ندوات ومحاضرات
التطورات الأخيرة لعملية السلام
والتوقعات المستقبلية
(٢من٢)
إعداد: وائل عبد الغني
صُدّر الجزء الأول من الندوة برصد تاريخي لعملية السلام وتطورها وأهم
الدلالات التي يُخْرَجُ بها، ثم عرج إلى الحديث عن الموقف الشرعي من الهرولة
نحو عملية السلام، ومن ثم عولجت آثار عملية السلام على النظام الإقليمي العربي، وبهذه الحلقة تختتم وقائع الندوة.
-البيان-
على ضوء ما يجري داخل إسرائيل، ما هي توقعاتكم لردود الأفعال العربية:
الداخلية والخارجية؟
د. جمال: بالنسبة للداخل: ردود الأفعال أصبحت محسومة من خلال
شرطي إسرائيل المتثمل في السلطة التنفيذية الذي يقوم بدوره؛ وخارجياً فكل
السياسات تصبّ في خط إسرائيل؛ لذا: فإسرائيل أمنت ردود الأفعال؛ هذا طبعاً
في حسابات البشر وفقاً لاستقراء الواقع؛ أما ما يحدث مستقبلاً فهو في علم الله..
[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] لأن ردود أفعال
الشعوب لا يمكن حسابها بدقة؛ رغم وجود مراكز استراتيجية لجمع المعلومات عن
ذلك لدى الأعداء؛ إلا أن هناك تخوفاً وعدم وضوح، رغم أن العدو يتحرك حركة
منظمة ومدروسة.
* الواضح أن عملية التسوية السياسية في المنطقة تمر بمرحلة من التحول؛
فعلى ضوء توازنات القوى في المنطقة، وطبيعة الاتفاقيات بين الأطراف؛ ما هي
سيناريوهات المستقبل المتوقعة؟
د. حامد: يمكننا أن نتصور ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لعملية التسوية
السياسية، وكلها خيارات مطروحة على النحو التالي:
السيناريو الأول: استمرار حالة الجمود الحالية (حالة اللاسلم واللاحرب) :
في ظل حكومة الليكود الحالية، وفي ظل توازنات القوى في المنطقة العربية؛ فإنه
من المتصور أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه فالكيان الصهيوني ينشئ واقعاً
جديداً كل يوم، ويعمل على إبقائه وحمايته، والأطراف العربية تعيش على آمال
(استئناف التفاوض) مع الكيان الصهيوني.
هذا السيناريو لا يُتَصوّر تغييره إلا بتوافر شرطين على الأقل:
الأول: إعادة إشعال الانتفاضة الشعبية داخل الأرض المحتلة مع إحداث
نقلات نوعية في أساليب هذه الانتفاضة والقيام بعمليات استشهادية جديدة.. وهذا
يستلزم بدايةً كف أيدي أجهزة الأمن العرفاتية عن ملاحقة أعضاء حركتي حماس
والجهاد، وكافة الفاعليات القائدة للانتفاضة الفلسطينية، وكسر طوق تنسيقها مع
أجهزة الأمن الإسرائيلية في هذا الصدد، وتوفير كافة وسائل الدعم الشعبي
للانتفاضة باعتبارها نوعاً من المقاومة المشروعة للاحتلال الأجنبي.
الثاني: ضرورة وجود حد أدنى من المواقف العربية المشتركة إزاء عملية
(التطبيع) مع إسرائيل؛ وإنهاء حالة التشرذم العربي الحالية بصدد الموقف من
الكيان الصهيوني.. وليس إصرار (قطر) على عقد ما يسمى بـ (المؤتمر
الاقتصادي) رغم كل ما يجري على أرض الواقع إلا مؤشراً واضحاً على حقيقة
أوضاع التضامن العربي. ولن نتحدث عن تخاذل بعض أطراف التفاوض العربي
في دعم الموقف السوري في العملية ذاتها.. وهو ما جعل الكيان الصهيوني يتلاعب
بالأطراف العربية ويفرض ما يريد من سياسات على أرض الواقع..
السيناريو الثاني: استئناف عملية التفاوض السياسي، والتوصل إلى تسويات
سياسية جزئية في المنطقة.
وفي ظل معادلات الواقع الاستراتيجي والسياسي؛ فإن معظم الأطراف
العربية ليس لديها ما يمنع من التوصل إلى تسويات سياسية جزئية، واتفاقيات غير
متكافئة أخرى جديدة يتم من خلال آلية الدعاية السياسية توفير صناعة القبول بها..
إن التوصل إلى تسوية شاملة في المنطقة يعني على الأقل قيام الكيان
الصهيوني من وجهة نظر الأطراف العربية المفاوضة بتنفيذ تعهداته، والاتفاقيات
التي أبرمها منذ أوائل التسعينات؛ وهذا يعني:
١- التوصل إلى تسوية نهائية على المسار الفلسطيني؛ ويعني ذلك استكمال
تنفيذ المرحلة الثالثة من الاتفاق الذي يتعلق بمفاوضات الوضع النهائي التي تنتهي
بقيام (الدولة الفلسطينية) .
٢- الانسحاب الكامل من جنوب لبنان.
٣- الانسحاب الكامل من الجولان والعودة إلى حدود ما قبل ١٩٦٧م.
بالطبع فكل المؤشرات الواقعية حتى هذه اللحظة تقول: إن هذا الأمر ضرب
من الخيال السياسي.
وإن المطروح هو تسوية جزئية بالغة التواضع تقوم على مفهوم (السلام
الإسرائيلي) بكل ما يعنيه ذلك من إهدار وإضاعة للحقوق العربية؛ فالسلام
الإسرائيلي المطروح بقوة ووضوح وسبق أن أشرنا إليه يتضمن:
عدم التنازل عن الجولان، وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية؛ وتهويد القدس
تماماً، وجعل القدس الكبرى العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني؛ مع الاستمرار في
سياسات هدم الأقصى لإقامة هيكل سليمان.
بالإضافة إلى ذلك إدخال المنطقة بكاملها في حقبة السلام الإسرائيلي عبر
سياسات فرض التطبيع الاقتصادي والثقافي وفرض الأمر الواقع.
السيناريو الثالث: اندلاع حرب جديدة في المنطقة وهذا السيناريو ليس
مستبعداً؛ بل ربما يكون أكثر احتمالاً في الوقت الراهن، في ظل جمود الأوضاع
على صعيد مفاوضات التسوية السياسية.
وقد لوّح القادة الإسرائيليون بهذا الخيار أكثر من مرة في الوقت الذي تعلن فيه
أطراف عربية مهمة في توازنات القوى في المنطقة أن السلام خيارها الاستراتيجي
الوحيد! ! والطرف الأكثر ترشيحاً لاحتمال المواجهة معه هو (سوريا) ولذلك: فإنه
يمكننا أن نتصور (حرباً خاطفة) تقوم فيها القوات الجوية الإسرائيلية بضرب
القوات السورية في الجنوب اللبناني ويمكن أن نتصور الهجوم المباشر على
الأراضي السورية، ويمكن توريط تركيا في مثل هذه المهمة..
وغير مستبعد توسيع دائرة الحرب لتشمل العديد من دول المنطقة.
* هذا يجعلنا نطرح بعداً آخر من أبعاد الصراع أصبح يشكل دوراً خطيراً في
صياغة شكل الصراع ويحدد معالمه وآلياته.
هذا الجانب هو التحالفات الإسرائيلية مع العديد من القوى، والاستفادة من
ذلك في دعم استراتيجيتها، الأمنية والتوسعية، بالإضافة إلى التحركات السريعة
والمؤثرة في المنطقة: نريد بداية بلورة هذه الجوانب!
د. جمال: عقد العدو عدة اتفاقيات استراتيجية للدفاع المشترك:
إسرائيل اليونان.
إسرائيل تركيا.
إسرائيل الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى مناورات مشتركة مع حلف شمال الأطلسي، وإنزال على
الساحل الجنوبي للبحر المتوسط للتعرف على طبيعة أرض المعارك المستقبلية.
تجهيز البنية الأساس في كثير من الدول العربية.
عملية مسح جغرافي وطبوغرافي لخدمة المرحلة القادمة.
إلى جانب تدمير السلوكيات والأخلاق وإفساد الذمم ونشر المخدرات والإيدز.
إنساء الناس قضية المقدسات.
ومن جانب آخر: تخريب الوطن الإسلامي من الداخل عن طريق إثارة الفتن:
المسلمون × النصارى
الأنظمة × الصحوة
الأغلبية × الأقليات
النزاعات العرقية لإنهاك الداخل.
لذلك أتساءل: لماذا يجري كل ذلك إن لم يكن لقرار مصيري هو الحرب؟
لذلك أقول للحكام: هاتوا علماء التاريخ وعلماء الإسلام والمختصين والباحثين
وادرسوا استراتيجية العدو بدقة؛ لتدركوا أننا منذ ضَرْبِ الخلافة ووصول
الاستعمار الأجنبي إلى بلادنا لم نضع أقدامنا على الطريق الصحيح.. كل الذي
يحدث أن الأمة تكبل ... تخدر.. تنوّم بحجة إرادة السلام! !
* التحالف الإسرائيلي مع عسكر تركيا رغم أنف الشعب التركي له أهداف
وحسابات ومصالح مشتركة فهل لنا أن نحيط بالأهداف الظاهرة على الأقل؟
أ. كمال: كان لتركيا في النظام القديم دور بارز باعتبارها دولة جوار للاتحاد
السوفييتي فكانت جزءاً من الصيغة الأمنية في المنطقة مثلها مثل إسرائيل؛ وبعد
قيام النظام الجديد بدأ كل منهما يبحث له عن دور في اللعبة الدولية، فحاول كلاهما
أن يفجر فكرة حرب الأصولية من أجل حماية العالم الغربي، فتوافقت على إثر ذلك
مصالح العسكر في تركيا مع إسرائيل في الارتباط بالنظام الغربي ... وظهر
التحالف العسكري تحت دعوى إتاحة فضاء للطيارين الإسرائيليين للتدريب في
أراضي تركيا لتكون قريبة من دول الجوار: العراق سوريا إيران للتدريب على
طبيعة أرض المعارك المستقبلية هناك ولرصد الأهداف الاستراتيجية.
وهدف ثان: هو ضرب الصحوة الإسلامية والعالم الإسلامي، والحيلولة دون
تمكن الإسلاميين من السلطة في تركيا، والمساهمة في الضغط على الرفاه لصالح
العسكر وحماية العلمانية هناك.
وهدف ثالث: هو إيجاد مجالات مجاورة للضغط بها على دول الجوار وهو
ما يعرف بسياسة شد الأطراف لتهديد القلب.
وهدف رابع: هو محاولة تطويق الصحوة الإسلامية في دول آسيا الوسطى
التي تمثل قوة جبارة مضافة إلى العالم الإسلامي عن طريق تحييدها إن لم يستطيعوا
إسقاطها كلية؛ لذلك دخلت تركيا هذه المناطق لتطرح نموذجها العلماني بديلاً هناك؛ لأن المنطقة هناك تشهد مخاضاً إسلامياً سواء في جورجيا أو طاجيكستان أو
أذربيجان أو في الشيشان وتحاول تركيا بإيعاز من إسرائيل والغرب السيطرة عليه
وإجهاضه.
* هل اكتفت إسرائيل بدور تركيا في دول آسيا الوسطى؟
أ. كمال: لا؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل لها توجه قوي نحو هذه الدول؛
إذ يكفي أن كل هذه الدول التي استقلت في آسيا الوسطى ويا للأسف أقامت إسرائيل
معها علاقات دبلوماسية وكانت أسبق من الوجود العربي. وهذا دأب إسرائيل
لتعويض النقص الاستراتيجي؛ فتحاول السبق إلى أي مكان فيه فراغ أو تحول
سياسي.
* ما الهدف الاستراتيجي الأكبر للتحالفات مع القوى؟
د. جمال: المراد بداية تحزيم العالم الإسلامي من منطقة الشمال، وتأمين
حوض البحر الأبيض المتوسط؛ لأن تركيا من الدول الضاغطة على النظام العربي؛ بالإضافة إلى أن تركيا واليونان عضوان في حلف شمال الأطلسي، ووفقاً للوائح
الحلف لا يجوز لدول الحلف عقد تحالفات عسكرية مع دول من خارج الحلف إلا
بموافقة الحلف؛ ومعنى هذا: أن الحلف وافق ضمنياً على هذا التحالف الجديد وهذا
لا يعني سوى أن الحلف بدأ يتوسع جنوباً بشكل غير معلن، وبذلك خرج من
أوروبا، ودخل في منطقة الخطر (العالم الإسلامي) .
هذا بمحاذاة الاتفاق الإسرائيلي الأردني؛ ومعناه أن هذه الأرض لها منطق
أمني واحد، وهذه المنطقة كذلك منطقة عمليات لحلف شمال الأطلنطي عند حدوث
أي تغيرات في المنطقة؛ هذا بالإضافة إلى القوات الأمريكية وقواعدها المنتشرة في
المنطقة؛ ولعل كل ما يجري هو من قبيل الإعداد لصدام محتمل من أجل القدس.
* ننتقل إلى جانب آخر على الصعيد الآسيوي: إلى روسيا التي بدا نفوذ
اليهود فيها واضحاً: فإلى أي حد بلغ هذا النفوذ؟
أ. كمال: كل التحولات التي جرت في روسيا كان وراءها اليهود: فريق
جورباتشوف كلهم كانوا من اليهود، وجميعهم زار إسرائيل؛ بل الثورات الحمراء
في روسيا كان وراءها يهود.
والآن معظم الأسماء التي تصنع السياسة هناك من اليهود، فلم يعد بلاط
كلينتون وحده بل يلتسن أيضاً.
النائب الأول لرئيس الحكومة أناتولي تشوبايس كوزيريف وزير الخارجية
جرينوفسكي بانونومسكي تشيرنومردين.
كل رؤساء الأحزاب في روسيا بلا استثناء من اليهود.
كل أجهزة الإعلام المجلات كلها ما عدا البرافدا رؤساء تحريرها يهود وكان
لهم جميعاً دور في مساندة إسرائيل.
إذن فأغلب من يشغلون المناصب العليا والحساسة ويملكون صناعة القرار في
روسيا كانوا من اليهود.
اليهود السوفييت فتح لهم باب الهجرة إلى إسرائيل وهم أكثر من مليون،
و٥٠% منهم من ذوي التخصصات العالية، ولهم حزب متحالف مع الليكود.
الظاهرة التي تحدث الآن أن اليهود الأمريكيين في ظل التحول الحادث في
روسيا هم الذين يذهبون إلى هناك يحاولون السيطرة على الاقتصاد الروسي لصالح
إسرائيل.
* ننطلق بعد ذلك جنوباً إلى الهند والانفتاح الإسرائيلي الهندي! ما أهدافه؟..
وما أرباحه بالنسبة لإسرائيل؟
* أ. كمال: الهند دولة جوار لباكستان (الإسلامية) التي تمثل جزءاً من قوس
الأزمات ومصدراً من مصادر الخطر على أمن إسرائيل رغم بعد المسافة لامتلاكها
قوة نووية، ومن هنا فمن مصلحة إسرائيل عمل محور مع الهند؛ رغم أن الهند
كانت قوة من قوى عدم الانحياز وكانت مع العرب وكانت تمثل مجالاً محرماً على
إسرائيل؛ لذلك حاولت إسرائيل اختراقه ونجحت، وكان أكبر مظاهر ذلك هو
زيارة فايتسمان للهند أوائل هذا العام، التي هدفت بشكل أساس إلى تحديث أسطول
طائرات (الميج) الهندية الروسية الصنع، وهي تمثل صفقة العصر (٧٠٠ طائرة) .
كذلك طرحت إسرائيل عقد تدريب قوات الأمن الهندية على مكافحة الشغب
(أي: المسلمين) .
هناك تشابه بين الهند وإسرائيل، وهو أن كلتيهما لم توقعا على معاهدة حظر
انتشار الأسلحة النووية؛ ويوجد نوع من الدعم الدولي المشترك في هذه المسألة،
وكذلك قدمت إسرائيل عرضاً للهند بشراء طائرات (كافير) الإسرائيلية لكنها رفضت.
الوفد الإسرائيلي ضم عدداً كبيراً من رجال الصناعة؛ وأبرم اتفاقيات في
مجالات الزراعة والتجارة والتكنولوجيا، وقدموا ١٠٠ مشروع للعمل مع الهند.
الشاهد في الموضوع: أن إسرائيل رغم كونها دولة صغيرة وضعيفة وفيها
عيوب هائلة، إلا أنها تسعى لتقوية نفوذها من خلال الانتشار في العالم، وفي
المقابل نجد تحركات الدول العربية ضعيفة إن لم تكن منعدمة!
* ننتقل إلى حلف شمال الأطلسي واجتماعاته هذه الأيام: ماذا وراءها؟
أ. كمال: هذه الاجتماعات طبعاً لإعادة الترتيبات الأمنية للحلف الذي بدأ
يمتد شرقاً في أوروبا الشرقية لمحاولة دمج روسيا في النظام الغربي؛ إضافة إلى
التمكين للنظام العالمي ذي القطب الواحد لتضييق الخناق على الإسلام.
* ماذا عن دور أوروبا في اللعبة؟
أ. كمال: أوروبا كلها موافقة على سياسات إسرائيل، وأغلب دولها يؤيد ذلك
جهاراً.
وفي الفترة الماضية اتفقت أربع دول أوروبية هي بريطانيا فرنسا إيطاليا
أسبانيا على إقامة قوة أوروبية سريعة الانتشار الـ (. ٤) منفصلة عن حلف
الأطلنطي.
د. جمال: هذه القوة قامت بعمل مناورات مشتركة مع مصر، وعملت إنزالاً
على الساحل الشمالي في مصر تمهيداً لأي تدخل مستقبلي عند الحاجة في الشمال
الإفريقي، أو بمعنى آخر: التحرش بإسرائيل أو وصول الإسلاميين إلى الحكم في
أي بلد عربي. والعجيب أن لأعدائنا استراتيجية ثابتة؛ أما نحن فمتأخرون حتى
في قراءة فكر العدو؛ وهذا الذي وصلوا إليه هو: الخطوات قبل الأخيرة لنهاية
الصراع. لكن هذا تفكير البشر وجهد البشر، حتى لا يصيبنا الإحباط واليأس
[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] .
* ومن فم التنين الجائع (الأطلنطي) ننتقل إلى اللقمة التي يسيل لها لعاب
الجميع! (القارة السوداء إفريقيا) لنرصد التحركات الاستخباراتية الإسرائيلية:
صورها وأهدافها.
أ. كمال: كانت خطة إسرائيل ككيان ضعيف ومليء بالنقائض هي توسيع
وجودها في العالم من خلال نشاط الاستخبارات؛ وهذا النشاط كان واسعاً جداً بحيث
يشمل العالم كله: لمحاصرة منابع النيل، ولتحزيم الوطن الإسلامي والعربي من
الجنوب، ومنع انتشار الإسلام باعتبار هذا التحزيم حوائط صد لقطع الصلة بين
شمال القارة المسلمة وجنوبها الذي يقل فيه الإسلام، كذلك لفتح أسواق جديدة
لصادراتها وبالذات السلاح، وللاستفادة من الثروات الطبيعية المتوافرة بكثرة مثل:
الماس والذهب واليورانيوم والكوبالت ... في عام ١٩٧٢م كان عدد الإسرائيليين
المتواجدين في إفريقيا ٢٠ ألفاً، وفي عام ٩٥ تقول الإحصائيات إنه تم عقد ١٣٠٠
صفقة حققت إسرائيل منها في عام ٩٦ أرباحاً قدرت بـ ١. ٤ مليار دولار،
وتحصل في مقابلها على مواد خام. وعلى سبيل المثال فإن من الدول التي عقدت
معها إسرائيل صفقات سلاح سرية: رواندا، وبورندي، وأوغندا، وإرتيريا؛
ولهذا دلالة واضحة في الأحداث التي جرت وتجري الآن.
كذلك من عوامل التواجد القوي: مسألة حماية الرؤساء وهو مجال خصب؛
فللاستخبارات الإسرائيلية هناك حوالي ١٥٠٠ خبير لحماية رؤساء إفريقيا (حماية
شخصية) .
هناك مشروعات اقتصادية دخلتها إسرائيل مع ٤٢ شركة إفريقية بعقود بدأتها
بـ ٢٠٠ مليون دولار، ثم صارت شريكة في ٥٠٠ مليار دولار؛ وبهذا تصبح
مسألة السوق الشرق الأوسطية ليست هي المخرج الوحيد للرواج الإسرائيلي؛ لأنها
اليوم خطت خطوة أوسع لتحزيم العالم العربي عن طريق السيطرة على جزر حنيش
بمضيق باب المندب في البحر الأحمر ثم بوجود قواعد عسكرية في إرتيريا وإثيوبيا.
* هل للأصابع الاستخباراتية الإسرائيلية دور فيما يجري الآن من تغيرات
على الخريطة الإفريقية؟
أ. كمال: أصابع اليهود في أغلب الأحداث الإفريقية واضحة، ففي
سيراليون (٨٥% مسلمون) مثلاً والصهاينة لهم يد في دفع الانقلابيين الجدد للإطاحة
بأحمد تيجان أول رئيس مسلم لسيراليون.
كذلك أحداث رواندا وبورندي، ثم زائير: كانت المخابرات الإسرائيلية تلعب
دوراً كبيراً فيها للقضاء على الهوتو، ذوي الأغلبية المسلمة واللسان العربي لصالح
التوتسي ذوي الولاءات الغربية رغم أنهم أقلية.
وتقوم كل من أوغندا وإثيوبيا وجنوب إفريقيا بخدمة مصالح اليهود والغرب
هناك على حساب النفوذ الإسلامي والعربي باعتباره نفوذاً تقليدياً في إفريقيا.
وباستقراء الأحداث نجد أن الرؤساء الجدد يكونون من الزنوج المحررين القادمين
من أوروبا أو من الاشتراكيين القدامى، وبمجرد تولي رئيس جديد من هؤلاء
السلطة؛ فإنه يقيم علاقة مع إسرائيل، ويفتح الباب أمام التغيير!
وهذا له صلة بمنابع النيل ومحاصرة مصر عن طريق تكبيل السودان عن
طريق ما يسمى بـ (تداعيات السلوك بين الحركات) فبدأت الاضطرابات برواندا..
ثم بورندي ... ثم زائير.. ثم سيراليون.. ثم برازفيل.. ثم إفريقيا الوسطى.. كل
هذا التتابع في وقت قصير! .. والعدوى العرقية تتنشر بين الدول!
وكان لهذا الأمر أهميته في قمة دينفر الأخيرة؛ إذ كانت إفريقيا في مقدمة
موضوعات ورقة العمل الأطلنطية.
كل ذلك إضافة إلى سعي الولايات المتحدة لتقديم مساعدات اقتصادية لدول
إفريقيا بهدف دمج إفريقيا في النظام العالمي الجديد.
* موضوع زعماء الانقلابات في إفريقيا رغم اختلاف مناهجهم إلا أنه يدفع
بهم إلى السلطة؛ وهذا يلقي ظلالاً أخرى على كيفية الوصول إلى الاشتراكيين
بالذات، وتجنيدهم لمصلحة إسرائيل والغرب!
هناك بالفعل أمر عجيب يثير الدهشة، وهو أن إسرائيل حاولت التغلغل بقوة
في إفريقيا، وتبنت في ذلك منظوراً إيديولوجياً يختلف من وقت لآخر، ومن
ظروف لظروف مغايرة.
فأيام انتشار الاشتراكية حاولت التغلغل من خلال المفهوم الاشتراكي لدرجة أنه
يوجد حوالي ١٧ معهداً أو أكثر في إسرائيل متخصصة في تدريب القيادات
الإفريقية على أفكار الموساد والكيبوتس ربما بأساليب مختلفة ونقل هذه الأفكار
داخل المجتمع.
مثلاً: إقامة مشروعات اقتصادية للمياه والري بالتنقيط، كما يجري استقدام
طلاب من إفريقيا في إطار تعاون علمي من أجل إعدادهم ليكونوا في المستقبل أداة
من أدوات إسرائيل في السيطرة على القارة الإفريقية.
* إذن هذا يكشف لنا عن تحركات أوسع من التحركات الاستخباراتية.. ربما.. أليس كذلك؟ !
هناك تحركات عسكرية إسرائيلية قوية في أغلب القارة السوداء؛ وإليك بعض
الأمثلة:
- ساعدت إسرائيل إريتريا في احتلال جزر حنيش، وتطهير جزر دهلك من
الألغام ... هناك حوالي ٤٠ جندياً إرتيرياً في بعثة بالقوات البحرية الإسرائيلية وتم
إيفاد عسكريين إسرائيليين للعمل كمستشارين هناك.. وتجري الآن هناك مناورات
عسكرية من قوات قوامها ١٥٠٠٠ مجند نصفهم إسرائيليون تمهيداً لغزو جنوب
السودان.
- في إثيوبيا: تم تبادل قطع غيار طائرات ٥ وتدريب ٣٨ طياراً. كذلك
موضوع النيل الأزرق وإقامة ٢٠ سداً بمساعدة أمريكية وخبرة إسرائيلية لخنق
مصر والسودان وتقوية نفوذ أثيوبيا. ولا ننسى أن أثيوبيا مع إرتيريا تمثلان محوراً
من محاور التهديد للنظام الإقليمي العربي.
- في كينيا: هناك صفقات صواريخ (جيريل) الإسرائيلية.. وهناك قوات
كوماندوز ترابط في مطار نيروبي.
ويوجد ١٠٠ خبير إسرائيلي لمكافحة الإرهاب (الوجود الإسلامي) هناك.
- في أوغندا: يتم تدريب سلاح الطيران، تطوير طائرات ميج ٢١ في
المصانع الإسرائيلية.
- في تنزانيا: تدريب ضباط وهناك خبراء يهود لترويج الأسلحة الصغيرة
وأجهزة الاتصال المنقولة لأفراد الشرطة.
في تشاد ذات الأغلبية المسلمة: حصلت الحكومة هناك على سلاح إسرائيل
عن طريق زائير عام ١٩٨٣م وتوجد عناصر زائيرية في تشاد تقوم بتدريب الجيش
التشادي على نفقة إسرائيل!
- نيجيريا: رغم أنها تعتبر أكبر دولة إسلامية في إفريقيا إلا أن إسرائيل
تقوم بإنشاء ٣ قواعد جوية بمساعدة ٣ خبراء يهود.
وتقوم بتدريب ٣٥ ضابطاً وجندياً من قوات الكوماندوز لتأمين القيادة
النيجيرية.
* ننتقل إلى النقطة قبل الأخيرة في ندوتنا؛ والتي تنقلنا إلى كوبنهاجن
والتطبيع الثقافي! لنتساءل: ماذا وراء الأكمة؟ وما الذي يهدف العدو من وراء
توريط بعض المثقفين العرب في التطبيع الثقافي؟
د. جمال: العدو يهدف إلى عملية غسيل لمخ الأمة! ونجح في اختراق
الطبقة المثقفة عن طريق من كانوا يحملون لواء الشيوعية من قبل؛ الذين أصبحوا
يحملون لواء الديمقراطية.. نجح العدو في استقطاب عدد كبير منهم! لتصبح هناك
فئة تنادي بما ينادي به العدو؛ من نسيان القدس والمقدسات، وفتح أبواب التطبيع
أما كونهم وجدوا لهم صدى داخل المجتمع الإسرائيلي فهذا طابع تكتيكي ذراً للرماد
في العيون والنهاية ... أن الذين كانوا يزعمون أنهم يقاتلون في ٤٨، ٥٦، ٦٧،
٧٣ هم الذين وقّعوا عقد كوبنهاجن مع الفئة المستدرجة ليفتحوا باباً آخر من
الصراع هو الغزو الثقافي، وهو بلا شك أشد خطراً؛ لأنه يُخترَقُ من خلاله عقل
الأمة.
أ. كمال: أزمة المثقفين في العالم الإسلامي والعربي هي جزء من أزمة
الأنظمة التي روّج لها هؤلاء من قبل، وكلاهما يفتقد البعد العقدي في الصراع
بالإضافة إلى أن أكثرهم كانوا من المتسغربين الذين تربوا على موائد غير إسلامية، ولذلك فالمسألة في قناعاتهم سياسية؛ والسياسة بطبيعتها متغيرة، والموقف الذي
تتشدد فيه اليوم يمكن أن تتراجع عنه كلية إذا تغيرت الظروف في المستقبل.
فالمسألة لا تتعدى صفقة تجارية تخضع للربح المادي.
وللبحث في حس هؤلاء فإن هناك ملاحظة أخرى هي أن رموز هذا الفريق
من العرب هم من الأقليةِ، والأقليةُ أكثر قبولاً للاختراق وأكثر استجابة للتطبيع،
وأبرز هؤلاء لطفي الخولي وهو شيوعي نصراني!
* إذن هم لا يمثلون الأمة!
أ. كمال: نعم! هؤلاء المتحالفون بالإضافة إلى أنهم لا يمثلون الأمة في
هويتها لم يفوضهم أحد من الشعب المصري للتحدث باسمه، وإذا ادعي أنهم
يساعدون المفاوض المصري، فهذه ليست مسؤولية المثقف! ودور المثقف هنا هو
وضع علامات على الطريق للسياسي إذا اضطرته الظروف أن يتخذ موقفاً لا يمثل
ثوابته بحيث يرده إلى تلك الثوابت.
* وهل يعني سكوت الأنظمة عنهم موافقتها على هذا التطبيع؟ !
بالطبع لم يكن ممكناً لهؤلاء أن يتحركوا في هذا الاتجاه إلا بضوء أخضر من
وزارة الخارجية في مصر! وكذلك الحال في إسرائيل.
* المطبعون يقدمون مسوّغاً لتحالفهم بأنه يمكنهم عبر هذا التحالف اختراق
المجتمع الصهيوني؛ باعتبار أن هناك حركات سلام داخله يمكن أن يقام معها نوع
من الحلف لإجبار إسرائيل على إعطاء العرب حقوقهم؛ ورغم أن الأمر واضح في
الحس العام إلا أننا نود تجليته أكثر.
أ. كمال: هذه فرية كاذبة؛ لأن المجتمع الصهيوني برمته كله شيء واحد
بالنسبة لثوابتهم وهذا الادعاء من قبيل الوهم؛ لأن المثقف إذا ما أراد أن يخدم
قضيته فليخدمها أولاً داخل وطنه وأمته عن طريق توعية الناس.
ولكن الواضح أن هؤلاء المثقفين بالمعنى الدارج (قبضوا) ! !
د. جمال: العدو استفاد من تجربة ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية في
اعتمادها على العاهرات في جمع المعلومات؛ لأنهن ليس لديهن انتماء، وبالصورة
نفسها وظف العدو فئة من المثقفين ممن يبيعون أنفسهم من أجل المال من أجل جمع
المعلومات من خلالهم.
* هناك شخصيات ومنظمات تخدم التطبيع تحت أقنعة متعددة؛، فهل لنا أن
نقف على بعضها؟
د. البري: تشير بعض التقديرات إلى أن هناك ٣٠٠ مليون دولار سنوياً
تأتي من مصادر مشبوهة لتمويل مراكز الأبحاث في مصر فقط، مثل جمعيات
حقوق الإنسان ومركز ابن خلدون للدراسات الذي يشرف عليه د. سعد الدين
إبراهيم وهو أول من أقام مؤتمراً لحماية الأقليات في العالم، واعتبر الأقباط في
مصر حينها أقلية مضطهدة، وهو الشعار الذي تروِّج له اليوم الولايات المتحدة
للضغط على الدول.
كذلك عبد المنعم سعيد، ولطفي الخولي، واللواء أحمد فخر صاحب مركز
الشرق الأوسط الذي يصدر مجلة (أوراق الشرق الأوسط) وهذا المركز غاية في
الخطورة؛ لأنه يلتقط صغار الباحثين ويربيهم تربية تطبيعية!
* هل نتوقع أن ينفذ المطبعون ما أعلنوا عنه في تحالف كوبنهاجن؟
أ. كمال: أعتقد أن بيعة المثقفين خاسرة؛ لأنهم خسروا وانكشفوا أمام الأمة
ولا أظن أنهم يستطيعون تحقيق شيء مما أعلنوه.
* ربما تكون المسألة مسألة وقت!
بالعكس. وأقرب شاهد على ذلك أن الميزان التجاري بين مصر وهي أكبر
المطبعين وإسرائيل انخفض بنسبة ٥، ١٢ % لأسباب تتصل بمقاومة التطبيع من
القوى الإسلامية وقوى المعارضة.
ومما أثر في ذلك فتوى أصدرها مفتي مصر يعتبر فيها أن من يتعاملون مع
الكيان الصهيوني من رجال الأعمال في ظل هذه الأوضاع خونة! وكثير من رجال
الأعمال انزعج من هذه الفتوى وتأثر بها.
* هذا يجعلنا نتكلم عن المعارضة: فهل تتوقعون محاولات الالتفاف عليها
وإسكاتها أو إخمادها لا سمح الله؟
أ. كمال: لا يمكن بإذن الله احتواء المعارضة؛ لأن هذه الأمة ستظل تسري
في عروقها الحياة إلى أن يتحقق وعد الله.
وهناك حركات معارضة شعبية قوية، ولا تزال الجماهير متجاوبة معها رغم
كل الظروف، وهذا دور العلماء الربانيين في توجيه الأمة.
* لكن العلماء والصحوة عموماً يعانون تضييقاً وتعتيماً عليهم، فكيف يقومون
بالدور في ظل هذه الأوضاع رغم عظم الخطر وقلة الإمكانات؟
ينبغي أن تكون الثوابت الشرعية جلية واضحة في حس العلماء لا تتغير
بتغير الظروف، وعليهم أن ينطلقوا من هذه الثوابت وأن يستندوا إليها دائماً.
وعليهم كذلك أن يعوا قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وأن يعلموا من
خلال تاريخ الأمة أن طريق التحرير لا بد أن يمر بهم وينطلق منهم؛ كما فعل
صلاح الدين حينما تولى الحكم إذ أخرج العلماء من السجون وأعطاهم صلاحيات
واسعة لغسل قلب الأمة؛ فأعادوها إلى دينها؛ وهذا هو الدور المطلوب من العلماء؛ وهو الدور نفسه الذي قام به العلماء في التاريخ. وأذكر مثلاً من تاريخنا الحديث
يوم أن كان في الأمة بقية خير يعتبر معجزة، وتطبيقاً لقول الله (تعالى) : [وَأَعِدُّوا
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] [الأنفال: ٦٠] وهو حملة (فريزر) الفاشلة على رشيد عام
١٨٠٧م باعتبارها مدخلاً لاحتلال مصر من قِبَلِ الإنجليز عن طريق الأسطول
البحري البريطاني وقد استيقظ أهل رشيد ذات صباح على أصوات قذائف البوارج
والمدافع البحرية؛ وهنا برز دور العلماء إذ اجتمعوا في أحد مساجدها بقيادة الشيخ
حسن فريج، وتدارسوا الأمر، وقدموا خطة عملية بسيطة تتمثل في صعود الفتيات
على أسطح البيوت والتلويح بالرايات البيضاء علامة الاستسلام وهنا نزل الجنود
إلى الشوارع وكان أول ما يحتاجونه النوم، فناموا في الطرقات وبعد أن جهز الماء
المغلي داخل البيوت أمر الشيخ بالتكبير من على المآذن؛ وفي الحال خرج الجميع
ليصبوا الماء المغلي على الجنود ليصابوا جميعاً بالعمى، ويهرع بعدها الأعداء
فزعين مندحرين. بهذا التخطيط تأخر غزو مصر ٧٥ عاماً؛ ويظهر فيه أثر
العلماء في تحريك الأمة وقيادتها في الأزمات.
د. جمال: هناك أدوار كثيرة فيها خلل كبير وتقصير وتحتاج لجهود واسعة:
أولها: دور البلاغ والتعليم؛ لأن تجاوب الأمة مع الأحداث يرجع إلى جهلها
بالمطلوب منها؛ وهذا ترتب عليه قعود.
لذلك ينبغي تعريف الأمة بالثوابت بالفرائض بالواجبات بالعدو والصديق معنى
الولاء والبراء قيادة مسيرة الأمة على طريق النبوة إنشاء المجتمع المنضبط سلوكياً
وأخلاقياً وعقدياً وتعليمياً وإعلامياً مع الضوابط الشرعية؛ وبهذا تستعيد الأمة
هويتها التي ضاعت.
وهذا ليس كلاماً نظرياً؛ لكن موقف العلماء بالذات ينبغي أن يكون أقوى من
واقعهم؛ لأنهم يمثلون الحصن الأخير من حصون هذه الأمة؛ ولهذا فإن تحرير
القدس يبدأ بـ (اقرأ) .
ثانياً: لا بد أن يكون للصحوة دور في الإعلام لخدمة قضايا الأمة المصيرية.
ثالثاً: حشد طاقات الأمة وجَعْلها في مواجهة هذه الهجمة العسكرية الفكرية
العقدية الاقتصادية التعليمية الإعلامية الشرسة!
رابعاً: مطالبة الأنظمة بمصالحة مع الله أولاً. وكذلك المصالحة بين أبناء
الأمة، والسعي إلى وقف التطبيع بجميع أشكاله؛ لأن هذا من مقتضيات الولاء
والبراء.
خامساً: السعي نحو وحدة الأمة؛ لأن تداعي الأمم علينا لا يدفعه مثل توحد
الأمة على أصولها: [إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ]
[الأنفال: ٧٣] .
سادساً: إحياء الإيجابية في نفوس الناس؛ بحيث يدرك كل فرد منا أن
مواجهة هذه الحملة الشرسة واجب فردي كما أنه واجب جماعي: [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ] [النساء: ٨٤] .
سابعاً: تعرية عدونا، وبيان نقاط ضعفه؛ فهو كيان ضعيف يعيش على
صدقات وإحسان، وهو عبارة عن شيء غريب في جسد الأمة يقوم بضخ الدم إليه
قوى خارجية! ويوم أن يتوقف هذا الدعم فإن هذا الكيان سيموت.
وقد يحدث هذا إذا نجحنا حتى مع غيرنا في إيقاظ الرأي العام الغربي لخطورة
الصهيونية على اقتصاده ونظامه وبالذات أمريكا حتى لو بقيت حالة (اللاحرب)
فإنها سترهق العدو أما في حالة الحرب فهو لا يستطيع الاستمرار؛ لأنه في كيان
محدود المساحة والموارد.
ثامناً: علينا أن نذكر المبشرات التي تحفز النفوس على العطاء، مثال ذلك
قول جارودي: (أوروبا الآن في مرحلة مخاض تحمل جنيناً في بطنها، وليس هذا
الجنين سوى الإسلام) لأنها تتطلع لحل مشاكلها بعد أن عجزت جميع النظريات عن
حل مشاكل الإنسان، وهذا يعطينا ثقة في ديننا وفي أمتنا؛ فنحن أمة ممتدة جغرافياً.. ممتدة عبر التاريخ ... لها عمق استراتيجي ولديها إمكانات محلية ثروات..
موارد مائية.. لدينا قبل ذلك كله عقيدة؛ لهذا فلدينا كل مقومات الحضارة وإمكانات
الاستمرارية والبقاء، وتنمية الحياة الإنسانية، وإقامة الأمن.
أما هم: فليس عندهم شيء من ذلك! كل شيء في مصلحتنا بإذن الله لو
أعدنا حساباتنا.
أما بدون ذلك.. فنرى العدو يستعجل المواجهة بعد أن خدر الوعي، ويخشى
من عودة الوعي مرة أخرى؛ فماذا نرى؟
نريد أن نضع أقدامنا على الطريق. واجبنا، إذ لا نملك غيرها، وليتهم
يتركونها لنا؛ لأن الكلمة التي تُسمع (كشجرة طيبة) .
لذلك نقول: أطلقوا حرية الدعوة إلى الله تربية الأمة وتعليمها؛ لتعرف هي:
مَنْ عدوّها مِنْ صديقها.
ناور أنت ما شئت عبر المفاوضات، لكن أطلق حرية العمل للأمة لتجهز
نفسها لتخطط من الآن لاستقلالها اقتصادياً وعسكرياً دون الاعتماد على أعدائها.
وأعود لأقول: القضية تحتاج لتحرير إرادة الأمة وقرارها.
وكلامنا لا معنى له إن لم تكن ثَمّ إرادةٌ، والإرادة لا تتحرر إلا بالعقيدة؛
وأعتقد أنه إن لم يحدث هذا وتخطو الأمة على الطريق فربما يكون الأمر مزيداً من
الضربات، وربما تطبق تجارب مثل البوسنة والهرسك والشيشان في كثير من بلاد
العرب، والعدو ما زال يحلم بخيبر والمدينة ولبنان والشمال الإفريقي.
د. البري: أحب أن أضيف أنه ربما تأتي الانفراجة من صواريخ نيتن ياهو
التي توقظ الجميع ليزيلوا جميع المعوقات التي تحول دون أداء الصحوة لدورها.
وعلينا أن نقرأ الحقائق القرآنية عن التركيب النفسي لليهود ليبين لنا قدر
عدونا ونعلم كثيراً من أسراره الحربية والنفسية مثل قوله: [لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إلاَّ
فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَاًسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى]
[الحشر: ١٤] .
لذلك نجد تصديقاً للآية عُرُقاً متعددة تتناطح داخل إسرائيل.
كما ينبغي ألا ينطلي علينا العداء المصطنع بين إيران والغرب؛ وهذا يعكس
دوراً مهماً للعلماء والصحوة هو: فضح الباطل وتعرية أهله وكشف مؤامراتهم.
وفي الختام نرجو أن نكون قدمنا تحليلاً ذا عمق لقضية الأمة الكبرى الصراع
العربي الإسرائيلي بعيداً عن السطحية وعن المنطلقات غير الشرعية.
стр. 2592
المسلمون والعالم
مؤتمر الشبيبة في باريس:
أحلام يوحنا بولس.. هل تتحقق؟
بقلم: أبو إسلام أحمد عبد الله
ينتشر بين الباحثين المسلمين، معرفتهم بعدد من المؤتمرات الكنسية العالمية
مثل مؤتمر بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م على الرغم من اشتهاره بأنه مؤتمر يهودي
بحت، ثم مؤتمر القدس عام ١٩٠٦م، ثم مؤتمر الصعيد بالقاهرة عام ١٩١١م،
وهكذا حتى نصل إلى مؤتمر لوزان عام ١٩٧٤م، ثم مؤتمر كلورادو عام ١٩٧٨م، ثم مؤتمر إيطاليا الحاشد عام ١٩٨٤م، ثم مؤتمر مسيحيي الشرق في باريس عام
١٩٨٥م، ثم مؤتمر قبرص عام ١٩٩٤م.
والمغالطة في هذا الحصر، أنه أولاً: يعطي انطباعاً بأن هذه المؤتمرات شبه
دورية، تعقد كل عدة سنوات، وهي فقط التي عقدت، ثم إنه ثانياً: يخلط الأوراق
التي لا يصح خلطها بشأن المذهبيات والملل الكنسية التي تعقد هذه المؤتمرات،
وثالثاً: لا يميز بين الأنماط العقدية والفكرية والسياسية لكل سلسلة من سلاسل هذه
المؤتمرات.
ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية التي يتزعمها بابا روما، لها أعيادها ومنظماتها
وإرسالياتها وسفاراتها التي تنتشر في كل بلاد الدنيا، ومنها البلاد الإسلامية، ولهذه
الكنيسة مؤتمراتها الخاصة والمتنوعة على مدار أيام السنة الشمسية على خمسة
مستويات تشترك فيها كل الكنائس في العالم، الأول: هو المستوى الداخلي لكل
كنيسة مفردة، ثم المستوى المحلي بين كنائس المدينة، ثم المستوى الوطني، ثم
المستوى الإقليمي، أما الخامس فعلى مستوى العالم.
وللكنيسة الإنجيلية التي تعرف بالإصلاحية أو البروتستانتية، ما لا يمكن
حصره من الأعياد والمناسبات والمنظمات والإرساليات والمؤتمرات التي تفوق
عشرات المرات ما تعقده الكنيسة الكاثوليكية في روما، التي تبدو كأنها المهيمنة
على مقاليد الأمور الكنسية في العالم.
ويرجع هذا التوسع الإنجيلي إلى المرض العضال في جسد هذه الملة، وهو
ما يهددها من الداخل كسرطان لا شفاء منه، وتؤكد أدبيات كثيرة أنها بسببه أقرب
الملل النصرانية إلى الانهيار، برغم التوسع الظاهري الذي فاق حدود إمكانات
التوسع الكاثوليكي.
ذلك المرض هو: التفتت غير المحدود داخل هذه الملة، والانشطار اليومي
إلى مذهبيات وكنائس وفرق وجماعات ومنظمات، عجزت مراكز أبحاث الكنيسة
الإنجيلية في ألمانيا وأمريكا عن حصرها أو إيقاف المد الانشطاري الأفقي لها، أما
الكنيسة الأرثوذكسية (القبطية) التي تمارس نشاطها من مركزها الرئيس في
الكاتدرائية المرقصية الذي أنشأه لهم عبد الناصر بقلب القاهرة على مساحة ٦٠٠٠
متر مربع، والذي يعتبر الآن مقراً مؤقتاً بعد أن وضع الأنبا شنودة رئيس الكنيسة
حجر الأساس للمبنى الجديد للكاتدرائية المرقصية في العام الماضي (١٩٩٦م)
بالإسكندرية على مساحة ٤٠ فداناً، لاستعادة الوضع التاريخي لكنيسة الإسكندرية
التي تمردت على الكنيسة الرومانية، واستقلت عنها منذ خمسة عشر قرناً.
هذه الكنيسة، التي استطاعت خلال ربع قرن من الزمان يبدأ مع اتفاقية
السلام بين السادات واليهود تحت مظلة الهيمنة الأمريكية أن تنشئ أكثر من مئة
وخمسين كنيسة أرثوذكسية على مستوى العالم بالتنسيق مع من يُعرفون بأقباط
المهجر الذين يتبعون في طقوسهم ونظمهم وانتمائهم الروحي للكنيسة المصرية،
وتعقد المؤتمرات العالمية والإقليمية والمحلية، وتنشئ في أنحاء مصر الكليات
والمعاهد والمدارس اللاهوتية المتخصصة، وتقيم المستشفيات الضخمة والمكتبات،
وتجدد أديرتها وتعيد بناء أسوار كنائسها، وتوسع منشآتها في صمت وأدب كحمل
وديع، استطاع بذكاء ومهارة أن يحصد ما وسعه حصاده، ولا تكف عيونه عن
ذرف الدموع حارة تؤجج مشاعر الجهلاء بتكرارها الدائم قصة القهر والظلم الذي
يعيشونه في هذه السنوات العجاف.
وبالعودة إلى النشاط الكاثوليكي، يمكننا أن نرصد عدداً من أهم المنظمات
وأخطرها، التي تعقد كل واحدة منها مؤتمراً سنوياً على مستوى العالم، على ضوء
التوصيات والقرارات والخطط والمقترحات التي انتهت إليها الجمعيات والمنظمات
والمؤتمرات والإرساليات الإقليمية والمحلية.
من هذه المنظمات: إيمانويل أسد يهوذا، آي. تي. دي ربع العالم
الكاريزماتية الكاثوليكية (تمييزاً لها عن مثيلتها البروتستانتية) وتملك واحدة من
أضخم مؤسسات الطباعة والنشر في روما: القربان والتحرر البؤر الصغيرة الشبيبة
التي هي موضوع زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة إلى فرنسا، العمل الكاثوليكي جماعة
أمبير التي تملك ثلاثة عشر داراً للنشر المتخصص في مجال الرسوم المتحركة
للأطفال، عمل الرب التي منحها بابا الفاتيكان ميزة لم تمنح لمنظمة سواها وهي
الاستقلال التام والسيادة الذاتية المطلقة بعيداً عن أي سلطة كنسية غير سلطته
المباشرة، وكرمت في مايو عام ١٩٩٢م فمنح مؤسسها المدعو الأب بالاجير صفة
القداسة، وتضم أكثر من مائة ألف عضو، ويلقبها الإعلام الإيطالي بلقب
(الماسونية الكاثوليكية) لشدة خطورتها وتوغلها الخفي بالشؤون الدولية ثم أخيراً
وبمناسبة الاحتفال المرتقب لبابا الفاتيكان باستقبال الألفية الثالثة، وعزمه على أن
يقوم بجولة رعوية دعوية يتمثل فيها خطى إبراهيم وموسى وعيسى المسيح عليهم
الصلاة والسلام بدءاً من العراق ثم دمشق التي شهدت على حد قول يوحنا معمودية
بولس ثم الناصرة ثم صور وصيدا وجبل سيناء.
وقد أنشأ الفاتيكان أحدث وأخطر منظمة كنسية دولية، تمارس دعوتها من
خلاله قمر صناعي، إذ أطلق تحت رعاية الفاتيكان وبأمواله ولخدمته الخاصة باسم
(لومن ٢٠٠٠) أي: (نور سنة ٢٠٠٠) الذي تتلخص مهمته في أن يمطر الإنجيل
حسب تعبير المتحدث الرسمي للفاتيكان على الكون بأسره، عبر الأثير، وعبر
الطائرات والسفن والباصات والمجامع الثقافية والمراكز والمؤسسات والهيئات
والكنائس والوزارات، وبكافة اللغات في كل قارات العالم، وفي توقيت واحد،
بالتنسيق مع عمدة وأجهزة مدينة دالاس الأمريكية التي رشحها الرئيس الأمريكي
لهذه المهمة.
وهكذا في إيقاع محموم، يلهث التعصب الكنسي بكل الوسائل والتقنيات
الحديثة وفي كل المجالات العلمية والعملية، على خط متوازٍ يعضده ويمهد أمامه
الصعاب متمثلاً في زيارات بابا الفاتيكان، لتحقيق الحلم الجهنمي الذي يسعى نحوه
وهو (العالم كنيسة واحدة) وهو ما صاغه كتاب (C. colonna Cesari: La
Ge opolique Vaticane, La De couverte Paris ١٩٩٢) بقوله
(ص: ٤٩) : (توحيد العقيدة الكونية تحت لواء الكاثوليكية المقدسة) وهو ما
ذهب إليه أيضاً كتاب (Catechisme De L' Eglise Catholique Mame Plon, Paris, ١٩٩٢)
حيث جاء في (ص: ١٨٥) (إن هدف الخلاص يتضمن، أيضاً من يعترفون
بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يؤمنون بإبراهيم ويعبدون معنا الله الواحد، الرحيم، حاكم الناس في اليوم الآخر) .
وقد أشار الكتاب الأخير بوضوح شديد: (لقد أعيدت صياغة النص المسلمون
الذين يؤمنون بإبراهيم حتى لا يتخذ تمهيداً لإقرار النسب التاريخي للعرب أنهم من
نسل إبراهيم (ص ٢٠٠) وحتى لا يفهم منها أن الله قد تحدث أيضاً إلى محمد
(ص ٢١٨) ، فالنص النهائي لا يكشف عن أن إبراهيم جد نَسَبِي للعرب المسلمين، ولكن كنمط للإيمان الإسلامي، بخضوعه لإرادة الله (ص ٢١١) .
تلك المقدمة، أحسب أنها كانت من الأهمية بمكان قبل أن نلقي الضوء حول
زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة إلى باريس، بعد زيارته إلى بيروت التي استمرت في
إطار ما سمي بيوم الشبيبة العالمي الثاني عشر.
فقبل وصول بابا الفاتيكان إلى فرنسا في زيارته السادسة إليها، صباح يوم
الخميس ٢١ أغسطس ١٩٩٧م، في طائرته الخاصة قادماً من روما إلى مطار
باريس، كان هناك ٣٠٠ ألف شاب وفتاة من كل أجناس العالم يأكلون ويشربون
وينامون ويلهون سوياً، في انتظار وصول يوحنا، بعد ثلاثة أيام من بدء الافتتاح
للمؤتمر العالمي الثاني عشر ليوم الشبيبة؛ حيث أقاموا أقواس النصر، ورفعوا
رايات الصليب ترفرف على جانبي الطريق، وامتلأت الشوارع بلافتات الترحيب، وازدانت الفنادق والمسارح ودور اللهو، ودقت أجراس الكنائس لمدة عشر دقائق
متوالية، ورفعت السلطات الفرنسية في أنحاء العاصمة باريس درجة الطوارئ،
وتزاحمت مئات الكاميرات التليفزيونية، تلاحق الحدث لحظة بلحظة، والقمر
الصناعي (لومن ٢٠٠٠) ينقل خطواته مباشرة إلى ١٧ دولة على مستوى العالم،
وخصصت شبكات التليفزيون الفرنسية أكثر من ٢٠ ساعة إرسال مباشر لمتابعة
زيارته.
وفي مطار أورلي كان في استقباله الرئيس جاك شيراك، وزوجته برناديت
التي اقتضى البروتوكول الفاتيكاني أن تغطي رأسها بمنديل أسود، ضاربة عرض
الحائط بالدستور العلماني لفرنسا، كما وقف عشرات الممثلين للأجهزة الرسمية
والشعبية والتنفيذية والكنسية في استقبال يوحنا الثاني، لكن كاميرات التليفزيون
الفرنسي سلطت الضوء كثيراً على جوزيف فريزنسكي رئيس منظمة التضامن
الكاثوليكية التي تعرف بـ (أي: تي دي ربع العالم) .
ومن مطار أورلي استقل يوحنا بولس ومرافقوه من كبار البطاركة وممثلي
المؤتمرات والبرامج الكاثوليكية العالمية طائرة هليوكبتر إلى استراحة خاصة في
قلب العاصمة باريس، قرب ساحة حقوق الإنسان أمام برج إيفل.
وبرغم الإجهاد الشديد الذي كان واضحاً على وجهه وفي خطواته، استقل
سيارته ذات المنصة الزجاجية المصفحة التي تم شحنها من روما إلى باريس،
لينتقل بها إلى قصر الإليزيه، حيث كان في استقباله ثانية، الرئيس جاك شيراك
وزوجته برناديت ولكن بدون منديل أسود هذه المرة، حيث تخضع في هذه إلى
البروتوكول الفرنسي العلماني.
