مرتكزات للفهم والعمل
الرغبة في الصدارة
رؤية دعوية حول حقيقتها ومظاهرها وآثارها
(٢من٢)
بقلم: عبد الحكيم بن محمد بلال
تناول الكاتب في الحلقة الماضية خطر الرغبة في الصدارة لدى العاملين في
الحقل الدعوي، موضحاً ما جاءت به النصوص الشرعية بالتحذير من التطلع
للإمارة، ثم أوضح مظاهر الحرص على الإمارة والظهور، وآثار ذلك الحرص
ومفاسده.. ويتابع في هذه الحلقة إلقاء مزيد من الضوء على هذا الموضوع. ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
أسباب الرغبة في الزعامة والتطلع للصدارة:
يُبتلى بهذه الشهوة العلماء والعباد والدعاة والمجاهدون ونحوهم؛ وذلك أنهم
منعوا أنفسهم من المعاصي والشهوات، حتى لم يعد لهم فيها مطمع، ولكن نفوس
بعضهم تبحث عن بديل ومكافأة لشدة المجاهدة، فتجده في التظاهر بالصلاح والعلم
والدعوة ... ولذة القبول عند الخلق، وتوقيرهم له واحترامهم وطاعتهم، فيهون
عليها ترك المعاصي؛ لأنها وجدت لذة أعظم منها، وهذه مكيدة عظيمة؛ فقد يظن
العبد نفسه مخلصاً، وهو في عداد المنافقين [١] والعياذ بالله ولكن يا ترى ما أسباب
هذا الأمر في الحقيقة؟ [٢] .
١- ضعف الإيمان والرغبة فيما عند الله، الذي بسببه يركن هؤلاء إلى الدنيا، ويؤثرونها على الآخرة، وأشد من هذا: فساد النيّة، واتخاذ سبيل العلم والدعوة
سُلماً لنيل الأغراض الشخصية، وما لهذا في الآخرة من نصيب، فلْيَنَلْ حظه من
الدنيا! !
٢- وهناك أخطاء تربوية تسهم في إشعال فتيل حب الزعامة، منها: الإكثار
من مدحه والثناء عليه، أو عدم الكشف عن الطاقات الكامنة في المتربي لتوظيفها
فيما يناسبها، مما يجعله يسعى لتوظيفها في هلاكه، ومنها: الغفلة عن بذور هذا
المرض الأولية التي قد تبدو في سن مبكرة من المراحل التربوية، فتحتاج إلى
تهذيب وترشيد ومتابعة؛ لئلا تجمح بصاحبها.
٣- التوهم بخدمة الدعوة من خلال المنصب، والظن أحياناً بأن الإصلاح لا
يكون إلا من مصدر القوة، وسبب هذا: عدم وضوح المنهج النبوي في الدعوة.
٤- طبيعة الشخص نفسه، فقد يكون فيها من الثغرات ما يسبب مثل هذا،
كالغيرة من أقرانه الذين نالوا ما يتمناه هو، أو غروره بسبب تفوقه على غيره، أو
بروزه في الدعوة أو النسب، أو توليه بعض المسؤوليات والمهام.
٥- الظن بأن المنصب تشريف، والغفلة عن كونه تكليفاً ثقيلاً، ومسؤوليةً
ضخمة، وعبئاً ثقيلاً، وهذا يتطلب من صاحبه التضحية بوقته وماله ونفسه
وراحته لمصلحة الآخرين، وأن التقصير فيه خيانة للأمانة وتضييع للواجب.
علاج الآفة وحلول المشكلة:
بعد تدبر الأسباب يظهر أن العلاج يتطلب خطوات أهمها [٣] :
١- تكثيف التربية الإيمانية؛ القائمة على الإخلاص والتجرد لله ﵎، والعمل للآخرة، والزهد في الدنيا.
٢- التربية على الطاعة وهضم النفس منذ الصغر، والرضا بالموقع الذي
يعمل فيه، وأداء واجبه أياً كان نوعه، كما صوّر النبي ﷺ
تلك الحال في قوله: (طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٍ رأسه،
مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في
الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفّع) [٤] .
٣- التزام الضوابط الشرعية في المدح، وتجنب مدح أحد الأقران أمام قرينه
مطلقاً.
٤ - توضيح الأسس الشرعية لاختيار الأمير، وأنه لا يجوز طلب الإمارة،
ولا الحرص عليها، وأن من طلبها لا يُوَلاّها، وإن وُلِّيها لم يُعَن عليها.
٥- المصارحة والمكاشفة لمن تبدو عليه علامات الحرص، مع إحسان الظن
به، فقد يكون متميزاً أو لديه مهارات فطرية، ومن ثَمّ النصيحة الفردية، فقد نصح
النبي ﷺ أبا ذر ﵁ في هذا الأمر خاصة [٥] .
٦- تبيان الآثار المفسدة لنفس العالم والداعية من جرّاء حرصه عليها [٦] .
٧- توضيح تبعاتها في الدنيا والآخرة. ومما ورد في ذلك: قوله: (ما من
عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة) [٧] . وقوله: (ما
من أمير عشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً، لا يفكه إلا العدل، أو يوبقه
الجور) [٨] .
٨- الاعتبار بحال السلف الصالح في تواضعهم لله تعالى، وكراهيتهم الشهرة
والتصدّر، وكل ما يؤدي إليها، ومحاولة عزل أنفسهم من بعض المواقع كما حصل
من أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن، وعمر بن عبد العزيز رضي الله
عنهم، والأمثلة كثيرة ... تركوها لله، لانشغالهم بمرضاته، وتوحّد همّهم وقصدهم، فتكفّل الله لهم بخير الدارين، فعوّضهم الله بشرف التقوى، وهيبة الخلق، قال
: [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وداً]
[مريم: ٩٦] ، وقال: (وما تواضع أحد لله إلارفعه) [٩] . وقال: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) [١٠] .
ولا يمكن بحال تحصيل هذه المنزلة لمن كان في قلبه حب المكانة في قلوب
الخلق في الدنيا؛ لأن هذا من أعظم الصوارف عن الله تعالى. كتب وهب بن منبه
إلى مكحول: (أما بعد: فإنك أصبت بظاهر علمك عند الناس شرفاً ومنزلة،
فاطلب بباطن علمك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تمنع من
الأخرى) . والمراد بالعلم الباطن: المودع في القلوب من معرفة الله وخشيته ومحبته
ومراقبته، والتوكل عليه والرضى بقضائه والإقبال عليه دون سواه ... فمن أغل
نفسه بالمحافظة على ما حصل له من منزلة عند الخلق كان ذلك حظه من الدنيا،
وانقطع به عن الله [١١] .
التوازن بين كراهية الصدارة والشهرة، وبين وجوب قيادة الناس:
لا ينبغي أن يفهم من هذا الموضوع إرادة قتل الطموح، وتفضيل دنو الهمة
والقعود والخمول والعجز والكسل والتهرب من المسؤولية، وترك العمل، والتخاذل
عن الواجبات، وفروض الكفايات خاصة إذا تعينت على الأكفاء، وترك اغتنام
الفرص النافعة في الدعوة إلى الله .
وقد جعل ابن القيم رحمه الله تعالى الفرق بين الأمرين كالفرق بين تعظيم أمر
الله وتعظيم النفس. فالناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه، فلا يضره تمنيه أن
يكون ذلك بسببه وأن يكون قدوة في الخير. أما طالب الرياسة فهو ساعٍ في حظوظ
دنياه، ولذا ترتب على قصده مفاسد لا حصر لها [١٢] .
والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛
لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة،
وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم:
[وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً] [الفرقان: ٧٤] أي: أئمة هدى يقتدى بأفعالهم، وهذا
لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون
العباد ممتثلين لأمره.
وقال قاصاً كلام يوسف ﵇: [قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى
خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ] [يوسف: ٥٥] ، وليس ذلك حرصاً منه على
الولاية، وإنما هو رغبة في النفع العام، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة
والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فقصده إصلاح أموال الناس، وهو جزء من رسالة
الداعية إلى الله، الذي يكون همه الأول فعل الخير طلباً لمرضاة الله تعالى، وليس
قصده إرواء غليله، وإرضاء شهوته في الزعامة؛ فالضابط فيها هي النية
والموازنة بين المصالح والمفاسد العامة.
فبالجملة: هاتان الآيتان توضحان أن المسلم هو الرائد والدليل، بل قد ينبغي
له طلب هذه الوظيفة الشريفة، بل قد تتعين عليه للمصلحة. والأدلة والأقوال
المحذرة لا تنطبق على داعية تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق، حتى لو اشتهر
وعرف فلا بأس [١٣] . ويجب التنبيه إلى أن هذا الأمر مزلق؛ لالتباس النية فيه
كثيراً، وصعوبة تمحيص القصد، وذلك علمه إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما
تخفي الصدور: [وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] [آل عمران: ٣٠]
الكشف عن القدرات:
كون بعض الدعاة لا يصلح للإمارة لا يعني إخفاقه وضعفه في كل شيء، بل
إن غاية الأمر أنه لم يؤت قدرة في هذا الجانب، وقد يكون لديه من القدرات
والإمكانات في العلم والعمل ما يفوق ما عند غيره ممن أُهل للإمارة مثلاً، وهذه
سنة الله تعالى في توزيع القدرات، ليحصل التكامل والتوازن، قال تعالى: [وَهُوَ
الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ
إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [الأنعام: ١٦٥] فعلى العبد أن يفتش في
نفسه عما هو أهل له، ليقوم بحق الله تعالى فيه.
وهكذا كانت نصيحة النبي ﷺ لأبي ذر حين قال له: (يا
أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرنّ على اثنين،
ولا تَولّيَنّ مال يتيم) [١٤] . ولا يقدح هذا في شيء من منزلة أبي ذر رضي الله
عنه وجلالته وقدره.
стр. 2697
البيان الأدبي
بعد ثمانية وعشرين عاماً من الغياب
علي أحمد باكثير.. الكاتب الذي قرأت له الملايين
بقلم: علي محمد الغريب
في وقت ساد فيه العبث حياتنا الثقافية، والأدبية، وفي فترة من الزمن تسللت
(شلل) الملحدين إلى وسائل الإعلام المختلفة كالأدب، والصحافة، والمسرح،
يُقْصُون كل من كان مؤمناً بقيم هذه الأمة، يدبرون له المكائد، وينصبون له
الشراك حتى يختفي من حياتهم أو يموت كمداً.
في هذه الأجواء الرهيبة وفي هذه العتمة الحالكة قدم من حضرموت إلى
القاهرة عام ١٩٣٤م شاب يرغب في دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي في
الأزهر، لكنه ما لبث أن غيّر رأيه ودخل كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة
فؤاد الأول (القاهرة حالياً) وكان هذا الاتجاه ناجماً عن تشجيع من العالم والأديب
محب الدين الخطيب؛ ليدرس الآداب الأجنبية، حتى يستطيع أن يرد السهام التي
يرمي بها دعاة التغريب في الأدب والحياة في وجه التيار الإسلامي؛ ولقد صدقت
فراسة الشيخ فأثبت الشاب فيما أنتجه من أدب فيما بعد أنه خير من حمل لواء الدفاع
عن الاتجاه الإسلامي مقتحماً عش (الدبابير) فكان نسمة لطيفة محملة بعبق مجد
مجيد، ورحيق تاريخ تليد، هذا الشاب هو: علي أحمد باكثير.
نبذة عن حياته: ولد علي أحمد باكثير في مدينة (سورا بايا) بأندونيسيا لأبوين
حضرميين حيث كان أبوه يعمل تاجراً، ولم تكن رحلات الحضارمة في أصقاع
الأرض حباً في التجارة فقط، فقد حملوا عقيدتهم مع بضاعتهم، وكانوا دعاة بالقدوة
الحسنة والسلوك القويم، وكان لهم دور بارز في نشر الإسلام في أنحاء الأرض،
وكان لهم الفضل بعد توفيق الله في دخول الكثير من الشعوب في الإسلام بخُلُقهم
الصدوق.
وعندما بلغ (علي) الثامنة من عمره أرسله والده إلى حضرموت ليتقن لغته،
وليأنس بأهله؛ فالحضرمي شديد التعلق ببلده.
لم يكد الفتى يبلغ الثالثة عشرة حتى أقبل على الشعر يقرضه، وينظمه، وقد
حفظ من أشعار القدماء، وكان ولوعاً بشعر المتنبي، ولكم حدثتْه نفسه وداعبت
مخيلتَه وهو صبي صورة شاعر عظيم كالمتنبي.. أخذ ينظم الشعر ثم يعرضه على
أصدقائه، وأساتذته، فأطروه وشجعوه؛ فكان لذلك الإطراء والتشجيع أثر بالغ في
إقباله على المزيد من القراءة، والدرس، والنظم أيضاً.
تزوج أديبنا في مرحلة مبكرة من فتاة أعجب بها، وأحبها حباً شديداً، نورة
باسلامة لكن لم يُقدّر لهذا الحب أن ينضج، أو أن يثمر وهو لا يزال غضاً فتوفيت
تلك الشابة، فحزن عليها حزناً شديداً.
ثم راح ينتقل من بلد إلى بلد؛ فمن حضرموت إلى عدن، ثم إلى الحبشة ماراً
بالصومال، ثم إلى السعودية التي مكث بها فترة غير طويلة، تعرّف خلالها على
أدباء وعلماء الحجاز والطائف يغشى مجالسهم، ويتدارس معهم أخبار الأدباء العرب. ثم عزم باكثير بعد ذلك على الرحيل إلى القاهرة حيث الحركة الأدبية نشطة.
وصل القاهرة عام ١٩٣٤م، فالتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم حصل
منها على الليسانس عام ١٩٣٩م. وفي عام ١٩٤٠م حصل على دبلوم تربوي عمل
بعده مدرساً للإنجليزية بمدرسة الرشاد الثانوية بمدينة المنصورة بدلتا مصر.
دخوله المعترك الأدبي: دخل أديبنا معترك الحياة الأدبية منضماً إلى الركب
الإسلامي، فدافع ببسالة، وناضل بشجاعة منقطعة النظير، وكان جواده فكره،
وسلاحه يراعه يمده دمه. وقد اتسم أديبنا بتواضعه الجم، وبحيائه العذري؛ فكان
محياه كصفحة النهر هادئة صافية، بينما دخيلته كانت نهباً للصراع، والاضطرام،
والتحرق شوقاً للحفاظ على تاريخ أمته والنهوض بها.
حقد اليساريين عليه:
تألق الرجل في دنيا الأدب، فما من مسابقة تقام إلا كان باكثير في طليعة
الفائزين. ففي سنة ١٩٤٧م أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية في مصر عن مسابقة
في ست روايات في مواضيع معينة، فتلقت الوزارة خمسمائة رواية، ولما فحصت
اللجنة المختصة ذلك الكم الهائل من الروايات كان باكثير قد فاز بروايتين من الست، فحقق نجاحاً مدهشاً. فكان ذلك النجاح والكثير غيره وهذا الاتجاه الإسلامي من
بواعث حقد اليساريين على باكثير المسلم، المتمسك بقيم الإسلام، الرافض لكل
التيارات الملحدة الزاحفة نحو ديارنا. بدأ أعداؤه في تدبير الحملات ضده سواء من
التشويه أو التجاهل، وكانوا يتغامزون ويتلامزون عليه في منتدياتهم قائلين عنه في
سخرية: (علي إسلامستان) فكان الرجل يرحمه الله يقول: (إنه لشرف عظيم لي
أن أتهم بالإسلامية فيما أقدمه من أدب) .
عندما صدر قانون التفرغ الأدبي كان باكثير أول من حصل على منحة للتفرغ
مدتها عامان، أنجز خلالهما رائعته: (الملحمة الإسلامية الكبرى عمر) فكانت
تاريخاً أدبياً لفترة الخليفة الثاني العادل عمر بن الخطاب ﵁ وقعت في
ثمانية عشر جزءاً، استطاع من خلالها إلقاء الضوء على الحضارة الإسلامية الفذة،
وصوّر فيها الصراع الخالد بين قوى الخير والشر، بين القوة الإسلامية الواثقة من
عقيدتها، المؤمنة بربها، وبين أباطرة الروم وطغاة البشر، فصورها تصويراً
حاذقاً حتى لكأنك وأنت تقرأ تلك الملحمة تشم غبار المعارك، وتسمع صليل
السيوف من خلال أسلوبه الجزل، وبراعته الفائقة.
اهتم باكثير بقضايا أمته، ومن أبرز القضايا التي احتلت حيزاً كبيراً من
تفكيره ووجدانه (قضية فلسطين) فقد كتب فيها خمس مسرحيات أبرزها: (شيلوك
الجديد) ، (شعب الله المختار) ، (إله إسرائيل) ، (التوراة الضائعة) وترجم مسرحيته: (شيلوك الجديد) التي تنبأ فيها بقيام دولة إسرائيل وهزيمة الجيوش العربية إلى
الإنجليزية، وذلك لتوصيل صوته إلى الرأي العام العالمي محذراً من الصهيونية،
لكن دور النشر يا للأسف لم تقبل نشرها، فظلت حبيسة الأدراج حتى يومنا هذا،
ثم جاءت هزيمة الجيوش العربية أمام العدو الصهيوني فحزن باكثير حزناً شديداً
اعتلت بسببه صحته، وفي هذا يقول الأستاذ خيري حماد: (أبصرت بالدمعات
تتساقط من عيني الأستاذ المرحوم الفقيد الغالي باكثير وهو يقف عند شريط الحدود
الفاصل بين قطاع غزة والأرض المحتلة على بعد أمتار قليلة، وهو يرى الثكنة
الإسرائيلية وقد ارتفع عليها العلم الإسرائيلي.. رأيت عبرات باكثير فلم أتعجب،
فلقد أحب باكثير فلسطين كما أحب وطنه حضرموت، والقاهرة، وكل وطن عربي، بل إن لفلسطين مكانة خاصة في نفسه رافقته طوال حياته، فلقد أحب باكثير
فلسطين حباً عميقاً) ويكفي ما خلده فيها من أعمال أدبية رائعة.
قدّم باكثير للمكتبة الإسلامية قرابة خمسين كتاباً من بينها: (الملحمة الإسلامية
الكبرى عمر) التي لو لم يكتب غيرها لحفظت له مكاناً مرموقاً بين أعلام الأدب
وفرسان البيان، وفي سنوات عمره الأخير اشتدت الحملات المحمومة المسعورة
ضده للنيل منه؛ فما زاده ذلك إلا إيماناً وتثبيتاً، وفي ذلك يقول الدكتور عبده بدوي: (في الأعوام الأخيرة لم نعرف لباكثير مكتباً أو وظيفة، فقد تم تجميده تماماً،
وأسهمت أسماء لامعة في عالم اليسار من إحكام الحصار حوله، وحجب الضوء
عنه خوفاً من فكره الإسلامي وشخصيته الملتزمة) .
وكان يقول: (إنهم يحسبون أنهم سيقتلونني عندما يمنعون الأخبار عني، أو
يحاربون كتبي، ويحجبون مسرحياني عن الناس. أنا على يقين أن كتبي وأعمالي
ستظهر في يوم من الأيام، وتأخذ مكانها اللائق بين الناس، في حين تطمس
أعمالهم وأسماؤهم في بحر النسيان؛ لهذا فأنا لن أتوقف عن الكتابة، ولا يهمني أن
ينشر ما أكتب في حياتي، إني أرى جيلاً مسلماً قادماً يتسلم أعمالي ويرحب بها) .
ولقد صدقت نبوءته ويا ليته بيننا ليرى أن الذين حاربوه آنذاك لم يعد لهم ذكر
ولا لكتبهم، أما كتبه، وكتب صديقه محمد عبد الحليم عبد الله فقد تألقت، وأعيدت
وتعاد طباعتها مرات ومرات. بينما اختفت من السوق كتب من هاجموه، وهكذا
الحق والباطل؛ فالحق يبقى أبداً، أما الباطل فيمضي زهقاً.
وفي اليوم العاشر من نوفمبر عام ١٩٦٩م خلع باكثير ملابس الأحياء مرخياً
أهدابه بعد أن فاضت روحه إلى بارئها، ولم يترك ذرية من صلبه إلا أنه كان نعم
الأب، ونعم الراعي لابنة زوجته التي رعاها حق الرعاية. رحل بعد أن سجل
تاريخه بصمات واضحة في حياتنا الأدبية، ورسمت خطواته علامات سباقة على
مسيرتنا الثقافية، فلقد تفرّد دون غيره بكثير من المواهب التي أضاءت نفسها
بنفسها، رغم مساحة الظل الكبيرة التي فُرِضت عليه أثناء حياته.
فسلام عليه رباناً مخلصاً لم تصافه الرياح، وسلام عليه مجاهداً لم يغمد قلمه
حتى واراه التراب.
رحم الله (باكثير) وجزاه خير الجزاء عما قدم من جهود أدبية إسلامية رائعة.
стр. 2698
البيان الأدبي
ثقافتنا بين حاملها والمحمولة إليه
بقلم: مشبب بن أحمد القحطاني
الدارس لتاريخ الأمّة عبر القرون الخالية يلمس بوضوح أن الأمّة امتلأت
بنماذج عديدة من العلماء والمثقفين والساسة والمصلحين ...
بل لا تكاد تجد لوناً إلا وله رجاله؛ وعليه قامت مدارس ومؤلفات ودراسات،
وانتهت إلى زماننا ثمرة غرس السابقين؛ وهذه الخصيصة من محامد هذه الأمّة،
ولعلّ هذا الجيل إنما يقوم بعمل ترتيب الأوراق السابقة وتهذيبها وبثها وتوجيهها.
وأحسب أن السابق إن لم يستوف جميع العناصر المطلوبة فهو بلا شك قد ألمح إليها
وبدأ طريقها، وأنا لا أغمط المتأخر حق مقارعة المتقدم؛ فالكل مجتهد وربما فاق
التلميذ أستاذه.
وفيما بين زرع السابق وجني اللاحق تكمن أمور مهمّة بدءاً بالأمانة العلميّة
وضبط المنقول ونسبة الفضل لأهله ...
وليس بغريبٍ أن يخرج مؤلِّفٌ أو محاضرٌ بمقالة: (إنّي لا آتي بجديد)
والأدْهى من هذا ظهور نوعيات في عصرنا ما بين مترجم لكتب الغرب، أو سارق
لتراث الشرق، أو متعالمٍ ومستكتبٍ له، ولهذا نال شهرة في زمن ضياع الأمانة
وسطحية المتلقّي وفقره المعرفي، وكان المنبري لكشف الحقائق نفرٌ قليل، ولربما
فسر هؤلاء المعاصرون أقوال المتقدمين وأطروحاتهم حسب المصالح الخاصة،
ومنهم من يرى أنّ الأفكار والخلاصات ليست حكراً لأحد ولا فضلاً خاصاً به، بل
من وجدها بعد جهله بها كان أحق بها كضالة الغنم. ولولا مخافة الإملال لحدثتك
أخي القارئ بأعاجيب من هذا النوع؛ ولعلِّي إلى هنا أضرب صفحاً، وأحترم
القارئ أيضاً عن ذكر كثير من حملة الثقافة إلينا.
وأما المتلقِّي محط الرحال فهو بين همّين: همِّ الثقة في الناقل، وهمِّ الريبة
حول المتناقض، وضعف المعلِّم وحرج الاختيار. والذي صعد سُلّم المعرفة وأتقن
مهاراتها فهو بلا شك يعلم على أيّ سقف يقف وليس المعني بحديثي هذا بخلاف
المبتدئ القابع في بداية السّلّم ولا يرى إلا السور أمامه كالشبح، فيا ترى من يتحمّل
مسؤوليّة الانحراف الفكري أو القصور الثقافي أو التيه المعرفي؟ وهل يسوغُ
للصانع عيب صنعته في زمن أدعياء الرِّيادة وزعماء الميدان؟ ولعلك إن دخلتَ
مستودع كتبٍ ونظرتَ في الجديد المأمول لتجد أنك دخلت عالماً غريباً متصارعاً،
متناقض الأفكار، بارد العرض، ضعيف الهدف، مشوّش الغاية. وبين هذا
الخضم المَهُول تجد فرداً يتيماً أو فردين مستوحشَيْن تأنس فيهما بالفائدة راجياً ألاّ
تعود بخفّي حنين فقد أصبح العلم تجارة وسباقاً.
ومن المؤسف أننا نسعى لإيجاد هوية لنا ونحن لا نزال نفتقر إلى الأدوات
المطلوبة والآليّة الفاعلة والنضوج المطلوب، والحقبة التي كنّا نقول فيها بأعلى
صوت: نحن سادة العالم وأرباب الفكر وروّاد الثقافة مضت برجالها الطامحين
المحترمين تاريخاً وعند خصومهم أيضاً، ولكي نصل إلى ما وصلوا إليه فلا بد من
دراسة مراحل تطورهم المعرفي والزّمني وكيف تسلّموا مقاليد العلوم.
ولعلي أذكر بعض الخطوات الهامة لتحقيق الهدف المنشود والغائب المنتظر؛
فمن ذلك: تبسيط المعروض ومفرداته، ثم التدرج وفق معيار الحاجة والمفترض،
وترتيب الأولويّات، والبداءة بالمهم فالأهم، والتفهم الدقيق والتفريق بينه وبين الذي
قبله، وتأمين القاعدة المناعية السلمية من الملوّثات الخارجية، وعدم الاستسلام
للعوائق، واختزال العناصر المتشابهة وتنقية المعروض، ورسم الأهداف المطلوبة
والغايات المنشودة، وأخيراً الرقابة على الموجود في الساحة وبيان الحق بأدلته....
إلخ.
وعندها نأمل خروج جيل واعٍ منطقي، واضح الهدف، وصافي الفكرة.
وأعتقد أن المُتَلَقِّي لو وَجَدَ كفَاية من الاحترام والاهتمام تحت رعاية الواجهات
المتجردة للحق المشْبِعَة للرغبات فقد بدأنا الطريق وإن بلغ ألف ميل؛ وأنا هنا أنظر
من نافذة الأمل الباسم والغد المشرق وذو الفرس السبّاقة هو من يبسم في النهاية.
стр. 2699
البيان الأدبي
رضى الناس
شعر: د. محمد بن ظافر الشهري
ضحِكْتُ فقالوا: ألا تحتَشِمْ؟ ! ... بكيتُ فقالوا: ألا تبتسمْ؟ !
بسمتُ فقالوا: يرائي بها ... عَبستُ فقالوا: بدا ما كَتَم
صَمَتّ فقالوا: كليل اللسان ... نطقت فقالوا: كثير الكَلِمْ
حَلُمت فقالوا: صنيع الجبان ... ولو كان مقتدراً لانتَقَم
بَسُلتُ فقالوا: لطيشٍ بهِ ... وما كان مُجْترِئاً لو حَكُمْ
يقولون: شذّ؛ إذا قلتُ: لا، ... وإمّعة حين وافَقْتُهُم
فأيقنت أنّيَ مهما أُرِدْ ... رِضى الناس لابدّ مِنْ أنْ أذَمّ
стр. 2700
البيان الأدبي
رجاء
شعر: صالح بن عبد الكريم العبودي
سألتك ربي فلا تأخذني ... بذنبي وإن كان أعظم ذنبِ
فعفوك أوسع من زلتي ... وذلي إليك ضميمة حبي
أقصر حتى إخال الرجا ... تولّى بعيداً وراء المهبِّ
وأطمع حيناً فأحسب أني ... ملأت بحبك نفسي وقلبي
رجائي ويأسي كنوري وناري ... وكم أوعداني ببعد وقرب
أقول هلكت وذابت حياتي ... كما ذاب ملح بدلو وغرب
وصرت هشيماً حصيداً بلا ... رجاء أرجّيه في عفو ربي
وضاعت مناي على صحصح [١] ... يباب وحسبي من الهم حسبي
ويقوى رجائي فأزعم أني ... بلغت الثريا بطهري وكسبي
وأني البريء فلا زلة ... فعلت ولا أُبتُ يوماً بحوْب
وأني علوت على شهوتي ... ولذة جسمي وصحت بخطبي
فما ثَمّ إلا جهاد يُرجّى ... ولا ثَم إلا وعود بكتبي
وتلك حياتي وما زلت فيها ... على الأمر هذا ببغضي وحبي
فيا رازق النمل في جحرها ... ويا ساقي الضب من غير شرب
ويا حافظ الحوت في لجةٍ ... تروعها برياح ونكب
ويا ممسك الطير في جوّه ... ولولاك ما جاوز الطير كعبي
أَمِدّ فؤادي بنور يريني ... بتلك المهاوي المخيفة دربي
فإني أخاف إذا ما الدجى ... غشاني وأخشى مزلة وثبي
فثبت خطاي على سنة ... مشاها محمد في خير صحب
ولا تتركني بكل طريق ... أهيم وحيداً أروح لنحبي
стр. 2701
المسلمون والعالم
الخطة السرية للآيات
في ضوء الواقع الجديد
عرض وتعليق: د. عبد الرحيم البلوشي
نشرت رابطة أهل السنة في إيران مكتب لندن هذه الرسالة السرية للغاية
الموجهة من شورى الثورة الثقافية الإيرانية إلى المحافظين في الولايات الإيرانية.
ومتن الرسالة على درجة من الوضوح بحيث لا أرى حاجة إلى التعليقات المفصلة؛
ولذا اكتفيت ببعض التعليقات الضرورية. وهذه الخطة (البروتوكول) موجهة إلى
المناطق السنية في إيران، من جهة، وموجهة إلى دول الجوار من جهة أخرى؛
لاسيما وإن إيران بعد فترة من المقاطعة الغربية لها رأت أن ذلك ليس في مصلحتها، وسياسات تصدير الثورة لم تعد ذات جدوى بل ضررها عليها أكبر؛ فنشأ الاتجاه
الأقل تطرفاً والداعي إلى الحوار والتهدئة والذي نشأ منه بروز (تيار خاتمي)
وبخاصة بعد تولي إيران رئاسة (المؤتمر الإسلامي) بعد مؤتمر طهران فهل سيعدِّل
القوم من رسالتهم؟ لا نظن ذلك؛ وهذه الرسالة تؤكد ذلك وحدها، وهذا ما أعلناه
ونحذر منه إخواننا في كل مكان. والله المستعان.
نص الرسالة: (إذا لم نكن قادرين على تصدير ثورتنا إلى البلاد الإسلامية
المجاورة فلا شك أن ثقافة تلك البلاد الممزوجة بثقافة الغرب [١] سوف تهاجمنا
وتنتصر علينا.
وقد قامت الآن بفضل الله وتضحية أمة الإمام الباسلة دولة الإثني عشرية في
إيران بعد قرون عديدة، ولذلك فنحن وبناءاً على إرشادات الزعماء الشيعة المبجلين
نحمل واجباً خطيراً وثقيلاً وهو تصدير الثورة؛ وعلينا أن نعترف أن حكومتنا
فضلاً عن مهمتها في حفظ استقلال البلاد وحقوق الشعب، فهي حكومة مذهبية [١]
ويجب أن نجعل تصدير الثورة على رأس الأولويات.
لكن نظراً للوضع العالمي الحالي والقوانين الدولية كما اصطلح على تسميتها
لا يمكن تصدير الثورة بل ربما اقترن ذلك بأخطار جسيمة مدمرة.
ولهذا فإننا خلال ثلاث جلسات وبآراء شبه إجماعية من المشاركين وأعضاء
اللجان وضعنا خطة خمسينية تشمل خمس مراحل، ومدة كل مرحلة عشر سنوات،
لنقوم بتصدير الثورة الإسلامية إلى جميع الدول المجاورة ونوحد الإسلام أولاً [٢] ؛
لأن الخطر الذي يواجهنا من الحكام الوهابيين وذوي الأصول السنية [٣] أكبر بكثير
من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب [٤] ؛ لأن هؤلاء (الوهابيين وأهل
السنة) يناهضون حركتنا وهم الأعداء الأصليون لولاية الفقيه [٥] والأئمة
المعصومين، حتى إنهم يعدون اعتماد المذهب الشيعي كمذهب رسمي دستوراً للبلد
أمراً مخالفاً للشرع والعرف [٦] ، وهم بذلك قد شقوا الإسلام إلى فرعين
متضادين [٧] .
بناء على هذا: يجب علينا أن نزيد نفوذنا في المناطق السنية داخل إيران،
وبخاصة المدن الحدودية، ونزيد من عدد مساجدنا و (الحسينيات) [٨] ونقيم
الاحتفالات المذهبية أكثر من ذي قبل، وبجدية أكثر، ويجب أن نهيئ الجو في
المدن التي يسكنها ٩٠ إلى ١٠٠% من السنة حتى يتم ترحيل أعداد كبيرة من
الشيعة من المدن والقرى الداخلية إليها، ويقيمون فيها إلى الأبد للسكنى والعمل
والتجارة، ويجب على الدولة والدوائر الحكومية أن تجعل هؤلاء المستوطنين تحت
حمايتها بشكل مباشر ليتم إخراج إدارات المدن والمراكز الثقافية والاجتماعية بمرور
الزمن من يد المواطنين السابقين من السنة [٩] والخطة التي رسمناها لتصدير
الثورة خلافاً لرأي كثير من أهل النظر، ستثمر دون ضجيج أو إراقة للدماء أو
حتى رد فعل من القوى العظمى في العالم، وإن الأموال التي ستنفق في هذا السبيل
لن تكون نفقات دون عائد.
طرق تثبيت أركان الدولة: نحن نعلم أن تثبيت أركان كل دولة والحفاظ على
كل أمة أو شعب ينبني على أسس ثلاثة:
الأول: القوة التي تملكها السلطة الحاكمة.
الثاني: العلم والمعرفة عند العلماء والباحثين.
الثالث: الاقتصاد المتمركز في أيدي أصحاب رؤوس الأموال.
إذا استطعنا أن نزلزل كيان تلك الحكومات بإيجاد الخلاف بين الحكام والعلماء، ونشتت أصحاب رؤوس الأموال في تلك البلاد ونجذبها إلى بلادنا، أو إلى بلاد
أخرى في العالم نكون بلا ريب قد حققنا نجاحاً باهراً وملفتاً للنظر؛ لأننا أفقدناهم
تلك الأركان الثلاثة.
وأما بقية الشعوب التي تشكل ٧٠ إلى٨٠% من سكان كل بلد فهم أتباع القوة
والحكم ومنهمكون في أمور معيشتهم وتحصيل رزقهم من الخبز والمأوى؛ ولذا فهم
يدافعون عمن يملك القوة.
ولاعتلاء أي سطح فإنه لا بد من صعود الدرجة الأولى إليه.
وجيراننا من أهل السنة والوهابية هم: تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان
وعدد من الإمارات في الحاشية الجنوبية ومدخل (الخليج الفارسي) ! التي تبدو دولاً
متحدة في الظاهر إلا أنها في الحقيقة مختلفة. ولهذه المنطقة بالذات أهمية كبرى
سواء في الماضي أو الحاضر كما أنها تعتبر حلقوم الكرة الأرضية من حيث النفط،
ولا توجد في العالم نقطة أكثر حساسية منها، ويملك حكام هذه المناطق بسبب بيع
النفط أفضل إمكانيات الحياة ...
فئات شعوب المنطقة: وسكان هذه البلاد هم ثلاث فئات:
الفئة الأولى: هم البدو وأهل الصحراء الذين يعود وجودهم في هذه البلاد إلى
مئات السنين.
الفئة الثانية: هم الذين هاجروا من الجزر والموانئ التي تعتبر من أرضنا
اليوم، وبدأت هجرتهم منذ عهد الشاه إسماعيل الصفوي، واستمرت في عهد
نادرشاه افشار وكريم خان زند وملوك القاجار وأسرة البهلوي، وحدثت هجرات
متفرقة منذ بداية الثورة الإسلامية [١٠]
والفئة الثالثة: هم من الدول العربية الأخرى ومن مدن إيران الداخلية.
أما التجارة وشركات الاستيراد والتصدير والبناء فيسيطر عليها في الغالب
غير المواطنين الأصليين، ويعيش السكان الداخليون من هذه البلاد على إيجار
البنايات وبيع الأراضي وشرائها، وأما أقرباء ذوي النفوذ فهم يعيشون على
الرواتب العائدة من بيع النفط.
أما الفساد الاجتماعي والثقافي والأعمال المخالفة للإسلام فهي واضحة للعيان.
ومعظم المواطنين في هذه البلاد يقضون حياتهم في الانغماس في الملذات الدنيوية
والفسق والفجور!
وقد قام كثير منهم بشراء الشقق وأسهم المصانع وإيداع رؤوس الأموال في
أوروبا وأمريكا وخاصة في اليابان وإنجلترا والسويد وسويسرا خوفاً من الخراب
المستقبلي لبلادهم.
إن سيطرتنا على هذه الدول تعني السيطرة على نصف العالم.
أسلوب تنفيذ الخطة المعدة: ولإجراء هذه الخطة الخمسينية يجب علينا بادئ
ذي بدء أن نحسن علاقاتنا مع دول الجوار ويجب أن يكون هناك احترام متبادل
وعلاقة وثيقة وصداقة بيننا وبينهم حتى إننا سوف نحسن علاقاتنا مع العراق بعد
الحرب وسقوط صدام حسين [١١] ؛ ذلك أن إسقاط ألف صديق أهون من إسقاط
عدو واحد.
وفي حال وجود علاقات ثقافية وسياسية واقتصادية بيننا وبينهم فسوف يهاجر
بلا ريب عدد من الإيرانيين إلى هذه الدول؛ ويمكننا من خلالهم إرسال عدد من
العملاء كمهاجرين ظاهراً ويكونون في الحقيقة من العاملين في النظام، وسوف
تحدد وظائفهم حين الخدمة والإرسال.
لا تفكروا أن خمسين سنة تعد عمراً طويلاً؛ فقد احتاج نجاح ثورتنا خطة
دامت عشرين سنة، وإن نفوذ مذهبنا الذي يتمتع به إلى حد ما في في الكثير من
تلك الدول ودوائرها لم يكن وليد خطة يوم واحد أو يومين، بل لم يكن لنا في أي
دولة موظفون فضلاً عن وزير أو وكيل أو حاكم [١٢] ، حتى إن الفرق الوهابية
والشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية كانت تعتبرنا من المرتدين وقد قام أتباع هذه
المذاهب بالقتل العام للشيعة مراراً وتكراراً، صحيح أننا لم نكن في تلك الأيام،
لكن أجدادنا قد كانوا، وحياتنا اليوم ثمرة لأفكارهم وآرائهم ومساعيهم وربما لن
نكون نحن أنفسنا في المستقبل لكن ثورتنا ومذهبنا باقيان. ولا يكفي لأداء هذا
الواجب المذهبي التضحية بالحياة والخبز والغالي والنفيس، بل يتوجب أن يكون
هناك برنامج مدروس، ويجب إيجاد مخططات ولو كانت لخمسمئة عام مقبل فضلاً
عن خمسين سنة؛ فنحن ورثة ملايين الشهداء الذين قُتِلوا بيد الشياطين المتأسلمين
(السنة) وجرت دماؤهم منذ وفاة الرسول في مجرى التاريخ إلى يومنا هذا، ولم
تجف هذه الدماء ليعتقد كل من يسمى مسلماً بـ (عليّ وأهل بيت رسول الله)
ويعترف بأخطاء أجداده، ويعترف بالتشيّع كوارثٍ أصيل للإسلام [١٣] . مراحل مهمة في طريقنا:
أولاً: ليس لدينا مشكلة في ترويج المذهب في أفغانستان وباكستان وتركيا
والعراق والبحرين، وسنجعل الخطة العشرية الثانية هي الأولى [١٤] في هذه
الدول الخمس، وعلى ذلك فمن واجب مهاجرينا العملاء المكلفين في بقية الدول
ثلاثة أشياء:
١- شراء الأراضي والبيوت والشقق، وإيجاد العمل ومتطلبات الحياة
وإمكانياتها لأبناء مذهبهم ليعيشوا في تلك البيوت ويزيدوا عدد السكان.
٢- العلاقة والصداقة مع أصحاب رؤوس الأموال في السوق والموظفين
الإداريين خاصة الرؤوس الكبار والمشاهير والأفراد الذين يتمتعون بنفوذ وافر في
الدوائر الحكومية.
