منتدى القراء
هل تفهم ؟
شعر: وائل محمد
كفاك عيباً وتجريحاً وتخطئة ... كفاك جرحاً لقلب ما تواسيه
تستهجن الناس ما تدري مكانتهم ... هلا نصحت بتلميح وتَنْبيه
هلا نصحت بسر في شفافية ... إن كنت حقاً بقول الحق تُنْبيه
إن كان ساءك ما في الساح من همم ... وصحوة الخير في شتى نواحيه
فاركن لبيت وأزواج وتكرمة ... فالأمر جد لمن تبكي مآقيه
فإن أبيت ولم تسمع لموعظتي ... فقد أعنت على ظلم وتشويه
стр. 2627
منتدى القراء
يا أمتي
شعر:عبد الله عيسى محمد
ما بَالُ عَينكِ مِنْها الدّمُ يَنسكبُ ... ثَكْلى تَسِحّ وَذِي الأَحْشَاءُ تَلْتهبُ
ما بَالَ جسمكِ أضحى الهمّ مُضْجِعَهُ ... كأنّمَا هو في أنْحائه شُهُبُ
ما بَالُ عيشكِ لا تَنْفكّ تَرْشُقُه ... دُهمُ الْخُطوبِ بِزندٍ وَرْيُه عَجَبُ
ماذا دَهاكِ وأين المْجدُ قدْ سُحِبَتْ ... مِنْهِ الذّيولُ على الأفلاكِ تَضْطربُ
شَكْوى الزّمانِ أم الأرزاءُ ما فَتئَتْ ... ظمْأَى تَحِدّ شِفَارَ البُؤْس تَحْترِبُ
أمْ أنّ أمّتَنا سَكْرى، ورَايتُنا ... قدْ أَصْبحت كفناً في طَيِّه نُوَبُ
أم ضِغْن شِرذمةٍ يضري بِمُسلِمةٍ ... في أَرضِ بُوسنة والأعراض تُستلبُ
أم قدْسُنا لَفظتْ أَنْفَاسَهَا وَرأتْ ... كَيدَ العِدَا عَرِماً في سَاحِها يثِبُ
يا أُختَ أَندلس كم ذا يُجرِّعنا ... كأسُ العِدا غُصَصاً والمجد يلتهبُ
ما يُرتَجى أبداً مِنْ مِرْجَل حَقِدٍ ... إلا عَصَائبُ رُعبٍ بَعْدها عُصَبُ
أَمْجادُكِ طُنُبٌ، راياتُك شُهُبٌ ... أَسيافكِ ذُرُبٌ، فتيانُكِ نُجُبُ
في كفِكِ النُورُ آياتٌ مبينة ... فَاسْتَعْصِمي وَذَرِي أَهُواءَ من غَرَبوا
ركْبُ الرِّسالة نوّارٌ تَحفّ به ... زُهْرُ النجومِ وفي آلائه أَرَبُ
فَاسْتبسِلي وَرِدي ساح الوغى ودعي ... سَمْعَ الدّنا طَرِباً فالنّصرُ يَقْتربُ
стр. 2628
منتدى القراء
يا سارية.. الجبل
شعر: محمد بن أحمد الأحمري
أساريةَ الحق لذْ بالجبلْ ... ولا يَخدَعنّك جند هُبَلْ
فمن طَيبَةٍ جاءكم منذر ... ينبه للخطر المحتمل
وينذركم أنكم أمة ... تذكر بالجد من قد هزل
وتنشر نور السما ساطعاً ... ليرشد للحق من لم يصل
أسارية المجد لذ بالجبل ... ولا تكثرن المرى والجدل
وخذ بنصيحة فاروقنا ... ففيها النجاة لخطب أطل
فبالنصح نهزم أعداءنا ... ونشعرهم أننا لم نزل
نطيع الذين اهتدوا بالكتاب ... وننصح للدين عند المِحَل
أسارية القوم خذ عدة ... فأنت على أبْلَجٍ لم تزل
فذا الصبحُ يرسل إشعاعه ... ليعلنه عملاً متصل
وذا الليل يرمقنا خلسة ... فنجم يضيء ونجم أفل
سلاح الجنود هنا آية ... وتكبيرة ثم سهم يصل
أسارية فلتقف برهة ... وناج الذي دائماً لا يَمَل
بذكر الصباح وذكر المساء ... وذكر الهجوع وذكر العمل
وعند الضحى فلتكن ذاكراً ... وأسبغ وضوءك حتى الحجل
حديث حفظناه عن غابرٍ ... ولكنّ (يا ليتَ) لمّا تزل
أسارية الدين لذ بالجبل ... فما زال عندك كلّ الأمل
فمن منبر المصطفى أُرسِلَتْ ... نذيراً سريعاً لأمر جلل
فيا طائعاً عمراً في الجهاد ... أطعت الذي أمره قد عقل
تربى على منهج المصطفى ... فنعم المربي ونعم البطل
стр. 2629
منتدى القراء
كيدوا كما شئتم
شعر: نجاح عبد القادر سرور
قل لليهود. وصَحْبهم.. ... ولمن يدافع عنهمو
كيدوا كما شئتم.. ... فإن الدين حقٌ قائم
وتجمّعوا حول الوليمة.. ... واجرعوا وتسمّموا!
كيدوا.. فإن رجال قومي.. ... ويْح قومي.. نُوّمُ!
ناموا عن الأقصى الجريح ... المستكين وسلّموا!
في عصرنا.. متخلّفٌ.. ... من قال: ربي يحكم!
في عصرنا.. متطرّف.. ... من قال: إني مسلم!
يا قومنا.. ما بالكم.. ... في ابن اليهود وثقتموا؟ !
يا قومنا.. كم أُضرِمت في ... الأرض نارٌ منهمو!
أنسيتموا صبرا وشاتيلا ... ومذبحة الخليل نسيتموا؟ !
يا للخليل.. وقد جرى.. ... في مسجد الخِلّ الدم
كم قتّلوا فينا الورود ... وأرضَنا قد قسّموا
يا عصبة الأمم التي ... ظلماً ... وزوراً تحكم
لاّ رأيتم طفلةً.. ... النار فيها تُضْرَم
هلاّ سمعتم صرخة الأم ... التي لم يرحموا؟
يا عصبةً.. هل عندكم ... ابن اليهود الأكرم؟
ودماؤنا ماءٌ جَرى.. ... ودم اليهود هو الدم؟
قل لليهود.. وصحبهم.. ... ولمن يدافع عنهمو
كيدوا كما شئتم.. ... فإن النصر حتماً قادم
وغداً تروْن مَنِ القويّ.. ... وأيّ جمْعٍ يُهزَمُ
стр. 2630
منتدى القراء
غطرسة
غازي المهر
مَنْ يمنع اليهودَ ...
من إخراجنا
من أرضنا المقدسةْ ...
هم يدركون أننا ...
مثل الطبول ...
ليس لها ...
من أصواتها ...
إلا الصدى ...
هم يدركون أننا ...
كم نحسن الصراخ ...
والشجب والتنديد ...
هم يدركون أن خيلنا ...
بلذة السبات ...
لا تُفيقْ ...
سيوفنا مثلومةٌ ...
رماحنا مكسورةٌ ...
هم يدركون ...
أننا عربٌ ...
ولسنا مسلمينْ ...
فهل تُراهم يُردعونْ؟ ...
ويُمنعون الغطرسةْ؟ ...
стр. 2631
منتدى القراء
شباب
تركي عبد الله المحيا
شبابٌ همهم نيل المعالي ... بلا تَعَبٍ ولا ثوبٍ معفّرْ
شبابٌ دائماً أمسى وأضحى ... يريد الراح والثوب المعطرْ
شبابٌ ليس فيهم من ينادي ... إلى التوحيد والدين المظفرْ
شبابٌ ضيعوا صفو المعاني ... وكلٌ بالرذيلة صار يفخرْ
شبابٌ قد نسوا تاريخ أمس ... من الأمجاد أو من فتح خيبر
فيا رب الورى عجل بأمر ... يرد شبابنا عن كل منكر
ولا تجعل لشيطان علينا ... من السلطان بل إياه فاقهر
стр. 2632
مقال
رحم الله الشيخ حماد الأنصارى
بقلم: أحمد العامر
الحمد لله القائل: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] [المجادلة: ١١] ، وصلى الله على البشير النذير وعلى آله
وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:
فما تزال الأمة بخير ما وُجِدَ فيها العلماء العاملون؛ ومتى ما كان للعلماء
العدول فيها التقدير والإجلال بين العامة والخاصة؛ وهذا هو نهج الأمة في صدرها
الأول وفي قرونها المفضلة مع العلماء؛ فهم ورثة الأنبياء، وحسبهم وصف
الرسول لهم بأنهم مثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست
النجوم فيوشك أن يضل الهداة.
ولا شك أن فقد العلماء مصيبة وأي مصيبة على الأمة؛ لا سيما في عصورنا
المتأخرة؛ حيث كثرت الفتن وادلهمت الخطوب مما يتحتم معه وجود العلماء الثقات
الأثبات الذين يقولون بالحق وبه يعدلون، ويوجهون الأمة في التعليم والإفتاء
والتحذير من المنزلقات.
ووفاة العالم الجليل (الشيخ حماد بن محمد الأنصاري) ﵀ من هذا القبيل؛ فقد كان عالماً محققاً أدى واجبه في التعليم والإفتاء، ونفع الله به طلبة العلم في
مختلف أنحاء العالم الإسلامي؛ حيث تلقوا العلم على يديه وبخاصة في الجامعة
الإسلامية بالمدينة النبوية.
ولمكانة الشيخ رأيت التعريف به وذكر شيء من مناقبه.
نبذة عن حياته:
ولد الشيخ ﵀ في بلاد (تادمكة) في دولة مالي عام ١٣٤٤هـ، ونشأ
في بيت علم ودين؛ وعلى يد خاله الشيخ محمد الأنصاري حفظ القرآن في الخامسة
عشرة من عمره، وأخذ العلم من علماء بلدته، ثم رحل إلى السعودية، وواصل
أخذ العلم على علماء الحرمين الشريفين أمثال الشيخ عبد الرزاق حمزة، والشيخ
حسن المشاط، والشيخ (عمر بري) ، والشيخ محمد بن تركي، والشيخ محمد
المدني، والشيخ (محمد الخيال) ، والشيخ (محمد بن إبراهيم آل الشيخ) ، وغيرهم.
وأخذ الإجازة في كثير من العلوم والفنون على كثير من العلماء في الهند واليمن
وإفريقيا والشام والسعودية.
قام بالتدريس في المدرسة (الصولتية) بمكة المكرمة، ثم انتقل إلى (المعهد
العلمي) بالرياض عام ١٣٧٤هـ، ثم إلى معهد إمام الدعوة بالرياض عام ١٣٧٥ هـ، ثم انتقل عام ١٣٨٥هـ، إلى المدينة النبوية؛ حيث درس بكلياتها. وفي
عام ١٣٩٦هـ استقر بالدراسات العليا بالجامعة نفسها، ورأس قسم العقيدة، ثم قسم
السنة، وأشرف على العديد من رسائل (الدكتوراه) و (الماجستير) في العلوم
الشرعية، ووصل إلى درجة (أستاذ) حتى إحالته للتقاعد عام ١٤٠٧هـ، وبقي
معها يلقي الدروس العلمية على طلبته وتلاميذه.
وكان منزله دوحة لطلاب العلم يستشيرون الشيخ ويستفيدون من علمه ومن
مكتبته الحافلة بأمهات المراجع والمخطوطات حتى توفي ﵀ بعد مرض ألم به
استمر لمدة سنة تقريباً، وكانت وفاته بتاريخ ٢١/٦/١٤١٨هـ وصلي عليه في
المسجد النبوي. والله نسأل أن يتقبله، وأن يعلي درجته، وأن يخلف له الخير في
عقبه، وأن يسكنه فسيح جناته.
أهم مؤلفاته:
ألف الشيخ حماد الأنصاري العديد من الكتب والرسائل العلمية التي تتراوح
بين المجلدات والكتب والرسائل العلمية، ومن أهمها:
١- أبو الحسن الأشعري وعقيدته: وهو من أوائل ما ألف عن هذا الإمام
حديثاً؛ إذ تتبع فيه رحلته في العقيدة حتى استقر على منهج السلف أهل الحديث كما
توضحه رسالته (الإبانة) ، وفيه الرد على ما يزعمه المتمشعرون المتأخرون.
٢- ومن أهم كتبه في علم الحديث: (بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ
الطبراني) وهو عدة مجلدات صدر الجزء الأول منه عام ١٤١٥هـ، وهو من
أحب مؤلفاته إلى نفسه.
٣- ألف في تاريخ بلاده كتاب: (تاريخ ملّي مالي في القديم والحديث) وهو
مجلدان.
٤- له عشرات الرسائل العلمية في العقيدة، والفقه، والرد على المبتدعة
صدر بعضها ضمن (السلسلة الأنصارية) وفي الجزء الأول منها احتوى على
الرسائل التالية:
أ- (كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر) : بيّن فيه مرتبة الأحاديث
التي يستند عليها المبتدعة في شد الرحال للقبور؛ إذ هي: ما بين ضعيفة
وموضوعة لا يصح الاحتجاج بها.
ب- (إسعاف الخلان بما ورد في ليلة النصف من شعبان) جمع ما ورد في
هذا الموضوع من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء، وبيّن ضعف ما ورد فيها،
وأنه لم يثبت في قيام وصيام هذه الليلة شيء عن النبي ﷺ .
ج- (تحفة القاري في الرد على الغماري) ناقش فيها العالم القبوري المغربي
(عبد الله الغماري) ورد على رسالته: (إتحاف الأذكياء في التوسل بالأنبياء
والصالحين والأولياء) على ضوء أقوال العلماء المحققين قبله، وبين تدليسات
الغماري في استدلالاته، ثم بيّن التوسل المشروع: وهو ما كان بأسماء الله الحسنى
وصفاته العلى، وبما شرع من الأعمال الصالحة من الدعاء والطاعات واتباع
الرسول ﷺ .
وبيّن التوسل غير المشروع: وهو توسل شركي: كالحلف بغير الله، أو
الدعاء لغير الله، وتوسل بدعي: كالتوسل بجاه فلان أو بحرمته وبفضله وعلمه.
منهج الشيخ في العلم:
عُرِفَ الشيخ حماد الأنصاري بالقوة في المناقشة، وبغزارة العلم وبخاصة في
أداء الدروس والمحاضرات، وبالتحقيق فيما يؤلف ويكتب. ويمكن إجمال منهج
الشيخ ﵀ في النقاط التالية:
١- عرف بالعقيدة السلفية والمعارضة للمبتدعة من الصوفية والفرق الضالة.
٢- اهتمام الشيخ بالدليل، وأخذه به؛ فما صح دليله فهو منهجه؛ فهو ليس
مذهبياً.
٣- عنايته بالتوثيق للأحاديث والآثار فيما يؤلف ويكتب ويلقي من دروس.
٤- أخذ عن كثير من العلماء الفحول في مختلف التخصصات مما أوجد لديه
ملكة علمية وغزارة في الفهم؛ فهو كالبحر يتحف سامعيه بمختلف المعلومات
واللطائف والحكم.
٥- الاستقصاء في بحثه ودراساته سواء أكانت دراسات مطولة كبلغة القاصي
والداني، أم في الرسائل العلمية الموجزة.
٦- تواضعه ﵀ فكثيراً ما كان يقول بأنه ليس أهلاً لما يبحث ويؤلف.
أهم ما كتب عن الشيخ في التعريف به:
ما كتبه عنه الشيخ الأديب (محمد المجذوب) في موسوعته: (علماء مفكرون
عرفتهم) المجلد الأول.
ما نشرته صفحة (مشكاة الرأي) من صحيفة (الوطن الكويتية) العدد (٢٢٤٠)
الصادر في ٢٦/٦/١٤١٨هـ بإشراف الدكتور عبد الرزاق الشايجي؛ حيث كتب
عنه عدد من طلابه وهم المشائخ: (رياض الخليفي) ، و (جاسم الفهيد) ، و (عواد
الخلف) ، و (محمد بن ناصر العجمي) ، مقالات غنية بالمعلومات عن الشيخ رحمه
الله.
وأرى أن على طلابه دَيْناً بأن يُقَدّم عن حياته وعلمه وفضله رسالة علمية
أسوة بغيره من العلماء أمثاله؛ فحياته مصدر ثر للباحث سيجد فيه محاور عديدة،
ولعل الجامعة الإسلامية التي درّس فيها منذ نشأتها وحتى إحالته للتقاعد تشجع أحد
طلابها على القيام بهذا الدور المطلوب.
والله نسأل أن يغفر للفقيد، وأن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2633
من ثمرات المنتدى
التقرير السنوي لأنشطة المنتدى الإسلامي
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام ...
على سيد ولد آدم أجمعين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحابته الصالحين المصلحين، ... وعلى من سلك سبيلهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنا نحمد الله ، ونثني عليه بما هو أهله أن وفقنا لسلوك سبيل الدعاة، وشرفنا مع سائر دعاة الإسلام بالمشاركة في حمل راية الدعوة إلى دينه الحق.
وبتوفيق منه سعى المنتدى الإسلامي منذ إنشائه عام ١٤٠٦هـ مستعيناً
بالله إلى النزول إلى الساحة، ومباشرة العمل في ميادين عدة مما تتطلع إليه الأمة.
وقد حرص منذ البداية على أن يولي جانب الدعوة إلى الله والتربية على منهج
نبيه وسنته المرتبة الأولى. وما زال ولله الحمد ينتقل من خطوة إلى خطوة، ويُتبِع
خطة بأخرى تنبثق عن مراجعة الماضي، ودراسة جدوى ما قدمه من أعمال،
وأنجزه من مشاريع.. حتى صار بفضل الله ومنته صرحاً من صروح العلم والهدى، يحمل منهج أهل السنة والجماعة مع من يحمله في الدعوة إلى الله سبحانه.
وقد يسّر الله في هذا العام، كما في كل عام مضى، مراجعة شاملة دقيقة
لجهود سنوات على يد لجنة التخطيط والتقدم، التي أعدت على ضوء تلك المراجعة
خطة خمسية تضمن للعمل بإذن الله تعالى مزيداً من النجاح؛ إذ ركزت على تحديد
الأهداف العامة والخاصة، ووسائل تحقيق الأهداف وسياساتها وإجراءاتها، ثم
ضوابط عامة لتحقيق تلك الأهداف، انطلاقاً من الهدف العام للمنتدى في: (دعوة
الناس إلى دين الإسلام: عقيدة، وشريعة، ومنهاج حياة، معتصماً بالكتاب والسنة، ومهتدياً بهدي السلف الصالح) .
كما تمثلت الأهداف الخاصة بما يلي:
١- إعداد الدعاة إعداداً متكاملاً، ورفع كفاءتهم العلمية والدعوية.
٢- تأهيل الطاقات الدعوية القيادية.
٣- الاهتمام بالدعوة في أوساط الطلاب والمثقفين.
٤- الاهتمام بالتعليم الإسلامي.
٥- الدعوة العامة في مختلف طبقات المجتمع، وتعليمهم أمور دينهم.
٦- إحياء رسالة المسجد، وتفعيل دور الأئمة والخطباء.
٧- إيجاد منابر إعلامية للدعوة.
٨- التعاون مع الهيئات والشخصيات الإسلامية المحلية والعالمية وفق
الضوابط الشرعية.
وسبق أن أشرنا في تقارير سابقة إلى أنه نتيجة لتوسع العمل فقد قام المنتدى
بافتتاح (١٤) مكتباً فرعياً ميدانياً في عدد من الدول الإفريقية وغيرها.
ومن أهم ما يتوجب علينا تجاه من يشاركنا العمل بالصورة التي يراها أن نقدم
تقريراً شاملاً عن أنشطة المنتدى الإسلامي التي تمت بعون الله وتوفيقه، ثم
بتعاونكم وتشجيعكم، سائلين الله ألا يحرمكم الأجر والمثوبة. ويسعدنا
كثيراً الاستفادة من آرائكم واقتراحاتكم، كما أننا لا نستغني عن مؤازرتكم وتعاونكم
معنا.
أولاً: برامج تعيين الدعاة والأئمة والمدرسين:
يأتي هذا البرنامج على رأس البرامج التعليمية والدعوية؛ وذلك لأن هؤلاء
هم أداة إقامة الدين وتعليم الناس. وقد بلغ العدد هذا العام (٥٥٣) فرداً ما بين داعية
وإمام ومدرس، منتشرين في بلاد عديدة مثل: كينيا، وغانا، وبنجلاديش،
والصومال، وجيبوتي، ومالي، ونيجيريا، وتوجو، وبنين.... . وغيرها.
وفي الوقت الذي يقوم فيه هؤلاء بالدعوة والتعليم فإنهم يتابعون أيضاً برامج
دعوية وعلمية يُقدمها المنتدى لهم؛ لرفع مستوياتهم، وذلك حسب مناطقهم وقدراتهم.
ولإعانتهم في رسالتهم وتنفيذ برامجهم، ورفع كفاءاتهم فإن اللجنة العلمية
بالمنتدى تتابع تقديم دراسات عدة منها:
١- سلسلة الدراسات الشرعية المتخصصة؛ لمعالجة الأخطاء الدعوية
والمنهجية في مواقع العمل. وقد صدرت منها مجموعتان.
٢- سلسلة الدروس الرمضانية بنوعيها: الفقهية، والعقدية التربوية.
٣- الرسائل الدعوية: وهي رسائل شهرية تصل لمواقع الدعاة كأوراق عمل
للمناقشة في الأوضاع الدعوية وما يعترضها من مشكلات، وتخاطب الدعاة تذكيراً
بمسؤوليتهم وعظيم أثرهم.
ثانياً: الأنشطة الدعوية والتربوية:
وهي أنواع عديدة، منها:
١- الدورات الشرعية:
وهي دروس علمية متخصصة في: العقيدة، والقرآن وعلومه، والتفسير،
والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، وفقه الدعوة وأصولها، والسيرة النبوية،
والآداب الإسلامية؛ تقدم في مدة زمنية محددة بأفراد متقاربين في المستوى العلمي
والدعوي.
وتهدف هذه الدورات في جملتها إلى: تصحيح المسار، وترشيد العمل،
ورفع المستوى العلمي والدعوي، لدى الدعاة، مع الحرص على التأصيل الشرعي
المبني على كتاب الله وسنة نبيه ومنهج السلف الصالح.
وقد بلغ عدد الدورات بتوفيق من الله لهذا العام ما لم تبلغه من قبل؛ حيث
وصل عدد الدورات إلى (٨٩) دورة موزعة على: الدعاة، والأئمة والخطباء،
ومعلمي الحلقات، والمسلمين الجدد، والنساء.. ونحو ذلك. وبلغ عدد المستفيدين
منها (٦٨٢١) فرداً.
وهي موزعة على عدة دول، كما يلي:
-----------------------------------------------------------
الدولة عدد الدورات الدولة عدد الدورات
-----------------------------------------------------------
بريطانيا (لندن) ١ الصومال ١
كينيا ٢٣ أوغندا ٥
غانا ٣ التوجو ٥
بنجلاديش ٥ نيجيريا ١٦
مالي ٨ بنين ١٩
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... إثيوبيا ٣
-----------------------------------------------------------
ومن الدورات التي أقيمت:
-الدورة الشرعية، في لندن. وقد كانت باللغة العربية في المدة
١١- ٢٢/٨/ ١٩٩٧م، شارك فيها (٤٤) فرداً. وباللغة الإنجليزية في المدة
١١- ٢٣/٨/١٩٩٧م، وحضرها (٥٠) مستفيداً.
-الدورة الشرعية للمدرسين، لمدة ٨ أيام، في كينيا ممباسا.
-الدورة الشرعية لتحفيظ القرآن، ٣٠ يوماً، نيجيريا جوس.
-الدورة الشرعية الأولى للدعاة، ٦ أيام، أوغندا، كمبالا.
-الدورة الشرعية الثانية للأئمة، ٤ أيام، توجو بافيلو.
-الدورة الشرعية للطالبات المسلمات، يوم واحد، توجو دبانغو.
-الدورة الشرعية، ١٤ يوماً، الحبشة.
-دورة الأئمة، ٧ أيام، نيجيريا كانو.
-الدورة الشرعية، ٧ أيام، نيجيريا أبوجا.
-دورة الأئمة، ٧ أيام، بنين باراكو.
-دورة في العلوم الشرعية لطالبات المعاهد الثانوية، ٤٠ يوماً، بنين.
وجدير بالذكر أن المرأة بحمد الله قد نالت نصيباً من تلك الدورات وغيرها من
البرامج التعليمية:
-ففي بنين جوغو أقيمت دورة تربوية لطالبات المعاهد الثانوية الحكومية،
شارك فيها (٤٠٢) طالبة، و (١٧) مدرسة، وقد امتدت (٤٠) يوماً.
-كما أقيمت في جوغو أيضاً دورة في العلوم الشرعية، لمدة ثلاثة أيام،
شارك فيها (٨٥) طالبة وامرأة.
-وفي توجو دابانغو أقيمت دورة تدريبية للطالبات المسلمات لمدة يوم واحد،
وكان عدد المشاركات فيها (٦٠) طالبة.
-وفي الملتقيات أيضاً: فمثلاً في ملتقى لندن حضر مجموعة من النساء في
قسم خاص بهن.
-كما يُعقد للنساء درس أسبوعي خاص، في مقر المنتدى بلندن، في الفقه،
من كتاب (سبل السلام) .
٢-الملتقيات الدعوية:
وهي لقاءات خاصة بالدعاة، تهدف إلى معالجة مشكلات الدعوة والدعاة،
وتنمية القدرات العلمية والدعوية لدى المشاركين، وبفضل الله فقد عُقد (٣٥) ملتقى
موزعة على دول عدة.
وفي هذا العام وحده تم عقد (٧) ملتقيات حضرها (٣٥٣) مستفيداً وهي:
-الملتقى الثقافي الثاني والعشرون، في المقر الرئيس، بلندن، خلال المدة
٩،١٠/٨/١٩٩٧م، تحت شعار: (الشباب الإسلامي: تحديات الواقع.. وواجب
العلماء) ، وقد حاضر فيه عدد من أصحاب الفضيلة الدعاة في المحاضرات التالية:
(العلماء والدعاة: عوامل التواصل والقطيعة) ، (دور العلماء في نهضة الأمة) ،
(الحوار مع العلمانيين شرعيته ومنطلقاته) ، (الضوابط العامة في الخلاف الفكري) ،
إضافة إلى فقرة خصصت للإجابة عن أسئلة الحضور الاقتصادية.
وقد حضر الملتقى عدد من الرجال والنساء بلغ (٢٠٠) فرد، ونقلت
المحاضرات للنساء بالصوت والصورة.
-الملتقى الدعوي، في: مالي باماكو، لمدة ٣ أيام.
-الملتقى الدعوي، في: نيجيريا سكوتو، يوم واحد.
-الملتقى الدعوي، في: نيجيريا كانو، ٥ أيام.
-ملتقى طلاب الجامعات، في: أوغندا كمبالا، ٣ أيام.
-ملتقى طلاب الثانويات، في: أوغندا كمبالا، ٣ أيام.
-الملتقى العام لتطوير المدارس، في الحبشة، يوم واحد.
وقد سجلت الدورات والملتقيات نمواً ملحوظاً في سنوات قليلة ويتضح ذلك من
خلال الرسم البياني التالي:
٣- المخيمات الشبابية التربوية والمراكز الصيفية:
يوليها المنتدى الإسلامي عناية مناسبة؛ لدورها الكبير في نشر الوعي بين
الشباب، وتصحيح المفاهيم، وتربيتهم تربية إسلامية.
وقد بلغت المخيمات التربوية المقامة في السنوات الماضية: (٣٥) مخيماً،
على حين أن المخيمات المقامة هذا العام وحده قد بلغ ما يقارب نصف هذا العدد
وهي (١٦) مخيماً بلغ عدد المستفيدين منها (١٤٩٩) فرداً. وبذلك يصبح العدد
الإجمالي للمخيمات (٥١) مخيماً، للجامعيين وطلاب الثانوي موزعة على الدول
التالية:
------------------------------------------------------------
الدولة ... ... ... ... عدد المخيمات الدولة عدد المخيمات
------------------------------------------------------------
بريطانيا (لندن) ... ... ... ٨ نيجيريا ٤
كينيا ... ... ... ... ١٢ بنين ٢
غانا ... ... ... ... ٤ إثيوبيا ١
مالي ... ... ... ... ٦ السودان ٢
أوغندا ... ... ... ... ٢ السنغال ١
التوجو ... ... ... ... ... ... ٥ تشاد ٣
------------------------------------------------------------
كما أقيم للمرة الثانية بحمد الله مركز صيفي، في مالي باماكو، لمدة (٣٠)
يوماً، شارك فيه (٥٠) مستفيداً، وقد ألقي فيه (٢٣٢) درساً، و (٧) محاضرات
تربوية وتثقيفية.
٤- الدورات الإدارية:
هدف هذه الدورات: تنظيم العمل وضبطه، وتطوير الأداء، والارتقاء
بمستواه، تحاشياً للفوضوية والارتجال. وقد أقيمت ست دورات في كل من كينيا
وتوجو وغانا شملت جوانب إدارية متعددة.
كما أقيمت هذا العام الدورة الإدارية الأولى للمدراء والمسؤولين في أقسام
مكاتب المنتدى الإسلامي، لمدة عشرة أيام، من ٢٠ ٢٩/٤/١٤١٨هـ، في غانا
نياكروم؛ وتهدف إلى رفع مستوى الأداء الإداري للاستفادة من جميع الطاقات،
وتوفير الوقت والجهد قدر الإمكان. ومن ضمن المحاضرات التي ألقيت في هذه
الدورة: (الإدارة الإسلامية) و (مبادئ التنظيم) و (التخطيط: أهميته، وأنواعه) .
٥- المحاضرات والدروس العلمية:
يعقد في مركز المنتدى الرئيس خمسة دروس أسبوعية مستمرة بفضل الله في
العقيدة (فتح المجيد) ، وفي الحديث (فتح الباري) ، وفي الفقه (سبل السلام) للنساء،
وفي التفسير؛ إلى جانب دروس مختارة للناطقين بالإنجليزية.
كما تقام محاضرة أسبوعية في موضوعات علمية وتربوية متنوعة؛ إضافة
إلى أن كل داعية تابع للمنتدى له برنامج لإلقاء الدروس والمحاضرات والخطب في
المدارس والمعاهد والمساجد والتجمعات العامة.
ويلقى في البلدان التي ينتشر فيها الدعاة ما يقرب من (٦٤٨٠) درساً،
و (٣٣٤٣) محاضرة شهرياً.
ففي غانا مثلاً تبث دروس عبر وسائل الإعلام، كالتلفزة والإذاعة؛ بالإضافة
إلى مقالات دورية في الصحافة.
---------------------------------------------------
الدولة عدد الدروس شهريا عدد المحاضرات شهريا
---------------------------------------------------
بريطانيا (لندن) ٢٠ ٤
كينيا ١٢٥٦ ٣١٦
غانا ٢٧٦ ٢
بنجلاديش ١٣٠٤ ١٠٢٤
مالي ٦٥٠ ٦٥
الصومال ١٩٩٦ ٤٠٠
جيبوتي ٥٦ ٢٤
أوغندا ٣٨٠ ٣٢
التوجو ... ١٦٤ ٤٥
نيجيريا ... ... ... ٢١٦ ٢٨
بنين ١٢٤ ٢٤
الحبشة ... ٠٠ ٤
---------------------------------------------------------------------------------
ثالثاً: المراكز الإسلامية:
نظراً لأهمية المراكز في تقوية العمل الدعوي وانطلاقته وانتشاره وتركيزه فقد
أقر المنتدى إقامة عدد من المراكز، وهي:
١- المركز الرئيس للمنتدى الإسلامي في بريطانيا لندن، حيث افتتح في عام
١٤٠٦هـ، ويحتوي على مسجد جامع، ومصلى نساء، ومدرسة ابتدائية وروضة، وقاعة محاضرات، ومكتبة للاطلاع، ومكتبة لبيع الكتب.
٢- مركز الإمام البخاري في بنجلاديش (غازيبو تونفي دكا) ، وقد أسس
لخمسة أدوار، تم بناء دورين منها سيتم تشغيلها حالياً للاستفادة منها ريثما يتيسر
بناء الأدوار الثلاثة الباقية؛ إن شاء الله.
٣- مركز الإمام مسلم في بنجلاديش فريدبور، ويهدف إلى نشر الدعوة في
فريدبور، ومتابعة البرامج الدعوية المتنوعة، والإشراف على الدعاة، وحِلَق
التحفيظ ... ونحو ذلك.
٤- المركز الإسلامي في نيجيريا كانو، وقد افتتح المسجد ومصلى النساء،
في جمادى الثانية ١٤١٨هـ، وقد بدأ بمباشرة أعماله.
٥- المركز الإسلامي في غانا أكرا وقد تم افتتاحه في بداية رمضان ١٤١٧هـ
٦- المركز الإسلامي في بنين. وقد شارف على الانتهاء.
٧- المركز الإسلامي في كينيا نيروبي وسوف يُشرع في بنائه في الأيام
القريبة القادمة، بمشيئة الله.
٨- المركز الإسلامي في أوغندا، وقد تم شراء الأرض، وسوف يبدأ العمل
فيه قريباً، إن شاء الله.
ويحتوي كل مركز على المرافق التالية:
أ - مسجد جامع كبير.
ب مصلى للنساء.
ج - مكتبة باللغة العربية والإنجليزية واللغات المحلية.
د - مكتبة سمعية ومرئية.
هـ فصول دراسية، ومدرسة لتحفيظ القرآن.
ومبانٍ إدارية. ز مقر للضيافة. ح مستودع.
رابعاً: تحفيظ القرآن الكريم:
يولي المنتدى الإسلامي كتاب الله الكريم اهتماماً خاصاً يتمثل في تدريسه
وتحفيظه والسعي إلى التربية على آدابه وأوامره؛ ولذا أقام خلوات وحلقات بلغت
(٣٣٠) حلقة منتشرة في دول كثيرة. وبلغ عدد الطلاب فيها ما يقرب من
(١٢٦٢٢) طالباً.
هذا ويسعى المنتدى الإسلامي إلى الارتقاء بمستوى الحلقات عبر وسائل عدة، منها:
١- مواصلة عقد الدورات العلمية والتدريبية للمدرسين والمحفظين. وقد
عُقدت دورتان شرعيتان في: توجو، وغانا، وثلاث دورات تدريبية في: مالي،
وأوغندا، كما عُقدت دورة لتحفيظ القرآن، في: نيجيريا جوس، استمرت (٣٠)
يوماً واستفاد منها (٤٠) مدرساً؛ هذا غير الدورات المحلية الكثيرة التي يعقدها
المشرفون الميدانيون مع مدرسيهم بين فترة وأخرى؛ فمثلاً: في العام الماضي
عقدت في غانا ثلاث دورات، وفي توجو ثلاث دورات أيضاً، وفي بنجلاديش
دورة واحدة.
٢- أصدر المنتدى في نهاية عام ١٤١٧هـ خطة عامة شملت تقويم المدرس، وطرق التدريس في الحلقات، والإدارة والإشراف التربوي، وأنشطة الحلقات،
ونُشرت في كتاب بعنوان: (المدارس والكتاتيب القرآنية.. وقفات تربوية وإدارية)
وقد لاقى الكتاب بحمد الله قبولاً واسعاً، وإقبالاً كبيراً، نسأل الله أن ينفع به.
٣- وزع المنتدى عبر مكاتبه الفرعية في إفريقيا وغيرها (٢٠٥١٤) مصحفاً، و (٣٨٣١) ترجمة لمعاني القرآن، بلغات مختلفة.
خامساً: الأنشطة التعليمية:
١- المدارس النظامية: تقدم للطالب نوعين من المواد:
أ - العلوم المقررة في بلده.
ب - العلوم الشرعية المعدة من قبل المنتدى. وبذلك تؤهل الطالب تأهيلاً
شرعياً وتأهيلاً عصرياً يمكنه من مواصلة الدراسة في الجامعات الحكومية في شتى
التخصصات، وبذلك يتوفر بإذن الله مسلمون أكفاء في مختلف القطاعات الوظيفية
الحكومية.
وقد بلغ إجمالي المدارس (٣٨) مدرسة ما بين روضة وابتدائية وإعدادية
وثانوية؛ وبذلك يكون عددها قد تضاعف عن العام الماضي، حيث كانت (٢٠)
مدرسة. والمدارس موزعة كما يلي:
-----------------------------------------------------------
الدولة عدد المدارس تفصيل مراحلها
------------------------------------------------------------
بريطانيا (لندن) ٢ روضة، وابتدائية
كينيا ... ... ٦ (٣) روضة، (٢) ابتدائية، (١) ثانوية
غانا ١٠ (٢) روضة، (٣) ابتدائية، (٤) إعدادية، (١) ثانوية
بنجلاديش ... ... ٢١ (١٣) روضة، (٨) ابتدائية
-----------------------------------------------------------
٢- المدارس الشرعية: وهدفها نشر العلم الشرعي، ورفع الجهل عن أبناء
المسلمين، ولهذا أنشأ المنتدى الإسلامي ثانوية شرعية في مدينة جوس بشمال
نيجيريا.
٣- كفالة مدرسين في مدارس غير تابعة للمنتدى: وهي طريقة لتقديم مقرر
شرعي في هذه المدارس، أو إيجاد مدرس يهتم بالدعوة في مدرسة حكومية أو
إسلامية تحتاج للدعم، ولا يتمكن المنتدى من القيام بكامل أعبائها، فيكفل مدرساً أو
أكثر فيها.
٤- معاهد إعداد الدعاة: يتوقف نجاح العمل الدعوي بعد توفيق الله على
كفاءة الدعاة الذين هم قلب الدعوة النابض، وأهم ما في الأمر تنمية الطاقات العاملة، وتأهيل دعاة آخرين؛ ووسيلة ذلك إعداد الدعاة وتأهيلهم، وهو ما سعى إليه
المنتدى في إنشائه معاهد إعداد الدعاة.
ومن أبرز المعاهد التي جهزت مبانيها وأعدت مناهجها: معهد نيجيريا،
ومعهد آخر في مالي، وقد تعثر افتتاحهما حتى الآن بسبب بعض العراقيل الرسمية.
٥- توزيع المناهج الدراسية: تعجز إمكانات بعض المدارس المادية عن
توفير المناهج والكتب الدراسية، فقام المنتدى بتوزيع الكتب الدراسية على بعض
المدارس، ومنها في هذا العام فقط (٣٢٠٦٢) فبلغ عدد الكتب الموزعة حتى الآن
(٢٨٤٨٦٢) ، وهي على الشكل الآتي: غانا (١٢٧٢٤٤) ، كينيا (٦٣٩١٢) مالي
(١٩٥٠٠) ، السنغال (٢٥٠٠) ، الصومال (٣٠٠٠) ، أوغندا (١٠٠٠) ، بنين
(١٨٠٠٠) ، توجو (٤٨٢٠٦) ، جيبوتي (١٥٠٠) .
سادساً: القوافل الدعوية:
انتشر الإسلام في مختلف الأدغال والقرى النائية، مع غلبة الجهل على
هؤلاء المسلمين، وانتشار الشركيات والسحر والبدع بينهم.
غير أنه من الصعب توفير دعاة في كل المناطق المترامية الأطراف؛
ولصعوبة تنقل أفراد الدعاة.. فقد قام المنتدى بتنظيم القوافل الدعوية التي يقوم بها
مجموعات من الدعاة بشكل مدروس مرتب، ويصحب القافلة طبيب، وتُزوّد
ببعض المواد الإغاثية، والكتب باللغات المحلية.
وبحمد الله تم تنفيذ (١٥٨) قافلة دعوية، منها في هذا العام وحده (٦٨) قافلة،
منها ما هو للمسلمين، ومنها ما هو لغير المسلمين ومن تلك القوافل:
أ- قافلة الرحمة الدعوية، في (بنين) من كوتونو باراكو، لمدة سبعة أيام،
أقيم خلالها (٣٨) درساً.
ب- القوافل الدعوية الثابتة في خمس محافظات في (بنين) وتنطلق هذه
القوافل (٤) مرات أسبوعياً لمدة شهر لتزور (١٦) قرية خلال هذه المدة، وشارك
في هذه القوافل (٣٠) داعية منهم ستة من دعاة المنتدى.
ويتضح نمو القوافل خلال الأعوام الخمسة الأخيرة من الرسم البياني التالي:
يتوزع مجموع القوافل على دول كثيرة، نفذ منها هذا العام: في توجو (٣٠)
قافلة، وفي بنين (١٦) ، وفي كينيا (١٩) ، وفي غانا (١٤) ، وفي الصومال
وجيبوتي (١٣) ، وفي السودان (٣) ، وفي تشاد (٢) ، وفي أوغندا (٣) ، وفي
الحبشة (٥) ، وفي بنجلاديش (٢٥) ، وفي نيجيريا (٣٢) .
وقد كان لتلك القوافل أثر طيب ونتائج جيدة بفضل الله تعالى فمثلاً: في قافلة
واحدة في الحبشة أسلم (٩٠) شخصاً، كما أسلم (١٥٠٠) في نيجيريا خلال (٧)
قوافل، وهؤلاء يترتب على إسلامهم واجب متابعتهم، وقد قام المنتدى بمتابعة
المسلمين الجدد على النحو الآتي:
١- إعداد دورات، على مستويات ثلاثة، ينتقل فيها المسلم ليصل إلى
مستوى علمي وتربوي مناسب.
٢- إنشاء مركز لمحو الأمية في (كسومو) في كينيا.
٣- تعيين داعية في كل قرية يكثر فيها المهتدون.
٤- تنظيم الجولات الدعوية للدعاة في مختلف المناطق والقرى.
سابعاً: بناء المساجد:
تم إنشاء وتنفيذ (٣١٩) مسجداً وجامعاً في دول كثيرة، منها (٢٦) تحت
التنفيذ؛ وفي العام الماضي بمفرده تم الانتهاء من بناء (٤٣) مسجداً، وإكمال
مسجدين آخرين، منها (١٤) مسجداً وجامعاً في بنجلاديش وحدها.
ويوضح الرسم التالي تصاعد عدد المساجد خلال الأعوام الستة المنصرمة:
ويحرص المنتدى على اختيار الأفضل لموقع المسجد، وتسجيل ملكيته رسمياً
، كما يسعى لإحياء رسالة المسجد، وتنشيطه دعوياً؛ بتعيين داعية مؤهل في كل
مسجد يقوم المنتدى ببنائه، ليتولى إمامة المسلمين، وإقامة الدروس الشرعية،
وإلقاء المواعظ، والقيام على حلقات تحفيظ القرآن الكريم.