وفي كلمة شيراك أمام الضيوف، أشار إلى زيارة يوحنا بولس إلى لبنان،
ووصفها بأنها أسهمت في هدم الحائط، دون أن يفصح عن المقصود بالحائط،
وكان يوحنا قد استخدم المصطلح نفسه في خطابه الرسمي بلبنان حيث خاطب
الشبيبة هناك قائلاً: (يعود إليكم أن تهدموا الحواجز التي أمكنها أن ترتفع في أثناء
حقبات تاريخ وطنكم الأليمة) ، ثم أردف شيراك قائلاً بأن زيارة يوحنا بولس الثاني
لفرنسا تحمل في العديد من محطاتها رسائل مهمة!
أما الحائط الذي هدمه يوحنا، وأشار إليه شيراك؛ فهو ذلك الاتفاق الذي عقده
يوحنا الثاني مع قيادات الكنيسة المارونية لتوحيد صفوفهم وتعديل موقفهم تجاه
الوجود الصهيوني في الجنوب اللبناني، وترك القوى الإسلامية وحدها أمام مدافع
وقنابل الاحتلال الصهيوني.
وبهدم يوحنا الثاني لهذا الحائط، فقد عقد صفقتين في مقامرة واحدة: الأولى:
هي التأكيد للسلطة اللبنانية بالحماية الكاملة من أي هجوم عسكري صهيوني ضد
الحكومة القائمة، مقابل وعد من الحكومة اللبنانية بأداء المهام التي سوف تلقى على
عاتقها عند زيارته التي سوف يتمثل فيها خطى المسيح في العام ٢٠٠٠ بمدينتي
صور وصيدا، والثانية: هي الاستجابة لقائمة الطلبات التي تقدم بها نتن ياهو
رئيس وزراء الكيان الصهيوني لبابا الفاتيكان أثناء زيارة الأول للثاني في مقر
البابوية بروما قبل شهرين، بتهدئة النشاط الكنسي الكاثوليكي والماروني ضد
القوات الصهيونية في جنوب لبنان، وذلك مقابل وعد من حكومة الكيان الصهيوني
بأداء المهام وتأمين الزيارة التي يعزم القيام بها في العام ٢٠٠٠ لعدد من القرى
والمدن الفلسطينية التي أقام فيها المسيح ﵇ أو مر عليها.
وبالمناسبة وحول هذه الرحلة المزعومة عام ٢٠٠٠ التي سوف تقتضي
زيارته إلى صعيد مصر عبر جبل سيناء، فقد اكتفى يوحنا الثاني برسالة تقدمت بها
سفارته في القاهرة إلى وزارة الخارجية المصرية منذ عدة شهور ولم يتلق إجابة
عليها حتى الآن.
أما المحطات التي حملت رسائل مهمة في زيارة يوحنا لباريس حسب تعبير
شيراك فكانت أولها قيام يوحنا بزيارة كاتدرائية إيفري بجنوب فرنسا التي تعد
الكاتدرائية الوحيدة، التي بنيت في فرنسا في القرن العشرين حيث قبر صديقه
الراحل الدكتور جيروم لوجون الذي كان من أنشط الداعين إلى مكافحة الإجهاض
ورفض قانون ١٩٧٥ الذي يسمح بالإجهاض، وهو ما يمكن اعتباره تحدياً للدستور
العلماني للحكومة الفرنسية وتدخلاً في الشؤون الداخلية لفرنسا.
أما المحطة الثانية: فكانت زيارته إلى كنيسة نوتردام فردريك أوزانام المفكر
العلماني الذي رفع لواء المواجهة في القرن الماضي، ضد النظم الرأسمالية التي
برزت حينذاك، وقد حاول يوحنا الثاني بهذه الزيارة، أن يؤكد مساندته ودعمه لحل
مشكلات الشباب التي سببتها أدوات الفكر الرأسمالي للشباب، حتى أغرقته البطالة
والجريمة والمخدرات والجنس المدمر.
وفي ساحة برج إيفل، وقف يوحنا بولس الثاني: أسفل البرج ليخطب في
شبيبة الكنيسة الكاثوليكية، بحضور عدد من الوفود الرسمية التي تمثل مئات
المذاهب الكنسية الأرثوذكسية والإنجيلية في العالم مطالباً شباب العالم الكاثوليكي
بحمل مشاعل الريادة، وأن يتعاونوا حتى تعم رسالة المسيح أنحاء المعمورة.
وفي يوم السبت، التقى يوحنا الثاني بممثلي الوفود العالمية من الشباب،
حيث قام بتعميد عشرة منهم، وكما خطب في شبيبة لبنان باللغة الفرنسية، فعل ذلك
في فرنسا، خاطباً ود قادة السياسة والفكر في الحزب الجمهوري الحاكم الذي يؤكد
على القومية الفرنسية كأحد العناصر الأساس لعلمانية الدولة.
ولا شك أن يوحنا كان يضع في اعتباره جيداً، التأكيد الرسمي لفرنسا على
غياب الوجود الديني الكاثوليكي، وهو ما يصيب العقل الفاتيكاني بصداع مزمن؛
لأنه يقف حجر عثرة أمام محاولات يوحنا لبيان كونية وعالمية الدعوة الكاثوليكية
واستقلاليتها، ولا تحسب أنه يمكن أن ينسى للحكومة السابقة الاحتفالية الفرنسية
بالمائة الثانية لسقوط السلطان الكنسي من فوق أرض فرنسا إلى غير رجعة، وهو
ما أشار إليه بدقة الكاتب الفرنسي الشهير جاك فريمو، في ص ٢٨٦ من كتابه:
(فرنسا والإسلام من نابليون إلى ميتران) الذي أصدرته مترجماً دار قرطبة بقبرص
عام ١٩٩١م.
وفي يوم الأحد، كان القداس الختامي لأيام الشبيبة العالمية؛ حيث وقف في
ميدان لسباق الخيل، تحوّل بهذه المناسبة إلى كنيسة في الهواء الطلق، أعلن من
فوق منصتها دعوته إلى أن يكون العام ٢٠٠٠ هو عام التوحد الكوني في المسيح،
وأن يكون آخر يوم في القرن العشرين، هو يوم الرجاء ويوم الخلاص الذي يحلم
به كل نصارى العالم حسب تعبير يوحنا لكن على الطريقة الفاتيكانية، حيث يكون
قد بلغ هو من العمر ثمانين إذا قدر الله له البقاء ولم يمت خلال الشهور القليلة
القادمة، حيث يعاني من مرض السرطان وأجريت له عملية لاستئصاله في العام
الماضي لم تحقق النجاح الذي كان مرجواً لها.
стр. 2593
المسلمون والعالم
تقرير الحالة الدينية في مصر
(عرض وتحليل)
(١ من٣)
بقلم: أيمن محمد سلامة
(مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية) الذي أنشئ في العهد الناصري
ملحقاً بمؤسسة الأهرام الصحفية بالقاهرة من أقدم المراكز التي تعنى بهذه الدراسات
المتخصصة في منطقتنا العربية، كما تزداد أهميته من كونه يعرّف نفسه دائماً على
اعتبار أنه يقدم خدماته (للباحث المتخصص والقارئ المهتم والمؤسسات البحثية
والصحفية والسفارات العربية والأجنبية) (بهدف تنوير الرأي العام المصري
والعربي بتلك القضايا، وأيضاً بهدف ترشيد الخطاب السياسي وعملية صنع القرار
في مصر) ، وكثير من دراساته وتقاريره المتنوعة تتوجه أساساً (إلى صانعي القرار
والدوائر المتخصصة والنخبة ذات الاهتمام) .
وقد خرج علينا هذا المركز منذ عدة أشهر بتقرير مثير للجدل، كرّس له أكثر
من ثلاثين باحثاً، بين مستشار، وباحث رئيس، وباحث، وباحث مساعد، فأعدوا
فيما يقارب الأربعمئة صفحة من القطع الكبير بحثاً شاملاً عن (الحالة الدينية في
مصر) ، وهذا الجهد الضخم يعبر عن مدى المكانة والأهمية التي تحتلها الحالة
الدينية في عقل أصحاب قرار الدراسة والمخاطبين بهذا العمل.
يقع التقرير في ٣٨٩ صفحة، وبعد افتتاحية كتبها مدير المركز جاء التقديم
الذي كتبه رئيس تحرير التقرير الأستاذ نبيل عبد الفتاح، بعنوان: (تقرير عن
الحالة الدينية المصرية.. لماذا؟) في اثنتي عشرة صفحة، ثم تتابعت أقسام
التقرير، فكان القسم الأول عن المؤسسات الدينية الرسمية، وتناولت الدراسة فيه:
الأزهر (٣٢صفحة) ، ووزارة الأوقاف (١٤ص) ، ودار الإفتاء (٨ص) ، ثم
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (٢٤ص) ، والكنيسة الكاثوليكية في مصر (١٦ص)
والكنيسة الإنجيلية في مصر (١٢ص) ، وأخيراً: دراسة خاصة عن نظام الرهبنة
والتكريس والتفرغ في الكنائس (٢٦ص) .
أما القسم الثاني فكان عن الحركات الدينية غير الرسمية، فكان مما درس فيه: الإخوان المسلمون (١٨ص) ، والجماعات الإسلامية الراديكالية (المتشددة)
(٢٨ ص) ، وإسلاميو الخارج (٦ص) ، وأقباط المهجر (١٢ص) . وتحدث القسم الثالث عن العمل الأهلي والطوعي، فتناول الجمعيات الأهلية الإسلامية (١٤ص) ، ثم الجمعيات الأهلية المسيحية (٢٦ص) ، ثم الحركة الصوفية (١٤ص) .
وتحت عنوان (العلاقات والتفاعلات) جاء القسم الرابع ليتناول موضوعات:
التيار الإسلامي في انتخابات ١٩٩٥م (١٦ص) ، والأقباط وانتخابات ١٩٩٥
(٢٦ ص) ، ثم: الخطاب الديني المؤسسي في مصر.. الآليات والتوجهات
(٢٦ ص) ، وأخيراً: الصحافة الدينية في عام ١٩٩٥م: المجلات الإسلامية
(٤ص) ، المجلات المسيحية (٦ص) ..
ثم اختتم التقرير بـ (قاموس الحالة الدينية) : القاموس الإسلامي (٥ص) ،
والقاموس المسيحي (٩ص) .
وقد أحدث التقرير ردود فعل واسعة في الأوساط الثقافية المهتمة بهذا المجال،
وعلق عليه أكثر من كاتب، وكان من أبرز التعليقات في حدود ما اطلعت عليه: ما
كتبه الأستاذ فهمي هويدي، والدكتور حسن حنفي.
وقبل أن نخوض في عرض بعض النقاط التي ينبغي التوقف عندها نود
الإشارة إلى أن هذا المقال وما فيه من نقد لا يعني نقض التقرير ولا إهدار الجهود
التي قام بها فريق البحث؛ فما قاموا به خطوة رائدة من حيث نوعيتها، كنا نتمنى
لو قامت بها جهة إسلامية يوثق في مصداقيتها وقدرتها، وما نعرضه إنما يهدف إلى
التنبيه على النقص والخلل الذي نرى أنه شاب التقرير؛ عسى أن يُتدارك ذلك في
الأعداد القادمة، حيث يعتزم القائمون عليه إصداره سنويّاً.
كما نشير أيضاً إلى أننا لن نناقش بعض الآراء والأفكار التي وردت في
التقرير حكاية عن بعض الشخصيات أو المذاهب، والتي نعتقد بخطئها؛ وذلك لأن
هذه المناقشة غير مقصودة في هذا المقال الذي ينصبّ على مناقشة التقرير ذاته
ومنهجه في البحث من خلال تناول القائمين به، إضافة إلى بعض الملحوظات على
الحالة الدينية كما تظهر من خلال التقرير.
مصداقية وعلامات استفهام! !
يحرص المركز صاحب التقرير على التأكيد في كل إصدار من إصداراته
على أنه مركز (علمي مستقل) ، بمعنى أنه لا يخضع لتأثير أي جهة؛ أو ضغوطها، أي إن حياده فوق مستوى الشبهات! ولا يشهد إلا بما علم (مركز علمي!) ..
وإذا كنا نستطيع مغالبة أنفسنا وتمرير أن المركز مستقل مالياً وإدارياً عن
الحكومة، فلا نستطيع تصديق أنه مستقل عنها فكريّاً، فلا نظن أن القائمين على
المركز ينفون عنه توجهه العلماني أو محاولته توجيه سياساتها من خلال دراسته،
فهو من هذه الناحية يعتبر طرفاً غير محايد تجاه التيار الإسلامي الذي نظن أن
التقرير يهدف إلى الإحاطة به، فبدهي أن هذا التيار إذا عارض تلك الحكومة فإنه
لا يعارضها لكونها مجرد تنظيم حكومي؛ بل لكونها تحمل فكرة ومنهجاً يعتقد أنها
تخالف الإسلام (أي: العلمانية) ، وهو ما يحمله أيضاً المركز صاحب التقرير..
أضف إلى ذلك: فإن المركز عرفاناً بهامش حرية التعبير الذي وفره له العهد الحالي
أضفى على الموضوعية رداء الخجل عندما تناول موضوعات لها صلة بهذا العهد،
حيث تبنى وجهة النظر الحكومية تجاه التيار الإسلامي في جل أجزاء التقرير، عدا
الجزء الخاص بالعلاقات والتفاعلات عند الحديث عن التيار الإسلامي في انتخابات
١٩٩٥م، الذي نظن أنه جاء موضوعيّاً.
وفي هذا الإطار: فالمركز لم يحاول عرض وجهة نظر هذا التيار حسب
المنتمين إليه رغم عرضه لوجهة النظر بل والمطالب الكنسية كاملة كما سيتضح
لاحقاً، حيث كان ضمن فريق البحث أقباط مخلصون لكنيستهم، بل منهم قساوسة
وأعضاء على قائمة البطريرك الأرثوذكسي، ولا نستبعد أن تكون بعض أجزاء
التقرير خرجت من الكنيسة نفسها، وبقول آخر: فإن الذين أعدوا الأجزاء الخاصة
بالحالة الإسلامية كانوا علمانيين متعصبين لعلمانيتهم، رأوا أنه من الحياد والشجاعة
الأدبية عدم الميل إلى مشخصات هذه الحالة فجاروا عليها، أما الذين أعدوا الأجزاء
الخاصة بالأقباط فهم من أبناء الكنيسة المخلصين الذين أحسنوا عرض وجهة نظرهم
ومطالبهم من خلال التقرير!
وباختصار: فإن المركز حاول أن يمارس الحياد، ولكنه جاء كحياد الخصم
في حدود المتاح من حرية التعبير، فإذا أضفنا إلى ذلك ضلوع مؤسسة أجنبية في
تمويل التقرير هي مؤسسة (كونراد أديناور) الألمانية التي يثني مدير مركز
الدراسات عليها وعلى مدير مكتبها بالقاهرة، ويصف تمويلها للتقرير بأنه (دون
تدخل في أي مرحلة من مراحله!) [١] فإن التساؤلات تثور حول حقيقة الأهداف
التي يصب في خدمتها التقرير وحول الطريقة التي قدمت بها المعلومات الواردة في
التقرير.. ولعلنا نلتمس في التقرير ذاته إجابات لتلك التساؤلات:
يقول مدير المركز الدكتور عبد المنعم سعيد في الافتتاحية: (ومن هنا يأتي
التقرير كجزء لا يتجزأ من جهد عالمي تقوم به الجماعة العالمية للعلوم السياسية لفهم
ودراسة الظاهرة الدينية في أبعادها المختلفة، ومن ناحية أخرى: فإنه يأتي استجابة
لظروف إقليمية ومحلية تراكمت خلال السنوات الماضية، لم تأخذ فقط شكل تنامي
الأصوليات الإسلامية والمسيحية واليهودية في منطقة الشرق الأوسط، وإنما وربما
كان ذلك لا يقل أهمية لتزايد دور المؤسسات الدينية التقليدية والمجتمع المدني
المستند إلى الدين [الجمعيات الأهلية الدينية] في تقرير أمور كثيرة في الحياة العامة)
(ص ٩) .
ويقول رئيس تحرير التقرير الأستاذ نبيل عبد الفتاح في المقدمة: (إذن لم تعد
الحالة الإسلامية الرسمية واللارسمية محض حالة أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية أو
ثقافية، وإنما هي حالة عامة ونفسية، ومن ثم: لم تدرس هذه الحالة إلا من
المنظور السياسي الذي يتعامل مع أبعادها السياسية والأمنية وظواهر العنف
المصاحب لها ... أي إن الحالة الدينية المصرية لا تزال مجهولاً على مستوى
المعرفة، وعلى مستوى الوعي العام بها..) (ص ١٢، ١٣) ، ويقول أيضاً: (إن
عملنا يستهدف بناء اندماج قومي مصري رصين، نتجاوز به ومعه مشكلات
وظواهر نراها عارضة) (؟ !) (ص٢٢) .
ويسوّغ التقرير أسباب الاهتمام بدراسة الجماعات الإسلامية ورصدها على النحو التالي:
١- إننا إزاء نمط متميز من الجماعات السياسية التي ترتكز على قاعدة
اجتماعية، وتتسم هذه الركيزة الاجتماعية بالسيولة، ومع غياب دراسات
سوسيولوجية معمقة لهذا الأساس الاجتماعي، وخصائصه، وسماته، ومناطق
تركزه جغرافياً، ومحلياً داخل البلاد، ومن ناحية أخرى: تتسم القاعدة الاجتماعية
لهذه الجماعات بالتغير، وعدم الثبات، سواء في موجاتها المختلفة، أو في أجيالها
العديدة.
٢- إن الخصائص العمرية والاجتماعية والمهنية لهذه الجماعات على اختلافها
لا زالت أمراً مسكوتاً عنه في الدرس الأكاديمي المصري المعاصر.
٣- الفوارق بين الأنظمة الفكرية، والمعيارية والتنظيمية وأنماط التنشئة
والتجنيد السياسي لها، لا زالت أمراً مجهولاً، نظراً لغياب بنية معلوماتية عن
البناء التنظيمي والحركي لهذه الجماعات) (ص١٦١) .
ويقول التقرير أيضاً: (وربما يكون التركيز على أهمية المرجعية الدينية في
التفسير والتحليل مقصوداً منه لفت الانتباه إلى أهميتها [اي: المرجعية] ، وعدم
قصر الرؤية على بعد واحد دون غيره، وإيلاء أهمية خاصة لهذه المرجعية في أي
تناول أو حوار مع تلك الجماعات) (ص ١٨٨) .
فهل جاء التقرير ليسد الفراغ في هذه الدراسات الذي نشأ نتيجة الانشغال
بالمنظور السياسي والأمني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى من يقدم هذا التقرير؟ ! · شاهد أم طرف؟ !
فإذا انتقلنا إلى استطلاع موقف التقرير من التيار الإسلامي نجد أنه اختار أن
يكون طرفاً مقابل هذا التيار، وليس مجرد واصف أمين أو محلل دقيق له، فهو في
مواجهة هذا التيار يتبنى مواقف فكرية، ويشيد بإجراءات وأساليب حكومية:
* فهو يبتر تاريخ هذا التيار عندما يقرر تحديد انتقال (الحالة الدينية من
محض استلهامات خلقية ومعيارية وسلوكية للمجال الخاص إلى المجال العام
السياسي والثقافي) بعام ١٩٧٤م (ص١١) ، يريد بذلك ربط هذا التحول كما يراه
بأول محاولة انقلاب منسوبة لهذا التيار فيما يسمى بحادثة الفنية العسكرية عام
١٩٧٤م (ص ١٨٣) ، وهو بذلك يهدر كفاح هذا التيار بل منهج هذه الأمة قبل هذا
التاريخ، وفي الوقت نفسه: يربطه باستدعاء خلفيات العنف الذي سيصبح هذا
التيار مسؤولاً عنه فيما بعد، فهي محاولة لتشويه المرجعية التاريخية لهذا التيار.
* وهو يكرر ذكر الأسباب نفسها التي طالما لاكها خصوم هذا التيار حول
نشأته، فيراها في (تفسير هزيمة ١٩٦٧م ببعد المجتمع عن الدين، وتشجيع سلطة
السبعينيات الفكر والحركة الإسلامية في مواجهة تيارات سياسية أخرى [يسارية
وناصرية وماركسية] ، والأزمات الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع المصري منذ
هزيمة سنة ١٩٦٧م، وفشل الاتجاهات الاشتراكية والليبرالية في معالجة المشاكل
الاقتصادية) (ص ١٨٧) .. إلى آخر تلك الأسباب التي تهدف إلى سحب الشرعية
الإيمانية من هذا التيار؛ ليقف على الأرضية نفسها التي ينطلق منها خصومه،
أرضية الدوافع والمصالح المادية والذاتية.. وهي الأسباب التي سبق أن ناقشها
كاتب آخر على صفحات (البيان) [٢] عند تناول طرح مماثل عن أسباب نشوء
ظاهرة التوجه الإسلامي في مصر للأستاذ/ السيد ياسين أحد مستشاري هذا التقرير، ولكن أُضِيفَ هنا سبب أكثر يسارية، وهو ما يزعم من (تشجيع سلطة السبعينيات
الفكر والحركة الإسلامية في مواجهة تيارات سياسية أخرى) ، وتكرر الزعم نفسه
في مواضع أخرى، (كما في ص ٢١٦، ٢١٩، ٢٣٦) (يمكن القول إن سياسة
الرئيس السادات في مواجهة اليسار والناصريين في السبعينيات كانت أحد الأسباب
الرئيسية في ارتفاع نسبة الجمعيات الإسلامية [الأهلية الخيرية] ) [٣] .
وهذا الزعم يعوزه البرهان والدليل؛ فأصحاب هذه الدعوى لا يقدمون لنا
إيضاحاً تاريخياً لوقائع ذلك الدعم وكيفية حدوثه، فهل زوّر النظام حينها الانتخابات
لصالحهم كما يحدث دائماً مع غيرهم وآخرها انتخابات ١٩٩٥م التي يذكر التقرير
أن الحكومة ذاتها اعترفت بحدوث تجاوزات فيها؟ (ص ٢٨١) ، أم أصدر القوانين
التي تحول دون سيطرة غيرهم على النقابات كما فعلوا مع أنصار التيار الإسلامي؟
(ص ٢٩٩) ، أم شطب ٦٠% من المرشحين لانتخابات الاتحادات الطلابية ليحول
دون انتخاب اليساريين كما حدث مع التيار الإسلامي؟ (ص٣٠٢) ..
إن (الدعم) الذي قدمه النظام وقتها هو أنه أعطى للجميع فرصاً متساوية،
وهنا انكشف اليساريون والعلمانيون، فأطلقوا هذه الدعوى ... وكأن قمع الإسلاميين
وخنقهم وحرمانهم بات أهم الطقوس السياسية العلمانية، وغير ذلك يعتبر كرماً
ودعماً وتضامناً معهم!
والواقع يكذب هذه الدعوى، فالأستاذ فهمي هويدي يصفها بأنها: (توفر
تفسيراً مريحاً للظاهرة الإسلامية، يعطي الانطباع بأنها من صنع السلطة وليست
خارجة من عمق المجتمع وضميره وأشواقه، غير أن الدكتور كمال أبو المجد الذي
عاصر تلك الفترة بحكم موقعه كوزير للشباب يعتبر الواقعة (افتراء وشائعة مختلقة
ومكذوبة من أساسها) ، وسمعته يتحدث عن شهود أحياء يمكن الرجوع إليهم للتثبت
من حقيقة الأمر، وقد كانوا أعضاء في الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي آنذاك، وقد
عرضت عليهم قضية الشباب وحركته، ومنهم الأساتذة: محمد عثمان إسماعيل،
وأحمد عبد الآخر، وإبراهيم شكري) [٤] .
بل إن من عايشوا وقائع تلك الفترة يروون أن الاتحادات الطلابية التي يتوجه
الكلام أساساً نحوها بهذه الدعوى (ص ٢١٩) كانت تسيطر عليها التيارات اليسارية
والناصرية تماماً حتى عام ١٩٧٥م، وفي الفترة التالية (١٩٧٥ ١٩٧٧م) التي
شهدت بداية نمو التيار الإسلامي في هذه الاتحادات شهدت الحركة الطلابية
الإسلامية معوقات وضعتها السلطة وصلت إلى حد الصدام، كاعتقال محيي الدين
أحمد عيسى أحد رموز هذه الحركة، والمشادة التي حدثت بين عبد المنعم
أبوالفتوح والسادات عام ١٩٧٧م، ثم في عام ١٩٧٨م رفضت الحكومة عقد مؤتمر اتحاد طلاب الجمهورية لانتخاب مكتب تنفيذي للاتحاد؛ لأنه كان واضحاً أن الطلاب الإسلاميين سيسيطرون على المكتب، وبعد بذلك تم إغلاق مقر الاتحاد في القاهرة بالشمع الأحمر، وتعطل فترة طويلة، ثم صدر قرار جمهوري بإلغاء لائحة اتحاد طلاب مصر الصادرة عام ١٩٧٦م لتحل محلها لائحة ١٩٧٩م الشهيرة التي ألغت نهائياً كيان اتحاد طلاب مصر [٥] .
وقد حاول التقرير في موضع آخر (ص١٨٨) وضع مثل هذه الأسباب في
حجمها، حيث يقول في معرض إبدائه وجهة نظره في طبيعة (هذه الجماعات)
وتقييمه لها: (ويمتد تأثير الأساس الفكري الديني إلى مختلف جوانب وجود الحركة
الإسلامية، بدءاً من مصطلحاتها ورموزها وحتى تكتيكات واستراتيجيات حركتها،
الأمر الذي يميزها في نهاية الأمر من نواح عديدة عن غيرها من الحركات السياسية
والاجتماعية.
والحقيقة أن التركيز على أهمية العامل الفكري، أو المرجعية الدينية، في
تفسير ظهور ونمو وانقسام الجماعات الإسلامية المتشددة لا يعني الاستبعاد التام لأي
تفسيرات اجتماعية أو سياسية.. إلا إن ذلك لا يصل إلى حد اعتبارها مجرد ظاهرة
اجتماعية أو سياسية لا علاقة للعامل الديني بها) .
* والتقرير يحمّل الإسلاميين بمشاركة الحكومة المصرية مسؤولية إحباط
الأقباط وسلبيتهم السياسية والاجتماعية: (ويترتب على ذلك تكريس الانقسام الديني
بين المواطنين والاستبعاد السياسي للأقباط، وساعد على هذه الأنماط التفكيكية
والانقسامية: نزوع الحركة الإسلامية الأصولية الراديكالية والمعتدلة ومؤسسات
الإسلام الرسمي إلى فرض الخطاب الديني وتأويلاته الفقهية ومعاييره على الفضاء
السياسي والاجتماعي والقيمي في المجتمع..) (ص ٣١٠) ..) إذن شكّل التغير
في التركيبة الاجتماعية والثقافية والقيمية اتجاهاً عاماً نحو مزيد من المحافظة
السلوكية، وفي أنماط الزي والرموز والطقوس الاجتماعية؛ مما أدى إلى خلق
مظاهر من التميز القيمي والسلوكي بين المواطنين المصريين على اختلاف
انتماءاتهم الدينية فضلاً عن تنامي عمليات العنف ذي الوجوه الدينية والطائفية أيّاً
كانت أهدافه! ، والسطو على محلات بيع الحلي الذهبية في مناطق متعددة بالوجه
القبلي والقاهرة والجيزة، أدى ذلك إلى خلق حالة نفسية انسحابية لدى المواطنين
المصريين الأقباط من المجال العام والسياسي تحديداً تحت وطأة إحساس جمعي بأنه
لا يمثلهم، ولا يجدون فيه تعبيراً سياسياً، أو ثقافياً، أو رمزياً عنهم، وأنهم غير
مرغوب فيهم) (ص ٣٠٨) .. ليس ذلك فقط، بل (شكّل تزايد مظاهر المد الإسلامي
في المجتمع المصري وتنامي نشاط ونفوذ جماعات الإسلام السياسي بمختلف تياراته
قيداً عملياً وأمنياً على حرية إنشاء جمعيات أهلية مسيحية جديدة، خاصة في
المناطق الساخنة أمنياً) (ص ٢٥٣) .
فأين المفر أمام الأقباط المضطهدين أمام زحف التتار الإسلاميين؟ ! . لقد
وجدوه في (اعتصامهم بالحقل الديني القبطي، ومؤسسته وأكليروسة كل منهم في
إطار مذهبه الديني) (ص ٣٠٨، ١٤) .
فهل عرفنا الآن سبب تعصب الأقباط والتفافهم حول كنيستهم كما يرى التقرير؟ .. إنهم الإسلاميون! ! ، بل أكثر من ذلك: فهؤلاء الإسلاميون هم سبب ترك
بعض الأقباط لمصر (فإذا كانت الدولة قد أسقطت كافة القيود التي كانت مفروضة
على الهجرة بشقيها الدائم والمؤقت.. فإن ذلك ترافق مع تزايد نفوذ الجماعات التي
رفعت شعارات دينية [اسلامية] ) (ص ٢١٦) ، وهم سبب إصابة هؤلاء المهاجرين
بالحساسية الشديدة والتأثر تجاه أقباط الداخل (وقد تزايدت معدلات الهجرة بفعل
سياسات التأميم والتعبئة السياسية قبل نكسة ١٩٦٧م، ثم تصاعد المد الإسلامي بعد
النكسة.... من هنا أدت ظروف الخروج من مصر إلى جعل هذه التجمعات شديدة
الحساسية والتأثر تجاه كل ما يجري على أرض الوطن) (ص ٢١٨) .
بالطبع فإنه لا يُذكر في هذا المقام أن العهد الناصري كان عهد (التوافق
الاستراتيجي) بين الدولة والكنيسة (ص ٩٣) ، ولا يذكر (التوافق الشخصي الحميم)
بين عبد الناصر وبابا الكنيسة (ص ٩٣) ، ولا يذكر أيضاً أن ظواهر الإسلام
السياسي لم تبدأ في الظهور إلا عام ١٩٧٤ (ص١١) ، ولا تذكر الأسباب
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدت إلى ظهور هذا التيار (ص ١٨٧) ، ولا
يذكر أن هذه الأسباب أثرت في المحيط القبطي! ، ولا يذكر أن قرارات التحفظ
التي أصدرها السادات (سبتمبر ١٩٨١م) التي اتخذت مبرراً لردود فعل الأقباط في
الداخل والخارج إلى حد مطالبة بعضهم المجتمع الدولي بفرض عقوبات على مصر.. أنها إذا كانت طالت ٤٩ شخصاً من رجال الكنيسة ومجموعة من الأقباط
(ص ٢١٩) فإنها طالت الآلاف من العلماء ورموز الحركة الإسلامية وشبابها.. لا يذكر كل ذلك وتُذكر فقط الصحوة الإسلامية، أصل كل شر على العلمانيين
وحلفائهم! ! .
* والتقرير لا يدع فرصة ولو مفتعلة لإظهار نصرته لأهل قرابته في التوجه
إلا ويقتنصها:
فهو يمتدح الدولة الفاطمية بأنها لم تلجأ إلى نشر مذهبها الباطني قسراً رغم
ذكره أن تعصبها وصل إلى حد الحجر على حريات الأفراد، في حين ينعى على
الدولة الأيوبية التي (كانت سنية المذهب وأوغلت إيغالاً بعيداً في لدد الخصومة
للمذهب الشيعي، وكان في مقدمة برنامجها الداخلي القضاء على هذا المذهب
واستئصال شعائره ومعالمه ومحاربة معاقله) (ص ٢٧) .
فهل يريد إفهامنا أن أمثال هؤلاء (السنية) إذا وصلوا إلى السلطة فلن يبقوا
على أي مخالف لهم؟ !
ويمتدح اختيار شيخ الأزهر منذ عهد محمد علي باشا وخصوصاً بعد (ثورة
يوليو) ، معتبراً أنه (أصبح من يتولى المشيخة يوزن بميزان علمي دقيق وتتوافر
فيه مواصفات وخبرة وتخصص ومستوى رفيع) ، وسبب هذا المدح أوضحه سابقاً
في الصفحة نفسها (ولما جاءت الحملة الفرنسية حركت الركود في الأزهر،
وتمخض الاحتكاك العلمي أثناء الحملة على إدخال علوم مدنية! ، ودعم هذا الأمر
سفر علماء الأزهر بعد ذلك إلى الخارج) (ص ٤٤) ، فهو امتداح لتأثير الحملة
الفرنسية والبعثات الأوروبية، وهو ما أشار إليه في مواضع أخرى من الإشادة
بالشيوخ (المطربشين) والإشارة إلى الصراع بينهم وبين (المعممين)
(ص ٤٣، ٤٤، ٥٤) .
ونظرته إلى المشايخ السابقين على تلك الفترة نظرة أحادية؛ فما أخذه عليهم
من أن الاختيار كان أحياناً تؤثر فيه عوامل القرابة.. يهمل ظاهرة العائلات العلمية
التي كانت وما تزال موجودة، وأما تأثير كون العالم من طبقة أرستقراطية فهو
يهمل أن ذلك قد يكون عامل استقلال وكرامة، وقد يُنظر إلى معيار الزهد أو الثراء
على أنه أدعى إلى العفة ونظافة اليد (انظر ص ٤٤) ، وبالطبع فإن المعيار العلمي
لم يكن غائباً أو باهتاً بجوار مثل هذه المؤثرات، أما الدور السياسي الذي نوه
التقرير بقدرة مشايخ الأزهر على القيام به بعد ثورة يوليو: فواضح أنه دور تبعي
يخدم سياسة الدولة أكثر مما يخدم قضايا المسلمين كما سيأتي من أقوال التقرير نفسه.
ويُعرّض بدور الأزهر الرقابي في موقفه تجاه بعض أصحاب الانحرافات
الفكرية والثقافية، فيقول (ص٥٢) : (وتحاول الدولة أن توازن بين دور الأزهر في
حماية المعتقدات الدينية وإعطاء الضوء الأخضر له.. وفي الوقت نفسه المحافظة
على حرية الفكر والإبداع، ويبدو أن كفة الأزهر هي الغالبة كما أثبتت ممارساته
عام ١٩٩٥م، خاصة في رأيه بشأن قضية نصر حامد أبو زيد، القائم على اعتبار
أن هناك فرقاً بين (حرية الفكر وحرية الكفر (. ولم يفت التقرير أن يشير إلى أن
مجلة (منبر الإسلام) التي تصدر عن (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية) التابع
لوزارة الأوقاف أولت قضية التفريق بين الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته
اهتماماً كبيراً (حيث تناول رئيس تحرير المجلة عبد اللطيف فايد في مقالته ...
الافتتاحية في عدد يوليو ١٩٩٥م تلك القضية بهجوم ضارٍ على د. أبو زيد)
(ص ٦٧) .
ولعل ذلك أحد الأسباب التي دعت التقرير إلى وصف تلك الأجهزة الرسمية
بأنها مؤسسة أصولية رسمية (ص١٢، ٣١٠) .
* والتقرير يتبنى مواقف وآراء فكرية يفترض أنها قائمة على اجتهادات
شرعية: (فما اصطلح على تسميته بالشروط العمرية) التي تحدد طريقة معاملة أهل
الذمة (الثابت تاريخياً أن عمر بن الخطاب بريء من الشروط العمرية) (ص ٨٧) ،
بينما (حفاوة) عمرو بن العاص بالبابا بنيامين بطرك الأقباط وسماحه لهم (ببناء ما
هدم من الكنائس والأديرة) لا تحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وتعامل باعتبارها حقيقة
تاريخية ثابتة (ص ٨٧) .
والحديث عن (أهل الذمة) يغضب محرري التقرير ف (لقد ساعد على هذه
الأنماط التفكيكية والانقسامية: نزوع الحركة الأصولية الراديكالية والمعتدلة،
ومؤسسات الإسلام الرسمي، إلى فرض الخطاب الديني وتأويلاته الفقهية ومعاييره
على الفضاء السياسي والاجتماعي والقيمي في المجتمع. وثمة لغة فقهية محافظة
توظف في المطارحات السياسية والفقهية حول موقع غير المسلمين في المجتمع
الإسلامي والدولة الإسلامية، وعودة النسق التاريخي لأهل الذمة في خطابات
الجماعات الإسلامية ووعاظ الغضب والمؤسسة الأصولية الإسلامية. ولا شك أن
انتقاء هذا النسق والفقه المعبر عنه من بين رؤى أخرى أكثر تسامحاً وإنسانية
وأصالة أثار هموماً وشجوناً وصوراً تاريخية في المخيال التاريخي للأقباط
المصريين) (ص ٣١٠) .
ويقدم التقرير لنا رؤيته في علاقة الدين بالدولة من خلال تصريحات شيخ
الأزهر والمفتي: (فإن كان الدين هو مصدر المنطلقات السياسية وتوجهاتها من
حيث وجوب أن تتسم بقيم الأخلاق والفضيلة والحث على التنمية والبناء والتفاعل
الإيجابي مع الآخر ورد العدوان والوقوف إلى جانب الحق.. إلى آخره، فإن
السياسة هي الجانب الآخر المكمل لمثل هذه المنطلقات، وهي الجانب الذي يركز
على الكيفية الدقيقة أو السؤال الخاص بـ (كيف؟) ... ) (ص ٣٥٤) .
ولا يكتفي التقرير بتقديم رؤاه الفكرية في مسائل شرعية، بل يقدم أيضاً
(اجتهادات) الجانب القبطي النصراني: فبابا الأرثوذكس يوضح أن من أسباب
التطرف والإرهاب: الفهم الخاطئ للدين (وهذا الفهم الخاطئ تولدت عنه مفاهيم
مثل (التكفير) الخاطئ، مثل: تكفير الشيخ الذهبي مثلاً، وكذلك تكفير من لا يؤمن
بالإسلام!) (ص٣٤٥) ، ويشير التقرير إلى اجتهادات البابا الشرعية واستشهاداته
القرآنية! حينما يورد طلبه بإنجاز قانون الأحوال الشخصية مع مراعاة أحوال
الأقباط تنفيذاً للشرع الإسلامي الذي يقول: (احكم بينهم حسبما يدينون) [٦] ...
(ص ٣٤٧) .
ويورد رأي مجلة (رسالة الكنيسة) الكاثوليكية في وثيقة الزواج المقترحة
والتي رفضها شيخ الأزهر وتحفّظ عليها المفتي، ولكن المجلة رأت في الوثيقة ... (أنها راعت وضع المرأة المسلمة، وأنها وسيلة فعالة لحماية المرأة وضمان استقرارالأسرة) (ص ٣٦٥) .
ويبرز أن بعض أساتذة جامعة الأزهر لا يجد (مبرراً لتقسيم الكليات إلى بنين
وبنات، خاصة الكليات العملية، ويطالبون بالاختلاط على مستوى الكليات العملية؛ حتى يستطيع الخريجون التكيف أكثر مع الواقع العملي!) (ص ٥٤، ٥٥) .
* والتقرير يتدخل في نيات الناس ويفتش في قلوبهم: فإسلام بعض النصارى
ليس ناتجاً عن رغبة في الإسلام وسماحته وهروباً من النصرانية المحرفة وآصارها
ومصادمتها لفطرة البشر ومصالحهم (وقد شهد عام ١٩٩٥م حوالي ٦٧ حالة إشهار
للإسلام، معظهم من الأجانب، ولا يدل هذا العدد على حقيقة إشهار المسيحيين
المصريين لإسلامهم؛ فهناك أسباب غير دينية لإشهار إسلام بعضها يتعلق بالأحوال
الشخصية وقضايا الزواج والطلاق) (ص ٥٣، ٥٤) .
ومن يبني مسجداً أسفل منزله لا يقصد بذلك التقرب إلى الله، (الزوايا
الصغيرة في أسفل المساكن والتي يبنيها أصحابها للوجاهة الاجتماعية أحياناً،
وللتهرب من الضرائب العقارية أحياناً أخرى) (ص ٦٤) .
стр. 2594
المسلمون والعالم
عولمة أم أمركة؟ !
(٣)
المصلحة.. وديبلوماسية الإجبار! !
بقلم: حسن قطامش
تعرض الكاتب في الحلقتين السابقتين إلى الحديث عن التاريخ الأمريكي
الحقيقي، وفند التلميع الزائف لهذا التاريخ المزور وتناقضاته، ويبدأ في هذه الحلقة
الحديث عن محددات السياسة الأمريكية وطرق عولمة النموذج الأمريكي.
- البيان -
المصلحة استراتيجية أمريكية:
مصلحة أمريكا أولاً وآخراً، هذه باختصار إحدى البدهيات الأولى
لاستراتيجية السياسة الأمريكية تجاه العالم.
في سؤال طرحته مجلة (تايم) الأمريكية الأسبوعية، مع إيرادها الإجابة عليه
في الوقت نفسه: لماذا طالب الجمهور الأمريكي بسحب القوات الأمريكية من
الصومال، على الرغم من أنه لم يقل شيئاً عن طلعات الطيران الأمريكي فوق
العراق وسقوط طائرتي هليوكوبتر، ومقتل ١٥ جندياً أمريكياً؟ والجواب: الفرق
واضح، فالجمهور الأمريكي يفهم أن البترول يمثل (مصلحة حيوية) وأن صدّام
طاغية يأمل في صنع أسلحة نووية ويمثل خطراً على الأمن الأمريكي.
سؤال آخر طرحته المجلة ذاتها مع التدخل الأمريكي في البوسنة: ما الذي
يجعل البوسنة تستحق الموت من أجله؟ ما المصلحة القومية في ذلك؟ أما الجواب
فكان من رئيس أمريكا وتبعه وزير الدفاع السابق، أما كلينتون فأجاب: (إذا لم نقم
بالجزء الذي يخصنا من مهمة حلف الناتو فسنضعف التحالف، ونعرض الزعامة
الأمريكية في أوروبا للخطر) .
أما وليام بيري وزير الدفاع السابق فكان موافقاً رئيسه في (أن مهمة حفظ
السلام في البوسنة تؤثر على مصالح الأمن القومي الأمريكي من خلال الحفاظ على
مصداقية حلف الناتو) .
أقسام المصلحة الأمريكية:
تنقسم المصالح الأمريكية إلى أقسام ثلاثة:
١- مصالح استراتيجية: وهي التي تمس الأمن القومي الأمريكي مباشرة،
وتؤثر على مصالحها الذاتية بصورة بالغة، أو ترى أنها تهدد الزعامة الأمريكية
للعالم، وأوضح الأمثلة على ذلك: بقاء كيان يهود بين الدول الإسلامية، ثم
البترول العربي، ولعله لا يوجد ما نستدل به على ذلك أفضل من إخبار هنري
كسينجر اليهودي، وزير الخارجية الأسبق لأحد المسؤولين العرب عند حظر
البترول: أن أمريكا أعدت خطة لاحتلال أحد منابع النفط في الخليج وبالتحديد
(أبو ظبي) وليمنع العرب ما شاؤوا!
٢- مصالح ملحة: وهي مصالح تؤدي إلى خدمة المصالح الحيوية بصورة
كبيرة، كالحفاظ على الأنظمة الصديقة في العالم، ونجاح عملية السلام، ومحاربة
الإرهاب كمهدد للأنظمة الصديقة ومقوض لعملية السلام.
٣- مصالح تكتيكية: وهي غالباً ما تكون للمناورة وإثبات الذات والظهور
الدائم على الساحة العالمية والإعلامية كالضغط على إيران والعراق، والسودان
وسوريا وليبيا كدول إرهابية ومساندة للإرهاب! !
ولن نجهد كثيراً للبرهنة على أن المصلحة عقيدة سياسية، بل هي المحرك
الأساس للسياسة الخارجية الأمريكية، فالنبرة المصلحية واضحة جداً في الخطاب
الرسمي الأمريكي بداية من الرئيس، ومروراً بوزرائه، وانتهاءً بالفرد العادي.
في كتاب: (بين الأمل والتاريخ) يحدثنا كلينتون عن المصلحة الأمريكية
بشيء من التفصيل فيقول: (إن على أمريكا أن تكون قوة فاعلة في تحقيق السلام
العادل في عالم مليء بالصراعات، ليس ثمة طريقة أخرى (لتدعيم أمننا) على
المدى الطويل، إن علينا أن نتحمل مسؤوليتنا تجاه ذلك العالم، لا أن نقف منه
موقف غير المبالي؛ فعندما تصبح التحالفات ضرورية، فإن علينا أن نقيمها،
وعندما تصبح المفاوضات ضرورية، فإن علينا إجراءها، وعندما تصبح
الاستثمارات مطلوبة، فإن علينا تقديمها، وعندما تصبح القوة مطلوبة (لضمان
أمننا) فإن علينا استعمالها، ومعنى ذلك كله: أن علينا الترحيب بآمال العالم وثقته
لا أن نُعرض عنه، ليس لأجل العالم فقط.. بل لأجلنا نحن أيضاً) ، أما روبرت
دول زعيم الأغلبية في الكونجرس، فكتب دراسة في مجلة (فورين بولسي) في
العام ١٩٩٥م، بعنوان: تشكيل مستقبل الولايات المتحدة، وكان أكثر وضوحاً من
كلينتون في شرح استراتيجية المصلحة، يقول: (صحيح أن التلوث البيئي والتفجر
السكاني في إفريقيا أو جنوب آسيا مشكلتان، لكن تأثيرهما على (مصالح أمريكا)
هامشي في أحسن الأحوال، ولا شك أن المجاعة في الصومال ورواندا مأساوية
يتعين على أمريكا مد يد المساعدة الإنسانية في الكوارث وفقاً لمواردنا وبطريقة لا
تفضي إلى نسف جاهزيتنا العسكرية، غير أن الأحداث في رواندا والصومال لا
تنطوي في أسوأ الأحوال إلا على تأثيرات هامشية بالنسبة لأمريكا. إننا لا نستطيع
أن نستمر في نسف سمعة قواتنا المسلحة من أجل عمليات إنسانية (لا تفعل شيئاً في
مجال تعزير مكانة أمريكا! ! فلا تجوز المخاطرة بحياة الأمريكيين إلا دفاعاً عن
المصالح الأمريكية) إن من شأن مثل هذه التحركات أن تزيد صعوبة إقناع الأمهات
والآباء الأمريكيين بضرورة إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المعركة (التي تكون مصالحنا
الحيوية معرضة فيها للخطر) لن يطيق الشعب الأمريكي إصابات أمريكية في سبيل ... أممية غير مسؤولة) .
أما مادلين أولبرايت فإنها تُجْمِلُ سياسة وزارتها في أن الأهداف الحيوية:
(تأمين مصالح الولايات المتحدة) ، والتوسع بها لتشمل الكرة الأرضية.
وكثيراً ما ترى المحللين والكتاب عن السياسة الأمريكية يجهدون أنفسهم في
تفسير المواقف المتناقضة والمزدوجة للولايات المتحدة، ويذهبون في ذلك مذاهب
شديدة الغرابة لا تخلو من الطرافة أحياناً، ومن اللامعقولية أحياناً أخرى في فهم
السياسة الأمريكية، ونحن نوقن أن السياسة الأمريكية ليس لها محرك حقيقي إلا
المصلحة الأمريكية فقط.
الأمركة بالقوة و ... ديبلوماسية الإجبار:
تتحرك الولايات المتحدة لأمركة العالم من أجل مصلحتها في البقاء والسيطرة، واستنزاف الدول، وهي في هذا السعي تستعمل من وجهة نظري طريقتين لفرض
هذه الأمركة، وكل واحدة منهما تكشف عمّا أوردتُه في البداية من النزعة
الاستيطانية، وحب السيطرة، والحياة على أنقاض غيرها من الشعوب، وكما
استعرضنا سريعاً النشأة الأمريكية كدولة جديدة في العالم، فإننا نستعرض كذلك
سريعاً أيضاً نشأة الولايات المتحدة كقطب وحيد في العالم الحديث، وهي الفترة التي
لم تتجاوز نصف قرن من عمر البشرية، وقد كان بروز أمريكا أثناء الحرب
العالمية الثانية وعقبها بعد انتصار الحلفاء على دول المحور، وكانت القوانين قد
حالت دون المشاركة في الحرب من بدايتها، وذلك لتشريع الحياد الذي اتبعته
الولايات المتحدة، ولكن استراتيجية (المصلحة) كانت بارزة في الحرب، فتحتم
تغيير القوانين، فألغى مجلس النواب بسرعة قانون الحياد بحجة مساعدة فرنسا
و (بريطانيا) ! ! وأصدر قانوناً يقضي ببيع الأسلحة للدول المتقاتلة.. (نقداً) ، ولكن
بريطانيا لم تعد تتحمل الدعم المالي النقدي لجيشها، فما كان من روزفلت الرئيس
الأمريكي وقتها إلا أن اقترح قانوناً سمي بقانون الإعارة والتأجير، فلا يمكن تفويت
مثل هذه الفرصة دون استغلال، ووافق الكونجرس في مارس ١٩٤١م، على
القانون الذي يقضي بإعارة مواد خام ومعدات لأي دولة تقاتل المحور، وبالفعل
تسلمت ٣٨ دولة ما مجموعه ٥٠ بليون دولار! !
وتطورت الأحداث وضربت اليابان التي كانت أمريكا تعترض على توسعها
آسيوياً ضربت الأسطول الأمريكي في جزر هاواي مما كان سبباً إلى جر الولايات
المتحدة إلى الحرب، وفي ٩ إبريل ١٩٤٢م استسلم ٧٥ ألف جندي أمريكي من
القوات الأمريكية في الفلبين للقوات اليابانية، واضطر معظم الأسرى أن يسيروا ما
يفوق المئة كيلو متراً سيراً على الأقدام إلى معسكرات الاعتقال ومات كثير من
الأسرى بسبب المرض وسوء المعاملة أثناء ما عرف وقتها بـ (مسيرة الموت)
ونذكّر بما حدث للهنود على يد الأمريكان وهي الأحداث التي سميت: (رحلة
الدموع) ، وقتل في الفلبين على يد اليابانيين ١٤ ألف أمريكي وجرح ٤٨ ألفاً، أما
اليابان فكان عليها أن تفهم العقلية الانتقامية الأمريكية التي ترى في الانتقام لذة
تساوي لذة الحياة التي يعشقونها، فكان عدد القتلى اليابانيين في معركة الفلبين٣٥٠
ألف جندي.
أحد المناضلين ضد قضايا العنف السائد في أمريكا (ديك هايماكر) يقول:
المشكلة الحقيقية تكمن في كون الأمريكيين لم يتخلصوا رغم السنين من نفسية
المستوطنين الأوائل لهذه الأرض، وعلينا أن نفهم أننا في هذا المضمار لا نعتبر
دولة متحضرة.
كان فهم هذه العقلية غائباً عن اليابانيين الذين لم يكتف الأمريكان بما قتل في
الفلبين منهم، بل كان على طوكيو نفسها أن تتلقى درساً غاية في القسوة من خلال
فن الانتقام، فلم يكن القائد الأمريكي للقوات الجوية (هانزل) بالرجل المطلوب لتنفيذ
فلسفة القتل الأمريكية، ولذا: فقد جرى استبداله في ٢٠/١/١٩٤٥م بالجنرال
(ليماي) ، الذي كان من أصحاب نظرية: اقتل أكثر تربح بشكل أفضل، فكان
هجوم قواته الجوية على العاصمة طوكيو في ١٠/٣/١٩٤٥م، وألقى ١٥٠ طناً من
القنابل، أسقطتها ٧٢ طائرة قاذفة، وعلى أثرها تهدم ٢٨ ألف منزل، وقُتِلَ مئة
ألف ياباني في يوم واحد! !
لم يكن هذا كافياً، فجاءت القنبلة النووية الأولى التي حملت اسم: (الفتى
الصغير) وألقيت على هيروشيما اليابانية، لتخلف وراءها ما يقارب المئة ألف قتيل، وثلاثة عشر كيلو متراً مربعاً من الأرض مدمرة تدميراً شاملاً، وكان ذلك في
٦/٨/١٩٤٥م، وبعد ثلاثة أيام فقط جاء دور قنبلة: (الرجل السمين) النووية لتسقط على مدينة نجازاكي لتقتل ٤٠ ألفاً من السكان، ومات فيما بعد عدة آلاف من آثار الإشعاع الناتج عن القنبلتين، وهنا أعلن اليابانيون الاعتراف بالهزيمة، واكتفى الأمريكان بهذا العدد من القتلى!
كان من الضروري ذلك الاستعراض السريع لأكبر حرب خاضتها الولايات
المتحدة خارج أراضيها؛ لعدة أسباب نفهم من خلالها النموذج الأمريكي المتربع
على عرش العالم:
١- فهم النفسية الانتقامية لدى الشعب الأمريكي.
٢- الاستغلال السيئ للشعوب، ما دامت المصلحة الخاصة قائمة.
٣- أن هذه المرحلة شهدت نشوء أمريكا كقوة عظمى.
٤- شهدت هذه المرحلة كذلك ازدياد القناعة الأمريكية بضرورة تطوير الكفاءة
العسكرية؛ إذ هي عماد القوة والسيطرة.
٥- الانضواء الأوروبي تحت اللواء الأمريكي؛ إذ خرجت أوروبا منهكة
مدمرة في أمسِّ الحاجة للمساعدة الأمريكية.
٦- تبلور سياسة أمريكية جديدة وخاصة بعد الاختلاف مع الاتحاد السوفييتي
الذي كان أهم أسبابه، الاتهام بتشجيع نشر الشيوعية في أوروبا في فترة ما سمي
بالحرب الباردة والانقسام الهائل الذي حدث في العالم واختلاف موازين القوى.
والذي يهمنا هنا أكثر، هو القناعة الأمريكية بضرورة التفوق العسكري
وحتمية الانتشار والتدخل؛ إذ هي الطريقة الأكثر جدوى، ونقف الآن على
تفصيلات الحقائق حول هذه القناعة من خلال مرئيات الساسة وصناع القرار.