٣- هناك في بعض هذه الدول قرى متفرقة في طور البناء، وهناك خطط
لبناء عشرات القرى والنواحي والمدن الصغيرة الأخرى، فيجب أن يشتري [١٥]
هؤلاء المهاجرون العملاء الذين أرسلناهم أكبر عدد ممكن من البيوت في تلك القرى
ويبيعوا ذلك بسعر مناسب للأفراد والأشخاص الذين باعوا ممتلكاتهم في مراكز
المدن، وبهذه الخطة تكون المدن ذات الكثافة السكانية قد أُخرجت من أيديهم.
ثانياً: يجب حث الناس (الشيعة) على احترام القانون وطاعة منفذي القانون
وموظفي الدولة، والحصول على تراخيص رسمية للاحتفالات المذهبية وبكل
تواضع وبناء المساجد والحسينيات؛ لأن هذه التراخيص الرسمية سوف تطرح
مستقبلاً على اعتبار أنها وثائق رسمية.
ولإيجاد الأعمال الحرة يجب أن نفكر في الأماكن ذات الكثافة السكانية العالية
لنجعلها موضع المناقشة في المواقع الحساسة، ويجب على الأفراد في هاتين
المرحلتين أن يسعوا للحصول على جنسية البلاد التي يقيمون فيها باستغلال
الأصدقاء وتقديم الهدايا الثمينة، وعليهم أن يرغِّبوا الشباب بالعمل في الوظائف
الحكومية والانخراط خاصة في سلك الجندية. وفي النصف الثاني من هذه الخطة
العشرية يجب بطريقة سرية وغير مباشرة استثارة علماء السنة والوهابية ضد الفساد
الاجتماعي والأعمال المخالفة للإسلام الموجودة بكثرة في تلك البلاد، وذلك عبر
توزيع منشورات انتقادية باسم بعض السلطات الدينية والشخصيات المذهبية من
البلاد الأخرى، ولا ريب أن هذا سيكون سبباً في إثارة أعداد كبيرة من تلك
الشعوب، وفي النهاية إما أن يلقوا القبض على تلك القيادات الدينية أو الشخصيات
المذهبية أو أنهم سيكذبون كل ما نشر بأسمائهم [١٦] وسوف يدافع المتدينون عن
تلك المنشورات بشدة بالغة وستقع أعمال مريبة [١٧] وستؤدي إلى إيقاف عدد من
المسؤولين السابقين أو تبديلهم، وهذه الأعمال ستكون سبباً في سوء ظن الحكام
بجميع المتدينين في بلادهم؛ وهم لذلك سوف لن يعملوا على نشر الدين وبناء
المساجد والأماكن الدينية، وسوف يعتبرون كل الخطابات الدينية والاحتفالات
المذهبية أعمالاً مناهضة لنظامهم، وفضلاً عن هذا سينمو الحقد والنفرة بين العلماء
والحكام في تلك البلاد؛ وحتى أهل السنة والوهابية سيفقدون حماية مراكزهم
الداخلية ولن يكون لهم حماية خارجية إطلاقاً.
ثالثاً: وفي هذه المرحلة حيث تكون ترسّخت صداقة عملائنا لأصحاب
رؤوس الأموال والموظفين الكبار، ومنهم عدد كبير في السلك العسكري والقوى
التنفيذية وهم يعملون بكل هدوء ودأب، ولا يتدخلون في الأنشطة الدينية، فسوف
يطمئن لهم الحكام أكثر من ذي قبل، وفي هذه المرحلة حيث تنشأ خلافات وفرقة
وكدر بين أهل الدين والحكام فإنه يتوجب على بعض مشايخنا المشهورين من أهلك
تلك البلاد أن يعلنوا ولاءهم ودفاعهم عن حكام هذه البلاد وخاصة في المواسم
المذهبية، ويبرزوا التشيع كمذهب لا خطر منه عليهم، وإذا أمكنهم أن يعلنوا ذلك
للناس عبر وسائل الإعلام فعليهم ألاّ يترددوا ليلفتوا نظر الحكام ويحوزوا على
رضاهم فيقلدوهم الوظائف الحكومية دون خوف منهم أو وجل. وفي هذه المرحلة
ومع حدوث تحولات في الموانئ والجزر والمدن الأخرى في بلادنا، إضافة إلى
الأرصدة البنكية التي سوف نستحدثها سيكون هناك مخططات لضرب الاقتصاد في
دول الجوار. ولا شك في أن أصحاب رؤوس الأموال وفي سبيل الربح والأمن
والثبات الاقتصادي سوف يرسلون جميع أرصدتهم إلى بلدنا؛ وعندما نجعل
الآخرين أحراراً في جميع الأعمال التجارية والأرصدة البنكية في بلادنا فإن بلادهم
سوف ترحب بمواطنينا وتمنحهم التسهيلات الاقتصادية للاستثمار.
رابعاً: وفي المرحلة الرابعة سيكون قد تهيأ أمامنا دول بين علمائها وحكامها
مشاحنات، والتجار فيها على وشك الإفلاس والفرار، والناس مضطربون
ومستعدون لبيع ممتلكاتهم بنصف قيمتها ليتمكنوا من السفر إلى أماكن آمنة؛ وفي
وسط هذه المعمعة فإن عملاءنا ومهاجرينا سيعتبرون وحدهم حماة السلطة والحكم،
وإذا عمل هؤلاء العملاء بيقظة فسيمكنهم أن يتبوؤوا كبرى الوظائف المدنية
والعسكرية ويضيِّقوا المسافة بينهم وبين المؤسسات الحاكمة والحكام، ومن مواقع
كهذه يمكننا بسهولة بالغة أن نشي بالمخلصين لدى الحكام على أنهم خونة؛ وهذا
سيؤدي إلى توقيفهم أو طردهم واستبدالهم بعناصرنا. ولهذا العمل ذاته ثمرتان
إيجابيتان:
أولاً: إن عناصرنا سيكسبون ثقة الحكام أكثر من ذي قبل.
ثانياً: إن سخط أهل السنة على الحكم سيزداد بسبب ازدياد قدرة الشيعة في
الدوائر الحكومية، وسيقوم أهل السنة من جراء هذا بأعمال مناوئة أكثر ضد
الحكم، وفي هذه الفترة يتوجب على أفرادنا أن يقفوا إلى جانب الحكام، ويدعوا
الناس إلى الصلح والهدوء، ويشتروا في الوقت نفسه بيوت الذين هم على وشك
الفرار وأملاكهم.
خامساً: وفي العشرية الخامسة فإن الجو سيكون قد أصبح مهيأ للثورة؛ لأننا
أخذنا منهم العناصر الثلاثة التي اشتملت على: الأمن، والهدوء، والراحة؛
والهيئة الحاكمة ستبدو كسفينة وسط الطوفان مشرفة على الغرق تقبل كل اقتراح
للنجاة بأرواحها.
وفي هذه الفترة سنقترح عبر شخصيات معتمدة ومشهورة تشكيل مجلس شعبي
لتهدئة الأوضاع، وسنساعد الحكام في المراقبة على الدوائر وضبط البلد؛ ولا ريب
أنهم سيقبلون ذلك، وسيحوز مرشحونا وبأكثرية مطلقة على معظم كراسي المجلس؛ وهذا الأمر سوف يسبب فرار التجار والعلماء حتى الخَدَمة المخلصين، وبذلك
سوف نستطيع تصدير ثورتنا الإسلامية إلى بلاد كثيرة دون حرب أو إراقة للدماء.
وعلى فرض أن هذه الخطة لم تثمر في المرحلة العشرية الأخيرة فإنه يمكننا
أن نقيم ثورة شعبية ونسلب السلطة من الحكام، وإذا كان في الظاهر أن عناصرنا
الشيعية هم أهل تلك البلاد ومواطنوها وساكنوها، لكننا نكون قد قمنا بأداء الواجب
أمام الله والدين وأمام مذهبنا، وليس من أهدافنا إيصال شخص معين إلى سدة الحكم
فإن الهدف هو فقط تصدير الثورة؛ وعندئذ نستطيع رفع لواء هذا الدين الإلهي،
وأن نُظهر قيامنا في جميع الدول، وسنتقدم إلى عالم الكفر بقوة أكبر، ونزين العالم
بنور الإسلام والتشيع حتى ظهور المهدي الموعود) اهـ.
هذه رسالة سرية واحدة وفقنا الله تعالى لنشرها؛ وهناك كتب ورسائل
وبحوث مهمة جداً ألفها كبار آياتهم ومراجعهم ودعاتهم تنطوي على كيد كبير بأهل
السنة.
اغتيالات علماء السنة بعد مجيء خاتمي [*] :
اغتيال علماء السنة وتوقيفهم المتتالي والعشوائي مستمر في إيران حتى بعد
مجيء خاتمي؛ وقد بدأت أمواج الاضطهاد تتسرب من مدن أهل السنة إلى قراهم،
وفي الأسبوعين الأخيرين اقتيد الشيخ نظام الدين روانبد ابن الشيخ عبد الله رحمه
الله العالم والشاعر الشهير في بلوشستان الإيرانية إلى السجن، وكان الشيخ نظام
الدين بصدد بناء مسجد، وكان يدير مدرسة صغيرة، ولم يعرف مصيره حتى الآن، علماً أن بناء مسجد أو مدرسة دينية للسنّة في إيران يُعتبر من الجرائم التي لا
تغتفر. كما اغتيل في الأسبوع الماضي الشيخ يار محمد كهرازهي إمام جمعة أهل
السنة في مدينة خاش الذي كان يدير مدرسة دينية أيضاً، وجميع الشواهد تدل على
أن المخابرات الإيرانية هي التي اغتالته؛ لأنها اغتالت قبل سنتين ونصف تقريباً
مدير المدرسة نفسها: الشيخ عبد الستار ﵀ إمام الجمعة والعالم الشهير لأهل
السنة في مدينة خاش البلوشية؛ وذلك ضمن حملتها المسعورة بقيادة مرشد الثورة
خامنئي لإخلاء إيران من علماء السنة؛ ليتسنى لهم تشييع البلد كلياً بعد ذلك كما
كتبوا ذلك في مخططاتهم الخمسينية السرية.
وأما خليفة الشيخ وهو يار محمد ﵀ فقد كان يخضع لاستجواب
المخابرات الإيرانية كغيره من مشايخ السنة، وطلب منه فصل الطلاب من غير
أبناء المنطقة ليقطعوا أدنى صلة بين السنة في إيران حيث يعيشون في أطراف
إيران الأربعة وحين رفض الشيخ ذلك ألقي القبض على الطلاب وتم إعادتهم بعد
السجن والتعذيب إلى بلادهم، وكان للشيخ يار محمد موقف مشهود في الدفاع عن
هؤلاء الطلاب.
هذا في بلوشستان الواقعة في جنوب شرقي إيران، أما بالنسبة للتركمان السنّة
الساكنين في شمالي إيران فقد وصلنا الخبر التالي:
هاجمت عناصر المخابرات الإيرانية في الساعة الثانية والنصف ليلاً (من
شهر آب) ١٩٩٧م منزل الشيخ آخوند ولي محمد ارزانش الذي هرب من إيران
ولجأ إلى تركمانستان (أسوة بمئات من طلبة العلم من السنة الإيرانيين الذين هربوا
إلى البلاد المجاورة) ؛ وعندما لم يجدوه في المنزل أوسعوا ابنه ضرباً، ثم استولوا
على بعض الصور والمستندات والوثائق المتعلقة بالتركمان، وغادروا البيت بعدما
هددوا أهله بالموت إذا هم أخبروا الشرطة، وهذه الحادثة كانت هي الثانية من
نوعها؛ إذ إنه في شهر نيسان/ إبريل ١٩٩٧م هجم شخص مجهول (من مجاهيل
إمام الزمان لديهم وهي كناية عن المخابرات) مسلح بسكين على منزل الشيخ ولي
محمد ليقتله ونجا الشيخ بعدما أصيب بجروح خطيرة، وكل هذه الأعمال والقرائن
المتعلقة بها تدل على ضلوع المخابرات الإيرانية في مثل هذه الأعمال التي بدأت
بأمر من الخامنئي بالتصفية الجسدية والاغتيال والإعدام ودس السم والقتل بالطرق
المتعددة لعلماء السنة في الداخل والخارج.
ونحن نناشد المسلمين النصرة، ونناشد الهيئات الدولية والمنظمات الإنسانية
لتقصي الأمور وإدانة التعصب الطائفي لعل هذا يردعهم عن الاستمرار في هذه
الممارسات، فيتوقفوا عن قتل العلماء الأبرياء وهدم المساجد والمدارس، ويتركوا
أهل السنة يعيشون في إيران موطن آبائهم وأجدادهم كغيرهم من الأقليات، علماً
أنهم ثاني أكبر نسبة في إيران؛ إذ إن عددهم يصل إلى ثلث البلد أي من ١٥ إلى
٢٠ مليون نسمة.
نسأل الله أن يوفق إخواننا أهل السنة لمعرفة هذه المخططات الشيطانية وأن
يرد سبحانه كيد من يريد بالمسلمين شراً إلى نحورهم.
والله من وراء القصد،
стр. 2702
المسلمون والعالم
لتر الماء ... لتر النفط
أيهما أغلى؟
(٢ من٢)
بقلم: خالد محمد مسعود القحطاني
وضح الكاتب في الحلقة السابقة أهمية المياه الصالحة للشرب كمورد
استراتيجي تتنافس عليه الأمم في العصر الراهن، ثم بين موقع العالم العربي من
هذه الأزمة معدداً المصادر المائية العربية وأهميتها والأخطار والمشكلات التي
تهددها.. ويواصل في هذه الحلقة إيضاحه لجوانب أخرى من الموضوع.
- البيان -
(إسرائيل) ومشكلة المياه:
تقع فلسطين في الطرف الشمالي من البحر المتوسط، غرب الأردن وجنوب
لبنان، وتقع على أطراف المنطقة المطيرة في الشمال، وتمتد حتى تصل إلى
المناطق الجافة في الجنوب، وتتراوح كميات الأمطار بين ٩٠٠ ١٠٠٠ ملليمتر في
منطقة صفد وحتى ٣٩ ملم سنوياً في منطقة إيلات العقبة [١] .
وقد أدرك اليهود منذ القدم أهمية السيطرة على مصادر المياه في فلسطين،
وتحدثنا المراجع التاريخية أن التعاون بين الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية
تعاون كامل، وحقائق التاريخ تؤكد أن الحكم الصهيوني مبنيٌ على حقائق مائية؛
ومن ذلك كان سَعْيُ الآباء الأوائل لليهود: هرتزل، ووايزمان، وبن جوريون؛
لتأمين هذا الجانب حتى قبل إنشاء ما يسمى بـ (إسرائيل) وشملت طموحاتهم ليس
فلسطين فقط؛ بل كل المصادر المائية في غرب آسيا والنيل [٢] .
ففي رسالته المؤرخة في ٢٩/٢/١٩١٩م والمرسلة إلى لويد جورج رئيس
وزراء بريطانيا يطالب حاييم وايزمان بتحسين حدود الوطن القومي لليهود..
وكانت ذريعته الكبرى في ذلك: المياه، ولقد رأى وايزمان أنه من الضروري أن
يضم المشروع الصهيوني في ثناياه حوض الليطاني وجبل الشيخ وحرمون الذي
يحتوي على منابع أنهار: الأردن، وبانياس، واليرموك؛ بحجة أن هذه المياه
ضرورية للدولة اليهودية.
وقضية بهذا الحجم شغلت بال السياسة اليهودية وصارت تمثل قضية حياة أو
موت؛ وبقراءة لتاريخ الحركة الصهيونية يتضح لنا وبجلاء مراحل السيطرة
اليهودية على مصادر المياه في فلسطين ولبنان والأردن وسوريا (هضبة الجولان:
* ففي عام ١٩٠٣م تقدم تيودور هرتزل إلى الحكومة البريطانية في عهد
الملكة فيكتوريا واللورد سالبوري وجوزيف شميزلت وآرثر بلفور وإلى الحكومة
المصرية في عهد الخديوي عباس الثاني ومصطفى باشا فهمي وبطرس باشا غالي
والمعتمد البريطاني اللورد كرومر بهدف تحويل مياه النيل إلى سيناء، وقد بذل
هرتزل نشاطات كبيرة لتحقيق المشروع الهادف إلى توطين اليهود في شبه جزيرة
سيناء، وقد لقي موافقة مبدئية من الحكومة البريطانية، إلا أنه أخفق بسبب
الظروف الدولية حينذاك التي فرضت على إنجلترا سياسة الوفاق الودي مع فرنسا
عام ١٩٠٤م تأهباً لمواجهة ألمانيا واستعداداً للصدام مع تركيا وألمانيا عند الانتقال
لتنفيذ سكة حديد الحجاز.
*وفي عام ١٩١٩م وأثناء تقديم المذكرة الصهيونية المقدمة إلى مؤتمر الصلح
في باريس كانت تنص على أن تبدأ حدود فلسطين عند نقطة على البحر المتوسط
بالقرب من صيدا وتتبع منابع المياه النابعة من سلسلة جبال لبنان حتى جسر فرعون، ثم إلى البير، ثم تتبع الخط الفاصل بين حوض وادي القرن ووادي تيم، ويتجه
جنوباً لتتبع الخط الفاصل بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ.
*وفي عام ١٩٤١م قُدِّم اقتراح للرئيس اللبناني الفريد نقاش لاستثمار المصادر
المائية في لبنان على يد المؤسسات الصهيونية، ولكن انكشفت أبعاد هذا المشروع
ومراميه فأوقفته بعض الأصوات الوطنية في حينه.
*وفي عام ١٩٤٨م اندفع اليهود ومنذ الأشهر الأولى لقيام ما يسمى (إسرائيل)
لاستغلال ما تحت أيديهم، وشكلوا لهذا الغرض لجنة من سبعة عشر خبيراً،
ووضعت خططاً وأهدافاً وهي التي عرفت بالخطة السبعية؛ وبدئ في تنفيذها عام
١٩٥٣م بالعمل على زيادة استثمار الموارد المائية في فلسطين من ٨١٠ ملايين متر
مكعب (إنتاج عام ١٩٥٣م) إلى ١٧٣٠ مليون متر مكعب في نهاية الخطة عام
١٩٦٠م، ويحتاج تدبير الكمية اللازمة وحجمها ٩٢٠ مليون متر مكعب إلى:
*مشاريع زيادة استغلال الينابع والمياه الجوفية والسطحية داخل فلسطين
لتوفير ٣٨٠ مليون متر مكعب.
*استغلال نهر الأردن وروافده التي توفر نحو ٥٤٠ مليون متر مكعب.
*وفي عام ١٩٦٤م أعلن اليهود أنهم على وشك الانتهاء من المراحل الأولى
من مشروعهم لإيصال مياه الأردن إلى النقب، ولأجل ذلك اجتمع مجلس الجامعة
العربية في القاهرة في ١٣/١/١٩٦٤م وأقر تشكيل هيئة لاستغلال مياه نهر الأردن
وروافده، وتشكيل قيادة عربية مشتركة مهمتها إعداد ما يلزم لحماية المشروع
العربي الطموح! ! ! وتكفل المجتمعون بتغطية نفقات المشروع.. ولكن المشروع
انتهى بنهاية مضحكة مبكية عندما استولى اليهود عام ١٩٦٧م على مواقعه في
الجولان واستولوا على آلياته ومنذ ذلك الحين ونهر الأردن وروافده في أيدي اليهود.
*وفي عام ١٩٦٧م تقاقمت أزمة المياه في إسرائيل نتيجة الهجرة اليهودية
المكثفة إلى فلسطين؛ وقد حلت المشكلة بعد حرب ١٩٦٧م، وحصلوا على ٥٠٠
مليون متر مكعب دفعة واحدة كأكبر المكاسب التي حققها اليهود.
والجدير ذكره أن هضبة الجولان قد احتلها اليهود في هذه الحرب وهي في
غاية الأهمية؛ إذ إنها تعتبر المصدر الأول للمياه في فلسطين، وتتلقى سنوياً أكثر
من ٥٠٠ ملم من الأمطار، ويصل ارتفاع الثلج إلى ٣٠ سم ويوجد بها حوالي ١٠٠
نبع توفر سنوياً ما بين ٥٠ و ٦٠ مليون متر مكعب.
كما تمكن الغاصبون من إحكام السيطرة على نهر اليرموك، وأتيح لهم أيضاً
السيطرة على منابع نهر بانياس [٣] . ويستغل اليهود حالياً ٣١. ٥ مليون متر
مكعب من المياه في جنوب الهضبة، و٦ مليون متر مكعب في المنطقة الوسطى،
وما بين ٧ ٨ مليون متر مكعب في المنطقة الشمالية منها.
*وفي عام ١٩٧١م بدأ الاستغلال المركّز من قِبَلِ السلطات الإسرائيلية لمياه
الجولان في إطار الخطة الخمسية لتلك الفترة، وقامت شركة يهودية بحفر مجموعة
من الآبار الارتوازية لصالح المستوطنات اليهودية هناك، كما أقيمت محطة لضخ
المياه من بركة رام التي تقع على أقدام جبل الشيخ ومساحتها ٩٠٠ متر مربع
ويتراوح عمقها ما بين ٨ و ٩ أمتار وطاقتها ١. ٥٠٠. ٠٠٠ متر مكعب؛ وذلك
لنقلها إلى المستوطنات اليهودية.
*وفي عام ١٩٧٨م قامت إسرائيل بتركيب مضخات بطول ١٠كم من مجرى
نهر الليطاني مجاورة لبلدة سوريان وحتى خزانات مشروع الطيبة، كما قامت
بتركيب خط آخر بطول ٢٥كم من خزانات الطيبة وحتى بلدة عنيا الشام حيث
شيدت خزانات ضخمة قرب البلدة تستقبل مياه الليطاني وتوزعها على الجبل.
*وفي عام ١٩٨٢م وبعد غزو لبنان عمدت إسرائيل إلى تقديم الأسلاك الشائكة
مسافة تتراوح بين ٣ و ٥ كلم داخل الحدود اللبنانية حول نهر وبلدة الوزاني جنوب
شرق الحدود مسيطرة بذلك على سبعة كيلومترات مربعة من الأراضي. كما شقت
نفقاً من قرية كفر كلا حتى وادي ميماس في مرج عيون لسحب مياه الليطاني إلى
فلسطين (إسرائيل) ، ويبلغ طوله ١٧كلم وقد أدى إلى تعريض ٢٥٠ قرية لبنانية
للعطش في الوقت الذي سمح فيه لليهود باستغلال مياه الليطاني بسبب انخفاض
مستوى الأرض في فلسطين. وتجدر الإشارة إلى أن كميات المياه التي حصل عليها
اليهود جراء اجتياح لبنان عام ١٩٨٢م هي ٨٠٠ مليون متر مكعب من المياه. وفي
عام ١٩٨٧م أتم اليهود تحويل مياه الحاصباني ونبع الوزاني ومياه الليطاني، وبتمام
هذا العام يكون اليهود قد استولوا على: ٦٥ مليون متر مكعب في السنة من ينابيع
الوزاني، و١١٠ مليون متر مكعب في السنة من نهر الحاصباني، و٤٠٠ مليون
متر مكعب في السنة من نهر الليطاني!
نرى من جميع ما سبق أن اليهود يأخذون عنوة: من سوريا ٢٠٠ مليون متر
مكعب (عدا الاحتياطي الكبير من المياه في هضبة الجولان) و ٥٧٥ مليون متر
مكعب من لبنان، إضافة إلى ٦٠٠ مليون متر مكعب سنوياً من الضفة الغربية.
إن مشكلة نقص الموارد المائية الأصلية في إسرائيل تتزايد بتزايد ضغوط
النمو السكاني والهجرة المكثفة؛ وبذلك أصبحت مشكلة المياه هاجس إسرائيل الدائم، بل إنها حلت في المرتبة الثانية بعد أمنها [٤] .
وينبغي أن نشير هنا إلى بعض التقارير الخاصة التي صدرت عن بعض
الجهات الحكومية الإسرائيلية التي ألمحت بشكل أو بآخر إلى تفاقم أزمة المياه هناك.
فقد أوردت صحيفة (الهاآرتس) اليهودية في ١١/٦/١٩٩٠م أن الدكتورة
جوليس ستار الباحثة في معهد الدراسات الاستراتيجية بواشنطن أوضحت في مؤتمر
صحفي عقد في تل أبيب خلال زيارة عمل أن مسألة المياه ومصادرها ستطرح في
أية تسوية محتملة بين الفلسطينيين واليهود كمسألة من الدرجة الأولى، وحذرت في
الوقت نفسه من أن العجز المائي في فلسطين سيصل إلى ٣٠% [٥] .
وفي التقرير الصادر في ٣/٥/١٩٩٠م حذر بنك إسرائيل من تدني مخزون
المياه في أعقاب السحب الزائد والمستمر من هذه المياه وزيادة حدة المشكلة إذا لم
يتوفر تقليل استهلاك المياه [٦] . وبشكل عام فإن نقص المياه الذي يزداد سوءاً
بعامل التغيرات المناخية التي وسّعت من القحط الدوري، وبعامل الإدارة غير
الكفء للمياه ساهمت في جعل المياه مسألة مصيرية تشغل بال حكومات المنطقة
كاملة، كما تساهم الأوضاع السياسية والإقليمية أيضاً في تفاقم مشكلة المياه حيث
كانت الدول التي تشارك في شبكات الأنهار الرئيسة في المنطقة عاجزة عن الارتفاع
فوق الصراعات التاريخية من أجل التعاون في تنمية موارد المياه الثمينة. وبالنسبة
للمستقبل المنظور يحذر الخبراء من عدم وجود أي علاج شامل في التعامل مع
نقص المياه الوشيك [٧] .
وفي الجانب الآخر يتميز الوضع الاستراتيجي لحوضي دجلة والفرات بموقع
متأزم وخطير لوجود طرف غير عربي عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإن
كان يرتبط بكل من العراق وسوريا بكونه دولة إسلامية، ولا شك أن ارتباط تركيا
السياسي والعسكري يفوق ارتباطها الديني وذلك بالنسبة لقيادتها السياسية.
ولعل إسرائيل قد استطاعت وبسياسة متعمدة توثيق علاقاتها مع تركيا،
وكذلك مع أثيوبيا وكينيا وكلها من دول المنبع لأهم المصادر المائية العربية،
وتستخدمها إسرائيل في تزويدها بما تحتاجه من المياه مقابل خدمات فنية وتمويلية،
وتستخدمها في الوقت نفسه ورقة ضغط سياسية على دول مصب هذه الأنهار مثل
مصر والعراق والسودان وسوريا. وتجدر الإشارة هنا إلى ما أعلنته تركيا عن
مشروع خط السلام التركي وهو خط يتكون من أنبوبين: الأنبوب الشرقي ويبلغ
طوله ٢٨٠٠ كلم، والآخر يصل طوله ٤٠٠٠ كلم، وهذا المشروع من شأنه
تحويل مياه نهري دجلة والفرات إلى بحيرات وأنابيب تتحكم تركيا في مفاتيحها؛
وقد بدأ الإعداد لهذا المشروع منذ عام ١٩٨٦م على يد شركة بروان أندرت
الأمريكية، التي أعلنت أن دراسة الجدوى لهذا المشروع انتهت عام ١٩٩١م، وأن
تكاليفه تقدر بواحد وعشرين مليار من الدولارات، وإذا كان العرب قد عارضوا
بشدة مثل هذا المشروع فإن تركيا قد بدأت بتنفيذ المراحل الأولية منه بالتعاون مع
إسرائيل؛ وذلك بمد خط أنابيب لنقل ٢. ٣٠٠. ٠٠٠ مليون متر مكعب من المياه
إلى إسرائيل [٨] .
وإذا كانت الحرب المائية قد بدأت بالفعل ضد العرب عند الفرات بعد التعاون
التركي الإسرائيلي، فإن فصول هذه الحرب يتم إعدادها دون يأس عند منابع النيل
بالتعاون مع أثيوبيا وكينيا لسرقة المياه على حساب مصر والسودان.
وبالعودة إلى نهر الفرات فإن هناك أربعة محاور رئيسة ينبغي مراعاتها:
الأول: المياه بتركيبتها الاستراتيجية المعروفة ثلاثية الاستخدام: (الشرب،
الري، توليد الكهرباء) ولذلك فإن تأثيرها اليوم في حياة البشر تأثير مباشر سريع،
ومن ثَمّ يمكننا فهم حساسية الموقف وصعوبته بالنسبة لسوريا التي يجري فيها نهر
الفرات، ومن مياهه تقوم الحياة عليها؛ وخاصة في شمال وشرق سوريا، وكذلك
الوضع بالنسبة للعراق الذي يخترقه هذا النهر.
الثاني: الأقليات العربية: فعند التقاء الحدود السورية التركية، والعراقية
التركية؛ تشتعل أزمة الأقليات خاصة الأكراد الذين يعيشون على الحدود العراقية
والسورية والإيرانية والسوفييتية (سابقاً) مكونين واحدة من أعقد المشاكل العرقية في
المنطقة.
الثالث: وهو دخول إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر في مسلسل
الصراعات في المنطقة المحيطة بها لإشغالها بأي وسيلة. فمن مصلحة إسرائيل
إشغال المنطقة بالصراعات بعيدة عن الحدود الإسرائيلية، وشد الانتباه العربي بعيداً
عن القضية الفلسطينية.
الرابع: محور التوترات السياسية والعسكرية السائدة، فإسرائيل ترى في
سوريا أخطر أعدائها، وإيران ما زالت متحفزة لاستئناف حربها مع العراق، كما
أن ثورة الأكراد قائمة على أشدها في تركيا والعراق [٩] .
الخاتمة:
فهذه نتف من أخبار مشكلة المياه في المنطقة العربية من العالم الإسلامي وإني
أرجو أن أكون قد وفقت في إيضاح الصورة أمام القارئ الكريم حتى تتضح معالم
وأبعاد هذه القضية الحساسة.
ومما لا شك فيه أن هناك جوانب كثيرة لم أتطرق إليها ولعل من أشهرها
طريقة الحرب اليهودية وقصصها المؤسفة على ضفاف الأنهار العربية؛ وكذلك
الحلول العامة لهذه القضية وهي من المسائل الهامة التي أرجو أن تتاح فرصة في
المستقبل لتناولها بالشرح والتفصيل.
وأسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل
معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر؛ إنه على ذلك قدير
وبالإجابة جدير. والحمد لله أولاً وآخراً..
стр. 2703
المسلمون والعالم
الإسلام والمسلمون في نيجيريا
بين الماضي والحاضر
بقلم: محمد بابنجيدا محمد
لمحة تاريخية: إن للإسلام تاريخاً قديماً وعريقاً في الدولة التي تعرف اليوم
بـ (نيجيريا) ، وكانت المنطقة في العهد الماضي تسمى بلاد (الهوسا) أو بلاد غرب
(السودان) ، ويرجع تاريخ انتشار الإسلام وتغلغله في هذه الديار إلى القرن الخامس
الهجري، فقد تحدث علماء التاريخ العرب مثل: (القلقشندي) في صبح الأعشى عن
قدم ملوم (برنو وكانم) في الإسلام وعلاقتهما بـ (مصر) في أواخر الدولة
الظاهرية [١] ، أما (كانو) و (كاتسينا) ، وبقية مدن (هاوسا) ، فقد تأخر تغلغل الإسلام فيها إلى القرن الثامن الهجري.
ومن الجدير بالذكر أن انتشار الإسلام في هذه المنطقة كان عن طريق سلمي
بحت لم يَشُبْهُ أي ضغط أو إجبار؛ فلقد أراد الله بأهل هذه البلاد خيراً، فسيّر إليهم
الإسلام، وكانت الوثنية العمياء قبل ذلك قد أدت بهم إلى أسوأ الأخلاق وفساد النظام
حتى كادت أن تهوي بهم إلى مكان سحيق.
دور التجار المسلمين: ويرجع فضل انتشار الإسلام في بلاد (الهوسا) بعد
فضل الله إلى التجار المسلمين من (مالي) وشمال إفريقيا، فاشتهرت بعض مدنهم
مثل (كانو) و (كاتسينا) بوصفها مراكز تجارية عريقة، وكانت هذه الأسواق تجذب
التجار من مناطق نائية ومن بينهم التجار المسلمين، وكان التجار المسلمون
يتميزون بقيم وسلوك تجعلهم محل إعجاب؛ فقد كانوا أهل صدق وأمانة ووفاء،
وأهل نظافة ونظام دقيق وخاصة عندما يشاهدهم الناس في وضوئهم وصلاتهم،
ومن أحسن الناس لباساً وهيئة، يجيدون الكتابة والقراءة، ويعاملون الناس في
شرائهم وبيعهم وغير ذلك بود وسماحة؛ مما دعا الناس إلى حبهم والثقة بهم
والإقبال على تلك العقيدة السامية التي توجِّه هؤلاء التجار إلى هذا السلوك.
عدم الإدراك الكامل: بيد أن من اعتنق الإسلام في أول الأمر لم يدركوا
حقائق التعاليم الإسلامية، فاستمروا على ما يشبه جاهليتهم، مع تأديتهم بعض
شعائر الإسلام مثل الصلاة والصوم، ولكن ذلك لم يمنعهم من التعلق بغير الله،
والذبح للجن والأشجار، وإتيان الكهنة والسحرة، والتطير، وإدمان الخمر، وتبرج
النساء، وغير ذلك، وزاد الطين بِلّة أن أكثر السلاطين الذين ادعوا الإسلام لم
يؤمنوا به حق الإيمان، وإنما أرادوا استغلاله لمصالحهم؛ لما رأوا إقبال الناس
على ذلك الدين الجديد.
وكان العلماء أيضاً في أول العهد قلة، ولم يكن لدى التجار الذين هم سبب
انتشار الإسلام الكفاءة العلمية التي تؤهلهم لشرح المعاني الدقيقة والقواعد الأساسية
للإسلام، ويضاف إلى ذلك كثرة ترحال التجار وعدم استقرارهم في محل واحد؛
مما جعل إمكانية التعليم الجاد المستمر أمراً عسيراً.
إلا أن الأمور تحسنت لما بدأ العلماء يفدون إلى هذه البلاد ومن أشهر من
زارها من العلماء (الإمام السيوطي) ﵀، فانكب جمع من الناس على طلب
العلم، ونشأت مدارس ومراكز علمية في بعض المدن.
المذهب السائد: ومن فضل الله أن المذهب السني هو الذي ترسخ في هذه
البلاد، إلا أنه في السنوات القليلة الماضية تحمس بعض الشباب للثورة الإيرانية
فزلت أقدامهم، وأُتُوا من حيث يدرون أو لا يدرون، فأخذوا بالمذهب الشيعي
الجعفري.
وإن كان للطرق الصوفية دور في نشر الإسلام في بدايات الأمر، غير أنها
خلّفت رصيداً من البدع والخرافات لا تزال البلاد تعاني من آثارها السيئة حتى الآن.
حركة الشيخ عثمان بن فودى التجديدية: ثم شاء الله أن تهبّ رياح الخير
والبركات في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، فيبزغ على التتابع نخبة من
العلماء الراسخين في العلم، ومن هؤلاء [٢] : الشيخ (محمد ثمب بن عبد الله) ،
وكان عالماً تقياً، رحل إلى الحرمين وأقام فيهما بضعاً وعشرة حجة، ومنهم الشيخ
(محمد بن الراجي) ، أخذ صحيح البخاري وكتب السنة عن علماء الحجاز، وله
سند للبخاري عن شيخه (أبي الحسن السندي) عن (محمد بن حياة السندي) ، وعلى
هذا اشترك فيما يبدو مع الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) في التلمذة على (محمد بن
حياة) . ومن هؤلاء النخبة أيضاً الشيخ (جبريل بن عمر) ، الذي كان عالماً ربانياً،
شديد التمسك بالسنة والسير على منهج السلف الصالح عقيدةً وعملاً وسلوكاً، وصار
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ديدنه، ولم يكن يخاف في ذلك لومة لائم.
كان الشيخ (جبريل) أبرز من حارب البدع والعادات الجاهلية ودعا إلى العقيدة
الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، وأخذ عنه هذه الفكرة
تلميذه الشيخ (عثمان بن محمد بن صالح بن فودي) ، وكان رجلاً ورعاً تقياً صالحاً
وعالماً متفنناً، ساءته أحوال البلاد من قلة العلم وانتشار البدع والخرافات وظلم
الأمراء وغير ذلك، مقتفياً في ذلك أثر شيخه (جبريل بن عمر) فجال المدن والقرى
يدعو الناس ويعلمهم دينهم، فدعا إلى إحياء السنة النبوية وطرح كل ما خالفها،
ومن اطلع على كتبه يدرك حماسة الرجل للسنة وشدة تمسكه بها، وأحسن مثال
لذلك كتابه: (إحياء السنة وإخماد البدعة) ، وكتاب: (بيان البدع الشيطانية) ،
وكتاب: (بيان وجوب الهجرة) وغيرها التي تزيد عن مئة كتاب.
وقد وقف ﵀ أمام سلاطين (الهوسا) وأنكر عليهم انحرافهم عن الدين
وظلمهم الرعية، وحملهم إياهم على أحكام جاهلية وتقاليد موروثة، فقابلوا دعوته
بالرفض والاضطهاد له، قال الشيخ (عثمان) في كتابه (نجم الإخوان) : (أرسلنا إلى
جميع ملوك الهوسا أن ينصروا دين الله ويعينونا في إقامة الدين، فاستكبروا وأبوا؛
فاستأصلهم الله، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [٣] ، وجمع
السلاطين قواتهم، وكان أشدهم عداوة للمسلمين سلطان (غوبر يُنْنَى) ، فدارت
مناوشات وحروب انتهت إلى النصر المبين لجماعة الشيخ.
وهكذا تم الأمر بانتصار الإسلام والمسلمين، وأقام الشيخ (عثمان) دولة
إسلامية هي الوحيدة على نمطها في القارة الإفريقية، وكانت على ما يذكر الدكتور
(حسن عبد الظاهر) أول تجربة إسلامية بإطلاق في تاريخ المنطقة، صبغت
المنطقة بصبغة الإسلام، وأعطت المسلمين مفهوماً صحيحاً عن الإسلام، وكانت
تجربة رائدة وقدوة اقتفى أثرها كثير من الحركات الإسلامية في المناطق المجاورة
لها شرقاً وغرباً [٤] ؛ إذ طبقت الشريعة بكل جوانبها، وساد الأمن والخير والبركة
في البلاد، واستمرت خلافة (سوكوتو (على المنهج الإسلامي وإن وجدت بعض
الانحرافات عن المنهج الأمثل لدى بعض أمرائها، ولكن قواعد الدولة ظلت على
أساس الشريعة الإسلامية إلى أن سيطر الإنجليز عليها عام ١٩٠٣م.
الاستعمار وأسلوبه الماكر في الهدم: طمع الإنجليز في دولة (سوكوتو)
الإسلامية وخططوا لهدمها والسيطرة على أرضها وسرقة كنوزها، وأرسلوا عيونهم
على فترات من الزمن ليستكشفوا أسرار الدولة، ومن أبرز هؤلاء العيون:
(كلابرتون) Clapperton و (دينهام) Denham و (أدني) Oudney، وقد
زار هؤلاء منطقة (برنو) ، و (كانو) ، و (سوكوتو) عدة مرات بعد الرحلات
الاستكشافية التي قام بها (مونجو بارك) Mungo park قبلهم [٥] وفعلاً حصلوا
على بغيتهم، فبعد مدة من الزمن مشوبة بالمكر والمكائد واختلاق اتفاقيات تجارية
وسياسية قام الإنجليز بحملة شرسة على دولة (سوكوتو) الإسلامية، وقاومهم جنود
الإسلام ولكن لما لم تكن المقاومة من الإمارات الإسلامية موحدة فلم تُجْدِ شيئاً،
وسقطت الإمارات الإسلامية على يد الإنجليز واحدة تلو الأخرى، وأخيراً سقطت
العاصمة (سوكوتو) عام ١٩٠٣م.
سيطر الإنجليز على الحكم وأوثقوا قبضتهم على البلاد، ولكنهم أدركوا من
أول وهلة أن التعرض المباشر لمعالم الدين سيوقظ حفيظة الناس ويثيرهم ضد الحكم
الإنجليزي النصراني الغاصب، فاستغلوا نظام الحكم القائم وحكموا البلاد بطريق
غير مباشر وهو ما أسموه Indirect rule؛ إذ كانوا يصدرون أوامرهم للأمراء
المحليين؛ وهم يقومون بدور تنفيذها على رعيتهم، وعلى هذا يكون الحاكم الحقيقي
هو الممثل الإنجليزي.