أما توزيع المساجد على الدول فيوضحه الجدول الآتي:
------------- ---------------------------------------------- ... ... ... ...
الدولة ... عدد المساجد التي عدد المساجد التي المجموع
تم تنفيذها تحت التنفيذ
----------------------------------------------------------
الحبشة ... ٢٦ ٠٠ ٢٦
إريتريا ... ٢ ٢ ٤
أوغندا ٨ ١ ٩
باكستان ٤١ ٠٠ ٤١
أفغانستان ١ ٠٠ ١
بنجلاديش ٩٥ ٠٠ ٨٦
تشاد ١٢ ٠٠ ١٢
توجو ٥ ٠٠ ٣
بنين ٣ ٠٠ ١
الجمهوريات الإسلامية ٤ ٠٠ ٤
السنغال ١ ١ ٢
السودان ٨ ٤ ١٢
الصومال ١٧ ٠٠ ١٦
غانا ١٩ ٦ ٢٥
الفلبين ... ٥ ... ١ ٦
كينيا ٢١ ٠٠ ١٩
مالي ١١ ١ ١٢
نيجيريا ... ٩ ... ٨ ١١
الهند ٣ ٢ ٥
جيبوتي ٢ ٠٠ ١
تنزانيا ٢ ٠٠ ٢
المجموع ٢٩٣ ٢٦ ٣١٩
---------------------------------------------------
ثامناً: المكتبات العامة ومكتبة طالب العلم:
تعاني كثير من البلاد الإسلامية من ندرة الكتب الإسلامية وندرة المراجع
العلمية، مع ما لهذه الكتب والمراجع من أثر بالغ في التوعية الإسلامية ونشر العلم
وتصحيح العقيدة؛ ولذا سعى المنتدى إلى سدّ تلك الحاجة حسب إمكانياته بوسائل
منها:
١- المكتبات العامة، وهي نوعان:
أ - مكتبة كبيرة: تقام في المدن الرئيسة، وفي أماكن التجمعات الكبيرة للدعاة
ب - مكتبة صغيرة: توضع في المساجد والمدارس ونحوها.
وتم انتقاء الكتب وفقاً لاحتياجات الدعاة في تلك الأماكن، أما عدد المكتبات
المجهزة فبلغ (٩٦) مكتبة، منها (٣٣) مكتبة جهزت هذا العام وهي موزعة كما يلي:
-------------------------------------------------
الدولة عدد المكتبات الكبيرة عدد المكتبات الصغيرة
-------------------------------------------------
بريطانيا (لندن) ١ ١
كينيا ٦ ١٩
مالي ٤ ٤
غانا ٢ ٠٠
الصومال ٧ ٧
السنغال ١ ١
بنجلاديش ٤ ١٤
السودان ١ ٠٠
تشاد ١ ١
توجو ٠٠ ٢
أوغندا ١ ٠٠
الحبشة ... ... ٠٠ ١٦و٥ سمعية
نيجيريا ... ... ٠٠ ٢
جيبوتي ١ ٠٠
المجموع ٢٩ ٦٧
------------------------------------------------
ويبدو نمو المكتبات تصاعدياً خلال سنوات ثلاث كما يلي:
٢- مكتبة طالب العلم: وهي مكتبة صغيرة تحتوي على الأصول العلمية
المهمة، تُمنَح للداعية ويمتلكها شخصياً، ليستعين بها على تنمية قدراته، ورفع
مستواه. ولأجل أن تلائم المستوى والقدرات فقد أعد المنتدى قائمتين: الأولى
للدعاة الجامعيين، والثانية للدعاة غير الجامعيين.
وقد بلغ عدد المكتبات الموزعة خلال العام الحالي ١٤١٧هـ ١٤١٨هـ
(٣٧٤) مكتبة وتشتمل على الكتب التالية:
أ - في اللغة العربية:
١- المستوى الجامعي:
زبدة التفسير. تيسير العلام. شرح العقيدة الواسطية.
اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان.
التحفة السنية في شرح المقدمة الأجرومية.
الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث. مختصر سيرة النبي -صلى
الله عليه وسلم.
٢- المستوى غير الجامعي:
فتح المجيد. تفسير ابن كثير.
رياض الصالحين. بلوغ المرام. الرحيق المختوم.
ب - وأما باللغة الإنجليزية فهي ترجمات للكتب التالية:
كتاب التوحيد. معاني القرآن. الرحيق المختوم. بلوغ المرام.
مختصر صحيح البخاري. تقوية الإيمان. شرح أركان الإسلام.
٣- توزيع المصاحف والكتب والأشرطة:
- عدد المصاحف الموزعة: (٤٨٥١٤) مصحفاً، منها (٢٠٥١٤) هذا العام.
- وزع في العام الماضي (٣٨٣١) ترجمة لمعاني القرآن بلغات مختلفة.
- تم توزيع (٣٠٥٠٩٧) كتاباً بالعربية، منها (٦٥٦٨٨) في العام الماضي.
- كما وزع (٢٥٥٢٠) كتاباً بلغات غير العربية، وأيضاً (٢٠٥٢٤٢٥) نسخة
من الكتب التي قام المنتدى بترجمتها، وذلك في العام الماضي وحده.
- عدد الأشرطة الموزعة (١٤٤٧٨٦) شريطاً، منها (٣٩٧٨٦) شريطاً في
العام الماضي.
تاسعاً: مطبوعات المنتدى الإسلامي:
١- مجلة البيان: وهي مجلة إسلامية شهرية جامعة، تُعنى بالدراسات
الشرعية والدعوية والتربوية، وتسعى لرفع مستوى الوعي الفكري، عبر كتابات
متميزة رصينة، يعدّها عدد من العلماء والدعاة والأساتذة والشباب الفضلاء، وقد
بدأ المنتدى الإسلامي بإصدارها في عام ١٤٠٦هـ، لتوزع في مختلف أنحاء العالم
. وقد لاقت بحمد الله رواجاً وإقبالاً كبيراً يُزكي الأمل، ويشجع على العمل،
ونرجو الله لها المزيد، وقد اعتمد المنتدى (٤٥٠٠) اشتراكاً شهريّاً مجانيّاً في عدد
من الدول، إسهاماً منه في إيصال كلمة الحق والهدى إلى الدعاة وطلاب العلم الذين
لا يستطيعون شراء المجلة، بالإضافة إلى العديد من الجمعيات الإسلامية والمعاهد
والمراكز.
٢- نشرة المنار: وهي نشرة صغيرة تصدر باللغة الإنجليزية وتوزع في
بريطانيا، ومكاتب المنتدى في إفريقيا في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، وتتناول
هذه النشرة بعض البحوث الميسرة في العلوم الإسلامية.
٣- نشرة أسبوعية: في بنين، صدر منها (٣٦) عدداً، توزع في كثير من
المحافظات.
٤- كتاب المنتدى: يقوم المنتدى الإسلامي بطباعة الكتب والرسائل المفيدة
مع الحرص على حسن الاختيار والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة، ومن هذه
الإصدارات:
* المدارس والكتاتيب القرآنية.. وقفات تربوية وإدارية.
* خواطر في الدعوة، (١٠٠خاطرة دعوية) .
* التجديد في الإسلام. * رؤية إسلامية للاستشراق.
* اعتقاد أهل السنة في الصحابة. * علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام.
* الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي. * البداوة والحضارة.
* الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أصوله وضوابطه.
* تجربة المنتدى الإسلامي في العمل الدعوي ... ونحوها.
ونظراً للطلب المتزايد على كتب المنتدى بفضل الله فقد أُعيدت طباعة غالب
الإصدارات خلال العام الحالي ١٤١٧هـ ١٤١٨هـ.
٦- طباعة الكتب المترجمة: قام المنتدى الإسلامي بطباعة عدد من الكتب
الإسلامية المترجمة إلى عدد من اللغات، ووزعت في عدد من دول العالم، ومنها:
* الأصول الثلاثة، (باللغة الفرنسية) . * الأصول الثلاثة، (بلغة الهوسا) .
* الخطوط العريضة، (بلغة الهوسا) .
* وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة، للشيخ ابن باز، (بالإنجليزية) .
* وجوب أداء الصلاة جماعة، لابن باز، (بالفرنسية) .
* صفة صلاة النبي ﷺ ، للشيخ ابن باز (بالفرنسية) .
* رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية، (بالبنغالية) .
* عقيدة أهل السنة والجماعة، لجميل زينو، (بالبنغالية) .
* صفة صلاة النبي ﷺ ووجوب صلاة الجماعة، لابن
باز، (بالسواحلية) .
* الطهارة والصلاة، لابن عثيمين، (بالسواحلية) .
* الدروس المهمة لعامة الأمة، لابن باز، (بالسواحلية) .
* توجيهات إسلامية، لجميل زينو، (بالبنغالية) .
* كشف الشبهات للإمام محمد بن عبد الوهاب، (بالسواحلية) .
* حصن المسلم، (بالسواحلية) . * المرأة في الإسلام، (بالسواحلية) .
* مختصر العقيدة الإسلامية، لمحمد جميل زينو، (بالسواحلية) .
بالإضافة إلى أن المنتدى الإسلامي يسعى لتوفير الكتاب الإسلامي باللغات
المختلفة من الأسواق، ويوزعها في دول العالم.
عاشراً: النشاط الإغاثي والاجتماعي:
المنتدى الإسلامي مؤسسة دعوية في الأصل، ولكنه يقدم أنشطة اجتماعية
وصحية متعددة، كما يسهم في إغاثة المنكوبين وإعانة الملهوفين من المسلمين.
ومن البرامج التي تم تنفيذها:
١- المراكز الإغاثية: قام المنتدى الإسلامي بإنشاء (٢٨) مركزاً إغاثياً، في
كل من كينيا والصومال وبنجلاديش، استفاد منها (١٥٠٠٠) شخص يومياً، وقد
توقفت هذه المراكز لانقضاء حاجتها، وذكرت تفاصيلها في تقرير العام الماضي.
٢-الأعمال الإغاثية العامة: وتشمل توزيع المواد الغذائية واللباس والكساء
والدواء؛ حيث قام المنتدى الإسلامي بأعمال إغاثية متعددة في الصومال،
وبنجلاديش للمتضررين من الفيضانات والأعاصير، والبورماويين بسبب الحروب
، وجيبوتي، ومالي.. وغيرها.
ويصاحب هذه الأنشطة برامج دعوية مكثفة من دعاة المنتدى الإسلامي.
٣- برنامج إفطار صائم: اعتاد المنتدى الإسلامي تنفيذ البرنامج سنويّاً في
عدد من دول العالم، وقد بلغ عدد الوجبات التي تم توزيعها في رمضان ١٤١٣هـ
(١٦٨، ٨٤٩) وجبة، شملت (١٨) دولة، وأما في رمضان ١٤١٤هـ فقد بلغ ...
عدد الوجبات (٦٧٧، ٣٢٦) وجبة، شملت (١٦) دولة، وفي رمضان ١٤١٥هـ ...
بلغ عدد الوجبات (٧٠٠، ٧٨٤) وجبة، شملت (١٦) دولة، وفي رمضان ١٤١٦هـ بلغ عدد الوجبات (٣٥٠. ٨٧١) وجبة، شملت (١١) دولة وفي رمضان
١٤١٧هـ عدد الوجبات (٥٠٠، ٣٣٧) وجبة، شملت (١٢) دولة.
وفي الغالب: يصاحب الإفطار دروس وعظية وعلمية وتربوية يعدها دعاة
المنتدى الإسلامي؛ مما يكون له أثر مبارك (ولله الحمد والشكر) .
وقد بلغ عدد البرامج الدعوية في إفطار عام ١٤١٧هـ (١١٧٧٦) ما بين
كلمة توجيهية ودرس ومحاضرة.
٤- برنامج الأضاحي: يقوم المنتدى الإسلامي سنويّاً بتنفيذ برنامج الأضاحي
في عدد من دول العالم؛ وذلك لتوزيعها على فقراء المسلمين، وقد بلغ عدد
الأضاحي حتى نهاية عام ١٤١٧هـ (٢٥٧٧٠) أضحية، بالإضافة إلى ذبح العقائق
والكفارات والنذور؛ لتوزيعها على المحتاجين.
٥- حفر الآبار: بسبب تتابع الجفاف ومواسم القحط التي سادت أجزاءً من
القارة الإفريقية، وازدياد حاجة المسلمين إلى مصادر نقية للمياه، عمل المنتدى ولا
زال يعمل على سد حاجة المسلمين في بعض المناطق من المياه الصالحة للشرب،
وقد حفر المنتدى الإسلامي حتى الآن (٢٦٤) بئراً في عدد من الدول، موزعة كما
يلي:
----------------------------------------------------
الدولة عدد الآبار ... ... ملاحظات
----------------------------------------------------
السودان ٥١ مشروع عيون الحياة
غانا ٣١ ... ٠٠
مالي ٩ ... ٠٠
إثيوبيا ٩ ... ٠٠
كينيا ١٨ منها بئر ارتوازي واحد، بالإضافة إلى خمسة خزانات للمياه
الصومال ١٤ ... ٠٠
توجو ١٣ ... ٠٠
بنجلاديش ٧٠ ... منها (١٥) بئراً ارتوازياً.
تشاد ٩ ... منها بئر بالطاقة الشمسية.
بنين ١١ ... ٠٠
باكستان ١٢ ... ٠٠
أوغندا ٢ ... ٠٠
جنوب شرق آسيا ٥ ... ٠٠
السنغال ١ ... ٠٠
نيجيريا ... ٩ ... ٠٠
----------------------------------------------------
وقد بدأ المنتدى قبل ثلاث سنوات بمشروع لحفر الآبار الارتوازية في
السودان باسم: (عيون الحياة) ، وجهز المشروع بمختلف التجهيزات الفنية والآلية
اللازمة، وبناء على الخطة المرسومة يقوم المشروع بحفر (٣٠) بئراً سنويّاً على
الأقل، وقد تم تنفيذ (٥١) بئراً حتى الآن، ولله الحمد.
٦- كفالة الأيتام: يكفل المنتدى الإسلامي (٢٠٢) يتيماً موزعين في عدد من
الدول كفالة تامة، تشمل الغذاء والكساء والتعليم.
ختاماً: لا يسعنا بعد هذا التقرير الشامل الموجز لثمرات عمل المنتدى
الإسلامي، إلا أن نسأل الله أن يبارك في هذه الأعمال المتواضعة؛ حتى
تؤتي ثمارها عاجلاً في الدنيا، وآجلاً في الآخرة، وأن يتقبل من الجميع جهودهم
وإسهامهم وسعيهم، وأن يعين على المضي قدُماً في كل مشروع نافع، وأن يجعلنا
من المتعاونين على البر والتقوى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد
وآله وصحبه.
стр. 2634
الورقة الأخيرة
لا تحقرن من المعروف شيئاً
بقلم:أيمن بن سعيد
دخلت عليه، فهش في وجهي وهششت، عانقني بحرارة، وقال لي: الحمد
لله ... مَنّ الله عليّ بالهداية، وصرت برحمته سبحانه مسلماً بعد أن كنت نصرانياً، وأصبحت أعمل في حقل الدعوة إلى الله في أوساط أقاربي وزملائي بعد أن
تعلمت شيئاً من أمر ديني، وما زلت أسعى إلى المزيد.
قلت له: لله الفضل والمنة، ولكن حدثني كيف أسلمت؟
قال: قصتي عجيبة: كنت طالباً في المدرسة الثانوية الكاثولكية، فوجدت في
مكتبتها كتاب ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة السواحلية؛ ولست أدري من
وضعه دون أن يعلم القس عن ذلك شيئاً؛ فتعجبت من وجوده، ودعاني فضولي
إلى تصفحه مبتدئاً بقراءة المقدمة ومعاني سورة الفاتحة، ومطلع سورة البقرة،
فأدهشني وضوح الفكرة وعمقها، فأغلقت الكتاب، والتفت يميناً ويساراً، وعلى
حينَ غفلة من الحضور أخذت الكتاب وخرجت إلى غرفتي في سكن الثانوية
الداخلي.
حدثت زملائي الستة بما قرأت، وأريتهم الكتاب، فعجبوا، ومكثنا مدة
شهرين نقرأ فيه، ونتناقش إلى أن أتممنا قراءة معاني سورة البقرة.
عند ذلك قررنا جميعاً الدخول في الإسلام، فدخلنا وواجهتنا محن وإحن؛ إذ
طُرِدْتُ من المدرسة والمنزل، وأصبحت أواجه العقبات والشدائد الواحدة تلو
الأخرى، ولكنني كنت مقتنعاً بالإسلام ديناً؛ فعاهدت ربي على اشتراء الآخرة
بالدنيا، وأسأله سبحانه أن يثبتني على ذلك.
انتهى حديث صاحبي فتذكرت عندها قوله في الحديث: عن أبي ذر رضي
الله عنه: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) [١]
وجلست أتأمل واقع فئتين من الدعاة:
فئة تبذر الخير، وفئة تحجم عن ولوج طرق كثيرة من أبواب الخير وهي
قادرة على ذلك؛ بحجة أنه لا فائدة تشاهدها من طَرْق تلك الأبواب وولوجها، أو
أن فائدتها يسيرة وأثرها محدود لا يستحق البذل والعطاء.
وأدركت عندها من قصة هذا الأخ خطأ الفئة الأخيرة في حق نفسها وأمتها؛
لأنها تستوعب أن مهمة الرسل ﵈ والدعاة تبع لهم استفراغ الوسع في
البلاغ، والبلاغ وحده، كما قال : [مَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ]
[المائدة: ٩٩] ، أما النتائج وتحقيق المكاسب فأمره إلى الله كما قال مخاطباً نبيه: [إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ] [القصص: ٥٦] .
ولا يعني ذلك دعوة إلى ترك التخطيط للدعوة وعدم أهمية ترتيب الأولويات؛
فذاك أمر متحتم على الدعاة والمصلحين.
كما لا يعني ذلك دعوة إلى عدم التخصص في بعض الأعمال الدعوية التي
تشعبت واتسعت وصار واجباً على الدعاة فعلُ ذلك لإسقاط الواجب الكفائي على
الأمة في القيام بها.
لكن المراد هنا هو التنبيه على أنه لا يسوغ أن نتخذ هذه الوسائل ذرائع لعدم
المسابقة في الخيرات؛ فما أكثر ما يجد الداعية المنظم لوقته وجهده، المرتب
لأولوياته، المحدد لمسؤولياته الوقت والجهد لبذر خيرٍ هنا أو هناك، والسعي في
حاجة هذا أو ذاك، دون أن يؤثر ذلك على ما هو عليه من أبواب الخير. ... ...
فيا ترى: كم خسرت الدعوة والأمة وما زالت تخسر بسبب هذا الإحجام من
المكاسب والمواقع التي يمكن أن تتحقق لو أن كل داعية مخلص غيور امتثل قوله:
(لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) ؟
стр. 2635
رمضان - ١٤١٨هـ
يناير - ١٩٩٨م
(السنة: ١٢)
стр. 2636
كلمة صغيرة
مخالب الديمقراطية
كثيراً ما يدعو علمانيو عصرنا في عالمنا العربي والإسلامي إلى المنهج
الديمقراطي بدعوى أنه وسيلة مثلى لتمثيل الشعوب في المجالس النيابية، ولمواجهة
الحكومات بأساليب حضارية، ومن ثَمّ فرض آرائهم بالأسلوب نفسه، وقد ثبت أن
ذلك (قبض الريح) .
غير أن أدعياء الديمقراطية في عالمنا الثالث عموماً ممن تمسكوا بالسلطة لا
يمكن بحال من الأحوال أن يسمحوا للرأي الآخر الذي يناقضهم في المبادئ ويخالفهم
في المنطلقات.
ولذا نجدهم كثيراً ما يحرصون على تقزيم ذوي الرأي المغاير والتهوين من
شأنهم، بل يعملون جاهدين على حرق أوراقهم تماماً: سواء بتشريع منعهم من
المشاركة الديمقراطية بدعاوى سخيفة، أو بالتلاعب بصناديق الاقتراع من قِبَلِ
السلطات المشرفة على العملية الانتخابية التي لا تستحيي عادة من إعطاء الحزب
الحاكم نسبة الأصوات المطلقة والكافية مما يجعل البقية الباقية أقليات هزيلة تسهم
في رسم الصورة الديمقراطية ليس إلا.
والموقف العلماني في تركيا حيال (حزب الرفاه) شاهد عيان على زيف
ديمقراطية العلمانيين؛ ففي الوقت الذي نال فيه الحزب الأغلبية؛ أصرت الأيادي
الخفية على تنحية الحزب من الوزارة، وها هم المتسلطون بأمرهم يحاكمونه بشتى
الدعاوي لإسقاط الاتجاه الإسلامي وإلغائه كما تشير كثير من المعطيات.
والعجيب أن يستمر هذا النهج بمباركة الغرب الذي كثيراً ما يتدخل في شؤون
الدول الأخرى ويعاقبها بدعوى الخروج على النهج الديمقراطي.
هؤلاء هم ديمقراطيونا الذين يدوسون الديمقراطية باسم الديمقراطية في سبيل
بقاء سلطاتهم.
стр. 2637
افتتاحية العدد
من يهن يسهل الهوان عليه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن من يتابع مواقف القوى الغربية من الصحوة الإسلامية في كثير من البلدان، يلمس ما يقلق تلك القوى، ويذهل لحساسيتها المفرطة حيال أي توجه إسلامي
مهما كان! وهذه المواقف غير المستغربة لم تأت من فراغ؛ وإنما هي نتيجة
تراكمات تاريخية، ووليدة اتجاهات مقررة سلفاً قام بها نفر من الدارسين
والمستشرقين الذين جعلوا من الإسلام عدواً بديلاً من العالم الماركسي البائد؛ ولا
سيما إذا عرفنا مكانة منطقتنا في سياسة القوم؛ فهناك لدى صناع القرار في
الولايات المتحدة الأمريكية عقدة من التيار الإسلامي؛ ولذلك فهم يعملون جاهدين
للتنفير منه والإساءة إليه ومواجهته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ومن النظريات
السائدة ما يسمى بنظرية (الدومنو) التي يعنون بها أن قيام أي نظام إسلامي في أي
دولة سوف يتبعه سقوط دولة أخرى، وأن المسألة مسألة وقت، ومن هنا نجد
أمريكا تعمل جاهدة للحيلولة دون قيام أي نظام إسلامي في أي دولة؛ لأن ذلك حقيقةً
سيسهم في كشف مكر الغرب، وكيف يستغل الغربيون خيرات الشعوب، وكيف
يستهينون بكرامتهم؛ مع عملهم المتواصل لتثبيت دولة العدو الصهيوني والحرص
على تفوقها في مجال السلاح لتبقى خنجراً في قلب العالم الإسلامي ولحمايتها من أي
ضربة متوقعة؛ مما يفسر إضعاف أي كيان قوي في المنطقة ومحاولة تقزيمه؛ وما
ذلك إلا لصالح ربيبتهم (إسرائيل) .
ومن تلك المواقف المستهترة بكرامة أمتنا محاولاتهم الدائمة لفرض الحصار
على شعوب إسلامية بعينها، وأحدثها: القرار الأمريكي الأخير ضد دولة السودان
بمحاصرتها اقتصادياً بدعاوى تبنيها الإرهاب وعدم احترامها حقوق الإنسان،
والهدف الحقيقي هو تدمير اقتصاد هذا البلد وزعزعة أمنه، وإيجاد الاضطراب
الاجتماعي فيه، ولا سيما بعد استقرار نسبي في اقتصاده مما أفقد البنك الدولي
الحجج المعادية للسودان.
ومثل هذه الدعاوى لم تعد تنطلي على أحد؛ لا سيما وأن السودان استنكرت
تلك الادعاءات ورفضتها؛ والحقيقة خلاف ذلك تماماً؛ لأن علاقة أمريكا بالسودان
طويلة ومعروفة للدارسين؛ فقد ذكر أحد المسؤولين الأمريكيين هذه العلاقة في
تقرير قدمه للكونجرس منذ سنوات؛ فقد أوضح (لافون ووكر) أهمية السودان
ومنطقة القرن الأفريقي بالنسبة لأمريكا؛ حيث ذكر أنها أقطار ذات قيمة إستراتيجية
بالنسبة لأمريكا في سعيها للحفاظ على مصالحها.
ويشكل السودان أهمية لأمريكا؛ ولذا بدأت في أواخر السبعينيات في مساعدته
في التغلب على مشكلاته الاقتصادية، وسمحت لشركات البترول الأمريكية بالقيام
بأعمال التنقيب عن البترول، ولكن الاتجاهات الأخيرة في السودان وتخوّف أمريكا
من امتداد إسلامي يهدد الدول النصرانية المحيطة به جعلتها تحوِّل موقفها نحو
مساعدة حركات التمرد في البلاد مع الامتناع عن إمداد السودان بالأسلحة والمعدات، وإيقاف شركة (شيفرون) عن أعمال التنقيب حتى تحدد مخصصات الجنوب من
عوائد البترول؛ بالإضافة إلى قيام أمريكا بالضغط على مؤسسات التمويل الدولية
لمنعها من تقديم القروض للسودان [١] .
إذن: فالموقف من السودان وحصاره ليس كما قيل بدعاوى تبني الإرهاب
وعدم احترام حقوق الإنسان!
فالإرهاب فكراً وتبنياً وسلوكاً نجده لدى العدو الصهيوني الذي تقوم أمريكا
نفسها بدعمه ليل نهار في اغتصابه للأراضي العربية المحتلة، واستهتاره بحقوق
الإنسان بطرد الفلسطينيين وتهجيرهم وقتلهم بالقنابل المحرمة دولياً، وبضرب لبنان
ليل نهار، ونجد هذا الإرهاب أيضاً لدى صرب البوسنة الذين قتلوا آلاف المسلمين، وشردوا عشرات الآلاف منهم، ولا تكاد توجد أقلية إسلامية في معظم البلدان إلا
وتعاني من الاضطهاد والتمييز العنصري أمام سمع الغرب وبصره!
أما حقوق الإنسان المهدرة في السودان كما يزعمون فقد شهد شاهد من أهلها
يكذب هذه الدعوى؛ فها هو: (ماكنير) عضو مجلس اللوردات البريطاني بعد زيارة
تقصّى فيها الحقائق عن هذا الزعم كشف في تقريره كَذِبَ تلك الدعاوى، ووجه
انتقادات حادة إلى (منظمة التضامن المسيحي) ورئيستها البريطانية: (كوكس) وقال: إن تدخل هذه المنظمة وإثارتها تلك المزاعم ضد السودان هدفها الإثارة، ويأتي
ذلك ضمن حملة عالمية لعزل السودان بهذه الحجة
... ... ... ... ... [الحياة، ع/١٢٦٨٣في ٢٠/٧/ ١٤١٨هـ]
فأين الحقوق الإنسانية المهدرة؟ وهل هي ما يُزعم كذباً وزوراً ضد السودان؟ أم هي ما تقوم به الصهيونية من اعتداءات في الأراضي المحتلة وفي جنوب
لبنان وما يقوم به الصرب في البوسنة ... من قتل الشيوخ والأطفال، وبحصار
شعوب إسلامية أخرى؛ حيث يتعرضون للأمراض؛ وسوء التغذية؟ ! فضلاً عما
يحصل من القتل الجماعي بدون أي رحمة!
أما السودان البلد المسلم الذي أعلن على الأقل ظاهراً إسلاميته واعتزازه بدينه، ورفضه لتسلط الغرب والشرق، ورفضه لكل من يتدخل في شؤونه؛ فلم يقبل
الغرب منه ذلك الموقف؛ لأنه يريد من أمتنا أن تكون تابعة ذليلة له.
وليت أمتنا تعلم حقيقة ما يراد بالسودان، والأهداف الإجرامية الدافعة
لحصاره والتي يراد منها محاولة إسقاطه!
إن في هذا البلد جزءاً كبيراً من منابع النيل وهو العمق الاستراتيجي لمصر
واللحاء الطبيعي لها، ومن يمتلك السودان فإنه يتحكم بمصر وهذا ما يريده (جون
قرنق) الصليبي العميل الذي يريد تنفيذ أهداف أسياده لا سيما إذا عرفنا منطلقاته
الصليبية التي ينادي بها عبر استراتيجيته في الانفصال عن الدولة الأم وإن تظاهر
بخلافها.
ومما يؤسف له أن تتوالى مآسي الشعوب الإسلامية تحت مطرقة النظام
العالمي الجديد، وعالَمُنا الإسلامي ذاهلٌ عما يجري في الواقع!
وكأننا لسنا خير أمة أخرجت للناس!
وكأننا لم نعد في توادِّنا كالجسد الواحد!
وهكذا تهون علينا كرامتنا بعدما هانت علينا مبادئنا!
فمتى نعود إلى رشدنا؟
وإلى متى يستمر هذا الهوان؟
وما أصدق قول الشاعر الحكيم:
مَنْ يَهُنْ يسهل الهوانُ عليهِ ... مَا لِجَرْحٍ بميتٍ إيلامُ
стр. 2638
في إشراقة آية
قل هذه سبيلي
محمد بن عبد الله الزغيبي
تستوقفك بعض الآيات في كتاب الله، وتتفكر فيها ملياً، فتتحدر منها الأحكام
والتوجيهات التي تشخِّص الواقع كأنه رأي العين، وكلما قلبت فيها فكرك كما قال
تعالى: [لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ] [ص: ٢٩] ، ازددت منها حكماً ومعاني لا تتوقف.
وترجع إلى كتب التفسير، فتزيدك وتغنيك، وتبتهج نفسك بهذه المعاني الصافية،
ومن هذه الآيات قوله تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] .
وتجول بناظريك في كل ما كتب عن الدعوة، وفقه الواقع، وضرورة العلم
الشرعي، والبراءة من المشركين، وما رُقم من أصول ودساتير وضوابط في هذا
المضمار، فتجده لا يخرج عن هذه الآية الكريمة.
ولعلنا نقف معها بعض الوقفات:
١- يقول تعالى لنبيه محمد: [قُلْ] للناس، عموم الناس، واجهر بذلك
واصدع به من غير حياء أو تخاذل، بأنها قد لا تروق لجمهور السامعين أو لا
تعجبهم، أو لخشية أن توصم بعد إعلانها بصفة كريهة من أصولية أو تشدد، كلاّ
فاجهر بها وأعلنها كما قال تعالى: [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ]
[الحجر: ٩٤]
٢- وتتضمن هذه الآية التأكيد على وضوح سبيل الأنبياء وظهوره، وينبثق
ذلك من الجهر بها بين الملأ، فليست في أنفاق أو سراديب، ويؤكد ذلك باسم
الإشارة، كأن هذا السبيل شيء قريب محسوس، يشار إليه بالبنان، واضح محدد،
لا يلتبس بغيره، وغير قابل للاختلاط والتقارب مع الباطل، بل يدفعه فإذا هو
زاهق.
فسبيل النبي ﷺ ، ومن قبله الأنبياء، واضح لا لبس فيه، قال ابن كثير عند قوله تعالى: [وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى] [طه: ٥٩] أي
ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء كل
أمرهم بيّن واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج [١] .
ولا بد من هذا الوضوح والظهور في السبيل الذي يسلكه الأنبياء، فلو كان
غامضاً، لكان عسير المنال، صعب الاتباع، والرحمن لا يكلف عباده بمثل هذا.
وقال العباس بن عبد المطلب ﵁: والله ما مات رسول الله -
ﷺ حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً، وأحل الحلال، وحرم
الحرام، ونكح وطلّق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال
يخبط عليها العضاة بمخبطه، ويمدر حوضها بيده بأنصبَ ولا أدأب من رسول الله- ﷺ كان فيكم [٢] .
٣- وهو سبيل واحد هو الحق ولا سبيل غيره، بل تحيط به سبل كثيرة،
قاطعة عنه، مضطربة مشوّشة، وهو من بينها مستقيم لا اعوجاج فيه؛ فعن عبد
الله بن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطّاً، ثم قال: (هذا سبيل الله) ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: (هذه سبل
على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. وقرأ: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ) [٣]
[الأنعام: ١٥٣] .
قال ابن القيم حول هذا الحديث والآية الواردة فيه: (فوحّد سبيله؛ لأنه واحد
لا تعدد فيه، وجمع السبل المخالفة؛ لأنها كثيرة ومتعددة إلى أن قال: والمقصود
أن الطريق إلى الله واحد؛ فإنه الحق المبين. والحق واحد مرجعه إلى واحد، وأما
الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى باطل فهو
باطل) [٤] .
وقِفْ قليلاً عند الياء في قوله: [سَبِيلِي] فتلحظ منها قوة ارتباط المتكلم بها
ونسبتها إلى نفسه، وتمسّكه بها، وأنه يعيش ويموت من أجلها، إنه معنىً سامٍ
تتشوق النفوس للتحلي به والموت من أجله، ونسأل الله أن نعيش ونبعث عليه.
وتلمح أيضاً من قوله [سَبِيلِي] أنها سبيلي قبل أن تكون سبيل غيري، فمن شاهد
هذا المعنى أدرك أنه لا بد من سلوكه هو لهذا السبيل والتزامه به قبل دعوة غيره
إليه.
٤- والدعوة إلى الله هي تعبيد الناس له وحده، وهي الغاية العظمى في هذا
السبيل، وتدبّر أنها إلى الله لا إلى النفس، ولا إلى الحزب، ولا إلى الشيخ الفلاني
أو الطريقة الفلانية؛ فهي خالية من حظوظ النفس، ومن حظوظ الخلق؛ فهي دعوة
إلى الله، لا إلى نفوس بشرية، أو مناهج أرضية.
ورحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذ يقول في هذا المقام: (التنبيه على
الإخلاص؛ لأن كثيراً من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه) [*] .
٥- وتبرز في هذه الآية حقيقة الاتباع للسبيل النبوي، فها هي أمامنا: أصلها
الدعوة إلى الله وهي على بصيرة؛ وهذا يكفي في التأكيد على الاتباع والتأسي؛
لأننا مأمورون بالاقتداء بسنة النبي ﷺ ، وعطف عليه الاتباع
فهم يدعون إلى الله على بصيرة [٥] كما يفعل النبي. نعم هذه حقيقة الاتباع، فلا
يكون الرجل من أتباعه حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه، ويكفيك فخراً وشرفاً وثباتاً
على المنهج أنك من أتباع النبي.
ويقول ابن القيم عمن التزم هذا المنهج النبوي: (فهؤلاء خلفاء الرسل حقاً
وورثتهم دون الناس، وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء به علماً وهداية وإرشاداً
وصبراً وجهاداً، وهؤلاء هم الصدِّيقون وهم أفضل أتباع الأنبياء) [٦] .
وقال أيضاً: (فالآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر الداعين إلى الله
على بصيرة؛ فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من
أتباعه على الانتساب والدعوى) [٧] .
وقال في موضع آخر: (فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسول الله -
ﷺ وهو على بصيرة وهو من أتباعه. ومن دعا إلى غير ذلك
فليس على سبيله ولا هو من أتباعه [٨] .
٦- وهي على بصيرة وعلم، وهذه البصيرة هي كل ما تحتاجه في الدعوة
إلى الله سواء كان علماً شرعياً محضاً، أو ما يأمر به الشرع كالعلم بالواقع
والوسائل والأساليب، وهذه البصيرة فريضة من الفرائض فما لا يتم الواجب إلا به
فهو واجب، فعلى الداعية أن يكون متبصراً فيما يدعو إليه.
ويتأكد الحرص على التبصّر في الدعوة، بل اتخاذه منهجاً شاملاً لكل مناحي
الحياة، لا سيما في أزمان الفتن والمحن التي صدق فيها قول الشاعر:
يُقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ
قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ معللاً أهمية البصيرة: (لأن العامل
بغير علم وبصيرة ليس من عمله على طائل، بل ربما جاءه الهلاك من جهة عمله،
كالحاطب في ظلماء، والسالك في عمياء، ولا سبيل إلى العمل إلا بالعلم، ومعرفة
صلاح العمل وفساده لا بد منه ولا يدرك إلا بنور العلم وبصيرته) [٩] .
وقال أيضاً مفصلاً لهذا المعنى بالمثال في وصية لأهل الأرطاوية: (وأوصيكم
أيضاً بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا أمر الإنسان بأمر من
أمور الخير نظر: فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل وسلامة
في الدين، وكان الأصلح الأمر به، مضى فيه. وإن كان يترتب على ذلك شر
وفتنة وتفريق كلمة، في العاجل والآجل، ومضرة في الدين والدنيا، وكان الصلاح
في تركه، وجب تركه ولم يؤمر به؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح إلى
أن قال: واعلموا أنه لا ينجي عند اختلاف الناس وكثرة الفتن إلا البصيرة، وليس
كل من انتسب إلى العلم وتزيّا بزيّه، يُسأل ويُستفتى، وتأمنونه على دينكم، فلا
تأخذوا عمن هب ودب وحُرِم الفقه والبصيرة) [١٠] .
٧- وتتضمن هذه الآية الإشارة إلى فضيلة من اتبع النبي -صلى الله عليه
وسلم- من الصحابة والتابعين، وأنهم هم القدوة بعده، وأن أقوالهم تأتي في الأهمية
بعد كتاب الله وسنة نبيه.
فإن مَنْ سلفَ: من الصحابة أجمعين، ومن الأتباع المشتهرين بالديانة
والحرص على السنة، يجب الحرص على اتباعهم والنهل من معينهم الصافي؛ فقد
كانوا إلى الحق أقرب، وله أحب، وعليه أحرص. قال عبد العزيز بن أبي سلمة
الماجشون في وصيته لأحد إخوانه بلزوم السنة: (وإن سنة من قَدِم قد عُلِم ما في
خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر قد كفّوا،
وإنهم لهم السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف، فلئن كان الهدى
ما أنتم عليه، لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع
غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم،
وتلقاه عنهم من اتبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا فيه بما يشفي،
فمَنْ دونَهم مقصّر، ومَنْ فوقَهم مفَرِّط، ولقد قصّر أناس دونهم فجفوا، وطمح
آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم) [١١] .
٨- ويتأكد في هذه الآية تحميل هذا السبيل وهذه الدعوة إلى الله من يقوم
بأعبائها وينصرها ويرفع رايتها، ويتم توارثها جيلاً بعد جيل حتى تقوم الساعة،
ولنعمل على تهيئة هؤلاء الأتباع، ولنعلم أن الله قد تكفل لنا بذلك، فقد ورد في
الحديث عن أبي عنبة الخولاني قال: سمعت رسول الله ﷺ
يقول: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته) [١٢] .
وفي الحديث الآخر عن ثوبان ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: (لا يزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم
حتى يأتي أمر الله [١٣] . وروي عن النبي ﷺ أنه
قال: (يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال
المبطلين، وتأويل الجاهلين) [١٤] .
وقال علي بن أبي طالب ﵁ موضحاً توارث هذه الأمانة بين من
يحملونها، فقال واصفاً لهم: (أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم
يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب
أشباههم) [١٥] .
وينبغي التنبيه أنه مع الحرص على إيجاد فئة يحملون هذه الدعوة فإنه لا
عبرة بالقلة والكثرة، أو استجابة الناس وإعراضهم؛ فالقلة ليست دليلاً على
الضعف والإخفاق. قال ابن القيم في شرحه للأثر السابق عن علي ﵁:
(هذا الصنف أقل الخلق عدداً؛ فإنهم قليلون في الناس، والناس على خلاف طريقهم؛ فلهم نبأ وللناس نبأ، وإياك أن تغتر بما يغتر به الجاهلون؛ فإنهم يقولون: لو
كان هؤلاء على حق لم يكونوا أقل الناس عدداً، والناس على خلافهم ... وقال
بعض العارفين: انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب) [١٦] .
وكما سبق: فإن الحق لا يعرف بالكثرة؛ وكيف يكون ذلك وقد قال المصطفى
ﷺ في صفة الغرباء: (أناس صالحون قليل في أناس سوء
كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) [١٧] .
٩- وحال من يحمل هذه الدعوة هو كمال التقديس والتعظيم والتنزيه لله
، فلا خوف إلا منه، ولا محبة إلا له. بل إن غاية الدعوة هي
تنزيه الله وتعظيمه بعبادته وحده لا شريك له.
وفي هذه اللفظة [َسُبْحَانَ اللَّهِ] إيماء إلى التعلق بالله فمع هذه
الأعباء وهذه التكاليف قد يغفل الداعية عن الاتصال بالله، ويخطئ بأن يبذل وقته
للناس وينسى نفسه، فلا يزودها بما يكفل لها الاستمرار والثبات والصبر، وفي
الغفلة عن الجانب الروحاني تصاب الروح بالجفاف، وتتسم بالرسمية، ويصبح
العمل الدعوي كالعمل الوظيفي الرسمي الرتيب.
١٠- وفي هذه الدعوة تأكيد على الإخلاص والبراءة من الشرك صغيراً كان
أو كبيراً، والبراءة من المشركين، فلا أنا من المشركين في جميع أنواع التوحيد:
ألوهية وربوبية، وأسماء وصفات، وطاعة، وحاكمية، ولا أنا ممن يطيع
المشركين أو يواليهم أو يقدمهم على طاعة الله، ولا تقارب مع كل كافر سواءً كان
يهودياً أو نصرانياً أو وثنياً أو علمانياً أو مادياً أو غير ذلك؛ كما قال الشيخ محمد
بن عبد الوهاب عند هذه الآية: (من أهم مسائل الآية: إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم ولو لم يشرك) [١٨] . قال الله تعالى: [وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ]
[الكافرون: ٤] . قال ابن كثير: (أي ولا أعبد عبادتكم، ولا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، فتبرأ منهم في جميع ما هم
فيه) [١٩] .
ومتى حصل انحراف ولو يسير عن هذه الدعوة مع غير المؤمنين بشتى
أصنافهم، فهي ليست دعوة إلى الله، وليست على بصيرة، وفي النهاية: ليست
على سبيل المصطفى ﷺ ، بل سبيله هو دعوة أهل الضلال؛
فإن لم يستجيبوا، فعداوتهم ومحاربتهم والنهي عن الشرك هو الطريق.
