← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

الورقة الأخيرة ليلة (رقص) السنة بقلم: سلوان حسن في ليلة (رقص السنة) الميلادية، ووسط جنون الموسيقى هادئةً وصاخبةً، وعلى دقات الكعب العالي والحافي المحلي منه.. والمستورد، تمتلئ الصالات والبارات والخمارات والمواخير بأولئك النفر من الناس، من متخمي الجيوب والبطون.. خواة العقول والقلوب. نقول ذلك لا حقداً ولا حسداً، بل غيرةً وشفقة على دين الله أولاً.. ثم على أولئك الصنف من الناس، عسى أن يهديهم الله سواء السبيل. أخبار وأرقام فلكية عن أموال تهدر على أقدام الراقصات؛ ولا نعجب حين يكون أجر الفنان الأول ٧٠.٠٠٠ دولار! ! في هذه الليلة، أما الفنان (الأدنى) فنصيبه فتات الموائد، التي لا تقل عن: ٣٥.٠٠٠ دولار في ليلته تلك! ! . أما الأبدان العارية، فحسابها لا شك مختلف، إذ إنه في الغالب.. حسابان: علني: في سوق النخاسة، وسري: في سوق الدناسة. أيها الكرام: هناك دولة حدثها الفريد الذي يجب أن تلغي جميع مواعيدك لأجله: زيارة مغنٍّ داعر لأراضيها! ! ، وثانية: حرام الخمر فيها على أهلها، حلال على (سائحيها) لأجل الشهر (الفضيل) . ومن المهازل أن وزيراً عربياً سابقاً وهو عضو هيئة تدريس أسبق دائماً ما يهاجم في كتاباته (المتدينين) لإنكارهم ومقتهم لحفلات الرقص، وهز البطون ونشر المجون. ونتساءل بلسان عربي فصيح: ماذا عن جياع المسلمين.. أعراض المسلمين.. آلام وهموم المسلمين..؟ ، أليست حريّة أن توجه لهم تلك الأموال؟ قد يفخر أحدهم أو (يفجر) بأنه أنفق الآلاف في (ليلة حمراء) ! ! أمّا إذا ما طُولِبَ بزكاة أو صدقة [ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَداً وَهُوَ كَظِيمٌ] [النحل: ٥٨] . كفالة يتيم.. إفطار صائم.. حفر بئر.. صدقة جارية: شعارات تطلقها الجمعيات الخيرية الإسلامية، وقد أَجزِم بأن ما يجمع لهذه الغايات النبيلة في بعض البلدان في سنة لا يساوي ما جمعه ذاك المغني الداعر في ليلة (رقص السنة) . فلا تعجب حين يتمنى أحد فقراء المسلمين الجهلة على الله ويدعو: [يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ] . وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2662

شوال - ١٤١٨هـ فبراير - ١٩٩٨م (السنة: ١٢)

стр. 2663

كلمة صغيرة مفتاح البيان تعتبر فهرسة الكتب والدوريات فن قائم بذاته في علم المكتبات والتوثيق. وفي خضم الكم الهائل الذي تخرجه المطابع من كافة المطبوعات تبقى الحاجة إلى الفهارس ملحة وضرورية. وبما أن تقريب تلك العلوم والموسوعات مطلب مهم فقد قامت كثير من دور النشر والمؤسسات العلمية باهتمام خاص بتقريب تلك الكنوز للقارئ بفهرستها بأساليب شتى وبمداخل مختلفة؛ مما أسهم في تقريب تلك الكتب والدوريات للقارئ العادي والباحث المتخصص؛ ومن هذا المنطلق وحرصاً منا على تقريب ما نشرته (البيان) من مختلف العلوم والآداب والفنون جاءت فكرة فهرسة المجلة. فهي بعد عمر نيّف على سنوات عشر أضحت زاخرة بمقالات كثير من العلماء والدعاة والمفكرين؛ حيث كوّنت رصيداً علميّاً وثقافيّاً كبيراً، ولكن يصعب على القارئ والباحث الاستفادة منه دون فهرسة تسهل النفاذ إلى فوائده.. فما كان من المجلة إلا أن فكّرت في صناعة (المفتاح) ! .. وبعد جهود استمرت شهوراً عديدة خرج فهرس البيان بعنوان (الفهرس الموضوعي لمجلة البيان ١ ١٢٠) وقد جاء فهرساً موضوعيّاً شاملاً بلغت عدد صفحاته أكثر من ٤٠٠ صفحة، احتوت أكثر من ١٤٠ زاوية تصنيف اشتملت على أكثر من٣٨٠٠ إدخال لأكثر من ٢٤٠٠ مادة، كتبها أكثر من ٦٠٠ كاتب، على صفحات ١٢٠ عدداً، خلال أكثر من ١١ عاماً. فإلى منهومي العلم والمعرفة ومتذوقي الشعر والأدب.. إلى المتطلعين للتنقيب في محتويات هذه المجلة نقدم هذا العمل.. وها هي البيان وفّت بوعدها وأخرجت لكم (مفتاحها) .

стр. 2664

افتتاحية العدد عود على بدء العلم قبل القول والعمل الحمد لله بصفاته وأسمائه، والشكر له على نعمائه، والصلاة والسلام على رسله وأنبيائه، وبعد: فلقد اصطفى الله ﵎ رسله عليهم الصلاة والسلام، وتولاهم بحسن النشأة، وتعهدهم بتمام الرعاية، ونبأهم بما يحتاج إليه العباد من العلم؛ فكان للعلم في دين الله شأن ينبئك عنه أول القرآن نزولاً على نبينا- ﷺ حين خاطبه ﵎ بقوله: [اقْراً بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ] [العلق: ١] ، وبقي شعاره التمثل لهذا الأمر مع طلب الزيادة منه: [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] ... [طه: ١١٤] ، فأعلن منهجه أبلجَ يضاهي وضوحه ضياء الشمس: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... ] [يوسف: ١٠٨] . ... من هنا كانت سنة الدعاة المقتدين بالرسل في الوظيفة تري طريقتهم في التكوين والنشأة.. فصارت الركيزة الأولى في تكوين الداعية: العلم، فهو الذي يهتدي به العمل، ويُحفظ به الدين. قوام الدين: علم يهدي، وسيف ينصر [وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً] [الفرقان: ٣١] . وكما حرس الله بيضة الإسلام بالمجاهدين في سبيله، فقد حفظ شريعة الإيمان بالعلماء والمتعلمين. والجهاد لا يتم على وجهه الحق إلا بالعلم المؤهل المؤصل المفصل بالقرآن الكريم والسنة النبوية، فالعلم ضرورة فوق ضرورة المأكل والمشرب والملبس والدواء؛ إذ به قوام الدين والدنيا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولا غرو فإن الدعوة إلى الله إذا كانت (أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، ولا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي) [١] . ولقد كان من أعظم أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر: الجهل، وقلة العلماء العاملين، وسوء الخطط في مراحل الدراسة المختلفة في البلاد الإسلامية، وضعف الهمم والعزائم في الجد والبحث والتحصيل، والتخصصات الجزئية التي أضعفت العلوم الشرعية، والانهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، والنظر إلى التخصصات الشرعية نظرة دونية. هذه الأسباب وغيرها جزء من واقع الأمة في الجانب العلمي قبيل إرهاصات الصحوة المباركة حين أدرك ثلة من أبنائها حاجتها إلى بعث وتجديد، فشمروا حتى أثمر جهدهم وبارك الله في ثماره على العموم. ولا شك أن بُعْد الهوّة بين الأمة وماضيها أذهل دعاتها الغيورين عن كثير من مصالحهم، وأفقد بعضهم شيئاً من التوازن سواء في تربيتهم لأنفسهم، أو في برامجهم التربوية المطروحة التي يسعون لتحقيقها؛ فلربما كانت الحركة الدؤوب على حساب بعض العلم. فإذا وضع هذا في الحسبان عرفنا ما يجب على الصحوة تجاه العلم، وأنه لا بد من منح الهدف العلمي أولوية تليق به، بل يجب أن تصاغ الأهداف الأخرى على ضوئه؛ لأن التعليم والتربية صنوان لا ينفكان: [هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [الجمعة: ٢] . إن الصحوة اليوم يجب أن تصيغ خططها ومناهجها في كل الجوانب الدعوية والتربوية والفكرية صياغة كاملة شاملة على أساس علمي متين؛ لأن التغيير الذي ترمي إليه عبء ثقيل وأمانة عظمى لا تتأتى إلا ببناء العقول وإصلاح الفكر؛ وهو أمر غاية في الخطورة والصعوبة، لا يحصل بالأحلام والأمنيات، ولا بالعواطف والانفعالات، ولا بالارتجال والاحتمالات. إن قاعدة هذا التغيير والبناء والإصلاح متينة، ترسم أهدافاً عنوانها: الشرعية والوضوح والمرونة والملاءمة، وتنهج طريقاً واضحة علائمه، بيّنة منائره.. إنه منهج تعظيم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، وفهمها بفهم سلف الأمة الذين اختارهم الله لإقامة دينه وحمل رسالته، ثم التسليم والانقياد لها خِلْواً من المعارضات المرفوضة التي تتكئ إلى القياسات العقلية الفاسدة، والأذواق الرديئة، والمنامات الفارغة.. التي ما ناب الأمة منها إلا التفرق والشقاق والتيه والتأخر. بهذا المنهج السلفي يجب أن تدرس وتفهم أصول الدين ومهماته من مسائل الاعتقاد والسلوك، ثم فروعه وأحكام الحلال والحرام، وبه تُدرك سبيل المجرمين، ويُفهم الواقع، وتُصنع الحياة. ويوم أن نهجت الأمة ذلك النهج سطع نجمها، وعلا ذكرها، وامتد سلطانها، وبقي ذكرها، ونالت المجد والسؤدد ... يومها وأدت نوابت السوء في مهدها، وكان السيف ينصر يوم أن كان العلم يهدي. واليوم: لن تستطيع الصحوة أن تحقق عبوديتها لله تعالى واتباعها للنبي- ﷺ ، وأن تبرهن على شرعيتها وصحة انتمائها لحزب الله المفلحين، وأن تضبط مواقفها بين الغلو والجفاء، وتتجنب كثيراً من مواقع الزلل، وأن تثبت في عواصف الفتن العمياء. وأن تكشف عوار الدعوات المنحرفة، والمناهج المضللة، والمذاهب الهدامة، والسبل الملتوية، وأن تحفظ الشباب من الانحراف، وأن توفر له المرجعية العلمية فإنما يقبض العلم بقبض العلماء وأن تهيئ قدراً من الحماية الذاتية للأمة، وأن تفتيها في النوازل المتوالية ... وأن تنال ثقتها ... ولن تستطيع ذلك كله ولن تبلغه إلا بذلك السبيل: منهج تعظيم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، وفهمها بفهم سلف الأمة ثم العمل بمقتضاها. إن الأمر يستدعي من دعاة الأمة استنفار جهودهم، واستنفاد وسعهم في: إعطاء الأنشطة العلمية أولوية مناسبة تليق بمكانة العلم في الشرع. بيان القدر الواجب من العلم على كل فرد بحسبه ومعرفته. تحريك الطاقات العلمية الكامنة كما حركت كثيراً من الطاقات الدعوية فأفادت وأثمرت لتخفف العبء عن النابهين. العناية بالنابهين، وتفريغ من يصلح منهم لينفع بحصاد قلمه. رعاية جوانب التخصص لدى شباب الصحوة، رعاية تخرج من التشتت، ولا تعني الانغلاق. العناية بأفراد من أبناء الصحوة برزوا في العلم ولم تستوعبهم الصحوة فيما مضى. السعي إلى إنشاء مراكز أبحاث علمية ودعوية تنظر في نوازل الأمة الفقهية والدعوية وتؤصل الحلول الشرعية لها. يجب أن ندرك أن العناية بالتأصيل غدت ضرورة فوق كل ضرورة، وإلا فإنه لا مكان اليوم للضعفاء. ومن الله العون، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 2665

دراسات شرعية أضواء شرعية على العلاج بالرقى والقرآن (١ من٢) فتحي الجندي الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه، وبعد: ... فإن موضوع التداوي بالرقى والقرآن وما يتبع ذلك من حديث عن مس الجن والعين والسحر جدّ خطير؛ لتعلق ذلك بالعقيدة والأخلاق، وببعض المشكلات والظواهر الاجتماعية المعقدة التي طفت على السطح في الفترة الأخيرة نتيجةً لتراكم بعض الممارسات منذ عدة سنوات. ومنشأ الخطورة في هذه القضية هو ما حصل في هذه الأزمنة من توسّع وإفراط في مسألة الرقى؛ حيث أُدخل فيها ما ليس منها: من البدع المحدثة، والممارسات المخترعة التي لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، ولا هدي الصحابة الكرام ﵃ ولكنها إلى الشعوذة أقرب وبها ألصق، مما أسهم في انتشار الأوهام والوساوس والخوف والهلع، وتغلل ذلك في قلوب الكثيرين من المتعاطين لهذه الأمور. فقد كثر الكلام بلا علم، وكثر التطبب من غير معرفة وفهم لأصول الطب والعلاج، وأصبحنا نرى من يعالج بالرقية والرقيةُ شرعيةٌ والمعالج المزعوم من أبعد الناس عن العلم الشرعي وأهله، وقد شاع الأمر وانتشر، وسيطر الوهم على كثير من النفوس، وضعف التوكل على الله تعالى وتعلّق الناس بالمخلوق الضعيف، بدلاً من تَعلّقهم بالخالق القوي اللطيف! يضاف إلى ما سبق توسّع بعضهم وانتهازهم الفرصة لجلب الأموال من هذا الطريق، وقد تحول الأمر من كونه جُعْلاً تُسدّ به الحاجة؛ إلى مصدر واسع ومفتوح للترف والسرف والجشع والابتزاز، ثم تأتي ثالثة الأثافي في هذا الأمر والفتنة تجرّ أخواتها ألا وهي فتنة النساء! وما أدراك ما فتنة النساء؟ ! تلك الفتنة التي حذرنا منها رسول الله- ﷺ ، ولم يَخَفْ علينا فتنة أشدّ منها، فقد ظهر في هذه الأيام من بعض القراء ولا نقول كل القراء من يتساهل ويترخص في معالجة النساء، من نظر إلى المرأة إلى الكشف عن أجزاء من جسدها، بل وربما مسّها.. إلخ، وقد سمعنا عن الكثير من المنكرات في هذا الباب. من أجل ذلك كله جاءت هذه الدراسة قياماً بواجب النصيحة والتحذير من مغبّة هذا الأمر وما يجرّه من فتن ومفاسد وانحرافات تتعلق بالعقيدة والأخلاق والاجتماع. ولا شك في أن أمر العلاج هذا أضحى يحتاج إلى علاج؛ وهذا ما نرجو أن تساهم هذه الدراسة في جزء من المهمة، بإذن الله تعالى. أولاً: التحذير من الوقوع في الوساس والأوهام وضعف التوكل: بادئ ذي بدء نقول: إن الوساوس والأوهام أعراض لمرض خطير من ورائه أمراض: من اختلال التوحيد، وضعف التوكل، وافتقاد العلم النافع، فتختل لذلك الموازين، وبذلك يصبح القلب مرتعاً خصباً للوساوس والأوهام والترهات، وإلا فالقلب الممتلئ أياً كان نوع امتلائه لا يسمح لشيء جديد بالدخول؛ إلا أن يُخرج شيئاً مما فيه، يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: (قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضدِّه؛ وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات) [١] . إذا تقرر هذا فالموحِّد يعرف خالقه، ويعرف لماذا خُلِقَ، ويعرف المصير والمستقر، ويعرف أن الله وحده هو الذي يملك النفع والضر، ويعلم أن الله حي لا يموت والإنس والجن يموتون. وأنه لا أحد من إنسيّ أو جني يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، إلا أن يشاء الله؛ لذا فالموحّد يعيش مطمئن النفس؛ وهو يعلم أنه ليس لأحد عليه من سبيل ولا سلطان، إلا أن يشاء الله؛ لقوله سبحانه: [إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ... ] [الحجر: ٤٢] . ولقوله: [وَإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ] [الأنعام: ١٧] . ولقول رسوله الكريم: (يا غلام ... احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) [٢] . يقول ابن القيم ﵀: (وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله، تكونُ من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر، والتعاويذ، والتحصّنات النبوية والإيمانية، فَتَلْقَى الروحُ الرجلَ أعزلَ لا سِلاح معه، وربما كان عُرياناً فيُؤثر فيه هذا) [٣] . ويقول في ذلك أيضاً: (وعِند السحرة: أن سِحرهم إنما يَتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسّفليات، لهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء، والصبيان، والجُهال، وأهل البوادي، ومن ضعُف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيبَ له من الأوراد الإلهية، والدعوات والتعوّذات النبوية. وبالجملة: فسلطانُ تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلُها إلى السّفليات، قالوا: والمسحورُ هو الذي يُعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقاً بشيء، كثيرَ الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلطُ على أرواح تلقاها مستعِدّة لتسلّطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تُحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يُناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكّن تأثيرُها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم) [٤] . ثانياً: مشروعية التداوى: مما لا شك فيه أن الإسلام جاء بالعلاج الشافي لأمراض القلوب والأبدان، إما نصاً وإما إجمالاً على سبيل الدلالة، وقد تداوى النبي- ﷺ ، وأمر بالتداوي؛ ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله [٥] . يقول ابن القيم ﵀ معقباً: (علق النبي- ﷺ الشِّفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكلّ داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي- ﷺ البُرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدرٌ زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نَقَلَه إلى داء آخر، ومتى قصّر عنها لم يَفِ بمقاومته، ولكان العلاج قاصراً. ومتى لم يقع المُداوي على الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء لم يحصُل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء، لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثَمّ مانع يمنع من تأثيره لم يحصل البُرء لعدم المصادفةِ، ومتى تمت المصادفة حصلَ البرء بإذن الله ولا بد) [٦] . هل التداوى ينافي التوكل؟ نستطيع أن نقول من خلال الأحاديث الصحيحة التي مرت وغيرها: إن التداوي لا ينافي التوكل؛ لأن التوكل لا يعني ترك الأسباب، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها. هذا وقد يرى البعض أن التداوي ليس كالأكل والشرب؛ ولهذا وقع الخلاف في حكم التداوي. والذي يعنينا في هذا المقام أن الجميع متفقون على أن التداوي لا ينافي التوكل. ثالثاً: وجوب الاجتهاد في معرفة الداء قبل الدواء: قد يقول قائل: كيف تقول بالوجوب مع أن التداوي مباح فقط وليس بواجب؟ والجواب: أن ترك التداوي مباح، ولكن من أراد أن يعالج فيجب عليه أن يحاول تحديد الداء أولاً، كي لا يضر من حيث يريد أن ينفع، كمن يتجاهل التقنيات الحديثة في تشخيص كثير من الأمراض، ثم ينسب كل مرض إلى الجن أو العين أو السحر، وربما قُتل المريض لإخراج الجني المزعوم؛ لذا قلنا بوجوب معرفة ذلك، ثم تحديد الدواء المناسب له؛ لأنه إذا وقع الخلط في تحديد نوع الداء فأنّى السبيل إلى وصف الدواء المناسب؟ رابعاً: هدى النبي- ﷺ في التحصين والعلاج: لا شك أن هدي محمد- ﷺ خير الهدي، وهذا عام في كل أمر، وقد كان- ﷺ كما قال الله تعالى: [حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [التوبة: ١٢٨] . فما من خير إلا ودلّنا عليه، وما علم من شرٍ إلا وحذرنا منه. وفي هديه- ﷺ الوقاية والتحصن ابتداء من كافة الأدواء لدفعها قبل وقوعها. وإذا ما وقع الداء فعلاً دل على العلاج الناجع بإذن الله: إما نصاً، أو على سبيل الدلالة؛ ولذا سنتكلم عن كلا الأمرين: أولاً: التحصينات. ثانياً: العلاج فيما يخص موضوعنا: (مسّ الجن العين السحر) . التحصينات: تكون التحصينات الهامة بتوحيد الله ومعرفته بأسمائه وصفاته وإخلاص العبادة له، وتجريد المتابعة لأمره والتوكل عليه ومحبته والإكثار من ذكره. وهذه تحصينات على العموم والإجمال. ثم تأتي نصوص في بعض التحصينات على سبيل التفصيل من مثل: قراءة سورة البقرة في البيت، قراءة آية الكرسي، قراءة المعوذات، الذكر عند الجماع لتحصين الذرية. ولكن نلفت الانتباه إلى أن هناك فرقاً كبيراً بين الذكر: الذي يخرج من القلب، والكلمات المجردة: التي تقال باللسان. فالمطلوب هو حقيقة الذكر لا مجرد الكلمات. تحصينات ووقاية من العين خاصة: عن ابن عباس ﵄ عن النبي- ﷺ قال: (العين حق. ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين) [٧] . وللوقاية من العين ابتداءً يجب على من رأى شيئاً فأعجبه وخاف عليه العين أن يقول: ما شاء الله، وأن يبرِّك (أي يدعو لصاحبه بالبركة) . العلاج: أولاً: علاج الصرع الذي من الجن: يقول ابن القيم ﵀: (علاجُ هذا النوع يكون بأمرين: أمرٍ من جهة المصروع، وأمرٍ من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوّذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلبُ واللسان، فإن هذا نوعُ محاربة، والمحَارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: الأول: أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً، وأن يكون الساعد قوياً، فمتى تخلّف أحدُهما لم يُغن السلاح كثيرَ طائل. فكيف إذا عُدِمَ الأمران جميعاً؟ عند ذلك يكون القلب خراباً من التوحيد، والتوكل، والتقوى، والتوجه، ولا سلاح له. والثاني: من جهة المعالِج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضاً حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: (اخرُج منه) . أو بقول: (بسم الله) ، أو بقوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، والنبي- ﷺ كان يقول: (اخرج عدوّ الله أنا رسول الله) [٨] .... إلخ [٩] . ثانياً: علاج العين: إذا وقعت الإصابة بالعين فإن طريقة العلاج تختلف بين حالين: الأولى: إذا عُرِف العائن. والثانية: إذا لم يُعرفْ. إذا عرف العائن: العمدة في هذا حديث إصابة سهل بن حنيف بالعين: فعن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار، فنزع جبة كانت عليه وعامرُ بن ربيعة ينظر قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء. قال: فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، فأُتي رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فأُخبر: أن سهلاً وعك، فقال رسول الله: علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت. إن العين حق. توضأ له. فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله- ﷺ ليس به بأس [١٠] . إذا لم يُعرف العائن: إذا لم يعرف العائن فإن العلاج يكون بالرقى المشروعة، والأذكار المأثورة وإخلاص التوجه إلى الله، والدعاءُ من المضطر كفيل بالإجابة [أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ... ] [النمل: ٦٢] . يقول ابن القيم ﵀: (.. فمن التعوذات والرقى: الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ... وحسبي الله ونعم الوكيل عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها؛ وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه؛ فإنها سلاح. والسلاحُ بضاربه) [١١] . ثالثاً: علاج السحر: كما قلنا مراراً: إن الوقاية خير من العلاج فيجب الوقاية ابتداء من السحر قبل وقوعه كما ذكرنا ذلك غير مرة وذلك بتجريد التوحيد لله والثقة بقضائه وقدره، والتحصن بكثرة ذكره وقراءة المعوذات وغيرها. ويضاف إلى ذلك العمل بما في الحديث الذي ورد في السحر خاصة؛ فعن سعد ﵁ قال: قال رسول الله: (من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل) . وفي رواية: (من تصبّح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر) [١٢] . قلت: هذا الحديث الشريف لا يوجد ما يخرجه عن عمومه بيقين. ولكنه لن ينتفع به إلا من يصدِّق بالنبي- ﷺ ، ويثق أن ما يقوله حق لا مرية فيه علم الناس حقيقته أو لم يعلموا أما أهل المراء والجدال فهم محجوبون ومحرومون ولا ينبغي الاشتغال بهم ولا بوساوسهم. أما علاج السحر بعد أن يقع فيكون بالتسليم والرضا بالقضاء والصبر على ذلك ومحاسبة النفس على تقصيرها. وتحرّي الوسيلة المشروعة للعلاج. والتوبة من المعاصي والابتعاد عن التفكير في الذهاب إلى السحرة والدجالين، وتحرّي الذهاب إلى من لا يُتهم في دينه من أهل العلم والصلاح، أو طلبة العلم المعروفين بالطلب والاستقامة. يقول ابن القيم ﵀ عن مرض السحر: (ذكر هديه-صلى الله عليه وسلم- في علاج هذا المرض. وقد روي عنه فيه نوعان: أحدهما وهو أبلغهما: استخراجه وإبطاله كما صح عنه- ﷺ أنه سأل ربه سبحانه في ذلك، فدُلّ عليه فاستخرجه من بئر. فكان في مشط ومشاطة وجُفِّ طلعةِ ذَكَر. فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما نشط من عقال، فهذا من أبلغ ما يُعالَج به المطبوب أي المسحور وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ. والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر) ا. هـ[١٣] . خامساً: تحديد الوسائل المبتدعة في العلاج [١٤] : هذه نُشرات أم بدع ومحدثات؟ ! النشرة العربية والحل: يقول الحافظ في الفتح: (النّشرة بالضم وهي ضرب من العلاج يعالج به من يُظن أن به سحراً أو مساً من الجن؛ قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في (باب الرقية) في حديث جابر عند مسلم مرفوعاً: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) . ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن، وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كلٍ ثم يدقّه ويقرأ فيه ثم يغتسل به. وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل [١٥] ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. وممن صرح بجواز النشر المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في (كتاب الطب النبوي) لجعفر المستغفري قال: وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من (تفسير قتيبة بن أحمد البخاري) قال: قال قتادة لسعيد بن المسيب: رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر؟ قال لا بأس، إنما يريد به الإصلاح؛ فأما ما ينفع فلم ينه عنه. قال نصوح: فسألني حماد بن شاكر: ما الحل وما النشرة؟ فلم أعرفهما، فقال: هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وطاق ما سواها فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان، وفأساً ذا قطاريْن ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج ناراً في تلك الحزمة، حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيهما ماء عذباً ثم يغلي ذلك الورد في الماء غلياً يسيراً ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام. قلت: وحاشد هذا من رواة الصحيح عن البخاري وقد أغفل المستغفري أن أثر قتادة هذا علقه البخاري في صحيحه وأنه وصله الطبري في تفسيره، ولو اطلع على ذلك ما اكتفى بعزوه إلى تفسير قتيبة بن أحمد بغير إسناد، وأغفل أيضاً أثر الشعبي في صفته وهو أعلى ما اتصل بنا من ذلك) [١٦] . قلت: لنا هنا وقفات مع الحافظ ﵀: قوله: ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن. قلنا: لا خلاف في مشروعية النشرة؛ ولكن أي نشرة؟ لقد اتسع الخرق على الراقع وتسربت البدع والخزعبلات إلى كتب أهل العلم، فضلاً عن عقول العامة والغوغاء سلمنا في نُشرة العين باغتسال العائن لورود النص الصحيح عن المعصوم في ذلك، وما كان لنا أن نعترض ولو لم نفهم السر في ذلك وإن كان بحمد الله تعالى قد ظهر لبعض أهل العلم ما يُرجى أن يكون تعليلاً مناسباً لوجه المناسبة بين الداء والدواء [١٧] . أما أن يُفتح الباب لكل سائبة ومتردية ونطيحة وأكيلة سبع لتدخل وتمر تحت ستار: (مشروعية النشرة) فهذا تفريط خطير لا يمكن أن يُقبل بحال، وإن قال به فلان وفلان من أهل العلم؛ لأن أقوالهم قد صارت قنطرة تعبر عليها الخزعبلات باسم النشرة الشرعية، وإلا فقل لي بربك: أية شرعية في جمع قضبان وفأس ذي قطارين ونار وبول! ولماذا حزمة قضبان؟ ألا يغني عنها الزفت والقطران؟ ! ومن أين اشترطوا أن يكون الفأس ذا قطارين؟ أما كان يكفي أن يكون الفأس ذا قطار؟ فوالله لقد سمعت أخيراً أحدهم في أحد الأشرطة يقول: يمكن أن يكون الفأس ذا قطار واحد؟ ! فالحمد لله؛ لقد جلبت المشقة التيسير، وصرنا من قطارين إلى قطار، وغداً ربما تكفي حدوة حمار، أو حلقة أو مسمار! ثم سمعت لأحدهم تجديداً في القول، فأعطى مشكوراً بديلاً عن (البول) وهذا التجديد مسطور في بعض الكتب، قال المؤلف بعد أن ساق نُشرة (البول والفأس والقضبان) التي نعتها بالحلّ قال: قلت: ولو لم يبل عليه بل وضعه في ماء وقرأ عليه قوله تعالى: [وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاًسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ] [الحديد: ٢٥] ثلاثاً أو سبعاً ثم اغتسل به وشرب منه برئ بإذن الله تعالى فإنه مُجرّب) [١٨] . قلت: وهكذا في وسط زحام النّشرات الشرعية المزعومة تدخل الترهات بجواز مرور يحمل تأشيرة: (مجرب) وتنبعث سحب الدخان الأسود لتدخل علينا وصفة الذئب الأغبر، والديك الأبيض، والورد الأحمر! ؟ ! قلت: ويعود بنا الحديث إلى كلام الحافظ ﵀. قوله: وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي ... إلخ. قلت: ظاهر الكلام يوحي بأنه قد ساقه بإسناده والواقع غير ذلك ففي المصنف ١١/١٣ [١٩٧٦٣] قال عبد الرزاق: وقال الشعبي. فأين الإسناد؟ وللعلم فقد توفي الشعبي سنة أربع وقيل خمس وقيل ست وقيل سبع ومائة. أما عبد الرزاق فقد ولد سنة ست وعشرين ومائة وتوفي سنة إحدى عشرة ومائتين فما يرسله عن الشعبي من السوائب التي لا يُعبأ بها، والعجيب أن الحافظ يتعقب على المستغفري فيقول: وأغفل أيضاً أثر الشعبي في صفته، وهو أعلى ما اتصل بنا من ذلك. قلت: رحم الله الحافظ وإلا فأين العلو؟ وأين الاتصال؟ ! أما ما حدّث به حماد بن شاكر مغتبطاً وكأنما قد حاز كنزاً ولم يخبرنا كيف وقع عليه، فقد تقدم الكلام عليه وتزييفه [١٩] . أما قول حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فأي علم وأي فوائد في مثل هذا الكلام؟ !

стр. 2666

دراسات تربوية أطفالنا ومدارس اللغات الأجنبية د. مصطفى حسين شهدت بعض البلدان العربية في الآونة الأخيرة انتشاراً واسعاً لما يسمّى: (مدارس اللغات) ، وهي نمطٌ من المدارس يُعنى بتدريس اللغات الأجنبية بشكل مكثّف منذ مرحلة (رياض الأطفال) إلى نهاية المرحلة الثانوية، ولا تكتفي هذه المدارس بلغةٍ أوروبيةٍ واحدة، بل تدرّس لغتين اثنتين، إحداهما هي اللغة الأوروبية الأولى، وتبدأ من مرحلة (رياض الأطفال) ، والثانية هي اللغة الأوروبية الثانية، وتبدأ في مرحلة متأخرة نسبياً. ويتم في هذه المدارس تدريس موادّ العلوم والرياضيات باللغة الأوروبية الأولى إلى جانب مقرّر مكثّف لهذه اللغة، ومقرّر أقل كثافة للغة الأوروبية الثانية، يظل مرافقاً للتلميذ إلى نهاية المرحلة الثانوية. وبطبيعة الحال يتم تدريس مقرري اللغة العربية والدين، والموادّ الاجتماعية (وهذه تدرس باللغة العربية) ، بالمستوى السائد في المدارس العربية. وهذا النهج الدراسي يعتبر نمطاً خطيراً من (ازدواجية التعليم) يذكرنا بما صنعه (دنلوب) الوزير البريطاني خلال العشرينيات الميلادية من هذا القرن في مصر خلال حقبة الاحتلال البريطاني. ومن الملاحظ أن هذا النمط من المدارس ينتشر ويتزايد إلى حدّ التفاقم، ويتزايد الإقبال عليه، حتى وصل الأمر إلى تحويل بعض المدارس الحكومية إلى مدارس للغات. وعلى حين كانت مدارس اللغات مقصورة إلى عهدٍ قريب على أبناء الأثرياء القادرين، فقد بدأت تشهد إقبالاً متزايداً من جانب محدودي الدخل، أولئك الذين يعانون إرهاقاً شديداً، ومع هذا يصرّون على احتمال هذا الإرهاق، بسبب تصورهم الواهم عن هذه المدارس، وما تصنعه لأبنائهم من مستقبل زاهرٍ مضيء. وأمام المنافسة الشديدة لهذه المدارس، وأمام رواجها المتزايد، اضطر بعض أصحاب المدارس الأهلية، التي أخذت على عاتقها تكثيف الجانب الإسلامي في الإعداد والتدريس، نقول: اضطرّت هذه المدارس الأهلية إلى أن تصدِّر إعلاناتها ولافتاتها بعبارات مثل: (تعلّم الإنجليزية) أو (مدارس ... الأهلية الإسلامية للغات) . والأعجب من ذلك والأخطر أن المسؤولين عن التعليم في هذه البلدان يقفون صامتين أمام تلك الظاهرة، ويشاركهم صمتهم الجمهرة الغالبة من خبراء التربية. وقصارى ما يفعله الخبراء أن يكتبوا بحثاً عن (الثنائية اللغوية في المرحلة الابتدائية) ، بين مرحِّب ورافض، وحتى إن بعض أولئك الرافضين يتحدثون عن هذه الثنائية من ناحية القدرات دون أدنى تعرّض للخطر الداهم الذي تتعرض له الأمة نتيجة هذا الغزو الداهم لكيانها وهويتها، ممثلاً في الناشئة. وهكذا، فإن هذا النمط من المدارس الذي يتكاثر ويتفاقم، ويستجيب لاندفاع جماهير الناس في موجاتٍ محمومة يوشك أن يكون الأصل والأساس، وأن تصبح (المدارس العربية) عنصراً طفيلياً دخيلاً، يفقد بالتدريج مقومات وجوده بل ومسوغات استمراره في ساحة التعليم. ومع الاندفاع المحموم نحو (مدارس اللغات) ، وأمام تكاثرها المتزايد، بدأ فريق من رجال الأعمال والمستثمرين يشاركون في تأسيس هذه المدارس، ولا همّ لهم إلا تحقيق الكسب المادي؛ والغريب المثير أن هذه الفئة لا صلة لها أصلاً بحقل التربية والتعليم، فبعضهم من التجار، والآخر من أصحاب المشاريع الصناعية. ذريعة مدارس اللغات: ولكن ما هي الذريعة التي يتشبث بها المؤيدون لهذا النمط من المدارس، سواء في ذلك الآباء أو التربويون؟ وجوابهم هو: أن المستقبل والحاضر يقفان إلى جانب اللغات؛ فها هو العالم قد تحول إلى قرية صغيرة مفتحة النوافذ؛ مما يفرض تعلم لغة أجنبية واحدة على الأقل يستطيع الإنسان من خلالها أن يتصل ويتواصل، وأن ينفتح على المستجدات المتسارعة في المجالات المعرفية والتقنية، وأن الاقتصار على اللغة الأم يعني العزلة والانغلاق، وحتى يستطيع إنسان العصر المتجدّد أن يحافظ على بقائه، فإنه ينبغي عليه أن يتواصل مع الآخرين. ونودّ قبل أن نردّ على أصحاب هذه الذريعة، أن نقرر حقيقة هامة: وهي أننا لا نعارض قط مبدأ تعلم اللغات الأجنبية، ولا نؤيد قط مبدأ الاقتصار على العربية لغتنا الأم، سواء في عصرنا أو في عصرٍ سبق أو عصر لاحق؛ ولكننا نقرر جملةً من الحقائق نفند بها ذرائع المؤيدين لمدارس اللغات، ونوجزها فيما يلي: أولاً: نحن نؤيد تجربة اللغات ومدارس اللغات، شريطة أن تكون هذه التجربة في إطار هدف سامٍ نابع من هويتنا وجذورنا، وشريطة أن نُخضع هذه التجربة لنظام دقيق؛ بحيث لا يسمح لها بالانفلات والتكاثر المحموم، وشريطة أن يتوافر لها العناصر القادرة المدرّبة: تدريساً وتوجيهاً وإدارةً، وأن تقتصر على أبناء المبتعثين العائدين من دول أجنبية، أو من في حكمهم من أبناء الأجانب: أعضاء البعثات الدبلوماسية، ورجال الأعمال [١] . ثانياً: لِنكنْ واقعيين مع أنفسنا، ومع الواقع ذاته ولْنتساءلْ: هل استطاعت الأسر التي ألحقت أبناءها بهذه المدارس أن تتابع أبناءها؟ وهل لدى غالبية تلك الأسر القدرات اللغوية التي تمكنهم من تلك المتابعة؟ ثالثاً: هل استطعنا أن نحسم قضية تعريب كليات الطب والعلوم والهندسة، حتى نضيف إلى القضية قضايا أخرى؟ وللأسف الشديد فإننا نصرّ على المغالطة وإغماض أبصارنا وبصائرنا عن الحقيقةِ والواقعِ، والحقيقةُ والواقعُ أن طلابنا في كليات الطب مثلاً وكذلك أطباؤنا يجدون صعوبات جمّة تحول دون الاستيعاب الحقيقي للمادة الطبية، لا فرق في ذلك بين من حصل على (الثانوية العامة) من مدارس عربية أو مدارس اللغات. رابعاً: وضع اللغة العربية: للغتنا الأم، وضعٌ مقلق مزعج إلى أبعد الحدود؛ والدليل واضح ماثل لكل ذي بصرٍ وبصيرة؛ فطلابنا يعانون ضعفاً مزرياً في لغتهم الأم، وقد بدت الشكوى متزايدة من هذا الضعف، فخريجو الجامعات ضعاف في اللغة العربية، لا فرق في ذلك بين خريجي أقسام اللغة العربية ومعاهدها، وبين غيرهم، والأغلاط اللغوية في الكتب والصحف متفشية. وهذا الضعف ليس في أساسيات اللغة العربية ومهاراتها فقط بل يمتد إلى معارفها وثقافاتها المتصلة بها. فكيف نضيف إلى ضعفنا في لغتنا الأم ضعفاً في سائر اللغات؟ خامساً: نشير هنا إلى رأي فريق من علماء التربية لا يستهان به؛ فالبعض يؤكد أن ثمة ظاهرةً تسمى ظاهرة: (الاعتماد أو التوافق المتبادل Interdependence) بين اللغة الأم واللغة الأجنبية، مما يؤثر في إتقانهما معاً؛ فالطفل الذي يتلقى دروساً في لغة ثانية (أجنبية) ، قبل أن يتقن لغته الأولى لن يتقدم في هذه أو تلك [٢] . سادساً: يقسّم بعض علماء التربية الثنائية اللغوية إلى نوعين: (الثنائية اللغوية الطارحة، والثنائية اللغوية الجامعة) فالأولى هي تلك التي تسود بين أطفال يتهدد لغتهم الأم خطر الاندثار، وأما الثانية فهي تلك التي تسود بين أطفال تتمتع لغتهم الأم بقدرٍ كبيرٍ من الرسوخ والتفوق. والسؤال: إلى أي النوعين تنتمي الثنائية اللغوية في ظل ما يسمّى بمدارس اللغات؟ نضيف إلى ما تقدّم حقيقة تربوية لا يختلف عليها التربويون برغم اختلافهم حول قضية (الثنائية اللغوية) ، وهي: (أنه كلما ازداد أساس اللغة الأم رسوخاً، واستمرت في تطورها ازدادت القدرة على اللغة الثانية) [٣] . سابعاً: يتشبث المتحمسون لمدارس اللغات بمنطق مغلوط معكوس؛ فالمعلوم من واقع التاريخ الإنساني أن المجتمع لا يحافظ على بقائه في عالم مفتّح متواصل، بالحفاظ على هوية الآخرين والذوبان المطلق فيهم، ولكن بحفاظه على هويته أولاً، وتحصين ذاته ضدّ عوامل الفناء والاندثار؛ فإن صنع الإنسان العكس، فقد غالط طبيعة الأشياء، ورضي لنفسه أن يكون التابع الذليل. وإذا راجت بيننا اليوم مقولة أن (لا مكان في عالم اليوم لمن لا يتسلح باللغات) ، فإن الأصحّ من هذه المقولة أنه (لا مكان لمن يدخل بيوت الآخرين، بعد أن نسف بيته، وأتى على بنيانه من القواعد) . ثامناً: نؤكد ونحن مضطرون للتكرار أننا لا نرفض مبدأ تعلم اللغات، ولكن شريطة أن يكون هذا المبدأ مؤسساً على أهداف وثيقة الصلة بوجودنا وكياننا وأصالتنا، ومرتبطاً بخطة مدروسة لا تتجاهل واقع مدارس اللغات، وحصاد هذه التجربة بعد اتساعها واستفحالها، على أن نخضع ذلك كله لدراسة علمية فاحصة، تسبر الواقع ونتائجه دون تجاهل أو تعصب. تاسعاً: ليس من اللازم اللازب لكي نحقق مبدأ التواصل مع عالمنا وعصرنا أن نترك الحبل عل غاربه لمدارس اللغات، وأن يُرهق أبناؤنا وبيوتنا مادياً ونفسياً؛ إذ يكفي أن ندعِّم مقررات اللغات الأجنبية (اللغة الثانية) في المرحلة المتوسطة (الإعدادية) ، وأن نعمل على تطويرها، مع الملاحقة والمتابعة لمقررات اللغة العربية، بالتطوير والدعم المستمر وتدريب المختصين بها: معلمين وموجهين، وإخضاع الكتب المقررة للدراسة الدائمة في ضوء مرئيات التلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور وسائر من ينبغي الاستئناس بآرائهم من الخبراء وأساتذة التربية. عاشراً: إن قضية (ثنائية التعليم) منذ المراحل الأولى للتعليم (رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية) قضية ما تزال مثارة، والخلاف حولها ما يزال قائماً، فلماذا نتصرف على أنها قضية محسومة؟ ولماذا هذا التدافع المحموم نحو اللغات ومدارس اللغات. حادي عشر: إن نجاح الأمم يقاس بمبدأ: (التوازن الثقافي) الذي تحققه لنفسها، وبقدر هذا التوازن بين كيانها وأصالتها من جانب وثقافات الآخرين من جانب آخر تكون قوتها وقدرتها على العطاء الإنساني الذي يكسبها الاحترام والوجود المتميز. بقيت حقيقة أخرى نختم بها مقالنا وهي تتعلق بما يسمى دولة (إسرائيل) واللغة العبرية؛ فقد استطاع اليهود أن يجعلوا لغتهم الأم، (وهي العبرية) اللغةَ الدارجة السيّارة: في المدرسة والجامعة، والحقل والمزرعة، والمتجر والمصنع، والشارع العام؛ وهي لغة العلم والتعليم والإعلام والسياسة. وقد عاش اليهود على آمادٍ طويلة من الأحقاب يعملون بكل سبيل على أن تظل لغتهم حية تحتكّ بكل لغات العالم، لكي تبقى وتعيش لا لتفنى وتندثر. وفي كل بلد عاش فيه اليهود، كانوا يتحدثون بلغتهم، ويشاركون بأقلامهم في الإبداع الأدبي والعلمي بلغة هذا البلد، ولكنهم داخل (الجيتو (الذي حرصوا على أن يصنعوه لأنفسهم، كانوا يتحدثون العبرية ويلقنونها أبناءهم. فهل نتنكر نحن للعربية، ونذوب عشقاً وهياماً في الآخرين؟ إن العربية أعرق وآصل من العبرية ومن غير العبرية، وأيادي العربية على العبرية وغيرها من اللغات يؤكدها التاريخ. والناشئةُ من أبنائنا أحوج في هذا العصر، وأكثر من أي عصر مضى، إلى أن يرتبطوا بلغتهم حباً وولاءً. والعربيةُ بعدُ ارتبطت بكتاب سماوي خالد، وارتبط بها ذلك الكتاب السماوي [*] . فهل تصحو ضمائرنا؟ ! !

