في ١٤يوليو ١٩٩٧م بعد قمة مدريد وبعد زيارته لأوكرانيا بأن (انضمام
كل دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى الحلف أمر قادم لا محالة) .
وقد نظمت الولايات المتحدة على أراضيها في ٣٠/ ٨/ ١٩٩٥م مناورات
عسكرية مشتركة لحلف الناتو جمعت دولاً شيوعية قديمة تحت عنوان: (الشراكة
من أجل السلام) ضمت أمريكا وكندا وبريطانيا من حلف الأطلسي، وألبانيا،
وبلغاريا، والتشيك، واستونيا، والمجر، وقيرغستان، ولاتفيا، وليتوانيا،
وبولندا، ورومانيا، وسلوفيكيا، وأوكرانيا، وأوزبكستان.
وعلى هذا فالمسلمون أمام أربع وأربعين دولة مجهزة بأحدث الأسلحة وتتحكم
في ٧٠% من إنتاج العالم بزعامة حلف الأطلسي؛ فحسبنا الله ونعم الوكيل.
موقف الدول العربية:
خدعة كبرى صدقتها الدوائر الرسمية العربية تلك التي وجهها الغرب: أن
حرب حلف شمال الأطلسي هي مع الأصولية وليست مع الإسلام! ! وما ذلك إلا
ليجد السند القوي والتعاون من الدول والأنظمة الصديقة التي يهدد بنيانها ويقوضه
الإرهاب الإسلامي! ! وما دام في المسألة زعزعة استقرار أنظمة فلا بد إذن من
التنسيق والترتيب مع حلفائهم الأطلسيين، فكان من مبادرة الحلف إجراء مباحثات
كذلك تحت عنوان (الشراكة من أجل السلام) وهو ما عرف ويعرف حتى الآن بـ
(الحوار المتوسطي) وهذا المشروع استهدف تحسين الرؤية السياسية الشاملة مع
ست دول متوسطية لضمان الاستقرار في منطقة البحر المتوسط، وقد بدأ في
فبراير أيضاً ١٩٩٥م مع كل من مصر وتونس والمغرب وموريتانيا وإسرائيل
والأردن سعياً إلى تبادل الرؤى الأمنية بين هذه الدول وحلف الأطلسي، وفتح
أبواب المعاهد الحربية للعسكريين من هذه الدول المتوسطية، ومشاركتهم في
الندوات الأمنية، مع الاشتراك في مناورات عسكرية مشتركة بين الحلف وهذه
الدول.
وسبق هذا الحوار المتوسطي اجتماع سري عقد في نهاية صيف عام ١٩٩٤م
عقده ممثلو الدول الغربية مع بعض الخبراء العرب في رحاب جامعة إكسفورد
لمناقشة بعض الترتيبات الأمنية! ! أما اللاحق بعد السابق، وعقب مبادرة كلايس،
فكانت هناك زيارات لعدد من رؤساء الدول الإسلامية لواشنطن، وكان أول
الزائرين رئيسة وزراء باكستان السابقة بي ناظير بوتو، وكان ذلك في إبريل
١٩٩٥م، وكان على رأس جدول الأعمال: تفكيك القواعد والمواقع التي يستخدمها
المجاهدون العرب داخل باكستان.
وإن المراقب لتلك الفترة الزمنية يجد أن المواجهات للحركات الإسلامية قد
ازدادت حدة، بداية من تكميم الأفواه الناطقة بالحق، وتحويل المحاكمات المدنية
إلى عسكرية، ومن السجن إلى الإعدام، وجاءت التبريكات الغربية والإشادة
النصرانية بالجهود المبذولة في ذلك!
ونختم هنا بتصريحين: أولهما نسأل الله أن يكون سبباً في إيقاظ النائمين
المحاربين لدين الله ممن ينتسبون إليه وهو لـ (يوجين روستو (رئيس قسم التخطيط
في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية ومستشار الرئيس الأمريكي
الأسبق جونسون لشؤون الشرق الأوسط.. يقول:
إن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول
وشعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة النصرانية (الغربية)
لقد كان الصراع محتدماً بين النصرانية والإسلام منذ القرون الوسطى، وإن
الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته وعقيدته
ونظامه، وذلك يجعلها معادية للشرق الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين
الإسلامي [الشرق/ ١٥٢/٣/٦/٩٥م] .
أما الآخر فهو لصموئيل هنتغتون في حوار أجرته معه مجلة المجلة في عددها
٨٩٦/١٣/٤/١٩٩٧م يقول: (ما دام الإسلام سيبقى إسلاماً، وليس هناك أي شك
في ذلك، وما دام الغرب سيبقى غرباً، ولا يتوقع أحد أن يصبح الغرب شرقاً،
فسيظل الصراع قائماً بينهما كما ظل قائماً لأربعة عشر قرناً) .
ولعلنا لا نذهب بعيداً إذا أشرنا إلى أن كل هذه التجهيزات النصرانية هي
للملحمة [**] التي أخبر عنها سيد البشر ﵊ والتي كما هي عقيدة
لدينا فهي تعمل في عقولهم بشدة شديدة.
ــ
(*) تنبيه: يواصل الكاتب حلقات: عولمة أم أمركة.. في العدد القادم إن شاء الله.
(**) انظر/مسند الإمام أحمد/مسند الشاميين، ومسندالأنصار، وأباداود في الجهاد، والملاحم
وابن ماجه في الملاحم، والفتن.
стр. 2574
المسلمون والعالم
دروس من زائير..
فهل نستفيد ؟
بقلم:إبراهيم بن عبد الرحمن التركي
بعد استقلال زائير قام موبوتو العائد من دراسة الاقتصاد السياسي في فرنسا
بانقلاب عسكري في زائير عام ١٩٦١م بدعم من المخابرات الأمريكية ضد الرئيس
لومومبا، فهرب (كابيلا) المؤيد للنظام السابق إلى الأدغال مع مجموعة من أنصار
الرئيس لومومبا، وتبنى النهج الماركسي، وبدأ الحرب على موبوتو، لكنه بقي
ضعيفاً، ثم فجأة وخلال سبعة أشهر استطاع إسقاط نظام موبوتو في واحدة من
أسرع الحملات العسكرية في تاريخ إفريقيا الحديث، وكانت شرارة البداية عندما
أبلغ حاكم مقاطعة جنوب كيفو الزائيرية ٣٠٠ ألف من التوتسي الذين يعيشون في
تلك المنطقة بوجوب مغادرة البلاد؛ وذلك بعد سيطرة إخوانهم التوتسي على
(رواندا) و (بوروندي) وانتزاع حكمهما من الهوتو المدعومين من موبوتو.
وكابيلا ليس من التوتسي؛ لكن معركته يخوضها جنود روانديون وأوغنديون
وأنغوليون إلى جانب توتسي شرق زائير، ولعل وضعه قائداً من أجل طمأنة
الأعراق الأخرى في زائير.
لكن السؤال: من يقف خلف هذه الحركة، ومن المستفيد منها، ومن الخاسر
وما الآثار المتوقعة لها؟
أما من يقف خلف هذه الحركة ويستفيد منها: فهم عدة أطراف: أولها الدول
المجاورة خاصة رواندا المحرك الأساس للتمرد؛ لأنها تعتقد أن هوتو رواندا
اللاجئين في شرق زائير يخططون لغزوها، فكان هدف رواندا إقامة منطقة عازلة
شرق زائير، لكنها لم تتوقع اكتساح المتمردين لمدن زائير بتلك السهولة، وقد
اعترف نائب رئيس رواندا أن قواته أسهمت في إسقاط أربع مدن زائيرية.
كذلك تستفيد منها بوروندي التي يحكمها التوتسي، وكذلك أوغندا التي يتزعم
زعيمها موسيفيني الائتلاف القوي للزعماء الذين يقفون خلف كابيلا، فقد تسلم حكم
أوغندا عام ١٩٨٦م بدعم من الجالية التوتسية الرواندية الكثيفة العدد في أوغندا،
وساعد منذ ١٩٩٠م الحركات التوتسية المتمردة التي سيطرت على رواندا وبورندي
عام ١٩٩٤م، وأخيراً كابيلا.
ولا يُخفي الرئيس الأوغندي حلمه في إقامة دولة التوتسي الكبرى التي تضم
أوغندا ورواندا وبوروندي وأجزاء من زائير، وتمتد شمالاً من منطقة البحيرات إلى
السودان وغرباً إلى الكونغو، وتشكيل منطقة مهمة بموقعها الاستراتيجي مع غناها
بمواردها الطبيعية.
وبالجملة: فسبع دول من الدول التسع المجاورة لزائير تقدم الدعم للمتمردين
بسبب عدائها لموبوتو لدعمه حركات التمرد فيها.
أما المستفيد الثاني والأكبر: فهو أمريكا حيث تستفيد نفوذاً سياسياً واقتصادياً، أما النفوذ السياسي: فبعد انتهاء الحرب الباردة انتقلت المواجهة في إفريقيا من
صراع بين الشرق الماركسي والغرب الرأسمالي إلى صراع بين الغرب الأمريكي
والغرب الفرنسي، والمفهوم الأمريكي يتجه إلى الإعداد لخريطة إفريقية جديدة عن
طريق ضم بعض الدول وإعادة تركيبها؛ بناءً على أسس قبلية؛ فتكون بذلك دولة
التوتسي الكبرى إذا ما قامت هي الحليف الاستراتيجي لأمريكا على غرار إسرائيل
في الشرق الأوسط أي إنها ستكون إسرائيل الإفريقية: أقلية عددية تتمتع بتفوق
نوعي وبدعم أمريكي؛ وذلك جرياً على عادة الاستعمار في دعم الأقليات، ويصبح
كابيلا رجل واشنطن والركن الركين لسياستها في المنطقة حيث تحيطه بزمرة من
الشباب المتعاونين معه المتخرجين من الجامعات الأمريكية.
أما سبب عدم تدخل أمريكا المباشر بجنودها في إفريقيا ولجوئها إلى أفارقة
يقومون بتنفيذ مخططاتها: فلا شك أنه درس من الهزيمة القاسية التي تلقتها في
الصومال حيث خرجت تجر أذيال الخيبة خاصة بعد مقتل ١٥ جندياً عام ١٩٩٣م
في مواجهة مع الصوماليين، وكان لمنظر الجندي الأمريكي القتيل الذي يجره
أطفال الصومال بحبل وهو شبه عارٍ كان لهذه الصورة أثر عظيم على الرأي العام
الأمريكي، الذي كان سبباً في تعجيل الخروج من الصومال؛ وبعد ذلك رأت أمريكا
أن التدخل بواسطة العملاء الأفارقة هو الأوْلى.
ونتيجة للصراع الأمريكي الفرنسي في إفريقيا عملت أمريكا على إلحاق زائير
الفرنسية بالحظيرة الأمريكية التي وسعتها ببعض دول شرق إفريقيا: إرتريا إثيوبيا
أوغندا، إضافة إلى العميل قرنق.
إذن: فإفريقيا تعيش مرحلة تحوّل بعد انتهاء الحرب الباردة تسعى فيها أمريكا
إلى إيجاد موطئ لأقدامها على حساب القوى التقليدية الأوروبية مثل فرنسا.
وأما من الناحية الاقتصادية فتمثل إفريقيا في القرن ٢١، من المنظار
الأمريكي، السوق الاستهلاكية البديلة عن آسيا؛ حيث تراجعت الصادرات
الأمريكية أمام منتجات اليابان والصين والنمور الآسيوية الصاعدة.
وزائير أكبر دولة في المنطقة ثروةً ومساحةً وبشراً، وهي تختزن ٦٠% من
الكوبالت في العالم، ومخزوناتٍ ضخمة من النحاس والفضة والذهب والحديد
والمنجنيز واليورانيوم والبترول الخام؛ إضافة إلى موارد طبيعية من مياه وغابات
وعاج ومطاط وموز وكاكاو وزيت نخيل وشاي وسكر..
ولذا: وصلت إلى مدينة لومومباشي أسراب من الطائرات الخاصة التابعة
لمديري الشركات الأمريكية؛ وذلك لعقد صفقات تجارية مع كابيلا حتى قبل أن
يزحف نحو العاصمة كنشاسا.
وقد وقّع وزير المناجم في حكومة كابيلا في المنفى وقع عملية استثمار مع
الشركة الأمريكية لحقول المناجم بمبلغ يزيد على بليون دولار، فأمنت الشركة
لكابيلا السيولة المالية لدعم حركته عن طريق شراء الألماس الذي اكتشفه أنصاره
في المناطق التي احتلوها، بل ووفرت له طائرة للانتقال داخلياً وخارجياً.
أما المستفيد الأخير: فهو إسرائيل حيث إنها تسعى للسيطرة على أسواق
السلاح الإفريقية، والاقتراب من منطقة البحيرات العظمى حيث ينبع النيل لإيجاد
موطئ قدم لها على البحر الأحمر؛ لكي لا يكون بحيرة عربية، وهي بالإضافة إلى
جنوب إفريقيا تعمل كرديف للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية.
أما بالنسبة للأطراف الخاسرة في هذه المعركة: فلا شك أن أولها موبوتو
الذي كان يخدم المصالح الأمريكية لأكثر من ٣٠ سنة من خلال التعاون مع
الأمريكيين ضد الحكومات اليسارية والماركسية التي كانت في أنجولا وموزامبيق
وغيرها؛ لكن بعد هزيمة الماركسيين لم يعد موبوتو مهمّاً مثلما كان؛ والأمريكان
يريدون توسيع مصالحهم السياسية والاقتصادية، لذا كان لا بد من إيجاد البديل
الأقدر منه على تلبية المصالح الأمريكية الجديدة.
وقد أسهم موبوتو في إسقاط نفسه بنفسه؛ فخوفه من حدوث انقلاب جعله
يحكم بمبدأ فرّق تسدْ بين الهيئات الأمنية المختلفة. يقول محلل عسكري: إن
الجيش الزائيري لم يكن أبداً أداة للحرب، وإنما كان أداة أمنية مخصصة لحماية
الرئيس؛ إضافة إلى أن الجنود بلا مرتبات لعدة شهور؛ بل كان قادة الجيش وقت
اشتعال المعارك يبيعون الأسلحة التي تم شراؤها لشن هجوم مضاد نهائي على
المتمردين يبيعونها إلى حركة يونيتا المتمردة في أنجولا.
أما ثاني الأطراف الخاسرة: فهي فرنسا فقد خسرت كنزاً مادياً ومعنوياً وثقافياً
كانت تتمتع به طيلة قرون عديدة؛ ويتمثل في ثروات هذه البلاد، ولم تعد أمريكا
راغبة في أن تشاركها فرنسا في اقتسام الكعكة الزائيرية.
لم تجرؤ باريس على القيام بعملية منفردة إنقاذاً للنظام الموالي لها في زائير؛
وذلك بعد الانتقاد الحاد الذي تعرضت له لتدخلها في رواندا عام ١٩٩٤م.
أما سبب استيلاء أمريكا على منطقة النفوذ الفرنسية هذه، فإنه يرجع إلى
الخلاف القديم المستمر بين أمريكا وفرنسا؛ فالأخيرة منذ عشرات السنين وهي تعتز
بذاتها وتريد أن تكون مستقلة لا تابعة لأمريكا؛ ويظهر ذلك من خلال اهتمامها
المعروف بلغتها وتمسكها بذلك في جامعاتها، بل وسعيها لنشرها بواسطة (تجمّع
الفرانكفونية) على الرغم من أن التفوق من حيث الانتشار في العالم هو للغة
الإنجليزية. ومظهر آخر لذلك هو الشكوى الدائمة التي يبديها مثقفو فرنسا من خطر
انتشار الثقافة الأمريكية في فرنسا، ودعوتهم لحماية ثقافتهم من خطر الأفلام
والمسلسلات الأمريكية وانتشارها في فرنسا، وأنه سبيل لنشر الثقافة الأنجلو
سكسونية؛ لحماية ثقافتهم الفرانكفونية؛ ومثال آخر على ذلك: هو مقاطعتها
لاجتماعات حلف شمال الأطلسي لمدة ٣٠ عاماً حتى عام ١٩٩٥م بسبب الخلاف
على قيادة حلف الأطلسي واحتجاجاً على الهيمنة الأمريكية على ذلك الحلف.
ومع قدم هذين المسوّغين للعداء الفرنسي الأمريكي إلا أن أمريكا امتنعت سابقاً
عن التدخل في مناطق نفوذ فرنسا؛ وذلك بسبب الحرب الباردة وحاجتها إلى توحيد
الصف الغربي ضد الاتحاد السوفييتي السابق، أما بعد سقوط الماركسية فلم يعد
لذلك التحفظ مسوّغ، إضافة لما صدر من مواقف فرنسية محرجة للأمريكيين كان
طابعها الاستعراض والمراءاة أمام العالم؛ فكان لا بد من تأديبها حتى تعود لبيت
الطاعة الأمريكي، ومن تلك المواقف زيارة الرئيس الفرنسي إلى سراييفو في بداية
حرب البوسنة ودعوة فرنسا الدائمة للمجتمع الدولي أن يوقف الحرب؛ فظهرت
بمظهر المدافع عن المظلومين أكثر من غيرها، إضافة إلى ما قام به الرئيس
الفرنسي شيراك من زيارة القدس والاستعراض أمام كاميرات التلفاز بتلمسه ذلك
وتهديدهم بقطع الزيارة، إلى غير ذلك من الاستعراضات؛ فكان لا بد من تأديبه
وإخضاعه وإيقافه عند حده، لتبقى السيادة لزعيم النظام العالمي الجديد كما تصورها
هو!
أما ثالث الأطراف الخاسرة فهو السودان؛ فقد كان يستخدم زائير للهجوم من
أراضيها على قرنق، وقد ذكرت جريدة الواشنطن بوست أن الحكومة الأمريكية
تنسق مع يوغندا ورواندا بشأن السودان.
ويفترض المخطط الأمريكي إنهاء النفوذ العربي والإسلامي عن طريق إقامة
نواة إفريقية صلبة تتعاون مع إسرائيل كقبيلة التوتسي، وإغلاق بوابة العبور
العربية الإسلامية باتجاه إفريقيا والمتمثلة بالسودان؛ وذلك بما يشاهد من حصار
اقتصادي عالمي يدبر ضد السودان، يتزامن مع دعم عسكري يقدم لرفيقهم قرنق
لإنجاح عملية انفصال الجنوب عن الشمال المسلم. ولا يقف المشروع التوتسي
عربياً عند حدود السودان؛ بل يتعداه للإمساك بمنطقة البحيرات ومنافذ البحر
الأحمر ومنابع النيل وكلها أوراق ضغط على مصر وهي الطرف الرابع الخاسر من
هذه الحرب إضافة لقيام (إسرائيل) ببناء ٤٠ سداً ومشروعاً للري والزراعة
والكهرباء على نهر النيل الأزرق قبل أن يدخل السودان، واستصلاح ١٥٠ ألف
فدان من الأراضي الأثيوبية المجاورة للسودان، تعتمد في ريها على المياه
المخصصة لمصر من نهر النيل.
لكن مصر عن هذا الخطر غافلة وعلى عدائها للسودان مستمرة، وما يفعله
قرنق من محاولة فصل جنوب السودان في زعمها شأن داخلي لا علاقة لها به مع
أنها هي المستهدفة مما يحدث أكثر من السودان، فهل تصحو مصر من غفلتها قبل
أن يلتف الحبل على عنقها؟ أم تأخذها العزة بالإثم؟ !
ومن الأطراف الخاسرة في هذه الحرب نيجيريا التي جعل تقرير البيت
الأبيض عن استراتيجية أمريكا خلال القرن المقبل، جعل من أهدافه تخفيض
تصدير المخدرات الإفريقية خاصة من نيجيريا إلى أمريكا.
ويظهر مدى العداء بين أمريكا ونيجيريا وأنها تُرى خاسرة من هذه الحرب:
تكرر إعلانها التضامن ضد التدخل الأمبريالي.
ولعل آخر الأطراف الخاسرة زعيم كينيا؛ لأنه كان حليفاً قديماً لموبوتو.
ثم بعد الحديث عن الرابح والخاسر في هذه الحرب لعلنا نختم الحديث
بالتساؤل عما بعد هذه الحرب، وعن آثارها: فهل يا ترى سيعبر كابيلا نهر
الكونغو إلى برازافيل لإعادة توحيد الكونغو الكبير الذي يضم زائير وبرازافيل
والغابون وإفريقيا الوسطى؟ وهل سيكون الدور على نيجيريا بإثارة اضطرابات
العمال فيها؟ أم على كينيا، أم إفريقيا الوسطى؟ وهل سيكون لهذه التغيرات أثر
حاسم في معركة جنوب السودان؟ وهل ستعي مصر الخطر الذي يحاك ضدها،
فتدع إعانة أعداء السودان عليه؟ أم تثبت للجميع قصر نظرها حيال ما يدبر ضدها؟ وهل في محاولات احتواء منابع النيل ما يشير إلى بداية حرب المياه في الشرق
الأوسط؟
هذه التساؤلات وغيرها ستجيب عنها الأيام والأحداث؛ والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 2575
هموم ثقافية
إشكالية نتائج وإفرازات الديمقراطية
بقلم: سامي محمد الدلال
يحق لنا أن نقف موقف الانبهار عند شروعنا في الحديث عن إشكالية النتائج
بشأن التعبير العملي عن الديمقراطية، حيث إن كل نتيجة منها هي إشكالية بحد
ذاتها.
ونظراً لتزاحم إشكاليات النتائج فإني سأسوقها ضمن نقاط، ليس شرطاً أن
تأخذ نمطاً منطقياً في تتابع ذكرها، كما أني أستميح القارئ عذراً في اضطراري أن
أقتطع جزءاً نفيساً من وقته وهو يتابع هذه النتائج المهمة بتركيز شديد؛ فلنبدأ معاً:
١- اعتقد كثير من الإسلاميين ولا يزالون يعتقدون أن الديمقراطية ليست شيئاً
يذكر في مجال التهيب والوجل، فهي ليست إلا مجرد مجلس نيابي يمكن لهم أن
يحققوا من خلاله بعض المكاسب.
وقد تبين لنا خطأ هذا التصور وسطحيته؛ ذلك أن الديمقراطية، كما تبين لنا، تعني علمنة الدولة والمجتمع على كافة المستويات.
وبسبب التجذر العميق للمفاهيم الإسلامية في أمة المسلمين، فإن الانتقال بها
إلى هاوية العلمنة يقتضي اجتثاث تلك الجذور من أصولها، ولما كان ذلك ليس
سهلاً ولا هيناً، بل صعباً وشاقاً، بل هو في مرتبة الارتقاء نحو الاستحالة؛
خاضت العلمنة من خلال الطرح الديمقراطي صراعاً مريراً لتصل إلى تلك النتيجة، ولقد أظهرت تجليات الوقائع أن الديمقراطيين قد حققوا بعض النجاحات في هذا
الاتجاه، لكنهم أيضاً أصيبوا ببعض الإخفاقات، إلا أن من أهم نجاحاتهم البارزة
جداً هو تمكنهم من سحب كثير من قيادات الإسلاميين من مواقعهم المتحصنة بعقيدة
الإسلام إلى ساحات الانكشاف الديمقراطي، فأصبحوا كمن لا ظهراً أبقى ولا أرضاً
قطع. وبعد أن نجح العلمانيون في ضم الإسلاميين النيابيين إلى صفوفهم
الديمقراطية شرعوا في تعميق مؤثراتهم على المستوى الجماهيري التي تنأى
بالمسلمين عن الحياة الإسلامية، لقد طرح العلمانيون الديمقراطية منهجاً للحياة
يستوعب جميع مناحيها الفكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية وغيرها؛
ولذلك فإنهم خاضوا الصراع، ولا يزالون في تلك المناحي جميعاً بقصد علمنتها
فكرة وحركة. لقد نجح العلمانيون في استخدام وتوظيف كافة الوسائل والأساليب
[من مثل: الإعلام، المناهج التربوية، الصيغ الاجتماعية، المؤسسات الاقتصادية
(البنوك وغيرها) ، الاستباحات الترفيهية] لتعميق المفهوم الديمقراطي في المناهج
الحياتية للمسلمين.
ولقد كانت نتائج الصراع في هذا الاتجاه لصالحهم حتى الآن، إلا أن
الإخفاقات التي واجهتهم هي فشلهم في استيعاب جميع المسلمين في تلك الأطر التي
خاضوا الصراع ضمنها. إن تمسك كثير من المسلمين بالكتاب والسنة بمفهوم
السلف الصالح جعل استيعابهم في المخطط العلماني الديمقراطي مستعصياً، وإن
كان العلمانيون قد نجحوا في استمالة بعض الشخصيات السلفية نحو أفكارهم
الديمقراطية إلا أن العبرة بجمهور المتمسكين بالكتاب والسنة وليس بآحادهم.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن سيطرة العلمانيين على الوسائل السالفة
واستخدامهم الأساليب المختلفة لا يعني أنهم تمكنوا من الاختراق الشامل للمضامين
الإسلامية المتراكمة في نفوس المسلمين عبر القرون الطويلة.
وهذا يعني أن صراع العلمانيين نحو علمنة المجتمعات الإسلامية عبر الجسر
الديمقراطي سيستمر، وأن توظيف نتائج ذلك ليصب في مكتسباتهم سيتواصل.
٢- لقد فطن العلمانيون إلى مربط الفرس في معمعة ذلك الصراع، واستقر
في أذهانهم أن نجاحهم في تنفيذ مخططاتهم لا يمكن أن يتوالى ويستمر إلا إذا حصل
على الدعم القانوني، إضافة إلى الإمكانات المادية والجموع البشرية؛ ولذلك فإن
إيجاد مؤسسة تقوم عليها أركان الدولة وتحقق تلك الغاية بات أمراً ملحاً ومطلباً
علمانياً مستعجلاً، إن من أهم مواصفات تلك المؤسسة أن يكون لتقنينها طابع قدسي
وبرغبة جماهيرية. ولقد جاءت فكرة المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية ملبية
لتلك الأغراض مجتمعة، ثم إنها أخذت قدسيتها من التعاقب على تبنّيها في عالم
غير المسلمين عبر القرون. وعندما أفلح العلمانيون في إقحام الديمقراطية على
الدول الإسلامية التقطوا تلك البلورة وصاغوها في أطر مجالس نيابية هي طبق
الأصل في فكرتها لتلك التي في الدول الغربية.
ورغم أن كثيراً من الدول الإسلامية خضعت إلى أنظمة حكم ديكتاتورية فإن
تلك الأنظمة كانت ولا تزال ترى أن لها مصلحة عظمى في علمنة المجتمعات
الإسلامية؛ ولذلك فإن بعضها فطن أو لقن أن تبنيه للديمقراطية يحقق له تلك
المصلحة العظمى، وهي بقاؤه ممسكاً بالسلطة، فسارع إلى الأخذ بها. ولأجل أن
تكتسب القوانين المشرعة من قبل المجالس النيابية قوة تنفيذية أوسعَ، وتأثيراً نفسياً
أعمق كان لا بد من أن تستوعب تلك المجالس النيابية أكبر عدد ممكن من الشرائح
الجماهيرية ذات التوجهات العلمانية، دون إغفال توريط بعض الإسلاميين في
إقحامهم في ذلك المجهول لاتخاذهم دريئة تتترس بها، وعلى الجماهير ألا تحتج
على أي قانون وإن خالف دينها؛ إذ إن ذلك القانون قد صدر من المجلس النيابي
الذي يحضره ممثلوها!
إن خلاصة ما ذكرناه في هذه النتيجة هو أن الفئات العلمانية نجحت في
استخدام الديمقراطية في علمنة المجتمعات الإسلامية بالقانون وبدعم إسلامي! !
٣- إن الديمقراطية تعني الانفتاح الفكري بغير حدود ولا قيود، وتعني أيضاً
ممارسة الحرية المعبرة عن ذلك. إن الديمقراطية لدى معتنقيها هي فوق الأديان
جميعاً، وإن للمجلس النيابي الكلمة الفصل في التحليل والتحريم وذلك بحسب ما
يراه أعضاؤه من توجهات خاصة بهم أو بأحزابهم أو قبائلهم، إن الحرية
الديمقراطية أطلقت العنان لكل صاحب عقيدة أن يدعو إلى عقيدته وإن كانت إلحادية
بحتة، وإن كانت تحارب الله ورسوله جهاراً نهاراً، بدون قيد ولا شرط.
ولقد استغل العلمانيون مظلة الديمقراطية أيما استغلال، وراحوا يدعون من
على منابرها المجلسية النيابية وأجهزتها الإعلامية المسموعة والمقروءة والمرئية
إلى وأد الفضيلة ونشر الرذيلة بحماية قانونية ودعم من المواد الدستورية.
٤- رغم أن الفئات العلمانية نجحت في استخدام الديمقراطية لعلمنة المجتمع
الإسلامي، ورغم توقعنا استمرار جهود تلك الفئات، بل وتصعيدها، ورغم تحقيقها
مكاسب شيطانية تتعلق بممارسة التحليل والتحريم وفق أهواء البشر؛ رغم كل ذلك
فإن الديمقراطية لن تتمكن من مواصلة طريقها عبر المجتمع الإسلامي إلى نهايته؛
وذلك لأسباب، من أهمها:
أن الإسلام بوصفه عقيدة، قد تجذرت آثاره العملية من خلال الممارسة في
أعماق المجتمع الإسلامي عبر قرون طويلة.
وأن الله (تعالى) قد تكفل بحفظ دينه؛ فلا يكاد يمر قرن من الزمان إلا وفي
طيات سنيه جهابذة من العلماء المصلحين يقومون بدورهم في تجديد الدين.
ولأن الجسد الإسلامي كالجسد الآدمي، فيه من المناعة الذاتية ما يقاوم به
الفيروسات الوافدة، سواء كانت في أشكال عقدية أو فكرية أو حركية، ثم لا يلبث
أن يلفظها أو يقضي عليها.
ولأن كنوز التراث الإسلامي لم تندثر، بل لا تزال محفوظة في المكتبات
العربية والإسلامية والأجنبية.
إن توفر تلك المقومات جميعاً، وغيرها التي لم أذكرها هنا، لهي كفيلة إذا
رجع المسلمون إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊ بأن تواصل حبل
الحاضر بماضيه وتمده إلى مستقبله.
وبالتالي فإن الديمقراطية ستخفق في فك الارتباط بين المجتمع الإسلامي
المعاصر وبين تاريخه، على كافة المستويات العقدية والثقافية والسلوكية، إذا
توفرت المقومات التي نوّهت عنها، ومن أهمها بعد الاستمساك بالكتاب والسنة:
بعث التراث الإسلامي من جديد.
٥- إن النتيجة التي ذكرتها في (٤) ، تصطدم بمعوقات كثيرة؛ ذلك أن
الجهود الحالية: المحلية والدولية، منصبّة على إقناع الجماهير الشعبية بأهمية
الديمقراطية وأنها هي المخلص لتلك الجماهير من حالة التسلط الديكتاتوري، ومن
حالة الجهل والفقر والمرض ... إلخ. وإننا سنكون قد خدعنا أنفسنا إذا ادعينا أن
العلمانية قد أخفقت في مشروعها الديمقراطي بهذا الخصوص.
ولقد وجدنا أن كثيراً من المنتسبين للإسلام يهاجمون الإسلام من منطلق
الديمقراطية.
وبالتالي فإن الإسلام لا يتعرض حالياً لمحاولة إجهاض انبعاثه من قبل
السلطات الحاكمة فحسب، بل من شرائح متعددة من الطبقات الشعبية، تزداد
اتساعاً يوماً بعد يوم.
وهكذا فإن الديمقراطية ساعدت على نقل الصراع ضد الإسلام من انفراد
التصدي السلطوي إلى مزاوجة السند الشعبي لذلك التصدي، أي إن الإسلام في ظل
الديمقراطية يفقد سواد معتنقيه.
٦- وبناء على ذلك فإن الشعوب الإسلامية في ظل الديمقراطية ستبدأ في فقد
هويتها المميزة. تلك الهوية المتمثلة في كونها شعوباً تدين لله (تعالى) بعقيدة التوحيد، وأن تلك العقيدة قد أضفت عليها لبوساً حضارياً منفرداً، تغلغلت آثاره في كافة
مناحي حياتها، شاملة جميع مكوناتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
إن الديمقراطية، بطبيعتها العلمانية، لا تستطيع أن تقدم نموذجاً يضفي هوية
مميزة على أي مجتمع يعتنقها عقيدة وتطبيقاً.
ولذلك فإن دورها في حياة المسلمين هو دور تهشيمي، يهشم مقوماتها
الإسلامية ويحتّ أصالتها الانتمائية، وينتهي بها إلى فراغ اللاشيء! !
٧- إضافة إلى ذلك، فقد تبين لنا أن الديمقراطية بما وفرته من الحرية غير
المنضبطة بالإسلام قد أدت إلى التفتيت الأسري، ثم إلى التفكيك الاجتماعي.
ولقد لاحظنا أن الديمقراطية تتوحد مع الديكتاتورية في هذا الاتجاه.
وقد ترتب على ذلك أن فقد المجتمع الإسلامي مقوماً مهماً من مقوماته هو مقوم
الوحدة والاندماج. إن بديل الوحدة الاجتماعية هو التضعضع والتخلخل، مما يؤدي
إلى الضعف والوهن، ولذلك فإن حكومات الدول الديمقراطية والديكتاتورية، بعد
أن شعرت أنها قد وصلت إلى هذه النتيجة، وهي توهين الشعوب وإضعاف إرادتها، لم تتردد في عقد معاهدات الصلح مع اليهود، في أجواء احتفالية وزخارف
ابتهاجية ترفرف عليها أعلام الديمقراطية، إن إشكالية هذه النتيجة ذات طابع خطير؛ لأنها ستحمّل الأجيال المقبلة تبعات وتركات حالة الانهزام التي تمر بها الأجيال
المعاصرة.
٨- لقد تعلقت آمال كثير من المسلمين بأحلام الرفاهية والطمأنينة والسلام
والأمن إذا تمكنوا من حكم أنفسهم بأنفسهم في ظل نظام ديمقراطي؛ إلا أن تلك
الآمال ذهبت أدراج الرياح بعد أن حكمتهم الديمقراطية بأنياب لا تقل حدة عن أنياب
الطغاة الديكتاتوريين.
لقد سيق كثير من الإسلاميين إلى غياهب السجون، بل وعلقوا على أعواد
المشانق، في ظل الحكام الديمقراطيين، فلم يشفع لهم مجلس الشعب.
إن كثيراً من الطغاة المتجبرين استغلوا مدة تربعهم على عرش السلطة ليفتكوا
بالإسلاميين، ثم هم أنفسهم بعد ذلك يدعون إلى الانتخابات النيابية، وإقامة
الحكومات الديمقراطية.
فليعلم الجميع بأن الإرهاب الديمقراطي لا يقل عن الإرهاب الديكتاتوري في
بعض الحالات.
وقد أعجبني بهذا الصدد ما قاله الدكتور توفيق الواعي في مجلة (المجتمع)
الكويتية عدد ١١٠٣، المؤرخ: ٤ محرم ١٤١٥هـ الموافق ١٤ يونيو ١٩٩٤م
تحت عنوان (هل عاد زوار الفجر) إذ قال: (نعم عادوا، ولكنهم ليبراليون
ديمقراطيون، ومصطلح زوار الفجر أطلق في العصر الحديث على عصابات
الأنظمة البوليسية في العالم الثالث، وعلى الفرق المخابراتية في الأمم المتخلفة،
التي كانت تطارد الأحرار والعناصر الفاعلة والنابهة في الأمة، تباغتهم ليلاً
وتنزعهم من أحضان أسرهم ومن بين أطفالهم وذويهم، إلى حيث يغيبون في
سجون، أو قل في قبور، بحيث لا يعرف عنهم طير ولا إنس ولا جان أي أثر،
يلاقون من العذاب ما يشيب له الولدان وتضع له كل ذات حمل حملها، ثم تلفق لهم
القضايا وتنتزع منهم الاعترافات..) ، ثم ساق أبياتاً من قصيدة للدكتور يوسف
القرضاوي يذكر فيها سوقه إلى السجن في ظل الحاكم الديكتاتوري الديمقراطي! !
(عبد الناصر) ، يقول فيها:
يا سائلي عن قصتي اسمع لها ... قصص من الأهوال ذات شجون
أمسك بقلبك أن يطير مفزعا ... وتول عن دنياك حتى حينِ
فالهول عات والحقائق مرة ... تسمو على التصوير والتبيين
والخطب ليس بخطب أرض وحدها ... بل خطب هذا المشرق المسكين
في ليلة ليلاء من نوفمبر ... ِ فزعت من نومي لصوت رنينِ
فإذا كلاب الصيد تهجم بغتة ... وتحوطني عن شمأل ويمينِ
فتخطفوني من ذويّ وأقبلوا ... فرحاً بصيد للطغاة سمينِ
وعُزلت عن بصر الحياة وسمعها ... وقُذفت في قفص العذاب الهونِ
ما كدت أدخل بابه حتى رأت ... عيناي ما لم تحتسبه ظنوني
في كل شبر للعذاب مناظر ... يندى لها -والله- كل جبين
ثم قال الدكتور الواعي: (لهذا يلجأ بعض الفارين من مطاردة الشعوب إلى
الاختباء وراء ديمقراطيات مزورة وحريات مغشوشة، علهم يفلتون، وما أظن ذلك
يغني عنهم من عذاب الله من شيء، أو من المصير المحتوم، أو من هجمة
الشعوب وانطلاقة الأمم، وقد يكون ذلك إلى حين..) .