وختاماً: فإن تجدد المعاني في هذه الآية يبرز في العمل الميداني من خلالها؛
فكلما تمرس بها الداعية تجددت له بها المعاني؛ فإن الأمر ليس قواعد نظرية
فحسب. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2639
دراسات شرعية
شهر رمضان.. وقفات وأحكام
(٢ من٢)
عبد الله الإسماعيل
تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن مسائل مهمة عن الصيام، فأشار إلى حكم
الصيام وحكمته وفضله، وتطرق إلى أحكام الصيام من ثبوت دخوله وشروط
وجوبه وصحة صيامه وفرضه ومفطراته، وفي هذه الحلقة يتابع مساءل أخرى تهم
الصائمين. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان-
ثامناً: مسائل القضاء:
١- الحائض والنفساء يجب عليهما القضاء بالإجماع [١] ؛ فعن معاذة رحمها
الله قالت: سألتُ عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا
تقضي الصلاة؟ قالت: أحروريةٌ [٢] أنتِ؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. فقالت: (كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) [٣] .
٢- المسافر يجوز له الفطر ولو لم يكن عليه مشقة بالصيام لقوله تعالى
[وَمَن كَانَ مَرِيضاً أََوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أََيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
العُسْرَ] [البقرة: ١٨٥] .
وعن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال: يا رسول الله أجد بي
قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟
فقال رسول الله: (هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن
يصوم فلا جناح عليه) [٤] .
٣- من أفطر متعمداً في رمضان بغير عذر فهو آثم إثماً عظيماً؛ وعليه
التوبة إلى الله، ويجب عليه قضاء ما أفطر على القول الراجح وهو قول الجمهور [٥] .
والدليل على وجوب القضاء:
أ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: (من ذرعه
القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقضِ) [٦] .
ب - قوله ﷺ للمُجامع في نهار رمضان بعد أن ذكر له
الكفارة: (وصم يوماً، واستغفر الله) [٧] .
أما إذا كان الإفطار بالجماع فيجب مع القضاء الكفارة وهي عتق رقبة، فإن
لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً لحديث أبي
هريرة ﵁ في الصحيحين.
٤- المريض الذي شق عليه الصوم: يجوز له الفطر؛ بل قد يجب إذا ترتب
على صيامه إلحاق ضرر به، ويقضي ما أفطر، ومثله في الحكم الحامل والمرضع
إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما [٨] .
٥- العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً كالشيخ الكبير والمريض مرضاً لا
يرجى برؤه، فهذا لا يجب عليه الصوم، ويجب عليه أن يطعم مكان كل يوم
مسكيناً، فعن عطاء سمع ابن عباس ﵁ يقرأ: [وَعَلَى الَذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ] [البقرة: ١٨٤] ، قال ابن عباس: (ليست بمنسوخة، هو
الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كلّ يوم
مسكيناً) [٩] .
٦- الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا بلغا الهذيان وعدم التمييز، لا يجب
عليهما الصيام ولا الإطعام؛ لسقوط التكليف.
الوقفة الخامسة: سنن الصيام:
١- تأخير السحور؛ لحديث أنس ﵁ عن زيد بن ثابت رضي الله
عنه قال: (تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة. قلت:
كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) [١٠] .
٢- تعجيل الفطر لحديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) [١١] .
٣- أن يفطر على رطب؛ فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن فعلى ماء.
لحديث أنس ﵁ قال: كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم
يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء) [١٢] .
٤- لم يثبت عن النبي ﷺ دعاءٌ عند الإفطار إلا ما جاء
في حديث ابن عمر ﵁: كان رسول الله إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ،
وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) حديث حسن [١٣] .
٥- أهم السنن وآكدها أكل السحور لقوله: (تسحروا فإن في السحور
بركة) [١٤] ، وقال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحَر) [١٥] . ...
٦- أن يكون في سحوره تمر لقوله: (نعم سحور المؤمن التمر) [١٦] .
٧- أن يقول لمن سابه أوشاتمه: إني امرؤ صائم.
٨- والسنّة في عدد ركعات التراويح أن لا تزيد عن إحدى عشرة ركعة؛
لحديث عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ
يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) [١٧] ، والزيادة جائزة
لحديث ابن عمر ﵄ قال: إن رجلاً قال: يا رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر
بواحدة) [١٨] .
الوقفة السادسة: زاد الصائم:
ينبغي أن يكون شعار المؤمن في رمضان قوله تعالى: [وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ
الزَّادِ التَّقْوَى] [البقرة: ١٩٧] ، وأن يقتدي بحال النبي ﷺ في
رمضان كما في حديث ابن عباس ﵁ قال: (كان رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه
وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة) [١٩] .
وإليك أخي المسلم بعض ميادين المسابقة في الخيرات في رمضان:
١- قيام الليل: فلا تخلو ليلة من قيام ليحصل على الأجر الوارد في قوله:
(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) [٢٠] ، وأن يصلي
التراويح مع الإمام حتى ينتهي لحديث أبي ذر ﵁ قال: صُمنا مع
رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي
سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا.
فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل.
فقلت: يا رسول الله: لو نفلتنا قيام هذه الليلة.
قال: فقال: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسبَ له قيام ليلة) .
قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس
فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور.
ثم لم يقم بنا بقية الشهر [٢١] .
وقد قام النبي ﷺ بأصحابه ثلاث ليال ولم يخرج الرابعة
خشية أن يفرض عليهم.
وليس معنى ذلك أن يقتصر على صلاة التراويح فقط؛ فإن أمكنه أن يصلي
من آخر الليل وحده فهو من تمام القيام.
٢- قراءة القرآن: قال: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً
لأصحابه) [٢٢] .
وقال ﵊: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنه
والحسنة بعشر أمثالها) [٢٣] .
٣- تفطير الصائمين: قال: (من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا
ينقص من أجر الصائم شيئاً) [٢٤] .
٤- العمرة: قال: ( ... فعمرة في رمضان تعدل حجة) وفي رواية: (حجة
معي) [٢٥] .
٥- الصدقة: والنصوص في فضلها مستفيضة من الكتاب والسنة، وقد
اختصها الله تعالى؛ فكأن المتصدق يقرض الله؛ ومَنْ أعظمُ وأجزل وفاءً من الله؟
قال تعالى: [مَن ذَا الَذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ]
[الحديد: ١١]
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله:
(من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه
ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلُوّه، حتى تكون مثل الجبل) ، وهي من أسباب
دخول الجنة كما قال: (يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) [٢٦] ، واعلم أخي المسلم أن الصدقة لا تنقص المال، كما ثبت من حديث أبي هريرة
مرفوعاً: (ما نقصت صدقة من مال) [٢٧] .
وتأمل معي الحديث التالي: الذي يبين سبب تراجع الكثيرين وترددهم في
الصدقة؛ فعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما
يُخرج رجلٌ شيئاً من الصدقة حتى يَفك بها لحيي سبعين شيطاناً) [٢٨] ، وبعد هذا
العرض المؤثر من نصوص الصدقة أدعوك يا أخي ألا تترك أيّ فرصة للصدقة:
على فقير، أو بناء مسجد، أو طبع كتاب، أو غير ذلك، في البيت، أو المسجد،
أو في اللجان الخيرية، حتى تلك الصناديق التي تشاهدها في بعض المحلات
التجارية، ولو أن تضع شيئاً يسيراً لتدحر بها شياطين الجن والإنس، وتكفر
سيئاتك، وتثقل موازينك يوم القيامة، فتراها كالجبال العظيمة، وتفوز كل يوم
بدعاء الملائكة؛ كما ثبت في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ
قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً
خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) [٢٩] .
وما أجمل أن يكون المسلم واسطة خير في الصدقة والزكاة بين الناس ومن
يستحقها. عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (الخازن المسلم الأمين
الذي يُنفِّذ ما أُمر به كاملاً موفوراً طيباً بها نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحدُ
المتصدقين) [٣٠] .
محاذير وتنبيهات:
١- يمسك بعض الناس قبل الفجر بوقت (عشر دقائق مثلاً) احتياطاً، وهذا لم
يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه؛ فهو غير مشروع.
٢- بعض المؤذنين يحتاط للناس فيؤذن قبل الوقت وهذا خطأ، والصواب أن
يؤذن عند دخول الوقت؛ فهذا هو المشروع، وحتى لا يغتر بأذانه بعض النساء في
البيوت فيصلين قبل الوقت.
٣- بعض الناس في رمضان يصلون بعد الأذان بوقت يسير؛ والأوْلى أن
يتأخروا بوقت تطمئن نفوسهم بدخول الوقت؛ فقد ثبت أن عدداً من التقاويم غير
دقيقة وأنها تسبق دخول الوقت بنحو ربع إلى ثلث ساعة.
٤- هذا شهر الصيام وبعض الناس يجعله شهر الطعام، فتضيع الأوقات
الطويلة وخصوصاً على المرأة في صنع ألوان الطعام.
٥- الحذر من الوقوع في المحرمات وخصوصاً ما يتفنن به شياطين الإنس
من أفلام ومسلسلات.
٦- ينبغي على المرأة المسلمة أن تحذر الخروج إلى الأسواق متطيبة، أو
متبرجة، أو بدون حاجة، أو بدون محرم، وكم يتألم المؤمن من امتلاء الأسواق
بالنساء ليالي رمضان وخصوصاً في العشر الأواخر منه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2640
دراسات تربوية
الخصومة وفن المصالحة
عبد القادر أحمد عبد القادر
إن الخصومة معركة معنوية، وقد تتحول إلى قتال ... وبداية أقول: إن
الخصومة أمر وارد، ويتكرر كلما دعت الأسباب: كمنافسة، أو حسد، أو صراع
على غنيمة، أو منصب ... إلخ، فكيف تُدار الخصومة؟ وكيف تدار عملية
الإصلاح؟ ألتمس من (فقه الدعوة) هذه المتابعة، والله الهادي.
للخصومة مواضع ومواضيع، بعضها تجب معالجته تواً، أو في وقت لا
يزيد عن ثلاث ليال أو ثلاثة أيام، وبعضها قد يطول، ولكن خير الخصمين هو
الذي يبدأ بالسلام.
وإن لم ينته سبب الخصام، فإنه يجب ألا تتدهور الخصومة إلى خصومة أشد؛ فإن أنواعاً من الاقتتال الدائر الآن على بعض الساحات كانت بدايته خصومة
فردية، ثم اتسعت فصارت جماعية؛ لأنها لم تعالَجْ موضعاً وموضوعاً.
اتصل بي أخ فاضل وقال لي: أرجوك أن تتحرك أنت والأخ ( ... ) لتصلحا
بيني وبين الأخ (....) ! ! فاستحسنت هذا الموقف النادر، في زمن يتعامل فيه
الخصوم بمبدأ (يضرب رأسه في الحائط) ! وقد تحركت حركة خفيفة (بالهاتف)
وتحرك المرشح الثاني لإجراء الصلح ... وتم الصلح بفضل الله.
الخصومات أنواع:
تتراوح الخصومات بين شؤون فردية، أو شؤون جماعية ... فمن
الخصومات الفردية مثلاً:
خصومة بين اثنين (صديقين أو زوجين أو أخوين أو أختين) أو نحو ذلك.
ومن الخصومات الجماعية مثلاً:
خصومة بين قبيلتين أو حزبين أو جماعتين، وقد تكون بين شعبين أو دولتين.
وتندرج تحت كل قسم من الأقسام السابقة أنواع، وسوف نذكر أهم الأنواع
في موضعها بتوفيق الله.
خصومة شخصين، أو خصومات الأفراد:
وهي كثيرة كثرة الأفراد، وندر مَنْ لا يُخاصِم أو يُخاصَم، وسببها تعارض
المصالح، أو تصادم الأهواء؛ فإذا تعارضت المصالح أمكن التوفيق بينها بطريقة
أو بأخرى، أما خصومات تصادم الأهواء، أو تصادم الهوى مع الحق، فتقلّ فيها
احتمالات العلاج، إلا بالرجوع إلى الحق، والتخلص من الهوى.
إن أهواء الأفراد متعددة متنوعة، وهي مطامع الدنيا في الأموال، والمناصب
والشهوات كالمذكورة في قوله تعالى: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ
وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ
ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ] [آل عمران: ١٤] .
درس من القرآن:
[وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ
مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ] [المائدة: ٢٧] .
إنه عرض لدرس في الخصومة الفردية التي تصاعدت حتى وصلت إلى أن
يقتل الأخ أخاه في بيت البشرية الأول، في بيت النبوة! !
دبّت الخصومة بين قابيل وهابيل بشأن مسألة زواج، أيّهما يتزوج الجميلة؟
وأيهما يتزوج الدميمة؟ فاتفقا على أن يقدم كل منهما قرباناً، فأكلت النار قربان
هابيل، وتلك علامة القبول، فتمادى الطرف الشرير الخبيث في خصومته، ونقلها
من الإطار المعنوي إلى الإطار الحسي المادي [قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ] ... وعيد مؤكد
بمؤكديْن هما: (اللام) ، ونون التوكيد الثقيلة ... يقول صاحب الظلال ﵀:
(وهكذا يبدو هذا القول بهذا التأكيد المنبئ عن الإصرار نابياً مثيراً للاستنكار؛ لأنه
ينبعث من غير موجب، اللهم إلا ذلك الشعور الخبيث المنكر، شعور الحسد
الأعمى الذي لا يعمر نفساً طيبةً) .
فماذا كان حال الطرف الثاني؟
الوداعة والطيبة، طيبة الظاهر، وطيبة السريرة، يقول سيد قطب ﵀: (هكذا في براءة يُرد الأمر إلى وضعه وأصله، وفي إيمان يدرك أسباب القبول،
وفي توجيه رفيق للمعتدي أن يتقي الله، وهداية له إلى الطريق الذي يؤدي إلى
القبول، وتعريض لطيف به، لا يُصرّح بما يخدشه أو يثيره! ثم يمضي الأخ
المؤمن التقي الوديع المسالم يكسر من شرّة الشر الهائج في نفس أخيه الشرير،
فيقول له: [لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إنِّي أَخَافُ
اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ] [المائدة: ٢٨] ، وهكذا يرتسم نموذج الوداعة والسلام والتقوى، أمام موقف الشراسة والعدوان والفجور.
لقد كان في هذا القول الليِّن قول الابن الصالح ما يهدئ الحسد، ويسكّن الشر، ويمسح على الأعصاب المهتاجة ... لقد كان في ذلك كفاية، ولكن الأخ الصالح
يضيف إلى ما سبق النذير والتحذير: [إنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإثْمِي وَإثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ
أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ] [المائدة: ٢٩] .
إذا أنت مددت يدك لتقتلني، فليس من شأني، ولا من طبعي أن أفعل هذه
الفعلة بالنسبة لك، فهذا الخاطر خاطر القتل لا يدور بنفسي أصلاً، ولا يتجه إليه
فكري إطلاقاً، خوفاً من الله رب العالمين لا عجزاً عن إتيانه وأنا تاركك تحمل إثم
قتلي، وتضيفه إلى إثمك ... فيكون إثمك مضاعفاً، وعذابك مضاعفاً [وَذَلِكَ جَزَاءُ
الظَّالِمِينَ] .
بعد عرض هذا المشهد لخصومة فردين أخَويْن يمكننا استخلاص هذه الفوائد،
تحت عنواننا المختار: (الخصومة وفن المصالحة) .
١- المسلم رباني حتى في أثناء خصومته، وهكذا هو قبل الخصومة وبعدها، يحرص على مرضاة الله، ورضوانُ الله لا يتحقق بمخالفة أمره، أو بالتمادي في
الخصومة أو بتطويرها إلى حالة فجور.
٢- عند إظهار الخصومة، يوطّن المؤمن التقي نفسه على أن يبتعد عن الشر
قولاً وعملاً [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [فصلت: ٣٤] .
٣- إن كثرة الخصومات تعني وجود خلل عند طرف، أو عند الطرفين، أو
الأطراف في فهم الأمور.
٤- في المجتمعات البعيدة عن تعاليم الإسلام محترفو خصومات وصراعات،
وهؤلاء لا تصلحهم المواعظ؛ لأنهم قد عزموا على الطمع، والقطيعة، والعدوان،
ويجب ألا يتغاضى عنهم الدعاة والقضاة وأولو الأمر، ويجب أن يُزجَروا بوسائل
مكافئة.
وإذا كانت خصومة ابني آدم قد انتهت بمقتل الطرف الطيب التقي، إلا أن
اكتمال التشريع ببعثة محمد ﷺ قد أوجد فقهاً وطريقة أو أسلوباً
للتصدي لفجّار الخصومات، من ذلك قوله تعالى: [وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ
إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ]
[الحجرات: ٩]
إن الحركة الإسلامية سواء في إطارها الشعبي أو إطارها التنظيمي مطالبة
بإيجاد آليّة التصدي لفجّار الخصومات على جميع المستويات، وإلا فإن حقبة
التمزق الداخلي في المجتمع الإسلامي سيطول مداها، وستكون إفرازاتها دماً غزيراً
وعزيزاً.
٥- لن تزول الخصومات، ولن تنتهي من الوجود البشري، ولكنها ستقل،
وستخف آثارها في ظل المنهج الرباني احتكاماً إليه، وتربية عليه.
٦- إذا كان الباعث على الخصومة الطمع في المال، وأمكن لولي الأمر أن
يمنح الطامع، فربما تُعالج الخصومة، وقد سلك النبي ﷺ ذلك
الطريق. أما إذا كانت الخصومة من أجل منصب، فإن الأمور توزن بمقدار
المصلحة والمفسدة، ثم تُحسم الخصومة دون تغليب الهوى الشخصي، والفقه
الإسلامي في هذا الباب حكيم عظيم.
٧- إذا اشتدت الخصومة فلا يصح شرعاً أن تتدهور إلى أكثر من الهجر
ثلاثاً، ويكون الفضل لمن يبدأ بالسلام. فإن بقي سبب الخصومة، وجب على
الخصمين أن ينتقلا إلى التحكيم، ويوطّن كل طرف نفسه على الرضا والتسليم
بالحكم الصادر، وإن خالف الرغبة الشخصية [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً]
[النساء: ٦٥] .
٨- إذا لم يكن لدى الطرفين، أو أحدهما على الأقل استعداد للصلح، ضاعت
الأوقات وضاعت الجهود، وعلى المصلحين التثبت من وجود هذه الرغبة بدايةً،
فضلاً عن وجودها في نفوس المصلحين [إن يُرِيدَا إصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا]
[النساء: ٣٥] .
٩- تشتد وطأة الخصومة إذا كان مصدرها الحسد، فإنه نار تحرق الحاسد،
وقد تحرق مَنْ حوله، إنه الحسد الذي دفع ابن آدم إلى قتل أخيه.
إن خصومات كثيرة تخفى أسبابها الحقيقية؛ لأنها آفة القلب الخفيّة، وإن لم
يدركها المصلح فإنه كمن يحرث في الماء، أو من يريد أن يطير بغير جناحين في
الهواء! !
وإذا عُرف السبب بطل العجب، فحينئذ يبدأ المصلح بإطفاء النار، ثم يُتبع
ذلك بتمديد خطوط المحبة، وذلك يحتاج لوقت وجهد قد يطولان، ويكون الصلح
هو البلسم بفضل الله وتوفيقه.
стр. 2641
من قضايا المنهج
من أجل إنتاجية أفضل
أهمية رسم الأهداف
بقلم: د. عبد الكريم بكار
يعيش العالم المتقدم أزمة حضارة بسبب افتقاده الوجهة أو الهدف الأكبر الذي
يجذب إليه جميع مناشط الحياة، ويمنحها المنطقية والانسجام. أما المسلمون
فأزمتهم الأساسية، هي أزمة حركة في العالم، وأزمة شهود على العصر؛ فهم في
أكثر الأحيان يتأثرون، ولا يؤثرون، ويأخذون من الحياة أكثر مما يعطونها؛ وذلك
بسبب انخفاض إنتاجيتهم، وضعف إدارتهم لإمكاناتهم الشخصية والعامة. نقرأ
آيات الاستخلاف وشروط التمكين في الأرض، وأدبيات النجاح والفلاح، لكنّ
قليلين منا الذين يسألون أنفسهم عن وظيفتهم الشخصية في تحقيق كل ذلك!
إن الأماني الوردية حول قيادة أمتنا للعالم تداعب أخيلة الكثيرين منا، وتدغدغ
مشاعرهم، لكن لا أحد يسأل عن آليات تحقيق ذلك، ولا عن الإمكانات المطلوبة
للسير في طريقه!
إني أعتقد أن هناك حقيقة أساسية غائبة عن أذهان الكثيرين منا، هي أننا لا
نستطيع أن نوجد مجتمعاً أقوى من مجموع أفراده؛ ولذا فإن النهوض بالأمة يقتضي
على نحوٍ ما أن ينهض كل واحد منا على صعيده الشخصي، وما لم نفعل ذلك،
فإن الغد لن يكون أفضل من اليوم.
إن رسم الأهداف نوع من مدِّ النظر في جوف المستقبل، وإن الله جل وعلا
يحثنا على أن نتفكر في الآتي، ونعمل له: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ
نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [الحشر: ١٨]
إن المسلم الحق لا يكون إلا مستقبلياً، ولكننا بحاجة إلى أن نعمم روح الالتزام
نحو الآخرة على مسلكنا العام تجاه كل ما يعنينا من شؤون وأحوال.
أهمية وجود هدف:
من الأدوات الأساسية في تحسين وضعية الفرد أن يكون له هدف يسعى إلى
تحقيقه. ونرى أن حيوية وجود هدف واضح في حياتنا تنبع من اعتبارات عديدة،
أهمها:
١- إن كل ما حولنا في تغير دائم، والمعطيات التي تشكل المحيط الحيوي
لوجودنا لا تكاد تستقر على حال، وهذا يجعل كل نجاح نحققه معرضاً للزوال؛
ووجود هدف أو أهداف في حياتنا، هو الذي يجعلنا نعرف على وجه التقريب ما
العمل الذي سنعمله غداً، كما أنه يساعد على أن نتحسس باستمرار الظروف
والأوضاع المحيطة؛ مما يجعلنا في حالة دائمة من اليقظة، وفي حالة من الاقتدار
على التكيف المطلوب.
وقد جرت عادة الكثيرين منا أن يسترخوا حين ينجزون عملاً متميزاً؛ مما
يضعهم على بداية الطريق إلى أزمة تنتظرهم. ولذا فإن الرجل الناجح، هو الذي
يسأل نفسه في فورة نجاحه عن الأعمال التي ينبغي أن يخطط لها، ويقوم بإنجازها؛ فالتخطيط هو الذي يجعل أهمية المرء تأتي قبل الحَدَث. أما معظم الناس فإنهم لا
يفكرون إلا عند وجود أزمة، ولا يتحركون إلا حين تحيط بهم المشكلات من كل
جانب، أي يستيقظون بعد وقوع الحدث، وبعد فوات الأوان!
٢- إن وعي كثيرين منا بـ (الزمن) ضعيف، ولذا فإن استخدامنا له في حل
مشكلاتنا محدود. وحين يجتمع الناس برجل متفوق فإنهم يضعون بين يديه كل
مشكلاتهم، ويطلبون لها حلولاً عاجلة متجاهلين عنصر (الزمن) في تكوينها
وتراكمها، وطريقة الخلاص منها. ووجود هدف في حياة الواحد منا يجعل وعيه
بالزمن أعظم، ويجعله يستخدمه في تغيير أوضاعه. إذا سأل كل واحد منا نفسه:
ماذا بإمكانه أن يفعل تجاه جهله بعلم من العلوم مثلاً أو قضية من القضايا؟ فإنه يجد
أنه في الوقت الحاضر لا يستطيع أن يفعل أي شيء يذكر تجاه ذلك. أما إذا سأل
نفسه: ماذا يمكن أن يفعل تجاهه خلال خمس سنين؟ فإنه سيجد أنه يستطيع أن
يفعل الكثير؛ وذلك بسبب وجود خطة، واستهداف للمعالجة، وهما دائماً يقومان
على عنصر الزمن. إني أعتقد أن كثيراً من الخلل المنهجي في تصور أحوالنا،
وحل أزماتنا، يعود إلى ضيق مساحة الرؤية، ومساحة الفعل معاً، وذلك كله
بسبب فقد النظر البعيد المدى.
٣- إن كثيراً من الناس يظهرون ارتباكاً عظيماً في التعامل مع (اللحظة
الحاضرة) وذلك بسبب أنهم لم يفكروا فيها قبل حضورها، فتتحول فرص الإنجاز
والعطاء إلى فراغ قاتل ومفسد؛ وهذا يجعلنا نقول: إننا لا نستطيع أن نسيطر على
الحاضر، ونضبط إيقاعه، ونستغل إمكاناته، إلا من خلال مجموعة من الآمال
والأهداف والطموحات، وبهذا تكون وظيفة الهدف في حياتنا هي استثمار اللحظة
الماثلة على أفضل وجه ممكن.
إني أتجرأ وأقول: إن ملامح خلاص جيلنا، والجيل القادم على الأقل من
وهن التخلف والانكسار قد تبلورت في أمرين: المزيد من الالتزام بالمنهج الرباني، والمزيد من التفوق، ولا نستطيع أن نجعل هذين الأمرين حقيقة واقعة في حياتنا
من غير تحديد أهداف واضحة.
سمات مطلوبة في الهدف:
١- المشروعية:
إن مجمل أهداف المرء في الحياة، يعادل على نحو تام (استراتيجية) العمل
لديه، ولذا فإن الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون
حياة مضطربة ممزقة، تختلط فيها عوامل البناء مع عوامل الهدم، وينسخ بعضُها
بعضَها الآخر. إن الهدف غير المشروع، قد يساعد على تحقيق بعض النمو في
جانب من جوانب الحياة، لكنه يحطّ من التوازن العام للشخصية، ويفجّر في داخلها
صراعات مبهمة وعنيفة. وليس المقصود بشرعية الهدف أن يكون معدوداً في
(المباحات) فحسب، وإنما المقصود أن يكون مندمجاً على نحو ما في الهدف
الأسمى والأكبر الذي يحيا المسلم من أجله على هذه الأرض، ألا وهو الفوز
برضوان الله ﵎ وهذا يعني أن الأهداف المرحلية والجزئية للواحد منا
يجب ألا تتنافر معه في وضعيتها أو مفرزاتها أو نتائج تفاعلها. ولعل من علامات
الانسجام بينها وبين الهدف الأكبر شعور المرء أنه يحيا (حياة طيبة) وهي لا تولد
من رحم الرخاء المادي، ولا من رحم التمتع بالجاه أو الاستحواذ على أكبر كمية
من الأشياء، وإنما تولد من ماهية التوازن والانسجام بين المطالب الروحية والمادية
للفرد، ومن التأنق الذي يشعر به من يؤدي واجباته.
الهدف المشروع عامل كبير في إيجاد التطابق بين رموزنا وخبراتنا، وهو
إلى ذلك مولِّد لما نحتاجه من حماسة للمضي في الطريق إلى نهايته.
٢- الملاءمة:
لكل منا طاقاته وموارده المحدودة، وله ظروفه الخاصة، وله إلى جانب ذلك
تطلعات وتشوّفات؛ ومن الواضح اليوم أن الحضارة الحديثة أوجدت لدى الناس
طموحات فوق ما هو متوفر من إمكانات لتلبيتها، وهذا يؤدي بكثير من الناس إلى
أن يسلكوا طرقاً غير مشروعة لتلبيتها، أو يؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والانحسار.
والهدف الملائم، هو ذلك الهدف الذي يتحدى ولا يعجز. ومعنى التحدي دائماً: طلب تفجير طاقات كامنة أو استخدام موارد مهملة، لكنها جميعاً ممكنة. حين
يكون الهدف سهلاً فإنه لا يؤدي إلى حشد إمكاناتنا الذاتية، ولا إلى تشغيل أجهزتنا
النفسية والعقلية، كما لو أننا طلبنا من شخص أن يقرأ في كل يوم ربع ساعة، أو
يستغفر عشر مرات.
في المقابل فإن الهدف الكبير جداً يصد صاحبه عن العمل له، وفي هذا
السياق نرى كثيراً من أهل الخير، يشعرون بالإحباط، ويشكون دائماً من سوء
الأحوال، وتدهور الأوضاع، وهذا نابع من وجود هدف كبير لديهم هو (الصلاح
العام) لكن ليس لديهم أهداف صغيرة، أو مرحلية تصب فيه. إن كل هدف صغير
يقتطع جزءاً من الهدف الكبير، ويؤدي إلى قطع خطوة في الطريق الطويل؛ وعدم
وجود أهداف صغيرة، يجعل الهدف النهائي يبدو دائماً كبيراً وبعيداً، وهذا يسبب
آلاماً نفسية مبرحة، ويجعل المرء يظهر دائماً بمظهر الحائر العاجز. إنه لا يأتي
بالأمل إلا العمل، وقليل دائم خير من كثير منقطع.
٣- المرونة:
إن أنشطة جميع البشر، تخضع لعدد من النظم المفتوحة، ومن ثم فإن النتائج
التي نتطلع إلى الحصول عليها، تظل في دائرة التوقع والتخمين. حين يرسم
الإنسان هدفاً، فإنه يرسمه على أساس من التقييم للعوامل الموجودة خارج طبيعة
عمله، وخارج إرادته، وهذه العوامل كثيراً ما يتم تقييمها على نحو خاطئ، كما
أنها عرضة للتغير، بالإضافة إلى أن إمكاناتنا التي سوف نستخدمها في ذلك هي
الأخرى متغيرة؛ ولهذا كله فإن الهدف يجب أن يكون (مرناً) ، أي: له حدود دنيا،
وله حدود عليا؛ وذلك كأن يخطط أحدنا لأن يقرأ في اليوم ما بين ساعتين إلى أربع
ساعات، أو يزور ثلاثة من الإخوة إلى خمسة وهكذا.. هذه المرونة تخفف من
ضغط الأهداف علينا؛ فالناس يشعرون حيال كثير من أهدافهم أنها التزامات أكثر
منها واجبات، والالتزام بحاجة دائماً إلى درجة من الحرية، وسيكون من الضار بنا
تحوّل الأهداف إلى قيود صارمة، وحواجز منيعة في وجه تلبية رغبات شخصية
كثيرة.
٤- الوضوح:
هذه السمة من السمات المهمة للهدف الجيد، حيث لا تكاد تخلو حياة أي إنسان
من الرغبة في تحقيق بعض الأمور، لكن الملاحظ أن قلة قليلة من الناس، تملك
أهدافاً واضحة ومحددة، ولذا فمن السهل أن يتهم الإنسان نفسه أو غيره بأنه لم يتقدم
باتجاه أهدافه خطوة واحدة خلال عشرين سنة، مع أنك لا تراه خلال تلك المدة إلا
منهمكاً ومتابعاً بما يعتقد أنه هدف يستحق العناء!
إنه يمكن القول بسهولة: إن كل هدف ليس معه معيار لقياسه وللكشف عما
أنجز منه، وما بقي؛ ليس بهدف. ولذا فإن من يملك أهدافاً واضحة يحدثك دائماً
عن إنجازاته، وعن العقبات التي تواجهه. أما من لا يملك أهدافاً واضحة، فتجده
مضطرباً، فتارة يحدثك أنه حقق الكثير الكثير، وتارة يحدثك عن خيبته وإخفاقه؛
إنه كمن يضرب في بيداء، تعتسفه السبل، وتشتته مفارق الطرق! نجد هذا
بصورة أوضح لدى الجماعات؛ فالجماعة التي لا تملك أهدافاً واضحة محددة، تظل
مشتتة الرأي في حجم ما أنجزته، ولا يكاد خمسة من أبنائها يتفقون في تقويمهم
لذلك! لا يكفي أن يكون الهدف واضحاً، بل لا بد من تحديد توقيت لإنجازه،
فالزمان ليس ملكاً لنا إلى ما لا نهاية، وطاقاتنا قابلة للنفاد. ثم إن القيمة الحقيقية
للأهداف، لا تتبلور إلا من خلال الوقت الذي يستغرقه الوصول إليها، والجهد
والتكاليف التي نحتاجها. ولهذا كله فالبديل عن وضوح الهدف، ووضوح تكاليفه
المتنوعة، ليس سوى العبث والهدر والاستسلام للأماني الخادعة!
إن من أسباب ضبابية أهدافنا أننا لا نبذل جهداً كافياً في رسمها وتحديدها،
وهذا لا يؤدي إلى انعدام إمكانية قياسها فحسب، وإنما يؤدي أيضاً إلى إدراكها
بطريقة مبتذلة أو رتيبة، مما يُفقدها القدرة على توليد الطاقة المطلوبة لإنجازها.
سنعمل الكثير من أجل أهدافنا إذا أدركنا أنه عن طريقها تتم الصياغة النهائية
لوجودنا.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 2642
تأملات دعوية
فرصة سانحة للدعاة
بقلم: عبد الله المسلم
يعتني أهل التجارة بمواسم تدر عليهم ما لا تدره غيرها؛ ولذا تشكل هذه
المواسم مصدراً مهماً من مصادر التجارة، بل إن كثيراً من تجار المسلمين
يحصلون في موسم الحج ورمضان أضعاف ما يحصلونه في غيرهما، وبوّب
البخاري ﵀ في صحيحه (باب: التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق
الجاهلية) .
وإذا كان التاجر قد يضحي بفرص كثيرة حاشا فرص المواسم؛ فالدعاة إلى
الله ﵎ أوْلى وأحرى بأن يحرصوا على استثمار المواسم واغتنامها في
نشر دعوتهم، وألا يفرطوا فيها؛ وها هو الداعية الأول ﷺ
يستثمر فرصة اجتماع الناس في الحج ليعرض عليهم دعوته، فعن جابر بن عبد
الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على
الناس في الموسم فيقول: (ألا رجل يحملني إلى قومه؛ فإن قريشاً قد منعوني أن
أبلغ كلام ربي) [١] .
وعن ربيعة بن عباد الديلي قال: رأيت رسول الله ﷺ
يطوف على الناس بمنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: (يا أيها
الناس! إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً) قال: ووراءه رجل
يقول: هذا يأمركم أن تَدَعوا دين آبائكم، فسألت: مَنْ هذا الرجل؟ فقيل: هذا
أبو لهب [٢] .
وثمة جوانب ومجالات عدة تفتح أمام الدعاة في رمضان لا تفتح أمامهم في
غيره؛ فالقلوب تصبح أقل قساوة وأكثر قرباً إلى الله ﵎ منها في غير
رمضان، ولذا نرى الرجل الفاسق المعرض، المسارع في الكبائر تتغير أحواله في
رمضان.
وفي رمضان يكثر مرتادو المساجد أكثر مما في غيره.
وفي رمضان يصبح الناس أكثر إصغاءاً وإقبالاً على الموعظة منهم في غيره.
وفي رمضان يكثر توافد الناس على بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة، مما
يتيح فرصة للخير لأهل البلد الحرام والوافدين عليه، بل يتيح فرصة لكافة الدعاة
في استثمار هذا الجانب ومرافقة من يريدون دعوته لأداء العمرة؛ فيتيح السفر لهم
ما لا يتيحه غيره.
وفي رمضان يقبل الناس على إخراج الزكوات والصدقات فيكون ذلك فرصة
الدعاة في حث الناس وتوجيه الأموال للمصارف المجدية المفيدة، وتعد مشاريع
تفطير الصوّام ميداناً للإحسان إلى الناس ورعايتهم، ويمكن أن يضم لذلك برامج
دعوية وتوجيهية.
ويتيح قدوم المرأة للمسجد في رمضان فرصة لخطاب شريحة واسعة لم يكن
يتيسر خطابها قبل ذلك؛ فثمة فئة واسعة من النساء لا تأتي إلى المسجد إلا في
صلاة التراويح في رمضان.
إن كثيراً من المسلمين يعتنون بالصيام أكثر من غيره ولا يفرطون فيه، بل
إنك ترى فئة كبيرة منهم يصوم وإن كان لا يشهد الصلاة مع المسلمين. والصيام
يكشف عن جوانب مهمة في النفوس من القدرة على الامتثال، والقدرة على ضبط
النفس والسيطرة على شهواتها. وكثرة أسئلة المسلمين عن أحكام الصيام وعنايتهم
بها يكشف جانباً من الخير.
ألا يمكن أن يستثمر ذلك كله في خطاب المسلمين وإقناعهم بأن ثمة جوانب
كامنة في نفوسهم ينبغي أن ينطلقوا منها إلى تصحيح واقعهم؟
إن مثل هذه الفرص ينبغي أن تدعونا إلى توسيع دائرة الخطاب وموضوعه؛
فلا يقتصر على مجرد حث الناس على استثمار رمضان، وتلاوة القرآن، وصلاة
التراويح فقط، فمع أهمية هذه الأمور وضرورة الحديث عنها، إلا أن هناك ما لا
يقل عنها أهمية ووجوباً في حياة المسلمين كالتوبة، وإصلاح القلوب، واجتناب
الموبقات، وأداء ما أوجب الله ﵎ وغير ذلك.
стр. 2643
دراسات شرعية
المدح: أنواعه وضوابطه
بقلم: حمود بن جابر الحارثي
المدحُ: نقيضُ الهجاءِ، وهو: حسن الثناء، وقيل: هو الوصف الجميل.
وعدّ المآثر [١] ، وقيل: هو وصف المحاسن بكلامٍ جميل [٢] .
والمدّاحون: هم الذين اتخذوا مدح الناس عادةً وجعلوه بضاعةً يستأكلون به
الممدوح ويفتنونه [٣] .
ثبت في السنّة أن النبي ﷺ مُدِح في الشعر والخطابة
والمخاطبة ولم يمنع المادح كمدح عبد الله بن رواحة ﵁ [٤] قائلاً:
إني تفرست في الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر
أنت النبي ومن يُحرَم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدر
فثبّتَ الله ما آتاك من حَسَنٍ ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا
فقال له النبي: وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة [٥] .
ومدحه كعب بن زهير ﵁ [٦] في قصيدته المشهورة عندما جاء
تائباً مسلماً:
إن الرسول لنور يُستضاء به ... مهندٌ من سيف الله مسلول
في فتيةٍ من قريشٍ قال قائلهم ... ببطنِ مكةَ لما أسلموا: زولوا [٧]
وبما أن الرسول ﷺ أهلٌ للمدح، وكل ممدوح من البشر
سواه ناقص. إلا أننا نجده أرشد إلى ما يجوز من المدح، وسد وسائل الإطراء
والغلو التي تؤدي إلى الشرك في مدحه أو مدح غيره، أو تؤدي إلى فتنة الممدوح.
ضابط المدح المباح:
ومن خلال استقراء بعض نصوص السنة في المدح والثناء تتجلى ضوابط
المدح المباح وهي:
١- الصدق: وهو أن يكون الممدوح أهلاً لما يُقال فيه، ولا يتجاوز المادح
الصفات الحقيقية الصادقة في الممدوح.
أما الثناء بما يُعلم حقيقة فهو جائز ومستثنى من التمادح المكروه [٨] .
٢- التوسط في المدح وعدم المبالغة ومجاوزة الحد:
فالرسول ﷺ اصطفاه ربه بالرسالة، وهو أفضل خلقه،
وهو أهل لكل مدح إذا لم يتجاوز التأدب مع الله؛ ومدح الرسول -صلى الله عليه
وسلم- لا يتعدى كونه بشراً رسولاً، تشرّف بالعبودية لله، وبَلّغ ما كُلّفَ به بلاغاً
كافياً، فمنع المبالغة في إطرائه ورفعه أعلى من بشريته.
روى الإمام البخاري ﵀ بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁
قال: (سمعت النبي ﷺ يقول: لا تطروني كما أطرت
النصارى ابن مريم. فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله) [٩] .
وروى أبو داود ﵀ بسنده عن مُطرِّف [١٠] قال: (قال أبي: انطلقت
في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال:
السيد: الله ﵎. قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طَوْلاً [١١] ، فقال:
قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) [١٢] .
هؤلاء أعراب كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكره لهم المبالغة في مدحه، فقال
لهم: تكلموا بما يحضركم من القول ولا تتكلفوه، فيستعملكم الشيطان فيما يريد من
التعظيم للمخلوق بمقدار لا يجوز [١٣] .
٣- الأمن من فتنة الممدوح وحدوث الكبر والاستعلاء والفتور عن العمل
الصالح.
روى الإمام البخاري ﵀ بسنده عن أبي بكر ﵁ [١٤] (أن
رجلاً ذكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النبي:
ويحك قطعت عنق [١٥] صاحبك يقوله مراراً إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل:
أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله، ولا يزكي على الله
أحداً) [١٦] .
فالنهي في الحديث محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الوصف أو
من يُخاف عليه فتنة من إعجاب أو كبر، أما من لا يُخاف عليه ذلك لكمال إيمانه
وعقله فلا نهي في مدحه إذا لم يكن فيه مجازفة [١٧] .
٤- تقييد المدح بقول: (أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً) .
تأدباً مع الله في رد علم السرائر إليه؛ فهو أعلم بمن اتقى. وإنما الأحكام
تجري بالظاهر، والله يتولى السرائر.
المدح المباح:
إذا تحققت ضوابط المدح الآنفة الذكر، فإن الممدوح لا يزداد بها إلا كمالاً،
بأن ينشط في فعل الخير والازدياد منه، أو الدوام عليه. خاصة إذا كان المادح من
ذوي المكانة والحكمة الذين يقدرون الأمور بقدرها ويحرصون على درء المفاسد
وجلب المصالح.
روى الإمام البخاري ﵀ بسنده عن سالم [١٨] عن عبد الله بن عمر
﵄ قال: (كنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد الرسول- ﷺ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار،
فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت
أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقيَنا مَلَك آخر، فقال لي: لم ترع. فقصصتها
على حفصة فقصتها على رسول الله ﷺ فقال: نعم الرجل
عبد الله لو كان يصلي من الليل. فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً) [١٩] .
هذا مدح من معلّم الناس الخير ﷺ كانت ثمرته عظيمة
للممدوح؛ حيث أخذ على نفسه عهداً بقيامِ الليل حتى إنه كان لا ينام منه إلا قليلاً.
وليأمن الممدوح من مداخل الشيطان والفتنة والرياء فإنه يدعو بهذا الدعاء:
(اللهم اغفر لي ما لا يعلمون. ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما
يظنون) [٢٠] .
وعليه أن يتحرز من آفة العجب أو الفتور. ويظهر كراهة المدح ويراقب
نفسه.
المدح المذموم:
وهو ما انعدمت فيه ضوابط المدح المباح. فانعدم فيه الصدق، أو صاحبه
النفاق، أو اتّخِذَ مهمةً للتكسب، وزادَ الممدوحَ بطراً وتكبراً وظلماً ورئاءً.