стр. 2667

دراسات شرعية الصلاة قبل الجمعة وبعدها د. محمد طاهر حكيم نرى عامة المسلمين في المساجد يوم الجمعة يقومون ويصلون ركعتين بعد الأذان وصعود الخطيب على المنبر؛ فهل للجمعة سنة قبلية؟ وكم هي؟ ثم كم يُصلى بعد صلاة الجمعة؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذا المقال إن شاء الله. أما قبل الجمعة فإن لأهل العلم قولين في ذلك: القول الأول: ليس للجمعة سنة قبلية، بل إذا أتى الرجل الجامع صلى ما كتب له حتى يحضر الخطيب، قال ابن المنذر كما في زاد المعاد [١] : (روينا عن ابن عمر أنه كان يصلي قبل الجمعة ثنتي عشرة ركعة، وعن ابن عباس: أنه كان يصلي ثماني ركعات) . وروى ابن أبي شيبة [٢] عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: (صلّ قبل الجمعة عشر ركعات) . قالوا: إن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق؛ ولذلك اختُلف في العدد المروي عنهم في ذلك، وهو مذهب الإمام مالك وبه قال الإمام أحمد في المشهور عنه [٣] . قالوا: والسنة تدل عليه؛ فإن النبي- ﷺ كان يخرج من بيته فإذا رقى المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبي-صلى الله عليه وسلم- في الجمعة من غير فصل، وهذا كان رأي عين فمتى كانوا يصلون السنة؟ [٤] . قال الحافظ العراقي: كما في نيل الأوطار [٥] (لم ينقل عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه كان يصلي قبل الجمعة؛ لأنه كان يخرج إليها فيؤذّن بين يديه ثم يخطب) . القول الثاني: وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن للجمعة سنة قبلية أربع ركعات، وممن روى عنه ذلك ابن عمر وابن مسعود وسفيان الثوري والنخعي وابن المبارك وبه قال الحنفية والشافعية، وعندهم أقلها ركعتان والأكمل أربع، وهو رواية عن أحمد [٦] . واحتجوا بما يأتي: ١- حديث ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي-صلى الله عليه وسلم- يركع قبل الجمعة أربعاً لا يفصل بينها في شيء) [٧] . ٢- وبحديث أبي هريرة وجابر قالا: (جاء سليك الغطفاني ورسول الله-صلى الله عليه وسلم- يخطب، فقال له: أصليت ركعتين قبل أن تجيء؟ قال: لا، قال: فصلِّ ركعتين، وتجوّز فيهما) [٨] . قال أبو البركات ابن تيمية كما في زاد المعاد [٩] (وقوله: (قبل أن تجيء) يدل على أن هاتين الركعتين سنة الجمعة وليست تحية المسجد) . ٣- ومنهم من أثبت السنة للجمعة قياساً على الظهر، ومنهم من قال: إن الجمعة ظهر مقصورة، فيثبت لها أحكام الظهر) [١٠] . وقد اعتُرِضَ على هذه الأدلة بما يأتي: ١- أن حديث ابن عباس، إسناده مسلسل بالضعفاء، فعطية متفق على ضعفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية مدلس. وقد تكلم عليهم الدارقطني والبيهقي وابن القيم وغيرهم [١١] . ٢- وأما حديث سليك الغطفاني، وقول أبي البركات فيه بأن قوله: (قبل أن تجيء) يدل على أن هاتين الركعتين سنة الجمعة وليست تحية المسجد. فالجواب: قال ابن القيم [١٢] قال شيخنا أبو العباس: (وهذا غلط، والحديث المعروف في الصحيحين عن جابر قال: (دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله-صلى الله عليه وسلم- يخطب فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين) وقال: (إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما) [١٣] فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، ثم ذكر عن الحافظ المزي قوله: هذا تصحيف من الرواة، وإنما هو (أصليت قبل أن تجلس) فغلط فيه الناسخ. ا. هـ. ثم قال ابن القيم بعد أسطر: (ويدل عليه أيضاً: أن النبي- ﷺ لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخل لأجل أنها تحية المسجد، ولو كانت سنة الجمعة لأمر بها القاعدين أيضاً، ولم يخص بها الداخل وحده) . ٣- وأما قياسها على الظهر ففاسد؛ فإن السنة ما كان ثابتاً عن النبي-صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو سنة خلفائه الراشدين وليس في مسألتنا شيء من ذلك، ولا يجوز إثبات السنن في مثل هذا بالقياس؛ لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي- ﷺ ، فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة. وأما قولكم بأنها ظهر مقصورة فيثبت لها أحكام الظهر فهذه حجة ضعيفة جداً؛ فإن الجمعة صلاة مستقلة بنفسها تخالف الظهر في الجهر والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها ... [١٤] . هذا وقد أجاب القائلون بثبوت (السنة) قبل الجمعة عن هذه الاعتراضات: ١- قالوا: نسلم أن حديث ابن عباس ضعيف ولكنه صح عن ابن مسعود (أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً) رواه عبد الرزاق في المصنف [١٥] . وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (كان عبد الله يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً) [١٦] ، ومعلوم أن هذا له حكم الرفع؛ إذ من المستحيل أنه كان يشرِّع من عند نفسه. ثم إنه قد ورد الترغيب في هذه السنة القبلية في حديث سلمان وغيره، وورد فيها أحاديث أخرى ضعيفة، منها حديث أبي هريرة عند البزار، وحديث علي رواه الأثرم والطبراني في الأوسط، ومنها حديث ابن عباس وقد تقدم وحديث ابن مسعود رواه الطبراني [١٧] فمجموع هذه الأحاديث تدل على أن لها أصلاً، والضعيف إذا رُوِيَ بطرق متعددة ارتفع إلى الحسن لغيره. ٢- وأما قولكم: إن إثبات السنة لها بالقياس على الظهر قياس فاسد؛ فالجواب عنه ما قاله ابن المنير -كما في الفتح-[١٨] ( ... الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه؛ لأن الجمعة بدل الظهر) . ٣- وأما قولكم: إن السنة ما كان ثابتاً عن النبي- ﷺ من قول أو فعل أو سنة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك. فالجواب عنه: كيف تقولون هذا وقد ورد عن النبي- ﷺ أنه كان يصلي قبلها أربعاً كما تقدم ووردت عنه ركعتين في حديث أبي هريرة، رواه الطبراني في الأوسط [١٩] وصح ذلك عن ابن مسعود قولاً وفعلاً كما تقدم. وروى ابن سعد في الطبقات [٢٠] بإسناد صحيح عن صافية قالت: (رأيت صفية بنت حُيي ﵂ صلتْ أربع ركعات قبل خروج الإمام للجمعة، ثم صلت الجمعة مع الإمام ركعتين) فكيف يصح بعد هذا أن يقال: وليس في مسألتنا شيء من ذلك؟ قلت: وقد حمل أهل القول الأول وبعض أهل العلم منهم ابن تيمية، وابن القيم ما ورد من الصلاة أو من السنة قبل الجمعة على التطوع المطلق وجرى على ذلك العلاّمة أبو شامة فقال [٢١] : (وجرت عادة الناس أنهم يصلون بين الأذانين يوم الجمعة ... ويُضمرون في نيتهم بأنها سنة الجمعة إلى أن قال: وكل ذلك بمعزل عن التحقيق، والجمعة لا سنة لها قبلها كالعشاء والمغرب) . وإن كان يَرِدُ عليه ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعاً: (ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان) [٢٢] إلا أنه يضعف الاستدلال به من جهة أنه عامّ يقبل التخصيص، فقد تقدم عليه ما هو الظاهر من حال النبي- ﷺ وأصحابه أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك. والأوْلى أن يقال: إن الصلاة قبل الجمعة جائزة حسنة ومرغوب فيها، ولكنها ليست سنة راتبة؛ وإنما هي كالصلاة قبل صلاة المغرب؛ وحينئذ فمن صلى لم يُنكر عليه، ومن ترك لم ينكر عليه؛ وهذا أعدل الأقوال، والله أعلم. ٢- وأما الصلاة بعد الجمعة فاتفقوا على سنيتها لثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن اختلفوا في مقدارها. فذهب جماعة من أهل العلم منهم ابن مسعود وعلقمة والأسود والنخعي وسفيان الثوري وابن المبارك والحنفية غير أبي يوسف إلى أن السنة بعد الجمعة أربع ركعات، وقال إسحاق: (إن صلى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين، وقد صرح أكثر هؤلاء أنه إذا صلى أربعاً لا يفصل بينهن بسلام [٢٣] . واحتجوا على الأربع بقوله- ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً) [٢٤] . واحتج إسحاق على الأربع بهذا الحديث، وعلى الاثنتين في البيت بحديث ابن عمر عن النبي (أنه كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته) [٢٥] فحمل حديث الركعتين على ما إذا صلى في البيت وحديث الأربع إذا صلى في المسجد. وذهب جماعة أخرى من أهل العلم منهم علي وابن عمر وأبي موسى وعطاء والثوري في قول وأبو يوسف إلى أن السنة بعد الجمعة ست ركعات: يصلي ركعتين ثم أربعاً إلا أن أبا يوسف استحب أن تقدم الأربع قبل الركعتين [٢٦] . واحتجوا بالآتي: ١- حديث ابن عمر أنه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد، فقيل له، فقال: (كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك) [٢٧] . ٢- عن عطاء قال: صليت مع ابن عمر ﵁ غير مرة، يوم الجمعة؛ فلما سلم قام فصلى ركعتين، ثم قام فصلى أربع ركعات، ثم انصرف، ورُوِيَ مثل ذلك عن علي [٢٨] ﵁. وأما وجه ما استحسنه أبو يوسف فهو كراهة أن يصلي بعد الجمعة مثلها على ما قد نُهِيَ عنه في حديث خرشة بن الحر أن عمر ﵁ كان يكره أن يصلي بعد صلاة الجمعة مثلها [٢٩] . وذهبت جماعة ثالثة من أهل العلم منهم: عمر، وعمران بن حصين، والنخعي، والشافعي إلى أنه يصلي بعد الجمعة ركعتين [٣٠] ، وعن الشافعي يستحب بعدها أربع. قال العراقي في شرح التثريب [٣١] : (هما نصان للشافعي ... ) ثم قال: (والظاهر أن النصين محمولان على الأكمل والأقل) واحتجوا بحديث ابن عمر أنه- ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين [٣٢] . قلت: هذا الاختلاف في المقدار ليس اختلاف تعارض وتضاد وإنما هو من باب التنوع المشروع، أو ما يعبر عنه أحياناً بالاختلاف في المباح [٣٣] والأصل في هذا: أن ما فعله النبي- ﷺ من العبادات على أنواع وصفات؛ فإذا صحت كلها عنه- ﷺ شُرِعَ فعلها على جميع تلك الأنواع: هذا تارة، وهذا تارة. قال ابن تيمية: ( ... فالاقتداء بالنبي- ﷺ في أن يفعل هذا تارة وهذا تارة أفضل من لزوم أحد الأمرين وهجر الآخر كالاستفتاح.. فجميع ما شرعه الرسول- ﷺ له حكمة مقصودة، فلا يهمل ما شرعه من المستحبات) [٣٤] . وقال: (إن جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثراً يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك بل يشرع ذلك كله) [٣٥] . وقال ابن خزيمة في صحيحه في باب ترجيع الأذان: (وهذا من جنس اختلاف المباح، فمباح أن يؤذن فيرجع في الأذان ويثني الإقامة، ومباح أن يثني الأذان ويفرد الإقامة؛ إذ قد صح كلا الأمرين من النبي-صلى الله عليه وسلم-[٣٦] . ولهذا قال الإمام أحمد هنا في السنة بعد الجمعة: إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين، وإن شاء صلى أربعاً، وإن شاء ستاً. وقال ابن قدامة [٣٧] (ولنا: أن النبي- ﷺ كان يفعل ذلك كله بدليل ما روي من الأخبار ... ) . وقد ذهب الإمام النووي في شرح مسلم [٣٨] إلى تفضيل الأربع فقال: ( ... ونبه بقوله: (من كان منكم مصلياً) على أنها سنة ليست واجبة، وذكر الأربع لفضليتها، وفعل الركعتين في أوقات بياناً؛ لأن أقلها ركعتان) . قلت: إن كل ذلك حسن؛ إذ كله ثبت قولاً وعملاً، وإن زاد على ركعتين فهو أفضل وأكمل. (فالصلاة خير موضوع؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر) [٣٩] . والله تعالى أعلم.

стр. 2668

تأملات دعوية حدثني من لا أتهم بقلم: عبد الله المسلم حدثني من لا أتهم، أو حدثني أحد الثقات: عبارة يصدِّر بها بعض الدعاة والأخيار حديثهم حول ظاهرة من الظواهر، وتكون مستندهم في إصدار الأحكام عليها. ويكثر ذلك في القضايا التي تعني واقع المسلمين ومجتمعاتهم؛ ولعل القضية الأفغانية خير شاهد على ذلك؛ فكثيراً ما يذكر المتحدث أن مصدره شخص ثقة قدم من هناك. ويكثر ذلك أيضاً في إصدار الأحكام على الإسلاميين والجماعات الإسلامية؛ فالناقل شخص خالطهم، وربما كان منهم، وقابل فلاناً وفلاناً؛ وهو ثقة. وتعظم الرزية حين ترى رجلاً له مكانته في العلم والخير لدى الناس يُصدر أحكاماً بناءً على آراء هؤلاء الثقات! وقد تكون هذه الأحكام جائرة بعيدة عن الصواب، رغم أن الناقل والمصدر ثقة كما يقال. وثمة مداخل على رواية هذا الرجل الثقة أدت إلى ضرورة إعادة النظر في خبره، فقد يكون ثقة في دينه، بعيداً عن الكذب لكنه لا يسلم من غفلة وتخليط وضعف ضبط، وكم ردّ أهل الحديث رواية بعض الرجال مع بلوغهم الغاية في الزهد والصلاح. وقد يكون هذا الثقة نقل عن مصدر وشخص آخر لا يسلم من الطعن في ضبطه وحفظه، أو في صدقه وديانته، وكثيراً ما يحدِّث هؤلاء الثقات عن فئات من السذج والبسطاء، فيتلقون منهم الأخبار وتقويم الواقع، فيغيب عمن يروي عن الثقة حقيقة مصدره. وقد يكون له هوى في المسألة والهوى من المداخل الخفية فيؤثر الهوى في تلقيه وتلقفه أي خبر، ويكون لديه الاستعداد لسماعه ورؤيته كما يريد، ويغفل عما سوى ذلك؛ فمن يعجب بشخص أو فئة تشده المحاسن، ويوغل في النظر إليها وتضخيمها والحديث عنها، ومن يكون غير ذلك تشده المساوئ، ويبحث عنها ويفرح بها، بل يضخمها ويتمحل في إثباتها. وحين يجتمع هذا الهوى والاتجاه لدى كل من الناقل والمنقول له، أو لدى الثقة! والذي حُدث بذلك: تتهيأ الأرضية المناسبة لتحويل الأوهام إلى حقائق، والظنون إلى قطعيات لا تقبل الجدل. وقد يكون الراوي ثقة في نفسه، لكنه يخلط تقويمه وموقفه الشخصي من القضية بخبره، فيختلط الأمر على السامع، وهذا مأخذ دقيق؛ فتقويم الشخص مهما بلغ من الثقة والعمق والديانة يبقى رأياً شخصياً يجب أن يُفرّق بينه وبين الرواية، وقليل من الناس من يجيد التفريق بين الرأي والتقويم الشخصي وبين الرواية التي مبناها على الثقة والأمانة. وقد يؤتى الثقة من جهة التعميم فيرى واقعاً وصورة محدودة فيعممها؛ كما هي الحال لدى أولئك الذين يسافرون إلى بلاد أخرى، فيرون زاوية ضيقة محدودة من الواقع، فيتحدثون بها على أنها تمثل المجتمع وتنطبق عليه، ويصدرون أحكامهم بناء على أنهم يعون هذا الواقع وعياً تاماً. وقد يكون الشخص الثقة بطبيعته ميالاً للمبالغة، وما أكثر ما يتلقى الناس أخباراً لو حكموها بعقولهم لشعروا أنها غير معقولة، ولذا كان الذهبي ﵀ يرد بعض الأخبار التي تُروى من هذا القبيل، كما قال عما روي أنه حرز من يحضر مجلس ابن الجوزي بمائة ألف: (وريب أن هذا ما وقع، ولو وقع لما قدر أن يسمعهم، ولا المكان يسعهم!) [١] . وكما قال عما روي عن أبي منصور الخياط أنه أقرأَ سبعين ألفاً من العميان: (قلت: هذا مستحيل، والظاهر أنه أراد نفساً، فسبقه القلم فخط ألفاً) [٢] ..

стр. 2669

دراسات تربوية نظرات في التربية بالأهداف بقلم: عبد الله عبد الرحمن البريدي إن في الإسلام منهجاً تربوياً فريداً، يقوم على دعائم وأسس من شأنها إن هي لُمست وجُلِّيت وأُبرزت أن تكوِّن نظرية تربوية إسلامية متكاملة الأهداف، واضحة الخطوات، متناسقة المراحل، مضمونة الثمرات بإذن الله. إن النظرات الجزئية للمنهج الإسلامي التربوي مفيدة ولا شك؛ بيد أنها تعجز عن تكوين وصياغة تلك النظرية؛ لأن ذلك فقط هو من شأن النظرات الشاملة العميقة المتكئة على دعائم قرآنية، وأسس نبويّة، وتطبيقات صحيحة يجب أن تنداح دائرتها لتشمل النظريات والتطبيقات المعاصرة المفيدة في علوم التربية والنفس والاجتماع ونحوها. إن عملية تحديد دعائم وأسس النظرية التربوية الإسلامية ضرورة حتمية لصياغة النظرية وتكوينها، وهي في الوقت ذاته صعبة وشاقة؛ لذا فهي تستحق من أرباب العلم والفكر والإبداع: إجالة نظر في النصوص، وتأملاً وتفكراً في التطبيقات، كيما يتضح السبيل لصياغة النظرية التربوية المنشودة، وبلورة تفصيلاتها وإجراءاتها، وتجلية أهدافها وغاياتها. إن منظومة الدعائم والأسس التربوية تنتظم عدداً كبيراً، لعل من أبرزها وأوضحها ما يلي: ١- تحقيق التوحيد في النفس الإنسانية. ٢- الأهداف التربوية: تحديداً وربطاً وتذكيراً. ٣- الترغيب والترهيب. ٤- مراعاة مقتضيات الفطرة الإنسانية. ٥- الشمول والتكامل. وفي هذا الموضوع سيكون التركيز على أساس ودعامة الأهداف مبيناً كيفية استخدام المنهج الإسلامي وتفعيله لهذا الأساس، ليكون توطئة وتمهيداً للحديث عن التربية بالأهداف. معنى الهدف: يدور المعنى اللغوي والاصطلاحي للهدف على معنى واحد مفاده: الغاية التي يُسعى إلى الوصول إليها وإلى تحقيقها، والغرض الذي يُراد إدراكه ونيله [١] . كل له غرض يسعى ليدركه ... والحر يجعل إدراك العلا غرضاً المنهج الإسلامي والأهداف: إن المتأمل للمنهج الإسلامي ليدرك بجلاء دون أن تلحقه صعوبة أو تعتريه مشقة قدر العناية التي أولاها ذلك المنهج لقضية الأهداف، وكيف أن الإسلام يتكئ بكامل ثقله على أهداف محددة؛ تبني بمجموعها الهدف الأسمى والغرض الأوحد الذي جاء الإسلام لتحقيقه: وهو تحقيق العبودية الحقة لله تعالى، ويُتوصل بذلك إلى تحقيقه ونيله، قال تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ لاَّ يَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] . بعد تأمل للكيفية التي انتهجها المنهج الإسلامي فيما يتعلق بالأهداف، تمكنت من لمس الخطوات التي نفذها هذا المنهج لتفعيل دور الأهداف والإفادة منها، وهي متمثلة بحسب اجتهادي فيما يلي: أولاً: تحديد الأهداف بدءاً؛ وذلك بكل دقة ووضوح: نقرأ في القرآن الكريم أنه خاطب رسولنا الأمين- ﷺ في أول آياته نزولاً [٢] بأن يقوم عازماً، وينهض راشداً، ويسير ثابتاً واثقاً صابراً، مزيلاً اللحاف والدثار ليحقق أهدافاً شاملة عظيمة: [يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ] [المدثر: ١-٦] ، ثم توالت بعد ذلك آي القرآن العظيم لتبين هذه الأهداف وتفسرها وتكملها وتفضلها، فهدف العلم محدد بقوله تعالى: [اقْراً بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ] [العلق: ١] ، وهدف التحلي بجميل الخلق وعاطر المعاملة وحسن السلوك بقوله تعالى: [وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: ٤] ، وقوله تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ] [آل عمران: ١٥٩] ، وهدف التماس الحكمة في الدعوة بقوله تعالى [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] . وهدف الثبات بقوله تعالى: [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاًتِيَكَ اليَقِينُ] [الحجر: ٩٩] وهدف الانتماء للدين وأهله بقوله تعالى: [اللَّهُ وَلِيُّ الَذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] [البقرة: ٢٥٧] ، وقوله تعالى: [لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الأنعام: ١٢٧] ، وغير ذلك من الأهداف التي ناسب تقريرها في المجتمع المكي الذي كان يمر بظروف بداياته، ويتطلب التركيز على قضايا محددة. ولقد أكد القرآن الكريم على أكثر الأهداف حتى بعد انتقال الجماعة المؤمنة من طور التأسيس العقدي والإيماني (مكة) إلى عهد البناء الشامل المتكامل (المدينة) ؛ لأنها أهداف متناسقة متكاملة، بيد أنه قرر أهدافاً أخرى، تستطيع الجماعة المؤمنة من خلالها أن تقيم البناء الإسلامي الحضاري الشامل، فمن ذلك ما قرره القرآن بقوله تعالى: [وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] [التوبة: ١٢٢] لقد دفع القرآن الكريم الأفواج المؤمنة لاقتحام مجالات الجهاد المتعددة وطرق أبوابه المتنوعة. ثانياً: ربط الحياة بهذه الأهداف: رَبَطَ الإسلامُ حياة المسلمين بأهدافه السامية التي حددها في البداية بكل جلاء ووضوح عبر قوالب متعددة ووسائل متنوعة، لعل من أكثرها وضوحاً القالب المشكّل بـ[وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ، [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لله١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] ، فهل ثمة جزء من حياة الإنسان بقي دون أن يربط بالعبودية لله تعالى؟ ! لا وحاشا. ثالثاً: التذكير بالأهداف: إن المنهج الإسلامي رباني يتعامل مع الإنسان، مدركاً طبعه وجبلّته، ومراعياً نقصه وضعفه؛ لذا فمن غير المستغرب أن تكثر النصوص التي تذكِّر الإنسان الذي يغفل ويذهل وينسى بحكم طبيعته بالأهداف التي يجب أن يحققها، بل إنه يمكن تقرير أن نصوص الشرع جميعها تذكر بالأهداف ولكنها مختلفة في طبيعة التدكير وقوته وقالبه، إن قول الله تعالى: [إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ] [الفاتحة: ٥] من أقوى النصوص تذكيراً وأكثرها ترداداً. ولعل مما يجدر ذكره وتقريره أن الخطوات الثلاث سالفة الذكر لا تخص المنهج الإسلامي التربوي فحسب، بل هي صبغة اصطبغ الإسلام بها بأكمله؛ لذا فإنه يمكن الإفادة منها عند دراسة وتأصيل المناهج السياسية والاقتصادية والإدارية والنفسية والاجتماعية ونحوها. وبعد هذا الاستعراض المجمل للكيفية التي انتهجها الإسلام وذلك حسب فهمي تجاه الأهداف، يمكنني أن أتناول موضوع التربية بالأهداف: مصطلحها ومنطلقاتها ومراحلها [٣] وذلك عبر النقاط التالية: تعريف التربية بالأهداف: يمكن تعريف التربية بالأهداف بأنها (عملية إكساب المتربين سلوكاً جديداً، أو ترسيخ سلوك معين من خلال تحديد الأهداف عبر المربين والمتربين معاً والتي يجب تحقيقها مع تحديد الوسائل الكفيلة بتحقيقها) . منطلقات التربية بالأهداف: تقوم هذه التربية على أسس، منها ما يلي: ١- ضرورة تحديد الأهداف الواجب تحقيقها في البداية بشكل واضح ودقيق. ٢- ضرورة مشاركة المتربين في عملية تحديد الأهداف أو بعضها، وذلك بحسب استطاعتهم، وقدراتهم العلمية والفكرية والنفسية والعمرية؛ طلباً لتحقيق الأهداف التالية: أ - شعور المتربين بتحقق ذواتهم، وذلك لاستشارتهم وأخذ آرائهم. ب - شعورهم بالارتياح النفسي التام؛ لأنهم يعملون على تحقيق أهداف ساهموا هم في تحديدها. ج - التوفيق بين أهداف المربين والمتربين (في حالة وجود تعارض) . ٣- تحديد الوسائل التي تحقق الأهداف المنشودة من خلالها. خطوات التربية بالأهداف: ثمة خطوات في ضوء التربية بالأهداف، يجب على المؤسسات التربوية (كوزارات المعارف والتربية والتعليم) أن تقوم بها: أولاً: تحديد الأهداف الواجب تحقيقها في البداية بكل دقة ووضوح: وتحت هذه الخطوة يجب مراعاة الأمور التالية: أ - وصفت الأهداف المحددة المنشودة بالواجبة التحقيق، وهذا يعني عدم ترك المربي ليحقق من الأهداف ما تميل إليها نفسه، أو تتفق معها طبيعته وجبلته، أو أن تحقيق تلك الأهداف سهل المنال، أو أنها مما يتقنه ويقدر عليه! ! إن الأمانة التربوية تقتضي تحديد الأهداف التربوية الواجبة التحقيق ليتم تحقيقها في الواقع التربوي، ولهذا ندرك أن ممارسات بعض المربين السلبية مخالفة للأمانة التربوية.. إنهم أولئك الذين لا يحققون إلا الأهداف التي تتفق مع قدراتهم وطبيعتهم وميولهم ورغباتهم.. إن بعضهم مغرم بالكمال، متشدق به، متكلف لأحواله، متلبس بزيه، إنه ليس ثمة نقص يعتريه، ولا عيب يكتنفه! ! لذلك فقد استحالت ممارساتهم التربوية إلى (استنساخ تربوي) ! ! وبعضهم لا يريد ذلك، ولكنهم يتجهون إلى الأهداف التي يتمنون تحقيقها بمقتضى الجبلّة والفطرة، وبهذا نعرف قدر وصية أحد السلف لابنه وأهميتها؛ إذ هو يقول له: (يا بني تعلم العلم كله؛ فإن الإنسان عدو ما جهل، ولا أريدك أن تكون عدواً لشيء من العلم) ، إن الإحاطة والإلمام بفنون العلم والثقافة في الوقت الحاضر من الصعوبة بحيث لا مفر من أن يستفيد بعضنا من بعض، فكلنا يكمل الآخر. ب - ثمة اعتبارات علمية يجب مراعاتها عند تحديد الأهداف التربوية: ١- تحديد الأهداف بدقة ووضوح بحيث تفهم من الجميع فهماً واحداً، ولتوضيح المقصود نفترض أن من ضمن الأهداف المحددة: حفظ ما تيسر من القرآن. إن هذا الهدف عام وفضفاض، وقابل لتفسيرات متعددة. ٢- تناسق الأهداف وتكاملها وعدم تعارضها. ٣- واقعية الأهداف، وذلك بإمكانية تحقيقها، وهي باعتبارين: أ - باعتبار كل هدف على حدة؛ وذلك بكونه ممكن التحقق. ب - باعتبار الأهداف مجتمعة؛ وذلك بكونها ممكنة التحقق في وقت واحد. ٤- صياغة الأهداف بشكل قابل للقياس طلباً لتحديد نسبة النجاح في تحقيقها وذلك بربطها بأمر أو أكثر من الأمور التالية: أ - الزمن: مثل: حفظ كتاب الله تعالى في فترة لا تتجاوز السنتين. ب - الكمية: مثل: حفظ وجه واحد من القرآن يومياً. ٥- ترتيب الأهداف بحسب أهميتها. ٦- أن تكون الأهداف من نوع واحد، فإما أن تكون رئيسة (استراتيجية) أو مرحلية (تكتيكية أو فرعية) ، ولا يصح الجمع بينها؛ لأن الرئيسة تشمل المرحلية (مثل هدف: تعبيد الأفراد لله تعالى (رئيس) وهدف: تربية الأفراد على أعمال القلوب (فرعي) أليست التربية من التعبيد لله؟) ومن البدهي وجوب كون الأهداف التربوية مشروعة وشاملة. ج - لتسهيل عملية تحديد الأهداف وعملية تحقيقها، يمكن أن تقسم إلى أقسام: فمن حيث النوع: يمكن تقسيمها إلى: أهداف رئيسة، وأهداف مرحلية. ومن حيث الزمن: يمكن تقسيمها إلى: أهداف طويلة أو متوسطة أو قصيرة الأجل. ثانياً: تحديد الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف المنشودة بأعلى كفاءة ممكنة؛ وعند تحديد مثل تلك الوسائل يجب مراعاة الأمور التالية: ١- أن تحقق الوسائل (البرامج العملية) الأهداف المحددة بأعلى كفاءة ممكنة. ٢- أن تكون الوسائل مرنة، بحيث يمكن تعديلها عند الحاجة. ٣- أن تتضمن البرامج العملية كيفية مواجهة العقبات المستقبلية (إن وجدت) . ٤- الاستفادة من العلوم الحديثة النافعة، كعلوم التربية والنفس والاجتماع والفسيولوجيا والإدارة والاقتصاد وغيرها. بالإضافة إلى الاعتبارات العلمية الثلاثة الأولى المذكورة آنفاً (الخاصة بالأهداف) . ثالثاً: يجب تحديد نسبة النجاح في تحقيق كل هدف عقب فترة محددة طلباً لتشجيع وزيادة الإيجابيات والنجاحات، والتماساً لعلاج الأخطاء والسلبيات وتلافيها، وهذه الخطوة تظهر بجلاء أهمية كون الأهداف قابلة للقياس (الاعتبار العلمي الخاص بالأهداف رقم ٤) . رابعاً: التذكير بالأهداف الواجب تحقيقها على فترات دورية، لئلا يُنسى بعضها! ! إن شركة (ماتسوشيتا) وهي شركة يابانية استطاعت أن تحقق نجاحات كبيرة لتصبح من كبريات الشركات العالمية، تؤكد على هذه الخطوة، وتعرف أهميتها وثمرتها، وذلك بأنها تطلب من مديريها وعمّالها أن يرددوا أهداف الشركة صباح كل يوم [٤] . خامساً: مراجعة الأهداف المنشودة والوسائل المحددة عقب فترة زمنية معينة؛ وذلك لإجراء التعديلات اللازمة لمقتضيات شرعية أو واقعية، وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية التجديد في البرامج العملية طرداً لسآمة المربين ودفعاً لملل المتربين! ! . الخلل التربوي: يجمع المربون على وجود خلل واضح في المنتجات التربوية ناتجٍ من وجود تصدع بيِّن في البنية التحتية للتربية، بيد أنهم يختلفون كثيراً في أسباب الظاهرة وعلاجها، وفي رأيي المتواضع أن للظاهرة أسباباً متعددة يمكن إرجاعها إلى سبب واحد هو غياب الأهداف التربوية الواضحة التي يجب على المربي تحقيقها. فكيف والحالة كهذه يحقق المربي نجاحاً مثمراً وهو لا يدري في حالات كثيرة ما هي المواصفات التي يجب التقيد بها؟ ! ! إن بعض المربين قد يغفل عن بعض الأهداف لمدة قد تصل إلى سنوات؟ ! فماذا عن المُنتَج..؟ قطعاً إنه معيب! ! وهنا يأتي دور المؤسسة التربوية في صياغة وتحديد الأهداف التربوية، ومطالبة المربين بتحقيقها، وذلك لئلا يُلجأ المربي لأن يجتهد.. فيخطئ ويغفل وينسى! [٥] . المعادلة التربوية الفعالة: إن خلاصة القول يمكن قراءتها في أحرف هذه المعادلة: قصد ونية خالصة نقية <--- أهداف ووسائل شرعية علمية <--- صنع أجيال فتية للمجد بانية.

стр. 2670

مقال المنهج السديد في عرض مادة التوحيد تجربة ذاتية لتدريس مادة العقيدة بقلم: د. أحمد بن أحمد شرشال لماذا مادة التوحيد؟ ! من خلال تجاربي الشخصية الطويلة مع شرح ابن أبي العز لمتن الطحاوي ﵀ لمست عزوفاً ونفوراً من قِبَلِ بعض الطلاب في القسم الجامعي [*] عن فهم واستيعابه هذا الشرح. ولا غرو في ذلك؛ فقد كنت أعاني شيئاً من ذلك وأقاسيه عندما كنت طالباً؛ لأن أستاذ هذه المادة كان يتلو علينا هذا الشرح، ويردد كل ما فيه؛ ولا ندري كيف دخل في الموضوع، ولا كيف خرج منه؟ ولما صرت إلى ما صار إليه، وأُسند إليّ تدريس هذه المادة وقعت فيما وقع فيه أستاذي، وانتابتني حيرة وارتباك في عرض الموضوع، وأدركت عدم انسجام الطلاب مع هذه المادة الأساسية؛ بل إنني سمعت كلاماً منهم فيه بعض التهوين من شأن مادة العقيدة. فتوقفت ملياً في النظر في إعراض بعض الطلاب ونفورهم من هذه المادة، وقلّبت الأمر على جميع وجوهه في محاولة لاستكناه الحقيقة وتشخيص الداء. وبينما كنت أفكر إذ لاح لي أن المنهج والطريقة في عرض موضوعات العقيدة بأسلوب السرد، وكثرة حكاية ضلال المتكلمين، ورصد شبهاتهم؛ هو الذي سبّب هذا النفور، وعكس هذه الحال؛ فضاع القصد في خضم هذا الركام لا في العقيدة نفسها معاذ الله وإنما هو في العرض والتقديم. ومن ثم قمت بهذه المحاولة عساها تكون مرغوبة، وسطرت هذه الفكرة علها تكون مفيدة، وجعلت ذلك بعنوان: (المنهج السديد في عرض مادة التوحيد) . وطبقت هذا المنهج وهذه الطريقة في تدريسي لهذه المادة الأساسية، فوجدت أثره في الطلاب نافعاً والإصغاء إليه كاملاً والتطلع إليه سريعاً، وتحول النفور إلى رغبة، والخروج من المحاضرة إلى حضور واستقرار، وظهر البِشْر على محياهم؛ وكلما دخلت عليهم قابلوني بوجوه مستبشرة، وساد في القسم الوئام والاحترام والتقدير. ومن باب: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ... ) ، رأيت أن لا أستأثر بذلك، فأسطِّر تجربتي، وأنقلها لإخواني. أصل المنهج المقترح: أقول ومن الله أستمد العون والتوفيق: إن هذه الطريقة لم تخرج عن المنهج السلفي، وقصارى ما فيها الجمع والحصر للآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الموضوع، ثم شرح هذه الآيات؛ وعن طريق المقارنة والموازنة نصنف المعاني المشتركة بطريق الشرح اللغوي لمفردات الموضوع وعناصره الأساسية؛ وهذا لا يكون إلا بعد الاستقراء والاستنتاج، وإن كان هذا العمل مرهقاً للأستاذ إلا أن نتائجه النافعة تنسيه مشقة البحث. وبعد ذلك نعقب، ونورد كلام العلماء ونصوص الأئمة: قبولاً، ورداً، ومناقشة واقتباساً واستشهاداً وهنا يكون محل رد الشبهات ودحضها إن كانت لا تزال قائمة، وقد تتهاوى تلقائياً. نماذج تطبيقية: مفهوم العرش في اللغة والقرآن: وأضرب لذلك مثلاً حياً تطبيقياً إذا كنا بصدد شرح قول الإمام الطحاوي ﵀: (..والعرش والكرسي حق..) [١] . معنى هذه الجملة: أن العرش والكرسي حق ثابت بالكتاب والسنة، و (حق) خبر المبتدأ وهو (العرش) قال ابن مالك: والخبر الجزء المتم الفائدة ... كالله بر والأيادي شاهدة واقتداء بقوله تعالى: [وَاًتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا] [البقرة: ١٨٩] على أحد وجوه التفسير؛ فإن بابنا الوحيد الذي نلج منه إلى هذا الموضوع هو القرآن والسنة. ونبدأ بالجزء الأول؛ لأن كلام الطحاوي تضمن موضوعين: العرش، والكرسي؛ وكلاهما ثابت بدلالة الكتاب والسنة كما سيأتي مفصلاً. ونقول: إن مادة: (عرش) في جميع صيغها وردت في ثلاث وثلاثين موضعاً في كتاب الله مختلفة الصيغ والأبنية، وتتفق في معنى مشترك وهو العلو والارتفاع. قال القرطبي: (وأصل التعريش: الرفع. يقال: عرش يعرش، إذا بنى وسقف) [٢] . وقوله: [وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا] الواردة في البقرة والكهف والحج معناها: خلت من السكان، وتهدمت، وسقطت سقوفها. العرش: سقف البيت. والعروش: الأبنية المسقفة بالخشب. يقال: عرش الرجل يعرش: إذا بنى وسقف بخشب. والعريش سقف البيت. قال القرطبي: (وكل ما يتهيأ ليظل أو يكنّ فهو عريش، ومنه عريش الدالية) [٣] يقصد عريش الكرم وهو شجر العنب؛ فيكون المعنى: سقط السقف، ثم سقطت الحيطان عليه؛ واختاره ابن جرير الطبري. وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به. وقريب من هذا المعنى في قوله تعالى: [وَهُوَ الَذِي أَنشَأََ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ] [الأنعام: ١٤١] معروشات: ما يحتاج أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه. وجاء في القرآن معنى آخر للعرش يؤول إلى الأول وهو عبارة عن السرير الذي يجلس عليه الملك للحكم: أي سرير المملكة ومنه قوله تعالى: [وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ] [النمل: ٢٣] . حقيقة العرش: وإذا عرفنا معنى العرش في الاستعمال اللغوي واللسان العربي: فما حقيقته هنا في هذه الآيات السبع، وفي غيرها مما كان مضافاً إلى الله ؟ الجواب: لا نعلم ذلك ولا يجوز لنا أن نقيسه على الأول؛ لأن الأول من عالم الشهادة وهو محسوس وملموس ومضاف إلى البشر، والثاني من عالم الغيب ومضاف إلى الله والله امتدح [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ] [البقرة: ٣] . وطريقنا الوحيد في ذلك: أن نتلمس بعض الأوصاف عند الذين اصطفاهم الله وأعلمهم بذلك؛ كما بين ذلك القرآن فقال : [عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ] [الجن: ٢٦-٢٧] . ولذلك فإننا نتلمس أوصاف العرش من القرآن ومن السنة فنقول: ثبت في القرآن أن العرش على الماء: [وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ] (هود:٧) وثبت أن للعرش قوائم تحمله الملائكة حافين حوله يسبحون بحمد ربهم؛ فقد قال تعالى: [وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ] [الحاقة: ١٧] وقال في وصفه أيضاً: [وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ] [الزمر: ٧٥] ، وقال أيضاً: [الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ] (غافر: ٧) ، ثم نتدرج إلى وصف من هو أعلم الخلق بربه؛ إذ قال: (إن عرشه على سماواته لهكذا) وقال بأصابعه: (مثل القبة.. الحديث) [٤] . وثبت في وصفه أنه فوق الفردوس كما في صحيح البخاري عن النبي: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن) [٥] . ونحن إذ نستعرض هذه النصوص نستنتج أن العرش: سرير ذو قوائم، تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات على الصفة التي تليق بعرش الله. وقد فهم هذا المعنى بعض الشعراء، وذكره مشهور عندهم في الجاهلية والإسلام. وقال الشوكاني في بيان صفة العرش: (وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن وإحاطته بالسماوات والأرض وما بينهما وما عليهما) [٦] . وحينئذ لا يجوز لنا أن نتجاوز الوصف الذي حدده الله في القرآن وبينه النبي- ﷺ في السنة. الاستواء في اللغة، وفي القرآن: ونعود مرة أخرى إلى كتاب الله ناظرين في معنى قوله: [اسْتَوَى] وبيان وجوه استعمالها في القرآن. حقيقة الاستواء في اللغة: التساوي واستقامة الشيء واعتداله. وورد في كلام العرب على معان اشترك لفظه فيها؛ فيكون بمعنى الاستقرار، ويكون بمعنى القصد، ويأتي بمعنى العلو والركوب؛ ويأتي بمعنى المماثلة والمساواة كقوله تعالى: [هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ] [الرعد: ١٦] ، وجاء بهذا المعنى في سبع عشرة موضعاً [٧] . ومنها ما يكون بمعنى بلوغ القوة العقلية والبدنية وكمالهما؛ ومنه قوله تعالى: [وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى] [القصص: ١٤] أي بلغ مبلغاً يؤهله لقبول العلم والحكمة. ومنها: ما يجيء بمعنى الاستقرار والرسو نحو قوله تعالى: [وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِ] (هود: ٤٤) ، وجاءت بمعنى الركوب على الدابة وعلى الفلك كقوله تعالى: [فَإذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفُلْكِ] [المؤمنون: ٢٨] ومنه قوله تعالى: [وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ] [الزخرف: ١٢-١٣] وجاء هذا الفعل هنا متعدياً بحرف الجر [عَلَى] الذي فيه معنى الاستعلاء والركوب. قال ابن كثير: (لتستووا متمكنين مرتفعين) [٨] ، فتكون هنا بمعنى: علا على الدابة والفلك واستعلى على ظهرها متمكناً منها. وجاء هذا الفعل متعدياً بـ [إلَى] في موضعين في قوله: [ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ] [البقرة: ٢٩] وفي الآية ١١ من سورة فصلت. قال أبو العالية: استوى ارتفع. وقال مجاهد: استوى علا. وقد فسرها الطبري بالعلو بعد أن ذكر أقوالاً كثيرة حيث قال: (وأوْلى المعاني في قوله [ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ] علا ﵎ عليهن، ودبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات) [٩] . وذكر ابن حجر في تفسير: [اسْتَوَى] أقوالاً عديدة ثم قال: (وأما تفسير [اسْتَوَى] علا فهو صحيح وهو المذهب الحق وقول أهل السنة؛ لأن الله ﵎ وصف نفسه بالعلو [١٠] . أما الحافظ ابن كثير: فقد جعل الفعل [اسْتَوَى] متضمناً لمعنى القصد والإقبال؛ لأنه عُدِّيَ بـ: (إلى) أي قصد إلى السماء [١١] وهنا يجب علينا أن نتوقف ونقارن بين هذه الآيات التي كان الاستواء فيها على الدابة وعلى الفلك بالآيات السبع السابقة التي كان الاستواء فيها على العرش وإلى السماء؛ وكلها تعدت بحرفي الجر: [عَلَى] و [إلَى] فهل يتفق هذا الاستواء بذاك؟ اللهم! لا؛ لأن استواء البشر العاجز الفاني لا يشابه استواء الكامل المتفرد بألوهيته وربوبيته؛ فيكون استواء الله على عرشه يليق بجلاله وسلطانه، واستواء البشر على مركوبه يليق بفقره وعجزه. وقد يتماثل اللفظان ولكن يجب أن يعبر كل واحد بمعنى لائق بالمقام الذي قيل فيه؛ فالقرآن حكى وصف الهدهد لعرش بلقيس فقال: [وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ] [النمل: ٢٣] وبيّن القرآن وصف عرش الرحمن فقال: [رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ] [النمل: ٢٦] كلاهما وصف بالعظمة وبينهما من البون ما لا يعلمه إلا الله؛ فعرش بلقيس عظيم بين عروش الملوك مثلها، وعرش الرحمن أعظم؛ فلا بد من اعتبار المقام في فهم الكلام. وهنا يجب أن يتوقف دور العقل والتوهم والتخيل وإفساح المجال للسمع والنقل وحده؛ وهو الكفيل بضمان عدم الوقوع في الردى وهو التشبيه والتأويل. فاستواء البشر على الفلك والأنعام معقول المعنى محسوس مشاهد، واستواء الله على عرشه لا تدركه العقول؛ لأن الأول مضاف إلى البشر، والثاني مضاف إلى الواحد الأحد: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] [الشورى: ١١] . منهج السلف في مثل ذلك: وهذا هو منهج السلف في إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله وكماله من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل [١٢] . ولهذا قال الإمام مالك ﵀: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة) [١٣] . قال الحافظ الذهبي في كتاب العلو بعد ذكره لقول مالك: وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به: لا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً؛ بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون؛ ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه؛ ونعلم يقيناً مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله [١٤] . الكرسي في القرآن واللغة: ثم نواصل الشرح إلى الجملة الثانية: (والكرسي حق) أقول: إن الكرسي حق ثابت في كتاب الله وسنة نبيه-صلى الله عليه وسلم-، نؤمن به على ما جاء في كتاب الله، ولا نشتغل في البحث عن صفته. وقد ورد في القرآن في موضعين: أولهما: في قوله تعالى: [وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ] [البقرة: ٢٥٥] . ثانيهما: في قوله تعالى: [وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً] [ص: ٣٤] . ويجب علينا بادئ ذي بدء أن نفرق بين الاستعمالين للفظ (كرسي) في الآيتين: الأول مضاف إلى الله والثاني مضاف إلى نبي الله سليمان. فالأول مضاف إلى الخالق، والثاني مضاف إلى المخلوق. فإذا علمنا هذا فإننا لا نقع في مزالق المتكلمين؛ فتماثل اللفظين يجب أن يُفهم من كل منهما معنى يليق بالمقام، وإذا تأملنا الكرسي المضاف إلى المخلوق في اللغة نجد أن ابن منظور ذكره في مادة: (كرس) وقال: كرس: تكرس الشيء وتكارس: تراكم وتلازب. وتكرس أسّ البناء: صلب واشتد. والكرس: أبوال الإبل والغنم وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار ثم قال: والكرسي في اللغة الشيء الذي يعتمد عليه ويجلس عليه كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسياً: أي ما يعتمد عليه [١٥] . أقول: ولعل هذا هو المراد في قوله تعالى: [وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً] وهو الكرسي الذي كان يجلس عليه نبي الله سليمان ﵇ للحكم؛ فهذا معقول المعنى؛ فهو بمقدار ما يسع شخصاً واحداً في جلوسه؛ فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعاً فهو العرش كما تقدم في قوله تعالى: [وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ] [يوسف: ١٠٠] فهذا هو الكرسي المضاف إلى البشر معقول المعنى، مشاهد محسوس؛ فهو من عالم الشهادة. أما قوله تعالى: [وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ] [البقرة: ٢٥٥] فهو من عالم الغيب كما قدمنا؛ فيكون طريقنا إلى فهمه النقل والنص؛ لأن الكرسي هنا مضاف إلى الله . ومعنى هذه الجملة يقال: وسع فلان الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به. ولا يسعك هذا: أي لا تطيقه ولا تحتمله؛ ومنه قوله: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) أي لا يحتمل غير ذلك. والمعنى أنها صارت فيه، وأنه وسعها ولن يضيق عنها لكونه بسيطاً واسعاً. وقوله: [وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا] آده يؤوده: إذا أثقله وأجهده أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما [١٦] . والضمير يعود إلى الله ويجوز أن يكون للكرسي؛ لأنه من أمر الله؛ فالآية تدل على أنه شيء عظيم دون التعرض لذات الكرسي. وروي عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله: (إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد من الثقل) [١٧] . الأقوال في معنى الكرسي: وهنا يتأخر العقل وينتهي الدور المنوط به، ويتقدم النقل؛ فمن التزم النص والنقل فاز وظفر بالمطلوب، ومن خالف فقد وقع بالزلل، ومن هؤلاء: ١- جماعة من المعتزلة نفوا وجود الكرسي وأخطأوا في ذلك خطأ بيِّناً. واختار هذا الباطل: القفال، والزمخشري، وقالوا: ما هو إلا تصوير لعظمته وملكه؛ ولا حقيقة له، وقيل هو ملكه [١٨] . ٢- وذهب جماعة إلى أن كرسيه هو قدرته التي يمسك بها السموات والأرض كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسياً أي ما يعتمد عليه. ٣- وقيل إن الكرسي هو العرش رواه ابن جرير الطبري عن الحسن البصري وذكره ابن كثير واختار هذا جلال الدين السيوطي. قال القرطبي: (وهذا ليس بمرضٍ) [١٩] . وقال ابن كثير: والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه؛ كما دلت على ذلك الآثار والأخبار [٢٠] . ٤- وقال جماعة: كرسيه: علمه وهو عبارة عن العلم، رواه الطبري عن ابن عباس من طريقين؛ ومنه قيل للعلماء: كراسي؛ لأن العالم يجلس على كرسي ليعلِّم الناس، ومنه الكراسة التي يُجمع فيها العلم، ورجح هذا ابن جرير الطبري [٢١] ، وهي رواية شاذة عن ابن عباس كما قال الشيخ أحمد شاكر. ٥- والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في المستدرك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: [وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ] أنه قال: الكرسي: موضع القدمين، والعرش لا يقدِّر قدره إلا الله [٢٢] ، وصحح هذه الرواية الشيخ أحمد شاكر ﵀ فقال: (هي رواية علم الله شاذة لا يقوم عليها دليل من كلام العرب؛ ولذلك رجح أبو منصور الأزهري الرواية الصحيحة عن ابن عباس التي تقول: إن الكرسي موضع القدمين، وقال: هذه الرواية اتفق أهل العلم على صحتها؛ ومن روى عنه في الكرسي أنه العلم فقد أبطل) [٢٣] ، ورجحه الشوكاني في تفسيره فقال: (والحق القول الأول موضع القدمين ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات [٢٤] والله أعلم. وهنا نطوي الكلام خشية الإطالة. من محاسن هذا المنهج في تعليم العقيدة: وفي الختام أقول: لعل هذه الطريقة فيها بعض الجدة والابتكار والمرغبة فتأخذ بمجامع قلب الطالب، وتؤثر في سلوكه والفضل لله وحده. ومن محاسنها أنه يتعلم اللغة العربية من خلال الشرح اللغوي لمفردات الموضوع الواردة في القرآن وتتبع موادها وصيغها المتنوعة؛ فيكون بذلك حصل له تعلم تفسير القرآن الكريم؛ وهو مطلوب لذاته. فهذه الطريقة جمعت بين شرفين عظيمين: شرف الوسيلة، ونبل المقصد؛ فالمنهج الذي قصدناه لشرح الموضوع هو في حد ذاته مراد لنفسه إرادة الغايات والمقاصد، مطلوب لذاته؛ بل إنه من أهم المقاصد لفهم معاني الكتاب العزيز، ولأن العقيدة لا تنفك عن القرآن، ومن أهم محاسنها ربط الطالب بالقرآن. ومن فوائد هذه الطريقة أن يتعلم الطالب الشمولية والاستيعاب لمكونات الموضوع وأساسياته؛ فقد اشتملت على ما ذكره ابن أبي العز وزيادات كثيرة؛ وإن هذا المنهج خلا من السرد وحكايات ضلال المتكلمين وشبهاتهم إلا لماماً. ومن محاسنها أيضاً أن يتعلم الطالب العقيدة بطريق غير مباشر؛ فينبغي أن تكون نتيجة يبرهن عليها الأستاذ من خلال الكتاب والسنة بالتحليل والمقارنة، ويجب على أستاذ المادة أن يجعلها ضالة ينشدها في عرضه ونتيجة يصل إليها فهم الطالب ذاتياً فتؤثر فيه وتثمر بإذن الله فينقاد، ويذعن عن طريق الاقتناع الذاتي. وهذا المنهج موافق للمنطق العقلي؛ حيث تدرج العرض بالطالب من المعاني المحسوسة إلى المعاني المعقولة إلى حيث يعجز الإدراك وينقطع الطمع؛ وحينئذ نمتطي به سبيل السمع، ونركب له طريق النص، فنكل الأمر إلى مولاه، ونثبت اللفظ على ما جاء على مراد الله بدون تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل؛ بل نؤمن به، ولا نبحث عن حقيقته ولا نتكلم فيه بالرأي. والله أعلم.