إن كثيراً من الديمقراطيات التي تحكم العالم الإسلامي إنْ هي إلا واجهات
لحكم الطغاة. فالرأي هو رأي الحاكم، وعلى المجلس النيابي أن يبصم، بطريقة
أو بأخرى! !
٩- لقد وجد التجار وأصحاب رؤوس الأموال في الديمقراطية ضالتهم
ليحكموا سيطرة رأس المال على رقاب الشعوب باسم الديمقراطية.
وقد جاءت النتائج الواقعية مدعمة لهذه الحقيقة، وهكذا تحولت المجالس
النيابية إلى مواقع انطلاق دستورية لامتصاص عرق الكادحين وابتزاز جهود
العاملين، وراحت المجالس النيابية تصدر القرارات تلو القرارات بزيادة الضرائب
وفرض الرسوم ورفع أسعار الخدمات، كل ذلك لأجل مصلحة الشعب! !
كذبوا؛ ليس ذلك إلا لمصلحة جيوبهم التي أتخمها المال الحرام!
إن إشكالية هذه النتيجة تتجسد في رضوخ هذه الشعوب المنكسرة إلى هذا
اللون من الجور الديمقراطي. أليست هي رضيت بالديمقراطية منهجاً وطريقاً؟
ولكن إلى متى؟
نعم، سيستمر هذا الواقع المهين إلى أن تدرك الشعوب المسلمة أن الحكم
بالديمقراطية لا يزيد في إفلاسه عن الحكم باسم القومية العربية أو الاشتراكية العلمية
كما يسمونها زوراً وبهتاناً أو البعثية أو ... وعندها لا بد أن تتملل هذه الشعوب
المسلمة، ثم تتحرك، ثم تندفع كالرياح العاتية لتقتلع الأصنام الحديثة المتدثّرة
بالديمقراطية.
إن الديمقراطية في العالم الثالث هي أحد منابع الانفجار الاجتماعي المرتقب؛
ولكن هل ستعي هذه الشعوب المسلمة أن لا بديل عن الإسلام؟
نعم، إنها ستعي ذلك، ولكن بعد أن تدفع الثمن غالياً نتيجة سيرها ولهاثها
خلف الشعارات الديمقراطية الزائفة.
١٠- إن الناخبين يعلقون آمالاً كباراً على مرشحيهم لاعتقادهم بامتلاك أولئك
المرشحين لعصا سحرية سرعان ما يلمع بريقها في ردهات البرلمان؛ فتحل بذلك
جميع مشاكل الذين انتخبوهم وأوصلوهم إلى سدة المجلس العتيد؛ وبسبب استحواذ
تلك الآمال الوضاءة على أفئدة الناخبين؛ فإنهم لا يبالون بما يبذلون من جهد ووقت
ومال لدفع مرشحيهم إلى تلك المواقع المتقدمة، يفعلون ذلك وهم سادرون في أوهام
الشعارات التي يرفعها المرشحون، ولكن ما إن يستتب الأمر، ويصل المرشح إلى
كرسي المجلس حتى تبدأ آمال الناخبين بالتلاشي شيئاً فشيئاً بما يرون من عدم مبالاة
المرشحين بقضاياهم الحقيقية وانشغالهم بالقضايا الذاتية. إن هذه السمة ليست من
اختصاصات ديمقراطية العالم الثالث فحسب، بل هي من السمات الملصقة
بالديمقراطية حيثما وجدت.
إن نائباً مثل (برنار تابي) وهو رئيس نادي ميلانو الإيطالي لا يبالي بقضايا
فقراء إيطاليا؛ ذلك أنه منهمك في تثمير أمواله وتوجيه دفات قنواته التلفزيونية،
ومثل ذلك يقال عن (سلفيو برلسكوني) الفرنسي الذي كوّن، بسبب قدرته المالية
الفائقة، حزباً سياسياً خلال شهرين ليفوز بواسطته بالأغلبية الانتخابية ثم يتولى
منصب وزير أول [١] ، نعم لقد استفاد جداً من كونه رئيساً لنادي أوليمبيك مرسيليا، ولكن ماذا استفادت الجماهير التي انتخبته؟ .
إنها تقوم بالمظاهرات احتجاجاً على الأداء السيئ لنواب الشعب المنهمكين في
سباقهم مع الزمن لتحصيل مصالحهم قبل انقضاء مدة المجلس! !
إن إشكالية النتائج هنا تتعلق بخيبة الأمل التي تصيب الجماهير بالإحباط لأن
الثقة التي أعطوها للنواب كانت كسراب بقيعة، مما أفقد الجماهير ثقتها بنفسها
أيضاً، بسبب وضوح عدم وصولها مرحلة الرشد التي تؤهلها لاختيار من يمثلها
تمثيلاً صحيحاً! !
стр. 2576
متابعات
دعوة لإعادة النظر
في أسلوب الإسلاميين لإدارة معركتهم مع العلمانيين
بقلم: أسامة محمد إبراهيم
قرأت مقالاً للأستاذ جمال سلطان في مجلة (البيان) الغراء بعددها الرقم ١١٥
الصادر في ربيع الأول ١٤١٨هـ، حيث اختار الكاتب عنواناً لمقاله هو: (في
الصراع الفكري ملاحظات على معركة حسن حنفي وجبهة علماء الأزهر) .
وبادئ ذي بدء فإنني أسجل تقديري واحترامي الشديدين للأستاذ جمال سلطان
بوصفه أحد الكتاب الإسلاميين في مصر، وله باع طويل في الدفاع عن الصحوة
الإسلامية التي شهدتها البلاد منذ عقود مضت، فضلاً عن إسهاماته المهمة في مجال
الدعوة الإسلامية سواء من خلال الكتب أو المقالات أو غيرها من السبل التي
تيسرت له.
غير أن كل ذلك لا يمنع من التعليق على بعض ما جاء في مقال الأستاذ جمال
السالف الذكر؛ فقد لفت نظري في مقاله عدم وضوح الرؤى لدى بعض إخواننا
الذين يتصدون للدعوة الإسلامية؛ وذلك فيما يتعلق بالأسلوب الأنسب الذي يجب
اتباعه في هذه الدعوة، خاصة في مواجهة الأبواق والمنابر العلمانية التي ازداد
عددها وانتشرت كالسرطان في جسد الأمة في السنوات الأخيرة، سواء تلك التي
تستخدمها بعض الأنظمة السياسية في بلادنا كأحد الأسلحة الوقائية ضد التيار
الإسلامي، أو تلك التي تهيمن عليها العناصر الماركسية والإلحادية والعلمانية التي
نجحت في التغلغل داخل العديد من الصحف والمؤسسات الإعلامية واسعة الانتشار
بمؤازرة من هذه الأنظمة التي جعلت شغلها الشاغل مهاجمة كل ما هو إسلامي
والسخرية منه والتنديد به وتمجيد ما عداه!
ولقد تعرض الأستاذ جمال في مقاله إلى تلك الحادثة المتعلقة بالدكتور حسن
حنفي التي بدأت ببيان د. يحيى إسماعيل أستاذ علم الحديث بجامعة الأزهر وأمين
عام جبهة علماء الأزهر، الذي هاجم فيه د. حسن حنفي ووصف أفكاره بأنها
تدميرية، وقامت على أثر ذلك كالعادة حملة إعلامية شعواء من قِبَلِ الكتاب
العلمانيين الذين يسيطرون على عشرات المجلات والصحف، فشن هؤلاء هجوماً
على الأزهر وجبهة علماء الأزهر وعلى الإسلاميين من دون استثناء.
وبما أن مثل هذه الحملات الإعلامية المنظمة التي تهدف في الأساس إلى وأد
الصحوة الإسلامية واستعداء السلطات على رموزها، أصبحت من الأمور اليومية
المعتادة في الصحف ووسائل الإعلام بسبب وبدون سبب، فإن ما يجب أن يعنينا
هنا: هو البحث عن (صيغة موحدة) يلتزم بها الدعاة والإسلاميون في مواجهة مثل
هذه الحملات، وليسمح لي الأستاذ جمال أن اختلف معه في بعض الطرح الذي
وضعه في كيفية إدارة الصراع، أو ما أطلق عليه (المعركة التاريخية والفاصلة بين
الإسلام والمناهج الوافدة) .
يقول الأستاذ جمال في مقاله: (إن إثارة معركة مع حسن حنفي في هذا الوقت
لم يكن له ما يسوغه أبداً، ومن أي وجه من الوجوه، فالأخطاء العقدية والفكرية
عند الرجل، قديمة، وليست جديدة، والكتب المشار إليها صدرت قبل سنوات،
ومرت دون أن يشعر بها أحد، كذلك فإن أسلوب د. حسن حنفي المسهب والمطنب
في التأليف يجعل القارئ غير المتخصص زاهداً في قراءته، ولذلك لم يشعر أحد
بأي خطر فكري لحسن حنفي يستحق هذه الضجة الكبرى إلا بعد البيان الذي نشره
الدكتور (يحيى إسماعيل (.
ومن حيث المبدأ، فإنني أتفق مع الأستاذ جمال فيما ذهب إليه من أن الصراع
الفكري، مثل الصراع العسكري أو السياسي، يحتاج إلى فنون خاصة في إدارة
معاركه، ويحتاج إلى حكمة وتخطيط وذكاء ووعي بالواقع واقع الناس وواقع
الصراع فيه إلا أنني أختلف معه في مسألة (التوقيت) الذي يراه غير مناسب في
إثارة معركة مع المذكور؛ وذلك على الرغم مما يعلمه كاتب المقال ويعلمه الجميع
أيضاً من أن د. حسن حنفي هو أحد غلاة العلمانيين في مصر، ونحن نسأل
الكاتب هنا عن الوقت الذي يراه مناسباً لمواجهة مثل هذه الكتابات التي تثير الحيرة
والبلبلة في نفوس العامة من الناس وعقولهم فضلاً عن التدمير الفكري الذي تحدثه
لدى الشباب والناشئة خاصة في الجامعات التي ابتليت بمثل هؤلاء الناس، وهل أن
قِدَم الكتب التي قام د. يحيى إسماعيل بمهاجمتها وفضحها مسوّغ لعدم التعرض لها، كما أن قول الكاتب بعدم وجود خطر فكري من كتابات حسن حنفي كلام في
نظري تنقصه الدقة؛ لأن مثل هذه الكتب مقررة على مئات الطلاب في كلية الآداب
ومطلوب منهم قراءتها مرات ومرات واستيعابها حتى ينجحوا في اجتياز امتحانات
آخر العام!
يخطئ من يظن أن هناك خلافات وتناقضات داخل المعسكر العلماني فيما
يتعلق باستراتيجيتهم في مهاجمة الإسلام والداعين له، وبالتالي فإننا نختلف مع
القائلين بضرورة وضع (أولويات) في مواجهة رموز العلمانية، فكما أن حربهم
على الإسلام ودعاته شاملة؛ فيجب أن تكون مواقفنا منهم أيضاً شاملة، ويكفينا هنا
طمأنة الباري (جل وعلا) لنا بقوله في كتابه العزيز: [إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَذِينَ
آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] [الحج: ٣٨] .
أما الدكتور حسن حنفي فمعروف أن نهجه الفكري، وأستشهد هنا بكلام
الأستاذ جمال سلطان نفسه في وصفه إياه بأن قناعاته الفكرية والاعتقادية في قضايا
الدين بوجه عام مادية، والإيمان بالغيب عنده مسألة فيها نظر، وهو متأثر كثيراً
بالفيلسوف اليهودي الشهير (باروخ اسبينوزا) ... ولذلك نجد الدكتور يحيى إسماعيل
لم يجاوز الحقيقة عندما وصف د. حنفي بأن مشروعه ذو خطر تدميري، فهو
يحقر الأنبياء والرسل ويدعي عليهم بما ليس فيهم، وأن الله عنده مثل
مجنون الحارة الذي يطارده الغلمان في الأزقة! ! ، وأنه ينكر النبوة ولا يعتبر
القرآن الكريم كتاب تحليل وتحريم، بل كتاب فكر يجوز إنكار سورة منه مثل
سورة يوسف؛ لأن الجنس عيب وتحليله رذيلة، وأنه يمجد إبليس وينكر الجنة
والنار، ويقول: إن سؤال الملكين خيال شعبي حول الخوف من عواقب الأمور،
ويضيف د. إسماعيل ونحن معه في ذلك: أن يدرس الطلاب مثل هذا، ماذا
ننتظر من جيل يتخرج على ذلك بعدما أهان الله رب العالمين والرسول والقرآن
الكريم ومجّد إبليس، [كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً]
[الكهف: ٥] .
ذلكم هو حسن حنفي الذي يعتبره كاتب المقال يمثل شرخاً نفسياً عميقاً في
معسكر العلمانية، وأن حرصه على أن يقدم نفسه بوصفه مفكراً إسلامياً متحرراً
ومستنيراً ونصيراً للمستضعفين جعله يهاجم بقوة وجرأة الأقلام والرموز العلمانية
المتحالفة مع الفساد، في الوقت نفسه الذي يتعاطف فيه بوضوح مع الحركات
الإسلامية (سياسياً ونفسياً وإن كان يختلف معهم بطبيعة الحال فكرياً.
وليس من شك أن مبعث كلام الأستاذ جمال سلطان هنا هو حرصه على كسب
أي صوت يؤازر الإسلاميين ويدافع عنهم في الحرب الشعواء التي تُشن عليهم منذ
أمد طويل بتحريض صريح من الداخل والخارج، غير أننا نذكّر الكاتب هنا بقوله
تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ
عَلَى الإيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [التوبة: ٢٣] وأظن بعد ذلك
أن الأمر لا يستأهل المزيد من التوضيح أو الإسهاب.
كما أن ما أريد أن أخلص إليه أيضاً من هذا كله وما يجب أن نسخر له جل
تفكيرنا وجهدنا له هو: البحث عن أنسب السبل والوسائل التي يلتزمها جميع
الداعين إلى الإسلام والساعين لإعلاء كلمته، وأن يوحدوا جهدهم في التصدي لمثل
هذه الهجمات الشرسة التي ما فتئ العلمانيون يشنونها على الإسلام ودعاته، وألا
تكون مثل هذه الوسائل قائمة على جهد فردي محض كما فعل الدكتور يحيى
إسماعيل؛ فإن مجرد الاتفاق على مثل هذه الصيغة كفيل بالذود عن الإسلام وفضح
المهاجمين له والذين معهم على الأقل أمام الرأي العام في العالم الإسلامي: [وَمَا
النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [الأنفال: ١٠] .
تحية وتوضيح من الأستاذ جمال سلطان
سعدت بقراءة التعليق الذي كتبه الأستاذ أسامة محمد إبراهيم، تعليقاً على
مقالي: (في الصراع الفكري) المنشور بالبيان الغراء (العدد ١١٥) ، والحقيقة أننا
في حاجة ماسة إلى سعة الصدر في تقبل الآراء المختلفة المهمومة بقضايا الدعوة،
بل وتنشيط طاقات الاجتهاد والبحث فيها، ولا نفزع من وجود بعض الخلاف فيها؛
إذ إن هذا مما يخصب الفكرة ويوسع الآفاق فيها، وأنا أحيي الأخ الكريم على
مبادرته وعلى غيرته التي استشعرتها من التعليق، وأما بخصوص المعركة مع
(حسن حنفي) وما رأيته من استعجال لها وكان هناك ما هو أهم وأخطر، فإنني
أؤكد أن هناك في مجتمعاتنا كثيرين من أمثال حسن حنفي في الفكر والتصور
والمعتقد، ولكنهم أخطر منه بكثير، كما أنهم جمعوا إلى فساد العقيدة فساد الخلق
والضمير والذمة، وسفاهة الكلام والقسوة في التبجح والإعلان في خصومتهم
للإسلام وشريعته وحضارته والانتماء إليه، فكانوا حرباً على الإسلام ضارية،
بينما رجل مثل حسن حنفي كان، رغم فساد عقيدته، يمتاز بشرف الموقف
السياسي والإنساني مع الإسلاميين، ودفاعه عن المضطهدين ودعواته الواضحة إلى
منحهم الحرية في الدعوة، ويهاجم المرتزقة من العلمانيين الذين يهيجون أجهزة
الدولة ضد الإسلاميين، ويحرضون السلطات على البطش بهم وحرمانهم من أن
يكون لهم صوت أو منبر.
وكان سؤالي هو: لماذا نترك كل هؤلاء الفجرة ونبدأ بمن يدافع عنا ويجيرنا
في أوقات المحنة؟
لماذا نترك أبا لهب ونحوّل حرابنا إلى المطعم بن عدي! كما أن حسن حنفي
يمثل شرخاً حقيقياً في صفوف العلمانيين المصريين والعرب أيضاً، ويدرك ذلك
بوضوح من يخالط الحياة الثقافية عن قرب، وقد عاينت ذلك بنفسي، وهجومه
على النخب الثقافية العلمانية واتهاماته القاسية لهم بممالأة الفساد والظلم ونحو ذلك:
هي أمور علنية وليست مستترة، وينبغي، ونحن نخوض صراعاتنا الفكرية أن
نلاحظ مثل هذه الحقائق وأن نستثمرها جيداً ولا نغمض أعيننا عنها بعاطفية ليست
في أوانها ولا في محلها.
وأما مخاطر تدريسه على الطلبة في الجامعة فهو كما أشرت مهموم بمشروع
سياسي أكثر منه عقدي أو فكري؛ ولذلك فخطره محدود من هذه الناحية، بل إن ما
لا يعرفه كثيرون أن ابن حسن حنفي نفسه هو من المتمردين على منهجه الفكري
وهو شاب من شباب الإسلام الملتزم والغيور، فلا أظن المبالغة في التوجس من
هذه الناحية لها ما يسوّغها.
وحاصل الكلام هنا أن الصراع الفكري يتطلب منا البصيرة بالواقع،
وموازناته ودقائقه، لكي نضع خطط المواجهة على بصيرة ونور، وبحيث تؤدي
دورها وتؤتي أكلها، بدقة وفاعلية.
стр. 2577
منتدى القراء
فن الإقناع
بقلم: محمد المرشد
س: لماذا نحاول إقناع الآخرين برأي أو بفكرة ما؟
ج: قد يكون ذلك لتحقيق التوافق، أو لتغيير السلوك، أو للتعلم، أو للحث
على الخير، أو للدعوة إلى الله، أو لتقوية العلاقات مع الآخرين لنيل بعض
المصالح، أو لتقارب الأفكار ووجهات النظر وخاصة لمن يعملون في مجال واحد..
فلا بد لمن يريد إقناع الآخرين بفكرة مّا، أن يعلم:
- أن الإقناع موهبة؛ ومن لا يجيدها فعليه تعلمها.
- أن مدارك الناس تختلف، وأفهامهم تتفاوت مما له الأثر في سرعة الاقتناع؛ فلا تعجل على أحد.
- قد تكون فكرتك صحيحة ولكنك لا تجيد الإقناع.
- قد تكون فكرتك غامضة فحاول توضيحها أكثر.
- أنت بشر.. وقد تكون فكرتك خاطئة؛ فلا تحاول إرغام الآخرين عليها أو
قيادتهم إلى رأيك؛ فالرأي ليس حكراً على أحد.
- قد يكون مَنْ أمامك معانداً أو مكابراً؛ فلا تتعب نفسك!
- إن عدم اقتناع صاحبك برأيك لا يدل إطلاقاً على إخفاق الحوار..
- وأخيراً.. وكما قيل: (اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية) .
стр. 2578
منتدى القراء
الموفقون
بقلم: عبد الله بن فهد آل محمد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
قال الله (تعالى) عن شعيب ﵊ : [وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ] (هود: ٨٨) ، فالتوفيق منزلة عظيمة يهبها الله لمن أحب
من عباده، فإذا علم الله من عبده الصدق والإنابة إليه وفّقه الله وهداه، قال (تعالى) : [قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ أَنَابَ] [الرعد: ٢٧] ، وإذا وفق الله
العبد اجتباه ويسر له أسباب العمل فيما يرضيه، وشرح صدره للطاعة، وحببه
إليها، فيقبل العبد على أبواب الخير يضرب بسهم في كل باب تواقاً منهوماً
مستسهلاً للصعاب مطارحاً للعقبات.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: (لن يشبع
مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة) [١] ، وقال : [أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ
صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ] [الزمر: ٢٢] .
فالموفق هو ذاك المخلص الذي أخلصه الله إليه فصدق مع ربه يريد مرضاته
مكتفياً باطلاع الله عليه، فلا يلتفت إلى المخلوقين ليُعرِّض بنفسه أو بكلامه أو
لحظات طرفه أمامهم ليمدحوه أو ينال إعجابهم، فهو يحذر من الرياء والسمعة
والعجب والإدلال بالعمل وغيرها من مفسدات الأعمال وموهنات القلوب.
والمخلص هو الذي حفظه ربه (تعالى) فسلّمه من شر الالتفات إلى الناس والشكاية
إليهم، والطمع فيما عندهم، والخوف منهم ومداهنتهم، والتملق لهم، وطلب
رضاهم على حساب الحق؛ فالإخلاص هو سر التوفيق وهو بوابة حيازة الخيرات
والقربات وقبولها من الله الذي يحب المخلصين الذين باعوا أنفسهم وأوقاتهم وكل ما
يملكون لربهم قال (تعالى) : [قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ]
[الزمر: ١١] ، وإذا أردت أن تعرف ميزانك عند الله فانظر في همك وشغلك هل هو لله أم لا؟ وقد قيل: (إذا أردت أن تعرف قدرك عند السلطان فانظر في أي الأعمال يوليك) .
وأهل الإخلاص هم الذين يقيهم الله من الفتن والشبهات والشهوات، ويكون
معهم يحفظهم وينصرهم، وينزل السكينة على قلوبهم، ويثبت أقدامهم حين اشتداد
الكربات ونزول الضوائق والأزمات.
والموفق هو الذي تحزنه آلام الأمة ويدمي قلبه ضياعُها وكثرة أعدائها
المتربصين، وهو المحزون حينما يرى أهل الفسق يسقطون في الرذيلة وهم
صادّون عن ربهم معرضون عن سنة نبيهم؛ لأنه يسوؤه أن يُعصى الله وتنتهك
حرماته.
والموفق هو من صرف الله قلبه عن التعلق بالدنيا والطمع في جمعها والظفر
بزينتها وشهواتها، وأنزل الله بقلبه همّ الآخرة، يعد أيامه وأنفاسه يريد ألا ينفقها إلا
فيما يرضي الله والهاتف دائماً في قلبه: الرحيل.. الرحيل، قال الله (تعالى) :
[بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى] [الأعلى: ١٦، ١٧] ، وهذا
بخلاف المغبون الذي صرفته دنياه عن آخرته.
والموفق هو من قام على نفسه يحاسبها على الدوام؛ لأن النفس جموحة
طموحة منوعة تريد الرفعة والعلو والمديح والتقدم والتعالي على الآخرين، فهو
معها في جهاد يكبح جماحها؛ فإن عمل طاعة فهو متلهف مشغوف يحسن الظن بربه
أن يقبل تلك الطاعة، وإن أذنب ثم تاب فهو خائف قلق يخشى أن لا يقبل الله توبته.
والموفق هو الذي نجاه ربه وسلمه من شر كبائر القلوب الخفية كالغل والحسد
وسوء الظن بالآخرين واتهام نياتهم والوقوع في أعراضهم والوشاية بهم والسقوط
في الغيبة والنميمة والكذب المُبطّن؛ فما أسوأ حال من كانت هذه صنعته وما أبعده
عن التوفيق؛ لأنه من شرار الناس، فعن (عبد الرحمن بن غنم) يبلغ به النبي:
(خيار عباد الله: الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله، وشرار عباد الله المشّاؤون بالنميمة،
المفرقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العنت) [٢] .
والموفق هو ذلكم المحسن للآخرين العطوف عليهم الذي يقلقه شجون
المصابين وأنات المساكين والمشردين والمحرومين والمظلومين، فهو يسعى بكل
سبيل ليكفكف عبراتهم، ويضمد جراحهم، ويمسح على رؤوسهم ليرد إليهم
اعتبارهم وينفي كربهم ويدخل السرور عليهم يوم نسيهم المسلمون وانشغلوا بأنفسهم
وشهواتهم وكماليات حياتهم.
والموفق من ألهمه الله ذكره فأصبح ذاكراً لربه بقلبه ولسانه فقضى العمر بهذه
العبادة العظيمة التي رتب الله عليها أعظم الأجور؛ فإنها المنّة الكافية والمنحة
الشافية أن يستديم العبد ذكر ربه ويتلذذ بمناجاته ذلك الذكر الذي هو أسهل العبادات
وأيسرها، قال (تعالى) : [فَاذْكُرُونِي أََذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ]
[البقرة: ١٥٢] .
والموفق من فتح الله على قلبه في الدعوة إليه والجهاد في سبيله فتحرك قلب
الداعية وهزه الشوق والحنين ليسوق العباد إلى ما يرضي رب العباد، فهو أحسن
الناس وأعظمهم أجراً وأشرفهم مهنة وكفى بها فخراً أنها مهنة المرسلين. فهنيئاً لك
أيها الداعية الصادق فقد قال رسول الله: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) [٣] .
стр. 2579
منتدى القراء
بداية ونهاية
بقلم: محمد حسين فقهاء
كان يحمل في قلبه همّ الإسلام.. يقف في مصلاه ليلاً وقد تعلق قلبه بالله ...
يدعو ربه بإصرار. وخشوع.. يذكر ربه خالياً فتفيض عيناه ... يصلي ولجوفه
أزيز.. لا تكاد تراه بعد صلاة فجر إلا منكباً على كتاب الله يتلوه وفي عينيه دموع
تفيض من خشية الله ... كيف لا ... وهو يخشى ضمة القبر.. وهو لا يأمن مكر
الله بالمنصرفين عن سبيله.. وهو يرى ذنوبه في أصل جبل يخاف أن
يقع عليه.. [١] ينظر إلى حال المسلمين اليوم فيتقطع قلبه عليهم حسرات. كان
نجماً شامخاً محلقاً في الآفاق.. بل كان طيراً يحلق فوق الرؤوس لينظر إلى الدنيا
فيراها صغيرة حقيرة تتناهشها الذئاب.. يحب أن يبقى محلقاً بفؤاد ذاق حلاوة
الحياة الطيبة.. يرجو أن ينتقل إلى طائر آخر أحلى وأعلى من طائره الأول.. ذاك
طائر في الفردوس الأعلى يحمل أرواح الشهداء، ثم يأوي إلى قناديل تحت العرش.. لقد كان غريباً حتى بين أهل الإسلام.. كان قمة ينظر إليها الناس فيتمنون لو
يصلون إليها..
أما اليوم فكأنه ما كان ... هو اليوم لا يتعدى أن يكون ربوة بين قمم. لم
يتغير فجأة.. بل كأنه حقن بسم الدنيا البطيء ليموت ببطء.. مال وبنون.. همّ
طغى على كل همّ.. لا تراه في صلاة الفجر يرفع يديه كما كان يفعل متضرعاً إلى
الله، لا تراه كما كنت تراه.. حتى سَمْتُه الإسلامي تغير.. فهو يزعم أن الرزق
هكذا يتطلب.. لا يتورع عن بعض النظر والسماع المحرم ... ينظر فيرى ذنوبه
كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار.. هو الآن له قلب يذوب كما يذوب الملح
في الماء [٢] ... كان الناس ينظرون إليه كقمة واليوم ينظرون إليه بحسرة ... هو
باختصار كان.. ﵀.. وردّ الله غربته.
стр. 2580
الورقة الأخيرة
المؤتمر المشبوه !
بقلم: عبد الرحيم البلوشي [*]
عقد مؤخراً برعاية النظام الإيراني ما سمي بـ (مؤتمر الوحدة الإسلامية)
الذي دعي إليه ضمن من دعي نفر من أهل السنة من خارج إيران يشاركون في هذا
التجمع المشبوه! ولا نقول ذلك من فراغ؛ إذ تبين لنا أنه أحد مؤتمرات الضّرار
التي يعقدها القوم لتبييض صورتهم الملطخة بالإساءة المستمرة لأهل السنة داخل
إيران؛ حيث وزعت في مؤتمر الوحدة هذا! ! الكتب والأشرطة التي تسيء للسنة
وأهلها، وتهاجم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بأساليبهم المعروفة من التكفير
والتفسيق والذم. ومن المواضيع التي نوقشت خلال المؤتمر موضوع (التّقِيّة)
لمحاولة إضفاء الصفة الشرعية عليه، وتطرّق البحث إلى موضوع المذاهب
الكلامية في الإسلام فأثبتوا كالعادة أصالة (رفضهم) وأن التشيع كان موجوداً منذ
عهد النبي. أما الاتجاه السني فهو في زعمهم حادث وطارئ؛ إذ جاء بعد القرنين
الثاني والثالث؛ وهذه دعوى تافهة يعرفها أصغر طلبة العلم.
ولتأكيد الوحدة الإسلامية المزعومة عرضوا على المؤتمِرِين فيلماً لعددٍ من
طلاب السُنّة بعد أن تم انتزاع الاعترافات منهم تحت التهديد والتعذيب فيما يبدو
وبكل وقاحة لُقّنوا بأنهم كانوا وهّابيين، وأنهم كانوا يدرسون العقيدة الواسطية لابن
تيمية، وكتاب التوحيد لابن عبد الوهاب؛ لكنهم الآن تائبون نادمون، ويقدمون
اعتذارهم إلى الجمهورية الإسلامية طالبين العفو والرحمة! !
وعرضوا فيلماً آخر لمجموعة أخرى يعترفون بأنهم من جماعة (الفرقان)
وأنهم تدربوا خارج إيران للقيام باغتيال إمام الجمعة الحكومي في بلدتهم؛ وهذه
أيضاً أساليب مستهلكة لم يعد يخفى على أحد تزييفها؛ وقد ألقى خطيب الجمعة
المعني خطبته مهدداً أهل السنة في إيران بأن الحكومة ستصب الرصاص المذاب
في أفواه هؤلاء وأمثالهم.
ومما يؤسف له أن توصيات هذا المؤتمر قد تلاها أحد علماء السنة الإيرانيين
المعروفين بعمالتهم للرافضة (فحسبنا الله، ونعم الوكيل) ، ونحن نستنكر ما جاء في
ذلك المؤتمر المشبوه وأمثاله مما يعد له سلفاً للإساءة إلينا وإظهارنا أمام الرأي العام
بأننا إرهابيون زوراً وبهتاناً، ونؤكد أن تلك الاعترافات التي أدلى بها أولئك
الطلاب إنما تمت تحت التعذيب، مما يجعلها عارية عن أي صفة شرعية أو قانونية، أو أن هؤلاء الذين ادّعيَ أنهم طلبة تائبون نادمون ليسوا إلا ممثّلين مأجورين أو
متطوعين للقيام بهذا الدور الذي لم يَعُدْ خافياً على أهل النظر والتدبّر.
ونتساءل بكل مرارة: إلى متى تنطلي أكاذيب القوم على أهل السنة؟ وإلى
متى يتدافع بعض أهل السنة لحضور تلك المؤتمرات وهي معروفة الأهداف
والنوايا؟
ولا نملك إلا أن نقول لهم: [وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ]
[الشعراء: ٢٢٧] .
ــ
(*) مدير مكتب رابطة أهل السنة في إيران بلندن.
стр. 2581
رجب - ١٤١٨هـ
نوفمبر - ١٩٩٧م
(السنة: ١٢)
стр. 2582
كلمة صغيرة
العقد الموروثة
الطريقة الاستفزازية التي تتعامل بها أمريكا مع قضية فلسطين تنبئ عن
العقلية المتعصبة المتوترة التي تفكر بها؛ فراعية السلام المحايدة! عجزت عن
مجرد اتقان تمثيل هذا الدور حتى النهاية، على الرغم من الإمكانات المسرحية
الهائلة التي تمتلكها. وشعاراتها التمثيلية (سلام الشجعان!) لم تستقر عليها، بل
أصرت على أن ترفع شعاراً آخر تلزم به طرفاً واحداً فقط، وهو: (سلام العبيد! !) تُمارس من خلاله كل ألوان الإذلال والاستهانة والعبث بعقول أمة.
وقديماً بيّن (جوستاف لوبون) الخلفية الفكرية والنفسية التي يتعامل بها الغرب
مع القضايا الإسلامية بقوله: (لقد تجمعت العقد الموروثة: عقد التعصب التي ندين
بها ضد الإسلام ورجاله، وتراكمت خلال قرون سحيقة، حتى أصبحت ضمن
تركيبنا العفوي) .
وليس العتب الحقيقي على الغرب فما تخفي صدورهم أكبر، ولكن العتب كل
العتب علينا أبناء هذه الأمة الذين نرضى بالدنية في ديننا، ونقبل تلك المسرحية
التي اتضحت ألاعيبها وتكشفت مهازلها! !
стр. 2583
افتتاحية العدد
لا عزاء للطغاة
كانت فترة الخمسينات والستينات الميلادية مليئة بنماذج مشوهة من الطواغيت
الذين ملؤوا الدنيا ضجيجاً ممجوجاً، عقوداً مديدة ... مريرة.
فكان منهم: الرفيق، والقائد الأوحد، والجنرال والماريشال، والكولونيل،
إلى آخر ذلك من ألقاب اكتسبوها في غفلة من البطولة الصادقة، واستغفال الشعوب
المنقادة بالظلم وبمباركة أولي الأمر من شرق وغرب.
أطبق طغيانهم على شعوبهم ظلمات بعضها فوق بعض، وتبدلت المفاهيم
الصادقة إلى ضدها؛ فكان الظلم عدلاً، والباطل حقاً، وأضحى الناس بين خفض
ورفع، فمن أتقن الانتهازية وأدرك اللعبة وكان من التابعين؛ فروح وريحان، ومن
أبت نفسه ذلك وتمسك بمبادئ الأولين، فله شقاء الكادحين، وشظف المعدمين، إن
لم يكن من المسجونين.
إذا جاعت الشعوب.. أكلت جوعها لتزداد جوعاً، أما الطغاة، فإذا شبعوا ...
جاعوا ليأكلوا حتى يموتوا.
لبست الشعوب على عظامها جلوداً كجلود الأحذية، وهم لبسوا شحوماً على
لحومهم.
استثمروا أموال تلك الشعوب بطريقة خاصة، في مصارف خاصة، فلم يعد
منها لهم شيء البتة.
ولكن سنة الله في الطغاة وإخوانهم لا تتبدل، فلهم خزي الدنيا، ولَعَذاب
الآخرة أشد.
في الأيام القليلة الماضية هلك الماريشال (موبوتو سيسي سيكو) النمر المرقط، إمبراطور زائير السابق، وهو الذي قام في (أيلول زائير الأسود) بانقلاب
عسكري عام ١٩٦٠م مقابل خمسة ملايين دولار من بلجيكا، لكن المحاولة أخفقت
لقلة الأموال، وربما لأن الإخفاق كان هو المستهدف، ثم انقلب مرة أخرى بأموال
أخرى وذلك عام ١٩٦٥م ونصب نفسه رئيساً مطاعاً، وكان يراد له أن يلعب دوراً
فجثم على صدور الزائيريين أكثر من ثلاثين عاماً، حلب فيها الوصيلة والحامي،
وتردى شعبه بعدما نطحه، بينما هو قد أكل لحوم السباع ولبس جلودها.
بلغت ثروته التي جمعها من راتبه الشهري! ! ما يقارب السبعة مليارات من
الدولارات، وتوزعت ثروته العقارية ما بين قصور.. وقصور، في فرنسا
وبلجيكا، ولوكسمبورج وإيطاليا، وأسبانيا.
مرض الرجل بمرض الطغاة المعتاد.. (سرطان البروستاتة) وخرج للعلاج،
فانقلب البلد ولكن هذه المرة بأموال أمريكية قدمتها أياد غير بلجيكية.. هام الرجل
على وجهه يطلب ولو كوخاً يؤويه؛ فقد حيل بينه وبين قصوره، وتنكر له رفاقه
الطغاة حين طلب أن يكون لاجئاً لا إمبراطوراً، فحنطوه في ذله، وأذلوا كبرياءه.
ظن موبوتو وهو على سرير المرض أن الشعب سيفديه بالأرواح والمهج،
وأنهم سيحملونه على جناحي طائرة ويعودون به مرة أخرى، ولكنه عندما أيقن
بالنهاية، قطع حبال الأحلام، وأحضر القساوسة الكاثوليك، وتوسل إليهم أن يدعوا
له بالمغفرة والرحمة! !
خرج القساوسة بعدما ترحموا عليه، ودخلت مجموعة من المحامين
والمحاسبين لوضع الشكل النهائي لمصير ثروته وأملاكه! !
مات موبوتو ولم يبكه أحد، حتى أبناؤه كانوا منشغلين بالتركة التي تركها،
وحاولوا أن يختموا حياة أبيهم بكرامة، ولو صغيرة، فطلبوا حضور مندوبين عن
الدول الكبار التي وضعته في الحكم، فاعتذر الجميع، ودُفِنَ (مؤقتاً) في جوار
الأطلسي.
وإذا كان الرجل قد هان على أوليائه في نهاية حياته؛ فلم يروا أن يدفعوا عنه
آثار ظلمه وعاقبة بغيه على الرغم من أنه كان أداة لظلمهم ومجدافاً في أيديهم، بل
لم يفاوضوه حتى يحفظ ماء وجهه، وأقصى ما قدموه له أن سمحوا له أن يفر بجلده
كي لا يموت ذليلاً مغموراً مرتين.