وهذا النوع هو الذي عناه الرسول ﷺ فيما رواه الإمام
مسلم ﵀ بسنده عن أبي معمر [٢١] قال: (قام رجل يثني على أمير من
الأمراء، فجعل المقداد [٢٢] ﵁ يحثي عليه التراب. وقال: أمرنا
رسول الله ﷺ أن نحثي في وجوه المداحين التراب) [٢٣] .
قال النووي ﵀: (حمل المقداد ﵁ هذا الحديث على ظاهره
ووافقه طائفة. وقال آخرون: معناه: حيوهم فلا تعطوهم شيئاً لمدحهم كأنهم من
الذين يتكسبون به وقال آخرون: قولوا له: بفيك التراب) [٢٤] .
وقال الطيبي ﵀: (يحتمل أن يراد به: دفعه وقطع لسانه عن عرضه
بما يرضيه من تراب الدنيا استهانة به) [٢٥] .
وقال العلماء في الجمع بين أحاديث الإباحة والنهي: إن كان الممدوح عنده
كمال إيمان ويقين، ومعرفة تامة بحيث لا يُفتن ولا يغتر من ذلك فليس بحرام.
وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور كُرِه مدحه في وجهه كراهة شديدة [٢٦] .
هذا في حق الممدوح.
أما المادح فيتحمل وزر قوله إن كان كاذباً، أو متكسباً، ويؤجر إن كان من
أهل الحكمة والعلم وإرادة الخير بالناس.
آفاتُ المدحِ المذمومِ:
قال الغزالي ﵀: في المدح المذموم ست آفات [٢٧] :
أربع على المادح وهي:
١- قد يفرط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كاذباً.
٢- وقد يُظهر له من الحب ما لا يعتقده فيكون منافقاً.
٣- وقد يقول له ما لا يتحققه ولا سبيل إلى الاطلاع عليه، فيكون مجازفاً.
٤- وقد يُفرِحُ الممدوح وهو ظالم أو فاسق فيكون مناصراً لظالم.
وآفتان على الممدوح:
١- قد يُحدث فيه كبراً وإعجاباً؛ وهما مهلكان.
٢- قد يفرح؛ فيفسد عمله، أو يغتر.
أسأل المولى أن أكون قد وفقت في بيان بعض جوانب هذا
الموضوع، واستغفره من الزلل والنقصان.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
стр. 2644
دراسات دعوية
من فقه الدعاء في قصص الأنبياء ﵈
نموذج موسى ﵇ من خلال سورة القصص
بقلم: د. مصطفى فوضيل
تمتلئ قصص الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام بالحكم والفوائد والعبر،
كما قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] [يوسف: ١١١] .
ولعل أوْلى الناس بالاعتبار هم تلك الصفوة من عباد الله التي ذاقت
طعم الإيمان وحلاوته، واستشعروا ثقل الأمانة، فانطلقوا في الناس يرشدون
وينصحون على الرغم مما قد يعترضهم من مضايقة أو بلاء. تلك الصفوة التي
ورثت أمانة الدعوة ووظيفة التبليغ من أولئك الأنبياء الكرام ﵈ وهم القدوة
الذين نجد في قصصهم كثيراً من الزاد على هذا الطريق.
وسأقتصر في هذه الخواطر على عنصر من أهم عناصر ذلك الزاد، ألا وهو
الدعاء.
وقد روى ابن ماجه في كتاب الدعاء أن النبي ﷺ قال:
(إن الدعاء هو العبادة) . ثم قرأ: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]
[غافر: ٦٠] كما أن الحديث سيتركز في هذه المقالة على قصة موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام من خلال سورة القصص.
وتتميز قصة هذا النبي الكريم بكونها غنية بالأحداث وتنوعها؛ ولذلك فقد
أخذت حيزاً كبيراً في كتاب الله ، وذكرت في عدة سور وبعدة أساليب؛
تبعاً لأغراض القرآن في سوره وآياته ومقاطعه.
فقد واجه أطغى الخلق فرعونَ وملأه، ثم تولى قيادة اليهود أمة تعد من أشد
الأمم تفلتاً، وأقساها قلوباً، وإزاء هاتين المهمتين عاش موسى ﵇ منذ
ولادته حياة حافلة بالبلاء والابتلاء.
أ - ألقي في اليم وهو رضيع! !
ب - وقع في يد فرعون مباشرة وهو في أوج حملته على بني إسرائيل. قال
الراغب في مفرداته: [] يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ [] القصص: ٤ [على التكثير، أي: يذبح
بعضهم إثر بعض] .
ج - ولما بلغ أشده وقع له ذلك الحدث المفاجئ حيث قتل أحدَ جنود فرعون،
فخرج من المدينة بعيداً عن فرعون وملئه في هجرة شاقة مضنية.
د - ثم كُلِّفَ بعد فترة من الزمن بالرجوع إلى عدوه فرعون ومواجهة السحرة
في جمع لم يسبق له مثيل، وقد حكى الله على لسانهم: [فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ
ثُمَّ ائْتُوا صَفاً] [طه: ٦٤] .
هـ- وبعد الانتصار عليهم ونجاته مع بني إسرائيل من فرعون يدخل موسى
﵇ في مرحلة تميزت بالمتاعب التي لا تنتهي في توجيه بني إسرائيل
وسياستهم وتربيتهم وتقويمهم.
موقع الدعاء في منهج موسى ﵇: يلحظ المتدبر لهذه القصة في
القرآن الكريم أن الدعاء يمثل عنصراً بارزاً في حياة موسى ﵇، وذا أثر
واضح في سيرورة رسالته وتوالي أحداثها وبناء بعضها على بعض.
وكون الدعاء أحد المعاني الكبرى في القصة فإن ذلك يدل على أنه مكون
أساسي من مكونات منهج الرسالة والدعوة والتبليغ عنده ﵇، ويكشف في
الوقت نفسه عن جانب مهم في شخصيته الموصولة بالله ، وعلى العناية
الربانية التي رافقته وقادته إلى النصر والنجاة.
كما أن المتدبر لمجموع نصوص الدعوات التي دعا بها موسى ﵇
يجد نفسه أمام فقه عظيم وعلم نفيس. وسأحاول أن نعيش في ظلالهما بما يسر الله
بمنه وكرمه.
وسيكون تناولي لمجموع هذه الدعوات مراعياً للترتيب الزمني حسب الأحداث
وتواليها.
ويمكن تقسيم القصة إلى ثلاث مراحل كبرى حافلة بالأحداث والقضايا
والأحوال:
المرحلة الأولى: وتشمل ما بين لحظة الميلاد وزمان التكليم والتكليف.
المرحلة الثانية: وتشمل ما بين التوجه إلى مصر لمواجهة فرعون ولحظة
إهلاكه، ونجاة موسى ﵇ مع بني إسرائيل.
المرحلة الثالثة: وتشمل ما بعد النجاة، حيث قيادة بني إسرائيل وتوجيههم
وسياستهم.
أما المرحلة الأولى: فقد شخّصها ابن عباس ﵄ بقوله حين سأله
سعيد بن جبير عن قوله تعالى مخاطباً موسى ﵇: [ ... وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ... ] [طه: ٤٠] ، قال: خلصناك محنة بعد محنة: ولد في عام كان يقتل فيه الولدان
فهذه فتنة يا ابن جبير، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً،
وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفوقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان
يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير) [١] ، وهذه المرحلة وما يتعلق بها من
دعاء ذكرت في سورة القصص بشكل مفصل وواضح.
سياق الأدعية التي دعا بها موسى ﵇ في سورة القصص: يلاحظ أن
موسى ﵇ دعا بثلاثة أدعية قبيل خروجه من المدينة إلى حين وصوله إلى
أهل مدين، وقد جاءت إثر ثلاثة أحوال:
الدعاء الأول: قوله: [رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي] [القصص: ١٦] ، وقد جاء هذا الدعاء إثر قتله للقبطي: [وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا
فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَذِي مِن شِيعَتِهِ
عَلَى الَذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ
مُّضِلٌّ مُّبِينٌ] [القصص: ١٥] .
الدعاء الثاني: [رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] [القصص: ٢١] ، وقد كان
إثر بلوغه خبر المؤامرة على قتله: [وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ
يَا مُوسَى إنَّ المَلأَ يَاًتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ]
[القصص: ٢٠] .
الدعاء الثالث: قوله: [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ]
[القصص: ٢٤] ، وقد جاء إثر الحالة التي آل إليها من التعب والجوع. قال ابن عطية:
(تعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ] ، ولم
يصرح بسؤال. هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله. قال
ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع واخضرّ لونه من أكل البقل، وضعُف حتى
لصق بطنه بظهره ورئيت خضرة البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق يومئذ على الله. وروي أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدمه. وفي هذا معتبر وحاكم
بهوان الدنيا على الله تعالى) [٢] .
من فقه الألفاظ في دعاء موسى ﵇: يلاحظ أن موسى ﵇ قد
قدم بين يدي موضوع طلبه وحاجته بقوله: (ربِّ) : [رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ
لي] ، [رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] ، [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ] . وهذا التقديم يشير إلى الإيمان الكامل والتوحيد الصافي والتوجه الصادق
والتجرد المطلق من القوة والحوْل؛ فالله هو الرب الواحد الذي له الأسماء
الحسنى، ومنها الغفور والغفار الذي منه المغفرة، والمنجي الذي به النجاة،
والرازق والرّزّاق الذي بيده الرزق، وهي أسماء دالة على صفات لا يتصف بها
على التمام والكمال إلا الله . ولا نتصور موسى ﵇ ينطلق بهذه
الكلمة ويصدر بها دعاءه إلا وهو مستشعر لفضل الله عليه فيما مضى من أمره،
متطلع راغب في كرم الله وجوده فيما يستقبل منه.
إجابة الله لدعوات موسى ﵇: يقول الله :
[وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] (غافر: ٦٠) ويقول أيضاً: [وَإذَا سَأََلَكَ عِبَادِي
عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذََا دَعَانِ] [البقرة: ١٨٦] .
والإجابة تكون من الله بمقتضى حكمته وعلمه ﷻ ؛ فهو
سبحانه الذي يعلم حقائق الأمور ومآلاتها ويجيب العبد بما يَصلح له في دنياه وأخراه.
والسياق يدل على أن الله استجاب لموسى ﵇ بما يبين حكمته جل
جلاله، فيلاحظ أنه جاء في الدعاء الأول بعد قوله: [رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ
لي] قوله : [فَغَفَرَ لَهُ] .
وجاء في الدعاء الثاني بعد قوله: [رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] قوله:
[فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ]
[القصص: ٢٥] .
وجاء في الدعاء الثالث بعد قوله: [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ]
قوله: [فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا
سَقَيْتَ لَنَا] [القصص: ٢٥] .
بعض التفصيل في هذه الإجابات: الدعاء الأول: [قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ
نَفْسِي فَاغْفِرْ لي] . الإجابة: قال سيد قطب ﵀: (استجاب الله لضراعته
وحساسيته واستغفاره: [فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] . وكأنما أحس موسى
بقلبه المرهف وحسه المتوفز في حرارة توجهه إلى ربه، أن ربه قد غفر له.
والقلب المؤمن يحس بالاتصال والاستجابة للدعاء فور الدعاء، حين يصل إرهافه
وحساسيته إلى ذلك المستوى، وحين تصل حرارة توجهه إلى هذا الحد. وارتعش
موسى ﵇ وهو يستشعر الاستجابة من ربه، فإذا هو يقطع على نفسه عهداً، يعده من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه: [قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ] [القصص: ١٧] . فهو عهد مطلق ألا يقف في صف
المجرمين ظهيراً ومعيناً، وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من
صورها، حتى ولو كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ ومرارة الظلم والبغي. ذلك
بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه، ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله
من قبل) .
ويؤيد ما ذهب إليه سيد قطب أن الله تعالى قال في سورة طه: ٤٠، في
سياق تعداد نعمه على موسى ﵇: [وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ
الغَمِ] [طه: ٤٠] . قال القاسمي: (أي غم القتل بأن صرفنا عنك ما تخشاه) [٣] .
وأصل النجاة والنجاء: الانفصال من الشيء، والغم الذي هو الكرب أصله
ستر الشيء ومنه الغمام لكونه ساتراً لضوء الشمس. (المفردات للراغب: (نجو
(وغم [. وعلى هذا فكان ما وقع لموسى ﵇ بسبب قتل القبطي قد ستر
عليه نفسه بما نزل عليها من الكرب والحزن الشديد، فنجاه الله من هذا
الغم أي فصله عنه فانكشف ولم يعد له عليه سلطان. ولا شك أن موسى عليه
السلام بقلب المرهف النقي قد أحس بهذا الكرم الرباني العظيم.
الدعاء الثاني:] قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [. الإجابة: يلاحظ أن
الإجابة لم تأت عقب السؤال مباشرة، بل انتقل السياق إلى بيان الوجهة التي اتجه
إليها باحثاً عن الأمان، إلى أن وصل إلى أهل مدين، ووقع له ما وقع من إعانة
المرأتين بالسقي لهما واستدعاء أبيهما له:] فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لا
تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [فجاء الجواب على لسان أبيهما ويقال إنه شعيب
﵇، وقد حكى كثير من المفسرين أن مدين كانت خارج سلطان فرعون،
مما يدل على أنه دخل في أرض الأمان.
وها هنا فوائد:
١- أنه عندما سأل النجاة لم يلزم مكانه ينتظر الإجابة بل توكل على الله عز
وجل، وانطلق يلتمس سبيل النجاة، وهذا ما يومئ إليه قوله تعالى:] وَلَمَّا تَوَجَّهَ
تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [] القصص: ٢٢ [قال ابن
عطية: (كان موسى لا يعرف تلك الطريق ولم يصحب معه أحداً فركب مجهلتها
واثقاً بالله تعالى ومتوكلاً عليه) ثم قال: (ولما خرج موسى ﵇ فاراً بنفسه
منفرداً حافياً لا شيء معه رأى حاله وعدم معرفته بالطريق وخلوه من الزاد وغيره؛
فأسند أمره إلى الله تعالى وقال:] عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [، وهذه
الأقوال منه تقتضي أنه كان عارفاً بالله تعالى عالماً بالحكمة والعلم الذي آتاه الله
تعالى) .
٢- أن قول موسى ﵇:] قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [
وقول شعيب ﵇:] لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [، يدل على أنهما
يتواصلان عبر لغة واحدة، متفقين على أصول المفاهيم الدالة عليها، وعلى هذا
المنوال قول شعيب بعد ذلك:] سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [
] القصص: ٢٧ [، وقول موسى أيضاً:] وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [
] القصص: ٢٨ [، كل هذا يدل على أنهما يستقيان تلك المفاهيم من مشكاة واحدة!!
٣- أن النجاة المذكورة هنا هي في الحقيقة نجاة خاصة بهذه المرحلة بالذات؛
إذ كان موسى ﵇ في حاجة إلى فترة من الوقت تهدأ فيها نفسه وتستجمع
فيها قوته، استعداداً للمرحلة القادمة، وهي أشد وأهول. والقرآن لم يقف طويلاً
عند الفترة التي قضاها في أهل مدين، ولم يذكر شيئاً من أحداثها، والظاهر أنها
تميزت بالهدوء والخلوة والتفكر مما يكون غالباً مصاحباً لرعي الغنم.
أما النجاة العامة الكبرى فهي التي ستتحقق في المرحلة القادمة الحاسمة،
بالفصل النهائي بين موسى ومن آمن به وبين فرعون وملئه، وذلك بعد تخليص
بني إسرائيل من ظلم فرعون وإهلاك هذا الطاغية الخبيث أمام أعينهم وهم
ينظرون!!] فَلَمَّا تَرَاءى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (٦٤) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (٦٦) إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (٦٧) وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ [] الشعراء: ٦١ ٦٨ [،] وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ فَأََنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأََنتُمْ تَنظُرُونَ [] البقرة: ٥٠ [.
الدعاء الثالث:] رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [. الإجابة: قال
ابن عطية: (في هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر، قدّره ابن إسحاق:
(فذهبتا إلى أبيهما سريعتين وكانت عادتهما الإبطاء في السقي فحدثتاه بما كان من
أمر الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل الصغرى أن تدعوه له
فجاءت على ما في الآية) .
إن تجاوز السياق لهذا التفصيل يومئ إلى سرعة الإجابة؛ وقد حدد القرآن
الكريم غرض المرأة من المجيء:] قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ
لَنَا [] القصص: ٢٥ [. وهذه الدعوة إنما هي في الحقيقة بداية لتكريم رباني عظيم: رزق طيب مبارك، وأمان في ضيافة رجل صالح، وزوجة بارة عاقلة طاهرة
عفيفة، وعمل شريف يناسب روحه السنية التي تشوقت إلى الخلوة والسير في
الأرض سير تفكر وتأمل، تحنثاً وتعبداً وإعداداً من الله ﵎ له للمواجهة
الحاسمة مع فرعون وملئه! !
стр. 2645
مقال
الله أكبر إنها السنن!
نظرات في الاحتفالات برأس السنة
أبو محمد الأثري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله خاتم النبيين،
وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. أما بعد:
فاعلم أخي المسلم رحمنا الله جميعاً أنّ من المصائب العظيمة التي حلّت
بالمسلمين في هذا الزمان: متابعتهم غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم
من أهل الملل الكافرة وتشبههم بهم، حتى تحقّق في غالبنا قول النبي: (لتتبعن سنن
من كان قبلكم حذو القُذة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضب لدخلتموه) قيل: يا رسول
الله اليهود والنصارى؟ ! قال: (فمن؟) [١] ، أي: فمن أعني غيرهم! . وفي
رواية: (حتى لو أن أحدهم جامع أمه بالطريق لفعلتموه) [٢] . الله أكبر إنها السنن.. حتى أصبحنا لا نميز اليوم غالبية المنتسبين للإسلام عن غيرهم، وانقسمت هذه
الغالبية إلى أقسام عديدة:
- قسم: أعرض عن الدين إعراضاً تاماً، واتبع هواه وكان أمره فرطاً؛ فما
عاد يعرف من الدين إلا الاسم، ولا من معالمه إلا الرسم، إما تكبراً واحتقاراً لأهله
وموالاة لأعداء الدين، وإما إعراضاً عنه وانشغالاً بالدنيا وتكالباً على حطامها
الفاني.. وهؤلاء كثرٌ، وهم محسوبون على الإسلام بأسمائهم وأنسابهم، والله
المستعان.
- وقسم ثان: وجد أن نفسه لا تطيق الثبات والتمسك بهذا الدين الذي كان
عليه القرن الأول من صحابة النبي؛ لأن في ذلك الالتزام بالوحيين والعض على
السنة النبوية بالنواجذ، وفيه مرارة قول الحق والصبر عليه؛ ولما لم يقدروا أن
يفعلوا ذلك حاولوا أن يجمعوا بين الإسلام وغيره ليخرجوا لنا إسلاماً عصرياً،
ليوافق بذلك أهواء الذين لا يعلمون ويرضيهم.. فذهبوا يلوون أعناق الآيات
والأحاديث ويحملونها على غير محملها.. ويتشبهون بأصحاب الجحيم من اليهود
والنصارى والمجوس في غالب ما يفعلونه من عاداتهم وهيئاتهم ومعايشهم..
وهؤلاء أيضاً كثر، ولا نشك أنهم من ذلك الغثاء الذي ذكره النبي: (بل أنتم يومئذ
كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل) [٣] ، حتى ولو كان كثير منهم يظهر بقالب
الإسلام الظاهري، وربما بمظهر الدعوة والحرص على مصلحتها ومصلحة الدين،
إلا أنهم يستنّون بغير سنة النبي ﷺ ، وهديهم مغاير لهديه..
وأحسب أنهم ليسوا ممن ينتصر الدين بهم، وإن كثروا وامتلأت أقطار الدنيا
بأمثالهم.
- وقسم ثالث: وهم الذين هداهم الله إلى الحق وثبت أقدامهم، فلزموا كتاب
الله وما تركهم عليه رسول الله ﷺ من الهدى ودين
الحق، لا يفارقونه ولا يبدلونه حتى يلقوه ﷺ على حوضه،
وهؤلاء هم أهل الحق والطائفة المنصورة التي قال فيها النبي: (لا تزال طائفة من
أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) [٤]
جعلنا الله منهم فهم أهل الفوز والفلاح، وهم أبعد الناس من التشبه بالكفار؛ فهم
المعتزون بدينهم العظيم؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
والقسم الأول: أعاذنا الله منهم هم أهل الخسار والندامة، وأهل الذلة والمهانة، يعيشون بضنك، ويحشرون عمياً، ومآلهم إلى سقر إن لم يبادروا بالتوبة والإنابة
والرجوع إلى الله وتجديد الإيمان.
أما القسم الثاني: فهم الذين أردنا أن نذكرهم بهذه الرسالة، وندعوهم إلى
العودة إلى الله تعالى واتباع صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ونحذرهم من اتباع
الأهواء والتشبه بغير المسلمين؛ ذلك أن أكثر هؤلاء إنما يتبعونهم عن جهل وقلة
بصيرة وضعف في الإيمان، ولا يجدون من يدلهم على الحق أو يهديهم إلى سبيل
الرشاد.
ومن التشبه بالكفار الذي نحن في صدده: الاحتفال برأس السنة أو ما يسمونه
بـ (الكريسماس) : ففي هذا اليوم يحتفل النصارى الذين قال الله تعالى عنهم: [لَقَدْ
كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] [المائدة: ٧٢] . وقال: [لَقَدْ كَفَرَ
الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ] [المائدة: ٧٣] . يحتفلون بهذه المناسبة، ويفترون
فيه زوراً وبهتاناً على المسيح ﵊ وهو منهم براء؛ حيث يُحدِثون
في هذا العيد من الفواحش والمنكرات ما لا يمت بأي صلة إلى شريعة عيسى أو
غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وتقام السهرات والحفلات المختلطة
التي يتخللها الرقص والغناء وشرب الخمر في كثير من الأحيان.. إلى غير ذلك
مما يحدث فيها من المنكرات التي لا يتسع المقام لعدها. وكل ذلك بزعمهم احتفال
بالمسيح وذكرى ميلاده، والمسيح بريء من كل ذلك به لا يقرّه ولا يرضاه..
وناهيك إشهارهم لعقائدهم الباطلة من ادعاء الألوهية لعيسى ﵇ الذي سوف
يتبرأ منهم أمام الخلائق كلها يوم القيامة حين يسأله تعالى عن ذلك قائلاً: [يَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا
يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا
أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ
الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [المائدة: ١١٦-١١٧] .
وهذه الافتراءات الباطلة والعقائد الزائفة التي ما أنزل الله بها من سلطان تنفر
منها النفوس الصحيحة والفطر السليمة وحتى الجمادات كالأرض والسماوات
والجبال الصم الصلاب، قال تعالى واصفاً ذلك الموقف: [وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ
وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إداً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ
هَداً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إن كُلُّ مَن فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ
يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً] [مريم: ٨٨-٩٥]
فالعجب العجاب من جهال زماننا المنتسبين للإسلام، الذين ذهبوا يتابعون
اليهود والنصارى في كل صغيرة وكبيرة، حتى في هذه المناسبات الفاسدة..
ويزعمون بجهلهم أن التقدم والحضارة يُلتَمسان في متابعة اليهود والنصارى في كل
شيء.. وما ذلك إلا لجهلهم بدينهم، مصدر عزتهم.. حتى سيطر عليهم مركّب
النقص والذلّة، فغدوا إمّعات.. يلهثون وراءهم ويتابعونهم كالعميان في كل شيء،
مع العلم أن من أصول ديننا العظيم؛ مخالفة كل من انحرف عن شريعة الله عز
وجل في كل ما يقدر عليه المسلم من شرائعهم وعاداتهم وأعيادهم.. بل وملابسهم
وطرق أكلهم وكلامهم وهيئاتهم.
وإليكم قليلاً من الأدلة الكثيرة على ذلك.. لنكون على بينة وبصيرة من ديننا
العظيم في زمان يعز فيه الناصحون:
١- قال الله تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ] [الجاثية: ١٨] ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(ثم جعل محمداً ﷺ على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها،
ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف
شريعته) [٥] .
٢- قال الله تعالى: [وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذاً
لَّمِنَ الظَّالِمِينَ] [البقرة: ١٤٥] . ويقول تعالى عن اليهود والنصارى: [وَلَئِنِ
اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ]
[الرعد: ٣٧] . يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره هذه الآية: (وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ففيه دلالة على أن مخالفتهم مشروعة في
الجملة.
٣- قال النبي: (من تشبه بقوم فهو منهم) [٦] . والحديث فيه وعيد شديد
على التشبه بغير المسلمين؛ فمن تشبه بالأتقياء والصالحين فهو منهم، ومن تشبه
باليهود والنصارى وغيرهم من الكفار فهو منهم والعياذ بالله. يقول ابن كثير رحمه
الله في شرح هذا الحديث: (ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على
التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعبادتهم وغير ذلك من أمورهم
التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها) [٧] .
٤- وقال النبي: (إن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم) [٨] ، وعندما:
(قدم النبي ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: (ما
هذان اليومان؟) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله: (إن الله قد
أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر) [٩] .
٥- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (إن الأعياد من جملة الشرع
والمناهج والمناسك، التي قال الله سبحانه: [لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ]
[الحج: ٦٧] ، كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين
مشاركتهم في سائر المناهج؛ فإن الموافقة في جميع العيد، موافقه في الكفر،
والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من
أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر؛ فالموافقة فيها موافقة
في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره. ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي
إلى الكفر في الجملة بشروطه) [١٠] .
وبعد.. فإن الأدلة في هذه المسألة كثيرة جداً لا يتسع لها هذا المقال، والذي
يريد التفصيل فليراجع الكتاب القيم لشيخ الإسلام ابن تيمية: (اقتضاء الصراط
المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) وهو كتاب عظيم جدير بالقراءة.
وما ذكرناه من الأدلة، كفاية لطالب الحق ليعلم الضلال والانحراف الذي عليه
كثير من الناس في تشبههم بالكفار وتركهم سنة خير البرية محمد.
وختاماً: فإن الله قد أمرنا بمخالفة الكفار لحكمة جليلة وعظيمة، منها: كي لا
تدخل محبة هؤلاء إلى قلوب المسلمين؛ فهم أعداء الله وأعداء المسلمين، والتوافق
والتشابه في الأمور يولد التآلف والتقارب، ومن ثم الود والحب.
وقد نفى الله الإيمان عمن أحب أعداءه المنحرفين عن شرعه فقال
تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ
كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..] [المجادلة: ٢٢] .
وهذا لا ينافي العدل معهم وحسن معاملتهم ما لم يكونوا محاربين. قال تعالى:
[لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] . [الممتحنة: ٨]
ونسأل الله أن يجعلنا ممن يحب من يحبه، ويعادي من يعاديه، ويوالي من
يواليه.. إنه نعم المولى ونعم النصير..
стр. 2646
دراسات في السيرة النبوية
وقفات مع اليهود
من خلال السيرة النبوية
عبد الله بن محمد الجفير
ما أحوجنا إلى دراسة السيرة النبوية دراسة جادة، وتحقيق مروياتها، وتنقيتها، والتمعن فيها، وربطها بالواقع، واستلهام الدروس والعبر منها؛ فليست سيرة
نبينا وسنته مجرد أحداث وقصص وقعت وانتهت، تقرأ للتسلية، أو التبرك أو
للمعرفة! بل الأمر أكبر من ذلك؛ فقد حفظها الله لنا لتكون لنا نوراً نستضيء به،
ودرباً نسير عليه ونطبقه في واقعنا؛ فالقرآن والسنة هما منهج حياة كاملة مثالية
حتى قيام الساعة. وهذه دعوة أوجهها لعلمائنا وطلبة العلم والدعاة: للعمل على
تبين فقه القرآن والسنة كما أراد الله فحياة نبينا محمد من بعثته حتى وفاته
في جميع شؤونه تعتبر الحياة المثالية والقدوة الحسنة للمسلمين جميعاً من رجال
ونساء، وحكام ومحكومين وعامة، وقد أمرنا ربنا أن نقتدي به فقال
تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] ، وسنته وطريقه هي الصراط المستقيم والسبيل
الوحيد الذي يجب أن يتبع لتحقيق العبودية لله وللفوز بجنته والنجاة من عذابه، وأن
ما عداه من طرق وسبل هي ضلال وافتراق عن الحق كما قال جلّ وعلا: [وَأَنَّ
هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [الأنعام: ١٥٣] ، وهذا الموضوع لإلقاء الضوء باختصار على كيد
اليهود لهذا الدين منذ أول أمره، ولبيان نقضهم للعهود التي أبرموها مع نبينا محمد- ﷺ ، وكيف عاملهم ﵊. ولا أريد أن أتطرق
لتاريخهم الأسود وخستهم وكفرهم وفجورهم؛ فهذا موضوع طويل؛ ولكن أردت أن
أؤكد كذب ما يصرح به اليهود وأذنابهم، وما تبثه وسائل الإعلام هذه الأيام حول
دعاوى السلام معهم، كما أؤكد أن اليهود لا عهد لهم ولا ذمة، وأن يهود الأمس هم
يهود اليوم، وهم يهود الغد، وكما غدروا بنبينا؛ فإن ما يحدث اليوم هو لعبة من
ألاعيبهم؛ كيف لا وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، ولن يرضوا عنا إلا إذا اتبعنا
ملتهم، كما أؤكد أن الحل معهم إنما هو إعداد العدة لهم وقتالهم وجهادهم وتطهير
الأرض منهم؛ وهذا ما أخبر به بقوله: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول: يا مسلم
يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله؛ إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود) [١] ، ونحن موقنون بذلك وهذا ما نؤمن به ونعتقده.
معاهدة الرسول ﷺ مع اليهود: بعد أن هاجر الرسول -
ﷺ إلى المدينة، وبعد أن أقام قواعد المجتمع الإسلامي الجديد،
ووضع أسس الوحدة العقائدية والسياسة والنظامية بين المسلمين، رأى -صلى الله
عليه وسلم- أن يقوم بتنظيم العلاقة بمن يسكنون المدينة ومن حولها من غير
المسلمين، وكان همه ﷺ هو توفير الأمن والسلام لهذه الجماعة
المسلمة الناشئة والدولة الفتية. وأقرب من يسكن المدينة ويجاورها هم اليهود،
فاتصل ﷺ بواسطة عبد الله بن سلام ﵁ وهو أحد
أحبار اليهود السابقين والذي أسلم وحسن إسلامه، فدعا اليهود إلى الدخول بهذا
الدين والإقرار أنه النبي المنتظر الذي يجدونه مكتوباً في كتبهم؛ ولكنهم أبوا
ورفضوا وعاندوا حسداً من عند أنفسهم؛ فعند ذلك عقد الرسول -صلى الله عليه
وسلم- معهم معاهدة وكان أهم بنودها:
١- أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.
٢- أن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.
٣- أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
٤- أن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
٥- أن النصر للمظلوم.
٦- أن اليهود لا يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
- وهنا وقفة مع هذه المعاهدة وهي إظهار العزة للمسلمين، وأن المرجع عند
الاشتجار إلى الله ورسوله؛ وأن ليس في بنودها أي ضرر يترتب على اليهود
بعكس معاهدة الاستسلام المسماة بمعاهدة السلام التي وقِّعت بين اليهود ومنظمة
التحرير الفلسطينية والتي جُلّ بنودها ضرر وظلم وذلة للمسلمين، وعز ونصر
لليهود؛ فالمرجع في تفسيرها إليهم، وهم الذين يقررون ما يريدون؛ فلا حول ولا
قوة إلا بالله.
اليهود يهددون والرسول ﷺ يحذرهم: بعد هذه المعاهدة
التي عقدها الرسول ﷺ مع اليهود حرص كل الحرص على
تنفيذها، ولكن اليهود الذين يحفل تاريخهم بالغدر والخيانة والمؤامرة والتحريش
وإثارة الفتن، وما أن انقضت السنة الأولى من الهجرة النبوية ولاح في الأفق
ظهور الإسلام وعزة أهله حتى نجم النفاق وأخذ المنافقون مع اليهود والمشركين
بالتحزب والتكتل ضد الإسلام والمسلمين. وظهر ذلك جلياً بعد معركة بدر التي
أعز الله بها دينه ونصر نبيه؛ وعند ذلك تفاقم حقد اليهود، واشتد غيظهم وبغيهم،
فجمعهم رسول الله ﷺ ، وحذرهم مغبة البغي والعدوان. فعن
ابن عباس ﵄ قال: (لما أصاب رسول الله ﷺ
قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال لهم:
يامعشر يهود! أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً. فقالوا: يا محمد! لا
يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا غماراً لا يعرفون القتال، إنك لو
قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا) .
فأنزل الله قوله: [قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونََ وَتُحْشَرُونَ إلَى
جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى
كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَاًيَ العَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي
الأَبْصَارِ] [آل عمران: ١٢-١٣] [٢]
فكان معنى إجابة اليهود هو الإعلان السافر للحرب، ولكن النبي -صلى الله
عليه وسلم- كظم غيظه وصبر، وصبر معه المؤمنون، وأخذون ينتظرون ما
تتمخض عنه الليالي.
اليهود ينقضون العهد: وما لبث اليهود أن نقضوا ما عاهدوا عليه رسول الله ﷺ ، فبدأت قبائلهم بالغدر قبيلةً قبيلة حتى أجلاهم الرسول ﷺ ، وطهر مدينته منهم. وأول من نقض العهد يهود بني قينقاع وذلك في السنة الثانية للهجرة بعد غزوة بدر، ثم بني النضير في السنة الرابعة للهجرة بعد غزوة أحد، ثم بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة في غزوة الخندق (الأحزاب) .
وتفصيل ذلك كما يلي:
أولاً: يهود بني قينقاع: كانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة،
وهم أشجع يهود المدينة وكانوا يعملون بصياغة الذهب وصنع الأواني والحدادة،
وتمثل نقضهم للعهد بأن امرأة مسلمة جاءت بجلب لها، فباعته بالسوق، ومالت إلى
صائغ يهودي لتشتري منه مصاغاً، فجلست وحوله يهود، فعابوا عليها ستر وجهها، وطالبوها بكشفه فأبت ذلك حفاظاً على عفتها وصيانة لعرضها وشرفها إلا أن
أحدهم غافلها وربط طرف درعها من أسفله بطرف خمارها؛ فلما قامت انكشفت
عورتها: فصاحت واكشفتاه! فسمعها رجل مسلم فهب لنجدتها، فرأى ما بها،
فوثب على اليهودي فقتله، فقام يهود فاشتدوا على المسلم فقتلوه، وهبّ رجال من
المسلمين للحادث فاقتتلوا مع اليهود، فعلم الرسول ﷺ بذلك
وأنهم غدروا، فسار إليهم بجنود الله، ولما رآهم اليهود تحصنوا بحصونهم، وكان
عدد المقاتلين من اليهود سبعمائة رجل، فحاصرهم الرسول ﷺ
أشد الحصار وكان ذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة بعد غزوة بدر، ودام
الحصار خمسة عشر يوماً، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول
الله؛ وكان ﵊ يريد أن يقتلهم، ولكن المنافق عبد الله بن أبي بن
سلول حليفهم شفع فيهم وتوسط في خلاصهم، وألح في ذلك، فوهبهم له -صلى الله
عليه وسلم-، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة، فخرجوا إلى نواحي الشام؛ فما
لبثوا حتى هلك أكثرهم، فقسم رسول الله ﷺ أموالهم بين
الصحابة، وأخذ الخمس لينفقه فيما أمر الله به، وانتهى بذلك أمر يهود بني قينقاع
نتيجة خيانتهم.
وهنا وقفتان:
١- موقف اليهود من المرأة المسلمة من الدلائل على خستهم وسوء أخلاقهم،
وهذا طبعهم؛ فهم اليوم متغلغلون في وسائل الإعلام المختلفة من سينما ومسرح،
وتلفاز وإذاعة وصحافة؛ وغالب ما تحويه هذه الوسائل هي الدعوة إلى الفحشاء
والإثارة الجنسية، والانحلال، ونبذ الفضيلة، ونشر الدعارة [٣] .
٢- وحبهم للمادة بل وعبادتهم لها وتسخيرها لمصالحهم وأغراضهم وشهواتهم؛ ففي وقتنا الحاضر أصبحوا قوة كبيرة مسيطرة على اقتصاديات كثير من الدول
وبنوكها وشركاتها (فقد عبر الحاخام اليهودي (راشورون) عن ذلك بقوله: (إذا كان
الذهب هو قوتنا الأولى للسيطرة على العالم فإن الصحافة ينبغي أن تكون قوتنا
الثانية [] ٤ [.
ثانياً: يهود بني النضير: وهم حلفاء الخزرج قبل الإسلام، وكانت ديارهم
بضواحي المدينة وكان نقضهم العهد بأنهم تآمروا على قتل النبي؛ وذلك عندما ذهب
إليهم ﷺ في نفر من أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية
الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأً، وطلب منهم النبي -صلى الله
عليه وسلم- ذلك بناءاً على المعاهدة التي بينه وبينهم، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم!
اجلس هنا حتى نقضي حاجتك. فجلس ﷺ إلى جنب جدار من
بيوتهم ... وخلا اليهود بعضهم إلى بعض، وسوّل لهم الشيطان سوءاً، فتآمروا
على قتله ﷺ ، بأن يصعد أحدهم الجدار فيلقي عليه صخرة
كبيرة فتقتله، فنزل جبريل ﵇ من عند رب العالمين على رسول الله -
ﷺ يخبره الخبر، فقام النبي ﷺ مسرعاً
وتوجه إلى المدينة، ثم لحقه أصحابه فأمر الرسول ﷺ بالتهيؤ
لحربهم وكان ذلك في السنة الرابعة بعد غزوة أحد، وأمر اليهود بالخروج،
وتحصنوا بحصونهم، فحاصرهم الرسول ﷺ قرابة خمسة
عشر يوماً، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فأمرهم عليه
الصلاة والسلام بالخروج من المدينة وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح، فبدؤوا
بحمل أمتعتهم، وبدؤوا يخربون بيوتهم بأيديهم، فخرجوا من المدينة إلى خيبر
ذليلين صاغرين نتيجة غدرهم وخيانتهم وفيهم نزلت سورة الحشر فقال تعالى:
] هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن
يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ
فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ
* وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [
] الحشر: ٢، ٣ [.
وهنا وقفتان:
١- محاولتهم قتل النبي؛ فهم لا يتورعون عن فعل ذلك؛ لأنهم قتلة الأنبياء
من قبل، والقتل والتصفية الجسدية عندهم شيء طبيعي لمن عارضهم؛ وهذا حالهم
في هذا العصر (فقد نشر الكاتب اليهودي (إيرل برغر) عام ١٩٦٥م كتاباً بعنوان:
(العهد والسيف) قال فيه: (إن المبدأ الذي قام عليه وجود إسرائيل منذ البداية هو أن
العرب لا بد أن يبادروا ذات يوم إلى التعاون معنا؛ ولكن هذا التعاون لن يتحقق إلا
بعد القضاء على جميع العناصر التي تغذي شعور العداء ضد إسرائيل في العالم
العربي، وفي مقدمة هذه العناصر رجال الدين المتعصبين!) ] ٥ [وما المجازر
التي يرتكبها اليهود في فلسطين إلا شاهد على ذلك.
٢- وقوف المنافقين مع اليهود ومناصرتهم: وهذا ديدن المنافقين في كل
زمان، والذين يمثلهم اليوم العلمانيون والمندسون وغيرهم، الذين يعملون لهدم
الإسلام من الداخل وإقصاء أحكام الشريعة عن الواقع، وهم الذين يتولون كثيراً من
أمور المسلمين مع الأسف، ويديرون جل وسائل الإعلام على ما يريدون.
ثالثاً: يهود بني قريظة: وكانوا حلفاء الأوس، وكانت ديارهم بضواحي
المدينة وهم من أشد الناس عداوة للرسول ﷺ ، وأغلظهم كفراً
به، وكان نقضهم عهد رسول الله ﷺ يوم الخندق (الأحزاب)
في شهر ذي القعدة في السنة الخامسة للهجرة، وكان الأحزاب من المشركين
يحاصرون المدينة، والمسلمون يشعرون بالخوف؛ فاستغل يهود بني قريظة هذا
الوضع ليهزوا المسلمين من الداخل، فسبّوا رسول الله ﷺ ،
ونقضوا عهده؛ حيث إنهم أعانوا المشركين المحاصرين للمدينة بالطعام والرجال،
وكادت أن تتم لهم خطة وضع المسلمين بين فكي كماشة لولا لطف الله تعالى فبلغ
ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (الله أكبر! أبشروا يا معشر
المسلمين بفتح الله ونصره) ثم التجأ إلى الله بالدعاء، فسلط الله على الأحزاب
المحاصرين للمدينة ريحاً شديدة قلعت خيامهم، وأطفأت نارهم، وكفأت قدورهم،
فارتحلوا صاغرين؛ وصدق الله إذ يقول:] وَرَدَّ اللَّهُ الَذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا
خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِياً عَزِيزاً [] الأحزاب: ٢٥ [.
ثم وضع النبي ﷺ والمسلمون سلاحهم وعادوا إلى
المدينة، وفي الطريق نزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ فقال له: (أوَ قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال ... جبريل ﵇: فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة؛ فإني عامد إليهم
فمزلزل بهم) ] ٦ [.
فأمر رسول الله ﷺ مؤذِّناً فأذّن في الناس: (من كان
سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة) ] ٧ [.
ثم تحرك الجيش الإسلامي نحو بني قريظة أرسالاً؛ وكان عدد المسلمين ثلاثة
آلاف فحاصروا بني قريظة مدة خمس وعشرين ليلة، وطلب منهم النبي -صلى الله
عليه وسلم- النزول فأبوا حتى جهدهم الحصار، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ
﵁ وأمر ﷺ باعتقال الرجال وأرسل في طلب سعد
ابن معاذ ﵁ ليحكم بهم وكان حليفاً لهم، وكان مصاباً، فأتي به محمولاً، ورضي بنو قريظة بحكمه لاعتقادهم أنه سيخفف عنهم الحكم، وأثناء الطريق أخذ
الأوس يستعطفون سعداً ويلحون عليه بأن يخفف الحكم على بني قريظة فقال رضي
الله عنه: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فلما وصل ﵁
إلى رسول الله ﷺ قال: (قوموا إلى سيدكم) فقاموا إليه، فأمره- ﷺ أن يحكم فيهم فقال ﵁: أحكمُ فيهم: أن تُقتل
الرجال، وتُقسم الأموال، وتُسبى الذراري. فقال رسول الله: (لقد حكمت فيهم
بحكم الله من فوق سبعة أرقعة) ] ٨ [.