стр. 2671

دراسات دعوية ظاهرة ضعف الإيمان أعراضها أسبابها علاجها محمد عبد العزيز اللحيدان إن ظاهرة ضعف الإيمان مما عم وانتشر في المسلمين؛ وهناك من الناس من يشتكي من قسوة قلبه، وتتردد عباراتهم: (أحس بقسوة في قلبي) ، (أقع في المعصية بسهولة) وكثيرون آثار المرض عليهم بادية. وهذا المرض أساس كل مصيبة وسبب كل نقص وبلية. وموضوع القلوب موضوع حساس ومهم، وقد سمي القلب قلباً لسرعة تقلبه، قال ﵊: (إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً لبطن) [١] . وهو شديد التقلب كما وصفه النبي- ﷺ بقوله: (لقلب ابن آدم أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً) [٢] . وحيث (أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه لن ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم) وأن الويل [لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ] [الزمر: ٢٢] وأن الوعد بالجنة لـ[مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ] [ق: ٣٣] كان لا بد للمؤمن أن يتحسس قلبه، ويعرف مكمن الداء وسبب المرض، ويشرع في العلاج قبل أن يطغى عليه الران فيهلك؛ والأمر عظيم والشأن خطير؛ فإن الله قد حذرنا من القلب القاسي والمقفل والمريض والأعمى والأغلف والمنكوس والمطبوع والمختوم عليه. وفيما يلي محاولة للتعرف على مظاهر مرض ضعف الإيمان وأسبابه وعلاجه: أولاً: مظاهر ضعف الإيمان: إن لمرض ضعف الإيمان أعراضاً ومظاهر متعددة، منها: ١- الوقوع في المعاصي وارتكاب المحرمات: من العصاة من يرتكب معصية معينة يصر عليها، ومنهم من يرتكب أنواعاً شتى من المعاصي، وكثرة الوقوع في المعصية يؤدي إلى تحولها إلى عادة مألوفة، ثم يزول قبحها في القلب تدريجياً حتى يقع العاصي في المجاهرة بها ويدخل في حديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين ... إلخ) [٣] . ٢- ومنها: الشعور بقسوة القلب وخشونته: حتى يحس الإنسان أن قلبه قد انقلب حجراً صلداً لا يترشح منه شيء، ولا يتأثر بشيء، والله جل وعلا يقول: [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً] [البقرة: ٧٤] . وصاحب القلب القاسي لا تؤثر فيه موعظة الموت ولا رؤية الأموات، وربما حمل الجنازة بنفسه، وواراها بالتراب، لكن سيره بين القبور كسيره بين الأحجار. ٣- ومنها: عدم إتقان العبادات: ومن ذلك شرود الذهن أثناء الصلاة، وتلاوة القرآن والأدعية ونحوها، وعدم التدبر والتفكر في معاني الأذكار. ٤- ومن مظاهر ضعف الإيمان: التكاسل عن الطاعات والعبادات، وإضاعتها، وإذا أداها فإنما هي حركات جوفاء لا روح فيها، وقد وصف الله عز وجل المنافقين بقوله: [وَإذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى] [النساء: ١٤٢] ويدخل في ذلك عدم الاكتراث لفوات مواسم الخير وأوقات العبادة؛ وهذا يدل على عدم اهتمام الشخص بتحصيل الأجر. ٥- ومن المظاهر: ضيق الصدر، وتغير المزاج، وانحباس الطبع حتى كأن على الإنسان ثقلاً كبيراً ينوء به فيصبح سريع التضجر والتأفف من أدنى شيء. ٦- ومن المظاهر أيضاً: عدم التأثر بآيات القرآن لا بوعده ولا بوعيده، ولا بأمره ولا نهيه، ولا في وصفه للقيامة، فضعيف الإيمان يمل من سماع القرآن، ولا تطيق نفسه مواصلة قراءته فكلما فتح المصحف كاد أن يغلقه. ٧- ومنها: الغفلة عن الله عن ذكره ودعائه فيثقل الذكر على الذاكر، وإذا رفع يده للدعاء سرعان ما يقبضهما ويمضي؛ وقد وصف الله المنافقين بقوله: [إنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً] [النساء: ١٤٢] . ٨- ومن مظاهره: الفزع والخوف عند نزول المصيبة أو حدوث مشكلة؛ فتراه مرتعد الفرائص، مختل التوازن، شارد الذهن، شاخص البصر، يحار في أمره عندما يصاب بملمة أو بلية، فتنغلق في عينيه المخارج، وتركبه الهموم؛ فلا يستطيع مواجهة الواقع بجنان ثابت وقلب قوي، وهذا كله بسبب ضعف إيمانه. ٩- ومنها: الشح والبخل: فلا شك أن ضعف الإيمان يولد الشح؛ قال: (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً) [٤] . ١٠- ومن مظاهر ضعف الإيمان: التعلق بالدنيا، والشغف بها، والاسترواح إليها، فيتعلق القلب بالدنيا إلى درجة أن يحس بالألم إذا فاته شيء من حظوظها كالمال والجاه والمنصب والمسكن، ويعتبر نفسه سيئ الحظ، ويحس بألم أكثر إذا رأى أخاه المسلم قد نال بعض ما فاته هو من حظوظ الدنيا. ١١- عدم الاهتمام بقضايا المسلمين، ولا التفاعل معها لا بدعاء ولا صدقة ولا إعانة؛ فهو بارد الإحساس تجاه ما يصيب إخوانه في بقاع العالم من تسلط العدو والقهر والاضطهاد والكوارث، فيكتفي بسلامة نفسه؛ وهذا نتيجة ضعف الإيمان. ثانياً: أسباب ضعف الإيمان: ١- الابتعاد عن الأجواء الإيمانية فترة طويلة: وهذا مدعاة لضعف الإيمان في النفس، يقول الله : [أََلَمْ يَاًنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] [الحديد: ١٦] . ٢- ومن الأسباب: الابتعاد عن طلب العلم الشرعي والاتصال بكتب السلف والكتب الإيمانية، التي تحيي القلب؛ فهناك أنواع من الكتب يحس القارئ بأنها تستثير في قلبه الإيمان، وتحرك الدوافع الإيمانية الكامنة في نفسه؛ وعلى رأس هذه الكتب: كتاب الله تعالى وكتب الحديث، ثم كتب العلماء المجيدين في الرقائق والوعظ الذين يحسنون عرض العقيدة بطريقة تحيي القلب، مثل: كتب العلامة ابن القيم، وابن رجب، وغيرهما. ٣- ومنها: وجود الإنسان في وسط يعج بالمعاصي؛ فهذا يتباهى بمعصية ارتكبها، وآخر يترنم بألحان أغنية وكلماتها، وثالث يدخن، ورابع يبسط مجلة ماجنة، وخامس لسانه منطلق باللعن والسباب والشتائم ... وهكذا، أما القيل والقال والغيبة والنميمة وأخبار المباريات فمما لا يحصى كثرة. ٤- طول الأمل: قال الله تعالى: [ذَرْهُمْ يَاًكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ] [الحجر: ٣] وقال علي ﵁: (إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل. فأما اتباع الهوى: فيصد عن الحق، وأما طول الأمل: فينسي الآخرة) [٥] وجاء في الأثر: (أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا) . وقيل: (من قصر أمله قصر همه وتنوّر قلبه؛ لأنه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة) [٦] . ٥- ومن أسباب ضعف الإيمان وقسوة القلب: الإفراط في الأكل والنوم والسهر والكلام والخلطة، وكثرة الضحك؛ فإن الوقت الذي لا يُملأ بطاعة الله تعالى ينتج قلباً صلداً لا تنفع فيه زواجر القرآن ولا مواعظ الإيمان. ثالثاً: علاج ضعف الإيمان: روى الحاكم في مستدركه والطبراني في مجمعه عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الإيمان ليَخلق في جوف أحدكم كما يَخْلَقُ الثوب؛ فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) [٧] والرسول- ﷺ يقول: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذا علته سحابة فأظلم؛ إذ تجلت عنه فأضاء) [٨] . وقبل الشروع في الكلام عن العلاج يحسن أن نذكر ملاحظة وهي: أن كثيراً من الذين يحسون بقسوة في قلوبهم يبحثون عن علاجات خارجية يريدون الاعتماد فيها على الآخرين مع أن بمقدورهم علاج أنفسهم بأنفسهم وهذا هو الأصل؛ لأن الإيمان علاقة بين العبد وربه. وفيما يلي ذكر عدد من الوسائل الشرعية التي يمكن للمرء المسلم أن يعالج بها ضعف إيمانه ويزيل قسوة قلبه بعد الاعتماد على الله وتوطين النفس على المجاهدة: ١- تدبر القرآن الكريم الذي أنزله الله تبياناً لكل شيء ونوراً يهدي به سبحانه من شاء من عباده، ولا شك أن فيه علاجاً عظيماً ودواءاً فعالاً؛ قال الله : [وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] [الإسراء: ٨٢] أما طريقة العلاج فهي: التفكر، والتدبر. ٢- استشعار عظمة الله ومعرفة أسمائه وصفاته، والتدبر فيها، وعقل معانيها، واستقرار هذا الشعور في القلب وسريانه إلى الجوارح لتنطق عن طريق العمل بما وعاه القلب؛ فهو ملكها وسيدها وهي بمثابة جنوده وأتباعه؛ فإذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت. ٣- لزوم حلق الذكر وهو يؤدي إلى زيادة الإيمان لعدة أسباب: منها ما يحصل فيها من ذكر الله، وغشيان الرحمة، ونزول السكينة، وحف الملائكة للذاكرين، قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) [٩] . ٤- ومن الأسباب التي تقوي الإيمان الاستكثار من الأعمال الصالحة، وملء الوقت بها؛ وهذا من أعظم أسباب العلاج؛ وهو أمر عظيم وأثره في تقوية الإيمان ظاهر كبير. ٥- تنويع العبادات: من رحمة الله وحكمته أن نوّعَ لنا العبادات؛ فمنها ما يكون بالبدن كالصلاة، ومنها ما يكون بالمال كالزكاة، ومنها ما يكون بهما معاً كالحج، ومنها ما هو باللسان كالذكر والدعاء. وهكذا فإن من يتتبع العبادات يجد تنويعاً عظيماً في الأعداد، والأوقات، والهيئات، والصفات، والأحكام؛ ولعل من الحكمة في ذلك أن لا تمل النفس ويستمر التجدد. ٦- ومن علاج ضعف الإيمان: الخوف من سوء الخاتمة؛ لأنه يدفع المسلم إلى الطاعة، ويجدد الإيمان في القلب. وأما سوء الخاتمة فأسبابها كثيرة: منها ضعف الإيمان، والانهماك في المعاصي. ٧- ومن الأمور بالغة الأهمية في علاج ضعف الإيمان: ذكر الله تعالى وهو جلاء القلوب وشفاؤها، ودواؤها عند اعتلالها، وهو من روح الأعمال الصالحة وقد أمر الله تعالى به فقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً] [الأحزاب: ٤١] . ٨- ومن الأمور التي تجدد الإيمان في القلب: الولاء والبراء أي موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين؛ وذلك أن القلب إذا تعلق بأعداء الله يضعف جداً وتذوي معاني العقيدة فيه. ٩- وللتواضع دور فعال في تجديد الإيمان وجلاء القلب من صدأ الكبر؛ لأن التواضع في الكلام والأفعال والمظهر دال على تواضع القلب لله، وقد قال: (البذاذة من الإيمان) [١٠] وقال أيضاً: (من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها) [١١] . ١٠- ومحاسبة النفس مهمة في تجديد الإيمان يقول الله : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ] [الحشر: ١٨] . وقال عمر بن الخطاب ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) ، وقال ابن القيم ﵀: (هلاك النفس من إهمال محاسبتها ومن موافقتها واتباع هواها) ، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تجدد الإيمان في قلوبنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجهم وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2672

حوار مع رئيس بلدية أم الفحم الشيخ رائد صلاح (أوسلو بالنسبة لنا لفظت أنفاسها الأخيرة) نحرص في مجلة البيان على اللقاء مع الشخصيات الإسلامية في مختلف الاهتمامات وشتى التخصصات لنستروح معهم في ظلال اللقاء الهموم الدعوية والشؤون الإسلامية وشجونها. ويسرنا في هذا العدد اللقاء مع فضيلة الشيخ رائد صلاح وهو أحد الفعاليات الإسلامية الفلسطينية. ولد الشيخ عام ١٣٧٨هـ الموافق ١٩٥٨م في بلدة أم الفحم، ونال شهادة كلية الشريعة من الخليل عام ١٤٠٠هـ الموافق ١٩٨٠م، شغل دور رئيس الحركة الإسلامية في الداخل، ويشغل الآن منصب رئيس بلدية أم الفحم وذلك منذ عام ١٤١٠هـ، وكان اللقاء معه على النحو الآتي: س١: (أوسلو) ارتبطت باتفاقية السلام الموقعة بين اليهود ومنظمة التحرير الفسلطينية: فما الذي تعنيه اتفاقية السلام هذه في نظر الشعب الفلسطيني بشكل عام، وفي نظركم بشكل خاص؟ ج: بالنسبة للشعب الفلسطيني بشكل عام: لم تحقق أوسلو طموحه الشرعي والعادل، وإلى الآن ما زالت حقوقه الأساسية مستبعدة جانباً ويلفها الغموض والإبهام؛ فماذا عن مصير أكثر من أربعة ملايين فلسطيني في الشتات؟ وماذا عن حق العودة؟ وماذا عن مستقبل القدس الشريف والأقصى المبارك؟ وماذا عن السيادة الفلسطينية؟ وماذا عن مصير آلاف السجناء الفلسطينيين الذين ما زالوا قابعين في السجون الإسرائيلية؟ وماذا عن مصير مئات المستوطنات اليهودية التي ما زالت جاثمة على صدر الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع؟ إن من الواضح أن هذه الأسئلة لا تملك إلا جواباً واحداً مُرّاً ينذر الشعب الفلسطيني أنه بات يسير في طريق مسدود! ! لذلك لا أتردد أن أقول: إن أوسلو بالنسبة لي قد لفظت أنفاسها الأخيرة. س٢: تعمدت اتفاقية (أوسلو) تعليق مسألة القدس: فإلى أي شيء تعزون هذا التعليق؟ ج: لقد تم تعليق قضية القدس بهدف تهويد كل القدس خلال السنوات الواقعة ما بين أوسلو والتاريخ النهائي للمفاوضات مستقبلاً حتى يدخل المفاوض الفلسطيني إلى غرفة المفاوضات ولم يبق أي شيء يتفاوض عليه من القدس الشريف! ! وهذا ما يثبته الواقع اليومي للسياسة الإسرائيلية! ! ولعل هناك هدفاً آخر، وهو طمع الطرف (الإسرائيلي) أن يقنع الطرف الفلسطيني المفاوض بحل بديل عن القدس! ! نسمع اليوم بما يعرف باتفاق (بيلين أبو مازن) الذي ينص على ضم (أبو ديس) المتاخمة للقدس إلى القدس، ثم التنازل عنها خلال المفاوضات للطرف الفلسطيني وكأنه تنازل عن جزء من القدس الشريف! ! ولعل هذا أبعد ما يمكن أن يرضى به الجانب الإسرائيلي؛ لأن وحدة القدس واعتبارها عاصمة أبدية لـ (إسرائيل) هو عبارة عن أصل مجمع عليه عند كل الأحزاب الإسرائيلية بشقيها: المتدين أو العلماني، واليميني أو اليساري. س٣: اليهود كلما أبرموا عهداً نقضوه، واتفاقية (أوسلو) بالرغم مما تحققه لهم من مكاسب يحاولون التنصل منها بطريق وآخر: فما هي الدوافع السياسية في نظركم من وراء هذا التنصل؟ ج: في تصوري أن (اتفاقية أوسلو) جاءت بمثابة (حصان طروادة) الذي تطمع الحكومات الإسرائيلية من خلاله إدخال سفاراتها وشركاتها التجارية إلى العالم العربي والإسلامي، واتفاقية أوسلو هي الأداة التي نجحت من خلالها (الحكومة الإسرائيلية) في تفتيت أي أمل بأي موقف موحد للعالم العربي والإسلامي في مقابل (إسرائيل) ؛ إذ إن اتفاقية أوسلو قامت على قاعدة استفراد (إسرائيل) بالشعب الفلسطيني، وهو الأمر الذي فتح الأبواب على مصراعيها للاستفراد بعد ذلك مع عدة دول عربية من خلال مصالحات أو اتفاقيات، كما وأن اتفاقية أوسلو في مرماها البعيد جاءت لتحُول دون تحوّل (إسرائيل) إلى دولة ثنائية القومية؛ وهذا ما لا يريده أي حزب على الإطلاق، فعلى فرض أنه تم ضم مليون فلسطيني في القطاع ومليون فلسطيني في الضفة إلى مليون فلسطيني داخل الخط الأخضر لتحولت (إسرائيل) مباشرة إلى دولة ثنائية القومية، وهذا ما لا يرضاه أي يهودي إطلاقاً، كما وأن اتفاقية (أوسلو) جاءت لتحطيم الطموح الفلسطيني وتحويله إلى (كانتونات) سكانية معزولة الصلاحيات الخارجية، ويفصل بينها أطواق استيطانية يهودية تفصل بين كل (كانتون) فلسطيني وآخر، ومع ذلك فإن (الحكومة الإسرائيلية) تتبنى سياسة (التنصل) مع الطرف الفلسطيني لممارسة سياسة الابتزاز من الطرف الفلسطيني بهدف تحويله إلى أداة قمع لطموح الشعب الفلسطيني، وهذا ما نسمعه هذه الأيام من الموقف (الإسرائيلي) ، فهو لا يتردد أن يقول: إن (الأمن الإسرائيلي) يقود إلى السلام مع الفلسطينيين! ومعنى (الأمن الإسرائيلي) قمع أي معارضة فلسطينية، وهذا يعني: تحويل السلطة الفلسطينية إلى أداة قمع للشعب الفلسطيني، وحتى لو نجح (الطرف الإسرائيلي) بذلك فسيبقى على طمع أن يبتز أكثر إلى ما لا نهاية. س٤: أعلنت أمريكا دون أي اعتبار لمشاعر المسلمين نقل سفارتها إلى القدس معتبرة إياها عاصمة (إسرائيل) الشرعية: فما هو رد الفعل المتوقع في تحليلكم من الفلسطينيين بخاصة والعرب بعامة إزاء هذا القرار الأمريكي؟ ج: معنى الإعلان الأمريكي هو مباركة أمريكية لمشروع تهويد القدس، وهو مباركة بناء الهيكل على حساب الأقصى المبارك، وفي تصوري أن أمريكا من حيث تقصد أو لا تقصد تقود المنطقة إلى انفجار إسلامي وعربي وفلسطيني لا يعرف نتائجه إلا الله تعالى. س٥: العمليات الاستشهادية التي تقوم بها الحركة الإسلامية في فلسطين: هل ترونها الرد الأمثل في التحاور مع الكيان الصهيوني، وما رأيكم فيمن يرى أنها مجرد إعاقة للعملية السلمية وتضييع ما يمكن الوصول إليه من الحق الفلسطيني؟ ج: في تصوري أنه لا يوجد إنسان في العالم يهوى تفجير نفسه بحزام من المفرقعات، ولكن الواقع الفلسطيني المر الذي بات يعانيه الفرد الفلسطيني دفع إلى مثل هذه العمليات، ولو كان هناك عقلاء في أي طرف كان لسألوا أنفسهم: ما الذي يدفع هذا الشاب لمثل هذا العمل؟ ولو سألوا أنفسهم لأيقنوا أن واقع (الاحتلال الإسرائيلي) ووحشية معاملته هي المسؤول الأول والأخير. س٦: السلطة الفلسطينية أدانت الإرهاب مؤخراً، وهو تهمة موجهة إلى ما تقوم به الحركة الإسلامية من نشاط عسكري ضد اليهود: فإلى أي حد ترون هذه الإدانة خطراً على وجود العمل الإسلامي في فلسطين بشكل عام، وعلى الوحدة الوطنية الفلسطينية بشكل خاص؟ ج: (الإرهاب) أصبح مصطلحاً هلامياً في قاموس السياسة اليوم؛ إذ إن مقاومة الاحتلال أصبحت إرهاباً عند بعضهم، والرضوخ لإملاءات الاحتلال أصبحت تفاوضاً عند آخرين؛ لذا في نظري: أن الإرهاب الحقيقي هو تلك الممارسة الاحتلالية التي باتت تفرض على أكثر من مليوني فلسطيني طوق التجويع لدرجة أن أطفالهم باتوا يعتاشون من المزابل! ! وهو تلك الممارسة الاحتلالية التي باتت تمنع حتى المرضى الفلسطينيين من الوصول إلى المستشفيات؛ مما أدى إلى وفيات كثيرة عند الحواجز (العسكرية الإسرائيلية) ، وإلى أن تلد الحوامل أولادهن عند الحواجز العسكرية كذلك! ! والإرهاب هو تلك الممارسة الاحتلالية التي باتت تخطف الشباب الفلسطيني من عقر السلطة الفلسطينية كما يحدث اليوم! ! وفي تصوري أن الجماهير الفلسطينية عامة باتت مدركة لكل ذلك ولن تسمح لأي جهة كانت أن تضرب وحدتها الفلسطينية؛ لأنها على قناعة تامة أن العمل الإسلامي هو صمام أمان للمسيرة الفلسطينية. س ٧: ثمة من يقول: ليس كل يهودي في نظرته إلى فلسطين صهيونياً: فكيف تنظرون إلى هذا القول؟ وهل ترون تبايناً بين حزبي الليكود، والعمل في التعامل مع المسألة الفلسطينية، وبين اليهود المتدينين وغير المتدينين فيما يتعلق بأمر القدس؟ ج: أنا أؤمن أن هناك إجماعاً قومياً ودينياً عند كل الأحزاب اليهودية على أصول المشروع الصهيوني والسياسة الإسرائيلية، وقد يكون هناك اختلاف في الاجتهادات الفرعية؛ ولكن هناك إجماع على القدس واعتبارها العاصمة الموحدة والأبدية (لإسرائيل) ، وهناك إجماع على اعتبار (إسرائيل) دولة للشعب اليهودي فقط، وهناك إجماع على منع قيام السيادة الفلسطينية، ومنع حق العودة للفلسطينيين في يوم من الأيام، وهناك إجماع على تجميع شتات اليهود من كل العالم؛ لذلك هناك وزارة خاصة لهذا الهدف تسمى: (وزارة الاستيعاب) ، وهناك إجماع على ضرورة التفوق (النووي الإسرائيلي) على كل العالم العربي والإسلامي. وأعود وأقول: هذا عند كل الأحزاب التي تمثل كل القوس السياسي الإسرائيلي. س ٨: ذكر أن اليهود مصممون على هدم المسجد الأقصى لإقامة الهيكل المزعوم مكانه: فهل بالإمكان إعطاء القارئ فكرة عما يقوم به اليهود حالياً لتحقيق هذا الهدف، وعن الدور الذي تقومون به محلياً ودولياً وعربياً لإبطال هذه الغاية الصهيونية؟ ج: بعد أن حوّل اليهود (حائط البراق) إلى ما يسمونه اليوم: (حائط المبكى) ، وبعد أن أنهوا مشروع حفر النفق الأول الذي سموه باسم تعسفي: (نفق الحشمونانيم) ، ها هم اليوم يسعون إلى ما يلي: ١- أداء صلواتهم على امتداد الحائط الجنوبي للأقصى كخطوة أولى لتحويله إلى مبكى جديد. ٢- أعلنت وزارة الأديان (الإسرائيلية) عن نيتها تحويل (رباط الكرد) إلى ما أسموه بالمبكى الصغير؛ علماً أن رباط الكرد هو جزء لا يتجزأ من الأقصى المبارك. ٣- استصدروا أمراً من المحكمة العليا للسماح لهم بأداء الصلاة في داخل حرم الأقصى المبارك. ٤- يقومون اليوم بحفر نفق جديد في الزاوية الجنوبية الغربية من حرم الأقصى المبارك. ٥- أعلنوا عن الانتهاء من بناء مذبح الهيكل، وأعلنوا أنه موجود الآن في منطقة البحر الميت. ٦- أعلنوا أنهم قد أحضروا كل ما يلزم من خشب الأرز لبناء الهيكل، وهو موجود في مخزن في القدس الشريف. ٧- أعلنوا أنهم قد وجدوا ضالتهم (البقرة الحمراء) في قرية يهودية تسمى (كفار حسيديم) ومعنى ذلك أن بإمكانهم ذبحها بعد أن يصل عمرها إلى ثلاث سنوات، وعندها يشرعون ببناء الهيكل. ٨- قبل أسابيع كانت هناك محاولة منهم لإدخال حجر بزنة عدة أطنان إلى ساحة الأقصى وسموه: (الحجر الأساس لبناء الهيكل) . ٩- أعلنوا عن تشغيل مصنع لاستخراج الرخام الطبيعي في النقب كي يستعمل بالإضافة لخشب الأرز في بناء الهيكل. ١٠- من الضروري أن أؤكد أن الذي يتبنى هذه المشاريع شخصيات رسمية من نواب ووزراء أو أعضاء كنيست يهود أو شخصيات متنفذة في السياسة (الإسرائيلية) . ومقابل كل ذلك نحن نعمل على: أ - تقوية رباط أهلنا بالأقصى المبارك، واستمرار شد الرحال إليه يومياً. ب - استمرار القيام بمشاريع عمرانية في الأقصى المبارك؛ حيث كان أبرزها تبليط المصلى المرواني وإنقاذه من خطر تحويله إلى كنيس. ج - الكشف عن أي مؤامرة تسعى للمسّ بالأقصى المبارك: مثل كشفنا عن مشروع النفق الجديد في مؤتمر إعلامي عالمي عقدناه في القدس الشريف. د - دعوة العالم العربي والإسلامي لتوحيد موقفه حول القدس الشريف والأقصى المبارك. هـ - انتهينا من إعداد كتاب باسم: (القدس وسبل إنقاذها) سنقوم بتوزيعه إلى كل من يهمه الأمر. و نحن على وشك الانتهاء من إعداد كتاب آخر باسم: (دليل الأقصى المبارك) مزود بالصور الملونة. ز - بين فترة وأخرى نشارك في مؤتمرات إسلامية وعربية حول القدس الشريف والأقصى المبارك في عدة دول عربية أو أجنبية. س ٩: يلاحظ أن حكومة (نتنياهو) تقوم بأعمال استفزازية، وتصرفات عنجهية: فماذا تقرأون من وراء هذه السياسات؟ وهل بالإمكان أن تحمل العرب على إعادة النظر في سياسات التطبيع مع إسرائيل؟ ج: من الواضح أن سياسة نتنياهو تسعى إلى اعتبار ما أخذه الفسلطينيون هو أقصى ما يمكن أن يأخذوه دون أي قابلية لأي زيادة، ويسعى كذلك إلى سياسة الاستفراد مع كل دولة عربية على حدة، ويسعى كذلك إلى استغلال تركيبة الحكم الحالي في أمريكا؛ ليكون أداة ضاغطة على السلطة الفلسطينية ودول الجوار العربية لصالح (إسرائيل) أكثر مما كان في يوم من الأيام، ولا شك في أنه يسعى إلى فرض مشروع استيطاني جديد في الضفة والقطاع، وكذلك إلى فرض مشروع القدس الكبرى على حساب الحق الإسلامي والعربي والفلسطيني؛ وفي المقابل فإن هناك بوادر موقف عربي جاد للوقوف في وجه سياسة نتنياهو. س١٠: بصفتكم رئيس بلدية: أحسب أنكم على علم بالأضرار والنهب الذي لحق بالوقف الإسلامي: فهل بالإمكان إعطاؤنا صورة موجزة عما هو موجود من الوقف الإسلامي، وما هو المتبع في حمايته من جهات الاختصاص؟ ج: بداية أقول: إن مساحة الوقف الإسلامي تساوي ١٦/١ من المساحة العامة عندنا؛ ولكن الذي حدث للوقف ما يلي: ١- بعد نكبة ١٩٤٨م تم إزالة أكثر من ١٢٠٠ مسجداً عن الوجود. ٢- بعد نكبة ١٩٤٨م تم تحويل قرابة سبعين مسجداً إلى مطاعم وخمارات ومتاحف وحظائر لتربية الأبقار. ٣- بعد نكبة ١٩٤٨م تم جرف آلاف المقابر الإسلامية وبناء الفنادق أو الأحياء السكنية، أو إقامة الشوارع والحدائق العامة على حساب أموالنا. ٤- بعد نكبة ١٩٤٨م تم تحويل كل الوقف الإسلامي إلى ما أسموه: (ملك الغائب) ووضعت السلطة اليهودية يدها عليه معتبرة نفسها صاحبة الملك الكامل لكل الوقف الإسلامي. في المقابل قمنا بإنشاء جمعية إسلامية تسمى: (جمعية الأقصى لرعاية المقدسات الإسلامية) وهدفها السعي إلى تحرير كل الوقف الإسلامي عامة، والعمل على تحرير المساجد المنتهكة ثم ترميمها، وكذلك العمل على صيانة المقابر الإسلامية والحيلولة دون جرفها. س١١: هناك اتهام للفسلطينيين بالتفريط في أراضيهم من خلال بيعها إلى اليهود: فما مدى صحة هذا الاتهام أولاً، وما هو الإجراء المتبع عندكم إذا كان فعلاً واقعاً؟ ج: لا يخلو أي مجتمع من العناصر المنهزمة والطفيلية، وهم قلة في مجتمعنا بحمد الله رب العالمين، وقد باعوا أرضهم لبعض المؤسسات اليهودية أو لأشخاص يهود، أما نحن فنعمل على توعية الناس حتى نبني عندهم الرادع الذاتي الذي يمنعهم من بيع أرضهم، وفي نفس الوقت لدينا طموح لم نصل إليه حتى الآن وهو إحياء الأرض كل الأرض بهدف تحويلها إلى مصدر رزق رئيسي بمشيئة الله تعالى في حياة جماهيرنا. س١٢: احتفلت الصهيونية بمرور مائة عام على تأسيسها: فكيف تنظرون إلى مستقبل الدولة الصهيونية في فلسطين من خلال معطيات اليوم وتحليل تركيبة المجتمع اليهودي؟ ج: إن تراكم فروق خمسين عاماً بين الطوائف اليهودية المتدينة وغير المتدينة، أو الشرقية والغربية، أو الشرقية المغربية والشرقية اليمنية والعراقية، أو القادمين الجدد والقدماء، أو الفلاشا، وغيرهم لا شك أن هذا التراكم بدأ يتجسد اليوم بمظاهر تفكك في بنية هذا المجتمع العامة، قادت إلى مظاهر استقطاب ناتجة عن التفاف كل فئة حول نفسها؛ ولا شك أن هذا الوضع آخذ بفرز مظاهر عداء كلامي وجسدي كما يحدث اليوم؛ لذلك فإن المراقب لمسيرة هذا المجتمع يلاحظ أنها تسير إلى التمزق والتناحر الداخلي لا محالة بشكل سريع.