بيل كلينتون رئيس العالم يتحدث عن دور القوات الأمريكية في صناعة
الزعامة الأمريكية: (تمتلك أمريكا اليوم أفضل قوة قتالية في العالم من حيث
التدريب والتسليح والاستعداد؛ وهذا هو أكثر من أي حقيقة أخرى! ! وإننا لنفضل
الدبلوماسية على القوة؛ غير أننا مستعدون لاستعمال القوة العسكرية عندما يكون
ذلك ضرورياً للدفاع عن مصالحنا القومية، وكما كنا طيلة هذا القرن، فإننا سنقود
بقوة المثال الذي نقدمه للعالم، غير أننا مستعدون أن نجعل قوتنا.. هي ذلك المثال؛ ولهذا فإن مجرد التهديد بقوتنا أصبح اليوم كفيلاً بردع المعتدين كما شاهدنا أخيراً
عندما استنفرنا قواتنا في الخليج رداً على محاولة صدام حسين المجهضة لحشد قواته
مجدداً على حدود الكويت) ، ويضيف في مكان آخر من كتابه: (عندما تسلمت
منصب الرئاسة كانت هناك استراتيجية جديدة ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين
وهي استراتيجية تتألف من ثلاث مراحل، ويخصنا هنا صدر الحديث وهو: ( ...
تقضي بجعل الشعب الأمريكي أكثر أمناً، وذلك عن طريق المحافظة على قواتنا
العسكرية وتحالفاتنا بحيث نتمكن من درء الأخطار الرئيسية التي تهدد أمننا كانتشار
أسلحة الدمار الشامل والإرهاب) .
لقد سببت القوة الأمريكية للرؤساء والساسة الأمريكان وخاصة بعد حرب
الخليج ما سمي مرض (نشوة النصر) فهم يعيشون تحت وهم الاعتقاد بأن التفوق
الأمريكي أمر مفروغ منه وأنه تفوق هائل وغير مسبوق، وهذا ما يفسر الصلف
في التصريحات والعنجهية المقيتة في الخطاب الاستصغاري للعالم، وقد اعتمدت
الولايات المتحدة القوات المسلحة عنصراً رئيساً لأمركة العالم وذلك بما يمكن أن
نقسمه إلى ثلاث طرق:
الأولى: إنشاء قوة عسكرية متفوقة والتحكم في سوق السلاح الدولي.
الثانية: العمل على الحد من انتشار الأسلحة التي لا رغبة لها في انتشارها.
الثالثة: تعميم النموذج العسكري الأمريكي في العالم؛ وذلك بتدريب وأمركة
العسكر في الدول الصديقة.
وبهذه الحلقات يكتمل الدور المطلوب من القوة العسكرية لتحقيق الأمركة.
ونأتي إلى تفصيل هذه الطرق حتى يتبين لنا حجم التخطيط والكيد الشيطاني
لفرض نمط غير صالح للتعميم.
الطريقة الأولى للأمركة بالقوة: صدر في أكتوبر ١٩٩٦م تقرير المعهد
الدولي للدراسات الاستراتيجية حول ميزان القوى العسكرية في العالم عام
٩٦/١٩٩٧م، وأكد التقرير أن أمريكا هي أكبر بائع للأسلحة في العالم، فقد بلغت قيمة مبيعاتها خلال عام ١٩٩٢م ١٥ بليون دولار، ثم ارتفعت إلى ١٧. ٥ بليون دولارعام ١٩٩٣م، وهبطت إلى ٢، ١٥ بليون دولار عام ١٩٩٤م و٣، ١٣بليوناً عام ١٩٩٥م، أما المركز الثاني فكان من نصيب بريطانيا التي كان إجمالي مبيعاتها عام ١٩٩٥م ٤ بلايين و ٨٠٠ مليون دولار.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قام في
ديسمبر ١٩٩٥م بالاتصال بمسؤول كبير في دولة الإمارات ثم حثه على شراء ما
يصل إلى ٨٠ طائرة من طراز إف ١٦ من مؤسسة لوكهيد مارتن الأمريكية
العملاقة المتخصصة في الصناعات العسكرية والدفاعية وقد تمت الصفقة مؤخراً
فهل نصدق إذن ما يتشدق به الساسة الأمريكان دائماً ومطالبتهم أن يعيش العالم في
سلام وأمن، وأن تُحل المشاكل دون اللجوء إلى العنف حتى يكونوا شركاء طيبين
لأمريكا! !
إذن: لماذا هذا الكم الهائل من مبيعات الأسلحة لمختلف دول العالم، وخاصة
بؤر الصراع والنزاعات المشتعلة منه، والتي لأمريكا فيها (جهود سلمية) لحل
النزاعات؟ ! المسألة تبدو معقدة في بدايتها ولكن بالنظر إلى الاستراتيجية الأمريكية
يتبين حرص الولايات المتحدة على انتشار أسلحتها في العالم لأسباب عدة:
١- الأموال الطائلة التي تجنيها من وراء صفقات بيع الأسلحة وتشغيل
المصانع والعمال، وهو ما يساعد على الانتعاش الاقتصادي للدولة.
٢- ارتباط الدول المستوردة بأمريكا؛ وذلك لضرورة الحاجة إلى التدريب
على هذه الأسلحة، وقطع غيارها، وأنواع الذخيرة المحددة لها، وبهذا تضمن
أمريكا أكثر من ميزة لبيع السلاح الواحد.
٣- الحضور المستمر في بؤر الصراع لاستخدامه سلباً وإيجاباً للمصلحة
الأمريكية ولإثبات القدرة على التحكم بالتدخل السريع وحسم النزاع وتغيير موازين
القوى في مناطق الصراع، وليس أدل على ذلك من النموذج الإفريقي، الذي
خسرت فيه فرنسا خسارة كبيرة لصالح الولايات المتحدة، ولهذا كان من الضروري
لأمريكا الاحتفاظ بقوة عسكرية تخدم أهدافها.
لمن كل هذه القوة؟ !
والآن تعد أمريكا خطة لتطوير معمل (لوس ألاموس القومي) بولاية
(نيومكسكو (وهو المصنع الذي أنتج قنبلتي (الفتى الصغير) و (الرجل السمين)
اللتين ألقيتا على هيروشيما ونجازاكي، على أن يستأنف (الإنتاج) عام ٢٠٠٣م أي
بعد ست سنوات من الآن فقط.
أما وزارة الدفاع الأمريكية فتقدمت بخطة إلى الكونجرس الأمريكي تبين
مطالبها العسكرية للفترة القادمة ومتطلبات القوات الأمريكية؛ فالقوة الجوية
الأمريكية تريد الحصول على ٤٣٨ طائرة من طراز (إف ٢٢) المقاتلة الخفية التي
يبلغ ثمن الواحدة منها ١٦٠ مليون دولار، وطلبت البحرية الأمريكية ١٠٠٠ طائرة
متقدمة، أما الجيش فيريد الحصول على ١٢٩٢ طائرة هيلوكبتر من طراز
(كوماتشي) وتريد قطاعات القوات المسلحة كلها معاً الحصول على ٩٧٨ طائرة
مقاتلة ضاربة، وهذه القائمة تبلغ قيمتها ٤١٥ بليون دولار.
ونتساءل: لمن كل هذه القوة؟ نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال
جوزيف رالستون قدم لأعضاء الكونجرس وثائق وخرائط تظهر أماكن انتشار
الطائرات في مختلف أنحاء العالم والتهديد المحتمل الذي تثيره هذه الطائرات للأمن
الأمريكي التي، وقال إنها تزيد عن ٦٠٠ طائرة، إشارة منه إلى مواضع الخطر
على أمريكا، ولكن مجلة تايم تعلق على هذا بأن هذه الطائرات ملك لدول صديقة أو
حليفة كبريطانيا وفرنسا وكندا وغيرها من الدول.
ونضيف: أن أعداء أمريكا (إيران، العراق، كوريا الشمالية) لديهم حوالي
١٠٠ طائرة هجومية وسيزيد العدد إلى ١٢٠ طائرة بحلول عام ٥.. ٢م! .
ويتساءل معنا السناتور الأمريكي والمرشح السابق للرئاسة الأمريكية عن
الحزب الجمهوري، (جورج ماكغفرن) السؤال نفسه في مقاله بجريدة الحياة في ٢٧
/٣/١٩٩٧م يقول: لكن السؤال: لماذا علينا تهيئة قوات أمريكية كبيرة محتملة
للدفاع عن كوريا الجنوبية ضد أي هجوم من كوريا الشمالية؟ فيما نعرف أن
بمقدور كوريا الجنوبية الدفاع عن نفسها ودحر الشمال، لماذا نضطر إلى تهيئة
قوات إضافية لحرب محتملة ضد العراق بعدما برهنا في عاصفة الصحراء أن في
إمكاننا دحر الجيش العراقي بـ ١٧% فقط من قواتنا، وفي الوقت الذي كان العراق
فيه أقوى بكثير مما هو عليه اليوم؟ عندما ننظر بعناية إلى سياستنا الدفاعية الحالية، نجد أن الكثير منها (يصعب تبريره) .
جزء مهم من سؤالنا يجيب عليه كذلك وزير الدفاع السابق وليام بيري، وذلك
فيما نشره في فصلية: (فورين أفيرز) الشؤون الخارجية في نهاية عام ١٩٩٦م
تحت عنوان: (الدفاع في عصر الأمل) ، ولكن قبل الإجابة لا بد من المرور سريعاً
للتعريف بكتاب: (الحرب المقبلة) لكاسبر واينبرجر، وزير الدفاع الأمريكي في
عهد ريجان ولمدة سبع سنوات، وكأي وزير دفاع فقد كان مطلعاً على كل الخطط
المستقبلية للدولة وعلى دراية بأهدافها الاستراتيجية.
والكتاب يتحدث عن إسقاطات مستقبلية افتراضية عن احتمالات لنشوب أكثر
من حرب في وقت واحد، وهي حسب الافتراض تبدأ عام ١٩٩٨م، وهذه الحروب
هي: غزو كوري شمالي لكوريا الجنوبية وفي الوقت نفسه غزو صيني لتايوان،
ثم رد انتقامي من الولايات المتحدة على إرهاب نووي إيراني عند احتلالها لدولة
الإمارات، وتفصيلات كثيرة عن حرب موسعة في منطقة الخليج تكون في عام
١٩٩٨م، وعدوان من جانب ديكتاتور روسي، وقيام حالة فوضى عارمة وعدم
استقرار في المكسيك مما يهدد حدود أمريكا الجنوبية، وأخيراً هجوم ياباني على
دول أخرى في منطقة الباسيفك.
وهذا الكتاب رغم كونه افتراضياً إلا أنه لا يخلو من حقائق مهمة، ونذكر أن
حرب الخليج (عاصفة الصحراء) كانت افتراضية في العام ١٩٨١م! وجدير بالذكر
أن مؤلف الكتاب حصل على نمط (الصليب الأكبر) بدرجة فارس من الملكة
إليزابيث.. كان هذا التعريف مجرد تذكير.
نعود إلى وليام بيري وإجابته على جزء من السؤال المطروح، يقول: (لا
نزاع أن خطر اندلاع صدام عالمي قد انخفض كثيراً عنه أيام الحرب الباردة، ولكن
طالما أن هناك أسلحة نووية فإن الخطر لا يزال قائماً، ولذلك فإن الولايات المتحدة
(تحتفظ بقوة نووية مخفضة، ولكنها شديدة المفعول كعامل ردع) ومن أجل ردع أي
صدام إقليمي يتعين على الولايات المتحدة أن تحتفظ بقوات مسلحة تقليدية قوية
وجاهزة وجيدة الانتشار في جبهات متقدمة، وأن يكون حضورها علنياً ومحسوساً
حتى يكون بوسعها إظهار قدرتها العسكرية الحاسمة (أينما ظهر ما يهدد المصالح
الأمريكية) وللدلالة على عزمها على استعمالها، فالولايات المتحدة هي الدولة
الوحيدة على الأرض (التي لها مصالح أمنية على نطاق العالم كله) وبؤر التوتر
الساخنة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا يمكن أن تنفجر دون سابق إنذار (فتهدد
بذلك المصالح الحيوية الأمريكية) ، ولذلك فإن حجم القوات المسلحة وتكوينها يقوم
على أساس حاجتنا إلى الردع، وإذا لزم إلى القتال والانتصار في تنسيق كامل مع
حلفائنا الإقليميين في (صدامين إقليميين قد يقعان في وقت واحد) ما نظن أن هذا
افتراضي أيضاً والمبدأ الأساس هنا: أن الولايات المتحدة إنما تقاتل لكي تنتصر! !
وليكون انتصارها حاسماً وسريعاً وبأقل ما يمكن من الخسائر) .
بقي لنا أن نتعرف على بقية الإجابة، وبقية طرق الأمركة بالقوة من خلال
انفراد القوة، وأمركة عسكر العالم، ومن أعداء أمريكا وما قوتهم؟ ثم ماذا عن
الأمركة بـ (الدولرة) : هذا ما سوف نتعرض له في الحلقة الأخيرة إن شاء الله.
стр. 2595
في دائرة الضوء
عقد النقص والدونية
د. محمد يحيى
هناك اتجاه خبيث يُرَوّجُ له الآن من بعض الدوائر العلمانية؛ وبعضها للأسف
الشديد رسمي الصفة، يرمي إلى خلق وترسيخ عقد النقص والدونية عند جماهير
المسلمين التي نمت فيها في العقود الماضية روح الاعتزاز بالدين والافتخار به،
وتربت فيها نزعة العزة بعد سنين طوال من الانتكاسات والتراجعات التي عكست
نفسها فيما أصبح يعرف بالنزعة الدفاعية والاعتذارية والتبريرية في الفكر
والخطاب الإسلامي. وفي ظل هذه النزعة الدفاعية تحوّل الخطاب الإسلامي في
مجمله تقريباً إلى مجرد ترديد كلمة (أنا بريء) كما يفعل المتهمون بالحق أو بالباطل
في أقفاص الاتهام. وبعد أن تخلص الفكر الإسلامي من هذه النزعة وانطلقت
أطروحاته الإيجابية تقتحم مجالات الحياة المختلفة من سياسية إلى اقتصادية، ومن
فلسفية إلى أدبية وغيرها ظهر مؤخراً ذلك الاتجاه الخبيث واستمد علة وجوده من
الحملات الضارية التي دأبت أجهزة الإعلام والبحث والسياسة في الغرب على
توجيهها ضد المسلمين. وهكذا سمعنا فجأة من بعض الرؤساء والزعماء ذوي
المشارب اللادينية والذين ارْتَدَوْا فجأة مسوح الورع وادعاء الخوف والغيرة على
الإسلام مقولة: إن أفعال المسلمين المزعومة من تطرف وإرهاب ورجعية وتشدد
هي المسؤولة عن إثارة تلك الحملات الغربية، وإنه لو أراد المسلمون إنهاء
الحملات الإعلامية وتحسين صورتهم في الغرب (وهو الأمر الذي تحوّل في الآونة
الأخيرة إلى الأولوية القصوى والوحيدة للخطاب الإسلامي عند بعضهم) فعليهم أن
ينبذوا تلك التصرفات المتطرفة، لا.. بل عليهم أن يظهروا للغرب في الصورة
الوحيدة التي تعجبه وهي صورة الإسلام المعتدل (السمح) أي المتغرب المتعلمن
المتبني كل ما تطرحه الثقافة الغربية (المسيحية في جوهرها) من تصورات.
وقد تغلغل هذا الاتجاه المشبوه إلى حد أننا قرأنا في الآونة الأخيرة تصريحات
لمفتي الحكومة المصرية ووزير الأوقاف بها وكلاهما من دارسي الإسلام وعلمائه
فيما يقال يعلن فيها الأول أن المسلمين وحدهم هم سبب الصورة المشوهة عن
الإسلام في الغرب، ويقول الثاني: إن المسلمين يعيبهم أنهم لا يقرؤون ما يكتبه
المستشرقون؛ ولذلك يسارعون بالطعن فيهم، بينما المطلوب أن يلتقي المسلمون
المعتدلون والمستشرقون على كلمة واحدة، ويتعرف كل على ما عند الآخر. وقد
أثار استغرابي أن يسارع مفتٍ حكومي بهذه السهولة الغريبة إلى رمي المسلمين
بأنهم سبب الحملات الغربية عليهم؛ وتساءلت مثلاً عما فعله مسلمو البوسنة (الذين
اشتهروا بالاعتدال على مذهب الدفاعيين الجدد) أو مسلمو كشمير وغيرهم حتى
يصب عليهم العذاب والقتل من جانب الصرب والهندوس، ثم.. أي مسلمين هؤلاء
المسؤولون عن تشويه الصورة؟ هل هم المسلمون البسطاء الذين يعيشون في
حجاب عن الظهور، ويستظلون بكنف الستر لا يعرف أحد عنهم شيئاً، أم هي
النخب المسيطرة والحاكمة في بلدان إسلامية عديدة طابعها العلمانية والتغرب
والانخلاع من نظام وأحكام الإسلام إن لم يكن من عقيدته؟ إن هذه النخب المسيطرة
من سياسيةٍ وعسكرية وثقافية واقتصادية شاع فيها الفساد والنهب لموارد البلاد، كما
مارست الدكتاتورية المتسلطة التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان (حسب مفاهيم الغرب
وحسب مفاهيم الإسلام) كما تلاعبت بالقوانين، واحتكرت ساحات العمل الاجتماعي
لها وحدها، ضاربة الخصوم بعرض الحائط حتى لو كانوا ينتمون إلى التوجه
العلماني نفسه. وكانت هذه النخب بحكم مواقعها وبحكم قربها إن لم تكن عمالتها
للغربيين في بؤرة الاهتمام والتغطية الإعلامية الغربية؛ ونتيجة لذلك فقد ظهرت
فضائحها التي ألصقت بتعمد وبزيف مسف بالإسلام والمسلمين: إذن النخبة
العلمانية هي المسؤولة عن الصورة المشوهة للإسلام.
لكن الأمر لا يقف عند ذلك الحد؛ فالغرب ليس بحاجة إلى تصرفات شائنة
من المسلمين حتى يشوه صورتهم، وهو ليس بحاجة إلى أحداث إرهابية مزعومة
أو حقيقية ترتكب هنا وهناك (ويرتكب أضعافها شدة وعدداً في الغرب نفسه) ،
وليس بحاجة إلى تصرفات مسفة من أفراد مسلمين (يرتكب أفظع منها وأكثر من
قِبَلِ الغربيين) حتى يطلق حملاته على الإسلام والمسلمين. إنهم يفعلون ذلك بداراً
ومبادأة دونما استفزاز أو مثير في إطار حملة مخططة تسير حثيثاً للنيل من الإسلام. وقد قال أحد فلاسفة الغرب في القرن الثامن عشر الميلادي: (لو لم يكن الإله
موجوداً لوجب اختراعه) وهذه المقولة تطبق بالنص وإن بمعنى آخر: (لو لم يكن
ما يسيء للإسلام موجوداً لوجب اختراعه) وبمعنى آخر: إنهم يفتعلون أشياء وهمية
ويضخمونها ويكررونها حتى يصدق الناس أنها موجودة، ثم يبنون عليها حملاتهم
ضد الإسلام والمسلمين، تلك الحملات التي يتلقفها البعض ومنهم أرباب المناصب
الرسمية ليخرجوا منها وبسهولة مريبة إلى القول بأن المسلمين كل المسلمين مدانون؛ وعليهم الاعتذار والتوبة لسادة الغرب الإعلاميين والسياسيين. فإذا لم يكن هذا
التكريس لعقد النقص والدونية بلا مسوِّغ (ونحن لا نذكر ناحية سوء النية) فماذا
يكون؟
والمسلمون لا يطلب منهم فقط الشعور بالدونية والاعتذار عن الجرائم
المزعومة التي تسببت في غضب الغرب عليهم عند المفتي الحكومي، بل يُطْلَبُ
منهم فوق ذلك عند قرينه الوزير أن يقرؤوا كتب المستشرقين ويفهموها (لا للرد
عليها، بل لكي يستوعبوها) وكأن قراءة هذه المصنفات المكتوبة بلغات أجنبية حية
وميتة قد أصبح فرضاً على كل مسلم ومسلمة، وليس هذا فحسب بل يجب أن يحشد
المسلمون (المعتدلون) (ولا يعرف أحد من المسؤول عن فرزهم وتحديدهم) لكي
يلتقوا بالمستشرقين ويتعلموا منهم دينهم أو على الأقل ليكيفوا دينهم حسب ما يريد
هؤلاء.
وهكذا وبسهولة أيضاً يُنَصّبُ المستشرقون على يد وزير في حكومة دولة
إسلامية وكأنهم سلطة روحية وفكرية تخضع لها الجباه وتعلو على النقد والمساءلة
(ونذكر بأن الكاتب المسيحي المشهور إدوارد سعيد قد انتقد هؤلاء حتى النخاع في
كتابه المعروف (الاستشراق) ويطلب من المسلمين (المعتدلين) أن يتكيفوا مع
أفكارهم حتى وهم في بلادهم الغربية وكما يعرف القاصي والداني فإن هؤلاء
يصبحون كمّاً مهملاً لا وزن لهم في دوائر الفكر والفلسفة والعلم وإن كان لهم وزن
في دوائر التنصير والتخطيط السياسي لضرب الإسلام في بلدانه بعد دراسته على يد
هؤلاء المستشرقين.
ومرة أخرى: بِمَ يمكن أن نسمي هذا! ... إلا بأنه تكريس لعقد النقص
والدونية حينما يُجعل المسلمون تابعين أذلاء لفكر وتصورات طائفة لا أهمية فكرية
لها في الغرب لكنها طائفة انتحلت لنفسها دراسة الإسلام زعماً وادعاءً، وهي
المطعون في دراستها من جانب الغربيين أنفسهم ثم يأتي وزير مسؤول ليطلب من
المسلمين كل المسلمين قراءة ما يكتبه هؤلاء عن دين المسلمين والتعلم منه، وكأنه
نسي أن هناك علماء للإسلام على طول وعرض العالم الإسلامي (ويفترض أنه
واحد منهم) يتلقى المسلمون دينهم منهم بثقة، بل وكأنه نسي أنه كان يتحدث في
حضن أقدم الجامعات الإسلامية في دراسة الإسلام والتفقه فيه. فأي دونية ونقص
يفوق ذلك؟ وما هو بُعد ذلك الاتجاه الخبيث الذي يريد للمسلمين أن يعيشوا
كمجرمين متهمين لا همّ لهم سوى ترديد كلمات البراءة أو تعلم دينهم ودراسته من
غير المؤمنين به من فرقة لا وزن لها علمياً في بلادها ذاتها؟
стр. 2596
هموم ثقافية
إشكالية نتائج وإفرازات الديمقراطية
بقلم: د. سامي محمد الدلال
بيّن الكاتب في الحلقة السابقة خطأ التصور الذي مؤداه: (أن الديمقراطية
ليست إلا مجرد مجلس نيابي يمكن تحقيق بعض المكاسب من خلاله، وأوضح أن
الديمقراطية التي تعني علمنة الدولة والمجتمع هي الأسلوب المزيّن لولوج العلمانية
إلى نخاع المجتمع وسريانها في جميع أوصاله، وفي هذه الحلقة بقية الموضوع.
- البيان -
١١- الإشكالية المدهشة هي: أن النظام الديمقراطي الحاكم يسمي مظاهرات
الاحتجاج الجماهيرية مؤامرة! ! فعندما سأل الصحفيّ زعيمَ حزب التجمع في مصر
خالد محيي الدين: لماذا اتهمك السادات بأنك من المسؤولين عن مظاهرات ١٨،
١٩ يناير ١٩٧٧م؟ وهل كانت حقاً انتفاضة حرامية كما أسماها السادات؟
أجاب: السادات اتهم حزب التجمع؛ لأننا في المعركة الانتخابية سنة ١٩٧٦م
رفعنا شعارات رددها المتظاهرون في ١٨و ١٩ يناير.... وجد السادات أن
الشعارات التي كنا نرددها في الانتخابات رددها المتظاهرون من الجنوب إلى
الشمال، فقال السادات: هذه مؤامرة من حزب التجمع، وهذا غير صحيح..
وكانت الجماهير في المظاهرات تقول: (يا أنور بيه.. كيلو اللحمة بـ ٢ جنيه)
وسبب هذه المظاهرات أن الحكومة في ذلك الوقت منحت الجماهير الأمل في
تخفيف العبء عليها، ولو عدنا إلى عناوين الجرائد السابقة للمظاهرات من ١٥
يوماً.... سنجد أن جرعة الأمل مرتفعة، وأن كل شيء سيتم إصلاحه، وفجأة
صدرت قرارات صدمت الجماهير.
الصحفي: يعني لم تكن انتفاضة حرامية؟
خالد: لا، المحكمة حكمت بعكس ذلك، وقالت إن هذه المظاهرات ليست
انتفاضة حرامية، وإنما هي شعبية، وأن الجماهير كانت معذورة، وأنهم خرجوا
ليعبروا عن رأيهم ... والخطأ خطأ الحكومة) اهـ[١] .
نعم الخطأ خطأ الحكومة!
فأين كان المجلس؟ ! ! إن النواب من عادتهم في حالة إخفاقهم في تحقيق
رغبات الشعب أن يرموا القفاز في وجه الحكومة.
وفي كل الأحوال: أليست الحكومة جزءاً من مجلس الشعب؟
إن الجماهير الشعبية هي دائماً التي تدفع الثمن غالياً. إن سكتت على ضيم،
وإن احتجت قال النظام: إنها مؤامرة وإن الشعب حرامية! !
حقاً إنها مفارقة تدعو إلى التأمل.
١٢- في ساحة إشكاليات النتائج، لنا وقفة مع بعض آراء محمد مواعدة
رئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التونسية، ووقفتنا معه ستكون في أربع
محطات:
* قال مواعدة: (أعتبر أن الفكر الديمقراطي الغربي يجتاز أزمة لا تقل
خطورتها عن الأزمة التي شهدها الفكر الماركسي وأدت إلى انهياره. وأعتبر أن
الفكر الاشتراكي والديمقراطي يخضعان لمنهج سلفي حيث يجري تمثّل مقولات
اشتراكية أو ديمقراطية أنتجت في بداية القرن على واقع مختلف في نهاية القرن.
وهي إشكالية يقرها اليوم الفلاسفة والمفكرون الغربيون الذين أتابع يومياً مؤلفاتهم
الجديدة) أ. هـ[٢] .
نعم لا أشك أن الفكر الديمقراطي الغربي يمر في أزمة، شأنه شأن الفكر
الماركسي والفكر الوجودي؛ ذلك أن جميع هذه الأفكار هي من صنع البشر
ووضعهم.
إن تطور وتنوع الطروحات البشرية للمناهج الحياتية، سواء ما كان منها
عقدياً أو سلوكياً، يدل على استمرار حالة القصور؛ إذ إن كل طرح جديد يدل على
قصور ما قبله، وهكذا.
إن جميع المناهج البشرية ستبقى عاجزة عن طرح فهم عقدي له طابع
الديمومة والثبات. وبما أن الديمقراطية واحدة من تلك المناهج البشرية فهي تخضع
حكماً للمعادلة المذكورة نفسها، وخلاصتها: أن إسقاط معنى الديمقراطية يتغير من
زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، إنها مثل لإشكالية العجز البشري.
* قال مواعدة: (وإضافة للمعطيات المميزة للمرحلة، تعتبر خصوصيات
مجتمعنا العربي الإسلامي وشخصيته المتميزة بإيجابياتها وسلبياتها ككل المجتمعات
منطلقاً يتوجب أخذه بعين الاعتبار؛ وهو معطى أكدته التجارب والتطورات
التاريخية التي شهدها العالم؛ حيث لم تعد هنالك نمطية عالمية للنموذج الاشتراكي
ولا للنموذج الديمقراطي. وتأكد أن لكل مجموعة حضارية خصوصياتها وتاريخها
وتراكماتها، إذن لها تجربتها الديمقراطية الذاتية) اهـ[٣] .
لقد اعتبر مواعدة النموذج الاشتراكي وكذلك الديمقراطي كأنه حتم لازم
للمجتمعات لا انفكاك لها منه. وعلى هذا الأساس فلكل مجموعة حضارية تجربتها
الديمقراطية الذاتية.
إن تجاهل مواعدة للإسلام ودوره القيادي الريادي على مدى أربعة عشر قرناً
خلت مثير للاستغراب حقاً!
فمعلوم أن الأمة الإسلامية خلال تلك القرون لم تعش التجربة الديمقراطية التي
يتحدث عنها مواعدة، بل عاشت في ظل الإسلام الوارف، تعبّ من معينه بحسب
حال قوتها وضعفها. أما التجارب الديمقراطية فإنها لم تتسلل إلى الأمة الإسلامية إلا
خلال هذا القرن، فأحدثت فيه فجوة لا تزال تتسع.
إن هذه الفجوة الديمقراطية لا تزال تحدث تآكلاتها في المجموعة الحضارية
الإسلامية على حساب خصوصياتها وتاريخها وتراكماتها وتوسعاتها.
إن الأمة الإسلامية ليست بحاجة إلى النمطية الاشتراكية أو النمطية
الديمقراطية؛ وذلك لانتمائها إلى الصبغة الربانية، فهي الوحيدة التي تمتلك نمطية
الصياغة العالمية لمجموع البشرية على اختلاف خصائصهم الذاتية أو المكتسبة،
ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
* قال مواعدة: (يعتبر مثال رواندا نموذجياً في الاتجاه السلبي بالنسبة
للتجارب الديمقراطية في إفريقيا، فقد كانت تحكم رواندا قبيلة أقلية، هي قبيلة
التوتسي، وعندما طبق النظام الديمقراطي التعددي بشكل طبيعي فازت الأغلبية في
الانتخابات، وهي قبيلة الهوتو التي انبثق منها الرئيس الجديد. وانطلاقاً من
الشرعية الانتخابية التي حصل عليها حاول إجراء عدة تغيرات في أجهزة الدولة،
لكنه سرعان ما اصطدم بنفوذ القبيلة الحاكمة في الأجهزة العسكرية والأمنية
والحرس الجمهوري ومصالح القبيلة المتداخلة مع مؤسسات الدولة؛ وأدى ذلك إلى
تعقيدات ومواجهات، فوقعت الكوارث والحرب الأهلية، واغتيل الرئيس نفسه،
ودخلت البلاد في متاهات) اهـ[٤]
إن الذي ذكره (مواعدة) هنا يؤكد ما ذكرته عند الحديث عن إشكالية القبيلة في
الحكم الديمقراطي؛ وهي مجرد واحدة من إشكاليات عديدة، وليس شرطاً أن تتكرر
الإشكالية نفسها في جميع أنماط الحكومات الديمقراطية؛ فربما كانت لكل ديمقراطية
واحدة أو أكثر من الإشكاليات التي سبق أن ذكرتها. ولكن ما يهمنا الإشارة إليه هنا، بل التأكيد عليه:
أن إشكالية النتائج في حالة رواندا تجسدت بأبشع أنواع الاقتتال الأهلي
بسبب إشكالية واحدة من إشكاليات الديمقراطية.
* قال مواعدة: (ومن سوء الحظ أن الوضع في الجزائر وصل إلى مأساة
عنف دموي يومي بين مجموعات مسلحة تعتمد العنف للاستيلاء على السلطة،
وبين سلطة مركزية تسعى وتحاول تجنيب البلاد العنف القائم، ولا شك أن الرئيس
زروال، وهو شخصية محترمة ونظيفة ومناضل معروف، سيسعى إلى حل الأزمة
بالأسلوب السياسي والحوار. وأعتقد أن موضوع التعامل مع التطرف لا ينبغي أن
يكون بالحلول الأمنية فقط؛ لأن ظاهرة التطرف ذات طبيعة مجتمعية شمولية،
ولهذا تطرح المعالجة الشمولية كحل، مع ضرورة الاعتراف بأن استتباب الأمن
مسألة جوهرية..) اهـ[٥]
لا أدري لماذا تجاهل مواعدة الأسباب التي أدت إلى الاصطدام الدموي في
الجزائر!
لا شك أن ذلك الاصطدام المروّع الذي يحدث في ذلك البلد المسلم ما هو إلا
إفراز من إفرازات الاحتكام إلى الديمقراطية.
ذلك أن إشكالية الديمقراطية لا تتعلق بحقيقة التعبير عن رأي الأغلبية، بل
تتعلق بحقيقة إحكام الطوق بواسطة النخبة، أو الملأ إن شئت، حول رقاب الذين
ينادون بالعودة إلى الاستظلال بحكم الإسلام.
وعندما تجاهلت جبهة الإنقاذ المَعْلَمَ الإسلامي المميز، ورضيت بالتنزل عنه
لصالح الديمقراطية، لم يرض الديمقراطيون العلمانيون ذلك منها؛ لأن صهوة
الديمقراطية مخصصة لراكب واحد؛ وهو الراكب العلماني فقط! فعندما اجتاحت
جبهة الإنقاذ المراكز الانتخابية، وشكلت فوزاً ساحقاً في الانتخابات الأولى، كان
واضحاً أن صهوة الجواد الديمقراطي ستكون مخصصة لها. وهذا خلاف الهدف
المطروح أصلاً، وهو استغلال الديمقراطية لاحتواء الإسلاميين؛ فوقعت الكارثة!!.
ليست الإشكالية هي تسمية تلك الكارثة بالتطرف، ولكن الإشكالية هي أن
المنادين بالديمقراطية يستخدمونها في اتجاه واحد، وهو تحقيق أهدافهم فقط، فإذا
فاز الإسلاميون بأغلبية مقاعد المجلس النيابي من خلال انتخابات حرة، تنكّب
المنادون بالديمقراطية لمبدئهم الديمقراطي وأطاحوا بصرحه وإن أدى ذلك إلى سفك
الدماء وتعليق المشانق.
إن الإشكالية الأدهى من ذلك أن الإسلاميين النيابيين لم يفهموا اللعبة بعدُ!
١٣- إن جميع الشعارات الأرضية تُرفع عالياً باسم الشعوب، تحت دعوى
توفير أسباب السعادة الإنسانية، سواء كانت تلك السعادة متعلقة بآفاق الانفتاح العقلي
أو آفاق الانبساط المادي. ولا شك أن الشعار الديمقراطي يأتي في مقدمة تلك
الشعارات المرفوعة، وخاصة بعد انهيار الشيوعية وتداعي بنيانها.
إن الديمقراطية تُطرح الآن في المزاد الدولي باعتبارها المفتاح السحري
لكنوز الرفاهية البشرية.
إلا أن الواقع خلاف ذلك؛ حيث إن الجريمة والفقر لا يزالان يعششان في
أعرق الدول الديمقراطية كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
إن السعادة بمفهمومها المادي لم يستمتع بها في الإطار الديمقراطي سوى الملأ
وحاشيته.
وعند الاستقراء المحايد والنزيه نجد أن واحدة من إشكاليات الديمقراطية،
باعتبارها نتيجة واقعية وقائمة، هي إخفاقها في توفير أسباب السعادة للإنسانية على
المستويين الروحي والمادي.
١٤- في الوقت الذي تدعي فيه الدول الرائدة للديمقراطية أنها حاملة لواء
العدالة وممتشقة حسام الحرية وداعية حقوق الإنسان، فإنها هي نفسها، وليس
غيرها، التي تمارس أبشع أنواع القهر والقتل والبطش بالمسلمين في مواقع كثيرة
من العالم، بل تمارس ذلك على شعوبها أيضاً. إن الدول الديمقراطية الغربية لا
تزال تقود حملات الإبادة ضد الشعوب المسلمة، إما بإذكاء المؤامرات الداخلية التي
تؤدي إلى الفتن والاقتتال، كأفغانستان، أو بإثارة الحروب فيما بينها، كالكويت
والعراق وإيران، أو بتأييد ومساعدة من يباشر التصفية الجسدية للمسلمين، سواء
من خلال دعم الأنظمة الحاكمة بالعلمانية، أو من خلال دعم الدول والفئات التي
تمارس ذلك على مستوى الشعوب، كدعم الصرب في تصفية المسلمين في البوسنة
والهرسك، وكدعم روسيا في سحق المسلمين الشيشان.
إن الإشكالية المطروحة هنا هي: أن الديمقراطية ما هي إلا غلاف لوعاء
مملوء بالزيف والظلم والاستعباد وانتهاك حقوق الإنسان.
١٥- إن واحدة من أهم النتائج التي توصلنا إليها هي أن النظام الحاكم الملأ
هو الذي يقرر مصلحته من مشاركة الإسلاميين في لعبته الديمقراطية كالأردن
والكويت ومصر أو عدم مشاركتهم كسوريا وتونس أو تصفية الوضع الديمقراطي
كلية إذا حاز الإسلاميون على الأغلبية كالجزائر.
وهذا يعني أن الديمقراطية هي ورقة في يد النظام الحاكم يلوّح بها كالطعام
الذي يدلى به إلى السمك، ما إن يراه حتى ينقضّ عليه يحسبه غذاء وما هو إلا
مقتله.
إن الإشكالية هنا أن الإسلاميين في ظل الأنظمة الديمقراطية لا يملكون زمام
المبادرة في أي شيء، بما في ذلك استمرار الديمقراطية التي اختاروا لأنفسهم أن
يكونوا جزءاً منها.
١٦- لقد حظيت الديمقراطية بدعم واسع النطاق من قِبَلِ دول الغرب،
وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أصبح شعار الديمقراطية من أبرز
الشعارات المرفوعة على المستوى العالمي، وأصبح مطلب تطبيق الديمقراطية في
العالم الثالث بالذات مطلباً ملحاً على المستوى الأممي، وراحت أبواق الأمم المتحدة
تردد هتافات الديمقراطية وتنادي بتبنيها كنظام حاكم في جميع دول العالم.
فما هو السر في كل ذلك؟ ! وهل دول النصارى ومن ورائهم اليهود
حريصون على الإطاحة بالحكام الديكتاتوريين الذين صنعوهم على أيديهم؟
إن المتمعن في سير تصاعد الصحوة الإسلامية في مختلف دول العالم
الإسلامي يمكنه أن يرى بوضوح أن الجماهير الإسلامية ستصل إلى مرحلة
المواجهة الشاملة مع تلك الأنظمة الطاغوتية التي تحكمها بغير ما أنزل الله. ولقد
أوضحت صفحات التاريخ أن إرادة الشعوب لا تستطيع الأنظمة الحاكمة قهرها إلى
الأبد؛ وهذا يعني من خلال المنظور المستقبلي أن جماهير الصحوة الإسلامية تغذّ
السير نحو استلام دفات السلطة في بلادها لترفع راية الإسلام خفاقة فوق روابيها.
وهذا ما لا يرضي النصارى ولا اليهود؛ إذ إن الخطوة التي تليها وهي تحرير
فلسطين وطرد اليهود منها وإرجاعها إلى جنة التوحيد ستكون خطوة حتمية.
ومن هناك برز السؤال المهم، وهو: كيف يمكن أن تلتف قوى اليهود
والنصارى على توجهات الصحوة الإسلامية لتحيد بها عن السير نحو تلك الغاية؟
إن الديمقراطية هي الحل! !
حيث إنها ستتيح الفرصة لمشاركة كافة الفئات في الحكم، سواء كانت
إسلامية أو قومية (سواء كانوا من المسلمين أو اليهود أو النصارى أو غيرهم من
كافة الأديان والأعراق والأجناس) .
إن ذلك سيحقق نتيجتين هامتين:
الأولى: ألا ينفرد الإسلاميون بالسلطة.
الثانية: أن تتاح الفرصة تحت علم الديمقراطية لنشر الفساد والإلحاد [٦] .
إن إشكالية النتيجة في هذه الحالة تتعلق بعدم إدراك الإسلاميين لطبيعة هذا
المخطط والنتائج الخطيرة المترتبة عليه.
١٧- لقد نجح اليهود والنصارى في جعل الإسلاميين يتبنون الدعوة إلى
الديمقراطية بحرارة واندفاع لافِتَيْن للنظر.
ولقد شهدت الساحة الإسلامية مدّاً لبساط المناداة بالديمقراطية، يقابله انحسار
في الدعوة إلى تبني الإسلام؛ وراح الخطاب الدعوي الإسلامي لدى كثير من
الحركات الإسلامية يلهث وراء هذا السراب اللامع الخادع.
ولقد زيّن الشيطان لكثير من المسلمين زخرف الديمقراطية، وأوهمهم أن
دعوتهم للديمقراطية لا تتعارض مع دعوتهم إلى الإسلام، ومن هنا، انبرى كثير
من الإسلاميين للمشاركة في اللعبة الديمقراطية مدعين أنها الطريق الأمثل والأفضل
والأحسن، وعند بعضهم الطريق الوحيد، للوصول إلى الحكم بالإسلام، وأن
الإسلام لا يمكن تطبيقه إلا من خلال المجالس النيابية المنتخبة بإدارة شعبية،
بزعمهم! !
وهكذا راح الإسلاميون ينفقون أموالهم بسخاء عجيب لدعم حملاتهم الانتخابية، موظِّفين شعارات الإسلام وتطبيقه في خدمة مأرب وصولهم إلى كراسي المجلس
العتيد، وقد تكشفت النتائج عن أمور مخزية! !
إن الإشكالية هنا تتلخص في أن كثيراً من الإسلاميين استنفروا جهودهم
وأموالهم تحت شعار: (لا وصول للإسلام إلا عن طريق الديمقراطية) ! !
١٨- إن الإشكالية السابقة أفقدت كثيراً من الإسلاميين تحسس المفهوم
الشرعي للولاء والبراء، بما أثر على موقفهم من الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله.
وقد حاول كثير من الإسلاميين المجلسيين بعد أن أصبحوا نواباً أن يحافظوا
على سمت مميز خاص بهم، محاولين بكل جهودهم أن يتمنّعوا، ويستعصوا على
المناورات الحكومية التي تريد توظيفهم في تنفيذ مخططاتها. ولكن للأسف لم يصمد
كثير منهم في قلعة ذلك التمنّع، فاستطاعت الحكومات بأساليبها الشيطانية أن
تطوّعهم، عبر وسائل الإغراء والتحذير، لصالح مآربها. وشيئاً فشيئاً فَقَدَ عدد من
النواب الإسلاميين تميزهم وصاروا جزءاً لا يتجزأ من توجهات الحكومة التي لا
تحكم بما أنزل الله. وقد سعى عددٌ من الحكومات إلى اختيار بعض وزرائها من
الإسلاميين المنتخبين نيابياً؛ وما إن دخلوا الحكومة حتى أصبحوا بوقاً من أبواقها،
خلافاً لحالهم قبل دخولها، والأشد إيلاماً من ذلك أنهم أعطوا أصواتهم النيابية ضد
بعض المشاريع الإسلامية التي عرضت على تلك المجالس، محادّين في موقفهم
ذلك لله ورسوله وللمؤمنين، وموافقين للطاغوت والشيطان والهوى؛ فلا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن إشكالية النتيجة في هذه الحالة هي فَقْدُ الإسلاميين النيابيين لمعالم الولاء
والبراء، وهم مستبشرون! !
١٩- لا شك أن الإشكالية السابقة لم تحظ بمباركة وتأييد كثير من الإسلاميين، وقد أدى ذلك إلى انشقاق بين الإسلاميين أنفسهم، بين الموافقين وبين الرافضين.
وكذلك لم يسلم معسكر الموافقين من الانشقاق؛ ذلك أن الإسلاميين الموافقين
على المشاركة في المصيبة الديمقراطية ينتمون إلى أحزاب إسلامية مختلفة ترفع
شعارات شتى. وهكذا راح الإسلاميون يشهّرون ببعضهم على الملأ خدمة
لمصالحهم الذاتية أو مصالح الأحزاب والجماعات التي ينتمون إليها، غير عابئين
بما يعود من ذلك من خسائر فادحة على سير العمل الإسلامي وانبثاق دعوته
المباركة.
وانشقاق آخر دوماً يأخذ مجراه بين الإسلاميين الذين تنجح الحكومة في ضمهم
إلى صفوفها كوزراء؛ وبين الإسلاميين الذين وقف حظهم العاثر (حسب زعمهم)
عند حدود وصولهم كراسي المجلس ولم يتجاوزوه إلى كراسي الوزراة! !
وانشقاق آخر يخط طريقه بعنف وشدة يحدث بين القبائل والعشائر والعوائل
التي ينتمي إليها أولئك الإسلاميون النيابيون المختلفون، تعصباً لنوابهم، لا يغذيه
إلا الانتماء مجرد الانتماء لتلك القبائل والعشائر والعوائل.
وهكذا تتعدد الانشقاقات وتتنوع الاختلافات، التي لا تعود على العمل
الإسلامي إلا بالضعف والتشتت والانكسار.
تلك هي إشكالية هذه النتيجة الخطيرة.
٢٠- ومن الغرائب حقاً، أن أولئك الإسلاميين النيابيين المختلفين فيما بينهم،
لم يقفوا من خصومهم العلمانيين كموقفهم من بعضهم البعض.
ففي الوقت الذي راح أولئك الإسلاميون النيابيون يقطعون جسور الوصال فيما
بينهم، فإنهم راحوا في ذات الوقت يبنون تلك الجسور مع العلمانيين بشتى راياتهم
ومختلف شعاراتهم.
إنها مفارقة عجيبة حقاً.
ولقد شهدت الساحات الانتخابية قيام تحالفات مثيرة للاستغراب بين جماعات
إسلامية تنادي بالإسلام وأحزاب أرضية تحارب الإسلام جهاراً نهاراً؛ بل أكثر من
ذلك قد حصل؛ حيث وافقت بعض الأحزاب الإسلامية أن تنزل إلى الساحات
الانتخابية مستظلة بمظلات الأحزاب العلمانية، كمظلة حزب الوفد المصري
العلماني. ولتسويغ ذلك فإن بعض الشخصيات الإسلامية راحت تنفي بكل ما أوتيت
من قوة البيان صبغة العلمانية عن تلك الأحزاب [٧] .
إن إشكالية النتيجة هنا تتقرر في أن الإسلاميين النيابيين أقاموا جسور الود
والوصال مع العلمانيين خدمة للديمقراطية، ونحروا علاقات بعضهم ببعض على
مذبحها.
٢١- ومن ذلك يتبين لنا ما يمكن أن تجنيه التوجهات الديمقراطية من التمكين
والتوطد، مشيدة ذلك على قاعدة متينة، من تأييد الإسلاميين النيابيين؛ ذلك أن
توطيد دعائم الديمقراطية له روافد شتى، منها ما ذكرته في الإشكالية السابقة،
ومنها ما هو نتاج التزاوج الفكري بين الطرح الإسلامي والطرح العلماني. إن هذا
التزاوج وهو ما تدعمه جميع المؤسسات النصرانية واليهودية سيقود التيار الإسلامي
النيابي في نهاية المطاف إلى التبني الكامل لحماية ما يطرحه العلمانيون؛ لأن جميع
ذلك لا حرج فيه ولا تثريب عليه، طالماً تم تحت راية الديمقراطية التي وافق
الجميع من الإسلاميين وعلمانيين أن يستظلوا بها.
بل إن العلمانيين قد أصبح لهم من المسوّغات والحجج القوية ما يردون بها
على الإسلاميين النيابيين إذا اعترضوا أو تأففوا من بعض نتائج التصويت التي تتم
تحت مظلة المجلس النيابي في غير صالح الإسلام، أو إذا استاؤوا من بعض ما
يكتبه العلمانيون في الصحف والمجلات ساخرين من الإسلام ودعاته..
إنهم سيقولون لهم ببساطة: هذه هي الديمقراطية ... إنها تعني حرية الرأي
وهذا رأينا، ولا حق لكم في الاحتجاج عليه طالما أنتم رضيتم بالديمقراطية،
وطالما أننا لم نخرج عن حدودها.
وهكذا فإن علمنة المجتمع أصبحت مسوغة؛ لأنها لم تتم بواسطة انفراد
العلمانيين بالسلطة، بل تمت بمشاركة الإسلاميين فيها، سواء على مستوى المجلس
النيابي أو على مستوى الحكومة.
إنها إشكالية مزدوجة، إشكالية حرية نشر الفكر العلماني، وإشكالية علمنة
المجتمع بمشاركة الإسلاميين!
٢٢- لقد طمع كثير من الإسلاميين في تطويع الديمقراطية لصالح العمل
الإسلامي، ولقد أخفقوا في ذلك أيما إخفاق. ونحن نعتبر أن هذا الإخفاق كان
طبيعياً ومتسايراً مع السنن الربانية، فقد قضى الله في سنته أن نصره للمؤمنين
مرتبط بنصرهم لدينه على الوجه الذي أنزله في كتابه وبينه رسوله -صلى الله عليه
وسلم-. قال تعالى: [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] [محمد: ٧] ولما
كانت الديمقراطية مضادة للإسلام ومخالفة لعقيدته وشريعته، فإنه من الجهل البيّن
أن تتخذ وسيلة وطريقة لنشره ونصره.
إن إشكالية النتيجة هنا تتوضح في عدم تبين الإسلاميين النيابيين لهذه الحقيقة
الناصعة التي دُونَها ضياء الشمس.
إن عدم التبين هذا، هو الذي جعل بعض الكتاب الدعاة من الإسلاميين
المعروفين والمشهورين يعمدون إلى كتابة مقالات وكتيبات يسوّغون فيها مشاركة
الإسلاميين في المجالس النيابية والحصول على حقائب وزارية!
وإنني أدعو هؤلاء الدعاة إلى قراءة هذه الكلمات بإمعان وتفحّص متجردين في
ذلك من أحكامهم المسبقة غير المؤسسة على أدلة يعتد بها ويعتبر.
إن إشكالية النتائج، كما ذكرتها جديرة بالدراسة والاعتبار من قِبَلِ جميع
الإسلاميين المنساقين في دهاليز الديمقراطية المظلمة.
٢٣- إن سقوط كثير من الإسلاميين في هوة الديمقراطية السحيقة قد أطاح
بالمشروع الحضاري الإسلامي الذي ينبغي بناؤه على أنقاض المشروع الحضاري
الغربي الذي نجح أيما نجاح في التغلغل داخل حصوننا في كافة المجالات الحياتية
بأنماطها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها؛ هذا فضلاً عن
حالات التصدع والتشويه التي أحدثها في الجدر العقدية للأمة الإسلامية.
إن انجراف الإسلاميين وراء سراب الديمقراطية قد بدد الآمال في بلورة
أوضاع إسلامية صحيحة حاكمة وغالبة، وإن تجدد تلك الآمال مرتبط ارتباطاً وثيقاً
بالعودة الصادقة لهذه الأمة إلى الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، ذلك الفهم
الذي جمع بين العلم والعمل.
إن أمتنا الإسلامية بحاجة ماسة إلى تأطير توجهاتها الدعوية بأطر مؤسسية
تأخذ بأسباب العصر المتفقة مع عقيدتها والتي تختط طريقها وفق مسالك متميزة
مصطبغة بصبغة الله تعالى، لا بصبغة المناهج والآراء والأساليب المستوردة
كالديمقراطية وأشباهها. إن إشكالية النتيجة هنا مجسدة في المعاول الديمقراطية التي
تهدم المشروع الحضاري الإسلامي خطاباً وحركة.
وأخيراً: فإن إشكالية النتائج كما ذكرتها، وهي ثلاث وعشرون إشكالية
جديرة بالدراسة والاعتبار من قِبَلِ جميع الإسلاميين المنساقين في أنفاق الديمقراطية
المظلمة.
стр. 2597
منتدى القراء
حددت الهدف ! !
بقلم: عصام الناصر
بالرغم من هول النكبات، ومرارة الواقع، وقسوة الحقيقة التي ترفل بها حياة
رامي فما زال يتخبط في سيره..
تهتز مبادئه أمام كل ناعق.. شبكة من الضياع والتشتت معششة في عقله، لم
يحدد هدفه وحقيقة سيره! ! ولم يحبك فصول حياته، ولم يرسم خريطة دربه؛
فغرق في مستنقعات ضحلة.. تاهت به الأيام، وغررت به الأقلام..
الكل يشير إليه بأصابع الاتهام، ويرمقه بنظرات الشك! !
بصعوبة يصل إلى مكتبه، ويجلس ... ضربات قلبه متسارعة كعقرب
الثواني في الساعة الحائطية التي أمامه.
يُقلم أظافره بعصبية، ونظراته هائمة، وعقله منشغل في التهمة الأخيرة التي
علقته، يخلص يده من فمه، ويتركها تداعب وريقات على المكتب بعد أن تكونت
حلقة من علامات الاستفهام في فلك عقله المنشغل.
وفي لحظة.. يتبدد كل ذلك عندما أنار الزر الأخضر الذي أمامه علامة على
طلب المدير له.. ينهض بهدوء.. ويمسح جبينه بمنديله من حبيبات عرق اجتمعت
حوله.. ثم خرج.
.. وبين النظرات الفضولية في المؤسسة، وبكل ثقة.. اتجه نحو غرفة
المدير.
لم يستطع أن يخفي عن نفسه ذاك الشعور الذي داهمه. لكن تفهّم المدير
وموضوعيته المعتادة عززت من فرص الشجاعة والأمن لديه.
طرق الباب وولج.. أقبل نحو المدير، ورأسه متدل إلى الأرض.. ثم توقف، وقال وقد حشد ما يملك من نبرات الأدب: نعم يا سيد سامي..
.. وبكلمات حانية صادقة قال المدير: كيف حالك يا رامي؟
رفع رأسه ناحية المدير وعلق بصره ببصره، لينسج حواراً بلغة العيون لا
يفهمها إلا مالكها، يرسل الأستاذ سامي نظرات العتاب الممزوجة بالخيبة، ويرد
رامي بنظرات الاعتراف، وطلب العفو.. ثم ينقطع حوار النظرات بقول المدير:
إلى متى تعيش في الكهوف والجميع في نور الشمس، إلى متى تتخبط في
دياجير الظلمة؟ أتعتقد أن الصمت علامة للجبن أو الجهل؟
.. اعتبرتك مثل أخي، ورحبت بعملك في المؤسسة.. شدني ذكاؤك،
وحسن أدبك، ونشاطك في عملك، ولم أتوقع يوماً أن تستغل مكانك لمصلحتك.
وبكلمات فقدت بعض هدوئها قاطع المدير قائلاً: معذرة يا أستاذ.
أعترف بتقصيري. لكن.. أقسم بالله أنني بريء مما نسب إليّ، وبما لطخ
بي.