وهكذا تم استئصال أفاعي الغدر والخيانة ناقضي العهود والمواثيق، وقسم
رسول الله ﷺ أموال بني قريظة بعد أن أخرج منها الخمس.
أما سعد بن معاذ ﵁ فقد نزف جرحه ومات ﵁ فقال: (اهتز
عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) ] ٩ [.
وفيهم نزل قوله تعالى:] وَأَنزَلَ الَذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن
صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَاًسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ
وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [
] الأحزاب: ٢٦، ٢٧ [.
وهنا وقفة: عندما علم الرسول ﷺ بنقض يهود بني
قريظة العهدَ قال: (الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره) ثم التجأ
إلى الله بالدعاء؛ فيا سبحان الله: الأحزاب يحاصرون المدينة وهؤلاء اليهود
والمنافقون يهددون من الداخل، وهذا يؤذن بخطر عظيم على المسلمين؛ ومع ذلك
وفي ظل هذه الظروف الحرجة يستبشر الرسول ﷺ ، ويعد
الصحابة بقرب الفرج والنصر وقد عمل ما يستطيع، وليس أمامه -صلى الله عليه
وسلم- إلا الدعاء والالتجاء إلى الله؛ ذلك السلاح الذي لا يخطئ كما قيل: (سهام
الليل لا تخطئ ولكن لها أجل، وللأجل انقضاء) فنصره الله بجند من
جنده، فسلط على الأحزاب الريح الشديدة التي طردتهم، وانقلبوا صاغرين
مهزومين، وتفرغ المسلمون لهؤلاء الخونة من بني قريظة يتقدمهم جبريل عليه
السلام ليزلزلهم وهذا من الرسول ﷺ قوة يقين وإيمان عظيم
بالله وبنصره. ومثال آخر كما في قصة الهجرة والنبي ﷺ
مطارد لا يملك شيئاً؛ ومع ذلك يَعِدُ سراقة بن مالك ﵁ سواري كسرى!
ونحن اليوم نجد أعداء الله قد تكالبوا علينا، واجتمعت كلمتهم على المسلمين،
ونجد من الدعاة والمصلحين من هم مكبلة أيديهم ومحاصرة أفكارهم، والمآسي
والفتن تزداد على المسلمين يوماً بعد يوم حتى جاء اليوم الذي أُعلن فيه صراحة
انتهاء العداوة مع اليهود وقمع كل من يعارض ذلك؛ ولذا فإن أعظم ما يملكه الدعاة
والمصلحون هو الدعاء والتضرع إلى الله والالتجاء إليه، بأن يصلح أحوال
المسلمين، ويبطل كيد أعدائهم مع فعل الأسباب المتيسرة التي نسأل الله أن يبارك
فيها.
وأقول رغم كل ذلك: أبشروا أيها المسلمون؛ فإني والله متفائل؛ فاشتداد
ظلمة الليل تؤذِنُ بطلوع الفجر وقرب الفرج وكما قال تعالى:] حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ
الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَاًسُنَا عَنِ القَوْمِ
المُجْرِمِينَ [] يوسف: ١١٠ [، وليكن ذلك دافعاً لنا لمضاعفة الجهود والأعمال في
الدعوة إلى الله على بصيرة، وأن لا نجعل اليأس والقنوط يدب إلى قلوبنا ويقعدنا
نتيجة هذه الأوضاع المؤلمة. والله ولي التوفيق.
стр. 2647
مرتكزات للفهم والعمل
العُجْبُ وخطرهُ على الداعية
(٢ من ٢)
عبد الحكيم بن محمد بلال
تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن مفهوم العجب ومداخله على الدعاة،
وعرّج على التحذير منه مبيناً مظاهره ومخاطره وآثاره وأسبابه وعلاجه؛ من
خلال الحرص على العلم الشرعي، والإقبال على كتاب الله، وتأمّل سير العاملين
النشيطين، والتأكيد على المسؤولية الفردية، وما للدعاة والمربين من دور في ذلك.
-البيان-
حال السلف في الافتقار إلى الله واجتناب العجب: لقد كان حال النبي -صلى
الله عليه وسلم- دوام الافتقار إلى الله، والذل بين يديه، واستمداد العون منه؛
لعلمه بأن (قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد،
يصرفه كيف يشاء) . وقد تمثل افتقاره ﷺ في دعائه: (اللهم
مصرف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك) [١] يقول ذلك وهو سيّد ولد آدم، الذي
غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل يصلي حتى تتورم قدماه، ويقول: (أفلا
أكون عبداً شكوراً) [٢] ولا يجتمع الافتقار والعجب في قلبٍ أبداً.
وقد كان ﷺ يغرس في نفوس أصحابه هذه المعاني،
ويرشدهم إلى دوام التواضع لله والاعتراف بين يدي الله بالتقصير، مهما بلغوا من
منزلة في الإيمان، فهو حينما يطلب منه أبو بكر ﵁ دعاءً يدعو به في
صلاته، يعلمه أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا
أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) [٣] .
ويرشدهم أيضاً إلى إظهار الحاجة إلى الله، وطلب العون منه دوماً، فيقول لمعاذ
﵁: (يا معاذ! والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، يا معاذ! لا تدعنّ
في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن
عبادتك) [٤] .
نعم إنه يعلِّم ذلك صفوة الأمة، وخيرة أصحابه، ولكنه تعليم للأمة كلها على
الصحيح. ثم تأتي ثمرة هذه التربية متجسدة في مواقف خيرة سلف الأمة:
- فأبو بكر ﵁ يقول: (وددت أني شجرة تعضد) .
- وعمر يسأل حذيفة ﵄: هل سمّاني لك رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- من المنافقين؟
وحينما طُعِنَ وهو خليفة، وجعل يألم، قال له ابن عباس مواسياً: (يا أمير
المؤمنين! ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت
صحبته، ثم فارقته، وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم
فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت صَحبتهم فأحسنت صُحبتهم، ولئن فارقتهم،
لتفارقنهم وهم عنك راضون) . فلم يأخذ عمر بكل هذا الثناء ولا أحس بالعجب
والخيلاء، بل أسند ذلك إلى فضل الله ومنته، فقال: (أما ما ذكرت من صحبة
الرسول ﷺ ورضاه: فإنما ذاك منّ مِنَ الله تعالى منّ به عليّ،
وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه: فإنما ذاك منّ مِنَ الله جلّ ذكره منّ به
عليّ، وأما ما ترى من جزعي: فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي
طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه) [٥] . ...
- وعائشة ﵂ لَمّا نزلت براءتها في حادثة الإفك قالت: (والله ما
كنت أظن أن يُنزَل في شأني وحيٌ، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم فيّ
بأمر، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا
يبرئني الله بها) [٦] .
- وهذا مطرِّف بن عبد الله ﵀ يقول: (لأن أبيت نائماً، وأصبح نادماً، أحب إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً) [٧] .
ولم يكن هذا حال هؤلاء فحسب، لكنها صفة راسخة من صفات المؤمنين
الصادقين، الذين وصفهم الله بقوله: [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ] [المؤمنون: ٦٠] . وقد سألت عائشةُ رضي الله
عنها النبيّ ﷺ عن هذه الآية، فقالت: هم الذين يشربون
الخمر ويسرقون؟ فقال: (لا، يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون
ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات) [٨] .
الفرق بين العجب بالعمل والفرح بالخير والطاعة: كما أن العجب بالعمل
يورث التواكل والتكاسل، فإن احتقار العمل إذا لم ينضبط فإنه يورث أثراً مشابهاً
وهو: الإحباط والملل والسآمة؛ لذا كان للعبد أن يفرح بالحسنة، ويغتبط بالطاعة،
بل إن هذا دليل الإيمان، قال: (من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو
مؤمن) [٩] .
ولكن الواجب عليه في هذا الفرح: أن يكون مستشعراً فضل الله
ومنته ورحمته وتوفيقه، مثنياً عليه بذلك، لا يرى لنفسه في الانبعاث لذلك العمل
أثراً يعوّل عليه؛ إذ إن الذي منح القدرة والهداية هو الله قال :
[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] [يونس: ٥٨] .
وأعظم ذلك الفضل نعمة الإسلام والتوفيق للطاعة، (وإنما أمر تعالى بالفرح بفضله
ورحمته؛ لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى وقوتها،
وشدة الرغبة في العلم والإيمان، الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود) [١٠]
بخلاف الفرح المذموم المقترن باستحضار جهد النفس في العمل، الداعي إلى
العجب والغرور؛ وهذا كالفرق بين الفخر بالنعم والتحدث بها [١١] .
من العجب إلى الغرور: يتعلق المعجب بالنعم التي يعيشها، والأعمال
الصالحة التي يؤديها، ثم يمتد إعجابه ليشمل صوراً من شدة الإعجاب (الغرور) ،
ومنها:
أ - تنقّص أعمال الآخرين، وازدراؤها، ورؤيتها دون أعماله [١٢] .
ب - ادعاء أمور وهمية، وتضخيم بعض القضايا يظنها كبيرة، وليست
كذلك، كمن يعتبر نفسه داعية كبيراً؛ لكونه يحسن التحدث والكلام. أو يرى نفسه
عالماً فقيهاً ويتجرأ غروراً بما عنده من نتفِ علم، أو يعد نفسه مؤهلاً للقيادة، لم
تُعرَف مكانته، ونحو ذلك. وكثير من هذه الصور وما شاكلها داخل في دائرة
التزوير، الذي قال فيه النبي ﷺ فيه: (المتشبع بما لم يُعطَ
كلابس ثوبَيْ زورٍ) [١٣] .
ج - العجب بأمور باطلة يظنها حقاً، كغرور العلماء والعباد والمتصوفة
والأغنياء بأجزاء من الدين، يحسبونها الدين كله، ويبنون عليها الرجاء، فمن
العلماء من أحكم العلم وترك العمل، ومنهم من أحكم العلم والعمل وترك الاهتمام
بالقلوب، ومنهم من اشتغل بوعظ الناس وتعليمهم وأهمل حاله، ومنهم من اشتغل
بعلوم الآلة وأعرض من معاني الشريعة، ومنهم من كان حظه من العلم الحفظ بلا
فهم ولا عمل ... ومن العبّاد من غلا وتنطع، ومنهم من وسوس، ومنهم من أفرط
في مراعاة أعمال الظاهر وأهمل أعمال القلوب، ومنهم من حرص على النوافل
على حساب الفرائض ... ومن المتصوفة من اغتر بالزي وترك المجاهدة ومراقبة
القلوب، ومنهم من ادعى علم المعرفة والقلوب، وازدرى علماء الشريعة، ومنهم
من ادّعى حسن الخلق وتصدر لخدمة الزهّاد طلباً للرئاسة ... ومن الأغنياء من
حرص على ما يخلد ذكره من أعمال الخير الظاهرة، كبناء المساجد ونحوها،
ورفضوا ما سواها من أعمال البر الأخرى، ومنهم من ينفق على الفقير الذي ينفعه، ويشكر له معروفه، دون غيره، فهو يرجو الجزاء الدنيوي على نفقته، ومنهم
من يضيق صدره بالزكاة ويخرجها من سيئ ماله ...
وفي كل هذه الأحوال تجد أن نفوس أصحابها تسكن إلى ما يوافق الهوى،
ويميل إليه الطبع، عن شبهة أو خدعة من الشيطان، وترجو بذلك الخير، وتظن
غرورها رجاءً محموداً، غير أن الرجاء المحمود هو ما كان على وجهين:
١- رجاء العاصي التائب؛ الذي يمنعه من القنوط.
٢- رجاء الفاتر عن النوافل؛ الذي يبعث فيه النشاط، ويمنعه من الفتور.
فكل رجاء حث على توبة أو تشمير فهو محمود، وكل رجاء أوجب فتوراً
وركوناً إلى البطالة فهو غرور [١٤] .
والغرور في أسبابه وعلاجه كالعجب، وله من المظاهر والآثار ما للعجب
غالباً.
ويل للمعجب من الكبر: الكبر كما عرفه النبي: (بطر الحق، وغمط الناس)
أي رد الحق، أو رفض قبوله، واحتقار الناس وازدراؤهم، وتنقّصهم. وحريّ
بمن انتفش في نفسه، وأُعجب بعلمه أو عمله أن لا يحتقر علوم الآخرين وأعمالهم
وجهودهم، ويقوده ذلك إلى احتقار ذواتهم وأشخاصهم، ورؤية نفسه فوقهم، فيقع
في الكبر. وهذا يعني أنه سيرد ما لديهم من الحق؛ لأنه تنقّصهم واحتقر ما لديهم؛
سواء عرف أنه الحق، أم لم يعرف؛ إذ لا اهتمام له أصلاً بالنظر فيما لديهم لتمييز
ما فيه من حق وباطل.
فالكبر مرض قلبي من أكثر الأمراض فتكاً بصاحبه، ومن علاماته
الظاهرة [١٥] : إظهار الترفع على الناس، وحب التصدر في المجالس، والتبختر والاختيال في المشي، والتقعر في الحديث، والاشمئزاز عن أن يرد عليه كلامه، وإن كان باطلاً، والاستخفاف بضعفة المسلمين، والافتخار بالآباء والنسب، والحرص على المدح والتعظيم ومحبة أن يسعى إليه الناس، ولا يسعى إليهم، وأن يقوموا له، ومحبة التقدم على الغير في المشية والجلسة، وإسبال الثياب خيلاء.
وينبغي أن يكون الدعاة أكثر حذراً من الكبر؛ نظراً لكثرة مداخله عليهم من
جهة العلم والعبادة والدعوة والتصدر للإصلاح؛ فهم أحوج الناس إلى التذكير [١٦] .
ولا عجب؛ إذ قص الله علينا قصة زعيم المتكبرين إبليس الذي أوصله كبره
إلى الطرد من رحمة الله، كما حكى قصة قارون الذي كانت نهاية تكبره خسف
الأرض به. وقد دعا النبي ﷺ على الذي أكل بشماله تكبراً،
فشُلّت يده أو يبست فما رفعها إلى فمه بعدها [١٧] .
وأبلغُ ما يعظ كتابُ الله ، فقد بين الله أنه لم يجعل للمتكبرين نصيباً
في الآخرة فقال: [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا
فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] . وأكد النبي ﷺ
هذا المعنى في حق المتكبر فقال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) [١٨] . كما بين أنه لا يحب المختالين المتكبرين، فقال: [وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] [لقمان: ١٨] ، وأن المتكبر يطمس الله قلبه فلا يبصر الحق فقال: [كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ] (غافر: ٣٥) ، وإنما استحق هذا الجزاء؛ لأنه نازع الله في صفة من صفات الكمال، كما في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما ألقيته في النار) [١٩] .
وتتوالى أقوال النبي ﷺ تحذيراً من الكبر والخيلاء،
ومنها: (من تعظّم في نفسه واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان) [٢٠] .
وللتحرز من الكبر ومدافعته: يجب استشعار نعم الله، وإمكانية زوالها إذا لم
تشكر، وأن ما لم يحصل عليه الإنسان مما عند الناس أضعاف ما عنده، فلِمَ التكبر؟! كما يجب أولاً وأخيراً: السعي في تقوية الإيمان؛ فإن ضعفه سبب المهالك.
فالواجب: تلمس عيوب النفس وأمراض القلوب، وآفات الأعمال، والسعي
الحثيث في علاجها، على نحو الوسائل المتقدمة وغيرها. والله المستعان، وعليه
التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 2648
المسلمون والعالم
مأساة هيئة الأمم المتحدة
في ظل النظام العالمي الجديد
بقلم: أحمد بو سجادة
منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة في ٢٤ أكتوبر ١٩٤٥م، والهيئة خاضعة
لمواقف الدول العظمى عموماً وأمريكا والاتحاد السوفياتي خصوصاً، فإذا ما أراد
الإنسان معرفة موقف الأمم المتحدة من قضية ما، فما عليه إلا أن يعود إلى موقف
أمريكا وروسيا منها، ولكن بعد سقوط المعسكر الشرقي أضحت الهيئة تجسيداً
للسياسة الأمريكية. إن السيطرة اليهودية الأمريكية على هذه الهيئة قديمة ولا تحتاج
إلى برهان، وأما بعد منتصف الثمانينات فالقضية أجلى من الشمس في ضحاها،
فماذا ينتظر العالم من هيئة أكثر من ٦٠% من أعضائها البارزين يهود [١] حتى
التمويل لهذه الهيئة كان بنسبة ٧٥% من الدول الكبرى، وأمريكا وحدها كانت
تساهم بثلث الميزانية الإجمالية منذ إنشائها وحتى عام ١٩٦٨م. إننا حينما نعرف
هذا لا نستغرب الحقائق الآتية: حتى عام ١٩٩٢م أصدر مجلس الأمن ٦٩ قراراً
ضد إسرائيل لم ينفذ منها قرار واحد، وخلال أزمة البوسنة والهرسك صدر ٦٣
قراراً، ولم ينفذ منها قرار واحد، ومنذ أزمة كشمير ١٩٤٧م وحتى الآن صدر
لصالح كشمير ١٣ قراراً ولم ير قرار واحد منها النور [٢] ، وللموضوعية فإننا
نقول: إن دول العالم الثالث في السبعينات خاصة كَوّنَت شبه لوبي داخل الجمعية
العامة للأمم المتحدة، وأصدرت الجمعية بعض القرارات الهامة مثل:
١- إدانة كل أشكال الاستعمار.
٢- إدانة التمييز العنصري.
٣- اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال التمييز العنصري، وأصدرت في ذلك
قراراً سنة ١٩٧٥ [٣] .
وهذا ما تسبب في غضب أمريكا، فانسحبت من منظمة العدل الدولية ١٩٧٧م
(مؤقتاً) ومن منظمة اليونيسكو ١٩٧٤م، وهددت بالانسحاب من منظمة الأغذية
والزراعة (الفاو) ! !
لقد انسحبت أمريكا وبريطانيا من منظمة اليونيسكو؛ لأنهما لا تقبلان المساواة
بالدول الصغيرة، وقد قال المندوب الأمريكي آنذاك: (نحن لم نؤسس الأمم المتحدة
واليونيسكو من أجل هذه المساواة؛ وإذا كنتم مصرِّين عليها فسنحطمها) [٤] ، هكذا
وبكل عنجهية.
لقد تكونت لدى أمريكا قناعة بأن نظام هذه الهيئة يجب أن يتغير، وهو الذي
حدث بالفعل مع بداية التسعينات، حتى غدت هيئة أمريكية، تجسد سياستها
الخارجية، وتسوِّغ هيمنتها، وذلك في ظل النظام العالمي الجديد الذي ينبغي أن
يطال كل المؤسسات والهيئات العالمية والإقليمية، فبعد إعلان (بوش) عن النظام
العالمي الجديد، بدأ أثر ذلك يظهر على هيئة الأمم المتحدة؛ إذ استطاعت أمريكا
أن تجمع ١١١ صوتاً لإلغاء القرار الذي أصدرته الجمعية العامة سنة ١٩٧٥م الذي
اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، وذلك في الجلسة العامة للجمعية
بتاريخ ١٦/١٢/١٩٩١م.
والأغرب في هذه السابقة هو تصويت معظم الدول الإسلامية لصالح إلغاء
القرار! ! ! لقد خيل لي وأنا أتابع دور الأمم المتحدة في أزمة الخليج الثانية؛ أن
الأمم المتحدة مجرد خلية تابعة للبنتاجون الأمريكي؛ إذ في مدة ٤ أشهر أصدر
مجلس الأمن اثني عشر قراراً ضد العراق؛ والغريب في الأمر أن قوات الحلفاء
تجاوزت هذه القرارات القاضية بانسحاب العراق؛ إلى القرارات التي أعدتها
المخابرات الأمريكية (تدمير القوة العسكرية العراقية، تدمير لأسلحة التدمير الشامل، إخضاع العراق للتفتيش والمراقبة) وهذا ما عبر عنه المعلق الإسرائيلي الشهير
(زئيف سيف) في ٢١/١/١٩٩١م: (إن قيام الولايات المتحدة بالقضاء على
التسهيلات النووية التي يملكها العراق يعد تحركاً له مغزى كبير، فهو يعني أن
الرئيس (بوش) لم يعد ملزماً بالأهداف التي أعلن عنها في البداية وهي إخراج
العراق من الكويت، وإعادة النظام الشرعي لهذا البلد، بل أصبح له هدف إضافي
هو تدمير (البنية التحتية التي تنتج أسلحة مدمرة من كيمياوية ونووية
وبيولوجية) [٥] ، وهذا ما أكده قائد قوات الحلفاء الأمريكي (شوارزكوف) الذي قال عقب الحرب: لقد خضنا هذه الحرب من أجل إسرائيل! !
إذا كانت الأمم المتحدة لم تدرج هذه الأهداف ضمن قراراتها، فلماذا لم تشجب
وتستنكر على الأقل ما فعله الحلفاء عموماً وأمريكا خصوصاً؟ !
وحسب ميثاق الأمم المتحدة فقد قضى القرار ٨٣ بحصر القيادة العسكرية في
مجلس الأمن دون سواه، إلا أن ما حدث في حرب الخليج هو التخلي عن القيادة
لأمريكا؛ إذ تولى القيادة (شوارزكوف) الذي لم يبلِّغ مجلس الأمن بشيء عن
مجريات الأحداث ولم يرسل إليه تقريراً واحداً [٦] ، وكررت الأمم المتحدة بذلك
خطأ عام ١٩٥٠م [٧] نفسه.
وفي مؤتمر مدريد بتاريخ ٣٠/١٠/١٩٩١م لتسوية القضية الفلسطينية، أُسقط
دور الأمم المتحدة، حيث دعي إلى المؤتمر ممثل عن الأمين العام كمراقب صامت
فقط، رغم أن المؤتمر من اقتراح الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ ١٩٨٣م؛
مع العلم أن قضية القدس والدولة الفلسطينية كانا مُغَيّبين عن المفاوضات! !
إن العجيب حقاً أنه بدل أن تعمل أمريكا على تنفيذ القرارات ٢٤٢، ٣٣٨
٤٢٥ القاضية بالانسحاب من جميع الأراضي المحتلة سنة ١٩٦٧م فقد أرسلت
عشية المؤتمر رسالة إلى إسرائيل جاء فيها: (إن التحديات التي تواجه إسرائيل
تتعلق بأمريكا ذاتها، إننا نعدكم بأن التزامنا بأمن إسرائيل وضرورة التعاون الوثيق
بين بلدينا من أجل تحقيق هذه الحاجات من الأمور المستمرة، وكل من يحاول دق
إسفين بيننا في محاولة المس بهذا الالتزام لا يستطيع أن يفهم العلاقات المتينة
القائمة بين بلدينا وطبيعة أمن إسرائيل) [٨] .
ورغم أن الحلفاء في حرب الخليج انتقلوا إلى هناك تحت مظلة الأمم المتحدة، إلا أنهم تخلوا عن تطبيق نص هام من القانون الدولي، والقاضي بعقوبة المعتدي
حتى ولو كان رئيس دولة، وهذا ما لم يحدث وأبقوا (صدام حسين) على رأس حكم
العراق لتحقيق غايات سياسية إيديولوجية، كما سنعرف فيما بعد.
لقد اتضحت الهيمنة الأمريكية على هيئة الأمم المتحدة من خلال مواقفها التي
أيدت فيها أمريكا: في حرب الخليج، وفي العدوان على ليبيا منذ ١٩٨٦م،
والتدخل في الصومال، وفي هايتي، وعدم الاعتراف باستقلال الشيشان عن
الاتحاد السوفياتي، وفي البوسنة والهرسك، والمضايقات المضروبة على إيران
والسودان واعتبارهما دولتين إرهابيتين، ومن خلال تدعيم الحكومات الديكتاتورية،
كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع الأمم المتحدة، بل تشارك في كثير من الأحيان
لإضفاء الشرعية الدولية على السلوكات الأمريكية، ولهذا قال (شفيق مصري) :
(إن النظام العالمي الجديد لا يتلاءم في معظم مفاصله مع الشرعية الدولية؛ إذ لم
ينطلق أصلاً من قواعدها ولم يلتزم بحدودها، وإنما يحاول أن يكيف بعض آلياتها
لكي تتلاءم مع قواعده وحدوده) [٩] وقال أيضاً: (إذا ما علمنا أن هيئة الأمم
المتحدة قد دعيت كمراقب صامت لمؤتمر مدريد، وأنها لم تحضر مطلقاً (مؤتمر
موسكو (أدركنا أن الحديث عن الشرعية الدولية وآلياتها إنما هو خطاب إنشائي لا
أكثر) [١٠] .
إن منظمة الأمم المتحدة تحت تأثير الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت منبراً
لتسويغ السياسة الأمريكية بل راحت توسع مجالها لتكون في خدمة المصالح
الأمريكية [١١] ، ويتجلى ذلك من خلال بعض السلوكات وأبرزها [١٢] :
أ - إعادة هيكلة دور الأمم المتحدة بالشكل الذي أدى إلى تعظيم مجلس الأمن
على حساب الجمعية العامة وبقية الأجهزة الأخرى؛ ويبدو المكر الأمريكي واضحاً
هنا؛ إذ بعد غياب الفيتو السوفياتي أعطي لمجلس الأمن هذه الأهمية على حساب
الأجهزة الأخرى.
ب - إصدار حكم غريب: في عام ١٩٩٢م أصدرت المحكمة العليا الأمريكية
حكماً، يقضي بالسماح لأمريكا باختطاف الأشخاص المشتبه فيهم من جميع
الجنسيات، لمحاكمتهم في أمريكا، ورغم خطورة هذا القرار إلا أن الأمم المتحدة
تقف متفرجة وكأن الأمر لا يعنيها، وهذا ما قد يتسبب في أن تحذو بلدان أخرى
حذو أمريكا ليتحول النظام العالمي الجديد الذي تكسبه الأمم المتحدة الشرعية فوضى
عالمية تطال كل الدول، وليس باناما، وليبيا. ولعل بريطانيا وفرنسا بدأتا بتبني
هذا القرار، وهما يطالبان بتسليم المواطنين الليبيين المتهمين في حادث تفجير
طائرة بانام الأمريكية في اسكتلندا! !
ج - تطبيق الشرعية بصورة انتقائية: ففي الوقت الذي نشطت فيه قرارات
الأمم المتحدة في حرب الخليج ضد العراق وليبيا والسودان فترت في قضية البوسنة
والهرسك والشيشان وفلسطين وقبرص، كما سنوضح بعد قليل.
إن حال الولايات المتحدة اليوم هو في قمة الغطرسة التي صوّرها الفرنسي
(جان لاكتور) إذ قال: (إن الأمريكيين يرون أن لديهم الحق المطلق في الهجوم على
أي مكان وفي أي زمان يختارونه وكأن العالم بأجمعه قد أصبح بالنسبة إليهم مجرد
غنيمة للولايات المتحدة تحتم على هذه الأخيرة أن تحكمها وتنظمها طبقاً للمحكمة
العليا الأمريكية، وأن تشرف عليها القوى الأمريكية) [١٣] .
الحقيقة أن أمريكا تستخدم قوتها وليس وزنها السياسي والحضاري في
المشكلات العالمية؛ وهذا هو المعهود عن السياسة الأمريكية منذ القدم، إلا أن
الجديد في السياسة الأمريكية هو تقنين العنف وصبغه بالشرعية الدولية عن طريق
الأمم المتحدة [١٤] .
فبعد الانسحاب السوفياتي استطاعت أمريكا السيطرة على أصوات فرنسا
وبريطانيا داخل الأمم المتحدة. أما الصين التي بقيت وحيدة بين الأربعة الكبار فهي
تتعرض للترغيب الأورو أمريكي عن طريق المساعدات الاقتصادية وتزويدها
بالتكنولوجيا المتقدمة؛ وذلك في الوقت الذي تتعرض فيه للترهيب عن طريق
إدانتها بالنسبة للديمقراطية وحقوق الإنسان؛ ولذلك رأينا الأثر الفاتر في موقف
الصين من أزمة الخليج، كما سيطرت أمريكا على أجهزة الأمم المتحدة ولجانها،
وهذا ما يفسر لنا استطاعة أمريكا حمل هيئة الأمم المتحدة على إلغاء القرار رقم
٣٣٧٩ (٣٠) الصادر سنة ١٩٧٥م والقاضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال
العنصرية وذلك في ديسمبر ١٩٩١م.
إن ما يكاد يُعتقَلُ له اللسان، في ظل الهيمنة الأمريكية، هو ما تقدم به الأمين
العام بطرس غالي يوم ٩ فبراير ١٩٩٢م في إطار إدخال تعديلات في نظام الأمم
المتحدة، ويتمثل في الشروع فيما نادى به لتكوين (قوة انتشار سريع تابعة للأمم
المتحدة تضم جنوداً مسلحين بأسلحة ثقيلة تحت غطاء (الدبلوماسية الوقائية) لوقف
الأزمات قبل وقوعها) وهذا دعوة للتجسس على الدول المغلوبة من العالم الثالث،
ودعوة صريحة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ لأن قمع الأزمات قبل وقوعها
يتطلب حضوراً مستمراً داخل كل دولة معينة، لتتم مراقبة حركة الأحزاب
والجمعيات والمنظمات؛ وهذا ما يحوِّل دولاً ذات سيادة إلى محميات (أممية) بل
أمريكية في ظل النظام العالمي الجديد، ومثل هذا الإجراء موجه ضد دول العالم
الثالث ليزداد قهرها وفقرها.
ولقد بدأت المعالم؛ فرغم المؤتمرات والندوات والملتقيات في إطار تشكيل
النظام العالمي الجديد فقد كان الجنوب مغيّباً دوماً ولم يخصص له حتى ١% من
الإشغال.
وفي وقت الحرب الباردة كانت معظم الدول، وخاصة دول العالم الثالث،
تناور بين الانحياز مرة لأمريكا ومرة للاتحاد السوفياتي، وحتى دول عدم الانحياز
فقد كانت منحازة في الواقع لإحدى القوتين، وكان الاتحاد السوفياتي يستعمل (حق
النقض) (Veto) .
أما اليوم فقد أضحى الوضع بالغ الخطورة في إطار الهيمنة الأحادية على
الأمم المتحدة التي غدت مؤسسة لتسويغ شرعية نهم التنين الأمريكي الذي لا يشبع؛
وهذا من أخطر سمات النظام العالمي الجديد!
стр. 2649
المسلمون والعالم
أرض سائبة.. وقيادة خائبة
لك الله يا شعب العراق
بقلم: حسن قطامش
نقلت مؤخراً صحيفة (نيويورك تايمز) عن أحد المسؤولين الأمريكيين قوله:
(لقد فعل صدام حسين لترويج سياستنا أكثر مما فعلنا ... بارك الله في صدام) ! !
العائلة التكريتية بصدامها، والبرزاني والطالباني، وأوجلان بأكرادهم،
والخليج، وأمريكا والموساد ولجان التفتيش، ودمشق وأنقرة وطهران بحدودها،
وروسيا والصين وفرنسا باعتراضهم، وأشياء أخرى كثيرة، ترسم صورة الحكاية
الطويلة المريرة والحسابات المتشابكة والمصالح المتداخلة، ويجري هذا كله على
أرض واحدة.. العراق المنكوب بقيادته.
قصة بدأت تفاعلاتها الدرامية المأساوية مع بداية حرب الخليج في العام
١٩٩١م، وخسرها صدام في أم المعارك، وصدرت قرارات مجلس الأمن
(المؤمرك) تتوالى على العراق، وفُرض الحصار الجامع المانع، الذي لن يرفع إلا
بشرط واحد: وهو أن تقوم اللجنة الدولية المكلفة بتفتيش العراق (أونسكوم) بتقديم
تقرير نظيف يفيد أن العراق أصبح خالياً من أي أسلحة للدمار الشامل، وما لم تقدم
اللجنة هذا التقرير فإن الحال سيبقى على ما هو عليه حتى إشعار آخر.
وقد مر حتى الآن ست سنوات عجاف على شعب العراق، وما زال صدام في
السلطة، وما زال الحصار مستمراً، وما زالت اللجنة الدولية غير مقتنعة، ويبدو
أنها لن تقتنع، وما زالت شعوب المنطقة تخشى (صدام) وتعيش في حالة من القلق
الدائم من غدر صدام، وما زالت لعبة القط والفأر التي يحسنها صدام وأمريكا
تجري على الأرض المسلمة، فصدام يهدد ويرغي ويزبد ويستأسد، ويرسل
الخطب الرنانة عبر إذاعاته، وترسل أمريكا تعزيزات إلى المنطقة، وتبدأ الجولات
المكوكية للشرح والتفسير وطلب التأييد من قبل الدول المعنية، ثم ... تنقشع الغمة
وتعود المنطقة للمراوحة مكانها.
فإلى متى سيستمر هذا المسلسل الدرامي المأساوي للمسلمين! ؟ متى يرفع
الحصار؟ ومتى يرحل صدام؟ ومتى يطمئن أهل المنطقة على أمنهم وسلامتهم؟
ومتى ترحل الجيوش الأجنبية بلا رجعة؟
هذه الأسئلة وكثير غيرها يدور في الأذهان كلما ثارت ثائرة الثور الهائج، أو
أثاروه لتضطرب المنطقة بأكملها، ولعلنا نقف على بعض المواضيع لسبر غور تلك
الأحاجي.
التطورات الأخيرة: بدأت القصة الجديدة في ١١/٦/١٩٩٧م الماضي حين
أعلن مجلس الأمن الدولي بأنه سيتخذ إجراءات عقابية شديدة ضد (النظام) العراقي
إذا لم يبرهن على التعاون مع اللجنة الخاصة، وأعلن المجلس أنه لن يجري أية
مراجعة دورية للعقوبات الدولية على العراق قبل الاستماع إلى التقرير الجديد
لرئيس اللجنة الدولية (ريتشارد بتلر) وقدم التقرير الذي أفاد: أن العراق ما زال
يستخدم كل الأساليب من أجل منع المفتشين من الكشف عن أماكن الأسلحة الممنوعة
وعددها، ومواقع إنتاجها، وتقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وسبع دول أخرى
بصيغة قرار تفرض فيه حظراً على سفر الموظفين العراقيين المسؤولين عن عرقلة
لجنة التفتيش، ومع تواضع هذه العقوبة إلا أنه تبلور حولها اعتراض روسي
صيني فرنسي، ليس لأجل سواد عيون العراق، ولكن للمتأخرات المالية الكبيرة
على العراق لهذه الدول ولحاجتها لبتروله ولسوقه، ومحاولة لاستعادة بعضٍ من
الهيبة التي أفقدتهم إياها أمريكا.
ولهذا الاعتراض أجّلت أمريكا العقوبة ستة أشهر، ثم قام العراق بمنع
المفتشين الأمريكيين العاملين ضمن اللجنة، وقام بطردهم، وجاء على أثرها التهديد
الأمريكي الأخير وقرار مجلس أمنها الدولي رقم ١١٣٤، وبدأت الزيارات
الديبلوماسية لمنع الضربة العسكرية التي هددت بها أمريكا.
قصة العقوبات: بعد أن دمرت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة
القوات العراقية، بما ألقته من آلاف الأطنان من القنابل، ورفضت أن ترمي صدام
برصاصة واحدة! ! فرضت حظراً شاملاً على شعب العراق، وقلصت مساحة
الأراضي العراقية، وقسمته إلى أجزاء ثلاثة: الشيعة في الجنوب، والسنة مع
صدام في الوسط، والأكراد في الشمال، وكأن مصطلح (الأكراد) أصبح مذهباً دينياً!! ثم حددت الهدف من العقوبات بأنه: ضمان أمن دول الجوار، وتدمير أسلحة
الدمار الشامل التي يحتفظ بها صدام، وعودة الأسرى الكويتيين، أما صدام فلم يرد
اسمه في قوائم العقوبات البتة على الرغم من أنها شملت الأجنة في بطون أمهاتها،
مروراً برجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ إلى أن تنتهي القائمة عند الموتى الذين منع الحظر
استيراد أكفانهم. وقد مرت ست سنوات على هذه القصة، ولم ينفذ صدام قرارات
مجلس الأمن، ولم يقدم للجنة الخاصة المكلفة بتدمير أسلحة الدمار الشامل القصة
الحقيقية حول برامج تسلحه، وما زالت قضية المفقودين الكويتيين بغير حل، وما
تزال العقوبات سارية المفعول، فلا يسمح للبلد إلا ببيع ما قيمته مليارا دولار كل
ستة أشهر، تذهب منها ٦٠٠ مليون دولار للجنة التعويضات عن أضرار حرب
الخليج، وعدة ملايين تذهب للجنة التفتيش، و١٣٠ مليون لمناطق الحكم الكردي
في الشمال، ويبقى للعراقي الواحد: ٣٠٠ فلس كل ستة أشهر للغذاء والدواء! !
وهذا هو برنامج النفط مقابل الغذاء. ويالله لشعب العراق من جور النظام العالمي
الجديد ومن ألاعيب صدام وحزبه.
إن المشكلة الحقيقية في حالة العراق أن العقوبات لا تشكل جزءاً من
استراتيجية محددة لإنهاء النظام، بل إن النظام لم يُذكر قط صراحة على أنه هدف
لها، بل لقد جاءت التطمينات الأمريكية أن هذه الفكرة غير موجودة أصلاً في
(الأجندة) الأمريكية.
ففي المقابلة التي أجرتها معه شبكة (أي. بي. سي) يوم ٨/٥/١٤١٧هـ
صرح الرئيس الأمريكي أن (الولايات المتحدة ليس لديها مشروع حل واضح يخلو
من التناقضات.. وهنا المشكلة. إن ما تسعى إليه واشنطن هو التأكد من أن
الرئيس العراقي سيتقيد بقرارات مجلس الأمن ومن أنه لا يهدد جيرانه، إننا لا
نحاول التخلص من صدام، فإن مما تعلمناه من التعاطي مع صدام هو أن يذهب إلى
أقصى الحدود، ولهذا وسّعنا منطقة الحظر الجوي في الجنوب، وهو الآن مقيد
الحريات، وبات صعباً عليه تهديد جيرانه) . [الحياة ع/١٢٢٦٢/٩/٥/١٤١٧هـ] .
وكانت (مادلين أولبرايت) قد كررت القول بأن واشنطن سوف تدعم استمرار
العقوبات ضد النظام العراقي الراهن مهما استغرق ذلك من وقت، وهددت أيضاً
بعدم تجديد اتفاق بيع النفط مقابل المواد الغذائية والطبية إذا لم تنفذ بغداد كل شرط
من شروطه الصارمة، وأوضحت أن السياسة الأمريكية المتشددة هذه سوف تتغير
فوراً.. إذا تغيرت القيادة في بغداد، وقالت: إذا حدث ذلك ومتى يحدث! ؟ فسوف
نكون على استعداد للتنسيق مع حلفائنا وأصدقائنا كي ندخل بسرعة في حوار مع
النظام الجديد.
وهذا (كولن باول) رئيس هيئة الأركان في حرب الخليج يطلقها صريحة وبلا
موارية: (إن من غير الحكمة أن نلطخ اسم صدام وسمعته! ! ، وننعش آمال
الجماهير ونحرضهم ضده، ثم نتركه وشأنه بعد ذلك) .
فإن كانت أمريكا لا تريد إسقاط صدام، فالمنطق العقلي يفرض عليها اتخاذ
إجراءين حيال الوضع الحالي:
الأول: رفع الحصار عن الشعب العراقي مع وجود صدام في السلطة، حتى
يشعر الشعب العراقي بنوع من الراحة والاستقرار ويفكر على روية في التخلص
من صدام، وهذا لم ولن تفعله أمريكا.
الثاني: دعم المعارضة العراقية بقوة لتنظيم صفوفها للتخلص من صدام،
ومن ثمّ يرفع الحظر، لتعيش شعوب المنطقة في سلام ووئام، وهذا أيضاً لم ولن
يحدث.
بل لقد انتقد زعيم المعارضة العراقية (محمد باقر الحكيم) الذي يقود المجلس
الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وهو هيئة شيعية مؤيدة لإيران انتقد الولايات
المتحدة واتهمها بخيانة المعارضة العراقية، وقال: لقد خانت أمريكا الشعب العراقي
مرتين حينما كنا على وشك التخلص من صدام، وكان يشير بذلك إلى انتفاضة
سكان جنوب وشمال العراق عام ١٩٩١م، وإلى تمرد الجيش العراقي في عام
١٩٩٥م ضد نظام صدام.
إذن: ماذا تريد أمريكا بالضبط من المنطقة ومن العراق؟ ولعلنا مع الوقفات
القادمة نتبين إجابة تريح العقول المتعبة.
العداء الصليبي: هناك سياسة عدائية صليبية ضد المسلمين تتزعمها الولايات
المتحدة، تمر الآن بفترة حرب باردة من الجانب الأمريكي وتقابل بأعصاب باردة
من جانبنا، ولعل المقام لا يتيح التفصيل.
المصلحة الأمريكية: في ١٥/٦/١٩٩٧م زار وزير الدفاع الأمريكي اليهودي
(وليم كوهين) إحدى القواعد الأمريكية في المنطقة، وقال مخاطباً الجنود الأمريكيين: إنني متأكد من أن كثيراً منكم يتساءلون من وقت لآخر عن سبب وجودهم هنا،
وعما إذا كان ذلك ضرورياً؟ إن الجواب هو: نعم؛ لأن الشرق الأوسط منطقة
ذات أهمية كبيرة (لاقتصادنا) وبالنسبة لبقية العالم. إن بلادنا ينبغي أن تحمي منابع
النفط في الخليج؛ ولهذا فإن الأمن في هذه المنطقة سيبقى ذا أولوية لوقت طويل.
[الأنباء ع/٧٥٧٠/١٦/٦/١٩٩٧م] .
ولكيان اليهود نصيب: إن ضمان أمن إسرائيل هو مما آلت أمريكا على
نفسها التعهد بالمحافظة عليه، وهي التي رسخت ولا زالت ترسخ أقدام اليهود في
المنطقة، بأساليبها المعروفة، والعراق كغيره من الدول العربية التي تسعى
العصابات اليهودية لعقد اتفاق سلام معها، وقد جرت اتصالات كثيرة بين الجانبين
لعقد اتفاق سلام وتبادل تجاري عن طريق الأردن مع اعتراف عراقي بكيان اليهود، وقد قدم صدام حسين مبادرة علنية للمصالحة مع اليهود حينما قال أكثر من مرة:
إن العراق سيبارك أي اتفاق مع إسرائيل يقبله الفلسطينيون والعرب، ولم يحاول
الاعتراض على يهود السلام بما في ذلك (مؤتمر مدريد) واتفاقيتي (أوسلو ١، ٢) .