وكذلك لم يقم الإنجليز بإلغاء الشريعة الإسلامية جملة واحدة عن طريق
مراسيم، بل كانوا يرددون في كل المناسبات أن لا دخل لهم بديانة الناس وتقاليدهم، وقد يُظهِرون في بعض الأحيان (في نفاق سافر) تأييدهم لبعض مظاهر الدين،
ولكن ما أن تَمّتْ لهم السيطرة على البلاد حتى كشفوا القناع؛ فظهرت عداوتهم
للإسلام وبدؤوا يستخفّون به، ويصفون شريعته بالهمجية، واستطاعوا أن يلغوا
الشريعة تدريجاً حتى لا يتفطّن لذلك المسلمون.
نعم: غلب الإنجليز المسلمين في ساحة القتال، ولكن روح الإسلام بقيت في
قلوب الناس، فقابلوا تلك الهزيمة برفض كل ما ينتمي إلى الإنجليز، وهجرَ
جمهور الناس مدارس الإنجليز، واستقبحوا التشبه بهم في كلامهم ولباسهم وكل
تقاليدهم، ويرى بعض الناس أن هذا كان سبب تأخر المسلمين خصوصاً في الشمال
في العلوم المدنية، غير أن الحقيقة هي أن هذا الموقف ساعد المسلمين إلى حد كبير
في الحفاظ على دينهم إلى جانب أن الإنجليز لم تكن لهم رغبة صادقة في تعليم
المسلمين العلوم التي تؤهلهم لإدارة أمورهم من غير الاعتماد على غيرهم، وكان
سعي الإنجليز نحو تأهيل النصارى والوثنيين كبيراً ليتولوا شؤون البلد بعد
مغادرتهم؛ وهذا ما حصل بالفعل.
حاضر نيجيريا: هي أكبر دول أفريقيا السوداء: فهي ذات طاقات بشرية
ومعدنية ولها موقع جغرافي استراتيجي وحساس؛ مما جعلها محل اهتمام القوى
الغربية، ولما تملكه من مميزات يسهل عليها التأثير على الدول المجاورة لها مثل
(النيجر) و (الكاميرون) و (بنين) و (تشاد) و (غانا) وغيرها، ويشمل هذا التأثير
الأمور الاقتصادية والسياسية والدينية والفكرية.
يبلغ عدد سكان (نيجيريا) حالياً أكثر من مئة مليون نسمة، ويشكل المسلمون
حوالي ٧٠% من عدد السكان، وفيها قبائل كثيرة جداً يصل عددها إلى أكثر من
مئتين كلها متباينة اللغات واللهجات، وأكبر قبائل الإسلام هي (الهوسا) و (الفلاني)
و (كانوري) في شمال (نيجيريا) و (يوروبا) في الجنوب.
و (نيجيريا) دولة بترولية، وعلاوة على ذلك فهي غنية بمعادن هائلة قلما
يوجد مثلها مجتمعة في دولة واحدة؛ ففيها الذهب، والفضة، واليورانيوم، والفحم
الحجري، والنحاس، والحديد، وغير ذلك [٦] ، وفيها أيضاً أراضٍ واسعة صالحة
للزراعة وتربية المواشي.
ولكن كل هذه الطاقات الطبيعية تكاد تكون مهدورة؛ إذ لم يستغل منها إلا
القليل جداً، فلا تزال الدولة تعاني من المشاكل الاقتصادية، وتتصاعد الديون
الدولية عليها، ويعيش أغلبية الناس في فقر مدقع بجانب طبقة قليلة تتقلب في ثروة
قارونية وترف فاحش، وتستغل الهيئات التنصيرية العالمية هذا الوضع السيئ
لاصطياد ضعفاء النفوس وتنصيرهم.
المسلمون ودستور الدولة: إن دستور الدولة عبارة عن خليط من النظام
الإنجليزي الموروث والنظام الديمقراطي الغربي، وظلت العلمانية القاعدة الأساسية
التي تقوم عليها الدولة. نعم توجد محاكم إسلامية في الولايات الشمالية تحكم في
دائرة الأحوال الشخصية، ولكن هذا ولما فيه من بعض تحريفات وقيود لا يشفي
غليل المسلمين.
الصراع العنيف بين الكفار والمسلمين: منذ أن ضمت المناطق الشمالية
والغربية والشرقية في سنة ١٩١٤م، لتكوِّن دولة (نيجيريا) ، عرف الناس أن
الخطأ الفظيع الفاحش قد ارتكب؛ فهي مناطق بينها اختلاف ومباينة في الدين
واللغات والتقاليد والتاريخ والطموحات، وقد فقدت الدولة المصطنعة كل شروط
ومقومات الوحدة والاستقرار، أو ما يسميها (ابن خلدون) بالعصبية؛ فالمنطقة
الشمالية تعتز بمجدها الإسلامي وتتطلع لإعادة ذلك، والمنطقة الجنوبية (ما عدا
مناطق اليورباة المسلمة) ترحب بالنفوذ النصراني؛ فشتان ما بينهما، وكان هذا
سبباً لحدوث صراعات مريرة بين الكفار والمسلمين كادت أن تقضي على كيان
الدولة؛ ففي سنة ١٩٦٦م، قام بعض (الإيبو) بانقلاب عسكري أدى إلى قتل عدد
من القادة المسلمين، منهم رئيس الوزراء الحاج (أبو بكر تفاوا بليوا) ، والحاج
(أحمد بلو) حفيد الشيخ (عثمان بن فودي) ، وكان الحاج (أحمد بلو) قبل ذلك قد أثار
غضب الدول الغربية ودولة الصهاينة بجولاته الدعوية ومساندته الظاهرة لقضايا
الإسلام، ثم زاد على ذلك قولته المشهورة لما سئل عن العلاقة مع إسرائيل: (ليس
في قاموسي ولا في خريطتي لإسرائيل وجود) ، فقتلوه بعد ذلك، قتلهم الله.
الحرب الأهلية (١٩٦٦م ١٩٧٠م) : ثم ولجت الدولة في حرب أهلية دامية
بسبب إعلان (الإيبو) انفصالهم عن (نيجيريا) وإقامة دولة (بيافرا النصرانية
الانفصالية) ، فأخفقت تلك المحاولة وأرغموا على البقاء في (نيجيريا) ، ولكن لا
تزال فكرة الانفصال واردة لديهم، ففي سنة ١٩٩٢م، قام بعضهم بمحاولة غير
ناجحة لانقلاب عسكري، وكان من القرار المتفق عليه لديهم هو إخراج الولايات
الشمالية المسلمة من دولة (نيجيريا) ، ومع هذا فقد شاء الله أن يكون لبعض (الإيبو)
نصيب من الإسلام، فهناك الآن عدد منهم يُقْبِلون على الإسلام مع أن الجهود التي
يبذلها المسلمون في دعوتهم قليلة جداً. إن هناك الآن أقلية مسلمة من (الإيبو)
ونشاهد المساجد في بعض قرى ومدن تلك الفئة؛ إذ يوجد مسجد كبير ومدرسة
إسلامية في (أغبور) ، ومسجد جامع في الجامعة النيجيرية بـ (إنسوكا) ومركز
إسلامي تابع لرابطة العالم الإسلامي في (آبيكبو) (كلها في وسط الإيبو (، وهناك
حاجة إلى دراسة واعية لاحتياجات الدعوة في تلك المنطقة حتى تتم للعمل الإسلامي
أهدافه.
أخطار الفتن الطائفية: لقد اتخذ النصارى أسلوب إثارة الفتن الطائفية بقصد
الاستئصال العرقي للمسلمين، ومن ذلك ما قامت به بعض قبائل الأقلية النصرانية
في الولايات الشمالية المسلمة من قتل المسلمين وتحريق بيوتهم ومساجدهم وتخريب
حقولهم، حدث هذا في (زانجون كاتف) (Zangon Kataf) سنة ١٩٩٠م ثم في
سنة ١٩٩٤م. وفي ١٩٩٥م هاجم الكفار الكتفيون المسلمين يوم الجمعة وهم
يصلون فقتّلوهم تقتيلاً؛ حتى إن المرأة الحامل بقروا بطنها واستخرجوا الجنين ثم
ضربوا برأسه الحائط.
وقد قام النصارى بمثل هذا أيضاً عدة مرات في (تفاوا بليوا) Tafawa
Balewa، وفي (كافنشان) Kafancan، وفي (تيجنو وادوجو) Tigno
Wadugu وقع ألف من المسلمين ضحايا أثناء هذه الأعمال الإجرامية التي قام بها
النصارى، وفي كل مرة تحدث هذه المذابح تقوم أجهزة الإعلام بعملية تشويه
للحقائق تزويراً للأمور وتبرئة للنصارى.
وأجهزة الإعلام عندنا يسيطر عليها النصارى، وإن وجدت مسلماً في جهاز
إعلاميٍّ مّا، ألفيته غير واع لواقعه ولا جاداً في دينه إلا قليلاً ممن عصمهم الله
وهداهم.
ومما يزيد الأسف أن رجال الأمن الموكلين بمكافحة الشغب أغلبهم من
النصارى؛ فهم يزيدون النار تأججاً، ويُنزلون الويلات بالمسلمين، ويساعدون
إخوانهم النصارى خفية وجهراً، وهذا من نتائج تفريط المسلمين؛ إذ تمكن
النصارى من الوصول إلى المراكز الحساسة في الدولة بينما أهمل المسلمون العمل
الجاد الموجه نحو تحقيق العزة للإسلام والمسلمين.
والحال على هذا المنوال في كل الجوانب؛ فالنصارى هم أصحاب الشركات
الكبيرة، وهم المتسلطون على الأعمال التجارية المهمة، وهم أصحاب المهارات
العلمية والمهنية، في حين تجد أكثر المسلمين في أعمال تجارية تافهة مثل بيع
القصب والكعك إضافة إلى مهن يدوية لا تحتاج إلى علم ولا مهارة مثل إصلاح
الأحذية والحلاقة، ولا ننكر وجود عدد من المسلمين أصحاب ثروات طائلة
وأصحاب مهارات علمية ومهنية، غير أن عددهم لا يتناسب والأغلبية الكبيرة
للمسلمين في الدولة، ومع هذا فلو أحسن المسلمون استغلال الثروات التي في أيديهم
والطاقات التي لديهم لتحسنت أحوالهم إلى حد كبير، ولكنهم نائمون ويحتاجون إلى
من يوقظهم ويحركهم؛ فإذا تحركوا فإن إفريقيا بأجمعها ستتحرك بإذن الله معهم،
ولعل هذا هو السر الذي أدركه أعداء الإسلام، فركزوا أكبر جهودهم التضليلية على
دولة (نيجيريا) فقد أصبحت (نيجيريا) معملاً لكل التجارب الأجنبية المشبوهة ومن
هذا القبيل: فإن في مدينة (كانو) حالياً فقط أكثر من عشر جمعيات عالمية غير
حكومية كلها تروِّج فكرة تحديد النسل وقضية حقوق الطفل والمرأة، وهناك هيئة
UNICEF التي تسعى إلى تعديل مناهج المدارس الإسلامية الأهلية وخلاوي
تحفيظ القرآن بحجة تحسين الوضع الاقتصادي لخريجي هذه المدارس؛ فإن لم
ينتبه المسلمون ويعملوا لتأهيل إخوانهم وتعليمهم في شتى التخصصات العلمية
والعملية فستكون هذه هي القاضية التي تكسر ذلك الحاجز الذي حال دون تنصير
المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 2704
منتدى القراء
ديغوس لا.. ديفوسي
بقلم: عبد الله صالح
اطلعت على العدد الأخير من مجلة البيان (عدد شعبان) وسررت لما جاء فيه
من مواد مناسبة وطيبة بحمد الله، ولديّ بعض الملاحظات المتواضعة التي آمل أن
تتسع صدوركم لها حول تقرير دعوي.
أظن أن الأخ الكاتب لم يتحرّ الاسم الصحيح لاسم المنطقة وهو (ديغوس)
بالغين لا بالفاء.
وديغوس تقع في محافظة داباو (بالواو) وليس دابار، وهي أكبر مدينة بعد
مدينة داباو. فالأخطاء كثيرة وأظن أن الأخيرين خطآن مطبعيان. والله أعلم.
ثم إن عدد سكان الفلبين ليس خمسة ملايين ولا حتى خمسين مليوناً؛ فآخر
الإحصاءات كما نشرته مجلة آسيا ويك تبين أن عدد سكان الفلبين هو ٧١.٨
مليون نسمة. وجزاكم الله خيراً.
стр. 2705
منتدى القراء
غفلة
شعر: عبد الله بن محمد السرحاني
الناس في غفلةٍ والدهر يقظانُ ... والحادثات لها في الناس ميزانُ
قد مات من حاز في الدنيا لذائدها ... ولم يخلِّد بذي الدنيا سليمانُ
وانظر لفرعون طاغوت الطغاة فكم ... دعاه موسى فلم يردعه برهانُ
نبينا المصطفى يدعو لدين هدى ... دعا طغاة قساة القلب ما لانوا
стр. 2706
منتدى القراء
تتحدث عن نفسها
شعر:أسامة أنور عيسى
كيف الحياةُ؟ تعطلَتْ كلماتي ... وُئِدَتْ على جسرِ الشفاهِ حياتي
قد كنْتُ في ثغرِ الجدودِ يمامةً ... خفّاقةَ الأجناحِ والنبضاتِ
محبوبةً، منطوقةً، مسرودةً ... ممزوجةً بالحبِ والصلواتِ
أنا صاحبي نهرٌ لذيذٌ لفظُهُ ... يهدي إليك روائعَ الحسناتِ
أهملتني ورميْتَ كلَ حلاوتي ... للصمتِ والنسيانِ كالأمواتَ
فإذا أتيتُك من فؤادٍ مسلمٍ ... ألقيتَ بي في سلةِ العثرات
آهٍ لماذا تستبيحُ كرامتي ... وتدمرُ الخيراتِ بالهفوات؟
وإذا عطفْتَ عليّ يوماً لم تقلْ ... إلا كُلَيْمَةَ كارهٍ أو عاتي
هذا السلامُ بساحتى يمحو الوغى ... ويزيلُ حقداً من فؤادِ عِدَاتي
والرحمةُ الخضراءُ تغمرُ ساحتى ... لتصبّ ضوءَ الحبِ في الظلمات
وتقاومُ الكرهَ الدفينَ بحاقدٍ ... وتمد دفءاً في قلوبِ قُساةِ
يا ظالمي عدلاً فإنّ تشتتي ... سمٌ تسللَ في مسيلِ فُراتِ
أنا دعوةُ الهادي لنشرِ محبةٍ ... أفشو السلامَ لرائحٍ أو آتٍ
لا تهجروني للزمانِ برطنةٍ ... كمشعوذٍ في أقبحِ الجلساتِ
تتلقفونَ من الفرنجِ تحيةً ... (ولْكَمْ) تعربدُ في ربيعِ حياتي
لا عِمْ صباحاً في الصباحِ تحيتي ... لا عِمْ مساءً في المساءِ لغاتي
فسلوا القُرانَ وقد أتيتُ بلفظِهِ ... مغموسةً بالطهر والرحماتِ
وسلوا الجنانَ أنا الرحيقُ بثغرها ... وفراشةٌ آبتْ من الزهرات
وسلوا الصحابة كيف كنت أُظلّهُمْ ... بالحل والترحالِ والصلواتِ
قُلْ كيفَ تحيا يا أخي بين الورى ... وَتَحَجّرٌ بالفعل والكلمات
فامسكْ زمامي كاملاً وانطقْ به ... تجدِ الوئامِ يطوفُ بالطرقاتِ
فأنا السلامُ ورحمةٌ من خالقي ... فانزلْ بساحي تمتلكْ بركاتي
стр. 2707
منتدى القراء
مناجَاة
شعر: د. حمدي محمد شتا
أنا دون عطفكَ يا إلـ ... ـهي لستُ في دُنْيَاي شَيّا
لَمْ أستعن أبداً بغيـ ... رك لَمْ أكُن عَبداً عصيّا
وإذا ظَمِئتُ فكوثر الرّ ... حْمن يروي القلبَ ريّا
فقِني إلهي شرّ نفـ ... سي واهدني الدربَ السّويّا
وإذا لقيتك فاعف عنِي ... حينَ تطوي العُمْرَ طيّا
стр. 2708
منتدى القراء
صرخة من سراييفو ا
شعر: أنور الزهراني
أنا صوت يا نائمون أفيقوا ... أين أهلُ التقى وأهل الصلاةِ
أنا طفل لم يرحموني ولكن ... تركوني أذوقُ مُرّ الحياةِ
كالبتني الأحزان من كلِّ صوبٍ ... وأخي أوجعوه بالطعناتِ
يا بلادَ البلقان أنْت مثال ... نستقي منْه أنبلَ الوقفاتِ
أنتِ صبرٌ وتضحياتٌ وعزٌ ... أنْتِ أسد الغاباتِ في التضحياتِ
стр. 2709
منتدى القراء
إنا على العهد
شعر: حسن بن أحمد القرني
جرح العقيدة يا ابن الدين ينهمرُ ... فلا إخالُ أخا الإسلام ينتظرُ
فاليوم يومك فانهض دونما كسل ... واشمخ بأنفك وارفض درب من كفروا
واخلع من الغمد عزماً شاههُ صدأٌ ... واصمدْ فإنك بالإسلام تنتصرُ
ومن جماجمنا نبني حضارتنا ... نحيي مسيرتنا والفسقُ ينتحر
يا أرض بلقان طال الذل فاحتسبي ... إنا على العهد مهما نالك الأشِرُرُ
стр. 2710
منتدى القراء
أنّة الروح
شعر: عبد الله بن عبيد العبيد
أنا مسلمٌ قد كنت أكتم عزتي ... قد كنت أكتمُ رايةَ التوحيدِ
فصرختُ أشهدُ: لا إله سوى الذي ... أحيا وأوجدَ في الوجودِ وجودي
ثم انطلقتُ لمسجدي وجوانحي ... تهفو لذكرٍ خالدِ التمجيدِ
وشرعت أمسح مصحفي في لهفةٍ ... لأُرتّلَ الشورى وسورة هودِ
وكأن كلّ الكون غرد وانتشى ... طرباً لكسر القيد والتقييد
لكن حظي أنني في عالمٍ ... لا يرتضي لي أن أذيب جمودي
لا يرتضي لي أن أعيش ورايتي: ... الله أكبر حُلتي ووقودي
هم قد أرادوا أن أعيش مكمماً ... لا يستفيضُ بالابتهال نشيدي
هم قد أرادوا أن أعيش لغايةٍ ... أدنى وأحقر من فتات العودِ
لكنني والله يشهدُ أنني ... أهوى الحياة لربنا المعبودِ
والمسلمون فعالهم أحلامهم ... وجهادهم في ضجةِ التنديدِ
стр. 2711
منتدى القراء
قادم ديني
شعر: عبد الرحمن عبد الهادي العمري
آيةٌ في الصف تمحو كل شيء قد يشينْ ...
كل حزنٍ كل جرح أو دموع أو أنين ...
كل شبرٍ من ترابٍ فوقه ظلم مبين ...
وكذاك الحق يبقى عالياً في كل حين ...
قادمٌ ديني بحقٍ وانتصارِ المسلمين ...
стр. 2712
منتدى القراء
الأدمغة الأسيرة
شعر:محمد أحمد عبد الله الزهراني
ونضحَكُ فاكهينَ بما اعترانا ... مِنَ الأسقامِ والغُصَصِ العَصيّهْ
فلسطينُ اليتيمةُ مُبتَغَاها ... جناحُ أبٍ.. رضا أُمٍّ وفيّهْ
فكيفَ تقومُ خيلُ الذّودِ عنها ... وأرْجُلُها مُعطّبةٌ وَهِيّهْ
حُروفُ لِسَانِنِا أوهى دُروعٍ ... فهل صدّتْ رصاصةَ بُندقيّهْ؟ !
سَرَابٌ.. لن يُجمِّعَ شملَ قومٍ ... من الوديان والطرق الرديهْ
فيا أزمانَ عِزّتنا تعالَيْ ... لتشهد عينُكِ الأقصى ضحيّهْ!
فتلكَ حرائِقُ العُدوان تسمو ... وبركانٌ يشبّ بلا رويّهْ
إلهي أنت ناصرُ سيفِ حقٍّ` ... فأسعِفْنا لكي تُطوَى الأذيّهْ`
стр. 2713
منتدى القراء
نشرة الأخبار
بقلم: عاطف كامل
أحبائي أعزائي ...
أحييكم..فهذا موعدي معكم ...
إليكم نشرة الأخبار: ...
شهيدٌ في ثرى القدس.. ...
وآخرُ في جبال النار ...
وباراكٌ وطغمته بصحن الدار.. ...
نكرّمْهم بطوق الغار ...
وطيارٌ يهودي يعربد في سما لبنان.. ...
ونارٌ تحرق الأحجار.. في كشمير والشيشان ...
وأنظمةٌ تمارس لعبة الإرهابِ ...
تلصقها بمن شاءت من الأطهار [*] ...
وجلادٌ عروبي من الثوار والسمّار ...
يريق دماء من ثاروا على الطغيان والفجار ...
أحبائي أعزائي.. بكل مكان ...
إليكم خالص الأعذار ...
من همِّ يوافيكم مع الإفطار ...
ويغزوكم.. إلى الأسحار ...
وأشكركم.. على أمل اللقاء بكم بغير عثار ...
стр. 2714
الورقة الأخيرة
أهمية استغلال السوانح
بقلم: د.شاكر عبد الرحمن السروي
إن الدعاة إلى الله في طريق دعوتهم إنما هم في تجارة مع الله، قد أبرموا
عقدها وأتموا صفقتها؛ فلا يقيلون ولا يستقيلون: [إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ
أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً
فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَذِي بَايَعْتُم
بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] [التوبة: ١١١]
وإن التاجر الحاذق ليتحين الفرص لينتهزها، بل ويشحذ فكره ويبذل جهده
لإيجاد هذه الفرص وبعثها من بين ركام الصفقات اليومية.
إن سمو البيع وقدسية الصفقة التي أبرم عقدها كل داعية إلى الله، لَتحتّم عليه
أن يكون على الغاية من إعمال الفكر وبذل الوسع وانتهاز الفرص ليحقق أعظم
المكاسب، فيسعد في الدنيا والآخرة.
وإن أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه كانوا أصحاب السبق في ذلك،
فهذا نوح ﵊ جرّب كل الطرق وحاول بكل الوسائل المتاحة
لإبلاغ الدعوة. قال تعالى: [قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ
دُعَائِي إلاَّ فِرَاراً* وَإنِّي كُلِّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ
وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَاراً] [نوح: ٥ - ٩] .
فلا بد إذن من طرق كل الوسائل المشروعة، وانتهاز كل الوسائل المتاحة
لأداء مهمة البلاغ، ولدعم الانتشار الأفقي لهذه الدعوة في انسياب كانسياب الماء،
ما إن يعترضه حاجز إلا ويلتف حوله متابعاً سيله حتى يبلغ مستقره.
ولتحقيق ذلك فإننا بحاجة إلى طائفة توقف حركتها (الميكانيكية) وتنتصب
قائمة، رافعة الرأس وسط جموع العاملين، بل وحبذا لو ارتقت عالياً لتنظر إلى
أفق أوسع وتحيط بنظرتها ميدان العاملين لتؤدي مهمة استكشافية تيسّر السبل لتحديد
الغرض فتستعد لاقتناصها، وتعرف الإمكانيات فترتب لاستغلالها.
إننا وفي غياب هذا التفريغ الجزئي نصبح مجموعة من التروس الصغيرة
وسط آلة ضخمة ندور معها ونحسب أنّا نديرها، أو كالأكمه الذي لا يعرف من
الألوان إلا اسمها.
أما أحسنُنا حالاً فهو من يحتذي حذو سلف اقتنصوا فرصاً، فهو يتقمص تلك
الشخوص في وتيرة باردة هذا إن لم تكن تلك الفرص الخوالي مما لا وجود له في
واقع الحاضر بعيداً عن الإبداع الذاتي ومتخلفاً عن مجاراة ما يستجد من سوانح
الفرص التي إنما تمر مرّ السحاب؛ وقليل من يرتوي بمائها.
стр. 2715
ذو الحجة - ١٤١٨هـ
أبريل - ١٩٩٨م
(السنة: ١٢)
стр. 2716
كلمة صغيرة
البيان والتطوير
الشكل وإن كان ليس بأهمية المضمون في كل عمل إبداعي إلا أن له قيمته
وأثره في الاندفاع لاقتناء أي كتاب أو مجلة؛ ومن هنا كان اهتمام الإعلاميين
بالشكل والمضمون معاً.
ولقد كانت رسائل كثير من قرائنا الكرام تؤكد على مسألة الاهتمام بالشكل،
والدعوة إلى حسن الإخراج ليكون لذلك تأثيره في لفت نظر المطلع والقارئ؛ مما
يدعوه إلى أن يسعى إلى اقتناء هذه المجلة التي عملنا ونعمل جاهدين على أن تكون
(لسان حق) و (داعية خير) في خضم الكم الإعلامي الهائل من الوسائل المقروءة
والمسموعة والمرئية.
وباعتقادنا أن المقروء ومهما كانت الوسائل الأخرى أشد جاذبية وأكثر تأثيراُ
منه فإن له جمهوره ومحبيه، ومن هنا جاء أملنا في المحاولات التطويريه الجديدة
للرقي بعملنا الإعلامي إلى مستوى أفضل من ناحية، ولكسب الإخوة القراء ولاسيما
ممن لم يسبق لهم الاطلاع على هذه المجلة حينما يقرؤونها لأول مرة. ونحسب أننا
قد عملنا جاهدين لجذب القارئ بالشكل والمضمون معاً، ليكون من قرائنا ومتابعينا: بالكلمة الصادقة، والتحليل الموضوعي، والمعلومة الموثقة، والفكرة الطريفة.
ونرحب في الوقت نفسه بكل رأي جديد ونصيحة صادقة وفكرة مميزة للتعاون
على البر والتقوى والعمل معاً، وليكن رائدنا جميعاُ: (التواصي بالحق والتواصي
بالصبر) ، راجين لمجلتنا أن تصافح قلوبكم قبل أعينكم في تطويرها الجديد الذي
سيكون حافلاً بالعديد من المقالات والأبحاث والمتابعات والهموم الثقافية مما يخدم
مصلحة قرائنا الأعزاء.
راجين أن يسهم ذلك في مسيرة الدعوة الإسلامية إلى الأفضل والأحسن. ...
والله نسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 2717
افتتاحية العدد
هذه غابة العولمة.. وتلك وحوشها !
يجتذب مصطلح (العولمة) يوماً بعد آخر المزيد من النقاش، والكثير من
الجدل؛ لما لهذا المصطلح من تأثير مباشر متراكم آخذ في القوة على حياة البشرية
منذ أن أخذت وسائل الإعلام ومؤسسات صنع العقول في طرحه وتسويقه إلى
المثقفين والعامة ... هذا المصطلح الذي يأتي امتداداً لرؤية عالم الاتصال الكندي
الشهير (مارشال ماكلوهان) بتحول العالم إلى قرية كونية أو عالم واحد يثير اليوم
غباراً كريهاً من الممارسات والفواجع والكوارث.
لنتفق أولاً على أن (العولمة) ليست مخلوقاً جديداً أو فكرة ترفل في ثياب
جديدة مع تسليمنا بأن وجود مصطلح العولمة يقصد به وجود نمط عالمي واحد،
وباختصار: امتداد طبيعي لنمو (المركز) الغربي وانبساطة في الأرض (مبشراً)
بنموذجه المادي المغرق في حب السيطرة، أو كما يقول أحد المفكرين الغربيين:
(إنها روما الجديدة ... كما كانت روما في السابق تصر على أن كل الطرق تؤدي
إليها؛ فإن العولمة حتماً لا تعرف سوى طرق تؤدي إلى أمريكا، وكما كانت روما
جنة السادة وجحيم العبيد فإن أمريكا تعيد الفكرة نفسها حيث لا يوجد قرية كونية إنما
مدينة مقسمة: واحدة للأثرياء، وأجزاء شاسعة للفقراء الذين يشعرون بالسعادة؛
لأنهم يجاورون السادة ويشاركونهم اسم المدينة) .
ولنتفق ثانياً أن من حق الأمة المسيطرة أن تسعى لفرض ثقافتها وسلوكها
ومعتقدها ومصالحها؛ عملاً بمبدأ التدافع في الأرض.
ولنتفق ثالثاً على عدم طرح العولمة على أنها شر محض ونقبل ما فيها من
مصالح مثل انتقال المعلومات المجردة، ونقل أيسر للتقنية ورأس المال اللازم
لتنمية البلدان الفقيرة والأقل نمواً.
(هل هناك داعٍ لذكر أن المسلمين يشكلون رقماً لا بأس به في هذه القائمة؟)
ولنطرح أيضاً موقفاً محايداً من كل العوامل السلبية التي يراد لنا أن نبتلعها ونتلذذ
بطعمها المر ثم لنسأل أسئلة مدوية بحجم القضية المطروحة.
لماذا يبشر النموذج الأمريكي بالعولمة في الوقت الذي تزداد السياسة الأمريكية
والغربية انغلاقاً وعنصرية ورفضاً (للعالمي) إذا مس أرضها ومصالحها ونمط
معيشتها أدنى مس..؟
لماذا تتفق مراكز العولمة وأركان صنع قرارها على اتخاذ الإسلام عدواً وحيداً
أمام النموذج الذي تدعوه بـ (المتحضر) والذي يعكس تفاهة تلك الثقافة وغوغائيتها؟
لماذا يراد لنا نحن المسلمين أن نقبل بعضوية (نادي العولمة) دون أن نسأل
عن شروط العضوية، ورسوم الاشتراك، وطقوس النزع التي تنتظرنا، ودرجة
حرارة النار التي سوف يطبخ عليها (العشاء الأخير) الذي سيزيل من أجسادنا آخر
ذرات المقاومة ليجهز في النهاية على أنفاسنا؟
إن هذه الأمة بشهادة خبراء العولمة أنفسهم كانت حتى هذه اللحظة ولا تزال
أصعب الأمم على القولبة وأشدها مراساً في مواجهة النموذج الاستعماري المتغطرس.
والعولمة لا تعني انتقال البضائع والخدمات والنقد والتقنية والمعلومة والشركة
والسلوك والثقافة منفردة الواحدة تلو الأخرى.. كلا إنها تعني أن يقدم هذه الطّعم
ضمن سياق فكري لا نحتاج إلى ذكاء شديد أو حتى بلاهة أشد لنعرف حقيقة أنه
الثقافة الغربية: النصرانية/ المادية في نموذجها الأشد فجاجة وغطرسة وتعالياً!
وإذا كان من حق فرنسا أن تقاتل وتحارب وترفع صوتها وتتصدى بالقوانين
والممارسة لهذا النموذج ... فلا أظن أن اللاعقين لجراح (داحس والغبراء)
المعاصرة إلا أن يفتحوا عيونهم قليلاً وعقولهم كثيراً لهذه الهجمة المتواصلة منذ
انحسار الإسلام كقوة عالمية ودولية مؤثرة!
إن الأسئلة تزداد توغلاً في صدورنا ونحن نرى اليوم ثمار العولمة تنبت في
أراضينا شجراً من علقم..
المسلمون في جنوب شرق آسيا كانوا قبل أشهر ضحية للعولمة مضافاً إليها
مخزون كراهية متفجر.. فالخبراء الأوروبيون يرون أن تحطم الأسواق الآسيوية،
كانت عملية مدبرة بين البنك الدولي والبنوك الغربية الكبرى وامتدادها الياباني حيث
أغرقت هذه الأسواق بالقروض الربوية القصيرة الأمد والتي كانت تقدم بشكل مثير
وبأرباح هائلة تدفع لأصحاب الثروات البنكية، ثم اتضح بعد الأزمة أن البنك
الدولي تَقَدّم لمساعدة هذه الدول شريطة تسديد أرباح البنوك الغربية الفلكية وإغلاق
البنوك الوطنية الربوية هي أيضاً لينفرد النموذج الوحيد نفسه للعولمة بالساحة؛
وتنتهي مقولة النموذج الآسيوي أو النمور الصاعدة التي تُروّض بأمثال اليهودي
البشع (سورش) .
هذه العولمة يقودها كما يطمئننا الخبراء المروِّجون للعولمة الأفراد لا
الحكومات، وإذا كان سورش بإجماع الخبراء هو (نجم العولمة القادم) فلنقرأ شيئاً
من سيرته.
قام سورش بدعم المافيا اليهودية الحاكمة في روسيا؛ وهذه المافيا تشمل
إمبراطوريات المال والإعلام، ويستثمر ما يزيد على ٣٠ بليون دولاراً متحالفاً مع
عصابات المافيا والإجرام التي يحركها اليهود هناك.
قام بالمضاربة في بورصات جنوب شرق آسيا لأشهر قبل الأزمة؛ ويتفاخر
بأنه حطم أسعار البورصات إلى النصف، وكانت ماليزيا وأندونيسيا أكثر الدول
تضرراً حيث ما زالتا تعانيان الأمرّيْن.
يدعم حالياً صناعة الألماس (الإسرائيلية) بـ ٢٠ بليون دولاراً حتى لا ينهار
سعر الألماس المصنّع الذي يشكل مصدراً هاماً للدخل للدولة الصهيونية.
ساد الهلع سوق المال المصرية بعد إعلانه استثمار بلايين الدولارات في
السوق المصري الذي أكد خبراء المال أن دخوله إليه سيحطمه وبسرعة!
إذن هذه هي بعض (لقيمات) العولمة الاقتصادية التي هبت لمساعدة كوريا
وتايلاند بينما تركت أندونيسيا وماليزيا تلعق جراحها رغم أن كوريا ليست في
أمريكا الشمالية وتايلاند لا تمت إلى القارة الأوروبية بصلة! !
أما العولمة العسكرية فنحن في هذا الجزء من العالم نشهدها ونلمسها حين
تصر واشنطن على الخيار العسكري المدمر في الخليج بينما كل دول العالم ترى أن
خيارات المفاوضات العالمية بعد ذلك لإرضاء (غطرسة العولمة) التي لا تنظر للعالم
سوى بمنظار السادة والعبيد.
أما العولمة الثقافية فهي برأي الخبراء والمفكرين تروِّج لثقافة (الهمبرجر)
(والكوكاكولا) والغناء على الطريقة نفسها، وهي طلائع العولمة التي لا تبشر إلا
بمزيد من الشقاء والتعاسة للبشرية.
فكم من (سورش) على الطريق يعمل لوأد كل اتجاه صاعد في عالمنا ...
الإسلامي؟ ! وهل يا ترى ننتبه لما يراد لنا أم على قلوب أقفالها؟ !
وأخيراً: فالعولمة تحدٍّ كبير يحتاج من الأمة أن تستدعي مثقفيها وعلماءها
ومفكريها إلى رصدها والتصدي لها من منظور إسلامي، وهي قضية شائكة تتطلب
التفهم الإيجابي لبعض مكوناتها كالاستفادة من التقنية أو الجوانب الاقتصادية التي لا
تتعارض مع مصالح الأمة المسلمة..
وهذه الدعوة تحتاج إلى عقول ورجال وإمكانات بحجم التحدي الهائل وبحجم
الإحجام والإهمال الذي نشعر به من مثقفي المسلمين الأصلاء، والذين نخجل من
نتاجهم في هذا الجانب مقارنة باهتمام ومتابعة ومقاومة الاتجاهات الفكرية الأخرى
داخل وخارج عالمنا الإسلامي.
بقيت حقيقةٌ هي منطلق هذه المحاولات والدعوات، كما أنها هي الضوء في
نهاية نفق التحدي المليء بالوطاويط.
أبداً لن تَهزِمَ ثقافةُ (ميكي ماوس) الإيمانَ الحقيقي الفعال.. إيمانَ الغلام حين
يُستدعى للموت فيطلب الشهادة شريطة أن يُنادى بسمع الكون وبصوت عالٍ ...
باسم الله رب الغلام.
[وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٢١] .
стр. 2718
دراسات شرعية
صلة علم التفسير بالعلوم الأخرى
(١ من٢)
بقلم: ميمون بن عبد السلام باريش
يُعَدّ علم تصنيف العلوم من بين العلوم المنهجية التي اعتنى بها العلماء
المسلمون عناية فائقة تجسدت أساساً في كتب ورسائل امتازت بالدقة في التصنيف
والبراعة في الترتيب سواء ما كان منها مقلداً للترتيب الأرسطي للعلوم، أو ما كان
منها خاضعاً للمنهج الإسلامي الأصيل في تصنيف المعارف [١] . ويرجع السبب
الرئيس في هذا الاهتمام إلى ما شهدته الساحة الإسلامية من تشعب العلوم وتنوع
الفنون المعرفية. ولعل هذا ما عبّر عنه العلاّمة طاش كبرى زاده [٩٦٨هـ] حيث قال: (إن الفنون كثيرة، وتحصيل كلها بل جلها لعلها عسيرة، مع أن مدة العمر
قصيرة، وتحصيل آلات التحصيل عسيرة، فكيف الطريق إلى الخلاص من هذا
المضيق؟ فتأمل فيما قدمت إليك من العلوم اسماً ورسماً وموضوعاً ونفعاً، وفيما
اخترعت من التفصيل في طريق التحصيل) [٢] .
أما الغاية من وراء هذا الاهتمام، فهي غاية تربوية تعليمية تستهدف أساساً
توجيه العقل المسلم إلى الميادين المعرفية المتنوعة لاستيعابها وتمثلها أولاً بأول،
لاسيما أن العلوم بأسرها تمثل كلاً متكاملاً ووحدة متناسقة تمتزج فيها علوم المقاصد
وعلوم الوسائل على حد سواء. وفي هذا الصدد يقول الغزالي (٥٠٥هـ) : (على
المتعلم ألا يخوض في فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب، فيبدأ بالأهم فالأهم،
ولا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله؛ فإن العلوم مرتبة ترتيباً ضرورياً
وبعضها طريق إلى بعض [ ... وعليه] ألاّ يدع فناً من فنون العلم ونوعاً من أنواعه
إلا وينظر فيه نظراً يطّلع به على غايته ومقصده وطريقه، ثم إن ساعده العمر
وواتته الأسباب طلب التبحر فيه، فإن العلوم كلها متعاونة مترابطة بعضها
ببعض) [٣] .
بل أبعد من ذلك أن العلوم الإنسانية يطبعها طابع التكامل والتداخل، وفي
العلوم الإسلامية يمكن التمييز بين تداخلين اثنين: أحدهما التداخل الداخلي وهو
الذي يحصل بين العلوم التراثية الأصيلة فيما بينها؛ والثاني: التداخل الخارجي
وهو الذي يتم بين العلوم الإسلامية والعلوم الدخيلة: يونانية كانت أو فارسية أو
هندية [٤] .
وإذا كان هذا التدخل قد تجسد بنوعيه في علم أصول الفقه باعتباره منهج
بحث ومعرفة لاستنباط الأحكام الشرعية والاستدلال عليها انطلاقاً من النقل واعتماداً
على العقل [٥] ؛ فإن الضرب الأول منه أقصد التداخل الداخلي قد تجسد في علم
التفسير باعتباره نسيجاً متكاملاً ومتناسقاً من العلوم الإنسانية المتنوعة سواء أكانت
من علوم الوسائل أم من علوم المقاصد. ولتفسير هذه الظاهرة لا بد من الأخذ بعين
الاعتبار أمرين هامين:
أولهما: ما كان عليه علماء التفسير من اتساع العقل وكمال العلم البشري؛
ذلك أن أغلب المفسرين كانوا من الموسوعيين الذين رسخت أقدامهم في العلوم
العقلية والنقلية على حد سواء، ويكفينا مثالاً على ذلك العالم العلاّمة والبحر الفهّامة، صاحب التصانيف المشهورة، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠هـ) الذي
تمكن من ناحية مختلف العلوم التي كانت سائدة في زمانه، فكتب في كل منها بقلم
العالم المتخصص.