.. ترتكز عينا المدير على وجه رامي.. الذي أحس أنها سياط تلسع وجنتيه، ثم قال المدير:
(من يعبث بالطين تتسخ يداه، فرصة أخيرة. ولك أن تختار، انصرف) .
ذيول من الخيبة يجرها رامي خلفه وهو خارج يغلق الباب.. لم يستطع أن
يخنق تلك الدموع التي أبت إلا أن تطفو في حدقتيه.. تنفس بعمق، وصراع على
أوجه قائم في رأسه، ترجم له تنهد ساخن، وحركة غير منضبطة في أصابعه..
.. وبخطوات مزيفة بوقار يقطع الممر إلى مكتبه الذي اكتظ بالموظفين الذين
يرقبونه.. نظرات حارة ومحرقة أحس بها..
.. تجرأ أحدهم: واقترب إلى رامي من الخلف ووضع يده على كتفه وقال
بصوت يشبه فحيح الأفعى: (هل طردت؟ !)
.. ازداد ذاك الصداع، وتلاحقت أنفاسه.. فالتفت إلى الخلف وقال صارخاً: (بل حددت الهدف) .
стр. 2598
منتدى القراء
الإيمان بالغيب في حياة المسلم
عبد السلام سعيد كريم
إن للمؤمن سمات بارزة من أهمها الإيمان بالغيب، وهو في الحقيقة: الوحدة
الشعورية الإيجابية الفعالة الآخذة الأثيرة. والإيمان بالغيب يوحي إلى النفوس القيام
بالواجبات الدينية الحيوية، وهذه هي ميزة العقيدة الإسلامية الغيبية، التي تمتاز بها
النفوس المؤمنة. والإيمان بالغيب كما قال سيد قطب: (هو العقبة التي تُجتاز
فيجتاز الإنسان بها مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدرك حواسه، إلى مرتبة
الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي
تدركه الحواس.
وقد رأيناها في حياة الصحابة ﵃ ، الذين هم كالنجوم في
الاقتداء والاهتداء في ظلمات الطرق والسبل، إن الإيمان بالغيب أثّر في حياتهم
تأثيراً كبيراً، وأحدث في قلوبهم حركة عظيمة مثالية نموذجية الاتباع، وانقلبت به
حياتهم الفردية والأسرية والجماعية، من جهة مظلمة إلى جهة منيرة واضحة،
أُضيئت بها نواحي الحياة كلها، في تسامح القلوب ورحابة الصدور: قد تخلقوا
بخلق (الغفّار) ، وفي شدتهم في الدين وغضبهم للحق: قد تخلقوا بخلق (القهّار) ،
وهم في نزاهتهم وعفتهم وطهارة ضمائرهم تخلقوا بخلق (القدّوس) فليس في قلوبهم
أمراض التلاحي، والغيبة، والنميمة، والبهتان، والكذب، والخداع، والغدر،
والمكر.
فما هو العمل الذي يرجع إليه الفضل في تكوين عبقرياتهم وشخصياتهم النادرة
التاريخية الحية؟
لا شك أن ذالك العمل: هو عمق إيمانهم بالغيب، والتمسك به، ورسوخ
عقيدتهم بما فوق المحسوسات، وإن قوة الإيمان بالغيب في هذا الكوكب الأرضي
المحدود المجال، صانهم عن الظلم والاضطهاد والفوضى والإرهاب والقسوة،
والذين اقتدوا بهديهم من المسلمين على مدار الأيام والليالي لا يفكرون في الإقدام
على عمل تخريبي ضد الإنسان والإنسانية أبداً؛ فهم ينظرون في كل عمل يريدون
الإقدام عليه: هل هذا العمل ينفعهم أو يضرهم في دينهم ودنياهم؟ هل هذه الخطوة
ضد المنهج السماوي أم لا؟ هذه المقدمات تصونهم عن الشرور والظلم الهمجي،
كما أنهم يعتقدون بأن الله تعالى وإن لم يروه فإنه يراهم ويراقبهم من فوق عرشه،
فإليه يصعد الكلم الطيب، مع علمه سبحانه بكل ما يصدر عن الإنسان من عمل.
إن الإيمان بالغيب هو مصدر التورّع والتقوى، وهو عامل مهم من عوامل
التربية الشخصية؛ إذ يجعل الناس ربانيي التصور، ربانيي الشعور، ربانيي
السلوك.
стр. 2599
منتدى القراء
محاسبة النفس طريق لإصلاحها
نايف محمد خيران
هل لنا أن نتساءل:ماذا سيكون مصيرنا؟
النقطة التي أرغب أن أوصي بها نفسي المقصرة أولاً، ثم أوصي بها إخواني: أننا بشر كرّمنا الله على غيرنا من سائر الخلق بنعمة العقل وفضلنا تفضيلاً.
فلا ينبغي أن تمر أيامنا هباء: نأكل ونشرب وننام دون تحمّل أي مسؤولية
ودون أن يكون لنا هدف سام لوجودنا نسعى إلى تحقيقه.
ولو أخذنا مثالاً حياً من واقع حياتنا لوجدنا كثيراً من المؤسسات الاقتصادية
والمنشآت التجارية تنشئ قسماً مختصاً يدعى: (قسم المحاسبة والتدقيق) تعرف من
خلاله الوضع المالي لها من حيث الأرباح والمصروفات وما إلى ذلك، أي تعرف
ما لها وما عليها عبر عمليات حسابية منظمة حتى تسير في دربها وتذلل كافة
العقبات والصعوبات التي تعترض مسيرتها وتهدد بقاءها.
أوَليس من الأجدر بنا أن نضع لأنفسنا برنامجاً خاصاً لمحاسبة أنفسنا وتقويمها
إن هي أخطأت؟
ولا يسلم أي شخص منا من الخطأ: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين
التوابون) وليست المشكلة في اقتراف الخطأ إنما المشكلة الكبرى في الاستمرار في
الخطأ، ويأسف المرء منا أننا نجد بعضنا لا يبالي، ويمضي على ما هو عليه من
غير اكتراث، وكان الأجدر بمن كان كذلك أن يسأل نفسه هذه الأسئلة ويجعلها
قاعدة يسير عليها:
ما الهدف من وجودي في هذا الكون الواسع؟ وهل بإمكاني أن أكون عضواً
نافعاً؟ وكيف أحقق ذلك؟ ما العيوب والأخطاء التي قد تصدر عني؟ وكيف
أكتشفها وأزيلها؟
ما الأمور التي كان ينبغي أن أتصف بها؟ وكيف أتصف بها؟ وكيف
أستطيع المداومة والاستمرار عليها؟
كيف أواجه اليأس والإحباط (الشعور بالإخفاق) وكيف أحاربه بهمة عالية؟
فحينما يسأل كل فرد منا نفسه تلك الأسئلة ويجيب عنها بصدق، ويحاسبها
على التقصير والإهمال، ويعاهد الله على الالتزام والامتثال بتلك القاعدة فسوف نجد
إن شاء الله في مجتمعنا شباباً كفؤاً يُعتمد عليهم بل ويُفتخر بهم؛ لأنهم بعيدون عن
صفات الطيش والغرور والهوى.
стр. 2600
منتدى القراء
الأمة والحاجة إلى الصبر
عبد الله بن محمد السرحاني
تمر أمتنا الإسلامية اليوم بمحن عظيمة وجراح أليمة؛ ترى جراحها تنزف
مرة في القدس الشريف، ومرة في لبنان، وأخرى في صراعات متوالية في
أفغانستان والبوسنة والشيشان وألبانيا، كل ذلك وغيره شكل جرحاً جديداً للمسلمين.
والمشكلة: أن كثيراً مِمّنْ يُحسبون على هذه الأمة لا يعلمون أن ألبانيا مسلمة، كما
كانوا يجهلون هوية البوسنة وعقيدتها قبل المجازر الصربية؛ والله المستعان.
نَعم! ومع هذا يزيد الأمر سوءاً حينما ترى شباباً أغراراً يُحسبون على هذه
الصحوة المباركة يخوضون خوضاً في هذه الجراحات دون علم أو بصيرة؛ فمرة
ترى الواحد منهم يخبر الناس أن هؤلاء يستحقون ما أصابهم، وأن ما جاءهم إنما
هو ثمرة لأعمالهم وسيئاتهم، ومرة تراه يحكم بالحق لهذه الفئة أو تلك، ومرة تراه
يائساً قانطاً.. يقول: لا فائدة ... لقد عملنا ودعونا وفعلنا ولكن ... !
لقد نسي كثيرون أن الأمة لا زالت بخير والحمد لله ونسي كثيرون أن هذا
الدين يستعصي على الفناء، وأن سنة الله في الصراع بين الحق والباطل باقية إلى
يوم القيامة، أن هذا الدين كلما قُدّمت له الدماء والأشلاء زادته تمكيناً وثباتاً ورسوخاً.
ولكي نكون على بصيرة فيجب التنبيه إلى أمر على الأمة أن لا تنساه؛ لكي
تسود وتقوى شوكتها وعزتها ويزيد عزمها: هذا الأمر هو: (الصبر) : [يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]
[آل عمران: ٢٠٠] [وَالْعَصْرِ (١) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ١ ٣] .
إن الأمة حينما تنسى أو تتناسى هذا الخلق العظيم فإنها سرعان ما تتكاسل
وتتقاعس. فلننظر كيف ساد الرعيل الأول في فجر الإسلام الذي كان في مقدمة
ركبه الرسول ﵊ الذي أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين وهو صابر
محتسب. عانى رسولنا ﵊ كلا النوعين، من الصراع: واضحه
وخفيه، عليّه ودنيّه، فكان ثابتاً لم يتزحزح؛ وضعوا سلى الجزور على كتفه
وسبوه وشتموه، ومع ذلك كله فقد حاولوا إغراءه بالمال والجاه فظل ثابتاً صابراً
محتسباً. إنه الصبر والثبات في أعظم الصفحات. إنه الصبر والثبات في أسمى
المعاني وأوسع الآفاق.
أما الصحابة ﵃ والذين اتبعوهم بإحسان فما كان لهم أن يغفلوا
عن هذا الأمر العظيم بعقيدة وصبر ويقين، فالصبر قرين اليقين: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ
أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] .
ولذلك قال سفيان: (بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين!) إن الأمة لن
تنال ما تصبو إليه إلا بالصبر على الشدائد والمحن؛ والناس معادن، وعند الابتلاء
يبين المعدن الصافي مما تشوبه الشوائب.
стр. 2601
منتدى القراء
عجلة الحياة وسير الإنسان فيها
لمياء بنت عبد الله السعودية
ها نحن نعيش حياتنا وقد مضت من أعمارنا السنون والشهور.. وما زلنا
سائرين في عجلة الحياة.. نسير معها دون أن نعلم لذلك نهاية.. حتى ربما أصبح
يوم أحدنا عبارة عن ضحك وحزن وكلام.. بل ... قل وحتى عبادة.. وما زالت
العجلة في الدوران.. وما زال الإنسان يجهل الكثير عنها.. ومع ذلك يسير لأنه لا
يستطيع أن يوقف نفسه.. فالأمر ليس بيده.. ربما يفكر هل سيظل على حاله:
ليله كنهاره.. وأمسه كغده؟ ربما يظل على هذا الحال إن استبعد المشوار..
فتحول الأمر إلى عادات تجعل الإنسان ضعيف الهمة.. متبلد الأحاسيس ... يصبح
الخطأ والصواب في قلبه واحداً..
ولكن لا بد أن يقف يوماً فإما أن يحاسب نفسه ويقومها ويقوي قلبه بالتقرب
إلى خالقه، أو أن تكون نهايته نهاية سوء، فيموت ميتة يكون معها الشجر والدواب
أفضل منه..
أو يتفطن في المسيرة منذ بداية مشواره.. ولا يتعجل.. ولا يستبعد الطريق
فيكون العكس تماماً واضعاً أمامه أنه إن فتر لحظة فإن محبة الله ستحركه.. [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩] . والله المستعان.
стр. 2602
منتدى القراء
حديث صريح مع العلمانيين
صالح علي الكناني
لأنكم تزعمون أن التشريعات الأرضية والنظم الوضعية والقوانين الجاهلية
أحسن من حكم الله (تعالى) : فقد [كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً
حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ] [الممتحنة: ٤] . ولأنكم تسعون جاهدين لتعطيل حكم الله
وتحويل الإسلام من قوة مهيمنة على كل مناحي الحياة إلى طقوس محصورة في
جوانب شخصية لا تمس واقع البشر من قريبٍ ولا من بعيد، ولأنكم تجاهرون
بحرب الإسلام صراحة كما هو حال عساكر أتاتورك اليوم وغيرهم من الذين
استغلوا ما تحت أيديهم من سلطات وعتاد لقمع خيار الشعوب، ولأنكم ترفعون
شعار الديمقراطية الزائفة وهدفكم منها فقط: القمع والقهر لشعوبكم، ولأنكم خذلتم
أمتكم وجلبتم لها العار ولم يسجل لكم التاريخ موقفاً أعليتم فيه من شأنها أو انتصرتم
لكرامتها، وكل متمسكٍ بدينه لديكم متطرف إرهابي أصولي ظلامي: من أجل ذلك
كله ومن أجل غيره: اعلموا وأعلموا سدنة المعبد الديمقراطي أننا بإذن الله ثابتون
على مبادئنا وقيمنا مهما بطشتم ونكلتم وملكتم من قوة وعتاد [وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا
أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] [الشعراء: ٢٢٧]
стр. 2603
الورقة الأخيرة
بين الحق والرجل ؟ !
بقلم: محمد محمد بدري
كلنا نؤمن أن الحق معصوم وثابت، وأمّا الرجال فأعراض زائلون، يقاسون
بالحق ولا يقاس الحق بهم! !
وكثير منا يعلم ويردد قول مالك ﵀: (يؤخذ من قول كل أحد ويرد إلا
صاحب هذا القبر ﷺ ) .
فأين واقعنا مما نؤمن به؟ وأين ممارساتنا مما نعلم؟
لنتأمل في أنفسنا: ما هو محور الولاء فيها: (أهو الرجل أم الحق؟
وماذا نفعل حين تقدم لنا فكرة (الرجل) الذي نحبه تحت اسم (الرجل) الذي
نكرهه؟ .. ألا يدفعنا ذلك إلى رفضها، ربما دون النظر فيها؟ ! ! وهل يسهل
علينا أن نرى الرجل الذي نحبه يخطئ.. أو نصف رأيه بأنه (خطأ) ؟
ولنتأمل في واقعنا: ما الروح التي تسيطر على عملنا الإسلامي؟ أليست
روح القائد الملهم الوحيد الذي يصنع المعجزات، ولا نتصور بقاء العمل مع غيابه؟ !.. هل نتصور إمكانية تنحيته عن العمل، أم أننا نربط بينه وبين العمل
ربطاً مصيرياً مهما كانت أعماله وتصرفاته؟ !
إن واقعنا يؤكد أننا نسلك عملياً ما نرفضه نظرياً من شعارات المبتدعة..)
المريد أمام شيخه كالميت بين يدي مغسله) . (من قال لشيخه: لِمَ؛ فلن يفلح أبداً) .
بل إن بعضنا قد ينحدر إلى درك سحيق فيكون شعاره في العمل: (وافق أو
نافق أو فارق) .
ونحن لا نتهم أحداً، وإنما ننصح لأنفسنا..
إن من سنن الله في خلقه أنه حين تغرب الفكرة يبزغ الصنم أو الشخص،
ونحن قد ضيقنا مساحة الفكرة في عملنا الإسلامي حتى ساوت الصفر، فصار
الرجل عندنا مكان الحق، وأصبح الإنسان بديلاً للبرهان! !
ولا شك أن هذا خطأ تجب التوبة منه (فالرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم
صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو
فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر
مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين) [١] .. بل نجله ونحترمه وندعو له
وننتفع بعلمه، ولا يتعدى به حد الرجل؛ فنعتقد فيه العصمة الخطأ، فإذا أخطأ لم
نُقِلّ من قيمته وقدره.
هذه هي ميزة أهل السنة والجماعة دون غيرهم: إن انتسابهم وانتماءهم
للكتاب والسنة، ومتبوعهم هو محمد، وأما الرجال عندهم فأدلاء على الحق [٢] ،
فما وافق من كلامهم الحق أخذوا به وما لا فلا.
وهذا هو صمام الأمان في العمل الإسلامي.. أن يرى القادة السبيل القاصد
لتحقيق الأهداف، وتمتلك القاعدة الفرقان بين الحق والباطل، فلا تضع القائد مكان
الحق أو الرجل مكان البرهان.. بل تختار قائدها وفق برنامج عمله، وليس لكونه
ملهماً أو تاريخياً! ! وكما تنصر الحق في مواجهة الباطل، فإنها تنصر الحق في
مواجهة طغيان الرجال بالطاعة المبصرة التي تقول: (نعم) للصواب.. و (لا)
للخطأ.
إن هدفنا من هذه الكلمات.. ليس تجريح العلماء والدعاة أو تقديسهم، وإنما
الهدف أن نعرف جميعاً أن الحق حق دائماً، أما الرجل فيمكن أن يكون محقاً أو
مبطلاً.. وهذا هو الموقف السليم بين الحق والرجل..
стр. 2604
شعبان - ١٤١٨هـ
ديسمبر - ١٩٩٧م
(السنة: ١٢)
стр. 2605
كلمة صغيرة
لماذا الإسلاميون فقط
من المضحكات المبكيات في واقع كثير من دول عالمنا العربي الإسلامي
الموقف المتشنج لحكومات تلك الدول من الرفض المطلق لأي تجمع إسلامي أن
يعمل في الهواء الطلق أسوة بالفعاليات المسموح لها؛ لتعمل وتدعو وتشارك في
صنع الواقع المعاش للأمة. حتى وصل الأمر إلى تقنين ما يمنع ذلك ويجعله في
حكم الممنوع وغير المقبول مثله مثل أي مواد محظورة.
وهذا الموقف لم يأت من فراغ؛ وإنما هو نتيجة حتمية للعلمنة والتغريب
اللذين زرعهما المستعمر قبل أن يرحل وتركهما في أيد أمينة رباها على عينه حتى
صارت وفية لها تناصب أي تجمع إسلامي العداء، وتعمل على منعه بكل الطرق
المتاحة؛ وكأن هؤلاء الإسلاميين لا نصيب لهم من الواقع، ولا رصيد لهم في تلك
المجتمعات.. مع أن ذلك يناقض ديمقراطياتهم الفجة ودساتيرهم المزيفة.
وأخيراً سمحت إحدى الدول العربية لحزب يساري بالعمل أسوة بغيره من
الأحزاب الهزيلة في ذلك البلد؛ بينما يعاني الإسلاميون فيها الأمرّين؛ مع أنهم ذوو
اتجاهات ورؤى معتدلة.
إن الحجْر على حرية الرأي لفئات دون أخرى، ومطاردة فئات بدعاوى
متهافتة مكرورة يولد التساؤلات الحائرة، وتنشأ على ضوئه المنطلقات المتطرفة؛
فإلى متى ستبقى العصا مرفوعة ضد الإسلام ودعاته؟ ويتساءلون.. لماذا تخرج
تلك الاتجاهات المنحرفة؟!
أعيدوا النظر في الموقف الظالم من دعاة الفكرة الإسلامية، وليعملوا في
وضح النهار حتى لا يلجأوا إلى العمل السري بدون علم صحيح ولا موجه مخلص؛
وهكذا تحصل المآسي التي هي نتيجة طبيعية للكبت والظلم!
فهل يعي ذلك من يهمهم الأمر؟ أم على قلوب أقفالها؟
والله المستعان،
стр. 2606
افتتاحية العدد
رسالة مهمة: فهل نعيها ؟ !
الدولة التي ترعى الإرهاب ... وصف يكون مقدمة، بل حجه لممارسة أنواع
من الضغوط السياسية والاقتصادية ضد الأنظمة والحكومات التي يشم منها مواقف
استقلالية ضد هيمنة القطب الأوحد في النظام العالمي الجديد ومصالحه؛ حيث تقف
دولة القطب الأوحد دائماً موقف الخصم والحكم، وغالباً ما يكون توصيف الحيثيات
واستعراضها على نسق ما ورد في قصة الذئب والحمل.
وتستخدم (راعية السلام) منظمات الأمم المتحدة ولا سيما مجلس الأمن أداة
لتقرير الحكم ولتمريره وتنفيذه؛ وذلك من منظور مصالحها، ومن منطلق هيمنتها،
بل إنها لتستعدي الدول الغربية، ويصل الأمر أحياناً إلى الضغوط عليها للمشاركة
في الممارسات التي تكون غالباً قاسية، وأحياناً متشنجة؛ وتلك قاعدة مضطردة تنفذ
بحرص وتُتابع بحزم.
إلا أنها قاعدة ذات استثناء واحد؛ حيث تتحول راعية حقوق الإنسان إلى
راعية لإرهاب دولة ضد شعب، وغطرسة جيش ضد مدنيين عزل.
فكم من قرارات رفضت إسرائيل أن تلتزم بها؛ ورفضت الولايات المتحدة أن
يوجه إليها اللوم، وكم من مجازر ارتكبتها عصابات اليهود ورفضت الولايات
المتحدة أن تدان.
لقد ظل الإرهاب الصهيوني يصول ويجول مختالاً وقحاً في ظل عناية وحدب
العم سام، حيث يشكل حبل المدد ومظلة الحماية التي تتسع باتساع سماء العالم،
وتتخلل شتى محافله.
ولقد استتر الخطاب الأمريكي خلف تأويلات اعتذارية، وتفسيرات تميل كل
الميل إلى الجانب الصهيوني، وما يزال.
ولكن الأمر تجاوز كل حد؛ حيث جاءت مؤخراً (أولبرايت) ، إلى الشرق
الأوسط تتحدث بلسان (نتنياهو) وتلوِّح بقبضة أمريكا. لقد بكت أولبرايت مع
اليهود، ولكنها كانت حازمة وصارمة مع أطراف السلام الآخرين على الرغم من
أن الاستقراء لحوادث سابقة يثبت أن القوة القاهرة لا تفرض على الشعوب حتى
ولو كانت مستضعفة إلا إذا استكانت هذه الشعوب.
وستظل تجارب أفغانستان وفييتنام والشيشان ولبنان، والصومال، وغيرها
شاهدة على ذلك.
ونجد أن أمريكا لا تنجح في فرض ما تريد إلا عبر عملائها الذين يروِّجون
لها، فقد أخفقت في لبنان وفي الصومال، رغم تواضع إمكانات المليشيات في كلا
الحالتين إلا أن القاسم المشترك بينهما عدم وجود عملاء نافذين تتوكأ عليهم في
تحقيق مآربها، ولذلك خرجت من هذه البلاد تجر أذيال الخيبة، فهل ذلك هو
السبب في إلحاح أولبرايت على ياسر عرفات في القضاء على ناشطي حركتي
(حماس، والجهاد الإسلامي) ؟ وهل ذلك المطلب هو مظهر جديد لترسيخ الإرادة
الأمريكية ضد الأمم والشعوب؟
إن ذلك الظن يؤكده ضلوع أمريكا في التغيرات التي حدثت في إفريقيا
وخاصة في زائير الديمقراطية؛ وضلوعُها في الأحداث الأخيرة هو التفسير القريب
لانتصار (كابيلا) في فترة زمنية قصيرة جداً.
فهل وعت تلك الأيادي حقيقة ما تشتهيه وتبتغيه أمريكا منهم؟ وهل وعوا
على الأقل أنهم بقطعهم العرق الإسلامي النابض في الأمة يكونون بذلك قد جاروا
على أنفسهم وأمتهم، وفقدوا شرفاً لا بد آت ببشارة النبي ﷺ
بنصر أمة الحق على يهود.
ومن بين ذلك الركام يستطيع المرء أن يلتقط جذوة الأمل، ويعلن بيقين أن:
وعد الله آت، وأن الجمع سيهزم ما دام قد عثر على مثل الصخرة التي وقف عليها
من ازدادوا إيماناً ويقيناً عند رؤية الأحزاب فقالوا: [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ]
[آل عمران: ١٧٣] .
إن الحقيقة المرة التي باتت واضحة للعيان تشير إلى أن الغطرسة الصهيونية
والمواقف الأمريكية ما هي إلا صدى للتمزق العربي والخنوع والاستسلام والهرولة
البلهاء وراء وهم السلام.
وإننا لنلتقط من تاريخ عزة ديننا الخالد موقفاً لمعاوية ﵁ حينما
علم أن هرقل عظيم الروم أعد جيشاً لغزو الشام مستغلاً ما بين معاوية وعلي رضي
الله عنهما من أحداث، فأرسل معاوية رسالة إلى هرقل فحواها: (إن شئت اتفقتُ
مع ابن عمي (يعني: علي بن أبي طالب) وبايعته، ثم تفرغت لحربك) فما أن
وصلت رسالة معاوية حتى أقلع هرقل عن الحرب.
لقد أكد ذلك الموقف معاني عدة، ليس أقلها أهمية ما بات معلوماً ومقرراً أن
أعداء المسلمين ليس لهم قوة إلا في تفرق المسلمين وتناحرهم.
فهل وعى كل ذي سلطان وأمر تلك الحقيقة؟ وهل تابوا وأنابوا فربحوا عز
الدنيا ونعيم الآخرة!
فإن لم يكن ذلك.
فليَثبُتْ كل مجاهد نذر أن يقف في وجه الصلف الصهيوني ... ليثبُتْ رغم أن
الثوب بالٍ والبطن خالٍ، والسلاح حجارة، ليثبتوا ... فقد يكون لهم نصيب من
التجارة الرابحة وحظ من الكرامة، ليثبتوا ... فقد يكون لهم شرف القلة الصابرة،
في زمن الغربة ...
لقد استخف كسرى بالرسالة والرسول ﷺ حينما أرسل
بضع رجال يأتونه بالرسول في الأصفاد لما علم برسالته، ولكنْ، في الوقت ذاته
كانت البشارة بنصرة الإسلام تملأ جنبات نفسه، وتسري في عروق أصحابه حتى
خرجت مواكب النور، ليراها كسرى عين اليقين ويتعلم الدرس المبين من ربعي
بن عامر: (جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان
إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) .
ولكن يبدو أن الأعداء قد وعوا جيداً رسالة معاوية، فأخذوا يعملون على كل
ما من شأنه تفريق المسلمين، وأن يشيعوا بينهم الفتن على اختلاف ألوانها وأنواعها.
وكثيراً ما يقف المرء لا سيما وهو يطالع تخرصات بعض من أبناء جلدتنا
الذين يتكلمون بألسنتنا وهم يخوضون في مثل معاوية ويقول: يا ليت لنا مثل
معاوية.
وختاماً: هل وعينا رسالة معاوية؟ !
стр. 2607
دراسات شرعية
شهر رمضان.. وقفات وأحكام
بقلم: عبد الله الإسماعيل
يتضمن شهر رمضان مسائل مهمة يحتاج كل مسلم إلى مذاكرتها، أُوجزها في
هذه الوقفات:
الوقفة الأولى: حكم الصيام:
إن أول ما فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة كان على التخيير: فمن شاء صامه وهو أفضل، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم أُلزم
الناس بصيامه حين نزل قوله تعالى: [فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]
[البقرة: ١٨٥] ، وكان الحكم في أول الأمر: أن من نام بعد غروب الشمس وجب عليه الإمساك عن المفطرات، ولو استيقظ ليلاً، حتى تغرب الشمس من الغد؛ فعن البراء ﵁ قال: (كان أصحاب محمد إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإنّ قيس بن حرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته، قالت: خيبةً لك. فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: [أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ] [البقرة: ١٨٧] ، ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: [ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حََتَّى يَتََبَيَّنَ لََكُمُ الخَيْطُ الأََبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأََسْوَدِ] ) [١] ...
[البقرة: ١٨٧] .
الوقفة الثانية: حكمة الصيام:
قال تعالى: [يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [البقرة: ١٨٣] ، في هذه الآية إشارة إلى حكمة من حكم الصيام، وهي تحقيق تقوى الله؛ فإن النفس إذا تركت ما هو مباح في الأصل وهو الأكل
والشرب امتثالاً لأمر الله في نهار رمضان كان ذلك داعياً لترك المحرمات الأخرى، ولذلك قال النبي ﷺ : (من لم يَدَعْ قول الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) [٢] ، وقد هيأ الله لنا هذا الشهر
بإضعاف كيد الشيطان وشره كما قال النبي ﷺ : (إذا جاء
رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسُلْسِلت الشياطين) [٣] .
ولا بد من توطين النفس وتهيئتها في أيام الصيام لتحقيق هذه الحكمة كما أمر
النبي ﷺ بذلك فقال: (والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم
أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) [٤] .
الوقفة الثالثة: فضل الصيام:
ورد في فضل الصيام نصوص كثيرة، وأعظم ما ورد فيه حديث أبي هريرة
﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقول الله كل
عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من
أجلي والصوم جنة [٥] ، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى
ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) [٦] .
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً
غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من
ذنبه) [٧] .
الوقفة الرابعة: أحكام الصيام:
أولاً: يثبت دخول شهر رمضان برؤية الهلال؛ فإن لم يُرَ أو حال دون
رؤيته غيم أو قتر أُتِم شهر شعبان ثلاثين يوماً؛ لحديث أبي هريرة ﵁
قال: قال أبو القاسم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا
عدة شعبان ثلاثين) [٨] .
والراجح أنه يكفي في ثبوت الرؤية خبرُ واحدٍ من المسلمين.
وهو مذهب الشافعي [٩] ، والحنابلة [١٠] ، وقول ابن حزم [١١] واختيار ...
ابن تيمية [١٢] وابن القيم [١٣] .
والدليل عليه قول ابن عمر ﵄: (تراءى الناس الهلال،
فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه) [١٤] .
ثانياً: يحرم صيام آخر يومين من شعبان أو آخر يوم منه إلا أن يوافق ذلك
يوماً كان من عادته صيامه ك (الإثنين، والخميس) فيجوز عندئذٍ لحديث أبي هريرة
﵁ عن النبي ﷺ إذ قال: (لا يتقدمن أحدكم
رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصمْ ذلك
اليوم) [١٥] .
ثالثاً: يحرم على القول الراجح وهو مذهب الشافعي [١٦] صيام يوم الشك
وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر؛ لحديث
أبي هريرة السابق، ولقول عمار ﵁: (من صام يوم الشك فقد عصى
أبا القاسم) [١٧] .
رابعاً: شروط وجوب الصيام ثلاثة:
١- العقل.
٢- البلوغ.
٣- القدرة عليه.
شروط صحة الصيام أربعة:
١- الإسلام.
٢- العقل.
٣- انقطاع دم الحيض والنفاس.
٤- النية من الليل لكل يوم واجب.
لحديث حفصة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:
(من لم يبيِّت الصيام من الليل فلا صيام له) [١٨] .
وهذا نص صريح لاشتراط النية لكل ليلة؛ فمن كان مسافراً وقد نوى الفطر
من الليل، ثم عزم على الصوم بعد طلوع الفجر لم يصح صومه.
وينبغي على العبد أن يبتعد عن وسواس الشيطان في النية؛ فإن النية لا
تحتاج إلى تكلف؛ فمتى خطر بقلبه أنه صائم غداً فقد نوى.
خامساً: فرض الصيام:
الإمساكُ عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، لقوله
تعالى: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حََتَّى يَتََبَيَّنَ لََكُمُ الخَيْطُ الأََبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأََسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ
ثُمَّ أََتِمُّوا الصِّيَامََ إلَى اللَّيْلِ] [البقرة: ١٨٧] .
سادساً: مفطرات الصوم:
١- الأكل والشرب.
٢- ما كان في معنى الأكل والشرب، وهو ثلاثة أشياء:
أ- القطرة في الأنف التي تصل إلى الحلق، وهو مأخوذ من قوله: (وبالغ في
الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) أخرجه مسلم، فإنه يفهم أنه لو دخل الماء من الأنف
إلى الجوف أفطر.
ب- الإبر المغذية؛ فإنها تقوم مقام الأكل والشرب فتأخذ حكمها، وكذا المغذي
الذي يصل إلى المعدة عن طريق الأنف.
ج- حقن الدم في المريض؛ لأن الدم هو غاية الأكل والشرب فكان بمعناه [١٩] .
٣- الجماع: وهو من المفطرات بالإجماع [٢٠] .
٤- إنزال المني باختياره بمباشرة أو استمناء، أو غير ذلك؛ لأنه في معنى
الجماع، ولأنه من الشهوة التي يدعها الصائم كما سبق في حديث أبي هريرة
مرفوعاً وفيه: (يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي) [٢١] ومعلوم أن من أنزل
المني عامداً مختاراً باستمناء أو غيره، فقد أنفذ شهوته ولم يدعها، أما الاحتلام
فليس مفطراً بالإجماع [٢٢] .
٥- التقيؤ عمداً، وهذا مفطر أيضاً بالإجماع [٢٣] ، أما من غلبه القيء فلا
يفطر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض) [٢٤] .
٦- خروج دم الحيض والنفاس، بالإجماع [٢٥] ؛ فمتى وُجد دم الحيض أو
النفاس في آخر جزء من النهار، أو كانت حائضاً فطهرت بعد طلوع الفجر فسد
صومها؛ ومن الأدلة عليه حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (أليس إذا حاضت لم
تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟) [٢٦] .
٧- اختلف أهل العلم في الحجامة: هل تفطر أو لا؟
وسبب الخلاف في هذه المسألة: التعارض الظاهر بين حديث ثوبان مرفوعاً: (أفطر الحاجم والمحجوم) [٢٧] ، وحديث ابن عباس: (أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- احتجم وهو صائم) [٢٨] ، واختلف أهل العلم في طريق الترجيح بينهما
لتعذر الجمع بينهما فاختار ابن تيمية [٢٩] وابن القيم [٣٠] وهو مذهب الحنابلة [٣١] ... ... ...
تقديم حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) لأنه ناقل عن الأصل، أما حديث
ابن عباس فمبقٍ على الأصل، والناقل عن الأصل مقدم على المبقي، كما هو مقرر
في قواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة.
والراجح تقديم حديث ابن عباس وأن الحجامة ليست من المفطرات وهو
مذهب الجمهور؛ وذلك أنه لا يُصار إلى إعمال قواعد الترجيح بين الأدلة إلا إذا
جهل التاريخ، أما إذا علم فيجب العمل بالمتأخر ويكون ناسخاً للمتقدم [٣٢] ، وقد
علم هنا بخبر الصحابي من حديثين:
الأول: حديث أنس بن مالك قال: (أول ما كُرِهَت الحجامة للصائم، أن
جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي ﷺ فقال:
أفطر هذان، ثم رخص النبي ﷺ بعدُ في الحجامة للصائم،
وكان أنس يحتجم وهو صائم) [٣٣] .
الثاني: حديث أبي سعيد الخدري قال: (رخص رسول الله في القبلة للصائم
والحجامة) [٣٤] ، والرخصة إنما تكون بعد العزيمة فيكون الحديثان نصاً في النسخ
فوجب العمل بهما [٣٥] .
٨- الراجح في القطرة في العين أو الأذن والكحل، ومداواة الجروح الغائرة،
وشم الطيب، والإبر غير المغذية، وإدخال علاج لمريض من الفرج: أنها لا تفطر؛ لأنه ليس أكلاً ولا شرباً ولا في معناهما، فتبقى على الأصل وهو الجواز، وما
أحسن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا حيث قال: ( ... فإن الصيام
من دين الإسلام الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما
حرمها الله ورسوله على الصائم، وأفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على
الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوها سائر شرعه،
فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثاً
صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً، علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك) [٣٦] .
سابعاً: من أفطر ناسياً أو مخطئاً فصومه صحيح ولا قضاء عليه كمن ظن أن
الفجر لم يطلع فأكل وهو طالع، أو ظن أن الشمس غربت فأكل وهي لم تغرب.
ومن الأدلة على ذلك:
١- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (من أكل ناسياً وهو صائم
فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) [٣٧] .
٢- عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا على عهد النبي- ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس) [٣٨] .
ولم يُنقل أنهم قضوا ذلك اليوم؛ ولو أُمِرُوا بقضائه لنُقل إلينا كما نُقِلَ فطرهم [٣٩] .
تنويه:
سقط سهواً في العدد (١١٩) (ص٩) في مقال (هل يمكن التعاون بين المسلمين
مع وجود الاختلاف) فقرة هامة أحببنا التنبيه إليها.
والسقط بعد قوله: فما المحذور الشرعي من ذلك التعاون: (سيبادر أحد
بالقول، ولكن قد يكون الأمر بالمعروف على مذهبهم، أي فيه نشر لمذهبهم، وقد
يكون بناء المسجد لتقاوم فيه حلقات الذكر، أو لتدريس عقائد الأشاعرة ونحو ذلك)
ثم يأتي بعد ذلك: فالجواب عندئذ ... إلخ.
стр. 2608
دراسات شرعية
هل يمكن التعاون بين المسلمين
مع وجود الاختلاف؟
(٢من٢)
بقلم:هيثم بن جواد الحداد
خلص الكاتب في الحلقة الأولى إلى أن التعاون واجب بين المسلمين، فيما
يصح أن يكون براً من الأعمال مع من يصح إطلاق وصف الإسلام عليه وأقام على
ذلك الأدلة، وفي هذه الحلقة مزيد من التفصيل.
-البيان -
الخلاف السائغ: الذي يظهر لي بعد طول بحث ونظر أن الخلاف يكون سائغاً
إذا تحقق فيه شرط واحد فقط، وهو: صدوره ممن يُعذر شرعاً؛ كأن يكون جاهلاً
فيما يجوز له جهله، أو مُكْرَهاً فيما يسوغ له أن يُكره عليه، أو متأولاً فيما يصح
التأوّل فيه، أو مخطئاً، والجامع لهذه الأعذار كلها: أن يكون الباعث للفعل مقصداً
شرعياً معتبراً، سواء كانت المسألة التي خالف فيها من المسائل الاجتهادية، أو من
غيرها.
فهنا لدينا أربع حالات وذلك بالنظر إلى طبيعة المسألة، وطبيعة الفاعل:
إما أن يكون الفاعل ممن يعذر، سواء في مسألة اجتهادية، أو غير اجتهادية.
أو يكون الفاعل ممن لا يعذر سواء في مسألة اجتهادية أو غير اجتهادية.
فإن كان الفاعل ممن يعذر، فقد دخل في عموم الآية: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ] [النساء: ٥٩] ، فهو راد إلى الله ورسوله، ولا
دخل لطبيعة المسألة عندئذ، حتى ولو كانت المسألة من مسائل الاعتقاد. وقد انعقد
الإجماع على أنه ليس كل من فعل الكفر يكون كافراً؛ إذ قد يقوم بالفاعل موانع
تمنع من مؤاخذته بما فعل، وهذه المسألة من هذا القبيل.
ومن هذا؛ عُذْرُ النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، حين سجد له [١] ، ومنه كذلك إعذار الله للرجل الذي أوصى أبناءه بحرقه، وقال:
(لئن قدر الله عليّ ليعذبني، فلما بعثه الله قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال:
خشيتك) [٢] ، فهذا ظاهر في أنه متأول، ومن ذلك أيضاً قصة عمر بن مظعون [٣] ، حينما شرب الخمر متأولاً استحلالها من قول الله : [لَيْسَ عَلَى
الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا] [المائدة: ٩٣] ، مع أن المستحل
لمثل هذه الكبيرة في عصر مثل عصر الصحابة، ومن رجل مثل الصحابة، لا
شك أن فعله هذا يعد كفراً مخرجاً من الملة، ولكن استحلاله لم يكن تكذيباً وردّاً أو
عناداً واستكباراً، بل كان اجتهاداً، وخطأً صادراً عن حسن نية.
أما إذا كان الفاعل ممن لا يعذر، فإنه غير منتظم في سلك الآية، بل هو
متبع لأحد الأقوال؛ لا لأن الله أمر باتباعه، بل لأمر آخر، وهذا منشأ
المخالفة، حتى ولو كان ذلك في مسألة اجتهادية؛ ولهذا فإن من أنكر ولو سنة من
السنن الثابة عن رسول الله ﷺ المتفق عليها، حتى ولو كانت
من فروع السنن إذا وافقنا على هذه التسمية من غير تأوّل فإنه يعد مبتدعاً، وقد عدّ
العلماء من بِدَع الشيعة إنكارَهم للمسح على الخفين.
ولهذا فإن الإمام أحمد لما سئل عن الصلاة في جلود الثعالب قال: إن كان
متأولاً أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلاً ينهى، ويقال له: إن النبي -
ﷺ نهى عنها [٤] .
وكذلك فإن من صدر منه فعل في مسألة اجتهادية، وهو يعتقد أن الحق خلاف
ما فعل فإنه يعتبر عاصياً، فإن كان الفعل مما يحتمل الصحة والفساد حكم بفساده؛
فلو صلى إنسان ممن يعتقد نقض الوضوء من النوم، أو من أكل لحم الإبل، بعد
نومه أو أكله لحم إبل، لحكمنا ببطلان صلاته، ولوجبت عليه الإعادة، ولما جاز
الائتمام به في تلك الصلاة، ولو ممن يرى عدم نقض الوضوء في ذلك.
هذا، وشروط كل صنف من هؤلاء الأصناف المعذورين شرعاً: الجاهل،
أو المكره، أو المخطئ، وما يمكن أن يعذروا فيه، مفصلة في كتب الفقه وأصوله، ومواطن اللبس فيها ضيقة، فلا حاجة للتعرض لها هنا.
أما المتأول فقد يكون فيه نوع إشكال يحتاج إلى بحث مستقل لا يمكن الإتيان
به في هذه العُجالة. والذي يظهر أن المتأول: هو من اعتمد على ما يصلح
الاعتماد عليه من أدلة شرعية، أو نحوها؛ حيث يكون بذلك داخلاً في قوله تعالى:
[فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] [النساء: ٥٩] ، وما في معناها من آيات وأحاديث.
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فالمتأول المجتهد كأهل العلم والدين الذين
اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض
أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل
والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف، فهؤلاء غايتهم أنهم
مخطئون، وقد قال الله تعالى: [رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَاًنَا]
[البقرة: ٢٨٦] وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء) [٥] .
وضد التأول صور كثيرة: منها الهوى، كمن يأخذ ببعض الأقوال اتباعاً
لهواه وشهوته، حتى لو كانت هذه الأقوال من الأقوال المعتبرة كما سيأتي في
الشرط الثاني ومن أشهر أمثلة ذلك الذين يتتبعون رخص المذاهب، من إباحة بعض
صور الربا، والغناء، وغيرها [٦] .
ومنها التقليد لمن لا يحق له التقليد، كمجتهد قادر على الاستنباط ومع ذلك قلد، أو قادر على موازنة الآراء، واتباع الأدلة، ومع ذلك ركن إلى الدنيا وترك الأدلة
خلفه ورضي بالتقليد، قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: (اعلم أن المقلدين اغتروا
بقضيتين ظنوهما صادقتين، وهما بعيدتان من الصدق ... وذكر الأولى، ثم قال:
وأما الثانية: فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإمام من العذر في الخطأ، وإيضاحه: أنهم يظنون أن الإمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ، يكون لهم
من العذر في الخطأ والأجر مثل ما لذلك الإمام الذي قلدوه؛ لأنهم متبعون له،
فيجري عليهم ما جرى عليه ... وهذا ظن كاذب باطل بلا شك؛ لأن الإمام الذي
قلدوه بذل جهده في تعلم كتاب الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وفتاويهم، فقد شمر، وما قصر فيما يلزم من تعلم الوحي والعمل به، وطاعة الله على ضوء الوحي
المنزل، ومن كان هذا شأنه؛ فهو جدير بالعذر في خطئه والأجر في اجتهاده؛ وأما
مقلدوه: فقد تركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله، وأعرضوا عن تعلمها
إعراضاً كلياً، مع يسره وسهولته، ونزّلوا أقوال الرجال الذين يخطئون ويصيبون
منزلة الوحي المنزل من الله، فأين هؤلاء من الأئمة الذين قلدوهم؟) [٧] .
ومنها التعصب، للآباء والمشايخ، أو المذاهب، ومنها الحقد والحسد
والبغض [٨] .
فأي خلاف خرج عما يعذر المكلف فيه يكون خلافاً مذموماً غير سائغ.
لكن يبقى هنا سؤال يحتاج إلى جواب محرر، وهو:
كيف نعرف الباعث، أو المقصد الحامل لهذا الخلاف، أليس ذلك من الأمور
الخفية؟
الجواب: يُعلم ذلك بالقرائن؛ فمثلاً: إذا بُيِّن لهذا المخالف الحق، على وجه
صحيح، ثم ظهر عناده واستكباره، وكذلك إذا ظهر منه المعاداة والهجران قبل أن
يقيم الحجة على من عاداه أو هجره، فكان مقصده العداوة لا الوصول إلى الحق،
ومن القرائن أيضاً تجنبه الاستماع للنصيحة ورأي المخالف، فكأنه لا يريد إلا رأيه.
يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: (لا يخلو المنسوب إلى بدعة أن يكون
مجتهداً فيها، أو مقلداً ... فالقسم الأول على ضربين: أحدهما: أن يصح كونه
مجتهداً؛ فالابتداع لا يقع إلا فلتة وبالعرض لا بالذات، وإنما تسمى غلطة أو زلة؛
لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل الكتاب، أي لم يتبع
هواه ولا جعله عمدة؛ والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق أذعن له وأقر به. ومثاله
ما يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه كان يقول بالإرجاء ثم رجع
عنه، وقال: (وأول ما أفارق غير شاك أفارق ما يقول المرجئون..) وقد ذكر
الشاطبي ﵀ عدة أمثلة لرجوع من كان يقول بأمور عظام اجتهاداً وتأولاً [٩] .
لكن مع ذلك يصعب في كثير من الأحيان معرفة المتأول من غيره، فعندئذ
ينظر للفعل نفسه، أي للمسألة نفسها بصرف النظر عن فاعلها، وهو الشق الثاني
في مسألة الخلاف والمختلفين.
فالخلاف يعتبر سائغاً إذا كان في المسائل الاجتهادية، وهذه القضية أعني
تحديد المسائل الاجتهادية تحتاج إلى تحرير، ومع الأسف فإن كثيراً من الكتاب
والباحثين حول هذا الموضوع، من يذكرها مروراً دون أن يقف عندها لتحريرها،
مع أنها من أكبر مواطن النزاع؛ لأن الناس وخصوصاً في هذا العصر انقسموا
تجاهها إلى طرفي نقيض: فطائفة ضيقتها، حتى قصرت المسائل الاجتهادية على
مسائل محصورة، هي التي لم يتبين لهم أنفسُهم وجه الحق فيها، وما عدا ذلك من
مسائل، ظهر لهم رجحان أحد الدليلين، أخرجوها من حيز الاجتهاد، بل ربما
ألزموا الغير بالأخذ بما يعتقدون، ومن ثَمّ اتخذوا موقفاً معادياً للمخالف، وربما
حملهم على التبري منه، ثم نشأ الخلل في الموضوع الذي نحن بصدده، وهو عدم
التعاون مع هذا المخالف.
وفي المقابل ظهر فريق آخر توسّع في هذه القضية حتى ربما جعل الخلاف
في كثير من مسائل الأصول، أو أمهات مسائل العقيدة من المسائل الاجتهادية،
ومن ثم أيضاً تسامح مع مثل هؤلاء المخالفين، وعليه: فلا بد أن نحرر ماهية
المسائل الاجتهادية.
ولتحرير المسائل الاجتهادية، لا بد أن ندرس موضوع الاجتهاد ومتى يكون،
حيث إن المسائل الاجتهادية نتيجة مباشرة للاجتهاد، وبعد دراسة موضوع الاجتهاد
في ضوء النصوص من الكتاب والسنة، نقارن ما خلصنا إليه من هذه الدراسة،
بما ورد عن الصحابة من مسائل اختلفوا فيها، وكيف كان موقفهم من هذا الخلاف،
وما أسبابه [١٠] .
وإذا نظرنا إلى موضوع الاجتهاد الذي يقودنا إلى تحرير المسائل الاجتهادية،
فإننا نجد أن الاجتهاد ينحصر في الأسباب التالية:
١- إذا لم تظهر صحة الدليل؛ وهذا يكون في الأحاديث التي اختلف العلماء
المعتبرون في تصحيحها، وتضعيفها، أو في الإجماع الذي لم يتواتر.
فالمسائل التي اختلف العلماء فيها، وكان سبب اختلافهم فيها مبنياً على
اختلافهم في صحة الحديث، أو ضعفه، أو ثبوت الإجماع أو عدمه هي مسائل
اجتهادية ولا شك.
٢- إذا لم تظهر دلالة الدليل وهذا يكون في الأدلة التي دلالتها على المراد من
قبيل المجمل، أما إذا كانت أدلتها من قبيل النص، الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، أو من قبيل الظاهر، الذي يحتمل معنيين، لكن أحدهما أظهر من الآخر فليس
للاجتهاد من هذه الناحية فيها مساغ.
فالمسائل التي كان الخلاف فيها بسبب الخلاف في دلالتها، هي مسائل
اجتهادية ولا شك. ومن أكثر هذه المسائل شيوعاً: المسائل التي لا تخصها
نصوص مباشرة، وإنما بنيت على القياس؛ حيث القياس لا بد فيه من جمع بين
الفرع والأصل في علة الحكم، لكن كيف نستنبط علة الحكم؟ هناك طرق تعتمد
على دلالة الدليل وهذا مسرح للاجتهاد، فإذا عرفنا علة الحكم، فلا بد من تحقيق
وجود هذه العلة في الحكم، وهذا مسرح لاجتهاد كذلك راجع إلى السبب الرابع
الآتي ذكره.
٣- إذا لم يختلف العلماء في ضعف الدليل، ولم يختلفوا في دلالته على المراد، ولكن وُجد له معارض صالح للمعارضة، واختلفوا في كيفية الجمع بين الدليلين،
أو في ترجيح أحدهما على الآخر، حسب القواعد التي قررها العلماء في هذا الباب؛ فإن السبيل ما قاله ابن القيم ﵀: (والصواب ما عليه الأئمة: أن مسائل
الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا
معارض له من جنسه فيسوغ فيها إذا عدم الدليل الذي يجب العمل به الاجتهاد
لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها) [١١] .
٤- فإن اتفقوا في جميع ما مضى، لكن اختلفوا في النازلة، بأي الصور
تلحق؟ أو بمعنى آخر كاختلافهم في تحقيق المناط أي تحقيق وجود العلة في الفرع
المتنازع على حكمه كانت تلك المسألة المختلف فيها من المسائل الاجتهادية، وهذا
السبب من أهم أسباب الخلاف بين المسلمين في العصر الحاضر؛ فكثير من مسائل
السياسة الشرعية من طرق تغيير المنكر، وطرائق الدعوة، وإقامة الخلافة
الإسلامية، بل ومسائل الاقتصاد والاجتماع هي من هذا القبيل.
والغالب أن الإشكال في هذه المسائل وأمثالها ليس في أدلتها صحةً ودلالةً،
فالغالب أن أدلتها عرفت، وسهل الاطلاع على أقوال العلماء وآرائهم حولها، لكن
الإشكال الأكبر في تكييف الوقائع وإلحاق المسائل بنظائرها، وعلى الرغم من
أهمية ذلك فإنه لم يأخذ حجمه المطلوب من الدراسة والتأصيل، ولذا فلا بأس من
إطالة الكلام عليه أكثر من سابقيه.
يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: (وقد تقدم أن من الخلاف السائغ: الخلاف
في المسائل الاجتهادية، ولما كان تحقيق المناط في كثير من المسائل لا يمكن القطع
به؛ إذ تختلف فيه الأنظار، تعيّن علينا القول بأنه من المسائل الاجتهادية التي
يسوغ فيها الخلاف) ، وقال في موطن آخر: (الاجتهاد على ضربين: أحدهما: لا
يمكن أن ينقطع حتى أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة. والثاني: يمكن أن
ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول: فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذي
لا خلاف بين الأمة في قبوله) [١٢] .
وهنا لا بد من شرط وهو: أهلية الناظر لتحقيق المناط فيما هو بصدده.
فمثلاً: إذا عرفنا علة الربا، ثم ظهرت لنا صورة من صور المعاملات التجارية؛
فإن تحقيق وجود هذه العلة في تلك المعاملة لا يُقبل إلا من متخصص يفهم تلك
المعاملة على وجهها الصحيح، حتى يستطيع إثبات وجود علة التحريم في تلك
الصورة، بطريقة صحيحة. قال الشاطبي رحمه الله تعالى: (قد يتعلق الاجتهاد
بتحقيق المناط، فلا يفتقر ذلك إلى العلم بمقاصد الشارع، كما أنه لا يفتقر إلى
معرفة علم العربية؛ لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما
هو عليه، وإنما يفتقر فيه إلى العلم بما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث
قصدت المعرفة به، فلا بد أن يكون المجتهد عارفاً ومجتهداً من تلك الجهة التي
ينظر فيها ليتنزل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى؛ كالمحدِّث العارف
بأحوال الأسانيد وطرقها وصحيحها من سقيمها، فهذا يعتبر اجتهاده فيما هو عارف
به؛ كان عارفاً بالعربية أم لا، عارفاً بمقاصد الشارع أم لا، وكذلك القارئ في
تأدية وجوه القراءات والصانع في معرفة عيوب الصناعات، والطبيب في العلم
بالأدواء والعيوب ... ونحوها، وهذا كله مما يعرف به مناط الحكم الشرعي غير
مضطر إلى العلم بالعربية ولا العلم بمقاصد الشريعة وإن كان اجتماع ذلك كمالاً في
المجتهد [١٣] وقال الشنقيطي: (لأن تحقيق المناط يرجع فيه لمن هو أعرف به
وإن كان لا حظّ له من علوم الوحي) [١٤] .
فإذا كان الخلاف في مسألة ما مبنياً على ما سبق من الأسباب الأربعة، فلا
شك أنه خلاف قوي معتبر، وتكون تلك المسألة من المسائل الاجتهادية، التي
يسوغ فيها الخلاف.