وقد قام ياسر عرفات أكثر من مرة بمحاولة فتح قنوات اتصال بين صدام
وإسرائيل، وآخر هذه المحاولات تم الكشف عنها في مارس ١٩٩٥م عندما بث
راديو الجيش الإسرائيلي خبراً يقول: إن صدام حسين طلب من عرفات ترتيب
اجتماع مع (موسى شاحال) وجاء في نص الرسالة الشفوية التي حملها عرفات:
(إن العراق لم يتخذ موقفاً عدائياً من إسرائيل منذ التوقيع على اتفاق الحكم الذاتي،
وهو يرغب في تحسين علاقاته بالدولة العبرية) والمعروف أن (شاحال) من
الوزراء الذين يميلون إلى إقامة قنوات اتصال مع العراق، ويرجع ذلك إلى أصوله
المنحدرة من العراق، إضافة إلى حاجة اليهود الاقتصادية للبترول العراقي، وقد
ذكرت صحيفة (جيروزاليم بوست) اليهودية نقلاً عن مصادر ديبلوماسية أن
الشركات الإسرائيلية تبيع حالياً أغذية وأدوية تقدر بحوالي مليوني دولار عن طريق
الأردن في مقابل أن يمد العراق إسرائيل بالبترول الذي يتم عن طريق ميناء العقبة
الأردني، وتُوُقِّعَ حينها أن تزدهر التجارة بين البلدين بهذه الطريقة لتصل إلى ١٠٠
مليون دولار خلال عام [الأنباء ع/٧١٩٠/٥/١/١٤١٧هـ] . والحاجة الأشد هي أن
يوقع العراق اتفاق سلام يسبق الاتفاق السوري حتى يتم الحصار الشامل للأخيرة،
وتسقط بين دول مسالمة ومستسلمة لليهود (الأردن تركيا العراق) كذلك فإن الوجود
اليهودي في المناطق الشمالية العراقية كان ولا زال بارزاً منذ عقود؛ من خلال
عناصر الموساد التي استغلت لعبة الأكراد جيداً لخدمة مصالح إسرائيل.
إيران وسوريا: إن أخوف ما تخشاه الولايات المتحدة هو توسيع الدور
الإيراني في المنطقة، خاصة وهو مرشح لذلك، مع وجود مثلث الود الباطني بين
إيران وسوريا ولبنان، وحيث إن إيران هي البديل في المنطقة، في حال سقوط
الحكم في أيدي المعارضة العراقية التي يتزعمها موالون لإيران، ومع تخوف
أمريكا من القوة العسكرية الإيرانية برغم الحصار الاقتصادي المفروض عليها
واحتوائها المزدوج مع العراق، ومع وضعها على قائمة الإرهاب العالمية، ومع
الأطماع الفارسية التي تعلمها أمريكا جيداً من إيران في المنطقة مع ذلك كله فإن
أمريكا تدرك جيداً أن بقاء صدام حسين معادياً لحكومة طهران أوْلى من رحيله
وتولي حكومة موالية لطهران.
ومع تشابك وتداخل المصالح الإيرانية الأمريكية حول الإرث الشيوعي في
آسيا الوسطى يزداد التوتر بين البلدين، ولا مجال هنا للنوايا الحسنة؛ حيث إن كلاً
منهما ترتب مصالحها على ضعف الأخرى أو احتوائها أو الخلاص منها.
أما سوريا، فهي الدولة (العنيدة) ! ! التي استعصت على أمريكا أن تسلمها
لإسرائيل لقمة سائغة، ولعل النظام السوري المخضرم يفهم اللعبة السياسية في
المنطقة جيداً فلا يريد التوقيع على اتفاق سلام يخسر فيه كما خسر غيره ما ظنه في
بادئ الأمر مكسباً كبيراً. ومع الانفتاح السوري العراقي الأخير، ومع التهديدات
التركية لكلا الدولتين نيابة عن أمريكا وإسرائيل، وهي قوة لا يستهان بها أو مع
التلويح بتفعيل مشكلة المياه، أو الضغط بورقة الأكراد وحزب العمال الكردستاني،
تبقى سوريا رقماً صعباً في الأزمة العراقية المتشابكة.
الدول العربية: كانت حسابات الدول العربية مختلفة كلياً عن الحسابات
الأمريكية، فأقصى أمنيات العرب كانت رد صدام عن غيّه وتحرير الكويت من
الاعتداء الآثم، وعودة الأمان للنفوس المروعة الفزعة؛ وحسبوا أن الوقت لن
يطول بمقام قوات التحالف في المنطقة أكثر من عام على أعلى تقدير، أما
الحسابات الأمريكية فكانت مختلفة؛ فها هي أعوام ستة تمضي على التعنت
الأمريكي، وهذا ما أضر دولاً عربية كثيرة، وتفكك التحالف العربي المجمع على
إدانة صدام، وأصبح الجميع يطالبون العراق بتنفيذ قرارات مجلس الأمن؛ إلا أن
الجميع أيضاً يعبرون عن تعاطفهم مع شعب العراق.
المصلحة غير غائبة أيضاً عن الحالة العربية، فقد صرح (نبيل العربي)
السفير المصري في الأمم المتحدة قائلاً: (إن أحداً لا يفهم لماذا العراق دائماً تحت
الحظر؟ يجب أن يكون بمقدرونا رؤية نهاية النفق) ، بل لقد صرحت مصادر
مصرية أنها مقتنعة تماماً بأن العراق ليس لديه أي أسلحة يخفيها! ! فقد تضررت
مصر بسبب ضياع ما يفوق مليون فرصة عمل كانت متوفرة داخل العراق،
فإلحاحها على ورقة مأساة الشعب العراقي يرجع في الأساس إلى عوامل اقتصادية،
خاصة بعد التنصل من الوعود بعقود كبيرة في إعمار الكويت.
وهناك من الدول العربية من ارتضى الاحتماء بصدام على وضعه الراهن؛
لأن البديل سيكون سيطرة إيرانية، وهو ما حدا بكل من الإمارات والبحرين، برفع
أصواتهما بالتنديد بما يجري داخل العراق.. الآن فقط! ! وخاصة أن كلاً منهما
لهما مشاكل سياسية كبيرة مع إيران. ومع تزايد الضغط الشعبي المطالب برفع
الظلم الواقع على الشعب العراقي، تحركت الحكومات العربية على استحياء، فقد
توفي بحسب الأرقام المعلنة منذ بدء الحصار وحتى الآن مليون ومئتا ألف عراقي
بسبب فقدان الدواء والعلاج، وحتى لو كان نصف هذا الرقم صحيحاً! ! فأي دولة
تقبله؟ وأي أمة ترتضيه! ؟ وفي أي دولة في العالم يموت مليون إنسان وهم
يطلبون الدواء! ؟ مع أن حاكمه المستبد يؤتى إليه بأشهر النطاسين وأنجع الأدوية
حتى ولو شاكته شوكة؟
الأكراد: الأكراد بأحزابهم الثلاثة الكبار: الحزب الديمقراطي الكردستاني
بزعامة مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني،
وحزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان، هذه الأحزاب تعتمد (سياسة
اللامبالاة) المتعمدة، وتستمر في هذيانها غير واعية لإفرازات خدماتها للأنظمة
المحنكة، بل إن بعضها يتصور حقاً أنه يفرز استراتيجية تاريخية دائمة في شمال
العراق، ولكن الحقيقة التي يجب أن يعيها الأكراد هي أن أقصى ما تفعله هذه
القيادات عملياً: هو عرض نفسها سلعة للاستقطاب بمعزل تام عن الطموحات
الكردية؛ فالعراق وسوريا وإيران وتركيا يلتقون في تطابق معارضتهم لقيام دولة
كردية مستقلة في أي جزء من دولهم، كما حرصت هذه الدول كذلك على أن لا
تقوى الورقة الكردية في يد أي لاعب كان، ومن هذا يبدو أن الحفاظ على موازين
القوى بين الفصائل الكردية مرغوب فيه من هذه الأطراف، إضافة إلى الولايات
المتحدة التي تركت الأكراد فريسة لصدام حين دخل أربيل في عام ١٩٩٦م،
والعجيب أن صدام هاجم الأكراد المتعاونين مع الولايات المتحدة في الشمال، فقامت
أمريكا بضرب القوات العراقية في الجنوب! ! بحجة انتهاك صدام لحقوق الإنسان
الكردي!
النفاق الأمريكي الدولي: لا تتوقف الولايات المتحدة عن ممارسة النفاق
السياسي المفضوح كلما تعلق الأمر بحقوق الأكراد، فقد صمتت عن محنتهم حين
تعرض (حزب العمال الكردستاني) للتصفية الكاملة من قبل القوات التركية، وحين
تعرضت الحركة الوطنية الكردية للقمع من إيران، ثم صمتت عن انتهاكات تركيا
وإيران (للمناطق الآمنة) الكردية في منطقة (الحظر الجوي الشمالية) ، وفي
مناسبات كثيرة اجتاحت القوات التركية أرض كردستان العراق، بل إن أمريكا لم
يرف لها جفن حين تعرض أكراد العراق للإبادة في الحرب الأهلية التي نشبت بين
أحزابهم، وقد أصبح في حكم المؤكد أن ما يسمى بحقوق الأكراد ليس سوى الاسم
الحركي للتدخل الأمريكي في العراق، ولو كانت واشنطن ترغب في تمتع الأكراد
بحقوقهم الطبيعية لكان أجدر بها أن تمارس الضغط على تركيا وإيران للاعتراف
الدستوري بهذه الحقوق؛ أليس هذا أوْلى من الدوران بهذا (الشعب المحتار) في
حلقة مفرغة؟ !
وما أشد نفاق المجتمع الدولي حين يصمت عن هذا كله وقد أُصدر باسمه
القرار ٦٨٨/١٩٩١م عبر مجلس الأمن معتبراً أن نتائج القمع المسلط على الشعب
داخل العراق تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين في المنطقة! ! ولذلك أدان القمع
مطالباً بوقفه فوراً، كما أعرب عن الأمل في فتح حوار لكفالة احترام حقوق الإنسان
والحقوق السياسية لجميع مواطني العراق، وذلك عقب أحداث انتفاضة العام ١٩٩١م
ثم ها هي (أولبرايت) ، وقت أن كانت مندوبة دائمة لأمريكا في الأمم المتحدة
تقول: لدينا أدلة كثيرة وغير مشكوك فيها بأن صدام حسين ونظامه يُخِلّون بالوعود، ويتنصلون من التواقيع ويكذبون، ويقتلون، ويضعون مصالح أقلية مختارة فوق
مصالح الملايين من المواطنين المقموعين! ! [الوطن ع/٧٤٩٠/٨/٨/١٤١٧هـ] .
ولو جئنا بمحلل عراقي لوصف الوضع الداخلي للعراق وشعبه فلن يأتي بمثل
هذا التصريح المدرك لحقائق الأمور بجلاء ووضوح.
ثم يأتي خليفتها (ريتشارد سون) في ٢٤/٦/١٤١٨هـ ومع الأحداث الأخيرة
ليقول: إننا لا نقترح عقوبات واسعة قد تؤدي إلى معاناة الشعب العراقي، وهدفنا
لا يزال مساعدة الشعب العراقي.
وباختصار شديد، فقد وجدت أمريكا في صدام الشخص المناسب لتمرير
مخططاتها في المنطقة، ووجد صدام في أمريكا الدولة التي تبقيه في السلطة دون
خسائر شخصية؛ فكل من الطرفين منتفع بالآخر في منطقة يراد لها ألا تستقر على
حال.
إن أمريكا بأسلحتها الفتاكة، وتقنيتها العسكرية من الأقمار الصناعية،
وطائرات التجسس التي تكشف ما وراء العظام لا تستطيع التفريط بصدام! ! فهل
المعارضة العراقية ستسقطه؟
وإن كانت هذه المأساة في المنطقة بحجة تدمير أسلحة الدمار الشامل في
العراق، فماذا عن الترسانة النووية اليهودية؟ وإن كان أمن المنطقة هو المطلب
الرئيس، فلماذا لا تعجل أمريكا به لراحة الشعوب الفزعة منها ومن صدامها؟ !
خاصة وقد ربطت أمريكا رفع العقوبات برحيل صدام؛ فقد صرح كلينتون في
١٤/ ٧/١٤١٨هـ: أن العقوبات ستبقى قائمة إلى ما لا نهاية ... وبأي حال ستبقى ما دام صدام في السلطة! !
لقد كان جديراً بالمسؤول الأمريكي أن يبارك خُطا صدام، ولا عجب إن بُني
له مقام في أمريكا لتلمس البركات منه، أو استنساخه لوضعه في مناطق أخرى تريد
أمريكا البقاء فيها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 2650
المسلمون والعالم
تقرير الحالة الدينية في مصر
(عرض وتحليل)
(٣من٣)
أيمن محمد سلامة
في الحلقتين السابقتين عرض الكاتب (تقرير الحالة الدينية في مصر) وبدأ في
تحليله، فكانت من عناوين نقط هذا التحليل: (مصداقية وعلامات استفهام) ،
و (شاهد أم طرف؟) ، و (وهنا أيضاً: الكيل بمكيالين) ، و (ومن الأرقام ما خدع) ،
ويواصل الكاتب تحليله لهذا التقرير.
- البيان -
وماذا عن الحالة الدينية؟ : هناك بعض الملحوظات على الحالة الدينية نفسها، تلح في البروز ويصعب تجاهلها، من أهمها:
* يظهر جلياً من خلال استقراء ما أورده التقرير عن المؤسسات الإسلامية
الرسمية أن هذه المؤسسات بوصفها مؤسسات، وقد يخرج عن ذلك بعض أفرادها
تُستخدم أداة سياسية لتسويغ توجهات المتنفذين في السلطة والدعاية لهم.. فتاريخياً:
(الدولة الفاطمية استخدمت الأزهر من أجل نشر مذهبها الشيعي، وقام علماء
الأزهر بدور تعبوي هام من أجل نشر هذا المذهب، وتكرر الشيء نفسه في عهد
الدولة الأيوبية من أجل إعادة نشر المذهب السني على أنقاض المذهب الشيعي،
وكان تقرب المماليك لعلماء الأزهر ومحاباتهم لهم يعود إلى احتياجهم إلى سند في
حكمهم يطمئنون إليه ويستعينون به) (ص ٢٨) ، وحتى الصوفية (أخذ الحكام
(المماليك) يستغلون الصوفية ليشغلوا الناس عن التفكير في سوء أحوال البلاد) (ص
٢٧٤) ، ثم مروراً بعهد محمد علي وأسرته ... إلى أن كانت الحقبة الناصرية فكان
تقنين هذا السلوك تجاه تلك المؤسسات؛ حيث (أقدم جمال عبد الناصر في الداخل
على إعادة صياغة الفكر الديني بأسلوب يتلاءم مع طبيعة العصر ومتطلبات التنمية
كما حددتها الدولة وفق قناعاتها الفكرية والأيديولوجية، فاستخدم الدين مع أدوات
أخرى في عمليات التعبئة السياسية وإيجاد شرعية لنظامه) (ص ٢٨) ، وقد عمل
على (القضاء على أي دور محتمل يمكن أن يؤديه الأزهر في شؤون المجتمع
باستقلال عن الدولة، وذلك بإصدار قانون إعادة تنظيم الأزهر. بجانب هذا سعى
النظام الناصري إلى إيجاد أداة إسلامية لسياساته، وهو ما تمثل في المجلس الأعلى
للشؤون الإسلامية، ولم تختلف رؤية الدولة للدور السياسي للأزهر في عهد الرئيس
السادات عن رؤية سلفه) (ص ٢٩) ، (.. ولم تشهد الثورة صداماً مع الشيوخ، بل
استطاع النظام الناصري أن يستثمر الأزهر وشيوخه جيداً لتدعيم وتبرير سياسته،
فوصف الشيخ الخضر ثورة يوليو بأنها أعظم انقلاب اجتماعي، ووصف الشيخ
تاج الإخوان المسلمين بأنهم يشوهون الإسلام، وأفتى بتجريد (الرئيس السابق)
محمد نجيب من حق المواطنة، كما كان الأزهر مكاناً للتعبئة السياسية في حرب
١٩٥٦، كما أفتى الشيخ شلتوت بأن القوانين الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام!.. ولم يكن العهد الناصري فقط الذي استخدم الأزهر كمؤيد ومعبئ ومبرر لسياساته، بل في عهد السادات أصدر الشيخ الفحام بياناً أيد فيه الخطوات التي قام بها
السادات في ١٥ مايو ١٩٧١م فيما يعرف بثورة التصحيح) (ص٤٥) ، و (علاقة
الدولة بالأزهر في مرحلة الرئيس مبارك لم تختلف جوهرياً عما كانت عليه في
مرحلتي الرئيسين الراحلين عبد الناصر والسادات) (ص ٢٩) .
وأيضاً الصوفية وطرقها لها من هذا الاستخدام نصيب، حيث يتساءل التقرير
في معرض حديثه عن (تحديث الصوفية) : (ما مدى استعداد الأنظمة الحاكمة
للتنازل عن الصوفية التقليدية باعتبارها وعاء للشرعية؟ !) (ص ٢٧٦) .
والتقرير يعتبر أن المؤسسات الدينية عموماً تشكل (أداة ضبط واستقرار إزاء
بعض الاتجاهات المغالية في مناهج تفسيرها للنص الديني وشروحه) (ص ٢٦) .
وفي ضوء هذا ينبغي أن نفهم أن هذا الضبط والاستقرار قد يقتضي إعطاء
بعض المؤسسات قدراً من الحرية حتى تمارس الدور المنوط بها في تثبيت الشرعية
المتنفذة (وتحاول الدولة أن توازن بين دور الأزهر في حماية المعتقدات الدينية
وإعطاء الضوء الأخضر له، ذلك من أجل تثبيت شرعيتها وإضفاء الأسلمة على
مواقفها، وفي الوقت نفسه المحافظة على حرية الفكر والإبداع) (ص ٥٢) ...
وعموماً: فإن بعض المواقف المعارضة للسلطة من هذه المؤسسات لم تخرجها عن
إطارها المرسوم لها (وأدى ذلك إلى تعاظم دور الأزهر في الرقابة في وقت زاد فيه
هامش الحريات، وكانت له فتاوى وآراء معارضة في قضايا حساسة كالعلاقات مع
إسرائيل وفوائد البنوك ... وبصورة عامة كانت الدولة تستجيب لغالبية فتاوى وآراء
الأزهر خاصة فيما يتعلق ببعض القضايا الاجتماعية والفكرية، أما ما يخص منها
القضايا الاقتصادية أو تلك التي تمس الأمن القومي فلم تكن الدولة تستجيب لها،
وفي خلال تلك المرحلة لم يضغط الأزهر من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، أو
إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، أو تحريم فوائد البنوك، وفي المقابل أعطت له
الدولة قدراً ملحوظاً من الحرية والاحترام) (ص ٢٩) ، (ورغم تعاظم دور الأزهر
إلا أنه لم يخرج [اي: الشيخ جاد الحق] من إطاره القانوني، ولم يصل دوره
المعارض إلى حد الصدام مع السلطة، ولم يضغط من أجل طرح قضية تطبيق
الشريعة الإسلامية ... ) (ص ٤٦) .
والفقرتان الأخيرتان توضحان لنا أنه حتى في مراحل الاستقلال النسبي لهذه
المؤسسات عن الدولة فإن المواقف المشهودة لها لم تكن تعبر عن تصور منهجي
ورؤية واضحة تطالب بها هذه المؤسسات وتعمل على إنفاذها، بل جاءت معظم
هذه المواقف نتيجة جهود شخصية في نقد قضايا جزئية أو بطريقة مشوشة، ومن
ذلك: (.. بعد مجيء الحملة الفرنسية فتصدى شيوخ الأزهر طليعة الوطنيين
المناوئين للحملة وأصبح الأزهر مقراً للحركة الوطنية، ويمثل الشيخ الشرقاوي
(١٧٩٣م) الرمز الأزهري الوطني الذي قاوم الحملة، وكان أحد أعضاء مجلس
الشورى الذي تقرب به نابليون إلى المصريين، وكان أيضاً ضمن وفد العلماء الذي
ألبس خلعة الولاية لمحمد علي واشترطوا عليه أن يحكم بالعدل..) (ص ٤٤ ٤٥) ، (وقد أفسح وقوع مصر تحت سطوة الاستعمار الفرنسي ثم الإنجليزي المجال لأن
يلعب شيوخ الأزهر وعلماؤه دوراً وطنياً قوياً في تعبئة الجماهير ضد الاستعمار
لطرده والحصول على الاستقلال) (ص ٢٨) و (في سبيل تحقيق بعض الإصلاحات
العلمية والهيكلية في الأزهر تحالف الظواهري مع الملك فؤاد ضد الأحزاب، وفتح
بذلك الباب لسيطرة القصر الملكي على الأزهر، ولم يقض ذلك على الدور السياسي
للأزهر، وإن لم يكن هذا الدور في الفترة من ١٩١٧م حتى قبل ثورة يوليو١٩٥٢م
موجهاً ضد الحكام باعتبارهم وطنيين، ولكن كان موجهاً ضد المستعمر.. (إلا إن
الأزهر لم يسكت رغم ذلك على فساد القصر، فقد عزل الشيخ عبد المجيد سليم من
المشيخة بعد أن هاجم الملك فاروق بسبب رحلاته الماجنة إلى إيطاليا..) (ص٤٥)
وقال قولته الشهيرة: (تقتير هنا وإسراف هناك) (ص٣٨) ، ولم نسمع في مقابل
ذلك انتقاداً لولائه للنصارى، أو دعوة قوية إلى تحكيم الكتاب والسنة ونبذ القوانين
الوضعية، أو محاربة للشركيات والخرافات التي تقع حول القبور والأضرحة تحت
سمع وبصر كثير من المشايخ إن لم يكن بمشاركة بعضهم! ، هذا فضلاً عن أن
نجد المطالبة برؤية حضارية شاملة بديلة للرؤى المسيطرة في ذلك العهد وما تزال.
ولعلنا هنا نورد بعض النماذج التي أوردها التقرير والتي توضح مدى
استغلال الدولة للمؤسسات الإسلامية أداة عاملة في آليتها السياسية، وليتضح مدى
صدق ادعاء العلمانيين بأن (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) ، حيث
يستغلون الدين لتسويغ سياستهم ولا يرتضون أن يكون حاكماً وموجهاً لهذه السياسة:
ففضلاً عما أوردناه من مواقف المشايخ محمد الأحمدي الظواهري، ومحمد
الخضر حسين، وعبد الرحمن تاج، ومحمد الفحام، فقد أيد الشيخ عبد الرحمن
بيصار (معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وخطوات التطبيع، وطالب المعارضين
للتطبيع في الأزهر بعدم الصدام مع السلطة، والمعارضة فقط في الأمور التي
تستحق المعارضة!) (ص٤٦) و (كان للشيخين [جاد الحق، وسيد طنطاوي]
مواقف دينية غلب عليها الطابع السياسي الرسمي المعضد للدولة، والمتمثلة في
تطويع الفتوى لتتواكب مع الظروف السياسية السائدة، والتراجع في بعض الأحيان
عن فتاوى سابقة بحجة الاستجابة للمستجدات بما فيه مصلحة المسلمين ... ولعل
أبرز الفتاوى السياسية الرسمية التي تبرز ذلك هي الخاصة بالموقف من إسرائيل..) (ص٧٥) ... و (شهد عام ١٩٩٥م [الحقل الزمني للتقرير] نشاطاً واسعاً لوزير
الأوقاف حينئذ الدكتور محمد علي محجوب سواءً على المستويين الداخلي أو
الخارجي، وبصورة عامة عبر نشاط وزير الأوقاف عن السياسة الرسمية للدولة..
فعلى الصعيد الخارجي واصل الوزير نشاطاته خلال عام ١٩٩٥م، وفي المقدمة
منها: السعي لتدعيم الروابط بين المسلمين والمسيحيين أو ما يعرف بالحوار بين
الأديان استكمالاً لدور الأزهر ودار الإفتاء في هذا المضمار، وتجلى ذلك في تنظيم
وزارة الأوقاف لمؤتمر (عطاء الأديان في خدمة الإنسان) .. مشيراً إلى أن ما تشهده
مصر يعد نموذجاً مشرفاً وقدوة للعالم كله، حيث شهدت الفترة الأخيرة تجسيداً لذلك
من خلال إنشاء المجلس الأعلى للديانات بمصر والذي يضم الإمام الأكبر والبابا
شنودة والشيخين محمد الغزالي ومحمد متولي الشعراوي..) (ص٦٨) .
كما أن (أبرز الأدوار السياسية التي لعبها المفتي مع المؤسسات الإسلامية
الرسمية الأخرى هو إقامة المزيد من جسور الحوار مع المسيحيين والتحمس للحوار
بين الأديان بصفة عامة، وبذلك الدور فإن المفتي والمؤسسات الإسلامية الرسمية
الأخرى تقوم بتدعيم السياسة الخارجية للدولة، والتي تهدف في جانب منها إلى
الانفتاح على الغرب دينيّاً ومحاولة إيجاد أرضية تفاهم مشتركة معه..) (ص٧٨) .
وتأييد وزير الأوقاف لفتوى المفتي في فوائد البنوك كان ذا طابع سياسي:
(ويكتسب تأييد وزير الأوقاف لفتوى المفتي رغم تحريم شيخ الأزهر لها والعلاقة
الطيبة معه طابعاً سياسيّاً؛ لأنه يتمشى مع مصلحة الدولة، وبالطبع فإن وزير
الأوقاف هو المنفذ الأمين لسياسة الدولة في هذا المضمار، وقد اتخذ الوزير نفس
الموقف وبنفس الدوافع تجاه وثيقة الزواج) (ص ٦٩) .
وهدف ضم المساجد الأهلية إلى وزارة الأوقاف لم يكن رعايتها، وإنما كان
الهدف (هدفاً سياسياً وليس دينياً، وبالتالي فقدت المساجد تأثيرها الروحي ولم تقم
بتنفيذ سياسة الدولة في تطويق أفكار الجماعات المتشددة دينياً) .. (ص ٦٥) .
وهدف قوافل الدعوة لم يكن دعوة الناس إلى دين الله وسبيله، بل دعوتهم إلى
نبذ ما أسموه (الفكر المتطرف) الذي يناقض توجهات الدولة (وفي إطار قوافل
التوعية والتي تسمى في بعض الأحيان (قوافل التنوير) التي ترى وزارة الأوقاف
أنها الوسيلة المثلى لمحاربة الفكر المتطرف وسحب البساط من تحت أقدام
الجماعات المتشددة حرص وزير الأوقاف على المشاركة فيها ومعه شيخ الأزهر
والمفتي في بعض الأحيان) (ص ٦٩) ، و (بصفة عامة فإن تلك القوافل قد
استحدثت لسد العجز في الدعاة خاصة في الأماكن النائية كما أسلفنا ولمجابهة الفكر
المتشدد، ولكن تجربة القوافل أثبتت أنها لم تؤد الغرض الذي خصصت من أجله
بصورة إيجابية نظراً لقصر المدة التي يقضيها (دعاة القوافل) في المساجد المختلفة،
وعزوف المصلين عن الاستماع لهؤلاء الدعاة نظراً للطابع الرسمي الذي يغلب
عليهم) (ص ٦٤) .
* ودوران هذه المؤسسات في الفلك السياسي العام كان هدفاً سعى إليه بدأب
من يملكون أزمّة الأمور على مدار التاريخ بوسائل شتى، ومن هذه الوسائل:
ما بدأه محمد علي، (فقد قام علماء الأزهر بتولية محمد علي الذي فطن إلى
قوتهم فعمل على تهميش دور الأزهر وأحدث شرخاً في استقلاليته، فتراجع نفوذ
علمائه الاجتماعي في مقابل تقديم صفوة شبه علمانية في تفكيرها) (ص ٢٨) ،
(ولكن سرعان ما رجحت كفة الحاكم على العالم في عهد محمد علي الذي بطش
بالعلماء وأراد لمصر نموذجاً غربياً هو وأحفاده على حساب الأزهر) (ص ٤٥) ،
وكان من أخطر ما قام به (لما تولى محمد علي استولى على الأوقاف [التي كانت
محبوسة على الأزهر جامعاً وجامعة، العامة والخاصة] وتعهد بالإنفاق على المساجد
وجهات البر ووضع نظام جديد لملكية الأراضي) (ص ٦٠) ، ثم كانت الحلقة
الأخيرة في هذا المسلسل عندما (أضعف النظام الناصري من استقلال العلماء من
خلال سياسته تجاه المؤسسات الإسلامية التي انطلقت في عدة محاور تمثلت في
القضاء على الاستقلال المالي بإصدار قانون إلغاء الوقف الأهلي وتحويل جانب
كبير من أراضي الأوقاف لوزارة الإصلاح الزراعي، فضلاً عن إلغاء المحاكم
الشرعية، والقضاء على أي دور محتمل يمكن أن يؤديه الأزهر في شؤون المجتمع
باستقلال عن الدولة، وذلك بإصدار قانون إعادة تنظيم الأزهر) (ص ٢٨ ٢٩) ،
وهكذا (جعلت قوانين تنظيم الأوقاف في عهد الرئيس عبد الناصر الدعوة الإسلامية
بلا سند مادي ترتكز عليه، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة على استقلال علماء
الدين مادياً وفكرياً، وهو الأمر الذي كان له دوره البالغ في اتخاذ هؤلاء العلماء
لمواقف الرفض والمعارضة من الدولة؛ لاطمئنان كل منهم أن هذه المعارضة وهذا
النقد لن يؤثر على حياتهم المعيشية ولن تفقدهم بالتالي وظيفتهم) (ص ٦١) ، (ولم
يبق من الأوقاف الخيرية بعد ذلك إلا وقف المساجد، وقد وافق الأزهر على هذا
الإعفاء بحجة سوء صرف ريع الأوقاف على السبل والكلاب، وأن الدولة أصبحت
متكفلة بشؤون الدعوة والدعاة! !) (ص ٦٠) .
وهكذا تم الإجهاز على العامل الرئيس لاستقلال الأزهر، ذلك العامل الذي
كان تاريخياً العمود الفقري لهذا الاستقلال، (ففي عهدي المماليك والعثمانيين ونتيجة
لعدد من العوامل الداخلية أهمها الاستقلال المالي والعلمي ومكانة علماء الأزهر في
المجتمع.. أضحى الأزهر مستقلاً في ممارسة دوره.. مما جعل الدين يحتل مكان
الصدارة في المجتمع ويصبح معه علماء الأزهر صفوة المجتمع) ، (وعملت الدولة
العثمانية أيضاً على التقرب إلى العلماء للحصول على تأييدهم، وأبقت على أوقافهم
وأحباسهم التي كرست استقلالية الأزهر) . (ص ٢٨) .
كما كان من وسائل ضرب الاستقلالية لهذه المؤسسات أن اختيار رؤوسها
أصبح بيد الدولة بعد أن كان بيد العلماء أنفسهم (فالأزهر لم تكن له قيادة معينة في
بدء نشأته، فقد كان يتولى إدارته في البداية سلاطين مصر وأمراؤها كباقي المساجد، أما شؤونه الداخلية فيقوم بها مشايخ المذاهب الأربعة وشيوخ الأروقة، يعاونهم
خطيب المسجد ومشرفون وخدم، حتى عين ناظر للأزهر للشؤون الإدارية، ثم
شيخ للشؤون العلمية والإدارية معاً) ، (فقد رأى السلطان العثماني سليمان القانوني
ضرورة أن يكون للجامع الأزهر شيخ يتفرغ للإشراف على شؤونه الدينية والإدارية
معاً ويكون حلقة الوصل بينه وبين العلماء) ، ولكن الدولة العثمانية لم تعين (أي
عالم عثماني في منصب شيخ الجامع الأزهر طوال حكمها، وتركت منصب شيخ
الأزهر للعلماء المصريين.. بل تركت اختيار شيخ الأزهر مطلقاً من كل قيد
مذهبي ومنوطاً بالمشايخ أنفسهم.. فقد كان مشايخ الأزهر يقومون باختيار شيخهم
ويبلغون الوالي العثماني باسمه) (ص ٢٨) .. ثم تغير الحال بعد انقلاب محمد علي
على العلماء، إلى أن صدر القانون رقم ١٥ لسنة ١٩٢٧م حيث (أصبح تعيين شيخ
الأزهر مشتركاً بين الحكومة والملك!) (ص ٤٥) ، ثم صدر القانون الناصري
الشهير رقم ١٠٣ لسنة١٩٦١م وأعطى (لرئيس الجمهورية حق تعيين شيخ الأزهر.. كذلك أعطى القانون لرئيس الجمهورية الحق في اختيار وكيل للأزهر) (ص٤٩) . وبعد إلغاء (جماعة كبار العلماء) أصبح تعيين أعضاء مجمع البحوث الإسلامية
(بقرار من رئيس الجمهورية باقتراح من شيخ الأزهر) (ص٥١) ، وكذلك (تتابع
تعيين المفتين باسم مفتي الديار المصرية بقرار من الحاكم، إلى أن قامت ثورة
يوليو ١٩٥٢م فصار المفتي الرسمي للدولة يعين بقرار من رئيس الجمهورية وتحت
مسمى (مفتي جمهورية مصر العربية) ، ويكون بدرجة وزير) (ص ٧٣) ، وبدهي
أن وزير الأوقاف يعين بصفته وزيراً في مجلس الوزراء.
وحتى الطرق الصوفية صدر في حقهم القانون رقم ١١٨ لعام ١٩٧٦م الذي
(ينص على أن يضم المجلس الأعلى للطرق الصوفية ستة عشر عضواً، أولهم
شيخ مشايخ الطرق الصوفية رئيساً، وهو يعين بقرار من رئيس الجمهورية من بين
مشايخ الطرق..) (ص ٢٧٤) .
وصدر مؤخراً قانون يعاقب من يرتقي منابر المساجد بدون تصريح رسمي
حتى ولو كان شيخاً أزهريّاً بما يعني تكميم أفواه من لا ترتضيهم الدولة، وهو ما لا
يطبق على وعاظ الكنيسة.
وهكذا أطبقت مؤسسات الدولة السياسية على مؤسساتها الدينية وأمسكت
بخيوطها، حتى صارت الأخيرة أداة طيعة في يد الأولى توجهها كيف تشاء أو هكذا
أرادت!
* وإذا كان هذا ما حدث في جانب المؤسسات الإسلامية فإن المؤسسة الكنسية
القبطية استثنيت من عوامل التطويع السياسي القصري.
فعلى حين عوملت أوقاف المسلمين هذه المعاملة استثنيت أوقاف غير
المسلمين من أحكام هذين القانونين، حيث وضع لهما قانونان خاصان، هما القانون
رقم ١ لسنة ١٩٦٠ م في شأن استبدال الأراضي الزراعية الموقوفة على جهات البر
العام للأقباط الأرثوذكس، والقانون رقم ٣٥ لسنة ١٩٧١م بشأن الأحكام الخاصة
بتملك الأراضي الزراعية واستبدالها بالنسبة إلى الجمعيات الخيرية وطوائف غير
المسلمين.. حيث ترك لكل كنيسة أوقافها في حدود مئتي فدان، وما زاد عن هذا
كانت الدولة تأخذه وتدفع ثمنه بسعر (السوق السوداء) وهو ما أدى في السبعينيات
لمناداة عدد من الأصوات بمساواة أوقاف المسلمين بأوقاف المسيحيين! !)
(ص ٦١) .
أما بالنسبة لاختيار رأس المؤسسة الكنسية التي أصبحت تمثل لدى الأقباط
سلطة دينية وشعبية فقد أكدت الكنيسة على أنه (لا يستطيع أحد أن يتقدم للكهنوت
إلا باختيار شعبي، ومن هنا يبرز مبدأ حق الشعب في اختيار راعيه) (ص ٨٨) .
كما أن اختيار البطريرك يتم من خلال نظام انتخابي دقيق منصوص عليه،
ويكون دور رئيس الجمهورية هو تعيين البطريرك الجديد، أو بمعنى آخر:
الموافقة على البطريرك المنتخب من قبل الأقباط وهيئتهم الكنسية
(انظر ص ٨٢، ٨٣) .
كما أن الكنيسة تتحرك قاعدياً من خلال مدارس الأحد (التربية الكنسية) إضافة
إلى (مدارس المهجر القبطية) التي تُوَجّه من خلالها ثقافة شعب الكنيسة وتوجهاته
بدون تدخل من الدولة، ويكمل (المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس) الجوانب
الخدمية التي لا تتمتع فيها الكنيسة بالمرونة والحرية المطلوبتين وإن كان حدث
مؤخراً تقليص لدور هذا المجلس وتنافس بينه وبين الكنيسة كما وضح سابقاً.
* ويتعلق بالنقطتين السابقتين (تبعية المؤسسات الإسلامية الرسمية للأنظمة
المتعاقبة واستقلال المؤسسة الكنسية) نتيجة على قدر من الأهمية، حيث أصبحت
الكنيسة ممثلة لجمهورها وصاحبة تحرك شعبي مدعوم بالتفاف جماهيري قبطي لا
يستهان به؛ مما أعطى الاثنين (الكنيسة، والجماهير) قوة تبادلية في مواجهة القوى
الأخرى.
بينما جاء التحرك القاعدي الشعبي في الحالة الإسلامية محروماً من الريادة
الطبيعية للعلماء له، حيث نفّرت تبعية كثير من العلماء للنظام بعض شباب الصحوة
الإسلامية من التعاون مع العلماء وألجأهم إلى الارتكاز على مصادرهم العلمية
الخاصة، وتفاعلت هذه الحالة مع استخدام الدولة لبعض العلماء في ضرب الصحوة
وإجهادها فكرياً، على أمل اتساع الفجوة بين العلماء والصحوة، وفصل الصحوة
عن الجماهير ليسهل عزلها ثم استئصالها والقضاء عليها.. وقد أثر ذلك الأمر
بالسلب على الجهتين: على العلماء الذين فقدوا حيوية الاتصال بالجماهير والتحرك
القاعدي، فباتوا محصورين بين جدران قاعات الدرس ونشاطهم لا يتعدى دفات
الكتب، والصحوة التي فقدت سنداً مهماً لها يتمثل في جيش من الدعاة المجهزين
ومرجعية علمية موثوق بها، وغطاء قوي لمشروعيتهم التاريخية، هذا الغطاء الذي
تحاول الدولة تمزيقه، من خلال اللعب بالموازنة بين إعطاء بعض المصداقية
لعلماء المؤسسات الإسلامية الرسمية بالسماح ببعض المواقف الاستقلالية ليكون لهم
قبول شعبي، وفي الوقت نفسه: استخدام هؤلاء العلماء لمحاربة الصحوة عبر
تضخيم أخطاء المنتسبين إليها، ومن ثم تشكيل صورة مركبة لخطرهم على
المجتمع كله، وأيضاً عبر استحضار إشكالية علاقة الصحوة بالعلماء؛ أمام بؤرة
وعي العلماء ولذا: فإن من أكثر ما يزعج المناوئين للصحوة الإسلامية أن يكون
ضمن المنضوين تحت لوائها: علماء خارجون من المؤسسة الرسمية.
* وخامس هذه الملحوظات تدور حول أعمال التنصير التي وردت بعض
ملامحها في ثنايا التقرير:
فنلاحظ أن الإرساليات الكاثوليكية حظيت بمساحة كبيرة من إفساح المجال لها
وتشجيعها خلال فترة حكم أسرة محمد علي (انظر ص ١٠٦ ١٠٧، ص ١٤٩،
١٥٥) ربما بسبب العلاقة الخاصة مع إيطاليا آنذاك، ثم كان بعد ذلك تحالف الحكم
الناصري مع الكنيسة الأرثوذكسية فيما أطلق عليه التقرير (التوافق الاستراتيجي)
(ص ٩٣) ربما باعتبارها الكنيسة المصرية الوطنية، وفي كل مرحلة عملت كل
كنيسة على الاستفادة القصوى من علاقتها بالدولة لتنفيذ أعمالها.
كما نلاحظ أيضاً اختفاء بعض الأنشطة وبخاصة الكاثوليكية خلف أسماء غير
ملفتة للنظر وذلك في النشاطات الفكرية والتربوية مثل: (اللجنة المصرية للعدالة
والسلام) ، و (جمعية الصعيد للتربية والتنمية) التي كانت سابقاً (جمعية الصعيد
للمدارس الكاثوليكية) ، و (جمعية السنابل) ، و (كشافة وادي النيل) ،
و (كشافة أبو الهول) .. (انظر ص ١١٣، ١١٨) .
ويهتم الكاثوليك (٢١٠ ألف نسمة) بإنشاء المستوصفات العلاجية والملاجئ
بأنواعها والمدارس ذات المستوى الرفيع وإدارتها (ليقوموا بتثقيف وتربية النشء
المصري) (ص ١٤٩) ، و (تربية وتنشئة الفتاة المصرية) (ص ١٥٣) وهم يفتحون
هذه المدارس لجميع الديانات والمذاهب، ويهتمون بصفة خاصة بأبناء الطبقة
الراقية، وذلك من خلال حوالي ١٣٧ مدرسة، كثير منها يشمل مراحل التعليم
الثلاث، وبعضها ذات إقامة داخلية، إضافة إلى ثلاثة معاهد، كما يقدمون خدمات
رعاية المرضى والمسنين في المستشفيات والبيوت والملاجئ، ويركزون كثيراً من
نشاطاتهم (للتبشير في القرى والأحياء الشعبية) (ص ١٤٩) ، يقومون بذلك من
خلال (١١٠٧) راهب وراهبة يخدمون في (٥١) رهبانية (انظر ١٤٩ ١٥٥) ،
إضافة إلى عدد من الجمعيات الأهلية ذات الفروع المتعددة.
وفي الوقت الذي حظرت فيه الدولة نشاط (هيئة الإغاثة الإنسانية) المنبثقة
عن نقابة الأطباء ومنعتها من ممارسة أي نشاط إغاثي بعد زلزال عام ١٩٩٢م،
نظراً لما لاقته هذه الهيئة (ذات الشبهة الإسلامية) من نجاح وقبول شعبي، نجد أنه
لا توجد قيود على الهيئات الأخرى (وبخاصة الكاثوليكية) في ممارسة هذا النشاط
(انظر ص ١١٩) ، فهي مطلقة اليد في القيام بأعمالها (الخيرية) ! ، ولعل ذلك هو
ما دعا مجلة (الكرازة) الأرثوذكسية إلى الدعوة إلى (حق كل فرد مسيحي في اختيار
الكنيسة التي يريدها بشرط عدم استخدام بعض الكنائس لوسائل ترغيب أو ضغط
على الأفراد لضمهم إليها، مثل المال أو المساعدات المادية) (ص ٣٦٩) .. (ولا
ينبئك مثل خبير) ! .