стр. 2673

دراسات في السيرة النبوية خصائص المرحلة المكية في مجال المعرفة بقلم: د. محمد أمحزون لقد كان أول ما نزل من آي القرآن الكريم خمس آيات كانت استهلالاً للرسالة الخاتمة الخالدة، وهي الآيات التي افتُتِحت بها سورة العلق: [اقْراً بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَاً وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] [العلق: ١-٥] . وبهذه الآيات وضع الله تعالى معالم الرسالة الإسلامية الخالدة في عمومها المطلق وشمولها الأعم مبيناً أنها رسالة العلم والمعرفة والعقل، وهي أعظم نعم الله تعالى على الإنسان [١] . وبهذه الآيات البينات، وما تضمنته من الإشادة بالقراءة والكتابة والعلم، أبان الله لنبيه- ﷺ ولأمة الإسلام أن المعرفة بوسائلها: من قراءة وكتابة وتعلّم هي الأسلوب الأمثل لتبليغ الرسالة. وبهذه الآيات أعطيت الأمة مفاتيح الإصلاح والتقدم والرقي؛ لتعلم أنه لا إصلاح ولا مدنية ولا حضارة بغير علم ومعرفة؛ فالجهل وهو نقيض العلم لا يأتي إلا بالشر والفساد والتخلف، كما أن الهداية إلى معرفة الحق واعتناقه والحرص على إقامة معالمه والدعوة إليه لا يكون إلا مع العلم، ولا يكتب للعلم النمو والانتشار إلا إذا سجله القلم ونشره وأعلن عنه [٢] . على أن العلم لا يسلك إلى القلوب سليقةً وطبعاً، أو يتلقاه الناس غريزةً وفطرةً، وإنما يخضع للقوانين التي أودعها الله في الوجود، ولسنن الله في نظام الحياة. والكشف عن هذه السنن يقوم على التعلم والبحث والتدبر وإعمال الفكر واستقراء الظواهر؛ مما يقود إلى إماطة اللثام عن قوانين المادة وسنن الاجتماع للإفادة من ذلك في بناء صرح الحضارة الإنسانية ضمن التوجيهات والضوابط والحدود الإلهية. ومن اللافت للنظر أن استفتاح الوحي بهذه الآيات البينات فيه دلالة واضحة على أن العلم في دائرة سنن الله في الحياة يعد من أهداف الأمة الإسلامية في تبليغها رسالة الإسلام؛ (لأن العلم هو العنوان الأعظم على خلود هذه الرسالة، وهو العنصر الحيوي في تكوين حقيقتها الهادية الراشدة، وهو الآية الكبرى على صدقها وصدق رسولها) [٣] . ولا شك أن هذه المنزلة الرفيعة التي منحها الإسلام للعلم، حفزت المسلمين بأمر وتشجيع من رسول الله- ﷺ على طلب العلم طلباً موصولاً دائماً. ولهذا الغرض كان النبي- ﷺ يجتمع بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين [٤] . كما كان يقوم بعضهم بإقراء بعض مثلما كان يفعل (خباب بن الأرت) حيث كان يختلف إلى (فاطمة بنت الخطاب) وزوجها (سعيد بن زيد) ﵄ يقرئهما القرآن من الرقاع [٥] . بل كان أصحاب رسول الله- ﷺ حريصين أشد الحرص على معرفة كتاب الله مثلما كان يفعل (ابن أم مكتوم) الأعمى ﵁، حيث كان يأتي إلى الرسول ﷺ يستقرئه القرآن ويلح عليه في ذلك، وهو الذي نزلت بسببه: [عَبَسَ وَتَولَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى] [عبس: ١، ٢] [٦] . العلم بالعقيدة: في الفترة الأولى التي قضاها رسول الله- ﷺ في مكة منذ بعثته إلى أن هاجر إلى المدينة، عُني القرآن المكي أولاً بإصلاح العقيدة وتخليصها من شوائب الوثنية، وتهذيب النفوس بتجريدها من رذائل الصفات، حتى تجتمع القلوب على توحيد الله ، وتمحو من النفوس آثار الجاهلية. كما عُني القرآن المكي في هذه الفترة بتعميق الإيمان في النفوس وبيان أبعاده القلبية والقولية والعملية، والتركيز على مقتضيات (لا إله إلا الله) التي تُعنى بنقل الإنسان من تقاليد وأعراف الجاهلية إلى أصول الإسلام وأحكامه في نواحي الحياة المختلفة. وكان من حكمة الله تعالى أن جعل لترسيخ هذه العقيدة على أهميتها وخطورتها المدة الكافية، وهي الفترة المكية؛ حيث ظل الوحي ينزل ثلاثة عشر عاماً ليوضح معاني هذه العقيدة ومقاصدها ضمن التطبيق العملي في واقع الحياة. ولم يعرض التشريع القرآني ولا النبوي في هذه الفترة لشيء من التشريعات العملية إلا ما له ارتباط بالعقيدة؛ كتحريم ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح: [وَلا تَاًكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ] [الأنعام: ١٢١] ، أو كان عبادة تربطهم بالله وتوجههم إلى الخير: [وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ] [الأنعام: ٧٢] . توحيد الله في ألوهيته: ولأن المعركة من نوح إلى محمد صلوات الله عليهما واحدة، وقضيتها واحدة، فقد جاء التعبير عن الرسالات جميعاً في القرآن الكريم بأنها كتاب واحد: [وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ] [البقرة: ٢١٣] . فطبيعة دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعاً أنها دعوة واحدة إلى منهج التوحيد بكل فروعه وأنواعه، وما يستلزمه ذلك من نبذ الشرك بكل صوره وألوانه: [يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [الأعراف: ٥٩] . وجاء في حديث علي ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله) [٧] . وبناءً على ذلك؛ فإن قضية الصراع بين الأنبياء الذين يحملون لواء (لا إله إلا الله) وبين الجاهليين أو (الملأ) كما يسميهم القرآن الكريم لا يرجع إلى البعثة النبوية فحسب، وإنما تمتد جذوره إلى فجر البشرية. وقد أكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة وهو يتنزل بقصص الأنبياء وقصص المكذبين من قبل في الفترة المكية: [وَإن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ المُنِيرِ] [فاطر: ٢٥] . أصلان يقوم عليهما الدين: ولقد دل استقراء نصوص الكتاب والسنة أن هذا الدين يقوم على أصلين: الأول: ألاّ يُعبد إلاّ الله، بالمعنى الشرعي للعبادة، (وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) [٨] . الثاني: ألاّ يُعبد إلاّ بما شرع على لسان رسوله؛ (فلا إله إلا الله) لا تعني مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء كما كان المشركون عبّاد الأصنام مقرين بذلك: [وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] [لقمان: ٢٥] لكنهم اتخذوا في واقع الأمر شركاء مع الله يتقربون إليهم بالطاعات، فلم ينفعهم هذا الإقرار. ذلك أن التوحيد الحق يتضمن محبة الله عز وجل وتعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتسليم لأمره، والانقياد لطاعته في جميع شؤون الحياة بدءاً بالعقيدة ثم العبادات وسائر المعاملات التي يتعرض لها الإنسان في حياته؛ لأن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله (تنفي عن قلبه إلهية ما سوى الحق، وتثبت في قلبه إلهية الحق.. بحيث يكون محباً لله، معظماً له، عابداً له، راجياً له، خائفاً منه، محباً فيه، موالياً فيه، معادياً فيه، مستعيناً به، متوكلاً عليه ... وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهية الله ... ) [٩] . وعلى ذلك فإن هذا يعني: الإذعان للإسلام، والخضوع له في التصور والفكر والسلوك، في جميع نواحي الحياة، كما في قوله تعالى: [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] . ولا شك أن العرب وهم أدرى وأعلم بلغتهم يدركون بداهة أنّ (لا إله إلا الله) تعني طاعة الله وعبادته وحده لا شريك له. ومعنى ذلك: نزع السلطان الذي يزاوله الأمراء والحكام وزعماء القبائل بمقتضى أهوائهم ومصالحهم، ورده كلّه إلى الله : [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ] [يوسف: ٤٠] يقول صاحب الظلال ﵀ في تفسير هذه الآية: (ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى العبادة التي يخص بها الله وحده. إن معنى: عَبَدَ في اللغة: دان وخضع. ولم يكن معناه في الاصطلاح الإسلامي في أول الأمر أداء الشعائر، إنما كان هو معناه اللغوي نفسه. فعندما نزل هذا النص أول مرة (في المرحلة المكية) لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه. إنما المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي. كان المقصود به هو الدينونة لله وحده والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده، سواءً تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية. فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله سبحانه بها نفسه ولم يجعلها لأحد من خلقه. وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو، نفهم لماذا جعل يوسف ﵇ اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم؛ فالعبادة أي الدينونة لا تقوم إذا كان الحكم لغيره، وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة) [١٠] . وبهذا المعنى كان العرب يدركون أن (لا إله إلاالله) رفض للسلطان الوضعي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية وهي العبادة والطاعة، وخروج على كل من يحكم بشريعة أو قوانين لم يأذن بها الله: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ] [الشورى: ٢١] . ولذلك لم يكن يغيب عن المشركين وهم يعرفون المدلول الحقيقي لدعوة لا إله إلا الله ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ومصالحهم وسلطانهم. وإلى ذلك نبّه (ورقة بن نوفل) بعد سماعه خبر نزول الوحي لأول مرة فقال: (ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك؛ فيسأله النبي- ﷺ في استغراب: (أوَ مخرجيّ هم) ؟ ! فيقول ورقة: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) [١١] . وأخرج الحاكم والبيهقي وأبو نعيم من حديث علي ﵁ أن رسول الله- ﷺ لما خرج في موسم الحج يدعو قبائل العرب إلى الإسلام، عرض نفسه على بني شيبان بن ثعلبة، فدعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه عبده ورسوله، وأن يؤووه وينصروه ليبلغ رسالة ربه، فقال له المثنى بن حارثة الشيباني: وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك، فرد عليه النبي- ﷺ بقوله: (وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه) [١٢] . الإيمان قول وعمل: إن شهادة أن (لا إله إلا الله) لم تكن مجرد كلمة تقال باللسان، ولا يمكن أن تكون كذلك في مرحلة من مراحل الدعوة، فضلاً عن مرحلة التأسيس التي هي أشق المراحل وأهمها؛ وإلا فما معنى تلك المعاناة القاسية التي لقيها المسلمون من المشركين وما موجبها؟ ! وإنما كانت هذه الشهادة نقلةً بعيدةً ومعلماً فاصلاً بين حياتين لا رابطة بينهما: حياة الكفر وحياة الإيمان، وما يستلزمه ذلك من فرائض وتعبدات ومشقات أعظم وأكبر من فريضة الصلاة والزكاة ونحوها: من ذلك فريضة التلقي الكامل في التشريع والحكم وكل ميادين الحياة عن الله ورسوله، ونبذ موازين الجاهلية وقيمها وأخلاقها وأعرافها وتشريعاتها. ومن ذلك الولاء المطلق لله ورسوله، والعداء الصارم للكفار ولو كانوا آباءً وإخواناً وأزواجاً وعشيرة. ومن ذلك فريضة الصبر على الأذى في الله الذي لا تطيقه إلا نفوس سمت إلى القمة، تحمل الفرائض والواجبات حتى إن الواحد ليكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار [١٣] . وهذا ما كان يعانيه بلال ﵁ وهو يُلبس أدرع الحديد ويُسحب في رمضاء مكة وقت الظهيرة، وما كان آل ياسر يلقونه وهم يتعرضون لأشد بلاء شهدته أسرة مضطهدة [١٤] ، وغير ذلك كثير مما سجلته كتب السيرة والحديث. إنّ في إمكان أي إنسان أن يصلي ما شاء الله له، وينفق بما شاء الله له دون أن يناله كبير مشقة، ولكن: أي إنسان هذا الذي يستطيع أن يخالف عادات وأعراف اجتماعية درج عليها المجتمع أجيالاً ويتحداه بمخالفتها؟ فما بالك إذا كان الأمر ليس مجرد مخالفة عادة أو عرف، وإنما هو مفاصلة كاملة ومنابذة تامة لكل عبادة جاهلية وقيمة جاهلية وعرف جاهلي. ثم هو مع ذلك زجر قاطع للنفس عن شهواتها وملذاتها ومراقبة شديدة لها. ولهذا كانت النماذج الكثيرة في الجيل الأول ممن يشهد ألاّ إله إلا الله، فيعود من فوره إلى بيته ليحطم الأصنام التي طالما عبدها، وليقطع العلائق التي طالما وثقها [١٥] . وهكذا فهم المسلمون دلالة هذه الكلمة المتميزة، كما فهمها الكافرون على حدّ سواء: [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] [الأنفال: ٤٢] ؛ فهمها المسلمون فالتزموا بما فرضه عليهم من تبعات وتكاليف، وقاومها الكافرون؛ لأنهم فهموا مقتضاها وما يترتب عليها من ذهاب سلطانهم وتحطم كيانهم، وتهافت أساطيرهم وأوهامهم. إنه حتى على المنطق الجاهلي لا يصح للمرء أن يتصور شهادة بلا أثر في واقع الحياة، وإلا: أفكان الجاهليون يقتلون مواليهم ويعذبون أبناءهم وإخوانهم ويقطعون أرحامهم لمجرد كلمة تقال باللسان أو نظرية ذهنية في المعرفة؟ ! [١٦] . إن حقيقة العبادة لو كانت مجرد كلمة تقال باللسان أو هي الشعائر التعبدية فقط لما استحقت كل ذلك الموكب من الرسل والرسالات، ولما استحقت كل تلك الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله عليهم وعلى رأسهم محمد؛ إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الخضوع للعباد ولأهوائهم إلى الإذعان لرب العباد، في كل أمر وفي كل شأن. ولأجل ذلك: فإن كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) إعلان إلهي عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية لغيره ولهواه، وذلك بإعلان العبودية لله وحده المتمثلة في إفراده بالطاعة. على أنّ سيادة الشريعة الإلهية وحدها، وإلغاء القوانين البشرية التي تخدم فئة من الناس وهم (الملأ) ، كل ذلك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان؛ لأن المتسلطين على رقاب العباد المغتصبين لسلطان الله في الأرض لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان [١٧] ، بل حتى الأفراد أنفسهم، وهم الذين عبّدوا أنفسهم لغير الله من الطواغيت والأنداد المختلفة والأصنام الفكرية، ليس لدى أكثرهم استعداد لترك ما ألفته النفس، وسار عليه الآباء والأجداد، ويعيش عليه المجتمع كله، لمجرد التبليغ والبيان، بل إن ما في نفوسهم من حواجز الكبر والعناد والتمرد لا يقل عن الحواجز الضخمة التي يضعها البشر المتألهون دون شعوبهم المستعبدة [١٨] . وإزاء هذه الاعتبارات، فإن هذا الإعلان العام لتحرير الإنسان في الأرض من كل سلطان غير سلطان الله بإعلان ألوهيته للعالمين: [وَهُوَ الَذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إلَهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ] [الزخرف: ٨٤] لم يكن إعلاناً نظرياً فلسفياً سلبياً، وإنما كان إعلاناً حركياً واقعياً وإيجابياً، إعلاناً يراد به التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله، ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك. ومن ثَمّ لم يكن بدّ أن يتخذ هذا الإعلان شكل الحركة أي الجهاد [١٩] إلى جانب شكل البيان أي التبليغ [٢٠] . وهو ما جمعته آية سورة الحديد في قوله تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاًسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحديد: ٢٥] هذا وقد رسخ القرآن الكريم في قلوب الصحابة ﵃ العقيدة الصحيحة بهذا المفهوم، وأتت تربية الرسول- ﷺ لأصحابه ثمارها المباركة في هذا الجانب، فلم يحتكموا إلا لله، ولم يطيعوا ويتبعوا أحداً على غير مرضاة الله، ولم يوالوا ويعادوا إلا في الله، ولم يستغيثوا ويستعينوا إلا بالله، إلى غير ذلك من حقائق ومعاني هذا الأصل العظيم التي قررها القرآن الكريم والسنة النبوية في المرحلة المكية.

стр. 2674

مرتكزات للفهم والعمل الرغبة في الصدارة رؤية دعوية حول حقيقتها ومظاهرها وآثارها (١من٢) عبد الحكيم بن محمد بلال لا غرابة في حرص أهل الدنيا على الإمارة والولايات؛ فذلك أمر تعوّده الناس منهم، حتى أفضى الأمر إلى نزاعات وخلافات ومفاسد وفتن كثيرة، وأدى كثير منها إلى سقوط بعض الدول، كسقوط الأندلس وغيرها. لكن الغريب أن يتسلل هذا الداء إلى داخل التجمعات الدعوية، ويسيطر على بعض النفوس المريضة، شعرت أم لم تشعر، حتى يصير همّ الواحد منهم أن يسود على بضعة أفراد، دون التفكير بتوابع ذلك وخطورته، وأنها أمانة، ويوم القيامة خزي وندامة [١] . التطلع للإمارة في ضوء النصوص الشرعية: إن الحرص على الإمارة يفسد دين المرء الحريص عليها، ويضيع نصيبه في الآخرة، ويجعله شخصاً غير صالح لهذا المنصب، وتوضيح ذلك كما يلي: أولاً: تحذير النبي- ﷺ من عواقب التطلع إلى الإمارة: قال: (ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على الشرف والمال لدينه) [٢] . فبين أن الفساد الحاصل للعبد من جراء حرصه على المال والشرف: أشد من الفساد الحاصل للغنم التي غاب عنها رعاتها ليلاً، وأُرسل فيها ذئبان جائعان يفترسان ويأكلان، وإذا كان لا ينجو من الغنم إلا القليل منها؛ فإن الحريص على المال والشرف لا يكاد يسلم له دينه. ثانياً: بيان طرق الناس في طلب الجاه: للناس في طلب الجاه طريقان، هما: الطريق الأول: طلبه بالولاية والسلطان وبذل المال، وهو خطير جداً، وفي الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها؛ فإن الله جعل الآخرة لعباده المتواضعين، فقال: [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] فنفى عنهم مجرد الإرادة، فضلاً عن العمل والسعي والحرص لأجلها، فإن إرادتهم مصروفة إلى الله ، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع مع الله تعالى والانقياد للحق والعمل الصالح، وهم الذين لهم الفلاح والفوز. ودلت الآية على أن الذين يريدون العلو في الأرض والفساد ليس لهم في الآخرة حظ ولا نصيب [٣] . الطريق الثاني: طلب الجاه بالأمور الدينية، وهذا أفحش وأخطر؛ لأنه طلب للدنيا بالدين، وتوصل إلى أغراض دنيوية بوسائل جعلها الله تعالى طرقاً للقرب منه ورفعة الدرجات، وهذا هو المقصود بحديثنا هنا. ثالثاً: النهي عن سؤال الإمارة: وقد وردت نصوص تنهى عن سؤال الإمارة وتمنيها، وتحذِّر من ذلك، وتبين عاقبته، وتنهى عن تولية من سألها أو حرص عليها. وهي وإن كان يتبادر إلى الذهن أنها واردة في الإمارة الدنيوية إمارة السلطان والوالي إلا أن دلالتها أشمل من ذلك وأوسع، فهي تتناول ما نحن بصدد الحديث عنه. ومن تلك الأحاديث: أ - قول النبي: (يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها) [٤] وفي رواية: (لا يتمنّينّ) ، والنهي عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب [٥] . ب - وقوله: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة) [٦] فهي محبوبة للنفس في الدنيا، ولكنها (بئست الفاطمة) بعد الموت؛ حين يصير صاحبها للحساب والعقاب. وفي رواية أخرى: (أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل) [٧] . ج - وقال- ﷺ للرجلين اللذين سألاه الإمارة: (إنا لا نولّي هذا مَنْ سأله، ولا من حرص عليه) [٨] . والسبب في عدم توليته الإمارة لمن سألها أنه غير صالح ولا مؤهل لهذا الأمر؛ لأن سؤاله له وحرصه عليه ينبئ عن محذورين عظيمين: الأول: الحرص على الدنيا وإرادة العلو، وقد تبيّن ما فيه. الثاني: أن في سؤاله نوع اتكال على نفسه، وعُجباً بقدراتها وغروراً بإمكاناتها، وانقطاعاً عن الاستعانة بالله التي لا غنى لعبد عنها طرفة عين، ولا توفيق له إلا بمعونته [٩] . فما أشبه حرص الداعية على رئاسة مركز إسلامي، أو إدارة مكتب دعوي، أو ترؤس لجنة، أو هيئة، أو مجموعة ... ما أشبه كل ذلك بما نهى عنه-صلى الله عليه وسلم-، نسأل الله السلامة من الفتنة. وما أحسن وصف شدّاد بن أوس ﵁ لها بالشهوة الخفية حين قال محذراً: (يا بقايا العرب ... يا بقايا العرب ... إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية) ، قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال (حب الرئاسة) [١٠] . وصدق والله؛ فإنها مهلكة كالرياء. وعلى كثرة ما ورد من التحذير من حب المال؛ فإنها أشد إهلاكاً منه، والزهد فيها أصعب؛ لأن المال يبذل في حب الرئاسة والشرف. مظاهر الحرص على الإمارة والظهور [١١] : ١- العجب بالنفس، وكثرة مدحها، والحرص على وصفها بالألقاب المفخمة كالشيخ، والأستاذ، والداعية، وطالب العلم، ونحوها، وإظهار محاسنها من علم وخُلُق وغيره. ٢- بيان عيوب الآخرين وخاصة الأقران والغيرة منهم عند مدحهم ومحاولة التقليل من شأنهم. ٣- الشكوى من عدم نيله لمنصب ما، وكثرة سؤاله عن الأسس والمعايير لتقلّد بعض المناصب. ٤- الحرص على تقلّد الأمور التي فيها تصدّر وبروز؛ كالإمامة والخطابة والتدريس والتأليف والقضاء. وهي من فروض الكفاية، لا بد لها ممن يقوم بها، مع مراعاة أحوال القلب، والتجرد من حظوظ النفس؛ كما هو حال السلف. ٥- عدم المشاركة بجدية عندما يكون مرؤوساً، والتهرب من التكاليف التي لا بروز له فيها. ٦- كثرة النقد بسبب وبغير سبب، ومحاولة التقليل من أهمية المبادرات والمشاريع الصادرة من غيره والعمل على إخفاقها. ٧- الإصرار على رأيه، وعدم التنازل عنه، وإن ظهرت له أدلة بطلانه. ٨- القرب من السلاطين والولاة ومن بيده القرار في تقليد المناصب، وكثرة الدخول عليهم. وهذا باب واسع يدخل منه علماء الدنيا لنيل الشرف والجاه، وهو مظنة قوية للفتنة في الدين، كما في الحديث: (من أتى أبواب السلطان افتتن) [١٢] . ٩- الجرأة على الفتوى، والحرص عليها، والمسارعة إليها، والإكثار منها. وقد كان السلف يتدافعونها كثيراً؛ ومن ذلك ما قاله عبد الرحمن بن أبي ليلى: (أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول الله- ﷺ ، فما كان منهم محدّث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا) [١٣] . آثار ومفاسد التطلع للإمارة: أولاً: مفاسد التطلع إليها والرغبة فيها: ١- فساد النية، وضياع الإخلاص، أو ضعفه، ودنو الهمة، والغفلة عن الله تعالى، وعن الاستعانة به. [١٤] . ٢- انصراف الهمّ عن المهمة الأساس، والغاية الكبرى من حياة العبد، وهو تحقيق العبودية لله . والاشتغال عن النافع الذي أمر النبي-صلى الله عليه وسلم- بالحرص عليه فقال: (احرص على ما ينفعك) [١٥] وصرف الوقت والجهد والفكر فيما هو غني عن الاشتغال به، من مراعاة الخلق، ومراءاتهم، والحرص على مدحهم، والفرار من مذمتهم، وهذه بذور النفاق، وأصل الفساد. ٣- المداهنة في دين الله ﵎، بالسكوت عما يجب قوله والقيام به من الحق، وربما بقول الباطل من تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو قول على الله بلا علم. ٤- اتباع الهوى، وارتكاب المحارم من الحسد والظلم والبغي والعدوان ونحوه مما يوقع فيه هذا الحرص ويستلزمه أحياناً قال الفضيل بن عياض: (ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير) [١٦] . ثانياً: مفاسد الحصول عليها للراغب فيها المتشوِّف لها [١٧] : ١- الحرمان من توفيق الله وعونه وتسديده؛ (فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها) . ٢- تعريض النفس للفتنة في الدين، والتي يترتب عليها غضب الله تعالى إذ ربما يَنْسى مراقبة الله، وتبعات الأمر، ويغفل عن الحساب، فقد يظلم ويبغي؛ ويُشعِرُ بذلك كله وصف النبي: بأنها أمانة وملامة وندامة. ٣- تضاعف الأوزار وكثرة الأثقال؛ حيث قد يفتن؛ فيكون سبباً للصد عن سبيل الله تعالى وأشد ما يكون ذلك حين يكون منتسباً لأهل العلم والصلاح، قال عز وجل: [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [النحل: ٢٥] . ٤- توقع سوء العاقبة في الدنيا، وحصول بلاء لا يؤجر عليه، قال الذهبي: (فكم من رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف، فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده، وحبه للرئاسة الدينية) [١٨] . ٥- التبعة والمسؤولية الشديدة يوم القيامة، قال: (ما من أمير إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل، أو يوبقه الجور) [١٩] . ثالثاً: آثاره على صعيد الجماعة والمجتمع: الفرد والجماعة كلٌ منهما مؤثر في الآخر متأثر به، فإذا ما وقع الأفراد في مزلق كهذا، فإن الداء عن الجماعة ليس ببعيد؛ إذ سرعان ما تفسد الأخوة، وتَحل الخلافات، ويسهل اختراق الصف الإسلامي، وتحصل الشماتة به وبأهله. وما أبعد هؤلاء عن تنزّل النصر، وحصول التمكين، مع هذا الاعوجاج والانحراف. بئست الدعوة حينما تكون مغنماً وجاهاً، ينتفع فيها المرء ويتبختر، وبئس الداعية حينما يسعى لاهثاً وراء زخارف الدنيا ومتاعها الفاني؛ فإن حب الظهور والبروز بداية الانحراف والسقوط والإخفاق. وإذا كان الله يعطي الكافر والمؤمن من الدنيا لهوانها عنده، ولكنه سبحانه أغير من أن يتم أمره بالتمكين لهذا الدين في الأرض على يد أناس عندهم شوب في الإخلاص، ويحبون الرئاسة والاستعلاء في الأرض؛ فكيف إذا كانوا يتخذون الدين مطية للدنيا، يبيعون دينهم بعرض قليل؟ ! [٢٠] .

стр. 2675

قراءة في كتاب قوانين ومبادئ.. المقاطعة العربية لـ (إسرائيل) تأليف: د. محمد عبد الحميد أبو زيد الناشر: عمادة شؤون المكتبات جامعة الملك سعود، الرياض، ط١، ١٩٩٣م. عرض: مجدي محمد عيسى تتعرض المقاطعة العربية للعدو الصهيوني لحملة غربية وصهيونية شرسة منذ بداية العقد الحالي؛ بهدف تقويضها ومد جسور التعامل التجاري والاقتصادي بين الدول العربية والعدو؛ كمؤشر لإثبات حسن النية من جانب الأطراف العربية التي قبلت الدخول في محادثات سلام معه ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا الشأن أصدر مؤتمر قمة الدول الصناعية السبع الذي عقد في طوكيو في يوليه ١٩٩٣م، قراراً يؤيد إلغاء المقاطعة العربية لـ (إسرائيل) كما تحاول إسرائيل من خلال المفاوضات المتعددة الأطراف وضع حد للمقاطعة العربية والدخول في مشروعات مشتركة مع البلاد العربية. وقد بدأت عرى المقاطعة تنحل عروة عروة، حيث وافقت بعض الدول العربية على إلغاء المقاطعة من الدرجة الثانية (أي التي تتعلق بالتعامل مع الشركات التي تتعامل مع إسرائيل) بينما دخلت دول عربية في تطبيع علاقات مع العدو بعد إقامة علاقات دبلوماسية معه. وفي خضم هذه التحولات احتدم الجدال حول جدوى المقاطعة ومدى فاعليتها في تعزيز مركز العرب التفاوضي. والكتاب الذي أعرض له يفيد في تتبع تطور المقاطعة العربية للوجود الصهيوني في فلسطين، والجوانب القانونية للموضوع والأساليب المعادية للمقاطعة. يقع الكتاب في ٢٤١ صفحة، ويتألف من مقدمة وستة أبواب. في المقدمة: تناول المؤلف فكرة المقاطعة العربية للعدو الصهيوني باعتبارها وسيلة مشروعة، سواء في الشرع الإسلامي أو في القانون الدولي العام؛ وذلك لممارسة الضغط عليه لحمله على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. وفي الباب الأول: (المقاطعة في الإسلام) : تناول المؤلف التصور الإسلامي للمقاطعة في سياق تحليله لمفهومي الحرب والسلام في الإسلام، ولقد أشار في هذا الشأن إلى أن القاعدة في الإسلام هي السلام، وأن الحرب إنما شرعت لتأمين نشر الدعوة الإسلامية والدفاع عن الأنفس والأعراض والأموال والأوطان عند الاعتداء عليها. وأما المقاطعة فهي من أهم أسلحة الحرب التي تشنها الدولة لتحقيق أهدافها في حربها العادلة ضد الطغاة، ويقرر المؤلف أن الإسلام يحظر على أتباعه موالاة أعداء الله أو التعامل معهم أو مناصرتهم، وأن الله تعالى أمر بمقاطعة الكفار وإن كانوا آباء أو أبناء أو إخواناً. ووفقاً لما ذكره المؤلف، فإنه يجوز للمسلمين في حالة الضعف وعدم التمكن أن يوالوا الكفار والمشركين ظاهراً ريثما يعدّون أنفسهم لمواجهة الخطر الذي يتهددهم. الباب الثاني: (الصراع العربي (الإسرائيلي) والمقاطعة العربية) : استعرض فيه المؤلف ظروف نشأة المقاطعة العربية لـ (إسرائيل) وأشار إلى ظهور المقاطعة كوجه من وجوه المقاومة العربية لقيام دولة العدو على أرض عربية في سنة ١٩٤٨م؛ حيث شعر العرب بالخطر يتهددهم من جراء استزراع هذا الكيان في أرضهم. وهو خطر متعدد الجوانب؛ فهو خطر عسكري واقتصادي واجتماعي. فمن الناحية العسكرية: فإن دولة العدو كيان ذو قوة عسكرية مقتدرة ومسلح بعتاد حربي عالي التقنية، وميزانيتها العسكرية ضخمة، وتعتني بتدريب قواتها بصورة مستمرة ومنظمة. ولذا فإنها هزمت العرب في حروب ١٩٤٨م، ١٩٥٦م، ١٩٦٧م. ومن الناحية الاجتماعية: فإن العدو كيان عنصري يفرق في المعاملة بين اليهود والعرب المقيمين في الأراضي المحتلة؛ فالشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال لا يتمتع بحقوق الإنسان الأساسية: كحق العمل وحق التعليم والتأمين الاجتماعي، والحريات الشخصية، وحرمة المسكن، وحرية العقيدة. كما أن وجود دولة للعدو يشكل تهديداً للأماكن المقدسة في فلسطين؛ حيث المخطط اليهودي لهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان مكانه. ومن الناحية الاقتصادية: يشكل العدو الصهيوني خطراً اقتصادياً على الأمة العربية، يتمثل في تدفق الأعداد الكبيرة من المهاجرين اليهود إلى فلسطين، ومحاولة تركيز الصناعات اليهودية في فلسطين واحتلال الأراضي وإقامة المستعمرات الزراعية اليهودية فيها. وأشار المؤلف إلى أن مشروع تحويل نهر الأردن يعتبر من الأمثلة البارزة على تغلغل الخطر الاقتصادي الصهيوني في الوطن العربي؛ حيث يهدف هذا المشروع إلى تحويل مجرى نهر الأردن إلى فلسطين المحتلة ليروي صحراء النقب. وننتقل إلى الباب الثالث: (نشأة المقاطعة العربية) : وقد أوضح المؤلف في هذا الباب أن العرب تبنّوا المقاطعة كأداة قانونية سياسية واجتماعية للكفاح ضد الصهاينة لترويعهم ودفعهم للتخلي عن الأراضي المحتلة، وذكر أن المقاطعة مرت بتطورات مهمة؛ حيث كانت بدايتها أيام الحكم العثماني، ثم تطورت في حقبة الاستعمار البريطاني. وكانت هذه التطورات مواكبة للتطور الاجتماعي، فانتقلت المقاطعة من مرحلة المقالات والنداءات على صفحات الجرائد والمجلات إلى مرحلة العمل القانوني السياسي والممارسة النضالية؛ وفي النهاية تبنت جامعة الدول العربية المقاطعة؛ باعتبارها سلاحاً فعالاً لعرقلة نمو الدولة العبرية. وأشار المؤلف إلى قرار مجلس الجامعة الصادر في ١٦ ديسمبر ١٩٥٤م الذي ينص على مقاطعة السلع التي تنتجها المصانع اليهودية في فلسطين. ومنذ بداية الخمسينيات، أصبح الإشراف على المقاطعة العربية منوطاً بالجامعة العربية التي حاولت عزل دولة العدو سياسياً، فاستخدمت المقاطعة كسلاح قانوني دولي في بعض الأحيان. ويرى المؤلف أن أبرز حدث في تاريخ المقاطعة العربية هو القرار الذي اتخذته الدول العربية إثر نشوب حرب أكتوبر ١٩٧٣م بتخفيض إنتاج البترول العربي وحرمان الدول التي تساعد إسرائيل منه، وقد كان لهذا القرار تأثيره في عزل العدو سياسياً بعد إجماع معظم دول العالم على وجوب انسحابها من الأراضي التي احتلتها سنة ١٩٦٧م. كما قامت كافة الدول الأفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة العدو، وتحركت الولايات المتحدة باتجاه إيجاد تسوية للنزاع العربي (الإسرائيلي) . ثم استعرض المؤلف أجهزة المقاطعة العربية المركزية والإقليمية، ومهام المكتب الرئيس الذي مقره دمشق، ومهام المكاتب الإقليمية والمكتب الرئيس. وأشار المؤلف إلى أن جهة الرقابة والإشراف على المكاتب الإقليمية تختلف من بلد عربي إلى آخر؛ وذلك لاختلاف نظم الإدارة والتشريع في كل منها من جهة، ولاختلاف تقدير كل دولة في إلحاق مكتبها بأحد أجهزتها من جهة أخرى، فضلاً عن أن المنظمة المتعلق بها أمور المقاطعة ونظام تأسيس المكاتب الفرعية ومشروع القانون الموحد لتلك المقاطعة وردت كلها دون تبيان الجهة التي تلتحق بها تلك المكاتب. في الباب الرابع: (مبادئ المقاطعة العربية) : أشار المؤلف إلى أن المقاطعة العربية تعرضت لحملة شرسة من قبل الأوساط اليهودية؛ حيث حاولوا التشكيك في جدواها، ومارسوا ضغوطاً على الشركات والمؤسسات الأجنبية لكي لا تتجاوب مع المقاطعة العربية. كما حاولوا إقناع العالم بأن المقاطعة العربية قائمة على أساس ديني وعنصري. ويردّ المؤلف على هذه المزاعم بأن الدول العربية في حالة دفاع شرعي وفقاً للمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، ومن حقها أن تتخذ كافة الإجراءات السياسية والقانونية والاقتصادية والعسكرية ضد دولة العدو والدول التي تساعدها في اغتصابها للحقوق العربية، ومن بين هذه الإجراءات المقاطعة. ثم ذكر المؤلف أهم مبادئ المقاطعة في مجالات: التصدير والاستيراد، المناطق الجمركية الحرة العربية والأجنبية، مراقبة البيوت المالية والمصارف، الطرود البريدية، الإجراءات التي تتخذ ضد عملاء العدو ومكافحة التهريب من البلاد العربية، ومنع تسرب البترول إلى دولة العدو والشركات والمؤسسات الأجنبية التي تعاون إسرائيل ، كشركات الملاحة والطيران الأجنبية، وغيرها. وتدور هذه المبادئ في مجملها حول حظر التبادل التجاري بين العرب والعدو، وحظر التعامل مع الشركات والمؤسسات التي تتعامل معه. وفي الباب الخامس: (تطور المقاطعة والأساليب المعادية لها) : استعرض المؤلف مراحل تطور المقاطعة العربية، وقسمها إلى ثلاث: المرحلة الأولى من ١٩٥١ ١٩٥٦م، وتعتبر فترة إرساء أسس المقاطعة ووضع مبادئها العامة. المرحلة الثانية من ١٩٥٦ ١٩٦٧م، وقد ضعفت فيها فاعلية المقاطعة نتيجة للعدوان الثلاثي على مصر، وتصدع وحدة الصف العربي على نحو ما ظهر من انفصال سوريا عن مصر عام ١٩٦١م، والجهود المكثفة التي بذلتها دولة العدو لإحباط مفعول المقاطعة؛ وذلك باستخدام أساليب غير قانونية بدءاً من محاربة الشركات التي اختارت التعامل مع الأقطار العربية دونها، وتأليب الرأي العام ضدها، وحثّ بعض الدول على إصدار التشريعات التي تندد بها وتظهرها بعدم الجدوى والفاعلية. المرحلة الثالثة من ١٩٦٧: ١٩٧٣م، شهدت هذه المرحلة العدوان الصهيوني في ٥ يونيو ١٩٦٧م الذي نجم عنه احتلال العدو لبعض الأراضي العربية. ووفقاً لما ذكره المؤلف، استمر ضعف المقاطعة العربية في هذه المرحلة نتيجة للهزيمة وضعف الرقابة الأردنية، حيث برزت ظاهرة الجسور المفتوحة التي تعني إقامة علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية بين الدولة العبرية والضفة الشرقية عن طريق الضفة الغربية وقطاع غزة (المناطق المحتلة) . ولقد وجد العدو في فتح هذه الجسور فرصة تسمح باختراق جدار المقاطعة. وبالفعل عملت على تحقيق منافع اقتصادية كبيرة عن طريق هذه الجسور؛ حيث تم تصدير المنتجات الصهيونية عبرها واستقدام الزوار العرب والسياح. ويشير المؤلف إلى سبب آخر لضعف المقاطعة في هذه الفترة وهو تهاون أجهزة المقاطعة في أداء واجبها وخصوصاً فيما يتعلق بمراقبة السفن التي تبحر إلى الكيان الصهيوني. المرحلة الرابعة: حرب ١٩٧٣م وما بعدها. وفي هذا الشأن يذكر المؤلف أن هذه الحرب أدت إلى تحريك مشكلة الشرق الأوسط بعد أن كانت في حالة جمود، كما أدت إلى إضفاء طابع الشرعية على المقاطعة العربية. وبقدر من التفصيل، تعرض المؤلف للحظر النفطي الذي تبنته الدول العربية ضد العالم الغربي وخصوصاً الولايات المتحدة وهولندا. ثم تطرق المؤلف إلى التدابير التي اتخدتها دولة العدو لتقويض المقاطعة التي شملت: شن حملات الدعاية والتضليل من قبل مكتب خاص لمكافحة المقاطعة أنشئ بوزارة خارجيتهم عام ١٩٦٣م، وقيام صحافتهم بالتنبيه إلى خطر المقاطعة العربية وضرورة مقاومتها والسعي لإصدار تشريعات في مختلف الأقطار لمنع التمييز ضد المصانع اليهودية، واستغلال النفوذ الصهيوني حيث أعلنت المؤسسات الصهيونية وقف تعاملها مع الشركات ووسائل النقل الأجنبية التي تقرر دولة العدو مقاطعتها لتعاملها مع البلاد العربية، وتحريض النقابات والعمال على مقاطعة السفن والطائرات التابعة للبلاد العربية ومنع تقديم الخدمات لها احتجاجاً على ما تتخذه تلك البلاد من إجراءات إزاء السفن والطائرات التي تتعامل مع العدو وإدراجها في القوائم السوداء، والضغط على الشركات العالمية للتعامل مع العدو، والضغط على الحكومات لإصدار تشريعات مضادة للمقاطعة العربية. موقف الولايات المتحدة الأمريكية من المقاطعة: أوضح المؤلف أن اليهود مارسوا ضغوطاً مكثفة على الإدارة الأمريكية منذ الستينيات لإصدار تشريعات تهدف إلى مجازاة الشركات الأمريكية التي تتعاون مع المقاطعة العربية، وأشار في هذا الصدد إلى صدور قانون الإصلاح الضريبي في عام ١٩٨٦م الذي تضمن في بنوده إلزام الشركات الأمريكية تقديم تقرير لوزارة المالية بالمعلومات التي قدمتها لأجهزة المقاطعة أو البلاد العربية بشأن المقاطعة العربية من الامتيازات والفوائد الضريبية التي اعتادت الحكومة الأمريكية أن تمنحها لتشجيع الصادرات، وفرض عقوبات مالية وأخرى مقيدة للحرية على المؤسسات والشركات التجارية الأمريكية التي تتعاون مع المقاطعة العربية. ونصل مع المؤلف إلى الباب السادس: (النصوص المنظمة للمقاطعة العربية) : الذي تناول فيه التكييف القانوني للمقاطعة العربية؛ حيث أوضح أن ميثاق الأمم المتحدة يجيز اللجوء إلى القوة في حالة الدفاع الشرعي. فوفقاً لنص المادة ٥١ منه، فإنه يحق للعرب اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن أنفسهم حيال دولة العدو بصفتها الطرف المعتدي والغاصب لأرض العرب، والمنتهك بذلك أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ومن هذه التدابير: مقاطعة العدو والامتناع عن إقامة علاقات من أي نوع معه. ويرى المؤلف أن المقاطعة العربية تعتبر من قبيل الحرب الاقتصادية التي يقصد بها توجيه مختلف الأسلحة الاقتصادية الممكنة ضد أهداف العدو الاقتصادية لإرباك اقتصادياته وإضعاف معنوياته؛ وأبرز هذه الأسلحة: الحصار؛ حيث فرضت المقاطعة الاقتصادية العربية حصاراً لتطويق دولة العدو وحرمانها من الاتصال بالعالم الخارجي عن طريق البلاد العربية، وعدم استخدامها لمواصلاتها البرية والبحرية والجوية. وبالنسبة لموقف القانون الدولي العام من المقاطعة، فإن المؤلف يرى أنه يجيزها؛ لأن قواعد هذا القانون أباحت للدول المتحاربة قطع علاقاتها التجارية مع العدو، واتخاذ شتى تدابير الحرب الاقتصادية. وأشار إلى أن القضاء في مختلف الدول قد أقر اعتبار الحالة القائمة بين الدول العربية والعدو الصهيوني حالة حرب بالمفهوم القانوني. كما أن المؤلف استند أيضاً في تسويغه لشرعية المقاطعة العربية إلى القرارات المهمة التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن التي تؤيد كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي. تقويم الكتاب: لقد وُفِّق المؤلف في إثبات مشروعية المقاطعة العربية لـ (إسرائيل) مستنداً في ذلك إلى أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام وميثاق الأمم المتحدة؛ وذلك رداً على من يدمغون المقاطعة بالعنصرية أو بمخالفة ميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو إلى تنمية العلاقات الودية بين الدول. كما وُفِّق في تتبع التطور التاريخي للمقاطعة العربية منذ بدء تدفق اليهود إلى فلسطين في فترة الحكم العثماني وحتى ما بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م. ومع ذلك، يمكنني أن أسجل الملحوظات النقدية الآتية على الكتاب: اقتصر المؤلف في الكتاب كله على المقاطعة العربية الاقتصادية للعدو الصهيوني، ورغم ذلك فإن العنوان ذكر المقاطعة بشكل عام دون تحديدها بالمقاطعة الاقتصادية. وقد أشار المؤلف في المقدمة (ص٧) إلى أشكال أخرى للمقاطعة مثل المقاطعة الاجتماعية التي تهدف إلى حماية معتقدات وقيم وتقاليد مجتمع ما تجاه مجتمع آخر، ولذلك كان يجب إزالة الإبهام الوارد في العنوان؛ بحيث يكون: (قوانين ومبادئ المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل) . في تناوله لبعض صور انتهاك المقاطعة العربية، أشار المؤلف في (ص ١٣٠- ١٣٣) إلى ظاهرة (الجسور المفتوحة) التي تم خلالها انتقال السلع والخدمات والأفراد بين الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن، ولكن المؤلف أغفل ثغرة أخرى من الثغرات التي أحدثها العدو في جدار المقاطعة العربية التي تمت عبر الحدود اللبنانية أثناء الحرب الأهلية اللبنانية فيما عرف بـ (الجدار الطيب) الذي تم عبره انتقال منتجات العدو إلى لبنان، ونشطت حركة السياحة بين الطرفين. في حديثه عن إشراف الجامعة العربية على المقاطعة (ص٨٠ ٨١) ، ذكر المؤلف أنه لم تشذ دولة عربية واحدة في عقد الخمسينيات عن المقاطعة مستنداً في ذلك إلى أن مؤتمرات المقاطعة ظلت تنعقد بشكل منتظم حتى في ظروف التوتر في العلاقات العربية. والحقيقة أن هذا التعميم ينطوي على إغفال ما حدث للمقاطعة من خروق من لدن بعض الدول العربية. فرغم أن كافة الأقطار العربية أعلنت التزامها رسمياً بالمقاطعة إلا أن بعضها لم يلتزم في الواقع العملي بتنفيذ مقررات مكتب المقاطعة الرئيس تحت تسويغات وحجج متعددة، منها أن هذه القرارات اختيارية وليست ملزمة؛ ولهذا فقد مارست بعض الحكومات العربية الضغوط على المكاتب الإقليمية وتدخلت في شؤونها، إلى حدّ حملها على رفع الحظر عن بعض الشركات والمؤسسات المقاطعة. يعزو المؤلف ظاهرة (الجسور المفتوحة) التي تم من خلالها الالتفاف على المقاطعة العربية، إلى ضعف الرقابة الأردنية (ص ١٣٢ ١٣٣) ، وأشار إلى أن هذه الرقابة بدأت منذ مطلع عام ١٩٧٠م تشتد فاعليتها وأصبحت تشكل سياجاً منيعاً في وجه تسرب الأيدي العاملة وتبادل الخدمات والمنافع من وإلى دولة العدو. والحقيقة أن هذا الكلام يفتقر إلى الدقة؛ لأن الجسور المفتوحة لم تكن نتيجة ضعف الرقابة الأردنية، بل إنها تمت آنذاك برغبة السلطات الأردنية؛ حتى إن هذه السلطات رفضت في ذلك الوقت التوصيات التي طالبتها باحترام أحكام المقاطعة وسوّغت مسلكها بأنه (لمصلحة القضية العربية) ، وأن إبقاء العلاقات مع الضفة والقطاع يدعم صمود السكان، ولا يلحق أي ضرر بالمقاطعة العربية.