وثانيهما: أن علم التفسير علم لصيق بالظاهرة القرآنية، وهي في حد ذاتها
لصيقة بالظاهرة الإنسانية والاجتماعية؛ إذ القرآن الكريم في مجمله إما حديث عن
الإنسان، أو حديث إلى الإنسان. ولقد أصاب ابن مسعود ﵁ حيث قال: (من أراد علم الأولين والآخرين، فليثوِّر القرآن) [٦] .
ولا بد من الإشارة إلى أن نظرة أولية في تعريفات العلماء الأجلاء لعلم
التفسير من شأنها أن تكشف عن مظاهر التداخل بين هذا العلم وغيره من العلوم،
ومنها مثلاً تعريف أبي حيان التوحيدي القائل: (التفسير علم يبحث فيه عن كيفية
النطق بألفاظ القرآن الكريم ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي
تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك) [٧] . وقد نص هذا التعريف على أن
تفسير كتاب الله لا يتأتى إلا لمن جمع زاداً علمياً يؤهله لذلك، ويدخل في
ذلك علم القراءات، واللغة، وعلم التصريف وعلوم البلاغة والدلالات، وعلوم
أخرى متممة للفهم السديد كالناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والقصص،
والتاريخ، وغيرها من العلوم المساعدة على توضيح ما أشكل من الذكر الحكيم.
وهذا نفسه ما عبّر عنه الإمام الزركشي (٧٩٤هـ) حيث قال: (التفسير علم يفهم به
كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وبيان معانيه، واستخراج
أحكامه وحِكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان
وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ) [٨] .
وعلى هذا النحو جاءت باقي تعريفات علم التفسير، وفي كل منها تنصيص
على بعض العلوم التي يحتاج إليها علم التفسير مما كان سائداً في زمن قائليها. ولقد
نص جلال الدين السيوطي (٩١١هـ) على أن تبيين ما أبهم من الآي لا يتأتى إلا لمن
كان جامعاً للعلوم التي يحتاج إليها المفسر، وذكر من ذلك خمسة عشر علماً بما في
ذلك علم الموهبة، وكل ما ذكر هي مما يتوقف عليه فهم المعنى القرآني وبيان
المراد الإلهي [٩] . وإذا كان علماء السلف قد اقتصروا على ذكر العلوم التي كانت
سائدة في عصر كل منهم، فإن التطور الزمني بما فيه من إبداع حضاري سيكشف
عن علوم أخرى هي بمثابة وسائل تعين على الفهم الدقيق لمراد الله من
خطابه وخاصة إذا سلمنا أن الشمولية والجمع بين الثبات والتطور والصلاحية لكل
زمان ومكان ... خصائص لازمة للقرآن الكريم، إذاً (فمن المحال على البشرية أن
تفهم كمالات القرآن الكريم في نواحي الوجود كلها في عصر واحد؛ إذ باستطاعة
كل عصر أن يضيف إلى تفسير الآيات المتعلقة بتلك الموضوعات مما يستجد أمامه
من العلوم والمعارف نتيجة لتطور الحضارة ونمو الثقافة) [١٠] لا سيما إذا تعلق
الأمر بالآيات الكونية، والظواهر الاجتماعية، وأسرار النفس البشرية ...
وبناءً على المعطيات السالفة ننتهي إلى القول: إن علم التفسير قد استمد،
ولا يزال يستمد مادته بالإضافة إلى القرآن الكريم من علوم مختلفة. وهي الآتي:
علم اللغة: الأمر الذي وقع عليه إجماع السلف والخلف على السواء أن العلم
باللغة العربية شرط آكد لتفسير كتاب الله فقد روي عن مجاهد رضي الله
عنه أنه قال: (لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم
يكن عالماً بلغات العرب) [١١] وروي عن الإمام مالك أيضاً، أنه توعد من رام
تفسير القرآن الكريم وهو يجهل اللغة حيث قال: (لا أُوتى برجل غير عالم بلغة
العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالاً) [١٢] .
وإنما حصل هذا الإجماع؛ لأن القرآن الكريم قد نزل باللغة العربية وعلى
مقتضى ألسنة العرب. قال تعالى: [الّر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ (١) إنَّا أَنزَلْنَاهُ
قُرْآناً عَرَبِياً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [يوسف: ١-٢] ؛ إذ لا يمكن فهم المراد القرآني إلا
بامتلاك ناصية العربية التي بموجبها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب
الوضع؛ ولذا كان لزاماً (على متدبر كتاب الله بتعمق أن يبحث في معاني الكلمات
الواردة فيه بحثاً علمياً لغوياً بالرجوع إلى أمهات المعاجم اللغوية، وبالتبصر في
مختلف معاني الكلمة واستعمالاتها الحقيقية والمجازية في لغة العرب إبّان نزول
القرآن) [١٣] . وهذا لا يتأتى إلا لمن كان ملماً بمعاني اللغة، وعالماً بكيفية وقوع
الأسماء على المسميات، بصيراً بعلاقة الدوالِّ والمدلولات، خبيراً بطبيعة
المفردات ومدلولاتها واستعمالاتها المختلفة حسب ما يقتضيه السياق ... ولا يكفي
من ذلك كله الشيء اليسير، بل لا بد من عُدة لغوية كافية؛ وذلك لأن الألفاظ تتسم
بصبغة تجوالية وتتلون تبعاً للتلونات المعرفية، وأن المشتركة منها تحمل أكثر من
معنى، وأن المقام مقام استنباط الأحكام العقدية والتشريعية، وبيان لمراد الله عز
وجل من خطابه العظيم. وفي هذا يقول الشيخ أحمد بن السمين الحلبي (٧٥٦هـ) :
(أما بعد: فإن علوم القرآن جمة، ومعرفتها مؤكدة مهمة، ومن جملتها المحتاج إليها
والمعوّل في فهمه عليها مدلولات ألفاظه الشريفة ومعرفة معانيه اللطيفة؛ إذ بذلك
يترقى إلى معرفة أحكامه وبيان حلاله وحرامه ومناصي أقواله وإشارة مواعظه
وأمثاله؛ فإنه نزل بأشرف لغة: لغة العربية المحتوية على كل فن من
العجب) [١٤] .
وإذا كان العلم باللغة من آكد شروط المفسر، فمن تحصيل الحاصل أن يُرى
أثر هذا الشرط في كتب التفسير.
علم النحو: وهو من علوم الوسائل التي يحتاج إليها المفسر لتدبر كتاب الله
، ذلك أن المعنى يتغير ويختلف باختلاف العوامل الإعرابية، فلا بد إذاً
من اعتباره، وإلا فكيف يتسنى للجاهل بالنحو وعامله أن يستنبط معنى لائقاً بقوله
تعالى: [إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) . بحيث إن في تقديم
المفعول في هذه الآية دلالة على معنى يختلف عن المعنى الذي تفيده الآية لو أخر
فيها. يقول الزمخشري (٥٢٨هـ) : (فإن قلتَ: هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول
في هذا الكلام أو أخر؟ قلتُ: لا بد من ذلك، فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت
العلماء كان المعنى: إن الذين يخشون الله من عباده هم العلماء دون غيرهم. وإذا
عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله. كقوله تعالى: [وَلا
يَخْشَوْنَ أَحَداً إلاَّ اللَّهَ] [الأحزاب: ٣٩] ، وهما معنيان مختلفان) [١٥] .
من هنا، فإن مادة النحو لا بد منها لتلاوة كتاب الله تلاة تدبّر وتأمّل، وقد أوجب الإمام الزركشي العلم بالقواعد الإعرابية على كل متعامل مع الذكر
الحكيم حيث قال: (وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلاً للمعنى وجب على المفسر
والقارئ تعلّمُه ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ من اللحن) [١٦] .
علم الصرف: وهو كذلك من علوم الوسائل التي لا غنى عنه لمتدبر خطاب
الله ؛ لأن الأبنية والصيغ به تعرف ... وفي حقه يقول ابن فارس: (من
فاته علمه فاته المعظم) [١٧] . ألا ترى أن لفظة (وجد) لفظة مبهمة، فإذا صُرِّفت
اتضحت بمصادرها:
فوَجَدَه يَجِدُه وُجُوداً، إذا عثر عليه.
ووَجَدَ يَجِدُ وُجْداً ووِجْداً ووِجْدَاناً وجِدّةً، إذا صار غنياً ذا مال.
ووَجَدَ يَجُدُ وَجْداً وجِدَة وموجدة إذا انفعل وغضب.
ووَجَدَ يَجِدُ بفلانة وَجْداً شديداً إذا كان يهواها ويحبها حباً شديداً.
ووَجَدَ يَجِدُ لفلان وَجْداً إذا حَزِن [١٨] .
ولا شك أن الجهل بالتصريف أو تجاهله هو الذي أوقع بعض المفسرين في
أخطاء شنيعة لا مكان لها في ميزان العقل، من ذلك مثلاً من فسر قوله تعالى:
[يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإمَامِهِمْ ... ] [الإسراء: ٧١] . أن الإمام في هذه الآية جمع
(أم) ، وأن الناس يُدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون
الآباء رعاية حق عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا
يفتضح أولاد الزنا. وهذا من أبدع التفاسير؛ لأنه روعي فيه بهاء الحكمة وغيبت
فيه صحة اللفظ؛ إذ لفظة (أم) لا تجمع على (الإمام) ولو روعيت صحة اللفظ لكان
المعنى: يوم ندعو كل أناس بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو
دين ... [١٩] .
علم الاشتقاق: ومعرفته ضرورية لكل من رام تفسير كلام الله ؛ إذ
إن في القرآن الكريم ألفاظاً كثيرة لا يستقيم معناها بحسب الوضع إلا بعد معرفة
اشتقاقها اللفظي، والاسم إذا كان مشتقاً من مادتين مختلفتين اختلف المعنى تبعاً
لاختلافهما. فتأمل اختلاف المفسرين في الكشف عن سر وصف (عيسى ابن مريم)
﵇ بالمسيح. فقال بعض السلف: وصف كذلك لكثرة سياحته، وقيل لأنه
كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، وقال آخرون: لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي
العاهات برئ بإذن الله تعالى [٢٠] ، وأصل هذا الاختلاف اختلافهم في أصل
الصفة: هل هي مشتقة من المسح، أم من السياحة؟
علوم البلاغة: وهي علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، (وهي من
أعظم أركان المفسر؛ لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك
بهذه العلوم) [٢١] .
فأما المعاني فيعرف به خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى؛ وأما
علم البيان فيعرف به خواص تراكيب الكلام من حيث اختلافها بحسب وضوح
الدلالة وخفائها؛ وأما علم البديع فيعرف به وجوه تحسين الكلام. ولا بد للمفسر أن
يكون ملماً بدقائق هذه العلوم الثلاثة بالتعرف عليها ورياضة النفس لامتلاكها
وتدريبها على ذلك حتى يتسنى له الحفاظ على إعجاز القرآن الكريم وما وقع به
التحدي من النظم القرآني.
وللحديث بقية في العدد القادم -إن شاء الله-
стр. 2719
دراسات تربوية
المعلم المسلم والهدف البعيد
بقلم: إبراهيم داود
(إني أعالج أمراً لا يُعين عليه إلا الله، قَدْ فَنِيَ عليه الكبير، وكبر عليه
الصغير، وفصح عليه الأعجميّ، وهاجر عليه الأعرابيّ، حتى حسبوه ديناً لا
يرون الحقّ غيره) [١] .
لا زالت هذه العبارة البليغة التي قالها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز
ترسم لنا صورة المعلم المسلم في هذه الأيام، وإن لم يعد هذا المعلم (يعالج) الأمر
الذي يهمّه كما كان خامس الراشدين ﵀ ورضي عنه يفعل.
لا شك أن الذين ما زالوا يعالجون أمر التربية والتعليم من المعلمين المسلمين
يعانون مثلما عانى عمر، ولكنهم أفذاذ قليلون لا يُقاسون بالكثرة الكاثرة التي تعكس
صورة الحيرة والتردد حيناً وصورة الغفلة والضياع أحياناً. وممّا لا سبيل إلى
إنكاره أنّ المسلم في هذه الأيام معلماً وغير معلم مُوَزّعٌ بين إسلامٍ يأمره بالمعروف،
وواقع يغريه بالمنكر أو يُكرهه عليه إكراهاً، وأنّ هذه الحال تعرقل عمل المعلم
وتزيد معاناته أضعافاً مضاعفة!
فبحسب المعلم المسلم المعاصر أن المَثَل التربويّ الأعلى الذي يُراد له أن
يصبّ تلاميذه في قالبه هو التربية الغربية الغريبة التي يتولى كبرها ويضع مناهجها
وبرامجها رجال لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [٢] ، وبحسب المعلم أنّ له شركاء
في التربية يحادّونه ويعادونه: يُفسدون إذا أصلح، ويهدمون إذا بنى، ويُدمّرون إذا
عمّر، وأنهم وهذا أدهى وأمرّ يملكون من أسباب النجاح في الإفساد والهدم والتدمير، ما لا يملك هو مثله ولا دونه في الإصلاح والبناء والتعمير، وأنّ الهدم أهون من
البناء كما أن القائمين عليه أمضى سلاحاً وأكثر عدداً:
فلو أَلْفُ بانٍ خلفهم هادم كَفَى ... فكيف ببانٍ خلفه أَلْفُ هادم؟ !
وبحسب المعلم كذلك أنّ نجاح عمله موقوف على كفاءة النظام التربوي السائد، وعلى اضطلاع الأسرة بواجباتها، وعلى قيام وسائل الإعلام بمسؤولياتها، بل
وعلى كون المجتمع بكافة قطاعاته ومؤسساته ساعياً بصدق وقوة إلى تحقيق الغاية
الكبرى من الحياة الدنيا، وهي عبادة الله تعالى وتعبيد الأجيال له سبحانه ... فإنْ
صَحّ ذلك وإنّه لصحيح فهل تبقى على المعلم حجة إن غفل أو فشل أو نكص على
عقبيه؟ ! نعم؛ لأن تفريط أحد لا يكون حجة لأحد، ولأنّ أسباب الفشل وإن
تعددت وتجمعت لا تُبطل حقاً ولا تُحقّ باطلاً؛ ولأن المسلمين لا يكونون إمّعات،
ولا يقول قائلهم:
وهل أنا إلا من غَزِيّة إنْ غوتْ ... غويتُ وإنْ ترشدْ غزيّة أرشد
إنّ إحجام مَنْ يُحجم عن أداء واجبه لا يسقط وجوب الواجب، ونكوص من
ينكص من أهل المسؤولية لا يُحلّ لغيره النكوص، ولا يُبطل ذلك ولا يقدح فيه ما
يكون بين درجات المسؤولية ومستوياتها من التكامل والتكافل وصِلات التأثّر
والتأثير، بل الحق الذي لا ريب فيه أنّ فشل الأفشال ونكول الناكلين ما هو في
أعراف المجاهدين الصابرين إلا دوافع إلى مزيد من الصبر والثبات:
ومَن تكن العلياء همّة نفسه ... فكلّ الذي يلقاه فيها مُحبّبُ
والنفوس الكبيرة تثق بفضل ربها وقدرته ورحمته، أكثر مما تثق بالقوى
الخاصة والظروف المحيطة، وطاعة الله تعالى حقّ على الفرد والمجتمع وإن
كثرت الأعباء وثقلت التكاليف، وبلوغُ الهدف كما يقول الدكتور محمد عبد الله دراز
رحمه الله تعالى يتطلب تأسيس العمل على نيّة تستهدف أعلى درجات الكمال
المستطاع، وإلا كان التوقف والتهافت والنكوص؛ ولذا يأمرنا القرآن الكريم بأن
نجاهد في الله حقّ الجهاد، وأن ننشد الأفضل، ونُسابق على المراتب الأولى،
ويأمرنا رسول الله ﷺ أن نقنع ونرضى بما قسم الله لنا من نعيم
الدنيا، وأن نسمو إلى مَنْ هم أَسْمى منا في مضمار التقوى والعمل الصالح. يقول:
(خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله لا
شاكراً ولاصابراً: مَنْ نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه
إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه، كتبه الله شاكراً صابراً. ومن
نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته
منها لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً) [٣] .
ومن الثابت قطعاً أنّ الله تعالى لم يكلّف نفساً إلا وسعها، ولم يأمرها إلا بما
تستطيع؛ ولكن الوُسْعَ في قوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا]
[البقرة: ٢٨٦] ، والاستطاعة في قوله : [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] [التغابن:١٦] لا يدل أيّ منهما على تكليف الفرد أو الجماعة ببذل أدنى الجهد؛ بل كلاهما دليل على التكليف ببذل أعظم الجهد، وهذا ظاهر في كلمة [وسْعَهَا] .
قال الرازي: [والوُسْع والسّعة بالفتح الجدة والطاقة، وأَوْسَع الرجل صار ذا سَعَة
وغنى ومنه قوله تعالى:] وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإنَّا لَمُوسِعُونَ [] الذاريات: ٤٧ [أي
أغنياء قادرون، والتوسيع خلاف التضييق..] [٤] ، وقال صاحب الظلال في
تفسير قوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] [الأنفال: ٦٠] فهي
حدود الطاقة إلى أقصاها بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة
يدخل في طاقتها) [٥] ؛ ولذا كان المسلم بعشرة من الكفار في حال قوته، وباثنيْن
منهم في حال ضعفه كما نص على ذلك قوله تعالى: [إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ
صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ
يَفْقَهُونَ (٦٥) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] [الأنفال:
٦٥، ٦٦] .
ولو جاز لامرئ أن يُقيم حركة حياته على الأخذ بالرّخَص، للزم أرباب
المسؤوليات الكبرى والمعلمُ منهم أن يقيموها على العزائم، والأمة المسلمة هي أمة
جهاد واجتهاد على كل حال؛ وهذا المعنى جليّ في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [آل عمران: ٢٠٠] .
فهل صبر المعلم وصابر؟ وهل بذل وسعه، وأدّى ما عليه من حقّ الجهاد
والاجتهاد؟ ما بال أكثر أبناء المسلمين إذاً يتأسّوْن بـ (نجوم الفنّ) و (أبطال الكرة) ، ويلتمسون المجد في ملاعب الرياضة ودور الأزياء ومعاهد التمثيل؟ ! بل ما بال
الأمة عامة تستبدل بالأعمال الجليلة ألفاظاً طنانة، وبالمبادئ العظيمة شعارات تافهة، وبالجهاد في سبيل الله أشكالاً عقيمة من الشجب والنّدب والتنديد والاحتجاج؟ !
لقد سقط المعلم إلا من رحم الله في مستنقع الواقع، وأصبح قانعاً بشرح ما
بين يديه من معلومات أيّاً ما كانت مكتفياً بحشو رؤوس تلاميذه بها دون أدنى اهتمام
ببناء الشخصية المسلمة، القادرة على التأثير والتغيير، وهكذا اتّخذت المظاهر
الجوفاء أرباباً تُعبد من دون الله، وتَحَوّل أكثر طلبة العلم إلى (مرتزقة) ، لا يرون
فيه إلا سبباً لكسب الرزق، أو سبيلاً إلى تحقيق الوجاهة الاجتماعية، ونسي
الطالب والمعلم كلاهما أنّ العلم لا يُطلب في شرعة الإسلام إلا للعمل، وأنّ كلاً من
العلم والعمل عبادة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة، وأنّ الأجيال التي تتخرج في
المدارس والجامعات وهي لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً إلا ما أُشربتْ من
هواها ليست من العلم على شيء.
إنّ الغاية من التربية والتعليم هي نفسها الغاية من خلق الله تعالى الإنسان في
هذه الدنيا: أن تُعمر الأرض وفق مقتضى المنهج الإلهي العظيم، فما ينبغي لمعلم
مسلم أن يهون عليه عمله حتى يصبح مجرد دروس تُلقى، ثم يتفرق الطلبة بعدها
أشتاتاً، ثم يُسألون عنها فينجحون أو يرسبون، وما ينبغي للغاية العظمى أن تتحول
من إعداد أجيال تحمل مسؤولية الدعوة إلى الله على بصيرة، إلى تخريج أجيال
تحمل الشهادات، وتميل مع الشهوات، ثم لا يكون أكبر همّها إلا أنْ تتقلّد الوظائف، وتُخلد إلى الأرض، وترضى من الدنيا بمتاعها الرخيص!
كلا، بل التعليم تربية للأقوياء الأمناء، العلماء العاملين، الذين لا يزالون
(ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) [٦] ، ولقد
وعى أسلافنا الأوائل ذلك حقّ الوعي، وأخلصوا له كل الإخلاص، فوفّقهم الله
تعالى لتخريج أجيال عالمة عاملة، تجعل رضوان الله غاية غاياتها،
وتتخذ من عقيدة الإسلام قوام حياتها، كما تتخذ من الحلال والحرام مقياساً لسلوكها
وضابطاً لتصرفاتها.
إنّ الله تعالى لم يخلقنا عبثاً ولن يتركنا سدى، وإنّ ذلّنا المعاصر ليُشير إلى
انحراف خطير عن صراط الغاية التي خُلقنا من أجلها، والتي نحن محاسبون على
تحقيقها، فكان حقاً علينا أن نُغَيِّر ما بأنفسنا من انحراف ليغيّر الله تعالى ما بنا من
ذلّ: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، وليت
شعري ما فَرْقُ بين مَنْ أسلم لله تعالى ومَنْ لم يسلم إذا استويا في الافتتان بزهرة
الحياة الدنيا، ولم يعلما أنّ ما عند الله خير وأبقى؟ !
إن الله تعالى لم يأمرنا إلا بالسعي الذي يحقّق شَرْطي الإخلاص والإصابة،
فما نحن بمسؤولين عن تحقيق النتائج وقطف الثمرات:
على المرء أن يسعى إلى المجد جهده ... وليس عليه أن تتم الرغائب
حسبنا أن نخلص ديننا لله ربنا، وأن نحرص على أن نكون الأمناء الأقوياء،
فإن وُفّقنا إلى تحقيق طلبتنا وبلوغ غايتنا، فذلك فضل الله علينا، وإلا فقد أبرأنا
ذممنا واعتذرنا إلى ربنا. قال تعالى في شأن الناهين عن المنكر من بني إسرائيل:
[وَإذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً
إلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ
وَأَخَذْنَا الَذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] . [الأعراف: ١٦٤، ١٦٥] .
إنّ العمل نفسه مقصود في نظر الإسلام؛ ولذا قال ﵊: (إنْ
قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك
أجر) [٧] ، ولا ريب أن نتيجة العمل مطلوبة بقوة، ولكنها ليست شرطاً في قيام
العمل نفسه، وإلا لكفّ الناس عن العمل بمجرد تحقيق النتائج، على أن ذلك لا
يعني أبداً عدم الاهتمام بالنتائج، فلا بد من درس النتائج ومراجعتها والوقوف على
أسباب تحققها أو تخلّفها، واستخلاص العِبَر المستفادة منها، ومن ثم تقويم العمل
نفسه على ضوئها، ويبقى المعيار الأمثل لنجاح أي عمل في نظر هذا الدين هو أن
يُرضي الله ، وبهذا المعنى لا يُخفِق عَمَلُ عاملٍ مسلم ما دام يجمع بين
فضيلتي الإخلاص من جهة والصواب (بموافقة الشرع) من جهة أخرى.
فليكن كل معلم مسلم على بصيرة، وليعلم واقعه وواجبه، ثم ليأت من ذلك
الواجب ما استطاع. ومن يدري فلعل الله تعالى يبارك عمل المعلمين العاملين،
فيكشف بهم ما نزل بأمتهم من هوان وخذلان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2720
دراسات دعوية
التخطيط في خدمة الدعوة إلى دين الله
بقلم: خالد صقير الصقير
لا يخفى على كل داعية نذر نفسه لتحمل هذه الأمانة العظيمة مدى الحاجة إلى
دعوة راشدة تنهض بهذه الأمة، وتستند إلى قواعد صلبة من كتاب الله، وسنة
رسوله ﷺ ، وهدي السلف الصالح.
ولا ريب أن من أهم السمات المطلوبة في الداعية إلى الله هي البصيرة
بمفهومها الواسع، والتي تشمل غير العلم بموضوع الدعوة معاني أخرى كثيرة من
أهمها: وجود الفهم الشامل لدى الداعية بأهداف دعوته ومقاصدها، وإدراكه
للوسائل الشرعية التي ينبغي أن يسلكها لتحقيق هذه الأهداف، والتنبؤ بما قد
يعترضه من عوائق ومشكلات، وهذا الوعي والإدراك لمثل هذه الأمور هو ما
نسميه بلغة الإدارة: (التخطيط) .
ماهية التخطيط:
لا شك أن كل داعية إنما يهدف من وراء دعوته إلى تحقيق جملة من
الأهداف؛ إذن: فما هي أهدافه؟ ولديه العديد من الوسائل التي ينوي القيام بها:
فما هي أفضل هذه الوسائل لتحقيق أهدافه؟
ويطمح لأن تتحقق أهدافه ومقاصده: فكيف تتحقق هذه الأهداف بالشكل
المطلوب؟
ويرد في ذهنه العديد من العوائق والصعوبات عند رسم برامجه: فما السبيل
لتلافي هذه المعوقات وتوقعها مسبقاً؟
إن هذه الخواطر والتساؤلات تبرز مسيس الحاجة إلى التخطيط في برامجنا
الدعوية؛ لأن ضعف جانب التخطيط أحياناً وانعدامه في أحيان أخرى أسهم في
إضاعة الكثير من جهود الدعاة وأضعف ثمار أعمالهم الدعوية وأضحى الكثير من
البرامج تنفذ لمجرد التنفيذ فقط أو لتكون أرقاماً تضاف إلى أعداد البرامج المنفذة.
وإذا تأملت في آثارها فلا تكاد تجد لها أثراً في الواقع أو أنها قد حققت الحد
الأدنى من أهدافها، وبتتبع معظم السلبيات في الجهود الدعوية نجد أن الكثير منها
يمكن إرجاعه إلى ضعف أو انعدام التخطيط.
وهذا لا يعني إغفال العوامل الأخرى كسلامة المنهج وإخلاص النوايا لدى
العاملين، وغيرها، ولكن هذه الجوانب قد تكون معلومة لدى معظم الدعاة وليست
بخافية كما هو حال التخطيط الذي لا زال قليلاً أو شبه معدوم في واقع كثير من
الدعاة أو الجهات العاملة في حقل الدعوة؛ ولا زالت الارتجالية والعشوائية
والفوضى المالية والإدارية أحياناً هي السمة البارزة في كثير من الأعمال الدعوية.
إيجابيات التخطيط:
ويمكن أن نبرز أهم ما يمكن أن يسهم به التخطيط للنهوض بالأعمال الدعوية
والارتقاء بها حتى تحقق أهدافها بإذن الله تعالى ثم بجهود الدعاة الصادقين
المخلصين، وأبرز هذه الإيجابيات هي:
١- أن التخطيط يحدد أهداف الدعاة وغايات البرامج والمشروعات الدعوية،
كما يفيد في حسن الأداء أثناء التنفيذ والتقويم الدقيق بعد ذلك، ولا زال هذا الأمر
وهو وضوح الهدف غائباً عن كثير من العاملين في الدعوة؛ فهو لا شك يدرك
الهدف العام وهو تبليغ دين الله ولكنه قد يجهل الأهداف الخاصة لكل برنامج مما
يُوجِد في كثير من الأحيان سلبيات كثيرة على هذه البرامج.
٢- يساعد التخطيط في اختيار طرق الدعوة المناسبة والملائمة لكل داعية
بحسب قدراته وإمكاناته والمتوافقة مع طبيعة البرنامج والأهداف المرسومة له؛
وفي تحديد الرأي الأقرب للتقوى لكل برنامج؛ فأحياناً قد يختار الداعية أساليب
للدعوة لا تؤدي إلى نجاح البرنامج: إما لعدم مناسبتها لأهداف البرنامج، أو لطبيعة
البرنامج وأهدافه، أو لعدم مناسبتها لإمكانات من يتولى تنفيذ البرنامج وقدراته
الدعوية، أو أنها غير ملائمة لبيئة الدعوة أو نوع المدعوين وطبيعتهم، وقد
(يجتهد) الداعية أحياناً في اختيار وسيلة غير منضبطة بضوابطها الشرعية.
٣- يجعل من السهل التوقع لمعوقات البرنامج الدعوي التي قد يفاجأ بها
الداعية أثناء أو قبل تنفيذ البرنامج، ويتم هذا بالاستفادة من المعلومات والبيانات
التي يجمعها واضع الخطة الدعوية مما يجعله بإذن الله أكثر أماناً وأقل عرضة
للمفاجآت التي قد تُذهب جهوده أو تضعف ثمارها إضافة إلى أنه يعالج الخطأ في
الوقت المناسب وقبل أن يتراكم فيمنع الرؤية وتصعب معالجته.
٤- يسهم التخطيط في ترتيب الأوليات لدى العاملين والقائمين على البرنامج
الدعوي مما يساعد في اختيار الأهم منها عند حدوث تضارب أو تداخل، أو عند
الحاجة لتقديم برنامج على الآخر، أو إلغاء أحدهما، أو غير ذلك.
٥- يُحدث التخطيط كثيراً من الانسجام والتناسق بين أعمال الداعية، مما
يمنع الازدواجية والتضارب في أعماله وبرامجه؛ فلا تضيع بفعل ذلك كثير من
الجهود والأوقات التي يمكن استغلالها لتنفيذ برامج أخرى.
٦- يعمل التخطيط على توفير كثير من النفقات المالية والجهود البشرية التي
توضع في غير موضعها بسبب ضعف التخطيط أو انعدامه مما يساعد على استثمار
هذه الجهود والنفقات لإقامة برامج دعوية أخرى.
ولا شك أن عدم وجود تصور واضح للميزانيات المتوقعة لتنفيذ البرنامج هو
من آثار ضعف التخطيط.
٧- يفيد التخطيط في تحديد مواعيد زمنية تضبط بدء الأنشطة وانتهاءها؛
وهذا يجعل الداعية قادراً على تقويم أعماله ومدى التزامه بالمدة الزمنية المحددة
لتنفيذها، وكذلك في حسن التوقيت لإقامة البرامج ومنع التضارب مع أنشطة أخرى.
٨- يفيد التخطيط في التجديد في الأساليب والوسائل الدعوية وفي البعد عن
الرتابة والتمسك بالأساليب التقليدية؛ مع التمسك بثوابت المنهج الصحيح في الدعوة.
٩- يفيد التخطيط في التنسيق بين العاملين أو الجهات الدعوية في الساحة
الدعوية بأشكال مختلفة سواء في التنسيق في توزيع المواقع الجغرافية، أو
التخصص في البرامج الدعوية، أو غير ذلك. كما يفيد في منع التكرار في البرامج
ويحول دون إضاعة الجهود أو إغفال برامج أخرى قد تكون الحاجة إليها أكثر.
١٠- يفيد التخطيط في تقويم الواقع الدعوي في المواقع المختلفة التي تنفذ
فيها الخطط الدعوية، وفي تحديد مواطن الضعف في الخطة أو في أسلوب التنفيذ
ليتم تلافيها في الخطط القادمة؛ وهذا مما يؤكد أهمية التخطيط في أنه يساعد في
عدم تكرار الأخطاء التي ترتكب، وفي عمل مراجعات شاملة في نهاية كل خطة
دعوية ليتم تقويم النتائج والنسب المتحققة من أهدافها وأبرز سلبياتها وإيجابياتها.
١١- يجعل من السهل على الداعية أن يحصر حاجاته من البرامج والأنشطة
والخطط اللازمة لتوجيه مسار الدعوة بالشكل الصحيح.
١٢- يسهم في معرفة مواضع الضعف في القوى البشرية ومن ثَمّ في تحديد
البرامج التدريبية اللازمة للارتقاء بالكفايات الدعوية من كافة الجوانب العلمية
والإدارية والقيادية.
١٣- يساعد التخطيط القائمين على الأعمال الدعوية في وضع معايير وأسس
لمتابعة أداء الدعاة والعاملين في البرامج، ومدى تحقيقهم لأهداف البرنامج.
١٤- يفيد التخطيط في تحديد مهام العاملين في البرنامج الدعوي أو الخطة
الدعوية عموماً، وطريقة أدائهم؛ مما يساعد على إدارتهم وتوجيههم بالطريقة
المناسبة لتحقيق الأهداف المطلوبة.
١٥- يزيد التخطيط من فاعلية وإنتاجية المديرين للبرامج أو الخطط الدعوية؛ فما دام أن التخطيط يساعد في وضع الأهداف بشكل واضح ومحدد فإنه كذلك
يساعد القائمين عليه في اتخاذ القرارات المناسبة التي تحكمها الأهداف الموضوعة
للخطة الدعوية.
١٦- يساعد التخطيط في استغلال الفرص الدعوية حيث يفيد في الإعداد
المبكر وحسن التوقيت للبرامج وجمع المعلومات الخاصة بالبرامج وخصوصاً
مواعيد إقامتها، وتحديد ذلك مسبقاً والإعداد الجيد له.
١٧- يفيد التخطيط في جعل البرامج والخطط أكثر شمولية وتكاملاً؛ ويلاحظ
أثر ذلك في جهود بعض الدعاة أو الجهات الدعوية حيث تركز على شرائح معينة
من المجتمع أو على موضوعات وجوانب معينة في برامجها، وتهمل غيرها؛ بينما
التخطيط يجعل للعمل الدعوي والجهود الدعوية سمة الشمولية في طروحاتها
وبرامجها.
١٨- يساعد التخطيط على استمرار الجهود الدعوية بإذن الله فكثيراً ما تتوقف
الأنشطة وتتعطل البرامج بسبب حدوث المفاجآت كانقطاع الدعم، أو سوء التنفيذ،
أو سوء التوقيت، ولعدم وضع بدائل لهذه الحالات الطارئة.
стр. 2721
سياسة شرعية
نحو بناء لمصطلح النخبة من منظور إسلامي
بقلم: كمال حبيب
يشير مصطلح النخبة في العلوم الاجتماعية إلى الصفوة المتميزة التي تمتلك
من القدرات التنظيمية والخصائص النفسية ما يؤهلها لأن تكون فاعلة ومؤثرة في
الجماعات التي تنتمي إليها، ولأن كل مجتمع يتكون من جماعات متعددة فإننا
سنكون بإزاء صفوة في كل جماعة، وهو ما جعل بعض المهتمين يتحدث عن نُخَبٍ
(بالجمع) وليست نخبة واحدة.
وقد ركّز المنظور النخبوي في صيغته التقليدية على النخبة السياسية أيْ
الأقلية المتميزة التي تنخرط في الصراع السياسي والاجتماعي للحصول على القوة
التي تُساعدها في التأثير على توجيه القرارات السيادية التي تخصِّص القيم للقوى
السياسية المختلفة في المجتمع لصالحها أيْ أن النُخَب الوسيطة في الوظائف والمهن
والنقابات قد وصفها منظِّرو النخبة التقليديون بأنها نخب غير سياسية فهي وفقاً لهذا
المنظور تحتل مكاناً مرموقاً بَيْن جماعاتها لكنها لا تمارسُ عملاً سياسياً. ويبدو أن
منظِّري النخبة المعاصرين قد شعروا بأن وصف: (النُخب الوسيطة) بأنها غير
سياسية يمثل نقطة ضعف في المنظور التقليدي؛ ولذا طوروا مقولاتهم وتحدثوا عما
أطلقوا عليه: (الطبقة السياسية) وهي أوسع من النخبة السياسية؛ إذ إن مفهوم
الطبقة لا يُطْلَق فقط على الذين يشتركون بشكل مباشر في صناعة القرار السياسي
وإنما يتسع ليشمل قطاعات من النخب الوسيطة التي تنخرط بالضرورة في العملية
السياسية للحصول على جزء من القيم السيادية لصالح جماعاتها.
حقيقة المنظور النخبوى:
يركز المنظور النخبوي على فكرة الصراع السياسي بَيْن الجماعات للحصول
على القوة السياسية التي تُمكِّنها من التحكم والسيطرة، لكنه وخلافاً للمنظور
الماركسي لا يجعل من القوة الاقتصادية العامل الوحيد في حسم الصراعات السياسية؛ وإنما هناك مصادر أخرى للقوة مثل: الخصائص النفسية والسمات الشخصية
للنخبة، وكذلك القدرات التنظيمية، ثم الاقتراب من دوائر صناعة القرار السياسي.
ويرى منظرو النخبة أن الدولة كيان ضروري وهام لا يمكن لمجتمع أن يعيش
بدونها؛ لذا فإنهم يرون أن المجتمع ينقسم أفقياً إلى: أقلية حاكمة النخبة وأغلبية
محكومة، والأقلية النخبة هي التي تسيطر وتوجه وتتحكم، بينما الأغلبية لا يمكنها
إلا الطاعة والخضوع؛ وحتى إذا حاولت الفعل فإنها ستجد نفسها محاطة بقيود
السيطرة التي تفرضها عليها النخبة الحاكمة.
كما يتحدث منظرو النخبة عما يطلقون عليه (دوران النخبة) أي ضرورة
سعيها إلى التكيف مع المتغيِّرات الجديدة بحيث تتقبل الأفكار والدماء الجديدة من
النخب الصاعدة التي تمثل ناتج الصراع السياسي في المجتمع. وكلما كانت النخبة
أكثر قابلية للدوران وأكثر استجابة للتفاعل مع مُسْتَجدات الواقع كلما استطاعت أن
تبقى مسيطرة وحاكمة بينما عجزها عن ذلك يؤدي إلى انهيارها، وبالطبع إحلال
وصعود نخبة جديدة محلها؛ أيْ أن الدولة هي انعكاسٌ للصراع النخبوي تبين القوى
السياسية التي تنخرط في استباقٍ محموم للحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ
والقوة السياسية؛ وهذا يعني أن النخبة هي الفاعل الرئيس في توجيه سير التاريخ
وأحداثه وليس الاقتصاد كما ذهب ماركس.
والمنظور النخبوي قد ظهر في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر كتعبير
عن اجتهاد رأسمالي ليبرالي في مواجهة اكتساح التحليلات الماركسية للقارة. وفي
الواقع فإن الفكر الإسلامي لم يعرف مصطلح (النخبة) وفقاً للتحديد السابق؛ ومن ثم
فإن المصطلح يحتاج إلى إعادة بناءٍ وتحرير من خلال المنظور العربي الإسلامي.
مصطلح النخبة إسلامياً:
يذكر لسان العرب أن نُخْبة القوم هُمْ خيارهم وأنهم الجماعة المختارة من
الرجال وفي حديث علي: وخرجنا في النُخْبة أي المُنْتَخبُون من الناس، المُنْتقون
وفي حديث (سلمة بن الأكوع) : انتُخب من القوم مئةُ رجل أيْ اختارهم، فانتزعهم
من بقية الرجال أيْ أن النُخْبة في اللغة تعني الخلاصة المنتقاة والمنتزعة من الناس
وهُمْ بذلك أقلية متميزة داخل الجماعات التي يمثلونها وهنا يتطابق المعنى اللغوي
لكلمة (النخبة) في اللغة العربية مع أهم ما يشير إليه المصطلح في العلوم الاجتماعية
وهو أن النّخب تمثل صفوات مجتمعاتها.
وفي الإسلام نجد ترتيب أوضاع الناس داخله وفقاً لما نطلق عليه: (التمييز
الوظيفي) أيْ: درجة تمثّل الناس لأوامر وأحكام الإسلام، فالسابق بالخيرات
المُحْسن أرفع درجة من المقتصِد المؤمن وهُو أرفع درجة من المسلم الذي قد يظلم
نفسه باقتراف بعض المعاصي وهنا فإن معيار الانتخاب يكون مبنياً على أسس
وظيفية مرتبطة بالدين الإسلامي وكيفية تحمله وتمثله. وبالطبع فإن قصدنا من
درجة التزام الدين الإسلامي لا يقتصر فقط على العبادات وإنما يتسع ليشمل كل
جوانب الحياة بدءاً بالممارسات الفردية الضيقة، وانتهاءً بالممارسات العليا السياسية
والاجتماعية فالفرز الاجتماعي والسياسي للنخبة من المنظور الإسلامي لا يستند إلى
امتلاك القوة السياسية بمصادرها المختلفة، وإنما يستند بشكل أساس إلى تحقيق
المثالية الإسلامية التي تعني تحويل الدين الإسلامي إلى واقع حَيٍّ متحرك وهنا فإن
النخبة الإسلامية في العهد النبوي والراشدي تمثل (نخبة الخبرات الإسلامية)
باعتبارها الأكثر تعبيراً عن تمثل رُوح الشريعة، كما أن جيل الصحابة الذين
شاركوا في بناء هذه الخبرة يمثلون (النُخْبة المرجعية) لكل الأجيال التالية عليها؛
لأنهم كانوا الجيل الأكثر تمثلاً للإسلام في واقعه وحياته؛ وهُمْ في التحليل النهائي
الصفوة التي وضعت أسس التعامل بين الشريعة والواقع عبر الوسائط المنهاجية
التي كونت فيما بعد المذاهب الفقهية في صياغتها الكاملة.