فهل يتذكر العقلاء أن تلك النهاية هي ثمرة ولاية الشيطان التي قصها القرآن:
[وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا
كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا
أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظَّالِمِينَ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [ابراهيم: ٢٢] وهل يتذكر قوم يشترون ما عند أولئك الأولياء بعز
أوطانهم ودماء شعوبهم؟ .
لقد عاد موبوتو إلى قساوسته فهل يعود قومنا إلى الله قبل أن يلقوه حكماً عدلاً
فيسألهم عما أضمروه [وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ
تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢) ] [فَلا تَحْسَبنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
ذُو انتِقَامٍ] [إبراهيم: ٤٢، ٤٧] .
إن حديثنا الذي هو صدى للحدث منطلق من ثوابت، ولنا منه نحن أيضاً
نصيب: فالليل خطوة والنهار خطوة، ثم ما يلبث العمر حتى ينقضي والأيام تطوى، ويمثل المرء أمام الحكم العدل لينظر عن يمينه فلا يرى إلا عمله، وعن يساره
فلا يرى إلا عمله، لقد أمرنا الله سبحانه في قرآنه الكريم أن نسير في فجاج التاريخ، ونضرب في أصقاع الدهور، ونستنطق الأحداث، ونفتش عن مواضع العبرة
ومواطن العظة: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ]
[النمل: ٦٩] فكيف إذا جاءتنا الأحداث وقرعت أبوابنا الوقائع ورأيناها رأى العين
[إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] [ق: ٣٧] ؟
يقول سيد قطب ﵀ : إن تلك النهايات كلها تفيض الطمأنينة على
القلب المؤمن، وهو يواجه الطغيان في أي زمان ومكان، تفيض طمأنينة خاصة؛
فربك هناك راصد لا يفوته شيء، مراقب لا يَندّ عنه شيء، فليطمئن بال المؤمن،
ولينم ملء جفونه، فإن ربك بالمرصاد للطغيان والشر والفساد..
[هَذَا وَإنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المِهَادُ] [ص:٥٥، ٥٦]
إن أولئك الطغاة وأمثالهم يصدق فيهم قول الحق ﵎ : [فَمَا بَكَتْ
عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ] [الدخان: ٢٩] وقوله: [وَمَن يُهِنِ
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ] [الحج: ١٨] وليكون ذلك تحذيراً لكل مستبد، فإن ربك
بالمرصاد؛ [وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] [هود: ٨٣] .
ومن الخسران المبين: ألا يعتبر اللاحق منهم بالسابق، وأن يسلك الطريق
نفسه إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة!
стр. 2584
دراسات شرعية
هل يمكن التعاون بين المسلمين
مع وجود الاختلاف؟
بقلم: هيثم بن جواد الحداد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه من والاه،
وبعد:
فقبل الخوض في غمار هذه القضية الشائكة لا مناص من البدء بالتأكيد على
أصلين عظيمين لا بد أن يستصحبهما من يتناول هذا الموضوع قراءة أو بحثاً:
أما الأصل الأول: فهو وجوب الاجتماع، ونبذ التفرق.
وهذا أصل عظيم من أصول الإسلام تضافرت في الدلالة عليه بطرق شتى
آيات وأحاديث كثيرة جداً، وفاضت به كتب علماء الإسلام قديماً وحديثاً، ولا أظن
أحداً يخالف فيه، فلا داعي لإطالة الكتابة بذكر أدلته وأقوال العلماء فيه ويكفي أن
نذكّر بقول الله : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا]
[آل عمران: ١٠٣] ، قال القرطبي (رحمه الله تعالى) : (.. فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة؛ فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة، ورحم الله ابن المبارك إذ يقول:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا) [١] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) : (وهذا الأصل العظيم، وهو
الاعتصام بحبل الله جميعاً، وألا يتفرق: هو من أعظم أصول الإسلام، ومما
عظمت وصية الله (تعالى) به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب
وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي ﷺ في مواطن عامة
أو خاصه، مثل قوله: (عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة) .. وباب الفساد
الذي وقع في هذه الأمة، بل وفي غيرها: هو التفرق والاختلاف، فإنه وقع بين
أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ما الله به عليم وإن كان
بعض ذلك مغفوراً لصاحبه لاجتهاده الذي يغفر فيه خطؤه، أو لحسناته الماحيه، أو
توبته، أو غير ذلك لكن ليعلم أن رعايته من أعظم أصول الإسلام) [٢] .
وأما الأصل الثاني: أن من صَدَقَ عليه وصف الإسلام لا بد أن ينال من
الحب والولاء:
ولوازمهما بقدر ما معه من الإسلام والإيمان، وفي المقابل يجب أن ينال من
البغض والتبري بقدر ما معه من عصيان، وأن الولاء والحب لا يزولان بالكلية،
إلا بخروج الإنسان بالكلية من الإسلام، فعندئذ فقط يستوجب كمال البغض والتبرؤ، يقول ابن تيمية (رحمه الله تعالى) : (وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر،
وفجور وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من
الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص
الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما
يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم
الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم..) [٣] .
بعد ذلك لا بد من بيان بعض الأمور:
أولاً: لا بد من بيان حكم التعاون بين المسلمين؛ والأصل فيه قوله (تعالى) :
[وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة: ٢] وما
في معناها من آيات وأحاديث، وهي ظاهرة في وجوب التعاون بين المسلمين فهم
المخاطبون بتلك الآية على البر، وظاهرة في تحريم التعاون على الإثم والعدوان.
وهنا نقول: إن كل من صدق عليه وصف الإسلام، وجب التعاون معه على
كل ما يصدق عليه أنه بر وتقوى؛ عملاً بعموم الآية الكريمة، ولا شيء يخصص
هذا العموم.
والأخذ بهذا الأصل، بشروطه المذكورة في الآية بهذه البساطة والوضوح
يريح المسلم من كثير من التعقيدات والإشكاليات حول موقف المسلم من المخالفين له.
ولنضرب لذلك مثالاً يعتبر من أكبر الإشكاليات في هذا الوقت وهو التعاون
مع أهل البدع، فنقول: إذا لم يكن أهل البدع ممن يكفرون ببدعتهم، كبعض
الصوفية، والأشاعرة وغيرهم، ممن لا يزال وصف الإسلام صحيحاً عليهم، وكان
التعاون معهم في أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى، مثل أمر بمعروف أو نهي
عن منكر، أو دعوة إلى الله، أو بناء مسجد، أو غيرها، فما هو المحذور
الشرعي من ذلك التعاون؟
فالجواب: عندئذ لا يعد التعاون مع هؤلاء على مثل تلك الأمور تعاوناً على
البر والتقوى، بل أصبح تعاوناً على الإثم والعدوان، ونحن منهيون عنه.
فإذا اشتمل التعاون على بر وإثم في آن واحد، رجعنا إلى الأصل الشرعي
المتفق عليه وهو إذا تعارضت مصلحتان أخذ بالأعلى منهما، كما أنه إذا تعارضت
مفسدتان قدم الأخف منهما، فيصدق على ما يقدم في كلتا الحالتين أنه من البر
والتقوى.
قال ابن تيمية (رحمه الله تعالى) ( ... فإذا تعذر إقامة الواجبات، من العلم
والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان
تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس، ولهذا كان
الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل..) [٤] .
بعد هذا البيان المقتضب الخالي من التعقيد لا شك أن كثيراً من المسلمين لن
يروق له ذلك في بادئ الأمر، وسيعترض عليه، بل ربما رفضه، ولكنه لو تأمل
لوجد أن هذا الإشكال الكبير الذي دوّخ كثيراً من المسلمين، وأدخلهم في دوامات لا
نهاية لها، وزجّ بهم في صراعات متنامية، هذا الإشكال ينتهي ويُحل إذا فهمنا هذه
الآية فهماً دقيقاً حسبما تقدم ذكره؛ إذ لا معارض لها من آيات أو أحاديث أو أصول
عامة.
وبهذه المناسبة أقول: إن وجود هذا الإشكال بهذا الحجم، حدث بسبب
التقصير في الاعتماد على نصوص الوحي في الاستدلال، والتقصير كذلك في
الاعتماد على أصول الاستنباط المتفق عليها، التي من أهمها فهم النصوص
الشرعية في ضوء قواعد الشريعة العامة المتفق عليها، واستبدال ذلك بالموازنة
بأقوال العلماء، حتى أصبح كلامهم كالنص، يجب العمل به، ويُحمل على عمومه.
بل ربما أصبح كلام بعض العلماء وبعض مواقفهم، هو الأصل وأن الآيات
والأحاديث تُحمل عليه، ولم تعد الوقائع، أو أفعال الصحابة أو مواقفهم، وكذلك
أقوال العلماء تُرجع إلى الأصول العامة المتفق عليها وتقارن بها، وإنما تُجتزأ
اجتزاء، وكل فريق يجتزئ من النصوص والأقوال ما يدعم مذهبه، ويرد كل على
الآخر، ويتكلف كل فريق في الاستدلال وإيراد الأقوال الدالة على مذهبه، ويكثر
اللغط؛ فتظهر تلك القضية كأنها من القضايا الكبرى المصيرية، التي تنبني عليها
الموالاة والمعاداة، وتحدث الفرقة، ويغيب الحق، ويزج بالدعاة في دهاليز مظلمة، يصعب عليهم الخروج منها وينصرفون عن واجبهم الأول وهو الدعوة إلى الله،
إلى صراعات حزبية لا تزيد الأمة إلا وهناً، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ونعود الآن إلى ما نحن بصدده.
ثانياً: لا بد من التفريق بين التعاون الذي أُمرنا به وبين الحب والبغض،
والولاء والبراء الذي أمرنا به كذلك؛ فحينما نقول: يجب أن نتعاون مع المسلمين
على البر والتقوى، فإن هذا لا يعني أن الحب الكامل والولاء الكامل يجب أن
يتوجه إلى كل المسلمين؛ فالتعاون شيء، والحب والبغض شيء آخر، فنحن
نتعاون مع الفاسق في بناء مسجد مثلاً مع أننا نكره ونبغض في الله ما يأتيه من
فسق، وربما يُمَثّل لذلك بأننا أُمرنا بالجهاد مع البر والفاجر من الأمراء، مع أننا
نبغض الفاجر لفجوره، ومن لازم بينهما أعني التعاون والمحبة، فعليه الدليل
والتعليل.
هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإن الأصل المتقدم من جواز اجتماع الخير
والشر في الرجل الواحد، وأنه ينال من الحب بقدر ما معه من خير، وينال من
البغض كذلك بقدر ما معه من الشر، هذا الأصل دال على هذا وشاهد عليه.
وكما ذكر ابن تيمية في الفقير السارق: (تقطع يده لسرقته، ويعطى من
الزكاة أو الصدقة لفقره) .
وبهذا يزول قدر أكبر من الإشكال، فلا مانع من التعاون مع المخالف على
البر والتقوى، ونحن في القلب نكره ما فيه من مخالفة، ونتبرأ منه بقدر ما معه من
مخالفة.
وهنا قد يقول قائل: ولكن التعاون مع المخالف مثل أهل البدع؛ قد يتضمن
الرضا ببدعتهم، أو قد يصور للناس أن المتعاون معهم هو منهم، وموافق لهم على
بدعتهم؟ !
والجواب: ينظر حينئذ في المصالح والمفاسد المترتبة على هذا التعاون؛
فأيهما غلبت كان لها الحكم؛ فإن كان ظهور الإنسان بمظهر الموافق لهم على
بدعتهم ينطوي على مفسدة أكبر من المصلحة المترتبة على ذلك التعاون، مُنِعَ
التعاون، وإلا فلا، وكذلك الأمر إذا كان نشر البدعة وإظهارها وحض الناس عليها، له مفسدة وهو في الغالب كذلك أكبر من المصلحة المترتبة على ذلك التعاون
أصبح هذا التعاون من التعاون على الإثم والعدوان؛ فهو داخل في النهي، فيزول
بذلك الإشكال.
أما مسألة الرضا ببدعتهم: فلن يرضى عنها إلا من هو موافق لهم وعلى
مذهبهم، أو يرى أنها ليست بدعة، أو من كان متساهلاً في أمر البدع؛ وهذا كله
راجع إلى أمر قلبي في ذات الشخص، فكأنه أصبح منهم، فليس هو عندئذ ممن
يسأل هذا السؤال.
وقد يثار هنا إشكال آخر وهو: ألا يعتبر التعاون مضاداً لهجر المخالفين الذي
أُمرنا به؟
والجواب: أولاً: لا بد أن نعلم أن الهجرَ خلافُ الأصل واستثناءٌ منه؛ إذ
الأصل وجوب الألفة والمحبة بين المسلمين والآيات والأحاديث ونصوص العلماء
سلفاً وخلفاً على ذلك متضافرة، قال الله (تعالى) : [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ]
[الحجرات: ١٠] ، وقال رسول الله ﷺ : (لا تباغضوا، ولا
تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق
ثلاث) [٥] قال ابن عبد البر: (وفي هذا الحديث من الفقه: أنه لا يحل التباغض؛
لأن التباغض مفسدة للدين، حالقة له، ولهذا أمر ﷺ بالتواد، والتحاب ... ثم قال: فمعنى: تدابروا، وتقاطعوا، وتباغضوا، معنى متداخل
متقارب، كالمعنى الواحد في الندب إلى التآخي، والتحاب، فبذلك أمر رسول الله
ﷺ في معنى هذا الحديث وغيره، وأَمْرُ رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - على الوجوب حتى يأتي دليل يخرجه إلى معنى الندب) [٦] .
كما أن الهجر إن عملنا به لا يكون إلا مدة يسيرة عابرة، قال النووي: (قال
العلماء: وفي هذا الحديث لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ... تحريم الهجر بين
المسلمين أكثر من ثلاث، وإباحتها في الثلاث، الأول بنص الحديث، والثاني
بمفهومه) [٧] .
ثم إن الأصل في الهجر المصلحة، كما نص على ذلك جمع من العلماء [٨] ؛
فحيث وجدت المصلحة جاز الهجر، أما إذا انتفت المصلحة، أو كانت المفسدة
المترتبة على الهجر أكبر من المصلحة المترتبة عليه حرم.
قال ابن تيمية (رحمه الله تعالى) : (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في
قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور عنه وتأديبه،
ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي
هجره إلى ضعف الشر وخِفْيَتِه كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع
بذلك، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع
من التأليف؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً، ويهجر
آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان
أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم،
وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين،
وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.
وجواب الأئمة كأحمد وغيره، في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا
كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم
بخرسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين
وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق [٩] .
وقال في موطن آخر: (فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد، ولا انتهاء أحد، بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأموراً بها، كما ذكره
أحمد عن أهل خرسان إذ ذاك، أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية، فإذا عجزوا عن
إظهار العداوة لهم، سقط الأمر بفعل هذه الحسنة، وكان مداراتهم فيه دفع الضرر
عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي، وكذلك لما كثر
القدر في أهل البصرة، فلو ترك رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن والآثار
المحفوظة فيهم ... ) [١٠] .
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الهجر لا ينافي مبدأ التعاون، فإذا
قبل المخالف التعاون على أمر فيه مصلحة للمسلمين مع إصراره على التمسك بما
هو عليه من مخالفة لو تصورنا ذلك فما المانع من التعاون معه، إذا كانت المصلحة
في الأمر المتعاون عليه هي الغالبة.
وبهذا يظهر أن أمر التعاون مع المخالف، قد يكون في كثير من صوره أمراً
خاضعاً للاجتهاد؛ وذلك حسب كل حالة والظروف المحيطة بها، وأنه منوط
بالمصلحة، وعندئذ فلا يجوز لأحد أن ينكر على من خالفه في الأخذ بمبدأ التعاون
في بعض الصور إذا كان يظهر أن المصلحة ربما تكون فيها راجحة ولو من وجهة
نظر المخالف.
وفي ظل هذا نستطيع فهم كثير من مواقف السلف الصالح، والعلماء، حول
هذه القضية، ففي بدر مثلاً حكى الله عن الصحابة: [مِنكُم مَّن يُرِيدُ
الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ] [آل عمران: ١٥٢] ولا شك أن الرسول - صلى
الله عليه وسلم - كان عالماً بمن هو من أصحابه ممن يريد الدنيا، أو لإعلام الله له
بذلك إن كان فيه ضرر عليهم، ومع ذلك فقد جاهد الجميع في خندق واحد.
ولذا أمرنا بالجهاد مع البر والفاجر من أمراء المسلمين [١١] ، وعلى مر
التاريخ جاهد علماء المسلمين مع أمرائهم وأئمتهم ولو خالفوهم في بعض مسائل
الاعتقاد؛ لأنهم رفعوا راية إعلاء كلمة دين الله بصدق.
ولا بد من أن نؤكد هنا بناء على ما تقدم على أن مواقف الأئمة وأقوالهم في
المخالفين، يجب أن تُفهم في ضوء هذا الأصل، وهو أن الموقف من المخالف
منوط بالمصلحة؛ فكل زمن له وضعه وأحواله؛ فليس زمن قوة الإسلام كزمن
ضعفه؛ فلا يجوز أبداً اجتزاء بعض أقوال العلماء بعيداً عن هذا الأصل، ومن ثم
الاحتجاج بها، فضلاً عن أن تجعل أدلة قائمة بذاتها، لتسويغ الفرقة الحاصلة بين
المسلمين، وما أجمل كلام شيخ الإسلام إذ يقول: ( ... وكثير من أجوبة الإمام
أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل، قد علم المسؤول وحاله، أو خرج
خطاباً لمعين قد علم حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول -
ﷺ إنما يثبت حكمها في نظيرها، فإن أقواما جعلوا ذلك عاماً،
فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما
تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك
بالكلية فلم يهجروا ما أمر بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض،
لا ترك المنتهي الكاره، أو وقعوا فيها ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي
عنه. والله أعلم) .
وأخيراً فقد يقال: لكن يبقى أن المخالف مخالفة سائغة يكون المسلم أقرب إلى
التعاون معه، وكذلك النصرة له من المخالف مخالفة غير سائغة، ولا مقبولة، أو
قد تحتم بعض الظروف معرفة درجه المخالف والمخالفة.
وهذا ولا شك صحيح يضاف إليه ما ذكرنا مما يجب أن يقوم في القلب من
حب وبغض وولاء وبراء بحسب المخالف، وهذا ما نتناوله في المسألة التالية:
ثالثاً: بقي النظر في المخالف، ودرجة مخالفته، وموقف الإنسان منه: محبة
وبغضاً، وولاء وبراء؛ وهذه المسألة ذات شقين:
الشق الأول: وهو الحديث عن الخلاف، والمختلفين.
وأما الشق الثاني: فهو الحديث عن الموقف من الخلاف، والمختلفين.
فبالنسبة للشق الأول، فإنه لا بد أن نحرر أقسام الخلاف وأنواعه تحريراً
دقيقاً.
والذي يظهر لي أننا يمكن أن نقسم الخلاف بين المسلمين، بحسب الموقف
منه إلى خلاف سائغ، وخلاف غير سائغ.
والأساس الذي بني عليه هذا التقسيم، بل وأكثر مسائل الخلاف وما ينبني
عليها: متى يكون المخالف لنا، مخالفاً لأمر الشارع جل وعلا عاصياً بفعله وهذا
بالطبع فيما يظهر لنا فعندئذ يستوجب ما يستوجبه العاصي من نكير، وبغض وتبرؤ
من عصيانه، ومتى لا يكون كذلك؟
والأصل في هذا كله قوله (تعالى) : [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] [النساء: ٥٩] وما في معناها من
آيات وأحاديث. وحاصل ذلك بعبارة موجزة: أن من انتظم في سلك هذه الآية،
بمعنى أنه يصدق عليه أنه راد الأمر إلى الله ورسوله ﷺ ، فإنه
فاعل ما أمر به، فهو معذور، وأما من لم يرد إلى الله ورسوله -صلى الله عليه
وسلم-، فإنه ولا شك مخالف أمر الله، وهو عاص مستحق للعقوبة، مستحق
للبغض والهجران بقدر ما حصل منه من مخالفة.
وتقسيم الخلاف إلى سائغ، وغير سائغ، مبني على ذلك؛ فمن انتظم في
سلك الآية، فخلافه سائغ، ومن لا فلا.
وعليه؛ فإذا فهم هذا الدليل، ووجه الاستدلال به، اتضح ما يأتي من تفصيل، وظهر وجهه؛ كما سنبينه في الحلقة القادمة إن شاء الله.
стр. 2585
دراسات تربوية
موقف النظرية التربوية الإسلامية..
من النظرية التربوية الغربية
بقلم: عبد المجيد بن مسعود
مقدمة:
لعل من الثوابت التي أصبحت راسخة في وجداننا الحضاري وسلوكنا الفكري
نحن المسلمين في العصر الحديث، وباتت تتحكم بقدر غير يسير في منهج دراستنا
للظواهر، وتحليلنا لمختلف القضايا الفكرية والتربوية، لعل من تلك الثوابت: أن
نعرض الأنساق والنظم الإسلامية المرتبطة بشتى مجالات النشاط النظري والفكري، في سياق المقارنة بينها وبين مثيلاتها في عالم الغرب، ولا شك أن هذا الثابت
النسبي ستستمر مسوغاته وفعالية تأثيره على تحليلاتنا ودراستنا الفكرية والنظرية،
ما دام هناك في واقعنا المعاصر فئات عريضة من الناس تنظر إلى الغرب على أنه
مركز الحضارة والإشعاع الفكري المستنير الذي لا نملك إزاءه إلا أن نطأطئ
رؤوسنا في خشوع! من هنا رأيتني أُقبل على دراسة موقف النظرية التربوية
الغربية ومناقشتها في ضوء معالم التربية الإسلامية؛ بغرض إبراز التصور
التربوي الإسلامي للتربية. والواقع: أن منهجية المقابلة هذه لا يمكن للتصور
الإسلامي إلا أن يخرج منها منتصراً مرفوع الرأس؛ لأنه ينطلق من موقع قوة
يستمدها من ربانية مصدره التي تمنحه التنزه عن التجاوز والضعف، والاهتزاز
والقصور، ولأن منهجية المقابلة تقتضي عرض الصورة كاملة أمام الناس بكلا
طرفيها فيتضح الطرف الهزيل من الطرف القوي، من خلال إبراز العناصر
والمكونات التي تدخل في نسيج كل بناء نظري على حدة.
النظرية التربوية عرض وتقديم:
هناك قواسم مشتركة بين النظريات التربوية الغربية تتمثل فيما يلي:
أولاً: الاعتماد المطلق على العقل:
منذ البداية يمكننا أن نلفت النظر إلى حقيقة أساس مفادها: أن النظريات
الغربية على تعددها وتباينها في بعض الخصائص والصفات، تكاد يجمعها قاسم
مشترك هو: كونها صادرة عن مصدر وحيد في المعرفة هو: العقل البشري في
حركته ومعاناته وقلقه المأساوي في البحث عن الحقيقة، وكونها صادرة عن تصور
واحد للكون والإنسان والحياة.
والجدير بالاعتبار أنه ما من نظرية في التربية إلا وهي انعكاس لمذهب
فلسفي ما، وهذه قاعدة عامة لا يمكن أن يند عنها أي مذهب تربوي.
ولا تعدو الاختلافات التي تظهر بين نظرية وأخرى أن تكون تعبيراً عن
الاختلاف والتنوع في الملابسات والتطورات التاريخية التي مرت بها المجتمعات
الغربية، بكل ما تحمله تلك التطورات من أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية
وعلمية وغيرها.
ثانياً: النظريات التربوية الغربية ضيقة الأفق أحادية النظرة:
فالنظرية التربوية المثالية هي صدى للفلسفة الأفلاطونية حيث يقول أفلاطون
بعالمين: (العالم المحسوس) ويتألف من الأجسام أو الماديات، و (العالم المعقول)
وهو يتكون من الموجودات المجردة [١] .
فتلك النظرية تنطلق أساساً من (الصدارة المطلقة للروح على المادة) وهي
تفضي إلى تصرف تأملي يهمل المشكلات الزمنية، وطبيعة الإنسان الأرضية،
وتعنى أساساً بكمال الروح ونجاتها.
وانطلاقاً من هذه المعطيات يتجلى لنا الطابع النظري الذي يكتسيه التعليم في
إطار النظرية المثالية؛ حيث إن الهدف من التربية يرمي بالدرجة الأولى إلى
(تمرس العقل بالتراث الفكري والعقلي الذي خلفته الأجيال السابقة، بل اكتسب هذا
التراث صبغة القداسة وأصبح ينقل بحرفيته، وارتبطت موضوعات الدراسة
بضرورات التراث بدلاً من ضرورات الواقع، وصارت صلتها الوثيقة بالماضي
في تحوّل دون ارتباطها بالحاضر والمستقبل) [٢] .
أما المذهب الطبيعي، فإنه على العكس من المذهب المثالي؛ إذ يركز على
الجسد وما به من عواطف وغرائز وميول، فيعطيها الأهمية القصوى على حساب
العقل.
وإن كان من المعلوم أن هذا المذهب قد تجاوز من طرف التيار النفسي في
التربية الذي يستمد أسسه من رائد المذهب نفسه (روسو (، حيث يرى (بأن اللجوء
إلى علم النفس هو الإمكانية الوحيدة لتوفير المعيار الحقيقي لموضوعية البيداغوجيا) [٣] .
ومما يؤخذ أيضاً على هذه النظرية تضييق نطاق التربية بحيث ينحصر في
الطفل، الأمر الذي أدركت التربية المعاصرة خطأه وقصوره فوسّعت نطاق التربية
ليشمل المراهق والراشد والشيخ، وهذا ما أكدت عليه الرابطة الدولية (الجديدة)
للتربية الجديدة.
أما المذهب البرجماتي، وهو ذلك المذهب الذي يحوّل (النظر بعيداً عن
الأشياء الأولية والمبادئ والقوانين والحتميات المسلّم بها، (ويوجه) النظر نحو
الأشياء الأخيرة: الثمرات، النتائج، الآثار [٤] .
فإن مركز الثقل في اهتمامه لا ينصبّ على الحقائق الثابتة، وإنما على ما
يحصله الإنسان من منافع يستثمرها في حياته العلمية حتى إنه ينظر إلى الحقيقة
على أنها هي المنفعة وفي هذا (خلط واضح بين الحقيقة نفسها، والهدف الأساس
من محاولة الظفر بها، فقد ينبغي أن يكون الغرض من اكتساب الحقائق هو
استثمارها في المجال العملي والاستنارة بها في تجارب الحياة، ولكن ليس هذا هو
معنى الحقيقة بالذات، فإعطاء المعنى العلمي (البحت) للحقيقة، وتجريدها من
خاصية الكشف عما هو موجود وسابق! استسلام مطلق للشك الفلسفي الذي تحارب
التصورية والسفسطة لأجله، وليس مجرد الاحتفاظ بلفظة الحقيقة في مفهوم آخر
كافياً للرد عليه، أو التخلص منه) [٥] ، وما دام تيار الحياة متنامياً في سيره، فإن
حقائق جديدة تلغي وتتجاوز الحقائق القديمة، فلا شيء يبقى ثابتاً! ، وفي ضوء
هذه القناعة فإن أصحاب هذا المذهب يرون أن (التربية والنمو صنوان وليس للنمو
غاية تتجاوزه أو تعلو عليه، فغاية النمو هو النمو ذاته) [٦] .
إن من عيوب هذا المذهب جعله الحياة الحاضرة محوراً وحيداً للتربية دون
الالتفات للحياة المستقبلية، الأمر الذي جعله يفتقد قاعدة صلبة من المبادئ والأهداف
الثابتة التي تضبط حركة الحياة، وتحمي الإنسان من التيه والقلق والتأرجح بين
أحداث الحياة وتطوراتها المتلاحقة؛ وتلك نتيجة حتمية لإغفاله للجانب الروحي في
الإنسان ورفضه للإيمان بما وراء المادة [٧] ، وهذا ما حكم على نظريته التربوية
بالدوران في حلقة مفرغة، فهي تدور مع حركة الحياة المادية حيث دارت من غير
الاستناد إلى مبدأ عميق ومقياس دقيق تفصل بواسطته بين الغث والسمين،
والصالح والطالح ضمن تراث الإنسانية المترامي الأطراف، وتنفذ بواسطته وراء
أسوار الحياة المادية الضيقة.
سمات عامة في التربية الغربية:
وهكذا فإننا إذا تأملنا المذاهب التربوية الثلاثة تبين لنا بوضوح انطباعُها
بطابع النظرة الأحادية الجانب، التي تركز على بُعد واحد من أبعاد الكيان الإنساني
على حساب الأبعاد الأخرى؛ فقد لمسنا كيف يضخم المذهب المثالي جانب الروح
على جانب الجسد بكل ثقله، مستهيناً بما يستشعر ذلك الجسد من حاجات، عازلاً
الإنسان عما تموج به الحياة، مغرقاً إياه في صور وخيالات غريبة لا قِبَلَ له بها،
مخرجاً إياه من فطرته التي فطره الله (تعالى) عليها، وهذا في مقابل المذهب
الطبيعي الذي يفعل العكس تماماً؛ فليس هناك في ظل ذلك المذهب مُثُلٌ عليا يتجه
إليها، غير الانسياق وراء ما تمليه عليه الطبيعة، ولا مكانٌ مرموق لقوى العقل
وضوابط الأخلاق، والثغراتُ نفسها تشكو منها النظرية التربوية البراجماتية؛ إذ
إن إعداد الإنسان عندها هو الإعداد لحياة هادرة يتقلب الإنسان بعنف وراء أمواجها
المتلاطمة دون تحديد لقواعد ثابتة يتم الرجوع إليها وللكمال الذي يأوي إليه.
إن نتيجة مهمة يمكن استخلاصها مما سبق، وهي أن تضارب الأفكار
والمواقف الذي تعبر عنه النظريات الغربية، هو برهان ساطع على أن المنطلقات
التي تصدر عنها تلك النظريات خالية تماماً من اليقين العلمي، وإلا لانتهت إلى
قناعات مشتركة حول قضايا الإنسان والمجتمع، فهذا التخبط الذي تعاني منه هذه
النظريات وغيرها نابع من الجهل بحقيقة الوجود وحقيقة الإنسان محور الحياة فيه،
وهذا ما يؤكد عليه الدكتور (ألكسيس كاريل) في قوله: (إننا لا نفهم الإنسان ككل..
إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا،
فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة) [٨] .
من سمات النظرية التربوية الإسلامية: إن التصور الإسلامي في التربية
تجاوز ذلك التخبط الرهيب، الذي ظل يلاحق النظريات الغربية؛ لأنه ينطلق من
أسس وأصول محكمة وفهم شامل حول الكون والإنسان والمجتمع بني على وحي
ممن خلق الإنسان ويعلم حقيقته وجوهره: [أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] [الملك: ١٤] ، وهو يتعامل مع الإنسان على بصيرة، بمكوناته كلها، دون
إغفال إحداها لصالح الأخرى؛ لأن مطبقيه يعلمون أن ذلك الإغفال هو مدخل الخلل
في الكيان البشري وانعدام التوازن فيه، وبالتالي إفلات الزمام تماماً من قبضة
المربين الذين يتولون تنشئة الإنسان، وتعرّض هذا الأخير للدمار والانتكاس.
فالتربية الإسلامية التي تنبثق من الإسلام ونظرته الشاملة في الكون والإنسان
والمجتمع، تميز في المعرفة بين مجال يرتاض فيه الإنسان بطاقاته العقلية، ويصل
فيه إلى اكتشاف حقائق وأسرار، وهو مجال الطبيعة الفسيح الذي لا قِبَلَ للإنسان
بمعرفته إلا عن طريق الوحي الإلهي: أي عن طريق الدين الصحيح، وهو مجال
(ما وراء الطبيعة) ، والكيان البشري بتعقيده الهائل وتفاعل عناصره جزء من ذلك
المجال، وبتعبير واضح: مجال تنظيم حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين في دوائرها
المختلفة وكيفية معاملته لذاته.
فإصرار الفكر الغربي على أن بوسعه معرفة كل شيء عن الإنسان هو الذي
قاده إلى الطريق المسدود، والأزمة الخانقة التي تضرب الغرب بعنف شديد.
العلوم الكونية بين ذانك المنهجين:
وتقودنا المسألة الآنفة الذكر إلى البحث عن الدافع الذي كرس لدى الإنسان
الغربي هذا الاعتداد بالعقل. ومن الميسور لنا أن نقول بأن التقدم العلمي الذي
أحرزه الإنسان الغربي أدى إلى إصابته بالغرور والانبهار؛ فاعتقد خطأً أن العلم هو
الآلة السحرية التي لا يند عنها شيء؛ ولا يعزب عنها مثقال ذرة، وخيل إليه من
فرط إعجابه باكتشافات العلم أن هذا الأخير أصبح بديلاً عن الدين في تحقيق السعادة
للإنسان.
أما التربية الإسلامية، فإنها تنظر إلى العلوم الكونية على أنها مجال لتعميق
الإيمان بالخالق ؛ إذ إن المعرفة ليست معزولة عن الحكمة، بل هي
على العكس من ذلك المحراب الذي يقود إليها، قال (تعالى) : [إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] [فاطر: ٢٨] ، وقال (تعالى) : [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٠) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً
سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] .
وإننا بنظرة عميقة إلى كلمة الشهادة التي هي إعلان لدخول الإنسان في
الإسلام نتبين حقيقتين عظيمتين في الوقت ذاته: الحقيقة الأولى: هي مسؤولية
الإنسان الفردية في فعل الشهادة، والحقيقة الثانية: تعني أن تعبيري عن الشهادة
بقولي: (أشهد أن لا إله إلا الله) (لا يحدث في فراغ أو في انعزال عن عالم الطبيعة، وإنما يحدث في عالم الطبيعة وبه، فالمعرفة المطلوبة في الشهادة لا تحدث في
الإنسان وحده كعارف، وإنما تحدث فيه بوجود موضوع المعرفة أو وجود عالم
المخلوقات بما فيها هو نفسه كأحدها) [٩] .
أهداف التربية بين المنهجين: إن الخصائص المذكورة التي ميزت النظريات
الغربية في التربية، ومن بينها وقوع الفصام النكد بينها وبين الدين، وبالتالي
التعويل على العقل وتأليه العلم، كل ذلك أوقع التربية الغربية في الذاتية والهوى
ومحدودية الأفق في تحديد الأهداف الكبرى التي تتوخاها، ورغم الشوط الذي
قطعته العلوم الإنسانية في الغرب، فإنها لم ترتق بتلك الأهداف (فعلى الصعيد
الفردي دعت هذه العلوم الإنسان إلى الاعتماد على الذات وتقويتها؛ لأنها منبع القيم
المستقل والمرجع الأخير لوجود الإنسان ووعيه بوجوده، وأصبحت الحرية في
نظر الغرب متساوية مع الممارسة التي لا تخضع لمبدأ أو قانون، بل تصدر عن
الإرادة الشخصية مجردة) ، وقد تأثرت نظرية التربية بهذه النزعة إلى التمركز
حول الذات؛ فأصبحت ترى غايتها في إحداث التجانس في الرغبات بين أفراد
المجتمع الواحد، أما إذا تجانست فلا سؤال ولا استفهام بعد ذلك في خيرها أو شرها [١٠] .
لقد استقرت التربية الغربية على أن الهدف الأسمى (للتربية) الذي ينبغي العمل على تحقيقه هو إعداد المواطن الصالح، وشتان بين هذا الهدف الضيق والهدف الرفيع الذي ترمي إليه التربية الإسلامية، وهو إعداد الإنسان الصالح (الإنسان بجوهره الكامن في أعماقه، الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مواطن في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان؛ وذلك معنى أشمل ولا شك من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين) [١١] .
من إيجابيات النظريات التربوية الغربية: وإذا كانت النظريات الغربية
موضوع النقاش تشكو من تلك العيوب والثغرات التي رأيناها، وهي عيوب
وثغرات مترتبة حتماً عن طبيعة الأسس الفلسفية التي يشيد عليها أعلام الفكر
والتربية في الغرب أبنيتهم ونظرياتهم التربوية، فإن الإطار العام لتلك النظريات قد
اشتمل على بعض الاجتهادات في مجال التنظير والتطبيق التربويين، التي مكنت
الفكر التربوي الحديث من تجاوز بعض العناصر المثبطة؛ فاهتداء التربية الحديثة
في شخص أحد أقطابها المرموقين (روسو (إلى أهمية وضرورة تحرير الطفل من
عوائق الآباء والمجتمع، وتحذير (البراجماتية) مستفيدة في ذلك من تراث:
(روسو) من سلب الطفل فاعليته وقصر نشاطه على تقبل آراء المعلم ومتابعة أفكاره، بدل إشراكه بطريقة ديمقراطية في التفكير والبحث والتمحيص ليصل إلى الحقائق
بنفسه [١٢] ، كل ذلك شكّلَ مكاسب في إطار الفكر التربوي الغربي أزاحت
مجموعة من العوائق التي كبلت الفعل التربوي مما تسبب عنه ارتقاء في المردود
التربوي وتحسن في وتيرته.