стр. 2676

نص شعري عندما يحزن العيد شعر: أحمد حسبو ولدي رآني طرقاً في العيدِ ... مستغرقاً في الصمت والتنهيدِ فرنا إليّ بمقلتيه محدِّقاً ... وجرى إليّ بفطرة المولود وقف الصغير مسائلاً ببراءة ... (ما لي أراك مُكدراً في العيد) ؟! قل لي بربك يا أبي ما تشتكي ... صعب عليّ أراك غير سعيد فالعيد يوم للسرور وللرضا ... والأنس والإسعاد والتجديد والعيد وصل والتقاء أحبة ... والعيد مأدبةٌ ولبس جديد والعيد طرحٌ للكآبة جانباً ... لتعيش منطلقاً بلا تقييد والعيد يومٌ في ظلال خميلة ... أو روضة محفوفة بورود والعيد في سمع الورى ترنيمةٌ ... هو فرحة كبرى بلا تنكيد الناس حولي للحياة تبسموا ... واستقبلوا الدنيا بخير نشيد فعلامَ تبدو يا أبي متجهِماً ... ومخالفاً للعرف والتقليد؟ ! أم يا ترى هي حكمةٌ أُلهِمتَها ... وسواك ذو سفه وغير رشيد؟! صوّبت لابني نظرة أودعتها ... ردّي وفيض مشاعري لوليدي لا زالتَ غضاً يا صغيري ناشئاً ... فاسعد بيومك والغد المنشود فأجابني: ما عدتُ غراً يا أبي ... فَارْوِ الغليل وقل بلا تمهيد قلت استمع فلقد أثرتَ مشاعري ... ونكأتَ جرحاً نازفاً بوريدي كيف السرور ومسجدي الأقصى اشتكى ... من حال أمتنا وكيد يهود؟! كيف السرور وصفوةٌ من أمتي ... في الأرض بين مشرد وطريد؟ هم إخوة في الله يجمعنا بهم ... دين يسوِّي سيداً بمسود كيف السرور ولم تزل أخواتنا ... يصرخْنَ من وَغْدٍ ومن عربيد يحملن في أحشائهن معرّة ... من صلب كلب كافر رعديد بُحّتْ حناجرهن علّ مروءة ... تأتي بمعتصم أو ابن وليد لو أنّ قتلَ النفس مشروعٌ لنا ... لقتلن أنفسهن بالتأكيد كيف السرور وقد رأينا مسلماً ... مَدّ اليمينَ مُصافحاً ليهودي [*] فإذا بهذا الوغد يصفعُ خده ... صفعاً أُحسّ لهيبه بخدودي فرأيت يا ولدي الهوان مجسداً ... هل بعد صفع الخد من تجسيد؟ ؟ العيد يوم نعود قلباً واحداً ... والحبّ يغمره مع التوحيد حبّ لغير مصالح ترجى به ... حب لوجه إلهنا المعبود العيد يوم تحرر الأفهام من ... رِقِّ التصوّر، من عمى التقليد العيد إن عاد الجهاد وكلّنا ... مستبشرون بعَوْدِهِ المحمود سيعود حتماً لا محالة يا فتى ... بمشيئة المولى ورغم حسود وسنُطلق الأقصى الأسير وعندها ... سيكون حقاً ذاك يوم العيد

стр. 2677

المسلمون والعالم الحروب الصليبية لم تنته بعد ! ! أسبانيا تحتفل بمرور ٥٠٠ عام على احتلال مدينتي سبتة ومليلة بقلم: كمال السعيد حبيب لا نريد القول إن حرباً صليبية جديدة قد شنتها أسبانيا ضد مدينتي (سبتة) و (مليلة) المغربيتين؛ لأن الحروب الصليبية لا تزال مستمرة ولم تنته بعدُ، ورغم أن حكم الجنرال (فرانكو) الديكتاتوري انتهى منذ ٢٢ عاماً وجاءت الديموقراطية إلى أسبانيا؛ إلا أن الثقافة والعقلية الأسبانية تتغلغل داخلها الروح الصليبية؛ إنها ليست مسألة تغير أنظمة حكم؛ لكنها استمرار لثقافة عنصرية يحكمها بعمق الطابع الصليبي الذي كان متحكماً بالروح الأسبانية في صراعها مع الوجود الإسلامي الذي استمر ٨٠٠ عام في أسبانيا في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث. لا تخلو الروح الصليبية من نزوع عنصري يفرض التحيز وقلب الحقائق؛ فتحت شعار: (تلاقي الحضارات) تمّ لأول مرة الاحتفال الأسباني في مدينتي (سبتة) و (مليلة) العربيتين بذكرى احتلالهما، ورصدت السلطات الأسبانية للاحتفالات أربعة مليارات (بزيتا) العملة الأسبانية وبدأ الإعداد للاحتفال بالاحتلال الأسباني للمدينتين مع مطلع هذا العام؛ حيث جرت ثلاثون تظاهرة تضمنت مؤتمرات وحفلات غنائية ومعارض بلغت قمتها بالاحتفال الكبير الذي تم يوم ١٧ سبتمبر الماضي؛ ففي يوم ١٧ سبتمبر (١٤٩٧م) أي منذ خمسة قرون نزل الأسطول الحربي الأسباني بقيادة القبطان (بيدرو اتسيوا بينيان) ليحتل الشاطئ المغربي الإسلامي؛ حيث تقبع المدينتان. والحضارات التي تريد أسبانيا لها أن تتلاقى على الأرض المغربية المحتلة ليس بينها الحضارة العربية الإسلامية؛ فالاحتفال تحت عنوان: (تلاقي الحضارات) استبعد اللغة العربية أن تكون إحدى لغات الحفل، وأحل محلها (الأمازيغية) لغة البربر التي جرى بها الاحتفال هي والأسبانية والعبرية أي أن تلاقي الحضارات الذي يعزز روح التسامح هو نفي لأهل البلد الأصليين العرب وتكريس للاغتصاب والاحتلال الذي مضت عليه خمسة قرون كاملة فالتلاقي الحضاري من المنظور الغربي الصليبي يعني الاستبعاد للآخر وسحق هويته ووجوده. والمثير أن (أسبانيا) ذاتها التي تكرس احتلالها الأثيم لمدينتين إسلاميتين تطالب (بريطانيا) أن تمنحها صخرة جبل طارق باعتبارها أرضاً أسبانية، والأكثر إثارة أن استطلاعاً للرأي جرى بين الأسبان منذ سنوات جاءت نتائجه لتؤكد أن ٤٢ % من الأسبان يؤيدون استعمال القوة للحفاظ على المدينتين المغربيتين بينما ٣٧% يرون ذلك بالنسبة (لجبل طارق) أي أنهم وطنيون بالنسبة لأرض يغتصبونها من الغير أكثر منهم بالنسبة لأرض لهم يحتلها الغير! سبتة ومليلة: تقع مدينة (مليلة) شرق المملكة المغربية على ساحل البحر المتوسط الجنوبي على بعد ١٠كم من مدينة (الناضور) أكبر مدن الريف المغربي، ومساحتها ١٢ كيلو متراً مربعاً وساحلها طوله ١٠كم، ولها سور محيط بها له سبعة أبواب، وبنى الأسبان سوراً ثانياً حول المدينة لمواجهة حملات الجهاد المغربي لاستعادتها؛ وأشهر هذه الحملات تلك التي قادها: (محمد عبد الكريم الخطابي) الذي أنزل بالأسبان هزيمة ساحقة في معركة (أنوال) سنة ١٩٢٧م وكادت (مليلة) أن تعود إلى المغرب لولا خشية الأمير (محمد عبد الكريم الخطابي) على أرواح الناس بها. وفي سنة ١٩٠٩م قمعت السلطات الأسبانية ثورة قام بها السكان ضد شركة مناجم الريف الأسبانية لمحاولتها اغتصاب أراضيهم لإقامة منشآت عليها. و (مليلة) هي المنفذ الشرقي الوحيد للمغرب على البحر؛ ولذا فهي مرفأ لهم من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، ويبلغ عدد سكان المدينة ٩٠ ألفاً من الأسبان والمسلمين والغربيين واليهود، ولا يمثل المسلمون الأغلبية في (مليلة) إذ إن نسبتهم لا تزيد عن ٤٥%، وانقلبت الموازين الديموّرافية في المدينة لصالح الكاثوليك عن طريق هجرة العاطلين والمجرمين من أسبانيا إليها. أما مدينة (سبتة) فمساحتها أكبر من (مليلة) وتبلغ ١٩ كيلو متراً مربعاً، وتمثل أهمية استراتيجية؛ لأنها أقرب ميناء أفريقي لأوروبا، والمسلمون فيها أغلبية؛ إذ يمثلون ٧٠% من مجمل عدد السكان الذي يصل لحوالي ٧٠ ألف نسمة، وتمثل أهم موقع للقواعد العسكرية الأسبانية على البحر المتوسط، ويعسكر فيها حوالي ١٥ ألف جندي أسباني. إن المدينتين المغربيتين المحتلتين من أسبانيا جرى احتلالها كعقاب لهما باعتبارهما من المنظور الصليبي الأسباني كانتا رديفين لحركة الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى لحماية الوجود الإسلامي بالأندلس وأسبانيا، وبينما يحتفل العالم كله بتصفية الجيوب الاستعمارية مثل (هونج كونج) و (مكاو) فإن القوى الاستعمارية الغربية تتمسك بقوة بالأراضي المغتصبة في العالم الإسلامي؛ و (فلسطينُ) و (سبتة) و (مليلة) خيرُ شاهد على ذلك، ولا يمكن فهم ذلك بعيداً عن المنظور الثقافي الحضاري حيث يرى الغرب نفسه محكوماً في علاقته بالعالم الإسلامي بعقدة الثأر والانتقام وسيادة عقلية العصور الوسطى العميقة التي تستهدف إبادة الآخر ونفيه. أسبنة سبتة ومليلة: تهدف أسبانيا إلى نزع الصفة العربية والإسلامية عن المدينتين، وفرض (الأسبنة) عليهما عبر مجموعة من الإجراءات: ١- اعتبار كل من لم يتجنس بالجنسية الأسبانية من سكان المدينتين أجنبياً؛ ولذا فإن (المغاربة) الذين يتمسكون بهويتهم يصبحون أجانب في بلدهم؛ ويسمى هذا القانون: (قانون الأجانب) وصدر عام ١٩٨٥م. ٢- تمت الموافقة مؤخراً على منح المدينتين الحكم الذاتي؛ بحيث يتم اختيار ممثلين من العرب والأسبان في المجالس المحلية، ومن ثم فقد اعتبر الساسة الأسبان المدينتين جزءاً من أسبانيا؛ وحين يصفهما ساسة المغرب بأنهما محتلتين فإن ثائرة الساسة الأسبان تفور ويعلنون أن هذا كلام غير صحيح. ٣- تمارس أسبانيا بشكل دائم سياسات (التطهير العرقي والعنصري) فهي دائماً تطرد العائلات المغربية من المدينتين بحجة عدم الإقامة الشرعية؛ وفي عام ١٩٧٥م طردت ٢٠٠ عائلة مغربية من مدينة (مليلة) ، وتفرض السلطات المحتلة في (سبتة) و (مليلة) على المغاربة قيوداً في التجارة والعمل والملكية والتعليم والعبادة، فلا يوجد بـ (سبتة) إلا ثلاثة مساجد في وضع سيئ للغاية، وتلتزم المدارس في التعليم باللغة الأسبانية، وترفض أسبانيا دمج التعليم الإسلامي بالمناهج الدراسية للطلبة المغاربة المسلمين. ورغم أن نحو ٥٠% من أطفال المدارس في المدينتين من المسلمين إلا أنه لا يصل منهم إلى الجامعة إلا ٢٠ طالباً فقط، ولا يكمل دراسته منهم إلا قلة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة. ٤- تريد أسبانيا أن تجعل من المدينتين الحدود الجنوبية لحلف الأطلنطي؛ وذلك حتى تجعل من الحلف أداة لها في صراعها مع المغرب حول المدينتين وفي نفس الوقت منح الحلف المدينتين كقواعد عسكرية على الشاطئ الجنوبي للمتوسط؛ حيث تسهل عليه مهامه في منطقة المغرب العربي التي تمثل خطراً على أوروبا من منظور الحلف. ٥- تشجيع السلطات الأسبانية لأن تكون المدينتان مركزاً لتهريب البضائع؛ حيث يؤثر ذلك بقوة على الاقتصاد المغربي الذي لا يمكنه المنافسة إزاء البضائع المهربة، ويعمل في التهريب حوالي ١٦ ألف عامل مغربي، وهو ما يكشف عن حجم الأموال المتداولة في هذه السوق التي يمكن أن نقول إنها سوق موازية للسوق المغربية وخطرٌ عليها، وتريد أسبانيا من المغرب أن تكون حامية فقط لبوابتها الجنوبية دون مطالبة بالمدينتين. موقف المغرب: يتسم الموقف المغربي الرسمي بانتهاج الدبلوماسية الهادئة لاستعادة المدينتين، ويربط بين عودة (جبل طارق) لأسبانيا وعودة المدينتين للمغرب، ودعا إلى إنشاء (خلية للتفكير) حول مستقبل المدينتين؛ لكن أسبانيا لم تتجاوب مع دعوة المغرب، وفي الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة ألقى (عبد اللطيف الفيلالي) وزير خارجية المغرب خطاباً قال فيه: (لعل أهم إنجاز حققته الأسرة الدولية خلال القرن الذي نودعه هو (نهاية الاستعمار) فقد شهد العالم في الأشهر الأخيرة عودة (هونج كونج) إلى الصين، والإعداد لعودة (ماكاو) إليها عام ١٩٩٩م، والمنطق يفرض ضرورة تصفية ما تبقى من بؤر الاستعمار في العالم وخاصة مدينتي: (سبتة) و (مليلة) المغربيتين الخاضعتين للسيطرة الأسبانية والجزر المجاورة لهما) . وعلى المستوى الشعبي فإن زعماء الأحزاب المغربية عقدوا مهرجاناً حاشداً للاحتجاج على الموقف الأسباني الذي يحتفل بذكرى احتلال المدينتين، وأصدرت هذه الأحزاب بياناً أدانت فيه قرار السلطات الأسبانية، وقالت إنها ترى فيه تناقضاً مع معاهدة الصداقة وحسن الجوار المبرمة مع المغرب في سبتمبر عام ١٩٩٣م. إن قضية المدينتين لا تزال حية ولن تموت في الوجدان المغربي، غير أن الملاحظ هو تطور الموقف الأسباني إلى الاتجاه الأسوأ بشأن المدينتين، وهو ما يعني ضرورة مراجعة الموقف المغربي مع أسبانيا، وإظهار الجدية والحزم في التعامل بشأنهما. إن الموقف الأسباني يؤكد أن ما يحدث ليس حرباً صليبية جديدة ولكنه يعني أن الحروب الصليبية لم تنته بعد.

стр. 2678

المسلمون والعالم لتر الماء.. لتر النفط أيهما أغلى؟ (١ من٢) خالد محمد مسعود القحطاني قد لا تكون مسألة المياه في المنطقة العربية، وحساسيتها، وخطورتها على كافة الأصعدة، موضع خلاف بين المهتمِّين والباحثين للقضية. فإذا أدركنا حجم المشكلة ليس على المستوى العربي فحسب بل على المستوى العالمي لأمكننا الخروج بتصور واضح لهذه القضية وأبعادها المثيرة في الحاضر والمستقبل. إن العالم اليوم يواجه أزمةً حقيقية فيما يتعلق بالمياه الصالحة للشّرب؛ فقد جاء في البيان الختامي الصادر عن مؤتمر دبلن [١] أن كمية المياه الموجودة في الطبيعة عند بداية هذا القرن تبلغ ٩٠٠٠ كيلو متراً مربعاً عندما كان سكان الأرض ألف مليون نسمة فقط؛ والآن عدد سكان الأرض تجاوز ٥٠٠٠ مليون نسمة يتنافسون على الكمية نفسها [*] . وورد في إحصائيات أخرى نُشرت عام ١٩٩١م أن ٨٠٠ مليون نسمة من البشر يعانون من فاقة مائية رهيبة تتخطى في حجمها مشاكل الكرة الأرضية برمتها، بل إنّ المخابرات الأمريكية أحصت عشر مناطق حول العالم على الأقل مرشحة لقيام أزمات سياسية سببها المياه. أين يقع العالم العربي من هذه الأزمة؟ ! لعل أبرز ما يميز المطر السنويّ المصدر الوحيد للمياه النقية في الوطن العربي هو أن قلب الوطن العربي الذي يشغل الجزء الأكبر من مساحته ويضم الصحراء الكبرى الأفريقية، والصحراء العربية وامتدادها الشمالي في بادية الشام: يكاد يخلو من المطر؛ ذلك أن مجموع المطر السنوي في هذه الجهات لا يتعدى عشرة سنتيمترات؛ ومن المدن التي تمثل هذا النظام على سبيل المثال: الرياض في (السعودية) ، وأسوان في (مصر) ، وعين صلاح في (الصحراء الجزائرية) . على أنه يطوّق هذا القلب الجاف نطاقان مطيران في الشمال والجنوب، ولكن ذلك يتأثر بحول الله وقدرته بالموقع والتضاريس وامتداد خطوط الساحل بالنسبة لاتجاه الرياح [٢] . ونخلص من ذلك إلى أن قلب العالم العربي برمته يواجه أزمة حقيقية في توفر المصادر الطبيعية للمياه، مما يجعله من أشد مناطق العالم تأثراً بذلك، وإذا أضفنا إليه بعض العوامل الأخرى التي أهمها على الإطلاق: الصراع العربي الإسرائيلي، كما أن النمو السكاني المتزايد، وانخفاض كفاءة استخدام المياه: كل ذلك يجعل العالم العربي يعيش أزمة حقيقية، ويقف في مصاف المناطق الأولى عالمياً المرشحة للانفجار في أية لحظة في حرب مائية غير مأمونة العواقب، والله وحده المستعان. المصادر المائية العربية وأهميتها المطلقة: تواجهنا حقيقة وهي أن ٨٥% من الموارد المائية العربية على الأنهار تأتي من دول غير عربية (وإن كانت إسلامية) ؛ فمن تركيا ينبع نهرا دجلة والفرات، في حين أن أثيوبيا تستطيع التحكم بنهر النيل، وكلا الدولتين على علاقات ممتازة مع دولة العدو (إسرائيل) التي نشأت بينها وبين تركيا أفكار ومباحثات لمشاريع مائية ضخمة إذا ما تمت فستكون قاصمة الظهر لكل من العراق وسوريا اللتين تعتمدان على نهري دجلة والفرات ليس في توفير الماء الصالح للشرب فقط بل وتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لهما. وحتى تتضح الرؤية تماماً لنستعرض على عجالة أهم المصادر المائية العربية وما تشكله من أهمية استراتيجية بعيدة المدى: ١- نهر النيل: من أطول أنهار العالم؛ إذ يبلغ طوله من منبع (كجيرا) عند درجة الخط الرابعة، جنوب خط الاستواء إلى مصب رشيد عند البحر المتوسط ٦٧٠٠ كلم، ومساحة حوضه (٠٠٠ر٩٠٠ر٢ كلم مربع) وهو ثالث أحواض الأنهار الكبرى اتساعاً بعد الأمازون والكونغو. والبلاد التي يضمها حوض النيل: تنجانيقا (وبها الشطر الجنوبي من بحيرة فكتوريا) كينيا (وبها الأطراف الشرقية لبحيرة فكتوريا) أوغندا (وبها أشهر منابع النيل (نيل فكتوريا [السودان أثيوبيا مصر رواندا زائير بوروندي. ويبلغ متوسط الإيراد السنوي لنهر النيل ٨٤ مليار متر مكعب (بعد الفواقد الطبيعية) وهو ما يشكل ٩٩% من مصادر المياه العذبة في مصر والسودان. وتكمن أهمية نهر النيل لمصر في حقائق ثلاث رئيسة] ٣ [: أ- أن أمن مصر يعتمد على ذلك النهر سواء أكان للشرب أو الزراعة أو المواصلات وغيرها من الأعمال الاقتصادية. ب- أن كميات المياه الحالية قد تكفي حاجة البلاد الآن، ولكنها لا تكفي في المستقبل القريب؛ نظراً للتوسع البشري والعمراني والاقتصادي المتوقع] ٤ [. ج- أن مصراً بالنسبة لنهر النيل تعتبر دولة مصب فقط، وتشارك معها ثماني دول في حوض ذلك النهر. ٢- نهر الفرات: أطول أنهار غرب آسيا؛ إذ يبلغ طوله ٢٣٣٠ كلم، منها ٤٥٥ كلم في تركيا، ٦٧٥ كلم في سوريا، وحوالي ١٢٠٠ كلم في العراق، وينبع من هضبة آرضروم في تركيا، ويبلغ معدل التصريف السنوي لهذا النهر عند دخوله سوريا ٢٦ مليار متر مكعب، وتبلغ مساحة حوضه ٤٤٤ ألف كيلو متراً مربعاً ٢٨% في تركيا، ١٧% في سوريا، ٤٠% في العراق، ويحمل معه رواسب ترابية تقدر بحوالي مليون متر مكعب تتدفق إلى حوضه الأدنى وتسبب مشاكل فنية كثيرة للمنشآت القائمة على الحوض، ومياه نهر الفرات عذبة ويتراوح معدل الملوحة فيها ما بين: ٣٠٠ ٦٠٠ جزء من المليون. ٣- نهر الأردن: ينبع من مرتفعات سوريا ولبنان ويحتوي على ١٢٨٧ مليون متر مكعب من الماء، ويعتبر نهر اليرموك الرافد الرئيسي لنهر الأردن وهو أي الأخير الفاصل الطبيعي بين سوريا والأردن، ويفصل فلسطين أيضاً عن الأردن. إذن: فإن ثلاث دول تستفيد من نهر الأردن وهي: الأردن، وسوريا، وفلسطين (ممثلة في المحتلين الغاصبين) . ٤- الخليج العربي: مشكلة المياه في الخليج العربي مختلفة عن بقية العالم العربي؛ فهي ليست مشكلة صراع مع عدو خارجي، ولكنه صراع مع الظروف الطبيعية: التصحر، الجفاف ... وقد حاولت بعض دول الخليج التعاون مع دول غير خليجية عبر مشاريع تجري دراستها لمد خطوط مياه من إيران وتركيا وهي بشكل عام مشاريع عالية التكلفة؛ ولعل أقرب مثال للحاجة إلى مصادر المياه في الخليج يتمثل في البحرين حيث يصل حجم الاستهلاك الفعلي إلى ١٩٠ مليون متر مكعب؛ وهناك قانون يقضي بتخفيض ذلك الاستهلاك إلى ١٠٠ مليون متر مكعب فقط، كما أن الحاجة إلى التوازن في المحافظة على مصادر المياه تؤكد ضرورة تخفيض الاستهلاك إلى ٩٠ مليون متر مكعب سنوياً خاصة وأن البحرين تعتمد على المياه الجوفية بنسبة ٩٠% ولا تحصل من محطات التحلية إلا على ١٠% فقط، ومن ثم فإن هناك عدداً من الخطط لقلب الوضع وتغطية ٩٠% من احتياجات البلاد من إنتاج محطات التحلية والاعتماد على المياه الجوفية بنسبة ١٠% فقط] ٥ [. ٥- المغرب: على الجانب الآخر فإن المغرب يعاني من نقص المياه؛ وبرز ذلك في حالة الجفاف التي حدثت عام ١٩٧٦م؛ ولذلك تبنت الحكومة سياسة بناء سد كل عام لتخزين مياه الأمطار، فأصبح لديها ٣٠ سداً كبيراً إضافة إلى عشرات السدود الصغيرة التي تستهدف دعم الجهود لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والمنتجات الزراعية في مواجهة نقص معدل سقوط الأمطار، ولكن مع الزيادة السكانية في المغرب عام ٢٠٠٠ إلى ٣١ مليون نسمة تتزايد التوقعات باحتمال حدوث ضغط شديد على مصادر المياه بكل الآثار السلبية التي يمكن أن تترتب على ذلك] ٦ [. هذه نظرة سريعة لأهم المصادر العربية المائية؛ ويتضح بإمعان النظر إليها أنها في مجملها تحمل عناصر الانفجار السريع في أي لحظة، وأن المنطقة مقبلة على مستقبل مخيف لا يعلم خطورته وآثاره السلبية على المنطقة والعالم برمته إلا الله وحده. إن اليوم الذي سوف يصبح فيه لتر الماء أغلى من لتر النفط قادم وليس ببعيد. عود على بدء: سبق أن تعرضنا لمؤتمر دبلن المنعقد عام ١٤١٢هـ، وأوردنا عنه بعض الإحصاءات، ونستكمل هنا شيئاً منها مما له علاقة بموضوعنا؛ حيث جاء فيه أن ثلث سكان العالم محرومون كلياً من مياه الشرب والغسيل، وأن ٨٠% من الأمراض في العالم، و٣٣% من الوفيات في العالم الثالث مصدرها المياه الملوثة، وأن المدن تنتج يومياً مليوني طن من مخلفات أمعاء الإنسان وحدها لا يعالج منه سوى ٢% فقط.. إذن فالمشكلة ليست في نقص الموارد المائية فقط؛ بل في التلوث في مياه الشرب وحرمان شريحة واسعة من سكان كوكبنا الأرضي من مياه الشرب النقية الصالحة للاستخدام البشري. مصادر المياه في منطقتنا: وبالنظر إلى مشكلة المياه في المنطقة العربية نلاحظ أنها من حيث النشأة تنقسم إلى قسمين] ٧ [: أ- النشأة على أرض الواقع: لم تكن مشكلة المياه ونقص الموارد المائية غائبة عن صناع القرار في المنطقة العربية، وبالذات في عقد الثمانينات؛ إذ شعر الجميع أن هناك أخطاراً حقيقية تهدد وصول مياه ثلاثة أنهار عربية قادمة من بلاد غير عربية لها علاقات مشبوهة مع (إسرائيل) ، والمعروفة بالضلع الثالث في الصراع العربي الإسرائيلي. ففي حوض النيل تردد أن هناك خبراء يهود يجرون أبحاثاً في إثيوبيا وأوغندا لإقامة مشروعات للري على النيل؛ وهو ما يؤثر سلبياً على مصر أكبر وأهم المستفيدين من هذا النهر. وقد تحدث الرئيس أنور السادات محذراً أثيوبيا عام ١٩٧٧م؛ إذا ما أقدمت على أي إجراءات من شأنها التأثير على إيراد مصر من المياه وبأنه سيستخدم ضدها القوة العسكرية] ٨ [. وأما تركيا فقد قطعت تدفق نهر الفرات إلى سوريا والعراق في شهر يناير ١٩٩٠م لملء خزان سد أتاتورك العملاق رافضة بذلك كلاً من من طلبي دمشق وبغداد بتقليص قطع المياه إلى (أسبوعين بدلاً من شهر) وسدّ أتاتورك هذا أكبر سد في مشروع يتضمن إنشاء ٢٢ سداً وبدأ في إنتاج الطاقة عام ١٩٩١م. وهو ما أدى إلى إعادة النظر في العلاقات التركية العربية وإلى اتصال مباشر بين بغداد ودمشق. ب - النشأة على المستوى الأكاديمي: منذ منتصف العقد الماضي ومراكز الأبحاث الغربية القريبة من صنع القرار في العواصم الكبرى تعمل في صمت وكتمان وفي تخطيط تام مع مراكز البحوث اليهودية أو مع حلقات البحوث المشتركة على دراسة وتحليل واستشراف مستقبل أحواض الأنهار ومنابع المياه العربية، وقد أضحت الفائدة الكبرى راجعة إلى (اليهود) بالمقام الأول؛ وهذا ما حدا باليهود إلى تنمية وتطوير هذه الدراسات؛ والبحوثُ حول هذه شديدةُ الحساسية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد عكفت مراكز بحوث المياه والمراكز الاستراتيجية والسياسات فيها على دراسة حوض النيل والفرات والأردن بشكل يجعل مشكلة المياه أحد الأخطار التي تستهدف دول الشرق الأوسط، وجعلت من الحل النهائي لها جلوس أطراف الصراع العربي اليهودي معاً لتقرير مصير المنطقة] ٩ [. أسباب المشكلة المائية: لخصت (الأسكوا) ] ١٠ [أسباب المشكلة من الناحية الفنية وهي باختصار: ١- انخفاض كفاءة استخدام المياه: دلت الدراسات التي أجرتها الأسكوا أن كفاءة استخدام المياه في الري في بعض دول غرب آسيا لا تتجاوز في أفضل حالاتها ٥٠%. فإذا علمنا أن ٨٠ ٩٠% من كمية المياه المتوفرة تذهب لأغراض الزراعة، فإننا ندرك مدى الهدر في هذا القطاع الذي يصل في بعض الدول إلى ٤٠%. ٢- تدهور نوعية المياه: ويرجع ذلك إلى سوء استعمال الموارد المائية، فعدم ملاءمة استخدام أساليب الري ووسائله، والتسميد، والوقاية، وانعدام شبكة الصرف الصحي، وطرح النفايات السائلة والصلبة في الأنهار والوديان، وطغيان المياه المالحة، والإفراط في الضخ ... كل ذلك يؤدي إلى تدهور نوعية المياه ومن ثَمّ المساهمة في العجز المائي. ٣- عدم وجود سياسات وتشريعات مائية واضحة فيما بين الدول المشتركة: وهذا يتضح في أحواض الأنهار الكبرى (النيل الأردن اليرموك دجلة الفرات) . ٤- عدم إيلاء التدريب أهمية خاصة في الأوجه المختلفة في قطاع المياه: إن التدريب من الأسس التي يرقى بها هذا القطاع في تحسين قاعدة المعلومات، ويوفر إمكانية استخدام تقنيات جديدة ترفع من شأن تنمية الموارد المائية واستكشافها وحفظها] ١١ [.

стр. 2679

منتدى القراء إلقاء السلام وذبح الحمام بقلم: عبد الله بن محمد الحسن السلام الذي يعلنون سلام هش، كراعٍ قال لغنمه (كش) ، فهذا يتمتع، وذاك يتمنع، والكل منه يتجرع، لا أظن سلاماً حقيقياً يحصل، وإن بدا فيه غياب أو تنصّل؛ فكل هذا محبوك من زمن، مذ ظهرت في أرض القدس المحن، والسلام الذي يدعون ما كان، إلا حبراً على ورق (سلوفان) ، فالفاصل الآن هو القتال بين المسلمين، وقتلة المرسلين، فأمة اليهود أمة تعاهد، على البنود وترتضي الشاهد، ولكنها لا تستمر في العهود، ليس ذاك بل تقاتل الشهود؛ لأنهم شهدوا على اتفاق لا يرضيها، ولأن فيها (تنازلات) من ملك الغير تعطيها، للمسلمين على أراضيهم، ولا هناء لهم مع ذويهم! ، ولكن المسلمين أُذِلّوا؛ لأنهم لسيوفهم لم يسلوا، وإنما رضوا بالدنايا، على الأمور الحسان والبقايا، ورفعوا راية غير دينية، راية القوم والوطنية، فبقوا على هامش الزمن، تلفهم البلايا والفتن. أما اليهود المحتلون، لأرض الجولان وفلسطين، فلا يزالون قابعين متحفزين، يهدمون البيوت والبساتين، بمجرد عملية من شجاع، يزال بيته بالمقلاع، وبعدها يقاسي المرارة الأهلون، لمقتله ولسفاهة الفرعون، ولا أظن أحداً من أهله يرقد، وأمة الكفر تزرع الغرقد، مكان بيت أهله الأعزاء؛ لأنهم يقاومون الكفر وأنواع البلاء. اليهود أمة الخيانة؛ لأن عهودهم لم تعرف الصيانة، بل لقد نقضوا العهود قبل التوقيع، فقالوا لصاحب الأرض أن يبيع، وبدأوا بعد أن باعهم المجنون، مشروع استيطان ملعون، وهكذا سيطروا على حيفا ويافا، وكل يوم يزيدون التفافا، على العرب النائمين، ليكونوا بعد سنوات مالكين، لأرضٍ قاتلَ الأسلاف لردها، إلى ملكهم وشدها، بكل ما أوتوا من قوة، من شيوخ وشباب وفتوة، وقبل كل شيء يريد اليهود التنازل، من كنعان وبابل، ليتم الاتفاق على ما يريدون تماماً، وبعدها يذبحون الحماما، فهل لنا، أن نعود كما كنا، نحكّم الشريعة ونعادي اليهود، ونزيل بين دولنا الحدود، وتعود قلوبنا صافية، فهذه الحالة كافية، بأن نهزم القرود، ونرفع القيود، ونعلي راية التوحيد، ونعيد سالف مجدنا التليد.

стр. 2680

منتدى القراء حصانة المؤمن بقلم: سليمان بن محمد الهذال إن الداعية إلى الله وطالب العلم مهما كان يمتلك من قوة وجلد فلا بد له من حصانة تقيه مصاعب الدنيا وشهواتها وفتنها؛ فهذا النبي- ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يخاطبه ربه بضرورة النصب بعد الفراغ. قال تعالى: [فَإذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ] [الشرح: ٧] . بل (لما عد نعمه السالفة ووعوده الآنفة حثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها. وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع، ويحرص على أن يتخلى وقتاً من أوقاتها فيها. فإذا فرغ من عبادة ذَنَبَها بأخرى) [١] وهذا هو السر في صبره- ﷺ وحلمه على قومه حينما بلغ به من الأذى ما بلغ؛ فما يكون منه- ﷺ إلا أن يقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) [٢] . وهل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وكان- ﷺ لا يغفل عن عبادة الله دائماً؛ فكان-صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده [٣] . وهذا بخلاف العاملين لهذا الدين اليوم؛ إذ تجد الواحد منهم يتعذر بضيق الوقت وكثرة المشاغل وتعب الجسد، فيدخل الشيطان عليه من هذا الباب. وكان مما أنزل الله على نبيه- ﷺ قوله تعالى [يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] [المزمل: ١-٤] . وقال تعالى: [وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً] [الإنسان: ٢٦] . كما أن الله أمر عباده أن يختموا الأعمال الصالحة بالاستغفار؛ فكان- ﷺ كما في الصحيح: إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثاً. وقال تعالى: [وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] [آل عمران: ١٧] فأمرهم الله أن يقوموا الليل ويستغفروا بالأسحار. وقيل إن آخر سورة نزلت على الرسول: [إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً] [النصر: ١- ٣] فأمر الله نبيه-صلى الله عليه وسلم- أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار وكان رسول الله- ﷺ يقول: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) [٤] . وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (فما تركتها بعدُ، ولا ليلة صفين) [٥] . فهكذا كان حال صحابة رسول الله- ﷺ وسلف الأمة أن لا يدعوا نصيبهم من العبادة مهما كان عندهم من المشاغل؛ فهذا علي بن أبي طالب ﵁ لم يدع وصية رسول الله- ﷺ في أشد الليالي عليه شغلاً. وهكذا الحال مع شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فيقول ابن القيم عنه: (حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة: صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إليّ، وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغدّ الغداء سقطت قوتي أو كلاماً قريباً من هذا) [٦] . ويقول ابن القيم: (وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وكتابه أمراً عجيباً. فكان يكتب في اليوم من التصانيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً [٧] . فهكذا كان حال سلف الأمة فما إن تقرأ لعَلم من أعلام هذه الأمة إلا ويقال عنه: كان صاحب عبادة؛ وهذا هو السر في صبرهم أمام المحن وقول الحق. ختاماً: حريّ بنا أن ننهج هذا النهج، وأن يكون لنا نظر وتأمل في حياة الأنبياء والسلف الصالح حتى نكون من أولياء الله الذين قال الله فيهم: [أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] [يونس: ٦٢] . وهذا ما أقول؛ فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 2681

منتدى القراء دور المرأة المسلمة تجاه الفتن بقلم:بدرية سعيد الدوسري نحن نعيش في زمن كثرت فيه الفتن؛ فيا أيتها الأخت المسلمة: إن الله خلقك لمهمة معينة ودور يناسب رسالتك؛ فإذا خرجت المرأة عما خطهُ الله لها كانت الفتنة التي ضررها لا يعدله ضرر؛ ومن هذا المنطلق سوف أذكر بمشيئة الله تعالى دور المرأة المسلمة تجاه الفتن حتى تكون على بصيرة من أمر دينها. دور المرأة المسلمة والضوابط الشرعية تجاه الفتن: ١- الرفق: إن النبي- ﷺ قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم. يعني أن الرفق محمود في الأمر كله؛ فعلى المرأة الرفق في الأفكار والمواقف؛ فلا تكوني غضوبة وخذي بالأمر الحسن. ٢- التأني: يقول الرسول- ﷺ لأشج بن قيس: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة) . فعليك بعدم العجلة قال تعالى: [وَيَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولاً] [الإسراء: ١١] . ٣- الحلم: عليك بالحلم عند تقلب الأحوال؛ لأنه يمكن رؤية الأشياء على حقيقتها. ٤- لزوم الإنصاف والعدل في الأمر كله: [وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] [الأنعام: ١٥٢] بمعنى أن توازن المسلمة بين الأمور الحسنة والأمور السيئة لتفعل الحسن وتتجنب السيئ. ٥- لزوم الجماعة وترك الفرقة: قال تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] . فالمعتصمون بحبل الله لا نخرج عن قواعدهم ولا ضوابطهم؛ لأنهم يعلمون من الأدلة الشرعية ما لا يعلمه كثير من الناس. ٦- ضبط القول والعمل في الفتن: يجب على المرأة النظر في عواقب الأمور. ٧- الاعتصام بالكتاب والسنة: قال رسول الله: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي) ، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. ٨- التسلح بالعلم الشرعي: إن المسلمة لا بد أن تكون على بصيرة من أمر دينها؛ فالعلم نور والجهل ظلام. ٩- الصبر: الصبر هو حبس النفس عن الجزع والتسخط بالمقدور؛ فعليك أختي أن تلتزمي بالصبر حيال الفتن؛ لأنه من الإيمان. ١٠- البعد عن مواطن الفتن: يقول النبي- ﷺ كما في حديث المقدام بن الأسود ﵁: (إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهاً) أخرجه أبو داود. ١١- التعوذ بالله من الفتن: أمرنا الله بالدعاء وتكفل بالإجابة، ورسول الله- ﷺ أمرنا بالتعوذ من الفتن؛ لأنها إذا أتت لا تصيب الظالم وحده وإنما تصيب الجميع؛ كما في حديث زيد بن ثابت عن النبي- ﷺ قال: (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) رواه مسلم.

стр. 2682

منتدى القراء الإسلام والعقل بقلم: موسى ضيف الله المطرفي الإنسان ابتداءً هو ذلك المخلوق الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، لا ذلك الحيوان الذي دعاه دارون، ولا المادة التي زعمها التفسير المادي للتاريخ. ومقياس علو الإنسان وهبوطه ليس هو الإنتاج المادي والعمارة المادية للأرض: [كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا] [الروم: ٩] لكنهم كانوا جاهلين؛ لأنهم رفضوا الهدي الرباني، وأصابهم في النهاية ما يصيب الجاهلية من الدمار، على الرغم من كل القوة التي يملكونها، ومن أثارة في الأرض وعمارتها. إنما مقياس علو الإنسان أو هبوطه هو مقياس الإنسانية الذي يتمثل في التزامه بمقتضيات الكتاب والسنة في عمارة الأرض، ووفق المنهج الرباني لا بأي منهج سواه، وحين يتحقق الوعي التاريخي؛ لا في صورة ذهنية تجريدية، ولكن في صورة وعي لواقع الأمة يكون هذا عوناً كبيراً للإنسان الراشد يوجهه إلى السلوك الناضج المستقيم الذي يتحقق به الوجود الأعلى للإنسان الذي يمثل الرشد البشري في أعلى حالاته. إن الإسلام يعطي العقل مكانه اللائق به بلا إفراط ولا تفريط؛ فالرؤية الإسلامية لا تغالي في تقدير قيمة العقل فتقحمه فيما ليس من شؤونه، أو تجعله المرجع الأخير لكل شيء حتى الوحي الرباني، ولا هي تبخسه قدره فتمنعه من مزاولة نشاطه في ميادينه الطبيعية التي يصلح لها ويحسن العمل فيها. فتكل إلى العقل مهام خطيرة وواسعة: تكل إليه مهمة حراسة الوحي الرباني الذي تكفل الله بحفظه من كل تأويل فاسد مضل، وحراسة أحكام الله من الانحراف بها عن مقاصد الشريعة، وحراسة المجتمع من الآفات الاجتماعية والسياسية والفكرية والخُلقية التي تؤدي إلى تدميره، كما تكل إليه مهمة التقدم العلمي والبحث وعمارة الأرض، ولكنها لا تكل إليه ولا تسمح له أن يحيد عن الوحي الرباني والمنهج الرباني، ولا يجتهد من عنده بما لا يأذن به الله؛ لأنه عندئذ يجانب الصواب، وتلك هي الرؤية المتوازنة حيال ما يمكن أن يطلق عليه: عقلانية الإسلام.

стр. 2683

منتدى القراء وبكل دار مأتم وعويل بقلم: وائل محمد ما للقوافي وقعهن هزيل ... والشعر أجهش بالبكاء يقولُ: ما عاد معنى للجمال يعنّ لي ... أو بات أصلاً في الحياة جميل في كل أرض صرخة ومناحة ... وبكل دار مأتم وعويل في أرض بوسنة أو فلسطين التي ... فيها لأبطال الحجارة جيل في أرض أفغان الأبية محنة ... كم دق فيها للقتال طبول في أرض مورو في جزائر ديننا ... في كل قطر لليهود سبيل يا للمآسي قد تتابع نزفها ... في كل قطر خطبهن جليل من للحرائر دنست أعراضها؟ ... نفسي الفداء أما لهن وصول؟ ؟

стр. 2684

منتدى القراء بانت سعاد بقلم: عيسى علي آل خماش يا أيها الشجنُ الغادي إلى هدفٍ ... تقسمته البراري والعراقيل يقضى علينا بأسباب نحبذها ... كأنها فوقنا طيرٌ أبابيل قل للشباب لنا دِين يصيحُ بنا ... حتامَ يشغلنا فنٌ وتمثيل؟ ويمكرون وعين الله شاهدة ... يملي وليس لوعد الله تبديل هناك تسمع للأبطال جلجلة ... ويستحثك تكبير وتهليل

стр. 2685

الورقة الأخيرة هنا (واق الواق) خالد أبو الفتوح هل تسمعني سيد مشتاق؟ .... . سيد مشتاق! .. يبدو أن الخط قد انقطع مع السيد مشتاق.. معنا على الخط الآخر السيد محظوظ ... (وبعد الحديث مع السيد محظوظ يتم العثور على السيد مشتاق، فيستكمل حديثه الذي كان سوء الخطوط الهاتفية قد قطعه عليه، ويظن الرجل (المحنّك) أنه أمام فرصة ثمينة للتعبير عن رأيه بصراحة من خلال منبر إعلامي (حر) ، ولكنه يفاجأ بالصوت نفسه يقاطعه عند أهم نقطة يود توضيحها: (سيد مشتاق.. وقت البرنامج لا يسمح.. نحن مضطرون إلى التحوّل الآن إلى ضيفنا في الاستوديو دكتور نبهان ... ) . هذا أحد المقاطع المتكررة بصورة ملفتة للنظر من القسم العربي بإحدى إذاعات (واق الواق!) الغربية وطيوفها المسماة بالمحطات الفضائية، بل بعض الإذاعات العربية! وكلها تدعي تبنيها مبدأ الإعلام الحر؛ ولكن الحقيقة أنها تسهم بشكل فعّال في تكوين الرأي العام، بممارسة توجيه إعلامي مركّز ولكنه مغلّف بتعدد الآراء، بل تسهم في التأثير على صناعة القرار، وذلك من خلال: ١- اختيار الشخصيات التي يتم التحاور معها بصورة تجعل الحوار في دائرة معينة، ويرسم لكل منهم دوره (المتشدد أو المعتدل أو اللين) الذي يؤديه في هذه الدائرة واعياً بذلك أو غير واعٍ. ٢- انتقاء الموضوعات المثارة بدقة، مع عرض بعض الحقائق، بحيث تخدم التوجه الذي تريده الإذاعة دون أن تفقد مصداقيتها لدى المستمع. ٣- وضع إطار محكم للموضوع الذي يتم نقاشه بما يخدم الهدف من البرنامج، ولا يُسمح بالخروج على ذلك الإطار. ٤- دفع الحوار أو التقارير في مسار محدد يسيطر عليه المذيع أو مخرج البرنامج. ٥- منع أي محاور من تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة أو عرض وجهة نظر غير مرغوبة، وذلك من خلال: المقاطعة عند نقطة التجاوز وتحويل الحوار إلى شخص آخر.. وتغيير مجرى الحديث إلى موضوع آخر بطرح سؤال يشتت انتباه المتحدث وتركيزه.. والعودة بكلام المتحدث إلى نقطة معينة مع التذكير بأن هذا هو محور الحديث الذي لا ينبغي الخروج عنه.. وكثيراً ما تظهر (كرامات) الخطوط الهاتفية التي تنقطع فجأة أو تشوش في لحظة حاسمة، كما تضيف المحطات الفضائية إلى هذه (الكرامات) الإعلانات التي تتدخل في اللحظة المناسبة! . ٦- إذا كان الأستاذ (مشتاق) مسؤولاً فإنه يُعمَد إلى توجيه أسئلة إليه تعمل على إحراجه أو استفزازه أو تأليبه على جهة بعينها. إلى بعض المصابين بداء التلقي من الغرب والثقة العمياء فيه نسوق إحدى الشهادات من مؤرخ بلجيكي الأصل والجنسية أخذ على عاتقه نشر الحقائق التي تفضح الزيف الذي دأب الغرب على ترويجه، يقول (سيجفريد فيربيكا) في لقاء مع جريدة البيان الإماراتية (٢٧/٧/١٩٩٧م) : (الحقيقة هي أن غالبية وسائل الإعلام الأوروبية تقع تحت سيطرة (لوبي صهيوني اقتصادي سياسي قوي) ذي نفوذ لا أستطيع إنكاره، وهذا اللوبي له مصالح تختلف مع الحقائق؛ لذلك فسرعان ما تتهم مختلف وسائل الإعلام التي ذكرتها الباحثين والدارسين والمؤرخين الحياديين لحقائق التاريخ بالكذب، وتصل لوصفهم بالتطرف والإرهاب في حالة إعلانهم لتفاصيل وشواهد تثبت وجهة نظر مخالفة لهم أو تظهر حقائق تكشف أكاذيبهم ... لذا فإن الإعلام الغربي يتهم ويهاجم أهل الفكر والتاريخ من بني جنسه عندما يحيدون عن الخطوط المرسومة لسياسة بلاده الداخلية والخارجية. وأضاف (سيجفريد فيربيكا) : لا تستغرب إذا قلت لك بأن إعلام غرب أوروبا بصفة خاصة موجه من قبل حكوماته، وللأسف الشديد: إن الاعتقاد السائد في كثير من دول العالم بأن منطقتنا ديمقراطية وبها حريات في التعبير عن الرأي هي الأخرى أكذوبة كبرى) . أيها السادة.. ألا ترون معي أننا سئمنا من استغفالنا بهذه الطريقة المكشوفة وأن العبقرية الإعلامية الصهيونية في حاجة إلى طريقة جديدة تخادعنا بها؟ !

стр. 2686

ذو القعدة - ١٤١٨هـ مارس - ١٩٩٨م (السنة: ١٢)

стр. 2687

كلمة صغيرة رأي نعتز به مجلة البيان ولله الحمد منذ بدايتها صوت من أصوات أهل السنة والجماعة تنطلق من منهجهم، وتدعو الجميع لمبادئهم والسير في ركابهم، وهي بفضل من الله تعالى محل ثناء وتقدير العلماء والدعاة الأبرار؛ وإن لم تسلم من تسلط بعض المثبطين و (المصنفين) رجماً بالغيب بهدف الإساءة بمناسبة وبغير مناسبة، بجهل أو تجاهل، ولهذه الفئة المحدودة نقول: (الموعد الله) . ولقد أسعدنا وأثلج صدورنا تقريظ (محدِّث العصر) العلامة الجليل الشيخ ناصر الدين الألباني حينما سئل عن مجلة البيان، فقال: (مجلة البيان التي تصدر من بريطانيا جيدة، وهي تصلني بحمد الله، وأنا مطلع عليها، واتجاهها لا غبار عليه فيما علمت) . ونحن إذ نقدر هذا الموقف الموضوعي من فضيلته تجاه البيان نرجو الله له طول العمر وحسن العمل، وأن يعينه لإنجاز الموسوعات والمصنفات الحديثية الكثيرة، وأن ينفع الله بجهوده المباركة في خدمة السنة؛ وهو الذي لم يصل إلى درجته في هذا المضمار أحد من المعاصرين فيما نحسب. ويسعدنا في الوقت نفسه أن تصل البيان إلى علماء الأمة ودعاتها، وهم يقتطعون جزءاً من وقتهم الثمين المزدحم بأعباء الدعوة والتعليم ليطلعوا عليها ويقوِّموها. ولا شك في أن هذا الموقف الموضوعي لفضيلة الشيخ يضاف إلى التشجيع الذي نتلقاه من كُتّابنا وقرائنا، فيزيدنا ثباتاً على المنهج، ويدفعنا إلى التطوير إلى الأفضل في الشكل والمضمون بما سيُسَرّ له قراؤنا قريباً إن شاء الله.