وكما يستبعد المعيار الوظيفي الإسلامي أن تكون القوة السياسية هي أساس
تصعيد النُخب في البناء السياسي؛ فإنه يستبعد أيْضاً أن يكون التنافس والصراع
على امتلاك القوة السياسية هُو القانون الحاكم لسلوك النخبة؛ إذ إن السلطة السياسية
في المنظور الإسلامي يتم النظر إليها باعتبارها محنة وابتلاء وليست شيئاً مرغوباً
فيها؛ ولذا لما سأل (الصحابي) أبو ذر النبيّ ﷺ أن يعطيه
ولاية أي سلطة قال: (إنك ضعيفٌ، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا
من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) . كما جاء في الحديث: (ما من راعٍ أيْ
صاحب ولاية يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غَاشّ لها إلا حرم الله عليه
رائحة الجنة) ويلاحظ أن المنظور الإسلامي يربط غايات العملية السياسية
والاجتماعية بما وراء الدنيا أي بالآخرة؛ وهو ما يجعل الصراع والتدافع بين
النخب السياسية والاجتماعية محكوماً بضوابط أخلاقية تخفف من نتائج هذا الصراع
وحدّته، وتجعله في المستوى الذي يحافظ على الفعالية السياسية للمجتمع دون
تصعيد مدمر للصراع والتدافع من ناحية، ودون فقدان المجتمع لتوتره الإيجابي
المبدع من ناحية أخرى.
إذا كان المنظور النخبوي في التقاليد الغربية يجعل من الأغلبية مجرد كمٍّ
يستقبل توجيه الأقلية الفاعلة التي تتحكم وتوجه، فإن المنظور الإسلامي يرفض أن
يكون واحد ممن ينتمون إلى الإسلام مجرد قابل سلبي لعمليات قطاع أو قطاعات
فاعلة في المجتمع، فالمسلم له موقف إيجابي من الكون والخلق والخالق وهذا هو
المقصود بالآية الكريمة: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [آل عمران: ١١٠] ، وأيضاً: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
لِّتَكُونُوا شُهَدََاءََ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة: ١٤٣] ، وفي
الحديث: (من رأى منكم مُنْكراً فليُغَيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه وذلك أضعفُ الإيمان) أيْ أن النخبة لا تقف في مواجهة الناس أو
العوام أو الجماهير أو الشعب، ولكنها جزءٌ منهم وتعمل لصالحهم بما في ذلك
السماح للنخب الجديدة التي تنبت من قلب الواقع الحي للجماهير بأن تصعد وتبزغ
دون اعتبار لما يسمى في التقاليد الغربية بـ (القانون الحديدي للأوليجاركية) ، بل
إن الشعب أو الأغلبية في حال فساد النخبة يفرز ما يسمى بـ (النخبة المضادة)
وذلك وفقاً لما يمكن أن نطلق عليه: (قانون تداول النخب) ، ففي كل حالة تم فيها
فساد النخبة فإن الآلية الداخلية للإسلام المستندة لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر تنتج نخباً جديدة تنازع النخبة الفاسدة شرعيتها، وفي الغالب استطاعت
هزيمتها وتحقيق شرعية جديدة عن طريق نخبة جديدة؛ فالدولة الأموية نازعتها
النخبة العباسية واستطاعت هزيمتها وتأسيس الدولة العباسية، وفي إطار الدولة
العباسية ظهرت دول في مناطق الأطراف مثل السلاجقة، كما ظهر الطولونيون
والإخشيديون ثم الدولة العثمانية، وكل دولة كما هو واضح تسمت باسم مؤسسيها،
وهؤلاء المؤسسون يمثلون النخبة الحاكمة.
مصطلحات إسلامية في الموضوع:
عرف الفقه السياسي الإسلامي مصطلحات قريبة في دلالتها من مصطلح
النخبة مثل مصطلح: (أهل الحل والعقد) و (أهل الشورى) و (أهل الاختيار)
و (أهل الاجتهاد) وقدم (ابن خلدون) مصطلح العصبية. وفي الواقع المعاصر فإن
(النخبة) حين تُطْلق يسبق إلى الذهن مصطلح (المثقفون) وقد حاول بعضهم تقديم
بديل معاصر فاقترح ما أسماه: (السُرَاتيّة) واللفظ مأخوذ من بيت الشعر العربي:
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سُراةَ لهم ... ولا سراة إذا جُهّالهُم سادوا
ونعرض في حدود ما يسمح به المقام لمعاني هذه المصطلحات:
١- أهل الحل والعقد: هُو مصطلح تاريخي عبّر به الفقهاء عن طوائف
متعددة في المجتمع المسلم يشير إجماعها أو اتفاق جمهورها على أن ما ذهبوا إليه
هو محل قبولٍ ورضا لدى الأغلبية المسلمة، كما يشير أيضاً إلى ضرورة الرجوع
إلى من يعبر عنهم هذا المصطلح لإدارة شؤون الجماعة بالإمضاء أو المنع.
وقد عبر مصطلح أهل الحل والعقد في الخبرة الإسلامية عن الذين يمثلون
قطاعات متنوعة من أصحاب السلطة في المجتمع؛ فالولاة وقواد الجيوش يمثلون
السلطة التنفيذية، وقادة القبائل ووجوه الناس يمثلون السلطة المجتمعية، والعلماء
والفقهاء يمثلون السلطة القضائية وسلطة الإفتاء فالمصطلح في الواقع هو تعبير عن
المصطلح القرآني: (أولو الأمر) بالمعنى الواسع.
٢- أهل الاجتهاد: وهُمْ الفقهاء الذين يؤهلهم تخصصهم في الشريعة أن
يكونوا مراجع فقهية لأهل الحكم في التعرف على الأحكام الشرعية الاجتهادية؛ كما
أنهم المراجع الشرعية للجماهير أيضاً، ومنهم يتم اختيار القضاة والمفتين؛ ويدخل
ضمن هؤلاء المؤهلون في التخصصات العلمية الأخرى في كافة مناحي الحياة.
٣- أهل الشورى: وهم قِطاع من أهل الحل والعقد يغلب على عملهم التشاور
مع السلطة التنفيذية قبل اتخاذها القرارات السياسية، ويلاحظ أن الفقهاء استخدموا
المصطلحات السابقة بشكل غير محدد؛ إذ كان يتم استخدام أحدها للتعبير به عن
الآخر؛ وهذا مرده في الواقع لبساطة المؤسسات في بدايتها، وحين بدأ تكاملها
وتعاظم تعقيدها انفصلت كل مؤسسة وتحدد بشكل واضح النخبة التي تمثلها.
٤- العصبية: استخدم ابن خلدون مفهوم العصبية أداةً تحليلية لفهم الاجتماع
العربي الإسلامي؛ إذ إن الانتماء القرابي والعشائري كان سبباً للتعاضد والتلاحم
الذي يؤدي إلى القوة والشوكة ومن ثَمّ التحكم والسيطرة؛ وبهذا المعنى فإن العصبية
عند (ابن خلدون) قريبة من مصطلح النخبة؛ حيث العصبية تشير إلى الأقلية
الحاكمة المستندة إلى قوة النسب، وتشير النخبة إلى الأقلية الحاكمة المستندة إلى
القدرة التنظيمية أو الاقتصادية أو السمات النفسية والشخصية، ولم يكتف (ابن
خلدون) بالإشارة إلى رابطة النسب في تحقيق السلطة السياسية بل تحدث عن الدين
باعتباره مصدراً للقوة يزيد من قوة العصبية وقد يستقل لتأسيس اجتماع بشري كما
حدث في الدولة النبوية الأولى. وتحدث (ابن خلدون) عن عصبية الدولة التي
تستخدم الموالي كقاعدة سياسية لها؛ وقد حدث ذلك في الدولة العباسية حين استقدم
المعتصم العباسي الترك، وجعلهم عصبية الدولة. فالعصبية باعتبارها أساساً
للتماسك السياسي هي وجهٌ هُو أقرب التحليلات للمنظور النخبوي، أو إن شئنا الدقة
فهو المنظور النخبوي في صيغته العربية الإسلامية.
وأخيراً:
حاول بعضهم كما أسلفنا الاجتهاد فقدّم مصطلح (السُرَاتية) وعرفه بأنهم:
(الأفراد الذيتن بيدهم أمر الحل والربط، ويمكن أن نعينهم بذواتهم دون الدخول في
إشكالية الأنظمة) .
ونحن من جانبنا نقبل مصطلح (النخبة) لكنه في بنائه الإسلامي يعني:
الجماعة المختارة والخلاصة المنتقاة من كافة قطاعات المجتمع التي تدير شؤونه
العامة استناداً إلى المرجعية الإسلامية بقصد تحقيق المصالح الكلية الضرورية
والحاجية والتحسينية) .
إن مصطلح النخبة في مدلوله الغربي شديد الشبه بمصطلح (العصبية) بيد أن
تركيز الحضارة الغربية على قيم الصراع المفتوح بلا ضوابط، واعتبار امتلاك
القوة والسلطة غاية، وتعظيم الفردية السياسية يجعلنا نحدد بناءه من جديد بحيث
نُطَعِّمه بقيم الحضارة الإسلامية التي توازن بين مصلحة الفرد والجماعة، وتضبط
أسباب الصراع ودوافعه كما تجعل الحركة السياسية محكومة بإطار المرجعية
الإسلامية.
стр. 2722
مقال
في فقه السنن والحضارات ..
كيف نتجاوز سلبيات المرحلة ونعاود البناء؟
بقلم: د. سليمان عبد الدايم الخطيب
في إطار جهودنا الفكرية والدعوية المعاصرة، نحن في حاجة إلى استعادة
الثقة بقدرة منهجنا الإسلامي على تجاوز مرحلة التردي الحضاري التي يحياها
المسلم المعاصر برغم كل ما يحيط بواقع الأمة المسلمة. وهذه القضية تطرح علينا
معاودة التذكير بفقه السنن والحضارات في خطابنا الفكري، حتى يتسنى لنا الوقوف
على قدر من المعالم والرؤى المنهجية التي تمكننا من تجاوز تحديات المرحلة التي
تفرض علينا إعادة صياغة وسائلنا الفكرية ووعينا الحضاري لتحويل (فقه التمكين) : [الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] [الحج: ٤١] ، وكذلك (فقه الاستعمار الأرضي
لعمارة الكون والحياة) : [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] [هود: ٦١] ،
وتحويل هذه السنن القرآنية إلى واقع حضاري فعال.
تخلفنا الحضاري: أسبابه، وعلاجه:
لقد تخلفنا كثيراً عن فقه التمكين لعدم وعينا بأوليات التوجيهات القرآنية التي
تمكن المسلم إن هو التزم بها من استعادة كيانه الحضاري، وسط الكيانات المعاصرة، التي تسعى لافتراسه ومحوه من الخارطة الكونية، وبهذه الاستعادة يسدي المسلم
المعاصر إلى العالم المعاني والقيم التي عجزت حضارة الصراع والتأزم الغربية عن
تقديمها إلى الإنسان المعاصر.
فكيف عالج العقل المسلم قضية السقوط الحضاري؟ وكيف نستطيع من خلال
الوعي بحقائقها بث أخلاقيات التفاؤل والتحصن بالرشد المطلوب للخروج من
مرحلة التيه التي تكاد تعصف بالمسلم خارج الدائرة الحضارية؟ . فتكاد أن تجمع
مذاهب التفسير الوضعي للتاريخ، على القول بحتمية سقوط الدول والحضارات
بشكل أو بآخر ف (ماركس) يخضع حركة التاريخ، بدولها وحضاراتها وتجاربها،
لحتمية تبدل وسائل الإنتاج وانعكاسه على الظروف، وأن كل وضع تاريخي مآله
الزوال بمجرد هذا التبدل الدائم، أما (شبلنجر) و (توينبي) فيعلنان عن حتمية
السقوط كأمر لا مفر منه، وبينما يغرق (شبلنجر) في تشاؤميته نجد (توينبي) يقع
في تناقض صريح هو الآخر، عندما يؤكد في الأجزاء الأخيرة من دراسته للتاريخ
على أن هنالك أملاً في بقاء الحضارة الغربية المعاصرة أمام الأعاصير [١] .
وعلى المستوى الإسلامي، نجد أن الدورة التاريخية عند (ابن خلدون) ، دورة
محتومة لا مفر منها، والدول جميعاً تخضع لها، فليس هناك دولة تبقى لا يغلبها
غالب، فكل دولة لها عمر كعمر الأفراد، تبدأ فيه نشيطة مزدهرة، ثم تهرم
وتموت، فحركة الحضارة عنده تتخذ صفة الضرورة، الأمر الذي جعل نظريته
تتصف بالحتمية التاريخية؛ فالدولة في دور انحطاطها أو هرمها، هي كالإنسان؛
إذ يكون هَرمه أمراً طبيعياً لا يتبدل، وأنه حتى إذا تدارك بعض أهل الدول ذلك
التدهور بالإصلاح، فإن الأمر لن يزيد عن ومضة المصباح قبل انطفائه، توهم
أنها اشتعال وهي انطفاء، ولكل أجل كتاب [٢] .
ويعترض (مالك بن نبي) على حتمية (ابن خلدون) قائلاً: (إن التعارض
الداخلي بين أسباب الحياة والموت في أية عملية حيوية (بيولوجية) هو الذي يؤدي
بالكائن إلى قمة نموه ثم إلى نهاية تحلله، أما في المجال الاجتماعي، فإن هذه
الحتمية محدودة بل مشروطة؛ لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية
زمنية، يمكن للمجتمع المنظم أن يعمل في نطاقها حين يعدل حياته، ويسعى نحو
غاياته في صورة متجانسة منسجمة) [٣] .
ولأن (مالك بن نبي) لا ينظر إلى ظاهرة (الحضارة) منفصلة عن ظاهرة
(الانحطاط) ، فقد رأى أن العالم الإسلامي اليوم في حاجة إلى بلورة تحدد له قانون
حركته التاريخية، وتهدي سعيه نحو النهضة، ولذلك راح يبحث عن الأسباب
البعيدة التي حتمت تقهقره وانحطاطه.
وقد عزا الأسباب الجوهرية لسقوط الحضارة الإسلامية، إلى فقدان القيم
الروحية والفضائل الخلقية، باعتبارها قوة جوهرية في تكوين الحضارات،
بالإضافة إلى خصوصية الحدث الحضاري الإسلامي الذي شكلته قيم ومعايير نبعت
من العقيدة الإسلامية ذاتها، قبل أن تتحول هذه القيم إلى حركة حضارية في عالم
الواقع.
وعندما تنقلب أوضاع القيم في عصور الانحطاط، بحيث تبدو صغائر الأمور
ذات خطر كبير (إذا ما حدث هذا الانقلاب) انهار البناء الاجتماعي؛ إذ هو لا يقوى
على البقاء بمقومات الفن والعلم والعقل فحسب؛ لأن الروح والروح وحدها هي
التي تتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة
وانحطت؛ لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير جاذبية
الأرض) [٤] .
وما الذي يحدث عندما تضعف العقيدة في نفوس أصحابها: (وهو درس
للمسلم في كل زمان ومكان) عندما يبلغ مجتمع هذه المرحلة، أي عندما تكف الرياح
التي منحته الدفعة الأولى عن تحريكه (وقد عبر عنها مالك بن نبي بالدفعة القرآنية
الحية) تكون نهاية دورة وهجرة حضارة إلى بقعة أخرى، تبدأ فيها دورة جديدة،
طبقاً لترتيب عضوي تاريخي جديد [٥] .
ولكن ما هي قيمة العقل في غياب الدوافع العقدية والإيمانية؟ (في البقعة
المهجورة يفقد العلم كل معناه، فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل؛ إذ
يفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان [٦] .
إن (مالك بن نبي) هنا لا يفصل النتاج العقلي عن مناخه الثقافي الذي ينمو فيه، والفرق واضح بين ثقافة تتفاعل مع وسط تتحدد ذاتيته الحضارية وفق قيمه
الإيمانية والعقدية، وبين ثقافة منفصلة عن أرض الواقع؛ لأنه أصبح واقعاً بدون
هوية؛ لأنه فقد مقومات جذوره العقدية والإيمانية: فالعقل يختفي؛ لأن آثاره تتبدد
في وسط لا يستطيع أن يفهمها أو يستخدمها، ومن هذا الوجه يبدو أن أفكار (ابن
خلدون) قد جاءت إما مبكرة أو متأخرة عن أوانها: فلم تستطع أن تنطبع في
العبقرية الإسلامية التي فقدت مرونتها الخاصة، ومقدرتها على التقدم والتجدد،
حتى إذا وهنت الدفعة القرآنية توقف العالم الإسلامي كما يتوقف المحرك عندما
يستنفد آخر قطرة من الوقود، وما كان لأي معوض زمني أن يقوم خلال التاريخ
مقام المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية، ألا وهو (الإيمان) ولذا لم تستطع النهضة
الحديثة أن تمنح العالم الإسلامي (حركة) لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها [٧] .
وبفقدان الإيمان ينهار البناء الاجتماعي من الداخل؛ لأنه لا يملك مقومات
تماسكه: لقد بلغت عوامل التعارض الداخلية قمتها، وانتهت إلى وعدها المحتوم،
وهو تمزق عالم واهن، وظهور مجتمع جديد ذي معالم وخصائص واتجاهات جديدة، فكانت تلك مرحلة الانحطاط [٨] .
وبما أن الدين هو مركب القيم الاجتماعية، فإنه يقوم بهذا الدور في حالته
الناشئة، حالة انتشاره وحركته، عندما يعبر عن فكرة جماعية، أما حين يصبح
الإيمان إيماناً جذبياً دون إشعاع (أي نزعة فردية) فإن رسالته التاريخية تنتهي على
الأرض؛ إذ يصبح عاجزاً عن دفع الحضارة وتحريكها، إنه يصبح إيمان رهبان
يقطعون صلاتهم بالحياة، ويتخلون عن واجباتهم ومسؤولياتهم [٩] .
إن حركة الإنسان داخل الحضارة يجب أن تتم من خلال محور قيمي تحدده
ذاتية عقدية وفكرية، تصبح غاية الإنسان ومنطلقه نحو الفعل الحضاري؛ فالتاريخ
يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائماً بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته
الأساسية، والذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة، كممثل وشاهد: [وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدََاءََ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً]
[البقرة: ١٤٣] ، وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل الذي لم يعد يقدم لوجوده أساساً روحياً أو أساساً مادياً [١٠] .
إن تمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، يعد من أوضح صور السقوط
الحضاري؛ إذ إن أول عمل يؤديه مجتمع معين في طريق تغيير نفسه مشروط
باكتمال هذه الشبكة من العلاقات، وعلى هذا نستطيع أن نقرر أن شبكة العلاقات
هي الدور التاريخي الأول الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده، ومن أجل ذلك كان
أول عمل قام به المجتمع الإسلامي هو الميثاق الذي يربط بين الأنصار
والمهاجرين [١١] .
وعندما تتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، يذكرنا مالك بن نبي بحديث
الرسول ﷺ الذي يجب أن نتدبره للتربية لا لمجرد الخبر:
(يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أوَ من قلة
نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل،
ولينزعن الله عن صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل:
وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت) [١٢] .
لقد كان هذا الحديث ضرباً من التنبؤ والاستحضار، استحضار صورة العالم
الإسلامي بعد أن تتمزق فيه شبكة علاقاته الاجتماعية، أي عندما لا يعود مجتمعاً،
بل مجرد تجمعات لا هدف لها، كغثاء السيل، ولا ريب أن جيلنا الحاضر يدرك
هذا الحديث؛ لأنه يصف في مضمونه العالم المستعمر والقابل للاستعمار [١٣] .
عوامل تجدد الحضارة:
ولكن كيف يستعيد الكيان الحضاري ذاته؟ وكيف يتغلب الإنسان على
عوامل السقوط ويتجاوزها إلى البناء والإنجاز؟ يقدم لنا مالك بن نبي في هذا
الجانب صورة تدعو إلى الأمل والتفاؤل فيقول: إن العواصف الجوية والأعاصير
تجر معها غالباً سيولاً هائلة من الماء، سيولاً تترك وراءها في البلد الذي تجتاحه،
الخراب والموت، ولكنها تترك أيضاً على وجه الأديم طمْياً تتجدد به الحياة في هذا
البلد، فتنشط وتنمو فيه الطبيعة الجديدة بأنواع النبات والحيوان المتجدد، فكذلك
شأن الأحداث الكبرى في التاريخ، إنها تجر وراءها الموت والخراب، وتخلف
طمياً مخصباً.. طمياً من دماء الشهداء والأبطال، ولكنها تخلف أيضاً طمياً من نوع
آخر تخلفه في العقول، حيث تترك بذوراً تنبعث منها الأفكار التي تغير مجرى
التاريخ ووجه العالم [١٤] .
لذلك فإن على الإنسان المسلم أن يطرح بعث الحضارة، بمنطق البقاء حتى
يستطيع أن يتقدم إلى الأمام، وحتى يستطيع أن يرفع مستواه إلى مستوى الحضارة، ويجب على المسلم الذي يضطلع برسالته أيضاً أن يفكر في إعجازه أي في إسلامه
وإعجازه لا يتأتى إلا بتحقيق شرط جوهري، وهو تغيير ما بنفسه وتغيير ما في
محيطه مصداقاً للآية الكريمة: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]
[الرعد: ١١] . ولا يمكن أن يغير شيئاً في الخارج إن لم يغير شيئاً في نفسه،
وحينما نقول هذه الكلمة نقولها باعتبارها علماً، ولا نقولها لمجرد التبرك بالآية
فحسب، وإنما نقولها علماً ونعلم مقدارها من الصحة، حيث لا يستطيع المسلم أن
يغير ما حوله إن لم يغير أولاً ما بنفسه، فهذه حقيقة علمية، يجب أن نتصورها
كقانون إنساني وضعه الله في القرآن كسنة من سنن الله التي تسير عليها
حياة البشر، وإذن لكي يتحقق التغيير في محيطنا، يجب أن يتحقق أولاً في أنفسنا، وإلا فإن المسلم لن يستطيع إنقاذ نفسه ولا إنقاذ الآخرين [١٥] .
ومن خلال التغيير الداخلي للإنسان تتحدد مسؤوليته تجاه التاريخ والأحداث،
وهذه القيمة التغييرية: (بدلاً من أن تلقي على أكتافنا ثقل الأحداث تجعلنا نحدد
إزاءها مسؤوليتنا، فبقدر ما ندرك أسبابها ونقيسها بالمقياس الصحيح، نرى فيها
منبهات لإرادتنا وموجهات لنشاطنا، وبقدر ما نكتشف من أسرارها، نسيطر عليها
بدلاً من أن تسيطر علينا، فنوجهها نحن ولا توجهنا هي؛ لأننا حينئذ نعلم أن
الأسباب التاريخية، تصدر عن سلوكنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء، أعني (من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييراً يحدد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية) كما
رسمها القرآن في قوله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [آل عمران: ١١٠] [١٦] .
وعندما يقول الحق ﵎: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]
[آل عمران: ١٤٠] ، فإنها ترد من هذا الإطار القرآني تعقيباً على تجربة المسلمين التاريخية في أحد: [قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٣٩) إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] [آل عمران: ١٣٧-١٤١] .
إن القرآن يطرح في هذا المقطع التاريخي ذي المغزى العميق، والذي ترد
فيه كلمات ذات علاقة وثيقة بالمسألة: سنن، مداولة، تمحيص.. قاعدة أساس في
موقفه إزاء الدول والتجارب البشرية والحضارات، إنه يقرر منذ البدء عدم ديمومة
أي من هذه المعطيات، ولا يستثني الإسلام والمسلمين [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ] ، وقد قال: بين الناس، بمعنى عموم هذه (السنة) التي لا محيص عنها،
والتي تقوم بلا ريب على أسبابها ومقدماتها في صميم الفعل الإنساني نفسه؛ حيث
توصي هذه المداولة بالحركة الدائمة وبالتجدد وبالأمل البشري الذي يرفض السكون، ويرغب في الانطلاق نحو الفعل الحضاري الإيجابي الذي يمكنه من استعادة ذاتيته
الحضارية [١٧] .
ومع أن الإسلام يعترف بسقوط الدول والحضارات، عندما تتكاتف الأمراض
الحضارية في شكل ظاهرة يطلق عليها القرآن: (الاستبدال) و (الاستخلاف) ،
[وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] [محمد: ٣٨] ، ويقول تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] [يونس: ١٤] ، إلا أن الإسلام لم يجعل ذلك حتمية لا يمكن أن تفلت منها أية جماعة أو أمة
استطاعت أن تستعيد إرادتها وتصحح مسارها الفكري والنفسي، في ضوء الوعي
الحضاري بهاتين الآيتين المتقابلتين المتكاملتين إيجاباً وسلباً: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ
مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الأنفال: ٥٣] .
بل إن القرآن والسنة ليحملان لنا وعداً صريحاً بأن هذه المحاولات التغييرية
في اتجاه الحق مستمرة إلى يوم القيامة وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: [يُرِيدُونَ
لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ]
[الصف: ٨، ٩] ، وهو أيضاً ما يدل عليه الحديث الشريف: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة) [١٨] .
إن التناول الإسلامي لسقوط الدول والحضارات، يؤكد على أن أية أمة،
مؤمنة كانت أم غير مؤمنة، إنما تحمل مسؤوليتها كاملة إزاء نفسها، أمام الله وأمام
التاريخ، ولن تحمل تبعة أمة أخرى إلا بالقدر الذي تفرضه عليها مسؤولية الإنسان
عن أفعاله فحسب: [وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى] [النجم: ٣٩] ، فكذلك الحال
على مستوى الأمم والجماعات: [تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا
تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [البقرة: ١٣٤] .
وهذه المسؤولية (المستقلة) إزاء الذات الجماعية تجيء تأكيداً للارتباط العادل
الوثيق بين التجربة الحضارية وبين مصيرها الذي تؤول إليه تقدماً وتطوراً أو
تأخراً وانحلالاً [١٩] .
وبهذه المسؤولية الفردية الجماعية تجاه الفعل الحضاري، ينطلق هذا الفعل
في مجابهة كافة التحديات على مختلف الأصعدة، حيث أصبح الإنسان فرداً وجماعة
السند المحسوس للنشاط الحضاري، يمارس فعاليته المسؤولة دونما سكون أو سلبية، وبذلك تستمر دورة حضارته وتستعيد كيانها ودورها في إعلاء كلمة الحق: [هُوَ
الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ] [الفتح: ٢٨] .
إن من يؤمن بمرحلية الحدث التاريخي، قد تستعصي عليه فكرة تطويع
التاريخ لمبدأ التغيير، وعلينا أن نحاول تخليص مفهوم التغيير الحضاري من قيود
السببية المقيدة، كما تربطه بها النظرة الشائعة عند المؤرخين، الذين يرون أن
الأشياء في التاريخ تسير طبقاً لسببية مرحلية، والأشياء تسير فعلاً كذلك، إن
تركت لشأنها ولكن التغيير أي التاريخ يخضع أيضاً لقانون النفوس، وتصفية هذه
المناقضة لا يكون إلا بأن تتخذ الآية الكريمة: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، محوراً لمجابهة السقوط الحضاري، وبذلك
تتغير وجهة النظر في سير التاريخ؛ إذ إن المراحل التي تتقبل التغير أو لا تتقبله
حسب طبيعتها، تصبح مراحل قابلة كلها للتغيير؛ لأن الحتمية المرتبطة بها
أصبحت اختياراً يتقرر في أعماق النفوس [٢٠] .
وبذلك تتحدد دورية الحضارة، بأن الإنسان هو محور الفعالية في حركتها؛
بما يملك من قيم عقدية وأخلاقية، تمكنان دوماً من الإنجاز الحضاري وتماسكه.
إن فكرنا الإسلامي المعاصر قد قدم العديد من الاجتهادات حول مشكلات
المسلم في مواجهة التحديات المعاصرة التي تسعى إلى تدميره من الداخل، وبذلك
يسهل الاختراق لصالح قوى الاستكبار والتغريب والتآمر، فهل نستطيع من خلال
سنن التغيير الذاتي أن نعاود الانطلاق؟ وصدق الحق سبحانه: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] [غافر:٥١]
стр. 2723
تأملات دعوية
أدومه وإن قل
بقلم:عبد الله المسلم
ثبت عنه ﷺ أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ،
وأخبر: (أن أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه) [١] وكان هديه -صلى الله
عليه وسلم- المداومة على العمل، وكان ﷺ إذا عمل عملاً
أثبته [٢] ، وحين سئلت عائشة ﵂ عن عمله ﷺ
قالت: كان عمله ديمة [٣] .
والعمل الذي يداوم عليه صاحبه، مع أنه أحب إلى الله ﵎ وأنه
هدي النبي؛ ففيه ما أخبر عنه بقوله: (إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما
كان يعمل مقيماً صحيحاً) [٤] ، وهذا إنما يتأتى لمن له عمل يداوم عليه.
ويتحدث أرباب السلوك عن هذا الحديث ومعانيه، ويمثلون له كثيراً بالصلاة
والذكر والصيام والصدقة، ولا شك أن هذه الأعمال أوْلى ما تدخل فيه، بل هي
تدخل فيه بالنص.
لكن: ألا يمكن أن يستضيء الدعاة إلى الله ﵎ في دعوتهم بمعاني
هذا الحديث ويتمثلوها؟ ويعلموا أنه ما دام أن أحب العمل إلى الله أدومه؛ فالدعوة
إليه ﵎ وهي من أفضل الأعمال، ينبغي أن تسلك هذا المسلك.
والمداومة في الدعوة تعني معاني عدة، منها:
١- أن يكون للدعوة عموماً أهدافٌ واضحة محددة، لا أن تكون خطوات
مرتجلة مبعثرة.
٢- أن لا تكون الدعوة مجرد ردود فعل لمواقف معينة؛ إذ يتوجب أن تأخذ
ردود الأفعال موقعها الطبيعي؛ فلا تكون مصدراً لرسم برامج الدعوة وأهدافها.
٣- أن لا تكون الدعوة دعوة مواسم ومناسبات، أو محصورة بأوقات فراغ
الداعية وإجازاته، بل ينبغي أن تكون جزءاً أساساً من وقته، ليسمع الناس داعي
الخير في كل زمان ومكان.
٤- لزوم الداعية موقعه والمحافظة عليه؛ ذلك أنه تبدو أمامه كل وقت
مجالات وفرص متعددة هنا وهناك، وحين يتاح له موقع من المواقع يسد فيه ثغرة، فينبغي أن يحافظ عليه، ولا يجاوزه إلا لمصلحة ظاهرة، أما أولئك الذين ينتقلون
كل يوم من ميدان إلى آخر فما أقلّ إنتاجهم.
٥- عدم احتقار الميادين المهمة التي لها أثر عميق لكنه غير عاجل الثمرة،
كميادين التربية والبناء، فهي وإن قلّ أثرها القريب الظاهر، إلا أنها ضرورة لا
غنى للدعوة عنها. والذي يعي مفهوم المداومة يرى أنه ليس بالضرورة أن تكون
الأعمال ذات الأثر العاجل السريع خيراً منها وأوْلى.
ومما يتأكد على الدعاة إلى سبيل الله ﵎ في ميدان المداومة: أن
يكون لأحدهم نصيب وقدر من العمل الصالح، من الصلاة والذكر والتلاوة والصيام
والصدقة وإن كان قليلاً لا يخلّ به؛ فهم أحوج الناس للصلة بالله ﵎،
ولهم في ذلك أسوة بنبيهم محمد.
стр. 2724
دراسات شرعية
السوق.. آدابه وأحكامه
بقلم: محمد علي حيدة
السوق في اللغة: موضع البياعات، وجاء في (لسان العرب) أنها تذكّر
وتؤنّث، والجمع أسواق، وقد ورد في القرآن الكريم: [يَاًكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي
الأَسْوَاقِ] [الفرقان: ٧] وتسوّق القوم إذا باعوا واشتروا. ويُقصد بالسوق في
الاصطلاح الاقتصادي: المكان الذي يلتقي فيه البائعون والمشترون، ويتم فيه
التبادل.
والسوق كما يعرِّفه الاقتصاديون الغربيون: المنطقة التي يكون فيها البائعون
والمشترون على اتصال وثيق بعضهم ببعض بحيث يكون للسعر الذي يدفع في
مكان من السوق أثر على الأسعار التي تدفع في أي مكان آخر منه؛ وبذلك فهم
يرون أن للسوق وظيفتين رئيستين:
التقاء البائعين والمشترين واتصال بعضهم ببعض.
إمكانية التعامل في السلع والخدمات وسهولته.
وعلى هذا: فالسوق هو المجال الذي يلتقي فيه عرض وطلب السلعة سواء
كانت عملية العرض والطلب تتم بشكل مباشر بين شخصين أو عن طريق غير
مباشر بواسطة أدوات الاتصالات الحديثة مثل البرق والبريد والهاتف وغيرها،
وهذا يعني أن العالم بأسره قد يكون سوقاً لبعض السلع ذات الأهمية الاستراتيجية
في التجارة الدولية.
ويطلق السوق على مكان معين تباع فيه بعض السلع مثل الطماطم أو السمك؛
وهذه هي الصورة المبسطة للسوق، وقد يطلق على مجموعة من العلاقات المتشابكة
والمعقدة مثل: سوق القطن، أو سوق البترول، أو سوق الذهب. وإذا كان الباعة
والمشترون في الحالة الأولى يلتقون مباشرة بعضهم ببعض فإنهم في الحالة الثانية قد
لا يلتقون مباشرة وإنما عن طريق وسائل الاتصال الحديثة.
وقد عُنِي الإسلام بالسوق عناية ظاهرة؛ ففي أول قدوم الرسول -صلى الله
عليه وسلم- إلى المدينة كان فيهم من يبخس في الكيل، ويبدو أنهم قد تعلموا هذه
الأفعال من اليهود، فأنزل الله [وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ] [المطففين: ١]
فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وعندما استقر الرسول ﷺ في المدينة
وفرغ من بناء المسجد، التفت إلى مكان البيع والشراء السوق فوجدها في بني
قينقاع حي من أحياء اليهود وكانوا على سجيتهم من أكل السحت والسعي وراء
الكسب من أي باب، فكانوا يضربون على الناس فيها الخراج، ويؤجرون لهم
الأماكن، فمضى الرسول ﷺ إلى مكان فسيح وضرب فيه
برجله، وقال: (هذا سوقكم؛ فلا ينتقص، ولا يضرب عليه خراج) [١] وأقام
السوق؛ وخُصِّصَ لكل سلعة مكان: للتمر مكان، وللقمح مكان، وللإبل مكان،
وللغنم مكان، وكأني بسعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف ﵄
وأحدهما يعرض على الآخر نصف ماله ونصف داره فيتعفف عبد الرحمن من ذلك، ويشكر لأخيه هذا الفعل، ويدعو له بالخير والبركة، ويقول له: (دلني على
السوق؛ فإني أعرف التجارة) .
وارتاد المسلمون الأسواق بعدها في جو من الطمأنينة؛ حيث لا غش ولا
استغلال ولا احتكار، وتميز من يومها صنف جديد من الناس، وفُتحت لهم أبواب
الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء: إنهم التجار الصادقون.
السوق يأتي إذاً في المرتبة الثانية بعد المسجد في حياة المسلم؛ فالمسجد
موضع للتعامل مع الله وحده كما ورد في كتابه العزيز: [وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا
تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً] [الجن: ١٨] وأما السوق فهي موضع للتعامل مع الناس ومع
الله ، إذا اتّبعت أوامره واجتُنبت نواهيه وخلصت النوايا، وهنا
تحضرني مقالة عطاء ﵀: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف
تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلق.. إلخ، وإذا كان صح عن
الرسول ﷺ قوله: (.. وأبغض البقاع إلى الله تعالى الأسواق)
فلِما يقع فيها من ظلم وغش وأيمان كاذبة، لكنا قد نستطيع أن نحوِّل أسواقنا إلى
محاريب للعبادة بإقامة العدل فيها والرحمة والتسامح! !
وفي السعي لإقامة مجتمع إسلامي نظيف تقوم دعائمه على العدل والرحمة،
ينبغي أن نتعامل مع آداب السوق وأحكامه كما نتعامل مع آداب المسجد وأحكامه،
وإلا فسيظل بيننا وبين تحقيق هدفنا مسافات طويلة بل وستزداد هذه المسافات مع
مرور الأيام.
وقد اهتم علماء السلف بالسوق وأحكامه وأفردوا له الدراسات والمؤلفات،
ولعل من أبرزهم في هذا الميدان يحيى بن عمر (ت ٨٩هـ) في كتابه: (أحكام
السوق) ومن بعده القاضي أبو يوسف (ت ١٨٢هـ) صاحب الإمام أبي حنيفة في
(كتاب الخراج) ويمكن أن نجعل أهم آداب السوق وأحكامه في النقاط التالية:
دعاء دخول السوق: يسن لمن يدخل السوق بغرض البيع أو الشراء أو
المشاهدة أن يدعو بالدعاء المأثور عن الرسول ﷺ في ذلك
فيقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت،
وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) [٢] .
فقه أحكام البيع والشراء: فإنه ينبغي على كل من تصدى للعمل بالسوق
وممارسة العمل التجاري أن يكون فقيهاً بأحكام البيع والشراء، عالماً بالحلال
والحرام، حتى تكون معاملته صحيحة بعيدة عن الفساد؛ ففي الصحيح من سنن
الترمذي يقول سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: (لا يَبِعْ في سوقنا إلا من
تفقه في الدين) وقد روي عنه أنه كان يطوف بالسوق ويضرب بعض التجار بالدرة
ويقول: (لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى) .
وأحسب أن كل من عمل بالسوق وخاض غمار التجارة ومارس البيع والشراء
حتى يُعرف بأنه امتهن العمل في هذا المجال، ثم لا يعرف أحكام المعاملات:
الحلال منها والحرام، وما يفسدها وما يصلحها، أحسبه والله أعلم آثم بحسب
تقصيره في هذا الجانب، وقد امتلأت أسواقنا بكثير من المسلمين الذين أغفلوا هذا
الفقه بقصد أو بدون قصد وأصبحوا لا يبالون بالفرق بين الحلال والحرام، وخلت
من الصالحين والمتفقهين، الذين آثروا السلامة، فنأوا بأنفسهم تزهداً وتورعاً،
أقول لهم: افعلوا ما فعل أجدادكم، اطرقوا أبواب الأسواق، وأخلصوا النية لله تفتح
لكم الشركات والمؤسسات، وتسلموا من غل الوظيفة وقيدها، وتفتح لكم قلوب
العباد، كما فتحت لأسلافكم حينما ذهبوا بتجارتهم إلى الصين وإلى الهند وإلى
الجنوب من إفريقيا.