لكن هنا لا بد من قيود مهمة جداً، وهي:
١- أنّ كون المسألة من المسائل الاجتهادية لا يعني أن كل الأقوال التي قيلت
فيها من الأقوال المعتبرة التي يجوز القول بها، بل لا بد أن يكون القول معتمِداً
على دليل صالح للاعتماد حسبما تقدم، وقد قال الشاعر:
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر
٢- يجب أن لا تخرج الأقوال في المسألة الاجتهادية، عن أقوال الصحابة
﵃ وذلك في المسألة التي بحثوها بخلاف المسائل النازلة والحادثة كما
هو ظاهر، وذلك لورود عدة نصوص عن جمع من الأئمة في عدم جواز الخروج
عن أقوال الصحابة [١٥] .
٣- وهذا الشرط قد تقدم ذكره؛ لكن أهميته وحدوث اللبس فيه أوجبت إعادة
التأكيد عليه، فكثير من الناس يظن أن كون المسألة من المسائل الاجتهادية مسوغ
لاختيار ما يشاؤون من الأقوال التي قيلت فيها هوىً وشهوة، وربما دفع ذلك كثيراً
من الناس إلى البحث عن أي خلاف في المسائل التي تعرض له، حتى يبرهن أنها
مسألة اجتهادية فيجوز له الأخذ بما يشاء فيها من أقوال، ولا يحق لأحد الإنكار
عليه، وهذا خطأ محض فهو مصادمة صريحة لوجوب الرد إلى الله ورسوله.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس
بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول أو إلى القول والفتوى أو العمل:
أما القول الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره
اتفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله.
وأما العمل: فإن كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات
الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها؟ ! والفقهاء من
سائر الطوائف صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة، وإن وافق فيه
بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وكان للاجتهاد فيها مساغ
لم تنكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الاختلاف هي مسائل
الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم،
والصواب ما عليه الأئمة ... ) [١٦] .
وبناء على ما تقدم: فإن العمل بالأقوال المعتبرة في المسألة الاجتهادية سائغ
إذا كان الدافع له مقصداً شرعياً، حسبما تقدم، ولا يجوز أبداً العمل بتلك الأقوال
حتى ولو كانت معتبرة تشهياً وهوى، وعليه فالمعذور هو من عمل بأحد الأقوال
المعتبرة لمقصد شرعي فقط.
والخلاصة:
أن الخلاف السائغ، ما كان الباعث عليه غرضاً شرعياً، سواء كان في
مسألة اجتهادية، أو حتى غير اجتهادية؛ إذ يفرق بين الفعل، والفاعل، فإذا أشكل
علينا الباعث وكثيراً ما يشكل نظرنا إلى المسألة ذاتها، فإن كانت من المسائل
الاجتهادية، فإن الإنكار لا يتوجه إلى صاحبها، وربما يتوجه إليه المناصحة أو
الحوار، وإذا كانت المسألة غير اجتهادية، فإن صاحبها مستوجب للإنكار.
وعليه فإن الإنكار يتوجه إلى الخلاف غير السائغ دون غيره.
وعليه أيضاً، فإن موقف الإنسان من المخالفين خلافاً سائغاً مقبولاً، سيختلف
عن المخالفين خلافاً غير سائغ؛ فموقف المسلم من المخالفين ببعض القضايا الفقهية
الفرعية ليس كالمخالفين له في الأصول؛ وذلك مع الأخذ بالاعتبار من يُعذر من
هؤلاء ممن لا يعذر.
الخاتمة: وأعود هنا للأصلين العظيمين اللذين ذكّرتُ بهما ابتداءً، واللذين
يجب أن يستصحبهما الإنسان دائماً وأبداً لا سيما في هذه الأزمنة، وهما:
وجوب الاجتماع والجماعة بين المسلمين.
ووجوب المحبة والموالاة فيما بينهم في الجملة.
آخذين بعين الاعتبار ما يحيق بالمسلمين من ضعف ومذلة وبُعد عن الدين،
راجين أن نعيد الإسلام لهيمنته على الأرض، حتى نحقق الخلافة المنشودة.
ولا تزال هذه القضية بحاجة إلى مزيد تأصيل وتفصيل، يليق بأهميتها،
وتستحق أن تولى عناية خاصة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2609
تأملات دعوية
بين المنهج والرموز
بقلم: عبد الله المسلم
الدعوة السلفية بين سائر الدعوات بأنها دعوة لا تتمحور حول شخص من
الأشخاص، بل تتمحور حول المنهج المستقى من الكتاب والسنة الصحيحة وآثار
السلف الصالح؛ ولهذا عرّف الإمام مالك أهل السنة بأنهم الذين ليس لهم لقب إلا
أهل السنة.
بخلاف سائر الطوائف؛ فكثير منها تعلو درجة ارتباطها بالشخص لدرجة أن
يرتبط اسمها باسمه فتنسب إليه، ويعتقد بعضهم العصمة في شيوخهم وأئمتهم، وأن
الراد على الشيخ كالراد على الله، وأن التلميذ يجب أن يكون بين يدي الشيخ
كالميت بين يدي من يغسله. أما أهل السنة فإنهم يعتقدون أنه ما من بشر إلا ويؤخذ
من قوله ويرد إلا محمد، ومع ذلك فلهم أئمة منزلتهم ومكانتهم ليست كغيرهم،
ولأقوالهم وتقريراتهم قيمة وقدر، ومنهم من هو كما أخبر عنه أنه: (على رأس كل
مئة سنة يبعث الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها) .
وثمة هفوات تصيب بعض الأخيار من أهل السنة تجاه هذا؛ فالقضية قد
تخدش صفاء المنهج، وقد تطول فتؤذن بنوع من التعصب المقيت المشين.
١- فمن ذلك أن يُربط الناس بالرجال، وأن يكون الحديث دائماً حول منهجهم
أكثر من الحديث حول نصوص الوحيين، وأن تكون المخالفة لرأي أحدهم أشد
وأشنع من المخالفة لنصوص الوحي الصريحة، ومن ذلك: أن أحد الأفاضل كان
يتحدث عن ضرورة ارتباط الدعاة إلى الله بمنهج فلان من المجددين وأساليبه،
فعقب أحد الحضور بأن الأوْلى ربط الناس بمنهج النبي ﷺ ،
فاستدرك آخر على المعقِّب بعد أن وصمه بألقاب لا تليق بأنه ما من وسيلة
استخدمها النبي ﷺ إلا واستخدمها هذا المصلح المجدد! وَهَبْ
أن ذلك حق! أفليس الأصل الاقتداء بالمعصوم؟
٢- قد سلك دعاة الضلالة في سبيل الحرب على أهل السنة أسلوب وَصْمِ
دعاتهم بالسوء والانحراف، ولبّسوا في ذلك على العامة، فما أن يسمعوا اسم فلان
إلا عنى لديهم الانحراف. وإزاء هذه الظاهرة كان لا بد من منهج أسلم في التعامل
معها بالأساليب التالية:
أ- لا داعي لإقامة معارك مع العامة ولا أمامهم حول شخص فلان خاصة حين
نعلم أن ذلك سيصطدم باقتناعات راسخة لديهم قد يصعب تغييرها، فَلِمَ لا نجعل
قضيتنا الكبرى معهم هي قضية المنهج، وقضية نصوص الوحيين؟ وهب أنهم
تركوا الضلال والبدعة وماتوا وهم يسيئون الظن بفلان من علماء المسلمين لأنه
لُبِّسَ عليهم شأنه وأمره؛ فالخطب حينها أيسر من الموت على الضلالة والبدعة.
ب- ولماذا الإصرار على ربط الدعوة بهؤلاء من خلال التركيز على توزيع
كتبهم وترديد أسمائهم، أو تسمية المشاريع والمدارس بها؟ فتقيم الدعوة ابتداءاً
حاجزاً بينها وبين الناس! ألا يمكن لدعاة السلفية أن يكتبوا كتابة جديدة للناس
تخاطبهم بنصوص الوحيين التي لا يجرؤ أحد على رفضها؛ وذلك كله ليس رغبة
في تجاوزهم وإنكار فضلهم، إنما لسلوك أفضل سبيل لإنقاذ الناس من الضلال.
٣- الإمامة لا تستلزم العصمة عند أهل السنة، فقد يستدل هذا الإمام الجليل
بحديث ضعيف أو يستشهد برواية باطلة، أو يتبنى رأياً مرجوحاً في مسألة ما،
فهل من حرج في الاستدراك عليه وبيان خطأ اجتهاده؟ وهب أن أحداً اجتهد فبان
خطؤه في مسألة من المسائل ورأينا أن في ذلك فتح باب للطعن وإساءة الظن:
أيعالج هذا الخطأ بخطأ آخر؛ فنكابر في السعي لتصحيح حديث أو ترجيح قول
ضعيف لمجرد أن فلاناً قال به؟
مرة أخرى: الأئمة والمجددون لهم قيمتهم ومكانتهم، ولا ينبغي الحط من
شأنهم وتجرئة صغار الطلبة على انتقادهم، لكن هذا كله لا ينبغي أن ينسينا أنهم
بشر ليسوا معصومين، وأن الإمامة الأساس هي للوحيين، وأن أهل السنة هم:
من كانوا على مثل ما كان عليه محمد وأصحابه، لا من كانوا أتباعاً لفلان من
الناس.
стр. 2610
من فتاوى أهل الذكر
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
حقيقة الدعوة إلى وحدة الأديان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء استعرضت ما ورد إليها من
تساؤلات، وما ينشر في وسائل الإعلام من آراء ومقالات بشأن الدعوة إلى (وحدة
الأديان) : دين الإسلام، ودين اليهود، ودين النصارى، وما تفرع عن ذلك من
دعوة إلى بناء: مسجد وكنيسة ومعبد في محيط واحد، في رحاب الجامعات
والمطارات والساحات العامة، ودعوة إلى طباعة القرآن الكريم والتوراة والإنجيل
في غلاف واحد، إلى غير ذلك من آثار هذه الدعوة، وما يعقد لها من مؤتمرات
وندوات وجمعيات في الشرق والغرب. وبعد التأمل والدراسة فإن اللجنة تقرر ما
يلي:
أولاً: أن من أصول الاعتقاد في الإسلام، المعلومة من الدين بالضرورة،
التي أجمع عليها المسلمون: أنه لا يوجد على وجه الأرض دين حق سوى دين
الإسلام، وأنه خاتمة الأديان، وناسخ لجميع ما قبله من الأديان والملل والشرائع،
فلم يبقَ على وجه الأرض دين يُتعبد الله به سوى الإسلام، قال الله تعالى: [وَمَن
يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ]
[آل عمران: ٨٥] . والإسلام بعد بعثة محمد هو ما جاء به دون ما سواه من الأديان.
ثانياً: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن كتاب الله تعالى: (القرآن الكريم)
هو آخر كتب الله نزولاً وعهداً برب العالمين، وأنه ناسخ لكل كتاب أنزل من قبل
من التوراة والزبور والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليها، فلم يبق كتاب منزل يُتعبد
الله به سوى: (القرآن الكريم) قال الله تعالى: [وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِ] [المائدة: ٤٨] .
ثالثاً: يجب الإيمان بأن (التوراة والإنجيل) قد نُسِخا بالقرآن الكريم، وأنه قد
لحقهما التحريف والتبديل بالزيادة والنقصان كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب
الله الكريم منها قول الله تعالى: [فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ
مِّنْهُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ] [المائدة: ١٣] وقوله جل وعلا: [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ
بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ
وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ] [البقرة: ٧٩] . وقوله سبحانه: [وَإنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ
أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ
وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [آل عمران: ٧٨] .
ولهذا فما كان منها صحيحاً فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرف
أو مبدل. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه غضب حين رأى مع
عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال عليه الصلاة
والسلام: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ! ألم آتِ بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي
موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) [١] .
رابعاً: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام: أن نبينا ورسولنا محمداً هو خاتم
الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تعالى: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن
رسول الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] [الأحزاب: ٤٠] . فلم يبق رسول يجب اتباعه سوى
محمد، ولو كان أحد من أنبياء الله ورسله حياً لما وسعه إلا اتباعه وأنه لا يسع
أتباعهم إلا ذلك كما قال الله تعالى: [وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النبيينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ
وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ
عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ] [آل عمران:
٨١] . ونبي الله عيسى ﵊ إذا نزل في آخر الزمان يكون تابعاً لمحمد
وحاكماً بشريعته. وقال الله تعالى: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الأُمِّيَّ الَذِي يَجِدُونَهُ
مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ] [الأعراف: ١٥٧] . كما إن من أصول
الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد عامة للناس أجمعين، قال الله تعالى: [وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [سبأ: ٢٨] وقال
سبحانه: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رسول الله إلَيْكُمْ جَمِيعاً] [الأعراف: ١٥٨]
وغيرها من الآيات.
خامساً: ومن أصول الإسلام أنه يجب اعتقاد كفر كل من لم يدخل في الإسلام
من اليهود والنصارى وغيرهم وتسميته كافراً، وأنه عدو لله ورسوله والمؤمنين،
وأنه من أهل النار كما قال تعالى: [لَمْ يَكُنِ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ
وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حََتَّى تَاًتِيَهُمُ البَيِّنَةُ] [البينة: ١] وقال جل وعلا: [إنَّ الَذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ]
[البينة: ٦] وغيرها من الآيات.
وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي
بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن
بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار) .
ولهذا: فمن لم يكفّر اليهود والنصارى فهو كافر، طرداً لقاعدة الشريعة: (من
لم يكفّر الكافر فهو كافر) .
سادساً: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية؛ فإن الدعوة إلى:
(وحدة الأديان) والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة،
والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجرّ أهله إلى
ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله سبحانه: [وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى
يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] وقوله جل وعلا: [وَدُّوا لَوْ
تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً] [النساء: ٨٩] .
سابعاً: وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر،
والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله جل
وتقدس يقول: [قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ
وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] ويقول جل وعلا: [وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا
يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ] [التوبة: ٣٦]
ثامناً: إن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة
صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد فترضى بالكفر بالله
، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ
الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان؛ وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة
شرعاً محرمة قطعاً بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع.
تاسعاً: وتأسيساً على ما تقدم:
١- فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلاً
عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها، والانتماء إلى محافلها.
٢- لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردَين، فكيف مع القرآن
الكريم في غلاف واحد! ! فمن فعل ذلك أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد، لما في
ذلك من الجمع بين الحق (القرآن الكريم) والمحرف أو الحق المنسوخ (التوراة
والإنجيل) .
٣- كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة: (بناء مسجد وكنيسة ومعبد) في
مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يعبد الله به غير دين الإسلام، وإنكار
ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة ولأهل الأرض التدين
بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان،
ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال؛ لأنه مخالفة صريحة
للقرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود
والنصارى من عند الله، تعالى الله عن ذلك.
كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس (بيوت الله) وأن أهلها يعبدون الله فيها عبادة
صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنها عبادة على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول:
[وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ]
[آل عمران: ٨٥] بل هي: بيوت يُكفر فيها بالله. نعوذ بالله من الكفر وأهله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (٢٢/١٦٢) : (ليست أي: البيع والكنائس بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها؛ فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار) .
عاشراً: ومما يجب أن يُعلم أن دعوة الكفار بعامة وأهل الكتاب بخاصة إلى
الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة؛ ولكن ذلك لا
يكون إلا بطريق البيان والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من
شرائع الإسلام؛ وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة
عليهم ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة قال الله تعالى: [قُلْ يَا
أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]
[آل عمران: ٦٤] . أما مجادلتهم واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، ونقض عُرَى الإسلام ومعاقد الإيمان فهذا باطل يأباه الله ورسوله والمؤمنون؛ والله المستعان على ما يصفون. قال تعالى: [وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ] [المائدة: ٤٩] .
* وإن اللجنة إذ تقرر ذلك وتبينه للناس فإنها توصي المسلمين بعامة وأهل
العلم بخاصة بتقوى الله تعالى ومراقبته، وحماية الإسلام، وصيانة عقيدة المسلمين
من الضلال ودعاته، والكفر وأهله، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة:
(وحدة الأديان) ، ومن الوقوع في حبائلها، ونعيذ بالله كل مسلم أن يكون سبباً في
جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين وترويجها بينهم.
نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا جميعاً من مضلات
الفتن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، حماة للإسلام على هدى ونور من ربنا حتى نلقاه
وهو راضٍ عنا، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين [*] .
стр. 2611
بأقلامهن
حديث إلى الدعاة
بقلم: بسماء الجاهل
من بين الأضواء الساطعة التي تغمر المكان يظهر ضوء خافت قاتم..، ومع
ذلك فقتامة لونه تشوِّه الصورة حائلة دون اكتمال جمال المنظر.
ذلك الضوء هو قتام من الجاهلية التي قضى عليها الإسلام في فجره الأول؛
ولكنها عادت من جديد رغم الصحوة الإسلامية التي انتشرت في كثير من البلاد
الإسلامية.
لكن الضوء الخافت يبقى خافتاً.. مختبئاً وراء أنوار الإسلام الساطعة..
يحتاج إلى عين ثاقبة تميزه عن بعد.. تذهب إليه.. تحدق فيه وتنتشله من هوة
الماضي التي سقط فيها وابتعد أكثر من ألف سنة.
هذه الجاهلية ليست جاهلية من اعتقد بأن الحضارة تكمن في تقليد الغرب حتى
تشربت نفسه مساوئها قبل محاسنها جاعلاً من إسلامه اسماً خالياً من المضمون.. لا، فهؤلاء الفئة هم أبرز من أن يتواروا عن الأنظار حيث إن جهلهم يبدو في سلوكهم
ولحن أقوالهم! !
لكنها جاهلية تغلغلت في تصرفاتنا (إلا من رحم ربي) ، وأصبحت متعارفاً
عليها وغير مستنكرة البتة، وهنا يأتي دور الدعاة في التحذير من هذه التصرفات
وبيان مجانبتها لواقع العقيدة الإسلامية، وبيان خطر الاستمرار فيها، وهو ما
نحسبهم يقومون به خير قيام، لكن هؤلاء الدعاة ويا للأسف الشديد قد تمركزوا في
المدن الكبرى التي تعج بأساليب الدعوة المختلفة متناسين ما آل إليه حال القرى
والهجر الصغيرة من ابتعاد عن روح الإسلام حيث باتت تحكمهم العادات والتقاليد
التي قد تعجب أشد العجب عندما تعرف بأنها أقرب ما تكون شبهاً بما كان عليه
العرب في الجاهلية في بعضٍ منها.
وقد يقول قائل بأن وسائل الإعلام أصبح لها دور واضح في الدعوة عن
طريق البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تصل إلى معظم القرى تقريباً، كما أن
الشريط الإسلامي المحتوي على المحاضرات في شتى أمور الدين والدنيا التي تهم
المسلم انتشر في كل مكان وبات يؤدي دوره المرجو.. نعم هذا صحيح! ولكن هذه
العوامل تعتبر في رأيي عوامل مساعدة للدعوة وليست هي الركيزة الأساس التي
يعتمد عليها الداعية في إيضاح ما أُشكل من أمور الدين والدنيا؛ حيث يُطلب من
الداعية ألا يكون مجرد مرسل يقدم نصائح وتوجيهات بأسلوب خطابي (مباشر) ثم
يمضي في سبيله غير آبه بما كان من أثر هذه الكلمات في النفوس؛ لأن الأسلوب
الخطابي في التوجيه بشكل عام لا تميل إليه النفوس ولا يجذب انتباه السامع.
إن الدور المطلوب من الداعية في مثل هذه القرى يجب أن يكون أكبر بكثير
من هذا؛ حيث إن عليه من منطلق استشعاره بهذا الواجب أن يجعل من نفسه أحد
سكان هذه القرى لفترة معينة ضارباً لهم القدوة الحسنة في تصرفاته ومعاملاته أولاً،
ثم قائماً بالدعوة الفردية التي تكون أوقع في النفوس متى أتيحت له الفرصة لذلك؛
حيث إن الدعوة الفردية قد تفعل ما لا تفعله الدعوة الجماعية التي توجه بشكل عام
إلى مجموعة كبيرة من الناس؛ فعن طريق الدعوة الفردية يستطيع الداعية الوصول
إلى النفوس المُعْرِضة عن سماع صوت الحق وذلك باستخدام أساليب الدعوة
المختلفة، ولعل أوضح مثل لأهمية الدعوة الفردية هو دعوة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- حيث كانت تتم بشكل فردي خلال السنوات الأولى من دعوته، كما أن
إقامة الداعية بين الفئة المراد دعوتهم تجعله ملماً بما ينتشر في تلك المنطقة من
خرافات وبدع وما يُشْكِلُ عليهم فهمه من أمور الدين؛ فينهض من خلال ذلك
بدعوته على أسس سليمة وقوية، وعند قيامه بإلقاء المحاضرات يستطيع مناقشة
الحاضرين بعد الانتهاء من المحاضرة أو خلالها محققاً بذلك نجاح دعوته التي لا
تكون من جانب واحد يكون فيها هو المرسل، بل تؤدي الرسالة دورها من خلال
مناقشات المتلقي واستفساراته، ومن ثَمّ يأتي دور العوامل المساعدة التي على
الداعية أن يحث المدعوين على متابعتها والاستفادة منها. كما يستطيع الداعية تقديم
الكتيبات والأشرطة الدينية هدية للمدعوين ويحقق من خلال ذلك هدفين هما: زرع
المحبة له في نفوس المدعوين؛ حيث قال: (تهادوا تحابوا) ، والهدف الثاني: هو
أن تحتوي هذه الكتيبات والأشرطة على ما يريد الداعية إيصاله إلى المدعوين من
أمور مختلفة.
وتستطيع هذه العوامل المساعدة تحقيق النجاح من خلال الأسس التي وضعها
الداعية في نفوس مدعويه؛ وهذا الترتيب في الدعوة يحقق هدفاً مهماً يجب على كل
داعية ألاّ يغفله ألا وهو التدرج في الدعوة إلى الله حيث: (ينبغي على الداعية أن
يتدرج في دعوته فيبدأ بكبار المسائل قبل صغارها؛ فلا يقحم المسائل إقحاماً، فتجد
بعض الدعاة يذهبون إلى أماكن في البادية في بعض القرى فيريد أن يصب لهم
الإسلام في خطبة جمعة واحدة! وما هكذا تعرض المسائل! !) [١] .
نعم، ما هكذا تعرض المسائل.
فالداعية ليس محاضراً أو باحثاً يلقي الضوء على ما استجدّ من العلوم في أحد
المؤتمرات أمام مختصين ويدعم ذلك بالشواهد ثم يمضي في سبيله.. بل الداعية
شخص استشعر واجبه نحو دينه الإسلامي؛ ومن هذا المنطلق تحمّل الصعوبات
وآلى على نفسه الاستمرار في مقاومة ما هو مخالف لشرع الله مما ينتشر في
تصرفات الناس، فهو حين يحث الناس على أمر معين أو يحذرهم من آخر يستمر
في دعوته تلك ويصبر حتى يرى أثر هذه الدعوة مستخدماً لذلك ما أمكنه من أساليب
مناسبة، لكن قلة الصبر هي التي تجعل الداعية يقصر في دعوته.
ونحن إذا نظرنا إلى حكم الدعوة إلى الله وجدناه فرض كفاية؛
وبما أن كبرى المدن تذخر بالدعاة والحمد لله فالدعوة إلى الله فيها يعتبر سنة في حق
الجميع.
ولكن لننظر إلى القرى البعيدة محورِ حديثنا، فالدعوة فيها تعتبر واجباً لعدم
قيام أحد من سكانها بهذا العمل، ولكننا نسأل: كيف عليهم تأدية هذا الواجب وهم
يجهلون أنهم بحاجة إلى دعوة وتصحيح عقيدة؟ إن الواجب هنا يقع على عاتق من
يعرف شيئاً عن هذه القرى وحاجتها إلى الدعوة، ولا داعي أن نذكِّر بفضل الدعوة
إلى الله؛ لأن الحديث هنا موجه إلى الدعاة الذين هم أعلم من غيرهم بهذا الفضل
بدليل قيامهم به.
إذَنْ: فأين هم من هذه القرى؟ وقد قال: (لئن يهدي الله بك رجلاً خير لك
من حمر النعم) ، فكيف بقرية بأكملها؟
وكم من داعية ذهب إلى تلك القرى وما عرف أن الاستجابة له ستكون بهذا
القدر؛ حيث نلمس، ومن خلال ما يصلنا من أولئك الدعاة، حبّ سكان القرى
للاستزادة من الخير ومحاولة تصحيح عقيدتهم واحترامهم وتقديرهم للدعاة.
وهذا لا يمنع أن يواجه بعض الدعاة بعض العقبات التي تحتاج إلى كثير من
الصبر لتخطيها، ولكن ما يتم من دعوة سكان أهل القرى أو الهجر أو البادية هو
جهد فردي من قِبَلِ أحد الدعاة غير مدعوم، ومع ذلك فإنه يستمر في دعوته موجهاً
كل إمكانياته في سبيلها، باذلاً من نفسه ومن ماله، ولكنه ما أن يبدأ بوضع بذور
الدعوة في النفوس ثم ينتقل إلى المرحلة التالية وهي تدعيم دعوته تلك حتى يواجَه
بمشكلة أساس تواجه جميع هذا النوع من الدعاة وهي مشكلة من شأنها أن تثبط همة
الداعية وتقعده عن إكمال دعوته (ولعلها كانت الأساس في كتابتي لهذا المقال) ،
وهي أنه عندما يطلب هذا الداعية من كبار المشائخ والدعاة الذهاب إلى تلك القرى
لإلقاء محاضرات ودروس دينية فإنه يواجه برفض من قِبَلِهم سواء كان هذا الرفض
مباشراً أو غير مباشر متذرعين بمشاغلهم ورافضين أن يبذلوا هذا الجهد ويتحملوا
هذه المشقة في سبيل الله، ومن هنا يتسلل الإحباط إلى نفس الداعية المبتدئ،
وتهتز القدوة التي كان يستمد منها دواعي الصبر والقوة في مواجهة المصاعب،
كيف لا وهو الذي كرس وقته وجهده وماله لهذه الدعوة زمناً ليس قصيراً في حين
أن أساتذته وقدواته يرفضون تخصيص بضع ساعات لمساعدته على مواصلة
الطريق!
إن المأمول من هؤلاء الدعاة والمشائخ تشجيع الدعاة وتنظيم دعوتهم ودعمها؛
وذلك بجعلها تابعة لهيئة مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تأخذ
الصفة الرسمية وتستمر؛ لأن الجهد الفردي معرض للانقطاع، أما إذا كانت هناك
جهة رسمية مسؤولة عنها فهي تضمن لها الاستمرارية بإذن الله تعالى ونحن نربأ
بالدعاة والمشائخ من أن يكون عامل المشقة وبُعد المسافة سبباً في إبعادهم عن
المضي في طريق الدعوة إلى الله وهو الطريق الذي اختاروا السير فيه ولا يزالون.
стр. 2612
مرتكزات للفهم والعمل
العُجْبُ وخطرهُ على الداعية
(١من٢)
عبد الحكيم بن محمد بلال
في غمرة انشغال الداعية في أعماله الدعوية، يحصل لديه أحياناً قصور في
تزكية نفسه، ومحاسبتها، وربما تسلل إلى قلبه آفات قادحة في عمله وإخلاصه،
مفسدة لقلبه، قد يشعر بها وينشغل عن علاجها، وقد لا يشعر بها أصلاً.
ومن الأمراض السريعة الفتّاكة بالنية: العُجْبُ، وما ينتج عنه من الغرور
والكبر.
مفهوم العُجب: العُجب هو: الإحساس بالتميّز، والافتخار بالنفس، والفرح
بأحوالها، وبما يصدر عنها من أقوال وأفعال، محمودة أو مذمومة [١] وعرفه ابن
المبارك بعبارة موجزة فقال: (أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك) [٢] .
وإذا تنقص المعجب أعمال الآخرين، أو أعجب بما ليس فيه، واهماً امتلاكه، فهو الغرور؛ فإذا طال أشخاص الآخرين فهو الكبر.
ويدخل العجب في كل شيء يزهو به الإنسان، وأخطره العجب بالعمل. وهو
المقصود هنا.
مداخل العُجب على الدعاة: ومما يُدخل العُجب على الداعية نظره لما منحه
الله إياه من بلاغة أو فصاحة وبيان أو سعة في العلم وقوة في الرأي، فإذا انضاف
إلى ذلك حديث الناس عن أعماله، وتعظيمهم له، وإقبالهم عليه ... لم يسلم حينئذٍ
إلا القليل [٣] .
التحذير من العجب: أمر الله نبيه بالإنذار والدعوة، وتعظيم ربه
وفعل الخير، واجتناب الشر، وهجر الأوثان، ثم قال له بعد ذلك:
[وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ] [المدثر: ٦] ، قال الحسن البصري: (لا تمنن بعملك على ربك
تستكثره) ، فإنه مهما كُثرَ العمل ففضل الله أعظم، وحقه أكبر.
وقد نهى الله عن تزكية النفس، بمعنى اعتقاد خيريتها، والتمدّح بها فقال:
[فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ] [النجم: ٣٢] ، كما نهى عن المن بالصدقة فقال: [لا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى] [البقرة: ٢٦٤] ، والمن يحصل نتيجة استعظام الصدقة،
واستعظام العمل هو العُجب. والإعجاب بالنفس شر، وأي شر، قال ابن المبارك:
(لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العجب) [٤] .
ولعل المرء يدافع الرياء ويحس به، بيد أنه لا يشعر بما في داخله من العجب
المحبط، ومن أجل ذلك كان مهلكاً بوصف النبي ﷺ حين قال: (ثلاث مهلكات) ثم ذكرهن: (شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) [٥] .
وإذا كانت الذنوب مهلكة، فإنها قد تكون رحمة بصاحبها حين تخلصه من
العجب الذي هو الهلاك حقاً. قال: (لو لم تكونوا تذنبون، خشيت عليكم أكثر من
ذلك: العجب) [٦] .
وقال ابن مسعود ﵁: (الهلاك في شيئين: العجب والقنوط) ..
(وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والتشمير، والقانط لا يطلب،
والمعجب يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى) [٧] .
ومما ورد في جزاء المعجبين قوله: (بينما رجل يتبختر، يمشي في برديه،
قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) وفي
رواية: (قد أعجبته جمته وبرداه) [٨] ، فكيف بمن أُعجِبَ بعلمه أو عمله؟ !
مظاهر العجب: الله أعلم بالإنسان من نفسه، والإنسان أعلم الناس
بنفسه فهو أقدرهم على اكتشاف مظاهر العجب في نفسه، كما أن بعضها لا يخفى
على الناس، ومنها:
١- المنّ على الله، ومطالبته بما آتى الأولياء، وانتظار الكرامة وإجابة
الدعوة [٩] .
٢- الإكثار من الثناء على النفس ومدحها، لحاجة ولغير حاجة، تصريحاً أو
تلميحاً، وقد يكون على هيئة ذم للنفس أو للآخرين، يراد به مدح النفس.
٣- الحرص على تصيّد العيوب وإشاعتها، وذم الآخرين أشخاصاً أو هيئات
والفرح بذمهم وعيبهم.
٤- النفور من النصيحة، وكراهيتها، وبعض الناصحين.
٥- الاعتداد بالرأي، وازدراء رأي الغير.
٦- صعوبة المطاوعة، والحرص على التخلص من التبعات والمسئوليات،
وتحقيق القناعات الشخصية.
٧- الترفع عن الحضور والمشاركة في بعض الأنشطة العلمية والدعوية،
وخصوصاً العامة.
مخاطر العجب وآثاره: للعجب أثره على الدعوة والدعاة [١٠] ، ولا شك أن
آثاره على الدعاة تنعكس على الدعوة أيضاً بالسلب، فمن آثاره على الدعاة:
١- أنه طريق إلى الغرور والكبر، وآثار الكبر المهلكة لا تخفى.
٢- الحرمان من التوفيق والهداية؛ لأن الهداية إنما ينالها من أصلح قلبه
وجاهد نفسه، قال الله تعالى: [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا]
[العنكبوت: ٦٩] ، ومن صور هذا الحرمان: نسيان الذنوب واستصغارها، والعمى عن التقصير في الطاعات، والاستبداد بالرأي، والتعصب للباطل، وجحود الحق، وهذه الآثار في الجملة منها ما يقع سبباً للعجب، ثم يزداد ويستمر، ليبقى أثراً ثابتاً له.
٣- بطلان العمل، قال : [لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى] .
٤- العجز والكسل عن العمل؛ لأن المعجب يظن أنه بلغ المنتهى.
٥- الانهيار في أوقات المحن والشدائد؛ لأن المعجب يهمل نفسه من التزكية، فتخونه حينما يكون أحوج إليها، ويفقد عون الله ومعيته؛ لأنه ما عرف الله حال
الرخاء.
وتأمل ما أصاب الصحابة رضوان الله عليهم مع إيمانهم وصلاحهم، حين
أعجب نفر منهم بكثرة العدد: [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً
وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] [التوبة: ٢٥] واليهود عليهم
لعائن الله: [ظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ] [الحشر: ٢] .
٦- نفور الناس وكراهيتهم؛ لأن الله يبغض المعجب.
٧- العقوبة العاجلة أو الآجلة، كما خسف الله بالمتبختر المعجب الأرض.
ومن آثاره على الدعوة: توقفها أو ضعفها وبطؤها بسبب قلة الأنصار؛ نظراً
لنفور الناس، وكراهيتهم للمعجبين، وسهولة اختراق صفوف الدعاة وضربها؛
نظراً لانهيار الدعاة المعجبين حال الشدائد.
أسباب العُجب: ذكر العلماء للعجب سببين رئيسين:
أولهما: جهل المعجب بحق ربه وقدره، وقلة علمه بأسمائه وصفاته،
وضعف تعبده له تعالى بها.
ثانيهما: الغفلة عن حقيقة النفس، والجهل بطبيعتها وعيوبها، وإهمال
محاسبتها.
ويدخل تحتهما: تجاهل النعم، ونسيان الذنوب، واستكثار الطاعات.
ومن الأسباب المهمة أيضاً:
أ - الجهل بما عند الآخرين من علم أو عمل قد يفوق ما عنده كثيراً.
ب - النظر إلى من هو دونه في أمور الدين، دون النظر إلى من فاقه وزاد
عليه.
ج - النشأة في كنف مربٍ به عُجْب، كثير الثناء على نفسه.
د - صحبة بعض أهل العجب، لا سيما إذا كانوا من المبرزين النابهين.
هـ- الاعتداد بالنسب، أو المكانة الاجتماعية، أو كثرة المال
و الإطراء والمدح في الوجه، والإفراط في الاحترام.
ز - المبالغة في الانقياد والطاعة، ولو في المعصية.
ح - التصدر للناس قبل النضج العلمي والتربوي، تساهلاً، أو تطلعاً لسماع الجماهير، أو مراعاة لظروف الدعوة، لخلو الساحة من المؤهلين تأهيلاً كافياً.
ط- تحقيق بعض الدعوات أو الأشخاص نجاحات في الدعوة؛ كالتفاف
الجماهير، وسماعهم، وتأثرهم.
علاج العجب: أول ما ينبغي أن يتوجه إليه العلاج: معالجة أسباب العجب،
ومجاهدة النفس على اجتنابها ويمكن تفصيل خطوات العلاج فيما يلي:
أولاً: الحرص على العلم الشرعي، الذي يهذب النفوس، ويصلح القلوب،
ويزيد الإيمان؛ فإن الإيمان الكامل والعجب لا يجتمعان. وتحصيل العلم النافع دليل
على أن الله أراد بعبده خيراً. ومن الجوانب التي ينبغي العلم بها، والعمل
بمقتضاها:
١- أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحقه في التعظيم المورِث للخوف، الذي
يطرد العجب قال تعالى: [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] [الزمر: ٦٧] .
٢- تذكّر فضل الله على عبده، ونعمه المتوالية، والنظر في حال
من سُلبها؛ فإن الله خلقه من العدم، وجعله إنساناً سوياً، وأمده بالنعم والأرزاق،
وجعله من أبوين مسلمين، ووفقه للطاعات، وهيأ له أسباب العلم والدعوة، وهو
الذي يثيبه عليها، ويدخله الجنة برحمته. وهو تعالى لو شاء لجعله عدماً أو جماداً، أو بهيمة، ولو شاء لخلقه أصم أبكم أعمى، ولو أراد لجعله من أبوين يهوديين أو
نصرانيين، وهو سبحانه في كل نعمه تلك غني عن عبده وعن عبادته وعن طاعته.
٣- افتقار هذه النعم إلى الشكر، وأن العبد مهما شكر فشكره لا يكافئ النعم،
مع ما قد يشوبه من خلل.
٤- حقيقة الدنيا والآخرة، وأن الدنيا مزرعة هدف العبد فيها مرضاة الله
تعالى وهو لا يرضيه العجب، وكذا تذكّر الموت وما يكون بعده من
الأهوال التي لا ينفع فيها إلا صالح العمل، والعجب يجعله هباء منثوراً.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (إذا خفت على عملك العجب، فاذكر رِضا من
تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب. فمن فكّر في ذلك صغر
عنده عمله) [١١] .
٥- حقيقة النفس. قال الأحنف بن قيس: (عجبت لمن خرج من مجرى
البول مرتين، كيف يتكبر) .
٦- إدراك عواقب العجب، وأنه طريق إلى الكبر المهلك.
٧- وجوب الإخلاص، قال الذهبي: (فمن طلب العلم للعمل كسره العلم،
وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء: تحامق
واختال، وازدرى بالناس، وأهلكه العجب) [١١] .
ثانياً: الحرص على ما يعين على تحصيل ذلك من الإقبال على كتاب الله،
واستلهام الفهم منه، ومن سنة النبي ﷺ ، وسيرة السلف
الصالحين، ومجالسة العلماء والدعاة الصادقين، والأخذ من علومهم.
ثالثاً: دور الدعاة والمربين، والذي يتمثل فيما يلي:
١- محاسبة النفس أولاً، وتنقيتها من داء العجب والفخر.
٢- متابعة البارزين ومن يخشى عليهم العجب، من خلال:
أ- البرامج الإيمانية.
ب- اللقاءات الفردية التي يذكرون فيها بمعاني الإيمان والتواضع.
ج- وأحياناً مصارحة الواحد منهم بما يصدر منه، بأسلوب مناسب.
٣- تمكينه من معاشرة ومخالطة الصالحين، ورؤية بعض المتواضعين من
إخوانه، الذين هم أكثر بروزاً في المجتمع، وإبعاده وتجنيبه صحبة المعجبين.
٤- التوقف عن إبرازه في المناشط العامة وتأخيره عن المواقع الأمامية،
كنوع من العلاج، مع مراعاة ألا ينتج عن ذلك سلبية الإحباط، فإن حدثت فإنه
يجب علاجها أيضاً؛ لأن التأخير اجتهاد في العلاج، وقد يكون التشخيص أيضاً
مجتهداً فيه.
رابعاً: اتباع الآداب الشرعية في المدح والثناء، والتوقير والاحترام،
والطاعة والانقياد.
فالمدح: إذا كان بالحق، وباعتدال، مع من لا تُخشى عليه الفتنة فقط؛ كان
جائزاً، أو مستحباً، بحسب المصلحة؛ وإلا فحرام.
والتوقير والاحترام، ينبغي ألا يصل إلى التعظيم؛ ولذا كره من أصحابه أن
يقوموا له، وأن يعظموه كما يعظم الأعاجم ملوكهم.
وأما الطاعة والانقياد فقد حددها الشارع في المعروف.
خامساً: النظر إلى العاملين النشيطين، والتأمل في سيرهم وحياتهم.
سادساً: التأكيد على المسؤولية الفردية في محاسبة النفس ومتابعتها، حسب
خطوات العلاج السابقة كلها، وتفقّد القلب في نيته عند كل عمل، قال عبيد الله ابن
أبي جعفر: (إذا كان المرء يحدِّث في مجلس، فأعجبه الحديث فليمسك، وإذا كان
ساكتاً فأعجبه السكوت فليتحدث) [١٢] ، ولكن يجب التنبه إلى أن هذا يكون في
حدود التأديب والعلاج، لا يتعداه إلى ترك العمل خشية العجب أو الرياء.
كما أن المحاسبة قد تتطلب أحياناً تعريض النفس بين الحين والحين لبعض
المواقف التي تكبح جماح كبريائها، وتعرفها بمكانتها اللائقة، كخدمة من هو أصغر
منه، أو حمل متاعه بنفسه، على نحو ما أُثِرَ عن كثير من السلف. ولا غنى للعبد
في كل هذه الوسائل عن الاستعانة بالله ﵎، واللجوء إليه، لجوء العبد
الضعيف المفتقر إلى عون مولاه ومدده وهداه وتوفيقه.
стр. 2613
البيان الأدبي
موقف الإسلام من الشِّعْر
بقلم: إبراهيم بن محمد الحقيل
كان للعرب قبل الإسلام عاداتٌ يتفاخرون بها، فأقرّ الإسلامُ منها ما هو حسنٌ
كالوفاء والأمانة والصدق وغيرها، ونهى عمّا هو سيئٌ كشرب الخمر والسّلب
والنهب وغيرها. وكان مما أقره مما يتفاخرون به: الشِّعْرُ. ولكن الإسلام عندما
أقرّهُ وضع لذلك ضوابط تحكمهُ أنْ ينزلق بصاحبه إلى ما هو محرمٌ منه قال تعالى:
[وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ
يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ] [الشعراء: ٢٢٤-٢٢٦] .
قال ابن كثير في تفسيره: عن ابن عباس: يعني الكفار قصده الشعراء منهم
ويتبعهم ضُلاّلُ الناس والجن؛ وكذا قال مجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم
وغيرهما، ثم نقل عنه أيضاً: كان رجلان على عهد رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- أحدهما من الأنصار والآخر من قومٍ آخرين وأنّهما تهاجيا، فكان مع كل
واحدٍ منهما غواة قومه، وهم السّفهاء. فقال تعالى ... ، وذكر الآيات السابقة.
وفي تفسير الخازن [١] : قال أهل التفسير: أراد شعراء الكفار الذين كانوا
يهجون رسول الله ﷺ ... واجتمع إليهم غواةُ قومهم يسمعون
أشعارهم، ويروون عنهم قولهم؛ فذلك قوله: [يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ] فهم الرواة. اهـ
ونقل النسفي [٢] في تفسيره عن الزّجّاج: أنّ الغواةَ هم من يروون هذا
الشعر وينقلونه. اهـ وقال ابن حجر: قال المُفسّرون في هذه الآية: المرادُ
بالشعراءِ شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاةُ الجن،
ويروون شعرهم؛ لأنّ الغاوي لا يتبعه إلاّ غاو مثله. اهـ
ويُذكر في هذا الباب قوله فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: (لئِنْ
يمتلئ جوفُ رجُلٍ قَيْحاً حتى يَرِيَهُ خيرٌ من أنْ يمتلئ شعراً) [٣] .
ولكن العلماء بينوا أنّ هذا الحديث خاص لمن غلب عليه الشعر؛ ولذلك قال
﵇: (يمتلئ) وهي كنايةٌ عن الغلبة، وأنه لا مجال لغيره في قلب الإنسان.
وصدّر البخاري ترجمته بقوله: باب ما يكره أن يكون الغالبُ على الإنسان
الشعر حتى يصُدّهُ عن ذكر الله والقرآن. اهـ
وقال أبو عُبيد [٤] : ولكنّ وجهَهُ عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب
عليه فيشغَلَهُ عن القرآن وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه، فأمّا إن كان القرآنُ
والعلمُ الغالبين عليه فليس ممتلئاً من الشعر. اهـ وكذا قال القرطبي [٥] . ...
وهما يرُدّان ما يروى عن عائشة [٦] وما يقوله بعض العلماء أن المقصود
بذلك هو الشعر الذي هجي به رسول الله ﷺ .
وروى أبو هريرة ﵁ قوله: (أصدق كلمة تكلّمتْ بها العرب كلمة
لبيد: ألا كُلّ شيء ما خلا الله باطلُ) [٧] .
وأنشد كعب بن زهير قصيدته المشهورة أمامه [٨] . ورُوي أن الأسود بن
سريع قال لرسول الله ﷺ : (إني حمدتُ ربي بمحامد مدحٍ
وإيّاك. فقال: أما إن ربك يُحب المدح؛ فهات ما امتدحت به ربك
فأنشده) [٩] .
وقد أمر حسان بن ثابت أن يجيب عنه لما هجاه المشركون فقال له [١٠] :
(يا حسان أجبْ عن رسول الله ﷺ ؛ اللهم أيّدهُ بروح القدس) اهـ ... وقال ﵇ له: اهْجُهم أو قال هَاجِهِم وجبريل معك) اهـ
وكما سمع الرسول الشعر في مدحه فقد أثاب عليه؛ ومن ذلك ما أثاب به
كعب بن زهير، فقال الأحوص يخاطب عمر بن عبد العزيز [١١] :
وقَبْلكَ ما أعطى هُنيدةَ جِلةً ... على الشعر كعباً من سَدِيسٍ وبازلِ
رسولُ الإله المُسْتضاءُ بنورِهِ ... ﵇ بالضّحى والأصائلِ
وعلى هديه سار الصحابة والتابعون والسلف الصالح، فقد قال ابن عبد البر:
(ولا ينكِرُ الحَسَنَ من الشعر أحدٌ من أهل العلم ولا من أُولي النهى، وليس
أحدٌ من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا قد قال الشعر، أو تمثل به،
أو سمعه، فرضيه ما كان حكمه مباحاً ولم يكن فيه فحشٌ ولا خنا ولا لمسلمٍ
أذى) [١٢] . اهـ
وقد عرف عن عمر وعائشة وابن عباس ومعاوية رضوان الله عليهم وغيرهم
من الصحابة برواية الشعر وإنشاد الحسن منه، بل لعمر آراءٌ نقديةٌ تدور في كتب
النقد وعلى ألسنة النقاد.
واشتهر من سلفنا كثيرٌ ممن قالوا الشعر المباح الحسن في جميع أغراضه منهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وشريح القاضي، والشافعي، وعبد الله
بن المبارك، وابن حزم، وابن القيم، وغيرهم كثير.
كما صنف بعض السلف من الثقات في أخبار الشعراء وأشعارهم كالزبير بن
بكار، وابن قتيبة، وأبي عمرو الشيباني، كما كان منهم رواة للشعر: كأبي عمرو
بن العلاء، والأصمعي، والمفضل الضبّي، وغيرهم.
وقد يقول قائل: لو كان في الشعر خيرٌ لكان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- شاعراً. اهـ وقد أجاب ابن رشيق على ذلك فقال [١٣] : لو أَنّ كون
النبي ﷺ غير شاعر غضّ من الشعر لكانت أُمِّيّتُهُ غضّاً من
الكتابة؛ وهذا أظهر مِنْ أنْ يخفى على أحدٍ.
ونقل عن سعيد بن المسيب أنه قيل له [١٤] : إن قوماً بالعراق يكرهون
الشعر. فقال: لقد نسكوا نُسُكاً أعجمياً.
فالشعر الحلال مجاله واسع ورحيب، وكذلك المحرم، وسنعرض الآن لهذين
النوعين.
أولاً: الشعر الحلال: فمنه المندوب: وقد نقول إنه الواجب لقوله لحسان بن
ثابت: (أجب عن رسول الله ﷺ ) وهو الرد على من هجا
المسلمين وأعلامهم؛ لذلك دأب شعراء المسلمين المخلصون على الرد على هؤلاء
الكفرة والزنادقة؛ فقد ناضل حسان، وعبد الله، وكعب عن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، كما رد عبد الله بن المبارك [١٥] على عمران بن حطان في مدحه
ابن ملجم قاتل علي، ومثله فعل بكر بن حماد [١٦] ، كما رد ابن حزم [١٧] على
قصيدة أرسلها ملك الروم في ثلب الإسلام ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
وهذه أمثلة؛ والاستقصاء عن ذلك طويل.
ومن الشعر المندوب: مدح رسول الله ﷺ ، وبيان
فضائله وخصائصه التي اختُصّ بها وأخلاقه الحميدة، وذكر صبره وجهاده في
سبيل الدعوة. وقد صنف ابن سيد الناس كتاباً سماه: (منح المدح) أو: شعراء
الصحابة ممن مدح رسول الله ﷺ أو رثاه. والكتاب مطبوع
متداول، ولا يكون مدحه ﵇ كما مدحه البوصيري وأضرابه حينما جعلوا
لرسول الله ﷺ صفات هي لله فما كان الرسول
ليرضى بهذا المدح.
ومن الشعر المندوب: شعر الزهد الذي يحض على التقوى وطاعة الله وحسن
الإسلام، ويزهِّد في متاع الدنيا الفاني، ويذكِّر الإنسان بالتوبة والإنابة إلى الله،
ويعظهُ بمآله إليه تعالى ويذكره بالحساب والجزاء. وقد قال أكثر الشعراء في هذا
الباب؛ فمنهم من كان جُلّ شعره في ذلك الباب مثل سابق البَرْبَريّ، وأبي العتاهية، وعبد الأعلى الشامي، وغيرهم، ومنهم من تجد الزهد في شعره عرضاً في لحظة
توبة وندم ولكنها لا تدوم؛ فنحن نجده في أشعار أبي نواس، ومسلم بن الوليد،
والفرزدق، وغيرهم كثير.
ومن الشعر المندوب: شعر الحكمة الذي يحث على الخلق الحسن والفعل
الجميل. فهي في الشعر أقرب فهماً وأكثر تأثيراً؛ وقد قال ﵇: (إنّ من
الشعر حكمة) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [١٨] : فإنّ الأمثال المنظومة إذا كانت
حقاً مطابقاً فهي من الشعر الذي هو حكمة، وإن كان فيها تشبيهات وتخييلات
عظيمة أفادت تأليفاً وتنفيراً. اهـ
ومن الشعر الحلال المقبول: الغزل العفيف البريء الذي لا يحرك الشهوات،
ولا يدعو إلى الفواحش، ولا يخاطب الغرائز؛ فقد كان لحسان ﵁
غزلٌ أنشده في الإسلام. كما مدح كعب بن زهير ﵁ رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- بقصيدته البردة وفيها غزلٌ. قال أبو بكر ابن العربي [١٩] : وقد
أنشد كعب بن زهير النبي ﷺ ... فجاء في هذه القصيدة بكل
بديع، والنبي ﷺ يسمع، ولا ينكر في تشبيههِ ريقها بالراح. اهـ
كما نُقلتْ أشعارٌ لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة تغزل فيها بزوجة طلقها، فندم
على طلاقها وهي (عَثْمة) وكذلك شريح القاضي، كما أورد ابن حزم في كتابه:
(طوق الحمامة) نماذج من غزله، وكذلك فعل ابن القيم في روضة المحبين.
ومن الشعر المباح المقبول: المدح والرثاء؛ ما لم يجاوز الغاية؛ فقد عرف
عن الشعراء التهافت على المدح طلباً للنوال مما جعلهم يغرقون في لجة الكذب
والاختلاق والغلو الذي حدا ببعضهم أن يصل إلى الكفر كقول ابن هانئ [٢٠] :
لا شئْتَ لا ما شاءَتِ الأقدارُ ... فاحكمْ فأنت الواحدُ القهّارُ
ولا عجب أن ذلك الممدوح راقه هذا المدح فهو المعز العُبيدي الباطنيّ. وقد
غضب هارون الرشيد على أبي نواس حين قال يمدح الخصيب والي مصر:
فإنْ يكُ باقي سحرِ فرعونَ فيكُمُ ... فإنّ عصا موسى بكفّ خصِيبِ
فقال: أنت المستخفّ بعصا موسى نبي الله! وطرده، ومات الرشيد؛
وأبو نواس ما يزال في السجن عند إبراهيم بن نُهَيْك [٢١] .
أما الرثاء: فما ينطبق على المدح ينطبق عليه، ولكنا نلاحظ أن الشاعر
يكون أقوى شعراً عندما يرثي قريباً له كالأبناء والزوجات والوالديْن والأصدقاء؛
لصدق العاطفة، وكذلك عندما يرثي من أصابه الخيرُ على يديه كمرثية الحسن بن
مطير، ومرثية مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة أحد القواد الكرماء. ونجده
ضعيفاً عندما يكون كذباً كرثاء الفرزدق [٢٢] لمحمد بن الحجاج بن يوسف وأخي
الحجاج محمد. وغير ذلك كثير.
ومن الشعر المباح المقبول: (الوصف) ما لم يصف ما حرم الله، بل إن
بعضه قد يدخل في قوله تعالى: [أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ] ...
[الغاشية: ١٧] ، عندما يحض الناس وينبههم على حسن صنع الله وإتقانه، وما سخر لبني آدم في الطبيعة؛ وخَسِئ الملحد عندما يقول: (صنعتْ الطبيعة، وكونتْ الطبيعة، أو يد الطبيعة) .
ثانياً: الشعر المُحَرّم: ومن هذا النوع: الغزل الفاحش الذي يخاطب الغرائز، ويثير الشهوات. قال شيخ الإسلام [٢٣] : ومن أقوى ما يُهيّج الفاحشة إنشاد
أشعار الذين في قلوبهم مرضٌ من العشق ومحبّة الفواحش. اهـ وقال أيضاً [٢٤] : ولهذا أنكر الإمام أحمد وغيرهُ أشكال الشعر الغزلي الرقيق؛ لئلا تتحرك
النفوس إلى الفواحش. اهـ فوصف الأجساد وما خفي منها له فعل السحر في
النفوس: يحرك الشهوات، ويهوِّن اقتراف المحرمات؛ لذلك ضجّ أهل البصرة يوم
كان الخير كثيراً وأهله كُثُراً إلى المهدي في بشار، وقال بعض علمائهم [٢٥] : ما
شيءٌ أَدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى. اهـ
فاستجاب المهدي، وقُتِلَ بشار تحت السِياط؛ فلما علم أهل البصرة بذلك هنأ
بعضهم بعضاً [٢٦] .