ملحوظة مهمة: ومن خلال بحث هذا الموضوع أرى من الأمانة العلمية
والإخلاص للحق أن نورد ما انتهى إليه أحد الباحثين من أن هذا الذي أصبحت
تنادي به التربية الحديثة من ضرورة تخفيف (آثار البيئة وآثار الآباء على نمو
الأطفال من ناحية، وتنظيم البيئة التي تتطابق أكثر من غيرها مع خير نمو لنموهم
العقلي والخلقي من ناحية أخرى) [١٣] ، إن هو إلا تعبير عما جاء به الإسلام ممثلاً
في مفهوم الفطرة الواردة في حديث الرسول ﷺ : (كل مولود
يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ... ) [١٤]
إن التأمل في واقع الإنسان يدلنا على قابليته للتطبع بعقائد البيئة التي تكتنفه
في مراحله الأولى؛ مما يترتب عنه تشكّل عقليته ونظرته للحياة في قوالبها، كما
يدلنا على حرص الآباء على أن يكون أبناؤهم على غرار النماذج المرضية عندهم
المألوفة لديهم. في خضم هذا الوضع يعلن الإسلام عن مبدأ الفطرة التي تعني أن
مصير الولد في عقيدته وأخلاقه كامن فيه وليس في المجتمع الذي يولد فيه و (هذا
التركيز على ما أوجد في خلق الإنسان من قدرات ترشحه لحب الحق وللتوجه نحوه
وبه، نَقَلَ مهمة التربية نقلاً جذرياً وغيّر غاياتها تغييراً أساساً، فبعد أن كانت
مهمتها نَقْلَ ما توارثه الآباء والمجتمع صارت مهمتها توفير ما يلائم فطرة الإنسان
من نمو عقلي وخلقي ووجداني، وصارت غايتها كمال هذه الفطرة، وبهذا الانتقال
ارتقت التربية من ضيق وتعدد نسبية المجتمعات المختلفة إلى تربية عالمية ترتبط
بحقيقة الإنسان أينما كان وفي أي عصر كان) [١٥] .
خلاصة واستنتاجات: يَتَبَينُ من المعطيات السابقة أن في الإسلام تصوراً
يمتلك مقياساً دقيقاً يُعْرَض عليه ما توصل إليه التراث الإنساني في المجال التربوي، يقبل منه ما يقبل مما هو داخل في نسيج الحقائق المعبرة عن واقع الإنسان،
ويرفض منه ما يرفض مما لا تتوفر فيه شروط الصدق وموافقة قوانين الفطرة التي
فطر الله الناس عليها؛ ومن هذا المنطلق: فإن التصور الإسلامي يتبنى بكل ثقة ما
تتوصل إليه الإنسانية من كشوف متميزة ومناسبة في عالم التربية بما لا يناقض
أسسها ومنطلقاتها معتبراً إياها جزءاً من نسيجها الشامل على اعتبار أن في ذلك
النسيج ما يدل دلالة واضحة عليها، ويهدي إليها.
стр. 2586
دراسات دعوية
فتن..
يجب الفرار منها
بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
وبعد:
فإن منشأ الفتن كلها من فتنة الشيطان الذي حذرنا الله منه بقوله:
[يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ] [الأعراف: ٢٧] ولذا في معرض الحديث في هذا
المقال لن أفرد فتنة الشيطان بحديث مستقل؛ لأن الحديث عن أنواع الفتن المختلفة
إنما هو في الحقيقة حديث عن فتنة الشيطان أعاذنا الله منه ومن شرور الفتن ما
ظهر منها وما بطن.
وسأحاول إن شاء الله (تعالى) أن أربط الموضوع بواقعنا المعاصر؛ وذلك
بذكر بعض الصور والمظاهر لكل نوع من أنواع الفتن في زماننا اليوم.
ومن الفتن التي ستكون محوراً للحديث:
١ - فتنة الغربة. ٢- الفتنة في العقيدة. ٣- فتنة المعاصي وترك إنكارها.
٤ - فتنة الدنيا وزخرفها. ٥- فتنة الاختلاف والفرقة بين المسلمين.
٦ - الفتنة بالعلم. ٧- فتنة المصائب والمكاره.
أولاً: فتنة الغربة: إن البدء بالحديث عن هذه الفتنة يأتي من كونها نتيجة
تراكم مجموعة من الفتن تنشأ الغربة بسببها، ويحسن بنا في بداية الكلام عن هذه
الفتنة أن نتطرق لحديث الغربة والغرباء الذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - من عدة طرق، ثم نعرج على كلام السلف في شرحهم لهذا الحديث، ونختم
الموضوع بذكر بعض مظاهر الفتنة في عصور الغربة وخاصة في زماننا اليوم.
روايات حديث الغربة:
١- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: (بدأ
الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) قال: قيل: ومن الغرباء؟ قال: (النّزّاع من القبائل) [١] .
٢- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ غريباً؛ فطوبى
للغرباء) قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: (الذين يُصْلِحون إذا فسد الناس) [٢] .
٣- عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرِزُ بين
المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) [٣] .
٤- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول
الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: (طوبى للغرباء) فقيل: من
الغرباء يا رسول الله؟ قال: (أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم
أكثر ممن يطيعهم) [٤] .
من خلال هذا السرد للروايات الصحيحة لحديث الغربة يتضح لنا وصف حال
أهل الغربة، وأنهم نُزّاع من القبائل، وهذا يشير إلى قلتهم، وأنهم يُصلِحُون إذا
فسد الناس، وأنهم أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن
يطيعهم.
وتدلنا هذه الأوصاف المذكورة للغرباء أنهم أهل غيرة ودعوة وإصلاح ولم
يكونوا صالحين يائسين مستسلمين لواقعهم الفاسد، كما تدلنا هذه الروايات على بقاء
المصلحين مهما اشتدت الغربة ولو كانوا قلة ونزاعاً من القبائل. ولن تخلو الأرض
من قائم لله بالحق حتى يأتي أمر الله .
ولذلك والله أعلم صدّر الإمام الهروي، (رحمه الله تعالى) منزلة الغربة بقوله
(تعالى) : [فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ
إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ] [هود: ١١٦] .
وقال ابن القيم (رحمه الله تعالى) في شرحه لمنازل السائرين عند هذه الآية:
(استشهاده، أي: مؤلف كتاب منازل السائرين بهذه الآية في هذا الباب يدل على
رسوخه في العلم والمعرفة وفهم القرآن؛ فإن الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة
المذكورة في الآية) [٥] .
من أقوال السلف في الغربة وأهلها:
- قال الأوزاعي ﵀ في قوله: (بدأ الإسلام غريباً ... ) الحديث:
أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل
واحد) [٦] .
- وقال يونس بن عبيد (رحمه الله تعالى) : (ليس شيء أغرب من السنة،
وأغرب منها من يعرفها) [٦] .
- وعن سفيان الثوري (رحمه الله تعالى) قال: (استوصوا بأهل السنة فإنهم
غرباء) [٦] .
- وقال ابن رجب (رحمه الله تعالى) : (وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما:
من يصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني: من يُصلح ما أفسد الناس وهو أعلى
القسمين وهو أفضلهما) [٧] .
وقد شرح حديث الغربة هذا أئمة أجلاء منهم شيخ الإسلام (رحمه الله تعالى)
في [مجموع الفتاوى: ١٨/٢٥١] ، والإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) في [منزلة
الغربة: ٣/١٩٤] والإمام الشاطبي (رحمه الله تعالى) في كتابه النفيس (الاعتصام) : ١/٩٧ والإمام ابن رجب (رحمه الله تعالى) في كشف الكربة فليرجع إلى هذه
الشروحات ففيها فوائد جمة.
وخلاصة ما قاله الأئمة حول الغربة وأهلها:
١- أن الغربة المطلقة في كل الأرض لا تكون إلا قبيل قيام الساعة، أما قبل
ذلك فلن تخلو الأرض من قائمين بالحق ولو كانوا قلة، ولكن قد توجد غربة تامة
في مكان دون مكان وفي جانب من الشريعة دون جانب. والله أعلم.
٢- أن أهل الغربة الممدوحين في كل مكان وزمان هم الفرقة الناجية،
الطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة المتمسكة بالكتاب والسنة وفَهْمِ الصحابة
﵃ والتابعين لهم بإحسان.
٣- أهل الغربة في كل مكان قليلون ولكن أثرهم على الناس عظيم؛ لأن من
أهم أوصافهم أنهم يدعون إلى الله ويصلحون ما أفسد الناس ويجددون
لهم دينهم.
٤- المخالف لأهل الغربة كثير، والأذى الذي يتعرضون له عظيم؛ لكنهم
بالحق الذي يحملونه، والمهمة الشريفة التي يؤدونها، والصبر الجميل الذي يتحلون
به ثابتون مطمئنون.
٥- في حديث الغربة معنى لطيف أشار إليه شيخ الإسلام (رحمه الله تعالى)
بقوله: (وهو لما بدأ غريباً لا يُعرف ثم ظهر وعرف؛ فكذلك يعود حتى لا يُعرف،
ثم يظهر ويُعرف) [٨] .
وفي هذا رد على من يفهم من أحاديث الغربة انحسار الإسلام وعدم الأمل
بعودته، وهذا ما يفهمه كثير من اليائسين من هذا الحديث، وفي كلام شيخ الإسلام
السابق رد على هذا الفهم الخاطئ، وذلك أن الإسلام إذا عاد غريباً كما بدأ، فإنه
سيعود قوياً ظاهراً كما حصل ذلك بعد غربة الإسلام الأولى.
وهذا الفهم الصحيح هو الذي تشهد له أحاديث صحيحة كثيرة منها قوله: (إن
الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي
منها) [٩] ، وقوله: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر
ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل: عزاً يعز الله به الإسلام،
وذلاً يذل به الكفر) [١٠] .
٦- الغربة في شدتها وعظم أجر أهلها ليست على رتبة واحدة وإنما هي
متفاوتة، فهناك غربة أهل الإسلام بين أهل الأديان الكافرة، وأشد منها غربة أهل
السنة والإيمان بين أهل الإسلام والفرق الضالة من أهل القبلة. وأشد منها غربة
أهل العلم بين عامة أهل السنة. وأشد منها غربة العلماء المجاهدين الصابرين بين
أهل العلم القاعدين. وهؤلاء هم الذين قال عنهم ابن القيم ﵀ (تعالى) : (هم
أهل الله حقاً فلا غربة عليهم) وهم الذين قال عنهم النبي ﷺ :
(إن من ورائكم أياماً: الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم،
قالوا: يا نبي الله أوَ منهم؟ قال: بل منكم) [١١] .
٧- أهل الغربة وإن كانوا قلة فهم السعداء حقاً ولا وحشة عليهم، وإن خالفهم
أكثر الناس؛ فحسبهم راحةً وطمأنينةً أنهم في قافلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
مظاهر الغربة في زماننا اليوم:
يمكن إجمال أهم مظاهر الغربة في الأزمنة الحاضرة اليوم فيما يلي:
١- غربة في العقيدة، فلا يوجد مَنْ هو متمسك بعقيدة السلف من جميع
جوانبها إلا القليل من الناس؛ حيث تنتشر الخرافة والشركيات والبدع في أكثر
بلدان المسلمين.
٢- غربة في تطبيق الشريعة والتحاكم إليها، فلا يُحكم اليوم في أكثر بلدان
المسلمين إلا بأحكام الإفرنج الكافرة.
٣- غربة في الالتزام بأحكام الإسلام، سواء ما كان منها بين العبد وربه، أو
بين العبد وبين الخلق؛ فلا يوجد الملتزم بها إلا القليل.
٤- غربة في السلوك والأخلاق الفاضلة، وتزامن ذلك مع انفتاح الدنيا وكثرة
الشهوات.
٥- غربة أهل الحق ودعاة الإسلام، وتسلط الأعداء عليهم، وإيذاؤهم لهم
بأشد أنواع الأذى والنكال.
٦- غربة في عقيدة الولاء والبراء؛ حيث مُيّعَتْ هذه العقيدة عند كثير من
الناس، وأصبح ولاء أكثرهم وحبهم وبغضهم للدنيا فحسب.
٧- غربة في أهل العلم؛ حيث قلّ أهل العلم الشرعي الصحيح، وانتشر
الجهل وكثرت الشبهات وقلّ العاملون بالعلم والداعون إليه.
مظاهر الفتنة في أزمنة الغربة: إن من أشد ما يخشى على أهل الإسلام في
أزمنة الغربة أربعة مظاهر من الفتن يمكن إجمالها فيما يلي: (والتفصيل يأتي في
الحديث عن بقية أنواع الفتن كلاّ في بابه) إن شاء الله (تعالى) .
١- الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشبهات والتأثر بأهلها الذين هم الأكثرية
في عصور الغربة، مما يحصل معه السقوط في فتن الشبهات سواء ما يتعلق منها
بالعقائد أو الأعمال أو المخالفات الشرعية الأخرى، وتسويغ ذلك بشبهة شرعية
تبرز عادة في غيبة الحق وفشو الجهل.
٢- الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشهوات التي تطمّ وتنتشر عادة في
عصور الغربة وقلة أهل الحق وانفتاح الدنيا بزخرفها على الناس؛ فلا يكاد يثبت
ويستقيم على أمر الله مع كل هذه الضغوط إلا القليل الذين يعتصمون
بالله، ويقومون بأمره، ويدعون إلى سبيله، أما الكثرة الكاثرة الذين ضعف صبرهم، فتراهم يتنازلون عن دينهم شيئاً فشيئاً أمام مظاهر الغربة الفاتنة؛ سواء كان ذلك
التنازل في العقيدة أو السلوك أو التزام الأحكام.
٣- فتنة اليأس والقنوط من ظهور الحق وانتصاره أمام تكالب الأعداء
وتمكنهم وتسلطهم على أهل الخير بالأذى والابتلاء مما قد يؤدي ببعض أهل الغربة
إلى اليأس وترك الدعوة حين يرى (إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم
ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم
العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة، وهو مهمل منكر لا يحس به
أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله
الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً ... فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت
الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاء أشد وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله) [١٢] .
وإن فتنة اليأس والإحباط وترك الدعوة إلى في عصور الغربة لا
يقف عند حد؛ بل قد تؤدي بصاحبها والعياذ بالله إلى الضعف والنقص في دينه شيئاً
فشيئاً أمام فتن الشبهات والشهوات؛ ذلك لأن أيامَ الغربةِ أيامُ فتنٍ وإغراءات وفشو
منكرات وظهور وتمكين لأهل الباطل والفساد. فإن لم يكن للمسلم فئة صالحة ولو
كانت قليلة يأوي إليها ويدعو معها إلى الله حسب الوسع والطاقة فإنه لا
بد أن يتأثر بالفساد وأهله إلا من رحم الله ومن غير المقبول عقلاً
وشرعاً وحساً أن يبقى المسلم محافظاً على دينه أمام الغربة وهو تارك للدعوة بعيد
عن أهلها، فإما أن يؤثّر أو يتأثّر.
نعم! يمكن أن يترك المسلم الدعوة ويبقى محافظاً على دينه في حالة الاعتزال
التام عن الناس في شعف من الجبال، ولا إخال هذا متيسراً في هذا الزمان، ثم لو
كان ذلك ممكناً: فمن ذا الذي يدعو إلى الله ويواجه الفساد. وعلى أي
حال فالعزلة الشرعية لها أحكامها وضوابطها التي سنعالجها (إن شاء الله تعالى) في
حلقة قادمة.
إذن: فلن ينجو من فتنة الغربة في أي زمان أو مكان إلا أحد رجلين:
إما مجاهد في سبيل الله داع إلى الخير آمر بالمعروف وناهٍ عن
المنكر.
أو رجلٌ معتزلٌ عن الناس في مكان من الأرض يعبد ربه، ولا يخالط الناس.
وما سواهما فهو على شفا هلكة، ولعل هذا ما يفهم من الحديث الذي رواه أبو
هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (مِنْ خَيْرِ
معاش الناس لهم: رجل ممسك عنان فرسه يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو
فزعة طار على متنه يلتمس الموت، والقتل مكانه. أو رجل في رأس شعفة من
الشعاب، أو بطن واد من هذه الأودية: يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى
يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير) [١٣] .
٤- فتنة العجلة وقلة الصبر على الأذى في الغربة؛ مما يؤدي ببعض من
يقاسي ضغوطها إلى التسرع والاصطدام مع أهل الفساد دون مراعاة للمصالح
والمفاسد؛ فينشأ من جرّاء ذلك فتنة أشد وفساد أكبر على أهل الغربة.
стр. 2587
دعوية تأملات
رفقاً بالشباب
بقلم: عبد الله المسلم
لقد كان من نتاج الصحوة المباركة أن توافد فئام من الشباب الغض إلى ركاب
الصالحين، بل إن عامة أتباع الصحوة اليوم وحاملي لوائها هم من الشباب؛ وليس
ذلك بغريب، إذ إن ذلك سنة الله في الأمم السابقة واللاحقة.
وحين يتأمل المصلحون اليوم واقع الشباب يرون أن ثمة ثغرات ومواطن
ضعف وخلل لديهم لا بد من علاجها وتسديدها، فينبرون للإصلاح والنصح
والتوجيه. ويأخذ معظم الحديث في هذه الدائرة صفة النقد، ومع الحماس وتوقد
العاطفة يتحول إلى نقد لاذع؛ كأن يقال: الشباب مهمِلون في جانب العبادة،
ومقصرون في الدعوة، ومفرطون في حقوق الأخوة، وضعاف في العلم الشرعي،
والتزامهم غير جاد بل مصطنع..
وينصت الشباب الأخيار الأفاضل إلى هذا الحديث الناصح، ينصتون إليه
بآذانهم وقلوبهم، وتغرورق عيونهم بالدموع التي يجتهدون في حبسها، وينصرفون
داعين لمحدثهم بالسداد والثبات والتوفيق.
إن النقد العلمي الموضوعي المعتدل مطلب لا بد منه، لكن الإفراط في
استخدام هذا الأسلوب ينطوي على محاذير عدة، منها:
١- نسيان محاسن هؤلاء الشباب وإيجابياتهم؛ فهم وإن قصروا في قيام الليل
إلا أنهم سرعان ما يهبّون من فراشهم لصلاة الفجر رغم الجهد والتعب، وربما في
بيوت لا يستيقظ فيها سواهم، وهم الذين تعففوا عن الحرام في ظل واقع مليء
بوسائل الإثارة والإغراء، وهم الذين يتورعون عن الصغائر، ويبادرون بالتوبة
من اللمم في حين يفاخر غيرهم بارتكاب الكبائر ويسعون إليها بما أوتوا من سبيل،
ومع ذلك كله فشباب الصحوة متفوقون في أعمالهم ودراستهم مع ما يحملونه من
هموم الدعوة والإصلاح.
٢- كثير من الأهداف التي يرتجى تحقيقها من خلال النقد يمكن الوصول إليها
بطرق أخرى غير طريق النقد؛ فالحديث عن النماذج في مجال ما من المجالات
يشحذ الهمم على التأسي والاقتداء، والحديث عن أهمية أمر من الأمور يأخذ بيد
المقصرين فيه.
والإيحاء غير المباشر يفعل فعله في النفوس، ولنا في النبي - صلى الله عليه
وسلم - أسوة حسنة؛ فحين رأى ابن عمر ﵄ رؤيا وقصها على
حفصة؛ فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ قال: (نِعْمَ
الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) [١] .
وعن سليمان بن صرد ﵁ قال: استب رجلان عند النبي -
ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمرّ
وجهه، فقال النبي ﷺ : (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه
ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) [٢] .
٣- أن هذا الأسلوب يخرج جيلاً فاقداً للثقة في نفسه، محطم الآمال، يشعر
أنه مجموعة متراكمة من الأخطاء، بل إنه يشكك ربما في صدق انتمائه وصلاحه؛
إذ هو لا يسمع إلا النقد والتقريع، وجيلٌ يعيش هذه النفسية سيكون بعيداً عن
المزاحمة في ميادين العمل والنشاط الخير.
٤- أن كثيراً ممن يمارس هذا الأسلوب قد يوجب ما لا يجب، ويمنع ما لا
يلزم منعه، فالنوافل نوافل لا يمكن أن تتحول إلى واجبات لا يعذر بتركها، ودقائق
الورع إنما هي مراتب فاضلة للخاصة لا العامة، فعلامَ نؤثّم من لم يؤثّمه الشرع؟
ونوجب ما لم يوجبه؟
وهذا لا يعني التخلي عن النقد، ولا عن بيان الأخطاء والحديث عنها، فقد
كان يفعل ذلك، وليكن ذلك بتوازن واعتدال؛ فقد كان يثني على أفراد من أصحابه
في مواقف لا تحصى، وأثنى على قبائل كأسلم وغفار، وأثنى على المهاجرين
والأنصار، وعلى أهل اليمن ... وغير ذلك كثير.
стр. 2588
من قضايا المنهج
العمل الإسلامي
ومنهجية التغيير
بقلم: د.جلال الدين صالح
لقد بات تجديد الإسلام في نفوس المؤمنين به أكبر هَمٍّ يؤرق شانئيه، وصار
تتبع توسعه، واقتفاء نموه بين جيل الشباب بخاصة يشغل حيزاً واسعاً واهتماماً
كبيراً في عقول أعدائه من الذين أوتوا الكتاب من قبلنا والمارقين من من صفوفنا،
حتى تمخض عن ذلك هذه الأساليب المشؤومة لكبح المد الإسلامي وإعاقته مما سُمّيَ
بـ (مكافحة الإرهاب) ، وليس في هذا ما يدعو إلى القلق والانزعاج ما دام خط
العمل الإسلامي في حد ذاته منضبطاً بضوابط الشرع، ومحكوماً بقواعد التصور
الصحيح في تأسيس مفاهيمه، فما كان الدين أبداً على ودٍ مع خصومه، ولن
يضيره ذلك إلا حين تدب في المؤمنين به مفاهيم التدين المنحرف، وتجتالهم عن
مصادر التدين الصحيح إلى مساقط الزيغ والهلاك؛ ذلك أن إمامة المسلمين في
الأرض مرهونة بوعي الإسلام على النحو الذي كان عليه جيل الصحابة (رضوان
الله عليهم) فالرب كما يقول المفسر ابن سعدي ﵀ : (عندما
سأله نبيه إبراهيم أن يوقف الإمامة على ذريته من بعده قال: [لا يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ] [البقرة: ١٢٤] [١] والظلم من أبلج صوره الانحراف المنهجي، وتتعدد
صور هذا الانحراف تبعاً لتعدد مصادر التلقي والتفقه، وأكبرها مقتاً عند الله وأشدها
أذى على العمل الإسلامي تلك التي تكدّر صفاء الرؤية العقدية وتشذ عن مألوف
الدين ومعروفه، وتحاول أن تجعل منه مادة جامحة، أو جافة مخلوطة بما هو
غريب عنه. وقد عرف مجتمع الإسلام هذا النوع من الانحراف في وقت مبكر من
تاريخه، وكان من جراء ذلك تنامي توجهات تحمل خللاً منهجياً في تدينها؛ فمنها
من آثر خلخلة قواعد المجتمع وقتال أهله على مواجهة الكفر ومجاهدته ظناً منه أن
ذلك أفضل ما يتقرب به المرء إلى الله كالخوارج الذين يقرؤون القرآن ولا يجاوز
حناجرهم، وإن منها من كسب انحياز السلطان نحوه؛ فسخر ذلك لإعلاء كلمته،
واستغله في فرض انحرافاته المنهجية على غيره؛ كما فعل المعتزلة في عهد
المعتصم ﵀ وغفر له) مع الإمام أحمد بن حنبل ﵀ .
الانحراف المنهجي في واقع العمل الإسلامي:
والعمل الإسلامي اليوم ليس على براءة من ذلك الإرث المنحرف؛ فكثير من
شبابه وبعض من قياداته من يؤصل لهذا الفهم السقيم ويزيّنه في قلوب المتحلقين
حوله حتى إن قيادياً بارزاً رأيت له مؤلفاً يعدّد فيه منجزات حركته التي منها إعادة
الاعتبار إلى الفكر الاعتزالي في نطاق الحركة وتفاعلاتها الفكرية. وهذا من شأنه
أن يحيي تلك المواقف التاريخية التي انبهرت بأطروحات الفلسفة اليونانية
ومعاييرها في إصابة الحق، ويبعث فيها من جديد روحَ تخطي النصوص
وإخضاعها لتلك المعايير؛ الأمر الذي يحول دون تعميق التمايز الفكري بين الجانب
الإسلامي والآخر المزاحم، في حين أن نقاء مصدر التغيير الإسلامي وتفرده في
تكوين الذات وتشكيل مفاهيمها ومنهجها ضرورة لا بد منها تحتمها طبيعة هذا الدين. ولقد أدرك سيد قطب ﵀ هذه الحقيقة حين أكدها بقوله: (ولكني أقرر وأنا
على يقين جازم بأن التصور الإسلامي لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ
إلا حين نلقي عنه جملةً كلّ ما أطلق عليه اسم الفلسفة الإسلامية، وكل مباحث علم
الكلام، وكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضاً، ثم نعود إلى القرآن الكريم) [٢] .
ولا شك أن هذه العودة بجانب ما تعمقه فينا من أصالة التفكير والتحرر من
التبعية تضفي على مشروعنا التجديدي خاصيتي: العلم بالحق، والرحمة بالخلق؛
على نقيض الاتجاهات المنحرفة، فلا يصدر لنا قول أو فعل إلا عن معرفة بالحق
ورحمة بالعباد، كما قال ابن القيم ﵀ في وصف أهل السنة والجماعة:
(يعرفون الحق ويرحمون الخلق؛ فلهم نصيب وافر من العلم والرحمة، وربهم
تعالى وسع كل شيءٍ رحمة وعلماً، وأهل البدع يكذبون الحق، ويكفرون الخلق؛
فلا علم عندهم ولا رحمة) [٣] .
وأرى أن من أهم مقتضيات هاتين الخاصيتين: قراءة نصوص الاستدلال
قراءة بعيدة عن (تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) والالتزام
بمرادفها في تحقيق مفاهيم الدين وإلا كان فسادٌ في الأفهام، واعتراضٌ على شرع
الله ودفعٌ نحو الشتات والهوان.
يقول ابن قتيبة ﵀: (وقد تدبرت مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون
على الله ما لا يعلمون ... لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحدٍ في الدين:
ف (أبو الهذيل العلاّف) يخالف (النظّام) ، و (النجّار) يخالفهما.. وفلان وفلان ليس
منهم واحدٌ إلا وله مذهب في الدين) [٤] .
وهذه المنهجية المعوجة لا تصلح أبداً لتصحيح المسار وإحداث التغيير في
واقعنا الحالي، وغالباً ما تكون مجالاً للاختراق الفكري، وتقويض دعائم المجتمع
الإسلامي وتخريبه.
اتقاؤها ومقاومتها:
وحيث إن وجودها لا يكون إلا على حين غفلة عن العلم الشرعي وغياب عنه
تأصيلاً وتربية، فإن اتقاءها ومقاومتها بداهة لا يكون إلا بتحصيل العلم الشرعي
والتزود منه، وإلا انقلب الأمر من غاية النهوض بالدين إلى الاستخفاف به، وهذا
ما نقله ابن عبد البر عن أهل البدع في كتابه جامع بيان العلم وفضله: (وما ينعى
على أهل البدع إلا أنهم اتخذوا الدين رأياً، وليس الرأي ثقة ولا حتماً.. فلا أجد
أحداً أشد استخفافاً بدينه ممن اتخذ رأيه ورأي الرجال ديناً مفروضاً) [٥] .
ولكن لا معنى للعلم ما لم يكن مقروناً بالعمل سوى أن يوظف لمكاسب دنيوية
عابرة تعكس تناقضاً بين المقول والمعمول، وتجعل المتصف بهذا في مصاف
علماء السوء الذين يقول فيهم ابن القيم ﵀: (علماء السوء جلسوا على باب
الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم) [٦] .
وفي هذا الصنف من العلماء يجد دعاة الضلالة وسيلة لإغواء الأمة وتخديرها
عن إدراك رسالتها في الحياة. والسقوط في هذا الخلق حتماً يتنافى مع غاية العمل
الإسلامي، ويحبس الذات في نطاق شهواني ضيق لا يتجاوز حد الهموم المادية،
ويسلب الشخصية الإسلامية تأثيرها بخلاف تلك التي تربط بين العلم والعمل؛ فإنها
لا محالة تكون مثالاً للاحتذاء والاقتداء، ومن ثَمّ طريقاً إلى التغيير المنشود.
التغيير الإسلامي بين خيارين:
والتغيير الإسلامي اليوم في مفاهيم كثير من الشباب يفتقر إلى تأصيل شرعي
تتوازن فيه المصالح والمفاسد ساعة الإقدام أو الإحجام، وأرى في هذا قصوراً في
فهم الواقع المعاش، وخللاً في فهم مقاصد الإسلام من عملية التغيير ذاتها، وأحسب
أن قصة عبد الله بن حذافة ﵁ أفضل ما يمكن إيراده عند مناقشة هذه
الظاهرة لدى هؤلاء الشباب فإنه ﵁ بكى من غير جزع حين قرر الملك
الروماني إلقاءه في قدر يغلي بزيت متمنياً أن لو كانت له أكثر من نفس تعذب في
سبيل الله، ولكنه في الوقت ذاته رضي بتقبيل رأس الملك بعد أن اشترط عليه
إطلاق أسرى المسلمين، ولقد مدح عمر بن الخطاب ﵄ صنيعه هذا
وكافأه بتقبيل رأسه حيث قال: (حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه) [٧] .
هذا الموقف من عبد الله بن حذافة ﵁ بكل ما فيه من إخلاص،
وصدق وتضحية يبرز لنا من جانب آخر قدراً عالياً من فقهه في حمل الرسالة
الإسلامية فلم تكن الدعوة في ذهنه تعني فقط إجادة الموت في سبيل الله، ولكن
أيضاً تعني إجادة الحياة في سبيل الله؛ والافتقار إلى هذا النوع من الفقه يعني خللاً
في العمل الإسلامي، واعتماده يعني اقتفاءً لجيل الصحابة؛ وواقعنا الإسلامي أشد
ما يكون حاجة إلى هذا الفقه، ومن ثَمّ تصريف العمل الإسلامي وفق قدرات الذات
في مغالبة تحديات هذا الواقع ومجاهدته.
يقول ابن سعدي ﵀ : (لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار
وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها أفراد الشعب من حقوقهم الدينية
والدنيوية لكان أوْلى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية) [٨] .
إن هذا التأصيل من ابن سعدي يحملني على لَوْم وتخطئة أولئك الشباب الذين
يحجّرون واسعاً، ويحشروننا بين خيارين لا ثالث لهما: القتال حتى الموت، أو
إقامة الدولة الإسلامية، دون النظر إلى واقع الذات من ضعف وقوة، وواقع
التغيرات السياسية دولياً وإقليمياً، وواقع الوعي الإسلامي في المجتمعات التي
ينشطون فيها، ويدفعني أيضاً إلى القول: بأن في الأمر سعة.
والله المستعان،،،
стр. 2589
حوار
مع فضيلة: د. عمر الأشقر
حول مسائل علمية ودعوية وفكرية ملحة
(٢/٢)
في الحلقة الأولى من الحوار مضينا مع د. الأشقر في محطات بدأت حول
سيل المطبوعات التي تدفع بها المطابع وضمور الوعي الذي يعاني منه العالم
الإسلامي، وكذلك عالج الضيف دور المؤسسات الدعوية، وقضية المعايشة بين
الجماعات وتعاون الجماعات التي يضمها إطار أهل السنة والجماعة، ونواصل
الحوار مع الضيف في حلقته الأخيرة.
- البيان -
س٦: هناك ارتباط كبير بين الائتلاف والاختلاف، والتحلي بأدب الحوار أو
عدمه؛ فهل من سبيل كي يكون أدب الحوار من خلاله واقعاً ملموساً في حياة أبناء
الصحوة؟ وما هو دور قيادات العمل الإسلامي في ذلك؟
ج٦: الواجب على الدعاة وقيادات العمل الإسلامي، بل وطلبة العلم وأتباع
الجماعات الإسلامية أن تكون وجهتهم جميعاً طلب الحق، وأن يكون رائدهم الالتزام
بالحق إذا عرفوه، فالحق أحق أن يتبع، فإن اختلفوا فعليهم بتحكيم كتاب الله وسنة
رسوله: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ] [النساء: ٥٩] إن
الدعوة إلى الاتفاق والاجتماع على مبدأ عام ونظرة عامة غير صواب، والصواب
أن نلتقي على ما اجتمعنا عليه، ونتباحث فيما اختلفنا فيه، جاعلين من الكتاب
والسنة حكماً على خلافنا ونزاعنا.
ولا يلزم من الاختلاف أن نتعادى ونتباغض؛ فقد اختلف الصحابة قديماً في
الفروع، ولم يؤد بهم هذا الاختلاف إلى التنازع والتباغض، وعصم الله صحابة
رسوله من التنازع في مسائل الاعتقاد أو مسائل الإيمان الكبار.
ويجب أن يكون خلاف المسلمين خلافاً رفيعاً في آفاقه ومستواه، وهذا يقوم
على ركنين:
الأول: بيان الحق الذي يعتقده المسلم مدعماً بالحجة والبرهان من الكتاب
والسنة.
والثاني: التزام أدب الحوار القائم على احترام الطرف الآخر، وعدم تحقيره
أو الاستهانة به، والتشكيك في نيته وإخلاصه، إذ ينبغي اتباع الحق إذا ظهر للمرء
أثناء الحوار.
ومن أعظم ما يصد الناس عن اتباع الحق عندما يظهر للمحاور: الهوى
والعصبية، وأخص منها هنا العصبية للجماعة التي ينتمي إليها المرء؛ فإن داء
العصبية داء فتاك قتال خبيث يفسد النفوس والقلوب، ويدمر العلاقات بين الأفراد
والحركات؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وخلاصة القول: أن الواجب على قيادات العمل الإسلامي الدعوة إلى الألفة
والتحاب لا الفرقة والتباغض، وأن يدعوا إلى التحاور حول ما اختلف فيه بأدب
الإسلام بعيداً عن المهاترات والتهريج والغيبة والنميمة وإساءة الظن.
س ٧: قد يكون لكل بلد خصوصية في العمل الإسلامي حسب طبيعة كل
مجتمع وظروفه، فما هي الركائز والصفات الأساس التي ينبغي ألا تغيب عن أي
عمل إسلامي، وبخاصة الدعوي. وما الطريقة التي نعرف بها ملامح وأصول
التعامل مع تلك الخصوصيات التي يقابلها العمل الإسلامي في كل مجتمع؟
ج -٧: قد يكون ما تذكره صواباً، ولكن في نظري أن هذه الخصوصية لا
تستدعي هذا الاختلاف بين الحركات العاملة لإعادة مجد الإسلام، إن هذه الفرقة
بين الجماعات أخّرت المسيرة الهادفة للنهوض بالأمة الإسلامية، ورد العاديات التي
أحاطت بها، ومغالبة الخصوم الرابضين في معاقلها وحصونها.
إن الهدف الكبير الذي يجب أن يسعى إليه العاملون بالإسلام هو توحيد هذه
الأمة على أساس من كتاب الله وسنة رسوله، وإقامة حكم الله في الأرض، وجعل
الدينونة لله رب العالمين، ومجاهدة أعداء الله الذين يحيطون بالأمة الإسلامية إحاطة
السوار بالمعصم، فتراهم يذلونها، ويحتقرونها، ويسلبونها ثرواتها، ويدمرون
معاقلها، ويحاربونها في دينها وعقيدتها إن تحقيق ذلك كله لا يتم من غير أن يتولاه
طائفة كبيرة في العالم الإسلامي كله؛ ولذا فإنني أدعو إلى قيام مجلس إسلامي أعلى
للحركات الإسلامية ذات الأصول الواحدة أعني الحركات التي تدور في فلك أهل
السنة والجماعة، ومهمة هذا المجلس: هو العناية بالقضايا الكبرى في العالم
الإسلامي، وعلى أن يترك معالجة القضايا التي لها خصوصية في كل بلد لأهلها.
س ٨: ذكر أحد الدعاة أن العلمانية دخلت العالم الإسلامي لابسة عمامة! فما
هو السبيل لفصل الالتباس الحادث بين العلمانية والإسلام؟
ج ٨: إن خلط الإسلام بغيره يؤدي إلى أن يُلَبّس على الناس دينهم، وقد
حرص أعداء الإسلام من قديم على تحريف القرآن فباؤوا بالخيبة والخسران،
فدخلوا إلى إفساد الدين بتأويل نصوص القرآن تأويلاً يفسد معانيه ويحرفها، ثم
حرصوا على تحريف حديث رسول الله ﷺ ، فأدخلوا فيه ما
ليس منه، وقد اقتضى حفظ الحديث مما تلبس به من المكذوب أو المحرف جهوداً
خيالية قام بها علماء الإسلام، ولا تزال تبذل حتى اليوم لتنقية أحاديث الرسول مما
تلبس بها.