النهي عن التطفيف في الكيل والميزان: نهى الحق البائعين
والمشترين عن خلق ذميم، كان قد تأصل في المعاملات التجارية بين الناس في
المدينة قبل مقدم الرسول ﷺ لها، ألا وهو التطفيف في الكيل
والميزان في سورة قرآنية سميت باسم: (المطففين) وأنذرهم فيها وحذرهم من ذلك
وذكّرهم بالآخرة: [أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ] [المطففين: ٤-٦] ، ولم يكتف الإسلام بترهيب الناس من
عقاب الله في الآخرة ولكنه وضع من الضوابط والآليات ما يردع ضعاف النفوس
ممن تسول لهم أنفسهم التلاعب بحقوق الناس، من ذلك ما ذكره يحيى بن عمر في
كتابه: (أحكام السوق) من قوله: ينبغي للوالي الذي يتحرى العدل أن ينظر إلى
أسواق رعيته ويأمر أوثق من يعرف ببلده، أن يتعاهد السوق ويعيِّر على أهله
صنجاتهم وموازينهم ومكاييلهم كلها، فمن وجده قد غيّر من ذلك شيئاً عاقبه على
قدر ما يرى من بدعته.. ثم أخرجه من السوق حتى تظهر منه التوبة والإنابة إلى
الخير، فإذا فعل هذا رجوت له أن يخلص من الإثم، وتصلح أمور رعيته إن شاء
الله، ولما سئل الإمام مالك ﵁ عن رجل جعل في مكياله زفتاً ليرفع به
الكيل، قال: (أرى أن يعاقَب بإخراجه من السوق) فهو يرى أن إخراجه من السوق
أشد عليه من الضرب، وقد أفتى بعض تلامذته في قضية مثل هذه القضية بقولهم:
(الصواب عندنا أن يعاقبه الإمام بالضرب والسجن، أو الإخراج من السوق، إن
كان قد عرف الغش والفجور من عمله) وفي أيامنا هذه يمكن عقابه بسحب
التراخيص الممنوحة له أو عدم تجديد سجلاته التجارية.
النهي عن الغش والنجش والاحتكار: الاحتكار هو الإمساك عن البيع
وانتظار الغلاء مع الاستغناء عن السلعة وحاجة الناس إليها، وقد اختلف فيما يجري
فيه الاحتكار، فقال البعض: يجري في كل شيء من طعام أو غيره، وقال بعضهم: يجري في أقوات الآدميين فقط، لقول النبي: (من احتكر طعاماً فهو خاطئ) وفي
رواية: (لا يحتكر إلا خاطئ) ، كما نهى النبي ﷺ عن الغش
فقال: (من غشنا فليس منا) [٣] وقد روى الإمام البخاري قوله: (لا تصرّوا الغنم)
والتصرية تكون بأن يعمد صاحب الغنم إلى ترك لبنها في ضرعها حتى تبدو غزيرة
اللبن. ومما يدخل تحت النهي عن الغش: ألا يُثْني البائع على السلعة بما ليس فيها
من محاسن، وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها ووزنها ومقدارها وسعرها ما لو
عرفه المشتري لامتنع عن الشراء. وأما النجش: فهو الزيادة في ثمن السلعة ممن
لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، ومما يؤسف له أن كل أو بعض هذه المفاسد كثيراً
ما تحدث في أسواقنا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
النهي عن بيع العِينة: وبيع العِينة هو أن يبيع الرجل سلعة لآخر بثمن
مؤجل ثم يشتريها منه بثمن حالٍّ نقداً يقل عن الثمن المؤجل، وقد أفردته بالحديث
لأهميته وخطورته وكثرة المتعاملين به، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهو
حرام باتفاق العلماء؛ لأن اشتراط المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمن معلوم
ما هو إلا حيلة لتحليل الربا، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة نذكر منها قول
عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله: أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم) وفي رواية: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) . وفي مسند الإمام أحمد بلفظ: (لئن تركتم الجهاد، وأخذتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم، لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا عما كنتم عليه) . وفي هذه الأحاديث تحذير وبشرى: تحذير من مغبة مخالفة منهج الله، وأن مصيرنا في ذلك إلى الذل والبوار، وبشرى بأن أمامنا فرصة للمراجعة والتوبة إلى الله ينبغي أن نسرع إليها قبل فوات الأوان.
وهناك قاعدة ذهبية في المعاملات أصّل لها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
مفادها: أن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات، يعود إلى تحقيق العدل، والنهي عن الظلم: دقه وجله، أي قليل الظلم وكثيره، والضابط الكلي في
المعاملة العادلة الخالية من الظلم، هو كما قال الغزالي في الإحياء: (ألا يحب
لأخيه إلا ما يحب لنفسه؛ فكل ما لو عومل به شق عليه وثقل على قلبه، فينبغي
ألا يعامل غيره به، بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره) قال بعضهم:
من باع لأخيه شيئاً بدرهم وليس يصلح له لو اشتراه إلا بخمس دوانق، فإنه قد ترك
النصح المأمور به في المعاملة، ولم يحب لأخيه ما يحب لنفسه. والدانق هو سدس
الدرهم [٤] .
الامتناع عن التعامل مع اليهود [٥] : تثور بين الحين والآخر تساؤلات عن
حكم التعامل الاقتصادي مع اليهود وارتيادهم أسواقنا وارتيادنا أسواقهم، بين مؤيد
ومعارض، لكن الثابت بالتجربة التاريخية والمعاصرة، أن التعامل مع اليهود تحفّه
المخاطر على الفرد والمجتمع من نواحي عديدة؛ فهم يتعاملون بالربا وهو محرم
شرعاً، ولا يتورعون عن التجارة بيعاً وشراءً في السلع الخبيثة، كالخمر
والمخدرات والمقامرة، ولم يعملوا في مجال إلا أفسدوه، ولم ينزلوا بسوق إلا
خربوه؛ وفضلاً عن ذلك فإنهم يربحون من وراء تجارتهم معنا ونزولهم أسواقنا
أموالاً طائلة يوقفونها للصد عن سبيل الله: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى
جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] [الأنفال: ٣٦] .
وقد يحتج البعض في جواز التعامل مع اليهود بحادثة وفاة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي، والقصة معروفة في كتب السيرة، وقد
رواها البخاري ومسلم رحمهما الله، ولقد كان الرسول ﷺ
يتعامل مع هؤلاء من منطلق قوة وكانت للرسول ﷺ الصولة
والغلبة، وفي هذا الأسلوب من التعامل النبوي ما يظهر عظمة هذا الدين ونظرته
الإنسانية السامية، وإلا فماذا كان يمنع الرسول ﷺ من البطش
باليهودي الذي كان يلقي القاذورات كل يوم أمام بيته ﵊؟ لقد عاده
النبي ﷺ عندما مرض في يوم لم يلق القاذورات كعادته، فشهد
له اليهودي بالنبوة وأعلن إسلامه، لقد كان الرسول ﷺ يتحمل
الأذى الشخصي؛ لأن ذلك من خصائص النبوة، وقد رهن الرسول -صلى الله
عليه وسلم- درعه عند يهودي في وقت كانت جزيرة العرب كلها قد دانت له،
ولكنه فعل ذلك لحكمة أرادها؛ أما الآن فالوضع مختلف، والحال غيره بالأمس؛
فاليهود اليوم يحتلون أرضنا، ويستحلون حرماتنا، ويسفكون دماءنا، ويسخرون
من مقدساتنا، ويصادرون دورنا، فهل نقوم بعد كل هذا بإعطاء أموالنا لهم لنقوِّيهم
بها علينا؟ إن ذلك لعجب! ! وقد تبين لنا كيف أن الرسول ﷺ
أسّس سوقاً مستقلة للمسلمين وفصله نهائياً عن سوق اليهود في بني قينقاع، حتى
يتميز المسلمون بأسواقهم ومعاملاتهم.
ضابط التسعير: عن أنس ﵁ أن الناس قالوا: يا رسول الله:
غلا السعر؛ فسعِّر لنا! فقال: (إن الله تعالى هو الخالق، القابض، الباسط،
الرازق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها
إياه في دم ولا مال) [٦] .
ومعلوم أن شريعة الإسلام بينت الحلال والحرام، والحق والباطل، ورسمت
الطريق واضحاً أمام المسلمين في كل زمان ومكان. واليقينُ: في أن الناس إذا ما
تحروا الحلال وتنزهوا عن الحرام، فلن تكون هناك مشكلات تعترضهم، أو
أزمات تخنقهم، ولا ريب أن امتناع الرسول ﷺ عن التسعير
للناس في الحديث راجع إلى أن الغلاء لم يكن بسبب امتناع البائعين عن بيع ما
لديهم بالسعر المعتاد؛ إذ لم يحدث ذلك في حضرة الرسول ﷺ
ولم يَشْكُ منه الناس، لكن الناس شَكَوْا؛ لأن (السعر غلا) غلا وفقط؛ فقد يكون
الغلاء بسبب قلة العرض عن الطلب، أو قد يكون بسبب زيادة الطلب عن
المعروض من السلع، وهي أمور خارجة عن إرادة الجميع، وفي هذه الحالة فلا
يسعنا إلا أن نقول: إن ما فعله الرسول ﷺ هو عين الصواب؛ فالتسعير كما يقول ابن القيم: (منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز،
فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم
مما أباح الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما
يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، فهو جائز بل واجب) [٧] ، فشتان بين أيام
الاشتراكية التي كانت تعدّ على الناس أنفاسهم، وسعّرت لهم حتى (سندوتش) الفول؛ فجاعوا وافتقروا، وبين شريعة الإسلام في مبادئه الرائعة في الحرية الاقتصادية:
(دَعِ الناس يرزقْ بعضُهم بعضاً) [٨] .
وهكذا يتبين لنا أن السوق المثلى في الإسلام لم تأت نتيجة للتدخل المباشر في
النشاط الاقتصادي حول كل صغيرة وكبيرة مثل ما هو معروف في النظم
الاشتراكية، ولا نتيجة لعدم التدخل مثل ما هو معروف في النظم الرأسمالية وإنما
عن طريق التوجيه المستمر الجدير بأن يقيم العدل بين البائعين والمشترين وإزالة
كافة ممارسات الضرر بالآخرين، سواءً كانوا أفراداً أو جماعات.
стр. 2725
مقال
مدلولات الأمن الإسلامي
نوع آخر من القرآن الكريم
بقلم: د. محمد البرزنجي
لا شك أن القرآن هو منهج رباني أنزله الله ليحكم الحياة
البشرية بجميع مرافقها. ولا نستطيع أن ندعي أن في القرآن تعريفاً لمصطلح الأمن
الإسلامي؛ ولكنا نجد إشارات في ثنايا الآيات القرآنية تشير إلى أمور تدخل في
تكوين هذا المصطلح.
والمتدبر لآيات القرآن الكريم يرى أن الآيات القرآنية تتحدث عن مستويين
من الأمن أو نوعين منه:
الأول: الأمن على مستوى الفرد (عامل الأمن النفسي) .
الثاني: الأمن على المستوى الجماعي (الأمة) .
أولاً: الأمن الفردى أو (عامل الأمن النفسي) :
يذكر الله عن إبراهيم ﵇ وهو يحاور قومه المشركين: [فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم
بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨١-٨٢] .
من المعروف أن عقيدة التوحيد تأخذ مساحة واسعة من الآيات القرآنية؛ وفي
هذه الآية رَبْطٌ واضح وعلامة قوية بين رسوخ عقيدة التوحيد في النفس البشرية
وبين الأمن والاطمئنان؛ أما الذين لم تخالط عقيدة التوحيد قلوبهم، ولم تملأ نفوسهم
فلن يشعروا أبداً بذلك الاطمئنان والأمن النفسي؛ فهُمْ في الدنيا وَجِلُونَ من سخط الله، وفي الآخرة ينتظرهم عذاب من الله أليم، ويظلون طول حياتهم يخافون من
المستقبل المجهول، ولا يعرفون معنى لوجودهم في هذا الكون الرحيب. والملايين
الضالة في العالم المادي فقدت الأمن والاطمئنان عندما مسخت فطرتها؛ ومهما
لهثت وراء ذلك فلن تحصل عليه؛ فذلك الأمن منحة ربانية للذين آمنوا ولم يخلطوا
إيمانهم بشرك؛ هكذا ترشدنا الآية القرآنية؛ وذلك نوع من التحدي والإعجاز
القرآني للبشر على مدى العصور؛ فلو راجعنا نشرات منظمة الصحة العالمية
وسجلات المصحات النفسية والعيادات النفسية في دول الغرب لوجدنا أمراً مذهلاً؛
فجميع وسائل الترفيه والترف المادي لم تمنح الإنسان الغربي ذلك الأمن والاطمئنان
النفسي الذي رُزِقه المسلم حتى ولو كان وراء القضبان، ولو راجعنا حياة الصحابة
والتابعين وأعلام هذا الدين حتى يومنا هذا لبدا لنا ذلك واضحاً.
نرجع مرة أخرى إلى الآيات القرآنية لنرى مثالاً عظيماً تتجلى فيه مسألة
الأمن النفسي؛ ففي غزوة أحد بعد أن أصيب المسلمون بجراحات كثيرة من بينها
استشهاد سبعين صحابياً منهم حمزة عم النبي؛ وعقب هذه الإصابات المؤلمة وفي
تلك اللحظة الحرجة جداً كان الذين في قلوبهم مرض يتوجسون شراً، ويرتعدون
خوفاً من كَرّة قريش مرة أخرى ولكن الذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان، ونعمت
نفوسهم بالتوحيد رُزِقوا أمناً عجيباً؛ وكما قالت العرب قديماً: (الإناء ينضح بما
فيه) فالأمن الذي ملأ قلوبهم انعكس على جوارحهم؛ فغطوا في نوم هادئ مريح.
قال الحق سبحانه: [ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ
وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ] [آل عمران: ١٥٤] . ...
قال الطبري في تفسير هذه الآية: ثم أنزل الله أيها المؤمنون من بعد الغم
الذي أتاكم ربكم بعد غم تقدمه قبله (أمنة) وهي الأمان على أهل الإخلاص واليقين
دون أهل النفاق والشك. ثم أخرج الطبري الرواية (٨٠٧٢) عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قال: أمّنهم يومئذٍ بنعاس تغشّاهم وإنما ينعس من يأمن ... وأخرج
رواية أخرى (٨٠٨٦) عن قتادة أنه قال في تفسير هذه الآية: الطائفة الأخرى:
المنافقون ليس لهم همّ إلا أنفسهم أجبن قوم وأرهبه وأخذله للحق يظنون بالله غير
الحق ... إنما هم أهل شك وريبة في أمر الله.. وأخيراً فقد أخرج الطبري
الروايتين: (٨٠٨٩، ٨٠٩٠) عن ابن زيد وقتادة في قوله تعالى: [ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ] ظن أهل الشرك. اهـ
قلت: وهنا تلتقي الآية مع آية سورة الأنعام السابقة في ربط الأمن
والاطمئنان النفسي بالتوحيد وفقدان ذلك الأمن بالشرك نسأل الله الأمن والأمان وهذا
هو أحد صحابة رسول ﷺ حين يجتمع عليه مشركو قريش
ليقتلوه يصلي ركعتين خفيفتين ولا يطيل فيهما القراءة حتى لا يتصور الأعداء أنه
وَجِلٌ من الموت في سبيل الله، ويطلب شفرة يتنظف بها من الشعر الزائد؛ وينسى
القوم أنهم تركوا عنده طفلاً، فيهرعون إليه خشية أن يذبحه فيرون الطفل في
أحضانه هادئاً؛ والصحابي مطمئن النفس هادئ الجوارح والجوانح غير مضطرب. وسنعود مرة أخرى للحديث عن عامل الأمن النفسي في نهاية حديثنا هذا.
ثانياً: الأمن الجماعي (أمن الأمة الإسلامية) :
قال الحق سبحانه: [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الفَاسِقُونَ] [النور: ٥٥] .
قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: والمعنى أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما
كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمناً، ويُذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه
بحيث لا يخافون إلا الله ولا يرجون غيره [١] .
ولنا وقفة طويلة عند هذه الآية: أما أسباب الخوف كما قال الشوكاني فسنرجع
إليه بعد برهة، ونبدأ بالعبارة القرآنية: [يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] فمعظم
المفسرين كالقرطبي والشوكاني وغيرهما يرجحون كون هذه الجملة في محل نصب
على الحال، ويجوز كون الجملة استئنافية، ولقد التقيت يوماً في بعض أسفاري
بفضيلة الدكتور ياسين الجاسم رئيس قسم اللغة العربية بإحدى الجامعات الإسلامية
فسألته عن إعراب هذه الجملة: [يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] فقال: هذه
الجملة في محل نصب حال أو أنها استئنافية، ولكن المعنى يرجح كونها في محل
نصب حال. والله تعالى أعلم.
والذي يهمنا هنا هو ترجيح المفسرين وعلماء اللغة كونها في محل نصب حال، أي أن المعنى يصير: وعد الله المؤمنين بالأمن والتمكين في حال عبادتهم
وإخلاصهم. قال القرطبي: (١٢/٣٠٠) [يَعْبُدُونَنِي] : هو في موضع الحال،
أي في حال عبادتهم بالإخلاص. ونقل القرطبي عن ابن العربي قوله: هذا وعد
عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره
على حاله؛ وحقيقة الحال أنهم (أي المسلمين) كانوا مقهورين فصاروا قاهرين،
وكانوا مطلوبين فأضحوا طالبين؛ فهذا نهاية الأمن والعز.
وقال النحاس كما نقل عنه القرطبي (١٢/٢٩٧) : فكان في هذه الآية دلالة
على نبوة رسول الله؛ لأن الله أنجز ذلك الوعد.
أما تفسير قوله تعالى: [وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ] فقد أخرج الطبري (شيخ
المفسرين بالأثر) بسنده المتصل إلى أبي العالية أنه قال: أي من كفر بهذه النعمة [
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] وليس يعني الكفر بالله.
ثم ذكر الطبري عبارة جديرة بالتأمل؛ إذ قال: فأظهره الله على جزيرة
العرب، فآمنوا، ثم تجبروا؛ فغير الله ما بهم؛ لأنهم كفروا بهذه النعمة، فأدخل
الله عليهم الخوف الذي كان أنعمه عليهم، قال القاسم (شيخ الطبري) : قال أبو علي: بقتلهم عثمان بن عفان ﵁. اهـ
وهذا يعني اتفاق الطبري وابن العربي والقرطبي حول المعنى نفسه.
والمتتبع لحال المسلمين يستنتج ما يلي: كلما كانت الأمة المسلمة مطيعة لله ورسوله
يحكم التوحيد حياتها كاملة كان الأمن على قدر ذلك. والله تعالى أعلم.
ونأتي أخيراً إلى تفسير عوامل الأمن التي تقابل عوامل الخوف التي أشار
إليها الشوكاني بقوله: (ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه) . فنقول وبالله
التوفيق: المتدبر لآيات القرآن الكريم يرى أن الآيات القرآنية تشير أحياناً إلى
عاملين رئيسين: العامل الاقتصادي، والعامل المادي العسكري [الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن
جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ] [قريش: ٤] وهنالك آية أخرى تبدو الإشارة فيها إلى
هذين العاملين الرئيسين من عوامل الأمن الجماعي واضحة؛ إذ يقول الحق سبحانه: [وَقَالُوا إن نَّتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى
إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ] [القصص: ٥٧] .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: [وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ] أي لا يعقلون: أي هم غافلون عن الاستدلال بأن من رزقهم وأمنهم فيما مضى حال كفرهم
يرزقهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في حال إسلامهم.
وقال صاحب الظلال رحمه الله تعالى: وهم ينسون الله، ينسون أنه وحده
الحافظ وأنه وحده الحامي، وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في
حمى الله، وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله؛ ذلك أن
الإيمان لم يخالط قلوبهم ولو خالطها لتبدلت نظرتهم للقوى، ولاختلف تفسيرهم
للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله، وأن الخوف لا يكون إلا في
البعد عن هداه. اهـ
قلت: ومن إعجاز القرآن الكريم أننا نرى اليوم اليهود يملكون أقوى الأسلحة
المادية، ومعظمهم مجندون ومدربون على القتل والفتك والنهب، ويملكون أموالاً
طائلة ومع ذلك فهاجسهم الوحيد ظل لحد الآن: الأمن؛ لأنهم بعيدون عن هدى الله
وبدا ذلك واضحاً في الزيارة الأخيرة لأولبرايت لإسرائيل؛ إذ أكدت
وكالات الأنباء أن أمن إسرائيل كان محور المباحثات هناك؛ ولكن هيهات أن
يناموا ملء جفونهم مصداقاً لقوله تعالى: [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ
بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ] [آل عمران: ١١٢] .
ولا بأس إذا فصلنا شيئاً قليلاً في عامل الأمن العسكري ما دام الحديث في
اليهود؛ فالآية القرآنية في سورة الإسراء تتحدث عن أمرين هامين (يعتبرهما
خبراء الحرب عاملين هامين في الأمن العسكري ... أولاهما: الأعداد الغفيرة من
الجنود المدرّبة، والثاني: هو المال الوفير وهو جزء من عامل الأمن الاقتصادي)
يقول الحق سبحانه متحدثاً عن بني إسرائيل: [وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ
أَكْثَرَ نَفِيراً] [الإسراء: ٦] ، ومع الأسف فإن اليهود يأخذون بعوامل الأمن المادية
المتاحة لديهم؛ فهم يجمعون يهود الحبشة ويهود روسيا وغيرهما، ثم يدربونهم على
أحدث الأسلحة ويحاولون في الوقت نفسه إدخال الأخطبوط المالي اليهودي إلى كافة
الأسواق؛ فهل فكرت الأمة الإسلامية الممزقة في عشر معشار ما يفكر به اليهود؟
نعود كرة أخرى إلى مدلولات الأمن الإسلامي في القرآن الكريم وهذه المرة
نستعين ببعض الأحاديث النبوية الشريفة؛ فالسنة مبينة لآيات القرآن الكريم؛ وهنا
لا أريد أن أطيل أكثر مما سبق، وإنما أقول: مصطلح الأمن الإسلامي يختلف عن
مصطلحات الأمن القومية وغير ذلك؛ فالعوامل الداخلة في تعريف هذا المصطلح
ليست عوامل مادية فقط وإنما العامل الأول هو الالتزام بعقيدة التوحيد على مستوى
الفرد والجماعة سواءً بسواء ثم اتخاذ السياسات الاقتصادية وخطط التنمية والدفاع
وما إلى ذلك، أضف إلى كل هذا عاملاً رئيساً آخر لا يوجد إلا في الأمن الإسلامي
ألا وهو الدعاء. نعم الدعاء! فلا تستغرب أخي القارئ! ولكن: رويدك حتى نفهم
سوية دور الدعاء في الأمن؛ فعلى أن الإسلام حرّض المسلمين على الاهتمام
بالاكتفاء الذاتي ومن ذلك الاكتفاء الاقتصادي، ومنه الاكتفاء الزراعي؛ إذ إن
الإسلام يحضّ على الزرع حتى في آخر الزمان وقبيل قيام الساعة بلحظات.
ولكن في الوقت نفسه يطلب الإسلام من المسلمين أفراداً وجماعات أن يكونوا
مربوطي القلب بتوفيق الله، راجين منه سبحانه أن يبارك في زرعهم وجهودهم
فتكون مباركة كثيرة كبيرة عميمة النفع؛ كما جاء في صحيح مسلم (٩/٤١٢٥) كان
الناس إذا رأوا الثمر جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ فيقول: (اللهم
بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في
مُدِّنا) .
هنالك إشارة أوضح من مسألة الأمن الاقتصادي والاكتفاء الذاتي في مجال
الزراعة؛ فقد أخرج الترمذي في سننه (٣٤٥١) وحسنه والدارمي (٢/٤) أن النبي- ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان
والسلامة والإسلام، ربي وربك الله) .
ويتبين لنا من الشروح السابقة أن تعريفَ الدكتور صباح وإن كان مشكوراً
لجهوده في إيجاد تعريف للأمن الإسلامي غيرُ متكامل؛ فالأمن الإسلامي: منحة
ربانية يهبها الحق سبحانه للجماعة (الأمة المسلمة) إذا حققت الإيمان وانصبغت
حياتها بصبغة إسلامية [صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ]
[البقرة: ١٣٨] ومحت آثار الشرك من الحياة العامة والخاصة، ثم أخذت بالأسباب
المادية من تنمية اقتصادية وإعداد عدة [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ]
[الأنفال: ٦٠] وما إلى ذلك من السياسات الداخلية والخارجية التي تنظمها السياسة الشرعية المعروفة القواعد والأسس عند فقهاء هذه الأمة، ومع كل تلك الإجراءات المادية والمعنوية تظل نفوس الأمة مشدودة إلى توفيق ربها، راجية أن يهبها الأمن والأمان والسلامة والإسلام.
وبعد هذه الشروح السابقة نقول: إن مصطلحات الأمن الاقتصادي والأمن
السياسي والأمن القومي وما إلى ذلك لم تتوضح إلا في القرن الأخير وذلك بعد مئات
الدراسات والأبحاث واستقراء الأحداث الكونية، وما إلى ذلك. ومعلوم أن محمداً -
ﷺ ذلك الرجل الأمي الذي عاش قبل أربعة عشر قرناً لم يتخرج
من أكاديميات عسكرية متطورة، ولم يكن خبيراً اقتصادياً؛ فهو الذي كان يقول:
(أنتم أعلم بأمور دنياكم) [٢] ولم يكن مشرفاً على مراكز الدراسات السياسية
والاستراتيجية؛ فمن أين جاء بهذه الإشارات العلمية إن لم يكن وحياً منزلاً وكما قال
سبحانه: [قُلْ أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] [الفرقان: ٦] ، وقال
سبحانه: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلا الإيمَانُ
وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ] [الشورى: ٥٢] ونحن نقول: إن القرآن
الكريم ليس كتاب طب أو فيزياء أو علم اجتماع أو اقتصاد، ولكنه منهج رباني
أنزله الله ليحكم حياة الناس، وقد وردت فيه إشارات إلى نواميس عظيمة في هذا
الكون؛ ومجرد هذه الإشارات يكفي حافزاً للإنسان لكي ينظر ويتدبر ويتأمل،
وكلما اكتشف الإنسان سراً من أسرار الحياة والكون، وكلما تجلت له حقيقة كونية
تتعلق بحياة البشر أو غير ذلك ازداد إيماناً ويقيناً؛ والحق سبحانه يقول: [سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ شَهِيدٌ] [فصلت: ٥٣] .
ولقد حاولت في مقالتي هذه أن أستند إلى شروح المفسرين الأعلام كالطبري
والقرطبي والشوكاني وغيرهم، وحاولت جهد المستطاع أن لا أُحَمِّلَ النصوص فوق
ما تحتمل؛ فإن كنت وقعت في ذلك فأرجو أن ينبهني القراء لذلك.
أقول قولي هذا؛ فإن كان صواباً فمن الله التوفيق، وإن كان خطأ فمني؛
وأستغفر الله.
стр. 2726
دراسات دعوية
قصة مؤمن آل ياسين
دروس وعبر
بقلم: عبد الحميد السسحيباني
إن الدفاع عن العقيدة الصحيحة والمنهج الحق مطلب كل داعية مؤمن بالله
تعالى ورسُله. والدعوة إلى الحق والهدى بعد معرفته وتبيّنه: صفة المسلم الصادق، يفعل ذلك ويؤديه حسب قدرته، باذلاً لذلك كل وقته، ومستمراً عليه حتى لو أدى
به ذلك إلى القتل وإزهاق الروح؛ لأنه يعلم أنه لن يموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً،
وتلك هي صفة مؤمن آل ياسين الذي تحدث الله تعالى عنه وعن قومه ضمن آيات
من سورة يس، يقول فيها سبحانه: [وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إذْ جَاءهَا
المُرْسَلُونَ (١٣) إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ
(١٤) قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ
(١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ (١٧) قَالُوا
إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُم
مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (١٩) وَجَاء مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ
يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ
لا أَعْبُدُ الَذِي فَطَرَنِي وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ
بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ (٢٣) إنِّي إذاً لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٢٤)
إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ
مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (٢٨) إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ]
[يس: ١٣-٢٩] .
فقد أخبر سبحانه في هذه الآيات أنه أرسل إلى أهل مدينة اثنين من الرسل
يدعوانهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع،
فبادروهما بالتكذيب، فعززهما الله تعالى وقوّاهما برسول ثالث، فقالوا لأهل تلك
القرية: إنا إليكم مرسلون من ربكم الذي خلقكم، يأمركم بعبادته وحده لا شريك له،
فقالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وكيف أوحي إليكم وأنتم بشر، ونحن بشر، فلِمَ لا
يوحى إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما قال سبحانه: [ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّاًتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا]
[التغابن: ٦] وقوله: [وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِّثْلَكُمْ إنَّكُمْ إذاً لَّخَاسِرُونَ] [المؤمنون: ٣٤] وعندما قال أولئك المكذبون ما قالوا من التكذيب قالت لهم رسلهم: إنا رسل الله إليكم، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار كما قال جل شأنه: [قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ] [العنكبوت: ٥٢] . وتمادى أهل القرية في طغيانهم، وراحوا يتطيرون بهؤلاء المرسلين، ويقولون كما قال قتادة: إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، وإنكم إذا لم تنتهوا فسوف نرجمكم بالحجارة، وسيصيبكم منا عقوبة شديدة، فقالت لهم رسلهم: إن طائركم معكم، مردود عليكم، وأنتم ما قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا إلا من أجل أنّا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، بل أنتم قوم مسرفون، لتطيركم وكفركم وفسادكم [١] .
ولأن تلك الساحة لم تخل ممن عمرَ الإيمانُ قلوبهم، وتعمقت الدعوة في
أفئدتهم وأقضّ المنكر كل ذرة في أبدانهم، لأجل ذلك قيض الله تعالى لهؤلاء الرسل
من يدافع عنهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، لينصرهم من قومه، قيل: إن اسمه حبيب النجار، وكان رجلاً سقيماً قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير
الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيم الفطرة، وقيل: كان منزله عند أقصى
باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم،
لعلهم يرحمونه، ويكشفون ضره، فاستجابوا له، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة
الله تعالى فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم: ربنا على ما يشاء قدير؛ وهذه لا تنفع
شيئاً ولا تضر. فآمن، ودعوا ربهم، فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس،
فحينئذ أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق بكسبه، فأطعم عياله نصفاً، وتصدق
بنصف. فلما همّ قومه بقتل الرسل جاءهم، فوعظهم أحسن ما تكون الموعظة،
وذكّرهم بحق الله تعالى من العبادة والتعظيم، فقتلوه، واختلف المفسرون في كيفية
قتله، فقال بعضهم: وطئوه بأرجلهم، وقيل: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهدِ
قومي؛ حتى قتلوه، وقيل: حفروا حفرة، وجعلوه فيها، وردموا فوقه التراب،
فمات ردماً. وقيل: حرقوه حرقاً، وعلقوه بسور المدينة. وقيل: نشروه بالمنشار
حتى خرج من بين رجليه فما خرجت روحه إلا إلى الجنة، فدخلها، فذلك قوله: [قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ] فلما شاهدها قال: [يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي
رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ] قال الإمام القرطبي: (قلت: والظاهر من الآية أنه لما
قُتل قيل له: ادخل الجنة. قال قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق، أراد
قوله تعالى: [وَلا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ] [آل عمران: ١٦٩] .
وإذا تأمل العبد المسلم هذه الحادثة المؤثرة استنبط منها الدروس والعبر، ومن
ذلك:
١- الحث على سرعة الاستجابة للحق، متى ما ظهرت علامته، واتضحت
دواعيه. ثم الدعوة إليه دون بطء أو تكاسل؛ فإن هذا المؤمن الشهيد حينما استشعر
حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها سكوتاً، ولم يقبع
في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله، والجحود، والفجور، ولكنه سعى
بالحق الذي استقر في ضميره، وتحرك في شعوره. سعى به إلى قومه وهم
يكذبون ويجحدون ويتوعدون، ويهددون. وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم
بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم
الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين) [٢] . ونجد في الآيات الكريمة وصفاً لهذا
المؤمن الشهيد بالسعي، وهذا كما يقول صاحب تفسير التحرير والتنوير: (يفيد أنه
جاء مسرعاً، وأنه بلغه هَمّ أهل القرية برجم الرسل أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم
خشية عليهم وعلى الرسل، وهذا ثناء على هذا الرجل، يفيد أنه ممن يُقتدى به في
الإسراع إلى تغيير المنكر) [٣] .
٢- ومن الدروس والعبر كذلك هنا: أن من أسباب قبول دعوة الداعين إلى
الحق عدم طلبهم أجراً دنيوياً أو كسباً مادياً. ولذا قال هذا المؤمن لقومه: [اتَّبِعُوا
مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ] وقد قُدم عدم سؤال الأجر على الاهتداء (لأن
القوم كانوا في شك من صدق المرسلين، وكان من دواعي تكذيبهم اتهامهم بأنهم
يجرّون لأنفسهم نفعاً من ذلك؛ لأن القوم لما غلب عليهم التعلق بحب المال،
وصاروا بُعداء عن إدراك المقاصد السامية كانوا يعدّون كل سعي يلوح على امرئ
إنما يسعى به إلى نفعه فقُدِّم ما يزيل عنهم هذه الاسترابة ... ) [٤] . (والأجر
يصدق بكل نفع دنيوي يحصل لأحد من عمله، فيشمل المال والجاه والرئاسة. فلما
نفى عنهم أن يسألوا أجراً فقد نفى عنهم أن يكونوا يرمون من دعوتهم إلى نفع
دنيوي يحصل لهم) [٥] .
٣- ومن الدروس والعبر في قصة المؤمن الشهيد، مؤمن آل ياسين: الحث
على استخدام أسلوب الإقناع في الجانب الدعوي. فقد كان من ضمن نصح حبيب
لقومه أنه قال لهم: [وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَذِي فَطَرَنِي] حيث (أخرج الحجة عليهم في
معرض المخاطبة لنفسه تأليفاً لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب
في العقول، مستهجن تركها، قبيح الإخلال بها، فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بعدُ تابعة لإيجاده وخلقه، وقد جبل الله العقول والفطر على شكر
المنعم، ومحبة المحسن، ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك،
فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع) [٦] . ونجد في مخاطبة
هذا المؤمن لقومه (أنه احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره،
وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال: [أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ
بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ (٢٣) إنِّي إذاً لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] أفلا
تراه كيف لم يحتجّ عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى
الفطرة) [٧] .
٤- الاستمرار في الدعوة إلى الهدى والحق مهما وقف في سبيل منعها الطغاة
والمفسدون، ما دام الداعية يعلم أنه لا يدعو إلا إلى الخير والهدى، وما دام يعلم أن
في استمرار الدعوة صلاح الناس واستقامتهم، وأن في تركها فسادهم وغفلتهم،
فيستمر في ذلك ولو عُذب وأهين، بل حتى لو أزهقت نفسه، وقتل، كما هو حال
مؤمن آل ياسين، وذلك سبيل الأنبياء والمرسلين، ومن نهج نهجهم من العلماء
الربانيين، والدعاة الصادقين إلى يوم الدين.
٥- ومن الدروس والعبر كذلك الحث على تطهير القلب من الحقد والحسد
وكل أمر قبيح، أرأيت قول هذا المؤمن لما قتله قومه، وأدخل الجنة: [يَا لَيْتَ
قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ] قال الأستاذ محمد
الطاهر بن عاشور: (والمعنى: أنه لم يلهه دخوله الجنة عن حال قومه، فتمنى أن
يعلموا ماذا لقي من ربه ليعلموا فضيلة الإيمان، فيؤمنوا، وما تمنى هلاكهم ولا
الشماتة بهم، فكان متسماً بكظم الغيظ، وبالحلم على أهل الجهل؛ وذلك لأن عالم
الحقائق لا تتوجه فيه النفس إلا إلى الصلاح المحض، ولا قيمة للحظوظ الدنية،
وسفاسف الأمور) [٨] . وقال الإمام القرطبي: (وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة
على وجوب كظم الغيظ، والحلم على أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه
في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه،
والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقَتَلَته،
والباغين له الغوائلَ، وهم كَفَرة عَبَدة أصنام) [٩] .
٦- بيان عاقبة كل معاند ومفسد، وكل واقف في وجه الدعوات الربانية
الهادية. فإنه لما قُتل حبيب غضب الله له، وعجل النقمة على قومه، فأمر جبريل
فصاح بهم صيحة، فماتوا عن آخرهم، قال سبحانه: [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ
بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (٢٨) إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإذَا هُمْ
خَامِدُونَ] وهذه عاقبة كل محارب لله ولرسوله وللمؤمنين، أن يأخذه الله كما أخذ
السابقين، كما حكى جل وعلا عن أهل الكتاب أنه ضرب الذلة عليهم، وغضب
عليهم، وعلل ذلك بأنهم كانوا يكفرون بكل دعوة صالحة تأتيهم، ويقتلون الأنبياء
بغير حق: [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ
وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] [آل عمران: ١١٢] .
ولما عاند قوم نوح نوحاً وعصوه وتمردوا عليه قال سبحانه في شأنهم: [وَقِيلَ يَا
أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى
الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] (هود: ٤٤)
نعم إن قصة قتل مؤمن آل ياسين ينبغي أن يعتبر بها الناس جميعاً، ويوقنوا
أن في اتباع المصلحين الفلاح والنجاة، وأن في مخالفتهم الهلاك والبوار والعَطَب؛
فاللهم يا رحمن! ارزقنا الاهتداء بهدي المرسلين، وأعذنا من صفات الكافرين
والمكذبين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 2727
نص شعري
عرفات يخرج عن صمته
أحمد حسبو
عرفاتُ ذكِرْ أمةَ المختارِ ... واقرأ عليها نشرة الأخبارِ
فلربما أرْعت خطابَك سمعَها ... واسترشدت بالنصح والتّذكارِ
ولربما بعد استماعك ترعوي ... وتهبّ من نوم إلى اسْتنفارِ
ولربما آن الأوان لكي ترى ... ما قد دهاها اليوم من أخطارِ
إني أرى هذا التجمعَ فرصةً ... فحذارِ من إهدارها فحذارِ
فالمسلمون على ثراك تجمعوا ... وتدفقوا من سائر الأقطارِ
حملوا الذنوبَ الموبقاتِ وأسرعوا ... يُلْقونها في ساحة الغفارِ
يومٌ له يُهدي الزمانُ تحيّةً ... سيمرّ مرّ البارق السيّارِ
فإذا أفاضوا من حِماكَ عشِيّةً ... عصفت بك الأحزان كالإعصارِ
لَهفي عليك وقد وقفتَ مودِّعاً ... ونظرْتَ نحو الركب باستعبارِ
أنا لا ألومك إن حفظْتَ عهودَهُم ... إنّ الوفاءَ سجية الأخيارِ
لكنْ ألومُك إن رأيتُك ساكتاً ... وانفضّ هذا الجمع دون قرارِ
فاكسرْ جدارَ الصمتِ واقرعْ سمعَهم ... فلكم وراءَ الصمت من أسرار! !
واقرأ على الدنيا مآثِرَ عِزّةِ ... وأَذِعْ عليها سيرة الأطهارِ
أغضى حياءً ثمّ ألقى نظرةً ... ضمّت معاني الحبِّ والإكْبارِ
ثم استدار إلى الجموعِ وقد بدا ... طلقَ الحديث، مرتّب الأفكارِ
حمْداً لمن جمعَ الحجيجَ بساحتى ... وصلاته تَترى على المختارِ
يا أمةً بالشوقِ أرقُب عوْدَها ... كالرّوض يرقبُ عوْدة الأمطارِ
أنا لن أقدم للحديث إليكم ... لا وقتَ للتقديم والإكثارِ
لكنْ بذاكرتي مشاهدُ عِشتُها ... ستظلُ مِلءَ السمع والأبصارِ
فهنا بكى خيرُ العبادِ (محمدٌ) ... وروى الصّعيدَ بدمعهِ المدرارِ
وهناك يخطب في الجموع مودِّعاً ... وكلامُهُ فيضٌ من الأنوارِ
وهنا، جثا (الصدِّيق) يرجف خائفاً ... وَجِلاً يُحاذِرُ غضبة الجبارِ
وهنا، أتى (الفاروق) يبكي بعدما ... لاقى (أُوَيْس) وفازَ باستغفارِ
وهنا بدا (عثمان) في استحيائهِ ... وعليه ثوبُ سكينةٍ ووقارِ
وهنا (عليّ) قد تفجّر حكمة ... ولباسهُ الإيمانُ خير دثارِ
ولكم رأيت على صعيدي إخوة ... فهموا معاني الحب والإيثارِ
عاماً هنا حجّوا، وعاماً جاهدوا ... يرجون وجه الواحدِ القهّارِ
عزّوا ولم يعطوا الدنية مطلقاً ... فالموت أسمى من حياةِ العارِ
الفرق بين الحاضرين ومن مضى ... كالفرق بين الشَوْكِ والأزهارِ! !
فإلى متى تستقبلون دواهِياً ... حلّتْ بكُمْ بالشّجْبِ والإنْكارِ؟ !