ومن الشعر المحرم: (الهجاءُ) فهو قائم على السبِّ والشتم، ويجب أن نفرق
بينه وبين هجاء المشركين والمارقين وكذلك الفساق الظاهر فسقهم، والظالمين
المسرفين. وعرف الهجاء منذ نشأة الشعر، واستعمله المشركون سلاحاً، فراحوا
يهجون رسول الله ﷺ ، فأهدر دماء بعضهم وكالجاريتين اللتين
كانتا تغنيان بما يُهجا [٢٧] به رسول الله ﷺ ، وأهدر دم كعب
بن زهير [٢٨] لما هجاه.
وقد تعامل الخلفاء الراشدون مع الهجّائين بحزم؛ فقد سجن عمر بن الخطاب
﵁ الحطيئةَ [٢٩] ولم يطلقه حتى تعهد بترك الهجاء؛ كذلك سجن
عثمان بن عفان ﵁ الحارثَ بن ضابئ [٣٠] حينما هجا قوماً ورمى
أمهم بكلبٍ، فاستُشهِدَ عثمان ﵁ والحارث ما يزال في السجن. كذلك
سجن معاوية بن أبي سفيان يزيد بن مفرغ الحميريّ [٣١] حين أسرف في هجاء
عبيد الله بن زياد وإخوانه.
ومن الشعر المحرم: التفاخر بالمعاصي وفعلها: كمدح الخمر وفعلها في
العقول مما يدعو إلى احتسائها ظنّاً بصدق قول الشاعر، وغفلةً عن قول الله تعالى
وقول رسوله. وكان ذلك قليلاً في عصر صدر الإسلام وعصر بني أُمية؛ والأبرز
في ذلك الأخطل؛ ولكنه كان نصرانياً. وشاع ذلك وعرف في عصر بني عباس،
فظهر بشار، وابن هَرْمة، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس، وغيرهم. وسار كثير
على منوالهم؛ وإن كان بعضهم لم يشربها، ولكنه قال ذلك مجاراةً لمن قبله؛ فبئس
المجاراة وكذلك التفاخر بالعُهْر والزِّنى، وكان القائدَ في ذلك امرؤ القيس في
الجاهلية، وبعده الأعشى، ثم تبعهم الفرزدق حتى كاد أن يَحدّهُ سليمان بن عبد
الملك لولا أن قوله تعالى: [وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ] درأ عنه الحد [٣٢] ثم
كثر ذلك في عصر بني العباس. وهو شعر ساقط يصور الزنا بطولةً وشجاعة
وهيهات ذلك! وهو كثير في عصرنا هذا، وما قصيدة انتشرت في قطر عربي
كبير سمتها شاعرتها: (ليلة الدخلة) بغائبة عن أذهان كثيرٍ من الشبان والشابات
وكذلك أشعار نزار قباني وغيره ممن كان ذلك نهجه.
ومن الشعر المحرم: (المدح) إذا تجاوز الحد؛ فالشعراء أسرفوا في ذلك حتى
جعلوا الجبان شجاعاً، والبخيل سخيّاً، والعاهر شريفاً، إلى غير ذلك من الكذب
والاختلاق الذي هو شهادة زور.
ومن الشعر المحرم: بعض (الاقتباس) عندما يعمد بعض الجهال من الشعراء
إلى آية كريمة أو حديث شريف، فيضعونها في موضع الغزل أو الهجو، أو العبث
والهزل. قال ابن حجة الحموي [٣٣] : والاقتباس على ثلاثة أقسام: مقبول،
ومباح، ومردود. فالأول: ما كان في الخطب، والمواعظ، والعهود، ومدح النبي- ﷺ ونحو ذلك. والثاني: ما كان في الغزل، والرسائل،
والقصص. والثالث: على ضربين: أحدهما: ما نسبَهُ الله تعالى إلى نفسه،
ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه. والآخر: آية كريمة في معنى هزل نعوذ بالله.
ومن ذلك قول القائل:
أَوْحى إلى عشاقِ طرفهِ ... هَيْهات هيهات لما توعدونْ
وردفه ينطق من خلفه ... لمثل ذا فليعمل العاملونْ
وفي رأيي أن القسم الثاني عند الحموي لا يليق أن يكون من القرآن ولو
اقتباساً ممتزجاً بالغزل وينبغي إسقاطه. أما الرسائل والقصص الجادة فلعلها كما قال. ونقرأ لهذا الشاعر الظالم لنفسه وهو محمد بن علي البغدادي [٣٤] :
في جيوش أَمامهُنّ أبو ... أحمد نعم المولى ونعم النصيرْ
وقد جمع أرطأة بن سُهَيّة أبواب الشعر الحرام فقال وقد سأله عبد الملك بن
مروان: هل تقول الشعر؟ فقال: ما أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب [٣٥] .اهـ لا يشرب ليفاخر ويهجو، ولا يطرب ليتغزل، ولا يغضب ليهجو.
أما الشعر الذي أطلّ علينا برأسه وسموه بأسماء مختلفة [٣٦] فما ينطبقُ على
الشعر القديم ينطبق عليه، حاشا الشعر الرمزي الذي أَصْبحَ طلاسم تحمل إيهاماً
يحتمل كثيراً من التفاسير والتأويلات، وقد أصبح مطية لأهل المذاهب الهدامة
والأفكار المنحرفة؛ لسهولة الهرب من إقراراته التي ينشرها الشاعر في ثناياه؛
لأنه يحتمل كثيراً من التفسير والتأويل. ولعل أحد المختصين بهذا النوع من الشعر
يتحفنا ويفيدنا.
стр. 2614
سباعيات
السلاح المباح
شعر د.محمد بن ظافر الشهري
صُدِّي اليهودَ بجَيِّد الأشعارِ ... يا أمتي والنّايِ والقيثارِ
تقدمي بنجومِ فَنٍّ أُعْتِدَتْ ... لجحافلِ الرهبانِ والأحبارِ
فالنصرُ مكتوبٌ ولو طال المدى ... للمسلمين على قوى الكفارِ
سنحرر الأقصى بغير إراقةٍ ... لدمٍ ولا إطلاقِ طلقةِ نارِ
وقعُ الكلامِ على اليهود أشد مِنْ ... وقعِ الحسامِ الصارمِ البتارِ
فَلْتَبْنِ إسرائيل ألفَ مفاعلٍ ... ولتملأِ الأجواءَ بالأقمارِ
فالمعجم العربيّ بات مُدجّجاً ... بالشجبِ والتنديدِ والإنكارِ
стр. 2615
خاطرة أدبية
بين الشكل والمضمون
بقلم:حفيظ بن عجب آل حفيظ
بينما كنت أقلب النظرات وأجيلها في إحدى المكتبات باحثاً عن كتاب أجد فيه
ما يشفي (غليلي) ويروي عطشي، ونهمي، لمحت عيناي كتاباً يشع غلافه لمعاناً
وبهاءً، والألوان التي تحلِّيه لا أروع منها، ولا أحسن من تناسقها وتناسبها،
وتوزيعها.
وبينما كنت في هذه الحالة من الإعجاب والذهول الممزوجين بالفرح ...
امتدت يمناي إليه ... حملته بين ذراعي كطفل جميل أردت مداعبته أو تقبيله،
وحرصت وتحرزت أشد الحرص، أن لا يقع من يدي فيصيبه مكروه أو أذى فأندم، وفي هذه اللحظات التي كنت أتأمل فيها الغلاف أخذت الأماني، والخواطر،
والأفكار ... طريقها إلى عقلي ... كانت كثيرة ومتتالية: أولها: ماذا بعد الغلاف؟
وثانيها: إذا كان الغلاف هكذا، فما بالك بالداخل؟ وثالثها: لا بد أنه يحوي روائع
لا مثيل لها ودرراً لا يشابهها درر.
اقتحمتُ هذه الخواطر قاطعاً لها، وطويت الغلاف لأرى ما بعده؛ لكي أقرأه
وأعب من معينه، وأستفيد من معانيه ومضامينه؛ ولكنني فوجئت بقصيدة (نبطية)
أو (شعبية) على الأصح! ! هزيلة المعنى والمبنى، متهالكة الجوانب ليس فيها من
الشعر إلا الشكل.. فقلت في نفسي عند ذلك: لعلها الأولى، وقد يكون ما بعدها
أجمل وأروع، وإنما هذه مداعبة من صاحب (الديوان) ! ! ؟ وأخذت يدي تسابق
نظري في طي الصفحات واحدة بعد أخرى ... وفي كل صفحة كان وقع المصيبة
عليّ أشد وأنكى، وانتهت صفحات الديوان ولا ديوان! ! دون أن أجد ما يشفع في
طبع هذه الخزعبلات الرديئة المتردية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فأعدته
إلى مكانه (المرموق) في أحد رفوف المكتبة وأنا حزين لما رأيت.
وحينما هممت بالخروج دون أن أجد بغيتي لمحت خلف الأدراج كتاباً صغير
الحجم مُلقًى على الأرض كأن أهل المكتبة لا يرونه أو أنهم لا يعدونه كتاباً أصلاً
فرفعته على عجل؛ فإذا البون شاسع بينه وبين الكتاب الذي صفعني قبله؟ ! لقد
كان ورقه رقيقاً سيئاً يكاد أن يتمزق كلما أردت أن أطوي إحدى صفحاته لأنظر ما
بعدها. لقد أصبحت في هذه المرة أطوي الأوراق بتمهل مخافة إيذائها حتى وقفت
على منتصف الديوان، وأنا في كل قصيدة أقرؤها أقول: هذه أروع، وأجمل ما
في الديوان بلا شك، ولكنني أفاجأ بأن التي بعدها أجمل، وأروع، وأحلى.
فأخذت الخواطر، والأفكار والأوهام طريقها مرة أخرى إلى عقلي، ولكنها
في هذه المرة غير التي قبلها، ومختلفة عنها: لماذا يكون مثل هذا الديوان الرائع
على هذه الحالة السيئة، وذاك على ما رأيت من فرط الاحتفاء به؟ لماذا لا يُلتفت
إلى هذا الديوان الجيد وكأنه من سقط المتاع، وذاك في أعز مكان؟ ! لماذا لماذا
لماذا؟
وبينما أنا في فرحي بالديوان (الحزين) ودهشتي، وعجبي، واستغرابي من
حال أهل المكتبة معه، إذا بصاحب المكتبة يقول: لقد حان وقت إغلاق المكتبة،
فخرجت من المكتبة بعد أن دفعت السعر الزهيد لهذا الديوان الثمين وأنا أحس أن
في يدي كنزاً لا يعرف قدره إلا من قدّم المضمونَ على الشكل، ورأى أن المظهر لا
يفصح عن المخبر في هذا الزمان! !
(لقد كان الأول من دواوين الشعر الشعبي الهذيل، أما الثاني فمن روائع
الشعر العربي الفصيح) .
стр. 2616
البيان الأدبي
نص شعري
وصار الذل خلاً
شعر: عبد العزيز بن عبد الله العزاز
قوافل العزّ تاهت عن روابينا ... وأنجمُ المجد غارت عن ليالينا
وصافحتنا يد الإذلال معلنةً ... بأنها اليوم قد حلّت بوادينا
يا ويح يَعْرُبَ إن الذلّ عانقنا ... قد صار خِلاً نُرَضِّيه ويُرضينا
يا ليت شعري وباب العزِّ نغلقه ... من أي بابٍ بروقُ النصر تأتينا؟
تموت أمجادنا والذل يقتلنا ... فإننا اليوم نرثيها وترثينا
أتهدم المجدَ أيدينا محطِمةً ... وما بنته لنا إلا أيادينا؟ !
أقول للقوم إشْفاقاً وتعزيةً: ... موتوا فليس حياة اليوم تحيينا
أنرتضي العيش والإسلام في قفص ... تنمى له تهم الإرهاب توهينا؟
وكيف نُمضي نهارَ العمرِ في لعبٍ ... والدين تغتاله سبعون سكينا؟
وكم لنا من بلاد تشتكي وهناً ... نصد عنها كأن ليست تنادينا؟
أما ينادي بنو البلقان في وهجٍ ... من اللظى حين ذاقوا العسف والهونا؟
عدوهم دونهم يفني ألوفَهُمُ ... ونحن في صمتنا نفني الملايينا
أما اشتكت دارة الشيشان غائلها ... ونحن من بعدها بتنا مغنينا؟
العزف يطربنا والقصف يرهبهم ... لا الجرح يدمي ولا الآهات تبكينا
أما شكا إخوة الصومال بأسهمُ؟ ... فالفقر يهلكهم والمال يطغينا
البرد يجلدهم، والحر يسلخهم ... ولم تزل عنهم الأوهام تثنينا
أما سمعنا منادي الشرق منتحباً ... يقول: يا قومُ من ينجي الفلبينا؟
أليست القدس قد أنّت مدويةً ... أَثَمّ ذو هِمَمٍ يفدي فلسطينا؟
يهود عاثوا فساداً في مرابعها ... ودنّسوا أرضها الغراءَ توطينا
تلكم مآسٍ وآلامٌ مبرِّحةٌ ... فمن لنا في مآسينا يواسينا؟
ما بالنا نغمض الأجفانَ في دعةٍ ... ونحن كنا ذوي عزم أبيينا؟
كنا إذا ما دعا داعي الجهاد بنا ... رأيت أفواجَنا جمعاً ملبينا
بالبيض لامعةً، بالخيل صاهلةً ... ليلاً وهاجرةً لله ساعينا
كانت تدين لنا الغبراءُ قاطبةً ... الروم والفرس بالأموال تجزينا
كنا الأساطينَ نَسقي العينَ صافيةً ... واليومَ نُسقى بأكوابِ الأسى طينا
ليس العجيبُ بأن نشري مذلتنا ... وإنما العُجْبُ أن الذلّ يشرينا!
فما لنا ننثني للغرب نطلبه ... معزةً، وهدى الإسلام يغنينا؟
أنطلب العز من علجٍ وطاغيةٍ؟ ... ما العزّ حقاً سوى أن نحفظ الدينا
تمسكوا بكتاب الله واعتصموا ... فهو المُعِزّ وللأمجادِ يُعْلينا
يا أمتي ربما تخبو منائرنا ... لكنّ نورَ الهدى لا ينطفي فينا
стр. 2617
رسائل جامعية
الأحكام الشرعية
لمسلمي البلاد غير الإسلامية
عرض: أحمد سعيد البتاكوشي
هذه رسالة غير مطبوعة حتى الآن تقدم بها الباحث خالد محمد عبد القادر
بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية ببيروت سنة ١٤١٥هـ، ومنح على
أثرها درجة الماجستير بتقدير ممتاز.
ولا يخفى على القارئ أهمية هذا الموضوع وعظم الحاجة إلى بحثه؛ فإن
الجاليات الإسلامية في ديار الكفار في أمسّ الحاجة إلى التفقه في دين الله تعالى،
والعلم بالأحكام الشرعية المتعلقة بهم في تلك الديار، سواءً كانت في العبادات أو
المعاملات؛ خاصة أن تلك الجاليات تعايش كماً ضخماً من النوازل والمستجدات
التي تنتظر تحقيقاً من علماء الشريعة، وجواباً كافياً شافياً يجمع بين توصيف دقيق
لهذه النوازل وتطبيق الحكم الشرعي الملائم لها.
وقد بذل الباحث جهداً ضخماً، واجتهد في جمع هذه المسائل وتحقيقها،
واستغرق في إعداد هذا البحث أربع سنوات، وبلغت صفحات الرسالة ستمئة وسبع
عشرة صفحة تتكون من: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة، وفهارس.
ففي المقدمة: تحدث الباحث عن أهمية هذا الموضوع، وتضمن التمهيد جملة
من القواعد الفقهية التي يكثر إيرادها في البحث، وأما فصول الرسالة، فإن كل
فصل يتضمن مباحث ثم مطالب ثم فروعاً، وسنعرض لأهم المسائل التي أعدها
الكاتب.
في الفصل الأول تحدث عن العلاقات الدولية؛ ومن أهم مسائل هذا الفصل:
هل تعتبر علمانية الحكومات اليهودية والنصرانية اليوم مخرجة لها عن كونها كتابية؟ ...
تعريف دار الكفر ودار الإسلام.
حكم الإسلام في التزام الدول المسلمة بميثاق هيئة الأمم.
وفي الفصل الثاني: تحدث الكاتب عن العلاقة بين العبد وربه، ومن أهم
مسائل هذا الفصل:
هل يمكّن الكافر من مس المصحف والقراءة فيه؟
ضبط الصلاة في البلاد غير المعتدلة التي لا شهور فيها ولا أيام معتدلة
كالقطبين وما في حكمها.
الجمع بين الصلاتين للحاجة ورفع المشقة.
خطبة الجمعة بغير العربية.
هل يصح الدفن في التابوت؟
بعض أحكام الميت الكافر.
حكم دفع الزكاة للمؤلفة قلوبهم من الكفار.
وحكم إعطاء الزكاة للجمعيات والمراكز الإسلامية.
مسألة الاعتماد على الحساب الفلكي في الصيام، واختلاف المطالع.
مسألة صيام أهل القطبين ومن يطول نهارهم جداً.
حكم بيع المسجد.
هل يصح دخول الكافر المسجد؟
وأما عنوان الفصل الثالث والأخير فهو: العلاقات الاجتماعية بين المسلم
ومخالفيه. وساق الباحث فيه مسائل كثيرة ومهمة، ومن أبرزها ما يلي:
حكم الزواج في دار الكفر.
هل الأنكحة الفاسدة والباطلة وما فيها شبهة تثبت حرمة المصاهرة؟
حكم نكاح الزانية وإنكاح الزاني وحكم العقد.
حكم نكاح الكتابية في دار الكفر.
مسألة النكاح بلا ولي، وكون ولي المسلمة كافراً.
حكم النكاح المؤقت نيةً دون إظهاره.
إسلام الزوجين أو أحدهما وأثره في النكاح.
هل تثبت الحضانة للأم الكافرة؟
ذبائح أهل الكتاب.
حكم بيع ما يكثر التعامل به في دار الكفر مما فيه شبهة كالكلب والقط والقرد.
حكم استئجار الكافر للمسلم.
حكم استئجار الكافر لتعليم أولاد المسلمين.
حكم استئجار الكافر لبناء المساجد.
حكم الاستقراض والاستعارة من الكفار.
حكم السلام على الكفار ومصافحتهم.
حكم شهود أعيادهم.
حكم الإهداء إليهم وقبول هديتهم.
حكم إقامة المسلم مع أسرة كافرة.
مسألة مباهلة الكافرين.
مسألة التجنس بجنسية دولة كافرة.
حكم تولي الوظائف في حكومات دار الكفر.
مسألة: هل يصح أن ينتخب المسلمون رجلاً غير مسلم ليطالب لهم بحقوقهم
في مجلس النواب؟
حكم الالتحاق في المؤسسة العسكرية لدار الكفر.
وأما عن تقويم هذه الرسالة، فمن خلال قراءتها فهي رسالة جيدة في بابها،
ومتميزة في قضاياها التي عالجتها وكانت محور موضوعها بما عمت به البلوى لدى
كثير من المسلمين، ويتميّز كاتبها بالوعي والواقعية تجاه نوازل ومستجدات العالم
الإسلامي ودول الكفر، كما في تحريره لمسألة الهجرة من دار الكفر، وحكم الإسلام
بالتزام الدول المسلمة بميثاق هيئة الأمم المتحدة. كما يظهر في ثنايا البحث غيرة
الباحث على دينه واهتمامه بأحوال المسلمين. كما كان المؤلف حريصاً على ترجيح
المسائل بأدلتها مع الوقوف على ثبوتها وصحتها.
ومن مزايا الرسالة: إعطاء خلاصة لمباحث ومطالب كل فصل من فصول
الرسالة، وكذلك: جودة تحريره لبعض المسائل واستيفاء أدلتها كما في مسألة
طهارة الكلب، ومسألة ضبط الصلاة في البلاد غير المعتدلة التي لا شهور فيها ولا
أيام معتدلة كالقطبين وما في حكمها.
ومن إيجابيات الرسالة: أن الباحث التقى بعض الفقهاء المعاصرين وسطّر
جملة من آرائهم وفتاويهم.
ونظراً لكثرة مباحث الرسالة، وطولها، وتشعبها؛ فإن الباحث قد وقع في
جملة من المآخذ والسلبيات، ولو أن الباحث وفقه الله، اقتصر على أحد الفصول
الثلاثة واجتهد في تحرير مسألة وتحقيقها لكان أوْلى وأسلم؛ فإن طول وتعدد مسائل
البحث جعلت الكاتب يقصّر في تحرير وتأصيل كثير من مسائل النوازل، كما
جعلت البحث ضعيفاً في عرض بعض المسائل وتحقيقها.
ومن سلبيات الرسالة تعويله في بعض الأحايين على مراجع غير أصيلة ولا
موثقة مثل كتب الثقافة الإسلامية، والكتب الدراسية، والصحف والمجلات غير
العلمية.
ومن المآخذ أن ثمة ضعفاً في تخريج الأحاديث فهو يعزوها في غالب الأحيان
إلى سبل السلام للصنعاني أو نيل الأوطار للشوكاني، إضافة إلى ضعف ظاهر في
توثيق الآثار؛ فقد يعزو بعض أقوال السلف إلى بعض كتب المتأخرين أوالمعاصرين.
ومن المآخذ المهمة أن الباحث لم يذكر مسلكاً منضبطاً ومنهجاً محدداً في تعامله
مع كتب الفقه والشروح الحديثية ونحوها؛ ولذا فإنك تجد إحالات كثيرة من هذه
الرسالة لكتب متباينة: من فقه، وحديث، وتفسير، وفكر إسلامي! ! ولكتّاب
متباينين في الاهتمامات والفنون والزمان والمكان.
ومن سلبيات البحث: تعويله في أكثر لقاءاته على فقهاء معاصرين ذوي
مسلك متقارب تجاه النوازل كالدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور وهبة الزحيلي.
ومن أهم المآخذ العلمية الواردة في ثنايا الرسالة: أن الباحث هدانا الله وإياه
يميل إلى القول بأن الجهاد دفاعي، مع أن الباحث قد قال في مقدمة الرسالة: (لم
أتأثر بالفقهاء التبريريين المعاصرين) وهذا ما وقع فيه كثير من المعاصرين.
وكذا كلامه في مسألة تحكيم الشريعة وما يناقضها في الفصل الأول والثالث
يحتاج إلى مزيد تحرير وتفصيل؛ فكلامه غير منضبط.
اضطراب الكاتب عندما جعل ديار المسلمين دار فسق، وهذا ينافي ما رجحه
في تعريف دار الكفر.
في مسألة التجنس بجنسية دولة كافرة.. ادّعى الباحث التسوية بين التجنس
بجنسيتهم وبين الإقامة في بلادهم، وتساهل في هذه المسألة، وليت الباحث اطلع
على ما كتبه د. الشاذلي النيفر في هذا الموضوع، وفتاوى محمد رشيد رضا،
والأزهر زمن الشيخ علي محفوظ والدجوي واللجنة الدائمة للفتيا بالسعودية.
عرّف الموالاة للكفار بتعريف غير دقيق وفيه قصور، ولو التزم الباحث
بالعبارات الشرعية لكان أوْلى.
زعم المؤلف أن الموالاة المنهي عنها للكفار لا تخرج من ضمن حلقة
التحالف والتآزر والتناصر، وأن الموالاة المنهي عنها إنما هي للكفار المحاربين،
فلا حرج في موالاة ما عداهم مما لا يضر بالمسلمين، وهذا فيه نظر ويحتاج إلى
مزيد من البحث والتأصيل، ولعل في الرجوع إلى بعض دراسات علماء السلف في
هذا الباب ما يزيل بعض الشبه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهناك رسالتان
علميتان منشورتان عن الموضوع عالجتاه بموضوعية ووعي هما:
الولاء والبراء في الإسلام د/ محمد سعيد القحطاني.
الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية للأستاذ/ محماس الجلعود.
وقبلهما كتب الشيخ سعد بن عتيق كتابه (النجاة والفكاك عن موالاة أهل
الإشراك) .
ولعل من أهم أسباب اللبس عند الكاتب في هذه المسألة عدم تفريقه بين
الموالاة المحرمة للكفار، وبين البر والإقساط إليهم إن لم يكونوا محاربين؛ وهذه
مسألة مهمة في هذا الباب يلزم تأصيل الحكم الشرعي حيالها.
وفي ختام هذه السطور نشكر للمؤلف جهده وجلده في بحث هذا الموضوع،
ونأمل منه المبادرة إلى طبع هذه الرسالة ونشرها بعد مراجعتها وتنقيحها مما أشرنا
إليه من بعض الملحوظات عليها والتي لا تغض من قيمتها العلمية ومن الجهد الكبير
الذي بذل فيها.
стр. 2618
المسلمون والعالم
الجزائر بين المد والجزر
التفسير لما يحدث من مآسٍ هناك
بقلم: عبد العزيز كامل
سيذكر التاريخ أن السنوات العشر الأولى من القرن الخامس عشر الهجري
(التي توافق عقد الثمانينات الميلادي) قد شهدت صحوة إسلامية عارمة في شتى
بقاع العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، عرباً وعجماً.
وسيذكر التاريخ أن عقداً جاء بعدُ هو (التسعينات) ، شهد وما يزال يشهد
محاولات محمومة، ومؤامرات مشؤومة لخنق هذه الصحوة قبل أن تتحول إلى
نهضة.
وسيشهد التاريخ على عشرات الأمثلة الدالة على صدق توجه الأمة نحو
الإسلام خلال هذه السنوات، وسيشهد على خبث وحقد من تصدوا لها وأرادوا
تحويل تلك الصحوة إلى غفوة أو إلى كبوة.. وربما صعقة لا إفاقة بعدها.. ولا
زلت أرى في الجزائر تلخيصاً واضحاً لهذه القصة كما ذكرت في مقال سابق ولا
زلت أرى الأحداث تحكي من هناك في وضوح وسفور ... ما قد تغطيه في أماكن
أخرى الحجب والستور.
وقد بدا واضحاً أن هناك اصطراعاً في الجزائر وغيرها بين القوى المناوئة
للدين، في كيفية التصدي له عملياً، بعد أن اتفق أكثرهم على رفض طروحاته
الإصلاحية نظرياً. وهذه بعض معالم ذلك الاصطراع:
١- لا تجادل القوى المناوئة للدين في أن الأمة لا تزال تحمل حنيناً له وشوقاً
للعودة إليه.
٢- يسلِّم هؤلاء بأن الإسلام لا يزال يملك إمكانية هائلة للانتشار في قطاعات
الأمة.
٣- اكتشف هؤلاء على عكس ما كان شائعاً بينهم أن الإسلام تكمن فيه
عناصر القوة التي تمكِن أتباعه ودعاته من التواؤم والتلاؤم مع روح العصر بما
يكشف عجز البدائل المطروحة، كما فوجئوا بقدرة هؤلاء على تجييش الجماهير
تحت راية هذا الدين.
٤- توصل هؤلاء إلى أن الاكتفاء بموقف المراقب والمشاهد الصامت لما
يجري سوف يسحب البساط من تحت أرجلهم بمرور الأيام والأعوام.
٥- ظهر لديهم أن الحل العملي يكمن في شل قدرات حَمَلَة هذا الدين عن
التحرك به، وكف أيديهم عن البناء له والعمل من أجله. كما يكمن في تحويل
أنظارهم عن الاهتمام بقضاياه إلى الانشغال بأنفسهم، إضافة إلى التشويه الدائم
لأقوالهم وأعمالهم.
ويمكنني أن أقول: إن الفقرة الأخيرة بالذات، تمثل (استراتيجية) شبه
مشتركة في إدارتهم للصراع، أما (التكتيك) ، فتختلف فيه (الاجتهادات) إلى
اتجاهين أو مدرستين:
الأولى: وأستأذن القارئ في أن أطلق عليها: (مدرسة أبي جهل) وهي
تستصحب روح جهالته وعناده وكبره وغلظته في محاربة دعوة الحق في مهدها،
ومحاولة اقتلاعها من الجذور.
وقد رأينا هذه الروح تفوح روائحها من عناوين دعوات طرحت هنا وهناك
من قبيل: (الاستئصال) (تجفيف المنابع) (المواجهة الشاملة) (معركة الحسم) ...
إلخ.
الثانية: وأُطلِقُ عليها: (مدرسة ابن سلول) ، وهي تستلهم روح مكره،
وخبثه ودهائه وانتهازيته، وباطنيته في العداء، وظاهريته في الإخاء.. وأدبيات
هذه المدرسة تحوم حول: المقايضة.. المفاوضة.. الالتواء.. الاحتواء.. شق
الصفوف.. كسب الخصوم أو تذويبهم أو تمييعهم أو ... حرقهم.
وإذا عدنا إلى الجزائر.. وجدنا هاتين المدرستين تعملان جنباً إلى جنب،
تختلفان أحياناً ... تتنافسان أحياناً ... تتصارعان أحياناً، ولكنهما لا تتخليان أبداً
عن الاتفاق عندما يكون العدو المشترك هو: (الإسلاميون) !
ولم يعد وجود هاتين المدرستين أو هذين التيارين داخل السلطة سراً، فهما
يعلنان عن نفسيهما، وتتحدث عنهما ممارساتهما، ولا غنى لمن يريد أن يفهم ما
يدور في الجزائر من استيعاب حقيقة التيارين ودورهما في صنع الأحداث هناك.
فأحدهما يهدف إلى (تفتيت) العمل الإسلامي بقوة السلاح، والآخر يعمل على
(تفكيك) هذا العمل سلمياً.
التيار الأول: التيار الاستئصالي:
وهدفه المعلن هو: استئصال شجرة العمل الإسلامي في الجزائر من جذورها، وما أقبح هذا الدور! وما أسوأ هذا الوصف الذي ارتضوه لأنفسهم: الاستئصال!
وكأن الإسلام في الجزائر أصبح ورماً خبيثاً يريدون استئصاله من جسد الشعب
الجزائري. وأبرز رموز هذا التيار: رئيس هيئة الأركان (الجنرال محمد العماري) ، ورئيس جهاز الأمن العسكري (اللواء محمد مديان) ، ورئيس جهاز الأمن الداخلي
مكافحة الإرهاب (الجنرال إسماعيل العماري) .
ويعتبر الكثير من المراقبين هذا التيار مسؤولاً عن الجانب الأكبر لما حل
بالجزائر من نكبات، بدءاً من إلغاء نتائج الانتخابات التي فازت فيها جبهة الإنقاذ
على يد وزير الدفاع الأسبق (خالد نزار) بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق (الشاذلي بن
جديد) ، ومروراً باعتقال قادة جبهة الإنقاذ، وما تلا ذلك من تفجر الصراع على
الساحة الجزائرية، وانتهاءً بـ (لغز) المذابح الجماعية للمدنيين العزل، هذا اللغز
الذي لن تفك رموزه إلا إذا فُهم جيداً دور الاستئصاليين فيه.
إن هذا التيار الذي يمثل الغلو والتطرف بل (التشرد) العلماني، مصمم على
أن يستغل كل شيء في محاربة الإسلام في الجزائر، ولو كان هذا الشيء هو
الإسلام نفسه! ! فكيف يكون ذلك؟
وجد هذا التيار ضالته في جماعات الغلو الإسلامية المسلحة التي حملت
السلاح قبل أن تحمل المنهج، فعمدت إلى اختراقها، وإدخال عناصر من
المخابرات داخل صفوفها، واتخذت من بعض رموزها قفازات تقتل بها وتسفك
الدماء وتنشر الفساد. وأخيراً اتضح أنها أعني عناصر المخابرات دخلت إلى
الساحة مباشرة لتنشر الدمار والخراب تحت صيحات: الله أكبر! ! وأنا لا أرى أية
صعوبة في تصور أناس من المنافقين أو المرتدين أعداء هذا الدين، يُقْدِمون على
إطلاق اللحى وارتداء الجلابيب، وربما العمائم أيضاً، للكيد لهذا الدين باسمه، ولا
أستبعد بعد ذلك أن يُخدع الكثير من البسطاء أو المرضى أو الحمقى بنفاقهم
وينضوون تحت لوائهم.. وقد حدث هذا كثيراً في التاريخ الإسلامي.. ولهذا كثر
تحذير الإسلام من النفاق، واعتبر عداء المنافقين هو العداء الأول للإسلام وأهله
كما قال تعالى: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] [المنافقون: ٤] ،
فمصيبتنا فيهم، أن فينا من يُخدعون بهم، ومنا من يقفون معهم، والأمر كما قال
الله: [وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ] [التوبة: ٤٧] .
أما الإسلام الصحيح، فلسنا في حاجة أن ندفع تهمة قتل الأبرياء عن دين جاء
في كتابه: [وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً] [النساء: ٩٣] ، ويقول رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) [١] إنه الدين
الذي يربي في أتباعه روح المسؤولية بل الحساسية تجاه الظلم خشية أن يقع على
أي مخلوق بغير جريرة، ولو كان هذا المخلوق.. نملة!
[قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا
يَشْعُرُونَ] [النمل: ١٨] ، فإنهم لو شعروا بالنمل لامتنعوا عن وطئه وتحطيمه.
أيقال بعد هذا أن إنساناً يُنسب لهذا المنهج أو يمثله، يمكن أن يُقدِم على هذه
الجرائم البشعة التي سمعنا عنها بحق الأطفال والنساء والرجال؟ !
أقول: لا ينبغي للمسلمين أن يشعروا بالحرج والضيق كلما رأوا الإعلام
الخبيث ينسب إليهم ويلصق بهم جرائم أجهزة المخابرات وصنائعها؛ فديننا من تلك
الجرائم بريء، وإخواننا الصادقون في الجزائر منها برآء، أما الواقعون فيها
والخائضون في فتنتها، فليسوا منا، ولا كرامة!
ولكن؛ مع كل هذا نقول: يجب ألا تلفتنا الأحداث بتفاصيلها وتعقيداتها عن
(أم الجرائم) التي ولّدت كل تلك المآسي وهي جريمة الإقصاء المتعمد عن سابق
إصرار وترصّد للإسلام وشرائعه؛ فأصحابها هم المسؤولون الأصليون مهما قيل أو
يقال، وحتى تلك العصابات المنحرفة أو المتستِرة بالدين.. هي إحدى سيئاتهم.
لا شك في أن العصابات المسلحة التي تقتل الأطفال والنساء هي صنيعة
المخابرات، وقد صممت للقضاء على العمل الإسلامي في الجزائر في الحاضر
والمستقبل؛ فهي مشروع ضخم، أنفق عليه الاستئصاليون بسخاء، ودفعوا إليها
من كوادرهم من شاؤوا من العملاء بعد أن تم (طلاؤهم) بالصبغة الإسلامية المزيفة.
وهذا الافتراض وحده هو الذي يفسر لنا الغموض القاتل والتعتيم الإعلامي
الكامل الذي يلف الأحداث هناك ويغطي على حقيقة ملاحم الشر في الجزائر،
ويفسر لنا عدم تحرك قوات الأمن للحيلولة دون وقوع هذه المذابح رغم قبضتها
الحديدية أو مواجهة من يقومون بها في أماكن قريبة من ثكنات الجيش ووحدات
الشرطة، ويفسر لنا السبب في تفرغ الجيش النظامي فقط لضرب قوات جبهة
الإنقاذ في وسط البلاد، بينما وقف متعاجزاً أمام العصابات المسلحة! ويفسر لنا
أيضاً إصرار تلك العصابات على الاستمرار في ارتكاب كل ما من شأنه تشويه وجه
الإسلام وتلطيخه بالدماء أمام العالم ... ويفسر لنا أن القرى التي استُهدفت بالمذابح
هي تلك القرى التي كانت تستضيف سابقاً وحدات من جيش الإنقاذ، ويفسر لنا
كثرة تعاقب الزعامات على هذه العصابات في وقت وجيز (عشرة قادة) ويفسر لنا
أخيراً أن هذه الأعمال لم تخدم الإسلام في شيء واحد، وإنما خدمت وتخدم أعداءه
في أشياء وأشياء.
ثانياً: تيار (الاحتواء) :
وهذا التيار يحاول أن يتقمص دور (الاعتدال) العلماني، ويتشح بمسوح
(الديمقراطية) ويرتدي ثوب (الشرعية) .
ولا أخفي خوفي على الإسلاميين في الجزائر وغيرها من هؤلاء، أكثر من
خوفي من أولئك الاستئصاليين؛ فإرادة الاستئصال إذا أُظْهِرَتْ فإنها تحفز على
الحذر واليقظة، أما إظهار الرغبة في التقارب وحلول الوسط مع إضمار الشر،
فإنها تخدر ولا تحذر، وتخدع الإرادة، وقد تُخضِع الرؤوس.. وأحسب أن هذا ما
يراد بجبهة الإنقاذ في هذه المرحلة ... والمعروف أن جبهة الإنقاذ بعد أن أُلغيت
الانتخابات التي كادت أن تفوز فيها بالسلطة، اعتبرت نفسها حكومة شرعية أطيح
بها، وأن الانقلابيين الذين أطاحوا بها يسرعون الخُطا نحو القضاء النهائي عليها،
فاعتبرت الجبهة نفسها في وضع دفاع شرعي عن النفس، فشكلت وحداتها
العسكرية الخاصة بها لمواجهة كل الاحتمالات (ولسنا بصدد مناقشة صحة هذا
الإجراء من عدمه) ولكن المهم أن الصراع المسلح بدأ بين الجبهة والسلطة.
وقبل عامين أطلق الرئيس الجزائري الحالي (اليمين زروال) ما سُمي
بـ (نداء الرحمة) وهو يقضي بأن يُلقي من يحملون السلاح سلاحهم في مقابل أن تصفح عنهم الدولة وتقبل (التوبة) منهم.
وتحول (نداء الرحمة) إلى (قانون الرحمة) بغرض تشجيع كل من ينشقّ عن
جبهة الإنقاذ واحتوائه. وبالنظر إلى أن هذ النداء، أو ذلك القانون لم يكن جاداً في
وضع حل مُرْضٍ للأزمة؛ فقد تغافلت عناصر الإنقاذ عنه، واعتبرته دعوة
للاستسلام بلا مقابل.
ولكن جهود تيار (الاحتواء) استمرت في شكل محاولات أخرى، كان آخرها
إجراء اتصالات سرية ببعض الرموز داخل جبهة الإنقاذ.. وبالفعل تمت اتصالات
مع أمير جيش الإنقاذ نفسه (مدني مرزاق) أثمرت فيما يبدو صفقة، أُطلِقَ على
إثرها الشيخ (عباسي مدني) زعيم جبهة الإنقاذ وكذلك العضو البارز فيها (عبد القادر
حشاني) .
وأثمرت هذه الاتصالات في خطوة لاحقة مبادرة من جبهة الإنقاذ، من جانب
واحد، تقضي بإنهاء الأعمال العسكرية وإيقاف إطلاق النار، وقد جاءت هذه
المبادرة بعد أن تفاقمت الأحوال الأمنية سوءاً، وفي ذورة سلسلة المذابح الجماعية
التي تعرض لها المواطنون الجزائريون العزل في القرى، وقد رأت الجبهة على
ألسنة من صاغوا بيان المبادرة أن هذا الإجراء أصبح لازماً وضرورياً لفضح
المتسترين وراء المذابح الجماعية، ولتبرئة الجبهة من دماء الضحايا، ومن جبهة
ثالثة، لتفتح باباً أوسع للحوار، تدل به على جديتها في البحث عن حل عادل
للأزمة التي استمرت ست سنوات دون حل.
ولكن ينبغي أن لا ننسى أن الجبهة وهي تصارع التيارين: الاستئصالي،
والاحتوائي، لا تملك كل أوراق التحرك، ولا تتمتع بكامل حريتها في اتخاذ
قراراتها، خاصة في الفترة التي كان زعماؤها موزعين بين السجون والمنافي
والإقامات الجبرية؛ ولهذا فإن ما أذيع عن بعض تفاصيل الاتصالات وما يطرحه
من علامات استفهام، لا ينبغي أن يفهم إلا في سياق ما يعرف من تعرض الجبهة
لضغوط رهيبة، ومكر كُبّارٍ من تيار الاحتواء. فالواضح أن هذا التيار، كان
يهدف من وراء هذه الاتصالات إلى (تنظيم) (استسلام) جبهة الإنقاذ بصورة تحفظ
ماء الوجه، بعد أن يجري تفكيك هياكلها، وتفريغ كيانها من محتواه الذي تماسك
حتى الآن.
وأخوف ما نخاف أن تكون الساحة مهيأة الآن لتيار (الاحتواء) لأن يقوم
بالفصول الأخيرة من دوره، بعد أن أوشك تيار (الاستئصال) على إنهاء دوره.
وأسباب هذا التخوف ترجع إلى ما يلي:
١- أن الدول الغربية تؤيد سياسة الترويض، وتشجع كل حوار بشرط ألا
يفضي إلى وصول الإسلاميين للسلطة، ولا ننسى أن الولايات المتحدة نفسها هي
صاحبة المشورة بفتح باب الاتصالات مع جبهة الإنقاذ، والدول الغربية تتجه إلى
نفض اليد من المسألة الجزائرية، وتنظر إلى أي حوار بين السلطة والجبهة على
أنه سيكون حواراً بين منتصر مع مهزوم، ولا خوف منه، وقد عبرت عن هذا
الموقف (شيرين هنتر) المحللة المختصة بشؤون الجزائر في مركز بروكسل
للدراسات الاستراتيجية، عندما قالت: (لا أظن أن أحداً سيرغب في الخوض في
مستنقع الجزائر ... فالحكومة قد انتصرت بشكل أساسي، ولن تستسلم لأي ضغوط.. كما أن تدفقات النفط والغاز والاستثمارات في مجال الصناعة ماضية في طريقها، والعائدات تتدفق على خزائن النظام..) !
٢- الرئيس الجزائري يقف بثقله الآن خلف تيار (الاحتواء) بالرغم من أنه
تخرّج في مدرسة (الاستئصال) حيث كان وزيراً للدفاع؛ والظاهر أنه أصبح واثقاً
من أن النظام العلماني قد أعاد تثبيت أقدامه في الجزائر حتى إشعار آخر، ويعبر
عن هذا (أحمد أويحيى) رئيس الحكومة الجزائرية، عندما أعلن أن مؤسسة الرئاسة، قد انتهت من مسألة جبهة الإنقاذ، وأن السلطة غير مستعدة لفتح ملف الإنقاذ في
إطار تسوية سياسية يمكن من خلالها إعادة الحزب الذي حُل في ربيع ١٩٩٢م بعد
إلغاء الانتخابات [٢] .
٣- هناك ترحيب لافت للنظر من الحكومة والأحزاب بقرار الجبهة إيقاف
القتال من جانب واحد، ولكنهم لا ينظرون إليه على أنه مبادرة للبدء في الحل،
ولكن على أنه (توبة) واعتراف بالخطأ!
٤- الإفراج عن عباسي مدني لم يكن ليتم لولا اطمئنان السلطة على أنه لم
يعد يملك القرار الأخير في الجبهة، أو أنه لم تعد أمامه فرصة للتحرك بعد أن
فرض تغييرُ الدستور والانتخاباتُ البرلمانية، وأخيراً الانتخاباتُ البلدية، واقعاً
جديداً يكرس الهيمنة العلمانية على السلطة، ويحرم الوجود الفعلي للعمل الإسلامي
حتى من اسمه، مثلما حدث مع حزب (المجتمع الإسلامي) الذي أجبر على تغيير
اسمه إلى حزب (مجتمع السلم) ، وحزب (النهضة الإسلامي) الذي تحول إلى
(حزب النهضة) فمجرد اسم الإسلام لم يعد مقبولاً في الحياة السياسية الجزائرية!
٥- كان من الواضح جداً أن الإفراج عن عباسي مدني، كان مشروطاً بأن لا
يعود إلى أي نشاط سياسي إلا ... إذا كان في صالح النظام، أو يكون في إطار
الاستجابة العملية لمطالب السلطة من الإسلاميين.
٦- وأخطر المطالب التي عرضت على جبهة الإنقاذ بعد أن تلقي سلاحها أن
تبدأ في إدخال عناصرها المسلحة تدريجياً في الحياة العامة بعد أن تبلِّغ السلطة بكل
التفاصيل عنهم، وأن تتعهد بالقتال في صف الحكومة ضد أي نشاط إسلامي آخر
يمكن أن يشكل تهديداً للنظام العلماني! !
فهل نحن أمام محاولة لصنع نسخة باهتة أخرى من (السلطة الوطنية
الفلسطينية) ! ولكن في الجزائر؟ !
وهل يا ترى استفادت مدرسة (ابن سلول) من مدرسة (ابن سبأ) اليهودي؟ !
ظننا في الجبهة ورجالها أنهم أكبر من هذه الألاعيب، ويقيننا أن الله لن
يضيع جهودهم لنصرة الإسلام، وصبرهم على تحمل الأذى من أجله ...
وأملنا أن يعود مجد الإسلام في الجزائر وغيرها ولو كره المجرمون..
فالجبهة يمكن أن تكون قد خسرت جولة ... ولكنها لم تخسر المعركة مع التحالف
غير المقدس بين (الاستئصاليين) و (الاحتوائيين) .
[وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٢١] .
стр. 2619
المسلمون والعالم
تقرير الحالة الدينية في مصر
(عرض وتحليل)
(٢ -٣)
بقلم: أيمن محمد سلامة
بعد عرض الكاتب في الحلقة السابقة للتقرير وتطرقه لمصداقية المركز واضع
التقرير وحياده تجاه الاتجاه الإسلامي، حيث ذكر صوراً لتبني واضعي التقرير
موقفاً معادياً لهذا الاتجاه.. يواصل الكاتب في هذه الحلقة عرض هذه الصور ونقاط
التحليل. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
* والتقرير يتحدث أحياناً بلغة أقرب إلى التحريض منها إلى التحليل:
فالقيادات المحلية للحزب الوطني الحاكم لم تقدم أقباطاً للترشيح في
الانتخابات؛ لأنها قد لا تحوز على عدد كافٍ من أصوات الناخبين، وهو ما (تم
إقناع قيادات الحزب والأجهزة التنفيذية به، وهو ما قد يكشف عن طبيعة التكوين
السياسي للقيادات المحلية للحزب الوطني ولا سيما في الريف واتجاهاتهم)
(ص ٣١٢) .
ووزير الأوقاف السابق أفلتت من هجومه إحدى الجماعات الإسلامية فلم
يتعرض لها (ولم يهاجمها مثل سائر الجماعات، ولكنه اكتفى بقوله: (إن الدولة مع
الوسطية وإنها تشجع الفكر المعتدل [! ! (ص ٦٩) .
والدولة الحديثة وسلطاتها ومؤسساتها المختلفة تواجه تحديات (من قبل
الحركة الإسلامية السياسية بكل طيوفها، المعتدلة، والراديكالية، حيث تنطلق
الأطروحات والرؤى الأصولية المغايرة لمشروع الحداثة السياسية والقانونية
والاجتماعية من منطلقات تجحد مشروع الدولة الحديثة في مرجعياته وفلسفته ...
السياسية وأنساقه القيمية والثقافية المدنية، لا سيما وأن القوى الراديكالية يتأسس
مشروعها على تغيير جذري لبنيات الدولة وقيمها وقوانينها ومنظوراتها السياسية
والفلسفية) (ص ٣٠٧) .
وحتى لا ينخدع المراقبون: يلفت التقرير النظر إلى مغايرة المفاهيم التي
تطلقها بعض الفصائل المنتمية إلى التيار الإسلامي عن المفاهيم المستقرة في الغرب
وإن تشابهت المصطلحات؛ (فإن المنطلق الفكري الذي يقوم عليه إدراكها لمعنى
الحرية مختلف إلى حد كبير عما هو معروف في الفكر الليبرالي عموماً؛ فبينما قال
هذا الفكر بأن الأصل في الحرية هو الإباحة.. تؤكد أدبيات] هذا الفصيل [أن الأصل في الحرية هو التقييد، وأن الفرد مطبوع على الخطأ والشر، وأنه يميل بطبعه إلى العبودية سواء كانت لإله أو لمخلوق أو لنظام بشري، وبينما يعتبر الفكر ... الليبرالي الحرية مبدأ أساسياً من مبادئ النظام السياسي فإن (هؤلاء) يعتبرون الحرية مجرد وسيلة لخدمة مبدأ أكبر وأشمل، هو إقامة شرع الله وتحقيق
الإسلام) .. (ص ١٧٢) .
ويحيي التقرير الدولة المركزية وقدرتها على التصدي للحركات الإسلامية
عن طريق أجهزة الأمن.. ومن ناحية أخرى: فإن أجهزة القوة والعنف المشروعة
في الدولة المصرية تتصف بالتماسك البنائي والفاعلية، وقادرة على التكيف
والتوازن الدينامي مع هذا النمط من الجماعات (ص ١٦٢) ، كما يحيي سياسة
الضربات الأمنية الشديدة والمكثفة، واتباع قاعدة التوسع في الاشتباه على المناطق
التي تتركز فيها عمليات العنف التي أدت إلى التحجيم النسبي لهذه العمليات
(ص ١٩٢) ] ١ [.
وقد يرى بعض المتربصين ومن يريدون الاصطياد في الماء العكر أن
التقرير بتفصيلاته الدقيقة ومحاولة حصره الشامل لجهات التعليم والتربية والتمويل
الرسمية وغير الرسمية يضع خارطة لمخطط تجفيف المنابع، ويشار في هذا
الصدد إلى: حصر مساجد وزارة الأوقاف وتشجيعها بناء مساجد وإنفاقها (الهائل)
على مسابقات القرآن الكريم (دون بث روح الاجتهاد والاندماج في الواقع المعاصر
وتوظيف الفكر الديني في خدمة القضايا المعاشة) ومساعدتها الطلبة والمحتاجين،
وزواج الفتيات، ومساعدة فقراء المسلمين في مواسم الحج، ورعاية الأيتام، وطبع
الكتب الدينية باللغات العربية والأجنبية، وإنشاء مراكز إسلامية، وتدعيم معسكر
أبي بكر الصديق الذي يقيمه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.. (ص ٦٥،٦٦) .. وكذلك: منح الوزارة (٢٠) رحلة عمرة لأبناء العالم الإسلامي من الدارسين في
مصر، ومن المعروف أن (المجلس الأعلى للدعوة والإغاثة الذي يرأسه شيخ
الأزهر يقوم بمساعدة الأقليات في العالم الإسلامي! !) (ص ٦٨، وكذلك ص٤٦،٥١) .
ويشار أيضاً إلى: البحث في محاولة حصر أعضاء الجمعية الشرعية
ومصادر تمويلها.. (وهو ما يحقق لها قدراً أكبر من الاستقلال المالي، الذي يتيح
لها هامشاً أكبر من الحرية وتعدد النشاط واتساعه) (ص ٢٣٩) ، (فالجمعية الشرعية
مثلها مثل عدد ليس بالقليل من الجمعيات الأهلية في مصر تمارس الدور السياسي
من خلال تربية النشء وإعداد الكوادر) ، (كما حرصت الجمعية على ربط الطلاب
بالجامع من خلال فصول التقوية التي ألحقتها بمساجد الجمعية!) (ص٢٤٠) ..
وغير ذلك من النماذج التي يقدمها التقرير.
وهنا أيضاً: الكيل بمكيالين! :
وهذه المعاملة تتضح بجلاء عند مقارنة ما كتب بأقلام علمانية عن الحالة
الإسلامية بما كتب عن الحالة المسيحية:
* ففي حين يتهجم التقرير على رموز الحالة الإسلامية من وراء ستار وصف
الواقع نجد عبارات الإعجاب تكال للرموز الكنسية؛ فالمقدمة تستهل هذه المعاملة
بإعلان وجود] نزاع داخل السلطة الدينية في مصر، وأصبحنا إزاء ظاهرة نزاعات
حول السلطة الدينية وسلطات التفسير، وتمثل أطراف هذا النزاع في المؤسسات
الدينية الرسمية (الأزهر كمؤسسة أصولية رسمية، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف
ومجموع وعاظها ودعاتها، ولم يعد النزاع قاصراً على مواجهة المراكز الجديدة
للسلطة الدينية، وإنما داخلها..) [ (ص ١٢) وحتى لا يظن ظان أن ذلك مظهر
من مظاهر الحرية والاختلاف الحضاري، فإن التقرير يستدعي من الخلفية
التاريخية ما يبدد هذا الوهم، فيذكر أكثر من مرة أن أحد مشايخ الأزهر (الشيخ عبد
الباقي القليني) (حسم الصراع مع منافسه على مشيخة الأزهر الشيخ أحمد النفراوي
لصالحه بعد صدام مسلح) بعد معركة مذهبية شهيرة (ص٣٠، ٤٣) ، ولا يظن ذلك
الظان أن ذلك النزاع كان في مرحلة تاريخية مضت وولت (فقد تقدم ثلاثة من علماء الأزهر من أعضاء] مجمع البحوث الإسلامية [، وهم الشيخ عبد الله المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر وقتئذ، والدكتور زكريا البري وزير الأوقاف الأسبق،
والدكتور الطيب النجار رئيس جامعة الأزهر الأسبق بمذكرة احتجاج إلى رئيس
الجمهورية يتهمون من خلالها شيخ الأزهر جاد الحق بتعطيل مجمع البحوث عن
الانعقاد والقيام بدوره.. فضلاً عن مطالبتهم له] أي شيخ الأزهر [بتعديل مناهج
الدعوة في الداخل والخارج وتحويل بعض المبالغ التي ترد للأزهر لإنشاء عدد من
المعاهد الإسلامية في البلاد غير الإسلامية لخدمة الأقليات الإسلامية هناك.. فلم
يستجب) (ص٥١) ، ناهيك عما ذكر من صراع بين المعممين والمطربشين، وهذه
الصورة لا تختلف كثيراً عن الحركة الإسلامية، فالصراع قائم بين الأجيال، جيل
الشباب المتطلعين إلى دور، وجيل الشيوخ المحافظين، والتنافس قائم بين فصائل
هذه الحركة (انظر ص ١٧٤ ١٧٦، ص١٨٣ ١٨٦) .