وقد قام اليوم أولئك الذين حاربوا الإسلام علانية فأخفقوا في هدمه إخفاقاً ذريعاً
قاموا بإدخال أوليائهم ليتحدثوا باسم الإسلام، وينظّروا لأتباعه، وهم بذلك يحاولون
هدمه من داخله كما فعل أهل النفاق من قبل، وقد تحدثت عن هؤلاء في إجابة
سؤال سابق، ولذا فإنك تجد في ما يكتبه هؤلاء ظلمات ومكائد وفلسفات تقصد إفساد
هذا الدين، وحرف مساره، وإضعاف تياره؛ وقد تصدى لهؤلاء جمع من الذين
عرفوا حقيقتهم وكشفوا مخططاتهم وأهدافهم، وإن كان بعض الناس يحسن الظن بهم، وفعل هؤلاء كفعل المنافقين من قبل الذين ائتمروا بالإسلام ورسول الإسلام
وصحابته الكرام، وبنوا مسجد الضرار، ومكروا بالرسول لقتله واغتياله، ولكن
الله رد كيدهم، وأبطل مكرهم، وكشف مخططاتهم، وجاء نصر الله وهم كارهون.
إن الرد على هؤلاء واجب إسلامي، وكشف ما تلبسوا به من باطل، وإظهار
حقيقتهم أمر مطلوب شرعاً.
س ٩: يزعم بعض المناوئين للصحوة أن صعود المد الإسلامي آخذ في
الانحسار بعد بلوغه قمة المنحنى في العقدين الماضيين، فهل المظاهر التي تشوه
وجه الصحوة تدل على شيخوختها، أم على عدم بلوغها مرحلة النضج، أم أن
هناك تفسيراً آخر؟
ج ٩: إن الصحوة الإسلامية فيما أعتقد قدر إلهي، يريد الله به إحياء هذا
الدين، وإحياء الأمة الإسلامية بدينها الذي به عزتها ونصرتها وكرامتها، وقد تكفل
الله في كتابه أن يبقى كتاب هذه الأمة محفوظاً، وأن يستمر وجود هذه الأمة إلى
قيام الساعة، ووعدها بالعزة إن هي استقامت على أمره، واتحدت على منهجه،
وقد ذاقت الأمة الإسلامية في القرن الأخير من البلاء أشكالاً وألواناً نتيجة بعدها عن
دينها، وتوجهها إلى مناهج الكفر، وإعجابها بما عليه أعداؤها، ثم جاءت الصحوة
الإسلامية لتؤصل الإسلام في النفوس، وتعيد المسلمين إلى الأصالة، وتبني
الشخصية الإسلامية السوية، وامتلأت الجامعات والمساجد بشباب الإسلام، وعادت
الفتاة المسلمة مرة أخرى إلى حظيرة الإسلام، وعادت الجموع مرة أخرى إلى ربها
ومعبودها ودينها، وحملت الراية من جديد، واتجهت إلى قبلة المسلمين مكة بعد أن
كان وجهتها موسكو ولندن وباريس وواشنطن، ورمى أعداء الإسلام وأولياؤهم
شباب الصحوة بكل قبيح ونقيصة، وزعموا أن هذه الصحوة توشك أن تهمد
وتتلاشى، وكذبوا في زعمهم؛ فالإسلام في كل يوم يتأصل في النفوس، وينغرس
في أعماق القلوب، ونحن موقنون بأن الإسلام آت آت، نوقن بذلك من خلال فقهنا
لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن خلال سنن الله التي يجريها
في الإسلام وأهله والكفر وأهله، ودعاوى أولياء الكفر دعاوى باطلة متهاوية، لا
تستند إلى الحقيقة، بل تزيف الحقيقة وتزوّرها.
أنا لا أنكر أن هناك مشكلات تحيط بالصحوة الإسلامية، وهذه المشكلات
تؤخر مسيرتها، وتشغلها بقضايا ما كانت لتنشغل بها، وأخطر هذه القضايا غياب
الهدف المرحلي الذي يجب أن يعمل دعاة الإسلام لتحقيقه، والفرقة والنزاع، وعدم
إدراك المنهج الكبير الذي ينبغي القيام به، وهو إقامة منهج العبودية الحقة لله رب
العالمين.
نعم هناك مشكلات تواجه الصحوة الإسلامية، وتؤخر مسيرتها، ونسأل الله
أن يهيئ للأمة الإسلامية من يرفع عنها العوائق المغروسة في طريقها والبلاء الذي
يحيط بها، وسيأتي يوم ينعم فيه المسلمون في ظلال الإسلام، يملكون فيه قرارهم
بأنفسهم، ويعرفون كيف يقفون في وجه أعدائهم، وكيف يأخذون على أيدي
سفهائهم، وكيف يغسلون الحوبة بالتوبة، وكيف يستنزلون النصر بالاستقامة
والإخلاص والعمل الدائب للإسلام؛ وعند ذلك يعلم الذين يفتلون للصحوة في الذروة
والغارب [١] أنهم أنفقوا أموالهم وأوقاتهم صادِّين عن سبيل الله، فكانت عليهم
حسرة ولا مناص من أن يُغلبوا ويُهزموا، سنة الله؛ ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
س ١٠: يواجه العالم الإسلامي اليوم هجمة شرسة من الخارج ووهناً شديداً
من الداخل، فهل مر العالم الإسلامي بمثل هذه الحالة من قبل؟ وكيف تواجه الأمة
مثل تلك الحالات؟
ج -١٠: أمّا إن الإسلام يواجه هجمة شرسة من الخارج فنعم، وأمّا الوهن
الذي في الداخل فعلى الرغم من وجوده على مستوى القمة في الشعوب الإسلامية
أعني على مستوى الحكام فنعم؛ فالفرقة المفروضة على الشعوب الإسلامية،
وارتهان قرار الحكام واستلابه من قبل أعداء الإسلام، بل تحوّلَ القرارُ ليكون
بإرادة بعض الحكام في مصلحة أعداء الإسلام. أما الشعوب الإسلامية المغلوبة
المقهورة فإنه سرى فيها روح الإيمان، ودخل قلوبها وعقولها أنوار الوحي من جديد، كما بينت في إجابة السؤال السابق، ويوشك أن يكون الغلب لهذا الإيمان وذلك
النور.
وقد مرّ على الإسلام وأهله فترات صعبة مشابهة لما نعيشه اليوم، بل أشد في
بعض الأحيان، ولولا أن دين الله محفوظ لزال هذا الدين بسبب ما أحاط به على
مر العصور، لقد أجلبت علينا أوروبا بخيلها ورجلها في الحروب الصليبية،
ووصل المدّ التتري إلى عاصمة الخلافة الإسلامية، ودمر ديار الإسلام ومدنه
ومعاقله، وترك ديارنا خرباً ينعق فيها البوم، وفي كل مرة تقوم الأمة من كبوتها
وتنهض من عثارها، وسيتحقق هذا بإذن الله في هذه المرة.
وتدفع الأمة عن نفسها الوهن، وتزيح عن ظهرها البلاء باجتماعها على كلمة
سواء، ورفع راية الإسلام، والعودة لهذا الدين، ورفع راية الجهاد من جديد،
والاعتزاز بالإسلام، وهذا يحتاج إلى تفصيل وبيان لا يحتمله المقام.
س ١١: تعيش المنطقة العربية منذ فترة محاولات حشد للرأي العام نحو
قبول الوجود الصهيوني ضمن نسيج المنطقة، هذا في الوقت الذي لا يخفي فيه
اليهود صلفهم ونياتهم التوسعية، فإذا أخذنا في الاعتبار بعض التصريحات
والمواقف العنترية التي تطلق في عالمنا العربي لحفظ ماء الوجه.. فما مستقبل ما
يسمى بعملية السلام في الشارع العربي؟ وما هو دور الحركة الإسلامية الذي ينبغي
أن تقوم به؟ ولماذا يراد تقليص هذا الدور أو الاكتفاء باستغلاله (كورقة ضغط) ؟
ج -١١: غُرِسَ الكيان اليهودي في فلسطين في جسد الأمة الإسلامية كما
يغرس عضو غريب في جسد الإنسان، والأعداء يحاولون جهدهم على أن يقبل
جسد الأمة الإسلامية هذا الكيان الغريب، وفي كل يوم يظهر للعيان أن هذا غير
ممكن.
إن اليهود وأولياءهم يجاهدون كي يستمر الكيان اليهودي في أرض الإسراء،
وقد صنعوا مؤامرة كبرى اشتركت فيها الغالبية العظمى من دول العالم، وسميت
هذه المؤامرة بـ (عملية السلام) وما عملية السلام هذه إلا مؤامرة دولية لتمكين
اليهود من الاستقرار إلى الأبد في فلسطين، وأحد خطوط هذه المؤامرة رضا
الفلسطينيين والعرب والمسلمين باليهود، ولكن نسي العالم كله أن لله قدراً ماضياً في
اليهود، وقدره فيهم أن تضرب عليهم الذلة والمسكنة وأن يتغشاهم غضب الله، وإذا
رفعت عنهم الذلة فترة من الدهر، فهو استثناء لحكمة يعلمها الله ﵎
فهذه الأمة ابتعدت عن منهج الله، فضربها الله بسوط عذاب من عنده جزاءاً وفاقاً،
ومن ذلك أن يسلط عليها أبغض خلق الله إليه وإليهم، وهم اليهود ليذيقوها البلاء
أشكالاً وألواناً جزاء بُعدنا عن إسلامنا وإيماننا، كما فعل الله باليهود أنفسهم عندما
سلط عليهم عُبّاد النيران أيام أن كان فيهم أنبياء وصالحون، بسبب بعدهم عن الله،
ونحن نعلم أن التغيير مرهون بالعودة إلى الإسلام، وجمع الأمة عليه، وإدراك
المسلمين طبيعة المعركة وحقيقة المعركة بينهم وبين اليهود؛ عند ذلك سيزول
الاستثناء الذي قرره الإله الغالب القادر الذي لا راد لأمره، ولا مبطل لقدره، وقد
قرر الله هذا القدر وأخبر به في كتابه، كما أخبرنا عن حالة الاستثناء هذه التي
يعيشها اليهود اليوم فقال (تعالى) : [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ
اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا
يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ]
[آل عمران: ١١٢] .
فقد ضرب الله عليهم قدراً إلهياً ماضياً الذلة والمسكنة هذا مع إحاطة غضب
الله بهم، واستثنى الحق ﵎ من الذلة المضروبة عليهم فقال: [إلاَّ
بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ] فترفع عنهم الذلة بحبل الله من الله وحبل من
الناس، وهذا هو الذي نشاهده اليوم، فقد جعل الله لهم دولة ورفعت الذلة عنهم،
وكان ذلك بحبل من الله؛ لأن المسلمين أغضبوا الله فأذلهم بأذل خلقه إليه، جزاء
بُعدهم عن ربهم، وها هو حبل غليظ شاركت في صنعه دول العالم كي يمكنوا
لليهود في أرض الإسراء، بل إن كثيراً من الدول العربية والإسلامية شاركت في
فتله وصنعه، ولكن على الرغم من رفع الذلة عنهم استثناءً كما يقرر النص القرآني؛ فإن الغضب الإلهي لا يرفع عنهم، كما لا ترفع المسكنة عنهم، فالاستثناء فقط
للذلة فحسب، أما الغضب والمسكنة فهما باقيان ماضيان، ويوشك الاستثناء أن
يزول بعودة المسلمين إلى الله فيعود اليهود إلى الذلة مرة أخرى،
ويعودون إلى القدر الماضي فيهم إلى يوم القيامة، ومن قرأ تاريخ يهود يعلم صدق
هذا الذي أخبرنا الله عنه عبر التاريخ، وأن هذا الذي يقوله كتابنا هو القانون
الساري في قتلة الأنبياء الكافرين بآيات الله العصاة المعتدين.
إن عملية السلام جاءت في فترة الاستثناء، وتوشك أن تزول، وسيُقنع اليهود
العالم كله بأنهم لا يستحقون هذا الحبل الذي مُدّ لهم، وعند ذلك تقطع الأمم هذا
الحبل، فيهوي اليهود في الهاوية، إن الشخصية اليهودية والعقلية اليهودية لا
تستطيع أن تحافظ على علاقة جيدة مع الأمم والشعوب، فهي عقلية محرفة منحرفة
كالخلق اليهودي، وانظر ما يفعلونه اليوم من إذلال لأهل فلسطين، وانظر
ملصقاتهم التي تهين رسول الإسلام، وتهين مريم العذراء البتول، وتدنيسهم
للمساجد، وتمزيق المصاحف ودوسها بالنعال، وها هم ماضون في هدم الأقصى،
والاعتداء على كل الحرمات، وستكتشف الدول التي أيدت اليهود أنها أخطأت خطأً
كبيراً، فجعلت التكريم والإعزاز لإخوان القردة والخنازير، أي جعلتهما عند من لا
يستحق، وقد قيل قديماً:
إن أنت أكرمت الكريم ملكته ... أو أنت أكرمت اللئيم تمردا
إن اليهود ليسوا بأهل للتكريم؛ فتكريمهم خطأ كبير؛ ولذا فإنهم يعضون اليد
التي تمتد إليهم بالإحسان، وسيعلم العالم أن رسولنا هو الذي أفلح في معالجة اليهود
عندما عاثوا في الأرض فساداً في قريظة والنضير وخيبر.
إن عملية السلام وَهْمٌ كبير، على الرغم من أن بعض من في أيديهم زمام
الأمور يظنون أن إقامة السلام بيننا وبين اليهود ممكن، ولكن الواقع الذي يمارسه
اليهود يثبت كل يوم للذين يرون هذا الرأي أنهم مخطئون، وسيأتي يوم يدمر عملية
السلام من بناها؛ لأنهم سيعلمون أنهم لم يفقهوا حقيقة اليهود وأهدافهم وأخلاقهم.
على أن الواجب على الأمة الإسلامية والحركات الإسلامية ألا تنتظر انهيار
بناء عملية السلام من تلقاء نفسها؛ فاليهود أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء الأمة
الإسلامية، وهم دنسوا أرض الأنبياء وأرض الإسراء، واحتلوا قبلة المسلمين
الأولى، وأهانوا دين الإسلام؛ ودنسوا مقدسات الإسلام؛ ولذا فإن واجب كل مسلم
أن يسعى لطرد أعداء الله من بلاد المسلمين، وتخليص المسلمين من هذا السرطان
الخبيث الذي غُرس في أحشاء الأمة الإسلامية، والله غالب على أمره؛ ولكن
المنافقين لا يعلمون.
س١٢: استُغل الفهم الخاطئ للقدر في ترسيخ سلوك التواكل والاستسلام
للواقع المفروض على الأمة من قِبَلِ أعدائها؛ فكيف يلائم المسلم بين المطلوب منه
شرعاً والواقع عليه قدراً؟ وهل يمكن استشراف المستقبل من خلال تأمل النصوص
الشرعية المخبرة عن قدر سوف يقع؟
ج -١٢: القدر كما فسره الإمام أحمد ﵀ : قدرة الله، ومن قدرته
﵎ وتمام علمه: أنه علم كل ما سيكون كما يعلم كل ما كان، وقد سجل
الله الكائنات في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويأتي التنفيذ بعد
ذلك بالخلق والإيجاد والتدبير والتصريف وفق ما قدره الله.
ولا حظّ في الإسلام لمن كفر بالقدر وكذب به، ولكن القدر لا يعني التواكل
وترك العمل والقعود والكسل، إن الأخذ بالأسباب والعمل هو القدر؛ فالله قدر أن
يُرزَقَ فلانٌ أولاداً، ولكنه قدر أيضاً أن لا يرزقه الأولاد بإنباتهم من الأرض، ولا
إهباطهم من السماء، بل قدر أن يتزوج هذا الرجل ويعاشر زوجته فيرزق الأولاد،
فالذي يريد أولاداً من غير زواج ويسأل الله أن يهبه الأولاد من غير زواج لم يفهم
القدر، والله قدّر أن يُنْصَرَ المسلمون على عدوهم في بدر والقادسية واليرموك
وغيرها من معارك الإسلام، وقدر أيضاً أن يملك المسلمون أسباب القوة التي
يحققون النصر بها، فمن رام أن يُنصر من غير إعداد وتخطيط ومغالبة لم يفقه
القدر.
إن المستقبل غيب، والقدر المستقبلي الغائب مكتوم عنا، ونحن مطالبون بأن
نبذل أقصى ما يمكننا فعله وتحقيقه وفق منهج الله ودينه، وبذلك نؤمن بالقدر،
ونحقق الشرع. إن الانحراف في فقه القدر أوجد ثَلْماً في حياة المسلمين؛ فمنهم
الذي ترك العمل اتكالاً على القدر، ومنهم الذي كذّب بالقدر، ومنهم الذي لم يفقهه
حق الفقه؛ فهو يخبط خبط عشواء، ولكن الغالبية العظمى من الأمة تفقه الأمر على
وجهه؛ فهي تؤمن به، وتسعى إلى تحقيق أمر الله، وهي تعلم أن لا تناقض ولا
تعارض بين الأمرين، ومن عَسُرَ عليه فِقْهُ الأمر فلينظر إلى رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وأصحابه وهم أكمل المؤمنين إيماناً كيف كانوا يسعون في الأرض
متوكلين على الله عاملين مجاهدين، ولم يجدوا تناقضاً بين الإيمان بالقدر والتوجه
إلى العمل باذلين أقصى ما يستطيعون في ذلك.
أما القدر بعد وقوعه فهو معلوم معروف، والموقف من القدر الواقع إن كان
من فعل الإنسان فإن العبد يحمد الله على أن وفقه وهداه، إن كان فعله خيراً، فإن
كان شراً فالواجب عليه أن يتوب ويستغفر، وإن كان الذي وقع به بلاءً ومصيبة
صبر، وإن كان نعمة شكر.
والقدر المكتوب لا يمنع الإنسان من استشراف المستقبل ليخطط لما هو آت،
فهذا النظر هو فعل الإنسان قد يصيب فيه وقد يخطئ، ولكن عليه أن لا يفرق في
هذا المجال، ولا يقيم على استشرافه جبالاً من الآمال كما يفعل بعض الناس،
زاعماً أن ما يراه هو الذي سيكون، فيضيِّع كثيراً من عمره في تخيلات وبُعد عن
الصواب.
س١٣: الدكتور عمر: شهد الحرف العربي المطبوع كثيراً من إصداراتك
الهادفة ... نسأل الله أن يأجرك عليها.. فهل لك أن تحدثنا عن آخر مشروعاتك
العلمية وإصداراتك الجديدة؟
لقد وفقني الله في مسيرتي الماضية إلى نشر أكثر من ستين كتاباً مطبوعاً ما
بين صغير وكبير، وآخر هذه الإصدارت صحيح القصص النبوي، وشرح قانون
الأحوال الشخصية الأردني، وأحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة، وسيصدر
قريباً إن شاء الله: (محاضرات إسلامية نافعة) وهو يضم المحاضرات التي نشرت
مفردة فيما سبق وعددها إحدى عشرة محاضرة وأضفت إليها ثلاث محاضرات لم
تنشر من قبل.
ولا شك أن الذي يسير في طريق العلم دائم البحث والتنقيب ما بقي في الجسد
روح تَرَدّد، وهناك مشروعات علمية بعضها كبير وبعضها صغير، ولكني أخشى
الحديث عن المستقبل، فالمستقبل غيب، ولا يدري المرء هل يقدر له أن يقوم بما
عزم عليه؛ ولذا أحب أن يُعلم بأعمالي بعد خروجها، وأسأل الله أن يعين على
تحقيق ما تهفو النفس لتحقيقه في مقبل الأيام، والله المستعان، والحمد لله رب
العالمين.
ندوات ومحاضرات
التطورات الأخيرة لعملية السلام
والتوقعات المستقبلية
(٢من٢)
إعداد: وائل عبد الغني
صُدّر الجزء الأول من الندوة برصد تاريخي لعملية السلام وتطورها وأهم
الدلالات التي يُخْرَجُ بها، ثم عرج إلى الحديث عن الموقف الشرعي من الهرولة
نحو عملية السلام، ومن ثم عولجت آثار عملية السلام على النظام الإقليمي العربي، وبهذه الحلقة تختتم وقائع الندوة.
-البيان-
على ضوء ما يجري داخل إسرائيل، ما هي توقعاتكم لردود الأفعال العربية:
الداخلية والخارجية؟
د. جمال: بالنسبة للداخل: ردود الأفعال أصبحت محسومة من خلال
شرطي إسرائيل المتثمل في السلطة التنفيذية الذي يقوم بدوره؛ وخارجياً فكل
السياسات تصبّ في خط إسرائيل؛ لذا: فإسرائيل أمنت ردود الأفعال؛ هذا طبعاً
في حسابات البشر وفقاً لاستقراء الواقع؛ أما ما يحدث مستقبلاً فهو في علم الله..
[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] لأن ردود أفعال
الشعوب لا يمكن حسابها بدقة؛ رغم وجود مراكز استراتيجية لجمع المعلومات عن
ذلك لدى الأعداء؛ إلا أن هناك تخوفاً وعدم وضوح، رغم أن العدو يتحرك حركة
منظمة ومدروسة.
* الواضح أن عملية التسوية السياسية في المنطقة تمر بمرحلة من التحول؛
فعلى ضوء توازنات القوى في المنطقة، وطبيعة الاتفاقيات بين الأطراف؛ ما هي
سيناريوهات المستقبل المتوقعة؟
د. حامد: يمكننا أن نتصور ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لعملية التسوية
السياسية، وكلها خيارات مطروحة على النحو التالي:
السيناريو الأول: استمرار حالة الجمود الحالية (حالة اللاسلم واللاحرب) :
في ظل حكومة الليكود الحالية، وفي ظل توازنات القوى في المنطقة العربية؛ فإنه
من المتصور أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه فالكيان الصهيوني ينشئ واقعاً
جديداً كل يوم، ويعمل على إبقائه وحمايته، والأطراف العربية تعيش على آمال
(استئناف التفاوض) مع الكيان الصهيوني.
هذا السيناريو لا يُتَصوّر تغييره إلا بتوافر شرطين على الأقل:
الأول: إعادة إشعال الانتفاضة الشعبية داخل الأرض المحتلة مع إحداث
نقلات نوعية في أساليب هذه الانتفاضة والقيام بعمليات استشهادية جديدة.. وهذا
يستلزم بدايةً كف أيدي أجهزة الأمن العرفاتية عن ملاحقة أعضاء حركتي حماس
والجهاد، وكافة الفاعليات القائدة للانتفاضة الفلسطينية، وكسر طوق تنسيقها مع
أجهزة الأمن الإسرائيلية في هذا الصدد، وتوفير كافة وسائل الدعم الشعبي
للانتفاضة باعتبارها نوعاً من المقاومة المشروعة للاحتلال الأجنبي.
الثاني: ضرورة وجود حد أدنى من المواقف العربية المشتركة إزاء عملية
(التطبيع) مع إسرائيل؛ وإنهاء حالة التشرذم العربي الحالية بصدد الموقف من
الكيان الصهيوني.. وليس إصرار (قطر) على عقد ما يسمى بـ (المؤتمر
الاقتصادي) رغم كل ما يجري على أرض الواقع إلا مؤشراً واضحاً على حقيقة
أوضاع التضامن العربي. ولن نتحدث عن تخاذل بعض أطراف التفاوض العربي
في دعم الموقف السوري في العملية ذاتها.. وهو ما جعل الكيان الصهيوني يتلاعب
بالأطراف العربية ويفرض ما يريد من سياسات على أرض الواقع..
السيناريو الثاني: استئناف عملية التفاوض السياسي، والتوصل إلى تسويات
سياسية جزئية في المنطقة.
وفي ظل معادلات الواقع الاستراتيجي والسياسي؛ فإن معظم الأطراف
العربية ليس لديها ما يمنع من التوصل إلى تسويات سياسية جزئية، واتفاقيات غير
متكافئة أخرى جديدة يتم من خلال آلية الدعاية السياسية توفير صناعة القبول بها..
إن التوصل إلى تسوية شاملة في المنطقة يعني على الأقل قيام الكيان
الصهيوني من وجهة نظر الأطراف العربية المفاوضة بتنفيذ تعهداته، والاتفاقيات
التي أبرمها منذ أوائل التسعينات؛ وهذا يعني:
١- التوصل إلى تسوية نهائية على المسار الفلسطيني؛ ويعني ذلك استكمال
تنفيذ المرحلة الثالثة من الاتفاق الذي يتعلق بمفاوضات الوضع النهائي التي تنتهي
بقيام (الدولة الفلسطينية) .
٢- الانسحاب الكامل من جنوب لبنان.
٣- الانسحاب الكامل من الجولان والعودة إلى حدود ما قبل ١٩٦٧م.
بالطبع فكل المؤشرات الواقعية حتى هذه اللحظة تقول: إن هذا الأمر ضرب
من الخيال السياسي.
وإن المطروح هو تسوية جزئية بالغة التواضع تقوم على مفهوم (السلام
الإسرائيلي) بكل ما يعنيه ذلك من إهدار وإضاعة للحقوق العربية؛ فالسلام
الإسرائيلي المطروح بقوة ووضوح وسبق أن أشرنا إليه يتضمن:
عدم التنازل عن الجولان، وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية؛ وتهويد القدس
تماماً، وجعل القدس الكبرى العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني؛ مع الاستمرار في
سياسات هدم الأقصى لإقامة هيكل سليمان.
بالإضافة إلى ذلك إدخال المنطقة بكاملها في حقبة السلام الإسرائيلي عبر
سياسات فرض التطبيع الاقتصادي والثقافي وفرض الأمر الواقع.
السيناريو الثالث: اندلاع حرب جديدة في المنطقة وهذا السيناريو ليس
مستبعداً؛ بل ربما يكون أكثر احتمالاً في الوقت الراهن، في ظل جمود الأوضاع
على صعيد مفاوضات التسوية السياسية.
وقد لوّح القادة الإسرائيليون بهذا الخيار أكثر من مرة في الوقت الذي تعلن فيه
أطراف عربية مهمة في توازنات القوى في المنطقة أن السلام خيارها الاستراتيجي
الوحيد! ! والطرف الأكثر ترشيحاً لاحتمال المواجهة معه هو (سوريا) ولذلك: فإنه
يمكننا أن نتصور (حرباً خاطفة) تقوم فيها القوات الجوية الإسرائيلية بضرب
القوات السورية في الجنوب اللبناني ويمكن أن نتصور الهجوم المباشر على
الأراضي السورية، ويمكن توريط تركيا في مثل هذه المهمة..
وغير مستبعد توسيع دائرة الحرب لتشمل العديد من دول المنطقة.
* هذا يجعلنا نطرح بعداً آخر من أبعاد الصراع أصبح يشكل دوراً خطيراً في
صياغة شكل الصراع ويحدد معالمه وآلياته.
هذا الجانب هو التحالفات الإسرائيلية مع العديد من القوى، والاستفادة من
ذلك في دعم استراتيجيتها، الأمنية والتوسعية، بالإضافة إلى التحركات السريعة
والمؤثرة في المنطقة: نريد بداية بلورة هذه الجوانب!
د. جمال: عقد العدو عدة اتفاقيات استراتيجية للدفاع المشترك:
إسرائيل اليونان.
إسرائيل تركيا.
إسرائيل الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى مناورات مشتركة مع حلف شمال الأطلسي، وإنزال على
الساحل الجنوبي للبحر المتوسط للتعرف على طبيعة أرض المعارك المستقبلية.
تجهيز البنية الأساس في كثير من الدول العربية.
عملية مسح جغرافي وطبوغرافي لخدمة المرحلة القادمة.
إلى جانب تدمير السلوكيات والأخلاق وإفساد الذمم ونشر المخدرات والإيدز.
إنساء الناس قضية المقدسات.
ومن جانب آخر: تخريب الوطن الإسلامي من الداخل عن طريق إثارة الفتن:
المسلمون × النصارى
الأنظمة × الصحوة
الأغلبية × الأقليات
النزاعات العرقية لإنهاك الداخل.
لذلك أتساءل: لماذا يجري كل ذلك إن لم يكن لقرار مصيري هو الحرب؟
لذلك أقول للحكام: هاتوا علماء التاريخ وعلماء الإسلام والمختصين والباحثين
وادرسوا استراتيجية العدو بدقة؛ لتدركوا أننا منذ ضَرْبِ الخلافة ووصول
الاستعمار الأجنبي إلى بلادنا لم نضع أقدامنا على الطريق الصحيح.. كل الذي
يحدث أن الأمة تكبل ... تخدر.. تنوّم بحجة إرادة السلام! !
* التحالف الإسرائيلي مع عسكر تركيا رغم أنف الشعب التركي له أهداف
وحسابات ومصالح مشتركة فهل لنا أن نحيط بالأهداف الظاهرة على الأقل؟
أ. كمال: كان لتركيا في النظام القديم دور بارز باعتبارها دولة جوار للاتحاد
السوفييتي فكانت جزءاً من الصيغة الأمنية في المنطقة مثلها مثل إسرائيل؛ وبعد
قيام النظام الجديد بدأ كل منهما يبحث له عن دور في اللعبة الدولية، فحاول كلاهما
أن يفجر فكرة حرب الأصولية من أجل حماية العالم الغربي، فتوافقت على إثر ذلك
مصالح العسكر في تركيا مع إسرائيل في الارتباط بالنظام الغربي ... وظهر
التحالف العسكري تحت دعوى إتاحة فضاء للطيارين الإسرائيليين للتدريب في
أراضي تركيا لتكون قريبة من دول الجوار: العراق سوريا إيران للتدريب على
طبيعة أرض المعارك المستقبلية هناك ولرصد الأهداف الاستراتيجية.
وهدف ثان: هو ضرب الصحوة الإسلامية والعالم الإسلامي، والحيلولة دون
تمكن الإسلاميين من السلطة في تركيا، والمساهمة في الضغط على الرفاه لصالح
العسكر وحماية العلمانية هناك.
وهدف ثالث: هو إيجاد مجالات مجاورة للضغط بها على دول الجوار وهو
ما يعرف بسياسة شد الأطراف لتهديد القلب.
وهدف رابع: هو محاولة تطويق الصحوة الإسلامية في دول آسيا الوسطى
التي تمثل قوة جبارة مضافة إلى العالم الإسلامي عن طريق تحييدها إن لم يستطيعوا
إسقاطها كلية؛ لذلك دخلت تركيا هذه المناطق لتطرح نموذجها العلماني بديلاً هناك؛ لأن المنطقة هناك تشهد مخاضاً إسلامياً سواء في جورجيا أو طاجيكستان أو
أذربيجان أو في الشيشان وتحاول تركيا بإيعاز من إسرائيل والغرب السيطرة عليه
وإجهاضه.
* هل اكتفت إسرائيل بدور تركيا في دول آسيا الوسطى؟
أ. كمال: لا؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل لها توجه قوي نحو هذه الدول؛
إذ يكفي أن كل هذه الدول التي استقلت في آسيا الوسطى ويا للأسف أقامت إسرائيل
معها علاقات دبلوماسية وكانت أسبق من الوجود العربي. وهذا دأب إسرائيل
لتعويض النقص الاستراتيجي؛ فتحاول السبق إلى أي مكان فيه فراغ أو تحول
سياسي.
* ما الهدف الاستراتيجي الأكبر للتحالفات مع القوى؟
د. جمال: المراد بداية تحزيم العالم الإسلامي من منطقة الشمال، وتأمين
حوض البحر الأبيض المتوسط؛ لأن تركيا من الدول الضاغطة على النظام العربي؛ بالإضافة إلى أن تركيا واليونان عضوان في حلف شمال الأطلسي، ووفقاً للوائح
الحلف لا يجوز لدول الحلف عقد تحالفات عسكرية مع دول من خارج الحلف إلا
بموافقة الحلف؛ ومعنى هذا: أن الحلف وافق ضمنياً على هذا التحالف الجديد وهذا
لا يعني سوى أن الحلف بدأ يتوسع جنوباً بشكل غير معلن، وبذلك خرج من
أوروبا، ودخل في منطقة الخطر (العالم الإسلامي) .
هذا بمحاذاة الاتفاق الإسرائيلي الأردني؛ ومعناه أن هذه الأرض لها منطق
أمني واحد، وهذه المنطقة كذلك منطقة عمليات لحلف شمال الأطلنطي عند حدوث
أي تغيرات في المنطقة؛ هذا بالإضافة إلى القوات الأمريكية وقواعدها المنتشرة في
المنطقة؛ ولعل كل ما يجري هو من قبيل الإعداد لصدام محتمل من أجل القدس.
* ننتقل إلى جانب آخر على الصعيد الآسيوي: إلى روسيا التي بدا نفوذ
اليهود فيها واضحاً: فإلى أي حد بلغ هذا النفوذ؟
أ. كمال: كل التحولات التي جرت في روسيا كان وراءها اليهود: فريق
جورباتشوف كلهم كانوا من اليهود، وجميعهم زار إسرائيل؛ بل الثورات الحمراء
في روسيا كان وراءها يهود.
والآن معظم الأسماء التي تصنع السياسة هناك من اليهود، فلم يعد بلاط
كلينتون وحده بل يلتسن أيضاً.
النائب الأول لرئيس الحكومة أناتولي تشوبايس كوزيريف وزير الخارجية
جرينوفسكي بانونومسكي تشيرنومردين.
كل رؤساء الأحزاب في روسيا بلا استثناء من اليهود.
كل أجهزة الإعلام المجلات كلها ما عدا البرافدا رؤساء تحريرها يهود وكان
لهم جميعاً دور في مساندة إسرائيل.
إذن فأغلب من يشغلون المناصب العليا والحساسة ويملكون صناعة القرار في
روسيا كانوا من اليهود.
اليهود السوفييت فتح لهم باب الهجرة إلى إسرائيل وهم أكثر من مليون،
و٥٠% منهم من ذوي التخصصات العالية، ولهم حزب متحالف مع الليكود.
الظاهرة التي تحدث الآن أن اليهود الأمريكيين في ظل التحول الحادث في
روسيا هم الذين يذهبون إلى هناك يحاولون السيطرة على الاقتصاد الروسي لصالح
إسرائيل.
* ننطلق بعد ذلك جنوباً إلى الهند والانفتاح الإسرائيلي الهندي! ما أهدافه؟..
وما أرباحه بالنسبة لإسرائيل؟
* أ. كمال: الهند دولة جوار لباكستان (الإسلامية) التي تمثل جزءاً من قوس
الأزمات ومصدراً من مصادر الخطر على أمن إسرائيل رغم بعد المسافة لامتلاكها
قوة نووية، ومن هنا فمن مصلحة إسرائيل عمل محور مع الهند؛ رغم أن الهند
كانت قوة من قوى عدم الانحياز وكانت مع العرب وكانت تمثل مجالاً محرماً على
إسرائيل؛ لذلك حاولت إسرائيل اختراقه ونجحت، وكان أكبر مظاهر ذلك هو
زيارة فايتسمان للهند أوائل هذا العام، التي هدفت بشكل أساس إلى تحديث أسطول
طائرات (الميج) الهندية الروسية الصنع، وهي تمثل صفقة العصر (٧٠٠ طائرة) .
كذلك طرحت إسرائيل عقد تدريب قوات الأمن الهندية على مكافحة الشغب
(أي: المسلمين) .
هناك تشابه بين الهند وإسرائيل، وهو أن كلتيهما لم توقعا على معاهدة حظر
انتشار الأسلحة النووية؛ ويوجد نوع من الدعم الدولي المشترك في هذه المسألة،
وكذلك قدمت إسرائيل عرضاً للهند بشراء طائرات (كافير) الإسرائيلية لكنها رفضت.
الوفد الإسرائيلي ضم عدداً كبيراً من رجال الصناعة؛ وأبرم اتفاقيات في
مجالات الزراعة والتجارة والتكنولوجيا، وقدموا ١٠٠ مشروع للعمل مع الهند.
الشاهد في الموضوع: أن إسرائيل رغم كونها دولة صغيرة وضعيفة وفيها
عيوب هائلة، إلا أنها تسعى لتقوية نفوذها من خلال الانتشار في العالم، وفي
المقابل نجد تحركات الدول العربية ضعيفة إن لم تكن منعدمة!
* ننتقل إلى حلف شمال الأطلسي واجتماعاته هذه الأيام: ماذا وراءها؟
أ. كمال: هذه الاجتماعات طبعاً لإعادة الترتيبات الأمنية للحلف الذي بدأ
يمتد شرقاً في أوروبا الشرقية لمحاولة دمج روسيا في النظام الغربي؛ إضافة إلى
التمكين للنظام العالمي ذي القطب الواحد لتضييق الخناق على الإسلام.
* ماذا عن دور أوروبا في اللعبة؟
أ. كمال: أوروبا كلها موافقة على سياسات إسرائيل، وأغلب دولها يؤيد ذلك
جهاراً.
وفي الفترة الماضية اتفقت أربع دول أوروبية هي بريطانيا فرنسا إيطاليا
أسبانيا على إقامة قوة أوروبية سريعة الانتشار الـ (. ٤) منفصلة عن حلف
الأطلنطي.
د. جمال: هذه القوة قامت بعمل مناورات مشتركة مع مصر، وعملت إنزالاً
على الساحل الشمالي في مصر تمهيداً لأي تدخل مستقبلي عند الحاجة في الشمال
الإفريقي، أو بمعنى آخر: التحرش بإسرائيل أو وصول الإسلاميين إلى الحكم في
أي بلد عربي. والعجيب أن لأعدائنا استراتيجية ثابتة؛ أما نحن فمتأخرون حتى
في قراءة فكر العدو؛ وهذا الذي وصلوا إليه هو: الخطوات قبل الأخيرة لنهاية
الصراع. لكن هذا تفكير البشر وجهد البشر، حتى لا يصيبنا الإحباط واليأس
[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] .
* ومن فم التنين الجائع (الأطلنطي) ننتقل إلى اللقمة التي يسيل لها لعاب
الجميع! (القارة السوداء إفريقيا) لنرصد التحركات الاستخباراتية الإسرائيلية:
صورها وأهدافها.