وإلى متى والغاصبون بأرضِكم ... يتَصرّفون تصرّفَ الأحرارِ؟ !
وإلى متى تلك الحواجز بينكم؟ ؟ ... ولِمَ الحياةُ بذِلةٍ وصَغارِ؟ !
وإلى متى والقدس ترقب فجرها ... والليلُ يضربُ حولَها بحصارِ؟ !
كلّ المنافذ دونها قد أُغلِقتْ ... لَمْ يبْق غير الصّارمِ البتارِ
فاقضوا المناسك وارجعوا لدياركمْ ... وتفرّغوا للفتكِ بالكُفّارِ
إما حياةً بالجهاد كريمة ... أو جنةً؛ فَلَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ
стр. 2728
المسلمون والعالم
الأزمة الجزائرية: تدويل أم.. تمويل ؟ !
قراءة في الملف الدامي للمأساة في عامها السادس
بقلم:حسن قطامش
دخلت الأزمة الجزائرية عامها السادس، ومع بداية هذا العام دخلت كذلك
منعطفاً جديداً مع إعلان الغرب الصليبي رأفته وشفقته على الشعب الجزائري المسلم؛ ... ولذا فقد قرر التدخل في الأزمة بشكل جدي للوقوف على أسباب العنف ومعرفة:
من القاتل الحقيقي؟ ! ! وذلك من خلال قيام وفد الترويكا الأوروبية، ووفد البرلمان
الأوروبي بزيارة الجزائر. وحتى نصل إلى مغزى هذه الدعوة المتأخرة سنقف قليلاً
عند بعض النقاط المهمة لتعيننا على فهم هذا الموقف الجديد للذئب الغربي، المساعد
لسلطة متسلطة أكثر من حدود العقل.
لقد أصبح من المقصود في الخطاب الإعلامي الرسمي أن نقتنع أن ما يحدث
في الجزائر ما هو إلا لغز يستعصي على الحل أو الفهم، ولا عجب أن نرى أناساً
كُثُراً تردد بأفواه فاغرة: ما الذي يحدث في الجزائر؟ !
إن أسوأ ما في هذه الأزمة والمأساة الرهيبة هو أن الإنسان المسلم في الجزائر
لم يعد يملك من مقومات الإنسانية سوى أنه (رقم) ينضم إلى أرقام أخرى، أو تنضم
هي إليه، نقرؤها كل يوم، نسمعها كل يوم، ونشاهد دماءها كل يوم، ثم تُقبر هذه
الأرقام كغيرها، وتجمع وتطرح بعد ضربها بالفؤوس ليستشهد بها كل من تحدث
عن تلك المأساة.
أوصل بعضهم هذه الأرقام إلى مئتي ألف قتيل، وهبط بها آخرون إلى أقل
من ذلك بقليل، إلا أن الإحصاء الرسمي الذي صدر مؤخراً ولأول مرة وعلى لسان
رئيس الحكومة الجزائرية (أحمد أويحيى) ذكر أن (الرقم الصحيح) هو ٢٦٥٦٣ فقط
لا غير! !
وعلى افتراض صحة الرقم الذي لم يوافق عليه الحكومةَ الجزائريةَ إلا
الحكومةُ الجزائريةُ نفسها؛ فهل يعني هذا أنه رقم قليل؟ ! أم أن هناك حسابات
أخرى تسمو فوق الإنسان المسلم الذي أُنزلت مكانته إلى أسفل سافلين؟
تناقضات الأزمة تفك طلاسمها:
ذكرتني هذه القصة السمجة، وهذا السؤال المكرور: (من القاتل) ؟ بما كنا
نطالعه صغاراً من الروايات البوليسية ك (رجل المستحيل) ، و (المخبر السري) ، ...
و (الشياطين الـ ١٣) ، ولكني وجدت أننا لو سرنا على خطى هذه الروايات فقد
نصل إلى معرفة (القاتل) من خلال طرح الأسئلة التالية والإجابة عنها:
١- لا يشك أحد أن الحكومة الجزائرية تمتلك جيشاً قوياً جداً عدداً وعدة
مقارنة بـ: العصابات المسلحة؛ وهذا الجيش هو صمام الأمان الداخلي والخارجي، فلا تدخل نملة كما يقال على سبيل التمثيل عبر الحدود إلا بإذنه، وقوام هذا
الجيش حسب الأرقام الرسمية ١٨٠ ألف جندي، أضف إلى هذا العدد ٢٠٠ ألف
رجل من المدنيين قد سلحتهم الحكومة للدفاع عن أنفسهم! ! فهل الجيش لا يستطيع
حماية المدنيين حتى يقوموا بهذا الواجب؟ وإن كان الأمر كذلك: فهل تلك
(العصابات) تفوق في عددها الربع مليون مسلح، وهي مجرد (عصابات) اللهم إلا
إن كانت الحكومة تعتبر أن بقية الشعب (عصابات) ؟ ! ثم من أين كل هذا العتاد
طيلة هذه السنوات مع أن (الجيش) يحرس الحدود!؟
٢- إذا كانت هذه القوات الحكومية غير قادرة على القضاء على هذه
العصابات، فلماذا على غرار قصص الأطفال لم يلفت نظر الحكومة أن هذه
العصابات تركز هجماتها على مناطق محددة، وهي غالباً: (البليدة ثلالة المدية)
وهي المناطق المؤيدة لجبهة الإنقاذ، فلماذا لا تصنع لهم حفراً كبيرة عند مدخل هذه
القرى وتغطيها بالأسلاك وأوراق الشجر، حتى إذا حضر الأشرار سقطوا فيها،
واستراح الناس منهم! ! ؟ خصوصاً أن هذه المناطق مليئة بالثكنات العسكرية
للجيش!
٣- لماذا لم تتمكن هذه العصابات من دخول مناطق البربر، أو الأحياء
الراقية في العاصمة الجزائرية؟ ولماذا لم تستطع الوصول إلى المنشآت الحيوية،
كمناطق الغاز والبترول التي تمد (الحكومة) بالطاقة والحياة! ! ؟
٤- لماذا وفرت الحكومة الأمن لكل الناس وقت الانتخابات الرئاسية والنيابية
والاستفتاء على الدستور حين أرادت ذلك؟
٥- لماذا زادت حدة الذبح بعد إطلاق الشيخ عباسي مدني وعبد القادر حشاني
مباشرة؟
٦- لماذا ازدادت وحشية المذابح وارتفعت مأساويتها في شهر رمضان على
الرغم من أن أشد الفئات المنسوبة إلى الإسلام تطرفاً لا يرون جواز انتهاك
الأعراض في هذا الشهر المبارك على الأقل؟
٧- أكدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في نشراتها، وأكد عدد كبير من الضباط
الفارين أن ما يسمى (الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر) مخترقة من الجيش
بشكل كبير، وأنها صنيعة المخابرات، فلماذا تكون هذه الاتهامات هي الوحيدة التي
لم تضمها الحكومة إلى قائمة الاتهامات الموجهة للجماعة المذكورة! ؟
٨- في يوم الأربعاء ٢٣/٩/١٤١٨هـ الموافق ٢١/١/١٩٩٨م ألقى رئيس
الحكومة الجزائرية أحمد أويحيى خطاباً أمام المجلس الوطني تحدث فيه عن
(الإرهابيين) فقال: (تركوهم يخرجون ويذهبون إلى أفغانستان، ليتدربوا ويعودوا
إلى الجزائر من دون أن يمسهم أحد) اهـ
السؤال: من يقصد بضمير الجمع في قوله (تركوهم) .. من هم! ؟ ولماذا لم
يصرح بهم حقيقة ولماذا لا يكشفون؟
٩- لماذا ترحب الحكومة الجزائرية وتهلل وتستبشر بكل من يبرئها من
ارتكاب (المذابح) وترفض وترغي وتزبد وتتهم كل من تلفظ بكلمة اتهام لها بالقيام
بـ (المذابح) باعتباره تدخلاً في الشؤون الداخلية، على الرغم من أن الحديث واحد
عن: (المذابح) ! ؟
١٠- في يناير ١٩٩٥م وقّعت كل الأحزاب الجزائرية على ميثاق (سانت
إيجيديو) في روما، وقدمت الجبهة الإسلامية للإنقاذ تنازلات مهمة، حيث تنازلت
عن العودة إلى الوضع الذي أسفرت عنه انتخابات ١٩٩١م، كما تنازلت عن حقها
بأنها تمثل الحكومة الشرعية في الجزائر، والتزمت بأن تتحول إلى معارضة سلمية
كبقية الأحزاب مع اشتراط عدم تدخل الجيش في الشؤون السياسية، فرفضت
الحكومة الجزائرية هذا الميثاق.
فلماذا رفضت الحكومة هذا الإجماع، وقبلت التدخلات الأوروبية! ؟
من يتمكن من الإجابة على هذه الأسئلة فسيعرف قطعاً: (من القاتل) .
موقف (الإنقاذ) من المذابح:
لعل أشد المذابح الأخيرة وحشية حتى كتابة هذه السطور هي مذبحة (غليزان)
وهي إحدى الولايات التي أعطت أصواتها لمرشحي جبهة الإنقاذ في الانتخابات
المحلية والنيابية، واتهمت الإنقاذ ما يسمى ب: (الجماعة الإسلامية المسلحة) وجاء
بعد تفاصيل الاتهام الذي أوردته نشرة (الرباط) التي نقلتها جريدة الخليج الإماراتية
في العدد ٦٨٢٢/٢٤/٩/١٤١٨هـ: (إننا نعلن هذه المعلومات للملأ، لكي يعرف
المسلمون سبب مذابح (غليزان) إننا نعارض النظام ونخاصمه، لكنّ هناك فرقاً بين
معارضة النظام والدفاع عن الإجرام) .
الشرعية المرقعة:
إن من أهم المسلّمات الضرورية التي ينبغي لأي نظام حكم أن يوفرها لشعبه، هو الأمن، لامتلاكه وسائل توفيره من عتاد وجنود ومال وموارد، وقد امتلك
النظام الجزائري كل هذه المقومات لفرض الأمن، إلا أن الرعب والخوف والفزع
هو الذي ساد، وهذه الحالة لا تُخرِج النظام عن إحدى حالتين:
الأولى: أنه على علم ورضى بما يحدث ولن نقول إنه مشارك فهو غير
شرعي لعدم قدرته على فرض أهم الضروريات الإنسانية لشعبه.
الثانية: أنه عاجز عن مواجهة ما يحدث، فهو غير مناسب؛ لأنه يمتلك
أسباب القوة ويعجز عن توظيفها لأمن الناس.
أضف إلى ذلك أن هذا النظام جاء (بانقلاب ديمقراطي) للمحافظة على
الديمقراطية وإضفاء الشرعية المرقعة التي تمت بالشكل الآتي:
بعد إلغاء الانتخابات وإقالة الشاذلي بن جديد، جيء بالتيس المستعار،
(بوضياف) ، ولكن ما أن بدأت قرونه في الظهور حتى قطعوا رأسه، ثم جاؤوا بـ
(الأمين زروال) ، وخطط مع من يخططون لإضفاء الشرعية على النظام، فأعلن
أنه سيُجري انتخابات رئاسية (حرة وديمقراطية) وفاز فيها زروال بـ (٦١%) ،
وعقب الفوز دُعيت القوى السياسية في الجزائر باستثناء جبهة الإنقاذ لمناقشة
الوضع في الجزائر ومستقبلها، وخلال عام ١٩٩٦م طلب الرئيس إجراء تعديلات
دستورية لإعادة تشكيل البرلمان، وكان الهدف الواضح من تلك التعديلات هو
الحيلولة دون حصول أي حزب إسلامي على قوة شبيهة بالتي حصلت عليها الجبهة
الإسلامية للإنقاذ.
وقام الجزائريون بالتصويت على تلك التعديلات في نوفمبر ١٩٩٦م وتبعاً
لحكومة الرئيس فإن أكثر من ٨٥% من المقترعين كما ادّعيَ أعطوا موافقتهم، وقد
رفض العديد من الجزائريين تصديق هذه النتائج لملاحظتهم أن مراكز التصويت
كانت خالية! !
وفي عام ١٩٩٧م أجريت انتخابات أخرى، وكانت هذه المرة برلمانية، غير
أنه لم يكن مفاجئاً أن يفوز حزب الرئيس (المنتخب) بغالبية المقاعد.
الموقف العربي:
لقد جاء الموقف العربي الرسمي من مأساة الجزائر ليضع هماً ثانياً على كاهل
الشعب المسلم الذي لم يرَ منه نجدة ولا شهامة كالتي رأوها حين أوشكت الحيوانات
على الموت في حدائق لندن، أو حتى من تلك الجمعيات العربية التي تنادي بالحفاظ
على حياة حيوان (الباندا) في الصين أو النمر البنغالي في بنجلاديش، مع أن
المسلمين في الصين يذبحون، وفي بنجلاديش يموتون جوعاً وبرداً! !
وقد أحسن الخبير في شؤون شمال أفريقيا بالأمم المتحدة، محمد محاميدو في
المقال الذي كتبه في صحيفة لوموند الفرنسية، ونشرته صحيفة الأنباء الكويتية في
عدد/٧٧٢٥/١٨/١١/١٩٩٧، حيث قال: لقد غاب العالم العربي بشكل يدعو إلى
الدهشة والفضول عن المناظرة الدائرة حول مأساة الجزائر، رغم أن العالم يشعر
بالتعاطف الشديد مع الشعب الجزائري المسكين.
لقد أصبح المصير الجزائري في ثنايا عقل وضمير الجميع ما عدا العالم
العربي؛ حيث ساد اعتقاد متعمد عن غباء، مفاده: أنه لا داعي لإثارة الطبيعة
الراديكالية للأحداث في الجزائر، فمن نواكشوط حتى بغداد يرثي العرب بألم حال
الجزائر التي تُحتَضر ... ، إنه جو من الحيرة والتردد والتكتم والتناقضات تنبع
أساساً من الخوف من (الأصولية) . والحقيقة أن المأساة الحالية التي تعيشها الجزائر
تقض مضاجع الغرب.
لقد أصبح العالم العربي آثماً لتستره على ما يجري في الجزائر، ومن ثم
تواطؤه مع طغمة عسكرية، ولا يمكن تفسير جو اللامبالاة المحيط بهذا الوضع في
الجزائر على أنه يتم بدافع الخوف من انتشار عدوى (الأصولية الإسلامية) .
ونتساءل بكل مرارة: لماذا أقيمت المؤتمرات، وعُقدت الندوات لإنهاء اللبننة
والصوملة حتى وجدت حلاً، وبقيت النماذج التي يتعمد الإساءة فيها للنموذج
الإسلامي كأفغانستان والجزائر! ؟ إذا عرفت الإجابة على هذا السؤال، فستعرف
كذلك: من القاتل الثاني لشعب الجزائر.
أليس من المؤسف أن جامعة الدول العربية وأمينها العام لم يتقدموا حتى الآن
إلا برسائل تضامنية تأييدية للحكومة الجزائرية؟!!
ثم تأتي ثالثة الأثافي من تلك النخب المثقفة من الإعلاميين والكتاب ورؤساء
منظمات حقوق الإنسان العربية، الذين طالما سوّدوا صحائفهم بمداد قلوبهم الأشد
سواداً محذرين من خطورة كارثة ستحل بالجزائر إذا حكم الإسلام، ومنهم من
واصل الكتابة ليلاً ونهاراً يحذر ويحذر حتى انجلت (الغمة الأصولية) ثم جاءت
المذابح، فواصلوا إلصاقها (بالأصولية) حتى أسكت الله أفواههم بما تواتر من
تقارير إعلامية وليست رسمية غربية تثبت غير ما يثبتون، وعلى غير عادة القوم، لم يسارعوا إلى المصادر الغربية لمجاراتها فيما تقول، بل اكتفوا بفتح ملفات عن
فضائح كلينتون الجنسية وأشباهها!
إن أولئك يصدق فيهم قول الله تعالى في اليهود والنصارى وغيرهم: [وَإذْ
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] [آل عمران: ١٨٧] .
قال الشيخ السعدي: كتموا الحق وأظهروا الباطل وتجرؤوا على محارم الله
وتهاونوا بحقوقه تعالى وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمناً قليلاً، وهو ما
حصل لهم إن حصل من بعض الرياسات والأموال الحقيرة من سفلتهم المتبعين
أهواءهم المقدمين شهواتهم على الحق [١] .
بئس الوفد الموفود:
لا نعتبر مسألة التدخل في الجزائر سوى حلقة من تلك السلسلة الحديدية التي
أحاطنا بها الغرب الصليبي، وهي كحلقات السحرة، يُسمعوننا كل يوم رنين إحداها، مما يختلف عن سابقتها ولاحقتها، وفي أسوأ الأحوال، فإنها أفضل من ذلك
الصندوق الحديدي العربي المصمت الذي ليس له إلا صوت واحد، وكان أول
الغيث الغربي زيارة وفد الترويكا الأوروبية في رمضان ثم تبعته زيارة وفد البرلمان
الأوروبي في شوال ١٤١٨هـ. وقبل التطرق لأهداف الزيارة ونتائجها نستعرض
مواقف الدول الغربية قبل تلك الزيارة بأيام قليلة ثم نتبعه بالموقف الجزائري منها:
١- وزير الخارجية الفرنسي، هوبير فيدرين: (إن المعلومات التي جمعها
الأوروبيون لا تتوافق مع فكرة تورط الجيش الجزائري في المذابح التي تعرض لها
المدنيون) .
٢- روبن كوك، وزير الخارجية البريطاني، وأمام النواب الأوروبيين في
ستراسبورغ: (لا وجود لأي دليل يثبت ضلوع السلطات الأمنية في المجازر) .
٣- أما نويل مارين، مفوّض الشؤون المتوسطية في المفوضية الأوروبية فقد
أكد اقتناعه بعدم ضلوع الحكومة الجزائرية في المذابح الأخيرة [٢] .
٤- رونالد نيومان، السفير الأمريكي السابق في الجزائر وعقب لقائه
بالرئيس الجزائري قال: إن حكومة الولايات المتحدة وأنا بصفة شخصية نتمنى
للرئيس زروال أن يحقق النجاح في مساعيه للسير قُدُماً في الطريق الذي اختاره
علانية.
٥- روبرت بلليترو، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأوسط:
إن الولايات المتحدة لا تضع الأزمة الجزائرية ضمن أولياتها، وليس لديها أي نية
للتدخل بشكل مباشر، إن هذه الأزمة تخص فرنسا قبل كل شيء [٣] .
إن كان هذا هو الموقف الغربي قبل الزيارة الأولى وبعدها، وهو في حد ذاته
إعلان مسبق عن نتائج زيارة تقصي الحقائق: فلماذا إذن إيفاد الوفود، وإرهاق
المسؤولين! ؟
قبل الإجابة، لا بد أن نطلع على المشهد الجزائري في هذه المسرحية حتى
نتمكن من الدعاء بإخلاص لشعب الجزائر، فقد انحصرت مفردات الخطاب
الحكومي المهاجمة للزيارة في الآتي:
أ - إن الاتحاد الأوروبي يوفر الملجأ للإرهابيين، ويجعل من أراضيه قاعدة
خلفية لدعم وتمويل الإرهاب الدولي.
ب - إن أوروبا تريد مهما كان الثمن التدخل في شؤوننا الداخلية؛ لأنها لا
تفهم الشفافية إلا من خلال وجود مراقبين أجانب على أرضنا.
ج - إنها ستكون مهزلة سيئة، وحوار طرشان.
لقد أوصل هذا الاستئساد الإعلامي وزير خارجية فرنسا إلى القول الأكثر
تضليلاً: يجب أن لا نهمل فكرة أن الترويكا تمكنت من زيارة الجزائر! ! ثم تبعه
رئيس الوفد الأوروبي أندريه سولييه بقوله: للمرة الأولى طرحت أسئلة متعلقة
بالمفقودين والتعذيب والإرهاب! ! بل لقد زايد هذا مزايدة إعلامية فجة، عندما قام
بتمزيق الرسالة التي أرسلتها جبهة الإنقاذ، دون أن يفُضها أمام كاميرات الإعلام،
قائلاً: إننا لن نتعامل مع أحزاب محظورة.
وبعد كل هذه الملاطفة الغربية، وكل هذه العنترية الحكومية كانت نتائج هذه
الزيارة الأوروبية ما يلي:
*أُعلن أن الزيارات لتقصي الحقائق والتحقيق في أسباب العنف وزيارة مواقع
المذابح، ومقابلة عامة الناس والاستماع إليهم مباشرة، وهذا كله لم يتم منه شيء،
فلم تقم الوفود إلا بزيارة الأحياء الجميلة في العاصمة، ولم يقابل إلا كبار المسؤولين، ولم يستمع لأحد سواهم!
*أُعلن أن الزيارات تأتي لمساعدة (الشعب الجزائري) للخروج من محنته،
ولكن الزيارات جاءت لتُخرج (النظام الجزائري) من أزمته بإعطائه صك غفران
وبراءة رسمية مما ينسب إليه، فقد صرح رئيس الوفد الأوروبي قائلاً: إن الوفد لم
يجد ما يدعم الاتهامات القائلة بتورط قوات الأمن الجزائرية في المذابح الأخيرة،
وإن على من يتهمون الجيش وأجهزة الأمن السري في الجزائر بالوقوف وراء
عمليات القتل أن يقدموا أدلة على ذلك! !
*إمداد النظام الجزائري بما يحتاج إليه من مساعدات لمواجهة (الإرهاب
الإسلامي) فما دام النظام بريئاً فإن غيره متهم، وهو بحاجة إلى مساعدة لإيقاف هذا
المتهم ووقف هذا العنف. وجاء هذا الدعم هذه المرة علانية بصورة فجة، ولكنه
مستند إلى واقع زيارة تقصي الحقائق! !
شنشنة معروفة:
لعله قد اتضح من عرض هذه المشاهد من المأساة الجزائرية مدى التآمر
المزدوج على الشعب المسلم، ونختم هنا ببعض الإشارات التي توضح جلياً ما قلناه:
*الأولى: وهو ما نؤكد عليه دوماً وأبداً في صراعنا مع الغرب أنه صراع
عقدي، مهما تلوّن الصراع بالإنسانية أو القومية أو المتوسطية، والغرب لا يحركه
في المقام الأول إلا العقيدة؛ وهذا ما لمسناه في مواقفه الظالمة من مأساة البوسنة
والهرسك.
*الثانية: وهي دائماً تأتي ثانية ونقصد بها المصلحة الغربية وطمعه في
خيرات المسلمين، فلماذا كل هذه الثورة أمام طغيان النظام العراقي، والتسامح مع
الطغيان الجزائري؟ لماذا قدمت بريطانيا هدية قيِّمة بقيمة ٦٣ مليون جنيه استرليني
تمثلت بأسلحة ومعدات عسكرية للحكومة الجزائرية، مما جعل أحد النواب في
البرلمان العمالي (بول فلين) يقول: (نحن نبدو وكأننا نزود هؤلاء القتلة بالأسلحة
على حساب الشعب) أم أن هذه الهدية عربون من أجل حماية خط النفط والغاز الذي
سيمتد من الجزائر إلى بريطانيا، وستقوم على تنفيذه شركة (بريتين بتروليوم) بكلفة
بليوني جنيه استرليني؟ !
*الثالثة: الصراع الغربي الغربي على هذه المصالح؛ فأمريكا ترفض التدخل
لاعتبار أعلنه أحد تقارير السفارة الأمريكية في الجزائر، وهو أن الجزائر لم تحدد
هويتها! ! وتقصد بالهوية، المعسكر الذي تبيت فيه، فهل تسير في اتجاه العالم
الفرانكفوني، أم العربي الإسلامي، أم أمريكا! ! ؟ ولذلك فقد تركت الملف برمته
لفرنسا؛ لأنه يخصها، ليس حباً في فرنسا، ولكنها تعلم أن فرنسا ستعجز عن
الحل، وهذا العجز سيأتي بمصلحة مزدوجة لأمريكا من ناحيتين:
أولاهما: استمرار الأزمة الجزائرية التي يستمر معها التشويه المتعمد للإسلام، ... وهذا هو الأهم.
ثانيهما: تأديب الدول الدائرة في الفلك الفرنسي حتى الآن، نائية بنفسها عن
القطب الوحيد في العالم.
*الرابعة: أن التدخل الغربي لا يكون إلا في حالات محددة معروفة وهي:
١- إذا لاحت تباشير نصر للمسلمين؛ وهو ما حدث في البوسنة.
٢- إذا تأثرت مصالح الغرب بصورة مباشرة؛ وهو كما حدث في حرب
الخليج.
٣- إذا هُدد الأمن الداخلي له وانتقل الصراع إليه؛ كما حدث مع فرنسا في
التفجيرات التي حصلت في مدن عدة، وكالخوف من المخاطر التي يسببها تزايد
أعداد المهاجرين.
٤- استنفاد أسباب التدخل لمساعدة نظم موالية، مع جلاء جرمها ووضوحه،
فيأتي الدور الإعلامي الغربي ليضغط بكشف بعض (الحقائق) ، فيتدخل لتقصي
(الحقائق) والأهداف معروفة.
وعلى الرغم من كل هذا التواطؤ؛ فأملنا في العزيز القهار أن يرفع الظلم عن
هذا الشعب المسلم، وما زلنا وسنظل نردد قوله تعالى: [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا
وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] [المجادلة: ٢١] .
стр. 2729
المسلمون والعالم
من أسقط (الرفاه) ولماذا ؟
بقلم: د. محمد حرب [*]
بعد أن استلمت قيادة حزب الرفاه الإسلامي الوزارة في تركيا، بعد فوزها
بالانتخابات البرلمانية ظلت تمشي على حقل من الألغام السياسية المحفوف بجدران
من الأشواك الدبلوماسية.. فهكذا أرادها لهم العلمانيون الأتراك ... تجربة وعرة
تمر عبر مخاض عسير وولادة أعسر ... ثم يموت الجنين بعد حين.
وقد جاءتنا هذه الدراسة من الدكتور محمد حرب، لتلقي ضوءاً على أبرز
القوى والعقبات التي وضعت في طريق هذه التجربة القصيرة.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
القوة الأولى: الجيش:
يأتي في المقدمة الجيش التركي الذي يحمل رسالة تاريخية في الجمهورية
التركية هي المحافظة على أسس قيام الجمهورية التي أعلنها بمبادئها (كمال
أتاتورك) والتي تلتزم بالعلمانية في مفهومها الأصلي الأوروبي الذي أخذه (أتاتورك)
وهو فصل الدين عن أمور الدولة.
لكن التطبيق التركي للعلمانية أخذ بُعداً آخر عندما قال أتاتورك في مجلس
الأمة التركية عام ١٩٣٧م: إن الدولة التركية ستأخذ في بنائها بالعلمانية ولن تلتفت
إلى ما (يُظَن أنه كتب نزلت من السماء) ! و (لن تأخذ بالغيبيات) وذلك ما سجلته
مضبطة مجلس الأمة التركي آنذاك.
لهذا يسعى الكماليون إلى تطبيق العلمانية في تركيا تطبيقاً تركياً محليّاً يأخذ
موقفاً عدائياً من الدين، فعلى سبيل المثال نجد أن أتاتورك ألزم الشعب التركي
بالقبعة الأوربية، وفي سبيل تطبيق ذلك أعدم عدداً من العلماء الذين كانوا قد
أصدروا فتوى بعدم جواز لبس القبعة الأوروبية، قبل صدور أمر أتاتورك في هذا
الصدد.
وبحكم الدستور التركي فإن هناك (مجلس الأمن القومي) ويتكون من قادة
الجيش وأعضاء الحكومة للمحافظة على أسس الدولة التركية العلمانية، ويمكن لهذا
المجلس إصدار (توصيات) أصبحت بالضرورة أوامر.
ويبدو أن الجيش لم يفهم الحركة الإسلامية بعامة وحركة حزب الرفاه بخاصة؛ فنقدُ الجيش للرفاه أنه حزب يريد جعل تركيا تسير وفق الشريعة الإسلامية فإن
هذا يعارض العلمانية، والواقع أن حزب الرفاه يدرك جيداً أن تركيا دولة مؤسسات، وهو يصبو إلى مجتمع مسلم، وهو حزب وصفه (مسعود يلماظ) رئيس الحكومة
الحالية بأنه حزب (له ميول إسلامية) وما نادى به الرفاه لا يرقى إلى مستوى أن
تتحداه الدوائر العسكرية.
والرفاه لم يصل إلى السلطة إلا بعد مسيرة ٢٧ عاماً منذ تأسيس حزب (النظام
الوطني) الذي أسسه (أربكان) عام ١٩٧٠م ثم حزب (السلامة الوطني) ثم (حزب
الرفاه) المهدد الآن بإغلاق أبوابه بل الذي أُغلق فعلاً [١] .
ولم يكن الإسلام السياسي إذا جاز هذا التعبير مضاداً للقوات المسلحة ولا حتى
مضاداً للعلمانية نفسها؛ فقد كتب (نجم الدين أربكان) في كتابه (النظرة الوطنية) :
(إنه يقبل بالعلمانية بشرط ألا يفهم منها اضطهاد المسلمين) ! والجيش التركي هو
الذي أجهض انتصارات الرفاه.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها الجيش؛ فقد تدخل بانقلابه عام
١٩٦٠ عندما شعر أن هناك (اتجاهات إسلامية) داخل الحزب الديمقراطي، وكان
الجيش قاسياً عندما أعدم (رئيس الوزراء عدنان مندريس) في ذلك الوقت مما جعل
الشعب التركي يعتبره (شهيداً) رغم أنه لم يقدم للحركة الإسلامية ما يستوجب
الشهادة إلا بعض (سماح) يتعلق بالأذان وكتاتيب تحفيظ القرآن الكريم، والسماح
لنمو طبقة الحرفيين بعد أن كان حزب الدولة قبله يتولى أمور اقتصاد البلاد. ورغم
هذا، يُذكر أن (عدنان مندريس) هو الذي أصدر (قانون حماية أتاتورك) الذي يعتبر
سيفاً مسلطاً على كل من تسوِّل له نفسه نقد أتاتورك وأعماله.
وقام الجيش بانقلاب عام ١٩٧١م ثم ١٩٨٠ ثم ١٩٩٧م وجاء تدخله عام
١٩٩٧م، مختلفاً ولم يكن انقلاباً عسكرياً تقليدياً؛ نظراً لأن تركيا كانت تسعى
للتقارب مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن وقوف (أولبرايت) لتعلن وقتها أن أمريكا
ضد تدخل العسكريين عموماً، وذلك بعد أن سربت وزيرة الداخلية (تابعة لحزب
تشيلر في حكومة أربكان) للأمريكان نتائج تجسس الداخلية التركية على ضباط
الجيش ورغبتهم في القيام بانقلاب. لم يقع انقلاب تقليدي وإنما أصدر (مجلس
الأمن القومي التركي) جناح قادة الجيش بياناً دعا فيه إلى إغلاق مراكز (الطرق
الصوفية التركية) باعتبارها مقاومة في نظرهم للإجراءات المضادة، ودعا إلى
جعل التعليم الإلزامي العلماني لمدة ثماني سنوات بعد أن كان خمس سنوات، وإلى
مراقبة مصادر تمويل تلك الطرق من شركات وجمعيات وأوقاف، ومنع الكوادر
الإسلامية من دخول مؤسسات الدولة الرسمية كموظفين، ومنع استخدام الضباط
وصف الضباط المفصولين من الجيش لأسباب إسلامية في البلديات، وجعل تدريس
القرآن الكريم تابعاً لوزارة التعليم، التي لم تكن في يوم من الأيام في يد وزير
إسلامي، والتشدد في تطبيق (قانون الزي) الذي يمنع المرأة التركية من ارتداء
الحجاب والرجل التركي من لبس العمامة أو الجبة.
القوة الثانية: الحكومة التركية:
الحكومة الحالية برئاسة مسعود يلماظ (رئيس حزب الوطن الأم) الذي يعتبر
نفسه زعيم اليمين التركي، هي الحكومة التي خلفت أربكان وتشكلت من ٣٨ وزيراً
يمثلون ٣ أحزاب: حزب الوطن الأم (حزب يلماظ) وقد حصل على ٢١ وزيراً؛
وحزب اليسار الديمقراطي الذي يرأسه بلند أجاويد (١١ وزيراً) وحزب تركيا
الديمقراطية الذي يرأسه جين دوروك (٥ وزراء) ووزير واحد مستقل. فالحكومة
هي الوجه الآخر المضاد للحركة الإسلامية في تركيا وذلك لوجود رموز معادية
للإسلام بشدة داخلها: فوزير خارجية الائتلاف الحكومي في تركيا هو الصحفي
البارز (إسماعيل ابكجي) وهو ينتسب إلى (عائلة ابكجي) ولها تاريخ في تركيا،
فهي أسرة تنحدر من يهود الدونمة، ووزير الدفاع في هذه الحكومة (عصمت
سزكين) الذي تقول المراجع إنه كان قد استوزر أول مرة في حكومة يرأسها سليمان
دميريل في تركيا عام ١٩٦٥م وكان بها ١٣ وزيراً ماسونياً والمذكور واحد منهم.
والوزير المستقل في هذه الحكومة (ياليم أرز) كان يرأس سابقاً مجلس العمل
التركي الإسرائيلي المشترك.
وتضم الحكومة (بلند أجاويد) نائب رئيس الوزراء والمعادي بشدة للإسلاميين.
هذا غير ما يتردد من أن النائب الثاني لرئيس هيئة أركان حزب الجيش
التركي (جويك أر) ، هو المحرك الأساسي للعلاقات العسكرية التركية الإسرائيلية
والذي حصل من جمعية أتاتورك بالولايات المتحدة الأمريكية على جائزة العلمانية
والديمقراطية، هو من (الطائفة العلوية في تركيا) [٢] .
ثالث القوى: رئيس الجمهورية:
الرئيس الحالي سليمان دميريل معروف بماسونيته وصداقته لإسرائيل؛ وقد
حضر مؤتمر شرم الشيخ (مع الوفد الإسرائيلي) على طائرة واحدة متحدياً الشعور
الإسلامي في تركيا.
صحيح أن سليمان دميريل حكم كرئيس لوزراء تركيا سبع مرات في عهد
الجمهورية من ١٩٦٥ إلى ١٩٦٧ ومن ١٩٦٧ إلى ١٩٧٠ ومن ١٩٧٠ إلى ١٩٧١
ومن ١٩٧٥ إلى ١٩٧٧ ومن ١٩٧٧ إلى ١٩٧٨ ومن ١٩٨٠ إلى ١٩٨١ ومن
١٩٩٢ إلى ١٩٩٣ أقام أثناءها ٣٢٧ مدرسة للأئمة والخطباء، إلا أنه قام بما يمكن
تسميته بالانقلاب الرئاسي، وكان ذلك عندما أشار مجلس الأمن القومي بالضغط
على أربكان للاستقالة بعد أقل من سنة من تشكيله الحكومة الإسلامية الأولى في
تاريخ الجمهورية التركية ليتيح له تنفيذ وعده لشريكته في الحكم الدكتورة (طان صو
تشيللر) لتخلفه في رئاسة الحكومة، وأرفق أربكان استقالته بطلب تولي تشيللر
رياسة الوزارة حسب بروتوكول التعاون بينهما، كما قدم أربكان عريضة موثقة من
٢٨٣ نائباً هم نواب حزب الرفاه وحزب الطريق القويم وحزب الوحدة الكبير،
وكانت الأغلبية المطلوبة هي ٢٧٦ نائباً فقط لكن الرئيس (سليمان دميريل) تجاهل
مطلب أربكان وتجاهل العريضة المذكورة وكلف (مسعود يلماظ) بتشكيل الوزارة،
وكأن الأمر قد قضي بليل.
رابع القوى:
فئات منسوبة للإسلام تتمثل في (مجموعة الشيخ فتح الله خوجه) من
(النورسيين) وغيرهم. تقول المخابرات الأمريكية في تقرير هام لها عن تركيا،
تمت ترجمته بعد نشره إلى اللغة التركية، إن القوى الأساس الإسلامية في تركيا
هي الآتي:
١- النقشبنديون:
وهم أتباع الطريقة النقشبندية التي اشتهرت بمواقفها المناوئة منذ بداية العهد
الجمهوري، وقد أعدمت الحكومة الكمالية العديد منهم، ولما حصلت الانفراجة
الديمقراطية في تركيا في الأربعينات بعد موت أتاتورك واضطرار (إينونو) إلى
تعدد الأحزاب، تمتع المسلمون بقسط ما من الحرية النسبية، هذه الحرية التي لم
تتأكد إلا منذ ٢٧ عاماً فقط هي عمر بداية أربكان مع العمل السياسي. وقد أفرزت
إحدى حلقات النقشبندية في استانبول وهي جماعة محمد زاهد أفندي شيخ جامع
إسكندر باشا في حي الفاتح باستانبول، مجموعة أربكان وصحبه.
٢- السليمانيون:
وهم تلامذة الإمام سليمان حلمي طوناخان الذين يقولون إنه لا عودة للإسلام إلا
بانتهاج اللغة العربية ونشر تحفيظ القرآن ودراسة العلوم الإسلامية بلغتها العربية.
٣- النورسيون:
أتباع بديع الزمان سعيد النورسي الذي اعتمد على الفلسفة وعلم الكلام طريقاً
منظماً ومنطقياً للتدليل على التوحيد والإيمان لإعادة الإسلام إلى تركيا، وجمع
أتباعه كل ما كتبه أو أملاه في ثمانية مجلدات باسم: (رسائل النور) هي كل زاد
أتباعه.
وقد انقسم النورسيون بعد موت شيخهم إلى عدة طوائف: طائفة تقول:
نتدارس رسائل النور التي ألفها النورسي بخطها العربي، وأخرى تقول: بل
ندرسها بالحرف اللاتيني. لكن أهم طوائف النورسية:
جماعة محمد قوطلولار، وتسمى جماعة جريدة آسيا الجديدة، ثم جماعة
سوزلر أو جماعة فارس قايا، وأخيراً جماعة إزمير أو جماعة فتح الله.
وكلها تعمل لهدف واحد وهو نشر رسائل النور التي ألفها أستاذهم بديع الزمان
سعيد النورسي بمختلف الوسائل، وتقديم شروح لها وكتب عنها ومؤتمرات،
ومسابقات، والهدف نشر فكر الرجل وإشاعته في العالم الإسلامي. وهي جهود
يتعاون فيها دعاة رسائل النور من ناحية والتاجر النورسي الذي لا يبخل شأنه شأن
الأتراك في قضايا الإسلام.
عود على بدء:
إن جماعة النور أو النورسيين يؤمنون إيماناً قاطعاً بقول مرشدهم في كل
الأمور بلا نقاش؛ يقول النورسي: إنه لا مجال لقيام حزب سياسي إسلامي طالما
أن عدد المسلمين المخلصين للإسلام في بلد ما لم يبلغ ٧٠% إلى٨٠% من مجموع
السكان، لذلك أخلص النورسيون لهذا المبدأ، وبالتالي وقفوا عائقاً أمام نمو حزب
الرفاه بأشكاله الثلاثة حتى الآن: النظام السلامة الرفاه.
وبلغ عداء النورسيين للحركة السياسية الإسلامية أن قال لي أحد مديري
تحرير جريدة (زمان) التابعة للنوريسيين فرع فتح الله خوجه: إننا لن نسمح
لأربكان بالنجاح في الانتخابات التشريعية أبداً بعد نجاحه في انتخابات البلديات،
ومع هذا فقد نجح أربكان.
وأذكر أيضاً أن جماعة أزمير (فتح الله خوجه) قد عملت على إسقاط مرشح
حزب السلامة عن أزمير في السبعينات وهو (طورغوت أوزال) الذي أصبح فيما
بعد رئيس الجمهورية التركية.
واللافت للنظر أن النورسيين رغم عدائهم للحركة السياسية الإسلامية وادعاء
بعض فروعهم بعدم العمل بالسياسة، فهم غالباً وبخاصة جماعة فتح الله خوجه
وجماعة قوطلولار يؤيدون وبحماس (سليمان دميريل) وحزبه (العدالة) أولاً، ثم
الطريق القويم ثانياً، حتى أصبح رئيساً للجمهورية.