стр. 2688

افتتاحية العدد الحوار المفروض ... والحوار المرفوض التحرير الحوار.. التفاوض.. المباحثات ... المداولات من أجل إتمام عملية السلام.. أو استتئنافها.. أو إنقاذ عملية السلام! أصبح كل هذا فرضاً لازماً وأمراً جازماً على من يمثلون العرب والمسلمين. فعبر سنوات، ومنذ أن أطلق الشيطان المريد (قطار مدريد) ، ظل يتعثر على قضبانه المعوجّة، فيضل تارة عن محطاته، أو يفقد إحدى عجلاته، أو يخرج عن مساراته.. ومع كل هذا.. فلا بد أن يستمر القطار ليكمل المشوار! - المستوطنون يُسلّحون، ويُقتِّلون، ويتوسعون ويغتصبون.. لا بأس! لا بد أن تستمر عملية السلام! -المصلون أريقت دماؤهم بالعشرات في صلاة الفجر داخل المسجد الإبراهيمي وعلى عتبات المسجد الأقصى ... لا ضير.. فلتستمر عملية السلام! ! - قنابل عناقيد الحقد والغضب تحصد الأبرياء داخل مساكنهم في لبنان ... ولا يكفي هذا لإيقاف عملية السلام! - يموت رابين ويجيء النتن بنيامين، فيوسع الاستيطان، ويتوعد الجيران لتحقيق خطط التهديد والتهويد، ويخطط لإعادة احتلال الضفة والقطاع ... ولا مفر من ركوب القطار واستئناف المسار، مهما كانت الأخطار! وإذا سألت القاصي والداني: مَنْ أولئك الذين يحرص العرب كل الحرص على استمرار الحوار معهم؟ فلن يختلف معك أحد في أن هؤلاء هم أعداء الماضي والحاضر والمستقبل اليهود خصمنا التاريخي وعدونا التقليدي، الطامع في أرضنا وعرضنا، والطامح في إخضاعنا وإذلالنا! ! ومع اتفاق العقلاء على ذلك، فيا ويل من يجرؤ على المناقشة العلنية لمشروعية هذا الحوار المهين معهم؛ إنّ من يجرؤ على ذلك لن يسلم من الاتهام بالخروج عن (النص) و (الإجماع) العربي، ومخالفة (الاجتهاد) و (القياس) السياسي! إن المرء يكاد يجزم وهو يرى كل هذا أن قطار السلام ذاك، قد حُدِّدت محطته النهائية بعناية، فلن يتم السماح بأن يصيبه عطل أو تعطيل مهما كانت الظروف والأسباب إلى أن يصل إلى غايته المرسومة، ويفرِغ بضاعته المشؤومة! ونظن أنه حتى لو قامت الحرب، فسوف تنتهي (العمليات الحربية) بعد أن تحقق أهدافها بالدعوة إلى استئناف (العملية السلمية) حتى ولو ماتت القضية ... فيكفي أن تبقى (روح السلام) حية! ! ما هو الحوار المرفوض؟ وسنترك إلى حينٍ الحوارَ المفروض مع اليهود أعداء السلام إلى الحوار المرفوض مع دعاة الإسلام ... ماذا سنرى على الجهة الأخرى؟ سنرى إصراراً موازياً وتصميماً محاذياً، لا لتدشين الحوار ودفعه، بل لتكفينه ودفنه! فكم من دعوة للحوار قد رفعها الإسلاميون في أكثر من بلد إسلامي، فكانت الإجابة عدم الاستجابة ... لماذا؟ ! تقول الأنظمة الرافضة للحوار إذا سئلت عن سبب الرفض: (مع مَنْ نتحاور) ؟ وكأنهم لا يرون في كل شرائح العاملين للإسلام من هو أهل للمحاورة! ! وقد أصبحت هذه إجابة تقليدية لا يسأمون من تردادها: (نتحاور مع من) ؟ ! فيجيب عقلاء الناس: تتحاورون مع مواطنيكم.. مع رعاياكم.. مع من يفترض أنكم تشتركون معهم في الدين واللغة والوطن والتاريخ والمصير.. و.. فتأتي الإجابة دائماً: لن نتحاور مع (الإرهاب) ولا مع من حمل السلاح! حسناً ... نجيبكم متسائلين: من الذي لجأ أولاً إلى حمل السلاح ثم ألجأ الناس إلى حمله؟ ثم ماذا عمن لم يحملوا سلاحاً ولم يمارسوا إرهاباً، لماذا يشملهم القرار بحظر الحوار؟ لقد دعا حزب الرفاه في تركيا العلمانيين مدنيين وعسكريين إلى قبول الحوار من أجل مصلحة البلاد ... فأبوا إلا الاستعلاء على هذه الدعوة، معتبرين الإسلاميين من مخلفات الماضي الذي لا يتحملون رؤيته، ولا يطيقون السماع ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عنه ... مع أن هؤلاء الرافضين المتعالين المتكبرين، هم هم، بشحومهم ولحومهم ودمائهم الذين يتكففون الرحمة، ويستجدون الشفقة من الأسياد في مجلس ... التعاون الأوروبي، لاهثين وراء قبول العضوية، ولو في المقاعد الخلفية في ... السوق المشتركة الأوروبية! وها هي (محكمتهم الدستورية) ! ! تحل (حزب الرفاه) وتجرد (أربكان) وخمسة نواب من حقوقهم السياسية؛ ومع إمكانية (الاستئناف) إلا أن البوادر غير مطمئنة لنتيجة إيجابية. لكن مهما كانت مواقف أذناب أتاتورك فلن يستطيعوا أن يمحوا الإسلام من أفئدة الشعب التركي المسلم الذي عرف حقيقة هؤلاء العلمانيين المتطرفين، وليعلم الجميع حقيقة العلمانية في بلداننا وماهيتها في أوطاننا المبتلاة بها! وفي الجزائر أطلقت الجبهة الإسلامية للإنقاذ وهي المجني عليها بشهادة المنصفين أطلقت مبادرة سلمية تدعو للتحاور مع السلطة من أجل وضع حد للأزمة الدموية في البلاد التي أغرقها فيها العسكريون العلمانيون ... فيجيء الرد المبرم ... لا حوار معكم فأنتم إرهابيون، ومع أن رائحة تورط السلطة في عمليات الإرهاب هناك باتت تزكم الأنوف، حتى إن العالم بدأ يطالب بتحقيق (جاد) في المذابح التي تجري هناك وسط جو رهيب مريب! وفي مصر، انطلقت من داخل السجون دعوة للحوار، وأصدر القادة القدماء للجماعات الإسلامية بياناً يدعو لوقف العنف وإلقاء السلاح وبدء الحوار بحياد وموضوعية. ومع أن الداعين لا يزالون في قيودهم، والمدعوين طلقاء في كامل حرياتهم وقوتهم، إلا أن الحوار رُفض بشكل حاسم بالرغم من أن هذه الدعوة تكررت أكثر من ثلاث مرات خلال السنوات والأشهر الماضية. وهذه الدعوات التي أطلقها الإسلاميون في هذه البلدان، هي على الأقل ما سمعنا به وما أعلن عنه من دعوات للحوار، وإلا فإن الظاهر أن هناك دعوات أخرى تتكرر هنا وهناك في أنحاء العالم الإسلامي، ولكنها تقابَل بالرد، وتجابَه بالرفض. إننا لا نجد إجابة عند من يفتحون مصاريع الحوار مع اليهود عن سبب ذلك الإعراض والصدود عن محاورة المنتسبين للإسلام، سواء أكانوا مسلحين أو مسالمين.. متشددين أو معتدلين. وحتى عندما تواضعت بعض الأنظمة ووافقت على الحوار، اشترطت أن يكون داخل السجون! ! وذلك حتى يؤتي الحوار ما يريدونه من ثمار، وهي مزيد من المفتونين الذين يُطلق عليهم وصف: (التائبين) ! وعَوْداً إلى الحوار المفروض مع اليهود ... لقد أخذ هذا الحوار بُعداً جديداً، وذلك بفتح قنوات أخرى من (الحوار) معهم، ليست سياسية هذه المرة، ولكنها دينية، وذلك بعد الزيارة التي دُعي إليها الحاخام الأكبر لليهود الغربيين (إسرائيل لاو) فلبى الدعوة الرسمية، وزار الأزهر والتقى بشيخه.... . لماذا؟ للحوار..!! الحوار في ماذا؟ ... في الدين! ! ! هكذا قال المدافعون عن الزيارة، يقولون إنها محاورة في الدين، والإسلام يدعو إلى التحاور مع كل أصناف الكفار والكتابيين لدعوتهم إلى الإسلام! نقول لهؤلاء: وهل جاء الحِبْر الخبيث للتحاور في الدين؟ هل جاء مستفهماً؟ هل جاء مستهدياً؟ أو حتى مجادلاً ومناظراً في مسائل تتعلق بالدين؟ أم جاء ليصطاد في الماء العكر، وليستصدر إعلاناً مشتركاً بإدانة ما أسماه (الإرهاب) ؟ ! نعم: إدانة الإرهاب، وماذا يعني مصطلح الإرهاب لدى اليهود؟ إننا نعرف، وهو يعرف، والأزهر يعرف؛ ولذلك فقد رفض شيخ الأزهر أن يوقع معه وثيقة الإدانة، وهذا شيء طيب، ولكن الأطيب والأسلم والأشرف كان يتمثل في رفض الحوار ابتداءً مع شيطان في صورة إنسان، كان مسؤولاً مع غيره من أمثاله في إصدار الفتاوى لليهود في إباحة كل ما يفعلون من جرائم بحق العرب والمسلمين كانت وما زالت. إن هذا الرفض لو تم لكان منسجماً على الأقل مع مبدأ الرفض التقليدي للتحاور مع (الإرهاب) ... ولكن المشكلة بالفعل تكمن في أن الحوار منه ما هو مفروض، ومنه ما هو مرفوض! وتلك هي المأساة. والله المستعان

стр. 2689

في إشراقة آية [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة] بقلم: د. عدنان علي رضا النحوي [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] [النحل: ١٢٥] ... يطلق كثير من المسلمين هذه الآية الكريمة حجّة لهم في موقع غير موقعها ليسوّغوا عجزاً أو تنازلاً أو عدم تقدير حقيقي لعظمة هذه الآية الكريمة وشدّة ارتباطها مع كامل منهاج الله في تناسق وإعجاز مع يُسْر للناس في فهمها وتدبّرها. إن الآية الكريمة تمثّل حقّاً مطلقاً جاء من عند الله وحياً على نبينا محمد - ﷺ . وستظل هذه الآية الكريمة غنيّة الممارسة والتطبيق في كل واقع بشري. ولنفهمَ الآية الكريمة ونتدبرها يجب أن نفهم القضيّة التي تعالجها. إن الآية تبتدئ بعرض القضية والموضوع: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ... ] هذه هي القضية التي تتحدث عنها هذه الآية الكريمة متناسقة مع جميع الآيات الأخرى في القرآن الكريم، الآيات التي تتحدث عن هذه القضية وأساليبها ووسائلها. إنها قضية الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، إلى الله ورسوله، إلى دين الله الحق الإسلام لإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ومن عبادة العباد والأوثان والأهواء إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو. إن هذه القضية تمثل القضية الكبرى في الكون والحياة، القضيّة التي من أجلها بعث الله الرسل والأنبياء الذين خُتموا بمحمد ﷺ ، وبالقرآن الكريم الذي جاء مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه. إنها تمثل الهدف الرّبانيّ الثابت الأول في حياة المسلم وفي مسيرة الدعوة الإسلامية. ومن أجل هذه القضيّة تقوم الدعوة الإسلامية في الأرض لإنقاذ الناس من عذاب الدار الآخرة لمن يموت على الشرك أو الكفر، ولإنقاذ الناس من فتنة الدنيا. القضية التي تدور حولها الآية والآيات التي قبلها وبعدها هي قضية دعوة الناس إلى الإيمان والتوحيد. ومن أجل هذا الهدف العظيم تتحدّد علاقة المسلم بسائر الناس على ضوء قواعد ربّانية يفصّلها منهاج الله. إن التوجيه في هذه الآية للداعية العامل، الداعية المجاهد الذي عرف دربه وهدفه، وعرف عهده مع الله ليكون الحافز الدائم ليمضي على الدرب يبلّغ رسالة الله. فمن أجل ذلك جاء التوجيه الرباني: [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] هذه هي القاعدة الأولى الهامة: أن تكون الدعوة بالحكمة أولاً، باختيار الأسلوب الأمثل المليء بالحكمة لتبلغه رسالة الله واضحة جليّة دون مواربة ولا تنازلات ولا مساومات. لا يحلّ للداعية المسلم أن يغيّر أو يبدّل في دين الله، وفي الأساليب التي بيّنها منهاج الله، ثم يقول: إن هذا التغيير أو التنازل هو من باب الحكمة. والحكمة هي في بعض الآيات تعني ما أنزل من عند الله، وفي آيات أخرى تجمع معانيها بأنها: فقه الموهبة المؤمنة والمسؤولية والأمانة. وهنا يحاول بعض المسلمين أن يقرّب الإسلام من العَلمانية مدّعياً أن تقريبهما هو من باب الحكمة، أو ضرورات الواقع، أو المصلحة العامة التي يتوهمها. إن أسلوب الحكمة نستطيع أن نفهمه من كتاب الله نفسه، ومن هذه الآية الكريمة بقوله : [وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] والموعظة هي أن تبيّن لهم عظمة الإسلام والإيمان وقوة ثباتك أيها الداعية المسلم عليه. الموعظة الحسنة هي: الوضوح في الكلمة المؤمنة الطيبة، والصدق فيها، حتى لا يكون هناك مجال لسوء الفهم أو التغرير. إنها تتأكد بقوله : [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ... ] [البقرة: ٨٣] ، وبقوله : [وَهُدُوا إلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وَهُدُوا إلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ] [الحج: ٢٤] ويجمع الله معاني [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً] ، [الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ] ، [وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] ، [صِرَاطِ الحَمِيدِ] ، وغير ذلك من الآيات الكريمة، بقول جامع في آية جامعة: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . إنها آية جامعة لكل ما سبق، مفصِّلةٌ لمعنى: [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] وغير ذلك مما ذكرناه أعلاه. إنها تجمع ذلك في ثلاث قضايا أو خطوات: أولاً: [دَعَا إلَى اللَّهِ] : أن تكون الدعوة إلى الله هي جوهر العلاقة دون تغيير ولا تبديل، ودون تمويه ولا مماراة، ودون ضعف أو تردد. ثانياً: [وَعَمِلَ صَالِحاً] ، حتى يرى الناس أن قولك مطابق لعملك، وأنك ملتزم بما تقتضيه دعوة الناس إلى الله: كلمة ونهجاً وتطبيقاً، ليروا الإسلام ليس في الكلمات ولكن ليروه في واقع الحياة حيّاً ناطقاً بالحق. ثالثاً: [وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] إنه الوضوح والجلاء وإعلان الهُويّة لمن تدعوه، حتى يطمئنّ إلى صدقك واستقامتك، وأنك تعلن الحق ولا تتنازل عن شيء منه أبداً، وترفض الباطل ولا تقبل منه شيئاً. إن اللحظة التي يتنازل فيها الداعية عن شيء من الحق، أو يقبل فيها شيئاً من الباطل، تكون دعوته قد انتهت وسقطت وخسر الموقف كله، وفتح الباب لشياطين الإنس والجنّ أن تلج وتتسلل، ثم تمتد وتقوى، وإذا الداعية المسلم أصبح يدعو بدعوة هؤلاء تحت شعار الحكمة إذا به يدعو إلى الحداثة أو العلمانية أو الديمقراطية أو الاشتراكية، كل ذلك بدعوى الحكمة والموعظة الحسنة. الأمثلة على ذلك كثيرة: داعية مسلم يدعو في قلب أمريكا إلى الديمقراطية، وداعية مسلم ينتقل من بلد إلى بلد، يبذل جهده وماله ووقته ليبيّن للناس فضائل الديمقراطية؟ لأنها المثل الذي يحتذى) ، ولا يتطرّق إلى الإسلام ودعوته، وداعية ينتقل ليبيّن للناس أنه لا خلاف بين مقصود الشريعة الإسلامية والعلمانية) ، وداعية مسلم يحتضن الاشتراكيين، ويقبل بعض مناهجهم المنحرفة، فإذا هو داعية اشتراكي. أو يحتضن الحداثيين، ويتنازل لهم ويسكت عن بعض مناهجهم المنحرفة، فإذا هو راضٍ عنها أو داعية لها؛ ذلك لأنّ الشيطان يُزيّن للإنسان سوء عمله حتى يراه حسناً دون أن يشعر أنه مخطئ. إنه أمر طبيعي! إن الحق يرفض أن يُتنازَل عنه أو عن شيء منه أو أن يتجزّأ؛ لأنه عزيز قوي من عند الله، وإن الحق يرفض أن يُشرَك معه باطل؛ لأن الحق من عند الله والباطل من الشيطان وأعدائه. ليس أمام الداعية المسلم إلا سبيل واحدةٌ: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] نعم: [أَدْعُو إلَى اللَّهِ] ! وليس إلى غيره. أبلّغ رسالة الله إلى الناس. نعم: [عَلَى بَصِيرَةٍ] ! على إيمان ويقين، ونهج واضح ودرب جليٍّ، وأهداف مشرقة لا انحراف عنها! [أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي] ! فالمؤمنون أمة واحدة تمضي على سبيل واحدة إلى أهداف واحدة، تنزيهاً لله دون شرك أبداً. إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أبداً أن لا تدعو إلى الله، أو أن تعطّل الدعوة إلى الله بالانشغال عنها بما هو أقل منها شأناً عند الله، أو تُفرِّق الدعوة أجزاءً غير مترابطة لا تكوّن نهجاً متصلاً ولا سبيلاً ممتداً: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي] ! فالأمر من الله جَليّ حاسم: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ] ! بلّغ رسالة الله إلى الناس! إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن تدعو إلى شيء من دون الله، ولا إلى أمر من دون الله؛ فقد جاء النهي من الله عن ذلك جليّاً حاسماً: [وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإن فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ] [يونس:١٠٦] ... [وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً] [الجن: ١٨] . [قُلْ إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً] [الجن: ٢٠] . إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن لا تبلّغ رسالة الله كاملة، كما أنزلتْ من عند الله، أو أن تخفي منها شيئاً، مداراة لوهم قذفه الشيطان في نفسك، أو ظنّاً منك أنك بإخفاء شيء من رسالة الله أو تحويره تبلغ هدفك؛ فالله أعلم، ولقد جاء أمره جليّاً حاسماً: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ] [المائدة: ٦٧] . [وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً] [الكهف: ٢٩] إنك أيها الداعية المسلم إن أخفيت شيئاً خسرت أمرين: خسرت احترام مَنْ تدعوه؛ لأنه يعرف دينك الذي لا يؤمن هو به، ويعرف أنك غيّرت وبدّلت، وخسرت رضاء الله وعونه ونصره؛ فما النصر إلا من عند الله. إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن تخالف أمر الله وما أوحى به إلى عبده ورسوله محمد، أن تخالف ذلك إلى هواك واجتهادك البشري على غير أساس من دين؛ فلقد جاء أمر الله جليّاً حاسماً: [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ] [يونس: ١٠٩] . [فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ] (هود: ١٢) . ليس من الحكمة أن نُصَوِّر الإسلام أنه دين المسالمة والمساومة والتنازلات كي نركن إلى من لا يؤمن بالله، أو انحراف عن دين الله، أو ربما إلى غير الله، أو افترى على الله كذباً وادّعى باطلاً، أو أخفى وبدل وغير. ولا هو من الحكمة أن نخفي ما فرضه الله نصّاً صريحاً في الكتاب والسنة من عدم موالاة المشركين والكافرين والمنافقين، أو نخفي ما أمر الله به من جهاد في سبيل الله. ليس من الحكمة أن نخفي ما بيّنه الله للناس، ولا أن نركن إلى الظالمين، فقد جاء الأمر من عند الله جليّاً حاسماً في كل ذلك، وأمر المؤمنين بالصبر على ما يلقونه في سبيل الله: [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ] (هود: ١١٢-١١٣) . وكذلك فإنه ليس من الحكمة أن نتهم الإسلام بأنّه دين العدوان والظلم، بادعاء باطل يقوم على تأويل فاسد للجهاد في سبيل الله، لنسوّغ الجريمة في الأرض، ونخفي أن الإسلام دين الحقِّ والعدل، ودين الرحمة والعزّة والقوة، وأن الحقّ والعدلَ والرحمة والعزّة لا تتحقّق في الأرضِ إلا بالجهاد في سبيل الله. إن أساس الحكمة والموعظة الحسنة أن نبلّغ رسالة الله كما أُنزلتْ على محمد، لا نخفي شيئاً ولا نبدّل ولا نغيّر؛ ذلك لأن الموازنة في كتاب الله معجزة كلّ الإعجاز، لا نستطيع بلوغها إلا باتباعها، ولا نستطيع بلوغها إذا لم نبلّغ الإسلام بتكامله ووضوحه، أو إذا بلّغنا جزءاً أو حذفنا جزءاً، أو إذا قبلنا باطلاً؛ فذلك ما يسعى إليه المجرمون في الأرض منذ عهد النبوة الخاتمة؛ ليفتنوا المؤمنين عما أوحي إلى محمد: [وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً] ... [الإسراء: ٧٣-٧٥] . وكذلك قوله : [إنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أََنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ] [البقرة: ١٥٩] وكذلك: [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أََبْنَاءهُمْ وَإنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ] [البقرة: ١٤٦-١٤٧] . إذن نستطيع أن نفهم ما هي الحكمة والموعظة الحسنة في طريق الدعوة إلى الله من كتاب الله ومن سنة نبيه محمد. ولقد أتينا بقبسات فقط؛ لأننا لا نستطيع أن نعرض هنا كل ما جاء في منهاج الله، فلا بد للمسلم أن يعود إلى منهاج الله عودة صادقة ليرى الصورة الجليّة بتكاملها وترابطها وتناسقها. ثم يأتي الأمر الثاني من عند الله: [وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ! نعم! يجب مجادلتهم بالتي هي أحسن؛ ذلك والمسلم الداعية قائم بالدعوة إلى الله، يبلغ رسالة الله بتكاملها، يعرض الحق لا يتنازل عن شيء منه أبداً، ويرفض الباطل ولا يقبل منه شيئاً أبداً. إذن، وهو في طريق الدعوة، يدعو ويبلغ، قد يضطر إلى المجادلة، ليعرض حجّته بأسلوب مشرق صادق واضح مقنع. الأسلوب الحسن في الجدال نفهمه كذلك من كتاب الله وسنة نبيّه، كما بيّنا قبل قليل. الأسلوب الحسن هو الوضوح والجلاء، والصدق والبيان، والحجّة القوية المقنعة، تعرض الحقّ وترفض الباطل، وليطابق القول العمل، وذلك كله بأدب وخلق، بالكلمة الطيّبة، والعمل الصالح. ويعلمنا القرآن الكريم جميع جوانب [وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ، وحدودَها وأسلوبَها، وبصورة عملية جليّة. فلنأخذ قبسات من ذلك: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] [العنكبوت: ٤٦] هذه هي الحدود: [إلاَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ] والظالمون هم الذين يدعون إلى باطل ويصرّون عليه، والذين يعتدون ويظلمون الناس. والكافرون والمنافقون: الذين يفسدون في الأرض. وهذا هو الأسلوب الأحسن: [وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] إنه الصدق والحق والوضوح، بأدب عالٍ وبيان وخلق. ليس الأسلوب الأحسن أن نقول إننا علمانيون، أو أن علمانيتكم قريبة من ديننا، ولا أن ديمقراطيتكم هي من الإسلام، والحداثة من الإسلام، والاشتراكية من الإسلام، وعدِّد ما شئت، ثم تقول إن ذلك كله من الإسلام! ولو فعلنا ذلك لما عرفَ الناس عندئذ ما هو الإسلام في وسط هذا الخليط المضطرب، ولا ما هي حقيقته! وانظر كيف يعلمنا الله ممارسة الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن: [الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُن مِّنَ المُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ * إنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] [آل عمران: ٦٠ - ٦٢] . فهل هنالك أبلغ من هذا الدرس العظيم، إلا أن يكون درساً آخر من كتاب الله، فاستمع إلى درس ثانٍ في قوله : [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] . [آل عمران: ٦٤] وضوح وجلاء، وقول فصل حاسم، بأعلى درجات الخلق والقول الحسن والحكمة والموعظة الحسنة والجدال الحسن، واستمع أيضاً إلى أدب الجدال الحسن في صورة تطبيقية عملية: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإنجِيلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ] . [آل عمران: ٦٥- ٦٨] وضوح وجلاء، قول فصل حاسم، حجّة بالغة تخاطب النفس والعقل، لتبلِّغ الحقّ لا باطل معه ولا شوائب. موقف حاسم لا مساومة فيه ولا محاولة لتقريب الحق من الباطل أو الباطل من الحق؛ إذ لا لقاء بينهما أبداً. واستمع إلى هذه الآيات الكريمة تعرض لنا الحكمة والموعظة الحسنة والقول الحاسم عندما ينتهي دور الجدل والجدال: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] [الممتحنة: ٤، ٥] مواقف كثيرة نتعلم منها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، كيف يجب أن نمضي في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، إلى الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، إلى الله ورسوله، وكيف تكون الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. إن هذه القواعد الربانيّة يجب التزامها لتكون نهجاً متصلاً واعياً في حياة المؤمن الداعية، سواء أكان يدعو كافراً ومشركاً، أو أحداً من أهل الكتاب، أو رجلاً منتسباً إلى الإسلام فيه انحراف وضلالة في بعض جوانب فكره كما يبدو للناس. لا بدّ من الوضوح والجلاء والقول الحاسم والحجة البالغة المقنعة، ولا بد للداعية أن يلتزم هو أولاً ما يدعو إليه، ليكون قوله مطابقاً لموقفه وعمله. لقد كشف واقعنا بالأمثلة الحيّة الواقعيّة أن أيّ تنازل من الداعية عما يؤمن به، وقبوله ببعض ما يرفضه مداراة للطرف الآخر، بدعوى أنه قبول مرحليّ وتنازل مرحلي، حتى يتألف القلوب، إن أي تنازل مثل هذا فتح ثغرات واسعة في صفّ المسلمين، تسلل منها الطرف الآخر بدعوته ورسالته، فإذا المسلم الذي كان يرفض ... الحداثة مثلاً، أصبح بعد تنازله يسكت عن أخطاء الحداثة، ثم أصبح يألفها، ثم أصبح يدعو لها، بعد أن زيّن له الشيطان ذلك بالخطأ أو الانحراف: [أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ] [محمد: ١٤] [أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] [فاطر: ٨] . وكذلك كان شأن من تنازل للديمقراطية عن حقائق الإسلام، حتى أصبح داعية للديمقراطية في كل موطن باسم الإسلام ونسي أمر الله : [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ] . وكذلك صار بعض المسلمين يملؤون الندوات بالدعوة إلى الاشتراكية حين كانت أيام مواسمها، وكذلك صار بعض الدعاة المسلمين دعاةً إلى العَلمانيّة بصورة ظاهرة واضحة، في الندوات والمؤتمرات! والذين أخذوا يُمارُون النصارى ودعاة النصرانية ويُوادّونهم، فَيَسْمعون منهم دون أن يُسْمعوهم، بحجة الحكمة دون الدعوة إلى الله ورسوله، ودون الموعظة الحسنة، فما لبث بعضهم أن وجد نفسه يألف ما يدعونه إليه من باطل، ويغيب عنه الحق الأبلج في الإسلام، ولا يجد حوله من يوقظه أو يعظه، فإذا هو تارك لدينه، مرتمٍ في شرك وضلالة أهلك نفسه بها. إنها الخطوة الأولى دائماً، ثم تتلوها الخطوات. الخطوة الأولى التي يزيّنُها الشيطان هي السكوت عما يؤمن به المسلم الداعية أو ما يدّعي أنه يؤمن به، السكوت عما يؤمن أنه حق فلا يدعو ولا يبلغ، وإنما يصمت ويستمع. وتأتي الخطوة الثانية التي يزينها الشيطان حين يقبل المسلم بعض ما يدعو إليه الطرف الآخر بحجة الحكمة وتألف القلوب والاحتضان. طرف يعلن رأيه بوضوح وقوة وتصميم غير عابئ بودّك أيها الداعية المسلم، أو يتظاهر بودك حيناً، وأنت صامت لا تبلِّغ دعوتك ولا رأيك الحق، فماذا تتوقع أن تكون النتيجة؟ كيف تسكت والأمر من عند الله مدوٍّ في الكون كله: [وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ... ] ! [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ... ] ! أيها المسلمون! قولوا الحق وادعوا إلى سبيل ربكم، وبلغوا رسالة الله إلى الناس كما أنزلت على محمد ﷺ ، افعلوا ذلك ثم تحدّثوا عن الحكمة والموعظة الحسنة!

стр. 2690

دراسات شرعية أضواء شرعية على.. العلاج بالرقى والقرآن (٢ من٢) بقلم: فتحي الجندي أوضح الكاتب في الحلقة الماضية أن التوسع في مسألة الرقى صاحبه بعض بدع محدثة وممارسات مخترعة، ثم حذر المسلمين من ضعف التوكل والوقوع في الأوهام والوساوس، وعرّج على مشروعية التداوي وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في التحصين والعلاج فيما يخص موضوعنا، وأخيراً: أخذ في بيان الوسائل المبتدعة في هذا العلاج.. ويواصل في هذه الحلقة توضيح جوانب أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - رد الاحتجاج بالمجربات استقلالاً: هذا الكلام مستخرج من كلام شيخ الإسلام: ابن تيمية ﵀، في أن استجابة الدعاء وقضاء الحاجات من الله لا يعني ذلك أن الوسيلة مشروعة؛ فقد يستجيب الله مع تعدي العبد في الدعاء، بل مع الشرك الصريح، وفي هذا ردّ على من يحتج بأن عمله مشروع؛ لأنه ربما دعا فاستجاب الله لدعائه، أو أنه قد جرّب أمراً فنفعه؛ مما يعني مشروعيته بزعمه. والنقول في ذلك كثيرة نكتفي ببعضها: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير، مثل: أن رجلاً دعا عندها أي المشاهد فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام. فإن القوم كانوا أحياناً يُخاطَبون من الأوثان، وربما تُقضى حوائجهم إذا قصدوها؛ ولذلك يجري لهم مثل ما يجري لأهل الأبداد [١] من أهل الهند وغيرهم، وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته. وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض) [٢] . وقال ﵀ أيضاً: (فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة. تارة بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته، كما فعل بلعام وثعلبة، وكخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم، وكان فيها هلاكهم. وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله. كما قال سبحانه: [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] [الأعراف: ٥٥] فهو سبحانه لا يحب المعتدين في صفة الدعاء، ولا في المسؤول. وإن كانت حاجتهم قد تقضى؛ كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده، وأُعطوا طلبتهم فتنة ولما يشاء الله سبحانه. بل أشد من ذلك: ألست ترى السحر والطلّسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله بها كثيراً من أغراض النفوس الشريرة؟ ومع هذا فقد قال سبحانه: [وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونََ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] [البقرة: ١٠٢، ١٠٣] فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة. وأن صاحبه خاسر في الآخرة. وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تعالى: [وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ] [البقرة: ١٠٢] . وكذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يدعون دعاء محرماً يحصل لهم معه ذلك الغرض، ويورثهم ضرراً أعظم منه. وقد يكون الدعاء مكروهاً ويستجاب له أيضاً. ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه لتقصيره في طلب العلم، أو تركه للحق. وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون فيه مجتهداً أو مقلداً، كالمقلد أو المجتهد اللذين يعذران في سائر الأعمال. وغير المعذور: قد يتجاوز الله عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته من صِدْقِ قصده، أو لمحض رحمة الله به، أو نحو ذلك من الأسباب. فالحاصل: أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية بمنزلة سائر أنواع العبادات. وقد عُلِمَ أن العبادة المشتملة على وصف مكروه: قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده أوتقليده، أو حسناته، أو غير ذلك. ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه. ومن هنا يغلط كثير من الناس؛ فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة، أو دعوا دعاء، وجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء. فيجعلون ذلك دليلاً على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي. وهذا غلط لما ذكرناه، خصوصاً إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم تفعله الأتباع صورة لا صدقاً فيضرون به؛ لأن هذا العمل ليس مشروعاً؛ فلا يكون له ثواب المتبعين، ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل الذي لعله بصدق الطلب وصحة القصد يُكفّر عن الفاعل ... ومن هذا: أني أعرف رجالاً يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فيفرج عنهم؛ وربما يعاينون أموراً، وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك، ولا علم له به البتة. وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذاء أولئك. وربما رآه ضارباً له بسيف، وإن كان الحي لا شعور له بذلك. وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود، وبين الرجل الدافع من اتّباعٍ له، وطاعةٍ فيما يأمره من طاعة الله ونحو ذلك. فهذا قريب. وقد يجري لعُبّاد الأصنام أحياناً من هذا الجنس المحرم ما يظنون أنه محبة من الله بما تفعله الشياطين لأعوانهم. فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من يتيقن أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك، أو أن له فيه فعلاً؟ وإذا قيل إن الله يفعله بذلك السبب. فإذا كان السبب محرماً لم يجز، كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله، وأن يدعو الله مستشفعاً بغيره إليه كما تقول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله، وقد يكون دعاء لله، لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يُتوسل به إليه؛ كما يفعل المشركون الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم. وقد يكون دعا الله بكلمات لا تصلح أن ينادى بها الله، أو يُدعى بها؛ لما في ذلك من الاعتداء. فهذه الأدعية ونحوها وإن كان قد يحصل لصاحبها أحياناً غرضه لكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها، كما تقدم. ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله، وينوِّر قلبه ... وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة: فعامته إنما تجد اعتقاده عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد؛ وإنما يقع في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي، حتى لا يميزون بين الحق والباطل. وبالجملة: فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب، أو شرط السبب، في هذا الأمر الحادث، قد يُعلم كثيراً، وقد يُظن كثيراً، وقد يُتوهم كثيراً وهماً ليس له مستند صحيح، إلا ضعف العقل. ويكفيك أن كل ما يُظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره؛ لا بد فيه من أحد أمرين: - إما أن لا يكون سبباً صحيحاً: كدعاء من لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئاً. - وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه. فأما ما كان سبباً صحيحاً منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهي عنه الشرع بحال. وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه من باب المنهي عنه كما تقدم) اهـ[٣] . سادساً: الرقية وضوابطها: تعريف الرقية: قال ابن منظور في لسان العرب: (الرقية: العوذة، [وهي] معروفة) . وقال الحافظ ابن حجر: (.. لكن يحتمل أن يقال: الرقي أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقي مشهور. ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع) [٤] . قلت: معلوم أنهم كانوا يرقون في الجاهلية برقى كثيرة معروفة لهم ومجربة عندهم. فعن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى؛ قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فيلفعل) [٥] . وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: (كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك) [٦] . وهنا يبرز سؤال: هل الرقى توقيفية أم اجتهادية؟ وهل يدخل الاجتهاد على التوقيفية؟ وما ضوابط ذلك الاجتهاد؟ والجواب: أن النبي لم يصادر ما كان موجوداً من الرقى ولم يسد الباب ابتداء ليقدم لهم بعد ذلك ما يراه جائزاً من تلك الرقى، ولكنه ترك الباب مفتوحاً ليمارس المسلمون بأنفسهم عملية التمحيص، وليقبلوا من الرقى ما لم يَحْوِ شركاً أو محرماً، أو ما يؤدي إلى محرم، كما يُفهم من سائر نصوص الشريعة. وهنا يجمُل بنا أن نستحضر حديث أبي سعيد في رقية اللديغ بالفاتحة؛ وفيه قول النبي: (وما أدراك أنها رقية؟) [٧] . قلت: لاحظْ قوله: (وما أدراك أنها رقية؟) فإن هذا يعني أن أبا سعيد ﵁ قد اجتهد أو نقول: إنه قد وُفّق من الله وفهم أن هذه رقية، وتأكد ذلك بحصول البرء للديغ، وبإقرار النبي هذا ما كان مع أبي سعيد، أما غيره ممن لن يقره النبي ﷺ فقد يخطئ ويصيب، فيجب الرد إلى الكتاب والسنة لتمحيص ذلك. هذا وليس بغريب على الله أن يختص بعض خلقه بفهمٍ فوق فهم الآخرين، ربما لم يكن ليخطر لهم على بال. قال تعالى: [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً] [الأنبياء: ٧٩] . ولذلك قال النبي: (وما أدراك أنها رقية) [٨] . الرقية والدعاء: هذا وأمر الرقية يشبه الدعاء، فالدعاء بالمأثور وإن كان أوْلى إلا أن الدعاء بغير المأثور مباح بلا خلاف: ما لم يَحْوِ محرماً، أو يؤدي إلى محرّم كما جاء في بعض الأحاديث. فعن أنس أن رجلاً جاء فدخل الصف وقد حفزه النفس فقال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: (أيكم المتكلم بالكلمات؟) فأرمّ القومُ فقال: (أيكم المُتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأساً) فقال رجلٌ: جئت وقد حفزني النفس فقلتها. فقال: (لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها) [٩] . قلت: سكوت هذا الصحابي ﵁ يدل على أنه خشي أن يكون قد أخطأ بوجهٍ ما في دعائه هذا، وخشي ألا يقرّه النبي. وهناك نموذج آخر لمن يدعو بما لا يصلح: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً! فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: لقد تحجّرت واسعاً! يريد رحمة الله [١٠] . من أجل هذا نقول: إن الدعاء بغير المأثور وإن كان مباحاً إلا أنه يجب ألا يشتمل على محرم، وألا يكون ذريعة لمحرم: كهجر الدعاء بالمأثور مثلاً، ولأنه من باب استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وعليه فتحرِّي المأثور أوْلى وأسلم في الدعاء والرقية على السواء. الرقى وأنواعها: تنقسم الرقى إلى ثلاثة أنواع: الأول: حلال: وهي ما كانت مأثورة عن النبي ﷺ أو من جنس المأثورة، ونعني بقولنا: أو من جنس المأثورة: ما يكون من الدعاء المباح والنفث في اليدين والمسح بهما ونحو ذلك مما ورد في النصوص الصحيحة دون زيادة أو استحداث هيئة غامضة لا يدرى لها وجه على ما سيأتي. الثاني: حرام: وهي التي تشتمل على شرك أو طلسم لا يُدرى ما هو، أو تحتوي على أي محرم بالنص. الثالث: ما تتباين فيه فتاوى أهل العلم؛ فمنهم من يميل إلى إباحته، ومنهم من يقول بالمنع؛ على ما سيأتي تفصيله وهذا النوع يمكن أن يطلق عليه اسم: (المختلَف فيه) . الرقية الشرعية: قال ابن حجر ﵀: (وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: (كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك) وله من حديث جابر: (نهى رسول الله- ﷺ عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: فعرضوا عليه، فقال: ما أرى بأساً، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه) . وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطاً. والشرط الآخر لا بد منه) [١١] . قلت: ينبغي أن يضاف إلى منع ما لا يعقل معناه وأنه قد يؤدي إلى الشرك، أنه قد يؤدي إلى تقرير البدع وتسويغ أعمال السحرة والمشعوذين. ... هل الرقى يدخلها الاجتهاد والتغيير؟ الرقية كما قلنا: نوعان: توقيفية، واجتهادية مباحة بضوابط، ولكن هل يجوز إدخال الاجتهاد على الرقى التوقيفية المأثورة؟ الجواب: لا؛ لأن ذلك يُعدّ بمثابة الاستدراك على النبي -صلى الله عليه وسلم- والمخالفة له. فإذا قال ﷺ مثلاً: قل ثلاثاً فليس لقائل أن يقول: قل عشراً. فلا يجوز تغيير عدد منصوص أو هيئة أو صفة أو زمان بدون مسوّغ شرعي. أما الرقى غير المأثورة فهي مباحة ما لم تحوِ محذوراً شرعياً ولا سيما إذا جربت وصح نفعها بقدر الله، أما أن يُحتج لرقية ما بأنها جربت وصح نفعها بمجرد التجريب فقط؛ فهذا وحده لا يكفي كما سبق تقريره. فالرقية التي تكون على هيئة غامضة وأوامر معتسفة بحيث تشبه أفعال السحرة والمشعوذين وطقوسهم، مثل هذه الرقية لا تجوز وإن زعموا أنها قد جُربت ونفعت. والمسلم يجب أن يكون على بصيرة من أمره في كل ما يأتي أو يذر فيزن كل ما يعرض له بميزان الشرع. وأن يتريّث قبل العمل بمثل هذه الأمور التي لا يوجد فيها نقلٌ صحيح صريح. فهذه الأشياء التي لا يُعقل معناها، إذا لم نتأكد أنها من الأسباب الشرعية أو العادية التجريبية؛ فلا يجوز التسليم بها أو تعاطيها؛ لأن هذا يفتح باباً عظيماً من الفتن؛ إذ إنه ذريعة إلى تصديق السحرة والدجالين وتلبيس أمرهم على العامة. يقول ابن قدامة ﵀: (وقد توقف أحمد لما سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، ويفعل كذا، فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا؟ وسئل ابن سيرين عن امرأة تعذبها السحرة، فقال رجل: أخط خطاً عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط وأقرأ عليها القرآن، فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأساً على حال ولا أدري ما الخط والسكين) [١٢] . فانظر رحمك الله إلى ورع أحمد ومن قبله ابن سيرين رحمهما الله. ويقول الباجي: (وكره مالك أن يرقي الراقي وبيده الحديدة أو الملح، والعقد في الخيط أعظم كراهية عنده، وروي عنه أنه كره الحديدة والملح، والعقد في الخيط أشد كراهية، ووجه ذلك عندي أنه لم يعرف وجه منفعته فإنه يكره استعماله لما يضاف إليه، والله أعلم) [١٣] . وقال الباجي في موضع آخر أيضاً: (وروى ابن وهب عنه عن المرأة التي ترقي بالحديدة والملح، وعن الذي يكتب الحرز ويعقد فيما يعلقه به عقداً، والذي يكتب حرز سليمان أنه كره ذلك كله، وكان العقد عنده في ذلك أشد كراهية، لما في ذلك من مشابهة السحر، ولعله تأوّل قول الله تعالى: [وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ] ... (والله أعلم) [١٤] . قلت: في الموضع الأول علّل كراهيته أنه لم يعرف وجه منفعته، وهنا عللها لما في ذلك من مشابهة السحر، ولكن هناك وجه آخر من كلام مالك ذكره القسطلاني قال: (وفيه جواز الرقية لكن بشروط: أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية غير مؤثرة بنفسها بل بتقدير الله . وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله ، وبما يعرف من ذكر الله إلى أن قال: وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم [١٥] . سابعاً: فتنة المال للمعالجين وحكم التفرغ لذلك: لقد تضافرت النصوص في التحذير من فتنتي المال والنساء، ولم ينتفع بذلك إلا القليل؛ ذلك أن حب المال مركوز في الفطرة، وكذلك حب النساء. وفي سنن الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) [١٦] . وقال يحيى بن معاذ: الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه. قيل: ما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في حقه. وقال: مصيبتان للعبد في ماله عند موته لا تسمع الخلائق بمثلهما، قيل: ما هما؟ قال: يؤخذ منه كله، ويُسأل عنه كله) [١٧] . حكم أخذ الأجرة على الرقية: لا يختلف اثنان ممن يتعاطون الفقه في جواز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية لحديث أبي سعيد الخدري رضي لله عنه في رقية سيد الحي اللديغ وغيره. ولكن إذا نظرنا إلى حال ذلكم الحي، الذي لُدغ سيده فسنجد في الحديث نفسه، أنهم كانوا قوماً لئاماً، وقد كانوا على الشرك، وقد منعوا الصحابة حق الضيف الذي لهم. قلت: فكان من المناسب استيفاء الحق منهم كاملاً جزاءً وفاقاً لخبثهم ولؤمهم في منع حق الضيف. ومع هذا فلا نقول ولم يقل أحد إنه لا يجوز أخذ الأجرة إلا ممن كان في مثل حالهم، ولكن الذي يقال: أن المسلم أوْلى بالإكرام والمسامحة على أي حال، فيجب مراعاة ذلك قال تعالى: [أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ] [السجدة: ١٨] وعليه فقد قال بعض أهل العلم بأنه مع جواز أخذ الأجر على الرقية إلا أن الأوْلى تركها حسبة لله تعالى. هذا وينبغي التفريق أيضاً: بين من يطلب المال بنفسه، وبين من يُعرَض عليه المال من غير طلب؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵁ حيث قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعطيني العطاء. فأقول: أعطه أفقر إليه مني؛ حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني. فقال رسول الله: (خذه؛ وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا؛ فلا تتبعه نفسك) [١٨] . قلت: يجب أن نلاحظ أيضاً أن هناك فرقاً بين الحالين، ففي حال الرقية قد يكون عرض المال من أهل المريض خاصة إذا كانوا أهل ضعف ومسكنة من باب الحرج، فالأوْلى هنا التعفف عن هذا المال، ولا سيّما إذا لم يكن المعالج في حاجة ماسة إلى هذا المال. متى تستحق الأجرة للراقي؟ يقول ابن عبد البر عن النشرة: (وإذ كانت مباحة فجائز أخذ البدل عليها وهذا إنما يكون إذا صحّ الانتفاع بها فكل ما لا ينتفع به بيقين فأكل المال عليه باطل محرم) [١٩] . قلت: هذا الذي قاله ابن عبد البر قد نطقت به الأدلة ففي حديث أبي سعيد وقد تقدم: (فبرأ الرجل) وفي رواية: (فكأنما نشط من عقال) . وفي رواية: (فانطلق يمشي وما به قَلَبَة) . فهذا ما كان، وهذا ما أفتى به أهل العلم حيث نطقت به الأدلة. فأين هذا مما يفعله العديد من المعالجين في هذا الزمان؟ ! فالبعض لهم عيادات أو قل مستشفيات لاستقبال المرضى، وفتح الملف بكذا.. والمقابلة بكذا والقراءة بكذا ... إلخ. وبسبب تكاثر عدد المرضى صرنا نسمع عن جلسات العلاج العامة منها والخاصة، ولكل جلسة سعرها الخاص بها. يضاف إلى ما سبق ما يبتزّه البعض من المرضى بأسلوب غير كريم، عن طريق بيع بعض الأدوية أو الأغراض الأخرى مثل: عسل النحل، وزيت حبة البركة (الحبة السوداء) وزيت الزيتون، وأحياناً زجاجات المياه المعدنية وبأسعار مرتفعة، لماذا؟ لأن المعالج قد نفث فيها من ريقه المبارك! ومن الأشياء التي سمعنا أنها توصف وتباع أيضاً من البعض: مكتبة مقروءة وأخرى مسموعة! وغالباً ما تحويان كتباً تجارية وأشرطة دعائية للمعالج نفسه، يظهر فيها المعالج غالباً كولي من أولياء الله الصالحين؛ أصحاب الهمة العالية، والذكاء الخارق والفقه في الدين، والورع، وغالباً ما يحقق الانتصارات الخارقة على ملوك الجن وقادتهم الكبار! دع عنك صغار الجن وغوغاءهم! كل هذا يجري في حملة تجارية دعائية منظمة. حكم التفرغ لهذا العمل: (بالنظر إلى سيرة الرسول ﷺ وسيرة أصحابه وسيرة علماء الإسلام الموثوق بعلمهم وفضلهم، لم نر أحداً منهم انقطع عن أعماله، وقصر نفسه على معالجة المرضى بالرقى، واتخذها حرفة، واشتهر بها بين الناس، بحيث إذا ذكر اسمه اقترن بهذه الحرفة؛ [٢٠] ولا شك أن الناس في كل زمان تكثر فيهم الأمراض، ولم نر أحداً من خلفاء المسلمين نصّب قارئاً يقرأ على المرضى، كما يُنصّب المُفتون والقضاة، وإنما المريض يقرأ على نفسه من كتاب الله، وإن قابله عالم ذو فضل وديانة وطلب منه الرقية وقرأ عليه فلا حرج، ومن المعلوم أن المشروع بأصله قد يُمنع إذا صاحبته كيفية مستحدثة. ولو كان الانقطاع لمعالجة المرضى بالرقى، واتخاذها حرفة والاشتهار بها بين الناس خيراً لسُبقنا إليه، ولا يظن أحد أن المرضى في هذا الزمان أكثر منهم في الأزمان الأخرى) [٢١] . ويحسن أن نختم كلامنا بهذا الكلام النفيس لصدِّيق حسن خان حيث يقول في كتابه: الدين الخالص (٢/٣٤٣- ٣٤٤) : ( ... وكل عمل ودعاء ينشر المرض والداء وينفع من الأسقام والأدواء يصدق أنه نشرة، يجوز الانتفاع به، إن كان من ألفاظ القرآن والسنة، أو من المأثور من السلف الصلحاء، الخالي عن أسماء الشرك وصفاته، باللسان العربي وإلا كان حراماً أو شركاً. وفي الباب كتب ومؤلفات لأهل الدعوات، تشتمل على رَطْب ويابس، وعلى ما جاز ولم يجز. فَلْيَتَحرّ المؤمنُ الموحد عند الاعتمال بما فيها، ما هو ثابت صحيح، مُبرّأٌ من كل شك وشبهة، ولْيَدَعْ ما هو على غير طريقة الإسلام، وإنما هو فعل أهل العزائم والأوفاق، الذين يكتبون التعاويذ في الهندسة، والحروف، والخطوط ونحوها فإن ذلك لا يصلح لشيء. وكذلك النفث في الخيوط المعقودة. والله سبحانه كافٍ لعبده، إن توكل عليه، ولم يتعلق بغيره، واكتفى بالأدعية المسنونة، والأدوية المباحة. ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وحيث إن الشرك أخفى من دبيب النّمل؛ يجب غاية التحري فيه والتجنب من أنواعه وأطرافه وما يشبه ذلك. وبالله التوفيق، وهو المستعان) .