أ. كمال: كانت خطة إسرائيل ككيان ضعيف ومليء بالنقائض هي توسيع
وجودها في العالم من خلال نشاط الاستخبارات؛ وهذا النشاط كان واسعاً جداً بحيث
يشمل العالم كله: لمحاصرة منابع النيل، ولتحزيم الوطن الإسلامي والعربي من
الجنوب، ومنع انتشار الإسلام باعتبار هذا التحزيم حوائط صد لقطع الصلة بين
شمال القارة المسلمة وجنوبها الذي يقل فيه الإسلام، كذلك لفتح أسواق جديدة
لصادراتها وبالذات السلاح، وللاستفادة من الثروات الطبيعية المتوافرة بكثرة مثل:
الماس والذهب واليورانيوم والكوبالت ... في عام ١٩٧٢م كان عدد الإسرائيليين
المتواجدين في إفريقيا ٢٠ ألفاً، وفي عام ٩٥ تقول الإحصائيات إنه تم عقد ١٣٠٠
صفقة حققت إسرائيل منها في عام ٩٦ أرباحاً قدرت بـ ١. ٤ مليار دولار،
وتحصل في مقابلها على مواد خام. وعلى سبيل المثال فإن من الدول التي عقدت
معها إسرائيل صفقات سلاح سرية: رواندا، وبورندي، وأوغندا، وإرتيريا؛
ولهذا دلالة واضحة في الأحداث التي جرت وتجري الآن.
كذلك من عوامل التواجد القوي: مسألة حماية الرؤساء وهو مجال خصب؛
فللاستخبارات الإسرائيلية هناك حوالي ١٥٠٠ خبير لحماية رؤساء إفريقيا (حماية
شخصية) .
هناك مشروعات اقتصادية دخلتها إسرائيل مع ٤٢ شركة إفريقية بعقود بدأتها
بـ ٢٠٠ مليون دولار، ثم صارت شريكة في ٥٠٠ مليار دولار؛ وبهذا تصبح
مسألة السوق الشرق الأوسطية ليست هي المخرج الوحيد للرواج الإسرائيلي؛ لأنها
اليوم خطت خطوة أوسع لتحزيم العالم العربي عن طريق السيطرة على جزر حنيش
بمضيق باب المندب في البحر الأحمر ثم بوجود قواعد عسكرية في إرتيريا وإثيوبيا.
* هل للأصابع الاستخباراتية الإسرائيلية دور فيما يجري الآن من تغيرات
على الخريطة الإفريقية؟
أ. كمال: أصابع اليهود في أغلب الأحداث الإفريقية واضحة، ففي
سيراليون (٨٥% مسلمون) مثلاً والصهاينة لهم يد في دفع الانقلابيين الجدد للإطاحة
بأحمد تيجان أول رئيس مسلم لسيراليون.
كذلك أحداث رواندا وبورندي، ثم زائير: كانت المخابرات الإسرائيلية تلعب
دوراً كبيراً فيها للقضاء على الهوتو، ذوي الأغلبية المسلمة واللسان العربي لصالح
التوتسي ذوي الولاءات الغربية رغم أنهم أقلية.
وتقوم كل من أوغندا وإثيوبيا وجنوب إفريقيا بخدمة مصالح اليهود والغرب
هناك على حساب النفوذ الإسلامي والعربي باعتباره نفوذاً تقليدياً في إفريقيا.
وباستقراء الأحداث نجد أن الرؤساء الجدد يكونون من الزنوج المحررين القادمين
من أوروبا أو من الاشتراكيين القدامى، وبمجرد تولي رئيس جديد من هؤلاء
السلطة؛ فإنه يقيم علاقة مع إسرائيل، ويفتح الباب أمام التغيير!
وهذا له صلة بمنابع النيل ومحاصرة مصر عن طريق تكبيل السودان عن
طريق ما يسمى بـ (تداعيات السلوك بين الحركات) فبدأت الاضطرابات برواندا..
ثم بورندي ... ثم زائير.. ثم سيراليون.. ثم برازفيل.. ثم إفريقيا الوسطى.. كل
هذا التتابع في وقت قصير! .. والعدوى العرقية تتنشر بين الدول!
وكان لهذا الأمر أهميته في قمة دينفر الأخيرة؛ إذ كانت إفريقيا في مقدمة
موضوعات ورقة العمل الأطلنطية.
كل ذلك إضافة إلى سعي الولايات المتحدة لتقديم مساعدات اقتصادية لدول
إفريقيا بهدف دمج إفريقيا في النظام العالمي الجديد.
* موضوع زعماء الانقلابات في إفريقيا رغم اختلاف مناهجهم إلا أنه يدفع
بهم إلى السلطة؛ وهذا يلقي ظلالاً أخرى على كيفية الوصول إلى الاشتراكيين
بالذات، وتجنيدهم لمصلحة إسرائيل والغرب!
هناك بالفعل أمر عجيب يثير الدهشة، وهو أن إسرائيل حاولت التغلغل بقوة
في إفريقيا، وتبنت في ذلك منظوراً إيديولوجياً يختلف من وقت لآخر، ومن
ظروف لظروف مغايرة.
فأيام انتشار الاشتراكية حاولت التغلغل من خلال المفهوم الاشتراكي لدرجة أنه
يوجد حوالي ١٧ معهداً أو أكثر في إسرائيل متخصصة في تدريب القيادات
الإفريقية على أفكار الموساد والكيبوتس ربما بأساليب مختلفة ونقل هذه الأفكار
داخل المجتمع.
مثلاً: إقامة مشروعات اقتصادية للمياه والري بالتنقيط، كما يجري استقدام
طلاب من إفريقيا في إطار تعاون علمي من أجل إعدادهم ليكونوا في المستقبل أداة
من أدوات إسرائيل في السيطرة على القارة الإفريقية.
* إذن هذا يكشف لنا عن تحركات أوسع من التحركات الاستخباراتية.. ربما.. أليس كذلك؟ !
هناك تحركات عسكرية إسرائيلية قوية في أغلب القارة السوداء؛ وإليك بعض
الأمثلة:
- ساعدت إسرائيل إريتريا في احتلال جزر حنيش، وتطهير جزر دهلك من
الألغام ... هناك حوالي ٤٠ جندياً إرتيرياً في بعثة بالقوات البحرية الإسرائيلية وتم
إيفاد عسكريين إسرائيليين للعمل كمستشارين هناك.. وتجري الآن هناك مناورات
عسكرية من قوات قوامها ١٥٠٠٠ مجند نصفهم إسرائيليون تمهيداً لغزو جنوب
السودان.
- في إثيوبيا: تم تبادل قطع غيار طائرات ٥ وتدريب ٣٨ طياراً. كذلك
موضوع النيل الأزرق وإقامة ٢٠ سداً بمساعدة أمريكية وخبرة إسرائيلية لخنق
مصر والسودان وتقوية نفوذ أثيوبيا. ولا ننسى أن أثيوبيا مع إرتيريا تمثلان محوراً
من محاور التهديد للنظام الإقليمي العربي.
- في كينيا: هناك صفقات صواريخ (جيريل) الإسرائيلية.. وهناك قوات
كوماندوز ترابط في مطار نيروبي.
ويوجد ١٠٠ خبير إسرائيلي لمكافحة الإرهاب (الوجود الإسلامي) هناك.
- في أوغندا: يتم تدريب سلاح الطيران، تطوير طائرات ميج ٢١ في
المصانع الإسرائيلية.
- في تنزانيا: تدريب ضباط وهناك خبراء يهود لترويج الأسلحة الصغيرة
وأجهزة الاتصال المنقولة لأفراد الشرطة.
في تشاد ذات الأغلبية المسلمة: حصلت الحكومة هناك على سلاح إسرائيل
عن طريق زائير عام ١٩٨٣م وتوجد عناصر زائيرية في تشاد تقوم بتدريب الجيش
التشادي على نفقة إسرائيل!
- نيجيريا: رغم أنها تعتبر أكبر دولة إسلامية في إفريقيا إلا أن إسرائيل
تقوم بإنشاء ٣ قواعد جوية بمساعدة ٣ خبراء يهود.
وتقوم بتدريب ٣٥ ضابطاً وجندياً من قوات الكوماندوز لتأمين القيادة
النيجيرية.
* ننتقل إلى النقطة قبل الأخيرة في ندوتنا؛ والتي تنقلنا إلى كوبنهاجن
والتطبيع الثقافي! لنتساءل: ماذا وراء الأكمة؟ وما الذي يهدف العدو من وراء
توريط بعض المثقفين العرب في التطبيع الثقافي؟
د. جمال: العدو يهدف إلى عملية غسيل لمخ الأمة! ونجح في اختراق
الطبقة المثقفة عن طريق من كانوا يحملون لواء الشيوعية من قبل؛ الذين أصبحوا
يحملون لواء الديمقراطية.. نجح العدو في استقطاب عدد كبير منهم! لتصبح هناك
فئة تنادي بما ينادي به العدو؛ من نسيان القدس والمقدسات، وفتح أبواب التطبيع
أما كونهم وجدوا لهم صدى داخل المجتمع الإسرائيلي فهذا طابع تكتيكي ذراً للرماد
في العيون والنهاية ... أن الذين كانوا يزعمون أنهم يقاتلون في ٤٨، ٥٦، ٦٧،
٧٣ هم الذين وقّعوا عقد كوبنهاجن مع الفئة المستدرجة ليفتحوا باباً آخر من
الصراع هو الغزو الثقافي، وهو بلا شك أشد خطراً؛ لأنه يُخترَقُ من خلاله عقل
الأمة.
أ. كمال: أزمة المثقفين في العالم الإسلامي والعربي هي جزء من أزمة
الأنظمة التي روّج لها هؤلاء من قبل، وكلاهما يفتقد البعد العقدي في الصراع
بالإضافة إلى أن أكثرهم كانوا من المتسغربين الذين تربوا على موائد غير إسلامية، ولذلك فالمسألة في قناعاتهم سياسية؛ والسياسة بطبيعتها متغيرة، والموقف الذي
تتشدد فيه اليوم يمكن أن تتراجع عنه كلية إذا تغيرت الظروف في المستقبل.
فالمسألة لا تتعدى صفقة تجارية تخضع للربح المادي.
وللبحث في حس هؤلاء فإن هناك ملاحظة أخرى هي أن رموز هذا الفريق
من العرب هم من الأقليةِ، والأقليةُ أكثر قبولاً للاختراق وأكثر استجابة للتطبيع،
وأبرز هؤلاء لطفي الخولي وهو شيوعي نصراني!
* إذن هم لا يمثلون الأمة!
أ. كمال: نعم! هؤلاء المتحالفون بالإضافة إلى أنهم لا يمثلون الأمة في
هويتها لم يفوضهم أحد من الشعب المصري للتحدث باسمه، وإذا ادعي أنهم
يساعدون المفاوض المصري، فهذه ليست مسؤولية المثقف! ودور المثقف هنا هو
وضع علامات على الطريق للسياسي إذا اضطرته الظروف أن يتخذ موقفاً لا يمثل
ثوابته بحيث يرده إلى تلك الثوابت.
* وهل يعني سكوت الأنظمة عنهم موافقتها على هذا التطبيع؟ !
بالطبع لم يكن ممكناً لهؤلاء أن يتحركوا في هذا الاتجاه إلا بضوء أخضر من
وزارة الخارجية في مصر! وكذلك الحال في إسرائيل.
* المطبعون يقدمون مسوّغاً لتحالفهم بأنه يمكنهم عبر هذا التحالف اختراق
المجتمع الصهيوني؛ باعتبار أن هناك حركات سلام داخله يمكن أن يقام معها نوع
من الحلف لإجبار إسرائيل على إعطاء العرب حقوقهم؛ ورغم أن الأمر واضح في
الحس العام إلا أننا نود تجليته أكثر.
أ. كمال: هذه فرية كاذبة؛ لأن المجتمع الصهيوني برمته كله شيء واحد
بالنسبة لثوابتهم وهذا الادعاء من قبيل الوهم؛ لأن المثقف إذا ما أراد أن يخدم
قضيته فليخدمها أولاً داخل وطنه وأمته عن طريق توعية الناس.
ولكن الواضح أن هؤلاء المثقفين بالمعنى الدارج (قبضوا) ! !
د. جمال: العدو استفاد من تجربة ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية في
اعتمادها على العاهرات في جمع المعلومات؛ لأنهن ليس لديهن انتماء، وبالصورة
نفسها وظف العدو فئة من المثقفين ممن يبيعون أنفسهم من أجل المال من أجل جمع
المعلومات من خلالهم.
* هناك شخصيات ومنظمات تخدم التطبيع تحت أقنعة متعددة؛، فهل لنا أن
نقف على بعضها؟
د. البري: تشير بعض التقديرات إلى أن هناك ٣٠٠ مليون دولار سنوياً
تأتي من مصادر مشبوهة لتمويل مراكز الأبحاث في مصر فقط، مثل جمعيات
حقوق الإنسان ومركز ابن خلدون للدراسات الذي يشرف عليه د. سعد الدين
إبراهيم وهو أول من أقام مؤتمراً لحماية الأقليات في العالم، واعتبر الأقباط في
مصر حينها أقلية مضطهدة، وهو الشعار الذي تروِّج له اليوم الولايات المتحدة
للضغط على الدول.
كذلك عبد المنعم سعيد، ولطفي الخولي، واللواء أحمد فخر صاحب مركز
الشرق الأوسط الذي يصدر مجلة (أوراق الشرق الأوسط) وهذا المركز غاية في
الخطورة؛ لأنه يلتقط صغار الباحثين ويربيهم تربية تطبيعية!
* هل نتوقع أن ينفذ المطبعون ما أعلنوا عنه في تحالف كوبنهاجن؟
أ. كمال: أعتقد أن بيعة المثقفين خاسرة؛ لأنهم خسروا وانكشفوا أمام الأمة
ولا أظن أنهم يستطيعون تحقيق شيء مما أعلنوه.
* ربما تكون المسألة مسألة وقت!
بالعكس. وأقرب شاهد على ذلك أن الميزان التجاري بين مصر وهي أكبر
المطبعين وإسرائيل انخفض بنسبة ٥، ١٢ % لأسباب تتصل بمقاومة التطبيع من
القوى الإسلامية وقوى المعارضة.
ومما أثر في ذلك فتوى أصدرها مفتي مصر يعتبر فيها أن من يتعاملون مع
الكيان الصهيوني من رجال الأعمال في ظل هذه الأوضاع خونة! وكثير من رجال
الأعمال انزعج من هذه الفتوى وتأثر بها.
* هذا يجعلنا نتكلم عن المعارضة: فهل تتوقعون محاولات الالتفاف عليها
وإسكاتها أو إخمادها لا سمح الله؟
أ. كمال: لا يمكن بإذن الله احتواء المعارضة؛ لأن هذه الأمة ستظل تسري
في عروقها الحياة إلى أن يتحقق وعد الله.
وهناك حركات معارضة شعبية قوية، ولا تزال الجماهير متجاوبة معها رغم
كل الظروف، وهذا دور العلماء الربانيين في توجيه الأمة.
* لكن العلماء والصحوة عموماً يعانون تضييقاً وتعتيماً عليهم، فكيف يقومون
بالدور في ظل هذه الأوضاع رغم عظم الخطر وقلة الإمكانات؟
ينبغي أن تكون الثوابت الشرعية جلية واضحة في حس العلماء لا تتغير
بتغير الظروف، وعليهم أن ينطلقوا من هذه الثوابت وأن يستندوا إليها دائماً.
وعليهم كذلك أن يعوا قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وأن يعلموا من
خلال تاريخ الأمة أن طريق التحرير لا بد أن يمر بهم وينطلق منهم؛ كما فعل
صلاح الدين حينما تولى الحكم إذ أخرج العلماء من السجون وأعطاهم صلاحيات
واسعة لغسل قلب الأمة؛ فأعادوها إلى دينها؛ وهذا هو الدور المطلوب من العلماء؛ وهو الدور نفسه الذي قام به العلماء في التاريخ. وأذكر مثلاً من تاريخنا الحديث
يوم أن كان في الأمة بقية خير يعتبر معجزة، وتطبيقاً لقول الله (تعالى) : [وَأَعِدُّوا
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] [الأنفال: ٦٠] وهو حملة (فريزر) الفاشلة على رشيد عام
١٨٠٧م باعتبارها مدخلاً لاحتلال مصر من قِبَلِ الإنجليز عن طريق الأسطول
البحري البريطاني وقد استيقظ أهل رشيد ذات صباح على أصوات قذائف البوارج
والمدافع البحرية؛ وهنا برز دور العلماء إذ اجتمعوا في أحد مساجدها بقيادة الشيخ
حسن فريج، وتدارسوا الأمر، وقدموا خطة عملية بسيطة تتمثل في صعود الفتيات
على أسطح البيوت والتلويح بالرايات البيضاء علامة الاستسلام وهنا نزل الجنود
إلى الشوارع وكان أول ما يحتاجونه النوم، فناموا في الطرقات وبعد أن جهز الماء
المغلي داخل البيوت أمر الشيخ بالتكبير من على المآذن؛ وفي الحال خرج الجميع
ليصبوا الماء المغلي على الجنود ليصابوا جميعاً بالعمى، ويهرع بعدها الأعداء
فزعين مندحرين. بهذا التخطيط تأخر غزو مصر ٧٥ عاماً؛ ويظهر فيه أثر
العلماء في تحريك الأمة وقيادتها في الأزمات.
د. جمال: هناك أدوار كثيرة فيها خلل كبير وتقصير وتحتاج لجهود واسعة:
أولها: دور البلاغ والتعليم؛ لأن تجاوب الأمة مع الأحداث يرجع إلى جهلها
بالمطلوب منها؛ وهذا ترتب عليه قعود.
لذلك ينبغي تعريف الأمة بالثوابت بالفرائض بالواجبات بالعدو والصديق معنى
الولاء والبراء قيادة مسيرة الأمة على طريق النبوة إنشاء المجتمع المنضبط سلوكياً
وأخلاقياً وعقدياً وتعليمياً وإعلامياً مع الضوابط الشرعية؛ وبهذا تستعيد الأمة
هويتها التي ضاعت.
وهذا ليس كلاماً نظرياً؛ لكن موقف العلماء بالذات ينبغي أن يكون أقوى من
واقعهم؛ لأنهم يمثلون الحصن الأخير من حصون هذه الأمة؛ ولهذا فإن تحرير
القدس يبدأ بـ (اقرأ) .
ثانياً: لا بد أن يكون للصحوة دور في الإعلام لخدمة قضايا الأمة المصيرية.
ثالثاً: حشد طاقات الأمة وجَعْلها في مواجهة هذه الهجمة العسكرية الفكرية
العقدية الاقتصادية التعليمية الإعلامية الشرسة!
رابعاً: مطالبة الأنظمة بمصالحة مع الله أولاً. وكذلك المصالحة بين أبناء
الأمة، والسعي إلى وقف التطبيع بجميع أشكاله؛ لأن هذا من مقتضيات الولاء
والبراء.
خامساً: السعي نحو وحدة الأمة؛ لأن تداعي الأمم علينا لا يدفعه مثل توحد
الأمة على أصولها: [إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ]
[الأنفال: ٧٣] .
سادساً: إحياء الإيجابية في نفوس الناس؛ بحيث يدرك كل فرد منا أن
مواجهة هذه الحملة الشرسة واجب فردي كما أنه واجب جماعي: [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ] [النساء: ٨٤] .
سابعاً: تعرية عدونا، وبيان نقاط ضعفه؛ فهو كيان ضعيف يعيش على
صدقات وإحسان، وهو عبارة عن شيء غريب في جسد الأمة يقوم بضخ الدم إليه
قوى خارجية! ويوم أن يتوقف هذا الدعم فإن هذا الكيان سيموت.
وقد يحدث هذا إذا نجحنا حتى مع غيرنا في إيقاظ الرأي العام الغربي لخطورة
الصهيونية على اقتصاده ونظامه وبالذات أمريكا حتى لو بقيت حالة (اللاحرب)
فإنها سترهق العدو أما في حالة الحرب فهو لا يستطيع الاستمرار؛ لأنه في كيان
محدود المساحة والموارد.
ثامناً: علينا أن نذكر المبشرات التي تحفز النفوس على العطاء، مثال ذلك
قول جارودي: (أوروبا الآن في مرحلة مخاض تحمل جنيناً في بطنها، وليس هذا
الجنين سوى الإسلام) لأنها تتطلع لحل مشاكلها بعد أن عجزت جميع النظريات عن
حل مشاكل الإنسان، وهذا يعطينا ثقة في ديننا وفي أمتنا؛ فنحن أمة ممتدة جغرافياً.. ممتدة عبر التاريخ ... لها عمق استراتيجي ولديها إمكانات محلية ثروات..
موارد مائية.. لدينا قبل ذلك كله عقيدة؛ لهذا فلدينا كل مقومات الحضارة وإمكانات
الاستمرارية والبقاء، وتنمية الحياة الإنسانية، وإقامة الأمن.
أما هم: فليس عندهم شيء من ذلك! كل شيء في مصلحتنا بإذن الله لو
أعدنا حساباتنا.
أما بدون ذلك.. فنرى العدو يستعجل المواجهة بعد أن خدر الوعي، ويخشى
من عودة الوعي مرة أخرى؛ فماذا نرى؟
نريد أن نضع أقدامنا على الطريق. واجبنا، إذ لا نملك غيرها، وليتهم
يتركونها لنا؛ لأن الكلمة التي تُسمع (كشجرة طيبة) .
لذلك نقول: أطلقوا حرية الدعوة إلى الله تربية الأمة وتعليمها؛ لتعرف هي:
مَنْ عدوّها مِنْ صديقها.
ناور أنت ما شئت عبر المفاوضات، لكن أطلق حرية العمل للأمة لتجهز
نفسها لتخطط من الآن لاستقلالها اقتصادياً وعسكرياً دون الاعتماد على أعدائها.
وأعود لأقول: القضية تحتاج لتحرير إرادة الأمة وقرارها.
وكلامنا لا معنى له إن لم تكن ثَمّ إرادةٌ، والإرادة لا تتحرر إلا بالعقيدة؛
وأعتقد أنه إن لم يحدث هذا وتخطو الأمة على الطريق فربما يكون الأمر مزيداً من
الضربات، وربما تطبق تجارب مثل البوسنة والهرسك والشيشان في كثير من بلاد
العرب، والعدو ما زال يحلم بخيبر والمدينة ولبنان والشمال الإفريقي.
د. البري: أحب أن أضيف أنه ربما تأتي الانفراجة من صواريخ نيتن ياهو
التي توقظ الجميع ليزيلوا جميع المعوقات التي تحول دون أداء الصحوة لدورها.
وعلينا أن نقرأ الحقائق القرآنية عن التركيب النفسي لليهود ليبين لنا قدر
عدونا ونعلم كثيراً من أسراره الحربية والنفسية مثل قوله: [لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إلاَّ
فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَاًسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى]
[الحشر: ١٤] .
لذلك نجد تصديقاً للآية عُرُقاً متعددة تتناطح داخل إسرائيل.
كما ينبغي ألا ينطلي علينا العداء المصطنع بين إيران والغرب؛ وهذا يعكس
دوراً مهماً للعلماء والصحوة هو: فضح الباطل وتعرية أهله وكشف مؤامراتهم.
وفي الختام نرجو أن نكون قدمنا تحليلاً ذا عمق لقضية الأمة الكبرى الصراع
العربي الإسرائيلي بعيداً عن السطحية وعن المنطلقات غير الشرعية.
стр. 2592
المسلمون والعالم
مؤتمر الشبيبة في باريس:
أحلام يوحنا بولس.. هل تتحقق؟
بقلم: أبو إسلام أحمد عبد الله
ينتشر بين الباحثين المسلمين، معرفتهم بعدد من المؤتمرات الكنسية العالمية
مثل مؤتمر بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م على الرغم من اشتهاره بأنه مؤتمر يهودي
بحت، ثم مؤتمر القدس عام ١٩٠٦م، ثم مؤتمر الصعيد بالقاهرة عام ١٩١١م،
وهكذا حتى نصل إلى مؤتمر لوزان عام ١٩٧٤م، ثم مؤتمر كلورادو عام ١٩٧٨م، ثم مؤتمر إيطاليا الحاشد عام ١٩٨٤م، ثم مؤتمر مسيحيي الشرق في باريس عام
١٩٨٥م، ثم مؤتمر قبرص عام ١٩٩٤م.
والمغالطة في هذا الحصر، أنه أولاً: يعطي انطباعاً بأن هذه المؤتمرات شبه
دورية، تعقد كل عدة سنوات، وهي فقط التي عقدت، ثم إنه ثانياً: يخلط الأوراق
التي لا يصح خلطها بشأن المذهبيات والملل الكنسية التي تعقد هذه المؤتمرات،
وثالثاً: لا يميز بين الأنماط العقدية والفكرية والسياسية لكل سلسلة من سلاسل هذه
المؤتمرات.
ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية التي يتزعمها بابا روما، لها أعيادها ومنظماتها
وإرسالياتها وسفاراتها التي تنتشر في كل بلاد الدنيا، ومنها البلاد الإسلامية، ولهذه
الكنيسة مؤتمراتها الخاصة والمتنوعة على مدار أيام السنة الشمسية على خمسة
مستويات تشترك فيها كل الكنائس في العالم، الأول: هو المستوى الداخلي لكل
كنيسة مفردة، ثم المستوى المحلي بين كنائس المدينة، ثم المستوى الوطني، ثم
المستوى الإقليمي، أما الخامس فعلى مستوى العالم.
وللكنيسة الإنجيلية التي تعرف بالإصلاحية أو البروتستانتية، ما لا يمكن
حصره من الأعياد والمناسبات والمنظمات والإرساليات والمؤتمرات التي تفوق
عشرات المرات ما تعقده الكنيسة الكاثوليكية في روما، التي تبدو كأنها المهيمنة
على مقاليد الأمور الكنسية في العالم.
ويرجع هذا التوسع الإنجيلي إلى المرض العضال في جسد هذه الملة، وهو
ما يهددها من الداخل كسرطان لا شفاء منه، وتؤكد أدبيات كثيرة أنها بسببه أقرب
الملل النصرانية إلى الانهيار، برغم التوسع الظاهري الذي فاق حدود إمكانات
التوسع الكاثوليكي.
ذلك المرض هو: التفتت غير المحدود داخل هذه الملة، والانشطار اليومي
إلى مذهبيات وكنائس وفرق وجماعات ومنظمات، عجزت مراكز أبحاث الكنيسة
الإنجيلية في ألمانيا وأمريكا عن حصرها أو إيقاف المد الانشطاري الأفقي لها، أما
الكنيسة الأرثوذكسية (القبطية) التي تمارس نشاطها من مركزها الرئيس في
الكاتدرائية المرقصية الذي أنشأه لهم عبد الناصر بقلب القاهرة على مساحة ٦٠٠٠
متر مربع، والذي يعتبر الآن مقراً مؤقتاً بعد أن وضع الأنبا شنودة رئيس الكنيسة
حجر الأساس للمبنى الجديد للكاتدرائية المرقصية في العام الماضي (١٩٩٦م)
بالإسكندرية على مساحة ٤٠ فداناً، لاستعادة الوضع التاريخي لكنيسة الإسكندرية
التي تمردت على الكنيسة الرومانية، واستقلت عنها منذ خمسة عشر قرناً.
هذه الكنيسة، التي استطاعت خلال ربع قرن من الزمان يبدأ مع اتفاقية
السلام بين السادات واليهود تحت مظلة الهيمنة الأمريكية أن تنشئ أكثر من مئة
وخمسين كنيسة أرثوذكسية على مستوى العالم بالتنسيق مع من يُعرفون بأقباط
المهجر الذين يتبعون في طقوسهم ونظمهم وانتمائهم الروحي للكنيسة المصرية،
وتعقد المؤتمرات العالمية والإقليمية والمحلية، وتنشئ في أنحاء مصر الكليات
والمعاهد والمدارس اللاهوتية المتخصصة، وتقيم المستشفيات الضخمة والمكتبات،
وتجدد أديرتها وتعيد بناء أسوار كنائسها، وتوسع منشآتها في صمت وأدب كحمل
وديع، استطاع بذكاء ومهارة أن يحصد ما وسعه حصاده، ولا تكف عيونه عن
ذرف الدموع حارة تؤجج مشاعر الجهلاء بتكرارها الدائم قصة القهر والظلم الذي
يعيشونه في هذه السنوات العجاف.
وبالعودة إلى النشاط الكاثوليكي، يمكننا أن نرصد عدداً من أهم المنظمات
وأخطرها، التي تعقد كل واحدة منها مؤتمراً سنوياً على مستوى العالم، على ضوء
التوصيات والقرارات والخطط والمقترحات التي انتهت إليها الجمعيات والمنظمات
والمؤتمرات والإرساليات الإقليمية والمحلية.
من هذه المنظمات: إيمانويل أسد يهوذا، آي. تي. دي ربع العالم
الكاريزماتية الكاثوليكية (تمييزاً لها عن مثيلتها البروتستانتية) وتملك واحدة من
أضخم مؤسسات الطباعة والنشر في روما: القربان والتحرر البؤر الصغيرة الشبيبة
التي هي موضوع زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة إلى فرنسا، العمل الكاثوليكي جماعة
أمبير التي تملك ثلاثة عشر داراً للنشر المتخصص في مجال الرسوم المتحركة
للأطفال، عمل الرب التي منحها بابا الفاتيكان ميزة لم تمنح لمنظمة سواها وهي
الاستقلال التام والسيادة الذاتية المطلقة بعيداً عن أي سلطة كنسية غير سلطته
المباشرة، وكرمت في مايو عام ١٩٩٢م فمنح مؤسسها المدعو الأب بالاجير صفة
القداسة، وتضم أكثر من مائة ألف عضو، ويلقبها الإعلام الإيطالي بلقب
(الماسونية الكاثوليكية) لشدة خطورتها وتوغلها الخفي بالشؤون الدولية ثم أخيراً
وبمناسبة الاحتفال المرتقب لبابا الفاتيكان باستقبال الألفية الثالثة، وعزمه على أن
يقوم بجولة رعوية دعوية يتمثل فيها خطى إبراهيم وموسى وعيسى المسيح عليهم
الصلاة والسلام بدءاً من العراق ثم دمشق التي شهدت على حد قول يوحنا معمودية
بولس ثم الناصرة ثم صور وصيدا وجبل سيناء.
وقد أنشأ الفاتيكان أحدث وأخطر منظمة كنسية دولية، تمارس دعوتها من
خلاله قمر صناعي، إذ أطلق تحت رعاية الفاتيكان وبأمواله ولخدمته الخاصة باسم
(لومن ٢٠٠٠) أي: (نور سنة ٢٠٠٠) الذي تتلخص مهمته في أن يمطر الإنجيل
حسب تعبير المتحدث الرسمي للفاتيكان على الكون بأسره، عبر الأثير، وعبر
الطائرات والسفن والباصات والمجامع الثقافية والمراكز والمؤسسات والهيئات
والكنائس والوزارات، وبكافة اللغات في كل قارات العالم، وفي توقيت واحد،
بالتنسيق مع عمدة وأجهزة مدينة دالاس الأمريكية التي رشحها الرئيس الأمريكي
لهذه المهمة.
وهكذا في إيقاع محموم، يلهث التعصب الكنسي بكل الوسائل والتقنيات
الحديثة وفي كل المجالات العلمية والعملية، على خط متوازٍ يعضده ويمهد أمامه
الصعاب متمثلاً في زيارات بابا الفاتيكان، لتحقيق الحلم الجهنمي الذي يسعى نحوه
وهو (العالم كنيسة واحدة) وهو ما صاغه كتاب (C. colonna Cesari: La
Ge opolique Vaticane, La De couverte Paris ١٩٩٢) بقوله
(ص: ٤٩) : (توحيد العقيدة الكونية تحت لواء الكاثوليكية المقدسة) وهو ما
ذهب إليه أيضاً كتاب (Catechisme De L' Eglise Catholique Mame Plon, Paris, ١٩٩٢)
حيث جاء في (ص: ١٨٥) (إن هدف الخلاص يتضمن، أيضاً من يعترفون
بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يؤمنون بإبراهيم ويعبدون معنا الله الواحد، الرحيم، حاكم الناس في اليوم الآخر) .
وقد أشار الكتاب الأخير بوضوح شديد: (لقد أعيدت صياغة النص المسلمون
الذين يؤمنون بإبراهيم حتى لا يتخذ تمهيداً لإقرار النسب التاريخي للعرب أنهم من
نسل إبراهيم (ص ٢٠٠) وحتى لا يفهم منها أن الله قد تحدث أيضاً إلى محمد
(ص ٢١٨) ، فالنص النهائي لا يكشف عن أن إبراهيم جد نَسَبِي للعرب المسلمين، ولكن كنمط للإيمان الإسلامي، بخضوعه لإرادة الله (ص ٢١١) .
تلك المقدمة، أحسب أنها كانت من الأهمية بمكان قبل أن نلقي الضوء حول
زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة إلى باريس، بعد زيارته إلى بيروت التي استمرت في
إطار ما سمي بيوم الشبيبة العالمي الثاني عشر.
فقبل وصول بابا الفاتيكان إلى فرنسا في زيارته السادسة إليها، صباح يوم
الخميس ٢١ أغسطس ١٩٩٧م، في طائرته الخاصة قادماً من روما إلى مطار
باريس، كان هناك ٣٠٠ ألف شاب وفتاة من كل أجناس العالم يأكلون ويشربون
وينامون ويلهون سوياً، في انتظار وصول يوحنا، بعد ثلاثة أيام من بدء الافتتاح
للمؤتمر العالمي الثاني عشر ليوم الشبيبة؛ حيث أقاموا أقواس النصر، ورفعوا
رايات الصليب ترفرف على جانبي الطريق، وامتلأت الشوارع بلافتات الترحيب، وازدانت الفنادق والمسارح ودور اللهو، ودقت أجراس الكنائس لمدة عشر دقائق
متوالية، ورفعت السلطات الفرنسية في أنحاء العاصمة باريس درجة الطوارئ،
وتزاحمت مئات الكاميرات التليفزيونية، تلاحق الحدث لحظة بلحظة، والقمر
الصناعي (لومن ٢٠٠٠) ينقل خطواته مباشرة إلى ١٧ دولة على مستوى العالم،
وخصصت شبكات التليفزيون الفرنسية أكثر من ٢٠ ساعة إرسال مباشر لمتابعة
زيارته.
وفي مطار أورلي كان في استقباله الرئيس جاك شيراك، وزوجته برناديت
التي اقتضى البروتوكول الفاتيكاني أن تغطي رأسها بمنديل أسود، ضاربة عرض
الحائط بالدستور العلماني لفرنسا، كما وقف عشرات الممثلين للأجهزة الرسمية
والشعبية والتنفيذية والكنسية في استقبال يوحنا الثاني، لكن كاميرات التليفزيون
الفرنسي سلطت الضوء كثيراً على جوزيف فريزنسكي رئيس منظمة التضامن
الكاثوليكية التي تعرف بـ (أي: تي دي ربع العالم) .
ومن مطار أورلي استقل يوحنا بولس ومرافقوه من كبار البطاركة وممثلي
المؤتمرات والبرامج الكاثوليكية العالمية طائرة هليوكبتر إلى استراحة خاصة في
قلب العاصمة باريس، قرب ساحة حقوق الإنسان أمام برج إيفل.
وبرغم الإجهاد الشديد الذي كان واضحاً على وجهه وفي خطواته، استقل
سيارته ذات المنصة الزجاجية المصفحة التي تم شحنها من روما إلى باريس،
لينتقل بها إلى قصر الإليزيه، حيث كان في استقباله ثانية، الرئيس جاك شيراك
وزوجته برناديت ولكن بدون منديل أسود هذه المرة، حيث تخضع في هذه إلى
البروتوكول الفرنسي العلماني.
وفي كلمة شيراك أمام الضيوف، أشار إلى زيارة يوحنا بولس إلى لبنان،
ووصفها بأنها أسهمت في هدم الحائط، دون أن يفصح عن المقصود بالحائط،
وكان يوحنا قد استخدم المصطلح نفسه في خطابه الرسمي بلبنان حيث خاطب
الشبيبة هناك قائلاً: (يعود إليكم أن تهدموا الحواجز التي أمكنها أن ترتفع في أثناء
حقبات تاريخ وطنكم الأليمة) ، ثم أردف شيراك قائلاً بأن زيارة يوحنا بولس الثاني
لفرنسا تحمل في العديد من محطاتها رسائل مهمة!
أما الحائط الذي هدمه يوحنا، وأشار إليه شيراك؛ فهو ذلك الاتفاق الذي عقده
يوحنا الثاني مع قيادات الكنيسة المارونية لتوحيد صفوفهم وتعديل موقفهم تجاه
الوجود الصهيوني في الجنوب اللبناني، وترك القوى الإسلامية وحدها أمام مدافع
وقنابل الاحتلال الصهيوني.