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه إلى التطاول، فشيخ الأزهر
عبد الحليم محمود (كان مراوغاً) عندما أصدر بياناً إزاء قضية التكفير والهجرة، والشيخ جاد الحق كان ذا (موقف مزدوج) إزاء الجماعات الدينية والسلطة السياسية (ص ٤٦) .
وهذه السمة (الازدواجية والمراوغة) لا تختص فقط بمشايخ الأزهر، بل تمتد
بحبل سري إلى فصائل الحركة الإسلامية، فهي تعمد (إلى الحديث بلغتين مختلفتين، أو ترديد الخطاب المزدوج الذي لا يفيد إلا في إضافة المزيد من الغموض
والمراوغة الفكرية) (ص١٧٢) ، وعباراتها واضح فيها (التلاعب بشقي الخطاب ... ذلك العام والمتشدد الذي يثير جاذبية المسلمين، وهو تطبيق الشريعة، والثاني
هو الخاص، أي الاستفادة من فرص المناخ الديمقراطي) (ص١٧١) .
وقد يكون ذلك كله وصفاً لواقع، ولكن لننظر إلى (طريقة النظر) إلى الواقع
الآخر وكيفية تجميله والدفاع عنه، فعلى الجانب الشخصي نرى أنه في حين يذكر
شيخ الأزهر باسمه مجرداً من أي لقب (خطاب جاد الحق) يذكر الجانب الآخر في
الفقرة نفسها: (أما خطاب قداسة البابا) ! ! (ص ٣٥٧) .
وماذا يقول التقرير الذي يفترض أنه يتوخى الموضوعية بحياد في رجال
الكنيسة كما توخاها في شيوخ الأزهر؟ ! . يقول عن البابا كيرلس الرابع: (كان
مصلحاً عظيماً رغم قصر المدة التي قضاها على كرسي البابوية) (ص٩٠) ، أما
البابا كيرلس السادس فقد (استجاب بحنكة ورصانة لمطالب الجيل الجديد من
الرهبان) (ص٩١) ، و (ساهمت ديناميات (التوافق الشخصي الحميم) بين عبد الناصر ... بكاريزميته السياسية والبابا كيرلس السادس بكاريزميته] ٢ [الروحية في ...
بناء ملامح هذه الحقبة الخاصة في تاريخ العلاقة بين الكنيسة والدولة في مصر)
(ص٩٣) .
والقمص مينا البراموسي (البابا كيرلس السادس) التف حوله الشباب الجامعي
(نظراً لأبوته وروحانيته وبصيرته الثاقبة) ! (ص ١٣٦) .
والخادم فرحات (القمص سمعان) (وجد في ملامح شخصية القديس سمعان
الخراز نبعاً روحياً يعينه في إكمال وبلورة شخصيته الروحية / الكاريزمية) ومن ثم: (يأتي انبهار الزائر بالمكان وسحره مقترناً بتأثير مماثل بشخص وأداء القمص
سمعان، فهو برغم تعليمه المتوسط وخلفيته الاجتماعية المتواضعة يبدو سيد هذا
المكان وآمره الوحيد) ، وعندما يتعامل القمص سمعان مع الجن والمس والصرع فلا
يسميه التقرير شعوذة وخرافات، بل (يقوم بتقديم بعض أشكال ما يسمى في الفلكلور
الشعبي المصري بالعلاج الروحي) (ص ٢٦٧) .
والبابا شنودة: ذو (ذكاء معهود) (ص٣٢٩) ، وهو (شخصية دينية مثقفة تملك أدوات فكرية وسياسية حديثة، تضعه في موقع مختلف كيفياً عمن سبقه من باباوات الكنيسة) (ص٩٣) .
(وفي ظل قيادة البابا شنودة الثالث، تم دخول أجيال جديدة إلى سلك الكهنوت، واستطاع بحكم تكوينه وخبراته وقدراته القيادية استيعابهم تحت قيادته الكارزمية)
(ص ٩١) .
وقد كان له (مشروعه الفكري والاجتماعي والتأويلي المتميز في المسار
التاريخي لبابوات الأقباط الأرثوذكس، ودعم هذا المشروع السمات الكاريزمية للبابا ...
شنودة وشخصيته الحاسمة، وذكائه المميز) (من المقدمة ص ١٤) ، (ولكن الدور
البارز الذي يقوم به بطريرك الأقباط الأرثوذكس، يرجع لبعض السمات الشخصية
الكاريزمية للبابا شنودة الثالث وقدراته الإلهامية! ! المؤثرة على حياة الأكليروس
وأتباع المذهب القبطي الأرثوذكسي عموماً، وترجع عوامل هذا الدور المركزي
للبابا إلى طبيعة علاقته المباشرة بأتباع المذهب وتأثيره الساحر عليهم) (ص ٩٥) ..
وواضح أن تأثيره (الساحر) لم يكن عليهم فقط! ...
فماذا عن المعارضة الكنسية والانشقاقات وصراع الأجيال؟ ! .. لا يفرد
التقرير لذلك أي مساحة أو عنوان، ولكن لأن ذلك مما لا يخفى ولا ينكر فقد أورده
التقرير بأسلوبين: الأول: عرضه في صورة (إنجازات) للبابا شنودة الذي استطاع
احتواء المعارضة (أو قمعها) ، والثاني: تبرير عناصر الصورة السابقة بأنها نتيجة
تصرفات الحكومة وضغوط نمو التيار الإسلامي وممارساته! !
وتلخص فقرتان من فقرات المقدمة حقيقة (خلافات الرؤى) داخل المجتمع
القبطي على النحو التالي:
(ثمة تغير بدأ يحدث في الكنيسة الأرثوذكسية وهي الكنيسة الأم وبدأت
بعض التفاعلات الداخلية تظهر علانية في السجالات الصحفية، بما قد يشير إلى
بعض المشاكل أو خلافات في الرؤى حول أدوار الأكليروس خارج طقوس
وتأويلات النصوص الدينية المقدسة، أي حول الأدوار الاجتماعية لأعضاء الجسم
الأكليروسي المنتشرين في الكنائس الأرثوذكسية في مصر وخارجها.
لا يزال الفقه الغالب أو بتعبير أدق: التعاليم ذات السيطرة والنفوذ والتداول
هي تعاليم البابا وعظاته المختلفة، دونما درس لها ولاتجاهاتها، ومن ناحية أخرى: هناك دور لبعض كبار الأكليروس، بعضه محجوب عن الدرس والوعظ
والعظات، وبعضه يتداول فقط، وثمة آخر مهمش ومعزول.. وكلها ظواهر تحتاج
إلى الرصد والتحليل) ! (ص ١٥) .
فلماذا لم يقم التقرير بالرصد والتحليل؟ ! .. لنرى كيف تناول التقرير هذه
الظواهر:
يقول التقرير (ص ٩١) : (وفي ظل قيادة البابا شنودة الثالث تم دخول أجيال
جديدة إلى سلك الكهنوت واستطاع بحكم تكوينه وخبراته وقدراته القيادية استيعابهم
تحت قيادته الكارزمية، وتوسيع نطاق الهياكل المؤسسية الداخلية في الكنيسة سواء
في الداخل أو الخارج ومن ناحية أخرى: استطاع البابا شنودة الثالث أن يفرض
رؤاه اللاهوتية والمجتمعية وغيرها على الفضاء القبطي الأرثوذكسي سواء في
المجال الديني، وامتد إلى المجال المدني للأقباط وربما لآماد أخرى في المجال العام
المصري) .
ولندخل في تفاصيل هذه الصورة المجملة: (أوضاع المؤسسة الدينية
الأرثوذكسية العريقة لم تعد شأناً داخليّاً في السنوات الأخيرة، وتحولت الخلافات في
الرؤى بين الأكليروس بقيادة البابا شنودة الثالث وبين بعض العلمانيين الأقباط إلى
الحقل الإعلامي اتفاقاً واختلافاً حول رؤية بطريرك الأقباط الأرثوذكس حول إدارة
العمل الكنسي والإداري والمالي بكل دلالات ذلك ... تحولت إلى جزء من الحوار
خارج المؤسسة الدينية) (ص ٣٠٩) .
ولنكبر هذا الجزء من الصورة قليلاً: (ازداد الموقف القبطي سلبية إزاء
حزب العمل بعد الكتابات النقدية لبعض رجال الأكليروس القبطي وهم قلة وبعض
علمانيي الكنيسة، إزاء سياسات ورؤى بطريرك الأقباط الأرثوذكس..) (ص ٣١٤)
وقد يقول علماني (محايد) : إن ذلك تم بدفع الإسلاميين المتسللين إلى حزب
العمل، ولكن لننظر في شأن قبطي محض، وهو انتخابات المجلس الملي للأقباط
الأرثوذكس: (جرت المنافسات الانتخابية في أعقاب خلافات بين البابا شنودة الثالث
وبين بعض الرؤى المخالفة لرؤيته وسياساته، واتسمت بالحدة؛ لأن التعبير العلني
عن هذه الاتجاهات تم في الصحف والمجلات القومية والحزبية، وهو ما أعطى
انطباعاً عامّاً بأن مساحة الخلاف واسعة داخل النخبة القبطية بين المدنيين وبين
البابا ورجال الأكليروس..) (ص ٣٢٧) ، ولهذه المساحة عمق تاريخي، فقد أورد
التقرير أنه في مرحلة نشأة الجمعيات الأهلية المسيحية وتبلورها (من القرن ١٩إلى
عام ١٩٢٣) : (تبنت الجمعيات الأهلية القبطية قضيتي الإصلاح والنهضة؛ حيث
وقفت الجمعيات الأهلية القبطية بجانب المجلس الملي في صراعه ضد الأكليروس،
بهدف الإصلاح الكنسي) (ص ٢٥٠) ، ومن القرن التاسع عشر إلى انتخابات
المجلس الملي عام ١٩٩٥م تتواصل مساحة الخلاف، (وفي هذا السياق قامت
الأطراف بطرح مجموعة من الرؤى تتناول المجلس الملي ودوره واختصاصاته
كوسيلة غير مباشرة لتحديد نمط العلاقة بين العلمانيين وبين الأكليروس.. وهي
تجسدت في قوائم مخالفة لقائمة البابا) (ص ٣٢٩) ، وقد تعدت (اختلافات الرؤى)
مرحلة التعبيرات العلنية الحادة ووصلت إلى ساحات المحاكم.. يقول التقرير:
(وتمثل الطعون] بوقف انتخابات المجلس الملي [أحد أشكال التعبير عن بعض القوى
الهامشية داخل الوسط القبطي، فضلاً عن أنها تعكس رغبة في تغيير شروط اللعبة
ومعارضة لبعض سياسات الأكليروس) (ص ٣٢٨، ٣٢٩) ، وبعد الانتخابات:
(رفع أحد المحامين المرشحين ولم يحالفه النجاح دعوى جديدة بوقف إعلان نتيجة
الانتخابات، وإلغائها وإعادة إجرائها من جديد..) (ص ٣٣١) ، ناهيك عما يقال
عن قائمة البابا الانتخابية (ص ٣٢٩، ٣٣٠) .
على أن أعنف أشكال التعبير المعارض للكنيسة جاء من أقباط المهجر،
وخصوصاً (الهيئة القبطية) ، (فقد كثفت الهيئة هجومها على الكنيسة المصرية،
وإذا كانت الكنيسة المصرية تملك توجيه كنائس المهجر التابعة لها، فإن لهذه القدرة
حدوداً معينة ... فإن نفوذ الكنيسة في مواجهة بعض كنائس المهجر يصطدم بدرجة
الحرية العالية التي يشعر بها بعض أقباط المهجر إلى الدرجة التي تجعلهم يصلون
أحياناً إلى قرار بقطع الروابط مع الكنيسة الأم!) ، (وقد أوضح البابا شنودة حدود
نفوذ الكنيسة الأم على أقباط المهجر عندما قال: (ثمة فئات منهم غير منضبطة ولا
تلتزم بتعليمات الكنيسة، فأقباط المهجر فريقان ... وفريق آخر لا علاقة له بالكنيسة
ولا يدين بالطاعة لرجال الكهنوت ... ولا مانع لديه من محاربة الكنيسة، وهو
متطرف في آرائه] (ص ٢٢١) ، بما يعني أن رجال الكنيسة لا يستطيعون
السيطرة على قطاع من المنتمين إليهم، وفي الطرف المقابل: فإن الهيئة تتهم
الكنيسة المصرية (بافتقاد الشجاعة لمواجهة النظام المصري، بل والتواطؤ في
التغطية على ما تسميه (عنصرية النظام المصري ضد الأقباط [ (ص ٢٢٠) .
فكيف تعاملت المؤسسة الكنسية مع هذه الرؤى؟ .. لم تفسح لها مجالاً، بل
تعاملت معها كسياسي محترف من العالم الثالث:
فبالنسبة لكنائس المهجر المتمردة: صدرت قرارات الحرمان (ص٢٢١) ،
ولعل لهذا السبب وُضعت بعض كنائس الخارج (تحت رعاية البابا شنودة مباشرة)
(ص ٨٩، ٩٠) (رعاية تحت السلطة المركزية) .
وبالنسبة للجمعيات الأهلية فقد عملت الكنيسة على سحب البساط من تحت
أقدامها، (فقد دخلت المؤسسة الكنسية بثقلها في ساحة النشاط الأهلي التي كانت
متروكة قبل ذلك كلية لنشاط ومبادرات الجمعيات الأهلية المسيحية، ويمثل إنشاء
الأسقفية العامة للخدمات الاجتماعية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية في ١٩٦٢م علامة
بارزة في هذا الاتجاه) (ص ٢٥٣، ١٠٠) .
أما المجلس الملي فتم التعامل معه بأسلوب العصا والجزرة، حيث تم تقليم
أظافرة بتقليص صلاحياته، و (احتواء) أعضائه العلمانيين بترسيمهم شمامسة،
يقول التقرير: (.. ومن ثم يعد المجلس الملي محض دور شرفي وهامشي في
شؤون الكنيسة التي تعده ضمن النطاق المحجوز للأكليروس بقيادة البطريرك، وفي
هذا السياق قام البابا بسيامة أعضاء المجلس كشمامسة، حتى يكون المجلس خاضعاً
من ناحية أخرى للرئاسة الدينية للبابا) (ص ٣٣١) ، (ومن ثم: تتحقق عملية
التجانس التنظيمي بين الرئاسة الدينية والعلمانيين) (ص ١٠٠) .
وقد يستجيز بعض المحللين أن يعبر عن الإجراءات السابقة بأنها: (قمع)
للمعارضة و (بلعها) من خلال (استقطاب) الآخرين ومحاولة (تأميم) المؤسسات
الفاعلة، وهذا ما عبر عنه بعض أقباط المهجر الذين يتكلمون بحرية! حيث تؤكد
الهيئة القبطية (أن الأكليروس القبطي الأرثوذكسي يشجعون سلبية الأقباط،
ويؤكدون على مرجعيتهم في كل الشؤون الاجتماعية والسياسية؛ وذلك لحبهم
للسيطرة على الأفراد، وأن ذلك هو نتيجة للدكتاتورية السائدة في بعض كنائسنا)
(ص٢٢٠) .
هذا هو رأي قطاع من (المعارضة) ، فماذا عن رأي التقرير (المحايد) ؟
يشيد التقرير بهذه التصرفات ويرجع بعضها إلى نمو التيار الإسلامي، فيقول
في معرض تعداده لأسباب تقلص دور المجلس الملي بعد أن كان كبيراً في السابق:
(ومن ناحية خامسة: رسم البابا لأعضاء المجالس الملية المتعاقبة كشمامسة، ومن
ثم: أصبح المجلس وأعضاؤه يخضعون للرئاسة الدينية الأعلى ممثلة في البابا، ولا شك أن ذلك يشكل سياسة بابوية لمنع احتمالات الصراع القديم بين المجالس الملية وبعض باباوات الكنيسة، كالبابا كيرلس الخامس ... إلخ، وقد أدت هذه السياسة إلى استقرار الكنيسة داخلياً، وإلى التوازن في هياكلها، وتوحيد قاعدة القوة
والتمثيل والتعبير المدني الديني في الوسط القبطي المصري، تحت لواء البابا
شنودة الثالث) (ص ٩٨) ، ويقول التقرير أيضاً: (استطاع البابا شنودة الثالث أن
يفرض رؤاه اللاهوتية والمجتمعية وغيرها.. وترتيباً على ذلك: توارت إلى الظل
الرؤى الأخرى، ... وهكذا في ظل نفوذ رؤية وتفسيرات البابا، انحصرت الرؤى
الأخرى في حدود ضيقة لتغدو على هامش الفكر البابوي المسيطر في هذه اللحظة
التاريخية من تطور الإكليروس والمؤسسة الدينية والسياق المجتمعي والسياسي
والديني في مصر، ولا سيما في ظل تنامي النزعة المحافظة والمتشددة في التيار
الإسلامي الراديكالي الذي يمارس العنف، ومن ثم أدى ذلك إلى حالة من التوحد بين
المؤسسة الدينية الأرثوذكسية وعلى رأسها البابا ومريديها وأتباعها من المصريين
الأقباط) (ص ٩١،٩٢) .
فليس هناك معارضة وصراع أجيال وتناحر تيارات وازدواجية ومراوغة كما
في الحالة الإسلامية، ولكنه توحد للكنيسة لمواجهة الزحف الإسلامي الداهم!
وأخيراً: فهناك تساؤل لا يستطيع المرء تجاهله تجاه الحالة القبطية، وهو:
لماذا لم يأت التقرير بأي ذكر للمحاولات الإصلاحية للدكتور رفيق حبيب ابن رئيس
الطائفة الإنجيلية والتي جوبهت بالمحاربة من الكنائس الثلاث، كما دوّن ذلك في
كتاب أسماه: (اغتيال جيل) ؟ ! .
إن التقرير يحاول من حيث لا يقصد أن يجعل قوله (تعالى) :] تَحْسَبُهُمْ
جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [واقعاً ملموساً! .
* ومن الكيل بمكيالين: الحديث بطريقتين عند تناول الأمور المالية:
فبينما يعرّض بقبول الأزهر بعض الهبات والتبرعات لدعم بعض مؤسساته
العلمية، ويشكك في مصارف هذه التبرعات (هناك عدد آخر من المراكز العلمية
والاجتماعية التابعة لجامعة الأزهر، بعضها يتلقى هبات ومنحاً من جهات خارجية
بحجة خدمة الدعوة الإسلامية) وبينما يحاول أن يحصي هذه المراكز واحداً واحداً
(ص٥٦، ٦٨) .. نجده يشيد بهبات الأقباط الواردة من الخارج ويجعلها ضرباً من
الوطنية وليست (بحجة) المساعدات الإغاثية: (فمساعداتهم الطبية والدوائية إبان
حرب أكتوبر خير شاهد على وطنيتهم، كما أن ما يرسلونه من مساعدات لجمعيات
وهيئات خيرية] مسيحية بالطبع، ولم يذكر هذه الجمعيات ولا طبيعة هذه
المساعدات، ولا كيفية التصرف فيها [ما زال مستمرّاً) (ص ٢٢١) ، ويضرب
الصفح عن تمويل بعض المشروعات الخاصة بجمعيات قبطية من قبل هيئات
أجنبية كهيئة أوكسفام، وهيئة الإغاثة الكاثوليكية، وصندوق الأخت إيمانويل
(ص ٢٦٩) ، بل عن وجود هيئات صليبية دولية كاملة تعمل داخل مصر، كهيئة كاريتاس/ مصر التي أسسها المونسنيور لينوزانيني سفير الفاتيكان في مصر (ص ٥٨) .
كما أن التقرير الذي يحاول أن يحصي المصادر المالية الداخلية والخارجية
للمؤسسات الإسلامية إلى درجة محاولته إحصاء اشتراكات الأعضاء في الجمعية
الشرعية (ص ٢٣٩) يهمل التطرق إلى أمر يبدو بدهيّاً لأي متابع، وهو: كيفية
إعالة رجال الكنيسة بالآلاف رغم أنهم موظفون غير حكوميين! ، وبالطبع فإن
مناقشة هذا الأمر سيفتح ملفّاً ساخناً حول الجهاز الاقتصادي الضخم للكنيسة، وهو
ما أشار إليه التقرير بعبارة (أنشطة التدريب المهني والقروض الصغيرة
ومشروعات التنمية الريفية والحضرية) (ص ٢٥٣) ، وأوضحه قليلاً عند بيان
برامج (البرنامج الشامل للتنمية) الذي بدأته أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية
بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية عام ١٩٨٥م، فإضافة إلى مشروعات التنمية المحلية
هناك (برنامج القروض الصغيرة) (الذي يهدف إلى تشجيع الشباب] النصراني [
كأفراد ومجموعات على البدء في مشروعات صغيرة تساهم في تنمية دخلهم، مع
مساعدتهم بالمال والخبرة الفنية ودراسات الجدوى) (ص ٥٨) ، وهذه السياسة
(جهاز كبير يمول مشروعات صغيرة كثيرة مستقلة عنه) كانت أحد العوامل المهمة
التي ساعدت على إفلات هذا الجهاز الضخم من مذبحة شركات توظيف الأموال
التي طالت جميع النشاطات ذات الصورة الإسلامية.
ومن الأرقام ما خدع! :
يشار دائماً إلى الأرقام على أنها لغة لا تعرف المجاملة ولا التحيز، ولكن
المدقق يرى أن واضع الأرقام يستطيع أن يستخدم أسلوباً ما من الإخفاء والإبراز
والتوجيه ليخدم هدفاً ما، وهذا ما حدث في بعض أجزاء التقرير بقصد أو غير
قصد.
وبداية: فإننا لا نشاطر الدكتور حسن حنفي] ٣ [القول إن تخصيص مساحات
أكبر من صفحات التقرير عن وضع الأقباط لا تتناسب مع نسبتهم العددية يعد أحد
مظاهر الميل إلى إبراز وضع الأقباط في مصر، فالتقرير يتحدث عن واقع،
وليس من المناسب إهمال واقعٍ ما لأن أصحابه لا يحوزون إلا نسبة عددية قليلة،
ولكننا نستطيع القول: إن في ذلك دلالة على تمدد واقع العمل القبطي وتغلغله، في
مقابل انكماش واقع العمل الإسلامي وركوده، قياساً على نسبة أصحابه العددية،
رغم تكثيف الأضواء عليه.
وأول خداع الأرقام وتضاربها يظهر في إخفاء عدد الكنائس في مصر حسب
سجلات الكنيسة التي لا بد أنها تحصرها] ٤ [، وذلك لخدمة مطلب طالما ألحت
عليه الكنيسة وهولت من أجله، ألا وهو إطلاق السماح ببناء الكنائس وترميمها مما
يعتبرونه قيود الخط الهمايوني والشروط العشرة التي تنظم هذا الأمر ...
(ص ٨٧ ٨٨، ٩٢، ١٢٣) ، فظهور العدد الحقيقي للكنائس مقارناً بنسبة الأقباط العددية يفضح هذا المطلب، ولكن ذكر سهواً على ما يبدو (ص ١٢٢) حصر للكنائس الإنجيلية بلغ (١٣٧٧) كنيسة، وإذا عرفنا أن الطائفة الإنجيلية تعتبر أقلية داخل الأقلية كما يصفها التقرير نفسه، حيث تمثل هي والكنيسة الكاثوليكية نسبة ١٥% من مجموع أقباط مصر] ٥ [، الذين تدور نسبتهم حول٦ % حسب آخر إحصاء رسمي] ٦ [، فيكون الأقباط الإنجيليون يمثلون ٠. ٣٦% من
الشعب المصري ويملكون (١٣٧٧) كنيسة، وإذا (بحبحناها) في تعدادهم آخذين في الاعتبار ادعاء نصارى مصر أن نسبتهم تدور حول ١٠%، واعتبرنا أن الإنجيليين يمثلون نصف بالمئة (٠. ٥%) من سكان مصر، فإنه ينبغي أن يكون عدد المساجد في مصر لا يقل عن (٢٤٧٨٦٠) مسجداً على اعتبار أن نسبة المسلمين ٩٠% فقط، ولكن الإحصاء الأخير الذي نشكك في صحته يقول إن عدد المساجد (٦٦٨٠١) مسجد، والتقرير الذي بين أيدينا ذكر أن عدد المساجد بما فيها الزوايا أسفل المنازل والمساجد الأهلية يبلغ (١٢٠٠٠٠) مسجد فقط
(ص ٦٤) ] ٧ [، وهو يقل عن نصف العدد المفترض المشار إليه (٢٤٧٨٦٠) ، ... فإذا أضفنا إلى ذلك اتساع مساحة الكنائس وكبرها، لعرفنا أن المطلوب ليس توفير أماكن عبادة لنصارى مصر، بل زراعة الكنائس في هذا البلد، ليعود كما كان قبل الفتح الإسلامي كما يصرح متطرفوهم.
ومن مشاريع الزراعة هذه ما أورده التقرير عن نسبة الجمعيات الأهلية
المسيحية، حيث ذكر أن النسبة الإجمالية للجمعيات الأهلية المسيحية في مصر تبلغ
١٨، ٥% من إجمالي الجمعيات الأهلية (جدول رقم ١ص ٥٢) ، وهو الأمر الذي
قد ينظر إليه بادي الرأي فيعتبر أن النسبة الباقية (٨٢، ٩٤%) جمعيات غير
مسيحية، فيعتبرها جمعيات أهلية إسلامية، كما قد يقارنه بنسبة الأقباط العددية
(٦ % ١٠%) فيرى أنها في حدود الاعتدال أو أن هناك نقصاً قليلاً في نسبة الجمعيات الخاصة بهم..
ولكن الحقيقة خلاف ذلك، حيث تزيد هذه الجمعيات بكثير عن الجمعيات
الإسلامية إذا قارناها بنسبة المسلمين، فهذه الأرقام ينبغي أن يُنظر إليها في ضوء:
نسبة الجمعيات الأهلية الإسلامية، ونسبة عدد السكان في كل فئة، وقد أشارت
دراسة الدكتورة أماني قنديل (ص ٢٣٧) إلى أن (الجمعيات الإسلامية قد شكلت ٣٤ % من إجمالي عدد الجمعيات (وهو ٢٨٣٢ جمعية عام ١٩٩١م) كما تبين أن
الجمعيات القبطية تمثل ٩% من الإجمالي أيضاً) كما أن الجدول رقم (٣)
(ص ٢٤٥) الذي يوضح النسبة المئوية للجمعيات الدينية في بعض المحافظات (١٢ محافظة من ٢٧ محافظة) يبين أن إجمالي نسبة الجمعيات الإسلامية ٣٠%، وإجمالي نسبة الجمعيات القبطية ٦% في هذه المحافظات، أي إن الجمعيات المتبقية
(٥٧% حسب دراسة د. إماني) جمعيات غير دينية، وبمعنى آخر: يشترك فيها
المسلمون والنصارى، وتبقى ٣٤% من الجمعيات لخدمة المسلمين ورعايتهم (٩٤ % من إجمالي تعداد مصر) ، و٩% من الجمعيات لخدمة الأقباط ورعايتهم (٦%
من إجمالي تعداد مصر) ، أي إن كل ١% من الشعب المصري إذا كانوا أقباطاً
يخدمهم ١. ٥% من الجمعيات الأهلية، أما إذا كانوا مسلمين فإن نسبة الجمعيات
التي تخدمهم تساوي ٣٦، ٠% من إجمالي الجمعيات، وبمعنى أكثر وضوحاً: فإن
نسبة الجمعيات الأهلية القبطية تساوي أربعة أمثال نسبة الجمعيات الأهلية الإسلامية
إذا أخذنا في الاعتبار نسبة عدد السكان لكلّ منهم.
ومن خداع الأرقام أيضاً: ما أورده التقرير من أن (الوزن النسبي للجمعيات
الأهلية المسيحية الجديدة داخل كتلة الجمعيات الأهلية الجديدة في حي شبرا بالقاهرة
قد انخفض إلى ٥٤، ٤% بعد أن كان يمثل ٥، ٢٧% بحسب الجدول رقم (٣)
وانخفض هذا الوزن النسبي في حي روض الفرج إلى ٢، ٨% بعد أن كان يمثل
٢٥، ١٨%، كما انخفض الوزن النسبي الكلي للجمعيات الأهلية المسيحية الجديدة
داخل كتلة الجمعيات الأهلية الجديدة بمدينة القاهرة إلى ٨١، ٢% بعد إن كان يمثل
٥٧، ٧% بحسب نفس الجدول) (ص٢٥٥ ٢٥٦) ، بما يفيد انحسار انتشار
الجمعيات الأهلية المسيحية، الأمر الذي يرجعه التقرير في موضع آخر
(ص ٢٥٣) إلى تزايد مظاهر المد الإسلامي، ودخول الكنيسة أحياناً كثيرة بديلاً لهذه الجمعيات، بالإضافة إلى قيود قانون الجمعيات رقم ٣٢ لسنة ١٩٦٤م.
وحتى لو اعتبرنا صحة هذه الأسباب؛ فواضح أن التقرير يهمل سبباً آخر
مهمّاً، وهو أن القاهرة وخصوصاً الأحياء المذكورة وصلت إلى حالة التشبع
السكاني والتشبع من هذه الجمعيات، الأمر الذي جعل اتجاه إنشاء جمعيات جديدة
ينتقل إلى تجمعات عمرانية جديدة أو تجمعات لا توجد فيها هذه الجمعيات بكثافة،
وهو ما أدى إلى انتقال مؤشر الوزن النسبي إلى بؤر سكانية أخرى، أو خفضه في
بعض الحالات.
стр. 2620
المسلمون والعالم
عولمة أم أمركة
نهاية التاريخ.. أم نهاية أمريكا؟ !
(الأخيرة)
بقلم: حسن قطامش
بعد استعراض التاريخ الأمريكي، والنشأة الأمريكية كقوة عظمى، وبعض
طرق الأمركة، أورد الكاتب سؤالاً: (لمن كل هذه القوة؟) ، بدأ الإجابة عليه في
الحلقات السابقة، وفي هذه الحلقة بقية الإجابة، وبقية طرق أمركة العالم.
... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان-
القوة الأمريكية.. ونهاية التاريخ: لعل هذه الوقفة تجيب على جزء مهم من
السؤال المطروح أولاً؛ فبعد الانهيار السوفييتي، واستفراد الولايات المتحدة بالعالم
نشرت أمريكا روح الإحباط لدى شعوب كثيرة، بأنّ التاريخ شارف على نهايته بهذا
الاستفراد، وأن الديمقراطية الغربية هي الوحيدة القابلة للحياة بعد انهيار الشيوعية،
وأن التاريخ قد توقف عند انتصار النظام الأمريكي الحالي؛ ولذلك كان ما يُسمى ... بـ (نظرية نهاية التاريخ) .
وعقب نهاية الحرب العالمية الثانية وضع (جورج كينان) الديبلوماسي
والأستاذ الجامعي نظرية: (احتواء الشيوعية) وأكد أن القضاء على النازية وقتها
ليس نهاية المشكلة العالمية، وأن الشيوعية ستصبح الخطر الجديد، وأنها ستهدد
الغرب؛ ولا بد من احتوائها بتأسيس أحلاف عسكرية تحيط بالاتحاد السوفييتي،
ووضع خطط لمنع انتشار الشيوعية في الدول الغربية والعالم الثالث.
ويجيء الآن (د. صمويل هنتنجتون) أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد،
ومدير معهد الدراسات الاستراتيجية فيها، وكان قبل خمسة عشر عاماً في عهد إدارة
القس الأمريكي (جيمي كارتر) مسؤولاً عن (التخطيط في مجلس الأمن القومي) ،
يجيء ليضع نظرية: (صدام الحضارات) ويقول: (إن القضاء على الشيوعية ليس
نهاية المشاكل العالمية، وإن الإسلام هوالعدو رقم واحد الذي يمثل الخطر الحقيقي
على الحضارة الغربية) .
ولن نساير من ناقش هذه النظرية، وفنّد حقائقها، وأنها مجرد (نظرية) وأنها
مفتقرة إلى أبسط قواعد المنهج العلمي؛ فاحتواء الشيوعية كان مجرد نظرية.
ثم بماذا نفسر هذا الإلحاح المقيت على خطر الإرهاب والأصولية الإسلامية؟
ومما يؤيد ما نذهب إليه سؤال مجلة: (أتلانتك) للدكتور (بنجامين سوارتز) الخبير
في الاستراتيجية الأمريكية في معهد السياسة العالمية بنيويورك:
س: بعد حرب الخليج -لاحظ التحديد- أكثرت أمريكا من استعمال كلمة:
(الإرهاب) ، وقال البعض: إن الإرهاب حل محل الشيوعية؟
ج: هذا صحيح.. لكن شعار مكافحة الشيوعية خلال الخمسين سنة الماضية
كان (مجرد ستار) لسيطرة الشركات الأمريكية على العالم، وكان ذلك باستعمال
القوة العسكرية، وبمشاركة ومعرفة جنرالات البنتاجون؛ ولهذا أقول بأن (مكافحة
الإرهاب) ليس إلا شعاراً جديداً، ولا بد أن جنرالات الجيش الأمريكي سعداء جداً؛
لأنهم (وجدوا هدفاً جديداً) ولا بد أنهم يعرفون دورهم التاريخي.
ولعل هذا الموضوع يحتاج لأهميته إلى دراسة خاصة تبين الموقف الإسلامي
الحقيقي منه؛ إذ إن أغلب من تكلم حول هذه النظرية للأسف من القوميين
والعلمانيين!
الطريق الثاني للأمركة بالقوة: (انفراد القوة) : كان الطريق الثاني الذي
اتبعته أمريكا لفرض سيطرتها عن طريق القوة العسكرية هو الحد من انتشار
الأسلحة النووية والكيماوية وغيرها مما لا رغبة لأمريكا في امتلاكه لغير من ترغب
هي، وهذا الطريق مكمل للأول وهو ما نسميه: (انفراد القوة) فبعد السيطرة على
سوق السلاح العالمي، وبناء قوة عسكرية كبيرة، كان لا بد من إلجام الدول عن أن
تفكر في الوصول إلى هذا المستوى من القوة لئلا تهدد الأمن القومي الأمريكي.
وهذا الطريق يجعل من الملزم لأمريكا أن يكون لها عدو دائم تسوِّغ به
سياستها التوسعية ونفوذها العالمي؛ فتحالفات أمريكا مع الدول الصديقة لها، ليس
هناك ما يجعلها متماسكة أكثر إلا الإيهام الأمريكي بعدو مشترك يهدد مصالح الجميع؛ ولذا نجد الدول الغربية وغيرها من حلفاء أمريكا تسير في الركب وهي مقتنعة
بوجود هذا التهديد!
أما أمريكا فمطالبة بإيجاد ذلك العدو واصطناعه بما يضمن لها الانتفاع من تلك
التحالفات؛ وأكبر الانتفاع هو تمويل البرامج الوقائية والدفاعية لأمريكا؛ والعجيب
أن الدول الحليفة هي التي تطالب بدفع النفقات تطوعاً! !
تقول (مارجريت تاتشر) رئيسة وزراء بريطانيا السابقة في تقديمها لكتاب
واينبرجر: (الحرب المقبلة) : إن الولايات المتحدة سوف تتعرض لتهديدات
بالصواريخ طويلة المدى في بداية القرن القادم لاحظ أيضاً التوقيت وإن الرد
المناسب لذلك هو بناء نظام دفاعي عالمي للصواريخ عابرة المحيطات تكون له
الأولوية المطلقة في الإنتاج، (وأن يقوم حلفاء أمريكا بدفع فاتورة بناء هذا النظام) ! !
ويفسر تلك الظاهرة السياسية وهي الانسياق في الركب الأمريكي مع الاقتناع
بعدو مشترك د. (أرون فرايد بيرغ) ، الأستاذ المساعد لمادة السياسة والشؤون
الدولية في جامعة برينستون في دراسة بعنوان: (مستقبل قوة أمريكا) فيقول: (إن
السبب وراء حرص الآخرين على الاهتمام بهواجس أمريكا والقبول بقيادتها: أن
هؤلاء في اللحظة الراهنة على الأقل لا يريدون الاضطلاع بهذه الأعباء، ولكن من
غير المحتمل أن يدوم هذا الوضع، فمن جهة فسوف يؤدي ذلك الوضع إلى دفع
أمريكا حلفاءها السابقين باتجاه الاضطلاع بقدر أكبر من المسؤوليات، ومن جهة
ثانية فمن شأن ما تبذله الولايات المتحدة بالإبقاء على هيمنتها عبر اجتراح صفقات
جديدة، وتحويل نسبة أكبر من ترتيب التكاليف الموجودة إلى الآخرين أن يتمخض
عن النتيجة ذاتها، وفي أوروبا وآسيا ستسير الولايات المتحدة وحلفاؤها القدامى في
طرق منفصلة! ! ففي غياب أي تهديد يبعد أي اتجاه نحو التوحيد يبدو بروز
سياسات أكثر استقلالاً على الصعيدين الديبلوماسي والعسكري أمراً محتوماً، كما
يبدو أن تطور سياسات اقتصادية أكثر احتمالاً. إن تفكك التحالفات بسرعة سيذهب
معه كثير من النفوذ الذي كانت الولايات المتحدة تستمده يوماً من واقع كونها زعيمة
التحالف) .
فللحفاظ على النفوذ، لا بد من تحالف، ولبقاء التحالف، لا بد من وجود عدو
يحاربه هذا التحالف، وأمريكا مطالبة باستمرار بإيجاد ذلك العدو!
من أعداء أمريكا.. وما قوتهم؟ هناك أعداء يستطيعون إحداث تدمير
بالولايات المتحدة من خلال استخدام أسلحة جديدة، كالصواريخ العابرة للمحيطات،
ورؤوس حرب بيولوجية وكيماوية ونووية، وهناك ٢٥ دولة لديها مثل هذه
الصواريخ، وهذا العدد سيزداد خلال العقد القادم، وفي تقرير وزارة الدفاع
الأمريكية فإنه بحلول عام ٢٠٠٠م سيكون هناك تسع دول نامية يمكنها تملك أسلحة
نووية، و٣٠ دولة يمكن أن يكون لديها أسلحة كيماوية، وثماني دول أخرى يمكن
أن تمتلك أسلحة بيولوجية، أما تقديرات وكالة المخابرات المركزية (سي. آي.
إيه) فتقول: إنه من المتوقع بنهاية هذا العقد (التسعينات) أن تدخل خمس دول
أخرى النادي النووي، ومرّ بنا أن كلاً من إيران والعراق وكوريا الشمالية أعداء
أمريكا الحاليين سيكون لديهم بحلول عام ٢٠٠٥م (١٢٠) طائرة هجومية طبقاً
لتقديرات البحرية الأمريكية.
تلك هي التقديرات الرسمية الأمريكية، أما التقديرات التحريضة فتأتي من
جانب صاحب الكتاب (الافتراضي) واينبرجر، وهي تختلف تماماً وتكذب التقارير
الرسمية، فيعتقد واينبرجر أن وكالة المخابرات الأمريكية تسيء التقدير، وهي
تقديرات يغلب عليها التفاؤل! ويضرب مثلاً بحالة العراق.. فقبل حرب الخليج
الثانية كانت تقديرات الـ (سي. آي. إيه) تفيد أن صدام حسين لا زال أمامه سبع
سنوات على الأقل ليتمكن من الوصول إلى تحقيق قدرات إنتاج أسلحة نووية، إلا
أنه اتضح لخبراء وكالة الطاقة النووية بعد الحرب، وعندما قاموا بفحص إمكانات
بغداد، أن العراق على وشك التوصل لإنتاج أسلحة نووية في خلال ثلاث سنوات
فقط، كما أن الأقمار الصناعية أخفقت في تحديد قدرات العراق على إنتاج أسلحة
نووية أو كيماوية؛ فعندما بدأت الحرب كان لدى المخططين الأمريكيين العسكريين
هدفان نوويان في القائمة لضربهما، ولكنّ مفتشي وكالة الطاقة النووية استطاعوا
بعد الحرب تحديد ستة عشر مصنعاً رئيساً كان يجب تدميرها! وعليه فليس هناك
معلومات كافية بما يجري في بقية أرجاء العالم!
ولم ينسَ الكاتب (وزير الدفاع السابق) أن يحرض على روسيا..) إنه في
الوقت الحاضر بالتحديد وليس بعد ثلاث إلى خمس سنوات، أو حتى عقد من
الزمن هناك روسيا التي تمتلك ٢٥ ألف رأس نووي تستطيع تدمير الولايات المتحدة
خلال فترة لا تتجاوز ظهر أي يوم) .
ولأجل التقارير الرسمية، والتحريضية، كان على أمريكا الحد من هذه
الأسلحة التي تؤرقها، فكان ما يسمى بـ (برنامج التعاون من أجل تخفيض الخطر)
في عام ١٩٩١م؛ حيث استطاعت الولايات المتحدة إزالة أكثر من ألفي رأس نووي، وثمانمئة قاذفة قنابل، ومنصة صواريخ في كل من روسيا وأوكرانيا وكازاخستان، وكان ذلك مقابل مساعدات مالية، وهو ما اعتبرته أمريكا إنجازاً ضخماً تفتخر به، فقد صرح وليام بيري قائلاً: إن منع الانتشار يعني شيئاً أكثر من مجرد تفكيك
ترسانة الحرب الباردة النووية، إنه يعني.. (قيادة المعركة) .
كما اتخذت الولايات المتحدة تدابير أخرى للحد من انتشار عدد من الأسلحة،
كاتفاقية خطر الانتشار النووي، والعمل على وضع معاهدة الحظر الشامل للتجارب
النووية موضع التنفيذ، والسعي إلى التصديق على الميثاق الدولي للأسلحة الكيماوية، والعمل على تعزيز ميثاق الأسلحة البيولوجية ونظم السيطرة على تكنولوجيا
الصواريخ، وأخذ المبادرة في سلسلة من التدابير الدولية للحد من تدفق السلع
والتقنيات التي يمكن استخدامها في إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وفرض العقوبات
ضد الدول التي تنزع إلى اقتناء هذه الأسلحة.
كما أن هناك ما يسمى بـ (ديبلوماسية الإجبار) وهي مزيج من التدابير
الديبلوماسية والعسكرية، وهو ما استخدمته الولايات المتحدة في عام ١٩٩٤م من
أجل وقف البرنامج النووي لكوريا الشمالية. وتضمنت التهديدات من جانب أمريكا
ودول أخرى فرض عقوبات اقتصادية ما لم تتوقف كوريا الشمالية عن ذلك البرنامج، وتضمن كذلك الديبلوماسية من الوعود بتقديم مساعدات لإنتاج الطاقة (الكهربائية)
في حال وقف البرنامج النووي كما تستدعي هذه السياسة مضاعفة الوجود العسكري
الأمريكي بالمنطقة؛ إذ يوجد الآن (٤٥) ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية.
كما اتبعت الولايات المتحدة السياسة نفسها مع جنوب إفريقيا حينما أرادت بيع
صفقة من الأسلحة لسوريا، فهددت بقطع المساعدات التي تبلغ قيمتها ١٢٠ مليون
دولار حال تنفيذ الصفقة؛ وذلك لأنها (تعرقل جهود السلام التي تبذلها الولايات
المتحدة في المنطقة) وتعمل على الإخلال بميزان القوى في المنطقة! !
ونختم هنا برأي وليام بيري حول هذه السياسة التي تسمى بـ (الدفاع الوقائي)
إذ يقول: ما من شك في أن الريادة الأمريكية هي التي تجعل الدفاع الوقائي ناجحاً
ومفيداً، سواء كان ذلك في روسيا أو أوروبا أو البلقان أو الأمريكتين أو آسيا
الشرقية والمحيط الهادي؛ إذ ليس هناك بلد آخر له ما لدى الولايات المتحدة من
موارد واردة، ومكانة تتيح لها الوصول إلى سائر أركان المعمورة.. وفي الوقت
نفسه (لا ينبغي لأحد أن يتوهم أن الدفاع الوقائي عمل من أعمال البر والإحسان..
إنما المسألة ببساطة أن الولايات المتحدة تبذل هذا الجهد الخارق والعمل الجاد اليوم، لكي تتقي غداً إراقة دماء أبنائها وإهدار ثرواتها) .
الطريق الثالث للأمركة بالقوة.. (أمركة عسكر العالم) : لم يبق لأمريكا
لأمركة العالم بالقوة غير هذا الطريق الأخير لإحكام حلقة السيطرة والزعامة؛ فكثير
من دول العالم خرجت حديثاً من تحت وطأة الاستعمار الأوروبي، سواء في إفريقيا
أو آسيا أو حتى دول أوروبا التي خرجت حديثاً من تحت الحكم الشيوعي، وهذه
الدول يمثل العسكر فيها نسبة كبيرة وهذه النسبة المرتفعة أدعى إلى نزوع هذه
الدول إلى سياسات إن لم تكن معادية فهي استقلالية، لكن الولايات المتحدة يصعب
عليها وجود دولة لا تدور في فلكها؛ فالدولة إن كانت تحكمها مجموعة مدنية، فلا
بد من المباركة الأمريكية حتى تحظى بالقبول والعضوية في المحافل الدولية، وهذه
الحكومات المدنية كذلك قد تجنح إلى سياسات تخالف التوجه الأمريكي، وأقرب
الطرق للفت الانتباه بأن هذه التوجهات غير مقبولة أمريكياً أن يأتي من الداخل عن
طريق المجموعات العسكرية المؤمركة، سريعة الاستجابة للأوامر الخاصة.
كما أن وجود العسكر المؤمرك أدعى لتمرير صفقات عسكرية أمريكية؛ إذ إن
السلاح الأمريكي وقتئذ هو الأكفأ والأقدر في القتال، كما أن وجود هذا الصنف من
العسكر أداة للتلويح للدول المجاورة المخالفة للسياسات الأمريكية، وخاصة إن كانت
هذه المجموعات في دولة كبيرة لها وزنها السياسي أو السكاني أو الاقتصادي
وتتوسط منطقة تعج بالمصالح الأمريكية.
ولقد دأبت الولايات المتحدة على استخدام نفوذها على المؤسسات المدنية
والعسكرية في الدول الحديثة الاستقلال، من خلال علاقات عمل منظمة مع
الشخصيات المهمة في تلك المؤسسات؛ ومما سهل هذه المهمة، تلك القناعة بأن
القوات المسلحة الأمريكية هي أفضل نموذج يحتذى به!
فلدى الولايات المتحدة البرنامج الدولي للتدريب والتعليم العسكري، وهو
برنامج مشترك لوزارتي الدفاع والخارجية يكفل لضباط من الاتحاد السوفييتي
وحلف وارسو سابقاً ومن دول أخرى، الالتحاق بالمؤسسات والمعاهد الأمريكية
لدراسة أسس العلاقات المدنية العسكرية، وهناك مراكز أخرى للتدريس في كل من
ألمانيا وآسيا.
كذلك من الوسائل في هذا المجال.. تكوين فرق مكونة من ضباط ومجندين
أمريكيين وموظفين مدنيين من وزارة الدفاع يوفدون إلى تلك البلدان لمساعدة
حكوماتها على بناء مؤسسات عسكرية محترفة عصرية، تحت قيادة مدنية، وقد
أقامت تلك الفرق آلاف الصِلات مع أكثر من عشرة بلدان مستقلة حديثاً.
ويحصل الأمريكان من خلال ذلك على الاطلاع المباشر على الخطط
والسياسات العسكرية لهذه الدول مما يجعل الصورة أكثر وضوحاً، ولا تبقى هناك
حاجة إلى أقمار صناعية أو أجهزة استخباراتية.
الأمركة بالدولرة: لم يكن في الإمكان أن تصبح الولايات المتحدة أقوى دولة
في العالم لو لم يكن لها اقتصاد قوي يلبي الاحتياجات الداخلية للدولة، وتستطيع من
خلاله السيطرة على الأسواق العالمية بإغراقها بالمنتج الأمريكي. وإن أي دولة لا
يمكن أن تتحكم في سيادتها وقراراتها ما لم تكن في غنى عن المساعدات والمنح
والقروض. وكما أوردت من قبل، فإن الحرب العالمية كانت من أعظم الفرص
التي استغلتها أمريكا، فكان انقسام العالم إلى معسكرين: رأسمالي، واشتراكي
حافزاً قوياً في جعل الدول الغربية ذات النظام الاقتصادي الحر تقبل الانضواء تحت
المظلة الأمريكية؛ وترتضي ذلك مع إدراكها لخطورة ما تحمله من الهيمنة
الأمريكية، فلقد خرجت الولايات المتحدة أقوى دولة اقتصادية، وأكبر دولة دائنة،
وأوربا بكاملها كانت مدمرة من آثار الحرب، وكانت المصانع الأمريكية والتي
كانت بمعزل تام عن الحرب ورشة كبيرة تقذف ببطونها إلى أوروبا، وحتى بعد
انتشار الحرب كانت أوروبا في حاجة إلى إعادة إعمار شامل، ولم يكن هناك من
يستطيع تلبية كل الاحتياجات هذه وقتها غير أمريكا، التي لم تتأخر عن تلبية
الدعوات، فهي فرصة لن تعوض لتحقيق مخططات الأمركة.
وفي عام ١٩٤٧م عقب الحرب أعلن هاريس ترومان: إذا لم تتحرك
الولايات المتحدة للزعامة ... تعرض السلام العالمي للخطر..، أما كريستوفر
فيشرح تلك الحقبة وما تداعى فيها من اختلاف وجهات النظر الأمريكية حول
السيطرة أو التنحي: (عند نهاية الحربين العالميتين كنا أمام طريقين: أن نعلن
الانتصار وننسحب، أو نسعى بقيادة الولايات المتحدة إلى بناء عالم أكثر أمناً
وسلاماً وحرية وازدهاراً لأمريكا وللناس في كل مكان، فبعد الحرب العالمية الأولى
وقع اختيار قادتنا على الطريق الأول، فدفعنا ثمناً مرعباً، وإن كلاً من هاري
ترومان وجورج مارشال وآرثر فاندبرنج مع الشعب الأمريكي تصرفوا بحكمة حين
اختاروا الطريق الثاني) كان هذا التوقيت فرصة لتغيير المفاهيم الاقتصادية العالمية، فبعد أن كان الذهب هو الأساس لقياس قيمة العملات بما هو حجم المودع منه في
البنوك مقابل ما يطرح في الأسواق من نقود، فقد حل الدولار العملة الرسمية
الأمريكية محل الذهب في ذلك، وأصبح عملة عالمية يجب التعامل بها دولياً، بل
إن سعر الذهب ذاته أصبح يحدد بالدولار، وأصبح الاحتياطي المالي للدول يقاس
بكمية الدولارت المخزنة في بنوكها المركزية!
وعلى الطريقة العسكرية كان لا بد من السيطرة على الأسواق العالمية
والاقتصاد العالمي كاستراتيجية مهمة، لبناء أمريكا وقوتها، وأمركة العالم، وهو ما
يمكن أن نجمله أيضاً في أساليب ثلاثة.
الأساليب الأمريكية لدولرة العالم:
١- السيطرة على الأسواق العالمية: نحن نريد العالم سوقاً ضخمة أو (سوبر
ماركت) فيه كل شيء، ونحن الذين نسيطر عليه! ! كان هذا من تصريحات أستاذ
السياسة الدولية بنجامين سوارتز، مختصراً به السياسة الأمريكية، ومبسطاً منهجاً، ومُجَلِّيه للناس دون مواربة ولا خجل، ويضيف: الاستراتيجية الاقتصادية
الأمريكية (منذ خمسين سنة) هي أننا نريد العالم كله سوقاً تحت سيطرتنا، ولا بأس
أن نأخذ من هذا، ونعطي هذا. وهذه السياسة تزيل العجب الذي قد يبدو من إنفاق
الولايات المتحدة المليارات لحماية اقتصاد ألمانيا واليابان! رغم طاقتهما الاقتصادية
والمالية، ولكن عدم رغبة واشنطن في أن تتولى الدولتان الدفاع الذاتي عن
مصالحهما الاقتصادية، كي لا تزداد قوتهما على الصعيد الدولي، ويصبحا منافسين
قويين لأمريكا.
٢- المساعدات الاقتصادية والقروض (المربوطة) : لماذا تقدم أمريكا
المساعدات الاقتصادية؟ ولماذا قدمت مساعدات لدول غرب أوروبا عقب الحرب
العالمية الثانية من خلال (مشروع مارشال) ؟ ولماذا أعلنت (مشروع دودج) بتقديم
مساعدات اقتصادية لليابان؟ تأتي الإجابة أيضاً من سوارتز: كنا نريد مساعدتهم
ليصبحوا جزءاً من سوق مفتوحة؛ لأننا كنا نخاف أن ينغلقوا على أنفسهم، أو
يصبحوا كتلة اقتصادية، بعد أن أخفقوا ككتلة عسكرية، ولتزدهر المصانع اليابانية
ولتنقل السفن البضائع اليابانية إلى العالم كله، ولكن يجب ألا ننسى أن اليابان
جزيرة صغيرة، وسنظل نملك اليد العليا ما دام أسطولنا البحري، هو الذي يحمي
سفن البضائع والسفن الأخرى التي تستورد البترول.
المصلحة.. سياسة واحدة، وفكر واحد يحكم الولايات المتحدة، وبمقارنة
بسيطة بين المساعدات المالية للكيان اليهودي البالغة ٣. ٢ مليار دولار سنوياً،
وبين ٤٧ بلداً إفريقياً يمثل سكانها ١٥% من سكان العالم، و٢٠% من كتلته
الأرضية، تقدم لها مساعدات سنوية قيمتها ٦٣٠ مليون دولاراً فقط.. فبقاء الكيان
اليهودي مصلحة استراتيجية لأمريكا، أما إفريقيا، فلا تمثل في الغالب إلا تأثيرات
هامشية على المصالح الأمريكية، على حد تعبير روبرت دول.