بعد ذلك أيدت بعض أفرعه (طان صو تشيللر) ، ووصل الأمر بفتح الله
خوجه أن هاجم أربكان ووقف بجانب الجيش ضده، في وقت كان أربكان في أشد
الحاجة لوقفة مؤيدة أو على الأقل الصمت؛ وهذا ما يؤكده الحديث النبوي الصحيح: (من كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) ! ، فأين منه
هؤلاء القوم؛ هدانا الله وإياهم إلى الحق.
تعقيباً على هذا، نجد أن المدعي العام التركي قد استمع إلى أقوال نجم الدين
أربكان في دفاعه ضد الاتهام الذي يرمي إلى إغلاق حزب الرفاه. والغريب أن من
بين التهم التي وجهت إليه، فتحه لمدارس الأئمة والخطباء وهي المدارس التي
تعتبر منبعاً لكوادر جديدة شابة لحزب الرفاه، وكان دفاع أربكان أنه لكي يفتح
مدرسة للأئمة والخطباء لا بد من قرار من وزير التعليم، وأن المرات التي اشترك
فيها أربكان في الحكم أو رأس فيها الوزارة، لم يسمح لأحد من الرفاه بتولي وزارة
التعليم. وبالتالي فهو بريء من هذه التهمة.
أما في حالة اتخاذ المحكمة قرارها بإلغاء حزب الرفاه فسيكون الرفاهيون
جاهزين بمشروع حزب جديد بمسمى جديد لا يتغير فيه إلا المسمى فبدلاً من الرفاه
سيكون الفرح، ويظهر هذا في الحروف اللاتينية أوضح Rafah تصبح Farah
وآخرون يقولون: بل نسميه حزب السعادة، ويبدو أنهم سيستقرون على مسمى:
(حزب الفضيلة) .
خامس القوى:
الفعاليات الديمقراطية والعلمانية القائمة: والتي تدعمها وسائل الإعلام بكافة
أشكالها المقروءة والمسموعة والمرئية. إن كل المؤسسات والآليات العلمانية تقف
في مواجهة حزب الرفاه (الإسلامي) وهذا لا يعود بالدرجة الأولى إلى ما يدعيه
العلمانيون من (راديكالية) أو أصولية الإسلاميين في تركيا؛ فالتجربة عبر ٢٧ عاماً
من العمل الإسلامي أثبتت حتى بشهادة المحاكم أن ليس لإسلاميي تركيا صلة
بالإرهاب ولا صلة بالأصولية بالمعنى الأوروبي، ولا صلة بأحداث العنف، وإنما
يقف العلمانيون بمؤسساتهم كلها خاصة الأحزاب التركية القائمة الآن ضد الإسلام
بالمعنى الشرعي، وينسون اعتدال الحركة الإسلامية في تركيا. والأغلب على
الظن أن موروث معاداة الإسلام لدى الأحزاب التركية باستثناء ٣ أحزاب من
مجموعها يأتي من الفهم الكمالي الأتاتوركي للإسلام، ويأتي من ليّ عنق الجواد
الأناضولي؛ يعني شبه جزيرة الأناضول التي تشكل ٩٠% من مساحة تركيا
الجغرافية أو أكثر قليلاً، من وجهته نحو الشرق ليتجه إلى الغرب: أوروبا وأمريكا
بحجة (أوروبية) تركيا! وليس في تركيا من أوروبا إلا ١٠% من مساحتها أو أقل
قليلاً.
يعني أن دولة عاصمتها أنقرة في قلب آسيا الصغرى تجري فيها اجتماعات
سياسية لتوكيد شخصية تركيا (الأوروبية) ؟ كيف؟
أما الأحزاب العلمانية التركية القائمة على مختلف أشكالها فلها مواقفها
المناقضة للتوجه الإسلامي فهي كما يلي:
- حزب النهج القويم وترأسه الدكتورة طان صو تشيللر.
- حزب الوطن الأم ويرأسه مسعود يلماظ.
- حزب تركيا الديمقراطية ويرأسه حسام الدين جن دوروك.
- الحزب الديمقراطي الاجتماعي يرأسه بلند أجاويد.
- حزب الشعب الجمهوري ويرأسه دنيز بايقال.
- حزب الحركة القومية التركية ويرأسه دولت باغجه لي.
- حزب العمل ويرأسه دوغو برين جك.
- حزب هادَبْ ويرأسه مراد بوزلاق.
أما الأحزاب ذات الاتجاه الوطني وغير المعادية للإسلام ولديها روح دينية
نوعاً ما فهي:
- الحزب الديمقراطي الجديد ويرأسه حسن جلال كوزال.
- حزب الوحدة الكبرى ويرأسه محسن يازيجي أوغلو.
- والحزب الديمقراطي ويرأسه قورقود أوزال.
والجدير بالذكر هنا أن حسن جلال كوزال رئيس الحزب الديمقراطي الجديد
أثبت إنصافه عندما اعترض على جنرالات الجيش التركي واتجاه الدولة التركية
لإلغاء حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، وقال: إنه لا يمكن أن تكون في تركيا
ديمقراطية مع إلغاء حزب يعمل بالفعل ومعترف به ويمثل قطاعاً هاماً من الشعب
في تركيا. وتعرض حسن جلال كوزال من جراء دفاعه عن حق الرفاه في البقاء
والوجود إلى اعتقالات متواصلة.
كما ينبغي تسجيل موقف (محسن يازيجي أوغلو) الذي جعل من حزبه أداة
لديمقراطية تركية تؤمن بوحدة الأتراك وبدينها الإسلامي وقال رأيه صراحة: إن
الديمقراطية معناها عدم التدخل في الشؤون الديمقراطية، بمعنى أن مهمة الجيش
هي الدفاع الخارجي عن الوطن وليس التدخل الداخلي، وإعطاء الناس حقهم في
التصويت الحر، وأن التدخل في إرادة الأمة هو تدخل في الديمقراطية.
تذييل على المقالة [**] :
الحقيقة التي ظهرت للقارئ الكريم من خلال هذا العرض السريع تؤكدها
رؤية صحيفة تركية علمانية هي (دتركيش ديلي نيوز) بعد إغلاق حزب الرفاه
(وتحت عنوان: نظام الدولة يتساقط) : قالت: (إن إغلاق (الرفاه) كان قراراً
سياسياً وليس قضائياً؛ لأنه كان يتعين طبقاً للمادة (١٠٣) من قانون الأحزاب
السياسية تحذير الحزب عدة مرات من الأخطاء التي يقع فيها قبل رفع دعوى
لإغلاقه، وهو ما لم يحدث في هذا الموضوع؛ ولذلك فإن قرار إغلاقه يُعد انتهاكاً
للقانون. وأشار المقال إلى عجز النظام القضائي وتورط كبار المسؤولين في الدولة
في عمليات تجارة المخدرات والفساد والرشوة مما يؤكد تساقط نظام الدولة مع
حيلولته دون إجراء إصلاحات جذرية في مناخ ديمقراطي لتفادي قيام الجيش بالعمل
غير المسوّغ بالنسبة لنا (التدخل) وهذا ما ثبت إخفاقه في الانقلابات العسكرية التي
وقعت من قبل) .
مفارقات:
بعد قرار حل حزب الرفاه: أدانت هذا القرار كثير من الدول وبخاصة دول
الاتحاد الأوروبي التي رأت فيه انتكاسة خطيرة للديمقراطية التي كانت تركيا في
طريق الوصول إليها، كما رأوا في القرار نفسه عائقاً جديداً أمام انضمام تركيا
للاتحاد الأوروبي لا سيما أن حزب الرفاه ليس حزباً هامشياً بل هو صاحب الأغلبية
البرلمانية وصاحب الشعبية الجارفة.
والأعجب من ذلك صمت القبور من قِبَلِ بعض من يُعتَب عليهم حيال هذا
القرار الجائر، وكأن الإنصاف لا يأتي إلا من قِبَلِ الأجانب؛ فيا لله للإسلام،
ويالله للمسلمين. ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
стр. 2730
في دائرة الضوء
حتى لا ننساق وراء لعبة الردود
بقلم: د.محمد يحيى
في قول مشهور وصف فيه نابليون الإنجليز بازدراء بأنهم أمة من أصحاب
المحلات. وقد عَنّ لي في لحظة ضيق أن أصف أمتنا تندراً ومبالغة بأنها أصبحت
أمة من (الردّادين) من الرد والردود. وقد طاف هذا الخاطر في ذهني بعدما قرأت
توصية مهمة صدرت عن ندوة عقدتها مؤخراً هيئة دينية كبيرة في بلد عربي تنص
على ضرورة إنشاء مراكز متخصصة في الرد على كتابات المستشرقين في كل بلد
إسلامي؛ وكأن الرد على المستشرقين قد أصبح من فروض الكفاية، وقد زاد من
عجبي أن رئيس هذه الجهة الدينية نفسه قد صرح في الفترة ذاتها بأن المستشرقين
قوم من أصحاب الرأي الموضوعي وقليلاً ما يتحيزون أو يتعصبون! إذن فما
الحاجة إلى مراكز كبرى متخصصة ترد على هؤلاء الناس الذين يقول عنهم رئيس
الجهة المشار لها: إنهم علماء دارسون للإسلام؟ والقضية التي تشغلني هنا هي ذلك
الانشغال الغريب والاقتصار المعيب والانغلاق على المستشرقين وكأنهم أصبحوا
محور الكون الذي يحتكر لنفسه كل الانتباه رداً عليهم أو إعجاباً بهم.
إن السنوات القليلة الماضية قد شهدت ظاهرة الانشغال بالعلاقة مع الغرب
والتمحور حولها إلى حد أن الهمّ المقيم لبعض أو كثير من الهيئات الدينية الإسلامية
الرسمية قد أصبح عقد المؤتمرات والندوات والحلقات الدراسية حول العلاقة بين
الإسلام والغرب والمستشرقون في القلب من هذه العلاقة وكأنه لم يعد هناك للمسلمين
من همٍّ آخر، أو كأنه لا يوجد على وجه الأرض غير الغرب والمستشرقين! وإذا
كنا نرى في هذا التمحور غرابة؛ فالأغرب منه أن العلاقة بين الإسلام والغرب كما
تراها هذه الهيئات الرسمية ومَنْ وراءها مِن دوائر ذات نفوذ ثقافي وسياسي في
الحكومات والأنظمة تنحصر في شكل عجيب هو شكل الرد والدفاع من جانب،
وتوجيه التهم المختلفة من الجانب الآخر.
إن الإسلام يقف في تلك العلاقة في موقف المتهم المريب الذي تصوّب إليه
التهم الواحدة تلو الأخرى وبتكرار ممل حتى لا يصبح أمامه سوى أن يتحول إلى
تلميذ يجلس في خشوع أمام أستاذه الغربي ويرد باستمرار على أسئلته واتهاماته،
وهذا هو ما عنيته بعبارة: (أمة من الردادين) .
والمسألة خطيرة وجادة وليست هزلية؛ فإن الوقوف الدائم في وضع المتهم
المدافع عن نفسه والرد على الاتهامات التي لا تنقطع يحوِّل الآلة الفكرية والعقلية
الإسلامية ومعها الذهن المسلم إلى حالة شاذة يُشل فيها التفكير ومرونته وتنعدم فيها
تعددية الأفكار وتنوعها، وتنمحي الطروح الإيجابية بحيث لا يصبح لدى هذا العقل
المسلم ما يطرحه أو يفكر فيه سوى ردود مكررة مملة على اتهامات مكررة مملة.
وحصر الذهن أو العقلية في وضع واحد لا تعرف سواه هو في وضع الرد السلبي
بكل محدوديته ورتابته يصل بنا في الواقع وفي نهاية المطاف إلى إلغاء العقل نفسه
ومعه إلغاء الطرح الإسلامي الإيجابي الواسع بكل منهجيته وشرائعه وإسهامه في
الحضارة الإنسانية؛ وهذه هي الخطورة الحقيقية لموقف الرد الدائم على التهم التي
توجه من الغرب سواء جاءت من الإعلام أو المستشرقين.
إن أي نظرة ولو سريعة على العقائد والمذاهب الفكرية والدينية والفلسفية في
الغرب نفسه وفي غير الغرب تظهر أن الجانب الدفاعي أو جانب الردود لم يكن
يشغل إلا حيزاً صغيراً فيها على الرغم من أن بعضها أو كلها مهلهل بالعيوب
والنقائص في المضمون والمنطق. وهذا الحيز الدفاعي لم يكن يظهر إلاحين تظهر
الضرورة الملحة له وبقدرها؛ لكنه بأي حال لم يتحول إلى الجانب الأصيل
والأساسي أو الأوحد من جوانب العقيدة والفكرة كما يراد الآن للإسلام. وجانب
الردود والدفاع تراعى فيه اعتبارات لا تراعى عند هؤلاء الذين يريدون أن يحولوه
إلى الجانب الوحيد للفكر الإسلامي؛ فهو في الوضع الطبيعي كما عهدناه في
الفلسفات الغربية ذاتها يميز بين اتهامات وانتقادات يحسن الرد عليها لأهميتها وبين
أخرى تهمل لتفاهتها ووضوح التعصب والغرض وراء طرحها. وهو كذلك لا
ينحصر في التعامل الدائم مع تهم تكرر بشكل أبدي بل يكتفي بالرد على التهمة
الواحدة مرة واحدة وبشكل مقنع وقاطع، ولا ينساق وراء لعبة الرد المتكرر على
التهم نفسها وهي اللعبة التي تروج الآن على الوسط الإسلامي بهدف الإشغال
والتحويل عن الواجبات الفكرية الأكثر أهمية وإلحاحاً. والجانب الدفاعي أو جانب
الردود في الفلسفات والمذاهب يأنف من انتهاج المدخل الاعتذاري المتراجع أو من
اتباع أسلوب تقبل حجج المهاجمين ومنطقتهم، ثم محاولة الرد عليها بعد فوات
الأوان؛ لأن تقبل منطق الخصم ومبادئه الفكرية يجعل الرد غير ذي قوة أو معنى،
بل يفرض الهزيمة منذ البداية على الطرف المدافع. لكن كل هذه العيوب نلمحها
الآن في ممارسات (الردادين) الجدد الذين يريدون أن يحتكروا ساحة العمل الفكري
الإسلامي لأنفسهم.
إنني لا أطالب بأن تترك الاتهامات والانتقادات التي توجه للإسلام في الغرب
أو من الفئات العلمانية داخل البلدان الإسلامية بدون أن يرد عليها؛ فالرد مطلوب،
ولكنْ بهدف التوضيح والإفهام، وأيضاً بهدف قطع الطريق على أي بلبلة قد تحدث
في أوساط المسلمين نتيجة للإلحاح على هذه التهم والانتقادات وطرحها من خلال
أوسع أجهزة الإعلام والتعليم ذيوعاً وتأثيراً. الرد مطلوب بلا شك ولكن لهذه
الأهداف وليس كما نلحظ الآن على الساحة الإسلامية لأهداف أخرى؛ وهذه
الأهداف الأخرى تشمل مجاراة الغربيين في تصوراتهم أو علمنة الإسلام والخروج
بنسخة منه تتماشى مع الفكر العلماني اللاديني، كما تشمل بث الدونية في نفوس
المسلمين وإشعارهم بأن الغرب متفوق عليهم دوماً في الفكر والنظر، وأن دورهم
الوحيد ينحصر في تحسين صورتهم أمامه والرد على انتقاداته وتعديل مناهجهم
وشرائعهم بل وعقيدتهم! حتى تتماشى مع ما يريد الغرب ويعجب به وهو القدوة
الأعلى للمسلمين كما يراد الآن. وهناك أهداف أخرى مغرضة لهذه العملية الفكرية
ومنها: استمرارية ترسخ التبعية للغرب بفكره العلماني أو الصليبي؛ بحيث يتصور
المسلم العادي أنه لا فكاك من الغرب، ولا مناص من الدخول معه في علاقة التبعية
الفكرية علاقة التلميذ الخائب بالأستاذ المعلم، وهناك الهدف الأهم والأكبر وهو
هدف تنحية الدعوة لعقيدة الإسلام وهو الواجب الإسلامي الأصيل؛ فالمسلمون يراد
لهم الآن من جانب (الردادين) أن ينشغلوا عن واجب الدعوة الإسلامية التي تتزايد
حاجة البشرية إليها بل وفي الغرب نفسه قبل غيره. وهم ينشغلون عن واجب
الدعوة الأصيل بلعبة فكرية لا معنى لها؛ فبدل عرض الإسلام على الغربيين فإذا
بالمسلمين في ظل لعبة (الردادين) يتحولون إلى أتباع أذلاء يعتذرون للسادة الغربيين
، ويردون على انتقاداتهم في ذلة مع التقبل الكامل لطروحاتهم. ويا ليت لعبة الرد
الفكري على الاتهامات والانتقادات تجدي بل إنها لا تجدي كما تدل على ذلك طبيعة
الاتهامات نفسها. فنحن الآن ما زلنا نرد على الاتهامات نفسها التي وُجهت للإسلام
في الغرب منذ قرنين أو يزيد، وحتى تهمة الإرهاب ليست جديدة كما قد يُظَن؛
فهي امتداد لنظرة الغرب القديمة إلى المسلمين باعتبارهم يهددون بلادهم! وعلى
الرغم من كل الردود التي تراكمت طيلة القرن على هذه الانتقادات فإنها ما زالت
تصدر وبالشكل نفسه والقوة ذاتها فما الذي تغير؟ لا شيء سوى حصر المسلمين
في هذا الاتجاه الضيق السلبي الذي يحمل كل مثالب التبعية؛ بل وأكثر من ذلك فإنه
يحمل خطر علمنة الإسلام وكبت الدعوة الإسلامية لتحل محلها لعبة عبثية ليس إلا.
стр. 2731
متابعات
تعقيب
على محاورة الأخ د. محمد عبد الله الشباني
بقلم: أ. د. يوسف القرضاوي
وصلنا تعقيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي على مقال: (وقفات متأنية
مع آراء فضيلة د. القرضاوي حول العلاقة مع أهل الكتاب) للدكتور محمد الشباني، وقد أسعدنا تواصل فضيلته مع المجلة، ويسرنا أن ننشر تعقيبه بتمامه، وإن كنا
نختلف معه في مسائل ذكرناها تعليقاً، ومع ذلك نرحب بكل نقد بناء جاد. وفّق الله
الجميع لما يحبه ويرضاه.
أطلعني بعض الإخوة الأفاضل على عدد من مجلة (البيان) التي تصدر في
لندن (العدد ١١٢ أبريل مايو ١٩٩٧م) وفيها حوار أو مناقشة لبعض ما لخصه أحد
الإخوة بمجلة (المجتمع) الكويتية من تعقيب لي على محاضرة الأستاذ الدكتور رجاء
جارودي، حينما دعي إلى جامعة قطر بالدوحة. وكان كاتب المقال هو الدكتور
محمد عبد الله الشباني، تحت عنوان: وقفات متأنية مع آراء فضيلة د. القرضاوي
في العلاقة مع أهل الكتاب.
وأنا شاكر للأخ الدكتور د. الشباني حسن أدبه في تناول الموضوع، وأقدِّر
له غيرته واجتهاده، وإن كنت أخالفه فيما انتهى إليه من آراء تخص موقفي.
التوحيد والأخلاق:
أولاً: أخذ عليّ الأخ الشباني قولي: إن رسالة الإسلام رسالة أخلاقية في
الدرجة الأولى، وكأنه فهم من هذه الجملة أني أعتبر (التوحيد) في الدرجة الثانية أو
الثالثة، وطفق يذكر الأدلة على أهمية التوحيد، كأني أنكر ذلك أو أجهله.
والحق أني أعتبر (التوحيد) كما يعتبره كل مسلم أساس الدين، بل أساس
الديانات السماوية كلها، ولكني أيضاً اعتبره من جملة الأخلاق؛ لأنه من (العدل)
الذي يعطي كل ذي حق حقه، ولا حق لأحد أن يعبد غير الله تعالى الرب الخالق
المعلم للإنسان. ولا غرو أَنِ اعتبر القرآن الشرك من (الظلم) بل هو ظلم عظيم،
كما جاء في القرآن على لسان لقمان؛ إذ قال لابنه وهو يعظه: -صلى الله عليه
وسلم-[يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣] .
وقد صحح الرسول الكريم ﷺ للصحابة فهمهم للآية
الكريمة من سورة الأنعام: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ
وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨٢] حين قالوا: وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ فقال:
ليس كما فهمتم، إنه الشرك. ألم تقرؤوا قول العبد الصالح: [إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ] [١] .
ونجد القرآن الكريم يعتبر الإيمان والشعائر العبادية وعمل الصالحات، وفعل
الخيرات والجهاد في سبيل الله ونحوها من جملة الأخلاق المحمودة، ويصف أهلها
من المؤمنين والأبرار والمتقين بصفات أخلاقية مثل (الصدق) وهو فضيلة أخلاقية
بلا ريب.
يقول تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] [الحجرات: ١٥] .
وقال : [لَيْسَ البِرَّ أََن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ
البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ
ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقََابِ وَأََقَامَ الصَّلاةَ
وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البََاًسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ
البَاًسِ أُوْلَئِكَ الَذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ] [البقرة: ١٧٧] .
ومن هنا أثنى الله على أولي العزم من الرسل فوصفم بصفات أخلاقية، كما
قال عن نوح: [إنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً] [الإسراء: ٣] .
وقال عن إبراهيم الخليل: [وَإبْرَاهِيمَ الَذِي وَفَّى] [النجم: ٣٧] .
وخاطب خاتم رسله محمداً بقوله: [وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: ٤] .
ولا غرو أن قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [٢] .
ولقد ذكر الإمام ابن القيم في (مدارج السالكين) ما نقله الكتاني عمن قبله أنهم
قالوا: التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في
التصوف [٣]
وعلق على ذلك ابن القيم بقوله: (بل الدين كله هو الخلق، فمن زاد عليك في
الخلق، فقد زاد عليك في الدين) [٤] .
وقد عرّف بعضهم التصوف فقال: هو الصدق مع الحق، والخُلُقُ مع الخَلْق.
ولا يخفى أن الصدق خلق أيضاً، فقد أصبح التصوف كله خلقاً. بل هذا هو
الدين كله: أن تكون مع الله بالصدق، ومع الناس بحسن الخُلُق.
أو أن تكون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مع الله بالتقوى، ومع الناس
بالإحسان، كما يشير إليه قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ مَعَ الَذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون] [النحل: ١٢٨] .
وفي ضوء هذه المفاهيم الإسلامية الصحيحة يجب أن يُفهم معنى قولي: إن
الإسلام رسالة أخلاقية في الدرجة الأولى، فأنا أُدخِل في هذا المفهوم: العقائد
والعبادات وعمل الصالحات والدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله. وقديماً قال
علماؤنا: لا مشاحّة في الاصطلاح.
معركتنا مع اليهود:
ثانياً: علق الأخ الشباني على قولي: إن معركتنا مع اليهود ليست من أجل
العقيدة، بل من أجل الأرض التي اغتصبوها، والحرمات التي انتهكوها، والدماء
التي سفكوها. وقال: إنها تحتمل معنى صحيحاً لا غبار عليه، وهو أن صراعنا
مع اليهود في هذه المرحلة من أجل أرض فلسطين. وإذا كان هذا المعنى الصحيح
محتملاً، فلماذا نفترض المعنى الآخر؟
والذي جعلني أقول هذا القول: أن اليهود يشيعون في أنحاء العالم أنهم جنس
مضطهد مجني عليه، مظلوم من الناس كافة، وأن اضطهاده إنما هو من أجل
عقيدته وعنصره، أي لأنهم يهود، ولأنهم ساميون. ولذا نراهم يتاجرون بمعاداة
السامية.
ونحن نريد أن نقول لهم: إننا لم نحاربكم من أجل عقيدتكم اليهودية، ولا
عنصريتكم السامية [٥] ، فنحن المسلمين نعتبركم أهل كتاب، حتى إن القرآن أباح
مؤاكلتكم ومصاهرتكم، ونحن العربَ ساميون مثلكم، فأنتم أبناء عمومتنا. وبذلك
نبطل الدعوى التي يتشدقون بها ويستدرّون بها عطف الأمم كافة عليهم.
على أني إذا قلت: إن المعركة من أجل الأرض التي بارك الله فيها للعالمين،
فهذا لا ينفي الطابع الديني عن المعركة؛ لأنها معركة (في سبيل الله) يقيناً، معركة
دفاع عن الحق والأرض والعرض والشرف والدين، وكل المقدسات. وكل معركة
يخوضها المسلم دفاعاً عن أرضه وحرماته هي معركة دينية؛ لأنها في سبيل الله لا
في سبيل الطاغوت، وقد قال تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ
كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ] [النساء: ٧٦] .
فكيف إذا كانت الأرض التي يدافع عنها المسلم تتميز بأنها أولى القبلتين،
وبها ثالث المسجدين المعظمين، وهي أرض الإسراء والمعراج، وأرض النبوات
والبركات، وأرض الرباط والجهاد؟ أجل، إنها معركة تحرير القدس وإنقاذ
الأقصى؟ !
ولا يُتصور من مثلي أن ينفي الطابع الديني عن المعركة بيننا وبين اليهود،
وأنا أنادي في كتبي وفي محاضراتي وفي فتاواي وخطبي منذ سنين طويلة بفرضية
الجهاد من أجل فلسطين، وضرورة (إسلامية) المعركة، وأننا لم نُهزم إلا أننا
دخلناها عرباً ولم ندخلها مسلمين.
ويمكن أن يراجع من يشاء كتبي: درس النكبة الثانية، الحلول المستوردة،
أولويات الحركة الإسلامية وغيرها، وكذلك فتاويّ حول الصلح مع إسرائيل، وعن
زيارة القدس والصلاة في الأقصى في ظل الاحتلال، والمشاركة في انتخابات
الكنيست، وردودي على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وغيرها، ليعرف منه
حقيقة موقفي من إسلامية المعركة مع الصهيونية الباغية المغتصبة.
هل هناك أصول مشتركة بيننا وبين أهل الكتاب؟
ثالثاً: أثار الأخ الشباني زوبعة حول ما نقل عني أني قلت معقباً على موقف
جارودي ما معناه: لا مانع من وقوف أتباع الديانات السماوية في خندق واحد، أي
في مواجهة الإلحاد والإباحية، وقد يختلفون في بعض الأمور، ولكن بينهم من
الأصول المشتركة ما يجمعهم ضد الذين ينادون بوحدانية الدولار، ووحدانية السوق، ويعتبرون أنه (لا إله إلا المادة) .
أنكر الأخ الكاتب هذا القول، وزعم أنه يناقض أصول الإسلام وحقائق
التوحيد.. وقال: ليس بيننا وبين اليهود والنصارى أي أصول مشتركة، فهم
مشركون كفرة، وقد حكم الله عليهم بالكفر.. إلخ
ولو كان ما قاله الكاتب صحيحاً، لم يكن هناك معنى ولا مبرر لأن يميزهم
الإسلام عن غيرهم من سائر الكفار، ويعتبرهم (أهل كتاب) وأهل دين سماوي
ويناديهم: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ] [آل عمران: ٦٤] وأن يقول القرآن فيهم: [وَطَعَامُ
الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ
مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ... ] [المائدة: ٥] فأباح مؤاكلتهم ومصاهرتهم،
والمصاهرة أحد الرابطين الأساسين بين البشر [وَهُوَ الَذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً
فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً] [الفرقان: ٥٤] .
فكيف أجاز للمسلم أن تكون شريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده من أهل
الكتاب؟ ومن لوازم ذلك: أن يكون أبو زوجته الكتابية وأمها جدين لأولاده،
وإخوانها أخوالهم، وأخواتها خالاتهم، ولهؤلاء جميعاً وأولادهم حقوق الأرحام
وذوي القربى؟
ولا ريب أنهم كفار؛ لأنهم لم يؤمنوا برسالة محمد ﷺ ،
ولكنهم غير (المشركين) أو (الذين أشركوا) [٦] فهم صنف آخر يذكر معطوفاً عليهم
في القرآن، والعطف يقتضي المغايرة، كما في قوله تعالى: [مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا
مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ] [البقرة: ١٠٥]
وقوله: [لَمْ يَكُنِ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حََتَّى تَاًتِيَهُمُ البَيِّنَةُ] [البينة: ١] ، [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَا] [البينة: ٦] ، [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى
وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ] [الحج: ١٧] .
فدلّت هذه الآيات الكريمة على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى غير
المشركين الذين ذكرهم القرآن، ويقصد بهم عباد الأوثان، كما كان عليه مشركو
العرب.
ولو لم يكن هناك أصول مشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب ما أجاز
للمسلمين أن يصاهروهم، ولحرم ذلك عليهم كما حرم مصاهرة المشركين، حيث
قال: [وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ
أَعْجَبَتْكُمْ] [البقرة: ٢٢١] .
والواقع أنه توجد أصول مشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب في الجملة [٧] ،
منها: الإيمان بالله، والإيمان بوجوب التعبد له، والإيمان بالنبوة والوحي،
والإيمان بالآخرة، والإيمان بالقيم الأخلاقية. ومن ثم يمكن أن يقف هؤلاء مع
المسلمين في خندق واحد، لمقاومة النزعات الإلحادية، ودعوات الانحلال والإباحية، والوقوف في وجه المظالم والاعتداءات البشرية.
وهذا ما جعل الأزهر ورابطة العالم الإسلامي والفاتيكان يقفون في صف واحد
في مؤتمر السكان الذي انعقد بالقاهرة في صيف سنة ١٩٩٤م ضد دعاة الإجهاض
والإباحية الجنسية.
وهو ما جعل الكثيرين يرحبون بالحوار الإسلامي المسيحي [٨] ، كما فعل
ذلك وفد رابطة العالم الإسلامي برئاسة أمينها العام الشيخ محمد علي الحركان،
وعدد من الأساتذة الكبار، حيث ذهبوا إلى الفاتيكان، وحاوروا كبار أساقفته،
ووصلوا إلى نتائج مهمة سجلوها في كتاب نشرته الرابطة.
وكذلك قام حوار في ليبيا شارك فيه عدد من الشيوخ والمفكرين المسلمين،
وقُدِّمت فيه بحوث من كلا الطرفين في أربعة موضوعات محددة، وانتهوا إلى
توصيات مشتركة، أعتقد أنها نافعة.
ولو كان أهل الكتاب كالمشركين الأقحاح سواء بسواء كما يقول الأخ المعقب
لما حزن المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ في مكة حين
انتصر الفرس وهم مجوس يعبدون النار ويقولون بإلهين اثنين على الروم، وهم
نصارى أهل كتاب، على عكس ما كان عليه المشركون من أهل مكة، الذين
فرحوا بانتصار الفرس على الروم، معتبرين أن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى
المسلمين من المجوس.
وقد نزل في ذلك قرآن يتلى يبشر المسلمين بأن هذه الغلبة للفرس لن تدوم،
وأن اتجاه الريح سيتغير لصالح الروم في بضع سنين، وقال تعالى: [الّم) (١)
غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ
لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] ٤ [بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ
وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] [الروم: ١ - ٥] .
إن القرآن الكريم أمرنا ألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وأن نركز
على القواسم المشتركة بيننا وبينهم، لا على نقاط التمايز والاختلاف، يقول تعالى: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا
بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]
[العنكبوت: ٤٦] .
وما أحوج الدعاة اليوم إلى هذا الأدب القرآني في عصر تقارب فيه العالم
حتى أصبح قرية كبرى كما قال بعض الأدباء، وأنا أقول: إنه أصبح قرية صغرى، نتيجة ثورة الاتصالات، ورسالة الدعاة اليوم يجب أن تركز على تبليغ دعوة
الإسلام إلى العالم بلغاته المختلفة عبر الإذاعات الموجهة، والأقمار الصناعية،
والرسائل المكتوبة، وترجمة معاني القرآن إلى الألسنة المختلفة، وهذا هو الجهاد
الأول اليوم، وهذا كله قد أخفق فيه المسلمون إخفاقاً بيناً، ولكنهم نجحوا في
استفزاز الآخرين وإيغار صدورهم، وتخويفهم من ظهور الإسلام، الذي لن يعاملهم
إلا بسل السيف على رقاب الجميع، وإعلان الحرب على البشرية كلها [٩] .
أسأل الله أن يرزقنا فقه الدعوة، وفقه الفتوى، حتى نفرق بين الثوابت
والمتغيرات، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال وغيرها،
فالدعوة وأساليبها أوْلى بالتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 2732
منتدى القراء
تأمل في مقولة لابن تيمية
بقلم: أم طلحة بنت عبد الغفور
(جنتي في صدري.. إن رحت فهي معي لا تفارقني: إن حبسي خلوة..
وقتلي شهادة.. وإخراجي من بلدي سياحة) .
هذا ما قاله ابن تيمية في أصعب لحظات حياته عندما دخل سجن القلعة حيث
توفي هناك.. موقف عصبي ومشهد تتحرك فيه المشاعر.. يضيق الصدر وتبدأ
نجمة الأمل بالأفول.. ويصبح الطائر المغرد مكسور الجناح غضيض الطرف،
يشدو بصوته الحزين.. وابن تيمية ينظر إليها وكأنها سياحة.. وخلوة.. بمعنى
راحة نفسية.. أنعم بها من مقولة.. هذا هو موقف المسلم: صلب شديد.. قوي
أريب.. متأمل في سيرة الأنبياء والسلف الصالح.. ليجد النماذج الحية في الصبر
والتسلي عن المصائب.. تتوالى النكبات تلو النكبات والمصائب تلو المصائب..
وكأنه لم يحدث شيء ... يرسم ابتسامة رضى على شفتيه.
هذا هو منهج الأنبياء ومنهج السلف.. محمد ﵇ ربى أصحابه على
ذلك؛ نراه وقد خرج من الطائف إلى مكة وقلّ الناصر والمعين.. لا أهل ولا
عشيرة ولا أقربين.. تغير وجه الأرض، وتنكر له العالم.. عندما قال: لا لعل الله
يخرج من أصلابهم من يعبده.. وموسى وعيسى ويوسف وأيوب وإبراهيم عليهم
الصلاة والسلام.. تعامل فذ وحنكة في التصرف.. جعلهم جباهاً شامخة صامدة
تواجه كل الصعاب.. إن تخطي المصائب الدنيوية يورث قوة إرادية وعزيمة
وحنكة.. ولذة في العبادة.. فالمرء بحاجة إلى تفكير بعين الفاحص المتأمل حتى
يحيا مع الله دون عوائق ومشاق.
стр. 2733
منتدى القراء
هل من أولي بقية ؟ !
بقلم: عماد الدين سعد العسقلاني
يقول الله تعالى: [فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ
الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ] [هود: ١١٦] .
كلمات قليلة العدد عظيمة المعنى قد نمر عليها مر الكرام فلا تلفت لنا نظراً
ولا تحرك لنا فكراً، وفي هذه الكلمات لا أريد شرح الآية ولكن لفت النظر إلى قوله
تعالى: [أُوْلُوا بَقِيَّةٍ] فما أهمية تلك الكلمات؟ !
في هذه الآية ينبئنا الله عن سبب رئيس من أسباب هلاك القرون والأمم من
قبلنا، ولكن نلاحظ أنه سبحانه لم يقل إن هلاكهم بسبب فسادهم وإن كان سبباً ولكن
ركز على جانب آخر وصفة أخرى، عدمها فيهم أدى إلى عدمهم، وفناؤها فيهم
أدى إلى فنائهم.
ما هذه الصفة؟ وما هذا الجانب؟
إنها عدم وجود فئة تنهى عن الفساد في الأرض.
ليس المطلوب أن تكون الأمة بأكملها أمة قائمة بأوامر الله دون نقص،
فالنقص من صفات البشر الملازمة لهم، وليس المطلوب أيضاً أن تكون من الأمة
فئة صالحة تتعبد لله وتقدسه سبحانه بغض النظر عما يفعله الآخرون.
لا.. ليس هذا المطلوب لتنجو الأمة من عذاب شامل يصيب الصالح والطالح، وإنما كل ما هو مطلوب للنجاة أن تبقى فئة تنهى عن الفساد، تأمر بالمعروف
عندما ينكره الناس، وتنهى عن المنكر عندما يتعارف عليه الناس، تدعو أمتها
وقومها إلى طاعة ملك الملوك، رب الأرباب، الذي خلقهم فعصوه، وأنعم عليهم
فكفروه، وأمهلهم فنسوه، تدعو قومها ولسان حالها يقول: [وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ
إلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ] (غافر: ٤١) .
نعم لأن الأمة لن تسمح لهذه الفئة الباقية على أمر الله أن تأمر وتنهى وتدعو
للنجاة، بل ستعتبرها فئة مزعجة تنغص عليها حياتها ومتعتها وما تعارفت عليه
الأمة من فساد.
стр. 2734
منتدى القراء
صبراً يا دعاة.. إن نصر الله قريب
بقلم: حسين إدريس حامد
عن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله فقلنا:
يا رسول الله، ألا تستنصر لنا ربك؟ قال: فجلس وكان متكئاً على برد له في ظل الكعبة، وقال: (كان ممن قبلكم يؤتى بالرجل، فيحفر له ويدفن إلى قامته، ويشق بمنشار الحديد فلقتين، ويمشط ما بين لحمه وعظمه وعصبه بأمشاط الحديد، ولا يثنيه ذلك عن دينه شيئاً، والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) [١] .
لنا في رسول الله أسوة حسنة؛ فهو الصابر المثابر المستهين بعنت المشركين، يمشي في بطحاء مكة واثقاً بأن الإسلام دين الله الذي ارتضاه لعباده وأنه سينتشر
ويعم أرجاء المعمورة رضي الناس أم سخطوا. لم يأبه النبي -صلى الله عليه
وسلم- بقسوة قريش وأذاها، واستمر في دعوته مبيناً أنه رسول رب العالمين،
ورسالته للناس أجمعين، وانطلقت الدعوة إلى الله تشق طريقها رغم الصعاب
والعقابيل التي يضعها المشركون ليحولوا بين الناس وبين نور الهدى، [وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] .
أيها الدعاة: إن رسالة الإسلام لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، ومن
يعترضها فإنما يعترض قضاء الله وقدره، وقد تكفل المولى من فوق
سبع سماوات بحمايتها وكتب على نفسه نصر عباده الصالحين، وجعلهم المستخلفين
في الأرض [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ
الصَّالِحُونَ] [الأنبياء: ١٠٥] .
стр. 2735
منتدى القراء
الغضب
بقلم: أحمد بن سعد الصاعدي
إن الغضب شعلة من نار تلظى تطلع على الأفئدة تحرق الوقار والسكينة
وحسن السمت. فهو جدير بهدم البناء الخلقي؛ لأنه مدعاة إلى المقت والخذلان
وصفة ذميمة تعافها النفوس، وتشمئز منها القلوب، وتُمَزِّق التعاون والتآلف،
وتنحدر بصاحبها إلى الهاوية؛ لأن الغضب طبع ذميم يشوبه الكبر والغطرسة
والعجب والغرور؛ فما إن يتمكن في القلب حتى يجعله كالرميم؛ لأنه محرق للفؤاد، ومشتتٌ للذهن، ومنغصٌ للحياة، ومدمرٌ للأسر، وقاطع للأرحام، ومفرق
للجماعات، ومزهق للأرواح، ومظهر للأفعال بدون ترتيب ونظام وتفكير وبناء
للألفاظ؛ فهو جالبٌ للخصوم، ومضيع للحقوق، وساكبٌ للأحقاد في قلوب العباد.
فحري بكل مسلم ومسلمة أن يكون بعيداً عن أسبابه؛ لكي ينجو من الانحطاط
الخلقي الذي يمارسه الغاضب من سوء في المقال، وخبث في الأفعال بدون تمعنٍ
في عاقبة الخذلان. وما هذا كله إلا لأن الغاضب لنفسه يقدم العاطفة على العقل في
أقواله وأفعاله؛ فهو يتصرف بعاطفته لا بعقله، ولو علم حقيقة ما يغضب من أجله
لعد نفسه من المجانين؛ لأنه بعيد عن واقع ما يغضب من أجله.
والمتأمل في كثير ممن يمارسون سرعة الغضب وانفعاله لديهم يرى أنهم
يندمون على فعلهم في حال غضبهم، فهم في تعاسة في حال فعلهم، وحسرة على
ما صدر منهم بعد زوال الغضب. فهم في شقاق وشقاء وظلام؛ لأنهم يفعلون ما لا
يريدون، ويبغضون ما يصنعون، ويطلبون السلامة بما لا يقدرون إلا بتوفيق الحي
القيوم.