أما بالنسبة للأرثوذكس فيلاحظ على غير ما يتخيله كثير من المسلمين تحول
أديرة رهبانهم إلى مجتمعات داخل المجتمعات (حيث حياة الشركة والتعاون والعمل
بين الرهبان والنساك من جهة أو بين الأديرة كمؤسسات اجتماعية منتجة والشعب
القبطي من جهة أخرى) ، وفي هذه الأديرة (أمكن استخدام أساليب الهندسة الوراثية
في تطوير الإنتاج الزراعي مثلما فعل دير الأنبا مقاريوس بوادي النطرون، وأيضاً
في مجال الإنتاج الحيواني من زراعة الأجنة وتحسين سلالات الأبقار.. وفي هذا
الإطار أنشئت مراكز الصيانة والورش للسيارات والجرارات والآلات.. فضلاً عن
أعمال البناء والتشييد والترميم وتعبيد الطرق مع الإنارة والكهرباء.. ومن ناحية
أخرى نجد الأديرة تفتح أبوابها لاستقبال الشعب على مستوى الزيارات اليومية
والرحلات أو إقامة الشباب بعض الأيام داخل أسوار الدير في خلوات روحية،
وهذا الأمر يتطلب بناء أماكن للضيافة والمكتبات لشراء الكتب والهدايا، وأيضاً
أماكن لبيع وتسويق المنتجات الغذائية والزراعية وغيرها) (ص ١٣٤، ١٣٥) .
وقد قام دير البراموس (باستصلاح ٥٠٠ فدان من الأراضي الصحراوية حوله،
وتسويرها بسور ضخم بطول ٦ كم فضلاً عن عدد من البوابات الكبيرة.. وتم
استصلاح ٥٠٠ فدان أخرى خارج سور الدير، وفي هذا الإطار استخدم الدير
تكنولوجيا زراعية متقدمة، وكذلك نظامي الري بالرش والتنقيط.. وقام الدير
بإنشاء مزرعة كبيرة ... لتربية الماشية والدواجن والأرانب على أحدث النظم
والآلات والمعدات الخاصة بالإنتاج الحيواني مثل فرز اللبن وصناعة الجبن
والمسلي.. ناهيك عن شبكة الاتصالات الداخلية (التليفونات) ، وذلك للاتصال
السريع! بين كل مكونات الدير من البوابة الرئيسية إلى سكن الرهبان إلى أماكن
العمل) (ص ١٤٠) والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا توجد هذه التجمعات
المتصلة دوماً بالشعب في أماكن مختارة من الصحراء ولا توجد داخل التجمعات
العمرانية؟ !
* وآخر هذا الملحوظات تتعلق بالشأن القبطي أيضاً: حيث لوحظ من خلال
ما أورده التقرير تنامي الشعور الطائفي في مقابل ضمور الشعور الوطني.
يظهر ذلك في محاولة الأقباط التأثير السياسي بشتى الطرق، حتى ولو
بفرض القوانين التي يعتبرها بعض الديمقراطيين تخلفاً عن الديمقراطية والوطنية
(وقد ترتب على الجدل العام في الحياة السياسية والحزبية والإعلامية عودة اتجاه
داخل النخبة القبطية للمطالبة بتعديل الدستور، لضمان تمثيل الأقباط في المجالس
النيابية والتمثيلية، أو الرجوع لنظام الدوائر المغلقة على المرشحين الأقباط فقط،
كما حدث في بدايات نظام يوليو ١٩٥٢م لمعالجة مشكلة تمثيل الأقباط، وطرح
البعض اقتراحاً مفاده ضرورة إصدار تشريع للحقوق المدنية على النمط الأمريكي
الذي استهدف دعم الزنوج في إطار الوظائف العامة.. إلخ..
ومن أبرز الظواهر التي كشفت عنها نتائج الانتخابات البرلمانية هو تبني
بعض القيادات الدينية القبطية لاتجاه الحل الدستوري للتمثيل النسبي للأقباط، وفي
هذا الإطار رأى البابا شنودة بطريرك الأقباط الأرثوذكس (أن الدولة قادرة على
وضع النظم الديمقراطية التي ينجح بها الأقباط، كما وضعت من قبل نظاماً ينجح
من خلاله العمال والفلاحون!) ، ويشكّل اتجاه تمثيل الأقباط على أساس ديني
ومذهبي عودة لفكرة رفضتها الحركة الوطنية والدستورية المصرية عند وضع
دستور ١٩٢٣م، وكان على رأس الرافضين لها زعامات الأقباط في الحركة
الوطنية المصرية) (ص ٣٢٦) ، ولم يقتصر الأمر على البابا فقط، بل شاركه في
هذه المطالبة تيار (الرؤى المعارضة) أيضاً، حيث طالب موريس صادق أحد
رافعي الطعون القضائية (بغلق ٤٠ دائرة انتخابية من٤٠٠ دائرة على مستوى
الجمهورية يكون الترشيح فيها قاصراً على الأقباط) (ص ٣٢٩) ، و (إصدار قانون
للحقوق المدنية يسمح بشغل الأقباط للمراكز والوظائف العامة أشبه بقانون الحقوق
المدنية الأمريكية وأشبه بتمثيل العمال والفلاحين في المجالس المحلية) (ص ٣٣٠) ، كما طالب بعضهم بضرورة أن يكون المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس (مجلساً
شعبياً للأقباط تحت مسمى المجلس الشعبي القبطي) (ص ٣٢٩) .
كما يظهر تنامي ذلك الشعور من خلال محاولة المجادلة عن مواقف أقباط
المهجر المسيئة إلى مصر وتلمس الأعذار لهم بشتى الطرق، حتى أن التقرير يقول
وكأنه لسان حالهم: (لا بد من توجيه الاهتمام إلى أقباط المهجر وتشكيل لجان
(وطنية) تلتقي معهم، وتبحث أولاً شكاواهم من أجهزة الدولة المختلفة، وتغيير
الأداء الروتيني للسفارات المصرية، بحيث تجعل من قضية التعامل مع المهاجرين
المصريين هناك أولوية على أجندة اهتماماتها، وتغذيهم أولاً بأول بالمعلومات
الحقيقية عن الأحداث والتطورات التي يشهدها الوطن، ثم بعد ذلك تأتي قضية
أقباط المهجر كرصيد لمصر ولسياستها الخارجية) (ص ٢٢٢) . فالتقرير بعد أن
قدم ما أمكنه من أعذار لهؤلاء (انظر ص ٢١٨ ٢٢١) يقايض فيما يشبه الصفقة
المحسومة أولويات الانتماء بالمصالح، هذا الانتماء الذي أوصل بعضهم إلى الدعوة
للانسلاخ من العروبة، وتحريض أمريكا على إرسال قوات المارينز إلى مصر [١] .
وإذا كانت هذه المطالبة جاءت بالانفصال عن التحدث باسم جميع المصريين
في الخارج، فإننا نرى ذلك أيضاً في التحرك الفعلي من خلال إنشاء مدارس
ومراكز ثقافية في الخارج خاصة بأقباط المهجر وحدهم، وليس لكل مصريي
المهجر.
стр. 2651
في دائرة الضوء
الفكر بين الحظر والإباحة
بقلم: محمد يحيى
كلما ترتفع أصوات دعاة أو مفكري الإسلام في أقطارنا تطالب بمنع تداول
كتاب أو آخر يطعن في الدين والعقيدة أو الشريعة الإسلامية ومنها بل وجُلّها ما
يتطاول على الذات الإلهية أو شخص الرسول ﵊ وصحابته
﵃، ويزوِّر حقائق التاريخ والفقه الثابتة علت أصوات العلمانيين
تتباكى على مجزرة الحرية ومذبحة الفكر التي يقيمها المسلمون، ونسمع المواعظ
التي تذكر هؤلاء المسلمين المعتدين على حرية الفكر بأن عليهم اللجوء للحق
والمنطق لا للمنع والمصادرة.
كذلك نسمع دعوات بعض المثقفين من أبناء الدعوة تناشد إخوانهم عدم
المطالبة بمنع تداول الكتب المسيئة؛ لأن ذلك يثير ثائرة العلمانيين ويسوِّغ
لأصحاب الأغراض المتربصين المزيد من الطعن في الإسلام بل واتخاذ القوانين
الصارمة ضد العاملين له.
أصبح هذا الموقف متكرراً على امتداد الساحة العربية، بل وفي بلدان بعينها
كمصر في السنوات الأخيرة حتى أضحى كالطقس الأبدي لا يفتر. والواقع أن
(اللادينيين) الذين يرفعون العقيرة بالهجوم على الإسلاميين في مسألة المطالبة بمنع
الكتب المسيئة للعقيدة هم أول من يلجأ لسلاح المنع والحظر والمصادرة، ومعها
اللجوء للمحاكم وأعمال الاعتقالات بل والإعدام في مطاردتهم للكتب والفكر الذي
يخالفهم مجرد مخالفة، أو الذي يرون أنه يسيء إلى أشخاصهم ورموزهم وليس إلى
عقائدهم؛ لأنهم لا توجد لهم عقيدة واضحة.
ولسنا بحاجة إلى العودة إلى الستينيات مثلاً لنرى كيف دفع الكاتب الإسلامي
المعروف حياته ثمناً لكتاب لم يَرُق للحكام العلمانيين في ذلك الوقت. فقد يكفي أن
نشير إلى أن وزير التعليم العلماني في البلد نفسه، والذي يرفع شعارات حرية الفكر
والعقل والتنوير ... إلخ يعلن في الوقت نفسه بل ويفاخر بأنه أصدر الأوامر بتطهير
مكتبات المدارس من الملايين من نسخ الكتب الإسلامية بعد وصفها بأنها تشجع على
التطرف رغم أنها كتابات في معظمها لعلماء أجلاء أو لكتاب لا يخرجون عن إطار
الدين؛ وتزامن ذلك مع قيام سلطات الشرطة بمصادرة الآلاف من نسخ كتب
إسلامية أخرى، كما تزامن مع إحراق هذه النسخ للتخلص منها ومحاسبة من يقتني
كتباً دينية بالسجن أو الاعتقال بحجة منع التطرف حتى وإن أشار أصحابها أنها
كتب مطروحة بالأسواق لعلماء وكتاب معروفين.
وسلاح المنع والمصادرة والحظر والتعتيم الذي يلجأ إليه العلمانيون وهم في
مواقع السيطرة ليس فقط موجهاً ضد الإسلاميين وكتبهم؛ فقد استخدم هذا الإجراء،
وما زال، كلما صدر كتاب ينتقد أي رمز من رموز العلمانيين ومذاهبهم؛ وكأنهم قد
أصبحوا من المقدسات التي لا تمس!
ولا تسلم من الأذى الكتب التي تنتقد أي مذهب علماني يكون أصحابه من
ذوي النفوذ وبالذات من المذاهب السياسية المعروفة كالقومية والاشتراكية أو
النعرات العنصرية أوالتوجهات الاقتصادية، وآخرها آليات السوق والرأسمالية
الجديدة ... إلخ.
والحجة المشار إليها على الدوام لتسويغ المنع والمصادرة للفكر المخالف
لتوجه العلمانيين أو لتقديس رموزهم هي حجة المساس بهيبة الدولة والحكام، أو
إشاعة البلبلة والاضطراب في الرأي العام، أو هدم المبادئ المقررة في الدساتير؛
وكأن الطعن في الذات الإلهية وشخص الرسول الكريم ﵊ وسائر
منظومات العقيدة والشريعة والتاريخ الإسلامي لا تناهض الدساتير العربية (وكلها
تقريباً ينص على أن الإسلام الدين الرسمي للبلاد) ، ولا تبلبل الرأي العام، ولا
تمس هيبة الدول والشعوب التي يفترض أنها مسلمة بحكم التاريخ والواقع!
خلاصة القول: أن الحجر على الفكر ومطاردته منعاً للكتب ومصادرةً للتعبير
وملاحقةً للكتابات حلال للعلمانيين في الوقت الذي يحرِّمونها على المسلمين مع
الفارق الجوهري: فدعاة الإسلام قد يطالبون بمنع كتاب أو مقال يطعن في الذات
الإلهية (ولا تستجيب بعض السلطات عادة لهم) أما العلمانيون فيقيناً أنهم حين
يطالبون يجابون بسرعة إلى منع الفكر الذي قد يطعن أو ينتقد مجرد انتقاد شخصاً
وفكراً بشرياً وضعياً زائلاً أضفوا هم عليه القداسة، حتى إن شعارهم الخالد هذه
الأيام هو: (رفع القداسة) ؛ ولكن عن الدين أي الإسلام وحده دون سائر الملل
والنحل، ودعاة الإسلام قد يُطالِبون (ولا يُجابُون عادة) بمنع تداول كتاب يتخذ من
التزوير الفاضح للحقائق سبيلاً إلى بث البلبلة بين الرأي العام حول الإسلام وثوابته؛ لكن العلمانيين يُطالِبون ويُجابُون إلى منع الفكر حتى وهو يتناول بالنقد والتفنيد
في إطار أكاديمي محدود بعض جوانب مذاهبهم التي يقولون إنها نسبية بشرية
متغيرة (وإن لم يعترفوا بذلك علناً أمام الجماهير) .
ثم هناك الفارق الجوهري الأكبر: أن بعض دعاة الإسلام قد يلجأون إلى
المطالبة بمنع تداول الكتب السيئة لا عجزاً عن مقارعة الرأي بالرأي والحجة
بالحجة (هذا ولو كان لدى الجانب الآخر رأي وحجة فعلاً) بل لأنهم يواجَهون بواقع
مشهود للجميع تتمتع فيه هذه الكتابات الطاعنة في الدين بترويج واسع في أوساط
الجماهير والعامة (ممن لا يقدرون على تبصر التزوير واللف الدقيق وغير الدقيق
للحقائق) من جانب الدوائر الفكرية والسياسية العلمانية التي يجب أن نعترف أنها
مُنِحَت السيطرة شبه التامة على منابر الإعلام والفكر والترويج الدعائي (بالإضافة
إلى الثقافة والتعليم) في معظم البلدان الإسلامية.
وإذا كانت هذه الكتابات المسيئة على تهافتها وزيفها تفرض فرضاً على
الجماهير بقوة هذه المنابر، وتوصف بأنها الحق الصراح فإن الردود الإسلامية يُعَتّم
عليها ولا تُنشر، بل تُهمل وتُحارب حتى ولو جاءت من جانب علماء أفذاذ يشغلون
مناصب في المؤسسات الدينية الرسمية، وليس ببعيد عنا ذلك اليوم الذي اشتكى فيه
شيخ الأزهر السابق من أنه يرسل إلى الصحف والإعلام ببيانات توضح آراء هذه
الجامعة الإسلامية الكبرى في القضايا المطروحة وتنافح عن الإسلام، لكن هذه
الآراء والبيانات لم تكن تنشر. ففي ظل واقع يروّج فيه للباطل على أوسع نطاق،
ويُفرض زيفاً على الجماهير بينما يُحجب صوت الحق بالرد الموضوعي في هذا
الواقع يصبح الطلب بالمنع والحظر أقل خط دفاع ممكن. كما أن هذا الطلب له
مسوغاته وسنده حتى قانونياً في الذب عن هيبة وحقيقة العقيدة وهي مبثوثة في
الدساتير كدين البلاد أو مصدر التشريع الرئيسي. فإذا كان العلمانيون يتخذون من
حجة هيبة الدولة والدستور تكأة لتبرير منع ومصادرة الفكر؛ أفلا يكون لدعاة
الإسلام نصيب من الحجة نفسها؟
وفي المقابل فإن العلمانيين يلجأون إلى المنع والمصادرة للفكر المخالف حتى
ولو كان ضعيفاً ومحدود الانتشار؛ وحتى وهم يملكون من وسائل التأثير والفعالية
في الترويج ما يسمح لهم بكبت هذا الفكر وتشويه صورته لدى الجمهور وإفقاده أي
فاعلية، أو مما يسمح لهم على الأقل بأوسع فرص الرد والتفنيد لو كان لديهم ما
يقولونه وهو مشكوك فيه. وهم يلجأون إلى المنع والمصادرة حتى وهم في موقع
القوة وليس في موقع الدفاع اليائس؛ فوق أنهم لا يجدون في القانون والدستور
مسوغاً لإضفاء الحصانة والقداسة على أشخاص زائلين ومذاهب فكرية نسبية زائلة. ... ...
إذن: فقضية منع ومصادرة الكتابات ليست بالبساطة التي يصورها بها
البعض، وليست أحادية الطرف كما يدعي العلمانيون؛ بل هي موضوع متشابك
نجد أن المتهم الحقيقي فيه هو التوجه اللاديني نفسه الذي ألقى بالتهمة باطلاً على
التيار الفكري الإسلامي الذي هو في الحقيقة ضحية بريئة.
стр. 2652
متابعات
حرية الفكر أم حرية الكفر
عبد العزيز بن عبد الله الزهراني
إلى علماء المسلمين وحكامهم في كل مكان. إلى كل الفعاليات الثقافية
الإسلامية. إلى كل مسلم غيور: أوجه هذا النداء، بعد أن قام كُتّابٌ من بعض
البلدان العربية والإسلامية بسب دين الإسلام ورسول الإسلام وصحابة الرسول
الكرام؛ حيث فاقوا دعاة التنصير والمنظمات الصهيونية المعادية للإسلام: إلى كل
أولئك أوجه هذا النداء عبر (مجلة البيان) .
بدأت أكتب في خاطرة بعنوان: (أصنام تعبد في داخل الإنسان) وقرأت عن
(كتاباتهم التي تهاجم الإسلام والرسول والصحابة) [١] . ومنهم المدعو (سيد القمني)
في كتابه: (رب الزمان) الذي يتحدث فيه عن وجود آلهة سماوية وآلهة أرضية.
ومنهم (خليل عبد الكريم) عضو أمانة حزب التجمع اليساري في كتابيه: (مجتمع
يثرب) و (شدو الربابة في أحوال الصحابة) قالوا في كتبهم: نحن علماء مجتهدون
ولا يحق لأحد أياً كان مراجعة فكرنا، وليس للدين ولا للمتدينين علينا وصاية.
ويقول أحدهم: إن القرآن يعطي الحق المطلق في حرية العقيدة والفكر، ويتهمون
الرسول أنه ما كان يهدف من النبوة والرسالة إلا ليقيم دولة عربية قرشية هاشمية
تحقيقاً لأمنية جده عبد المطلب إلى غير ذلك من الهراء.
مات فرعون وفكره ما زال يحيا:
وقال القمني: إننا اليوم قادرون على أن نفهم ديننا أفضل مما كان يفهمه
الصحابة. وقال: إنه لا يسمح بأن يسأله أحد عن عقيدته الدينية؛ لأن من يتصدى
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى توكيل من الله؛ والإسلام لا يعرف
التوكيلات، وأنا مواطن في دولة مدنية ولست فرداً في دولة الخلافة الإسلامية!
والمشائخ لا يدعون إلى مصادرة كتبي بل إلى قتلي واغتيالي، ولكن أفكاري ستبقى
مخلدة..! ! اهـ
أقول: إن التاريخ لا يرحم ولا يحابي ولا يجامل أحداً على حساب أحد. فما
يكتبه أصحاب الأفكار السليمة وحتى المنحرفة ستبقى مخلدة كما أبقى الله جل شأنه
فكر الأنبياء والصالحين وأبقى دعاوي الفراعنة والملحدين. فذلك فرعون وكفره،
وهامان وكبره، وأعداء الرسل وجبابرة الدنيا أخبرنا الله عنهم، فقال عن فرعون
ووزرائه حين جاءهم بالبينات: [فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ] (غافر: ٢٤) . وفي مقام
الشورى من فرعون لملئه قال: [وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي
أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] (غافر: ٢٦) وفي آية أخرى
تقرر كفر فرعون: [قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] (غافر: ٢٩) ، ففي الآية الأولى يطلب من ملئه الموافقة على قتل موسى عليه
السلام لخوفه أن يغير موسى عبادة فرعون بعبادة الله الواحد الديان، ويفسد ملك
فرعون وألوهيته المزيفة؛ وهذا في عرف فرعون فساد، وفي شطر الآية الثانية
يبدو فرعون واعظاً ومذكراً ومحدثاً وداعياً ومرشداً لقوله: [وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ
الرَّشَادِ] ويقول في مقام آخر: [يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي]
[القصص: ٣٨] ، فذلك كفر فرعون ذُكِرَ في القرآن الكريم مع قبيح فعله وتخليده
في نار جهنم، وكذلك ما قاله وزيره قارون حينما زعم أن ما لديه من جاه ومال
جاءه من تلقاء نفسه ومن علمه: [إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي] [القصص: ٧٨] ،
وأورد القرآن الكريم عن قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين،
فخلد ذكرهم بأسوأ صورة. هكذا يريدون تخليد ذكرهم بإعلان الكفر وسب الإسلام
وشعائر الدين الحنيف، وكأنهم لم يجدوا طريقاً أسهل عندهم من الجهر بالإلحاد
والتشنيع على محمد ورسالته وأصحابه الغر الميامين.
ثم قال القمني: فضّ الله فاه محذراً من مغبة تقديس الصحابة! ! : (لا ينبغي
أن نفرط أو نسرف في تقديس الصحابة؛ فهم رجال ونحن رجال، وهم يخطئون
كما نخطئ، والإسراف في تقديسهم أحد أسباب الكارثة التي نعيش فيها حتى صرنا
نضع أمامنا محرمات من صنع أنفسنا تمنعنا من حرية التفكير وقدّسنا أشخاصاً غير
مقدسين) .
كما اتهم الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ أنه كان غير صالح
للخلافة وغير سوي ليكون خليفة، وأنه مجتهد كما اجتهد عثمان.
والحقيقة أن المسلمين الصادقين يقدرون أصحاب رسول الله كما أثنى الله
عليهم، وكما قدرهم رسوله؛ وحسبُهم أنهم خير القرون.
كفر صريح وردة مكشوفة:
ثم اتهموا الصحابة الكرام بأنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من عاداتهم الجاهلية! سبحان الله وأن الإسلام ومحمداً ﷺ أخفقا في التسامي بهم إلى
مكارم الأخلاق؛ مما جعل محمداً يتبرأ منهم. وينكر (خليل عبد الكريم) أعمى
البصر والبصيرة أن الإسلام دين إلهي قائلاً: الإسلام تجربة فجرها محمد، وأسهم
الصحابة معه في تجسيدها لإقامة الدولة القرشية. ويقول: (سيد القمني) : إن جد
الرسول (عبد المطلب) كان يسعى للزعامة؛ وهذا ما دفع أولاده إلى مساندة الإسلام
ليحققوا من خلاله حلم الدولة، وفسر ذلك قائلاً: هذا واضح طبيعي لكي تبدو
الرسالة النبوية طبيعية ومتوافقة مع ظروف الأوضاع العامة لمن نزلت فيهم.
الطعن في الصحابة:
ولا يتورع هؤلاء السفلة المارقون عن رمي سيف الله خالد بن الوليد رضي
الله عنه بالزنا بامرأة خالد بن نويرة، وأن الخليفة الأول أبا بكر لم يُقِمْ عليه الحد
الشرعي، إلى غير ذلك.
واتهموا الصحابة الأخيار بالتشوّف إلى النساء في موسم الحج وغيره، وأن
الرسول ﷺ ما نهى الصحابة عن دخولهم المدينة ليلاً بعذر حتى
تمتشط الشعثاء، وتستعد المغيبة إلا خوفاً من أن يلقى الرجل زوجته في وضع
يكرهه من الناحية الأخلاقية، وهذه الصيحات الجوفاء وتلك الأقلام المأجورة تحاول
أن تلصق قذارتها ضد أطهر مجتمع عرفه التاريخ منذ فجر الخليقة إلى أن يرث الله
الأرض ومن عليها، ثم قال: وقيل إن بعض الصحابة خالف هذه الأوامر وطرق
أهله ليلاً، ففوجئ بزوجته في أحضان رجل، وكان من المحتم اللازم أن يتوقع
ذلك أليس هو ابن مجتمع يثرب وربيبه؟ ! !
ثم يبالغ في إساءته لرسول الله المعصوم ﷺ قائلاً: ومن
الواضح أن محمداً ما نهى صحبه عن دخول بيوتهم ليلاً إلا ليجنبهم المرور بتجربة
قاسية تحطم معنوياتهم وتمنعهم من الانخراط مرة أخرى في غزواته وبعوثه! !
ويضيف المؤلف قائلاً: إن محمداً الحصيف كان يعرف أن الليل هو الوقت المفضل
لتلاقي الأخدان، خاصة في ذلك الزمان؛ إذ لم تكن إنارة الشوارع والطرقات قد
عرفت؛ الأمر الذي يمكن الدخول والخروج بأمان، لهذا نهى محمد أتباعه عن
الدخول على الزوجات في ظلمة الليل حتى لا يفاجأوا بما لا يسر ويفزعهم ويدفعهم
إلى الإحجام عن الخروج للجهاد. اهـ. باختصار.
أقول: فلتقر عيون المنظمات الماسونية ومنظمات التنصير والروافض بهذا
الهراء الذي قدمه ويقدمه أبناء جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا ويندسون في صفوفنا
ويدمرون عقيدتنا! إنهم معاول هدم وأدوات تخريب استحوذ عليهم الشيطان وكشفوا
عن وجوههم الكالحة في صفاقة ووقاحة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، وقد أُعلِنَتْ تلك
المفتريات في بلد عربي إسلامي كان ولا زال ينتج العلماء والمصلحين، وقد أمنوا
العقاب بدعواهم أنهم ليسوا في دولة الخلافة الإسلامية لاسيما في ظل القوانين
المستوردة التي تحمي هؤلاء الزنادقة بدعوى أنهم أصحاب رأي وهم أدعياء وأذناب؛ فيا لله للإسلام، ويا لله للمسلمين.
أي حرية رأي يزعمون؟
ثم إن هذا الكذب الصريح على الإسلام ورسول الإسلام وصحابته الكرام
بحجة حرية الرأي يدعونا إلى أن نسألهم: كيف لا تنحصر هذه الحرية إلا ضد
القرآن وخاتم الأنبياء والمعتقدات الإسلامية؟ ولماذا تختفي حرية الرأي وتجبن عن
ذكر مساوئ المخلوق غير المعصوم بذكره بما فيه من جور وظلم وتعسف؟ ولا
يتورع أدعياء حرية الرأي عن الإساءة إلى أطهر خلق الله: الهادي البشير،
بأكاذيب وافتراءات ملفقة باعثها النفاق والحقد والعمالة لأعداء الإسلام بعد أن قبض
أصحابها الأجر من سادتهم؛ ولكونهم من العرب فقد صار تأثيرهم أشد من تأثير
سادتهم وأساتذتهم ممن زعموا أن عزيراً ابن الله والمسيح ابن الله تعالى الله وتقدس
عما يقولون علواً كبيراً.
ثم: على من يُوجّه هذا الهجوم السافر؟ وعلى من تقذف هذه المفتريات
المخرجة من الملة إلى الكفر الصريح؟ إنها مفتريات وقحة على من عصمه الله
وحفظه واصطفاه وجعله نبراس هداية، ووصفه الله مع صحابته الأخيار بقوله وهو
أصدق القائلين: [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ
السُّجُودِ] [الفتح: ٢٩] . وتستمر الحملة المسعورة تحركها عواصف الحقد الغربي
لسب الدين ورسول رب العالمين في صلف مكشوف جبان؛ وقد أنزل الله في
أمثالهم: [إنَّ الَذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ
لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ] [محمد: ٢٥] . ثم قال بعد ذلك: [أَمْ حَسِبَ الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ
فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ] [محمد: ٢٩-٣٠] .
ثم يوجه بعد ذلك الخطاب للنبي ﷺ ولصحابته الكرام أنه
سيمتحنهم بالمنافقين والمرتدين، بقوله: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ
وَالصَّابِرِينَ وَنََبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] [محمد: ٣١] . نعم وكأن القرآن الكريم قد وقف لهم
بالمرصاد ليفضح نواياهم ويكشف مخططاتهم ويحذر حزبه المتقين وأولياءه
الصالحين من غدرهم وعمالتهم المستمرة لأعداء الملة الإسلامية في طول الزمان
وعرضه.
توصيف عجيب لهؤلاء الأدعياء:
إنهم ليسوا: (عرباً، ولا عجماً ولا روساً ولا أمريكان) ! ! ! إنهم مسخ
غريب الأطوار، منحرف الفكر، بليت به هذه البلاد إثر ما صنعه الاستعمار بها
وترك بذره في مشاعرها وأفكارها.. فهم كما جاء في الحديث: (من جلدتنا
ويتكلمون بألستنا) بيد أنهم عدو لنا ولتاريخنا وحضارتنا، وعبء على كفاحنا
ونهضتنا، وعون للحاقدين على ديننا والضانين بحق الحياة له ولمن اعتنقه.
إن هؤلاء الناس الذين برزوا فجأة، وملأت ضجتهم الأودية كما تملأ الضفادع
بنقيقها أكناف الليل، يجب أن يُمزّق النقاب عن سريرتهم، وأن تعرفهم هذه الأمة
على حقيقتهم حتى لا يروج لهم خداع ولا ينطلي لهم زور.
إن هؤلاء الناس ينبغي أن يماط اللثام عن وجوههم الكالحة، وأن تلقى
الأضواء على وظيفتهم التي يسّرها الاستعمار لهم ووقف بعيداً يترقب نتائجها المرة.
وما نتائجها إلا الدمار المنشود لرسالة القرآن وصاحبها العظيم محمد بن
عبد الله.
لقد قرأنا ما يكتبون وسمعنا ما يقولون ... ولم يعوزنا الذكاء لاستبانة غايتهم
فهم ملحدون مجاهرون بالكفر. يقولون في صراحة: إن الإسلام ليس إلا نهضة
عربية فار بها هذا الجنس العظيم في القرون الوسطى، واستطاع في فورته العارمة
أن يجتاح العالم بقيادة رجل عبقري هو الزعيم الكبير محمد ﷺ ..!!
أي أن هذا الدين الجليل نبت من الأرض ولم ينزل من السماء! ! وأنه
انطلاقة شعب طامح فاتح، وليس هداية مثالية فدائية جاءت من عند الله لتنقذ
العرب من جاهلية مظلمة كانوا بها في مؤخرة البشر، إلى حنيفية سمحة رفعت
خسيستهم ثم انتشر شعاعها بعد في أنحاء الأرض كما تنتشر الأضواء في عرض
الأفق لدى الشروق [*] .
الله أكبر ما أشبه الليلة بالبارحة! إن نهج الملاحدة واحد وإن تباعدت أوطانهم
وتعاقبت أزمانهم قال تعالى: [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا
سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ] [الذاريات: ٥٢-٥٣] . ومما
يؤسف له أن هذا الإلحاد يُنشر على نطاق واسع في بلد يحوي مَعْلَماً حضارياً
إسلامياً وتاريخياً لا زال إلى يومنا هذا يناضل ويكافح افتراءات الملاحدة.
وهكذا يثير هذان الدعيان شبهاتهما بعد أن تشبعا بأباطيل الغزو الثقافي الغربي، ... وتشبعا بأفكاره إبان الاحتلال وبما تغذت به أفكارهم من مدرسة التغريب
والشعوبية من خلال سماسرة المستشرقين الذين لا زالوا يرددون الشعارات نفسها
في أن النبي محمد ﷺ ما أراد بدعوته إلى الإسلام إلا من أجل
تحقيق أمنية جده عبد المطلب حيث كان يطمع في إقامة دولة هاشمية قرشية، وإنما
اتخذ دعوى الرسالة والنبوة وسيلة ليحقق بها حلم جده، وليست وحياً من عند الله
العلي العظيم.
وبعد: فإن هذه نفثات قلم يحترق غيرةً على ما يذيعه أولئك المجرمون،
ولعلها تجد مزيداً من النقد وكشف خفايا أولئك الزنادقة ومنطلقاتهم ليعرفهم الخاصة
والعامة. وما ذلك على الله بعزيز.
منتدى القراء
والناس في أوهامهم سجناء
بقلم: طارق عبد الفتاح السيد
لا شك أن العقيدة التي يحملها الإنسان في صدره ذات أثر كبير في سلوكه،
بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان العملي في حياته ومواقفه تجاه الأحداث
التي تواجهه في رحلة الحياة ما هي إلا ترجمة حية لما يحمل بين حنايا قلبه من
عقيدة، وما ينطوي عليه فؤاده من مبادئ وقيم، وقديماً قالوا: إن الإناء ينضح بما
فيه.
وهذه بدهية مسلّمة لا يشذ عنها أحد؛ إلا المنافقون الذين يعانون من (انفصام)
بين ما يحملون ويعتقدون من عقائد وما يسلكون في الحياة من مواقف، ولذلك فهم
أتعس الناس في الدنيا وأشقى الناس في الآخرة.
والوهم ضرب من العقيدة بهذا الاعتبار؛ فإن الإنسان إذا توهم أمراً في أي
شأن من شؤون حياته دفعه ذلك (الوهم) لاتخاذ مواقف معينة وسلوك محدد يتفق
نصّاً وروحاً مع ما يمليه عليه هذا الوهم؛ فقد صار الوهم بالنسبة له عقيدة يعتقدها
ولو لفترة مؤقتة، وأظنك توافقني إذا قلت: إن خطر الوهم لا يكمن في أنه عقيدة،
بل لأنه اعتقاد فاسد قد يجر صاحبه وحامله إلى المهالك في الدنيا قبل الآخرة؛ فكم
ضيّع الوهم من فرص سانحة! وكم بددت الأوهام من طاقات وشتتت من جهود،
فأنت قد تخسر صديقاً وفياً يندر في هذا الزمن لأنك توهمت فيه الخسة والخيانة ولم
تحسن تفسير سلوكه. والآن أسمح لنفسي بالقول: (إن الوهم اعتقاد فاسد بسبب
تصور خاطئ أو تقدير غير دقيق) .
وإذا كان خطر الأوهام على عامة الناس كبيراً فإن خطرها وضررها على
أصحاب المبادئ والقيم وحملة الرسالات ورافعي لواء الحق والهدى والإصلاح،
أقول: إن خطرها على هؤلاء أشد وأعظم؛ وما ذلك إلا لأن هؤلاء القوم هم الرواد
الحقيقيون لأمتهم وبلادهم نحو الفلاح والرشاد، إنهم الشموع التي تحترق لتضيء
للناس الطريق، وإلا فقل لي بربك: من الذي سيوقظ الأمة من غفلتها؟ ومن الذي
سيساعدها على النهوض من كبوتها؟ ومن الذي سيحذرها من سهام مسمومة
تُصَوّب إليها من كل حدب وصوب وفي كل وقت وحين؟ ومن..؟ ومن ... ؟
أسئلة كثيرة لن يجد أي منصف نفسه إلا قائلاً: إنهم هم بإذن الله ومشيئته وتوفيقه،
وعند هذه النقطة أراني وإياك نستشعر حجم الخطر الذي سيقع لو تسلل الوهم إلى
نفوس هؤلاء، إنه (خطر متعد) لن يقتصر ضرره عليهم بل سيتعداهم إلى الأمة
كلها من ورائهم التي ستحرم من الخير والهدى الذي يحملونه وإليه يدعون، نعم
ستحرم الأمة من الحياة الكريمة التي يدعو هؤلاء الأفاضل إليها تحت مظلة منهج
الله وشرعه.
إن أثر هؤلاء في أقوامهم وشعوبهم لا يقل إطلاقاً عن أثر المطر الذي ينزل
على الأرض الموات التي يأذن الله لها بالإنبات.
وفي ميزان النهوض بالأمم قد لا يؤثر كثيراً أن يصاب ألف من الكسالى
والنائمين بالشلل فيعتزلوا الحياة؛ في الوقت الذي يُعدّ فيه من النكبات أن يتعطل
فقط عامل جاد نشيط مفكر، ومن أخطر الأمور أن يكون هذا العطل والتعويق
بسبب وَهْم مقيت قد يكون بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير.
لذا: فمن مقتضيات الحزم وشارات الفلاح أن نبادر لمعالجة أي خلل يعتري
نفسية هذه الكوكبة من حُدَاة الطريق ودعاة الإيمان، وإلا فسنجد أنفسنا مضطرين
إلى أن نردد مع شوقي: (والناس في أوهامهم سجناء) بل نزيد: (وفي مبادئهم
أيضاً) .
стр. 2655
منتدى القراء
كيف يكون صومك نموذجياً
بقلم: محمد نجيب لطفي
مما لاشك فيه أنك أخي المسلم تحب أن يكون صومك مقبولاً ونموذجياً.
وهناك نصائح نقولها للتذكرة [وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ] [الذاريات: ٥٥] .
ومن هذه النصائح ما يلي:
١- يجب أن يكون صومك لله إيماناً واحتساباً، وفي ذلك الغفران لذنوبك
والتكفير لسيئاتك (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) .
٢- يجب أن تصون جوارحك كلها عن المعاصي والآثام حتى يكون صومك
كاملاً ولا يضيع ثوابه وجزاؤه.
٣- يجب المحافظة على الصلوات الخمس في المسجد جماعة، وكذلك الإكثار
من النوافل لما للنوافل من قيمة عظيمة في هذا الشهر المبارك.
٤- يجب الإكثار من قراءة القرآن ومدارسته وحفظه وتدبره في هذا الشهر
المبارك؛ لأن شهر القرآن هو [شَهْرُ رَمَضَانَ الَذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًًى لِّلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ] [البقرة: ١٨٥] .
٥- يجب الإكثار من التصدق والعطاء والبذل في هذا الشهر المبارك؛ لأن
الرسول الأعظم كان أجود من الريح المرسلة في هذا الشهر المبارك.
٦- يجب المحافظة على صلاة القيام؛ لأنها من شعائر هذا الشهر المبارك،
ولما فيها من محافظة على سنة النبي ﷺ ، ومن اجتماع
المسلمين، ومن مدارسة القرآن الكريم.
٧- يجب البعد عن اللهو ووسائله من أفلام هابطة، وأغان ساقطة،
ومسلسلات تافهة، وكل صوارف وضيعة تافهة عن هذا الشهر الكريم وما فيه من
صلاة وصيام وقراءة وقيام وكل جوانب الخير المباركة.
٨- يجب الإسراع بالإفطار وعدم تأخيره التزاماً بسنة النبي -صلى الله عليه
وسلم-، وإشفاقاً على النفس من تواصل الجوع والعطش، وأن يكون إفطارك على
الرطب أو التمر أو الماء، ثم الصلاة، ثم استكمال الإفطار؛ وكل ذلك من سنة
النبي.
٩- يجب الالتزام بالسحور قدر الإمكان (تسحروا فإن في السحور بركة) ولأن
السحور خاص بهذه الأمة المباركة، ويجب تأخيره وعدم تقديمه؛ لأن ذلك هو
الموافق لسنة النبي. ووجبة السحور وجبة مباركة تعين الصائم على صومه.
١٠- يجب المحافظة على سنة الاعتكاف إنْ كان ذلك ميسراً؛ لأن الاعتكاف
من سنن الصيام وسنن هذا الشهر المبارك؛ وهو من السنن المهجورة المتروكة.
فحافظ عليها أخي المسلم إن كان ذلك في مقدورك للمحافظة على هذه الشعيرة الغالية
العظيمة.
١١- يجب البعد عن الشراهة في الإفطار والسحور؛ لأن ذلك بعيد عن
مقاصد الإسلام، ولما يترتب على ذلك من أضرار شرعية وبدنية. ولما في ذلك
من بعد عن مقاصد الصيام والإسلام.
١٣- يجب التأسي في كل فعل وقول واعتقاد بالنبي ﷺ
وصحابته الميامين الكرام ﵃ حتى يكون ذلك أدعى للقبول.
стр. 2656
منتدى القراء
دعوة للعناية بالمرأة
بقلم: فاتن الصويلح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: أبعثُ برسالتي هذه إلى مجلة البيان الإسلامية، وذلك من باب [وَتَعَاوَنُوا
عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى] [المائدة: ٢] ، وقوله: (الدين النصيحة) . أحببت أن أسطر
أحرفي ولأول مرة، لا ككاتبة لموضوعات أو حتى ناقدة، وإنما رغبة مني في
طرح موضوعات أعتقد أنها مهمة جداً، ولكنها لا تحظى باهتمام مناسب، ولعل
البيان توليها المزيد من العناية، ومنها:
أولاً: تناول الجوانب المهمة في حياة الفتاة المسلمة من منظور شرعي
وتربوي؛ فهناك مواضيع جادة وهادفة تخاطب الفتاة المسلمة تتناول جوانب حساسة
من حياتها وظروفها الاجتماعية وهي تلك المواضيع التي تتحدث عن إشباع الفطرة
بالحلال بالتحدث عن مشاعرها وعواطفها الجياشة: إلى أين؟ وإلى من تكون؟
وما ضابطها؟ مع الحديث عن العفة؛ لتكون لأهل العفة نوراً على نور ولأهل
الشهوة نوراً يبدد الظلمات، لاسيما والفتاة هي أول من يقع فيها إلا من حفظ الله.
نحن بحاجة إلى هذا التذكير الذي ينبثق من منظور تربوي شرعي لا يكتفي
بطرح كلمات جامدة يعرفها الجميع، بل يعمل على أن يتغلغل إلى حنايا النفس
المؤمنة فيطرح عليها القضية، ويترك مجالاً لذلك الحوار النفسي الهادف حتى
يتوصل إلى الحقيقة وتعرف النتيجة المؤدية إلى العلاج، ولنا في رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- خير مثال؛ وهو خير قدوة يعالج ويحاور ويثير؛ ألا تراه كيف
يخاطب الوجدان قبل أن يخاطب العقل؟ فحينما دخل على رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- فتى، وقال للرسول: (ائذن لي بالزنا يا رسول الله! وإذا به يسمع
صليل سيوف الصحابة التي تحركت ليؤدبوه بها، ولكن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- نهاهم عن ذلك، وقال للفتى: اقترب مني، ادنُ مني. ولما اقترب من
رسول الله ﷺ هش في وجهه وبش وابتسم، وبعد أن هدأ روع
الفتى قال له رسول الله: أترضاه لأمك؟ فقال الفتى: لا. قال الرسول: كذلك
الناس لا يرضونه لأمهاتهم. أترضاه لأختك؟ فقال: لا، فقال الرسول -صلى الله
عليه وسلم- كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم. أترضاه لعمتك؟ فقال الفتى: لا،
قال الرسول: كذلك الناس لا يرضونه لعماتهم. وبعد هذه المحاورة مسح رسول الله
ﷺ على صدر الفتى، ودعا له. فيقول الفتى: ذهبتُ وما من
شيء أبغض عندي من الزنا) ، فهذا يا إخوتي مثال من أمثلة لا تعد عالج فيها
رسول الله ﷺ بعضاً من تلك الأمور التي لا يستطيع الإنسان
كبتها أو كتمانها وهو يسعى إلى إيجاد الحل في ذلك.