كذلك فإن المساعدات الأمريكية دائماً ما تكون (مربوطة) أي إن هذه
المساعدات المالية ليس للدول الممنوحة لها حتى التصرف فيها حسب احتياجاتها،
بل هي تأتي محددة؛ فالدولة الآخذة في حاجة إلى إقامة مشاريع صناعية أو تنموية، أو زراعية لكي تطعم شعبها، فتأتي المساعدة مشفوعة بقولهم: إنكم في حاجة إلى
تحديد النسل؛ لأن مشاكلكم كلها منبعها الزيادة السكانية الرهيبة التي تعيق برامج
التنمية، وتأكل الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر ولا تسمح بأي تحسن في
الحالة الاقتصادية، وهكذا فالمساعدات تمنح للدول التي تحتاج إليها حسب المصلحة، ... سواء كانت جلية بينة، أو خفية يمكن تأويلها على أنها ... صدقة جارية! !
أما الدول التي لا تحتاج إلى مساعدات أمريكا المالية، فلها أن تستغني كيف
شاءت، لكن دون تهديد مصالح أمريكا.
أما الدول التي بين هؤلاء وأولئك، وما زالت في طريق النهوض؛ فلها
الطريق الثالث وهو العقوبات الاقتصادية.
٣- العقوبات الاقتصادية: نجح الأمريكيون في أن ينشئوا منظمات عالمية
اقتصادية تحقق أهدافهم، وأن تكون الإدارة فيها أمريكية، أو ذات أغلبية أمريكية
(مؤمركة) يحق لها حسم الخلافات لصالح أمريكا، ووضعت هذه المنظمات العالمية
كصندوق النقد الدولي، أو البنك الدولي الأسس والضوابط للقروض والمعونات
والبرامج الاقتصادية الإصلاحية، وتم إعطاؤها الصفة الدولية حتى تخرج أمريكا
من دائرة اللوم، وأصبحت تقارير هذه المنظمات هي المعيار الرسمي الدولي
الحقيقي الملزم للجميع، والشذوذ عنه، شذوذ عن الشرعية الدولية يترتب عليه
عقوبات اقتصادية إضافة إلى عقوبات سياسية من منظمات مؤمركة أيضاً كمجلس
الأمن، والأمم المتحدة؛ وما معنى وجود كل هذه الدول في الأمم المتحدة أوغيرها
من المنظمات، وما الفائدة من تصويتها، إن كانت أمريكا تمتلك حق النقض (الفيتو) لأي قرار لا تراه مناسباً! ؟
ولم تكتف الولايات المتحدة بتلك العقوبات الدولية، بل تعدت ذلك إلى إصدار
عقوبات من جانب واحد؛ فهي تعتبر أنه لا فرق بين التدويل والأمركة، فالأمر
سواء.
وقد عبر (جيري جاسنيوكي) رئيس جمعية الصناعيين الوطنية بأمريكا عن
هذه العقوبات الفردية بقوله: ثمة فكرة تشبه ما يصدر عن شخص تنتابه نوبة
غضب وانفعال، مفادها أن على الأمريكيين أن يفعلوا أي شيء ولو أضر بهم، إن
ما نود أن نقوله اليوم: أن هذه العقوبات لا تفيد ولا تخدم غرضاً، فهي تُغيّر سلوك
الدول المستهدفة.
وقد أصدرت منظمة أمريكية رئيسية تقريراً أدرجت فيه ٦١ قانوناً ومرسوماً
أمريكياً صدرت بين عامي ٩٣ ٩٦م منحت فيه الحكومة الأمريكية سلطة فرض
عقوبات من جانب واحد خدمة (لأغراض سياسية) ، هذه الإجراءات تستهدف خمساً
وثلاثين دولة.. تضم ٢. ٣ مليار نسمة من مستهلكي السلع والخدمات الأمريكية،
أي ما يعادل ٤٢% من سكان العالم. وتتخذ أمريكا هذه الإجراءات وهي على قناعة
تامة بالقدرة على تنفيذها، وانصياع تلك الدول لها.
حجج العقوبات الاقتصادية: لا زالت أمريكا تتظاهر باحترام عقل الإنسان
وعواطفه، فليس من المعقول فرض عقوبات دون مسوغات أو أسباب تؤدي إليها!
! وقد تم تقسيم حجج العقوبات الاقتصادية إلى أربعة أقسام:
١- إعلاء شأن حقوق الإنسان والديمقراطية: وقد تم اتخاذ ٢٢ تدبيراً في ذلك
مع ثلاث وعشرين دولة، منها: البوسنة، بورما، أنجولا، بورندي، الصين،
كرواتيا، كوبا، نيجيريا، هايتي.
٢- مكافحة الإرهاب: وتم حتى الآن استصدار ١٤ قانوناً ومرسوماً تنفيذياً
بغية مكافحة الإرهاب، واستهدفت هذه القوانين عدة دول منها: كوبا، إيران،
العراق، ليبيا، نيكاراجوا، السودان، سوريا.
٣- الحيلولة دون انتشار التسلح النووي: واستهدفت الإجراءات الخاصة بهذا
البند كل من الصين وإيران وكوريا الشمالية، وباكستان.
٤- حقوق العمال ومحاربة المخدرات، وحماية البيئة والحيلولة دون العمل
بنظام الأشغال الشاقة في السجون: وقد تم فرض عقوبات في أغسطس ٩٥م على
عدة دول، منها الإمارات، وقطر، وهي سوق بلغت قيمة الصادرات الأمريكية
إليها عشرة بلايين دولار عام ٩٦م وتضمنت هذه العقوبات تعليق العمل بتقديم (هيئة
الاستثمارات الخاصة خارج الولايات المتحدة) ضمانات مقابل المخاطر الجديدة
للمستثمرين الأمريكيين في الدول العربية.
نماذج سريعة للعقوبات الاقتصادية: لن نتعرض للنموذج العراقي؛ فالحالة
العراقية لا تخفى على أحد، ويكفي أن أمريكا حتى الآن هي المعرقلة لإكمال
مشروع (النفط مقابل الغذاء) وذلك لأن العراق ليس على استعداد الآن لاستقبال
شركات أمريكية مرة أخرى، وما دامت أمريكا غير منتفعة، فلماذا يتم الاتفاق
بسهولة؟ !
وأيضاً لن نعرج على ليبيا، التي أثبتت الوثائق البريطانية أنها ليس لها دخل
في حادث تفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكيربي؛ فأمريكا أصدق من بريطانيا ولا
شك، ولن نشفق على السودان فهي كما ترى أمريكا دولة إرهابية تستحق كل ما
يحدث لشعبها من حرب وجوع! !
نيجيريا والعقوبات الاختيارية: ذكرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز أن وارن
كريستوفر وزير الخارجية السابق منزعج جداً من جراء عدم تقدم العملية
الديمقراطية في نيجيريا [سكان نيجيريا ١٢٠ مليون، ٧٥% مسلمون] ولأجل هذا
الانزعاج فقد تم فرض عقوبات عدة على نيجيريا وهي ما يلي:
١- تجميد أصول نيجيريا في الولايات المتحدة.
٢- منع أي استثمارات جديدة هناك.
٣- قطع الروابط الرياضية بين البلدين.
٤- منع إصدار التأشيرات للنيجيريين.
٥- منع تصدير الأسلحة والخدمات العسكرية.
٦- معارضة أية قروض أو اعتمادات من قبل صندوق النقد الدولي.
٧- عدم الموافقة على المشروعات النيجيرية المقدمة للمؤسسات المالية الدولية.
لكن أمريكا لم تفرض أية عقوبات نفطية على نيجيريا؛ لأنها تشتري ٤٠%
من صادراتها النفطية وهو ما يمثل ٨% من واردات النفط الأمريكية.
روسيا البيضاء وعقوبات اختيارية أخرى: خفضت الولايات المتحدة علاقاتها
مع روسيا البيضاء بسبب ما وصفته بـ (تحول خطير في حقوق الإنسان) والذي
تمثل في القيود الشديدة على حرية التعبير وتفتيش مكاتب الأحزاب السياسية
المختلفة، وأوضح مسؤولون أمريكيون أن هذا يعني أن أمريكا لن تكون مستعدة
لمناقشة أي قضايا مع روسيا البيضاء (سوى تلك التي تهم الولايات المتحدة بشكل
مباشر) .
ونسائل أمريكا عن حقوق الإنسان: ماذا عن حقوق البشر (الإرهابيين
الأصوليين) ، بحسب معاجمكم، المرتهنين في سجون الدول الصديقة بلا تهمة ولا
جريمة؟
ونختم بهذا الخبر التي أوردته وكالة رويتر الذي مفاده: أن منظمة العفو
الدولية حذرت الشرطة ومسؤولي السجون في شتى أنحاء العالم يوم ٤/٣/١٩٩٧م
من خطر استخدام أجهزة التعذيب والصدمات الكهربائية في العالم، وذكرت أن
الولايات المتحدة هي (أكبر منتج لأجهزة التعذيب الكهربائية في العالم) وأن فرنسا
تساهم في تطويرها.
[جريدة البيان الإماراتية، ع/٦١٠٤/٥/٣/١٩٩٧م] .
وبالمصلحة، والعسكرة، والدولرة.. تمت حلقات سياسة الأمركة، وإلى هنا
تبدو الصورة وردية جداً، متفائلة جداً، مناسبة جداً لاستمرار الحلم الأمريكي!
لكن السنن قد تقول خلاف ذلك، والعالم لن يقف متفرجاً كثيراً؛ فهناك
سياسات معادية لأمريكا، وهناك منافسة قوية لأمريكا في كل شيء، وهناك الأهم:
الدمار الأمريكي في كل شيء، والفشل الأمريكي في كل شيء، فإن كانت أمريكا
تدور حول مصلحتها؛ فهناك القوة العسكرية التي بدأت في التراجع، وهناك
الاقتصاد المشرف على الانهيار، وهناك التخلف التقني والتكنولوجي، وهناك
الدمار الاجتماعي بكافة مجالاته.
وبالجملة: فهناك نهاية لأمريكا.. وليس نهاية للتاريخ كما يزعمون-
стр. 2621
المسلمون والعالم
تقرير دعوي
عن مسلمي ديفوسي في جنوب الفلبين
بقلم:سعود بن محمد آل عوشن
مدخل:
يبلغ عدد سكان الفلبين حوالي خمسة ملايين نسمة، وقد دخلها الإسلام في
القرن الثامن الهجري وواجه السكانَ المسلمين من قبل المحتلين استئصال واسع،
وقاموا بتنصيرهم حتى لم يعد عدد المسلمين بها يمثل سوى ١١% وبخاصة في
الجنوب حيث يكون تجمّع المسلمين هناك. وديفوسي ضمن محافظة دابار الجنوبية، وهي أكبر مدينة في هذه المحافظة بعد مدينة راباو.
وهذه المدينة كثيرة السكان، ومعظم توابعها من النصارى إلا أن المسلمين
وإن كانوا في الأصل أهل البلاد فقد اضمحلوا وانطمسوا بالجهل والضعف
والتنصير؛ فأصبحت حالهم لا تسر؛ إذ يظن الزائر لهم أنهم نصارى لعدم وجود
مميز؛ فالرجال مثل النصارى، والنساء كذلك، وأماكن العبادة نادرة؛ بحيث لا
يظهر إلا عدد من الجوامع.
دور العلم:
يوجد فيها معهدان: أحدهما معهد ديفوس الإسلامي، والثاني معهد منداناو
الإسلامي، ويبلغ عدد الطلبة في كل منها ما بين ٢٠٠ -٣٠٠ طالب وطالبة،
ويدرس فيها من مرحلة الروضة إلى نهاية الثانوية العامة، كما يوجد عدد من
المدارس الإسلامية منتشرة في أحياء المسلمين وقد تبلغ عشرين مدرسة ولكنها لا
تغطي سوى ١٠% من الأحياء الإسلامية.
المقررات الدراسية:
تسير معظم المدارس في مقرراتها الدراسية على مناهج الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة في مراحلها الأولى.
الدعوة:
هناك عدد من الجمعيات الخاصة بالدعوة والتعليم، ولها مدارسها، وأكبر هذه
الجمعيات جمعية العلماء التي شكلها الدعاة المتخرجون من ليبيا، إلا أن نشاطها
الدعوي أقل مع اهتمامهم بالمواسم البدعية مثل الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة
النصف من شعبان، وليلة الإسراء والمعراج، وغيرها.
حاجة البلاد:
لا شك أن البلاد في حاجة إلى الدعوة، والتعليم الإسلامي بصورة خاصة،
وهي ذات مناخ مناسب للدعوة الإسلامية، والمسلمون سئموا من المبتدعة، وهم
يبحثون عن العودة إلى الإسلام من جديد؛ إذ يعيشون خواء نفسياً وفراغاً روحياً؛
ولذا نجدهم يبحثون عن أصالتهم وإثبات شخصيتهم ووجودهم الإسلامي؛ فهم في
دوامة فكرية، وقد يتبعون أي ناعق، ولكن ولله الحمد فإن أهل الضلال في هذه
المنطقة بعيدون عنهم.
وقد يستشرف القارئ المهتم بالدعوة في هذا المكان إلى معرفة الطريق الذي
يسلكه للإسهام بالمسؤولية والعمل على أداء الواجب المفروض على كل فرد.
فنعرض فيما يلي بعض من الوسائل والطرق التي يمكن أن يسلكها من يؤدي
دوره الدعوي كما يلي:
١- ضرورة دعم الدعاة هناك بالكتب والمراجع الإسلامية باللغة العربية؛
ويحسن أن تكون على شكل مكتبة صغيرة توضع في أحد المعاهد الإسلامية القائمة
حتى يرجع الجميع إليها.
٢- بدعم الدعاة والطلبة بالكتيبات الصغيرة باللغة العربية واللغات المحلية
التي تبحث في مواضيع العصر؛ لزيادة معلوماتهم وثقافتهم حول أوضاع المسلمين
وتعاليم دينهم.
٣- أهمية نشر الكتيبات الإسلامية والمطويات مثل كتاب التعريف بالإسلام
لفهد المبارك، وكتاب التوحيد وتعليم الصلاة وغيرها بلغة التجالو.
٤- يحسن ابتعاث أعداد من الطلبة إلى البلاد العربية وتعليمهم العلم الشرعي
بها؛ على أن يُتابَعوا أثناء التعليم، ويُوجّهوا إلى التزود بالمعلومات والتطبيق
بصورة أعلى؛ حتى يكونوا قدوة لمجتمعاتهم.
٥- اختيار بعض من الطلاب المتخرجين من الثانوية العامة وإعطائهم منحاً
دراسية في الكليات الإسلامية بمدينة مراوي فذلك من أسهل الطرق وأوفرها.
٦- اختيار مجموعة من الطلبة من المراحل الابتدائية أو المتوسطة ونقلهم إلى
إحدى المعاهد الإسلامية التي تقع في وسط إسلامي وتحظى بتربية أعلى ضمن
الطلبة البارزين في تلك المعاهد، مع تحمل نفقاتهم المعيشية والدراسية وهي قليلة
نسبياً.
٧- يحسن وضع حوافز للطلبة الموجودين بالمعاهد والمدارس القائمة في حالة
التزود بالمعلومات بصورة أعلى؛ كمن يحفظ من القرآن أكثر وكذلك من الحديث،
ومن يتقن العربية أو يجيد الخطابة أو غير ذلك؛ مما يساعد على زيادة الحصيلة
العلمية.
٨- منح حوافز لمن يزداد علماً من المدرسين والدعاة إذا قدّم ما يثبت ذلك من
ملخصات أو بحوث أو نقاش أو غير ذلك.
٩- يركز في التوعية على الجوانب التربوية والتطبيق العملي للإسلام وإيجاد
المسلم الحق.
١٠- يشكل الجهاز المشرف على هذه الأعمال من خيرة أعضاء الجمعيات
القائمة وذلك عن طريق الترشيح لأول مرة، ولمدة لا تتجاوز سنة، وبعدها
بالانتخاب إن ثبت جدوى ذلك، وإلا فبالترشيح لكن لمدد قصيرة دائماً حتى يكون
التجديد دائماً والجهد مشتركاً وليسلم من الاستبداد في السلطة السائدة في الجمعيات
القائمة.
١١- يمكن دعم المعاهد القائمة بمدرسين أكفاء؛ وذلك بكفالتهم وتحديد
مجالات أعمالهم.
١٢- إقامة ندوات توعية لإيضاح الإسلام وتبيانه بالأسلوب الملائم لهذا
المجتمع.
١٣- وضع برنامج وعظ محدد ومنظم للكبار المتعلمين بالمنطقة في أحيائها
الإسلامية ومدارسها ومساجدها، ويركز على التطبيق العملي للإسلام في الآداب
والأخلاق والمعاملات.
هذا ونسأل الله التوفيق والسداد للعاملين في أي مكان وزمان، وأن يبصر
الجميع إلى ما يُظهر دينه على الدين كله ولو كره الكافرون؛ إنه سميع مجيب
وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2622
في دائرة الضوء
نقد الكتابات الإسلامية
بقلم:. أحمد إبراهيم خضر
قبل منتصف الثمانينات كتب أحد الباحثين وهو الدكتور (محيي الدين عطية)
ما نصه: (في الساحة الإسلامية عدد محدود يملك التأثير بكتبه وصحفه في الملايين
من أبناء الأمة الإسلامية على اختلاف مواطنهم وألسنتهم، ومن هؤلاء علماء وفقهاء
وناشرون وصحفيون وزعماء ومفكرون، كما إن منهم من ليس من هؤلاء ولا من
هؤلاء ولكن الظروف دفعت بأسمائهم بين هؤلاء فاعتلوا الموجة معهم.
وأصحاب الريادة الفكرية هؤلاء عن جدارة أو عن غير جدارة، بأيديهم أن
يتقوا الله في هذا الجيل، وأن يتخلوا عن السطحية والارتجال، وأن يكفوا عن
دغدغة العواطف وعن الاستهانة بعقول القراء.. وألا يكتفوا بالنظر تحت أقدامهم،
وإنما عليهم أن يحسبوا ألف حساب لما يمكن أن يترتب على إطلاق ما لديهم من
إرشاد أو توجيه؛ فالكلمة ملك لصاحبها قبل أن يخرجها للناس، فإن خرجت فهي
التي تملكه ولا سلطان له عليها في تفسير أو تأويل) [١] .
ويفسر الدكتور (عطية) ما يدعوه بالسطحية في الكتابات الإسلامية فيقول:
(والأسباب وراء هذه الظاهرة كثيرة لعل أهمها هو سهولة الكتابة فيما يجب أن يكون، وصعوبتها في كيفية وضعه على الطريق العملي الواقعي، فالأولى تكفيها العودة
إلى المراجع، والثانية تتطلب المعايشة الواقعية للواقع والإلمام الكافي بالبدائل
والخبرة المتخصصة بالداء والدواء) [٢] .
إن الأمر يحتاج ونحن الآن في أواخر التسعينات إلى إعادة النظر في هذه
الانتقادات التي يمكن حصر أهمها على النحو التالي:
١- أن الكتاب الإسلاميين يحرصون سواء في كتبهم أو مقالاتهم الصحفية أو
البحوث التي يطرحونها في المؤتمرات على الاختلاف عن الآخرين والتحصن خلف
جدار فكري ولغوي منيع، والعمد إلى الإيحاء بأنهم يقولون شيئاً جديداً، وإلى أن
ثمة فروقاً كبيرة بين مقولاتهم ومقولات الآخرين.
وتفسير ذلك يعود إلى:
أ - الإحساس بالتعالي على الكتابات العلمانية.
ب - العزوف عن التعمق الواعي بقضايا الإنسان المعاصر، لما يتطلب ذلك
من جهد وممارسة ومعاناة.
ولهذا لا يوجد في الكتابات الإسلامية إلا ما ندر تصدٍ للمشكلات الواقعية كما
يجب أن يكون التصدي، وما يغلب على هذه الكتابات هو هروب مقنع خلف
عموميات يسلم بها الجميع، وتهويم في خيالات ومثاليات تدغدع العواطف ولا تقدم
الحلول.
٢- أن الانتشار السريع لكلمة (إسلامي) التي ظهرت على أغلفة الكتب مشيرة
إلى المنظور الإسلامي للاجتماع والاقتصاد والتربية وعلم النفس والفنون والآداب
بل والطب والمحاسبة والإحصاء قد لا يعني إلا استغلالاً لصفة المنظور الإسلامي
أو الدراسة المقارنة؛ فكثير من هذه الكتب ليست في حقيقتها إلا انتقاء لبعض
النصوص التي تحث على أخلاقيات عامة يحسن أن تتخذ لها مكاناً في كتب التوجيه
والإرشاد، كما أنها ليست إلا مجرد حشد قلّ أو كثر لممارسات تاريخية تندرج
تحت التاريخ الاجتماعي ولا تقترب من التحليل والمقارنة، ولا تمثل اجتهاداً، ولا
تضيف علماً ينتقل به القارئ خطوة جديدة إلى الأمام.
ويفسر ذلك بأن إنشاء الأقسام العلمية في الجامعات التي تضيف صفة إسلامي
إلى جانب مجالها الأصلي كالأدب وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والتربية دفع
عدداً من المتخصصين إلى الإسراع في تغطية المناهج المطلوبة أو إنشائها من العدم
إما تلبية لحاجة الطلاب إلى المعرفة، وإما تأهيلاً لأنفسهم لاتخاذ مواقع مبكرة في
هذه الأقسام في بعض الجامعات العربية؛ وقد أدى ذلك إلى سيل من الكتب الجامعية
تفتقر إلى الحد الأدنى من المستوى العلمي المفترض تقديمه إلى الطلاب فضلاً عن
أنها وقفت عاجزة عن مواكبة حركة التأليف الجامعي ذات التاريخ العتيد أو
المترجمة عن الفكر العالمي المتطور.
٣- أن معظم الإنتاج الإسلامي الموجه إلى عامة القراء أكثر افتقاراً إلى
المنهج وأشد تواضعاً في مضمونه الفكري.
٤- أن في بعض الكتابات الإسلامية طعناً في شخصيات الآخرين أو في
فكرهم بالاستدلال على أعمالهم السابقة وإسقاط ماضيهم على حاضرهم؛ فتكون
الكتابة هنا مركزة على الشخص ذاته مما يعني استخدام سلاح يشهره من ضعفت
حجته، وعزت عليه الأدلة والشواهد؛ بالإضافة إلى افتراض أن الناس لا
يتحركون ولا تتطور أفكارهم، وأن ما قاله كاتب في مرحلة سابقة لا يجوز له أن
يعدل عنه في مرحلة لاحقة.
٥- أن الكتابات الإسلامية تسيطر عليها فكرة الحقيقة الواحدة التي لا ثاني لها، وأن الكاتب تتملكه هذه الفكرة بحيث يستحيل أن يتصور معه صواب الرأي
والرأي الآخر معاً في إحدى القضايا وجواز خطئهما في قضية أخرى وإن اتفقا.
ويتقدم صاحبنا خطوة كبيرة هنا في انتقاداته للكتابات الإسلامية فيتهم أصحابها
بالانغلاق الفكري الناتج عن فقدان الإرادة القادرة على التفاعل مع الثقافات الأخرى، وفقدان التمييز بين ما يؤخذ منها وما يترك، يقول الكاتب ( ... فيكون المهرب
والملاذ هو إغلاق النوافذ جميعاً وتضييق دائرة الحوار حتى نرى بين أيدينا كتباً
تقذف بها المطابع كل يوم وصحفاً ومجلات يصدرها الإسلاميون بغية نشر دعواتهم
بين الناس، ولكنها لا تعدو أن تكون حواراً مع النفس أو حديثاً داخلياً يحدِّث بعضهم
بعضاً به، لا يهم غيرهم، ولا ينفعل به أحد، وما إلى ذلك لانفصالهم عن الفكر
المعاصر وقضاياه، ورفضهم للتفاعل معه إلا في النادر الذي لا حكم له) .
ويستشهد برأي الدكتور (رضا محرم) الذي يفسر موقف الإسلاميين هذا بأنه
ناتج عن الإحساس بالدونية أمام فاعلية أفكار الآخرين؛ مما يدفع إلى الرفض
العصبي لهذه الأفكار وما يسميه بالإحساس الكاذب بالاستعلاء على أفكار الآخرين
وثقافتهم [٣] .
٦- الكتاب الإسلاميون كما يرى الدكتور (جمال عطية) :
أ - يكتبون عن الجهاد، ولا يهتمون بقضايا تحرير الأمم والشعوب المستعمرة
أو المستغلة لحكامها المسلمين، ولا تستثيرهم قضايا حقوق الإنسان المهدرة في كل
مكان.
ب - يكتبون عن الزكاة ولا يدرسون نظم العدالة الضريبية والتأمينات
الاجتماعية والخدمات العامة التي تتسابق الدول في تطويرها وبسط ظلالها.
ج - يكتبون عن الربا ولا يبحثون في أزمة النقد العالمية ومشكلة الديون
الدولية وحيرة الفوائض النفطية.
د - يكتبون عن المرأة والطلاق وتعدد الزوجات، ولا ترى لهم إسهاماً في
حل القضايا المعاصرة للمرأة والطفولة والشباب أو متابعة للحركات التي تعمل
للإصلاح أو الإفساد في هذه المجالات.
هـ- يبحثون في فكر المعتزلة والأشاعرة والصوفية والباطنية ولا تثير فيهم
الإلحادية والوجودية والماركسية التي تغزو العقول اليوم أي اهتمام ببحثها ومناقشتها
ومتابعة حركتها وانتشارها.
ويكتبون في المضاربة والمرابحة، وفي الحدود والتعازير، وفي الحسبة
وفي المظالم ... إلخ ولا يعتبرون ما استحدث من عقود المعاملات والجرائم
والعقوبات ونظم الرقابة الإدارية والمحاكم الدستورية والقضاء المستعجل وشرطة
الآداب والسياحة ... إلخ؛ ولو من باب المصالح المرسلة وتغير الأحكام بتغير
الأزمان.
ز يكتبون في الدعوة والداعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما فنون
الدعاية والإعلام الحديثة ووسائل الاتصال الجماعية، وإمكانات شراء أو تأجير
محطات تليفزيونية وإذاعية حرة؛ ناهيك عن الصحافة والنشر بأساليبها المتطورة؛
فليس لهم في هذا الميدان سوى دور (الإسهام السلبي) بالقراءة والمشاهدة
والاستماع [٤] .
لا شك أن قَدْراً من هذه الانتقادات صحيح، وخاصة فيما يتعلق بإضافة
المنظور الإسلامي إلى كتابات قد لا تكون إسلامية أصلاً [٥] ويشارك هنا جمال
ومحيي الدين عطية الكُتّابَ الماركسيين في هجومهم على هذا النوع من الكتابات
فيطلقون على كُتّابها صفة: (الإسلاميين الانتقائيين) الذين يضعون المشروع القديم
نفسه في أكواب جديدة دون تغيير المفهوم؛ فالمفاهيم الغربية نفسها توضع عليها
ملصقات إسلامية، كما اتهموهم بعدم الأصالة وبعدم الاتساق الفكري وتحولهم في
فترة زمنية قصيرة من اتجاه ومدارس متناقضة تماماً مع هذا الاتجاه الجديد، وأنهم
شديدو العمومية يجمعون ما لا يأتلف بحيث يصلح لأي فكر أو عقيدة غير
الإسلام (٥) .
ونحن متفقون على أن هذه الكتابات ليست إلا هزلاً فارغاً لا يليق بجدية هذا
الدين، وجهلاً فاضحاً بطبيعته، وأن المسألة بالنسبة لأصحابها مجرد حرفة
وصناعة، والكلمة كما يقول العلماء (لتنبعث ميتة وتظل هامدة مهما تكن طنانة
رنانة إذ هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها) .
أما القدر الآخر من هذه الانتقادات فإنه لا يصح إلا في حدود ما اطلع عليه
الكاتبان ولا ينسحب على ما لم يطلعا عليه، كما أنه مقيد بالفترة الزمنية التي كتبا
فيها هذه الانتقادات، وباختلاف النظرة بينهما وبين غيرهما في مدى الأهمية
والحاجة والأولوية للموضوعات التي تصورا أن الإسلاميين قد أغفلوها.
إن الأمر ليس مجرد الكتابة في قضايا فرضت نفسها على الساحة (كنزع
السلاح وغزو الفضاء وتلوث البيئة والانفجار السكاني ... إلخ) ، إن لم يكتب فيها
الإسلاميون فهم غائبون كما يرى الدكتور (جمال عطية) .
وليس الأمر مجرد الأخذ بالحلول التي وجدها الغربيون صالحة لهم ويجب
علينا أن نأخذ بها من باب المصالح المرسلة وتغير الأحكام بتغير الزمان كما رأى
أيضاً!
المفروض علينا أن ندرس مشاكل مجتمعنا الحقيقية، ونستنبط لها حلولاً،
ونبحث لها عن أحكام في الكتاب والسنة؛ لا أن نأخذ حلول الغرب لمشاكله (التي لا
تقع إلا فيه ولا تتسق إلا مع طبيعته) ثم ننظر إليها على أنها حلول إسلامية وأن
الإسلام لا يمنعها؛ فهذا هو الانحراف بعينه عن شريعة الإسلام.
يأخذ الدكتور (جمال عطية) على الإسلاميين أنهم لا يكتبون في قضايا مثل
(حقوق الإنسان) مثلاً، ولا يضع في اعتباره أن حقوق الإنسان باعتراف واحد من
أشد المفكرين تخريباً في عقيدة الإسلام ورغم ذلك يُدعى بالمفكر الإسلامي جُهد
تاريخي قامت به الذات الأوروبية على ذاتها ومن صراع توتري هائل بين العقل
المسيحي والعقل العلمي؛ إضافة إلى أن لـ (حقوق الإنسان) معنى بالنسبة إلى
الإنسان الأوروبي؛ لكنها في عالمنا الإسلامي ليست أكثر من مجرد ترف وزينة
يتحلى بها المثقفون العرب، والجماعات المسيّسة تستخدمها لأغراض لا علاقة لها
بالإنسان وحقوقه تنقلها جاهزة من الغرب وتلصقها لصقاً بما يسمى بالخطاب
السياسي العربي والمعطيات الراهنة للمجتمعات الإسلامية [٦] .
ولكن: هل أخرج الكاتبان نفسيهما من دائرة الكتاب الإسلاميين باتهامهما
لهؤلاء الكتاب بالانغلاق الفكري وإغلاق النوافذ وتضييق دائرة الحوار والانفصال
عن الفكر المعاصر؟ وعلى أي فكر يطالبان بفتح النوافذ وتوسيع دائرة الحوار؟ لا
تحتاج الإجابة على هذين السؤالين إلى مزيد عناء، إنها واضحة في استشهاد
الدكتور (محيي الدين عطية) برأي الدكتور (رضا محرم) .
والمعروف عن الدكتور محرم ترجيحه لرأي الدكتور (محمد فتحي عثمان)
بجواز أن يكون المسلم يسارياً. يقول الدكتور (محرم) في مقالته (بل المسلمون
يسار ويمين) : (إذا اتفقنا إذن على أن الدين الإسلامي يترك لاجتهاد الإنسان المسلم
حيزاً ضخماً من حياته قد يتسع ليضم أغلب أنشطته الحياتية، وإذا اتفقنا أن
الإيديولوجيات المعاصرة تقدم الخبرة المحدثة لترشيد وضبط الممارسات الإنسانية
في الحياة اليومية، فإن ذلك يؤدي إلى القبول بإمكانية المزاوجة بين العقيدة الدينية
والانتماء السياسي) [٧] .
إن الكتاب الإسلاميين (الصادقين) في الدفاع عن عقيدة الإسلام ومنهج الله
وكتابه وسنة نبيه يؤمنون إيماناً لا يتزعزع بأن أمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع
وأن هذه العقيدة لا تطيق لها في القلب شريكاً ولا تقبل شعاراً غير شعارها المفرد
الصريح وقد عبر عن ذلك الباحثون الغربيون بقولهم: (إن الإسلاميين يرون أن
المجتمع انعكاس للتوحيد الإلهي الذي هو صلب الإسلام، وأنه إذا كان التوحيد
معطى أساساً في الذات الإلهية فإنه يحتاج في المجتمع البشري إلى بناء وتحقيق،
وأنه إذا كان الإسلام نظاماً جامعاً شاملاً وليس جملة معتقدات يتناول كافة وجوه
الحياة فإنه يستبعد حتماً كل حيز للعلمانية ولو عرضاً [٨] .
لقد كان الكتاب الغربيون رغم حنقهم وعدائهم الشديد للفكر الإسلامي الذي لم
تختف بصماته من كتاباتهم أكثر موضوعية من الكاتبين في انتقادهما لهذا الفكر. إن
الغربيين لم يستخدموا عبارات الانغلاق الفكري والرفض العصبي والإحساس
بالدونية بل قالوا:
١- إن هاجس الإسلاميين يتمثل بتأثير الحضارة الغربية المفسد، وأنه ما عاد
لديهم افتتان بالحداثة أو بالنماذج الغربية في السياسة والاقتصاد.
٢- إن الاختراق الإسلامي في أوساط المثقفين يعود إلى أزمة وتراجع مهابة
الإيديولوجيات التقدمية، وإن الفكر الإسلامي لا يستهدف العودة إلى الماضي بل إلى
الاستيلاء على الحداثة وتملكها داخل الهوية المستعادة.
٣- إن الإسلاميين حيثما وجدوا يدعون إلى التنمية الصناعية والعمران
المديني ومحو الأمية على مستوى جماهيري وتحصيل العلوم.
٤- إن الإسلاميين يعتبرون أن دور المرأة أساس في تربية المجتمع، وهم
يعتبرونها كائناً وليس مجرد أداة متعة وإنجاب ... وإن الحجاب يسجل انخراط
المرأة الجديد في الدورة الاجتماعية.
٥- إن مطالبة الإسلاميين بالعودة إلى مثال المجتمع الإسلامي الأول لا يكفي
في ذاته للحكم على فكرهم بالجمود والتحجر؛ فثمة فكر أصولي آخر في الغرب هو
الإصلاح البروتستانتي الذي كان أحدث الوسائل للارتقاء إلى الحداثة الاقتصادية
والسياسية [٩] .
وتبقى هناك حقيقتان بارزتان مهما كانت مثالب كتابات الإسلاميين:
الأولى: أن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة، وأن الإسلاميين الصادقين
في كتاباتهم الداعية إلى هذا المنهج قد يبعدون أو يقربون منه، وقد يخطئون
ويصيبون ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوباً على هذا المنهج، في حين أن
غيرهم يحاولون التلاعب بهذا المنهج في الوقت الذي يرفعون فيه راية الإسلام
ويتزيون بزيه، ويتمسحون بعقيدته؛ فلا تستبين الطريق أمام المسلمين الصالحين،
وينتشر الغبش والغموض واللبس، وتختلط الشارات والعناوين، ويأتي التيه الذي
لا تتحدد فيه مفارق الطريق كما أوضح ذلك العلماء.
الثاني: أنه لو صح أن الموضوعات الإسلامية قد تشوّشت وصُودرت من
أصحابها، وجرى تلوينها بتلاوين مختلفة؛ فإنها انتشرت رغم ذلك كله؛ بل إن
هذا الضعف أسهم مؤقتاً على الأقل في شيوع وتعميم العودة إلى الإسلام وإضفاء
الشرعية عليها، كما أقر بذلك الباحثون الغربيون.
стр. 2623
متابعات
وهم حرية الرأى لدي اليساريين
قصة د. رفعت السعيد مع الأستاذ. جمال سلطان
بقلم: صفوت وصفي
أصيب اليسار في العالم بعامة، وفي العالم الثالث بخاصة، وفي العالم العربي
بوجه أخص بكارثة فكرية من جراء انهزام النظرية الماركسية يوم سقط ما كان
يعرف بالاتحاد السوفييتي، وتلاشت بعده منظومة (حلف وارسو) مما اضطربت
معه الفعاليات الفكرية التي كانت تتلقى الدعم والتوجيه من هناك.
وفي خضم هذا الواقع المأساوي للقوم غيروا توجهاتهم بزاوية ٥١٨٠
ورأيناهم بالرغم من تمسكهم الظاهري بالنهج اليساري في مطبوعاتهم إلا أنهم
أصبحوا (ليبراليين) [*] وأصبحت الفلسفات الرأسمالية منهجهم في نهجها النفعي
والنسبي والميكيافيلي، مع القاسم المشترك للفكرين الشرقي والغربي وهو العداء
للإسلام والمسلمين.
وما زال أزلام اليسار الموتور في مصر في خضم عدائهم للإسلام ودعاته
بواسطة نشراتهم الصفراء في (روز اليوسف واليسار والأهالي) على سبيل المثال لا
الحصر يصبون جام حقدهم على دعاة الإسلام، ويعملون ليل نهار للإساءة لهم
بالحديث المتواصل ضد ما يسمونه بالإرهاب والتطرف والأصولية بأساليب ديدنها
الكذب والتزوير والاستعداء. وفي الآونة الأخيرة رفع المدعو (د. رفعت السعيد)
وهو أمين عام لحزب التجمع (وهو حزب يجمع بين أركانه أحلاس اليسار
الماركسي المنهار) رفع دعوى ضد الكاتب الإسلامي (جمال سلطان) تنظرها الآن
محكمة جنايات شمال القاهرة متهماً إياه بالسب والقذف في مقالات صحفية نقدية
وهي التي نشرها في صحيفة الشعب المصرية تحت عنوان: (محنة الماركسية في
مصر د. رفعت السعيد نموذجاً) كشف من خلالها تناقضات خطيرة في مواقف
وكتابات المذكور والعلاقات التي كانت تربطه والتيارات الماركسية في مصر مع
دوائر الاستخبارات السوفييتية، كما فضح منهج (رفعت السعيد) في البحث
التاريخي لتاريخ مصر الحديث، مما كان لها صداها لدى المتابعين، لكن الرجل
على غير عادته لم يرد على هذه الدراسة المثيرة وحاول تجاهلها.
وبعد أن أجرى الأستاذ (محمد عبد القدوس) حواراً معه نشرته (الشعب) دافع
فيه عن موقفه المثير من الأقباط وإلحاحه على أنهم مضطهدون مما اعتبره بعض
المراقبين ومنهم كتاب نصارى أنه تحريض منه على الفتنة الطائفية، ثم علق
الأستاذ جمال سلطان على الحوار بمقال ساخن تحت عنوان: (المتأقبطون واللعب
بالنار) اتهم فيه رفعت السعيد بأن خطابه التهييجي للأقباط تحريض سافر على الفتنة
وتعريض لأمن البلاد للخطر.
ورفض المذكور أن يعلق على المقال لكنه هدد برفع دعوى قضائية.. والتي
فوجئ الوسط الثقافي به ينفذ تهديده ضد الكاتب المعروف جمال سلطان، مما أثار
موجة سخط واسعة من الاستغراب والاستنكار لا سيما أن رفعت السعيد من أدعياء
حرية الرأي الذين يطالبون بفتح حرية الرأي للآخر مهما كان؛ لكنه حينما كُشفت
أوراقه، ووضحت خلفياته أثار الدنيا ولم يقعدها ببلاغه للقضاء ومطالبته فيه بحبس
الأستاذ (جمال سلطان) وإلزامه بدفع تعويض مدني قدره (مئة ألف جنيه مصري)
أي (ثلاثون ألف دولار أمريكي) !
ومن المنتظر أن تشهد أحداث المحاكمة مفاجآت مثيرة؛ حيث بات من المؤكد
أن عدداً من القيادات الشيوعية التاريخية وافقت على الإدلاء بشهاداتها في القضية
ضد (د. رفعت السعيد) فيما يبدو معها أنها تصفية حسابات حيث ينظر إليه في
الحركة الشيوعية المصرية أنه أحد أسباب التراجع الذي أصابها سياسياً، وستفتح
المحاكمة ملفات خطيرة منها قضية اليهودي الغامض (هنري كورييل) الذي لعب
دوراً خطيراً في الحركة الشيوعية المصرية ويعتبر الأب الروحي لـ (رفعت
السعيد) وشلته اليسارية، وكذلك من المنتظر دخول عدد من المفكرين الأقباط في
هذه المسألة؛ حيث سبق أن أعلنوا استياءهم من المذكور وعلاقاته مع أقباط المهجر
وتبنيه قضاياهم بطريقة مثيرة، وقد أبدى بعضهم بالفعل استعداده للإدلاء بشهادته
في القضية.
وما يجدر ذكره أن عدداً من المحامين الإسلاميين المعروفين قد أبدى استعداده
وتضامنه مع الأستاذ (جمال سلطان) أمثال (د. محمد سليم العوا، وعادل عيد، ... ود. عبد الحليم مندور) .
بدايات المواجهة:
يعرف المتابعون أن المواجهة الفعلية بين الأستاذ جمال سلطان ورفعت السعيد
لم تبدأ بالمقال آنف الذكر الذي كشف فيه الأستاذ جمال حقيقة (رفعت السعيد) ،
والذي حصل بعد المواجهة بين الرجلين في ندوة (التيارات الإسلامية والتعددية
السياسية) التي كانت إحدى فعاليات معرض الكتاب الدولي بالقاهرة الأخير والتي
كان (السعيد) يرأسها حين حصلت مناقشة بين الرجلين وتعرض معها (رفعت
السعيد) لحرج شديد عندما لفت الأستاذ جمال سلطان نظر المشاركين والحضور إلى
أن قضية الندوة ذاتها لا تعرف التعددية حينما استُبعد التيار الإسلامي وهو محور
الندوة من أن يكون له ممثلون فيها مما جعله في موقف لا يحسد عليه.
وإنما هناك دور مشرف للأستاذ جمال في العديد من دراساته الفكرية الإسلامية
التي كشف فيها حقيقة العلمانية ورموزها من قوميين ويساريين وحداثيين، وفضحهم
على رؤوس الأشهاد في أكثر مؤلفاته وفي دفاعه المستمر عن الصحوة الإسلامية،
وكشف ما يخطط ضدها من مكر الليل والنهار، وهذا بالطبع يؤرق العلمانيين
ويحبط مكرهم، ويوضح دعاياتهم المسمومة ضد الإسلام ودعاته ومفكريه.
وأخيراً:
فإننا نثق كل الثقة بأن اليسار ورموزه مهما فتحت لهم المجالات ليعرضوا
مناهجهم العقيمة وأفكارهم البالية، ومهما دغدغوا مشاعر الناس بالحدب على
أحوالهم وتبني آرائهم؛ فهم أبعد ما يكونون عن الهم العام للأمة؛ لأنهم لا يؤمنون
بنهجها الإيماني ولا بقيمها الإسلامية الأصيلة؛ وليست المسألة لديهم أكثر من
دعايات وخداع وتزوير، وضحك على الذقون. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى
فإن ما خطه (رفعت السعيد) في كتاباته عن الإسلام والإسلاميين ينطوي على كثير
من التزوير والشتم والإساءة للإسلام من خلال مناهجهم الماركسية التي يفترون فيها
الكذب على الله وعلى عباده المؤمنين، ويهاجم الإسلام بدعوى جديدة هي:
(مهاجمة الإسلام السياسي) وادعاء أنه وراء ذلك الإرهاب والتطرف؛ وهي شنشنة
نعرفها من أخزم.
ماذا يقول جمال سلطان؟
أصدر الأستاذ جمال سلطان بعد هذه الواقعة بياناً للرأي العام (أشار فيه) إلى
أنه كان ينتظر من المذكور حواراً فكرياً رفيعاً؛ إذ كان كثيراً ما يدعو لمواجهة
الرأي بالرأي، مع أنه يملك صحيفة ينشر فيها أسبوعياً ما يشاء؛ بخلاف
المطبوعات الأخرى التي يشرف عليها بصفته أميناً عاماً لحزب التجمع اليساري.
وأضاف الأستاذ جمال سلطان: لو كان لغيره العذر في أنه لا يجد المساحة
التي ينشر فيها تعقيبه ورأيه؛ فما عذره بالذات وانسحابه من ساحة الحوار الفكري
والسياسي، وتستره خلف الدعاوي القضائية لإرهاب الآخرين؟ وأنه بتصرفه هذا
أتاح له الفرصة لكي يبوح أمام القضاء بما كان يمسك عن البوح به عبر الصحف،
وأنه سيجدها فرصة مناسبة لكي يدين أمام القضاء أيضاً مسلسل العبث بوحدة
الأرض، واللعب على أوتار الفتنة الطائفية، وإشاعة منطق (السطحية الفكرية) في
الحوار السياسي والثقافي.
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
والله المستعان.
стр. 2624
منتدى القراء
حول الأزمة الجزائرية
بقلم: خالد رئبال
لسنا ندري إلى أي مدى يمكن الوثوق بتلك التحليلات المتفاوتة حول الأزمة
الجزائرية، وإلى متى سيظل يكتنفها التضارب والغموض.
وما كتبه (د. يوسف الصغير) حول (النظام الجزائري والبحث عن الشرعية)
في العدد ١١٧ من البيان قد أفاد فيه وأجاد، خاصة في ذكر الحقائق عن الانتخابات
الأخيرة التي صاغ النظام أدوارها لتقليص المد الإسلامي وتجفيف منابعه، ليتم بذلك
إخراج المسرحية بصورة جديدة.
والذي أود التنبيه عليه من خلال اطلاعي البسيط على الملف الجزائري أنه لا
يمكن الجزم القاطع بأن الإسلاميين هم وراء كل تلك الأحداث حول ضحايا القتل
العشوائي الذي تعدّى واستفحل أمره والله المستعان، كما أنه لا يمكن تملصاً من
التبعات إلصاق تلك الجرائم بالنظام الذي لا شك أنه السبب الأول والرئيس في
حدوثها والتجاوز في مواجهتها والتصدي لها. وأقول للإنصاف: إن استبداد النظام
ليس وحده الذي يبدي عجزاً في مواجهة تلك القطاعات، ولا الأحزاب العلمانية أو
السياسية المدنية التي يزداد تهميشها لهذه القضية كلما ازداد العنف واشتد الأمر؛
ولكن (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) وهي تعود لاكتساح الساحة من جديد برموزها
ومنهجها وسياستها يقع عليها عبء المواجهة العلنية لوقف موجات العنف، وجرائم
القتل والغلو، والنداء الأخير من زعيمها (مدني) كان له أثره البالغ لولا أن استبداد
النظام بادر كعادته باستثمار الموقف لإعادة الشيخ إلى إقامته الجبرية حتى ولو أدى
ذلك إلى اشتعال البلاد بالعنف والتدمير، فلك الله يا أرض المليون شهيد.
стр. 2625
منتدى القراء
القبر قد ورث العظام
شعر:إبراهيم نهار
أزف الترحل يا صديقي للجدث ... ومضى زمانٌ كنت أقضيه عبثْ
أشكو إلى الله القوي مخاوفي ... سيكون جسمي بعد حين من جثثْ
سيكون جسمي في الظلام موسداً ... والناس في فرح يجد وفي رفثْ
رحماك يا من خَلْقُهُ كل الورى ... يا من يعيد الميتين إذا بَعَثْ
إن الخسارة في القبور للاهثٍ ... ترك النجاة وسار مع من قد لهثْ
إن الفناء على البرية واقعٌ ... سيموت من يمشي ويفنى من مكثْ
стр. 2626
منتدى القراء
هل تفهم ؟
شعر: وائل محمد
كفاك عيباً وتجريحاً وتخطئة ... كفاك جرحاً لقلب ما تواسيه
تستهجن الناس ما تدري مكانتهم ... هلا نصحت بتلميح وتَنْبيه
هلا نصحت بسر في شفافية ... إن كنت حقاً بقول الحق تُنْبيه
إن كان ساءك ما في الساح من همم ... وصحوة الخير في شتى نواحيه
فاركن لبيت وأزواج وتكرمة ... فالأمر جد لمن تبكي مآقيه
فإن أبيت ولم تسمع لموعظتي ... فقد أعنت على ظلم وتشويه
стр. 2627
منتدى القراء
يا أمتي
شعر:عبد الله عيسى محمد
ما بَالُ عَينكِ مِنْها الدّمُ يَنسكبُ ... ثَكْلى تَسِحّ وَذِي الأَحْشَاءُ تَلْتهبُ
ما بَالَ جسمكِ أضحى الهمّ مُضْجِعَهُ ... كأنّمَا هو في أنْحائه شُهُبُ
ما بَالُ عيشكِ لا تَنْفكّ تَرْشُقُه ... دُهمُ الْخُطوبِ بِزندٍ وَرْيُه عَجَبُ
ماذا دَهاكِ وأين المْجدُ قدْ سُحِبَتْ ... مِنْهِ الذّيولُ على الأفلاكِ تَضْطربُ
شَكْوى الزّمانِ أم الأرزاءُ ما فَتئَتْ ... ظمْأَى تَحِدّ شِفَارَ البُؤْس تَحْترِبُ
أمْ أنّ أمّتَنا سَكْرى، ورَايتُنا ... قدْ أَصْبحت كفناً في طَيِّه نُوَبُ
أم ضِغْن شِرذمةٍ يضري بِمُسلِمةٍ ... في أَرضِ بُوسنة والأعراض تُستلبُ
أم قدْسُنا لَفظتْ أَنْفَاسَهَا وَرأتْ ... كَيدَ العِدَا عَرِماً في سَاحِها يثِبُ
يا أُختَ أَندلس كم ذا يُجرِّعنا ... كأسُ العِدا غُصَصاً والمجد يلتهبُ
ما يُرتَجى أبداً مِنْ مِرْجَل حَقِدٍ ... إلا عَصَائبُ رُعبٍ بَعْدها عُصَبُ
أَمْجادُكِ طُنُبٌ، راياتُك شُهُبٌ ... أَسيافكِ ذُرُبٌ، فتيانُكِ نُجُبُ
في كفِكِ النُورُ آياتٌ مبينة ... فَاسْتَعْصِمي وَذَرِي أَهُواءَ من غَرَبوا
ركْبُ الرِّسالة نوّارٌ تَحفّ به ... زُهْرُ النجومِ وفي آلائه أَرَبُ
فَاسْتبسِلي وَرِدي ساح الوغى ودعي ... سَمْعَ الدّنا طَرِباً فالنّصرُ يَقْتربُ
стр. 2628
منتدى القراء
يا سارية.. الجبل
شعر: محمد بن أحمد الأحمري
أساريةَ الحق لذْ بالجبلْ ... ولا يَخدَعنّك جند هُبَلْ
فمن طَيبَةٍ جاءكم منذر ... ينبه للخطر المحتمل
وينذركم أنكم أمة ... تذكر بالجد من قد هزل
وتنشر نور السما ساطعاً ... ليرشد للحق من لم يصل
أسارية المجد لذ بالجبل ... ولا تكثرن المرى والجدل
وخذ بنصيحة فاروقنا ... ففيها النجاة لخطب أطل
فبالنصح نهزم أعداءنا ... ونشعرهم أننا لم نزل
نطيع الذين اهتدوا بالكتاب ... وننصح للدين عند المِحَل
أسارية القوم خذ عدة ... فأنت على أبْلَجٍ لم تزل
فذا الصبحُ يرسل إشعاعه ... ليعلنه عملاً متصل
وذا الليل يرمقنا خلسة ... فنجم يضيء ونجم أفل
سلاح الجنود هنا آية ... وتكبيرة ثم سهم يصل
أسارية فلتقف برهة ... وناج الذي دائماً لا يَمَل
بذكر الصباح وذكر المساء ... وذكر الهجوع وذكر العمل
وعند الضحى فلتكن ذاكراً ... وأسبغ وضوءك حتى الحجل
حديث حفظناه عن غابرٍ ... ولكنّ (يا ليتَ) لمّا تزل
أسارية الدين لذ بالجبل ... فما زال عندك كلّ الأمل
فمن منبر المصطفى أُرسِلَتْ ... نذيراً سريعاً لأمر جلل
فيا طائعاً عمراً في الجهاد ... أطعت الذي أمره قد عقل
تربى على منهج المصطفى ... فنعم المربي ونعم البطل
стр. 2629
منتدى القراء
كيدوا كما شئتم
شعر: نجاح عبد القادر سرور
قل لليهود. وصَحْبهم.. ... ولمن يدافع عنهمو
كيدوا كما شئتم.. ... فإن الدين حقٌ قائم
وتجمّعوا حول الوليمة.. ... واجرعوا وتسمّموا!
كيدوا.. فإن رجال قومي.. ... ويْح قومي.. نُوّمُ!
ناموا عن الأقصى الجريح ... المستكين وسلّموا!
في عصرنا.. متخلّفٌ.. ... من قال: ربي يحكم!
في عصرنا.. متطرّف.. ... من قال: إني مسلم!
يا قومنا.. ما بالكم.. ... في ابن اليهود وثقتموا؟ !
يا قومنا.. كم أُضرِمت في ... الأرض نارٌ منهمو!
أنسيتموا صبرا وشاتيلا ... ومذبحة الخليل نسيتموا؟ !
يا للخليل.. وقد جرى.. ... في مسجد الخِلّ الدم
كم قتّلوا فينا الورود ... وأرضَنا قد قسّموا
يا عصبة الأمم التي ... ظلماً ... وزوراً تحكم
لاّ رأيتم طفلةً.. ... النار فيها تُضْرَم
هلاّ سمعتم صرخة الأم ... التي لم يرحموا؟
يا عصبةً.. هل عندكم ... ابن اليهود الأكرم؟
ودماؤنا ماءٌ جَرى.. ... ودم اليهود هو الدم؟
قل لليهود.. وصحبهم.. ... ولمن يدافع عنهمو
كيدوا كما شئتم.. ... فإن النصر حتماً قادم
وغداً تروْن مَنِ القويّ.. ... وأيّ جمْعٍ يُهزَمُ
стр. 2630
منتدى القراء
غطرسة
غازي المهر
مَنْ يمنع اليهودَ ...
من إخراجنا
من أرضنا المقدسةْ ...
هم يدركون أننا ...
مثل الطبول ...
ليس لها ...
من أصواتها ...
إلا الصدى ...
هم يدركون أننا ...
كم نحسن الصراخ ...
والشجب والتنديد ...
هم يدركون أن خيلنا ...
بلذة السبات ...
لا تُفيقْ ...
سيوفنا مثلومةٌ ...
رماحنا مكسورةٌ ...
هم يدركون ...
أننا عربٌ ...
ولسنا مسلمينْ ...
فهل تُراهم يُردعونْ؟ ...
ويُمنعون الغطرسةْ؟ ...