стр. 2691

دراسات شرعية الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وتقوية المراقبة الإلهية بقلم: عبد السلام الأحمر لا غرو أن صفات الله وأسماءه غير محصورة؛ لأن كمالاته غير متناهية، وما أخبرنا به الشرع منها يكفي لصحة الاعتقاد في الله وتحقيق العبودية له ... والإحساس بعظمته وجلاله وكماله، وملازمة خشيته ومراقبته في السر والعلن. عن أبي هريرة ﵁ قال: (لله تسعة وتسعون اسماً مئة إلا واحداً لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر) [١] . والراجح أن المقصود بحفظ أسماء الله هو العمل بها ومراعاتها على الدوام؛ قال ابن بطال: (طريق العمل لها أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم، فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده؛ فليمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص بالله تعالى كالجبار والعظيم فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرهبة، فهذا معنى أحصاها وحفظها) [٢] . فالمؤمن وهو يطالع أسماء الله الحسنى وصفاته العلى في القرآن والحديث ويتكرر ذكرها على مسامعه مرات عديدة، ترسخ معانيها في نفسه فيزيد إيمانه بالله ومعرفته بصفاته وبتغير سلوكه بما يناسبها ويتجاوب معها. أسماء الله وكيف تقوي بها المراقبة: يمكن تحديد العلاقة بين أسماء الله الحسنى وتحقيق المراقبة الإلهية واستشعار المسؤولية تجاه العلي القدير، بتمييزها إلى مجموعات بحسب أثرها المرتقب في تكوين الإحساس بالمسؤولية وتنميته: ١- مجموعة تضم أسماء الله الحسنى التي تشتمل على معاني القدرة والجبروت والملك والتدبير والخلق ... مثل: القادر، القاهر، الملك، الجبار، المتكبر، العزيز، المهيمن، الخالق، المصوِّر، الرزاق. وهذه الأسماء تثير في النفس الإحساس بعظمة الله واستحقاقه للطاعة والعبودية. ... ٢- مجموعة تضم أسماء الله الحسنى التي تحمل معاني العلم ومراقبة أفعال العباد مثل: العليم، الرقيب، الحفيظ، السميع، البصير، الخبير، الشهيد؛ فهذه الأسماء توحي بانكشاف أحوال العباد الظاهرة والباطنة لعلم الله، فتقوى بها مراقبة النفس لما يصدر عنها من إرادات وأعمال في جميع الأوقات والظروف. ٣- مجموعة تضم أسماء الله الحسنى التي تفيد معاني الحلم والعفو والمغفرة مثل: الحليم، الرحيم، الغفور، الحنان، المنان، العفو، التواب. وهي أسماء تملأ معانيها قلب المذنب أملاً ورجاء في الرحمة والمغفرة وقبول التوبة لاستئناف السير على الصراط المستقيم. ٤- مجموعة تضم أسماء الله الحسنى التي تنطوي على معاني المحاسبة والعقاب والعدل والحكم مثل: الحسيب، الحكم، العدل، الخافض، الرافع، الحق، مالك الملك ... فالمكلّف الذي يؤمن بهذه الأسماء تذكِّره بأن الله سيبعثه بعد الموت ويعرض عليه أعماله، من خير وشر، ثم يجازيه عنها بعدل وإنصاف، فيحمله ذلك على مراقبة نفسه والمسارعة إلى فعل الصالحات. الصفات الإلهية وتقوية المراقبة: وبتمعن كل صفة على حدة يتضح أثرها في تقوية الإيمان بالله تعالى وإحياء معاني الأمانة والتكليف في أعماق النفس، وتذكّر يوم القيامة، وما ينتظر النفس من فوز أو خسران. وفيما يلي أمثلة عن ذلك: أولاً: الوحدانية: ومعناها أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له في خلق الخلائق وتدبير أمرها، وهي جميعاً ملكه ورهن قبضته وطوع مشيئته الغالبة. وكل هذا الإحساس الذي تنشئه صفة الوحدانية في النفس الإنسانية يخدم مبدأ المسؤولية ويجلِّيه في الفكر والشعور. فالخالق الواحد هو: الآمر، الناهي، الرقيب، الحسيب، المعز، المذل، الحكم، العدل، لا شريك معه يُخشى فيطاع أو يُرجى فيسأل؛ وإنما هو إله واحد فرد صمد. فالإنسان إذا تحقق من معنى الوحدانية، أشرقت في قلبه معاني المسؤولية العظمى تجاه الذي خلقه فسواه ثم أطعمه وسقاه؛ فأدرك أن الذي يستحق الطاعة والعبادة هو الله الواحد الديان، وأنه وحده أهلٌ للخشية والتقوى والشكر والإنابة، فإذا أسلم وجهه إليه اطمأن على نفسه من كل الشرور، وأمن عليها من كل الأخطار، وتيقن أنه لا يقع في ملك الله إلا ما أراد واختار. فالتوحيد الذي تقوم عليه الديانات السماوية ينسجم تماماً مع مسؤولية الإنسان بحيث تتحدد به وجهته في الحياة، ويحتمي في ظله من التمزق النفسي والتشتت الفكري الملازم لتعدد الأرباب وتضارب مراداتهم [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ] [الزمر: ٢٩] . إن وحدانية الله تعالى تحقق التوحيد في مصدر المسؤولية ومقاييسها ونتائجها، وتقيمها على أساس العدل المبين. ويبرز ذلك في متعلقات التكليف من الجهات التالية: توحيد مصدر التكليف: فمصدر المسؤولية الشرعية هو الله وحده، وكل تكليف يتوجه إلى الإنسان في إطار الشرع المستوعب لقضايا الحياة يلزم أن يؤسس على مراد الله من عباده، وكل اجتهاد تشريعي لا بد أن يوصل بكليات الدين ومقاصده العامة، ويربط إلى الأدلة الشرعية المعتبرة [شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ] [الشورى: ١٣] . وقال سبحانه [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] . [الشورى: ٢١] وزادت السنة هذا الأمر تأكيداً ووضوحاً. فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [٣] . توحيد التكليف: الناس كلهم موحدون تجاه مسؤوليات الدين وتكاليفه العامة الاعتقادية والعملية؛ فلا يملك أحدهم أن يزيد عليها أو ينقص منها إلا وفق ما يسمح به الشرع وضوابطه الثابتة، وهذا ما يسقط أعذار المتقاعسين أمام الله، ويجعلهم خاضعين للمحاسبة الاجتماعية التي وكل أمرها للسلطان. توحيد المكلِّف: فالمكلِّف هو الله تعالى في جميع أوامر الدين ونواهيه بحيث يكون امتثال العبد في جميع مسؤولياته لله وحده، ولمن أذن الله في طاعته وجعلها دليلاً على تنفيذ أمره، كطاعة الرسول ﷺ وأولي الأمر: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاًوِيلاً] [النساء: ٥٩] . وأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما: [وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] [العنكبوت: ٨] . فطاعة غير الله مشروطة بإذن الله ومقيدة بدليل الشرع عليها؛ لذا فإنها تمنع عندما تؤدي إلى معصية الله ومخالفة ما أمر به. وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه تحت باب: (لا تطيع المرأة زوجها في معصية) ، عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها فجاءت إلى النبي - ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال لا، إنه قد لعن الموصلات) [٤] . بل إن الإنسان مطالب بأن يعصي نفسه، ويخالف هواها إذا خالف تعاليم الشرع وتوجيهاته: [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى (٤٠) فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَاًوَى] [النازعات: ٤٠، ٤١] . ثانياً: العلم: يعرف علم الله بكونه صفة ينكشف بها المعلوم على ما هو به انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه. فلا تغيب عن علم الله كليات الوقائع والحقائق ولا جزئياتها الدقيقة، كما لا تنحجب عنه أحوال الظاهر ولا أحوال الباطن، ولا يحول دونه زمان ولا مكان، وإنما كل ذلك أمام علم الله سواء. وتعتبر صفة العلم من الصفات التي يحكم بها الشرع والعقل لله تعالى، لأنها توجب له ما هو أهله من العظمة والكمال. ولقد حظيت هذه الصفة في نصوص القرآن الكريم بمكانة خاصة لارتباطها الشديد بالمسؤولية الإنسانية، وما تنبني عليه من الإحساس بمراقبة الله المطبقة على أعمال الإنسان الظاهرة والباطنة، لذلك نجد الإشارة إليها تتخلل آيات القرآن من أوله إلى آخره، مع التركيز على علم الله بأفعال العباد حسنها وسيئها، لكي يظل الوعي بها قائماً في أعماق النفس، وباعثاً لها على الإجادة والإحسان في القصد والعمل. ثم إنه يربط دائماً بين الاعتقاد في هذه الصفة وإصلاح السلوك الإنساني: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ] [البقرة: ٢٣٥] . ويسوق الحديث عن العلم الإلهي المحيط بكل شيء، مشفوعاً بما يترتب عنه من إحصاء للأعمال والمحاسبة عليها، والمجازاة بالنعيم والجحيم: [وَإن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [البقرة: ٢٨٤] . وقال أيضاً: [قُلْ إن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] [آل عمران: ٢٩- ٣٠] فتيقن المؤمن بأن الله عليم بما يصنع بجوارحه وما يعزم عليه في قرارة نفسه، يجعله دائماً نازعاً إلى الطاعة وفعل الصالحات، مجانباً للمعصية بعيداً عن ... الخبائث، مراقباً لنفسه بنفسه وحذراً من نفسه على نفسه، متعبداً بمقتضى أسماء الله التي ترتبط بصفة العلم. قال ابن قيم الجوزية: (والمراقبة هي التعبد باسمه: (الرقيب) (الحفيظ) (العليم) (السميع) (البصير) . فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة) [٥] . ولقد أبرز القرآن العلاقة القوية بين الاعتقاد الصحيح في صفة العلم الإلهية والامتناع عن الآثام والأرجاس، والمسارعة في أعمال البر والطاعات، فقال تعالى: [وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ القَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً] [النساء: ١٠٧-١٠٨] . وقال أيضاً: [وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ] [الأعراف: ١٨٨] . فبقدر قوة إيمان المرء بحقيقة علم الله تزداد خشيته وورعه ويحسن عمله، وترتدع نفسه عن المنكرات والفواحش، وبقدر ضعف إيمانه وجهله بصفات الله وأسمائه الحسنى يكثر زلله، ويتوالى انحرافه. ثالثاً: العدل: إن الله تعالى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، بل لا عدل إلا عدل الله الذي من أنواره يقبس العادلون، وبهديه يهتدي المقسطون إلى الحق والإنصاف. ويمكن إبراز أثر صفة العدل الإلهية في سلوك المؤمن في اتجاهين: أ- اتجاه الاطمئنان: فالمؤمن يطمئن إلى حكم الله وعدله فيما أوجب ومنع وما أمر ونهى، وإلى أن شرع الله ملائم لواقع الإنسان متجاوب مع طبيعته محقق لمصلحته، ودافع لمضرته، فإذا حصل اليقين في النفس بعدل الله نشطت الجوارح في الطاعات ونهضت بالواجبات، ولم تتثاقل في أدائها، وعزفت عن المحرمات والمنهيات، وتورعت عنها لأنه ما خامرها شك في عدالة التكاليف الشرعية، وعدالة إفراد الله وحده بالعبودية الحقة: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ] [فصلت: ٤٦] . ويطمئن الإنسان على نيل الأجر الموعود عن عمله المبرور وسعيه المشكور في الدار الآخرة: [وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ] [البقرة: ٢٨١] . ب- اتجاه الخوف: فإذا استحضر المرء أن عدل الله يقتضي المجازاة على قدر العمل: إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، تملّكه الخوف من عقاب الله الشديد وخشي أن يقصر عمله عن استحقاق النجاة، فيكون من المعذبين [سَيُصِيبُ الَذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ] [الأنعام: ١٢٤] . وأدى به التفكير في ذلك إلى أن يُحكم المراقبة على نفسه ويتشدد في محاسبتها على الكبيرة والصغيرة من الذنوب، ورام الاستكثار من الطاعة والعبادة حتى يضمن لنفسه يوم القيامة الدخول في زمرة الفائزين المنعمين. رابعاً: القدرة: إن قدرة الله تامة كاملة لا تحدها حدود أو تقيدها قيود، فإذا أراد الله أمراً كان كما أراد من غير نقصان، وإذا وعد بشيء وفى به وفاء تاماً كاملاً؛ وما يعجزه سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء. فالقدرة الإلهية التي بها خلق الإنسان أول مرة وخلقت السماوات والأرض، هي ذاتها القدرة التي تبعث الأموات من قبورهم وتعرض عليهم أعمالهم غير منقوصة، وهي القدرة أيضاً التي خلقت نعيم الجنة الأبدي وعذاب جهنم السرمدي. والإيمان بقدرة الله يجعل المكلّف واثقاً من علم الله المحيط بكل شيء وبعدله الذي لا تشوبه شائبة ظلم، وبصدق وعده ووعيده وتحققه في الدنيا والآخرة؛ إذ إن قدرة الله تعالى عامة شاملة تتكامل مع صفات الله الأخرى وتتضافر آثارها جميعاً في بناء النفس الأمينة المؤمنة المستقيمة. ولهذا اقترن ذكر علم الله وحسابه للإنسان بذكر قدرته المطلقة في آيات عديدة منها قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي القُبُورِ] [الحج: ٥ - ٧] . فالإيمان بعلم الله المطلق وعدله التام، لا ينتج عنه إحساس النفس بالمسؤولية دون الإيمان بقدرة الله العظيمة، التي تصاحب علم الله وعدله وباقي صفات الذات الإلهية، محققة وحدانية الله تعالى الذي يُعبد ويتقى ويُسأل بجميع أوصافه وأسمائه.

стр. 2692

تأملات دعوية [اتقوا الله ما استطعتم] بقلم: عبد الله المسلم حين تطرح قضية من قضايا هموم المسلمين في أحد المجالس، ويتبادل الناس الحوار والحديث حولها يتحدث الناس عن قضايا كبار، كالتآمر العالمي على الدعوة، وتجفيف المنابع، ومواجهة الصحوة، وأن هذه المسائل تحتاج إلى حلول جذرية ربما تضيق عنها جهود أمم ودول، فضلاً عن فئات محدودة من الدعاة، وتربط كل قضية عملية تطرح أمام الناس بهذه القضايا الكبار. وتبدو نتيجة النقاش أن هذه القضايا أكبر من جهد الأفراد وطاقتهم، ويقف الأمر عند هذا الحد، وحين تبحث عن جهود هؤلاء ودعوتهم فإنك لا ترى شيئاً يذكر؛ فالطالب في جامعته، والمعلم في مدرسته، والموظف والعامل في قطاعه ليس لهم أثر في محيطهم، بل لا يرون ذلك ضمن دائرة اهتمامهم. وهي القضية التي تحدث عنها أحد التربويين من خلال (دائرة الاهتمام) و (دائرة التأثير) [١] . وبغض النظر عن كون هذا المنطق من التفكير وسيلة لتسويغ القعود والكسل، أو أنه نتاج اجتهاد واقتناع شخصي فالنتيجة العملية لذلك واحدة. ودون الدعوة لتسطيح الاهتمام وقصر التفكير على المحيط الشخصي المحدود، فإنه ينبغي أن يُرَبّى الناس على الاهتمام بالميادين العملية التي يجيدون التأثير فيها، بغض النظر عنها، وعن مدى ضآلة حجمها بالنسبة لقضايا الأمة الكبار. ينبغي أن يكون هَمّ الإنسان أن يعمل، وأن يؤدي جهده في نطاقه ومحيطه، منطلقاً من قوله ﵎: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] [التغابن: ١٦] وقوله: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] [البقرة: ٢٨٦] وهي قاعدة شرعية عظيمة. ويدل على هذا المعنى أيضاً قوله: (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون) . وتأمل قوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) . وأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يعيشون هَمّ العمل، ويُعْنَوْنَ بدرجة كبيرة به، دون أن يحلِّقوا في الخيال والتنظير، أو الإفراط في النظر للمشكلات وتضخيمها: [وَمَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ] [الأحقاف: ٩] [إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ] [الشورى: ٤٨] ، ثم يسلمون أمرهم لخالقهم ﵎ يحكم بينهم وبين قومهم بما يشاء. وحين يحقق المسلم هذا المعنى، ويقوم بهذه المهمة في محيطه، ينطلق بعد ذلك في التفكير فيما وراء هذا، والبحث عن وسائل تعينه على توسيع دائرة تأثيره. فلنحقق التوازن في هذا الميدان بين علو الاهتمامات، والنظرة البعيدة العميقة، وبين الميادين العملية.

стр. 2693

دراسات تربوية التلقي للتنفيذ.. سمة إيمانية بقلم: سلمان بن عمر السنيدي تلقِّي النصوص الشرعية لتنفيذ ما فيها من أوامر وتطبيق ما فيها من أحكام من سمات التربية الجادة التي تُفترض في أفراد الأمة الإسلامية. وهذه السمة تحتاج إلى رصيد من الإيمان القوي والتربية الزاكية. ولقد دلت النصوص الشرعية على أهمية هذه السمة في أكثر من آية وحديث؛ فمن ذلك قوله تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ٣٦] وقال تعالى: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] ... ولقد ابتلى الله صحابة رسوله ﷺ بآية في كتاب الله وقفوا منها موقف المتلقي للتنفيذ المشفق على نفسه من القصور، مع شعور ... قوي بمسؤولية الأمانة تجاه أنفسهم في تلقي أحكام النصوص الشرعية فظنوا أنهم عاجزون عن العمل بمقتضاها، فراجعوا رسول الله ﷺ فيها إشفاقاً على أنفسهم لا اعتراضاً؛ ومع ذلك سمعوا وأطاعوا؛ فنسخ الله حكمها وبقي لفظها. وكم من سامع لها بعدهم ممن لا يحمل همّ التلقي للتنفيذ يمر عليها لا يحسب لها حساباً، ولا يقف عندها بل يستوي الأمر عنده: أنسخت الآية، أم لم تنسخ! عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله: [لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [البقرة: ٢٨٤] قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله! كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والجهاد والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها: [آمََنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ] [البقرة: ٢٨٥] . فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل : [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَاًنَا] [البقرة: ٢٨٦] (قال: نعم) [رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِنَا] (قال: نعم) [رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ] (قال: نعم) [وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ] (قال: نعم) [١] . أهمية هذه السمة: تبرز أهمية هذه السمة في الأمور التالية: أ -أن الغاية من الأحكام الشرعية التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة هي العمل بها بتنفيذ أوامرها واجتناب نواهيها. قال الله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ] [النساء: ٦٤] ، وقال تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] [الحشر: ٧] . قال الخطيب البغدادي: والعلم يراد للعمل، كما يراد العمل للنجاة، فإذا كان العلم قاصراً عن العمل، كان العلم كلاّ على العالم، ونعوذ بالله من علم عاداً كلاّ، وأورث ذلاً، وصار في رقبة صاحبه غلاّ) [٢] . ولذلك قال الفضيل: إنما نزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس قراءته عملاً. وقال أبو رزين: في قوله تعالى: [يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ] [البقرة: ١٢١] قال: يتبعونه حق اتباعه يعملون به حق عمله. * أن الله عاب على أمم سابقة ما تلقوا به النصوص الشرعية فقال عنهم: [قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَاًمُرُكُم بِهِ إيمَانُكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [البقرة: ٩٣] ، وقال تعالى عن اليهود خاصة: [مَثَلُ الَذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [الجمعة: ٥] . وعن قوله تعالى: [نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ] [البقرة: ١٠١] ، قال مالك بن مغول: تركوا العمل به. وقال ابن تيمية: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فذنبه من جنس ذنب اليهود) . * أن الإعراض عن آيات الله بتعطيل أحكامها من أعظم صور الظلم. قال الله تعالى: [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا] [الكهف: ٥٧] . أن الإنسان محاسب ومسؤول يوم القيامة عن علمه كما ثبت من حديث أبي برزة الأسلمي أنه قال: قال رسول الله: (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) [٣] . وقال أبو الدرداء ﵁: إن أخوف ما أخاف على نفسي أن يقال لي: يا عويمر هل علمتَ؟ فأقول: نعم، فيقال: فماذا عملت فيما علمت؟ * أن الأقوال الصالحة مرهونة بالأعمال الصالحة؛ فقد قال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، من قال حسناً وعمل غير صالح رده الله على قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه العمل، وذلك بأن الله تعالى يقول: [إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ] [فاطر: ١٠] . * أن العلم النافع لا بد له من العمل وإلا صار حجة على صاحبه قال: (القرآن حجة لك أو عليك) [٤] . ولذلك قال ابن عيينة: العلم إن لم ينفعك ضرك. مظاهر غياب هذه السمة: إن غياب هذه السمة أو وجود خلل فيها يبرز في واقع الأمة صوراً من الخلل والانحراف ومن أبرزها المظاهر التالية: * جعل النصوص الشرعية للتزود الثقافي، وانحصار استخدامها في الخطابات الإنشائية التي لا رصيد لها في الواقع ولا تأثير لها في تصريف مجرياته. * ضعف تعظيم كلام الله تعالى وكلام رسوله؛ وذلك بالاعتراض عليهما بآراء العقول وتصورات الأفهام التي يبعثها الواقع المنحرف وهوى الأنفس. * ضعف الالتزام بالآداب الشرعية والأحكام المرعية؛ تكاسلاً وتساهلاً وعدم الاكتراث بترك السنن والمستحبات، بل قد يصل الأمر إلى ترك الواجبات والأركان بلا خوف أو ندم. نماذج مشرقة: من أسمى الصور التي تتحقق فيها سمة التلقي للتنفيذ، تلك الصورة التي يتلقى فيها المؤمن الحث على أعمال مستحبة غير ملزم بفعلها، فيأخذها مأخذ العزيمة، ويلتزم بما فيها من أعمال من لحظة تلقيه للنصوص الشرعية بلا تردد أو تكاسل أو انقطاع أو فتور، وهذه بعض النماذج المشرقة التي تتجلى فيها هذه الصفة: ١- عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه: [إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ] [النصر: ١] يصلي صلاة إلا قال فيها: (سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي) [٥] . ٢- عن سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب ﵃، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ ، قال: (نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً) [٦] . ٣- عن ابن عمر ﵁ قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله - ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد الله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. فقال رسول الله: من القائل كلمة كذا وكذا؟) قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله! قال: (عجبت لها! فتحت لها أبواب السماء) . قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك [٧] . ٤- وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سمعت أبي رضي الله عنه، وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) ، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام. ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتِلَ [٨] . ٥- عن علي ﵁ قال: اشتكت فاطمة ﵂ ما تلقى من الرحى في يدها، وأتى النبي ﷺ سبيٌ فانطلقت فلم تجده؛ فأخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليه، فجاء النبيّ ﷺ إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال النبي: على مكانكما. فقعد بيننا، ثم قال: (ألا أعلمكما خيراً مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما: أن تكبرا الله أربعاً وثلاثين، وتسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم) . قال علي ﵁: ما تركته منذ سمعته من النبي. قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين [٩] . ٦- قال الإمام مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو خالد يعني سليمان بن حيان عن داود بن أبي هند، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوسٍ، قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسارّ إليه [يُسَرّ به] قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ لهُ بهن بيت في الجنة) قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله. وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة. وقال عمرو بن أوسٍ: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة. قال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوسٍ [١٠] . ٧- عن أم حبيبة ﵂ أن النبي ﷺ قال: من ركع أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها حرم الله لحمه عن النار. قالت: فما تركتهن منذ سمعتهن [١١] . ٨- عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه؛ يبيت ثلاث ليالٍ إلا ووصيته مكتوبة. قال عبد الله بن عمر ﵄: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي [١٢] . ٩- عن ابن عمر ﵄ قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: اقتلوا الحيّات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يلتمسان البصر ويستسقطان الحبالى. قال عبد الله بن عمر: فلبثت لا أترك حية أراها إلا قتلتها..) [١٣] . ١٠- عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) [١٤] . قال ابن القيم ﵀: (قال علي بن أبي طالب ﵁: ما كنت أرى أحداً يعقل ينام قبل أن يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة) [١٥] . ١١- قال البخاري: ما اغتبت أحداً قط منذ علمت أن الغيبة حرام. إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً [١٦] . ١٢- عن أبي أمامة ﵁ قال: قال: (من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) [١٧] . قال ابن القيم ﵀: (بلغني عن شيخ الإسلام أنه قال: ما تركتها عقب كل صلاة إلا نسياناً أو نحوه) [١٨] . ١٣- وقال الإمام أحمد ﵀: (ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فأعطيت الحجام ديناراً حين احتجمت) [١٩] .

стр. 2694

مقال أبعاد التخريب العلماني محمد أركون.. أنموذجاً بقلم: د. أحمد إبراهيم خضر بالأمس ... طلب خالدُ بن عبد الله القسري، أمير العراق، الجعدَ بن درهم، حتى ظفر به، فخطب بالناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قاله في خطبته: أيها الناس، ضحّوا، تقبّل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، فكان ضحية، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رُمِيَ بها [١] . واليوم.. المرعى الإسلامي غداً بابه مفتوحاً لكل (عرجاء) و (عوراء) لا يجزئ لحمها في الأضحية [٢] . إنهم أهل التخريب العقدي، يحاربون الإسلام من داخله بإثارة شكوك المسلمين بما يؤمنون به، يهدفون عبر زعزعة الترابط العقدي تفكيكَ المجتمع الإسلامي برمته [٣] . يصفون أنفسهم بأنهم علماء مجتهدون متفرغون لتطوير المعرفة [٤] ، ولا تخرج مقولاتهم عند كونها لوناً من ألوان (الرقاعة الثقافية) [٥] ، يميزون أنفسهم عن المسلمين الآخرين (المقلدين) ، أما هم، فإنهم باحثون تحرروا مما أطلقوا عليه (المعارف الخاطئة) التي تعارف عليها كل المسلمين عن الإسلام. يدعون إلى العقلانية ويطالبون باتساع العقل وحرية البحث حتى في القضايا الدينية الحساسة التي ترتبط بما هو مقدس ولا يمس (كالوحي والقرآن والسنة) . يشجعون الإبداع الفكري الذي يصل عندهم إلى حد القول بأن الاعتقاد بأن الشريعة ذات أصل إلهي (وهمٌ كبير) [٦] ومع كل هذا الانحراف والضلال يطالبون الآخرين بالتسامح معهم، والإقبال على مناظرتهم، وعدم الخلط بين العرض العلمي للقضايا ومواقف العوام، والتقيد بما يفرضه البرهان العقلي. يتهمون ما يسمى (بالخطاب الإسلامي) بأنه خطاب مليء بالنقائض والرذائل والمثالب، يحمّل المفكرين (أمثالهم) ما لم يفكروا فيه، وما لم يدّعوه، وما لم ينطقوا به [٧] . ماذا يريدون بالضبط؟ همهم الأول القضاء على الإيمان العقدي ومحوه من الأفق البشري: حتى لا يبقى هناك إلا الأفق الاجتماعي. يريدون منا أن ندخل تجربة الغرب التاريخية التي خاضها منذ أكثر من قرنين فتخلص من الأفق الديني القروسطي (نسبة إلى القرون الوسطى) . لا يجهلون الإسلام وإنما يصرون على تحليله في ضوء النصرانية الكنسية والقرون الوسطى التي ارتبطت في أذهان الغرب بالتصور المظلم والمرعب عن الدين. أفقهم المعرفي لا يخرج عن حدود الفكر الغربي والثقافة الأوروبية. يتزلفون للغربيين حتى القسس منهم على حساب دينهم؛ ولهذا يضيقون ذرعاً بمطالبة الإسلاميين بخصوصية إسلامية وأصالة عقلية وعلمية مطلقة جعلتهم في غنى عما أبدعته انحرافات الفكر الغربي والبحث العلمي خارج دائرة المعارف الإسلامية المتأصلة في القرآن والمنطلقة منه، فراحوا يتصورون أن الإسلاميين كآباء الكنيسة يقتلون في الإنسان حس المبادرة والحركة ويدعون إلى الاستكانة والاستسلام ورفض الانخراط في العالم [٨] . أهل السنة والجماعة في نظر أهل التخريب العقدي (أورثوذكسيون) : لأنهم يُجمعون على عقيدة إسلامية صحيحة ومستقيمة، ويُبرزون معايير التفرقة بينها وبين البدع والاعتقادات الطارئة المنحرفة عن الإسلام. (والأورثوذكسية) أصلاً مصطلح غربي نقله أهل التخريب إلى العربية ولا يربطونه بالمذهب الأورثوذكسي في النصرانية؛ لأنه مصطلح سابق على ظهور هذا المذهب. لا يروق لهم المعنى الحرفي للكلمة (وهو الطريق المستقيم أو الطريق الصحيح) إنما يأخذون معناها الاصطلاحي وهو (النواة العقائدية الصلبة والمغلقة على ذاتها لدين ما، أو لأيديولوجية ما، أو اتجاه سياسي ما، والتي ترفض كل ما يقع خارجها باعتبار أنه ضلال وهرطقة) . يقول أهل التخريب إنهم لم يستطيعوا ترجمة مفهوم (الأورثوذكسية) بكل أبعاده الأيديولوجية بالسنّة؛ لأن أهل السنة والجماعة قد احتكروا المفهوم لصالحهم وعدلوا به عن معناه في القرآن [٩] ، ولم يعط أهل التخريب العقدي دليلاً واحداً مقنعاً يبين صحة تأويلاتهم الفاسدة الخارجة أصلاً عن حدود القرآن والسنة. وحتى لا يُتهم أهل التخريب العقدي بالكفر، سارعوا إلى وضع مفهوم جديد للإيمان والكفر. فهموا من الإمام الغزالي أن الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به، والإيمان هو تصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما الرسول ﷺ ، والبرهمي كافر بالطريق الأوْلى؛ لأنه أنكر مع رسولنا سائر المرسلين. هذا الذي يتبنى مفهوم الغزالي عن الكفر ويطبقه على (العلماء المجتهدين) أمثالهم رجل مقلد بلغ درجة من العمى والتعصب في أحكامه؛ لأن الإيمان والكفر في فلسفة أهل التخريب العقدي مرتبطان بالبحوث النفسانية واللغوية عن تكوين البنية الشخصية والجماعية التي ينشأ فيها كل فرد. ولم يكتف أهل التخريب العقدي بذلك بل ألقوا مسائل الحلال والحرام والمقدس والقصص الديني في أحضان العلوم الحديثة (علوم الإنسان والمجتمع) [١٠] التي تعطي لها تفسيراً خاصاً يخرج بها كلية عن ارتباطاتها العقدية. ومن المسلّم به في العلوم الاجتماعية أن نظرياتها التقليدية ترى أن الأفكار الدينية زيف ووهم، أما نظرياتها الحديثة فتتجنب مسألة حقيقة الدين، لكنها تغذي هذه التحليلات التي تحقر من أي رؤية جدية للأفكار الدينية وتنظر إليها على أنها غير حقيقية [١١] . موقفهم من خاصية ثبات الأصول: واجهت أهل التخريب العقدي مشكلة النظرة العقلية المستمرة والمتكررة التي ترى وجود إسلام صحيح يتطابق مع مفهوم الدين الحق لمكافحة البدع والرد على أهل الأهواء والنحل، وإبطال الملل الضالة المضلة، وإبعاد أو إخضاع جميع المنحرفين عن الصراط المستقيم والحق المبين، فقالوا: إن الإجماع بأن هناك إسلاماً جوهرياً لا يقبل التغير ولا يخضع (للتاريخانية) [١٢] هو هو كالأقنوم الإلهي يؤثر في الأذهان والمجتمعات ولا يتأثر بها ليس إلا تحجراً عقلياً وتطرفاً وتعصباً وإرهاباً، ودعوا إلى العدول عن هذه النظرة التقليدية والإقرار بضرورة التعددية العقائدية؛ ويسوِّغون دعواهم الضالة والمضلة بأن النصوص القرآنية قد ألهمت ولا تزال تلهم (تأويلات) بتغير الزمان والمكان [١٣] . يؤمن أهل السنة والجماعة بأن التأويل الذي دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وما جاءت به هو التأويل الفاسد. وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو المقبول وما خالفه فهو المردود. لكن أهل التخريب العقدي بعد أن طرحوا بعيداً ربط الكفر بتكذيب الرسول ﷺ ردوا السنة برمتها إلى دائرة (البحث التاريخي) [١٤] ، وسعوا إلى إعادة قراءة النصوص الدينية، تلك التي أسموها بالنصوص التاأسيسية أو النص الأول (القرآن) والنصوص الثانية (السنة وغيرها) ، في ضوء العلوم الحديثة. والتأويل عند أهل التخريب العقدي لا يخرج عما يقوله عنهم (ابن القيم) من أنه (استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات، فأدى بهم هذا الظن الفاسد إلى نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ظهورهم، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. (والتأويل) إذا تضمن تكذيب الرسول ﷺ فحسبه ذلك بطلاناً) وتأويلات أهل التخريب العقدي من هذا الطراز [١٥] . القطيعة المعرفية ماذا تعني؟ خرج علينا أهل التخريب العقدي بمصطلح جديد أسموه: (القطيعة المعرفية) ومن المعروف عنهم أنهم لا يأتون بجديد، وإنما يستخرجون أفكارهم بعد أن يدخلوا جحر كل ضب دخله قبلهم المفكرون الغربيون، ثم يلوكون هذه الأفكار ويطبقونها على الإسلام. ومصطلح (القطيعة المعرفية) طرحه أصلاً المفكر الإيطالي (فيكو) وكتب فيه الأمريكي (توماس كون) وعالم الرياضيات الفرنسي (رينيه توم) . تناول كل هؤلاء مسألة القطيعة في تاريخ العلوم وكيفية تفسيرها: متى تحدث القطيعة في فكر ما؟ ما هي الشروط الموضوعية التي ينبغي توافرها لكي تحصل القطيعة؟ أي: لكي يتوقف الناس فجأة عن التفكير بالطريقة التي كانوا يفكرون بها سابقاً منذ مئات السنين. ولأن الحقد والغل يملأ قلوب أهل التخريب العقدي على الإسلام طبقوا هذا المفهوم على الإسلام؛ فدعوا إلى التوقف عن التفكير في الإسلام بالطريقة التي يؤمن بها الناس حالياً والتفكير فيه بطريقتهم التدميرية. ويدعونا أهل التخريب العقدي إلى أن ندرك معنى القطيعة المعرفية، أي أن نتخلى عن معارفنا التقليدية عن الإسلام التي يصفونها بأنها معارف (خاطئة ... أسطورية ذات معانٍ خيالية) وأن نفكر بالطريقة التي فكر بها الأوربيون منذ القرن السادس عشر، فنغير مثلهم نظرة العقل إلى المعرفة وطرق إدراكه للواقع وتعبيره عن تأويلاته لهذا الواقع. هل نحن بحاجة إلى الفلسفة؟ وعبر إصرارهم المستميت على تخريب عقيدة الإسلام يزرعون الألغام الواحد تلو الآخر، فتجدهم يدعون إلى الانفصال بين الحكمة والشريعة ويفسرون الحكمة بأنها (الفكر العلمي) ويسمون الشريعة (بالظاهرة الدينية) [١٦] مع أن الحكمة تعني العلم والفقه والمعرفة بالقرآن وخشية الله والفهم والبصر والعقل، كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن مسعود، وزيد بن أسلم، ومالك؛ وذلك في تفسير قوله تعالى: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [البقرة: ٢٦٩] ، وقوله تعالى: [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ] [لقمان: ١٢] [١٧] . وتارة أخرى ينظرون إلى (الحق) على أنه خاضع (للتاريخانية) بمعنى أن وجوده ومظاهره تتغير بتغير نظرة العقل إليه، كما يتغير العقل بدوره بتغير النتائج ووجوه الحق التي يستبينها ويتعقلها. كما يتبنون وظيفة الفلسفة لتسويغ الموجودات والأحكام إلى العقل في كل الممارسات والمعالجات بما في ذلك إثارة مسائل وقضايا ومواقف معرفية ما كان التفكير فيها ممكناً بل كان مستحيلاً، ولذلك تجدهم يُرجعون انتشار المدّ الإسلامي إلى غياب الفلسفة عن معظم المدارس والجامعات بالبلدان الإسلامية. والحقيقة أن الفلسفة لا تمارس تأثيرها إلا في غيبة نور الوحي الإلهي، أو في حالة خفوته، أو في حالة جهل الناس بحقيقتها وجهلهم بالمنهج النبوي على وجهه الصحيح. وتملك الفلسفة القدرة على التلبيس بما تملكه من أدوات، فهي تتزيّا بزي العقل حيناً، وبزي العلم حينا آخر، وتملأ الفراغ المخيف الذي تتركه غيبة الهداية الإلهية عن العقول [١٨] . وبينما اشتهر أهل التخريب العقدي في مصر وسوريا باستخدام مصطلحات: (نقد الخطاب الديني) و (نقد الفكر الديني) ، استخدم نظراؤهم المستوطنون في دول الغرب مصطلح: (نقد العقل الإسلامي) . يعرِّف أهل التخريب العقدي (العقل الإسلامي) بأنه هذا العقل المتقيد بالوحي أو المُعطَى المنزل. ويقر بأولوية المعطَى لأنه إلهي، وأن دور العقل ينحصر في خدمة الوحي، أي فهم وتفهيم ما ورد فيه من أحكام وتعاليم وإرشاد، ثم الاستنتاج والاستنباط منه، فالعقل تابع وليس بمتبوع اللهم إلا بالقدر الذي يسمح به اجتهاده المصيب بفهم وتفهيم الوحي. لا يقر أهل التخريب العقدي بذلك، ويصبون كل انتقاداتهم على علاقة العقل بالمُعطى المنزل، وعلى رضاه بأن يبقى دائماً في الدرجة الثانية، أي في حدود الخادم دون أن يجرؤ أبداً على مبادرة أو سؤال أو تأويل لا يسمح به الوحي المحيط بكل شيء، بينما العقل لا يدرك شيئاً إدراكاً صحيحاً إلا إذا اعتمد على الوحي المبين [١٩] . إنه ما عُصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه؛ ومن أعظم معصية العقل إعراضه عن كتاب الله ووحيه، فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل؟ إن علم الأنبياء وما جاؤوا به عن الله لا يمكن أن يدرك بالعقل ولا يكتسب، وإنما هو وحي أوحاه الله إليهم بواسطة الملك، أو كلام يكلم به رسوله منه إليه بغير واسطة كما كلم موسى. وهذا متفق عليه بين جميع أهل الملل المقرين بالنبوة المصدقين بالرسل، ولا يخالفهم في ذلك إلا جهلة الفلاسفة وسفلتهم. ولكن أهل التخريب العقدي يريدون أن يعكسوا شرعة الله وحكمته؛ فإن الله جعل الوحي إماماً والعقل مؤتماً به، وجعله حاكماً والعقل محكوماً عليه، ورسولاً والعقل مرسلاً إليه، وميزاناً والعقل موزوناً به، وقائداً والعقل منقاداً له؛ فصاحب الوحي مبعوث، وصاحب العقل مبعوث إليه، والآتي بالشرع مخصوص بوحي من الله، وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي أو فكرة. الرسول يقول: معي كتاب الله، وهم يقولون: معنا العقل. الرسول يقول: معي نور خالق العقل به أهدي وأهتدي، ويقول: قال الله كذا، قال جبريل عن الله كذا، وهم يقولون: قال فيكو.. قال بيير بورديو.. قال جاك دريدا.. قال فرانسوا إيوالد.. إلخ. بين العقل والوحي: إن قضايا العقل تشمل على العلم والظن والوهم، وقضايا الوحي كلها حق؛ فأين قضايا مأخوذة عن عقل قاصر عاجز عرضة للخطأ، من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته؟ ! [٢٠] . (العقل هو المصدر والعامل في كل ما يعبر عن الإنسان ويبلغه بلغة من اللغات، وهو المسؤول عن عملية تركيب المعاني في إنتاج جميع المنظومات) ، هكذا يقول أهل التخريب العقدي في دفاعهم عن (فتنة خلق القرآن) ، وقد وصل بهم التبجح إلى القول بأنه (لو استمرت المناظرات بين العقل القائل بخلق القرآن والعقل الخادم الخاضع للقرآن غير المخلوق، لكان الوضع المعرفي للعقل الإسلامي اليوم على غير ما هو عليه، بمعنى: أن الفسحة العقلية ما كانت لتصبح ضيقة محدودة تسودها الأرثوذكسية العقائدية المعروفة اليوم) [٢١] أي انتصار أهل السنة والجماعة، الذين يقولون إن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ، فنزل غير مخلوق، ألفاظه ومعانيه عين كلام الله، سمعه جبريل من الله، والنبي سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي ﷺ ، وهو القرآن المكتوب بالمصاحف المحفوظ بالصدور المتلو بالألسنة. القرآن عند أهل السنة والجماعة كلام الله تعالى بالحقيقة وليس بمخلوق ككلام البرية، ومن سمعه وزعم أنه ككلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله تعالى وعابه، أو أوعده عذابه حيث قال: [سَأُصْلِيهِ سَقَرَ] [المدثر: ٢٦] التي أوعدها الله لمن قال: [إنْ هَذَا إلاَّ قَوْلُ البَشَرِ] [المدثر: ٢٥] [٢٢] . البؤس الفكرى لدي بعض المفكرين العرب: وقد اعترف أهل التخريب العقدي بأن التوجه الإسلامي الصحيح قد كشف أزمة المجتمع في العمق، وكشف في الوقت نفسه عن البؤس الفكري لمعظم المثقفين العرب ومراهقتهم الفكرية، كما أنه كشف كذلك عن التخلف المنهجي والمعرفي للفكر العربي المعاصر؛ فالواقع في واد وهم في واد آخر؛ فبؤسهم الفكري عاجز عن طرح أي مشكلة بشكل صحيح بل عاجز حتى عن رؤية المشكلة ذاتها. أقر أهل التخريب العقدي بأن زميلهم (المثقف العربي) يقف أمام نظيره الغربي (كالفلاح الفقير الذي يقف خجلاً بنفسه أمام الغني الموثر) ويقولون في ذلك: (يقف مثقفنا العربي أمام نظيره الغربي وهو يكاد يتهم نفسه ويعتذر عن شكله غير اللائق ولغته غير الحضارية ودينه المتخلف، ويستحسن المثقف الغربي منه هذا الموقف ويساعده على الغوص فيه أكثر فأكثر حتى ليكاد يلعن نفسه أو يخرج من جلده لكي يصبح حضارياً أو حداثياً مقبولاً) [٢٣] . لقدأحسن أهل التخريب العقدي وأجادوا في وصف حال المثقفين العرب الذين هم أيضاً من دعاة هذا التخريب. لكن حال أهل التخريب العقدي أمام المثقفين الغربيين ليس بأفضل من حال المثقفين العرب الذين يهاجمونهم. هاهم يقفون خجلين أمامهم من الخطاب الإسلامي الذي يتحدث عن التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج والحجاب والجهاد. إنهم يقدسون لغة الغرب، ويكتبون بها، ويرونها مؤيدة للنقد الفلسفي والتاريخي والعلمي وأن لها أرضية خصبة من الجهاز المفهومي الداعي إلى المزيد من الدقة والتعمق في النقد. أما لغتهم (اللغة العربية) فلا تتحمل اقتران النقد بالعقل الإسلامي. ها هم يعتذرون عن شكلهم غير اللائق، ولغتهم غير الحضارية، ودينهم المتخلف فيحذرون الإسلاميين من أن خطابهم المتردد على ألسنة الخواص والعوام يمجه جميع الناس في الغرب، وأنه لا يتيح إلا المزيد من الرفض والاستبعاد وسوء التفاهم، ويحذرون أيضاً بأن على الخطاب الإسلامي أن يغير من طريقته التي تثير ردود فعل وتحريض للغرب على الإصرار في الهيمنة واستراتيجية الإخضاع والتسيير التحكمي للعالم (الإسلامي) المتخلف. ثم يدافعون عن الغرب ويقولون: (بأن للغرب حق الحماية لقيم مدنيته والدفاع عن أمانته أمام قوى العنف والجهل وعدم التسامح) [٢٤] . يريد أهل التخريب العقدي خطاباً إسلامياً يتحدث للغرب بلغة ما وراء الحداثة [٢٥] والديموقراطية، ومفهومي الفرد والمواطن، والتعاقد والتفاعل بين دولة القانون والمجتمع وأن يراعي الجانب الحقوقي والفلسفي للتجربة الديموقراطية، وإلا فهو خطاب متخلف يستحق أن يمجه الغربيون ويرفضوه.