ومن الجوانب المهمة في حياة الفتاة المسلمة: (الأخوة في الله) ، التي أصبحت، وللأسف الشديد تأخذ مساراً غير طبيعي، أو تفرعت إلى اتجاه آخر وخاصة
داخل بعض المدارس والجامعات؛ هذا الاتجاه الذي خالف ما عرفناه عن رسول الله- ﷺ وعن سلفنا الصالح. وقد أخذ هذا الاتجاه جوانب سلبية
عديدة نتيجة المفهوم الخاطئ للأخوة في الله أو الحب والبغض في الله. وأنا معكم
في أن الطابع العام لمجلة البيان هو الجدية، ولكن: هل تدعونا هذه الجدية إلى
رفض مثل هذه الأمور التي يكاد يكون إغفالها أو حتى إهمالها أن ينشأ عنه أمور تعتبر عواقبها وخيمة وتكاد تكون نتائجها السلبية ضارة على الفرد والمجتمع؟
ثانياً: تناول الموضوعات التي تتحدث عن الطفل وتربيته التربية الإسلامية
الجادة، وكذلك المواضيع التي تجيب عن كثير من تساؤلات يحار فيها الكثير
وخاصة أسئلة الطفل؛ فكثيراً ما تسأل الأم أو الأخت أو أي أحد من أفراد الأسرة
المسلمة: كيف أجيب عن تساؤلات الطفل عن الله ﷻ ؟ فمثلاً نقول له:
إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؛ كما في الحديث
الذي رواه البخاري ومسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث
الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني
فأغفر له؟) وغيره من الأحاديث؛ فكثيراً ما يكون سؤال الطفل: كيف يكون
نزوله؟ أو كيف هي صفته؟ وأين هو؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تمس العقيدة
ونقف أمامها حائرين، إلى غير ذلك من الأمور التي تهتم بتربية الطفل تربية جادة.
هذا وأتمنى أن تعتنوا بذلك ضمن اهتماماتكم وجهودكم المشكورة. هذا ونسأل
الله لنا ولكم السداد والتوفيق.
стр. 2657
منتدى القراء
مهلاً تذكر
شعر: غازي عبد العزيز حاجي
ونَعُدّهَا وَتُعَدّ مِنْ أعْمَارِنَا ... وَنَوَدّ لَوْ تَتَعَجّل الأَحْكَامُ
متجاهلين بأنّها محدودةٌ ... في جُعْبَةٍ منْ دهرنا الأيامُ
نسعى إلى غَدِنا وهل يأتي غدٌ؟ ... حُلُمٌ زَهَتْ بطيُوفهِ الأوهامُ
وَلِمَ التّلَهّفُ للغداةِ وَلَمْ تكنْ ... للإمتحانِ مُعَدّةً أقلامُ؟
стр. 2658
منتدى القراء
شكوى
شعر: زياد العبيدي
لله أشكو غربتي وجوني ... ألوذ لوذ الخائف المسكينِ
وأقول: ربي قد أتيتكَ ضارعاً ... فامننْ عليّ بتوبة سكونِ
هذي ذنوبي أثقلت ليَ كاهلاً ... وجرائمي هدّتْ عليّ عريني
كيف الخلاصُ وليس عندي مأملٌ ... إلا الرجاءُ وذاك ما يكفيني
وإذا البلايا صارعتني في الوغى ... وأتتْ خطوبُ الدهر بالمحزونِ
ويئستُ من أيدي العباد فإنهمْ ... لا يجلبون إليّ ما ينجيني
وذرفتُ دمعاً قد أقضّ مضاجعي ... ودماً يحرّقُ مقلتْي وجفوني
وهتفتُ: يا ربّ العوالم رحمةً ... تمحو ذنوبَ جوارحي وشجوني
يا غافر الذنب العظيم بفضله ... ومفرجاً كرباتِ كل حزينِ
ارحم وسامح من أتاك بذلّهِ ... لا أبتغي ما عشتُ إلا ذَيْنِ
وامننْ عليّ بتوبة أنجو بها ... وأفوز فوزاً قد أتى ذا النونِ
стр. 2659
منتدى القراء
في ظلال قصة حاطب
بقلم: نزيه أحمد
إن إحدى الأزمات التي تعاني منها الصحوة الشابة هي بعدها عن الدراسة
التربوية العميقة لأحداث السيرة؛ وأعني بتلك الدراسة: أن تدرس أحداث السيرة،
وتفهم فهما صحيحاً من غير تأويل لأحداثها لهوى أو لمصلحة مصطنعة؛ ومن ثم
محاولة تطبيقها وتربية النشء على منوالها. إن دراسة السيرة النبوية دراسة علمية
مجردة سوف تجعلها حبيسة الكتب ولن تخرجها إلى واقع الحياة.
ومن القصص التي ينبغي لقادة الصحوة أن يتأملوها قصة حاطب بن أبي
بلتعة ﵁ حينما بعث كتاباً لقريش يخبرهم فيه بعزم النبي -صلى الله
عليه وسلم- مع هذا الموقف والقصة موجودة في (صحيح البخاري) [١] .
بعض الظلال:
١- الموازنة بين المصالح والمفاسد: (لتخرجن الكتاب أو لنجردك) هذا
الموقف يدل على أنه ينبغي مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على
أمر ما؛ فهنا نجد أن مفسدة تجريد المرأة أخف من أن ينتشر خبر عزم النبي -
ﷺ على فتح مكة.
ومثل هذا المفهوم جدير أن يربى عليه أبناء الحركة الإسلامية حتى لا يقف
الجمود حجر عثرة أمام كثير من الأعمال بحجة حرفية النص وعدم القدرة على
استيعاب مفهوم الموازنة؛ ولا بد من إدراك أن هناك فرقاً بين الحكم وبين إنزاله
على أرض الواقع؛ وهناك الكثير من الأحداث من سيرة الرسول -صلى الله عليه
وسلم- وسلف الأمة الدالة على مراعاة هذا المفهوم.
٢- عدم التسرع في إصدار الأحكام: قال عمر للرسول: (إن حاطباً خان الله
ورسوله والمؤمنين) ؛ لكن الرسول ﷺ لم يسمع منه رغم مكانة
عمر ﵁ وسأل حاطباً ليتثبت منه ويعرف عذره.
٣- المصارحة والوضوح: (ما حملك على ما صنعت؟) أخطأ حاطب
﵁ بإرساله كتاباً إلى قريش، والرسول ﷺ لما علم
بهذا صارحه وأراد أن يعرف ما هي دوافعه لذلك. ويستفاد منه أيضاً حسن الظن
بالمسلم، والمصارحة بين القائد وأتباعه في جو من الصدق والوضوح.
٤- الحكمة وعدم التعنيف: (لا تقولوا له إلا خيراً) هكذا يتعامل المربي مع
من يربيهم بالرأفة والرحمة والألفة وقبول أعذارهم، ومعرفة ما دفعهم لارتكاب
الخطأ ... وهذا يساعد على إشاعة جو الثقة والصراحة بين القائد وأتباعه.
٥- الاستماع إلى الرأي المخالف: لم يقتنع عمر ﵁ وراجع
الرسول ﷺ مراراً: (إنه خان الله ورسوله والمؤمنين)
والرسول كان يكرر: (صدق؛ لا تقولوا له إلا خيراً) ولم يعنف عمر؛ لأنه خالفه
مع أنه رسول مؤيد بالوحي.
ومن المؤسف أنه في بعض التجمعات إذا أراد مصلح أن يزيل القذى لتُرى
الحقيقة اتهم بأنه عضو فاسد مريض يجب اقتلاعه، وأصبحنا نتوارث الأخطاء
وننشئ أجيالاً تربت على الخنوع، تفكر بعقل غيرها [٢] .
٦- محاولة إقناع الطرف الآخر بأساليب عدة: حاول الرسول -صلى الله
عليه وسلم- إقناع عمر ﵁ منوعاً في الأسلوب فمرة قال له: (صدق؛
لا تقولوا له إلا خيراً) ومرة أخرى: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما
شئتم؛ فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم) .
٧- شفافية نفوس الصحابة ورجوعهم إلى الحق: (فدمعت عينا عمر وقال:
الله ورسوله أعلم) .
стр. 2660
منتدى القراء
غابة
عمار البذيخي
وأنا هنا وحدي يرافقني الألمْ ... في غابةٍ لا تل فيها لا قممْ
أرجاؤها وحل وأما أهلها ... إما ثعالب أو ذئاب أو غنمْ
أبصرت من حولي صرخت لعلني ... ألقى جواباً من وجودٍ أو عدمْ
وأنا هنا وحدي أنين جاءني ... فهرعت لكن غاص في الوحل القدمْ
فوجدت مشلولاً صرخت بقوةٍ ... تباً لمن خانوا الأمانة والذمم
حاولت تطبيباً عجزت سألته ... هل هذه الغابات من عهد القدم؟
فأجابني والحزن في نبراته ... كم من رياض ها هنا كانت وكمْ
فسألته ما الاسم؟ قال مجاوباً ... اسمي أنا الأخلاق واللقب القيمْ
стр. 2661
الورقة الأخيرة
ليلة (رقص) السنة
بقلم: سلوان حسن
في ليلة (رقص السنة) الميلادية، ووسط جنون الموسيقى هادئةً وصاخبةً،
وعلى دقات الكعب العالي والحافي المحلي منه.. والمستورد، تمتلئ الصالات
والبارات والخمارات والمواخير بأولئك النفر من الناس، من متخمي الجيوب
والبطون.. خواة العقول والقلوب.
نقول ذلك لا حقداً ولا حسداً، بل غيرةً وشفقة على دين الله أولاً.. ثم على
أولئك الصنف من الناس، عسى أن يهديهم الله سواء السبيل.
أخبار وأرقام فلكية عن أموال تهدر على أقدام الراقصات؛ ولا نعجب حين
يكون أجر الفنان الأول ٧٠.٠٠٠ دولار! ! في هذه الليلة، أما الفنان (الأدنى)
فنصيبه فتات الموائد، التي لا تقل عن: ٣٥.٠٠٠ دولار في ليلته تلك! ! .
أما الأبدان العارية، فحسابها لا شك مختلف، إذ إنه في الغالب.. حسابان:
علني: في سوق النخاسة، وسري: في سوق الدناسة.
أيها الكرام: هناك دولة حدثها الفريد الذي يجب أن تلغي جميع مواعيدك
لأجله: زيارة مغنٍّ داعر لأراضيها! ! ، وثانية: حرام الخمر فيها على أهلها،
حلال على (سائحيها) لأجل الشهر (الفضيل) .
ومن المهازل أن وزيراً عربياً سابقاً وهو عضو هيئة تدريس أسبق دائماً ما
يهاجم في كتاباته (المتدينين) لإنكارهم ومقتهم لحفلات الرقص، وهز البطون ونشر
المجون.
ونتساءل بلسان عربي فصيح: ماذا عن جياع المسلمين.. أعراض المسلمين.. آلام وهموم المسلمين..؟ ، أليست حريّة أن توجه لهم تلك الأموال؟ قد يفخر
أحدهم أو (يفجر) بأنه أنفق الآلاف في (ليلة حمراء) ! ! أمّا إذا ما طُولِبَ بزكاة أو
صدقة [ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَداً وَهُوَ كَظِيمٌ] [النحل: ٥٨] .
كفالة يتيم.. إفطار صائم.. حفر بئر.. صدقة جارية: شعارات تطلقها
الجمعيات الخيرية الإسلامية، وقد أَجزِم بأن ما يجمع لهذه الغايات النبيلة في بعض
البلدان في سنة لا يساوي ما جمعه ذاك المغني الداعر في ليلة (رقص السنة) .
فلا تعجب حين يتمنى أحد فقراء المسلمين الجهلة على الله ويدعو: [يَا لَيْتَنِي
كُنتُ مَعَهُمْ] .
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 2662
شوال - ١٤١٨هـ
فبراير - ١٩٩٨م
(السنة: ١٢)
стр. 2663
كلمة صغيرة
مفتاح البيان
تعتبر فهرسة الكتب والدوريات فن قائم بذاته في علم المكتبات والتوثيق.
وفي خضم الكم الهائل الذي تخرجه المطابع من كافة المطبوعات تبقى الحاجة إلى
الفهارس ملحة وضرورية.
وبما أن تقريب تلك العلوم والموسوعات مطلب مهم فقد قامت كثير من دور
النشر والمؤسسات العلمية باهتمام خاص بتقريب تلك الكنوز للقارئ بفهرستها
بأساليب شتى وبمداخل مختلفة؛ مما أسهم في تقريب تلك الكتب والدوريات للقارئ
العادي والباحث المتخصص؛ ومن هذا المنطلق وحرصاً منا على تقريب ما نشرته
(البيان) من مختلف العلوم والآداب والفنون جاءت فكرة فهرسة المجلة. فهي بعد
عمر نيّف على سنوات عشر أضحت زاخرة بمقالات كثير من العلماء والدعاة
والمفكرين؛ حيث كوّنت رصيداً علميّاً وثقافيّاً كبيراً، ولكن يصعب على القارئ
والباحث الاستفادة منه دون فهرسة تسهل النفاذ إلى فوائده.. فما كان من المجلة إلا
أن فكّرت في صناعة (المفتاح) ! ..
وبعد جهود استمرت شهوراً عديدة خرج فهرس البيان بعنوان (الفهرس
الموضوعي لمجلة البيان ١ ١٢٠) وقد جاء فهرساً موضوعيّاً شاملاً بلغت عدد
صفحاته أكثر من ٤٠٠ صفحة، احتوت أكثر من ١٤٠ زاوية تصنيف اشتملت
على أكثر من٣٨٠٠ إدخال لأكثر من ٢٤٠٠ مادة، كتبها أكثر من ٦٠٠ كاتب،
على صفحات ١٢٠ عدداً، خلال أكثر من ١١ عاماً.
فإلى منهومي العلم والمعرفة ومتذوقي الشعر والأدب.. إلى المتطلعين للتنقيب
في محتويات هذه المجلة نقدم هذا العمل.. وها هي البيان وفّت بوعدها وأخرجت
لكم (مفتاحها) .
стр. 2664
افتتاحية العدد
عود على بدء
العلم قبل القول والعمل
الحمد لله بصفاته وأسمائه، والشكر له على نعمائه، والصلاة والسلام على
رسله وأنبيائه، وبعد:
فلقد اصطفى الله ﵎ رسله عليهم الصلاة والسلام، وتولاهم بحسن
النشأة، وتعهدهم بتمام الرعاية، ونبأهم بما يحتاج إليه العباد من العلم؛ فكان للعلم
في دين الله شأن ينبئك عنه أول القرآن نزولاً على نبينا- ﷺ حين
خاطبه ﵎ بقوله: [اقْراً بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ] [العلق: ١] ، وبقي
شعاره التمثل لهذا الأمر مع طلب الزيادة منه: [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] ...
[طه: ١١٤] ، فأعلن منهجه أبلجَ يضاهي وضوحه ضياء الشمس: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... ] [يوسف: ١٠٨] . ...
من هنا كانت سنة الدعاة المقتدين بالرسل في الوظيفة تري طريقتهم في
التكوين والنشأة.. فصارت الركيزة الأولى في تكوين الداعية: العلم، فهو الذي
يهتدي به العمل، ويُحفظ به الدين.
قوام الدين: علم يهدي، وسيف ينصر [وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً]
[الفرقان: ٣١] .
وكما حرس الله بيضة الإسلام بالمجاهدين في سبيله، فقد حفظ شريعة الإيمان
بالعلماء والمتعلمين. والجهاد لا يتم على وجهه الحق إلا بالعلم المؤهل المؤصل
المفصل بالقرآن الكريم والسنة النبوية، فالعلم ضرورة فوق ضرورة المأكل
والمشرب والملبس والدواء؛ إذ به قوام الدين والدنيا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو
واجب.
ولا غرو فإن الدعوة إلى الله إذا كانت (أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها
فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، ولا بد في كمال الدعوة من البلوغ في
العلم إلى حد يصل إليه السعي) [١] .
ولقد كان من أعظم أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر: الجهل، وقلة
العلماء العاملين، وسوء الخطط في مراحل الدراسة المختلفة في البلاد الإسلامية،
وضعف الهمم والعزائم في الجد والبحث والتحصيل، والتخصصات الجزئية التي
أضعفت العلوم الشرعية، والانهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، والنظر إلى
التخصصات الشرعية نظرة دونية.
هذه الأسباب وغيرها جزء من واقع الأمة في الجانب العلمي قبيل إرهاصات
الصحوة المباركة حين أدرك ثلة من أبنائها حاجتها إلى بعث وتجديد، فشمروا حتى
أثمر جهدهم وبارك الله في ثماره على العموم.
ولا شك أن بُعْد الهوّة بين الأمة وماضيها أذهل دعاتها الغيورين عن كثير من
مصالحهم، وأفقد بعضهم شيئاً من التوازن سواء في تربيتهم لأنفسهم، أو في
برامجهم التربوية المطروحة التي يسعون لتحقيقها؛ فلربما كانت الحركة الدؤوب
على حساب بعض العلم.
فإذا وضع هذا في الحسبان عرفنا ما يجب على الصحوة تجاه العلم، وأنه لا
بد من منح الهدف العلمي أولوية تليق به، بل يجب أن تصاغ الأهداف الأخرى
على ضوئه؛ لأن التعليم والتربية صنوان لا ينفكان: [هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ
رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ
لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [الجمعة: ٢] .
إن الصحوة اليوم يجب أن تصيغ خططها ومناهجها في كل الجوانب الدعوية
والتربوية والفكرية صياغة كاملة شاملة على أساس علمي متين؛ لأن التغيير الذي
ترمي إليه عبء ثقيل وأمانة عظمى لا تتأتى إلا ببناء العقول وإصلاح الفكر؛ وهو
أمر غاية في الخطورة والصعوبة، لا يحصل بالأحلام والأمنيات، ولا بالعواطف
والانفعالات، ولا بالارتجال والاحتمالات.
إن قاعدة هذا التغيير والبناء والإصلاح متينة، ترسم أهدافاً عنوانها:
الشرعية والوضوح والمرونة والملاءمة، وتنهج طريقاً واضحة علائمه، بيّنة
منائره.. إنه منهج تعظيم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، وفهمها
بفهم سلف الأمة الذين اختارهم الله لإقامة دينه وحمل رسالته، ثم التسليم والانقياد
لها خِلْواً من المعارضات المرفوضة التي تتكئ إلى القياسات العقلية الفاسدة،
والأذواق الرديئة، والمنامات الفارغة.. التي ما ناب الأمة منها إلا التفرق والشقاق
والتيه والتأخر.
بهذا المنهج السلفي يجب أن تدرس وتفهم أصول الدين ومهماته من مسائل
الاعتقاد والسلوك، ثم فروعه وأحكام الحلال والحرام، وبه تُدرك سبيل المجرمين،
ويُفهم الواقع، وتُصنع الحياة.
ويوم أن نهجت الأمة ذلك النهج سطع نجمها، وعلا ذكرها، وامتد سلطانها،
وبقي ذكرها، ونالت المجد والسؤدد ... يومها وأدت نوابت السوء في مهدها،
وكان السيف ينصر يوم أن كان العلم يهدي.
واليوم: لن تستطيع الصحوة أن تحقق عبوديتها لله تعالى واتباعها للنبي-
ﷺ ، وأن تبرهن على شرعيتها وصحة انتمائها لحزب الله
المفلحين، وأن تضبط مواقفها بين الغلو والجفاء، وتتجنب كثيراً من مواقع الزلل،
وأن تثبت في عواصف الفتن العمياء. وأن تكشف عوار الدعوات المنحرفة،
والمناهج المضللة، والمذاهب الهدامة، والسبل الملتوية، وأن تحفظ الشباب من
الانحراف، وأن توفر له المرجعية العلمية فإنما يقبض العلم بقبض العلماء وأن
تهيئ قدراً من الحماية الذاتية للأمة، وأن تفتيها في النوازل المتوالية ... وأن تنال
ثقتها ... ولن تستطيع ذلك كله ولن تبلغه إلا بذلك السبيل: منهج تعظيم النصوص
الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، وفهمها بفهم سلف الأمة ثم العمل بمقتضاها.
إن الأمر يستدعي من دعاة الأمة استنفار جهودهم، واستنفاد وسعهم في:
إعطاء الأنشطة العلمية أولوية مناسبة تليق بمكانة العلم في الشرع.
بيان القدر الواجب من العلم على كل فرد بحسبه ومعرفته.
تحريك الطاقات العلمية الكامنة كما حركت كثيراً من الطاقات الدعوية فأفادت
وأثمرت لتخفف العبء عن النابهين.
العناية بالنابهين، وتفريغ من يصلح منهم لينفع بحصاد قلمه.
رعاية جوانب التخصص لدى شباب الصحوة، رعاية تخرج من التشتت،
ولا تعني الانغلاق.
العناية بأفراد من أبناء الصحوة برزوا في العلم ولم تستوعبهم الصحوة فيما
مضى.
السعي إلى إنشاء مراكز أبحاث علمية ودعوية تنظر في نوازل الأمة الفقهية
والدعوية وتؤصل الحلول الشرعية لها.
يجب أن ندرك أن العناية بالتأصيل غدت ضرورة فوق كل ضرورة، وإلا
فإنه لا مكان اليوم للضعفاء.
ومن الله العون، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 2665
دراسات شرعية
أضواء شرعية على العلاج بالرقى والقرآن
(١ من٢)
فتحي الجندي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه، وبعد: ...
فإن موضوع التداوي بالرقى والقرآن وما يتبع ذلك من حديث عن مس الجن
والعين والسحر جدّ خطير؛ لتعلق ذلك بالعقيدة والأخلاق، وببعض المشكلات
والظواهر الاجتماعية المعقدة التي طفت على السطح في الفترة الأخيرة نتيجةً لتراكم
بعض الممارسات منذ عدة سنوات.
ومنشأ الخطورة في هذه القضية هو ما حصل في هذه الأزمنة من توسّع
وإفراط في مسألة الرقى؛ حيث أُدخل فيها ما ليس منها: من البدع المحدثة،
والممارسات المخترعة التي لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله-صلى الله
عليه وسلم-، ولا هدي الصحابة الكرام ﵃ ولكنها إلى الشعوذة أقرب
وبها ألصق، مما أسهم في انتشار الأوهام والوساوس والخوف والهلع، وتغلل ذلك
في قلوب الكثيرين من المتعاطين لهذه الأمور. فقد كثر الكلام بلا علم، وكثر
التطبب من غير معرفة وفهم لأصول الطب والعلاج، وأصبحنا نرى من يعالج
بالرقية والرقيةُ شرعيةٌ والمعالج المزعوم من أبعد الناس عن العلم الشرعي وأهله،
وقد شاع الأمر وانتشر، وسيطر الوهم على كثير من النفوس، وضعف التوكل
على الله تعالى وتعلّق الناس بالمخلوق الضعيف، بدلاً من تَعلّقهم بالخالق القوي
اللطيف!
يضاف إلى ما سبق توسّع بعضهم وانتهازهم الفرصة لجلب الأموال من هذا
الطريق، وقد تحول الأمر من كونه جُعْلاً تُسدّ به الحاجة؛ إلى مصدر واسع
ومفتوح للترف والسرف والجشع والابتزاز، ثم تأتي ثالثة الأثافي في هذا الأمر
والفتنة تجرّ أخواتها ألا وهي فتنة النساء! وما أدراك ما فتنة النساء؟ ! تلك الفتنة
التي حذرنا منها رسول الله- ﷺ ، ولم يَخَفْ علينا فتنة أشدّ منها،
فقد ظهر في هذه الأيام من بعض القراء ولا نقول كل القراء من يتساهل ويترخص
في معالجة النساء، من نظر إلى المرأة إلى الكشف عن أجزاء من جسدها، بل
وربما مسّها.. إلخ، وقد سمعنا عن الكثير من المنكرات في هذا الباب.
من أجل ذلك كله جاءت هذه الدراسة قياماً بواجب النصيحة والتحذير من مغبّة
هذا الأمر وما يجرّه من فتن ومفاسد وانحرافات تتعلق بالعقيدة والأخلاق والاجتماع.
ولا شك في أن أمر العلاج هذا أضحى يحتاج إلى علاج؛ وهذا ما نرجو أن تساهم
هذه الدراسة في جزء من المهمة، بإذن الله تعالى.
أولاً: التحذير من الوقوع في الوساس والأوهام وضعف التوكل:
بادئ ذي بدء نقول: إن الوساوس والأوهام أعراض لمرض خطير من ورائه
أمراض: من اختلال التوحيد، وضعف التوكل، وافتقاد العلم النافع، فتختل لذلك
الموازين، وبذلك يصبح القلب مرتعاً خصباً للوساوس والأوهام والترهات، وإلا
فالقلب الممتلئ أياً كان نوع امتلائه لا يسمح لشيء جديد بالدخول؛ إلا أن يُخرج
شيئاً مما فيه، يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: (قبول المحل لما يوضع فيه
مشروط بتفريغه من ضدِّه؛ وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في
الاعتقادات والإرادات) [١] .
إذا تقرر هذا فالموحِّد يعرف خالقه، ويعرف لماذا خُلِقَ، ويعرف المصير
والمستقر، ويعرف أن الله وحده هو الذي يملك النفع والضر، ويعلم أن الله حي لا
يموت والإنس والجن يموتون. وأنه لا أحد من إنسيّ أو جني يملك ضراً ولا نفعاً
ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، إلا أن يشاء الله؛ لذا فالموحّد يعيش مطمئن النفس؛
وهو يعلم أنه ليس لأحد عليه من سبيل ولا سلطان، إلا أن يشاء الله؛ لقوله سبحانه: [إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ... ] [الحجر: ٤٢] .
ولقوله: [وَإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ] [الأنعام: ١٧] .
ولقول رسوله الكريم: (يا غلام ... احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على
أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن
يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت
الصحف) [٢] .
يقول ابن القيم ﵀: (وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله، تكونُ
من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر، والتعاويذ،
والتحصّنات النبوية والإيمانية، فَتَلْقَى الروحُ الرجلَ أعزلَ لا سِلاح معه، وربما
كان عُرياناً فيُؤثر فيه هذا) [٣] .
ويقول في ذلك أيضاً: (وعِند السحرة: أن سِحرهم إنما يَتم تأثيره في القلوب
الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسّفليات، لهذا فإن غالب ما
يؤثر في النساء، والصبيان، والجُهال، وأهل البوادي، ومن ضعُف حظه من
الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيبَ له من الأوراد الإلهية، والدعوات
والتعوّذات النبوية.
وبالجملة: فسلطانُ تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلُها إلى
السّفليات، قالوا: والمسحورُ هو الذي يُعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقاً بشيء، كثيرَ الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح
الخبيثة إنما تتسلطُ على أرواح تلقاها مستعِدّة لتسلّطها عليها، بميلها إلى ما يناسب
تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تُحاربها
بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يُناسبها، فتتسلط عليها،
ويتمكّن تأثيرُها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم) [٤] .
ثانياً: مشروعية التداوى:
مما لا شك فيه أن الإسلام جاء بالعلاج الشافي لأمراض القلوب والأبدان، إما
نصاً وإما إجمالاً على سبيل الدلالة، وقد تداوى النبي- ﷺ ،
وأمر بالتداوي؛ ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن
النبي- ﷺ أنه قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ
بإذن الله [٥] .
يقول ابن القيم ﵀ معقباً: (علق النبي- ﷺ الشِّفاء
على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكلّ داء له
ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي- ﷺ البُرء بموافقة الداء
للدواء، وهذا قدرٌ زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في
الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نَقَلَه إلى داء آخر، ومتى قصّر عنها لم
يَفِ بمقاومته، ولكان العلاج قاصراً. ومتى لم يقع المُداوي على الدواء، أو لم يقع
الدواء على الداء لم يحصُل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء، لم
ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثَمّ مانع يمنع
من تأثيره لم يحصل البُرء لعدم المصادفةِ، ومتى تمت المصادفة حصلَ البرء بإذن
الله ولا بد) [٦] .
هل التداوى ينافي التوكل؟ نستطيع أن نقول من خلال الأحاديث الصحيحة
التي مرت وغيرها: إن التداوي لا ينافي التوكل؛ لأن التوكل لا يعني ترك
الأسباب، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها.
هذا وقد يرى البعض أن التداوي ليس كالأكل والشرب؛ ولهذا وقع الخلاف
في حكم التداوي. والذي يعنينا في هذا المقام أن الجميع متفقون على أن التداوي لا
ينافي التوكل.
ثالثاً: وجوب الاجتهاد في معرفة الداء قبل الدواء:
قد يقول قائل: كيف تقول بالوجوب مع أن التداوي مباح فقط وليس بواجب؟
والجواب: أن ترك التداوي مباح، ولكن من أراد أن يعالج فيجب عليه أن
يحاول تحديد الداء أولاً، كي لا يضر من حيث يريد أن ينفع، كمن يتجاهل
التقنيات الحديثة في تشخيص كثير من الأمراض، ثم ينسب كل مرض إلى الجن أو
العين أو السحر، وربما قُتل المريض لإخراج الجني المزعوم؛ لذا قلنا بوجوب
معرفة ذلك، ثم تحديد الدواء المناسب له؛ لأنه إذا وقع الخلط في تحديد نوع الداء
فأنّى السبيل إلى وصف الدواء المناسب؟
رابعاً: هدى النبي- ﷺ في التحصين والعلاج:
لا شك أن هدي محمد- ﷺ خير الهدي، وهذا عام في كل
أمر، وقد كان- ﷺ كما قال الله تعالى: [حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [التوبة: ١٢٨] .
فما من خير إلا ودلّنا عليه، وما علم من شرٍ إلا وحذرنا منه. وفي هديه-
ﷺ الوقاية والتحصن ابتداء من كافة الأدواء لدفعها قبل وقوعها.
وإذا ما وقع الداء فعلاً دل على العلاج الناجع بإذن الله: إما نصاً، أو على سبيل
الدلالة؛ ولذا سنتكلم عن كلا الأمرين:
أولاً: التحصينات.
ثانياً: العلاج فيما يخص موضوعنا: (مسّ الجن العين السحر) .
التحصينات:
تكون التحصينات الهامة بتوحيد الله ومعرفته بأسمائه وصفاته
وإخلاص العبادة له، وتجريد المتابعة لأمره والتوكل عليه ومحبته والإكثار من ذكره. وهذه تحصينات على العموم والإجمال. ثم تأتي نصوص في بعض التحصينات
على سبيل التفصيل من مثل: قراءة سورة البقرة في البيت، قراءة آية الكرسي،
قراءة المعوذات، الذكر عند الجماع لتحصين الذرية.
ولكن نلفت الانتباه إلى أن هناك فرقاً كبيراً بين الذكر: الذي يخرج من القلب، والكلمات المجردة: التي تقال باللسان. فالمطلوب هو حقيقة الذكر لا مجرد
الكلمات.
تحصينات ووقاية من العين خاصة: عن ابن عباس ﵄ عن
النبي- ﷺ قال: (العين حق. ولو كان شيء سابق القدر لسبقته
العين) [٧] .
وللوقاية من العين ابتداءً يجب على من رأى شيئاً فأعجبه وخاف عليه العين
أن يقول: ما شاء الله، وأن يبرِّك (أي يدعو لصاحبه بالبركة) .
العلاج:
أولاً: علاج الصرع الذي من الجن: يقول ابن القيم ﵀: (علاجُ هذا
النوع يكون بأمرين: أمرٍ من جهة المصروع، وأمرٍ من جهة المعالج، فالذي من
جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها،
والتعوّذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلبُ واللسان، فإن هذا نوعُ محاربة،
والمحَارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين:
الأول: أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً، وأن يكون الساعد قوياً،
فمتى تخلّف أحدُهما لم يُغن السلاح كثيرَ طائل. فكيف إذا عُدِمَ الأمران جميعاً؟ عند
ذلك يكون القلب خراباً من التوحيد، والتوكل، والتقوى، والتوجه، ولا سلاح له.
والثاني: من جهة المعالِج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضاً حتى إن من
المعالجين من يكتفي بقوله: (اخرُج منه) . أو بقول: (بسم الله) ، أو بقوله: (لا
حول ولا قوة إلا بالله) ، والنبي- ﷺ كان يقول: (اخرج عدوّ الله
أنا رسول الله) [٨] .... إلخ [٩] .
ثانياً: علاج العين: إذا وقعت الإصابة بالعين فإن طريقة العلاج تختلف بين
حالين: الأولى: إذا عُرِف العائن. والثانية: إذا لم يُعرفْ.
إذا عرف العائن: العمدة في هذا حديث إصابة سهل بن حنيف بالعين:
فعن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي
سهل بن حنيف بالخرار، فنزع جبة كانت عليه وعامرُ بن ربيعة ينظر قال: وكان
سهل رجلاً أبيض حسن الجلد قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا
جلد عذراء. قال: فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، فأُتي رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- فأُخبر: أن سهلاً وعك، فقال رسول الله: علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ ألا
برّكت. إن العين حق. توضأ له. فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله-
ﷺ ليس به بأس [١٠] .
إذا لم يُعرف العائن: إذا لم يعرف العائن فإن العلاج يكون بالرقى المشروعة، والأذكار المأثورة وإخلاص التوجه إلى الله، والدعاءُ من المضطر كفيل بالإجابة
[أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ... ] [النمل: ٦٢] .
يقول ابن القيم ﵀: (.. فمن التعوذات والرقى: الإكثار من قراءة
المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات
الله التامات من شر ما خلق. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة
ومن كل عين لامة. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا
فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ... وحسبي الله ونعم الوكيل عليه توكلت وهو رب
العرش العظيم. ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها، وشدة
الحاجة إليها؛ وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان
قائلها وقوة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه؛ فإنها سلاح. والسلاحُ
بضاربه) [١١] .
ثالثاً: علاج السحر: كما قلنا مراراً: إن الوقاية خير من العلاج فيجب
الوقاية ابتداء من السحر قبل وقوعه كما ذكرنا ذلك غير مرة وذلك بتجريد التوحيد
لله والثقة بقضائه وقدره، والتحصن بكثرة ذكره وقراءة المعوذات وغيرها.
ويضاف إلى ذلك العمل بما في الحديث الذي ورد في السحر خاصة؛ فعن سعد
﵁ قال: قال رسول الله: (من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره
سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل) .
وفي رواية: (من تصبّح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا
سحر) [١٢] .
قلت: هذا الحديث الشريف لا يوجد ما يخرجه عن عمومه بيقين.
ولكنه لن ينتفع به إلا من يصدِّق بالنبي- ﷺ ، ويثق أن
ما يقوله حق لا مرية فيه علم الناس حقيقته أو لم يعلموا أما أهل المراء والجدال فهم محجوبون ومحرومون ولا ينبغي الاشتغال بهم ولا بوساوسهم.
أما علاج السحر بعد أن يقع فيكون بالتسليم والرضا بالقضاء والصبر على
ذلك ومحاسبة النفس على تقصيرها. وتحرّي الوسيلة المشروعة للعلاج. والتوبة
من المعاصي والابتعاد عن التفكير في الذهاب إلى السحرة والدجالين، وتحرّي
الذهاب إلى من لا يُتهم في دينه من أهل العلم والصلاح، أو طلبة العلم المعروفين
بالطلب والاستقامة.
يقول ابن القيم ﵀ عن مرض السحر: (ذكر هديه-صلى الله عليه
وسلم- في علاج هذا المرض. وقد روي عنه فيه نوعان:
أحدهما وهو أبلغهما: استخراجه وإبطاله كما صح عنه- ﷺ
أنه سأل ربه سبحانه في ذلك، فدُلّ عليه فاستخرجه من بئر. فكان في مشط
ومشاطة وجُفِّ طلعةِ ذَكَر. فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما نشط من عقال،
فهذا من أبلغ ما يُعالَج به المطبوب أي المسحور وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة
وقلعها من الجسد بالاستفراغ.
والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر) ا. هـ[١٣] .
خامساً: تحديد الوسائل المبتدعة في العلاج [١٤] :
هذه نُشرات أم بدع ومحدثات؟ !
النشرة العربية والحل: يقول الحافظ في الفتح: (النّشرة بالضم وهي ضرب
من العلاج يعالج به من يُظن أن به سحراً أو مساً من الجن؛ قيل لها ذلك لأنه
يكشف بها عنه ما خالطه من الداء، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في (باب
الرقية) في حديث جابر عند مسلم مرفوعاً: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) .
ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن،
وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية التي إذا
وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن
شماله من كلٍ ثم يدقّه ويقرأ فيه ثم يغتسل به.
وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر
أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي
والقواقل [١٥] ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله.
وممن صرح بجواز النشر المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري
وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في (كتاب الطب النبوي) لجعفر المستغفري
قال: وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من (تفسير قتيبة بن أحمد
البخاري) قال: قال قتادة لسعيد بن المسيب: رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له
أن ينشر؟ قال لا بأس، إنما يريد به الإصلاح؛ فأما ما ينفع فلم ينه عنه. قال
نصوح: فسألني حماد بن شاكر: ما الحل وما النشرة؟ فلم أعرفهما، فقال: هو
الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وطاق ما سواها فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة
قضبان، وفأساً ذا قطاريْن ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج ناراً في تلك
الحزمة، حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره، فإنه يبرأ
بإذن الله تعالى، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة
وورد البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيهما ماء عذباً ثم يغلي ذلك الورد في
الماء غلياً يسيراً ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام. قلت: وحاشد هذا من رواة الصحيح عن
البخاري وقد أغفل المستغفري أن أثر قتادة هذا علقه البخاري في صحيحه وأنه
وصله الطبري في تفسيره، ولو اطلع على ذلك ما اكتفى بعزوه إلى تفسير قتيبة بن
أحمد بغير إسناد، وأغفل أيضاً أثر الشعبي في صفته وهو أعلى ما اتصل بنا من
ذلك) [١٦] .
قلت: لنا هنا وقفات مع الحافظ ﵀: قوله: ويؤيد مشروعية النشرة ما
تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن. قلنا: لا خلاف في مشروعية
النشرة؛ ولكن أي نشرة؟ لقد اتسع الخرق على الراقع وتسربت البدع والخزعبلات
إلى كتب أهل العلم، فضلاً عن عقول العامة والغوغاء سلمنا في نُشرة العين
باغتسال العائن لورود النص الصحيح عن المعصوم في ذلك، وما كان لنا أن
نعترض ولو لم نفهم السر في ذلك وإن كان بحمد الله تعالى قد ظهر لبعض أهل
العلم ما يُرجى أن يكون تعليلاً مناسباً لوجه المناسبة بين الداء والدواء [١٧] .
أما أن يُفتح الباب لكل سائبة ومتردية ونطيحة وأكيلة سبع لتدخل وتمر تحت
ستار: (مشروعية النشرة) فهذا تفريط خطير لا يمكن أن يُقبل بحال، وإن قال به
فلان وفلان من أهل العلم؛ لأن أقوالهم قد صارت قنطرة تعبر عليها الخزعبلات
باسم النشرة الشرعية، وإلا فقل لي بربك: أية شرعية في جمع قضبان وفأس ذي
قطارين ونار وبول! ولماذا حزمة قضبان؟ ألا يغني عنها الزفت والقطران؟ !
ومن أين اشترطوا أن يكون الفأس ذا قطارين؟ أما كان يكفي أن يكون الفأس ذا
قطار؟
فوالله لقد سمعت أخيراً أحدهم في أحد الأشرطة يقول: يمكن أن يكون الفأس
ذا قطار واحد؟ !
فالحمد لله؛ لقد جلبت المشقة التيسير، وصرنا من قطارين إلى قطار، وغداً
ربما تكفي حدوة حمار، أو حلقة أو مسمار! ثم سمعت لأحدهم تجديداً في القول،
فأعطى مشكوراً بديلاً عن (البول) وهذا التجديد مسطور في بعض الكتب، قال
المؤلف بعد أن ساق نُشرة (البول والفأس والقضبان) التي نعتها بالحلّ قال: قلت:
ولو لم يبل عليه بل وضعه في ماء وقرأ عليه قوله تعالى: [وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ
بَاًسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ] [الحديد: ٢٥] ثلاثاً أو سبعاً ثم اغتسل به وشرب منه
برئ بإذن الله تعالى فإنه مُجرّب) [١٨] .
قلت: وهكذا في وسط زحام النّشرات الشرعية المزعومة تدخل الترهات
بجواز مرور يحمل تأشيرة: (مجرب) وتنبعث سحب الدخان الأسود لتدخل علينا
وصفة الذئب الأغبر، والديك الأبيض، والورد الأحمر! ؟ !
قلت: ويعود بنا الحديث إلى كلام الحافظ ﵀.
قوله: وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي ... إلخ.
قلت: ظاهر الكلام يوحي بأنه قد ساقه بإسناده والواقع غير ذلك ففي المصنف
١١/١٣ [١٩٧٦٣] قال عبد الرزاق: وقال الشعبي. فأين الإسناد؟ وللعلم فقد توفي
الشعبي سنة أربع وقيل خمس وقيل ست وقيل سبع ومائة. أما عبد الرزاق فقد ولد
سنة ست وعشرين ومائة وتوفي سنة إحدى عشرة ومائتين فما يرسله عن الشعبي
من السوائب التي لا يُعبأ بها، والعجيب أن الحافظ يتعقب على المستغفري فيقول:
وأغفل أيضاً أثر الشعبي في صفته، وهو أعلى ما اتصل بنا من ذلك. قلت: رحم
الله الحافظ وإلا فأين العلو؟ وأين الاتصال؟ ! أما ما حدّث به حماد بن شاكر
مغتبطاً وكأنما قد حاز كنزاً ولم يخبرنا كيف وقع عليه، فقد تقدم الكلام عليه
وتزييفه [١٩] . أما قول حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فأي علم وأي فوائد في مثل هذا الكلام؟ !