وبهدم يوحنا الثاني لهذا الحائط، فقد عقد صفقتين في مقامرة واحدة: الأولى:
هي التأكيد للسلطة اللبنانية بالحماية الكاملة من أي هجوم عسكري صهيوني ضد
الحكومة القائمة، مقابل وعد من الحكومة اللبنانية بأداء المهام التي سوف تلقى على
عاتقها عند زيارته التي سوف يتمثل فيها خطى المسيح في العام ٢٠٠٠ بمدينتي
صور وصيدا، والثانية: هي الاستجابة لقائمة الطلبات التي تقدم بها نتن ياهو
رئيس وزراء الكيان الصهيوني لبابا الفاتيكان أثناء زيارة الأول للثاني في مقر
البابوية بروما قبل شهرين، بتهدئة النشاط الكنسي الكاثوليكي والماروني ضد
القوات الصهيونية في جنوب لبنان، وذلك مقابل وعد من حكومة الكيان الصهيوني
بأداء المهام وتأمين الزيارة التي يعزم القيام بها في العام ٢٠٠٠ لعدد من القرى
والمدن الفلسطينية التي أقام فيها المسيح ﵇ أو مر عليها.
وبالمناسبة وحول هذه الرحلة المزعومة عام ٢٠٠٠ التي سوف تقتضي
زيارته إلى صعيد مصر عبر جبل سيناء، فقد اكتفى يوحنا الثاني برسالة تقدمت بها
سفارته في القاهرة إلى وزارة الخارجية المصرية منذ عدة شهور ولم يتلق إجابة
عليها حتى الآن.
أما المحطات التي حملت رسائل مهمة في زيارة يوحنا لباريس حسب تعبير
شيراك فكانت أولها قيام يوحنا بزيارة كاتدرائية إيفري بجنوب فرنسا التي تعد
الكاتدرائية الوحيدة، التي بنيت في فرنسا في القرن العشرين حيث قبر صديقه
الراحل الدكتور جيروم لوجون الذي كان من أنشط الداعين إلى مكافحة الإجهاض
ورفض قانون ١٩٧٥ الذي يسمح بالإجهاض، وهو ما يمكن اعتباره تحدياً للدستور
العلماني للحكومة الفرنسية وتدخلاً في الشؤون الداخلية لفرنسا.
أما المحطة الثانية: فكانت زيارته إلى كنيسة نوتردام فردريك أوزانام المفكر
العلماني الذي رفع لواء المواجهة في القرن الماضي، ضد النظم الرأسمالية التي
برزت حينذاك، وقد حاول يوحنا الثاني بهذه الزيارة، أن يؤكد مساندته ودعمه لحل
مشكلات الشباب التي سببتها أدوات الفكر الرأسمالي للشباب، حتى أغرقته البطالة
والجريمة والمخدرات والجنس المدمر.
وفي ساحة برج إيفل، وقف يوحنا بولس الثاني: أسفل البرج ليخطب في
شبيبة الكنيسة الكاثوليكية، بحضور عدد من الوفود الرسمية التي تمثل مئات
المذاهب الكنسية الأرثوذكسية والإنجيلية في العالم مطالباً شباب العالم الكاثوليكي
بحمل مشاعل الريادة، وأن يتعاونوا حتى تعم رسالة المسيح أنحاء المعمورة.
وفي يوم السبت، التقى يوحنا الثاني بممثلي الوفود العالمية من الشباب،
حيث قام بتعميد عشرة منهم، وكما خطب في شبيبة لبنان باللغة الفرنسية، فعل ذلك
في فرنسا، خاطباً ود قادة السياسة والفكر في الحزب الجمهوري الحاكم الذي يؤكد
على القومية الفرنسية كأحد العناصر الأساس لعلمانية الدولة.
ولا شك أن يوحنا كان يضع في اعتباره جيداً، التأكيد الرسمي لفرنسا على
غياب الوجود الديني الكاثوليكي، وهو ما يصيب العقل الفاتيكاني بصداع مزمن؛
لأنه يقف حجر عثرة أمام محاولات يوحنا لبيان كونية وعالمية الدعوة الكاثوليكية
واستقلاليتها، ولا تحسب أنه يمكن أن ينسى للحكومة السابقة الاحتفالية الفرنسية
بالمائة الثانية لسقوط السلطان الكنسي من فوق أرض فرنسا إلى غير رجعة، وهو
ما أشار إليه بدقة الكاتب الفرنسي الشهير جاك فريمو، في ص ٢٨٦ من كتابه:
(فرنسا والإسلام من نابليون إلى ميتران) الذي أصدرته مترجماً دار قرطبة بقبرص
عام ١٩٩١م.
وفي يوم الأحد، كان القداس الختامي لأيام الشبيبة العالمية؛ حيث وقف في
ميدان لسباق الخيل، تحوّل بهذه المناسبة إلى كنيسة في الهواء الطلق، أعلن من
فوق منصتها دعوته إلى أن يكون العام ٢٠٠٠ هو عام التوحد الكوني في المسيح،
وأن يكون آخر يوم في القرن العشرين، هو يوم الرجاء ويوم الخلاص الذي يحلم
به كل نصارى العالم حسب تعبير يوحنا لكن على الطريقة الفاتيكانية، حيث يكون
قد بلغ هو من العمر ثمانين إذا قدر الله له البقاء ولم يمت خلال الشهور القليلة
القادمة، حيث يعاني من مرض السرطان وأجريت له عملية لاستئصاله في العام
الماضي لم تحقق النجاح الذي كان مرجواً لها.
стр. 2593
المسلمون والعالم
تقرير الحالة الدينية في مصر
(عرض وتحليل)
(١ من٣)
بقلم: أيمن محمد سلامة
(مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية) الذي أنشئ في العهد الناصري
ملحقاً بمؤسسة الأهرام الصحفية بالقاهرة من أقدم المراكز التي تعنى بهذه الدراسات
المتخصصة في منطقتنا العربية، كما تزداد أهميته من كونه يعرّف نفسه دائماً على
اعتبار أنه يقدم خدماته (للباحث المتخصص والقارئ المهتم والمؤسسات البحثية
والصحفية والسفارات العربية والأجنبية) (بهدف تنوير الرأي العام المصري
والعربي بتلك القضايا، وأيضاً بهدف ترشيد الخطاب السياسي وعملية صنع القرار
في مصر) ، وكثير من دراساته وتقاريره المتنوعة تتوجه أساساً (إلى صانعي القرار
والدوائر المتخصصة والنخبة ذات الاهتمام) .
وقد خرج علينا هذا المركز منذ عدة أشهر بتقرير مثير للجدل، كرّس له أكثر
من ثلاثين باحثاً، بين مستشار، وباحث رئيس، وباحث، وباحث مساعد، فأعدوا
فيما يقارب الأربعمئة صفحة من القطع الكبير بحثاً شاملاً عن (الحالة الدينية في
مصر) ، وهذا الجهد الضخم يعبر عن مدى المكانة والأهمية التي تحتلها الحالة
الدينية في عقل أصحاب قرار الدراسة والمخاطبين بهذا العمل.
يقع التقرير في ٣٨٩ صفحة، وبعد افتتاحية كتبها مدير المركز جاء التقديم
الذي كتبه رئيس تحرير التقرير الأستاذ نبيل عبد الفتاح، بعنوان: (تقرير عن
الحالة الدينية المصرية.. لماذا؟) في اثنتي عشرة صفحة، ثم تتابعت أقسام
التقرير، فكان القسم الأول عن المؤسسات الدينية الرسمية، وتناولت الدراسة فيه:
الأزهر (٣٢صفحة) ، ووزارة الأوقاف (١٤ص) ، ودار الإفتاء (٨ص) ، ثم
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (٢٤ص) ، والكنيسة الكاثوليكية في مصر (١٦ص)
والكنيسة الإنجيلية في مصر (١٢ص) ، وأخيراً: دراسة خاصة عن نظام الرهبنة
والتكريس والتفرغ في الكنائس (٢٦ص) .
أما القسم الثاني فكان عن الحركات الدينية غير الرسمية، فكان مما درس فيه: الإخوان المسلمون (١٨ص) ، والجماعات الإسلامية الراديكالية (المتشددة)
(٢٨ ص) ، وإسلاميو الخارج (٦ص) ، وأقباط المهجر (١٢ص) . وتحدث القسم الثالث عن العمل الأهلي والطوعي، فتناول الجمعيات الأهلية الإسلامية (١٤ص) ، ثم الجمعيات الأهلية المسيحية (٢٦ص) ، ثم الحركة الصوفية (١٤ص) .
وتحت عنوان (العلاقات والتفاعلات) جاء القسم الرابع ليتناول موضوعات:
التيار الإسلامي في انتخابات ١٩٩٥م (١٦ص) ، والأقباط وانتخابات ١٩٩٥
(٢٦ ص) ، ثم: الخطاب الديني المؤسسي في مصر.. الآليات والتوجهات
(٢٦ ص) ، وأخيراً: الصحافة الدينية في عام ١٩٩٥م: المجلات الإسلامية
(٤ص) ، المجلات المسيحية (٦ص) ..
ثم اختتم التقرير بـ (قاموس الحالة الدينية) : القاموس الإسلامي (٥ص) ،
والقاموس المسيحي (٩ص) .
وقد أحدث التقرير ردود فعل واسعة في الأوساط الثقافية المهتمة بهذا المجال،
وعلق عليه أكثر من كاتب، وكان من أبرز التعليقات في حدود ما اطلعت عليه: ما
كتبه الأستاذ فهمي هويدي، والدكتور حسن حنفي.
وقبل أن نخوض في عرض بعض النقاط التي ينبغي التوقف عندها نود
الإشارة إلى أن هذا المقال وما فيه من نقد لا يعني نقض التقرير ولا إهدار الجهود
التي قام بها فريق البحث؛ فما قاموا به خطوة رائدة من حيث نوعيتها، كنا نتمنى
لو قامت بها جهة إسلامية يوثق في مصداقيتها وقدرتها، وما نعرضه إنما يهدف إلى
التنبيه على النقص والخلل الذي نرى أنه شاب التقرير؛ عسى أن يُتدارك ذلك في
الأعداد القادمة، حيث يعتزم القائمون عليه إصداره سنويّاً.
كما نشير أيضاً إلى أننا لن نناقش بعض الآراء والأفكار التي وردت في
التقرير حكاية عن بعض الشخصيات أو المذاهب، والتي نعتقد بخطئها؛ وذلك لأن
هذه المناقشة غير مقصودة في هذا المقال الذي ينصبّ على مناقشة التقرير ذاته
ومنهجه في البحث من خلال تناول القائمين به، إضافة إلى بعض الملحوظات على
الحالة الدينية كما تظهر من خلال التقرير.
مصداقية وعلامات استفهام! !
يحرص المركز صاحب التقرير على التأكيد في كل إصدار من إصداراته
على أنه مركز (علمي مستقل) ، بمعنى أنه لا يخضع لتأثير أي جهة؛ أو ضغوطها، أي إن حياده فوق مستوى الشبهات! ولا يشهد إلا بما علم (مركز علمي!) ..
وإذا كنا نستطيع مغالبة أنفسنا وتمرير أن المركز مستقل مالياً وإدارياً عن
الحكومة، فلا نستطيع تصديق أنه مستقل عنها فكريّاً، فلا نظن أن القائمين على
المركز ينفون عنه توجهه العلماني أو محاولته توجيه سياساتها من خلال دراسته،
فهو من هذه الناحية يعتبر طرفاً غير محايد تجاه التيار الإسلامي الذي نظن أن
التقرير يهدف إلى الإحاطة به، فبدهي أن هذا التيار إذا عارض تلك الحكومة فإنه
لا يعارضها لكونها مجرد تنظيم حكومي؛ بل لكونها تحمل فكرة ومنهجاً يعتقد أنها
تخالف الإسلام (أي: العلمانية) ، وهو ما يحمله أيضاً المركز صاحب التقرير..
أضف إلى ذلك: فإن المركز عرفاناً بهامش حرية التعبير الذي وفره له العهد الحالي
أضفى على الموضوعية رداء الخجل عندما تناول موضوعات لها صلة بهذا العهد،
حيث تبنى وجهة النظر الحكومية تجاه التيار الإسلامي في جل أجزاء التقرير، عدا
الجزء الخاص بالعلاقات والتفاعلات عند الحديث عن التيار الإسلامي في انتخابات
١٩٩٥م، الذي نظن أنه جاء موضوعيّاً.
وفي هذا الإطار: فالمركز لم يحاول عرض وجهة نظر هذا التيار حسب
المنتمين إليه رغم عرضه لوجهة النظر بل والمطالب الكنسية كاملة كما سيتضح
لاحقاً، حيث كان ضمن فريق البحث أقباط مخلصون لكنيستهم، بل منهم قساوسة
وأعضاء على قائمة البطريرك الأرثوذكسي، ولا نستبعد أن تكون بعض أجزاء
التقرير خرجت من الكنيسة نفسها، وبقول آخر: فإن الذين أعدوا الأجزاء الخاصة
بالحالة الإسلامية كانوا علمانيين متعصبين لعلمانيتهم، رأوا أنه من الحياد والشجاعة
الأدبية عدم الميل إلى مشخصات هذه الحالة فجاروا عليها، أما الذين أعدوا الأجزاء
الخاصة بالأقباط فهم من أبناء الكنيسة المخلصين الذين أحسنوا عرض وجهة نظرهم
ومطالبهم من خلال التقرير!
وباختصار: فإن المركز حاول أن يمارس الحياد، ولكنه جاء كحياد الخصم
في حدود المتاح من حرية التعبير، فإذا أضفنا إلى ذلك ضلوع مؤسسة أجنبية في
تمويل التقرير هي مؤسسة (كونراد أديناور) الألمانية التي يثني مدير مركز
الدراسات عليها وعلى مدير مكتبها بالقاهرة، ويصف تمويلها للتقرير بأنه (دون
تدخل في أي مرحلة من مراحله!) [١] فإن التساؤلات تثور حول حقيقة الأهداف
التي يصب في خدمتها التقرير وحول الطريقة التي قدمت بها المعلومات الواردة في
التقرير.. ولعلنا نلتمس في التقرير ذاته إجابات لتلك التساؤلات:
يقول مدير المركز الدكتور عبد المنعم سعيد في الافتتاحية: (ومن هنا يأتي
التقرير كجزء لا يتجزأ من جهد عالمي تقوم به الجماعة العالمية للعلوم السياسية لفهم
ودراسة الظاهرة الدينية في أبعادها المختلفة، ومن ناحية أخرى: فإنه يأتي استجابة
لظروف إقليمية ومحلية تراكمت خلال السنوات الماضية، لم تأخذ فقط شكل تنامي
الأصوليات الإسلامية والمسيحية واليهودية في منطقة الشرق الأوسط، وإنما وربما
كان ذلك لا يقل أهمية لتزايد دور المؤسسات الدينية التقليدية والمجتمع المدني
المستند إلى الدين [الجمعيات الأهلية الدينية] في تقرير أمور كثيرة في الحياة العامة)
(ص ٩) .
ويقول رئيس تحرير التقرير الأستاذ نبيل عبد الفتاح في المقدمة: (إذن لم تعد
الحالة الإسلامية الرسمية واللارسمية محض حالة أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية أو
ثقافية، وإنما هي حالة عامة ونفسية، ومن ثم: لم تدرس هذه الحالة إلا من
المنظور السياسي الذي يتعامل مع أبعادها السياسية والأمنية وظواهر العنف
المصاحب لها ... أي إن الحالة الدينية المصرية لا تزال مجهولاً على مستوى
المعرفة، وعلى مستوى الوعي العام بها..) (ص ١٢، ١٣) ، ويقول أيضاً: (إن
عملنا يستهدف بناء اندماج قومي مصري رصين، نتجاوز به ومعه مشكلات
وظواهر نراها عارضة) (؟ !) (ص٢٢) .
ويسوّغ التقرير أسباب الاهتمام بدراسة الجماعات الإسلامية ورصدها على النحو التالي:
١- إننا إزاء نمط متميز من الجماعات السياسية التي ترتكز على قاعدة
اجتماعية، وتتسم هذه الركيزة الاجتماعية بالسيولة، ومع غياب دراسات
سوسيولوجية معمقة لهذا الأساس الاجتماعي، وخصائصه، وسماته، ومناطق
تركزه جغرافياً، ومحلياً داخل البلاد، ومن ناحية أخرى: تتسم القاعدة الاجتماعية
لهذه الجماعات بالتغير، وعدم الثبات، سواء في موجاتها المختلفة، أو في أجيالها
العديدة.
٢- إن الخصائص العمرية والاجتماعية والمهنية لهذه الجماعات على اختلافها
لا زالت أمراً مسكوتاً عنه في الدرس الأكاديمي المصري المعاصر.
٣- الفوارق بين الأنظمة الفكرية، والمعيارية والتنظيمية وأنماط التنشئة
والتجنيد السياسي لها، لا زالت أمراً مجهولاً، نظراً لغياب بنية معلوماتية عن
البناء التنظيمي والحركي لهذه الجماعات) (ص١٦١) .
ويقول التقرير أيضاً: (وربما يكون التركيز على أهمية المرجعية الدينية في
التفسير والتحليل مقصوداً منه لفت الانتباه إلى أهميتها [اي: المرجعية] ، وعدم
قصر الرؤية على بعد واحد دون غيره، وإيلاء أهمية خاصة لهذه المرجعية في أي
تناول أو حوار مع تلك الجماعات) (ص ١٨٨) .
فهل جاء التقرير ليسد الفراغ في هذه الدراسات الذي نشأ نتيجة الانشغال
بالمنظور السياسي والأمني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى من يقدم هذا التقرير؟ ! · شاهد أم طرف؟ !
فإذا انتقلنا إلى استطلاع موقف التقرير من التيار الإسلامي نجد أنه اختار أن
يكون طرفاً مقابل هذا التيار، وليس مجرد واصف أمين أو محلل دقيق له، فهو في
مواجهة هذا التيار يتبنى مواقف فكرية، ويشيد بإجراءات وأساليب حكومية:
* فهو يبتر تاريخ هذا التيار عندما يقرر تحديد انتقال (الحالة الدينية من
محض استلهامات خلقية ومعيارية وسلوكية للمجال الخاص إلى المجال العام
السياسي والثقافي) بعام ١٩٧٤م (ص١١) ، يريد بذلك ربط هذا التحول كما يراه
بأول محاولة انقلاب منسوبة لهذا التيار فيما يسمى بحادثة الفنية العسكرية عام
١٩٧٤م (ص ١٨٣) ، وهو بذلك يهدر كفاح هذا التيار بل منهج هذه الأمة قبل هذا
التاريخ، وفي الوقت نفسه: يربطه باستدعاء خلفيات العنف الذي سيصبح هذا
التيار مسؤولاً عنه فيما بعد، فهي محاولة لتشويه المرجعية التاريخية لهذا التيار.
* وهو يكرر ذكر الأسباب نفسها التي طالما لاكها خصوم هذا التيار حول
نشأته، فيراها في (تفسير هزيمة ١٩٦٧م ببعد المجتمع عن الدين، وتشجيع سلطة
السبعينيات الفكر والحركة الإسلامية في مواجهة تيارات سياسية أخرى [يسارية
وناصرية وماركسية] ، والأزمات الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع المصري منذ
هزيمة سنة ١٩٦٧م، وفشل الاتجاهات الاشتراكية والليبرالية في معالجة المشاكل
الاقتصادية) (ص ١٨٧) .. إلى آخر تلك الأسباب التي تهدف إلى سحب الشرعية
الإيمانية من هذا التيار؛ ليقف على الأرضية نفسها التي ينطلق منها خصومه،
أرضية الدوافع والمصالح المادية والذاتية.. وهي الأسباب التي سبق أن ناقشها
كاتب آخر على صفحات (البيان) [٢] عند تناول طرح مماثل عن أسباب نشوء
ظاهرة التوجه الإسلامي في مصر للأستاذ/ السيد ياسين أحد مستشاري هذا التقرير، ولكن أُضِيفَ هنا سبب أكثر يسارية، وهو ما يزعم من (تشجيع سلطة السبعينيات
الفكر والحركة الإسلامية في مواجهة تيارات سياسية أخرى) ، وتكرر الزعم نفسه
في مواضع أخرى، (كما في ص ٢١٦، ٢١٩، ٢٣٦) (يمكن القول إن سياسة
الرئيس السادات في مواجهة اليسار والناصريين في السبعينيات كانت أحد الأسباب
الرئيسية في ارتفاع نسبة الجمعيات الإسلامية [الأهلية الخيرية] ) [٣] .
وهذا الزعم يعوزه البرهان والدليل؛ فأصحاب هذه الدعوى لا يقدمون لنا
إيضاحاً تاريخياً لوقائع ذلك الدعم وكيفية حدوثه، فهل زوّر النظام حينها الانتخابات
لصالحهم كما يحدث دائماً مع غيرهم وآخرها انتخابات ١٩٩٥م التي يذكر التقرير
أن الحكومة ذاتها اعترفت بحدوث تجاوزات فيها؟ (ص ٢٨١) ، أم أصدر القوانين
التي تحول دون سيطرة غيرهم على النقابات كما فعلوا مع أنصار التيار الإسلامي؟
(ص ٢٩٩) ، أم شطب ٦٠% من المرشحين لانتخابات الاتحادات الطلابية ليحول
دون انتخاب اليساريين كما حدث مع التيار الإسلامي؟ (ص٣٠٢) ..
إن (الدعم) الذي قدمه النظام وقتها هو أنه أعطى للجميع فرصاً متساوية،
وهنا انكشف اليساريون والعلمانيون، فأطلقوا هذه الدعوى ... وكأن قمع الإسلاميين
وخنقهم وحرمانهم بات أهم الطقوس السياسية العلمانية، وغير ذلك يعتبر كرماً
ودعماً وتضامناً معهم!
والواقع يكذب هذه الدعوى، فالأستاذ فهمي هويدي يصفها بأنها: (توفر
تفسيراً مريحاً للظاهرة الإسلامية، يعطي الانطباع بأنها من صنع السلطة وليست
خارجة من عمق المجتمع وضميره وأشواقه، غير أن الدكتور كمال أبو المجد الذي
عاصر تلك الفترة بحكم موقعه كوزير للشباب يعتبر الواقعة (افتراء وشائعة مختلقة
ومكذوبة من أساسها) ، وسمعته يتحدث عن شهود أحياء يمكن الرجوع إليهم للتثبت
من حقيقة الأمر، وقد كانوا أعضاء في الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي آنذاك، وقد
عرضت عليهم قضية الشباب وحركته، ومنهم الأساتذة: محمد عثمان إسماعيل،
وأحمد عبد الآخر، وإبراهيم شكري) [٤] .
بل إن من عايشوا وقائع تلك الفترة يروون أن الاتحادات الطلابية التي يتوجه
الكلام أساساً نحوها بهذه الدعوى (ص ٢١٩) كانت تسيطر عليها التيارات اليسارية
والناصرية تماماً حتى عام ١٩٧٥م، وفي الفترة التالية (١٩٧٥ ١٩٧٧م) التي
شهدت بداية نمو التيار الإسلامي في هذه الاتحادات شهدت الحركة الطلابية
الإسلامية معوقات وضعتها السلطة وصلت إلى حد الصدام، كاعتقال محيي الدين
أحمد عيسى أحد رموز هذه الحركة، والمشادة التي حدثت بين عبد المنعم
أبوالفتوح والسادات عام ١٩٧٧م، ثم في عام ١٩٧٨م رفضت الحكومة عقد مؤتمر اتحاد طلاب الجمهورية لانتخاب مكتب تنفيذي للاتحاد؛ لأنه كان واضحاً أن الطلاب الإسلاميين سيسيطرون على المكتب، وبعد بذلك تم إغلاق مقر الاتحاد في القاهرة بالشمع الأحمر، وتعطل فترة طويلة، ثم صدر قرار جمهوري بإلغاء لائحة اتحاد طلاب مصر الصادرة عام ١٩٧٦م لتحل محلها لائحة ١٩٧٩م الشهيرة التي ألغت نهائياً كيان اتحاد طلاب مصر [٥] .
وقد حاول التقرير في موضع آخر (ص١٨٨) وضع مثل هذه الأسباب في
حجمها، حيث يقول في معرض إبدائه وجهة نظره في طبيعة (هذه الجماعات)
وتقييمه لها: (ويمتد تأثير الأساس الفكري الديني إلى مختلف جوانب وجود الحركة
الإسلامية، بدءاً من مصطلحاتها ورموزها وحتى تكتيكات واستراتيجيات حركتها،
الأمر الذي يميزها في نهاية الأمر من نواح عديدة عن غيرها من الحركات السياسية
والاجتماعية.
والحقيقة أن التركيز على أهمية العامل الفكري، أو المرجعية الدينية، في
تفسير ظهور ونمو وانقسام الجماعات الإسلامية المتشددة لا يعني الاستبعاد التام لأي
تفسيرات اجتماعية أو سياسية.. إلا إن ذلك لا يصل إلى حد اعتبارها مجرد ظاهرة
اجتماعية أو سياسية لا علاقة للعامل الديني بها) .
* والتقرير يحمّل الإسلاميين بمشاركة الحكومة المصرية مسؤولية إحباط
الأقباط وسلبيتهم السياسية والاجتماعية: (ويترتب على ذلك تكريس الانقسام الديني
بين المواطنين والاستبعاد السياسي للأقباط، وساعد على هذه الأنماط التفكيكية
والانقسامية: نزوع الحركة الإسلامية الأصولية الراديكالية والمعتدلة ومؤسسات
الإسلام الرسمي إلى فرض الخطاب الديني وتأويلاته الفقهية ومعاييره على الفضاء
السياسي والاجتماعي والقيمي في المجتمع..) (ص ٣١٠) ..) إذن شكّل التغير
في التركيبة الاجتماعية والثقافية والقيمية اتجاهاً عاماً نحو مزيد من المحافظة
السلوكية، وفي أنماط الزي والرموز والطقوس الاجتماعية؛ مما أدى إلى خلق
مظاهر من التميز القيمي والسلوكي بين المواطنين المصريين على اختلاف
انتماءاتهم الدينية فضلاً عن تنامي عمليات العنف ذي الوجوه الدينية والطائفية أيّاً
كانت أهدافه! ، والسطو على محلات بيع الحلي الذهبية في مناطق متعددة بالوجه
القبلي والقاهرة والجيزة، أدى ذلك إلى خلق حالة نفسية انسحابية لدى المواطنين
المصريين الأقباط من المجال العام والسياسي تحديداً تحت وطأة إحساس جمعي بأنه
لا يمثلهم، ولا يجدون فيه تعبيراً سياسياً، أو ثقافياً، أو رمزياً عنهم، وأنهم غير
مرغوب فيهم) (ص ٣٠٨) .. ليس ذلك فقط، بل (شكّل تزايد مظاهر المد الإسلامي
في المجتمع المصري وتنامي نشاط ونفوذ جماعات الإسلام السياسي بمختلف تياراته
قيداً عملياً وأمنياً على حرية إنشاء جمعيات أهلية مسيحية جديدة، خاصة في
المناطق الساخنة أمنياً) (ص ٢٥٣) .
فأين المفر أمام الأقباط المضطهدين أمام زحف التتار الإسلاميين؟ ! . لقد
وجدوه في (اعتصامهم بالحقل الديني القبطي، ومؤسسته وأكليروسة كل منهم في
إطار مذهبه الديني) (ص ٣٠٨، ١٤) .
فهل عرفنا الآن سبب تعصب الأقباط والتفافهم حول كنيستهم كما يرى التقرير؟ .. إنهم الإسلاميون! ! ، بل أكثر من ذلك: فهؤلاء الإسلاميون هم سبب ترك
بعض الأقباط لمصر (فإذا كانت الدولة قد أسقطت كافة القيود التي كانت مفروضة
على الهجرة بشقيها الدائم والمؤقت.. فإن ذلك ترافق مع تزايد نفوذ الجماعات التي
رفعت شعارات دينية [اسلامية] ) (ص ٢١٦) ، وهم سبب إصابة هؤلاء المهاجرين
بالحساسية الشديدة والتأثر تجاه أقباط الداخل (وقد تزايدت معدلات الهجرة بفعل
سياسات التأميم والتعبئة السياسية قبل نكسة ١٩٦٧م، ثم تصاعد المد الإسلامي بعد
النكسة.... من هنا أدت ظروف الخروج من مصر إلى جعل هذه التجمعات شديدة
الحساسية والتأثر تجاه كل ما يجري على أرض الوطن) (ص ٢١٨) .
بالطبع فإنه لا يُذكر في هذا المقام أن العهد الناصري كان عهد (التوافق
الاستراتيجي) بين الدولة والكنيسة (ص ٩٣) ، ولا يذكر (التوافق الشخصي الحميم)
بين عبد الناصر وبابا الكنيسة (ص ٩٣) ، ولا يذكر أيضاً أن ظواهر الإسلام
السياسي لم تبدأ في الظهور إلا عام ١٩٧٤ (ص١١) ، ولا تذكر الأسباب
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدت إلى ظهور هذا التيار (ص ١٨٧) ، ولا
يذكر أن هذه الأسباب أثرت في المحيط القبطي! ، ولا يذكر أن قرارات التحفظ
التي أصدرها السادات (سبتمبر ١٩٨١م) التي اتخذت مبرراً لردود فعل الأقباط في
الداخل والخارج إلى حد مطالبة بعضهم المجتمع الدولي بفرض عقوبات على مصر.. أنها إذا كانت طالت ٤٩ شخصاً من رجال الكنيسة ومجموعة من الأقباط
(ص ٢١٩) فإنها طالت الآلاف من العلماء ورموز الحركة الإسلامية وشبابها.. لا يذكر كل ذلك وتُذكر فقط الصحوة الإسلامية، أصل كل شر على العلمانيين
وحلفائهم! ! .
* والتقرير لا يدع فرصة ولو مفتعلة لإظهار نصرته لأهل قرابته في التوجه
إلا ويقتنصها:
فهو يمتدح الدولة الفاطمية بأنها لم تلجأ إلى نشر مذهبها الباطني قسراً رغم
ذكره أن تعصبها وصل إلى حد الحجر على حريات الأفراد، في حين ينعى على
الدولة الأيوبية التي (كانت سنية المذهب وأوغلت إيغالاً بعيداً في لدد الخصومة
للمذهب الشيعي، وكان في مقدمة برنامجها الداخلي القضاء على هذا المذهب
واستئصال شعائره ومعالمه ومحاربة معاقله) (ص ٢٧) .
فهل يريد إفهامنا أن أمثال هؤلاء (السنية) إذا وصلوا إلى السلطة فلن يبقوا
على أي مخالف لهم؟ !
ويمتدح اختيار شيخ الأزهر منذ عهد محمد علي باشا وخصوصاً بعد (ثورة
يوليو) ، معتبراً أنه (أصبح من يتولى المشيخة يوزن بميزان علمي دقيق وتتوافر
فيه مواصفات وخبرة وتخصص ومستوى رفيع) ، وسبب هذا المدح أوضحه سابقاً
في الصفحة نفسها (ولما جاءت الحملة الفرنسية حركت الركود في الأزهر،
وتمخض الاحتكاك العلمي أثناء الحملة على إدخال علوم مدنية! ، ودعم هذا الأمر
سفر علماء الأزهر بعد ذلك إلى الخارج) (ص ٤٤) ، فهو امتداح لتأثير الحملة
الفرنسية والبعثات الأوروبية، وهو ما أشار إليه في مواضع أخرى من الإشادة
بالشيوخ (المطربشين) والإشارة إلى الصراع بينهم وبين (المعممين)
(ص ٤٣، ٤٤، ٥٤) .
ونظرته إلى المشايخ السابقين على تلك الفترة نظرة أحادية؛ فما أخذه عليهم
من أن الاختيار كان أحياناً تؤثر فيه عوامل القرابة.. يهمل ظاهرة العائلات العلمية
التي كانت وما تزال موجودة، وأما تأثير كون العالم من طبقة أرستقراطية فهو
يهمل أن ذلك قد يكون عامل استقلال وكرامة، وقد يُنظر إلى معيار الزهد أو الثراء
على أنه أدعى إلى العفة ونظافة اليد (انظر ص ٤٤) ، وبالطبع فإن المعيار العلمي
لم يكن غائباً أو باهتاً بجوار مثل هذه المؤثرات، أما الدور السياسي الذي نوه
التقرير بقدرة مشايخ الأزهر على القيام به بعد ثورة يوليو: فواضح أنه دور تبعي
يخدم سياسة الدولة أكثر مما يخدم قضايا المسلمين كما سيأتي من أقوال التقرير نفسه.
ويُعرّض بدور الأزهر الرقابي في موقفه تجاه بعض أصحاب الانحرافات
الفكرية والثقافية، فيقول (ص٥٢) : (وتحاول الدولة أن توازن بين دور الأزهر في
حماية المعتقدات الدينية وإعطاء الضوء الأخضر له.. وفي الوقت نفسه المحافظة
على حرية الفكر والإبداع، ويبدو أن كفة الأزهر هي الغالبة كما أثبتت ممارساته
عام ١٩٩٥م، خاصة في رأيه بشأن قضية نصر حامد أبو زيد، القائم على اعتبار
أن هناك فرقاً بين (حرية الفكر وحرية الكفر (. ولم يفت التقرير أن يشير إلى أن
مجلة (منبر الإسلام) التي تصدر عن (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية) التابع
لوزارة الأوقاف أولت قضية التفريق بين الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته
اهتماماً كبيراً (حيث تناول رئيس تحرير المجلة عبد اللطيف فايد في مقالته ...
الافتتاحية في عدد يوليو ١٩٩٥م تلك القضية بهجوم ضارٍ على د. أبو زيد)
(ص ٦٧) .
ولعل ذلك أحد الأسباب التي دعت التقرير إلى وصف تلك الأجهزة الرسمية
بأنها مؤسسة أصولية رسمية (ص١٢، ٣١٠) .
* والتقرير يتبنى مواقف وآراء فكرية يفترض أنها قائمة على اجتهادات
شرعية: (فما اصطلح على تسميته بالشروط العمرية) التي تحدد طريقة معاملة أهل
الذمة (الثابت تاريخياً أن عمر بن الخطاب بريء من الشروط العمرية) (ص ٨٧) ،
بينما (حفاوة) عمرو بن العاص بالبابا بنيامين بطرك الأقباط وسماحه لهم (ببناء ما
هدم من الكنائس والأديرة) لا تحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وتعامل باعتبارها حقيقة
تاريخية ثابتة (ص ٨٧) .
والحديث عن (أهل الذمة) يغضب محرري التقرير ف (لقد ساعد على هذه
الأنماط التفكيكية والانقسامية: نزوع الحركة الأصولية الراديكالية والمعتدلة،
ومؤسسات الإسلام الرسمي، إلى فرض الخطاب الديني وتأويلاته الفقهية ومعاييره
على الفضاء السياسي والاجتماعي والقيمي في المجتمع. وثمة لغة فقهية محافظة
توظف في المطارحات السياسية والفقهية حول موقع غير المسلمين في المجتمع
الإسلامي والدولة الإسلامية، وعودة النسق التاريخي لأهل الذمة في خطابات
الجماعات الإسلامية ووعاظ الغضب والمؤسسة الأصولية الإسلامية. ولا شك أن
انتقاء هذا النسق والفقه المعبر عنه من بين رؤى أخرى أكثر تسامحاً وإنسانية
وأصالة أثار هموماً وشجوناً وصوراً تاريخية في المخيال التاريخي للأقباط
المصريين) (ص ٣١٠) .
ويقدم التقرير لنا رؤيته في علاقة الدين بالدولة من خلال تصريحات شيخ
الأزهر والمفتي: (فإن كان الدين هو مصدر المنطلقات السياسية وتوجهاتها من
حيث وجوب أن تتسم بقيم الأخلاق والفضيلة والحث على التنمية والبناء والتفاعل
الإيجابي مع الآخر ورد العدوان والوقوف إلى جانب الحق.. إلى آخره، فإن
السياسة هي الجانب الآخر المكمل لمثل هذه المنطلقات، وهي الجانب الذي يركز
على الكيفية الدقيقة أو السؤال الخاص بـ (كيف؟) ... ) (ص ٣٥٤) .
ولا يكتفي التقرير بتقديم رؤاه الفكرية في مسائل شرعية، بل يقدم أيضاً
(اجتهادات) الجانب القبطي النصراني: فبابا الأرثوذكس يوضح أن من أسباب
التطرف والإرهاب: الفهم الخاطئ للدين (وهذا الفهم الخاطئ تولدت عنه مفاهيم
مثل (التكفير) الخاطئ، مثل: تكفير الشيخ الذهبي مثلاً، وكذلك تكفير من لا يؤمن
بالإسلام!) (ص٣٤٥) ، ويشير التقرير إلى اجتهادات البابا الشرعية واستشهاداته
القرآنية! حينما يورد طلبه بإنجاز قانون الأحوال الشخصية مع مراعاة أحوال
الأقباط تنفيذاً للشرع الإسلامي الذي يقول: (احكم بينهم حسبما يدينون) [٦] ...
(ص ٣٤٧) .
ويورد رأي مجلة (رسالة الكنيسة) الكاثوليكية في وثيقة الزواج المقترحة
والتي رفضها شيخ الأزهر وتحفّظ عليها المفتي، ولكن المجلة رأت في الوثيقة ... (أنها راعت وضع المرأة المسلمة، وأنها وسيلة فعالة لحماية المرأة وضمان استقرارالأسرة) (ص ٣٦٥) .
ويبرز أن بعض أساتذة جامعة الأزهر لا يجد (مبرراً لتقسيم الكليات إلى بنين
وبنات، خاصة الكليات العملية، ويطالبون بالاختلاط على مستوى الكليات العملية؛ حتى يستطيع الخريجون التكيف أكثر مع الواقع العملي!) (ص ٥٤، ٥٥) .