стр. 2695

دراسات في السيرة النبوية خصائص المرحلة المكية في مجال المعرفة (٢ من٢) بقلم: د.محمد أمحزون أوْلى الإسلام العلم والمعرفة عناية واضحة وذلك مع أول آيات الوحي في الرحاب المقدسة، وسبق أن أوضح الكاتب أن من خصائص العلم في هذه المرحلة: الاهتمام بالعلم (العقيدة وتوحيد الله) ، وأصلَيِ الدين: (التوحيد، والاتباع) ، ثم بين أن ذلك يتضمن أن يكون الإيمان: قولاً وعملاً.. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة إيضاح جوانب أخرى للموضوع ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - توحيد الله في ربوبيته: جاء القرآن المكي موضحاً لنوع آخر من التوحيد هو توحيد الربوبية، ومن مقتضياته أن الإحياء والإماتة، والرزق والنفع والضر وتدبير شؤون الخلق، والتشريع من تحليل وتحريم، من خصائص رب العالمين. وقد أفصح القرآن المكي عن ذلك في مواضع كثيرة، من ذلك قوله تعالى: [لا إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ] [الدخان: ٨] وقوله تعالى: [إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ] [الإسراء: ٣٠] وقوله تعالى: [وَإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إلَيْهِ] [الزمر: ٨] وقوله تعالى: [أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ] [الأعراف: ٥٤] وقوله تعالى: [إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ] [يونس: ٣] . وقد بيّن القرآن الكريم أن العلة في اتخاذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله هي بما أعطوهم من حق التشريع في التحليل والتحريم وأطاعوهم فيه، كما في قوله تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً وَاحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣١] . وقد علّم رسول الله ﷺ أصحابه تجريد هذا النوع من التوحيد، فنفوا حسّاً وواقعاً كل ما يضاد توحيد الربوبية من اعتقاد متصرف مع الله في أي شيء من تدبير الكون، حيث استقر في قلوبهم إلى درجة اليقين أن الله هو المحيي المميت، وأنه هو الضار النافع، وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه هو المدبر المشرع بيده كل شيء. كما رسخ في قلوبهم بفعل التوجيهات القرآنية والنبوية أن المخلوقات البشرية إن هي إلا أدوات لقدر الله، وأنها حين تضره فهي تضره بشيء قدره الله له، وحين تنفعه فإنما تنفعه بشيء قد كتبه الله له، فلا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه. وحين كان رسول الله ﷺ يعلِّم أصحابه هذه العقيدة ويربيهم عليها، إنما كان ينشئ بقدر الله ذلك اليقين القلبي الذي ينبثق منه السلوك العملي. فليست العقيدة مفهوماً معرفياً ذهنياً تستوعبه الأذهان وكفى، إنها على هذا النحو لا تصنع شيئاً في عالم الواقع، كالفلسفة في الأبراج العاجية لا تغير شيئاً في واقع الناس، إنما هي عقيدة ترسخ وترسخ حتى تصبح يقيناً قلبياً تنطلق على هداه مشاعر القلب، ويجري بمقتضاه السلوك العملي للإنسان [١] . وبهذه الصورة الناصعة آتت العقيدة ثمارها المباركة في مواقف الصحابة وهديهم؛ فلم يخشوا إلا الله، ولم يتوكلوا إلا عليه، ولم يلتجئوا إلا إليه، وصدعوا بالحق في وجه الباطل لا يخافون لومة لائم؛ لأنهم علموا حق العلم أن كلمة الحق لا تقدم أجلاً ولا تؤخر رزقاً. تُرى: كم يحتاج الشاب المسلم الذي يعمل في حقل الدعوة من جلسة علمية ودرس وموعظة وتوجيه ليرسخ في قلبه إلى درجة اليقين أن الأرزاق والآجال بيد الله وحده، فهو المحيي المميت، وهو الضار النافع، وهو المعطي المانع، وهو الذي بيده مقاليد كل شيء، ذلك أن كثيراً من المسلّمات العقدية تبقى بدهيات ذهنية تستقر في وقت السلم والأمن في الشعور، ولكنها تهتز إذا تعرضت للشدة ومحك الاختبار؛ لأنها ليست عميقة الجذور، ولم تعد يقيناً قلبياً بمفعول التربية. توحيد الله في أسمائه وصفاته: وكذلك جاء القرآن المكي مقرراً لتوحيد الأسماء والصفات، فغالب الآيات تختم بصفات الله تعالى وأسمائه الحسنى، لتأكيدها وترسيخها في النفوس، كي يعبد الله بمقتضاها. مثل ذلك قوله تعالى: [قُلْ أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً] [الفرقان: ٦] ، وقوله تعالى: [وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ] [الأنعام: ١٨] ، وقوله تعالى: [فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سََكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] [الأنعام: ٩٦] . ولما كان لتوحيد الأسماء والصفات شأن عظيم وأثر كبير في النفوس والقلوب، ولا يصح إيمان عبد إلا بإيمانه بأسماء الله وصفاته، فقد أمر الله عباده أن يدعوه بها: [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] [الأعراف: ١٨٠] . ... كما أمرهم أن ينزهوه عن مشابهة المخلوقين وعن تأويل صفاته وتحريفها، وأن يؤمنوا بصفات جلاله ونعوت كماله كما جاءت في كتابه الكريم بلا كيف، كما في قوله تعالى: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] [الشورى: ١١] ، وقوله تعالى: [يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً] [طه: ١١٠] . وهنالك بُعْدٌ آخر في فهم الأسماء والصفات، وهو فقهها والشعور بآثارها القلبية والتعبد لله بها، وتحقيق ما تقتضيه من فعل المأمورات وترك المنهيات اقتداءً برسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ الذين تعلموا منه الإيمان والعمل؛ فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة [٢] ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً) [٣] ، فنظروا إلى كل اسم من أسماء الله بأن فيه حقاً من العبودية لله على العباد يتعبدون لله سبحانه وتعالى. وهذا جلي وواضح من سيرهم ومواقفهم وأعمالهم [٤] . ويذكر ابن القيم ﵀ مقتضيات هذه العبودية وآثارها بقوله: (لكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها وهذا مطّرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع، والعطاء والمنع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة: يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً، ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً، وعلمه بسمعه تعالى وبصره، وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة، وأنه يعلم السرّ، ويعلم خائفة الأعين وما تخفي الصدور: يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه على كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك: الحياءَ باطناً؛ ويثمر له الحياءُ اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه يثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات) [٥] . ويقول ابن بطال ﵀ عن طريقة العمل بالأسماء والصفات: (فليمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها) [٦] . ومن هذا يتبيّن أن المقصود من توحيد الأسماء والصفات ليس مجرد المعرفة الذهنية فحسب، وإنما الغاية منها أن نحققها علماً وعملاً، ونفهمها كما فهمها رسول الله ﷺ وصحابته الكرام لفظاً ومعنى، وتعبدوا الله تعالى بها، وعملوا بمدلولها في واقع الحياة [٧] . وهكذا تربى الجيل الأول رضوان الله عليهم على تعلم وفهم صفات الله وأسمائه الحسنى فعبدوه بمقتضاها، وعرفوه حق معرفته، وقدروه حق قدره، فمُلئت قلوبهم بتعظيمه وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لعظمته وكبريائه، واستشعار مراقبته في كل الأوقات، فأصبح رضاه غاية قصدهم ونهاية آمالهم. الإيمان بالله واليوم الآخر: أما الإيمان، فقد ركز القرآن المكي على عرض قضايا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر عرضاً مفصلاً ومجملاً، يتناول الملائكة وأعمالهم وصفاتهم، والكتب وما فيها، والنبيين ودعوتهم وقصصهم، ومقادير الخلق، وأحوال البرزخ، ويوم القيامة، وأحوال المنعمين والمعذبين، وكيفية البعث وحشر الناس ومحاسبتهم، بأسلوب معجز حتى لكأن الإنسان ينظر إلى يوم القيامة رأي عين: [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاًتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] [الزمر: ٦٨ - ٧٥] . على أن قضية الإيمان باليوم الآخر والحساب والجزاء من قضايا العقيدة الرئيسة التي جاء بها الإسلام، والتي يقوم عليها بناء العقيدة بعد توحيد الله، لما لها من أهمية في تهيئة النفوس وإعدادها للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعلم أنه مناط العوض والجزاء في اليوم الآخر. ولأجل ذلك لم يناقش القرآن المكي قضية من القضايا بالتفصيل مثل عرضه لأمر الإيمان باليوم الآخر. ولا شك أن الاهتمام الشديد بذكر اليوم الآخر في كتاب الله، وتقريره في كل موقع ومناسبة، وورود ذكره في القرآن بأسماء كثيرة مع العلم أنه كلما كان للمسمى شأن عظيم كلما كثرت أسماؤه يعطي الانطباع ويوحي بخطورة هذا الأصل في تقويم حياة الإنسان وتوجيهه لعمارة الدنيا بالعلم النافع والعمل الصالح. ولذلك ركز النبي ﷺ على ربط أصحابه بعقيدة اليوم الآخر، وعلّمهم بقوله وفعله كيفية الاستعداد للقاء الله ، فأثمر لهم هذا العلم واليقين بالنبأ العظيم عدّة ثمرات منها: الإخلاص لله والصدق معه، والحذر من الدنيا والزهد فيها، والصبر على شدائدها، والتزود بالأعمال الصالحة، والاستعداد للجهاد في سبيل الله وتحمل الأذى والمشقة في سبيل ذلك [٨] . مع العلم بأن الجهاد من حيث هو قمة العمل في الإسلام وذروة سنامه، ووسيلة هذا الدين لتحقيق مهمته في الأرض وأهدافه العليا التي أراد الله تحقيقها في عالم الإنس، يحتاج إلى عقيدة إيمانية تعد بمثابة الوقود الذي يمدّ النفوس بالصبر والصمود في معركتها مع الباطل والطغيان في واقع الحياة. وقد كان الجيل الأول يدرك هذه الحقيقة إدراك من تعلمها وتربّى عليها، ورأى رسول الله ﷺ يدعو إليها ويغرسها في النفوس تمهيداً للمرحلة التالية وهي مرحلة إقامة الدولة الإسلامية. وخلاصة القول: أن التوحيد هو الحقيقة الكبرى في الكون؛ فالخالق تعالى واحد، والكون بسنته ونواميسه واحد، والإنسان في جوهره وغايته ووجوده واحد. والكون بكامله يتجه إلى الله اتجاهاً واحداً بالعبادة والطاعة: [وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً] [آل عمران: ٨٣] ، وكذلك ينبغي للإنسان أن يتجه إلى الغاية نفسها والهدف ذاته، وإلا حصل التصادم والتمزق والضياع في مسيرة حياته. ولذلك نص القرآن المكي على قاعدة الوجود الكبرى وغاية الوجود الإنساني: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] ، وهي ترسم الإطار العام للعقيدة والدائرة الشاملة للحياة البشرية. ولهذا لم يكن مصادفة أن يقضي رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاماً يحدث الناس عن قضية العقيدة، ويعلم أصحابه تجريد التوحيد بأنواعه السالفة الذكر، حيث رسخ في قلوبهم المعرفة الحقة بالله تعالى التي تقتضي الاستسلام التام له، والطاعة المطلقة له، وعدم التقديم بين يديه، والرضا والتسليم بقضائه. وكان مثالاً حيّاً للمؤمن الموحد الذي يُقتدى به في هذا الشأن. ولأهمية العلم بالعقيدة على هذا النحو، وجب ربط المسلمين وخاصة الدعاة إلى الله بهذا العلم الذي يعد من أولويات البناء في حقل العقيدة؛ لأن المفاهيم الرئيسة في العقيدة إذا لم تكن صحيحة وأصابها الانحراف، فكل ما يستند إليها سيلحق بها؛ إذ على فهمها يترتب فهم سائر الأحكام، وانطلاقاً منها توزن الأقوال والمواقف والأحداث. فمثلاً لا يمكن عرض الانحرافات الجوهرية التي تعيش اليوم بين المسلمين مما له تعلق بجوانب الاعتقاد، مع بيان خطرها وتأثيرها والتحذير منها حتى يكون الداعية ملمّاً بأركان توحيد الألوهية الثلاثة وهي: إفراد الله بالحكم، وإفراد الله بالولاء، وإفراد الله بالنسك. على أن سورة الأنعام وهي سورة مكية ويكاد موضوع التشريع يستغرقها، تستوعب هذه الأركان الثلاثة في قوله تعالى: [أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً] [الأنعام: ١١٤] ، وقوله تعالى: [قُلْ أََغَيْرَ اللَّهِ أََتَّخِذُ وَلِياً] [الأنعام: ١٤] ، وقوله تعالى: [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] [الأنعام: ١٦٢] . فالجاهل بتوحيد الحكم وإفراد الله به يكون عاجزاً عن طرح قضية الحكم بغير ما أنزل الله وحكمه الشرعي، وأهمية ردّ الأمور كلها إلى شرع الله؛ لأن هذا هو مقتضى الإسلام والتسليم، وشرط الإيمان الذي لا يكون إلا به، وبذلك لا يكون مؤهلاً لتعليم الأفراد وتربيتهم على الولاء لشريعة الإسلام، والحذر من تنقصها، أو اعتقاد أفضلية غيرها، أو مساواته لها، أو جواز الحكم بغيرها، بحيث يصبح الإيمان المطلق بشريعة الله قناعة راسخة لدى المخاطبين، حتى لو فرضت عليهم النظم الوضعية الجاهلية. ومن لا يعرف معنى الولاء والبراء لا يمكنه الحديث عن موالاة الكافرين والمنافقين، وحكمها وتأثيرها على النفوس، والخطر الزاحف بسببها سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو المجتمع، والتركيز على ضرورة استقلال الأمة المسلمة وتميزها، واستعلائها بإيمانها وشريعتها على الأوضاع والعقائد والنظم والمناهج الجاهلية. ومثل هذا وذاك التركيز على توحيد النسك في البلاد والأماكن التي جهل فيها الناس معنى الألوهية، وصرفوا العبادة للشيوخ والأولياء، وقدسوا الأضرحة أكثر من تقديس المساجد [٩] . وعلى العموم، فإن العلم بالعقيدة فريضة على كل مسلم، فضلاً عن كل داعية؛ لما لها من أهمية واعتبار في معرفة المنطلقات والثوابت وتحديد الأهداف والغايات، والتمييز بين الواقع الشركي والواقع الإيماني، وتأصيل المنهج الشرعي لئلا تنحرف الدعوة عن أهدافها المرسومة. تلك هي الخطوط الكبرى لهذه العقيدة التي ركز عليها القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاماً، ووقف عندها لا يتجاوزها، وكانت غايته تقريرها في النفوس، بحيث تكون عقيدة إيجابية ثابتة مستقرة، قائمة على العلم والعمل، مبنية على الوعي والنظر والمعايشة.

стр. 2696

مرتكزات للفهم والعمل الرغبة في الصدارة رؤية دعوية حول حقيقتها ومظاهرها وآثارها (٢من٢) بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال تناول الكاتب في الحلقة الماضية خطر الرغبة في الصدارة لدى العاملين في الحقل الدعوي، موضحاً ما جاءت به النصوص الشرعية بالتحذير من التطلع للإمارة، ثم أوضح مظاهر الحرص على الإمارة والظهور، وآثار ذلك الحرص ومفاسده.. ويتابع في هذه الحلقة إلقاء مزيد من الضوء على هذا الموضوع. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - أسباب الرغبة في الزعامة والتطلع للصدارة: يُبتلى بهذه الشهوة العلماء والعباد والدعاة والمجاهدون ونحوهم؛ وذلك أنهم منعوا أنفسهم من المعاصي والشهوات، حتى لم يعد لهم فيها مطمع، ولكن نفوس بعضهم تبحث عن بديل ومكافأة لشدة المجاهدة، فتجده في التظاهر بالصلاح والعلم والدعوة ... ولذة القبول عند الخلق، وتوقيرهم له واحترامهم وطاعتهم، فيهون عليها ترك المعاصي؛ لأنها وجدت لذة أعظم منها، وهذه مكيدة عظيمة؛ فقد يظن العبد نفسه مخلصاً، وهو في عداد المنافقين [١] والعياذ بالله ولكن يا ترى ما أسباب هذا الأمر في الحقيقة؟ [٢] . ١- ضعف الإيمان والرغبة فيما عند الله، الذي بسببه يركن هؤلاء إلى الدنيا، ويؤثرونها على الآخرة، وأشد من هذا: فساد النيّة، واتخاذ سبيل العلم والدعوة سُلماً لنيل الأغراض الشخصية، وما لهذا في الآخرة من نصيب، فلْيَنَلْ حظه من الدنيا! ! ٢- وهناك أخطاء تربوية تسهم في إشعال فتيل حب الزعامة، منها: الإكثار من مدحه والثناء عليه، أو عدم الكشف عن الطاقات الكامنة في المتربي لتوظيفها فيما يناسبها، مما يجعله يسعى لتوظيفها في هلاكه، ومنها: الغفلة عن بذور هذا المرض الأولية التي قد تبدو في سن مبكرة من المراحل التربوية، فتحتاج إلى تهذيب وترشيد ومتابعة؛ لئلا تجمح بصاحبها. ٣- التوهم بخدمة الدعوة من خلال المنصب، والظن أحياناً بأن الإصلاح لا يكون إلا من مصدر القوة، وسبب هذا: عدم وضوح المنهج النبوي في الدعوة. ٤- طبيعة الشخص نفسه، فقد يكون فيها من الثغرات ما يسبب مثل هذا، كالغيرة من أقرانه الذين نالوا ما يتمناه هو، أو غروره بسبب تفوقه على غيره، أو بروزه في الدعوة أو النسب، أو توليه بعض المسؤوليات والمهام. ٥- الظن بأن المنصب تشريف، والغفلة عن كونه تكليفاً ثقيلاً، ومسؤوليةً ضخمة، وعبئاً ثقيلاً، وهذا يتطلب من صاحبه التضحية بوقته وماله ونفسه وراحته لمصلحة الآخرين، وأن التقصير فيه خيانة للأمانة وتضييع للواجب. علاج الآفة وحلول المشكلة: بعد تدبر الأسباب يظهر أن العلاج يتطلب خطوات أهمها [٣] : ١- تكثيف التربية الإيمانية؛ القائمة على الإخلاص والتجرد لله ﵎، والعمل للآخرة، والزهد في الدنيا. ٢- التربية على الطاعة وهضم النفس منذ الصغر، والرضا بالموقع الذي يعمل فيه، وأداء واجبه أياً كان نوعه، كما صوّر النبي ﷺ تلك الحال في قوله: (طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٍ رأسه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفّع) [٤] . ٣- التزام الضوابط الشرعية في المدح، وتجنب مدح أحد الأقران أمام قرينه مطلقاً. ٤ - توضيح الأسس الشرعية لاختيار الأمير، وأنه لا يجوز طلب الإمارة، ولا الحرص عليها، وأن من طلبها لا يُوَلاّها، وإن وُلِّيها لم يُعَن عليها. ٥- المصارحة والمكاشفة لمن تبدو عليه علامات الحرص، مع إحسان الظن به، فقد يكون متميزاً أو لديه مهارات فطرية، ومن ثَمّ النصيحة الفردية، فقد نصح النبي ﷺ أبا ذر ﵁ في هذا الأمر خاصة [٥] . ٦- تبيان الآثار المفسدة لنفس العالم والداعية من جرّاء حرصه عليها [٦] . ٧- توضيح تبعاتها في الدنيا والآخرة. ومما ورد في ذلك: قوله: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة) [٧] . وقوله: (ما من أمير عشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً، لا يفكه إلا العدل، أو يوبقه الجور) [٨] . ٨- الاعتبار بحال السلف الصالح في تواضعهم لله تعالى، وكراهيتهم الشهرة والتصدّر، وكل ما يؤدي إليها، ومحاولة عزل أنفسهم من بعض المواقع كما حصل من أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، والأمثلة كثيرة ... تركوها لله، لانشغالهم بمرضاته، وتوحّد همّهم وقصدهم، فتكفّل الله لهم بخير الدارين، فعوّضهم الله بشرف التقوى، وهيبة الخلق، قال : [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وداً] [مريم: ٩٦] ، وقال: (وما تواضع أحد لله إلارفعه) [٩] . وقال: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) [١٠] . ولا يمكن بحال تحصيل هذه المنزلة لمن كان في قلبه حب المكانة في قلوب الخلق في الدنيا؛ لأن هذا من أعظم الصوارف عن الله تعالى. كتب وهب بن منبه إلى مكحول: (أما بعد: فإنك أصبت بظاهر علمك عند الناس شرفاً ومنزلة، فاطلب بباطن علمك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تمنع من الأخرى) . والمراد بالعلم الباطن: المودع في القلوب من معرفة الله وخشيته ومحبته ومراقبته، والتوكل عليه والرضى بقضائه والإقبال عليه دون سواه ... فمن أغل نفسه بالمحافظة على ما حصل له من منزلة عند الخلق كان ذلك حظه من الدنيا، وانقطع به عن الله [١١] . التوازن بين كراهية الصدارة والشهرة، وبين وجوب قيادة الناس: لا ينبغي أن يفهم من هذا الموضوع إرادة قتل الطموح، وتفضيل دنو الهمة والقعود والخمول والعجز والكسل والتهرب من المسؤولية، وترك العمل، والتخاذل عن الواجبات، وفروض الكفايات خاصة إذا تعينت على الأكفاء، وترك اغتنام الفرص النافعة في الدعوة إلى الله . وقد جعل ابن القيم رحمه الله تعالى الفرق بين الأمرين كالفرق بين تعظيم أمر الله وتعظيم النفس. فالناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه، فلا يضره تمنيه أن يكون ذلك بسببه وأن يكون قدوة في الخير. أما طالب الرياسة فهو ساعٍ في حظوظ دنياه، ولذا ترتب على قصده مفاسد لا حصر لها [١٢] . والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة، وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: [وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً] [الفرقان: ٧٤] أي: أئمة هدى يقتدى بأفعالهم، وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره. وقال قاصاً كلام يوسف ﵇: [قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ] [يوسف: ٥٥] ، وليس ذلك حرصاً منه على الولاية، وإنما هو رغبة في النفع العام، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فقصده إصلاح أموال الناس، وهو جزء من رسالة الداعية إلى الله، الذي يكون همه الأول فعل الخير طلباً لمرضاة الله تعالى، وليس قصده إرواء غليله، وإرضاء شهوته في الزعامة؛ فالضابط فيها هي النية والموازنة بين المصالح والمفاسد العامة. فبالجملة: هاتان الآيتان توضحان أن المسلم هو الرائد والدليل، بل قد ينبغي له طلب هذه الوظيفة الشريفة، بل قد تتعين عليه للمصلحة. والأدلة والأقوال المحذرة لا تنطبق على داعية تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق، حتى لو اشتهر وعرف فلا بأس [١٣] . ويجب التنبيه إلى أن هذا الأمر مزلق؛ لالتباس النية فيه كثيراً، وصعوبة تمحيص القصد، وذلك علمه إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: [وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] [آل عمران: ٣٠] الكشف عن القدرات: كون بعض الدعاة لا يصلح للإمارة لا يعني إخفاقه وضعفه في كل شيء، بل إن غاية الأمر أنه لم يؤت قدرة في هذا الجانب، وقد يكون لديه من القدرات والإمكانات في العلم والعمل ما يفوق ما عند غيره ممن أُهل للإمارة مثلاً، وهذه سنة الله تعالى في توزيع القدرات، ليحصل التكامل والتوازن، قال تعالى: [وَهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [الأنعام: ١٦٥] فعلى العبد أن يفتش في نفسه عما هو أهل له، ليقوم بحق الله تعالى فيه. وهكذا كانت نصيحة النبي ﷺ لأبي ذر حين قال له: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرنّ على اثنين، ولا تَولّيَنّ مال يتيم) [١٤] . ولا يقدح هذا في شيء من منزلة أبي ذر رضي الله عنه وجلالته وقدره.

стр. 2697

البيان الأدبي بعد ثمانية وعشرين عاماً من الغياب علي أحمد باكثير.. الكاتب الذي قرأت له الملايين بقلم: علي محمد الغريب في وقت ساد فيه العبث حياتنا الثقافية، والأدبية، وفي فترة من الزمن تسللت (شلل) الملحدين إلى وسائل الإعلام المختلفة كالأدب، والصحافة، والمسرح، يُقْصُون كل من كان مؤمناً بقيم هذه الأمة، يدبرون له المكائد، وينصبون له الشراك حتى يختفي من حياتهم أو يموت كمداً. في هذه الأجواء الرهيبة وفي هذه العتمة الحالكة قدم من حضرموت إلى القاهرة عام ١٩٣٤م شاب يرغب في دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي في الأزهر، لكنه ما لبث أن غيّر رأيه ودخل كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) وكان هذا الاتجاه ناجماً عن تشجيع من العالم والأديب محب الدين الخطيب؛ ليدرس الآداب الأجنبية، حتى يستطيع أن يرد السهام التي يرمي بها دعاة التغريب في الأدب والحياة في وجه التيار الإسلامي؛ ولقد صدقت فراسة الشيخ فأثبت الشاب فيما أنتجه من أدب فيما بعد أنه خير من حمل لواء الدفاع عن الاتجاه الإسلامي مقتحماً عش (الدبابير) فكان نسمة لطيفة محملة بعبق مجد مجيد، ورحيق تاريخ تليد، هذا الشاب هو: علي أحمد باكثير. نبذة عن حياته: ولد علي أحمد باكثير في مدينة (سورا بايا) بأندونيسيا لأبوين حضرميين حيث كان أبوه يعمل تاجراً، ولم تكن رحلات الحضارمة في أصقاع الأرض حباً في التجارة فقط، فقد حملوا عقيدتهم مع بضاعتهم، وكانوا دعاة بالقدوة الحسنة والسلوك القويم، وكان لهم دور بارز في نشر الإسلام في أنحاء الأرض، وكان لهم الفضل بعد توفيق الله في دخول الكثير من الشعوب في الإسلام بخُلُقهم الصدوق. وعندما بلغ (علي) الثامنة من عمره أرسله والده إلى حضرموت ليتقن لغته، وليأنس بأهله؛ فالحضرمي شديد التعلق ببلده. لم يكد الفتى يبلغ الثالثة عشرة حتى أقبل على الشعر يقرضه، وينظمه، وقد حفظ من أشعار القدماء، وكان ولوعاً بشعر المتنبي، ولكم حدثتْه نفسه وداعبت مخيلتَه وهو صبي صورة شاعر عظيم كالمتنبي.. أخذ ينظم الشعر ثم يعرضه على أصدقائه، وأساتذته، فأطروه وشجعوه؛ فكان لذلك الإطراء والتشجيع أثر بالغ في إقباله على المزيد من القراءة، والدرس، والنظم أيضاً. تزوج أديبنا في مرحلة مبكرة من فتاة أعجب بها، وأحبها حباً شديداً، نورة باسلامة لكن لم يُقدّر لهذا الحب أن ينضج، أو أن يثمر وهو لا يزال غضاً فتوفيت تلك الشابة، فحزن عليها حزناً شديداً. ثم راح ينتقل من بلد إلى بلد؛ فمن حضرموت إلى عدن، ثم إلى الحبشة ماراً بالصومال، ثم إلى السعودية التي مكث بها فترة غير طويلة، تعرّف خلالها على أدباء وعلماء الحجاز والطائف يغشى مجالسهم، ويتدارس معهم أخبار الأدباء العرب. ثم عزم باكثير بعد ذلك على الرحيل إلى القاهرة حيث الحركة الأدبية نشطة. وصل القاهرة عام ١٩٣٤م، فالتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم حصل منها على الليسانس عام ١٩٣٩م. وفي عام ١٩٤٠م حصل على دبلوم تربوي عمل بعده مدرساً للإنجليزية بمدرسة الرشاد الثانوية بمدينة المنصورة بدلتا مصر. دخوله المعترك الأدبي: دخل أديبنا معترك الحياة الأدبية منضماً إلى الركب الإسلامي، فدافع ببسالة، وناضل بشجاعة منقطعة النظير، وكان جواده فكره، وسلاحه يراعه يمده دمه. وقد اتسم أديبنا بتواضعه الجم، وبحيائه العذري؛ فكان محياه كصفحة النهر هادئة صافية، بينما دخيلته كانت نهباً للصراع، والاضطرام، والتحرق شوقاً للحفاظ على تاريخ أمته والنهوض بها. حقد اليساريين عليه: تألق الرجل في دنيا الأدب، فما من مسابقة تقام إلا كان باكثير في طليعة الفائزين. ففي سنة ١٩٤٧م أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية في مصر عن مسابقة في ست روايات في مواضيع معينة، فتلقت الوزارة خمسمائة رواية، ولما فحصت اللجنة المختصة ذلك الكم الهائل من الروايات كان باكثير قد فاز بروايتين من الست، فحقق نجاحاً مدهشاً. فكان ذلك النجاح والكثير غيره وهذا الاتجاه الإسلامي من بواعث حقد اليساريين على باكثير المسلم، المتمسك بقيم الإسلام، الرافض لكل التيارات الملحدة الزاحفة نحو ديارنا. بدأ أعداؤه في تدبير الحملات ضده سواء من التشويه أو التجاهل، وكانوا يتغامزون ويتلامزون عليه في منتدياتهم قائلين عنه في سخرية: (علي إسلامستان) فكان الرجل يرحمه الله يقول: (إنه لشرف عظيم لي أن أتهم بالإسلامية فيما أقدمه من أدب) . عندما صدر قانون التفرغ الأدبي كان باكثير أول من حصل على منحة للتفرغ مدتها عامان، أنجز خلالهما رائعته: (الملحمة الإسلامية الكبرى عمر) فكانت تاريخاً أدبياً لفترة الخليفة الثاني العادل عمر بن الخطاب ﵁ وقعت في ثمانية عشر جزءاً، استطاع من خلالها إلقاء الضوء على الحضارة الإسلامية الفذة، وصوّر فيها الصراع الخالد بين قوى الخير والشر، بين القوة الإسلامية الواثقة من عقيدتها، المؤمنة بربها، وبين أباطرة الروم وطغاة البشر، فصورها تصويراً حاذقاً حتى لكأنك وأنت تقرأ تلك الملحمة تشم غبار المعارك، وتسمع صليل السيوف من خلال أسلوبه الجزل، وبراعته الفائقة. اهتم باكثير بقضايا أمته، ومن أبرز القضايا التي احتلت حيزاً كبيراً من تفكيره ووجدانه (قضية فلسطين) فقد كتب فيها خمس مسرحيات أبرزها: (شيلوك الجديد) ، (شعب الله المختار) ، (إله إسرائيل) ، (التوراة الضائعة) وترجم مسرحيته: (شيلوك الجديد) التي تنبأ فيها بقيام دولة إسرائيل وهزيمة الجيوش العربية إلى الإنجليزية، وذلك لتوصيل صوته إلى الرأي العام العالمي محذراً من الصهيونية، لكن دور النشر يا للأسف لم تقبل نشرها، فظلت حبيسة الأدراج حتى يومنا هذا، ثم جاءت هزيمة الجيوش العربية أمام العدو الصهيوني فحزن باكثير حزناً شديداً اعتلت بسببه صحته، وفي هذا يقول الأستاذ خيري حماد: (أبصرت بالدمعات تتساقط من عيني الأستاذ المرحوم الفقيد الغالي باكثير وهو يقف عند شريط الحدود الفاصل بين قطاع غزة والأرض المحتلة على بعد أمتار قليلة، وهو يرى الثكنة الإسرائيلية وقد ارتفع عليها العلم الإسرائيلي.. رأيت عبرات باكثير فلم أتعجب، فلقد أحب باكثير فلسطين كما أحب وطنه حضرموت، والقاهرة، وكل وطن عربي، بل إن لفلسطين مكانة خاصة في نفسه رافقته طوال حياته، فلقد أحب باكثير فلسطين حباً عميقاً) ويكفي ما خلده فيها من أعمال أدبية رائعة. قدّم باكثير للمكتبة الإسلامية قرابة خمسين كتاباً من بينها: (الملحمة الإسلامية الكبرى عمر) التي لو لم يكتب غيرها لحفظت له مكاناً مرموقاً بين أعلام الأدب وفرسان البيان، وفي سنوات عمره الأخير اشتدت الحملات المحمومة المسعورة ضده للنيل منه؛ فما زاده ذلك إلا إيماناً وتثبيتاً، وفي ذلك يقول الدكتور عبده بدوي: (في الأعوام الأخيرة لم نعرف لباكثير مكتباً أو وظيفة، فقد تم تجميده تماماً، وأسهمت أسماء لامعة في عالم اليسار من إحكام الحصار حوله، وحجب الضوء عنه خوفاً من فكره الإسلامي وشخصيته الملتزمة) . وكان يقول: (إنهم يحسبون أنهم سيقتلونني عندما يمنعون الأخبار عني، أو يحاربون كتبي، ويحجبون مسرحياني عن الناس. أنا على يقين أن كتبي وأعمالي ستظهر في يوم من الأيام، وتأخذ مكانها اللائق بين الناس، في حين تطمس أعمالهم وأسماؤهم في بحر النسيان؛ لهذا فأنا لن أتوقف عن الكتابة، ولا يهمني أن ينشر ما أكتب في حياتي، إني أرى جيلاً مسلماً قادماً يتسلم أعمالي ويرحب بها) . ولقد صدقت نبوءته ويا ليته بيننا ليرى أن الذين حاربوه آنذاك لم يعد لهم ذكر ولا لكتبهم، أما كتبه، وكتب صديقه محمد عبد الحليم عبد الله فقد تألقت، وأعيدت وتعاد طباعتها مرات ومرات. بينما اختفت من السوق كتب من هاجموه، وهكذا الحق والباطل؛ فالحق يبقى أبداً، أما الباطل فيمضي زهقاً. وفي اليوم العاشر من نوفمبر عام ١٩٦٩م خلع باكثير ملابس الأحياء مرخياً أهدابه بعد أن فاضت روحه إلى بارئها، ولم يترك ذرية من صلبه إلا أنه كان نعم الأب، ونعم الراعي لابنة زوجته التي رعاها حق الرعاية. رحل بعد أن سجل تاريخه بصمات واضحة في حياتنا الأدبية، ورسمت خطواته علامات سباقة على مسيرتنا الثقافية، فلقد تفرّد دون غيره بكثير من المواهب التي أضاءت نفسها بنفسها، رغم مساحة الظل الكبيرة التي فُرِضت عليه أثناء حياته. فسلام عليه رباناً مخلصاً لم تصافه الرياح، وسلام عليه مجاهداً لم يغمد قلمه حتى واراه التراب. رحم الله (باكثير) وجزاه خير الجزاء عما قدم من جهود أدبية إسلامية رائعة.

стр. 2698

البيان الأدبي ثقافتنا بين حاملها والمحمولة إليه بقلم: مشبب بن أحمد القحطاني الدارس لتاريخ الأمّة عبر القرون الخالية يلمس بوضوح أن الأمّة امتلأت بنماذج عديدة من العلماء والمثقفين والساسة والمصلحين ... بل لا تكاد تجد لوناً إلا وله رجاله؛ وعليه قامت مدارس ومؤلفات ودراسات، وانتهت إلى زماننا ثمرة غرس السابقين؛ وهذه الخصيصة من محامد هذه الأمّة، ولعلّ هذا الجيل إنما يقوم بعمل ترتيب الأوراق السابقة وتهذيبها وبثها وتوجيهها. وأحسب أن السابق إن لم يستوف جميع العناصر المطلوبة فهو بلا شك قد ألمح إليها وبدأ طريقها، وأنا لا أغمط المتأخر حق مقارعة المتقدم؛ فالكل مجتهد وربما فاق التلميذ أستاذه. وفيما بين زرع السابق وجني اللاحق تكمن أمور مهمّة بدءاً بالأمانة العلميّة وضبط المنقول ونسبة الفضل لأهله ... وليس بغريبٍ أن يخرج مؤلِّفٌ أو محاضرٌ بمقالة: (إنّي لا آتي بجديد) والأدْهى من هذا ظهور نوعيات في عصرنا ما بين مترجم لكتب الغرب، أو سارق لتراث الشرق، أو متعالمٍ ومستكتبٍ له، ولهذا نال شهرة في زمن ضياع الأمانة وسطحية المتلقّي وفقره المعرفي، وكان المنبري لكشف الحقائق نفرٌ قليل، ولربما فسر هؤلاء المعاصرون أقوال المتقدمين وأطروحاتهم حسب المصالح الخاصة، ومنهم من يرى أنّ الأفكار والخلاصات ليست حكراً لأحد ولا فضلاً خاصاً به، بل من وجدها بعد جهله بها كان أحق بها كضالة الغنم. ولولا مخافة الإملال لحدثتك أخي القارئ بأعاجيب من هذا النوع؛ ولعلِّي إلى هنا أضرب صفحاً، وأحترم القارئ أيضاً عن ذكر كثير من حملة الثقافة إلينا. وأما المتلقِّي محط الرحال فهو بين همّين: همِّ الثقة في الناقل، وهمِّ الريبة حول المتناقض، وضعف المعلِّم وحرج الاختيار. والذي صعد سُلّم المعرفة وأتقن مهاراتها فهو بلا شك يعلم على أيّ سقف يقف وليس المعني بحديثي هذا بخلاف المبتدئ القابع في بداية السّلّم ولا يرى إلا السور أمامه كالشبح، فيا ترى من يتحمّل مسؤوليّة الانحراف الفكري أو القصور الثقافي أو التيه المعرفي؟ وهل يسوغُ للصانع عيب صنعته في زمن أدعياء الرِّيادة وزعماء الميدان؟ ولعلك إن دخلتَ مستودع كتبٍ ونظرتَ في الجديد المأمول لتجد أنك دخلت عالماً غريباً متصارعاً، متناقض الأفكار، بارد العرض، ضعيف الهدف، مشوّش الغاية. وبين هذا الخضم المَهُول تجد فرداً يتيماً أو فردين مستوحشَيْن تأنس فيهما بالفائدة راجياً ألاّ تعود بخفّي حنين فقد أصبح العلم تجارة وسباقاً. ومن المؤسف أننا نسعى لإيجاد هوية لنا ونحن لا نزال نفتقر إلى الأدوات المطلوبة والآليّة الفاعلة والنضوج المطلوب، والحقبة التي كنّا نقول فيها بأعلى صوت: نحن سادة العالم وأرباب الفكر وروّاد الثقافة مضت برجالها الطامحين المحترمين تاريخاً وعند خصومهم أيضاً، ولكي نصل إلى ما وصلوا إليه فلا بد من دراسة مراحل تطورهم المعرفي والزّمني وكيف تسلّموا مقاليد العلوم. ولعلي أذكر بعض الخطوات الهامة لتحقيق الهدف المنشود والغائب المنتظر؛ فمن ذلك: تبسيط المعروض ومفرداته، ثم التدرج وفق معيار الحاجة والمفترض، وترتيب الأولويّات، والبداءة بالمهم فالأهم، والتفهم الدقيق والتفريق بينه وبين الذي قبله، وتأمين القاعدة المناعية السلمية من الملوّثات الخارجية، وعدم الاستسلام للعوائق، واختزال العناصر المتشابهة وتنقية المعروض، ورسم الأهداف المطلوبة والغايات المنشودة، وأخيراً الرقابة على الموجود في الساحة وبيان الحق بأدلته.... إلخ. وعندها نأمل خروج جيل واعٍ منطقي، واضح الهدف، وصافي الفكرة. وأعتقد أن المُتَلَقِّي لو وَجَدَ كفَاية من الاحترام والاهتمام تحت رعاية الواجهات المتجردة للحق المشْبِعَة للرغبات فقد بدأنا الطريق وإن بلغ ألف ميل؛ وأنا هنا أنظر من نافذة الأمل الباسم والغد المشرق وذو الفرس السبّاقة هو من يبسم في النهاية.

стр. 2699

البيان الأدبي رضى الناس شعر: د. محمد بن ظافر الشهري ضحِكْتُ فقالوا: ألا تحتَشِمْ؟ ! ... بكيتُ فقالوا: ألا تبتسمْ؟ ! بسمتُ فقالوا: يرائي بها ... عَبستُ فقالوا: بدا ما كَتَم صَمَتّ فقالوا: كليل اللسان ... نطقت فقالوا: كثير الكَلِمْ حَلُمت فقالوا: صنيع الجبان ... ولو كان مقتدراً لانتَقَم بَسُلتُ فقالوا: لطيشٍ بهِ ... وما كان مُجْترِئاً لو حَكُمْ يقولون: شذّ؛ إذا قلتُ: لا، ... وإمّعة حين وافَقْتُهُم فأيقنت أنّيَ مهما أُرِدْ ... رِضى الناس لابدّ مِنْ أنْ أذَمّ

стр. 2700

البيان الأدبي رجاء شعر: صالح بن عبد الكريم العبودي سألتك ربي فلا تأخذني ... بذنبي وإن كان أعظم ذنبِ فعفوك أوسع من زلتي ... وذلي إليك ضميمة حبي أقصر حتى إخال الرجا ... تولّى بعيداً وراء المهبِّ وأطمع حيناً فأحسب أني ... ملأت بحبك نفسي وقلبي رجائي ويأسي كنوري وناري ... وكم أوعداني ببعد وقرب أقول هلكت وذابت حياتي ... كما ذاب ملح بدلو وغرب وصرت هشيماً حصيداً بلا ... رجاء أرجّيه في عفو ربي وضاعت مناي على صحصح [١] ... يباب وحسبي من الهم حسبي ويقوى رجائي فأزعم أني ... بلغت الثريا بطهري وكسبي وأني البريء فلا زلة ... فعلت ولا أُبتُ يوماً بحوْب وأني علوت على شهوتي ... ولذة جسمي وصحت بخطبي فما ثَمّ إلا جهاد يُرجّى ... ولا ثَم إلا وعود بكتبي وتلك حياتي وما زلت فيها ... على الأمر هذا ببغضي وحبي فيا رازق النمل في جحرها ... ويا ساقي الضب من غير شرب ويا حافظ الحوت في لجةٍ ... تروعها برياح ونكب ويا ممسك الطير في جوّه ... ولولاك ما جاوز الطير كعبي أَمِدّ فؤادي بنور يريني ... بتلك المهاوي المخيفة دربي فإني أخاف إذا ما الدجى ... غشاني وأخشى مزلة وثبي فثبت خطاي على سنة ... مشاها محمد في خير صحب ولا تتركني بكل طريق ... أهيم وحيداً أروح لنحبي
следующие страницы →