* والتقرير يتدخل في نيات الناس ويفتش في قلوبهم: فإسلام بعض النصارى
ليس ناتجاً عن رغبة في الإسلام وسماحته وهروباً من النصرانية المحرفة وآصارها
ومصادمتها لفطرة البشر ومصالحهم (وقد شهد عام ١٩٩٥م حوالي ٦٧ حالة إشهار
للإسلام، معظهم من الأجانب، ولا يدل هذا العدد على حقيقة إشهار المسيحيين
المصريين لإسلامهم؛ فهناك أسباب غير دينية لإشهار إسلام بعضها يتعلق بالأحوال
الشخصية وقضايا الزواج والطلاق) (ص ٥٣، ٥٤) .
ومن يبني مسجداً أسفل منزله لا يقصد بذلك التقرب إلى الله، (الزوايا
الصغيرة في أسفل المساكن والتي يبنيها أصحابها للوجاهة الاجتماعية أحياناً،
وللتهرب من الضرائب العقارية أحياناً أخرى) (ص ٦٤) .
стр. 2594
المسلمون والعالم
عولمة أم أمركة؟ !
(٣)
المصلحة.. وديبلوماسية الإجبار! !
بقلم: حسن قطامش
تعرض الكاتب في الحلقتين السابقتين إلى الحديث عن التاريخ الأمريكي
الحقيقي، وفند التلميع الزائف لهذا التاريخ المزور وتناقضاته، ويبدأ في هذه الحلقة
الحديث عن محددات السياسة الأمريكية وطرق عولمة النموذج الأمريكي.
- البيان -
المصلحة استراتيجية أمريكية:
مصلحة أمريكا أولاً وآخراً، هذه باختصار إحدى البدهيات الأولى
لاستراتيجية السياسة الأمريكية تجاه العالم.
في سؤال طرحته مجلة (تايم) الأمريكية الأسبوعية، مع إيرادها الإجابة عليه
في الوقت نفسه: لماذا طالب الجمهور الأمريكي بسحب القوات الأمريكية من
الصومال، على الرغم من أنه لم يقل شيئاً عن طلعات الطيران الأمريكي فوق
العراق وسقوط طائرتي هليوكوبتر، ومقتل ١٥ جندياً أمريكياً؟ والجواب: الفرق
واضح، فالجمهور الأمريكي يفهم أن البترول يمثل (مصلحة حيوية) وأن صدّام
طاغية يأمل في صنع أسلحة نووية ويمثل خطراً على الأمن الأمريكي.
سؤال آخر طرحته المجلة ذاتها مع التدخل الأمريكي في البوسنة: ما الذي
يجعل البوسنة تستحق الموت من أجله؟ ما المصلحة القومية في ذلك؟ أما الجواب
فكان من رئيس أمريكا وتبعه وزير الدفاع السابق، أما كلينتون فأجاب: (إذا لم نقم
بالجزء الذي يخصنا من مهمة حلف الناتو فسنضعف التحالف، ونعرض الزعامة
الأمريكية في أوروبا للخطر) .
أما وليام بيري وزير الدفاع السابق فكان موافقاً رئيسه في (أن مهمة حفظ
السلام في البوسنة تؤثر على مصالح الأمن القومي الأمريكي من خلال الحفاظ على
مصداقية حلف الناتو) .
أقسام المصلحة الأمريكية:
تنقسم المصالح الأمريكية إلى أقسام ثلاثة:
١- مصالح استراتيجية: وهي التي تمس الأمن القومي الأمريكي مباشرة،
وتؤثر على مصالحها الذاتية بصورة بالغة، أو ترى أنها تهدد الزعامة الأمريكية
للعالم، وأوضح الأمثلة على ذلك: بقاء كيان يهود بين الدول الإسلامية، ثم
البترول العربي، ولعله لا يوجد ما نستدل به على ذلك أفضل من إخبار هنري
كسينجر اليهودي، وزير الخارجية الأسبق لأحد المسؤولين العرب عند حظر
البترول: أن أمريكا أعدت خطة لاحتلال أحد منابع النفط في الخليج وبالتحديد
(أبو ظبي) وليمنع العرب ما شاؤوا!
٢- مصالح ملحة: وهي مصالح تؤدي إلى خدمة المصالح الحيوية بصورة
كبيرة، كالحفاظ على الأنظمة الصديقة في العالم، ونجاح عملية السلام، ومحاربة
الإرهاب كمهدد للأنظمة الصديقة ومقوض لعملية السلام.
٣- مصالح تكتيكية: وهي غالباً ما تكون للمناورة وإثبات الذات والظهور
الدائم على الساحة العالمية والإعلامية كالضغط على إيران والعراق، والسودان
وسوريا وليبيا كدول إرهابية ومساندة للإرهاب! !
ولن نجهد كثيراً للبرهنة على أن المصلحة عقيدة سياسية، بل هي المحرك
الأساس للسياسة الخارجية الأمريكية، فالنبرة المصلحية واضحة جداً في الخطاب
الرسمي الأمريكي بداية من الرئيس، ومروراً بوزرائه، وانتهاءً بالفرد العادي.
في كتاب: (بين الأمل والتاريخ) يحدثنا كلينتون عن المصلحة الأمريكية
بشيء من التفصيل فيقول: (إن على أمريكا أن تكون قوة فاعلة في تحقيق السلام
العادل في عالم مليء بالصراعات، ليس ثمة طريقة أخرى (لتدعيم أمننا) على
المدى الطويل، إن علينا أن نتحمل مسؤوليتنا تجاه ذلك العالم، لا أن نقف منه
موقف غير المبالي؛ فعندما تصبح التحالفات ضرورية، فإن علينا أن نقيمها،
وعندما تصبح المفاوضات ضرورية، فإن علينا إجراءها، وعندما تصبح
الاستثمارات مطلوبة، فإن علينا تقديمها، وعندما تصبح القوة مطلوبة (لضمان
أمننا) فإن علينا استعمالها، ومعنى ذلك كله: أن علينا الترحيب بآمال العالم وثقته
لا أن نُعرض عنه، ليس لأجل العالم فقط.. بل لأجلنا نحن أيضاً) ، أما روبرت
دول زعيم الأغلبية في الكونجرس، فكتب دراسة في مجلة (فورين بولسي) في
العام ١٩٩٥م، بعنوان: تشكيل مستقبل الولايات المتحدة، وكان أكثر وضوحاً من
كلينتون في شرح استراتيجية المصلحة، يقول: (صحيح أن التلوث البيئي والتفجر
السكاني في إفريقيا أو جنوب آسيا مشكلتان، لكن تأثيرهما على (مصالح أمريكا)
هامشي في أحسن الأحوال، ولا شك أن المجاعة في الصومال ورواندا مأساوية
يتعين على أمريكا مد يد المساعدة الإنسانية في الكوارث وفقاً لمواردنا وبطريقة لا
تفضي إلى نسف جاهزيتنا العسكرية، غير أن الأحداث في رواندا والصومال لا
تنطوي في أسوأ الأحوال إلا على تأثيرات هامشية بالنسبة لأمريكا. إننا لا نستطيع
أن نستمر في نسف سمعة قواتنا المسلحة من أجل عمليات إنسانية (لا تفعل شيئاً في
مجال تعزير مكانة أمريكا! ! فلا تجوز المخاطرة بحياة الأمريكيين إلا دفاعاً عن
المصالح الأمريكية) إن من شأن مثل هذه التحركات أن تزيد صعوبة إقناع الأمهات
والآباء الأمريكيين بضرورة إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المعركة (التي تكون مصالحنا
الحيوية معرضة فيها للخطر) لن يطيق الشعب الأمريكي إصابات أمريكية في سبيل ... أممية غير مسؤولة) .
أما مادلين أولبرايت فإنها تُجْمِلُ سياسة وزارتها في أن الأهداف الحيوية:
(تأمين مصالح الولايات المتحدة) ، والتوسع بها لتشمل الكرة الأرضية.
وكثيراً ما ترى المحللين والكتاب عن السياسة الأمريكية يجهدون أنفسهم في
تفسير المواقف المتناقضة والمزدوجة للولايات المتحدة، ويذهبون في ذلك مذاهب
شديدة الغرابة لا تخلو من الطرافة أحياناً، ومن اللامعقولية أحياناً أخرى في فهم
السياسة الأمريكية، ونحن نوقن أن السياسة الأمريكية ليس لها محرك حقيقي إلا
المصلحة الأمريكية فقط.
الأمركة بالقوة و ... ديبلوماسية الإجبار:
تتحرك الولايات المتحدة لأمركة العالم من أجل مصلحتها في البقاء والسيطرة، واستنزاف الدول، وهي في هذا السعي تستعمل من وجهة نظري طريقتين لفرض
هذه الأمركة، وكل واحدة منهما تكشف عمّا أوردتُه في البداية من النزعة
الاستيطانية، وحب السيطرة، والحياة على أنقاض غيرها من الشعوب، وكما
استعرضنا سريعاً النشأة الأمريكية كدولة جديدة في العالم، فإننا نستعرض كذلك
سريعاً أيضاً نشأة الولايات المتحدة كقطب وحيد في العالم الحديث، وهي الفترة التي
لم تتجاوز نصف قرن من عمر البشرية، وقد كان بروز أمريكا أثناء الحرب
العالمية الثانية وعقبها بعد انتصار الحلفاء على دول المحور، وكانت القوانين قد
حالت دون المشاركة في الحرب من بدايتها، وذلك لتشريع الحياد الذي اتبعته
الولايات المتحدة، ولكن استراتيجية (المصلحة) كانت بارزة في الحرب، فتحتم
تغيير القوانين، فألغى مجلس النواب بسرعة قانون الحياد بحجة مساعدة فرنسا
و (بريطانيا) ! ! وأصدر قانوناً يقضي ببيع الأسلحة للدول المتقاتلة.. (نقداً) ، ولكن
بريطانيا لم تعد تتحمل الدعم المالي النقدي لجيشها، فما كان من روزفلت الرئيس
الأمريكي وقتها إلا أن اقترح قانوناً سمي بقانون الإعارة والتأجير، فلا يمكن تفويت
مثل هذه الفرصة دون استغلال، ووافق الكونجرس في مارس ١٩٤١م، على
القانون الذي يقضي بإعارة مواد خام ومعدات لأي دولة تقاتل المحور، وبالفعل
تسلمت ٣٨ دولة ما مجموعه ٥٠ بليون دولار! !
وتطورت الأحداث وضربت اليابان التي كانت أمريكا تعترض على توسعها
آسيوياً ضربت الأسطول الأمريكي في جزر هاواي مما كان سبباً إلى جر الولايات
المتحدة إلى الحرب، وفي ٩ إبريل ١٩٤٢م استسلم ٧٥ ألف جندي أمريكي من
القوات الأمريكية في الفلبين للقوات اليابانية، واضطر معظم الأسرى أن يسيروا ما
يفوق المئة كيلو متراً سيراً على الأقدام إلى معسكرات الاعتقال ومات كثير من
الأسرى بسبب المرض وسوء المعاملة أثناء ما عرف وقتها بـ (مسيرة الموت)
ونذكّر بما حدث للهنود على يد الأمريكان وهي الأحداث التي سميت: (رحلة
الدموع) ، وقتل في الفلبين على يد اليابانيين ١٤ ألف أمريكي وجرح ٤٨ ألفاً، أما
اليابان فكان عليها أن تفهم العقلية الانتقامية الأمريكية التي ترى في الانتقام لذة
تساوي لذة الحياة التي يعشقونها، فكان عدد القتلى اليابانيين في معركة الفلبين٣٥٠
ألف جندي.
أحد المناضلين ضد قضايا العنف السائد في أمريكا (ديك هايماكر) يقول:
المشكلة الحقيقية تكمن في كون الأمريكيين لم يتخلصوا رغم السنين من نفسية
المستوطنين الأوائل لهذه الأرض، وعلينا أن نفهم أننا في هذا المضمار لا نعتبر
دولة متحضرة.
كان فهم هذه العقلية غائباً عن اليابانيين الذين لم يكتف الأمريكان بما قتل في
الفلبين منهم، بل كان على طوكيو نفسها أن تتلقى درساً غاية في القسوة من خلال
فن الانتقام، فلم يكن القائد الأمريكي للقوات الجوية (هانزل) بالرجل المطلوب لتنفيذ
فلسفة القتل الأمريكية، ولذا: فقد جرى استبداله في ٢٠/١/١٩٤٥م بالجنرال
(ليماي) ، الذي كان من أصحاب نظرية: اقتل أكثر تربح بشكل أفضل، فكان
هجوم قواته الجوية على العاصمة طوكيو في ١٠/٣/١٩٤٥م، وألقى ١٥٠ طناً من
القنابل، أسقطتها ٧٢ طائرة قاذفة، وعلى أثرها تهدم ٢٨ ألف منزل، وقُتِلَ مئة
ألف ياباني في يوم واحد! !
لم يكن هذا كافياً، فجاءت القنبلة النووية الأولى التي حملت اسم: (الفتى
الصغير) وألقيت على هيروشيما اليابانية، لتخلف وراءها ما يقارب المئة ألف قتيل، وثلاثة عشر كيلو متراً مربعاً من الأرض مدمرة تدميراً شاملاً، وكان ذلك في
٦/٨/١٩٤٥م، وبعد ثلاثة أيام فقط جاء دور قنبلة: (الرجل السمين) النووية لتسقط على مدينة نجازاكي لتقتل ٤٠ ألفاً من السكان، ومات فيما بعد عدة آلاف من آثار الإشعاع الناتج عن القنبلتين، وهنا أعلن اليابانيون الاعتراف بالهزيمة، واكتفى الأمريكان بهذا العدد من القتلى!
كان من الضروري ذلك الاستعراض السريع لأكبر حرب خاضتها الولايات
المتحدة خارج أراضيها؛ لعدة أسباب نفهم من خلالها النموذج الأمريكي المتربع
على عرش العالم:
١- فهم النفسية الانتقامية لدى الشعب الأمريكي.
٢- الاستغلال السيئ للشعوب، ما دامت المصلحة الخاصة قائمة.
٣- أن هذه المرحلة شهدت نشوء أمريكا كقوة عظمى.
٤- شهدت هذه المرحلة كذلك ازدياد القناعة الأمريكية بضرورة تطوير الكفاءة
العسكرية؛ إذ هي عماد القوة والسيطرة.
٥- الانضواء الأوروبي تحت اللواء الأمريكي؛ إذ خرجت أوروبا منهكة
مدمرة في أمسِّ الحاجة للمساعدة الأمريكية.
٦- تبلور سياسة أمريكية جديدة وخاصة بعد الاختلاف مع الاتحاد السوفييتي
الذي كان أهم أسبابه، الاتهام بتشجيع نشر الشيوعية في أوروبا في فترة ما سمي
بالحرب الباردة والانقسام الهائل الذي حدث في العالم واختلاف موازين القوى.
والذي يهمنا هنا أكثر، هو القناعة الأمريكية بضرورة التفوق العسكري
وحتمية الانتشار والتدخل؛ إذ هي الطريقة الأكثر جدوى، ونقف الآن على
تفصيلات الحقائق حول هذه القناعة من خلال مرئيات الساسة وصناع القرار.
بيل كلينتون رئيس العالم يتحدث عن دور القوات الأمريكية في صناعة
الزعامة الأمريكية: (تمتلك أمريكا اليوم أفضل قوة قتالية في العالم من حيث
التدريب والتسليح والاستعداد؛ وهذا هو أكثر من أي حقيقة أخرى! ! وإننا لنفضل
الدبلوماسية على القوة؛ غير أننا مستعدون لاستعمال القوة العسكرية عندما يكون
ذلك ضرورياً للدفاع عن مصالحنا القومية، وكما كنا طيلة هذا القرن، فإننا سنقود
بقوة المثال الذي نقدمه للعالم، غير أننا مستعدون أن نجعل قوتنا.. هي ذلك المثال؛ ولهذا فإن مجرد التهديد بقوتنا أصبح اليوم كفيلاً بردع المعتدين كما شاهدنا أخيراً
عندما استنفرنا قواتنا في الخليج رداً على محاولة صدام حسين المجهضة لحشد قواته
مجدداً على حدود الكويت) ، ويضيف في مكان آخر من كتابه: (عندما تسلمت
منصب الرئاسة كانت هناك استراتيجية جديدة ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين
وهي استراتيجية تتألف من ثلاث مراحل، ويخصنا هنا صدر الحديث وهو: ( ...
تقضي بجعل الشعب الأمريكي أكثر أمناً، وذلك عن طريق المحافظة على قواتنا
العسكرية وتحالفاتنا بحيث نتمكن من درء الأخطار الرئيسية التي تهدد أمننا كانتشار
أسلحة الدمار الشامل والإرهاب) .
لقد سببت القوة الأمريكية للرؤساء والساسة الأمريكان وخاصة بعد حرب
الخليج ما سمي مرض (نشوة النصر) فهم يعيشون تحت وهم الاعتقاد بأن التفوق
الأمريكي أمر مفروغ منه وأنه تفوق هائل وغير مسبوق، وهذا ما يفسر الصلف
في التصريحات والعنجهية المقيتة في الخطاب الاستصغاري للعالم، وقد اعتمدت
الولايات المتحدة القوات المسلحة عنصراً رئيساً لأمركة العالم وذلك بما يمكن أن
نقسمه إلى ثلاث طرق:
الأولى: إنشاء قوة عسكرية متفوقة والتحكم في سوق السلاح الدولي.
الثانية: العمل على الحد من انتشار الأسلحة التي لا رغبة لها في انتشارها.
الثالثة: تعميم النموذج العسكري الأمريكي في العالم؛ وذلك بتدريب وأمركة
العسكر في الدول الصديقة.
وبهذه الحلقات يكتمل الدور المطلوب من القوة العسكرية لتحقيق الأمركة.
ونأتي إلى تفصيل هذه الطرق حتى يتبين لنا حجم التخطيط والكيد الشيطاني
لفرض نمط غير صالح للتعميم.
الطريقة الأولى للأمركة بالقوة: صدر في أكتوبر ١٩٩٦م تقرير المعهد
الدولي للدراسات الاستراتيجية حول ميزان القوى العسكرية في العالم عام
٩٦/١٩٩٧م، وأكد التقرير أن أمريكا هي أكبر بائع للأسلحة في العالم، فقد بلغت قيمة مبيعاتها خلال عام ١٩٩٢م ١٥ بليون دولار، ثم ارتفعت إلى ١٧. ٥ بليون دولارعام ١٩٩٣م، وهبطت إلى ٢، ١٥ بليون دولار عام ١٩٩٤م و٣، ١٣بليوناً عام ١٩٩٥م، أما المركز الثاني فكان من نصيب بريطانيا التي كان إجمالي مبيعاتها عام ١٩٩٥م ٤ بلايين و ٨٠٠ مليون دولار.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قام في
ديسمبر ١٩٩٥م بالاتصال بمسؤول كبير في دولة الإمارات ثم حثه على شراء ما
يصل إلى ٨٠ طائرة من طراز إف ١٦ من مؤسسة لوكهيد مارتن الأمريكية
العملاقة المتخصصة في الصناعات العسكرية والدفاعية وقد تمت الصفقة مؤخراً
فهل نصدق إذن ما يتشدق به الساسة الأمريكان دائماً ومطالبتهم أن يعيش العالم في
سلام وأمن، وأن تُحل المشاكل دون اللجوء إلى العنف حتى يكونوا شركاء طيبين
لأمريكا! !
إذن: لماذا هذا الكم الهائل من مبيعات الأسلحة لمختلف دول العالم، وخاصة
بؤر الصراع والنزاعات المشتعلة منه، والتي لأمريكا فيها (جهود سلمية) لحل
النزاعات؟ ! المسألة تبدو معقدة في بدايتها ولكن بالنظر إلى الاستراتيجية الأمريكية
يتبين حرص الولايات المتحدة على انتشار أسلحتها في العالم لأسباب عدة:
١- الأموال الطائلة التي تجنيها من وراء صفقات بيع الأسلحة وتشغيل
المصانع والعمال، وهو ما يساعد على الانتعاش الاقتصادي للدولة.
٢- ارتباط الدول المستوردة بأمريكا؛ وذلك لضرورة الحاجة إلى التدريب
على هذه الأسلحة، وقطع غيارها، وأنواع الذخيرة المحددة لها، وبهذا تضمن
أمريكا أكثر من ميزة لبيع السلاح الواحد.
٣- الحضور المستمر في بؤر الصراع لاستخدامه سلباً وإيجاباً للمصلحة
الأمريكية ولإثبات القدرة على التحكم بالتدخل السريع وحسم النزاع وتغيير موازين
القوى في مناطق الصراع، وليس أدل على ذلك من النموذج الإفريقي، الذي
خسرت فيه فرنسا خسارة كبيرة لصالح الولايات المتحدة، ولهذا كان من الضروري
لأمريكا الاحتفاظ بقوة عسكرية تخدم أهدافها.
لمن كل هذه القوة؟ !
والآن تعد أمريكا خطة لتطوير معمل (لوس ألاموس القومي) بولاية
(نيومكسكو (وهو المصنع الذي أنتج قنبلتي (الفتى الصغير) و (الرجل السمين)
اللتين ألقيتا على هيروشيما ونجازاكي، على أن يستأنف (الإنتاج) عام ٢٠٠٣م أي
بعد ست سنوات من الآن فقط.
أما وزارة الدفاع الأمريكية فتقدمت بخطة إلى الكونجرس الأمريكي تبين
مطالبها العسكرية للفترة القادمة ومتطلبات القوات الأمريكية؛ فالقوة الجوية
الأمريكية تريد الحصول على ٤٣٨ طائرة من طراز (إف ٢٢) المقاتلة الخفية التي
يبلغ ثمن الواحدة منها ١٦٠ مليون دولار، وطلبت البحرية الأمريكية ١٠٠٠ طائرة
متقدمة، أما الجيش فيريد الحصول على ١٢٩٢ طائرة هيلوكبتر من طراز
(كوماتشي) وتريد قطاعات القوات المسلحة كلها معاً الحصول على ٩٧٨ طائرة
مقاتلة ضاربة، وهذه القائمة تبلغ قيمتها ٤١٥ بليون دولار.
ونتساءل: لمن كل هذه القوة؟ نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال
جوزيف رالستون قدم لأعضاء الكونجرس وثائق وخرائط تظهر أماكن انتشار
الطائرات في مختلف أنحاء العالم والتهديد المحتمل الذي تثيره هذه الطائرات للأمن
الأمريكي التي، وقال إنها تزيد عن ٦٠٠ طائرة، إشارة منه إلى مواضع الخطر
على أمريكا، ولكن مجلة تايم تعلق على هذا بأن هذه الطائرات ملك لدول صديقة أو
حليفة كبريطانيا وفرنسا وكندا وغيرها من الدول.
ونضيف: أن أعداء أمريكا (إيران، العراق، كوريا الشمالية) لديهم حوالي
١٠٠ طائرة هجومية وسيزيد العدد إلى ١٢٠ طائرة بحلول عام ٥.. ٢م! .
ويتساءل معنا السناتور الأمريكي والمرشح السابق للرئاسة الأمريكية عن
الحزب الجمهوري، (جورج ماكغفرن) السؤال نفسه في مقاله بجريدة الحياة في ٢٧
/٣/١٩٩٧م يقول: لكن السؤال: لماذا علينا تهيئة قوات أمريكية كبيرة محتملة
للدفاع عن كوريا الجنوبية ضد أي هجوم من كوريا الشمالية؟ فيما نعرف أن
بمقدور كوريا الجنوبية الدفاع عن نفسها ودحر الشمال، لماذا نضطر إلى تهيئة
قوات إضافية لحرب محتملة ضد العراق بعدما برهنا في عاصفة الصحراء أن في
إمكاننا دحر الجيش العراقي بـ ١٧% فقط من قواتنا، وفي الوقت الذي كان العراق
فيه أقوى بكثير مما هو عليه اليوم؟ عندما ننظر بعناية إلى سياستنا الدفاعية الحالية، نجد أن الكثير منها (يصعب تبريره) .
جزء مهم من سؤالنا يجيب عليه كذلك وزير الدفاع السابق وليام بيري، وذلك
فيما نشره في فصلية: (فورين أفيرز) الشؤون الخارجية في نهاية عام ١٩٩٦م
تحت عنوان: (الدفاع في عصر الأمل) ، ولكن قبل الإجابة لا بد من المرور سريعاً
للتعريف بكتاب: (الحرب المقبلة) لكاسبر واينبرجر، وزير الدفاع الأمريكي في
عهد ريجان ولمدة سبع سنوات، وكأي وزير دفاع فقد كان مطلعاً على كل الخطط
المستقبلية للدولة وعلى دراية بأهدافها الاستراتيجية.
والكتاب يتحدث عن إسقاطات مستقبلية افتراضية عن احتمالات لنشوب أكثر
من حرب في وقت واحد، وهي حسب الافتراض تبدأ عام ١٩٩٨م، وهذه الحروب
هي: غزو كوري شمالي لكوريا الجنوبية وفي الوقت نفسه غزو صيني لتايوان،
ثم رد انتقامي من الولايات المتحدة على إرهاب نووي إيراني عند احتلالها لدولة
الإمارات، وتفصيلات كثيرة عن حرب موسعة في منطقة الخليج تكون في عام
١٩٩٨م، وعدوان من جانب ديكتاتور روسي، وقيام حالة فوضى عارمة وعدم
استقرار في المكسيك مما يهدد حدود أمريكا الجنوبية، وأخيراً هجوم ياباني على
دول أخرى في منطقة الباسيفك.
وهذا الكتاب رغم كونه افتراضياً إلا أنه لا يخلو من حقائق مهمة، ونذكر أن
حرب الخليج (عاصفة الصحراء) كانت افتراضية في العام ١٩٨١م! وجدير بالذكر
أن مؤلف الكتاب حصل على نمط (الصليب الأكبر) بدرجة فارس من الملكة
إليزابيث.. كان هذا التعريف مجرد تذكير.
نعود إلى وليام بيري وإجابته على جزء من السؤال المطروح، يقول: (لا
نزاع أن خطر اندلاع صدام عالمي قد انخفض كثيراً عنه أيام الحرب الباردة، ولكن
طالما أن هناك أسلحة نووية فإن الخطر لا يزال قائماً، ولذلك فإن الولايات المتحدة
(تحتفظ بقوة نووية مخفضة، ولكنها شديدة المفعول كعامل ردع) ومن أجل ردع أي
صدام إقليمي يتعين على الولايات المتحدة أن تحتفظ بقوات مسلحة تقليدية قوية
وجاهزة وجيدة الانتشار في جبهات متقدمة، وأن يكون حضورها علنياً ومحسوساً
حتى يكون بوسعها إظهار قدرتها العسكرية الحاسمة (أينما ظهر ما يهدد المصالح
الأمريكية) وللدلالة على عزمها على استعمالها، فالولايات المتحدة هي الدولة
الوحيدة على الأرض (التي لها مصالح أمنية على نطاق العالم كله) وبؤر التوتر
الساخنة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا يمكن أن تنفجر دون سابق إنذار (فتهدد
بذلك المصالح الحيوية الأمريكية) ، ولذلك فإن حجم القوات المسلحة وتكوينها يقوم
على أساس حاجتنا إلى الردع، وإذا لزم إلى القتال والانتصار في تنسيق كامل مع
حلفائنا الإقليميين في (صدامين إقليميين قد يقعان في وقت واحد) ما نظن أن هذا
افتراضي أيضاً والمبدأ الأساس هنا: أن الولايات المتحدة إنما تقاتل لكي تنتصر! !
وليكون انتصارها حاسماً وسريعاً وبأقل ما يمكن من الخسائر) .
بقي لنا أن نتعرف على بقية الإجابة، وبقية طرق الأمركة بالقوة من خلال
انفراد القوة، وأمركة عسكر العالم، ومن أعداء أمريكا وما قوتهم؟ ثم ماذا عن
الأمركة بـ (الدولرة) : هذا ما سوف نتعرض له في الحلقة الأخيرة إن شاء الله.
стр. 2595
في دائرة الضوء
عقد النقص والدونية
د. محمد يحيى
هناك اتجاه خبيث يُرَوّجُ له الآن من بعض الدوائر العلمانية؛ وبعضها للأسف
الشديد رسمي الصفة، يرمي إلى خلق وترسيخ عقد النقص والدونية عند جماهير
المسلمين التي نمت فيها في العقود الماضية روح الاعتزاز بالدين والافتخار به،
وتربت فيها نزعة العزة بعد سنين طوال من الانتكاسات والتراجعات التي عكست
نفسها فيما أصبح يعرف بالنزعة الدفاعية والاعتذارية والتبريرية في الفكر
والخطاب الإسلامي. وفي ظل هذه النزعة الدفاعية تحوّل الخطاب الإسلامي في
مجمله تقريباً إلى مجرد ترديد كلمة (أنا بريء) كما يفعل المتهمون بالحق أو بالباطل
في أقفاص الاتهام. وبعد أن تخلص الفكر الإسلامي من هذه النزعة وانطلقت
أطروحاته الإيجابية تقتحم مجالات الحياة المختلفة من سياسية إلى اقتصادية، ومن
فلسفية إلى أدبية وغيرها ظهر مؤخراً ذلك الاتجاه الخبيث واستمد علة وجوده من
الحملات الضارية التي دأبت أجهزة الإعلام والبحث والسياسة في الغرب على
توجيهها ضد المسلمين. وهكذا سمعنا فجأة من بعض الرؤساء والزعماء ذوي
المشارب اللادينية والذين ارْتَدَوْا فجأة مسوح الورع وادعاء الخوف والغيرة على
الإسلام مقولة: إن أفعال المسلمين المزعومة من تطرف وإرهاب ورجعية وتشدد
هي المسؤولة عن إثارة تلك الحملات الغربية، وإنه لو أراد المسلمون إنهاء
الحملات الإعلامية وتحسين صورتهم في الغرب (وهو الأمر الذي تحوّل في الآونة
الأخيرة إلى الأولوية القصوى والوحيدة للخطاب الإسلامي عند بعضهم) فعليهم أن
ينبذوا تلك التصرفات المتطرفة، لا.. بل عليهم أن يظهروا للغرب في الصورة
الوحيدة التي تعجبه وهي صورة الإسلام المعتدل (السمح) أي المتغرب المتعلمن
المتبني كل ما تطرحه الثقافة الغربية (المسيحية في جوهرها) من تصورات.
وقد تغلغل هذا الاتجاه المشبوه إلى حد أننا قرأنا في الآونة الأخيرة تصريحات
لمفتي الحكومة المصرية ووزير الأوقاف بها وكلاهما من دارسي الإسلام وعلمائه
فيما يقال يعلن فيها الأول أن المسلمين وحدهم هم سبب الصورة المشوهة عن
الإسلام في الغرب، ويقول الثاني: إن المسلمين يعيبهم أنهم لا يقرؤون ما يكتبه
المستشرقون؛ ولذلك يسارعون بالطعن فيهم، بينما المطلوب أن يلتقي المسلمون
المعتدلون والمستشرقون على كلمة واحدة، ويتعرف كل على ما عند الآخر. وقد
أثار استغرابي أن يسارع مفتٍ حكومي بهذه السهولة الغريبة إلى رمي المسلمين
بأنهم سبب الحملات الغربية عليهم؛ وتساءلت مثلاً عما فعله مسلمو البوسنة (الذين
اشتهروا بالاعتدال على مذهب الدفاعيين الجدد) أو مسلمو كشمير وغيرهم حتى
يصب عليهم العذاب والقتل من جانب الصرب والهندوس، ثم.. أي مسلمين هؤلاء
المسؤولون عن تشويه الصورة؟ هل هم المسلمون البسطاء الذين يعيشون في
حجاب عن الظهور، ويستظلون بكنف الستر لا يعرف أحد عنهم شيئاً، أم هي
النخب المسيطرة والحاكمة في بلدان إسلامية عديدة طابعها العلمانية والتغرب
والانخلاع من نظام وأحكام الإسلام إن لم يكن من عقيدته؟ إن هذه النخب المسيطرة
من سياسيةٍ وعسكرية وثقافية واقتصادية شاع فيها الفساد والنهب لموارد البلاد، كما
مارست الدكتاتورية المتسلطة التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان (حسب مفاهيم الغرب
وحسب مفاهيم الإسلام) كما تلاعبت بالقوانين، واحتكرت ساحات العمل الاجتماعي
لها وحدها، ضاربة الخصوم بعرض الحائط حتى لو كانوا ينتمون إلى التوجه
العلماني نفسه. وكانت هذه النخب بحكم مواقعها وبحكم قربها إن لم تكن عمالتها
للغربيين في بؤرة الاهتمام والتغطية الإعلامية الغربية؛ ونتيجة لذلك فقد ظهرت
فضائحها التي ألصقت بتعمد وبزيف مسف بالإسلام والمسلمين: إذن النخبة
العلمانية هي المسؤولة عن الصورة المشوهة للإسلام.
لكن الأمر لا يقف عند ذلك الحد؛ فالغرب ليس بحاجة إلى تصرفات شائنة
من المسلمين حتى يشوه صورتهم، وهو ليس بحاجة إلى أحداث إرهابية مزعومة
أو حقيقية ترتكب هنا وهناك (ويرتكب أضعافها شدة وعدداً في الغرب نفسه) ،
وليس بحاجة إلى تصرفات مسفة من أفراد مسلمين (يرتكب أفظع منها وأكثر من
قِبَلِ الغربيين) حتى يطلق حملاته على الإسلام والمسلمين. إنهم يفعلون ذلك بداراً
ومبادأة دونما استفزاز أو مثير في إطار حملة مخططة تسير حثيثاً للنيل من الإسلام. وقد قال أحد فلاسفة الغرب في القرن الثامن عشر الميلادي: (لو لم يكن الإله
موجوداً لوجب اختراعه) وهذه المقولة تطبق بالنص وإن بمعنى آخر: (لو لم يكن
ما يسيء للإسلام موجوداً لوجب اختراعه) وبمعنى آخر: إنهم يفتعلون أشياء وهمية
ويضخمونها ويكررونها حتى يصدق الناس أنها موجودة، ثم يبنون عليها حملاتهم
ضد الإسلام والمسلمين، تلك الحملات التي يتلقفها البعض ومنهم أرباب المناصب
الرسمية ليخرجوا منها وبسهولة مريبة إلى القول بأن المسلمين كل المسلمين مدانون؛ وعليهم الاعتذار والتوبة لسادة الغرب الإعلاميين والسياسيين. فإذا لم يكن هذا
التكريس لعقد النقص والدونية بلا مسوِّغ (ونحن لا نذكر ناحية سوء النية) فماذا
يكون؟
والمسلمون لا يطلب منهم فقط الشعور بالدونية والاعتذار عن الجرائم
المزعومة التي تسببت في غضب الغرب عليهم عند المفتي الحكومي، بل يُطْلَبُ
منهم فوق ذلك عند قرينه الوزير أن يقرؤوا كتب المستشرقين ويفهموها (لا للرد
عليها، بل لكي يستوعبوها) وكأن قراءة هذه المصنفات المكتوبة بلغات أجنبية حية
وميتة قد أصبح فرضاً على كل مسلم ومسلمة، وليس هذا فحسب بل يجب أن يحشد
المسلمون (المعتدلون) (ولا يعرف أحد من المسؤول عن فرزهم وتحديدهم) لكي
يلتقوا بالمستشرقين ويتعلموا منهم دينهم أو على الأقل ليكيفوا دينهم حسب ما يريد
هؤلاء.
وهكذا وبسهولة أيضاً يُنَصّبُ المستشرقون على يد وزير في حكومة دولة
إسلامية وكأنهم سلطة روحية وفكرية تخضع لها الجباه وتعلو على النقد والمساءلة
(ونذكر بأن الكاتب المسيحي المشهور إدوارد سعيد قد انتقد هؤلاء حتى النخاع في
كتابه المعروف (الاستشراق) ويطلب من المسلمين (المعتدلين) أن يتكيفوا مع
أفكارهم حتى وهم في بلادهم الغربية وكما يعرف القاصي والداني فإن هؤلاء
يصبحون كمّاً مهملاً لا وزن لهم في دوائر الفكر والفلسفة والعلم وإن كان لهم وزن
في دوائر التنصير والتخطيط السياسي لضرب الإسلام في بلدانه بعد دراسته على يد
هؤلاء المستشرقين.
ومرة أخرى: بِمَ يمكن أن نسمي هذا! ... إلا بأنه تكريس لعقد النقص
والدونية حينما يُجعل المسلمون تابعين أذلاء لفكر وتصورات طائفة لا أهمية فكرية
لها في الغرب لكنها طائفة انتحلت لنفسها دراسة الإسلام زعماً وادعاءً، وهي
المطعون في دراستها من جانب الغربيين أنفسهم ثم يأتي وزير مسؤول ليطلب من
المسلمين كل المسلمين قراءة ما يكتبه هؤلاء عن دين المسلمين والتعلم منه، وكأنه
نسي أن هناك علماء للإسلام على طول وعرض العالم الإسلامي (ويفترض أنه
واحد منهم) يتلقى المسلمون دينهم منهم بثقة، بل وكأنه نسي أنه كان يتحدث في
حضن أقدم الجامعات الإسلامية في دراسة الإسلام والتفقه فيه. فأي دونية ونقص
يفوق ذلك؟ وما هو بُعد ذلك الاتجاه الخبيث الذي يريد للمسلمين أن يعيشوا
كمجرمين متهمين لا همّ لهم سوى ترديد كلمات البراءة أو تعلم دينهم ودراسته من
غير المؤمنين به من فرقة لا وزن لها علمياً في بلادها ذاتها؟